######OpenITI# #META# URI: 1368IbrahimRamzi.SarkhatTifl.Hindawi80297953 #META# Tags: novels #META# ID: 80297953 #META# Title: صرخة الطفل: قصة تمثيلية عصرية في فصلين #META# AuthorID: 29607190 #META# Author: إبراهيم رَمزي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # للتاريخ‏ # أشخاص الرواية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # للتاريخ‏ # أشخاص الرواية‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # | صرخة الطفل # | صرخة الطفل # | قصة تمثيلية عصرية في فصلين # تأليف # إبراهيم رمزي # | للتاريخ # ألفت هذه الرواية في سنة 1923، وبقيت في أضابيرها، حتى مثلتها فرقة اتحاد الممثلين في ~~سنة 1935، وأخرجها صديقنا الكاتب الفاضل الأستاذ «زكي طليمات» مفتش التمثيل بوزارة المعارف، ~~وأول مبعوث للحكومة في فنون الإخراج والتمثيل. # وأرى من واجبي - وقد رأيت اليوم طبعها ونشرها - تسجيل خالص شكري لأصدقائي الممثلين الذين ~~تولوا تمثيل أدوار هذه الرواية، فقد أجادوا وأحسنوا كعادتهم في كل ما يمثلون. # وإذا خصصت بالذكر الأستاذ العبقري «حسين رياض» والآنسة النابغة «فردوس حسن»، فذلك لأنهما ~~قاما بأعباء أشق الأدوار تمثيلا، وأدعاها إلى اليقظة وإدراك ما فيها من النواحي النفسية ~~المتوشجة والعواطف الإنسانية المتعاركة، وكانا في دوريهما كما أردت وصورت، وهو أقصى ما يغبط ~~عليه مؤلف مسرحي. ولذلك أدون لهما هذه الحسنة مشفوعة مني بأخلص عبارات الشكر والإعزاز. # 36 شارع الزقازيق بمصر الجديدة # يونيو سنة 1938 # إبراهيم رمزي # | أشخاص الرواية # علي بك: # محام في القاهرة، سنه 35 سنة، «ومثله الأستاذ حسين رياض». # خليل: # طبيب حديث التخرج في مدارس إنجلترا، سنه 27 سنة، وابن عم علي بك «ومثله ~~الأستاذ فتوح نشاطي». # بشير أغا: # باش أغا سراي قسطلي باشا، ومعلم بنات السراي وجواريها، حبشي الجنس، سنه 65 ~~سنة، «ومثله الأستاذ عبد العزيز خليل». # زهيرة: # زوجة علي بك، سنها 25 سنة، وهي فتاة من استانبول، تبنتها امرأة قسطلي باشا ~~المعروفة باسم الست الكبيرة، «ومثلتها الآنسة فردوس حسن». # عطية: # عذراء في العشرين من عمرها، تبنتها امرأة الباشا أيضا، وتعرف باسم أخت زهيرة ~~هانم، «ومثلتها الآنسة روحية خالد». # | الفصل الأول # المنظر ~~«بهو فيلا بمصر الجديدة لعلي بك له باب عريض (1) إلى يمين المتفرج، هو باب الدخول ~~لأهل المنزل، إذا فتح ظهرت منه شرفة كبيرة، وهو ذو مصراعين من الخشب الملبس بألواح ~~الزجاج، ويغطيه ستار مطوي على الجانبين من الحرير الشفاف المزين بالنقوش، وبعد الباب ~~مسافة من الحائط، قد وضع فيها مناط ms01 للعصي وغيرها - شماعة - ثم صورة معلقة ، هي صورة علي ~~بك المحامي صاحب البيت، وفي الواجهة بابان؛ أحدهما باب المكتبة (2) ذو مصراعين من الخشب ~~دون سواه عال علو سابقه، وبعده مسافة بها صورة معلقة على جدارها، هي صورة الدكتور خليل ~~ابن عمه، وثانيهما باب طرقة الغرف الثانوية (3) ويؤدي إلى السرب - البدروم - وهذا الباب ~~قصير ذو مصراع واحد، ويرى بعد هذا الباب مبتدأ سلم صاعدة ثم منعطفة في صعودها على ~~الجانب الأيسر بالنسبة للمتفرج، ثم تغيب عن المنظر؛ إذ تنتهي عند شرفة داخلية في الدور ~~الثاني من هذه الفيلا الجميلة. # ويرى تحت السلم مقعد صغير لاثنين، أمامه صينية من الصفر ~~على حامل قصير، عليها منفضة وصندوق للسجائر وغير ذلك، وإلى اليسار تحت السلم أيضا كرسي ~~تعلوه صورة، وبعده منضد غير عريض تعلوه مرآة على جانبها ذراعا كهرباء في كل منهما كم ~~من البلور الثمين فيه زجاجة المصباح. وبعد المرآة باب (4) هو باب غرفة الغسيل والتزين. ~~والمكان تزينه في سقفه دوال من الكهرباء، وفي وسطه تقريبا مائدة ثمينة تعلوها ثريا ~~عظيمة متعددة الدوالي يتدلى منها زر جرس كهربائي، وحولها ثلاثة كراسي؛ الأول على الجانب ~~الأيمن أمام باب الدخول، والثاني أمام الباب الثالث، والثالث بعده على الجانب الأيسر، ~~وأرض السلم والغرفة مفروشة بالبسط الفاخرة.» # التمثيل ~~(إذا أزيح الستار رؤيت عطية هانم في شرفة المنزل متجهة إلى باب الدخول (1)، ثم تقبض على ~~أكرة الباب وتفتحه وتدخل، ثم تقفل الباب وراءها.) ~~(هي فتاة في العشرين من عمرها، بيضاء الوجه، صفراء الشعر نوعا ما، عسلية العينين، ~~أسيلة الخد، صغيرة الجسم. إذا أنعمت النظر في وجهها تبينت فتاة طيبة القلب مخلصة في ~~قولها وفعلها، وقورا كريمة النفس، ملابسها غالية القيمة على بساطة في قطعها وبعد عن ~~التأنق، ترتدي معطفا من الحرير الأسود، وقبعة فوقها نقاب أسود شعشاع (بيشة)، ولكنها ~~تكون قد أسقطته عن وجهها ساعة الدخول، ويبقى المعطف مزررا طول الفصل الأول لا يبدو من ~~تحته شيء، اللهم إلا ما يبدو من القبة، وهو صدر فستان أحمر. يشعر ms02 الناظر من رؤيتها ماشية ~~ساعة الدخول ومن حياة في نغمة صوتها وهي تتكلم بعد ذلك أن في فؤادها عاطفة فرح ينعش ~~جميع حواسها وجوارحها، أما فيما عدا ذلك فإنها في أكثر وجوه الرواية بادية ~~الهدوء.) # عطية ~~(تقف بعد الباب الذي دخلت منه بخطوة أو اثنتين وتتلفت في ~~المكان) ~~: # ليس هنا أحد. ~~(تصفق) # يا أهل البيت! يا أهل ~~الله! ~~(تتقدم قليلا نحو المائدة) # زهيرة ~~هانم! زهيرة! أختي! أتكون قد ذهبت إلي في مصر! هذا عيب مصر الجديدة ~~(تتمشى نحو الباب الثالث وهي تتكلم) # يسافر إليها ~~الإنسان من مصر القديمة، فإذا لم يجد من يقصده اضطر أن يسافر كل هذه المسافة ~~عائدا ~~(تنادي) # بشير أغا! بشير أغا! أظنه لم ~~يأت بعد، زهيرة هانم! # زهيرة ~~(من أعلى) ~~: # من الذي ينادي؟ # عطية ~~: # أنا عطية، أين أنت يا أختي؟ ~~(تذهب إلى عتبة السلم ~~وتقف ممسكة بالدرابزين رافعة وجهها إلى أعلى.) # زهيرة ~~: # اصعدي إلي. # عطية ~~: # ألا تنزلين؟ ~~(تظل رافعة وجهها إلى ~~أعلى.) # زهيرة ~~: # إني أريد أن أدخل الحمام. # عطية ~~: # دعي الحمام إلى وقت آخر، انزلي ~~(تترك التطلع إلى ~~فوق) # انزلي، عندي لك خبر يسر ~~(ثم ~~تعود فتنظر إلى أعلى) # تعالي، انزلي. إني تعبت من المشي ولا أقدر ~~أن أصعد كل هذا الدرج. # زهيرة ~~: # طيب. # عطية ~~(تذهب إلى المرآة تقف أمامها وتصلح من شعرها ثم تجلس على ~~الكرسي الثالث) ~~: # يا سلام! كم أنا تعبة! # زهيرة ~~(تنزل على الدرج وهي لابسة قميصا من المرمر الثمين به نقوش ~~مفرغة في قبته، وفي قدمها خفان ثمينان وشعرها مرسل على كتفيها، وهي امرأة في ~~الخامسة والعشرين من عمرها، وسط في الجسم، بيضاء البشرة سوداء الشعر، ذات عينين ~~قويتين تدلان في مجموعهما على أنها امرأة متزنة التفكير شديدة الاعتماد على ~~نفسها، حية متنبهة. إذا نزلت على الدرج أطلت من الدرابزين لترى أختها) ~~: # أهلا وسهلا ~~(فإذا نزلت إلى آخر الدرج انعطفت على ~~يمينها وتقدمت إلى أختها، فتنهض عطية عن الكرسي وتتقدم إليها ~~خطوة) # أهلا وسهلا! ~~(تتعانقان.) # عطية ~~: # أهلا بك، أوحشتني! ~~(تجلس على المقعد ms03 الذي تحت ~~السلم.) # زهيرة ~~(تتناول الكرسي الثالث من جوار المائدة بيدها اليسرى وهي ~~متجهة إلى المقعد وتجلس أمام الصينية الصفراء) ~~: # كيف صحتك الآن يا عطية؟ # عطية ~~: # الحمد لله، أحسن كثيرا. # زهيرة ~~: # كيف أهل السراي؟ # عطية ~~: # كلهم بخير يسلمون عليك، كيف حال بابا بشير أغا؟ # زهيرة ~~: # إنه بخير دائما. # عطية ~~: # أراك استبقيته في منزلك مدة طويلة، أما آن أن يعود إلى السراي؟ # زهيرة ~~: # إني لا أستبقيه على الرغم منه. # عطية ~~: # ولكني سمعتهم يقولون ويتقولون حتى ضاق بهم ذرعي. # زهيرة ~~(بتهكم) ~~: # يظنون أني أستبقيه عندي حتى يموت في بيتي فأستولي على ما وراءه، لا يا ستي ~~لا، الله الغني. ~~(تنهض عن الكرسي وتذهب إلى المرآة ~~تصلح من شعرها) # صدقيني أني لا أريد بقاءه عندي يوما واحدا، لقد ~~أصبح كثير الانتقاد والكلام الفارغ. # عطية ~~: # لماذا؟ ~~(تنهض هي أيضا متجهة صوب ~~المنضد.) # زهيرة ~~(تعود حتى تجلس على الكرسي الثالث) ~~: # إنه يريد أن يجعل علي هنا - حتى بعد ما تزوجت ومرت علي خمس سنين - ما كان ~~له علينا من السلطة أيام كان يعلمنا النحو ويضربنا بالخيزرانة إذا نصبنا الفاعل ~~ورفعنا المفعول. # عطية ~~(تضحك) ~~: # إنه بمثابة أب لنا يا أختي، وهو يخاف علينا، ويتمنى لنا كل خير. # زهيرة ~~(بقليل من الكدر) ~~: # ولكنه أفرط في هذه الأيام، لا لا، لقد حان الوقت الذي يعود فيه إلى ~~السراي. # عطية ~~: # لا بأس، هذا حسن. سآخذه معي عند عودتي إذا شئت، ولكن ~~(تذهب إلى الكرسي الأول) # كيف أصبح كثير ~~الانتقاد؟ أظن أنه يتدخل بينك وبين علي بك ويساعده عليك؟ # زهيرة ~~(تصمت هنيهة) ~~: # وأكثر من ذلك. # عطية ~~: # ألا تزالين في شقاق مع علي بك؟ # زهيرة ~~: # إن الشقاق لا ينقطع، بل أصبحت أتمنى الفراق منه، ومع ذلك ... # عطية ~~: # الفراق؟! كفى الله الشر! # زهيرة ~~: # لقد أصبح ثقيل الظل على نفسي هذه الأيام. # عطية ~~(بدهشة واستنكار) ~~: # علي بك ثقيل الظل! علي بك! ما عهدته كذلك أبدا. # زهيرة ~~: # لقد تمادى هذه الأيام، وأخذ يقول كلاما وقحا يلبسه ثوب المزاح والضحك، ~~ولكني أعرف أنه يجد ويعني ms04 كل ما يقول، بل وأكثر من ذلك: يتعمد أن ~~يؤلمني. # عطية ~~: # عجيب! وهل هناك داع إلى هذا الإيلام؟ # زهيرة ~~: # لا أدري يا أختي سببا لذلك، لقد أصبحت رؤيته تؤذيني. # عطية ~~: # لم تذكري إلى الآن شيئا معينا من أعماله معك. # زهيرة ~~: # اسكتي، اسكتي. # عطية ~~: # كيف؟ # زهيرة ~~: # هذا البيت ليس إلا بنسيون في نظر علي بك، لا يأتي إليه إلا ليأكل وينام. وإذا ~~كان لديه وقت فراغ دخل مكتبته وأقفلها عليه ليقرأ ملفات القضايا، أو يكتب ~~مذكرات لا تنتهي، وما أنا ولا من معي في البيت إلا نزلاء مثله لا علاقة له بنا ~~ولا لنا به إلا «نهاركم سعيد، نهاركم مبارك، ليلتكم سعيدة، قهوة، هل عندكم غدا؟ ~~هل عندكم عشا؟ أين حقيبة أوراقي؟» أما أننا رجل وامرأة مثل خلق الله فقد ~~انتهى. # عطية ~~: # لم أعهده هكذا أبدا، ماذا جرى؟ ربما أغضبه منك شيء. # زهيرة ~~: # مني أنا؟ أنا؟ لماذا؟ اسكتي، اسكتي. أنا في جحيم! أنا في جهنم الحمرا! إنه ~~كما عهدت يسمع كلامي وهو هادئ ساكن كأبي الهول، ينظر إلي بعيني مستهين، وترين ~~على شفتيه علامة الازدراء. ثم إذا زاد غيظي منه وأمسكت بتلابيب ثوبه ضحك وهزل، ~~ونطق بجملته التي حفظها في هذه الأيام كالببغاء. يقول: يا زهيرة أنا لا ألومك ~~على صراخك، لست أنت التي تصرخين، إنما الذي يصرخ هو الولد. # عطية ~~(بدهشة) ~~: # الذي يصرخ هو الولد! أي ولد هذا؟ # زهيرة ~~: # لا أدري، إنه كثير الألغاز. # عطية ~~: # لعله يعني أنك متألمة بسبب تأخر الخلفة. # زهيرة ~~: # من يدري؟ أيمكن أن تفهمي له قصدا! ومع ذلك فإنني كلما قلت له: إني لا أشتهي ~~الخلفة، ولا يهمني أن أعيش كذلك، بل إذا عشت بدون ولد كنت أسعد وأهنأ، وإني ~~إنما أرجو أن يعاملني معاملة الزوجة ويترك محاماته ومكتبه قليلا من أجلي، ولا ~~سيما وهو في المنزل، قال وهو يراضيني: لا تغضبي، إني سأجيء إليك مبكرا كل يوم، ~~وسأكون كما تحبين. # عطية ~~: # طيب ~~(تجلس على الكرسي الأول) ~~. # زهيرة ~~: # وقد يصدق يوما أو ثلاثة ثم ترجع ريمة ms05 لعادتها القديمة. # عطية ~~: # هذا أمر عجيب ولكن ... # زهيرة ~~(مقاطعة) ~~: # وترينني يا أختي في غاية الضيق، ولا أطيق أن تقع عيني عليه. # عطية ~~: # هوني عليك يا أختي، كل الرجال هكذا. من منهم يستطيع أن ينصرف عن عمله أو ~~يهمله من أجل زوجته؟ بل إنه إنما يشتغل في الحقيقة من أجلها. الذي أراه يا أختي ~~أن تعودي نفسك هذه الحال ولا تكثري من التفكير فيه. # زهيرة ~~: # والله أنا لا أفكر فيه أبدا، لقد زال حبه من قلبي دفعة واحدة، وما دام أنه ~~لا يهتم بي، ويريد أن يتركني فريدة كالزهرة التي تنبت في الصحراء ~~(تشير بيدها) # تحيا وتموت ولا يراها أحد، فإني ~~سأبحث عمن يشتهي شم عبيري. # عطية ~~(بابتسام إنكاري) ~~: # وي! وي! # زهيرة ~~: # ألا تصدقين؟ إني أقول لك الحق. # عطية ~~: # أي حق هذا؟ أتجرئين؟ # زهيرة ~~: # هه ~~(تهكما) # أجرؤ؟ لقد انتهيت من ذلك، بل ~~وجدت الذي يحبني ويموت في غراما. # عطية ~~: # إليك عني! لسنا ممن كتب عليهن هذا يا زهيرة. # زهيرة ~~(بكدر) ~~: # اسكتي من فضلك، ماذا تعرفين أنت من الدنيا؟ يجب أن تقلعي عن هذه العبارات ~~الأزهرية. «كتب»، «قدر»! أنت كنت شبه أغا في السراي ولا تزالين كذلك. ولو كان ~~في الإسلام رهبانية لكنت أحسن رئيسة دير في الدنيا ~~(تضحك هي وعطية) # أما أنا فما كنت كذلك، وقد عرفت الآن شيئا ~~كثيرا. # عطية ~~: # آه! هذا الذي من أجله تريدين أن يرجع بشير أغا إلى السراي. # زهيرة ~~: # وهل يهمني بشير أغا هذا؟ # عطية ~~(بتهكم) ~~: # ومن هو هذا الذي وجدته؟ # زهيرة ~~: # واحد ... # زهيرة (الآنسة فردوس حسن جالسة) وعطية (الآنسة روحية خالد قائمة) ~~في هذا الموقف. # عطية ~~: # ومن هو هذا الواحد؟ # زهيرة ~~: # ما لك به؟ # عطية ~~: # أريد أن أعرفه؛ لأهنئك به على الأقل! # زهيرة ~~: # أنت مجنونة! كيف أخبرك عنه؟ # عطية ~~: # سيعرفه الناس عما قريب، فلماذا تخفينه عني؟ # زهيرة ~~: # كيف؟ # عطية ~~: # لا بد أن ينكشف أمركما يوما من الأيام. # زهيرة ~~: # ليس هذا ممن ينكشف أمره، ومع ذلك سأبذل جهدي حتى أتزوج منه. # عطية ~~(تنهض مزدرية) ~~: # أنت ذات ms06 مشروعات فارغة ~~(تتمشى متلكئة صوب باب ~~الدخول ويداها على خاصرتيها، ثم تنظر إلى الفضاء من خلال الزجاج) # دعينا من هذا الكلام ~~(تنعطف على يسارها تنظر إلى ~~الجدار الذي بين البابين الأول والثاني فتجد صورة علي بك معلقة) # كلامك اليوم ثقيل على أذني ~~(تنظر إلى صورة علي بك ~~وتطرقها بظهر يدها فيسمع صوت النقر على زجاج إطار الصورة) # أتجدين ~~أشرف من هذا الرجل أو أحسن؟ من نحن في النساء حتى نستحق هذا الرجل؟ لا حسب لنا ~~ولا نسب، ولا قيمة لنا في الواقع، ثم لا نحمد الله على أن لنا مثل هذا الرجل ~~العظيم. # زهيرة ~~: # ماذا يهمني شرفه ومجده إذا لم أكن أحبه؟ أنا أريد رجلا، لا شجرة نسبه ولا ~~براءة رتبه. # عطية ~~(تلتفت) ~~: # يا ليت لي رجلا مثله أو نصفه! # زهيرة ~~: # سأخليه لك فخذيه هنيئا مريئا. # عطية ~~: # لا قدر الله! لا قدر الله! إنك والله لتقاتلين كل من تنظر إليه أو إلى صورته ~~كما كنت أنظر الآن. # زهيرة ~~: # أنت تظنين ذلك. # عطية ~~(تنعطف على يمينها نحو الباب الثالث) ~~: # صورة جديدة للدكتور، إنها بديعة جدا ~~(تنظر صامتة ~~مدة طويلة، ثم تتنفس تنفس الاضطراب وظهرها إلى أختها) ~~. # زهيرة ~~: # ذكرتني، أين خليل بك يا ترى؟ لي ثلاثة أيام لم أره. # عطية ~~(تعود إلى كرسيها بسرعة وتجلس) ~~: # كنت عند أخته خديجة هانم صباح اليوم فرأيته هناك، لم يكن قد ذهب بعد إلى ~~عيادته حين وصلت. # زهيرة ~~: # أقابلته؟ # عطية ~~: # كيف أقابله؟ ليس من عادته أن يقابلني. # زهيرة ~~: # عجبي منك! أما كان يعودك في السراي وأنت مريضة؟! # عطية ~~: # بلى، ولكن المرض عذر شرعي. وقد زال والحمد لله، فلم يعد له حق في مقابلتي، ~~ولا يليق بكرامتي أن أقابله. ماذا جرى في الدنيا؟ # زهيرة ~~: # تحسنين صنعا، هذا أليق بكرامة عذراء مثلك. # عطية ~~: # الحمد لله على الإسلام يا أختي، لما كنت عند خديجة هانم اليوم أفهمتني أنه ~~يود أن يفاتحك أنت وعلي بك في شأن زواجه مني. # زهيرة ~~(بدهشة) ~~: # منك؟! # عطية ~~: # أجل! # زهيرة ~~(باضطراب ظاهر) ~~: # أهذا هو الخبر ms07 السار الذي جئتني به؟ ~~(تنهض.) # عطية ~~(بدهشة قليلة) ~~: # نعم، ألا يسرك أن أتزوج؟ # زهيرة ~~: # إنك لا تزالين صغيرة ~~(تمشي نحو المقعد وتعبث ~~بالأواني التي على الصينية ترتبها) ~~. # عطية ~~: # صغيرة! ها ها، إني ناهزت العشرين، وغيرنا يتزوج قبل هذه السن بسنوات. # زهيرة ~~: # خطأ، ولذلك فإن الست الكبيرة جعلت لي الحق عليك حتى تتجاوزي سن العشرين، وإلا ~~فلا يكون لك نصيب في ريع وقفها ~~(تفتح علبة السجائر ~~التي على الصينية، وتتناول منها واحدة وتشعلها وتجلس على المقعد وهي ~~تدخن). # عطية ~~: # لا إنكار في ذلك، هل أنا أتزوج بغير رضاك، مهما كانت الأحوال؟ أنت أختي وأمي، ~~ليس لي في الدنيا سواك وبابا بشير أغا. # زهيرة ~~: # أنا لا آبى عليك أن تتزوجي، هذا يوم مناي. وكنت أشتهي ذلك من زمن بعيد؛ لأن ~~المرحومة الست الكبيرة جعلت لي حق التجاوز إذا رأيت فيه مصلحة. # عطية ~~: # فماذا حدث الآن؟ # زهيرة ~~: # أنا لا أريد لك الدكتور خليل زوجا. # عطية ~~: # لماذا؟ # زهيرة ~~: # لأنه في الواقع رجل فقير، إنه ابن عم علي بك، نعم، ولكنه لم يرث من أبيه مثل ~~ما سيكون لعلي بك بعد وفاة أبيه، وعيادته في مصر قليلة الإيراد. # عطية ~~: # كيف يكون فقيرا رجل تعصمه عن السؤال حصة لا بأس بها في إيراد وقف أبيه، وله ~~عمله وعيادته، نعم، إنها قليلة الدخل، ولكنها حديثة العهد. ألم يفتحها منذ ~~ثلاثة أشهر! ومع ذلك فإني لا أريد عيشة البذخ ولا أحبها. إنها تنافي طبعي، بل ~~لعمري إني لأشعر أن البذخ سبيل الشقاء والبغي، أنا أريد عشا، كوخا صغيرا ~~أعيش فيه أنا وزوجي، وأنا كفيلة بجعله عش السعادة. # زهيرة ~~: # هذا كلام كل بلهاء. # عطية ~~: # إنه شاب متعلم، ذو عمل شريف منتج وكفى، والطبيب في نظري من أسعد الناس حالا؛ ~~لأنه يجد رزقه في كل مكان، كما أن حصتي في ريع وقف المرحومة الست الكبيرة ~~تصوننا عن السؤال عند الحاجة، وربما كان فيها ما يساعده في هذه الأيام على ~~توطيد عمله وتهيئة مستقبله. # زهيرة ~~(بحزم) ~~: # أنا لا أزوجك باختياري طبيبا ms08 أبدا. # عطية ~~: # لست أجد لهذا الرفض سببا إلا أنك تضيعين علي فرصة قلما تظفر بها فتاة ~~مقطوعة مثلي عن الدنيا، إن في استطاعته أن يتزوج من أكبر بيوت البلد وأرقى ~~بناتها، وفي اعتقادي أنه يتنزل كثيرا بطلب الاقتران بي. # زهيرة ~~: # إن عمله يحتم عليه أن يقضي الليل والنهار خارج منزله، وكيف تطيقين ~~هذا؟ # عطية ~~: # هكذا كل رجل يشتغل في الأعمال الحرة، أليس علي بك كذلك؟ # زهيرة ~~: # بلى، وهذا ما كرهني في الدنيا وجعل حياتي كلها شقاء. لا لا، لا أريد أن أوقعك ~~في مثل ما أنا فيه، وإلا فما معنى وصية الست الكبيرة! # عطية ~~: # سأعود نفسي عشرة الطبيب كغيري من زوجات الأطباء، على أن من كان زوجها رجلا ~~ظريفا كخليل بك يجب عليها أن تشتري اللحظة معه بالشيء الكثير. # زهيرة ~~(بتشبث وعناد) ~~: # لك رأيك، ولكني لا أقر هذا الزواج بحال من الأحوال. ~~(تنهض بعد أن تطفئ السيجارة وتمشي صوب عتبة ~~السلم) # لا تذكريه بعد اليوم على لسانك. # عطية ~~: # أأنت تجدين؟ # زهيرة ~~: # أجل. # عطية ~~: # أليس لي أن أسأل عن السبب؟ # زهيرة ~~(تمسك بعود الدرابزين وتصعد) ~~: # لقد ذكرت لك السبب، بيد أن عندي أسبابا أخرى كثيرة لا أستطيع أن أبوح لك ~~بها؛ فقد أخبرني عنه علي بك شيئا كثيرا ~~(تصعد ثلاث ~~درجات) ~~. # عطية ~~: # وما هذا؟ # زهيرة ~~(تصعد درجة أخرى) ~~: # شيء لا يليق أن تسمعه فتاة، هلمي نصعد، إني أريد أن أغتسل، وأمشط شعري ~~(تصعد درجات أخرى حتى تصل إلى ~~البسطة) ~~. # عطية ~~(تنهض عن كرسيها) ~~: # لماذا أصعد؟ # زهيرة ~~: # أتظلين وحدك؟ بشير أغا في القاهرة، ذهب ليحصل أجرة منزله، وربما لا يعود ~~قبل العصر ~~(تصعد وهي تتكلم) # ومع ذلك، على ~~هواك. ادخلي المكتبة إذا شئت حتى أعود إليك، ولكن لا تشغلي نفسك بأمر لا فائدة ~~منه! ~~(تختفي.) ~~(تظل عطية مطرقة الرأس ثم تمسح دمعها بمنديلها؛ إذ تسحبه من بين شفتي الحقيبة وهي ~~جالسة على كرسيها وظهرها إلى باب الدخول (1) وتضع كفيها على عينيها والمنديل في يدها ~~اليسرى وتبكي، ولكن لا يسمع صوت شهيقها، وعندئذ ms09 يفتح بشير أغا الباب الأول ويدخل ويقف ~~ممسكا بأكرة الباب، وهو رجل حبشي ذو سمرة مستحبة ووسامة ظاهرة، في الخامسة والستين من ~~عمره، لطيف الطلعة، نظيف الملبس بادي الوقار. يكون في يده اليمنى القابضة على الأكرة ~~عصا وفي اليسرى كتاب وجريدة، وإذ يرى فتاة جالسة إلى المائدة في حالة هم وتفكير يميل ~~برأسه ويتمعن ثم يشعر كأنه يتبين ظهر عطية، فيتقدم نصف خطوة أخرى ويقفل الباب من ورائه ~~وهو يقول لنفسه بصوت متسائل خافت): عطية؟! (عطية ترفع رأسها بلطف وتلتفت عن يسارها، وإذ ~~ترى بشير أغا تجهش بالبكاء.) # بشير ~~: # عطية! ~~(يتقدم مسرعا إليها ويضع أطراف أصابع يمناه ~~الممسكة بالعصا على كتفها، وتكون العصا إذ ذاك محمولة على ظهر ~~الكرسي) # ما بك يا ابنتي؟ # عطية ~~(تنهض ببطء وهي مطرقة الرأس، وتخرج مبتعدة عن الكرسي صوب ~~أدنى المسرح قليلا، ثم تتناول يمناه فتقبلها والعصا فيها، ثم ترجع إلى الوراء ~~بظهرها منحرفة إلى اليسار) ~~: # لا شيء ~~(وتمسح دموعها بمنديلها الذي في يدها ~~اليسرى) ~~. # بشير ~~(يجلس على الكرسي الذي كانت عليه عطية ويتجه إليها) ~~: # لا شيء! لا يمكن أن يكون بكاؤك بلا سبب، هلم خبريني. اجلسي ~~(مشيرا إلى الكرسي الثالث الذي أمامه) # متى كنت ~~تخفين أمورك عني يا بنيتي العزيزة؟! ~~(يضع الكتاب ~~والجريدة على المائدة، وتظل العصا في يده اليمنى، وينظر إليها ~~متمعنا.) # عطية ~~(تميل نحو الكرسي الثالث وتضع يدها على أعلى ظهره) ~~: # لا شيء. # بشير ~~: # بل تعالي هنا بجانبي ~~(مشيرا إلى الكرسي الثاني ~~الأوسط الذي في مواجهة الجمهور) # لا بد أن تخبريني. # عطية ~~(تنعطف من وراء الكرسي الثالث إلى الكرسي الأوسط ~~وتجلس) ~~: # مسألة بسيطة بيني وبين أختي. # بشير ~~: # وأين هي؟ # عطية ~~: # صعدت الآن إلى الحمام. # بشير ~~(يصمت قليلا) ~~: # أين كنت بالأمس؟ # عطية ~~: # في السراي. # بشير ~~: # واليوم، في السراي أيضا؟ # عطية ~~: # لا، زرت خديجة هانم في الصباح، ثم جئت إلى مصر الجديدة بعد ذلك. # بشير ~~: # أنا كنت عند خديجة هانم في الصباح. كيف لم أرك؟ # عطية ~~: # وصلت بعد انصرافك بقليل. # بشير ~~: # ها، انهضي يا ms10 بنيتي، هلم اغسلي وجهك، لا يليق بك أن تبكي، تعالي ~~(يضع عصاه في يساره ويأخذها من يدها ويذهب بها إلى الباب ~~الرابع) # ادخلي اغسلي وجهك، سأحضر لك منشفة نظيفة ~~(تخرج عطية من الباب الرابع، ويعود بشير إلى الوسط وهو ~~يتكلم) # إنها لا تريد أن تخبرني، ولكني أعرف السبب، لا بأس ~~(يتناول الكتاب والجريدة عن المائدة ويخرج من الباب ~~الثالث) ~~. ~~(وإذا بالدكتور خليل قد فتح باب الدخول (1) على حذر وأخذ ينظر ~~في المكان.) # خليل ~~(لنفسه) ~~: # خال على عادته من حسن الحظ. ~~(وخليل فتى في السابعة والعشرين من عمره، رشيق القوام حلو الطلعة، ظاهر أنه خفيف ~~الروح، وهو رجل مسماح، يعطي لكل شيء وزنا، فلا يستطيع القطع باطمئنان وحزم. إذا دخل ~~يتقدم إلى المائدة ويتطلع إلى أعلى ثم يقول لنفسه): أين تكون زهيرة هانم يا ترى؟ (يذهب ~~إلى الباب الثاني يفتحه بحذر) لا أحد. (يقفله ويذهب إلى عتبة السلم) أأصعد؟ لا لا، لا ~~يليق أن يتسرع الإنسان في مثل هذه الأمور. (يتقدم نحو المنضد ويميل على الصينية وينحني ~~على علبة السجائر ويتناول سيجارة ويشعلها ويجلس هناك ويضع طربوشه بجانبه على المقعد، ثم ~~ينظر أمامه ويتناول صورة معلقة بجوار المقعد وينظر فيها.) ~~(هنا تبدو عطية هانم آتية من باب الغرفة الرابعة تمسح وجهها بمنديلها ولا ترى خليلا ~~لانشغالها بذلك، وإذ يلمحها خليل ينظر إليها من فوق الصورة التي في يده ويبتسم فرحا ~~برؤيتها، وإذ تزيح عطية هانم المنديل عن وجهها تلتفت نحو المرآة وتصلح شعرها ثم تميل ~~نحو المائدة، عندئذ تتبين خليلا فتقف تنظر إليه بهتة جامدة ثم تنصرف على عجل صوب عتبة ~~السلم وقد غطت وجهها بطرف كمها.) # عطية ~~: # وي! # خليل ~~: # سبحان الخلاق العظيم! # عطية ~~: # وا خجلي ~~(تصعد السلم هادئة حتى ~~تختفي) ~~. # خليل ~~(يطفئ السيجارة في المنفضة ويتركها ثم ينهض يعلق الصورة حيث ~~كانت، ويمشي حتى يصل إلى المائدة ويراقب صعودها درج السلم خلسة) ~~: # ليس في الدنيا أجمل من هذا ولا أكرم، هذي عروسي النبيلة! أجل ولا تردد ~~(ثم يصمت) ~~. ~~(يفتح بشير ms11 أغا مصراع الباب الثالث ويدخل ومعه المنشفة دون ~~الكتاب والعصا، وإذ يرى خليل بك يحييه مؤاخذا.) # بشير ~~: # نهارك سعيد يا خليل بك. # خليل ~~(يؤخذ) ~~: # نهارك سعيد يا بشير أغا. متى عدت من القاهرة؟ # بشير ~~: # منذ قليل. ولكن متى حضرت أنت؟ # خليل ~~: # منذ هنيهة. # بشير ~~: # هل دققت الجرس؟ إني لم أسمعه. # خليل ~~: # لا داعي إلى ذلك يا عم بشير أغا، إنه لا يدخل هنا إنسان غريب عن ~~المنزل. # بشير ~~: # صدقت، ولكن ربما كان في الدار قوم غرباء عنك أو ... شبه غرباء. # خليل ~~: # لا بأس بذلك، أنا طبيب، وشهادة الطبيب مثل جواز المرور يا عم بشير. # بشير ~~: # إلا في البلد الذي أكون فيه متصرفا يا دكتور. # خليل ~~(يضحك) ~~: # الحمد لله على حسن العاقبة على كل حال. # بشير ~~(بشيء من الاستياء) ~~: # هل يسمح الدكتور أن يتفضل بدخول غرفة المكتبة؟ ~~(يشير إلى الباب الثاني.) # خليل ~~: # لماذا؟ هذا المكان ألطف وأرق من المكتبة. # بشير ~~: # لكن هنا حريما. # خليل ~~: # من؟ # بشير ~~: # حريم! # خليل ~~: # عطية هانم؟ # بشير ~~: # نعم، أريد إخلاء الطريق لها، إنها الآن محبوسة في هذه الغرفة لا تستطيع ~~الخروج منها لأنك هنا. # خليل ~~: # لقد خرجت منها بسلام يا بشير أغا، ولم تدر أني في المنزل إلا وهي في منتصف ~~السلم فاطمئن ~~(مبتسما) ~~. # بشير ~~: # كيف ذلك يا سيدي؟ # خليل ~~: # كنت تحت السلم جالسا على هذا المقعد جلوس القط الأنيس، والظاهر أنها زعمتني ~~إحدى الوسائد ~~(يضحك) ~~. # بشير ~~: # لو أنك دققت الجرس لتنبهت أنا إلى ذلك ولم يحدث ما حدث. # خليل ~~: # وماذا حدث لا سمح الله؟ ~~(يضحك) # أعوذ بالله ~~منكم ~~(يجلس على الكرسي الأول) ~~. # بشير ~~: # لا بد أنك ضايقتها بنظراتك يا سيدي. # خليل ~~: # إني لا أضايق العذارى بنظراتي يا عم بشير أغا ~~(يضحك) # هذا طعن يعاقبك عليه القانون ~~(يلتفت إلى بشير وبشير واقف لدى الكرسي) # ها ها ها، إذا جاء علي ~~بك فإني سأوكله في رفع قضية يطالبك فيها بتعويض عظيم، ها ها ها ~~(يخرج علبة سجاير فضية ويقدمها مفتوحة لبشير ~~أغا) # تفضل. # بشير ~~(يأخذ السيجارة وهو يتكلم) ms12 ~~: # لو فطن علي بك لرفع عليك أنت قضية يطالبك فيها بتعويض إن كان في الدنيا ~~إنصاف. # خليل ~~: # ها ها ها ~~(يأخذ سيجارة من علبته ويقفلها ويخرج علبة ~~الثقاب ويشعل عودا ويقدمه لإشعال سيجارة بشير أغا ويشعل سيجارته هو أيضا ~~وهو يقول) # ولم يا عم بشير أغا؟ ~~(ينهض من ~~خجله وارتباكه ويحضر منفضة عن الصينية ويضعها على المائدة ويعود فيجلس على ~~الكرسي الأول.) # بشير ~~(يدخن ويجلس على الكرسي المقابل وقد وضع المنشفة على الكرسي ~~الأوسط) ~~: # أنت أدرى يا سيدي ~~(ينظر إلى الدخان وهو ~~يتصاعد) ~~. # خليل ~~: # لو كنت أدري لدفعت هذا التعويض من زمن بعيد! # بشير ~~(بجد) ~~: # كيف تستبيح لنفسك يا دكتور أن تزور ابن عمك في غيبته؟ # خليل ~~(يتلفت حوله ثم يهدأ ويتكلم بصوت أهدأ من صوت حديثه الأول ~~وإن كان مضطربا فيه) ~~: # جئت أعود مريضا هنا وعرجت، أفي ذلك شيء ينتقد؟ # بشير ~~: # كيف لا يا دكتور؟ # خليل ~~: # نحن أخوة يا عم بشير، أليس علي بك ابن عمي؟ # بشير ~~: # بلى، ولكن زوجته ليست بنت عمك، ولا أنت من محارمها. # خليل ~~(بمزيد الاهتمام) ~~: # أراك تجد يا عم بشير. # بشير ~~: # كيف لا يا سيدي الدكتور! # خليل ~~: # هذه أول مرة جئت فيها هذا المنزل؟ # بشير ~~: # كلا يا سيدي، وهذا ما يسوءني. # خليل ~~: # لماذا يسوءك، أتجد فرقا بين منزلي ومنزل ابن عمي يا بشير أغا؟ # بشير ~~: # أجد فرقا عظيما يا سيدي. # خليل ~~: # علي بك لا يجد ما تجد أنت، بل إنه ليأتي منزلي في أي وقت من أوقات الليل أو ~~النهار، سواء أكنت في المنزل أم لم أكن، ولا سيما يوم يضطره عمله إلى الرجوع ~~إلى مكتبه بعد الظهر مبكرا ليقابل أرباب القضايا مثلا، فإنه يستبعد مصر ~~الجديدة فيقصد إلى منزلي من فوره وهو لا يتوهم ولا أنا ~~(ينهض) # أن هناك فرقا. # بشير ~~: # ولكنه لا يجد هناك زوجة لك كما تجد، أو أختا لزوجة كما وجدت. # خليل ~~: # إنه يجد شقيقتي. # بشير ~~: # يجد ابنة عمه، بل يجد أخته. إنهما أخوان في الرضاع كما تعلم، وأنت لا ms13 تغار ~~على أختك كما تغار على زوجتك. سبحان الله! # خليل ~~: # دع عنك هذا يا عم بشير، هذه أفكار الحزب القديم وقد مات منذ ثلاثين عاما ~~والحمد لله، ها ها ها. # بشير ~~: # ولكني حي يا سيدي. # خليل ~~(بغضب) ~~: # وماذا تجد في زيارتي هذه من العيب؟ هذا شيء غريب جدا. # بشير ~~: # سبحان ربي! أجد على الأقل أنها شغلتك عن الالتفات إلى عملك، وأنت في مقتبل ~~العمر. كما أنها أدت بابنتي زهيرة هانم إلى النفور من زوجها علي بك لأنك ~~أفسدتها بلهوك ومرحك. # خليل ~~: # لهوي ومرحي! # بشير ~~: # لقد أصبحت مشغولة بك. # خليل ~~: # مشغولة بي! # بشير ~~: # وأنت مشغولا بها، وأخشى سوء العاقبة يا سيدي. # خليل ~~: # حقا إني أحبها، ولكنه حب أخ لأخته كما تعلم. # بشير ~~: # لقد كانت هذه حجة سيدي المرحوم الباشا يوم أحب زوجة ابن خاله فريد باشا، ثم ~~اتضح أنه كان يعشقها، وكاد الأمر يؤدي بالرجلين إلى ضرب الرصاص. # خليل ~~: # ولكنك يا عم بشير سيئ الحكم علي، أنت تعرف أن تربيتي وأخلاقي وعلاقاتي ~~الخاصة بعلي بك ... # بشير ~~(يقاطعه ويتكلم بصوت المقتنع الذي يرى أن رأيه لا يحتمل ~~تعديلا) ~~: # خليل بك ولدي، لا تؤاخذني. التربية والآداب اللطيفة والعلاقة الأهلية أو غير ~~الأهلية لا أثر لها في تربية القلب وعلاقاته، إنها لا تغير الفطرة. كلا يا ~~بني، إن الإنسان مسير في مسائل القلب بدافع فطري حلو شهي يسوقه إلى العشق من ~~حيث لا يدري، ولذلك منعوا اختلاط الرجال بالنساء إلا إذا كانوا محارم، بل إن من ~~الناس من يمنع اختلاط المحارم أيضا. ولعمري إنهم لعلى صواب، ولا سيما في هذا ~~الزمان الفاسد. # خليل ~~: # ها ها ها، ما رأيت قبل الآن أغا فيلسوفا. # بشير ~~: # لست فيلسوفا يا سيدي، وإنما هذا كلام عادي يقوله كل إنسان، أكلما سمعتم مني ~~كلمة صحيحة استكثرتموها علي؟ عجبي لكم! كلكم تستغربون أني أكلمكم هكذا، ~~لماذا؟ ألأني خصي؟ سبحان الله! ما علاقة هذا بما أتكلم فيه؟ لو كنتم متعلمين ~~حقيقة لعرفتم أن هذه البلاد قد حكمها وحكم أصقاعها ألف خصي وألف ms14 أسود فيما ~~مضى، وكم كان قائد جيوشها من الخصيان السود أو البيض! ومن تكون أنت يا دكتور لو ~~لم تتعلم الطب؟ ~~(يبرز شفتيه قليلا) # أفندي ~~عادي. ومن تكون لو لم تتعلم مطلقا؟ لا شيء، مثل الخادم حسن سواء بسواء، ولا ~~مؤاخذة. # خليل ~~: # صحيح والله صحيح. # بشير ~~: # أنا تعلمت وقرأت، ولولا هذا لبقيت كأكثر الأغوات وغير الأغوات، أنت قرأت ~~علما، وأنا قرأت أدبا ودينا. واليوم لي خمس وستون سنة أو تزيد قضيت منها ~~خمسين سنة بين التعلم في الأزهر وتعليم كل جواري السراي وبناتها من عهد المرحوم ~~الباشا الكبير، ومنهن زهيرة هانم وعطية هانم في آخر هذه الأيام السوداء. يا ألله، ~~ما أشد عجبي منكم! # خليل ~~: # معذرة يا عم بشير، أنا لا أقصد أن أنتقص قدرك أبدا. # بشير ~~(بجد) ~~: # والآن يا بني أريد منك وعدا تخلص فيه، هو أن تقطع صلتك الشديدة بزهيرة ~~هانم. # خليل ~~(متضايقا ثم مندفعا) ~~: # قد كان هذا معقولا لو لم يكن لي مأرب شريف من وراء صلتي هذه بزهيرة هانم يا ~~عم بشير، إن هواي غير موجه إليها. # بشير ~~: # إلى من إذن؟ # خليل ~~: # إلى عطية هانم. # بشير ~~: # إلى عطية هانم؟ # خليل ~~: # أجل وربي. # بشير ~~: # ولكني أراك قد جاوزت المدى يا دكتور. # خليل ~~: # الحقيقة أنني أصبحت أرى زهيرة هانم بمثابة أخت أو أم بعد ما صح عليه عزمي من ~~زواجي من عطية هانم، وأنت تعرف أني لا أطيق أن تكون حياتي كلها ملاقاة مرضى يا ~~عم بشير ~~(ينهض ويتمشى) # أما يجوز لي أن أزور أهلي ~~(يتقدم وراء بشير أغا ويضع يده اليسرى على كتفه وبشير جالس) # وأقربائي وأهل التي أشتهي زواجها، ولا سيما إذا كان هذا الزواج معلقا على ~~إرادتهم بشرط، الإخلال به محفوف بكل مكروه؟ # بشير ~~: # إذا كان حقا فإني أهنئك يا سيدي الدكتور بهذه الفكرة؛ لأنك إذا تزوجت حفظت ~~نصف دينك، فإذا كانت الزوجة صالحة مثل عطية هانم حفظت هي عليك النصف ~~الآخر. # خليل ~~(بسماحة ولطف يمشي عنه إلى زاوية المائدة الواقعة بين ~~الكرسي الأول الأوسط) ms15 ~~: # هنا أخطأ الفيلسوف ولا مؤاخذة. # بشير ~~(بدهشة) ~~: # لماذا؟ # خليل ~~: # لأن الزواج لا يدوم اغتباط المرء به زمانا طويلا، وربما أدى إلى الشقاء ~~وضياع الدين كله يا عم بشير، ها ها. # بشير ~~(بتغيظ وتعجب) ~~: # لماذا؟ # خليل ~~(ينظر في وجه بشير أغا ثم يرفع رأسه كأنه يتكلم كلام ~~الواثق) ~~: # لأنه في نظري أمر غير فطري. # بشير ~~: # غير فطري! إذن فما هذه الزوجيات؟ # خليل ~~: # نظم مصطنعة وأوضاع مزورة أصبحت عادة مرعية. # بشير ~~: # نظم مصطنعة وأوضاع مزورة؟! الناس على هذه الحال من عهد سيدنا آدم يا ~~دكتور. # خليل ~~(ضاحكا) ~~: # وماذا في ذلك؟ الناس مكذوب عليهم من عهد سيدك آدم يا عم بشير. # بشير ~~(باستياء) ~~: # أستغفر الله! أستغفر الله! أأنت كذلك يا دكتور؟ # خليل ~~(بسرعة وهو يضحك) ~~: # لا لا، لا والله يا عم بشير، هذا مزاح. إنني بالطبع رجل متدين، ولكني حسبتك ~~من الفلاسفة حقيقة فأخت أهذي هذيانهم. # بشير ~~: # آمنت بالله ورسوله. # خليل ~~: # وماذا يهمك أنت يا عم بشير أغا ~~(يضحك) # أن ~~يكون الزواج فطريا أو غير فطري. # بشير ~~(بجد) ~~: # تهمني عطية هانم وزهيرة هانم على الأقل يا دكتور، أتريد أن يعيش الناس في ~~سفاح؟! # خليل ~~: # حاشا لله يا عم بشير، حاشا لله! # بشير ~~: # أنت إذن لا تريد الزواج من عطية هانم وإنما أنت تخادع، إنك تعشق هذه الفاجرة ~~زهيرة وهي تعشقك، وما قصة زواجك من عطية هانم إلا ستار للخيانة، ولكي ... # خليل ~~: # أسأت إلي يا عم بشير، أسأت وتربة أبي! إني أحب عطية هانم حبا خالصا، ~~وأتمنى أن أعقد عليها الساعة إذا استطعت، ولكني لا أملك المهر لسوء حظي؛ لأني ~~لم أعد من إنجلترا إلا منذ أشهر قليلة، والعيادة حديثة العهد، وإيراد الوقف لم ~~يجب بعد. # بشير ~~: # ولماذا كلمتني اليوم خديجة هانم في شأن زواجك من عطية إذا لم تكن ~~مستعدا؟ # خليل ~~: # إني أنا الذي كلفتها بهذا؛ فقد بلغني كما بلغها أن عطية هانم مطلوبة لخاطب من ~~أقرباء السراي، فأردت أن أحول دون هذا، ولقد جئت اليوم في الحقيقة لألتمس من ~~علي بك ومن ms16 زهيرة هانم على الأخص أن تعدني بها دون ذلك الخاطب حتى ييسرها الله ~~في وقت قريب، ولكني أخشى مع ذلك أن ترفض زهيرة هانم رجائي لأنها سيئة الظن بكل ~~طبيب، هذه قصة حالي والله على ما أقول شهيد. # بشير ~~: # الحمد لله على ذلك، لقد اطمأن قلبي الآن. مبارك إن شاء الله، أنا أفاتح زهيرة ~~هانم وعلي بك في الأمر سريعا، وأنا كفيل بموافقتهما ~~(ينهض) # ما لزهيرة هانم لم تأت؟ # خليل ~~: # إنك لم تشأ أن تعلنها بحضوري. # بشير ~~: # إنها في الحمام على ما أعلم ~~(ينادي) # زهيرة ~~هانم ~~(سكوت ثم يصفق وإذ لا يرد عليه أحد ~~ينادي) # زهيرة هانم. # زهيرة ~~(من أعلى) ~~: # أفندم. # بشير ~~: # الدكتور خليل بك شرف. # زهيرة ~~: # خليل بك؟ أهلا وسهلا، بونجور يا دكتور. # خليل ~~: # بونجور يا زهيرة هانم. # زهيرة ~~: # سأنزل على الفور، خمس دقائق ~~(تنادي) # بشير ~~أغا! # بشير ~~: # أفندم ~~(يسمع صوت أقدام على سطح ~~المسرح) ~~. # زهيرة ~~(من أعلى) ~~: # أخل الطريق واصحب الهانم إلى المترو أو المنيل إذا شئت ~~(يكون كلامها من ابتداء علمها بوجود خليل لغاية انتهاء ~~حديثها مع بشير مسموعا بشكل واضح لحضورها إلى الشرفة العليا بالدور ~~الأعلى تنزل منها إلى البهو) ~~. # خليل ~~: # إذن فأنا أخلي الطريق، أين أذهب؟ # بشير ~~: # حيث شئت يا دكتور، ادخل غرفة المكتبة. # خليل ~~: # أنا لا أطيق الحبس، سأختفي في الحديقة. أيرضيك هذا؟ ~~(يضحك خارجا من الباب الأول.) # بشير ~~(لا يضحك لانشغاله بأمر هذا الإخلاء) ~~: # لا بأس، تفضلي يا عطية هانم ~~(لنفسه وظهره متجه إلى ~~السلم) # إنها تريد أن تخلي الجو لها، ترد أختها إلى مصر القديمة في ~~الظهر ولا تستبقيها حتى تتغدى معها، لن أمكنها من ذلك. ~~(تنزل عطية هانم على درج السلم ووجهها مكشوف وهي بادية الهم، ~~فإذا وصلت إلى البسطة تتلفت في المكان بلطف كأنما تبحث عن خليل بك. وبشير أغا واقف ~~ينظر إليها بعيني متفحص حزين، فإذا وصلت إلى آخر الدرج خاطبها.) # بشير ~~: # سري عنك، سيفرج الله عنك عما قريب. ويحي! ويحي! تبكين يا عطية وأنا ~~موجود. # عطية ~~(وهي على ms17 آخر الدرج) ~~: # إنك لن تراني في هذا المنزل بعد اليوم. # بشير ~~: # لماذا؟ ~~(يسير بها صوب المائدة من ~~يسار.) # عطية ~~(تصلح رأس ملاءتها وبرقعها) ~~: # لأن أختي لا تريد لي ذلك. # بشير ~~: # لماذا؟ ماذا حدث؟ # عطية ~~: # أنا عثرة في طريقها. # بشير ~~: # أية طريق؟ # عطية ~~: # طريق زواجها من خليل بك. # بشير ~~(دهشا) ~~: # زواجها من خليل بك! أليست متزوجة؟! # عطية ~~: # إنها تريد أن تحمل علي بك على طلاقها. # بشير ~~: # أهي قالت لك ذلك؟ ~~(عطية لا ترد) # خبريني، ~~لماذا لا تتكلمين؟ # عطية ~~: # أجل هكذا قالت لي، هيا بنا ~~(تميل نحو الباب ~~الثالث) ~~. # بشير ~~: # انتظري قليلا، ليس هذا بالأمر اليسير. هذا شيء جديد لم يكن في الحسبان ~~(يتكئ على ظهر الكرسي ثم يسكت ويفكر) # تالله لا أدري ماذا أصاب زهيرة في عقلها ودينها ~~(بسرعة) # دعيها تمني نفسها ما تريد وتشتهي، ما كل مأمول يتحقق ~~(يسكت ثم يميل على عطية ويسر إليها في ~~أذنها) # إنه يريدك أنت لا هي، وقد أتى اليوم بمحض اختياره ليخطبك ~~إلى أختك وعلي بك رسميا. # عطية ~~: # قد تكون خطبته كما قالت زهيرة دريئة وستارا ~~(تنظر ~~إليه متطلعة) ~~. # بشير ~~: # لا لا، لقد أقسم لي بقبر أبيه أنه يحبك حبا خالصا، وأنه يرجو أن نمهله حتى ~~يستعد للعقد؛ إذ أبلغته أخته خديجة هانم ما كان من أمر ذلك البك الذي جاءنا منذ ~~أسبوع يتكلم في شأنك لولده. ويتمنى خليل بك لشدة حرصه عليك أن يستطيع العقد ~~عليك اليوم، هذه كلماته بنصها على ما أذكر. ولا شك عندي يا بنية في صدقها، إن ~~للصدق نغمة وانسجاما لا تجدينهما في الكذب والاحتيال. # عطية ~~(تغض من طرفها) ~~: # ستمنعه أختي وترفض رجاءه، ألم أقل لك إنها تريد أن تتزوج منه، وما دام أمري ~~في يدها ... # بشير ~~: # هذا شأني، هذا شأني. أما وربي لأفضحن الأمر إذا هي رفضت، ولأنتقمن لك منها ~~ومنه إن كان ما تقولين حقا. # عطية ~~: # لا، لا يا أبي. لا يصبه من أجلي أذى ~~(تنظر ~~إليه) # إني أحبه يا أبي، أحبه. # بشير ~~: # تحبينه؟ # عطية ~~: # أجل يا ms18 أبي، وهو يحبني، يحبني حقا. أنا أعرف ذلك حق المعرفة. # بشير ~~: # تعرفين أنه يحبك؟ # عطية ~~: # أجل يا أبي. # بشير ~~: # من أخته خديجة هانم؟ # عطية ~~: # بل منه بالذات يا أبي. # بشير ~~: # متى كان ذلك؟ # عطية ~~: # منذ شهرين، منذ كنت مريضة بالحمى وهو يعالجني. # بشير ~~: # ماذا قال لك؟ # عطية ~~: # أعفني يا أبي، أعفني، أنا أعلم أنه يحبني وكفى. # بشير ~~: # ولكني أريد أن أعرف، قولي يا بنيتي العزيزة أتخشينني؟ # عطية ~~: # قال لي وقد أفقت من غيبوبة الحمى: أما آن أن تعرفي من ينظر إلى وجهك يا عطية ~~ويراقب آيات الجمال تعود إليه؟ فقلت وأنا مغمضة العين أشرعهما بالجهد حياء ~~وسعادة: أنت الدكتور خليل بك. فابتسم ورد قائلا: فأنت إذن لا تعرفين، أنت لا ~~تزالين في غيبوبة الحمى. فعجبت لكلامه، وقلت: ألست الدكتور خليل بك؟ فأشرق وجهه ~~وطرب، ونظر إلي بعينين أحسست أنهما تصبان في قلبي شؤبوبا متدفقا من السحر ~~وغبطة النعيم. وقال: إن اسمي عذب من فمك، ولكنك بعد لا تعرفين من أنا. # بشير ~~: # يا ألله! # عطية ~~: # ولقد خيل إلي بعد ذلك أني في غيبوبة حقيقة لأني أحسست أني في عالم غير هذا ~~العالم، أو أني في حلم طويل صاغته الملائكة من مجالي الفردوس، وكأني أقول له فمن ~~أنت إذن؟ وكأنه يقول لي: أنا من أنت عروسه عما قريب. # بشير ~~: # بإذن الله. # عطية ~~: # أسرها ثم نهض واختفى، وبقيت في تلك الغيبوبة ساعة أو تزيد ذكرت فيها يتمي ~~ووحدتي وانقطاعي عن الأهل في هذه الدنيا، وأني وجدت في وحشة حياتي أخا وحبيبا ~~وزوجا. فبكيت يا أبي، أجل بكيت فرحا واغتباطا وشكرا لله ~~(بشير يتأثر) ~~. # ولكن خيب ظني اليوم ما رأيت، تهدمت آمالي وتبددت أماني وأحلام صورتها ~~بيتا وبستانا وأولادا وزوجا محبا ومحبوبا، رأيت بيني وبينه حائلا لم ~~تضعه يده ولا علم له به، بل وضعته يد أختي التي أعددتها للدهر! # بشير ~~: # يا ألله! # عطية ~~: # أبي بشير! اجمع بيننا بحق بنوتي عليك وحبك لابنتك المسكينة عطية ~~(تبكي وهي متطلعة إليه ثم تسقط على ركبة بشير ms19 أغا وتجهش ~~بالبكاء) ~~. # بشير ~~(يمسح دموعها ويربت على كتفها) ~~: # انهضي يا بنيتي، انهضي، سأفعل كل ما فيه رضاك وإصلاح الحال ~~(ينهضان ممسكا بيدها اليمنى ثم يسير بها صوب الباب ~~الثالث) # يا ألله من نزق الشباب وغواية الشيطان! ~~(يخرجان من الباب الثالث.) ~~(يخلو المسرح ربع دقيقة يسمع في أثنائها وقع أقدام زهيرة على ~~شرفة الدور الأعلى ثم على الفخذ العليا من السلم، ثم تلوح وهي نازلة على الدرج ~~المنظور وهي لابسة فستانا أحمر زاهيا ومتحلية بالجواهر.) # عبد العزيز أفندي خليل (بشير أغا) مع الآنسة روحية خالد (عطية): «... سأفعل كل ما فيه رضاك وإصلاح الحال.» # زهيرة ~~(تكون وسط السلم تنادي) ~~: # خليل! ~~(وإذ لا يرد عليها أحد تطل من فوق الدرابزين ~~وتنادي مرة أخرى) # خليل! ~~(تسرع في نزولها على الدرج وتذهب من فورها إلى الباب ~~الثاني وتفتحه وتطل، ثم تقفله وتخرج إلى الشرفة وتنادي) # خليل! ~~(تعود.) # خليل ~~(من تحت الشرفة) ~~: # هالو. # زهيرة ~~: # تعال ~~(تتمشى إلى منتصف المسرح ثم تلتفت صوب الباب ~~فتراه في الشرفة وتقول) # أين أنت؟ # خليل ~~(يدخل من باب (1) وإذ يراها في جلوتها التي نزلت بها يقف بعد ~~الباب بخطوة أو اثنتين وقفة إعجاب) ~~: # ما هذا الجمال الرائع يا زهيرة؟! أنت فتنة للعين والقلب. ~~(يدنو منها وتدنو منه ويمد ذراعيه للسلام بكلتا يديه، وإذ ~~تدنو منه يهم أن يحتضنها ولكنها تمنع نفسها إغراء له، فيعود إلى حالته وقد ~~أمسك كل منهما بيدي صاحبه) # إنني في انتظار هذا القوام الفاتن منذ ~~ساعة. # زهيرة ~~: # أين أنت منذ ثلاثة أيام؟ إنك أصبحت مشغول القلب عنا. # خليل ~~: # كيف يشغل القلب عن مثل هذا الجمال يا زهيرة؟ أم أنك لا تعرفين ما لك على قلبي ~~من سلطان مبين؟ # زهيرة ~~(تجلس على الكرسي الأول وتكلمه وهو واقف ويداها في ~~يديه) ~~: # ولماذا لم تأت أمس ولا أول من أمس؟ # خليل ~~: # بالرغم مني والله يا زهيرة، يعلم الله أني لا أشتاق مجلسا غير مجلسك، ولا ~~أحب حديثا أكثر من حديثك، بل لعمري إني لأشتهي أن أقضي الليل والنهار ~~معك. ms20 # زهيرة ~~: # فما منعك عنا هذه الأيام ؟ # خليل ~~(يترك يديها) ~~: # لم أعد أستطيع أن أتردد عليك كعهدي بالأمس؛ فقد علمت أن بشير أغا يكره هذا ~~مني ومنك. واليوم أفهمني أنه يراني غريبا عنك وعن منزلك. # زهيرة ~~(تنظر إليه مستفسرة) ~~: # كيف؟ أهو حادثك اليوم في شيء؟ # خليل ~~: # لقد كشف عما في قلبه صراحة، وأفهمني أنه يرتاب في علاقتنا. # زهيرة ~~: # صحيح؟ # خليل ~~: # ورجا مني أن أقطع صلتي بك ~~(زهيرة تصمت) # أراك سكت! # زهيرة ~~: # هذا ما قاله لي ذات يوم، ولكن لا يعنك أمره. إنه لا يستطيع أن يكشف لنا ~~سرا، ومع ذلك فإني سأرده إلى السراي. # خليل ~~(يصمت قليلا) ~~: # إنك إن تفعلي ذلك أيقن أنك تبعدينه عمدا، ولن يصبر على ذلك، وقد يؤذينا من ~~حيث يريد الإصلاح. # زهيرة ~~(تنهض وهو ينتحي قليلا إلى يمين المسرح) ~~: # إذن فماذا نفعل؟ ~~(تذهب إلى الكرسي الأوسط وتقف ~~وراءه ممسكة بظهره في مواجهة الجمهور.) # خليل ~~(يهز أكتافه بلطف ويدنو من الكرسي الذي كانت جالسة عليه، ~~ويجلس ثم يتكئ على المائدة ويسند رأسه) ~~: # آه يا زهيرة، لا أعلم. إني أتمنى أن أراك في كل وقت ولكني لا أطيق أن أجيء ~~إلى هذا المنزل بعد اليوم، بل لقد صممت على ذلك فعلا. # زهيرة ~~: # إذن فليكن لقاؤنا في غير هذا المكان، لقد قال لي هذا بشير أغا نفسه. ~~(يفتح الباب الثالث ويدخل بشير أغا مضطربا، ولكنه يظل ~~ممسكا بالمصراع يهزه من الاضطراب والكدر، وإذ رأياه التفتت إليه زهيرة مذعورة ~~ثم مغمضة لا تتحرك من موقفها إلا خطوتين نحو باب الدخول، أما خليل فينهض ويدور ~~حول المائدة حتى يصل إلى جانبها الأيسر بالنسبة للمتفرج ماثلا صوب باب غرفة ~~(4) وهو في حالة اضطراب وخجل.) # زهيرة ~~(بغضب) ~~: # ما بك يا عم بشير؟ # بشير ~~: # أنا لم أقل لك قابليه في هذا المكان ولا غيره، لماذا تحرفين الكلام يا ~~ابنتي؟ حرام عليك، حرام والله! كيف أشير عليك أن تؤذيني في نفسي وشرفي! كيف ~~أخون فيك أمانة سيدتي الكبيرة، أو أخادع ولدي علي بك! أوأحتمل ~~(يدنو من ms21 المائدة ويتكئ عليها) # أن أرى كيف ~~تتدهور ابنة لي ربيتها خمسة عشر عاما، وعلمتها أصول دينها وحقائق دنياها! ~~ أوأطيق أن يقال عني يوم ينكشف سرك، ويظهر هذا الغرام الفاسد للأقرباء والبعداء ~~إنني كنت أغمض العين على ما أرى؟! # زهيرة ~~: # لقد أصبحت سليط اللسان يا عم بشير أغا. # بشير ~~: # أنت التي تدفعينني إلى القول صراحة، لقد طالما نهيتك عن رأيك هذا، وطالما ~~نصحتك فلم تنتصحي ولم ترعوي. ولولا أني مسئول عنك أمام الله ونفسي وروح من قضوا ~~ما رأيت مني بعض هذا. # زهيرة ~~: # ولكنك أصبحت قليل الرعاية لي، ليس هذا من علائم المحبة الوالدية. # بشير ~~: # لو كنت قليل الرعاية أو لو كنت رجلا أحمق لا يبتغي الإصلاح، أو لو كنت أريد ~~بك سوءا لا خيرا لنبهت علي بك إلى ما أرى. # خليل ~~: # إنك أبوها يا بشير أغا، محال أن تفعل هذا. # بشير ~~: # رعايتي لك لا تكون كما تريدين، إني بار بك وبسادتي وسادتك، أما أنت فقد ~~انتزع الله البر من قلبك لغاية لا نعلمها، خنت عهدي وعهد الست الكبيرة في نفسك ~~وفي أختك، واليوم تخونين عهد زوجك وتخونين عهد هذا الفتى المسكين، دخل عليك ~~أخا ونسيبا، فشئت إلا أن يكون عاشقا وخائنا لابن عمه وصديقه وأخيه. # خليل ~~: # ما هذا الكلام يا عم بشير؟ # بشير ~~: # تالله لا أجد عليه لوما، إنما اللوم والذنب عليك. إنما هو عصفور تنظر إليه ~~أفعى، فلا يدري كيف الخلاص إلا أن يسلم أمره إلى الهلاك، ولو أخليته الآن ~~لانصرف عنك من فوره إلى سواك، أطلقيه يا بنيتي واتقي الله فيه، لا تفسديه على ~~نفسه وعلى الدنيا. دعي هذا الفتى لأنثى سواك، ودع أنت هذه الأنثى لزوجها، والله ~~إنها لكاذبة فيما تدعي من حبك، ووالله إنك أيضا لكاذب مخادع، ولكنها شهوة ~~حاضرة وغلمة طافرة علقتها عليك. # زهيرة ~~(بحدة) ~~: # أنت رجل وقح قليل الحياء ~~(تتركه داخلة في الغرفة ~~الثانية) ~~. # خليل ~~(ينادي) ~~: # زهيرة هانم، زهيرة ~~(يمشي نحوها) # ما هذا؟ ~~لا يليق أن تغضبي بشير أغا مهما آلمك بكلامه، إنه أبوك ms22 يا زهيرة، ووالله إنك لا ~~تجدين أحن عليك منه. تعالي، تعالي ~~(يدخل عليها في ~~الغرفة الثانية ويتكلم وهو هناك) # هلم انهضي، لا، لا يليق ~~هذا. زهيرة أوه! # بشير ~~(يقف مكانه متألما مضطربا، ثم يندفع إلى الباب الثاني ~~ويقف بجواره) ~~: # إنه ليحزنك هذا الكلام، بل يقتلك لأنه يكشف له سريرتك التي لا يدركها، ويزيح ~~الستار عن قصدك منه، وهو غير ما تريدين أن يظن. ويحزنك أن أريك أية هاوية ~~تريدين أن تتردي فيها أنت وهذا الفتى، ولكني أعلن وأنذر أني عزمت أن أهدم حياتي ~~بيدي قبل أن تهدميها أنت على رأسي، وسأكون وقحا حقا، وقليل الحياء حقا، ~~ولي أسوة فيمن قال: «علي وعلى أعدائي يا رب» ~~(يتراجع) ~~. # خليل ~~(يأتي من الغرفة مغضبا) ~~: # إنك تتكلم كمن رأى علينا سوءا. كفى، كفى. لن آتي هنا بعد اليوم إكراما ~~لخاطرك يا عم بشير ~~(يخرج من الباب الأول مغضبا عاري ~~الرأس) ~~. # زهيرة ~~(تأتي من الغرفة الثانية مهتاجة وتواجه بشير) ~~: # إذا لم تعجبك هذه العيشة فارجع إلى السراي، وافعل ما تشاء، أنا لا أبالي ~~بتهديدك ولا وعيدك. هيا اخرج على الفور والحق بالبلهاء، إنك والله لتنيلني ~~منتهى القصد إذا هدمت هذا البيت على من فيه. # بشير ~~(بعد صمت) ~~: # تطردينني من بيتك! تقولين لي أخرج! لي أنا! أبوك! ~~(يضطرب.) # زهيرة ~~: # لا شأن لك معي، ولا حاجة لي بك، ارجع إلى السراي. # بشير ~~(يقف مضطربا متهدج الصدر، يحاول الكلام فتسبقه العبرات) ~~: # أرجع ~~إلى السراي، أرجع إلى السراي، سأرجع إلى السراي. ليس في ذلك أذى لي، ولا أنا ~~طالب منك إحسانا لبقائي هنا، إني غني عنك وعن السراي أيضا، ولكني سأرجع على ~~الفور. فطيبي نفسا، وافعلي بنفسك ما تشائين ~~(تخنقه ~~العبرات) # ها أنا ذا خارج ~~(بصوت أبح وينظر ~~إلى أعلى) # أشهدك اللهم أني بلغت، أشهدك أني بلغت، سلام يا ابنتي ~~(يتقدم نحو الباب الثالث) # الوداع الوداع ~~(يخرج منديله ويمسح دموعه وهو يبكي ويخرج من ~~الباب الثالث على مهل) ~~. ~~(ثم يسدل الستار على الفصل الأول بهدوء.) # | الفصل الثاني # المنظر # عين ms23 منظر الفصل الأول ~~(يرى باب الدخول مفتوحا عند إزاحة الستار، وزهيرة في الشرفة تطل في ~~اتجاه سلمها، ثم تلفت متمشية إلى سياجها كأنها تبحث عن شيء، ثم إذ لا تجد بغيتها تعود ~~إلى الشرفة داخلة المسرح ومتجهة إلى زر الجرس المدلى من ثريا المائدة، وتظل ممسكة به ~~تدقه فيسمع له صوت بعيد مستمر فتتركه وتجلس على الكرسي (1) وقد وضعت ساقا على ساق، ~~واتجهت عينها إلى الشرفة، وهي في حالة قلق نفساني.) # زهيرة ~~: # لا أثر له في الحديقة، أين ذهب يا ترى! لا يمكن أن يكون قد عاد إلى القاهرة ~~عاري الرأس، إن طربوشه لا يزال على المقعد ~~(تقبض على ~~زر الجرس وتدقه فيسمع له صوت بعيد مرة أخرى) # لماذا لا يجيء ~~الخادم؟! آه! إنه ذهب يحمل أمتعة بشير أغا إلى المترو. لا بأس، لا بد أن يعود ~~خليل حين يتبين أنه نسي طربوشه هنا ~~(تنهض وتذهب إلى ~~المقعد وتأخذ الطربوش عنه وتنظر فيه ثم تشمه) # آه ~~(ثم تقبله قبلة طويلة وتسير به عائدة إلى باب الدخول، ~~وتهم بالخروج فتسمع صوت أقدام صاعدة فتعود بسرعة إلى المائدة، وتجلس على ~~الكرسي الأوسط وتضع الطربوش على المائدة) ~~. ~~(يرى خليل صاعدا في السلم وماشيا في الشرفة متجها إلى باب ~~الدخول، ويدخل وهو صامت عليه شيء من الكدر والوجوم، ويتقدم نحو المائدة فإذا وصل ~~إليها وقف ومد يده ليأخذ الطربوش، فتسبقه زهيرة وتأخذه في يدها وتطوح بذراعها وراء ~~ظهرها.) # زهيرة ~~: # لماذا؟ # خليل ~~: # هاتي الطربوش. # زهيرة ~~(متطلعة إليه) ~~: # اجلس. # خليل ~~: # أريد أن أرجع إلى القاهرة. # زهيرة ~~: # بحثت عنك في الحديقة، وفي كل مكان فلم أقف لك على أثر، فقلت لا بد أن تكون ~~خرجت لتركب المترو عائدا. # خليل ~~: # هو كذلك ~~(لا يزال مادا يده) ~~. # زهيرة ~~: # عاري الرأس! # خليل ~~: # لم أعرف أني كذلك حتى جلست في العربة ورأيت صورتي في مرآتها، أعطني ~~الطربوش. # زهيرة ~~(تناوله الطربوش) ~~: # تفضل ~~(يتناوله منها ويلبسه وهي تنظر إليه ~~متفحصة) # اجلس. # خليل ~~: # لا لا، لا بد لي من العودة إلى القاهرة على الفور. ms24 # زهيرة ~~(بلا اعتداد) ~~: # لماذا؟ # خليل ~~: # لا أدري، أشعر بضيق شديد. # زهيرة ~~: # وأنا، ألا ترى أني على مثل حالك؟ ~~(سكوت) # كيف تتركني على هذه الحال! إنك إذن لا تحبني. # خليل ~~(وهو متجه إلى الجمهور ومستند بظهره إلى المائدة) ~~: # كيف تقولين هذا يا زهيرة؟ # زهيرة ~~: # محال. # خليل ~~: # أنت قاسية الحكم يا زهيرة. # زهيرة ~~: # وأنت قاسي القلب يا خليل. # خليل ~~: # كلا والله، ولكن بي ضيقا شديدا وأخشى أن أقر شيئا لا يكون فيه إلا الضرر. ~~إذا كانت نفسي في حيرة من أمري قبل أن أرى وجه بشير أغا، فكيف بي الآن وقد ~~رأيته وسمعت كلماته، وفيها كما رأيت تهديد صريح، إني لا أطيق أن تحف الشكوك من ~~حولنا. # زهيرة ~~: # لا تعبأ به، إنه لا يجرؤ أن يفشي لنا سرا. أما سمعت ما كان يقول؟ لقد ~~تحديته أن يهدم هذا البيت على من فيه كما أوعد وأنذر، فانهد هو وتهدم وراح ~~يبكي فقدان سلاحه الذي شهره في وجهي. # خليل ~~: # ولكن رجوعه إلى السراي يستدعي السؤال، وقد تبدر من فمه كلمة يذهب أهل السراي ~~في تأويلها كل مذهب، وأراك يا زهيرة لم تحسني صنعا. # زهيرة ~~: # إني رأيته قد آذاك بكلماته، ورأيتك لم تطقه، وخفت ألا أراك بعد اليوم، فغضبت ~~وكان ما كان. # خليل ~~: # ولكني أرى أن أفارق هذه الدار، بل مصر بأجمعها، مدة من الزمن، سنة أو سنتين حتى ~~أصرف عنك ظن السوء وعني. إني لا أطيق أن يتوجس ابن عمي أن بيني وبين امرأته ... # زهيرة ~~(تقاطعه) ~~: # إذن فأنت لا تحبني. # خليل ~~: # لم؟ # زهيرة ~~: # لا والله! # خليل ~~: # كيف تقولين هذا؟ # زهيرة ~~: # تريد أن تتركني في الشقاء عامين. # خليل ~~: # والله ما أردت ذلك، وإنما أرى دواء الحالة ألا يرى أحدنا صاحبه، ولا يجتمع به ~~حتى تهدأ ثائرة بشير أغا، بل لعمري لقد أصبحت أحس كأنما الناس كلهم عرفوا سر ~~الهوى بيننا ~~(يذهب إلى الكرسي الثالث ويجلس ~~مفكرا) ~~. # زهيرة ~~(تنهض وتذهب إليه مارة وراء الكرسي الأوسط) ~~: # هب أنك فعلت ذلك، غبت عامين أو أكثر أو أقل ثم ms25 عدت إلى مصر، أتهجرني يومئذ ~~ويموت الحب في قلبك يا خليل؟ # خليل ~~: # كيف يموت حبي إياك يا زهيرة؟ ~~(تنهض ويلتفت إليها وهي ~~تميل عنه صوب الباب الرابع فيلتفت وراءها.) # زهيرة ~~: # لعمري لا يطاوعك قلبك، بل لا بد أن تعود إلي لتراني أو لتزور قبري يا ~~خليل. # خليل ~~: # أنت تجرحين قلبي يا زهيرة بهذه الكلمات. # زهيرة ~~: # أفلا يكون مجيئك إلي مريبا؟ وتكون إذ ذاك راغبا في دفع الريبة عنك وعني ~~كما ترغب الآن؟ وربما رأيت دواء الحالة أن تفارقني عامين آخرين، وهكذا حتى ~~ينقضي العمر بين الشوق والفراق؟ # خليل ~~(سكوت قليل) ~~: # هذا صحيح. # زهيرة ~~: # إذن فلماذا الفراق؟ # خليل ~~: # ألم أقل لك إن رأيي لا يعول عليه الآن، إن الضيق يخيل إلي ... ~~(يجلس على الكرسي الذي كان عليه ويتكئ بمرفقه على المائدة ~~ويسند صدغه على راحة يده اليسرى.) # زهيرة ~~: # وكيف تتركني على هذه الحال وتمضي إلى القاهرة؟ أتهون عليك زهيرة يا خليل؟ ~~(تذهب إليه وتحادثه كذلك وتميل عليه في آخر ~~كلامها.) # خليل ~~: # ما كان صوابا ما أردت ~~(يرفع وجهه إليها وهو ~~جالس) ~~. # زهيرة ~~: # إذن فقبلني ~~(تميل نحوه وتقبله هي) ~~. # خليل ~~(يمد ذراعه إلى أعلى ويتناول رأسها ويقبلها قبلة ~~طويلة) ~~: # ما أسعدني! # زهيرة ~~: # قل إنك تحبني. # خليل ~~: # أحبك يا زهيرة، أنت كل مناي، أنت كل حياتي ~~(يميل ~~بوجهه عنها) # ولعمري إني لأتمنى الآن ~~(ناظرا إليها) # لو أستطيع حملك بين ذراعي، ثم أسير بك إلى منأى ~~من الأرض، ولو في الجبال، أقضي به بقية أيامي معك كالطير في الخلاء بعيدا عن ~~قوانين هذا العالم وأحكامه. # زهيرة ~~(تميل نحو المقعد وهي ناظرة إلى خليل) ~~: # ولماذا لا تفعل؟ إن الحب لا يعرف القانون. # خليل ~~(يعتدل في جلوسه ويتجه إليها ويتكلم بأسف) ~~: # أجل، وكذلك القانون لا يعرف الحب، أليس للزوج على زوجته ألف حق؟ # زهيرة ~~(تذهب إلى المقعد وتجلس وتحاسبه) ~~: # أكنت تشتهي لو أنني كنت لك يا خليل؟ # خليل ~~: # كيف تسألينني هذا السؤال يا زهيرة؟ # زهيرة ~~: # ماذا تعني؟ # خليل ~~: # إنك كمن يعرض الوردة العتيقة الجميلة في غلاف ms26 من الشوك. # زهيرة ~~: # من يطلب الوردة لا يبالي بشوكها. # خليل ~~: # أخشى أن يدمي الشوك أنامل اليد فلا تستطيع تناولها. # زهيرة ~~: # وهل تنتظر حتى يزول الشوك من تلقاء نفسه أم يجب أن تلتمس الحيلة في ~~اجتنابه؟ # خليل ~~: # هذا ما يجب أن نفكر فيه. # زهيرة ~~: # نعم. # خليل ~~: # ولكن هل ترين علي بك ينزل عنك بهذه السرعة؟ # زهيرة ~~: # ليس لك شأن في هذا، سأدبر الأمر بنفسي. # خليل ~~(سكوت) ~~: # ولكن إذا حدث فيجب ألا نشرع في شيء يومئذ حتى ينقضي عام أو شبه عام لكي لا ~~تحف الشكوك من حولنا يا زهيرة. إني لأراه أمرا رهيبا. # زهيرة ~~: # لك ذلك، نصبر عامين أو ثلاثة بل عشرة إذا شئت. تعال، تعال. ~~(تذهب إليه) # قبلني ~~(تمسك بوجهه وتقبله في فمه وتطيل القبلة ويقبلها هو أيضا ثم يرفع رأسه ~~عنها) # والآن عدني ألا تفكر في غيري أو تشغل بالك بسواي. # خليل ~~(ينظر إليها متمعنا) ~~: # ما حاجتك بالوعد مني يا زهيرة، وأنا لا أملك نفسي؟ لقد انتزعت إرادتي مني يوم ~~رأيتك وأصبحت كأنما أنا قطعة منك. # زهيرة ~~: # ومع ذلك فقد حادثت أختك خديجة هانم في شأن أختي عطية! # خليل ~~: # عطية! كيف؟ ~~(يميل عليها ويتكلم بسرعة وهو ذاهب إلى ~~الكرسي الأول) # إني أحبك أنت يا زهيرة، ولكنني رأيت أختي تلمح لي ~~من طرف خفي باشتهار علاقتنا، فلم أجد لي بدا من أن أقول لها إني أريد ~~عطية. # زهيرة ~~: # أحسنت، كذلك قلت أنا لعطية اليوم. # خليل ~~(بشيء من التأثر) ~~: # يا ألله! أحادثتك في هذا الشأن؟ ماذا قالت لك؟ # زهيرة ~~: # كانت في الصباح عند أختك، ألم تعلم ذلك؟ # خليل ~~: # لا وربي. # زهيرة ~~: # لقد أفهمتها خديجة هانم أنك تريد الاقتران بها. # خليل ~~: # يا ألله! # زهيرة ~~: # وقد جاءتني هذه الحمقاء تسر إلي هذه البشرى، فأفهمتها أني لا أوافق على هذا ~~الاقتران، وقلت فيك ما لا يقال. # خليل ~~(متأثرا غائب اللب) ~~: # مسكينة هذه الفتاة ~~(يتذكر) # لقد كانت راقدة ~~في سريرها. # زهيرة ~~: # ما هذا؟ شاقتك الذكرى؟ # خليل ~~(يلتفت إليها منكرا) ~~: # أية ذكرى؟ إني إنما أتذكر سوء ms27 حالتها أيام المرض، أيسوءك أن أرثى لمصاب الناس؟ ~~(ينهض عن كرسيه ويذهب متمشيا في المسرح ثم يعود ~~إلى الكرسي الثالث ويمسك ظهره منحنيا ثم يتكئ بساعديه ~~عليه.) # زهيرة ~~(تذهب إلى الكرسي الأول) ~~: # أجل، إني لا أطيق أن تذكرها أمامي أبدا. # خليل ~~: # لماذا؟ # زهيرة ~~(تجلس على الكرسي الأول) ~~: # إني شديدة الغيرة. # خليل ~~: # ها ها ~~(يترك الكرسي ويدور من وراء المائدة ذاهبا ~~إليها، وهي على الكرسي الأول، ويضع يده اليسرى على ظهر كرسيها واليد اليمنى ~~متكئة على المائدة) # حتى ولو عرض ذكرها في غير مقام الحب؟ ~~(يميل بوجهه حتى يحاذي وجهها.) # زهيرة ~~(تنظر إليه مبتسمة) ~~: # حتى ولو عرض. إني أكره كل من تتعلق بك أوهامها ~~(تبعد وجهها عنه وهي ناظرة إليه نظرة إغراء) ~~. # خليل ~~(مازحا ويتراجع ويمشي صوب عتبة السلم) ~~: # لا يصح أن تكوني قاسية القلب حتى على أختك يا زهيرة. # زهيرة ~~: # لا تقل أختي، إن الحب لا يعرف أختا ولا أما، أفهمت؟ ~~(تنهض وتمشي صوب المرآة وتنظر فيها.) # خليل ~~(متظاهرا أنه غير جاد في سؤاله) ~~: # فما قولك لو أنني كنت أجد اليوم مع عمي بشير؟ # زهيرة ~~(وقد بلغت المرآة وظهرها إليه ملتفتة قليلا نحوه) ~~: # متى كان ذلك؟ # خليل ~~(يمسك بظهر الكرسي الأول) ~~: # قبل أن تنزلي. # زهيرة ~~: # ماذا حدث؟ # خليل ~~(ناظرا إلى مقعد الكرسي أحيانا ومشرعا نظره أحيانا أخرى ~~في الفضاء ومرة أخرى إليها، وهي مشغولة بإصلاح شعرها أمام المرآة) ~~: # لما ضيق علي الخناق وصارحني بسوء الظن حتى لم أجد لي مخرجا تورطت، فقلت ~~له إني إنما أتردد عليك طالبا أن تتجاوزي عما اشترطت المرحومة الست الكبيرة في ~~زواج عطية هانم. # زهيرة ~~(تعود خطوتين وهي غاضبة، ثم تقف تحادثه محذرة مشيرة ~~بسبابتها) ~~: # حذار، حذار أن يأتي ذكرها على لسانك بعد اليوم، إنك تؤلمني بهذا ~~الحديث. # خليل ~~: # إذا ساءك هذا فإني أعدك ... ~~(هنا يدخل علي بك من الباب الأول وهو يصفر وفي يده محفظة أوراق ~~صفراء الجلد وعصا، فإذا رأياه اضطربا.) # علي ~~: # خليل بك؟ مرحبا، مرحبا، أنت هنا؟ ما شككت في ذلك ~~(يتقدم ms28 من خليل ويسلم عليه ويعود إلى مناط العصي فيعلق عليه المحفظة ~~والعصا). # خليل ~~: # أهلا وسهلا. # علي ~~(يعود عن مناط العصي) ~~: # بونجور يا زهيرة هانم. # زهيرة ~~: # بونجور ~~(تذهب نحو المقعد) ~~. # علي ~~(يذهب إلى الكرسي الأوسط) ~~: # ما بك يا خليل؟ أراك واجما! # خليل ~~(مضطربا) ~~: # أنا! # علي ~~: # وأنت يا زهيرة هانم، لماذا أرى على وجهيكما أثر الاضطراب؟ ماذا حدث؟ إني سمعت ~~صوت زهيرة هانم غاضبة. هذا الصوت أعرفه ولو كانت في برج بابل، وسمعتك تعدها ~~متذللا على غير عادتك. من المسيء فيكما يا ترى؟ أنت أم هي؟ # خليل ~~: # زهيرة هانم لا تسيء إلى إنسان قط. # علي ~~: # فما سر هذا كله إذن؟ ~~(يجلس على الكرسي الأوسط وقد ~~بدا على وجهه شيء من الكدر) # أتخفيان عني أمرا لا يصح أن ~~أعرفه؟ # زهيرة ~~: # إنه لا يريد أن ينتصح ~~(تجلس على ~~المقعد) ~~. # علي ~~(لزهيرة) ~~: # كيف ذلك؟ ألا تزالين تؤنبينه على ما يبلغك عنه؟ مسكين يا خليل، متهم من كل ~~جانب، واليوم قالت لي خديجة هانم ... # خليل ~~: # هل كنت عندها اليوم؟ # علي ~~: # أجل، خرجت من المحكمة اليوم مبكرا، ورأيت منزلكم قريبا مني فذهبت وشربت ~~القهوة معها، وقد تدخلنا في شأنك على صورة تنكرونها أنتم يا تلاميذ ~~إنجلترا. # خليل ~~: # ماذا قالت لك عني؟ # علي ~~: # هي ترى أنه يجب عليك أن تتزوج وتترك عيشة العزوبة؛ لأنه يبلغها عنك شيء ~~كثير. # خليل ~~: # ليت شعري لماذا يتهمني بالسوء كل من يعرفني، حين أني والله رجل مستقيم؟ # علي ~~: # كل أعزب متهم، ولقد والله قلت لها كما أقول لزهيرة دائما: لا تصدقي أقوال ~~الناس عن خليل. إنه دائم المرح ليس إلا، لا تجدينه جادا يوما من ~~الأيام. # خليل ~~(يضحك) ~~: # هذا طعن في صورة دفاع. # علي ~~: # شيء أخف من شيء، ولكن ~~(لزهيرة) # ماذا يبلغك ~~أنت اليوم عنه؟ # زهيرة ~~: # لا شيء. # علي ~~: # لا شيء! إذن فأنتما تخفيان عني أمرا، لا يمكن أن يكون هذا الوجوم والغضب ~~لغير سبب. # خليل ~~: # إنه في الحقيقة لغير سبب وجيه. # علي ~~: # ما هو؟ # خليل ~~: # سلها هي. # زهيرة ~~: # كان يحادثني في شأن ms29 عطية هانم ~~(تظهر على خليل علائم ~~الارتياح). # علي ~~: # هذا ما قدرت وربي. # زهيرة ~~: # يريد أن يحملني كرها على الموافقة على زواجه منها. # خليل ~~: # وهل كفرت في هذا الطلب بحياة أبيك حتى لا تترك في جعبتها كلمة ذم لم ~~تقلها؟ # علي ~~: # وأنت لا تريدين ذلك؟ # خليل ~~: # إنها تراني أسوأ الرجال. # زهيرة ~~: # محال أن أوافق على زواجها منه. # علي ~~: # هذا غريب جدا، أتريدين أن نتركها عانسا؟ # خليل ~~: # اسمع يا أخي: إياك أن تجعل لسيدة وصاية على أخرى، إنها تسيء استعمال السلطة ~~التي تكون في يدها؛ لأنها لم تتعود هذه السلطة. # علي ~~(إلى زهيرة) ~~: # إذن فإن هذه الصداقة العظيمة لخليل بك وهذه المراقبة الشديدة لأفعاله ~~والانتقاد المر الذي ينهال على رأسه، وهذه الأصناف الشهية من الطعام التي ~~تطهينها بيديك اللطيفتين يوم يتكرم ... # خليل ~~: # العفو. # علي ~~(مستمرا) ~~: # بزيارتنا لم تكن أحبولة لاصطياده لأختك عطية هانم على غير عادة الأخوات ~~والأمهات؟ # زهيرة ~~: # أنا أحب خليلا لمرحه وعبثه، ولكني لا أريد لأختي زوجا مثله، ولا ~~مؤاخذة. # خليل ~~: # تحبني لأني تياترو كميدي فودفيل، تشهده مرة بعد أخرى، وتدفع ثمن تذكرة ~~الدخول راضية، ولكنها إذا عادت إلى منزلها أخذت تذمه وتذم الممثلين والمؤلف ~~معا. # علي ~~: # ها ها ها، مسكين يا خليل! هكذا حال الدنيا يا بني، أكاذيب في أكاذيب. # خليل ~~: # انظر يا سيدي، انظر، هي تحب ما ترى أختها تكرهه، وأؤكد لك أن عطية هانم يمكن ... ~~بل إنها تحبني أكثر من حب زهيرة هانم إياي، ها ها. # علي ~~: # ليس لك حق يا زهيرة في رفض خليل، كلا لست معك. هل تجدين لأختك خيرا منه؟ ~~واحد دكتور، متعلم في أوروبا وعنده إيراد لا بأس به، وأختك من هي؟ فتاة متعلمة ~~كما تقولين، ولكن أي تعلم هذا! وعندها 25 جنيها إيراد وقف سنوي، نعم، ولكن هذا ~~ليس بشيء كثير. والله إني أستكثر الرجل المتعلم على أية امرأة في ~~الدنيا. # خليل ~~: # ها ها ها ~~(متشيعا) # معلوم! # علي ~~: # الرجل يقضي 20 سنة أو أكثر يتعلم ويهذب نفسه ويعد مستقبله ويبلغ أقصى ~~الدرجات، ms30 ثم تأتي امرأة تعرف القراءة والكتابة أو لا تعرف وبعض كلام فارغ ~~يسمونه تعليما، تأخذه وتتنعم بعلمه وأدبه وخبرته واقتداره ومستقبله ومركزه لله ~~في لله. إن الرجال مغبونون جدا، كلا، كلا، أنا لا أوافقك، ارميها عليه حسب ~~هذا الأحمق أن يرضى بالزواج في هذه الأيام ~~(خليل ~~يضحك) ~~. # زهيرة ~~(بتغيظ) ~~: # ومن أنت، ومن هو، ومن كل الرجال في الدنيا بالقياس إلى المرأة! # علي ~~: # يا عيني! # زهيرة ~~: # المرأة سيدة العالم لا الرجل، والرجل الذي يقضي 20 سنة في تعلم وتدرب، إنما ~~يعد نفسه لخدمتها، وإلا فإنه لا ينالها. # خليل ~~: # الله! الله! # زهيرة ~~: # معلوم، هذا الذي جعلك تراني ... # علي ~~(يقاطعها) ~~: # في عرضك، دعينا من قصتي وقصتك، ودعينا في عطية هانم وخليل، إنها لا تأباه، بل ~~تريده، ولا يصح أن تكوني عثرة في سبيلها. # زهيرة ~~: # أهي قالت لك ذلك؟ # علي ~~: # ألا بد أن تقوله لي! لقد رأيت ذلك في عينيها غير مرة عرضا في الحديث، وقد ~~علمت من خديجة هانم اليوم أنها فاتحتها في الموضوع فارتاحت تمام ~~الارتياح. # خليل ~~: # يعني أني رجل «فالصو»، هذه مطاعن ورب الكعبة، خذ مذكرة بذلك يا حضرة المحامي، ~~سب علني وقذف يعاقب عليه القانون بموجب المادة 1920 ها ها ~~(علي يضحك) ~~. # زهيرة ~~(تضحك) ~~: # أنا لا أقول إلا الحق ولو على نفسي. # علي ~~: # وعطية أتعرف أنك لا توافقين؟ # زهيرة ~~: # نعم، ولكنها فتاة بلهاء، ولا يصح استشارتها في أمر كهذا، إني أكبر منها سنا ~~ولي حق الوصاية عليها حتى تبلغ العشرين. # علي ~~: # لقد بلغتها من زمن بعيد. # زهيرة ~~: # إنها لم تتمها بعد. # علي ~~: # انتهت الوصاية عليها يا ستي من يوم أن حطت رجلها في العشرين، الحساب بالعربي ~~لا بالأفرنجي يا هانم. هذا هو الشيء الفريد الذي بقي للعربي وأهل العربي في ~~مصر. # زهيرة ~~: # من يقول هذا؟ # خليل ~~: # المحامي. # زهيرة ~~: # لا رأي لمحام كهذا عندي؟ # علي ~~: # ها ها ها، أأحضر لك ابن عابدين؟ # خليل ~~: # علينا به من فضلك، عجل. # زهيرة ~~: # ولا ابن شاهين. # خليل ~~: # ماذا نحضر لك إذن؟ # علي ~~: # عسكري. ~~(الكل يضحكون.) ms31 # خليل ~~: # نحن في زمن عجيب يا علي بك، كلنا يسعى لأن يكون للفتاة حق اختيار زوجها، ~~وزهيرة هانم وهي متعلمة على كل لون حتى في مدارس الإفرنج هي وأختها تأبى عليها ~~ذلك. # علي ~~: # لأن عمك بشير ملأ دماغها بآرائه وأفكاره من سن السابعة إلى سن ~~العشرين. # خليل ~~: # وعطية هانم كذلك؟ # علي ~~: # وعطية هانم كذلك، بل وأكثر من ذلك. إنها خليفة بشير أغا، وأكبر تلاميذه ~~وحوارييه ~~(يضحك) ~~. # خليل ~~(يضحك) ~~: # إذن فلنترك عوضنا على الله، إني أكره هذا الصنف من النساء. # زهيرة ~~: # هذا الذي من أجله لا أريد مثلك زوجا لأختي، إنها فتاة مسكينة بلهاء، وأنت ~~رجل شرير. وقد دللت على ذلك بلسانك الآن ~~(خليل ~~يضحك) ~~. # علي ~~: # ولكنك لم ترفضي الدكتور من قبل لهذا السبب، إنك رفضته لشيء آخر، فما هو هذا ~~الشيء الآخر السابق؟ # زهيرة ~~: # مثل أختي لا تطيق معاشرة زوج يضطره عمله كطبيب أن يفارقها في الصباح، ثم لا ~~يأتي إلا في الظهر أو بعده كهذه الساعة مثلا ليتغدى وينام مثلا. # علي ~~(متشيعا) ~~: # مثلا. # زهيرة ~~: # ويعود بعد ذلك إلى عيادته ثم يبقى فيها إلى الساعة الثامنة، وقد يأتي منزله ~~للعشاء فقط إن لم يكن على موعد مع واحد، أو واحدة، أو يخلق له مريضا يقول إنه ~~اضطر لعيادته في الساعة التاسعة؛ فإن جاء بعد ذلك تعشى وقال إنه لا بد له من ~~الرياضة، ولا تستطيع أن تقول كلمة لأن الرياضة واجبة في الطب! فإذا جاء منتصف ~~الليل كانت نائمة، وهكذا ... # علي ~~: # ها ها ها، كأنك تقولين إنك أيضا لا تطيقين عشرتي، لأن الذي ذكرت عن خليل هو ~~ما أفعله أنا بالضبط في أكثر الأحيان. # زهيرة ~~: # هو كذلك، ولكن هذا لم يعد يهمني. # علي ~~: # هذه هي صرخة الولد يا زهيرة عنك وعنها، ها ها ها. # خليل ~~: # ها ها ها، صرخة من؟ # زهيرة ~~: # أعدت إلى مزاحك الثقيل؟ # علي ~~: # ولكن من يدريك؟ لعل أختك أهدأ منك أعصابا يا زهيرة؟ ها ها ها. # زهيرة ~~(بغضب) ~~: # ما رأيت في الناس مثلك ... # علي ~~: # لعمري إن أختك ms32 لا يمكن أن تعتب على خليل هذا العتاب، إنها من طينة ~~أخرى. # زهيرة ~~: # كل النساء من طينة واحدة، كيف تطيق المرأة في الدنيا أن تقضي يومها كله وحدها ~~في انتظار زوجها! # خليل ~~: # هذا درس لك يا عم علي. # علي ~~: # ليتني لم أسأل ولم أبحث، إن الدرس الذي تلقيه زهيرة هانم علي كل يوم من ~~أقسى الدروس. # خليل ~~: # ها ها ها، برافو والله. # زهيرة ~~(تتحرك في كرسيها متجهة إليهما) ~~: # إن المرأة لا ترضى بزواجها من رجل ... # علي ~~: # من هذه المادة يا خليل بك ... ~~(إلى زهيرة) # نعم. # زهيرة ~~: # اسمع، المرأة لا ترضى بزواجها من رجل إلا وفي مخيلتها أنها تتزوج رجلا أولا ~~وآخرا. # خليل ~~: # ارمي! # زهيرة ~~: # ما لكم تهزءون بالكلام، والله إن المرأة لأقرب منكم إلى الفطرة في كل ~~أحوالها. أنتم أيها الرجال، رجال هذه الأيام مكذوبون على النساء، وإنما أنتم ~~تدافعون عن أنفسكم بالهجوم. # خليل ~~: # والله إنك تقولين حقا يا زهيرة هانم. # علي ~~: # زيدينا، بارك الله في جمعية تحرير المرأة! ~~(لخليل) # ألا تدري أن زهيرة هانم من خطيباتها المفوهات؟ # خليل ~~: # أعرف ذلك لسوء حظي، ها ها ها. # زهيرة ~~(تزور عنهما مزدرية) ~~: # أنتم أيها الأذكياء عمي عن الحقيقة في هذه الدنيا، أو متعامون. # علي ~~: # كيف ذلك؟ # خليل ~~: # نريد أن نفهم. # زهيرة ~~(ملتفتة إليهما وتكلمهما باندفاع) ~~: # إنكم تكلمونني اليوم بصراحة غريبة، وبلا أقل تحشم، بل أراكم آذيتموني بالحديث ~~وجرحتم إحساسي احتماء وراء أدب السيدة وحيائها. # خليل ~~: # لا نقصد ذلك مطلقا، من يجرؤ على هذا؟ معاذ الله! # علي ~~: # انظر يا سيدي، هكذا رأيها معي تجعل المخالفة جنحة والجنحة جناية. # خليل ~~: # والله إننا نمزح يا زهيرة هانم. # علي ~~: # ومع ذلك، هبي أنه صراحة منا وقول نعبر به عما في نفوسنا بغير كلفة. # زهيرة ~~: # إذن فلأصارحكم أنا أيضا وظنوا ما تشاءون. # علي ~~: # تفضلي وعليك الأمان. # خليل ~~: # أمرنا لله. # زهيرة ~~: # اسمعوا نصيحتي، ثم ارموها في البحر. # علي ~~: # ويلاه! ما هذه النصيحة؟ # زهيرة ~~: # عندي أنه يجب على الرجل في هذه الأيام التي تنكرت فيها الدنيا بأحوال المدنية ~~أن ms33 يجعل للعنصر الفطري من نفسه أول مقام كما تجعل المرأة ، وإلا كان الشقاء ~~حليفه طول الحياة. # علي ~~: # كيف يكون ذلك؟ # زهيرة ~~: # أولا، تكرهه زوجته فتشقى حياته المنزلية وغير المنزلية. ثانيا، يكرهه ~~المجتمع وربي، أجل يكرهه، فلا يكون له من طيبات الحياة فيه نصيب، اسمعوا وانظروا ~~وابحثوا. # علي ~~: # مرحى مرحى يا زهيرة، إنك تتكلمين كلام الفلاسفة. # زهيرة ~~(بتهكم) ~~: # صحيح! # علي ~~: # والله إني أجد. # خليل ~~: # مرحى! مرحى لبشير أغا والمدارس المصرية والأسكولات الأفرنجية. # زهيرة ~~: # بل لكم أنتم، أنتم الذين تعلموننا هذا الكلام وتلجئوننا إليه. # علي ~~: # لا يعلمك إياه أحد والله، إنما هي صرخة الولد، ها ها ها. لكنها اليوم صرخة ~~حادة بالغة. # خليل ~~: # ها ها ها، إنك فرجت همي. # زهيرة ~~(تنهض) ~~: # بالله خبروني يا أهل الفهم والمحاماة والطب والكلام الفارغ الذي تموهون به ~~على الناس وأنتم أغبياء جهلاء، في أي شيء تقضي الزوجة يومها إذا لم تكن راضية ~~عن زوجها، ولم يكن لها من الارتياح إلى أمسه ما يملأ قلبها حبا له واشتياقا ~~إليه وانشغالا عن الحاضر بالغائب؟ # علي ~~: # تنام، ها ها ها. # زهيرة (الآنسة فردوس حسن) إلى علي بك في الوسط ~~(حسين رياض): «أنتم الذين تعلموننا هذا الكلام.» # زهيرة ~~: # تنام! # خليل ~~: # لا تستطيع النئوم أن تظل في الفراش أكثر من عشر ساعات. # زهيرة ~~: # أنت طبيب وتعرف ذلك بالدقة، لا مؤاخذة. # خليل ~~: # ها ها ها، تقرأ الروايات والقصص. # زهيرة ~~: # والله لو قرأتها لزاد صراخها بما تثير هذه الروايات من كوامن دائها. # علي ~~: # هذه صرخة الولد بعينها، ها ها. # زهيرة ~~(باحتداد وسرعة كأنما تغيظه) ~~: # أجل صرخة الولد، ما معنى الزواج إذا لم يكن للولد، إن للمرأة مهمة في الحياة ~~تحفزها من حيث لا تدري إلى تحقيقها، ولكنكم تتجاهلونها وتعاملون النساء على ~~ضدها صراحة فتشقونهن وتشقون أنفسكم أيضا. # علي ~~(وهو يضحك) ~~: # زهيرة هانم تريد أن يعيش الرجل مع امرأته طول حياته كما كان أول شهر أو أول ~~عام من زواجه، فهي لا تحبه إلا إذا كان كذلك، ومن يستطيع هذا يا حضرة الطبيب ~~النطاسي ms34 البارع. ~~(خليل يضحك.) # زهيرة ~~: # هذا كلام صحيح، ولكنك مبالغ. # علي ~~: # ما يقدر على القدرة إلا رب القدرة، ألا يصح أن يحسب للسأم حساب؟ # زهيرة ~~: # إذن، فهذا الزواج خطأ وكذب، وما كان يصح أن يكون هناك زواج إذا كان لا بد أن ~~يسأمه الإنسان، أو يجد منه شقاء عظيما. # خليل ~~: # فيلسوفة ورب الكعبة. # علي ~~: # كذب! أفي ذلك شك؟ ولكنه ضروري أكثر من الصدق وأنفع. كم في هذه الدنيا من ~~أكاذيب صريحة، ليس في الأرض من مفكر منطقي إلا وهو يرى أنها زور وتدليس، ومع ~~ذلك فهي لازمة يعاقب المجتمع من لا يقول بصدقها ويؤمن بها ويعمل عليها. هذه ~~الأكاذيب تتطلبها المصلحة العامة العاجلة؛ ولذلك تنفق عليها الأمم من الأموال ~~ما لا تنفق على الصدق، بل إن أهلها، أهل هذه الأكاذيب ليكرمون في الدنيا أعظم ~~تكريم، ممن يعلمون أنهم كاذبون مدلسون، وتعطى لهم ألقاب عريضة وأوسمة موشحة ~~ومرتبات ضخمة هي في عين الرجل البصير أشبه شيء بالرشى، ثم تكون لهم يوم الوفاة ~~مواكب رسمية ذات درجات في التكريم، وقد تكون لهم بعد ذلك مدافن تزار أو تماثيل ~~تقام، ولا يكون بعض ذلك لرجل يقول كلمة الحق الكبرى. # خليل ~~: # يا للعجب! # علي ~~: # بل إنه ليحرم طيبات العيش في الدنيا ويرمى في الحياة بالجنون، يهينونه ~~ويسجنونه أو ينفونه عن الديار، ويسدون عليه المسالك، وربما أحرقوه في الدنيا أو ~~قطعوا لسانه إزراء به وإخناء عليه وتكذيبا لصدقه الناصع، كل هذا من أجل ~~المصلحة العامة العاجلة التي يشق تحقيقها بدون هذه الأكاذيب. والزواج يا سيدتي ~~من هذه الأكاذيب الضرورية، الأكاذيب النافعة المحترمة. # زهيرة ~~: # أنا لا تهمني هذه المصلحة العامة، ولا تهمني الدنيا بأجمعها إذا كانت ~~أكاذيبها النافعة تشقيني، أتريدني أن أشقى من أجل غيري! نفسي أولا وبعدي ~~الطوفان ~~(تنهض وتذهب إلى المقعد وتجلس ~~عليه) ~~. # علي ~~: # أنت تشقين نفسك بهذه الآراء، إن المصلحة منه أكبر من الضرر الذي يشكوه كل ~~متزوج. # خليل ~~: # حاذر. # علي ~~: # ما عداي بالطبع، ها ها ها. # زهيرة ~~: # وهل أنت متزوج! أنت صاحب منزل ms35 فقط تأوي إليه فتجد فيه امرأة. # علي ~~: # لا تخشي بأسا ، إني سأعلم خليل بك كيف يعيش مع زوجته. # زهيرة ~~: # أنت تعلمه! علم نفسك. # علي ~~: # المسألة بسيطة جدا، خليل بك طبيب، ويعرف مواد الأقرباذين كلها «صم»، فما ~~عليه إلا أن يعطيها ليلة الدخلة دواء بسيطا يعرف أنه يضعف العصب، فإنها إذا ~~أخذته أصبحت عاقلة رشيدة وسكنت في أحشائها خلية النحل. # زهيرة ~~: # أنت رجل قليل الحياء مجنون ~~(تنهض وتتمشى صوب ~~السلم) ~~. # علي ~~: # ها ها ها. # خليل ~~: # ها ها ها، تعالي يا زهيرة هانم ~~(ينهض ويذهب إلى ~~عتبة السلم) ~~. # زهيرة ~~(صاعدة السلم) ~~: # أنا لا أطيق البقاء في مجلس رجل مجنون. # علي ~~: # تعالي، تعالي ~~(يجلس على الكرسي الذي كان جالسا ~~عليه خليل) # احمدي ربك، ليس من السهل أن تجدي مجنونا يعفو عنك ~~مثلي، من الناس من يدفع أجرة لرؤية فصل مثل هذا. # خليل ~~(يلتفت لعلي) ~~: # لقد تكدرت، لماذا قلت هذه الكلمة؟ # علي ~~(باشمئزاز) ~~: # ماذا تريد مني هذه المرأة؟ هل خلق الرجل ليكون ملهى للزوجة ليس إلا؟! أليس ~~للرجل حق في أن يسعى للعيش ~~(ينهض ويتمشى وقد يقف ~~يخاطب خليل) # من أين تأكل وآكل وأعيش، والدنيا كما تعلم صماء خرساء ~~قاسية القلب، لا تعفو ولا ترحم؟ # خليل ~~: # أي والله. # علي ~~: # يبدو لي يا أخي أننا أشقينا أنفسنا بهذه المدنية، زدنا الحياة فيها تكاليف ~~ومطالب بتوشيجها، والمبالغة في التماس النعيم من كل عرض منها، فزدناها شقاوة ~~وزدنا أنفسنا حرمانا، ولكنها المرأة سبب كل ذلك. # خليل ~~: # كيف؟ # علي ~~: # هي التي دفعت الرجل إلى تهيئة أسباب الرفاهية لها فخلق لها هذه المدنية، ~~وأنهك نفسه في مرضاتها، وحرم نفسه الراحة من أجلها، ومع ذلك فهي تطلب إليه أن ~~يجد من وقته الضيق فرصة واسعة للهوها، ومن صحته وقلبه المنهك متعة لها، وإذا قصر ~~في ذلك فالويل له منها. # خليل ~~: # صحيح والله. # علي ~~: # كان يجب على المصريين أن يخرجوا المرأة معهم تعمل في الدنيا كما كانت تعمل في ~~بيتها، وكما يعمل الرجال، لتنشغل هي أيضا عن الرجال يوما ما. فلا ms36 تكون المرأة ~~على مثل حال زهيرة من الصخب، لو كان لها عمل أو لو كانت ذات شغل ولو في الأعمال ~~الخيرية وأعمال الإصلاح الضرورية لمدنيتنا، كما يفعل نساء طبقتنا في أوروبا ~~التي نقلدها لوجدت مشغلة وملهى ولذة أيضا، ولكنا لا نفعل ذلك لأننا كذابون في ~~مدنيتنا، كذابون في أقوالنا وأفعالنا، كذابون في كل شيء. لا انسجام ولا تواصل ~~ولا ارتباط بين تفاصيل حياتنا الموحدة. # خليل ~~: # حق، حق والله. # علي ~~: # لست أجد في مصر أصدق ولا أسعد من الفلاح، إنه يشتغل، وامرأته تشتغل، وأمه ~~تشتغل ولو في حراسة الفراخ والبيت. أما المرأة الحضرية فقد صرفناها عن العمل في ~~البيت باسم المدنية والرقي، ثم لم نعط لها عملا فكانت عالة على الرجل، يا ليت ~~أبي ما أرسلني إلى المدارس! يا ليته أخذني معه إلى عزبته أزرع الأرض وأجني ~~ثمرها بيدي، إذن لوجدت لامرأتي عملا. ما هذا العلم الذي يضحك به منا؟ كذب هو ~~أيضا وكلام فارغ، ماذا نعرف نحن من العلم؟ وماذا يعرف سوانا؟ قطرة من بحر. ~~وإذا وجدت متعلما لم تجد اتصالا بين علمه ونفسه، لا أثر له في تكوين خلق له ~~أو عادة أو فكرة، ولا هو زادنا صحة ولا منفعة. # خليل ~~: # ما هذا الكلام؟ # علي ~~: # لم أجدني خيرا من أبي وأمي في شيء، صحته سليمة وعصبه قوي هادئ وسعادته ~~موفورة، وسيعيشان من بعدي أؤكد لك، أما أنا فقد كادت أعصابي تتحلل من فرط العمل ~~في المكتب والمحاكم. ثق يا خليل أن الإنسان لم يخلق إلا ليكون حيوانا، وأن ~~الذي ركب فيه من العصب ليس إلا لخدمة جسمانه: لحمه وعظمه وجلده، أما أن تأخذ من ~~عصبك للتفكير والدرس والاختراع والاجتهاد الذهني للمحافظة على مدنية المرأة ~~فلا؛ ولذلك فإننا نموت عادة قبل غيرنا، والرجل قبل المرأة. # خليل ~~: # هذا كله صحيح، ولكن أتدري أنها تقول حقا؟ # علي ~~: # نعم، لا شك في ذلك. هكذا قلت: ولكن الحق شيء وإحقاقه شيء آخر، إنها كمن يطلب ~~دينا من معسر. هي التي أفسدت الدنيا على نفسها ms37 فلتتحمل وزر ما فعلت، سأظل على ~~ما أنا عليه، ولا يهمني بعد ذلك ما يكون. # خليل ~~: # خبرني، أأنت لا تحبها؟ # علي ~~: # أعفني من الجواب. # خليل ~~: # أراك تعزها كثيرا. # علي ~~: # المعزة غير الحب، لا تسرف في الألفاظ ولا تستهن بها وإلا أدت بك إلى خطأ ~~النتيجة والعقيدة معا. # خليل ~~: # صدقت، ألا تحترمها؟ # علي ~~: # ما هذا الاحترام؟ إني لأرعى إحساسها كزوجة، ولها عندي مودة اعتدتها ورحمة ~~أيضا، هذا كل ما هنالك، وهو شيء عظيم جدا لا سيما في الزوجية، أما الحب فكيف ~~يكون بين رجل وامرأة عاشا في الزوجية خمس سنين! هذا محال. إن المودة والأدب ~~والذوق الذي تراه بين رجل وامرأة أهدأ منا عصبا يسميه الناس الحب خطأ، فإن لم ~~يكن بد إلا أن أعبر على هذا الوصف فأنا أحبها جدا. # خليل ~~: # ولكنك مهتم بأعمالك، مشغول عنها انشغالا تاما. # علي ~~: # لا تصدق ذلك، إنها سئمتني أو أخذ السأم يتطرق إلى قلبها مثلي، وهذا طبيعي، ~~وأقسم لو أنني استطعت أن أقيد نفسي فلا أبارح مجلسها في هذا العصر الذي لا ~~يستطيع الإنسان فيه أن يجد ما يأكله إذا هو لم يتحرك ولم يعمل، لزاد سأمها مني. ~~إنها لا تجدني ولن تجدني كما كنت في بدء الزواج ولا أنا، مع أنني لو تزوجت ~~غيرها لم يكن بغيرها هذي في الأيام الأولى إلا ما كان بزهيرة أول عهدي بها من ~~الهيام بي والتعلق بأهدابي، ثم تصبح كزهيرة سواء بسواء. # خليل ~~: # كلامك يذعرني. # علي ~~: # هذه نتيجة العنصر الكاذب في الزواج، وعندي أن كل شقاء تراه في الزواج ولا ~~تعرف سببه ليس إلا نتيجة هذه النقطة الضعيفة في الزواج؛ لأن الفطرة تغلب كل ~~شيء، فإذا غالبتها فإنها لا تلبث أن تثور دفينة، ثم تخرج من جهة أخرى لم تكن ~~تحتسبها، مثل نار الشمس في جوف الأرض تخمدها جلدتها وجنادلها، ثم لا تلبث أن ~~تسمع لها زلزالا، ثم تنظر فإذا جبل قد انفجر وتهدم وخرجت منه نار وحمم يخبران ~~أن الفطرة أغلب. # خليل ~~: # وي وي! إنك تذعرني، ms38 لقد أملت من الزواج خيرا وسعادة، ولذلك ... # علي ~~: # من قال إن الزواج ضمين السعادة؟! ~~(متكدرا) # من قال ذلك؟! أجاءكم وحي به؟! أم أن بينكم وبين ملائكة ~~الأرض وعفاريت السماء عهدا بذلك ووعدا؟! # خليل ~~(يضحك) ~~: # كيف؟ # علي ~~: # إنكم لما رأيتم في الزواج شيئا لذيذا دونه كل لذة حسبتموه سعادة، وأخذتم ~~تنشرون هذه الأكذوبة بين الناس، حتى أطمعتموهم في شيء غير موجود، فلما تزوجوا ~~ولم يجدوه انقلبوا على أنفسهم، وقالوا إن الزواج الذي عقدناه كان خطأ في شيء ~~من أساسه. وكلما زاد الإنسان تحدثا بهذا الخطأ وشكاية منه كما يفعلون هذه ~~الأيام، زاد شقاؤه وجلب على المرأة المسكينة، أو جلبت المرأة على الرجل المسكين، ~~كل المصائب. # خليل ~~: # كفى كفى، تبت، هات يدك، لن أتزوج! # علي ~~: # الزواج سعادة! هذه مغالطة وتكليف للزواج بما لا يطيق وما لا يعرف، اسمع يا ~~سيدي: ليس الزواج إلا عقد تنافع، ليس إلا شركة كما تفتح دكانة أنت وآخر، لا ~~يبقى عليه إلا دوام الرغبة في الانتفاع به، وداعيه كما تعلم داعي الرغبة في ~~استبقاء الجنس، فإن الإنسان كما علمت يا حضرة البيولوجي المحترم مدفوع إلى ذلك ~~من حيث لا يدري، أي بالفطرة، والناس يريدون معرفة الأنساب في هذه الدنيا ~~لاعتبارات كثيرة. # خليل ~~: # إذن فهو كما قلت لأختي خديجة: أذى لا بد منه. # علي ~~: # أذى لا بد منه، أجل، دفعا لأذى أكبر منه. وإذا كانت الزوجة هادئة العصب ~~رشيدة، وكانت تربيتها سليمة من المؤثرات الكشافة، وكان الزوج كما قالت زهيرة ~~رجلا أولا وآخرا، ثم لم يكن ضعيفا عن حمايتها وتحصيل رزقها ورزقه، وكان له ~~منها ولد أو أولاد، وكان قادرا على الإنفاق عليهم وتأهيلهم للعيش في الزمن ~~الذي خلقوا له، وكانا يعرفان طرائق حسن العشرة، بصيرين بأحوال السلم في البيت، ~~وكانت الزوجة امرأة أولا وآخرا، فكيف لا يكون الزواج هنيئا! # خليل ~~: # صحيح. # علي ~~: # لاحظ أني أقول هنيئا. # خليل ~~: # مفهوم. مفهوم. # علي ~~: # يعني لا أقول سعيدا، السعادة شيء آخر. ولذلك تراني شديد الرغبة في أن يكون ~~لي ولد منها ms39 أو ولدان، مع أني أعلم أن ليس لي مصلحة من ذلك، ولكن حصول الولد ~~مهدأة لها نوعا ما ومشغلة. أما تنبه عصبها وحياة العطالة الأبدية التي هي ~~فيها بسبب هذه المدنية العصرية المفتعلة والتقليد السطحي فلا حيلة لي فيه، ~~ولكني أرجو أن ينصلح أمرها بعد الولد. ولذلك أهنئك يا خليل بك بما عزمت عليه من ~~الزواج بعطية هانم لأنها فتاة طيبة هادئة العصب، «خام» كما يقولون، تركية ~~التربية والفكر، كراهة لأساليب مدنية الشوارع، ولكني أوصيك ألا تجري معها في ~~بحابح اللامسئولية كما فعلت أنا؛ حتى لا تنبه أعصابها الراقدة، بل اجعل لها ~~عملا تعمله في البيت وحتمه برفق تأمن ما أنا فيه الآن من الشقاء بزهيرة، ~~لعمري إنه يجب أن يعملوا على تعليم الرجال والنساء في المدارس فن الزواج، كما ~~يعلمون فن إدارة الشركات، ولا يتركون الأمر فوضى للجاهلين، ويجب أن يجعلوا شغل ~~المرأة ركنا في دوام الزوجية، إهماله يوجب الطلاق مع البراءة من ~~الحقوق. # خليل ~~: # إني رجعت عن عزمي يا صديقي، لا أتزوج ولو شنقوني؛ إن هذا الزواج مسئولية ~~كبرى، أنا لا أريد من الزواج إلا الاستئناس والسرور. # علي ~~: # تحسن صنعا إذا استطعت، ولكنك لن تستطيع. لقد كان هذا قول كل من عرفت من ~~أصحابي. # خليل ~~: # إلا أنا؛ فقد تبين لي أنه شقاء لا أكثر ولا أقل. # علي ~~: # ومع ذلك فإنك ستتزوج. # خليل ~~: # كيف؟! # علي ~~: # من حيث لا تدري، هذا أمر فطري. أنت مدفوع إليه؛ لأن الزواج غير الشرعي ليس ~~إلا زواجا على كل حال، ومع ذلك فإنك ستأخذ تفكر في أمرك وينتهي بك الحال إلى ~~زواج شرعي يحببه إليك كرامة المخطوبة ونسبها والمظنون من أدبها وتربيتها، وألف ~~اعتبار آخر. ومع هذا كله فالزواج يانصيب. # خليل ~~: # يانصيب حقيقة. # علي ~~: # وعطية هذي ورقة رابحة مؤكدة في يد من لا يعرفها، فخذها واهنأ بها قبل ألا تجد ~~مثلها. أنت تعرف هذه الفتاة حق المعرفة، وأنا أعرفها أيضا، كلانا يعرف حقيقة ~~نفسها، فإن كنت تأبى إلا أن تهرب من فتاة لا ذنب ms40 لها إلا أنها كانت في مثار ~~البحث، وتلجأ إلى من لا تعرف على يد الخطاب ... # خليل ~~: # الخطاب! # علي ~~: # دع الخطاب، هب أنك ترى غيرها بعينيك كأن تكون ممن يطرقن باب عيادتك، فإنها لا ~~تظهر لك حقيقة أمرها، هذا شيء عادي. انظر إلى نفسك، إنك معي غيرك في بيتك. وأنت ~~في بيتك غيرك في عيادتك، وهلم جرا. # خليل ~~: # مفهوم. # علي ~~: # يعني أن الإنسان تتغير مظاهر خلقه بتغير البيئة والمجتمع واختلاف الزمان ~~والمكان والعاطفة، بل لعمري إنه لتتغير أخلاقه بتغير ألوان ملابسه وقطعها، ~~والفتاة المرشحة للزواج تخفي نفسها عنك أكثر من سواك. تخفي كل عيب فيخفي حقيقة ~~حتى عن نفسها ذاتها، وتظهر كل ما تظن أنه حسن، هذا أيضا أمر فطري، وليس للناظر ~~إلا الظاهر. # خليل ~~: # أنت تذعرني يا علي بك. # علي ~~: # كيف! إني أبصرك، اسمع نصيحتي، لا تتردد، خذ عطية على الفور. ألا ~~تحبها؟ # خليل ~~: # لا أنكر أني أعزها جدا كما تقول. # علي ~~: # ستعزها بعد الزواج، أما الآن فإنك تحبها. ومع ذلك فقد أخبرتني خديجة هانم ~~برأيك في عطية. # خليل ~~: # أفكر، إنني الآن خالي الوطاب. # علي ~~: # إذا كان الأمر موقوفا على المهر فإنك إذن راغب. # خليل ~~: # أنا أتمنى ذلك، ولكن دع لي فرصة للتفكير. # علي ~~(ينهض) ~~: # الظاهر أنك خرمان، تعال نفكر على المائدة. # خليل ~~(يظل في مجلسه) ~~: # حقا ولكن ... # علي ~~: # ماذا! ألم تجع بعد؟ لقد كادت تدق الثالثة. # خليل ~~: # بلى، ولكن ألا تصالح زهيرة هانم؟ ~~(ينهض.) # علي ~~: # لماذا؟ # خليل ~~: # كيف نجلس على المائدة وهي مغضبة؟ # علي ~~: # إنها تكره مجالستي على المائدة. # خليل ~~: # تكرهه! # علي ~~: # تقول إنها سبقتني، أو إنها لا تستطيع. # خليل ~~: # لا لا، لا يليق ذلك، اذهب وهاتها إكراما لخاطري، أنا لا أطيق أن أجلس على ~~المائدة وهي مهملة هكذا. # علي ~~: # لا بأس ~~(يصعد السلم إليها) ~~. # خليل ~~(يتمشى في المكان) ~~: # لعمري لقد قال حقا، لن أتزوج، سأظل هكذا: لي ألف زوجة وزوجة، أنا أتزوج! ~~لا أريد، لا أريد. ~~(هنا يفتح بشير أغا الباب ~~ويدخل.) # بشير ~~: # فماذا تريد إذن؟ # خليل ~~(يؤخذ) ms41 ~~: # آه رجعت يا عم بشير؟ أحسنت، لا يليق بك أن تترك زهيرة هانم أبدا. # بشير ~~: # لماذا لم تذهب إلى القاهرة؟ # خليل ~~: # نسيت طربوشي، وعدت لآخذه فاستبقتني زهيرة هانم بالرغم مني، وجاء علي ~~بك. # بشير ~~: # أما أنا فلم أنس طربوشي، وبقيت بالرغم منها حتى أقابل علي بك وأرى نهاية هذا ~~الأمر. # خليل ~~: # أخفت الصوت يا عم بشير، أتريد فضيحتي لدى ابن عمي؟ # بشير ~~: # ماذا تنفعني فضيحة أمرك؟ إني أريد أن تبقي على الرجل زوجته. # خليل ~~: # لك ذلك يا عم بشير، هذا ما عولت عليه والله. # بشير ~~: # وأن تتم ما جئت لأجله. # خليل ~~: # وما هو؟ # بشير ~~: # زواجك من عطية هانم كما أخبرتني. # خليل ~~: # زواجي! # بشير ~~: # أجل. # خليل ~~: # كيف يمكن هذا الآن يا عم بشير؟ لقد حادثت علي بك في الأمر واتفقنا على ~~التأجيل، إني منتظر موعد تحصيل إيراد الوقف لأتم كل شيء. # بشير ~~: # ألا يمنعك إلا المهر؟ # خليل ~~: # بلى ورب الكعبة يا عمي بشير. # بشير ~~: # أنا أدفع المهر من جيبي، أنا عندي ألفان من الجنيهات مما اجتمع لي في حياتي ~~ومن إيراد ملكي الضئيل الذي سأتركه لعطية هانم وحدها، أجل وحدها، ولا يحزنني أن ~~أنزل عن المال لك ولعطية من اليوم حبا في إصلاح الحال إن كنت صادقا. # خليل ~~(يسكت) ~~: # أختها لم ترض بالزواج. # بشير ~~: # سترضى الآن، وإلا فلن تموت عطية وحدها. # خليل ~~: # يا إلهي! # بشير ~~: # أتتردد بعد ذلك في قبول ما أعرضه عليك؟ # خليل ~~: # كيف أتردد يا عم بشير؟ ولكنك لم تدع لي فرصة لشكرك، دعني أستفيق قليلا ~~ليكون جوابي ... # بشير ~~(بشيء من الاستهانة والاستصغار لخليل) ~~: # لماذا أنتظر الجواب من مثلك! والله لولا أنها أحبتك ما رضيت بك زوجا لها، ~~أأنت ذو رأي! بل الرأي ما أمرت به وما أعد لك. ولقد أعددت كل شيء فلم يبق إلا ~~إعلانه أو إعلان الفضيحة الكبرى ~~(يفتتح الباب ~~ويتكلم) # يا شيخ إسماعيل. # إسماعيل ~~(من الخارج) ~~: # نعم. # بشير ~~: # اسمع: هل قبلت يا دكتور خليل بك أن تتزوج من عطية هانم بنت مصطفى أغا الجبجي ~~على ms42 مهر المثل المعروف بسنة الله ورسوله. # خليل ~~: # نعم نعم، وقد وكلتك عني في كل شيء. # بشير ~~: # هل اطمأن بالك يا شيخ إسماعيل؟ # إسماعيل ~~: # نعم. # بشير ~~: # إذن فأتنا بالأوراق على عجل، عندك كل البيانات في الورقة التي كتبتها ~~لك. # خليل ~~: # وعطية هانم، هل وافقت؟ # بشير ~~(يترك مصراع الباب الثالث فيعود إلى أصله، ويرجع إلى يساره ~~صوب الكرسي الموضوع بين المائدة والباب الرابع) ~~: # هذا تدبيري وشأني ~~(يجلس) ~~، ومع ذلك فأنت ~~تعلم أنها موافقة من ساعة أن أخبرتها أنت في السراي وهي مريضة، أنها ~~عروسك. # خليل ~~: # وا خجلي! # بشير ~~: # وقد جاءت اليوم هنا تسر البشرى إلى أختها، فأبيتما أنت وهذه الطائشة إلا أن ~~تكسرا فؤادها وترداها ذليلة النفس كاسفة البال، خجلة من نفسها. # خليل ~~: # ما أشد جرمي يا عمي بشير أغا! والله أنا ما أردت هذا ولا كنت إلا صادق القول ~~والضمير. بالله كيف أمحو من نفسها أثر ما فعلت وأستغفرها؟ # بشير ~~: # لقد قمت عنك بهذا. # خليل ~~: # شكرا لك يا عم بشير، ما أكثر فضلك علي. # بشير ~~: # أجل وربي استرضيتها واستغفرتها، لقد أصبحت على يقين أن أختها تفتري عليك وأنك ~~مظلوم مثلها، وأن من حفاظ العهد والمروءة ألا تتركك وتمضي إلى القاهرة، وأن كل ~~هذه التدبيرات التي أقوم بها إنما تجري بعلمك وإرشادك ورجائك حتى يحضر علي بك ~~ويتم كل شيء على يديه برا بما تعاقدت القلوب عليه من قبل، فهي تضحي بنفسها ~~وبعلاقتها بأختها وبكرامتها أيضا من أجلك أنت؛ ثقة منها أنها تجد أخا مكان ~~الأخت، وهذا أول مظاهر الزوجية المناصرة، وإلا فما كانت تساق في هذا الظرف كما ~~سقتها يا خليل. # خليل ~~: # وا خجلي! ما أشد نبل نفسها وأصغر نفسي! # بشير ~~: # لا يا بني، لا، لست صغير النفس، وإلا فما كنت سعيت في الجمع بينكما، إنك على ~~جانب الإسراف في الحياء، وهو أقبح صفات الرجولة. الحياء في الحق ضعف ونقيصة من ~~شأنه أن يوقع الإنسان فيما لا تقره نفسه الكريمة، ولكنه أمر يزول بالتحذير، ~~وتنبيه صاحبه إلى وجه المضرة منه. وأنت ms43 يا بني شاب في مقتبل الشباب، عشت بعيدا ~~عن الدنيا التي أنت منها، دنيا المسلمين والإسلام، وغذيت شيئا من لبأ الفوضى ~~التي يسمونها حرية، ووجدت هنا ما أغراك على المضي في سبيلك ذلك، فكان منك ما ~~كان، ولكنك يا بني لا تزال رخصا، وأرى نفسك الدفينة تنضح بخير هو معينها، ~~ووجدت أن زواجك من عطية كفيل بردك إلى الصواب وإصلاح حالك، وفيه كما تعلم إصلاح ~~لابنتي الأخرى صاحبة هذه الدار، ورد للسعادة والطمأنينة التي غمرتنا. # خليل ~~: # شكرا لك يا عم بشير، شكرا، لو كان غيرك يعالج الأمر لما وجد إلا البتر ~~دواء، ولا رأى إلا الحرمان جزاء، ولكنك كنت من الأبرار أهل الحكمة والرحمة معا ~~(يتناول يد بشير أغا ويقبلها، وبشير يستغفر ~~الله) # تالله لا أدري كيف أمحو هذه الذكرى من فؤادي حتى أملك أن ~~أقابل عطية هانم طاهرا نقيا كما كنت. # بشير ~~: # اجزها عليه ذكرا ورعاية، وكن لها زوجا صالحا وأبا، واعلم يا خليل أني ~~أهدي إليك درة لم تلد الأصداف خيرا منها ولا أنقى. # خليل ~~: # ما لي بشكرك يدان ~~(يتناول يد بشير أغا مفاجأة ~~ويقبلها مرتين) ~~. # بشير ~~: # أستغفر الله، أستغفر الله. # خليل ~~: # إنك تعطيني السعادة كلها. # بشير ~~(يقبله) ~~: # أرجو لك حياة سعيدة، والآن ... ~~(يصفق) # علي بك! ~~(لا يرد أحد) # علي بك! # علي ~~(تسمع خطواته ماشيا بالدور الأعلى يرد) ~~: # نعم يا عم بشير أغا. # بشير ~~: # تفضل يا علي بك. # علي ~~: # ضروري الآن؟ # بشير ~~: # إني أريدك الآن أنت وزهيرة هانم لأمر مهم. # علي ~~: # حاضر ~~(ينزل على الدرج) # تعالي يا زهيرة ~~هانم. # بشير ~~(ينتظر قليلا حتى يصل علي بك إلى الدرجات الأخيرة) ~~: # تفضل ~~(يتنحى متجها إلى الكرسي الأول فيقف ونصف ~~ظهره إلى علي بك والنصف الآخر في مواجهة الجمهور) ~~. # علي ~~: # ماذا حدث يا عم بشير؟ ~~(تكون زهيرة هانم قد وصلت إلى البسطة وهي نازلة على مهل وتنظر ~~إلى خليل نظرة اضطراب وجزع، وهو ينظر إليها مطمئنا بابتسامة.) # بشير ~~: # اسمعوا، خليل بك أتى اليوم طالبا الاقتران بابنتي عطية هانم، وأنا موافق، ~~وهي ms44 موافقة، وسعادتك موافق أيضا، وأخته خديجة هانم موافقة كذلك، إلا زهيرة ~~هانم، لماذا؟ # زهيرة ~~(تتنفس تنفس الخشية) ~~: # إني راعيت مصلحتها الحقيقية، لكن إذا كانت تريده وهو يريدها فما لي في الأمر ~~شيء، نعم إنها لم تتم العشرين، ولكني ... # بشير ~~: # ماذا؟ # علي ~~: # إذا سلخت من العشرين يوما واحدا عدت في العشرين. # زهيرة ~~: # ولكنها دون العشرين فعلا. # علي ~~: # بل في العشرين فعلا، وقد توسطتها، وقد قلت لك إن الحساب بالعربي، والمرحومة ~~الست الكبيرة لم تشترط التمام. ومع ذلك فإنا لا ندري لماذا لا توافقين حتى ولو ~~كانت في الثامنة عشرة ما دام أن رضاك ينفي شرط الواقفة! # بشير ~~: # لا أدري السر في هذا! # زهيرة ~~: # لقد قلت لكم إني لا أمانع إذا كانت توافق وخليل بك يريد. # بشير ~~: # ألست تريد عطية هانم زوجة لك يا خليل بك؟ # علي ~~: # يريد ويشتهي ويتمنى ويقبل الأيدي والأرجل أيضا، أليس كذلك؟ # خليل ~~(يضحك) ~~: # هو كذلك، ولكني كنت أريد أن أتمهل، ولكن عمي بشير أغا لم ير ضرورة لهذا ~~التمهل. # زهيرة ~~: # كيف؟ ليس الأمر في يده. أين المهر؟ أم الناس تتزوج من غير مهر مثل ~~الإنجليز؟ # علي ~~: # والله لو عملوا مثل الإنجليز لتزوجت كل البنات في هذا العام، ولكن صحيح أين ~~المهر يا خليل بك؟ # خليل ~~: # سلوا عمي بشير أغا. # بشير ~~: # قبضته من خليل بك. # علي ~~: # تحيا الصناديق الصندلية والأكياس الحريرية الملونة، وكم كان هذا ~~المهر؟ # زهيرة ~~: # مهر أختي لا يكون إلا ... # بشير ~~: # مثلك تماما مع مراعاة سعر القطع في هذه الأيام. # علي ~~(يضحك) ~~: # مرحى، ليحيى العدل ~~(يضحك) # يعني كم؟ # بشير ~~: # 300 جنيه مقدمة و150 مؤخرة و100 جنيه للنيشان. # علي ~~: # ولماذا لم تدفع عني المهر لزهيرة هانم كما دفعت لعطية هانم عن خليل؟ # خليل ~~: # ناس لها بخت يا علي بك. # علي ~~: # ها ها ها، لا بد من رفع قضية. هذا أمر يوجب الغيرة، وماذا تريد منا أن نفعل ~~الآن؟ # بشير ~~: # فعلت كل شيء يا سيدي وانتهى الأمر، لم أر دواء لهذا الاضطراب وهذه التحكمات ~~القاسية التي لا طعم ms45 لها إلا أن أعقد لهما، فهما الآن زوجان بسنة الله ~~ورسوله. # علي ~~(بدهشة ) ~~: # عقدت لهما؟ # زهيرة ~~(تضطرب) ~~: # عقدت لهما؟ # بشير ~~: # أجل. # علي ~~: # متى كان ذلك؟ # بشير ~~: # وأنتم تتجادلون هل توافق زهيرة هانم أم لا توافق! # علي ~~(علي وخليل يضحكان) ~~: # والله لقد أنصفت. أكثر أمور الدنيا ومشاكلها لا تستحق كل ما يعطون لها من ~~الأهمية والخطورة، ويكفي لحلها أن يقدم الإنسان على حلها من أقرب طريق ~~وأبسطه. # بشير ~~: # هذا ما فعلت، ولذلك لم يبق إلا أن توقع حضرتك ~~(مشيرا إلى خليل بك) # على الوثيقة بصفة كونك الزوج السعيد ~~وحضرتهما شاهدين. # زهيرة ~~: # ولكن لا يصح أن يعمل شيء وهي غير موجودة، هل سمع أحد بزواج هكذا، أم أنها ~~أعطتك توكيلا؟! # علي ~~: # مرحى لزهيرة هانم، امرأة المحامي محامية، ها ها، يجب أن يبطل هذا الزواج أو ~~نأخذ حصتنا في توزيع الصدقات، ها ها ~~(وخليل ~~يضحك) ~~. # بشير ~~: # لم تعطني توكيلا يا سيدتي لأنها ... موجودة. # علي ~~: # موجودة! # بشير ~~: # أجل ~~(يلتفت إلى زهيرة هانم ويخاطبها وهي في حالة ~~اضطراب شديد تحاول إخفاءه) # لم أشأ أن أصحبها إلى المترو، لأنها ~~مخطوبة وأمرها لم يكن قد بت فيه بعد. ولم أشأ أن أرجع إلى السراي لأعلمهم ~~بالخبر أو لأخفيه فيطول الشرح والتأويل، ولا سيما لأن علي بك لم يكن قد حضر، ~~ورأيه في الأمر ذو وزن عظيم جدا، بل رأيه هو الكل في الكل، فلما تسمعت على ~~عادتي للخير، للخير دائما لا للشر، ورأيت أنه موافق، وهذا ما لم يكن عندي فيه ~~شك؛ لأنه رجل عاقل ... # علي ~~(مقاطعا) ~~: # شكرا على هذا الإطراء، ولكن عشرة جنيهات خير من هذا كله، ما علينا، ماذا ~~فعلت؟ # بشير ~~: # أرسلت حسن الفراش في طلب جارنا الشيخ إسماعيل المأذون، وتم كل شيء بحضور ~~الزوجين. # علي ~~: # ها ها ها ~~(وخليل يضحك وزهيرة تضحك ساخرة) # وهل هي الآن هنا؟ ~~(مشيرا إلى الباب ~~الثالث.) # بشير ~~: # أجل أجل، في الغرفة المقابلة. # علي ~~: # فلأذهب إليها لأبارك لها وأهنيها ~~(يخرج من الباب ~~الثالث) ~~. # زهيرة ~~: # هذه رواية من رواياتك يا خليل، ms46 أنت أمير الناس في الصياغة والتأليف. # خليل ~~: # أنا أمير الناس في الصياغة والتأليف ، أم عمي بشير أغا؟ # بشير ~~: # الدنيا كلها روايات، كلها محزن ومؤلم. ولقد كان في استطاعتي أن أجعل خاتمتها ~~الدمار والويل والنحيب، ولكن بالحق، كما أردت أن تجعلي خاتمتي بالباطل، ولكني ~~ترفقت بأشخاص روايتي وبقرائها وشهودها فجعلتها مفرحة ما دمت أستطيع أن أبلغ ~~غاية القصد بما فعلت. # علي ~~(يعود) ~~: # الأستاذ بشير أغا يخطب؟ سبحان الأول يا أستاذ! # بشير ~~: # لقد بح صوتي يا سيدي ~~(يخرج من الباب الثالث ~~عجلا) ~~. # علي ~~: # مبارك يا خليل بك مبارك، ما رأيت عطية هانم في مثل ما رأيتها الآن من جمال، ~~هنيئا لك وألف هنيئا ~~(يسلم عليه) ~~. # خليل ~~: # شكرا لك، ها ... # علي ~~: # ألا تباركين لأختك؟ ما هذا يا زهيرة! أنت صلبة الدماغ، ماذا فعلت البنت حتى ~~تعامليها هذه المعاملة القاسية؟ أم كنت تريدين أن تكوني أنت العروس؟ # زهيرة ~~: # من يدري؟ # علي ~~: # محال، لا فراق إلا بالخناق، إلا إذا كنت عازمة على خنقي قبل الأوان، ها ~~ها. # زهيرة ~~: # هذا ما سأفعله حتما. # علي ~~: # مؤكد إذا بلغت صرخة الطفل أوجها، ها ها. ~~(وخليل ~~يضحك) # ولكني سأعمل على تلافي هذا الأمر، إن حوادث الزواج تنعش ~~النفس ها ها ~~(يدخل بشير أغا ومعه دفتر كبير ويقدمه ~~إلى خليل) ~~. # بشير ~~(يضع الدفتر على المائدة) ~~: # تفضل يا خليل بك، أين قلمك الأمريكاني؟ ضع إمضاءك هنا ~~(مشيرا إلى إحدى القسائم) # لقد كتبنا كل شيء ولم ~~يبق إلا التوقيع. # خليل ~~(يخرج قلمه من جيبه) ~~: # ها هو ذا ~~(ينزع غطاء القلم ويثبته في ~~أسفله) # أين أوقع؟ # بشير ~~: # هنا ~~(مشيرا إلى إحدى القسائم) ~~. # علي ~~: # ألا تعرف أين توقع؟ ما هذا! ~~(ينهض إليه) # ألم يسبق لك أن تزوجت؟ # خليل ~~: # كثيرا، ولكن عمري ما وقعت على عقد أبدا ~~(يضحك) ~~. # علي ~~(يضحك ويضحك خليل ثم ينظر علي بك في الدفتر فيرى إمضاء ~~عليه) ~~: # لقد سبقتك عطية هانم إلى التوقيع، أبشر بالخير يا ~~خليل. سيكون لها السبق عليك في كل شيء! # بشير ~~: # إن شاء الله، وهنا أيضا ~~(مشيرا ms47 إلى القسيمة ~~الثانية) ~~. # خليل ~~: # وهنا أيضا ~~(يوقع) ~~. # علي ~~: # عروس بلا نفقة! أين كان هذا الحظ مخبوءا؟ # خليل ~~: # في صناديق عمي بشير أغا، ها ها ها. # بشير ~~: # وهنا أيضا ~~(يشير إلى القسيمة ~~الثالثة). # خليل ~~: # وهنا أيضا ~~(يوقع ويشتغل بشير أغا ~~بالتجفيف) ~~. # زهيرة ~~: # يظهر أن الحظ في الدنيا لا يأتي إلا لأقلهم استحقاقا له. # خليل ~~: # أدعو الله إذن أن يزيدني قلة استحقاق وعدم جدارة ليزيد حظي من الدنيا. # بشير ~~(لعلي بك) ~~: # خذ وقع. # علي ~~: # هذا مؤكد، ولهذا فإني ... ~~(يتناول القلم ولكنه منشغل ~~بالكلام.) # خليل ~~: # ماذا؟ # علي ~~: # في غاية المحظوظية ~~(ينطق بآخر الحرف أي بالتاء ~~المربوطة ثالثة الحروف تقليدا للأتراك) ~~. # بشير ~~: # تعالي يا زهيرة هانم وقعي. # زهيرة ~~: # لا شأن لي في هذا. # بشير ~~: # بل إن شهادتك لا تنفع، سأشهد أنا والأسطى خير الله. # علي ~~: # مبارك يا زهيرة هانم، مبارك يا بشير أغا. # بشير ~~: # الآن قد ارتاح قلبي ~~(يذهب إلى الباب الثالث ~~ويفتحه) # مبارك يا عطية هانم، أحضرها يا علي بك. # علي ~~: # أنا؟ ليحضرها عروسها أو فلنحضرها جميعا. هلم. # خليل ~~: # هذا حسن. # علي ~~: # تعالي يا زهيرة هانم ~~(زهيرة لا تتحرك) ~~، ما ~~هذا؟ # زهيرة ~~: # إنها خالفت إرادتي. # علي ~~: # هذا عناد متعمد، انهضي. # زهيرة ~~: # لا أنهض. # بشير ~~: # تعال يا علي بك، لندخل نحن جميعا. # علي ~~: # لا بأس ~~(يتدافعون لدى الباب الثالث ~~ويخرجون) ~~. # زهيرة ~~: # آه لقد ضاع علي خليل، ضاع ~~(تسكت) ~~، ولكنه ~~في يدي. سيكون زوجي على أي حال. ماذا تهم هذه الورقات؟ إنها تعرف أني أحبه، وقد ~~تزوجته بالرغم مني، فلا حق لها علي، إنه زوجي قبلها. ويحي! إنهم آتون! لا ~~أطيق البقاء. لا أحتمل رؤيتها. ولكن ذهابي فضيحة. # علي ~~(يدخل) ~~: # تعالوا هنا، تعالوا هنا. دعونا نتمتع بكم، إن أمامكم أعواما طويلة، ما أسعد ~~هذا اليوم! # زهيرة ~~: # لأنك تريد شقاءها. # علي ~~: # كلا، كلا لن تكون إلا سعيدة، إنها أهدأ منك عصبا، وأقل تطلعا إلى ما وراء ~~جدران البيت، وستكون سعيدة لأنها كذلك. # زهيرة ~~: # سنرى. # علي ~~: # تعالوا ~~(يدخلون ومعهم عطية هانم بجانب خليل ولكنها ~~منقبة بالبيشة) # مبارك ms48 يا عطية هانم ~~(عطية لا ترد) # إنها لا ترد، مبارك أنت يا خليل بك. # خليل ~~: # الله يبارك فيكم. # بشير ~~: # خذي يا عطية، خذي يا ابنتي. هذا مهرك 350 جنيها ذهبا لأجل السنة مع فرق ~~الكمبيو ذهبا لأني أكره الورق، وهذا هديتي 350 جنيها أخرى، وقد رأيت أن تكون ~~هي أيضا ذهبا. # عطية ~~(تقبل يديه) ~~: # شكرا لك يا أبي، شكرا. # بشير ~~: # اجعليها لزينتك، أما جهازك فخذ يا خليل بك. # خليل ~~: # ماذا؟ # بشير ~~: # ألف جنيه. # خليل ~~: # ألف جنيه! # بشير ~~: # ورقا. # خليل ~~: # ورقا أو غير ورق، الله! # بشير ~~: # جهز ما تشاء، هذا ما وعدتك. # خليل ~~: # كتر خيرك يا عم بشير، كتر خيرك ~~(يقبل يد بشير أغا ~~ووجهه أيضا) ~~. # علي ~~: # معلوم معلوم، وجهك الآن مثل القمر. مثل عطية هانم، تمام تمام، وأحسن وأحسن ~~(الجميع يضحكون) ~~. # خليل ~~: # والله، لا قدرة لي على شكرك. # علي ~~: # وأنا يا عم بشير أغا، أليس لي نصيب في هذه المبرات؟ # بشير ~~: # هذا كله من أجلك أنت يا سيدي! ms49