######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimRamzi.BabQamar.Hindawi80968603 #META# Tags: novels #META# ID: 80968603 #META# Title: باب القمر #META# AuthorID: 27535259 #META# Author: إبراهيم رمزي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمات السادة العلماء‏ # إهداء‏ # 1 - قافلة مكة‏ # 2 - أحداث الشام‏ # 3 - ورقة بن صليح‏ # 4 - الشملالة‏ # 5 - القرضاب‏ # 6 - الشمطاء‏ # 7 - حراس الباب‏ # 8 - ابن العفيفة‏ # 9 - الأمين‏ # 10 - الحارث بن كلدة الثقفي‏ # 11 - مصيف خالد بن الوليد‏ # 12 - نعاء! نعاء‏ # 13 - أم قتال‏ # 14 - فتنة‏ # 15 - في دار ابن الأرقم1‏ # 16 - دار طويف‏ # 17 - فراق الدار‏ # 18 - من أجل عين‏ # 19 - سجية ابن جدعان‏ # 20 - أراقم الثنية‏ # 21 - في كنف الأسقف‏ # 22 - وداع الأحباب‏ # 23 - يمين النضر‏ # 24 - عند الصيدلاني الفيلسوف‏ # 25 - لم الأطراف‏ # 26 - الصحيفة‏ # 27 - الهجرة إلى الحبشة‏ # 28 - خمار ونقاب‏ # 29 - في يثرب1‏ # 30 - يوم بعاث‏ # 31 - الأمير الجريح‏ # 32 - حديث الغار‏ # 33 - إلى أثريب‏ # 34 - في الإسكندرية‏ # 35 - بطرس البحريني‏ # 36 - حارس الأمير‏ # 37 - هرميون ولمياء‏ # 38 - ترهب القلب‏ # 39 - تدبير الله‏ # 40 - المؤامرة‏ # 41 - تفسير الشرط‏ # 42 - غرام مفاجئ‏ # 43 - القديس الأناني‏ # 44 - على هامش الحوادث‏ # 45 - شفاعة الحب‏ # 46 - نقض الصحيفة‏ # 47 - باب القمر‏ # 48 - اجتماع الشمل‏ # كلمات السادة العلماء‏ # إهداء‏ # 1 - قافلة مكة‏ # 2 - أحداث الشام‏ # 3 - ورقة بن صليح‏ # 4 - الشملالة‏ # 5 - القرضاب‏ # 6 - الشمطاء‏ # 7 - حراس الباب‏ # 8 - ابن العفيفة‏ # 9 - الأمين‏ # 10 - الحارث بن كلدة الثقفي‏ # 11 - مصيف خالد بن الوليد‏ # 12 - نعاء! نعاء‏ # 13 - أم قتال‏ # 14 - فتنة‏ # 15 - في دار ابن الأرقم1‏ # 16 - دار طويف‏ # 17 - فراق الدار‏ # 18 - من أجل عين‏ # 19 - سجية ابن جدعان‏ # 20 - أراقم الثنية‏ # 21 - في كنف الأسقف‏ # 22 - وداع الأحباب‏ # 23 - يمين النضر‏ # 24 - عند الصيدلاني الفيلسوف‏ # 25 - لم الأطراف‏ # 26 - الصحيفة‏ # 27 - الهجرة إلى الحبشة‏ # 28 - خمار ونقاب‏ # 29 - في يثرب1‏ # 30 - يوم بعاث‏ # 31 - الأمير الجريح‏ # 32 - حديث الغار‏ # 33 - إلى أثريب‏ # 34 - في الإسكندرية‏ # 35 - بطرس البحريني‏ # 36 - حارس الأمير‏ # 37 - هرميون ولمياء‏ # 38 - ترهب القلب‏ # 39 - تدبير الله‏ # 40 - المؤامرة‏ # 41 - تفسير الشرط‏ # 42 - غرام مفاجئ‏ # 43 - القديس الأناني‏ # 44 - على هامش الحوادث‏ # 45 - شفاعة الحب‏ # 46 ms001 - نقض الصحيفة‏ # 47 - باب القمر‏ # 48 - اجتماع الشمل‏ # | باب القمر # | باب القمر # تأليف # إبراهيم رمزي # | مقدمة # بقلم إبراهيم رمزي # مصر الجديدة في 15 مارس سنة 1936 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله خاتم الرسل وسيد الخلق ~~أجمعين، وعلى آله وصحابته والتابعين. # أما بعد، فهذه الرواية هي الحلقة الأولى من سلسلة قصص استخرت الله في وضعه على معالم ~~التاريخ الإسلامي، لا سيما فيما له علاقة بمصر؛ تحقيقا لأمنية تمناها أستاذنا إمام ~~المصلحين المرحوم الشيخ محمد عبده في بعض ما سمعته من حديثه في الخرطوم سنة 1905، وإجابة ~~لتكليف من إمام الوطنيين أستاذي وصديقي المرحوم الشيخ عبد العزيز شاويش يوم كنت أعمل تحت ~~رياسته في تحرير جريدة اللواء في سنة 1909، ثم تقاضانيه أيام جمعنا الفلك الدوار مرة ~~أخرى بوزارة المعارف سنة 25، حين كنت أعمل تحت رياسته كذلك في التفتيش على مدارس المعلمين ~~الأولية. # فإن أكن قد تأخرت كثيرا فالعمل العظيم يحتاج إلى توفر، والرأي لا ينضج في زمن قليل، ~~وقد يكون للكاتب من حالة الناس ما يقعده عن العمل إذا نشط له، ويصرفه عن المضي في الطريق ~~اضطرارا، بيد أني قد عجلت من المقصد بشيء منذ سنة 1913 فيما وضعت للتمثيل العربي من روايات ~~تاريخية من قبيل ما عني # 1 # ولكن ذيوع الروايات التمثيلية في يد الممثل لا في يدي، وعرضها معلق على إرادته ~~لا إرادتي، وإحسان أدائها مرتبط بكفايته لا كفايتي، وانتشارها بين الناس تبع لحالة الزمن ~~معه لا معي، كما أن أكلها مقصور على المدن في مصر وبعض البلاد العربية القريبة منا، حين ~~أريد أن أدنيه من كل عين وكل يد وكل قلب في مصر وبلاد العربية وأصقاع الإسلام، شرقا وغربا ~~وجنوبا وشمالا، وأبلغه إلى إخواني في الإسلام الذين يتاخمون غير إخوانهم في البلاد ~~النائية من آسيا وجزائرها، وإلى أرومة المجد والفضل المنتشرة فيما بين جدار الصين وأطراف ~~نهر الطونة # 2 # أولئك الذين نصروا الإسلام فنصرهم، وأعزوه فأعزهم، والذين سيجد القراء ما ms002 طالت ~~الحياة حلقات من هذه السلسلة خاصة بفضلهم؛ فلقد كان منهم علماؤه الأعلام الذين ستبقى ~~مؤلفاتهم - ما بقي الدهر - أصفى مورد، وأصدق معلم لطلاب حكمة الدين والحديث والتفسير ~~والشريعة والأدب واللغة والتاريخ وفنون العلم والعرفان طرا، والذين كان منهم الرجال ~~العظام الذين وقف منهم الملوك والأمراء والجنود يذودون عن حياض الإسلام ذود الأسود، ويكتبون ~~بأعمالهم المجيدة صفحات من أخلد صفحات التاريخ الإسلامي، والذين جعلوا للإسلام من حبهم ~~للفنون فنونا خاصة به في العمارة والموسيقى والزخرفة وزينة الحياة في المدن والمنازل؛ ~~إدراكا لمعنى نعمة الإسلام، وتحقيقا لمشيئة الله في قوله (تعالى): # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات ~~من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ~~يوم القيامة ~~. # وسيكون محور غالب القصص تاريخ الإسلام فيما له علاقة بمصر، وإذا قلنا مصر فقد قلنا بلاد ~~العرب والشام والعراقين وبرقة وإفريقية، وما يتصل بها شرقا وغربا؛ إذ إن جوهر الذين كانت ~~لهم يد في صياغة أحوال الدنيا في وادي النيل منذ الفتح العمري رجال من أهل تلك الأقطار، ~~فالإلمام بهم يتطلب حتما الإلمام بتاريخ هؤلاء العظام، والتوغل في بيئاتهم بما لا يقصر ~~القول على مصر. بيد أن مصر كانت في جميع من الأزمان ذات اتصال وثيق بهذه الأصقاع؛ إما ~~تابعة كما كانت في عهد الراشدين والأمويين والعباسيين الأول والعثمانيين، أو متبوعة كما ~~كانت في عهد الفاطميين والأيوبيين وسلاطين المماليك البحرية والبرية، أو تابعة اسما ~~ومتبوعة فعلا كما كان حالها أيام الطولونيين والإخشيديين والأسرة المحمدية العلوية ~~القائمة. # وهل يملك كاتب مهمته ما ذكرت أن يتجاهل منابت من كان سكان السفينة وقلم التاريخ في يدهم، ~~ويهمل مصادرهم وعلاقاتهم بالخلافة والخلافة نفسها، أو يقتصر من أمرهم على أعمالهم في مصر ~~حين أن أمجد صفحاتهم إنما خطوه بسيوفهم في غير أرض مصر؛ كصلاح الدين، وبيبرس، ومحمد علي ~~مثلا! # على أن أروع حوادث التاريخ الإسلامي، وأمجد وثائقه، وأملأها بالعبرة، وأصرحها في القول ~~المنذر، إنما كان يوم حملت مصر أمانة الإسلام في القرون الوسطى دون ms003 سائر إخوانها من العوالم ~~الإسلامية، ذلك يوم اجتمعت أوربة على حرب الإسلام لإبادته وإبادة العربية معه، فجاهدت مصر ~~واستبسلت حتى أنقذت الإسلام للدنيا والعربية لأوطانها، ولن يمر كاتب بهذه الأحداث العظيمة ~~حيث تصادم الشرق والغرب، أو بالأحرى حيث أخذ الغرب يعلننا بإرادة السوء التي لم تزايله حتى ~~يومنا هذا # 3 # ولا يعيرها إلا اهتماما قليلا، ويتجاوز ما كان لمصر فيها إلى توافه الأمور، ~~حين نقصد بدراسة التاريخ على أية صورة، وبأن نكتب قصصا محوره حوادث التاريخ الإسلامي، أن ~~ندل فيما ندل على هذه الإرادة السيئة القديمة العهد، والتي كان من أثرها في حاضرنا ما نرى؛ ~~ابتغاء التنبيه والتذكير والإهابة بالجنسية العربية خاصة والإسلامية عامة أن كفى ما أنتم ~~فيه، فانهضوا واعملوا، واحموا أنفسكم من عوامل الإفناء التي أخذتكم من كل جانب. # أبدأ سلسلة القصص فيما يختص بمصر برواية: «باب القمر» هذه، وإنما سميتها كذلك؛ لأنه اسم ~~الباب الغربي من سور مدينة الإسكندرية الذي دخل منه السلار شاهين قائد الفرس لما جاء لفتح ~~مصر (616-618م) على أثر فتحه الشام والقدس (616م)، فتم بذلك نصر كسرى أبرويز على هرقل في ~~أدنى الأرض، قبل أن تحق عليهم كلمة الله فيعود الروم ويجلوهم عن الديار في بضع سنين. # ليس هذا فيما يلوح لبعض القراء لأول وهلة في شيء من تاريخ الإسلام بمصر؛ إذ الإسلام إنما ~~جاءها بمجيء الأمير عمرو بن العاص لفتحها في خلافة الفاروق عمر - رضي الله عنهما - أي بعد ~~ذلك الفتح الفارسي بثلاث وعشرين سنة، ولكن الواقع غير ذلك؛ فإن الحرب التي جرت بين الروم ~~والفرس هي التي مهدت لانتشار الإسلام، والخلافات المذهبية والجنسية هي التي أيقظت النفوس ~~إلى حاجة الدنيا إلى إصلاح العقول والقلوب، وتنظيم الحياة على شرعة الحق العقلي، والخلاص من ~~تلك الأوزار، وهي التي أظهرت فضل الإسلام، ونبهت العرب إلى حق إخوانهم عليهم، وحفزتهم إلى ~~فتح العراق والشام ومصر وما وراءها؛ لإنقاذ الوطن العربي وجيرته برا بالجار، وما يملك ~~كاتب له نظرية في ذلك مؤيدة بتلك المظاهر أن يمر ms004 بهذا العهد الخصب كأنه ماحل قاحل، وهو هو ~~العهد لا عهد سواه؛ لإمكان إظهار السر العظيم في نشأة الإسلام، وذيوعه هذا الذيوع السريع، ~~وفي استقراره في مصر إلى الأبد، وانتشاره منها إلى ما وراءها، وإذا عرضت الأسباب في موسمها ~~فمن الخطل أن يتركها الكاتب على أن يتحدث عنها بالرواية بعد انتهاء موسمها بسنين. # وإذ كانت مهمتنا تاريخ الإسلام، وكانت فترة الحرب بين الفرس والروم هي الفترة التي بعث ~~فيها النبي المصطفى # صلى الله عليه وسلم # وأجاب فيها دعوته أولئك الرجال الذين خطوا بسيوفهم وأقلامهم ~~تاريخ الدنيا بعد ذلك، فمن الخطل أكثر من ذلك أن يمر بها الكاتب دون أن يلم بمعالم ~~الحال في بلاد العرب برمتها، وما كانت عليه من العقائد والمذاهب والنظم، ويذكر جوهر الدعوة ~~وحوافزها، ويعرض تاريخ صاحبها - صلوات الله وتسليماته عليه - ويتأمل بيئته وأثرها فيما فكر ~~وفيما صنع وفيما جهر، ويعرض الأمر كله في نور العلم الحديث؛ ليتيسر فهمه عند أهل هذا الزمان ~~الذين جعل العلم لعقولهم كرامة، فهم لا يمكن أن يفهموا الشيء ويصدقوه إلا إذا كان منطبقا ~~على قواعد المنطق ونظريات علم الاجتماع؛ ولذلك يطلبون إلى الكاتب، لكي يقتنعوا، أن يجيب ~~الناس بالتعبير الحديث الخالص من روح التشيع: ما بلاد العرب؟ ما البيئة التي وجد فيها صاحب ~~الدعوة؟ ما هي الدعوة ذاتها؟ هل كانت ضرورية لبلاد العرب وللدنيا؟ أهي دينية تعبدية فحسب ~~كسائر الأديان جوهرها صلوا وصوموا وكونوا أخيارا، أم إن الصلاة والصيام مما بني عليه ~~الإسلام لا الإسلام نفسه، وأن للإسلام غرضا أعم ومقصدا اجتماعيا عالميا حفز العرب إلى ~~المجاهدة في سبيله بالقلب واللسان واليد؟ # هذا ما عنيت به، ومن ثم فالرواية من حيث موضوعها القائم بالنسبة إلى مصر جوهرية في تاريخ ~~مصر الإسلامي، وجوهرية في تاريخ الإسلام؛ ولذلك اقتصرت في الحقيقة على حوادث الإسلام التي ~~دعت إلى تيقظ الحنيفية في مكة وظهور الإسلام في بلاد العرب، ولم تتعرض لما بعد ذلك من تاريخ ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~؛ لأنه تاريخ تطبيق دعوته في ms005 يثرب في أيامه، وليس هذا موضوعي الآن، واقتصرت ~~على عرض الأسباب التي دعت - فيما بعد - إلى تهافت الناس على الإسلام في مصر لما جاء به ~~الأمير عمرو بن العاص، وهي بالذات أسباب تهافت غير المصريين عليه في غير مصر من بلاد ~~الفتوح. ~~••• # ولعله يجمل بنا أن نعجل هنا بمعرض تاريخي وتوطئة لما نحن في صدده لبيان الرأي الذي اتجهت ~~الرواية إلى تقريره. # الوثنية والمجوسية والفتيشية والصابئة والبوذية والبرهمية والمزدكية واليهودية والتثليث ~~والتربيع ... وغيرها، هي الأديان التي كان عليها العرب في أنحاء الجزيرة العربية في أيام ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وكانت سببا في الفرقة بينهم والعداوة، وكانت دعوة الرسول توحيد العبادة ~~بتوحيد المعبود: توحيد الله (تعالى) الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فاطر السموات والأرض ~~الواحد الأحد القيوم الذي إليه الرجعى وإليه النشور، فصارت بلاد العرب تدين بوحدانية الله، ~~والعرب كانوا في جزيرة العرب ملكا للفرس في اليمن، وأحرارا جمهوريين في مكة ويثرب، وكانت ~~دعوة الرسول متجهة إلى توحيد الوطن تحت لواء واحد هو لواء العربية الموحدة، فصارت بلاد ~~العرب كما أراد لها # صلى الله عليه وسلم ~~. # وكان العرب في العراق والشام ومصر عبيدا للفرس والروم، وكانت دعوة الرسول إلى الوطنيين ~~بعدما خلت أم الجزيرة من الشرك ومن نير الأجنبي، أن جاهدوا وحرروا إخوانكم في هذه البلاد ~~النائية، ووحدوا كيان الجنس العربي حيث يكون؛ فأصبحت بلاد الجنس العربي حرة على يد صاحبيه ~~أبي بكر وعمر في عشر سنين. # وكانت الدنيا فيما وراء ذلك شقية بحكامها، مرزوءة بنظمها ومعتقداتها، لا حق للشعوب في شيء ~~من الحرية الصحيحة؛ إذ كان خيرها مقصورا على الحكام الزمنيين والدينيين في الأمة، وخير ~~الأمة مقصورا عليها، أما جيرانها فأشقياء بأنفسهم وبجيرتهم، فدعا الرسول إلى التوحيد كذلك ~~في الإنسانية. دعا إلى الإخاء العام والحرية العامة، ورفع الاضطهاد من الجنس للجنس المخالف، ~~وإلى التسوية بين الناس ما داموا على شرعة واحدة، ومن ثم دخلت الأمم في دين الله دين ~~الفطرة الشاعرة بوحدانية الله، الراغبة في العيش والسلام ms006 والإخاء العام: دين الإسلام البار ~~والعربية الداعية، وصاروا في الحقوق مع العرب سواء؛ لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، ~~وتاريخ فارس وتركستان وإفريقية أظهر دليل على ذلك وأقواه، ومن ثم نرى اليوم بين مسلم الشرق ~~ومسلم الغرب صلة نفسية قوية أسقطت فروق الجنس إسقاطا تاما، وتيسر بفضل الإسلام ما عجز ~~عن تحقيقه علماء الاشتراكية ودعاة الإنسانية وحكومات أوربة بالرغم من عصبها ومواثيقها ~~ومعاهداتها. # هذا هو مقصد دين الإسلام الذي دعا إليه محمد خير خلق الله، وهذا ما تحقق فكان العالم ~~صعيدا واحدا، وكانت الدولة قوية في مجموعها، لم يستطع أن يفتئت عليها أحد أو يلحق بها ~~أذى، فلما استنام المسلمون إلى الدهر، وغفلوا عن سر عظمتهم، وحقيقة هذا الدين، وما كان لهم ~~فيه من عصمة - كان ما هو حاصل من تفتتهم ووشك ذهاب ريحهم، ثم رأوا أوربة في منعة فالتفوا ~~يبحثون عن سر ذلك ويلتمسون الدواء والنجاء، والدواء في يدهم والنجاء قريب لو درسوا مبادئ ~~الإسلام، ولكنهم لم يفعلوا، بل فتنوا بمبادئ أوربة العنيدة التي لم يشأ لها سادتها أن تعتنق ~~الإسلام احتفاظا بما كان في أيديهم من القوة والسلطان، حتى إذا لقيت شعوبها ما لقي من ~~قبلهم، وأخذت تلتمس المخرج من الشرور التي تكتنفها، لم يخرجها مما كانت فيه إلا نور انبعث ~~إليها من الإسلام في الأندلس، ومن الإسلام في الحروب الصليبية، وأخذ كتابهم يدلون بآراء ~~هي نضح آراء الإسلام؛ كالاشتراكيين إذ ينادون بضرورة نشر مبادئ الإنسانية التي هي - كما مر ~~بك - من قواعد الإسلام ومن أجلها جاهد العرب؛ إذ قال دينهم # إنما المؤمنون إخوة ~~، وقال ~~نبيهم: «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى»، وكالاجتماعيين الذين يقولون بالديمقراطية ~~وهي من قواعد الإسلام التي أعلنها الرسول؛ إذ جعل للموالي من الحقوق وفرص الحياة ما للسادة، ~~فكان منهم القضاة والحكام والولاة. # والراشونالست الذين لا يرون أن يكون للدين أكليروس وكهنوت يحرمون ويمنعون، ولا للدنيا أن ~~يكون الملك فيها على غير إرادة الجمهور، وهو شرعة الحكم في الإسلام، وكالأطباء الذين يرون ms007 ~~ضرورة إجراء تمرينات رياضية كل صباح، والنظافة طول النهار، والصوم في بعض الأيام، وهذه من ~~قواعد الإسلام، وكالكماليين الذين يرون أن يعمر القلب في ليله ونهاره بالتقوى وحب الخير، ~~وهو ما قرره الإسلام في جعل الصلاة مع أقسام اليوم، وكالقانونيين الذين يرون ألا يكون ~~الزواج رباطا من حديد يقضي على الزوج والزوجة أن يظلا عليه ولو انتفت مصلحتهما منه وترتبت ~~عليه شرور، وذلك ما راعاه الإسلام، وكالاجتماعيين - ثانيا - الذين يرون من حق الحكومة أن ~~تأخذ من فيض الله على الأغنياء قسطا معلوما تصلح به حال من قعد بهم الفقر والمرض أو العجز ~~والشرور الطارئة؛ حتى لا تثور النفوس المحرومة وتعبث بالسلام والحياة الاجتماعية كما يحصل ~~في أوربة وغير أوربة من الأمم، ومطلوبهما هذا من قواعد الإسلام حين قرر الزكاة، وحين جعل ~~الإحسان إلى الناس من كفارة الذنوب والتقصير في أداء الفروض الدينية. # أقول كل هذا من شرائع الإسلام ومبادئه الأساسية، أهملناها فأهملتنا الدنيا، ثم لما تنبهنا ~~على روعة مما نرى لأوربة من المنعة والعز والسلطان عكفنا ندرس أبحاثهم وفلسفتهم وخطبهم ~~ومواثيقهم بعضهم مع بعض، ففتنا بما يكتبون وما يقولون، وفتن المتطرفون بإلحادهم ولا ~~دينيتهم، وخير ما وصلوا إليه حاضر بين أيدينا في ديننا ونظمنا وتاريخنا، وفي أن الإسلام دين ~~الفطرة الذي لا يخجل عقل من اعتناقه، دين التوحيد الذي بني عليه الكون، فهو لا يغري بإلحاد ~~ولا لادينية كما يغري سواه، إنما يكون الإلحاد فيما لا يقول بذلك، دين الديموقراطية التي ~~كانت تشتاقها النفوس منذ عرفت الاجتماع، دين الإنسانية والمحبة والإخاء والمساواة، وهو أقصى ~~ما وصلت إليه العقول. هو في شرعنا من أربعة عشر قرنا حين أنهم ما عرفوه إلا منذ عهد قريب ~~جدا، ولا تزال حناجر بعض الأمم تطالب به حكامها وتثور من أجله، ومع ذلك لا يظفرون ~~بشيء. ~~••• # أشد عناصر الوطنية اتحاد الجنس واللغة والبيئة ثم الدين، وهذا ما اجتمع لنا نحن العرب ~~مهما ترامت بلادنا، على أنه ترام لا يفصله فاصل؛ فوطننا العربي كتلة واحدة في ناحية ms008 من أرض ~~الله، يشمل كل البقاع التي يشغلها العرب ويكون لهذا دولة واحدة، ولا افتئات منا في هذا؛ ~~فإنه إذا جاز لبعض الأمم الأوربية أن تضم تحت جناحيها أجناسا وشعوبا وبلادا لا تتصل بها ~~بأقل لحمة فمن حقنا من باب أولى أن نوحد وطننا العربي ونصونه، ونحج إلى كعبته شبانا ~~وشيبا؛ لنتزود لحياتنا من مهد الإسلام والعربية، وإذا قلنا وطننا فهو وطن جنسنا كله؛ أي: ~~جميع الجزيرة العربية التي جئنا منها: الحجاز ونجد واليمن وحضرموت وعمان والبحرين والعراق ~~والشام وفلسطين ومصر، وجيرتها التي عمرناها قبل الإسلام وبعده، وهي طرابلس وتونس والجزائر ~~ومراكش والسودان والصحراء الكبرى وأواسط أفريقيا والجزر المتصلة بها، هذه بلاد العرب من قبل ~~أن يبعث النبي # صلى الله عليه وسلم # ثم ملأها العرب من بعده بالنازحين إليهما من بلاد العرب الأم على ~~مدى ثلاثة العشرة من القرون. جنسنا فيها واحد هو جنس العرب، ولغتنا فيها واحدة هي العربية، ~~ومجتمعنا فيها واحد؛ إذ حياتنا الاجتماعية في كل صقع منها مثيلة بها في كل صقع عربي آخر، ~~ودين الغالبية، التي لا تعد الأقلية في جوارها شيئا كبيرا، هو الدين العربي، على أن هذه ~~الأقلية عربية قديمة الأرومة، ولن يخرجها من حظيرة الوطنية العامة كونها بقيت على غير ~~الإسلام، ولكن هذه الأوطان قد عبثت بها أطماع أوربة الاستعمارية وفكت من أوصالها. # وفي اعتقادي أن جهودنا في سبيل الحياة والاستقلال يجب أن تكون موجهة إلى توحيد الوطن ~~العربي الذي حددته؛ سواء كنا تابعين في هذا أو متبوعين، ما دام يعصمنا الإسلام من الزلل. ~~ولذلك يجب أن نحيي الخلافة في صورة عصبة متحالفة لأقطار العرب وسائر المسلمين؛ لنحيي المبدأ ~~الذي قامت عليه دولة الإسلام في وجه الدنيا المغيرة منيعة خيرة؛ ليكون من قوينا لضعيفنا ~~صون، ومن عالمنا لجاهلنا نور، ومن غنينا لفقيرنا ثروة وتمكين، ولنا من وسائل ضمانة حسن ~~العمل والتوازن ما عرفنا العلم والتاريخ والنظم القائمة. # هذا ما يجب علينا عمله والدعوة إليه بكل وسيلة إذا كنا راغبين حقا في الحياة على ms009 صورة ~~صحيحة مسعدة، أو كنا متألمين حقا لما أصابنا من الوهن والاتضاع، يجب أن نحيي وطننا العربي ~~وديننا العربي، ونجري على ما أمر به رسول الله سيد العرب وسيد الخلق معا؛ لنستعيد مجدنا ~~وهناءتنا ومنعتنا، وإلا فماذا ينتظر هذا الشرق الإسلامي من الدنيا إذا كان لا يعمل لها ~~عملها، بل يهمل أسباب المنعة والقوة، ويكتفي من الأمر بالدعاء لله تعالى أن يرد عنه غائلة ~~المغتالين ومطامع المغيرين! لا، لن يجيب الله دعاء قوم يعطيهم الإسلام فيتجاهلونه، أو ~~يكتفون منه بمظاهر العبادة، فما العبادة إلا وجه من وجوه الإسلام، أما روح الإسلام فالإخاء ~~والتعاون والتناصر والعمل الجدي على صيانة بلاد الله ودينها من عوامل الفناء الملحة عليه من ~~كل جانب، بكل وسائل الصيانة والدفاع، ورد منعتها إليها؛ لتستطيع أن تعيش شريفة، وتسعد ~~الدنيا معها، وتمحو منها هذه الشرور العصبية التي تفتك الآن بالناس جميعا، حتى بالفاتك ~~نفسه. # من أجل هذا شرعت في وضع هذه السلسلة القصصية؛ لأعرف معالم تاريخ الإسلام إلى من لا ~~يعرفونه أو لا يجدون الوسيلة ولا الزمن إلى مطالعته، أو لمن عندهم كل هذا ثم يهملونه؛ إذ هو ~~علم، ولا يهملونه؛ إذ هو قصص، وقديما عرف الأوربيون فضل القصص في الدعاوة والتبصير والدرس ~~الذي ما كانوا يملكونه لولا أن يصاغ في القالب الذي تتهافت عليه الأيدي والقلوب، وهو قالب ~~القصة التي لا يجد فيها الناس مشقة عليهم في قراءتها ولا تكليفا، وإن وجدوا فيها علما ~~ونورا، بل يجدون في عنوانها مغريا بتناولها، وفي روايتها حاديا على قراءتها، وفي اللذاذة ~~منها تطلعا إلى أمثالها، ومن ثم تنتشر حيث لا يخطر على البال: في المدن والصحراوات والبحار ~~وفي الجبال، في البيوت والفنادق والمعسكرات والمستشفيات، في القطر والسفن والطائرات وفي ~~الترام والسيارات وفي الضياع والمزارع والمضارب والمنتجعات والمشاتي والمصايف، بين أيدي ~~الكبار والصغار من رجال ونساء، وبين العلماء والجهلاء، والأغنياء والفقراء، والأبناء ~~والأمهات، والبنين والبنات، وفي أيدي التلاميذ ومعلميهم، والجنود وضباطهم، والعمال والصناع ~~والسادة والخدم وأحلاس البيوت. جميع هؤلاء ومن لا ms010 يستطاع حصرهم سيكون لهم من هذه الرواية ~~وما سيتبعها من سلسلة قصص التاريخ الإسلامي - أيسر وسيلة للعلم به واكتناه الحقيقة فيه، ~~وسيرون الإسلام فيما فعل المسلمون، وسيكونون - يومئذ - أدنى إلى الإجابة عند الإهابة، وأرعى ~~للآباء ساعة النداء، وأزكى قلبا وأعظم بالعقل والروح؛ حبا لرسول الله وتقديرا للخير ~~الأعلى الذي جاءنا من ظلال سدرة المنتهى. # وسيكون دأبي في هذا القصص غير دأب ديماس الفرنسي، فهو لم يهتم إلا بالخيال ولو أفسد ~~التاريخ، ولا دأب وولتر سكوت الإنجليزي، فهو لم يرع للتاريخ كبير حرمة، بل سيكون إمامنا في ~~ذلك لورد ليتون # 4 # وأيبرس # 5 # الألماني؛ فقد راعى كل منهما التاريخ أولا، وغلب حقه على حق الخيال؛ لأنه لم ~~يكن بصدد الأدب وحده ، بل كان بصدد مواعظ التاريخ وعبره، ولأحرى بي أن أنهج نهجهما وأنا بصدد ~~العبرة من تاريخ بلادي ومواعظه، حين أنهما كانا يكتبان عن غير بلادهما، على أني لم أجد هذا ~~المسلك علي شديد الوعورة حين كتبت قصصي التمثيلي، وهو أشق من هذا الصنف وأصعب مراسا؛ ~~ولذلك أراني شاكرا فضل الله علي في أني لم ألجأ مرة إلى مباحثات الأدب القصصي فألوي ~~التاريخ، أو أقدم الحوادث أو أؤخرها من أجل الأدب، بل التزمت مسار التاريخ فيما بين أيدينا ~~من الكتب المعتمدة العربية والإفرنجية إلا فيما يختص بأشخاص الرواية الذين تخيلتهم. # وإذا قلنا الرواية فمعنى هذا الذوات التي حيكت بينها قصة محبة تقصر أو تطول تبعا للمقصد، ~~وإذا طالت بنا قصة باب القمر؛ فالمقصد واضح، والغرض أعم وأوسع من أن تتضمنه بضع مئات من ~~الصفحات. ~~••• # ولا بد لي قبل أن أنتهي من هذه الكلمة أن أدل - وإن لم أكن في حاجة كبيرة إلى الدلالة - ~~على أن معتزى هذه القصة وهو ورقة بن صليح، أو ورقة بن العفيفة، شخص خيالي استولدته من ذاتية ~~الزمان العربي في أوائل القرن السابع الميلادي، هو مثال مكة الفتاة في انتظار الهادي ~~الأعظم، ولسان آرائها وآمالها وعلو نفسها، ثم تحمسها لإصلاح بلادها ولم شعث جنسها، وإصلاح ~~الإنسانية، وإنقاذ ms011 الدنيا من أوزار العقول على أثر ما أصابت من الهدي ببعثة الإسلام. غلام ~~استولدته في كنف زعيم الحنفاء قبل الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~- ورقة بن نوفل ابن عم سيدة المؤمنين ~~رضي الله عنها - خديجة بنت خويلد زوج الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وربي على ما أراد له هذا الحنيفي ~~الذي كان يدعو هو وزيد بن عمرو بن نفيل وعثمان بن الحويرث وعبيد الله بن جحش ... وغيرهم من ~~حكماء العرب إلى الحنيفية؛ أي: دين إبراهيم # صلى الله عليه وسلم ~~، دين التوحيد الذي اقتضت رحمة الله ~~بعباده أن يبعث به محمدا - صلوات الله عليه وتسليماته - هدى ونورا للعالمين كافة. # وسيرى القارئ لهذا أني بنيت روايتي على معالم التاريخ في بلاد العرب من صنعاء إلى نجران ~~فالطائف، ومكة فيثرب، وبلاد ثمود والقدس والشام ومصر والإسكندرية، في أيام بعثة المصطفى # صلى الله عليه وسلم ~~، مصورا للقارئ حالتها الاجتماعية والسياسية والدينية، وذاكرا ما جرى من الأحداث ~~فيها، وما فعلت قريش العاصية حين دعاها النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى ترك عبادة الأوثان؛ ليكون ما ~~قصدنا من إيراد تاريخ الرسول # صلى الله عليه وسلم # في مكة أبين وأوضح بأسبابه ومقدماته وملابساته، ~~متبعين في ذلك خطى كتب السيرة الصحيحة (ونبهنا إليه في الهوامش) ومستأنسين بما لدينا من ~~مصنفات علماء الفرنجة الذين لا يسعني إلا الإقرار بفضلهم علينا، بما جهدوا وما بحثوا وبما ~~أظهرونا على جلائل شئون وتفاصيل أمور ما كان في مقدورنا معرفتها أو تبينها إلا بجهد كبير ~~ودرس طويل، وبتجرد منطقي ليس من الميسور تحقيقه إلا برياضة نفسية شاقة. هم أساتذتنا بما ~~أخذنا عنهم، فلهم شكرنا الخالص فيما علمونا، وإليهم يرجع الحمد بما مكنتنا مؤلفاتهم من ~~الاستعداد لأداء ما نشعر أنه أصبح مطلوبا منا، ألا وهو هداية الناشئة العصرية وتبصيرها ~~بحقيقة دينها وأدب سلفها، ومحاضرتها فيما كان وما يجب أن يكون في الدنيا على نحو ما يفعل ~~كتاب الفرنجة اليوم، وإذا استشعرنا هذا الواجب، ونرى من حقنا أن نؤديه قبل سوانا، فذلك ~~لأن الناشئة العصرية ms012 لم تعد تأمن فيما يقدم لها من حكمة الدين وتاريخ من حملوا أمانته ~~ورسالته، وشرح مقاصده وقواعده ومبادئه إلا لكاتب من أنفسهم، لا شكا في مقصد غيره، ولكن ~~لأن وجهة الكاتب العصري في مهمته الدينية غير وجهة غير العصري؛ هو يلتمس الجانب الاجتماعي، ~~ويعني بالقومية ومقوماتها، وهذا ما يعني مصر الفتاة أساسيا، وهو مثلها وليد الشك ينتهي ~~إلى يقين، لا وليد التسليم لأول خاطر، وأساليبه أقرب إلى ذهنيتها وما اعتادت، ولأن للأدب ~~العصري مطاليب كثيرة ليس في مقدور من لا يتيسر له الاطلاع على مناحي الفرنجة فيه أن ~~يستكملها كمطاليب الفنون التي اختص بها الفرنجة ومن أخذ عنهم، ولهذه أصول وقواعد يبنى عليها ~~علم النقد الحديث؛ أي: علم معرفة القيم في المؤلفات، وتبين وجوه الكمال والنقص ~~فيها. # ولذلك أبادر فأعترف لعلماء النقد بنقص تعمدت أن يبقى نقصا؛ ذلك أنني لم أورد في روايتي ~~من المواقف ذات العلاقة بشخصية الرسول # صلى الله عليه وسلم # إلا ما كان له سند صحيح من كتب السيرة، أما ~~ما كانت ضرورة الرواية تتطلب استكماله بالخيال على سبيل الاحتمال فقد نبوت عنه وتركته؛ ~~لاعتبارات كثيرة لا يجوز أن يتجاهلها حماة الأدب والقصة اعتمادا على أن الرسول وصفه الله ~~تعالى بأنه بشر مثلنا يوحى إليه، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؛ لأن ذاتية الرسول # صلى الله عليه وسلم # مقدسة عندنا، وليست مما يجوز أن يتناوله الكاتب حتى في أبسط نواحيها؛ أي: في الحوادث ~~العادية كالأكل والمشي والتحية والالتفات والابتسام والدعاء، في مواقف متخيلة ليست ذات سند، ~~فإن ما نزعم نحن أنه من عادي الأمور لا يكون كذلك في الواقع فيما يختص بذاتية كل خلجة من ~~خلجاتها وحركة من حركاتها مما يبنى عليه أحكام ويؤخذ منه قواعد وبه يستشهد، من أجل ذلك ~~أهملت هذا الجانب من مستلزمات القصة إهمالا تاما، إلا في ثلاثة مواقف لم أكن أستطيع مع ~~اقتضابي إياها إلا أن أشبع السياق فيها، وهذه نبهت القارئ فيها بالإشارة في الهامش إلى أنها ~~تخيل لا حقيقة تاريخية، وارتاح ms013 علماء الدين إلى ذلك، على أني تلوت الجانب العربي من القصة ~~على أستاذنا صاحب الفضيلة الشيخ عبد المجيد اللبان شيخ كلية أصول الدين؛ وإذ رأى فرط حرصي ~~على ما أنا بصدده أشار بأن ألزم القارئ التنبه إلى هذا في صلب الكلام نفسه وسياقه ففعلت، ~~فله عظيم شكري. # نعم حسب القصة من أنها قصة ما لا بد أن ينبه، وكان يكفي للأمر أن يشار إليه، ولكنا لا ~~نريد أن نطبق هذا على أقدس ذاتية خلقها الله. ~~••• # وإذ يجب أن أتقدم بالشكر إلى من كانت لهم يد في هذا العمل، فشكري أوجهه بعد ذلك إلى صديقي ~~الفاضل محمد أفندي جبر مدير مكتبة وزارة المعارف؛ لفضله علي قديما وحديثا، فقد هداني ~~باطلاعه الواسع إلى ما لم يكن في استطاعتي الاهتداء إليه من موارد العلم فيما له علاقة ~~بعملي القصصي من سنة 1913 إلى يومنا هذا، وإلى أبي الفضل والسادة الفضلاء الشيخ الوقور ~~الأستاذ حسين بك أباظة؛ إذ أعارني من مكتبته ما لم أكن أستطيع الوصول إليه من كتب التاريخ ~~والفقه، ولتوليه عني البحث والتحقيق في كثير من المسائل برا منه بدينه، وإكراما للعلم، ~~وإلى صديقي الفنان الأستاذ حسين أفندي فوزي عضو بعثة وزارة المعارف ومدرس الرسم والتصوير ~~بمدرسة الفنون الجميلة العليا، ثم إلى الأستاذين الناشئين أحمد أفندي زكي وكامل أفندي منصور ~~من طلاب الفنون الجميلة العليا في روما؛ فقد تولوا تصوير مناظر الرواية وأجادوا. # وأرفع شكري كذلك إلى العلماء الفضلاء أصحاب الفضيلة والعزة محمد جاد المولى بك المفتش ~~بوزارة المعارف ومراقب المجمع اللغوي، والأستاذ الكبير الشيخ مصطفى العناني مفتش أول العلوم ~~العربية بالجامعة الأزهرية الشريفة، وفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد الحسيني الظواهري ~~المدرس بكلية أصول الدين، والأستاذ النابغة الشيخ محمد عبد اللطيف دراز من جلة علماء الأزهر ~~الشريف، وإلى المربي الكبير صاحب العزة محمد لبيب الكرداني بك مراقب التعليم الأولي ~~بوزارة المعارف، وإلى الأستاذ الجليل أمين سامي حسونة بك ناظر معهد التربية، وإلى المؤرخ ~~العمدة الدكتور حسن إبراهيم حسن أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية ms014 الآداب بالجامعة المصرية ~~الموقرة، وزميله العالم الجغرافي النابه الأستاذ الشرقاوي، وإلى الأديب الفاضل الشيخ عبد ~~الرازق سلمان مدرس التاريخ الإسلامي بكلية اللغة العربية، وإلى الأستاذ العالم الأجل الشيخ ~~عبد الرحمن الجزيري كبير مفتشي مساجد الأوقاف؛ لاطلاعهم على الرواية قبل عرضها على القراء، ~~وتفضلهم علي بالكلمات الكريمة التي أقتضبها وأنشر بعضها بترتيب ورودها تحدثا بفضل الله ~~علي، وإثباتا لامتناني وشكري الدائم، فإن فيهما غذاء لنفسي يقويها على المضي فيما اعتزمت ~~من خدمة الدين والتاريخ بقدم ثابتة وقلب مطمئن، كما أن فيها تزكية لعملي عند من أردتهم ~~بما اعتزمت من صياغة التاريخ الإسلامي في قالب قصصي. # على أني لا أريد أن أقصر شكري على ذوي الأيادي الظاهرة علي في عملي، فإن هناك فريقا من ~~علية القوم في مصر وزعماء الرأي والفكر فيها كانت لهم علي - ولا تزال - أيادي خير قوتني ~~فيما أنا بصدده: وزراء وقضاة وكتاب وعلماء، وأساتذة في الجامعتين، ومراقبون ومفتشون ~~ومدرسون في وزارة المعارف، وسيدات من زعيمات الحركة القومية في مصر، قرءوا منه وتتبعوه، ~~فكان ارتياحهم إليه، واستحثاثي عليه، وتساؤلهم عنه، معوانا لي على العمل، وتقوية ~~للجهد. # وكذلك إلى رصفائي الأدباء الذين لا أزال أحن إلى عهدي معهم - وأدعو الله أن يمكنني من ~~الأوبة إليهم - كتاب الجرائد العربية الذين رحبوا بالمشروع، وكتبوا عنه قبل ظهروه؛ حسن ظن ~~منهم بأخيهم، وتشيعا للفكرة كما تشيع معلمو التاريخ لها واغتبطوا بها. # وإلى صديقي المفضال صاحب العزة الأستاذ مصطفى غزلان بك رئيس قلم التوقيع بالديوان العالي ~~الملكي؛ لتفضله بكتابة عنوان الرواية في شكله الرمزي بخطه البديع النادر المثال. # والآن أضع الرواية بين يدي العالم الإسلامي راجيا أن أكون قد وفقت إلى طريق الخير الذي ~~قصدته، ولقد كنت أرجو أن يكون في الأحياء أستاذي وصديقي الخالد الذكر الشيخ عبد العزيز ~~شاويش لأقول له: هذا باكورة ما سألتني أن أنهض له، فهل يرضيك؟ أو يكون حيا أستاذ المصلحين ~~السيد الإمام المرتضى الشيخ محمد عبده - رضي الله عنه - لأقول له: يا خليفة الأفغاني ~~العظيم، ويا من كان ms015 عليه أن ينفخ في الصور؛ ليوقظ العقول، ويهيب بالناشئة أن يعملوا للدين ~~والوطن، هل أردت أن يكون الأمر من هذا القبيل؟ # هذا ما أترك الجواب عليه لخليفتك الأعظم وولدك الأبر الأكرم: # صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الجامع الأزهر # وزعيم النهضة الإسلامية العصرية، وداعية الحركة الإصلاحية العلمية من بعدك، والذي يعد ~~جلوسه على كرسي الرياسة العليا في الجامعة الأزهرية فوزا مما لك في عليين. # أتركه بين يديه مستفتيا، فإن كان الرأي أني في سبيل الوفاء لك ولأساتذتي من بعدك فوا ~~سعداه، وإلا فإني منتصح في منهجي بنصحه، ومستهد فيه بهداه، والله الموفق وحده إلى ~~الصواب. # | كلمات السادة العلماء # كتب إلي صاحب الفضيلة والعزة الأستاذ محمد أحمد جاد المولى بك المفتش بوزارة المعارف ~~والمراقب العام للمجمع اللغوي يقول متفضلا: # صديقي الكاتب الكبير ~~... تصفحت رواية «باب القمر» أولى حلقات قصص التاريخ الإسلامي، فراعتني عنايتكم ~~بتصوير التاريخ تصويرا قصصيا أخاذا جمع بين صحة النقل وحسن العرض، هذا إلى روعة ~~الأسلوب وسلاسته، وتخير الألفاظ المهذبة والعبارات المحررة، ولعمري، إن هذا الصنيع ~~خير ما يحبب التاريخ إلى القراء، ويملأ نفوسهم تعلقا به وإقبالا عليه، ويبصرهم ~~بما كان عليه سلفهم الصالح من خلال سنية وآداب رضية، وإن اضطلاعكم بهذا العمل ~~الجليل قد استوجب لكم تقدير العارفين وإعجاب المثقفين ... # وتفضل الصديق الكريم والعالم الكبير الأستاذ الشيخ مصطفى عناني المفتش الأول للعلوم ~~العربية بالجامع الأزهر والمعاهد الدينية فكتب إلي يقول: صديقي المفضال ... ~~... تصفحت على عجل قصة «باب القمر» فرأيتها مضيئة مشرقة جذابة مشوقة، ورأيتك ~~قد بذلت فيها جهدا لا يقوم به إلا أمثالك ممن وهبوا حياتهم وفكرهم لخدمة العلم ~~وتقريبه إلى النفوس، وتحبيبه إلى القراء، وتذكير المجهود بمآثر أسلافهم الخالدة، ~~ومحاسنهم الطريفة والتالدة، وعرضها عليهم في ثوبها القشيب، وشكلها الناضر، وجمالها ~~الباهر. نفع الله بك ووفقك إلى الخير، وجزاك بما يجزي به العاملين المخلصين. # وكتب صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل محمد الحسيني الظواهري المدرس بكلية أصول الدين بالأزهر ~~الشريف بعد ديباجة كريمة: # هذا، وإن رواية «باب ms016 القمر» قد وفق الله صاحبها إلى فتح باب جديد للدعوة ~~الإسلامية على وجه شهي جذاب، لا يستطيع قارئها أن يلقي نظرة على أولها حتى ~~يكملها فتكمل له السعادة؛ لما تضمنت من الحقائق التاريخية التي صاغها بأسلوبه العذب ~~المتين. نسأل الله أن يجعل جزاءه على ذلك الجنة، إنه ولي الإجابة. # وتفضل حضرة صاحب العزة الأستاذ المربي الكبير محمد لبيب الكرداني بك مراقب التعليم ~~الأولي بوزارة المعارف فكتب يقول: # صديقي الكاتب الكبير ... # ليس لي أن أتحدث عن روعة القصة وسحرها، فهذا مما للجمهور أن يدلي فيه برأي، وإن ~~كنت واثقا أنه سيطرب كما طربت، ويعجب كما أعجبت، ولكن الذي لي أن أدلي به مع ~~الثناء العظيم هو أن الحقائق التاريخية والجغرافية التي صيغت عليها روايتك «باب ~~القمر» دلت على فرط حرصك في رعاية التاريخ، واستقصائك البحث فيما لا يعني به إلا ~~المعلم المتعمق المطالب في قاعة المحاضرة بما يتم ويكمل، وفي اعتقادي أننا نستطيع ~~اليوم، وقد اعتزمت أن تكتب تاريخ بلادنا الإسلامي في القالب القصصي الرائع الصادق ~~الذي رأيناه في «باب القمر» - أن نعتمد على قصصك في تعليم الناشئة واستدراك ما فات ~~غير الناشئة مما كان يجب أن يعلموه من تاريخ جنسهم ودينهم وسلفهم الصالح المجيد في ~~مدى القرون الثلاثة العشرة التي مرت بنا، من غير ما مشقة ولا تكليف. # وإذ كان هذا غرضك من هذا القصص الذي أنت فيه علم من أعلامه المعروفة، فإني أهنئك ~~من صميم قلبي لوثوقي أن سيكون لجهدك ما هو حقيق به من التوفيق والإقبال من أمتك ~~التي تخدمها منذ زمن بعيد بمنتهى الاقتدار والبر والأمانة ... # وتفضل عميدنا العالم الفاضل مخرج ناشئة المعلمين للمدارس المصرية الأستاذ أمين سامي حسونة ~~بك ناظر معهد التربية فكتب يقول: # أخي الأستاذ ... ~~... أشكرك إذ خصصتني بقراءة قصتك الجديدة «باب القمر» قبل نشرها، وإني كمعلم أرحب ~~بالفكرة التي أوحت إليك كتابة تاريخ حقب من حقب الإسلام في قصص ممتع كهذا، ذلك أن ~~القصة أصبحت أداة من أدوات التربية الحديثة يستعين بها المعلم على ms017 تحبيب مادته ~~لعقول المتعلمين؛ ففي المراحل الأولى من الطفولة تكاد تكون القصة هي السبيل الأول ~~الناجح في تنمية الملكات وتكوين أحسن العادات، وفي جميع مراحل التعليم الأخرى ~~نستعين بالقصة على تحبيب القراءة والاطلاع للتلاميذ، وعندما تنقطع صلتنا بالمدرسة ~~وينصرف كل منا إلى العمل الذي أعد له في الحياة، تستمر القصة همزة وصل بيننا ~~وبين نواحي المعرفة المتنوعة: فالطبيب أو المهندس - مثلا - قد ينصرف بطبيعة عمله ~~عن قراءة كتب التاريخ، ولكنه يقرأ القصة التاريخية أو يشاهد تمثيلها بعاطفة الحب ~~للقصة، فيتعلم من التاريخ وفلسفته أضعاف ما تعلمه بالمدرسة، وهكذا كل من لم يتمكن ~~من إتمام دراسته العالية يستكمل ثقافته العامة بقراءة القصص الراقية. فأنت إذ تكتب ~~قصصك بهذا الروعة والدقة تخدم التاريخ الإسلامي أجل خدمة، وتقدم للقراء عامة مادة ~~ثقافية ممتازة، وللمؤرخين موضوعا جديدا للدراسة والتحليل، وسيرى كل من يقرأ قصتك ~~- كما رأيت - عظم المجهود الذي بذلته في تحضير مادتك وتنسيقها، فقد جمعت في قصتك ~~بين التاريخ والاجتماع والأدب الراقي، وأنت في عملك تذكرني بتولستوي لما كتب (أنا ~~كرنينا) فمثل لنا أصدق تمثيل حياة الروسيا السياسية والاجتماعية بجانب موضوع ~~القصة الرائع، وما كان لنا أن نحصل على هذه المعرفة بالسهولة التي حصلنا عليها إلا ~~عن طريق القصة. فاهنأ يا أخي بمجهودك، وليهنأ به قراء العربية وعشاق الأدب العالي ~~والثقافة العميقة، لقد فتحت فتحا جديدا في عالم الأدب بترقية القصة العربية، إذ ~~وضعتها في مستوى القصة الغربية، فلك منا الشكر والتقدير والسلام. # وتفضل الأستاذ الدكتور حسن إبراهيم حسن أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية الآداب بالجامعة ~~المصرية فكتب يقول بعد ديباجة كريمة: # إلى الأستاذ الكبير والشاعر المطبوع ... # تصفحت روايتك الخالدة «باب القمر» أولى حلقات السلسلة القصصية التي اعتزمت بناءها ~~على معالم التاريخ العربي الإسلامي، فبهرني اقتدار السيد على أن يصوغ لنا تاريخ ~~بعثة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأحداث الزمان الجارية في مكة ويثرب وبلاد العرب وثمود ~~والنبطيين وما دونها من الشام ومصر من اقتتال أكبر أمتين في الأرض يومئذ، في قصة ~~طلية ساحرة ms018 بأسلوبها وأدبها، رائعة بما تضمنت من الحقائق التاريخية والنوازع ~~النفسية والأسباب الاجتماعية التي لم يطرقها من المؤرخين العصريين إلا القليلون ~~المتعمقون، وإني كمعلم للتاريخ الإسلامي أرى أن هذه القصة ستبلغ غاية المدى في ~~تبصير الجمهور المصري والعالم الشرقي بتاريخ نشأة الإسلام، وحقيقة العربية ~~والإسلام، وتاريخ مصر والشام في تلك الحقبة التي تعد على إبهامها في كتب التاريخ ~~أهم حقبة في تاريخ مصر والإسلام. # ولقد وقفت غير مرة وأنا أطالع الرواية أتفحص معين نفسك المؤدبة المهذبة وأنا مثن ~~عليك ومغتبط بك؛ لأن قصة غرام فتاك ورقة بن العفيفة بلمياء ابنة الحارث بن كلدة ~~كانت على روعتها واهتزاز النفس لحديث حبهما منسجمة الموضوع مع القداسة والطهر الذي ~~يغمر رواية محورها أثر الرسول الأطهر في هذه الحياة الدنيا، فلا يسعني إلا أن أسأل ~~الله - سبحانه وتعالى - أن يجزيكم عن التاريخ الإسلامي وعن اللغة العربية وآدابها ~~جزاء من يحسن عملا. # وتفضل الأستاذ العالم محمد عبد المنعم الشرقاوي مدرس الجغرافية بكلية الآداب بالجامعة ~~المصرية فكتب يقول: # أستاذي الكبير ... ~~... تكريم منك إلي أن ترسل إلي الحلقة الأولى من سلسلة القصص الذي نهضت لصياغته ~~على معالم تاريخ العرب والإسلام. # ولقد قرأتها فإذا بي أمام عمل جليل ممتع ومهذب كدأبك في كل ما كتبت، بل لعمري ~~إنك تفتح فتحا جديدا في عالم الأدب، كنا وكانت الأمم العربية في أشد الاحتياج ~~إليه؛ لتبصير الناشئة بتاريخ سلفهم، وإحياء عزة القومية العربية في نفوسهم، وجمعهم ~~تحت لواء واحد في معترك الأمم المتدافعة في ميدان الفور والغلبة. # ولا أراني مبالغا إذا قلت: إنك بما اعتزمت ستعمل على إذاعة تاريخ العرب ~~والمسلمين، وجهودهم في سبيل الإنسانية بما لا يبلغه كتاب علمي أو بحث مستفيض، ~~وكمدرس للجغرافية يعرف قدر جهدك فيما بنيت عليه قصتك، أبعث إليك بتهنئتي على ما ~~وفقت إليه وإعجابي بهمتك التي لا تعرف الكلل في سبيل العلم والأدب. # وتفضل الكاتب المقتدر والخطيب الديني العالم فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الرحمن الجزيري فكتب يقول: # عزيزي الأستاذ الجليل # تصفحت روايتك (باب القمر) فألفيت أسلوبا ms019 رائعا وخيالا حكيما ومعاني سامية لها ~~أحسن الأثر في نفوس الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. # وقد أعجبني منك شدة أدبك مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في عبارتك وتجنبك ما عساه أن ~~يؤاخذ به الروائي من التساهل في العبارة، والإمعان في الخيال إلى حد لا يليق بهذا ~~المقام الأقدس. فلك على هذا العمل الجليل حسن المثوبة من الله - عز وجل - وحسن ~~الثناء من المتأدبين الذين لهم من روايتك هذه أجمل الفوائد، وأجل العظات، والسلام ~~عليكم ورحمة الله. # وتفضل صديقنا الأستاذ النابه الشيخ عبد الرازق سلمان مدرس التاريخ بكلية اللغة العربية ~~وصاحب التأليف الطيب في هذا الموضوع فكتب تحليلا وتقديرا جديرين بأدبه الواسع وعلمه ~~الغزير نجتزئ منه بما يأتي: «يبعث على العجب العاجب ما تكشفت عنه الأيام من مدهش في تاريخ ~~العرب والإسلام هلهل تلك الستور التي طالما أسدلت على حقائق هذا الضرب من التاريخ فسفرت في ~~ثوب جديد طرزه جلال المنطق ورائع الخيال، وبرزت لأبناء الضاد في أسلوب غير مسبوق إليه ~~فكانت من أبدع ما نسقته يد الإنسان في هذا الزمان. # لقد راح صديقنا الأستاذ الكبير يستنطق الدهر بما كنزه في ثناياه من مجد الشرق، ويستوحي ~~القرون ما احتجنته من عظمة العرب، ويستلهم الأيام ما أسرته من فضل الإسلام فأدرك البغية، ~~وأحرز الأمل المنشود، ودل بما بذله من جهود على أنه غرة وضاءة في جبين العقل، ودرة تاج ~~التفكير انبعث منها نور العلم انبعاث المدنية الحديثة في الشرق والغرب من باب القمر ~~... ~~••• # وإنا لنرجو أن يتخذ الشباب من باب القمر عظة تحرك هممهم وتشحذ عزائمهم فيخلقون جيلا ~~إسلاميا جديرا أن يعتز بعزة الإسلام، ويحفظ كرامة الإسلام، وإنه ليتسع أمام نفوسنا باب ~~الأمل عندما نقدم للقراء «باب القمر» فجزى الله المؤلف عن اللغة والتاريخ والعلم والأدب ~~أحسن الجزاء. ~~••• # وتفضل الأستاذ النابغة الشيخ محمد عبد اللطيف دراز من علمائنا الأعلام فكتب إلي يقول: # عزيزي الأستاذ ... ~~... رأيت فصولا من رواية «باب القمر» فأعجبت بأسلوبها القصصي الطريف، وعددته فتحا ~~جديدا في باب التأليف ms020 الحديث، وسيدفع الشبان إلى الاتصال بالتاريخ الإسلامي، وإذا ~~اتصلوا بهذا التاريخ فقد تلقوا منه دروس المجد والعظمة أدام الله توفيق الأستاذ ~~الكبير لخدمة الأمة والإسلام. # فالحمد لله أولا وأخيرا. # | إهداء # ودلالة على ما قصدت من البر # أهدي الرواية إلى ابنتي الوحيدة # أميمة # الفصل الأول # | قافلة مكة # كان أهل نجران # 1 # وجيرتها من بلاد اليمن وباديتها يعلمون أن القافلة عائدة إلى مكة في بكرة اليوم ~~الأول من الربيع - ربيع سنة 616 الميلادية لتدرك عيد العزى # 2 # إلهة قريش # 3 # الكبرى قبل موعده بعشرة أيام، ولذلك حرص كل راغب في شهود العيد من شباب صعدة ~~وصنعاء وأبناء سراتهما، وكذلك كل من كان في سبيله إلى العراق أو إلى الشام، من يهود اليمن ~~ونصارى بني كندة # 4 # أن يكون في نجران قبل يوم القافلة؛ ليسير في أمنها وحماها. # وعمل تجار مكة الذين كانوا قد وردوا اليمن في أوائل الشتاء ليستبضعوا لهذا العيد أن ~~ينسلوا إلى نجران قبل موعد الرحيل بأيام؛ ليستريحوا هم وجمالهم من وعثاء الأسفار في مرابع ~~اليمن وأسواقها المترامية قبل أن يندفعوا في سفرة أخرى أمدها عشرون يوما متواصلة. على أن ~~منهم من كان في نجران من قبل؛ ليستولي على ما تصنعه أيدي أهلها من البرد والأدم، ويزاحم ~~على ما يرد إليها من العطور والتحف التي يتهافت عليها الناس في الأعياد، ولذلك امتلأ سفح ~~الجبل من نجران ومغارس نخيله دوين البيوت بمضارب الأغراب والتجار ومناخات الإبل ومرابط ~~الخيل والبغال وأكداس البضائع، ولاحت نجران كأنما هي في يوم الحشر؛ لاجتماع أنواع الخلق ~~فيها، وتزاحم الناس في أسوقها متفرجين أو مستبضعين، وانتعشت الحياة فيها بما كان ينفق الرحل ~~من الأموال، وما يدفعونه فيما يشترونه من الأثمان. # وفي عشية الربيع سمرت القافلة سمر الوادع، واشترك أهل نجران في السامر بمعازفهم وأعوادهم ~~وغلمانهم وقيانهم، فشربوا، وغنوا ورقصوا، وتلهوا، إلى أن انتصف الليل أو كاد، فعاد أهل ~~نجران إلى بيوتهم، وانصرف أهل القافلة إلى مراقدهم؛ ليغنموا شيئا من الراحة قبل الرحيل في ~~بكرة الصباح. # جاءت ساعة ms021 الرحيل، فما همت النجوم بالإدبار حتى هب الرقود على صوت المنادي: أيها العير، ~~آذنت الشمس بالشروق. هبوا إلى الأحمال. # لم تكن الشمس قد آذنت بشيء ولا الفجر، ولكنها أكذوبة اعتادها المنادون؛ ليوقظوا الركب من ~~رقاده، ويصرفوه إلى العمل، ولم يكن الركب على علم بحقيقة الساعة؛ لأنهم كانوا نازلين على ~~سفح الجبل من جانبه الغربي، وما كانت الشمس لو طلعت لتبين لهم قبل أن يعلو النهار وتعلو ~~الشمس هضباته، ولذلك نفروا من مراقدهم؛ ليقوضوا الخيام ويلموها، ويجمعوا الرواحل ويحملوها ~~حتى إذا تنفس الفجر كانت القافلة قد تهيأت للرحيل عن نجران. # الشماسة يتراكضون نحو القافلة. # ولكنها ما كادت تنتظم في طريق الحجاز، ويهم المنادي أن يصيح: سيروا على بركة الله، حتى ~~اضطرت إلى الوقوف على صياح متدارك وارد من ناحية الكنيسة، ونداء من منادين يقولون: قفوا. ~~انتظروا لا ترحلوا. # وقف الركب، والتفت الناس نحو الصائحين وهم على أكوار الإبل فإذا هم يتبينون في فترة ~~الصباح ثلاثة أشباح تنحدر عن قمة الجبل حيث قامت الكنيسة، وتتراكض بين النخيل القائم على ~~السفح تراكض الظلمان المستنفرة تبتغي ساحة الركب بأدنى سفحه. حتى إذا دنت لاح أنها أشباح ~~ثلاثة من الشمامسة جاءوا لينهوا إلى الركب بخبر. فأخذ الناس في عجبهم يتساءلون ماذا جرى؟ ~~لماذا يقفهم أهل الكنيسة عن الترحال بعدما توجهوا واعتزموا الرحيل؟ وفي ذلك ما فيه من سوء ~~الطالع وشر النذير، ولكنهم لم يلبثوا في عجبهم طويلا فقد بلغ المجلي # 5 # من أولئك الشمامسة ساحة العير، واستطاع أن ينهى إليهم وهو يلهث من شدة الركض، ~~أن مولاه ابن الحارث # 6 # أسقف نجران المعظم يأمرهم بالعودة إلى المضارب حتى يسافر معهم في الغد، وأنه ~~يريد لقاء سلمان المنادي. # تذمر الركب لهذا الأمر على اختلاف من فيه أيما تذمر حتى المنادي حتى الحداة والسائقون، ~~وغالبهم من نصارى نجران أتباع الأسقف نفسه وملتمسي بركته وفضله، ولكنهم لم يملكوا إلا أن ~~يطيعوا كارهين، ويأخذوا بمقاود الجمال لينيخوها غاضبين، واستشعرت البعران سورة الغضب من ~~أصوات قادتها، وشدة أخذهم بزمامها فعجت ms022 ذعرا، ولغبت استشفاعا، ثم بركت في النهاية طوعا ~~للصوت والإشارة. # وكان الذين في الركب من تجار مكة ويهود صنعاء أشد حنقا وغضبا؛ لأنهم كانوا يحملون في ~~القافلة أكداسا من بضاعة الأعياد، فكل يوم يقضونه انتظارا أو تلوما يذهب بالكثير مما ~~أملوا من الكسب في تجارتهم، ولذلك عارضوا في الانتظار، وأمروا رجالهم بالمسير، ولكن الرجال ~~أبوا أن يخذلوا أسقفهم الكريم، وأدرك العير أن لا بد لهم من الأناخة فشرعوا في ذلك وهم ~~محنقون، ونفس أحد اليهود عن صدره وخاطب الشماس: أما كان مولاك الأسقف يعلم أن القافلة تسير ~~اليوم! وأن الناس تاركون فراشهم في السحر! ليدركوا ساحة الركب ويتحملوا! لماذا لم يعلن ~~العير برغبته هذه في أصيل الأمس أو عشيته، ويتركنا في مضاربنا، ولا يكلفنا هذا العناء ~~الكبير! # فلم يحر الشماس المخاطب جوابا، ولكن أحد الاثنين الآخرين تصدى من عنده بجواب لفقه في ~~غير وعيه مما عنده من الأخبار التي كان يحرص أهل الكنيسة ألا تذاع إلا في أيام الصلاة ~~العامة على لسان الأسقف وحده، ولذلك عاقبه الأسقف بعد يومه على ما قال؛ إذ خشي أن يتهمه ~~اليهود بسوء. قال الشماس: وردت إلى مولانا رسالة من أسقف بني تغلب يدعوه للقدوم على عجل إلى ديار ربيعة؛ ليتذاكرا ~~هناك فيما وقع بالشام من الأحداث. # فضحك اليهودي لهذا الجواب هازئا وسأله متهكما: خبرني بربك متى جاءت هذه الرسالة إلى مولاك الأسقف! ومتى جاء الرسول! أفي موهن الليل مع ~~روح القدس! أم في السحر على جناح العقاب! # لم تخف لهجة التهكم على الشماس، ولكنه ما كان يستطيع أن يجابه اليهودي بمثلها، فقد كان ~~اليهود حكام اليمن وولاة الشريعة فيها من قبل الأكاسرة، وكان مخاطبه لكثرة أسفاره معروفا ~~في ديار نجران بما له من عريض الجاه في صنعاء. فصمت كما صمت الأول، وتدارى عن الجمع في ~~جبانة، وسار عائدا إلى الكنيسة يتبعه صاحباه وسلمان، وقال أحد تجار مكة وهو ينزل عن راحلته ~~غاضبا: أما والعزى وربها لأرفعن الأمر إلى بني عبد الدار # 7 # يوم أصل ms023 إلى مكة، ولأنتصفن لنفسي ولتجارتي من هذا الأسقف، فإذا لم ينصفني الحكم ~~فلأعوقن الأسقف عن الرحيل إلى ديار ربيعة يومين ولو خلته القافلة. # عند ذلك تراءى الحداة والسائقون للمتحدثين ينتصرون لراعي كنيستهم الأكبر بعدما كانوا أول ~~الغاضبين، ويحاولون تطييب خواطر المتذمرين تفاديا من الشر، فانبرى أحدهم يقول: وحق مريم البتول، ومارسرجيوس الشهيد، # 8 # ما عمد الأسقف إلى ما فعل بملكه، بل لهو أمر جلل أوحي به إليه كما قلت يا أبا ~~دؤاد. فلم يطق اليهودي سماع هذا، وأشار بعصا كانت في يده إلى الرجل ليفسح له الطريق، وسكت ~~ثم عاد إلى الكلام فقال وقد نالت قدمه الأرض: لا عجب أن يكثر الوحي في هذه الأيام! إذا جاز ~~أن ينبغ في الوثنيين من أهل مكة أمي ويدعي الوحي، فلماذا لا يدعي الوحي مثله أسقف ~~نجران! # تضاحك الجمع لدن هذه الملاحظة، وانتهز الجمالة فرصتها السانحة فأخذوا في حل الحمول، ~~وانبرى أحدهم، وهو من جمالة ثقيف، # 9 # يقول: أما أنا فلا أومن بالوحي، ولكني أومن بالأسباب، ولا بد أن يكون لدى ~~الأسقف سبب جلل حمله على رجائنا أن ننتظره، وإني لأعدكم أيها الرفاق، أن نغذ في السير ~~فنعوض أنفسنا من يومنا الضائع يومين. إن الطريق سهل منبسط، والهواء لا يزال قرا، ولن ~~يضيرنا أن نبكر في الغدو كل يوم ساعة، ونتعوق في الرواح كل عشية مثلها. فأجاب المكي ~~متهكما: أجل، لكي تقتل البعران إعياء، وتحرمنا فترى العيد كلها. ثم نزل عن بعيره، ونزل معه ~~الأكثرون. # ضحك الناس لهذا الأمر مرة أخرى، وانبرى بعض من كانوا يودعون الركب يخففون عنهم بالكلم ~~الطيب. هذا يقول: إنما أراد الله أن نأنس بكم ليلة أخرى، وذاك يستكرم فيقول: إنكم أهل صنعاء ~~ومكة أهل جود وكرم، ونحن هنا نعيش في خيراتكم، فلا بأس عليكم أن تكرمونا بالبقاء هنا ليلة ~~أخرى. # على هذا هدأت سورة الغضب وسرى من الناس فنشطوا إلى خيامهم يحلونها عن الرواحل ويضربونها ~~في المضارب كما كانت، وشرع الخدم والعبيد يعدون طعام الصباح. # الفصل الثاني # | أحداث ms024 الشام # لم يكن الشمامسة صادقين ولا كاذبين حين قال المجلي: إن الأسقف راحل غدا مع القافلة، ولا ~~حين قال المصلي: إن رسالة جاءته من أسقف بني تغلب # 1 # في الحيرة يرجو قدومه إلى ديار ربيعة # 1 # ليجتمع به ~~هناك، ويتذاكرا فيما وقع بالشام من الأحداث، ولكنهم على كل حال نفذوا مشيئة الأسقف فيما ~~أراد من تأجيل سفر القافلة إلى الغد. # نعم جاءته أخبار متوالية مع الركبان في مدى السنين السبع الماضية عما كان جاريا في أدنى ~~الأرض من اقتتال الفرس والروم، واندحار جيوش الإمبراطور فوقاس، وخلفه هرقل في أرمينية ~~والشام أمام جيوش كسرى أبرويز ووقوف القائد الفارسي شاه ورز على شاطئ خليج القسطنطينية ~~يحاول عبور الماء؛ ليضرب المسيحية الرومية في عقر دارها ضربة قاضية، وانصراف زميله القائد ~~شاهين إلى دمشق وبيت المقدس؛ ليجهز على مملكة الروم في الشام وفلسطين، وحقا إن هؤلاء ~~الشمامسة الثلاثة اشتركوا في صلاة الشكر الحارة للرب على زوال دين الكفر الرومي من بلاد ~~المسيحية، وعلى ما أنزل الفرس باتباع مذهب خلقيدونية # 2 # الملكي من الويلات بالتقتيل، وتهديم الكنائس وتفضيح الأعراض جزاء مخالفتهم لدين اليعاقبة # 3 # الحق، دين أهل الشام وبلاد العرب ومصر والحبشة، ولاشك أنهم سمعوا بعض القساوسة ~~والرهبان يشيرون على الأسقف في فرحهم بهذا الفوز الباهر أن ينهض فيقصد بهم إلى الحيرة، ~~ويدعو أسقف بني تغلب؛ ليذهب معهم هو وقسانه وفدا إلى مارية زوجة كسرى أبرويز وأختهم في ~~المسيحية اليعقوبية، رافعين إليها آيات الشكر على برها بدينها، إذ حملت زوجها على قتال ~~الروم وإبادة دين الكفر، ويقيموا الصلاة تلو الصلاة في الكنيسة التي أقامتها لعبادة الرب في ~~بلاد المجوس؛ ليتم لها النصر بالاستيلاء على بيت المقدس، وتخليص الصليب المقدس من أيدي ~~أدعياء الولاية عليه من بطارقة الروم على أن تعطيهم إياه؛ ليحفظوه عندهم في كنيسة نجران، ~~بعيدا عن أيدي الطامعين، وأن الأسقف أقرهم على هذا الرأي السديد، وعزم على تنفيذه عندما ~~يسترد شيئا من العافية التي فارقته بسبب كبر السن، وهو يأبى إلا أن يعزوها ms025 إلى الجو، وتقلب ~~الأحوال، ولكنه ما كلف الشماسة إلا أن ينطلقوا فيوقفوا سلمان عن الرحيل، ويدعوه إليه. نعم ~~سمعوه يقول في صوت المريض شيئا عن إزماع أحد الناس السفر في الغد، ولكن لم يخطر على بالهم ~~أن في نجران أحدا تتأخر القافلة عن الرحيل من أجله، إلا بنو عبد المدان، وهؤلاء كان يمكنهم ~~أن يقفوها من تلقاء أنفسهم بغير حاجة إلى الوساطة من الأسقف، ولذلك قدروا أنه الأسقف نفسه ~~قد عزم على تنفيذ ما أجاب إليه القساوسة، وكذلك أنهوا إلى سلمان أنه مسافر في الغد، وتطوع ~~الشماس الثاني بإبداء سبب سفره، فكان ما كان من غضب التجار، واستهزاء يهودي صنعاء، ووثني ~~مكة بالأسقف الموقر على مسمع من أشياعه وأتباعه، ولذلك عنفهم الأسقف على سوء ما قالوا، ~~وأوكل إلى كاتبه معاقبة القائلين عقاب الحمقى بضرب العصا وصفع القفا. # أما ما جرى فحقيقته أن باذان الوالي # 4 # الذي كان على اليمن أخبر معاونيه في الحكم من اليهود في صنعاء بما كان من ~~اندحار جيوش هرقل في الشام، وتسلط الجنود المجوسية على الكنائس والأديار بالهدم والتقويض ~~جزاء عناد أهليها وإقفالهم الأبواب في وجوه الجيوش. # وأن إخوانهم النازلين في أنطاكية وأذاسا # 5 # انضموا علانية إلى كسرى، وسبقوا المجوس فيما اقترفوه من أعمال التخريب، وعلموا ~~كذلك أن الفرس في طريقهم إلى بيت المقدس، ولا بد أن يصنعوا فيه ما صنعوا فيما قبله من بلاد ~~المسيحية. فتيقظت في نفس هؤلاء الحكام اليمنيين أمنيتهم القديمة، ألا وهي! إعادة مملكة أورشليم # 6 # في فلسطين إلى ما كانت عليه في عهدها الماضي، ورأوا أن يرسلوا إلى هؤلاء ~~الإخوان وفدا يوقظ فيهم هذه الأمنية الغالية إن لم تكن قد تيقظت من قبل، ويشتركوا معهم في ~~التدبير لتحقيق غاية الأماني هذه. # عينوا هذا الوفد سرا، وجعلوه تحت إمرة واحد من رجال الحكم النابهين اسمه إسحاق بن ~~مردة، وجعلوا معه رفقة من أمثاله وبعض الأحبار، ولكنهم أذاعوا أنهم راحلون برسالة ولاء مجدد ~~إلى متبوعهم الأعظم، ومولاهم الأكرم كسرى أبرويز ملك ملوك الأرض، ms026 وبتهنئة خالصة على فوز ~~جيوشه على عاهل المسيحية، وتطهير أرض المعاد # 7 # من دين ابن يوسف النجار، # 8 # على أنهم كانوا يحملون معهم هدايا وتقدمات إلى كسرى وزوجته مارية؛ ليلقوه بها ~~غير ما سبق لهم تقديمه إليه من قبل، ولكنهم لم يشاءوا إعلانها لئلا يغروا بهم الأشرار ~~فموهوا على الناس أمرهم بأن خرجوا من صنعاء في عير قليل العدد، وساروا بغير ما حرس كبير؛ ~~لأنهم كانوا يسيرون في بلاد لهم فيها المكانة العليا، وهي بلاد صنعاء وصعدة وجرش، # 9 # أما نجران فما بعدها فكانت لبعدها عن مستقر السلطان مما يستوجب أن يسير العير ~~في حمى عير أكبر. فكان مقصدهم أن يسيروا في ركب مكة، ولكنهم ما بلغوا صعدة حتى مرض إسحاق ~~فاضطروا أن يقضوا بها ما كان في نيتهم قضاؤه في نجران قبل رحيل القافلة. فلما أبل عاودوا ~~الرحيل، وواصلوه من بلد إلى بلد في طريق نجران حتى إذا كان اليوم الثاني لإفاضتهم من جرش، ~~وذلك قبل أن ينصرم الشتاء بيوم وليلة - كانوا قد وردوا حلة في الطريق على نهر هناك من ~~الأنهار الكثيرة التي تخترق بلاد اليمن، وتكثر حولها الزروع والأشجار؛ وإذ كانوا يزعمون أن ~~بينها وبين نجران بضع ساعات، حين كانت في الواقع على مسيرة يومين أو حوالي ذلك، آثروا في ~~جهلهم أن ينيخوا في جوارها قبل موعد الإناخة، ويقضوا العصر والليل في حمى أهلها، ويرتاحوا ~~واثقين أنهم بالغوا نجران في ضحى الغد قبل نهوض القافلة بساعات من النهار وساعات طويلة من ~~الليل. # وكان مقدم جمالة الركب يزعم أن بين يومه ويوم نهوض القافلة من نجران ثلاثة أيام أو مثل ~~ذلك؛ لأنه جلس في حظيرة الجمال هو وإخوانه الجمالة وعبيد العير يعدون الأيام والشهور على ~~أصابعهم، وإذ كان غلام الحبر الذي في العير، في نظر نفسه، أحق الناس بأن يصدق؛ لأنه متصل ~~بسيده الذي له التوقيت والتاريخ فقد أقنع مؤتمرهم أن أول أيام الربيع يوم الخميس، أي بعد ~~يومين وليلة وأربع ساعات من حين إناختهم تلك الليلة. # اجتمع ms027 جهل الوفد بالطريق إلى جهل الجمالة بالمواعيد، فكان كل منهم في العشي سعيدا بما هو ~~فيه، ولكن حدث أن خطر على بال أحد العبيد الذين وافقوا غلام الحبر من غير علم بالزمن ولا ~~بغير الزمن، أن يسأل سيده في ذلك، لا ليتزكى ولا ليشي بأحد بل شعورا منه بأن هناك شيئا ~~مما كان بين سيده وبينه من الكلفة قد رفعته صحبة الطريق، ولكن سيده كره منه هذا، ونظر إليه ~~شزرا ولم يجبه. فتطوع أحد رجال الوفد وأجاب بالحقيقة في لغة يفهمها العبد فقال له: إذا ~~طلعت شمس الغد يبقى بينك وبين الربيع يوم كامل، أي نهار كامل وليلة واحدة. # ظهرت الدهشة على وجه الرجل، وبدا شيء من القلق في عينيه، وأخذ ينظر إلى زميله المفتي غلام ~~الحبر، وهذا ينظر إليه متوسلا أن يصمت، ولكن مقدم الركب كان قد دخل وسمع بما جرى، وما ~~قيل، فاضطرب وأعلن الأمر لسادته على الفور، واتهم غلام الحبر بخداعه، وأنكر العبد نية ~~الخداع بل أنكر أنه قال شيئا بتاتا إلا ما قال جميع الجمالة، وأراد إسحاق أن يصرف هذه ~~الضوضاء، فقال: لا بأس، لم يصبنا من هذا الخطأ أذى والحمد لله. فليس بيننا وبين نجران إلا ~~نصف نهار، ومن ثم يبقى لكم يوم طويل عريض تقضونه في نجران؛ لتستبضعوا ما تشاءون لرحلتنا ~~في بلاد الوثنية. # هنا دق الجمال على صدره دقة يأس، وقال: ست ساعات! يا سيدي الأمير! إن بين هذه الحلة ~~ونجران مرحلتين كبيرتين لا يقطعهما الركب إذا جد في أقل من يومين متواصلين. # فقال إسحاق: ويحك! ما هذا! فاستمر الجمال يقول: وإذا كان بيننا وبين قيام قافلة مكة يومين ~~فمعنى هذا أن تموت الجمال إعياء. # فانزعج إسحاق ونهض يقول: ويل لك يا عبد السوء! ألم تقل لي هذه حلة الأراك؟ # قال: بلى يا سيدي. قال: ألم تقل لي إن حلة الأراك على نصف مرحلة من نجران؟ قال: بلى يا ~~سيدي. فقال إسحاق: فما هذا إذن؟ فقال مقدم الركب: لقد كان مولاي يسألني عن ms028 تخوم البلاد ~~ومرابضها، وبين بلدة نجران وتخومها من ناحية جرش مرحلة كبيرة # 10 # وحلة الأراك على مسيرة ست ساعات من هذه التخوم. # سقط في أيدي الوفد اليهودي، وضاق صدرهم؛ إذ تبينوا أنهم لن يبلغوا نجران في أول الربيع، ~~ولن يدركوا القافلة، وملكهم اليأس من كل جانب، وكاد إسحاق يضرب الرجل بسيفه لقاء ما أنزل به ~~من الهم، ولكنه اكتفى بشتمه، وسبه وطرده من حضرته، وهو محنق مغضب حتى كاد الرجل ينصعق ~~ذعرا. # وجلس إسحاق وصحبه صامتين يفكرون فيما تبينوا ولا يهديهم الفكر إلى سبيل. أيغامرون بأنفسهم ~~في الطريق إلى مكة فيسيرون عيرا تغري قلته أعراب نجد والحجاز بتخطفهم وقتلهم وسلب ما معهم؟ ~~أم ينتظرون قافلة أخرى تخرج من نجران، وهي لا تسير في العادة إلا مرة في الشهر أو الشهرين ~~يضيع على أمراء اليمن في غضونه فرصة العمل لتحقيق أمنيتهم في قيام مملكة أورشليم! أم يرسلون ~~رسولا يستمهل القافلة حتى يبلغوا نجران؛ عداء لا يستقر ولا يتلوم حتى يبلغ ساحة ~~الركب! ولكن أين العداء وهم في حلة من حلل البادية لم يجدوا فيمن مر بهم من أهلها إلا ~~أنقاضا من الناس أكلت الصحراء جسومهم؟ وأين من لا يهاب غوائل الطريق إذا هو سار وحده في ~~تلك المهامه والأحقاف؟ لقد حاولوا أن يغروا الجمالة بوافر الأجر والجزاء إذا قام أحد منهم ~~بهذه المهمة، فأبوا كلهم وذعروا ونكصوا على أعقابهم معتذرين بأن في هذه البادية جنسا من ~~الناس يعرفون بالنسانيس يسيرون على قدم واحدة، # 11 # ما إن يروا أحدا من غير جنسهم حتى يجتمعوا عليه، ويحملوه إلى غيرانهم في ~~مجاهل الصحراء يرقصون حوله ويعزفون، ثم يلقونه في النار ليشووه ويأكلوه. # ملك اليأس فؤاد إسحاق كما ملك سواه، ولكنه لم يطق البقاء في مكانه فنفر من مجلسه وخرج إلى ~~ظاهر فسطاطه يستنشق نسيم الصحراء، وينفس عن صدره بالمشي في الخلاء، وقد صور له اليأس أن ~~يهم هو نفسه بهذه المهمة؛ ليستوقف القافلة حتى يرد عيره بما معهم من الأثقال والحمول، ~~ولكنه لم يكن ms029 بصيرا بالطريق. ثم تواردت عليه أخيلة مما صوره له جمالته من مخاوف الصحراء، ~~وكانت الشمس قد آذنت بالغروب، وأخذت الأرض تصطبغ بألوان دهماء، وتعد النفس للأوهام، فخطا ~~نحو رفقته يستأنس، وقد عول على المضي إلى نجران في هوادة، وينتظر بها حتى يرحل إلى ~~الحجاز عير آخر. # الفصل الثالث # | ورقة بن صليح # ما كاد إسحاق يستقر في خيمته، وينهي إلى رفقته ما استقر عليه رأيه حتى بلغ أذنهم صياح ~~استغاثة ودقدقة أقدام غير بعيدة عن الفسطاط. فنهض من مجلسه فزعا ونهض من معه كذلك، وخرجوا ~~إلى ظاهره ليروا ما هنالك، وإذا بهم يصطدمون بمقدم جمالتهم فارا من القتل، وإذا هم يرون ~~فتى من عنفوان الشباب يجري محنقا مغضبا وراء الجمال، والسيف مصلت في يده. فاعترضه إسحاق ~~قائلا: على رسلك يا فتى! من أنت؟ ولماذا تجري بالسيف وراء الرجل؟ # وقف الفتى في روعة شبابه يلهث وهو محنق، لا يتكلم بل أخذ ينظر إلى الحكم ورفقته بعينين ~~واسعتين سوداوين طويلتي الهدب زادهما الغضب سعة وسوادا، وأظلهما حاجبان مقوسان كالسيف ~~الذي في يده، وينظرون منه إلى محيا أسيل لم تخف سماحته حتى من وراء ما علاه من الغضب، وفم ~~منتظم الشفتين والثنايا، وعنق متلع على صدر رحب في قامة وسط بين الطول والقصر، وليس عليه ~~إلا ثوب # 1 # أسود بين المسوح والحبر، # 2 # قد تمنطق عليه بحميلة سيفه، وغرس خنجره في حزام عليه غير عريض. # وإذ لم يرد سؤال إسحاق عاد إسحاق يسأله وهو يعمل على تهدئته: ما سبب هذا يا ترى؟ هل أساء ~~الرجل إليك؟ فأجابه الفتى، وقد عرفه؛ لأنه رآه هو وبعض من معه في صنعاء: إن هذا الجمال لص ~~غادر. ثم تعجب للسائل كيف لم يتذكره فقال: ألا تذكرني أيها السيد الحكم؟ إني أنا ورقة ابن ~~صليح المكي وقد تلاقينا قبل اليوم. # لم يذكره الحكم، ولا أحد من رفقته. فصمت متأملا ثم قال: أنا تلميذ الحارث بني كلدة ~~الثقفي الطبيب ألم ترني معه؟ قال إسحاق: أنا أعرف الحارث حق المعرفة فهو ms030 من أصدقائنا، ولكني ~~لا أذكر أني رأيتك معه. قال: أو لا تذكر أنا تحادثنا في سوق صنعاء؟ قال: ما أكثر نسياني، ~~قال ورقة: ويحي أيها السيد إسحاق! ألا تذكر مجيئك أنت وهذا الحبر الجليل عند نعيم الصيدلاني ~~فبعتك شيئا من عقاقيره، وإن نعيما خبركم أني من مكة، وأن الحبر سألني عن رجل من بني ~~إسماعيل اسمه محمد قام في مكة يدعو إلى الحنيفية ملة أبيكم إبراهيم، فلما أجبته مصدقا قال ~~الحبر: هذا مصداق ما ورد في التوراة! # هنا تذكر إسحاق والحبر هذه الحادثة فقالا على الفور: أجل. أجل. أهو أنت؟ قال: أنا هو ~~بعيني! ثم التفت ورقة إلى أحد رفقة الحكم فقال له: وأنت أيها السيد سليمان: ألم تكن معهما ~~في السوق يوم غنك بعير كان محملا قثاء! وكاد يوقعك على الأرض لولا أني تلقيتك بين ذراعي! ~~فرد سليمان: بلى. بلى معذرة إليك يا فتى ، ولكن سورة الغضب قد أخفتك عني. خبرنا ما قصة ~~الرجل؟ قال: إن قصته لقصة السفالة وأسوأ المكر والدناءة: ذلك أني كنت عند نعيم الصيدلاني ~~وكان هو عنده أيضا يلقي حمولا أتى بها إليه من أرض سبأ. # 3 # هناك علم أني راحل إلى مكة بما جمعته لنفسي من بادية حضرموت # 4 # واليمن من نبات العقاقير ومعادن الأدوية. فعرض علي أن ينقلني إلى حيث أريد، وإذ ~~لم يكن لدي ما أوثر به غيره عليه، وكانت ثقة نعيم به قد أعدتني رضيت بعرضه، وما زال الرجل ~~من بعدها يتألفني حتى وثقت به، وإذ خطر لي أنه يحسن بي أن أشتري رواحل لمتاعي حتى لا ~~يتحكم في الجمالة في الطريق، فقد أبديت له هذه الرغبة فأقرها مستحسنا، وعرض علي أن ~~يصحبني إلى سوق الجمال ليهديني بخبرته إلى الأشد الأصبر. فشكرت له هذه المكرمة، واتفقت معه ~~على يوم نذهب فيه إلى السوق. فلما جاء هذا اليوم حدث أن كنت مضطرا إلى انتظار كلاء من ~~حضرموت يجيئني ببعض ما لم يتيسر لي الحصول عليه من العشب النافع للحمى ونهزة الشيطان. ~~فاعتذرت ms031 إليه من قعودي، ولكني نقدته ما كان قدره من الثمن لثلاثة بعران، ورجوت منه أن يذهب ~~ليشتريها بنفسه ثم يجيء بها إلى داري ليحمل عليها حمولي، وقد كنت علمت من المضرب أنكم ~~راحلون في بكرة الغد إلى نجران مثلي فصح عزمي على الرحلة كذلك في بكرة الغد معكم، ولكني لما ~~عدت إلى داري في العشية علمت أنه لم يجئ فقدرت أنه حاضر بها في السحر. فلم يحضر في السحر، ~~ومع ذلك قدرت الخير والتمست له عذرا إثر عذر حتى مضى يوم كامل. فاضطررت أن أذهب للسؤال ~~عنه فلم أهتد إلى شيء، وعلمت من بعض رجال الدرب أنكم خرجتم إلى صعدة في سبيلكم إلى نجران في ~~نفس اليوم الذي كنت ضربته للرحيل عن صنعاء، وإذ كنت أكره أن أرجع عن العزم إذا اعتزمته فقد ~~حسبت مسافة الطريق فأدركت أني مضيع فرصة المسير في قافلة مكة كما أضعت مالي إذا أنا انتظرت ~~بعد ذلك يوما، ولذلك تركت الأمر بين يدي نعيم الصيدلاني، ومضيت في تنفيذ عزمي، وإذ كنت ~~ضريا بطريق اليمن ومسالك الأعراب في البادية؛ لكثرة ما جبتها في طلب العقاقير من منابتها ~~ومعادنها، حتى عرفني أهل البادية جميعا - اشتريت ببقية مالي بعرانا أخر، وأخذت أقرب طريق ~~إلى نجران، طريق الجبل الذي لا يجرؤ على عبوره إلا اليائس مثلي أملا أن أبلغ نجران قبل ~~القافلة، ولكن البعران كانت ضعيفة هزيلة فلم تسعفني، ولا أزال من نجران على مسيرة يومين، ~~ولم يبق على قيام القافلة إلى مكة غير يوم واحد، ولذلك رأيت أن أنتظر بها حتى تخرج قافلة ~~أخرى، أو عير كعيري وعيركم فأعاود السير إلى الحجاز أو ألتمس وسيلة أخرى للرحيل. # ولقد رأيت مخيمكم من فوق الجبل، وأنا لا أدري من أنتم، وكان قد أدركني التعب، وحنت نفسي ~~إلى الراحة، فملت نحوكم لأستريح وأريح الجمال، ثم أرى لي رأيا فيما بقي من الطريق. فما ~~كدت أنيخ حتى أبصرت بالرجل قادما نحونا، يتعرفنا وهو لا يدري من أنا، بل ما كان يخطر بباله ms032 ~~أني يراني. حتى إذا قرب مني وعرفني أدرك ما وراء ذلك فصرخ من الذعر لما تبينه في وجهي من ~~الغيظ لدن رؤيته وثوران رغبة الانتقام منه على الفور، وجرى إليكم وجريت وراءه لأقتله أولا ~~إراحة لقلبي فما عاد يهمني المال، وكان الجمال في أثناء الحديث قد أخرج المال من جيبه ~~مصرورا في قطعة من ثوب خلق، وأخذ يقاطع حديث ورقة لكي لا يتمه ويقول: خذ مالك. خذ مالك. ~~إني لم أجد جمالا صالحة، ولم أملك أن أعود إليك. ثم رماه في صرته عند قدمي صاحبه، فلطمه ~~إسحاق إذ ذاك على وجهه لطمة شديدة من شدة ما عراه من الغيظ، ثم تناول رقبته ودفع به حيث ~~ألقى الصرة، وهو يقول لورقة: دونك رأسه فاعله بالسيف. لعمري لهو أهون جزاء. فانبطح الرجل ~~على وجهه يستغيث ويسترحم، ولكن ورقة ركله برجله وشتمه، فنهض وجرى إلى حظيرة الجمال، وانحنى ~~أحد اليهود فتناول المال من الأرض، وقدمه إلى صاحبه. فأخذه هذا وانصرف إلى بعرانه. # أما إسحاق فقد عاد إلى خيمته وتبعه إخوانه، وهم آسفون لما أصاب الفتى، وحانقون على الجمال ~~لغدره وخيانته، وودوا أن يتركوه حيث هم لولا أنهم كانوا في قلة. بيد أنهم قرروا ألا يروا له ~~وجها طول الطريق، وأن يجعلوا أحد جمالة ورقة سائق العير، ورئيس التحميل إذا هو آثر الرحيل ~~معهم. ثم ذكروا الفتى وما بدا لهم من كمال رجولته، وعظيم شجاعته التي هونت عليه أن يسير ~~في ثلاثة بعران في طريق محفوف بكل مكاره البادية، وتساءلوا فيما بينهم: ترى ألا يقبل هذا ~~الفتى المكي أن يسير في مهمتنا ويعوق نهوض القافلة؟ # نعم إنه لا يحمل رسالة إلى ملك الملوك مثلنا، ولا هدية ثمينة، فلا حاجة به إلى العجلة، ~~وقد قال ذلك فعلا، ولكنه كان يود أن يدركهم حتى قطع المفازات مغامرا ليرحل معهم لولا ما ~~أصابه من غدر ذلك الجمال، وقد لا يكره أن يدرك عيد آلهته الكبرى إذا نحن أيقظنا في نفسه ~~الذكرى، وأريناه السبيل إلى ذلك، ولكن من ms033 لنا بمن يحمل القافلة على الانتظار حتى ولو بلغتها ~~رسالتنا! إنها قافلة قرشية، وهؤلاء القرشيون لا يرون لنا عليهم حقا، بل لعلهم يؤثرون أن ~~يحرجونا، ولو لم يكن لهم مصلحة في هذا الإحراج. # فأشار عليهم أحدهم أن يرسلوا في طلب ورقة للعشاء معهم، وأن يتلطفوا معه في الحديث، ثم ~~يبلغوه حاجتهم، ويجعلوا له لإنجازها أجرا بمقدار كرامتهم وشدة حاجتهم - عشرة دنانير ذهبا ~~- وخمسة ينقدها منادي القافلة في نجران؛ ليحمله على قبول التأخير. فوافق الوفد على هذا ~~الرأي، وذهب أحدهم يدعو ورقة، فلما دخل عليهم نهضوا تجلة له من حيث لا يشعرون، وأجلسوه ~~أكرم مجلس، ودعوا بالطعام فلم يأكل إذ كان قد تبلغ لليل وانتهى، وعرضوا عليه الرأي فقبل، ~~وعرضوا عليه المال فرفض، وأبى أن يقدم رشوة للمنادي، بل اقترح أن يقصد إلى الأسقف وهو ~~السيد المطاع في نجران، برسالة من إسحاق وتحية، ورجاء منه أن يؤجل سفر القافلة يوما ~~ليلحقوا بها. فإذا بلغوها فيها، وأكرموا منادي القافلة وحداتها بما ودوا أن يكرموه به على ~~يديه، ولكنه طلب إليهم أن يعدوا له خير رواحلهم وأصبرها، على أن يأتوا برواحله ورجاله في ~~الغد معهم إلى نجران. # كبر الفتى في عيون اليهود لمروءته وإبائه، وشكروا له فضله وحسن رأيه، ووعدوا أن يعدوا له ~~أكرم النوق، وعلى هذا استأذن في الانصراف ليدرك شيئا من ساعات النوم استعدادا لمشقة السفر ~~في الغد فنهضوا لتوديعه حتى غاب، وعادوا ليعطوا الأمر بإعداد خير نوقهم لركوبه ساعة ~~يفيق. # الفصل الرابع # | الشملالة # استيقظ ورقة في موهن الليل على رغاء الراحلة التي أمر إسحاق بإعدادها. فرمى عنه غاشيته، ~~ولم تكن غير برنس سميك اشتراه من إحدى أسواق الساحل في بعض رحلاته؛ ليكون مزدوج النفع: غطاء ~~في الليل، ورداء في النهار. ثم نهض فانتعل خفيه، واحتمل سيفه وقوسه، وأصلح مكان خنجره من ~~حزامه، وعمد إلى سقاء الماء فنطل على وجهه بعض ما فيه، وخرج ليأخذ سمته إلى نجران. # لم يكن ورقة خبيرا بالغ الخبرة بالإبل، ولكن ما وقعت عينه على الراحلة ms034 باركة على باب ~~الخيمة حتى تبين أنها من أكرم النجائب، فلم يتمالك نفسه من فرط الإعجاب بها والتحدث إليها ~~بذلك إلى رجال عيره الصغير، وكانوا قد أفاقوا هم أيضا على رغائها، وجاءوا لخدمته قبل ~~الرحيل. # رأى عيطاء طويلة القوائم عصلبية فرهة، مخيفة النظرة كأنها مارد في مسلخ عيطبول، فقطع أنها ~~شملالة عبر بواد، ودنا منها يربت على صفحتي عنقها بيديه اغتباطا بها وازدهاء ~~بركوبها. # ثم إذ مال الكور ليرى ما عليه، مالت بعنقها تتفحصه هي أيضا تفحص العروس خاطبها، فلما ~~رأته في ثوبيه وسلاحيه، وشمت ريح عارضيه، وكانت قد أحست وقع يديه، لاحت كأنما ارتاحت إليه، ~~فأرزمت إرزاما، ورجعت في وجهه حنينا، وكأنما أدرك ما قصدت فسره رضاها، وتناول رأسها في ~~يديه وهو يقول لها: إيه يا شملالة. نضو أسفار مثلك وحليف قفار، بيد أني أحمي الذمار، وأنبو ~~عن مظنة العار، ولقد عركت الدهر فما وجدت أعدل من الرمح ولا أمضى من الحسام البتار. هلم في ~~سبيل نجران. # ما كاد يمسك بالعنان ويعتلي الكور حتى نهضت كالكثيب، وهمت بالمسير في طريق الجبل، وما كاد ~~ورقة يودع أصحابه ويوصيهم بحوامله وحموله حتى كانت قد غاصت في مجرى النهر إذ كان جافا ~~وعبرته واعتلت جانب الطريق، فلاحت في مواجهة نور القمر البازغ كأنما هي شغف في الجبل، أو ~~قطعة من سحب دهماء تدفعها الريح على لبة السماء. # سارت به النجيبة دبيبا أشبه بزميل، ثم وجيفا أقرب إلى الإرقال، فهي تطوي الأرض طيا ~~كانت تتلاصق به المرئيات وتتواصل كأنما هي متراصة، وورقة من فوقها كراكب السفينة في ~~البحيرة الهادئة. فانصرف إلى التفكير فيما يحيط به من جلال الله وبدائع صنعه، وتواردت عليه ~~في سكون الليل ذكريات مما رأى ومما شهد، فأخذ يتأملها ويتعجب ويحمد الله على أنه نجا ~~بنفسه من غوايات الشيطان، وأغناه بفضله عن الإذعان لغير ما يتبين فيه الخير والصدق، وظل ~~على هذا الحال حتى وهن الليل فتنبه إلى نفسه، وإلى القمر البازغ، وإلى وقع خفاف الناقة ~~على الطريق وقعا منتظما، ms035 أثار في نفسه ميزان الشعر فألفى يحدوها بأبيات لا يدري كيف انطلق ~~بها لسانه، ولا متى كان أول ما قال منها: # أيها المشرق في هذي الفلاة # لم ذا الإسراف في نور الإله؟ # ليس في هذي الحياة مبصر # يطلب النور فتحبوه سناه # ليس في الأرض التي تغمرها # غير ذئب يحسب الناس شياه # ليس فيها منصف من ظالم # أو نصير من أفاعيل البغاة # أكند الخلق لرب الخلق من # خصهم بالخير في هذي الحياة # كفروا من بعد إيمانهمو # ثم صدوا كل هاد عن هداه # غيب الضوء فما أجدرهم # بنهار مظلم مثل دجاه # ولكن القمر لم يعره أذنا، بل زاد إشراقا ظهرت به ابتسامة إنسانه الساخر وضوحا، ولاسيما ~~حين بلغ أذنيه عواء قريب شاهد على إثره ذئبين يدبان على جانب الطريق عن يمينه حتى إذا ~~حاذاهما جريا نحوه في همهمة الجائع ودمدمة الظافر، والناقة ترعاهما ولا تعيرهما التفاتا، ~~بل ترقل في طريقها كالنسر الجامح، ولكن ورقة كان كما قال نضو قفار وحليف أسفار، وكم مر به ~~مثل هذا فجازه مع السهم المارق، ولذلك نزع قوسه عن مشجبها في قتب الراحلة، واستخرج سهما من ~~كنانته، والذئبان يراوغانه ويعتورانه ميامنة ومياسرة، ويهمان به وبالناقة حتى إذا أوشك ~~أحدهما أن يعلق ببطنها ليبقره كان السهم قد اخترق يافوخه فهوى على الأرض صريعا، ولكن كان ~~الذئب الثاني قد قفز عن الأرض قفزة حاذى فيها رأس الناقة، ووقع على عنقها؛ ليعقرها عقر ~~النمر حين شوح بذيله ليلطم ورقة على وجهه على عادة الذئاب في القتال، ولكنه لم يلطم إلا ~~كتفه، وتدلى على لبان الناقة، وسرعان ما استل ورقة خنجره من قرابه، وحاول أن ينال من الذئب ~~مقتلا، ولكن الذئب كان أبعد من منال يده؛ إذ كان ورقة على سنام الناقة والذئب على قفاها، ~~فشد ورقة عنانها؛ لترفع رأسها، ويدنو قذالها فيدنوا الذئب منه، ولكن الذئب كان أسرع منه ~~وأبصر، فما كاد ورقة يغمد الخنجر في خاصرته حتى كان الذئب قد لطمه بذيله مرة أخرى على صفحة ~~عنقه فارتدت الطعنة ms036 عن المقتل، وأصابت فخذ الذئب، فوقع على إثرها على الأرض يحاول الجري على ~~ثلاث. # عند ذلك وقف ورقة ناقته، وأناخها وترجل، وأخذ يتفحصها، ولكنه لم يجد بها إلا جرحا على ~~صفحة العنق اليسرى من ناب الذئب، وجر وحافى لبانها من مخالبه لم تجز إلى اللحم. ذلك بأن ~~قذالها كان مغطى بالأديم، فلم يبلغ الناب منه مأربا كبيرا، وكان الذئب في ذعر ممن وراءه ~~فلم يتمكن من فريسته. # حمد الله ورقة على هذه العاقبة، وتناول سقاءه، وأخذ يغسل جروح الزميلة، وفيما هو كذلك رأى ~~جثة الذئب المصروع فأخذ يتأمل حتى إذا ملأ عينه منه وقلبه رأى نفسه يحدثه حديث الظافر ~~المطمئن، ويقول: إيه يا ذئب العرب الأبي الكريم الذي لا يستخذي، ولا يماري، ولا يبيع حياة ~~الحرية مع الجوع بكل فضلات موائد الأمراء والأقيال كما فعل بعض قبيلك في الراحلين إذا ~~استكلب وارتضى عيشة المذلة والهوان من أجل لقمة يلقيها إليه بنو الإنسان. لا لعمرك لقد ~~أنصفت، فإن كنت قد خذلت الليلة فطالما ظفرت، وإني لأراك سيدا عملسا، عليك كسوة كريمة لم ~~ينسجها لك غير ناجذيك وأظفارك، وتلك لعمري من أردية الأسعدين، ولكنك يا ذئب حاولت أن تأكل ~~أكرم خلقين أنا وهذه النجيبة: حبيبين لم يجتمعا إلا منذ قليل، وقد تعاهدنا على الوفاء، ~~فاعذر إذا أنا حميت إلفي، وجعلت حتفك فداء حتفي. ثم تناول ورقة قبضة من تراب الصحراء فعفر ~~به الجروح، وإذ أنت الشملالة وعجت من ألم الضماد ربت على عنقها، وهون الأمر عليها، ثم ~~اعتلاها فنهضت به، وأخذت في المسير كما كانت وكأن لم يصبها شيء. # الفصل الخامس # | القرضاب # ذر قرن الغزالة على ورقة بعد مسيرة ست ساعات لم يقطعها عليه إلا الذئب في قليل من الوقت. ~~وكان صباحا بهيجا يملأ النفس روعة واغتباطا بالحياة، وكانت الناقة تسير على سجية واحدة ~~من الهمة والنشاط، لا يعتورها فتور ولا تراخ في المسير، وكأنما كانت معودة هذه الطرق، ~~فهي عارفة بالدروب بصيرة بالمجازات، ولذلك لم يكن ورقة في كبير حاجة إلى ms037 تسييرها فلقد حدث ~~له أنها صرفته غير مرة عما يعلم أنه طريق نجران، ويحاول ردها فأبت أولا، ثم أطاعت، فوجد ~~أنه كان في ضلال، فعاد بها إلى حيث اختلفا، ومن ثم ترك لها العنان. فكانت تسير فيما كانت ~~تغالبه عليه، وكثيرا ما كان يدعها تسير على هواها فيراها تأخذ سمتا يجهله. تدخل دربا لا ~~عهد له به، وتخرج منه إلى واد ملتو، أو ترقى مصعدا في جبل، ثم تنخرط منه إلى سفح فواد ~~وهكذا؛ فإذا هو قد قصر الطريق بقدر ما يقصر الوتر من القوس، والواقع أن هذه الناقة لم تكن ~~مما يسير في القوافل، فإن القوافل تلتمس أهون السبل وإن كان أطولها التماسا للسهولة ~~والراحة، بل كانت راحلة من رواحل الرسل والبرد بين اليمن والعراق ومدائن كسرى، وهؤلاء لا ~~يلتزمون طريق القافلة وإن هان، إذا عرفوا ما هو أقصر منه ولو كان شاقا، ومن ثم كانت ~~الشملالة أدرى من راكبها بحاجته وأضرى بالطريق، ولذلك أذعن في آخر الأمر لها وسلمها قياده، ~~وشغل نفسه بتأمل الأصقاع التي كانت ترودها. # ولقد كان من بين تلك المرائي الجديدة خميلة من شجرات مورقة، ونخيل متعثكل، قائمة في منبسط ~~عند مقطع أكمة من جبل قائم في مواجهة شمس الصباح، كانت الناقة تسايره قرابة الساعة، ولقد ~~كانت الأكمة قبل أن يدنو منها غبراء، وفي بعض الأحيان سوداء داكنة كغيرها من الأحقاف التي ~~مر بها، فإذا هي الآن تتألق بما كان ينحدر عليها من ماء لم يره من قبل. فتعجب كيف لم يره ~~والناقة قادمة عليه، ولكنه عزا ذلك إلى التواء في صفحة الأكمة رد أشعة الشمس إلى غير ~~جهته، وإن كان الواقع غير ذلك، وبهذا التعليل سار حتى دخل الخميلة واحتواه الشجر شاكرا ~~للناقة فعلها. هناك رأى الماء يسقط متراخيا عن يساره على صفحة الجبل، وإذا هذه الصفحة ~~قائمة أو تكاد. كاللوح المنصوب أو الجدار القائم والماء ينصب من بين صخرتين رابضتين على ~~ناصية الجبل كما يربض الوحش أو يرخم العقاب، ثم يتدلى مستعرضا على ms038 جبهة الجبل كأنه غلالة ~~منشورة، ثم ينزل عنه متجمعا في مسارب منحدرة إلى رقيعة؛ بل نقرة يخرج منها فلج يسير فيه ما ~~يفيض من الماء. # ولكن كل شيء في هذا المكان كان غريبا، فليس على الماء حي ولا أثارة من حي، والماء ~~داعية الإنسان والحيوان إلى التعمير إلا ما كان من أثاف قليلة، وبعرات متناثرة، وبقية من ~~عظام كانت كأنها بقايا سفر نزل به من قبل. # على أن هذه الوقيعة لم تكن كغيرها من المستنقعات، فهي لم تكن مبللة الجوانب، بل كان ثراها ~~ترابا جافا، وكان الفلج أشبه بالأخدود لجفافه، كأن لم يكن لهذا ولا لذاك عهد بالماء إلا ~~الآن، وإن لاح بالفلج أثر قديم منه ولكنه لم يعر ذلك التفاتا ومضى، فما كاد يتوسط الخميلة ~~على صغرها حتى رأى نفسه يكاد يصطدم بعوارض من أعجاز النخل علقت بين الأشجار على قامة من ~~الأرض أو بعض ذلك فسرعان ما لوى عنان راحلته ليقيها ويقي نفسه أثر الصدمة وكذلك نجا. ثم ~~أوقفها ليتبين طريقا يمر منه، ولكنه وجد أن الحائل ممتد إلى اليمين ومنعطف وإلى اليسار ~~ومتصل بجدار الجبل، فقدر أنها حظيرة صنعتها قافلة سابقة، ثم تركتها ومضت، وحمد الله على أنه ~~رأى الحائل قبل أن تصطدم به الناقة، وفيما هو يلوي عنانها ليخرج من حيث أتى ويلتمس الطريق ~~اخترق سكون المكان صوت أجش مزعج يقول له في إنذار ووعيد: قف: إنك في رحاب النسر فلا تمل وإلا هلكت. أنخ واعقل. # ذعر ورقة لهذا الصوت ذعرا شديدا، لأنه جاء فجأة وزاده ذعرا أنه لم يعرف من أين أتى. ~~ولا كيف يتبينه، وشعر أنه وقع في أحبولة لص من قطاع الطرق، ولكنه لم يكن يملك إلا أن يقف، ~~فوقف متهيبا وأخذ يتأمل المكان ليرى من أين ينصب عليه الأذى، وقد زعم أن صاحب الصوت مختبئ ~~بين أغصان ما كان تحته من الأشجار فتطلع وتمعن ولكنه لم ير أحدا، وحدثته نفسه أن يعود من ~~حيث أتى، ولكنه وجد من العبث أن يخرج؛ لأنه ms039 لو حاول ذلك، وكان صاحب الصوت يريد به سوءا، ~~فما كانت محاولته الخروج بمنجية له من الموت؛ إذ يرديه بسهامه وهو مكشوف، فبقي على حاله ولم ~~يشأ أن ينيخ كما أراد الصوت، وكان صاحب الصوت في أثناء ذلك يراقبه ويراقب الناقة ويعجب بها، ~~فلما استبطأه ناداه: أنخ واعقلها وتوكل. # فتوجس ورقة من ذلك خيفة ورد مستنكرا، وقد ارتد إليه شيء من الجراءة على إثر ما تملكه إذ ~~ذاك من القنوط: أنيخ، وأعقلها، وأتوكل!! على من أتوكل؟ ~~- على النسر الأعلى، أخي يغوث # 1 # ويعوق # 2 # وأبي اللات # 3 # والعزى ومناة. # 4 # أوجس ورقة أن القائل من اللصوص الذين يحتالون على الناس برطازات الكهان في بلاد العرب، ~~وإذ كان العرب يعبدون أوثانا متعددة فقد حشرها في صعيد واحد ليحدث جوا أغبر يتصيد فيه ~~فريسته، وجعل بينهم لحمة ونسبا؛ ليكون حديثه أشمل، وتأثيره بهم أبلغ، ولكن ورقة لم يأبه ~~لحديثه؛ لأنه لم يعبد الأصنام في حياته، بل ولد في كنف الحنفاء الذين نهضوا في مكة؛ ليصرفوا ~~الناس عنها، ثم ثبته الإسلام على ذلك، ولكنه كان في خوف من اللص، وزاده خوفا أنه لا يدري ~~أين مكانه ليتدبر، وكان عليه أن يجيب فلم يجد ما يجيب به في هذا الظرف مما ينفي السوء، ~~فأجاب على سجيته: يا عجبا! أتوكل على صخرات لا تشعر ولا تعي. ~~- ويحك يا كافر، إني أنا النسر الإله الأعلى - هلم إلي في العراء، واجث على ركبتيك ~~ضارعا ومنيبا. # عقل ورقة راحلته على عجل، وإذ علم أن صاحب الصوت خارج الخميلة عمد إلى الرحل فانتزع قوسه ~~وسهامه في خفة وعجل، ووقف وراء جذوع النخل يتأمل الجبل؛ لعله يرى صاحب الصوت فيرميه حيث ~~يكون، ولكنه لم يشهد شيئا غير صخر أسود قبيح المنظر، ليس فيه من مظاهر الحياة إلا ما يبدو ~~للعين من الصخرتين، فقد كانت إحداهما قائمة على ناصية الجبل كقتب البعير، صورها لنفسه ~~طيرا، على أثر ما ذكر الصوت عن النسر الإله الأعلى، ولكنها كانت صورة شوهاء لا جمال لها، ms040 ~~ولا روعة، ولولا تقاسيم عارضة ميزت أعلاها عن أسفلها، وما فصل بينهما من شبه عنق أحدثته ~~الأعاصير أو حاولته اليد ما خطر على القلب أنها صورة شيء، ولكن إيعاز الصوت صورها كذلك ~~لورقة، وكذلك كانت آلهة الوثنية الأولى في كل أرض وكل زمان على مثل هذا من دلائل طفولة ~~الإنسان في عقله وفي يده، ولعل هذا النقص والتشوه، وما يجده الناظر إليها من الحيرة في ~~محاولة اكتناهها، ومن الجبن في الشك فيما يروي الشيوخ والعجائز من أمرها - كان من أوسع ~~موارد الخيال والتدليس والتلبيس والإذعار التي حكمت الدنيا ألوفا تلو ألوف من السنين ولا ~~يزال أثرها كامنا حتى اليوم في النفوس. # ولقد كان ورقة من مكة بلد النصب والأصنام، وملتقى الرطازات والأوهام، ومستقر ثلثمائة ~~وستين من هذه الأحجار الشوهاء، وكم سمع صلاة القبائل العربية من حولها، وسمع العجائز ~~والشيوخ يعزون إليها الصمدانية والقدرة العليا، ويروون عن شياطينها الأعاجيب وإن لم يكن ~~يصدقها قط منذ سمع سميه ورقة بن نوفل يقول: إنها أضاليل بهتان، وأحابيل شيطان وجد فيها ~~أقوياء العقول غنية عن قوة الذراع في التسلط على الناس فتمسكوا بها، وحملوا الناس على ~~تصديقها، والنزول على حكمها، ولكنه الآن يسمع صوتا ولا يرى صائنا، ويرى نسرا أيضا يتكلم ~~بلسان الآلهة في مكان قصي خلقت من حوله جنة لم يرو عنها الركبان شيئا، فغلبته غريزته ~~القديمة التي توارثها من ألوف من سنين قضاها آباؤه في تصديق الأوهام. فقال في نفسه الحائرة: ~~لعل شياطين تلك الأصنام تحدثني اليوم حقا، وهي مطمئنة في هذه الغلاة الموحشة. ألم يقل ~~ورقة نفسه إن في الدنيا جنا وشياطين نرى أفعالهم، ولا نرى ذواتهم، ولكنه تذكر أن نسرا قد ~~ذهب بذهاب حمير من اليمن، وأنهم هدموه يوم تهودوا، ولم يبق له من أثر. فقال يرد على ~~الصوت: لقد طوفت في بلاد حمير جميعا، فلم أجد للنسر إلا أثرا دارسا، وشعفة مهشمة تسلح ~~عليها بغاث الطير في أرض بلخع. # 5 # فأجابه الصوت مرعدا: ويحك يا كافر بالإله الأعلى! تقدم ms041 إلي، واملأ عينك في العراء منه. ها هو ذا جاثم على ~~شعفة الجبل ينظر إليك مكذبا. # ولكن ورقة لم يطاوعه فيخرج إلى العراء، فقد كان في نفسه أنه إنسان، وأن هذا الإنسان ~~يريد أن يخرجه من وراء الشجر؛ ليكون هدفا ظاهرا لسهم يخترق فؤاده، ولذلك استمر يحادث صاحب ~~الصوت، ويطاوله عسى أن يجد له بالحديث مخرجا؛ فقال: لا أجرؤ أن أقف في حضرة الإله الأعلى من غير حجاب، وأنا فتى من مكة أعرف حق الآلهة علي، ~~وإن كنت قد استغضبتها منذ سنين. فقال الصوت: لا بأس عليك. أجب واقترب، وانحر دابتك قربانا ~~لي، وإن شئت فاتركها لي وتوكل، وليكن عملك هذا كفارة عما سلف من أمرك. افعل كما تؤمر، ~~وإلا لحقت بك في الطريق فأنشبت فيك مخالبي، وطرت بك في أجواز السماء، حتى ألقي بك في أجمة ~~الأساود تلهو بك وتنهشك، در على عقبيك، وامش في طريقك مغمض العين، حتى تزول هذه الخميلة عن ~~الأرض، وإذ أنك في سبيلك إلى نجران فستجد نفسك على أبوابها قبل الظهيرة، وهأنذا أبدأ بالماء ~~فأوقفه عن الجريان. قف أيها الماء بأمري، وعد إلى معينك. # لم يعجب ورقة إذ علم أنه يقصد نجران، فقد كان الطريق طريقها، ولكنه مع ذلك ظل مشدوها ~~مذعورا، وزاد ذعره أنه رأى الماء قد وقف فعلا، وانقطع سيله عن الجبل، وكاد يهم بالمضي ~~فيما أراد الشيطان، لولا أنه سمع صوت لطمة جسم صلب يأتي من أعلى الجبل، فتنبه والتفت فإذا ~~هو يتبين شبح إنسان يخطو عجلا نحو الصخرة ويطل من بين منحدر الماء بوجه ملفف في خرقة ~~سوداء بلون الصخر لم يفت ورقة أنه وجه رجل. فزال شكه كله، وأدرك أنه كيد يكاد له، ولكنه لم ~~يجرؤ أن يبينه قبل أن يتخذ له عدته، فقال وهو يتراجع في مسار النبل محتميا في جذوع النخل ~~وقد حرص أن يجعلها بينه وبين صخرة النسر لتقيه أذى الرجل، وقال متظاهرا بالامتثال: السمع والطاعة لك يا إله الآلهة، والمتاب إليك، ولكني لم أعد أريدها. ms042 سأنحرها لك لتغفر لي ~~ما مضى من ذنبي وترضى عني. أمهلني حتى أعقرها. ثم وضع يده على خاصرته متظاهرا أنه يخرج ~~السكين حين كان في الواقع يخرج سهما من كنانته المعلقة على كتفه ليرمي به الرجل، وقد ~~استهدف له في منحدر الماء من بين الصخرتين، ولكن الرجل كان قد سئم الانتظار وأذعره أن يهم ~~الفتى بنحر هذه النجيبة الغالية، فتحول عن مكانه متراجعا، وصرخ من جانب الصخرة ~~يقول: أبق عليها، ولا تمسها. إني رادها إليك في الطريق لتحملك في بوادي العرب، ترفع اسمي، وتشيد ~~بذكري. اتركها واذهب في طريقك مظاهرا. # تظاهر ورقة بالامتثال لأمر هذا الإله، وقال لبيك ربي. هأنذا ذاهب ونازل على حكمك، ولكن ~~ائذن لي أن آخذ عن الناقة زادي وثوبي. # فأجابه الرجل: لا تفعل، ولا تثقل كاهلك بغير سيفك، فإني مدركك بهما في الطريق قبل أن تعلو ~~محجة نجران. # قال الفتى: لبيك إلهي طائعا ومنيبا. # وانصرف ورقة يمشي قدما في استقامة محتميا بجذوع الشجر فيما بينه وبين الصخرتين كما كان ~~ليوهم الرجل أنه ماض في سبيله حتى يطمئن فينزل من وكره الذي اعتصم فيه، ولكن الرجل لم يكن ~~بالحدث الغر، وقد رأى في حديث ورقة واحتمائه بالنخل ما رابه من أمره، وإن كان قد شاهده يعود ~~إلى محجة المسافر بقدم ثابتة. فخطر على باله ألا يستهدف لأذاه بنزوله من مكانه، وقد رآه ~~يحمل سيفا، وقوسا، وخنجرا كذلك، ورأى في الفتى شدة الرجال، وجراءة الشجعان، ورأى من ~~الخير أن يريح نفسه منه بقتله. فما أن لاح له جانب من ورقة حتى صوب إليه السهم تلو السهم، ~~ورمى عليه، ولكن السهام مرت من فوق رأسه ترن رنينا ثم تخفت ساقطة في الرمال. فوجد ورقة في ~~ذلك الفرصة المشتهاة. فما سمع الرنين حتى صرخ صرخة عالية لم يدر أن صحبتها صرخة أخرى ~~صادقة واردة من مكان بعيد، ولكن هذه ذهبت أو اشتجرت مع صرخته فكان الصوت بالغا، وحرص ورقة ~~أن يتظاهر بالموت، على أن يكون موتا يدنيه من الحياة، فلم ms043 يقع على وجهه أو جنبه، بل ارتمى ~~على ظهره، وأخذ يزيح الرمل برأسه ليزيغ لرأسه حفرة يستقر فيها اليافوخ متدليا، ويستطيع ~~وهو على هذه الحالة أن يرى الرجل وهو على الجبل. هناك تأوه ورقة مرتين، وصرخ صرختين؛ ليوهم ~~القرضاب أنه مات، وليرى ما وراء ذلك من فعله، فما كان يشك في أنه نازل من الجبل ليظفر ~~بغنيمته، وصدق حدسه وصح تدبيره، فقد زعم اللص أنه قتل ورقة وأمن شره، فنهض حيث كان، وظاهر ~~العراء ليتدلى من الشق الذي كان ينزل منه الماء، وأخذ يضع أقدامه على ما أبقت المياه ~~والأعاصير من نوانئ. حتى إذا توسط صفحة الجبل، وأصبح لا يملك إلا أن ينزل أو يصعد في طريقه. ~~نهض ورقة في خفة النمر، وشد قوسه، وأخذ يرميه بنباله رميا متداركا حتى رأى اللص قد خارت ~~يداه وقدماه وسقط يلتطم ببقية المهوى إلى أن تلقفته وقيعة الماء، فصب فيها بقية ما كان في ~~جسمه من الدماء، واستقر فيها بلا حراك. # لم يدر ورقة ماذا يفعل بعد ذلك، ولكنه وجد أن من الخير أن يركب ويمضي. فذهب في فرحه إلى ~~الناقة، وكانت في هذه الأثناء ترزم حنينا إليه، وهو يقول لها. إيه يا أخية. هأنذا. أكنت ~~ترين أن أخاك في خطر؟ لا. هأنذا فاحمدي الله معي. # ود أن يحل عقالها ويركب، ولكنه كره أن يغادر المكان قبل أن يتأمل غريمه، فذهب إلى حيث ~~كان، ووقف ينظر إليه فإذا هو أمام رجل كأنه الضبع العرفاء، طويل شعر الرأس والشاربين مسوده، ~~وإن كان قد وخطه الشيب، ذو رقبة مرتصعة غليظة، وفكين كفكفي القرد الكبير، وذراعين ~~كالأسطوانتين وساقين كذلك، وملأ ورقة عينه من الرجل فهابه في موته، بل تملكه الذعر، ثم تذكر ~~أن الله وحده هو الذي أراد له النجاة وإلا فما كان يستطيع أن يغالب مثل هذا الوحش لو جادله، ~~ولا أن يقاتله وهو في معتصمه بين الصخرتين. فلم يطق أن يطيل الوقوف عنده، وعزم على الانصراف ~~عنه قبل أن يهديه خياله إلى سبب ترتاح ms044 إليه نفسه في مسيل الماء من بين الصخرتين وانقطاعه. ~~ولكن هيبة الرجل كانت أعمق أثرا في نفسه من عجبه، فسار عنه وهو ينظر إليه، ثم لكزه برجله ~~لكزة ينتقم بها منه لما أنزل به من الذعر وهو واقف حياله، ولكن رجله لم تضرب في رقارق بطن ~~الرجل بل التطمت بجسم صلب ارتدت عنه قدمه. فسرعان ما جرد ورقة خنجره وشق ثوب القتيل، وإذا ~~هو يكشف عن منطقة عريضة من الجلد، رأى من ظاهرها أنها مكتظة بالنقود فحلها عن وسط الرجل ~~وانتزعها، وسار على عجل إلى الناقة فركبها وأنهضها، وعاد من حيث دخل الخميلة يلتمس محجة ~~الطريق، ولكنه لم يتمهل حتى ينصرف عن المكان ليرى ما تحتويه المنطقة، بل حل أربطتها وأفرغ ~~في حجره ما كان فيها فإذا هي تحوي من مسكوكات الذهب والفضة شيئا كثيرا دراهم فارسية ~~بغلية، وأخرى رومية طبرية، ودنانير كذلك من أوزان مختلفة. كان منها ذو العشرة القراريط، وذو ~~الإثنى عشر، بل وجد من بينها نوادر الدنانير الذهبية ذات العشرين قيراطا، وعجائب الدنانير ~~الفضية التي كانت بقدر راحة الغلام # 6 # عد الذهب على عجل فبلغت عدته ثلاثين ومائتي دينار ففرح بها فرحا كبيرا، ~~وأعادها إلى جرابها على عجل، فاكتظ بها ولم يسعها كلها، فوضع بقيتها في جيبه، واحتال حتى ~~تمنطق به تحت ثوبه، وسار في خفة الظافر الموفق السعيد يلتمس المحجة وهو غارق فيما هو فيه من ~~الاغتباط. # وفيما هو يسير متجها نحو الشرق عسى أن يعثر بالطريق الذي حادت عنه ناقته باختيارها أيقظه ~~من غيبوبته السعيدة أنين وارد من جانب الطريق فتأثره فإذا هو ينبعث من غلام في الثانية ~~عشرة من العمر منطرح على الأرض والدم يسيل من خده وفمه. فوقف عليه ناقته وأخذ يتأمله. ثم ~~سأله: ما بك يا غلام؟ فلم يحر الغلام جوابا لشدة ما كان فيه من البرح، ولكنه شرع إليه ~~جفنيه وبكى ثم أغمضها على الفور، وإذ لم يجد ورقة في الغلام ما يريبه أناخ بجواره ونزل ففحص ~~عنه فوجد أنه مصاب ms045 في شدقه وفكه، وقدر أنه أحد السهام الطائشة قد أصابه، وتذكر أنه سمع ~~صوته صارخا عندما صرخ هو أيضا مدعيا أنه المصاب، ولكنه تعجب أن يسير الغلام وحده في هذه ~~الناحية، وهي على ما رأى من مخاوفها، وود أن يسأله، ولكن الغلام لم يكن يستطيع الكلام. ~~فانصرف إلى إسعافه بقدر ما يملك، وعمد إلى سقاء الماء، وأجلس الغلام، وغسل الدم عن فمه ~~ووجهه. وتحسسه فلم يجد كسرا فاطمأن وطمأنه، وهون الأمر عليه؛ فتنشط الغلام، واستطاع أن ~~ينطق، وكانت أولى كلماته شكرا بالغا. ثم قد ورقة من عمامته شقة لثم بها الفلاح، وفيما ~~يده تمر بفمه مال عليها الغلام وقبلها شكرا واعترافا بالجميل. ثم طلب إليه شربة ماء ~~فأعطاه زقه وتمضمض ولفظ ثم شرب ولم يكثر، وعاد إلى شكر ورقة وهو يقول له: الحمد لله الذي ~~نجاك من القرضاب، ولكني أنصح لك أن تبعد عن هذا المكان على الفور، وإني أخشى أن ~~يدركك. # دهش ورقة لهذا النبأ، فسأله: أتعرفه؟ قال: نعم. أنا غلامه. قتل أبي منذ ثلاث سنوات ~~وأخذني سبيا لأني كنت معه، ولقد وقع في فخاخه كثيرون، وشهدت ما حاق بهم؛ قتلهم، واستلب ~~أموالهم من نقود ومطايا كما فعل بأبي. بالله خبرني كيف نجوت؟ إنه يحسن الرماية فإذا كان ~~السهم الأول قد طاش فما كان يطيش الثاني. قال ورقة ولم يرد أن يشرح ما جرى قبل أن يعرف ما ~~عجز عن معرفته: أما كيف نجوت فبفضل الله، ولكن قل لي ما سر هذا الماء الذي يسير منحدرا عن ~~الجبل تراه العين من مدى بعيد، ثم لا تجد له الآن أثرا؟ # قال الغلام: هذا ما خدع به كل من جاءوا قبلك. كان بعضهم يلتمس مقيلا في تلك الخميلة، أو ~~ماء لراحلته إن كانت قد أوشكت أن تموت عطشا فيأتي إلى الجبل. فإن كان غرا صدق حكاية ~~النسر، ومضى تاركا راحلته بما عليها للإله، فنزل وأخذها ودار بها حول الجبل حتى يصعد بها. ~~ثم ينحدر بها إلى الأسواق ويأخذني معه فيبيعها ويعود ms046 على راحلتي وأنا أرادفه، وإن لم يكن ~~غرا رماه بالقوس فقتله، ولكني رأيتك تسير وحدك وقد تركت راحلتك، فلماذا رماك؟ # قال ورقة: لأنه رأى أني لم أكن غرا وإن كنت قد تركت له هذه الشملالة. ثم ضحك والتفت ~~إليها. لا. لم أكن لأفارقك حتى أموت. ثم عاد إلى الغلام يقول: ولكنك لم تخبرني عن الماء. ما ~~اسمك يا غلام؟ # قال: معذرة إليك. اسمي رؤبة. لقد ألهاني ذعري من فعله عن إجابتك: هذا ماء محول، وأنت ~~ما اسمك؟ فقال: اسمي ورقة. قال رؤبة: إني أحب هذا الاسم لأن أبي كان يقول: إن ورقة هذا نبي ~~ظهر في الحجاز كان يقول للناس إن عبادة الأصنام حمق وجهالة، وأنا على رأيه منذ رأيت هذا ~~الرجل وإلهه الكاذب، ورأيت الناس يتركون أموالهم قربانا لصخور وهم يتوهمون أنهم يتقربون ~~إلى الله. إن الله في السماء. ألست على رأيي يا ورقة؟ قال: بلى. بلى، ولكنك لم تخبرني عن ~~هذا الماء المحول. عجبي لك إنك تنصحني أن أعجل بالرحيل عن هذا المكان، ثم تطيل حديثك فيما ~~لا أريد. كفاني ما قلت عن الماء. دعني أركب. ثم هم يمتطي، فقال رؤبة: امتط امتط. سأسير ~~معك وأنا أحدثك. # فامتطى ورقة ناقته ولكنه لم ينهضها؛ لأنه لم يكن يخشى شيئا بعد أن قتل الرجل، وظل على ~~ظهر الناقة والغلام مستمر في حديثه قال: إن لديه فوق الجبل عينا يسيل منها ماء قليل، وإذ ~~أن له بيتا من الناحية الأخرى من الرابية فمسيلها نحوه، ولكنه قد احتفر بجوارها حفرة عميقة ~~وراء الصخرتين اللتين رأيت ليملأها من ماء العين. ثم خد بين الصخرتين أخدودا ليسيل منه ~~الماء إذا أراد أن يحدره على هذا الجانب، وذلك بأن يسد مجراها من ناحية بيته، وهو يسد هذا ~~الشق كل ليلة بركام من التراب والحصا، فإذا طلع الصبح نهض وأطل من بين الصخرتين، أو أطللت ~~له ليرقب الطريق. فإذا لاح له راكب منفرد مثلك في أي وقت من أوقات النهار، أزاح حشو الشق ~~وأذن للماء أن ms047 يسيل على جدار الجبل رقراقا، إذا واجهته أشعة الشمس تألق وشامه الراحل من ~~بعيد فإما ورد إليه أو إلى ما دونه من الشجر، وكم للإنسان من حاجة بين الماء والشجر، وهنا ~~يقع. ولكنه عمد منذ ليلتين إلى ربط أعجاز من النخل بجذوع الخميلة؛ ليعرقل السائرين ويوقفهم ~~أو يتلف مطاياهم، وكدت تتعرقل لولا أن لويت عنانك. أنت ذاهب إلى نجران. قال ورقة: نعم. قال ~~رؤبة: إن هنا طريقا يقرب مسافة ما بيننا وبين نجران نصف مرحلة آه. ليتني أستطيع أن أدلك ~~عليها! قال: وما يمنعك؟ قال: خوفي منه إنه الآن يراقبني، وسأقول له: إنني كنت أستمهلك حتى ~~يعود إليك، ولكني أعرف أنه لا يجرؤ أن يلقى أحدا وهو بعيد عن الجبل؛ لأنه يقول: إن الطريق ~~للناس كلهم، أما الرابية فله وحده. فضحك ورقة، وقال: ألا تشعر أنك عوقتني كثيرا؟ قال: بل ~~وربي، يا لشديد جرمي، ولكني لا أطيق فراقك. أما وهو لم يأت فسر على بركة الله ألم أقل لك سر ~~وأنا أتابعك! قال ورقة: لم يعد يملك سيدك أن يلقاني ولو صعدت إليه. عد الآن إلى بيته فخذ ~~لنفسك ما فيه. إني قتلته، وهو الآن مسجى في دمائه عند مسقط الماء. # صات الغلام لدن سماعه هذا الكلام صوت مفجوء، ثم قال: قتلته يا سيدي! حقا. قال ورقة: ~~نعم. فعاد رؤبة يسأله: أصبح جامدا كهذه الأرض؟ ودب عليها بقدمه. قال ورقة: نعم، ميتا. قال ~~رؤبة: كما مات أبي! قال ورقة: وكما كنت سأموت. فاستمر الغلام في دهشته وفرحه وهو لا يكاد ~~يصدق، وتقدم بيديه ضارعا إلى ورقة يقول: بحق اللات والعزى إلا ما أخذتني معك إنني من خولان # 7 # ولئن رددتني إليها لأنحرن ليعوق كل عام هديا ليبقيك ويقيك ويحميك. فقال ~~ورقة: لقد عدت إلى ضلالك القديم يا صاحبي. ألم تقل لي إنك تنكر الأصنام. فكيف تقسم باللات ~~والعزى ثم تترضاني بنحرك ليعوق ما تنوي نحره! لا يا رؤبة لا. ما هكذا يكون الوفاء لابن ~~نوفل. فلطم رؤبة وجهه خجلا من ms048 نفسه، وقال: لا أدري وحقك ماذا أصابني، ولكني أجد لنفسي في ~~بعض أحوال اضطرابي ما أكرهه منها وانا هادئ، ولقد ذكرت أمي وما هي فيه من الشقاء؛ لفقدها ~~الزوج والولد معا ولم يكن لها سوانا. فاعذرني يا أخي. # فقال ورقة: وكيف تيسر لك اليوم أن تترك الأكمة ولم تهرب. قال: إنه يرسلني في الصباح لأرد ~~عليه النوق الجامحة من أثر عراكه مع فرائسه ويأخذ يراقبني، فإذا جمحت أنا أو شردت، أو خرجت ~~فيما وراء هذه الشجرة بغير ما سبب، فالسهم في أثري يعلنني برأيه في. إنه لا يحادثني إلا ~~بلغة القوس والوتر، ولقد أصابني اليوم سهمه إلا أنه ما كان يعنيني، ولكني قدرت أنه راميك ~~بغيره وغيره حتى يصيبك فيرديك. أما هو فهيهات أن يصاب. إنه معتصم وراء العقاب، وما عجبت ~~لشيء قدر عجبي لأنك قتلته. أقتلته حقا يا سيدي ومات! وأصبح لا يستطيع أن يدركني! قال ورقة ~~وهو يضحك: نعم. نعم، وربي قتلته بحيلة جازت عليه، وسأخبرك ماذا فعلت حتى أنزلته من معتصمه ~~فرميته وقتلته. تعال اركب رديفا. قال رؤبة وهو يركب: حييت يا بطل حييت، وإذ أصبح الطريق ~~مأمونا فمل بنا من وراء الخميلة؛ لنسير في الدرب القصير. # فلوى ورقة عنان الشملالة نحو الشمال؛ ليعطف وراء الخميلة، ويسير في رفقة الغلام. # الفصل السادس # | الشمطاء # انعطف الطريق نحو اليسار وراء تلك الخميلة فلاح دربان: أحدهما يلتوي إلى اليمين ذاهبا في ~~الجبال، والآخر إلى اليسار صاعدا إلى أكمة القرضاب. فأشار رؤبة بيده وقال حين أوشكا أن ~~يبلغا مفترق الدربين: من هنا كان القرضاب يصعد بغنيمته إلى بيته، ولولا أني أكره أن تقع ~~عيني مرة أخرى على مكان شقائي بعدما نجوت لسألتك أن تصعد لأريك ما في داره، وأحمله لك فهو ~~اليوم من حقك. قال ورقة: وماذا عسى أن يكون فيه مما يهمني؟ قال: ثلاث قسي نادرة من العتل ~~الفارسية وسبعة سيوف عجيبة هندية ومشرفية بله بعيره وأزواده وماعون الدار. قال ورقة وقد ~~استحدث فيه كلام رؤبة عن القسي والسيوف رغبة ms049 في حيازتها: إنك يا غلام لتغريني بأحب الأشياء ~~إلي، ولكن أليس في الدار ديار؟ قال: بلى. عجوز شمطاء ليس إلا، وسيسرها أن تعلم بمقتل ~~الرجل ونجاتها منه هي أيضا. يا لله ما أشد مقتها له! لقد كان يدعوها خالته، ولكنها في ~~الحقيقة خالة امرأة كانت له قتلها في بعض غضباته على مرأى مني ومن خالتها، ويالهول ذلك ~~المشهد! أخذ يضربها بالسيف دراكا حتى تقطعت أشلاء، وأنا والعجوز نصرخ من الفزع، ولولا أننا ~~جرينا واختبأنا في الدار للقينا حتفنا بنفس السيف الذي لقيت به المسكينة حتفها، ولكن الخالة ~~فقدت وعيها من شدة جزعها، فقد رقدت ثلاثة أيام لا تتكلم ولا تعي كنت فيها أقوم على طعامه، ~~وأعني بالخالة المسكينة حتى أفاقت وردت العافية إليها. إلا أنها انقطعت عن الكلام معه ومعي ~~بعدئذ حتى حسبتها خرست، ولكنها كانت تتمتم في وحدتها بكلمات المقت للرجل، وكم مرة دخلت ~~عليها فوجدتها تتضرع إلى «يعوق» وتستنزل على الرجل غضبه ولعنته. آه. لو أنني أذهب إليها ~~وأخبرها وأعود من فوري أن «يعوق» قد استجاب لها! لقد كانت تحسن إلي وترعاني. ثم أليس من ~~حقها علي أن أودعها وأخبرها بما جرى لتتدبر أمرها؟ ستظن إذ لم يعد إليها ولم أعد أنا أيضا ~~أننا خرجنا وراء طريدة فتنتظر وتنتظر على غير جدوى وحيدة بين مراتع الوحوش. # قال ورقة: ويحك يا رؤبة. إنك لتغريني بالصعود إليها بكل وسيلة، وتلقي علي تبعة ما تلقى ~~المرأى في وحدتها. هلم، وسارا نحو مصعد الجبل. فقال رؤبة: ما أشد مروءتك يا سيدي. فأجاب ~~ورقة: قد أكون كما تقول، ولكني أخشى أن أضيع المروءة من شرعة أخرى. إني قاصد نجران كما ~~تعرف في مهمة، ولا بد لي أن أدرك قافلة مكة. إنها ترحل في بكرة الغد، ونحن الآن في الضحى. ~~قال رؤبة ضاحكا: وستجهد الشملالة لتبلغها في حينها! أراك يا سيدي تجهل الطريق! إنك الآن ~~على مرحلة واحدة من نجران، ومن الميسور أن تبلغ مكان القافلة في العشي ما دمت على ظهر هذه ~~العصوف، ms050 وما دمت معك أريك درب الهارب. # وفيما هما يميلان إلى الصعود انخرط عليهما من منعطف الطريق بعير محمل عليه رجل قليل ~~الجسم، صغير الوجه، مغضنة، جعل على رأسه عصابة تستر قذالة وتغطي فمه، وإلى جانبه سيفا، ~~وعلى كتفه اليسرى قوسا وكنانة. # لم يكن الدرب واسعا حتى يمر بعيران، ولا كان الصاعد يتوجس ورود هابط من أعلى الجبل، ~~وهو فيما علم قد خلا من صاحبه، ولذلك فزع ورقة، وزعم على الفور أن الغلام كان يستدرجه إلى ~~موقف لا مفر من الهلاك فيه. فسرعان ما جرد سيفه واستعد للقتال، ولكن الراكب لم ينذعر ولم ~~يأبه لشيء إلا لما أصاب بعيره من الذعر لدن هذه المفاجأة. فقد زلت خفافه واندفع منزلجا على ~~الدرب حتى اصطدم بالشملالة، ولولا ذلك لرمى عنه راكبه وما حمل، وكان ورقة يتأمل هذا الراكب ~~في أثناء ذلك فوجده شيخا ضئيل الجسم كأنه غلام لم يشب عن الطوق، فأغمد سيفه على الفور. ~~وقال الراكب : لا بأس عليك يا فتى. عم صباحا، وعش دهرا طويلا. فما كاد رؤبة يسمع الصوت ~~حتى صاح من فرحه: أهو أنت يا خالة! ثم ضحك سرورا وقال مازحا: ما أمثلك بفوارس كسرى! سيف ~~وقوس ولثام. ما عهدي بك تحسنين التدليس! ولكن يعوزك الدرع. ألم تجدي درعا؟ أعرفت ما لقي ~~عدوك؟ لقد قتله هذا البطل وتركه عند الوقيعة طعاما للذئاب! قالت: أعرف ذلك. لا شلت يمينك ~~يا بني. ذهبت إلى الحوض أغترف لطعامه وسمعت وحيه فأدركت أن هناك فريسة يتصيدها فأطللت في ~~حذر. رأيتك ففرقت لشبابك، وتذكرت شرور الرجل فهممت أن أرميه بحجر لأقتله قبل أن يصيبك أذاه. ~~ولكني لم أقو. فعدت إلى الماء أملأ الماعون، وأنا أصلي ليعوق أن ينقذك، وتمتمت بكلمات ~~الدعاء فرماني بحجر وقع على الماعون وصات فغضب لما جرى، ونظر إلي نظرة وعيد عرفت ما بعدها. ~~فأخذت الماء وانصرفت، ولكني غافلته وانتحيت بعيدا، وأخذت أراقب ما يجري، وأنا لا أفتر عن ~~الدعاء إلى يعوق أن ينقذك، وقد أنقذك! رأيت كل شيء، وسمعت كل ms051 شيء. رأيت رؤبة وقد أصابه ~~السهم ووددت لو ألقي بنفسي من الجبل لأسعفه، ثم رأيتك ترتمي على الأرض وتصرخ فما شككت في ~~أنك قضيت، وكم كان عجبي وفرحتي عظيمين حين رأيتك تنهض لترمي الرجل وهو معلق بالصخر وترديه. ~~عندئذ سقطت أنا كذلك لفرط ما نالني من الفرح بنجاتك، ولم أفق من غشيتي حتى رأيتك تحادث رؤبة ~~وتحمله معك رديفا، فأيقنت أنك ذهبت به، وأني أصبحت في هذه الأرض وحيدة. فحملت ما في الدار ~~لأرحل إلى يعوق، أنحر له واهدي شكرا له على استجابته دعائي. على أن لي في جواره أهلا ~~وخؤولة أرجو أن تكون الأيام قد أبقت لي على بعضهم لأعيش في كنفهم، ولكني لا أدري لماذا تصعد ~~الجبل؟ تراك ملتمسا مقيلا أو منزلا إلى غدك فأعود معك لأقوم على خدمتك؟ قال ورقة: شكرا ~~لك. إني وحقك طالب نجران، وما أملك للتلوم وقتا، ولكن رؤبة لم يطاوعه قلبه فيرحل قبل أن ~~يودعك. قال رؤبة : حملته على الصعود لأخبرك بمصرع الباغي، فقد زعمت أنك كنت في الدار على ~~عادتك فلم تسمعي شيئا. أردت أن أنزل في قلبك المسرة، وأكون لك فيما تدبرين، ثم أودعك، ولقد ~~أغريته بما ترك من السلاح؛ إذ هي مطمع الفارس، ولكنه لم يهتم؛ لأنه في مهمة، فذكرتك له ~~وذكرت ما كنت تلقين من الرجل، وما كان من برك بي في إساري، فلم يسعه إلا أن ينزل على رجائي ~~وإن لم أعلنه له؛ ليمكنني من أداء حقك، ورضي أن يتعوق. قالت الشمطاء وقد أخذت بمروءة ورقة: ~~إنك لسيف الله ونقمته أيها الفتى. لك شكري وشكر الله على ما فعلت. أما السيوف والقسي ~~فإليكها. ها هي ذي على جانب الرحل. انقلها يا رؤبة. لقد زعمت أن رؤبة حاملك على الرحيل ~~فحملتها. لا حاجة بي إليها، ولا هي من حقي. أما الزاد والبعير فما أنت في حاجة إليهما كما ~~أرى. إني راحلة إلى خيوان # 1 # بلاد يعوق كما ذكرت، ولا بد لي منهما فيها. قال ورقة: صدقت. هي لك وما ms052 لي بها ~~من شأن. في سلامة الله يا خالة. لو كان طريقك معنا لصحبتك، ولكني ذاهب إلى نجران. قالت: في ~~سلامة الله وبركته. هنا المفترق إذن. سأدعو لك دائما، وكان رؤبة قد تناول منها لفافة ~~السلاح ووضعها في جوالق الناقة، وودعها ودعا لها، وقبلته وقبلها ودعت له، وفيما هي تهم ~~بالمسير تناول ورقة من جيبه قبضة من المال الذي كان قد فاض عن وعائه حين كان يرده إليه ومد ~~بها يده وهو يقول: إليك هذا يا خالة زادا لبعض أيامك في خيوان. فترددت المرأة في قبوله، ~~ولكن ورقة ألح، وتدخل رؤبة مغريا على عادته، فقبلته شاكرة، وإذ مدت كفيها لتأخذه أخذت ~~تتأمله فوجدت في النقود قطعا ذهبية لم ترها في حياتها. فقالت: أهذه الصفراء دنانير؟ قال: ~~نعم. قالت: لا يا بني. لا. خذ الدنانير. ما لي حاجة بها. قال: بل أبقيها فما هي بكثير، ~~ولعلك تحتاجين إليها. قالت: وددت لو أرد لك جميلا، ولكني لا أملك إلا الدعاء. قال: في ~~وديعة الله يا خالة. قالت: وفي وديعة الله أنت يا بني وأنت يا رؤبة أستودعك الله، وما كاد ~~يلتفت عنها ورؤبة يدعو لها حتى تذكرت أن معها خرزات كانت تعتز بها، وترى أنها عصمتها من ~~كل شر فيما مضى، ولا بأس أن تنزل له عنها الآن. قالت: مهلا يا بني. خذ هذه الخصمة للدخول ~~على ذي السلطان والخصومة. اجعلها تحت فص الخاتم أو زرا لقميصك، أو في حميلة سيفك فإنها ~~عاصمتك من الأذى، ومنيلتك غاية المشتهى. فتناولها منها مبتسما وشاكرا، وقالت: وأنت يا ~~رؤبة، خذ هذه الوجيهة هذه العقيقة الحمراء، # 2 # لرضى الناس عنك. إنها من أندر خرزات اليمن فهي مما يلفظه يعوق يوم عيده، ~~فيلتقطه السدنة ويغالون به. إنها مما ورثته عن أمي وجدتي. # تقبل الفتيان منها هديتها باغتباط وشكر ارتاحت نفسها إليه؛ لأنها كانت تود أن يكون لها ~~شبه يد في مقابل أياديه عليها، وعلى هذا مضت تلتمس الطريق وهي لا ينقطع لها دعاء. # كانت الشمس قد علت ms053 وأضحت، فقال ورقة لرؤبة وهو يعود إلى الدرب بناقته: إياك أن تغريني ~~بشيء بعد هذا، إنك إن تفعل فلن أستمع لك. فضحك رؤبة وقال: لم يبق ما أغريك به إلا المسير. ~~خذ إلى يمينك. # لم يكن ورقة في حاجة إلى أن يوجه الناقة، فقد كانت قلقة طول مدة التقائهما بالشمطاء، وما ~~إن لوى عنانها نحو الدرب حتى انصرفت إليه جارية كأنما هي أرقم يلتمس وكره؛ لأنها كانت تعرفه ~~من قبل، وكانت الخميلة طريقها فيما ضريت لولا أنها لم ترها من قبل مقطوعة بأعجاز ~~النخل. # سارت في طريق الجبل، وكانت تسبق رؤبة إلى الدرب قبل أن يدل عليه بالقول أو بالإشارة فتعجب ~~لها، وأدركه شيء من الخجل؛ إذ لم يعد يرى نفسه في منزل الدليل العظيم الفائدة لرفيقه. فقال ~~لصاحبه وهو خجل من نفسه: لا أراني والله أستحق أن تحملني الناقة على ظهرها، فإن معك دليلا ~~أبصر مني بالطريق وأعجل. لكأني بالناقة ... فضحك ورقة لهذا ضحكا لم يسبق أن امتلأ صدره منذ ~~ما غادر مكة يطلب العقاقير والطب في اليمن. ضحك لصراحة الغلام فيما استشعر، وطيب خاطره فقال ~~له: بل إن حديثك معي أثمن من كل شيء. # وإذ وجد رؤبة من رفيقه ارتياحا إلى الكلام المزهر ترك للناقة أمر الطريق، ولم ينقطع عن ~~مؤانسته بما لديه من أخبار اللص، ومشاحناته مع الشمطاء خالة امرأته، وكيف أنه حملها وهي كما ~~رأى من الضعف على تعلم الرمي بالقوس؛ لتكون له عونا عند الحاجة، وكيف كان يذمها إذا هي ~~أخطأت المرمى، ويضربها على إضاعة السهام سدى، ويحملها على تدلي الجبل للبحث عن النشاب ~~الطائش حتى لم تجد المرأة بدا من أن تتعلم صناعة السهام من خشب الغضا، # 3 # لتعوضه مما يضيع، وكيف أنها وقفت دونه مرة لتطلق عليه الوتر إثر ما ضربها ~~فصاح في وجهها وسقطت هي والقوس ذعرا، وورقة يضحك من رواياته ويعجب لاختياراته إلى أن صعدت ~~بهما الناقة تبة عالية لاحت نجران من أمامها تحت نخيلها وأشجارها ناصعة في شمس المغيب كأنها ms054 ~~ملاءة بيضاء مبسوطة في عرصة الدار، ولاحت قافلة مكة في مكانها من سفح الجبل على كبرها وكثرة ~~حمولها وعددها، كأنما هي رقش يزين حواف هذه الملاءة. # طرب ورقة لرؤيتها وأمل أن يجد فيها الجيرة والأصدقاء؛ لأنها قافلة مكة بيد أنه قدر أنه ~~غير بالغ نجران قبل أن ينقضي الهزيع الأول من الليل، ولكن رؤبة استمسك برأيه؛ لأنه رأى ~~الناقة تطوي الطريق طيا فهي لا بد أن تدركها قبل انقضاء العشية. # ولقد صدق حدس رؤبة وتقديره، فقد بلغا نجران في العشية مع غيرهم من ركبان تأخروا في الورود ~~مثلهم إلى نجران، وكانوا راحلين في القافلة إلى ديار مذحج # 4 # فانصرفوا إلى مستقرها. أما ورقة فلم يذهب معهم بل التمس الطريق إلى الكنيسة في ~~ذراها، وخاض غمار الناس؛ إذ كانوا عائدين من سهرتهم مع القافلين. # الفصل السابع # | حراس الباب # اخترقت الناقة براكبيها بلدة نجران حتى انقطعت دورها، ولم يبق من مبانيها إلا الكنيسة ~~قائمة في ذراها. فمضى إليها مصعدا، وكان القمر في تلك الساعة قد بزغ، ولكنه كان قمرا ~~منقوصا؛ لأنه كان في الثلث الأخير من الشهر، فلم تستفد منه إلا ناحية الشرق من نجران. أما ~~ناحية الغرب فظلت في عتمتها حتى علا قبيل نهوض القافلة. على أن الكنيسة وقفت في ضوء القمر ~~إذ ذاك وباتت تلقي ظلها الأدهم على ما جاورها، ولولا قنديل باخ ضياؤه كان معلقا على بابها ~~ما عرف ورقة أين هي؟ وإن كان قد سبق له أن قصدها ودخلها وقضى زمنا بها حين نزل مع أستاذه ~~الحارث ابن كلدة الثقفي الطيب وولده النضر ضيوفا على الأسقف يوم جاء الأستاذ بامرأته ~~الرومية هرميون وابنته لمياء مهاجرا إلى نجران. على أنه استعد للقاء الأسقف، فأخرج رسالة ~~إسحاق من رحله، وأوصى رؤبة بانتظاره حيث ينيخ حتى يعود إليه. # بلغ ساحة الكنيسة فأناخ، وذهب من فوره إلى الباب، وكان بابا عريضا لا يفتح إلا في ~~المواسم الكبيرة. أما في الأيام العادية فكان دخول الكنيسة من خوخة فيه. على أن هذه كانت ~~مقفلة ms055 أيضا، ولكنه كان يعلم أن للأسقف في جانب من فناء الكنيسة من داخلها منزلا ذا ~~طبقتين، سفلاهما تشتمل فيما تشتمل على حجر لبعض الشمامسة؛ ليكونوا في حراسته وخدمته. فإذا ~~هو قرع فلا شك أن يسمعه أحد هؤلاء الحراس ويفتح له، ولذلك قرع الخوخة في انتظار من يفتح له. ~~ولكن لم يجبه مجيب وعاد إلى القرع مرة بعد أخرى فلم ينتبه له أحد من أهلها. فحار ورقة ماذا ~~يفعل، وعاد إلى مبرك الناقة يستأنس برأي رؤبة وإن لم يؤمل أن يهديه إلى صواب. على أنه ما ~~خطا نحوه بضع خطوات حتى خيل إليه أنه يسمع بعضهم من داخل الكنيسة ينادي بصوت ضعيف، يا ~~جريس، يا حنا. فعاد أدراجه في انتظار أن يجيبه جريس هذا أو حنا، أو المنادي نفسه ولكن لم ~~يأته أحد. فأخذ هو ينادي عليهما من ناحيته ويطرق الباب علهما يسمعان، ومع ذلك لم يجبه أحد ~~فسكت وسكت الصوت الذي كان ينادي من الداخل، وعاد ورقة إلى ما كان فيه من الضيق، ولكنه خشي ~~أن يذهب أثر ذلك النداء سدى بطول سكوته، فأخذ ينادي الأسقف نفسه: يا مولانا الأسقف! رسالة ~~إليك! رسالة! ولكنه لم يوقظ بندائه هذا اهتماما من أحد. إلا أنه سمع صوت يد تعالج مزلاج ~~باب الخوخة وتحاول جره من عضادته فأفرخ، ولكن الباب لم يفتح، فقد كان المزلاج مستعصيا على ~~صاحبه حتى لقد يئس هذا من مطاوعته له فتركه، وأخذ يسأل بصوت مبهم: من الطارق؟ ولكنه كان ~~سؤالا لا يراد به جواب، سؤال مخمور تشتهي نفسه أن يترك لينام، ولذلك لم يجبه ورقة، وإنما ~~أمره بشدة أن يفتح الباب، وشتمه، فتنبه المخمور وجمع قواه وجر المزلاج فانفتح الباب وسقط ~~الفاتح وراءه. # تنفس ورقة الصعداء، وأخذ يتأمل الفاتح، فإذا هو رجل بادن شحم في الأربعين من العمر، عاري ~~الرأس، مدلى الشعر طويله، مثقل الجفنين مقفلهما، مفتوح الفم، مدلى الشفتين غليظهما، حافي ~~القدمين قذرهما قد ارتدى جلبابا أسود مشقوق القبة إلى مدى بعيد لاح من ورائه صدرا كأنه ms056 ~~نام ولم يخلعه، وكانت تفوح ريح الخمر من كل نواحيه، وإذ اعتاد من يفتح الباب ولاسيما في ~~الليل أن يسأل: من الطارق؟ فقد سأل هو كذلك: من الطارق؟ وما كاد يبين، وإذ لم يكن يهمه ~~الجواب استند إلى عضادة الباب، وانحنى على ذراعه وغاب عن الوعي نائما، ولكن ورقة لم يتركه ~~يهنأ بهذه اللحظة فناداه ليوقظه: هيا جريس! أفق. جريس! أفق!! لعن الله الخمر وشاربها. يا ~~جريس! قل لمولاك الأسقف إني آت إليه برسالة من أمير صنعاء. فلم يهتم الرجل لهذا الكلام. ~~وإن كان قد فتح فاه للجواب، ولكنه ما تهيأ له إلا ليصحح اسمه فقد استطاع حسه في أول تنبهه ~~أن يدرك أنه سماه جريس، وليس هذا اسمه. فاشتغلت نفسه بذلك وهو وسنان فرد يقول: أنا حنا. ~~وأشار بيده إلى حيث ظن أنه ساحة القافلة وقال: جريس ... ثم عاد إلى سباته. # وكان في عرصة الكنيسة شخص آخر يسمع هذا ويرى. امرأة مسنة من أهل بيت الأسقف كانت قد ~~استيقظت على القرع، وأدركت أن الحراس لم ينتبهوا فنزلت لتوقظهم، وإذ رأت حنا مخمورا لم ~~يسعها إلا أن تتقدم إلى الباب لتنوب عنه في لقاء الطارق، ورآها ورقة قادمة عليه فعرف أنها ~~بربارة قهرمانة بيت الأسقف، فلم يمهلها حتى تلقاه، وقال: معذرة يا خالة وعفوا. إني أنا ~~غلام الحارث بن كلدة إن كنت تذكرين. كيف حالك وحال مولانا الأسقف. قالت: مرحبا بورقة ~~وأهلا. ثم قال: ما كان لي أن أزعجكم بطروقي في هذه الساعة من الليل لولا أني رسول من ~~صنعاء، جئت لمولانا الأسقف برسالة من أحد الأمراء، ولا بد أن يطلع عليها الآن، وإلا ذهب ما ~~لقيته من المتاعب من أجله سدى، وهاهي ذي. أرجو أن تقرئي مولاي الأسقف تحيتي وسلامي، ~~وتسلميها إليه على الفور. ثم قدم الرسالة إليها. فتناولتها منه وقالت: حبا وكرامة، ~~ولكنها لم تجد من حقها أن تدعوه للدخول حتى تعلن سيدها بأمره. فاكتفت بأن كررت قولها حبا ~~وكرامة. انتظر حتى ألقى سيدي وآتيك بجواب. ثم التفتت ms057 إلى الحارس فوجدته قد قعد ونام فتناولت ~~يده لتنهضه، وساعدها ورقة على إنهاضه، وأخذت تنبهه وتقول له: تعال يا حنا، تعال. عد إلى ~~مرقدك، ونم ملء جفنك. ما أصلح مثلك للحراسة والخفارة! ثم أخذت تسانده وسارت وسار معها في ~~ثقل النائم مجانبا، مندفعا وناكصا حتى إذا بلغت به باب غرفته أمرته أن يدخل وينام. فتنبه ~~لهذا ودخل، وارتمى، وسمع ورقة لسقطته عجيجا فضحك في نفسه وأسف ألا يتعظ الناس بمثل ذلك ~~فيتجنبوا الخمر. # وفيما هو ينتظر عودة القهرمانة سمع من ورائه وقع أقدام تتخبط في الطريق على غير هدى، وسمع ~~معها وعيدا خائرا. فالتفت فإذا هو يرى رجلا يتقدم نحو الباب ويسير متجانفا. فخطر على ~~باله أنه جريس الذي كانت القهرمانة تناديه هو وحنا، وكان الرجل جريسا حقا، ولكنه لم يكن ~~كصاحبه متفضلا عاري الرأس حافيا ولا مخمورا مثله وإن كان على ملابسه أثر من السقطات ~~واللطمات ورقع من الروث والأوحال. فلقد استطاع حسه أن يدرك أن بالباب رجلا، وأن هذا الرجل ~~يحمل سيفا وأنه متجه إليه، وزاد تنبهه حين رأى ورقة أن يلهو به قليلا وينبهه، ويقول له: ~~مرحبا بجريس الهمام! وأن يتراجع جريس الهمام، ثم يفزع، وينظر إلى وجهه متأملا ثم يرتد ~~جاريا صوب الزريبة خوفا منه وهو يقول: وحق القديسين جميعا ما أنا الذي سرق السقاء بل هو حنا والراقصة، ولذلك سكر وحمله الناس ~~على حماري ليعود إلى الكنيسة. قال ورقة وقد استطاب أن يستمر في عبثه معه: تعال لا توجل، ~~هنيئا لك ولهم ما شربوا، ولكن خبرني لماذا لا أجد أثرا للحمار معك. ألم يعودوا به إليك؟ ~~قال وهو متنفخ متغيظ: اللعين ميكال! قال ما خطبه؟ قال: لم يرد أن يحرم نفسه شهود سامر القافلة، فما كاد أصحاب حنا يلقونه في مرقده حتى أفاق وركب ~~الحمار، وجاء إلينا؛ ليأخذ نصيبه من هذه الليلة النادرة. قال ورقة: أراه أحسن صنعا، ولكني ~~أراك عدت ماشيا. لماذا لم تعد على حمارك؟ بعد ما عاد به إليك ميكال؟ # قال: لأن ms058 ميكال اللعين غافلني وترك السامر قبل أن أتركه؛ ليظفر بركوب الحمار دوني ويعود. ~~قال ورقة: كان حقا عليك أن تجري وراءه وتأخذ حمارك منه بالقوة. قال: لقد فعلت ولكنه أبى. ~~واجتمع الناس علينا فقال لهم: إنه أخذ الحمار من باب الكنيسة ولا يدري حمار من هو، فإذا ~~تركه لي كان مفرطا في حق الناس، وأصر ألا يفارقه إلا هناك. فحكموا له ألا يسلم الحمار إلا ~~عند باب الكنيسة عينا. # قال ورقة: وأنت رأيت العدل فيما قال وما حكموا! قال حنا: نعم. إنها لحجة بالغة وإن كان ~~الحمار حماري. قال ورقة: لأن الحمير تتشابه. قال: صدقت، هذا ما احتج به ميكال، وقد أقره ~~الجمع على ذلك. فضحك ورقة ملء شدقيه، وقال: يعجبني من الرجل أن ينزل على الحق وإجماع الناس ~~ولاسيما إذا كان أتانا مثلك. # كان هذا الحديث يجري ورؤبة يستمع، فما أن بلغه قول ورقة في جريس أنه «أتان» حتى ضحك ضحكة ~~عالية رنت في ساحة الكنيسة فضحك ورقة وضحك جريس كذلك، ورأى ذلك وقتا مناسبا للدخول، ولكنه ~~تعجل فعثرت قدمه بعتبة الباب وهي عالية، وكاد يسقط على ما وراءها من الصخر لولا أن ~~القهرمانة كانت عائدة إلى ورقة بجواب الأسقف، فدفعته بذراعيها وحمته أن يقع، ولكنه ما كاد ~~يتبين أنها بربارة قهرمانة الأسقف وصاحبة القول الأعلى في البيت، حتى أخذ يتضرع إليها أن ~~تستر أمره فلا تبلغه إلى مولاها. فوعدته خيرا وانصرفت للحديث مع ورقة، وانصرف هو إلى ~~مرقده. # والواقع أن الحراس الثلاثة لم يطيقوا أن يحرموا أنفسهم الاشتراك في مسرات القافلة ~~وطيباتها من مأكول ومشروب وملموس، وكان حنا وجريس أشد رغبة في ذلك من ثالثهم ميكال، أو ~~أجرأ منه في مخالفة الواجب فاشتريا منه تبكيرهما في الذهاب بدرهمين على أن يلحق بهما إذا ~~شاء بعد أن ينام الأسقف، وعلى أن يترك الباب مفتوحا، وقد أغراهما رقص القيان وغناء الغلمان ~~بالإغراق في الشراب فكان ما كان، ولكن ميكال كان أشد حرصا من صاحبيه وأشد مكرا، فقد ترك ~~ساحة الركب ms059 ساعة أن رأى جريسا يتهيأ للعودة؛ ليسبقه إلى ركوب الحمار ويعود مرتاحا كما جاء ~~مرتاحا، ولكنه لما بلغ الكنيسة وجد الخوخة مقفلة، إذ كان حنا قد وضع المزلاج وراءها على ~~العادة؛ لأنه لم يكن في تمام وعيه، فلم يتنبه إلى أن له زميلا بل زميلين لا بد لهما أن ~~يعودا إلى مرقدهما مثله، ولذلك اضطر ميكال أن يستضيف الحمار فعاد إلى الإسطبل، ورقد في ~~مذوده ملء جفنيه! # أجابت القهرمانة ورقة بأن مولاها الأسقف اهتم للرسالة، وعزم أن يوقف القافلة إجابة لرجاء ~~الأمير، ولكنه لما كان مشغولا بالصلاة فسيدعوه إليه إثر انتهائها فلم يبق إلا أن يدخل ~~حموله ويريح مطيته وينتظره، ولكنها لم تجد بدا من أن تتولى هي العناية بشأن ورقة ومطيته، ~~بعدما رأت من حال الحراس، واستعانت على ذلك بورقة نفسه معتذرة إليه بما رأى وما سمع. فرجت ~~منه أن ينقل حموله إلى فناء الكنيسة؛ لتكون في صونها، وأن يسير براحلته إلى حظيرة ~~الدواب. # فعل ورقة كما رأت القهرمانة شاكرا فضل الأسقف وبرها، وفيما هو يسألها عن مكان يرقد فيه ~~تابعه رؤبة، ويشير إلى مصطبة هناك بجوار الباب ويستحسنها مرقدا للغلام سمع صوتا يناديه ~~ويحييه من كوة في علية: عم صباحا يا ورقة. اصعد إلي، ولقد كان الصوت ضعيفا فيه شيء من ~~أنين المرضى فلم يتبينه ورقة، ولم يعلم أنه الأسقف يناديه ويحييه، لولا أن نبهته القهرمانة ~~إلى ذلك فجهر يرد التحية معاجلا؛ ليستدرك لحظات تأخره عن الرد على الأسقف الكبير، وتقدمته ~~القهرمانة إلى السلم لتصعد به، ولكنها سمعت الأسقف يقول لها: أرسلي الشمامسة إلي. قالت ~~سمعا يا سيدي. ثم التفتت إلى ورقة وأشارت إلى غرفة الأسقف، وقالت: اصعد أنت وحدك. ها هي ذي ~~غرفته. لعلك لم تنسها. قال: أهي على عهدها منذ زرته فيها أنا والحارث وأهله؟ قالت: نعم، وهو ~~على عهده، ثم استأذنت منه في أن ترسل الغلام رؤبة؛ ليوقظ ميكال من مرقده في مذود الحمار. ~~ولكن رؤبة لم يمهلها حتى يطلبا إليه ذلك، فقد كان مرهف ms060 الأذن بما عودته صحراء القرضاب، وكان ~~عند باب الكنيسة ساعة نطقت باسمه واسم ميكال. فقال: سأنهضه على الفور وآتيكما به من غير ~~عنان! ثم اختفى ذاهبا إليه. # صعد ورقة للقاء الأسقف، وعادت القهرمانة لتوقظ السكارى، وهي لا تدري كيف توقظ أمواتا. ~~ولكنها استطاعت على كل حال أن تأتي بجريس وحنا ليقفا تحت الكوة حين كان رؤبة قد أتى بميكال ~~من الإسطبل مبلل الوجه واللحية من أثر ما صب على رأسه من الماء لينعشه، ولكنهم كانوا ~~متعبين فارتكن حنا إلى جدار البيت تحت الكوة وارتكن جريس عليه. أما ميكال فوقف فاتحا رجليه ~~بغير سبب. فلما رأتهم بربارة على هذه الصورة لم تتمالك نفسها من الضحك، وعلا صوتها فتنبه ~~الأسقف لها، وقال: ما خطبك يا بربارة؟ قالت: حضر الشمامسة يا مولاي. فقال لهم في صوته ~~الضعيف: اذهبوا إلى سلمان فادعوه إلي على الفور، وأوصوا أبناءنا من حداة الكنيسة وجمالتها ~~أن يؤجلوا الرحيل بالقافلة إلى الغد. قال الأسقف ما قال ولكن الشمامسة لم يسمعوا منه شيئا ~~كثيرا وإن كانوا قد أرهفوا سمعهم وحولوا آذانهم نحو الكوة، وإذ كانوا قد فهموا جملة الغرض ~~من إيقاظهم ولم يستطيعوا أن يستعيدوه أجابوا الأسقف بالسمع والطاعة، ومالوا للخروج إلى ~~القافلة وهم كارهون. وكان حنا أشدهم امتعاضا؛ لأنه كان أشدهم سكرا، فقال لرفيقيه، وقد ~~تحولوا نحو الباب بجوار مرقد الغلام: لماذا نذهب كلنا في أمر كهذا؟ دعوني هنا للحراسة ~~واذهبا أنتما. قال ميكال: بل أبقى أنا وتذهب أنت؛ لأني يقظ أما أنت فسكران والمشي نافع لك ~~والهواء ينعشك، وإذ أخذ جريس يقترح أن يكون هو الذي يبقى دونهما ولا يبدي سببا لذلك، تدخل ~~رؤبة بينهم فقال: أما ورب يعوق لئن لم تنتهوا وتدعوا هذا الكلام الفارغ لأعلمن مولاكم ~~بسكركم ورقصكم وسرقتكم سقاء سيدي، وحديث الجارية التي كانت مع أحدكم، و ... فلم يمهلوه حتى ~~يتم وعيده، وخرجوا يقفزون عن عتبة الباب قفز التيوس في سبيلهم إلى القافلة؛ ليبلغوا سلمان ~~ما بقي في آذانهم من كلام القهرمانة. # الفصل الثامن # | ابن ms061 العفيفة # نترك ورقة يصعد إلى الأسقف ويلقاه، ونتركهما يتحادثان حتى يعود الشمامسة بسلمان. فلن ~~يستطيع القارئ تتبعهما ولا تبين ما هما بصدده، ولا معرفة من سيأتي ذكره في الحديث من رجال ~~ونساء، وحوادث وشئون، حتى يكون قد سبق له العلم بهؤلاء الناس، والوقوف على تلك الحوادث، وما ~~كان لورقة بن صليح، بل ورقة ابن العفيفة بكل منهم ومنهن من صلة وعلاقة. # من أجل ذلك نستميح القارئ عذرا من انصرافنا به من نجران ودار الأسقف في ليلة الربيع من ~~سنة 616 هذه، إلى مكة ودار خديجة بنت خويلد قبل أن يسعدها الله بتزوج خير الخلق محمد بن عبد ~~الله؛ لنعرض عليه حوادث عشرين سنة أو حوالي ذلك، كان لها أثر في ورقة حتى جاءت به إلى نجران ~~وغير نجران من بلاد العرب السعيدة. # سنعرضها عرض الحافظة مختزنها على المخيلة في المنام، فإذا عدنا به إلى نجران، وأدخلناه ~~على الأسقف يسمع حديثه مع ورقة، تفهم الحديث بلا عناء، وتعرف إلى الناس بلا ~~استئذان. ~~••• # كان ورقة مكيا ولكنه لم يكن قرشيا. لم يولد من أشراف العرب، ولكنه كان عنوان الشرف. ~~نشأ في ظلمة الفقر، ولكنه عاش في نور العلم والفضل. كانت أمه سبية تدعى تماضر من سبايا ~~رجل من أعيان مكة يدعى عبد الله بن جدعان، # 1 # جيء بها إليه من تخوم بني لحيان، # 2 # وهي طفلة في الرابعة عشرة من عمرها؛ وإذ كان هذا الرجل على عظم شأنه نخاسا له ~~جوار يساعين في مكة كما كان كثير غيره من عظماء قريش، # 3 # إذ كانت هذه التجارة السافلة مباحة فيها قبل أن يجيء بتحريمها الإسلام فقد دفع ~~بالفتاة إلى الفحشاء، وأمر عبده أن يخصص لها بيتا ويعلق عليه الراية البيضاء التي اعتادوا ~~أن يعلموا بها بيوت هؤلاء الجواري الشقيات. # نفذ العبد إرادة سيده، فأخذها إلى بيت كانت قد أخلته صاحبته بموتها وأنزلها فيه، والفتاة ~~لا تعلم ما يراد بها، ولكن فساق مكة كانوا قد سمعوا في أنديتهم بفريستهم الجديدة، فأجمع ~~نفر منهم على ms062 غشيان دارها، وأخذوا لليلتهم الليلاء حاجتها من غبوق وصبوح، ومزاهر وأعواد، ~~وذهبوا ليقضوا سهرتهم مع هذه الطفلة المسكينة يهديهم العبد متهللا، ويدعوها إليهم منبسطا، ~~ويعرضها عليهم مزهوا ومفاخرا، والفتاة لا تكاد تصدق ما ترى، ولكنها لم تجرؤ أن تفصح عما ~~ساورها من الشك في مآربهم، أو تبين عما تملكها بعد ذلك من الذعر من اجتماع رجال ذوي لحى ~~وشوارب في غرفة لها. حتى إذا دنا منها أبو سفيان # 4 # وكان أحد هؤلاء الفساق، وأخذ يداعبها أسفل مداعبة، رأت كفيها تتعاروانه باللطم ~~على عقنه ووجهه من حيث لا تدري. ثم هبت من مكانها صارخة صراخ من أصابته جنة، ومرقت من بين ~~الجمع مروق الهرة من النار، خارجة من دارها في حلكة الليل؛ حتى إذا لمست رجلاها أرض الطريق ~~ركضت في الظلام على غير هدى، تلتمس مهربا وحمى، والعبد يتابعها راكضا وراءها، ولكن ~~المسكينة لم تجد أمامها إلا بيوت أمثالها من الجواري، وانعطف بها الدرب فدخلت في طرقات ~~الشعاب المجاورة لبيت الله، ولكنها لم تجد فيها بابا مفتوحا ولا مصباحا منيرا؛ إذ كان ~~الناس نياما في أول الهزيع الثاني من الليل، وكانت تخشى إذا هي وقفت تطرق أحد الأبواب أن ~~يدركها العبد فيمسك بها ويضربها ويعيدها، فاستمرت تجري وتختبئ حتى لمحت في الحلكة نورا قد ~~انبعث على غير انتظار من منعطف باب، وخرج من هذا الباب شبح. فقصدت إليه وهي على آخر رمق. ~~فلما دخلته ألفت في ردهة الدار سيدة وقورة دون الأربعين من العمر يدل مطلعها على عظيم الخير ~~الذي ضمت عليه جوانحها. فلم تملك الفتاة إلا أن تلقي بنفسها على الأرض أمامها ضارعة بغير ~~كلام؛ إذ كانت قد استنفدت نفسها في الجري، ولكن السيدة لم يسعها وقد رأت علائم الذعر الشديد ~~على وجه الطفلة إلا أن تتقدم إليها فاتحة ذراعيها، وتأخذها في صدرها قبل أن تسقط على الأرض ~~أخذ الأم ولدها، وهي تقول لها: لا بأس عليك اطمئني، والطفلة غائبة عن الوعي، والسيدة لا ~~تدري سبب ذعرها، ولا تجد فائدة ms063 من أن تسألها وهي على هذه الحال، وإذا بالعبد يدخل الدار ~~لاهثا من شدة الجري، ويضع يده على الفتاة ليأخذها قسرا، وهو لا يدري من السيدة، ولا هي ~~تدري من العبد، وكاد يغلب السيدة على الفتاة لولا أنها صرخت في وجهه صرخة عرف عزة الكرام ~~من نبراتها، فكف يده عنها وتراجع، وإذا هو أمام خديجة بنت خويلد سيدة نساء قريش. تراجع ~~العبد مرة أخرى في خشوع، ووقف ينظر ما وراء ذلك، فلما هدأ نفسه سألته سيدة قريش: من أنت يا ~~غلام؟ فقال: أنا غلام عبد الله بن جدعان، وهذه الفتاة جاريته. قالت: وما خطبها، قال: أرسلها ~~مولاي لتحل محل جاريته «سريفة» التي قضت نحبها منذ أيام، ولكنها لطمت أبا سفيان وصرخت في ~~وجوه المخادنين، ومرقت في الشعاب آبقة. قالت: ألا ساء ما تفعلون. لاهم إن هذا منكر لا ~~يرضيك! اذهب إلى مولاك فادعه إلي. قال: لا أجرؤ يا سيدتي. قالت: ولا أنا أردها إليك. الله ~~أرسلها إلي لأعيذها منكم، ولقد أجرتها فاذهب أنى شئت. # أفاقت تماضر عند ذلك من غشيتها، ووجدت نفسها في صدر كصدر أمها، وسمعت حديث السيدة فأخذت ~~تبكي وتنشج في البكاء، والسيدة خديجة تطمئنها، وتمسح بيدها على رأسها لتسري عنها، وإذا ~~بغلامها ميسرة قد عاد؛ إذ هو الذي كان قد فتح الباب وخرج في حاجة عرضت لها، فأمرته أن يسير ~~بها إلى حيث يرقدها بجوار فراشها ويعود إليها. فقال العبد: ماذا تريدين من مولاي يا سيدتي؟ ~~قالت: أحادثه في شأنها وأبتاعها منه. قال العبد: حبا وكرامة يا سيدتي، لقد أذن لي مولاي ~~من قبل أن أبيعها بأربعين طبريا إذا رغب فيها راغب. قالت وإني لراغبة. هات يا ميسرة مما ~~لديك أربعين دينارا وزدها واحدا لغلام ابن جدعان. # فأتى ميسرة بالمال وعده للعبد، ثم زاده الفضل الذي أمرت به سيدته فأخذه العبد، وخرج ~~شاكرا مطمئنا. # وظلت تماضر في خدمة سيدتها ثلاث سنوات كانت محل الرعاية والإكرام من سيدتها إلى أن حدث ~~ذات يوم أن احتاجت سيدتها إلى سقيفة ms064 تقي تجارتها الشمس والأعاصير، فجيء لها بنجار كانت ~~تعرفه وترتاح إلى عمله، وكلفته عمل هذه السقيفة. # كان هذا النجار قد استقدمه أبو ربيعة المغيرة من مصر؛ ليصنع له نجر بيوت أقامها لأولاده ~~في بساتينهم في أرباض مكة. فلما أتم عمله وأصاب من ورائه رزقا طيبا آثر الإقامة في مكة ~~ارتياحا إلى العمل في بلد تقل فيه مهرة الصناع، وإجابة لإشارة سراتها، وكذلك عاش بين ~~ظهرانيهم عشر سنين يصنع لهم ما يريدون من النجر فإذا لم يكن لديه ما يشغله من حاجة الناس ~~عكف يصنع من خشب الساج الأسود تماثيل لهبل # 5 # ومن خشب السدر أو العرعر لغير هبل من آلهة الجاهلية ما بين صغيرة وكبيرة، بغير ~~ما تقيد بصورة، ولا تعمل لإتقان ويبيعها للأعراب مغاليا أيام مواسم الحج والاعتمار، وزاد ~~في إقبالهم عليه أنه كان يحفر على كل نحيته اسمها بالقبطية. # كان هذا النجار عربيا يدعى صليحا القبطي؛ إذ كانت كلمة قبطي نسبة تطلق على كل من يرد ~~من مصر من سكانها عربيا كان أو فارسيا أو أثيوبيا. فما كلمة قبطي التي أطلقها العرب ~~إلا تحريف لسانهم لكلمة جبت الرومية التي يعنون بها ما نعني الآن بكلمة مصر العبرية، ~~ويطلقها أهل أوربة جميعا على بلاد وادي النيل ما بين أسوان وبحر الروم، وما أهل مصر في ~~الحقيقة إلا أبناء العرب الرحل الذين وردوا إليها من قديم الزمان قبل مصاريم وبعده، وفي عهد ~~الرعاة وبعده، ولا سيما من شمالي الجزيرة العربية، كلما أجدبت بهم الأرض، أو اضطرهم الغالب ~~إلى النزوح، أولئك استوطنوها، ثم لم ينقطع سيلهم عنها كما لم ينقطع عن وادي دجلة والفرات، ~~وكان القديم منهم يعد نفسه أصيلا حتى يتقادم العهد على الجديد فيندمج في القديم، ويشترك ~~في تسميته الأجد دخيلا حتى يندمج هو أيضا، وهكذا إلى وقتنا هذا، وكانت لهم وفدة كبرى في ~~أيام الإسكندر إذ جاء العرب النبطيون إلى مصر ففتحوها له، واستقروا بها، وكذلك في الأيام ~~القريبة من البحرين والقدس أيام غلب العرب الغساسنة على بلاد ms065 بني سليح الضجاعمة في الشام ~~وبلاد القدس فهاجروا منها إلى مصر، كما فعل إخوانهم من قبل، وملأوا الوادي من شماله إلى ~~سيوط حين ملأ بنو أعمامهم السابقون والراحلون إلى مصر من أثيوبيا والنوبة ما بين أسوان ~~وسيوط من بلاد الوادي الخصيب، وإذ كان من عادة هؤلاء الأعراب أن يدخلوا في دين مصر، في ~~الوثنية والنصرانية، وجرى بينهم ما يجري بين أهل الدين الواحد من الاختلاط بالتزاوج، وتوحدت ~~مصلحتهم ووطنيتهم بإزاء سادتهم الروم الذين حرموهم بحق الفتح والغلبة حقوقهم الوطنية، فقد ~~أطلق عليهم الروم كلمة النسبة إلى جبت # 6 # أي مصر حين احتفظ لهم العرب بالنسبة إلى رومة، حتى بعدما انتقلت الإمبراطورية ~~إلى بيزانطة، ولم يهم الروم أن يفرقوا بين الأثيوبي والعربي؛ لاختلاطهم من ناحية، وتقارب ~~سحنتهم من ناحية أخرى، واتفاقهم في الدين من ناحية ثالثة، وهو أهم شيء. # فكلمة قبطي معناها مصري، أي: سكان مصر، وليس لها أي معنى آخر لولا أن بقيت للدلالة على ~~اتباع الملة اليعقوبية في مصر ولو كان روميا أو زنجيا أو ابن أمة. لا للدلالة على جنس ~~خاص. # كان صليح يعرف ذلك ويعتز به، ولكنه كان في الواقع عربيا خالصا، قريب العهد بديار العرب ~~ومثابتهم ولكنه إذ كان مسيحيا أطلق عليه لفظ النسبة إلى جبت فسمي القبطي. # كان أبوه غواصا ورد إلى الإسكندرية من سواحل بلاد البحرين؛ ليبيع فيها بعض لآلئ جاد بها ~~عليه بحر الفرس، وكان روم الإسكندرية أهل ثراء ورفاهية، فاشتروها منه بثمن كريم. ثم حلا له ~~المقام فيها، فاستوطنها واشتغل بصيد السمك فيها، وتزوج من أعراب حي رقودة في الإسكندرية، # 7 # وكان صليح يقول إن له إخوة برقودة، وأن له في مريوط خؤولة كثيرة، وأن أهل أبيه ~~لم ينقطعوا عن الورود إليهم من الحيرة، وهم في سبيلهم في قوافل برقة وطرابلس أو قوافل القدس ~~والحيرة. # وكان ميسرة غلام السيدة خديجة - رضوان الله عليها - يعرف هذا النجار ويحبه، وكلما مر به ~~في سوق حزورة قضى معه بعض الوقت يتحدث ويسائله عن مصر والإسكندرية ms066 ويتعجب لرواياته، ومن ثم ~~عرفته السيدة خديجة! فقد كانت كلما جدت لها حاجة إلى نجر ذكره لها ميسرة، وجاء به إليها ~~فأتم لها العمل على أحسن وجه، وأكرمته فوق حقه، ولذلك جاء به ميسرة إليها هذه المرة أيضا. ~~كان صليح أعزب في الثلاثين من عمره يوم جاء إلى مكة، ولكنه لم يكن يفكر في الزواج انتظارا ~~ليوم عودته إلى بلاده. فلما استقر رأيه على البقاء في مكة خطر له أن يتزوج، ولكنه لم يكن ~~يدري كيف يحقق رغبته في مكة، وليس فيها إلا قرشيون لا يزوجون مثله، وإلا فتيات من جواريهم ~~ليس من كرامته أن يخطب إحداهن لتكون أما لأولاده، وما كان يعرف فيما وراء مكة أحدا ممن ~~يمكن أن توجد بينهن إنسانة تليق أن تعاشره وهو ابن الإسكندرية المتحضر. فلما جاء يصنع ~~السقيفة لسيدة قريش خطر له أن يبدي حاجته إليها على لسان ميسرة، ويلتمس منها العون في ذلك ~~واثقا أنها ستهديه إلى الزوجة الصالحة، ولكنه رأى في منزل السيدة خديجة فتاة في السابعة ~~عشرة من عمرها فتاة حسنة الطلعة، على وجهها كرامة لم يعهدها في كثيرات. فمال إليها قلبه، ~~واحتال في سؤال ميسرة عنها. فلما علم أنها جارية مولاته تعلق بميسرة يرجو منه أن يفاتح عنه ~~السيدة العالية في شأنها؛ لأنه لا يجرؤ أن يتكلم بحاجته، وأوصاه أن يذكر لها أنه عزم أن ~~يستوطن مكة، فلا خوف من رحيله بجاريتها التي علم من ميسرة أنها تؤثرها على سائر جواريها. ~~على أن السيدة رضيت بزواجها منه بلا شرط، ولكنها رأت أن تستأنس برأي الفتاة، وتستشير ابن ~~عمها وعظيم أسرتها ورقة بن نوفل في هذا الزواج. فوافق، ولكنه اشترط أن يكون الزواج على سنة ~~قريش، وأن يجري بدار قصي بن كلاب # 8 # لا على سنة أهل مصل المسيحية، واشترط كذلك أن يقلع عن صناعة الأوثان ويعيش من ~~النجر وحده. كذلك جرى الزواج، وزفت تماضر إلى صليح في إعزاز وإكرام في دار وهبها لها سيدها ~~ورقة بن نوفل، ولما ولدت أول ms067 غلام سمته باسمه، إذ كانت تحبه وتجله لفرط بره بها؛ لأنه كان ~~رجلا بعيدا عن الدنايا التي انغمس فيها أهل مكة، وتزعم - لتقواه - أنه نبي أرسله الله ~~لهداية العرب، وذلك لأنها كانت تسمعه يدعو الناس إلى عبادة الله واتباع ملة إبراهيم، ويعيب ~~عليهم اتخاذ الأوثان آلهة من دون الله، ويعيب على قريش تمسكهم بهذه الأحجار، واستغلالهم ~~مكانتهم في ابتزاز الأعراب الذين يردون من كل الجهات ليطوفوا ببيت أبيهم إبراهيم، في مواسم ~~الحج والاعتمار. # ولما تزوج عليه السلام بسيدة قريش بعد ذلك بعام أخال أنه لما عرف قصة الفتاة ونفورها من ~~الخنى عزها وأكرمها، وأخال أنه نعتها بالعفيفة تكريما لها، وأنه لما رزقت بولدها كان ~~يداعب ولدها ويحسن إليه، وأخال كذلك أنه # صلى الله عليه وسلم # كان إذا ناداه قال له: يا ابن العفيفة. # 9 # ومن ذلك الحين سقطت عنه النسبة إلى صليح، وصار يدعى ابن العفيفة، وأكرم به اسما ~~ولقبا. # الفصل التاسع # | الأمين # ظل الغلام في بني هاشم ونوفل مرعي الجانب محبوبا؛ لحبهم لأمه، ولأنه كان على شيء ظاهر من ~~الذكاء، وعفة النفس. كما أنه كان حلو الحديث سريعا إلى إجابة سادته إلى ما يطلبونه إليه من ~~المهام. بيد أن ابن نوفل كان أشدهم تعلقا به وأرعاهم له إذ لم يكن له عقب، حتى لقد شغل ~~نفسه بتعليمه القراءة والكتابة، وكان العارفون بها في مكة قليلين، # 1 # ولذلك صار لابن العفيفة مقام في مكة على صغر سنه، وصار يقرأ للناس ويكتب. ~~وأخال أن منهم سيدته أم المؤمنين، وإن كانت ممن تعلموا القراءة والكتابة. # كان عمر الغلام في ذلك الوقت عشر سنين، وكان قد حدث سيل في مكة انحدر إليها من شعابها ~~ووديانها فصدع بناء الكعبة لقدمه، وأذاب في تياره كثيرا من بيوتها، # 2 # وأغرق عديدا من أهلها، وكاد يذهب بورقة وأهله لولا أنهم اعتصموا ببعض الجبال. ~~وإذ كان لا بد لقريش أن تعيد بناء هذا البيت المقدس، بيت أبيهم إبراهيم وأمهم هاجر أم ~~إسماعيل، الذي يطوفون به، وينسل إليه جميع ms068 القبائل العربية من أصقاع جزيرتهم المترامية ~~الأطراف، والذي يجعل لهم من سدانته وحجابته وسقاية حجيجه ورفادة أهله شأنا أي شأن؛ فقد ~~أجمعوا على بنائها في أحسن تقويم، وان يسقفونها حتى لا تبدو كما كانت في كل عهودها الماضية ~~عارية معرضة للأعاصير، وإذ لم يكن يوجد من مكة بناء يحسن البناء بالحجر، ولا في أسواقها ~~ما يحتاج إليه من أدوات العمارة، اللهم إلا أحجارها المقدسة فكروا في إرسال وفد منهم إلى ~~مصر؛ لشراء حاجتهم من الخشب، وليستقدموا معهم بناء خبيرا بعمارة بيوت الله، ولكن حاجتهم ~~إلى البناء الماهر وأدوات البناء الصالحة لم تطل فقد حدث أن دفعت الريح إلى شاطئ ~~جدة # 2 # سفينة كبيرة كانت محملة بالأخشاب والرخام ~~والحديد وسائرة في طريقها إلى الحبشة لبناء كنيسة هناك. اصطدمت السفينة بصخور المرفأ صدمة ~~شديدة أتلفتها حتى لم تعد تصلح للمسير، وكان لا بد من تفريغ شحنتها، وإلا تناولها البحر. ~~يومئذ تكاتف أهل جدة على إنقاذ شحنتها وحملها في قوارب صغيرة سالمة إلى البر، حتى يعدوا ~~سفينة أخرى أو سفنا صالحة لتحملها إلى بلاد النجاشي. # ولكن القوم تسامعوا في مكة بخبرها، فجاء وفد أعيانها ليأخذوا حاجة البيت من أخشابها، ~~ويدفعوا ثمنه سواء رضي صاحبها بالبيع أو لم يرض. غير أنهم لم يضطروا إلى ذلك فقد أجاب صاحب ~~السفينة طلبهم على الفور، وإذ عرف مقصدهم عاد معهم إلى مكة؛ ليرى ما هم بصدد بنائه. # كان الرجل روميا من أهل بيزنطة يدعى باقوم، # 2 # وكان ~~رجلا وديعا طيب الخلق في الخمسين من عمره. بدأ حياته بناء في القسطنطينية، فلما تولى ~~الإمبراطور موريقس # 3 # ود أن يستغني عن مسترزقة الجند من الصقالبة والأرمن والعرب بجنود من أبناء ~~الروم أنفسهم، فكان باقوم أحد هؤلاء. # وبقي باقوم عشرين سنة في الجندية لم ير فيها خيرا، ولم يتزوج، ولم يستقر بمكان إلا يوم ~~أسعده القدر فكان من حرس أحد قصور الإمبراطور، ولكن هذه السعادة لم تطل، فقد قتل ~~الإمبراطور بعد تعيينه في الحراسة بقليل، ودارت الدائرة على أقرب الجند ms069 إليه، وإذ كان باقوم ~~أحد هؤلاء الأقربين في نظر الثوار فقد كان أوشك أن يذهب ضحية هذه الأوهام لولا أنه اختبأ، ~~وفر قبل أن يكشفوا مكمنه. # فر إلى الإسكندرية، وهناك عاد إلى صنعته الأولى فكان بناء ثم كان متعهد بناء، ومن ثم ~~اتصل ببناة الكنائس والبيع ومنهم أنستاسيوس بطريق اليعاقبة الذي عهد إليه في بناء الكنيسة ~~التي كان ذاهبا إلى الحبشة بالأدوات اللازمة لإقامتها. # وعاد الوفد به إلى مكة وأروه الكعبة التي يريدون هدمها بعد ما تصدعت، وبناءها من جديد. ~~وطلبوا إليه أن يدبرهم في أمرها، ويستقدم لهم بناء من مصر مع الخشب الذي سيرسل في طلبه بدل ~~ما أخذوه منه، وعرضوا عليه أجرا كريما لهذا البناء. # لم يكن باقوم قد أخبرهم من أمره إلا بأنه متعهد أعمال، فلما رأى العرض وجيها، وأن مدة ~~انتظار مجيء سفينة إليه من مصر تكفي لبناء الكعبة أعلن أمره إليهم، واستعداده لبناء الكعبة ~~لهم. # على أن الكعبة لم تكن تتطلب من الرجل في بنائها خبرة ممتازة بالبناء، ولا فنا دقيقا؛ ~~لأنها لم تكن إلا بيتا من غرفة واحدة أبعادها عشرة أمتار في عشرة تقريبا، ولعل أصعب ما ~~كان فيها هو تعريش كل تلك المساحة بسقف من الخشب، ولذلك استأذنهم في أن يقيم في باحتها ~~أعمدة ستة تحمل السقف. فلما وافقوا على بناء الأعمدة، وحدد يوما للشروع في البناء أهدوا ~~ونحروا، ودعوا وصلوا، ورتبوا للخدمة فيها أبناء قريش الأكرمين؛ إذ هم أحق بهذا الشرف من ~~سائر قبائل العرب، ولذلك كنت ترى بينهم من بني هاشم أصحاب السقاية: أبا طالب والعباس وحمزة ~~ومحمدا # صلى الله عليه وسلم # وبني أعمامه، ومن بني أمية أصحاب الراية: أبا سفيان بن حرب وأولاده، ومن ~~بني نوفل أصحاب الرفادة: الحارث بن عامر وأهل بيته، ومن بني عبد الدار أصحاب السدانة ~~والحجابة ودار الندوة: عثمان بن طلحة وعشيرته، ومن بني أسد يزيد بن زمعة بن الأسود صاحب ~~رياسة الشورى، ومن بني تيم أصحاب الأشناق والديات والمغارم: أبا بكر الصديق - عليه الرضوان ~~- وعبد ms070 الله بن جدعان، ومن بني مخزوم أصحاب القبة والأعنة: الوليد بن ربيعة وابنه خالد ~~وعمرو بن هشام (أبا جهل) ومن بني عدي أصحاب السفارة: الخطاب وابنه عمر وسعيد بن زيد بن ~~نفيل، ومن جمح أصحاب الأزلام والقداح: صفوان بن أمية وإخوته، ومن بني سهم ولاة الأموال ~~المحجرة لآلهة قريش: الحارث بن قيس وعشيرته. # فلما بلغ البناء قامة الرجل وأرادوا وضع الحجر الأسود في الركن الشرقي من الكعبة كما كان ~~اختلفت قريش فيمن يكون له هذا الشرف الأعظم # 4 # برفعه ووضعه بمكانه لتعنو الجباه عنده لرب الكعبة، وادعى كل فريق أنه أحق بهذا ~~الشرف من سواه فاحتدم الجدل واللجاج، وتنافرت القلوب التي كانت مجتمعة على بيت الله، وظل ~~الجدل خمس ليال بيت كل قبيلة مناهضه وقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم ~~وبنو عدي وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم، ثم اجتمعوا في المسجد الحرام للفصل فيما اختلفوا فيه ~~بحد السيف، ولكن الله ألهمهم الصواب فإنهم ما كادوا يهمون بالشر حتى رئي أسن قريش يومئذ ~~أبو أمية حذيفة بن المغيرة يعتلي كومة مما كان هناك من الأنقاض وينادي في القوم: «يا معشر ~~قريش كلكم في السؤدد سواء، والغالب منكم في هذا اللجاج مغلوب. ثوبوا إلى أنفسكم، ودعوا ~~الفصل فيما اختلفتم فيه لأول قرشي يدخل علينا من باب الصفا؛ فإما رفعه هو بيديه، أو قضى لنا ~~بمن يرفعه، ولا تعقيب لحكمه». # فلما سمعت قريش هذا الرأي قبله البعض حقنا للدماء، وعقب سائر الجمع بالرضاء، وعلى ذلك ~~اتجهوا بأنظارهم نحو باب الصفا ليروا أول قادم؛ فإذا نور ينبعث من مدخل الباب يتقدم صاحبه ~~كأنه نور القمر يسبق مطلعه، وإذا محمد بن عبد الله يشق فضاءه، ويطلع عليهم من ذلك الباب. ~~فلما شامته العين الشاخصة سرت بمرآه، وصاحت ألوف الأفواه من فرحها بأنه هو القادم تقول: ~~الأمين! الأمين! إذ هكذا كان يدعى في قريش. ادن منا أيها الأمين واحكم بيننا. ثم خبروه ~~خبرهم وما اتفقوا عليه. قال: «لا بأس عليكم. هلموا إلي ms071 بثوب» فأتي به فأخذ الحجر الأسود ~~فوضعه فيه، ثم قال: «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعا» ففعلوا. فلما بلغوا ~~به موضعه وضعه بيده في مكانه، وبنى عليه بين تهليل الناس فرحا وثنائهم على الأمين، وكأنهم ~~بأصوات عالية تعلو أصوات التهليل تتجاوب من حول المطاف في جهاته الأربع يلقي بها أربعة رجال ~~بعضهم تلو بعضه، وهم يقولون: الله أكبر. الله أكبر. مكررين! يا معشر قريش، ويا أبناء ~~إبراهيم جميعا، ليكن هذا اليوم فاصلا بين أمسكم وغدكم طهروا هذا البيت مما طهره منه ~~إبراهيم من قبل، واعبدوا الله وحده لا تشركوا به أحدا، وكسروا هذه الأصنام الصماء التي ~~تعدون هذا البيت؛ ليتحملها فقد كسرها قبلكم أبوكم إبراهيم. # 5 # يا معشر قريش، لقد أظلكم زمان يظهر فيه نبي من أنفسكم ورد ذكره في التوراة والإنجيل، ~~وله علامات ومخائل، ولقد قضينا ما قضينا نتفحص الناس، ونستهدي الأحبار والرهبان حتى عينوه ~~باسمه وأرومته فعرفناه، واطمأنت إليه نفوسنا، وقد جئنا نشهدكم علينا قبل مبعثه بخمس سنين # 6 # أننا به مؤمنون وبدعوته مقرون. فلا ندري أنحيا حتى نلقاه ونشد أزره أم يقبضنا ~~الله إليه في الصديقين. يا معشر قريش، ستكون لكم به الدنيا فارقبوه، وستكون لكم الآخرة ~~فاتبعوه. انظروا فيما حولكم وتأملوا: إن الذي وضع لكم الحجر بيديه هو نبي هذه الأمة وهاديها ~~إلى الصراط المستقيم. ذلك هو محمد بن عبد الله الأمين. # وكان الناس قد التفتوا يتعرفون القائلين فإذا هم شيوخ أولو وقار وكرامة في قريش زيد بن ~~عمرو بن نفيل، # 7 # وورقة بن نوفل، # 8 # وعثمان بن الحارث، # 9 # وعبيد بن جحش، # 10 # وكانوا معروفين في مكة وبلاد العرب بأجمعها بأنهم أعيان الحنفاء # 11 # الذين يدينون بدين أبيهم إبراهيم خالصا من عبادة الأوثان، ويحرمون على أنفسهم ~~الخمر والميسر والنصاب والأزلام، ويفتدون الموءودة، ويدعون إلى عبادة الواحد الأحد ~~القهار. # ولكن القوم كانوا لاهين بما هم فيه مغتبطين بأن يعبدوا آلهتهم حيث كانت من الكعبة، وإن ~~كان لهم أن يغيروا دينهم فلن يكونوا هم ms072 البادئين إنما عليهم أن يثبتوا على دينهم ويجاهدوا ~~في سبيله غير متسائلين، ويسفهوا كل ما عداه بغير نظر ولا بحث، ولذلك صموا عن هذا النداء، ~~بل انبرى بعضهم بزعامة الخطاب أبي عمر الفاروق يسبون هؤلاء الشيوخ الأجلاء، ويطعنون عليهم ~~بكل لسان ويرمونهم الأحجار، وما زالوا بهم يرجمونهم ويطاردونهم جزاء سبهم آلهتهم، حتى ~~أخرجوهم إلى ما وراء مكة في طريق غار حراء، وكان قد أصاب الإعياء كبيرهم زيد بن عمرو بن ~~نفيل، وبرحت به جراح الرجم، فقضي في ذمة ربه من ذلك اليوم، وكان الأمين # صلى الله عليه وسلم # عاد إلى ~~بيته في شعب بني عامر يتعجب لما روى عنه الشيوخ الأجلاء، وكانوا أعلم من في قريش بما في كتب ~~الله، يقص على أهله ما رأى وما سمع. # وإذ أتم باقوم بناء الكعبة وكان قد تعرف إلى أهل الفن من الصناع بمكة، وعرف من بينهم أبا ~~ورقة صليحا، وتوثقت بينهما الصداقة بالمحبة والإخاء، فقد نصح لقريش أن يصنع لهم نجر البيت ~~الكريم، وأثبت لهم اقتداره في ذلك بما صنعه من قبل، وإذ كانوا يعرفونه ويعرفون دقة صنعه، ~~وكان أبو الوليد بن المغيرة ، مستقدمه إلى مكة صاحب الرأي الأعلى في شئون البناء شهد له ~~بالنبوغ، عهدوا إليه في تسقيف الكعبة وصنع بابها # 11 # فأقام السقف على أحسن وضع، وصقله بذوب من الشمع، وصنع بابها على نحو ما كان يصنع في مصر، ~~فطربت قريش لصنعه، وجزته على ذلك جزاء كريما. # ولكنه ما حمل أدوات العمل بعد انتهائه وعاد إلى منزله حتى ملكته حمى شديدة من أثر ما ~~خلفته السيول، ومرض بضعة أيام، ثم قضى نحبه تاركا ورقة وأمه في كنف الله. # حزن بنو عبد المطلب ونوفل لما أصاب العفيفة في زوجها، وتباروا في مؤاساتها، وبالغت سيدتها ~~في تعزيتها، وكانت تود أن تنقلها إلى دارها لولا أن باقوم كان قد مرض هو أيضا ولجأ إلى دار ~~صديقه صليح، ومات صليح وباقوم في منزله يفيق وينتكس، والعفيفة وابنها يقومان بخدمته في مرضه ~~حتى شفاه الله، ms073 ولكنه كان هزيلا فبقي في رعايتها بضعة أشهر حتى أبل، وإذ ذاك لم يجد من ~~المروءة أن يرحل عن البيت بعدما دخله وهو عامر، وأخذته شفقة على الغلام وأمه، ففكر في أن ~~يقضي أيامه الباقية في مكة؛ ليكون أبا للغلام يرعاه كما كان يرعاه أبوه، وإذ كان الرجل ~~أعزب فقد خطر له أن يبني بالعفيفة إذا رضيت به بعلا ليعيشوا كلهم معا، واستأذن سيدتها في ~~ذلك، فأذنت وباركت هذا الزواج. # ظل ورقة منذ ذلك الحين إلى أن بلغ من العمر ست عشرة سنة في كنف باقوم، وباقوم يتولى بناء ~~دور السراة في مكة وغير مكة من بلاد الحجاز، وكان يود أن يعلم الغلام صنعة البناء، ولكنه ~~وجده يصلح لما هو أفضل من هذا وأعود عليه بالخير. فأخذ يعده لما توسمه فيه، وكان لا يفارق ~~الغلام لحبه له، وإذ لم يكن يحسن العربية فقد تعلم ورقة منه الرومية وقراءتها، وصار لا ~~يكلمه في خصائصه إلا بها، وتزكى بما كان يقصه عليه باقوم من أخبار مصر ونيلها العجيب، ~~والإسكندرية وما فيها من الدور والقصور والكنائس والمدارس، وبلاد الشام والروم وما جرى فيها ~~من الأحداث ، وكيف أنهم إنما غضبوا على إمبراطورهم موريقس الطيب، وانحازوا إلى قاتله فوقاس ~~بدعوى أنه أذل الروم بدفع جزية لبرابرة من الشرق يعرفون بالتركمان. # 12 # وكان إذا عاد إلى مكة في انتظار عمل جديد يخرج بالفتى إلى ما وراء الدور؛ ليعلمه الرماية ~~والمسايفة على نحو ما كان يقاتل وهو جندي، ويقول له: إنك لا شيء ما لم تحسنهما، والولد ~~يزداد كل يوم تعلقا به، وهياما بالبلاد التي كان يصفها، وباقوم يعده أن يسافر به إلى ~~الإسكندرية ليريه الدنيا وأنواع الحياة، إلى أن كانا ذات يوم يسيران في بعض شعاب مكة عائدين ~~إلى دارهما، وبعير شارد يرقل بجوارهما وعثر وانحل تحت خفه حجر صغير تلاه حجر كبير نال قدم ~~باقوم فهشمها وانحدر وكاد يقضي عليه، وسرعان ما حمله ورقة إلى داره، ثم ارتد من فوره إلى ~~بيت سيده ورقة بن ms074 نوفل؛ ليخبره خبره، ويستفتيه فيما يعمل لأبيه هذا وصديقه المحبوب. # الفصل العاشر # | الحارث بن كلدة الثقفي # كان الحارث بن كلدة الثقفي أشهر أطباء العرب يومئذ، ملأ صيته العراقين واليمن وما بينهما، # 1 # وجاوزها إلى مدائن كسرى والإسكندرية، وكثيرا ما دعاه عواهل تلك الأقطار؛ ~~لتطبيبهم مما كان يعجز عنه حذاقهم على أنه كان بفطرته نزاعا إلى النقل، شديد السأم من ~~الإقامة مدة طويلة بمكان واحد، فما أن ينزل بناحية حتى يعاجله التفكير في الرحلة إلى ~~ناحية أخرى في طلب العلم والصحة، والأنس بالأصدقاء والخلان، وما كان يجيء إلى مكة إلا ~~ليزور قبر امرأته الوهبية أم أولاده: النضر الطبيب وقتيلة الشاعرة، # 2 # وأولاد أختها الكبرى، وليتفقد أحوالهم، وينفحهم بهداياه الغالية، وشيء من فيض ~~ماله الكثير. من هناك يرحل إلى اليمن مارا بنجران فيقضي بها شطرا من العام في زيارة ~~صديقه أبي الحارث الأسقف الوقور، وبقية من أقارب بني الحارث ظلوا في ربوعها بعد انتقال ~~دولتهم إلى بني الديان، ومن هناك يرحل إلى صعدة وصنعاء؛ ليجتمع فيها بأحبار اليهود ~~وعلمائهم الذين كانوا أول من أخذ العلم بالطب عنهم، ومن هناك يكر عائدا إلى مكة، ليرحل ~~منها إلى الحيرة ، ومدائن كسرى ودمشق والقدس والإسكندرية، وهكذا دواليك. # ولكنه كان في سنواته الأخيرة يطيل مكثه في الإسكندرية على غير عادته، وإذا جاء إلى مكة لم ~~يذهب بعدها إلا إلى اليمن متعجلا، ومنها يعود بطريق البحر إلى عيذاب في سواحل مصر، ومنها ~~إلى قفط وقوص، ثم ينحدر مع النيل إلى منف والإسكندرية. ذلك لأنه كان قد اتصل فيها بالعالم ~~قوزمان الطبيب وتزوج ابنته هرميون، وأعقب منها ابنة سماها لمياء اجتمعت فيها محاسن العرب ~~والروم من الخلق والخلق معا، وتكشفت يوما بعد يوم عن زهرة فاتنة لكل من رآها، فكانت متعة ~~أبيها، ونجعة قلبه، وقرة عينه، حتى لم يعد يفكر في مكة ولا من له فيها من البنين والبنات. ~~وكان كلما أرسل إليه ولده النضر رسالة شوق وعتاب، أرسل إليه يعتذر بكثرة مشاغله، وما كانت ~~مشاغله إلا بفاتنته ms075 لمياء الصغيرة. # على أنه كان في مكة يوم أصيب باقوم في قدمه. ذلك لأنه لم يشأ أن يبقى في الإسكندرية بعد ~~ما تراكمت عليه أسباب الذعر مما يحيق بها؛ وألفى نفسه وامرأته وابنته في أنياب العطب غير ~~مرة. # كان فيها يوم ورد إليها نبأ ثورة رهيبة قام بها في بيزنطة جندي سوقي مشوه الخلقة يدعى ~~فوقاس أفسد الجيش بأكاذيبه ووعوده، وتمكن بذلك من قتل الإمبراطور الطيب الخير موريقوس، ~~وقتل كل أولاده وبناته وأمراء بيته واعتلاء العرش مكانه، # 3 # وكذلك في سنة 909 يوم جاء النبأ بأن هرقل ابن أمير أفريقية (تونس) - وكان قد ~~غضب لهذه الجريمة - دعي إلى القسطنطينية لطرد الإمبراطور المغتصب فوقاس، فخرج بجيشين؛ ~~أحدهما: سار به في البحر إلى بيزنطة؛ ليطرد منها هذا الإمبراطور المغتصب المكروه، والثاني: ~~سار به بالبر بقيادة صديقه نيقتاس مارا بطرابلس وبرقة قاصدا الإسكندرية، وكانت عاصمة ~~الإمبراطورية الثانية؛ ليستولي عليها، ويطرد الوالي الفوقاسي منها، وكان الحارث يود أن ~~يغادرها لولا أن امرأته كانت مريضة. فلما أبلت كان نيقتاس قد حاصرها فأقفلت أبوابها، وأصبحت ~~جميع الطرق غير آمنة، بل انتشرت عصابات اللصوص وقطاع الطرق في جميع نواحي القطر، حتى أصبح ~~البقاء في الحصاد آمن وأكرم. # 4 # فلما انتهى الحصار بانتصار نيقتاس ولاح الأمن كأنما استتب في الديار عزم على الرحيل ~~بزوجته وابنته إلى مكة من طريق الصحراء، ولكنه علم أن الإمبراطور فوقاس أرسل أمير الشرق ~~بونوسوس أغلظ قواده كبدا وأسلفهم نفسا؛ ليسترد الإسكندرية من نيقتاس، وليعفي أثر حي ~~اليعاقبة خاصة من الإسكندرية، وهو حي رقوده، وذلك انتقاما منهم لقتلهم تيودور بطريق الروم، ~~ولفرحهم بزوال دولته من مصر، وأن بونوسوس هذا قد نشر جيوشه في العامرة والغامرة، وأباح ~~لمناسر اللصوص أن يسرقوا ويقتلوا ويفضحوا الأعراض. فآثر الحارث ويل الحصار وانتظار العاقبة ~~على أن يغامر بنفسه وزوجته وابنته في طريق الصحراء وغير الصحراء، والحال على ما علم، وبقي ~~في الإسكندرية على مضض شديد إلى أن اضطر بونوسوس إلى ترك الحصاد والعودة على عجل إلى ~~أنطاكية مقر إمارته ms076 في الشام قبل أن يقطع عليه الطريق. فقد بلغه أن كسرى أبرويز بلغ بجيوشه ~~أرمينية وحدود الشام؛ ليأخذ بثأر الإمبراطور موريقوس الذي قتله فوقاس، وكان لموريقوس على ~~أبرويز فضلان؛ الأول: أنه رده إلى عرش فارس لما اغتصبه منه وزيره بهرام # 5 # والثاني: أنه أكرمه فزوجه من ابنته مارية ابتغاء حقن دماء شعبين عظيمين لم ~~يهدأ لهما سيف في قراب منذ كانا متجاورين. # عندئذ أراد الحارث أن يرحل عن الإسكندرية ذات الثورات والبلايا، ويعود إلى البلاد التي ~~جعل الله بينها وبين مطامع الشعوب فلاة لا مطمع فيها لطامع، فعاشت لقاحا لا يملكها مالك. ~~ولكنه لم يستطع أن يحمل زوجته على قبول السفر، حتى رأى قوزمان نفسه والد امرأته أن من الخير ~~لهم أن يبعدوا عن مصر كلها، ولكنه نصح لهم أن يأخذوا طريق النيل إلى قفط، ومنها بالجمال إلى ~~عيذاب على شاطئ البحر؛ لينتقلوا في سفينة إلى جدة فمكة، وكتب بذلك إلى أصدقائه في مصر ~~العليا فسهلوا نقلة الحارث وكذلك كان، واستطاع أن يبلغ مكة دار الأمن والسلام، ويسري عن ~~نفسه سحابة الذعر الذي تملكه أربعة عشر عاما في الإسكندرية، ولما جاء ورقة يخبر سيده ابن ~~نوفل بما نزل بعمه باقوم نهض ابن نوفل من فوره إلى دار الحارث، ورجا منه أن يسير معه إلى ~~باقوم، وأخبره خبره. فنهض الحارث، واحتمل ورقة حقيبة أدواته ولوازمه، وسارا إلى حيث رقد ~~باقوم. # فحص الحارث عما أصاب باقوم فوجد أن مشط القدم قد تهشمت عظامه، ولا يجدي فيها تجبير ولا ~~مروخ، وأنه إن تركها على أمل أن تلتئم ويزول ما تحدثه من الألم فلن ينتفع بها. على أنه كان ~~يرجح أن يصيبها العفن ويمتد وراءها ويموت الرجل، ولذلك أشار ببتر هذا الجزء المهشم على ~~الفور قبل أن يسري القيح منه إلى سائر البدن. # لم يكن لأحد بعد هذا الإيضاح أن يتردد في النزول على رأي الحارث، ومن ذا الذي كان يشك في ~~صواب حكمه، وهو أشهر طبيب في الجزيرة العربية بأجمعها، ولذلك أقره ابن ms077 نوفل وباقوم نفسه، ~~ورضي بقضاء الله، ورجا من الطبيب أن يشرع في بتره على الفور، وقال: إنه يرغب أن يعيش من أجل ~~تماضر وولدها ورقة الذي يحبه حبا شديدا، ويخشى عليه نكبات الأيام. ثم مد رجله مستسلما، ~~وأغمض عينيه حتى لا يرى دموعا كانت تتراءى بها عيون تماضر وورقة وسيده ابن نوفل ~~نفسه. # استعد الحارث لعمله فأخرج مشرطه من جرابه وغسله وأحرقه، ثم طلب إلى نوفل وورقة أن يمسكا ~~بساق الرجل وأعلى قدمه حتى لا تتحرك تحت المشرط، ففعلا، وشرع الحارث في عمله فجرح وقطع، وهم ~~جميعا معجبون بتجلد الرجل وصبره؛ لأنه لم يصرخ إلا مرة وسكت. على أنه كان قد أغمي عليه من ~~شدة الألم ولم يفق إلا وقد ضمد الجرح، وأزالت تماضر آثار الدماء من الغرفة وأعادتها كما ~~كانت. # الحارث يبتر أصابع باقوم. # أفاق باقوم من غشيته شيئا فشيئا، فهنأه الجمع بسلامته، وإذ علم أنه لم يبق شيء شكر ~~للحارث فضله، ولمولاه بره، وإذ انحنى ورقة عليه يسأله عن حاله تناوله فقبله ودعا لامرأته ~~بكل خير. # ارتاح الحارث لما رأى من همة الرجل وشكره وأحبه، وأخذ يتردد عليه كل يوم ليراقب حالة ~~الجرح حتى التأم، ونجا باقوم من موت كان محققا، ولكنه لم يعد صالحا لاعتلاء النصب ~~للبناء. فعول على أن يتاجر في مواد العمارة يستقدمها من مصر، ويستعمل ورقة في هذا العمل ~~ليخلفه فيه، وكان قراره هذا مريحا لقلبه، مهونا عليه ما أصابه في قدمه. # كثر التقاء ابن نوفل بالحارث بعد ذلك إذ كان هذا الحادث سببا في تجديد مودتهما القديمة، ~~وإحياء ذكريات ماضية، وأنس كل منهما بصاحبه، وكان ورقة ابن العفيفة يصحب ابن نوفل في كل ~~اجتماع لهما، ويحضر مجالسهما مع الأبناء. بل كان إذا عاقه عائق عن الحضور معه افتقده الحارث ~~وتساءل عنه وأرسل في طلبه، وابن نوفل فخور به؛ لأنه أستاذه، والحارث معجب به؛ لأنه وجده ~~غلاما فرها حسن الطلعة، شديد الذكاء، ولأنه خبره في أمور كثيرة فوجده صائب الرأي يحسن ~~أداء ما كان ms078 يعهد إليه من المهام. ذلك بأنه كان إذا غم عليه الأمر لم يتركه ليستفتي ~~صاحبه، بل كان يمضي فيه برأي من عنده يكون فيه الصواب والسداد. # وإذ كان الحارث قد انتوى في نفسه الرحيل إلى اليمن أخذ يحبب إلى زوجته هذه البلاد ~~السعيدة، ويذكر لها وللمياء ما فيها من الخيرات والبساتين والقصور والميادين، حتى حنت ~~نفسهما مثله إلى النقلة إليها، ولا سيما لأنهما كانتا قد بلغتا مكة في الربيع، وأخذتا ~~تتذوقان حرارة السموم التي تتقدم الصيف، ولذلك أبدت هرميون استعدادها للسفر على الفور ~~التماسا لطيب الهواء في غياض صنعاء ورياضها، ولكن الحارث لم يكن يملك ذلك على شدة رغبته ~~فيه؛ إذ كان معتزما أن يزف ابنته «قتيلة» إلى ابن عم لها في الطائف، وكان لا بد له من ~~المكث في مكة شهرا لإتمام هذا الغرض. # في ذلك الشهر أخذ يفكر في مشاق السفر، ولا سيما بعد ما أصبح عليه أن يرعى في حموله زوجة ~~وابنة، ورأى أنه لم يعد يستطيع أن يأخذ ابنه النضر ليعينه على عمله في التطبيب إذا عالج، ~~وفي التحصيل إذا درس ويهون عليه مشقة النقل؛ لأن النضر كان قد تزوج وأعقب، ولذلك نزعت ~~نفسه إلى ضم ورقة بن العفيفة إليه لما رأى فيه من الرجولة والذكاء، ولأنه كان فوق هذا يعرف ~~الرومية عن باقوم فهو لهذا أصلح الناس، إذ يكون كذلك عونا لامرأته على التفاهم مع الناس، ~~وجلب حاجتها من الأسواق، ولكنه وجد أمامه عقبتين؛ أولاهما: أن أبويه في حاجة إليه، ~~وثانيتهما: أن ابن نوفل يستعين به في شئونه ودرسه، ويكرم أهله من أجل ذلك. فأخذه - إذا تيسر ~~- يضر بابن نوفل وأهل ورقة معا. كما أنه كان يعلم أن ابن نوفل بلا عقب، وأنه يحب الغلام ~~ويكرمه بعاطفة أبوة لا يكبحها فيه إلا الوقار. فإذا هو طلب الغلام إليه، فإما أن يعتذر ~~بحاجته إليه فيخجله، وإذا سمح له به كان هذا تورطا منه في إجابته رجاء للحارث فيكون ~~كالمغتصب، ولذلك آثر ألا يكلمه في هذا الشأن، ms079 وأخذ يفكر في سواه. # على أن ابن نوفل كان في الحقيقة يشتهي لو تيسر للفتى سبيل الحياة بما هو أحسن وأمثل، ولا ~~يرى خيرا له وهو يعرف القراءة والكتابة بالعربية والرومية في بلد قلما وجد فيه من يعرف أن ~~يخط حرفا أو يعرف غير لغة الحديث، إلا أن يلحق بالحارث الطبيب الذي نبغ في بلاد العربية ~~كشجرة مورقة؛ ليتعلم عليه ويأخذ عنه، ولكنه استحيا أن يفاتحه في الأمر؛ لأنه كان يعلم أن ~~الحارث كثير الأسفار وفي تنقل ورقة معه كبر نفقة، ولذلك آثر ألا يكلمه هو أيضا. # ولكن حدث ذات يوم أن جرى ذكر ورقة في غيبته، وكانت نفس الحارث مأزومة بحيرتها ومشتغلة ~~برغبتها في أن يكون ورقة معه. فقال الحارث لابن نوفل: ولدك هذا يا ابن نوفل على تمام ~~الاستعداد بفطرته، ولقد أصبح لمعرفته القراءة والكتابة بالعربية مهيأ للعلم والعلا لو وجد ~~المعلم البار. # فانتهز ابن نوفل فرصة عطفه وتقدير للفتى وأجابه: هل في بلاد العرب من هو خير منك معلما ~~أو أبر أبا! ولكني أشفقت أن يثقل عليك، فإن رأيت أن تسبغ عليه فضلك فهو ولدك وولدي معا، ~~وعلي تدبير أمر أبويه إن شئت به خيرا، وهو حقك يستحقه: فخذه وعلمه علم العقاقير، وعرفه ~~خواصها، ودله على منابتها ومظانها، فلعله إذا بلغ سن الفتوة مستطيع أن يتجر فيها في مكة، أو ~~يكون طبيبا ينفع الناس بطبه. # ولشد ما كان فرح الحارث لهذا الغرض وارتياحه إذ لم يكن هو البادئ به، وإن لم يكن فيه ~~إجازة بأخذه معه حيث ينتقل، ولكن الحارث ترك هذا إلى ما بعد وأمل خيرا فأجاب سؤل ابن ~~نوفل من فوره شاكرا، وأبدى أنه لا يجد في أخذ الغلام كلفة؛ لأنه سينتفع به بقدر انتفاع ~~الغلام منه، وهون الأمر على أبوي ورقة أن الحارث كان يوم عودته إلى مكة قد ذكر لسيدة قريش ~~أنه لن يرحل عنها وعرفت العفيفة وباقوم ذلك، فكان سرورهما بما جرى الاتفاق عليه ~~عظيما. # بقي الغلام يتردد كل يوم على بيت ms080 الحارث تردد التلميذ على معهد العلم، ثم يعود إلى أبويه ~~في المساء، وظل يرافقه في زياراته وعياداته، ويشتغل معه في بيته وغير بيته بإعداد العقاقير ~~لمختلف الأدواء، وكانا إذا وجدا بينها نوعا ناقصا خرجا إلى أودية مكة ومرابضها؛ ليبحثا ~~عنه بين عشبها، ويأتيا به، أو يكتبا في طلبه من منابته، وقد يتغيبان عن مكة ليلة أو ليالي ~~في سبيل ذلك، حتى ضري أبواه بغيابه، وهما سعيدان بما كان يحدثهما الفتى عن سعادته في ~~حياته الجديدة، إذ كان محل الرعاية من أستاذه والمحبة من امرأته هرميون وابنته لمياء؛ لأنه ~~كان لسانهما الذي تكلمان به الناس، وعينهما وأذنهما اللتين تريان بهما وتسمعان؛ إذ لم تكن ~~هرميون تعرف من العربية إلا ألفاظا قليلة لا تنفع، ولم يزد علم لمياء وهي عربية الأب عن ~~بعض جمل لا تسعف، ولذلك لم تكونا لتملكا صبرا على غيبته عنهما ساعة واحدة ولو كان في عمله. ~~على أن ورقة كان صبيا صبوح الوجه سعيد الطالع، يقبل على سائله بأدب ومحبة ورغبة في ~~إرضائه من غير ما تكلف لذلك، بل نضوجا عن بر، وشعورا بمسرة في أن ينفع الناس، وكان على ~~هذا عف اليد والعين والضمير. فلم تملك هرميون ولا لمياء إلا الشكر لله عليه؛ واختصاصه ~~برعايتهما، ومحبتهما اختصاص الابن البار والأخ الرحيم، ولم تكن لمياء لتكتم تعلقها به؛ لأنه ~~كان سلوتها الوحيدة في معشر كان كل من يزورها من بناته ونسائه يضحك من لحنها في النطق، ~~وعجزها عن أداء المراد، وينصرفن عنها للزراية بها في بيوتهن مدفوعات إلى ذلك بعاطفة حسد لها ~~وغيرة منها؛ لما خصها الله به من نعمة الجمال، ورقي الحسن، وما ميزها به من الثقافة ودماثة ~~الخلق، ولما اكتسبته في الإسكندرية من خصائص الحضارة في ملبسها ومظهرها، وإن لم تزد يومئذ ~~على الثالثة عشرة من عمرها، وكان بر هرميون بورقة يزيد في تعلق لمياء، وتعلق لمياء به يزيد ~~في حب هرميون، وحبهما معا ينضح على الحارث فيزيد في إكرام ورقة وتألفه، وكانتا تقولان ~~للحارث: إنه ms081 لمن نعم الله عليهما أن تجدا في مكة من يكلمهما بلغتهما الرومية، ويؤنس وحشتهما ~~في بلد لا تدريان كيف استطاع الإنسان أن يستعمرها، وهي قطعة من واد غير ذي زرع، # 6 # لم يخلق الله فيه ماء # 7 # ولم يرد أن يرسل عليه سماء، وأنه لولا البيت الكريم، لم يكن يصلح إلا مدفنا ~~لمن يهلكه السفر في القوافل. # وكان الحارث يضحك لحديث امرأته مداريا هواجس نفسه من أن ينقلب تعجبها كرها لمكة ~~وإصرارا على مغادرتها هي والبلاد التي لم تجد فيها أنيسا إلا الصبي ورقة؛ لتعود به إلى ~~الإسكندرية بلد الثورات والدماء، ولذلك كان يرى لورقة عليه فضلا أكبر في أنها لم تكن حين ~~تذم مكة تذكر له الإسكندرية أو النيل، ولا ما في مصر من الخصب والنماء، وطيب الهواء وعذوبة ~~الماء، ولكن كان يعكر عليه صفوه من ذلك ولده النضر. فإنه لم يكن راضيا عما يلقى الغلام ~~من الرعاية في بيت أبيه وكان يحادثه في ذلك لائما، وإذا لقي ورقة لقيه متجهما، وإن لم يجد ~~في سلوكه ما يعاب، وإذا وجده سائرا في حاجة لسيدته الرومية نبهه إلى التزام عمله في ~~العقاقير ورده عن أداء هذه الحاجة، ثم انصرف إلى امرأة أبيه ينبهها إلى خطأ ما تفعل، ~~ويطلب إليها الإقلاع عن ذلك، حتى أصبحت هرميون تكره رؤيته، وتود لو تملك أن تفارقه، ولكنها ~~كانت تخشى إذا هي أيقظت في نفس زوجها الرغبة في النقلة إلى اليمن كما حدثها أن يأخذ ابن ~~نوفل ولده، أو ترى سيدة قريش أن أمه أحق به، وفي ذلك شقاؤها هي وابنتها، ولذلك لم تعد تطالب ~~الحارث بشيء مما وعدها من بساتين اليمن، ولا قصورها ومياهها، ورضيت أن تعيش في أجدب بقاع ~~الله حتى ترى لها رأيا، أو تتبدل الأمور من تلقاء نفسها فتواتيها بما هو خير. # استمر الأمر على هذا الحال شهرين أو يزيدان زفت فيهما قتيلة ابنة الحارث إل زوجها في ~~الطائف، وذهبت هرميون ولمياء فيمن ذهب معها لشهود حفلة العرس. فأعجبت هرميون بالطائف ms082 أيما ~~إعجاب، ودهشت إذ رأتها في صحراء العرب بلدا أشبه بغياض الشام وقرى جباله في زرعه وضرعه، ~~وعيونه وبساتينه، بل وفي برده وثلوجه على ما روى لها الناس من أمرها ليلتئذ، وعجبت لزوجها ~~وهو ثقفي من أهل الطائف وأعيان أهلها كيف لا يجعلها مستقرا له، ويؤثر عليها مكة الجرداء. ~~ولم تستطع أن تخفي دهشتها عن زوجها لما عادت إلى مكة؛ لأنه لم يذهب معهما إلى الطائف، ولا ~~عجبهما من أنه لم يذكرها لها من قبل على حقيقتها، يوم كان يغريها بترك الدنيا في مصر ~~والمجيء معه إلى الصحراء. فقال لها مازحا: إنه لا يجب المبالغة ولا الفخر بمسقط رأسه ~~مثلها، وأنه اكتفى من الأمر بما ذكره لها النضر عنها وأهل النضر. قالت: إنك لتعلم أني لم ~~أعد أصدق حديث أحد في هذه البلاد بعد ما رأيت من مبالغاتهم وأخذهم باليقين فيما يجدون شبهة ~~للحق فيه، ولقد كنت تقول لي عن هذه البلاد أشياء ظهر ... فضحك الحارث ولم يدعها الحارث تتم ~~جملتها لما يعرف فيها، وقبلها شاكرا فضلها في رضائها بالمجيء معه إلى بلاده، وأبدى لها أنه ~~ما كان يستطيع أن يتركها في بلاد لم يهدأ السيف فيها في قرابه يوما، ولم تنقطع الحرائق ~~منها، وما كان يقوى على أن يعيش بعيدا عنها، ولو في الجنة، ولكن الواقع من أمر سكوته عن ~~الحديث عن الطائف أنه كان قد غاضب إخوته وأهله فيها وهو فتى، فأقسم لينزحن عنها مفارقا ~~ويهجرها هجر الغريب عنها، حتى لا يعود إلى عشرتهم ولا إلى الاجتماع بهم. فباع كل ما كان له ~~فيها، واتخذ مكة مستقرا لولده، وكان هذا سببا في أنه لم يذهب مع الذاهبين بابنته إلى ~~الطائف. ولم يضره هذا القسم؛ لأنه كان قلما يبقى في مكة حين يأتي إليها إلا أشهرا، ثم يرحل ~~إلى بلاد الحضارة التي أنسته الطائف وغير الطائف. # ولم تكن هرميون لترى صوابا أن تطلب إليه النقلة إلى الطائف لا لأنه مقسم بل لأنها كانت ~~تخشى ما خشيته من قبل من ms083 الوحدة فيها. بقعود ورقة عن الانتقال معهم، وقد أصبح من ضرورات ~~حياتها. فقد كانت الطائف على مرحلة من مكة، فهي دار غربة للصبيان. فلم تفاتحه في ذلك، ولكن ~~الحارث عرف ما وراء هذه السكتة فجاءها ذات يوم يقول: لعلك يا هرميون كنت تودين النقلة إلى ~~الطائف لولا ما علمت من قسمي. قالت: لا وربي بل لأني إذا انتقلت إليها فسأكون فيها وحيدة ~~أنا وابنتي. أما قسمك فقد بررت به ثلاثين عاما، وحسب آلهتك منك هذا. قال الحارث: لا وحقك ~~ما عنتني آلهتي بشيء وإنما عنتني نفسي. أقسمت أي عزمت وعاهدت نفسي. فإذا أنا حنثت فقد ذللت ~~واتضعت. بيد أن ليس لي إلا إله واحد يا هرميون، هو رب إبراهيم، ذو المجد والعلا، ولكني ~~أعلنك بخبر تسرين له كل السرور. نادي لمياء لتسمعه. فلما جاءت قال لهما: لقد رأيتكما ~~أغرمتما بما رأيتما في الطائف من ثلوج تذوب، وأنهار تجري، وبساتين وغياض، وفاكهة وأعناب، ~~وثمرات ورياض. قالتا: أجل إنها والله لجنة، أما مكة ... قال: وفي ظني أن ليس لكما في الطائف ~~بعينها مأرب خاص. قالت هرميون: كيف يكون لنا مأرب فيها، ونحن لم نعرفها إلا منذ حملنا ولدك ~~إليها. قال: إن على مسافة ساعتين من مكة قرية ألطف من الطائف هواء، وأكثر غياضا. جنة ~~صغيرة فيها ما تشتهيان وما لا تؤملان أن تجداه في صحراء العرب. جنة فوق جبل يكاد ينطح ~~السحب. تلك هي قرية الهدى فوق جبال كرا التي تريانها من هنا. بيد أن الثلج يدوم على شعافها ~~نصف العام، وهي بلدة يجتمع فيها أحيانا بعض عباد اللات والعزى، ينحرون ويتقربون، ولقد ~~اتفقت مع سيدة قريش وابن عمها على أن يصحبنا إليها ورقة، ويكون معي في الحل والترحال، ورضيت ~~العفيفة وزوجها بذلك، على أن يزورهما إذا اكتمل البدر مرة، وإذا هل أخرى؛ ليقضي عندهما ليلة ~~في كل زورة، وأن يمر بهما كلما دعتني الضرورة إلى نزول مكة وصحبني إليها، وهي - كما قلت - ~~قرية يبلغها الراكب المجد في ساعتين. فإذا رضيتما بذلك ms084 فليكن الغد يوم النقلة. # لم يكن أطيب من حديث الحارث حديث، ولا أدعى إلى المسرة والرضا، ولذلك تهافتت عليه هرميون ~~ولمياء، فقبلتاه وشكرتاه. ثم نهضتا من فورهما تجمعان الأمتعة، وإذا بورقة يدخل عليهما ~~متهللا؛ لأنه كان مع أبويه ساعة جاء ابن نوفل ليستأذنهما فيما أعلنه به الحارث من عزمه على ~~الاصطياف في قرية هدى، ورغبته في أن ينتقل معهما ورقة، ويذكر لهما ما اشترطه عليه من ~~زيارتهما وأنه (أي ابن نوفل) قد أهدى ورقة فرسا؛ ليحمله بين الهدى ومكة، وأنه نزل على كل ~~هذه الشروط ووعد بأكثر منها. # فلما رأتاه كذلك هللتا، ودعتاه إلى التعجيل بجمع الأمتعة؛ لينصرفا عن هذه النيران التي ~~تتأجج في جحيم هبل في مكة حتى سودت جسمانه. فضحك ورقة لهذا الكلام؛ لأنه كان يعلم أنهما ~~لا تؤمنان بهبل ولا غير هبل، ولكنهما أرادتا المزح معه والتهكم من آلهة قريش، فقد كان هبل ~~في الكعبة، وكان من حجر أسود، ولكن هرميون لم تشأ أن تقر بأنه كذلك، بل إن حر مكة قد ~~أحرقه وسوده، كما تسود النيران أثافي القدور، ولكن ورقة لم ينصرف إلى ما دعتاه إليه، بل ~~ذهب من فوره إلى الحارث فقبل يده شكرا على بره به، فقبله الحارث في جبينه وأثنى عليه، ~~ثم كلفه أن يستعد للنقلة في الغد. # الفصل الحادي عشر # | مصيف خالد بن الوليد # كان الوليد بن المغيرة المخزومي من ذوي الثروة الواسعة في مكة، وكان يملك كل ما كان من ~~البساتين فيما بين مكة والطائف، # 1 # وكان قد سأله ولده خالد أن يقيم له بيتا يصطاف فيه في هدى. فأقامه على جبل ~~تلوح الطائف منه كأنها في بطحاء، وكان صليح أبو ورقة صانع نجره كغيره من بيوت إخوته. ثم ~~أصلح ما جاوره من الأرض وأعدها بستانا لزراعة الخضر وأشجار الفاكهة فيه، وأجرى إليه الماء ~~من عين مهملة كانت تسيل في الوادي ضياعا، وجعل في الدار أحواضا تجتمع فيها المياه؛ لينتفع ~~بها في مصالح الدار، ثم يطلق الزائد منها في البستان. # ولكن ms085 خالدا لم يكن يصيف فيه كل عام، ولا إن صاف ليقضي فيه كل الصيف. فكانت زوجته لهذا ~~تؤثر عليه بيتهم في الوادي؛ لأن مطاليب العيش كانت لقربه من سوق مجنة ومدارج التجار ~~والناس أوفر وأيسر، وفي العام الذي عاد فيه الحارث إلى مكة، كان خالد قد ذهب على عادته هو ~~ونفر من فرسان بني مخزوم ولاة القبة والأعنة في قريش - أي زعماء الجيش فيهم - وغيرهم من ~~فتيان بني عدي وأمية إلى مدائن كسرى للنزهة في بلاد العراق، وللوقوف على طرائق الفرس في ~~تنظيم الجيوش وسوقهم إلى ميادين القتال؛ إذ كانوا قد أوغلوا في بلاد الروم فاستولوا على ~~أرمينية، وقصدوا إلى القسطنطينية؛ ليثأروا من عاهلها السفاح فوقاس جزاء قتله موريقوس أبا ~~مارية المحبوبة زوجة سيدهم العظيم كسرى أبرويز حتى لقد تطوع خالد هو وإخوانه من قريش في ~~بعض تلك الغزوات، كما تطوعت الألوف الكثيرة من الحيرة وشمالي يثرب في هذا القتال مسترزقين، ~~وإنما انضم خالد وإخوانه إلى جيش الفرس؛ ليقفوا على طريقة تنظيم القتال. فأبلوا وأحسنوا، ~~وغنموا في الغانمين، وعرفوا الشيء الكثير من فنون الحرب، ولم يعودوا إلى بلادهم حتى اشتد ~~الشتاء في جبال أرمينية وطرسوس. # وإذ كان بيته خاليا في الوقت الذي زف الحارث فيه ابنته إلى ابن عمها في الطائف، حين ~~لامته هرميون على إنزالها في مكة، وجرى ذكر هذا البيت في مجلس له مع الوليد بن المغيرة، فقد ~~رغب إليه أن يستأجره أبد الصيف، أو يبيعه إياه، ولكن الوليد لم يجد إلى ذلك سبيلا؛ لأنه إذ ~~بناه لخالد كان البيت بيته، ولكنه رضي أن يشغله الحارث بلا أجر حتى يرى فيه رأيا. # وقد سر الحارث لحيازة المنزل سرورا بالغا؛ إذ إنه يحقق أمنية الزوجة التي أشقاها بنقلها ~~إلى الصحراء بعدما كانت في الإسكندرية عروس المدائن، وذهب من فوره واتفق مع ابن نوفل في أمر ~~ورقة، وكان ما كان من اغتباط هرميون ولمياء، وإعدادهما حمول الانتقال إلى هدى. # بلغوا هدى ونزلوا البيت وفرشوه على هواهم، وأعدوا لورقة غرفة كانت ms086 في جانب البستان. ~~وأخذوا معهم بعض عبيد الدار وجواريها في مكة للخدمة في هدى، وانصرفوا إلى التمتع بالحياة في ~~هذا المعزل المنيف على الجبال والبطاح معا بعيدين عما يكدر الصفو من أهل مكة الساخرين منهم ~~والساخرات واللائمين منهم واللائمات، وهم كل صباح يقضون أحسن الأوقات في بستان الدار؛ ~~يعملون في أرضه، أو يتفيأون ظلال أشجاره، أو يتجولون في جبل هدى ثم يعودون، وخطر لهم مرة أن ~~يذهبوا إلى معبد هناك للعزى؛ ليروا صنما لتلك الآلهة المكرمة عند أهل مكة. فلم يجدوا إلا ~~صخرة كبيرة بارزة من الجبل جزؤها الأعلى كرأس الإنسان، ثم ينحدر على الجانبين متصاغرا حتى ~~يتصل بالجزء الأسفل، وعجبوا للناس كيف سولت لهم أنفسهم أن يعزوا الألوهية إلى مثل تلك ~~الصخور وليس فيها ما يروع ولا يفتن أضعف العقول، ورأوا إلى جانبها شجرة كبيرة، قيل لهم: ~~إنها الشجرة التي تسكنها شيطانة العزى في بعض أيامها يوم تترك سدرتها العليا شمالي مكة، ~~وأنها لا تبدو إلا في بعض الأوقات على صورة امرأة شعثة ذات شعر كثيف يتدلى على الأكتاف # 2 # ورأوا بجوارها معبدا صغيرا يتولى السدانة فيه أربعة من شياطين الإنس ضريون ~~بأساليب التدليس ومراسيم العبادة المفتعلة التي توارثوها عن أسلافهم في هذه الحرفة ~~الدرارة، ووجدوا حول المعبد مرابد تلقى فيها لحوم الأضاحي من البدن # 3 # التي كان يأتي بها أصحاب النذور لهذه العزى بين آن وآن؛ ليذبحوها لدن صنمها أو ~~شجرتها إذا برئ مريض، أو عاد غائب، أو ردت مطلقة، أو وضعت أنثى، أو تحققت أمنية من أماني ~~النساء وأشباه النساء من الرجال، وإذ لم يكن في مقدور بطون السدنة أن تواري كل لحوم تلك ~~الجمال كان لا بد لهم أن يتركوا بقيتها في العراء هي وروثها فتنتن ويملأ نتنها الجو حتى ~~تأتي وحوش الجبال والفلوات المحيطة بهدى فتريح الناس منها بما تحمل منها بطونها السابغة. ~~ومع ذلك لم يكن لها انقطاع ولولا أنها كانت تحت الريح الغالبة لما ترك وباؤها في ديار هدى ~~ديارا، ورأوا غير تلك ms087 الأضاحي جمالا أخرى سائمة لا يعترضها معترض، ولا يمنعها عن رعي ~~الكلأ مانع، يسمونها: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي؛ تبعا للمقصد من إهدائها إلى ~~الآلهة. # وكثيرا ما كانوا يذهبون إلى نهر هناك صافي الماء عذب المذاق كالسلسبيل يسمونه: ~~المعسل لحلاوته وطيبه، # 4 # حتى ليقولون: إن حلاوته تنتقل إلى شاربه، ومن ثم كان أهل هدى أولي بشرة نقية، ~~ووجوه مليحة، وكان نساؤهم مضرب المثل في جمال الخلقة في بلاد العرب كلها. من أجل هذه الخاصة ~~فيه لم يكن شاطئه ليخلو من بعض نساء مكة يقصدنه؛ ليغسلن وجوههن بمائه الطيب، ويشربن منه، ~~ويحملن على ظهور الجمال ركوات من سلسبيله الساحر الذي جعل وجوه الساكنين على شاطئيه من أهل ~~هدى على ما امتازت به من صفاء البشرة وحلاوة الطلعة. # والواقع أن لنقاوة الماء أثرا مباشرا في هذا الجمال، أو بالأحرى إن ملوحة الماء أو ~~غضاضته، أو احتواءه ما ليس من طبيعته من الأجسام الغريبة والجراثيم من شأنه أن يؤثر في ~~المعدة والكبد والبشرة والدم، وسائر جوارح الإنسان، فيحدث فيها ما يحدث من الاضطراب ~~والأمراض ظاهرها وخفيها، ومن ثم لا يكون شاربها معتدل المزاج صحيح البدن حي الطلعة مشرق ~~الوجه. أما نقاؤه من كل تلك الآفات فمن شأنه سير أعضاء الجسم ظاهرها وباطنها فيما أراد لها ~~مبدعها من السلامة، ما لم يعبث بها الفساد من ناحية أخرى، ومن ثم كان أهل هدى أصحاء البدن ~~والمزاج، وكانت بشرتهم نقية، ووجوههم مليحة، ونفوسهم صافية، وكانت نساؤهم فتنة ~~للعين. # كانوا يذهبون جميعا: الحارث وورقة وهرميون ولمياء سيرا على الأقدام في بكرة الصباح أو ~~مطلع الشمس ولا يعودون إلا في الضحى؛ فيتناولون طعام فطورهم، ثم ينصرفون إلى شئونهم. فكان ~~الحارث وورقة يذهبان للمطالعة، أو للنقل والمراجعة، وكان ورقة قد شرع يدون ما كان يحدثه به ~~الحارث عن عقاقير بلاد العرب وفوائدها، واشترى لذلك رقاعا من مكة يكتب عليها ويعرضها على ~~أستاذه فيصححها له، ولكن الحارث رأى أخيرا أن يتولى إملاءه حتى لا يضيع عليهما الزمن. ~~فكانا يقضيان أيام وجودهما ms088 في هدى في تأليف هذا الكتاب: # 5 # الحارث يملي وورقة يكتب، وكلما نفدت الرقاق انتهزا فرصة وجودهما في مكة إذا ~~هما هبطاها لعيادة مريض فاشتريا منها حاجتهما، وعادا بها ليملآها تحبيرا. # والواقع أنهم قضوا شطرا كبيرا من أيام الصيف في متعة وهناءة على هذا المنوال، لا يكدر ~~صفوهم مكدر، ولا يشعرون بالحاجة إلى أنيس، ولم ينقطع ابن نوفل عن زيارتهم وقضاء أيام في ~~جوارهم، كما أن العفيفة أم ورقة وزوجها باقوم زاراهم وقضيا معهم بضعة أيام كانا فيها على ~~أحسن ما يكون الضيف في منزل مضيف؛ فقد بالغت هرميون ولمياء والحارث في إكرامهما، وكان باقوم ~~محل الإكرام الخاص من هرميون؛ لأنه رومي مثلها، ولأنه كان يعرف أباها حق المعرفة، وكان ~~يحدثها عن الإسكندرية ويذكرها بأمورها وأحداثها، وما رأى فيها بعينه من أعمال القتل والنهب ~~وتخريب المعابد، وقيام أهل المسيحية الملكية على أهل اليعقوبية وأخذ هؤلاء بالثأر، وانتهاز ~~اليهود الفرصة للإيقاع بهؤلاء وهؤلاء، وارتداد الفريقين عليهما، ويحمد الله على أن هيأ له ~~الفرصة للبعد عن مواطن هذه الجهالات، وكان سرور الحارث عظيما عندما سمع زوجته تحمد الله هي ~~أيضا على ذلك، فقال: وأنا أحمده أيضا على أن أسمعني بأذني اعتراف أم لمياء بما صنعت؛ إذ ~~نقلتها إلى بلاد لا يسمع فيها صخب ولا لغب، ولا يرى فيها حريق ولا بريق. قالت هرميون: صدقت، ~~وإني لسعيدة بمقامي هنا، وأرجو الله أن يديم طمأنينتي على أبي الشيخ الأرمل وأختي ~~هيلانة. # عاد باقوم وامرأته مشيعين بكل محبة وإكرام، وظل الحال كذلك فترة من الزمن، وهل هلال ~~فذهب ورقة إلى أهله للزيارة على عادته، وانتظروه صبيحة الغد فلم يجيء؛ فساروت نفوس أهل ~~البيت وساوس، ولكنهم لم يروا أن يتعجلوا سوء الظن فظلوا يرقبون الطريق، وكانت لمياء عينهم ~~عليه؛ فقد ظلت طول اليوم فوق سطح المنزل عالقة العين بطريق مكة تمر الأشباح أمامها تلو ~~الأشباح، وتنفيها واحدا بعد آخر؛ لأنها لم تكن تمثله. كان له شبح واحد تعرفه حق ~~المعرفة، وتميزه بين ألوف من أشباح أخرى ms089 ولو اجتمعت. حتى إذا غربت الشمس نزلت وهي كمدة تعلن ~~أنه لم يلح، وكان الحارث قد ساوره الخوف من أن يكون الفتى قد أصابته حمى من أثر نتن ~~الأضاحي الذي كان يهب عليهم إذا دارت الريح دورتها فدخلت عليهم من الجنوب بعد إذ كانت تدخل ~~من الشمال من ناحية الشام، فعزم على أن يذهب في الغد إلى مكة ليرى ماذا جرى لورقة. # جاء الغد ولكن الحارث لم يستطع النهوض من فراشه؛ لأنه أصيب بشيء من الفتور في جسمه ألزمه ~~الفراش، ومضت ضحوة اليوم الثاني على ورقة والحارث في فراشه. فاضطرب الأمر في البيت اضطرابا ~~عظيما، وساورت المخاوف هرميون ولمياء من كل جانب، ولم يخطر لهما ببال أن يرسلا أحد العبيد ~~إلى النضر؛ ليخبره بمرض أبيه، ولعلهما كانتا تكرهان التقاء النضر وورقة في البيت؛ لئلا يعود ~~إلى سابق كلامه المر، فاستقر رأي كل منهما على أن يسقطه من ديوان الفكر، ولذلك لم يكن له ~~أثر في ذهنهما حتى في تلك الساعة التي لم يكن ورقة فيها في البيت، ولكن عبدهم زيادا الذي ~~أحضروه معهم من مكة لم يسعه إلا أن يسأل سيدته لماذا لا ترسله إلى مكة؛ ليستدعي مولاه النضر ~~وهو طبيب لا يشق له غبار، # 6 # ليرى أباه ويصف له الدواء الشافي؟ فتنبهت هرميون عندئذ إلى أنه يجب عليها أن ~~تستدعي النضر لزيارة أبيه ولعيادته ما دام طبيبا عظيما؛ فأرسلته إلى مكة على الفور، ~~وكلفته كذلك أن يذهب إلى بيت باقوم؛ ليسأل عن ورقة، ولم تزد على ذلك فيما يختص به؛ لأنها ~~كانت تعلم أن هذا العبد يحب ورقة كثيرا، ويسعى في خدمته كأنه ابن سيده بل أكثر من ذلك، ولا ~~بد أن يتعرف الأسباب التي حملته على هذا الغياب الذي لم يعتادوه منه فقد كان ورقة يعمل على ~~ألا يغيب عنهم إلا ساعات قليلة لا يشعرون بها؛ ذلك أنه كان إذا جاء يوم مبيته عند أبويه ركب ~~فرسه في العشي فبلغ مكة في أول العشية، وقضى الليل معهما، وركب ms090 في بكرة الصباح فبلغ هدى ~~مبكرا؛ ليجتمع بلمياء وهرميون، وينعم بجوارهما قبل أن ينصرف إلى عمله مع أستاذه. # والواقع أن ورقة كان يشعر بدبيب الغرام في قلبه للمياء، ولكنه لحبه لأستاذه وأهل بيته كان ~~يحسب أنه الهزة التي تعتري القلب إذا استشعر ولاء، أو الروح التي تتخلل جوارح الإنسان إذا ~~أحس لأحد ودا ووفاء، ولكنه كان يرى هذه الهزة تشتد في أوقات خاصة، هي أوقات وحدته في ~~مخدعه في هدى، أو في بيت أمه في مكة. هناك يتمثل لمياء في ظلام الليل فيتمثل كل محاسن ~~الدنيا فيها وحدها، ويتمثل نظرات عينها الخفرة يشع منها في الحديث معه أو الإنصات إليه ذلك ~~الضياء البهيج الساحر الذي يهز نفسه كلما شامه، وتتراءى له من ثغرها الألعث العجيب الصنع ~~تلك البسمات التي تغمره بعواطف بر كثير لا يرى أنه جزاء له عن فضل، ويتذكر أنسها به، ~~واقترابها من مجلسه وهم جالسون، ومجانبته وهم سائرون، وأن ذلك البر لم يكن مقصورا على ~~ساعات حضوره مجالسهم في الدار، واجتماعه بهم تحت الكرم في البستان، أو مرافقته لهم إلى ~~المعسل والبطيحة. فقد خبره صديقه زياد - غلام البيت - أنها لا تنقطع عن ذكره في ساعات ~~غيبته عند أمه، وتسائل والدتها وزيادا وجاريتها سودة: ألا تشعرون بفراغ لغيبة ورقة؟ ~~فيقرها المسئولون على ما تشعر وينسون أنه ليس ولدهم ولا أخاهم، وذكر له أنها تظل تشيعه ~~بالنظرات من فوق سطح الدار حتى يغيب عن العين، ولعلها لا تنام من الليل إلا أقله، ثم تنهض ~~مبكرة في الصباح؛ لتتعجل رؤيته وهو عائد، وذكر له زياد كذلك أن لمياء رأت فتيات المعسل ~~الفاتنات يترددن على سودة في البستان ويتألفنها ويهدينها تعاويذ مما يصنع السدنة، وحليا ~~مما اشترين في بعض الأعياد، وعلمت منها فيما علمت أنهن يكثرن من الحديث عن ورقة وأهله ~~ومكانه من الطبيب، فأوجست شرا وغضبت فأمرت سودة ألا تلقاهن، وأن ترد عليهن هداياهن مع ~~زياد، كما أمرته أن يحرم عليهن الحضور لزيارتها في البستان. # تمثل ورقة كل ذلك وذكره، ms091 فأحس في نفسه حنوا شديدا عرف أنه الحب الذي يلهج به الشعراء. ~~وتمنى لو يستطيع أن يراها الآن؛ ليضمها إلى صدره، ويقبلها، ويصارحها بما يجد لها في قلبه ~~من الحب، ولكنه تنبه إلى نفسه وأمنيته المنكرة وعزاها إلى الشيطان الذي يلقي فسادا في ~~القلوب التي تتجه إلى الله؛ ليفتنها عن الرشد، ويغريها بما لا يحمد. ما أشد جرمه لأستاذه ~~وامرأته الطيبة وابنته المطهرة إذا هو عقهم وخان أمانتهم! إن من السيئات الكبر أن يضرم في ~~قلب فتاة مطهرة كلمياء التي تحبه حب الأخت أخاها حبا لا ينتهي إلى خير. فما هو بكفء لها ~~ولا ضريب! ما هو إلا ابن نجار عاش فقيرا ومات فقيرا، من سبية وجارية لا وزن لها في الحياة ~~ولا قيمة! أما هي فابنة الحارث بن كلدة الثقفي قريع كسرى وجليس الملوك، وإن كان متواضعا ~~حلو النفس، وهرميون ابنة قوزمان أعلم علماء الإسكندرية وبلاد الروم بأجمعها! إن كانت تحبه ~~وتكرمه فلأنه نزيلها، ولأنه أمين لها ووفي، وإذا عطفت عليه فهو عطف إحسان وبر بيتيم لم يدر ~~حتى اليوم كيف يحصل رزقه، لا لترفعه إلى مقام العزة التي هي فيها! بله أنها لا ترضى لابنتها ~~بعلا لا تكون في حماه سيدة عظيمة، ذات جاه واسع ! ألم تقل في بعض حديثها مع زوجها على ~~مسمع منه وتقل لجماعة من زوارها في مكة: إنها لن تزوجها لأحد من أهل هذه البلاد، بل لا بد ~~أن تعود بها إلى الإسكندرية يوم تكبر؛ لتزوجها من بيت نيقتاس حاكم الإسكندرية كخالتها ~~هيلانة. # لا حق له إذن في أن يعلن لمياء بحبه لها، وليس من تقوى الله ولا الأمانة ولا من الخير أن ~~ينمي في قلبها الطاهر غير ما له فيه من حب الأخت أخاها! ولا من الشرف وعرفان الجميل أن يبدي ~~من أمره إلا ما يبدو حتى الآن من عواطف الولاء والشكر! بل ربما كان خيرا أن يرتد قليلا ~~ويلتزم الإجلال والتوقير للحارث وزوجته، ويعمل على رد لمياء إلى ما صدرت عنه من ms092 البر ~~والمودة. # هذا ما استقر عليه رأيه في مكة ليلة ذهب لزيارة أمه، ولكنه تمثل البرح الذي سيعانيه قلبها ~~الفطير؛ لما سترى منه من الأزورار عنها، والتزام الحد الفاصل بينه وبينها، وخطر على قلبه ~~أنه سيسيء إلى من أحسنت إليه، وأنه إذا انتوى ذلك كان كالذي يضمر الشر لإنسان بريء آمن، ~~ورأى أنها كالحمل الوديع الذي عزم صاحبه على ذبحه في الصباح، ولم تشفع فيه وداعة الأمس ولا ~~براءته؛ فضاق صدره وقعد في فراشه مأزوما يتأوه، حتى غلبه الهم فهوى على فراشه يبكي وجدا ~~وحسرة، وأسفا لما سيلحقه بالفتاة باختياره من الآلام، ولخجله من نفسه يوم تراه على غير ما ~~كانت ترى منه، ولكنه أسلم أمره إلى الله، وأخذه الرقاد وهو يناجي ربه ويلتمس منه العفو ~~والقوة والرضاء. # الفصل الثاني عشر # | نعاء! نعاء # نهض ورقة ليركب جواده عائدا إلى هدى، ولم يكن حاديه اليوم على ذلك هوى نفسه للاجتماع ~~بأحبابه؛ بل حبه لسيده وأستاذه الأول ورقة بن نوفل، فقد كانت والدته خبرته في العشية أنه ~~مريض منذ عشرة أيام، وأن العلة اشتدت به ولا يعرفون له دواء، ولذلك رأى أن يبكر في العودة ~~إلى هدى؛ ليستدعي أستاذه الحارث ليعوده عسى أن يكون شفاؤه على يديه، ولكنه ما كاد يذهب ~~ليخرج جواده حتى تنبهت أذنه إلى صوت غريب. صوت أجش رتيب يسير به صاحبه متئدا وإن كان ~~يتجلى شيئا فشيئا كلما تقدم نحو الدار، ولم يتبين منه ورقة إلا صورة قوله: نعاء. نعاء! ~~وإذ لم يكن ينعى على هذه الصورة إلا العظيم القدر في الناس # 1 # فقد أشفق أن يكون المنعي سيده ابن نوفل فترك جواده، وجرى نحو الباب؛ ليتبين ~~الحق حين كان ناعي الكرام على مقربة من باب الدار وهو يكرر قوله: نعاء! نعاء، ثم يعقبها ~~بقوله: يا آل مكة عوضكم الله خيرا في أخيكم ورقة بن نوفل لا يبعد له مزار ولا يلمم بجدثه ~~بوار. # دارت بورقة الأرض دورتها بمن تصميه النوائب، فانهد وجلس على عتبة الدار يفكر ولا ms093 فكر، ~~وينظر ولا يرى، ثم لطف الله به فبكى، وزاد وجده فنشج، وكانت والدته قد سمعت النعي الفاجع ~~فأعولت في الدار وولولت، وتجاوبت أصداء النحيب والعويل من ديار بني نوفل والحي المجاور، ~~وكان صياحا أليما، وكان باقوم على فرط وجده لما فقد قد سمع بكاء الغلام ورثى لحاله، وخشي ~~أن يبرح به الهم فنهض يتوكأ على عكازته إلى حيث جلس، وأخذ يحاول لفته عن وجده بكلام كان ~~يعلم أنه لا يطفئ أهون شرارة من نار حزنه، ولكنه جعله وسيلة؛ ليأخذ بضبعه لينهضه، ويدخله ~~بهو الدار عسى أن يتمكن من تخفيف ما أصابه. فنهض ورقة مطاوعة للشيخ الحنون، وسار حتى لمحت ~~عينه في البهو مكتلا فجلس عليه يبكي كما كان، وجلس الشيخ إلى جواره يعزيه، ولكنه كان يبكي ~~هو أيضا ويندب سوء حاله من بعده. أما العفيفة فلم تتئد بل خرجت من فورها وهي على حالها من ~~الهلع، وسارت كذلك حتى بلغت دار الفقيد، وكان نسوة بني نوفل قد اجتمعن فيها وخديجة أم ~~المؤمنين بينهن تبكي في صمت ووقار، وابن عمها مسجي أمامها في سريره، وكان العليات من بني ~~عبد مناف يقبلن عليها مولولات نائحات؛ ليشتركن معها في الفاجعة، إذ كانت السيدة خديجة أقرب ~~أهله إليه، وكانت منه على تعادل مفترعهما بمنزلة الابنة كما أن الرجل مات بغير عقب. # 2 # فلما رأتهن السيدة خديجة على هذه الحال أوعزت إلى فاطمة ابنة الخطاب - وكانت جالسة في ~~جوارها - أن تنهى تماضر العفيفة أم ورقة عن ذلك العويل؛ لتنتهي عنه غيرها، وكانت فاطمة ابنة ~~الخطاب حنيفية كزوجها سعيد بن زيد بن نفيل، ومن أوائل من آمن بسيد الحنفاء محمد بن عبد ~~الله؛ فانبرت تلقي على المعولات عظة مما وعظها به الإسلام، ولكنها كانت توجه الخطاب إلى ~~تماضر أم ورقة حتى لا تتأذى سواها. قالت: عفا الله عنك يا تماضر! إنك لتعقين سيدك الراحل ~~بما تفعلين. أما تعلمين أن الميت يعذب ببكاء أهله، ولعمر الحق ما كنت من بره إلا كما تكون ~~الابنة! قالت: صدقت ms094 يا سيدتي، فكيف أملك صبرا على مصيبتي فيه! وإنه لغافر لي عجزي. قالت ~~فاطمة: لقد كان ينهي عن العويل والنياحة. قالت: وا سوأتاه إن له على كبدي لحقا يجزيه الآن ~~حرقة والتياعا! قالت: فهلا انتهيت بما نهى عنه مولاك رسول الله! إنه لبريء من الصالقة ~~والحالقة والشاقة جيبها. قالت: سلام على أبي القاسم! سمعت يا مولاتي وأنبت، وليلطف بي ~~الله! على دينه أحيا وعلى دينه أموت. ثم جلست وراء الجالسات تبكي كسيدتها وقد انقطع العويل ~~والنياحة حتى إذا جاء وقت الغسل توارت النسوة؛ فغسل على العادة وكفن، ثم حمله الرجال في ~~سريره على الأعناق، وخرجوا به ليدفن في المعلاة شمالي مكة، وكان قد اجتمعت قبائل مكة في ~~الطريق؛ لتسير في جنازته. فلم تشهد أم القرى له جنازة اجتمع فيها أشراف القوم وكأن على ~~رءوسهم الطير كجنازة ابن نوفل، وإنه ليخيل إلي من عظم الراحل وقرابته من سيدة قريش أن ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # أكرمه، وأن أكبر الظن أنه # صلى الله عليه وسلم # مشى فيها هو وخليفته الصديق أبو بكر ~~وصحبه ممن سعدوا بنعمة الإسلام في أوائل أيامه: عثمان بن عفان وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن ~~زيد وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله وطليب بن ~~عمير بن وهب، ومن كان في مكة يومئذ من المسلمين وعدتهم إذ ذاك قرابة الأربعين، منهم: أبو ذر ~~وبلال وزيد بن حارثة وعمرو بن عبيسة السلمي وخالد بن سعيد بن العاص وعثمان بن مظعون، ولم ~~يكن العباس ولا حمزة ولا بعض أخوة علي بن أبي طالب قد أسلموا بعد، ولكنهم لم يكونوا في فريق ~~المشركين بل انحازوا إلى مصاف رسول الله هم وأبو طالب، وكنت ترى من مشركي مكة يومئذ أبا ~~عمرو بن هشام وأبا لهب وعمر بن الخطاب وعمرو بن العاص قبل إسلامهما وأبا زمعة الأسود بن عبد ~~يغوث وعقبة بن معيط وعبته بن ربيعة وأبا سفيان بن عبد الحارث بن عبد المطلب وأبا ms095 سفيان بن ~~حرب بن أمية والحكم بن أبي العاص وسعيد بن العاص والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث ولبيد ~~بن ربيعه ... ومئات غيرهم من أعلام مكة يومئذ، وكان يحمل النعش منهم سادة القبائل وزعماء ~~البيوت؛ فتعاوره أبو طالب وأبو بكر وعمر وأبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة وسعد بن أبي ~~وقاص والزبير بن العوام وأمية بن خلف الجمحي وغيرهم. # فلما بلغوا المعلاة وأرادوا دفنه فيه ظهر لهم من تحت النعش غلام لم يبلغ العشرين بعد، ~~وقال بصوت محزون مكبود: رويدكم يا قوم، وصية أبلغها وأمنية للراحل أعلنها! فالتفت الجمع ~~ليروا من القائل فإذا به ورقة بن العفيفة. فقالوا له: ما خطبك يا غلام؟ قال: لقد كان ابن ~~نوفل يقول لي: إنه أوصى أن يدفن بجوار صاحبه زيد بن عمرو بن نفيل في حراء وما حراء من هنا ~~ببعيد. أليس فيكم يا قوم من سمع وصاته غيري؟ لقد كنت منه كولده وكان كأبي، وإني وحق الله ~~لصادق. فبرز سعيد بن زيد يقول: بلى لقد سمعته بأذني يقول هذا، ورأيت أبي وابن نوفل يتواصيان ~~بهذا. ولقد كان النضر بن الحارث معي في مجلسه ساعة قال هذا. قال النضر: حقا تقول يا ابن ~~زيد هو عهد تواصيا عليه في حراء يوم الحجر الأسود، وقال عثمان بن مظعون: هو والله ما قال ~~ابن العفيفة لقد كان ابن نفيل يئن من جراحه يومئذ ويطلب إلى ابن نوفل ألا يفارقه فأقسم هذا ~~لن يفارقه، وأوصى إن هو استؤخر عنه أن يدفن إلى جواره. فسيروا بنا إلى حراء ندفنه حيث دفن ~~الخطاب ابن أخيه يوم قتلته غلمانه رميا بالأحجار من أجل قوله الحق في محمد رسول الله. هذان ~~رجلان ملآ الدنيا سماحة وهدى، وألقيا في ظلمات العقول نورا، كانا في الدنيا صديقين ولهداية ~~الناس إلى الحق متحالفين فليرقدا اليوم بالقبر متجاورين! # لم يجد المشيعون بدا بعد هذا من تحقيق وصاة الرجل بدفنه في حراء، فساروا به إلى حيث دفن ~~ابن نفيل وشقوا له في جواره لحدا ms096 وواروه التراب، ثم قام الخطباء فأبنوه وعادوا إلى ~~بيوتهم في العشي، ثم إلى أنديتهم حول الكعبة يتذاكرون. # أما ورقة فلم يعد في العائدين، وبقي على القبر يبكي سيده ويندبه حتى إذا افتقدته سيدته أم ~~المؤمنين، وعلمت بنبأه أرسلت إليه زيد بن حارثة - وكان غلامها الذي وهبته لرسول الله - ~~وأوصته أن يأخذه إلى داره مترفقا، ويرحله في الغد إلى هدى؛ ليصرف همه بعيدا عن موارده من ~~مكة، وإذ خشيت إن هو سار إلى هدى من طريق حراء أن يعرج على قبر سيده أمرت زيدا أن يخرج به ~~من طريق أجياد # 3 # ولو بعد، وأن يصحبه إلى ما وراء مكة عائدا إلى مصيف أستاذه. # فعل زيد كما أمرت سيدته، وقضى الليلة معه في بيته يسليه بالأحاديث، ولم يجد زيد أنفى للهم ~~الحاضر من هم جديد فأخذ يذكر له ما جرى في مكة من الأحداث في غيبته؛ إذ صدع رسول الله بأمر ~~ربه بين عشيرته الأقربين فتبعه خلق كثيرون، وذكر له من أحداث تلك الأيام ما فعل المشركون ~~بمستضعفي المسلمين؛ إذ جعلوا يحسبونهم، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ورمضاء مكة؛ ~~ليفتنوهم عن دينهم، ولكنهم كانوا يتصلبون فيه، ويعصمهم الله من الافتتان والرجعى إلى عبادة ~~الأوثان. ذكر أمية بن خلف الجمحي؛ إذ علم بإسلام غلامه بلال بن رباح فكان إذا حميت الشمس ~~وقت الظهيرة يلقيه في الرمضاء على وجهه وظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتلقى على صدره ~~ويقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فلا يقول إلا قولة ~~المسلم: أحد. أحد، وهو صابر لا يفتنه البلاء، وكان فقيد اليوم يمر به وهو يعذب، ويقول ~~قولته هذه: أحد. أحد، والله يا بلال. # 4 # ثم يقول لأمية: أحلف بالله لإن قتلتموه على هذا لأتخذن قبره منسكا وحنانا، ~~فرآه مولاي أبو بكر الصديق وهو على هذا الحال فقال لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين! ~~فقال: إنك أفسدته أنت وصاحبك فأبعدته عن الحق. فقال له الصديق: أي حق هذا الذي أبعدناه عنه! ms097 ~~عبادة الأصنام! ارحمه يرحمك الله، وإذا شئت فعندي غلام على دينك أسود أجلد هذا أعطيكه. قال: ~~قبلت. فأعطاه أبو بكر الغلام، وأخذ بلالا فأعتقه، # 4 # وكذلك فعل أبو جهل بعمار بن ياسر وبأبيه ~~وأمه سمية فقد أمر بهم أن يجروا على وجوههم فوق رمضاء الأبطح حتى مات ياسر من العذاب، فلما ~~أغلظت له امرأته الكلام طعنها أبو جهل بحربة كانت في يديه فقتلها. # 4 # ظهر الغضب على وجه ورقة وقلق، وأخذ ينفث ولا يتكلم، ولكن زيدا استمر يروي له من أخبار ~~غيرهم ما زاده حنقا وثورة فذكر له ما لقي صاحبه خباب بن الأرت؛ إذ كانوا يعرونه ويلصقون ~~ظهره بالحجارة المحماة بالنار ويلوون رأسه وهو متصبر، وذكر له عمر بن الخطاب إذ كان يعذب ~~صديقتي أمه لبينة وزنيرة وكانتا من فتيات بني عدي، ويضربهما ضرب غرائب الإبل. # 4 # كان زيد يذكر هذه الوقائع فيزيد ألم الفتى ويغضب، ولكنه لم يكن يتكلم؛ لأنه كره أن يشغل ~~قلبه ولسانه بغير ما كان يشغله من الحزن على سيده، ولكن ما كاد زيد يذكر ما فعلوا بالنساء ~~حتى هب ورقة وانطلق لسانه يقول: أمسك يا زيد أمسك! والله ما يحزنني من الأمر تعذيب هؤلاء ~~الحنفاء بقدر ما يحزنني من أن مكة قد خلت ممن يغيث هؤلاء المستضعفين أو ينصفهم من سادتهم ~~غلاظ الأكباد! أيعذب المرء أن يقول ربي الله! قال: إنما المنصفون قليلون، ولم يؤمر نبي الله ~~بعد بشيء مما ترى، وإنما أمر النبي # صلى الله عليه وسلم # أتباعه أن يفتدوا كل عبد مسلم؛ فاشترى أبو بكر ~~أكثرهم وأعتقهم، واشترى غيره من اشترى، ولكن المشركين فطنوا إلى ذلك فكفوا عن بيع عبيدهم، ~~واستمروا في إيذائهم. # لم يكن في قصد زيد أن يوغر صدر الفتى على المشركين أو يستفزه لشيء، ولكنه أراد أن يدفع ~~هما في قلبه بهم فانساق إلى هذا وهاج غضب الفتى رثاء لهؤلاء، فتململ في مجلسه وهو يقول: ~~أما ورب إبراهيم ومحمد! لو رأيت الجمحي وهو يعذب بلالا أو رأيت عمرو بن ms098 هشام وهو يطعن سمية ~~حيث طعن أو عمر وهو يضرب زنيرة لقتلته ولو تناولتني السيوف من بعدها حتى لم تدع مني قطعة ~~تحدث عن مكانها من جسدي. قال زيد: مرحى لك يا ورقة! هل آمنت بمحمد ودينه! ... فبهت الفتى، ثم ~~قال: ويحي يا زيد ألا تعرف ذلك؟ قال: أنى لي أن أعرف ولم أجدك بايعته ولا أسلمت بين يديه. ~~قال ورقة: وا سوأتاه ما حاجتي بمبايعته وإسلامي بين يديه وأنا حنيفي مثله أومن بالله ونبيه ~~إبراهيم كما كان أمامي ابن نوفل وصاحبه ابن نفيل. قال زيد: ما زدت عن المشركين في كثير فهم ~~في الحق على دين إبراهيم لولا أنهم ضلوا السبيل فجعلوا الأصنام وشياطينها شفعاء لهم من دون ~~الله، ارفع أصنامهم كما رفعها إبراهيم تجدهم على ما كان عليه ابن نفيل وكما كان ابن نوفل. ~~قال ورقة: لعمري لم يدعهم مولاي محمد إلى أكثر من هذا، وما غضبه إلا لله ولدين إبراهيم، وما ~~يكره من قومه إلا عبادة هذه الأصنام التي أبطلها إبراهيم، وما غضب المشركين عليه إلا لأنه ~~يسفه أحلامهم فيما يعبدون. فهو اليوم إمام الحنفاء، وسيد الموحدين، ومحيي دعوة إبراهيم، ~~وخليفته في أبنائه من إسماعيل. قال زيد: هو ذلك ورسول رب العالمين إلى أمة لم يأتها النذير. ~~قال ورقة: ويحي يا زيد! وما إسماعيل وأبوه! أليسا في المنذرين ألم يقل إبراهيم الله ربي ~~الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا وزير ولا معين ولا ظهير الذي إليه الرجعى وإليه النشور؟ ~~وما كلمات إبراهيم التي ابتلى بها؟ تلك الكلمات العشر التي نحن عليها أجمعين. حنفاء ~~ومشركين؟ الخمس التي في الرأس: وهي المضمضة والاستنشاق وقص الشارب وفرق الشعر والسواك، ~~والخمس التي في الجسد: وهي الاستبراء وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان؟ وما ~~الغسل من الجنابة وغسل الموتى وتكفينهم؟ وما الحج والاعتمار والإحرام والتلبية؟ وما الهدي ~~ورمي الجمار وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وكراهة الخمر؟ أليست كلها من دين إبراهيم؟ ~~وهل جاء مولاي محمد بغير ذلك أو نقضه؟ قال ms099 زيد: كلا بل قره الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. قال ورقة: فإلى ~~أي شيء تدعوني إذن؟ إن كان لترك الأصنام فقد تركتها قبل أن أكلف عبادتها وأنا غلام في ~~العاشرة من سني، وإن كان لترك دين التثليب - دين المسيحيين الذي كان عليه أبي - فقد تركه ~~أبي منذ تزوج من أمي، كما تركها صاحبه باقوم من بعده واتبع ابن نوفل. قال زيد: هذا كلام ~~كبير يا بني، وعليه مسحة من الصواب، ولكن فاتك أن تتبين صوابا أكبر. قال: ما هذا؟ قال: لا ~~تعجب يا بني أن أحدثك عنه. إني كما تعلم متنقل في تجارة مولاتي، وقد حضرت مجالس الأحبار ~~والرهبان، وتعلمت الشيء الكثير. بل أنا أقرأ وأكتب مثلك. ما الدين يا بني مقصور على النظافة ~~والغسل وكلمات تحفظها عن الناس وترددها. الدين نور من عند الله من استضاء به اهتدى وأرضى، ~~ومن أبى إلا أن يسير فيما تزينه أهواؤه لنفسه من النؤور ضل واعتدى، ولقد اندرس دين إسماعيل، ~~وتاه كتابه فتاه الناس من بعده حتى انقلب الحال بهم فإذا أولاده وأبر الناس به وببيته قد ~~عادوا إلى جاهليتهم الأولى التي أخرجهم أبوه منها؛ عادوا إلى عبادة النصب والأصنام التي كان ~~قد هدمها بيديه، ومن حق العباد على ربهم بعد هذا الضلال البعيد أن يرسل إليهم نذيرا آخر، ~~نذيرا جديدا يبسط لهم أوامره ونواهيه زيادة عما تقتضيه العقول من واجباتها، وإلزاما لما ~~جوزته من مباحاتها؛ لأن الناس بنظرهم وحدهم لا ينكرون مصالحهم لأنفسهم فهم ميالون بفطرتهم ~~إلى البغي والعدوان، ولا يشعرون بعواقب أمورهم لغرائزهم، ولا ينزجرون إلا أن يرسل الله ~~إليهم أدبه فيلتزموه. # يومئذ تكون شرعة الله فيهم مستعملة، وحدوده فيهم متبعة، وأوامره فيهم ممتثلة، ووعده ~~ووعيده فيهم زاجرا، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض كما فسدت في هذه الأيام، ~~وحلت الفوضى على الناس كما هي حالة اليوم. فليس عن بعثة الرسل يا بني معدل، ولا منهم ~~لانتظام المصالح بدل، وإلا فلو ترك الناس على سجيتهم؛ لبغوا في الدنيا بغي ms100 الذئاب، ~~واستأثروا بالخير لأنفسهم ولمن يحبون دون خلق الله جميعا، وهذا غاية الفساد. قال ورقة: هذا ~~حق يا زيد وربي، ومن أجل ذلك ينهض المصلحون بدعوة الناس إلى طريق الهدى حتى لا يضلوا ولا ~~يبغوا. قال زيد: لا يا بني، ليست النبوة نهضة ناهض بملكه واختياره مهما كان خيرا أو ~~رشيدا، وإلا كثرت المذاهب فلا يدري الناس بأي هذه المذاهب يهتدون، وإذا ضل طالب الهدى فما ~~صنعت شيئا. قال ورقة: فما هي إذن؟ قال: هي بعثة وتكليف من لدن رب الخلق، وأمر منه لمن ~~يختار؛ فالنبي رسول يبلغ رسالة الله، ويتكلم بما يوحي به الله إليه، لا ينطق عن هوى إن هو ~~إلا وحي يوحى، وللرسل صفات ربانية في خلقهم وعلامات جسمانية في خلقهم يخصهم الله بها؛ ~~ليتعرفهم المستعرف، ويطمئن إليهم المستهدي كيلا تجوز دعوى المدعي على الناس فيقع في ضلال ~~جديد. قال ورقة: صدقت يا زيد صدقت. زدني بالله مما تقول فقد خبرني مولاي ابن نوفل أنه هو ~~وصاحبه قد وجدا كل ذلك في سيدنا، وأنه آمن به قبل أن يبعث، وعزم على شد أزره يوم يؤمر ~~بالدعوة، ولكني ولا أكذبك لم أكن قبل هذا أجد لهذه البعثة حاجة، ولا إلى هذا الإيمان من ابن ~~نوفل ضرورة، وأما اليوم فإني أرى نورا ينبعث من فمك فيجلو جهالتي كما يجلو نور الصباح ركام ~~الظلام ... يا لله! أإذا كان في الناس صلحاء أخيار أوفياء للحق فصدروا عن طبيعة الخير التي في ~~أنفسهم مخلصين في القول والعمل لم يؤمن أن يضلوا! قال زيد: نعم سيكون لكل منهم في الخير ~~مذهب قائم يأمر به، ويدعو إليه، ويتعصب له، وقد يؤذى الناس في سبيله؛ فإذا وجد كل ذي مذهب ~~أنصارا وجدت الناس كلهم مختلفين متنافرين متباغضين، وأي خير في هذا؟ قال ورقة: صدقت. صدقت. ~~قال زيد: لا بد إذن من دين واحد يأتي به نذير واحد من عند الله الواحد؛ ليجتمع الناس عليه ~~متحدين، ويعملوا به متناصرين، ويسيروا تحت لوائه مجاهدين. بأمره يأتمرون وبنهيه ms101 ينتهون، فلا ~~ضلال ولا فساد ولا فرقة ولا عناد. دين يرتضيه العقل والقلب حتى لا يكره الناس عليه إكراها، ~~ولا تتورط فيه الأبناء رعيا للآباء والأسلاف، وهذا يا بني دين الإسلام! دين محمد بن عبد ~~الله! قال ورقة: رباه! رباه! إني لأجد نورك يملأ قلبي، فاغفر عنادي وجهلي، وزدني اللهم ~~نورا، ومضى زيد في كلامه يقول: ولقد خلت أمة العرب من عهد أبيهم إسماعيل من المرشد والنذير ~~حقا. أليست ثلاثة آلاف من السنين بكافية؛ لتخلو دنيا الماضي من كل خير! بلى. لقد اختلت ~~أفعالهم، وفسدت أحوالهم، واتضع بين الأمم شأنهم، ولم ينفعهم ما بقي من سنن إبراهيم وشرائعه ~~وعباداته التي ذكرت ما هي إلا أنقاض بيت تهدم وما يؤوي الخراب إلا الهوام والذئاب فاقتضت ~~رحمة الله العادل الذي لا يعذب حتى ينذر أن يرسل فيهم نبيا من أنفسهم؛ لينذرهم بدين الحق ~~الذي نزل على آدم والنبيين، ويردهم إلى دين إبراهيم حنيفا ومطهرا وكاملا ومصونا؛ ~~ليدركوا به السابقين، ويضووا إليهم اللاحقين، وليجعل لهم في الدنيا شأنا كما جعل لغيرهم في ~~الغابرين. ذلك هو سيدنا محمد بن عبد الله النبي الأمي الذي بشرت بنبوته الأحبار والرهبان؛ ~~لما ورد عنه في التوراة والإنجيل، ففيهما اسمه ونسبه وصفاته. وبشر به ابن نفيل وابن نوفل ~~وصاحباه بما علموا يوم احتشد الناس في بيت الله، وآمنوا به قبل أن يأتيه وحي ربه بسنين؛ ذلك ~~لصفاته الربانية وعلاماته الجسدية، فقد عرفوها واطمأنوا إليها فأعلنوها، واحتملوا الأذى في ~~سبيلها حتى مات مقدمهم من جرائها. قال ورقة: أجل. أجل. إنها لنعمة والله أن يموت الإنسان في ~~سبيل الله. قال زيد: ولقد بعث الله محمدا اليوم بالحق مصدقا لما بين يديه، ونزل القرآن؛ ~~ليعصم الناس من بعده عن الضلال مرة أخرى، وأمره أن يعلن الدعوة للناس كافة بعدما تحنث لها ~~ثلاث سنين، وما كان ليعلن إلا أن يؤمر، وقد أمره الله من أيام أن يصدع بأمره. أويرضيك يا ~~بني أن يظل العرب ثلاثة آلاف أخرى من السنين وهم على نبلهم ms102 وذكائهم، وتمام رجولتهم ~~ومروءتهم، وسلامة أبدانهم وعقولهم، وكمال سجاياهم ونقاء طبائعهم فيما هم فيه من خمول الشأن ~~بين الأمم؟ يأخذون عنهم ولا يعطون؟ وتعولهم القرون، ولا يعولون أحدا؟ قال ورقة: لا وربي لا ~~يرضيني هذا. قال زيد: وإنما أرسله الله إليهم كما أرسل موسى وعيسى إلى بني إسرائيل فأخرجوهم ~~من الظلمات إلى النور إلى أن عقهما الخلف، وصدفوا عن طريق الله. ابتدع كل فريق لنفسه بدعة ~~وقاموا يروجونها بكل لسان، واختلق كل قوم لأنفسهم في الدين مذهبا عجبا، وجعل السيف له ~~عضدا من دون العقل، وهل بعد ما يجري في الشام وبلاد القدس من الأحداث فساد! ألا ترى أنهم ~~لعداوتهم بعضهم لبعض قد هللوا لعبدة النار، وحكموهم في دينهم وأعراضهم. هل بعد هذا ~~بوار؟ # قال ورقة: لا والله لقد حدثني عنهم الحارث العجب العجاب. قال زيد: من أجل هذا كانت رسالة ~~محمد بن عبد الله إليهم هم أيضا فقد أرسل للناس عامة؛ لينير لهم ويهديهم سواء السبيل، ~~ويجمع الأمم على دين يريح العقل ويسايره، ويأبى أن يلحق به ما ليس من طبيعته، ولن يضل من ~~بعده أحد، فسيبقى الذكر في صون الله لا يعتوره تغيير ولا تبديل، ولا عبث كما عبث السالفون، ~~وسيكون لأتباع رسول الله ملك كسرى وهرقل فما وراءهما. هكذا وعد الله رسوله ولن يخلف الله ~~وعده. # فلما سمع ورقة هذا الكلام نهض، وقال: اللهم اشهد أني مؤمن بك وبرسولك، ومهتد بهديك فيما ~~هدى، ومنته بنواهيك فيما نهى، وإن له قلبي ولساني ويدي. فنهض زيد يقبله ويبكي فرحا به ~~وبهدايته إلى الإسلام على يديه، وقال له: وددت لو أخذتك الآن إلى رسول الله في دار ابن ~~الأرقم؛ لتعلن إسلامك بين يديه! ولكنا الآن في الليل وأنت راحل في الغد فأبقها حتى تعود. ~~قال ورقة: وهل يجمل بي وأنا فتى أضع يدي في يد رسول الله! من أنا في الناس يا زيد! أنا ~~عبده وخادمه! قال: إن أكثر المسلمين اليوم عبيد وإماء، وأكثر من آمن بدعوته من السراة شباب. ms103 ~~قل لي: أنت أسن أم عثمان بن عفان؟ أم سعد بن أبي وقاص؟ أم عبد الرحمن بن عوف؟ أم خالد بن ~~سعيد بن العاص؟ قال: إني أنفت على العشرين. قال: وما منهم من بلغها يوم أسلم، وإن من فضائل ~~الإسلام أن جعل المسلمين إخوة؛ فبلال اليوم أخ لأبي بكر، وزنيرة أخت لخديجة، ولا بد لك ~~يا فتى أن تصلي بصلاة الرسول، وتعرف كيف يتوضأ للقاء ربه في الصلاة، وتحفظ ما نزل حتى اليوم ~~من كتاب الله. بيد أني سأعلمك ذلك، وأصلي معك ركعتين لله، فانهض بنا إلى سقاء الماء نتوضأ ~~ونصلي، وندعو الله أن ينصرنا على القوم الكافرين. # نهضا للوضوء فما خرجا من الباب حتى رأيا أمامهما في الظلام شبح باقوم يتمشى إلى السقاء ~~معتمدا على عكازته حتى إذا بلغه ألقى العكازة بجواره، وتناول السقاء وقال بصوت غير جهير: ~~نويت الوضوء لله تعالى. فتعجب زيد وورقة لأمره، ولم يكونا يعلمان بإسلامه فكلمه زيد: رويدك ~~يا باقوم من علمك هذا؟ قال: بلال أيام كان الجمحي يعذبه. قال زيد: هذا يوم بعيد. قال ~~باقوم: وأنا على الإسلام منذ ذلك اليوم. فقال ورقة: ثم لا تخبرني يا أبتي، وتهديني كما ~~اهتديت! قال خفت يا بني أن تحاجني كما كنت تحاج الليلة زيدا فيرتج علي في الحوار فتزيد في ~~ضلالك. فضحك ورقة متعجبا وقال: ضلالي يا أبتي! ما كنت ضالا، ولكني كنت أحسبني على ما عليه ~~رسول الله فلم أجد بي حاجة إلى أن أعلن ما هو معروف حتى بصرني زيد بأمر جلل لا أحسب أن في ~~المؤمنين أنفسهم من يعرف صدقه وصوابه وضرورته عرفاني، وهل أنت وحدك في هذا يا أبي أم معك ~~أمي؟ قال باقوم: بل أمك إليه أسبق. قال زيد: ألا تخبرنا كيف لقيت بلالا أم انه جاء إليك في ~~من يجيء إليهم؟ قال: والله ما جاءني ولا جئته، ولكن الله أراد لي الهدى فأخرجني إليه؛ شعرت ~~وأنا جالس هنا ذات يوم أن بي شيئا يحفزني إلى النهوض والخروج، وخيل إلي ms104 أني إن لم أخرج ~~فسأختنق، ولم أجد غير المطاف فرجة فذهبت إلى البيت الكريم، وفيما أنا أتسلل إليه رأيت ~~بلالا ملقى على الرمضاء في الهجير لا يملك قوة على النهوض، فقد كان الجمحي ضربه وأوجعه ~~وهده وتركه على هذا الحال ومضى، ورأيته ينظر إلي نظرة مستغيث من آلامه فأخذتني رقة عليه ~~وانحدر الدمع من عيني؛ لأني كنت أعلم أنه يعذب هكذا كل يوم. فرأيتني أجري إليه كأنما أنا ~~غلام في مثل سن ورقة بالرغم من عرجي، فحملته على كتفي وسرت به إلى داري هذه وأنا أتوكأ على ~~عكازتي. فما أحسست لجسمه على عاتقي من ثقل، بل قواني الله حتى لكأنه هو الذي كان يحملني. ~~فلما حططته عند هذا السقاء لأسقيه وأنشطه؛ إذ كان في شدة من العطش، تناول السقاء وهزه فوجد ~~أن ما فيه من الماء قليل، فظل على ظمئه وآثر أن يتوضأ به؛ ثم قام يصلي لربه ويتعبد ويبكي ~~وهو يقول كلاما مما نزل على محمد؛ فملكتني رقة وبكيت حتى اخضلت لحيتي، ولما سلم توسلت إليه ~~بحق الله عليه أن يعلمني كيف أفعل مثله لأتجه إلى ربي وأحادثه كما كان يحادثه؛ لأني كنت أرى ~~السكينة تنزل على قلبي حين كانت تنزل على قلبه وترقأ دمعه ودمعي فقال: قرب فتوضأ. قلت: ~~ليس في السقاء ماء. أما ألقيته بيدك. قال: إن ما فيه يكفي فقد أمرنا رسول الله بالاقتصاد في ~~الماء، وقال: امدد راحتيك تحت السقاء. فمددتهما طوعا له. قال: اتل ورائي القول. قل نويت ~~الوضوء لله تعالى. فقلتها، فقال: اغسل يديك فغسلتهما، وما زال يقول افعل كذا وافعل كذا ~~والماء يتدفق حتى أتممت وضوئي كله، وألقى السقاء على الأرض كما كان. ثم علمني الصلاة فصليت ~~كما صلى، وأنا عاكف عليها من ذلك الحين، وسعيد باعتناقي هذا الدين فهو دين النظافتين في ~~القلب والبدن. ائذن لي يا زيد أن أعلم أنا ولدي إني أحق به منك؛ ففرح زيد بما سمع، ورضي أن ~~يتولى باقوم تعليم ربيبه الوضوء وهو يشهد ليرى، وما ms105 زال باقوم يتوضأ أمام ورقة ويراعي ~~الترتيب في التطهر ويفعل ورقة مثله حتى أتى على آخره، وزيد يتعجب لدقته وعنايته. فقال ~~لورقة: ما كنت أستطيع وربك أن أبصرك بما هو أدق من هذا. هكذا يتوضأ سيد الخلق فانح نحوه في ~~كل وضوء. # ثم توضأ زيد بعدهما، وقاموا كلهم يصلون لله، وزيد بينهم يتلو من كتاب الله ما وعى صدره ~~حتى انتهت الصلاة وسلموا، وحمدوا الله، وذهبوا إلى المضاجع ليناموا، وقد سرى الله عن ورقة ~~شدة حزنه وملأ قلبه بنور الإسلام. # الفصل الثالث عشر # | أم قتال # لم يستطع ورقة أن يرحل إلى هدى فيما اعتزم من غده؛ ذلك لأن «أم قتال» أخت مولاه ورقة بن ~~نوفل أرسلت في طلبه، فلم يكن له بد من أن يجيب. كان منزلها إذ ذاك في طريق الصفا جنوبي ~~مكة، فذهب إليها من فوره، بعد أن حلف لصاحبه ألا يعود إلى حراء في يومه، ورجا منه أن ينصرف ~~إلى سيدة قريش بتحية منه وسلام، قائلا إنه سيسير من الصفا إلى هدى نزولا على إرادة البر ~~التي أرادتها. # دخل ورقة على أم قتال، وكانت امرأة فوق الستين من العمر بكثير، أكلت السنون من شحمها ~~ولحمها، وإن لم تأكل من بريق نظرها، ولا حياة عصبها، ولذلك كانت في نشاط الشباب والقوة، وإن ~~لم يكن لها من ظاهرها ما يلائم ذلك. كانت إذ ذاك في فراشها لغير مرض، ولكناه حضرت يوم وفاة ~~أخيها ورأته ميتا، وسمعت نوح النائحات عليه، فذعرت من الموت حتى لم تعد تستطيع أن تبقى في ~~بيت أخيها إلى أن يحملوه، بل خرجت إلى دارها فارة بنفسها من هول ما كانت ترى وتسمع، وقد ~~ألقت على عتبة داره كل ما كان في قلبها من الحزن والأسف لموته قائلة: إن في حمله أو التظاهر ~~به أذى لها، وربما عجل بموتها هي أيضا. # أشفقت أن يصيبها ما أصابه فهلعت ولزمت فراشها، ودعت إليها النضر بن الحارث، وكان عالما ~~بالطب كأبيه، فوصف لها ما عن له من العقاقير، وأكد ms106 لها الشفاء العاجل على أثر تعاطيه، وإن ~~لم يتبين عليها شيئا، وإنما فعل ذلك مسايرة لوهمها؛ لتهدأ حتى يزايلها الوهم كله، ولكنها ~~لم تكتف به وهو أكبر طبيب مقيم في مكة، بل أرسلت في طلب كل حجامي البلدة وباعة عطورها؛ ~~لتستشيرهم وتصرفهم، وأرسلت في طلب ورقة بن العفيفة، وقد علمت أنه عاد عرضا إلى مكة، لا ~~لأنه طبيب، بل لأنه متصل بأشياء الطب والأطباء، وماذا عليها لو سألته هو أيضا حتى لا تدع ~~في مكة أحدا له اتصال بالداء والدواء دون أن تعرض عليه أمرها؛ لعله يرى ما لا يرى غيره، ~~ولو كان غير بصير، فقد يكون في علم الجاهل شيء يجهله العالم، وكان عندها إذ ذاك أبو طالب عم ~~رسول الله، دعته لأنه كان أكبر من يبيع العطر في مكة، وأبو طيبة ميسرة الحجام الذي كان يحجم ~~زوج ابنة عمها - محمد بن عبد الله - عند الحاجة. على أن أبا طالب لم يلب دعوتها؛ ليبيعها ~~عطرا، بل جاء على أثر ما خبر من دعواها المرض؛ ليعودها ويعزيها في أخيها، ويقضي معها ~~وقتا يتسلى فيه، فقد كانت من معارفه، وإن شئت فقل من أهله؛ لأنها ابنة عم السيدة خديجة، ~~ولأنها أخت ورقة بن نوفل، ومن سيدات قريش، وكانت معروفة فيهم بالجراءة والصراحة، وبالخفة ~~وكثرة المازح بلا تورع، ولا سيما بعدما أسنت، وبأنها أخذت بشيء جديد في أيامها الأخيرة، ~~ذلك هو الخوف من الموت، وادعاء المرض لأهون سبب، ونفورها من مجامع الأحزان، وشهود الباكين ~~والباكيات؛ ولذلك سرها أن سمعت السيدة فاطمة ابنة الخطاب تنهى النسوة ضحى الأمس عن العويل ~~على أخيها، بل زادت على ذلك قولها بصوت خافت: بل كان أخي - رحمه الله - يكره أن يحزن عليه ~~أحد، وأوصاني بذلك خاصة، فلم يتمالك من سمعتها من الضحك؛ لأنهن كن يعرفن شدة بغضها للأحزان، ~~وخوفها على نفسها من الشجو، ولولا أن جاء الرجال وقتئذ فأخذوا الميت ليغسلوه لانقلب المأتم ~~مضحكة. # كان أبو طالب إذ ذاك واقفا بجوار سريرها، ومنحنيا عليها قليلا يمسح جبينها ms107 بشيء مما ~~كان معه من عطر اليمن الجيد، وهو يكتم ضحكة في صدره؛ لأنه لم يجد بها شيئا غير عادي، وإنما ~~كان هو أيضا يحب التبسط، وكأنها أدركت أنه يضحك منها؛ إذ رأت اضطراب بطنه، فأخذت ترمقه وهو ~~مشغول عنها بالنظر في الفضاء، وأحس بريق عينيها تحت لحيته فالتفت صوبها، وأغمضت عينيها على ~~الفور، كأنها لا تريد أن يعرف أنها كانت تتفحصه، أو أنها لا تريد أن تراه. فانفجر ضاحكا ~~وهو يقول: والله ما بك شيء يا ابنة عم، وإنما هو بعض وهمك الذي اعتدناه، وستعيشين في هذه ~~الدنيا حتى تحضري مآتم قريش جميعا، فاستمرت في إغماضها، ولكنها ردت عليه تقول: لا لن أحضر ~~مأتم أحد بعد يومي. سأبكيكم كلكم إن شاء الله وأنا هنا في داري. إن حضور المآتم يؤذي القلب. ~~قال: أجل ويغضن الوجه، ويسود البشرة، ويقفل العين، وإن ترك اللسان يلعب كالأفعوان. قال ~~ذلك وتذكر كيف كانت هذه المرأة الشوهاء اليوم فتنة للعيون والأبصار في شبابها، ولكنه أراد ~~أن يثأر لنفسه من إرادة السوء التي أرادتها له ولغيره من قريش وهي مطمئنة مبتهجة، كأن موتهم ~~وحياتها من بعدهم أمر واقع، وقد أرادت أن تنتقم منه على تذكيرها بما هي فيه الآن فقالت: ~~وددت لو كان أخوك عبد الله هو الواقف أمامي الآن لا أنت، وأن محمدا ولدي، ولكنه تعفف لا ~~ردء الله. فضحك أبو طالب ملء شدقيه لامتلاء قلبها بالحقد على أخيه حتى بعد ما مضى على وفاته ~~أربعون عاما وتزيد، وتذكر قصتها معه وهيامها به، وكيف أن عبد الله خيب أملها منه. فقال ~~لها: بربك يا أم قتال، إلا ما خبرتني قصتك مع أخي! فلم ترد لأنها كانت تفكر في عبد الله آخر ~~إذ ذاك، فأعاد عليها الرجاء. فقالت: إن النضر بن الحارث أمرني ألا أتكلم كثيرا. قال: لعله ~~إنما أراد أن يريح الناس من نقيقك يوما أو بعض يوم. قالت: هو ذاك وربي. إنك لتقول حقا يا ~~أبا عقيل، فهو كما علمت ابن الوهبية أخت ms108 ضرتي آمنة. قال أبو طالب! ضرتك! بالله حدثينا ~~لماذا ترينها ضرتك وما تزوجت من أخي عليك؟ قالت: هو حديث طويل. قال: لا عليك. هاتيه. فإني ~~والله أشتاق أن أسمعه من فمك أنت، وأعرف ما لم يكن في مقدور أحد أن يعرفه؛ لأنه خاص بك. ~~قالت: هو ذاك فاجلس، ولكن حذار أن تعيبني، أو تجمد بعد سماعه كما جمدت لابنه محمد. قال: ~~هاتيه، ولا تتهميني بما لا تعلمين. حسبي من إقراري بمحمد أنني أحميه وأمنعه، وأغضب كل ~~الدنيا في إرضائه، وأرضى أن يتبعه ولدي، وهو فلذة كبدي، ولكن للشيوخ حكمة لا يعرفها الفتيان ~~ولا النساء. قالت: أريد أن أعرف هذه الحكمة قبل أن أتكلم وإلا سكت. قال ألا تمضين في حديث ~~أبدا إنك لمغرمة بالمداورة. قالت: هات حكمتك وإلا لعنتك. قال: اعلمي يا بنية أني أمنع ~~محمدا من أذى قريش وكفرها، بفضل ما يزعمون من أني لا أزال كافرا مثلهم، فلي عندهم اليوم ~~حق، ولي عليهم كرامة. أما إذا علموا أني انضويت تحت لواء محمد فإنهم يسقطون حقي، ويمنعون ~~كرامتي، وعندئذ ينالون من ابن أخي ومني معا ما لا قبل لأحد منا بدفعه. قالت: لست شيخا يا ~~أبا طالب. أنت شيطان. فهذه حكمة الشياطين. فقهقه أبو طالب وقهقه الحجام وابتسم ورقة، وقال ~~أبو طالب: وفيت لك بما أردت فحدثينا. فقالت: إنك لتعلم أن أباك كان قد نذر لله إن رزقه ~~أولادا وتمت عدتهم عشرة يعيشون حتى يحموه، أن يذبح واحدا منهم. قال: نعم. قالت: وتعلم أنه ~~أحضركم جميعا إلى الكعبة وأدخلكم إلى هبل عند البئر التي تجمع فيها ما يهدى إلى الكعبة، ~~وأعلن نذره لصاحب القداح ليضربها عليكم فأيكم خرج عليه القدح كان ذبيحه. قال: نعم، فخرج ~~القدح على عبد الله. قالت: نعم، وكنت أحب عبد الله لجماله وبهجته، وأشتهي أن يكون زوجي، ~~ولكن لا حيلة للمرأة في ذلك فهي في شرعكم؛ سلعة تبقى في الحانوت ساكنة حتى يأتي الشاري ~~يقلبها، فإما اشتراها أو ألقاها. قال أبو طالب: ولنعم الشرع شرعنا ms109 إذ يقينا شهوات النساء ~~وتقليبهن لنا. ثم ماذا حدث لك. قالت: بكيت حزنا على شبابه؛ لأني كنت أعلم أن أباك على دينه ~~وتقواه أحمق أبله. قال أبو طالب: لماذا؟ قالت: إنه أراد أن يقلد أباه إبراهيم صاحب البيت، ~~ولكن إبراهيم كان يتلقى وحي ربه بالرؤيا؛ إذ أمره أن يذبح إسماعيل، أما أبوك فيتلقى الوحي ~~من قداح يلقيها رجل مثله، وماذا عليه لو استغفر ربه، واعتذر إليه من ترك نذره، وقال له: إنه ~~لا يطيق قتل أحد من أولاده؟ أربه قاسي القلب مثله؟ قال: دعينا من هذا الكلام وأتمي ~~الحديث. قالت: أما وربي لو كنت أعطيته ألف وعد في ذلك لكذبته وأنا مطمئنة! فقهقه الجمع ~~قهقهة جمعت عليهم أهل الدار، ولكن أم قتال انتهرتهم فانصرفوا ليسمعوا من وراء الجدران. قال ~~أبو طالب: يا للجراءة! قالت: فلما حزنت قريش لما اعتزم واستفتوا صاحب هبل هل يقبل الدية؟ ~~وخرجت القداح بقبول الإله مئة من الإبل، واستعد أبوك بالمئة، عزمت على أن أخرج لأراه ~~يسوقها؛ لتنحر عند منحر آساف، # 1 # وأشهد هذا المشهد الرائع المروع. يا لله! يسيلون دماء مائة من الإبل في ~~ساعة واحدة، من أجل وهم من أوهام الشيوخ والمجانين! ما أشد حمق الناس وظلمهم للحيوان! قال ~~أبو طالب: سألتك بالله أن تتمي الحديث. أأنتم كلكم صخابون خارجون على الناس في كل شيء! ~~قالت: لعن الله السفهاء! عزمت أن أخرج لأرى ذلك المشهد، ولأشهد عبد الله، فقد كان الحتم أن ~~يكون في الذاهبين، وكان أخي وصاحبه ابن نفيل قد اجتمعا في بيتنا صباح ذلك اليوم، وجرى ~~بينهما ذكر هذه الأمة، وتنكرها لأبيها إبراهيم؛ إذ أعادوا الأوثان التي هدمها وجعلوها فوق ~~بيته، ويعجبان لماذا لا يعجل الله بإرسال نبيه الذي ورد ذكره في التوراة والإنجيل، وما عرف ~~من الأحبار والرهبان أنه كائن في قريش، ومن بني هاشم عينا. # فلما سمعت هذا الكلام لم أتورع من الدخول عليهما، وكنت قد عرضت كل بني هاشم فلم أجد ~~فيكم أجمل ولا أبهج من أخيك عبد الله، ms110 وخيل إلي حبي له أنه هو النبي المنتظر، فأنشأت ~~أخبرهما خبره، ودللت عليه بما أرى في وجهه من النور وما أعرف من أدبه وحيائه، فما سمعا مني ~~هذا الكلام حتى رأيت ابن نفيل ينهض ويقول لي: واغوثاه! إن كان ما تقولين حقا يا بنية، فهو ~~أبو النبي لا النبي نفسه، وما هذا النور الذي ترين إلا ولده امتلأ به دمه، فهو نور حتى يقر ~~في أحشاء من يسعدها الله بأمومته ويولد نورا للعالمين، واحسرتاه أأعيش حتى أراه وأومن به، ~~وأظفر بشفاعته يوم القايمة! من لي بأن أعيش ما عشت؟ تعالي معنا يا بنية أريني إياه، فلا عهد ~~لي به من قبل. # أخذني هو وأخي، وسرنا لنشهد نحر الإبل فشاهدنا أخاك، وهو يسير بينكم كالبدر، يلقي نوره ~~عليكم فتنكسفون جميعا به، وهذا من فضل الله عليكم ذلك اليوم؛ لأن وجوهكم لم تكن مما يشرف ~~أبا ولا أما وإن كان أبوكم زهرة الشيوخ، وإذ شاهد ابن نفيل نور جبينه هو وأخي، أقرا أنه ~~هو ولا مراء، وقالا: هذا نور النبوة! هذا أحمد الذي وعد الله ببعثه! وإذ علمت أنهما قد مالا ~~إلى العودة إلى الدار، وما كنت أريد ذلك، انسللت من موقفهما، وجست خلال المجتمعين واختفيت؛ ~~لأني كنت أريد أن أملأ عيني من أخيك، وأتمتع بالنظر إلى نور محياه. # كنت يومئذ في العشرين من عمري أو أزيد قليلا، وهو في الثالثة أو الرابعة والعشرين، وكنت ~~قد سمعت من حولي من نساء مكة يقلن إن أباه ذاهب به بعد النحر إلى حي بني زهرة؛ ليخطب عليه ~~آمنة بنت وهب، فملكتني غيرة ما أظن في النساء من ملكتها مثلها. كنت أحبه وأشتهيه زوجا وهو ~~الآن يذهب إلى غيري، وكنت أشتهي أن يكون نبي الأمة مني، وها هو ذا ذاهب يحدوه أمر الله؛ ~~ليكون نبي هذا الأمة من غيري، فاستبحت لهذا الفوز الأعظم أن أعترض طريقه وأدعوه لنفسي، ولم ~~يكن يخطر لي أن لن يكون نبيه من نحو ما خيل إلي، ولكني لقيته على كل ms111 حال، ولا أدري كيف ~~لقيته، إذ كنا في جوار البيت الحرام، فقلت له: هل لك يا فتى في أن ألقاك، ولك مني مثل ما ~~نحر أبوك. # 2 # قال وقد رأى ذلة نفسي، وما علاني من الخجل للحديث معه في مثل هذا الريب، ولم ~~يشأ أن يقتلني برفضه: إن أبي معي لا أستطيع فراقه ولا خلافه. عودي إلى دارك وليلطف بك ~~ربك. # ولكني لم أعد، بل ذهبت إلى حي بني زهرة في بعض نسوة أعرفهن، ووقفت لأراه عائدا من عندهم ~~بعد الخطبة، حتى يكون وحده فأغريه مرة أخرى قبل أن يدخل بآمنة وينتقل إليها نوره، ولكني ~~استحييت من نفسي فعدت إلى الدار. # وفيما أنا ذات يوم بباب داري وقد دخل بآمنة، رأيته مارا في الطريق وقد زال عنه ذلك ~~النور الوضاء الذي كان يشع من مسام وجهه، ولحظ أني أتأمله متعجبة لحاله، فابتسم لي وقال ~~مازحا: أنعمي صباحا يا أخية. قلت متجهمة له: نعمت! فأدرك غضبي وضحك، وقال: ما لك لا ~~تعرضين علي اليوم ما كنت عرضته بالأمس؟ قلت: استجاب الله دعاك فلطف لي؛ لأني أرى وجهك قد ~~فارقه النور الذي دعاني إليك، وإني لأراك اليوم قبيح الوجه كأخيك أبي طالب. # فقهقه الجمع لهذه الخاتمة وهذا الانتقام، وكان أبو طالب أعلاهم في الضحك صوتا، ولما هدأ ~~قال لها: الحمد لله على نجاة أخي منك. كل وليد يكون منك ينطفئ نوره في رحمك يا شيطانة! ثم ~~التفت إلى ميسرة، وقال: عجل واحجمها، وأوغل بمبضعك في فؤادها، وأرح الدنيا من أم ~~قتال. # فنهضت من فراشها إذ ذاك، وتناولت هراوة كانت تعدها بجوار سريرها، وجرت وراء الحاضرين جري ~~السعلاة حتى أخرجتهم من باب الدار، وعادت تشتم وتسب. # الفصل الرابع عشر # | فتنة # خرج ورقة بن العفيفة في الخارجين فرارا من هرواة أم قتال، وكان الضحى قد آذن فقال: ما ~~علي لو التمست دار الأرقم التي قال ابن حارثة إن رسول الله يستخفي فيها هو وأصحابه؛ لأبلغه ~~إسلامي، وأصلي معه صلاة الضحى، ثم أنصرف من بعدها ms112 على بركة الله إلى هدى! وكان يعلم أن دار ~~الأرقم قريبة من حيث خرج فلم يمتط جواده بل سار آخذا بعنانه وهو مطرق يفكر كيف يلقى رسول ~~الله؟ وماذا يقول له؟ وإذا هو يسمع فيما أمامه بابا يفتح وتطل منه جارية كان في فمها بقية ~~من غنوة تغنيها، فلما عرضت وجهها تنظر هنا وهناك عرف أنه فتنة جارية عبد الله بن جدعان ~~التيمي ابن عم أبي بكر الصديق، وعرفته هي أيضا فعجلت له التحية قبل أن يمر ببابها، ولكنه ~~لم يرد تحيتها وأغمض عنها عينيه؛ لأنه كان يكره تجارتهن، ويمقت رؤيتهن، ويعجب لسادة في قريش ~~أن يرتزقوا من المساعاة في البغي والخنى. فلما صدها بسكوته نزلت عن عتبة دارها واستوقفته؛ ~~إذ قبضت على لجام جواده، وقالت له: أحييك تحية المسلمين ولا تردها؟ قال: لا أردها على غير ~~مسلم ولا على باغية ولو كانت مسلمة! قالت: إن الإسلام والبغي لا يجتمعان. قال: سعدت. قالت: ~~بل ارتددت يا ابن العفيفة. قال: إنما يرتد من كان في فؤاده مرض، وما كانت إذ أسلمت مقلدا ~~أو مجاملا وإن كنت من موالي بيت الرسول، ولكن من أين لك أني أسلمت؟ قالت: صباح اليوم من ~~ابن حارثة. فاتسعت عينا الفتى دهشة لما سمع إذ يكون لزيد بها علاقة. قالت: لا تدهش ما كان ~~ابن محمد # 1 # ليلقاني، وإنما أنا لقيته اليوم في بيت سيدة قريش أم المؤمنين. فزادت دهشته، ~~ولكنها عجلت فقالت: وعرفت منه ما كان منك بالأمس. قال: أو تذهبين إلى بيت رسول الله! قالت: ~~إنما ذهبت لأنيب إلى الله وأستغفر وأعلن إيماني بالله ونبيه ولو أمر ابن جدعان بجدع أنفي. ~~هنئت يا ورقة بما ظفرت. قال: وهنيئا لك التوبة يا فتنة. قالت: والله إني لأجد الهناءة ~~اليوم في قلبي، وأشعر كأنما صب الله في فؤادي نهلا أبديا ينعشني ويحبب إلي الحياة بعد ~~إذ كنت كرهتها وكرهت نفسي معها، وكأني بعثت اليوم بعثة أخرى، وما فتحت الباب وربك لحاجة ~~ولا لمأرب، ولكني لم أستطع أن ms113 أهدأ منذ عدت. أجهدت نفسي في كنس البيت وتنظيفه وملأته شدوا ~~وغناء، فلما لم يبق به شيء يشغلني، ورأيته ضاق في عيني ففتحت الباب لأملأ الدنيا بما يفيض ~~على القلب من السرور. قال ورقة وماذا هداك إلى الإسلام؟ قالت: والله ما هداني إلا الضلال ~~البعيد. قال وقد ابتسم تعجبا: كيف كان هذا؟ خبريني بربك. قالت: أعداني أولئك المشركون بفرط ~~عداونهم لأحلم خلق الله وصاحبه أبي بكر والمسلمين جميعا فكرهتهم من غير ما سبب أعرفه كرها ~~شديدا إلا اعتيادي سماع ذمهم في رسول الله، وسبهم إياه، وافترائهم عليه أكذب الفرى، ولقد ~~حفظوني كما حفظوا غيري من الجواري شعرا ورجزا نتغنى به في ذم أشرف خلق الله وصحبه، وكنت ~~أغنيهم هذا الشعر فيطربون، ويوصونني أن أذيعه في الناس، وأن أطلقه في وجه محمد وصحبه كلما ~~رأيته مارا من هنا. فأجبت، ولكني لم أفعل ذلك وربي إلا مرة واحدة حين مر علي عبد الله ~~بن مسعود؛ لأني كنت أجد الأغنية تفارقني حين كنت أرى الرسول أو صاحبه الصديق مارين من هنا ~~في طريقهما إلى حيث يستخفيان للصلاة. فكنت أهم بأن أستعيض عنها بقولي لهما: يا صابئين يا ~~كفرة! أنا أعرف أين تختبئون؟ ولكني كنت أستحي من نفسي لهيبتهما ووقارهما فما قلتها بتاتا؛ ~~لأني كنت أرى عليهما نورا وجلالا يتضع في جوارهما كل ما يعرض لي من حال أعداء الله الذين ~~يغشون داري: عقبة بن أبي معيط وأبي سفيان وعتبة بن ربيعة والعاص بن وائل ... وعشرات من يردون ~~على بيتي ويفخرون بأنهم سادة قريش. فأخذت أسائل نفسي وأقول: محال أن يكون هذان الرجلان على ~~ضلال، وما عرفت عنهما إلا الخير والعفة والوفاء والكبر عن الدنايا، ويكون أولئك الغلاظ ~~الأكباد الحمقى المغرمون بالخمر والفسوق على هدى، ولكني كتمت عجبي، وبقيت على حالتي ~~متظاهرة بمشايعتهم؛ لئلا يوغروا علي صدر مولاي ابن جدعان، فإذا جاء إلي أحد أولئك ~~السفهاء تظاهرت بوده وحييته بكلمة تهكم مفتعل من المؤمنين، وسألته متظاهرة بالزراية عليهم: ~~كيف حال أبناء الله! فيقول: شر ms114 حال، إنهم قد اختفوا عن العيون والأبصار، وما لي وحقك رغبة ~~في أن أسمع عنهم إلا الخير، ولقد روى لي عقبة بن ربيعة ما صنع بأبي بكر في المسجد الحرام؛ ~~إذ قام يخطب الناس، والنبي جالس، وقريش تتسمع؛ فتواثبوا عليه، واختص عتبة نفسه بضربه بالنعل ~~محرفا إلى وجهه حتى أدماه، واختلط به أنفه. # 2 # روى لي عتبة فعله هذا مزدهيا فغضبت لذلك غضبا شديدا، وأخذت أقبح فعله، ~~وأذكر أبا بكر وصاحبه وأتباعه بكلام لا أدري أين كان معينه من نفسي؟ ثم رأيتني أبكي أن يهان ~~الصديق وهو على ما أعلم تقي أسيف؛ إذ ينهض ليهدي الناس، وهو يقول: الله ربي وأنا أعبده، ~~وأقسمت لأزورنه في بيته، وأعلن مقتي لشانئه بإعلان إسلامي بين يديه. ففعلت ذلك ليلة أمس ~~فدعا لي، وذهبت اليوم في الصباح إلى سيدتي خديجة أم المؤمنين فاستنبت مما أنا فيه وإن كان ~~عرفا في القوم لا يشعرون بعاره، وتاب الله علي، ولقد عدت الآن إلى داري فلم أطلق لفرحي ~~بما أنا فيه من نعمة الإسلام أن أبقى بها ففتحت الباب لأكون في سعة الدنيا فإذا أنت أول من ~~ألقى. ما أسعدني برؤيتك وفرحي بإسلامك! ألا تدخل! قال ورقة: لا، وإنما أدع جوادي في حراستك ~~حتى أعود إليك فآخذه، وأمضي إلى هدى. إني ذاهب الآن إلى رسول الله في دار ابن الأرقم ~~المخزومي؛ لأصلي معه صلاة الضحى. قالت: حبا وكرامة، ولكن هل تعرفها؟ قال: أجل دلني عليها ~~زيد ليلة الأمس. قالت: إنها بجوار الصفا عن يسارك، ولعلك إذا سرت في هذا الدرب بلغتها بلا ~~عناء. قال: كذلك. شكرا لك ها هو ذا جوادي فاربطيه إن شئت هنا أو فانظري في أمره. ثم ناولها ~~عنانه فأخذته منه، وانصرف إلى دار ابن الأرقم منعطفا في الدرب الذي أشارت إليه. # وفيما هي تميل بالجواد لتدخله دارها رأت رسول الله قادما يسير نحو الدرب الذي مر منه ~~ورقة وهو يمشي متقلعا في مشيته ومجدا في سيره على عادته كأنما ينحط عن منحدر، وكان ms115 # صلى الله عليه وسلم # متفضلا في ملبسه على عادته فما عليه إلا ثوب أبيض قصير مشقوق القبة إلى رأس ~~الفؤاد قصير الذيل حتى ليعلو عن قدميه إلى ما دون الركبة بقبضة، وتحزم عليه بحزام من كتان، ~~وفوق الثوب رداء واسع مسبل على كتفيه إلى ما فوق عقبيه، وعلى رأسه عمامة كثيرة الألفاف، ~~وشعره مدلى على قذاله يستره من لفح الشمس، وفي رجليه نعل بقبالين. # 2 # وكان رسول الله إذ ذاك في السادسة والأربعين من عمره، «من رآه بديهة هابه، ومن خالطه ~~معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، ولم يكن رسول الله بالطويل الممغط ~~(المفرط في الطول) ولا بالقصير المتردد (المتناهي في القصر) وكان ربعة من القوم، ولم يكن ~~بالجعد ولا السبط، ولم يكن بالمطهم (الكثير السمنة) ولا بالمكلثم (المدور الوجه في سمن) ~~أبيض مشربا بحمرة، أدعج العينين (في سواد واتساع) أهدب الأشفار (طويل الهدب) جليل المشاش ~~(عظيم رؤس العظام) والكتد أتلع العنق ذا لحية سوداء كثة، وشارب مقصوص شثن الكفين ~~والقدمين» # 2 # فلما دنا من حيث كانت فتنة، وكان فيما ~~أخال قد سمع بحديثهما، لم تمهله حتى يحييها؛ بل وقفت إلى جانب الجواد تقول بصوت جهير ممتلئ ~~حبا له وإيمانا: يا رسول الله! أسمع الخافقين شهادتي أنه لا إله إلا الله الواحد الأحد ~~الذي لا شريك له ولا والد ولا ولد، وأنك يا ابن عبد الله وآمنة عبده ونبيه ورسوله وشفيعنا ~~يوم القيامة من النار! ثم غلبها البكاء فبكت رقة وحنانا وإيمانا. فدعا لها رسول الله ~~وحمده على ما سمع، ثم انعطف في سبيله إلى دار الأرقم. # ولكنه ما كاد يخطو في الدرب خطوتين حتى كان أبو الحكم عمرو بن هشام المخزومي (أبو جهل) ~~عدوه وحاسده وشانئه الألد قد أدركه؛ إذ كان آتيا من الجبل، ونظر إليه من ورائه نظرة ~~استخفاف لم يأبه لها رسول الله، ولم يعرها التفاتا، ومضى في طريقه يدعو الله له بالهداية # 3 # ولكن الوغد أخذ يشتمه، ويسبه، وينعته شر النعوت، والنبي ms116 يسمع ولا يجيب. حتى إذا ~~لم يعد يسمع صوته وغاظه من رسول الله أنه أعرض عن سفهه انحنى، وتناول قبضة من ثرى الأرض ~~وحصبائها وروثها، وألقى بها على رسول الله. فسقطت على رأسه # صلى الله عليه وسلم # وعلى عاتقه، ولكنه مع ~~ذلك لم يلتفت إليه فازداد غيظ أبي جهل، وصار يشتم بغير حساب ولا وعي، وكأنه استشعر قبح ~~موقفه فتلفت فإذا هو يرى الجارية تتأمله، ورآها مغيظة منه محنقة عليه فقال لها متهكما: لا ~~بأس عليك يا فتنة! ما لي أراك محنقة علي، وعهدي بك لطيفة ظريفة! وحقك ما خطر على بالي أن ~~لك فيه هوى. # 4 # قالت: قبحت! وحق الله إنه لهو التقي النقي العفيف البار الذي لم يهمم بريبة. ~~إنه لأطهر خلق الله جميعا، وأنزههم نفسا، وأعفهم عينا، وأكرمهم عند الله، ولتراب نعليه ~~أشرف من هامتك، ولهو سيد أهل الجنة، ولأنت أحقر من في النار. # فلما سمع هذا الشتم المقذع كاد يتميز من الغيظ، وطار لها ينتقم منها، ولكنها وقفت له ~~والشرر يتطاير من عينيها فيحرقه كما تقف اللبؤة تدفع عن نفسها. حتى إذا دنا منها دنت منه ~~وهبشت وجهه فخمشته بأظافرها وصرخت في وجهه؛ فارتد مذعورا إلى حيث كان، ومضى في ~~طريقه. # وفيما هي تلهث مضطربة من أثر العراك والغضب، وقد جلست على عتبة بابها مستعبرة سمعت وقع ~~أقدام آتية من حيثما أتى أبو جهل من جبل أبي قبيس؛ فالتفتت فإذا هو رجل ربعة أسود العينين ~~عريض ما بين المنكبين ذو هيبة ووقار، قد تقلد سيفا وتوشح قوسا واستظهر كنانتين، وقد ~~اغبر وجهه كأنما هو آت من سفر؛ فأدركت على الفور أنه أسد قريش حمزة بن عبد المطلب عم ~~رسول الله، كان عائدا من الصيد، وذاهبا إلى البيت؛ ليطوف به على عادته أن يلتمس داره، ~~وليحيي إخوانه من عظماء قريش في أنديتهم هناك، فلما دنا منها استوقفته تقول له: واضيعة ~~النجدة فيكم اليوم يا أبا عمارة! قال وقد وقف: قبح القول وصاحبته! ما خطبك يا أمة ابن ms117 ~~جدعان؟ قالت: أئذا خالفتم أخاكم فيما أراد من هدايتكم والاحتفاظ بكرامتكم أنكرتموه! ورضيتم ~~له الأذى حتى من سفهاء بني مخزوم! قال: ويحك ماذا حدث؟ قالت: لو رأيت ما لقي محمد ابن أخيك ~~من أبي الحكم بن هشام وهو مار من هنا ... آذاه وسبه وشتمه وهو ماض في هذا الدرب، ورمى عليه ~~التراب والروث. # 5 # فقال لها حمزة: أنت رأيت هذا الذي تقولين؟ قالت: نعم، وسمعته، والله على ما ~~أقول شهيد. فاحتمل حمزة الغضب # 5 # وسار حتى دخل المسجد ~~يطوف على عادته، فرأى أبا الحكم جالسا في القوم فأقلع عن طوافه، وأقبل نحوه حتى إذا قام ~~على رأسه رفع القوس وضربه بها فشجه شجة منكرة سالت على أثرها الدماء حتى خضبت وجهه، ثم قال ~~له: أتشتم ابن أخي إذ يعف عنك لسانه، وتؤذيه إذ يرجو لك الخير! # 5 # قبحت من فدم دميم! قال أبو جهل وقد ملكته الجبانة: لقد سفه عقولنا، وسب ~~آلهتنا، وخالف آباءنا، وحمل صبياننا وغلماننا وجوارينا على اتباعه. فقال حمزة: ومن أسفه ~~منكم؛ إذ تعبدون الحجارة من دون الله! ألا بعدا لكم ولما تعبدون! ثم التفت إلى الكعبة، ~~وصاح: أيها البيت الأقدس الذي نطوف به وندعو الله عنده اشهد أني من اليوم مع ابن أخي محمد! ~~على دينه أحيا وعلى دينه أموت! فقام رجال من بني مخزوم - عشيرة أبي جهل - إلى حمزة؛ لينصروا ~~أخاهم، ويلوموا حمزة على ما فعل من أذى أبي الحكم، وقالوا: ما نراك إلا قد صبأت. فقال حمزة: ~~وما يمنعني وقد استبان لي منه الحق. أنا أشهد أنه رسول الله وأن الذي يقول حق، والله لا ~~أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين. # 5 # وكان حمزة مهيبا حتى لتخافه النطف إن غضب، وخشي أبو جهل وراء وعيده أن تندلع النار في ~~مكة فتأتي عليه وعلى رهطه، فقال: دعوا حمزة كفاني أني أسمعت ابن أخيه شيئا ~~قبيحا. # 5 # وعلى هذا انصرف حمزة، وقد انتقم لابن أخيه. # الفصل الخامس عشر # | في دار ابن الأرقم1 # بلغ ورقة باب دار ابن ms118 الأرقم، وكانت على يسار الصاعد إلى الصفا كما وصفت فتنة، ولكنه ~~تهيب أن يقرعه، فوقف حائرا لا يدري ماذا يفعل؟ وإذا به يفتح ويطل منه بلال بن رباح وزيد ~~بن حارثة، وكأنهما كانا في انتظار مقدم رسول الله ففتحاه لاستقباله، ولكنهما لم يجدا إلا ~~ورقة بن العفيفة؛ فلما رآه زيد هلل وكبر، وتعانقا ودعاه إلى الدخول، وعرفه إلى بلال؛ فكبر ~~وحمد الله، ومال على رأس ورقة يقبله ويعانقه، فعاقنه ورقة كذلك، وحمد الله على ~~الإسلام. # مشى زيد بورقة في فسحة سماوية طولها نحو عشر خطوات في خمس على يسارها إيوان مسقوف بجذوع ~~النخل على عرض أربع خطوات، وعلى يمينها حائط في وسطه باب يدخل منه إلى غرفة طولها طول ~~الفسحة وعرضها عرضها مفروشة بحصير من سعف النخل. # دخلها فإذا هو يرى فيها من رأى في أمسه ممن كانوا يحيطون برسول الله في جنازة ابن نوفل؛ ~~فسلم عليهم بتحية المسلمين، وتقدم من أبي بكر وكان في الحاضرين لصلاة الضحى، وقبل يده فهنأه ~~بإسلامه ودعا له، وإذا برسول الله يشرق عليهم متهلل الوجه كأن لم يحدث له حادث؛ فنهض الجمع ~~للقائه فحياهم بتحية الإسلام، وأسرع ابن حارثة فيما أخال فقدم إليه ورقة فقال: مرحبا بابن العفيفة. # 2 # قال الفتى: الحمد لله الذي هداني إلى الإسلام، ومتعني برضا الله! أشهد أن لا ~~إله إلا الله الحي القيوم الواحد الأحد، وأنك يا محمد عبده ونبيه ورسوله. فدعا له النبي - ~~فيما أخال - وقبله في جبينه. # وفيما هم في ذلك ويستعدون للصلاة فتح الباب ودخل عليهم حمزة يجأر بالشهادة، ويقول لرسول ~~الله: هذا سيفي يا ابن أخي، ضعه حيث تريد. لقد أجرتك فأجرني من عذاب النار، وكن شفيعي يوم ~~القيامة. فسر به رسول الله سرورا عظيما # 3 # لأنه كان أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة؛ فكبر لله وكبر المسلمون معه، وشعروا ~~أنهم قد عزوا بعد ضعف، وأن الله شاء للإسلام أن يظهر على الشرك فيطمسه، وقد كان حدسهم ~~صوابا، فقد كانت الأرض في تلك الساعة تهتز؛ ms119 لتلقي عنها ما كان يثقل كاهلها من أوزار ~~العقول. تداعت إذ ذاك أركان الشرك في مكة، كما تداعت دعائم الاستبداد والجهل والظلم في ملك ~~كسرى وهرقل، واستجاب الله دعاء نبيه على أثر ما رأى من إعزازه إياه بإسلام عبد الله حمزة ~~قال # صلى الله عليه وسلم # وقد عفا قلبه عن أبي جهل أملا في هدايته: «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين ~~إليك بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام (وهو أبو جهل)» فأمنوا على دعاء رسول الله، وبعد هذا ~~بما شاء الله من الزمن # 4 # قرع الباب قرعا شديدا. فقيل من الطارق؟ قال: أن ابن الخطاب. فلما عرفوه ذكروا ~~شدته على رسول الله، ولم يكونوا قد عرفوا بعد بإسلامه في بيت أخته؛ إذ كان قد دخل عليها، ~~وضربها؛ لإيمانها بمحمد، ولمدافعتها إياه عن صحيفة كتبت عليها آيات من سورة طه كانت سببا ~~في إسلامه، ذلك أنه وعدها ألا يتلفها فأعطته إياها فقرأها حتى بلغ قوله تعالى: # الرحمن على العرش استوى * له ما في ~~السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى * وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ~~* الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى # فعظمت في صدره، وقال: من هذا فرت قريش! فلما بلغ # فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى # تشهد، وقال: لا ينبغي لمثل هذا أن يعبد معه غيره. دلوني على محمد! فدلوه ~~عليه في بيت ابن الأرقم، وكان أن طرق بها كما سمعناه. # 5 # لم يجترئ أحد على أن يفتح الباب. فقال رسول الله: «افتحوا له فإن يرد الله به خيرا ~~يهده»، وقال حمزة: وإن يرد غير ذلك كان قتله علينا هينا. # ونهض بلال ليفتح له الباب، وذهب حمزة والزبير وراءه ليأخذا بعضدي عمر حين يدخل، ودعا رسول ~~الله ربه فقال: «اللهم أخرج ما في صدر عمر من غل وأبدله إيمانا. أطلقوا ~~سراحه» # 5 # فأطلقوه، ودخل عمر خاشعا ليقلى رسول ~~الله. فلما رآه قال له الرسول: «والله ما أرى أن تنتهي حتى ms120 ينزل الله بك قارعة. فيم جئت يا ~~ابن الخطاب» # 5 # فقال: جئت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك ~~رسول الله؛ فلما سمع المسلمون هذه الشهادة من عمر، وكان عمر ما كان من الشدة والعداوة للنبي ~~والمسلمين - كبروا على أثر ذلك تكبيرة واحدة ارتجت منها أركان الدار، وسمعت في طرقات مكة ~~فأتبعها بقوله: # 5 # يا رسول الله، ألسنا على الحق إن ~~متنا وإن حيينا. # 5 # قال: «بلى والذي نفسي بيده إنكم على ~~الحق إن متم وإن حييتم» قال: ففيم الخفاء يا رسول الله؟ علام نخفي ديننا ونحن على الحق وهم ~~على الباطل؟ فقال: «يا عمر، إنا قليل وقد رأيت ما لقينا» فقال عمر: والذي بعثك بالحق نبيا ~~لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان. فكان ذلك سببا في أن ~~خرجوا # 5 # في صفين: في أحدهما عمر، وفي الآخر حمزة ~~مخترقين طرقات مكة حتى بلغوا المسجد الحرام، وطرقوا حصباءه فكان لهم كديد ككديد ~~الطحين # 5 # ورأتهم قريش فيما هم فيه من المنعة ~~والعزة؛ فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها من قبل. # هناك صلوا لله، وجهروا في المسجد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. # فكان هذا أذانا للدنيا بدينها الجديد. # الفصل السادس عشر # | دار طويف # عاد ورقة إلى بيت فتنة بعد ارفضاض المسلمين من المسجد؛ ليأخذ جواده ويسير إلى هدى، ولكن ~~فتنة لم تمكنه من ذلك؛ لأن الحر كان شديدا جدا، فالشمس تلفح الوجوه وتشويها ، وسموم شهر ~~تموز على حالها كأنها نفثات الجحيم، وأقسمت عليه إلا أن يقضي ساعات الهجير عندها؛ ليتبلغ، ~~ثم رحل على بركة الله إلى هدى في العصر. # أجاب ورقة دعوة فتنة، ودخل الدار، وفتنة تتقدمه فرحة به وصلفة أن يدخل دارها مسلم، وهي ~~تقول: الحمد لله الذي طهر بيتي وطهرني، وجعل من فضله علي أن يدخل المسلمون بيتي، ويجعلني ~~فيمن يشفع لهم النبي الأمين. قال ورقة: دعاء كريم يا فتنة، أرجو أن يتقبله الله منك، ~~ولكني أخشى ألا يتقبله يا أختاه حتى تنزلي ms121 هذا عن مكانه: وأشار إلى نصب أغبر مشوه موضوع على ~~ناصية الباب، كالتاج من الرءوس. فلما تبينت قصده قالت: صدقت يا ورقة، لا أدخلك غرفتي حتى ~~أنزعه بيدي. انتظر قليلا، والله ما كان له عندي من قبل كرامة حتى يكون له اليوم، بل لعله ~~كان أدعى إلى الشر منه إلى الخير. كم كنت أقسم به للناس فيما لم يكن من نيتي الوفاء به أو ~~قصد الصدق فيه. فضحك ورقة لهذا الاعتراف، وأخذ يتأمل صنع النصب فلم يجده إلا قطعة من طين ~~مجفف ومجصص، ذا رأس خليط فوق كتفين ويدين، لا تناسب بينها، ولا معنى لها. فابتسم وقال: ~~مسكين هذا الإنسان: إنه يجب الله ويريد أن يلقاه، ويدفعه فرط الحب إلى تقريبه، ويرضيه لخالق ~~الزهرة، والعين والإنسان والحيوان مثل هذه الصورة! إنه والله لكنود. قالت: لم يعد للكنود ~~ولا لله من صورة عندنا إلا في جمال الحق، ثم أهوت على الصنم بهرواة أتت بها فتكسر وهوى، ~~وقالت لورقة: ادخل. أمتقبل ربي الآن دعائي؟ قال: أجل فيما أعتقد، وقبله كذلك، ولكني شئت أن ~~ألفتك إلى ما لم يخطر ببالك وجوده. قالت: شكرا لك. ادخل حتى أعود إليك. # وجد ورقة في الغرفة حصيرا من سعف النخل مفروشا بها، وبعض حشايا من جلد موضوعة إلى أحد ~~أركانها، والغرفة على فرط الحر في الخارج رطبة طيبة، فانتعشت نفسه، وإذ جلس واتكأ أخذ يعرض ~~حوادث يوميه، فإذا هي جسام جسام؛ ذكر لمياء وحبه إياها وعزمه على أن يقف به عند حد الأخوة ~~الخالصة، وذكر الناعي في الصباح وهول ما نعى، وسيده وما لقي وألقى في قلبه من الحزن عليه، ~~ثم ذكر حراء وسيدته خديجة وما كان له مع زيد من حديث انتهى بإسلامه؛ إذ كان بينه وبين الحق ~~خطوة لم تستبن له حتى كشف له عنها زيد بن حارثة بما عرفه من رسول الله، ثم ما كان من إسلام ~~حمزة وعمر، وخروجه في المسلمين أول يوم أعلن فيه الإسلام في مكة، ثم عاد فذكر لمياء وما ms122 ~~تلقى الآن لفراقه، وما يجد لها من الشوق في قلبه، فاستوى قلقا، وحدثته النفس أن ينهض من ~~فوره إلى هدى ليلقاها، ويتبرد بمرآها، وكاد يهم بذلك معتذرا بما يحضره لولا أن دخلت عليه ~~فتنة وفي يمناها جرة ماء صغيرة، وفي يسراها جفنة فيها لبن، وخرقة من ثوب علقتها بخنصرها، ~~وفوق رأسها أقراص رقيقة من الخبز؛ فتلقاها ورقة بالشكر، وعاونها على تخلية يديها ~~منها. # فرشت فتنة الثوب سفرة وضعت عليها الطعام، وتناول ورقة جرة الماء فغسل أصابعه وجففها في ~~الخرقة وفعلت فتنة مثله، وقالت: بسم الله. فانصرفا إلى الطعام وهي مغتبطة به سعيدة بأن ~~تضيفه، وتذاكرا فيما كان من حوادث اليوم، وما جرى من عمرو المخزومي إذ لقي رسول الله، وما ~~فعلت هي به، وسألته عما جرى بعدئذ فخبرها بما كان فانتعشت وسرت، وانتقل الحديث إلى شئونه ~~الخاصة فأخبرها بأمره، وأنه بمثابة تلميذ للحارث بن كلدة، وأن الحارث يعيش بين أهله في هدى ~~فرارا من حر مكة؛ إذ كانت زوجته رومية من أهل الإسكندرية، ولها ابنة جميلة ترعاه وتخصه ~~بمحبتها. قالت: وهذا ما كان يدعوك أن تستهدف لنيران الهجير. قال: قد يكون ذلك حقا، ولكني ~~غبت عنهم كثيرا وهم يأتنسون في وحدتهم بي، وأستاذي ابن كلدة رجل كثير المطالب وليس من ~~يقضيها له سواي. قالت: لا تجمع على نفسك نارين: شوقك والهجير، وإذا رشدت فلا ترحل إلا في ~~العشي. فضحك ورقة وقال: وإذا جاء العشي قلت الليل آذن فانهض في السحر. قالت: هو ما يجب ~~وربي، ولكنك لا ترضى أن تبيت عندي. قال: لم يعد علي أن أبيت عندك جناح بعد إذ طهرك الله، ~~ولكن لي بيتا، ولي أما في مكة كما تعلمين، ولن يقول الناس إلا سوءا. على أني عزمت على ~~المسير في العصر. قالت: كذلك، لقد أطعمت جوادك وسقيته منذ ساعة، وأراه أصبح صديقا لعنزتي، ~~فقد تركتهما الآن يتداعبان. فضحك ورقة لمزاحها وشكرها، ودعا الله أن يهيئ له رد مكارمها. ~~وفيما هما كذلك سمعا الباب يقرع فتأذت لذلك وأجفلت؛ ms123 لأنها كانت تتوقع شرا من أبي الحكم ~~المخزومي جزاء ما لقي منها، وحدثت ورقة في ذلك. قال: لا بأس عليك، ولكن خير لك ألا تفتحي ~~ولا تردي. قالت: كذلك، واستمر القارع يقرع فلما تعب ناداها باسمها، فعرفته، إذ كان عبيد ~~سيدها ابن جدعان، وأخبرت بذلك ورقة همسا. قال: لا تفتحي ولا تتكلمي ... فكرر العبد نداءه ~~وقرعه، وإذ يئس قال: محال أن تكون في البيت ولو نائمة، ماذا علي لو عدت إليه أخبره بذلك؟ ~~وانصرف فعلا. # أفرخ بال فتنة لانصرافه، ولكنها كانت تعرف ما وراء ذلك، كانت تعلم أن سيدها سيعذبها أسوأ ~~العذاب؛ لجريمتها إذ أسلمت، وهو لا يريد أن يخرج عن القوم لا بنفسه ولا بأحد من أتباعه، ~~ولجرئتها إذ سبت وشتمت كبير بني مخزوم وخمشته، وكانت قد علمت ما أصاب ياسرا وأباه وأمه؛ إذ ~~شدوا وثاقهم ورموهم في الرمضاء حتى مات الوالد دنقا، وماتت أمه بطعنة في أحشائها من أبي ~~الحكم المخزومي نفسه، وذكرت ذلك لورقة قائلة: سأستمرئ هذا العذب في سبيل الله. قال: هذا إذا ~~لم يكن لك منه مهرب ولا مفر. قالت: وهل من ابن جدعان مهرب أو مفر والناس في مكة عبيده ~~سادتهم وسراتهم! فصمت ورقة مفكرا، وخطر له أن يأخذها معه إلى سيده الحارث بن كلدة ليشفع ~~لها، وقدر أنه لن يخيب رجاءه في هذا. فقال لها: نعم إن هناك مهربا وحمى في هدى، في كنف ~~الحارث بن كلدة، وتذهبين معي. فاعتدلت المرأة في جلستها وأبرقت عيناها وصاحت من فرحها، ثم ~~سجدت لله شكرا، وبكت بكاء مرا، وورقة يهدئها قائلا: إنك إن استمررت في هذا جمعت عليك ~~أعدائك فلم تستطيعي الهرب. قالت: صدقت. هلم. قال: هلم. ثم ذهبت فجمعت حاجتها حين ذهب ورقة؛ ~~ليحضر جواده، والتقت به عنذ المذود. فقال لها: وهذه العنزة. قالت: سأتركها في الطريق ترعى ~~ما تجد على عادتها، فإذا دخل الليل عادت في العائدات مع معيز جاراتي. قال: إن لم يكن في ذلك ~~بأس فيها. قالت: لا بأس في ذلك. ليست ms124 هذه أول مرة تضل فأجدها عندهن. اخرج بجوادك وانتظرني ~~عند ثنية ذي المجاز، # 1 # وخذ هذا الجوالق معك على الجواد، ثم ناولته إياه فرحله عليه، وقالت: اخرج من ~~باب الدار سأقفله من ورائك، أما أنا فسأعتلي جدار جارتي لأخرج من بيتها، ولن تشعر بي؛ لأنها ~~بعيدة عنه. قال: افعلي ما بدا لك، ولكن القيني عند الثنية. # هناك في الثنية لقيته وركبت وراءه، وسار في غير ما اعتاد من الطرق إلى هدى، ولكن فتنة ~~كانت تعرف الطريق حق العلم فما زالت به تقول من هنا ومن هناك حتى اعتدل في طريق هدى الذي ~~يعرف. # كانت فتنة تظن أنه إنما اتخذ هذا الطريق فرارا من عيون أهل مكة، لو أنه عاد إلى المروة # 2 # مخترقا شعاب بني هاشم وتيم إلى منى، فلم تسأله في ذلك، ولكنها إذ كانت تشكره؛ ~~لما يتجشم من أجلها من المشاق ذكرت أنه ارتضى السير على غير هدى. قال: بل أراد الله ما ذكرت ~~ولم أرده. أرسل فضله على لسان سيدة المؤمنين خديجة حين أشفقت أن أعود إلى حراء أودع سيدي ~~ابن نوفل فأمرت ألا آخذ طريق منى، ولم تكن تدري أنها تعمل للنجاة بك من عذاب ابن ~~جدعان. # بلغا هدى قبل العصر، ولكنه لم يشأ أن يذهب بصاحبته على الفور إلى بيت الحارث حتى يلقى ~~زوجته هرميون، ويعرض أمرها عليها فيها، فإن عطفت عليها فبها، وتكلم مع الحارث في شأنها، ~~وإلا تدبر في شأنها. # وكان ورقة يعرف بدالا ثقفيا في هدى يدعى طويف يجيء هدى كل عام في الربيع، ويبقى فيها ~~إلى ما بعد الصيف؛ ليبيع المصطافين حاجتهم من مؤونة الحياة، وكان يسكن هو وأخت له أرملة ~~تدعى سعدى في بيت لهما وراء ضفة النهر في طريق الهابط إلى مكة، وكان سبب معرفته بهما أنه ~~كان يبيع لبيت الحارث ما قد يحتاجون إليه. كما أنه زاره ذات يوم هو والحارث إذ كانت أخته ~~مريضة، وكان يتردد عليها بأمر الحارث؛ ليراقب حالتها، ويصنع لها الدواء وفاق أمره، ثم ms125 صار ~~يقف على دكانته يحييه، ويستأنس به وهو في طريقه رائحا إلى مكة أو غاديا منها، وربما جلس ~~معهم بعض الوقت؛ إذ كان الرجل وأخته يمين في حديثهما ولقائهما، ومن ثم توثقت بينهما مودة ~~كانت سببا في رواج حاله؛ إذ علمت فتيان المعسل أن ورقة يتردد عليه، فكن يقصدن إلى دكانته؛ ~~ليشترين منها ما يكن في حاجة إليه، ثم يقضين في بيته مع أخته بعضا من الوقت يتحادثن فيما ~~يشغل نفوسهن من شئون حياتهن، ومنها ورقة الفتى السمح الذي يركب الجواد. فإذا وجدنه هناك، أو ~~جاء وهن عندها، أخذت كل منهن من وجوده نهلة لنفسها بالحديث معه، وعدت نفسها أسعد من رفيقتها ~~إذا هو اختصها بدقائق في الحديث أكثر من سواها، وإذا ظفرت إحداهن منه بابتسامة أو سمعت منه ~~على إثر حديثها معه مزحة معها أو مع الثقفية أخت البدال عدت ذلك مزية، ولذلك لم يتردد ~~البدال في أن يرجو منه الإكثار من زيارته وإن لم يبدله من علة هذا الرجاء إلا رغبته في ~~الائتناس به، وشعوره بعظيم المحبة له، وكان أبين ما يجتمع الفتيات عند البدال عشي ليلة ~~البدر وصباح يومه، وعشي الهلال وصباحه، وقد فعلن ذلك هذه المرة أيضا، ولكن ورقة ذهب عشي ~~الهلال ورأينه وحادثنه، وملأن عيونهن الجميلة منه، ولم يعد في صباحه، فصببن فرحتهن حيث ~~نهلن؛ وإذ علا النهار ولم يعد من مكة عدن إلى دورهن آسيات لذلك، ولم تخف هذه العاطفة على ~~الثقفية؛ إذ انطفأ ما كان يعلو عذارى المعسل من نور الابتهاج، فلم تتردد لإنعاشهن في أن ~~تذكر لهن ذلك مباسطة ومتألفة ومغرية لهن بالحديث عنه بلا تنكر، ولكنه لم يجئ صباح اليوم ~~الثاني، وعلا النهار كذلك فعدن إلى دورهن كما عدن في ضحى الأمس. # جاء ورقة مبكرا قبل العصر، ولم يكن يرجى أن يخرج أحد من مكة في الهجير؛ ليبلغ هدى في مثل ~~هذا الوقت، ولذلك كان بيت الثقفي خاليا من زواره. # هناك ترجل وترجلت فتنة، وأنزل جوالقها عن الجواد، ورآه الثقفي وأخته ms126 فخرجا للقائه مرحبين، ~~وهما مشغولان باكتناه من معه، ورأيا على فتنة شيئا غير عادي فيمن يعرفن من النساء كان ~~سببا في عجزهما عن الحكم من هي؟ لا يمكن أن تكون أمه؛ لأنها أصغر من أن تكون أمه، ولا ~~يمكن أن تكون من جواري بيت الحارث في مكة؛ لأنهن يرتدين غير هذا الملبس، ولهن سحنة أخرى. ~~هذه قوية النظرة كالصقر، عليها مسحة من قوة الاعتزاز بنفسها، وأولئك لا يكن كذلك. فتركا ~~الأمر حتى يبين من نفسه. # دخلوا الدار بين ترحيب الثقفي وأخته. فقال ورقة للثقفي: هذه أخت لي يا طويف اسمها ناجية. ~~أدعها عندك حتى أجيء فآخذها. لن يطول مقامها عندكم فيما أرجو، ولكني أرجو منكما ألا تذكرا ~~من أمرها لأحد شيئا، حتى ولا بعد أن أجيء لآخذها، وها أنذا أقول لكما شيئا من حقيقتها؛ ~~لتعرفا أنه إذا ظهر من أمرها شيء كان في ظهوره أذى لها ولي: هذه الأخت كانت في براثن الشر، ~~فأنقذتها منه في غفلة من صاحبه، فإذا عرف أين هي الآن عرف من غلبه عليها، وما ترضيان لنا ~~هذا. قولي إن شئت يا سعدى فلن يسألكما إلا النسوة، إنها ابنة خالتك جاءت في زيارة، ولا ~~تزيدا على ذلك. # قال طويف: حبا وكرامة، وطمأنته الأرملة على ما أراد، وأظهرت استعدادها؛ لأن تكون معه ~~على الدنيا إذا هو شاء، وقالت: ستكون ناجية في صون الله وستره ما دامت معنا، فاطمئن. # شكر ورقة لها برها وللثقفي فضله، واستأذن في الانصراف على أن يعود إليهما في العشية، ~~وامتطى جواده؛ ليقطع بقية الطريق إلى بيت أستاذه. # الفصل السابع عشر # | فراق الدار # صعد ورقة بقية المرتقى، واستقام في طريقه إلى بيت الحارث وهو يفكر في فتنة بعدما أسلمت ~~وطهرت. لقد أنقذها من عذاب داهم، ولكن ماذا يكون من أمرها حتى ولو استطاع مولاه الحارث أن ~~يحمل ابن جدعان على العفو عنها؟ أتعود إلى مكة؟ وماذا تصنع فيها؟ لا يمكن أن تعود حياتها ~~الماضية التي أجبرها عليها ابن جدعان؛ لأنها أسلمت والإسلام عدو البغاء، ms127 ولكن ابن جدعان لن ~~يدع الإسلام يحرمه حقه عليها؛ إذ هي جاريته وملك يمينه، وإذا أمكن ابتياعها منه فأين ~~تنزل؟ وهل يستطيع أن يحمل والدته على قبولها لديها؟ نعم هذا يستطيعه، ولكن ماذا تفعل فتنة ~~هناك؟ ليس أشق على الإنسان الحي المتنشط من أن يعيش بلا عمل، ولأهون عليه أن يقضي يومه ينقل ~~كومة من الحجر من مكان إلى مكان بغير ما قصد، من أن يبقى بلا حراك. إنها لا تزال على شيء ~~من الملاحة، فهي في الثلاثين من العمر أو أقل قليلا، وهي ذكية وقوية، وفيها شيء من سعة ~~الحيلة، فهي صالحة للزواج، ولكن أين الكفء الذي ترتضيه بعلا؟ ويرضاها زوجة؟ إن حالتها ~~لتحير اللب! من ذا يستشيره في أمرها! لو كان ابن نوفل حيا لكان قد ابتسم لورقة ابتسامة ~~الحب وأجابه على الفور إلى ابتياعها من ابن جدعان، ولنظر في إصلاح حالها بما لا يدع مجالا ~~لمطلب، ولكنه قضى وخلفه بلا معين، وحرمه تلك الابتسامة الحلوة التي تدل على معاني الخير ~~الذي تنطوي عليه نفسه المباركة. يا لله! أي خير زال من الدنيا بفقد ابن نوفل، وأي فراغ تركه ~~في حياة ورقة، وأي شقاء سيتشعره لموته، وأي يتم. ثم هلت دموع عينيه، وتساقطت على خديه، ~~وامتلأت نفسه بالكآبة، حين وقف به الجواد عند باب الحارث. # رأته سودة قادما من بعيد وهي في البستان، فذهبت عجلة إلى سيدتها الصغيرة تنبئها بذلك، ~~فانتعشت نفسها، وسرت في بدنها هزة السرور، ولكنها لم تشأ أن تنهض للقائه، على الرغم منها؛ ~~لتشعره أنها مغضبة، وتعاتبه على غيابه عنها كل تلك المدة فإنه يعلم أو يجب أن يكون عالما ~~بأنه يشق عليها فراقه: نعم، إنها لم تقل له إنها واجدة به، ولن تقول، ولكن ألم تخبره ~~عيناها بهذا الوجد، أو يسمعه قلبها دقات شغفها به؟ إن كان قد رأى وقد سمع، ثم تركها تعاني ~~البرح في غيبته فقد أساء؛ ومن حقها أن تجزيه غضبا وإن لم يكن قد رأى ولا سمع، فواخيبة ~~أملها وواضيعة ms128 هواها، ولكنه قد رأى كل شيء، واطلع على كل شيء، فما من مرة نظرت إليه وهو ~~يحادثها، أو نظر إليها وهو منصت لحديثها إلا وحملت إليه عيناها آيات من الحب البريء آمن ~~بها، ورأت أناجيل من المحبة تتراءى بها عيناه، فتقرؤها صفحة تلو صفحة، وتقنعها أنه يحبها ~~كما تحبه محبة خالصة، وما من مرة سمعت صوته إلا وسمعت من وراء حديثه حديثا آخر خفيا لا ~~تدركه غير أذينات قلبها حديثا شبه المزامير يرتلها القلب في حضرتها. فما سر هذه الغيبة ~~إذن إلا أن يكون قد صبأ ونسي هذا كله! أو أن يكون قد ذهب به هوى آخر احتواه في مكة، فإن في ~~بيت ابن نوفل فتيات يحببنه كثيرا، وقد خطن له ثيابا وأهدينه إياها، وعلمت من سودة أن في ~~الحي الذي تسكنه أمه أمهات يحببنه كثيرا، وقد عرضت إحداهن عليها أن تزوجه من ابنتها وتنزل ~~لها عن المهر، ولكن العفيفة قالت: إن زواجه موكول إلى سيده ابن نوفل، ألم يكن هذا الرد ~~مريبا؟ ألم يوح إليها به أنها تعتقد أن ابن نوفل سيزوجه من إحدى تلك ... # هنا دخل ورقة فقطع عليها سلسلة تلك الأوهام، فلما رأته شهقت شقهة صامتة تبينها ورقة، ~~وانتفت كل تلك الأوهام كما تنتفي رقائق البخار في هبة الريح، وغمرت قوامه المعتدل، ووجهه ~~الحسن، الذي يدل كل ما فيه على رجولة وكمال، بفيض حبها وحنوها وشوقها إليه، وابتسمت لمرآه، ~~ولكنه لم يبتسم لمرآها على عادته، ولم يتجه إليها بقلبه، بل اتجه إلى هرميون ليحييها، ورأت ~~لمياء ازوراره عنها، وضنه عليها ساعة اللقاء بكلمة من كلماته السعيدة التي يخصها بها في كل ~~لقاء، ولم يكن ذلك ليمنعه عن أن يؤدي التحية لأمها قبلها، ورأت على وجهه قترة لا أثر فيها ~~لمشرق الشوق أو الرعاية لها، فضاق صدرها، ولم تقو على احتمال الموقف فنهضت غاضبة، ودخلت إلى ~~الغرفة المجاورة. أما الأم فرأت شحوبا في وجهه وغئورا في عينه، وكمدا يملك عليه نفسه، ~~فهالها الأمر، وإذ كان ورقة ينحني ليقبل ms129 يدها أخذت تسائله معاتبة، وأرجأت السؤال عما رأته ~~عليه إلى اللحظة التالية؛ إذ العتاب بر وتحية واجبة. قالت: ما هذا يا ورقة؟ ما هذه الغيبة ~~الطويلة؟ إنك لم تعودنا أن نفتقدك، لا بد أن يكون قد شغلك عنا أمر ذو بال فعسى أن يكون ~~خيرا ... ولكنا ولا نخفي عنك ... ثم قطع عليها الحديث أن رأت نبعا من الدمع في عينيه فنهضت ~~إليه مذعورة، وتخيلت في صمته أخيلة متضاربة، كان أبينها أن يكون النضر بن الحارث آذاه على ~~عادته، أو يكون باقوم قد قضى نحبه. فعاجلته بالسؤال: ما بك يا ورقة؟ ماذا يبكيك يا بني؟ لم ~~يكن ورقة يستطيع الكلام حتى غاض دمعه، وهدأ قليلا فقال لها: معذرة يا سيدتي. لقد اضطررت ~~أن أبقى في مكة لأودع سيدي ابن نوفل فقد قضى أمس في ذمة الله. ثم هل الدمع في عينيه وفاض، ~~ولم تدر هرميون كيف تعزي الفتى، وهي نفسها قد أهلعها النبأ الفاجع في صديقهم الكبير، والرجل ~~الذي يعلو عن جميع من رأت من الرجال في مكة علوا كبيرا، وتمثلت ورقة إذ كان ابن نوفل ~~يعزه ويحبه حتى نزل عنه باختياره للحارث رغبة في أن يتعلم منه، وهو ما كان ليفارقه على أكبر ~~عوض، فرثت لورقة، وحزنت لحزنه، ولم تجد لتعزيته على هذه الكارثة إلا أن تقبله على غير ~~عادتها، في جبينه، ولكنها أشفقت عليه إشفاق الأم فقبلته قبلة الأم وقالت له: لا تحزن يا ~~ورقة إنك لتعلم أن الله كان يعد لك في الحارث أبا كريما حين انتوى أن يقبض إليه ابن ~~نوفل، وجعل إلى جواره لك أما تحبك كما تحب ولدها، وجعل لك فوق هذا أختا. # كانت لمياء قد سمعت حديثها فعادت لترى، وإذ رأت دموع عينيه وعرفت ما حدث سري عنها، ووقفت ~~تنتظر دورها في تعزيته، حتى إذا لفتته أمها إليها وهو واقفة في الباب تتأمله راثية لحزنه، ~~وإن كان شعورها بما زال من أوهامها جعل لسانها أسعى إلى الترفيه بنضج ما في قلبها من المسرة ~~قالت: ms130 من في الدنيا مثلك يا ورقة؟ إنك لتجد الدنيا تواتيك بكل خير حتى في أحزانك. لك اليوم ~~أبوان وأمان، بل ثلاث أمهات، أم تراني صغيرة. # ابتسم ورقة لحديثها، وتذكر أمره وما استقر عليه رأيه ليلة المبيت في مكة فأغمض عينيه ~~حياء منها من نفسه، ثم تناول فضل كمها فقبله، وشكرها وشكر هرميون، وحمد الله عليهما، وقال: ~~ليلطف بي الله، وليجعلني فداءكم جميعا من كل مكروه. # وكان ورقة في كل ذلك الوقت حتى مع امتلاء قلبه بحزنه، واشتغال نفسه بهمه، والاستماع ~~لهرميون ولمياء - يفكر في أستاذه ويود أن يسألهما عنه، ولكنه ما ملك لذلك سانحة فما إن ~~وجدها الآن حتى قال: أين سيدي؟ أهو مشغول؟ فلم تشأ هرميون أن تعاجله بنبأ مرضه، ولذلك اكتفت ~~بأن قالت: كان في عزمه أن يهبط اليوم مكة ليرى ما بك، فقد خفنا أن تكون مريضا، ولكنه وجد ~~نفسه لا يقوى على النهوض فلزم فراشه، وقد أرسلنا زيادا للسؤال عنك. قال: شكرا لكم. قالت: ~~كيف! ألم تلق في الطريق زيادا؟ أجاب ورقة: إنه جاء هدى من غير طريقه المعتاد، ولكنه كان ~~مشغول القلب بما حدثته هرميون من مرض سيده، وأخذه الوجد عليه، فمالت قدمه، وبه شيء من ~~الذهول، حيث اعتاد سيده أن يرقد، وكان مباحا له أن يدخل عليه حيث كان بلا استئذان، بل كان ~~هذا ما أمره به الحارث، واستشعرت السيدة قصده فنبهته إلى أنها تركته نائما، وربما كان من ~~الخير أن يظل كذلك حتى يفيق. فعاد ورقة وجلس على مقعد في الغرفة يفكر في علة سيده، واعتورته ~~الأوهام والأخيلة المقلقة، فقد كان الحارث رقيقا، وإذا كانت حمى فربما لم يقو عليها ~~فيقضي كما قضى ابن نوفل، ولكنه أخفى وساوسه وسألها: أبه دفء يا سيدتي؟ قالت: كلا، ليس ما ~~به! إلا فتور وألم في المفاصل، وقد بات ليلة أمس يقلب ساقيه، لا يكاد يقرهما في مكان من ~~فراشه حتى ينقلهما إلى آخر، ويطلب إلي تدليك مفاصله، وهو لا ينقطع عن الشكوى كالطفل ~~المدلل، ولكنه بخير ms131 إن شاء الله. هل لديك من دواء؟ قال: الأمر هين يا سيدتي، ودواؤه فيما ~~اعتقد التزام الفراش، وقليل من الخمر ندفئه له قبل أن يتعاطاه. هكذا رأيته يفعل حين عاد ابن ~~المغيرة في مكة، وكان مريضا بمثل ما تصفين فأبل على الفور. # وفيما هما في الحديث كان الحارث قد أفاق، وتنبه لما كانوا فيه، وسمع صوت ورقة فصفق وناداه ~~باسمه. فنهض ورقة جاريا يقول: لبيك، ودخل الغرفة والسيدتان وراءه. فلما رآه في فراشه جثا ~~على ركبتيه وأخذ يده يقبلها، ويقول: نفسي فداؤك يا سيدي من كل مكروه! وغلبه الوجد فبكى. قال ~~الحارث: إنه بخير، وإن الأمر أهون من أن يشغل باله، ولكن ورقة لم يستطع أن يجمع شتيت قواه؛ ~~لأنه إذ رأى الشيخ مريضا أسى لحاله وفرق، فانكشف ذلك الغشاء الرقيق الذي كان يغطي مرجل ~~نفسه الآسية لوفاة ابن نوفل، فزايله الوقار حتى أنهضته هرميون ولمياء، وتعجلت هرميون فقالت ~~لزوجها: إنه محزون يا حارث، وقد تجدد وجده إذ رآك في الفراش. قال الحارث وقد قعد: ما فاتني ~~ذلك. فقد عرفت من حديثكم معه ما جرى، ولكن ليس في الأرض خالد، إنما نحن ضيوف في هذه الدنيا ~~حتى تمجنا فتشردنا عنها بما لديها من وسائل التنكر لنا والأذى، وهي تبول الناس؛ فمن كان ~~جامد الحس صادقته وأسعدته بجموده، ومن كان رقيقا مثلك أنت وورقة نافرته وأشقته برقته، وكنت ~~أحب أن يكون ورقة ... قالت هرميون مقاطعة: جامد الحس! قال: أريد لحبي إياه لو كان كذلك. ~~قالت: لو كان كذلك ما أحببته؛ لأنه يكون قاسي القلب، وهو ليس كذلك. قالت لمياء: بل قاسي ~~القلب يا أماه، ألم يغب عنا يومين كاملين. فضحك الحارث وهرميون واشترك بالابتسامة معهما ~~ورقة، وقالت هرميون لزوجها: ولماذا لا ترجو لنفسك السعادة التي تريدها لمن تحب؟ قال: لا ~~يعرفها إلا المحروم. قال ورقة: مولاي، إنك لتعبث بفؤادي كما عبثت بكسرى # 1 # أما وربي لنظرة من عينيك بالعطف على سيدتي هرميون وسيدتي لمياء، ونظرة الحب ~~منهما إليك لأرجح في لمحها ms132 على كل تلك السعادة المستمدة من جمود الحس، ولألم تستشعره نفسك ~~في العطف على الناس، أملأ للقلب بالسعادة من استقلالك عن الناس وآلامهم، ولولا هذه اللذة ~~القدسية لذة الألم ما سارعت إلى التضحية والهداية، والذود عن الناس، وتطبيب المرضى، ~~والانتصاف لهم من نفسك ومن غيرك، وإحسانك إليهم، وأما وربي ما هو إلا ألمك لي قد حملك على ~~أن تقول ما قلت لتروح عني. هذا بعض برك يا سيدي. جعلت فداءك من كل سوء. قال الحارث: شكرا ~~لك يا ورقة. أنت ولدنا وعلينا أن نكون لك، والآن فاذهب وهات نبيذك الذي وصفت سخينا إنه لهو ~~الدواء حقا، وإن كنت لا أجد بي الآن شيئا. # فنهض ورقة يحضر النبيذ سخينا لمولاه، وبقي الحارث مع السيدتين يذكر ورقة متعجبا لحاله. ~~قال: يا هرميون، ما كنت أريد أن يأتي ذكر أبيك على لساني في حضرتك؛ لئلا يتيقظ فيك الشوق ~~إليه، ولكني لا أحبس عنك الآن بعض ما علمت منه. قالت: وما ذاك؟ قال: لقد كان يقول: إن ~~الهجين خير من الأبوين. قالت: ما معنى ذلك؟ قال: إنه يرى أن نتاج أبوين مختلفين جنسا يجمع ~~خير ما في الجنسين. فهذا ورقة أبوه مصري وأمه عربية، فهو ينطوي على أحسن ما في المصري ~~والعربي معا من صفات؛ أره أذكى وأكرم وأعف وأشجع، ولكأني وربك حين أحادثه أنظر إلى فتى من ~~سادة بيزنطة إلا أنه أعف عينا وقلبا. قالت: صدقت يا حارث، ولكنه يقول: إن أباه عربي من ~~الحيرة. قال: إن الصنوف تختلف: فعربي الحيرة غير عربي بني لحيان. لكل منهما صفات أحدثتها ~~فيه البيئة والمناخ والحياة التي يحياها. قالت: كذلك، وأرى أنه أصبح من حقه علينا وقد مات ~~موئله أن نكون له موئلا، ولا نكتفي من أمره بأن نعوله ويتعلم من علمك. فهل فكرت في ذلك؟ ~~قال: نعم فكرت من يوم أن جئنا إلى هدى. قالت: وما ذاك؟ قال: فكرت في أن أجعل له عندي ~~دينارين كل شهر لا يعطاهما حتى ينقضي العام؛ ليكون المال عدة ms133 له، وقد استودعني ابن نوفل ~~عشرين أخرى أعطيه إياها عندما أرى أنه أصبح صالحا للاتجار في العقاقير، وأراه اليوم أصبح ~~بصيرا لها كولدي النضر، ولكني لن أخبره بذلك؛ لئلا يرى الغلام أنه أصبح أجيرا فيتأذى ~~ويلتزم حد الأجير وهذا ما لا أطيقه. بل إني وحقك لأخشى أن يحمله الأمر على تركنا. قالت: ~~صدقت يا حارث. بورك لنا فيك. إنه لفتى نبيل. قال الحارث: فإذا أذنت لنا أن نرحل إلى اليمن ~~شهرين كان في هذا كل ما ترجينه له من الخير. قالت: يسوءني أن أرفض، ولكني أخشى ألا أجد في ~~اليمن مكانا كهذا. قال: لن يكون هذا المكان طيبا بعد شهر فسيدخل الشتاء، وسيكون هذا الجبل ~~العالي أجمع لثلوج الشتاء من جبال لبنان، وما تطيقين فتح هذه النوافذ يومئذ، ويبقى الجبل ~~قاعا باردا صفصفا. قالت: فلنبق إذن حتى نرى هذا، ويتنادى كل منا الرحيل. الرحيل. أما مكة ~~فأقسم لن أسكنها. قالت لمياء: ولا أنا. إني لأوثر أن أتنقل في الجبال والوديان على أن نستقر ~~حيث كنا. قال الحارث: نرحل إلى نجران. إنها كبعض هدى، لولا أن الثلوج لا تغشاها، ففيها شعاب ~~وفيها وهاد، وفيها ظهور وفيها بطون، فلنسكن في الوادي. قالت: كذلك. # وكان ورقة قد عاد لسيده بكأس فيها نبيذ قليل. فقال الحارث: شكرا يا ورقة. إني وحقك ~~أكره الخمر مهما بالغ السفهاء في امتداحها. أأنت تشربها يا ورقة. قال: والله ما ذقتها منذ ~~رأيت سيدي ابن نوفل يحرمها على نفسه، ولكم سمعت مولاي محمد بن عبد الله يقول إنها «رجس من ~~عمل الشيطان فاجتنبوه»، ولكن هناك ما هو أشد منها في الرجس والأذى يأمر به الطب والدواء، ~~فلا يكون إذ ذاك رجا بل دواء، على أن يكون ذلك طوعا لأمر طبيب كريم. قال الحارث ممازحا: ~~وأنت اليوم طبيب كريم؟ قال: ما أعطيتك هذا الدواء فأكونه، وإنما أعطيتك ما وصفت أنت نفسك. ~~ألم تعطها للوليد بن المغيرة في مثل حالتك؟ فضحك الحارث ازدهاء بكلام الفتى. # وفيما هو يشرب النبيذ كان زياد ms134 واقفا يتراءى في طرقة الغرفة، ولمحته هرميون من حيث كانت ~~جالسة، فنادته، فدخل وفي يده شيء منبسط قد كسي بخرقة وربط بخيط. قالت: ما هذا؟ قال: رسالة ~~من سيدي النضر. فتناولها، ثم استمر يقول: مررت بالدار قبل أن أعود لأراهم عسى أن تكون لهم ~~حاجة عند مولاي، فاستمهلني مولاي النضر حتى يكتب هذه الرسالة. # فكت هرميون خيوطها وعرضتها، فإذا هي مكتوبة على رق من الجلد بالعربية، فقدمتها على ~~الفور إلى الحارث حين قدم الكوب إلى لمياء؛ إذ كانت أقرب إليه من ورقة، ثم أخذ يقرؤها ~~صامتا، ولاحت على وجهه سحابة لم يستطع أحد فهم سببها، ولكنه لم يتركهم في حيرتهم طويلا، ~~فقد أعطى الرسالة إلى ورقة وهو يقول: الأمور متداركة يا هرميون، قالت: كيف ذلك؟ قال: إن ~~الوليد بن المغيرة زار ولدي ليخبره بأن ولده خالدا ورفقته عائدون من ديار الشام قبل أن ~~ينتصف الشهر، وأنه أرسل إليه ليرسل أهله إلى بيته هذا في هدى في انتظار مقدمه؛ لأنه سيقضي ~~بقية الصيف في بيته. # قالت هرميون: لم يبق علينا إلا أن نستعد للرحيل. قالت لمياء: إلى أين نرحل؟ إني لا أعود ~~إلى مكة، وخير لنا أن نرحل من الآن إلى نجران إن كنا فاعلين. قالت هرميون: مضى اليوم من ~~الشهر ثلاثة أيام، ويجب أن نترك البيت لزوجة خالد قبل مقدمه بما يكفي لإعداده. قال الحارث: ~~أمامنا إذن أربعة أيام أو مثل ذلك. إنا راحلون إلى اليمن يا ورقة فماذا ترى! لقد قررنا ذلك ~~الآن قبل أن تأتينا رسالة النضر. قال: كل مكان أكون معكم فيه طيب، وإني لأشتهي أن أرى اليمن ~~السعيدة فهي ديار الرخاء والعلم، ومرابع الأخيار. أليس أهل يثرب والحيرة والعراق والشام من ~~اليمن؟ حمير وكندة وأزد والأوس والخزرج وغيرها؟ قال الحارث: إذن فاستعد لذلك. إني ذاهب في ~~الغد إلى مكة؛ لتدبير أمر هذه السفرة فدبروا أنتم لها من هنا. # على هذا اتفقوا، ورأوا أني يتركوا الحارث؛ ليستريح، وينصرفوا هم للعشاء، وإعداد ما يليق ~~أن يعطاه الحارث من ms135 الطعام لليلته. # الفصل الثامن عشر # | من أجل عين # لم يشأ ورقة أن يتعجل الكلام مع مولاه في شأن فتنة تلك الليلة، وإنما اكتفى بأن انتهز ~~فرصة اجتماعه بهرميون فذكر لها أمرها كله، ورجا منها أن تتلطف فتخبر الحارث في وقت آخر، ~~فإن وجدته مستعدا للشفاعة لفتنة عند سيدها ابن جدعان - أذنت له أن يصحب سيده إلى دار ~~طويف؛ ليجمعه بالفتاة التعسة عسى أن يكون من وراء رؤيته إياها ما يعطفه عليها، ويحمله على ~~التفكير لها في وسيلة للنجاة. قالت هرميون: وأي وسيلة يا بني لإنقاذ فتاة في مثل سنها إلا ~~أن تعيش في كنف رجل يتزوجها ويحميها. لا وسيلة سواها إلا أن تكون وسيلة عرجاء، ولقد أحزنني ~~حالها يا بني، ولا أدري بم أشير على زوجي. لقد كان في نيتي أن أتكلم معه في شأن تزويج زياد ~~من سودة، وأظن أن سودة عرفت ذلك من سيدتها لمياء، فلم يبق لنا ... # قال: لم يبق شيء، ولذلك أرى أن نكتفي من الأمر بشفاعة مولاي لها عند ابن جدعان، وعساه ~~يعتقها وإلا باعها على أن يشتريها باقوم، وتبقى مع أمي حتى أعود، لعل الله يحدث بعد هذا ~~الضيق فرجا. قالت هرميون: وهل لدى باقوم نقود؟ قال: أجل. إنه لم ينفق من ثمن ما كان معه في ~~السفينة التي تكسرت في جدة منذ عشر سنين شيئا كثيرا. بل لقد زاد ماله يا سيدتي. فقد ~~استودع العباس بن عبد المطلب أكثر ماله؛ ليقرضه للناس في مكة والطائف كما يفعل اليهود، وهو ~~يعيش على هذا الربا، ولقد ذكر لي غير مرة أنه يدخر لي أصل هذا المال. فإن كان كذلك فلعله لا ~~يبخل علي بشيء منه فيما يرى أنه من واجبه نحو فتاة غريبة عن مكة مثله أسلمت هي أيضا كما ~~أسلم. قالت: كذلك، سأتكلم مع الحارث في هذا الشأن، ولعله مستطيع أن يحمل ابن جدعان على ~~عتقها؛ ليبقي عليك مالك. لن يضير ابن جدعان وهو صاحب الجفنة التي يطعم منها مئة رجل كل ليلة # 1 ms136 ~~- أن يعتق لوجه الله فتاة لم يعد ينتفع بها في شيء. على أني أريد التعجيل ~~بزواجها، وسأنظر في الأمر. لن أسمح أن تنتقل الفتاة إليكم فقد تغار أمك منها، أو تحملك ~~الرأفة على زواجها. # انتبه ورقة لهذه الملاحظة المفاجئة وقال: أنا يا سيدتي أتزوج! قالت: ألا يمكن أن يحدث ~~ذلك! قال: محال أن أتزوج لا بها ولا بغيرها. فضحكت هرميون لهذا، وقالت: هذا ما تستشعره ~~الآن، ولكن تنكرك للزواج يدل على أنك لا تعرف قيمة للزواج، ومثلك، لهذا، يرى النساء سواء، ~~ولذلك أخشى عليك الخطأ عندما يمتلئ قلبك بالرحمة. # قال ورقة: افعلي ما بدا لك يا سيدتي، ما كنت أعترضك في أمر كريم كالذي تتطوعين له بمحض ~~إرادتك الطيبة، ولكني يا سيدتي أرجو أن تثقي أنني استخرت الله في أن أعيش في هذه الدنيا ~~راهبا. قالت هرميون: إنما تهون حياة الرهبنة على الراهب؛ لأنه يحبس نفسه في صومعة فلا يرى ~~شيئا من الدنيا، ولا يستشعر ما يستشعره من كانت الدنيا بين عينيه سوقا ينغمس فيها. كيف ~~تملك أن تعيش راهبا؟ أيكون في فؤادك اليوم ما يؤلمك؟ مطمع ترى تحقيقه محالا، فأنت ليأسك ~~منه تعيش في مثل رهبنة، وتظن أنك لن تتغلب على يأسك، أو أن يأسك لن يزايلك، فأنت ~~مترهب؟ # أوشكت هرميون أن تقرع باب السر الخفي من نفسه، بل قرعته فعلا وهي لا تدري، ولكنه لم يجرؤ ~~أن يرد على الطارق. فأمسك ورقة لسانه، ونظر إليها نظرة يستشف بها مصدر سؤالها ، وأدركت هي ~~هذه النظرة، ورأت أنها تطرق حمى ليس من حقها طروقه. فقالت: ليس لي أن أسأل هذا السؤال، ~~ولكنك حملتني عليه. عش ما شئت، ولكني سأحاول تدبير أمر هذه الفتاة من أجلك أولا، ومن أجلها ~~ثانيا. هذا حقك على أمك يا ورقة. # كانت نفس ورقة قد تزعزعت في هذه اللحظات الأخيرة. تذكر حاله من لمياء، وأدرك أن ما ملكه ~~من الرغبة في العيش مترهبا إنما هو أثر من آثار ما اعتزمه من أن يقطع تلك الخيوط الحريرية ms137 ~~التي تختلط بما يربطه بلمياء من الخيوط الأخرى: خيوط المودة الأخوية، فمال على يد سيدته ~~هرميون وقبلها شكرا، وأسقط عليها بغير اختياره دمعة حارة انتطلت من قلبه المحترق. فشدهت ~~هرميون لذلك؛ ولكنها لم تشأ أن تتقصى الحقيقة، أو كأنها توهمتها فلم تشأ أن تتحقق منها؛ ~~لأنها تواجه إن عرفتها أمرا عصيبا، ورضيت من الأمر بحاضره، فعزت تلك الدمعة إلى فرط بر ~~الفتى بالجارية، وثبتها فيها ارتضت أنه استعطفها عليها من جديد. قالت: دع لي الأمر كله، ~~وانصرف أنت الآن. # انصرف ورقة إلى غرفته مفكرا في حديث هرميون وفي نفسه - أي في لمياء، وكأنما أطارت لها ~~هرميون طائرا كان في صدره، فلم يستقر في فراشه، فجلس في فراشه يفكر، ولكنه لم يهتد إلى ~~شيء، وأحس أن غرفته تحبس عنه موارد السلوى، فنهض وانتعل ثانيا وارتدى، وخرج يستنشق نسيم ~~الجبل سائرا على غير هدى، حتى وجد نفسه عند نهر المعسل، فوقف ينظر إلى مائه وهو ينحدر ~~متموجا متألقا فيما أبقت ساعات العشاء من الهلال. ثم خطر له أنه لم يصل العصر، فخلع نعليه ~~واقترب من الماء يتوضأ، حتى إذا أتم وضوءه نهض متجها نحو الكعبة قبلة إبراهيم يصلي لله كما ~~علمه زيد، وكما رأى رسول الله في الحرم، ولكنه لم ينهض بعد ركعتيه بل استمر جاثيا يدعو ~~الله أن يثبته، ويقويه على احتمال ما في قلبه، ولم يطاوعه هذا القلب فيدعو ربه أن يزيل ما ~~فيه من الحب للمياء؛ لأنه كان يرى أن هذا الحب من حقها: هو جزاء حبها له. بل هي التي ~~استودعت قلبه الحب فلا يملك أن يزيله منه، ولا من المروءة أن يطلب إلى الله إزالته، وإن هذا ~~الألم الذي يعانيه هو ما بقي له من الصلة بها. فإذا هو إزاله - والفرض لا حد له - حرم نفسه ~~الخيط الوحيد الذي يربطه بحياة روحه لمياء. # لو كان ورقة غير مشغول اللب لما هو فيه؛ لسمع من حيث جثا حديثا يجري بين رجل وامرأة في ~~ظلام العشية بعد أن هبط ms138 الهلال قادمين نحوه على غير قصد. كانا يتكلمان عن ورقة وفتنة ~~بالرومية، وهما لا يشعران أنهما على مقربة منه يسمعهما ويعرفهما وإن لم يكن يتبينهما. كان ~~هذان بالطبع أستاذه الحارث وزوجته هرميون خرجا بعد العشاء ليستريضا، فقد شعر الحارث أنه ~~عوفي، وأنه يود أن يستنشق الهواء، فخرج هو امرأته؛ ليسيرا قليلا ثم يعودا. لم يدر ورقة ~~ماذا يفعل؟ أيترك المكان لهما منسلا في جهة أخرى؛ ليتما الحديث؟ وفي هذا الترك ما ~~يلفتهما إليه، ويقطع عليهما الحديث! إذ يشتغلان بالنظر إلى الشبح والتفكير فيه؟ أم يتنكر ~~ويبقى؛ ليتسمع ويعرف ما استقر عليه الرأي في شأن فتنة، ويكون في هذا مسترقا متجسسا فهو ~~غير كريم؟ الواقع أنه كان في مأزق لم يدر كيف يكون خروجه منه. فظل في مكانه حائرا وهو خجل ~~من نفسه مضطرب. وكلما تنبهت نفسه لما هو فيه تنبهت أذنه لما كان يجري بينهما من الحديث ~~بالرغم منه، ولكن الله أخرجه من ذلك المأزق، فقد وقف الحارث وامرأته على بعد يتحادثان. فلما ~~انتهيا مما كانا فيه مالا عن طريق النهر، وانحدرا نحو البيت. قال الحارث: أرى وجه الحق في ~~إبعاد فتنة عنه. نعم إن حالها تغير، وقد لا تطمع أن تتزوج منه؛ لأنها أسن منه كما قلت بعشر ~~سنين، ولكن لا أمان لها، ما في الدنيا امرأة ترى نفسها أكبر من أصغر رجل أو تتورع أن تشتهي ~~الزواج ممن هو أعلى منها ولو كان ملكا، ولكن اليأس يحبس لسانها عن الكلام ، وقلبها عن ~~الرجاء، في أن تسنح سانحة أو يمر بذهنها وهم، حتى يفك اللسان من عقاله، والقلب من إساره، ~~وورقة في حالته هذه سانحة، وعمله معها مما يوقظ في نفسها الأمل قويا، ولا غرو أن تعمل على ~~تحقيقه. كما أني لا أرى أن نزوجها من زياد. سترى زيادا دونها. لقد طالما اجتمعت بأعاظم ~~رجال مكة، وسمعت كلمات الثناء والتغزل القبيح منهم فيها، فلن يكون زياد شيئا. كما أني اكره ~~أن أراها في بيتي ولو كانت حياتها قد تغيرت، ms139 ستبقى سمعتها عليها ولو أصبحت قديسة. # قالت هرميون: أنا معك في هذا، ولكني وعدت الفتى - من أجله هو - أن أنظر في أمرها. أليس لك ~~حيلة؟ قال: سألكم ابن جدعان في أمرها، ولعلي أستطيع أن أحمله على عتقها، فإن أبى فسأشتريها ~~وأعتقها. أما الباقي فليس في مقدوري حله. قالت: نحن على وشك الرحيل عن هدى ومكة وفتنة، ~~والواجب - إن كان ثمت واجب - أن نعجل برأي حاسم. # وكان الحارث وزوجته قد انعطفا نحو دارهما، فبعدا وبعد الصوت معهما، فلم يستطع ورقة أن ~~يسمع شيئا. فلما أمن أن يرياه نهض في خفة، وسار نحو طويف؛ ليزوره كما وعد، ويطمئن على ~~فتنة. # كانوا في انتظاره، فلما دخل عليهم نهضوا لاستقباله فرحين، ودنت منه الأرملة مرحة طروبا ~~واحتضنته وقبلته على غير انتظار منه قبلات بعضها عن شوق وبعضها تقليد، وهي تقول: كل عذارى ~~المعسل يشتهين هذه القبلات، ولكنهن لا يظفرن بها، فرأيت أن آخذها؛ لأفرقها عليهن عند ما ~~يزرنني في الغد، وربما بعتها بثمن كبير. قال طويف: ويحك يا سعدى، إنك لجريئة، أو تفعلين ~~هذا أمام أخيك؟ قالت: خل عنك هذا. ألم تقل لي أنت نفسك إنك تحب ورقة، فكيف بي؟ قال ورقة: ~~بورك فيكم جميعا. كيف حالك يا ناجية؟ قالت: خير حال. ما رأيت سعادة كالتي أنا فيها الآن. ~~إن طويفا وسعدى يملآن النسيم مسرة. قالت سعدى: بل أنت مصدر هذا، ولعمري لا أدري كيف يكون ~~حالنا إذا أنت فارقتنا. قالت: وددت ألا أفارقكم أبدا، ولكن هل أملك ذلك؟ ثم نظرت إلى ورقة ~~كأنما تستفسر. قال: الغد فصل الخطاب، وسأجيء إليك في مثل هذه الساعة أو قبلها إن استطعت. ~~سيذهب أستاذي الحارث إلى صاحبك في الغد. قال طويف: ثم يكون من وراء ذلك أن تأخذها منا؟ قال: ~~والله لا أدري بماذا أجيب، ولكن الأمور مرهونة بظروفها. قال طويف: اسمع يا ورقة، إنك لم تشأ ~~أن تصارحنا عنها بشيء. ليست ناجية أختك إلا في الإسلام، وما تدعى ناجية بل فتنة. هكذا ~~عرفنا منها، وهي فارة ms140 من ابن جدعان. إنها وثقت بنا وأخبرتنا. فإذا استطاع الحارث أن يحمل ~~سيدها على عتقها فبها، وإلا فاعمل أنت على ذلك، وإليك هذا. ثم وضع يده في جيبه وأخرج منه ~~كيسا فيه نقود ورماه إلى ورقة. هذا عتقها أو مهرها، أو ما شئت فسمه. إن يكن قد حملك إسلامك ~~على البر بها، فإنما يحملني على ما أفعل ما نحس لها من الحب أنا وأختي. قالت سعدى: فإن لم ~~يكف هذا فأقرضنا الباقي. # نظر ورقة إلى فتنة مبتسما ومستفهما. قالت: لا رأي لي في ذلك. لقد علقت رضاي على رضاك؛ ~~فإن استحسنت الأمر فهو فيما أظن تدبير الله. قال: جل جلال الله؟ ليس وراء ذلك من رجاء يرجى ~~إلا أن يهدي ابن جدعان إلى الخير، وسيكون ذلك إن شاء الله. إنه لن يرفض شفاعة الحارث بن ~~كلدة. ثم التفت إلى طويف وأخته، وقال: لقد كنت عزمت أن أفك رقبتها بمالي، ثم أسألكم إيواءها ~~حتى حين فإذا أنتم تسارعون إلى الخير. شكرا لك يا سعدى. شكرا جزيلا. قالت: تشكرني أنا! ~~إن كان هناك شكر فهو لعينيها اللتين أيقظتا في هذا الفتى الأرمل المتشايخ قلبه النائم. قال: ~~ومن حمله على التشايخ سواك؟ أما حرمت عليه أن يتزوج حتى تتزوجي؟ أما وقد أذنت فأنا أقبلك ~~الآن عن نفسي لا عن عذارى المعسل ولا رجاله، ثم قبلها بين ضحك الجمع وسرورهم، وقال: ~~أستميحكم الآن عذرا في الانصراف. عموا مساء جميعا، حتى ألقاكم في العشية غدا أو قبلها ~~إن استطعت. # فودعوه أحسن وداع وانصرف إلى داره خفيف القلب سعيدا. # الفصل التاسع عشر # | سجية ابن جدعان # قصد الحارث إلى دار ابن جدعان؛ ليعالج معه أمر فتنة، وذهب ورقة إلى سيدته أم المؤمنين ~~يستأذنها في السفر مع الحارث، فلم تمانع في ذلك؛ لأنها كانت قد اتفقت حين رضيت بلحوقه إلى ~~أستاذه أن يذهب معه إلى اليمن إذا شاء؛ ليتم تعلم العقاقير - على أن يستقر بمكة بعد ذلك ~~للتجارة فيها، ووصفها للمستوصف لمرضه إذا أذنه بذلك أستاذه كبير أطباء ms141 العرب، وكان ورقة ~~يرجو أن يلقى رسول الله في داره؛ ليتزود الخير والرضا، ولكنه كان # صلى الله عليه وسلم # قد ذهب يعود سعد ~~بن أبي وقاص في مرض أصابه، فقصد ورقة إلى دار سعد فرأى النبي # صلى الله عليه وسلم # وهو خارج منها هو ~~والحارث بن كلدة، إذ كان الناس قد رأوه عند ابن جدعان، وعلم # صلى الله عليه وسلم # بذلك فأوصى باستدعائه؛ ~~ليكشف عن علة سعد. # 1 # فلما انتهى الحارث خرجا معا، وأخال الحارث قد حدث رسول الله عما اعتزم من ~~الرحلة بورقة إلى اليمن في طلب العلم، فارتاح إلى ذلك، كما أخاله ذكر له حديث فتنة؛ إذ ~~أنقذها ورقة من عذاب الرمضاء وأحضرها إلى هدى، وأرسله في شفاعة إلى ابن جدعان؛ ليعتقها أو ~~يبيعها ليشتريها باقوم، وأن ابن جدعان قبل شفاعته فأعتقها بالرغم من اعتراض أشقياء قريش، ~~وأخاله # صلى الله عليه وسلم # قد ارتاح إلى الحديث، وأن ورقة لما وصل إليهما والتقى بهما، دعا له رسول ~~الله بالسلامة والتوفيق. فقال الفتى وقد قبل يده # صلى الله عليه وسلم ~~: اللهم وفقني لمرضاة رسولك فهي ~~مرضاتك، وألهمني الصواب والهدى في كل طريق؛ فأمن رسول الله على دعائه، وأوصاه بأستاذه، ~~وأوصى أستاذه به خيرا، وانصرف # 2 # إلى داره. # فلما خلا الحارث بورقة قال: والله يا ورقة لا يمنعني من أن أعلن إسلامي إلا ما يمنع أبا ~~طالب والعباس. فأبو طالب بائع عطر، وبر أحيانا # 3 # رزقه فيما يبيع للمشركين والعباس: صيرفي، # 3 # مورده فيما يقرض أهل الطائف ومكة. ~~وكرامتهما في مكة - إذ هما ابنا عبد المطلب حارس بيت الله - ما داما مع قريش وأوثانها ولو ~~في الظاهر كما أرى، وإني لأخشى أن تقاطع قريش بني هاشم بما مالوا عنهم إلى أخيهم محمد بن ~~عبد الله. إني سمعتهم يتحدثون الليلة في هذا، ولكنهم لم ينتهوا بعد إلى إقراره. فادع الله ~~في صلاتك أن يصدهم عن هذا، والآن فخذ، ثم أخرج من جيبه رقا وناوله إياه. قال ورقة وهو ~~يقرؤه: ما هذا؟ عتق ms142 فتنة! قال: أجل، كانت لنا في مجلسه مع ذئاب قريش جولة وصولة، قبحهم الله ~~جميعا. ليس فيهم رجل رشيد حتى ولدي النضر، بل كان أشدهم معارضة لي ... وأنا أبوه! ولكن ابن ~~جدعان مضى على سجيته من الكرم وأعتقها إكراما لي، وكان عمرو - الذي تسمونه أبا جهل - أشدهم ~~كرها لما فعل ابن جدعان. نهاه أولا، ثم عرض أن يشتريها؛ ليعذبها ويقتلها كما عذب وقتل ~~سمية. فلما رفض ابن جدعان هذا الطلب طلب إليه عقابها قبل عتقها. فقال ابن جدعان: لا تكن يا ~~عمرو فيمن يستعدي على النساء، لو قتلتها أنت بالأمس ما عاتبتك. أما الآن فقد أعتقتها وإني ~~مع العتق أحميها. قال: تركتها رعيا لك. قال: بل لجروح وجهك فيما أرى! وكان وجهه مخموشا ~~خمشا ثقيلا، فغضب ونهض من مجلسه يزمجر. قال ورقة: ما لي على شكرك يدان يا سيدي. قال: لا ~~شكر على ذلك. كان حقا علي أن أنقذ هذه الفتاة بعد ما علمت من أمرها من أم لمياء ومنك، ~~والآن فانصرف إلى أهلك فودعهم وتلطف، ثم اذهب من فورك إلى هدى. إني مقيم هذه الليلة في مكة؛ ~~لأستعد لهذه السفرة، وسترى دنيا غير هذه الدنيا يا ورقة. ليس في بلاد هذه الجزيرة ما هو ~~أطيب منها ولا أسعد، وإذا جاء الصبح فأعدوا حملونا للرحيل والقني في مصعد هدى في الضحى على ~~طريق اليمن. لا حاجة بنا للمقام بعد اليوم في هدى، ولكن حذار أن تمر بحراء. كن رجلا. سلم ~~على القبر إذا بلغت طريقه. عدني بذلك. فانحنى ورقة وقبل يد أستاذه، وقال: عهد الله يا سيدي ~~ما تريد. قال: كذلك، ثم انصرف في طريقه وانصرف ورقة إلى دار أبويه. # لقيهما وقت الغداء، وكان معهما بلال، فهللوا لرؤيته فرحا؛ إذ لم يكونوا في انتظاره، ~~ودعوه للغداء فجلس، وكان أشدهم اغتباطا به بلال - رضي الله عنه - فقد علم حديثه. فلما أتى ~~على ذكر عتق فتنة لم يتمالك بلال أن يكبر، على عادته عندما يرى للإسلام علامة نصر، تكبيرة ~~سمعت في الطريق، ms143 ثم وقف وسجد لله شكرا، وأخذ يبكي لشدة قرحه، ويدعو لورقة وللحارث، وشكرته ~~أمه وباقوم على بره، وانتهز ورقة هذا الظرف فقال: وقد رأى الحارث أن يبعدني الآن عن مكة ~~وأبي جهل، فاعتزم سفرة قصيرة إلى اليمن ليقفني فيها على العقاقير اليمنية وما توصف له ثم ~~نعود، على أن أتجر في مكة وأستقر. قال باقوم: حسن ما يفعل. أليس كذلك يا تماضر؟ فلم ترد، ~~ولكنه رد عنها فقال: بلى. بلى. ادعي له بالسلامة، ثم نهض باقوم وسار إلى غرفة مجاورة حين ~~كانت تماضر تقول: كتب الله له السلامة. في أي عير تذهبون؟ أم تذهبون عيرا بأنفسكم؟ لم يكن ~~الحارث قد أفتاه في ذلك، ولكنه قال: إن مولاي الحارث كان يريد أن يرحل بعد ثلاثة أيام، ~~ولكنه بعد لقاء أبي جهل في بيت ابن جدعان رأى أن نرحل في الغد، وأوصاني أن أذهب بعد رؤيتكم ~~إلى هدى؛ لأعد الحمول، فلعله سمع في بيت ابن جدعان بقيام عير إلى اليمن. قالت: ليس في ذلك ~~دليل. قال بلال: بل هناك عير راحلون في الغد. هكذا علمت؛ إذ كنت في السوق عند مولاي أبي ~~بكر. قالت: على بركة الله يا بني، وكان باقوم قد عاد بعد مدة قصيرة فلما سمع دعاءها قال: إن ~~دعاء الأم أبلغ الدعاء وأحقه بالإجابة. خذ يا بني هذه الدنانير. إذا احتجت إلى النفقة فأنفق ~~منها، وإن لم تحتج إلى شيء فاشتر بها كلها عقاقير من اليمن تجعلها في متجرك يوم تعود. هي ~~خمسة وعشرون دينارا ، ولا أوصيك في توديعك بشيء. حسبك من دينك أنه يعصمك من كل سوء. اجعل ~~تقوى الله في عينك وفي قلبك، وقال بلال: الزم إقامة الصلاة؛ إنها كما قال رسول الله: تنهى ~~عن الفحشاء والمنكر. قال ورقة: اللهم أوزعني أن أشكر نعمتك على كل من يحيطون بي، وفيما ~~استودعت قلبي من النور والهدى. # وكان العصر قد آذن فنهضوا جميعا للوضوء والصلاة، واستعد ورقة للرحيل، ولكنه ما كاد يهم ~~بتوديعهم حتى قرع عليهم الباب ففتحوه، وإذا ms144 زيد بن حارثة قادم بعشرين دينارا من سيدته أم ~~المؤمنين هبة منها لورقة على أن يشتري بها عقاقير لتجارته. فلهجت ألسنة أهل الدار بالدعاء ~~لها والشكر لله على نعمته، ولم يشأ زيد أن يترك ولده في الإسلام بغير تذكار فنزع عنه حسامه ~~وحميلته وقلده ورقة، وقال: خذ هذا يا ورقة. هذا من سيوف رسول الله فهو أثمن من كل معدن. ~~واعلم أن شرفك في حده، وكرامتك في ظباه، ما إن عرفت متى تجرده من قرابه. قال ورقة: إن لله ~~عينا علينا نحن المؤمنين يا زيد وله في قلوبنا إلهاما إلى الرشد والخير معا، وإني والله ~~لأرجو أن اعتصم بالدين من نفسي، وبنفسي من بغي الناس والأذى، فادعوا الله جميعا أن يفرغ ~~علي هداه. فدعوا كلهم له بالسداد، وإذا باقوم ينادي: يا زيد، لقد كنت أشعر وأنا أعلمه ~~المسايفة والرماية في شعاب الجبل أن الله يدفعني إلى ذلك دفعا، وما هون قطع قدمي علي شيء ~~كاعتقادي أني أكملت تعليمه ضرب السيف ورمي القوس، وأنه لم يعد في حاجة أن أخرج معه إلى ~~الجبل، وإنه والله ليعرف متى يجرد السيف من قرابه ومتى يغمده. بل لعمري إن له من خلقه وما ~~يتبين الناس فيه من الشهامة والاعتزاز بالكرامة ما لا يطمعهم فيه. أستودعك الله يا ورقة. سر ~~على بركة الرحمن. فودع ورقة عمه ووالدته وداع الابن البار، وودع بلالا، وخرج مع زيد ~~متجلدا إلى حيث استودع جواده. ~~••• # بلغ هدى، وبلغ دار طويف في مغرب الشمس فوجدهم في انتظاره خارج البيت، ووجد معهم بعضا من ~~أهل هدى كانوا قد جاءوا؛ ليشتروا من دكانة طويف، أو يقضوا بجوارها بعض الوقت على عادة ~~الناس؛ إذ يرون الدكاكين أجمع لشتيت الناس فيلتمسون الفرجة بالحديث معهم. فلما لمحت فتنة ~~رأس جواده يطل من المرتقى صاحت: هاهو ذا ورقة. فاتجهت العيون صوبه كأنما تسائله. فحياهم من ~~بعد بالإشارة تحية الفرح الظافر، وأخرج من جيبه الصرة التي كان قد أعطاه طويف إياها في ~~العشية ثمنا لفتنة أو مهرا لها، ms145 وقال: خذي يا فتنة. أصبح الآن هذا المال مهرك. لقد أعتقها ~~ابن جدعان فهي حرة تمهر، وهذه شهادة العتق! ثم أخرج الرق من جيبه، وناولها إياه، وترجل. ~~فصاح الجمع مهللين مكبرين، وانهالت فتنة على يده تقبلها وتبكي، وتبعها طويف وسعدى في ذلك ~~داعيين شاكرين. فقال لهما: لقد صح منكما العزم على الزواج وتراضيتما، فعلى دين من تتزوجان؟ ~~على دين الجاهلية والأوثان أم على دين الرشد الحنيف؟ قال طويف: بعدا لدين الأوثان ومقتا ~~للمشركين. إنما نتزوج على دين من أنقذ هذه الفتاة من الضلال، وجعل لها في الدنيا أهلا ~~وإخوانا، دين الطهر والعفة والرأفة وسعادة الدارين. قالت فتنة: فأنا لك يا طويف الزوجة ~~الشاكرة البارة، ولأختك الأخت الوفية المقرة بالجميل. فقالت سعدى: واشهدوا يا قوم أني خلعت ~~دين اللات والعزى، واعتنقت منذ لقيت فتنة دين من يحمي العرض ويرعى النساء، ويحفظهن من غواية ~~الشيطان. قال الجمع الحاضرون: دين من هذا؟ لقد شوقتمونا أيها السعداء. قالوا جميعا: هذا ~~دين محمد بن عبد الله. اشهدوا معنا أيها الناس إن أردتم لأنفسكم النجاة، أو فاشهدوا علينا. ~~قالوا: بل نشهد معكم وعليكم، واشهدوا علينا كذلك. قال ورقة: اشهدوا أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا عبده ورسوله إلى الخلق أجمعين! فردد الجمع الشهادة صائحين، حتى كانت لصيحتهم رجة في ~~أرجاء الجبل توارد عليها أهل هدى؛ ليروا هذا الحادث العظيم. # وسرعان ما دخلت سعدى إلى الدار فصبت في جفنة عسلا وماء وعطرا من الورد، وأتت به تسقي ~~الحاضرين احتفاء بهذه الساعة المباركة . فلما شرب ورقة حمد الله وأثنى على رسوله، ثم سلم ~~عليهم مودعا ومباركا على أمل اللقاء في صباح الغد، وتوارد الناس يهنئون طويفا وفتنة ~~بالزواج، ويشربون ذوب العسل اللطيف المزاج. # الفصل العشرون # | أراقم الثنية # في الساعة التي كان يجري فيها هذا الاحتفال الجبلي العظيم، كان الحارث يزور أندية قريش في ~~الحجر عند الكعبة ليودعهم، ولكنه لم يعدهم يستحقون هذا الإكرام، فاكتفى من الأمر بالمرور ~~محييا وكأنه لم يحتزم شيئا، ولا كان قد غاب عنهم. ms146 ذلك بأنه لم يسمع في مجلس من مجالسهم ~~إلا لغوا، وإلا سبا وذما لرسول الله المبرأ من كل ذام. علم منهم أنهم يبعثون كل يوم ~~بسفهائهم وصبيتهم وغلمانهم إلى رسول الله وأتباعه يسبونه في وجهه، ويلقون عليه وعلى ~~المسلمين الأحجار والروث، ويوعزون إلى جواريهم أن يتغنين في الطرقات وفي المواخير التي ~~كانوا يغشونها أراجيز مقذعة سافلة في حق أطهر خلق الله وأكرم عبيده عليه # 1 # بل رأى من أقرب الناس إلى رسول الله نفسه من يسبقون سائر قريش في أذاه. ففيما ~~كان الحارث يزور أحد المجالس جاءه أبو لهب مستطبا من حشرجة في صدره أثر ما كان يلقي من ~~القول المقذع في ذم ابن أخيه. فقال له الحارث: لو تركت هذا لرد إليك صوتك! قال: لا أتركه ~~ولو أصبحت لا أطيق الكلام بتاتا. إن من يسب آلهتي ويسفه حلمي وحلم قريش - أسبه هو وإلهه ~~حقا. قال: إنما إلهك إلهه، وإنما أنت تتوسل إليه بحجر مما تستبرئ بمثله. قال: قبحت. كيف ~~تقول هذا؟ قال: اذهب لا طب لك عندي إلا ما ذكرت، وسمع الحارث من أحدهم أن عتيبة بن أبي لهب، ~~قبل رحيله إلى الشام في تجارة لأبيه، وكان قد صاهر رسول الله في ابنته رقية - رضوان الله ~~عليها - أتى إلى حميه في بعش مجالس، وقبض على لحيته، ورد عليه ابنته مطلقا، وبصق في ~~وجهه # صلى الله عليه وسلم ~~، فدعا عليه النبي بما فعل. فقال: «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» فأكله ~~الأسد بعد حين في الشام. # 1 # وسمع أن ولده النضر، وهو ابن خالته # صلى الله عليه وسلم # يرتاد أندية قريش؛ ليكذبه، ويسفه رأيه، ~~ويغري به، وهو يقول: تعالوا إلي أنا أحدثكم عن أخبار الفرس والروم، وما يفعلون اليوم، فهذا ~~أمس بكم من حديث محمد عن ذي النون وذي القرنين ممن لا تعرفون. إني أنا العالم البصير، وما ~~هو إلا الأمي الجاهل؛ فحزن الحارث لهذا حزنا شديدا، وسار إلى منزله مغضبا؛ ليؤنب ولده ~~على غروره وقبح حديثه، وسفاهته، وكان الليل ms147 قد اشتدت حلكته فما كان يتبين الإنسان فيه إلا ~~الأشباح، وإلا ما تحمل الريح إلى الآذان من لغط اللاغطين. فسمع على مقربة من بيته رنين ~~أعواد وطنين مزاهر ونقر دفوف ثم غناء يعقبه ضحك وسباب، ورأى نورا ينبعث من كوة بعيدة في ~~بناء الدار، فدخل وقصد إلى الغرفة المضاءة فإذا هو يجد فيها جماعة من أصحاب الحول والسيادة ~~في مكة ممن عرف الحارث عداوتهم للأمين، جالسين مع ولده النضر، وولده ممسك بينهم عودا يغني ~~عليه، وبين أيدي الجمع أكواب مترعة من الخمر يتناولونها، منهم الوليد بن المغيرة أبو خالد ~~وصاحب الدار التي يسكنها الحارث في هدى، ومنهم الأسود بن عبد المطلب بن هاشم والأسود بن عبد ~~يغوث من خؤولة رسول الله، والعاص بن وائل أبو عمرو، وعقبة بن أبي معيط ... وغيرهم من مداره ~~قريش. زعم الحارث أنهم في زيارة له أو لولده، فلما حياهم وجلس بينهم انقطعوا عن الدق وسكت ~~النضر عن الغناء؛ إذ كان قد نظم أبياتا مقذعة في حق أطهر خلق الله نفسا وأعفهم لسانا. ~~فقال لهم الحارث: لم سكتم يا صحاب؟ إني عواد مثلكم وأحب أن أستمع، قالوا: زعمنا أنك نسيت ~~العود وألحانه. قال: إن العود في الذهن لا في اليد. قالوا: فأسمعنا إذن. قال: ما جئت لهذا، ~~أما أنتم فكنتم في بحاره. فتناول النضر عوده وقال: ولكنها بحار مرة لا تستسيغها يا أبتي. ~~قال: هات. قال: فاسمع. ثم انصرف المشرك يغني أبيات الذم في رسول الله. فأسكته الحارث على ~~الفور، ووضع يدا على الأوتار وأخرى على فم ابنه، والكل يضحكون، وقال الحارث: على رسلكم يا ~~سادة، أمحمد بن عبد الله عظيم الخطر في مكة حتى لتشغلون أنفسكم بأمره! قال ابن أبي معيط: ~~إنه أفسد علينا هو وصاحبه أولادنا ونساءنا ببدعته. قال متجاهلا: لم أعرف من أمر ابن عبد ~~الله شيئا فلقد كنت في أسفاري كما تعلمون، فهل لكم أن تذكروا لي شيئا مما يقول؟ قال ~~الوليد بن المغيرة وكان أفصحهم مقولا وأقذعهم سبا: هذا المجنون يريدنا ms148 على أن نترك ~~آلهتنا ونعبد ما لا نرى ولا نسمع، وجاءنا بأقوال من سجع الكهان يسميها قرآنا حفظه لغلمان ~~قريش وسفهائها، فساروا به يسبون الناس، بل يسبون أهله، وإليك بعضه: حفظناه من كثرة ما ~~سمعناه # تبت يدا أبي لهب وتب ~~* ~~ما أغنى عنه ماله وما كسب ~~* ~~سيصلى نارا ذات لهب ~~* ~~وامرأته حمالة الحطب ~~* ~~في جيدها حبل من مسد ~~. أيرضيك هذا يا حارث؟ قال: عجبي لكم! وهل يرضيكم أن ~~تذهب إليه امرأة عمه أبي لهب هذا بحجر تريد أن تشج به رأسه؛ لأنه يقول: الله ربي؟ ويسير ~~زوجها في الطرقات يسب عرض ابن أخيه من أجل ما يقول؟ ويغري به الأطفال والإماء والغلمان ~~يرمون عليه الحصى والرماد والفرث؟ ويتبع خطواته في كل مكان حتى إذا وجده يدعو بكلمة ربه ~~سفهه وكذبه، وصرف الناس عنه؟ وأن يذهب أولاده إليه فيطلقوا له بناته إزراء به وإخناء ~~عليه؟ ويشتموه ويسبوه بأعلى الأصوات؟ ويؤذوه؟ دعونا من هذا السباب، واذكروا لنا شيئا من ~~دينه. قال العاص بن وائل وكان حكما في مكة: إنه يريد أن يكون خليفة زيد بن عمرة بن نفيل ~~فيما يدعي من العلم بدين إبراهيم، فهو يقول: إن الله أمره أن يتبع ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين. قال: وهذا ما تعيبونه عليه؟ قال: أجل، هذه صبأة يا حارث، كيف يعيب ديننا ~~حسنا كان أو قبيحا. نحن على هذا منذ ألوف من السنين، ولنا بدين اللات والعزى ومناة أكرم ~~منزلة في العرب، وما مكة وقريش إلا أثر من فضل هذه الآلهة علينا. ألا ترى الأعراب ينسلون ~~إلينا من كل حدب ابتغاء الحج فلا نأذن لهم أن يطوفوا بالبيت إلا في ملابس من تجارتنا، وألا ~~يأكلوا إلا من طعام مما نبيعه، ولا يشربوا إلا مما نجيء لهم به من الماء، ثم هم يشترون مما ~~نتاجر فيه؟ قال الحارث: أنتم إذن تتجرون بالدين، وتحاربون محمدا وتسفهون رأيه؛ لأنه إذا ~~ظهر عليكم دينه اختفى ربحكم وما تكسبون! تعيشون على جهالة الناس وتجهيلهم! دعونا من هذا ms149 ~~وخبرونا ماذا جاء لكم به من الدين؟ قال عقبة بن أبي معيط، وكان قد ألقى على الرسول في أمسه ~~فرث بعير أهل لنائلة: عجبي لهذا الأمي كيف يدعي النبوة، ولم يقدر أن يدعيها زيد بن نفيل ~~نفسه. إنه يقول إن وحيا يجيئه من عند الله يحادثه ويكلمه، ويلقي عليه كلمات من عند ربه، ~~وقال له ورقة بن نوفل الصابئ: «إن هذا هو الناموس الذي نزل على موسى وعيسى» وأخذته امرأته ~~خديجة إلى عداس الراهب على أثر هذه الدعوى فقال لها: هذا هو النبي المذكور في التوراة ~~والإنجيل. هذا نبي آخر الزمان. ففتن الرجل بما سمع وجن، وأخذ يهذي بكلمات يسميها قرآنا. ~~قال الحارث: ألا تذكرون لي شيئا مما يهذي به في قرآنه! قال عقبة: لا أعرف ... الهذيان هذيان. ~~من يستطيع أن يحفظ هذيانا! أتستطيع أنت؟ قال عتبة بن ربيعة: أنا أحفظ بعضه. سمعته يصلي ذات ~~يوم وهو يقول: # قل هو الله أحد ~~* ~~الله الصمد ~~* ~~لم يلد ولم يولد ~~* ~~ولم يكن له كفوا أحد # قال ~~الحارث: وتسمون هذا هذيانا! فما الرشد إذن يا مداره العرب! هل تحفظون شيئا غير هذا؟ ~~خبرني أنت يا نضر. أنا أعلم أنك تتعقبه وتحول بينه وبين دعوة الناس إلى دينه، قال: لا تقل ~~دينه بل قل سحره. إني أعتقد أنه يعرف شيئا من السحر. قال فما سمعت من سحره؟ قال سمعته يصلي ~~في بعض الشعاب ويقول كلاما من سجع الكهان لا بأس به، ولا أدري من حفظه إياه، ولكنه ~~الصبأة كلها عن ديننا. سمعته يتلو: # الحمد لله رب ~~العالمين * الرحمن الرحيم * مالك ~~يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت ~~عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين # ثم ~~يؤمن. # قال الحارث: يا أولادي. لا أقول لكم اتبعوا محمدا، إن الهدى من الله، ولا تدخل في ~~شئونكم، ولكني أرجو ألا يكون الرجل منكم مكابرا. فإن المكابرة لا تدحض رأيا، وإنما هي ~~أعود على صاحبها بالذلة، وأشد في إظهار الحجة، وخير للرجل إذا لم يكن ms150 يهمه وجه الصواب من ~~الأمر أن يسكت وينزوي، لا أن ينهض ويجأر بتكذيبه، فإنه إن يجأر أعلن صدق خصمه متطوعا، ~~كالذي يرى نورا ثم ينهض ويستشهد بالناس على أنه لا نور. لن يلقى منهم إلا تكذيبا لقوله، ~~وتعجبا له، وربما اتهموه في أنفسهم بالجنون هذا إذا كانت له كرامة عندهم؛ فإن لم تكن له ~~كرامة، فسيكذبونه في وجهه وينضمون إلى خصمه. من أجل هذا أرى من الحكمة ألا تضاروا الرجل ~~ولا تؤذوه ولا تعيبوه، فإن الأذى والعيب أعود عليكم، ولقد رأيت من طبيعة محمد ما يجعل هذا ~~الأذى وهذا العيب أفعل في جمع القلوب حوله؛ إنه لا يرد سفاهة سفيه، ولا يستعدي عليه بل يدعو ~~له الله أن يبصره ويهديه. فما أن يسمع بذلك سامع حتى يحب الرجل ويكره شانئه، ويؤمن به ويخلع ~~أعاديه، ولكم في قصة فتنة مثل قريب. لقد سمعتموها في دار ابن جدعان. # قال النضر: إننا إن سكتنا عنه أصبح سيدنا وسيد العرب، ولم يصبح لنا في الدنيا شأن، وقال ~~ابن أبي معيط: ومن هو في الناس؟ أليس هو اليتيم الذي عاش عالة على أهله، ولم يكن يمتلك ~~شيئا حتى ملكته بنت خويلد بعيرين حين استأجرته كما تستاجر الغلمان، وقال العاص بن وائل: ~~أتريد يا حارث أن يتملك الحكم في مكة وبلاد العربية رجل كهذا؟ قال: ما طلب الرجل هذا. على ~~أنه إن فعل فمن بر الله أن يكون في يده هدايتكم. أليس محمد حفيد عبد المطلب بن هاشم الذي ~~حمى الكعبة برأيه وكان سيد قريش. قال عقبة: وأين هذا من ذاك؟ قال: إنما أنتم في هذا ~~مكابرون. أنتم ترون المجد في المكاثرة بالأموال وهذا غاية الضلال. لعمري إن في صنعاء زعانف ~~أغنى منكم أجمعين. إني راحل في الغد إلى صنعاء، فقد سئمت المقام في جواركم، ولكني أريد أن ~~أسألكم قبل الرحيل سؤالا، فإما رشدتم، وإما فإثمكم على أنفسكم. قالوا: سل ما تريد. قال ~~ألستم يا قريش أبناء إبراهيم؟ قالوا: بلى. قال: ألستم لهذا أحق الناس باتباع ms151 ملة إبراهيم ~~وإعلاء شأنها؟ قالوا: بلى، ولكن من يأتينا بملة إبراهيم؟ قال هي معكم ولكنكم تنكرون، وقد ~~علمت أن محمدا لم يأتكم حتى اليوم بجديد. قالوا: فما خطبنا إذن؟ قال الحارث: كنتم عليها، ~~ولكنكم صبأتم في الزمان مرة. ملتم عن طريقها خطوة واحدة، وسرتم فيما ملتم؛ فانفرج الطريقان ~~أحدهما عن الآخر، فإذا نهاية هذا شرقا، وإذا نهاية ذاك غربا. ذلك يوم أتى لكم عمرو بن لحي # 2 # بصنم من الشام يستسقي به. يومئذ صبأتم عن ملة أبيكم الذي كسر الأصنام وألقي ~~بها في النار، وإذا كان محمد بن عبد الله يريد أن يردكم إلى الصراط المستقيم الذي شرد عنه ~~ابن لحي وشرد الناس معه؛ لتعبدوا الله موحدين، منزهين له عن الشرك، الواحد الأحد الذي كنتم ~~تعبدون. فأي جرم لمحمد عندكم يستوجب أن تظهروا صغاركم للناس في معاداته؟ إن كان محمد ~~يدعوكم أن تكونوا حنفاء، وأن تزيلوا هذه الأحجار الصماء التي أثقلتم بها كاهل البيت؛ بيت ~~أبيكم إبراهيم، فقد والله صدق، وأنا به أول المؤمنين. أين هو يا نضر؟ إني أريد أن أعلن ~~إيماني به قبل رحلتي إلى اليمن. أين هو؟ قال النضر: لماذا تسألني يا أبي؟ إني لا أعرف. ~~أأنا من غلمانه؟ قال: لا، ولكني أعلم أنكم وضعتم عليه العيون والأرصاد، وشددتم عليه ~~المراقبة هذه الأيام. قال: تريد أن تلقاه؟ قال: نعم. قال: أدركني إنه في أسفل ثنية الحجون، ~~ثم نهض مغضبا حانقا وهو يقول: أما وحق إبراهيم، لأخلين الأرض منه الساعة. لقد كنا نأتمر ~~به قبل أن تدخل علينا بحكمة لحيتك الشمطاء، وكنت مترددا في أن أكون أنا أول ضارب؛ لأنه ابن ~~خالتي. أما الآن فلا. سآتيك برأسه قبل أن ينفض هذا المجلس ... # ثم مرق الأحمق من البيت كالسهم قاصدا ثنية الحجون. # 3 # لم يضطرب مجلس المشركين لهذا إلا بقدر ما رأوا من جزع الحارث، وقيامه ليدرك ولده، ويرده ~~عن هذا المنكر، لولا أن النضر كان قد فر كالأفعوان، وأخفاه الظلام في الطرقات، ولكن الحارث ~~لم تفتر همته، بل ms152 قصد إلى ثنية الحجون يجري في حلكة الليل متعثرا، يهديه سابق علمه بمكان ~~الثنية عسى أن يلقى ولده هناك فيصرفه، أو يلقى رسول الله فيحميه، ويحول دون جريمة لا يعرف ~~عاقبتها في قريش إلا علام الغيوب، ولكنه ما كاد يصل إلي الثنية حتى وجد ابنه عائدا يجري ~~خائفا وهو يلهث؛ وإذ وقعت عينه على أبيه ألقى بنفسه عليه فزعا، وهو يقول من فرط ذعره: ~~امسح بيدك على صدري يا أبي، إن بي ذعرا شديدا. قال الحارث وقد أخذه إلى صدره: إن كنت قتلت ~~ابن خالتك فوالله لأسلمنك بيدي إلى أخوالك الآن في بني زهرة؛ ليمثلوا بك، قال: لم أقتله. لم ~~أستطع يا أبتي. قال: أرني سيفك. فأعطاه إياه، فجرده الحارث من غمده، وتحسسه ليرى هل به من ~~دماء؟ فلما وجده جافا أملس. قال: نبئني ماذا جرى؟ قال: دخلت الثنية، وسمعته يصلي ويتلو من ~~قرآنه، وهو مختف في شق من الجبل، فقصدت إلى الشق ورأيته ساجدا، فما جردت سيفي ورفعته ~~لأهوي على رقبته حتى رأيت على جانبي الشق أساود وأراقم ذات أذناب عقداء تضربني على وجهي ~~وعنقي وعاتقي ضربا أشد وقعا من السياط على الأذن، ومع ذلك أقدمت فرأيت حياله شيطانا ~~فاغرا فاه ليلتهمني، ولولا أن تراجعت لكان في الثنية حيني. أرأيت يا أبتي قدر سحره؟ حقا ~~إنه لساحر. قال الرجل: خل عنك هذا الهذر يا بني واتعظ، واتق الله في نفسك وفي محمد، وإذا لم ~~ترد أن تؤمن بدعوته وهي حق كما أرى، ويكون لك ثواب مؤازرته - فدع الرجل يبلغ رسالته، ويهد ~~العالمين. فوحق الله إنه لنبيه الذي ورد ذكره في التوراة والإنجيل. تعال. تعال. ارفق بابن ~~خالتك وبنفسك، ولا تحسده على أن آثره الله بالرسالة. قال النضر: هذا الأمي يكون رسولا لله. ~~لن أدعه وحقك حتى يدع باطله وكهانته وسحره. قال الحارث: إذن فوحق الله لا تبيتن بمكة بعد ~~ليلتك ولا أبيت. إذا جاء الغد ففي العير إلى نجران. # عادا إلى الدار، ولم يكن النضر ليملك بعد هذا القسم ms153 من أبيه أن يخالفه وإلا لعنه عند ~~البيت، وفضحه في قريش، ولذلك عادا إلى الدار صامتين لا يتكلمان، ولما جاء الغد كانا في ~~عيرهما إلى أسفل هدى فالتقيا بهرميون ولمياء وورقة، وسارا في عير التجر إلى اليمن. # الفصل الحادي والعشرون # | في كنف الأسقف # كان بين الحارث بن كلدة وبين أسقف نجران الشيخ البصير بالدنيا مودة قديمة، وثقها - فيما ~~يقول الناس - العلم. فهذا عالم بدينه وذاك بطبه، ولكن طبيعتي العلمين مختلفتان كل الاختلاف ~~فهما حريتان أن تفرقا بين صاحبيهما تفريقا جوهريا لا أن تسمحا بلقاء أو تحدثا مودة. علم ~~الدين كان في ذلك الزمان رطازات وأساطير، وبعض حقائق هينة الأمر يتوارثها الخلف عن السلف ~~ويذيعها، وأشكالا وصورا من العبادات يجرون عليها، ويجري غيرهم على غيرها. فما هو إذن ~~بعلم، وإنما هو طقوس وحركات وأدعية وتراتيل وأوهام وأراجيف مادتها الجهل المطبق وإسقاط ~~المنطق، وكلما أغرق الإنسان فيها وبالغ وأفتى في أمرها عن هوى وتشيع وتوفر على الجهل كان ~~العالم العلامة والحبر الفهامة، ولا علم في ذاك ولا فهامة، وأما علم الطب فصناعة من ~~الصناعات التي توارث الخلف فنونها عن السلف، وذاعت حقائقها بين الجمهور، وتنقلت في البيوت ~~والمصانع وأعمال الناس كالزراعة والتجارة والحدادة، والناس لا يدرون أنها تنطوي على حقائق ~~ثابتة اهتدت إليها القرون من غير سوء قصد ولا تعمل. حقائق لا تحتمل باطلا ولا وهما، وإلا ~~لظهر عيبها فيما تنتج فماتت بدائها. صناعة أساسها المشاهدة والتجربة والمقارنة والقياس. ~~كلما أوغلت فيه باحثا خلصت من إيغالك إلى حقيقة تلو حقيقة، ونفيت بما تصل إليه ما يكون قد ~~تسرب إليه من خطأ المقارنة، لا سوء القصد ولا تعمد الإيهام. نعم كان أساسه السحر، ولكن هذا ~~لم يكن إلا في عصور جهالة الإنسان العميقة. على أن هذا السحر كان أساسه العلم؛ أي: الحقائق ~~الطبيعية التي اهتدى إليها الإنسان لنفسه، ولم يذعها إلا عرضا؛ فالبخور الذي كان يطلقه ~~الساحر عندما كان يدعى ليطرد الشيطان عن مريض بالتشنج مثلا إنما كان دواء يهدئ العصب ~~ويرد الإنسان ms154 إلى رخاوة، والرقى التي كان يشفى بها بعض المرضى إنما كانت نوعا من الإيعاز ~~يتقوى به الموعز إليه على ضعفه، وليست التعاويذ التي كانوا يحملونها للدخول على الحاكم أو ~~لخوض غمار الحروب إلا نوعا من الاستقواء الذاتي يوقظ في النفس شيئا من الطمأنينة والشجاعة ~~ينفع إلى مدى. أما أنواع السحر الأخرى التي تواردت إلينا أنباؤها فيما بقي من تاريخ الأمم ~~البائدة فكثير منها له تعليله اليوم فيما أعطانا العلم من أسراره. فإن بقي معظمها بلا ~~تعليل، فما يعجز العلم عن تقديم سببه لأنه سحر، بل لأنه لم يحصل فعلا، وإنما هي أكاذيب ~~رواها الناس وهما أو كذبا أو تدليسا ودعاية، وتناقلها الناس على التصديق حتى أصبحنا ~~وفينا من يصدق مثلا أنهم فيما مضى كانوا يستطيعون نقل الجدار من مكان إلى مكان بالرقى ~~والتعاويذ، وفينا من يستغل بقية جهالة الناس لنفسه حينا، ثم تتناوله المحاكم والسجون لتريح ~~الدنيا منه أياما. على أن من أعمال السحر في الماضي ما هو سحر حقا؛ أي: أمر له علله ~~وأسبابه، ولكنا لا نعرف له حتى الآن تعليلا علميا. كالسحر الذي كان يصنعه سحرة فرعون، ~~فهذا صدق لا شك فيه له أساس علمي. بيد أن هذا الأساس غائب عنا لم نكشفه بعد، ولا يطعن في ~~صدقه أننا نجهل تعليله مع كل ما لدينا من العلم؛ فالتحنيط مثلا كان صنعة عند سلفنا في وادي ~~النيل، فهو حقيقة لا شك فيها لم يطعن فيها ولم يزيفها أننا نجهل طريقته العلمية، وكم من ~~اختراعات اليوم ما كنا نسمع أكبر العلماء يقسم بكذب ما يروى عنها؛ لأنه كان يجهل أسبابها، ~~فلما عرفها صدقها وعدها من بسائط الأمور، وكم بين أيدي تلاميذ المدارس اليوم فيما يدرسون ~~من علمي الطبيعة والكيمياء وعلوم الحيل ما لا يزال يلعب به الأطفال في المجامع الأهلية وفي ~~البيوت باسم سحر، تسمية له بما كان يسمى به في الماضي؛ إذ كان أساسا مبهما لبعض أعمال ~~السحر التي وردت إلينا أخبارها. # فالخلاصة من هذا: أن القول بأن رابطة ms155 العلم بين الحارث والأسقف كانت هي الجامعة بينهما، ~~قول كان يريح الناس لتعليل المودة التي بينهما، ولكن الواقع أن الحارث لم يكن يربطه بالأسقف ~~هذا الرباط. # كان الأسقف، على خبرته بطقوس دينه، وعلى ما أعطي من بيان وطيب لسان وبصيرة بالطبائع، ~~كأمثاله جاهلا تمام الجهل بكل علم، غفلا بعيدا عن كل صواب في العلم ولو أصاب، ولا يمكن ~~أن يكون غير ذلك إلا إذا أراد أن يلحق بصفته الدينية الحقيقية صفة أخرى. أما الحارث فكان ~~عالما بقدر ما وسعت صناعة الطب من الحقائق يومئذ. # ما الذي كان يربط عالما بجاهل إذن؟ الروابط كثيرة: كان الأسقف سيدا في نجران بفضل مركزه ~~الديني، يعلو عن بني عبد المدان أمراء نجران بقدر صلته بالآب والابن والروح القدس ومريم ~~العذراء أيضا واختصاصه نفسه بالعلم الأعلى بهذه الأسماء الرهيبة، والقدرة على حرمان الناس ~~رضاها وجوارها. فالسيادة إذن هي إحدى الروابط التي وثقت بينهما؛ إذ هي الجاه والمنعة، وكان ~~الأسقف على ما أكسبته الأيام من الحكمة وبعد النظر وإدراك العواقب - يمثل المبدأ العام الذي ~~يحكم الدنيا، وبعبارة أخرى: المبدأ الذي يذل الدنيا ويخضعها لأصحابه؛ فالدنيا كانت في كل ~~زمان نهبا لقويين: قوي بذراعيه، فهو يخضع الناس، وقوي بفكره يخيف الجهلاء ويستهوي العقلاء، ~~وعاشت الدنيا تشهد حروبا بين القويين؛ يتباريان فيها ويتكاثران، ويتقاتلان بأتباعهما؛ ~~فالأتباع إذن هم طعمة شجارهما، وكلما نشأ قوي جديد من هذا أو ذاك حاربه السابقون؛ لئلا يأخذ ~~منهم الأتباع والأنصار وموارد الرزق والمنعة والنعيم، واستعدوا عليه الناس بكل وسيلة، ولذلك ~~كان في الدنيا يومئذ حروب بين كسرى وهرقل كلاهما قوي بسيفه يريد أن يكون له متاع الدنيا، ~~وكان بين بطريق الغرب في الروم وبين بطارقة الشرق في الشام ومصر وأرمينية - قتال بين قويين ~~أيضا يريد كل فريق أن يقضي على الفريق الآخر؛ لتكون له المنعة والحياة الطيبة، وإنما ~~يكرهها لغيره؛ لأنه معه في حقل واحد، وهو يخشى أن يتقوى خصمه ذات يوم فيحرمه ما هو فيه، ~~ولذلك لم يكن أحد الفريقين ليقبل رأيا ms156 سديدا، ولا ينزل على حكم منطق، حتى يوم جمع بينهم ~~الإمبراطور في خلقيدونية # 1 # وكسرى أبرويز في القدس بعدئذ، # 2 # وقال كل عاهل: اختصموا أمامي، وتناقشوا وتحاجوا. فلما فعلوا واستبان الرأي لم ~~يقبله من كان على ضده، وانصرفوا أشد عداوة مما كانوا يوم اجتمعوا. # ومن طعمة هذه الحروب؟ من الذي دارت عليه رحاها الفارية؟ هم الناس. الأتباع المساكين. ~~كانوا نهبا وطحنا لكل قوي، وهم لا يدركون ولا يشعرون، ولا ناهبوهم أو طاحنوهم يدركون أو ~~يشعرون؛ لأن الأمر موروث من ألوف السنين، موقر في النفوس قبل أن تخلق لها أبدان. حتى إذا ~~شعر الناس بالحقيقة هبوا على القويين فأدالوهما، وكان العرب بما أشعرهم دين الإسلام صاحب ~~الراية؛ لأنه قضى على الملك بجعل الخلافة انتخابا، وقضى على الكاهن؛ لأنه لم يجعل في ~~الإسلام أكليروس ولا بطريقا. # كان الأسقف أحد هؤلاء الذين لا يدركون ما يفعلون ولا يشعرون، بل يرون أنهم مصادر الخير ~~الدائم بكلمات بركة يرسلونها، وصلوات يتلونها. فعلاقة الحارث به كانت؛ لأنه سيد منيع، ولأنه ~~رجل طيب الخلق يصلي ويصوم، بعيدا عن رغبة الأذى وابتزاز الناس؛ لأنه في غير حاجة إلى ذلك، ~~فليس هناك ما يوقظ طبيعة الشر فيه. فإن تيقظت بكل شرورها فعلى غير نجران وإخوانها من ~~المسيحيين، أي على الروم؛ لأنهم مسيحيون من نوع يخشى على منزلته منه، ولذلك كان يتمنى أن ~~ينتصر المجوس عليهم، ويفرحه خبر اندحار الروم في الشام، ولكن كانت هناك علة أخرى لهذه ~~العلاقة. ذلك أن الحارث كان ممن عاشوا في الإسكندرية زمانا طويلا، واتصل بأهلها، وتزوج ~~منهم وخلف، وسافر إلى فارس والعراق والشام واليمن، واتصل برجالها اتصالا وثيقا، فهو لهذا ~~أعرف بأخبار الدنيا من كل من يدعي العرفان، وكان الأسقف على عربيته راهبا من رهبان مصر ~~اليعقوبية، قبل ان يرسم أسقفا في نجران. فالحارث لهذا يستطيع أن يتحادث مع الأسقف عن مصر ~~وأهلها، وعن شئون الكنيستين: اليعقوبية والرومية، وتنافرهما، ويتذاكر معه فيما أصابها وما ~~يمكن أن يصيبها من الويل والثبور على يد الفرس؛ إذ ms157 كانوا قد غلبوا الروم على أرمينية ~~والشام، وأجلوهم عن مواطن المسيحية الأصلية، ويوشكون أن يملكوا بيت المقدس، ويستولوا على ~~الصليب المقدس، ثم يذهبوا من بعده إلى مصر، وكانت هناك علاقة أخرى: علاقة المريض بالطبيب، ~~فالأسقف كان شيخا لا يفارق صومعته المظلمة إلا إلى الكنيسة، ولا يخرج لزيارة أحد إلا بني ~~عبد المدان، وذلك مرة في العام؛ ليمنحهم البركة، ثم يعود إلى فراشه في صومعته، ومن ثم كان ~~محتاجا إلى من يصحح له جسمه ودمه بالعقاقير ما دام أنه لا يسعى في مناكب الأرض ويأكل رزقه ~~بالحق، ويعطي جسمه ورئتيه ما تحتاجان إليه من عمل وحركة يبعدان عنه السأم والمرض. # نزل الحارث عند الأسقف بأهله عندما ورد إلى نجران، فتلقاهم بالترحاب والمسرة، وأنزلهم ~~ناحية من بيته الواسع المهجور، وأقسم عليه لا يفارقه ما دام في نجران، وأخذ عليه مواثيق ~~بذلك، ولكي يزيد في طمأنينة الحارث وراحته أمر أن يزال التراب الذي تراكم على الباب الخلفي ~~الخارجي الذي يخرج منه إلى ذروة الجبل وطريق منعطف إلى المدينة بغير حاجة إلى المرور بساحة ~~الكنيسة، وأمر كذلك بتجديد كثير من فراش الدار بما وصل إليه من القباطي الكتانية من مصر، ~~وما أهدي إلى الكنيسة من الأدم النجرانية والثياب اليمنية والعروض الحبشية. فشكر الحارث فضل ~~الأسقف شكرا جزيلا، وقبل ذلك قبولا حسنا، وشكرته هرميون على هذا البر شكرا قلبيا؛ ~~لأنه إنما بالغ في هذه المكارم رعيا لها، إذ هي بنت العلم والعز، وصار الحارث كل يوم يجتمع ~~هو وولده بالأسقف ومن معه من القساوسة ويتذاكرون في أحداث الشام ما ينتظر منها وما لا ~~ينتظر. حتى إذا فرغ ما كان عندهم من المشوقات إلى التلاقي، تراخت بينهم الزيارات، ودب ~~السأم في فؤاد النضر والحارث كذلك، وأخذا يحنان إلى الرحيل إلى صنعاء؛ حيث الدنيا أملأ ~~بالحياة، وأدعى إلى مرور الزمن في رخاء، وحيث يجدان في جوار أحبار اليهود متعة للنفس ~~واستزادة من العلم، وحركة وحياة، وكان ورقة يميل إلى ذلك ولكنه لم يبده، وإن كان قد شغل ms158 ~~فراغ أيامه بالاتصال في نجران برجل من يهود صنعاء كان يتجر في العقاقير ودعوى التطبيب؛ ذلك ~~لأن ورقة وجد أن سوق العقاقير هي صنعاء فلا بد له من ارتيادها والوقوف على تجارتها ما دام ~~قد اعتزم أن يفتح متجرا في مكة؛ لبيعها نزولا على إرادة مولاته أم المؤمنين. # على أن تغيبه هذا كان يؤلم لمياء كثيرا، ولكنها لم تكن تستطيع أن تبديه إلا في شيء من ~~الازورار عنه إذا رأته. فلما كثر، خشي أن يكون قد أساء إليها من حيث لا يدري، فسألها عن ~~سببه، فلم تبده له أول الأمر، ثم فاجأته ذات يوم بقولها: عجيب منك يا ورقة أن تترك أبي ~~وتمضي إلى الأسواق تقضي بها طول يومك. قال: إني لا اتركه إلا بعد الفراغ من العمل معه في ~~كتابه، بله إنه هو الذي سمح لي بذلك. قالت: ولكن أمي في حاجة إليك دائما. فصمت الفتى إذ ~~أدرك حقيقة قصدها، ولكنه على عهده لنفسه لم يشأ أن يسايرها حتى تبين. فقال: ما حسبت أنني ~~أسيء إليها بما أفعل. بأبي هي وأمي، يا لمياء: وددت لو ابتلعتني الأرض ولا أسيء إليها، ~~ولكني رأيت هذا أدنى إلى بقائي معكم وأكرم. قالت: لا أفهم ما تعني. قال: إن أخاك النضر لا ~~يحبني، ولا يرى لي ولا لكم أن أجتمع بكم. قالت: وما شأن النضر؟ قال: شأن الولد الكبير في ~~بيت أبيه؛ ولقد سمعته غير مرة يكلم أباك في شأني ويغريه بي، وأنا وحقك يا لمياء ما أحب نور ~~الصبح ولا خطرة النسيم كحبي إياك أنت وأمك؛ عرفانا بالجميل وحمدا لله عليكم. # كان ورقة يقول هذا وهرميون داخلة عليهما. فقالت: ما هذا يا ورقة أأنت تصلي لربك؟ قال: إني ~~لأدعوه أن يطيل في حياتك يا سيدتي أنت ومولاي الحارث ولمياء. قالت لمياء: إنه يشكو أخي ~~النضر. قالت: هل من جديد؟ قال: أنا ما شكوته يا سيدتي بل ذكرت بعض أمره في سياق عذري. قالت: ~~كيف؟ قال: مولاتي لمياء أخذت علي تقصيري في خدمتكم ms159 وقضائي وقت الفراغ عند الصيدلاني. قالت ~~هرميون: خدمتنا! هل أنت خادم لنا؟ أنت ضيف يا بني، ضيف مكرم وعزيز. لست في حاجة إلينا، ~~بل الحاجة منا إليك، ولعل هذه الحاجة أشعرت لمياء بغيابك. أنت ولدنا وأخو لمياء. نعم إن ~~النضر قد أغرق هذه الأيام فيما يعيبه علي ولكنه ظالم، وقد ذكرت للحارث ما كان منه فلم يعتد ~~به، وأثنى عليك ودعا لك. فلا تأبه لما تسمع. قال: فديتكم يا سيدتي من كل سوء، ولكني أرجو ~~ألا تأخذوا علي ما ترون من تغيبي، فإني وحق الله أشد منكم ألما لهذا الابتعاد. قالت: ~~أعرف ذلك يا ورقة وربي فكن على هواك، وإن كنا نتمنى أن تكون معنا هنا كما كنت في هدى. فنظر ~~ورقة إلى لمياء مستفسرا فوجدها غاضبة كأنها تقول: حتى بعدما جاءتك دعوتي ألا تفارقني تعود ~~إلى ازورارك وتعلننا به؟ فأجابها وهو يرد على كلام هرميون: الشكر لك يا سيدتي على برك، ~~ولكني سأعمل على أن أكون بين يديكم ما استطعت. # وفيما هم في هذا دخل الحارث فحيا وجلس، واستفسر من ورقة عما وجد في نجران من الأعاجيب. ~~فانصرف ورقة يجيب أستاذه بما عرف أنه يحبه من الحديث، والحارث منصت إلى حسن وصفه ودقة نظره. ~~على أن هرميون ضحكت إذ ذاك، وقالت: لعل أعجب عجيبة فيها أن هرميون الرومية بنت الإسكندرية ~~ومصر والبحر الخضم والهواء العليل وماء النيل تعيش الآن في ذرى جبل من جبال نجران في صحراء ~~العرب! فقهقه الحارث لهذه الملاحظة وقال: وهكذا الدنيا يا هرميون بنت الشرق للغرب، وبنت ~~الغرب للشرق؛ وأكرم بالزواج حاديا، ومع ذلك فإنا راحلون في القريب العاجل إلى بلاد المتعة ~~والرفاهية: بلاد صعدة وصنعاء. # فما سمعت هرميون هذا الكلام حتى صاحت: صنعاء! قال: نعم، صنعاء. ماذا بها؟ قالت وقد فار ~~غضبها: بعدا لصنعاء وكل صنعاء! ما هذا؟ أنحن ممثلون من يتنقلون في الدنيا من بلد إلى بلد ~~في طلب الرزق بألاعيبهم؟ ما هذه الحياة التي تحياها هرميون الشقية! وما عيب نجران يا إلهي ms160 ~~حتى نغادرها ولما يمض شهران! رضينا بالعزلة في هدى، وبالعزلة في نجران، وكان لنا في كل ~~منهما نعمة تنسينا حرور مكة وشرورها، وأنت تريد أن تحملني مرة أخرى على ركوب الجمال ~~والبغال، وقطع القفار إلى صنعاء وغير صنعاء! ماذا لك في صنعاء! أم أن هذا من إيعاز ولدك ~~النضر! لكي لا يقرني على حال أرتضيه. دعه يذهب حيث يشاء، أما أنت فلا حاجة بك إلى السفر إن ~~ثروتك لا تفنى ... وإن شئت أن تسافر معه فارحل وكن على هواك. تزوج هناك ما شئت وعش هناك ما ~~شئت، فوحق مريم ما أكره منك هذا. لقد بلغت حد اليأس فكرهت الدنيا، وكرهت نفسي، وكرهت أبي ~~الذي لم يقدر أنك ناقلي ذات يوم إلى صحراء مقفرة، وكرهتك أيضا، وهذه ابنتك خذها وأبعد عني. ~~رضيت بعيشة الضب في هذه القفار بين أقوام غلف القلوب سفهاء الأحلام، لا يعرفون من الدنيا ~~إلا الثريد والعصيد، حتى إذا وفقت إلى شيء من راحة العيش على شظفه ونضوبه وقلة شأنه تريد أن ~~تخرجني منه. أأنت موكل بشقائي؟ لا! لن أسافر من هذا البلد وحق ابن الله الواحد إلا إلى ~~الإسكندرية ولو على قدمي! ولو تخطفني الفرس واللصوص أنا وابنتي. # سكت الجميع لدى ثورة الغضب من هرميون، وأطرقوا يفكرون، وكان ورقة قد انسل من هذا المجمع ~~الخاص، لا يشعر به أحد، وإذا بالنضر قد دخل على عادته ينظر إلى هرميون ولمياء نظرة خالية من ~~كل مودة أو رعاية، فتأملته العيون لحظة، ثم أغمضت على الفور كما كانت، ولما رأى ما هم فيه ~~أدرك أن أباه أعلن زوجته بعزمه على النقلة إلى صنعاء، وأنها رفضت، وأنه لا يدري ماذا يفعل ~~إزاء رفضها. فأراد أن يتكلم ولكنه وجد الباب مغلقا فسكت هو أيضا حتى يستبين وقت الكلام، ~~والواقع أن هرميون لم تعارض في النقلة إلى صنعاء حبا في نجران؛ بل لأنها وجدت فيها إخوة ~~في الدين تستأنس بهم، وإن كانوا على غير مذهب أهلها في المسيحية، وصحبة من نساء كريمات في ms161 ~~بيت بني عبد المدان أصحاب نجران وسادتها كن يزرنها وتزورهن، وتجد بينهن حبا ومودة ~~وإكراما. فأحبتهن وتعلقت بهن، ووجدت لابنتها لمياء صحبة في بناتهن. نعم كانت تعلم من ~~صاحباتها وزوجها أن صنعاء مدينة عظيمة ذات مياه وبساتين، وقصور وميادين، ولكنها كانت تعلم ~~أنها بلدة يهودية، وهي أشد كرها لليهود منها لأولئك السفهاء المساكين الذين رأتهم عاكفين ~~على العزى واللات يتعبدون، وحول مئات من الأنصاب والأصنام في مكة يطوفون وينحرون ثم ينصرفون ~~أشد سفها مما جاءوا. على أن هرميون قطعت هذا السكوت فقالت: اذهب إلى صنعاء كما تشاء، وغب ~~فيها ما تشاء، ودعني هنا في انتظارك أنا وابنتي. قال الحارث: كيف تعيشان وحدكما؟ قالت: ماذا ~~يصيبنا؟ نحن في حمى الأسقف وفي بركته. قال: ما قيمة هذا الحمى وهذه البركة وليس معكما رجل! ~~فسارع النضر يقول: لعلها تزعم أنك تارك لها ورقة! # قالت: ما زعمت شيئا من هذا يا غلام، وخير لك ولكرامتك أن تحفظ لسانك، وإلا لطمتك على ~~وجهك بنعلي هذا! وأما وحق الله ما يزيد كراهتي لصحبة أبيك إلا أنه يصحب فدما قليل الحياء ~~مثلك. قال النضر: أنت امرأة وقحة، لا أدري كيف يعاشرك أبي، وخير لأبي أن يخلص إلينا منك ~~وتذهبي أنى شئت. قال الحارث: أقصر يا نضر ما لك ولهذا. قال ولم يأبه لكلام أبيه: إنا راحلون ~~في الغد إلى صنعاء رضيت أو لم ترضي، وآخذون ابنتنا معنا، فافعلي ما تريدين. قالت لمياء: لا ~~أدري علام كل هذا اللجاج؟ إذا كان أبي في حاجة إلى السفر إلى صنعاء فليفعل. إنا سننتظره ~~هنا. ليست هذه أول مرة فارقنا فيها، ولن أكون معك على أمي إلا أن أكون عاقة. قال النضر: إنك ~~لحمقاء يا فتية، اسكتي. قالت: إنما الأحمق من يقول حمقا ولو كان ذا لحية! تريد لأمي أن ~~تبقى هنا وحيدة، وأنا معك في صنعاء ولا ترى هذا سفها! حسبك هذا. أنا لا أرحل إلا مع ~~أمي. # لم يدر الحارث ماذا يفعل إزاء هذه الثورة؟ ولا ماذا يقول في ms162 هذا الموقف؟ فنهض من مجلسه ~~صامتا، وخرج يتبعه ولده، وفي نيته الرحيل على كل حال عن نجران. # الفصل الثاني والعشرون # | وداع الأحباب # ضاقت الدنيا في وجه هرميون، فلم تدر ماذا تفعل إزاء ما بدا من رغبة الحارث في الرحيل إلى ~~صنعاء، وما جرى بينها وبين النضر من المشادة والتنابذ بالألفاظ، وأحست كأنما حدثا عظيما ~~يوشك أن يقع؛ لأنها كانت تعلم ما للنضر على والده من السلطان، وتعلم من ناحية أخرى أن ~~الحارث لا بد راحل إلى صنعاء، وأن أهون ما يفعل إزاء ذلك هو تركها هي وابنتها في نجران حتى ~~يعود، ولا تدري متى يعود، وأنه سيأخذ ورقة معه، بل إنها لا تستطيع أن تستبقيه بجوارها؛ لأنه ~~إنما يسير معهم لأن الحارث معهم، وهو رفيق الحارث وتلميذه، يرافقه رغبة في التعلم على يديه ~~نزولا على إرادة الخير من سيده ابن نوفل المتوفي، وطوعا لأمر مولاته خديجة سيدة قريش، ~~وأحست كأنما النضر سيوغر صدر أبيه من جديد عليها، وربما حمله على أخذ ابنتها منها إذا هي ~~أصرت على مخالفته فيما يريد من التنقل بها من بلد إلى بلد، وأحست كأنما أخطأت؛ إذ تمسكت ~~بالمقام بنجران حتى أقسمت ألا تفارقها إلا إلى الإسكندرية، ثم ذكرت الإسكندرية وما فيها من ~~شرور ومخاطر، وذكرت وادي النيل في مصر وما يملؤه اليوم من عصابات اللصوص، وما يحمل الناس في ~~قلوبهم لكل رومي الأصل من الضغن والحقد، وذكرت ذلك وغيره مما لا بد أن يذكره الباحث في أمر ~~نفسه، وما يحيط بها من احتمالات الشر، فنبا بها مجلسها ، وأقضها مضجعها. فرأت نفسها تهرول ~~إلى صومعة الأسقف وتدخل عليه بغير استئذان، ثم تنفجر أمامه باكية مما هي فيه. # ذعر الأسقف لهذا، وأخذ يسائلها عن سبب بكائها، حتى استطاعت أن تجيب فشكت له بثها، وأنحت ~~باللوم في ذلك على النضر بن الحارث، وعزت إليه كل ما هي فيه من الشر، وكادت وهي تذكر قصة ~~وجدها أن تدع شكواها وتذهب من فورها؛ لتنفيذ فكرة شريرة خطرت لها بين الدموع ms163 والشجن، وهي أن ~~تستعدي عليه ورقة، وتغريه بقتله جزاء ما يقتلها بما يفعل، ولكنها استفاقت ووجدت الأسقف ~~يعزيها ويعدها خيرا ويطمئنها، وهي لا تزداد إلا نحيبا بين يديه؛ إذ ذكرت ما كانت فيه من ~~العز والطمأنينة في بيت أبيها في الإسكندرية، حتى قضى سوء الطالع فتزوجت من الحارث. # كان الحارث قد دخل في هذه الأثناء، وسمع بعض شكايتها، ولا سيما عتبها على القدر، فأحزنه ~~منها هذا القول، وقال: ما أردت لك إلا المتعة بالنقلة إلى بلدة فيها من الحضارة ما ليس في ~~سواها، وأنا طبيب لا بد لي أن أرتزق ولو كنت غنيا، وأنا فار بولدي من مكان كان يحيط فيه ~~الأذى به وبغيره منه، وقد سئم المقام هنا. فإذا أنا لم أسارع إلى تشريد السأم عنه حن إلى ~~العود إلى صحبه فما أكون فعلت شيئا، وأنا ما أردت شرا لك. أما وقد رفضت وزدت الرفض ~~تعقيدا فما لي إلا أن أتركك في حمى الأسقف، ولكني لا أدري متى أعود؟ وسأترك لك ابنتك فما ~~بيني وبينك خلاف حتى اليوم يقضي بالانفصال، ولكن اعلمي أني قد حزنت لما سمعت منك من كرهي، ~~ولما أبديت من أسفك على أن زوجك أبوك مني. لن أكون بعد اليوم مضاعفا حزنك، وها هي ذي نفقتك ~~أنت وابنتك لعام كامل. فإذا عدت إليك في غضونه فبها، وإلا فسأرسل إليك نفقة عام آخر. فإما ~~قضيته هنا أو سافرت بها إلى أهلك ولن تجدي هناك إلا اليسر بما ملكتك من ثروتي وعقاري في ~~رقودة وأنت إذ ذاك حرة طليقة. أستودعك الله يا صديقي الأسقف، وأوصيك بها خيرا أنت البر كله ~~والتقوى كلها. # قال الأسقف: ما أنت يا حارث من ينظر إلى ظاهر الأمر ويحكم على باطنه. فهذه زوجة غريبة عن ~~هذه الديار، سئمت كثرة الأسفار، وهي قطع من العذاب، فإذا هي كرهت أن تهم بسفرة أخرى فلها ~~لديك من إبائها عذر. إن تقبله كله وعفوت فأنت عادل، وإن قبلت بعضه وعفوت فأنت بار رحيم، ~~ولكنها في الحالين غير ms164 ظالمة. هي زوجة آثرتك على نعمة الحياة في الإسكندرية، وسارت معك تشم ~~ريح السعادة في جوارك. فإذا وجدت اليوم هذه الريح قد اختلطت بما يفسدها وكنت أنت الخالط فقد ~~حملتها بملكك على إتلاف سعادتها وتنفيرها منك، وأنت على هذا إن عاتبتها أو لمتها أو هاجرت ~~عنها لا تكون على معدلة معها ولا منصفة. قد يكون لك العذر فيما كان، ولكنها لا تكون هي ~~الظالمة، وللزوجة على زوجها حقوق أخرى توجبها المودة وحسن الأمل والوفاء؛ حقوق تجعل شديدها ~~هينا وهينها دلالا وثقة بمحبة الزوج ومكانتها لديه، وأنت يا حارث تريد أن تسقط هذا كله، ~~ولعمري لهو من غيرك ظلم ومنك منكر؛ أنت الحكيم العليم، التقي البار، والبصير الذي لا يجعل ~~كل لفظ ينطلق به اللسان في الغضب حجة على صاحبه، فالغضب يا حارث شيطان يركب الإنسان؛ ليتكلم ~~بلسانه لا بجنانه، ليوقظ في السامع شيطانا يسمع بآذانه لا وجدانه، ومن ثم يحكم شيطانان عن ~~إنسانين، ويقضيان بينهما وهما لا يدريان. # إني لأعرف وجه عذرك، وأدعو لك بالطمأنينة، ولكني لن أضع يدي في يدك حتى تعفو وتصلح ~~وتسترضي هذه السيدة الوفية، وتبارك لبنتك قبل رحيلك. # كانت هرميون ولمياء تبكيان أثناء حديث الأسقف، وكان الحارث مطرقا. فلما سكت الأسقف عن ~~الكلام قال: والله ما أردت سوءا ولا بيت شرا، ولكن الزوج إذا وجد نفسه في غير منزلة ~~الكرامة نبت به الكرامة إلى مكان تستطيبه، والنفس كالنجم تنزل في أحوال رضاها وغضبها منازل ~~وبروجا تتغير فيها آثارها وأعمالها، ولقد حملني شر ولدي وخشيتي عليه أن أكون اليوم على غير ~~عادتي من تمام البر والرعاية لزوجتي ابنة صديقي وأخي قوزمان. بيد أني كنت أرجو أن تتئد ~~وتصبر، وتساعدني على ما أنا فيه، ولكنها نفرت على الفور، ونفرتني قبل أن أستمسك، وأخذت ~~كلامنا عزته في غير وعي؛ إذ كان شيطان كل منا يتكلم بلساننا كما قلت ويسمع بآذننا. فأنا ~~الآن أعفو وأعتذر معا، وأمنح زوجتي وابنتي البركة والرضا، وأدعو الله لهما بالسلامة ~~والتوفيق حتى ألقاهما في القريب؛ ms165 وأرجو أن تتبينا وجه عذري في متابعة ولدي، فإنه إن عاد إلى ~~مكة حمله صحبه على ما خيب الله سعيه فيه ليلة الحجون التي ذكرت لك، وربما مكنه الشيطان من ~~قتل أبر خلق الله محمد بن عبد الله، نقطة العطر المشتارة من ربيع بني هاشم، بل ربيع بني ~~عدنان وإبراهيم، وإذا لم يرضني من أمره إلا أن أقتله بيدي وأنا أبوه وهو وحيدي، فماذا يرضي ~~بني عبد المطلب منا أجمعين! # نهضت هرميون ولمياء إلى الحارث تقبلانه وتبكيان وتعتذران إليه، ثم تعرضان عليه أن تذهبا ~~معه، على أن يغفر لهما الأسقف الحنث باليمين، ولكن الحارث أبى قائلا: إن العزم صح على سفره ~~بولده وتلميذه حتى حين، وهو يرجو ألا يغيب عنهما طويلا، ورأى الأسقف وجاهة الرأي فأقره، ~~وشكر لهرميون ولاءها، وللحارث عفوه، ودعا لهما بالرضا، وعلى هذا ودعهم الحارث ومضى يسقط من ~~جفنيه دمعة. # ذهبت هرميون إلى غرفتها، وألقت نفسها على الفراش خائرة القوى تتحدر دموعها، وذهبت لمياء ~~في وجدها إلى إحدى الكوى المطلة على رحبة الدار تراقب العير، وتتزود لقلبها بنظرة إلى من ~~تحب وهو يغيب عنها، وقد استبان لها خطؤها في أنها لم تهون على والدتها النقلة حتى لا تحرم ~~جوار ورقة؛ ورأت قلبها يندك تحت ذلك ويهلع، وهي تعنف نفسها على تسرعها، وكانت ترجو أن يلتفت ~~ورقة صوب الكوة التي تطل منها؛ لتحادثه حديث الوجد بنظراتها، ولكنها لم تجده التفت، بل ~~استمر بربط الحمول ويستعد للرحيل، كأنما ليس في الدار قلب يتمنى أن يتسع ويلتقطه من رحبة ~~الدار في غفلة الناس ويخبئه بين ألفافه، وفيما هي على هذا الحال رأت ورقة مال إلى أستاذه ~~الحارث يستأذنه في توديع السيدتين، فأشار له الحارث نحو الدار آذنا، ولكن النضر التفت ~~واعترض على هذا قائلا: لا حاجة إلى التوديع! إن الوقت قصير. قال الحارث: دع الفتى يودع ~~سيدته. من الإجرام أن تمنع أحدا أداء واجبه. قال النضر: أي واجب هذا؟ فلم يأبه ورقة ~~لكلامه، وجرى نحو الدار والنضر يناديه من ورائه ms166 بصوت المنذر الناهي، ولكنه كان قد صعد. فلما ~~رأى هرميون طريحة الفراش جثا على ركبتيه وتناول يديها يقلبهما ويبكي وهو يقول: برغمي يا ~~سيدتي أن أفارقك، ولكن هذه مشيئة الله. ادعي الله يا سيدتي أن يجعل هذا الفراق إلى لقاء ~~قريب. كان يقول هذا والنضر يناديه ويستعجله، ويقطع عليه الوداع بكلماته وهو مستمر في ~~توديعه، ولكنه نهض يقول: أنا عند حسن ظنك بي يا سيدتي، ولدك وصديقك وأخو لمياء. فأخذت تبكي ~~بكاء مرا لم يسع ورقة وقد انفطر له قلبه إلا أن يتناول رأسها ويقبل شعرها. فشهقت لمياء ~~عند ذلك شهقة أذعرت أمها فأنهضتها من فراشها، وإذا هي ترى ابنتها متعلقة برقبة ورقة تقول ~~له: لا تفارقنا. كل ذلك والنضر ينادي. فاستودعهما الله ونزل يمسح دموعه، ولكن النضر تلقاه ~~بالشتائم المقذعة بين سمع الناس أجمعين، والحارث لا يملك أن يصون تلميذه؛ لئلا يتخذ ولده ~~هذا عذرا له في العود إلى مكة، ولكنه قال له: حسبك يا نضر. إن هذا الفتى بار بسيدتيه. قال ~~له النضر: إنهما لا تريانه خادما، بل كفؤا وضريبا، وسترى عاقبة مكارمك. قال الحارث: ولا ~~أنا. إنه ولدي وتلميذي وصاحب الكرامة عندي. فشكر له ورقة بره بنظرة ملئت عرفانا بالجميل، ~~وسار مثقل القلب إلى الحمول كظيما يفكر في نهاية استفزاز النضر إياه وإهانته التي لا ~~تنقطع. لم يكن له من سبيل إلا أن يكظم، وإلا أن يتقبل الأذى إذا أراد أن يكون مع الحارث، ~~ولم يكن له إلا أن يسكت؛ لأن الحارث نفسه يسكت، ولم يكن له إلا أن يشرد أسباب نفور النضر من ~~أبيه، ما دام أبوه يتوخى قصدا من ذلك: هو إبعاد هذا الفتى الشرير عن أذى رسول الله، ولكن ~~لماذا يحتمل هو والحارث وهرميون ولمياء كل هذا الأذى؟ لماذا لا يريح رسول الله من عدو مبين ~~لا ترجى له الهداية؟ وفي استطاعته أن يضربه بسيفه ضربة غير ظالمة تقطع لسانه، وترد أوصال ~~السعادة التي قطعها بيديه كما كانت. الجواب لأنه ابن أستاذه الحارث البار ms167 به الذي طالما نظر ~~إليه نظرات الاستشفاع أن يعف ويعفو من أجله، ويعرض عن جهله من أجله. أجل سيبقى على هذا ~~الخلق من أجل أستاذه فلن يعفو عنه أستاذه إذا هو قتله أو أهانه ردا لاعتداء أو دفاعا عن ~~النفس، أو احتفاظا بكرامة. الوالد والد ومحال أن يعذر من يؤذي ابنه ولو كان الابن ظالما ~~مفتريا. نعم يرى ولده أوغر صدر من أذاه، ولكنه لا يعذره في أذيته، وهو لا يطيق أن يجعل ~~لنفسه في فؤاد الحارث شبحا مظلما يلعنه كلما تمخض به قلبه. إذن فليستمر على خطة الإعراض ~~عن سفاهة النضر وأذاه، ويعمل على تألفه في كرامة عسى أن ينقلب ودودا، أو يبصره الله بما ~~يجب. # الفصل الثالث والعشرون # | يمين النضر # بلغوا صنعاء ونزلوا وقضوا فيها ثلاثة أشهر كانوا يجتمعون فيها كل يوم بولاتها وأحبارها ~~وعلمائها، ويستمتعون بخيراتها، ولكن ورقة لم يبتسم في كل تلك الأيام مرة واحدة؛ لأنه كان ~~حزينا لفراق لمياء، وكان يقضي أوقات فراغه يفكر فيها، ثم يغلبه الحنين واليأس فيسقط دمعتين ~~كبيرتين يهدأ على أثرهما قلبه فينام مفكرا فيها، وهو في تلك الأثناء يؤدي فرض العتاب الذي ~~أوجبه عقله على نفسه فيقول: أيتها النفس المغرية في أكثر أمورك بما لا يجمل. لماذا تضعفين ~~مني وتؤملينني ما لا يؤمل؟ وما لا يصلح لي أن أرجوه؟ لا تخادعيني! لست كفؤا للمياء. ما أمي ~~كهرميون، ولا أبي كالحارث، وإن من الكنود والجحود أن أرفع نفسي إلى حيث أبيح لها أن أؤمل ~~لمياء عروسا لي وسكنا. هي فرحة أمها وفخر أبيها ، ولن يرضيا لي بها. إنهما لم يذكرا لي ~~شيئا من هذا حتى فيما كان ينهمر به قلبهما من عواطف البر لي. نعم إنهما ينعتاني بالبنوة ~~ويرياني كذلك، ولكنهما ينضحان عن طبيعة الخير، لا الجهل ونسيان ما في ذلك من الأذى لنفسهما. ~~وإن من الخسران أن يجهل الإنسان قدر نفسه، أو يغالط قلبه فيحكم بأسباب شيء لشيء آخر، ولا ~~يزال على هذا حتى يعلو الصبح، فيذهب إلى الماء؛ ليتوضأ ms168 ويصلي صلاة الضحى، ويدعو الله أن ~~يلهمه الصبر فيلهمه على الأثر، ويذهب إلى أستاذه؛ ليكون في خدمته وصحبته. حتى إذا خلا إلى ~~نفسه عاد إلى مثل ما كان فيه لا يفارقه حتى يتوضأ للعصر ويصلي ويدعو ويصرف الله عنه همه، ~~ويعود إلى أستاذه وصحبته، ويرافقه في زياراته وسهراته وارتياداته الأسواق. # وكان كلما مر في السوق ورأى شيئا مما يحسن أن يهدى إلى النساء - لفت إليه نظر الحارث في ~~خفية عن ولده؛ ليشتريه ويرسله إلى هرميون أو لمياء هدية منه، أو يحفظه لديه حتى يعود فيكون ~~هدية القادم، وقصده من ذلك أن يرد إلى قلب الحارث ما يكون النضر قد سلبه من العطف على ~~امرأته وابنته؛ لأنه كان كثير الذم لهما والإنكار لما يسميه عقوقهما، وكان الحارث يبتسم ~~لورقة كأنه يقول له: إني أدرك قصدك النبيل يا بني؛ ويأمره على الفور أن يشتريه له، ويتصرف ~~فيه؛ إما بأن يرسله على الفور، أو يبقيه لديه حتى يعود فيكون كما أراد ... وإنما كان يكلف ~~ورقة شراءه عنه؛ لكيلا يلفت إليه نظر ولده، فيتدخل في شأنه، أو يجعله سببا لشجار جديد. ~~بيد أن ورقة كان إذا اشتراه أعد كتابا رقيقا إلى هرميون بالرومية يمضيه الحارث، ويرسله مع ~~الهدية مع برد الأحبار الذاهبين إلى بلاد القدس أو العراق مارة بنجران. فقد كانت هذه البرد ~~تسير بغير انقطاع فيما بين مدائن كسرى وأتباعه من حكام اليمن. # هكذا ساروا في صنعاء، وكانت أسعد أوقات الحارث وورقة وقت خلوهما لنفسيهما في غيبة النضر، ~~ولم يكن الحارث ليخفي هذا، ولكن ورقة كان على عادته مؤدبا كريما، فلا يذكر النضر لا بخير ~~ولا شر، وإنما كان يدعو الله له بالهدى. # وكان ورقة معروفا في صنعاء وجيرتها وفي كل مكان بأنه غلام الحارث أو ولد الحارث؛ لأنه ~~كان منه بمنزلة مبهمة لا تدل عليه صراحة. تارة يرونه قائما في خدمته قيام العبد لسيده ~~بحاجته، وأخرى يرونه جالسا معه يذاكره ويحادثه ويباسطه مجالسة الند للند والولد لأبيه، وهو ~~على الحالين في عزة ms169 ووقار وتوقير. # كان بعضهم يراه غلاما للحارث فيناديه بذلك، أو يعرفه إلى الناس به وهو لا يتأذى ولا ~~يعترض، بل يشعر في قرارة نفسه بشيء من الرضا إذ يجيء هذا التعريف أو ذاك النداء دليلا على ~~أنه لم يقصر في خدمة أستاذه، وأنه لم تبطره منزلته فتجعله في غير مظهر الغلام من مولاه، ~~ومنهم من لم يره معه إلا في مجالس الأعيان يتذاكرون، فإذا ناداه ناداه بابن الحارث، فيتقبل ~~التسمية؛ لكيلا يشغل الناس بأمره، ثم يعتذر إلى الحارث من صنعه فيثني عليه أدبه مع الجلساء؛ ~~بل كان الحارث نفسه يدعوه أمام الناس يا بني، وكأنه يفخر أن يكون مثله ولدا له؛ لأنه كان ~~يسمع الثناء عاطرا عليه من جميع الأفواه. على أن ورقة كثيرا ما كان يصحح للناس خطأهم إذا ~~وجد في السكوت أذى لكرامة أستاذه أو منزلته. فيقول لهم: إنه ليس إلا تلميذا من أتباع ~~الحارث، وأنه يدعى ورقة بن صليح فيعرف الأمر من يسمعه، ومنهم نعيم الصيدلاني الذي كان ~~الحارث قد جمعه به وعرفه إليه، وأوصاه أن يلزمه في أوقات فراغه؛ ليعرف منه تجارة ~~العقاقير. ومع ذلك فقد كانت تغلب التسمية عليه، ويعود من عرف حقيقته إلى ندائه بالنسبة إلى ~~الحارث، حتى إذا يئس منهم وبدا ذلك عليه قال له الحارث: أقصر عن دأبك وتقبل كل تسمية، ~~فصار يتقبلها إلا في كبار المواقف. # ولكن حدث أن اجتمع الحارث وولده وورقة في مجلس كان فيه ورقة محل الإكرام الأبين من الناس، ~~وكانوا ينادونه في الحديث بابن الحارث، ويخصونه بالرعاية؛ فحسده النضر على منزلته، وتملكه ~~الغيظ في المجلس، ولكنه لم يجرؤ أن يفصح عنه، فما إن بلغوا دارهم حتى انفجر النضر في ورقة ~~سابا وشاتما، وعد عليه جريمة، وأذى متعمدا أن يتقبل تسميتهم إياه بابن الحارث، وكلما ~~هم الحارث يبين لولده وجه عذر الفتى، وأن الأمر أهون مما يجد له، أو هم ورقة يعتذر ~~وينيب - زاد النضر في سبه وأذاه وتعييره، حتى بكى ورقة. فحزن الحارث لهذا حزنا شديدا، ~~ودعا ms170 على ولده وشتمه ففار مرجل شره، وأقسم باللات والعزى لا يبقي ورقة مع أبيه بعد يومه، ~~وجرد السيف وأنذر ورقة بالقتل إن لم يخرج على الفور، فوقف الحارث دون الفتى؛ ليحميه، والتفت ~~إليه يقول: اذهب يا ورقة من فورك إلى نعيم الصيدلاني وخذ ثيابك معك. هكذا قدر الله لي أن ~~أحرم الولد والحبيب. # الفصل الرابع والعشرون # | عند الصيدلاني الفيلسوف # كانت دكانة نعيم الصيدلاني في سوق كبيرة تدعى سوق أزال # 1 # وكانت تمتد على ضفة نهر صغير ينحدر من جبال في شمالي صنعاء، ويخترق رقعتها، ثم ~~ينصرف في طريقه حتى يصب في البحر الهندي، وهذا النهر يحد سفح تل عظيم قديم العهد يسمى ~~تل غمدان، كان عليه قصر عظيم البنيان حتى عد من عجائب الدنيا، بناه أزال بن قحطان جد العرب اليمانيين # 2 # ثم جرت عليه أعاصير الزمان فتهدم، وسارعت الطبيعة فدفنته كما تدفن الإنسان، ~~وموهت على الناس أمره بما أنبتت فوقه من أشجار، وما أسكنته فيه من حيوان، وكأنه ما ~~كان. # وكانت الدكانة جزءا من دار نعيم أو بالأحرى من بستان داره، مستقيما مع السوق؛ إذ كان ~~هذا البستان الصغير قطعة من طرف بستان القصر العظيم في سالف العصور، ومن ثم كانت على شاطئ ~~النهر. # كانت دار نعيم شبيهة بأكثر دور التجار والأعيان والسراة في صنعاء، وما أكثر تجارها ~~وسراتها، بيتا من الحجر ذا دورين يحيط به بستان فيه من أنواع الثمر اليمني الأصيل والمجلوب ~~ما تستطيع أرضه إعالته، وفيه بئر أو آبار ينشل منها الماء؛ لسقي البستان في أيام الجفاف وهي ~~قليلة، إذ كانت البلدة كثيرة الأمطار؛ لوقوعها في أطراف المنطقة الممطرة في منتصف المسافة ~~بين خط الاستواء ومدار السرطان، # 3 # وكانت لعلوها شديدة البرودة في الشتاء لطيفة مستحبة، معتدلة المناخ في أكثر ~~الصيف، فهي لهذا مقصد طالب العيش الرخي، وكانت أسواقها عامرة في كل وقت بأنواع ما يرد إليها ~~من حاصلات اليمن من الغلات والمعادن، ومصنوعات الجلد والقطن والكتان والحرير والصوف والذهب ~~والفضة والحديد والمعادن الأخرى، كما أنها ms171 كانت مصنعا للسيوف والرماح والأدوات المنزلية، ~~وموردا لتجارة الهند وبلاد الحبشة والصين من البرد وسائر الثياب، ومن الأفاوية والعقاقير، ~~وسوقا لما يرسل إليها من عمان وبلاد البحرين والفرس وعدن وحضرموت، وشجر من اللؤلؤ والمرجان ~~والياقوت وعجيب الأحجار الكريمة، ومن العنبر والمسك والكافور والعود ... وأنواع التحف ~~العجيبة. # ومن ثم كانت اليمن وكانت صنعاء بلادا تعاورتها الملوك وتنافست في امتلاكها الدهاقين، ~~وكانت في هذه الأيام من ملحقات كسرى بن ساسان ملك الفرس، وعليها وال من قبله يدعى ~~باذان. # ذهب ورقة إلى نعيم يحمل متاعه القليل على ظهر جواده، وهو مكروب محزون، فلما وقف ببابه ~~ورآه نعيم على هذه الحال، أدرك أن هناك شرا أصاب الفتى، فترك مكانه من الدكانة، ونهض إليه ~~نهوض الوالد إلى ولده، فقد كان نعيم يحبه حبا عظيما، ويبالغ في إكرامه حين زيارته إياه ~~مع الحارث، حتى لقد حدثته نفسه أن يعرض عليه ابنته الوحيدة لو أمكن أن يتهود، ثم لا ~~يعيبه الناس على تزويجه ابنته من فتى من مكة الوثنية، سيقال: إنه إنما تهود لرغبته في زواج ~~يهودية جميلة أو يهودية غنية بأيها. # ترجل ورقة وهو يحاول أن يخفي همه العاصب في كلمات التحية والتسليم، ولكنها كانت تخرج ~~خرساء مظلمة ليس فيها من نغم إقباله الجميل على الناس، ومشرق ابتسامته في الحديث ما كان ~~يحببه إلى كل عين وكل أذن. # وكان نعيم رجلا علمته السنون وحياة الأسواق شيئا كثيرا من أحوال النفس، وكان يقول ~~لورقة وكل من يستأنس به - وقلما ازور عن أحد أو استثقله - إنه يعيش في دنيا خاصة به، دنيا ~~خلقها لنفسه؛ ليعيش فيها كما يحب لا كما تشاء المقادير. دنيا يطلع لنفسه فيها شمسا خاصة به ~~بالنهار، وقمرا خاصا به بالليل، يغنيه فيها ويطربه بلابل لا تفارق بستان حياته لا صيفا ~~ولا شتاء؛ ولذلك كانت له فلسفة خاصة يعجب لها الناس، ويستريبون من أجلها حجاه، وهو يعرف ~~ذلك منهم ولا يأبه له، ولا يعتد به؛ لأنه كان من بعد هذا تاجرا ماهرا، ورجلا هماما، ~~وشخصا ms172 يستوجب لنفسه المحبة من كل إنسان، كريما إذا وجب الكرم، حليما إذا وجب الحلم، ~~ولكنه كان إذا غضب فالويل لمن يكون سببا في إغضابه. # رأى ورقة على هذا الحال، فعمل على صرف همه بشيء من أساليبه الخاصة، فلم يمهله حتى يسائله ~~ويحييه، ويرتب على الجواب جوابا، بل ابتدره بحكاية وعرة الألفاظ مما كان يرويه الناس من ~~الأحاديث المفتعلة عن لسان كواهين يسمين صاحبات مصاد بن مذعور، ويحملون الناس وضعفاء العقول ~~من المتأدبين على تصديقها، وترتيب قضايا في التاريخ عليها، مع أنها تحمل تكذيبها في ~~منطوقها. وإنما رواها نعيم، لا تهكما منها؛ بل ليصرف بها ذهنه، ويشغل باله عن الهم كما ~~ذكرنا. فقال له: «يا صاحب الجواد النياف والبرد الكعاف، والجرم الخفاف. يا مضلا إذواد ~~الملاكد، وكوما صلاخد، منهن ثلاث مقاحد، وأربع جدائد شسف صمارد». فلما سمع ورقة هذا الكلام ~~لم يفهمه، ولم يدرك قصده منه، ولكنه رأى نعيما يتكلم كلام جد، فجمع عليه لبه ليفهمه، فلم ~~يستطع، وزعم أنه بعض لغة حمير الذاهبة، أو العبرية الذائعة. فقال له: لم أفهم مما تقول ~~شيئا فقال له: كيف لا تفهم وعهدي بك ذكيا «لقد رعين الفزع، ثم هبطن الكرع، بين العقدات ~~والجرع» فتلفت ورقة يستمد معناها من الهواء والسماء، وهو يقول لنفسه: ما هذا اللسان؟ أراه ~~عربيا وما هو بمفهوم، وفيما هو ملتفت عنه رنت وراء أذنه ضحكة من نعيم؛ إذ أدرك ما فيه ~~ورقة من الحيرة، ثم تناوله، وسار به يحادثه حديث العقلاء، وقد بدت على وجه ورقة علامات ~~الابتسام. قال له: يا ورقة وحق موسى لا تستحق الدنيا أن تفكر فيها، ولقد عودت نفسي أن ~~أزيل شجونها بمثل هذا الهراء الذي يسمونه حكمة وكهانة. أتدري أن هذا ما يروونه عن أربع جوار ~~قابلن رجلا في الطريق أضل بعرانه فجئنه يخبرنه أين هي؟ قال ورقة: وهل اهتدى إليها. قال: ~~إنهم لا يتركونه في ضلاله كما يتركوننا، بل لا بد أن يجمعوه بها، وأقسم لك لو أنني كنت صاحب ~~الجمال الضالة لأضلني ms173 هذا الكلام معها. دعنا من هذا، واسمع: إني قد أعددت لك عندي في بيتي ~~غرفة جميلة مطلة على البستان، ولها باب على درب وآخر على الدار، وستقيم فيها عندي ما شئت ~~حتى تعود إلى مكة، وإذا أنصفت فعش في صنعاء، ودع تلك البلاد، وأقسم لك يا ورقة، لولا أن ~~قريشا ترتزق من جيرتها للبيت المحرم ما عاش في أرضها أحد. كيف يرضى الإنسان باختياره أن ~~يعيش في وهدة كبيرة تحيط بها الجبال فهي أشبه بالقلنسوة المقلوبة؟ لا ماء فيها ولا أشجار؟ ~~وما قيمة الحياة؟ وما لذتها؟ وما معنى الرضا بها إذا كنت لا تجد فيها إلا أحسن ما يجد ~~الهارب في الصحراء؟ ابق معي في صنعاء أمتعك بالحياة وأرك الدنيا على حقيقتها بعيدا عما ~~يشغل به الناس أنفسهم من أمور الناس. أعيشك حكيما سعيدا بعيدا عن الضلال، ومتمتعا بكل ~~ما تشتهيه نفسك في حدود الكمال والفضائل. قال ورقة: ما أشد شكري لك، وما أشدني رغبة في أن ~~أعيش كذلك، ولكن هناك نفوسا لها بي روابط كثيرة، ولا بد من تقطيع هذه الروابط حتى أتمتع ~~بهذه الحياة السعيدة التي تزينها لي، والتي لا شك عندي في قدرتك على تحقيقها، ولكن من ~~المحال أن تقدر على قطع هذه الروابط فهي روابط الرحمة. حبال قوية شدت إلى القلب، فهي ~~تتجاذبه نحو الأم والأهل والأصدقاء والأحباب، ولكني لا أدري كيف أعددت لي لديك مكانا، ~~والنضر لم يحملني على ترك أبيه إلا منذ قليل، أم كان هذا بتدبير سابق؟ قال: لا وربي، ولكني ~~رأيت حزنك، وسمعت النضر غير مرة يتكلم هنا مع أبيه في شأنك بما ينم عن كرهه لك، والحارث ~~يدفع عنك ويثني عليك، فأدركت أن أيامك قصيرة مع الحارث بن كلدة، ولما رأيتك أدركت أنك أتممت ~~هذه الأيام، ولكي أدلك على أن الأمر أهون من أتفكر فيه بادرتك بما عرفت، وليس لك إلا ~~القبول. فبدرت من عيني الغلام دمعتان كبيرتان ترددتا في السقوط حتى دفعتهما أخريان أكبر ~~منهما فتحدرتا على خديه، ثم قال: ms174 إن الحارث أمرني أن أجيء إليك، وأنتظره هنا حتى يجيء؛ وإذ ~~كنت لا أعرف مكانا آوي إليه فقد جئت بحمولي إلى دكانتك حتى أرى لي رأيا. ثم ذكر سبب غضب ~~النضر، وما كان من يمينه، وما تهدده به من القتل. قال نعيم: لا رأي لك عندي. ستنزل في البيت ~~الذي وصفت لك منزلا مكرما وستبقى معي معززا مشكورا. # فراق الصديقين. # وفيما هما في ذلك جاء الحارث وعلى وجهه قترة من الهم والكدر، فنهض ورقة للقائه، ثم انحنى ~~فتناول يده وقبلها وغسلها بدموعه، فتناول الحارث رأسه وقبله قبلات حارة ضمنها كل معاني حبه ~~وتقديره وعطفه وأسفه. ثم جلس يمسح دموعه حتى إذا هدأ قال الحارث: يا نعيم، إن هذا الفتى ~~أشرف وأنقى من وقعت عليه عيني، أو لمسه قلبي، وما كانت لأفارقه لولا يمين غموس قطعها ولدي، ~~وما كنت لأوثر ولدي عليه إلا لأمر واحد هو ما كان ورقة يؤثره به وإن لم يكن ولده؛ ذلك أني ~~أردت أن أبعد ابني عن مكة، حيث نهض في تلك الوديان المقفرة نبي يدعو إلى دين إبراهيم، ويصرف ~~قريش عن الأوثان. ذلك هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الذي ورد ذكره في توراتكم، ~~ولكن ابني يكرهه ويحسده ويريد قتله، وابني شرير لا يقبل رأيا ولا نصيحة، وسيلقى جزاء شروره ~~وبغيه، وهو وحيدي، فبرا برسول الله وبأمتي وبولدي من بعدهم، لا يسعني إلا أن أتحمل كل ~~أذاه لي، وأسير معه سير الطاعة؛ لأحول بينه وبين جريمته، وسأرحل به الليلة إلى العراق فقد ~~سئم البقاء في اليمن ، وأنا تارك معك ولدا لي آخر، هو ورقة هذا. كن له كما أكون، وعلمه ~~تجارة العقاقير وأنواعها وأصنافها وعرفه منافعها. على أني قد وضعت جزءا من كتاب عن ~~العقاقير كتبه ورقة بيده، وجئت به هدية له، وها هو ذا، ثم قدم إليه حزمة كبيرة من الرقاق ~~التي كتب عليها ورقة كتاب أستاذه. # وهنا لا بد لي أن أعلن أمرا أخفيته حتى عن ورقة ذاته. ذلك ms175 أن مولاه وصديقي ورقة بن نوفل ~~حكيم العرب، وصهر الرسول الأمين، ابن عم زوجته الشريفة خديجة بنت خويلد - كان قد أودعني ~~خمسين دينارا تكون لورقة يوم يتم علم العقاقير، على أن يشتري بما شاء منها تجرا يكون ~~أساسا لتجارته في مكة، وأقسم أن هذا القول صحيح، وما أقسم إلا لأني أعلم حق العلم أن ~~الغلام لا يقبل مني إحسانا ولا أجرا، وإن كان قد خدمني وأسعدني بما كان يجب أن أعطيه عليه ~~أجرا، ولكني أريد أعلن أن سيده ورقة بن نوفل أبى أن أجعل له أجرا، ظنا منه أن الأجر ~~يفسد علاقتي به، ويقضي على رابطة الأبوة التي تجمع بيني وبينه، وينزله من نفسه منزلة لا ~~يرضاها، فقد كان ورقة عازما على أن يتبناه، ولكن القدر فاجأه قبل أن يتم مراده، بيد أنه قد ~~أورثه خير ما يملك، أورثه الحنيفية السمحة فلم يعن لوثن، وعلمه القراءة والكتابة وهي كنز لا ~~يقدر بثمن، ثم أعطاه خلقه وعفته ونبله، وأكرم بها عدة للزمن. فخذ يا نعيم مال الفتى وأسرع، ~~بتعليمه تجارة العقاقير، وعرفه منابتها ومواردها، فإن هذا علم لا يؤخذ درسا بل ممارسة، ~~وإلا ذهب رأس المال. حتى إذا أتممت تعليمه وشعر هو بذلك، فدعه يشتر منها ما يشاء بما يشاء ~~من هذا المال، فإن أحسن الشراء فدعه يرحل، وإن أساء فأبقه عندك حتى يحسنه، وإذ إني عزمت على ~~ترك صناعة الطب لغيري ولولدي بعد ما هيأ لي ربي من الثروة الواسعة، فاجعل ما لديك مما ~~أوصيتك بمشتراه لي من حق ورقة، وخذ لنفسك ما بقي لديك من المال أجرا على تعليمه، وما هو ~~بالكثير، وقبل أن أنهض من مجلسي أريد منكما شيئا واحدا، هو ألا تنهضا لتوديعي، ولا تمدا ~~للسلام علي يدا. إني أريد ألا يشعر القلب أني أودع باخيتاري أحب الناس إلي. # فما كاد يتم هذه الكلمة حتى نهض ورقة، وجرى إلى أستاذه وجثا على قدميه على الأرض، وأخذ ~~يبكي وينشج في بكاءه، وهو متعلق بأردانه، كأنه يمنعه من النهوض، ms176 وتنفيذ عزمه على الفراق، ~~والحارث محزون تنحدر دموعه على لحيته، ونعيم مفجوع القلب، حتى استمسك فأخذ بيدي ورقة، وأفسح ~~الطريق للحارث، فخرج وقد استنفد منه حزن الساعة صبره وجلده ووقاره. # الفصل الخامس والعشرون # | لم الأطراف # بقي ورقة في صنعاء مع نعيم ينعم بجواره في بيته ودكانه، وينسى همومه في مجاهل اليمن ~~ومعارفه، وسهوله ووديانه، وجباله وأحقافه، وقراه وحلله، ومرابعه ومشاتيه. فقد رأى نعيم ~~والفرصة سانحة بوجود رفيق من أحسن الرفقاء نفسا أن يرتاد بلاد اليمن ومنابت العشب؛ ليستريض ~~ويتعرف، ويعلم ورقة ويبصره، وإن لم يكن ورقة في حاجة إلى ذلك كله، بل ربما كان بقاؤه في ~~الدكانة أعود عليه بالفائدة منه بالترحال، ولكن كان لا بد لورقة لكي ينسى الدنيا الجميلة ~~التي أخرج منها، دنيا لمياء وهرميون - أن تمر عليه الحوادث والوجوه في تناقض واختلاف؛ ~~ليشتغل بها فؤاده حتى لا تكون رتابة المكث في مكان واحد مذكرة إياه بالأحباب والإخوان؛ ~~ولذلك أخذه نعيم في سفرات متقطعة كان قد انتواها من زمن بعيد إلى البلاد المحيطة باليمن ~~على البحر الهندي وخليج فارس وبحر القلزم. فلما أتمها استقر بصنعاء مدة، ثم عاد إلى ارتياد ~~بلاد اليمن نفسها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا. كل ذلك باسم ارتياد منابت العشب، حين أن ~~نعيما كان مغرما بالتنقل والاستراضة والسياحة، وكان في نيته يوم تتزوج ابنته أن يتركها ~~بين يدي زوجها، ويذهب إلى العراق أولا ثم إلى الإسكندرية، أو إلى الإسكندرية ثم إلى ~~العراق؛ لأنه كان يسمع المغريات عن الإسكندرية وما فيها من الأعاجيب، وعن مدائن كسرى وما ~~فيها من مظاهر الملك والسلطان، وكان في كل حديث عنهما يغري ورقة ألا يفوت على نفسه ~~زيارتهما. # سرت هذه الزيارات من هموم ورقة، فلم يبق من صلات قلبه بأحبابه إلا حبيس وجد بلمياء، ~~وذكريات محبة خالصة، كانت تمر على مخيلته كل ليلة عندما يرقد لينام أو يفيق في الصباح، أو ~~يخلو لنفسه في مكان، ولا يزال يتأمل وجه لمياء ونظراتها إليه المملوءة بالحب والرضا والعتاب ~~الشديد، ثم يتذكر استحالة ms177 أن تكون له، حتى تتسرب الذكريات واحدة بعد أخرى. فإذا انطفأ ~~نورها رقد ونام، أو أفاق لينهض، ولقد أغرم ورقة بالصلاة، فأوجب على نفسه منها ما لم يكن قد ~~أوجبه الله بعد على المسلمين، تلك هي صلاة الصبح والعشاء. كان ورقة يفيق على عادته مبكرا، ~~وإذ هو متوحد في غرفته - كان يذهب من فوره؛ ليتوضأ بماء البئر، ثم يعود إلى غرفته، ويتجه ~~إلى الله ليصلي، فإذا انتهى منها ضاعفها؛ وكان يشعر أن هذه الصلاة الصباحية أفعل في القلب ~~من صلاة الضحى؛ لأن النفس تكون إذ ذاك خالية من مشاغل الحياة. أما صلاة الضحى فكانت تقطع ~~عليه يومه؛ وإذا انصرف لها لم يكن قلبه على سجيته النقية الخالية من مؤثرات الحياة. # وإذا عاد إلى غرفته في الليل؛ لينام، وأحس بالوحدة - استمد الأنس من جوار الله فذهب إلى ~~البئر وتوضأ وصلى، واتجه إلى الله بقلبه، ودعا لأهله ولهرميون ولمياء وإخوانه في مكة بما ~~يدعو به القلب المطهر؛ فرآهما في صلاته ودعائه رؤية رضا وطمأنينة، ثم ذهب إلى فراشه يفكر ~~فيهما تفكيره المعتاد حتى يملكه النوم فينام. # كانت هاتان الصلاتان مما هداه إليه قلبه واحتياج نفسه، ولم يكن يجد في أن يصليهما خروجا، ~~فقد صلى مع زيد صلاة ليلية تقربا إلى الله، وعلم أن الرسول # صلى الله عليه وسلم # كان يصلي كلما أحس ~~حاجة إلى الصلاة، وكان ورقة يؤخر الضحى حتى يجيء وقت الطعام فينهض ويتوضأ ويستريح، فكانت ~~صلاة الضحى في الحقيقة عنده هي صلاة الظهر، فلم يترك مما أمر الله بعدئذ # 1 # إلا صلاة المغرب، على أنه كان في كل صلواته مستهديا بوحي قلبه، ومن كان قلبه ~~متصلا بالله فالصواب رائده، حتى فيما لم يأته به علم ولا أذان. # نترك ورقة إذن في ارتياداته وقفلاته يسلخ من حياة الدنيا عاما، وهو على ما هو عليه من ~~هدوء النفس والارتياح إلى عشرة أستاذه الجديد: نعيم؛ يشتغل معه، ويعمل له حتى أصبح ينوب عنه ~~في كل شيء: يبيع له، ويشتري من أعراب نجد، وخولان، ms178 وقوافل عدن وغير عدن بما علمه نعيم، ~~ويعقد صفقات صغيرة وأخرى كبيرة مع المستبضعين من صغار تجار العشب ومستورديه، ونعيم فرح به ~~مغتبط ومثن عليه. حتى إذا كان ذات يوم قائما في دكانة نعيم دخل عليه قس من قساوسة نجران ~~كان يعرفه؛ لكثرة التقائه به في بيت الأسقف، جاء إلى صنعاء في شأن من شئون الكنيسة، وكان ~~يعلم من الأسقف أن ورقة في صنعاء، ومن الحارث أنه عند نعيم فجاء يزوره. # رحب به ورقة أيما ترحيب، واستأذن من أستاذه في مرافقته، فأذن له وكلفه أن يدعوه للعشاء ~~معهم، وقبل القس ذلك شاكرا رغبة منه في الائتناس بصاحبه في بلدة ليس له فيها صاحب، وإن ~~كان معتادا أن يزورها في طلب حاجات الكنيسة. # على أنه كان يحمل من هرميون ولمياء سلاما ودعاء وأشواقا، وإن كان قد احتفظ له بها ~~قرابة عام؛ ذلك أنهما كانتا تعلمان أنه رسول الكنيسة، وقاضي حاجاتها من صنعاء؛ فكلفتاه أن ~~يلقى ورقة عند نعيم الصيدلاني يوم يصل إلى صنعاء، ويبلغه عواطف المحبة والرضا. أبلغه ذلك، ~~وأبلغه أنهما سافرتا من نجران منذ عام، وأنه جاء صنعاء مرتين، وجاء إلى الدكانة، ولكنه لم ~~يلقه؛ إذ كان ورقة مسافرا مع نعيم، وأنه اليوم سعيد بأن يلقاه ويبلغه رسالة ~~السيدتين. # وعلم ورقة منه أنهما سافرتا مع الحارث وولده النضر إلى مكة عينا، وأنهما ستبقيان بها ~~نزولا إلى إرادة النضر؛ إذ أبى أن يسافر إلى العراق، وأن الأسقف نصح لهرميون أن تطيع زوجها ~~فيما رأى من العودة بها وبلمياء إلى مكة بعد مشهد عصيب كان الحارث فيه على وشك أن يطلق ~~هرميون، ويأخذ ابنتها منها. # قال ورقة: مسكينة هذه المرأة! قال: حقا هي كذلك، ولكنها لم تكن على صواب. قال ورقة وقد ~~أفاق بعد ذلك الحديث الذي أحزنه: فيم كان خطؤها؟ قال القس: كان في استطاعتها أن تبقى في ~~نجران لو أرادت فقد طلب أحد بني عبد المدان من الحارث أن يزوجه لمياء، ورضي الرجل، بل رضي ~~النضر الذي ما رأيته يقر ms179 شيئا يكون فيه خير أبدا، ولكنها رفضت واعتذرت كما قالت لي بربارة ~~قهرمانة الأسقف معاذير عجيبة. قالت: إنها لا تزوجها من عربي أبدا. فلما تدخل النضر في ~~الأمر قالت: إن بينها وبين زوجها صكا بذلك؛ أي: أن يكون زواجها بيدها لا بيده، قال نعيم ~~وكان يسمع: والله إني لأراها على صواب. ما هؤلاء الأمراء يا مولانا إلا أسماء لأجلاف ~~صحراويين يشقون الناس باسم الإمارة والسيادة. قال القس: وهل تستطيع هرميون أن تعود إلى ~~الإسكندرية والطريق مزروعة فيها الأسنة والسيوف. لن تنتهي هذه الحرب بين الفرس والروم قبل ~~عشرين سنة تكون فيها ابنتها قد عنست، وتكون هي قد آمت، ولم يصبح لهما ذكر في الدنيا. قال ~~ورقة: ولمياء ألم يكن لها في هذه المعمعة رأي؟ قال: ثق أن رأيها رأي أمها. قال نعيم: محال ~~أن يكون الأمر كذلك، ترفض العذراء زوجا من أهل الإمارة انتظارا لزوج يذهب بها القدر إليه ~~في الإسكندرية بعد زمن لا تدري ذرعه! قال القس: بل أؤكد لك ذلك، فقد خبرتني القهرمانة أن ~~الفتاة أعلنت والدها أنها نذرت لله أن تتعنس، وأنها لا تريد الزواج، فإن حملها عليه فهي ~~تدري كيف تنجو بنفسها منه. فأدرك الحارث أن ابنته تنذره بالانتحار، وقبل أن يأتي الغد عليه ~~ويعطي كلمة لبني عبد المدان رفضا أو قبولا - كان قد ارتحل عن نجران بأهله إلى مكة، وهون ~~على امرأته يومئذ هذا الارتحال أنها لم تكن تستطيع أن تلقى نساء بني عبد المدان بعد هذا ~~الرفض. # عرف ورقة سر ذلك فاشتغلت نفسه بما سمع، وبات ليلته سهران يفكر في لمياء، وكلما غالب نفسه ~~على النسيان، وصرف الفكر عنها، ويذكر أنه عاهد نفسه أن يقطع صلته بها، وهدأ على ذلك - وجد ~~قلبه ينازعه، وأخيرا وجد نفسه يعتزم الرحلة إلى مكة لغير قصد ظاهر، ولا أمل معين، ولكنه ~~شعر أن وجوده في مكة بجوار من يحب هو المنى كل المنى، وهاج في نفسه الرحلة والإصرار عليها ~~أنه كان في الشهر الأخير من الشتاء، وأن قافلة ms180 مكة عائدة إليها صبيحة الربيع. # أعلن ورقة الصيدلاني نعيما برغبته هذه، ولم يستطع نعيم ولا أهل بيته صده عن الرحيل، ~~ولذلك قضيا قرابة الأسبوع في تجهيز ما يحتاج إليه ورقة من البضاعة التي كان يعد نفسه ~~للإتجار فيها في مكة، وكان المال الذي تجمع لديه كثيرا، إذ جاوز مائة دينار؛ لأنه اضطر أن ~~يبيع جواده لرسل جاءوا من بلاد الفرس في طلب الخيل للحرب، ولم يكن في استطاعته مخالفة رغبة ~~الحكام، أو إخفاء الجواد عن العيون. كما أن ما تركه له أستاذه الحارث من العقاقير عند نعيم ~~كان بقدر كبير؛ ولذلك رأى ورقة ألا يستهلك ماله كله في العقاقير، وإذ رأى من الحكمة أن ~~يشتري بعرانا لنقل حموله، وكان قد عرف جمالا ممن يحملون البضاعة لنعيم؛ فقد اتفق معه على ~~أن يذهب به إلى سوق الجمال ليشتري بخبرته ثلاثة بعران يحمل عليها بضاعته على أن يجعله على ~~جماله في عير اليهود الذاهبين إلى القدس. # على أن الجمال خانه - كما علمنا - وفر بالمال، فاضطر إلى أن يشتري بما بقي معه جمالا ~~أخرى، ويخرج بها من صنعاء بعد العير بيوم مجتازا بها مفاوز محفوفة بالأخطار؛ ليدرك قافلة ~~مكة في نجران، فحدث له ما حدث من الالتقاء بالجمال وعير اليهود في حلة الأراك، ووقع له ما ~~وقع مع الذئاب والقرضاب وإنقاذه الغلام رؤبة، ثم وصل إلى نجران في موهن الليل برسالة من ~~إسحاق؛ ليعوق القافلة عن المسير يوما حتى يدركها، ويسير في حماها. # الفصل السادس والعشرون # | الصحيفة # الآن وقد عرفنا ورقة من قبل أن يخلق، وعرفنا تاريخه مدى اثنتين وعشرين سنة، وعرفنا أهله ~~وسادته وأساتذته، وبلده وجيرانه، والجو الذي عاش فيه، والعناصر التي كونت ذاتيته - فإن في ~~مقدورنا اليوم أن نفهم ما يجري بينه وبين أسقف نجران من الحديث، ولكننا لم نعد في حاجة إلى ~~أن نكون معهما؛ لنسمع ما جرى بينهما من أخبار الحارث وهرميون ولمياء والنضر، فقد أجمله ~~القسيس لنا في دار الصيدلاني بصنعاء، ولذلك نطوي صفحته على عجل؛ لنتعرف ما ms181 لم نعرف، ويكفي ~~لذلك أن نقول: إن الأسقف حذر ورقة من غدر النضر به؛ لأنه أنذر أباه بذلك إثر بادرة عطف بدرت ~~منه، وكلمة خير أرسلتها هرميون، وحذره كذلك من محاولة لقاء سيده في مكة، وبالأحرى زوجته ~~وابنته ضنا بهم من أذى النضر وبنفسه كذلك، ونزيد على ذلك أن اليهود جاءوا بحمولهم وحمول ~~ورقة، وسافروا في صبيحة اليوم الثاني من أيام الربيع إلى مكة شاكرين للأسقف عظيم فضله عليهم ~~في ذلك، وأنهم نزلوا لورقة عن الشملالة شكرا له على ما تجشم من أجلهم، فقبل هديتهم شاكرا ~~مغتبطا. # وما زال سائرا مع القافلة ورؤبة معه حتى بلغ طريق خولان، فأنزله واكترى له راحلة تنقله، ~~وأوصى به عيرا كانوا ذاهبين إليها، ونقده فوق هذا بضعة دنانير؛ ليدخل بها على أمه، وليتمكن ~~من اللحاق به في مكة إذا شاء فإن اهتدى إليه فبها، وإلا فليسأل عنه في بيت رسول الله محمد ~~بن عبد الله، وسارت القافلة في طريقها المعتدل حتى بلغت هدى في العصر بعد عشرين يوما من ~~نهوضها من نجران. # وفيما هو يتأمل الجبل ومصعده الذي اعتاد أن يرقاه إلى دار خالد بن الوليد، ويتذكر طويفا ~~وسعدى وفتنة، ويسائل نفسه ترى ماذا لقيت؟ وماذا جرى من الأحداث في غيبته؟ رأى رجلا يحث ~~نحوه بعيرا هزيلا كان راكبا عليه. فتأمله فإذا هو طويف بعينه الذي كان يفكر فيه. كان ~~ذاهبا إلى مكة؛ ليستبضع فتلقاه بعظيم الفرح، وسأله عن حاله وعن فتنة وأخته فقال الرجل: إنه ~~خير حال، وأن الله قد رزقه منها منذ شهرين غلاما جميلا سماه ورقة ذكرى لذلك اليوم المبارك ~~الذي جاءه فيه بفتنة، وأنه قد غير اسمها فعلا وسماها ناجية كما سماها له ساعة عرفهم إليها، ~~ثم سارا يتذاكران حتى قطع عليهما الحديث دقدقة خيل ورادة من طريق مكة وعليها جماعة من سادة ~~قريش: منهم أبو الحكم المخزومي، والنضر بن الحارث، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، ~~وزمعة بن الأسود، وبغيض بن عامر ... وآخرون. فلما اتصلوا بالقافلة وقفوا ووقفوها، ms182 وقالوا ~~لتجارها: أيها التجار! إنكم قادمون إلى مكة ببضاعة عبد العزى، وبطعام وكساء لأهلها. قالوا: ~~نعم. قالوا: وقد علمنا أن مقدمكم اليوم، فأرسلتنا إليكم قريش تنذركم ألا تبيعوا بني عبد ~~المطلب شيئا مما معكم من طعام أو كساء، فإن فعلتم قاطعناكم، وتناولكم منا من لا نرده عن ~~أذاكم، وإن نزلتم على إرادتنا عوضناكم وأكرمناكم، وسيكون منا في الأسواق نفر يدلونكم على من ~~تبيعون إليه ومن لا تبيعون، كي لا يكون لكم عذر من خطأ، فتنبهوا لأنفسكم، ولم يمهلوا التجار ~~حتى يردوا بالقبول أو الرفض، وارتدوا على ظهور جيادهم إلى مكة مهطعين. # تعجب ورقة لهذا وسأل طويفا: هل جرت أحداث أقبح مما حدث منذ عام؟ قال: أحداث كثيرة، فقد ~~اجتمع كفار قريش على قتل رسول الله، # 1 # وقالوا: قد أفسد علينا أبناءنا ونساءنا، وقالوا لقومه: خذوا منا دية مضاعفة ~~ويقتله رجل من قريش، وتريحوننا وتريحون أنفسكم. فأبى قومه ذلك، وسفهوا رأيهم، واجتمع أهل ~~رسول الله فنقلوه إلى شعب عمه # 2 # أبي طالب؛ ليأمنوا عليه غدر الغادرين. فعدت قريش عمل بني عبد المطلب وبني ~~هاشم خروجا على الجماعة، وموالاة لولدهم الذي عق قريشا وآلهتها، وأجمعوا أمرهم على ~~عقابهم بمقاطعتهم ومنابذتهم، وضيقوا عليهم بحصرهم في هذا الحصن، ومنعهم من حضور الأسواق، ~~وقررت قريش فيما بينها إسقاط بني هاشم من عدادها، وعدهم أجانب عنهم بل أعداء لهم، وحرموا ~~على أنفسهم أن يتزوجوا منهم أو يزوجوهم، وقرروا ألا يقبلوا منهم صلحا، أو تأخذهم بهم رأفة ~~حتى يسلموا رسول الله إليهم ليقتلوه بأيديهم، # 1 # وكتبوا ~~بذلك صحيفة فيما بينهم، وعلقوها في الكعبة توكيدا على أنفسهم # 3 # فدخل بنو هاشم وبنو عبد المطلب مؤمنهم وكافرهم في الشعب # 3 # ليمنعوا رسول الله، ويحموه من القتل؛ إلا عمه أبو لهب لعنه ~~الله # 3 # فإنه ظاهر عليهم قريشا، والآن لا يدخل إلى ~~بني هاشم من طعام إلا النزر اليسير، ومن ثياب إلا القليل، وترى المؤمنين يحتالون لإطعامهم ~~كل محتال، ولكنهم يلقون في ذلك شدة وعذابا من الكفار، وأصبح كثيرون من ms183 بني هاشم لا يجدون ~~من طعام إلا الخبط وورق الشجر # 3 # ولذلك فإنه؛ أي: طويف، ~~لم يعلن إسلامه لأحد من أهل مكة، وكان في نيته أن يحتال لدخول الشعب بشيء من الطعام. # فلما سمع ورقة هذا الكلام تألم ألما شديدا، وتذكر ما كان الحارث قد ذكره منذ عام من ~~ائتمار قريش ببني عبد المطلب ليلة عتق فتنة، وطلبه إليه أن يصلي لله ويدعوه أن يكف عنهم هذا ~~الأذى، وصمت ورقة يفكر في حال سادته، وأهل بيت نبيه الذي يفتديه بروحه، وصح عزمه على ألا ~~يدخل مكة إلا ومعه مقدار عظيم من الطعام الذي في القافلة، وأن يعمل كل حيلة في إيصاله إلى ~~بيت رسول الله في الحصن المحصور؛ ليأكلوا منه عشية يومه، ثم اتجه ورقة إلى السماء رافعا ~~يده إليها، وتمتم بكلمات عاهد فيها ربه على أن لا يذوق من ساعته زادا حتى يأكل رسول الله ~~وأولاده. # وكانت له صحبة في القافلة بتجار من يهود نجران واليمن يحملون طعاما وكساء على أربعين ~~جملا: تجار رحل كان كثيرا ما يلتقي بهم في أسواق صنعاء ونجران، بل لقد حمل ورقة أحدهم ~~ذات مرة في سفرة له إلى مكة رسالة إلى باقوم، فتوثقت بينهم وبينه في الطريق مودة عظيمة. ذهب ~~إليهم من فوره؛ ليتذاكر معهم فيما يحملون من بضاعة، كم يكون ثمنها؟ وكم يربحون من بيعها؟ ~~وإذ لم يشكوا في مأربه؛ لأنه كما يعلمون تاجر مثلهم يسير ببضاعة معهم إلى مكة صدقوه القول، ~~وقالوا: هي بضاعة يقدر ما فيها من الكساء بثلاثين ومائة دينار، وأن حملها عشرة جمال. أما ~~الطعام فهو على ما يبهظ من ظهور الجمال لا يزيد ثمنه على ستين دينارا، وإن كان فيه سمن ~~وسكر، ولذلك فإنا لا نتاجر في الطعام، وإنما هذا طعام كنا قد جئنا به من قرن المنازل إلى عكاظ # 4 # فلم يبع فيها وها نحن أولاء عائدون به إلى مكة، ولعلك قد رأيت جمالا تتصل بنا ~~ساعة نزلناها. قال: لم أر شيئا، فقد كنت مشغولا بحمولي ms184 ساعة نهضتنا، ولكن ما قولكم في أن ~~أشتري طعامكم هذا، وما تحملون من كساء، وأدفع لكم فيه ما طلبتم قبل أن تدخلوا به مكة؟ آخذها ~~لنفسي لأتاجر فيها وأرتزق؟ وأريحكم من عناء تصريفها، وتضييق قريش عليكم في بيعها؟ قالوا: ~~نشكرك إن فعلت. قال: وإني لراغب حقا، وإذ إني أريد أن أجازف فأبيعها لبني هاشم الليلة ~~وقريش مشغولون بإنزال القافلة في الأبطح، فإني أرجو منكم أن تساعدوني على ذلك بأمر لا ~~يكلفكم مشقة، بل يريحكم من الآن. قالوا: وما هذا؟ قال أن تتئدوا في سيركم مجانبين حتى ~~تنحدروا إلى ذيل القافلة وأطراف ذيلها، ثم تنقطعوا عنها. فإذا سارت القافلة وتقدمتكم، ~~واشتغلت قريش بأمرها عطفتم على طريق أجياد. قالوا: هذا شأنك وفيه راحة لنا. على أنا لا نكره ~~أن يصل إلى الحنفاء الموحدين بالله مثلنا رزق كهذا برضانا. قال: شكرا لكم. على هذا اتفقوا، ~~فتأخروا وانقطعوا ووقفوا الجمال، ودفع لهم ورقة ثمن ما يحملون، واتفقوا على أن يسير هو ~~بجمالهم وجمالتهم؛ لينزل حموله حيث يشاء، ثم يردها إليهم، وعلى ذلك نزلوا في منعطف أجياد، ~~وسار هو بالجمال حيث أراد. # اشتغلت قريش بالقافلة، فأنزلوها في أبطح بني كنانة، وأقاموا عليها الحراس بالليل؛ ليمنعوا ~~بني هاشم أن يشتروا من أهلها، كما أقاموهم بالنهار لذلك، وهم يزعمون أنهم دبروا ما يجب ~~لإجاعة أهل بيت النبي وعشيرته، وأنهم يوشكون لهذا أن يسلموا إليهم سيدهم ونبي الله؛ ليقتلوه ~~لقاء لقيمات يسمحون لهم بشرائها من الأسواق. # ولكن الله كان يخيب فألهم حين يؤملون، ويرد كيدهم في نحورهم حين يبيتون؛ فقد كان ورقة ~~يسير بجمال الطعام والكساء في تلك الساعة على مدرج جبال أبي قبيس قاصدا حصن أبي طالب من ~~وراء البيوت، وإذ كان منزله وراء الحصن في طريقه إلى دار رسول الله فقد وقف بعرانه عنده، ~~ودق على أمه الباب ففتحته، وقبلها وقبلته، وسألها عن مكان مولاتها سيدة المؤمنين من الشعب ~~فدلته عليه حين دخل على باقوم فقبل يده واعتذر له من اضطراره إلى تركه قليلا، ثم استودع ms185 ~~أبويه بضاعته وجمالته؛ ليدخلوا عقاقيره في الدار، وجماله في مربط جواده، وانصرف على الفور ~~إلى بيت سيدة قريش، من حصن أبي طالب. # كان ورقة يعرف هذا الحصن معرفة تامة؛ لكثرة ما ذهب إليه في أيام طفولته ومراهقته، وكان ~~يعلم أن له مدخلا عجيبا، شقا من شقوق أبي قبيس يفضي إلى رحبة واسعة تكاد تكون مربعة، ~~وأن للحصن على هذه الرحبة بابا لا يستعملونه كثيرا؛ لأنه إن أدى إلى شيء فإلى ظهر جبل أبي ~~قبيس، لا إلى سوق مكة وبيت الله، ولكن هذا الباب كان أقرب إلى البيت الذي نزل فيه رسول الله ~~بأهله، ولذلك قصد إليه ورقة، وأدخل الجمال في تلك الحظيرة الموفقة، وكان صوت الجمال قد نبه ~~الآذان، ففتح زيد بن حارثة باب الحصن محاذرا، وإذ رأى ورقة، ورأى الجمال تملأ الرحبة صاح ~~مكبرا: الله أكبر. الله أكبر! وجاء أهل البيت؛ ليروا ماذا حدث ... # ثم لاحت سيدته سيدة المؤمنين خديجة وبنات رسول الله فهرع إليهن ورقة يقبل أيديهن جميعا، ~~وهو يقول: بأبي أنتن وأمي وبنفسي من كل سوء. هذا رزق أرسلني الله به، اشتريته من القافلة ~~عندما علمت بحصاركم. فرفعت أم المؤمنين وبناتها أيديهن شكرا لله على بره ودعون له، ثم أمرت ~~بإدخال الحمول ساحة الحصن. فانصرف أهل البيت إلى معاونة الجمالة على ذلك، ولم تمض ساعة حتى ~~كان رزق الله قد استوى في الساحة، وعاد الجمالة بالجمال إلى ما وراء مكة كما اتفق التجار مع ~~ورقة مشكورين مكرمين. # وإذ علمت سيدة قريش بما كان من قدوم وفد الكفار على القافلة وإنذارهم التجار بالويل إذا ~~هم باعوا بني عبد المطلب شيئا - أدركت ما يحيط بورقة من الشر، فأمرته أن يذهب إلى أمه ~~لكيلا يرى، وأوصت كل من أرى وشهد أن يكتم أمر ورقة، وإذا سألهم سائل أن يقولوا له: جاءت ~~جمالة فأنزلوا الحمول وانصرفوا ولا يعرفون من هم، وهذا صدق كله، ولكنه لا يبين عن المرسل. ~~على أنه هو الله وحده الذي دبر هذا، ورد كيد المشركين والكفرة القساة ms186 القلب إلى نحورهم ~~وأكبادهم. # ولم تر أم المؤمنين أن تلجأ إلى فراشها في تلك الليلة، حتى توزع فضل الله على عشيرة ~~الرسول، مؤمنين وغير مؤمنين؛ ليطعموا عيالهم الذين يتضورون جوعا، ولكنها ما كانت تصدر عن ~~أمر إلا بمشورة رسول الله، وكان # صلى الله عليه وسلم # عند عمه أبي طالب، فأرادت أن ترسل إليه؛ ليجيئها، ~~ولكنه كان قد جاء فعلا، وتلقاه مولاه زيد بالخبر السار؛ فحمد الله - فيما أخال - ودعا ~~لورقة وأثنى عليه، كما أخال أنه # صلى الله عليه وسلم # وافق زوجته على ما رأت من إسعاف أهله في نفس ~~الليلة بما جاءها من الطعام. فأرسلت إلى كل بيت كيلا عاجلا من كل صنف ورد على أن تقسم ~~بقية ما جاء بالعدل والرحمة في الغد. أما الثياب فتركت أمرها إلى الغد كذلك حتى ترى حاجة كل ~~بيت منها فتوزعها عليهم تبعا لذلك. # مضى يومان بعد هذا، والقافلة يحرس سوقها حراس من المشركين، ولكنهم لم يروا أحدا من بني ~~عبد المطلب دنا من السوق؛ ليشتري طعاما أو يلتمس خرقة. فتعجبوا لهذا أيما عجب، ولكن لم يطل ~~عجبهم كثيرا فقد أخذوا يتبينون الحقيقة شيئا فشيئا من روايات بعض أهل القافلة. خبرهم ~~بعض تجارها أنهم لا يرون عير اليهود الرحل، وأنهم يرجحون أنهم باعوا تجارتهم لبني عبد ~~المطلب وانصرفوا، وقال بعضهم: إنهم رأوهم يتأخرون عن القافلة ساعة دخول مكة، ولا بد أن يكون ~~هذا تدبيرا منهم للذهاب ببضاعتهم إلى شعب أبي طالب على الفور، وادعى بعضهم كذبا أنهم ~~كانوا يعلمون أنهم قادمون بطعام وثياب خصيصا لعشيرة أبي طالب، وقال غيرهم بل لعشيرة محمد ~~بن عبد الله عينا، وأتى على ذلك ببراهين وشواهد كاذبة ليدعم بها روايته. فسقط في يد أهل ~~الصحيفة المشركين، وكادوا يتميزون من الغيظ؛ لحبوط ما دبروا، وودوا لو يستطيعون إدراك عير ~~اليهود القافل، ولكنهم كانوا قد رحلوا عن مكة قبل أن تعرف قريش أمرهم بيومين، بل لو خرجوا ~~وراءهم في حينه ما أدركوهم؛ لأنهم كانوا قد أخذوا طريقا آخر غير طريق ms187 البر إلى اليمن، وهو ~~ما كانت قريش تسلكه؛ لتدركهم، وإنما فعل العير ذلك؛ ليستبضعوا لبني هاشم شعيرا وسمنا من ~~أسواق جدة وجيرتها بعد ما علموا من سوء حالتهم، وإجماع المشركين على إجاعتهم وإذلالهم، ~~وإمكان أن يستفيدوا من هذا الحادث ربحا مضاعفا. على أنهم كوفئوا على حسن النية خيرا ~~معجلا؛ ذلك أنهم لم يرحلوا خفافا، بل رحلوا محملين، وكان لهم في الحالين أكرم أجر، وإليك ~~ما جرى. # الفصل السابع والعشرون # | الهجرة إلى الحبشة # أجمعت قريش رأيها على أن تقاطع كل مسلم كذلك، وتلحقه ببني عبد المطلب في الأذى. فلما جاع ~~المسلمون وكادوا يعرون - أذن لهم رسول الله في الهجرة بأولادهم ونسائهم إلى الحبشة؛ إذ كان ~~لهم فيها ملك كريم عرفوا من إخوانهم السابقين إليها أنه مال إلى الإسلام، فأكرمهم أيما ~~إكرام، ولكنهم ما كانوا يجدون جمالا تنقلهم إلى حيث يركبون البحر إلى بلاد هذا الملك الذي ~~وفقه الله إلى الخير، وانتظروا القافلة، ولكنهم أدركوا أنهم لن يستطيعوا أن يستأجروا شيئا ~~منها؛ لأن قريشا قد أنذرت أهلها وضربت عليهم الحصار، ولذلك ظلوا يتحينون الفرص حتى حانت من ~~حيث لا يعلمون. ذلك بأن ورقة لما ذهب إلى بيته وجد في انتظاره في البيت رجلين من المؤمنين ~~لم يكن في الإمكان حبس الخير عنهما، ألا وهما عبد الله بن مسعود خادم رسول الله، وبلال بن ~~رباح عتيق أبي بكر الصديق، وكانا كثيري التردد على أخيهما في الإسلام باقوم الرومي. فلما ~~اجتمعا به قبلاه ودعوا له بالخير جزاء حسن صنيعه وجهاده في سبيل نبيه! وذكرا له ما يلقى ~~المسلمون من الأذى من قريش، وأن منهم من استأذنوا رسول الله في الهجرة إلى الحبشة كما هاجر ~~إخوانهم من قبل؛ ليحموا ذرية المسلمين من الفناء مرضا وجوعا، ولكنهم لا يجدون جمالا. قال ~~ورقة: هذه جمالي فخذوها لمن يريد، وهناك أربعون جملا أخرى تعود إلى اليمن في صبيحة هذه ~~الليلة، إن شئتم جعلتها لهم، على أن يرحل الراحلون في الصباح لا ينتظرون ولا يتلومون خشية ~~أن تعرف قريش ms188 من أمرها ما تجهل حتى الساعة فتعاقب أصحابها على ما فعلوا من أجل بيت ~~الرسول. # فلما سمع الرجلان هذا الكلام كبرا لله شكرا وحمدا، ونهضا إلى بيوت من كان في نيتهم ~~الرحيل من المسلمين، وأكدا لورقة أنه إن ذهب إلى العير القافل، فاستقدم البعران في موهن ~~الليل إلى داره، فسيلقيانه ليفرقاها على بيوت الراحلين. على هذا اتفقوا، ونهضوا لهذا الأمر، ~~وذهب ورقة على حمار كان باقوم قد اشتراه ليحمله، حتى بلغ عير اليهود، وأخبرهم بما اتفقوا ~~عليه، فشكروا له سعيه، وكان الجمالة أشد رغبة من سادتهم في ذلك لما علموا من فرط بر ~~المسلمين، وإحسانهم لقاء ما يحسن الناس إليهم وإن كان ضئيلا. # جاء بهم ورقة فعلا، وكان الليل قد انتصف، وأهل مكة كلهم نياما إلا من اتفق معهم بلال ~~وعبد الله، فقد شكروا لهما هذا السعي، ونهضوا من فراشهم يعدون أحمال الرحيل، وما أحمالهم إذ ~~ذاك بالأمر الكبير، حتى إذا جاء الجمالة بالجمال رحلوها وركبوها، وساروا قبل السحر ~~يلتمسون جدة؛ ليأخذوا طريق الشاطئ على أقرب مرفأ تحملهم مراكبه إلى بلاد الملك ~~الطيب. # كان الذين رحلوا في تلك الليلة وما قبلها حوالي مائة من المسلمين، # 1 # منهم جعفر بن أبي طالب وزوجته أسماء، والمقداد بن الأسود، وعبد الله بن مسعود، ~~إذ ركب بعيرا من بعران ورقة، وعبيد الله بن جحش ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكان ~~عيرا كبيرا لم تسمع قريش بنبئه إلا يوم تعجبت؛ لاختفاء الطلب من بني عبد المطلب على ~~الأسواق، ولكنهم مع ذلك لم يصدقوه. # ولقد كان ورقة يريد أن يصحبهم في تلك السفرة، ولكنه كان يرى أن الرسول أصبح في حاجة ~~إليه، بل وجد أن من واجبه أن يبقى؛ ليكون دريئة له # صلى الله عليه وسلم # من أذى الكفار، ولذلك بقي في ~~مكة شهرا لا يدري كيف باع فيه كل ما جاء به من العقاقير، ولكن الواقع أن الحارث كان قد علم ~~بمقدمه، فأغرى تجار العطارة والعقاقير بمشتراها منه، وكان قصده من ذلك متشعبا: ms189 بعضه أن ~~يساعده على الربح من بضاعته، وبعضه أن يضمن له شاريا قبل أن يدخله ولده وسائر قريش فيمن ~~تجب عليهم مقاطعته، وبعضه أن يغريه بالرحلة عن مكة في طلب عقاقير أخرى من اليمن؛ ليصونه من ~~أذى ولده الذي أنذر للات دمه إذا هو رآه مارا بداره، أو سمع أنه اتصل بلمياء أو هرميون ~~أو راسلهما. على أن هناك غرضا آخر وراء ذلك كله: ذلك أن ولده النضر حمله على الرضا بتزويج ~~لمياء من فتى من فتيان بني عبد الدار، وكان الحارث يعلم في قرارة نفسه أن بين ابنته لمياء ~~وورقة محبة شديدة وغراما قويا، ولكنهما لطهرهما ما كانا يفصحان عنه أو يتدانيان بسببه، ~~بل كان ورقة على وجده يعمل عمل الكريم الطاهر النفس على إخماد نيران جواه، وتجنب كل مباح، ~~وكان الحارث بصيرا بالقلوب فرأى من البر بالغلام أن يحمي أذنه أن تسمع خبر زواج لمياء، ~~وقلبه أن يلتهب لانقطاع أمله منها، وإن لم يكن قد استشعر هذا الأمل من قبل. # اجتمع لدى ورقة من المال ما كان كثيرا، فقد أعطته سيدته خديجة ثمن ما حمل إليها وزادته ~~عليه إكراما، وأعطاه المسلمون الراحلون ثمن بعرانه الثلاثة؛ لأنه لم يرض أن يفارق الشملالة ~~ولو على ألف دينار، وتضاعف ما كان قد دفعه ثمنا في العقاقير، وزاد زيادة كبيرة فأصبح يملك ~~نصف ألف من الدنانير لم يدر ماذا يفعل بها؟ فاستودعها أباه، وانصرف يفكر في الرحلة إلى ~~اليمن في طلب العقاقير، ولكنه وجد نفسه كارها لهذه الرحلة؛ لما خطر له من ضرورة البقاء في ~~جوار رسول الله، ولأنه كان يشعر أنه لقربه من حيث تسكن لمياء - كأنه مع لمياء، وكم مرة خطر ~~له أن يمر بدارها؛ ليكون أدنى إليها أو تعسيا أن يراها، ولكنه ذكر أن الحارث على فرط بره، ~~وعلى ما سمع عنه ممن اشتروا منه بضاعته، لم يزره، بل أغراه بالرحيل في طلب عقاقير أخرى ~~فأدرك أنه لا يستطيع أنه لا يستطيع ذلك خوفا عليه من ولده، وأنه لا ms190 يحسن به أن يزوره، أو ~~يبدو بجوار داره؛ لئلا يراه ولده أو أحد من أتباع ولده فيكون له منه أذى، وذكر نصيحة الأسقف ~~فاستقر رأيه على البعد عن دار الحارث وقلبه يلتهب شوقا إلى لمياء. # وظل الفتى على حال دبره لنفسه؛ ذلك أنه كان إذا قضى سهرته مع أهله وبلال ومن يزوره من ~~المؤمنين وانصرفوا، نهض هو فتقلد سيفه، واحتمل قوسه وكنانته، والتحف عباءته فوق ذلك، وسار ~~حتى يبلغ شعب بني طالب، حيث يسكن رسول الله منذ قاطعتهم قريش فيجلس بالقرب من عتبة الحصن ~~يحرس الباب، أو يطوف بالحصن خشية أن يعلوه أحد من أشقياء قريش الذين كانوا قد أعلنوا ~~نية قتل الرسول مهما ترتب على ذلك من الأذى، وكان إذا لاح الفجر، وسمع رسول الله ناهضا ~~ليتوضأ يعود هو إلى داره يتوضأ، ويصلي الصبح وينام، وإذا كان رسول الله في سهرة عند أحد من ~~صحابته - رضي الله عنهم - وقف بباب الصحابي حتى يخرج فيسير أمامه حتى يطمئن عليه في داخل ~~داره. # جرى على هذا مدة طويلة لا تفتر له همة، ولا يغض له جفن، ولا يعرف هذا أحد إلا زيد بن ~~حارثة، ولكنه مع ذلك لم يخبر رسول الله إجابة لرجاء ورقة خشية أن يصرفه رسول الله عما يجد ~~فيه نعمة لقلبه بالسهر عليه. # وطال سهر ورقة وزيد يراقبه متعجبا لبره. لقيه ذات يوم في داره فقال: إلى متى يا صاحبي ~~تقضي الليل في العراء؟ إن رسول الله آمن في الحصن لا يمسه أذى. قال اسمع يا زيد إني إن ~~أحببت رسول الله وقمت على حراسته فإنما أحب الله، وأجير الحق والخير الذي أرجوه للناس على ~~لسانه. ما قيمة دنيا لا يكون فيها وما يصلح للناس حياة فيها؟ كل يقوم بواجبه. إنه يدعو إلى ~~الحق، ويحتمل فيه كل أذى، وهو من هو من الناس ومن الله، وأنا أريد أن أقوم بواجبي لله ~~ولدينه ولنبيه وللناس، وتدخل بلال في الأمر هو وباقوم فاستمر ورقة على حاله غير مكلف ولا ~~مسئول. ms191 # وحدث ذات ليلة والظلام شديد في العتمة من الليل بينما كان ورقة يطوف بالشعب - أن رأى ~~ثلاثة أشباح تروح وتجيء في الطرقات المؤدية إلى الحصن، فزعمها في أول الأمر أشباح أفراد من ~~بني هاشم يسيرون إلى بيوتهم، ولكنه رآهم يذهبون ثم يعودون، وقد يقفون ليتلفتوا. فخطر له أن ~~يخدعهم كما خدع القرضاب وتظاهر بالنوم على عتبة الدار، فتجمع الثلاثة بعد قليل، وسمعهم ورقة ~~يقولون: نراه عاد إلى داره مبكرا. هذا ابنه زيد نائم على عتبة الدار. لو عاجلتموه! قال ~~أحدهم: لا تفعلوا، وإلا أنذرتموهم بما نحن بصدده. دعوه، وانتظروا حتى يترك محمد داره في ~~الفجر إلى مسجد ابن أبي قحافة. # 2 # أدرك ورقة أنهم يأتمرون بالنبي، وعرف من بين المتآمرين صوتا ما كان يظن أن يكون مع ~~المشركين على هذا، ولكنه قدر أن يكون معهم اضطرارا. ذلك هو زياد عبد الحارث أو بالأحرى ~~عبد النضر، وأدرك لوجوده أن المؤامرة دبرها النضر؛ ليقتل رسول الله، وخشي إن هو تركهم أن ~~يكون النبي # صلى الله عليه وسلم # قد انتوى صلاة الفجر مع أبي بكر في بيته، وكان قريبا، وفي هذا ما ~~يعرضه للأذى، وخطر له أن يوقظ زيد بن حارثة؛ ليلقي إليه خبر هؤلاء، ولكنه خشي أن يعاجلوه ~~إذا نهض بالقتل فيموت في غرض يمكن تحقيقه بما أهو أهون عليه، وأعود بالخير على بني هاشم. ~~فاستمر متظاهرا بالنوم فرآهم مروا به، ثم وقفوا عليه هنيهة وانصرفوا، فما كادوا ينعطفون ~~حتى نهض وشد قوسه فرمى أحدهم بين كتفيه فسقط، ورمى زيادا في كفه فتقطعت، وأراد أن يدرك ~~الثالث ولكنه جرى حتى أخفاه الظلام. فنهض بعض خدم الرسول على الصوت ، وفتحوا الباب؛ فوجدوا ~~ورقة عائدا، وسألوه فأخبرهم الخبر، فشكروه وقبلوه، وذهبوا إلى الرجل الملقى على الأرض ~~فوجدوه من عبيد بيت النضر عينا، فنقلوه إلى مكان أبين؛ ليراه الناس في غدهم، ويعلموا ما ~~دبر النضر. # وكأن النضر قد علم بما لقي رجاله فأرسل من ينقل القتيل، ويتعرف القاتل، ولكنهم لم يجدوه. ~~وجدوا بيت الرسول محروسا ms192 بغير واحد، فولوا الأدبار مهطعين، وكان الفجر قد أوشك أن يلوح، ~~ورأى ابن حارثة أن يذهب ورقة؛ لينام ويتركهم لينوبوا عنه في حراسته، وأصروا على ذلك فلم يجد ~~بدا من إطاعتهم، ولكنه ما كاد يصل إلى الدار حتى رأى على بابها رجلا مربوط اليد ينتظره ~~وهو يئن أنين مكلوم، فلما دنا منه ورقة عرف أنه زياد بعينه الذي ضربه. قال: ما خطبك يا ~~زياد؟ قال: أرسلني إليك مولاي الحارث؛ لتضمد جرحي بشيء من العقاقير، فإنه لا يجد في داره ~~شيئا، وقد كتب لك اسم الدواء على هذا الرق، وكان ورقة قد تأمل زيادا فلم يجد عليه ما ~~يريبه من أمره، فدق الباب ليفتح له، وأخذ الرق منه ودخل به إلى الدار ليقرأها. فإذا فيها: ~~موه عليه، وانج بنفسك وإلا هلكت. فسكت ورقة وغرق في بحر من الفكر والعجب. كيف عرف النضر ~~أنه هو الذي قتل؟ ولكن الأمر لم يكن عجيبا في الواقع؛ لأن النضر كان قد شغل نفسه بذلك، ~~وكان له جواسيس وعيون من رجال ونساء، وكان من السهل عليه أن يعلم أن ورقة عاد، وأنه يحرس ~~بيت رسول الله كل ليلة، ولكنه لم يشأ أن يعلن أحدا بذلك، ولاسيما زيادا؛ لأنه كان يعلم ما ~~بينهما من مودة فأبقاه جاهلا أمره حتى تلك الليلة، ولكن ورقة لم يكن في حاجة إلى هذا ~~الكتمان، ولا سيما بعد ما جاءه العلم من الحارث بظهور أمره. فقال له: حتى أنت يا زياد تأتي ~~مع القتلة؛ لتقتل رسول الله. فشده زياد لما سمع، وقال: كيف علمت ذلك؟ قال: وماذا يهمك كيف ~~علمت؟ ألست من موالي أم المؤمنين؟ وإن كنت حرا . قال: بلى، وإذا كنت لم تستطع أن تخالف ~~لسيدتك الطيبة العفوة أمرا، فكيف أملك أن أخالف لسيدي الشرير السافل أمرا. لقد دفعني إلى ~~ذلك دفعا، وأنذرني إن أنا ذكرت شيئا لأبيه أن يقتلني فكتمته، وهذا ما أصابني الليلة؛ إذ ~~كنت في المؤتمرين، ولكن من أين لهم أني أنا أحدهم؟ قال ورقة: هذا ما دلني ms193 عليه جرحك البالغ. ~~قال: أولا تكتم أمري؟ قال: لا والله، ولقد كنت أحب أن تكون أنت المقتول. أتخونني يا زياد في ~~نبيي؟ وقد علمت قدر حبي له؟ قال: واسوأتاه!! هذا أقتل لنفسي من كل قتل. ليتني ألقى رسول ~~الله وأنيب إليه بفيض دمعي وسيل قلبي. خذني بحقك إليه. إني أريد أن أطأطئ عنقي لسيفه ~~ليضربني، فوحق الله وذلة الرق الذي أنا فيه لا يريح قلبي من إثم ما فعلت إلا أن أرى سيف ~~رسول الله يهوي على رقبتي. لا أرى لعقابي إن أنا نجوت إلا أن أظل على شركي وكفري؛ ليعذبني ~~الله عذابه الشديد لقاء ما همت نفسي بقتل رسول الله. # هنا تراءى باقوم ونادى: أسلم يا فتى. أسلم وأشهد الله على إيمانك، فإنك قد تبت وأنبت، ~~وإني لأمنحك عن رسول الله عفوا وإحسانا. قال زياد وقد تحدر دمعه، واختنق صوته: أشهد أن لا ~~إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنني أجرمت وأسأت، ولا يسع جرمي إلا عفو الله ~~ورسوله. فتناوله باقوم على الأثر، وعلمه الوضوء، وتوضأوا جميعا وصلوا صلاة الفجر ~~معا. # ثم أخذه ورقة إلى غرفته وطمأنه بأنه لم يخبر أحدا أنه كان من المؤتمرين. ثم سأله عن حال ~~هرميون ولمياء فقال: إنه أسوأ حال؛ لأن النضر يلح في أن يزوجها من فتى من بني عبد الدار، ~~وهي وأمها ترفضان، ولكنه يخشى أن تحمل إليه حملا وإكراها، ولكني أعلم حق العلم أن لمياء ~~عازمة على قتل نفسها ليلة الزفاف، وأمها لا تشك في ذلك فهي لا تفارقها، ولا تنقطع عن الشجار ~~مع زوجها وابن زوجها بسبب ذلك. # والواقع أنه في اللحظة التي كان فيها زياد عند ورقة والنضر والحارث مشغولين بما جرى؛ إذ ~~كان الحارث قد وقف على ما كان ابنه يدبره من السوء - كانت هرميون ولمياء على ظهر ناقتين من ~~أهزل النوق تسيران في طريق جدة. # كانت هرميون تكره زواج ابنتها من عربي، وكانت لمياء تكره كل زواج بعدما خاب أمل قلبها، ~~وكان النضر يوشك أن يضربهما ms194 الضربة القاضية، فلم تجد هرميون بدا من المجازفة، وأخذت تتحين ~~الفرصة حتى وجدتها في تلك الساعة فانسلت بابنتها على الأقدام، حتى بلغتا بعض خيام كانت قد ~~نزلت عندها هي والحارث يوم جاءت معه من مصر وأكرمهم أهلها أيما إكرام، وأكرمتهم هي من ~~جانبها؛ إذ أعطت أهلها ثيابا ومالا. # هناك التقت بالعجوز ربة الدار وزوجها وابنة لهما، وكانتا متنكرتين كل تنكر، فلم يعرفوهما ~~لأول وهلة، ولكن العرب كرام فلم يسائلوهما في شيء، إلى أن وجدت هرميون فرصة للحديث مع ~~الزوجة فأخبرتها خبرها، وطلبت إليها رواحل؛ لتنقلها هي وابنتها إلى جدة، وحلفتها بكل مقدس ~~لديها أن تكتم خبرها حتى لا يعرف أحد مكانها. فطمأنتها المرأة على ذلك، وخلت بزوجها فأجاب ~~وأعد بعرانه، ونقدت هرميون المرأة أجرة البعران نقدا سخيا، ووعدت أن تكرم الزوج عند ~~بلوغها سالمة إلى جدة، وتطوع الزوج إزاء هذه المكارم أن يسير بهما في غير الطريق المعتاد، ~~مارا بمفازة سكانها أهله وأولاد له؛ ليبلغ جدة مسرعا وكذلك كان. # هناك وجدتا سفينة على وشك الرحيل إلى عيذاب كانت آتية من بلاد الحبشة تحمل من خيراتها ~~شيئا كثيرا إلى مصر، ولكنها لم تكن لتحمل ركابا، ولذلك أبى صاحبها أن يأخذا أحدا معه، ~~ولكن هرميون توسلت إليه وكلمته بالرومية، وخبرته أنه إن لم يأخذها معه فسيردها أعداؤها وهم ~~من ولاة مكة، إلى حيث يعذبونها. فلم يسع الرجل إلا أن يبادر فينقلها، وينشر قلوع السفينة ~~على الفور؛ ليرحل بها من بلاد كرهتها اليوم كرها شديدا. لم يفت هرميون أن تكرم العربي ~~الذي نقلها أيما إكرام، وتحمله رسالة شكر وسلام إلى زوجته وابنته. # الفصل الثامن والعشرون # | خمار ونقاب # تنبهت قريش في صبيحة اليوم الثاني لمقتل عبد النضر على أحداث عظيمة. علم بنو عبد المطلب ~~بما كان من ائتمار النضر وصحبه على رسول الله؛ فذهب وفد منهم على رأسه حمزة والعباس - وإن ~~لم يكن قد أسلم بعد - إلى الحارث بن كلدة في بيته يسألونه هل كان ما جرى بعلمه ورضاه؟ فأنكر ~~علمه، واستعاذ بالله أن ms195 يرضيه قتل رسول الله. فقالوا: وهل يرضيك أن نرسل نحن غلماننا؛ ~~ليقتلوا ولدك غدرا، كما أرسل ولدك غلمانه؛ ليقتلوا أخانا غدرا؟ قال: كلا. قالوا: فما ~~جزاؤه إذن؟ قال: لا تسألوا والدا في جريمة ولد، فلن يكون رأيه معكم على ولده، وها أنتم ~~أولاء على مثل حالي، فابنكم يسفه أحلام قريش، ويقول لهم بلسان ربه: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم # ومع ذلك تمنعونه ممن يؤذيهم بلسانه. قالوا: البادي بالشر أظلم، وابنك ~~وصحبه لم يتركوا سافلا من القول حتى رموه عليه حتى في بيت الله، وكانوا في ذلك بادئين، على ~~أنا ما منعناه إلا من الاغتيال، ولم نمنعه من سوء المقال قال: قد يكون القتل أهون من القول. ~~قالوا: والاغتيال بيد العبيد والغلمان أهو شيمة الرجال؟ قال: هذا ما يحزنني ويخجلني، وددت ~~لو كان ولدي رجلا فيطلب محمدا إلى قتال، فإما قتله وإما مات بسيفه، ولكنه جبان رعديد. ~~قالوا: حسبنا أن تنعته أنت بذلك، وإلا فقد جئنا نطلب إليه مواجهتنا ليختار منا من ينازله؛ ~~لأنه ليس ضريبا لمحمد بن عبد الله، ولا الدنيا في حاجة إليه كبعض حاجتها إلى بصيص من نور ~~الله الذي استودعه رسوله، ولأنه إنما يبغي علينا أول ما يبغي؛ إذ نحن حماة رسول الله وعضادة ~~دينه. ولكنا بعد هذا لا ننازل امرأة! وقد جئناه بخمار ونقاب وفاغية وحناء، فإن أبى أن ~~يلبسهما ويتطيب ويختضب، وود أن يرد علينا شوار العروس - فنحن في انتظاره حيث يشاء، ثم نهضوا ~~عائدين إلى شعبهم؛ ليرتبوا على مداخله ومخارجه حراسا وعسسا من أنفسهم كل ليلة، حتى يأمنوا ~~على أخيهم شر ما بيته السفلة الجبناء. # كان النضر في تلك الأثناء في الدار يتسمع، ولكنه لم يجرؤ أن يبدو للحاضرين، وكره أن ينعته ~~أبوه بما نعت، وأن يقول حمزة والعباس فيه ما قالا، ولكنه وجد في قولهم دليل اكتفائهم من ~~الأمر بالإهانة، ولم يطق أن يعلم أحد بوجوده فذهب من فوره إلى صحبه يبلغهم ما جرى، ~~ويستعديهم على بني عبد المطلب، ولكنهم ms196 أبوا عليه ذلك، ولامه بعضهم على ما فعل؛ إذ أذلهم في ~~عين بني هاشم، وأحقرهم في عيون الناس، فعاد النضر يفكر فيما أصابه من الخذلان، ورأى أن ورقة ~~سبب كل هذا. فاجتمع عليه الغلان، وثارت نفسه على ورقة، فعزم على تنفيذ ما كان قد انتواه من ~~قتله حين جاءه العبد الثالث بخبر القتيل والقاتل، وانصرف لتدبير مقلته في تلك الليلة. فخرج ~~إلى ظاهر مكة ليلقى جماعة من الصعاليك العرب كانت له بهم معرفة قديمة، واتفق معهم على ~~اغتيال ورقة وهو خارج من داره أو عائد إليها، وجعل لكل منهم دينارا، وهناك علم منهم أن ~~امرأة أبيه وابنتها شوهدتا تسيران في حمى أعرابي إلى جدة من درب غير دربها. فأنكر ذلك، ولكن ~~القائل كان ممن يترددون على بيت الحارث، ويأتي إليهم بالماء من بئر في جوار خيشة فهو ~~يعرفهما لذلك حق المعرفة، ولكن النضر لم ير أن يأخذ بقول الرجل فيرسل أحدا في طلبهما وقطع ~~الطريق عليهما؛ لأنه كان مشغولا بهمه وتدبيراته، ورابه من الرجل قوله: إنهما سارتا في غير ~~دربها؛ إذ كل درب غير دربها مفازة محفوفة بالخطر الأدهم، وما يجرؤ أحد أن يسير بامرأتين ~~فيه. على أنه لم يعد بعد ذلك إلى الدار؛ ليستوثق بل ذهب ليلقى ابن معيط صديقه وشريكه الأشر، ~~وقضى معه الهزيع الأول من الليل كراهة أن يلقى أباه. على أن أباه كان قد خرج في إثر حمزة ~~والعباس يلتمس بيت رسول الله؛ ليلقي على أقدامه حزنه ومقته، ويستبرئ من جريمة ولده، ولم يعد ~~إلى داره حتى كانت الشمس على وشك المغيب. هناك دخل بيت أهله وهو لم يدخله منذ جاءه زياد ~~بخبر المؤامرة؛ إذ كان قد نزل لينظر في الأمر وعواقبه، ولم يفرغ منه إلا مغرب يومه. دخل ~~البيت ولكنه لم يجد هرميون ولا لمياء، وسأل عنهما فلم تدر جواري البيت عنهما شيئا؛ لأنهن ~~ما كن يدخلن عليهما إلا إذا طلبن فأرسل في طلب ولده، فقيل له إنه لم يعد منذ خرج في الصباح، ~~فأرسل ms197 في طلب امرأته فلما جاءت قالت: إنها لا تدري من أمر هرميون إلا أنها كانت تود زيارة ~~أهل بيت المطعم بن عدي # 1 # ولعلها ذهبت إليهن. فأرسل يسألهم، ولكن الرسول عاد بأنها لم تجئهم، فضاق صدر ~~الرجل، وأخذ يفكر فيما تكون قد فعلت، ولكنه لم يهتد إلى رأي. # لم يخطر له أنها فرت بابنتها، وإنما خطر له أنها لما كان بينهما من المشادة آثرت أن تقضي ~~يوما أو بعض يوم في أحد بيوت الأصحاب العظماء كالمطعم بن عدي هذا، وتستعين به عليه، ولكنه ~~لم يدر من يكون هذا الصاحب؟ ولم يدر متى خرجت؟ حتى يوجه العتب إلى صاحبه على أنه لم يعلمه ~~حتى الآن بأمرها، وآثر أن ينتظر، فانتظر، ومضى من الليل شطر كبير فلم تعد، ولم يبلغه أحد ~~عنهما شيئا، ولم يقفه ولده على شيء. # أخذ الشك يساوره من كل جانب، ولكنه كان رجلا صبورا فآثر أن يتجلد حتى يطلع عليه الصبح، ~~ويبصر في نوره له طريقا. فلما جاء الصبح نهض وخرج فوجد النضر في انتظاره؛ ليقول له إن ~~امرأتك هربت بابنتها في طريق جدة، فقد شوهدتا في رفقة أعرابي يسير بهما صباح الأمس في طريق ~~الغرب، وأنه أرسل وراءهما رسلا؛ ليتعرفوا أخبارهما، ويمنعوهما من نزول الماء إذا كان في ~~قصدهما السفر إلى مصر، وليعملوا على إعادتهما إلى مكة، والواقع أنه لم يكن قد أرسل أحدا، ~~وإنما تراءى له في الدار بعض من كان أرسلهم ليقتلوا ورقة، فخطر له أن يرسلهم وراءهما فقال ~~ما قال. أما الحارث فقد سمع حديث ولده وجلس خائر القوى على مقعد كان بجواره، وسكت سكوتا ~~طويلا، والنضر لا يسائله. ثم أفاق الحارث من صدمته فترك ولده، ودخل إلى غرفته الخاصة دون ~~أن يكلمه؛ لأنه رأى أن كل ما أصابه حتى الآن من المتاعب والأحزان إنما كان بفعل ولده وجنوحه ~~إلى الشر بفطرته، وأن من العبث أن يكلمه في ذلك. # على أن النضر سره من أبيه ألا يكلمه؛ إذ كان يعلم ما يجول في خاطره، ms198 ونزل إلى القاعة التي ~~يلقى فيها الناس؛ ليلقى من دسهم على ورقة ليقتلوه، وما كان أشد دهشته وغضبه حين علم منهم أن ~~ورقة رحل عن مكة في طريق يثرب، وأنه كان في رفقة من المسلمين يودعونه، وأنهم لم يجدوا في ~~استطاعتهم قتله وهو على هذا الحال فعادوا يخبرونه، كاد يتميز النضر من الغيظ لا لأن تدبيره ~~لقتل ورقة قد خاب كما خاب تدبيره السابق، وكان قد وعد أصحابه أن يجيئهم هو برأسه؛ بل لأنه ~~قدر أن رحيل الفتى في يوم فرار هرميون ولمياء لا بد أن يكون بتدبير سابق بينهما على يد ~~زياد عينا لما أرسله أبوه؛ ليضمد له جرحه بشيء من عقاقيره. فعزم على أن يعاقبه، وإلا فمن ~~هذا الذي يجرؤ على دخول بيته آمنا؛ ليدبر ذلك إلا أن يكون من أهل الدار! وإن ذهاب هرميون ~~غربا وذهاب ورقة شمالا لا يفيد افتراقهما إلا تمويها، فهما لا بد مجتمعان؛ إما في جدة أو ~~وادي مر، # 2 # فأمر رجاله أن يقسموا أنفسهم فريقين؛ هذا يسير إلى جدة، وذاك إلى مر، فمن ~~بلغ إحداهما قبل الآخر ولم يجدهما فيها يلحق بالفريق الآخر عسى أن يكون في حاجة إليه، وعلى ~~هذا التدبير الحربي الخائب نهض أعوان السوء لا لينفذوه، بل ليجتمعوا خارج مكة حيث شاءوا؛ ~~ليأكلوا ويشربوا، ويقضوا يوما سعيدا بأموال النضر هازئين به وبتدبيره؛ لأنهم كانوا يعلمون ~~أن بعرانهم هزيلة، وأن ورقة خرج على شملالة تأكل الطريق أكلا، وأنه خرج من عش أمه، وأن ~~امرأة الحارث خرجت قبله، وأن لا داعي إلى هذا التمويه، وإذا كانا متفقين على الهرب معا فقد ~~كان من الميسور أن يسير وراءهما ككل سائر ، وإلا فلو كانوا يريدون تضليل الناس؛ لكان عليه أن ~~يسبقهم في الخروج إذا أراد طريق عسفان لطوله لا أن تسبقه هرميون. لذلك رأوا ساعة خرجوا أن ~~يوفروا على أنفسهم الجهد والمشقة، وغابوا عن مكة ثلاثة أيام، وعادوا يقولون: إنهم لم ~~يتركوا شبرا من الأرض لم يفتشوا فيه عنهم، وأنهم تأكدوا في جدة ms199 أن هرميون ولمياء ركبتا ~~سفينة مع أحد الرجال إلى مصر. فقدر النضر أنه ورقة حتما، ولم يجد ضرورة للاستفهام عن حلية ~~الرجل وصفاته، وقد كان من الحتم أن يصفوه بما عرفوا ورقة. # والواقع أن ورقة لم يترك مكة عملا بنصيحة أستاذه فيما أرسله إليه مع زياد، بل نزولا على ~~إرادة مولاته أم المؤمنين، فقد جاءها خبر صريح أن القوم ذكروه في مجالسهم بكل سوء فقالوا: ~~إنه صاحب العير، الذي جاء بالطعام إلى شعب أبي طالب، ومدبر هجرة المسلمين إلى الحبشة، وأنه ~~قاتل العبد النضري، وفاضح أمرهم، ولذلك أهدروا دمه، وعلمت أم المؤمنين بذلك فور قوله فدعته ~~إليها لتعلنه بأمرهم، وتأمره بالرحيل على الفور عن مكة # 3 # قالت له: يا بني، إننا نضن بحياتك، وقد علمنا أن قريشا جعلت لرأسك ثمنا ~~سيتهافت عبيدهم على نيله، ولقد أديت واجبك؛ إذ أيقظت بني عبد المطلب لإقامة الحراس على كل ~~مدخل، وبقي علينا أن نؤدي واجبنا نحوك. ارحل عن مكة من فورك، واقصد إلى بني النجار في يثرب ~~فهم خؤولة مولاك، وعش في كنفهم حتى أرسل في طلبك، أو عش كما شئت، وقد رحل اليوم إلى يثرب ~~نفر من الأوس على رأسهم أبو الحيسر أنس بن رافع، وفيهم فتى من بني الأشهل يدعى إياس بن معاذ ~~أسلم بدعوة مولاك وجهر، # 4 # واحتملها سائر العير حتى حين، فأدركهم في الطريق، وسر في أمن عيرهم. قال ورقة: ~~إنك لتحرمينني نعمة الشهادة في سبيل رسول الله، ولقد جاءني العلم بما بيت لي النضر وصحبه ~~من الشر بخط أبيه في هذا الرق، ولكني آثرت أن أموت على عتبة رسول الله؛ لتكون لي الجنة. ~~قالت: الجنة لك بما دعا لك رسول الله، وما رضي عنك، # 3 # فأستودعك الله إنك لا تدري ماذا نجد ~~لفراقك وما نكن من الحب لك، ولكنا نؤثر حياتك على مصلحتنا. فبكى ورقة بكاء غزيرا، وانحنى ~~يقبل يدها، ودعت له، وانصرف إلى أهله؛ لينهي إليهم أمر مولاته، ويرتحل ببعض ماله وشملالته ~~عن مكة. وإذا هو يلقى ms200 على باب رسول الله جماعة من إخوانه المسلمين علموا بما أعلنته قريش من ~~إهدار دمه، وعلموا من زيد بن حارثة أن مولاته دعته إليها؛ لتأمره بالهجرة إلى يثرب، فجاءوا ~~ليحيطوا به ويمنعوه، ويرافقوه إلى ما وراء التخوم. # ذهب ورقة بإخوانه إلى بيته، وأعلم أمه وأباه بما كان، فشكرا لأم المؤمنين فضلها، وودعا ~~ولدهما وداعا كريما، وعلى هذا خرج ورقة بشملالته، وأكثر ما استودع أباه من المال، وخرج في ~~طريق يثرب غربي مكة في سيفه وقوسين وكنانتين، يحيط به إخوانه من كل جانب. حتى إذا بلغوا به ~~وادي مر الظهران، وأمنوا عليه عقبة عسفان # 5 # قبله كل منهم، ودعوا له جميعا فاستودعهم كلمات يبلغونها إلى مولاه رسول الله، ~~يطلب منه الدعاء والرضا، وأخرى إلى مولاه الحارث بتحية وسلام وعتاب. ثم سار بعد العقبة وهم ~~يشهدونه، وقد حنت الشملالة إلى الصحراء وقطع الفلوات، فطارت به مرفلة تبغي عير يثرب، حتى ~~بلغهم في رابغ فحياهم تحية الإسلام، وأنذرهم بخبره ففرحوا به وساروا به إلى يثرب. # في الوقت الذي كان فيه ورقة يودع أصحابه عند عقبة عسفان - كان الحارث قد خرج من داره إلى ~~دار ورقة؛ ليخرجه من مكة على الفور، إذ كان قد بلغه من زياد أنه أخذ البطاقة منه، وشرع يضع ~~العقاقير على يده كما أمره، ولكنه سمعه يقول لأمه: إن مولاي الحارث ينصح لي أن أنجو بنفسي، ~~ولكنني لا أرحل حتى يرحل رسول الله. لا أفارق ظله حتى أطمئن عليه أو أموت. فقدر الحارث أن ~~الغلام لا يزال في مكة، ولذلك ذهب إليه؛ ليغريه بالخروج من مكة، ويكلفه البحث عن زوجته ~~وابنته عسى أن يجدهما، ويحملهما على العودة إليه، أو البقاء بهما في جدة حتى يكتب إليه، ~~وإنما خطر له ذلك؛ لأن النضر أخفى عنه ما روى رسله خشية أن يزيد وجده، ورآه خارجا من الدار ~~فلم يكلمه. # بلغ الحارث دار ورقة، ولقي باقوم وتماضر، وعلم أن أم المؤمنين أمرته بالهجرة إلى يثرب ~~فهاجر. فسقط في يد الحارث، وصمت لا يتكلم ms201 مدة اعتورته فيها الأوهام خيرها وسيئها، وخطر له ~~فيما خطر أن سفر الفريقين في وقت متقارب إنما كان بتدبير، ولكنه نفى عن نفسه هذا الخاطر على ~~الفور؛ إذ كانت الدلائل تناقضه. فنهض الرجل حزينا كسير القلب هاما بالخروج من دار باقوم ~~وهو يقول: إن كنت أحمد الله على خروج ورقة من مكة ونجاته من أذى ولدي، فإني أدعوه تعالى أن ~~يجزي ولدي بما فعل بي وبه. # وفيما هو يفتح الباب ليخرج وجد عند الباب أعرابيا شيخا على بعير هزيل يسأل عن ورقة. ~~فلما رآه الحارث لم يعرفه، ولكن الرجل عرفه، فاستوقفه وأناخ، وذكره بنفسه فذكره، وقال: ~~إنه آت له بكتاب من امرأته وآخر إلى ورقة، وناوله الكتاب. فإذا فيه بالرومية: # إلى ولدنا ورقة # رحلنا عن مكة فارين بأنفسنا من أذى النضر. فر بنفسك أنت أيضا، وثق أننا نواليك ~~بدعواتنا، ونذكرك بالشكر والمحبة الخالصة، ونستودعك الله. # هرميون # قال الحارث وقد قرأه: ليس هذا الكتاب لي. هذا لورقة، وأعطى باقوم إياه، فأخرج الرجل ~~الكتاب الثاني وقدمه إليه فإذا فيه: # سيدي وزوجي الكريم # تحية. لقد كنت أعتقد أني بمجيئي معك إلى مكة أفر من شقاء إلى رخاء، ولكني وجدت أن ~~نيران الإسكندرية، وجيرة الشرور فيها - أخف من عداء ولدك لي ولابنتي، ونكرانك حقي ~~عليك. أردت أن تقتلني وتقتل ابنتي هما وحزنا، وإذ كان علي أن أرضي ابنتي كما ~~ترضي ابنك فقد فعلت ما فعلت، والبادي بالشر أظلم والسلام. # هرميون # مادت الأرض بالحارث؛ إذ أتم قراءة الخطاب، ولكنه طواه ووضعه في جيبه، وسار في طريقه كأن ~~لم يكن أحد معه يودعه، أو أن في الأرض من ينظره، فلم يسلم ولم يكلم، وعاد إلى الدار؛ ليلقي ~~بنفسه في الفراش مريضا. # الفصل التاسع والعشرون # | في يثرب1 # بلغ ورقة منازل بني النجار خئولة بني عبد المطلب بن هاشم، ونزل في كنف كبيرهم سعد بن ~~زرارة أحد زعماء قبيلة الخزرج، وقد كان لمقدمه عليهم شأن كبير فقد علموا منه خبرا عظيما ~~تجردت على إثره السيوف من أغمادها، وانتظرت ms202 كلمة النزال؛ لتسيل الدماء على إثرها في أودية ~~يثرب، وتعلو أصوات العويل والبكاء في كل دار. بيد أن ورقة لم يعن هذا، ولم يكن يعرف ما ~~وراءه، وإنما كان كلامه مرسلا على عواهنه وإن تشممت منه الخزرج ما كان يعد لهم الأوس # 2 # من الشر فثار ثائرهم، ذلك أنه روى فيما روى من حديث سفره أنه جاء في عير لأبي ~~الحيسر الأوسي، وأن ابن أختهم # صلى الله عليه وسلم # التقى بهم في بعض الدور في مكة، # 3 # وكانوا سبعة نفر فدعاهم إلى الإسلام كما كان يدعو كل من يلقاه من قبائل العرب ~~في منى وعرفات، وتلا عليهم بعض ما نزل عليه من كتاب الله القويم، فصدقه العير في قلوبهم ~~ومالوا إليه، ولكنهم لم يروا أن يجهروا بإيمانهم ولا بإسلامهم، وقالوا إنما جاءوا مكة لغير ~~ذلك، إلا واحد منهم يدعى إياس بن معاذ الأشهلي # 3 # فقد ~~قال لهم وقد امتلأ قلبه بنور الحق: أي قومي، هذا والله خير مما جئنا له. فضرب وجهه أبو ~~الحيسر بحفنة من حصباء البطحاء، وقال: دعنا منك فلقد جئنا لغير هذا ... # 3 # قال بنو سعد: زعمنا أنهم ذهبوا يعتمرون! ألم يعتمروا؟ # 4 # قال: بلى. قالوا: ففيم إذن ملامة الغلام؟ وفيم وردوا مكة؟ فأجاب أحدهم: يلتمسون ~~من قريش ما كانوا يلتمسونه منها ليوم معبس ومضرس # 5 # لتحالف قريشا علينا نحن الخزرج، وأظهروا أنهم يريديون العمرة، وعلقوا كرانيف ~~النخل على بيوتهم؛ ليموهوا علينا قصدهم، ويحموا أنفسهم من أذانا # 6 # وقد فعلوا اليوم مثل ذلك. قال سعد: إن القوم يبيتوننا فأعدوا لهم ما تستطيعون ~~من قوة ومن رباط الخيل، وأجمعوا واحشدوا في خفاء. # والواقع كذلك. فقد كانت الأوس تتجهز لحرب ضروس تريد أن تأتي بها على الخزرج، ولذلك جددوا ~~الحلف مع أنصارهم من قبائل اليهود النازلين في يثرب، وهم: بنو قريظة وبنو النضير على ~~المؤزارة والتناصر، وراسلت حلفاءها من مزينة. ثم جعلوا على رأسهم زعيمهم أبا أسيد حضير ~~الركائب. وجددت الخزرج حلفها مع يهود بني قينقاع، وراسلت حلفاءها من ms203 القبائل المجاورة أشجع ~~وجهينة، وجعلت على رأسها عمرو بن النعمان البياضي، وأخذ كل فريق يستعد للقتال في خفاء. على ~~أنهم ما كانوا يأبهون؛ لظهور أمرهم، فقد كانوا قبل هذا وفي كل وقت أعداء صرحاء كل منهم مهدر ~~الدم؛ لما بينهم جميعا من الثارات والعداوات المستحكمة من أيام حروب الفجار. # 7 # ولقد أحس ورقة في تلك الأيام بالوحشة فكان يخرج إلى أسواق يثرب؛ ليأتنس بالناس، ويتعرف ~~شئونهم، وهناك التقى بصنوف متضاربة العقائد والمذاهب، من اليهود والنصارى والمجوس والصابئة ~~والبوذيين الذين كانوا يأتون بمتاجرهم من الهند إلى يثرب، وبفئات من الروم والفرس والشاميين ~~واليهود جاءوا فارين من ويلات القتال في بيت المقدس. # وسمع منهم أخبار اقتتال الفرس والروم في أدنى الأرض من بلاد العرب، وعلم أن الفرس قد ~~تركوا أنطاكية وقيصرية، واتجهوا إلى بيت المقدس، وأن شاهين قائد جناحهم الجنوبي على وشك أن ~~يدخل بيت المقدس، ويستولي على خشبة الصليب المقدس؛ ليرسله إلى مارية علامة على نصر المذهب ~~اليعقوبي على المذهب الرومي الذي لا يقره البطارقة اليعاقبة، ولذلك فهو كفر. # هناك التقى بأخيه في الإسلام الفتى إياس بن معاذ الأشهلي الذي رافقه في العير القافل إلى ~~يثرب فأنس به وسعد، وصار في رفقته في أكثر أوقاته، ومن ثم جمعه إياس برجل من الأوس عظيم ~~القدر يسمونه الكامل # 8 # لأنه كان شاعرا وحكيما، وكان عالي الشرف والنسب فيهم قوي القلب جلدا صبورا ~~اسمه سويد بن الصامت. كان هذا الرجل يفخر في قومه بأنه سبقهم إلى نعمة الله؛ إذ أسلم وآمن ~~بمحمد بن عبد الله - عليه أفضل الصلاة وأزكى التحية - اجتمع به في بعض أيام الحج في مكة حين ~~كان يخرج إلى الحجيج في منى وعرفات وعكاظ وغيرها من مجامع الحاج يدعوهم إلى التوحيد فيؤمن ~~به من يؤمن، ويجمد على جهله من يجمد، وأنه # صلى الله عليه وسلم # دعاه إلى الله وإلى الإسلام، وتلا عليه ~~بعضا مما أنزل الله عليه من القرآن، فصغرت في عينه حكمة لقمان التي كان يستهدي بها في رأيه ~~وشعره، ms204 وطابت نفسه للقرآن، وآمن برسول الله، وعاد إلى موطنه يتحدث عن رسول الله، ويقول ~~للأوس ولكل من كان يتصل به: يا قوم، إن الذي يخبرنا اليهود بمقدمه قد جاء. هذا الذي في يده ~~خلاصنا من ذلة الإيمان بغير الواحد الأحد. هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم. نور ~~الله الذي يرتقبه اليهود رجاء أن يعتزوا به علينا يوم تتم دعوته في قريش. فانهضوا إليه ~~وآمنوا به، وبايعوه لا تسبقكم اليهود إليه. # والواقع أن لليهود فضلا غير مقصود في أن كان الأوس والخزرج على تمام الاستعداد لقبول ~~دعوة الإسلام، وحمل أمانته. فقد كانوا في عهود جوارهم لليهود يرجون لو يتهودون كما تهودت ~~حمير، ويدخلون في دين اليهود لا حبا في اليهود، بل فرارا من ذلة النفس بابتاع دين غير ~~كريم هو دين الوثنية المكية التي كانوا عليها، ولكن أحبار اليهود كانوا يأبون عليهم هذا ~~التهود # 9 # ويحولون دونه قائلين: «إن اليهودية وقف على بني إسرائيل من أولاد إبراهيم» حين ~~أن المانع الأكبر كان في أن إدماج الأوس والخزرج فيهم معناه زوال شخصيتهم الإسرائيلية ~~برجحان العربية عليها، وزوال اختصاصهم بالعز والسلطان، ولذلك أبى الأحبار أن يهودوهم، ومن ~~ثم بقي الأوس والخزرج على وثنيتهم الكريهة التي كان اليهود مع ذلك يعيرونهم بها، ويسفهون ~~أحلامهم للاستمساك بها. # 9 # من أجل هذا كان حديث سويد وإياس وورقة مع من يتصلون بهم من الأوس والخزرج حديثا مشتهى؛ ~~لأن الرسول # صلى الله عليه وسلم # عربي وهم عرب فهم أحق به، وهو أحق بهم من كل إنسان، ودينه دين توحيد ~~وإخاء ومساواة، فهو خير بديل من دين اليهودية المحتكر، ثم هو لا ينكر أحدا من الأنبياء كما ~~يفعل اليهود مكابرة وأنانية ويعظم عيسى بن مريم تعظيما هم يعلمون أنه يستحقه وإن أنكره ~~اليهود وكذبوه؛ ولهذا أكبر الأوس والخزرج هذا الدين، ولاسيما لأنه دين الحنيفية السمحة؛ دين ~~أبيهم إبراهيم أبي إسماعيل وإسرائيل الذي هم عليه فعلا لولا ما دخل عليه من بدعة ~~الأوثان. # وحنت نفوسهم إلى ms205 اعتناقه وإعلاء كلمته، ولكن الناس إذا حنت نفوسهم إلى أمر كان لا بد لهم ~~أن يأتموا بزعيم منهم تجتمع في نفسه عواطفهم وأعراضهم؛ ليقودهم حيث يريدون. غير أن الزعماء ~~كانوا مشغولين يومئذ بما يملأ نفوسهم من العداوات والأحقاد، والتوفر على الثأر والانتقام ~~بعضهم من بعض. مقفلي الأعين عن النور الذي لو تأملوه؛ لاهتدوا به إلى السلام، وإلى المنعة ~~وسعادة الدارين، ولذلك لم يستطيعوا أن يبصروا هذا النور، حتى أفرغوا في ميادين الحرب ما كان ~~في قلوبهم من دماء الذئاب. يومئذ صفت النفوس وراق الجو للمبصرين، ومن ثم تأخرت بيعتهم ~~الرسول على الإسلام، ودعوته إلى الهجرة إليهم ست سنين. # ولقد كان ورقة محل الرعاية والمودة من كل أوسي يتصل به وكل خزرجي. يدعونه إليهم ~~ويسائلونه عن رسول الله فيجيب بما يعرف، وهل كان ورقة إلا لسان حالهم يتكلم ويشرح فيزيدهم ~~هياما وحنينا إلى الإسلام! وما كان أشد اغتباطه حين كان يلتقي بالمهاجرين إلى يثرب ~~فيسائلونه هم أيضا عما سمعوا من ظهور نبي في قريش يدعو إلى الله وتوحيده، والمؤاخاة بين ~~الناس، وإزالة الفروق فيجيبهم بالإيجاب، ويخبرهم بشأنه وبدينه وغايته إخبار الطبيب البصير، ~~وكان أهم ما يحاول ورقة تبصير هؤلاء المجوس والنصارى المثلثين الذين يتناحرون فيما يبدو، ~~على كلمة واحدة: هل جسد المسيح يفنى أو لا يفنى؟ واليهود الذين لا يريدون لأحد غير بني ~~إسرائيل شيئا مما وعدهم الله به في التوراة؛ خشية أن تنفد نعمة الله!!! أو لا يصيبهم من ~~القسمة إلا رذاذ! نقول كان ورقة يقول لهم: إن الإسلام يمتاز عن سائر ما انقلبت فيه الأديان ~~بالتسوية بين الناس في الحقوق والواجبات # 10 # وبالإخاء العام، ورعاية الحرية للفرد إلا ما آذت غيره، وهو ما لم تعرفه الدنيا ~~يومئذ؛ إذ كان متاع الدنيا وكرامة الحياة قسمة بين أهل السلطة الزمنية، والسلطة الدينية. ~~أما السوقة؛ أي: عامة الناس بعدهم، فأمرهم في المرتبة الثانية، هم الموالي والخدم والعبيد، ~~وإنما يتفاضلون فيما يسمحون لهم به من الرزق بقدر وفائهم لهم، وتضحيتهم في سبيلهم، ولذلك ms206 ~~كان أكثر هؤلاء المهاجرين يتمنون على أربابهم أن ينصروا هذا الدين وصاحبه على عجل في أصقاع ~~الأرض عسى أن يبلغهم فيريحهم مما هم فيه من الاختلافات التي لا يدركون لها معنى، بل ولا ~~يعرفون ما هي، وهي تتقاضاهم رقابهم ورقاب أولادهم وتستبيح أموالهم وأعراضهم. # واستمر ورقة على هذا الحال من الاجتماع بسويد وإياس بن الأشهل وغيرهم من رجال الأوس، كما ~~كان يجتمع بالخزرج وغير الخزرج، ولكن حماته من بني النجار آخذوه على ذلك، وقالوا له: كيف ~~تصادق الأوس! إن صديق أعدائنا عدو لنا. فانصرف عنهم أو فانصرف إليهم. إنا قادمون على حرب ~~مع الأوس، ولا بد لنا أن نعرف اليوم عدونا من الصديق. قال الفتى: إنما المؤمنون إخوة، فأنا ~~آنس بإياس؛ لأنه مسلم مثلي لا لأنه عدو لكم، وأما وربي ليس الأشهلي براغب في هذه الحرب ولا ~~بمروج لها، وما يكره من الأشياء شيئا كأن يقتتل أخوان؛ لتظفر يهود من بعد تضعضعها بالمنعة ~~والسلطان، ولقد أسلم إياس يوم ذهب الأوس يلتمسون الحلف عليكم من قريش فأبوه عليهم، وعد ~~ظفره بالإسلام خيرا مما جاء فيه أهله، ولن يحارب إياس خئولة نبيه. هكذا قال لي. قال ~~الأسعدي اللائم: ليس من الحرب مفر ففي أي جانب أنت؟ قال: في جانب خئولة مولاي رسول الله، ~~ولكني لا أريق دما عامدا. أكون في الساقة أحمي متاعكم ومئونتكم، وأحمل الماء إليكم، وأضمد ~~الجراح؛ فسكت ابن النجار على هذا. # على أن ورقة انقطع من يومه عن زيارة صاحبيه؛ لئلا يتهم بالتجسس على الأوس، وكان يخرج إلى ~~أرباض يثرب وجبالها في نهاره، ويعود إلى يثرب في ليله، وهو يدعو الله أن يلهم الأخوين ~~السلام. # الفصل الثلاثون # | يوم بعاث # كان ورقة يخرج إلى الجبال المحيطة بيثرب أو إلى أوديتها مستريضا أو ملتمسا لناقته علفا ~~في مراعي بني النجار، فكان يعجب لما كان يرى على سفوح الجبال وقممها من بيوت محصنة بنيت ~~بالحجر الأصم، وصينت من أذى المقتحم بأساليب الوقاية والدفاع. تلك هي الآطام التي بناها ~~اليهود؛ للاعتصام بها كالقلاع ms207 والحصون في بلاد الشام. هناك في وحدته كانت تسبح نفسه في عالم ~~الخيال والتفكير، فيتأمل تكالب الناس على أعلاق الحياة، واحتيال غيرهم على صيانة ما في ~~أيديهم من ذئاب العالم، ويتفحص أخلاق بني آدم وأفعالهم فلا يراهم في الحقيقة إلا ذئابا في ~~مسالخ أناس. كان يعرض أحوالهم وأقوالهم وأفعالهم على مخيلته، ويتساءل فلا يأتيه إلا جواب ~~مذعر مؤلم لا يجد لنفسه حيلة ولا وسيلة إلى دفع ألمه إلا بالاتجاه إلى الكعبة حيث يسكن سيده ~~المرجي لخير الناس ودفع شرورهم، ويجثو داعيا ومصليا أن يعجل الله بنشر دينه؛ ليريح الناس ~~من هذه الشرور. ثم يراجع نفسه فيقول: ما محمد إلا بشر وسيموت كما مات غيره. ترى أيبقى دينه ~~حيا قويا كما يكون في حياته؟ أم تلويه ذئاب الناس بأنيابها الحديدية، وتوجهه وجهة أخرى ~~ليعودوا فيقضموا الرقاب كما يفعلون الآن؟ وما كان ليرد عليه جواب هذا إلا بما يذعر، ولذلك ~~كان يقول: ألا إنه يجب علينا نحن المسلمين أن نخصص من أنفسنا طائفة؛ لحماية دين الله، ورد ~~الشارد إلى صراطه المستقيم، ودفع الناس عن الناس بالموعظة الحسنة وسيف الخير الذي لا يرحم ~~إذا أردنا أن نعيش سعداء في الدنيا والآخرة. كان تفكيره إذ ذاك يجري على هذا الأسلوب من ~~سؤال وجواب: # دعني حرا # لا. لأن حريتك تقيدني # اترك لي ما في يدي # لا. لأني محتاج إليه # ألا تحافظ على عهدك معي؟ # لا. لأن هذا يضر بي # إذن دعني أعاملك كما تعاملني # لا. لأن هذا اعتداء علي # إذن دعني أمنع أذاك عني # لا. لأنه يحرمني القصد من أذاك # هذا بغي وعدوان # لا. هذا ما تصف به أنت حقي # فإن ناهضتك؟ # إذن أقتلك # أتبعك إذن # لا بأس لتخدمني # وتعطيني الحرية؟ # لا بأس بقدر ما تستبقي تبعيتك لي # أتبع دينك ليعصمني # لا بأس على أن تقرب لي قربانا في كل وقت # هذا يفقرني ويرهقني # لا بأس ما أغناني وقواني # ولكنك تذلني وتفنيني # لا بأس ما أعزني وأبقاني # من قال بهذا؟ # الذئب # وأين الذئب؟ # أنا وأنت ms208 # نحن أناس # نحن وحوش # ولو تهذبنا؟ # لن تموت الفطرة # فما الفضائل؟ # نعوت لشذوذ # وما الرذائل؟ # نعوت سيئة لأفعال صائبة # وما الحق؟ # ما نال البغي # فما الأخيار؟ # الضعفاء لم يستطيعوا أن يستذئبوا فاستكلبوا # فما الحكماء؟ # الذين يحاولون إتلاف فطرة الذئب في الإنسان # فما الأنبياء؟ # فئة تناهض الطبيعة # ولكنهم ينجحون # نعم في تقوية الذئاب الضعيفة # ودين محمد؟ # سيذيع وشيكا # لماذا؟ # لأن الضعاف يريدون مخرجا # كيف؟ # سيصير العبد حرا، والمنبوذ أصيلا، ويرى الفقير أن له حقا في الغنى، ~~وأنه لن يقدم قرابين لا للسيف ولا للهيكل، وأن ستكون العقيدة بسيطة لا تخجل ~~العقل # ويستمر كذلك؟ # لا. إذا بلغ طالبوا الحرية حد التساوي نزعوا إلى الظلم كما كانوا، وعمد ~~بعضهم إلى التسلط على بعض # لن يكون دين محمد معهم يومئذ # سيلحقونه بهم قسرا # باسم الدين؟ # والديان # بالبهتان؟ # بكلام كالبرهان # وحكم القرآن الصريح # يؤوله أنصارهم بكلام فصيح. # هل يكفي الكلام للإقناع؟ # نعم ممن رفع عن نابيه القناع # ولكن الناس لن تصدقهم # سيحملهم السيف على التصديق والدينار على المشايعة # يأسا؟ # نعم وبؤسا # فإذا صاروا لهم؟ # صاروا كلابا، أو عادوا ذئابا # أهكذا الدنيا؟ # أجل من قبل ومن بعد # هكذا كان ورقة يتخيل؛ لكثرة ما شاهد من الناس، وما سمع من الناس. فالعالم كانوا في نظره ~~ذئابا صرحاء، لا يعرف الفضيلة منهم ولا يقول بها، ولا يميل إلى البر إلا من ضعف أو أضعف، ~~فهو ذئب مستور ما إن يقوى حتى يتكشف، فإذا الفضيلة رياء، وإذا حب الخير احتيال. # ذكر أهل مكة كيف أنهم يناهضون رسول الله الذي أرسله الله بالحق والحكمة، والدواء لكل داء، ~~ومع ذلك وجدهم يسفهون رأيه ويكذبونه، وهم يعلمون أن رأيه حكيم وأنه صادق، ولكنهم كانوا ~~يقولون في أنفسهم: ماذا ينفعنا هذا الصدق إذا كان سيلزمنا العمل بالعدل والتساوي ، ويكون له ~~الحق في الحكم على أفعالنا، والحد من حريتنا، وتقييد تصرفاتنا، والتسوية بين القوي منا ~~والضعيف، والكبير من الناس والصغير، وحرمان الذئاب حق الفتك بالشياه! يجب علينا إذن أن ~~نناهضه، وإذا استطعنا أن نقتله ms209 فلنقتله؛ لأننا إن تركناه يدعو إلى دينه فسيقوى ويقوي ~~الضعفاء معه، ويسلب منا موارد الغنيمة، ولأننا إن سلمنا له بقوله فإنما نحن في الحقيقة ~~ننضوي تحت لوائه، ونعطيه الزعامة علينا فيصبح ملكا حقيقيا، وإن لم يسم نفسه بذلك، وننقلب ~~له رعايا وأتباعا. لا. لن نسلم بفقد مركزنا الأعلى باسم التسليم بأن الله واحد. الله ~~واحد فعلا. كل القلوب تشعر بذلك، وليكن محمد رسوله، وليكن أن يترتب على ذلك تقليم أظافرنا ~~وحت أنيابنا فلا، ثم لا، ثم لا ألف مرة، وعليه يجب أن نستمر ويستمر سائر العرب معنا على ~~عبادة اللات والعزى ومناة ما أبقت هذه العبادة على أرزاقنا من ورائها، وعلى منزلتنا العالية ~~في مكة والحجاز وبلاد الوثنية، ولو بقيت أمة العرب حطيطة الشأن في كل زمان. إنما الخير ما ~~فاء علينا بخير، ونحن في بحبوحة من العيش ومتعة، فلماذا نعمل على تبديل الحال بما لا نعرف ~~عاقبته علينا؟ بل العاقبة معروفة: زوال سلطتنا، وذهاب قوتنا. إذن فلنحتفظ بما نحن فيه، ~~وندافع عنه، ونقتل من يحاول تغييره، وفيما هو يفكر كذلك وهو فوق الجبل سمع على بعد صياحا ~~متداركا واردا مع الصبا، فالتفت صوب مورده، فإذا هو يرى طائفتين تقتتلان اقتتالا شديدا ~~في مكان شمالي المدينة عند حلة تدعى بعاث، فأدرك من فوره أن الأوس وحلفاءها يقاتلون ~~الخزرج وحلفاءها، على نحو ما كان سمع من استعدادهم، واعترته خجلة من أن ابن زرارة لم ينذره ~~بشأنها، وقدر أنه كره أن يعلنه بيومها على أثر ما رأى منه من كره القتال عامدا في ~~الصفوف، ولكنه مع ذلك لم يجد من المروءة ولا الشهامة أن يقعد عما كان وعد من معاونتهم ~~بالقيام على الجرحى وحفظ الذخيرة فأبرك الشملالة، وركبها وجرى بها نحو بعاث فإذا هو يجد ~~القتال شديدا ؛ هذا يكر ثم يفر، وذاك يصمد ثم يخترق الصفوف، والنقع فوق الرءوس كالضباب ~~الكثيف لا يتبين فيه الحس إلا وميضا للسيوف حين تشرع وتوضع، وإلا أصوات الحقد والغل تعلو ~~وتتضع، وإلا دماء تسيل على الرغام، ms210 ورءوسا تتدحرج بين الأقدام، وفيما هو يدنو من الموقعة ~~رأى ثلاثة من الأوس يتعاورون رجلا بالسيوف، وكأنه كان قد جرح فهو يدافع عن نفسه دفاع ~~اليائس، فلم يملك إلا أن ينيخ على عجل، ويهرع إلى صوت الجريح يحميه من الأذى، وامتشق حسام ~~زيد بن حارثة، ونادى بأعلى صوته: يا رسول الله! وفيما كان أحد الثلاثة يهوي بذراعه على ~~الجريح ليقتله كان ورقة قد أهوى ذراعه فقطعها، ثم اتجه إلى الثاني فإذا هو عملاق من بني ~~قريظة كان كثيرا ما يراه في السوق يتحدث ويفاخر، فهابه ورقة وكاد يفر منه، لولا أنه وجد ~~الرجل على ظاهر قوته لا يحسن المسايفة، وذكر باقوم إذ كان يقول له: لا عليك من طول الرجل ~~وعرضه. أحسن المسايفة تجده أمامك صريعا. فسايف ورقة على نحو ما علمه باقوم، وداور الرجل ~~وحاوره، ويامنه وياسره، وغته بالسيف غتة أحنقت عليه العملاق فأراد أن يرديه معه ورفع سيفه؛ ~~ليطيح رأس ورقة، ولكنه عاجله من حسامه بضربة فصلت كفه عن معصمه، وطارت هي والسيف في الهواء، ~~وخر الرجل على أثرها صريعا. هناك سمع الجريح من ورائه يدعو له ويثني عليه. فالتفت فإذا هو ~~يرى مضيفه أسعد بن زرارة نفسه، وإذ هم بحمله والبعد به عن الحومة رأى فارسا يدنو منه، ~~والشرر يتطاير من عينيه؛ لأنه كان قد سمع بما لقي العملاق، فجاء يثأر له، ولكن ورقة لم ~~يمهله حتى يدوسه بسنابك جواده، ويعمل فيه سيفه بل تناول قبضة تلو قبضة من تراب الأرض ~~وحصبائها، ورمى بها على الرجل فأعماه، ثم أهوى بالسيف على فخذه فهشم ركبته تهشيما، وكأنما ~~كانت هذه الضربة فصل الخطاب. فقد اشتد الخزرج وبنو قينقاع على الأوس وقريظة وبني النضير؛ ~~فولوا منهزمين نحو العريض من نجد، ولكنهم كانوا في فرارهم قد رموا بسهام على المتعقبين؛ ~~ليردوهم عن اللحاق بهم، وأصاب أحد هذه السهام زعيم الخزرج في هذه الملحمة عمر بن النعمان ~~البياضي فقتله لساعته، والأوس لا تعلم بذلك، وتعمد الخزرج إخفاء الحادث حتى يطمئنوا إلى ~~النصر. ms211 # 1 # لم يكن بد بعد انتصار الخزرج من القضاء على الأوس وقريظة والنضير وتخريب دورهم، وسبي ~~نسائهم على عادتهم في هذه الحروب، ولكنهم لم يمهلوا حتى يفعلوا ذلك، فقد كبر الأمر على حضير ~~الركائب زعيم الأوس المنهزمين، وأراد أن يحمل قومه على معاودة القتال؛ فتناول رمحه وطعن ~~نفسه وصاح: واعقراه! والله لا أبرح حتى أموت # 1 # فرجعت ~~الأوس تحمي قائدها وهم في يأس من النصر، ولكن حدث حادث من رجل عرف في التاريخ بنفاقه، هو ~~عبد الله بن سلول الخزرجي # 2 # كان من القاعدين عن الحرب نفاقا وخيانة لقومه، ولكنه مع ذلك خرج يتجسس ليرى ~~وسيلة مغنم، وفيما هو يتجول رأى أربعة من الخزرج يحملون قائدهم القتيل في عباءة فشمت به، ~~وقال له: ذق عاقبة البغي. ثم تناثر منه الخبر إلى الأوس فشدوا على الخزرج # 2 # وهزموهم ووضعت ~~فيهم الأوس السلاح، ونادى حضير من مرقد موته أن ايتوا الخزرج قصرا قصرا، ودارا دارا، ~~واهدموا حتى لا يبقى منهم أحد. فأخذوا في ذلك وأمعنوا، # 1 # واندلع اللهب في بيوت الخزرج ونخيلهم ~~وزرعهم، وعلا الصياح والعويل من كل جانب، ولكن عز ذلك على بني الأشهل، # 3 # فما أن أودى صاحب الأمر فيهم وهو حضير حتى نهضوا يجيرون بني الخزرج، وصاح صائح ~~منهم بصوت جهير يكفهم عند الأذى فقال: يا معشر الأوس! أحسنوا! لا تهلكوا إخوانكم فجوارهم ~~خير من جوار الثعالب. # 4 # يعني اليهود حلفاءهم من بني قريظة وبني النضير، فانتهى الأوس عنهم ولم ~~يسلبوهم، ولكن اليهود أخذوا في السلب والنهب، وأمعنوا في قتل المستضعفين، وطالبوا برقاب بعض ~~من اشتدوا عليهم في القتال من الخزرج، أو رأوا أنهم قتلوا لهم في المعمعة أحدا ممن كانوا ~~يعزونه ويكرمونه، وإذ كان ورقة قد قتل لهم عملاقهم وفارسهم المعلم وهو يدافع عن زعيم بيت ~~بني النجار أسعد بن زرارة طلبوه في كل مكان حتى اقتحموا عليه بيت أسعد نفسه وهو جريح في ~~فراشه؛ ليطلبوا القود منه، ولكن أخاه في الإسلام إياس بن معاذ كان قد علم ms212 من قبل بما بيتوا، ~~فأرسل في العشية غلاما له ينذره ويأتي به في الحمى من أطمه، وإذ كان قد أجاره ولم يجز ~~اليهود إجارته بل أقسموا ليقتلنه ولو حمته السماء، فقد أمر غلامه أن يخرج به إلى ما وراء ~~يثرب، ثم خرج وراءهما من ناحية أخرى، والتقوا في طريق الشام، وساروا حتى بلغوا ساحة ~~بعاث. # هناك وقفوا وصلوا على قبر صاحبهم الكامل سويد بن الصامت فقد كان قتل في تلك الملحمة، ~~وهناك ودع ورقة وداع الأخ أخاه، ودعا له بالسلامة، وأوصى غلامه أن يكون في خدمته حتى يبلغ ~~به أيلة # 5 # أو ما يشاء، فشكره ورقة على بره به، وقبله وحمله تحية وسلاما إلى بني ~~النجار، وأوصاه أن يحذر اليهود، ويحذر كذلك عبد الله بن أبي بن سلول، وألا يركن إليه؛ لأنه ~~إذا كان قد خان الخزرج وهم قومه، فحري به أن يخون الأوس، ونصحه أن يمضي في نشر دين الله في ~~يثرب، فما يرأب الصدع الذي بين الأخوين - الأوس والخزرج - إلا اجتماعهما على الإسلام، ~~وأوصاه كذلك أن يحبب إلى الفريقين مبايعة رسول الله على الهجرة إليهم وتولي أمورهم، فوعده ~~إياس بذلك، ودعا ورقة له بالتوفيق. # عاد إياس إلى يثرب، وانصرف ورقة والعبد الأشهلي من فورهما يضربان في طريق الشام، ولكنهما ~~لم يلتزما طريق القافلة تفاديا من أن يتعقبهما متعقب من قريظة فذهبا إلى حرة خيبر، وهي ~~واد خصيب لبطن من قريظة والنضير تخترقه الأنهار، وتزينه الزروع والنخيل والبساتين الجماء، ~~وتحرسه على جوانبه حصون لهم وآطام، # 6 # ولكنهما لم ينزلا بها بل عطفا على وادي القرى # 7 # وهو مثله في الخصب والنماء قاصدين إلى فدك ثم إلى تيماء، حيث كان للسموءل بن ~~عاديا حصن يسمى الأبلق نزل به امرؤ القيس ذات يوم واستودع صاحبه قوسه وسلاحه، وما زالا ~~سائرين في بلاد ذبيان وثمود البائدة حتى بلغا تبوك # 8 # في ختام ثمانية أيام كانت الشملالة فيها مزدهية بنفسها صلفة بأن تدوس بأخفافها ~~قبور ثمود العاتين الذين عقروا أختها ناقة نبي الله ms213 صالح التي أخرجها الله لهم من الصخر؛ ~~ليؤمنوا فلم يؤمنوا فأبادهم بضلالهم وجرائمهم، وصارت بيوتهم المنحوتة في الصخر دليلا على ~~ما نزل بهم من البوار والنكال. # الفصل الحادي والثلاثون # | الأمير الجريح # كان إياس قد نصح لصديقه ورقة أن يلجأ إلى أيلة، ولذلك لم يكن في نيته أن يطيل مقامه في ~~تبوك. على أنها لم تكن يومئذ مما يصلح لإقامة أحد بها. فقد كانت خرابا أو تكاد تكون كذلك، ~~إلا من بعض مضارب لأعراب من جذام، ومنازل لهم في بقية من حصن ثمودي قديم فيه بئر منحوتة في ~~الصخر يتهافت عليها أهلها في كل حين ليستقوا. هناك نزل حمى هؤلاء الأعراب هو والأشهلي غلام ~~إياس بن معاذ؛ إذ كان قد بلغ بهما الجهد والجوع غايتهما، ورأيا أن يقضيا الليل في ~~جوارهم. # ولكن هؤلاء الأعراب لم يكونوا ممن يؤمن جانبهم ولو حموا. فقد فكر بعضهم حين رأوا الشملالة ~~أن يغلبوهما عليها ويأخذوها استراقا، فإن عجزوا فقتلا، ولذلك انتظروا حتى يدخل ~~الليل. # على أن غلام إياس كان قد أردك غايتهم؛ إذ كان ورقة قد أرسله إليهم يشتري شيئا من اللبن، ~~فقصد إليهم وسمعهم يتحدثون في دارهم فيما انتووا، ولكنه تظاهر بأنه لم يسمع شيئا، وتقدم ~~يطلب اللبن ونقدهم ثمنه شاكرا مثنيا، وعاد يخبر ورقة بما سمع. فلم يكن لهما بعد هذا من ~~رأي إلا أن يرحلا على الفور، ولكنهما خادعا القوم حتى دخل الليل، فأشعلا النار؛ ليوهماهم ~~أنهما هناك، ولكنهما تركاها تشتعل، وانتحيا وامتطيا ضاربين إلى أرض مدين بلاد نبي الله شعيب ~~موسى الكليم، حتى بلغا معانا وكانت بلدة على قدمها وتهدم قصورها الرومانية - واسعة العمران ~~كثيرة البساتين والمروج كيثرب إلا أنها صغيرة. هناك التقى ورقة بجموع كثيرة من أهل الشام ~~والقدس؛ روم وسوريين وغسانيين، تركوا ديارهم ومتاعهم، وفروا بأنفسهم ونسائهم وأولادهم إلى ~~قرى الصحراء يلتمسون موئلا من الفرس واليهود معا؛ ذلك أن الفرس كانوا في ذلك الوقت قد ~~تمكنوا بقيادة السلار شاهين من اقتحام أسوار مدينة القدس فدخلوها، وأعملوا السيوف في حماتها ms214 ~~من جنود هرقل، حين كان أهلها من اليهود يقتلون سكانها تنفيسا لحقدهم القديم، ويعملون ~~المعاول في البيع والأديار؛ ليهدموها، ويسلبوها، ويفضحوا أعراض الروم والمسيحيين ~~فيها. # امتلأت بالمهاجرين ساحات معان، وخرائب قصروها ومعابدها، حتى أصبحت وكأنها سوق لا ممر فيها ~~لسائر، ولا مستقر فها لقدم. فاضطر ورقة أن يلتمس لنفسه مناخا في حاجر جبل قريب، وما زال ~~يتأمل البقاع حتى لاح لعينه مكان طيب ومسطح قريب على سفح الجبل فارتضاه مضربا لخيمة رقيقة ~~كان يحملها فوق جوالقه لمثل هذه الظروف. # هناك أناخا الشملالة وزميلها بعير الغلام الأشهلي، وعقلاهما وصعدا إلى المسطح يفحصانه، ~~فوجد ورقة أنه منبسط سوت أرضه يد الإنسان؛ إذ كان في الحقيقة عرصة مغارة في الجبل غير غائرة ~~ولا كبيرة، ولكنها كانت على كل حال مشغولة بركام من صخرات ملقات فيها، وإذ لم يكن في قصد ~~ورقة أن يطيل مقامه في معان، فقد صرف عنها نظره، وضرب خيمته على عرصتها، بيد أنه تعجب لدقة ~~صنعها واستقامة زواياها، وما رأى عليها من أسطر بالخط الآرامي. فوقف يتأملها وهو غارق إذ ~~ذاك في تذكر أستاذه ورقة بن نوفل حين كان يريه أنواع الخطوط التي كان العرب يكتبون بها، وإذ ~~كان يعرف منه أن الأنباط سكنوا هذه الجهات، وأنهم كانوا يكتبون بهذا الخط قدر أن تكون هذه ~~المغارة من صنع الأنباط # 1 # ولعلها كانت محرسا أو مخفرا أو قبرا من قبور السادة، نهب اللصوص ما كان فيه ~~مما كان يدفن مع المدفون، وتركوه كذلك. على أنه رأى به أثرا من دخان المواقد فقدر أنه ~~استعمل ذات يوم لسكنى طابخ أو مستدفئ. # وفيما هما شارعان في حل حمولهما رأيا رجلين من العرب يدنوان منهما، وهما يقودان بعيرين ~~ركب على ظهر أحدهما شبه سرير مغطى بأردية على شبه قبة مستطيلة؛ لحماية من فيه من أعاصير ~~الصحراء. فلما بلغا مكانهما وقفا وتطلعا ، ثم التفت أحدهما يكلم ورقة يسأله أن يسمح لهما ~~بمكانه لينزلا به الأمير. # أخذت ورقة عزة النفس فقال: أليس في هذه الصحراء مكان ms215 غير مكاني ينزل به الأمير؟ قال ~~مخاطبه في شيء من الوادعة: بلى، ولكنه جريح ومريض، ونخشى أن يدركه الأجل قبل أن نعثر له على ~~مكان طيب! إن هي إلا مكرمة نلتمسها، فإن شئت أن تظل فيه فذاك ونذهب للبحث عن مكان سواه، ~~وإن كنا لم نجد منذ دخلنا معانا بقعة كهذه قال ورقة: بل حبا وكرامة. ثم نهض هو والغلام ~~يساعدان الرجلين على حمل الأمير في سريره، وأنزلوه في مكان أمين، ثم خطر لورقة أن الغار ~~أصون للأمير في مرضه، وذكره لهما فارتاحا إلى ذلك، وصعدا مع ورقة ليرياه. فلما أمعنا فيه ~~النظر وافقا على أن يخلياه مما فيه من الأحجار، وشرعوا جميعا في ذلك على الفور محاذرين من ~~أن تكون الأحجار مأوى صلال أو أفاعي تخرج عليهم من ورائها وهم ينقلونها، ولكنهم لحسن الحظ ~~لم يجدوا بها من ذلك شيئا. # ولقد رأوا مع ذلك أن ينظفوا المكان فانصرفوا لذلك. في تلك الهنيهات فهم ورقة من الرجلين ~~ما أفهمهما الجندي وهو أن الأمير رومي من القدس، وأنه من أقرباء نيقتاس والي مصر، وأن أباه ~~قتل في موقعة بيت المقدس التي دارت فيها الدائرة على الروم في ظاهرها وباطنها، وأنه جرح في ~~المنزل وهو يدافع عن إخوته الصغار - الذين قتلهم اليهود - جرحا بالغا هو وجندي كان أبوه ~~قد تركه في الدار لحمايتها، ولكن هذا الجندي الوفي حمله على عاتقه والدم يقطر منه حتى خرج ~~به بعيدا عن القدس في غير طريق الفارين إلى غزة؛ إذ كان المجوس واليهود يتعقبونهم في تلك ~~الناحية، حتى إذا لم يعد الجندي الوفي يقوى على حمله، والسير به أكثر مما سار؛ لكثرة ما سال ~~منه من الدماء، سقط به على الأرض إعياء أمام مضرب خيام هذين العربيين، فأوصاهما به خيرا، ~~ثم لفظ النفس الأخير وقضى، وقال أحد الرجلين متمما حديث زميله: ولقد بكى الأمير عليه بكاء ~~شديدا، وكان لا يزال الآن يبكي، ولكنه لا يستطيع حراكا؛ لأن به جراحا بالغة أبى أن يكشف ~~لنا عنها لما ms216 رجونا منه ذلك عسانا نعرف له دواء أو ضمادا، ولكنه رجا منا أن نحمله إلى ~~أمير أيلة؛ لأنه من أقربائه، وأعطانا خاتما كان في يده أجرا لنا على نقله؛ لأنه لا يملك ~~نقودا. سرقها اليهود كلها! # ولكنا ولا نكذبك لا نعرف لهذا الخاتم قيمة وإن كان فيما يلوح كريما، ولو عرفنا فما نعرف ~~كيف نبيعه، ولقد كنا رأينا أن نعطيه إلى أمير أيلة حينما نصل به إليها، ونأخذ منه أجرنا، ~~بيد أنا أصبحنا نشتهي أن نرد إليه خاتمه ولا نأخذ منه شيئا؛ لأنا نشعر أن تكسب المرء من ~~وراء كوارث الناس مضيع للمروءة، ومؤلم للنفس. قال الآخر: أما وربي إني لأرى ذلك، أجل، لا ~~بد أن نرد إليه خاتمه، وحسبنا مما فعلنا وما نحن في صدده أننا نفعله، ونحس بالخير فيما ~~نفعل. على أننا لسنا جمالة يا صاحبي، بل نحن من أهل يثرب، جئنا نستبضع فرأينا القتل ~~والهدم والتخريب، فاعتزمنا العودة، وجئنا بالأمير معنا. # ما كاد الرجل يذكر أنه من يثرب حتى تنبهت نفس ورقة إليهما فقال لهما: من أي الأحياء ~~أنتما؟ قالا: من موالي أبي أيوب النجاري # 2 # نسكن في شرقي يثرب عند البقيع. أأنتما من يثرب؟ قال ورقة: إن رفيقي يثربي، أما ~~أنا فمن مكة، وإن كنت أعرف أبا أيوب فقد كنت من ضيوف ابن عمه أسعد بن زرارة. فلما سمع ~~الرجلان ذلك أكبراه، وزادهما منظر الشملالة إكبارا، ولكن وداعته وفرط كرمه وتبسطه معهما ~~ومع غلامه ألزمتهما ما أراد من أن يكونا معه كما هو معهما عديلا ومثيلا، وكانوا قد انتهوا ~~من تنظيف الغار فنزلوا جميعا؛ ليحملوا الأمير إليه فلما بلغاه كلمه أحد الرجلين قائلا: ~~لقد وجدنا لك أيها الأمير غرفة طيبة ترتاح فيها. نظفناها لك وأعددناها وسنحملك الآن إليها. ~~كيف حالك الآن؟ لم يكن الأمير يجهل العربية، ولكنه كان ضعيفا فلم يزد على قوله: شكرا لكم. ~~ثم حمله الرجلان وغلام إياس يساعدهما، حتى أدخلوه المغارة. # لم يكن في قصد الأمير أن يبقى في معان، ولكنه كان من ms217 الضعف بحيث لم ير اليثربيان بدا من ~~أن يبقيا به في معان حتى يسترد شيئا من العافية؛ ليقوى على احتمال مشقة النقلة إلى أيلة ~~التي رجا منهما الجندي الرومي أن ينقلاه إلى أميرها فلم يكن له بد من الموافقة، ولذلك لم ~~يعترض بشيء حين جاءا به إلى معان، وأخذا يبحثان له عن مكان ينزلان به فيه. فلما استقر في ~~المغارة رفعا الغطاء عنه فلاح الأمير من تحته في ثياب جندي عظيم، ولكنها كانت فضفاضة بدا ~~فيها الأمير كأنه صبي يرتدي ثوب أبيه، وبدت كفاه من كميه صغيرتين كأنهما كفا عذراء لا كفا ~~رجل عرك السيف، ولاح وجهه تحت عصابته ولثامه كأنما هو وجه وليد في لفائفه، وما كاد ورقة ~~يتشكك حتى بادره أحد الرجلين يقول: انظر ماذا فعلت به الجراح ومشقة السفر والهم! ولكنا نرجو ~~الله أن يرد عليه عافيته فتلتئم جراحه، ويقوى على النقلة إلى أيلة! فتقدم ورقة نحو مرقد ~~الأمير يتفحصه وهو مؤمن على دعاء الجمالة، وكان في صوت ورقة نغمة عطف كصدى الموسيقى تنبه ~~لها الأمير وفتح عينيه ليرى صاحبها، فإذا هو يرى وجه ورقة السمح يطالعه بعينين تفرغان عليه ~~شآبيب من الرحمة، ثم يحييه بكلمات تشجيع كريم أدركها الأمير كلها وإن لم يكن يحسن فهم ~~العربية؛ ذلك بأنها كانت من ثقة القلوب الصافية التي لا تحتاج إلى لسان. فأدرك الأمير أنه ~~في حضرة إنسان كريم، وإن لم يكن قد عرف من هو ولا من يكون، وكأنه أراد أن يدله على حسن حكمه ~~عليه، وارتياحه إليه، فشرع جفنيه مرة أخرى وأرسل إليه في شعاعهما الضعيف رسالة شكر وارتياح ~~وتودد وثقة، ثم أغمضهما وقد لاح على وجنتيه أثر ذلك فيما كساهما من إشراق الرضا، وإذ كان ~~ورقة يعتقد أن للجوع أثرا شديدا فيما يلقى الأمير من الإعياء فقد شرع يعنى به فتركه حيث ~~هو وخرج بالرجال إلى خيمته ليدبر الأمر، وهناك أمر غلامه أن يذهب إلى سوق المدينة ويشتري ~~لبنا وخبزا ليعد لهم طعاما. فانصرف الغلام في ذلك، ms218 وجلس ورقة بصاحبيه في خيمته على باب ~~الغار يتحدث معهما. فذكر لهما ما جرى من الأحداث في غيبتهما عن يثرب، وما لحق بالخزرج من ~~الشدة يوم بعاث، وما فعل اليهود والأوس أثر انتصارهم، بديار الخزرج إذ خربوها وأحرقوا ~~نخيلها، حتى منعهم عنها بنو الأشهل سادة الغلام الذي معه، وكيف أن اليهود لم يرعووا بل ~~أمعنوا في السلب والنهب والمطالبة برءوس من قتلوا لهم في الملحمة عزيزا أو قائدا كبيرا، ~~وأنه إذ قتل لهم في الدفاع عن أسعد بن زرارة عملاقهم ثم فارسهم المعلم طلبوه في كل مكان، ~~وأنذروا ابن زرارة بالويل ما لم يسلمهم إياه، ولكنه كان في ذلك الوقت في حمى بني معاذ زعماء ~~الأوس، وإذ لم يقبل اليهود إجارة سادة الأوس، لم ير هؤلاء بدا من ترحيله، فرحل، وأنه ~~اليوم في معان هاربا لا يدري أين ينزل؟ # كان ورقة يذكر ذلك والخزرجيان صامتان يتميزان من الغيظ وجدا على اليهود، وأخذ كل منهما ~~يذكر لبني قريظة والنضير سيئة إثر سيئة، ويعجبان للخزرج والأوس وهما إخوة كيف لا يصطلحان ~~ويعملان على إخراج اليهود من أرض لا يريدون أن يندمجوا في أهلها أو يدمجوهم فيهم؛ ليعيشوا ~~في الدنيا إخوانا مطمئنين! قال ورقة: هذا ما لا يكون. إن اليهود لا يريدون أن تضيق أرض ~~المعاد بهم، فهم يرجون أن يقيموا مملكة أورشليم التي هدمها عليهم بختنصر. قال أحد الرجلين: ~~ها هي ذي أرض المعاد قد أخلاها لهم الفرس من الروم فليعودوا إليها ويريحونا منهم. إنهم لم ~~يتركوا في القدس دارا لرومي، ولا بيعة ولا ديرا إلا خربوها فقتلوا من فيها؛ ليخلوا الديار ~~لهم، ولإخوانهم المشتتين في الصحراء. # قال ورقة: لا. إن يغلب الروم اليوم فسيغلبون غدا. قالا: كيف تعرف ذلك والفرس، فيما روى ~~الركبان، على أبواب مدينة هرقل؟ قال ورقة: لقد بلغت هزيمتهم مسمع المشركين في مكة فطربوا ~~وفرحوا لانتصار الفرس عبدة النيران على عبدة الله؛ لأن المشركين حمقى كالفرس، وشمتوا ~~بالمسلمين الذين هداهم نبي الله محمد بن عبد الله إلى عبادة ms219 الواحد الأحد القهار. فأوحى ~~الله إليه قوله تعالى: # غلبت الروم * في أدنى ~~الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع ~~سنين # فلينتظر الفرس قليلا، ولينتظر اليهود. بل ستكون هذه البلاد من بعد ذلك ~~للعرب يوم يسلمون. إنها بلادهم وسيملكهم الله بلادهم يحكمونها، ويقيمون فيها العدل، وينزلون ~~الرحمة ويحكمون فيها العقل، ويمحون الفروق، وسيكون للموالي ما لسادتهم من الحقوق، وللمرأة ~~في الدنيا ما يصونها من عبث الرجال. فالمرأة أم الدنيا يصونها الإسلام ويحميها. # قال أحد الرجلين: لقد سمعنا عن محمد شيئا كثيرا من اليهود، يقولون: إنه سيأتي إليهم ~~بقريش كلها مسلمة موحدة مثلهم لينصرهم ويعطيهم يثرب ملكا، والأوس والخزرج موالي. قال ورقة: ~~كذبوا. بل آمن بعض الأوس وبعض الخزرج، وقد أخذوا يفكرون في دعوته إليهم؛ ليجعلوه سيدا ~~فيهم، يرأب صدعهم، ويجمعهم تحت لوائه: لواء التوحيد، والمحبة، والإخاء، وهنيئا لمن يسارع ~~إلى الإيمان به، والانضواء تحت علمه، ويكون فيمن يلقاه داخلا إلى يثرب؛ لينشر منها دين ~~الله، ويهدي الخلق إلى الصواب. # قال أحد الرجلين: اللهم إني مؤمن بدعوة ابن عبد الله، راغب في دينه، وحقك يا ورقة لن أعبد مناة # 3 # بعد هذا إني وحقك لأستحي من نفسي كلما أخرجتها من رحلي، وأخذت أدعو لها وأصلي. ~~وقال الثاني: وأنا والله يا مسعد، لا أدري لماذا نعبد مناة إذ كنا لا ندعو إلا الله ولا ~~نقسم إلا بالله! ألا ترى هذا عجبا! لا والله، ما عدت أعبدها! ثم هب الرجل من مجلسه، وذهب ~~إلى رحله وأخرج منه قطعة من الخشب على شكل عرائس الأطفال، # 4 # وأخرج مثلها من رحل صاحبه مسعد، وأتى بهما إلى ورقة يقول: هذا يا سيدي ما ~~يحملوننا على عبادته. أرأيت أشد جهلا من هذا؟ أنا راميها عن يميني. ألا ترى ذلك يا مسعد؟ ~~قال: بلى. قال ورقة: أعطوي إياهما فأخذهما، وكان الغلام قد أتى براوية كبيرة من اللبن، ~~فناداه ورقة، وقال: خذ هذين الإلهين القبيحين واجعلهما في النار، سخن بهما اللبن. هذا كل ~~فائدتهما! أحرقهما كما سيحترق من يعبدونهما ms220 بالنار في الآخرة، ولنار الآخرة أشد ~~وأنكى. # تردد الغلام في أخذ الخشبتين منه، وقال له ورقة: ويحك يا غلام إياس! ألم يأتك نبأ إسلام ~~مولاك؟ وأنه خلع اللات والعزى ومناة؟ قال: بلى. قال ورقة: ثم ألم تؤمن بمحمد بن عبد الله ~~الذي صدق به اليهود قبل أن يدعوهم؛ لأنه مذكور في توراتهم، ومذكور في الإنجيل؟ قال: بلى. ~~قال: فما هذا إذن؟ قال: لا أدري وحقك. أشعر برهبة. قال: لا بأس عليك. أشعل النار. ستزول ~~رهبتك عما قريب، وضحك! ولكن مسعدا وصاحبه لم يضحكا؛ إذ كان بهما في الحقيقة شيء مما امتلك ~~الفتى، ولكنهما لم يبدياه. ذلك بأنهما عاشا حياتهما يريان في هذه الخشبة من القوة والاقتدار ~~على الأذى والشر ما لم يكن من السهل أن يقتلع بكلمة، ويمحى أثره فور تسليم بصواب، ولذلك ~~أخذا يتساءلان عمن أسلم من يثرب فأخذ ورقة يذكرهم واحدا بعد واحد، حتى إذا ذكر اسم سويد بن ~~الصامت، وكان معروفا في يثرب كلها بأنه الحكيم الرشيد الكامل - أقسما بالله لن يضع مناة في ~~النار أحد غيرهما، وكانت النار قد أوقدت، فنهض كل منهما بإلهه الذي كان منذ ساعة عزيزا ~~ومكرما فرماه محقرا في الرقيد، وأخذا ينظران إليهما وهما يشتعلان، ويسخنان اللبن في وعائه ~~فوق الأثافي، وورقة يراقبهما ويضحك لما يبديان من آثار التشفي، وما يلوح على غلام إياس من ~~الذعر. حتى رآه بعض أحوال تعجبه يدفع النار بمحراك في يده؛ ليقلب الإلهين في النار، فضحك ~~ضحكة عالية لفتت إليه ثالوثهم، فنهض الرجلان عائدين إليه يقولان بعدا لمناة وعبادة مناة! ~~خبرنا كيف نفعل لنكون مسلمين؟ قال: اشهدا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فشهدا. فقال: ~~وأن محمدا عبده ورسوله، فنطقا بأن محمدا عبده ورسوله. عند ذلك نهض ورقة ونهضا معه ~~فقبلهما واحدا بعد آخر وقبلاه كذلك، ثم أمرهما أن ينصرفا ليملأا سقائيهما من ماء بئر ~~عينها لهما كان قد رأى الناس عندها، وأعطاهما سقاءه ليملأاه له، وقال لهما: لا بد لكما من ~~الوضوء والصلاة ms221 لله شكرا على الإيمان فارتاحا إلى ذلك، وذهبا ليحضرا الماء. # في تلك الأثناء كان الغلام الأشهلي قد جاء بماعون اللبن فوضعه بين يدي ورقة، ثم عاد ليأتي ~~بجفنة من جوالقه، وكان ورقة قد شاهد في رحل الأمير طاسا من الخزف الجميل فنهض يستأذنه أن ~~يأخذها؛ ليأتي له فيها بطعام، ولكنه وجده نائما فجاء بالطاس بغير استئذان، وجاء بسقائه ~~كذلك، وغسل الطاس، وصب فيها شيئا من اللبن، وأخرج كسرة مما زوده به صديقه الأشهلي، ودخل ~~على الأمير فوجده مغمض العين على حاله، ولكنه كان يتمتم بصلاة بالرومية، وينادي مريم أن ~~تصونه في غربته من الأذى حتى تواريه التراب، ويشكرها على أن هيأت لها في سفرتها الطويلة كل ~~هذه العناية وهذا الصون من قوم أغراب ليسوا من جنسها ولا دينها. ثم شرع جفنه فإذا هو يجد ~~ورقة أمامه واللبن في يده فسره أن يراه، وامتلأ قلبه بالشكر لمريم على أن أجابت دعاءه. ثم ~~استمر فيما كان فيه فشكر ورقة بالرومية، ودعا له، فرد ورقة شكره ودعاءه بالرومية كذلك، وطلب ~~إليه أن يسمح له بإطعامه هذا اللبن. # وكأنما تنبه الأمير إلى أن ورقة يكمله بالرومية فسأله بها: أكنت تكلمني بالرومية يا فتى؟ ~~قال: نعم. أعرفها من صغري. إن لي في الروم أهلا وأحبابا، وكان يتذكر لمياء وقتئذ وأمها، ~~فعلا الوجد وجهه وشفتيه، ولكن الأمير لم يدرك من ذلك شيئا ولم يهمه، ولكنه رأى وسامة ~~ورقة وما فيها من صباحة الخير وطيب القلب فعاد يشكر مريم على أنها أرسلت إليه من يأنس به، ~~وينزل شيئا من الطمأنينة في قلبه، وإن لم يجد في مسلك اليثربيين إلا ما يستوجب الحمد لله ~~طول الدهر على ما أنعم عليه بتوفيقه الجندي إلى مضربهما. قال ورقة: أتستطيع أن تنهض أيها ~~الأمير؟ فابتسم الأمير وقال: أستطيع بألم شديد. قال ورقة: فاسمح لي أن أنهضك، ثم مد يده ~~اليسرى وأنهضه ، فكان كمن ينهض طفلا؛ لأنه وجده صغير الجسم هزيلا، ثم قدم له طاس اللبن ~~فتناولهما بين يديه، ووضع ورقة كسرة ms222 الخبز في حجره، وأخذ الأمير يشرب ويأكل قطعة الخبز وهو ~~ملفف في ردائه، وورقة يتعجب من دقة يديه وصغر أصابعه، حتى إذا فرغت الطاس وأخذها ورقة عرض ~~أن يأتيه بقدر آخر من اللبن، فأبى الأمير وقال: إن هذا اللبن أول ما أكل منذ غادر بيته في ~~القدس، ولكنه لم يشته الطعام حتى نزل بهذا المكان، وكان هذا الآن لا قبله. فقال ورقة: علامة ~~طيبة بإذن الله. قال الأمير: لقد رد الله إلي شيئا من العافية لمرآك، وإني لأرى العافية ~~تسري في بدني كله؛ إذ وجدت أنك تعرف الرومية، وأن لك من أهلها أهلا وأحبابا. ثم طلب إليه ~~أن يرقده فأرقده، وكان الرجلان قد عادا بالماء فاستأذن وخرج للقائهما، وسار بهما؛ ~~ليعلمهما الوضوء، وتوضأ الأشهلي معهما، ثم أمهم ورقة، واتجه إلى بيت المقدس؛ إذ كانت قبلة ~~المسلمين يومئذ، وطلب إليهم أن يقلدوه في لفظه وعمله؛ فنوى، واتجه وركع وسجد، وصلى ركعتي ~~الشكر، وصنعوا مثله ونهضوا جميعا يحمدون الله على الهدى، والرجلان يشكران لورقة صنيعه، ~~ويحمدان الله على اجتماعهما به. قال: هكذا تفعلون في كل ضحى وكل عصر وأنتم متوضئون، لا ~~أسألكما على ذلك أجرا إلا أن تهدوا إخوانكم من موالي المدينة - خزرج وأوس - إلى ما اهتديتم ~~إليه، وكان الرجلان قد اشتريا من سوق معان قطعة كبيرة من اللحم، فطرحاها في النار فوق قطع ~~من حجر؛ لتنضج وفاحت رائحتها فجرى إليها أحدهما وقلبها، وجاء بها يقول: لقد سئمنا أكل اللبن ~~في يومينا الماضيين، فجئنا بهذا. دعوا اللبن للأمير، ولنأكل نحن هذا. قال ورقة: لا بأس، ~~وانصرفوا يأكلون جميعا باسم الله وهم يتحدثون بنعم الله عليهم، ويعدون ورقة أن ينشروا دين ~~ابن عبد الله بين الموالي جميعا. # ولقد رأى الرجلان إذ طعما أن يذهبا لإطعام المطايا فيما حول معان من المروج، واقترح غلامه ~~الأشهلي أن يفعل فعلهما، فأذن لهم في ذلك على ألا يعتدو على ملك أحد، فإن اعترضهم معترض ~~فليدفعوا له حقه، وأمر الغلام أن يبادر بذلك عنه وعن رفيقيه، ويدفع لصاحب ms223 الغيضة مما بقي ~~معه من الدراهم. فأجاب الغلام بالطاعة، وذهبوا جميعا في طلب الكلأ والماء للجمال. # الفصل الثاني والثلاثون # | حديث الغار # جلس ورقة على أثر انصراف الجمالة متكئا على جوالقه في الخيمة يتأمل الدنيا، ويذكر ما مر ~~بالبقاع التي هو فيها من أحداث الزمان، ويعجب لصنع الإنسان وتكالب الأمم. نظر إلى ما خلفته ~~الحوادث من الآثار في معابد معان فذكر النبطيين الذين جعلوا من صحرائها جنة، ومن مضارب ~~خيامها قصورا، وامتلكوا ما بين العراق وخليج القلزم (السويس) ودمشق، ويثرب كيف دالوا ~~واختفوا حتى لم يعد يذكرهم أحد أو يعرف عنهم شيئا، حين أنهم كانوا سادة الأرض أبد قرون، ~~وإليهم يرجع الفضل فيما نال الإسكندر الذي يسمى بالكبير من المجد الواسع والملك العظيم؛ إذ ~~حالفهم واستعداهم ففتحوا له بجنودهم العراق وفارس والهند ومصر، وأقاموا بسيوفهم ملك ذلك ~~الغلام المقدوني الذي لم يكن بلغ السابعة عشرة من العمر حين كان على رأس هذه الجيوش العربية ~~وهي تغزو تلك الأقطار، ثم كان جزاؤهم بعد ذلك أن حاول خلفاؤه كسر شوكتهم، وتبديد دولتهم، ~~فلما عجزوا عن تحقيق ذلك بالسيف حاولوا بالخديعة؛ فإذا دولتهم الزاهرة في الصحراء تعود في ~~القرن الثاني من المسيح كما وجدوها، خرابا يبابا، فيما قبل المسيح ببضعة قرون. # ضحك ورقة في نفسه ضحكة عجيبة صامتة، قال في نفسه: أيمكن أن يكون لهذه الأمة العربية التي ~~تقيم لغيرها ممالك وعزا - عزا خاصا بها؟ ومجدا مؤثلا لا يأتي عيه غير الدهر؟ صمت ~~وإذا هو يعود به الفكر إلى مكة وإلى رسول الله يتأمل وجهه كأنما ينتظر أن يسمع منه جوابا، ~~وإذا هو يرى وجه الرسول تفتر شفتاه عن ابتسامته الحلوة الخلابة، وإذا هو يتخيل كأنه يقول ~~له: نعم يا ورقة، لم يرسلني الله في هذه الأمة إلا لهدايتها إلى الرشد، وتوحيد كلمتها، ~~ولجمعها على الحق، وإعدادها للمجد، وإبعادها عن الخنا والرذيلة، فهي على وثنيتها وفساد ~~معتقدها الآن أشرف أمة وأنبل شعب. ستؤمن بما أنزل علي، وسيكون لها فوق ذلك منعة في الأرض ~~حتى ms224 تأتي في الشرق إلى جبال البامير عند الصين فتعلوها، وفي الغرب إلى بحر الظلمات فتنيره، ~~وتنتشر إلى الشمال وتنحدر إلى الجنوب، ولن يكونوا ظلمة ولا قساة. سيكونون رحمة للناس وأخوة ~~للناس، وسيرى الناس أن الله أراد بهم الخير، وسيبقى هذا الملك لهم، ولكل من لف لفهم، واتبع ~~دينهم ما بقوا على أمر الله، وعملوا بما هداهم في قرءانه، وأعدوا لكل عدو عدة التنكيل ~~والتدمير، وما عرف كل مسلم أن الأمر فرض عليه لا يتعلق بسواه، ولا يقلل منه قعود غيره عنه. ~~فإن غضوا الطرف عنه، أو فرطوا في شيء منه - انحل ملكهم وذهبت دولتهم. # وفيما هو في هذا البحران قال ورقة في نفسه: واحسرتاه لنفسي كيف حرمتني المقادير أن أكون ~~مع رسول الله وله فيما هو فيه! ثم حرمتني أن أبقى في يثرب؛ لأكون مع خئولته وأبناء أعمامهم ~~أعمل على تعجيل يوم هداهم إلى الله! ثم حرمتني أن أكون في جوار أحبائي الذين أشم ريح ~~السعادة في أردانهم! أعيش متنقلا في الصحراء من جوز إلى جوز، ولا أدري أين مستقري، ولا كيف ~~يكون حالي! أمقدر علي أن أعيش في الدنيا مبعدا عن كل أمل! حرمت آباء لي ما كان لأحد في ~~الناس مثلهم برا ومحبة ونعمة؛ أبي وباقوم وابن نوفل والحارث وسيدي وملاذي محمد رسول الله، ~~وحرمت نعمة الأمومة المباركة من خديجة أم المؤمنين، وأمي تماضر وهرميون! وحرمت الأخوة زيد ~~بن حارثة وبلالا وإياسا، ومنهم كنت أستمد القوة والأمل، وحرمت الأخت لا أخت سواها: لمياء، ~~التي تحبني وأحبها، وكان جوارها النعمة والمسرة، والقلب السعيد، ولكن واحسرتاه، لقد افترقنا ~~وهي تحسبني صلب القلب خشن النفس، جامد الحس، فهي إلى اليوم في مكة لا تذكرني إلا وهي منقبضة ~~النفس عني، تود لو ترسل إلي كلمة الغضب في طيات ما يهب علينا من النسائم لولا ما تكون قد ~~أدركته من سري المكنون. # ثم أخذ يتذكر جمال وجهها وإشراقها ببسمات المحبة حين كانت تلقاه وما يعروها من نشاط ~~السعادة لمرآه، وتمنى لو كانت إلى ms225 جواره كعهده بهدى، وتمنى لو يتناولها بين ذراعيه ويدنيها ~~من قلبه المحترق بالشوق إليها، ويقبلها ويعتذر إليها، ويفيض على ترائبها نبع حبه المطهر ~~المكتوم. فلما لم يجدها ألقى رأسه على جوالقه، وخبأه في طياته، وأخذ يذرف الدمع مدرارا، ~~ويتأوه ملتاعا، وإذا هو يحس على كتفه أنامل رقيقة تلمسه، وصوتا حنونا يكلمه. فالتفت في ~~غشيته فإذا هو يرى في سحاب ما ألقاه على الدنيا من فيض دمعه وجها مجللا بالغيوم، نسي أنه ~~وجه الأمير الصغير الراقد في فراشه جريحا في الغار، ويزعمه لفرط ملاحته ودعته حين ارتدت ~~العافية إليه، وجه لمياء قد توارد إليه شبحه حقيقة ماثلة فمد ذراعيه إليها يقول في ضراعة ~~القلب المتفطر: لمياء! تعالي! لمياء! إلي! ولشد ما كان ذعر الأمير وحزنه؛ إذ رأى الفتى ~~فيما هو فيه، وأدرك أنه وجد قد دلهه، وتمعن في محياه فوجد فيه مع الملاحة معالم قلب كريم، ~~وطلعة شاغف مشغوف. فرق للفتى، وقال له: لا بأس عليك يا صاحبي! وكانت عينا ورقة قد خلتا آخر ~~ما كان فيهما من قطرات الدمع فاستطاع أن يرى وجه الأمير عيانا، ويدرك أنه في بحران، وسرعان ~~ما رد ذراعيه إلى عطفيه، واستوى في مجلسه يعتذر إلى الأمير في ذلة المريض، ولكن الأمير لم ~~يدعه يتم اعتذاره فأعاد عليه القول: لا بأس عليك يا صاحبي. سمعت نحيبك فأخذتني عليك رقة، ~~ورأيتني أنهض بقوة الله لأرى ما بك عسى أن أخفف عنك، ولكني أشعر ... أشعر ... ثم لم يستطع أن ~~يتم جملته بل سقط على ورقة، وهو مطرق، من أثر دوار أصابه؛ لما أنفق من الجهد في النهوض، وفي ~~الوقوف حياله، وأدرك ورقة ذلك من صفرة علت وجه الأمير فنهض وأرقده مكانه. ثم أخذ يحل أربطة ~~لفاعته من أعلى؛ ليرد عليه الهواء فينعشه، وما كان أشد دهشته؛ إذ لاح له من وراء الأزرار ~~نحر عليه عقد من اللؤلؤ الكبير متدل فوق قميص من الزرد يعلو قميصا من الحرير الأبيض برز ~~منه فوق الترائب نتوءان أيقظا في نفسه أن تحتهما ms226 ثديين، وأن الأمير أميرة، وثبت عنده ذلك ~~عندما اتجهت عينه إلى وجهها فبدا له منه وجه أنثى في الثلاثين من عمرها، أذناها قد خرمت ~~شحمتاهما؛ لتحملا قرطا لم يكن إذ ذاك موجودا. أيقن أنه كما أوجس، وأنها إنما تنكرت؛ لتصرف ~~عنها من الأذى، وهي فارة ما لا يقع للرجال. على أن دهشة ورقة لم تعقه لحظة عن أن يبحث عن ~~سقاء الماء؛ ليرش منه على وجهها نطلا ينبهها، ثم يحملها وهي على هذه الحالة؛ ليرقدها في ~~فراشها في الغار، ويبعدها عن عيون من معه من الرجال إذا هم جاءوا وهو مشغول بأمرها، وكانت ~~الأمير قد تنبهت إذ ذاك، ورأت صدرها مكشوفا ومبللا بالماء، فنظرت إليه وإلى نفسها وهو ~~واقف أمامها، نظرة ذعر وتفحص آملة أن لا يكون قد كشف عن أمرها فقال لها: لا بأس عليك يا ~~سيدتي. اطمئني. ستظلين على ما كنت عليه من التنكر، وسأكون لك على الدنيا. # بكت المرأة إذ ذاك بكاء صامتا، وأرادت أن تتكلم، ولكنه قال لها: ثقي بالله يا سيدتي ~~وبأخيك الذي جمعته بك الغربة، وجعلت لك عليه حقا؟ كلانا شقي محزون، ولنعم المؤاخي الحزن ~~والشقاء. ثم استأذنها في أن يمسح لها نحرها مما نطل عليه من الماء، ويربط لها لفاعتها، ~~فسمحت وفي نظراتها لمعات الشكر والحمد لله على أن أرسل إليها مؤاسيا في ساعات حزنها وفرقها ~~من أن تصاب في كرامتها بمكروه. ثم قالت والعين شكرى بدموعها: ما اسمك أيها الفتى الكريم ~~لأصلي لك وأدعو؟ قال: شكرا لك يا سيدتي. اسمي ورقة بن صليح وأنا من مكة. قالت: ليثبك ~~القديسون على مروءتك، ثم أخذت تتمتم بالصلاة والدعاء، وهو مشغول بتجفيف الماء عن ~~نحرها. # وفيما ورقة يسبل لفاعتها على بدنها تألمت ألما مفاجئا تقلص له وجهها وصاحت: الجرح! ~~الجرح! فرفع يده على الفور، ووقف هنيهة حتى زال أثر ألمها، وقال: معذرة إليك يا سيدتي . ~~قالت: لا بأس. قال: ألا تسمحين لي يا سيدتي أن أرى جرحك؟ إني أعرف شيئا من طب الجروح. ~~قالت: بلى ms227 يا ورقة، لم يعد يريبني منك شيء، ولكن ماذا تستطيع الآن فعله للجرح ونحن كما ترى ~~بعيدون عن الدنيا وعن الدواء. قال: لا تعجز حيلة الطبيب وإن لم أكن واسع العلم. قالت: لا ~~بأس. اكشف وانظر إني واثقة بمروءتك، والله لا أدري عن جرحي شيئا. فقد أغمي علي ساعة ضربني ~~اليهودي بسيفه، ورأيتني في هذه الثياب محمولة على كتف خادم زوجي الوفي، ولا أدري من ألبسني ~~إياها، وإن كنت أظن أنه هو الذي فعل هذا. # أخذ ورقة يزيح اللفافة والدراعة الفضفاضة عن بدنها، وإذا هو يرى الزرد والقميص الذي تحته ~~مقدودين قدا طويلا بادئا من جانب الثدي الأيسر، ومنتهيا في أسفر الخاصرة، ويرى على ~~استطالة هذا جرحا لاصقا بالزرد نفسه من أثر ما علقه به من الدماء، ورأى بعض حلقات الزرد ~~مشتبكا في الجلد أو غائرا، وبعضها مكسورا بأهداب من اللحم، والجرح كله قائحا تخالطه ~~دماء ومصول. فهاله ما رأى، ولكنه دارى عواطفه، ثم أخذ يرد كل شيء إلى ما كان عليه، وهو ~~يقول: احمدي الله يا سيدتي، وصلي له صلاة الشكر مضاعفة كل يوم، لقد أنقذ حياتك الزرد الذي ~~لبسته. قالت ألف حمد لله على كل حال - كيف ذلك؟ قال لقد عاق الزرد السلاح عن أن يغير عليك. ~~قطع السيف حلقات الحديد فلم يبلغ إلى ما وراء الجلد بكثير، والجرح على كبره يسير في طريف ~~الشفاء، ولكنه يحتاج إلى تنظيف. لقد وهبك الله قوة في البدن ستعجل لك العافية. قالت: ليتني ~~مت يا صاحبي، ولم أعش بعد زوجي وولدي. ثم خنقتها العبرات فسكتت، وتحدرت الدموع على خديها ~~متداركة كقطرات السقاء المخلخل، ولم يستطع ورقة أن يحبس دمعه لدن هذا المنظر المؤلم فبكى ~~لبكائها، ثم تمالك نفسه يقول: هوني عيك يا سيدتي، لا تضعفي نفسك بهذا الوجد. أنت شابة ~~وسرية كما أرى، وستشرق عليك شمس حياة طيبة جديدة يوم تعودين إلى الإسكندرية، وسيكون لك ~~أولاد وزوج تحبينه. إن الله واسع الرحمة. ما أرجو منك إن كنت تأخذين بالرشد، أو كنت ms228 ممن ~~يقرون الحق إلا أن تضعي أمور الدنيا أمامك كما تضعين الكتاب وتقرئي. فستجدين في هذا الكتاب ~~مخطوطا بقلم عريض كبير: لا تنظري إلى الوراء: انظري إلى الأمام. إذا ورد عليك فكر مؤلم ~~فرديه بيدك وسيري إلى الأمام؛ لتبلغي ما تعده الدنيا لشبابك وجمالك من النعمة والمتعة التي ~~تنسين بهما كل ما مضى. أما وأنت تبكين الآن فذاك؛ لأنك شاكة في المستقبل، وفي رحمة الله. لا ~~يا سيدتي، شبابك وجمالك وجاهك ضمين لك برد سعادتك. إني سأحملك إلى أهلك في الإسكندرية؛ ~~لتقربي من هذه السعادة. نعم إني كنت ذاهبا إلى القدس وإن كان صديق لي قد أوصاني أن أقصد ~~إلى يوحنا أمير أيلة، ولكني أكره المكث في الدنيا بلا عمل، وكذلك كنت في طريقي إلى الرقيم ~~التي تسمونها بطرة، # 1 # ولكن لم يكن لي غاية خاصة من ذلك، فلأعد معك إلى أيلة، وأسلك بك أقرب الطرق ~~إلى القلزم، طريق الشعوى، وهو مملوء على قصره بالعشب والماء. # 2 # بيد أن القوافل لا تطرقه كثيرا؛ لأنه ليس طريق تجارة بعدما دالت عمان ~~وبطرة. # سأصرف الرجلين من هنا، وسأدفع لهما أجرهما، وإن كانا لا يريدان أجرا، فقد أعطياني الخاتم ~~الذي أعطيتهما إياه لأرده إليك، إنهما ليسا من جمالة النقل، بل هما من موالي سادة كرام ~~أعرفهم في يثرب، وقد ملكتهما عليك شفقة. ها هو ذا. ثم أخرج الخاتم من جيبه، وتناول يدها ~~ووضعه في الإصبع التي بدا عليها أثر نزعه، والمرأة غارفة في دموعها، لا تتكلم فقد كانت هذه ~~المروءة فوق كل ما علمت أو وهمت، أو تجد له لفظا يفيه شكرا، ولكنه استمر يكلمها فقال: أما ~~جرحك يا سيدتي فسأعالجه بعد قليل عندما يعود غلامي، ولا بد من نزع الزرد عنك، ونزع القميص ~~كذلك، وسأتولى أنا هذا الأمر وحدي حتى لا يعرف أحد خفي أمرك، بيد أني أريد ماء ساخنا، ~~ولا بأس أن يعده الغلام. هل معك ثياب؟ فابتسمت ابتسامة محزون ولم ترد. قال: لا بأس، عندي ~~أنا شيء من ذلك للطريق، ms229 والسوق على كل حال قريبة. # وفيما هو يكلمها استطاعت أن تسأله: ممن تنتظر جزاءك على هذا الجميل يا صاحبي؟ قال: لا أنا ~~أنتظر جزاء ولا أنا أريده. قالت: ولا من الله؟ قال: من يفعل ما يراه الناس خيرا ارتقابا ~~لجزاء من الله يتلف الخير نفسه. على أن الله أعطاني جزاء هذا العمل سلفا بما أنا فيه من ~~السعادة، وذلك أنك قبلت أن أتولى أمرك، ولكني ولا أكذبك إنما أرد جميلا لم يكن لي قبل ~~برده؛ لقد أكرمتني سيدة من بني جنسك إكراما ليس وراءه إكرام، وأنا اليوم أعيش في نعمة من ~~برها، وأحيا في ذكراها، وأشعر الآن إذ أنا معك أني معها بجوار ابنتها التي أحبها وتحبني، ثم ~~فرق الدهر بيننا فهي اليوم في مكة تطوي فؤادها على وجد يأكل جسمانها، وأنا هنا في حرق تأكل ~~حياتي، وما كان بكائي الذي أيقظك وحملك على النهوض إلي إلا لأن وجدي كان قد غلبني، وساعدته ~~الوحدة والعزلة على الفتك بي فأطلق القلب مكنون سره. أشعر الآن أني أراهما إذ أراك، ~~وأحادثهما كعهدي بهما في الأمس إذ أحادثك، وأني سعيد، وأن الدنيا بين يدي، وإذا قمت لك بما ~~ترينه خيرا فكأنما أقوم به لهما؛ بل أرى بينك يا سيدتي وبين منى النفس شبها قريبا جدا. ~~فتذكرت المرأة حاله عندما كان يبكي، وتذكرت أنه نطق باسم فتاة وهو في هواجس وجده ساعة أغمي ~~عليها، وخيل إليها أنه كان يقول لها لمياء. فنهضت قليلا من مرقدها، وقالت: لمياء؟ قال ~~ورقة: نعم. قالت وقد تذكرت أنه قال أنه يرد جميلا إلى سيدة من بني جنسها: بنت هرميون؟ ~~فارتد ورقة إلى الوراء يتأمل وجهها متعجبا، وقدر أنها تعرفها من الإسكندرية، وقال: أجل يا ~~سيدتي، بنت العالم قوزمان، وزوجة الحارث بن كلدة الطبيب، أتعرفينها؟ فعادت السيدة إلى ~~فراشها منهوكة القوى من أثر هذه المفاجأة ولم تتكلم. فقال ورقة: أراك تعرفينها يا سيدتي! ~~فأشارت بجفنيها وهزة من رأسها إيجابا، وصمتت وأخذت تتمتم صلاة بالرومية، ثم تكلمت أخيرا ~~فقالت: هي ms230 أختي، ولمياء ابنتها تشبهني حقيقة. أهما في مكة الآن؟ قال نعم يا سيدتي. قالت: ~~ألم تذكر هرميون لك أن لها أختا اسمها هيلانة؟ قال: بلى. قالت: أنا هي هيلانة. قال: يا ~~رحمة الله، لقد كانوا جميعا يذكرونك، ويسائلون الله عنك، ولقد أحببتك يا سيدتي؛ لكثرة ما ~~ذكروا عنك، يا لله! أي نعمة هذه التي ألقاها! ثم جثا وتناول يدها وأخذ يقبلها ويغمرها بفيض ~~دمعه، وهيلانة غارقة كذلك في دموعها، ولكنها لم تر من المروءة أن تحرمه تلك القبلات البريئة ~~التي كان يروي في دمعها بعض وجده، وإذا هو في ذلك الوجد يقول: واحسرتاه! لقد كسرت قلب لمياء ~~بجمودي، وها هو ذا اليوم قلبي يتفتت، ولكني لم أجد من المروءة ولا الوفاء ولا من حقي أن ~~أفصح لها عن هيامي بها. إن أباها أستاذي وسيدي، وهو رجل عظيم في الدنيا؛ بل لعله أعظم العرب ~~من غير بني عبد المطلب، وما أنا إلا فتى قليل الشأن في مكة؛ كانت أمي سبية، وكان أبي نجارا ~~من الإسكندرية، ولذلك كتمت عنها هيامي بها، وعملت على أن تكرهني لتنساني، وزادني إصرارا ~~على دأبي هذا ما رأيت من سيدتي هرميون، فلقد كان أغلى أمانيها أن لا تزوجها إلا من أهلها في ~~الإسكندرية، ومن بيت الأمير نيقتاس نفسه. فليلطف بي الله وبها، وليهبها كل ما ترجو لها ~~وأرجو من النعمة والسعادة. فلما انتهى حديثه سمعها تقول: بل نذهب إلى مكة، خذني إلى مكة. ~~لعلي أستطيع أن أجمع بينك وبين لمياء. فابتسم ورقة ابتسامة مكلوم يائس، ولكنها استمرت تقول: ~~هل كبرت لمياء وصارت عروسا، وصار لها قلب يحب ويهوى! لقد تركتها طفلة في السابعة من عمرها. ~~قال: صارت ملكا يا سيدتي. قالت: وأراها اختارت لهواها ملكا كذلك يا أخي. فتراجع الفتى ~~قليلا، وأخذ ينظر إليها وحاول الكلام فقاطعته وقالت: وحق ابن الله، لو كنت أمها ما زففتها ~~إلا إليك أنت يا ورقة، إني لأراك آية من آيات الخير الذي يحدثنا عنه القديسون. قال وقد أخذه ~~الحياء من كلامها: ms231 سيدتي! إنما ترينني كذلك؛ لأني في أحسن حالاتي: فتى ذليل النفس شريدا ~~طريدا مقطوع الأمل في الحياة، واجدا هائما، يجد في ظلمة اليأس والحزن نورا وسعادة. ~~قالت: خذني إلى مكة لأرد إليك جميلك، ولأهدي ابنة أختي نعمة. قال لا أستطيع يا سيدتي. إن ~~أخاها لأبيها أهدر دمي؛ لأنه كره أن أكون ولدا لأختك. قطع بيني وبينها في اليمن، وأهدر دمي ~~في مكة هو والمشركون جميعا؛ لأني قتلت عبدا لهم كانوا قد أرسلوه في السحر ليقتل سيدي ~~وملاذي رسول الله محمد بن عبد الله. فأنا شاكر لك فضلك يا سيدتي، وأرى ما أنا فيه اليوم ~~أكبر عوض، وسأذهب بك إلى الإسكندرية، إن لي في حي رقودة أبناء أعمام أعرفهم بأسمائهم سأبحث ~~عنهم، وسأشتغل هناك بما يشتغلون به. قالت هيلانة: لا بأس بذلك، ولكني سأدخلك خدمة نيقتاس ~~والي الإسكندرية، وسيعرف لك جميلك. إني زوجة أخ له اسمه تيودور كان في الإسكندرية قبل أن ~~يجيئها نيقتاس من أفريقية (تونس) بجيوش هرقل بعشرة أعوام، وتزوجني قبل فتحها على يديه ~~بخمسة، ثم قضى لنا سوء الطالع أن نرحل إلى أذاسا؛ لنلقى جيوش الفرس، ولكن الروم دحروا؛ لأن ~~الفرس استعانوا بألوف مؤلفة من العرب واليهود على الشام وتملكوها، ومنذ ثلاثة أشهر حاصروا ~~القدس ودكوا حصونها، وانحدروا علينا كالسيل يقتلون ويحرقون، وكان زوجي على رأس بعض الجيش ~~فقتل واحسرتاه وهو يدافع عن كنيسة القيامة، وكنت يومئذ في الدار فجاءني بعض جنده يخبرونني ~~خبره، وليحملوني على الرحيل بولدي فرارا من القتل، وألبسني أحدهم زردا تحت ثوبي المسبل من ~~قبيل الحيطة وهو هذا الذي رأيت، ولكن اليهود أدركوهم فحاربوهم في بيتي وقتلوهم جميعا إلا ~~واحدا فقد ظل يدافع عني وعن ولدي حتى ضربه أحدهم ضربة ألقته على الأرض مقطوع الساعد، وهجم ~~بعضهم علي ليسبوني أنا وولدي حين كان أحدهم يضربني ليقتلني، ثم خنقتها العبرات واستمرت ~~تقول: حتى رأيت ولدي قتيلا بجواري ، ولم أشعر بعد ذلك بشيء إلا أن الجندي الأبتر يحملني، ~~ويسير بي مجدا في الجبال والأودية وراء بيت ms232 المقدس، والدم يقطر من ساعده، وضعني على كتفه ~~كما تضع الأمر طفلها، حتى وجد مضربا لهذين العربيين فألقاني بين أيديهما، وكلمهم في شأني ~~بالعربية كلاما لم أفهمه كله، ولكني أدركت القصد منه. ثم أخبرني بالجهد أنهم سينقلونني إلى ~~أيلة عند أميرها، وأنه خبرهما أني أمير، ثم أسلم الروح وقضى وهو شاخص إلي، وأنا كذلك شاخصة ~~إليه هلعة لا أدري ماذا يجري في الدنيا؟ فقد زايلني أكثر صوابي، حتى تنبهت لنفسي بعد مسيرة ~~يوم، فرأيتني في هذه الملابس فأدركت أنه هو الذي ألبسني إياها عندما عزم أن ينقلني. أراد أن ~~يخفي حقيقتي عن الناس. فبكيت طول الطريق، وصليت لله أن يأخذني إليه. كل هذا وأنا لا أشعر ~~أني جريحة، ولكني رأيت الدماء على ما ألبسني الجندي، وشعرت بالألم وتحسست بيدي فعرفت ما ~~رأيت، ولقد كنت أتمنى أن أموت كما مات زوجي وولدي، ولكني واحسرتاه لم أمت، بل عشت لما هو شر ~~من ذلك؛ للحزن والثكل، ولقد أحسن إلي هذان العربيان بما لا أدري كيف أشكرهما عليه، وحملاني ~~على بعيرهما كما رأيت. فلما أنزلاني ليلة أمس للمبيت، ولم أكن حملت نقودا لم يسعني إلا أن ~~أشكرهما من كل قلبي، وأعتذر إليهما من عجزي عن مكافأتهما، ثم قدمت لهما خاتم الزمرد الذي ~~رداه إليك. قل لي: كيف أشكرهما؟ ولكنك ستتولى عني ذلك. أجزل بحقك عطاءهما ما استطعت، وعسى ~~أن أتمكن من رده إليك في الإسكندرية، وإلا فالخاتم لك وعقد اللؤلؤ لك. قال ورقة: أمسكي عليك ~~القول يا سيدتي، لا أريد مالا قبح المال والراغبون فيه. أسقطي المال فيما بيننا يا سيدتي، ~~فما يفسد علي نعمة الله إلا ذكر المال. إن معي ما يكفينا ويزيد. # فصمتت هيلانة فترة طويلة ذرفت فيها ذوب قلبها كله، ثم قالت: الحمد لله الذي وهبني على ~~اليأس أخا وصديقا. # الفصل الثالث والثلاثون # | إلى أثريب # عاد الجمالة بالجمال بطانا من خيرات الله في مرابض معان، ريا من مياهها العذبة الجيدة، ~~فأناخوها في مدرأ من هواء الخريف، ثم ضربوا لأنفسهم مخيما ms233 يقضون فيه الليل في جوارها ~~لحراستها، ولكنهم صعدوا إلى ورقة؛ ليقضوا معه ما بقي من اليوم، وقد بدا الآن في نظر ~~اليثربيين مثل الشجاعة والمروءة والعقل الراجح فقد ذكر لهما غلام إياس ما كان منه من قتل ~~عملاق بني قريظة وفارس بني النضير في الدفاع عن سيدهما ابن زرارة في يوم بعاث الذي انقلب في ~~النهاية على الخزرج، وأن سيده إياسا اضطر أن ينقذه من أيدي اليهود بترحيله عن يثرب في قطع ~~من الليل كما اضطر المسلمون في مكة إلى إنقاذه بترحيله عن مكة إثر ما تآمر المشركون على ~~قتله جزاء إفساده عليهم كل ما كانوا يعدون من الأذى للمسلمين ولرسول رب العالمين، وانبرى ~~موليا بني أيوب يدعوان له ويثنيان عليه؛ لإنقاذه سيد الخزرج، ويأسفان على أنهما لم يكونا ~~في يثرب في ذلك اليوم. # وكان العصر قد آذن فنهضوا للوضوء والصلاة، وتعاهدوا جميعا على الأمانة والصدق والعفة ~~والتقوى، ونصر الله. ثم انصرف اليثربيان إلى مضربهما بجوار المطايا حامدين شاكرين تاركين ~~الأمير في عناية ورقة واثقين بفضله ومروءته. # أما ورقة فجلس يفكر طويلا في أحداث هذا اليوم حتى إذا ذكر هيلانة، تنبه إلى أنه وعد أن ~~ينظف جرحها ويكسوها غير كسوتها؛ فنادى غلامه، وأمره أن يغسل ماعونا مما لديه، ويغلي فيه ~~ماء، ويغلي اللبن كذلك ليطعم الأمير، وكان قد عزم في نفسه على الرحلة إلى أيلة فالإسكندرية، ~~فأعد كتابين أحدهما إلى إياس، والآخر إلى أسعد يشكرهما فيه على ما لقي من البر والخير، ~~وحدثته نفسه أن يكتب رسالة إلى باقوم وأمه؛ ليخبرهما بما اعتزم من السفر إلى الإسكندرية، ~~ويرجو من إياس أن يرسلها إليهما مع من يكون ذاهبا إلى مكة من رجاله فكتبها كذلك. # فلما انتهى الغلام من مهمته، وجاء بالماء الساخن واللبن، أمره ورقة أن يدخل به غار ~~الأمير، فلما عاد خطر له أن يبعده عن المكان، فأرسله إلى سوق عمان؛ ليشتري خبزا ونسيجا ~~لعمامته. فانصرف الغلام في ذلك. أما هو فأخرج من جوالقه قميصا من الكتاب وخرقا كالمنديل ~~وعصابة ms234 من عصائب عمامته، وفتح جوالق الغلام فاستخرج منه قدرا كبيرا من ملح الطعام، ودخل ~~بذلك على الأميرة. فلما رأته بدت عليها علامات المسرة بمرآه، وابتسمت ابتسامة المحبة ~~الخالصة، فقال لها: أعددت لك الغسول يا سيدتي، وجئتك بقميص مما ألبس، فلا تعيبيه، إنه ليس ~~كقميصك الذي من الحرير، ولكنه خير منه الآن. بيد أني أرسلت غلامي إلى سوق عمان؛ ليأتي لنا ~~بنسيج، قالت: ليس لي معك رأي، افعل ما ترى. قال: شكرا. ثم أنهضها برفق وحل اللفاعة ونزعها، ~~ثم وضعها تحت خاصرتها؛ ليقي بها الماء عن الفراش ساعة الغسيل، وحل أزرار الدراعة، وأتى ~~بالماء فوضع فيه ما أتى به من الملح، ووضع الخرق فيه، وأخذ يبلل الجرح بالماء المملح، ~~ويزيل الدماء والمدة عن الجرح شيئا فشيئا، وعندما لان اللحم والجلد الجافان تلطف فأخذ ~~ينزع حلقات الزرد المشتبكة فيهما من أثر سيف اليهودي، والأميرة تتألم ولا تجرؤ أن تتأوه، ~~حتى أخلى الزرد كله عنها، واستمر ورقة يغسل الجرح حتى نظف، جففه بخرقة مما أعد، ولف خصرها ~~بعصابة عمامته، وجعل منها نطاقا، ثم غطاها بغاشيتها التي كانت تتغطى بها في فراشها، وعندئذ ~~أغمض عينيه؛ لكي لا تتأذى الأميرة بوقوع بصره على بدنها، وتناول كمي الزرد واحدا بعد آخر؛ ~~ليخلعه عنها، وكذلك فعل بالقميص الحريري الذي كان تحته وهو في إغماضه لا يرى. ثم التفت عنها ~~مظاهرا، وقدم لها بيده ممتدة إلى الوراء قميصه لتلبسه؛ فأخذته منه ولبسته، حين كان قد ~~انحنى يأخذ ماعون الماء والخرق الملوثة؛ ليخرج بهما من الغار مظاهرا، وعاد ورقة بعد ذلك ~~يأخذ الدرع وقميصها الملوثتين بالدماء فلما تناولهما رأى في عينها علامة التردد فأدرك أنها ~~لا تريد أن يبدو قميصها للعين فيراه الجمالة ويعجبوا. فابتسم ورقة وقال: لولا أني أخشى أن ~~نحتاج إليه في الطريق؛ لتركته على حاله، ولكني سأغسله بيدي على الفور قبل أن يعود غلامي، ~~وأدع له اللفاعة ليغسلها هو، وسيجفان ولا شك قبل الصباح، قالت وقد ابتسمت: افعل ما بدا لك ~~بيد أن لا حاجة بنا ms235 إلى القميص، أما نستطيع أن نشتري من هنا نسيجا أو من أيلة، إني أستطيع ~~أن أخيط ما نشاء. قال: كذلك ولكن لا بأس بغسله، إنه لا يكلفني شيئا. ثم خرج فغسله مما عليه ~~من الدماء وعاد به بعد قليل فنشره على حجرين في غرفتها على صورة لا يبدو منها حقيقته، ~~ولاحظت الأميرة ذلك وابتسمت، وقالت أراك تحسن التمويه يا ورقة، قال: إلا في الخير يا سيدتي. ~~قالت: قصدت ذلك بالطبع، معذرة إليك وفيما هما في ذلك عاد الغلام بالخبز والنسيج فتناوله منه ~~وشكره، ورجا منه أن يغسل لفاعة الأميرة فقد تركها له عند السقاء، وانصرف ورقة يطعم السيدة ~~شيئا من اللبن والخبز، حتى إذا طعمت لففها في النسيج وهو لا ينقطع عن مؤانستها بأدبه ~~وأحاديثه وتأميلاته، فذكر لها أنه سيقضي في معان يوما واحدا؛ لتقوى على الرحلة إلى أيلة، ~~ولا يقيم بعدها فيها إلا ريثما يستعد للرحلة إلى القلزم. # وكانت الشمس قد غربت في ذلك الحين، وكاد الغار يظلم فخرج بها ورقة إلى خيمته؛ ليقضيا بعض ~~الليل في ضياء النجوم حتى إذا غلبها نوم العافية المؤاتية حملها إلى مرقدها فنامت، وانصرف ~~هو؛ ليسهر عليها وعلى لمياء. ~~••• # في صبيحة اليوم الموعود كان ورقة يسير بهيلانة إلى أيلة بعد أن ودع اليثربيين الثلاثة ~~وأكرمهم جميعا، وحملهم الرسائل التي أعدها لأصحابه وأهله، ونقل إليهم جميعا فرط شكر ~~الأميرة - وقد ظلت في اعتقادهم أميرا جريحا - ودعواتها الخالصة لهم. # وفي صبيحة اليوم الرابع كان يسير بها في قافلة عظيمة اتخذت درب الشعوى طريقها إلى القلزم ~~(السويس). # كانت القافلة مؤلفة من أخلاط من الناس على مثل ما شهد في بطاح يثرب ومعان، جاءوا من أدنى ~~الشام وأعلاها، ومن شرقيها وغربيها، بين روم وشاميين، فارين بأنفسهم وبأولادهم من ويلات ~~الحرب في تلك البقاع منهم الثاكل والمحزون، ومنهم المحروب والمغلوب. جاءوا في الصحراء من ~~القدس وقيصرية وبصرى وغزة إلى أيلة وغير أيلة قاصدين مصر من غير طريقها القريب منهم - طريق ~~رفح والعريش والفرمة - لعلمهم أن الفرس كانوا قد ms236 استعدوا لفتح مصر، ويوشكون أن يسيروا إليها ~~من ذلك الدرب فتركوه، وصعدوا في الصحراء، وعطفوا على بطرة، ومنها إلى أيلة؛ ليخترقوا صحراء ~~سيناء إلى القلزم من طريقها هذا القصير. # اخترقت القافلة درب الشعوى في اتجاه الغرب لم تمل عنه يمنة ولا يسرة إلا فيما كانت مضطرة ~~إليه من تفادي جبل أو التماس بطحة على أنها لم تلق في هذا الدرب ما اعتادت أن تلقاه مثلها ~~من الوعث والمشقة؛ إذ كان طريقها معشبا كثير المياه والأودية، كثير المباءات والمنازل، ~~ولذا عد الركب أيامهم في سيناء نزهة مباركة، وعلامة طيبة على رضا الله الذي أنقذهم من أذى ~~الفرس واليهود ومسترزقة العرب. # بلغوا القلزم على الهوينا في ستة أيام، وبلغوا بلبيس في يومين، ونهضوا في اليوم التاسع ~~قاصدين أثريب. # ولشد ما كانت دهشة ورقة حين كان يخترق حقول مصر ومزارعها فلا يرى على جانبي الطريق إلا ~~خضرة، ومياها وماشية وأنعاما، ورزقا غير منقوص، وكان الجو في أوائل كيهك (نوفمبر-ديسمبر) ~~قرا جميلا منعشا، والشمس دفيئة كريمة، تسطع على البقاع فتجلو جمالها وتمنحها رونقا، ~~وتكشف للعين دقائق فضل الله على هذا البلد الذي جعلت الأمم القوية حيازته علامة استكمال ~~مجدها، وبلوغها سدرة المنتهى في الحياة الدنيا، وهيلانة في أثناء ذلك مغتبطة بما تسمع من ~~ورقة من أحاديث عجبه، معقبة عليه بما لديها من أخبار ما يمران به من البقاع في عهدها ~~القريب، وكان الجرح قد أمعن في الالتئام، فارتدت إليها العافية، وزها وجهها بنور الصحة، ~~فلاحت بين تلك الخضرة كالزهرة الحالية الأنيقة تلقي عليها من جمالها الفتان جمالا تبدو فيه ~~كأنما هو بعض نضرتها؛ ذلك حينما كانت تنسى همها في جوار صديقها ورقة، وفيما كانت تجده من ~~اللذاذة بالحديث معه عن مصر وفتنتها، وما تستشعره من نشاط نفسها لدن تقديرها أنها ستتمكن في ~~القريب العاجل من رد جميله إليه، واستخلاصها لنفسها بعد ذلك أخا وصديقا. # قربا من أثريب (بنها) فإذا هما يريان أشرعة سفن كثيرة تمخر من الشرق متجهة إلى أثريب، ~~كأنما هي سرب متواصل ms237 من حمائم بيضاء، فزعم أنه النيل وتاقت نفسه مشتهية أن ترى على الفور ~~ذلك النهر الذي طالما حدثه عنه باقوم والحارث أعجب الأحاديث، ولكن هيلانة عجلت فأنبأته أن ~~الذي يرى إنما هو فرع من النيل يخرج من أثريب وينتهى عند تنيس، وقدرت أن هذه السفن التي ~~تمخره إنما تحمل اللاجئين من بلاد الشام والموت الزؤام إلى بلاد مصر والإسكندرية، وكان ~~الواقع كذلك فقد كانت تحمل جموعا من أروام الشام الفارين منها من كل ملة، حتى من اليعاقبة ~~الذين أملوا الخير كله من اندحار الروم وانتصار المجوس، فلما لم يعرهم المجوس اهتماما، ~~ولم يشغلوا أنفسهم بالسفاسف، ولم يتدخلوا في عقيدة أحد، وإنما تدخلوا فيما يملكه الناس، ~~وعملوا على أخذه منهم - فروا هم أيضا مع الفارين. # بلغا بعد قليل ميناء أثريب العظيمة، وكان ورقة في أثناء قدومه يرسل ببصره إلى صفحة النيل ~~ممتدا على الأفق من الجنوب إلى الشمال، فيرى أمامه أعجب ما وقعت عليه عينه منذ خلقه الله - ~~يرى النيل! يرى السلسبيل - يرى فيض الخير الذي ترسله السماء إلى الخلق كل عام بالري والخصب ~~والنماء، ويرى الفلك تجري هادئة على صدره، فما إن يغفل الطرف عنها حتى يراها قد أوغلت ~~وانحدرت إلى مستقرها، فهي تحكي نعمة الله التي يرسلها إلى الموعود بها فتأتي إليه سلسة ~~هادئة، حتى إذا استبطأ سيرها وجدها قد غمرته من حيث لا يدري، ولقد ازدحمت الميناء بالفلك ~~الصادرة عن أثريب والواردة إليها على صدر الفرع التنيسي؛ لتقطع النيل، وتنحدر منه إلى ~~الترعة الفرعونية التي شقها أحد ملوك مصر السابقين؛ ليصل بها ما بين الفرعين الشرقي والغربي ~~مارة بحصن منوف القوي، وصاعدة في مرورها إلى أرباض نيقيوس حتى تفيض منها في النيل من الجانب ~~الآخر. # وفيما ورقة غارق في تأمله وتفكيره، انتبه على حديث هيلانة إذ تقول: ماذا نفعل بالجمال؟ لم ~~تعد لنا بها حاجة، فالطريق إلى الإسكندرية طريق النيل. لم يكن ورقة قد أعد لهذا السؤال ~~جوابا، ولا هو يستطيع الآن جوابا. أما البعير الذي تركبه فكان ms238 هينا عليه أن يبيعه إذا ~~وجدا شاريا، أما الشملالة التي يحبها وتحبه والتي أصبحت جزءا منه، ففراقها عنده كفراق ~~لمياء، ولكنه اضطر إلى فراق لمياء رعيا لها ولأهلها ولأنه لم يكن يملك غير ذلك، وأما ~~الشملالة فماذا يجبره على فراقها؟ سكت ورقة على الجواب فقالت هيلانة: أنا أعرف قدرها عندك ~~وإن لم تعد لك بها حاجة، ولن يكون لها عمل في الإسكندرية. قال: وفي الصحراء وسيناء وبلاد ~~آدوم وثمود، وفيما بين يثرب ومكة. قالت: لن تعود إليها، لن أسمح لك. فابتسم ورقة وقال: أليس ~~هناك من سبيل إلى أخذها معنا إلى الإسكندرية في سفينة؟ إنها آخر ما بقي لي من بلادي. قالت: ~~إنك تجهل ما تتكلف من النفقة في نقلها وعولها، ولكنك لا تقيم لذلك وزنا. ثم تذكرت أنه يحب ~~ناقته حبا تهون إلى جانبه النفقة فقالت: هي المحبوبة المعززة، لا بأس سأدبر الأمر. خير لك ~~وأرخص أن يأخذها لك أجير إلى الإسكندرية. قال: وهل يؤمن عليها الأجير؟ هبي أنه ذهب بها قالت ~~وقد ابتسمت: إنك يا صاحبي تنسى من أنا من نيقتاس حاكم هذه الأرض، وإني إن شئت أن أحملها إلى ~~الإسكندرية على أعناق الرجال حملوها شاكرين، ولكني لا أريد أن ألقى منهم أحدا، إلا إذا ~~عجزت. # وفيما هما يتحادثان سمعا صوتا من ورائهما ينتهرهما قائلا: إلى متى تقفان تتكلمان ~~وتزحمان الطريق! قبح العرب والقبط جميعا! انصرفا من هنا على الفور وإلا ضربت راحلتيكما ~~فألقيتكما في النيل طعاما لسمكه. # التفت ورقة وهيلانة إلى القائل فإذا هو جندي رومي مميز ممن أعدتهم الحكومة لمراقبة ~~الواردين من الشرق إلى أثريب والطالبين الإسكندرية في سفن الترعة الفرعونية، على رأسه خوذة، ~~وفي يده درع من النحاس، وفي منطقته سيف سميك، وقد ترك شواربه تتدلى على جانبي فكيه، وتملأ ~~وجهه وحشية تنفعه في القتال. # تأملاه فشد ورقة خطام ناقته استعدادا للسير، والتفت إلى هيلانة كأنه يلفتها إلى ضرورة ~~الابتعاد عن المكان الذي يتحكم فيه هذا الجندي، ولكنه رآها تتمعن في وجه الرجل ورأى شفتيها ms239 ~~تسايران نجوى نفسها في النظر إليه، ثم انطلقت كلمة منها في مواجهته تقول: كوسموس! # فالتفت الجندي إليها إذ كانت هذا اسمه فعلا، ولكنه لم يعرف مناديه؛ لأنها كانت قد تزيت ~~بزي العرب في مرافقة ورقة منذ خرجت من معان وتلثمت، فلاحت في صورة لا تدل على شيء، ولأن ~~العهد بينهما بعيد، والصلة بينهما مقطوعة من زمن طويل، وأدركت هيلانة أنه لم يعرفها؛ ~~لتنكرها، أما هي فلم يخف الرجل عنها، وإن كان قد كبر قليلا عنه يوم كان من حراس زوجها في ~~منوف، وإذ التفت إلى القائل كأنما يسائله من المنادي، لم تشأ أن تعرفه من هي إذا أمكن أن ~~يتذكرها ويعرفها هو بالنظر إليها، ولكنه لم يعرفها، فقال وهو ينظر إليها: من يناديني؟ ~~فأزاحت هيلانة شيئا من لثامها؛ ليلوح له شيء من أنوثتها لعله يتذكرها، وقالت: ألا تزال ~~تنكرني؟ فتمعن الرجل في وجهها، وقال متسائلا في شك عظيم: سيدتي هيلانة! قالت: نعم. قال: ~~مرحبا بسيدتي العالية، مرحبا! كيف حالك يا سيدتي، وحال مولاي؟ قالت: وقد جهدت نفسها على ~~التجلد: نحمد الله، وأنت يا كوسموس وأولادك؟ قال: نحن لا ننساك يا سيدتي، ولا ننسى سيدي، ثم ~~تناول كوسموس خطام بعيرها، وأشعرها أنه يريد إناخته فأذنت، ولما بلغت قدماها الأرض تناول ~~الجندي يدها فقبلها، ووقف في خضوع يحادثها وفي نفسه ألف سؤال وسؤال، ولا سيما لأنه رآها ~~وحيدة ورأى معها فتى عربيا، ولكنه آثر ألا يحرجها بأسئلته فلعله يستطيع أن يعرف من ~~حديثها معه ما يريد أن يعرفه، وكان ورقة قد أناخ هو أيضا، وجاء ليكون معها ساعة الحديث. ~~فلما رأته قالت لكوسموس: هذا فتى نبيل يا كوسموس. أمكن إخوانك أن يخرجوا بي من القدس؛ ~~ليوقوني شرور الفرس، وجئت هنا في حمايته. فالتفت كوسموس ينظر على الفتى نظرة ثناء وتحية ~~ردها ورقة بمثلها حين كانت هيلانة تتم كلامها، وهذه الناقة العظيمة عزيزة عنده ، وهي كذلك ~~عندي؛ لأنها تسابق النعام، فهل لديك حيلة هينة؛ لتكون معه في الإسكندرية؟ قال: والله إن لدي ~~شاريا ms240 لها يريد أن يبلغ القدس في أقصر زمن، ولو طلبت فيها مائة دينار ما تردد. قال ورقة: ~~لا أبيعها بألف. قال: إذن فلنجعلها في إحدى سفائن الجماهير والبضاعة الذاهبة إلى الإسكندرية ~~وما أكثرها. قالت: بل أرى أن تستأجر لها راكبا يلحق بنا في بيت أبي الذي تعرفه. قال ~~كوسموس: حبا وكرامة. قالت: وأما البعير فأرجو منك أن تبيعه. قال كما ترين يا سيدتي. أما ~~الناقة فإن لدي صديقا من أكبر تجار الغلال في الإسكندرية ونوابها في المجلس اسمه أورست ~~يريد العودة إلى الإسكندرية مسرعا، وسيكون سعيدا بأن أعرض عليه ركوبها؛ لأنه يستطيع أن ~~يبلغ بها الإسكندرية في ضحى الغد، ولكني أخشى أن سيبقى في مريوط أسبوعا. قالت: لا بأس. هذا ~~أصلح. قال: حسن جدا وسيدفع الراكب أجر ذلك لصاحبك دينارا. إن الأجور اليوم عالية جدا، ~~والرواحل عزيزة جدا قال ورقة: شكرا لك، ولكني لا أريد أجرا. حسبي من أجره أن يعنى بها ~~ويوصلها إلي سالمة. قال: ليكن ما تريد. سأبيع هذا البعير قبل أن تركبا السفينة. إن لدينا ~~من سفن القصر واحدة خالية. هل أعدها يا سيدتي؟ قالت: إذا لم يكن في ذلك بأس فافعل قال: أي ~~بأس يا سيدتي! هي سفينتكم، وهل يملك التصرف فيها أحد أكرم منك! قالت: أعدها إذن، ولكني أرجو ~~منك أن لا تخبر أحدا بأمري إن شئت حتى أرحل عن أثريب. قال: لك الأمر يا سيدتي، ثم دعاها ~~للاستراحة في جوسق له على النيل ريثما يعد السفينة، ونادى بعض رجاله؛ ليحملوا الجوالق إلى ~~الجوسق، ويبقى أحدهم لحراسة الجمال. # الفصل الرابع والثلاثون # | في الإسكندرية # يخيل إلينا وورقة تسير به هيلانة في سفينتها الأميرية ناشرة قلوعها في النيل عند أثريب، ~~ثم منسابة في الترعة الفرعونية فقاطعة جزيرة منوف على خط مستقيم حتى تصل إلى فرع رشيد بجوار نيقيوس # 1 # ثم هابطة مع النيل قليلا؛ لتنحدر هناك مغربة في جوف الفرع الكانوبي # 2 # وتسير حتى تصل إلى تيمنهورس (دمنهور) وبعدها إلى الكريون # 3 # على مدى ثلاثين كيلو مترا ms241 منها؛ لتدخل هناك في خليج كليوباترا # 4 # السائر بمائه إلى الإسكندرية، فيدخلها من جنوبها، ويخترقها حتى يصب في البحر ~~عند ما يسمى الآن مينا البصل - يخيل إلينا أن ورقة كان لفرط تعجبه مما رأى في شبه ذهول. ما ~~أعظم الفرق بين ما كان فيه في بلاد العرب وما هو فيه الآن. هناك صحراوات قاحلة ماحلة، وهنا ~~مزارع ناضرة زاهرة. هناك جبال وأحقاف، وهنا سهول ومروج. هناك آبار وعيون ضئيلة أو أفلاج ~~وخيران جافة، وهنا النيل والترع والخلجان والسواقي المترعة. هناك الخيام والمضارب، وهنا ~~الدور والقصور. أعظم ما رأته العين هناك من الحصون بيوت منيعة لسادة اليهود والعرب مبنية من ~~الحجر فوق الجبال حول يثرب، وأهون ما ترى العين هنا صروح عالية، وثكنات كالجبال قائمة على ~~جبوانب الطريق هنا وهناك. حتى إذا وقعت عينه على منوف ونيقيوس والكريون، ورأى كلا منها ~~مجموعة من الحصون الشاهقة الكبيرة الأحجار والأبواب يعمرها جند الروم مدججين بالسلاح في كل ~~وقت استعدادا للطوارئ قال في نفسه: لا! هذه دنيا أخرى وعالم آخر غير دنياي التي كنت فيها، ~~ولكنه كان قد سمع من باقوم ما سمع عنها أبد سبع سنوات متوالية، وعززته هرميون والحارث ~~ولمياء فيما روي له فصدق القول ووعاه، ولذلك لم تكن دهشته لتذهله الذهول المنتظر. على أنه ~~لما رأى بعض حصون تراجان في منوف ونيقيوس مهدمة من أثر ما فعل بها بونوسوس أمير الشرق قائد ~~قواد فوقاس، والجيوش المصرية مجدة في إعادة بنائها - تعجب كيف استطاع هذا الرجل الجبار أن ~~يهدمها؟ ويغلب عليها من كان في جيش هرقل الأخضر: # 5 # وكانت هيلانة في أثناء ذلك تروي له ما فعل بونوسوس هذا منذ سبع سنوات في مصر ~~من القتل والهدم والتدمير انتقاما للإمبراطور المكروه فوقاس. روت له أنه قتل كل حكام أثريب ~~وسمنود ومنوف والكريون، وكل ضباطها العظام، ونهب وسلب حتى إذا بلغ الإسكندرية واستعصى عليه ~~دكها لمناعة أسوارها عاد يخرب ويقتل متراجعا إلى تنيس، ونشر مناسر اللصوص في كل مكان، ثم ~~هرب إلى أنطاكية ms242 قصر إمارته، ومنها إلى القسطنطينية. # 6 # هناك أراد قتله أنصار القائد هرقل فرمى نفسه في البسفور وغرق # 6 # وأعقبوه بإمبراطوره فقتلوه وأحرقوه # 6 # وولوا هرقل بدله. ثم استمرت هيلانة تقول: ولكن هذا ~~الإمبراطور السيء الحظ هرقل لم يهدأ يوما واحدا. فقد استمر كسرى أبرويز في الحرب مع أنه ~~إنما جاء؛ لينتقم من فوقاس جزاء قتله حماه لإمبراطور الطيب موريقوس أبي زوجته مارية. أوغل ~~في أرمينية، ووصلت طلائعه إلى خليج القسطنطينية. ثم علقت هيلانة على ذلك بقولها: وكان ~~المرجو إذ أن الشعب ثار على فوقاس قاتل حمى كسرى، وأن هرقل قبض عليه وقتله اقتصاصا منه ~~لجنايته أن يكف كسرى عن القتال ويعود إلى بلاده، ولكنه لم يفعل بل استمر يحاربنا حتى أجلى ~~جيوش الروم عن أرمينية والشام معا، وها هو ذا قد ملك القدس، واستولى على الصليب المقدس، ~~وأكبر الظن أنه آت بجيوشه إلى مصر ليفتحها، ولكن هيهات أن يدخل الإسكندرية! إذا كانت قد ~~استعصت على بونوسوس وهو شيطان الشياطين فهل تسهل على قائده شاهين! إن أسوارها سميكة جدا ~~لا تفعل فيها قذائف المجانيق، نعم إن في الإسكندرية يهودا يبلغون أربعين ألفا يتربصون بنا ~~الدوائر، وفيها يعاقبة يدفعهم القساوسة إلى العبث، ولكن سلفي نيقتاس لن يفوته أمره. # وكانت السفينة منذ دخلت بهما الترعة الفرعونية تمر مسرعة بقوة الريح ومجاديف النوتية ~~الأشداء الذين كانوا في خدمة السفن الأميرية، ولذلك استطاعت أن تبلغ الإسكندرية في أيام ~~قليلة، وتيسر لمن كان فيها أن يروا أعاجيب ما كان يجري في تلك الأيام: رأوا مئات من السفن ~~بين صغيرة وكبيرة تحمل أخلاطا من أهل الشام وجنودها وقساوستها، بل ويهودها فارين بما معهم ~~من الذرية والأزواج وما أمكنهم أن ينقذوه من المتاع قاصدين الإسكندرية أو غيرها من البلاد ~~الحصينة فرارا من ويلات الحرب في تلك البقاع الشقية، وكانوا كلما مروا بمرفأ من مرافئ ~~القرى على جانبي هذه الترعة العظيمة، أو على شواطئ النيل في فرع رشيد والفرع الكانوبي وخليج ~~كليوباترا غربيه يلتقون بسفن تحمل غلالا وحيوانا وبيضا ms243 وسمنا بعضها سائر في طريقه إلى ~~الإسكندرية، وبعضها يوسق من من أجلها، وكانت هذه السفن في غالبها يحرسها جند من الروم لهم ~~سمة خاصة تدل على أنهم من جنود يوحنا الرحوم بطريق الروم في الإسكندرية، وبعضها في حراسة ~~شمامسة من أتباع بطريق اليعاقبة الوطنيين، والواقع أن الكنيسة الرومية كان لها بحكم النظام ~~العام في القطر أملاك واسعة مستقلة عن أملاك الأمير، وكانت تزرعها وتأخذ غلتها للكنيسة، ~~وتنفق منها في سبيل الإحسان وإطعام الناس الذين لو تركت لهم هذه الأراضي لم يكونوا في حاجة ~~إلى إحسانها. بل كانت لها في الغلال تجارة واسعة # 7 # وكان للبطريق اليعقوبي أملاك وأوقاف كثيرة، تأتي له في مواسم الزراعة بغلالها؛ ~~لتنفق على سكنة الأديار، وفي الإحسان إلى الجياع، وإذ كان ولاة أمر الناس يتوقعون غزو الفرس ~~مصر، فقد أمر كل بطريق أن تنزح البلاد في الصعيد والدلتا وبلاد القطر من غلاتها وخيرات ~~زرعها وضرعها؛ لتخزن في الإسكندرية استعدادا لويلات الحصار العصيبة، ولكنها نزحت كذلك ~~لغاية أخرى. فقد بلغ يوحنا الرحوم ما وصل غليه حال أبناء كنيسته في القدس، ولاسيما على أثر ~~أسر الفرس زخرياس عديله في البطرقة هناك، وحملهم إياه إلى مدائن كسرى، وبلغه أن الفرس شبعوا ~~من القتل والهدم بل بدأوا يرون أن اليهود انتهزوا فرصة الحرب فأعملوا سيوف الغل والحفيظة في ~~الآمنين، وهدموا وقوضوا باسمهم، واستعملوا كل المغريات في سبيل حمل الجنود الفرس على هدم ~~البيع والدور المسيحية العظيمة بدعوى البحث فيها عن كنوز الذهب والفضة، فارتدوا عليهم ببعض ~~الأذى، وسمحوا للمسيحيين بإعادة بناء بيعهم وأديارهم، والعودة إلى ديارهم. # 7 # بلغ يوحنا الرحوم ذلك فأمر فأعد لإسعاف أهل القدس وللمساعدة في إعادة الكنائس # 8 # إلى ما كانت عليه ألف أردب من القمح والخضر وألف بغل وألف سفينة من السمك ~~المملح وألف دن من الخمر وألف رطل من الحديد وألف صانع وألف قطعة من الذهب، ولذلك كانت هذه ~~السفن عائدة من الإسكندرية في سبيلها إلى أثريب وتنيس # 8 # لتنقلها ألوف الجمال في البر أو ms244 السفن في البحر إلى العريش وغزة؛ لتصل إلى القدس. # بلغت السفينة الأميرية براكبيها ضواحي الإسكندرية، تلوح على مدى منها عشرات من أديارها ~~الحصينة صوب البحر في الشمال وبحيرة مريوط في الجنوب، وتتوسطها مدينة الإسكندرية في سورها ~~القاتم تعلوه شهبة ناصعة كأنها قطعة من أحقاف اليمن العالية تجللها ثلوج، ذلك بأنها كانت في ~~أسفلها محوطة بسور عظيم عالي الجدران قاتم اللون لقدمه، ولما يتسلق عليه من نباتات الصحراء ~~البحرية في ذلك الجو الرطب الذي تشتهيه الأعشاب وتمرع فيه. ثم تعلو الجدران من ورائها بروج ~~مشرقة وقباب لامعة من الرخام والمرمر والحجر الأبيض هي صوى الكنائس الكثيرة والمعاهد ~~العظيمة، والآثار الباقية في الإسكندرية عروس البحر الأبيض المتوسط، وأجمل مدائنه وأغناها ~~وأطيبها. # لاح السور العظيم محيطا بالإسكندرية أمام عينه إحاطة السوار بالمعصم حتى على شاطئ البحر ~~فقد رآه ينعطف انعطاف مجد في سيره، وكانت هيلانة قد خبرته بعض أمره فكان يتبين البعيد كأنه ~~قريب، ويرى بعين فكره ما لا تطلعه العين الناظرة على تفاصيله؛ رأى إذ ذاك أحجارا صماء ~~كبيرة بني بها السور العظيم، تعلوها على فترات قصيرة أبراج مستديرة وصروح مربعة ازدحمت ~~بالمقاتلة من أنواع الجند الرومي والزنجي وبالمسترزقة من العرب وأهل برقة وطرابلس وإفريقية ~~(تونس) ولاح باب الإسكندرية الشرقي، باب عون (المطرية) أو باب الشمس، داخلا في السور إلى ~~مدى تلوح على جانبيه عضادتان مقوستان من البناء الأصم، وكأنما الباب صدر كمي هازئ، أو صنديد ~~لا يبالي بمن يواجهه. قد درع وكفت بصفائح من الحديد والنحاس ثبتت بمسامير ذات رءوس كبيرة، ~~وجعلت له فيما روى له مزاليج من قضب الحديد لا يهزها وقع قذائف المجانيق عليها فهي لا تئن ~~لها، ولا ترن إلا رنين الضاحك الهازئ، ولا يؤثر فيها لهب النيران المدمرة، فهي هي لا ~~تتزحزح ولا تتجانف، والويل لمن يقرب من الباب أو يقف يقرعه، إن كان له أن يقرع، فهناك تنصب ~~عليه من ناصية الباب ميازيب من نفط وكبريت ونيران تشعل لهبا لا ينطفئ حتى ينقله إلى من ~~أرسلوه ms245 فيحرقهم ويحرقه معا. # وكانت كنيسة مرقس الرسول # 9 # تتبدى عالية بقبابها إلى الجانب الشرقي البحري من الجدار، وتلوح وراءها صوب ~~الباب مسلتان عظيمتان # 10 # عرف ورقة يومئذ أنهما قائمتان أمام هيكل يسمى القيصريون # 11 # أنشأته كليوباترا تكريما لزوجها أنطونيوس، وجعلت فيه معبدا لعبادة القياصرة، ~~ومدرسة ومكتبة لرواد العلم، ومطعما للطلبة، ثم أتمه وزاد فيه القيصر أوغسطوس حين استولى ~~على مصر وجعلها من أتباع رومة. من ذلك الحين نسب إليه، وظل كذلك حتى انقلب المعبد في ~~المسيحية كنيسة للصلاة والترتيل، ولاح له إلى الجانب الجنوبي في قرية رقودة عمود السواري # 12 # الذي وقف يندب السرابيوم # 13 # ودار الحكمة المدمرة ومكتبتها التي كانت عامرة # 14 # ثم أتت عليها فيما دمرت، نيران المسيحية في أوائل عهد المصريين بها؛ لتقيم ~~مكانها كنائس الإنجيلون وغير الأنجليون من البيوت المعظمة للدين وحده. # ولاحت لعينه كذلك قبل عمود السواري إلى الجانب الشرقي الجنوبي مشرفة (جبلاية) الپانيوم ~~العالية مجللة بالأزهار وأوراق المتسلقات من النبات بين أشجار باسقة تظل مروجا هناك # 15 # كانت مسرح الظباء من أوانس مدينة الإسكندرية اللاتي لم ترعين سائح في الأرض ~~أجمل منهن، ولا أعرق في الحضارة منهن # 16 # ومستراد المزهوين بفتوتهم، وثرائهم من شاب الإسكندرية وأولي النعمة المؤاتية من ~~سراتها. # وقفت بهما السفينة عند مفترع ترعة البراكيوم # 17 # الآخذة من الخليج؛ لتروي تلك البساتين العامة من يمينها وشمالها وبساتين قصور ~~الإمارة والحكومة على شاطئ البحر حيث تصب فيما بين رأس لوكياس # 18 # والهپتستاد # 19 # ليملأوا منها الصهاريج الكثيرة التي كانوا يدخرون فيها المياه لأيام الجفاف ~~والحصار في حي البراكيوم العظيم وما يجاوره. # وقفها النوتية كأنما يستأذنون في أن يسيروا في هذه الترعة؛ إذ هي أقرب إلى قصر الإمارة، ~~واعتادت سفن القصر أن تخترقها، ولكن هيلانة كانت منذ دنت بها السفينة من الإسكندرية في عراك ~~نفساني كبير: أتقصد إلى دارها التي كانت فيها من قصور الإمارة وزوجها - أخو نيقتاس أمير ~~الإسكندرية والديار المصرية - حي، أم تعود إلى البيت الذي يردها القدر بقتل زوجها في القدس ms246 ~~إلى مثل ما كانت عليه فيه من الوحدة؟ ورأت في أن تلجأ إلى قصر نيقتاس دعوى لم يعد لها محل، ~~ولا سيما بعد أن انقطعت صلتها بنيقتاس بقتل ولدها من أخيه. لم يبق لها إذن إلا أن تسير إلى ~~بيت أبيها، ولذلك أشارت أن تسير بها السفينة إلى مدخل الخليج في الجانب الغربي الجنوبي من ~~المدينة في حي رقودة؛ إذ كان بيت أبيها غربي السرابيوم. # ازدحم الخليج هناك عند باب فيلاق # 20 # بالسفن الواردة إلى المدينة فكست بأجرامها لبة الماء كما تكسو أسراب الأوز ~~العظمية صفحات البحيرات البعيدة عن أذى الإنسان، ولكنهم لم يكونوا يسمحون إلا للسفن ~~الأميرية وشباهها بالدخول والسير إلى مرفأ شارع كانوب # 21 # الذي يتوسط المدينة مارا من الشرق إلى الغرب. أما سائر السفن فكانت تنعطف إلى ~~اليسار، وتدخل بحيرة واسعة هناك؛ لتنزل حمولها. # وإذ كانت السفينة التي تركبها هيلانة وورقة تحمل شارات القصر فقد سمح لها بالدخول، وسار ~~في رفقتها على الشاطئ بعض الجند؛ ليكونوا في حراستها حتى تقف عند مرساها بالقرب من جسر شارع ~~كانوب. # ولشد ما كان اضطراب نفس هيلانة ووجدها عندما وقعت عينها على مكان عزها: على المدينة التي ~~كانت فيها ثانية اثنتين في المجد والعز والمتعة بل أولى نساء مصر؛ إذ كانت سلفتها زوجة ~~نيقتاس قد قضت نحبها قبل مقدمه، وأصبحت اليوم كأية امرأة، بل دونهن جميعا. فما عز المرأة ~~إلا شعاع من شمس أبيها، فإذا تزوجت كان عزها من شمس زوجها، فإن ترملت انطفأ عنها هذا الشعاع ~~وذاك. شعرت هيلانة في قرارة نفسها بهذه الحقيقة المؤلمة فبكت وسح دمعها سخينا؛ لأنها كانت ~~تفجر دمعها من أعماق قلبها المحترق بالحزن والترمل، وشهد ورقة هذا المنظر المؤلم، وأدرك سره ~~فتألم، ولم يجد من حقه أن يحاول تعزيتها بشيء من القول. فقد كان يعلم حق العلم أن هذا الحزن ~~أبعد من أن تصل إلى الأذن فيه كلمة تعزية. بل كان يرى - وبحق ما يرى - أن كلمة التعزية التي ~~يتعجل بها المجامل في مثل هذا ms247 الظرف أدعى إلى إيلام نفس المرجو عزاؤه، بل من شأنها أن تطلعه ~~على خلو نفس المعزي من الحس أو صواب التقدير؛ لأنه لو كان صادق الحس لبكى معه، وندب معه. ~~أما وهو يرى الأمر من الهوان بحيث يملك المعزي عقله ولسانه فيتكلم، ففيه الدليل على أنه غفل ~~القلب أناني جامد الحس يبتغي أن يعود المحزون إلى سابق حالته التي كان للمعزي مصلحة فيها ~~وفائدة. كان ورقة يعرف ذلك بفطرته المخلصة، ويدرك قدر ما تلقى هذه المرأة من الشقوة، ~~ويعرف سر بكائها الآن، وتمثله لنفسه، فاغرورقت عيناه بالدموع أسفا لحالة صديقته الثاكلة ~~الأيمة وحزنا عليها، وإذ نظرت إليه وهو يراقبها في حزنها وجواها ولا يتكلم إلا بهذه ~~القطرات المترددة - أدركت قدر نبل الفتى وصدقه فرقأت عبراتها في تأملها جلال روحه، واستطاعت ~~أن تنهض من مجلسها قائلة: هلم بنا. لقد وصلنا أيها الصديق الوفي. هلم نذهب إلى البيت الذي ~~ولدت فيه لمياء، وكانت بذكر لمياء تحاول مخادعة نفسها، وتتظاهر بالتشجع؛ لكي لا تقصر في حقه ~~عليها من مشاركته فيما لا بد أن يكون فكر فيه من أمر لمياء، ولكنه كان بصيرا بخلجات القلوب ~~فلم يأبه لذلك، واستمر في العناية بصديقته الثاكلة. فقال وكأنما ذكر لمياء لم يوقظه: هلم يا ~~سيدتي، ولكنك نسيت أن تأمري بإكرام غلمان السفينة. قالت: سأكرمهم في بيت أبي. مرهم يحملوا ~~متاعنا. إن البيت قريب من هنا، والأمر لا يحتاج إلى عربة. قال: بل الخير أن يكون إكرامهم ~~قبل أن نغادر السفينة. فابتسمت وقالت: إذن فأعطهم ما تشاء. قال: بل تأمرين يا سيدتي، فما ~~ركبت قبل اليوم سفينة، ولا نقدت نوتيا في حياتي شيئا. فقالت: أعط كلا منهم إذن نصف دينار. ~~ففعل ورقة كما أشارت، وتقبل النوتية عطاءها بفرط الشكر، وانصرفوا يحملون متاع ورقة القليل ~~إلى الشاطئ في أثرهما، ولم تجد هيلانة بدا وقد أعد لهما حارس السفينة عربة إلا أن يركبا، ~~ولاسيما لأن هيلانة لم تكن في ملبس يليق بكرامتها، وإن لم يعرف أحد من هي. # سارت بهما ms248 العربة شرقا في شارع كانوب الواسع العظيم مارة فوق أرض مرصوفة بالحجر اللامع ~~بين صفين من القصور والمباني العظيمة ذات الأعمدة الإغريقية والقباب الشاهقة والحدائق ~~تتخللها تماثيل العظماء الغابرين وأعيان الناس، وكان أبين تلك القصور قصر المحكمة تحرسه ~~جنود من الروم والزنج في ملابسهم البهيجة. # ولشدة ما شده ورقة لما رأى وتعجب، ولكنه لم يكن في دهشته هذه أرعن فضاحا لعواطفه بما ~~يبدي من القول والإشارة، بل كان على عادته متزنا ينظر ويتأمل، ويقارن ويعجب، ويتذكر باقوم ~~وما كان يروي، ولعل أعظم ما لفت نظره في تلك الجولة أنه كان يرى الشارع الأعظم تقطعه دروب جانبية # 22 # كأنما خطت هي والشارع الأعظم يوم مهد على مثل رقعة الشطرنج الذي رأى أهل اليمن ~~يتسلون بلعبه في مجالسهم، وكان في دكانة نعيم رقعة منه يقدمها لأصحابه الذين كانوا يأتون ~~إليه؛ ليقضوا بعض الوقت في متجره. أدهشه النظام والعناية، وشعور حكام المدينة أن حياة المدن ~~تتطلب حسن التدبير حتى تتوافر فيها السعادة والراحة، وكان في ذلك مقارنا بين الإسكندرية ~~ويثرب ومكة بل وصنعاء، حيث الدروب رسوم أفاعي منسابة، أو مجازات للراجل ذات حفر ونقر، ولشد ~~ما كان إعجابه عندما انعطفت بهما العرفة في حي رقودة حي المصريين والجند والأعراب # 23 # مارة في أسواق الخضر والفاكهة تتخللها دكاكين القصابين والجدالين باعة الدجاج ~~والطير، والبدالين، مخترقة أحياء الصناعة والتجارة التي كانت تصدر إلى جميع بلاد الشرق ~~القريب والحبشة وبلاد الروم والرومان: صناعة الثياب الكتانية والحريرية المزخرفة بالألوان، ~~وبأسماط الذهب والفضة التي امتازت بها الإسكندرية أبد قرون، وصناعة البسط المصورة والأستار ~~والنمارق، وأواني الزجاج المزخرف والملون، والخزف المتقن، والنجارة والحدادة، والنحت ~~والحفر، وصياغة الذهب والفضة والنحاس، وتقليد الجواهر من الزجاج والبلور. كل ذلك كانت عامرة ~~به أسواق رقودة. بعضها مما يصنع في ذلك الحي العظيم الذي يشغل نصف المدينة العامرة، وبعضه ~~وارد إليه من بلاد القطر في شمالي مصر أو صعيدها، ومن ثم كانت الإسكندرية أعظم بلاد ~~العالم وأغناها وأروعها. بل كانت المثل الأعلى في النظام ms249 والمدنية والحضارة. # 23 # لم يطل سير العربة بين ميناء الخليج والدرب الذي سمته هيلانة لسائقها، فقد كان في غربي ~~السرابيوم بجوار كنيسة الأنجيلون على غير بعد كبير من الجسر، ولكنها اخترقت بهما حي رقودة، ~~فكانت نظرات ورقة على جانبي الشوارع وتأمله ما فيها، وما تعرضه المتاجر من مبيعاتها كافيا؛ ~~لتبصيره بما هنالك. على أنها ما انعطفت بهما في شارع الإنجيلون حتى قالت هيلانة: ها هو ذا ~~بيت أبي، وأشارت إلى حديقة مسورة ذات أشجار مختلفة الطول تزين فيما بعدها صدر بيت ذي ~~طبقتين، ضخم البناء على صغره، مزين النواصي بالنقوش والحلي، وبدرج من الرخام الأبيض يصعد ~~عليه إلى باب جميل الصنع، كأنه بعض أبواب الكنائس إلا أنه صغير. هناك وقف السائق وترجل؛ ~~ليقرع باب الحديقة، فقد كان على غير عادته مقفلا، وكان منظر كل شيء يدل على خلو المكان من ~~الناس. # ولشد ما كانت دهشة هيلانة إذ لم يجب قرع الباب أحد فلا حارس البستان أجاب، ولا تنبه أحد ~~من خدم البيت إلى القادمين. على أن الوقت كان بعد الظهر من كيهك أي في شتاء مصر الحقيقي، ~~فلا حر ولا فتور حتى يكون الخدم نائمين، وفيما هي في حيرتها أقبل عليها بعض أهل الحي ~~يخبرنها أن والدها سافر منذ شهرين إلى منف إجابة لدعوة جرجيس واليها؛ ليعوده في مرض انتابه، ~~وأنه أرسل منذ أيام مجاوره بطرس البحريني فأخذ حملا من أضابيره ومجلداته وعاد إليه. # لم تجد هيلانة بدا بعد هذا من أن تقصد إلى القصر، فأمرت سائق العربة أن يذهب إلى ~~البروكيوم وينزلها عند الباب الخلفي الجنوبي من القصر، فعادت بها العربة إلى شارع كانوب، ~~وانحدرت بها إلى حي الإمارة، ومنه إلى القصر مشرفة في سيرها على البحر من وراء السور القائم ~~على الشاطئ، ومسمعة ورقة هدير أمواجه وزمجرتها في مناطحة اليابسة وارتدادها عنه خائبة ~~خاسرة، وهي مع ذلك لا تفقد الأمل في الغلبة فهي ترتد؛ لتجتمع بأتي من أخواتها وتعاود الكر ~~عليه في أمل لا يفنى حتى تفنى اليابسة ms250 وتردها إلى القاع كما كانت. # لم يجد ورقة للبحر من شبيه في روعته وجلاله إلا ما رأى في بلاده من مهامه البيداء. هي بحر ~~من رمال وهو صحراء من أمواه. ما إن يحاول الإنسان اكتناه ما وراء ملقى النظر حتى تحجبه عن ~~العين قبة تنزل خاصة من السماء؛ لتحد بصره، وتقول له بلسان التعجيز: حسبك من أمر البحر ما ~~ترى؛ سفائن كالبيوت المشيدة لن تكون أثبت من الخيام في الصحراء يعمرها من أهل البر عتاة ~~يكونون من رهبة البحر كالحملان. # ثم دار بصره مع الأفق فإذا هو يرى جسر الهبتستاد الذي وصل به البطالسة بين أرض رقودة ~~وجزيرة فاروس، ثم طرح البحر من سديمة على جانبيه فقسم الميناء جفنتين شرقية وغربية، وقامت ~~المنارة على ناصية الجزيرة تهدي السفائن الحائرة إلى بر السلام. # هناك أمكنه أن يرى المنارة، إذ كانت العربة مجدة بهما نحو القصر ومنعطفة قليلا في ~~مواجهتها. فإذا هي بناء عظيم جدا مؤلف من ثلاث طبقات؛ الأولى # 24 # مربعة، والثانية مسدسة، والثالثة أسطوانية، وكان بابها عاليا يصعد إليه بمدرج ~~من السلالم من الجهة الجنوبية، وكانت جدران جميع الطبقات مخرمة بنوافذ للنور والهواء # 24 ~~- وبدا لعين ورقة أن في زوايا سطح الطبقتين الأولى ~~والثانية تماثيل من النحاس الأصفر لمردة بحرية تزين هذه الأركان. # أما الطبقة الثالثة: فبعضها بناء أسطواني أقيمت عليه أعمدة علم ورقة أنها ثمانية جعلوا ~~بينها المرايا الشهيرة والمصباح الكبير الذي يشعل ليل نهار؛ ليلقي من ضوئه على المرايا ما ~~يرد على البحر فيهدي الطرف البعيد، وفوق الأعمدة قبة، وفوق القبة تمثال من البرونز. # وعلم ورقة من هيلانة أن في هذا البرج العظيم صهريجا عظيما مملوءا بالمياه العذبة ~~للشرب، وفيه روافع يرفع بها الماء إلى الأدوار العليا والوقود للموقد أو المصباح الذي يواجه ~~لهبه، وهناك مصعد للدواب من الطبقة الأولى إلى الطبقة الثانية إذا احتاجوا إلى إصعاد الوقود ~~على ظهورها، وفي الطبقة الثالثة درج في داخل الجدار يصعد عليه إلى الموقد والمصباح، وأن سمك ~~الجدار متران. # أما الوقود ms251 فكان من نوع الخشب المعروف بالشراق، وأما المرايا التي كانت تستعمل لعكس نور ~~اللهب فكانت محدبة؛ ليكون ما تعكسه من الأضواء أبعد مدى. # الفصل الخامس والثلاثون # | بطرس البحريني # لم تكن هيلانة تعرف بطرس البحريني الذي ذكره أهل الحي ونعتوه بأنه كاتب أبيها؛ لأنها ~~سافرت من الإسكندرية - كما علمنا - قبل اتصاله به بسنوات. # ولكن هيلانة لم تهتم بخبر بطرس هذا؛ لأنها كانت تعلم أن أباها مقصد الطلاب والمتعلمين ~~والنساخ والمطالعين، فهو إذن من هؤلاء، إلا أنه مقرب إلى أبيها، ولكن الحوذي رأى أن يسلي ~~الراكبين بالحديث فذكر لهما أنه رأى بطرس وهو يحمل الصندوق الذي تكلم عنه الجار، على إحدى ~~عجلات النقل عند مرفأ فيلاق، وأراد أن ينفث رأيه في بطرس، فروى لها أن الشرطة استرابوه، ~~فأخرج لهم برهان أستاذه، فتركوه ينزل السفينة، ومع ذلك فقد كانوا يريدون حجزه انتقاما منه؛ ~~لما كان يقع بينه وبينهم من المشاحنات التي كان يبلغ فيها صوت الجدل أجواز الفضاء، ويجمع ~~عليهم الناس؛ ليعرض عليهم حكايته فيما لا يترك للناس مجالا لسماع قصة الجندي، وإبداء سبب ~~القبض عليه. كان في كل مرة يقول للناس: إن هذا الجندي الرومي يضطهدني؛ لأني يعقوبي ومصري، ~~لا لأني أجرمت أو أسأت إلى أحد. فإن كان يرضيكم أن أظلم فأحبس؛ لأني لست على دينه فأمري ~~للرب ينصفني، ولكن لا تستنصروا بعد هذا بإخوانكم يوم يسيئون إليكم؛ لأنكم مصريون ويعاقبة. ~~بهذا وبمثله كان الشرطي الرومي يتركه بالرضا أو بالكره، وكم مرة نشبت موقعة بينه وبين ~~الشرطة فضربهم وضربوه، وحبسوه، وكان سيدي قوزمان يخرجه بأمر المقوقس حتى أصبح الشرطة ~~يهابونه، وأصبح يسير في رقودة كأنه الثور المقدس. # جاء بطرس البحريني من جزيرة منوف، على أثر ما أنزل بونوسوس سنة 610 بمطرانها وقساوستها من ~~الويل. فقد كان الفتى تلميذا أو شماسا في الكنيسة التي قتل المطران في رحابها، وخشي أن ~~يلحقه السيف هو أيضا ففر إلى دير في وادي النطرون. حتى إذا اطمأن باله بجلاء بونوسوس عن ~~الديار - خرج من مخبئه فارا إلى ms252 الإسكندرية، حيث الحياة أقرب إلى مطاليب الشباب، وكان قد ~~تعلم في الدير صناعة النسخ والتذهيب وتزيين الكتب، فعول على أن يرتزق من صناعة النسخ في ~~الإسكندرية مدينة الكنائس والأديار، وأخبار القديسين ومعجزاتهم، وما بقي من علوم اليونان في ~~الكتب، وقد وفق الفتى في عمله الجديد توفقا ملأ قلبه أملا وحياة، وأنعشه إنعاشا مضاعفا، ~~وقد أغرم بالطب على أثر اتصاله بالعالم قوزمان فيما كان يعهد إليه به من النسخ، لاعتقاده أن ~~الطب أعود عليه بالكسب؛ لأن في العلم به ما يشبع نفسه التواقة إلى التمكن من الناس؛ فالطب ~~فيه شفاء، وفيه قتل، وفيه امتلاك لقوة الكيمياء وتمكن من حيل الطبيعة، وفيه خفاء وفيه ~~حماية، ولذلك أقبل يلتهم ما كان في مكتبة الأستاذ الكبير؛ ليشبع هذه الخلة من ناحية، ولينسخ ~~ما يرى في نسخه وبيعه مغنما كبيرا. # كان الفتى ضليعا شديد النشاط قوي الذكاء. له رأي في كل شيء عن وثوق بعلمه أو بحدسه، ~~ولذلك كان شديد الاستهزاء بالناس إذا خالفوه. فإذا اشتد أحدهم معه فالويل كل له من لسانه ~~البذيء، ومن ثم كان لا يستطيب مجلسه أحد، ولا يطيل الحديث معه إلا أمثاله في خلقه من ~~الحمالين، وعمال الأسواق، ومع ذلك فقد كان عريض الدعوى، يقول: إن أباه كان من أهل الثراء ~~في منوف، وإن له أملاكا ورثها عنه في جزيرة أبشادي، وأنه إنما جاء إلى الإسكندرية ليتعلم ~~الطب، وكان ما يكسبه من النسخ وتزيين الكتب والنقش المموه بالذهب معينا له على هذه الدعوى ~~الكاذبة. فهو لم يكن إلا ابن خادم من خدام الكنيسة في منوف فلما مات أبوه ضمه المطران إلى ~~الكنيسة، وهناك تعلم القراءة والكتابة، وطمع أن يكون شماسا، لولا ما جرى من قتل المطران ~~وهروبه به هو إلى الدير. # على أنه كان فوق هذا كثير الارتياد لأماكن اللهو السافل في الإسكندرية، يتظاهر فيها ~~بالثراء فيما كان ينفق في الخمر وفي الميسر حين أنه كان في الواقع ينفق مما يبتزه ابتزازا ~~من خليلة كانت له في بعض المواخير، وإذا ms253 كان العالم من أخيار الناس بعيدا عن أن يتسمع أو ~~يسمح لأحد بالوشاية فيه، بل ولا أن يصدق ما كان يرويه له ضباط الشرطة من سيئاته؛ لأنه كان ~~يراه هادئ الطبع مكبا على العمل لا يتكلم معه إلا بصوت خافت، ولا إن حادثه؛ لينظر إليه ~~معاينة - فقد احتضنه، وعمل بطرس من ناحيته على دوام هذه الثقة؛ لينتفع بجواره، ونسخ ما لديه ~~من نفائس التأليف فكان يسعى في خدمته، ويرعى مصلحته. # وإذ كان الأستاذ مترملا من زمن بعيد، ثم زادت وحشته بعد سفر الحارث بهرميون ولمياء فقد ~~خطر له أن يستأنس بالمجاور في داره فعرض عليه أن يخصص له في جانب البستان غرفة مما ألحق ~~بمكتبته ينزل فيها ويقيم، وأن يكون أمين مكتبته بأجر مقدر فتفضل بطرس بالقبول! ولكنه التمس، ~~أو بالأحرى اشترط، أن يسمح له بارتياد كنائس الرب؛ لكي لا ينقطع عن موارد الهدى والتقى! ومن ~~ثم أصبح من قوزمان بمثابة «سكرتيره» الخاص، إلا أنه كان قد اقتطع لنفسه كل ما يحتاج إليه من ~~الزمن لارتياد مباءات الخنى لا لالتماس موارد الهدى. # الفصل السادس والثلاثون # | حارس الأمير # كان للقائد تيودور شقيق نيقتاس أمير الديار المصرية من قبل هرقل جانب من القصر الكبير في ~~الإسكندرية يشغله من يوم أن فتحها أخوه في سنة 610 ولكنه كان على اتصاله بالقصر مستقلا ~~عنه، وكان له باب كبير لم يفتح منذ سافر تيودور على رأس الجيش الذي أرسله نيقتاس مددا ~~لجيوش هرقل في الشام، وآخر صغير في خلفه يحرسه جندي مسن اسمه لوكاس كان في خدمة القصر منذ ~~كان يسكنه والي مصر تيودور بن ميناس في عهد الإمبراطور موريقوس المقتول حتى أصبح الباب يعرف ~~بسم الحارس نفسه، فيقال: باب لوكاس، لا القصر الصغير ولا منزل تيودور، وإنما بقي لوكاس هناك ~~حتى في أيام فوقاس رعيا من الوالي لرجل خدم القصر مدة طويلة بأمانة وإخلاص، ولما جاء ~~نيقتاس أقره من جديد في عمله بعد ما كبر وشاخ، ولكنه أمر أن يعزز بواحد من حرس القصر، ms254 وسمح ~~للوكاس أن يقيم في الغرف المجاورة للباب بعد وفاة زوجته وقتل أولاده في الحروب والثورات، ~~وإن كان قد بقي له حفدة كانوا يزورونه من آن لآن. # بلغت العربة بهيلانة وورقة عند هذا الباب فترجلت وترجل، وكان لوكاس جالسا على كرسي ~~هناك يحادث حفيدا جاءه زائرا على العادة فمستنزفا ما يكون معه من النقود؛ لأنه كان من ~~الممثلين الذين يعملون في دار التمثيل، وهي إذ ذاك معطلة بسبب الحرب وأخبارها السيئة، وركود ~~الحياة في المدينة، وكان الجد يحبه؛ لظرفه ومبالغة الفتى في رعايته وتعمد تألفه، ولذلك كان ~~في ذلك الوقت يعطيه معه؛ ليسعده جزاء إسعاده وزيارته إياه، ولذلك لم يلتفت إلى العربة ولا ~~إلى من نزل منها، حتى إنه لما لفت إليها استمر ينظر إليهما، وإلى ملابسهما الغريبة وهو على ~~حاله من انشغال القلب بحفيده المحبوب فلم يتبين هيلانة، ولم يعرفها حتى نادته باسمه فتنبه، ~~ولكنه مع ذلك استمر جالسا، وقال: كأني بمولاتي هيلانة تناديني! قالت: نعم يا لوكاس، قال ~~وقد نهض: يا رحمة الله! أنت هنا! قالت: نعم. قال: معذرة إليك يا مولاتي ما ترقبت حضورك، ~~والواقع أنه كان قد سمع بقتل زوجها وبلغه مقتلها هي وولدها، ولكنه لم يشأ أن يثير هذه ~~الذكرى المؤلمة ساعة اللقاء فتظاهر بجهله، وعمل على مداراة عواطفه التي ثارت لدن رؤية ~~سيدته، وقال لحفيده: اذهب يا أنطونيوس ونبه الخصي الذي في خدمة القهرمانة إلى مقدم مولاتك ~~فانصرف أنطونيوس مسرعا، ونهض لوكاس إلى سيدته يدلف نحوها متجلدا، ويقول: مرحبا بسيدتي، ~~ولكن ما هذه الثياب التي أنت فيها؟ قالت مجارية الرجل في مظاهره: ثياب الصحراء! تركت كل ~~متاعي من الدنيا في بيت القدس، وجئت فارة بنفسي من القتل في حماية هذا السيد العربي إنه ~~يعرف الرومية كأهلها. فحياه لوكاس بإكرام، ورد ورقة التحية بمثلها، وقالت هيلانة: أنزله ~~عندك أكرم مكان، واجعله في رفقته أحد أولادك. أليس هذا أنطونيوس حفيدك؟ قال: بلى يا سيدتي. ~~قالت: لقد كبر! ليكن في رفقة السيد ورقة يريه المدينة ويعنى به. ms255 قال: سيكون كولدي يا سيدتي. ~~مرحبا بك في دارك. # أدركت هيلانة من دموع تترقرق في عيني الرجل أنه عالم بما وقع لها، وأدركت كذلك سر سكوته ~~عن السؤال عن زوجها وابنها، واقتضابه القول في الحديث معها، وكانت هي تتجلد كذلك تفاديا من ~~موقف لا يجمل بها، فأمعنت في الاهتمام بشأن صديقها، والتفتت إلى الحوذي وهو حامل جوالقه، ~~وأفسحت له الطريق ليدخل، وأشارت له بذلك، وتقدمه لوكاس فدخلت وراءهما؛ لتطمئن على منزل ~~ورقة، وأشارت إليه ليدخل معها، وإذ رأت غرفة مفروشة وسريرا ومقعدا واستحبتها قالت: لا بأس ~~بهذه الغرفة مؤقتا. ثم سألت الحارس عن رفيقه في الحراسة فقال: إن أهل القصر لم يعودوا ~~يستطيعون تعزيزه بآخر كعهدهم قبل سفرها؛ لشدة الحاجة إلى الجند في الشام. قالت: لتكن هذه ~~الغرفة غرفة السيد ورقة حتى حين. # وكان أنطونيوس قد عاد يخبر جده بأنه فعل كما أراد. فقالت هيلانة: فلنصعد إذن. ثم التفتت ~~إلى أنطونيوس وقالت وهي تحاول كتمان عواطف قلبها المحترق: لقد كبرت يا أنطونيوس وصرت رجلا ~~هماما كجدك كيف حالك؟ فانحنى أنطونيوس وقبل يدها وشكرها، والتفتت إلى ورقة تودعه وبها من ~~الشعور المتضارب ما لا يستطاع تحليله، ولكنها كان على فرط ما يلذع قلبها من لهب الوجد ~~والحسرة؛ لعودتها إلى دار لا تجد فيها من كانت الدار به جنة ودارا، تستشعر نوعا من ~~الفجيعة؛ لاضطرارها إلى ترك ورقة الذي أصبحت ترى أن مرآه، وحديثها معه، واجتماعها به - هو ~~الخيط الذي يربطها بالدنيا، ولذلك كانت عندما همت بالصعود إلى غرفتها يتقدمها الحارس لوكاس ~~الشيخ، كأنما هي تقاد بالرغم منها إلى حكم ينفذ عليها، وبودها لو بقيت مع ورقة عند الحارس، ~~أو أنها أصعدته معها، ولكن هذه الأمنية الأخيرة كانت أبعد الأمنيتين عن نفسها، لا لأنها لا ~~تملك ذلك أو أنه لا يليق بها، بل لأنها تكره أن يكون وعاء ما تستشعره لورقة من العواطف ~~المبهمة - هذه الغرف. عواطفها كانت تجنح إلى جو من الصحراء والوحدة والجبال، والشدة ~~والمغارات؛ لتنعم بعطف هذا الفتى الذي ms256 لم تجد له شبيها فيمن رأت من الناس أو سمعت أو وهمت، ~~وهي تصعد الآن باختيارها لتحبس وتدفن، وتحرم نور الشمس التي كانت تغمرها من ورقة بأشعتها ~~المدفئة المسعدة: أستودعك الله يا ورقة إلى حين قريب جدا، ولكن حياة القصور غير حياة ~~الصحاري، ومع ذلك فلن يطول فراقنا، ولا احتجابي عنك ولا مكثك هنا، ولكن قبل أن أصعد إلى ~~غرفتي التي ما جئتها إلا لأسارع إلى أمر انتويته، وإلا لكسرت الأبواب ودخلت بيت أبي، أرجو ~~أن تتقبل شكري. قال ورقة: سيدتي! إنك لتؤلمينني بهذا المقال. قالت: لن أطيل الكلام في هذا. ~~لست مدينة لك بحياتي التي عملت على إنقاذها فهي أبخس شيء عندي، بل أنا مدينة لك بما لا أعرف ~~ما هو، ولكني أعرف من أثره أني لا أطيق الغيبة عنك، أشعر أنك أصبحت لي في شقوتي التي تعرف ~~كالنسيم للصدر، وكالنور للعين. أستودعك الله إلى لقاء قريب. # بكى الحارس عند ذلك بكاء غمر وجهه ولحيته، ولكنه لم يفصح عن حزنه؛ لكيلا يفجر في قلب ~~سيدته مرجل حزنها الذي كان باديا له من وراء حديثها، ولذلك تقدمها في سكوت، وصعد درج السلم ~~معها إلى مستقر عزها الراحل، وشقائها المقيم. ~~••• # لا نطيل فيما لقيت هيلانة من الوجد في دارها، ولا كيف لقيت من جئنها من نساء القصر ~~للتعزية، ولا ما حدث حين وقف الأمير الخير نيقتاس يذكر سماحة أخيه، وما يلقى من الفجيعة ~~فيه، وكيف أنه بالغ في إكرامها كما بالغ في عتابها على ما أبدت من الرغبة في الانتقال إلى ~~بيت أبيها، ولا أنه أمر القهرمانة بإعداد بطانة لها من خير جواريها فهذا ما جرى. # ولشد ما كان إعجاب الأمير بورقة ونبله؛ إذ كانت تروي هيلانة له قصته معها حين كان يغسل ~~جرحها وينزع عنها ملابسها، وأكبره الإكبار كله حينما روت له ما كان منه في الغار، ورده ~~الخاتم، واحتفاظه بتنكرها حتى بعد أن لم يعد في الكتمان من مصلحة، وكيف كان يبيت في مواهن ~~الليل في الصحراء يقظا؛ ليحرسها ms257 من أذى أشرار القافلة، ولا ينام إلا وهو سائر بها في الضحى ~~أو في المقيل، وذكرت له من أخباره ما علمت من سبب هجرته من مكة ويثرب، وما كان يبدو منه في ~~معاملته لصوص القافلة من الحزم والشدة التي تبينوها منه فهابوه، وهو فتى لا تزيد سنه عن ~~الثانية والعشرين. # وكان نيقتاس في أيامه الأخيرة قد بدأ يشعر أن هناك ازورارا عنه من الناس، كأنما أوجسوا ~~أن الدنيا توشك أن ينقلب حالها، فلم يعودوا في حاجة إلى دوام التظاهر بالولاء له، وكان قد ~~علم بأن الفرس أعدوا عدتهم لغزو مصر # 1 # ولا بد أن تتجه نفوس اللؤماء إلى التقرب إلى الغزاة، ويفكر بعضهم في أن يعجل ~~لهم برهان ولائه، ولا غرو أن يعملوا على أذاه كما عملوا مع كل من تقدموه من الولاة؛ إذ ~~كانوا يأتمرون بالحكام ليقدموا رقابهم إلى الأعداء عربونا على الطاعة والولاء، وزاده ~~شعورا بذلك ما رآه في المدينة من قيام الثورات في حي اليهود في الشرق، وفي حي رقودة المصري ~~الصراح على من بقي من جند الروم في الإسكندرية بل وعلى كل رومي تسلفا لليوم الذي لا يرون ~~فيه ظلا لمذهب الروم. فما إن ذكرت هيلانة له ما ذكرت عن ورقة حتى خطر له أن يجعله حارسه ~~الخاص، وعززه في هذه الرغبة أن ورقة غريب عن الجانبين المصري والرومي. نعم إن المصريين كلهم ~~عرب قدامى جاءوا في إثر عرب أقدم، ولكن الدين قطع صلتهم بأرومتهم حتى جهلوها، فلا ضير إذن ~~من استخلاصه لنفسه، ولذلك أعلن هيلانة برغبته في رؤيته. فلما جاء رأى فتى أقل مظاهره ما ~~ذكرت هيلانة، بل بدا لعينه منه صورة الفتى المقدوني الذي أعطاهم ملك مصر، إلا أنه في ثياب ~~عربية، فتلقاه الأمير بتحية خالصة أملاها عليه إعجابه بالفتى؛ إذ وقف أمامه يحادثه بكلام ~~متزن، ووقار ليس فيه أثر من آثار الادعاء أو الغرور، أو الجهل بالفروق، أو الشعور بما كان ~~له من الفضل، ولا فيه مظهر من مظاهر الرهبة التي تعتري صغار ms258 الناس لدن لقاء الأمراء، وإن ~~يكن يلقى الآن أميرا يملك مصر، وتدين له الدنيا من ربوع الشام إلى برقة إلى بلاد النوبة، ~~فهو أعز من كل ملك، وأدعى أن تهتز النفس بحضرته، وحادثة نيقتاس يقول له: علمت يا فتى بما ~~كان منك من البر بالأميرة والعناية بها، فلا أملك لقاء هذا إلا شكرك. قال شكرا للأمير، إن ~~من نعم الله على الإنسان أن يمكنه من أداء حق الناس عليه. قال الأمير: وهل كان للأميرة عليك ~~حق في شيء؟ قال: إن للناس في مروءة الناس حقا مشاعا من يقصر عن أدائه وهو قادر عليه سقطت ~~مروءته وهزل. قال الأمير: ولكن من المجزي عن التقصير؟ قال: الله. قال الأمير: في الآخرة. ~~قال ورقة: في الدنيا قبل الآخرة قال: كيف ذلك؟ قال: تتضع نفسه لدن كل حادثة قدرا، حتى إذا ~~تلفت يرى نفسه لم يجد شيئا. جزاء الإنسان من مروءته النبل، ومن كان للناس، غير مسئول ولا ~~متدخل فقد بلغ غاية المجد وإن لم يكن أميرا. قال الأمير: ولكن هذا قد يقتضيه دمه وحياته. ~~قال: من يمت في مكرمة فقد عاش. # لم يملك الأمير من إعجابه بورقة وفرحه بأن يجد فيه أمنية نفسه إلا أن يلتفت إلى هيلانة، ~~وكانت إذ ذاك تلتمع عينيها ببريق الزهو بصاحبها، والإعجاب كذلك به، ويقول لها: أتقولين إنه ~~فتى كريم! ما أعجزك يا أختي عن تقدير الرجال! إنه للفتى النبيل. قال ورقة: شكرا للأمير ~~وحمدا لله على حسن ظنه بي. قال: إن شئت فإني جاعلك حارسي ورفيقي. قال ورقة: هذا بعض برك ~~أيها الأمير، أرجو أن أحسن اقتباله، وأجزيك عنه بمثله. قال الأمير: أنت اليوم في خاصتي ~~برتبة أمير مائة، وسيكون لك في مرقدي من القصر مرقب مهيأ. إني في حاجة إلى بطل نبيل مثلك، ~~ولكي تبدأ حياتك في القصر كرصفائك سآمر لك بمائتي هرقلي لا ردا لما أنفقت، فإني لا أريد ~~أن أفسد مروءتك، بل تحقيقا لما قصدت، وسيجيئك الآن خائط القصر وخازن سلاحه؛ ليعدا لك ما ms259 ~~يحتاج إليه شأنك في خدمتي من اللباس والسلاح، وأنت أيتها الأخت هيلانة، أكرمي فتاي فلم يعد ~~فتاك، حتى تعد له غرفة بجواري. قالت: شكرا لأخي، حمدا لله. هذا ما أملته من فضلك لمن ~~غمرني فضله، وسيرى الأمير من أمره أكثر مما رأى. قال نرجو الله أن يوفقه إلى الخير، والآن ~~أستودعك الله يا أختاه إلى لقاء قريب، ثم التفت إلى ورقة فرأى في عينيه مقالة يريد أن ~~يزجيها فقال له: هل من شيء تريد قوله يا ورقة؟ قال: رجاء يا مولاي الأمير. قال: ما هذا؟ ~~قال: أن أتقلد سيفي العربي الذي صحبني منذ عركت مقابض السيوف، ففيه سر النصر، وأن أحتمل ~~قوسي التي وهبني الله إياها إثر ما أنقذت الدنيا من شرور قرضاب، ولي فيها ذكريات أخرى. قال: ~~لا بأس بما ترى، بل لعمري إن فيهما لعلما على فتاي النبيل، هل لك من أمنية أخرى؟ قال ~~اثنتين ما أهونهما: ألا يؤبى علي زيارة مولاتي هيلانة؛ لأنها صلتي بالصحراء التي أستمد ~~منها الحياة والسعادة، وذكرى الأهل والأحباب. قال الأمير: وهذا لك يا ورقة، بل هذا خير لنا ~~وأعود بالخير، فما الثانية؟ قال: الثانية ألا تحملني على مشاركتك إذ أنا من جندك، في حضور ~~صلاتكم في الكنائس؛ لأني أومن بغير دينها، وإن أكن أومن بالمسيح # صلى الله عليه وسلم # وبأمه مريم ~~العذراء البتول. إني مسلم يا سيدي، أومن بواحد أحد لا شريك له. قال: هنيئا لك دينك ولي. ثم ~~ضحك، وقال: لا أريد أن يشتغل حارسي وقت صلاتي في الناس بصلاة. أليس كذلك يا هيلانة؟ قالت: ~~بلى وربي. أنت على حق. قال الأمير: هل من أمنية أخرى يا ورقة؟ قل فهذا وقت لا أملك فيه رد ~~سؤال. فضحكت هيلانة ضحكة كريمة وقالت: ما أشد شكري للأمير، ولكني لا أظن أن قد بقي لديه ~~شيء. قال الأمير: إذن فعلى هذا، ثم انصرف مودعا من هيلانة بأكرم مجالي الشكر والامتنان، ~~وعادت إلى ورقة تهنئه وتشكره على تقاضيه من الأمير حق زيارتها، وكادت لفرحتها تتناول ms260 الفتى ~~تقبله، ولكنها تنبهت فانحدرت إلى مجلسها، وفي فمها بقية من كلماتها التي كانت تسير بها ~~عائدة من حيث ودعت نيقتاس. # الفصل السابع والثلاثون # | هرميون ولمياء # أين هما؟ ماذا جرى لهما في الطريق؟ وماذا فعل الحارث إثر ما وصل إليه من القول المر في ~~بطاقة امرأته؟ أما أين هما، فهما في منف # 1 # في قصر حاكم مصر عند نيفرت أخت قوزمان زوجة الحاكم. رأت هرميون وهي سائرة في ~~سفينتها من قفط أن تنزل بمنف؛ لزيارة عمتها وقضاء بعض الوقت معها، ثم تستأنف الرحلة إلى دار ~~أبيها في الإسكنردية، ولكنها وجدت زوج عمتها مريضا واشتدت علته، فلم تستطع أن تفارق عمتها، ~~ولم تجد كبير داع إلى التعجيل، فكتبت إلى والدها تنبئه بعودتها من مكة، وأنها اضطرت إلى ~~البقاء مع عمتها؛ لتعينها على شئون التمريض، وأشارت عليه أن يعجل بحضوره؛ لتطبيب زوج أخته، ~~فجاء قوزمان، وأخذ يعالجه حتى نجا من مرضه، وكان الشتاء على الأبواب، وأخته راغبة في بقائه ~~لديها حتى ينتهي البرد، فرجت منه أن يقضي الشتاء في جو منف الدافئ، ولم يجد في ذلك بأسا ~~فبقي، وأرسل مجاوره بطرس البحريني في طلب بعض كتبه؛ ليعيش في جوه الذي يستمد منه الحياة ~~والرغد. # أما الحارث المسكين فلازمته العلة مدة ما، فلما أبل انقطع عن لقاء النضر، وإذ لقيه هذا لم ~~يقع له لسان على لسان، وكان النضر يعلم أن أباه يتهمه بأنه سبب ما وقع كله، وأنه قطع بينه ~~وبين أحبابه جميعا، وأسلمه إلى الوحدة والشقوة والآلام، فعمل من ناحيته على ألا يلقى أباه، ~~وكان يقضي يومه بين شياطينه أعداء رسول الله؛ ليدبروا للمسلمين كيدا بعد كيد، وأخيرا رأى ~~الحارث أن بقاءه في مكة مضن له، فأرسل غلامه زيادا؛ ليعد له مسكنا في جدة، وانتقل إليها ~~بما بقي له من الدنيا: كتبه وأضابيره، وأخذ يشتغل بوضع كتاب عن العلل ودوائها، وقلما كان ~~يخرج من داره إلا للاستراضة أو لرد زيارة؛ على أنه كان كلما ذهب إلى شاطئ البحر ورأى الماء ~~يخط ms261 أمامه من الجنوب إلى الشمال طريقا واسعا، ويرى السفن قادمة من مصر أو ذاهبة إليها - ~~حدثته النفس أن يستقل إحداها على الفور إلى برنيس # 2 # أو عيذاب؛ ليلحق بامرأته وابنته في الإسكندرية لينعم بجوارهما حيا وميتا، ~~ولكن عزة نفسه كانت تتغلب على هواه فيدير ظهره إلى البحر؛ لكيلا تستمر السفن في إغوائه، ~~ويعود إلى بيته حزينا يردد زفرات الهم والأسى على أنه كان كثيرا ما يسائل نفسه كيف تعود ~~هرميون باختيارها إلى الإسكندرية بلد الثورات والمذابح والحصار والنار، وهي تعلم أن الفرس ~~قد يجيئون مصر، وأنهم لا يرحمون صغيرا، ولا يرعون امرأة ولا شيخا؟ بل كيف تجرؤ هرميون أن ~~تركب البحر وتخترق الصحراء بابنتها، والبحر محفوف بالمكاره، والصحراء غاصة بالأشرار؟ ولم ~~يكن الحارث ليجد في قلبه بالرغم مما أودعت خطابها إليه عن المعاذير، أثارة من عفو؛ لأنه كان ~~يرى في عملها هذا الجريء تعريضا بكرامتها وشرفها وحياتها هي وابنته، ولكم مرة هم أن يدعو ~~عليها بما فعلت، ولكنه لم يكن يجد على لسانه قولا ولا في فؤاده معنى؛ لأنه كان في قرارة ~~عقله يجد أنها صدرت في ذلك عن يأس وإيثار منها لشر أهون من شر، ولذلك كان يعود إلى داره ~~وقلبه محزون، ولسانه يتمتم بألفاظ يدعو بها على النضر لا عليها، ثم يتمثل لمياء بهجة قلبه ~~التي كانت تقبله كل صباح ويقبلها، ويشم في جوارها عبق السعادة، فيحن إليها حنينا يقض ~~مضجعه، ولا يجد له تنفيسا إلا بلومها على مطاوعتها أمها في الفرار بها، وعد ذلك عقوقا له. ~~ثم يتبين حقيقة حالها فيقصر، وهكذا كان يقضي أوقات خلوته في ذلك يغالب نفسه جاءته رسالة من ~~هرميون احتال أهل القصر في منف على إيصالها إليه. ذلك أنهم أرسلوها إلى حاكم عيذاب مع أحد ~~رجالهم الكثيرين الذين يسيرون في أعمال الحكومة بين مصر وعيذاب، وهناك تولى حاكم المرفأ ~~إرسال الرسالة مع أحد أرباب السفن الماخرة بخيرات مصر ومصنوعاتها إلى مواني الحجاز والحبشة ~~واليمن، وكلفه أن يتدبر في إرسالها إلى الحارث بن ms262 كلدة في مكة. فلما وصل الربان إلى جدة، ~~وأخذ يبحث عن راحل إلى مكة؛ ليسلم الحارث الرسالة - علم أنه مقيم في جده، فذهب بنفسه إليه ~~وأسلمه إياها بيده. # كانت الرسالة طيبة العبارة في مطلعها، ضمنتها هرميون أشواقها والمحبة منها ومن لمياء، ~~والاعتذار إليه مما فعلت، وأنها لم تلق في الطريق إلا الإكرام، وأن الدنيا في مصر هادئة، ~~ودعته إليها، وكانت الرسالة طويلة فكان سرور قلبه بتلاوة صدورها ظاهرا على وجهه، ولكنه ما ~~توسطها حتى اربد وجهه، وبدا على فمه الهلع؛ لأن هرميون تخبره خبرا لم يرتح إليه ذلك أن ~~عمتها خطبت لمياء لابنها الأصغر دميان أحد ضباط حصن بابليون، نعم إنه يعقوبي وهي رومية، ~~ولكنها ستجري مراسم الزواج كما جرت في زواج عمتها من الحاكم. فقد كانت رومية المذهب وهو ~~يعقوبي، ولكن أهل الكنيسة لم يعجزوا عن التوفيق وتحقيق القصد، ولاسيما لأن فيه اكتسابا ~~للمذهب، وأضافت إلى ذلك أنها مع ذلك أرجأت تنفيذ رغبة عمتها حتى يرد منه جواب الرضا. نعم ~~إنها تملك تزويجها بغير استشارته الاضطراب والعراك، حتى إذا انقضى عليه ثلاثة أشهر في جده، ~~وهو عملا بما اتفقا عليه منذ مولدها، ولكنها لم تجد أن تغمط حق الأبوة في زواج ابنتها كما ~~أنكر حق الأمومة حين ود ولده أن ينزلها منزلة العجماوات بتزويجها من ذلك المكي المتبربر ~~الذي شاء أن يجعلها إحدى زوجاته. # دارت الأرض بالحارث دورتها لدن هذا النبأ؛ لأنه أوضح له سوء حاله إيضاحا جمع عليه كل هم. ~~رأى أنه مقطوع عن دنياه وعن ولده وزوجه، وأنه قد أصبح يقضي في أموره كأنه من سقط الأشياء. ~~نعم، إنها تستشيره، وتعلق تحقيق رجاء العمة على قبوله، ولكنه شعر أن الأمر مجاملة واستشارة ~~لا تعليق صحيح، وأنها لن تتردد في زف ابنتها إلى قريبها حتى ولو رفض، وشعر أنه أصبح محروما ~~حتى من أن يحسن إلى ابنته. نعم، إن له أملاكا في الإسكندرية ومريوط بعضها مما أقطعه إياه ~~الوالي تيودور بن ميناس حاكم الإسكندرية جزاء أن شفاه من ms263 علته التي أعجزت فطاحل أطباء الروم ~~في الإسكندرية الأسبق، وكان إقطاعه إياها تدبيرا منه؛ لإبقائه في مصر، وحقا إنه كان له ~~في ذمة دير الهانطون # 3 # أموال أقرضهم إياها عندما احتاجوا إلى المال؛ لترميمه إثر ما أنزل به بونوسوس ~~ذات مرة من الهدم والتدمير، وأنهم لهذا قد نزلوا له عن قطعة من السوق بجوار كنيسة الإنجيلون ~~اليعقوبية يستغل إيرادها لنفسه، وإن كان قوزمان وكيله عليها وعلى غيرها بل وكيل ابنته؛ ~~لأنهم اشترطوا عند تزويجه من هرميون أن يكون ريع أملاكه في بلاد مصر وقفا عليها وعلى ~~أولاده منها في غيبته أو وفاته، ولكن بر الوالد وعطفه ونظرة الحب منه كانت في نظره البر ~~والإكرام، لا بر مثله ولا كرام سواه. # على أنه ما كان يستحب السيد دميان زوجا لابنته لمياء؛ لأنه رآه في الإسكندرية في بعض ~~زياراته لخاله قوزمان فلم يعجبه حاله، وعرف من بطرس البحريني التقي الورع، المكتب على الدرس ~~والنسخ والعلم شيئا عاما من تصرفاته لم تكن مما يشرف فتى نبيلا؛ رآه في ذلك الأيام ~~مغرى بالخمر مولعا بما لا يولع به إلا السفهاء من حب الميسر والمراهنة، وإدمان حضوره ~~ليالي التمثيل ودور الملاهي والمراقص، وكان لا يتورع أن يقيم الولائم في غياض مريوط للفسقة ~~والجواري والراقصات حتى لقد تغيب عن المنزل ثلاث ليال قضاها على تلك الحال في بعض خبايا ~~أصحابه في الإسكندرية، وأشفقوا أن يقضي نحبه بينهم فحملوه إلى بيت خاله وهو على شفا جرف ~~الموت تسمما بما شرب وتهدما من أثر ما بغى، وعجب لامرأته الرشيدة كيف ترضى لابنتها ~~المطهرة بعلا كهذا، ولو كان ابن عمتها وابن حاكم مصر! ولذلك تناول رقعة فكتب عليها رسالة ~~الرفض والتأنيب لامرأته وهو على أشد ما يكون الوالد من الألم والحسرة والحزن على ابنته. فما ~~أن خط فيها بضعة أسطر حتى شعر بانقطاع قدرته على الاسترسال في الكتابة، فترك الرقعة بجواره ~~وأخذ يفكر، وتغلب على نفسه، واعتزم أن يسافر إلى منف ويعمل بنفسه على إحباط الزواج، ولكنه ~~كان قد ms264 ركبه مرض شديد ألزمه الفراش فلما عاد صاحب السفينة، حين انتوى العودة إلى مصر؛ ليأخذ ~~منه رد الرسالة، وجده محموما لا يعي، ووجد عنده رجالا كثيرين لم يعرف أن منهم ولده النضر، ~~ووجد كذلك بعض النسوة من أهله، فأدرك أن الأمر خطير، ولما لقيه النضر لم يدله على مكانه من ~~الحارث، وإنما اكتفى بأن قال له: ها أنت ذا ترى الحارث مريضا بحمى الدماغ، فهو لا يعي الآن ~~حديثا، ولعل رسالتك سبب ما هو فيه فعد إلى من أرسلك بما ترى. هذا أوضح جواب على أني وجدت ~~حين دعيت إليه رقعة كان يكتبها فيما أظن لامرأته يؤنبها فيها على شيء لم تدل عليه الأسطر ~~القليلة التي استطاع أن يكتبها قبل أن يغشى عليه، فهو يؤنبها ويسفه عملها بل أرى أنه يلعنها ~~إذا هي نفذت عزمها، وفي اعتقادي أن الزوج لا يلعن زوجته إلا إذا كانت قد أساءت إليه إساءة ~~لا تحتمل عفوا، أو يكون قد جن بفعلها، وكلا الأمرين عصيب. فخذ هذه الرسالة المقتضبة معك ~~فهي كل إرادة الرجل فيما أظن. قال الرسول: ألم تطلع أنت يا سيد على الرسالة التي جئت بها ~~إليه؟ قال النضر - وإن كان قد اطلع عليها فعلا وعرف ما فيها -: لا. ليس من حق طبيب مثلي ~~غريب عنه أن يفتش، وإنما وجدت هذه الرقعة التي أعطيتك إياها بجوار فراشه. قال الرسول: أظن ~~أنه زواج إحدى بناته من دميان ابن حاكم منف. هكذا خبرني الغلام الذي جاء بالرسالة إلى ~~عيذاب. أهو صهر العالم قوزمان يا سيد؟ قال: نعم. قال: علمت من رسول القيصر أن قوزمان غير ~~مرتاح إلى هذا الزواج؛ لأن هذا الفتى من فساق منف المشهورين قال النضر: قد يكون ذلك، فقد ~~سمعت الحارث يهذي في بحران حماه شاتما دميان هذا، ولاعنا امرأته أيضا. قال الرسول: سأكتب ~~رسالة بما رأيت وسمعت منك، وأضع معها هذه الرقعة، وأرسل الاثنتين في لفة واحدة إلى قوزمان؛ ~~لتقع في آمن يد. فهو في منف كما علمت من غلام القصر؛ ms265 ليداوي سيده. قال: تحسن صنعا. # نهض النضر إذ نهض الرسول للخروج من البيت، واستمر في تنكره المقصود يقول: إن لهذا الرجل ~~العظيم ولدا طبيبا في مكة سأرسل في طلبه؛ لأني لا أريد أن أتحمل التبعة وحدي في مرضه. قال ~~الرسول: تحسن صنعا أيها السيد. إني أراه في شدة، وانصرف الرسول على هذا، وعلى أن محدثه من ~~أطباء مكة، لا أنه النضر عدو هرميون العامل على أذاها وإن كان الخير فيما دبر الآن. على أن ~~كل قصده إنما كان أن يؤلمها، ويقاوم مشيئتها حسنة كانت أو سيئة. # الفصل الثامن والثلاثون # | ترهب القلب # أبل حاكم منف، وتهيأت النفوس لإتمام الزواج بالرغم من أن هرميون كانت تستمهل عمتها حتى ~~يجيء جواب الحارث، وترى رضاه ضروريا، وبالرغم من أن لمياء آذنت أمها أنها لا تجد في نفسها ~~ارتياحا إلى الزواج من ابن عمتها هذا، وإن لم تستطع أن تبدي سببا لهذه الكراهية تقتنع بها ~~أمها، وخيل إلى أمها في ذلك الوقت أنه نشور هواها الدفين، أو هو ما بقي من أثر مقارنة ~~كمال خلق ورقة وأدبه إلى جراءة دميان وصلفه. نعم، إنها لم تر من لمياء هياما بورقة، ولكنها ~~كانت تشعر أن تعلقها به ليس إلا عرضا من أعراض حب قد لا تكون تعرف يومئذ أنه الهوى، ولكنه ~~الهوى على كل حال عرفت أو لم تعرف. فهي إذا لم تجد في ابن عمتها ما كانت تجده في ورقة؛ فذلك ~~لأنها لم تحب ابن عمتها بعد، ولكنها ستحبه بعد الزواج فلا خوف من هذا، ولكن الحقيقة أنها ~~بالرغم من دوام تفكيرها في ورقة ومناجاة قلبها له في كل خلوة وفي كل ليلة كانت تعتقد أن ~~الدهر قد قطع بينهما وفرق، ثم لا وصل بعد هذا ولا اجتماع، وأصبحت ترى أن لمياء الماضي قد ~~ماتت كما تموت الراهبة، وأصبح سواء في الدنيا أن تتزوج دميان أو سعفان ما دام أهلها يريدون ~~زواجها، ويرون هذا حدثا عظيما حين أن لم تعد تهمها نفسها. سوى أنها رأت دميان ms266 ذات يوم في ~~بستان القصر، وكان فريدا وكانت فريدة فحيته ورد التحية كأنما هي ابنة البستاني الهينة ~~عليه، ولم يبتسم أو ينهض للقائها والحديث معها على عادة الخاطبين أو الأصدقاء، فتنبهت ~~نفسها على ألم مهانة نالتها؛ إذ شعرت كأنه يريد أن يقول لها: إن زواجي منك برغم إرادتي، ~~وإذا أنا رضيت بأن أتزوج منك فذاك نزولا على حكم أمي، لا لرغبة مني فيك أو لمزية لك. ~~فاحتملت آلامها وصعدت حتى إذا لقيت أمها أبدت لها عدم ارتياحها إلى هذا الزوج، وذكرت بعض ما ~~لقيت منه من مظاهر الاستهانة بها، ولكن أمها استنتجت لها من ذلك الجفاف معاني التحشم والأدب ~~الذي فطر عليه الفتى، وغير ذلك من القول الزائف. فعادت الفتاة إلى سابق سكوتها وارتقابها ~~يوم ينتهي أمرها بزفافها إلى دميان، وانتحارها بالزواج. # على أن والدتها كانت قد بدأت ترى عود ابنتها يذبل، وجنحت نفسها إلى العدول عن زواجها، ~~ولاسيما بعد ما سمعت قصة فتور دميان من ناحيتها وإهماله شأنها، وبعد ما كانت تسمع من أخبار ~~مبهمة عنه، ولكنها كانت قد قبلت هذا الزواج، وإن كانت قد علقته على رضا الحارث، وكانت العمة ~~قد عدت هذا القبول منها نهاية القبول، وأخذت تعد للحفلة عدتها من التفكير والتدبير، وشايعها ~~زوجها في ذلك إلى أبعد مدى؛ إذ كانت صاحبة الرأي الأعلى في بيتها، بل وفي كل شيء حتى في حكم ~~مصر نفسها، ولم ينفع هرميون جوار أبيها؛ لأنه على ما كان يعرف من فساد خلق ابن أخته امتنع ~~عن أن يبدي لها رأيا فيما عرضته أخته، قولا بأنه أقل الناس خبرة بالناس. على أنه لم يشأ ~~أن يعترض مشيئة أخته ثقة منه بأن نصيحته لابنته لن تنتهي إلى خير، ولا سيما لأن أخته كانت ~~قد أرسلت منذ مدة خطابا إلى البطريق أنستاسيوس اليعقوبي تلتمس منه أن يباركها بزيارته ~~إياها في منف، وتنازله بقضاء أشهر الشتاء في ضيافتها؛ ليتولى في غضونها مراسيم إكليل ابنها ~~دميان على لمياء ابنة الحارث حفيدة قوزمان، ورد عليها البطريق ms267 المحترم قابلا دعوتها ~~ومجيبا هذا الرجاء إكراما لها ولزوجها وأخيها قوزمان وللحارث زوج ابنة أخيها، وأنه ينوي ~~أن يعجل بالقدوم عليها بعد انصراف أثناسيوس بطريق أنطاكية الحبيب الذي جشم نفسه مشقة ~~الأسفار؛ ليقيم اتحادا بين كنيستي أنطاكية والإسكندرية # 1 # اليعقوبية، وأنه لهذه المناسبة السعيدة قد أرسل إلى أسقف كنيسة المعلقة # 2 # يعلمه بأنه سيقيم عيد ربه ومخلصه يسوع هذا العام في كنيسته. # رأت هرميون أن الأمر أصبح أعقد من كل معقد، وأن ما أملت من رفض الحارث هذا الزواج الذي ~~أصبحت تكرهه كما تكرهه لمياء لفرط ما أثر فيها وجدها بورقة وامتهان دميان إياها، ويأسها من ~~كل فرج - لم يعد يفيدها شيئا. فعلمت على تنشيط ابنتها بالتأميل الفارغ، وافتراء صفات ~~المحاسن في دميان على أمل أن ينصلح حاله بعد الزواج، ولكنها كانت تؤنب نفسها على هذه ~~الأكاذيب، وتلوم نفسها على تعجلها بإبداء القبول من ناحيتها، حين أنها كانت، لو لم تتأثر ~~بجو اللقاء الذي غمرها حين وردت بالسفينة على عمتها، قادرة على الرفض الصريح. زادت شقوتها ~~حينما دخل عليها أبوها وفي يده طومار الرسالة التي كتبها ربان السفينة ينبئ قوزمان بما رأى ~~وما سمع من حزن الحارث ومرضه ورفضه، وأنه يرى دميان أسوأ زوج لابنته، وقد أقره قوزمان على ~~هذا الرأي، واعتذر إلى ابنته من كتمانه أمره؛ لأنها قبلت زواجه من ابنتها قبل مجيئه من ~~الإسكندرية، وما إن قدم لها الرقعة التي كان يكتبها الحارث قبل أن يصاب بحمى الدماغ، ورأت ~~فيها ذمها وتأنيبها ولعنها إذا هي أقرت هذا الزواج - حتى هلعت المسكينة، وشعرت بلعنة الزوج ~~تنتابها فبكت بكاء مرا حتى لم يدر أبوها كيف يعزيها، بل ولا كيف يستره عن عمتها وابنتها. ~~فاكتفى من الأمر بأن أوصد باب الغرفة من الداخل، وعاد إليها يشهد بكاءها حتى تفرغ ما في ~~قلبها، وهو يحاول تهدئتها بوعود منه لا يملك تنفيذها، ولكنها وعود رأى أن يشغلها بها عن ~~البكاء. بيد أنها لم تهدأ حتى رأت لمياء؛ فقد دخلت عليها من باب آخر ms268 هو باب الطرقة المؤدية ~~إلى الغرف التي خصصت لجدها قوزمان: هدأت لأنها لم تكن تريد لابنتها أن تعرف سببا بكائها ~~فهي لا تريد أن تقف معهما تستمع وتعلم بأن أمها أضحت أشد رغبة منها في إلغاء خطبتها، ولكنها ~~تجد أنها أصبحت مغلولة إلى عنقها بما تعجلت به عمتها نيفرت من التدبيرات قبل أن يجيء جواب ~~الحارث، بل قبل أن تمكنها من فحص الأمر ومعرفة عواقبه؛ ولذلك طلبت إلى لمياء في لطف الأم ~~الحزينة أن تنتظر في غرفة جدها حتى تدعوها. فلم تأبه لمياء لهذا الطلب، وقالت بلسان لم ~~تتعوده أمها: لم أعد أملك أن أجيب هذا الرجاء يا أماه. إن كان بكاؤك لأمر خاص بك فيجب علي ~~أن أعرفه لأحمل معك ألمه، وإن كان بكاؤك لأمر خاص بي فيجب علي أن أعرفه؛ لأني أحق بألمه. ~~قالت هرميون: في الأمور ما لا يكون من الخير للأم أن تطلع ابنتها عليه. قالت: إن كان من حقك ~~على أبيك أن تفاتحيه في شأنك وتحزنيه لحزنك، فمن حقي عليك مثل ذلك؛ إذ أنت أمي، قالت هرميون ~~وقد أدركت أن الفتاة لقيت على الأقل برهانا جديدا على شقوتها من زواجها بدميان ولا ترى أن ~~تسمعه الآن: ولكني بلغت رشدي يا بنيتي، ولي بأمور الحياة خبرة لا تكون لمن هي في مثل سنك، ~~ولي أن أتولى أمر نفسي بنفسي وأمرك كذلك. أما أنت فلم تبلغي سن الرشد بعد. قالت لمياء: إذا ~~لم أكن بلغت رشدي فكيف رضيت أن تلقي بي في دنيا لا بد لي من تمام الرشد فيها؛ دنيا الزوجية ~~التي تتطلب العقل والصبر والأناة، وتتطلب فوق هذا - لمثل حالتي - القدرة على التضحية. قالت ~~هرميون وقد أدركت ما وراء ذلك: أتوسل إليك بحق محبتي لك أن تتركينا؛ لنتدبر مخرجا مما يحيط ~~بنا من الضائقة قالت لمياء: المخرج في يدي يا أماه لا في يدك، فقد أفلت الأمر من يدك أنا ~~أعلم أنك تريدين أن تتحللي من عقد ارتبطت به مع عمتك في شأني؛ لأنك علمت ms269 أنك تورطت، ولأن ~~أبي رفض، كما يبدو لي من وصول هذه الرسالة إليك، وأشارت إلى الرسالة وكانت لا تزال ملقاة ~~على كرسي بجوارها من يراها من ينظر، وإذ لم تجدي المخرج فأنت تبكين. المخرج في يدي يا أماه ~~كما قلت لك، سأخرجك من ورطتك التي أوقعك فيها مكر عمتك وجبروتها، قال قوزمان: كيف يكون هذا ~~يا لمياء؟ قالت: ألقي بنفسي في النيل، إنه أحن منكم صدرا وأوسع رحمة. فنهضت أمها مزعورة، ~~وأمسكت بيد لمياء كأنما رأتها قد هرعت إلى جسر بابليون، وتوشك أن تلقي بنفسها في التيار فهي ~~تمنعها من ذلك، وقالت بصوت مذعور: النيل! لم هذا يا ابنتي؟ قالت: لأنك لا تريدين أن تفعلي ~~ما يجب فعله، وهو أن تذهبي من فورك؛ لتقولي كلمة واحدة من أجلي. تقولين هكذا! إني آسفة ~~جدا؛ لأن ابنتي لا تريد هذا الزواج ولأن والدها لا يريده، وأنك لا تملكين بعد هذا تنفيذ ~~وعدك لها! فسكتت هرميون ونكست رأسها. فقالت لها لمياء: أتستطيعين هذا يا أماه؟ فنظرت ~~هرميون إلى ابنتها؛ لتكشف عن سر هذا السؤال، ولكن لمياء وقفت أمامها كالخشبة لا يبدو من ~~أسرارها شيء. ثم قالت: إذا كنت لا تملكين ذلك فحملي جدي رسالتي هذه ورسالتك إليها. قال ~~قوزمان: هذا ما كنت أخشاه؛ ألا تدخران لي إلا السيئة؟ ستثور نيفرت ثورة الضبع، لا لخيبة ~~رجائها؛ بل لأنها دعت البطريق الأكبر من الإسكندرية ليتولى الإكليل، وقد وعد بالحضور ~~قريبا، ولا بد أن يرافقه في قدومه طائفة من أساقفة الكنائس ورجال الكهنوت للخدمة، فكيف ~~يكون موقفها يوم يحضرون للإكليل ولا إكليل. قالت: وتريد أن يجتمع الناس؛ ليشهدوا إكليلي كما ~~يشهد المعيدون ذبح حمل يعدونه لمائدتهم! لا. لن أكون حملهم في ذلك اليوم! لا تحزني يا أماه! ~~دعوا كل بطارقة المسيحية تأتي لتزوجني فسأجهر أمامهم حين يجيئون بي لأعلن كلمة الرضا أني ~~رافضة، وسأعلن في حضرتهم المقدسة ما أخفيته عنك وعن أبي وعن ورقة نفسه: وهو أني خلعت دين ~~المسيحية ومذاهبها جميعا، واتبعت ملة الحنيفية الموحدة ms270 بالله. ملة آبائي الأكرمين. ليس ~~أكرم من أن أجهر في حضرة الإكليروس جميعا أن لا إله إلا الله وحده وأن محمدا رسول الله. ~~فسأكون أول مسلمة هبطت وادي النيل، وأول من جهر بالإسلام فيه، وأكرم بذلك حالا. # كانت هرميون وقوزمان يسمعان هذا الكلام من لمياء، وبهما من هول ما تنذرهما هول شديد من ~~الفضيحة الكبرى التي سيذيع أمرها في ربوع مصر وبواديها، ولكنهما كانا يريان على لمياء شيئا ~~من مظاهر جنون اليأس فأشفقا عليها، وخشيا أن يستولي عليها، فانبرت أمها تقول لها لتريح ~~فؤادها من عوامله: لا بأس عليك يا لمياء، سأنقض هذا الزواج، وسأذهب الآن إلى عمتي. تعالي ~~أنت معي إلى مخدعك فاستريحي ريثما أذهب إلى عمتي. قال قوزمان: لن يتم هذا الزواج فاطمئني يا ~~لمياء، وسأعود بك إلى الإسكندرية قريبا، وألقى البطريق وأعلنه بالواقع قبل أن يتهيأ ~~للمجيء. إنك أكرم عندي من كل إنسان. ثم تناولها في صدره وأخذ يقبلها عن حنان حقيقي وشفقة. ~~فخارت قوى لمياء المسكينة وبكت على كتف جدها بكاء يفتت الصخر، وهلعت أمها لذلك فتناولتها ~~وأجلستها على فخذها، وأخذت ترفه عنها وهي لا تنقطع عن البكاء. فتاة في مقتبل الحياة، بريئة ~~طاهرة نبيلة تعبث بها المقادير من أول يوم، ويجتمع كل من لهم بها علاقة على أن يجمعوا عليها ~~الهم واليأس والضنى، وهم لو تركوا الدنيا تسير معها فيما أرادت لها من الخير؛ لكانت أسعد ~~خلق الله، ولكنهم كانوا يعترضون مشيئة القدر الصالح في كل خطوة من خطواتها، وكل خفقة من ~~خفقات قلبها، وهي صابرة وراضية ومستسلمة، حتى كادوا يسلمونها إلى الجنون. اجتمع العرف ~~والرياء والجبن والسفالة على العبث بقلبها النبيل، وقتلها في روعة الصبا! قبح العرف وقبح ~~الحياء وقبحت المجاملة! تقضي على الجمال والحق والسعادة! ومع ذلك فقد كان منهم يقول إنه ~~يعمل للخير! كانت لمياء بينهم كالزهرة الناضرة ادعوا أنهم يريدون أن يسقوها ماء النبع ~~الصافي فرووها ماء النار. # حملها جدها على كتفه، وسار بها إلى مخدعها حتى أرقدها في فراشها، وجلسا ms271 بجوارها يعتذران ~~إليها مما جرى، ويؤكدان لها أنهما لن يسمحا بأن يتم هذا الزواج. # وكانت أمها تعجب لتغيرها وتشددها اليوم في الرفض، وكانت تظن أن لمياء لقيت دميان في ~~البستان كما لقيته منذ أيام وجرى منه مثل ما جرى أو أكثر، فثارت كرامتها لذلك، وجاءت مصممة ~~على إحباط كل مشروع من هرميون، ولكن هرميون لم تشأ أن تتأكد من حدسها خشية ما تهيج الرواية ~~من نفسها. غير أن الحقيقة غير ذلك. # فالحقيقة أن لمياء لقيت في القصر إنسانا ملأ قلبها قوة، وأفعم نفسها حياة وردها إلى ~~يقظتها التي كان الوجد بورقة قد ذهب بها، حتى عدت نفسها جثة لم يعد يهمها في أي أرض تلقى. ~~ذلك هو المجاور بطرس البحريني شيطان الإسكندرية الذي يلبس في بيت أستاذه قوزمان مسوح ~~القديسين. لحق هذا الفتى إلى أستاذه قبل أن يرحل الحارث بزوجته وابنته لمياء بسنة، وكان ~~لمياء تعرفه حق المعرفة؛ لكثرة ما كانت تلقاه في رحبة البيت أو في بستانه، وتتعجب لفرط أدبه ~~معها وشدة ورعه حين أن نظراته كانت تذعرها لما ترى فيها من بريق خاص يميزها عن سائر العيون ~~التي تراها، وتعجب لوسامته وحسن بشرته حين أنها كانت تستشف من ورائها قوة خفية كقوة ~~الثعبان، ولذلك كانت تخشاه من غير ما سبب وتزور عنه. على أنها يومئذ لم تكن تهمه في شيء ~~لصغرها، فلم يأبه لمظاهر خشيتها واسترابتها إلا بمقدار ما يخشى من أثر ذلك بتغير أهلها ~~عليه، واستمر معها على تأدبه وتكمله وعظيم الرعاية لها في بيت أستاذه، حتى يجمع أهل البيت ~~على وصفه بأنه القديس الشاب المسكين الذي يدعوه طلب العلم إلى التماسه منهم في كل هذه ~~الذلة. أما اليوم وقد غابت لمياء عنه ما غابت، وعادت على غير انتظار فتنة لكل عين، ومتعة ~~لكل قلب، فقد تنبهت شياطين نفسه، وهام بها هياما لم يستطع أن يطفئ أواره، وإن استطاع أن ~~يخفي لهيبه، واشتهى وتمنى لو تكون له، وهو يعلم أن دون نيلها خرط القتاد، ولكن ذلك لم ms272 يكن ~~لينزل في قلبه اليأس، فقد كان يحدث نفسه بقوله: نعم، إنني لا أعرف اليوم لي حيلة تتحقق بها ~~أمنيتي، ولكني قد أوفق إلى حيلة في الغد، فلماذا اليأس؟ ولماذا لا أمهد للمستقبل؟ وعلى هذا ~~عمد إلى التحبب إليها، ولفت نظرها إليه. فكان يبالغ في رعايتها في أدب خالص كانت شغلة الوجد ~~تصبغه صبغة الإخلاص، وزاد هيامه ووجده ما عرف من أنها توشك أن تزف إلى دميان. إذن فلتكن ~~خطوته الثانية أن يحول دون هذا الزفاف بكل وسيلة حتى يردها خالصة للطامع فيها، ولن يعدم بعد ~~ذلك حيلة في حمل أمها على تزويجها منه رغبة منه أو رهبة، ولكن كيف يكون هذا؟ وبأي عمل يبدأ ~~في تنفيذ خطته؟ لم يكن له إلا أن يستعين بلمياء نفسها على ذلك. يجب أن يملأ قلب لمياء بغضا ~~لدميان، وذعرا من دميان؛ ليقطع بذلك ثلاثة أرباع الطريق المرسوم، وكان هذا من أهون الأمور ~~عليه؛ لأن دميان كان مهلهل العرض لولا أنه ابن مقوقس منف. # أخذ يحتال للقائها والانفراد بها؛ للتحدث إليها بوشايته، ولكن القصر كان غاصا بالعيون في ~~كل مكان، وأهون مظاهر الاستهانة يودي به وبمشروعه، ولذاك أسقط فرصة لقائها في الردهات ~~والبستان من عداد وسائله. كما أنه رأى أنه لا يستطيع أن يدخل عليها غرفتها القريبة من غرف ~~أستاذه الذي يعمل معه فيها؛ لما في ذلك من الريب التي يجب أن يتجنبها، وإلا طرد من القصر ~~شر طردة. إذن فلينتظر ويرقب الفرص. # جاءت له الفرصة المشتهاة ذات يوم. ذلك أن إحدى الجواري تسلمت رسالة قيل لها إنها للأستاذ ~~قوزمان، وإذ إنها لا تملك أن تذهب بها إليه في غرفه فقد جاءت إلى هرميون؛ لتتدبر في تسليمها ~~إليه، وذكرت لها أنها جاءت مع بريد عيذاب. فقدرت هرميون أنها رسالة الحارث، ولذلك لم تشأ ~~أن ترسلها إلى أبيها، بل أرسلت لمياء في طلبه؛ لتقرأها عندها أو تقرأها في حضوره ما دامت ~~خاصة بها، وكان بطرس معه على عادته في خلوته مع جدها يقرأ له ويتذاكر ms273 معه. فما أن تهيأ ~~قوزمان للسير إلى ابنته حتى تبدى بطرس من وراء ظهر قوزان يستمهل لمياء بالإشارة، ويشفع ~~الإشارة بمظاهر الرجاء والإلحاح، وهال لمياء أن يستوقفها هذا الكاتب، وهو لم يجرؤ فيما مضى ~~من أيامه قبل سفرها إلى مكة أو بعده أن يكلمها بله أن يختال جدها ويستوقفها، فهذا ما لا ~~يبيحه عرف الماضي في الإسكندرية ولا عرف الحاضر في قصر الحاكم، ولكنها لم تجد بدا أن ~~تتمهل في وقار لترى ما وراء ذلك. فقد يكون الأمر جللا، ولذلك تلكأت في الخروج مع جدها، ~~واتجهت إلى بطرس تقول له: أراك تريد أن تحادثني في أمر ذي بال! قال: نعم يا مولاتي، ما كنت ~~لأجرؤ على أن ألتمس منك التمهل إلا لأمر جلل. إن أباك رجل جليل وأمك سيدة نبيله، وأنت أشرف ~~العذارى، ولقد عشت في بيتكم عيشا كريما، فمن حقكم علي أن أخلص لكم النصيحة، لا أرجو ~~عليها جزاء ولا شكورا فقد أسلفتموه. قالت: هلا قلت ما لديك لجدي؟ قال: لقد قلته وهو يعرف ~~بعضه من قبل، ولكنه لم يشأ أن يتدخل، وأرى الأمر عصيا، ولذلك رأيت أن أقوله لك أنت؛ لأنه ~~خاص بك، ولو لقيت الشر بعد ذلك. هذا أقل ما يجب لك علي. قالت: وما هذا؟ قال: لا تقبلي ~~الزواج من دميان ولو ألقيت في النار فهي أبرد منه وأحن. قالت: ويحك؟ أتقول هذا عن دميان؟ ~~قال: إني لك صديق، ولا يهمني سواك، وإذ إنك لا تعرفين ما في دنيانا هذه من الشرور فعلي أن ~~أدلك على ما أنت قادمة عليه من الشر؛ لتتقيه ولو نالني الشر. ليس الرجل عدوي ولا أنا ذو ~~مأرب. قالت: ألا تخبرني السبب؟ قال: ألا تشعرين بما يقبض نفسك يا مولاتي. قالت: بلى، ولكني ~~لا أدري له سببا، ومن الظلم أن تجزي أحدا بغير سبب تستبينه فقال: السبب عندي يا مولاتي. ~~لقد نظرت بعيني روحك إلى روحه فعرفت أنها روح شريرة. قالت: خبرني لماذا كانت في نظرك كذلك؟ ~~قال: أقسمي لي ألا ms274 تبوحي به عني. قالت: أقسم ألا أبوح، قال: هو فتى الخمر والفسق والبغايا، ~~واعلمي يا سيدتي أن معه الآن واحدة منهن جاء بها من الإسكندرية، وأنزلها بجوار حصن بابليون ~~الذي يعمل فيه؛ ليكون قريبا منها في كل وقت، ولا يعرف بأمرها سواي وسوى أمه؛ ولذلك تريد أن ~~تزوجه منك أملا أن ينصرف بك عنها، ولكن هيهات! إنه يحبها حبا شديدا، وأزيد على ذلك أن ~~له منها بنتا تسمى هرميون باسم أمك، وولدا من أخرى هجرها في الإسكندرية اسمه قوزمان ~~باسم جدك. أما سمعته ليلة اجتمعتم كلكم في البستان يقول: إن أحب الأسماء إليه اسم هرميون ~~وقوزمان؟ قالت: بلى، فمن أخبرك بذلك؟ أنت لم تكن معنا، قال: هو الذي أخبرني هازئا بكم ~~وبجهلكم، وإنما قال لي ذلك لأني مطلع على أمره. إذن فقد ثبت لك قولي. قالت: نعم، ولقد كنت ~~أرى مظاهر ذلك على وجهه، ولكني لا أملك أن أدفع هذا السوء عني إلا إذا استهدفت لغضب أمي ~~وعمتي وزوجها، وكل نساء القصر، وكل من فيه من الأبناء والبنات، وسيقولون عني ما لا يجمل. ~~قال: لن يكون قولهم أشقى لك من حياة تشبه الدعارة، ولا آلم لنفسك من آلامك يوم يتركك هنا؛ ~~ليجتمع بصديقته وبنته. حافظي على كرامتك ودينك يا ابنة أشرف الرجال، ولا تخشي لومة لائم في ~~الحق. تؤثرين أن تتزوجي رجلا فاسقا لا شرف عنده ولا قلب يجيء إليك كل يوم بيد دنسة، وفم ~~ملوث، وقلب مع غيرك إرضاء لمن يهمهم أمرك! هذه عمتك أقرب الناس إليك تضحي بك من أجل ولدها. ~~فلماذا لا تضحين برغبتها الشريرة السافلة من أجل حياتك أنت. اعلمي يا لمياء أني أحب لك ~~الخير، وأسدي إليك النصح الخالص، وقد أمرنا القديسون أن نسارع إلى إنقاذ الناس ما استطعنا، ~~ولست أستطيع إلا أن أخبرك بما أعلم، وما كنت لأعلم لولا أنني كنت في السوق في الإسكندرية ~~يوم أرادت رفيقته فيها أن تحرق البيت عليه فأنقذته من النار ومن الشرطة والسجن محافظة على ~~شرف سيدي قوزمان، ms275 وأنا الذي أتلوى عنه وربي كتم أنفاس هذه المرأة فأدفع إليها نفقة ابنه ~~قوزمان كل شهر؛ لأني بحمد الله غني بمالي من الأملاك الواسعة في جزيرة منوف، وإن كنت أكره ~~أن أقول ذلك. # كل ما ذكره بطرس صحيح إلا فيما يختص بالأملاك فما كان يملك شيئا، وإلا ما روى عن رفيقة ~~الإسكندرية فإنها خدينته هو، والطفل قوزمان ولده هو، ولكنه عزاه يوم ولد إلى دميان بهتانا، ~~وحكاية حرق البيت صحيحة كذلك، ولكن المرأة أرادت إحراقه هو لا دميان، وإنما فعلت ذلك؛ لأنه ~~جاء به إليها وحملها نفقات كثيرة أبد ثلاث ليال متوالية تقاضاها من دميان أضعافا مضاعفة، ~~ثم لم يعطها منها شيئا، وكانت هي الليالي التي تذكر الحارث أنهم جاءوا بدميان على أثرها ~~إلى بيت خاله مخمورا مهدما، وكان بطرس هذا رفيقه في فجوره بل دليله في كل فجوره، وأستاذه ~~المحنك. ثم لما وضعت خدينة الإسكندرية ولدها من بطرس جاء إلى منف؛ ليقنعه بالبهتان أنه ~~ولده، وأنذره بفضيحة أمره لدى أبويه إذا هو لم يسترض المرأة بنفقة للولد. فرضي دميان بذلك، ~~وصار بطرس يتقاضى للمرأة مرتبا للنفقة على الطفل، ولا تدري المرأة من ذلك شيئا بتاتا، ~~ولكي يبقى احتياله مستورا أقنع السيد دميان بأن من الخير له ألا يبدو للمرأة ولا للولد، ~~ويكتفي من الأمر بأن يرسل إليه النفقة باستمرار، وهو يتولى عنه تسليمها إليها، وما دامت ~~ساكتة فهذا غاية المنى. على أنه لما جاء إلى منف مع قوزمان واجتمع به في بعض خلواته، وعرف ~~ما يدبرون من زواجه أخبره أن الطفل كبر وأصبح مرتبه القديم ضيئلا، وأن أمه طلبت زيادته، ~~ونصح له أن يجيبها إلى ذلك، وإذ إنه عائد إلى الإسكندرية؛ ليأتي لخاله بكتب وأدوات من ~~منزله، إذ عزم أن يقضي الشتاء كله في منف، ولا بد له أن يلازمه فيها فقد نصحه أن يعطيه نفقة ~~هذه المدة؛ ليسلمها إياها، وأبان له أن أوجب ما يجب عليه، في الوقت الذي يفكر فيه في الزواج ~~من لمياء، أن يبقى جو ms276 علاقته بالخدينة الإسكندرية جو وئام ورضا تام، وإلا كانت المصيبة ~~كبيرة، وزيادة في تدليسه نصحه لهذا أن يكتب إليها رسالة رقيقة تتضمن المحبة والوعد بقرب ~~اللقاء ويحملها قبلات الشوق إلى ولده العزيز. ففعل دميان كما نصح له الشيطان، وأعطاه قدرا ~~صالحا من المال، وكتب له الرسالة المطلوبة بإملاء بطرس نفسه، فأخذهما بطرس، وسافر إلى ~~الإسكندرية؛ لينفق المال في أهوائه، وليستفيد بالرسالة فيما يرى. # وقد جاء الوقت المناسب للاستفادة من الرسالة، فقدمها إلى لمياء على أثر حديثه معها قائلا ~~إنه لم يتمكن من إيصالها إلى صاحبتها، وأبقاها الرب معه لهذا اليوم. فتناولتها لمياء ~~وقرأتها، ورأت توقيع دميان عليها وردتها إليه في سكوت وانصرفت بغير تعليق، ولكنه كان سكوتا ~~لم يغب عن بطرس معناه فقد رأى لمياء يمتقع لونها وتضطرب، فأدرك أن سمه سرى إلى القلب، ومن ~~ثم ذهبت لتلقى والدتها، وتعلنها بما أعلنت، وكان ما كان من هلع والدتها عليها لما رأت عليها ~~من مظاهر الجنون الذي كاد يستولي عليها لولا أن سارعت أمها وجدها إلى استرضائها بالوعد ~~الصريح الذي قطعته على نفسها. # الفصل التاسع والثلاثون # | تدبير الله # غلب النوم على لمياء في تلك الساعة مما هد قواها من الهم؛ فحمدت أمها وجدها لله هذا ~~الفضل، ونهضا؛ ليعاودا الحديث في شأنها، ويدبرا الخطة لإعلان نيفرت بما استقر عليه رأيهما ~~في أمر لمياء، وكانت عمدتهما في ذلك أن الحارث لم يقر هذا الزواج، وأن هرميون اشترطت ~~لإنفاذه أن ينال موافقته. نعم، إن عمتها دعت البطريق، وأعدت كل شيء، ولكنها تصرفت في ذلك من ~~تلقاء نفسها، وإذا ثارت عمتها وزمجرت وغضب زوجها لهذا، واستاء فلا يصح أن تأبه هرميون ~~لذلك، بل يجب أن تجابهها إذا اقتضى الحال بأنها لا تغضب زوجها في مرضاتها، وإذا أمعنت نيفرت ~~في تأنيبها لم يعد أمامها إلا أن تعلنها بما عرف أبوها من أهل الإسكندرية، وهو أن ولدها ذو ~~خدينة وذو ولد، وأن العمة تعلم ذلك، وأرادت أن تضحي بابنتها من أجل ولدها، وما كان يليق بها ~~هذا. ms277 # على هذا اتفقا وتركا للظروف تدبير التفاصيل، وما كانت هرميون في حاجة إلى من يقويها أو ~~يشد أزرها؛ لأنها ستتكلم بلسان الأم التي رأت ابنتها الوحيدة منذ دقائق على وشك الجنون، وهي ~~الآن نائمة كالملك المطهر على وعد من أمها وجدها أن ينقذاها من الهاوية البعيدة الغور التي ~~كانت على وشك أن تتردى فيها، ولكنها رأت أن يسبقها أبوها إلى غرف عمتها؛ ليحضر هذا المشهد، ~~ويحول دون عوارض الأمور، وأقرها قوزمان على هذا الرأي. # نهض الجد يلتمس غرف أخته، وقد استعد هو أيضا للنضال معها، وكان يعلم ما هي عليه من ~~الشدة، حتى لقد تلجأ إلى التواقح والإساءة البالغة لأهون سبب، ولكنه ما دخل عليها حتى رآها ~~مكتئبة اكتئابا شديدا، وخشي أن تكون قد سمعت بما جرى قبل أن تسمعه من هرميون، وأنها توشك ~~أن تنفجر فأخذته الشفقة على ابنته، وقال: خير أن أتلقى أنا أول صدماتها من أن تتلقاها ~~هرميون المسكينة، وعزم أن يتولى النضال عنها. فلما حياها ليفتح الحديث، ولم ترد عليه ~~التحية؛ لأنها كانت مشغولة بالتفكير في أمل جلل، وجد في ذلك الفرصة الصالحة فقال: ما بالك ~~يا أختاه لا تريدين تحية أخيك! هل هانت كرامتي لديك بعد أن شفي زوجك ولم يعد في حاجة إلي؟ ~~قالت وقد تنبهت: معاذ الله يا أخي. فقاطعها: عذت بمعاذ يا أختاه! ولكني وحقك، وحق أبي وأمي ~~لا أبقى في بيتك بعد يومي لا أنا ولا ابنتي! أكذا تعامليني وأنا ضيفك؟ أم ترين أني بعض من ~~يلتمسون برك. ثم دار على أعقابه يريد الرجوع إلى غرفه ليعد حموله. فنهضت أخته هلعة فزعة ~~مما سمعت وأمسكت بأردانه تقول له: وحق القديسين جميعا ما سمعتك ولا رأيتك، قال: أيمكن أن ~~يكون ذلك؟ قالت: هذا هو الواقع وربي، ولو تمهلت لعذرتني وأيقنت أني صادقة. اجلس بربك، فلم ~~يجلس. قالت: قدر حالتي يا أخي، لقد أعددت كل شيء لحفلة العرس، فأرسلت أدعو جميع الحكام ~~ووكلاءهم، وأرسلت في طلب الذبائح، وفي طلب الطحين، والفاكهة وكل شيء ms278 على أثر ما رضي مولانا ~~البطريق أن يتولى الإكليل لدميان ولمياء، ولكني علمت الآن قبل مقدمك بدقائق أن البطريق مات ~~أول أمس في دير الهانطون؛ فانظر أي هم وقع علي وأي خسارة، ولقد اعتراني دوار شديد وضيق ~~حازب؛ لأنه لا بد لنا أن نلتزم الحداد عليه هنا ثلاثة أشهر وعشرة أيام، فهو كما تعلم من ~~أدنى أقارب زوجي. قال قوزمان: هذا حادث كبير حقا، فلا تؤاخذيني بما بدا مني، ولكن لعله من ~~الخير أن وقع. قالت: لماذا؟ قال: لأن الحارث أبا لمياء لم يوافق على هذا الزواج، ولا يصح أن ~~يجري أمر هكذا بغير رضاه. قالت متهكمة: الحارث! من هو ذا الحارث؟ قال قوزمان: هو زوج ابنتي ~~وأبو لمياء! صاحب الحق عليهما ولو كان اليوم بعيدا! ولقد كنت أؤمل أن يجيء رده بالقبول، ~~ولذلك لم أتدخل، ولا سيما حين علقت هرميون إنفاذ الأمر على مشيئته. أما الآن فلم يعد لها أن ~~تجيزه ولا لي أن أغضي الطرف عنه. قالت: وهرميون ما رأيها؟ قال: لا رأي لها عندي بعد ما جاء ~~رأي الرجل الذي يثق بي وبمروءتي، ولذلك فإني راحل على كل حال في الغد، وسأرسل في طلب ~~الحارث، وأجيء به إليك لعلك تقنعينه بصواب رأيك، فإن أمامك الآن متسعا من الوقت. فصمتت ~~العمة هنيهة، ثم قالت: لا بأس، ولكن هرميون، أهي مرتاحة إلى رفض زوجها؟ لا أظن ذلك. قال ~~قوزمان: كانت بالطبع تتمنى أن يوافق، ولذلك قبلت ما عرضت عليها على الفور، قالت: عدني أن ~~تكون معنا قال: لا أعدك بشيء يا أختاه. إني أكره أن يذكرني الناس بالشر في شرهم، وبالنكران ~~في خيرهم. لن أتردد في إبداء رأيي في المصلحة. قالت: وأنت ترى المصلحة في هذا الزواج على ما ~~أعتقد. قال قوزمان مراوغا: إن فتى نبيلا عفيفا من صلب جرجيس هو خير زوج للمياء الوديعة ~~الجميلة. زعمت الأم أنه يعني ابنها فشكرته على ذلك. # ذهب قوزمان إلى ابنته وهو يعتقد أن الله الذي يحب لمياء هو المدبر لذلك، ويعتقد ms279 كذلك أنه ~~لولا خطؤه، وما بدا منه من الشدة في مقابلة أخته؛ لعدت عليه رأيه الذي أبداه في نصرة الحارث ~~جريمة يستحق عليها أن تفرغ على رأسه غضبها لكلامه، وما كان في قلبها من الهم لحادث موت ~~البطريق الذي أفسد كل شيء. # ألفى قوزمان ابنته في غرفة لمياء، وخبرها بما جرى بالحرف تلو الحرف وهو سعيد بهذه ~~الرواية. فرأى ابنته تجثو على ركبتيها شكرا لله، ورأى لمياء قد أفاقت من نومها ونهضت تقبله ~~وتشكره وتبكي من شدة فرحها، وهي تقول له: كنت أعلم يا جدي أنك منقذي، وإن لم يبد لي منك ~~إلا وجه متألم لما يعدون لي. فأخذتها هرميون من صدر أبيها وضمتها إلى صدرها، وأخذت تبكي ~~وتحاول الاعتذار إليها فلم تستطع أن تبين ... وكان على لمياء عند هذا أن تطلق شمس السعادة في ~~الغرفة وفي الدنيا برمتها. فنهضت مرحة تقول لهما: إن علينا أن نعد الحمول للرحيل، وسأعين ~~جدي على ذلك على أن يعينني هو أيضا قبل أن يذهب إلى غرفه. قال وهو يبتسم: ما هذا يا لمياء؟ ~~ما أراك فعلت شيئا. قالت: بل فعلت كل شيء. أبقيتك في جواري هنا وهناك. لن أفارقك بعد الآن. ~~فأخذها وقبلها وقال: ولا أنا، ولكن علينا أن نكتب رسالة إلى أبيك نطمئنه فيها عليك، ونعلنه ~~بأننا نزلنا على رأيه، ونسلم الرسالة إلى رسول حاكم عيذاب. انهضي أنت يا هرميون، فابدئي ~~بخطابك. قالت: لقد أعددته وأنت مع عمتي، ودعوته إلينا فادعه أنت أيضا، وادعيه يا لمياء. ~~قالت: هذا ما كنت عازمة عليه. ~~••• # بعد أربعة أيام من ذلك اليوم المبارك كانت لمياء وأمها وجدها في البيت الذي قضت فيه ~~طفولتها، وما كان أسعدها أن تروح وتجيء فيه، وتنزل البستان تشارك حارسه في تجميله، وبلابله ~~في الغناء على أغصانه، ولكنها كانت حريصة ألا تغشاه في وقت يكون فيه بطرس في البيت، وإن كان ~~مقامه منه في ناحية غير ناحية البستان، ولكنها مع ذلك كانت تراه واقفا في ظل شجرة هناك، أو ~~مختبئا عند عطفة ms280 من البيت، أو عند أحد التماثيل. تجد في عينيه ذلك البريق الذي كان يخيفها، ~~فيتمثل لها بعض النمور التي شاهدتها فيما مضى في أقفاصها في حديقة قصر الوالي أيام كانت ~~تزور خالتها وهي طفلة، ولكنها ترى أحدها الآن سائبا طليقا يوشك أن ينقض عليها، ولذلك كانت ~~تعجل إذا رأته بصعود درج السلم والدخول إلى البيت ممتقعة اللون، وفيما هي تصعد السلم ذات ~~يوم رأت بطرس قد تبعها، ثم انفتل على حين بغتة خارجا من باب البيت إلى الشارع، وذلك لأنه ~~أحس خطوات آتية من الداخل فانصرف عما كان في نيته فعله وخرج معاجلا، وكان القادم إذ ذاك ~~هرميون أم لمياء. فلما رأتها كذلك هلعت، وسألتها عن سبب هلعها فقالت: لا أدري يا أماه، ~~لماذا أخشى هذا الرجل الذي يكتب لجدي؟ إن في عينيه بريقا يذعرني، كما أني لا أدري لماذا ~~يقف تحت الأشجار ووراء التماثيل ينظر إلي. يخيل إلي حين تلمحه عيني وأنا غافلة عن وجوده ~~معي أنه لص يريد أن يغافلني ليقتلني. لا أظن أن به حاجة للوقوف مني هذا الموقف إلا أن يكون ~~في نفسه شر يريد أن يلحقه بي، وأقسم لك يا أمي أني كنت أرى كل الشر في عينيه حين كان يروي ~~لي أخبار دميان في غرفة جدي حتى خيل إلي أنه كاذب، وأنه يريد أن يوقعني في شر لولا ذلك ~~الخطاب الذي رأيته، ولما استحلفني ألا أبوح لأحد بأنه هو الذي أعلمني بكل خبره، خيل إلي أنه ~~بعض تدبيره لأذاي. بل كنت ساعة يمن عليكما في السفينة بأنه هو الذي أطلعني على أخبار دميان ~~حتى أنقذتموني منه - ويحلني من ذلك القسم الذي أقسمته - أرى في اعترافه هذا شرا يبيت لي، ~~هو ما يدل عليه اختباؤه وراء الأشجار والتماثيل والعطف. ألا يمكن يا والدتي أن يستغني عنه ~~جدي ليفارقنا؟ قالت هرميون: لا أظن ذلك يا ابنتي، إنه منه كما كان ورقة من أبيك. فصمتت ~~لمياء، وغابت في مكة وهدى ونجران هنيهة تمثل لها ورقة فيها وأدبه ms281 وظرفه وخلوص طويته، وقالت ~~لأمها: أين هذا النمر المفترس من ورقة النبيل العفيف؟ أين يا أماه، ليته معنا هنا ! إذن لكنا ~~أسعد خلق الله! خيل إلي يا أماه حين وصلنا إلى ميناء فيلاق أني رأيته بباب أحد الحوانيت، ~~ولولا أنه كان في لباس عسكري وقبعة رومية ما اعتورني في أمره شك. ألا يجوز يا أماه! أن ~~تكون رسالة الوداع التي أرسلتها إليه قد جاءت به إلى الإسكندرية؟ إنه يحبنا يا أماه حبا ~~خالصا، ويعلم أننا نحبه ونعرف قدره. منذ تلك الساعة لم يفارق شبحه عيني، بل إني وحقك أرى ~~شبحه الآن يتردد أمام عيني وكأنه يلوح من وراء السور، ولكن العجب أني أراه في لباس الجند. ~~ها هو ذا: انظري معي يا أماه. عجلي قبل أن تخفيه أغصان الياسمين، وي! لقد اختفى ومضى في ~~طريقه. ذهب يا أمي. ليته يعود! # هلعت هرميون لهذا الحديث، وظنت أن ابنتها أصيبت لوجدها بعارض من الجنون، فالتفتت إليها ~~وتمعنت في عينيها، فوجدت فيهما دمعتين تترددان في السقوط، فأخذتها إلى صدرها، وهي تقول: ~~ماذا يا لمياء؟ أين ورقة منا الآن يا بنيتي!: قالت: خيل إلي يا أمي، أني رأيته من وراء ~~السور، وأنه كان ينظر إلي ... ثم نظرت مرة أخرى إلى السور فرأت ورقة قد عاد ينظر من بين ~~القضبان، وإذ وقعت عينه عليها ابتسم لها فلم تشك لمياء في أنه هو، وأفلتت من ذراعي أمها، ~~وصاحت: إلينا يا ورقة! إلينا! فازداد هلع هرميون، ولاسيما حين خلتها ابنتها وجرت نحو الباب ~~فاتحة ذراعيها وليس هناك أحد. # خيل إلى هرميون أن ابنتها جنت فعلا، وأنها الآن شاردة في الطرقات شرود المجنون، ولكنها ~~رأت الباب يفتح ويدخل منه فتى في لباس الجند، ورأت ابنتها تعانقه وتقبله، وهو يعانقها كذلك ~~ويقبلها قبلة المحب الشيق، ثم يرى هرميون فيذهب إليها ويعانقها هي أيضا ويبكي على كتفها ~~بكاء الطفل المشوق. # كان هو ورقة بالطبع جاء يتنسم الأخبار، ويستمد قطرات السلوى من معالم الدار فإذا به ~~يجد الأحباب بين الأشجار والأزهار، ms282 فدخل، ولم تقو نفوسهم على هذه المفاجأة السعيدة بعد كل ~~ما لقوا من الشقاء، فأسقطوا كل عرف وأزاحوا كل ستار، وتركوا للقلوب هنيهة من الزمان تسعد ~~فيها بالحق، وتؤدي أمانتها من غير تحفظ ولا رياء ما دامت مطهرة لا تلوثها لوثة من نفس ~~سافلة. # كان هذا المنظر يجري تحت أعين رجلين يختلفان كل مختلف: أحدهما: قوزمان، وكان يطل من شرفة ~~بيته على بستان داره بعد ما تناول طعام صباحه، ويعجب لبنتيه كيف تلقيان أجنبيا عنهما هذا ~~اللقاء الرائع، وإن كان قد أحس عند رؤيته كأنما شع في قلبه نور يملؤه متعة ونعمة؛ لأنه لم ~~يستطع أن يسعدهما بشيء منذ جاءاه، فلم يتمهل حتى يعلماه من القادم، بل نادى لمياء يسائلها: ~~من هذا الذي أسعدتك رؤيته يا لمياء وأسعدتني معك! فالتفتت إليه في شرفته تقول: جدي. أنت ~~ترى! هذا ورقة يا جدي! كأنما يجب أن يعرف الناس كلهم ورقة ولو لم يروه أو يسمعوا به، ~~ويعلموا كذلك أنها تحبه، والحقيقة أنه يعرف عنه شيئا كثيرا من ابنته، فقد خبرته عنه في ~~ليالي مقامهم الطويلة في منف ما جعل الفتى في عينه قديسا مباركا. فقال: مرحبا بولدنا ~~الكريم اصعدوا إلي جميعا. فأخذته لمياء من يده وصعدت به درجات السلم الرخامية هي ~~وأمها. # أما الرجل الثاني: فكان بطرس البحريني. كان قد دار حول البيت دورة، ودخل البستان من الباب ~~الخلفي المعد للمكتبة ساعة دخل ورقة، وعاد فوقف تحت شجرة التين الكبيرة تستره أوراقها ~~المهدلة، وما كان في طريق الناظر إليها من أغصان شجرة ليمون فتية. هناك وقف يتسمع ويرى ~~ويتميز من الغيظ: شاهد كل شيء وسمع كل شيء، ورأى القبلات والمعانقات وقطرات دموع المحبة ~~الخالصة، وسمع الجد يحيي ويرحب فثبت له أن الغاية التي كان يؤمل تحقيقها والتي حفزته في منف ~~إلى الوشاية بدميان قد عادت فبعدت الآن بعدا سحيقا. فهذا فتى اجتمعت لمياء وأمها وجدها ~~على محبته والاحتفاء به، فتى متزن القسمات، حسن التقويم، نبيل الطلعة خلاب البسمات، عظيم ~~القدر في الجندية؛ ms283 إذ هو أمير مائة وهو لم يعد العشرين بكثير، وليس في حركاته ولا إشارته ~~ولا نظراته ما يدل على أنها مران تعمل، أو اعتياد مراء، وإذ أدرك من بعض عباراته معهما ~~أنه عربي، فقد استنتج بغير ما حاجة إلى ذكاء أنه هو الفتى الذي قيل جاء به الأمير نيقتاس من ~~مكة؛ ليكون حارسه الخاص. حارسه الذي قيل كذلك لا يطيش له سهم، ولا يفلت من سيفه مسايف. إذن ~~فقد انقطع الأمل، ولكن الشيطان لم يرض أن يسلم بالخيبة حتى يعرف من هذا. فقد يكون أخاها ~~أو يكون ممن لا مطمع لهم في زواجها، أو يكون من عشاق أمها، أو صاحب زوجة وأولاد. فمن ~~الواجب أن ينتظر ليرى ويعرف، ولعله - حتى ولو خاب ما حدثته به نفسه - يستطيع أن يعاود ~~المسير في الطريق المؤدي إلى لمياء. إن الحيل لا تنفد ما دامت كل الحيل عنده مشروعة حسنها ~~وسيئها، بل الوشاية جائزة، وسجن ورقة جائز، وقتله كذلك جائز، ولكن يجب أن يعرف من هو؟ ~~ويتفحصه من جميع جهاته، ولماذا هو في لباس عسكري رومي؟ ولماذا يتقلد سيفا عربيا؟ أما ~~هذا فقد جاءه به العلم عرضا من عشرائه وأصحابه في حي رقودة ليلة أمس فقد بلغهم أن الوالي ~~استقدم من بلاد العرب فتى من رماة النبل الذي لا يخطئون، والمسايفين الذين لا يغلبون، ~~وجعله حارسا له في الليل، وأن هذا الحارس لم يشأ أن يتقلد سيوفهم الرومية، واستأذن من سيده ~~في حمل سلاحه الخاص فسمح له بذلك، وأن الوالي علم بأنه يعشق امرأة أخيه الذي قتل في القدس، ~~وأنها هي أيضا تحبه، ولذلك لزمت القصر ولم تعد إلى بيت أبيها. ثم حاكوا حول هيلانة ~~المسكينة أقاصيص نشرها الأوغاد والسفلة فقالوا: إنه يقصد إليها في موهن الليل وهم يظنونه ~~قائما على حراسة الوالي، متسللا إليها من باب إلى باب، بل إن الحارس لوكاس الشيخ هو الذي ~~يمهد هذا اللقاء ... وغير ذلك مما يفتريه السفلة الأنذال في كل زمان، ويلقونه زورا وبهتانا ~~على من يخصهم ms284 الله بفضله في الحكم أو الرياسة أو الثروة، وكان بطرس أحد هؤلاء المتخرصين، ~~وإن لم يمض على عودته إلى الإسكندرية أيام كثيرة يكون قد عرف فيها كل هذه الخبايا، ولم ~~يتورع أن يفتري كل هذا الفرى على أيم سيئة الحظ هي هيلانة ابنة أستاذه الذي يؤويه، وكان ~~أقل ما يجب عليه ألا يسمح لأحد بتناول عرضها بمثل ذلك، بله أن يمتنع هو ويعف عن الافتراء، ~~ومع أنه سمع هذا الخبر فعلم بأن هناك على الأقل إشاعة بعودة بنت سيده من القدس، وهو لا يعلم ~~بعودتها، لم يطلع أستاذه على ما سمع؛ لأنه لم يكن يهمه من أستاذه هذا إلا ما يستفيد هو ~~منه. فأما أن يفيده بشيء ولو كان تافها أو كان مما لا يضيره بشيء بتاتا فلا. لا لأنه ~~يتعمد ألا يفيده، بل لأنه لا يفكر فيه بتاتا. حسبه أن يأخذ منه مرتبه ويأكل من طعامه، ~~ويكتب له ما يريد كتابته، أو ينسخ لنفسه من مكتبته ما يبيعه لطلاب العلم، ثم يغادر بيته في ~~العصر؛ ليقضي بقية اليوم في الحانات بعد أن يغير لباسه، الذي ارتضاه لنفسه مع قوزمان ذلك ~~الملبس الخليط بين جبة القساوسة، ودراعة الناس؛ ليكون في بيت قوزمان قريب الشبه بالكرام، ~~بملبسه الآخر ليكون في المدينة على حقيقته مع الناس في الحانات والمواخير، وأندية المقامرين ~~والصعاليك، فلينتظر بطرس إذن ما تهيئه له الظروف من الوسائل، ولننتظر نحن كذلك لنرى ماذا ~~يريد هذا الشماس المنوفي الآبق أن يفعل بالأبرياء. # أما ورقة فقد تلقاه قوزمان بذراعين مفتوحين، فلما دنا منه أخذه بينهما وقبله قبلات الأب ~~يلقى ولده الغائب، وهو يقول له: لقد وصفت لي ابنتاي أعشارك يا بني، وأطلعتاني على كل حجرة ~~من حجرات قلبك، فلما رأيتك عرفتك على الفور، ولو أني ما كنت أقدر أن أرك، ولا كانتا تقدران ~~ذلك. فأنت في مكة حبيس بين عربيتك وصحرائك، ونحن هنا طليقون على البحر، وإن كنا سنحتبس ~~وشيكا إذ جاءنا الفرس. # وأخذ الثلاثة يتعاورون الفتى بالأسئلة: كيف ترك مكة ms285 وكيف جاء؟ وكيف اتصل بخدمة القصر حتى ~~لبس لباس الحرس؟ وكان يجيب على كل سؤال بجوابه، وهم دهشون لتوالي الأحداث في زمن قصير كالذي ~~مر على افتراقهما عنه، وكان هرميون تزعم أنه تسلم رسالة وداعها مكة، وأنه لذلك علم ~~بأنهما قصدتا الإسكندرية فجاء إليها يحدوه حبه ووفاؤه فقالت: لقد كنت أخشى حين كتبت لك ~~رسالة الوداع أن يحملك حبك لنا على متابعتنا، ولكني ما كنت أستطيع أن أتركها قبل أن أودعك ~~فلما علمت منه أنه غادر مكة قبل أن يعلم برحيلها عنها، وأنه لم يتسلم رسالتها، وأنه كان يظن ~~أنهما باقيتان بمكة حين كانتا في مصر، كما زعمتا أنه كان لا يزال في مكة حين أنه كان في ~~يثرب ومعان والإسكندرية عادت تسائله في غضون ترحيبهم به وهم داخلون به الدار. فأخذ ورقة ~~يذكرهم ما مر به من الأحداث أثر ما فضح من تدبير النضر لقتل رسول الله، وإهدار المشركين ~~دمه؛ لقتله دسيستهم في تلك الليلة، وما جرى من إهدار اليهود دمه كذلك؛ لقتله عملاقهم ~~وفارسهم، وكان على وشك أن يذكر حادثة التقائه بهيلانة في معان، ولكن لمياء قاطعته لحسن حظه ~~سائلة: كيف عرفت بيت جدي؟ أم أنك رأيتنا مصادفة؟ قال وقد ارتاح إلى هذه المقاطعة: أما ~~اللقاء فمصادفة من تدبير الله؛ لكيلا تطول وحشتي كنت أسير مع أنطونيوس بن لوكاس الحارس في ~~المدينة لأتنظرها وأعرفها ومر بي في هذا الشارع، فما حاذينا هذا البيت، وكنت قد رأيته يوم ~~جئت ونسيت موقعه، تذكرته فقلت لأنطونيوس: أليس هذا بيت العالم قوزمان قال: بلى. فوقفت ~~أتأمله وبي حنين إلى رؤية سيدي، ولكني كنت أعلم أنه في مصر فمضيت متأسفا، ولكني شعرت للبيت ~~بحب عظيم أخذ يزداد عندي كل يوم حتى صار كعبتي في الإسكندرية، لا تهدأ نفسي في يومها إلا ~~إذا زرته وملأت من منظره قلبي، وأنا على هذا الحال منذ عرفت الطريق إليه أجيء إليه كل يوم ~~وأنظر من خلال السور إلى بابه وبستانه، ثم أمضي ملآن القلب بالذكريات، وها قد ms286 أثابني الله ~~على هذا الحج: لقاء الأحباب والأصدقاء، وإنها وربي لأجمل نعمة. فارتاح قوزمان إلى حديث ~~الفتى ونزل في قلبه منزلا كريما. قالت لمياء: سمعتك تقول إنك رأيت هذا البيت يوم جئت ثم ~~نسيت موقعه، وأنك علمت يومئذ بغيبة جدي؟ قال وقد ابتسم وأغمض عينيه كأنه يريد أن يخفي ~~شيئا: نعم، قالت كيف كان ذلك؟ هل جاء بك أحد إليه؟ قالت هرميون وقد رأت خجل الفتى في ~~ابتسامته وإغماضه: لم هذا السؤال يا لمياء؟ أنت تعلمين أن ورقة أتى الإسكندرية فيمن يأتون ~~من الغرباء؛ ولا بد أن يبحث الغريب عن أقرب الناس إليه فيها. فهل عجب أن يطلب إلى دليله أن ~~يسير به إلى بيت جدك؟ قالت لمياء؟ صدقت يا أماه. معذرة إليك يا ورقة. لعلي أسأت في هذا ~~السؤال. معذرة. قال: لا وربي لم تسيئي، ولو كنت وحيدا حين جئت الإسكندرية غريبا عنها ما ~~ترددت في التماس بيت جدك الكريم. إني أراه كمولاي الحارث سواء بسواء، وإن كان لي فيها فيما ~~روى لي أبي - رحمه الله - أبناء أعمام. نعم، إني بحثت عنهم فعلمت أنهم رحلوا إلى الصعيد، ~~ولكني جئت الإسكندرية منذ شهر تقريبا صحبة إنسان من أقرب الناس إليكم، وأحبهم لكم وإليكم. ~~هو أو هي التي عرفتني إلى المقوقس فأخذني في حراسه مرفوع الدرجة بين رجال قصره. فنهضت ~~هرميون تقول: من هي هذه القريبة المحبة التي جاءت بك هنا، والتي عرفتك إلى الوالي، أختي ~~هيلانة؟ وكان ورقة يحاذر أن يلم بحديث هيلانة اتقاء لما وراء ذلك من ذكر مقتل زوجها وولدها، ~~وانقلاب مجتمع المسرة محزنة، وإن كان قد شعر أنه كالذي لا يهمه من الناس إلا مصلحته منهم، ~~ولذلك أجل الكلام عنها - وقصتها في المنتصف - حتى يهديه الله إلى مخرج لطيف المسلك، ولكن ~~سؤال لمياء أحرجه فكان جوابه مترددا بين الإفصاح والإبهام، وكان عليه أن يجيب الآن سؤال ~~هرميون فاكتفى بأن قال: نعم. السيدة هيلانة. قالوا: جاءت؟ متى؟ فاستعد يتكلم بما يملك، ولكن ~~القدر أسعده فقد رأى هيلانة نفسها ms287 قادمة نحو الغرفة التي كان فيها فقال: أدع لها هي أن ~~تتكلم وتحدثكم حديثها. إني أراها قادمة. # وكانت هيلانة آتية نحوهم لم يرها سواه؛ إذ كان وجهه إلى الباب، جاءت لأن الحارث لوكاس ~~خبرها أن ولده رأى نورا في البيت ليلة أمس، وخيل إليه أنه رأى الأستاذ نفسه وسيدته ~~هرميون، وأنه أرسله مرة أخرى؛ ليستوثق فعاد يؤكد له عودة أهل البيت وسيدتيه هرميون وابنتها، ~~ولذلك استأذنت هيلانة في الحضور لزيارة أبيها وأختها، وجاءت مع إحدى قهرمانات القصر ~~لذلك. # التفت الجمع فرأوها ونهضوا للقائها، وعرف ورقة ما وراء ذلك، فانسحب إلى الردهة وهم ~~مشغولون ونزل يلتمس الحديقة، ولشد ما كانت حرارة هذا اللقاء. فقد رأوها في ثياب الحداد ~~السوداء على غير علم منهم بما حدث، ولم يروا معها ابنها فقدروا أنه سبب ذلك، ولكنهم ما ~~عتموا أن علموا بالداهية المزدوجة فهلعوا وبكوا وأعولوا، وانتحى كل واحد منهم في الغرفة ~~ناحية يذرف فيها دمعه، وبقيت هيلانة بين يدي أبيها تبكي وهو يساقط دموعه على رأس ابنته ~~المسكينة حزنا على زوجها وولدها، وأسى لها وإشفاقا عليها، وهو في أثناء ذلك يحاول تعزيتها ~~فلا يجد لفظا يؤاتيه، فتركها وانصرف إلى الشرفة يطل على الحديقة؛ لعله يصرف بالنظر إليها ~~وقع البلية عن نفسه. فما استقر بها لحظة حتى رأى المجاور بطرس البحريني يأتي من منعطف الدار ~~مسرعا ويصعد السلم الخارجية في حالة مريبة نبهته إليه. فنهض ليطل عليه، ثم لم تمر لحظة ~~حتى سمع ورأى مشهدا لم يخطر بباله أن يراه. ذلك أن ورقة كان قد رأى مقامه إذ ذاك نابيا؛ ~~إذ الحزن في بعض أمره عورة، وخطر له أن يترك الدار حتى يملكوا لقاءه فنزل يلتمس الطريق إلى ~~القصر على أن يعود في وقت آخر. # فتح باب البيت ليخرج فإذا هو يلقى بطرس البطريني أمامه. رأى أمامه فتى في الثلاثين من ~~العمر في ملبس عجيب لا هو إلى ملبس أهل الدين ولا هو إلى ملبس عامة لاناس، ورأى وجها حسن ~~التقاطيع، كل ما فيه ms288 جميل حقيقة: بشرة سمراء صافية، وأنف مستدق العرنين، فوقه عينان ~~نجلاوان كحيلتان، ودونه فم رقيق الشفتين ألعثهما، وذقن حسن الاستدارة يعلوه عارضان عليهما ~~لحية لامعة الشعر في قصر فهي جميلة، ورأى في الرجل تأدبا، ولكنه شعر أنه تأدب فيه شيء من ~~الافتعال والاتضاع. كل ذلك رآه ورقة، ولكنه مع ذلك لم يستملح الفتى، ولم يمل إليه قلبه. بل ~~الواقع أنه شعر حين وقعت عيناه على عينه برعدة مفاجئة، وذلك لأنه رأى بريق عينيه أكثر مما ~~يجب للإنسان. بريقا عزاه ورقة إلى ما انطوت عليه نفس المرئي من وفرة الحياة والقوة ~~المضاعفة والجراءة مع الذكاء الشديد، وكان هذا في حكم ورقة أخطر أنواع البشر. فهو لهذه ~~المواهب الخارقة يكون مفرطا في الخبث والجراءة، وإن لم يخل لذكائه من الجبانة التي تزيد في ~~حرصه ومكره. يرى جميع الناس صغارا مهما كبروا، ضعافا مهما قووا، حمقى مهما رشدوا، وأنه ~~أحق منهم بكل ما في أيديهم من المتاع فإن لم ينزلوا عنه بالرضا وبالتسليم له بحقه فيجب أن ~~يأخذه منهم غلابا. نعم، إن القوانين تحمي الضعاف، وكل الناس في عينه ضعاف، ولكن لا شأن له ~~بالقوانين، فقد وضعها الضعاف أنفسهم؛ لحماية أنفسهم من أمثاله أصحاب الحق الفطري على كل ~~متاع، ومن الحمق أن يسلم لهم بها إلا رياء ريثما يجد الوسيلة إلى الحصول عليه بما يسميه ~~الضعفاء والقوانين إجراما، ولا يسميه هو إلا احتيالا ألجأه إليه إنكار الضعفاء ~~حقه. # لم يحيه ورقة تعمدا، ولا ترك الباب الذي فتحه مفتوحا لدخوله؛ لأنه رآه واقفا ليس عليه ~~أثر قدوم، فلا بأس عليه أن يستمر في وقوفه، ولذلك أقفل ورقة الباب وهو خارج. فغاظ هذا العمل ~~بطرس غيظا كبيرا؛ لأنه كان يود أن يدخل البيت في غفلة أهله ليرى ويسمع، ولاح له وقد دخل ~~ورقة ولمياء وأمها، ودخلت بعدهم خالتها والقهرمانة ما يدعو إلى التساؤل.وكان يمني نفسه أن ~~يفتح أحدهم الباب ويتركه كذلك حين يراه فذهب ووقف على الصدفة التي أمام الباب في انتظار هذه ~~الفرصة. فلما ms289 خرج ورقة وأقفل الباب وراءه غاظه هذا جدا، وكان مغيظا منه من قبل غيرة ~~وحسدا فقال له: حسبت القصر يعلم الناس الأدب فإذا أنا مخطئ فيما حسبت. فنظر إليه ورقة ~~هنيهة صامتا، ثم قال وقد رأى سوء أدب الرجل، وثبت له بعض ما توجس من أنه شرير شديد ~~الاحتقار للناس، وأن خير ما يعالج به أمثاله دقهم على الناصية لأول حادث: أخطأت حقا يا ~~سيدي كما أخطأت أنا له فإني ما كنت أحسب هذه العيون البراقة تعمى عن رؤية البديهيات؛ فذعر ~~بطرس لهذا الجواب الصارم، ووقف يتأمل قائله فرآه على ما يبدو عليه من جنوح إلى الخير على ~~شيء بعيد الغور من رباطة الجأش والمسارعة إلى القراع. فخشيه، ولكن غيظه منه كان متغلبا ~~عليه فرد يقول: إنكم معشر الحراس لا ترون في الناس إلا ما ترون في أنفسكم. قال ورقة: ~~هنيئا لك ذكاؤك الذي دلك على أني أراك سافلا قليل الحياء. فاضطرب بطرس، ولكنه تمالك نفسه ~~وقال: لقد تساوينا في السفالة إذن. قال ورقة: صدقت، ولكني لا أسمح أن تفوقني فيها! ولطمه ~~على وجهه لطمة قاسية ردته إلى الدرج، وهوت قدمه فوقع على ظهره مدلى الرأس حتى بلغ أرض ~~الحديقة، وخانته رجولته عند ذلك فظل على هذه الحال مدة، وأخذ يصرخ ويستعدي حتى نبه إليه ~~الثكالى فنهضن ينظرن ما جرى، ورآهن في الشرفة فنهض يريد أن ينتقم من ورقة، ولكن ورقة ركله ~~فارتد حيث كان. # على أن قوزمان كان قد سمع الحديث كله، ورأى ما حدث من ساعة استراب صعود كاتبه على الدرج ~~معاجلا، وهو لا شأن له ببيت أستاذه؛ إذ كان شأنه بالمكتبة، ولهذه باب مستقل خلف الحديقة. ~~فترك الشرفة ونزل ليلقى الرجلين، ويحول دون ما قد يكون وراء ذلك. فلما فتح الباب ورآه بطرس ~~جدد الصياح والشجار، وسأله الأستاذ متعجبا لأمره قائلا: لم هذا الصياح يا بطرس؟ قال: سل ~~هذا الوحش يا سيدي، ماذا فعلت له حتى يشتمني ويلطمني ويلقيني على السلم كما رأيت؟ إنه رآني ~~في هذا ms290 الثوب المتواضع، وهو في هذا اللباس الزاهي فظن أن الثوب يعطيه الحق في استخدام ~~الناس، وتوجيههم في أغراضه السالفة، ويجيز له لطمهم إذا هم لم يجيبوه إلى أغراضه الدنيئة. ~~أنا لا أتردد عن خدمة الناس في الأمر الكريم، ولكن لا يليق بكرامتي يا سيدي، وأنا بعد شماس ~~في خدمة الكنيسة، وخدمة العلم والعلماء - أن أقف مع فاسق يسألني عن حي الراقصات والعواهر؟ ~~إنه يريد مني أن أصحبه إليهن، وأدله على مكانهن أهذا ما وصلت إليه حالتي أنا المجاور ~~المسكين؟ لا. لم يعد لي في هذه المدينة مقام. لا بد لي من العودة إلى صومعتي في الدير. ثم ~~انفجر يبكي وينتحب! # فدهش قوزمان لجراءة الرجل في الافتراء، وقال في نفسه: غير بعيد أن تكون رواياته الماضية ~~عمن كان يتشاجر معهم افتراءات كهذه، وأني أخطأت في الانتصار له واستصدار العفو عنه من ~~نيقتاس غير مرة، واشتدت به دهشته حتى لم يجد ما يرد به على هذا البكاء. أما ورقة فوقف ~~يتأمل الرجل بابتسامة الساخر؛ لأنه رأى منظرا عجبا شعر له بشيء من الارتياح في صدره، ذلك ~~أن فراسته لم تخطئ حين وقعت عينه على الرجل أول وهلة، وعجب قوزمان لهدوء نفس ورقة في هذا ~~الموقف، وابتسامته الساخرة حتى من الفضيحة، وشغل قوزمان عن سؤاله فيما جرى - لا ليعلم بل ~~ليستوثق - بتفحصه والإعجاب به. فلما هم ورقة يبدي شيئا من تعجبه؛ لقدرة الرجل على ~~الافتراء بمنتهى الطلاقة والذلاقة - خشي بطرس أن يؤثر كلام ورقة في قوزمان، فأخذ يقطع عليه ~~كلماته بالصراخ والزئاط والذهاب والمجيء، ويكرر التهمة بالصوت العالي؛ ليسمع النساء على نحو ~~ما اعتاد النجاح به في حوادث شجاره الكثيرة في حي المومسات، وقد نسي أنه لم يبد يوما ~~لأستاذه في خلق الصخابين المقاطعين المعتادين مثل هذه المآزق، ولذلك نبهه قوزمان أن يخفض ~~صوته، وأن يخرج من بيته من فوره ولا يعود إليه، وأنذره أنه إذا عاد أو رئي في البيت بعد ~~حينه فسيسلمه إلى الشرطة الذين أنقذه منهم غير مرة. # صعق بطرس ms291 لهذا الحكم القاتل، وأدرك أن ما جرى بينه وبين ورقة قد سمعه الأستاذ وشهده على ~~حال ما، وإلا فما كان يقضي هذا القضاء الجازم الشديد. فلم يعقب على كلامه، والتفت نحو الباب ~~وهو يتمتم بكلمات وعيد لم يأبه لها ورقة، وما كاد ورقة يلتفت إلى الأستاذ؛ ليعتذر إليه مما ~~جرى حتى قاطعه هذا قائلا: لقد رأيت قبل أن ترى ما رابني منه، وسمعت ما بدأ به كلامه معك ~~وما رددت عليه، ولا وزر عليك، وأنا أولى أن أعتذر إليك من فرية هذا الرجل الذي خدعني ثلاث ~~سنوات متوالية. # الفصل الأربعون # | المؤامرة # بلغت الشملالة بأورست حظيرة متجره الواسع العظيم في يوم واحد، وكان من أغنياء الإسكندرية ~~المعدودين، وكبار تجار القمح والغلال فيها، وإذ كان كثير الصلات بأصحاب مزارع القمح في ~~الصعيد ومصر السفلى فضلا عما كان يمتلك من الضياع - فقد كان كثير الأسفار عالما بالطرق ~~عارفا بقيمة الزمن، وإذ رأى الشملالة كالعقاب في سيرها عرف قيمتها في عمله، وانتوى أن ~~يستولي عليها بالرغم من أنه علم من كوسموس شدة تمسك الفتى العربي بها، وذلك إما بشرائها منه ~~أو باغتصابها، وكان يعتمد في ذلك على أنه رومي من أساطين الحزب الأزرق حزب الإمبراطور الذي ~~لا تجرؤ الشرطة أن تمسه بأذى، وأنه من ذوي الجاه بماله وعلاقته بالكنيسة الرومية العالية. ~~على أنه انتوى ألا يستفيد من مركزه هذا الممتاز في تحقيق أمنيته إلا إذا عجز أن ينالها برضا ~~من الفتى العربي وقبول كأن يدفع له فيها أغلى ثمن وأدعاه إلى التفريط فيها. غير أنه أبقى ~~خطته النهائية حتى يرى وجه صاحبها ويحادثه، ويحكم أي نوع هو من الرجال؛ ليقيس عليه ~~تدبيره. # على أن ورقة لم يستطع أن يلقاه في الزيارات القليلة التي جاء فيها إلى رقودة مع أنطونيوس ~~أو وهو يزور بيت قوزمان على عادته كل ضحى؛ ليتزود لقلبه بالنظر إلى مكان ولدت فيه منى النفس ~~لمياء، وعاشت ثلاثة عشر عاما غذاها فيها وغذته: هو بما فيه من الكمال وهي بما عليه من ms292 ~~الجمال. كان يقال له في كل زيارة: إن التاجر لم يأت بعد من بيته، أو أنه أرسل ينبئ بمرضه، ~~أو أنه ذهب إلى مريوط أو كانوب. حتى إذا كان اليوم الذي التقى فيه بلمياء وأمها، وحدث ما ~~حدث من مجيء هيلانة إلى بيت أبيها واصطدامه ببطرس البحريني، واستأذن من قوزمان في الانصراف ~~على أن يعود في وقت آخر - خطر له أن يمر مرة أخرى على متجر أورست عسى أن يكون قد ~~جاء. # والواقع أن ورقة أخذ يتشمم ريح الغدر من الرجل، ولكنه لم يرد أن يقطع بذلك، فقد كان الرجل ~~تاجرا محترما، وكان من نواب المدينة في المجلس، وكان الضابط الذي أخذها منه في يثرب يثني ~~عليه، كما أن معه صكا يفيد أن الضابط أخذها له عينا، والضابط يعرف السيدة هيلانة ومنزلتها ~~في قصر الحاكم، وإذ إنه لم يرسل ما يفيد أنه تصرف في أمرها بغير ما أعلنهما به فلا شك في ~~أنه ركبها ولا شك في عودته فقد روى له أهل المتجر ما يفيد ذلك، ولذلك لم يذعره ما تشمم من ~~ريح غدر الرجل، ولا سيما لأنه يستطيع أن يشكوه إلى مولاه نيقتاس. # لم يدخل المتجر هذه المرة من حيث اعتاد أن يدخل. فقد رأى له بابا شرقيا غير مطروق إلا ~~لبعض مستخدميه، وعمد إلى الدخول منه؛ ليتجنب لقاء ذلك البواب الذي اعتاد أن يعطيه أجوبة غير ~~مؤدية إلى لقائه. قصد إلى ذلك الباب، وسأل الحارس عن أورست فأشار إليه وكان جالسا في غرفته ~~وظهره إلى الداخل. فأسرع خطوه حتى وقف بالباب ونظر إليه يسائله: السيد أورست؟ فدهش الرجل أن ~~يدخل عليه ضابط من حراس القصر دون أن يعلنه أحد من مستخدميه بقدومه؛ لينهض لاستقباله عند ~~البا، ولذلك نهض من مجلسه عجلا، وفي احترام كبير، وهو يقول زاعما أنه موفد إليه من ~~الأمير: نعم يا سيد، أنا أورست. مرحبا بك. تفضل بالجلوس. فلم يجلس ورقة، واستمر الرجل ~~يقول: كيف قصر أولئك الكلاب فلم يعلنوني بمقدمك لأنهض للقائك. قال: لا ms293 بأس بما جرى. هذا ~~خير. جئت عرضا من الباب الشرقي. إني أنا حارس الأمير نيقتاس، ورقة العربي. لي عندك أمانة. ~~قال: أي أمانة يا سيدي؟ قال: الناقة التي تفضلت بأن تأتي بها راكبا إلى الإسكندرية. فصمت ~~الرجل ونكس رأسه مدة لا يعرف بم يجيب، وانتظر أن يسأله ورقة سؤالا آخر عسى أن يجد فيه ~~ناحية أو عاطفة أو معنى ينتفع به في إنكارها أو تيئيسه منها، كأن يقول له: لماذا لا تجيب؟ ~~أو هل نفقت؟ أو ضلت؟ أو سرقت؟ فيجيبه بقوله: نعم، أو غير ذلك، ولكن ورقة لم يزد على سؤاله ~~حرفا وحرمه هذه الأمنية التي تمناها، وطال سكوت الرجل، وطال انتظار ورقة لجوابه وهو واقف ~~أمامه وقفة عرف الرجل معناها، وأدرك أنه أمام فتى مصمم ومستيئس فإذا هو أنكرها فلا بد أن ~~يستعدي عليه الأمير ويأخذها قسرا، وإذا هو ادعى أنها نفقت، فربما كان له من هذا مخرج أهون. ~~فقال: يحزنني يا سيدي أن أخبرك أنها نفقت أو بالأحرى زلت عن الشاطئ بعد الكريون بقليل فوقعت ~~وكسرت ذراعها، فرأيت أن أذبحها على الفور وأتركها للفقراء. هي غلطتي يا سيدي، ولكنه قضاء ~~الله. كم ثمنها أيها الضابط؟ إني على استعداد أن أدفع ثمنها مضاعفا ولو بلغ مائة دينار. ~~فنظر إليه ورقة نظرة مكذب لما سمع، وأراد أن يبلغه ذلك فقال له: ثمنها مائة دينار ورأسك ~~معه. قال أورست فزعا: ماذا تقول يا سيدي؟! قال: أقول ما سمعت، ثم تراجع فأقفل الباب الذي ~~دخل منه في انتظار جواب الرجل. فقال الرجل: إنك تجهل من أنا. قال: لص سافل. هذا ما أرى، ~~وإذا كان لك إذ أنت رومي أن تعبث بيعقوبي أو غير يعقوبي من أهل هذه البلاد الكثيرة الكلام - ~~فليس لك أن تعبث بعربي لا يعرف مينا ولا يداور! فعاد الرجل إلى ملجسه يفكر في الخروج من ~~المأزق الجديد الذي أدخل نفسه فيه، وهو أكذوبة زلة الشملالة وذبحه إياها عند الكريون، ولكنه ~~تشجع وقال: إنك تظلمني يا سيد، وتظلم نفسك. هل ms294 يجمل بعاقل أن يسلم رقبته للجلاد من أجل ~~ناقة؟ قال: لا عليك مني، ولكن هل يجمل بك أنت أن تعرض رأسك لسيفي على الفور من أجل ناقة ~~تريد اغتصابها! قال أورست: إذن فاستمع يا صاحبي، الشملالة عندي. سليمة مكرمة، ولكني لم أجد ~~مثلها مركبا، وأنا تاجر كثير الأسفار، وللزمن عند التاجر قيمة عظيمة ولا سيما في هذه ~~الأيام، ولقد خطر لي أن أشتريها منك، ولكني كنت علمت من كوسوس شدة تعلقك بها فلم أجد لذلك ~~من حيلة إلا ما رويت، وأنا مستعد الآن أن أردها إليك، ولكني أرى أنه لم يعد لك بها حاجة ~~قريبة. أنت في القصر كما أرى، ولن تحتاج إلى العودة بها إلى بلادك، ولدى القصر من وسائل ~~النقل ما لا يخفى عنك. فأنا ألتمس منك فضلا: أن تطلب فيها ما تشاء فإني دافعه عن رضا، أو ~~تتركها أمانة عندي برهن أتركه عندك. أطعمها وأقوم لها بما يجب من الرعاية على أن يكون لي حق ~~استخدامها في أسفاري بحيث إذا كنت في الإسكندرية، وكنت في حاجة إليها رددت إلي رهني ~~وأخذتها، وبحيث لا أملك أن أردها إليك، وأسترد مالي. # فكر ورقة في الأمر فوجد من مصلحته أن يفعل ذلك إذ كان حفظها غير ميسور له إلا بأجر كبير، ~~ولكنه خشي أن يعود الرجل إلى إنكارها فتردد، ثم قال: وما هذا الرهن؟ قال ضعفا ما عرضت ~~عليك: مائتا هرقلي. على أن يكون المال لك إذا أنت رغبت في النزول عنها، ولا يكون لي حق رد ~~الناقة إليك وأسترد مالي. فصمت هنيهة جاهد نفسه فيها مجاهدة كبيرة، ثم قال: رضيت بذلك على ~~أن يكون لي الحق في زيارتها ومعاينة حالها كلما عن لي ذلك. قال الرجل: وإليك المال. ثم ~~أخرج من خزانته قبضة إثر قبضة وعدها ودفعها فتناولها ورقة، ثم تناول قرطاسا فكتب على نفسه ~~صكا بما اتفقا عليه حين كتب ورقة صكا بمثله. ثم تراضيا ونهضا لزيارة الشملالة فوجدها في ~~حظيرة يشتهي كثير من الناس أن تكون مرقدا ms295 لهم. فلما شمت ريح ورقة التفتت إليه وعرفته ~~فأرزمت، فدنا منها وتناول رأسها في كفيه وقبلها في ناصيتها ، وهو يقول مذكرا إياها بما مضى ~~من أمرها: «إيه يا شملالة! عرفت صاحبك؟ أتذكرين ما قلت لك في حلة الأراك؟ نضو أسفار مثلك، ~~وحليف قفار. بيد أني أحمي الذمار، وأنبو عن مظنة العار، ولقد عركت الدهر فما وجدت أعدل من ~~الرمح ولا أمضى من الحسام البتار. لست أفارقك يا أخية، وإنما أستودعك صاحبي حتى حين. هو في ~~حاجة إلى قائم ساقك وغيره إلى قائم سيفي، ولكنا بعد هذا عروسان. ثم قبلها مرة أخرى في ~~جبينها، وانصرف مغرورق العين. # شهد أورست هذا الوداع فتأثر هو أيضا، وزال كل ما كان في نفسه من أثر عراكه معه عندما ~~لقيه، بل وقعت محبته في قلبه حتى لم يطق أن يفارقه، وإذ رأى ورقة تميل به قدمه نحو باب ~~الخروج أقسم عليه ألا يتعجل في الانصراف، وصارحه بما أصبح له من المنزلة عنده، والتمس منه ~~أن يقبل دعوته إلى الغداء معه عربونا على رضاه ومودته، وكان عباراته في ذلك تنساب في ثوب ~~الصدق الصراح الذي لا تشوبه شائبة من مكر أو مجاملة، وكان على ورقة هينا أن يرى ذلك، وإذ ~~لم يكن في حاجة إلى الإسراع في العودة إلى القصر؛ لأنه ما كان مطلوبا إليه أن يكون في خدمة ~~الأمير إلا في الليل، أجاب دعوة أورست شاكرا ومعتذرا إليه مما بدا منه من الشدة معه، غير ~~أنه استمهله حتى يقضي زيارة كان قد ارتبط بها، وإذ علم أورست أنه قاصد بيت قوزمان استأذن ~~منه في مرافقته قائلا: إن منزله يكاد يكون ملاصقا لولا ما يفصل بين حديقتيهما من زقاق، ~~وأنه يحسن في هذه الحالة أن يعرف المنزل ليجيء إليه مباشرة. # سارا، وكان أورست معتادا أن يسلك إلى داره طريقا في بستان قديم لقصر قديم كان ملكا ~~لحاكم مريوط السابق، ولكن الثورات الماضية خربته؛ لانضمام صاحبه إلى أعداء الإمبراطور ~~القائم، ولم يبق منه إلا بعض حجراته السفلى ms296 وبعض حوائط عليا تحمل بقية سقوف هنا وهناك لم ~~تأت عليها معاول الثوار فبقيت علما على ما كان عليه هذا القصر من الفخامة وكمال ~~الزينة. # فلما دنا الرجلان منه، وقف ورقة يتأمل جمال نقوشه وصوره، وأخذ يتطلع ويعجب، وأورست معه ~~يتحدث عن صاحبه وتذبذبه بين الفريقين، وورقة دهش لما يرى، وفيما هما كذلك شعرا كأنما الجو ~~الذي كان يحيط بهما قد صفا، وكأنما كان فيه دوي بعيد ثم خفت، فنبههما السكون المفاجئ كما لو ~~أنه لم يكن سكونا بل كان ضوضاء - إلى أن بالقصر شيئا، ولكنهما لم يريا أن يدخلاه ولا أن ~~يقفا ليتفحصاه، بل استمرا في طريقهما. حتى إذا لاح للعين شباك في طبقته السفلى مخبوء وراء ~~فروع بعض نبات مهمل في الحديقة عرج ورقة؛ لينظر من بين قضبانه إلى داخل البيت المهجور، ولشد ~~ما كان عجبه؛ إذ رأى جماعة من الناس عليهم سيما السراوة قد اجتمعوا في هذا القبو أو السرب ~~يتحدثون، وقد بدت عليهم علائم الاهتمام الشديد بما هم فيه. كانوا أخلاطا عجيبين من يعاقبة ~~ويهود: بعضهم فيما يبدو من رجال الدين، وكثرتهم من رجال الدنيا، ولشد ما كانت دهشته إذ ~~تبين فيهم اثنين من أصحابه في حلة الأراك باليمن، هما: إسحاق بن مرداس والحبر. كانا ~~جالسين مع أمثالهما من يهود لم يعرف ممن هم، وإن عرف من ثيابهم وسحناتهم أنهم يهود، كما ~~تبين في الفريق الآخر صاحبه بطرس البحريني وبعض رجال من قساوسة اليعاقبة خيل إليه أنه ~~رآهم في القصر في عيد الميلاد حينما جاءوا يهنئون الأمير المقوقس نيقتاس بالعيد. # كانوا يتكلمون بلغة خليط بين الرومية والقبطية فلم يفهم منهم شيئا كثيرا، ولكنه رأى ~~صررا من المال ملقاة على الأرض بين المجتمعين، ورأى في جانب المكان أكواما من السيوف، ~~فأدرك ورقة على الفور أنه تآمر على الحكومة القائمة؛ إذ لو لم يكن كذلك ما كانوا في حاجة ~~إلى الاختفاء، وكان يعلم نجوى اليهود في جميع بقاع الإمبراطورية الرومانية مما علم من ~~أفعالهم في ديار القدس والشام، ms297 وما سمع من كل من اتصل بهم ولا سيما من هيلانة، ويعرف كذلك ~~مقدار فرح اليعاقبة بانتصار كسرى وشماتتهم بأهل المذهب الرومي، واعتقادهم أن كسرى قد تنصر، ~~وأنه يريد أن يتولى بطريق اليعاقبة في مصر مراسم التنصير له. # أدرك هذا وما كان أهون عليه أن يدرك، ولكنه تنحى لصاحبه عن مكانه؛ ليرى هو أيضا ويثبته ~~في رأيه إن كان محتاجا إلى ذلك. فتقدم أورست من حيث كان ورقة ينظر، وسمع ما سمع ورأى ما ~~رأى، وعاد يقر ورقة فيما خطر له، وزاد عليه أنه فهم من حديثهم أنهم يدبرون تدبيرا؛ لفتح ~~أبواب المدينة لجيوش الفرس. ما إن يرموا أول حجر عليها من مجانيقهم حتى يدخلوا المدينة بلا ~~حصار طويل، وسمع إسحاق يقول ويترجم له أنه اتفق مع السلار على ذلك، وعلى ما يكون لكل ذي يد ~~في هذا العمل العظيم من كبير الأجر، وأن المال الذي جاءوا به هو في أكثره من مال السلار، ~~أما السلاح فهو كما يعلمون من سلاح إخوانهم في الإسكندرية جيء به؛ ليوزع على الدهماء في ~~محاولتها قتل حراس الأبواب. # لم يكن لورقة بعد هذا إلا أن يؤجل اللقاء إلى يوم آخر؛ لينصرف إلى أداء واجبه إذ هو جندي، ~~وإذ هو حارس الأمير الخاص، ورافقه أورست إلى الطريق المؤدي إلى البراكيوم على أن يلقاه في ~~أقرب فرصة. # ولكن ورقة لم يذهب إلى القصر بل ذهب إلى أقرب مخفر للشرطة وأنهى إلى ضابطه ما رأى وما ~~سمع، وطلب إليه أن يحاصر المكان، ويقبض على من فيه، واعتذر إليه من انصرافه إلى القصر ليبلغ ~~الأمير، وسرعان ما نهض ضابط المخفر لهذه المهمة، وسار بجنده لحصار المكان حين كان ورقة يغذ ~~في سيره إلى الأمير؛ لينهي إليه خبر ما رأى وما فعل. لقيه في قاعة الاستقبال الكبرى، ووجد ~~معه شيخا مهيبا في لباسه الكهنوتية العليا. أدرك من فوره أنه البطريق الرومي الخالد الذكر ~~حنا الرحوم صاحب البر والإحسان الذي ضرب به المثل، والذي كان وجوده في الإسكندرية نعمة ~~لأهلها. ms298 لم يفرق بين رومي ويعقوبي ويهودي، فالكل كانوا لديه أبناء الله الذي أسعده بولاية ~~أمورهم، وكان الأمير مشغولا مع الرحوم في حديث خطير كانا فيه يدبران وسائل المقاومة؛ إذ ~~بلغهما قدوم السلار شاهين الفارسي إلى الإسكندرية، وكان الأمير قد أمر ألا يدخل عليه أحد ما ~~دام مع البطريق، ولكن ورقة لم يتردد في الدخول عليه وهو معه؛ لأنه كان مفوضا له أن يدخل ~~متى شاء؟ وأين شاء؟ ولأن لديه فوق هذا خبرا خطيرا - دخل فاستاء الأمير لدخوله، ولكنه كاد ~~يتبينه حتى انبسطت أساريره، وناداه حين كان يعتذر إلى البطريق بقوله: هذا حارسي العربي ~~الأمين. إن وراءه خبرا عظيما! أؤكد لك. ما وراءك يا بني؟ قال: مؤامرة! فذعر العاهلان، ~~ونهضا من مجلسهما فزعين يقولان بصوت واحد: مؤامرة! قال ورقة: أجل من اليهود واليعاقبة في حي ~~رقودة. رأيتهم مجتمعين في سرب قصر ليونوتوس المتهدم، ومعهم أكوام من السلاح، وصرر من المال؛ ~~ليفرقوها في الدهماء يوم يصل الفرس على أن يقتلوا حراس أبواب المدينة كي يدخلوا بلا عناء. ~~ثم سرد لهما الحادث تفصيلا، وأنه ذهب من فوره إلى ضابط المخفر وأبلغه ما رأى، وأنه تركه ~~يستعد لحصار القصر القديم بجنوده؛ ليقبض على المتآمرين، وجاء ينهي الخبر إلى مولاه. # شكر العاهلان ورقة، وأثنيا عليه، ودعا له البطريق دعاء كريما، وبعد قليل طلب إليه ~~الأمير أن يعود؛ ليأتيه بخبر ما جرى بعد ذلك، ولكن كان ضابط المخفر قد حضر إلى القصر على ~~جواده واستؤذن له فدخل يقول: إنه ذهب إلى القصر القديم، وحاصره مع جميع جهاته، ودخل ببعض ~~جنده من باب كان مقفلا بل مسدودا من الداخل، ولم يترك فيه مكانا لم يطرقه ولكنه لم يجد ~~أحدا. فدهش ورقة وقال: عجبا! وأخذ الشك يساور الأمير ويوحنا كذلك فقال له: كيف ذلك؟ إن ~~ورقة رأى فيه جماعة من أعيان اليهود واليعاقبة، ورأى أكواما من السلاح وصررا من المال. ~~قال الضابط: أما إنهم كانوا هناك فلا شك عندي في ذلك، فقد سمعت لفظهم حين حاصرتهم كل ما ms299 ~~وجدته هو السلاح وبعض دنانير فارسية مبعثرة في أرض الغرفة، هي هذه، ثم قدم له منديلا صر ~~فيه الدنانير فتناولها الأمير ولم يفضه، واستمر الضابط يقول: وأكبر الظن أن وعاءها انحل ~~منهم ساعة الجري، ولم يستطيعوا في عجلتهم أن يجمعوا كل ما تناثر. # كاد نيقتاس يتميز من غيظه لإفلات المتآمرين من يده، وزاد غيظه أن حسن سياسته مع قساوسة ~~اليعاقبة والرفق بهم والعدل معهم ثم إكرامهم بترك بطريقهم في كنيسة الإنجيلون في الإسكندرية ~~حين أنه كان محرما عليه ذلك في العهد السابق احتقارا له وامتهانا لشعبه، لم تفد معهم ~~شيئا، وأن حمايته اليهود طول مدة ولايته، وتسويتهم بالروم في الحقوق المدنية لم تذهب ~~حفيظتهم، فتنفخ كدرا ولم يدر ماذا يفعل فصمت، وكان بوده لو يلقي نار غضبه على الضابط، ~~ولكنه لم يجد عليه ذنبا قريبا. على أن ورقة كان يعجب أين ذهب المتآمرون؟ وخطر له أن يسأل ~~الضابط: هل فتشتم صهريج القصر؟ فكان سؤاله هذا وهو بريء المصدر منفذا ينفس فيه نيقتاس ~~العادل - إذ كان الرجل عادلا حقا - مرجل غضبه، واشتهت نفسه أن يقول الضابط: لقد فاتني ~~هذا - ليودي به ويعبث، ولكن الضابط قال: نعم. نزلته بنفسي أنا وعشرون من رجالي، وما زلنا ~~سائرين حتى خرجنا منه إلى خندق مهجور، وأكبر الظن أنهم خرجوا منه كما أتوا منه. فلم يجد ~~نيقتاس بعد ذلك ما يؤاخذه عليه، ولكنه استمر في حنقه، ولحظ البطريق ذلك فتدخل يقول: لقد فعل ~~الضابط واجبه فما عليه أن يعرف مآخذ الصهاريج التي تملأ بيوتنا جميعا، ولكن نيقتاس لم يهتم ~~بذلك، وسأل الضابط: كم لك في خدمة المدينة؟ قال: منذ فتحها مولاي المقوقس. قال: ولا تدري أن ~~الصهاريج كانت في كل عهد مخبأ وملاذا ومفرا. قال: الصهاريج للماء لا للهرب يا مولاي. ~~قال: حتى ولو كانت في قصر خرب منذ ثماني سنوات. فصمت الرجل ولم يتكلم. قال: يحسن بك أن ~~تتعرف الخرائب التي في اختصاصك وتقيم عليها العيون. اذهب وكن أرعى لوظيفتك بعد ~~يومك. # حيا الضابط وانصرف، ms300 ولكنه ما كاد يصل إلى الباب حتى استوقفه الأمير فعاد حين كان ورقة ~~يقول لمولاه: إنه عرف من المتآمرين ثلاثة رجال؛ أحدهم يدعى بطرس البحريني، وهو كاتب كان حتى ~~صباح اليوم في خدمة السيد قوزمان العالم، ثم طرده من خدمته؛ لما تبين عليه من الريب. فقال ~~الوالي: إني أعرفه حق المعرفة. إذن فقد كان شيطانا كما خبروني، والآخران؟ قال ورقة: ~~الآخران أجنبيان عن الإسكندرية، يهوديان؛ أحدهما: من ولاة الحكم في صنعاء اسمه إسحاق بن ~~مرداس، والآخر: حبر من أحبارهم. لقيتهما في الطريق إلى مكة وكانت لي بهما علاقة، حين كانا ~~ذاهبين إلى أرض المعاد للقاء السلار شاهين في القدس ومعهما هدايا لكسرى، وهما اللذان جاءا ~~بمال الفرس الذي منه هذه الدنانير، ولعلك يا مولاي إذا قبضت عليهم قبضت على سائر المتآمرين. ~~فسر نيقتاس ويوحنا لذلك سرورا عظيما، وأمر الوالي ضابط المخفر أن يبحث عنهم ويأتي إليه ~~بهم. فانصرف الضابط راجيا أن يوفق إلى مرضاة الوالي، واتجه إلى القبض على بطرس البحريني؛ ~~لأنه كان في نظره أهون الثلاثة عليه مشقة، وإن كان أعظمهم خطرا. # الفصل الحادي والأربعون # | تفسير الشرط # كان بطرس البحريني خبيرا بطبائع الناس، ولم يكن الحبر اليهودي أقل منه في هذا ولا إسحاق ~~بن مرداس، ولذلك قدر كل منهم - وقد فشلوا في مؤامرتهم - أن لا بد أن يحاول بعض الفاشلين فضح ~~أمرهم والوشاية بهم؛ ليتقربوا إلى من في يديهم الأمر حتى اليوم، ولا بأس عليهم أن يتقربوا ~~في الغد إلى أعدائهم، ولذلك استقر رأى بطرس البحريني من ناحيته، واليهوديان من ناحية أخرى ~~ألا يبقيا في المدينة بعد ساعتهم تلك ساعة واحدة، ولذلك قصد هذا إلى بيت خليلته فجمع حاجاته ~~وأعلن جميع الجيران أنه يغادر المدينة إلى حيث تلقي به السفينة الذاهبة إلى نيقيوس ثم لا ~~يعود، وخرج مودعا بكل مظاهر الأسف الجاف من جيرانه ومعارفه، وهو يجمل حقيبته على كتفه بشكل ~~يلفت النظر، وكان كلما سأله سائل ما بك يا بطرس؟ أين ترحل؟ يقول: إلى منوف: إلى الدير الذي ms301 ~~خرجت منه فلقيت الهوان في بعدي عنه. لقد غضب علي الرجل الذي أحسنت إليه، وصدق في وشاية ~~كاذبة فلم أعد أطيق البقاء في الدنيا التي يجزى المحسن فيها شر جزاء، ولكن هذا عقاب الرب ~~لي على خدمة رومي كافر. على أنه لم يركب السفينة إلى منوف بل خرج من باب القمر؛ ليعود من ~~باب الشمس، وقد غير زيه وحلق لحيته وشاربه وقفل إلى كنيسة الأنجليون حيث يلقى شريكا له في ~~المؤامرة الفاشلة ويستضيفه. أما اليهوديان: فذهبا من فورهما إلى حي اليهود، واستودعا المال ~~حبر الحي، وكان الرجل عليما بما جاءا في صدده ومشتركا معهما في التدبير واستأذنا، ثم ~~سافرا فعلا قاصدين إلى السلار؛ ليبلغاه ما وقع، ويخبراه بما فعلا بالمال، ولذلك لم تؤد ~~مباحث الضابط إلى شيء مما أراد، فقد أخبره أهل الحي الذي فيه خليلة بطرس أنهم رأوه راحلا، ~~وأنهم علموا أنه ذاهب إلى منوف، وعلم الضابط من حراس باب الشمس أن اليهوديين خرجا قبل ~~السؤال بزمن ليس بقليل على الراحل على بغلين إلى حيث لا تصل إليهما يد أحد الآن حتى ولا ~~نيقتاس نفسه؛ إذ كان الفرس قد انتشروا فيما وراء الأرباض الشرقية، ويوشكون أن يحاصروا ~~الإسكندرية، ولم يجرؤ الضابط أن يرفع نتيجة جهده إلى القصر فأرسل إلى ورقة خطابا مع أحد ~~جنوده يذكر فيه خيبته، ويرجو منه أن يتلطف فينهي ذلك إلى الأمير ويفيده. # كان الليل قد أرخى سدوله على الإسكندرية، وأخذت هواجس الأمير تعبث بفؤاده، فتمثل ~~المتآمرين مجتمعين، وتمثلهم قائمين بثورة، وأنهم يقتلون الحراس ويفتحون الأبواب، وأن الجيوش ~~الفارسية تدفقوا في المدينة، وهرعوا إلى القصر؛ ليقبضوا عليه ويقتلوه. فاضطرب، وأخذ يسير في ~~غرفه مسرعا كالنمر المحبوس لا يدري ماذا يفعل؟ ولكنه علق على القبض على البحريني ~~واليهوديين آماله حين أن القبض على المتآمرين كلهم لو تم ما أمنه إلا من شرهم وحدهم، وخطر ~~له أن يستأنس في ضيقه بورقة حارسه المحبوب، وأنيسه الذي أصبح يراه كالهواء لصدره فناداه، ~~وكان ورقة إذ ذاك آتيا إليه؛ ليخبره بفرار ms302 بطرس وإسحاق. فلما رآه قال: ألم يرد خبر من ~~أوربيداس؟ قال: بلى يا مولاي، الآن، ولو لم تدعني لكنت أنهيته قبل أن تسألني. إنهم فروا من ~~المدينة وهذا أكبر دليل على حبوط المؤامرة. قال: ولكني كنت أشتهي أن أصل بهم إلى بقيتهم، ~~وكان إخلاص ورقة لنيقتاس وحب نيقتاس له قد رفع حد الكلفة بينهما. بل كان نيقتاس نفسه هو ~~العامل على رفعها؛ لكي لا يحرم الأنيس والنصيح، وليجد في جواره محدثا يستبين الصواب من ~~محادثته، فقال له: لتنتقم منهم يا سيدي، أم لتكفى نفسك شرهم؟ قال: لهذا وذاك يا ورقة. قال: ~~أما أن شرهم قد زال فهذا ما لا شك فيه. إنهم لا يعملون إلا بالمال، وقد ذهب اليهوديان ~~بالمال، وأما أن تنتقم منهم فليس هذا وقته. إن لهم أهلا وأقارب وزعماء وأحزابا، وأنت ~~اليوم في حاجة إلى هدوء الناس؛ لئلا يتخذ بعضهم هذا الحادث عذرا من الخيانة بدعوى الانتقام ~~لأهلهم، أو دافعا إلى الثورة وقت الحصار، وإنا لنحمد الله الذي أفسد مؤامرتهم قبل أن تفرخ ~~بيضتها. قال نيقتاس بعد شيء من التفكير: صدقت يا ورقة. هذا كله بفضلك. قال: بل بفضل الله ~~الذي يحبك يا مولاي. لقد عثرت بهم غرضا! إذ كنت أسير إلى بيت الأستاذ قوزمان. فقال: أبي ~~هيلانة. قال: نعم أبي هرميون امرأة أستاذي الحارث بن كلدة. قال نيقتاس ضاحكا: أليس الرجل ~~أبا السيدتين يا ورقة؟ قال ورقة متعمدا تسرية الهم عن مولاه لما رآه كثير التفكير في غير ~~طائل: بلى يا مولاي، ولكني عرفته على أنه أبو امرأة أستاذي وجد ابنته لمياء، وسيبقى كذلك في ~~ذاكرتي وعلى لساني، ولو غضبت سيدتي هيلانة. فضحك الأمير ضحكة سرت عن نفسه كل هم، وقال: لا ~~أدري والله على أي الأمرين أشكرك؛ على إحباطك المؤامرة؟ أم على تسرية الهم عني؟ وكانت ~~القهرمانة قد عادت بسيدتها هيلانة إلى القصر، وعاد معهما قوزمان؛ ليهنئ الأمير على سلامته. ~~فلما رآهم نيقتاس هلل لمرآهم ورحب بهم، وإذ كان يعرف علاقتهم جميعا بورقة مما سبق ms303 لهيلانة ~~أخباره به من تاريخ ورقة بمكة انبرى فيما هو فيه من الانشراح يفضح ورقة لدى هيلانة بما قال. ~~فقالت مازحة: أهذا جزائي لديك يا ورقة؟ قال: ما زعمت الأمير فاضحي لديك بهذه السرعة، قالت ~~هيلانة للأمير: أنا أعرف سبب نسيانه إياي يا سمو الأمير، ولكني لكي أنتقم منه لا أبدي لك ~~السبب أمامه ولا أمتعه بذكره قال: بل اذكريه بحقي لديك، لعل فيه فضيحة أخرى. قالت: إنه يحب ~~لمياء بنت هرميون حب عبادة وهيام فهو لا يعرف من أبناء قوزمان سوى أم لمياء، ولو تركت له ~~العنان ليعرف لك أبي لأنكر هرميون وقال: جد لمياء. فضحك الأمير، وقال: لقد قالها وربي ~~وأوجست ما ذكرت. ما أشد وفاءك للمياء يا صاحبي! ولكن ترى هل تحبه لمياء كما يحبها؟ قال ~~قوزمان: لقد أبت أن تتزوج ابن أختي رعيا لذكراه فيما أعتقد؛ على أنها كانت إذ ذاك يائسة ~~منه. قال: وهو! لماذا لم يخطبها إليكم وقد اجتمعتم؟ قالت هيلانة: إنه يزعم أن أمها تأباها ~~عليه، وأقسم لك يا سمو الأمير أنها لا تتردد في قبوله بعلا لابنتها. هكذا علمت منها اليوم، ~~لولا أنه يزعم أن أستاذه يكره أن يزوج ابنته من غير قرشي من أعيان مكة. على أن هرميون كانت ~~قد اشترطت على زوجها أن يكون أمر زواج ابنتها بيدها، وأقسمت إلا أن تزوجها في الإسكندرية ~~وفي بيت الأمير نيقتاس نفسه. # قال نيقتاس: ويجب أن يستمر شرطها، وها نحن أولاء في الإسكندرية وورقة في بيتي بل هو ابني، ~~فأصبح من حقه بمقتضى هذا الشرط أن يأخذها رضيت أم لم ترض. أليس كذلك يا ورقة؟ # كان ورقة يستمع إلى هذا الحديث وهو مضطرب؛ لأن هيلانة قد طارت به من الأرض إلى جو لم ~~يكن قد استعد له بجناح، فرفرف ورفرف وأسف، ثم ركع على ركبتيه، وتناول يد الأمير وقبلها ~~وهو يقول له: مولاي الحبيب المبجل، أعفني بحق الله عليك. # فتعجب الأمير لكلام ورقة، والتفت إلى هيلانة يسألها عن سر هذا الرفض؟ فقالت: ما ms304 سمعت ~~حديث حب أصفى من حديث ورقة ولمياء، ولكنه وفي لأستاذه جد الوفاء، ويكره أن يقول عنه إذا هو ~~تزوج ابنته بغير رضا إنه اغتصبها، وقد عرفت قدر ما عليه ورقة من النبل. قال نيقتاس: وأين ~~منه أستاذه الآن؟ إنه في صحراء العرب، وإذا جاز لعربي لم يهمنا نسبه أن يتزوج رومية خالصة ~~لعلمه وفضله - فأحر أن يتزوج عربي مثله فتاة نصفها رومي، ونصف عربي، وهذا العربي فيما يعرف ~~الناس وأعرف لا يقل عنه فضلا ونبلا. أليس كذلك يا قوزمان؟ فأجاب قوزمان حين كان ورقة ~~واقفا في حيرة لا يدري بما يقابل كلمات بر سيده: لقد سمعت يا مولاي عن ورقة من ابنتي ~~هرميون ولمياء، ثم من هيلانة اليوم ما لم يكن يخطر لي على بال. إنه وحقك لقديس، ولو كانت ~~لي بنت ثالثة لعددت زواجها منه نعمة من الله علي. قال نيقتاس: ولمياء؛ أليست ابنتك؟ قال: ~~بلى، وإني لأملك بفضلك أن أزوجها منه؛ لأننا كلنا رضوان، وها أنت ذا ترى رأينا، ولكن ما ~~حيلتنا فيه؟ فقد أقر لابنتي هيلانة وهو في الصحراء أنه يحب لمياء، بل هي التي استكشفت ذلك، ~~ولكنه يأبى أن يلقى أستاذه وفي نفسه ما قد يكون علامة أسى. قال نيقتاس: غدا يعقد عقده على ~~لمياء هنا! احضروا بها إلي غدا هي وأمها. إن لهؤلاء القديسين أعمالا وآراء لا نفهمها ~~نحن أهل الدنيا الفانية، وضحك ضحكا متواصلا. ثم قال: سأراها، فإن رأيت أنها من الجمال ~~والكمال بحيث تصلح لك أقطعتك في الإسكندرية مرتزقا، ورقيتك وزوجتك إياها على يد أخيك في ~~القداسة يوحنا الرحوم نفسه وإلا ... ثم التفت بابتسامة صوب ورقة، ولكن ورقة لم يكن موجودا ~~حين كان يتكلم. فقد انسل من المجتمع ساعة ذكر قوزمان ما ذكر عنه. فقال الأمير: أين ورقة؟ ~~وإذ لم يجده أدرك سر هروبه فضحك، ثم نهض يبحث عنه فوجده عند غرفه فعاد إليهم ضاحكا حين ~~كانت هيلانة تقول: إنه يحول كالظل لا يشعر به أحد. ما أشد حياءه يا سمو الأمير! ms305 قال: رأيته ~~واقفا على غلوة من هنا، وضحك. قالت هيلانة: امض فيما اعتزمت فلن ينهي هذه المسألة أحد ~~سواك، وليبارك لنا الله في مروءتك. إنا لا نجد لإثابة ورقة على ما فعل لنا من الطيبات إلا ~~أن نعطيه منى نفسه لمياء، وإنا في هذا الزواج لرابحون. قال: ليكن هذا في الغد. # انصرف قوزمان وهيلانة من مجلس الأمير مودعين منه بأطيب التمنيات، حينما كانا يدعوان له ~~بالرغد وطول البقاء، ورآهما ورقة خارجين فلما يشأ أن يلقاهما تفاديا من موقف أمثل بما فر ~~منه، واختفى في غرفه حتى مرا به في طريقهما إلى سكن هيلانة. # أما ورقة فقضى الليل على عادته ساهرا في حراسة الأمير، وكان قمينا أن يدركه النعاس بعد ~~ما لقي من الجهد في يومه، ولكن حديث هيلانة والأمير وما عرفه من جنوحهم إلى تحقيق أمنيته ~~الغالية زاد في يقظته فلقد فرح قلبه بما صرحت به هيلانة من أن لمياء تحبه، وما فاه به ~~قوزمان من أنها أبت ابن حاكم مصر رعيا لذكراه، وتمنى لو يراها الآن، ويأخذها بين يديه ~~ويقبلها شكرا على حبها إياه ووفائها له، ويحمد الله أمام عينيها على أنها عرفت فرط هيامه ~~بها. ثم تمثل الليلة السعيدة التي يقدر له فيها أن يلقاها على انفراد؛ ليروي لها قصة وجده ~~بها، ويذكر لها أنه كان في خلوته ووحدته، في الليل وفي النهار، وفي الصحراء والدار، وفي ~~الحل والترحال يتمثلها ويراها عيانا بيانا، كأنما رسمت صورتها على حدقة العين، فكل ضوء ~~يمر بها يعكس على فؤاده صورتها الجميلة فتزيد أوار قلبه، ولكن، يا لله! ماذا يقول عنه ~~أستاذه إذا جاء فوجد لمياء حليلة له بغير إذنه! نعم إن الحارث لا يأبى زواج ابنته منه لو ~~كان حرا، ولكنه لن يكون كذلك حتى ولو جاء إلى الإسكندرية وبعد عن مكة والنضر. سيرعى سلطة ~~النضر عليه، وسيأبى على كره منه إعلان رضاه عن زواجه من لمياء. أليس من الخير إذن أن يترك ~~الأمور تجري فيما يشاء لها ولا يعترض؟ ولكن ms306 كيف يملك أن ينظر إلى أستاذه نظرة البراءة التي ~~اعتادها؛ ليظفر منه بنظرة الحب التي كان يغمره بها . هذا ما لا يطيقه. # استمر ورقة يفكر على هذا الأسلوب حتى السحر، والقصر صامت ساكن، لا يسمع فيه إلا أقدام ~~الديدبانات تروح وتجيء، والليل طارح عليه ملاءات من أديمه، لا ترى فيه إلا أشباح الجند، ~~وظلال أقتم من الليل للتماثيل القائمة في جوانب المماشي والطرقات، والبحر من وراء الأسوار ~~يزمجر ويضطرب منذرا أهل اليابسة بويلاته إذا هم شمخوا بأنوف سفنهم وقلوعهم أكثر مما يجب، ~~وضوء المنارة يكتسح الظلمة عن البحر؛ ليكشف ما عليه من السفن الضالة ويدلها على مرفأ ~~السلامة. حتى إذا أوشك الديك أن يصيح معلنا بقدوم الفجر، صمت الديك وأغرقت الطبيعة فيما ~~كانت فيه، وإذا هي تحيا بنقر أمثل بالطبيعة وأليق بزمجرة البحر. دقات تلو دقات على دف ليس ~~كمثله في الدفوف: رق من خشب صلب وحديد مثبت في إطار من حجارة، فكان لها دوي رهيب. ذلك أن ~~الفرس كانوا قد بلغوا الإسكندرية بخيلهم ورجلهم، ونصبوا دباباتهم ومجانيقهم حول الأسوار، ~~وأخذوا يضربون باب الشمس بالجلامد، وينيرون الظلام بنيرانهم الأغريقية؛ لينبهو الحراس ~~فيفتحوا لهم، ولكن الحراس كانوا غلاظ الأكباد فلم يجيبو سؤلهم، ولم يردوا عليهم إلا بنبرات ~~من حجارة وحديد تخبرهم أن للأبواب طلاسم لا تفتح إلا عليها. # لم يكن لورقة بعد ما سمع إلا أن يوقظ الأمير؛ ليخبره بقدوم الفرس، وكان جماعة من كبار ~~ضباط الحامية قد وردوا إلى القصر؛ ليعلنوا الأمير بوقوع الحصار الذي كان منتظرا لعل لدى ~~الأمير أوامر جديدة في هذا. فما إن ارتدى حتى نزل إليهم، وكان أهل القصر قد تنبهوا على ~~دوي القذائف فهبوا من مراقدهم مذعورين إلا الذين اعتادوا الحصار من قبل فلم يأبهوا لما وقع؛ ~~لأنهم كانوا يعلمون أن الأسوار لم تبن؛ لتتهدم بل لترد العوادي، وأن هذه الأسوار لم تقتحم ~~فيما مضى حتى تقتحم اليوم، # 1 # وأن الإسكندرية ذات مرفأ عظيم على البحر يصل بينها وبين الدنيا برمتها فلا خوف ~~عليها من ms307 المجاعة. نعم إن هرقل استنزف ذخيرتها من القمح والغلال، ومن جنود الروم الأبطال، ~~ولكن كان فيها من هذه وتلك ما يقيمها على العز أعواما لو أحسن الدفاع عنها. # 2 # كل ما كانوا يخشونه أن ينفد الماء العذب الذي في الصهاريج، ولكنهم كانوا في ~~الشتاء، وفي استطاعة كل بيت أن يجمع من فضل الله حاجة حياته بلا كبير عناء، ويدخرها في ~~الصهاريج لأيام الصيف إذا منع الفرس عنهم ماء الخليج، ولذلك لم يضطرب أهل الإسكندرية إلا ~~بمقدار ما شعروا من أنهم أصبحوا حبيسين وراء أسوارها المنيعة، منقطعين عن إخوانهم في الدلتا ~~والصعيد انقطاعا تاما، وإن لم يكن يفيدهم اتصالهم بهم شيئا كثيرا؛ لوقوع تلك الجهات في ~~يد الفرس من قبل. # أما نيقتاس فكان على غير حالهم. نعم، إنه لم يكن يخشى حصار الفرس؛ لاطمئنانه إلى أسوارها، ~~وكفاءة المرابطين عليها، وقدرة مجانيقها، ولكنه كان يخشى خيانة اليعاقبة واليهود. فهؤلاء في ~~اقتدارهم مهما ضعفوا أن يشغلوا حماة الأسوار عن حمايتها بما يجب لها من التوفر، وكانت ~~مؤامرة الأمس سببا في إيقاظ نفسه إلى التعجيل بالعمل على وقاية المدينة من هذه الثورات ~~الداخلية، وتذكر ما نصح به ورقة من ضرورة مضاعفة الجند في حيي رقودة واليهود فقال ~~للقواد: إني أعلم أن ما تحت يدكم من الجند قليلون، ولكنكم لا تجهلون أن اليعاقبة ~~كالبراغيث إن لم يؤلم البدن قرصها كبير الإيلام فهو يشغله عن الانصراف إلى غير الحكة، ~~واليهود شر من هؤلاء، فهم كالبق تكفي بقة واحدة؛ لتشغل البدن عن كل شيء. فاقتطعوا إذن من ~~رجالكم من تستطيعون؛ ليكونوا في مخفري رقودة ومعسكر قيصر تحت إمرة ضباط من الشبان يعملون ~~بأمر ضابطي المخفرين. قالوا: كل هذا حق وإنا نازلون عيه من فورنا، ولكنا نرى أن ندعو إليك ~~بطريق اليعاقبة وحبر اليهود تعلنهما بجزاء من يثور، وتطلب إليهما تحذير أتباعها من العبث. ~~قال: هذا ما كنت عازما عليه، ولكني سأكتفي بأن أرسل إليهما رسولا يحسن القول. # ثم التفت إلى ورقة وكان واقفا وراءه في المجلس فقال ms308 له: خد جوادا وانصرف به إلى بطريق ~~كنيسة الأنجليون، وإلى الحبر في الكنيس، وأبلغ إلى كل منهما ما سمعت ولا حاجة إلى توصيتك ~~بما يقال. ثم انصرف إلى مخدعك فنم. لقد تعبت طول يوم أمسك وسهرت طول ليلك، وها نحن أولاء ~~نكلفك عبئا. قال ورقة: إن سعيي في خدمة مولاي يفعمني قوة، وتكليفه إياي بمهمة للدولة مكرمة ~~ومفخرة لي تزهيني وتنشطني. قال له الجمع: أحسنت الجواب يا فتى! بورك فيك! وكان نيقتاس ينظر ~~إليه وهو يسمع إعجاب قادة الجيش بحارسه مزدهيا ممتلئ القلب حبا له، كأنه ابنه لا أنه ~~عربي لا يجمعه به من صلات الدنيا إلا حبه للمياء ابنة هرميون الرومية التي عزم أن يزوجه ~~إياها في عشية يومه. # الفصل الثاني والأربعون # | غرام مفاجئ # ذهب ورقة إلى كنيس اليهود في حيهم شرقا فيما وراء كنيسة المار مرقص، وأنهى إلى الحبر ~~رسالة المقوقس فتلقاها الحبر باستياء عظيم، ولكنه كان في الواقع استياء متكلفا. فقد كان ~~اليهود يبيتون الشر للروم فعلا، واجتمع أحبارهم بمن جاءوا من بلاد القدس؛ للعمل على ~~الإسراع في القضاء على حكمهم في مصر، ولكن الحبر لم يكن له إلا أن يتظاهر بأن سوء الظن ~~باليهود في غير محله بعد ما ثبت للأمير ولاؤهم. قال ورقة: إن الأمير يعد السيد الحبر ~~الكبير مسئولا بالذات عن كل حركة من شأنها تعطيل الجند عن مدافعة المحاصرين، ولا يريد أن ~~يتهمه بأنه اجتمع بإسحاق بن مرداس والحبر اليمني، ولا أنه هو الذي دبر لهما الاجتماع ببعض ~~قساوسة اليعاقبة في سرب قصر ليونوتس المتهدم. فلما سمع الحبر هذه التهمة اضطرب وهلع، وأخذ ~~يقسم أغلظ الأقسام على أنه لم يرهما ولم يجتمع بهما، وخانه حجاه فجعل كل إنكاره منصرفا إلى ~~أنه لم يشترك في شيء، ونسي أنه إنما كان يقر بأنهما وجدا، وبأن كان هناك اشتراك في مؤامرة. ~~فنهض ورقة يقول: لقد بلغت رسالة الأمير وهو لا يرجو إلا أن تعوها. ثم خرج بين التحية ~~والإجلال من الحبر ورفقائه، وامتطى جواده إلى كنيسة ms309 الأنجيليون للقاء أندرونيكوس بطريق ~~اليعاقبة. # هناك تلقاه قسيس مهيب الطلعة برتبة مطران عرف أنه وكيل البطريق فلما لقيه أحس ورقة كأنما ~~قد رآه في سرب القصر مع المتآمرين، وتنبه إلى ذلك لما رأى الرجل الذي كان معه. فلما واجهه ~~قال: إنه آت برسالة من عند المقوقس يبلغها إلى البطريق نفسه، ولذلك يرجو منه أن يستأذن له ~~في الدخول عليه. فاعتذر الوكيل بعدم استطاعته ذلك؛ لأن البطريق مريض لا يقوى على مقابلة ~~أحد، وأنه إذا تفضل فأنهى إليه رسالة الأمير فهو ضمين له بتنفيذ مشيئته فيها، وكان الرجل ~~يتكلم وفي صوته رعدة لم تخف على ورقة فقال: لمن أوجه القول من رؤساء هذه الكنيسة الموقرة؟ ~~قال مخاطبه: لوكيلها تيوناس أيها الضابط الشريف قال: ومن هذا الذي يشهد معك الحديث، ويسمع ~~معك رسالة الأمير؟ وكان داعيه إلى هذا السؤال أنه اشتبه في الرجل الثاني أيضا فقد أحس أنه ~~بطرس البحريني بعينه إلا أنه حلق لحيته وشاربه وحواجبه كذلك، وأحنى ظهره ولبس لباس الكنيسة، ~~ولكنه لم يشأ أن يفاجئه وانتظر جواب الوكيل. قال: هذا كاتبي. قال: منذ متى؟ قال: منذ ... ~~جاءنا من كنيسة منوف قال ورقة: عرفت مخاطبي إذن. اسمعا. فاضطرب الرجلان، وبدا الذعر على ~~أعينهما، ولكنهما تماسكا فانصرف ورقة يقول: إن مولاي يحذركما من أن تعودا إلى مثل ما كنتما ~~فيه بالأمس مع إسحاق بن مرداس والحبر اليمني في سرب قصر الحاكم ليونوتوس، وهو ينذركما، ~~وينذر البطريق، وسائر رجال الكنيسة معكما أنه إذا قامت في هذا الحي اليعقوبي حركة أو شغب من ~~شأنه أن يشغل الجند عن مدافعة الفرس فدمكم على رءوسكم ... ثم نهض لينصرف، وقد حاول الرجلان أن ~~يردا تهمة التآمر التي ألقاها ورقة عليهما، وانبرى بطرس على عادته من الزئاط يفند التهمة، ~~ويستعدي الرب على الظالم، واستقام عوده منه على غير وعي فكان صوته وعمله أدل عليه مما بقي ~~من صورته، ولكن ورقة لم يلتفت إليهما، وخرج ولم يرد بكلمة حينما كان يسايرانه إلى الباب، ~~وركب جواده وانصرف. # عجب بطرس ms310 ووكيل الكنيسة كيف عرف أنهما كانا في ذلك السرب بالأمس، وثبت لبطرس ما سمعه من ~~أن ضابط المخفر في رقودة كان يبحث عنه فلم يصدقه ولم يصدقه المطران، ولذلك عادا إلى الغرفة ~~صامتين من فزعهما. فلما استقرا عادا إلى التساؤل والرجم بالغيب، وهما يكادان يحسان شفرة ~~السيف فوق رقبتهما، وأخذ كل منهما يفكر في طريقة للهرب من الإسكندرية على الفور واتفقا على ~~ذلك، ولكن الأبواب كانت في ذلك الوقت مقفلة لا يدخل أحد منها ولا يخرج بسبب الحصار إلا ما ~~كان على البحر فقد كان هنك اثنان: أحدهما باب ميناء لوكياس، ميناء قصر الإمارة التي لا ~~يدخلها إلا سفن الأمير أو الإمبراطور وتحميها الغلايين الحربية الخاصة، وباب الخليج عند ~~اتصاله بالبحر في الميناء الغربية. كان هذا الباب مباحا للجمهور والصيادين، غير أنه كان ~~كسائر أبواب المدينة قد أقفل، وإن ظل في صون بطس الحرب والحراقات التي كان الميناء ~~الغربية مخصصة لها # 1 # ولا بد أن يلقيا مشقة في الخروج منه، ولكنهما استهانا بهذه المشقة، وقررا ~~الخروج على الفور قبل أن يجيء ضابط المخفر برجاله؛ ليقبض عليهما. بيد أن هذين الرجلين كانا ~~لا يملكان أن يطيلا مكثهما خارج الإسكندرية، وإذا سهل خروج الإنسان من باب البحر فلم يكن من ~~السهل العودة منه إلا بجواز، أو أن يكون الطارق عالما بكلمة السر التي يتقاضاها الحراس من ~~راغبي الدخول وهي تتغير كل يوم، ومن أين لهما أن يعرفاها يومئذ؟ على أنه لم يكن هذا بالمهم ~~في ذلك اليوم، ولذلك عمدا إلى تنفيذ أهم الجانبين على أن ينظرا في الجانب الآخر عند سنوح ~~الحاجة إليه. فاستأذن الوكيل من البطريق في الخروج من الإسكندرية والاستقرار بدير الهانطون ~~حتى حين، وأبدى له ما كشف من أمره فأذن له، وأوصاه أن يعد موكبا عظيم الشأن من أساقفة ~~الدير وقساوسته ورهبانه، ومعهم أندر نسخ الإنجيل والتراتيل، وأغلى الصلبان للقاء السلار ~~شاهين الفارسي في معسكره والاحتفاء به، وتقديم ولاء اليعقوبية كلها إليه؛ إذ هو يمثل ملك ~~الملوك كسرى أبرويز ms311 حامي اليعقوبية. ففرح المطران الجليل لهذه المهمة العالية، وخرج من فوره ~~تحدوه الرغبتان، وأما بطرس فلم يكن في حاجة إلى استئذان أحد؛ لأنه لم يكن إلا صديقا ~~كنسيا لا أكثر ولا أقل، ولذلك عمد إلى مرافقة الوكيل حيث أراد، وهو في تلك المدة متعجب ~~كيف عرفه ورقة حتى بعد أن أزال كل شعر وجهه وعوج قامته، ولكنه سر في النهاية؛ إذ يخرج من ~~بلد يلقى فيها شيطانا أشد منه مكرا وأنفذ حيلا. # خرج الرجلان من باب البحر، وذهبا من فورهما إلى دير الهانطون فبلغاه بعد ثلاث ساعات ~~قضياها غيظا من حبوط المؤامرة، وكشف رسول القصر ما كان لكل منهما فيها من اليد الطويلة، ~~ولكنهما حمدا الرب على أنهما أصبحا بعيدين عن يد الأمير التي كانت لولا حصار الفرس أطول من ~~كل يد. # على أن ورقة لم يكن في نيته أن يستحث الأمير على الرجلين. كان يعلم أن التهمة لا تثبت ~~عليهما في شيء، وأن لن يكون من ورائها إلا اضطراب الحال في رقودة، وادعاء اليعاقبة أنه ~~بهتان مما اعتاده الروم، وظلم يريدون توقيعه عليهم جزاء ما ظهر لكسرى في بلاد القدس من أن ~~دينهم الرومي كفر في كفر، وأن دين اليعاقبة هو الدين الصحيح، وإذ مر ورقة على صديقه حارس ~~المخفر؛ ليبلغه ما كان من انصراف كل ما كان في قلب الأمير من ناحية المؤامرة - ذكر له ما ~~وقف عليه كذلك وما يرى، فأقره ضابط المخفر على رأيه، وعده كل السداد، وكذلك ارتآه الأمير ~~عند ما لقيه في العشية وشكر لورقة حسن رأيه. # كان التعب قد أخذ من ورقة كل مأخذ، ولكنه كان إذ ترك المخفر قد وجد نفسه في طريق لمياء، ~~بل الواقع أنه لوى عنان جواده نحو بيت قوزمان باختياره. فما إن عطف داخلا الطريق المؤدي ~~إليه حتى شاهد لمياء في الشرفة مطلة على البستان متجة البصر نحو البحر تستنشق نسيم البحر ~~والقصر معا، وتفتش فيه عن أنفاس ورقة؛ لتنعشها حتى تلقاه في الضحى. فقد علمت منه أن ms312 الصباح ~~له والنهار لولا أنه مضطر إلى الرقاد في بعض ساعاته؛ ليسترد عافيته للسهر على الأمير، ~~ولكنها سمعت وقع سنابك الجواد من الخلف فالتفتت فإذا هي تراه فشهقت شهقة الفرح بمرآه، وبقيت ~~في مكانها لا تدري ماذا تفعل؟ كانت تلقاه قبل يومها على أنه صديق يحبه كل إنسان، سوى أن ~~حبها إياه غرام تخفيه، أما اليوم وقد عرفت ما عرفت من خالتها وحديثها مع أمها بالأمس في ~~شأنه، ووقفت على خبيئة نفسه في الصحراء، وما قال لها في الطريق من معان إلى مصر من حديث ~~هواه النقي الذي كتمه في قلبه وعمل على إخماده في قلب لمياء، وسمعت جدها يقول: إنه يجب ~~عليهم أن يسارعوا بتزويجه من لمياء اغتناما لنعمة الله السانحة قبل أن يعرفه سادة ~~الإسكندرية وأغنياؤها فيتألفوه، وتتهافت بناتهم عليه ويزوجوه منهم، وعرفت أن خالتها وجدها ~~ذهبا إلى القصر؛ ليستقويا بجاه الأمير على تردد أمها أو بالأحرى ليقويها على تزويجها من ~~ورقة، ويعطيها عذرا تتقدم به لأبيها يوم تلقاه؛ لتزويجها ابنته من فتى غير قرشي ولا ثقفي ~~ولا من أعيان الجزيرة، وإن كان أحق في نظرهم ونظر الحارث نفسه أن يكون على رأس أولئك السادة ~~في السيادة، وأجدر أن تفخر به العرب في عكاظ - فقد أصبح ذا معنى آخر لا يقوى حياؤها على ~~مواجهته. هذا ما كانت تعرفه وتستنج منه، وكان سببا في اضطراب قلبها لدن رؤية ورقة اضطرابا ~~من نوع جديد. أما ما جرى بعد ذلك بعد ما عادت هيلانة وقوزمان من القصر؛ لينهيا إلى هرميون ~~رسالة الأمير، وحكمه بتزويج ورقة ولمياء اليوم - فلم تعرف من تفصيله شيئا؛ لأنها كانت في ~~فراشها عند ما جاءوا، وإن كانت القهرمانة قد أسرت إليها في الصباح شيئا من هذا في صورة ~~مبهمة؛ لأن أهلها كانوا في تلك الساعة نياما أثر ما سهروا. نعم، باتت ليلتها قلقة تفكر في ~~ورقة وفيما سمعت، وتؤمل الآمال، وتيقظت مبكرة. بيد أنها ذهبت إلى الشرفة تنظر صوب البحر؛ ~~لتكون مع ورقة حتى يفيق، ولتستقبله حين ms313 يجيء في الضحى، ولم تكن تدري أن ورقة بات ليله سهران ~~يفكر فيها، ثم جرى ما جرى من اجتماع المجلس، وأنه أتم مهمتين كبيرتين قبل أن تلتمس هي أرض ~~الشرفة؛ لأنه شرع فيهما بعد الفجر بقليل، فأحر به أن يكون في بيت قوزمان ولما يمض على شروق ~~الشمس غير قليل. # وكان أصعب شيء على ورقة أن يلقى لمياء، وتفع عينه على عينها بعد ما جرى ليلة أمس في غرفة ~~الأمير، لأمرين؛ أولهما: ما أعلنت هيلانة من حبه للمياء، وكان يرجو أن يظل دفينا، ~~وثانيهما: التماسه من مولاه أن يعفيه من الزواج بها؛ لنفس السبب الذي يمنع هرميون على فرط ~~حبها له وثقتها به، وهو واجب الحصول على رضا الحارث. على أن ورقة كان يشعر أن رضا الحارث لا ~~يكفي في جعل هذا الزواج مبارك القسمات. فلن يمحو رضا الحارث أنه ليس من قريش ولا من ثقيف ~~ولا من كرام العرب. كل ما يترتب على رضا الحارث أن يتم الزواج، ومعنى رضا الحارث رضاه ~~بالمعرة بين العرب في مكة وبلاد العرب؛ لأنه يزوج ابنته من فتى كانت أمه سبية وجارية، ~~وكان أبوه نجارا يرتزق من خدمة الكرام، وهو - أي ورقة - لا يطاوعه قلبه أن يحمل أستاذه ~~الذي يحبه ويرعاه كل هذا من أجله. نعم إن رسول الله وهو ابن عبد المطلب عظيم العرب وعنوان ~~شرفها قد زوج زينب ابنة عمته من زيد بن حارثة: وهو - وإن تبناه - سبي ومشترى، ولكن العرب ~~يعدون رسول الله قد خرج عليهم في دينهم، فإذا هو خرج عليهم فيما تعارفوا عليه في ~~المصاهرات فالأمر أهون مائة مرة، بل لا يستحق أن يذكر. أما الحارث فلم يخرج عليهم في شيء. ~~إنه لا يزال مستمسكا بمكيته وطائفيته على كرهه الوثنية، وعلى أنه حنيفي، وعلى أنه يعرف ~~صدق الرسول ويقره، فهو إذن ممن يستمسكون بعرف قريش وثقيف، وحقا أن ورقة مسلم، والإسلام ~~يرفع الحدود، ويسوي بين الناس، ويبدأ بهم حياة جديدة يستبقون فيها إلى ذروة الشرف بالتقوى ~~والجهاد في ms314 سبيل الله، ولكن الحارث لم يشأ أن يسلم بهذا، وإن كان يقول به. ثم كان ورقة يقول ~~في بعض سوانحه: أراني مبالغا كثيرا في توسيع مسافة الخلف بيني وبين الحارث. إن كانت أمي ~~سبية من بني لحيان فما من ذنبها أن سبيت، وما من ذنب أهلها أنهم لم يعرفوا أين ذهب بها؟ بيد ~~أن أنها ما همت بالخنى، بل فرت منه إلى بيت النبوة وضرب بها المثل في العفة، وما أنا بنتاج ~~الخنى بل نتاج الطهر على يد الحنيفي الأعلى - من قبل رسول الله - فلماذا لا أفخر بهذا حين ~~لا يستحيي أمثال عمرو بن العاص من أنه ابن إحدى تلك الجواري البغيات اللائي كن يساعين ~~بالفحشاء في مكة، ولا يزال أعيان المشركين يستولدونهن وهم لا يرون في ذلك معرة، وهي المعرة ~~العليا، وأبي! من هو؟ نجار، لولاه لبقي بيت الله عاريا ... عربي أزكى منهم محتدا؛ لأنه من ~~الحيرة وبلاد الرخاء، وما هم؟ رعاة أغنام، وإن علوا فتجار في مكة يأكلون مما يبتزون من ~~الجاهل بالأسعار، ويرتزقون ارتزاق الكهنة من أغبياء الأرض؛ إذ يبيعونهم البزة مما يأتي به ~~الأغبياء أنفسهم من الغلال قربانا للأصنام، بالشيء الكثير، قولا بأنه فيها سر البركة ~~والحياة السرمدية ... وغير ذلك من الأباطيل والكلام الفارغ الذي لا يزال مقدسا في هذه الأرض ~~المسكينة. أبي كان عالما بصناعته، وما يقتضي لها من علم الأولين والآخرين، وكانوا جهلاء ~~بكل شيء. أبي كان يعرف الجمال ويحبه وكان يتصوره ويصوغه، وهم لا يتصورونه ولا يشتهونه ولا ~~يخطر لهم على بال. أبي كان ينفع الناس بالحق، وما نفعوا الناس في شيء. هم يعيشون في مكة ~~ليتصيدوا الحجاج كما يعيش الذئاب في مراتع الأغنام ليأخذوها من آذانها، ولو خرجوا إلى ~~الدنيا لماتوا جوعا، ولو كان الحارث غير عالم أو غير طبيب؛ لكان في الأكثر مثل أبي جهل أو ~~ابن أبي معيط في السفاهة، وأنا لست عالما مثله ولا طبيبا، ولكني في طريقه، ولي من العلم ~~بالعقاقير ما لا يبذني فيه إلا قليل. نعم ms315 أخذت ذلك عنه وعن نعيم، ولكنه أخذها هو أيضا عمن ~~سبقه في الدنيا. كما أني فوق هذا رجل يغالي الأمراء بي ، ويحكمون بأني موضع الثقة العالية ~~الجديرة بالسفارة بين العواهل. فماذا يخسر الحارث بمصاهرتي؟ لا شيء، إذن فما يكون على صواب ~~في أن يأبى علي لمياء التي غذيتها بروحي وغذتني بروحها فكنت لها أبا وكانت لي أما. نحن ~~أولى بأنفسنا لأننا ولدنا أنفسنا، ولم يلد هو إلا بدنها. أيأباني حين يرضى لها بفتى غلف من ~~بني عبد الدار يعد نفسه؛ ليرث أهله في ابتزاز الأعراب من خدمة أحجار الكعبة؟ لمياء لي، ولو ~~كره أبوها ما دام على كل ذلك الباطل. # كانت هذه هواجس ورقة وهو ينعطف في الزقاق الذي فيه بيت قوزمان، فما إن رأى لمياء في ~~الشرفة حتى فارقته كل تلك الهواجس، وخيل إليه أنه يرى أباها إلى جانبها، وأنه يقول له: ما ~~فاتني ما ذكرت يا ورقة، ولكنا نعيش في دنيا لا بد لمن يريد أن يتعرف طريقه في رقعتها ~~المتدخلة الطرق المتوشجة المسالك من أن يسير برأي الناس وعرفهم، وإلا أبوا عليه أن يسلك ~~ويسير. أنت عندي كريم ومحبوب، ويجب عليك أن ترعى حرمتي فيما بقي لي في الحياة من الأيام، ~~وإلا أتلف العرب أيامي، ولولا أني أعرف فيك النبل وأرجوه ما رضيت أن تعاشرني منذ جئت بك ~~لأعلمك. لا تخني يا ورقة. لا تخني! ولا تختم أيامك معي بنكران لجميلي عليك. # لم يطق ورقة أن يستمر في الاستماع إلى صوت ضميره فأسقط من عينه دمعة، ثم اتجه إلى الله ~~بقلبه يقول: رباه! أنت أعلم بسري ونجواي، وأنت أبصر بالحق فاهدني واعصمني من الزلل - اهدني ~~الصراط المستقيم، ولا تؤاخذني بما هجست به نفسي. فإنك أعلم بتواضعي ورضاي بما قسمت لي، ~~ولكنه كان في ذلك الوقت الذي يناجي فيه ربه يرعى حق الفتاة التي كان واثقا أنها إنما نهضت ~~مبكرة ووقفت في الشرفة تتسلف قدومه. فتقاها بإشارة المودة والحب في تحية القادم. فلم يكن ~~لها بد من أن ms316 تتلقاه كذلك، وإن لم يفارقها ما كانت فيه من الحياء والاضطراب. ثم نزلت إلى ~~الطابق الأول من البيت؛ لتفتح له الباب ، وتدخله حين كان يترجل. فلما فتحت لمياء باب البيت ~~كان ورقة يفتح باب الحديقة فلما وقعت عليه عينها وقفت وقفة حائر لا تدري أتستمر واقفة ~~لتحدثه أم تذهب لتعلن أهلها بمقدمه؟ كان الرأي الثاني أقرب إليها، ولذلك تركت الباب، وعادت ~~تنبه خالتها دون أن تنتظر لحظة ليحييها ورقة بالكلام كما حياها وحيته بالابتسام المفعم بكل ~~معاني السعادة لمرآها وكل معاني ما كان فيه بالأمس. على أنه وجد فيما فعلت لمياء مخرجا له ~~من موقف كل ما كان يمكن أن يحدث فيه خطأ، حتى الكلمة العارضة، حتى التحية. على أنه قد قال ~~كل شيء وفعل كل شيء، ولم يعد هناك حاجة إلى الكلام، ولأن لمياء قد عرفت من نظراته ~~وابتساماته اليوم كل خفي كما عرف من ابتسامتها ونظرتها كل شيء كذلك. # وفيما هو يدخل جواده في الحديقة، وهو متجه إلى الدرج الرخامي في جره الجواد من لجامه - ~~كان صاحبه أورست مارا بالزقاق في طريقه إلى متجره، وكانت هيلانة قد نهضت وجاءت إلى ~~الشرفة، ووقفت تحيي ورقة بابتسامة كمشرق الشمس ملئت محبة ونعمة، وكلمات كنغم الموسيقى ~~ابتعثه الفرح والأمل، واشتغل ورقة بالحديث معها والتسليم عليها عن رؤية صاحبه، واشتغل صاحبه ~~عن تنبيهه إليه بما فتنه من جمال هيلانة، وسحر ابتسامتها، وبنور السعادة التي كانت تلقيها ~~على ورقة، وعلى الحديقة كأنما هي شمس أخرى يطلع بها الصباح على أزهارها خاصة. على أنه لم ~~يكن يستطيع أن يستمر في استراقه هذه النظرات من هيلانة؛ لأنها لمحته، ورأت على وجهه معالم ~~المسرة لرؤيتها فطربت نفسها أن يكون لها من فضل الله مزية أن تسعد قلوب الرجال بحسن ~~طلعتها، وزادها الطرب رواء وسحرا وحلاوة نغم. فلفت أورست نظر صاحبه إليه بتحية جهر بها ~~فلما لمحه ورقة ارتد مسرعا للقائه حيث سمع صوته وسلم عليه، ووقفا يتحادثان، وألح أورست ~~عليه أن يزوره اليوم، ويتغدى معه كما ms317 وعد، ولكن ورقة كان في حاجة إلى النوم فقال له: لم تغف ~~عيني لحظة واحدة وحقك يا أورست من قبل أن ألقاك أمس، ولا أدري كيف أجيب هذا الرجاء؟ ألا ~~تعفيني؟ قال: تعال فنم عندي. إني أعزب ولن تضايق أحدا. فصمت ورقة ولم يرد؛ إذ كان عليه ~~وعلى أهل بيت قوزمان كلهم أن يكونوا في القصر في العشي. فقال أورست: أراك مشغولا. قال ~~ورقة: أعفني بحقك من هذا اليوم. سأجيء إليك في الغد. ليس هذا اليوم ملكي. فرضي أورست بهذا ~~الوعد وحيا ورقة تحية حارة بعثها في نفسه ما لقي في قلبه من الحرارة لدى مرأى هيلانة ~~مشرقة في شرفة البيت في جمال الأنوثة الناضجة التي تعبث بفؤاد رجل في مثل سن أورست منيفا ~~على الأربعين، وله مثل بصره بدقائق الجمال وتفاصيله، وانصرف وهو على هذا الحال مشغول القلب ~~بمن رأى بعد ما استرق لنفسه لمحة من صاحبة الشرفة يتغذى بها في الطريق إلى متجره، ولكنها ~~كانت إذ ذاك تنظر إليه مرتاحة إلى قسامته وجمال هندامه. فلما غاب أرادت أن تعرف من الرجل ~~قبل أن تشتغل بالحديث مع ورقة في شئونه على ألا يبدو منها كبير اهتمام بمن شغلها مرآه في ~~الحقيقة فقالت لورقة: من هذا الذي حرمنا بعض حرية لقائك بما لك عندنا من المحبة والحنو؟ ~~قال: شكرا لسيدتي على هذا اللقاء الأوفى. هذا صاحبي أورست الذي جاء بناقتي من أثريب بفضلك. ~~قالت: التاجر الذي ذكره كوسموس. قال: نعم بل أكبر تجار الغلال في الإسكندرية، وأحد نوابها ~~في المجلس، وكانت هرميون قد جاءت هي أيضا وجاء قوزمان هو ولمياء فقالوا له: ألا تصعد؟ اربط ~~جوادك حيث شئت واصعد. قال أريد أن أنام. هذا وقت نومي قال قوزمان مبتسما: اصعد فنم في ~~فراشي. إنه دفئ الآن جدا. ثم ضحك وقال: اصعد. اصعد. إني أريدك. انزلي فهاتيه يا لمياء. ~~فاختفت لمياء لتنزل وتأتي به، وخشي ورقة بعد ما اعتذر بأنه راغب في النوم أن يقال له: لم ~~جئت إن كنت تريد ms318 النوم؟ فقال لهم ستقولون: فيم جئت إن كان هذا وقت رقادك؟ ولكن الحقيقة أني ~~كنت موفدا إلى حبر اليهود برسالة من الأمير وأخرى إلى أندرونيكوس، ولم أطق أن أعود حتى ~~أراكم. قالوا: مرحبا. # وكانت لمياء قد بلغت مكانه فأخذته من يده وصعدت به درج الحديقة، ثم درج السلم في فسحة # 2 # البيت، وهي تحادثه في غير ما في نفسها إلا أنها قالت: أرى هذه الملابس أليق بك ~~من ذلك الثوب الأسود الذي كنت تلبسه في الصحراء. قال ورقة مبتسما: كنت ألبسه حدادا على ~~نفسي كما يفعل أهل هذه البلاد. أما الآن ... فأغضت لمياء طرفها مبتسمة في خفر ود لو يلتهمه ~~بالتهامها، وكان في تلك الأثناء ينظر إليها بعين السعادة التي في الدنيا كلها لولا لمحة ~~كانت وراء تلك السعادة لم تخف عنها، ولكنها كانت قد لقيت أهلها عند السلم فتركته لهم. هناك ~~فتح الشيخ ذراعيه فتلقاه بينهما وقبله، وهو يقول له بصوت الأب الشاكر لله فضله عليه: ~~مرحبا بزوج لمياء! وكانت كلمة منتزعة من قلب مفعم بالحنو والرضا والإعزاز، فانحنى ورقة ~~مغرورق العين يقبل يده حين كانت هيلانة وهرميون واقفتين والدموع في عيونهما فرحا به وسعادة ~~بأنه أصبح لهم جميعا. ثم سلمتا عليه فانحنى على يد هرميون يقبلها فقبلته في عارضه قبلة ~~الأم. أما هيلانة فجالت في المجلس مرحبة ومتكلمة بما جعل الموقف هينا، وأما لمياء فاختفت ~~إذ ذاك؛ لتخفي بعض عبرات لم تقو على كبحها، وظلت بعيدة عنهم حتى حين. # الفصل الثالث والأربعون # | القديس الأناني # ذهب أهل بيت قوزمان بلمياء إلى القصر؛ ليلقوا الأمير طوعا لمشيئته، واستعدادا للنزول ~~على إرادته، وكانت هيلانة أشد الذاهبين فرحا بما هم في صدده. أما هرميون فكانت على ما ترى ~~من أن ورقة أليق الشباب بابنتها وأحبهم إليها، تشعر بأن سعادتها ينقصها شيء؛ لتوصف ~~بالسعادة التامة من غير مبالغة. كانت تذكر الحارث زوجها الطيب المفعم القلب بالمحبة لها، ~~والذي دل على صفاء معين نفسه بما ذكر في صومعة الأسقف من عواطف بر كان ينضج ms319 بها قلبه، ~~وما بدا منه من تمام الرعاية لها، والعناية بها حيث تنقل، وبما رضي أن ينزل عن أملاكه كلها ~~في الإسكندرية ومريوط إكراما لها ومغالاة بها، فتأسف في نفسها؛ لأنها ذاهبة باختيارها إلى ~~قصر الأمير لتشهد بعينها، وتقر بلسانها زواجا تعلم حق العلم أن الحارث لا يرتاح إليه تمام ~~الارتياح، وإن كان في ذاته صوابا كل الصواب، ومغنما لها ولابنتها كل مغنم؛ لأن الحارث كان ~~على فرط حبه لورقة وثقته به، وقوله لها إنه المثل الأكمل في الرجولة والفضيلة - يتحسر على ~~أنه لا يملك أن يزوجه ابنته؛ لأنه ليس ثقفيا ولا قرشيا، ولا من بيت من بيوت السيادة في ~~العرب. نعم، إن هذا السبب غير وجيه إذا ووجه بالحق من أمر ورقة الذي لم يبالغ أبوها فيما ~~وصفه به لنيقتاس من أنه قديس وفيما تعلم هي وهيلانة ونيقتاس، بله لمياء وكل من اتصل به من ~~أنه الفتى النقي الذي لا يستطيع القلب مهما كان غفلا أو كان مريضا إلا أن يتلقاه بالترحاب ~~والحنو والإعجاب والإجلال، ولكن المسألة عرف، والحارث يعيش من عربيته في جو له كغيره من عرف ~~الشعوب الأخرى خصائص وأعاجيب؛ كأن يزوجوا لمياء الزهرة الهيلنية الموطنة بجلف من أجلاف بني ~~عبد الدار، ويأبوها على ورقة الكامل المهذب؛ لكيلا يقال زوج الحارث بن كلدة الثقفي ابنته من ~~ابن النجار الذي كان يعيش على فضل أبناء عبد الدار وأمثالهم من بيوتات مكة. على أن هرميون لا ترى من حقها أن تقول له: لكل قاعدة استثناء، وورقة ممن يجب أن يوضع لهم ~~عرف خاص. فهي إذا جاءت اليوم إلى قصر الأمير؛ لتزويج ابنتها فلن تكون فرحتها على شدتها ~~كاملة خالصة. إن لزوجها عليها حقوقا حتى ولو كانت بعيدة عنه كل هذا البعد، مقطوعة عنه هذا ~~الانقطاع. بل لو كانت مطلقة منه ما نقصته هذه الحقوق. # بلغوا القصر في المساء، ونزلوا بيت هيلانة، وسألوا عن ورقة فقيل مع الأمير، وإن الأمير مع ~~يوحنا الرحوم بطريق الروم الجليل، وإن هناك اجتماعا حربيا ms320 عظيما؛ للتذاكر فيما هم فيه ~~من شئون الدفاع عن الإسكندرية مع الاستمرار على معونة هرقل، وإمداده بالغلال؛ لإطعام الجيوش ~~المدافعة عن القسطنطينية . فقد كان جل اعتماد هرقل ورجال الإمبراطورية على ما يرد إليهم من مصر # 1 # ولذلك انتظر قوزمان حتى ينفض المجلس. # انتهى المجلس إلى أنه لا خوف على الإسكندرية من ناحية الفرس، فهي تقوى على الحصار ما شاء ~~الله، وإنما الخوف من ناحية أهلها أنفسهم والروم معهم إذا نفدت المئونة أو شعروا بقلتها؛ ~~لأن ما فيها من الغلال إنما يكفي أهلها بضعة أشهر بشرط أن ينقطعوا عما كان عليهم إرساله كل ~~شهر إلى القسطنطينية فإذا أراد الإمبراطور أن يستمروا في الدفاع عنها بعد ذلك فيجب أن يبحث ~~في لمبارديا # 2 # وبلاد داسيا وولاخيا # 3 # عن مورد من القمح يرسل تباعا إلى الإسكندرية ردا لما أخذت القسطنطينية منها، ~~وأنه يجب عليهم أن يبادروا فيرسلوا إلى الإمبراطور رسالة بالواقع فإن أبى إلا أن يستنزف ~~غلال مصر على العادة فقد أعذروا. # من الذي يرسلونه في هذه المهمة الخطيرة؟ أورست أكبر تجار الغلال في الإسكندرية، وأعرف ~~الناس بإحصائيات المخزون والمدخر، وعضو مجلس المدينة الذي يستطيع أن يتكلم باسمها كما تكلم ~~من قبل، على أن يرافقه الحارس الأول للأمير: ورقة، وعذرهم من هذا الجمع أن نيقتاس لم يكن ~~حسن الظن بأورست، وقد سبق له أن اتهمه بالتشيع للإمبراطور فوقاس، ولم ينج من الاضطهاد إلا ~~بشفاعة يوحنا الرحوم نفسه، فقرنوا به ورقة؛ لأنهم يعلمون أنه موضع ثقته، ولن يقيم اعتراضا ~~على سفره، كما أنهم قدروا أن الإمبراطور سيسأل عن دخائل الأمور في عاصمة إمبراطوريته ~~الثانية، ولا بد أن يتذاكر في شئونها مع الرسول، وإذ كان ورقة مطلعا على كل شيء في ~~الإسكندرية؛ لعلاقته الدائمة بالأمير، وحضوره مجلس العسكر معه، واطلاعه على أسرار الدولة، ~~ولوقوفه على ما كان يدبره اليعاقبة واليهود من المؤامرات، ولأنه حسن المدخل لا يتهيب أن ~~يلقى البراطرة بما عودته الصحراء كما يتهيب الرومي الذي نشأ وعاش بين الواجبات والتزامات ~~أهل القصور، فهو ms321 أفضل من يرسل في هذه المهمة، ورأوا أنه يحسن أن يرسل في طلب أورست الليلة؛ ~~ليستعد للسفر، وليتعرف إلى رفيقه، قال ورقة: إنه من أصدقائي وأشد الناس ولاء للأمير ~~وللإمبراطور. قال البطريق وقد فرح لهذه الشهادة المفاجئة التي جاءت مؤيدة لحسن ظنه في ~~أورست: نعمت الشهادة يا ورقة، إن الله يرسل برهان الحق المجهول على ألسنة من ليس لهم مصلحة ~~في ترويجه. هذا أيها الأمير نيقتاس الذي وشوا لك في حقه فأبعدته عنك من غير أن تتبين. قال ~~نيقتاس رادا لهذه الشماتة: سيذهب له ورقة برضاي ويستدعيه إلي. إن خطأ ورقة - إن أخطأ ~~- أصدق عندي من برهان سواه! وكان ورقة يعرف سبب هذا الرد المؤلم للبطريق في مجلس الجيش فقد ~~كان الأمير يرى أنه يعطي لنفسه من الحقوق ما ليس له، ويتدخل في شئون الحاكم في حين أن ~~مهمته في الدنيا الصلاة والصوم وما يلحق بهما. فكان هذا الموقف معبرا عما في نفس الأمير ~~من استرابة البطريق ومقته. فسارع ورقة إلى تغيير الجو بقوله: فداء الأمير دمي ~~وحياتي. # على أن الأمير كان يشتهى ألا يفكر المجلس في حارسه الخاص، ولكنه لم يكن له بعد هذا ~~الإيضاح إلا أن يوافق. غير أنه قبل أن يقول لا بأس بذهاب ورقة مع أورست - أخذ ينظر إليه ~~مدة طويلة ذكر فيها أن سيحرم رؤيته، وقد أصبح يحبه كما لو كان ولده، وتذكر أنه وعد أن ~~يلقى اليوم لمياء ليعقد عليها، وفى السفر تأجيل لذلك، وهو ما كان يشتهي أن يذاكر فيه ورقة ~~على الفور، ولكنه لم يستطع فاكتفى بحديث العين، وكان ورقة في تلك الأثناء يفكر في بعده عن ~~لمياء ووقع هذا النبأ عليها، ولكنه وجده أخف من أن تعلم أنه على شدة هيامه بها، ورغبته في ~~أن تكون له - كان سيبدي للأمير إذا اجتمعا أنه يرى إرجاء العقد حتى تستأذن هرميون زوجها، ~~ووجد في غيبته في القسطنطينية فرصة لذهاب الرسول إلى الحارث وعودته، أو ما كان سيبدي له من ~~أن الحارث إذا قبل ms322 فمعنى قبوله أنه سيتحمل تعيير الناس من أجله، وهو ما لا يجمل به قبوله، ~~ثم طار به الفكر في أجواز الأرض فانتقل إلى بلاد العرب والنضر وقريش، وغاب وراء أجواء وادي ~~النيل، ثم عاد إلى الإسكندرية فرأى الأمير يبتسم في مواجهته كأنما يقول له ما رأيك في هذا ~~الذي لم يكن في الحسبان؟ فقال له: نعم أذهب يا مولاي، لا أجد خيرا من ذلك مخرجا. # لم يكن ورقة يريد بقوله «مخرجا» ما فهم القواد منه، فقد زعموا أنه يريد المخرج مما ~~كانوا فيه، ولذلك أثنوا عليه، وانبرى بعضهم يهونون عليه المشقة؛ فذكروا القسطنطينية ~~وجمالها، والإمبراطور وأبهته، وغبطوه على رؤية الدنيا وجلال الملك، وإذ استقر الأمر على ~~ذلك نهض الأمير فنهضوا، وودعوا بأطيب الدعاء. # خلا المكان إلا من الأمير والبطريق وورقة، وإذا بأحد الخصيان يتقدم فيبلغ ورقة أن العالم ~~قوزمان وأولاده ينتظرون دعوة الأمير للقائهم كما أمر. فالتفت نيقتاس يسأل ورقة: فيم جاء ~~الخصي؟ فقال له ورقة مبتسما وموعزا برأيه: الأستاذ قوزمان لم يعلم أنى مسافر إلى ~~القسطنطينية، وأنه يحسن قبل أن يمضي شيء أن يرسل إلى الحارث بطلب إذنه في زواج لمياء، فهو ~~يعلن مولاي بقدومه طوعا لأمره ليلة أمس. قال نيقتاس: ماذا؟ أأنت تريد إرجاء العقد على ابنة ~~الحارث حتى تعود؟ قال: قد يرى مولاي ذلك. قال: بل لا أراه، وسيتم العقد اليوم على أن ~~تتزوج بعد عودتك. سيكون ذلك أدعى إلى تعجيلك بالعودة، ولقد دعوت السيد البطريق ليبارك ~~زواجك. ثم التفت نيقتاس إلى يوحنا؛ ليكلمه في هذا الصدد. فلم يكن لورقة بعد هذا التضييق إلا ~~أن ينظر في مخرج آخر، فألهمه، ولذلك رد يقول: فضل من مولاي ونعمته، ولكنا نحن العرب لا ~~نتزوج كما يتزوج الروم يا مولاي. قال البطريق: كيف ذلك يا بني؟ فقال: إني كما يعلم مولاي ~~مسلم أدين بدين محمد بن عبد الله. قال البطريق وقد شغله اسم الرسول # صلى الله عليه وسلم # عما هم في ~~صدده: أجل سمعت بقيام رجل في بني إبراهيم يدعو ms323 إلى إله إسرائيل. أهو هذا الذي أنت على دينه؟ ~~قال ورقة: نعم يا مولاي البطريق، إنه يدعو العالمين كافة على توحيد الله لا ينكر أحدا من ~~أنبيائه، ولكنه رسول الله على الخلق أجمعين؛ ليوحدوا الله، ويسقطوا الشرك. قال البطريق: أهو ~~يؤمن بالمسيح؟ فقال: أجل على أنه # صلى الله عليه وسلم # نفخة من روح الله، وأنه عبده ورسوله بعثه رحمة ~~للعالمين. أما أنه ابن الله أو أنه إله فلا. فغاظه هذا الكلام، وسأل ورقة: وأنت تدين بهذا؟ ~~قال: وأدعو إليه يا سيدى، قال: أنت كافر يا بني بديننا فكيف نزوجك منا! قال نيقتاس: ليست ~~العروس منا أيها السيد البطريق، إن أباها مثله عربي: الحارث بن كلدة الطبيب الذي تعرفه، ~~قال: حقا، فما دخل الكنيسة إذن في هذا الزواج؟ لا هو من ديننا ولا هما من قومنا. خير له ~~أن يتزوج على ملة أهله! قال ورقة: هذا ما أردت يا مولاي، ولكن مولاي الأمير أراد أن يخصني ~~بفضله في أن أظفر بدعاء مولاي البطريق وبركته. قال: أعفني يا بني، إني لا أدرى كيف أدعو ~~لكافر بربوبية المسيح أو أبارك له زواجا. قال: ادع لي كما تدعو لجوادك. قال: ولا هذا يا ~~بني. ثم نهض على نية الخروج وورقة يقول: شكرا لمولاي البطريق إن الإنجيل يأمر أهله أن ~~يحبوا أعداءهم، وكنت أولى بمحبتك؛ لأني لست عدوا لك. قال: أنا أحبك حبا عظيما جدا، ~~ولكن الحب شيء، والدعاء لك شيء آخر. ثم مضى يحاول ستر غضبه المزدوج من نيقتاس؛ لإيوائه ~~كافرا، وما كان من رغبته في أن يعقد له على حفيدة قوزمان، وخرج بعد أن ودع وداعا صوريا ~~جافا. # عاد الأمير إلى مقره يقول لورقة: تعال خبرني ما سر هذه المداورة. أما إنك أغضبت الرجل ~~فلا يهمني. أنت تعرف أنى أكرهه، وأكره كل البطارقة والقساوسة الذين في العالم، وكذلك كل من ~~يجعل له بالدين سلطانا على الناس بالمنح والمنع والحرمان. أريد دينا لا إكليروس فيه، ولا ~~دخل لكاهن في أمور أهله. قال ورقة: هذا ms324 دين الإسلام يا مولاي، دين يقول: إن الله واحد. ~~يسوي بين الناس، ويجعل الملك في الأصلح المختار من أعيان أهله، ويصل بين الناس وبين الله ~~مباشرة بلا واسطة من قسيس أو كاهن أو بطريق، فليس له من هؤلاء أحد. ثم هو يحرم الرهبنة، ~~ويلغي الإكليروس. قال: هذا نعمة يا بني. إنه فيما أرى يزيل كل ما نشكو منه في هذه الأرض من ~~البغي والعدوان باسم الدين. إن العالم في حروب رهيبة بسبب اختلاف الدين، والإكليروس هم ~~الذين يدفعون الملوك إليها، والملوك يدفعون الشعوب المسكينة , فإذا خلصت الدنيا من سلطان ~~المتزعمين بالدين حقنت دماء الشعوب. اسمع يا ورقة: سينتشر هذا الدين الذي ذكرت لي أؤكد لك، ~~وسيكتسح كل ما سبقه من العقائد؛ لأني أراه بغية كل قلب، وإذا هيئ لك أن تجتمع بالإمبراطور # 4 # فخبره عنه كما خبرتني فسيسر له. إنه كما رويت لك مثلي: له مذهب خاص؛ فهو يكره ~~هذه الفروق بين اليعاقبة والملكانيين، ويكره الإكليروس، ولو تهيأت له الفرصة؛ لنسخهما، وأتى ~~بمذهب جديد. # 5 # ليته يأخذ بمذهب ابن عبد الله، ولكنك لم تفدني عن سر رغبتك أمس في إعفائي إياك ~~من الزواج بلمياء، ومن فرحك بالرحيل إلى القسطنطينية، وما فعلت من إغضاب الرجل عليك. إذا ~~أقنعتني ساعدتك، وإلا فلا بد لي من إتمام ما استحضرت قوزمان وبناته من أجله. قال ورقة: إن ~~الحارث بن كلدة أستاذي يحبني حبا يقل في وصفه حب الوالد ولده، وحبي إياه حب الابن ~~العارف بالجميل الذي يفتديه من أهون سوء بروحه، ولو ملك الحارث أن يزوجني من لمياء ما تردد؛ ~~بل لسعى إليه، ولكنه من سراة العرب، ويخشى المعرة أن يقال: زوج الحارث بن كلدة ابنته من ~~فتى لا نسب له. فأبي كان نجارا من أهل هذه البلدة كما علمت يا مولاي، وأمي كانت سبية، وإن ~~وفائي لأستاذي وتقديري لحاله ليمنعني من أن أستغل حب لمياء وأهلها لي، وأستعين بعظيم جاه ~~مولاي في تحقيق أمنيتي. قال نيقتاس: فإذا رضي الحارث مثلا. قال: إن رضاه ms325 يقرب مسافة الخلف، ~~ولكنه لا يجمع بيننا. قال نيقتاس: كيف ذلك؟ قال: سيكون مضحيا من أجلي، وهل يجمل بى أن أقبل ~~تضحية من أستاذي. إني إن فعلت كنت كمن يضحي بأبيه، وما أشد هذا على نفسي! قال نيقتاس: أما ~~إنك قديس يا ورقة فمما لاشك فيه، ولكنك قديس أناني. فشده ورقة وقال: أناني يا مولاي! قال ~~أجل. إنك تخشى أن تتهم نفسك أو يتهمك الناس بقبول ما تسميه تضحية من غيرك لك، وما هو كذلك ~~لأن لها عوضا عظيما من جانب آخر، وتنسى أنك تضحي بغيرك وتقتله بلا أقل رحمة ولا أقل عوض. ~~فقال ورقة: ما هذا يا سيدي؟ قال: أنت نسيت حق لمياء في هذه الملحمة. لقد حملتها على حبك. ~~قال: كلا وربى يا مولاي. قال: بلى. قد يكون حسن الأدب وكمال الخلق، ولطف المعاملة، ووسامة ~~الخلقة، والرجولة، وكل ما يجب أن يتصف به الرجل - ذنبا للرجل من حيث لا يدري. # 6 # أنت عشقتها فيك بهذا، وما هي بقديسة مثلك. هي امرأة، والمرأة هي الإنسان ~~المعقول تصرفه في هذه الحياة، الذي لا ينظر إلا إلى جانب الحق الصراح من الأمر لا الخيال ~~ولا الوهم. هي الصواب، وهى ترى أن تكون لها وتشتهيه ولا تهمها أراجيف العادات السخيفة التي ~~روجها الأنانيون لأنفسهم كبرا وادعاء وإنك لمتناقض في دينك. ألم تقل لي: إن نبيك سوى بين ~~الناس! ماذا بك من عيب؟ من أنا؟ ومن هرقل؟ ومن أكثر ملوك الأرض؟ قطاع طريق في أصلهم ونسبهم ~~وجميع أفعالهم، ولا يزالون كذلك: لصوصا وقطاع طريق. أما أنت فمن أبوين شريفين، بل من أشرف ~~أبوين. لقد ذكرت لي هيلانة قصة أبويك، ولمياء أحق منك برعاية والدها. إنما يرعى الوالد ما ~~ذكرت من أجل أولاده، وهاهي ذي ابنته تنزل عن هذا الحق من أجلك - إن كان هناك نزول- لتكون ~~لها، وأنت تأبى إلا أن تخجلها من نفسها، وتكسر قلبها؛ لتحيي قلبك وقلب الحارث. يا للأنانية ~~والجور، وإقرار المظالم! لا. لن أقر جريمة كهذي، سيكون زواجك الآن! وإن ms326 كنت مسافرا. أريد ~~أن أحفظ على لمياء قلبها، وأكافئها على حبها، وأمانتها وشجاعتها وعقلها. # ثم صفق نيقتاس، وأمر الحارس أن يرجو من السيد قوزمان وأهل بيته القدوم . فلما انصرف قال: ~~وسأكتب أنا للحارث في ذلك، وأنا الضمين لك برضاه. إنه في مكة أليس كذلك؟ قال: بل في جدة يا ~~مولاي، قال: هذا أهون، بل لماذا لا يأتي! سأرجو منه الحضور. فقال ورقة: ألا تنتظر يا مولاي ~~حتى يجيء الحارث من مكة وتحادثه. قال: لا أنتظر. لماذا أنتظر؟ إن من عادتي أن أنفذ الأمر ~~على الفور ما إن تبينت وجه الحق فيه. ثم أرى ما يجد بعد ذلك. أما الانتظار الذي يسميه بعض ~~الناس حكمة وحسن نظر، ويأتون على صوابه بألف دليل من سيئات العجلة، فاعلم أن هذه الأدلة هي ~~عقاب التلكؤ. زواجكما واجب، واجتماع قلبيكما حق، فمن العدل والحزم عقده على الفور. بل ~~التعجيل به أوجب؛ لأنه أمر غير عادي يتطلب معالجته بعمل حاسم. أما إذا أنا رضيت أن أؤجل ~~تنفيذه إلى ما بعد ورود رأي الحارث، فقد نزلت عن يقيني بصواب رأيي فيه، وأسلمت الأمر إلى ذي ~~هوى أو متورط لا يملك فضيلة الحكم متجردا. إن حكم كما حكمت أكون قد أنفقت زمنا في غير ~~طائل، وإن حكم بغير ما حكمت أكون قد امتهنت العدل بالتماسه من المتهم، وهو الحمق كله. لم ~~يبق إذن إلا أن أعقد العقد. # فانحنى ورقة يقبل يد الأمير من فرط فرحه لولا ما كان يتجاذبه من عواطف الخجل من أستاذه؛ ~~لأنه كنا يشعر كأن يأخذ شيئا من وراء صاحبه، ولكنه في الواقع كان يرى في سفره إلى ~~القسطنطينية فرصة؛ لمعرفة رأي الحارث قبل أن يعود منها، فهو إذا عقد له على لمياء كان سفره ~~وسيلة لتأجيل يوم الدخول بها حتى يرجع، فإن كان جواب الحارث بالرضا - وهو ما يرجوه - لم يعر ~~ما وراءه شيئا من همه، وإلا فما العقد بشيء عصيب وإن قطع نياط قلبه وأسلمه الأمر إلى الوجد ~~والجنون. ثم تذكر ما قاله ms327 نيقتاس من حب لمياء إياه، وأنها تؤثره على الدنيا وعلى أبيها، ~~وتؤمل فيه أن يؤثرها على نفسه وعرف قريش، وأنه بما انتوى إنما يخون ما تؤمله فيه من ~~رعايتها ولو أدى الأمر إلى شيء من التضحية، وهو شيء جديد لم يكن قد خطر له على بال، فوجف ~~قلبه وخجل منها، وأحس أنه لم يعر أمنيتها تلك شيئا من تقديره، ورأى قدر ما تفعل بإيثاره ~~حتى على رضا أبيها، وتذكر فتى نجران من بني عبد المدان، وفتى مكة من بني عبد الدار، وفتى ~~مناف ابن حاكمها، وأنها تركتهم كلهم رعيا لذكراه، فعلاه الخجل من نفسه، وصاح قلبه: بأبي ~~أنت وأمي يا لمياء، سأكون لك على الدنيا كلها. إن الحق فيما قال نيقتاس وفيما قلت بما ~~فعلت. إلي. إلي. سيبارك زواجنا سيد قريش وسيد الخلق أجمعين. فماذا يهمني من بني عبد ~~الدار وبني جمح الذين لا يزالون لحمقهم وفساد رأيهم يعبدون الأصنام! ويريدون أن ينحروا ~~أمثالنا على قدمي وثن من عرفهم الممقوت، كما ينحرون البدن على الأنصاب الصماء.إلي. إلي. ~~إن الله يبارك لنا، والراشدون شهود على الحق فيما نحن في صدده، فماذا يهمنا من ~~السفهاء! # مرت هذه الأخيلة كلها حين كان ورقة يلمس أصابع سيده الحكيم يقبلها شكرا له على براهين ~~بره الشديد وحبه إياه، فقبلها مرة أخرى، وكانت قبلته في الثانية طويلة، وذلك حين كان ~~قوزمان وهرميون وهيلانة ولمياء داخلين، وأدرك نيقتاس سر هذه القبلة الثانية الطويلة، وكانت ~~عينه قد لمحت لمياء فيما لمح، ورأى زهرة أنضر من زهرات الربيع تخطر على بساط القاعة خطرة ~~مائسة، فملكته هزة الحبور بأنه أنفق جهدا في محله، وأن عمله كان صوابا من جميع النواحي؛ ~~لأن ورقة كان على كمال رجولته حسن الخلقة فمزج نيقتاس تحيته للقادمين بما كان فيه من ~~الحديث، وقال يحادث لمياء: انظري يا لمياء، لقد جعلت من هذا القديس رجلا مثلنا؛ ليعرف كيف ~~يقدر هذا الحسن، وهذه الرقة. ثم تقدم إليهم وسلم عليهم، وانبرى أهل لمياء يشكرون الوالي ~~بالدعاء، وكانت هيلانة ms328 أفصحهم في ذلك قولا، ولما جاء دور لمياء ومدت يدها للسلام وانحنت لم ~~يترك نيقتاس يدها، بل قال للجميع مازحا: لم يشأ ورقة أن يعقد له أبونا البطريق يوحنا ~~الرحوم نفسه، الذي يتصرف وهو في الإسكندرية في ملكوت السموات والأرض، وبالأحرى لم يشأ ~~البطريق نفسه أن يتولى هذا العقد؛ لأنه علم أن ورقة يؤمن بإله واحد لم يلد ولم يولد! ولذلك ~~عزمت على أن أزوجهما أنا بما لي من حق الولاية على الناس، والزواج مسالة دنيوية خالصة، لا ~~يصح أن يتدخل فيها الإكليروس بتاتا. هي أمر يترتب عليه حقوق والتزامات وواجبات ومواريث. ~~فما شأن أهل الكنيسة في ذلك! ألا ترى ذلك يا قوزمان؟ قال: ما عجبت لشيء عجبي أن يتدخل أهل ~~الآخرة في شئون أهل الدنيا، وسكوتنا نحن أهل الدنيا عن ذلك. كان يجب أن يكون أمر الزواج في ~~يد الشرطة لا الكنيسة. هذا افتئات على الحقوق، وتفريط من ولاة أمر الناس في حقوق الناس، ~~وقالت هرميون: إنهم في بلادهم يعقدون الزواج بأهون من هذا: بالقبول وحده، ولكنهم يعلنونه ~~بما لديهم من وسائل الإعلان: بالدعوة إلى وليمة، أو الاحتفال بالزفاف. قال نيقتاس: وأنتم ~~راضون بذلك؟ قالوا: كل الرضا. قال: وأمها؟ قال قوزمان: إن لها وحدها حق الولاية عليها في ~~الزواج؛ هذا شرط شرطناه على زوجها يوم زوجناه منها، وإليك صك ذلك، فتناوله الأمير وقرأه، ثم ~~التفت إلى ورقة، وقال: ففيم إذن ما كنت فيه؟ قال: إن مولاتي لتعلم سري، وهي على ما ترى ما ~~كانت تريد أن تصدر إلا عن البر بزوجها قال: هذا من أمرها، أما اليوم وهذا الصك معنا فقد ~~عدونا ذلك. أأنت راضية عن هذا الزواج يا هرميون؟ قالت: أما عن نفسي فكل الرضا، وأما ... قال ~~نيقتاس مقاطعا: لا يهمني ما وراء ذلك؛ لأن في يدي صكا بحقك، فلم يبق إلا لمياء، ثم ابتسم ~~وقال: هل هي راضية؟ فأجابوا: نعم. قال: أريد أن أسمع صوتها فلا بد أن يكون جميلا كوجهها، ~~فابتسمت لمياء حياء، وحرضتها هيلانة وقوزمان ms329 أن تقول نعم. فقالتها في النهاية. فقال ~~نيقتاس: صدق حدسي، ثم التفت إلى ورقة وقال: وأنت أيها القديس؟ قال: نزلت عن قداستي يا ~~مولاي، إنى كما تشاء لي. قال: أشاء لك أن تكون زوجا للمياء وأخا وصديقا ووليا أمينا. ~~هات يدك. فلما تناولها جمعها إلى يد لمياء، وقال: لقد تحاببتما زمانا طويلا حب نقاء ~~وتقى، ورجولة صحيحة وأنوثة مطهرة، وتمنى كل منكما أن يكون زوجا لصاحبه، ورفيقا في الحياة ~~الدنيا على سنة الولاء والتعاون والرعاية الخالصة. فليكن ما أردتما برضاكما ورضا من لهم ~~الولاية في أمركما، وأنتما من هذه اللحظة زوجان. فركع العروسان يقبلان يده فقبلهما معا ~~وبارك عليهما، ثم قال: سأكتب لكل منكما وثيقة تختم بخاتم القصر، وتمهر بإمضائي، ويشهد عليها ~~الحاضرون، وسأكتب لك يا ورقة وثيقة أخرى أرفع بها رتبتك درجة حتى تلقى الإمبراطور في ~~القسطنطينية برتبة أعلى، وأخرى بتمليكك عقارا في الإسكندرية هدية منى إليك لعرسك بعد ~~عودتك، وأنت منذ اليوم إلى حين سفرك في إجازة تقضيها بجوار لمياء. فركع ورقة ولمياء شكرا ~~للأمير، وتناولا يده يقبلانها فقبلهما نيقتاس وبارك عليهما. حين كانت تبكي هرميون وهيلانة ~~بل وقوزمان؛ لفرط مسرتهم، وتأثرهم بفضل الأمير، وشكروه على هذا البر، وتأثر الأمير لهذا ~~المشهد، وخطا متراجعا وهو يقول: لو كانت معركة من معاركنا مع الفرس ما أجهدت نفسي هذا ~~الإجهاد. أف للقديسين والقديسات! # فضحك قوزمان لهذه الملاحظة، وضحك ورقة والأختان معه؛ لأنه كان يعلم أنه يشير بها إلى تردد ~~ورقة في إنفاذ مشيئته. كما أنه كان يعلم أن نيقتاس رجل له مذهب خاص في الدين لولا تملكه منه ~~ما تم زواج ورقة بلمياء. # على أن الأمير كان يشير أيضا إلى رفض البطريق أن تكون له يد في هذا الزواج ما دام ورقة ~~كافرا بربوبية المسيح، ولذلك تساءل: خبروني بربكم أليس هذا التزويج أكرم وأصح؟ فقال ورقة: ~~هو ما يفعله العرب يا مولاي، ويكفي في الإسلام قبول الطرفين، والشهود للإعلان، والكتابة ~~للإثبات. قال: سأزيد على الوثائق أن زواجكما على سنة الإسلام ms330 إذن، ثم توجه إلى لمياء ~~مسائلا في غير حاجة إلى علم: هل أنت مسلمة يا لمياء؟ قالت ولم تتردد: أجل، والحمد لله يا ~~مولاي. فشده الحاضرون لذلك، وقالت أمها: متى كان ذلك يا بنية؟ قالت: منذ أحببت ورقة. فقال ~~ورقة: ولا أدري! فضحك نيقتاس وضحك الحاضرون معه، وقال نيقتاس: واشهدوا يا شهود العرس أنني ~~أنا أيضا اليوم على يد ورقة من حيث لا يدري. إنه قديس حقيقة. ثم نهض الأمير وانصرف؛ ليترك ~~للأهل والعروسين فرصة النعيم بعشية العرس. # الفصل الرابع والأربعون # | على هامش الحوادث # خلا ورقة بأهله فهنئوه وقبلوه جميعا وقبلهم، وكان أول ما تساءلوا عنه حكاية سفره إلى ~~القسطنطينية فذكر سببها بقدر ما يجمل به ذكره من أسرار الدولة لغير أهلها. فأسفوا لفراقه ~~هذا القريب، ولكن هيلانة تدخلت في الأمر تهون فراقه فقالت: إن السعادة التي نلناها الليلة ~~أكثر من حقنا فلنجعل الزيادة عوضا من ألمنا لغيبة ورقة، ولنحتفل الليلة بما نلنا من ~~السعادة التي لم نكن ننتظرها، لقد تغلبنا على هرميون وورقة معا، وهذا أكبر شيء. هلموا بنا ~~إلى داري. قال قوزمان: بل إلى دارنا. نحن هناك أكثر حرية، وانصرفوا على ذلك. # وفيما هم في الطريق تذكر ورقة أن مجلس الجيش كلفه أن يلقى أورست في ليلته وينهي إليه قرار ~~سفره، ولا بد من تنفيذ ذلك، ولكنه لم يقو على فراق لمياء في هذه الساعة السعيدة؛ لتأدية ~~هذه المهمة، وخطر له أن يؤجلها إلى غده، ولكنه كذلك لم يقو على مخالفة الأمر، ورأى أن ~~يستفتي قوزمان حينما وصلوا إلى دارهم، فأشار عليه أن يدعوه إليه، وأقرته هيلانة على هذا ~~الرأي مشددة. فأرسل ورقة إليه رسالة رقيقة مع حارس البستان، ولم يكن هذا يجهل بيته؛ إذ كان ~~في حدود بيت قوزمان فذهب إليه. # قضى الجمع ساعة من أطيب ساعات حياتهم كان ورقة في غضونها يكلم لمياء بنظراته وابتساماته ~~التي كان يتلو فيها قصة حبه لها، ويذكر ما لقي من أجلها من أخيها النضر حتى صاحت هرميون: ~~لعل من أسباب ms331 رضاي بتعجيل العقد رغبتي في أن يبلغ الخبر أذنيه فيصمهما، ولكن هيهات! كيف ~~ترسل إليه الخبر؟ لم يعد هذا ممكنا والفرس يحاصروننا، ويسدون علينا الوادي. قال : بل هو ما ~~سيحدث غدا يا مولاتي، فاعترض الجمع على هذه التسمية، وقالوا: أحب النداء إليها الآن أن ~~تقول لها: يا أمي. فابتسم ورقة وقال: لقد كان القلب يحدثني أني منها كذلك حتى حين قطعت ~~الأمل، وعملت من ناحيتي على سد كل سبيل. لقد كنت على حق يومئذ، ولكني لم أكن على حق هنا. ~~ألا ليبارك الله في مولاي الأمير وليجعلني فداه؛ لقد بصرني بما أعماني عنه اطراد الأمر. إنه ~~سيرسل رسولا خاصا إلى مولاي الحارث في جدة أو في مكة، ولن يعدم الرسول وسيلة لبلوغ تلك ~~الديار العزيزة، وسأحمله رسائل إلى باقوم وأمي، وإلى مولاي رسول الله؛ ليبارك زواجنا ويدعو ~~لنا. فتأوهت هرميون وقالت: كنت أحب أن أرسل إلى الحارث رسالة، ولكنى لا أدري كيف أجرؤ على ~~ذلك بعد أن كتبنا له كلنا رسائل نستعطفه فيها ونرجو دعاءه، ونلتمس منه الحضور إلينا، فلم ~~يرد علينا، واستمر في غضبه علي؛ لتركي إياه في مكة عندما فررت بلمياء من أذى النضر. قال ~~ورقة: وهل جاءنا خبر أنه تسلم الرسائل؟ قالت: لم يصلني شيء، ولكن الرسول الذي حملها كان من ~~البر بنا في أول مرة بحيث لا أشك في أنه سلمها إليه كما سلم الأولى، ولو أنه استعصى عليه ~~تسليمه إياها ما فاته أن يكتب إلي كما فعل أول مرة. قال قوزمان: إنما كتبت الرسائل يوم ~~تركنا منف فهو إذا كان قد سافر بها فما كان يملك أن يعود برد أو خبر؛ لأن حال الطريق اليوم ~~غيرها بالأمس، أو لعله أرسلها إلى منف فبقيت هناك، ولم تهتم نيفرت بها انتقاما منا جميعا. ~~لا، ليس هذا برهانا. إن الرسائل في أيام الحروب والحصار لا يسهل وصولها إلى أربابها. ترى ~~كيف يرحل إليه رسول الأمير؟ قال ورقة: لعله سيسير بالبحر إلى كانوب، ثم ينحدر في النيل أو ~~في ms332 الصحراء كيفما شاء. إن هؤلاء الرسل أدرى بوسائل تأدية الرسائل. سيخبره الأمير في رسالته ~~بما فعل، ثم ابتسم وقال: وسيحمل الوزر كله عنى وعن لمياء وسيدتي الأم! فضحكت هيلانة قائلة: ~~الحمد لله على أنه لن يلقي شيئا من الوزر علي. فقال أبوها: بل الوزر وحقك وزرك فيما كان. ~~قالت هيلانة: إن كان وزرا. قال: بلى. بلى. زعمت ذكاءك يعرف قصدي يا بنيتي، فقالت: لقد كان ~~ذكائي مشغولا عن هذا التفسير بأن لك في هذا الوزر نصيبا كبيرا يا أبتي، فضحك الجمع لهذا، ~~واستمرت هيلانة في كلامها: لقد قلت للأمير إنه قديس. قال وهو يمزح مغالطا هيلانة كما ~~غالطته: أجل، ولكن ليس معنى هذا أن أعطي القديس حفيدتي، فالقديسون لا يتزوجون، قال الجمع: ~~وي يا أبي، أأنت غير راض عن زواج ورقة. قال: من قال هذا؟ قالوا: أنت تقول هذا، قال: لا. ما ~~كان ورقة ليتزوج لو ظل على قداسته. أما وقد نزل قليلا، وأصبح مثلنا نحن الناس فقد أصبحت ~~لمياء صالحة له؛ فضحك الجمع لهذه المغالطة الإغريقية التي اعتاد العلماء أن يمزحوا بها مع ~~الناس، وقالت هيلانة: صلحا يا أبي، لست من أهل الجدل مثلك، ونهضت هيلانة تقبله، وإذا بحارس ~~البستان يؤذنهم بمجيء أورست، وهم ورقة بالنزول إليه، ولكن هيلانة تساءلت: ألا يصح أن ندعو ~~رجلا عظيما كهذا إلى الطابق الأعلى؟ إنه من رجال المجلس فيما علمت من ورقة، والواقع أن ~~ورقة لم يخبرها إلا بأنه أكبر تجار الغلال في المدينة ومن كبار أغنيائها، ولكنها شغلت به ~~منذ كان مارا بباب دار أبيها ساعة لقيت ورقة، وأردات أن تعرف ظاهره وباطنه، فلما لقيت ~~أباها قبل أن يصعد ورقة إليها روت له أن ورقة جاء، وأنه مع رجل يدعى أورست، وسألته في غضون ~~الحديث عمن يكون أورست هذا؟ لتعرف عنه شيئا أكثر، فأخبرها أنه من أعضاء المجلس، واليوم ~~نسيت من القائل لها ذلك منهما، وعزت القول إلى ورقة، ثم تنبهت إلى خطئها فعلاها شيء خفيف من ~~الخجل؛ لأنها لم تكن تريد ms333 أن يفتضح لها سر، ولحظه ورقة حين كان ينظر إليها. على أن أباها ~~أنقذ الموقف بقوله: إني أعرف الرجل حق المعرفة، ولا أرى بأسا من صعوده إلا أن يكون ورقة ... ~~فقال ورقة وقد رأى رغبة هيلانة في الالتقاء بالرجل الوسيم الذي شاهدته من شرفة المنزل، حين ~~اقترحت دعوته، وحين اقترحت صعوده: لا أرى في ذلك بأسا. إنه رجل عظيم، وأنا أحبه وإن كانت ~~صداقتنا وليدة السيف. # جيء بأورست، وكان إذ ذاك في لباس فاخر كأنه شعر أن سيلقى هيلانة التي رآها في شرفة البيت ~~وهام بها فؤاده، فاستعد لهذا اللقاء بما يجب له؛ وقابله الجميع بالترحاب العظيم، وكانوا ~~جميعا في ذلك الملبس الكريم الذي استعدوا فيه للقاء الأمير بمناسبة زواج ابنتهم، ولما يمض ~~عليه وقت يذكر، وورقة في لباسه العسكري الجميل. فكان الحفل بالغا حد الكمال والروعة، ~~واتخذت هيلانة لنفسها صفة الزعامة في المنزل، وساعدها هذا على الحركة والكلام، وتحية الضيف ~~بالقدر الواجب، وتمكنت من إبداء قدرتها الساحرة الكمينة فيها حتى كادت الأربعون من سني حياة ~~الرجل تزول، ولا يبقى إلا سبع سنوات يتكلم أورست بلسانها، ويرجو بقلبها، وكادت هذه السنوات ~~السبع تزول منها أربع أيضا عندما طلبت إليه هيلانة أن يهنئ صاحبه؛ إذ عقد له الأمير على ~~لمياء. فنهض أورست يهنئ ورقة، وتجاوز التهنئة بالسلام والقول إلى العناق والتقبيل، ولم يفت ~~هيلانة معنى هذا، فقد كانت تتأمل كل همزة من همزات نفسه في صوته أو في يديه أو في بدنه، وهى ~~مجدة في توجيه عيني الرجل وقلبه وحسه كله إلى حيث تريد. فلما انصرف إلى لمياء يهنئها بدرت ~~منه كلمة عرفت منها هيلانة أنها بلغت مرادها فألقت عصاها واستقرت. قال أورست: أما إنك يا ~~ورقة موفق فهذا ما لا شك فيه. إن من يظفر بكريمة من بيت قوزمان أشرف رجل في الإسكندرية ~~وأحبهم إلى أهلها جدير ألا يعد أيامه من هذه الدنيا؛ بل من حياة السعادة الأبدية الخالدة ~~أسلفت إليه. هنيئا لك يا ورقة ما وفقت إليه، فشكره ورقة ms334 على تهنئته، وشكره قوزمان على تحيته ~~وحمد الله، وعملت هيلانة على ترك المجلس للرجلين فكان ما أرادت؛ فذكر ورقة لأورست مهمته، ~~وما كلف به من السفر معه إلى القسطنطينية؛ للقاء الإمبراطور. فقال أورست وقد فوجئ: كنت ~~أريد أن أقول لك إنه لولا أني أسافر معك ما رضيت. قال ورقة: والآن؟ قال: أريد أن أقول لا ~~أسافر ولو كنت معي، ثم ضحك. قال ورقة: ويحي! لماذا؟ قال أورست: هل لي أن ألقاك غدا؟ بل أنت ~~قبلت دعوتي يا صاحبي فأنا في انتظارك. قال ورقة: لم يعد لي أن أثبت على وعدي حتى تقول لي ~~لماذا تريد أن تلقاني غدا ولا تلقاني الليلة؟ والله يا أورست ما هون علي فراق زوجتي إلا ~~أنك مرافقي. فقال أورست: إما إن نتساوى في ذلك أو فلا؟ أنا أيضا أريد أن تكون لي زوجة؛ ~~لأقول لك عنا كما قلت لي: «والله ما هون علي فراق زوجتي إلا أنك مرافقي» قال ورقة: ألست ~~متزوجا يا أورست في هذه السن! قال: كانت لي زوجة منذ عشر سنين، ثم غلبني عليها الغلاب، ~~فإن شئت أن أرافقك فسر بأمنيتي إلى قوزمان وحققها لي: إنى أحببت هيلانة منذ ما وقعت عيني ~~عليها هذا الصباح، ورأيتها الليلة فتنة للعين والقلب معا، وقد علمت أنها أيم فلا محظور من ~~زواجنا. قال ورقة: لا بد من رضا الأمير فوق رضاها ورضا أبيها. قال أورست: كل هذا عليك. هذا ~~شرط لسفري، وإلا فاذهب أنت وحدك. قال ورقة: سأمضي في ذلك وسأجيئك غدا بالجواب، وأرجو أن ~~أوفق؛ فارتاح أورست إلى ذلك وشكره وقبله، وكانت هيلانة قد عادت هي وأبوها، وسمعت هرميون ~~ولمياء جمل التوديع فحضرتا؛ لتوديع الضيف الصديق ورقة. # فلما زايل المنزل، واجتمع ورقة بهرميون خبرها بأمنية أورست فارتاحت إليها وسرت، وكلمت ~~أختها في ذلك على الفور، وما كانت في حاجة إلى السؤال في أمر دبرته هي. على أنها تظاهرت ~~بأنها تترك كلمتها لأبيها، ورأى أبوها الخير فيما كان ... وكان نبأ ورقة لأورست ثاني يوم ~~عظيما، ms335 وذهب قوزمان يستأذن نيقتاس في الأمر فأذن، وكانت ليلة أخرى سعيدة إلا أنهما أجلا ~~يوم الزفاف إلى حين عودتهما من القسطنطينية. # نتركهما إذن يسافران إلى القسطنطينية ، ويشهدان سوء حالها في الباطن والظاهر؛ بما كان بين ~~سراتها وقادتها من التنازع، وشاه وزر الفارسي رابض قبالتهم بجحافله في انتظار الساعة ~~الصالحة للانقضاض عليهم - ثم يلقيان الإمبراطور بعد قضائهما شهر في انتظار الإذن، ويلقيان ~~إليه مهمتهما، ويتحادثان في شئون مصر والإسكندرية فيزداد الإمبراطور غما وحزنا، ولكن ~~ورقة يملأ نفسه نشاطا وأملا بقوله: يا مولاي، إن رسول الله محمد بن عبد الله أوحي إليه ~~أن الروم سيعودون فيغلبون. قال الله تعالى على لسان نبيه # غلبت ~~الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون * في بضع سنين # فلم يبق لمولاي الإمبراطور إلا ~~أن يؤمل الخير، ويرجو ذلك اليوم القريب. فقال هرقل: أما والله يا ورقة لو تمت نبوءة نبيك ~~لأعلنن إيماني به، وليكونن لي معه شأن جميل، ولقد أراد الرجلان أن يعودا إلى الإسكندرية ~~على إثر أداء مهمتهما، ولكن الإمبراطور كان قد أنس بهما فاستمهلهما إلى لقاء آخر. غير أن ~~الإمبراطور شغل عنهما، وكانا كلما أرسلا يلتمسان لقاءه لم تبلغه خاصته ملتمسهما استهانة ~~بهما من ناحية وبالأمير نيقتاس من ناحية أخرى. حتى مضى عليهما في المدينة ثلاثة أشهر، ~~وقدر ورقة أن هذا المنع مقصود به النكاية من رجال القصر في نيقتاس، فاضطر إلى أن يتصدى ~~لموكب الإمبراطور وهو ذاهب للصلاة يوم الأحد، وكاد الحرس يقتلونه ظنا أنه أحد من جاءهم ~~الخبر بتآمرهم على الإمبراطور، ولكن ورقة دافع عن نفسه حتى لمحه الإمبراطور ومنعهم عنه، ~~وتعجب كيف لم يرجع إلى مصر حتى ذلك اليوم، وإذ قال له إنه انتظر طوعا لأمره، وأنه التمس ~~لقاءه غير مرة - علم أن حاشيته كذبته حين قالت: إنه عاد هو وأورست إلى مصر، فاعتذر إلى ورقة ~~بما وسعه، وترضاه بأن عينه حارس شرف في فرقته، وعين أورست عضو شرف في المجلس الخاص بهما، ~~ثم حملهما رسائل سرية إلى نيقتاس، وودعهما ms336 أكرم وداع. # الفصل الخامس والأربعون # | شفاعة الحب # جاءت رسالة قوزمان وبنتيه إلى بيت الحارث مع نفس صاحب السفينة الذي جاء بالرسالة الأولى. ~~فقد استطاع في تلك المدة أن يعد وسقا جديدا من خيرات مصر؛ ليبيعه في بلاد العرب، وكان ~~الحارث قد زايلته الحمى، واسترد شيئا من العافية والقدرة على مقابلة الناس، ولكنه لم يتسلم ~~الرسالة، بل تسلمها ولده النضر على غير علم من أبيه، وفضها وأعادها إلى صاحب السفينة؛ ~~ليقرأها له ليعرف ما فيها إذ كانت كلها بالرومية حتى رسالة لمياء، وإذ وجد أن هرميون تعلنه ~~بعدولها عما كانت قد رضيت بإنفاذه من زواج لمياء بدميان، وتعتذر إليه من خطئها حتى مع ~~تعليقها الأمر على شرط قبوله، ثم تترضى زوجها، وتطلب إليه العفو عنها؛ لما سببت له من ~~الحزن الذي برح به، وتبدي له تمنيها لو كانت معه في جدة؛ لتقوم على خدمته، ووجد أن لمياء ~~تغمر والدها بفيض من المحبة والدموع، وقوزمان يدعوه إلى الإسكندرية ويهون عليه الأمر، إذ ~~يذكر أنه لا خوف عليهم من الفرس؛ لأن في مقدروهم أن يركبوا البحر إلى ما وراءها إلى قيرين ~~(برقة) أو غيرها، خشي النضر أن يتأثر أبوه برجائهم فيرحل إليهم في الإسكندرية، وتكون هرميون ~~قد انتصرت عليه، فعزم على ألا يطلع أباه على الرسالة، ولا أن يعلمه على الأقل بعدول هرميون ~~عن تزويج ابنته؛ مقتا منه لهرميون، واستبقاء لوجد أبيه عليها ولو آذاه هذا الوجد، وكاشف ~~أخته قتيلة بذلك - وكانت قد حضرت من الطائف للقيام بشئون أبيها في مرضه - معتذرا بأن حالة ~~أبيها لا تسمح أن تهزه عواطف عنيفة تبعثها عواطف شوق الابنة وعبارات ترضي الزوجة، وحذر أخته ~~أن تفاتح أباها في شيء من ذلك؛ لئلا يطلب إليه الرسالة، وهو لا يريد أن يطلعه عليها، ولكن ~~قتيلة كانت أرق قلبا من أخيها، وأرعى لأبيها، فإنها رأته كثير التفكير كثير الزفرات ~~فأدركت أنه يفكر في امرأته وابنته، وأنه في ضيق لما قدر من أن يكون السهم نفذ فتزوجت لمياء ~~من دميان، وثبت ms337 لها هذا من هذيانه في نومه، وخشيت أن تعاوده الحمى، أو يصيبه الجنون وهو ~~قريب ممن يكون في مثل حاله، فلم تعد ترى رأي أخيها النضر من صلاحية كتمان الأمر عن أبيها، ~~وإن كانت تعلم أن النضر لم يرد هذا وحده؛ بل أراد أن يمنع عودة الصلة القلبية بين أبيه ~~وامرأته الرومية وابنته منها، وعزمت قتيلة على تسرية همه بإفضائها إليه بما يسره، ولكن لم ~~تجد الوقت المناسب للحديث معه في ذلك، حتى أفاق والدها ذات صباح، وجلس يستقبل الشمس تملأ ~~غرفته وتنعش النفس - وقال لها: يا ليتني تخذت جدة مقاما لهرميون! إذن لم يكن حدث ما حدث! ~~فوجدت قتيلة في ذلك الوقت المناسب، وقالت: الحمد لله يا أبي على أن امرأتك نزلت على إرادتك ~~فلم تزوج لمياء من ابن عمتها. # فالتفت الحارث إليها يسائلها بنظارته في شيء من الدهشة، وقال: أنا لم أتمكن من أن أرسل ~~إليها رد رسالتها حتى يكون لي لديها إرادة تنزل عليها أو تعلو. قالت قتيلة: بلى يا أبي، كان ~~ما خططته في مطلع رسالتك كافيا للدلالة على رفضك، فأرسله أخي مع صاحب السفينة الذي جاءك ~~برسالتها، وأبدى له أخي أن من أسباب مرضك ما أصابك من الحزن لما علمت. قال: لقد أحسن صنعا. ~~قالت: ولقد عاد صاحب السفينة منذ أيام بما يفيد انتهاء الأمر إلى القطع، وسافرت لمياء ~~وهرميون وجدها إلى الإسكندرية. هكذا علم صاحب السفينة من رسول القصر الذي كان أتى له ~~بالرسالة من عيذاب، ولكن أخي لم يشأ أن يفاجئك بهذا الخبر السار، حتى تقوى على احتماله، ~~ولقد رأيت العافية في وجهك هذا الصباح فأنهيته إليك. قال الحارث وقد أشرق شيء من النور في ~~وجهه الحسن: الحمد لله يا بنيتي، ليس لي على شكره يدان. لم أجد وحقك فيمن رأيت من الشباب في ~~بلاد الله فتى تحتقره العين وتمجه النفس كهذا الفتى دميان الذي كانوا يريدون تزويج لمياء ~~منه؛ مخنث مغرم بالنساء! تأملي في هذا. هذا أسوا صنف في الرجال. ألم يرسلوا ms338 معه رسالة؟ ~~فحارت قتيلة بم تجيب، وأخوها قد حذرها، ولكنها لم تجد غير الصدق وسيلة قائلة لنفسها: ~~أأرعى أخي على باطل ولا أرعى أبي على حق ؟ ولكنها مع ذلك تلطفت فقالت: بلى، ولكنك كنت ضعيفا ~~لما جاء بها صاحب السفينة، ولم تكن تملك أن تقرأ، ولا كان من المستحسن أن تشغل بها، ~~فأبقاها أخي معه حتى تقوى. عسى أن يعود اليوم من مكة! على أن النضر لم يعد إلى جدة قبل ~~أيام. فلما جاء تلقته أخته بما جرى ليتدبر فغضب عليها وأنبها، وكان النضر قد مزق ~~الرسالة في بعض أحوال نزقة وألقاها. فلما سأله أبوه عنها ادعى أنه لا يدري أين هي؟ وأنه ~~يرجح أنها سقطت منه في الطريق إلى مكة، وأراد أن يلهي أباه عنها فقال: إنها رسالة صغيرة ~~كتبت فيما أظن على عجلة. فقال الحارث: ليتك تركتها مع أختك، أو تركتها بجوار فراشي. فما كنت ~~قارئها حتى أقوى. قال: تالله تفتأ تذكر تلك الباغية حتى تهلك أسى. قال: الله المستعان على ~~ما تفعل معي يا بني، قال: عدت إلى شكوكك القديمة يا أبي! قال: شكوكي! ليتك قلت يقيني! قال: ~~أنت وما ترى! ولكني أعدك أن ستأتي إليك هرميون ولمياء عما قريب على نفس السفينة التي سافرتا ~~عليها! قال الحارث: من أين لك هذا؟ قال: مما وقع، فقد علمت الآن؛ إذ مررت بالسوق فالتقيت ~~ببعض بحارة عيذاب أن الفرس نزلوا بلاد مصر، وتلقاهم قساوسة المصريين بالترحيب، وأنهم ~~استولوا من الروم على منف وبابليون وأتريب ونيقيوس، ويوشكون أن يحاصروا الإسكندرية. فإذا لم ~~يكن قوزمان قد رحل بابنتيه إلى الغرب صوب قيرين (برقة) لينجو وهو ما كنت أفعله لو كنت في ~~مكانه فهو لا بد حاضر هنا ما دام طريق الصحراء والصعيد خاليا. فلم يرد الحارث على كلام ~~ولده، وانحنى يفكر في امرأته وابنته، ثم التفت عنه، واستلقى في فراشه؛ لكيلا يرى وجه ~~ولده. # كان زياد في ذلك الوقت واقفا بالباب على عادة الخدم استعدادا لإجابة نداء سادته إذا هم ~~احتاجوا ms339 إليه، وكان لا بد له في هذا الموقف أن يسمع ما جرى بين النضر ووالده من الحديث. ~~فلما سمع ما قاله النضر من أنه فقد الرسالة ، ولا يدري أين فقدها؟ وكان زياد يعلم أنه مزقها ~~في مكة، أدرك أنه تعمد إخفاء الرسالة عن أبيه نكاية بسيدتيه هرميون ولمياء، وإنما أدرك ذلك؛ ~~لأنه تذكر حديثا جرى بينه وبين زوجته سودة خاصا بهذه الرسالة من ناحية عرضية. ذلك أنه ~~كان قد ذهب إلى مكة في بعض حاجة السيدة وشم في أردائها رائحة طيبة فلما سألها عن مصدرها، ~~روت له من أمرها أن سيدها النضر لما عاد من جدة وأخرج ما كان في جوالقه كان من بين ما فيه ~~لفافات مخطوطة عرضها لعين زوجته حينما تناولها، وقال لها شامتا: هذه من هرميون اللعينة ~~وابنتها وأبيها إلى أبي يتزلفون فيها إليه. ثم مزقها طولا وعرضا وهو يسب هرميون ~~ويشتمها، وأعطى سودة إياها، وقال لها: خذيها فأشعلي بها كانونك، وأن سودة لم تحرقها بل ~~احتفظت بها؛ لأنها وجدت بها عطرا جميلا، فدستها في ثيابها لتعطرها بها. تذكر زياد هذه ~~الحادثة حينما كان النضر يتكلم، وعزم على أن يأتي باللفافات من عند سودة ممزقة كما هي، ~~عندما يعود إلى مكة عسى أن يكون فيها خير لسيدتيه المحبوبتين. على أنه كتم الأمر عن سيده ~~حتى أرسلوه إلى مكة في حاجة لهم فأحضرها، ولم يقدمها إلى الحارث ويذكر له قصتها حتى خلا ~~البيت برحيل النضر وقتيلة عن جدة، وسأل مولاه بحق لمياء أن يكتم الخبر عن سيده النضر؛ لئلا ~~يؤذي سودة ويؤذيه معها. فطمأنه سيده وأثنى عليه وأثابه، وتناول الرسائل الممزقة يقرؤها ما ~~استطاع أن يقرأ. # هل كان في استطاعة الحارث أن يجيب دعوة أحبابه؟ بل هل يجمل به أن ينزل على حكم امرأته، ~~وقد سافرت بغير علمه، وأرسلت إليه كلاما مرا؟ الجواب: نعم، لا مستحيل مع الحب فإنه يحب ~~امرأته ويحب ابنته، والحب يقول: إنها لم تخطئ في الفرار، وأنه لا فائدة من استمرار تظاهره ~~بالكدر منها، ms340 وهو لو رآها لاعتذر إليها، والواقع أن جوهر كدره كان لأنها لم تمكنه من ~~التظاهر بالغضب عليها هنيهة تتلوها كلمة منها في شبه نغمة اعتذار فيعفو عنها، ثم يتكرم بأن ~~يسير وراءها طائعا أو يتقدمها مختارا. إذن فليرحل إلى الإسكندرية ما دامت تدعوه وترجوه، ~~ويرجوه كذلك حموه وابنته العزيزة لمياء التي كانوا قد أوشكوا أن يؤذوها من حيث لا يعلمون، ~~ويجب لكي لا تتكرر هذه الحادثة أن يكون بجوارها، ولكن كيف يرحل والفرس منتشرون في البلاد، ~~ولا بد أن تكون أبواب الإسكندرية مقفلة؟ الحب يقول: هذا لا شيء مطلقا فإن هناك ألف وسيلة ~~ووسيلة للقاء هرميون ولمياء. ليرحل إلى عيذاب إذن في الغد. لا داعي إلى قضاء يوم آخر في ~~جدة، وليأخذ معه زيادا. فقال له: ما رأيك يا زياد في أن نرحل في سفرة إلى الإسكندرية تشاهد ~~فيها الدنيا وسيدتيك لمياء وهرميون، ونأتي بهما إلى جدة؟ قال زياد: لا رأي لي معك يا سيدي، ~~وإن كنت أشتهي ذلك. قال: أشعر أني استعدت قوتي ونشاطي عندما خطر لي أن أذهب إلى مصر. إن ~~سيدتك ترجو أن أجيئها لأعود بها هي ولمياء إلى جدة؛ لأنها تشعر الآن بالخطر المحيق. قال ~~زياد: أصبح السفر إليها فرضا يا مولاي، فقال الحارث: هيئ للرحلة في الغد إذن، وانظر هل من ~~سفينة شاخصة إلى عيذاب. ~~••• # بلغا عيذاب، ولكنهما لم يستطيعا أن يقطعا الصحراء إلى قفط؛ إذ انتفى الأمن منها على أثر ~~انتشار أخبار اندحار الروم في كل مكان، ولكن المقادير هيأت لهما صحبة بزعيم أحد مناسر ~~اللصوص جاء إلى عيذاب يلتمس صيدا فمرض، وعاده الحارث وشفاه؛ فحفظ له جميله، وتعهد بنقله ~~إلى قفط سالما، ولكن الحارث لم يستطع أن يبحر من قفط إلى سيوط لا في البحر ولا في البر؛ ~~لأن جنود الفرس كانوا قد انتشروا في الصعيد، وانتشرت أمامهم ووراءهم مناسر اللصوص من ~~المصريين أنفسهم حتى أصبحت النقلة باختيار صاحبها حمقا صريحا. فانتظر الحارث في قفط حتى ~~تهيأت الفرصة لذلك. كان لا بد لحاكمها ms341 الرومي من أن يرحل عنها قبل مقدم الفرس وإلا قتل، وإذ ~~كان الحارث قد اتصل به من قبل وتألفه، والحاكم يعرف غايته، أعلنه بذلك سرا، وواعده في ~~ظاهر المدينة من جنوب؛ ليعبر النيل إلى الشاطئ الغربي، وهناك ينتظران حتى يوافيهم جنده ~~بحموله، ويسافروا جميعا في طريق الواحة المقابلة، على أن ينعطفوا إلى الشمال في طريق ~~الشاطئ بعيدين عن طريق الجند والمناسر معا. على هذه الخطة عملوا ورحلوا عن قفط بعد أن قضى ~~الحارث فيها قرابة شهرين، قاصدين إلى ما وراء الفيوم. # ولشد ما كانت شماتة الحاكم الرومي بقساوسة القبط؛ إذ كان يعلم أنهم على فرط ما أبدوا من ~~الفرح، وما قدموا من براهين الترحيب القلبي بالفرس لم يلقوا من الفرس إلا رعاية متورط لا ~~يدري سر فرح المأكول بآكله. فما لبثوا أن انقلبوا عليهم بالأذى والابتزاز وإن لم يعترضوا ~~لصلواتهم في كنائسهم وترهبهم في أديارهم # 1 # بل تركوهم يصلون ما شاءوا، ويدعون ما شاءوا، وانصرفوا إلى ما جاءوا من أجله؛ ~~فقد كان الفرس قوما دنيويين يفتحون البلاد ليملكوها، ولا تهمهم الأديان ولا المذاهب، ولا ~~يحملون أحدا على قبول دينهم، ولذلك ما كانوا يتعرضون لأديان أهلها. جاءوا ليطردوا الروم، ~~ويحلوا محلهم في استغلال مصر واستعباد أهل مصر، فإجلاؤهم إذا سر القبط لم يكن مقصودا منه ~~أن يفرح القبط؛ بل أن يتمكنوا من بلادهم، ويستولوا على خيراتها # 2 # فإن كان في الكنائس شيء من هذه الخيرات دخلوها للاستيلاء عليها لا ليمنعوا صلاة ~~الناس فيها لمن يحبون من الآلهة! أما قساوسة القبط فكان كل ما يشغلهم من أمور الدنيا أن ~~يقول لهم الحاكم إن دينهم هو الحق ودين غيرهم باطل؛ ولذلك يجب أن يفرحوا لدخول المجوس ~~بينهم، ويجب عليهم أن يحملوا الناس على أن يعطوهم أموالهم وأنفسهم ووطنهم من أوله إلى آخره ~~من أجل أن يقول لهم الحاكم: إنه هو الحق لا حق سواه، وأنكم أولاد الله الحقيقيون. أما غيركم ~~فأولاد حرام! وكانوا على هذا الحال المزري منذ ما كان في هذا البلد ms342 السيئ الحظ بأهله أديان. ~~غير الكهنة دين هذا البلد ألف مرة، وكان كل دين قائم هو الحق، الذي يجب من أجل الاعتراف ~~بحلاوته أن يعودوا فيحملوا المصريين على التفريط في وطنهم وأنفسهم، وينسون أنهم كانوا ~~يفعلون مثل ذلك في عهد الدين السابق. ~~••• # لم تكن الفيوم قد وقعت بعد في يد الفرس، ولذلك بقي بها الحارث مدة في جوار صاحبه حاكم ~~قفط الذي جاء معه، في انتظار أن يقوم منها عير إلى الإسكندرية، حتى علم هذا الحاكم أن هناك ~~جماعة من جند الروم القدماء عازمين على السفر إلى الإسكندرية؛ ليعززوا حاميتها فتكلم معهم ~~في شأنه، وسمحوا أن يلقاهم في مكان معين خارج الفيوم؛ ليرافقهم على أن يكتم يوم سفره حتى لا ~~يتنبه اللصوص إليهم. # جاء يوم السفر فودع الحارث صديقه حاكم قفط، وشكره على فضله شكرا جزيلا، وأكرم جنوده بما ~~أوجب عليه البر في ذلك المقام، وخرج هو وزياد إلى حيث يجتمع بعير الروم الراحل إلى ~~الإسكندرية به، وانحدر معهم إلى البحر. # ولشد ما كانت دهشته؛ إذ رأى في العير بعد مسيرة ساعة صديقه الفيلسوف اليمني - نعيما ~~الصيدلاني - الذي كان استودعه ورقة. أما كونه في مصر فلم يدهشه؛ لأنه كان يعلم شدة رغبته في ~~رؤية مصر، وأما كيف أتى إلى مصر فكان هذا محل دهشته وعجبه؛ لأن الطريق فيها في هذه الأيام ~~لم يكن مما يجوز لمثله أن يستسهله، وهو لا يطلب زوجة مثله يحبها أو ابنة شاقته الوحدة ~~والشفقة إليها، ولذلك سأله في ذلك: فقال نعيم: قد يكون الصديق أحب إلى الإنسان من امرأته، ~~ويكون للإنسان ولد من غير صلبه أحب إليه من ابن دمه، ولقد جئت إلى مكة؛ لأراك وأرى ولدي ~~ورقة هناك، وعلمت أنك في جدة فجئت جدة، فقيل: رحلت إلى مصر، فأدركت أنك قصدت إلى بيت ~~قوزمان؛ لترى امرأتك وابنتك؛ وإذ كنت عازما من قبل على السفر إلى مصر فقد وجدت الدافع إلى ~~ذلك مزدوجا، ولم أتهيب الطريق؛ لأنك لم تتهيبه، ولكن العجب أنك لم تصل بعد ms343 إلى ~~الإسكندرية حين أني جئت في أثرك بعد شهرين. قال قضيتهما في الطريق. قال: ولكني لا أرى ورقة ~~فأين ذهب! ألم يعد إليك؟ قال: لا: وا حسرتاه! لقد أهدر ولدي النضر دمه فرحله بنو هاشم إلى ~~يثرب فهو هناك الآن. فلما سمع نعيم هذا الخبر حزن حزنا عميقا؛ لأنه كان يشتهي أن يرى ~~ورقة، ولعله ما اشتد به العزم على السفر إلى مصر إلا أملا في لقائه؛ إذ قدر أن يكون ~~الحارث قد عمل على إرجاعه، ولكنه سرى عن نفسه الهم على عادته بأن أسقط الأمر من قلبه؛ ~~لينعم بلقاء الحارث. # قضت القافلة عشرة أيام حتى بلغت ديرا قائما على مدى خمسة عشر ميلا من الإسكندرية. هناك ~~وقف بهم الضابط الرومي صاحب العير؛ ليردهم عن متابعته قائلا: هنا مكان الافتراق أيها ~~السادة الأغراب. لقد التمستم أن تسيروا في حمانا حتى تبلغوا الشاطئ، وها نحن أولاء قد ~~بلغناه، وسنركب البحر من هذا المكان قاصدين إلى الإسكندرية، وهي لن تفتح اليوم بابها البحري ~~لغير الروم؛ إنها في حصار كما تعلمون. نستودعكم الله. فتقدم الحارث ونعيم يودعانه ويشكرانه. ~~على أن الحارث رجا منه أن يعمل على لقاء العالم قوزمان أكبر أطباء الإسكندرية وأشهر علماء ~~معهدها فيخبره بمجيئه، وأنه سينزل في دير الهانطون في انتظار ما يفعله؛ للسماح له بدخول ~~المدينة. # رحل الروم في سفينة صيد استأجروها إلى الإسكندرية، وقصد الحارث بنعيم وزياد على الأقدام ~~إلى الدير القريب فقضوا في ضيافة أهله بقية يومهم، ثم خرجوا إلى طريق الإسكندرية قاصدين إلى ~~دير كان للحارث بوكيله صحبة ومودة كان سببا في إقراضه إياهم قدرا من المال رمموا به الدير ~~إثر من أنزل به أعوان بونوسوس من التهديم، وأعطوه في مقابل قرضه قطعة من السوق المجاورة ~~للكنيسة، وإنما اضطر أهل الدير إلى الاستقراض؛ لأن بونوسوس ورجاله كانوا قد استولوا على ~~جميع أملاكهم في مصر العليا والسفلى، وقطعوا عنهم المدد، واستولوا كذلك على كل ما كان في ~~خزائن الدير، وسائر الأديار اليعقوبية من الأموال. # فرح الوكيل به ms344 فرحا عظيما، وأنزله هو وصاحبه مكانا مكرما، ولكن الحارث لم يرض أن يظل ~~عالة على أهله بلا عمل حتى يرى نتيجة ما كلف به الضابط الرومي؛ بل أخذ في ثاني يوم يتولى ~~هو ونعيم تطبيب مرضى الدير، وكذلك كل من كان يجيء من الجيرة يستطب برقى رهبانه وتعاويذهم، ~~وظل على هذه الحال مدة طويلة لم يرد إليه في غضونها ما كان يؤمله، ولا عرف كيف يدخل إلى ~~الإسكندرية؛ إذ كان جند الفرس معسكرين حول أسوارها، ومنتشرين في أرباضها، ومحاولة الخروج ~~للنظر واستكشاف الحال ضرب من المجازفة بالحياة والكرامة معا. فاستمر في الدير في انتظار ~~وسيلة يأتي بها القدر. # ولكن هذه الوسيلة لم تتهيأ له على عجل كما كان يؤمل؛ إذ كانت أبواب الإسكندرية مقفلة بسبب ~~الحصار فاضطر المسكين أن يقضي شهرا آخر في ضيافة الوكيل. # هناك علم الحارث من وكيل الدير وحلقته أن الجيوش التي تحاصر الإسكندرية هي نفس الجيوش ~~التي فتحوا بها القدس، وأن الكثرة فيها من عرب شمالي الجزيرة العربية # 3 # والقلة من الفرس، وأن السلار شاهين قائدهم الأعظم أحاط الإسكندرية بمجانيق ~~عظيمة تلقي جلامد الصخر على الأسوار، ولكنها لا تفعل بها شيئا يذكر، بل ترتد عنها مهشمة ~~كما ترتد كرات الصبية على ملقيها، وأن بعضها وقع في بعض أبراج كنيسة القديس مرقس القائمة ~~بالقرب من السور الشرقي، ولكنها لم تبلغ منها مبلغ الأذى الكبير، وعلم أنهم أتوا بقواذف ~~للنيران تحمل كتلا مغمورة في النفط والكبريت، وتلقيها فيما وراء الأسوار، ولكنها لا تقع ~~إلا على فضاء معد في الإسكندرية لمثل ذلك، وأتوا بدباباتهم العجيبة بل الصروح العالية ~~المتحركة على عجل ملأى بالمقاتلة والسلاح أملا أن يستطيعوا تقريبها من الأسوار ويركبوها، ~~ولكنهم ما فعلوا بها شيئا فقد كانت تزمجر بآلاتها وتخور؛ فتجيبها من أسوار الإسكندرية ~~المنيعة الهازئة رعود وبروق وصواعق من صخور ونيران تفتك بهم فتكا ذريعا فيضطرون إلى ~~الارتداد عنها والعودة إلى مضاربهم؛ ليحاولوا الأمر بجهد أشد في يوم آخر، ولكنهم ما كانوا ~~يظفرون في اليوم الآخر بأكثر ms345 مما ظفروا في الأول. # كانوا شجعانا أشداء معودين النصر والغلب، وقد هدموا جميع أسوار الحصون في الشام ~~وأرمينية، وكان آخر ما فعلوا هدمهم أسوار أورشليم وامتلاكها، ولذلك كانت خيبتهم في كل ~~محاولة، شديدة عليهم محنقة لهم، ولكن جيوشهم في الشام والقدس كانوا في أكثرهم من عرب ~~الجزيرة الأشداء يقاتلون روما فتت الحروب والهزائم في أعضادهم. أما هنا فيحاربون أقلية ~~رومية تعتز بأكثرية عربية جمعوها من بلاد لوبيا في الغرب وسينا في الشرق وزنوج لا يعرفون ~~هوادة ولا يفترون. كان هرقل قد استنفد غالبية العنصر الرومي الإسكندري في حروب هجومه على ~~القسطنطينية أيام حارب فوقاس، وفي دفاعه في أرمينية؛ ليستردها من كسرى أبرويز، فالحرب في ~~جوهرها حرب بين عرب وعرب تعززهم في الإسكندرية أقلية من الروم وفي خارجها أقلية من ~~الفرس. # من أجل هذا الفشل الذي منيت به جيوش الفرس أمام أسوار مدينة الإسكندرية المنيعة أبد ~~ثمانية أشهر زعم صغار الأحلام من السكان واللاجئين إلى عشرات الأديار القائمة في أرباض ~~الإسكندرية من يعقوبية ورومية أنه يحق لهم أن يتمتعوا بالسخرية بجند السلار شاهين، وهم ~~مارون بأديارهم أو جالسون يستريحون في ظل جدرانهم، ولذلك لم يترددوا أن يسقطوا عليهم من ~~الكوى المقفلة كلمات السخرية بهم وبإلههم ميترا. فانصرف الجنود عن أسوار الإسكندرية السميكة ~~الراسخة إلى جدران الأديار الرقيقة المتزعزعة؛ ليهدموها، ويؤدبوا الساخرين منهم بما لدى ~~الفرس من وسائل التأديب والانتقام مع فرط الاحتقار. # هذا ما علمه الحارث، وما رآه يوم أن فاض به الوجد؛ فاستقر به الرأي على أن يحاول الوصول ~~إلى الإسكندرية بطريق البحر، فخرج قاصدا إلى ميناء لوكياس - ميناء القصر - عسى أن يلقى ~~فيها ضابطا من ضباط الأسطول سمح الخلق يرضى أن يسير بكلمة منه إلى الأمير؛ ليسمح له ~~بالدخول، وما كان يشك في قبول الأمير رجاءه؛ لأنه كان معروفا لديه بأنه عديل أخيه تيودور ~~زوج هيلانة ابنة قوزمان، وكثيرا ما اجتمع به حينما كان يرافق قوزمان في زياراته له؛ إذ هو ~~نسيب، وإذ هو عميد معهد العلم الإسكندري، وقد ms346 كان الحارث يفكر في هذه الوسيلة من قبل، ولكنه ~~امتنع لسببين؛ أولهما: أنه كلف الضابط الفيومي لقاء قوزمان، وثانيهما: أن الطريق ملآن بجنود ~~الفرس، ولن يرعى الجند أيام الحرب حق أحد أو كرامته، والطريق في البحر كالطريق في البر مصون ~~بكشافة الأسطول الرومي، ولا بد أن يظنوا أنه دسيسة أو جاسوس، فيؤذوه، وربما قتلوه قبل أن ~~يستبين لهم أمره. # فلما لم يظهر أثر لسفارة الضابط الرومي - إذ كان في الواقع قد قضى نحبه ثاني يوم دخوله ~~الإسكندرية في هجمة كانت للفرس على أسوارها - وطال الانتظار قصر حبل الصبر من الحارث، وعزم ~~أن يجازف، ولكن وكيل الدير لم يرض له هذا حتى يدبره على وجهه أنفي لشرور في الطاقة ~~تجاوزها؛ ذلك بأن يركب الحارث وصحبه إحدى السفن الشبيهة بسفن الصيد، وينضم باسمه إلى ~~الصيادين إذا خرجوا في العصر إلى البحر الأعظم، وينزلج إلى ميناء لوكياس. نعم، إنه لن يلقى ~~هناك من رجال الأسطول برا سريعا، ولكنه يتفادى بعمله هذا إحدى العقبتين بل العقبة ~~الكبرى، أي نواظير الميناء الغربية، الذين يتعاملون مع الجمهور فهم لهذا شديدو الحرص، شديدو ~~الارتياب في كل إنسان، ومحال أن يأذنوا بمرور أحد لا يكون ممن يسمح لهم بارتياد البحر، ~~وهيهات أن ينجو الحارث من سوء ظنهم وعقابهم العاجل مهما كان بريئا. # التمسوا الوسيلة إلى ذلك، وكتب وكيل الدير بخطه وخاتم الدير شهادة بأن الحارث غريب جاء ~~يلتمس أهله في الإسكندرية، وأنه من ذوي الصلة والقرابة بسمو الأمير، ورجا ممن يطلع على ~~كتابه من اليعاقبة أن يساعده على بلوغ ميناء لوكياس، وخرج الحارث ونعيم وزياد في السفينة ~~على نحو ما دبر الوكيل، وكانت الرقعة التي كتبها قمينة بتحقيق تدبيره على وجه أكمل. # بلغ الحارث وصاحباه ميناء لوكياس، ويا هول ما لقي: ما كاد رجال الأسطول يلمحونه حتى خرجت ~~إليه حراقة عليها نفر من شياطين البحر جمعوا سفينته إليهم، ونزل بها ثلاثة رجال شاهرين ~~السيوف يسائلونه من هو؟ ولم جاء؟ وكيف جاء؟ ولم ينتظروا حتى يجيبهم، بل تعاوروه ونقلوه ms347 هو ~~وصاحباه إلى سفينتهم، وأنزلوهم في غرفة مما يعد لسجن الجنود حتى ينظروا في أمره. # كانت أوامر ضابط الميناء الأميري شديدة جدا، ولذلك كان في استطاعة الحارث أن يدنو ~~بسفينة من الإسكندرية حتى يبلغ الأرض، دليل على تقصير كشافة الأسطول في أداء واجب الرقابة، ~~ولذلك أرادوا أن يخفوا أمره عن ولاة الأمر بل فكر بعضهم في إغراقه هو ومن معه إخفاء ~~لتقصيرهم، ومال الرقباء إلى الأخذ بهذا الرأي وتنفيذه، ولكنهم أجلوه حتى يدخل الليل فينفذوه ~~في خفاء، ولكن حدث ما لم يكن في حسبان أحد؛ ذلك أن هؤلاء الرقباء خطر لهم أن يفتشوا حقائب ~~الحارث وزميله؛ ليأخذوا ما فيها، فلما جاء الليل نزلوا الزورق الذي جاء فيه الحارث، وتعجل ~~أحدهم في الانتقال إليه، وزلت قدمه وهوى في البحر، وإذ كان يحاول النجاة أمسك بجانب الزورق ~~فقلبه بمن فيه ممن سبقوه، وغرقوا أجمعين قبل أن يتنبه إليهم أحد. # ولكن الحارث بقي في سجنه هو وصاحباه يومين كاملين منسيين لا يذوقون طعاما ولا شرابا، ~~وكادوا يقضون جوعا، حتى إذا رأوا سفينة كريمة داخلة الميناء عليها علم القسطنطينية، خطر ~~لهم أن ينبهوا إليهم من فيها فنادوا بأعلى أصواتهم: أيها الأمراء، انظروا إلينا وأنقذونا ~~إننا محبوسون هنا منذ يومين وسنموت جوعا! هذا ما قالوه، ولكن لم يسمع كلامهم أحد، فقد كان ~~رجال الأسطول يحيون القادمين ساعة دخولهم فلم يلتفت إليهم أحد؛ إذ زعموا أنهم كانوا مثلهم ~~يحيون. # فلما مرقت السفينة الإمبراطورية القادمة، وهدأت الأصوات عادوا إلى الصياح فالتفت إليهم ~~بعض رجال الأسطول، وإذ رأوا أشباحا غريبة السنحة عنهم والزي دنوا منهم، وساءلوهم؛ فانبرى ~~الحارث يروي قصته على النحو الذي رآه أمثل به، وسرعان ما انتقل إليهم بعض ضباط السفينة ~~وأخرجوهم، وساروا بهم إلى أمير الميناء. # كان أمير الميناء رجلا مهذبا، ولذلك ما سمع نبأهم حتى اعتذر إليهم مما لقوا، وأكرمهم ~~بما وجب، وأمر لهم بحساء ساخن، ثم بطعام، وسمح للحارث أن يكتب ما يشاء للمقوقس؛ ليرسله ~~إليه. # الفصل السادس والأربعون # | نقض الصحيفة # لم يجد ms348 رسول نيقتاس أبا لمياء في جدة، وخبره أهل الميناء أنهم شاهدوه يركب سفينة مصرية ~~إلى عيذاب منذ أربعة أشهر، وإذ كان الرسول معروفا لهم بأنه بريد، فقد أشاروا عليه أن يسلم ~~الرسالة إلى ولده النضر، ويفرغ من أمرها ما دام راحلا إلى مكة؛ لتسليم رسائل أخرى إلى بعض ~~أهلها، وقالوا له: لعل النضر يستطيع أن يجيب عليها بما يرتاح إليه فؤاد المرسل، أو يدله على ~~مكانه، أو يفيده بما ينتفع به المرسل من الأخبار. # على هذا رحل البريد إلى مكة، وقصد إلى بيت النضر، فلما استأذن عليه ودخل وجده في جماعة من ~~أعيان مكة تبدو عليهم سيماء الكآبة والغيظ، وكأنهم كانوا يتحدثون في أمر جلل قطعه عليهم ~~البريد بدخوله، فنظروا إليه جامدين وهو يحييهم، ثم رد النضر تحيته مقتضبا ولم يدعه إلى ~~الجلوس. فجثا الرجل على ركبتيه وأخذ يقول: إني رسول سمو حاكم مصر، جئت إلى السيد الحارث بن ~~كلدة برسالة من عنده، ولكني لم أجده في جدة كما قيل لي. قال النضر: هات الرسالة فأعطاه ~~الرجل إياها واستمر جاثيا ينتظر جوابا: فلما نشرها النضر ليقرأها وجدها بالرومية فطواها، ~~ونظر إلى البريد مغضبا، وقال: أنا لا أعرف الرومية. تتركها الآن حتى نجد من يقرؤها لنا ~~ويترجمها. قال أحد الجلوس: لعله يعرف القراءة بالرومية أتعرفها يا فتى؟ قال: لا. إني عربي ~~الأصل وإن كنت أتكلم الرومية، قال: فهل تدري فيم كتبت؟ قال: خبر سار؛ إن مولاي الأمير ~~نيقتاس يخبر سيدي الحارث بزواج ابنته حفيدة العالم قوزمان من كبير حراس قصره، وهو فتى من ~~أصل عربي شريف، عظيم الهمة، أصبح لفضله وأمانته وبره بمولاه صاحب الكلمة العليا في قصره، ~~قال: ما اسمه يا ترى؟ قال: اسمه ورقة بن صليح، قال النضر مشدوها ونهض من مجلسه قليلا: ما ~~اسمه؟! قال البريد: ورقة بن صليح! قال: ابن الجارية والنجار القبطي! أهذا هو الخبر السار ~~الذي جئت به. إنه لأسوأ خبر. فأخذ الرجل بما رأى من استيائهم ولم يجب، وأخذ يقلب وجهه من ~~الجالسين من ms349 طرف إلى طرف، فرأى النضر قد استطال وجهه وفمه، وجمدت أصابعه على الطومار، وحاول ~~أن يتكلم فانعقد لسانه، وخشي أحد الحاضرين أن يخرج الوجد بالنضر؛ لما رأى من فرط ما دهاه ~~لدن سماع هذا النبأ، فيؤذي الرسول. # فأشار إلى الرسول بعينه أن يتراجع ويحاذر، ثم مال على النضر ومد يده؛ ليأخذ منه الطومار ~~الذي كتبت عليه الرسالة، ولكن يد النضر كانت قد شلت فلم يقو صاحبه على استلال الرسالة من ~~قبضته إلا بعلاج طويل كاد يتلفها. كان هذا حليفه في الشر والفساد وأذى المسلمين: عقبة بن ~~أبي معيط. جاءه منذ هنيهة يبلغه خبر سوء عظيم، فاجتمع السوءان على النضر في وقت معا، ~~ولذلك أصبت بشيء من الفالج. # 1 # أدرك ابن معيط ذلك فأرسل من فوره إلى حجام؛ ليحجم النضر، وجاء وحجمه، وحملوه إلى ~~داره. # أما المصري فخرج يبحث عن بيت باقوم؛ ليسلم إليه رسالة ورقة، وكان منذ دخل مكة يرى على قرب ~~منه غلاما فرها يسايره وهو يتطلع إليه، فلم يهمه أمره، وحسبه فضوليا يتعجب لملبسه، ~~فابتسم وسأله عن بيت الحارث بن كلدة فتطوع الغلام ليدله عليه، وسار أمامه حتى إذا بلغه، ~~ودخله الرسول - وقف الغلام بالقرب من الباب ينتظر خروجه. فلما خرج عاد يسايره. فقال الرسول: ~~ألا تزال هنا؟ قال: أنا في انتظارك يا سيد، هل لك في مروءة؟ قال فيم؟ قال: تأخذ هذه ~~الدراهم، وتشتري لي لحما وخبزا؛ إن أبي جائع، وأمي تكاد تموت من المسغبة. قال: وما يمنعك ~~من أن تشتري أنت بمالك ما تشاء! قال: إني من موالي بيت رسول الله. قال: وهل لا يليق بموالي ~~بيت الرسول أن يشتروا كما يشتري موالي غيرهم؟ أم إنهم يتنزلون للشراء بأيديهم! قال الغلام: ~~ليتهم كموالي أخس الناس في مكة. إنه محظور عليهم أن يشتروا لسادتهم شيئا من أسواقها. إن ~~النضر بن الحارث وصحبه الذين رأيتهم معه وسائر قريش قد أجمعوا على مقاطعتهم، وهم يعرفوننا ~~نحن موالي بيت بني هاشم جميعا فلا يبيعوننا شيئا ولا يعاملوننا، ولذلك فإني أخرج ms350 كل يوم ~~إلى باب العمرة # 2 # في انتظار الأجانب عن المدينة فأساعدهم فيما يلتمسون، وأرجو منهم في مقابل ~~صنيعي أن يشتروا لي بنقودي طعاما لسادتي من سوق حزورة هذه فآخذه إليهم ، قال المصري: إذا لم ~~يكن في ذلك بأس فهيا. هات دراهمك. ماذا تريد؟ قال الغلام: لحما وخبزا وسمنا، ولكني لا ~~أستطيع أن أقف بجانبك؛ لئلا يعرفوا أنك تشتري لي. سأنتظرك عند باب الصفا الذي يرى في آخر ~~هذا الدرب فإذا اشتريت وعدت فسر في الدرب حتى تلقاني أو ألقاك، وهناك سأسير أمامك فتتبعني ~~حتى آخذ منك ما تشتري. قال المصري: هذه مهمة شاقة. فقال الفتى: إلا على مروءتك. إني أراك ~~كريم النفس. قال: شكرا لك، ولكني أريدك لأمر آخر. قال: ما هو؟ قال: أتعرف بيت رجل رومي ~~اسمه باقوم. قال الغلام: نعم، بل أنا من أهل بيته عينا فماذا تريد منه؟ قال: عندي له رسالة ~~من ولده. قال الغلام: ورقة؟ قال نعم. قال: أهو حي يا سيدي؟ قال: حي يرزق، وهو اليوم أمير ~~كبير، وهو الذي كتب هذه الرسالة. قال: هو سيدي ومولاي. أهو عائد إلى مكة؟ قال: يعود إلى ~~مكة! لا لن يترك ما هو فيه من العز والنعيم في الإسكندرية ويأتي هنا إلى بلد ليس فيها ~~طعام ولا شراب. قال الغلام: سأركض يا سيدي أخبر والده وأمه بقدومك ريثما تشتري الطعام، ~~وأعود إليك، قال: افعل. سأنتظرك حتى تجيء. قال: بل سأنتظرك. # كان هذا الغلام رؤبة غلام القرضاب الذي أنقذه ورقة، أغرى أمه بالحج؛ ليأتي معها إلى مكة، ~~ويرى سيده وصديقه الذي تعلق به قلبه، فجاءا ونزلا في بيت باقوم، ثم أغراها بالبقاء في مكة ~~فقبلت، ورأت العفيفة في وجودهما في بيتها شيئا من السلوى، فعرضت عليها أن يبقيا معها فقبلا ~~ذلك شاكرين، وعاشا معها منذ ذلك الحين يعملان في خدمتها، وفي خدمة مولاتها أم ~~المؤمنين. # عاد رؤبة إلى دار باقوم؛ ليخبره خبر مجيء رسول من عند ورقة بكتاب، وأبلغه ما سمعه من ~~الرسول من أمر ورقة، وأنه ms351 صار أميرا في قصر الملك في الإسكندرية فزغردت تماضر وأم رؤبة ~~فرحا بما سمعتا ونهضتا لإعداد مكان للضيف البشير، وخرج رؤبة للقائه كما اتفق معه، وإذا به ~~يسمع زئاطا كبيرا وجلبة واردة من أندية المشركين حول الكعبة، ورأى قوما يتراكضون نحو شعب ~~أبي طالب وهم يهللون فرحين، فاستوقف اللطيم منهم قائلا: مهلا! مهلا! لن تكون الأسبق بعد ~~ما فاتتك الكرائم فكن الأول في إخباري بما لديك. فضحك المحادث، وكان يعرف أنه من أهل الشعب ~~مثله، وقال له: إن المشركين اختلفوا فيما بينهم على أمر المقاطعة، وذلك على أثر الآية ~~العظيمة التي أظهرت صدق رسول الله. قال: ما هذا؟ قال: إن أبا طالب خرج من الشعب إلى الحرم ~~فاجتمع الملأ من قريش، وقال لهم: إن ابن أخي أخبرني أن الله أرسل الأرضة على صحيفتكم التي ~~كتبتموها فيما بينكم لمقاطعتنا، فأكلت ما فيها من قطيعة رحم وظلم # 3 # وتركت اسم الله تعالى لم يمس فأحضروها، فإن كان ابن أخي صادقا علمتم أنكم ~~ظالمون لنا قاطعون لأرحامنا، وإن كان كاذبا علمنا أنكم على حق وأنا على باطل. فقاموا ~~سراعا وأحضروها من جوف الكعبة حيث كانوا علقوها؛ لتكون حجة على المشركين فيما بينهم، ~~فوجدوا الأمر كله كما قال رسول الله. فقويت نفس أبي طالب واشتد صوته، وقال: قد تبين لكم ~~أنكم أولى بالظلم والقطيعة. فنكسوا رءوسهم، ثم قالوا: إنما تأتوننا بالسحر والبهتان، ~~وأرادوا أن يتملصوا من هذا البرهان العظيم، ولكن قام من بين المشركين نفر من أجوادهم منهم ~~هشام بن عمرو، وزهير بن أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود، ~~وأعلنوا نقض الصحيفة # 4 # ونادوا في مكة يقولون: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى ~~لا يبتاعون ولا يبتاع منهم؟ ألا لتفتح الأسواق لهم، ويكن لهم فيها ما لنا، وكنا ذاهبين ~~لنخبر مولاتنا أم المؤمنين بهذا الخبر، وكنت أرجو أن أكون أسبقهم إلى ذلك فإذا أنت تمنعني، ~~قال رؤبة: يجب علينا أن نحمد الله على برهانه، وعلى ms352 انتهاء ضائقة المسلمين، ثم ودعه ~~وانصرف في طريق صاحبه. # وكان قد سبق لمن نقضوا الصحيفة أن اجتمعوا في بيت النضر بإخوانهم من المشركين، وتذاكروا ~~في شأن نقضها مع أبي جهل والنضر وابن أبي معيط عندما علموا بقدوم أبي طالب، وما لقي إخوانهم ~~بنو هاشم من الأذى طوال السنوات الثلاث التي قضوها في الشعب، وأعلنوهم بعزمهم على نقض ~~الصحيفة. فرماهم هؤلاء بالنكوص والخيانة، وحدث بينهم في بيت النضر ما حدث من التشاتم ~~والتنابذ قبل مقدم رسول نيقتاس. فلما خبره خبر زواج لمياء من ورقة كان في خبره الصدمة ~~الكبرى لفؤاده فأصابه ما أصابه. # علت الزغاريد في حي بني هاشم، وتوارد الموالي على الأسواق يشترون ويستبضعون وهم آمنون، ~~وشهد رسول نيقتاس هذا فسره الأمر، ولكنه كان قد اشترى حاجة الغلام وخرج بها فلقيه قادما ~~عليه وهو مطمئن فهنأه بما كان، وشكره رؤبة على فضله، وأبلغه أن باقوم في انتظاره. # قضى المصري يومين في مكة كان فيهما محل الرعاية من باقوم وتماضر وبلال وزيد بن حارثة، ~~وذكر فيهما زواج ورقة من لمياء بنت الحارث بفضل الأمير، فزغردوا فرحا وسرورا، وذكر ما ~~يلقى من رعاية الأمير، وما بلغ إليه من العزة والمكانة، وخبرهم أن في نية ورقة أن يأتي ~~بأهله إليه عندما تستقر الأمور في الإسكندرية، وطمأنهم عليه قولا بأن الفرس يوشكون أن ~~يتركوا المدينة يأسا من حصارها، وأيده باقوم في هذا الرأي، وكان بلال يسائله: هل رآه يصلي؟ ~~قال: إنه لم يره يصلي، ولكنه علم من الجنود الذين تحت أمره أنه يصلي مرتين في اليوم بعد أن ~~يغتسل اغتسالا خاصا لهذه الصلاة، والأمير يحبه لهذا حتى لقد قيل إن الأمير يصلي ~~معه. # لم يكن هذا صدقا فيما يختص بالأمير، ولكن حب الجنود لورقة، وتأثرهم بما يروى عنه، وما ~~يعلمون من تمام صلاحه، وارتياح الوالي إليه - جعلهم يتقولون أشياء مما ينسجم فيما يعلمون، ~~وعند ذلك عن لبلال - رضي الله عنه - أن يهدى القبطي رسول نيقتاس إلى الإسلام؛ لأنه عربي من ~~مواليد الإسكندرية اليعقوبيين، ولذلك ms353 لم يغادر رسول نيقتاس مكة حتى كان قد أسلم وصلى، ~~وأخاله لقي رسول الله مبايعا ومتمليا من نوره، ومعاهدا له على التوحيد والأمانة ~~لله. # وكان رؤبة قد هامت نفسه شوقا إلى صديقه وسيده ورقة، واشتهى أن يراه، وألح على أمه في ~~ذلك، ولكنها لم تكن تستطيع أن تجيب هذا الرجاء على الفور حتى ترى رأي من معها، وكان الجمع ~~قد سمعوا قصته فوافقوا على سفره مع الرسول تحقيقا لرغبة الغلام الوفي، وليكون في خدمة ~~ورقة في وحشته. # ولذلك زودوه بما يجب للطريق من المال، وحمله كل منهم رسالة إلى سيده ورقة، وخرج به ~~الرسول عائدا إلى الإسكندرية من طريق الصحراء فالبحر فميناء لوكياس، ومنها دخل إلى القصر ~~بفضل ما معه من جواز المرور، وبأنه من برد القصر المعروفين. # الفصل السابع والأربعون # | باب القمر # طال وقوف الجيوش الفارسية وراء أسوار الإسكندرية يحاولون تهديمها بالمجانيق ومدافع النار ~~الإغريقية فلا يستطيعون أن يزعزعوا منها حجرا، وكلما دنوا من الأسوار بدباباتهم المصفحة ~~بالحديد يحاولون اعتلاء الأسوار بما يلقون عليها من غلالات من النار؛ ليزحزحوا عنها حماتها ~~انصب عليهم من أبراجها شواظ نيران مثلها تفني راكبي تلك الدبابات من جنود الفرس والعرب ~~الذين اقتحموا أسوار القدس منذ عهد قريب، وجيء بهم لينالوا مجدا آخر على الروم بفتح ~~الإسكندرية، ووقف السلار شاهين أما فسطاطه القائم على تبة في تلال نيكر وبوليس # 1 # ينظر إلى بابها الغربي - باب القمر - نظرة الغيظ والحنق بأن هذا الباب شهد ~~هزيمة جنوده وفناء جموعه، ويعجب كيف تقوى الأخشاب - ولو كان مصفحة - على مقاومة الألوف من ~~الجنود، والألوف من الأحجار التي كانت مجانيقه ترميه بها؛ لتكسر مصاريعه أبد الأشهر ~~الثمانية التي قضاها حتى الآن في محاولته فتحه، وأخذ يتخيل في عجزه وضيقه أخيلة لفتح ~~الباب ليس تحقيقها في مقدور إنسان، ولكنها أخيلة مما يزيد به العقل يأس اليائس؛ فيقول: لو ~~كان في الطاقة أن يكون في قدرة المجانيق رمي قذائفها فوق الباب والسور، وتنعطف هذه القذائف ~~وتلتوي في سيرها، ثم تجري بعد ms354 ذلك راجعة في خط مستقيم؛ لتضرب الباب من الداخل حين تضربه ~~قذائف أخرى من الخارج لأمكن دقه وتهشيمه، ولكنه كان لا يقف عند هذه الأمنية ليتأملها؛ بل ~~ينتقل إلى أمنية أخرى فيقول: لو كانت الزلازل تأتي فتهز الأرض هزة تتشقق على أثرها جدران ~~السور أو تندك؛ لوجد الإنسان إلى الإسكندرية ألف باب يدخل منها، ولكنه كان يقف عند هذه ~~الأمنية مدة أطول من وقوفه عند الأولى فقد قال له بعض القساوسة اليعقوبيين الذين بكروا ~~إليه يرفعون آيات ولاء اليعقوبية لممثل ناصرها الأعظم كسرى أبرويز زوج مارية التقية النقية ~~التي عرفت دين الحق فأعلنته، وأخذوا يتبارون عنده بالعلم بتاريخ البطارقة والأديار: إن ~~جزيرة أنتررود # 2 # وأخواتها من الجزيرات التي كانت عليها قصور البطالسة قد هبطت في البحر هي وبعض ~~الشاطئ القريب بفعل الزلازل. فقال السلار في نفسه: لماذا لا تهبط الأسوار كذلك بفعل زلزال ~~شديد، أو غير شديد ما دام يشقق السور ولو قليلا، حتى إذا ضرب الشقوق بالمجانيق تناثرت ~~أحجارها، وهيأت له طريقا؛ بل طرقا ينصب منها ألوف الجنود في المدينة، ويغرقون حاميتها ~~القليلة العدد! # والواقع أن هرقل كان منذ سنوات قد استنفد جل من كان في الإسكندرية من جيوش الروم التي ~~كانت تحميها؛ طلبها لتساعده على حماية القسطنطينية من شاه ورز قائد الفرس هناك فأرسلت إليه، ~~وكان يظن أنه إذا قدر أن تتغلب الفرس على أسوار القدس وينصرفوا إلى الإسكندرية، وهذا ما لم ~~يكن يظن هرقل إمكانه - فقد يكون لديه متسع من الوقت؛ لإعادة جنودها إليها ليحموها، وإرسال ~~نجدات من عنده تلو نجدات، ولكن سوء حظه لم يمكنه من تنفيذ هذا التدبير؛ لأن قائد الفرس شاه ~~ورز الذي اكتسح الروم عن الأناضول برمتها يحاول العبور # 3 # إليها، فلم يكن في طاقة هرقل أن يرد جنديا واحدا إلى الإسكندرية، بل إنه ~~على العكس من ذلك أرسل إلى نيقتاس يستنجده ويستقيته، ويطلب إليه أن يرسل إليه بعض المسترزقة ~~الذين جمعهم من صحراء لوبيا وسينا للدفاع عن الإسكندرية، ما دامت الإسكندرية آمنة ms355 وراء ~~حصونها التي أعجزت بونوسوس نفسه، وأعجزت حتى الآن السلار شاهين نفسه، وهو الذي دك حصون ~~أورشليم، ولكن نيقتاس لم يستطيع إجابة سؤل مولاه ورد معتذرا # 4 # بأن سبيل التطوع قد قطع عليه، ولم يبق لحماية قصره إلا حرسه من الزنوج # 5 # وأرسل ورقة وأورست برسالة وبيانات فذهبا إليه - كما قد رأينا - وعادا بوعود لم ~~يتحقق منها شيء، أو بالأحرى لم ينفذ منها إلا ما أباح الإمبراطور لنيقتاس عمله إذا أخذ ~~اليأس يتولاه. # ذهبت تلك الأخيلة مع الريح، ولكنها زادت في غيظ السلار وضيقه ساعة كان جماعة كبيرة من ~~قساوسة أديار اليعقوبية على رأسهم تيوناس وكيل البطريق يسيرون إليه في جبابهم الكهنوتية ~~الفضفاضة يرفع بعضهم صلبانا من الفضة وأخرى من الذهب، ويحمل بعضهم نسخا غالية من الكتاب ~~المقدس مما بذل الرهبان وقتا طويلا في تزيينه بماء الذهب المشرق الجميل، وبالرسوم ~~الملونة التي تشرح الصدر. جاءوا إليه ليدعوا الرب عنده أن يفتح عليه ويعطيه النصر الذي طال ~~انتظاره، وهم يقدمون لهذه الصلاة في الطريق إلى السلار بإنشاد الأناشيد وترتيل التراتيل ~~ليثبتوا له ولاءهم باستعجال الثالوث المقدس؛ لتحقيق ما يجب عليه تحقيقه من أجل عيونهم ~~لاكتساح دين الكفر الرومي الذي يقول بأن جسد المسيح عليه السلام لا يفنى! ويرون أن هذا ~~القول كبير جدا وكفر جدا، ويجب لتطهير البلاد منه، أن يعطوا الفرس - الذين لا يعترفون ~~بشيء من دينهم حتى ولا بأن المسيح وجد - بلادهم كلها وأعناقهم حتى التراقي أملا أن يتمكنوا ~~في ظلال نارهم من نشر الدين الحق الذي لا يمكن إلا أن يكون دينهم، ويرى غيرهم أنهم إنما ~~يقدمون المثل من حيث لا يشعرون على أن الدنيا ما شقيت بشيء شقوتها بأمثال حضراتهم؛ إذ ~~يبيعون أوطان الشعوب، ويسلمون للفاتحين رقاب الناس وأعراضهم من أجل أن يحتفظوا هم بأوطانهم ~~الخاصة - الأديار والمعابد والضياع والمزارع - وتتحمل الشعوب بعد ذلك وزر عملهم وسوء ~~آرائهم، وفضيحة التاريخ لهم ظلما وتعجلا من الكاتبين في الحكم. فالواقع أن كهنوت كل أمة ~~كان هو المسيطر على شعبها ms356 المتصرف في شئونها يسوقهم في كل سبيل، ويقضي في حاضرها ومستقبلها ~~بما لا يتفق إلا مع مصلحة القساوسة الخاصة، ولا تملك الشعوب أن تعصي لهم أمرا، أو تعرف ~~وجها لدفع آذاهم عنها؛ لأن طاعتهم فيما وقر في قلوب الشعب، من طاعة الرب الذي أسلمهم أسواط ~~الحرمان والطرد، وأعطاهم باسم كل ما اختلقوا من القوانين والشرائع حق الحيلولة بين الرجل ~~وامرأته والوالد وأولاده. على أن الشعب المصري لم يشترك مع هؤلاء القساوسة في شيء اللهم إلا ~~خدم الأديار ومن كانوا يحيطون بهم من جيرة الحي. أما الفلاحون والصناع فلن يكونوا يرون معنى ~~لهذه الوفود، ولا هذه الصلوات والتراتيل، وإذا كانوا قد تراءوا باغتباطهم فهو تراء لدفع ~~الأذى الناتج عن أنفسهم أو هو مشايعة منهم لقساوستهم الذين يدعون لأنفسهم في كل زمان الرشد ~~والإخلاص، وحق الولاية على الناس، ويتبجحون بأنهم أعرف بالواجب. # على أن هذا الوفد المقدس لم يجئ هذه المرة باختيار أعضائه كلهم بل نزولا على إرادة زائر ~~كريم، وأسقف من أكبر أساقفة اليعقوبية هو أسقف نجران الهرم المريض. علم من الركبان بدخول ~~الفرس مصر فوجد الهمة والصحة والشباب؛ لتحمل مشقة السفر في البيداء والجبال على ظهور ~~الجمال، ثم في السفن؛ ليأتي من أقصى الأرض ليلقى أمير الفرس، ويقيم عنده أحر صلاة. كان ~~وصوله إلى دير الهانطون على إثر خروج الحارث منه بقليل، وكان لمقدمه هو وقساوسته ضجة فرح ~~عظيمة في الدير بلغ صداها مسامع الرهبان في الأديار المجاورة فجاءوا يسلمون على زميلهم ~~القديم، وممثلهم الأعظم في بلاد العرب، ويصلون معه صلاة شكر حارة للرب على وصوله سالما، ~~واجتماعهم به في يوم سعيد جدا هو يوم الأمل القريب بزوال مذهب الكفر الرومي الذي استولى ~~على أكثر ما كان يجب أن يكون لهم وحدهم من الأرزاق والطيبات؛ ولذلك دعاهم الأسقف المحترم ~~إلى تنظيم موكب كبير يسير إلى السلار في معسكره، ويقيم الصلاة أمامه، ويدعو بأدعيته الطيبة؛ ~~لتعجيل يوم انتصاره على الروم، ويمهدوا لذلك بإنشاد أعذب التراتيل على مسمع من البحر ~~والسماء. # صوت ms357 الغناء في أذن المحنق المغيظ يزيد في ألمه وغيظه، ولمع الذهب والفضة وإشراق الملابس ~~الزاهية بألوانها يؤلم المحزون إيلاما شديدا؛ ولذلك كانت أصوات ذلك الوفد التقي، وألوان ~~أرديته الرسمية، وبريق المعدنين الكريمين - مؤلمة لنفس السلار الأعظم، حتى لم يجد بدا ~~حين عرف من القادمون، وعرف غايتهم أن يعاجلهم برسول يقول لهم: اسكتوا! إن السلار لا يطيق ~~سماع هذه الأصوات. فسكتوا وقطعوا بقية الطريق إليه كقطيع من التيوس المنعمة في زرائب ~~الأغنياء. # وكان السلار قد اشتد به وجده إذ يجيء هؤلاء السادة؛ ليشكروا الرب على مجيئه، ويدعوه أن ~~يفتح عليه بفتح الإسكندرية وقت أن كان قد استقر رأيه على تركها كما تركها بونوسوس، ولكنه ~~كتم ما في نفسه، حتى إذا بلغ وفد الرهبان حظيرته وحيوه بأكرم الدعوات وأغلاها لم يرد ~~عليهم؛ بل وقف صامتا وهم صامتون، ولم يسمح لأحد منهم بالجلوس، وظل ينظر إليهم مفكرا شارد ~~الفكر يريد أن يجبههم بالحقيقة التي في نفسه ولكنه امتنع، وخيل إليه أنه كان يقول لهم: ~~أيها القوم الذين بليت بأمثالهم كل الشعوب في كل أرض، إني ما جئت أنصر دينا على دين، وإنه ~~لا يهم الفارسي الذي يدين بدين ميترا - وإن كنت لا أومن بميترا ولا بغيره - أن يعلو في مصر ~~غير دين ميترا، ولن يكون منا يوم يتم لنا النصر إلا التسامح مع أرباب كل دين. فأما أن ~~يكون لكم ميزة خاصة فلا؛ إننا جئنا هنا لنتملك البلاد، وندخلها في سلطة ملك الملوك كسرى ~~أبرويز، لا ليكون لنا بأدياركم وكنائسكم علاقة ما دمتم لا تحدثون ما يعرقل أعمال الملك. كل ~~ما نطلبه إليكم أن تقبعوا فيها كما قبعتم حتى الآن. لا يكون لكم بأهل هذا البلد ومصالحه ~~الدنيوية شأن بتاتا. ما شأنكم أنتم بالملك وتدبيره! والحكومة وتصرفاتها! وأنتم بعيدون عن ~~الدنيا بأدياركم، ثم طال سكوت السلار وسكوت الوفد في انتظار كلامه، وقد أخذ الذعر يعتريهم ~~حتى نطق فقال: شكرا لكم أيها الوفد الذي جاء لولائه لكسرى يصلي لربه ويدعو بنصر سيوفه على ~~الروم. ms358 هذا يدل على كرهكم الروم، وبحق ما تكرهون؛ لأنهم ظلمة يتدخلون في أديان الناس، ~~ويريدون حملهم على دينهم فإن لم يستطيعوا اضطهدوهم كما اضطهدوكم، وحرموا عليهم العيش ~~مثلهم، وليس هذا من العدل، ولا من واجب الحكومة والسداد. فصاح الوفد مهللين لهذا الكلام ~~الجميل، واستمر شاهين يقول: أما ملك الملوك كسرى العظيم العادل فإنه لا يميز دينا على دين، ~~بل الناس عنده سواء؛ لأنه لم يأت لذلك بل ليجلي الروم عن هذه البلاد، ويحكمها بما فيه ~~الخير للناس جميعا، وستزول بطرقتهم بزوالهم، ولو بقيت ما مسها بسوء، ولكنها ستزول ~~فافرحوا إذن. والآن، اذهبوا إلى أدياركم، وصلوا ما شئتم هناك، ورتلوا ما شئتم فأنتم في ~~أمن، ولكن حذار أن يهزأ رهبانكم، ومن لجأوا من الشعب إلى الأديار مرة أخرى بجنودي، ويلقوا ~~عليهم الأحجار والأوضار، وإلا رددت إلى الدنيا الأرض التي تقوم عليها أدياركم؛ ليزرعها ~~الناس، ويأتوا للدنيا بالخيرات. # فانبرى بعض القساوسة يعتذرون مما فعل السفهاء، ويلتمسون منه الصفح، ولكن كلام السلار لم ~~يعجب أسقف نجران بل خيب أمله الذي من أجله جاء من أقصى الأرض، فقال للسلار: ولكن مولانا ~~كسرى أبرويز قد عقد مجمعا # 6 # معجلا منذ أيام في القدس؛ ليعرف أي مذاهب المسيحية هو الحق فوجد أن دين ~~اليعقوبية هو الصحيح، ولذلك أعلن الناس بضرورة اعتناقه؛ ليكون دين الدولة لا دين سواه، ~~وكلام السلار الأعظم ينافي رأي ملك الملوك. # فأدرك السلار ما في طي هذا الرد من الامتعاض والجراءة، ولكنه كظم غيظه، وقال: لقد أخطأ من ~~بلغك أنه أمر في ذلك بشيء. قد يكون اتضح له أن دين اليعقوبية أقرب إلى العقل من سواه، ~~ولكنه لم يأمر أن يكون دين الدولة، فإنه لا يريد أن يشغل نفسه بما لا يهمه، ولذلك أذن ~~لمودسنوس وهو من بطارقة الروم أن يعود إلى القدس، ويعيد بناء الكنائس الرومية التي هدمتها ~~الحرب وأعمال اليهود المزرية، ومد حمايته لكل دين # 7 # وسيحميكم أنتم أيضا، ويكون لكم من الشأن بقدر ما لغيركم لا أكثر بذرة ولا أقل ms359 ~~بذرة. أم تريدون يا حضرات القساوسة والرهبان أن يجعل كسرى جيوشه تحت أمركم توجهونها في ~~مصلحتكم إكراما لذواتكم الطيبة. انصرفوا في إكرام وتحية. # انصرفت ذواتهم الطيبة حزانى لخيبة أملهم البالغة، ولكن أحدهم قال لهم: بل أنتم قد نلتم ~~منه الأمان لأنفسكم ولدينكم؛ وإذ لن يبقى في مصر من أتباع مذهب الروم إلا نفر قليل فسيكون ~~دينكم هو الأعلى، ومن الواجب أن تعودوا إلى الدير مغتبطين، وتتظاهروا بالمسرة والحبور حين ~~تعودون إلى الدور؛ لئلا يشمت بكم من لم يروا رأي أسقف نجران في الخروج إلى السلار. # فوافق الجمع على هذا الرأي، ولكنهم لم يشرعوا في الترتيل والإنشاد حتى دنوا من الدير ~~الأعظم، غير أنهم كانوا ينشزون «تنشيزا» قبيحا؟ من فرط ما كانوا فيه من الغم، ولذلك ~~أقلعوا عن الترتيل قبل أن يصلوا إلى حظيرة الدير، وضاعت عليهم التقفيلة البديعة التي كانوا ~~قد نظموا خطواتهم عليها؛ ليدخلوا بها الدير العظيم دخول الفاتح المنتصر! # أما السلار شاهين فأخذ يحاسب نفسه على تلك الكلمات المرة، ويقول: تراني أسأت في هذا ~~اللقاء، وقلت لهم ما كان يجب أن أقول سواه؟ ولكن هل كان يجمل بي أن أكرمهم، وأنا أمقت هؤلاء ~~الناس وأمثالهم في كل أمة، وأعتقد أنهم أفسدوا العقائد الطيبة وأفسدوا الشعوب، وأسلموهم ~~للأذى المستمر! ثم هل كان لي أن أقول ما ليس في نية كسرى السير عليه في حكم هذه البلاد! ~~إنه تسامح مع جميع الأديان، وأذن لأهلها أن يعيدوا كنائسهم وبيعهم، وضرب على أيدي اليهود ~~ضربة ردت كيدهم في معاهم. # 8 # هذه هي السياسة الحكيمة، وسأجري عليها في مصر إذا قدر لي فتح هذا الباب ~~المستعصي، وبقيت واليا عليها، وإذا قدر لي أن أستقل بملك مصر - وهو ما أؤمله - فأول ما يجب ~~علي أن أريح هذا الشعب المهيأ لكل عظيم من سلطة رجال الدين عليه، وثاني أمر أفعله أن أدله ~~على أن الكرامة الصحيحة هي كرامة العقل. فما دام العقل حرا يفكر تفكير الراشدين، ويحكم ~~حكم المنطق ويلتزمه ولا يقبل سواه من أحد ms360 - فلن يغلب، ولن يفرط في أوطانه كما رأيت، ولن ~~يفرحه أن يجيء ظالم جديد محل ظالم قديم. كل ما في هذه البلاد من ضعف الهمة، وقلة الشعور ~~بالكرامة الوطنية - مرجعه أولئك المرتلون، وما يوقرون في عقول الناس من ساعة أن يولدوا ، ~~بل من قبل أن يولدوا: وهم في أصلاب آبائهم، وأرحام أمهاتهم إلى حين يوارون القبور؛ من عقائد ~~تنبو بهم عن الدنيا، وتهون عليهم ذلة الحياة وظلم الحكام، ويوقرونها في نفوسهم في كل ظرف، ~~ويوقرون معها الذعر من تحكيم العقل والمنطق والتفكير الصحيح فيها، ولذلك ينشأون أبعد ما ~~يكونون عن الكرامتين؛ كرامة العقل، وكرامة الفعل. # إذا أصبحت ملكا على مصر فسأعيد دار الحكمة التي أوصى ببنائها أستاذنا أستاذ الراشدين ~~أرسطو، وكان لمصر بفضلها فضل أعظم على العالمين؛ فإن إسقاطه نظرية الروح أم الشرور ~~والأراجيف لم يترك مجالا لفلسفة ما وراء الطبيعة الكاذبة المدلسة، ولم يمكن الذئاب من أن ~~يدعوا العلم بها، ويقيموا أنفسهم ولاة وكهنوتا وقساوسة، ولكن وا حسرتاه جرى عليها ما جرى ~~على كل شعب يترك كرامة العقل ليعلق بالأراجيف والأوهام فهدمها الذئاب ليقيموا بدلها حظائر ~~للشياه. سأعيدها وأصونها، وأمنع أيدي العبث عنها وعن ديار مصر بلا أقل تسامح. سأعمل على نشر ~~عقيدته الراشدة؛ لأرد إلى هذا الشعب كرامة الأرومة العربية التي أفسدتها القساوسة والكهنة ~~في هذه الأرض. # ثم التفت إلى أسور الإسكندرية وإلى مجانيقه تدقها وترتد عنها. فقال: هيهات أن يتحقق هذا ~~الحلم، وهذه الأسوار تهزأ بقواي منذ حاصرتها، وهم لا يشعرون بحبس الطعام عنهم والخبز ما دام ~~البحر معهم يأتيهم بخيرات ما وراءهم من بلاد الروم، وفيه غذاء لا يفنى، وها هي ذي سفائن ~~الصيادين مجدة في اصطياد خيرات البحر بالشباك فتمونها، وتلك تأتي إليها بما تريد من غلال. ~~أما الخضر ففي كل بيت بستان، وتحت كل بيت صهريج قدر البيت نفسه، بيد أن مطر هذه البقاع ~~غزير فهي في غير حاجة قصوى إلى مياه النيل؛ سيطول الحصار إذن وستطول آلامي. ثم تأوه ودار ~~على عقبه يلتمس ms361 خيمته، والهم يملكه من كل جانب، وإذا هو يرى على مدى غير بعيد منه رجلا في ~~زي الصيادين يتسلق الصخرة التي كان فسطاط السلار منصوبا على ساحتها ويعلوها. # ولمحه الحارس فجرى نحوه رافعا سيفه وهو يقول: مكانك يا رجل! من أنت ؟ فأجاب الرجل صديق ~~للسلار، ثم رفع يديه برهانا على أنه لا يريد أذى، وكان السلار قد رآه فوقف ليتفحص حاله، ~~ولما رآه مأمون الجانب قال للحارس: أطلقه، ثم كلمه بالرومية إذ كان السلار يعرفها، يسائله ~~عن نفسه وفيم جاء؟ فرد عليه الرجل: إنه جاء ليسدي إليه خيرا، قال: لا خير تسديه إلا أن ~~يفتح لي هذا الباب. قال: وأنا جئت لذلك. قال شاهين: لخدمة دينك؟ قال: لخدمة دنياي. ما لي ~~وللدين. أنا رجل يا سيدي مثلك ومثل كل ذي مطمع في الحياة. قال حسبتك قسيسا فإن هذه الملابس ~~ملابس الذين كانوا عندي الآن يرتلون وينشدون، يريدون أن يقنعوني أن الترتيل يفتح الأسوار. ~~لا. لا يفتحها إلا تراتيل المجانيق بأصواتها المنكرة، أو همس الهامسين بأنفاسهم المخبرة، ~~فبأي هذه الآلات تؤمن؟ قال: لكل عهد إيمان، وأنا أومن اليوم بالثانية، هي أفعل وأسرع وأنجع. ~~قال: هات. هات، واطلب ما تشاء. ما اسمك يا صاحبي أولا؟ قال: اسمي بطرس البحريني؛ كنت ~~شماسا، وتركت هذه الحرفة، ولكني رجل أخدم العلم، ولقد كنت أعمل من قبل أن تجيئوا على تهوين ~~الفتح عليكم، فقد لقيت إسحاق بن مرداس اليمني حين جاء هو والحبر لتدبير ثورة في الداخل ~~تعينكم على فتح الأبواب من الخارج، ولكن تدبيرنا لم يكلل بالنجاح. قال السلار: أعرف كل شيء ~~فكيف تخدمني؟ قال: أفتح لك «باب القمر». قال السلار مشدوها وبه نهزة الفرح: تفتحه! قال ~~بطرس: أفتحه بلا كبير عناء. قال: لعمري لو فعلت لأملأن زورقك مالا. كيف يكون ذلك؟ قال: أما ~~المال وإن كان عصب الحياة فلا يهمني. أمر آخر لا يكلفك شيئا مطلقا وهو كل شيء عندي. قال ~~السلار: امرأة وربي. قال بطرس: أجل وربي امرأة، تعطى لي سبية؛ لتكون لي ms362 زوجة بالحلال. أنا ~~لا أريد أن أسيء إلى من أحب. قال السلار: ليكن ذلك يا بطرس، ومعها ملء جيوبك وقلنسوتك ~~دنانير. هذا عهد السلار شاهين يقطعه على نفسه باسمه واسم كسرى ملك الملوك، وإذا فتحت الباب ~~فخذ من تشاء من جندي ؛ ليكونوا تحت أمرك، وليستولوا لك على بيتها وعليها، وعلى من تشاء فيه. ~~قال: شكرا لمولاي السلار، وهاك المفتاح: أنت تعلم أن للإسكندرية غير أبوابها أبوابا على ~~البحر، منها باب ميناء قصر الحاكم الرومي، ومنها باب ميناء الخليج الذي يأتي من النيل ويدخل ~~الإسكندرية من جنوبيها. قال: نعم، قال بطرس: هذا الباب يخرج منه الصيادون، ويعودون بالسمك؛ ~~لبيعه في حلقة عند ملتقى الخليج بشارع كانوب الذي يقطعه آتيا من باب القمر هذا إلى باب ~~الشمس ذاك في شرقي المدينة. قال السلار: علمت ذلك، قال بطرس: وهذه الحلقة قريبة من باب ~~القمر لا تبعد عنه إلا مرمى السهم أو أكثر قليلا. قال السلار: أعرف ذلك. قال بطرس: ولكن ~~الصيادين إذا خرجوا بمراكبهم لا يملكون أن يعودوا في الفحر إلا إذا أعطوا الحراس هذا الباب ~~كلمة السر، وكلمة السر هذه كما يعلم مولاي السلار تجدد كل ليلة. قال السلار: هل عرفتها؟ ~~قال بطرس: أعرفها اليوم يا سيدي، وبها تستطيع أن تدخل الميناء الليلة عينا إذا شئت أن ~~تنتهز فرصة مرض صاحب المركب، فإني لا أضمن أن يظل على مرضه في الغد، ولا أضمن أن أتمكن من ~~المجيء إليك كما جئت اليوم. قال السلار: وماذا تريد مني أن أفعل؟ قال بطرس: تعد أربعين ~~رجلا من رجالك الأشداء في زي صيادين يحلون محل رجالي الذين صرفتهم الليلة عن الصيد بدعوى ~~مرض رئيسهم، حتى أدخلهم الميناء وأمر بهم إلى الحلقة. من هناك يذهبون أشتاتا إلى باب ~~القمر فيقتلون حراسه ويفتحونه، وتكون قد أعددت جيوشك للدخول فيدخلون بلا أقل عناء. # 9 # كان فرحة السلار بهذا التدبير عظيمة جدا، ولكنه صمت يفكر ويتأمل بطرس متفحصا ومقلبا ~~الأمر على ألف وجه، ورأى أنه أمام رجل كل ما فيه ms363 يدل على الخيانة، وخشي أن تكون روايته إحدى ~~مكائد الحروب قصد بها أذاه فأخذ يسائله؛ ليتبين أمره، فقال له: وما كلمة السر الليلة؟ قال ~~بطرس: «الأمانة». هي كلمة رهيبة يا مولاي، ولكن انظر هل لي حق في خيانة أمانة هؤلاء الناس، ~~أم لا؟ على أثر وصولي الإسكندرية في طلب العلم ودخولي معهدها رأيت أحد أساتذته الروم ~~يتألفني تألفا لم يكن له في نظري مبرر يومئذ، ولكني عرفت أن السبب في ذلك ما نمى إليه من ~~أني من أسرة غنية في منوف، وأن أبي يرسل إلي كل شهر مقدارا كبيرا من المال. فخطر له أن ~~يرتزق من ورائي، وكذلك كان يبدي اهتماما بدراستي، ويدعوني إلى منزله، وقدمني إلى زوجته ~~وابنته، وكان يسمح لي بالاختلاء إلى ابنته؛ لكي يثير فينا أمنية الشباب، والواقع أنه تمكن ~~بهذه الواسطة من إيقاظ حب شديد في قلبي لهذه الفتاة حتى أوشكت أن أجن بها فعرضت عليها أن ~~أتزوجها فقبلت، وذكرت الأمر لأبويها فقبلا، ولكنهما أجلا التنفيذ إلى مدى. ثم أعلنني أبوها ~~بأنه يخشى أن أترك ابنته وأعود إلى بلدي في جزيرة منوف، وأنه لكي يضمن بقائي في الإسكندرية ~~يجب علي أن أبيع أرضي وعقاري هناك، وأشتري بدلهما من أرض مريوط وأملاك الإسكندرية، وأن أكتب ~~العقد باسمها ففعلت لفرط حبي لها، ولكنه أخذ يماطلني، ورأيت منه عين الغدر ومن الفتاة عين ~~الرغبة في الخلاص مني؛ لأنها اشتهت أن تتزوج بمالي رجلا من كبار رجال القصر، وعبثا ما ~~حاولته لإتمام الزواج، وفي يوم من الأيام دعاني إليه ضابط المخفر، وقال لي: إنه محرم علي أن ~~أطرق بيت الرومي؛ لأنه لا يريدني، ولأن ابنته مخطوبة لضابط مثله، وأنه إذا رآني في الحي ~~الذي تسكن فيه خطيبتي فهو لا يكتفي من الأمر بحبسي، وعبثا ما حاولته لإقناعه بهذا الظلم ~~فقد أغرى الضابط بي جنوده فتعاوروني وضربوني، وساقوني إلى منزلي لآخذ منها ملابسي، وأخرجوني ~~بها من الإسكندرية، وأنذروني بالقتل إذا هم رأوني فيها بعد ذلك اليوم. # خرجت، ولكني لم أطق البقاء ms364 خارج الإسكندرية، بل أخذت أفكر في طريقة للانتقام، وأخذ ~~خطيبتي، التي أعلم حق العلم أنها تحبني لولا سلطان أبيها عليها، ولذلك احتلت حتى عدت، ولا ~~أطيل عليك القول - فقد كان اضطراري للاختفاء سببا في الالتقاء بجماعة من أهل كنيسة ~~الإنجيليون اليعقوبية وفئة من اليهود، والاشتراك معهم في العمل؛ لإقامة ثورة في المدينة ~~تساعدك على الدخول، واجتمعنا في بيت قديم. # فلما جاء ذكر هذه القصة التي يعرفها السلار تنبه، وأخذ الشك يزايله من ناحية الرجل، وقال ~~له: قل. قل؛ فقال بطرس: اجتمعنا كلنا، ومعنا أحد ولاة اليمن اسمه إسحاق بن مرداس. قال ~~السلار: نعم، ومن؟ وحبر من أحبار اليمن أيضا. قال: صدقت، وكان معهما أموال وسلاح. قال: ~~صدقت. قال: إذن لا أطيل عليك القول. علم بعضهم باجتماعنا وعرفني المبلغ فأهدر الوالي دمي، ~~وطلبوني في كل مكان فخرجت من المدينة هاربا. ثم عدت واحتلت في الدخول لأنتقم ... اشتغلت ~~حمالا، ثم صيادا أملا في أن أعرف كلمة السر لأستفيد منها، وأحسنت ثقة الرئيس بي؛ لكي ~~أتمكن من أن أنوب عنه عند الحاجة، ولكن هذه الحاجة لم تبد على عجل. فقد بقيت في انتظارها ~~خمسة أشهر، ومنذ أيام دعاني أستاذي صاحب مراكب الصيد الذي أشتغل معه، وعهد إلي رياسة الصيد ~~والإمرة؛ لأنه مريض، ولأني محل ثقته دون سائر الصيادين، وعرفني إلى ضابط المرفأ والجند ~~الموكلين بحراسة باب البحر وملأهم بي ثقة، وأبلغهم أني وكيله وصهره المنتظر، وإلي تعطى ~~كلمة السر كل ليلة وتقبل مني لذلك. فهل تراني على حق في خيانة أمانة أولئك اللصوص الكفرة؟ ~~قال السلار: على الحق الأعلى، وأنا واثق بك الآن كل الثقة، وسأعطيك عشرة من رجالي توجههم في ~~مصلحتك على هواك. قال بطرس: شكرا لمولاي. هذا ما قدرته؛ ولذلك لم أتردد في أن أستعد للأمر ~~من قبل أن أجيء إليك فاشتريت لك باسم أستاذي المريض قمصانا وقلانس مما يلبسه الصيادون، ~~وجئتك بخمس سفن من سفنه، وهي الآن على مدى مائتي خطوة منك مربوطة إلى الشاطئ في حراسة رجلين ~~من أخلص ms365 رجالي وأشدهم رغبة في نوالك. فهل أنت مستعد لتنفيذ ذلك؟ # قال السلار وكان يلهث من شدة سروره: مستعد! وددت لو أجعل هذه الضياء ظلاما، وأشرع في ~~العمل على الفور. سأعد العدة لذلك لتوي، وعلامة على شكري لك وللرجلين خذ هذا الكيس نصفه ~~للرجلين ونصفه ثمن الملابس التي جئت بها. إن فيه مائتي دينار، وسيكون أجرك بعد هذا مضاعفا ~~عشرين مرة أو خمسين، وسيكون لك ما أردت؛ لتظفر بالفتاة على أي صورة شئت. ماذا أنت فاعل ~~الان؟ قال: أعود إلى الإسكندرية؛ لأخرج ببقية رجالي إلى الصيد، وأتركهم يصطادون، ثم أجيء ~~إليك في السحر في سفينة صغيرة؛ لأدخل جندك إلى الخليج. # هل أعدم حيلة وأنا في البحر على هواي؟ قال السلار وقد ضحك طربا: لا وربي. من دبر كل هذا ~~لا يعدم الحيلة. قال: إلى الملتقى إذن يا سيدي. قبل الفجر بساعة. ثم ودعه بتجلة، وشيعه ~~السلار بفرط الإكرام والشكر. # الفصل الثامن والأربعون # | اجتماع الشمل # في الوقت الذي كان فيه بطرس البحريني يحادث السلار شاهين، ويشترط عليه أجره في إدخاله ~~المدينة، والحارث بن كلدة حبيسا هو وصاحباه في مرفأ لوكياس في غرفة السفينة - كان ورقة ~~وأورست قد عادا إلى الإسكندرية، ولقيا الأمير بما كان معهما من رسائل الإمبراطور السيء ~~الحظ، وإذ عرف الأمير ما فيها من استحالة إمداد الإسكندرية بشيء من المئونة أو الجنود - أمر ~~من فوره بدعوة جميع أعضاء المجلس الحربي؛ ليبلغهم رد الإمبراطور، ويتذاكر معهم فيما يجب ~~عليهم فعله؛ لتموين المدينة، وزيادة حاميها، وإلا سقطت في يد الفرس، وطلب إلى أورست أن ~~ينتظر؛ ليحضر المجلس، ولأنه يريده هو ورقة بعد انصراف الأعضاء؛ للتكلم معهما في أمر خاص جاء ~~إليه في الرسائل. فانصرف أورست وورقة مثقلي القلب بما بدا على وجه الأمير من الهم، وشعرا أن ~~هناك أمرا يشغل باله غير أمر المؤنة والجنود، وقدرأنه توقع سقوط المدينة في يد الفرس، وإذ ~~إن أمور الحياة مرتبطة فقد اتجه فكرهما إلى ما هما قادمان عليه من أمر الزواج حين أن ~~المدينة ساءت ms366 حالها، وملك اليأس القلوب فيها، والزواج أمر يجب له انشراح القلب، وطمأنينة ~~النفس، وامتلاؤها بالأمل المشرق. فقال أورست: لقد فكرت في أن أنتقل بهيلانة إلى الغرب يا ~~ورقة، وأقضي في قيرين ما يشاء الله لي من الزمن، ثم أعود إلى الإسكندرية بعد ركود العاصفة. ~~إن لي سفنا في كانوب، ومن السهل أن أرسل في طلبها إلى مرفأ القصر لو سمح الأمير لي بذلك؛ ~~لأرحل عليها، وليتك يا ورقة تكون معنا! قيرين آمن مكان، ولكنك لا تستطيع فراق مولاك، ولا هو ~~يستطيع فراقك حتى ولو رحل عن الإسكندرية. من يكتب عنه نيقتاس إلى مولاه بمثل ما كتب عنك لا ~~يتركه بل ولا يجمل بك أن تتركه. قال: لن أتركه حتى نموت معا. قال أورست: ولمياء وأمها؟ ~~قال: سأجيء بهما إلى بيت هيلانة هي وقوزمان؛ لكيلا أضطر إلى تركه لحظة. هكذا اقترح الأمير ~~يوم سافرنا. كما أنه قال لي إنه إذا رحل عن الإسكندرية - وهو ما أكاد أراه الآن - رحلت معه، ~~ولقد ذكرت الأمر لهما ولقوزمان في حينه فأقروه، وأقرته السيدة هيلانة أيضا، وهي تؤثر ~~الرحلة إلى إحدى جزائر البحر الرومي على أن تتجه إلى الغرب كما كان أبوها يرى. قال أورست: ~~إذن فإلى جزائر البحر أنتقل بها ما دامت تؤثرها. ليس لي حاجة خاصة في قيرين على أني أرى في ~~هذه الحالة أن أكون معكم. ترى هل يأبى الأمير ذلك؟ قال ورقة: لا أظنه يأبى. هذا أمر لا تعب ~~عليه فيه، ولكننا نرجو الله ألا يلجئنا إلى فراق الإسكندرية، وفيما هما يتذاكران دخل عليهما ~~حارس الباب يقول لورقة: إن بالباب غلاما عربيا لا يعرف من الرومية كلمتين يريد لقاءك. ~~فضحك ورقة، وقال: فكيف عرفت قصده إذن؟ قال: إنه يكرر اسمك، ورقة، ورقة، ويحمل رسائل أبى أن ~~يسلمها إلا إليك يدا بيد. قال: هاته هو والرسائل، وأخذ ورقة يسائل نفسه: ترى من يكون هذا ~~الغلام؟ ولكنه لم يهتد إلى جواب حتى رأى الغلام قادما في عباءة وعقال وسيف كأنه بطل ~~صغير. # ولشد ms367 ما كان فرحهما باللقاء، فقد تعلق رؤبة برقبة ورقة، وأخذ يقبله ويقبله، وورقة محتضن ~~له يقبله كذلك، وأورست يتأمل هذا المشهد ويعجب، وقد خطر له أنه أخوه أو أحد أقربائه، ولكنه ~~علم بعد ذلك نبأه، ونبأ الشملالة، ولما هدأ الحال تناول ورقة الرسائل، وأخذ يقرؤها واحدة ~~بعد أخرى، والغلام لا يغمض له عنه جفن لشدة سروره وإعجابه، وورقة يسائله عن أخبار بيت رسول ~~الله، وما فعل المشركون بالمسلمين في هذه الأيام، والغلام يجيب بالقول الفصيح والبيان الذي ~~عرفه منه ورقة، ولشد ما كان فرح ورقة عندما علم أن أجواد قريش لم يسعهم بعد ما أكلت الأرضة ~~صيحفة الأذى إلا أن ينقضوا ما كانوا تعاهدوا عليه من مقاطعة بني هاشم جزاء حمايتهم رسول ~~الله، ويعيدوا المياه بينهم إلى مجاريها. # أما قصة رؤبة فهي أنه جاء مع البريد منذ أشهر، ولكنه علم أن ورقة لم يكن قد عاد بعد من ~~بلاد الروم، فوجد من الخير أن يبحث عن بيت سيدته لمياء؛ ليستضيفها فقد علم من الرسول أنه ~~تزوجها - فذهب إليها، وبقى كل يوم يتردد على القصر؛ ليسأل الحارس عن ورقة حتى علم الآن أنه ~~عاد، فرجع إلى لمياء يخبرها وعاد إليه بالرسائل؛ فسر ورقة بتصرف الغلام، وأطلع أورست على ~~ما فعل، وأخذ يسائله عن أحوال آل بيت لمياء؛ فطمأنه، وذكر له أشواقهم وتحياتهم. # وإذ شعر ورقة أن أعضاء المجلس أخذوا يتوافدون أشار إليه أن يعود إلى بيت قوزمان حتى ~~يوافيه هناك، وأخرجه من غير طريق الوافدين مشيعا بكل محبة وكل ثناء. # اجتمع المجلس وأنهى إليهم الأمير رسالة الإمبراطور، وأخذ يتذاكر معهم فيما يجب عليهم فعله ~~إزاء استحالة تموين البلد بشيء من القسطنطينية فلم يهتدوا إلى رأي سريع، ولكنهم اتفقوا على ~~أن يرسلوا سفنا إلى والي إفريقية (تونس) ليشتري لهم برا وغلالا، ويلتمسوا منه أن يجمع ~~لهم من يستطيع جمعه من متطوعة البربر؛ لتعزيز الحامية، وخطر لأحدهم أن يجندوا من في ~~الإسكندرية من اليعاقبة واليهود، ويجعلوا عليهم ضباطا من الروم، ولكن المجلس لم ms368 يستحسن ذلك ~~قائلا: إنه لا أمان لهم فقد يتركون أمكنتهم على الأسوار، ويخلون للدبابات الفارسية مكانا ~~هادئا يدخل الجنود منه. خير لنا ألا نفكر فيهم، أو نذيع أننا فكرنا فيهم خشية أن يتخذوا من ~~ذلك دليلا على ضعفنا؛ فينشطوا للمؤامرات والثورات، وهي شر ما نخشى في هذا الوقت، أو يعلم ~~به السلار فيقوي قلبه ويزداد عنفه، ولكنا نرجو من سمو الوالي أن يتجاوز لنا عن بعض زنوجه؛ ~~لنعزز بهم الأبراج. قال نيقتاس بعد تفكير: خذوا كل حرسي منهم ومن غيرهم، ولكن اتركوا لي ~~عشرة لحراسة باب الميناء، ومثلهم لحراسة الباب الشرقي من القصر لا يسعني غير هذا. سيكون ~~هؤلاء تحت إمرة ورقة فخذوا ضباطهم كذلك، وسأكتب إلى والي تونس يجمع لنا متطوعة من ~~البربر. # فشكر القواد للأمير فضله، ونهضوا ليدبروا ذلك، ويدبروا معه السفن الذاهبة إلى أفريقية، ~~إلا أن الأمير استبقى أكبرهم، واختلى به، ثم عاد به يتحادثان، وفي يد هذا الضابط الكبير ~~طومار لاح إنه ذو خطر؛ إذ كان مما يمنح عادة في التولية أو الترقية. حتى إذا انصرف الضابط ~~وخلا المكان إلى من نيقتاس وورقة وأورست - رؤي نيقتاس يروح ويجيء في القاعة مفكرا، ثم وقف ~~والتفت إليهما يسألهما: ألم يكلفكما الإمبراطور بشيء تبلغاني إياه غير ما في الرسائل؟ قال ~~أورست: لم يطلب إلينا يا مولاي شيئا معينا، ولكنه أطلعنا على ما هو فيه من الضيق، وأبدى ~~لنا استحالة إمداد الإسكندرية بشيء، وقال: إذا لم يساعدنا الله هنا فالقسطنطينية واقعة لا ~~محالة في أيدي الفرس، ويحزنني يا مولاي أن أقول إن عينه اغرورقت بالدموع، وهو يقول: من لي ~~بمثل نيقتاس يكون إلى جواري، إني لا أجد معي صديقا لي آتمنه أو أستشيره، ولكن ماذا أفعل ~~وعاصمتي الثانية توشك أن تقع في يدي أعدائي. فلما سمع نيقتاس هذه الرواية أغرورقت عيناه ~~بالدموع، وقال: اسمع يا ورقة، وأنت يا أورست. أنا أعرف أنكما متلهفان الآن على رؤية ~~عروسيكما. هذا أمر فطري، ولكن ما قيمة التقائكما بالعروسين إذا كانت المدينة على وشك ms369 أن تقع ~~في يد الفرس، أجلا ليلة زفافكما إلى يوم تطمئنان فيه. لم يبق عندنا من الجند ما يكفي ~~للدفاع، ولو عرف السلار ذلك؛ لأقلع عن هذه الأحجار التي يرميها بغير طائل، ولهجم بجنوده على ~~الأسوار مرة أخرى وعلاها. نعم، سيذهب نصفهم قتلى في الهجوم، ولكنه سيدخل الإسكندرية بالنصف ~~الباقي بعد أن يفني الحامية كلها، وهذا ما لا بد أن ينتهي إليه أمره، ولذلك عولت على ~~السفر خفية. إن الإمبراطور يبيح لي ذلك، بل إنه يأمرني به في صورة نصيحة؛ لأنه يريدني، وأنا ~~أرى الخير فيما نصح، وهو يرى ليوحنا الرحوم هذا الرأي، ويلح فيه اتقاء لأذى أهل كنيسة ~~الإنجيليون، فهؤلاء لا يهمهم من هذه الحرب إلا أن يروا بطريق الروم قتيلا أو مطرودا، وأنا ~~لا أشك في أنهم يقتلونه وإن كان قد أحسن إليه. ألم يقتلوا سلفه! فقال ورقة: ومن يتولى أمر ~~المدينة من بعدك يا مولاي؟ قال: رئيس الجند، وقد أسلمته الآن أمرا بذلك وتفويضا. اسمع يا ~~أورست، إنك رومي فإذا بقيت في الإسكندرية فأنت قتيل وامرأتك سبية، وكذلك أنت يا ورقة وإن لم ~~تكو روميا فأنت حارسي الأمين، وامرأتك وأهلك كلهم روم؛ وأخشى أن يقتلوا أو تفضح أعراضهم، ~~وإذ أن أيام الزواج الأولى أسعد أيام المرأة فقد رأيت ألا أحرمهما هذه النعمة. قال أورست: ~~أنرحل معك يا مولاي إن سمحت؟ قال نيقتاس: هذا ما أردت: والآن فاذهب إلى دارك هات كل مالك، ~~وكل ما ترى نقله، ودع وكيلك فيما فيه من انتظار عودتك، أو فافعل ما ترى، ولكن اذهب إلى ~~يوحنا الرحوم إنه صديقك، وبلغه عني دعوة الإمبراطور له، وقل له ينقل ما يحتاج إلى نقله معه ~~الآن، ويأت به إلينا هذا إذا شاء، وسيشاء حتما. لقد خبرني برغبته في النقلة منذ أيام، ولا ~~بد أن نرحل فجر هذه الليلة جميعا. إني إذا بقيت في الإسكندرية ليلة استعصى علي الخروج ~~منها. لست من المتطيرين، ولكن النفس إذا انطلقت من إسارها كرهت أن تبقى في سجنها لحظة ولو ms370 ~~كانت تملك الفكاك، وأنت يا ورقة، حذار أن تذهب إلى لمياء حتى آذن لك إني أريدك الآن. كل ~~دقيقة غالية، ثم يكون لك ما شئت بعد ذلك. إن البحر هادئ هذه الأيام. أليس كذلك؟ قال: لقد ~~تعودته. قال: حسن لتكن ليلة زفافك في البحر إذن أنت وأورست. كل منكما في سفينة خاصة. ~~أيرضيكما ذلك؟ قالا: ما أشد حمدنا لله عليك، قال الوالي: سأعد حمولي الخاصة وما يهم نقله، ~~لا بد أن تكون معي، وإذا جاء أورست وحنا الرحوم فانقل كل متاعنا إلى السفن، وإذا سئلت فقل ~~بضاعة للإمبراطور ستعود بها أنت وأورست. قال ورقة: ألا يحسن أن يجيء قوزمان بأولاده كذلك يا ~~مولاي إلى بيت سيدتي هيلانة؛ ليكون قريبا؟ قال: عجبا. ألم أقل ذلك يا ورقة؟ فظهر على ورقة ~~الإنكار فقال الأمير. زعمت أنني قلت لأورست شيئا من هذا؟ وإلا فكيف يرحل بدونها؟ قال ورقة: ~~فليذهب أورست إذن إليهم وينقل حمولهم كذلك قال: نعم. نعم. على أن يجري الأمر سرا وإلا ~~أثار بفعله الغوغاء. قال أورست: كن مطمئنا يا مولاي، سأكون عند حسن ظنك، إن منزلي يجاور ~~منزل قوزمان فلن يلتفت الناس إلى شيء كثير، وسأنقل متاعنا في جوالق القمح فلا يلتفت إلي ~~أحد. قال: إذن فاذهب من فورك. # ذهب أورست ودبر ما اتفق عليه بحذافيره، وفيما نيقتاس يهم بالصعود بورقة؛ لتنفيذ ما عزم ~~عليه من جمع حمول السفر بدت على ورقة أمارات الأسف أن يضطر الأمر مولاه إلى ترك الإسكندرية. ~~فسأله نيقتاس: فيم تفكر يا ورقة؟ قال: في سفرك يا مولاي، وترك عروس الدنيا لغير زوج كريم. ~~قال نيقتاس: أجل، هذا ما يؤلمني، ولكنه أخف الضررين، إن العاصمة في خطر كما تعلم، ~~والإمبراطور في ذهول، ويحتاج إلى مشير ونصير، ولاسيما على الأحزاب السافلة المنشقة عليه، ~~والعاملة على ترك الحرب والاتفاق مع الفرس، ولكن الإمبراطور عزم على أن يجدد الحلف مع الترك ~~كما فعل موريقس؛ ليغيروا على الفرس من وراء، ويردوهم إلى ديارهم. قال ورقة: هذا رأي حسن يا ~~سيدي، ms371 ولعله يريدك لهذا قال: أجل. لذلك، وفيما هما يتكلمان لاح الحارس في آخر القاعة برقعة ~~صغيرة في يده. فلما أذن له، وتناولها نيقتاس وقرأها تفتحت عينه دهشة، وقال لورقة: خذ. هذا ~~لك. فيما أعتقد، وإن لم يكن باسمك. فإذا هو كتاب من الحارث بن كلدة إلى الأمير نيقتاس يقول ~~له فيه: # سيدي الأمير # حاولت مدى بضعة أشهر أن أدخل الإسكندرية؛ لأرى زوجتي هرميون بنت العالم قوزمان ~~أخت امرأة أخيك هيلانة، وأرى ابنتي، وأكون معهما في هذه الضائقة فلم أوفق. حتى ~~هداني الله إلى مينائك بعد جهد جهيد، ورجائي من الأمير أن يأذن لي بالدخول، وله ~~جزيل شكري وعظيم ولائي. # الحارث بن كلدة # فدهش ورقة لهذا وقال: بضعة أشهر. إذن فرسول مولاي لم يلقه في جدة قال: ولا في مكة، وإنما ~~التقى بولده الأكبر فأسلمه الرسالة، فما وقف على ما فيها حتى جمدت أصابع يده عليها ولم يقو ~~على تركها، فأخذوها منه فإذا هو قد انشل، أهذا الذي أهدر دمك يا ورقة؟ قال: نعم يا مولاي، ~~قال: لقد نال جزاءه العادل. قال ورقة: ألا ليلطف به الله، وليحسن إليه ويهده إلى الحق. إنه ~~رجل شرير يا مولاي. كان يريد قتل رسول الله غيلة. فلما فضحت أمره بقتل القاتل أهدر دمي، ~~فشردني عن بلادي وعن نبيي. قال نيقتاس: ولكنه هو الذي شرد لمياء وأمها كذلك، وجمع بينكما في ~~الإسكندرية. لماذا لا تذكر فضل ربك في ذلك. قال: ما قمت للصلاة مرة إلا وذكرت فضل الله علي ~~في ذلك وفضلك، وفي أني وجدت فيك أبا وسيدا، فكانت صلاتي كلها بقلبي وروحي. قال: أنت مني ~~كولدي يا ورقة. ثم ابتسم، وقال: أتأذن لحميك بالدخول؟ قال ورقة: لا أدري أين يذهب؟ إن ذهابه ~~إلى بيت قوزمان يشغلهم عن التحميل، وأرى أن يبقى حيث هو حتى نلقاه ويرحل معنا. قال: بل يأتي ~~ويدخل بيت هيلانة حتى إذا انتهينا من تحميل الحمول دعوناه أو ذهبنا إليه، وستأتي إليه ~~هرميون وابنته، وتكون إذ ذاك مفاجأة طيبة، وسأتولى الكلام ms372 معه فيما كان من تزويجي إياك ~~ابنته، وأنا الضمين بموافقته ورضاه، بل وبالحمد لله على ما تم. أقلع عما أنت فيه الآن من ~~الاضطراب فإني أكاد أسمع وجيف قلبك. قال ورقة باسما: شكرا لمولاي، قال: خل عنك الشكر، ~~واكتب لضابط المرفأ يأذن للحارث بن كلدة بالدخول بنفسه دون حموله. سيرحل معنا هو أيضا إلى ~~القسطنطينية إذا شاء، وإلا فرحلتي جزيرة رودس، وهي أقرب إلى بلاد العرب من القسطنطينية. ثم ~~نادى نيقتاس جندي الحراسة، وأمره أن يرسل إلى لوكاس حارس بيت السيدة هيلانة من ينبه إلى ~~مقدم ضيف كريم، ويوصيه بإعداد الدار، والتفت إلى ورقة يقول: إذا أتممت الرسالة فأدركني في ~~غرفي. ذهب الأمير، وجلس ورقة يكتب بطاقة الإذن للضابط بإدخال أستاذه، وأعطاها إلى الجندي ~~الحارس، وهو لا يدري كيف كتبها؟ ولا ماذا كتب؟ فقد اجتمعت عليه كل هواجس الدنيا، وغاب عن ~~وعيه بما ملأ فؤاده من الوساوس، وعاد إلى ما كان فيه من قبل من تصوير الحال لنفسه في صورته ~~التي أصغرته في عيني نفسه، وقدر أن الحارث سيرضى تسليما بالأمر الواقع، ولكن عينه ستنم عن ~~أسفه، واقتضاب كلماته سينم عن عتبه على ورقة كيف لم يساعده - وهو الابن البار - على ~~الاحتفاظ بكرامته بين بني عبد الدار وجمح وبني مخزوم وغيرهم من بطون قريش الذين يعيشون على ~~عرف بينهم من لم يرعه أسقطوه، ولم يذكر ورقة حق لمياء عليه في هذا، ولا ما قال من أن خير ~~الخلق وسيد قريش سيبارك على زواجه، ومضى مطرق الرأس إلى غرف مولاه؛ ليكون في خدمته من إعداد ~~حقائب الرحيل وصناديقه، وقد رأى ورقة أن يقول لأستاذه عند البادرة الأولى منه: يا مولاي، ما ~~كان زواج ابنتك كله باختياري. إني أحبها حبا مقدسا ومطهرا، ولقد أراد الله الذي يعرف ~~نجوى نفسي أن يمكنني من أن أقف منك موقف الولاء والرعاية، وها هي ذي ابنتك كما كانت معك في ~~هدى ومكة ونجران، إن ضاعت حياتي على أثر تسريحها فما يهمني إلا أن تحسن الظن بي. ms373 ليس عندي ~~للبرهان على عرفاني حقك إلا هذا. هذا ما فكر أن يقوله للحارس. أما ما قاله لنفسه فهو أن لا ~~قيمة للحياة بعد لمياء، ولن يأبى عليه مولاه بعد هذا أن يتركه في الإسكندرية؛ ليدافع عنها ~~بقدر ما يستطيع، ويموت مرتاح القلب. ~~••• # جمعت قهرمانات القصر وخصيانه ما رأى الأمير حمله من الأموال والتحف والملابس والكتب ~~القيمة وأضابير مراسلات الإمبراطور، ونقلت بإشراف ورقة وتدبيره إلى السفن الإمبراطورية ~~بدعوى إبعادها عن الخطر، وكان أورست ويوحنا الرحوم قد فعلا مثل ذلك، كل من ناحية لم يلفتوا ~~إلى عملهما أحدا، وهون الأمر على أورست أنه كان يملك عربات كثيرة لنقل غلاله، وكان له ~~عمال كثيرون أخبرهم أنه يريد أن ينقل متاعه ومتاع نسيبه العالم قوزمان إلى مكان أمين غربي ~~الإسكندرية تفاديا من ثورات القساوسة واليهود. # أما قوزمان وأهل بيته فقد جاءوا إلى المنزل الذي كان لهيلانة في القصر ومعهم ضيفهم الصغير ~~رؤبة، وقابلهم لوكاس بتحية الولاء، وقد زعم أنهم هم الذين عناهم رسول الجندي الحارس حين طلب ~~إليه أن يستعد للقاء ضيف كريم، فقال قوزمان: عجبي يا سيدي، لقد أرسل إلي سيدي الضابط ورقة ~~يأمرني أن أعد الدار لضيف عظيم، وهل أنت ضيف يا سيدي؟ وظن قوزمان أن القول تمويه من ورقة ~~فابتسم وقال: كيف لا يا أخي لوكاس! ألا تدري أن صلتنا بهذا القصر قد انقطعت منذ أصبحت سيدتك ~~هيلانة زوجة للسيد أورست نائب المدينة وكبير تجار الغلال فيها! فبهت لوكاس، وقال بعد صمت ~~قليل: مبارك يا سيدي. مبارك. إنه والله لرجل عظيم كثير الخيرات. نعم يا سيدي هو يستحقها. ~~إيذن لي أن أذهب لأهنئها. نعم، لم يكن في الدنيا أطيب قلبا، ولا أكرم نفسا من سيدي ~~تيودور، ولكن ما حيلتنا في إرادة الله. ليس علينا إلا أن نتقبل المقدر بالصبر وبالرضا كذلك ~~إن أردنا أن نكون مسيحيين حقيقيين، ودخل لوكاس يقدم تهنئته الحمية إلى هيلانة. # وفيما هم في ذلك جيء بالشريف العربي - الحارث بن كلدة - ينتظر مقدم الأمير، ولم يكن من ms374 ~~صعد به السلم يعلم أن في الدار أحدا؛ لأنه جاء من الميناء حين كان لوكاس مشغولا بتهنئة ~~سيدته هيلانة. # وكان الحارث يزعم أنه سيدخل مكانا معدا لضيافة الرجال، ولذلك دهش إذ رأى في صدر ~~القاعة أشباح سيدات تخالط أشباح رجال فتراجع يسائل صاحبه عمن يرى، وخطر على باله أن ~~مصاحبه أخطأ، ولكن فؤاده كان قد ترجم ما حملت إليه عيناه من صور زوجته وابنته وقوزمان ~~فتردد، وكانت هرميون قد تنبهت لشبح زوجها فنهضت صائحة تقول: الحارث! الحارث! في الوقت الذي ~~كانت لمياء قد رأت فجرت نحوه: أبي! أبي! وسمع الحارث صوتهما فعاد إلى القاعة عجلا؛ ليرى ~~القائل، وإذا هو يجد لمياء تتعلق بأكتافه، فتناولها وتناولته بالعناق والتقبيل والبكاء، ثم ~~أتت زوجته فعانقته طويلا، وبكت على كتفه بكاء مرا، وبكى الحارث معها حتى لم يعودا ~~يستطيعان الفراق لولا أن قوزمان تقدم إليه هو وهيلانة فسلما عليه متعجبين لمقدمه، وعادوا به ~~جميعا إلى حيث كانوا، وهم يسائلونه كيف جاء! ومن أرسله إليهم! قال: ما عجبكم بأشد من ~~عجبي. تمهلوا قليلا. ثم أخرج من جيبه البطاقة التي كتبها ورقة وأمضاها، وقال: من ورقة الذي ~~أمضى هذا الإذن بدخولي الميناء؟ قالت هرميون: ابن العفيفة يا حارث، وانبرت هيلانة تتكلم عنه ~~بما وسع قلبها من الحب لورقة، وقوزمان بما وسع فؤاده من الإكبار والإجلال. فقال قوزمان: ~~هيلانة ردت إليه بعض فضله عليها فعرفته على حقيقته إلى الأمير نيقتاس ساعة كان الأمير في ~~أشد الحاجة إلى القوي الأمين، فأدخله في خدمته، ومنحه من أجلها رتبة على الفور عالية، وهو ~~الآن حارسه الخاص، وصاحب الكلمة العليا في القصر وفي الإسكندرية برمتها؛ لوفائه للأمير ~~ونزاهته في كل عمل، ورشده النادر في كل حادث، وكبره عن دنايا الدنيا وغوايات الشباب. قالت: ~~والله ما استطعت أن أرد له جميلا، وإنما أحسنت إلى نيقتاس. فضل هذا الفتى علي أعلى من أن ~~يبلغه شكر أو تصل إليه يد بيد. إنه قديس. قال الحارث: هذا ما أعرفه فيه. قال قوزمان: وقد ~~منحه الإمبراطور ms375 هرقل فيما علمت منذ ساعة لقب حارس خاص عندما أرسله نيقتاس في مهمة عليا ~~لمجلس الجيش. على أنه لم يعد من القسطنطينية إلا ظهر اليوم ولم نره بعد. قال الحارث: لقد ~~رأيت سفينة بيزنطية عائدة من القسطنطينية، وأهل الميناء يحيون من فيها . كان فيها اثنان ~~ظاهران، ولكني ما قدرت أنه أحدهما. # ولكن كيف جاء هنا؟ إني علمت أنه في يثرب عند خئولة رسول الله؛ فانبرت هيلانة وقوزمان ~~يخبرانه بما كان من أمره في يثرب ومعان وفي الصحراء، والحارث يقول معجبا طربا: هذا ولدي. ~~هذا تلميذي. هذا مثال الفتى المسلم الذي سيكونه كل عربي عند ما تتم دعوة سيد العرب محمد بن ~~عبد الله. قالت لمياء، وكانت وكل هذه الأثناء تحت جناح والدها: وكل فتاة عربية يا أبي. قال: ~~أحسنت يا بنية، ولكن لماذا لا أراه هنا. قال قوزمان: إنه مع الأمير يعد عدة الرحيل عن ~~الإسكندرية، وقد أمره ألا يرى لمياء ولا تراه حتى يفرغ من إعداد حموله، ونحن راحلون معه، ~~وأدركت لمياء أنه سيذكر حكاية زواجه فتركت المجلس تفاديا من موقفها الحرج، وقال الحارث ~~دهشا: لماذا يحرم عليه لقاء لمياء خاصة وعليها لقاءه خاصة ولا يحرم ذلك على من عداهما؟ ~~قال قوزمان مغالطا: لأننا مسافرون جميعا. قال عجبى لك يا سيدي، من ذا الذي تعنيه بالجمع ~~في قولك؟ ألا ترى أنك تتكلم بالأحاجي. قال: لا أحاجي في ذلك، ولكن الأمير رأى الإسكندرية ~~توشك أن تقع في أيدي الفرس؛ إذ لم يبق من حاميتها من يكفون لمداومة القتال، وقد أرسل ~~الإمبراطور يقول: إنه لا يستطيع أن يرد إليها من كان قد أخذه من حاميتها، ولا أن يمونها ~~بشيء من الغلال، وأباح لنيقتاس ويوحنا الرحوم أن يجيئا إليه، وقد رأى نيقتاس صواب الرحيل، ~~وإذ كنا أقرب الناس إليه وإلى حارسه الخاص ولده ورقة الذي لا بد أن يصاحبه، وهو يعلم ما ~~سيلقى كل رومي من سيوف الفرس عند دخولهم - فقد أرسل إلي صهري وعديلك الجديد أورست؛ ليحمل ~~حمولنا، ويأتي بنا إليه ms376 هنا؛ لنسافر الليلة في غفلة من المدينة. قال: ولكني سمعتك تذكر ~~وتستثني هرميون وحدها. قال قوزمان مستمرا في تجهيله وإبهامه: ذلك لأن أمرها أصبح موكولا ~~إلى زوجها بعد ما جاء. قال الحارث وابنتي أليس لي عليها ما لي على امرأتي؟ وكانت لمياء في ~~هذه الأثناء واقفة تتسمع بجوار عضادة الباب من الغرفة التي انسحبت إليها وهي هلعة من هذا ~~الحديث خاشية ألا ينتهي إلى خير، وزاد هلعها أن رأت رؤبة يدخل القاعة مستبشرا، ويتقدم ~~نحوها ليخبرها بمقدم ورقة، فاضطرب قلبها لذلك، ولما لاح ورقة في المدخل لم تقو على الوقوف ~~فارتمت على مقعد كان وراءها. دخل ورقة في لباسه العسكري الجميل تراه ولا يراها. فاتجهت إليه ~~العيون معجبة ومزدهية، والقلوب تحييه بمحبتها وإجلالها، والأفواه تعجل له آيات الرضا والحمد ~~لله عليه ببسمات، إلا الحارث فإنه غضب أن يكون الحال في هذا البيت بحيث يدخل ضابط من ضباط ~~القصر على النساء بلا استئذان، وتنهض إحداهن للقائه بتحية شوق، وهو لا يدري من هو، وكان على ~~قوزمان أن يرد على كلام الحارث، فلما رأى ورقة داخلا قال للحارث: ليس في الأمر أحاجي، ~~ولكنك لا تريد أن تفهم القول الذي ليس فيه خفاء. سل إذن هذا الضابط فلعله يستطيع أن يعطي لك ~~جوابا. فاضطر الحارث أن ينظر إلى القادم فإذا هو يرى فتى أروع يتقدم نحوه بخطى كريمة، ~~وإلى جانبه سيفه العربي الملتوي الذي كان الحارث يعلم أن زيد بن حارثة أهداه إياه وقال: هذا ~~من سيوف رسول الله. فلما تبينه نهض هو أيضا للقائه وهو يصيح: ولدي ورقة! وسمعت لمياء هذا ~~النداء فخارت قواها، وبكت حيث هي، ولكنها نهضت بقوة الحب لترى، وإذا الحارث يضمه بين ذراعيه ~~ويقبله ثم يقبله وهو يقول له: أنت ورقة! ما أسعدني برؤيتك، وأخذ كل منهما يذرف الدمع من ~~سروره بهذا الاجتماع، وانحنى ورقة يقبل يده فلم يمنعه الحارث أن يقبلها؛ لأنه كان يشعر أنه ~~ولده الذي يخصه بكل حب وكل رعاية، وجلس حيث كان آملا أنه ms377 يجلس بجانبه، ولكن ورقة انتحى في ~~مجلس أمامهم، وكان في نيته أن يفتح الحديث في أمر لمياء على الفور. فما إنه سأله الحارث عن ~~حاله حتى انبرى له في الرد عليه يقول: يا سيدي وأستاذي وأبي. أنا على ما تعهد في ، وكما ~~تركتني، ولدك وتلميذك وخادمك، فباركني. قال الحارث: ليبارك عليك الله ورسوله، قال: فاعف ~~عني. قال: علام أعفو. ما أسأت إلي في حياتك قط. قال: استمع لي يا أبي، إني ما جهلت منزلتي ~~منك لا بيني وبينك خاصة، فهي منزلة البنوة، ولا بيني وبين الناس، فما أنا إلا ابن نجار من ~~أهل هذه البلاد، وأنت من أنت في الدنيا وبلاد العرب. # ولكن سيدتي هيلانة اطلعت على نجوى نفسي وأنا وحيد في الصحراء قبل أن أعرف من هي، وعلمت ~~بفرط حبي للمياء، وفرط حبها لي قبل أن تعلم أنها هنا. فلما وجدتها هنا رأت أن الخير في ~~زواجنا في هذه الغربة الدائمة فأبلغت الأمير قصتنا على غير رجاء مني، والتمست منه أن يسقط ~~كل حقك علي وعلى ابنتك وامرأتك ويعمل على الجمع بيننا. فدعانا الأمير إليه، وطلب إلي أن ~~أبدي سبب رفضي أن يعقد لنا، فأبديت له أنك لا تملك بين قومك أن يقال زوج الحارث بن كلدة ~~الثقفي ابنته من ابن سبية ونجار، وأنك إن رضيت بهذا الزواج كنت مضحيا بكرامتك في قومك من ~~أجلي، وأنا لا أرضى أن تضحي لي بشيء فأنعم أنا وتشقى أنت، ولكن مولاي الأمير قال: إني قديس ~~أناني؛ لأني رعيت كرامتي لديك وحقك علي في غيبتك ورضيت أن أضحي بلمياء وحب لمياء، وألزمني ~~أن أقبل العقد، بل عقده يقينا برضاك، وكان ذلك في حضرة سادتي هؤلاء، وأرسل إليك في مكة بخطه ~~كتابا مع رسول خاص يسترضيك ويطلب بركتك، ولكنك كنت هنا قبل سفر الرسول ولا نعلم. على أن ~~الله أنقذني من حيرتي فقد جاء سفري إلى القسطنطينية على أثر العقد، وجاءت عودتي للقاء لمياء ~~بعد لقائك، وها أنا ذا وربي طوع أمرك، فما إن ms378 تقلها كلمة حتى أقولها كلمة، وكأن لم يكن شيء. ~~إن مولاي يرحل بكم الليلة تفاديا من وقوعكم في الأسر، ولن يطول شقائي من بعدكم؛ سأبقى في ~~الإسكندرية أدافع عن بلد أبي وأهلي. بلد آواني، ولقيت فيه نفحة من نفحات السعادة بقرب لمياء ~~مني. حتى إذا حم القضاء قتلت نفسي بسيف رسول الله هذا إذا أيقنت بالهلاك داعيا لكم بطول ~~الحياة وللمياء بالسعادة في جوار سواي. # فلما سمع الجمع هذا الكلام بكوا، وسمعت لمياء تنشج في بكائها في الغرفة المجاورة، وإذا ~~الحارث ينهض من مجلسه ويرفع يديه في غيبوبة من تأثره، ويتناول ورقة متأثرا من كلامه، ~~ويصيح: إلي يا ولدي، إلي يا نعمة الله. بعدا لبني عبد الدار وثقيف، بعدا للأكاذيب ~~والأراجيف! لتراب نعليك أشرف من هاماتهم جميعا. تعالي يا لمياء، خذي زوجك وعيشي معه في ~~بركة مني وسلام من الله، واذكراني دائما بالدعوات، فإن نفسيكما أطهر النفوس. فأتت بها ~~خالتها بين يديه فتناولها وقبلها وقبل ورقة بين بكاء الحاضرين من فرط السرور، وجمعهما ~~بين يديه يقول: خذ زوجتك، وإذا بالأمير قادم فلما رأى هذا المشهد أدرك ما جرى فقال على ~~عادته من السماحة: حسبت أن الأمر يحتاج إلى مقالي ودفاعي عما فعلت، قال الحارث وهو يتقدم ~~لتحيته: لقد كان الحق الذي رأيته وفعلته أبلغ مقال يا مولاي. تقبل شكري ودعائي لك بطول ~~البقاء. ثم تقدم إلى الأمير وانحنى وقبل يده، فبارك له الأمير بزواج ابنته، وقال: أنت إذن ~~معنا. قال: نعم، قال: فانصرفوا من فوركم إلى السفائن. ستجدون هناك يوحنا الرحوم وأورست. ~~فقال الحارث: إن معي يا مولاي رجلين: أحدهما خادمي زياد، والآخر صديق لي من اليهود ولكنه ~~بغير عقيدة. قال مرحى! من هذا؟ فالتفت الحارث إلى ورقة يقول: من تظن يا ورقة؟ قال: نعيم ~~الصيدلاني وربي. لقد كان مشوقا إلى الإسكندرية. قال الحارث: إنه يا مولاي صيدلاني من يهود ~~صنعاء مغرم بالأسفار، وله في الحياة فلسفة خاصة أسلم من كل فلسفة، ولشد ما كانت فرحتي وعجبي ~~إذ وجدته في ms379 قافلة رومية كانت خارجة من الفيوم تلتمس الشاطئ مجانبة معسكر الفرس. قال ~~نيقتاس: ليكن هذا الفيلسوف النادر المثال معي أنا؛ لأني أحب أهل الآراء الخاصة متى كانوا ~~راشدين، وليجيء خادمك معك. إنا سننزل رودس. فمن شاء العودة إلى بلاده فهي قريبة من الشاطئ. ~~مرحبا بالأضياف. قال الحارث: شكرا للأمير وحمدا لله عليه. فالتفت الأمير إلى لمياء ~~وتناول يدها وقال: هلم يا لمياء معي أنا. ستكونين في صوني حتى نبلغ السفائن، حين نكون ~~جميعا في صون زوجك ورقة. قال ورقة: كلنا فداء للأمير، واستمر الأمير يحادث لمياء وهي تسير ~~بجانبه يقول لها: وسيكون زفافك إليه في السفينة، وكذلك خالتك هيلانة إلى أورست. ثم اتجه ~~إليها يقول: إنه الآن هناك ينتظرك يا هيلانة وبه من نار الشوق إليك ما لا يبرد أواره ماء ~~البحر كله، وضحك وضحك الجمع، وساروا وراء الأمير نحو القصر الكبير من الطريق الذي جاء منه ~~يتقدمهم ورقة، ويتعقبهم رؤبة في ملبسه العربي الجميل، وسيفه الملتوي القصير. # فما فتح الباب الذي يؤدي إلى قصر الأمير حتى توارت على الآذان في سكون الليل وظلمته ~~الحالكة أصوات عويل وصياح وجلبة بعيدة، وهتافات بالفارسية وأخرى بالعربية. فأدرك الجمع أن ~~الفرس قد فتحوا أحد الأبواب ودخلوا. أما كيف دخلوا فهذا ما لم يكن أحد من أهل القصر يعرفه؛ ~~لأنهم ما كانوا يظنون أن في إمكان أحد اقتحام الأسوار التي استعصت على كل قائد قبل السلار ~~إلا أن يكون الأمر بخيانة من أهلها، ولذلك التفت المقوقس إلى الجمع وقال: خيانة وحق آلهة ~~روما وأوليمبيا معا! لا يفتح في الإسكندرية باب من خارجها، ولو اجتمعت عليه جيوش الفرس ~~والروم معا! أسرعوا إلى مراكب البحر، وانجوا بالنساء أولا. # والواقع كذلك، فقد تمكن بطرس البحريني في شرذمة من جنود الفرس الذين ألبسهم ثياب الصيادين ~~وأركبهم سفن السمك وبكلمة «الأمانة» التي حفظهم إياها أن يدخلوا من باب البحر على فم خليج ~~كليوباترا، ويبلغوا جسر شارع كانوب، ويصعدوا إلى البر، ويسيروا تحت ستار الليل في السحر ~~يحملون تحت أثوابهم ms380 سيوفا أعدت لهذه الليلة الرهيبة إلى باب القمر. هناك وجدوا الحراس ~~نياما على عادتهم إلا من أعدوه للسهر عليهم، فقتلوه قبل أن يتيقظ سائر إخوانه، وينهضوا إلى ~~سلاحهم. ثم أعملوا السيوف فيهم على الفور، وفتحوا الباب للألوف التي كانت واقفة في الخارج ~~تنتظر فتحه. فدخلت وتدفقت في المدينة وهي بعد نائمة، واعتلت الأسوار من الداخل والخارج، ~~وجرت بينا وبين الجنود على الأسوار ملاحم كانت تتساقط فيها الجنود على الجدران على جانبي ~~السور، وانصرف سائر الجند إلى المدينة يضربون هنا وهناك، ويقتلون كل من يلقونه رجالا ~~ونساء وأطفالا، وينهبون ويسلبون، ويفضحون العرض ويبغون. حتى إذا انتبهت جيوش الحامية التي ~~على الأسوار الشرقية خلتها، وجاءت لتلقى الفرس في الطرقات مستيئسة مستمية في الدفاع عن ~~القصر والكنيسة. # كانت موقعة دامية فاصلة دالت على أثرها دولة الروم في مصر، كما دالت من الشام وأرمينية. ~~دالت بسقوط الإسكندرية عاصمة مصر وعروس البحر الأبيض المتوسط كما سقط من قبلها سائر القطر ~~من شماليه إلى جنوبيه، وقضي في ذمتها بقية الجيش الرومي وقواده إلا من استطاع النجاة بركوب ~~البحر فيما كانوا أعدوه لأولادهم ومتاعهم من السفائن ضنا بهم وبه، أو يقعوا في أيدي جنود ~~الفرس، أو في أيدي الغوغاء من اليعاقبة واليهود إذا دفعتهم أيدي القساوسة والأحبار للثورة ~~والشغب. # جرى ذلك والأمير في بيت هيلانة لا يسمع؛ لأن القصر بعيد. هو في الشرق من الإسكندرية عند ~~رأس لوكياس (رأس السلسلة) والملحمة عند باب القمر في الغرب منها. على أن الأبواب والنوافذ ~~كانت مقفلة إذ الوقت شتاء # 1 # فلما فتح باب الرواق، واتصل بالجو تواردت الأصوات مع ريح الغرب بما في طياتها ~~من صراخ مذعر، وعويل فاجع، وهتاف مخيف، وقعقعة أسلحة تتلاطم. فأدركوا الحقيقة المؤلمة، ~~ونزلوا مهرولين يلتمسون طريق المرفأ الإمبراطوري. # فما كاد النساء يبلغن الشاطئ حتى رئي جماعة من جنود الفرس يجرون وراء الجمع، وحراس القصر ~~يتساقطون تحت سيوفهم؛ إذ فاجأهم جنودب الفرس، وهم مشغولون بتعجبهم؛ لما يرون من نهوض الأمير ~~مبكرا هو وحارسه والبطريق الأعظم يوحنا ms381 الرحوم، وأتباع له من القساوسة ونساء ورجال لم ~~يشهدوهم من قبل. # كان الفرس ممن دخلوا مع بطرس في مراكب الصيادين. جعلهم السلار شاهين تحت إمرته، وأمرهم أن ~~يكونوا طوع أمره فيما يرى، ولذلك لم يذهب بهم إلى باب القمر مع سائر إخوانهم، بل سار بهم ~~إلى بيت قوزمان؛ ليستعين بهم على سبي لمياء، وهناك اقتحموا باب الحديقة، وقتلوا الحارس؛ ~~ليأمنوا استغاثته، وصعدوا الدرج الذي شهد منه النساء إذلال ورقة لبطرس، واقتحم باب الدار ~~أيضا، وصعد يبحث عن أهلها وهو متنكر ملثم الوجه. فلما لم يجد بالدار أحدا، ووجد أثر ~~التحميل والرحيل سقط في يده، وأدرك أن الفريسة فرت من بين أصابعه، ولكنه على عادته لم ييأس ~~فنزل بالجند مسرعا وهو في أشد الأسف؛ لقتله الحارس المسكين، إذ كان يستطيع أن يدله أين ~~ذهبوا؛ ليقتفي آثارهم، وفي نيته أن يبحث عنهم في كل مظنة، ولذلك لم ينقطع جهده عند ذلك ~~الحد. # ذهب بهم إلى بيت أورست مارا من باب المكتبة الذي كان له منذ عهد غير بعيد، واقتحم بهم ~~بيت الغائب، وإنما ذهب هناك؛ لأنه كان وهو متنكر بحرفة الصيادين لا ينقطع عن بيت خليلته بعد ~~أن نقلها إلى مكان آخر، وعرف ممن يتصلون به في صورته الجديدة أن هيلانة تزوجت من أورست، ~~ولمياء من ورقة، ولكنهما سافرا إلى القسطنطينية في مهمة للأمير. فقدر بطرس أن الرجلين عادا، ~~أو أن هيلانة انتقلت إلى بيتها الجديد، وأن أهلها ذهبوا إليها في زيارة، وقدر غير ذلك. فسار ~~إلى بيت أورست؛ ليرى أي وجوه حدسه أصدق. # لم يجد بغيته في بيت أورست كذلك، ورأى أثر تحميل لرحيل فكاد يصعق لخيبته، ولكنه كان يقول: ~~إذا مات الأمل جد أمل. بقي لي أن أذهب إلى القصر فقد يكونون في البيت الذي كان لهيلانة، وهو ~~في معزل عن الجند والحراس. لم لا يكون كذلك! إن كان الرجلان قد عادا وليس لهما أثر في بيت ~~أورست ولا قوزمان فلعلهما في القصر. لعل المقوقس قد أذن لحارسه أن يدخل ms382 بلمياء في بيت ~~هيلانة. لعل ... لعل ... هلم بنا يا رجال إلى القصر الصغير. # ذهبو إلى باب لوكاس مسرعين، وكان لوكاس حارسه قد سمع صوت صياح وعويل ففتح الباب، وخرج إلى ~~العراء يتسمع ليطمئن، وإذا هو يجد أعوان بطرس قادمين نحوه فدلف نحو الباب ؛ ليقفله، ولكنه ما ~~كاد يلمس المزلاج؛ ليوثقه حتى دفعه بطرس ومن معه فسقط تحت أقدامهم بلا حراك. # صعدوا فلم يجدوا أحدا في الدار، ولكنهم رأوا باب الرواق مفتوحا فأموه، ووقفوا ينظرون ~~إلى ساحة القصر فيما كان قد ظهر من نور الفجر، وهناك رأى بطرس أشباح قوزمان والحارث يسيران ~~مع الأمير ولمياء وأمها وخالتها، ورأى ورقة يتقدمهم ورؤبة في أثرهم، ولكنه لم يعرف من هو؟ ~~فهبطوا مسرعين نحوهم، ولكن الأمير كان في ذلك الوقت قد أدرك ما جرى عند باب القمر فأمر ~~قوزمان والحارث أن يعجلا بإدراك المراكب بالنساء فبلغوها، وسار هو يحادث ورقة أنه يحسن - ~~وقد حم القضاء - أن ينظر فيمن يبلغ القهرمانة الأمر عسى أن تتمكن من النزول هي ومن ترى فيما ~~تجد في الميناء من السفائن الإمبراطورية. لم يكن ورقة يستطيع أن يفعل الآن شيئا فلم يجد ~~غير رؤبة فأدناه، وأمره أن يذهب إلى القهرمانة - وكان قد جاءت إلى بيت هيلانة؛ لتحييها ~~وتودعها - ويقول لها كلمتين بالرومية معناهما: «انجي بنفسك» فحفظهما رؤبة، وعاد ليصعد إلى ~~بيت هيلانة، ولكنه ما كاد ينعطف؛ ليصعد السلم إلى البيت حتى رأى جنود الفرس في قتال مع حراس ~~الرواق فعاد أدراجه يخبر ورقة بما وجد، والفرس في أثره، وقد أصبحوا الآن خمسة؛ إذ سقط نصفهم ~~في العراك مع الحراس، وإن كانوا قد تركوا الحراس بين قتيل وجريح، وكان النسوة قد نزلن ~~المراكب، واشتغل قوزمان والحارث بأمرهن، فلم يبق إلا الأمير وورقة؛ ليقاتلاهم قتال المهارة ~~والشجاعة. # كان نيقتاس علما من أعلام المسايفة المشهورين بمقاتلة الجموع، ولذلك لم يهتم ~~برجحان عددهم، والتفت إلى ورقة ينشطه، فقال له بروح المرح المستهين بالمخاطر: مرحى لورقة ~~وأمير ورقة! هذا يومنا! أرني كيف تدافع عن لمياء! ms383 قال ورقة: وعن أميري. ثم هجم على منازله، ~~وهو يصيح على عادته: يا رسول الله! والتحموا؛ فإذا الأمير يطيح برأسا وراء رأس كأنما هو ~~يبري قلما، حين كان ورقة يتأمل عينا براقة في ظلام السحر كانت تصب عليه نيران ألف من صغار ~~الحباحب . فأدرك على الفور أنه غريمه بطرس البحريني، وزاد يقينه بذلك حينما سمعه يقول: ~~اقتلوا لي هذا. إنه غريمي، وما هي إلا لحظة حتى كان السيد البحريني مقطوع اليد مشطور الفك، ~~وملقى على الأرض جاحظ العين واللسان معا. ضربه ورقة كما ضرب العملاق، وهي الضربة التي ~~تعلمها من باقوم: ضربة من أدنى إلى أعلى تطيح باليد فإن قطعها السيف استقر صدره تحت الفك؛ ~~فإما هشمه أو انحدر إلى الرقبة فقطعها، وهذا ما لقيه السيد بطرس، وكان الأمير قد لمح ورقة ~~وهو في مواجهة خصمه، فلما رأى هذه الضربة النادرة المثال قال له في سماحته معجبا: مرحى! ~~ستعلمني هذه الضربة عندما نركب السفن! اضرب ضربة أخرى مثلها؛ لأرى ثانيا كيف تكون! ولكنه ~~لم ينتظر حتى يرى؛ بل سار إلى الميناء مطمئنا إلى العاقبة. # لم يبق من الخمسة إلا اثنان حاولا الهرب من حيث أتيا، ولكنهما لم ينجوا؛ فقد سقط أحدهما ~~بضربة صرعته قبل أن يدري من أين جاءته؟ ولا من الضارب لها؟ على أنها جاءته من رؤبة. زعم أن ~~في الحراس أحياء يكفون للمعونة فانسل كالصل إلى القهرمانة يخبرها، ولما عاد تلقى الرجل ~~فقتله حين كان ورقة يجري وراء الخامس في هروبه، ولكن الرجل ألقى سلاحه، والتفت صائحا: ~~الأمان يا ورقة! ثم جثا على الأرض، ورفع يديه ضارعا. # لم يعرفه ورقة أول الأمر، ولكنه تأمله ورأى أنه مسعد اليثربي الذي لقيه في معان. فقال ~~ورقة: مسعد! قال: معذرة يا ورقة وغفرانا، جئت لك برسالة من سيدي أسعد بن زرارة، ولكن الفرس ~~أخذوها مني، وضموني بالرغم مني إلى جيوشهم، وحملني إخواني من أهل مدين وتبوك على ذلك - ~~وكانوا في جيش الفرس - وكان نصيبي أن أقاتلك وأنا لا أدري. اعف عني. ms384 قال: انهض عفا الله ~~عنك، ولكن ماذا كان في الرسالة؟ قال: إن سيدي ابن زرارة لم ينس فضلك عليه، وإذ إن الخزرج ~~والأوس اتحدوا واتفقوا فيما بينهم على الإسلام، ودعوة رسول الله إلى الهجرة إليهم؛ ليعزوه ~~وينصروا دينه ... فقد أرسلني لأستدعيك. قال: ارجع إلى بلادك بسلام مني إلى ابن زرارة وشكر، ~~وخبره بما رأيت. قال: لا أستطيع العودة الآن. ليس لي راحلة. قال ابحث عن متجر التاجر ~~أورست في حي رقودة، وخذ منه شملالتي فعد بها هدية مني إلى إياس بن معاذ، وخذ هذه الأمارة ~~إلى رئيس المتجر وانصرف على عجل. ثم أعطاه الورقة التي كانت بينه وبين أورست، وقال له: إني ~~راحل إلى القسطنطينية فأستودعك الله. # وكانت القهرمانة قد تمكنت من إعداد الحمول، وجاءت بالخصيان والجواري فساروا جميعا إلى ~~السفائن، ونزلوها حين كان الحارث وهرميون ولمياء في سفينة ذات شطرين؛ ليكون أحدهما لورقة ~~وعروسه، وكانت هيلانة وأورست في أخرى بجوارهم، وكان الأمير والبطريق، والصيدلاني نعيم ~~معهما، في سفينة إمبراطورية واقفين إذ ذاك يرقبون مقدم ورقة؛ ليرحلوا. # وكان البحارة قد علموا بما جرى، فلما رأوا ورقة صاحوا مع الجمع مرحى! مرحى! وخطا ورقة ~~يتبعه رؤبة إلى سفينة الحارث فتلقاه أهله بالقبلات والتهنئة على سلامته، والإعجاب بشجاعته ~~التي أذاعها الأمير وهو منصرف إلى سفينته، وإذا بالأمير عن ظهر سفينته يناديه. فتركهم ورقة ~~وذهب يحادثه من فوق حيزومها. فقال له الأمير: ماذا خبرتني عما أوحي إلى نبيك الكريم؟ ~~قال: عزاء يا مولاي وتأميل، لا بد أن يتحقق. قال: قله للبطريق لعله يتعزى. فقال ورقة: إن ~~الله يقول: # غلبت ~~الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون * في بضع سنين ~~. # أملوا الخير يا سادة بيزنطة، وارقبوا يوم النصر على بني ساسان، وصلوا لله الذي يجزي كل ~~نفس بما تعمل. فرفع البطريق يديه إلى السماء داعيا ومصليا، ورفعت السفائن قلوعها مثله ~~مؤمنة، وهي خارجة من ميناء لوكياس؛ لكي تعود إليها بعد تسع سنين - 627 ميلادية. ms385