######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimRamzi.Badawiyya.Hindawi13680727 #META# Tags: plays #META# ID: 13680727 #META# Title: البدوية #META# AuthorID: 27535259 #META# Author: إبراهيم رمزي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # أشخاص الرواية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الإهداء‏ # أشخاص الرواية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # | البدوية # | البدوية # تأليف # إبراهيم رمزي # | الإهداء # إلى العلامة الأمثل والأديب الأجل، زينة شباب مصر، وعمدة رجال العصر، حضرة صاحب ~~العزة الأستاذ الدكتور عبد الحميد بدوي بك سكرتير مجلس الوزراء. # إنك لعاذري إذ أهدي إليك روايتي هذه غير مستأذن لها عليك، بيد أني تمنيت لروايتي ~~الخلود فتوجتها باسمك الكريم؛ ليذكرها التاريخ كلما ذكر الألمعي الحكيم، ولن تأخذني ~~بجريرتي هذي، وإن لم تكن روايتي مما يجمل أن يهدى إلى أدبك الأرفع، فإنك داع في ~~حياتك النبيلة الحافلة بالعظائم إلى أن يكون كل ما نقتبسه عن الغرب موطنا ليستحيل ~~وضعا من أوضاعنا القومية البحتة. وإذ كنت أستشعر هذا المبدأ العالي - على قدري - فقد ~~عملت على تحقيقه منذ اتصلت بعالم الأدب التمثيلي، الذي لم يكن لمصري فيه قبلي نصيب، ~~وكذلك انصرفت عن الترجمة والتعريب إلى التأليف، ووضعت للمرزح المصري - على قدري أيضا - ~~قطعا عربية مصرية، ومصرية عصرية، ومن تلك رواية البدوية هذه التي تمت إليك باسمها، ~~وبروح تأليفها، فقد ناديت ليلة مثلت لأول مرة في دار الأوبرا السلطانية حين تفضل ~~الجمهور الكريم بتحية تشجيع للمؤلف: «إني أريد للتمثيل المصري استقلالا عن الغرب، ~~برواياته وكتابه، كما يريد كل مصري منا الاستقلال التام في كل منحى من مناحي الحياة.» ~~وهو ما تدعو إليه بلسانك، وتجد في تحقيقه بأعمالك، في نطاق أوسع وأشمل بجهد جبار لا ~~يكلف المشقة إلا نفسه الكبيرة، وحكمة عبقري له في الغيب عين بصيرة. # من أجل هذا وذاك، لم أتردد في إهدائها إليك، وإلحاقها بساحتك، وثوقا بارتياحك إلى ~~جهدي وإن قل؛ إذ يبشرك بمستقبل أجل، حين تتجه همتك العالية إلى التمثيل وأدبه، ~~فتقيم ركن استقلاله فيما تقيم اليوم من صروح للوطن العزيز، والله يحفظك ~~للمخلص. # إبراهيم رمزي # مصر الجديدة في 10 مايو سنة 1922 # | أشخاص الرواية # الخليفة الآمر بأحكام الله: # ملك مصر. # أبو علي: # رفيق الخليفة. # أسامة: # أبو البدوية. # حسين بن مياح: # خاطب البدوية وابن ms01 عمها. # زياد : # عبد أسامة. # أحد المعيدين: # مصري. # معيد آخر: # قاهري. # البدوية: # بنت أسامة ومخطوبة ابن عمها. # ريطة: # أم الأمير حسن بن نزار. # ناعسة: # أخت ابن مياح. # فاطمة المغنية: # مصرية من العوام. # عرب، وجند، ونساء قاهريات ومصريات، ومغنيات، وطبالة، وزمارة، ورقاقة، ونافخ في ~~الأرغول ... وإلخ. # العهد: القرن الثاني عشر الميلادي. ~~••• # ألفت هذه الرواية في مارس سنة 1918، ومثلتها فرقة الأستاذ رشدي في الأقاليم، ثم في ~~القاهرة يوم عيد النيروز، وفي الأوبرا في 6 فبراير سنة 1919. # | الفصل الأول # الوقت عشي قبل المغرب # يكشف الستار عن وصيد خيمة أعرابي قد فرش أمامها بساط (كليم) مقلم، ~~جلست عليه أميمة البدوية، وأمامها نول نصبت عليه شالا وهي تطرز. والشال من الحرير الأبيض، ~~وإذا تفحصها الناظر وجدها مشتغلة الفكر، مختلجة اللب، قوية النفس، ملئت صراحة وثباتا. ~~أما هي فعينها براقة قوية النظرة، ذات رمش أسود طويل الشعر، يظل خدا أبيض مشربا بحمرة ~~وردية ساحرة، إلى جانبه أنف صغير، حاد العرنين دونه، فم مثل فم الأطفال، طريء ندي صوتها في ~~الحديث، بين النبرة لين النغمة. أما ملابسها، فغطفة زرقاء، وثوب أسود به أسماط من ~~الفضة، وفي قدميها نعل بقبالين، يعلوهما خلخال من الفضة. وعلى الجملة، فهي فتاة لا تمتاز عن ~~مثيلاتها إلا بفرط جمالها، وشدة سحر هذا الجمال. # البدوية ~~(تنظر في النول وتقرأ) ~~: # نعمة الحب يا حبيب فؤادي # متعة من نعيم جنة عدن # فاحفظ الحب بالوفاء لتحظى # بنعيم الفردوس في المنزلين # أجل، أجل، سيكون هذا الشال مذكرا لابن مياح بمن تطرزه الآن إذا أبعدته الأسفار ~~عني، وحل عقاله عند الرقاد، لاح له البيتان فتذكر. آه! متى تنقضي أشهر الشتاء حتى ~~أزف إليه وتسعد النفس بجواره ... لقد كان يزورني لا ينقطع عن داري حتى خطبني له ~~أبوه، ليته لم يخطبني. وي ... كلا! كلا! إنا سنجتمع إن شاء الله ولا فراق ~~(تسكت وتنظر في النول مدة، ثم ترفع رأسها كمن سمع صوتا ~~وتنظر هنا وهناك) # من القادم يا ترى؟! إنهم لم يذهبوا إلى البادية إلا ~~منذ قليل ~~(تنادي) # زياد! ~~(تنهض ms02 تدفع بالنول إلى جانب، وتنفض ملابسها، وتذهب صوب ~~اليسار) # زياد ... إني سمعت وقع أقدام، أيكون أحد النور قد ألم علينا؟ ~~(تنظر حذرة؛ فهي تمد عنقها كأنها تتسمع وبها شيء من ~~الخوف، هنا تدخل ناعسة ابنة عم البدوية، وأخت ابن مياح، وهي فتاة عربية أكبر من ~~البدوية سنا ... يكون دخولها من اليمين من وراء البدوية على أطراف أصابعها ~~قصدا، فإذا التفتت البدوية ورأتها ذعرت، وأخذت تمسح صدرها بيديها، ثم وقفت ~~يداها فوق ثدييها، وهي تتنهد). # ناعسة ~~: # ها! ها! ها! ~~(تجري إليها تقبلها، وتحتضنها). # البدوية ~~: # ويحك ناعسة! لقد أفزعتني كافأك الله. # ناعسة ~~: # لا روع عليك! لا روع عليك! كيف حالك يا ابنة عمي؟ # البدوية ~~: # بخير، وأنت؟ # ناعسة ~~: # بخير ولله الحمد، ما ظننت أنك وحيدة. # البدوية ~~: # لقد ذهبوا إلى البادية جميعا. # ناعسة ~~: # وأين صديقتك النورية؟ # البدوية ~~: # من؟ ريطة؟ لقد ذهبت إلى مصر منذ شهر. # ناعسة ~~: # ما علمت ذلك. # البدوية ~~: # كيف تعلمين عنها شيئا، وقد انقطعت عنا مدة طويلة، ليس بين مخيمنا ومخيمكم إلا ~~مسافة ساعة، وي! ماذا جرى؟ # ناعسة ~~: # معذرة يا أميمة، إن أبي لم يعد يطيق أن يتولى له الطعام أحد سواي، وأنت تعلمين ~~أن حكاية الطعام هذا لا تنقطع، بالله خبريني لماذا خلقنا الله نأكل ونشرب؟ # البدوية ~~: # وكيف كان يمكننا أن نعيش؟! # ناعسة ~~: # لا أدري، لم تخبريني لماذا جاءت إليكم تلك النورية يا ترى؟ # البدوية ~~: # كيف؟! جاءت ضيفة. # ناعسة ~~: # أجل أجل ... ولكن عهدي بالنور لا يسيرون فرادى. # البدوية ~~: # إنهم قوم فقراء يا ناعسة، وليس من مصلحة الفقير أن يستصحب فقيرا يغالبه على ما ~~ينال. # ناعسة ~~: # نحن الفقراء لا هم؛ لأنهم يتسولون، ويسرقون، ويتاجرون بأثمن الأشياء عند الناس، ~~وأرخصها عليهم. # البدوية ~~: # وما هو هذا؟ # ناعسة ~~: # العرض. # البدوية ~~: # وي! يتاجرون بالأعراض؟! # ناعسة ~~: # أجل؛ يمرون بالقرى فإذا وجدوا ابنة سائمة غفل عنها أبواها، سرقوها، ثم ظلت معهم ~~كواحدة منهم، حتى إذا كبرت عرفت أساليبهم، ولم تجد في ذلك غضاضة. # البدوية ~~: # أستعيذ برب العالمين ... وهل تظنين أن ريطة من هؤلاء؟ # ناعسة ~~: # هذا الذي من أجله ms03 أردت أن أعرف شيئا عنها؛ لأني ما توهمت أنها منهم، إن بها ~~شيئا من العزة وكبر النفس، وإن كنت أراها أحيانا على شيء من الجرأة. # البدوية ~~: # ذلك لأنها كانت من جواري الخليفة المستنصر كما تقول. # ناعسة ~~: # كانت من جواري الخليفة المستنصر؟! # البدوية ~~: # سمعتها تقول إنها كانت في خدمة ابنه الأمير نزار، ثم هربت يوم نكب. # ناعسة ~~: # نزار الذي حاربته قبيلتنا؟ # البدوية ~~: # هل حاربت قبيلتنا أحدا من أولاد الخليفة المستنصر؟ # ناعسة ~~: # كذلك سمعتهم يتحدثون. # البدوية ~~: # من أجل هذا كان أبي يجادل ريطة ... وريطة تقدح عينها شررا، بل لقد قالت له يوما ~~من الأيام إنه نصر ظالما على مظلوم، ودعت عليه بما فعل. # ناعسة ~~: # دعت عليه؟ # البدوية ~~: # أجل، ولم تحتشم. # ناعسة ~~: # وماذا قال أبوك؟ # البدوية ~~: # ضحك وانصرف، هل كان يستطيع أن يؤذي ضيفه؟! # ناعسة ~~: # كلا! ومع ذلك فإن لأمثال هؤلاء الناس دلالا على الرجال؛ لأنهم لما كانوا يعيشون ~~عيشة الدعارة لم يكن ينتظر منهم أن يتأدبوا. # البدوية ~~: # صدقت، صدقت! بل لقد كان أبي يستطيب حديثها ويأنس بها، ولا يكاد يصبر عنها مع ~~أنها امرأة مسنة. # ناعسة ~~: # مسنة؟ ... إن بها أثرا من الجمال تخفيه تحت ذلك الكحل الذي تكسو به وجهها عمدا ... ~~لقد رأيتها يوما وهي تغتسل قبل الرقاد، فرأيت وجهها أبيض كالقمر، نعم! إنها شريرة ~~الطلعة والنظرة، ولكن الرجل ... # البدوية ~~: # خسئت يا ناعسة! أتعنين أن أبي ... # ناعسة ~~: # هاهاها! لا والله، ولكن ... # البدوية ~~: # ويحك ناعسة! لم يكن أبي يأنس بها إلا لأنها كانت تعرف من أخبار الدنيا ما لا ~~يعرفه إلا أمثالها، ولا تبالي في حديثها بشيء مما تعارف عليه الناس من الآداب، وفي ~~هذا فرجة للقلوب أحيانا. # ناعسة ~~: # أكنت تسمعين حديثها مع أبيك؟ # البدوية ~~: # بعض الشيء، ولكني أعرف ذلك مما كانت تحدثني به هي. # ناعسة ~~: # كيف؟ # البدوية ~~: # كانت تحدثني، ولا تحتشم، ولا تذكر أني عذراء. # ناعسة ~~: # كيف ذلك؟ بالله خبريني. # البدوية ~~: # لقد كانت تذكر لي سعادة الزوجين في خلوتهما ... أف ... دعيني! # ناعسة ~~: # ها، ها، وهل كان يسوءك هذا؟ # البدوية ~~: # كلا، ولكني كنت ms04 أخجل، وهي لا ترحمني ... تتبين ذلك مني فتضحك، وتقبلني، ~~وتحتضنني. # ناعسة ~~: # هاهاها! يا ليت أني ... # البدوية ~~: # أعوذ بالله منك يا ناعسة! أتدرين ماذا قالت لي ليلة رحيلها؟ # ناعسة ~~: # ماذا؟ # البدوية ~~: # قالت إنها ذاهبة إلى مصر، وسترقص للخليفة، ثم تذكرني له، وتغريه بزواجي. # ناعسة ~~: # فبماذا أجبتها؟ # البدوية ~~: # زجرتها ... بل لقد أهنتها؛ فقالت لي إنها تمزح معي. # ناعسة ~~: # أما والله لئن سمع بك الخليفة لرحل إليك يا أميمة. # البدوية ~~: # لا قدر الله ... لا قدر الله ... لم تحيريني؟ أجئت وحدك؟ # ناعسة ~~: # أجل! أم زعمت أن يجيء معي ...؟ # البدوية ~~: # دعي عنك هذا! # ناعسة ~~: # آه منك يا أميمة ... لقد أصبحت الآن تكتمين كل شيء. # البدوية ~~: # أنا؟! لا والله، ولكن ... # ناعسة ~~: # لم يعد بك حاجة إلي؛ خطبك أخي وارتاح فؤادك، ولم يبق إلا ... # البدوية ~~: # ناعسة! # ناعسة ~~: # سأخبره أنك لم تعودي تسألين عنه، ولا تفكرين فيه. # البدوية ~~: # ما أقساك يا ناعسة! تعالي، تعالي اجلسي ~~(تترك لها فضلة ~~من الكليم) # انظري ما على النول. # ناعسة ~~: # ماذا؟ # البدوية ~~: # لقد أوشكت أن أنتهي من تطريز شال أخيك. # ناعسة ~~: # شال أخي! ألا يزال أخي؟! لماذا لا تسمينه بغير هذا؟ أم يصعب عليك أن تقولي شال ~~عروسي؟! # البدوية ~~: # شال عروسي وسيدي، أيرضيك هذا؟ # ناعسة ~~: # كلا! # البدوية ~~: # وي! لا يرضيك؟! # ناعسة ~~: # إنه يسعدني يا أختاه؛ لم تكن لي في حياتي أمنية أرتجيها إلا أن يجمع الله بينكما، ~~وقد أجاب سؤلي، فالحمد لله على ذلك؛ لقد ذاب أخي غراما بك ولوعة، وأنت كم مسحت لك ~~هذي الأكف دمعة، ما أسعدني اليوم يا أختاه! ~~(تقبلها وتقبلها البدوية.) # البدوية ~~: # شكرا لك يا أختاه، شكرا. # ناعسة ~~: # ماذا طرزت له؟ # البدوية ~~: # اسمه المحبوب، اقرئي! # ناعسة ~~(تقرأ) ~~: ~~«حسين بن مياح» ما أسعده بك يا أميمة! وما أشد ازدهاءه بالشال فوق رأسه يوم ~~تكونين له حقا! سيقال هذا عروس أميمة البدوية شاعرة الصعيد، وفخر بني ~~قريظة. # البدوية ~~: # شكرا شكرا، واقرئي هذا. # ناعسة ~~: # ما هذا أيضا؟ بيتين من الشعر؟ لا عجب، إذا لم يكن شعرك لمن تحبين فلمن ~~يكون؟! # البدوية ~~: # إن ms05 الشعراء يمدحون الملوك تحببا ... ومن ملكي يا ناعسة من سلطاني؟ من خليفة أبي ~~علي. # ناعسة ~~: # بل من سيد أبيك لديك ~~(تنظر في النول)؟ # البدوية ~~: # أنت وما ترين. # ناعسة ~~: # لا أستطيع قراءتهما. # البدوية ~~: # كيف؟ أليس الخط واضحا ... اسمعي ~~(تقبض على النسيج، ~~وتديره أربع مرات كلما انتهت من تلاوة شطر حولته عنها، وهنا يبدو ابن مياح، ~~ولكنه لا يتقدم، وإنما يأخذ ينظر ويستمع، وهو يكاد يذوب اغتباطا ~~وشوقا): # نعمة الحب يا حبيب فؤادي # متعة من نعيم جنة عدن # فاحفظ الحب بالوفاء لتحظى # بنعيم الفردوس في المنزلين # ناعسة ~~: # أحسنت يا أميمة، أحسنت والله، أرنيها ~~(تقدم البدوية ~~نولها إليها) # أجل ~~(تنظر فيه) # أعيديهما بالله عليك ... إن للشعر من فمك لحلاوة ... يخيل إلي أنك لا تنطقين بهما ~~إلا بفؤادك. ها، حسين! ~~(وإذا بابن مياح قد دخل عليهما، ~~فإذا تقدم غلبه شيء من القلق والرغبة في عناق البدوية، فيتقدم منها، حتى إذا ~~التفتت إليه مد ذراعيه، فمدت البدوية ذراعيها عفوا واحتضنته. أما الفتى فهو في ~~العشرين من العمر أبيض اللون أصفر الشارب، قد تردى بقفطان أحمر تحزم عليه، وفوق ~~القفطان عباءة من الحرير الأبيض، وعلى رأسه شال - كوفية - قد اعتقله ~~بعقال). # مياح ~~: # أجل يا أميم أجل، إن الحب من نعيم الجنة لا من الدنيا، بل إن عناق العشاق ~~لأجمل منظرا من اتكاء الأبرار على الأرائك، وأنت يا أميمة، أنت أجمل من الحور، ~~وأرق من ولائد النور ... أين الشراب الطهور من كؤوس تزفها عيناك ~~(يقبلها). # ناعسة ~~: # لا يفتك أنهم يحسبون هذه الدنيا لهم وحدهم، فهم لا يشعرون بوجود غيرهم معهم، ~~كأنما خفقت عيونهم لا ترى إلا وجه المحبوب، ولا تسمع آذانهم إلا صوت الغرام من ~~أعماق الفؤاد. # مياح ~~: # معذرة يا أختاه معذرة ~~(يمد إليها ذراعه اليسرى إذ ~~تكون الثانية حول البدوية)، # لقد طال شوقي إلى ابنة عمي كما تعلمين ~~فأنسانيك فرط لهفتي. # البدوية ~~: # معذرة يا ناعسة! # ناعسة ~~: # لماذا تعتذران؟ والله ما سر قلبي بمثل ما رأيت اليوم ... إني لموضع سرك وسرها، ~~وربما عرفت من أمرها أكثر مما ms06 تعرف. # مياح ~~: # أتقول حقا؟ ~~(يخاطب البدوية). # البدوية ~~: # لا تخفي الفتاة عن صديقة لها شيئا من أمور فؤادها. # مياح ~~: # ولا الأخ عن أخته التي يحبها. # ناعسة ~~(إلى البدوية) ~~: # ولقد جئت إليك، والله عمدا؛ أردت أن أكون لكما في مثل هذه الساعة. # البدوية ~~: # آه! ولماذا لم تخبريني بأنه قادم؟ # ناعسة ~~: # أكنت تريدين أن أخبرك بقدوم من تحبين لكي تظلي تفكرين فيه، وتشتغلين عني! # البدوية ~~: # ها ها ها! # مياح ~~: # ها ها ها! # البدوية ~~: # ومن أدراك أنني اليوم وحدي؟ # مياح ~~: # ألممت عليك بالأمس خفية، ودنوت من الدار فسمعت عمي يأمر عبيده بتسريح جماله في ~~البادية، وسمعته ينذرهم بمجيئه، فعدت وأسررت الخبر إلى ناعسة، وها هي قد تقدمتني ~~لكي لا نفاجأ. # البدوية ~~: # ويل للمتأمرين! # ناعسة ~~: # لعمري لئن ظللت معها على هذا الحال ودخل عليك أهلها، ما حمدت ستري في شيء. # البدوية ~~: # وي! ~~(تبتعد عنه). # مياح ~~: # آه! إن ذكرى العواذل - ذكراهم وحدها لتنفر الأليفين، وتشقي العاشقين. # ناعسة ~~: # لا روع عليكما، هأنذا بمرقب فاطمئنا ~~(تخرج من حيث ~~أتت). # مياح ~~: # أميمة! # البدوية ~~(وقد دنا منها ابن مياح) ~~: # لا تدن مني ... اجلس بعيد هذا النول ~~(تذهب هي إلى ~~مجلسها منه). # مياح ~~(يذهب وراءها) ~~: # لماذا؟ ماذا جرى؟ # البدوية ~~: # أنت أدرى ... # مياح ~~: # لا أدري والله، ألا إنك تنكرت لي على حين فجأة في ساعة لم نظفر بمثلها منذ ~~شهرين. # البدوية ~~: # أجل ... فماذا خبأك عني طول هذه المدة؟ # مياح ~~: # آه يا أميمة! ... خبأني عنك أبوك يا ابنة عمي، كأنه أوجس أني غدا أصبحت على وشك ~~أني أحملك إلى بيتي أغالبه على محبتك؛ فهو يغار مني ... # البدوية ~~: # يغار منك؟! # مياح ~~: # أجل ... ما رأيته نظر إلي منذ ذلك اليوم الهني إلا نظرة الحاسد المخجول. # البدوية ~~: # حقا؟ # مياح ~~: # أجل، والله! # البدوية ~~: # وهل يمنع المحب رؤية من يحب أمر كهذا؟! # مياح ~~: # كلا ... كلا، ولكن لعمي هيبة يا أميمة ومحبة في قلبي، أردت أن أقيله تلك النظرة ~~وأحميه ذلك الخاطر؛ فامتنعت عن غشيان دارك على مضض مني ولوعة ... ولطالما يممت هذا ~~المخيم - كما يممت بالأمس - فألفيت عمي ms07 فيه، وعدت أدراجي والعين بالدار عالقة، ~~أتلفت تلفت الأم خلت رضيعها حتى تعود إليه كما عدت إليك الآن يا ~~أميم. # البدوية ~~: # إذن فادن، ولكن إياك أن تغيب عني بعد اليوم أو تبالي بأحد. # مياح ~~: # كلا، كلا ~~(يدنو منها) # لن أبالي بأحد بعد اليوم ~~... يالله! ما أشد دلالك يا أميمة! لقد - والله - أذعرني فكيف بالهجر ... يالله! إني لا ~~أطيق مسماه. # البدوية ~~: # إذا أنت غبت عني بعد اليوم؛ فوالله لن أقبلك هذه القبلة في حياتي ~~(تقبله). # مياح ~~: # يومئذ آخذها أنا عنك يا أميمة هكذا ~~(يقبلها). # البدوية ~~: # لم أرد أن أبدهك بذلك ساعة جئت؛ لكي لا أحرمك لذة اللقاء، ولكني كنت واجدة ~~عليك، ولذلك ... # مياح ~~: # مددت ذراعيك لتضربيني، فعانقتني من حيث لا تعلمين. # البدوية ~~: # على غير قصد مني، ولا هوى. # مياح ~~: # إذن فعانقيني الآن بقصد، وهوى. # البدوية ~~: # إلي، إلي ~~(يتعانقان، وهنا تنادي ناعسة من خلف ~~الستار). # ناعسة ~~: # أميمة! # البدوية ~~: # صوت ناعسة ~~(تبتعد عنه، ويظل ابن مياح جالسا في مكانه ~~متكئا على يده، وهو متطلع إلى البدوية، وهي واقفة). # مياح ~~: # ما سمعت شيئا، تعالي. # ناعسة ~~: # أميمة ~~(على بعد كبير أيضا). # البدوية ~~: # هذه هي تنادي، لبيك. # مياح ~~: # لا تبالي بأحد. # البدوية ~~: # كيف؟! انهض من مجلسك يا أخي، إن ناعسة تنذرك. # مياح ~~: # أنا لا أبالي بأحد، كذلك أمرتني. # البدوية ~~: # قم! لقد أقلتك أن تطيع. # مياح ~~: # هذه المرة وحدها. # البدوية ~~: # أجل، أجل، انهض! ~~(ينهض ابن مياح). # ناعسة ~~(قبل دخولها المرسح) ~~: # أين أنت يا أختاه؟ # البدوية ~~: # لبيك، هأنذا ... # ناعسة ~~(تدخل) ~~: # قد رأيت أباك يعدو على بعيره الأبلق ... ماذا تفعل يا حسين؟ # مياح ~~: # لا شيء، لقد وعدت أن لا أبالي بأحد، ولا سيما بعمي، بل لقد أمرت بذلك. # ناعسة ~~: # ويحك ... حسين ... هلم ... انصرف إذا لم تكن تريد لقاء عمك، أو فانحدر في الوادي ريثما ~~يعود ... ثم أقدم علينا كأنك وافد. # مياح ~~: # ولا هذا أيضا. # البدوية ~~: # فماذا أنت فاعل؟ # مياح ~~: # سأقف بالعراء حتى يعود ... فإذا حط رجله ودخل عليك ورآك؛ فاستأذني لي عليه ودعيني ~~أظل على ما عهد في من ms08 الإباء وحفظ حقه علي، لا أريد أن يرى أنني دخلت دار عروسي على ~~غير علمه ورضاه. # ناعسة ~~: # ما أعرفك بحق الأعمام! # البدوية ~~: # هذا رأي حسن. # ناعسة ~~: # انصرف على بركة الله! # مياح ~~: # وداعا، لا لا! لقاء يا أميمة، لقاء ~~(يهم بالذهاب ~~بظهره) ~~... # ناعسة ~~: # فهمنا، فهمنا، انصرف ~~(يعود ابن مياح فيتقدم من ~~البدوية) # ماذا؟ ... # مياح ~~(يقرب من البدوية ويقبلها) ~~: # لماذا أحرم نفسي قبلة الوداع ~~(يبتعد وهو ~~يتكلم) # إن من العشاق من يشتهي فراق المحبوب رغبة في عناقه ساعة ~~النوى. # البدوية ~~: # إليك ... إليك ... ~~(يخرج ابن مياح جاريا) # لقد ~~ضرج خدي أخوك يا ناعسة. # ناعسة ~~: # آه! هذا افتئات على الغلام يا أختاه. # البدوية ~~: # كيف ... ألا ترين ماذا صنع بي؟ ~~(تقدم خدها). # ناعسة ~~(تقبلها) ~~: # لقد ضرجه الخالق يا أختاه ... لا تأخذي أخي بجريرة غيره. # البدوية ~~: # ويحك ناعسة! # ناعسة ~~: # أتريدين أن أمنعه أنا قبلة من خديك ... أأنا موكلة بخفارتهما، ومع ذلك فلن أسمح ~~لكما بعد اليوم بشيء مما رأيت؛ فإني - ولا أكذبك - قد ملكتني اليوم غيرة ~~(تنظر خارج المرسح) # أين عمي؟ لماذا لم يحضر؟ ها هو ~~الآن بمنعطف الجبل يسير الهوينى، ليتني لم أذعر الفتى. # البدوية ~~: # إذا كانت قد ملكتك غيرة مني ... فأمريه الآن أن يكون حيث هو. # ناعسة ~~: # والله لقد غرت حقيقة. # البدوية ~~: # ها ها ها! ها هو ذا بالعراء، اذهبي إليه، دعيه يقبلك ألف قبلة ... فوالله لا ~~أغار. # ناعسة ~~: # لا تغارين ... حنثت، ورب الكعبة! # البدوية ~~: # وي! أجل والله، لقد حنثت ... شعرت إذا تمثلت قبلات أخيك بلذعة في فؤادي يا ناعسة ... ~~يالله ما هذا؟! # ناعسة ~~: # ها ها! # البدوية ~~: # معذرة معذرة! لن أغار بعد اليوم، ولكن لماذا تغارين أنت يا ناعسة؟ # ناعسة ~~: # لا أدري، ولكني تمنيت من حيث لا أدري أن ... # البدوية ~~: # أن يكون لك عروسا! # ناعسة ~~: # أخي ... عروسا ... أجل ... كلا، وي ... لا أدري لقد اختلط لبي. # البدوية ~~: # ها ها ها! # أسامة ~~(من الخارج) ~~: # أميم. # البدوية ~~: # لبيك يا أبي ~~(تخرج إليه). # ناعسة ~~(لنفسها) ~~: # قوادة، ورب الكعبة! # أسامة ~~(يدخل، وهو رجل في الخمسين من عمره ذو لحية، ms09 وخطها الشيب، ~~وشاربه غير طويل، وهو لابس لبسه العربي البدوي) ~~: # سلام على ابنة أخي ناعسة ... كيف حالك يا بنية؟ # ناعسة ~~(تتقدم منه ساعة الدخول، وتقبل يديه) ~~: # بخير يا عماه. # أسامة ~~: # كيف حال إخوتك وأمك؟ # ناعسة ~~: # نحمد الله على العافية يا عماه. # أسامة ~~: # كيف جئت وحدك؟ # ناعسة ~~: # جئت برفقة أخي حسين. # أسامة ~~: # حسين، وأين هو؟ ~~(يلتفت). # ناعسة ~~: # إنه بالعراء يا عماه حتى يأذن له أهل الدار. # أسامة ~~: # وي! ~~(لنفسه) # لقد أخذ الغلام علي غضي ~~(لناعسة) # اذهبي إليه ... علي به. # ناعسة ~~: # سمعا يا عماه ~~(تخرج من اليسار). # أسامة ~~: # فارس العين والضمير حسين لحظ مني أني أستحيي أن أرى فارس أميمتي بعيني ~~فأقالني، بارك الله ... مضى اليوم أشهر أربع لم أره فيها إلا فواقا في حظيرة أبيه، ~~كأنما كان يتجنب لقائي، وكان لا يفارق مجلسي لحظة، ولا يميل عني هنيهة ... أحبه ورب ~~الكعبة، ولكن، واسوأتاه ... ماذا يخجلني منه وأنا أسلمه عرض ابنتي بيدي؟! ... آه! هذا ~~يؤلمني، لعن الله الشيطان! يلقي في روعي كأني أبيح عرضي مستبيحا ... لا ... رب آمنت ~~بك، وبكتابك، وسنة نبيك، ولكني لا أطيق تخيل ابنتي بين ذراعي سواي ... آه! إنك ~~اللهم تعذبني بما أخذت به حماي؛ إذ حماني رؤية أمها بعد الخطبة ... لقد آليت يومئذ ~~لا أحرم الخاطب رؤية ابنتي، وأراني اليوم حنثت، وإن لم أمنعه. كلا، سأقلع عن هذا أو ~~فلأزفها إليه وشيكا لأقال طول النظرة، وي! كلا ... لا أفارقها، ليعش معي ... أجل ... ~~ليعش معي ... ~~(يسكت ويراجع نفسه) # لا أراه بعيني ... ~~كلا ... ليعش بعيدا عني فلن أراه، هذا عرض يباح فما يهمني أحل أم حرم! كلا، من يطيق ~~هذا؟! ~~(يعاود نفسه)، # وأعيش كالشجرة الملحاة! ~~أعيش، ولا أميم. أعيش، ولا حسين ~~(يسكت) # رب ~~أولني منك عطفا ... أنزل على نفسي السكينة ... رب اهدني بهداك ~~(يركع مستقبلا القبلة ويسجد) # حمدك اللهم هذي سنة ~~خلقك يا أكرم الأكرمين ~~(ويظل راكعا مستقبلا القبلة، ~~ويدخل حسين تتبعه أخته ناعسة، فينتظر أن حتى يتم صلاته، فإذا سلم أسامة يسارا ~~ورأى حسينا نهض إليه) # هلم إلى صدري ms10 يا بني ... أنت أحب الناس إلى نفسي ~~... لا تأخذني بما أجرمت إليك، ابق هنا، لا تبرح حتى أزف إليك أميمة. # مياح ~~: # عماه! عماه! ~~(يقبل يده، وعمه يقبله وناعسة تمسح دموعها، ~~وعند ذلك تدخل أميمة). # أسامة ~~: # تعالي يا ابنتي ... هذا بعلك ... خذيه ... لا تبارحي مجلسه، لا تفارقيه، لن يكون أبوك ~~في هذا المنزل إلا ضيفا عليكما، وسأقضي بقية أيام حياتي أشم في أردانكما ريح شبابي ~~الماضي، وأدعو الله لكما بالسعادة ~~(أميمة ومياح يركعان ~~ويقبلان يده) # انهضا انهضا، بارك الله لي فيكما، إلى الدار، علينا ~~بالعشاء يا أميمة، عاونيها عليه يا ناعسة. # ناعسة ~~: # حبا وكرامة ~~(تخرج هي وأميمة من اليسار). # أسامة ~~: # حسين! # مياح ~~: # لبيك! # أسامة ~~: # إني راحل إلى المغرب عما قريب. # مياح ~~: # إلى المغرب يا عماه! ... لماذا؟ # أسامة ~~: # لقد استنفرنا مولانا أبو علي المنصور خليفتنا الآمر بأحكام الله؛ لنفقأ عين فتنة ~~أثارها ابن عمه حسن. # مياح ~~: # من حسن هذا يا عماه؟ # أسامة ~~: # الأمير حسن بن نزار، نزار الذي حاربناه عام مولدك يا بني حتى سقناه أسيرا إلى ~~أخيه المستعلي بالقاهرة، ثم قضى في السجن نحبه. # مياح ~~: # وما كان جرمه يا عماه؟ # أسامة ~~: # آه! هذا ما تغضى له عيني يا بني. # مياح ~~: # كيف؟! أكان على الحق يا عماه؟ # أسامة ~~: # كان مظلوما يا بني ... لما مات الخليفة المستنصر ترك ولدين: نزار وأحمد، وكان نزار ~~أكبر من أخيه بثلاثين عاما، ولكنه كان زعيم فرقة دساسة خبيثة تسمى الإسماعلية؛ ~~نسبة إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ... كانت تكره صاحبنا الوزير الأفضل ~~شاهنشاه، فلم يشأ الأفضل أن يبايع نزارا هذا خشية منه على البلاد، وبايع أخاه ~~أحمد ونعته المستعلي بالله. # مياح ~~: # هذا أبو مولانا الخليفة الآمر. # أسامة ~~: # أجل يا بني هو ... إنه مدين لنا بما هو فيه اليوم من الملك ... لذلك فإنه يبعث إلي ~~أنا وأبيك بهدايا كريمة كل عام ... إن قبيلتنا هي التي أخضعت نزارا هذا، وهي الآن ~~مدعوة لقتال ولده حسن في برقة. # مياح ~~: # ولماذا ترحل يا عماه إذا كان نزار مظلوما؟ فإن المعاونة ms11 على ولده إثم فيما ~~أرى. # أسامة ~~: # ما كانت الخلافة ميراثا يا بني، إنها للأصلح منا نحن المؤمنين، وأنت تعلم أنا لم ~~نر في الفاطميين مثل أبي علي رجلا ... يا بني إنه رجل يحب الشعر، ويكرم العرب، ولا ~~يفرط في تراث أجداده ... لم تزهر الدنيا كما أزهرت في أيام هذا الخليفة. # مياح ~~: # ولكنه سفاك للدماء، ألم يقتل الأفضل شاهنشاه وزيره، ثم يقتل بعده المأمون ~~البطائحي؟ # أسامة ~~: # آه يا بني! إنك لا تدري لماذا قتلهما ... قتلهما لأنهما عملا على نزع الخلافة منه؛ ~~فالأفضل ود أن يظل وزيرا يعمل بقوة الخلافة كلها، وجعل الخليفة ألعوبة في يديه، ~~وأما المأمون فقد استكشفنا مؤامرة دبرها كان يريد بها خلعه من الخلافة، ومبايعة ~~محمد بن نزار الذي كان في اليمن، وقد تحقق له الأمر؛ إذ وجد الخليفة محمدا هذا قد ~~جاء ووجد المأمون وإخوته في بيت مختفاه ... # مياح ~~: # لقد فعل الخليفة حقا ... لا مراء في ذلك، ولكني سمعت يا عماه أنه فاسق ... لا يني ~~عن العبث بالأعراض غير خجل ولا وجل. # أسامة ~~: # آه! هذا ما يحزنني يا بني، لعن الله الشيطان، هكذا الملوك يا بني إلا من عصم ربك! ~~(يسكت) # لعلي ذاهب بعد الحصاد يا بني. # مياح ~~: # في حفظ الله يا عمي. # أسامة ~~: # أجل. سأرحل مطمئنا ... اسمع يا حسين، إني أترك هذا البيت وابنتي ومالي وعبيدي ~~لتقوم عليهم، فإن أسعدني الله بالشهادة فهي لك، فاعمل بما أمر النبي - عليه السلام ~~- إذ قال: «اتقوا الله في الضعيفين: المرأة، والرقيق.» إن الرق مفسدة والحرية ~~مكرمة، فلا تأخذ عبدا بما جنح وإلا كنت دونه خلقا، ولكن إياك والتفريط في الكرامة ~~... إياك والرضاء بالضيم، وإذا استنفرت من بعدي لقتال فلا تحجم، دع ابنتي في بيتها ~~حتى تعود إليها أو تعود في ذمة الله. هذي وصيتي إليك، وأنت عند ظني بك إن شاء ~~الله. # مياح ~~: # سمعت، ووعيت، وأطعت، والله خير الشاهدين: # نحن يا عم معشر إن دعينا # لقتال العدا نفرنا سراعا # دأبنا الجود فالنفوس عطاء # خالص بيد أنها لن تباعا # أسامة ms12 ~~: # أحسنت يا بني أحسنت، من أجل ذلك ارتضيتك فارسا لها ~~(هنا يدخل عبد أسود) # ما وراءك يا زياد؟ # زياد ~~: # إن بالوادي قوما وفدوا من عند مولانا الخليفة. # أسامة ~~: # من عند الخليفة! أخبروك بهذا؟ # زياد ~~: # أجل يا مولاي ... قابلوني أنا وسعيد وسائر العبيد عند منعطف الوادي، وحادثني بذلك ~~فارس منهم يلتمع النبل في عينيه. # أسامة ~~: # مرحبا بالأضياف مرحبا، اخرج إلى العبيد فاجمعهم، وحيوا الأضياف في ~~اللقاء. # زياد ~~: # سمعا يا مولاي ~~(يخرج من حيث أتى). # أسامة ~~(لنفسه) ~~: # لقد استبطأوني لعن الله الشيطان ... حسين! # مياح ~~: # لبيك. # أسامة ~~: # اذهب يا بني، وانظر في العشاء ... اعقر لهم بعيري الأبلق، وألقه إلى العبيد ليعدوا ~~لنا طعاما؛ إنا لم نعد شيئا قيما. # مياح ~~: # كيف أعقر بعيرك الأبلق يا عماه وقد دفعت فيه مائة جمل لطي؟! إنهم لا يأكلون دما ~~بل لحما، والجمال في هذا سواء. # أسامة ~~: # أجل يا بني، ولكن وفد الخليفة لا بد أن ينحر له خير النعم. # مياح ~~: # ومن أين لهم بمعرفة ذلك يا عماه؟ # أسامة ~~: # ما بك يا غلام؟! ألست من أبيك؟! إن العربي لا يكتفي من الكرم بظاهره، وما كريم من ~~يموه على الناس كرمه. # مياح ~~: # ولكن الأبلق هذا ... # أسامة ~~: # ويك! قل لي يا ابن مياح متى # عزت الدنيا علينا في الكرم # هانت النفس علينا، عجبا # نبذل النفس، ونستبقي النعم! # مياح ~~: # صدقت يا عماه صدقت ... ولكن ... # أسامة ~~: # إذن فلأنحره بيدي، هلم ~~(يخرجان من اليمين، ويدخل رجلان ~~قد ترديا رداء أهل البادية إلا أنه على غاية ما يكون من الحسن، أما هذا اللباس ~~فيستر من تحته ملابس الإمارة، فالأول وهو الخليفة الآمر بأحكام الله ظاهر ~~الجلال، والثاني إذ هو الأمير أبو علي بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش جليل، ~~إلا أنه أقل مظهرا، والرجلان متنكران). # الخليفة ~~: # هذا هو المكان الذي وصفته ريطة يا أبا علي. # أبو علي ~~: # إن ريطة دقيقة الوصف يا مولاي، لا يفوتها صغير ولا كبير، كيف؟! تلك كانت مهمتها ~~في الحياة، ومن أجل هذا ارتضيتها أمينة سرك. # الخليفة ~~: # لقد - والله - أنصفت ms13 يا أبا علي ... إن القوم في القاهرة قد عرفوا كل نساء سري، ~~وعيوني على ملاحهم، فوجب علي أن أتخذ غيرهن لذلك، ولا أكذبك أني سئمت وصال التركيات ~~والصقلبيات؛ إن بهن لكنة لا تسر العربي، وأراني ظفرت في ريطة بمفتاح خزائن ~~الأعرابيات. # أبو علي ~~: # عسى أن تكون صادقة فيما خبرت يا مولاي. # الخليفة ~~: # أما وربي لئن تبين لي أنها أرسلتني إلى الصعيد عبثا لأستلن لسانها من قفاها، ~~ولأفقأن عينها التي كذبتها فكذبتني. # أبو علي ~~: # ما أظنها تخطئ الوصف يا مولاي. # الخليفة ~~: # لقد أبصرت بفتاة كاللؤلؤة على المخمل الأسود تدخل خيمة بجوار هذي، وهي كما وصفت ~~لي ريطة ... لولا أنني لم أملأ كل عيني منها. # أبو علي ~~: # تعني تلك الفتاة البيضاء ذات الخلخال الأبيض، والخمار الأزرق، والثوب ~~الأسود. # الخليفة ~~: # أجل هي يا أبا علي ... لعمري لئن كانت هي البدوية التي ذكرتها ريطة لأغدقن عليها ~~نعمتي، ولأجعلنها قهرمانة قصري ما حييت ... هذي الفتاة ساحرة يا أبا علي، والله لئن ~~كانت هي البدوية لاستوجبت أن أهبها كل ملكي. # أبو علي ~~(يضحك) ~~: # ها ها ها! هب أنها فتاة أخرى يا مولاي، ألا تهبها ملكك سواء بسواء؟! # الخليفة ~~: # لا أدري. # أبو علي ~~: # لا تدري ... كيف؟ إنك لا تطلب من البدوية إلا جمالها الفتان الذي روت عنه ريطة، ~~وقد فتنك جمال من رأيت الآن قدر ما فتنك وصف الأولى، فماذا يفضل هذي عن تلك؟ # الخليفة ~~: # إن للبدوية هوى قديما في نفسي يا أبا علي، والأذن تعشق قبل العين أحيانا ... لقد ~~ذكرت لي ريطة ما ذكرت عن جمالها فصورته لنفسي، وعشقته، وهمت به في الفلوات والبوادي ~~كما تراني الآن. أليس مجيئي من مصر مقر ملكي إلى سيوط هذي غراما وهياما؟ # أبو علي ~~: # وفوق الهيام يا مولاي. # الخليفة ~~: # ليس فوق الهيام إلا الجنون ~~(يضحك) # أتعني ذلك؟ ~~أجل إنه جنون، ولكن لذة العيش في الجنون ... فأنا إذا آثرتها على غيرها فذلك ائتمارا ~~بأمر الهوى، ولا مرد لما قضى. # أبو علي ~~: # صدقت يا مولاي ... ما عجبت لشيء في الحياة عجبي للإنسان. ms14 # الخليفة ~~: # كيف ذلك ؟ # أبو علي ~~: # أنت أمير المؤمنين، وخليفة رسول رب العالمين، تخفق راية عزك برا وبحرا، ويزأر ~~أسد مجدك شرقا وغربا، # 1 # ومع ذلك تصبو إلى جمال فتاة عربية شريدة في الفيافي، ولا تجد غضاضة ~~عليك أن تهبها كل جاهك وعزك كما تقول، فما هذا يا مولاي؟ # الخليفة ~~: # أصغ يا أبا علي، هاك الجواب: لقد شبعت نفسي من كل شيء؛ نلت كل ما تشتهي ~~النفوس، وبلغت أقصى المقاصد، وهدأت ثائرة النفس مني، فأنا أستطيع اليوم أن أعرف ~~السر ... أتدري ما هذه الدنيا التي نعيش فيها؟ وما دنيا من سبقونا في الجاهلية، وما ~~بعدها ... في الشرق والغرب على اختلاف العادات، والمشارب؟! # أبو علي ~~: # هات لنرى! # الخليفة ~~: # الدنيا هذه ... أي طريقة معاش الناس، أمر افتعلوه؛ خلقوه لأنفسهم، ونشأوه لأنفسهم ~~كما تنشئ لنفسك دارا تحشوها أثاثا، وتهيئها كما تشتهي، وقد تتقوض، وتبنى على ~~نظام آخر يختلف عن الأول في كل شيء؛ تتغير أو تفنى، ولكن الأرض التي تقيم دارك ~~عليها باقية لا تتغير ولا تفنى. # أبو علي ~~: # هذا صحيح، كل ما خلقه الله يبقى ولا يتغير، وكل ما خلقه الإنسان يتغير ويفنى. هذا ~~شيء صريح؛ فما المراد؟ # الخليفة ~~: # الإنسان على الفطرة. لا يستطيع التخلي عنها مهما حاول، ومهما قيد نفسه أو قيد ~~غيره بشرائع، وأديان، وآداب، وواجبات ... وأول شيء ركب فيها حب البقاء على أحسن ~~حال، وآخر مجهود الإنسان الحصول على المرأة ليبقي منها في ولده من حيث لا يدري، ~~والأمم كالأفراد يتزاحمون ويتشاحنون ويتضاربون ويتقاتلون؛ لتحصيل ذلك على أحسن حال، ~~وكل ذلك تحقيقا لفكرة البقاء التي ركبت عليها أنفسهم من حيث لا يعلمون إلا ~~بإعمال الفكر. # أبو علي ~~(بعد التفات وإصغاء بتلطف) ~~: # لو نهض أفلاطون اليوم من قبره ما كان عجبه لهذه الحكم دون عجبي ودهشتي. # الخليفة ~~: # ليست هذه فلسفة يا أبا علي، هذا ما رأيته كما قلت لك بالاختبار والنظر، دخلت بيت ~~الحياة ... الدار التي وصفتها لك ... أو الواحة التي أخصبها الإنسان بيده، وهيأها كما ~~اشتهى، وسط الصحراء القديمة الخالدة ms15 التي لا تفنى، وسرت في الواحة من أدناها إلى ~~أقصاها، وأمعنت في طلب آخرها؛ فرأيتني خرجت إلى الصحراء مرة ثانية. # أبو علي ~~: # فماذا شعرت يومئذ؟ # الخليفة ~~: # شعرت - بل تبينت - أن المرأة سيدة العالم، وأن الرجل خادمها، ولكن ضعف ~~جسمانها وقلة حيلتها اليدوية توهمانه أنه السيد وأنها المسود ... وقد جمد الرجل على ~~هذا الوهم وظل مغتبطا به فزادت سيادة المرأة عليه؛ لأنه لما لم يعرف ذلك لم ~~ينازعها سلطتها الحقيقية، وقد زادته الأديان والشرائع ثباتا على هذا الظن؛ ولذا ~~فهو الآن لا يعمل إلا لها ولا يقاتل إلا لحمايتها ولا يعنى إلا بلذتها، فإذا قصر ~~في ذلك تكدر وغضب، لا لأنه لم يحصل غرضه بل لأنه جدير يومئذ أن تزور عنه ~~المرأة وتغضب عليه؛ فكان مصابه عظيما. أما إذا هي عزته أو هونت عليه الأمر ~~اطمأن وأفرخ، كأنه يشعر من أعماق نفسه أنه لا يعمل إلا لها، وإن كان هناك بون ~~شاسع وفرق عظيم بينه وبينها حسبا ونسبا. إن الفطرة لا تعرف المراتب ولا تقر ~~المناصب ... حسب المرأة أن تكون جميلة لتكون سلطانة، تأمر وتنهى، وتحل وتبرم ~~بلسان الرجل ويده. يتوهم الرجل إذ ذاك أنه يفعل ذلك بملكه، والحقيقة أنه مسوق ~~بيد خفية هي يد المرأة التي تلبسها يد الفطرة كالقفاز. # أبو علي ~~: # صدقت ... صدقت يا مولاي ... مرحى لك مرحى. # الخليفة ~~: # ولذلك فإني لا أراني أتردد في أن آخذ من كانت فتانة الحسن، لا لأهبها ملكي تكرما ~~بل لأعطيها ما أمرتني الفطرة أن أعده لسيدة آمرة مطاعة، وأنا أتظاهر من حيث لا أرى ~~بأنني أنا الآمر بأحكام الله، لا المأمور بأحكام النساء. # أبو علي ~~: # ها ها ها، إذا كنت اليوم على وشك أن تهب ملكا وتمنح تاجا؛ فإني سائلك بالله أن ~~لا تنساني، أعطني الوزارة التي كانت لأبي، يغفر الله لك. # الخليفة ~~: # ها ها ها! إذا شاءت البدوية أن تنالها يا أبا علي فهي لك بإذن الله ... ألم تع ما ~~كنت أقول؟! # أبو علي ~~: # معذرة يا مولاي ... ما أنا إلا رجل ms16 واهم مثلك. # الخليفة ~~: # ها ها! هلم بنا نرجع، أنا في انتظار رسول أسامة، وأرانا غبنا عن العسكر طويلا ... ~~سنظل متنكرين في هذه الثياب حتى نرى الفتاة، ونستطلع رأي أبيها. # أبو علي ~~: # هو كذلك يا مولاي، هلم بنا، عوضني الله خيرا. # الخليفة ~~: # ها ها ها! هلم بنا ~~(يخرجان من اليسار، وتدخل البدوية ~~عجلة تتبعها ناعسة ومعها وسائد). # البدوية ~~: # هلمي يا ناعسة، هلمي! أعدي الوسائد؛ إني رأيت الجمع يدنون من مخيمنا، أسرعي ~~(تلقي لها الوسائد فتأخذها ناعسة، وتهيئها إلى ~~اليسار). # ناعسة ~~: # وفد الخليفة يجلس على هذه الأرض، يا للعجب! # أسامة ~~(يدخل، وهو يرخي كمه كأنه كان مشتغلا بشيء يخشى أن تتسخ منه ~~أطراف الكم) ~~: # إن هذه الأرض أرفع منزلا من عرش الخليفة نفسه، هذي أرض لم يدنسها دنس، ولم ~~يقترف عليها محرم، هذه الأرض أخرجت للناس عمك وأباك، وأهلك الذين أجلسوا ابن ~~فاطمة على عرش الخلافة، هلم أسرعي، أعدي العشاء. # ناعسة ~~: # حبا وكرامة ~~(تخرج أثناء حديث أسامة، لا ينقطع الطبل، ~~وعليه فإذا خرجت ناعسة يقدم الموكب يتقدمه بعض الجند والخليفة وأبو علي في ~~وسطه، ويحيط بهم جملة عبيد وبعض رجال ونساء جاؤوا على الصوت، وهم ~~ينشدون): # يا مرحبا بالوافدين # يا مرحبا بالأكرمين # قد زارنا كل منى # وجاءنا الخير المبين # أسامة وعبيدة ~~: # أهلا بوفد الآمر # مولى موالي المسلمين # خليفة الله على # كل البرايا المؤمنين # الخليفة وأبو علي ورجاله ~~: # شكرا لمن أنتم له # خير الموالي الصالحين # ما كان عبدا من يكون # كمثلكم في العالمين # أسامة ~~: # مرحبا بكم يا سادة، مرحبا برسل أمير المؤمنين، نزلتم أرضا سهلا ومكانا ~~رحبا، تفضلوا بالجلوس على بركة الله. # الخليفة ~~: # سلام على أسامة شيخ أعراب الصعيد ونصير مولانا الخليفة، إن أمير المؤمنين يقرئك ~~السلام ... # أسامة ~~: # وعلى أمير المؤمنين وعليكم السلام. # الخليفة ~~: # إنا وفدنا على ديارك قاصدين، لقد طالما ود أمير المؤمنين أن تكون معه في القصرين ~~جليسا يأنس بك ويستعز، وتكون له نعم النصيح الأمين، وقد بلغه أنه لا يقعدك عن ~~الرحيل إليه إلا فتاة حسناء تؤثر البادية على الحاضرة، ms17 ولبس العباءة على الشف ، ~~فجئنا إليك بأمر مولانا نستدعيك إليه أنت وابنتك لتنزل بها في منظرة اللؤلؤة ... # أسامة ~~: # شكرا لأمير المؤمنين وحمدا، لا مرد لحكمه ولا تعقيب لكلماته ... ولكني استنفرت ~~لقتال أعدائه في المغرب وسأرحل في سبيل الله وشيكا، إن أمير المؤمنين - أطال الله ~~بقاءه - كثير الوزراء والنصحاء، بيد أن له من حكومته وصواب رأيه عصمة من الزلل، ~~وحمى من الخطل، وما أنا إلا أعرابي لا أعرف إلا الله والسيف، فأما السياسة ومناهجها ~~والممالك ونظامها، فما لي فيها حيلة ولا اقتدار، وما خسر امرؤ عرف قدر نفسه ~~... # الخليفة ~~: # إن الخليفة قد أقالك الرحيل إلى المغرب؛ لأنه يريدك لأمر أهم لديه وأعظم ... # أسامة ~~: # إن كان الخليفة قد أقالني فما أقالني ربي، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، هذا ~~يوم أيها الفرسان يغتبط به المسلم، فإما نال الشهادة فزف إلى جنة عدن، وإما ~~استبقي حتى يتم حق الله عليه في قومه ودينه، أفتعرض لي الجنة ثم آباها، أوثر ~~عليها مجلسا في منظرة على الخليج من القاهرة؟! كلا، كلا ... # الخليفة ~~: # لك ما ترى يا أسامة، ولكنا أتينا إليك بأمر مولانا نلقي إليك جملته، فإن يكن لك ~~على حكاية بره بك اعتراض فليس من الجود أن تحملنا إياه، تعال معنا أنت وابنتك ~~شاكرا ثم اعتذر؛ فإنه لا يأبى عليك السؤل متى استبان له العذر ... # أسامة ~~: # سأذهب معكم أيها الوفد الكريم وحدي، أما ابنتي فلم تعد تقعدني حمايتها عن الرحيل ~~... # الخليفة ~~: # كيف؟ # أسامة ~~: # لقد عزمت أن أزفها إلى ابن عمها فهو اليوم يحميها، بل لقد نزلت لهما عن ضيعتي ~~ومالي ورجالي، وأصبحت اليوم ضيفا عليهما، فإذا قضى مولاي أن أجيء إليه فإني أملك ~~ذلك، أما ابنتي فلم أعد أملك رحيلها أو بقاءها لنرحل معا حتى ألاقيه، ثم لأرحل بعد ~~ذلك في سبيل الله ~~(يرى ابن مياح داخلا) # هذا ~~بعلها ابن أخي حسين بن مياح ... # الخليفة ~~(يؤخذ) ~~: # بعلها! هذا؟! ... سلام يا ابن مياح. # مياح ~~: # وعليك السلام أيها الفارس، مرحبا بك وبصحبك في ديارنا. # الخليفة ~~: # شكرا لك ms18 يا ابن مياح. ~~(عند ذلك تدخل أميمة وناعسة، فإذا رآها الخليفة امتلكته دهشة ~~لروعتها، أثناء التفات الخليفة يلتفت الجمع وأسامة أيضا إلى القادمتين.) # أسامة ~~: # وهذه ابنتي أميمة، وبنت أخي ناعسة. ~~(أثناء نطق أسامة بالجملة ينطق الخليفة بجملته الآتية دون أن ينتظر ~~أسامة.) # الخليفة ~~: # هذه! هذه! ما أبهى هذا الجمال! لقد صدقت ريطة. # البدوية ~~(عند انتهاء أبيها والخليفة من جملتهما) ~~: # مرحبا بالفوارس أنصار مولانا أمير المؤمنين. # الخليفة ~~: # مرحبا بك يا زهرة العرب، إن أمير المؤمنين يهدي إليك هذا العقد تذكارا لشكره ~~القديم الباقي. # أسامة ~~: # شكرا لأمير المؤمنين؛ إنه يطوقنا منة كبرى، تقدمي يا أميمة فتقبليه. ~~(تتقدم أميمة إلى الخليفة فيقلدها العقد وهو مأخوذ.) # الخليفة ~~: # سبحان الخلاق العظيم! # البدوية ~~(وقد ابتعدت وتعرضت المرسح في عودتها إلى الجمع) ~~: # لتلك والله مكرمة تملأ بيت آبائي عزا وفخرا، ما لنا بشكر أمير المؤمنين ~~يدان. # الخليفة ~~: # يا أميمة، لقد كلفني مولاي أمير المؤمنين أن أستأذنك أنت وأبوك الكريم في الرحيل ~~إليه لتكونا في جواره بقصر اللؤلؤة؛ اعترافا بفضل أبيك على آل بيته، وأملا في ~~الائتناس به وبرأيه. # البدوية ~~: # إن أمير المؤمنين يستكثر قليلنا ويستكبر صغيرنا، فاحمل إليه سلامنا وشكرنا ثم ~~ابذل له عذرنا، إنا قوم لا نطيق سكنى الحضر ولا نستلذه، فما ظنه أمير المؤمنين ~~برا بنا ليس إلا شقوة لنا، له منها ثواب حسن نيته ولنا فيها عذاب ~~إيثاره. # الخليفة ~~: # ولكن قصر اللؤلؤة يا أميمة مغنى ليس له في القصور مثيل. # البدوية ~~: # من ذا يترك هذه البادية الواسعة الأرجاء، يؤثر عليها غرفا ضيقة الصدر مقيدة ~~الهواء؟ من ذا يترك سماء الله انتثرت فيها نجوم اللؤلؤ والجمان، إلى قبة دانية ~~افتعلتها يد الإنسان؟ إن العربي أيها الفارس لا يعتاض عن خيمته إيوان كسرى، ولا ~~حاضر نعمته نعمة أخرى، يذود عن المدينة ليبقي على نفسه سيفه وخلقه ودينه، يرى أهل ~~الحضر فيشفق عليهم، ويستنظر الله إليهم؛ خلق غير وثيق، وتنكر للصديق عند الضيق، ~~سعاية يوم الامتحان، ووشاية يوم الكتمان، وما نرضى لأنفسنا أيها الفارس، ولا ~~لأعقابنا حالا ms19 كهذا: # نحن قوم نرى الحياة اعتزازا # بنفوس أبية وصوارم # قد خلقنا لا نعرف المين في الحق # ق ولا نرتضي بصغرى المظالم # ديننا دين عزة وإباء # ومضاء ونجدة ومكارم # والبوادي كفيلة ببقاها # وسواها كفيلة بالمحارم ~~(تنسحب إلى الوراء هي وابن مياح، وتدخل وسط جماعتها.) # أسامة ~~: # أحسنت يا بنية! # مياح ~~: # أحسنت يا أميمة! # الجميع ~~: # مرحى! مرحى! ~~(تظل البدوية وابن مياح مشتغلين عن حديث الخليفة وأسامة بما يجري ~~بينهما من الكلام الذي لا يسمع.) # الخليفة ~~: # لقد استلبت هذه الفتاة لبي، وأفحمتني فما تنفع حيلتي، دبرني يا أبا علي. # أبو علي ~~: # لقد - والله - أرتج علي، فلا أدري بماذا أشير، ولكن لماذا لا تخطبها إلى ~~أبيها؟ # الخليفة ~~: # أما سمعت أنها مخطوبة لابن عمها هذا؟ # أبو علي ~~: # قد ينزل عنها إيثارا لأمير المؤمنين. # الخليفة ~~: # لا أرى ذلك؛ إن هؤلاء الأعراب لا يروننا مثلهم بما خالط دماءنا من دماء الأعاجم، ~~ومع ذلك ~~(يلتفت إلى أسامة) # يا شيخ العرب، لم أشأ ~~أن أبدهك بما يريد أمير المؤمنين، إن أمير المؤمنين ليعرف صدق مقال ابنتك ويقره، بل ~~لقد كان منذ أيام في قاعة الذهب يثني على الأعراب، ويذم عشرة الأخلاط، ولقد ود ~~أن يحيي في نفسه سنة آبائه الأولين ويحفظ نسب الفاطميين باتصاله ببيت كريم؛ فنظر ~~وتدبر فإذا أنت قطرة العطر المشتارة من أزهار العرب؛ فأوفدني إليك خاطبا، ولكني لم ~~أشأ أن أنفض إليك الخبر إذا استطاع أن يكون هو أول النافضين، كذلك أمرني وكذلك ~~فعلت، فلما لم تجبه إلى طلبته في القدوم عليه، لم أر بدا من أن أنفض إليك ~~عبارته، وأنت ترى أن مصاهرة أمير المؤمنين ... # أسامة ~~: # آه! ويح نفسي من لكنة تصيبني وعي يتولاني ~~(للخليفة) # لقد كان فيما فات بلاغ أيها الفارس ~~(يلتفت عنه، ثم يعود إليه ويتكلم) # إن أمير المؤمنين ~~سيد البلاد له الأمر وعلي الطاعة، ولكن ابنتي - كما خبرتك - قد خرجت من يدي، عزمت ~~أن أزفها إلى ابن عمها. # أبو علي ~~: # ليس العزم نفاذا يا أسامة. # أسامه ~~: # كيف؟! إني ما عزمت على شيء ترددت ms20 فيه؛ # فإذا عزمت ~~فتوكل على الله ~~، بيد أني وهبتها لابن عمها، ولن يحل الله أن ~~أهب ما ليس ملك يميني ... فإذا عدت إلى مولاي أمير المؤمنين فانشر له بلاغي وما قد ~~رأيت. # الخليفة ~~: # ولكن الهبة لم تتم يا أسامة ... إنك لم تعقد له عليها. # أسامة ~~: # ما حتم الله علينا أن يكون العقد كتابة، لقد رضيت بزواج الفتى من ابنتي وأنا ~~وليها، فتم العقد والحمد لله. # الخليفة ~~: # ولكن شرعة الناس في مصر أن يكتبوا بذلك؛ حفظا للأنساب وقطعا للارتياب. # أسامة ~~: # إنهم هناك في حاجة إلى ذلك؛ لأنهم يخشون تعنت الأزواج ونحن لا نخشى عنتا، وقد ~~زوجت ابنتي بملكي لكفؤ لها ولن يغلبه أحد عليها، بل لعمري لئن لم أفعل ذلك وكانت ~~ابنتي في يدي، لأبيتها إلا على طاهر الخؤولة والأعمام. # الخليفة ~~: # وي ... أفأنت لا ترى خؤولة أمير المؤمنين؟! ... # أسامة ~~: # أنا وما أرى أيها الفارس ... أقلني الحديث في هذا الشأن. # الخليفة ~~: # إنك لجريء المقالة يا أسامة! # أسامة ~~: # ما عهدتني أخشى في الحق لومة لائم ... إن هؤلاء الفاطميين قد استباحوا الخلافة ~~لأنفسهم بما لهم من صلة بفاطمة الزهراء لا بزوجها علي عليه السلام، وإلا لتساووا ~~هم وبنو العباس في حق الخلافة ... فإذا كانت المرأة قد ميزتهم؛ إذ كان دم محمد في ~~ابنته كل شرفهم، فلماذا نراهم لا يستولدون إلا الروميات، والصقلبيات، والتركيات؟! ~~أف لهم كيف يكذبون؟! # الخليفة ~~: # ويحك يا أسامة! إن لأمير المؤمنين حرمة ... # أسامة ~~: # ما دام على الحق، ولا أراه في هذا على شيء من الحق. # الخليفة ~~(لنفسه) ~~: # إذن فلا سبيل ... # أبو علي ~~: # إلا بالاقتسار. # الخليفة ~~: # هذه جرأة لا تحمد يا أسامة. # أسامة ~~: # لا أجرؤ إلا على الظلم أيها الفارس ... أما سمعت مقال ابنتي؟! ... أين الفتاة؟ # ناعسة ~~(تنادي) ~~: # أميمة. # أسامة ~~: # أميمة. # البدوية ~~(تأتي من بين الصفوف) ~~: # لبيك يا أبي. # أسامة ~~: # تعالي واسمعي ... إن أمير المؤمنين يخطبك لنفسه. # البدوية ~~: # يخطبني! فضل من أمير المؤمنين، ولكني لا أبيع ابن عمي هذا بتاج بني فاطمة ~~الأكرمين. # مياح ~~: # ولا أنا إياك بحور الجنة أجمعين. # البدوية ~~: # إن ms21 كان العقد سبيل الخطبة ؛ فهذا عقده أرده إليه مع الشكر العظيم ~~(تنزعه، وتقدمه للخلفية وهو مضطرب). # الجميع ~~: # مرحى! مرحى! ~~(تظل أميمة ممسكة بالعقد تقدمه إلى ~~الخليفة، وهو ملتفت عنها). # الخليفة ~~: # لقد أشعلت الفتاة نار غرامي، وزادني الرفض هياما. ~~(عند ذلك تعلق البدوية العقد على يد الخليفة وهي ممدودة، ثم تنسحب ~~وهو في غفوته الأولى، وتبقى يده ممدودة، والعقد مدلى منها وهو لا يشعر.) # أبو علي ~~: # اقتسر، إنما العاجز من لا يستبد، دع لي الكلام ~~(إلى ~~أسامة) # لقد بقي لنا يا أسامة أن نبلغك وعيد الخليفة ... إذا أنت لم تجبه ~~إلى طلبته فقد أهدر دمك. # أسامة ~~: # أهدر دمي! اخسأ أنت ومن عنه تتوعد، تنذرني بوعيد الخليفة المأفون؟! وي! لعمري لئن ~~بغى علي لتموجن البوادي بكل عربي في صدره نفس يتردد، وليسيلن الوادي قبائل إلى ~~القصرين فهدوهما هدا، وثلوا عرشه ثلا. # مياح ~~: # أراكم يا قوم شر الرسل! متى كان أمير المؤمنين يهم بمنكر كهذا، وبخرق كالذي عنه ~~تنذرون؟! إن ابنة عمي هذه زوجتي بسنة الله ورسوله؛ فهل قام أمير المؤمنين لينقض سنة ~~الله ورسوله؟! لعمري لئن كان كذلك لأهدرت أنا دمه. # أبو علي ~~: # ويحك! يا زعنفة العرب. # أسامة ~~: # خسئت من أحمق ثرثار، أيقال هذا لهذا الفتى؟! لعمري لنقطة دم من دمه لأشرف من ~~دمائكم أجمعين، انصرفوا خبروا خليفتكم بما سمعتم، وافتقدوا زادكم على الأبواب، ~~لقد نحرت لكم أكرم نعمي - حسن ظن بكم وإجلالا لمن أرسلكم - ولكني، وإن غضبت، لا ~~يصرف الغضب نفسي عن الجود، اذهبوا على بركة الله، ولا تحملونا على أذاكم بما ~~تهترون. # أبو علي ~~: # ويحك! أتقول هذا؟! يا رجال ~~(يدخل عدة رجال ~~مسلحين). # البدوية ~~: # ويلاه! # أبو علي ~~: # اعتقلوا هذا الشيخ، واذهبوا بالفتاة إلى العشاريات. # أسامة ~~(وقد دنا منه بعضهم شاهرين السيوف) ~~: # إليكم يا أعوان الشيطان ~~(يجرد سيفه ويضاربهم، ولكنهم في ~~النهاية يضربونه فيقع، ويكون الجماعة الذين ذهبوا ليأخذوا البدوية قد ضاربوا ~~ابن مياح، وهو متعلق بأهدابها حتى جرح فسقط، وخرج الناس حاملين البدوية على ~~أيديهم). # البدوية ~~(أثناء خروجها) ~~: # حسين، حسين! ms22 # مياح ~~(وهو ملقى على الأرض) ~~: # لبيك، لبيك! # ناعسة ~~(تعود بعد فرارها فترى أخاها) ~~: # أخي، أخي، ويلاه جرحت؟ # البدوية ~~(من الخارج) ~~: # حسين، حسين! # مياح ~~: # لبيك هأنذا ~~(يحاول النهوض فيسقط)، # ويلاه! خارت ~~قواي. # ناعسة ~~: # ويلي! ويلي ~~(تضمد جرحه بالشال تنزعه عن ~~المنسج). # البدوية ~~(على بعد) ~~: # حسين، حسين! # ناعسة ~~(تسمع تأوه عمها فتلتفت) ~~: # من هذا؟! عمي يحتضر، ياويلتاه! ~~(تذهب إليه.) # أسامة ~~: # عاطني سيفي، عاطني سيفي. # ناعسة ~~(تبحث عن السيف، ثم تقدمه له) ~~: # ها هو ذا، رباه! # مياح ~~: # أميمة! أميمة! # أسامة ~~(يحاول أن ينهض، ولكنه لا يستطيع، فيمد يده ليقبض على السيف ~~فيتناوله، ثم لا يلبث أن يسقط من يده) ~~: # سيفي، سيفي ... آه، آه، آه. ~~(يظل على الأرض يتأوه ويسدل الستار.) # | الفصل الثاني # يكشف الستار عن قطعة أرض من بستان الروضة، فيه إلى اليمين مقعد من ~~الخشب جميل الصنع عليه متكآت من الريش، وهذا البستان على نهر النيل، وطريق الجيزة ظاهر من ~~وراء الماء، وإلى يسار المرسح بالنسبة للمتفرج قصر عربي جميل البناء، هو قصر الهودج الذي ~~بناه الخليفة الآمر للبدوية. أما هذا القصر فيقع عند الممثلين في منتصف الجدار الأيسر ~~للمرسح، بحيث تبقى مسافة بينه وبين النيل، ومثلها بينه وبين المتفرجين، وللقصر باب صغير إلى ~~جانبه نافذة صغيرة ذات شباك مربع من النحاس، إذا ارتفع الستار وجدت البدوية جالسة على ~~المقعد في ملابس جميلة، والمرأة ريطة - بفتح الراء، وتسكين الياء، وفتح الطاء، التي ورد ~~ذكرها في الفصل الأول - واقفة إلى يمينها، فهي متجهة إلى الجمهور، وهي لابسة ملبس الوصيفات، ~~ووجهها قد شوه بشيء من الكحل مدلى فوق خدها يستر حقيقة خلقتها الجميلة، والمرأة عصبية ~~المزاج شديدة النشاط، أما البدوية فظاهرة الكآبة في جلستها، ويراها الرائي قد اتكأت بمرفقها ~~إلى جانب المقعد وأسندت رأسها براحتها؛ ولذا فهي مائلة في الرقدة ... # البدوية ~~: # تشفقين علي، وأنت التي أغريت الخليفة بي؟ # ريطة ~~: # إذا ساءك ما فعلت فحسن ظني شافع، لقد زعمت أنك تعرفين أن الدنيا أربعة أمور: ~~مأكل، ومشرب، وملبس، ومنامة. وإن الذي ينالها على أحسن حال ms23 هو السعيد، وإنك تعلمين ~~أن هناك شيئا خامسا لا أستطيع ذكره في حضرتك، فإذا أنا مكنتك من كل ذلك في قصر ~~الخليفة، وكان الخليفة لك زوجا، كنت ... # البدوية ~~: # والقلب يا ريطة؟ ونعمة الحب؟ إني أحب ابن عمي، ولا أشتهي من الدنيا شيئا سواه، ~~هو دنياي وجنتي، وما هذا القصر بأحب إلي من خيمة أبي، ولا هؤلاء الأجناد بأعظم من ~~عبيده، وما جلستي بجوار هذا الخليفة بأعز علي من رؤية ابن مياح يحادثني وأحادثه ~~كالحمامتين استقلا عن الدنيا في مهب الرياح، آه يا ريطة لعمري! # للبس عباءة وتقر عيني # أحب إلي من لبس الشفوف # وآكل كسيرة في كسر بيتي # أحب إلي من أكل الرغيف # وبيت تخفق الأرياح فيه # أحب إلي من قصر منيف # ما نعيم الحياة يا ريطة إلا راحة القلب، وأين مني راحة القلب وحبيب القلب مفقود؟! ~~واحسرتاه عليك يا حسين! # ريطة ~~: # ولكن ماذا ينفع هذا النحيب يا مولاتي؟ لقد قضى ابن عمك في ذمة الله كما بلغت، فهل ~~ينفعك اليوم وجدك عليه؟ تدبري يا سيدتي وانظري، أعاد إليك ابن مياح بعد إذ فارقته ~~عاما؟ # البدوية ~~: # لو كان في الأحياء ما تركني هنا. # ريطة ~~: # إذن فلماذا تمنعينن نفسك عن الخليفة، وتسومينه كل هذا الهجر، وهو راض بذلك، صابر ~~حتى تهدأ ثائرة نفسك؟ لعمري لو كنت من القطا ثم مضى عليك مثل ما مضى لاستأنست، ~~ويحي! ماذا ينفع ابن مياح اليوم وفاؤك وهو في أحضان الملائكة؟! ... # البدوية ~~: # أقصري يا ريطة أقصري، أراك تفتحين جراح قلبي وتدمين حبات فؤادي، أما يكون الوفاء ~~إلا للأحياء؟! لقد جهلت الشعر وأنكرتني المكارم إن خنت عهد ابن عمي في ~~نواه. # ريطة ~~: # ستأسفين يا ابنتي على عمر تقضينه حزنا وبكاء، وشباب تقضينه هما وشقاء، من ذا ~~الذي يشعر بمصابك ويرق لحالك، بل هبي أن في الناس من يرثي لك ويتوجع، فما ينفعك ~~الرثاء؟ # البدوية ~~: # لا شيء لا شيء، ولكن للحزن لذة وللبكاء نشوة، هما بعض رحمة الله وحنانه. # ريطة ~~: # ولكنك إذا فكرت، ثم قلت ما هذا الخيال ms24 الكاذب الذي أنا فيه ، ثم نهضت فاقتبلت موكب ~~السعادة المقبل عليك؛ لحمدت عقباك وأسفت على ما فات. # البدوية ~~: # هيهات! ليس إلى العزاء سبيل. # ريطة ~~: # ما لي معك حيلة يا بنية، ولكني أشفقت على شبابك، فأردت أن أبقي عليك؛ لأن الخليفة ~~... # البدوية ~~: # إني أعرف ذلك، ولهذا أعددت نفسي. لن أرضى في الناس بابن عمي بديلا. ~~أسمعت؟ # ريطة ~~: # والسيف يا أميمة؟ # البدوية ~~: # هذا كل ما كنت أرتجي، أفإذا عرض لي الموت الذي يجمعني بالحبيب آباه؟! وافرحة ~~القلب ونعماه! # ريطة ~~: # بارك الله فيك يا أميمة ~~(تقبلها)، # والله ~~لأنقذنك منه يا أميمة، يمين الله علي ذلك يا ابنتي، ولقد سبرت غورك الآن عاما ~~كاملا، فلم أعد أخشى فضيحة سري. # البدوية ~~: # ما هذا يا ريطة! لقد بدل منك، ألهذا سر؟ # ريطة ~~: # سر، وأي سر يا ابنتي؟ أتقسمين أن لا تبوحي؟ # البدوية ~~: # كيف تطلبين إلي هذا، وقد أفضيت إليك بسري، وما سألتك عليه قسما؟ # ريطة ~~: # إذن فاذكري أني أنا جارية الإمام المصطفى لدين الله زعيم الإسماعيلية. # البدوية ~~: # من هو هذا؟ # ريطة ~~: # الأمير نزار بن المستنصر بالله أخو الخليفة المستعلي أبي هذا الذي في دست ~~الخلافة. # البدوية ~~: # أنت جارية عمه الذي قتل ظلما في القصرين. # ريطة ~~: # أجل! أجل! بل أنا أم والدة الأمير حسن الذي هو الآن في برقة فارا من ظلم ظالمه ~~حتى يأذن الله ... # البدوية ~~: # وكيف لا يعرفك هذا الخليفة؟ # ريطة ~~: # يعرفني! كيف يعرفني وقد فررت بولدي إلى برقة قبل أن يولد، لقد مضى اليوم ست ~~وثلاثون سنة، بيد أني أخفي نفسي حقيقة تحت هذا الكحل كما تفرست بالأمس خشية أن ~~يفتضح أمري لمن يعرفني، ولكني أحمد الله على أنه عمل برأيي فلم يحضر معك في هذا ~~القصر أحدا من أهل أبيه. # البدوية ~~: # وماذا جاء بك إلى ديار أبي في الصعيد؟ # ريطة ~~: # جئت أعمل لرد الخلافة إلى ولدي. # البدوية ~~: # ولكنك لم تفعلي شيئا، أكنت تريدين أن تستنصري بقبيلتنا؟ # ريطة ~~: # بقبيلتكم؟ قبيلتكم التي عاونت المستعلي على قتل سيدي! # البدوية ~~: # إذن فلماذا جئتنا؟ # ريطة ~~: # لم أشأ أن ms25 أطرق القاهرة حتى أعيش بين عرب الصعيد ونوره عهدا أصقل به ما صدأ على ~~لساني من لهجة أهل المغرب، حتى لا يستريبني هذا الخليفة إذا أنا حادثته؛ فقد علمت ~~أنه كثير الحذر يخشى أنصار ولدي، ولما كنت قد علمت أنه مولع بالأعرابيات، وكنت قد ~~سمعت بما من الله به عليك من جمال الحور ... # البدوية ~~: # وي، وي! # ريطة ~~: # رأيت أقرب خطة للبلوغ إليه والقرب من نفسه أن أعلمه بأمرك، ولم أكن أدري أنك ~~عالقة القلب بابن عمك. # البدوية ~~: # كيف؟ ألم أخبرك أني كنت على وشك أن أزف إليه؟ # ريطة ~~: # حسبتك ككل مخطوبة يا بنية، إن تكن تحب خاطبها فإنها لا تأبى أن تكون لخاطب أحسن ~~منه، على أني كنت ذات مقصد زعمت تحقيقه يدنيك أنت من السعادة. # البدوية ~~: # آه يا ريطة، انظري ماذا فعلت؟! قتلت لي أبي، وابن عمي، وعبيد أبي، قوضت بيتي، ~~ونزعتني من بين ذراعي من أحببت من أجل غرض لك قد لا يتحقق. # ريطة ~~: # صه! لا تنفري، إنه محقق بإذن الله. # البدوية ~~: # أنتم أيها الناس تستحلون كل شيء باسم الله في سبيل أنفسكم، ولا تعرفون أية جريمة ~~تقترفون، عفا الله عنك يا ريطة ... ومن ذا الذي جمعك بابن الأفضل؟ # ريطة ~~: # جمعتني به المصلحة، إنه يضمر السوء لهذا الخليفة. # البدوية ~~: # يضمر السوء، وهو الذي كان معه يوم سرقني، بل هو الآمر بذلك؟! # ريطة ~~: # لم يكن يستطيع أن يفعل غير ذلك ليوغر صدر الأعراب، إنه يريد أن يملأ الدنيا له ~~كرها. # البدوية ~~: # لم هذا؟ # ريطة ~~: # لأنه قتل له أباه، وأبوه الذي بايعه بالخلافة كما بايع أباه من قبل، قتله وهو ذو ~~الفضل عليه، كما قتل وزيره المأمون بعده لما أراد هذا أن يستخلف أحمد بن ~~نزار. # البدوية ~~: # أحمد أخا ولدك حسن؟ # ريطة ~~: # أجل، كان أكبر أبناء سيدي نزار، وكان قد فر إلى اليمن حتى دعاه الوزير المأمون ~~البطائحي إلى القاهرة سرا فجاء، واستكشف الآمر أمره، فقبض على أحمد وعلى المأمون ~~وإخوته الخمسة، وقتلهم. # البدوية ~~: # يا لله! # ريطة ~~: # واليوم لا يستوزر ms26 الخليفة وزيرا ولا يولي أميرا، أفتعجبين أن يحنق أبو علي ~~لزوال دولته عنه، وكان الملك في بيته منذ عهد جده أمير الجيوش بدر الجمالي. # البدوية ~~: # إذن، فهو يعمل في الخفاء على خلعه. # ريطة ~~: # أجل وتولية ولدي، أفي ذلك ريب؟! لذلك يممت قصره، وألقيت إليه نبأي، وأقرني على ~~رأيي. وذهب للخليفة من فوره، فرحل هذا إليك، ثم أتيت، وجعلني في خدمتك. # البدوية ~~: # أو الرقابة علي؟ # ريطة ~~: # أنا التي دبرت ذلك بمعونة أبي علي، وإنما رضي بذلك ليأمن سعاية نسائه. # البدوية ~~: # وما كان قصدك مني؟ # ريطة ~~: # لم يكن لي منك قصد إلا أن أصل إلى الخليفة، وها قد وصلت، ولكني غير قادرة على ~~تحقيق غرضي، وبما أنك يا بنيتي لا تريدينه، وقد سبرت غورك، فتبين لي أنك لا تودين ~~البقاء هنا، تشتهين العودة إلى بلادك، فكوني معي واتكلي على الله. # البدوية ~~: # وكيف ذلك؟ # ريطة ~~: # أريد أن تساعديني على قتله. # البدوية ~~(بفزع) ~~: # قتله! ~~(تصمت) # هذا جرم فظيع. # ريطة ~~: # وهو ... ألم يقتل أباك، وابن عمك؟ ... دخل عليهما ضيفا، وخرج سفاحا. # البدوية ~~: # بلى! بلى! ولكن جزاءه بيد الله لا بيدي يا ريطة، كيف ألقي بنفسي في نار ~~جهنم؟! # ريطة ~~: # لقد حسبتك تثأرين لقومك يا أميمة، هل يترك العربي ثأره؟! # البدوية ~~: # كلا، ولكن لا يليق بالعربية القتل، ولا بالمسلمة الختل. # ريطة ~~(لنفسها) ~~: # يا قوة الله! لقد خاب الأمل، ألا تريدين الخلاص من هذا الخليفة؟ # البدوية ~~: # بلى! # ريطة ~~: # أنا أخلصك منه، ولكن على شرط واحد. # البدوية ~~: # وهو؟ # ريطة ~~: # إذا دخل عليك ثم استلقى في فراشه ونام، أن تنهضي تفتحين الباب، منه تخرجين إلى ~~البادية، وأدخل أنا عليه بالقاضية. # البدوية ~~: # ولا هذا أيضا. # ريطة ~~: # إذن فوالله لا تبلغين العتق الذي تشتهين. # البدوية ~~: # لعمري لا، الرق أحب إلي من أن تكون لي يد في قتيل. # ريطة ~~: # ليكن ذلك، أترضين بالخلاص على أن تتركي باب غرفتك، وأنت فيها وحدك مفتوحا ثلاث ~~ليال متوالية؟ # البدوية ~~: # ولم هذا؟ # ريطة ~~: # لا شيء سوى أن أدخل إليك، ثم أحملك أنا ورجالي برا بقسمي ما ms27 دمت قد أقسمت لك ~~بذلك. # البدوية ~~: # لقد كان في الإمكان ذلك منذ عهد بعيد، فلماذا تلجأين إليه اليوم؟ # ريطة ~~: # أريد أن أبعدك عن مشهد الدماء. # البدوية ~~: # أليس في ذلك تآمر؟ # ريطة ~~: # إني لا أدعوك إلى مناصرتنا، وإنما أعمل على البر بقسمي وعلى أن أحفظ عفافك عليك، ~~فإذا شئت أن تحتفظي به فهذا تدبيري. # البدوية ~~: # أقره، ولا أشهده. # ريطة ~~: # هذا ما أردت، والآن فانهضي ندخل الهودج، اليوم عيد النيروز وسيفد أهل مصر ~~والقاهرة على هذه الحديقة على عادتهم كل سنة، هلمي ... ~~(تتقدمها، تفتح الباب الصغير، وتدخل وتتبعها البدوية، ثم قبل أن ~~تدخل تقف وتنشد.) # البدوية ~~: # رب إني أنيب مما أراه # حائما في سماء هذا المقام # إن نفسي تتوق للعتق لكن # بئس عتق ينال بالإجرام ~~(ويفتح الباب وتدخل، وإذا بالأمير أبي علي قد دخل يمشي الهوينى من ~~اليمين، ثم يتقدم هنا وهناك، وينظر ثم ينطق بسر اللقاء.) # أبو علي ~~: # نيروز، نيروز! # ريطة ~~(تطل من النافذة الصغيرة التي في المرسح المفصلة بمربعات ~~النحاس) ~~: # غدير، غدير! # أبو علي ~~(يتقدم من النافذة) ~~: # أنت هنا يا ريطة! # ريطة ~~: # مرحبا بأبي علي. ~~(أثناء الحديث يدخل أسامة، وهو مرتد برنسا أبيض ذا قبعة، وهو ~~محني الظهر قليلا، وهيئته تدل على أن بفؤاده خبالا، ثم يقترب من النيل، ويجلس يأخذ ~~بعض عشبه، ويأكل كالقردة.) # أسامة ~~: # هذا مكان جميل، ومرعى خصيب. # أبو علي ~~: # ماذا فعلت يا ريطة؟ # ريطة ~~: # لم ترض البدوية أن تقتل الرجل بيدها. # أبو علي ~~: # ربما كانت قد عادت فأحبت الرجل. # ريطة ~~: # أما هذا فلا، لقد سبرت غورها، قلبت عليها وجوه النصح والتزيين، فلم تزد إلا ~~تعلقا بابن عمها وكرها للرجل. # أبو علي ~~: # كأنها لا تسطيع ... # ريطة ~~: # إنها تأباه، وتنفر منه خشية عذاب الله. # أبو علي ~~: # أهي من هؤلاء؟ # ريطة ~~: # بل لقد أبت أن تفتح باب غرفتها والرجل فيها، ولكنها وعدت أن تفتحه إذا لم يكن بها ~~ثلاثة أيام متوالية، وإذ إنه يأتي إليها مرة كل يومين إلى آخر الليل إذا عاد من ~~مجلسه في القاهرة، فما عليك ms28 إلا أن تحضر رجالك ، أدخلهم غرفتها وهي نائمة، حتى إذا ~~دخل الثعلب ظفروا به إذ ذاك. # أبو علي ~~: # أحسنت أحسنت، سأعد العدة للغد، أصبح اليوم أمر الروضة وحراسها في يدي، ~~فاطمئني. # ريطة ~~: # هذا خبر سار. # أبو علي ~~: # وأسر منه أن سيدي الأمير حسنا حاضر إلى مصر قريبا. # ريطة ~~: # حاضر! أوصلتك منه رسالة؟ # أبو علي ~~: # بل من شيخ الجبل، ينبئني أنه أرسل يستدعي الأمير من مخبأه الذي تعلمين، يوصيه ~~بالرحيل إلى مصر سرا، كما أنه خبرني أن بمصر الآن فتى غريبا أرسله في خدمة الله. # ريطة ~~: # وافرحتاه! وافرحتاه! هل أخبرك عن اسم هذا الفتى؟ # أبو علي ~~: # قال إنه يدعى اليوم «ذو الفقار». # ريطة ~~: # ذو الفقار اليوم، فما اسمه الأصلي؟ # أبو علي ~~: # لم يخبرني به، ليس من الصواب ذكر اسمه، ذو الفقار هذا اسم سيف سيدنا علي عليه ~~السلام. # ريطة ~~: # عليه السلام، وما علامته؟ # أبو علي ~~: # صورة كبش ملون في عمامته. # ريطة ~~: # صورة كبش؟ # أبو علي ~~: # أتعرفين ما كناية الكبش؟ # ريطة ~~: # لا أدري # أبو علي ~~: # الكبش كناية عن فداء فرقة الإسماعيلية، فأنت تعلمين أن إبراهيم الخليل لما رأى في ~~المنام أن الله يأمره أن يذبح ولده إسماعيل لم يتردد في إطاعة ربه، وهم بذبحه، ~~فأدركه الله وافتداه من السماء بكبش حنيذ. # ريطة ~~: # وهل هؤلاء الإسماعيلية ينتسبون إلى ابن الخليل إبراهيم؟ # أبو علي ~~: # كلا، ولكنه تيمن، وتشبه جميل، والآن أستودعك الله، إني سأبحث عن هذا الفتى حتى ~~ألاقيه، ثم آتي به إليك في أول الليل، فأدخليه حيث شئت. # ريطة ~~: # حسن! في وديعة الله. # أسامة ~~: # ما ... # ريطة ~~: # ما هذا؟! رجل يستمع! قضي الأمر! # أبو علي ~~: # لي الويل. ما هذا ... اختفي أنت ~~(تختفي، ويذهب أبو علي ~~صوبه) # من أنت يا رجل؟ # أسامة ~~: # أنا ... ألا تعرفني؟ # أبو علي ~~: # ويحك من أنت؟ ... متى جئت هنا؟ # أسامة ~~: # جئت منذ جئت ~~(هذا التسكين على تاء الفاعل في جئت ~~مقصود كي لا يعرف أبو علي هل يعني جئت بالضم أم جئت بالفتح). # أبو علي ~~(بخوف) ~~: # ولماذا جلست هنا؟ # أسامة ~~: # أبحث ms29 عن حماري. # أبو علي ~~: # تبحث عن حمارك؟ أين هذا الحمار؟ # أسامة ~~: # أنت أخذته ~~(ينهض) ~~... هات حماري ... حماري ~~الأصهب. # أبو علي ~~: # ويحي إني ما رأيت لك حمارا. # أسامة ~~: # إذن فعليك اللعنة. # أبو علي ~~: # ويلاه ... من هذا الرجل؟ إني أرى به شبه الحاكم بأمر الله كما وصفوا، أيكون هو ~~الحاكم؟! لقد قال شيخ الجبل إنه سيعود إلى الدنيا بعد قرن من الزمان ... # أسامة ~~: # أجل أنا الحاكم. # أبو علي ~~: # إنه يعرف ما في القلوب، ويلاه! لقد صدقت نبوءة الشيخ، متى نزلت من السماء يا ~~مولاي؟ # أسامة ~~: # أنا ما نزلت من سماء، ويحك إني كنت في الماء. # أبو علي ~~(لنفسه) ~~: # لا شك في ذلك، قيل إن ملابسه وجدت ببركة الحبش ولم توجد جثته، فمن أعطاك هذه ~~الملابس يا مولاي؟ # أسامة ~~: # هذه ملابس الجنة، حاكتها لي الحور ~~(يذهب صوبه) # أين حماري قلت لك؟ لقد أخرجته الآن من البحر وجمعت له هذا العشب؛ فأين ذهب؟ # أبو علي ~~: # والله ما رأيت حمارك الكريم يا مولاي. # أسامة ~~(يصفق بيديه آسفا) ~~: # إنه ينكر حماري الأصهب. # أبو علي ~~: # آه! لي الويل! تذكرت الآن أنه لا يعني حماره الذي كان يركبه، بل يعني شريعته التي ~~سنها وخالفها الناس، لقد كان يكني عنها بالحمار ~~(إلى ~~أسامة) # كلا يا مولاي لا أنكره. # 1 # أسامة ~~: # إذن فعلي به، عجل! هاته! # أبو علي ~~: # كيف؟ إنك تعلم أني رجل جاهل لا أعرف الحق، فدلني عليه أكن لك نعم النصير. # أسامة ~~: # لا شأن لي، هات حماري ~~(يقبض على رقبته) # هات ~~حماري، وإلا جعلتك بين فخذي ~~(يهم بركوبه ويجره). # أبو علي ~~: # آه! آه! خادمك أنا يا مولاي. # أسامة ~~: # أنت خادمي؟! ليس لي خادم لقد قتلوا جميعا في الصعيد ليلة سرقوا ابنتي. # أبو علي ~~: # ابنته! من هذا؟ ~~(يتمعن فيه) # من تكون يا رجل؟ # أسامة ~~: # هلم! أوصلني إلى الفسطاط وإلا قتلتك. # أبو علي ~~: # ليس هذا فعل إله ولا ولي، أتراني عثرت بمجنون؟ # أسامة ~~: # وأنت أيضا تسميني مجنونا ... أنت أيضا؟! هات حماري، هات حماري ~~(يقبض على كتفه، وينظر في وجهه) # آه ms30 أنت؟ أنت ~~هنا. # أبو علي ~~: # هذا أبو البدوية الذي صرعته، ويلاه! حم القضاء. # أسامة ~~: # عرفتك يا سارق ابنتي، فلا مفر لك مني ~~(يقبض على ~~رقبته). # أبو علي ~~: # ويلاه، النجدة! النجدة! # أسامة ~~: # لا تصح، وإلا قتلتك على الفور. # أبو علي ~~: # وماذا تريد مني؟ هأنذا سامع فمر بما تريد. # أسامة ~~: # أريد ابنتي، أين هي؟ # أبو علي ~~: # في هذا القصر، في هذا القصر، هذا هو الهودج الذي ابتناه لها الخليفة ~~خدرا. # أسامة ~~: # خدرا لها، وقبرا له! # أبو علي ~~: # عسى الله أن يحقق ذلك. # أسامة ~~: # كيف؟ أأنت ترجو له ذلك؟ أنت! # أبو علي ~~: # كيف لا؟ لقد قتل لي أبي الملك الأفضل، وأنزلني عن الوزارة، وصادرني في مالي، ~~وأراه قد ملأ الدنيا دما ونحيبا، اعف عني يا أسامة! اعف عني ... # أسامة ~~: # أعفو عنك! عنك أنت! وأنت الذي زينت له سرقة ابنتي ... # أبو علي ~~: # لا أنكر ذلك، ولكنه هو الذي أمرني أن أستصحبه، ولم يكن لي أن أخالف أمره، وهو ~~يستريبني، بيد أني رأيته أعمى في غوايته، فكرهت أن أخرجه إلى النور حتى يكرهه الناس ~~طرا، ولا سيما الأعراب؛ لأنهم كانوا أنصار أبيه على نزار. # أسامة ~~: # نحن لم نكن أنصار أبيه بل أنصار أبيك، إنه هو الذي دعانا لمقاتلة نزار في ~~الإسكندرية، آه! لقد طالما حزنت إذ كنت تحت لواء أبيك، ولكنكم معشر الوزراء تعملون ~~لأنفسكم باسم الخلفاء، فإذا رأيتم منهم ازورارا انقلبتم عليهم، ورميتموهم بويلات ~~الأمور. # أبو علي ~~: # لقد كان أبي حسن الظن بأبيه وقد صدق ظنه، ولكن هذا ماذا فعل بأبي وبالعرب وبالملة ~~وبالدين؟! هلم معي يا أسامة، ليس هذا مكان الحديث، تعال معي إلى الدار أحدثك أعجب ~~الأحاديث. # أسامة ~~: # ولكني أريد ابنتي، لا أفارق هذه الأرض حتى أراها. # أبو علي ~~: # ستراها، ولكن لا سبيل إلى هذا الآن، وإن وقفت ألف عام. # أسامة ~~: # لست أريد أن أملأ منها عيني، كلا، كلا، إنها في قلبي، ولكني أريد أن أعرف، ~~أغلبها الرجل على عفافها فأقضي نحبي؟ أم ظلت كما أخذها مني؟ # أبو علي ~~: # اطمئن يا أسامة، ms31 إنها على ما عهدتها، لقد كانت في القصرين حتى أسبوعنا هذا، ثم إذ ~~تم بناء هذا القصر نقلها إليه، ولم تستصحب معها أحدا من أهل القصرين. إن خادمتها ~~جارية لي، وتعرف كل شيء. # أسامة ~~: # بارك الله فيك بما بشرت! # أبو علي ~~: # ولكن خبرني، أراك تتكلم عنها كلام العقلاء، أكنت تدعي الجنون؟ # أسامة ~~: # لا، والله يا ابن أمير الجيوش، ولكني ما زلت منذ سرق الخليفة ابنتي أهيم في ~~الفلوات، أقصد قبائل الأعراب في الصعيد، أشكو إليهم بثي لما أصابني في ابنتي، ~~وأستنهضهم للأخذ بالثأر ممن انتهك حرمتي، فما نفروا معي، بل قال عني الجمع إني ~~مجنون إذ أرفض زواج الخليفة من ابنتي، فهمت في الفلوات لا أدري بمن أستنصر حتى ~~رأيتني أصرخ من وجدي في الفضاء: أميم أميم، ولا أسمع إلا صدى صوتي، فملكني من ~~ذلك خبال يساورني من بعده بعض الأحيان جنة أتبينها في نفسي، وأهم أقلع عنها فلا ~~أستطيع، ولقد اندفعت بي قدماي إلى جزيرة الروضة هذه؛ إذ علمت أن الخليفة يبتني بها ~~قصرا لابنتي، فلما نظرت في البحر زعمت أنه يبلغها صوتي، فناديتها، ثم ناديتها، وإذ ~~ردد البحر صوتي ولم تجب، عاودني الجنون، فهمت مرة أخرى حتى بلغت هذا المكان، ~~ولكني في رشدي يا أبا علي لولا تهدم جسماني. # أبو علي ~~: # هون عليك، هون عليك، إني سأريك ابنتك. # أسامة ~~: # بل أريد أن أعود بها إلى الصحراء، أطنب لها خيمتي كما كانت، وأقعد بها ابنتي كما ~~كانت، ثم أزفها إلى ابن أخي حسين. # أبو علي ~~: # سأعينك على هذا، ولكن خبرني أين ابن مياح اليوم؟ لقد خبرت أنه مات قتيلا. # أسامة ~~: # كلا، كلا، لا قدر الله، إنه كان ملقى على الأرض صريعا لا قتيلا. # أبو علي ~~: # وأين هو الآن؟ # أسامة ~~: # لا أدري. # أبو علي ~~: # ألم تسمع عنه شيئا؟ # أسامة ~~: # قيل إنه ذهب إلى الشام. # أبو علي ~~: # لماذا؟ # أسامة ~~: # لا أدري. # أبو علي ~~: # أيكون قد ذهب إلى حلب؟ # أسامة ~~: # هكذا خبروني. # أبو علي ~~: # يريد لقاء شيخ الجبل. # أسامة ~~: # لم يخبرني بذلك ms32 أحد ... بل أجل، هكذا قال لأخته ناعسة. # أبو علي ~~: # إذن فهو الذي عاد اليوم من حلب - وعنه ورد لي الخطاب - لا شك في ذلك، لقد حان أن ~~أنتقم لأبي، وأعيد الملك في بيت أمير الجيوش. # أسامة ~~: # ماذا تعني؟ # أبو علي ~~: # لا يعنك هذا، سترد إليك ابنتك عما قريب، ولكنك لن تراها حتى ترى ابن أخيك ~~أولا. # أسامة ~~: # بل أراها بحق الله عليك، أين ابن مياح اليوم؟ لعله لا يأتي أبدا. # أبو علي ~~: # بل إنه بمصر. # أسامة ~~: # ولكنك لم تخبرني، لماذا أنتظر حتى يعود ابن مياح؟ # أبو علي ~~: # لأنه معه مفتاح ذلك، إن شيخ الجبل زعيم الإسماعيلية ناقم على الخليفة؛ لأن أباه ~~قتل سيدهم الأكبر نزارا عمه الأكبر، وأنا اليوم على رأيهم. # أسامة ~~: # أنت أيضا يا ابن الأفضل؟ # أبو علي ~~: # أنا قبل كل إنسان. # أسامة ~~: # أتريد قتل أمير المؤمنين؟ # أبو علي ~~: # هذا ما إليه أقصد إن وفقني الله لذلك. # أسامة ~~: # إذن، فإليك عني أيها الخائن. تقتل أمير المؤمنين، تقتل خليفة رسول رب العالمين، ~~إليك! # أبو علي ~~: # ويحك يا أسامة! ماذا أصابك؟ # أسامة ~~: # تقتل ابن فاطمة الزهراء بنت خير من أقلت الأرض، وأظلت السماء؟! # أبو علي ~~(لنفسه) ~~: # أترى الرجل عاودته جنته، لعنة الله عليه ... ~~(لأسامة)، # وابنتك أترضى لخليفة رسول الله أن يستبيح عرضها؟ # أسامة ~~: # من هذا؟ # أبو علي ~~: # خليفة رسول الله. # أسامة ~~: # يستبيح عرضها؟! # أبو علي ~~: # أجل. # أسامة ~~: # ويحك! أيستباح عرضي وأنا حي؟! # أبو علي ~~: # ما هذا؟ أرى الرجل قد جن. # أسامة ~~: # ما جن إلا أنت! # أبو علي ~~: # ولكن أميمة ابنتك، ابنتك التي كانت كزهرة الروض يانعة نضرة. تشرق على الدنيا ~~كأنها الشعرى يا أسامة، أنسيت أميمة؟ أنسيت الذي أخذها من بيتك عنوة، وكانت بين ~~ذراعيك وذراعي زوجها الذي أحبك. آه! يا لمروءة العرب! يا لشرف الآباء! مسكينة أنت ~~يا أميمة! # أسامة ~~(يبكي) ~~: # ابنتي ابنتي! # أبو علي ~~: # لا تبك، لا تبك، لماذا تبكي؟! دع البكاء لابنتك وحدها، أنت تريد أن تكون صهرا ~~للخليفة، وهي تأبي إلا أن تحفظ عفافها عن العرب، سأخبرها ms33 بذلك عسى أن يقطع اليأس ~~سيل دمعها، وتستسلم لقضاء الله. # أسامة ~~: # لا، لا، لا تخبرها بالله، ابنتي أميمة، أرنيها. # أبو علي ~~: # لن تراها. # أسامة ~~: # أرنيها بحقي عليك. # أبو علي ~~: # وإذا لقيك الخليفة؟ # أسامة ~~: # أقتله بيدي! بيدي، وأنتقم. # أبو علي ~~: # ولكنك أنكرت مني ذلك الآن! # أسامة ~~: # أنا؟! # أبو علي ~~: # أجل، أنت! # أسامة ~~: # لا، ورب الكعبة لا ... أجننت أنا حتى أنكر عليك هذا. # أبو علي ~~: # إذن، فتعال نرتقب الفرصة كما خبرتك، إنك إن تبد لها الآن تنبه الخليفة، فقطعت ~~السبيل على ابن أخيك، أنت رجل شيخ فاتر الذراع متهدم كما قلت، فاعتمد علي، اعتمد ~~علي، وتوكل على الله في تدبير الأمور. # أسامة ~~: # أنا فاتر الذراع؟! أنا فاتر الذراع؟! ~~(يعدل قامته، ~~ولكنه لا يستقيم تمام الاستقامة) # آه! لن تفتر لعربي ذراع، وفي صدره ~~نفس يتردد ... ويحك يا أبا علي، هذا ذراعي إذن فترب ذراعي ~~(يجرد من تحت برنسه سيفا كان يخفيه). # أبو علي ~~: # أغمد، أغمد، وتستر! ليس هذا أوان تجريده. # أسامة ~~(يغمد السيف) ~~: # صدقت! # أبو علي ~~: # تعال معي إلى داري، هلم! إنك فاضحي إن بقيت. # أسامة ~~: # لا بأس بالانتظار حتى حين. # أبو علي ~~: # هلم ~~(لنفسه) # ليس هو المجنون بل أنا، هلم ~~(يتقدمه). # أسامة ~~: # ابنتي ابنتي رويدك إني # أتقفى آثار من ظلموك # كفكفي الدمع إن دمعك غال # لا تذيليه أو يموت أبوك ~~(يخرج من اليمين، وراء أبي علي، وعند ذلك يسمع لغط قوم يدنون من جهة ~~اليسار كأنهم آتون من مصر الفسطاط، يعزفون، ويطبلون، ويرقصون، ويغنون، وكأن بينهم جارية ~~يرد عليها الجماعة، ثم يدخلون فتراهم في ملابس زاهية على وجوههم لمعة البشر والسرور؛ ~~لأنهم في عيد هو عيد النيروز، وبينهم فتى في الثانية والعشرين من عمره قد تلثم وتحنك، ~~وعلى رأسه شال عمامة نقشت فيه صورة كبش باللون الأحمر، أما ما كانوا يغنون فهو.) # المغنية ~~: # زهر الربيع مثل الأقمار # ملا علينا الروض أنوار # هات الكؤوس هات الأوتار # نشرب ونطرب ونغني ~~(ويرقصون على هذا النغم، ويردده المغنون وراء الجارية المغنية، ثم ~~تنبري المغنية تغني البيتين ms34 الآتيين.) # المغنية ~~: # عيد البلاد عيد النيروز # ولله ما نبيعه بكنوز # 2 # هات الخوابي هات الكنوز # نملا ونشرب ونغني # ويردد المغنون البيتين الأوليين، زهر الربيع ... إلخ. تنبري المغنية ~~وحدها تغني البيتين الآتيين. # المغنية ~~: # عيدنا جمع آسيا وموسى # وأحمد ودميانة وعيسى # امتى نبطل دي الهوسه # علشان ما نطرب ونغني؟ # 3 # يردد المغنون البيتين الأولين: زهر الربيع ... # المغنية ~~: # قولو معي يا اهل بلدنا # الله يخلي اللي جمعنا # ويفرق اللي فرقنا # علشان ما نفرح ونغني ~~(ويردد المغنون زهر الربيع ... إلخ، ويشربون جميعا، ويعودون إلى ~~الرقص.) # مياح ~~(يرقص مع الجمع، ولكنه لا يشرب، ثم تراه يقف من آن لآن ينظر ~~إلى النافذة ثم يتأوه ويقول) ~~: # آه! آه! آه! هنا، أميم هنا، أميم آه. # المغنية ~~: # ما بال أمير النيروز يتأوه؟ # مياح ~~: # طربا لصوتك يا مليحة، هلم ~~(يعود الرقص، فإذا اشتغل ~~الجمع بالرقص عاد إلى الجدار وأخذ يتأوه) # أميم! أميم! ~~آه! # المغنية ~~(بعد أن تكون قد غنت الدور الرابع والراقصون رقصوا) ~~: # كأني بهذ الأمير قد أنهكه الرقص ... # مياح ~~(يتنبه) ~~: # غني يا مليحة، غني البيتين اللذين حفظنك إياهما في الخان. # المغنية ~~: # حبا وكرامة، هلم يا بنات! ~~(هنا تفتح نافذة القصر، وتظهر فيها البدوية، ووراءها ريطة، ~~وتأخذ البدوية تستمع للغناء والرقص): # نعمة الحب يا حبيب فؤادي # متعة من نعيم جنة عدن # فاحفظ الحب بالوفاء لتحظى # بنعيم الفردوس في المنزلين # البدوية ~~: # كأني أسمع شعري يا ريطة! # مياح ~~(لما رآها قد فتحت النافذة وقف مضطربا بجوار القصر تحت النافذة ~~تقريبا، ويتقدم ويتأوه وهو قابض على يسار صدره بيده) ~~: # آه! آه! # أحد الجمع ~~: # دعونا من هذا النشيد يا رفاق، إنا نحن أهل مصر، ولنا الحق في تسيير أغاني العيد ~~على هوانا، لا على هوى فتى غريب عنا وعن بلادنا، هلم يا فاطمة أعيدي ما قلت أولا ~~أو فزيدي، هلم! ~~(يرقصون سكوتا، ويشتغلون بالرقص مدة كلام ~~البدوية) ... # البدوية ~~: # فتى غريب! أيكون ابن مياح بينهم؟! ويلاه! أين مني اليوم حسين؟ وأين أبي؟ هل ترد ~~القبور ودائعها؟! واحسرة النفس عليهما! واشقائي، وحرقتي، وعذابي! # أحد الجمع ms35 ~~(الذي هو المتكلم سابقا) ~~: # لماذا لا تغني يا فاطمة؟ # غيره ~~: # إنها لا تريد أن تنقض رأي الجماعة. # أحد الجماعة ~~: # كيف ذلك؟ # غيره ~~: # إننا ارتضينا هذا الفتى الغريب أميرا لنيروزنا، ومن العيب أن ننقض ما اتفقنا ~~عليه. # أحد الجماعة ~~: # هذا صحيح، ولكن البيتين لا يناسبان المقام. # مياح ~~(بصوت متألم) ~~: # أي مقام غير هذا لهذا الشعر يا رفاق؟! أي مقام؟! فتشوا في خبايا القلوب، وانظروا ~~من فيه، لعمري لو نظرتم لوجدتم ... # أحد الجمع، وغيره ~~: # البدوية، البدوية. # الجماعة ~~(على إثر ذلك) ~~: # البدوية. # مياح ~~: # أجل! هي، هي ~~(ويكون كلام ابن مياح بين كلام الثلاثة ~~الأول، وكلام الجماعة، ويعلي صوته ولا يبالي، وإذا انتهى الجمع من النطق كان ~~ابن مياح يتم قوله) # هيه. # البدوية ~~: # صوته، والله! ولكن أين هو؟ إني لا أرى له شبحا، وإن كان خياله يتردد أمام ~~ناظري. # ريطة ~~: # تريثي يا مولاتي، لا يليق بك أن تفضحي أمرك في الناس. # أحد الجمع ~~: # غني يا فاطمة، غني مدح البدوية الذي أعددت عساها تنظر إلينا، إن هذا اليوم لا ~~يعوض، إنه يوم يعيد فيه أهل مصر جميعا، وقد أسقطوا كل شيء إلا الأخوة. # غيره ~~: # الدين للديان إن كان هناك ديان! ها! ها! # الجميع ~~: # ها ها ها. # أحد الجمع ~~: # زد على ذلك أن الخليفة لا يأذن لأحد من رعاياه بدخول حديقة الروضة إلا في عيد ~~النيروز هذا، غني يا فاطمة. # المغنية ~~: # حبا وكرامة: # يا أصيحابي تعالوا وانظروا # مطلع البدر وحيوه معي # إن بدر الليل عنا غائب # خجلا ممن بدت في المربع ~~(يرقصون، والبدوية تنظر، وابن مياح مضطرب يروح ويجيء لا يدري ماذا ~~يفعل.) # البدوية ~~: # شكرا لكم يا رفاق، شكرا، متعكم الله بطيب الحياة، وحماكم لوعة الفراق. # ريطة ~~: # سيدتي! ما هكذا يكون الدعاء، ما خطبك؟! # البدوية ~~: # ادنوا مني يا رفاق، خذوا هذا، وانصرفوا على بركة الله ~~(تنثر عليهم نقودا) # ادعوا الله يستجب دعائي، عسى أن يتولاني برحمته، ~~إن صوت الجماعة مجاب. # الجماعة ~~: # آمين! آمين! ~~(يقدم كل منهم منديله ينشره بين يديه وفمه ~~ليتناول النقود في سقوطها). # البدوية ms36 ~~(باضطراب وشك) ~~: # من هذا الملثم؟ لماذا لا يدنو؟ حادثيه يا ريطة، ~~(لا ~~تنتظر) # ادن منا أيها الفتى! ادن منا! هات منديلك يا أخي. # مياح ~~: # لا حاجة بي إلى المال يا سيدتي. # ريطة ~~: # ولكن الأميرة تريد ذلك ~~(تنظر فيه وتتمعن). # مياح ~~: # الأميرة! # ريطة ~~: # أتأبى كرامة الأميرة، أم تريد أن تغضبها؟ ~~(لنفسها) # هذي صورة الكبش في طيات عمامته. # مياح ~~: # آه ... ~~(يمد صوته في آه، وعند ذلك تكون ريطة تنطق بآخر ~~جملتها السابقة) # أغضبها ~~(تغرورق عيناه ~~بالدموع) # أغضبها! ما عشت لأغضب أميمة. # البدوية ~~(في أثناء ذلك تطل من النافذة) ~~: # آه، من هذا؟ أكاد أراه، أعاد حسين إلى الدنيا؟ إني أرى به شبح ابن عمي. # ريطة ~~: # علي بأمير النيروز ~~(لا تنتظر دعوة ريطة)، # هات منديلك يا أخي ~~(تنظر إليه بإمعان وحدة). # مياح ~~: # منديلي، ها هو ذا ~~(يخرجه من جيبه، وقد تضرج بالدماء ~~قليلا، دماء جرحه القديم، وينشره بيده اليمنى على ذراعه اليسرى، بمعنى أنه ~~ينشره، ثم يتلقاه على ذراعه اليسرى حتى يصبح صفحة واحدة، وإذ تنظر إليه البدوية ~~تأخذ تتمعن فيه). # البدوية ~~: # ماذا على المنديل أيها الأمير؟ # مياح ~~: # اقرأي يا سيدتي. # البدوية ~~: # نعمة الحب يا حبيب فؤادي ... ~~(تمسك عن القراءة فجأة، ~~وتتأوه) # آه! آه! # ريطة ~~(بسرعة) ~~: # غني يا مليحة، وارقصوا يا رفاق، هلم هلم! ~~(ابن مياح ~~يطوي منديله على الفور، وتأخذ فاطمة في الغناء والجميع في الرقص). # البدوية ~~: # حسين! حسين! # ريطة ~~: # انصرفوا راقصين مغنيين. ~~(يغنون ويرقصون من باطن المرسح إلى خارجه حتى يخلو المرسح إلا من ~~حسين؛ إذ يتأخر عنهم ... ولا يبطل الغناء ولا الرقص بمجرد خروجهم من المرسح، بل يظلون ~~عليه مدة حتى يدخلوا غرفهم، وعندئذ لا يسكتون دفعة واحدة؛ لأن انقطاع الصوت والحركة مرة ~~واحدة يحدث في التمثيل فراغا مكروها.) # البدوية ~~: # حسين! حسين! أنت هنا يا ابن عمي! أفي الأحياء؟! يا رحمة الله ... # حسين ~~(يصعد الأحجار التي تحت النافذة مضطربا، ويكاد يبكي) ~~: # أميم. أميم. أنت التي تحدثين أم أن ذاك صدى طيفك في فؤادي الكليم؟! # البدوية ~~: # بل أنا بل عروسك يا حسين، ms37 أنقذني أنقذني خذني إليك، أألقي إليك بنفسي أيها ~~الحبيب؟ # مياح ~~: # أجل، هأنذا، ألق بنفسك ولا تبالي. # ريطة ~~: # ما هذا يا بني؟ ألا تخشى أن تسقط من يديك على الصخر؟ # مياح ~~: # ويلاه! # البدوية ~~: # ساعديني أيتها الأم البارة، ساعديني وبري بقسمك، لقد فتح الله باب الفرج فأفسحيه ~~لي بيديك. # ريطة ~~: # ليس هذا أوان الهرب، والطرقات غاصة بالناس، اصبري حتى يأذن الله. # مياح ~~: # لقد نفد صبري، نفد صبري كما نفد دمعي وزفير صدري، لقد نفد مني كل شيء فلم يعد بي ~~إلا اللمح والأنين، أعيني على اللقاء حبيبين قطع الدهر أوصالهما، وعروسين منع القدر ~~وصالهما. # البدوية ~~: # هل من سبيل إليه يا ريطة؟ # ريطة ~~: # كيف السبيل يا ابنتي؟! تدبري وانتظري ليلتين ~~(إلى ابن ~~مياح) # يا ذا الفقار! # مياح ~~(بدهشة) ~~: # يا ذا الفقار أتعرفني! # ريطة ~~: # اذهب من فورك إلى أبي علي بن الأفضل. # البدوية ~~: # من هو هذا؟ شريك المحرم. # ريطة ~~: # لا يعنك هذا، إنه أصدق أصدقائك. # مياح ~~: # أهو كذلك يا أميمة، ~~(لريطة) # أين داره اليوم يا ~~خالتاه؟ # ريطة ~~: # عند باب زويلة، اذهب إليه من فورك واتكل على الله، اذهب قبل أن يعود ~~الخليفة. # البدوية ~~: # لا تفارقني يا ابن عمي! لا تفارقني! # ريطة ~~: # آه! لعمري لتعملين على أن يقع ابن عمك في يد صاحب النقمة، ثم ترينه مسفوك الدم ~~قتيلا. # البدوية ~~: # صاحب النقمة! ويلاه. اذهب يا حسين، اذهب يا أخي، لا تعرض نفسك للأذى من أجلي ~~(هنا يسمع صوت المغنية عن بعد، أي من داخل غرف ~~الممثلين، ثم تتقدم على مهل حتى تدخل المرسح في الموكب، فينزل ابن مياح ~~متقهقرا عن الصخر). # مياح ~~: # وداعا ~~(يعلي صوته)، # وداعا يا أميمة. أميمة ~~(ينضم إلى الموكب). # البدوية ~~: # حسين! حسين! حسين! ~~(تختفي، وتقفل ريطة ~~النافذة). ~~(وصوت البدوية في حسين مسموع، كل ذلك قبل رجوع الموكب، ويكون انضمام ~~حسين إليه ساعة دخول الراقصين.) # أحد الجمع ~~: # أين أنت يا أمير النيروز؟ # مياح ~~: # هأنذا. ~~(على أحد الجمع أن يسأل سؤاله قرب انتهاء المغنية من الدور، فإذا ~~نطق به ولم تكن قد أوشكت أن ms38 تنتهي، فليعده مرة ثانية، وعلى ابن مياح أن يكون جوابه ~~قبل انتهاء المغنية أيضا، ولا يهمه سمع الجمهور أم لم يسمع، الغرض أولا سبك الحالة ~~وجعلها طبيعية؛ لأن مثل هذه المواكب لا تكون مرتبة كحفلات الكنائس، وإذا انتهت المغنية ~~نظر ابن مياح إلى النافذة، وتأوه من نفس نغم المغنية وعلى ضربه مع الترقي، ويجب أن ~~يتعلم هذه الآهات عن معلم موسيقي) آه، آه، آه (يخرج مع الجميع). # الستار # | الفصل الثالث # (يكشف الستار عن غرفة فسيحة في قصر الهودج، وهي منقسمة قسمين: القسم ~~الأعلى منها رواق يفصله عن الأدنى - الردهة (أي مقدم المرسح) جدار عليه أعمدة متواصلة ~~بعقود من البناء العربي، في وسطها باب عليه ستار عظيم، وفي وسطي الجدارين الأيمن والأيسر من ~~الردهة عقدان من البناء، بعد كل منها قبة تحتها باب، وهذان مدخلان لغرف بعيدة من القصر، ~~والمكان مفروش بالبسط، وعلى جانبي العقدين أبواب غرف، ويرى في الردهة مقعد ثمين، أمامه من ~~اليسار طراحات، وفيه أدوات زينة عربية، وغير ذلك.) ~~(يدخل الخليفة من باب الوسط، وهو في حالة تهيج، ويذهب إلى باب مسكن ~~البدوية، أي العقد الأيسر، ونسميه بالثاني فيما يلي من الكلام، وهو مرتد ملابس حمراء ~~عليها دراعة بيضاء، وينادي.) # الخليفة ~~: # ريطة! ~~(يعود نحو المقعد يمينا) # لعمري قد نفد ~~صبري، إن هذه البدوية القذرة لا تهابني، أأنا صعلوك عربي حتى لا تسمع أمري ولا ~~تطيع، ويل لها الليلة مني إذا أنا لم أبلغ مرامي منها، مضى دهر طويل وأنا صابر ~~عليها صبر المحب لدلال المحبوب، عسى أن ترشد وتعلم أني أنا الخليفة الذي لا مرد ~~لقضائه، ولا دافع لقدرته، وهي لا تزداد إلا نفورا مني، تؤثر علي عبدا من أرخص ~~عبيد بلادي، عربيا قذرا يرضع النوق، ويأكل الشعير، ويشرب آسن الماء، تؤثر عشرته ~~في ظل خيش مصفق على مجاورة أمير المؤمنين في هذا القصر الموطد المنيف! يالله من عنت ~~النساء ~~(يجلس على المقعد، وتدخل ريطة فتسلم سلام ~~الجواري) # ما وراءك يا ريطة؟ لعمري لقد كان يوم الشؤم يوم ms39 جئتني فيه ~~بخبر هذه البدوية. # ريطة ~~: # عفوك يا مولاي، ما كنت أحسبها خرقاء كما رأيت. # الخليفة ~~: # إذا كانت خرقاء فإن في القاهرة بيمارستانا لأمثالها! أين هي الآن؟ # ريطة ~~: # في مخدعها يا مولاي. # الخليفة ~~: # علي بها. # ريطة ~~: # سمعا يا مولاي ~~(تهم بالذهاب). # الخليفة ~~: # قفي! ~~(تقف) # ألم تخبريها أني لم أعد أحتمل منها ~~هذا الإباء ... # ريطة ~~: # لقد والله نصحتها، وأبنت لها أنها عمياء عن الخير الذي بين يديها، فلم تنتصح، ~~فذكرت لها أنك أهدرت دمها إذا هي لم تذعن لمشيئتك. # الخليفة ~~: # فماذا أجابت؟ # ريطة ~~: # أجابت أنها ترحب بالموت الذي يحفظ عليها عفتها. # الخليفة ~~: # إني لا أريد أن أغلبها على عفتها ... أريدها لي زوجة! # ريطة ~~: # إنها ترى أن أباها قد عقد لها على ابن عمها، فإذا تزوجت منك كانت فاسقة. # الخليفة ~~: # ولكن ابن عمها قد مات. # ريطة ~~: # لم تعد تصدق هذا الخبر يا مولاي. # الخليفة ~~: # كيف؟ # ريطة ~~: # لا أدري، ولكنها تقول أنها رأته في المنام يحدثها بأنه حي لم يمت، وأنه لا بد آت ~~إليها، وأوصاها بالصبر حتى يعود، وهي الآن في انتظاره. # الخليفة ~~: # إذن فلن تكون لي زوجة، ستكون جارية ~~(ينهض) # بل ~~دوين الجارية، إذا أبت أن تكون عروس الشرع والسنة، فلأحي بها سنة الأقدمين، ~~ولأجعلنها في الغد عروسا للنيل، علي بها. # ريطة ~~: # هذا خير ما تفعل يا مولاي، لعمري لئن لم تأخذها بالشدة لظنتك اليوم دون ما كنت ~~بالأمس فاسترسلت في إبائها واستحال عليك نيل المراد، هأنذا ذاهبة فأرني كيف تصنع ~~(تخرج يسارا). # الخليفة ~~(يروح ويجيء في الردهة) ~~: # ليس هذا تدللا بل مقتا واحتقارا وازدراء بتاجي وباسمي، صدقت تلك النورية لم ~~تزدني هوادتي إلا ضعفا ولم تزدها إلا تشددا، سأريها اليوم مري كما أريتها حلوي، ~~ووالله لتكونن ... # ريطة ~~(تدخل) ~~: # هذي هي يا مولاي. ~~(تدخل البدوية، وفي مشيتها خطوة الكبر وقلة الاكتراث، ثم تقف بالقرب ~~من باب العقد الثاني.) # الخليفة ~~(يجلس) ~~: # إلي أيتها الفاجرة. # البدوية ~~(تذعر) ~~: # فاجرة! # الخليفة ~~: # تقدمي ~~(تتقدم) # الليلة فصل الخطاب بيني وبينك، ~~لقد أمهلتك إلي دهرا طويلا لكي لا ms40 يكون علي حرج أن تكوني لي زوجة ، فما زدت إلا ~~نفورا مني وتعلقا بخيال صعلوك، حتى حسبتني دون هذا الصعلوك مقاما. # ريطة ~~: # حاسنيه وإلا قتلت، قبل أن يأتيك ابن عمك ~~(تخرج). # الخليفة ~~: # أجيبي، أأنت ترين هذا الصعلوك خيرا مني؟ # البدوية ~~: # لن يكون الصعلوك إلا صعلوقا، ولا الخليفة إلا سيدا. # الخليفة ~~: # فلماذا آثرت هذا الصعلوك علي؟ # البدوية ~~: # لم أؤثره عليك يا مولاي، وإنما آثرت نفسي؛ فطرة الله التي خلق الناس عليها، ولن ~~تجد لسنة الله تبديلا. # الخليفة ~~: # لم يستبن لي مرادك. # البدوية ~~: # أنت تعلم يا مولاي أن الإنسان يستمد سعادته في هذه الدنيا مما اعتاد، كالطفل ~~يعتاد الثدي الذي يرضعه، فلا يؤثر عليه شيئا من طيبات الدنيا؛ ولذلك تراه إذا فطم ~~يحزن لذلك ويأسى، ويملأ الدنيا صياحا ويأسا. للإنسان من أهله وصحبه ووطنه ودأبه ~~وعرفه وأدبه عهد متصل بدمه، عالق بنفسه ساكن في قلبه. قصة عزيزة عليه، هي قصة ~~طفولته، ولذة صباه، وعزاه في كهولته، بل هي حياته كلها. فإذا أنت أرغمته على ترك ~~هذا ونسيان ذاك، وقطعت ما بين ماضيه وحاضره، فقد مات يا مولاي موتة قلب وروح ~~وفؤاد. # الخليفة ~~: # لم يفتني ذلك يوم غلب علي هواك فأخذتك إلى قصري، ولكني اعتمدت على الزمن في تسكين ~~ثائرة نفسك، وتركتك اليوم عاما أو يزيد؛ لتستعيضي عهدا بعهد، وأرضا بأرض، وقوما ~~بقوم. # البدوية ~~: # ولكن أي عهد هذا الذي اعتضته؟ عهد أقضيه في حسرة، ولوعة، وبكاء! وأي قوم رأيت لا ~~أم لي فيهم، ولا أب، ولا أخت، ولا صديقة؟! لم يكن لي فيه يا مولاي إلا الذكرى ~~والحنين والحسرة؛ لأن انقطاع تلك المعاهد عني قطع عني صلة نفسي بالماضي، تلك الصلة ~~التي يحسبها الإنسان ضمينة خلوده في الدنيا، أفتنكر علي أن أظل في شقاء كل يوم، ~~وأرجو لو أنني عشت في خيشي بين الكاسر والضاري، وخشنة عيش أؤثره على ما تجده أنت يا ~~مولاي في هذا القصر من نعيم؟ فأنت ترى يا مولاي أنني لم أؤثر عليك صعلوكا أو ~~ملكا، بل آثرت نفسي ms41 بالرغم مني، وتلك فطرة الله. # الخليفة ~~: # أنكره ؛ إن فطرة الله هذي في نفسي أيضا، كما في نفسك. # البدوية ~~: # إذن فأنت لا تحبني يا مولاي. # الخليفة ~~: # بل أحبك حبا أليما مبرحا. # البدوية ~~: # لن يرضى المحب شقاء المحبوب، إنه ليفديه بما يحب مما يكره، ويؤثر نعماه على ~~نعماه. # الخليفة ~~: # أفإن كان الحبيب مخطئا وجب على المحب أن يرضى له الإغراق في خطأه. # البدوية ~~: # كيف؟ # الخليفة ~~: # إنك ترجين أن تعودي إلى الصحراء، تؤثرين شظف العيش على الرخاء، والمحب الذي يرعى ~~للحبيب نعماه، لا يطاوعه قلبه فيرضى له هذا. ألا ترين أن الأب قد يمنع ابنه شيئا ~~يشتهيه ويلح في طلبه، رعيا لخالص مصلحته، لا بخلا منه ولا كراهة؟! # البدوية ~~: # بلى يا مولاي، ولكني لست طفلة، وقد كان فيما ذكرت بيان. بيد أن خطأي يا مولاي في ~~دمي، ولن يستطيع الدهر محوه حتى يمحوني. # الخليفة ~~: # إلي أيتها البدوية، تعالي أصارحك، أريك حقيقة هذه الدنيا ما دمت قد صارحتني، ~~ولم تؤخذي بعرف ولا بهيبة الملك الذي أنا فيه، ولم يرعك ما في نبرة صوتي من ~~قوة القضاء، تعالي ولا تفزعي. # البدوية ~~: # سألتك بالله إلا ما أقلتني سماع ما تريد. # الخليفة ~~: # أوتعرفين ما أريد؟ # البدوية ~~: # كأني لا أجهله يا مولاي؟! # الخليفة ~~: # إذن فقد كان احتجاجك غشا لي وخداعا. # البدوية ~~: # معاذ الله أن أخادع يا مولاي! إنما قلت ما أعتقد وما أشتهي أن تكون عليه الدنيا، ~~ولكنك تريد الآن أن تخبرني بحقيقة أخرى، وما أمرها حقيقة! # الخليفة ~~: # أتعرفين أن المحب الذي يذوب غراما بمن يحب إنما يحب نفسه؟ يرى منه مشتهاه فيلح ~~في طلبه؟ # البدوية ~~: # أجل يا مولاي. # الخليفة ~~: # وتعرفين أن إيثارة المحبوب على نفسه أو صبره لدلاله وهجره وبكائه لذله، إنما هو ~~خطة احتيال يلجأ إليها يستعطفه بها حتى يحنو عليه فينال المحب قصده بذلك؟ # البدوية ~~: # أرى ذلك اليوم حقا. # الخليفة ~~: # وتعلمين أن افتداءه بروحه إنما هو افتداء لقصده منه من حيث لا يدري؟ # البدوية ~~: # الظاهر كذلك يا مولاي. # الخليفة ~~: # وتعلمين أن الناس تسعى في هذه ms42 الدنيا وتتجادل، وتتقاتل من أجل ما ترى فيه القصد، ~~وإنهم يحتالون لذلك من كل طريق على اختلاف درجات اقتناعهم بصواب الخطط الموضوعة ~~والمشروعة؛ لكي يفوزوا بالمأرب الأخير من هذه الدنيا؟ # البدوية ~~: # أرى كل ذلك يا مولاي. # الخليفة ~~: # وتعرفين أيضا أننا نحن الملوك نقيد الناس بالشرائع لكي يكف الناس عن الأذى ~~والازدحام في طريقنا، ثم نكون فوق هذه الشرائع؟! # البدوية ~~: # هذا هو المشاهد يا مولاي. # الخليفة ~~: # وترين أنني أنا الآمر بأحكام الله في هذه الدنيا، وأريدك لنفسي إرادة العطش ~~المستعر إلى الماء، ثم تؤملين الفكاك مني؟! # البدوية ~~: # حتى وإن كنت خليفة الرسول، وابن فاطمة البتول؟ # الخليفة ~~: # حتى إن كنت كذلك. # البدوية ~~: # تريد أن تغلبني على نفسي بالرغم مني يا مولاي؟ # الخليفة ~~: # هو كذلك، ولا مرد لما أريد. # البدوية ~~: # أنت وما ترى يا مولاي. # الخليفة ~~: # إذن فاسمعي، ستكونين الليلة أنيسة خلوتي، أعدي فؤادك لقبول هذا الإثم إن رأيته ~~إثما. # البدوية ~~: # سيكون لك ما تشتهي يا مولاي! تغلبني على جسماني هذا ~~(تشير إلى صدرها وثدييها وعطفيها)، # أما فؤادي ~~(هنا يعلو صوت الممثلة شيئا فشيئا لآخر الجملة)، # وروحي. أما نفسي يا أمير المؤمنين فلن تغلبها على أمرها، ستفر منك يا مولاي إلى ~~مولاك، تفر من الذلة والصغار، تبتغي دارها بين البررة الأطهار؛ فإذا دنوت مني تحسب ~~أنك تجد تلك الفتاة البدوية الحرة، لم تجد إلا جثة هامدة، وترائب باردة، سلام ~~عليك ~~(تخرج من الباب الأيسر الأدنى، وتظهر ريطة تحت العقد ~~الثاني الأيسر). # الخليفة ~~: # ما أشد غضبي وألمي! لعمري لقد أوشكت النفس أن تخلع مناها، وتهم بالانتقام. # ريطة ~~(تتقدم) ~~: # هون عليك يا مولاي! # الخليفة ~~(يلتفت) ~~: # أسمعت مقال تلك الفاجرة؟ # ريطة ~~: # لم يفتني أن أقف على دخيلة نفسها في كل حين يا مولاي. # الخليفة ~~: # وما رأيك في عنادها؟ # ريطة ~~: # لا يهمك هذا يا مولاي، كل العذارى هكذا، تظل إحداهن على عهد من تحب حتى تتزوج ~~آخر، فإن لم تنس الأول فإنها لا تأبى الثاني. # الخليفة ~~: # وأنت ترين أن أدخل الليلة بها؟ # ريطة ~~: # ولا تردد. # الخليفة ~~: # ولكن ms43 الرجل لا يحب من شريكته إلا أن تكون كما يكون، فإذا أنا أقدمت الليلة على ~~ذلك لم يكن لي منه إلا الألم. # ريطة ~~: # سينسيك اغتباطك بها بعض هذا الألم فلا تتردد، إنه دواء لك ولها. # الخليفة ~~: # إذن فأعدي الليلة شرابا وطعاما، واجعلي القصر زينة للدنيا، ومجلى للحبور، حتى ~~أعود من القصرين. # ريطة ~~: # لم يفتني ذلك يا مولاي، فلقد أرسلت إلى مدينة الفسطاط في طلب المغنيات والراقصات ~~من فوري اغتباطا بهذه الليلة، سترى يا مولاي أني ما خبرتك إلا الحق، لقد رأيتها يا ~~مولاي كما ولدتها أمها، فوالله ما وقعت عيني على أجمل منها. # الخليفة ~~(ينهض) ~~: # سنرى، سنرى، ونرى في جزائك في الصباح يا ريطة ~~(يتمشى ~~صوب الباب الكبير الأوسط) # إن خيرا فخير، وإن شرا فشر ~~(يتمشى ويصل إلى الباب). # ريطة ~~: # خيرا إن شاء الله ~~(يخرج الخليفة، وتظل ريطة تنظر إلى ~~حيث خرج، وهي مأخوذة حنقة) # ستزف الليلة إلى العروس، ثم توارى في الغد ~~جوف الرموس ~~(هنا يدخل أبو علي مترددا من بين أعمدة العقد ~~الأول الأيمن كأنه كان يسترق السمع) # من هذا؟! ~~(بدهشة) # أبو علي! # أبو علي ~~(يؤخذ كأنما أصابه خوف) ~~: # ريطة! أنت هنا؟! وافرحتاه! # ريطة ~~: # مرحبا بأبي علي. # أبو علي ~~: # أين مولانا أمير المؤمنين؟ # ريطة ~~: # ذهب توا إلى القصرين، ألم تصادفه في الطريق؟ # أبو علي ~~: # جئت من باب السر الذي تعلمين، ومن العجب أنني لم أصادف في طريقي حيا؟ # ريطة ~~: # كان بتلك الناحية جاريتان، ولكني أسكنتهما الطريق الأسفل، وكلفتهما بأمر الطعام، ~~ولكن لماذا جئت من ذلك الباب؟ # أبو علي ~~: # لقد كنت عزمت على أن أفاجئه الساعة، وجئت أتحقق أمر وجوده بنفسي، ثم أردت أن أعرف ~~أبالقصرين جند أم لا؛ حتى يكون مسعاي إذ ذاك مضمون النجاح. # ريطة ~~: # هب أنه كان بالدار أحد، فما كان جوابك؟ # أبو علي ~~: # ليس لأحد من الجند أن يسألني في ذلك، وأنا من الخليفة من أنا. # ريطة ~~: # هب أنه لاقاك وجها لوجه، فما كنت تصنع؟ # أبو علي ~~: # أتراه كان يستريبني؟ # ريطة ~~: # إنك تعلم أنه يستريبك، ms44 وإلا فما جئت من باب السر الخفي . # أبو علي ~~: # لقد حسبت أنه لا يكون إلا مع البدوية. # ريطة ~~: # أنتم أيها الناس إذا عجزتم عن تدبير أمر كبير عليكم، أخذتم في سبيله تأتون ~~أعمالا مدهشة، وتدبرون تدابير خفية عنكم وعن الناس، تزعمونها رشادا، حتى إذا ~~اعترضتم فيها بأمر هين تورطتم، وانقلب عليكم سوء ما دبرتم. إني أحمد الله على أنك ~~لم تر سبيلا إلى بلوغ قصدك، وإلا لتورطت وعرضت مشروعنا للحبوط، دعنا من ذلك ~~بالله، لقد كنت تتلف علي تدبيري كله، اسمع لقد أشرت عليه الليلة بدخوله بالبدوية ~~قسرا. # أبو علي ~~: # ويحك ريطة! كيف تغرينه بذلك وابن عمها في الأحياء؟! # ريطة ~~: # لم أجد لي من حيلة إلى دفع سوء ظنه بي وبصلاحيتي لمعاشرة البدوية، إلا أن أزين له ~~ما كان ينوي. # أبو علي ~~: # والفتى؟ # ريطة ~~: # لا يهمنى هذا الفتى، كيف أستطيع أن أظفر بفريستي إذا أنا لم أحصرها في مكان ضيق ~~تصل إليها فيه يدي؟ ألم تتفق معي على ذلك؟ # أبو علي ~~: # بلى، ولكني وعدت الفتى أن أصون له البدوية حتى ترد إليه. # ريطة ~~: # سيكون ذلك إن شاء الله. # أبو علي ~~: # أخبرك متى يعود من مجلس الليل؟ # ريطة ~~: # لعله لا يغيب طويلا. # أبو علي ~~: # إذن فقد صح تدبيري، ولكن الذي يهمني الآن يا ريطة أن لا يسمع بقصتنا بعد انتهائها ~~أحد، إني لا أريد أن أجعل منها حجة علينا لأنصاره. # ريطة ~~: # لم يفتني ذلك، إني سألقيه إليكم لتضعوه يومئذ حيث تضعون، وليتقول الناس في شأنه ~~ما يشاءون. # أبو علي ~~: # هذا غاية المنى، والآن أسر إليك يا ريطة نبأ يطفر له قلبك فرحا. # ريطة ~~: # عن ولدي؟ # أبو علي ~~: # عن ولدك. # ريطة ~~: # أجاء ولدي؟ # أبو علي ~~: # أجل. # ريطة ~~: # كيف؟ # أبو علي ~~: # ذهبت إلى منزلي فوجدته في فراشي! # ريطة ~~: # رباه ما لي بشكرك طاقة، أتراني أستطيع أن أراه؟! # أبو علي ~~: # آه! أخذ الدليل يضل ... فارقك الصواب يا أمامة. # ريطة ~~: # صدقت صدقت، سأراه عما قريب، عجل الآن، هات فتيانك، أخبرتهم؟ # أبو علي ~~: # كيف لا؟! أحدهم ms45 ابن مياح نفسه. # ريطة ~~: # والباقي؟ # أبو علي ~~: # من رجال ولدك. # ريطة ~~: # أسامة فيهم؟ # أبو علي ~~: # أسامة، لعنة الله عليه! تخليت عنه، وأوصيت ابنك أن يستبقيه بجواره حتى نعود ~~إليه. # ريطة ~~: # ولم هذا؟ # أبو علي ~~: # لقد عاودته جنته الليلة وألح في أن يكون معنا، فوعدته فاستحلفني فأقسمت، ولكني ~~احتلت حتى خرجت بالرجال دون أن يراني، من ذا الذي يستصحب مجنونا في عمل ~~كهذا؟! # ريطة ~~: # أنصفت، ولكن الخليفة قد ذهب إلى القصرين، وأشفق أن يعود، ومعه فريق من رجال ~~القصرين، فهل أخذت لذلك العدة؟ # أبو علي ~~: # لم يفتني ذلك، فإن جنود ولدك تحت المظلة التي تشرف على النيل، فإذا بدا من رجاله ~~عزم لإنقاذه انقض هؤلاء عليهم فعاقوا النجدة، وقضى رجالنا هنا مهمتهم. # ريطة ~~: # إذن فاذهب، وهات لي ابن مياح وآخر معه. # أبو علي ~~: # على الفور، سلام عليك ~~(يخرج، ثم تدخل البدوية في حالة ~~ذهول، وريطة تراقبها). # ريطة ~~: # مرحبا يا بنتي مرحبا، لماذا جئت؟ # البدوية ~~(في حالة حزن شديد) ~~: # جئت أعد نفسي لحفلة عرسي كما أمر الخليفة بذلك. # ريطة ~~: # أي عرس هذا يا ابنتي؟ # البدوية ~~: # خير ما تمنت النفس يا ريطة. # ريطة ~~: # ما تمنيت إلا ابن عمك يا أميمة. # البدوية ~~: # وهو الذي من أجله أعد نفسي، هلم هات الشموع، ثم هاتي ملابس أبي هاتي لباس ~~البدوية، وخذي عني هذه الحرائر. # ريطة ~~: # ما هذا يا ابنتي؟ # البدوية ~~: # ويحك! لماذا لا تطيعين؟ # ريطة ~~: # وي ... ماذا أصابك؟ # البدوية ~~: # ما أصابني شيء أيتها الخائنة، إني بخير والحمد لله. # ريطة ~~: # ويحي! لقد أسلمت الفتاة زمام أمري إذ أفضيت إليها بسري، ما الحيلة؟ ما العمل؟ عرس ~~ابن عمها، وأين ابن عمك الآن، ولن يأتي لك إلا الخليفة؟ # البدوية ~~: # لن يدخل الخليفة إلا على ميت لا حس فيه ولا حراك، أجل إني سأزف إليه يملأ عينه من ~~حسني، ثم إذا دنا مني لم يدن إلا من طيف خيال، ووهم مجسم قد استحال، هلم هاتي ~~ملابسي التي خرجت بها من ديار أبي، ملابسي التي عانقني فيها ابن عمي حتى أسبقه ms46 فيها ~~إلى جنة رضوان. # ريطة ~~: # ولكن يا ابنتي ... # البدوية ~~: # ماذا؟ # ريطة ~~: # لن يكون ذلك، إني أحاذر غضب الخليفة، لقد أمرني أن أجلوك أبهى مجلى، فإذا أنا ~~قصرت في ذلك استرابني، ولم أستطع يومئذ أن أكون في جوارك أعمل على البر ~~بقسمي. # البدوية ~~: # أي قسم هذا؟ ما أسرع الناس إلى القسم! لقد أقسمت أن تنقذيني من الرجل، وأقسمت أن ~~تجمعي بيني وبين ابن عمي في ليلتين، ولا صدق هذا ولا ذاك. # ريطة ~~: # الأمور رهينة بأوقاتها يا أميمة. # البدوية ~~: # وما ينفعني الانتظار؟ وهذا سيدك قد أوشك أن يبغي علي. # ريطة ~~: # لن يبغي عليك يا أميمة، اطمئني. # البدوية ~~: # كيف أطمئن وأنا الليلة من القبر قيد ذراع؟ # ريطة ~~: # بل أنت من السعد والحياة قيد شعرة. # البدوية ~~: # أحق ما تقولين؟ أم أنه وعد لا يكلفك إلا الكذب. # ريطة ~~: # بل هو الصدق الذي ليس وراءه صدق، وأقسم على ذلك. # البدوية ~~: # ولماذا لم تخبريني به من قبل؟ # ريطة ~~: # ما زعمت أنه محقق إلا الساعة، جاءني أبو علي بعد أن ذهب ظالمك، وتم الاتفاق على ~~الأمر، ولو لم تتعجلي لبلغتك البشرى، ولكنك لم تدعي لي إلى الكلام سبيلا. # البدوية ~~: # معذرة يا ريطة معذرة ~~(تسعى إليها وتبكي على ~~كتفها) # معذرة، قد يخرج اليأس بصاحبه إلى الجنون، فاعذريني اغفري ~~لفتاة تنكر لها الرجاء، حرمت أباها وزوجها، وترى الشقاء بعينها، اغفري لي يا ~~ريطة، وتحنني علي. # ريطة ~~: # لقد والله عفا عنك قلبي يا أميمة، أنا أعرف ما أنت فيه، ولكن يجب عليك أن تلبسي ~~الآن أفخر ما أعددت لك من ملبوسي حتى لا يستريبني الخليفة. # البدوية ~~: # أيجيء ابن عمي الليلة؟ # ريطة ~~: # أجل. # البدوية ~~: # أتريدين أن يراني في ملابس خلعها علي الخليفة؟ # ريطة ~~: # كلا، ولكن ما الحيلة فيما نحتال إليه؟ # البدوية ~~: # لقد عشقني الخليفة في ملابس البدو، ولن يراك إن زففتني إليه فيها إلا ~~محسنة. # ريطة ~~: # قد يكون ذلك، ولكنه أمرني بما ذكرت، فلا تتشبثي بأمر لا ضرر فيه. # البدوية ~~(تفكر قليلا وتسكت كمن جاءته فكرة خاطرة) ~~: # لا بأس لا بأس، هلم، ms47 ولكن خبريني كيف يأتي إلي ابن عمي ~~(تجلس). # ريطة ~~: # لا يعنيك هذا، هذا تدبير بيني وبين أبي علي، حسبك أن يأتي ابن مياح إليك يحملك ~~بين ذراعيه إلى خيمة أبيك في الصعيد. # البدوية ~~: # خيمة أبي! خيمة أبي! واحسرة النفس عليك يا أبي! واحسرتاه! # ريطة ~~: # لا داعي اليوم للحسرة يا أميمة، إن أباك حي لم يمت. # البدوية ~~: # حي لم يمت! ~~(تنهض) # لم يقتل! # ريطة ~~: # بل إنه اليوم في القاهرة. # البدوية ~~: # في القاهرة؟! # ريطة ~~: # وفي بيت الأمير أبي علي نفسه. # البدوية ~~: # وافرحتاه! من لي برؤية أبي يا ريطة؟! # ريطة ~~: # سترينه الليلة يا أميمة، سترينه فلا تتعجلي. # البدوية ~~: # أقبلك يا ريطة، أقبلك ~~(تقبلها) # متى عرفت ~~ذلك؟ # ريطة ~~: # الليلة من أبي علي، وقد كان يريد أن يحضر مع الحاضرين، فأقاله أبو علي اكتفاء ~~بجنود ولدي. # البدوية ~~: # جنود ولدك؟ ~~(تجلس). # ريطة ~~: # أجل، ألم يجئ ولدي؟ # البدوية ~~: # جاء الأمير حسن؟ # ريطة ~~: # أجل، ليلبس التاج في الغد. # البدوية ~~: # هنيئا لك يا ريطة، اللهم أفرح قلبها بما أفرحتني! # ريطة ~~: # شكرا لك يا أميمة شكرا، هلم بنا نعد ظاهر أمرنا، وثقي بالله وبي. # البدوية ~~(تنهض) ~~: # أزل اللهم سحابة همي وآمن خوفي، اللهم إني أسلمت إليك أمري، أنت نعم المولى ونعم ~~النصير. # ريطة ~~: # آمين! هلم ~~(تتقدمها). # البدوية ~~: # إني شربت كؤوس الصبر أجمعها # وذقت مر هموم العيش ألوانا # لم يبق في القلب ركن لم يلم به # ريب الزمان فأخشى هذه الآنا ~~(تخرج هي وريطة ويدخل أبو علي يتبعه ابن مياح، وقد أزاح اللثام عن ~~وجهه.) # أبو علي ~~: # إن هذا المكان رهيب يا ابن مياح، أخشى أن تأخذك هيبة الخلابة فتنكص على ~~أعقابك. # مياح ~~: # لن يكون هذا المكان أرهب من ساحة الشيخ، ولا وجه الخاسر أهيب من وجه الأفعوان ~~الذي أدخلوني عليه في السرداب، فقتلته بهذا السيف الذي باركه الشيخ المبارك. # أبو علي ~~: # صدقت، ولكني لا أكاد أرى وجه عذرك إن لا نعززك بجنيب. # مياح ~~: # لن يكون الرجل أجلد مني قلبا، ولا أقوى نفسا، جئت أنشد عرضي، وأطلب ثأري، وأنشد ~~من أحب، ms48 أنقذها من براثن فاسق كفور. بيد أني أقسمت للشيخ الذي أمدني بروحه، وباركني ~~ببركته، أن أكون وحدي، وما يحنث العربي بيمين. # أبو علي ~~: # أنت وشأنك، ولكن اعلم أنني سأعد خمسا من رجالي عند الباب، فإذا لم تظفر بغريمك ~~فإني على مسمع الهمس منك ~~(يذهب إلى باب غرفة ~~ريطة) # ريطة. # ريطة ~~(من الداخل) ~~: # لبيك. # أبو علي ~~: # هلم ~~(إلى ابن مياح) # ستأخذك الآن ريطة إلى ~~مستقرك حتى تدعوك، فإذا ظفرت بفريستك وألقيت الصيد إلينا تفتحت لك أبواب القصر، ~~وإلا فهو موصد دونك حتى القبر. # مياح ~~: # على الله الاتكال. # ريطة ~~(تدخل) ~~: # سلام يا ابن مياح. # مياح ~~: # وعلى أم الأمير السلام. # أبو علي ~~: # أقسم ابن مياح لشيخنا المبارك أن يكون وحده في هذه المهمة، وما نطيق أن يحنث ~~بيمينه، وسيتولى الأمر بنفسه، ولكنا لدى الباب، فخذيه إلى حيث يرتقب. # ريطة ~~: # لا بأس بذلك، هلم يا ابن مياح. # مياح ~~: # أأستطيع أن أرى ابنة عمي؟ # ريطة ~~: # لا تراها حتى تغمض عين الخاسر، إن المحب إذا التقى بمن يحب نسي الدنيا ومن ~~فيها. # مياح ~~: # لكن بي ظمأ إليها يا خالة. # ريطة ~~: # أروه منها يوم أروي أنا ظمأي، هلم ~~(تدخل به من باب ~~الغرفة اليسرى). # أبو علي ~~: # لقد آن أن أنتقم منك يا قاتل أبي، وأنقع غلتي من دمك، ولكن لا بد لي من أن أتفقد ~~ذلك الجناح لتطمئن النفس، من يدري ريطة؟ لعل به جندا وحراسا، وهي لا تدري ~~(يخرج من الباب الأوسط، ثم يدخل أسامة كما رأيناه في الفصل ~~الثاني من تحت العقد الأيمن). # أسامة ~~: # ما هذا المكان يا ترى ~~(يلتفت، ويذهب هنا وهناك، ~~ويتسمع) # ما للقصر خال من الناس؟! أيكونون نياما؟ كيف ذلك ونحن بعد ~~العشاء بقليل؟! بيد أني لا أسمع تهويما ولا زفيرا، أم إنه لم يجعل في خدمة ابنتي ~~أحدا من القصرين كما خبروني؟ ولكن أين ابنتي، وأين الخاسر؟ أتكون في هذا المكان ~~(يتقدم نحو اليسار، ويستمع) # أأدخل أم أني ~~مجازف! لا تجمل المجازفة الآن؛ إني من المقصود قاب قوسين أو أدنى، خطواتي ms49 اليوم ~~ثمينة، فإذا أسرفت فيها أسرفت في حياة ابنتي، ويل لأبي علي لقد وعد أن يجعلني في ~~زمرة ابن نزار، ثم هرب مني قبل صلاة العشاء، ولكني عرفت السبيل، عرفت السلم الخفية ~~التي كان يصف مكانها لابن نزار، هداني الله إليها، ثم فتح لي بابها ليهون علي أمري، ~~ولكن ماذا أفعل؟ لن أخرج من هذا القصر إلا قاتلا أو قتيلا، أريد أن أنتقم، أريد ~~ابنتي ~~(يذهب صوت الأبواب) # أتكون هنا ~~(يتسمع) # إني لا أسمع في المكان صوتا ~~(يصغي بإمعان)، # بل أسمع همسا، وجلبة بعيدة، ويل ~~لأبي علي؛ هو الذي ألجأني إلى السير على غير هدى، ولكن خاب فأله سيكون المجنون أول ~~ضارب، سأكون أول منتقم آخذ ثأري أولا، ثم ليأخذوا الثأر بعدي ~~(يسمع صوت عود بعيد جدا) # هذا صوت عود يدنو ~~(يلتفت صوت الباب)، # واحسرتاه! هنا عزف وددن، وفي ~~البادية نحيب وحزن، هنا بلبل يشدو، وهناك بوم ينعب، يا الله إنهم يدنون، أين أختبئ ~~حتى أرى وأتبين؟ أين أختبئ عن العيون؟ ~~(يقرب الموكب ~~بالعود والرق) # أذهب هنا؟ ~~(يسير إلى اليسار، ~~ثم يعود) # هنا ~~(يدنو من الباب الأدنى الأيمن، ~~ويفتح الباب قليلا، ويتسمع) # لا أحد ~~(يدنو ~~العزف، والدق ... إلخ) # لقد دنوا فلأدخل والله الحارس. ~~(يلتفت وراءه، ثم يدخل، ويدخل الموكب وفيه البدوية في الوسط، ~~وقد تردت بملابس زاهية، ووراءها المغنيات، والعوادات، والرقاقات، وتتقدمها الرقاصات ~~صفين: صف يسير إلى اليمين، وصف إلى اليسار، واحدة بعد أخرى، وتسير البدوية، ومعها ~~ريطة حتى تصل إلى المقعد، فتقف ريطة إلى يمينها، ثم يأخذ صف الرقاصات الأيسر في ~~الرقص بلا انتظار، وكلما خرجت منه واحدة خرجت أمامها واحدة من الصف الأيمن، ويجلس ~~المغنيات والعوادات في المنتصف، ودارت الراقصات حولهن، والبدوية في أثناء ذلك تنظر ~~غائبة الفكر، وقد تمسح عينها مرة أو مرتين أثناء الرقص، وتتأوه مرة أو اثنتين، وهي ~~في أثناء ذلك كله حزينة بادية الحزن بلطف، فإذا انتهى دور الرقص دخل الخليفة فنهضت ~~المغنيات، وركعن تحية، ونهضت البدوية، أما أدوار الغناء فهي كالآتي): # يا غصين ms50 البان # شف قده العالي # ميلك في البستان # ما عاد يحلالي ~~••• # محبوبي نشوان # من مدام ثغره # وقميصه ولهان # بنهوده وخصره ~~••• # يا فؤادي حاسب # على روحك، واحذر # م العين والحاجب # والخد الأحمر ~~••• # إن تكن مفتون # ومرادك تشفى # كل شيء يهون # لما العين تغفى # 1 # الخليفة ~~: # عمي مساء يا أميمة. # البدوية ~~(تنكس رأسها) ~~: # عم مساء يا مولاي. # الخليفة ~~: # ألا تزالين على عهدك يا أميمة؟ # البدوية ~~: # لم يزل بي ما تركتني عليه. # الخليفة ~~: # ولكنك قد وعدت أن تجيبيني إلى طلبتي. # البدوية ~~: # لقد أمرت يا مولاي، وما علي إلا الطاعة، أما الرضا فليس في المقدور. # الخليفة ~~: # لماذا بطل الغناء يا ريطة؟! # ريطة ~~: # إلى الرقص يا فتيات. ~~(تعود المغنيات إلى الغناء، والراقصات إلى الرقص، والخليفة جالس ~~يحادث أميمة، وكأنه قد زاد به اللجاج، فنهض وأخذ يهدر، فلا ينقطع الغناء ولا الرقص، حتى ~~يخاطب الخليفة المغنيات في ساعة غضبه.) # الخليفة ~~: # أبطلن هذا، وانصرفن انصرفن، لا أريد رقصا ولا غناء ~~(تنصرف المغنيات، والراقصات جميعهن، ولا يبقى مع الخليفة والبدوية إلا ~~ريطة) # أيتها الفاجرة! لم يبق في قوس الصبر منزع ... ريطة! # ريطة ~~: # مولاي! # الخليفة ~~: # خذيها إلى مخدعها، عجلي ~~(يسير في المكان ذهابا ~~وإيابا). # ريطة ~~: # انهضي يا أميمة ما لك حمقاء؟! أما ترين السيف معلقا في الهواء؟! أنت الآن على ~~أبواب السعد يا سيدتي، فلماذا توصدينها بيديك؟! انهضي، أفرحي، واطمئني، وثقي بالله ~~وبي. # البدوية ~~(تنهض وهي في حالة ذهول) ~~: # هلم هلم، إلى مخدعي! إلى مخدعي! لقد فرج الله عني، تفتحت لي أبواب الرجاء، وأرى ~~الملائكة تدعوني إلى السماء، هذا خيال ابن مياح يرقبني ~~(تنظر إلى ابن مياح، وقد بدا تحت العقد الأيسر)، # وهأنذا في السبيل ~~إليه ~~(تمد ذراعيها، وتسير كأنها مجنونة صوب العقد ~~الأيسر) # حسين! حسين! # مياح ~~(يظهر لها) ~~: # أجل، أجل، في السبيل إلي ~~(يتقدم منها ~~ويأخذها). # البدوية ~~: # آه! ~~(تسقط مغشيا عليها، فيجلسها على المقعد ويتركها، ~~ويذهب إلى الخليفة مسرعا). # الخليفة ~~: # ما هذا؟! من هذا يا ريطة؟! # مياح ~~: # انظر وتذكر! انظر حسين بن مياح ~~(يرفع اللثام عن ~~وجهه). # الخليفة ~~: # النجدة! ms51 النجدة! # مياح ~~: # لن ينقذك اليوم منقذ ~~(يهجم عليه ويقبض على رقبته ~~ويجالده حتى يسقط الخليفة). # الخليفة ~~: # آه، آه، النجدة ~~(يخرج أسامة من غرفته، ويأخذ يتلفت، وإذ ~~يرى الخليفة ساقطا وفوقه رجلا مجهولا، يهجم عليه بالسيف). # أسامة ~~: # من ذا يغلبني على فريستي ... إليك ~~(يدفع ابن مياح ~~بيديه). # مياح ~~(يقبض على رقبة الخليفة، وهو ملقى، ينظر إلى القادم، وإذ يرى ~~عمه يصيح) ~~: # عماه! عماه! # أسامة ~~: # حسين! أنت! انتقم يا بني! # الخليفة ~~: # الرحمة! الرحمة! # مياح ~~: # هذا جزاء الظالمين. # أسامة ~~(يقتلانه معا) ~~: # ثأري، ثأري ~~(ثم يعانق ابن مياح، ويتقدم ابن مياح إلى ~~البدوية وأسامة ينظر إليهما). # مياح ~~: # أميم! أميم! انهضي آن أن أضمك إلى صدري. ~~(ينهضان) # البدوية ~~: # حسين! حسين! # مياح ~~: # لبيك، هأنذا. # البدوية ~~(تفتح عينها فترى شبحه فتبتعد عنه قليلا، وتمسك بكتفه بذراعين ~~ممدودتين، وإذ تتأكد أنه هو تلقي بنفسها عليه) ~~: # حسين! حسين! ~~(يكون أسامة في أثناء ذلك واقفا يتردد، ~~يريد القرب من ابنته، ثم لما يراها بين ذراعي زوجها يحجم، ولكنها في أثناء ~~العناق ترى أباها فتبتعد عن حسين، وتذهب إليه) # أبي! أبي! # أسامة ~~(بصوت مختنق بالعبرات) ~~: # ابنتي! ~~(يتقدم منها ويحتضنها) # أميم! أميم! لقد ~~ظفرت بمناي وثأرت لنفسي. ~~(هنا يدخل أبو علي وبعض الجند، وتدخل ريطة من حيث خرجت.) # ريطة ~~(من جانب) ~~: # مرحى! مرحى! # أبو على ~~(من جانب) ~~: # مرحى! مرحى! # البدوية ~~: # إليك عني يا ملابس الخنا، إليك، هأنذا كما أتيت ~~(تخلع ~~لباس العرس، وتظهر بملابسها العربية التي رأيناها أول فصل، فإذا رآها أبوها ~~وابن مياح ناديا). # أسامة ~~: # إلى الصحراء! إلى الصحراء! # مياح ~~: # إلى الصحراء! إلى الصحراء! # الجميع ~~: # إلى الصحراء! إلى الصحراء! ~~(يأخذ أسامة بيد البدوية اليسرى، ويأخذ ابن مياح بيدها اليمنى، ~~ويستعرضان المرسح، والسيف في أيديهما، ثم يتقهقرون ويخرجون.) # يسدل الستار ms52