######OpenITI# #META# URI: 1368NajibRihani.Mudhakkirat.Hindawi51630730 #META# Tags: biographies #META# ID: 51630730 #META# Title: مذكرات نجيب الريحاني #META# AuthorID: 13164029 #META# Author: نجيب الريحاني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - نجيب الريحاني كما عرفته‏ # 2 - أول الطريق‏ # 3 - ثروة أضعتها‏ # 4 - في المسرح الكوميدي‏ # 5 - كشكش بك‏ # 6 - في خدمة الوطن‏ # 7 - كشكش تقليد‏ # 8 - في أمريكا الجنوبية‏ # 9 - عودة إلى: كشكش بك‏ # 10 - إلى الأقطار الشقيقة‏ # 11 - بين المسرح والسينما‏ # 1 - نجيب الريحاني كما عرفته‏ # 2 - أول الطريق‏ # 3 - ثروة أضعتها‏ # 4 - في المسرح الكوميدي‏ # 5 - كشكش بك‏ # 6 - في خدمة الوطن‏ # 7 - كشكش تقليد‏ # 8 - في أمريكا الجنوبية‏ # 9 - عودة إلى: كشكش بك‏ # 10 - إلى الأقطار الشقيقة‏ # 11 - بين المسرح والسينما‏ # | مذكرات نجيب الريحاني # | مذكرات نجيب الريحاني # تأليف # نجيب الريحاني # | مقدمة # | صاحب المذكرات # بقلم نجيب الريحاني # قبل أن أسمح لنفسي بنشر مذكراتي، فكرت في الأمر كثيرا، لا لشيء إلا لأنني خلقت صريحا، لا ~~أخشى اللوم في الحق، ولا أميل إلى المواربة والمداراة. فهل يا ترى أظل فيما أكتب متحليا ~~بهذه الخليقة؟ أم يدفعني ما درج الناس عليه من مجاملة إلى المواجهة والتهرب؟ # ذلك هو موضع التفكير الذي لازمني قبل أن أخط في مذكراتي حرفا واحدا. أما وقد ارتضيت، فقد ~~آليت على نفسي أن أملي الواقع مهما حاقت بي مرارته، وأسجل الحقائق مهما كان فيها من ألم ~~ينالني قبل أن ينال غيري ممن جمعتني بهم أية جامعة، وربطتني بهم أقل رابطة. # ومضيت في مذكراتي على هذه الوتيرة، فإذا بي أشعر في دخيلة نفسي أنني أؤدي واجبا مفروضا، ~~هو في الحقيقة تسجيل صحيح لناحية من نواحي تاريخ الفن في بلادنا العزيزة، وأصارح القراء ~~الأفاضل بأنني كنت كلما سردت واقعة فيها ما يشعر بالإقلال من شأني، كنت أحس السعادة الحقة ~~في هذه الآونة، سعادة الرجل الصادق المؤمن حين يقف أمام منصة القضاء فيدلي بشهادته الصحيحة، ~~ويغادر المكان مستريح الضمير، ناعم البال، هادئ البلبال. # على أنني في مذكراتي هذه تناولت الكثيرين بما قد لا يرضيهم، ولكن أحدا لا يستطيع أن ~~يناقضني في حرف واحد مما أثبت هنا، لأنه إن حاول أن يفعل، وقفت الحقائق حائلا بينه وبين ما ~~يريد. # فهناك الزميل ms001 القديم علي يوسف مثلا ... لقد شرحت الكثير مما كان بيني وبينه من مواقع حربية ~~في ميدان الغرام والهيام، وكذلك الحال مع السيدة (ص. ق) التي بلغ تنازعنا عليها حد شك ~~المقالب، وتدبير الفصول الساخنة ... كل ما ذكرته عنهما حقائق صادقة. # ولعل بعض من تحدثت عنهن قد يسوءهن أن أكشف عن حقيقة رابطتهن الأولى بالمسرح بعد أن أصبحن ~~في سمائه كواكب لامعة. وقد سبق لهن أن تحدثن إلى الصحف كثيرا، وشرحن تاريخ حياتهن كثيرا، ~~ودبجن المقالات كثيرا، فشرحت كل منهن كيف كانت تمثل أمام المرآة، وكيف شغفت بالتمثيل منذ ~~الصغر، وكيف عشقت الفن لذاته ... وكيف، وكيف مما لست أذكره، ولكن هل ذكرت في أحاديثها - ولو ~~من باب تقرير الواقع (وبلاش المجاملة حتى) - شيئا عن كيف تقف على المسرح، وكيف تنطق ~~أبجديته؟ أبدا ... وكأنه من العار عليها إذا اعترفت بأنها كانت ممثلة في فرقة الريحاني ... ~~(وبلاش) مبتدئات يا سيدي!! # الفصل الأول # | نجيب الريحاني كما عرفته # نجيب الريحاني بقلم الأستاذ بديع خيري # ليس غريبا أن تفكر دار الهلال - بمناسبة مرور عشر سنوات على وفاة نجيب الريحاني - في ~~إصدار مذكراته التي خصها بها في حياته، وكتبها لها بقلمه، فشعارها كان دائما - ولا يزال - ~~«لا يصح غير الصحيح، ولا يبقى إلا الأصلح». ونشر هذه المذكرات، وفي هذه المناسبة بالذات، ~~تكريم للفن الأصيل في شخص كرس حياته لفنه. # وحينما دعتني دار الهلال أن أقدم لهذا الكتاب عن مذكرات أخي وصديقي الراحل نجيب الريحاني، ~~غرقت في لجة من الذكريات، وعادت ذاكرتي إلى أيامنا الماضية، ومرت بخاطري صور الكفاح، وأدركت ~~أنه ليس من السهل على المرء في بعض الأحيان أن يعبر عن نفسه، خصوصا حينما طالعت المذكرات، ~~ووجدت أن الراحل الكريم قد وفى كل نقطة حقها، بصراحته المحبوبة وأسلوبه الشائق. ومن بين ~~صفحات مذكراته برزت حياته الحافلة التي كرسها للمسرح وحده، وبرزت صور الكفاح حية نابضة ~~بالحياة. # هذه المقدمة إذا ليست إلا مجرد خواطر ... وذكريات ... وصور، جمعتها أشتاتا من ذاكرتي، صورة من ~~هنا، وصورة من هناك ... # والصورة الأولى ms002 أن الريحاني لم يكن مجرد ممثل يكسب عيشه من مهنة التمثيل، بل كان فيلسوفا ~~وفنانا ... فنانا أصيلا عاش لفنه فقط، ولقي الاضطهاد والحرمان وشظف العيش في سبيل مثله ~~العليا. # كان الريحاني يمكن أن ينشأ موظفا ناجحا، وكان أهله يعملون لهذه الغاية. ولكن حب التمثيل ~~كان يجري في دمه، فكان كل ما يكسبه من وظيفته ينفقه في إشباع هوايته، ثم دفعته هذه الهواية ~~إلى هجر الوظيفة، مما أثار استياء أهله. وعانى في سبيل تحقيق حلمه التشريد والجوع والحرمان، ~~وكان من فرط حبه لفنه يلجأ إلى الوظيفة كلما أعيته الحيل، ليجمع بعض المال الذي يتيح له ~~العودة إلى التمثيل ... ولقد كافح الريحاني وجاهد حتى انتصر. # وكثيرا ما كان تمثيله الرائع يسيطر على مشاعري، فإذا حاولت أن أبدي له إعجابي بتفوقه، ~~نهاني عن ذلك، وشبه نفسه بالعابد القانت، الذي يسعى إلى التقرب إلى الله دون أن يراه. وكان ~~من رأيه أن الممثل الأصيل لابد أن يسعى إلى الكمال المطلق، ويظل يسعى طوال حياته للوصول إلى ~~هذا الكمال ... دون أن يراه أو يصل إليه! # ولقد كان نجيب يقدس فنه ويحترمه، وكان يكره الاتجاه الذي كان سائدا في تلك الأيام، والذي ~~يدفع الممثل إلى تعاطي الخمر أو المكيفات قبل الصعود إلى خشبة المسرح، على زعم أن الخمر ~~تشجع الممثل على مواجهة الجماهير وتقوي أداءه. ولم يحدث في حياة الريحاني أن شرب كأسا من ~~الخمر قبل التمثيل ... وكان من فرط احترامه لفنه يعتكف في غرفته بالمسرح قبيل التمثيل بنصف ~~ساعة على الأقل، ولا يسمح لإنسان - مهما كانت الظروف - أن يعكر عليه عزلته المقدسة. وفي ~~عزلته هذه كان ينفرد بنفسه ليهيئها لمواجهة الجماهير، ويتقمص الشخصية التي سيمثلها، ويندمج ~~في الدور الذي سيؤديه ... وكنت إذا رأيته وهو يغادر غرفته الخاصة في طريقه إلى المسرح لأداء ~~دوره، خلته من فرط الانفعال شخصا آخر. والواقع أنه يكون في تلك اللحظة شخصا آخر فعلا: يكون ~~الشخصية التي سيؤدي دورها في مسرحيته. # وقد بلغ من حب الريحاني لفنه أنه لم يطق اعتزال ms003 المسرح بناء على مشورة الأطباء عام 1942، ~~وكان الدكتور روزات قد نصحه بالابتعاد عن المسرح ستة أشهر حرصا على صحته، فما كان من ~~الريحاني إلا أن قال: «خير لي أن أقضي نحبي فوق المسرح، من أن أموت على فراشي»! # ولعل «نجيب» هو الممثل الوحيد - بل رئيس الفرقة الوحيد - الذي كانت تسره إجادة أفراد ~~فرقته. وكان بعد أن يفرغ من أداء دوره يقف بين الكواليس، ويظل يشجع أفراد فرقته بالإشارات ~~والإيماءات، بل يقدم هدايا شخصية للمجيدين. وكانت الصحف تتهمه بالكسل، ولكنه لا يعبأ ~~بالاتهام ويقول: «خير لي أن أواجه الجمهور بمسرحية واحدة كاملة، من أن أقدم له عشر مسرحيات ~~ضعيفة، أو فيها مواضع ضعف». ولهذا السبب كان يهتم جدا بالبروفات، وكثيرا ما كان يقضي شهرا ~~كاملا في إجراء التدريبات على فصل واحد من فصول مسرحياته. # ولم يكن الريحاني الفنان يعبأ بالمادة في سبيل الإتقان، وكثيرا ما أنفق، وأغرق في ~~الإنفاق، وركبته الديون، في سبيل إخراج مسرحية يريد أن يبلغ بها حد الكمال. كان لا يبخل على ~~فنه أبدا، بل لقد كان يتبرم من امتلاء المسرح في الليالي المزدحمة، فقد كان يرى أن هذا ~~الازدحام يحرمه من الجو الهادئ الذي يتيح له الإجادة. كان يفرح للجمهور المحدود، وكانت ~~مواهبه بالفعل تبرز وتتجلى وسط المتفرج الهادئ، مع ما في ذلك من الفوارق المادية بالنسبة ~~إليه كصاحب فرقة. وكان يشترط - لدى تعاقده مع المتعهدين والجمعيات الخيرية - ألا تباع تذاكر ~~أعلى التياترو في الأوبرا بمصر، والهمبرا بالإسكندرية، على أن تقتطع قيمة ما تدره هذه ~~الأماكن من الأجر الذي يتقاضاه شخصيا. ~~••• # لقد كان فنانا أصيلا، مؤمنا بفنه ورسالته، وقد كوفئ على جهوده الصادقة وصبره وإيمانه، فقد ~~انتزع تقدير الجميع واحترامهم واعترافهم بفنه. ولكن أكبر مكافأة وأعزها بالنسبة للريحاني ~~كانت من أمه التي حاربت فنه واحتقرته، فقد أثمرت جهوده زهوا وفخارا من الأم بعمل ابنها، ~~لذلك لم يكن يمل من رواية القصة التالية، في فخر وإعزاز وسعادة: ~~«كانت والدتي تأنف من مهنة التمثيل، وتكره أن يعرف عني أنني ms004 ممثل. وحدث أن كانت رحمها ~~الله في عربة «المترو» عائدة إلى المنزل في مصر الجديدة، فسمعت رهطا من الركاب يتذاكرون ~~شئونا فنية ورد أثناءها اسمى، فأرهفت أذنها لسماع الحديث، وأصغت إليه بكل انتباه دون أن ~~تشعرهم. وما كان أشد دهشتها حين سمعتهم مجمعين على الثناء علي، وامتداح عملي، والإشادة ~~بمجهودي ... أتدري ماذا كان من هذه الوالدة العزيزة، التي تحتقر التمثيل وتنكره؟ لقد وقفت وسط ~~عربة «المترو»، واتجهت إلى أولئك المتحدثين، وقالت بأعلى صوتها: «الراجل اللي بتتكلموا عنه ~~ده يبقى ابني، أنا والدة نجيب الريحاني الممثل»! ... وخللي بالك من «الممثل» دي، وهي الكلمة ~~التي كانت أمي تأنف أن «أوصم» بها، قد أضحت موضع زهوها وفخارها! وفي هذا اليوم، يوم المترو ~~الذي لا أنساه، تفضلت والدتي رحمها الله، فشرفتني بالحضور إلى تياترو الأجيبسيانة خصيصا ~~لمشاهدة ابنها الذي يقدره الناس دونها ويمتدحونه، فكان هذا اليوم من أسعد، إن لم أقل أسعد، ~~أيام حياتي»! # ولقد عاش الريحاني ليرى تكريم فنه والاعتراف به، فحين دعت شركة جومون الفرنسية عددا من ~~كبار الممثلين والممثلات، وكان من بينهم الممثلان العملاقان «رايمو وفيكتور بوشيه»، ليشهدوا ~~تمثيله أثناء إخراج فيلم ياقوت، بباريس، بلغ من إعجابهم به أن طلبوا إليه دعوة فرقته لتقديم ~~حفلات في المدن الفرنسية، كلون من ألوان الفن الشرقي، بل وتعهدوا بالإشراف على هذه الحفلات! # وفي حفلة أقامها نادي الضباط المصري قدم الريحاني مسرحية «حكم قراقوش» فهرع إلى تهنئته ~~والإعجاب به سير سايمور هيكس، عميد المسرح الإنجليزي إذ ذاك، وقرر أنه إنما يشهد ممثلا في ~~الصف الأول من الممثلين العالميين. # ولقد لقي الريحاني تكريم عظماء عصره، وكان من بين المعجبين به طلعت حرب، وسعد زغلول، وهدى ~~شعراوي، وتوفيق نسيم، وغيرهم. # ولقد كانت للريحاني مبادئ في التمثيل ينفرد بها، فقد كان رحمه الله يعتنق مبدأ في ~~«الميزانسين» - أي ترتيب حركة وأوضاع الممثلين - تخالف المألوف ... كان يترك للممثل الحرية في ~~تغيير ما يشاء منها كل ليلة حسبما يقتضيه تكييف الممثل لميله واتجاهاته، ولكنه مع ذلك كان ~~يتمسك بحرفية ألفاظ ms005 المسرحية دون تغيير أو تبديل! ~~••• # والصورة الثانية هي صورة الريحاني الممثل الكوميدي، الذي أجبره جمهوره إجبارا على المسير ~~في الاتجاه الكوميدي. ولقد كان الريحاني يحب الدراما، وربما كان ذلك بسبب الظروف القاسية ~~التي مرت به. وكان على قدر مرحه وفكاهته، يعاوده الحزن في فترات متقطعة لمأساة أصغر إخوته ~~«جورج الريحاني» الذي اختفى قبل موته بسنوات طويلة لغير ما سبب. وقد ظل سبب اختفائه حتى مات ~~نجيب الريحاني - ولا يزال - لغزا غامضا تكتنفه الإشاعات، فمن قائل إنه أسلم وانضم إلى ~~جماعات الصوفية، ومن قائل إنه ترهب واعتكف في أحد الأديرة! # وكان الريحاني يحن من وقت إلى آخر للدراما، ولكنه كان لا يلقى تجاوبا من الجمهور، ويقول ~~الريحاني نفسه عن ذلك: «بلغ ما اقترضته عندما تحولت للدراما أربعة آلاف جنيه، وكان عدد ~~الدائنين ثمانية وعشرين، فتصور مقدار ما كانت تسببه لي هذه الديون من ارتباكات متوالية، ثم ~~تصور حالتي النفسية إزاء ذلك، ثم أعرني انتباهك لأقص عليك أن نكبتي لم تقف عند هذا الحد، إذ ~~أصبحت هدفا لسخرية القوم، وشماتة الغير، وتهكم صاحبة الجلالة الصحافة ... كل هذه الحملات التي ~~انصبت على رأسي متتابعة، كانت لأنني تجاسرت على «قدس» الدراما من غير «إحم» ولا ~~«دستور!». # نعم ... أجبره جمهوره على ترك الدرامة، فقد كان الجمهور يراه فكها بالسليقة، أو كما عبر عنه ~~أحدهم: «لا تتمالك أن تراه حتى تضحك، ولو من تكشيرته ووجهه المكفهر»! والواقع أنه حتى في ~~تعبيراته وإيماءاته وحركاته كان فكها غير متكلف. كانت الفكاهة في دمه، وكان الممثل المفضل ~~عنده هو شارلي شابلن، الذي كان يعتبره فيلسوف الفن، ولك أيها القارئ أن تقارن بين المعجب ~~والمعجب به. لقد كان كلاهما فيلسوفا، وكانت فلسفة الضحك على نقائص المجتمع الذي يعيش فيه، ~~فلسفة إصلاح تهدف إلى علاج هذه العيوب بإبرازها في شكل يجعلنا نضحك منها ونسخر! # ومع ذلك فقد كان لا يفتأ يعاوده الحنين إلى الدراما، فلما كتب عليه ألا يمارسها، كان يرضي ~~ميله هذا بتغذية مسرحياته الفكاهية بالكثير من الدراما، ولولا محاولاتي ms006 الدائمة للحد من هذا ~~الاتجاه، تمشيا مع رغبات الجمهور الذي كان يرى أنه خلق للفكاهة، لتمادى فيه! ~~••• # والصورة الثالثة ... هي صورة الريحاني الوطني الثائر، الذي جعل من المسرح منبرا للوطنية ... ~~الرجل الذي عالج السياسة بالفكاهة، وفتح عيون الجماهير إلى سوء حالها، وهاجم الإنجليز ~~وأعوانهم في مسرحياته وتهكم عليهم، فلقي من عنت الاستعمار، واضطهاد السراي، الشيء الكثير. ~~ويقول نجيب الريحاني في مذكراته: ~~«حين رأيت من الجمهور المثقف، ومن عامة الشعب هذا الإقبال المنقطع النظير، رأيت ~~أن أستغله استغلالا صالحا، وأن أوجهه التوجيه النافع، فرحت أنقب عن العيوب الشعبية، ~~وأبحث عن العلل الاجتماعية التي تنتاب البلاد. ثم أضمن ألحان الروايات ما يجب من ~~علاج ناجع لمثل هذه الأدواء. كذلك راعيت في كثير من هذه الألحان أن تكون أداة ~~لإيقاظ شعور الجمهور، وتعويده حب الوطن، وإعلاء شأنه، والمحافظة على كرامته، ~~والتغني بمجده الخالد، وعزه الطريف التالد. وكان من آثار هذا الإقبال، وذلك النجاح، ~~أن تضاعف الخصوم والحساد، واختلفت أسلحة كل منهم في حربي: فمنهم من كان يطعن من ~~الخلف بخسة ودناءة، ومنهم من كان يغازلني جهارا على صفحات الجرائد اليومية»! # وأشهد أن الريحاني لم يأبه بهذه الحملات على شخصه، وظل سادرا في حملاته التهكمية اللاذعة، ~~فالريحاني إذن قد مهد بفنه للثورة الحديثة التي حررت مصر من الأدواء التي ضحك منها وتهكم ~~عليها، وعلى رأسها الاستعمار والاستبداد والطغيان والاستغلال. واستمع إلى أغاني سيد درويش ~~التي ضمنها الريحاني مسرحياته، تستمع إلى ثورة متأججة في سبيل العزة والكرامة والحرية. لقد ~~كان الريحاني هو الفنان الوحيد الذي وقف في وجه السراي، وتهكم على الجالس على العرش، وأبرز ~~مساوئ محترفي السياسة وأضحك الناس عليهم جميعا، مما أثار حقدهم وغضبهم. ~~••• # والصورة الرابعة هي صورة الريحاني الإنسان الوفي لأصدقائه وأبناء مهنته. كان الريحاني يفر ~~من الحفلات العامة، ولكنه لا يتردد في حضور حفل يقيمه أصدقاؤه، وكثيرا ما كان يقيم لهم ~~الحفلات، وكان مبالغة في التكريم يطهي لهم لونا من ألوان الطعام، وإن لم يتسع له الوقت كان ~~يصنع السلطات. ووفاؤه ms007 وحبه لخادمه النوبي «حسن صالح» - الذي اشتهر فيما بعد «بحسن كشكش» - ~~يعد مضرب المثل. فقد كان نجيب يعتبره «قدم سعد»، إذ اقترن عصره الذهبي في المسرح بالتحاق ~~حسن بخدمته. ومن بين النساء كانت صديقته «لوسي دي فرناي» هي التميمة السعيدة التي صحبت ~~عشرته لها السعادة في الحب والمال. ويقول نجيب: ~~«كانت لوسي صديقة لي، وكانت عونا في الشدة، ومساعدا يشد أزري، ويشدد عزمي، ولئن ~~ذكرت في حياتي شيئا طيبا، فأنا أذكر أيام زمالتها، وعهد صداقتها». # وكان الريحاني يؤمن بالحظ والفأل والأحلام. استمع إليه يقول حين اختلف مع صديقته لوسي ~~وفارقته: «في أواخر عام 1920 كان الخلاف قد دب بين الصديقة لوسي وبيني، فافترقنا إلى غير ~~عودة، ويقيني أن هذا الفراق كان أولى النكبات التي صبها القدر فوق رأسي، وساقها إلي حلقات ~~متتالية، يأخذ بعضها برقاب بعض. ذلك لأن ما كان يغمرني من خير جارف، أضحى بعد ذلك البحر ~~جفافا من كل ناحية، بل وشرا مستطيرا حتى لقد اقتنعت تماما أن هذه الفتاة كانت هي مصدر ~~الأرزاق، وأنها إنما حملت في جعبتها بسمات الدهر، وحظ العمر»! # ولعل إنسانية الريحاني تبرز وتتجلى في أبرز صورها في جهوده التي بذلها في أواخر أيامه، ~~لحث الحكومة على إقامة ملجأ للممثلين المتقاعدين، وحين شيد بيته الذي مات قبل أن يسكنه، كان ~~يريد أن يخصصه بعد وفاته لهذا الغرض النبيل، ولولا أن المنية عاجلته، لكان قد أتم الإجراءات ~~الرسمية، وتم له تحقيق أمنيته. ~~••• # هذا هو الريحاني الذي تقرءون مذكراته اليوم ... الريحاني الفنان الأصيل، الذي كرس حياته ~~لفنه الذي أحبه، وضحى بكل شيء في سبيله، ولقي الاضطهاد والحرمان والجوع في سبيله. # وإن لهذا الكتاب لمعنى جليلا ... معناه أن الريحاني الفنان لم يمت، ولكنه خالد في قلوب ~~محبيه ... معناه أن الفنان الصادق لا يموت. # الفصل الثاني # | أول الطريق # لست في حاجة إلى أن أرجع بالذاكرة إلى التاريخ الذي تلقفتني فيه كف العالم، فأقول مثلا ~~إنني ولدت لخمس خلون من شهر كذا عام كذا ... أو أن ولادتي اقترنت بظهور ms008 كوكب دري في الأفق ~~اعتبره أهلي طالع يمن وإقبال ... أو ... أو مما لا أرى فيه للقراء من فائدة، ويكفي أن أقفز بهم ~~إلى سن السادسة عشرة، حين غادرت مدرسة الفرير بالخرنفش، بعد أن تزودت بالمئونة الكافية من ~~تعليم وخبرة. # كنت في عهدي هذا أميل إلى دراسة آداب اللغة العربية، وأتوسع في الحصول على أكبر قسط من ~~فنونها ولاسيما الشعر وتاريخ الشعراء. # لم أكتف إذ ذاك بما كنت أتلقى في المدرسة فجيء لي بمدرس خاص اسمه الشيخ بحر، كان يسر ~~كثيرا حين كنت ألقي بعض المحفوظات بصوت جهوري، ونبرات تمثيلية، وإشارات تفسيرية، وما إلى ~~ذلك مما كان يعتبره الشيخ بحر نبوغا وعبقرية. # أما كيف تولدت عندي هواية التمثيل فقد نشأ ذلك من إعجاب أستاذي الشيخ بحر بي وبإلقائي، ~~كذلك كانت المدرسة تكلف طلبتها بين وقت وآخر بتمثيل بعض الروايات على مسرحها، وكثيرا ما كنت ~~أندب لتمثيل الأدوار الهامة في هذه الروايات. وحين هجرت المدرسة اندمجت في سلك موظفي البنك ~~الزراعي بالقاهرة. وتشاء المصادفات الغريبة أن يكون بين موظفي البنك في ذلك العهد الأستاذ ~~عزيز عيد الذي لم يكن عمله هذا يمنعه عن موالاة التمثيل. # أول غرام # وهنا أرى أن أشير إلى أول رواية اشتركت في تمثيلها وهي رواية (الملك يلهو) وكان قد ~~ترجمها أديب اسمه أحمد كمال رياض (بك). # وإذا كنت قد أشرت إلى أول رواية فليسمح لي القارئ العزيز أن أعرج على أول غرام علق به ~~قلبي. # كنا نجلس في قهوة إسكندر فرح المجاورة لمسرحه بشارع عبد العزيز (موضع سينما أولمبيا ~~الآن) وكان بين الممثلين من زبائن هذه القهوة الممثل القديم علي أفندي يوسف الذي أصبح ~~بعد ذلك من عتاة متعهدي الحفلات. وكان لعلي «قطقوطة» من بين الممثلات ما تزال إلى اليوم ~~في عنفوان ... «الشيخوخة» تحتل أحد أركان قهوة الفن، كما كانت في الماضي تأوي إلى مثل هذا ~~الموضع من قهوة إسكندر فرح، وتلك «القطقوطة» هي السيدة (ص. ق). كان علي يوسف يعتز ~~بصداقة هذه الفتاة «باعتبار ما كان»، فلما ms009 كنت أذهب لأشاركهما في الحديث، كانت نظرة ~~فابتسامة فمش عارف إيه ... فشبكان!! # وظلت أواصر الصداقة تنمو بيني وبين فتاة علي يوسف هذه، بينما كانت تتراخى بينها وبين ~~صديقها، دون أن يعلم الرجل من أمرنا شيئا!! # وأخيرا «لعب الفار في عبه» ... وقاتل الله الفيران كلها من أجل خاطر هذا الذي لعب في عب ~~أبي يوسف. أقول إن الشك بدأ يساوره، لكنه كان علي جانب كبير من اللؤم، فلم يبد لنا شيئا ~~مما في نفسه، وعمل على مراقبتنا من حيث لا نشعر!! # يا مولاي # كنت في ذلك الوقت «ظبيا» في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمري، ومع عدم المساس ~~بفضيلة التواضع أرى ألا مانع من الاعتراف أن «خلقتي» لم تكن لتقارن ب ... أستغفر الله ~~العظيم، خلقة الصديق اللطيف علي يوسف، زد علي ذلك أنني كنت موظفا مضمون الإيراد، في حين ~~كان منافسي (يا مولاي كما خلقتني). # كل هذه العوامل شدت أزري وقوت سببي فاتفقت مع الغزال النافر، على تمضية نهاية الأسبوع ~~في الإسكندرية بعيدا عن علي يوسف ورقابته القاسية. # ومعروف أن يوم الأحد هو موعد العطلة الأسبوعية في البنوك، فحصل الرضا والاتفاق بيني ~~وبين ... محبوبي!! على أن نغادر القاهرة ظهر السبت إلى الثغر، ثم نعود منه صباح الاثنين ~~ولكن اسمع ماذا حدث .... # قبل موعد الخروج من البنك زارني في مكتبي الصديق علي يوسف وألح علي في أن أقرضه شيئا ~~من المال لأنه دعا بعض زملائه إلى نزهة خلوية، ولذلك يحتاج إلى كذا من»الفلوس»!! ~~فأعطيته ما طلب ... وأنا أحمد الله على «زحلقته» وأدعو بطول العمر لأصدقائه أولئك الذين ~~شغلوه عني في هذا الظرف السعيد. وودعت أبا يوسف إلى الباب وعدت إلى مكتبي مطمئنا. وفي ~~الموعد المحدد قصدت إلى محطة سكة الحديد فوجدت «الكتكوتة» على أحر من الجمر في انتظاري ~~على رصيف القطار الذي امتطيناه وقلوبنا ترقص فرحا. # وسار القطار بنا ينهب الأرض نهبا ونحن نحلم بالسعادة التي سترفرف علينا بأجنحتها في ~~الثغر الباسم! # ووصل بنا القطار إلى الإسكندرية فنزلنا نسير وخلفنا «الشيال» ms010 يحمل حقيبتنا «المشتركة» ~~وما كدت أسير خطوات متأبطا ذراع المحبوبة، حتى برز أمامي عزرائيل! في ثياب الصديق ~~الملعون ... علي يوسف!! لقد اقترض اللعين مالي ... واشترى منه تذكرة السفر وجاء معنا في ~~عربة أخرى بالقطار نفسه، وراح يستقبلنا هاشا باشا مرحبا، وهو يمد يده لي بالتحية شاكرا ~~إياي على قيامي بدفع نفقات السفر، لحضرته ولحضرة بسلامتها «الست المصونة والجوهرة ~~المكنونة» ... التي استلبها مني وتركاني أعض بنان الندم ... ولات ساعة مندم!! # أصارحك أيها القارئ الحبيب بأن الدنيا أظلمت في عيني في تلك اللحظة. وأحمد الله إذ ~~كنت خلوا من السلاح. ولم أكن أحمل حتى ولا سكينة البصل، فأغسل بها الشرف الرفيع من ~~الأذى!! وذهب العاشقان بينما ظللت واقفا في مكاني، حتى دنت ساعة القطار العائد إلى مصر ~~فامتطيته وجئت أضرب أخماسا في أسداس!! # أحببت الدرام # ولنعد إلى غرامي بالتمثيل. # لم أكن في هذا الوقت أميل للكوميدي، بل كانت كل هوايتي منصبة على الدرام وحده. وكم ~~كنت أستظهر قصائد هيجو وأشعار المتنبي ولزوميات أبي العلاء المعري، ثم أخلو بنفسي في ~~المنزل، وهات يا إلقاء، وخذ يا تمثيل، حتى ضجت والدتي وكاد «يهج» من البيت إخوتي. ومع ~~ذلك فإنني لم أكن أعبأ بمثل هذه العراقيل، وما دمت أرضي هوايتي، فبعدها الطوفان. وفي ~~سنة 1908 استقال الأستاذ عزيز عيد من عمله في البنك وألف فرقته التمثيلية الأولى، ~~مشتركا مع الممثل القديم سليمان الحداد. وقد احتلت هذه الفرقة مسرح إسكندر فرح بشارع ~~عبد العزيز. وكانت رواياتها تترجم عن الفرنسية وكلها من نوع الفودفيل، ولعل القراء ~~الأفاضل لم ينسوا بعد روايات «ضربة مقرعة» و«الابن الخارق للطبيعة» و«عندك حاجة تبلغ ~~عنها» و«ليلة زفاف». وهذه الأخيرة ترجمها الأديب الكبير إلياس فياض. # وقد كنت بحكم ارتباطي برابطة الزمالة مع الأستاذ عزيز في البنك عضوا في الفرقة، وكانت ~~تسند لي في هذه الروايات أدوار ثانوية صغيرة. ولم يكن هذا ليضيرني لأني - كما قلت - لم ~~أكن أميل لهذا النوع إطلاقا. # وهنا كان إهمالي لعملي في البنك قد بلغ حدا لا يحتمله أحد ms011 والشهادة لله. فكم من ساعات ~~بل أيام كنت أتغيبها وكم من ممثلة كانت تقتحم علي مكتبي في البنك - وخصوصا منية القلب ~~الست «ص!». # ولم تجد إدارة البنك إزاء هذه الحالات الصارخة إلا أن تستغني عن عملي. وأي عمل يا ~~حسرة؟ هو أنا كنت باشتغل؟! # السنافور مفتوح! # لم يكن لي مثوى بعد هذا «الرفت» القاطع إلا «قهوة الفن» - أمام تياترو إسكندر فرح - ~~أو منزل (حبيبة الفؤاد) في غيبة «صديق الطرفين» الأخ علي يوسف! # وما دام الحديث قد جرنا إلى هذين الصديقين فلنعرج عليهما بحادثة أخرى كاد يغمى علي ~~بعدها. ذلك أن الفتاة - باعتبار ما كان - اتفقت وإياي على إشارة معينة هي أنها إذا وضعت ~~نورا في النافذة، كان معنى ذلك أن علي بن يوسف غائب عن البيت، وأن في وسعي أن أزورها، ~~والعكس بالعكس. # وفي إحدى الليالي تراءى لي أن نورا يشع من النافذة، فعرفت أن الطريق خال وأن السنافور ~~مفتوح، فخلعت حذائي وتأبطته ثم صعدت درجات السلم بلا حركة، وطرقت الباب طرقا خفيفا جدا. ~~وإذا الفاتح!! الفاتح هو غريمي العزيز علي يوسف!!! الذي تناول الحذاء من يدي، وتركني ~~أعدو، إلى الشارع ببذلتي حافي القدمين!!! # 4 جنيهات شهريا # أعود إلى قهوة الفن إياها. فأقول إنني اتخذت منها - بعد فصلي من البنك - محلا مختارا. ~~وبعد أيام صادفني فيها الأستاذ أمين عطا الله فعرض علي أن أسافر معه إلى الإسكندرية ~~بدال اللطعة اللي أنا ملطوعها، لأن أخاه الأكبر المرحوم سليم عطا الله ألف فرقة هناك هي ~~محل عطف البلدية التي تساعدها بإعانة مالية. وقبلت بالطبع هذا العرض ولاسيما أن المرتب ~~كان مغريا جدا ... أربعة جنيهات مصرية في الشهر! وهو أول مرتب ذي قيمة تناولته من ~~التمثيل. # كانت فرقة المرحوم سليم عطا الله معتزمة تمثيل رواية (شارلمان الأكبر)، ولما كان ~~العرف يقضي إذ ذاك بأن يسند دور البطولة إلى مدير الفرقة - وهو سليم عطا الله - فقد كان ~~نصيبي هو الدور الثاني وهو دور شارلمان نفسه! # وتهيأت لي الفرصة التي كنت أرقبها من زمن، وهي ms012 أن يسند إلي دور في إحدى الدرامات. وفي ~~نهاية الفصل الثالث من الرواية مشهد رائع وحوار بديع، بين (شارلمان) وبين بطل الرواية ~~(سليم عطا الله) وقد أجهدت نفسي في أداء هذا المشهد وبذلت قصارى جهدي. فكان لي ما ~~ابتغيت. إذ حالفني النجاح بشكل لم أكن أنتظره، حتى لقد أفهمني الكثيرون أنني طغيت على ~~البطل نفسه وأغرقته في لجة الإعجاب التي سبحت فيها ظافرا. # وحين أسدل ستار هذا الفصل، هالني أن جمهرة من الفضلاء والأدباء - وأغلبهم من أصدقاء ~~مدير الفرقة - صعدوا إلى المسرح وقابلوا المدير في غرفته، وطلبوا استدعائي حيث أجزلوا ~~تهنئتي، ونصحوا للمدير بالاحتفاظ بي، لأنني سأكون - على حد قولهم - ممثلا لا يشق لي ~~غبار. # وفرحت، لا بل «ظقططت» بعد هذا المديح الذي انهال علي من حيث لا أحتسب. وفي صباح اليوم ~~التالي استدعاني الأستاذ سليم مديرنا (رحمه الله) فقلت يا واد جاك الفرج! وظللت أخمن ~~وأحذر مقدار العلاوة التي سيتحفني بها وإن كنت أنا شخصيا قانعا بالجنيهات الأربعة التي ~~ربطت لي. # وحبكت أزرار جاكتتي، ودخلت على مديري باسما متهللا معللا نفسي بالآمال قائلا في سري ... ~~إنه يكفيني أن تكون العلاوة جنيها واحدا و«خليني» لطيف، لأن (الطمع يقل ما جمع). وبعد ~~هذا الحوار الظريف بيني أنا نجيب الريحاني وبين نفسي التي هي أمارة بالسوء، ابتدرني ~~المدير قائلا بتلك الجملة المأثورة التي لا يزال صداها يرن في أذني: ~~- أنا متأسف جدا يا نجيب أفندي لأن الفرقة استغنت عنك ...! # يا نهار زي الحبر يا أولاد!! استغنت عني!! وهل يعتبر النجاح جرما يعاقب عليه الممثل؟ ~~وإذا كان الأمر كذلك فلم لم تصدر لي الأوامر قبل التمثيل حتى كنت ألجأ إلى السقوط التام ~~والفشل الزؤام؟! # نهايته. لم أجد فائدة من الأخذ والرد فأخذتها من قصيرها وعدت أدراجي إلى القاهرة، وفي ~~قهوة الفن متسع للجميع!! ومن فات قديمه تاه!!! # عود إلى الوظيفة # طال بي عهد الخلو من العمل، فحفيت قدماي سعيا، حتى كانت سنة 1910، حيث عثرت على وظيفة ~~في شركة السكر بنجع حمادي فسارعت إلى ms013 تسلم عملي هناك، مبتعدا عن العاصمة وما فيها من ~~شقاء، تاركا خلفي ذلك الوسط الخبيث، وسط التمثيل الذي أعشقه وأتمناه !! # وأظهرت نشاطا في العمل بشركة السكر كان موضع ثناء رؤسائي وإعجابهم. وبسم لي الدهر بعد ~~عبوس وحالفني بعد خصام، وظللت أشق طريق المستقبل راضيا مطمئنا. # ودام الحال على ذلك سبعة أشهر فإذا المثل الخالد: «عند صفو الليالي يحدث الكدر». أقول ~~إن هذا المثل تراءى لي شبحه بعد هذه الأشهر السبعة فقوض ما بنيت للمستقبل من قصور ~~الآمال، وحملني توا من حال إلى حال. هذا «الكدر» سببته واقعة ... قاتل الله الشيطان ... ~~واقعة أذكرها هنا من باب التسجيل فقط، وإن كان الخجل يكسوني كلما طوح بي الفكر إلى تلك ~~الذكرى البعيدة، ولكن ما باليد حيلة!! # كان باشكاتب الشركة رجلا مسنا اسمه (عم. ت) وكان رحمه الله على نياته وإذا ضربه أحد ~~على خده الأيمن أدار له الأيسر، وكان كل همه أن يتلو الإنجيل ويستوعب معانيه. وكان ~~مسكني مواجها لمسكنه وقد ولدت هذه الجيرة بيننا اتصالا وثيقا. # كانت السيدة حرم (العم ت) على جانب كبير من الجمال. وكانت في سن تسمح لها بأن تكون ~~ابنة (للعم ت) لا زوجة له. كذلك كان الحال معي. وإلى هنا تسير المسألة في مجراها الذي ~~ترسمه طبيعة كل شيء. # وفي أحد أيام الشهر السابع، اضطرت الأعمال حضرة الباشكاتب إلى السفر لمصر في مهمة ~~مصلحية، وإذ ذاك خلا الجو للشباب. وحلا له أن يمرح، فحدث أن اتفقنا على ألا تغلق السيدة ~~بابها الخارجي، حتى أستطيع المرور في منتصف الليل! وتم الترتيب كما اتفقنا، وذهبت ~~السيدة إلى مخدعها بعد أن تظاهرت أمام خادمتها أنها أقفلت الأبواب. ولكنني لا أدري أي ~~شيطان دفع بهذه الخادمة اللعينة إلى القيام بعد ذلك وإحكام القفل من الداخل. وحان موعد ~~اللقيا فتسللت، وما أشد دهشتي حين وجدت الباب موصدا دون غرامي وأحلامي. واستشرت الشيطان ~~فيما أفعل فدلني - قاتله الله - إلى منفذ في السقف (منور) تدليت منه ولكن الخادمة ~~استيقظت في نفس اللحظة، وظنتني لصا ms014 يسطو على المتاع، فصرخت بصوتها المنكر، وصحا ~~الجيران، ووفد الخفراء وألقي القبض علي. وكانت فضيحة اكتفوا عقبها بفصلي من عملي فعدت ~~إلى محلي المختار في قهوة الفن بشارع عبد العزيز. # 48 ساعة جوع! # لم يعد لي مجال في البيت بعد فصلي من شركة السكر، لأن والدتي كانت قد ضاقت بي، فأقفلت ~~بابها دوني. وأنا رجل لم أعتد أن أطأطئ هامتي أمام أي خطب. فما العمل؟ وماذا أفعل لأحصل ~~على القوت الضروري؟ # أقسم أيها القراء الأعزاء أنني قضيت ثماني وأربعين ساعة لم أذق خلالها للأكل طعما. لا ~~زهدا مني، ولا أسفا على شيء، ولكن لأنني لم أجد وسيلة أكتسب بها ثمن «لقمة العيش بلا ~~أدام». ومع ذلك لم أحن رأسي ولم تذل نفسي، وبقيت أنا كما أنا ويفعل الله ما يشاء. # ولو كان أمري قاصرا على الجوع وحده لهان، ولكنني لم أجد كذلك مكانا آوي إليه كلما ~~أدركني الليل، وذهب كل حي في المدينة يلتمس الراحة في فراشه. لذلك كنت أقضي الليالي ~~وحيدا، أمكث في (قهوة الفن) إلى موعد التشطيب في الساعة الثانية من كل صباح، ثم أغادرها ~~إلى كوبري قصر النيل، فأجوب تجاه الجزيرة سائرا على قدمي، حتى إذا أعياني الكد والنصب، ~~استلقيت على الإفريز جانبا وتوسدت حجرا من أحجار الطريق مستريحا، إلى أن ترسل الغازلة ~~أشعتها، فأستيقظ من نومي «الهنيء» وأعود أدراجي إلى المقر الرسمي (قهوة الفن). # كنز ثمين! # وإن نسيت فلن أنسى يوما قمت فيه من النوم، وتلفت فإذا تحت وسادتي «كنز»!! كنز ثمين يا ~~سادتي لا يعرف قيمته إلا المفلسون!! هذا الكنز هو ... أتعرفون ما هو؟ «قرش تعريفة»!! ~~وافرحتاه! خمسة مليمات ... حتة واحدة!! ما هذا الفتوح؟ وما هذه البشرى؟ حقا يا سادتي إذا ~~كان المثل يقول «الصحة تاج على رءوس الأصحاء لا يشعر به إلا المرضى» ... إذا كان المثل ~~يقول ذلك فإنني أخالفه، وأقول: القرش التعريفة كنز في جيوب الأغنياء لا يحس به إلا ~~المفلسون. # وعنها وسعت على نفسي في الإفطار، وإن شا الله ما حد حوش ms015 ...! فقد أكلت طعاما دسما عماده ~~الفول المدمس والسلطة والطعمية، والعيش كمان، لأن أيامها كانت الدنيا مبحبحة و«القرش ~~التعريفة» ثروة!! # نقولا كارتر! # وفي إحدى الليالي، وبينما كنت أقطع الجزيرة كعادتي كل مساء بعد تشطيب قهوة الفن، كان ~~الظلام حالكا وكنت أتلمس مكانا أستريح فيه، فتعثرت قدمي بشيء تحسسته فإذا هو إنسان!! ~~وحين استيقظ، وجدت فيه صديقي العزيز الكاتب المعروف الأستاذ محمود صادق سيف!! يا ~~للداهية ما الذي جاء بك إلى هنا يا محمود؟ فأجابني بصوته الأجش إياه: «هو الذي جاء بك ~~أنت يا نجيب!!». # قلت: إذن كلانا يسكن «فندقا واحدا»، وانطلقت منا ضحكة عالية هتكت أسرار الليل! وقمنا ~~نسير سويا، وكل منا يشكو حاله لزميله. فاتفقنا على أن نتلاقى معا بعد منتصف كل ليلة ~~لنتسامر، ونقتل الوقت في الحديث قبل أن يقتلنا جوعا. وسارت الأيام معنا سيرها العادي، ~~إلى أن جاءني الزميل صادق سيف يوما وهو مبتهج متهلل، وقال: «اسمع يا نجيب ... فيه فكره ~~عال! يمكن ينصلح معها الحال». إيه هيه؟ أجاب صادق: «إن صاحب مكتبة المعارف كلفني أن ~~أعرب عن الفرنسية أجزاء بوليسية من رواية اسمها «نقولا كارتر»، واتفق معي على أن أتناول ~~منه نظير ذلك مائة وعشرين قرشا عن كل جزء، وبما أن هذه الأجزاء ستصدر أسبوعية، فسيكون ~~هذا القسط من حقنا كل أسبوع ... وبما أنك تجيد الفرنسية كما أجيد أنا العربية فهيا بنا ~~نشترك في العمل ونقتسم الثمن مناصفة!». # وفي الحال نفذنا الفكرة وظللنا نتقاضى الأجر فرحين مغتبطين. ولعل مما يجدر ذكره في ~~هذه المناسبة، أن أقول إن صاحب مكتبة المعارف كان يدير فندقا في أعلى المكتبة، فاتفق ~~وإيانا على أن نستأجر إحدى غرف الفندق نظير مبلغ خمسة قروش عن الليلة، وكان يخصمها من ~~الأجر الذي نتقاضاه منه عن تعريب أجزاء روايات نقولا كارتر!! والطريف أن الحجرة كانت ~~تحتوي على سرير، وكنبة مفروشة، فكان السرير بالطبع موضع نزاع دائم بيني وبينه على أن ~~نتناوب احتلاله ليلة بعد أخرى، بحيث ينام أحدنا فيه ليلة، بينما يكون زميله نائما فوق ms016 ~~الكنبة!!! # معرب وممثل # وبعد فترة من الوقت قابلني الأستاذ مصطفى سامي، وأبلغني أن فرقة شقيقه الشيخ أحمد ~~الشامي تحتاج إلى مترجم ينقل إلى العربية روايات الفودفيل الفرنسية من نفس النوع الذي ~~كان يعربه الأستاذ عزيز عيد وتمثله فرقته، واتفقت أنا على الانضمام إلى فرقة الشيخ أحمد ~~الشامي، كمعرب وممثل بماهية قدرها أربعة جنيهات في الشهر. # والفرقة كانت جوالة تجوب مدن القطر من أقصاه إلى أقصاه، وكانت بطبيعة الحال إذا نزلت ~~في بلدة اضطرت إلى البقاء فيها أسابيع، وربما أشهرا. فنزول أفرادها في فنادق كان من ~~المتعذر جدا لأن هذا يكلف الفرقة مصاريف باهظة. ومن ثم كانت الإدارة تعمد إلى استئجار ~~بيت من (بابه) ينزل فيه الجميع ويطلق عليه اسم «بيت الإدارة». # ولما كانت هذه البيوت غير مفروشة، فقد كانت تصدر إلينا التعليمات من إدارة الفرقة، ~~قبل مغادرتنا القاهرة، كي يستعد كل منا بما يحتاجه من «مراتب» ومخدات و«ألحفة»، وكم كان ~~منظرنا باعثا على الضحك حين كنا نلف المرتبة والمخدة واللحاف في «بقجة» ونقصد إلى محطة ~~السكة الحديد. # نزلنا أولا في بني سويف، وصحبت «بقجتي» إلى البيت الذي قادونا إليه «بيت الإدارة». ~~وبعد بني يوسف انتقلنا إلى غيرها، وظللنا كالمستكشفين بلد «تشيلنا» وبلد «تحطنا» حتى ~~أتينا على آخر حدود مصر في أقصى الصعيد. وقد كان الناظر إلى بيت الإدارة في أي بلد من ~~البلاد، يتراءى له فريق من المهاجرين لفظتهم أوطانهم وراحوا يبتغون العيش في بلاد الله ~~... لخلق الله! # مكوجي أرضي # ولما كنت من صغري أحب (أتعايق وأتهندز)، فقد كان يضايقني أن تقصر يدي دون الحصول على ~~أجر مكوى ملابسي. ولكن كانت الحاجة تفتق الحيلة. وما دامت هناك «مراتب» أرضية فقد ~~أغناني الله عن المكوى، وتعسف المكوجية، ذلك أنني كنت أرتب «البنطلون» ترتيبا منظما كما ~~يفعل «المكوجي»، وأضعه بهذه الكيفية تحت «المرتبة»، فإذا نمت فوقها فعلت بالبنطلون نفس ~~ما تفعله المكواة. وفوق كل ذي علم عليم! أما المشاجب، أو بالعربي الذي نفهمه نحن وأنتم ~~«الشماعات»، فلم تكن لنا بها حاجة. ففي ms017 الحبال التي كنا نمدها في الغرف متسع للجميع، إذ ~~كنا نعلق ملابسنا، أو بمعنى أصح ننشرها فوق هذه الحبال كما يفعل العرب الرحل إلى وقتنا ~~هذا. وأعود إلى العمل فأقول إنني ترجمت للفرقة رواية «الابن الخارق للطبيعة» ورواية ~~«عشرين يوما في السجن». # وبعد أن «شطبنا» على الوجه القبلي عدنا أدراجنا إلى القاهرة، لا لنحط بها الرحال ولكن ~~لنستعد إلى غزو «الوجه البحري» وقد كان، إذ قمنا من فورنا «وفتحنا» طنطا!! # في (بيت الإدارة) بطنطا، وفي الساعة العاشرة من صباح أحد الأيام، بينما كنت أقوم ~~بعملية «التمرغ» فوق المرتبة إتماما لكي بنطلوني، إذ طرق الباب طارق، وفتح أحد زملائي، ~~فإذا الطارق والدتي بعينها!! # وا كسوفاه! وا خجلاه! لقد كنت والله أتمنى أن تشق الأرض في تلك اللحظة وتبتلعني حتى ~~لا تراني «أمي» على الحال التي كنت بها، خصوصا وأنني كنت (عامل أبو علي) طالع فيها، ~~ومتظاهر بأنني في غير حاجة إلى أهلي ما داموا ينكرونني، ويرون في التمثيل رأيا لا أقرهم ~~عليه. وقد سبق أن قلت بأنني كنت مطرودا من بيتي، لأن والدتي ساءها أن أكون ممثلا .... # تصور يا سيدي القارئ حالي في اللحظة التي اقتحمت فيها والدتي (بيت الإدارة)، وشاهدت ~~ما يحوي من (موبيليا فخمة) وأثاث فاخر، وأنا الذي لم أحن رأسي في الماضي لإرادتها، ولم ~~أطأطئ قامتي، لأدخل في روعها أنني على أحسن حال في عملي، ولست محتاجا لخير يأتيني على ~~يد أهلي! أقول تصور هذا، ثم احكم بعد ذلك على الظرف القاسي الذي كنت فيه حين وصولها، ~~لاسيما وأنها لم تدبر جهدا في إظهار نوع من العتاب هو أقرب إلى الشماتة منه إلى أي شيء ~~آخر! # والآن دعني أشرح لك سبب مفاجأة والدتي في هذا الحضور الذي لم أكن أتوقعه. # وصل خطاب لي بعنوان المنزل (في القاهرة) من شركة السكر (بنجع حمادي) تدعوني فيه ~~للعودة إلى استئناف عملي بها، ورأت والدتي أن تحمل الخطاب بنفسها إلي، إذ دار بخلدها ~~أنني ربما رفضت أن أجيب الشركة إلى طلبها، وإذ ms018 ذاك تعمل هي (الوالدة) على ضرورة إقناعي ~~بهجر التمثيل ... اللي صفته كيت وكيت ... من مأثور الكلمات التي كانت تخلعها الوالدة على ~~هذا الفن ... الغلبان! # حيلة ...! # أما كيف طلبتني الشركة بعد استغنائها عني على أثر الحادث إياه، فقد كان هذا موضع ~~دهشتي إلى أن وقفت على سر الأمر أخيرا. وإليك البيان: # حدث بين بعض ~~موظفي الشركة وبين العم (ت) خلاف استحكمت حلقاته، ولكنهم لم يتمكنوا منه، ولم ~~يجدوا سببا مبررا لفصله من عمله، فهداهم تفكيرهم إلى استعمال الحيلة كي يحملوه ~~على الاستقالة. # والحيلة هي أن يعيدوني إلى عملي بالشركة، وإذ ذاك لا يجد غريمي العم (ت) مناصا من هجر ~~الشركة، لا بل من هجر البلدة بما فيها. إن لم يكن اتقاء للفضيحة، فخشية تجدد الماضي بين ~~روميو (الذي هو أنا)، وبين جولييت (وهي الحرم المصون). # قلت إن والدتي حملت إلي خطاب الشركة، وذلك بعد أن أضناها البحث عن مقر الفرقة التي ~~أعمل بها. فكم وجهت السؤال إلى هنا وهناك، وكم نقبت عن أسر الممثلين تسائلهم عن أخبار ~~أبنائهم، وأين يحطون الرحال. وأخيرا اهتدت إلى أننا نقيم إذ ذاك في طنطا، فجاءت على ~~عجل. # عودة إلى الوظيفة # لم أتوان بعد الاطلاع على خطاب الشركة في جمع عزالي، وهي عبارة عن المرتبة واللحاف ~~والمخدة والكام هدمة، والعودة سريعا إلى القاهرة، تاركا الجمل بما حمل ومنها إلى نجع ~~حمادي حيث استلمت عملي، وأنا أقسم جهد أيماني أنني لن أعود إلى التمثيل مهما حدث، ومهما ~~كانت الأسباب!! فهل بررت بقسمي هذا أم حنثت!! # قدمت أن السبب في استدعاء الشركة لي هو تطهيق العم (ت) ليأخذها من «قصيرها» ويولي ~~الأدبار!! ولذلك رأى الرؤساء من باب النكاية فيه، أن يجعلوه تحت رياستي، وأن يكون من ~~اختصاصي أن أراقب أعماله!! # ومع ذلك لم ييأس العم (ت)، ولم يتبرم بهذه التصرفات، بل لم يحرك ساكنا ... وأخوك تقيل! ~~وقد رأيت أن «أتلم» شوية وألايمها، فعاملته أحسن معاملة، وصرنا من هذا الحين أصدقاء ~~أعزاء. # واتجهت بكليتي إلى إتقان عملي ومراعاة الواجب ms019 فارتفعت بأخلاقي إلى مستوى لا بأس به. ~~وفضلت فيما يختص بعلاقاتي بالجنس اللطيف أن أترك ما لقيصر لقيصر، وأن أخليني لطيف، ~~وبلاش «المسخرة» بتاعة زمان. وقد كان! ولم يمض وقت طويل حتى حزت ثقة مدير الشركة وغيره ~~من الرؤساء، فارتفع بذلك مرتبي إلى أربعة عشر جنيها في الشهر. # إغراء # وظللت قرابة العامين هانئا بعيشي راضيا بما كتب لي في سجل الحياة. ونظرت فإذا بي ~~أقتصد من هذا المرتب في تلك المدة مبلغا يزيد على مائتي جنيه. ولما كان عام 1912 تسلمت ~~- وأنا في نجع حمادي - خطابا من الأستاذ عزيز عيد (وكان في القاهرة طبعا) يخبرني فيه أن ~~التمثيل قد ارتفع شأنه، وأن الأستاذ جورج أبيض عاد من أوربا، وهو ينوي تأليف فرقة بعد ~~أن تلقى الفن في الخارج على نفقة صاحب السمو الخديو وأن ... وأن .... # وبعد تلاوة الخطاب أقول لك الحق، (زقزق) عقلي. وازنت بين ما يحويه هذا الخطاب من ~~مزخرفات ومشوقات، وبين ما أنا فيه من نعمة شاملة وراحة كاملة. وأخيرا فضلت البقاء في ~~نجع حمادي، ولتفعل فرقة جورج أبيض بالممثلين ما تشاء. # ومر بعد ذلك وقت بدأت أرى فيه الصحافة تهتم بالتمثيل، والجرائد اليومية تكتب عن فلان ~~وفلان من زملائي، وتأتي على ملخصات للروايات التي تعرض، وكيف أن فلانا أجاد دوره، وأن ~~السيدة (فلانة) بلغت في دورها حدا بعيدا من الإتقان. # أقول كنت أقرأ هذه الأشياء وأنا قابع في نجع حمادي، فخارت قوة المقاومة في نفسي، ولم ~~أعد أحتمل البقاء في أقاصي الصعيد، تاركا هذا العالم الجديد يفتح ذراعيه لزملائي ~~الأقدمين فعولت على الحصول على إجازة أقضيها في القاهرة لأرى عن كثب هذا الفن الذي ~~أزهرت أيامه، وارتفعت أعلامه. # وجئت إلى القاهرة بإجازة شهرين، وكنت أحمل في جيوبي إذ ذاك مائتين من الجنيهات ~~الذهبية الصفراء، كانت كل ما ادخرته من مرتبي في السنوات الماضية. ورحت أشاهد تمثيل ~~جورج أبيض، وأتوسع في الإنفاق هنا وهناك، كمن ينتقم من أيام «الجفاف» التي أمضيتها في ~~الصعيد. # ولم تأت نهاية الإجازة إلا ms020 بعد أن أتت على آخر قرش أبيض من قروشي المدخرة للأيام ~~السوداء. وأخيرا اقترضت أجرة القطار إلى نجع حمادي في الدرجة الثالثة يعني «ترسو». وكان ~~الله بالسر عليما. # حنين إلى الفن # وهناك ساءت أحوالي، وعادت (غية) التمثيل تتراءى لي في الغدو والرواح، فلم يهنأ لي بال ~~ولم يرتح لي فؤاد. وأذكر أن صديقا لي هو الدكتور جودة (طبيب الأسنان المعروف الآن) كان ~~معي في نجمع حمادي، فكنت أجبره على الإنصات لي، حين كنت أقف أمامه لألقي قطعة تمثيلية ~~مما رأيته أثناء زيارتي الأخيرة للعاصمة، فأقلد تارة جورج أبيض وتارة أخرى عزيز عيد أو ~~أحمد فهيم، أو غيرهم من كبار الممثلين!! # وكم ضاق بي الدكتور جودة ذرعا، وعمل على التهرب مني حين كنت أجبره على سهر الليالي، ~~لا في طلب المعالي، بل في وجع دماغه بأقوال لويس الحادي عشر، وصرخات القائد المغربي ~~عطيل، وتأوهات الملك أوديب وغيرهم من بقية الشلة المحترمة التي يتزعمها أستاذنا الكبير ~~جورج أبيض. # جمهوري الأول # وهكذا كان صديقي الدكتور جودة بمثابة (الجمهور)، الذي ألقي عليه ما اقتبسته من قطع ~~تمثيلية، علقت بذهني حين كنت أشاهد روايات فرقة الأستاذ جورج أبيض الأولى. # لم يكن حظ «جمهوري» المسكين، (وهو الدكتور جودة) مقصورا على سماع مقتطفاتي ~~«الأبيضية»، بل كنت أعمد أيضا إلى تأليف منولوجات وأزجال مثل معي فيها، وأغان ومنثورات ~~فنية كنت أحمله «بالعافية» على سماعها، فإذا «زعل» فإن نهر النيل يمر بنجع حمادي، وماؤه ~~ولله الحمد غزير فليشرب منه من يشاء ...! # وشاء الله بعد فترة من الزمن أن يزداد «جمهوري»، وأن يجد الدكتور من يحمل العبء عنه ~~والصعب دونه، إذ وفد على نجع حمادي المهندس الظريف الأستاذ محمد عبد القدوس منقولا إلى ~~مدرسة الصنايع هناك. # ائتلفنا إذ ذاك ائتلافا تاما، وتسلينا بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وتباحثنا كثيرا ~~في فنون «الدردحة». ولست أدري أكنت أتلقى هذه الفنون على يد كندس، أم كنت ألقنه إياها. ~~ولكنني أعترف على كل حال أنه كان «مدردرح جاهز» قبل أن ينزل ركابه ms021 في بلدة نجع حمادي. # كان عبد القدوس من هواة التمثيل، وكان حاله كحالي في جنون الفن. ولذلك كانت كل ~~اجتماعاتنا جنانا في جنان! # فهو يلقي علي منولوجا مثلا، بينما كنت أنا أجلس منه في مكان «الشعب» من الممثل، ثم ~~يأتي دوري فألقي قطعة تمثيلية يحتل هو في أثناء إلقائي مكاني ... بصفة «متفرج» وهكذا، إلى ~~أن يأذن الليل بالرحيل. وكم من سهرات لطيفة ونزه ظريفة ليس من حقي (وحدي) أن أغامر ~~بوصفها، وإن كنت من ناحيتي أسمح للصديق عبد القدوس أن يتولى عني هذا الوصف!؟ # ولم يطل مقام كندس في نجع حمادي، بل غادرها منقولا أو مرفوتا لست أدري، وإنما الذي ~~أدريه أنه ترك وحشة وفراغا لم أكن أتوقعهما. # منوم مغناطيسي # وتدافعت الأيام متشابهة، إلى أن وصل لنجع حمادي رجل أجنبي ومعه زوجه (وهي فرنسية) ~~وكان الرجل منوما مغناطيسيا، أتى يحيي بعض حفلات في «البندر». كنا نشاهده فيها يقوم ~~ويؤدي بعض تجارب مستغربة من النوم الذي نراه من «الحواة» وأمثالهم. # على أن موضع الدهشة من الأمر هو تمكن زوجه من علم الكف، إذ كانت حين تتفرس في كف ~~إنسان، تقرأ ما فيها وكأنها تتلو من كتاب بين يديها. وكم تمنيت أن أريها كفي، ولكن ~~المبلغ المحدد لذلك كان مبالغا فيه. ولذلك فضلت التريث عسى أن يبعث الله ~~بالفرج!؟ # وفي إحدى الليالي ذهبت في «شلة» كبيرة من الأصدقاء إلى حضور حفلة لذلك «المنوم»، وبعد ~~انتهائها تقدم الزوج يعلن أنه سيوزع تذاكر «لوتريه» ثمن الواحدة عشرون مليما بينها ~~تذكرة واحدة تكسب؟ # وما هو المكسب ...! # هو أن يزور صاحبها بمصر اليوم التالي مقر هذا الزائر كي تقرأ المدام كفه، وتطلعه على ~~ما خفي من أمره. # واشتريت كغيري تذكرة، وأنا أدعو الله أن أكون الفائز، لأنني كنت - كما قدمت - في شوق ~~زائد إلى هذه «العملية»؟ # ولما انتهى توزيع التذاكر، وتدافع الأصدقاء وغيرهم لحضور عملية السحب، بقيت في مكاني ~~مشفقا. # وظهرت النتيجة فإذا الفائز زميل لي في الشركة اسمه عبد الكريم أفندي صدقي. # وبعد أن قمت ms022 بعملية «لعن سنسفيل» أبو الدهر القاسي والحظ العاثر، لم أجد بدا من ~~الذهاب إلى عملي في الشركة كالمعتاد. فلقيني زميلي عبد الكريم صدقي ينعى حظه الذي (مش ~~ولابد). # وأخيرا فرجت ...! # الله إزاي يا سي عبد الكريم؟ أنت إمبارح كسبان «لوتريه» تسوى الشيء الفلاني، ~~والنهارده العصر عندك «رنديفو». الله أكبر ناقصك إيه يا خوي؟ # وأجابني الصديق قائلا: «ما هو ده اللي مجنني. لأنه صدر لي أمر بالسفر دلوقت حالا ~~لمأمورية لا تنتهي إلا بعد أسبوع، والرجل وامرأته يغادران نجع حمادي غدا. ولم يبق على ~~القطار الذي أستقله غير دقائق معدودات!!؟ # وما إن سمعت هذه «البشرى»، حتى قلت في نفسي جاك الفرج يا أبو النجب!! # وقبل أن أنبس ببنت شفة. واصل الصديق حديثه قائلا: «وبما أنني مش رايح أستفيد من ~~التذكرة دي فخذها أنت وروح شوف بختك عند الوليه وجوزها»!! # الفصل الثالث # | ثروة أضعتها # عند العرافة # تناولت التذكرة التي «عليها العين»، وقبل الموعد المحدد كنت بين يدي الرجل وجلست ~~المدام تقرأ كفي. ويا للغرابة والدهشة! # إنني لم أتعود في حياتي أن ألقي القول جزافا، كما أنني لست ممن يصورون من الحبة قبة، ~~بل ولا أميل إلى التهويل والمبالغة في الوصف ... فهل تصدقني - أيها القارئ - إذا قلت لك: ~~إن هذه السيدة أخبرتني بأشياء حدثت لي في الماضي، كما لو كانت معي، وأنها قصت علي ظروفا ~~خاصة اجتزتها بنفس النمط الذي ذكرته؟ حقا لقد خبلت عقلي بما ألقت إلي من تاريخ حياتي ~~الماضية، وتركتني ذاهلا أفكر كيف يمكن لامرئ مهما بلغ عمله أن يقف على مثل هذه التفاصيل ~~الدقيقة المدهشة؟!! # وبعد ذلك تنبأت لي بما سيكون عليه مستقبلي! # كان ذلك عام 1913، وأقسم بالله غير حانث أنني ما زلت طيلة هذه الأعوام التالية حتى ~~الآن أجتاز من أدوار حياتي مراحل سبق أن تنبأت لي بها هذه السيدة! # كنت أيامها موظفا بسيطا في شركة السكر أتقاضى مرتبا لا يزيد على أربعة عشر جنيها، ولم ~~يكن أمامي ما يبشر بصلاح الأحوال أو تبدل الأيام، ومع ذلك فقد ms023 قالت لي إن حياتي عبارة ~~عن ضجة صاخبة، وأن أموالا كثيرة ستتداولها يدي، وأنني سأنتقل من فقر إلى غنى ومن غنى ~~إلى فقر، ثم يعود الغنى، ثم ... وهنا خانتني الذاكرة بكل أسف، إذ لست أعي تماما ما انتهى ~~إليه تنبؤها، وهل أوصلتني في أخرياتي إلى هضاب الفقر المدقع، أم إلى وديان الثراء ~~الممتع؟! # على أنني رحت أجول بالذاكرة في تأويل هذه التنبؤات فأما الفقر ... فهذا شيء متوفر ~~والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه. وأما الغنى، فمن أين يأتيني يا ترى؟ # فتشت عن قريب لي من ذوي الثراء، ورحت أبحث عن شجرة العائلة، وأدرس أصولها وفروعها، ~~لعلي أعثر على واحد بينهم لا وريث له قائلا: «يمكن يا واد يشوفك في وصيته بحسبة كام ألف ~~مصري يبحبحوك» ... أمال بس منين رايح يجيني الغنى يا اخواتي إن ما جاش بالطريقة دي، هل ~~يأتي من التمثيل؟ اسم الله ... ده اخوانا باسم الله ما شاء الله مكانش يلف الشهر إلا ~~والجعيص فيهم يستلف قد ماهيته مرتين!! # نهايته لم يفدني التفكير شيئا، ولم يسعفني قاموس الأسرة ولا شجرتها المباركة، بما ~~يروي غليلي، فتركت الأمور تجري في أعنتها ونمت بعد ذلك خالي البال هادئ البلبال! # طيب البال عرفناه، ولكن البلبال إيه كمان؟ والله ما أنا عارف. لم يقتصر ما أفضت به ~~إلي هذه العرافة على موضوع الفقر والغنى، بل باحت لي بأشياء سرية في حياتي الخاصة. ~~وأصارحكم يا سادتي أن هذه الأشياء وقعت بحذافيرها بعد سنوات منذ ذلك التاريخ! # أخاف السيارات # هذا ولعل أحدا يتساءل عن السر في عدم اقتنائي السيارة. # السبب أن هذه العرافة المدهشة تنبأت بأن هناك تصادما سيحدث لسيارة أكون فيها! ومع ~~أنها ذكرت لي. أن «ربنا إن شاء الله، حايجيب العواقب «سليمة»، إلا أنني خشيت من ذلك ~~اليوم، فامتنعت بتاتا عن اقتناء سيارة لنفسي. كما أنني إذا دعيت لركوب إحدى سيارات ~~الغير، أو حتى سيارة «تاكسي»، أتوسل إلى السائق بكل عزيز لديه أن يرحم شباب العبد لله، ~~وأن يسير على أقل ms024 من مهله، لأني مش مستعجل أبدا ...! # ومش مستعجل هذه ... أقولها دائما كلما ركبت سيارة، حتى ولو كان باقي على القطار الذي ~~سأسافر فيه دقيقة واحدة. وكلمة في أذنك أيها القارئ الحبيب لم أقلها لغيرك والله إلى ~~اليوم. تلك هي أنني أفضل دائما ركوب عربات الخيل، لا رفقا بالعربجية بل حرصا على حياتي ~~الغالية! والحنطور فوقك يا أتومبيل! # خطاب مستعجل # وغادرتنا العرافة. ثم مضت بعد ذلك فترة زاد فيها اعتقادي بصحة نبوءاتها لأن الكثير ~~منها كان قد تحقق في خلال تلك الفترة. # وفي صباح أحد الأيام - وكنا في عام 1914 - تسلمت وأنا في مكتبي بإدارة شركة السكر في ~~نجع حمادي إشعارا بوصول خطاب مسجل (مسوكر) باسمي، فوقعت بإمضائي هذا الإشعار وقلبي يرقص ~~فرحا، لأنني ذكرت ما قالته لي قارئة الكف من أنه سيأتي علي وقت ألعب فيه «بالفلوس» لعب. ~~وهنا أتعبت فكري في البحث عن مصدر هذا الخطاب «المسوكر» وإذا كانت فيه أموال فمن أين ~~أتت يا ترى؟ # أقول إن أفكارا كثيرة دارت في رأسي دون أن أهتدي إلى حل هذا اللغز. وأخيرا قلت في ~~نفسي، اصبر يا واد حبتين. ويكون الجواب في إيدك، ويا خبر بفلوس بكره يبقى بلاش! # وصبرت على نار إلى أن أشرقت أنوار ساعي البريد، فخطفت منه الخطاب خطفا وفضضته ~~استعدادا لإخراج الشيكات التي احتواها المظروف!! ولكن ... آه ... قاتل الله «لكن» هذه التي ~~تقلب الأوضاع وتعكس القصد على القاصد! # أتدرون يا سادتي ... من أين صدر هذا الخطاب المسجل؟ # من المكتب المجاور لمكتبي!! من مدير الشركة! وهل تعلمون ماذا جرى؟ # رفت من خدمة الشركة بسبب كيت وكيت وكيت. وهذه «الكيتات» ليس فيها بحمد الله ما يخل ~~بالنزاهة والأمانة ولكن فيها ... بكل أسف ... ما فيها والسلام! # وأبصرت أمامي فإذا ساعي البريد واقف ينتظر البقشيش! # وما فيش لزوم لشرح ما جرى له بالتمام والكمال! # نهايته. نقدتني الشركة ماهية ثلاثة أشهر كمكافأة، وقد بلغت قيمتها بعد خصم الوفورات ~~التي كنت أقتصدها من الماهية الشهرية مبلغ سبعين جنيها. كانت كل زادي وعتادي ms025 الذي عدت ~~به من نجع حمادي إلى القاهرة. وهو كما ترى مبلغ لا بأس به إذا قيس بما عاد به زميلي ~~الطيب الذكر حنين من خفين! # عودة إلى القاهرة # وصلت إلى القاهرة أحمل هذا المبلغ. فكان أول ما اتجه إليه فكري هو البحث عن الزملاء ~~الأقدمين والصحب الأولين. # وكانت ثروتي هذه ... وما لازمني من «الوجاهة» إياها سببا في أن يلتف حولي رهط منهم. آل ~~يعني الواد وارث! وهات يا بعزقة، وهات يا صرف إلى أن صحوت فجأة فإذا ما بقي بعد ~~الأسبوعين الأولين مبلغ وقدره ستة وعشرون جنيها فقط لا غير! وبعدين إذا صرفتهم أعمل إيه ~~وأسوي إيه؟ وآكل منين؟ وأنا يا مولاي كما خلقتني. ولا فيه شغلة ولا مشغلة! وبناء عليه ~~أصدرت فيما بيني وبين نفسي قرارا صممت على تنفيذه. وهذا القرار هو أن ألايمها بالتي هي ~~أحسن وألم إيدي شوية. وأنقذ ما يمكن إنقاذه من القرشين اللي فاضلين. وكفاية علي ريال في ~~اليوم أكل وشرب ومصاريف نثرية. وبهذه الطريقة آمن شر الدهر الخئون لغاية ما يحلها من لا ~~يغفل ولا ينام! # وبعد إصدار هذا القرار بساعة وعشرين دقيقة تماما قصدت إلى حيث كانت تعمل فرقة الأستاذ ~~جورج أبيض (على فكرة) كان مصرحا لي بالدخول مجانا كأرتست. فدخلت الصالة وجلست أشاهد ~~رواية (أوديب الملك) وبينا أنا أذرف الدمع ثخينا على هذا الملك المنكوب إذ وفد الأستاذ ~~سليم أبيض (شقيق أوديب) ومدير إدارة الفرقة وجلس بجانبي. وحين رآني متأثرا، فاتحني ~~بحقيقة مرة كان أثرها في نفسي أبلغ من أثر الفكرة التي حلت بأوديب المسكين! # هذه الحقيقة هي أن إيراد الفرقة خسع خالص، والليلة لازم الممثلين يقبضوا القسط، ~~والإدارة مش لاقيه تقبضهم. وعلشان كده قصدتك يا نجيب في حسبة خمسة وعشرين جنيها بس، ~~ندفع منهم قسط الممثلين وتاخدهم بعد يومين اثنين. يومين بالعدد. وأخويا جورج ضامن يا ~~نجيب! # وهنا أسقط في يدي، ولعنت الظروف التي قادت قدمي إلى المسرح في تلك الليلة الليلاء ~~التي قررت فيها بدء حياة جديدة للتدبير والاقتصاد. ms026 ولم يكن هناك بد من الاعتذار، ~~فاعتذرت بالطبع وكلما تكرر الرجاء تمسكت بالاعتذار. ولكن قوة الأستاذ سليم أبيض في ~~الإقناع، وبراعته في وصف الحالة الراهنة من جهة، ومحبتي للفن من جهة أخرى، هذه العوامل ~~لم تدع لي سبيلا كي أرفض فقلت له: «اسمع يا خواجه سليم ... مفيش في جيبي غير 26 جنيها، ~~فإذا كنتم عاوزين 25 جنيها على شرط أنكم ترجعوهم بعد يومين صحيح فأنا مستعد ... وأهو ~~الجنيه الفاضل يكفيني اليومين دول». # واقع من السماء # وظهر أن «سليم أبيض» كان في هذه اللحظة واقعا من السما، وأنا الذي تلقفته. لأنني ~~أحسست أن ماء الحياة قد عاد إلى وجهه، فوعد ووعد، بينما قلت في نفسي: «يا واد الفلوس ~~رايحين رايحين فخليهم يروحوا بالجملة أحسن من سلسلتهم بالقطاعي!». # وتناول الخواجة سليم مبلغ الخمسة والعشرين جنيها في التو واللحظة، وترك في جيبي جنيها ~~يقضي الليالي وحيدا بعدهم! # فلما أحسست بالنكبة التي حلت بي إذ ذاك رحت أضرب أخماسا في أسداس. وأندم على ما فعلت، ~~ولات ساعة مندم. # وانقضى الموعد المضروب فذهبت إلى الخواجة سليم أرجو وأتضرع شاكيا مرارة الزمن وشدة ~~الحاجة، لكن أخوك «تقيل» فلا جواب غير: «الصبر طيب يا أخي. هو احنا حناكلهم عليك والا ~~إيه؟» فأقول له: «لا يا سيدي أنا عارف إنكم مش رايحين تاكلوهم علي. لكن أنا شخصيا عاوز ~~آكل بهم، والا يعني عاوزني آكل طوب!». # ولم تفد الالتماسات. بل لم يرق الخواجة سليم لحالي. إلى أن أتيت على آخر مليم من ~~الجنيه (اليتيم) الذي أبقاه لي سليم أبيض. وكنت أسكن في مصر الجديدة، فاضطررت والحالة ~~هذه إلى اقتراض نصف فرنك قيمة أجرة المترو، ولولا ذلك لافترشت الغبراء والتحفت السماء ~~كما يقول الشعراء! # على الحساب # نهايته. بعد عشرين يوم كاملة، بدأ الأستاذ سليم يشعر نحوي بعاطفة الشفقة والرحمة، ~~فكان يعطيني بين يوم وآخر شلنا، أو نصف ريال (على الحساب). وأذكر أن أكبر دفعة تناولتها ~~على الحساب كانت ثلاثة عشر قرشا عملة صاغ ميري. فتصور يا سيدي القارئ كم من ms027 الأعوام يجب ~~أن تمر لاستهلاك ديني إذا سار السداد على هذه الوتيرة؟ # شغل فكرك واستعن باللوغارتمات وحساب المثلثات، ثم نبئني بالنتيجة .... # وبعد أن أقرضت فرقة الأستاذ جورج أبيض 25 جنيها مصريا ولم يبق معي من المبلغ الذي عدت ~~به من نجع حمادي غير جنيه واحد، وبعد أن قبلت الدفعات التي كان الأستاذ سليم أبيض يحن ~~بها علي، من شلن لنصف ريال إلخ ... بعد ذلك تألفت فرقة (أبيض وحجازي)، وكان على رأسها ~~بالطبع الأستاذان جورج أبيض وسلامة حجازي. ولم يكن يدفع للممثلين إذ ذاك أجر معلوم، بل ~~نص الاتفاق على أن يكون العمل بالمساهمة، أي يربط للممثل عدد من الأسهم ثم يوزع الإيراد ~~على الأسهم، وكل واحد وبخته بقى. # عرض علي الأستاذ جورج أن انضم إلى الفرقة ممثلا ويمكن يفرجها ربك وتفوز بحقك! # وقبلت هذا العرض، وكل أملي أن أفوز بجزء من مالي الضائع، الذي سبق أن اقترضه مني سليم ~~أبيض لدفع أجور ممثلي فرقة أخيه. لكن كانت النتيجة ويا للأسف، هي نفس النتيجة التي فاز ~~بها إبليس حين طمع في الجنة. # رأيت بين أفراد الفرقة السيدات روز اليوسف وسرينا إبراهيم ونظلي مزارحي وغيرهن، ثم ~~الأستاذ عمر وصفي ومحمود رحمي وفؤاد سليم وعبد العزيز خليل وعبد المجيد شكري، و«شلة» من ~~قدماء «المنشدين»، مثل الشيخ حامد المغربي وغيرهم. وجدت نفسي «تقليعة» بين هؤلاء السادة ~~النجب، إذ ظهر لي أنهم كانوا يئنون من مصيبة الأسهم والإيراد، فما بالك إذا زادوا واحدا ~~يعتقدون أنه سيقتطع جزءا من الإيراد، تنقص به حصة الجميع بمقدار ما ستنال أسهمي من ~~نصيبه؟ ولاسيما أن إيراد الواحد منهم، أو حصة أسهمه جميعا، لم تكن لتصل في كثير من ~~الأوقات إلى أكثر من 35 قرشا صاغا أميريا لا غير؟ # القصد، بدأ زملائي الأعزاء في توضيب «المقالب النضيفة» للعبد لله. ولم أكن في ذلك ~~الوقت أعرف عنها كثيرا ولا قليلا، إذ كان الوسط جديدا علي كما كنت أنا جديدا عليه. # وكان بطل «شك المقالب» وانتقاء النكات «المستوية» في مادة «التأليس» على ms028 محسوبكم ~~الفقير إليه تعالى، هو والدنا الأستاذ الأفخم عمر وصفي. # لقد كان يهون علي والله كل شيء، وكل شقاء، اللهم إلا ذلك النوع من «التأويز» ~~و«المسمسة» و«التهزئ» اللي ما فيش منه. # أنا ملك النمسا # وكان علينا في إحدى الليالي أن نمثل رواية (صلاح الدين الأيوبي)، وكان الأستاذ جورج ~~يضطلع فيها بدور (قلب الأسد) بينما اختاروا لي دورا صغيرا حقيرا، هو دور (ملك النمسا). ~~وكل ما يفعله هو أن يقف من جورج أبيض موقف المبارز، ويتكلم اللي فيه القسمة. كده، ~~كلمتين قول تلاتة، وكان الله يحب المحسنين. # كانت الحرب الكبرى قد أعلنت في هذه الآونة، وكانت الصحف والمجلات المصرية والأجنبية ~~تنشر صورا لملوك الدول المتحاربة، ومن بينها صورة الإمبراطور (فرنسوا جوزيف) إمبراطور ~~النمسا في ذلك الحين. # وقد تراءى لي أن أتقمص شخصية هذا الإمبراطور، مادام دوري هو (ملك النمسا)، فأقفلت على ~~نفسي باب حجرتي بالمسرح، وجلست أمام المرآة ورحت ألتمس في عقاقير الميكياج ومعداته، ما ~~جعلني الإمبراطور جوزيف بعينه وبلحيته المتدلية على جانبي وجنتيه إلى أسفل ذقنه، وكأنها ~~«معرفة» الأسد. # وحين جاء وقت ظهوري على المسرح لم يتمالك الناس أنفسهم من الضحك، حتى أن الأستاذ جورج ~~أبيض لما دخل المسرح ثائرا في دوره (قلب الأسد) وفوجئ بمظهري هذا، تبخرت حماسته وانطفأت ~~شعلته وأحسست أنه يغالب عاصفة من الضحك تكاد تنفجر على شفتيه وبين أسارير وجهه!! كل ذلك ~~وأنا واقف في مكاني لا أبتسم ولا أخالف طبيعة الموقف ... آل يعني الفن واخد حده قوي ... مع ~~ملك النمسا!! # أقول إن جورج دخل ثائرا وهو يصرخ مرددا كلمة (قلب الأسد) المأثورة: «ويل لملك النمسا ~~من قلب الأسد» ولكن ويل إيه وبتاع إيه ... ما خلاص جورج ما بقاش جورج والمسرح بقى عيضة، ~~والحابل اختلط بالنابل زي ما بيقولوا. # نهايته. انتهت هذه الليلة ولا أدري كيف انتهت، ولكن الذي أدريه هو، موال الدوكا ~~«والتقريق» الطازة الذي أنصب علي من شيخ طائفة المطفشين الأستاذ عمر وصفي. # سب وتقريظ # ولنترك هذا جانبا وأعرج على مناقشة ظريفة جرت في ms029 تلك الليلة. # كنت أقطن في مصر الجديدة، ولذلك كنت أستقل ترام المترو عقب التمثيل. وكان لي صديق ~~قديم كان زميلا منذ أيام البنك الزراعي، وكان هو الآخر يسكن بجواري في مصر الجديدة، ~~وكثيرا ما كنا نتلاقى في قطار المترو في ذهابه وفي إيابه. # أذكر في تلك الليلة، ليلة (صلاح الدين الأيوبي)، أن لقيني هذا الصديق في «المترو» بعد ~~انتهاء التمثيل، وبعد التحيات المعتادة سألته: «أين قضيت سهرتك هذا المساء؟» فأجابني ~~بأنه كان يشاهد رواية (صلاح الدين) وتبرع فقص على نبأ عن واد ... ممثل ابن كلب ... يا فندم ~~... طلع في دور ملك النمسا ... إنما كان حتة واحد زي (الإمبراطور فرنسوا جوزيف) بحيث الناس ~~كلهم ماتوا م الضحك على شكله ... و.... إلخ من أنواع الشتائم! لذلك رأيت أن أقطع سلسلة ~~شتائم إعجابه، فقلت له: «تعرف ابن الكلب دا ... يبقى مين؟». # فقال: «أبدا». # فقلت له: «هو محسوبكم يافندم ... هو العبد لله يا أخينا!!» # نهايته. لم يرتح زملائي في الفرقة ولم يطب خاطرهم إلا بعد أن صدر الأمر برفتي ~~والاستغناء عني. بحجة عدم لياقتي للتمثيل بتاتا. وتفضلت الإدارة المحترمة فنصت في ميثاق ~~«الرفتية» على أنني لن أفلح في التمثيل، ولن أكون في يوم من الأيام ممثلا، حتى ولو كان ~~ثانويا!!! # بعد هذه الوثيقة القيمة والشهادة البينة، سدت في وجهي الأبواب وضاقت السبل حتى لم أجد ~~طريقا أسلكه لكسب العيش. # تحريض # قيل في الأمثال إن (من جاور الحداد انحرق بناره). # وأنا قد جاورت أستاذنا عمر وصفي وزملاءه مدة من الزمن، فقد حق علي أن أقتبس بعض ~~تعاليمه وأدرس طائفة من خططه. # الغاية. لا أريد أن أطيل عليك، فقد رأيت أن أسلم خطة هي تحريض ممثلي الفرقة على رفع ~~راية العصيان على الإدارة، وشق عصا الطاعة على المديرين، والانسحاب أفرادا وجماعات وقد ~~نجحت خطتي مع الكثيرين الذين أسرعوا في هجر فرقة أبيض وحجازي، والمناداة بالاستقلال ~~التام ... والجوع الزؤام! # وكان على رأس العصاة الأستاذ عزيز عيد والسيدة روز اليوسف، وقد انضم إلينا بعد ذلك من ~~غير أعضاء ms030 الفرقة الأستاذ أمين عطا الله، وكان في ذلك الحين، ولا حياء في الواقع كان زي ~~حالتنا مش لاقي ياكل، كما كان الأستاذ أمين صدقي هو الآخر «سارحا» بكام رواية من ~~مؤلفاته ومقتبساته. # وبالاختصار اجتمع كل متعوس على خايب الرجا، كاستيفان روستي، وحسن فايق، وعبد اللطيف ~~جمجوم، وسبعة ثمانية من العواطلية إياهم. وقررنا أن نؤلف فرقة تضرب فرقة أبيض وحجازي ~~على حبابي عينيها. # لعل واحدا من القراء الأعزاء لم ينس قصة جحا حين رغب في الزواج من ابنة السلطان: فقد ~~راح جحا ينشر في الناس أن الأمر سوي نهائيا، وأنه لم يبق على زفافه من ابنة السلطان إلا ~~أن يجمع المهر اللازم، وأن يرضى السلطان بالمصاهرة!! اسم الله ... أمال إيه اللي تم يا سي ~~جحا؟ # كذلك نحن. اجتمع الممثلون، ولم يبق على تأليف الفرقة إلا ... وجود رأس المال. # ظللنا نتناقش في الموضوع، وانتهى الأمر باقتباس نظام المساهمة الذي كانت تجري عليه ~~فرقة الأستاذ أبيض وحجازي. # محلنا المختار # وكان السائر في شارع عماد الدين يشاهد على يساره، بعد أن يجتاز شارع فؤاد الأول، مقهى ~~كان يديره أحد النزلاء اليونانيين (ومن غيرهم يا ترى يفتح في مصر المقاهي). وكان اسم ~~هذه المقهى (متروبول). # وأرجع بالقارئ العزيز إلى ذلك العهد الذي أتحدث عنه، فأقول إن إخواننا «المنشقين» عن ~~فرقة أبيض وحجازي، جعلوا من مقهى «المتروبول» هذا محلا مختارا يأوون إليه إذا ما ارتفع ~~قرن الغزالة (هذا خيال بديع، أرجو أن يسامحنا السادة البلغاء في استعارته)، ومعناه ~~بالعربي الذي أفهمه أنا ويفهمه رعايا كشكش بك من سكان عمدية كفر البلاص وضواحيه، معناه ~~عند طلوع الشمس، فعند طلوع الشمس كان «جرسونات» قهوة متروبول يستقبلون وفودنا ~~و«يصطحبون» بوجوهنا. وكنا إذا جلسنا لا نغادر المكان إلا ساعة التشطيب بعد منتصف الليل ~~بساعتين على الأقل. أمال إيه ... حانروح فين ... لا وظيفة ولا يحزنون! # كانت هذه القهوة دارا للندوة، أو برلمانا يعقده الممثلون، فيتناقشون في أقرب السبل ~~للحصول على المال الذي يستطيعون به أن يؤلفوا فرقتهم المشتهاة. # حصانة جرسونية # وقد ms031 رأى - الله يرضى عنهم - الجرسونات أننا أصبحنا (بمضي المدة) أصحاب محل، وبذلك ~~ينطبق علين قانون الأعضاء. وهذا القانون ينص على أنه إذا جلس واحد منا، فلا لزوم لأن ~~يتقدم الجرسون، «متمسحا» لمسح الطاولة، أو «تطويقها» في حركة الانتظار التقليدية إياها ~~... لعل الزبون «يحس» من نفسه، فيطلب «اللكوم» أو السكر زيادة أو واحد مضبوط على الريحة! # أقول كنا نجلس في هذه القهوة متمتعين بحصانة «جرسونية» وكنا نبني في مناقشاتنا ~~مستقبلا من الآمال. وأذكر أن أحد زبائن القهوة الذين كانوا يترددون عليها كثيرا دون أن ~~تكون لديهم مثل «حصانتنا» واسمه السيد «بحري»! # أذكر أن شيئا من الصداقة تولد بينه وبيننا. فكان بين وقت وآخر، يعطف على بعضنا ~~بسيجارة، أو يحتم أن يطلب لنا طلبا، «واحد قهوة مثلا أو فنجان شاي!». # وقد رأى صاحب القهوة (اليوناني) أن يستفتي السيد بحري في أمرنا، فسأله عنا وعن ~~أحوالنا، وما السبب في معيشة «العواطلية» التي نحياها دون أن نشق لنا طريقا في عباب هذه ~~الحياة؟ فلما عرف منه أننا طائفة من الممثلين، وأنه لا ينقصنا إلا الحصول على مبلغ ضئيل ~~لا يتعدى العشرة جنيهات، أقول لما وقف الرجل على مطلبنا هذا، أظهر منتهى الاستعداد ~~للدفع! فكان ذلك مفاجأة عجيبة لم نكن ننتظرها. وقد أنعم كل منا فكره في تأويل هذه ~~الأريحية التي نبتت مرة واحدة، كما يتفجر الينبوع العذب من الصخر الجدب. # اصرف ما في الجيب # قال أحدنا: «إن هذا العمل من الخواجة بشير بالنجاح، لأنه رجل يعرف من أين تؤكل الكتف، ~~ويستحيل أن يغامر بدفع رأس المال، إذا لم يكن واثقا من استرداد مبلغه هذا أضعافا ~~مضاعفة». أما أنا فقد ذهبت في التفسير مذهبا خالفت به الجميع، فمع اغتباطي بتساهيل ~~الله، على يدي الخواجة صاحب قهوة متروبول، قلت لإخواني بأنني لا أرى دافعا لتصرف ~~الخواجة إلا أنه «طهق» من «خلقتنا». فأراد أن يتخلص منا بأي طريقة، مهما كان فيها من ~~تضحية مالية، وسواء أكان هذا هو السبب أم ذاك، فقد وصلنا إلى بغيتنا وحصلنا على ms032 مبلغ ~~الجنيهات العشرة. وكم كان ظريفا من بعض إخواننا أن يقترحوا «توزيع» المبلغ علينا، وبلا ~~فرقة، بلا دياولو، وليحيا «اصرف ما في الجيب يأتك ما في الغيب!». # ودون أن أطيل عليك أقول إن هذا المذهب لم يجد أنصارا كثيرين. فتقرر أن نستعمله في ~~الغرض الذي دفع من أجله، وبدأنا نؤلف فرقتنا من العبد لله، والأساتذة عزيز عيد، وأمين ~~عطا الله، وأمين صدقي، واستيفان روستي، وحسن فايق، وعبد اللطيف جمجوم، والسيدة روز ~~اليوسف وغيرهم. # الفصل الرابع # | في المسرح الكوميدي # فرقة الكوميدي العربي # أما المسرح الذي وقع عليه الاختيار كي تعمل به فرقتنا الجديدة فهو مسرح برنتانيا ~~القديم. # وأطلقنا على فرقتنا الجديدة اسم «فرقة الكوميدي العربي» واتفقنا على أن نفتتح العمل ~~برواية «خلي بالك من إميلي»، وكان قد نقلها عن الفرنسية الأستاذ أمين صدقي. # وجاء أول توزيع الأدوار، فاختصوني بدور «برجيه» والد إميلي: وهنا أستميح القراء ~~الأفاضل في وقفة، على الهامش، تلجئني إليها أهمية ذلك التاريخ الذي أسرده بصدق وأمانة. # لا شك أنني كنت في ذلك الحين أهوى التمثيل من كل قلبي، ولكنه ميل كان منصبا على نوع ~~واحد من هذا الفن هو «الدرام». أما الكوميدي فلم أكن أشعر نحوه بأية عاطفة. كما أنني ~~كنت أحس أنني لم أخلق له، وإذا ما بدا لي أن أظهر في دور كوميدي فسيكون السقوط حليفي. ~~والطماطم ... من الجمهور نصيبي! # والآن فلنعد إلى مواصلة حديثنا فنقول إن «برجيه» هذا جندي بوليس قديم، له ابنة جميلة ~~كان يعيش عالة على كدها وسعيها، أو «بالمفتشر» عايش على قفا بنته، وإن المؤمن لا يستحي ~~من الحق! الدور جامد، وبطل من أبطال الرواية، وفوق هذا وذاك فهو فكاهي خفيف. # اعتذرت أولا عن قبوله ثقة مني بأنه أكبر من أن أستطيع إجادته. ولكن اعتذاري هذا رفض ~~رفضا باتا، لا لاعتقاد الفرقة بقدرتي، بل بحجة أنه لا يوجد ممثلون يكفون لأداء أدوار ~~الرواية. يعني يا سي عزيز عيد، أروح أنا في ستين داهية علشان حضرتك مش لاقي ممثل يعمل ~~«برجيه»؟! # اعتذرت عن ms033 قبول الدور الذي أسنده إلي عزيز عيد، وهو دور برجيه، وتوسلت أن يعفوني من ~~أدائه، ولكن لم تفد توسلاتي واسترحاماتي، فرأيت ألا بد مما ليس منه بد. فقبلت الدور ~~مرغما وذهبت إلى المنزل فأغلقت على نفسي الحجرة، ورحت أرسم له شخصية أؤديه بها. ووقفت ~~أمام المرآة ألقي جمل الدور واحدة إثر أخرى، وأرقب ما يرتسم على وجهي من تعبيرات، ~~متلمسا السبيل إلى إجادتها، ولكن ... والحق أقول، أحسست نفسي سمجا ثقيلا. # أخيرا جددت الاعتذار لعزيز عيد، فأمعن في الرفض، وكنت كلما اقترب اليوم المحدد ~~للافتتاح ازداد خفقان قلبي، و«تلخلخت ركبي»، وركبني مائة عفريت وعفريت. # ساقط ساقط! # تصور أيها القارئ العزيز جبانا داخل اليأس قلبه واحتل فؤاده! لقد كان هذا حالي ليلة ~~البدء بالتمثيل، فدخلت حجرة المكياج وأتممت تلوين وجهي، كي أظهر بمظهر العجوز الشيخ ~~«برجيه» الله يمسيه بالخير. واعتزمت - مادام ساقط ساقط - أن أغامر، وأن أخدها بالعريض، ~~وأطلع فيها مرة واحدة. وخليه سقوط بالشرف: # وإذا لم يكن من الموت بد # فمن العجز أن تكون جبانا! # اقتحمت المسرح وتشجعت وأديت الدور. ولشد ما كانت دهشتي حين سمعت أرجاء الصالة تضج ~~بالضحك ويتجاوب التصفيق جوانبها!؟ # لم أكن أصدق أنني أنا الذي أنتزع هذا الضحك وذاك التصفيق من الجمهور. وأنه لابد وأن ~~يكون غيري مصدرهما، فنظرت خلفي وإلى جانبي لعل ممثلا مختبئا يضحك الناس دوني، ولكن لم ~~أجد! # ولست أغالي حين أعترف من غير تواضع، والأجر على الله، بأن دوري فاز بقصب السبق وأن ~~إخواني، مع أنهم كانوا أبطال الكوميدي في مصر، وعماد الفكاهة فيها، لم ينلهم مثل ما ~~نالني. # وإني لأذكر في هذه المناسبة حادثا طريفا لا بأس من سرده. من فائق النجاح! # قابلت في آخر الليل المدير المالي: وهو الخواجة (صاحب قهوة متروبول)، ولم يكن يعرف ~~أنني أمثل. بل كان يزعم أنني أحد مديري الفرقة وبس! سألت «الخواجة» عن رأيه في الرواية ~~وممثليها، فقال باللهجة العربية الممتزجة «بالجريجية». «يا سلام! يا سلام فري ... دي خاجه ~~تمام ... خاجه خلوه ... الراجل فري دي برجيه ms034 إيه ابن الكلب ده!!». # ثم تفضل فوجه إلي هذا السؤال «من خنزير عجوز برجيه دي مسيو نجيب؟» # فأجبته: «أهو واحد ممثل. بكره تعرفه والسلام». # وفي اليوم التالي، كان «الخواجة» قد عرف من زملائي أن الخنزير العجوز برجيه لم يكن ~~إلا ... نجيب الريحاني، ومن ثم جاء يضاعف تهنئته لي. ويعتذر عن إعجاب أمس المقرون ~~بالسباب. # هبوط! # وبعد أيام من عمل فرقتنا في مسرح برنتانيا القديم رأينا الإيراد بدأ «يخسع»، وحالة ~~الأسهم في هبوط مخيف. فلم يكن الدخل يزيد في ليلة من الليالي عن العشرة جنيهات أو ~~الثمانية كان الجزء الأكبر منها يدفع في إيجار التياترو. والباقي يقسم على أسهم ~~الممثلين. فكان يخص السهم إذ ذاك «ثلاثة تعريفه». وإذا «نغنغت» الحالة في إحدى الليالي، ~~ارتفع نصيب السهم إلى سبعة عشر مليما أو ثمانية عشر. # ولم نكن نعمل طيلة أيام الأسبوع، بل كنا نكتفي بثلاث ليال فقط كنت أحصل في أثنائها ~~على مبلغ يتراوح بين الاثني عشر والأربعة عشر قرشا أسبوعيا. أما بقية أيام الأسبوع، فقد ~~كانت تشغلها البروفات. والبروفات بالطبع لا أجر عليها. # كنت أسكن كما سبق القول - في مصر الجديدة - وكانت أجرة المترو عشرة مليمات في الذهاب ~~ومثلها في الإياب. فأين لي العشرون مليما أدفعها للحضور والعودة في أيام ~~البروفات!! # وبعد محاولات ومحاولات، صدر الأمر بإعفائي من الاشتراك في البروفات ماعدا البروفة ~~النهائية، فقد تحتم علي حضورها. وفي ميدان الاقتراض والسلفيات متسع للجميع. # مقلب من الوجه البحري # القصد، مر علينا عهد كاد قحطه يودي بنا، فرحنا نتلمس السبل للتغلب عليه. وكان بين ~~ممثلي الفرقة شاب ممتلئ بالنشاط هو المرحوم أحمد حافظ شقيق الأستاذ عبد المجيد شكري ~~الممثل بفرقة الأستاذ يوسف وهبي. طلع علينا المرحوم أحمد حافظ بفكرة نالت من الجميع حسن ~~القبول، هي أن يسافر إلى المنصورة لترتيب حفلات تحييها الفرقة هناك. ووافق الجميع ~~بالطبع، فغادرنا أحمد حافظ إلى المنصورة، ولم يمض عليه فيها يومان، حتى كتب خطابا إلى ~~الأستاذ عزيز عيد يبشره فيه أن الدنيا «قهقهت» لنا مش بس ضحكت. ms035 وأن الطلبات تنهال عليه ~~للحصول على التذاكر، وأن إيراد الليلة في المنصورة لن يقل عن الستين جنيها ... وأن .... ~~«وظأططنا»، وانقلبت أتراحنا أفراحا، وظللنا ننتظر اليوم الموعود بصبر نافد. إلى أن حل ~~الأوان، فقصدنا إلى «أرض الميعاد» ... المنصورة، في القطار الذي يغادر العاصمة قبيل ~~الظهر. وأذكر أن أحدا منا لم يتناول طعاما إذ ذاك. لأن الحالة لم تكن تسمح بشراء رغيف ~~واحد ... ولو حاف. # ولكي أكون أمينا في سرد الحوادث أعترف بأننا اقترضنا أجرة سكة الحديد على الحساب، كما ~~أن الجوع ظل «يشاغبنا» ويتلاعب بأمعائنا طول الوقت الذي قضيناه في القطار. كل هذا ونحن ~~نأمل أن نجد طعامنا في المنصورة بعد تسلم الإيراد «العظيم» من الأمبرزاريو (المتعهد) ~~أحمد حافظ. الله يرحمه ويحسن إليه. # ووصلنا إلى المنصورة، وحملنا أمتعتنا، وبلاش أطول في الوصف اللي مافيهش فايده ... ويكفي ~~أن أقسم أننا ظهرنا على المسرح في تلك الليلة ببطون خالية وأمعاء خاوية ... وبس!! # تبخرت الأماني والآمال. وضاعت الوعود الحلوة التي كانت تزخر بها خطابات مندوبنا، في ~~الوجه البحري. بلغ إيراد الليلة الأولى أربعة جنيهات مصرية لا غير ... وخرم حساب أحمد ~~حافظ ذلك التخريم الذي أترك تقديره لخيال القارئ العزيز. # ويلاه ما حيلتي. ويلاه ما عملي. على رأي المنولوج إياه! وماذا نفعل بالقروض التي ~~فتحنا بها حسابات جارية هنا وهناك! # عزومة! # نهايته، أترك ذلك برضه لذكاء القراء الأعزاء. وفي آخر الليل وبعد التمثيل خرجت من ~~المسرح وحيدا فعثرت في طريقي على بائع سميط عال، وجبنه رومي، فجرت بيننا مفاوضات انتهت ~~بالرضا والاتفاق على شراء سميطة واحدة بالممارسة. ومعها قرطاس دقة «فوق البيعة». # وسرت في طريقي أقضم السميطة قضما، وما هي إلا خطوات حتى لقيني الصديق «الأمبرزاريو» ~~أحمد حافظ. وبعد التحية المناسبة للمقام. من داهية تسم الأبعد، إلى غور جاك دم يلهف ~~القفا! بعد تبادل هذه التحيات التي لابد منها في مثل هذه الظروف، سألني إلى أين أقصد، ~~فقلت إلى اللوكاندة بالطبع. فضحك ضحكة هتكت ستر الليل وقال «تعال أنا عازمك الليلة في ~~فسحة على كيفك!!». ms036 # عازمني! عازمني إيه يا بلا، وأنا مافيش في جيبي ثمن حتة جبنة أغمس بها ~~السميطة؟ # فقال «ولا يهمك». ثم داعب بأصابعه جيوب صديريته فسمعت رنين النقود التي كدت أنسى ~~لونها. فاطمأنت نفسي وقبلت أن أمضي السهرة معه. # وهنا أستميح القراء في أن أمر على تلك السهرة مر الكرام، وأن ألقي على تفاصيلها طشت ~~غسيل. مش ماجور بس!! ويكفيهم مني أن أقول إنها كانت ليلة «بوهيمية» وإننا توسعنا إذ ذاك ~~في الانبساط، كأنه كان آخر زادنا!! كل ذلك وأنا أخشى ألا يغطي ما في جيوب زميلي حافظ ~~نفقات هذه الليلة. # وفي صباح نهاية السهرة خلوت بالسيد السند، وسألته عما لديه من النقود؟ فأخرجها ... وإذا ~~بالمجموع ثمانون قرشا صاغا ليس إلا! فلما تقدم كشف الحساب، اتضح أن المطلوب منا أربعة ~~جنيهات!! يا نهار زي الكوبيه يا أحمد يا حافظ! هي كل سكك كده؟ # فاعل خير # نهايته. لم تفد التوسلات والاسترحامات. فكانت نجاتنا على يد مجهول. الله لا يغلب له ~~وليه. ولكي أخلص ذمتي. أقول بأنني بعد سنوات كثيرة من هذه الحادثة، وبعد أن ألفت فرقتي ~~التي تحمل اسمي، ذهبت إلى المنصورة لإحياء حفلات بها. وقصدت إلى المكان المعهود خاصة ~~لمقابلة ذلك «الجندي المجهول»، ودفع ما في عنقنا من دين وفوقه ولو كلمة متشكر أو ممنون ~~... إلخ، ولكن أقول مع الأسف الشديد إنني لم أعثر عليه طيلة إقامتي في المنصورة ... فعوضه ~~على الله، ومين قدم شيء بيداه التقاه! وهنيالك يا فاعل الخير. # ولما كان الشيء بالشيء يذكر، فلا بأس من أن أشير هنا إلى خناقة لرب السما، وقعت بين ~~السيدة روز اليوسف وبين الأستاذ عزيز عيد، كان من نتاجها أن وقع طربوش الثاني أسيرا في ~~يد الأولى. فكان نصيبه منها التقسيم إلى أربعة أجزاء متساوية. هذا عدا ما حدث «للزر» ~~الذي لم يبق منه «فتلة» ... توحد الله. # لم يكن بالطبع لدى الأستاذ عزيز طربوش آخر، كما أنه ما فيش لزوم أقول لك إن الحالة ~~المالية لم تكن تسمح بشراء رباط جزمه، مش طربوش ms037 كمان. واضطر عزيز أن يسير في الشارع ~~«حافي» الرأس ... أو عاريه. ولم يكن التمدن في ذلك الحين قد طلع علينا بمودة «الاسبور» ~~الحالية، التي تبيح السير بلا طربوش. ولو فرض حتى وكانت هذه المودة موجودة، فإن السيد ~~عزيز آخر من يلجأ إليها. # نهايته. لم يكن حظ ليالي المنصورة الباقية من وجهة الإيراد خيرا من الليلة الأولى. ~~فقد كانت الحالة نايمة إلى درجة لا يتصورها أحد. وكنا عايشين على القدرة. ومن غير تطويل ~~أو شرح، أقول إننا فتحنا قرضا جديدا في المنصورة لأجرة العودة بسكة الحديد إلى القاهرة. # لم تكن هذه الأهوال المتلاحقة لتدخل اليأس إلى قلبي، بل كانت تملؤني يقينا باقتراب ~~ذلك اليوم الذي يعرف فيه الناس لهذه المهنة حقها، ويغيرون آراءهم بالنسبة لها. أضف إلى ~~ذلك أنني عقدت العزم على أن أجاهد ما استطعت، واضعا نصب عيني هدفا واحدا، هو حمل الناس ~~على الاعتراف بالتمثيل كمهنة تشرف أصحابها وتتشرف بانتسابهم لها. # كان اتفاقنا مع إدارة تياترو برنتانيا (القديم) جائرا بالنسبة لنا، ففكرنا في ~~الانتقال إلى مسرح آخر على قد الحال، يكون إيجاره أقل من إيجار ذلك المسرح الذي كان ~~يلتهم أرزاقنا التهاما، وانتهينا إلى اختيار تياترو الشانزلزيه بشارع الفجالة. # زعرب ...! # اتفقنا مع إدارة تياترو الشانزلزيه على أن نشغله بفرقتنا (الكوميدي العربي)، وبدأنا ~~في إجراء البروفات. وفي أحد الأيام، وبينما كنت جالسا مع بعض زملائي أمام الباب ~~الخارجي، إذ هبط من الترام شخص يحمل بين يديه حقيبة، بل قل «بقجة». ~~- سلام عليكم يا جماعة. ~~- عليكم السلام يا أخينا ... إيه خير إن شاء الله!! ~~- أنا عبد اللطيف المصري، ممثل كبير، وسمعت أن عندكم شغل وعاوز أشتغل وياكم!! ~~- أهلا وسهلا ... تفضل يا سيدنا تناول كام سهم أنت راخر!! # ذكرت هذا الحادث، لأن عبد اللطيف المصري هذا أصبح فيما بعد ممثل دور (زعرب)، التابع ~~الخاص لكشكش بك عمدة كفر البلاص، كما سيأتي القول في حينه، ولا مانع هنا من أن أذكر أن ~~عبد اللطيف رأى أن يشارك الزميل أمين عطا الله في مسكنه، ms038 وكان عبارة عن غرفة في أعلى ~~بناء التياترو أثثها أمين أثاثا فاخرا، بالنسبة للحالة إذ ذاك يعني زي ما تقول مرتبة ~~ولحافا ومخدتين وقلة وكباية ... ورأسك تعيش!! # سكن عبد اللطيف مع أمين، فكان اجتماعهما كاجتماع القط والفأر. وقد كنت أود - لولا ~~الإطالة - أن أشرح بعض المقالب التي كان يدبرها أمين لزميله، والتي كانت تحتاج في كثير ~~من الأوقات إلى عقد لجنة مصالحات خاصة لإصلاح ذات بينهما. ولكني أرجئ ذلك إلى مناسباته. # أخرجنا في «الشانزلزيه» طائفة من الروايات، منها «عندك حاجة تبلغ عنها» و«ضربة مقرعة» ~~و«الابن الخارق للطبيعة» و«المهرج بلفجور». # ليلة بين اللصوص # حدث في أحد الأيام أن تراءى للزميل علي يوسف أن يسير بي إلى مكان غير مأمون العاقبة، ~~فكانت النتيجة أن قبض علينا. وكان في جيبي إذ ذاك خمسون قرشا أخرجتها «وغمزت» بها جندي ~~البوليس الذي زغللت عيناه وتراخى في حماسة. وشاور عقله في تذليل هروبنا، ولكن «أبا ~~يوسف» أخذته العزة بالإثم فصرخ صرخة مضرية وقال: ~~»انت عبيط يا نجيب! ليه تدي العسكري فلوس؟ دلوقت تشوف رايح يجري إيه؟». # وما إن سمع الجندي هذا التحدي لمقامه الكريم في أثناء تأديته وظيفته، حتى غلا الدم في ~~عروقه، وأخذته نخوة «الحكام» العظام، وأضاف إلى تهمتنا الأصلية، تهمة أخرى فرعية، هي ~~الشروع في ... رشوة!! قلت (بس) ختمت على روسنا يا سي علي يا يوسف!! وبدل تهمة واحدة بقو ~~اثنين، ووقعنا في سين وجيم، وقول علينا يا رحمن يا رحيم. فقال: «يا شيخ ما يهمكش. شد ~~حيلك دلوقت تشوف». فشديت حيلي ودخلت معه القره قول. فماذا شفت؟ ألقوا بنا في «الحاصل» ~~أو الحبس القذر بين المتشردين واللصوص، وأذكر أنني كنت في ذلك اليوم أرتدي بدلة بيضاء. ~~الله يا سيدي على التيل الأبيض من نومه على الأسفلت طول الليل! # إن ما قاسيته في هذه الليلة لا يمكن أن أنساه، كما أنني لا أنسى كلما ذكرت آلامي أن ~~أعترف بجميل السيدتين سرينا إبراهيم ونظلة مزارحي، اللتين برزتا لنا في صباح اليوم ~~التالي كملائكة الرحمة، وقد ms039 حملتا إلينا الفطور والسجاير وكل ما خف حمله ولم يغل ثمنه. # ونترك هذه الحوادث ونعود إلى المسرح فأقول إنني بدأت أشعر أن قدمي قد ثبتت تماما، ~~وأنني أصبحت شيئا مذكورا، أجيد تنفيذ ما يجول في مخيلتي من أفكار فنية. إذ كنت أدرس ~~دوري وأعرف كيف أرضي الجمهور، وكيف أتعمق إلى قرارة الشخصية التي تسند إلي. # مع منيرة المهدية # ومع ذلك لم تكن حالة الفرقة من الوجهة المادية تسر أحدا. فظللنا نفكر في طريق ~~الإصلاح، لعل وعسى يفرجها من لا يغفل ولا ينام. # وهبط علينا علي يوسف في تلك الأثناء باقتراح لم نتأخر في تنفيذه، قال: «إن السيدة ~~منيرة المهدية اشتهرت في عالم الغناء، فماذا لو جعلنا منها ممثلة تظهر كذلك على ~~المسرح؟». # وحصل الرضا والاتفاق على أن تمثل السيدة منيرة المهدية في كل ليلة فصلا من إحدى ~~روايات الشيخ سلامة حجازي، ثم نمثل نحن روايتنا كالمعتاد. على أن يكون الإيراد مناصفة ~~بين الفرقة ومنيرة. # واختير لأول ظهور المطربة الكبيرة الفصل الثالث من رواية «صلاح الدين الأيوبي»، وفيه ~~تغني القصيدة المشهورة «إن كنت في الجيش أدعى صاحب العلم». # ونجح برنامجنا والحق يقال، وأقبل الناس إقبالا لم نكن ننتظره. # كانت السيدة منيرة في ذلك العهد تقطن في مصر الجديدة. وبما أنني من سكان هذه الضاحية، ~~فقد اختارتني إدارة الفرقة كي أراجع للمطربة أدوارها نهارا، وأدخل لها ما تمثله مساء. # وفي اليوم الأول دخلت منزلها أمشي على استحياء، يعروني ثوب من الخجل. وتقدمت ربة ~~البيت ... لا لتراجع معي الدور، ولكن لتداعب حيوانا أليفا كانت تقتنيه. أتدري ما هو ~~«عرسة»، أي والله عرسة! والعرسة كما يعرف أصحاب البيوت حيوان كل همه ارتكاب جرائم القتل ~~خنقا ضد الطيور المنزلية المفيدة كالدجاج والحمام. ولكن «عرسة» الست منيرة كانت يا أخي ~~شيء إلهي محبوبة من الجميع. # وجدت أن مراجعتي للست لا فائدة منها، لأن النظرة في وش «العرسة» خير لها ألف مرة من ~~التطلع إلى العبد لله ...! وفي الحال اعتذرت للفرقة عن أداء هذه المهمة. والبركة في ms040 ~~الإخوان، اللهم زد وبارك. # عودة إلى الفلس # قلت إن الجمهور تهافت على مسرحنا، وارتفع رقم الدخل ارتفاعا غير منتظر. ولكن لم تمض ~~مدة طويلة حتى شعرت السيدة منيرة أنها هي وحدها المقصودة بهذا الإقبال، وأن اسمها هو ~~الذي يجذب الناس إلى ارتياد التياترو، وأنه من الغبن لها أن نشاركها في الإيراد نصفا ~~بنصف. # ومن ثم صممت على فصم الارتباط. وأنتم من هنا يا أولاد الناس وأنا من هنا، ولقد صح ~~تقدير «الست» ... فما كادت «تسلت» يدها من الفرقة، حتى انسحب على أقدامها الخير الذي عمنا ~~ردحا من الزمن. وعدنا إلى «غلب الزمان». دخل النحس علينا بعد أن فارقتنا وما خلنا أنه ~~نسينا وعرف مضيفين غيرنا. ولكن لا، ما يمكنش نهرب منه. ولو كنا في بروج مشيدة! # وبعد مدة قضيناها. في تلطيش من اللي قلبك يحبه، جاء من يقترح علينا اقتراحا جديدا. ~~كان إخوان عكاشة يعملون على مسرح دار التمثيل العربي، وكان حالهم كحالنا. يعني كنا في ~~الهوا سوا. بس إحنا أميز منهم شوية. لأنهم كانوا ... الله لا يوري عدو ولا حبيب. # والاقتراح هو أن نعقد اتفاقا مع «العكاكشة» على العمل في مسرحهم. مع بقاء الفرقتين ~~مستقلتين الواحدة منهما عن الأخرى، بمعنى أن كلا منهما تمثل ليلة. والإيراد المتجمع ~~يقسم مناصفة بين الفرقتين. # وعقد الاتفاق بالفعل، وانتقلنا من الشانزلزيه إلى دار التمثيل العربي بشارع الباب ~~البحري لحديقة الأزبكية. وكانت نتيجة هذا الاتفاق على رأي المثل، كالمستجير من الرمضاء ~~بالنار! # بارزت عزيز عيد # ويحضرني بهذه المناسبة حادث وقع في الليلة الأولى من عملنا بدار التمثيل العربي لا ~~بأس من ذكره. # كثيرا ما كانت الغيرة على مصلحة العمل تدعو السيدة روز اليوسف إلى الوقوف موقف العناد ~~التام مع الأستاذ عزيز، وكم لهما من مناقشات انقلبت إلى مشاحنات فمصادمات ... إلخ. # ففي الليلة الأولى وقع ما أدى إلى إصرار الاثنين على عدم الظهور على المسرح مطلقا. ~~وكان عليهما رفع الستار فلما حان الموعد ورأيت حرج الموقف. حملت عزيزا بين يدي وقذفت به ~~إلى خشبة المسرح ms041 بعد أن رفع الستار، فوجد نفسه أمام الجمهور واضطر إلى التمثيل. ودخلت ~~السيدة روز اليوسف واندمجت في دورها وكأن شيئا لم يحدث على الإطلاق. # وانتهت الليلة على خير. وظننت أن كل شيء قد انتهى، ولو من ناحيتي أنا. ولكن الغريب أن ~~الأستاذ عزيز تقدم إلي في حركة عصبية غريبة، وطلب مني أن أدخل معه في «دويللو». يا دي ~~الداهية يا أولاد ... «دويللو» كده حتة واحدة! # وفكرت طويلا قبل أن أجيبه إلى طلبه، ثم شاورت عقلي، بم أجيب؟ وإذا نزلت على تلك ~~الرغبة فأي سلاح أختار؟ وهل هناك ما يمنع إذا صارحته بأن تكون «الصرمة» سلاحنا في ~~مبارزة سلمية كهذه؟ «فالصرمة» على كل حال سلاح إذا طال عمره ما هو مسيح نقطة دم ~~واحدة! # دارت هذه الأفكار في مخيلتي، ولكنني فضلت أن أحتفظ بهذا الاكتشاف الثمين في عالم ~~المبارزة فتركت عزيزا دون أن أفوه بكلمة. # وقد قلت إننا بعد أن هجرتنا السيدة منيرة اتفقنا مع فرقة أبناء عكاشة على أن نعمل في ~~مسرح دار التمثيل العربي ليلة بينما تعمل الفرقة العكاشية ليلة أخرى وهكذا. # وسار الحال على هذا المنوال إلى أن كان شهر مارس عام 1916 حيث أحسسنا أن وجودنا مع ~~العكاشيين لم يزدنا إلا خيالا، فنشدنا الاستقلال وقررنا أن نترك ما لعكاشة لعكاشة، ~~وننقل حالنا ومحتالنا إلى تياترو برنتانيا مرة أخرى. ومن فات قديمه تاه. # وبعد أن عملنا مدة شعرت أنني أزداد كل يوم نجاحا عن سابقه، وأن الجمهور يرمقني بشيء ~~من انتباهه، ومع ذلك فقد كنت مهضوم الحق لا من الناحية المادية وحدها، بل ومن الناحية ~~الأدبية كذلك. فتشجعت وطلبت إلى الأستاذ عزيز عيد أن يضع اسمي في إعلانات الفرقة، وأن ~~تكلأني الإدارة بشيء من الرعاية من حيث تعريف الجمهور بممثل يحب الجمهور نفسه أن يعرف ~~عنه الكثير. ولكن عزيزا رأسه وألف سيف، مش ممكن وضع الاسم. يا سيدي يهديك، مافيش فايدة. ~~فلما فكرت في واقع الأمر، ورأيت الحالة المؤلمة التي تعيش فيها الفرقة قلت: # سيبك يا واد. بلا ms042 فرقة بلا دياولو. وما دامت الفرقة «ميتانة ميتانة» فأشرف لي أنني ~~أموت بعيدا عنها، وأريح نفسي من قرفها . # انفصال ...! # وفي شهر مايو من عام 1916، وما زلت أذكر التاريخ تماما، هجرت فرقة الكوميدي العربي ~~دون أن أفكر في العمل الذي أعيش منه. # وظللت شهرا ونصف شهر أقدح زناد الفكر، وأعرض على بساط البحث، اقتراحات كثيرة، ~~بمشروعات أعمال واسعة النطاق، النجاح فيها مضمون 24 قيراطا. ولكن آخ يا خسارة. مافيش ~~فلوس! # وفي تمام الساعة الواحدة من مساء يوم أول يونيو عام 1916 كنت جالسا في بوفيه تياترو ~~برنتانيا. مفلسا كالعادة. وإذا بي أرى شخصا يهبط علي في سترة فاخرة وعصا ذهبية المقبض ~~وخاتم يلعب شعاعه بالنواظر. فلما جلس إلى جانبي أخرج من جيبه علبة سجاير فاخرة من الفضة ~~وفي حركة أرستقراطية فخمة، ناولني سيجارة!؟ # أتدري يا عزيزي القارئ من هو هذا «الوارث» العظيم الذي وصفت. أنه استيفان روستي، زميل ~~العناء والشقاء، استيفان اللي كان زي حالاتي يشتهي سيجارة ماركة الحملي ... والا حتى ~~ماركة الكوز! # إيه يا ولد النعمة اللي ظهرت على جتة اللي خلفوك دي، ومنين العز دا كله؟ تكونش «سطيت» ~~على خزينة البنك الأهلي؟ والا قتلت واحد بنكير ولطشت اللي في جيبه؟ وبكل برود هز ~~استيفان رأسه وقال: «لا هذا ولا ذاك، المهم أن ربنا فرجها علينا والسلام». # خيال ظل ...! # وبعد مناقشات لاستطلاع سر هذا الثراء المفاجئ، ذكر لي استيفان أن هناك «كباريه» خلف ~~برنتانيا يطلقون عليه اسم «أبيه دي روز» وأنه وجد هناك عملا يتقاضى عليه ستين قرشا في ~~كل مساء! # يا نهار أبوك زي الكرمب يا استيفان يا روستي؟ ستون قرشا في الليلة، يعني قد ماهية ~~العبد لله في الشهر إذا كانت الحالة رايجة كمان! # وراح استيفان يشرح لي ماهية عمله. # فإذا به يظهر خلف ستار من الشاش أثناء انطفاء الأنوار في المحل، فيؤدي من مكمنه هذا ~~بعض حركات هزلية، وغير هزلية. يعني بالعربي «خيال ظل» ... # فقلت له: «إنني أعلم أن سمعة هذا المكان لا تتفق وكرامة الإنسان» ... # فأجاب: ms043 «وأنا مالي ومال الكلام الفارغ ده. أنا راجل باشتغل من «وراء الستار» ولا حد ~~عارفني ولا حد شايفني». ~~«ثم أن الوقت اللي بامضيه في عملي لا يزيد عن ربع ساعة في كل ليلة، ألهف فيهم الستين ~~صاغ، ولا حد شاف ولا حد دري!». # وفكرت مليا ثم وضعت يدي في جيبي فإذا بها تخرج بيضاء من غير سوء. يعني من غير تشبيه ~~ولا تمثيل. كان الفلس ضاربا أطنابه بشكل يخلي الواحد يبيع هدومه. # أخيرا مددت يدي إلى استيفان، وقلت: «ألا مافيش عندكم شغلة لواحد زيي؟ أي دور، خدام، ~~سيد، باشا، بيه، أفندي، واحد مش لاقي اللضا، أي دور أنا قابل. ثم مش طمعان كمان، نص ~~ريال في الليلة كويس قوي، وثمانية صاغ كمان ... رضا!». # وتركني استيفان بعد أن وعدني خيرا. وفي المساء تلاقينا أمام باب «الأبيه دي روز» ~~فقادني إلى صاحب الملهى وكان إيطاليا اسمه الخواجة «روزاتي». # وكان اسكتش «خيال الظل» المزمع إخراجه في تلك الليلة يحتاج إلى ظهور خادم بربري، ~~فقدمني استيفان لروزاتي قائلا إنني ممثل كبير مشهور، وإنني، ولم يكمل استيفان سلسلة ~~المحاسن والأوصاف، لأن الرجل قاطعه قائلا بالفرنسية: «لا لا، أنا مش عاوز ممثل كبير ~~وشهير، وبتاع ... أنا عاوز ممثل كل شيء كان لأن الدور مش مهم». # وهنا تدخلت أنا في المناقشة وقلت للخواجة: «أنا يا أفندم ممثل بسيط على قد الحال. لا ~~أنا شهير ولا أنا كبير». # فقال: «أنا مش رايح أدفع أكثر من أربعين قرشا». # فأبرقت أساريري، ونظرت إلى استيفان نظرة استفهام، لأنني لم أكن أصدق أن أحصل على مرتب ~~كهذا! # مفاجأة # وأشفقت على نفسي خوفا من أن يكون هذا المبلغ هو المرتب الشهري. وليس اليومي! وحين ~~زالت معالم الدهشة من نفسي، هنأني استيفان وقادني إلى مدير المسرح ومعاونة المسيو ~~روزاتي، وهي فتاة رائعة الجمال كانوا يسمونها «ليليان الجميلة». وهناك أفهمتنا ليليان ~~موضوع «خيال الظل» الذي سنؤديه في تلك الليلة، وكانت إدارة الملهى قد أعلنت في جميع ~~أنحاء القاهرة عن مفاجأة كبرى: هي أن هناك سيدة ms044 باريسية ذات جمال فاتن وحسن رائع، ستبدو ~~للجمهور خلف الستار الشفاف ثلاث ليال سويا، وفي الليلة الرابعة تظهر بشكلها الطبيعي ، ~~وأمام الستار لا خلفه. # ونجحت هذه الدعاية في جلب الجماهير الغفيرة طيلة الليالي الأربع، ولما آن وقت ظهور ~~المفاجأة المدهشة، عرف الناس أن السيدة الباريسية الفاتنة، لم تكن إلا استيفان روستي ~~بعينيه وأنفه و«شنبه». # وبعد ذلك بدأنا نمثل على المسرح روايات باللغة الفرنسية ذات فصل واحد: عمادها من ~~الذكور شخصان ... أنا واستيفان أما السيدات ... فقد كان الخير كثيرا ... والكباريه فيه الصنف ~~ده على قفا من يشيل ... فماذا كان يحدث أثناء التمثيل وهل نجحنا في عملنا أو كان الفشل ~~حليفنا؟ # الإجابة على هذا السؤال تتضح لك حين تعلم أن المتفرجين كانوا ينتهزون فرصة التمثيل ~~فيديرون ظهورهم إلى المسرح، ويتحدثون بعضهم إلى البعض الآخر، هازلين مصفقين ضاحكين، أما ~~نحن، فقد كنا نمثل للمقاعد وحدها. واللي مش عاجبه يشتغل في برنتانيا، بدال ما يشرب م ~~البحر؟ # الفصل الخامس # | كشكش بك # خيال ...! # في إحدى الليالي، استلقيت على الفراش واستعرضت أمام مخيلتي كل ما مر بي من تجارب ~~حلوها ومرها، ووقفت أمام الكثير منها استخلص ما تبعها من خير أو شر، فإذا بي أجد مواضيع ~~هي الترجمان الصادق لتلك الحياة التي نقضيها في هذا العالم المضطرب. # وفي فجر هذه الليلة، ولست أدري أكنت في تلك اللحظة نائما أم مستيقظا، وإنما الذي ~~أؤكده أنني رأيت بعيني رأسي خيالا كالشبح، يرتدي الجبة والقفطان وعلى رأسه عمامة ريفية ~~كبيرة، فقلت في نفسي. ماذا لو جئنا بشخصية كهذه وجعلناها عماد رواياتنا. # ولم أتوان في نفس الدقيقة، وكانت الساعة الخامسة صباحا، فقمت من فراشي وأيقظت أخي ~~الأصغر، وكان لي خير عون وساعد، ورحلت أملي عليه هيكل الموضوع الذي صممت على إخراجه، ~~وكان عبارة عن أن عمدة من الريف وفد إلى مصر، يحمل الكثير من المال فالتف حوله فيها ~~فريق من الحسان أضعن ماله وتركنه على الحديدة، فعاد إلى قريته يعض بنان الندم، ويقسم ~~أغلظ الإيمان أن يثوب إلى رشده، وألا ms045 يعود إلى ارتكاب ما فعل. # ولما أشرف الخواجة روزاتي صاحب ملهى «الأبيه دي روز» على الإفلاس وكاد يقفل «الملهى »، ~~تقدمت إليه أرجو تأجيل «النطق بالحكم» بضعة أيام، حتى أضع رواية قد تكون الداء الشافي ~~لداء الكساد!! # وقبل الرجل ما اقترحت عليه، فكان أن وضعت أولى روايات كشكش بك، وكانت عبارة عن اسكتش ~~فكاهي، يستغرق عشرين دقيقة، موضوعه كما ذكرت، وجعلنا اسم الرواية «تعالي لي يا ~~بطه». # كشكش بك لأول مرة! # وفي ظهر يوم الافتتاح كنا نجري البروفة النهائية، وقد أحسست حينذاك أن روايتي هذه ~~تعتبر مثلا أعلى في السخافة، وأنني لو كنت بين الجمهور أثناء تمثيلها لما وسعني إلا أن ~~ألعن خاش المؤلف، والمؤلف، بالطبع، هو أنا والمخرج برضه أنا، والملحن ... أنا أيضا! فقلت: ~~آه يا وقعتي يا أنا، وقبضت على قلبي بيدي من هذه اللحظة إلى مساء اليوم المذكور، حيث ~~قصدت إلى المسرح أسير هائما وساقاي لا تستطيعان حملي. # وجلست أمام المرآة أصنع لنفسي «مكياجا»، وأضع للمرة الأولى «ذقن كشكش بك». وانتهيت من ~~مهمتي ونظرت إلى شكلي في المرآة، ولا أنكر عليك يا سيدي القارئ أنني شاهدت وجها «فنيا» ~~يطابق الشخصية التي رسمتها في مخيلتي ... شخصية العمدة الريفي الساذج الذي أشاب الزمان ~~قرنيه، وما تزال أشعة السحر تبدو في عينيه. # وتوكلنا على الله ورفعنا الستار، واقتحمت المسرح بجبتي وقفطاني، ويا قاتل يا مقتول!! ~~كنت مضطربا بالطبع، وكان يلوح في خيالي سوء المصير إذا ما قدر لنا السقوط والفشل. إذ ~~أين أذهب؟ ومن أين لي الأربعون قرشا التي أتقاضاها عن كل ليلة، والتي تدفع عني هموم ~~الزمان وغوائل الحدثان؟ # في الزوغان السلامة # وانتهى التمثيل، وما أدري والله العظيم على أي حال انتهى؟ وهل نجحت الرواية أم سقطت؟ ~~وهل نالت القبول من مديرنا العزيز الخواجة روزاتي، أما سببت له امتعاضا فوق ما كان يشعر ~~به من «اشمئناط»؟! # القصد. رأيت أن أرجئ الاستفسار عن ذلك كله إلى اليوم التالي، فلبست معطفي ورفعت ~~«ياقته» أخفي بها أطراف وجهي عن الأعين، وتسللت على مهل ms046 متخذا طريقي إلى الخارج دون ~~المرور على الخزينة ... على غير العادة طبعا، لقبض الأربعين صاغا اليومية. # وفي اللحظة التي كدت أسلم فيها ساقي للريح عند الباب الخارجي، لمحتني وكيلة الملهى - ~~وكانت صديقة للخواجة - فصرخت تناديني، وكبل الوهم قدمي فوقفت في مكاني دون حراك، وقلت: ~~آخ ... جالك الموت يا تارك ... التياترو!! # وجاءت إلي الفتاة تهنئني بحرارة، وتحدثني أعذب حديث، وهي تبتسم ابتسامة الحبور ~~والانشراح!! ولكنني مع ذلك كنت أشك في الأمر، وأخشى أن تكون المسألة «تأليس في تأليس»، ~~وأن هذه التهنئة التي غمرتني بها ربما كانت تخفي وراءها «التهزيء التام والطرد ~~الزؤام»! # إلا أنها جذبتني من يدي، فمشيت خلفها متثاقلا إلى أن وجدتني وجها لوجه أمام الخواجة ~~«روزاتي»، الذي استقبلني متهللا هاشا باشا وصافحني قائلا: «أنا ما كنتش أظن أبدا أنك ~~ممثل عظيم بالشكل ده!! أنت هايل قوي، مبروك مبروك!!». # فقلت له: «العفو ... يا خواجتنا بس إيدك على جيبك بقى واتحفني، بالريالين الفينو!! الله ~~يطمنك». # ووضع الرجل يده في جيبه وأخرج ستين قرشا ناولني إياها وهو يقول: «أنت ماهيتك من ~~النهارده كده!!». # ووضعت المبلغ في جيبي وقابلت استيفان روستي خصيصا لأقول له: «ما حدش أحسن من حد. ~~والروس ساوت بعضها يا قفا!!». # رواية جديدة كل أسبوع # ولما اقترب الأسبوع الأول من نهايته، كنت قد أعددت رواية جديدة بالريالات الثلاثة ~~التي ارتفعت إليها ماهيتي اليومية!! # وفي هذه الرواية ارتقى كشكش بك عمدة كفر البلاص، وصار يستصحب في تنقلاته أمينا خاصا - ~~هو «ادلعدي» زعرب (شيخ الغفر)، وقد أسندت هذه الشخصية إلى السيد عبد اللطيف المصري. # ونجحت هذه الرواية كما نجحت سابقتها، ورأى صاحب الملهى بعد ما شاهد من ازدياد ~~الإقبال، أن يرتقي بالنظام بعض الشيء، فجعل رسم الدخول خمسين مليما بعد أن كان الدخول ~~بلا رسوم. وكتب الله لنا «الفتوح» فلم يقف مرتبي عند القروش الستين. إذ اتفق معي صاحب ~~الملهى على أن يكون لي إلى جانب الماهية، حصة تعادل خمسة في المائة من الدخل، نظير ~~التأليف والإخراج، فأقبلت الدنيا ترفرف بجناحيها، وبدأت ms047 «أحمر» عيني للبؤس القديم ~~الخالي وأضربه بالشلوت كمان! # وأخرجت روايتي الثالثة باسم «بكره في المشمش»، وبعدها وقفت كل أوقاتي على العمل وحده، ~~أخرج من المسرح ليلا إلى المنزل توا، ومن المنزل صباحا إلى المسرح، لا أعرف للراحة ~~طعما، ولا لمباذل الحياة معنى، وأصبحت الرجل الكامل الذي يعرف قيمة الوقت. فلا يفرط في ~~دقيقة منه دون عمل يؤديه فيه. # خصصت حياتي للفن! # وفي ذلك الحين كان التمثيل في نظر الخاصة وباء يهربون منه ويبتعدون عنه، ولكني شاهدت ~~ظاهرة غريبة قوت من عزيمتي وشدت أزري فيما عولت عليه! هذه الظاهرة أنني كنت في أحد ~~الأيام جالسا في محل (جروبي) القديم، وتصادف أن كان يجلس إلى الطاولة المجاورة لي اثنان ~~تبدو عليهما الوجاهة التامة، ويخيل للرائي أنهما من طبقة الباشاوات، أرباب المعاشات. ~~وكان أحدهما قد راقت له الخلوة فراح يقص على صاحبه نبأ سهرته بالأمس، ويروي له ما شاهده ~~قائلا: «... وبعدين يافندم راح على المسرح عمك كشكش بك ده ... وهات يا ضحك». # وفي يوم آخر كنت أسير في حي الأزبكية، الله يرحم أيامه، فلقد كان في ذلك الحين باسم ~~الله ما شاء الله!! # أقول كنت أسير، فإذا بي أسمع رهطا من النسوة ترتفع أصواتهن بإنشاد لحن من روايتي ~~«بلاش أونطه»، وشعرت بعد ذلك أنني كلما مررت في طريقي، أرى الأصابع تمتد بإشارة نحوي، ~~بينما الأفواه تردد: «هذا كشكش بك»! # في دار القرعة العسكرية # كنت قد بلغت سن الاقتراع قبل ذلك الحين بثمانية أعوام، فدفعت البدلية وعوفيت من ~~الخدمة العسكرية. وبعد الأعوام الثمانية وقع شيء من الجفاء بيني وبين أحد الجيران، فما ~~كان منه إلا أن أبلغ إدارة القرعة أنني هارب من التجنيد، فاستدعيت في يوم الفرز العام، ~~وذهبت لأثبت سوء نية هذا الجار، وأقدم البرهان القاطع على دفعي للبدلية. # فلما بلغت المكان ورأيت الزحام، انتحيت جانبا ووقفت أنتظر دوري. فسمعت أحد الجنود ~~يهتف باسم (نجيب الريحان)، فأجبت النداء على اعتبار أنه ربما نسي الياء الأخيرة في ~~(الريحاني). # وقادني الجندي إلى إحدى الغرف، وقد ms048 كنت على يقين أنني واجد فيها مجلس القرعة المؤلف ~~من فريق من الضباط، ولكن شد ما كانت دهشتي حين ألفيت الجلوس رهطا من المشايخ المعممين، ~~وليس بينهم حتى ضابط واحد يخزي العين، سلام عليكم ... عليكم السلام. # وتفرس في أحد المشايخ، وأشار لي بالجلوس فلما جلست قال لي: «اقرأ الربع الأخير من ~~سورة الأعراف!». # أعراف ... وأنا منين أعرف سورة الأعراف يا سي الشيخ؟ # قال: «أمال طالب المعافاة من القرعة العسكرية وبتدعي أنك حافظ القرآن ليه؟». # وحقق المشايخ ودققوا، فاتضح أن هناك فقيها اسمه (الشيخ بخيت الريحان)، وأنه حين طلب ~~للقرعة التمس المعافاة لأنه من حملة القرآن الكريم، فجيء به للامتحان. وقد اختلط الأمر ~~على الجندي وقت النداء فنطق بكلمة (نجيب) بدل بخيت. # وانتهى هذا الموقف الحرب والحمد لله بسلام، بعد أن قدمت الدليل القاطع والبرهان ~~الساطع على أنني سبق أن دفعت البدلية بالكمال والتمام منذ ثمانية أعوام. # 30 جنيها في اليوم # ولما رأى الخواجة «روزاتي» صاحب الملهى ذلك الإقبال المتزايد، والتهافت المتوالي، ~~والرقي في «صنف المتفرجين» رأى أن يتبع قاعدة العرض والطلب التي يفهمها «المدردحون» من ~~مهرة التجار، فبعد أن كان رسم الدخول خمسين مليما للعموم، أصبح على درجتين أولى بخمسة ~~عشر قرشا وثانية بعشرة قروش. # ولقد أثبت هذا الارتفاع بعد نظر روزاتي، فإن الإقبال كان كما هو مع تضاعف الإيراد ~~بطبيعة الحال. # وهناك ظاهرة لطيفة بدت للعيان، ذلك أن موعد افتتاح الملهى كان الساعة التاسعة من كل ~~مساء، وكان البرنامج يشمل أشياء غير روايتنا، لذلك لم يكن الستار يرفع للتمثيل قبل ~~الساعة الحادية عشرة، وفي هذا الموعد بالذات كانت المقاعد تمتلئ حتى آخرها، أما قبل ذلك ~~فكنا نشاهد المكان شبه «القاع الصفصف» زي أسيادنا البلغاء ما بيقولوا!! # فهذه الظاهرة السارة، أثبتت لصاحب رأس المال، أن العبد لله كان بمثابة البيضة ~~الذهبية، أو المنجم الذي يدر الربح الحلال، فلقد كان الإيراد اليومي لمسرحه يتراوح بين ~~الثلاثين والأربعين جنيها بعد مصروفاته جميعها وهو مبلغ لم يكن أحد يحلم به!! # هذا من جهة ms049 مدير المحل، أما من ناحيتي أنا فقد كنت قانعا بما قسم لي، أنظر بعين الرضا ~~إلى ذلك الربح الذي يدخل خزينة الرجل، معترفا بما طوقني به من جميل لست أنساه، وفضل وجب ~~علي أن أرعاه. ذلك أنني على مسرحه ظهرت، وبين جدرانه اشتهرت. وقد أحس مني هذه العاطفة ~~فتوثقت بيننا صلة الود وتمكنت عرى الصداقة، مما كان سببا في مواصلة النجاح. # اجتماع البائسين سابقا # قلت إننا عودنا الجمهور أن نخرج له في كل أسبوع رواية جديدة، وقد كان في ذلك العمل ~~إرهاق لي فلم يكن في طاقتي أن أمثل وأجري البروفات اليومية، ثم أضيف إلى ذلك مهمة وضع ~~الروايات وتأليفها، فلما شعر الخواجة روزاتي بذلك، بادرني برغبته في أن أنتقي مساعدا ~~يعاونني في التأليف، كي أوقف جهودي على التمثيل ... فنثرت بين يدي كنانة الأصدقاء ~~القدماء، الذين قاسوا معي العناء، وشربوا وإياي كئوس البؤس والشقاء. فكان أن اخترت من ~~بينهم الأستاذ أمين صدقي. وبانضمامه إلينا أصبحت الفرقة تضم من السادة البائسين ~~السابقين أربعة هم محسوب السيادة وأمين، واستيفان روستي، والواد زعرب الذي هو عبد ~~اللطيف المصري على سن ورمح!! # ولما كانت لكلمتي عند روزاتي قيمتها، فقد رأيت أن أبذل «نفوذي» خي يا خي ... في أن أحصل ~~للزملاء الأكرمين على ماهيات ذات شأن يستعينون بها على «قضاء حقوق للعلا قبلهم»!! كما ~~كان يقول الشعراء ويطردون بها كابوس الشقاء القديم. وإنه ليسرني أن أقول بأن مسعاي قد ~~نجح والحمد لله. وإن الأعزاء - بما فيهم استيفان - قد نالوا ما كانوا يشتهون من مرتب ~~مرتفع. وبعدما كان استيفان هو الذي يتوسط لأجلي، انعكست الآية فرددت له جميله يا أفندم ~~وأهي دنيا قلابة .... يوم كده ويوم كده!! # من أجل كشكش بك # ارتفع مرتبي إلى سبعة وعشرين جنيها في الشهر، وقد كان هذا المبلغ رقما قياسيا لم ~~تعهده المسارح من قبل، ولم يصل إليه ممثل في ذلك الحين، الذي كان الجنيه فيه يسوى الشيء ~~الفلاني والشيء العلاني! # ولقد كان الجميع يتحدثون بهذه القيمة ويتنادرون بها في مجتمعاتهم، ms050 مما كان محلا ~~للاستغراب من زملائي الأقدمين ... أولئك الزملاء الذين أصدروا علي منذ سنوات سابقة لهذا ~~التاريخ حكما - مشمولا بالنفاذ - يقضي بطردي من فرقة أبيض وحجازي!! ليه؟ لأنني لا أصلح ~~للتمثيل بتاتا، ولا أليق للظهور على المسرح ... بل ولعل القارئ العزيز يذكر أنني قلت فيما ~~سبق بأن أولئك الإخوان تنبئوا - الله يصبحهم بالخير - بأنني لن أكون في يوم من الأيام ~~ممثلا ناجحا، وأنه خير لي أن أبحث عن مهنة أخرى آكل منها عيش، بدل ضياع وقتي فيما لا ~~فايدة منه ولا عايدة!! # قلت إن مرتبي كان موضع استغرابهم، ولم أقل حسدهم لأنهم بدءوا في ذلك الوقت، وفي ذلك ~~الوقت فقط، يكتشفون مواهبي الرائعة! وفني البديع! وتمثيلي المدهش! بل ويتنبئون لي ~~بمستقبل زاهر وعهد باهر. عيني يا عيني على التنبؤات، التي كانت على طرفي نقيض مع ما سبق ~~أن شرفوني به من تنبؤات ... برضه!! # كشكش بك والجنس اللطيف # لم يقتصر نجاح أعمالي على الوجهة العامة، بل كان له أثر شخصي خاص، فقد كنت شابا في ~~مقتبل العمر، قيافة، على سنجة عشرة، أعيش في وسط تغمره الروح الأجنبية. وكل هذه ميزات ~~ترفع من شأن المرء في نظر الكل، ولا سيما الجنس اللطيف. لهذا أصبحت في ذلك الوقت، مطمح ~~الكثيرات من الزميلات وغير الزميلات، ولكنني في هذا الحين قد طرحت الأفكار القديمة ~~ظهريا، وانتويت أن أخلص لعملي وحده، وأن أدع لغيري مداعبات «المعلم» كيوبيد ومناوراته. ~~ذلك ما عاهدت نفسي على انتهاجه إذ ذاك. # وأرجو أن يسمح لي القارئ العزيز أن أشير إلى أنني ما ذكرت هذه الناحية الدقيقة، وهي ~~أنني كنت هدفا لسهام الكثيرات من أعضاء الجنس اللطيف. أقول إنني لم آت على هذه الناحية ~~الدقيقة، إلا لأنبه الأذهان إلى حادثة خاصة لم يئن أوان سردها بعد. وقد كانت سببا مباشر ~~في تغيير مجرى حياتي، وفي إيجاد اتجاه جديد حملني تياره بقوة جارفة. ولست أريد التبسط ~~في شرحها حتى يجيء دورها. فمهلا وإن غدا لناظره قريب!! # وأعود فأقول إن أعمالنا في ملهى الأبيه ms051 دي روز نجحت نجاحا متواصلا. وإن الإيراد ~~الصافي الذي كان يتقاضاه المسيو روزاتي كان يتراوح بين الثلاثين والأربعين جنيها في ~~اليوم الواحد. وقد كان هذا النجاح الفذ داعيا أصحاب الملاهي الأخرى إلى أن يحذوا حذو ~~«الأبيه دي روز» وينسجوا على منواله، فراحوا يتلمسون السبل إلى ذلك، ويجهدون أنفسهم في ~~الوصول إلى ما وصل إليه مسرحنا. وكان في مقدمة تلك الملاهي (كازينو دي باري) الذي كانت ~~تديره إذ ذاك مدام مارسيل لانجلو «مكان سينما استديو مصر (ريتس الآن)». # وجاءت مدام مارسيل بالزميل القديم الأستاذ عزيز عيد، وجعلته على رأس فرقة ظلت تواليها ~~بالعناية والاهتمام، ولكن للأسف لم تسفر هذه التجربة عن شيء من النجاح قل أو كثر!! ~~ولأسباب مجهولة باء مسرح الكازينو بالخسران المبين. # ظهور الكسار # وراحت مدام مارسيل تفتق ذهنها في ابتكار الأساليب المتنوعة، فتناولت أشخاص الممثلين ~~بالتغيير والتبديل، وفعلت مثل ذلك مع المديرين أيضا، إلى أن هداها التوفيق إلى ~~الأستاذين مصطفى أمين وعلي الكسار. وهنا فقط بدأت فرقة (كازينو دي باري) تحتل مكانا ~~هاما في عماد الدين، كما بدأ نجم الأستاذ الكسار يتلألأ في ذلك الحين إلى جانب نجمي، ~~وأوجدت الظروف من الفرقة - التي كان على رأسها - منافسا قويا لفرقتنا الناجحة. # ونترك ذلك جانبا فنقول إننا أخرجنا مع الأستاذ أمين صدقي روايات «خليك تقيل» و«هز يا ~~وز» و«اديله جامد». # وأظن القراء الأعزاء يذكرون ما سبق أن قلته، من أن معدل الرواية كان أسبوعا واحدا ~~نخرج بعده الرواية الجديدة. # ولكن النجاح الكبير الذي واجهناه أغرانا بمدها إلى أسبوعين لكل رواية، ومع ذلك فقد ~~كان الجمهور يوالينا بإقباله وتشجيعه، اللذين تعودناهما منه منذ البداية. وبينما كنا ~~على وشك إخراج روايتنا الرابعة، انضم إلينا زميلنا العزيز الأستاذ عزيز. # وقد ذكرت فيما قبل أن هناك حادثا كان سببا في تغيير مجرى مستقبلي، وقد مررت به مرورا ~~ووعدت بالعودة إليه هذا الحادث هو كما يلي: # لم يكن النجاح الذي بلغناه يروق في أعين الكثيرين من حسادنا، هؤلاء وجدوا ~~مرتعا خصيبا فيما كان بيني وبين ms052 مسيو روزاتي من صداقة، نبتت على أثر ارتباط ~~مصالحنا المشتركة. ولذلك بدأ أولئك الحساد يعكرون الجو بيننا ويتلمسون أسباب ~~الشحناء، باذلين في ذلك جهودا غير محمودة، إلى أن وقفوا على ناحية الضعف في ~~الرجل، فضربوا على وتر حساس استطاعوا بواسطته أن يتغلغلوا إلى دخيلة الرجل، ~~ويوهموه أنني أناوئه فيما استطاب من صداقة خاصة للبعض، ويعلم الله أنني بريء من ~~هذا الفعل، وأنني كنت أعرف للرجل جميله علي، فلم تحدثني نفسي يوما بنكرانه. # وأحسست أن العلائق بيننا بدأت تتراخى من ناحيته، وأن الدسائس وجدت طريقا إلى قلبه، ~~فلم أتوان في مفاتحته في الأمر، ولكنه أنكر وجود شيء من سوء التفاهم ... ولاح لي من هذا ~~الإنكار أنه كان إلى الإثبات أقرب. فقلت له مادام الصفاء بيننا على حاله فأريد كبرهان ~~قطعي أن ترتفع ماهيتي إلى ثلاثين جنيها في الشهر، أي أن أحصل على ثلاثة جنيهات فقط ~~كعلاوة شهرية، وهو مبلغ ضئيل بالطبع بالنسبة لما كان يربحه، ولكنني ما كدت أتقدم إليه ~~بهذا الطلب حتى رفضه بشكل أثارني، وزاد على رفضه تأنيبا لم أتحمله، وتعريضا لم أجد معه ~~بدا من إنذاره بترك العمل بعد مهلة أسبوع آخر. # ويظهر أنه فهم إنذاري هذا على غير حقيقته، ظنا منه أنها مناورة أطالعه بها، وأنني لن ~~أجد مع غيره عملا كالذي كنت أباشره وإياه، لذلك أجابني بأن الباب مفتوح واللي مش عاجبه ~~... مع السلامة!! # لم تكن مدة التعاقد بيننا قد انتهت بعد، وكانت الشروط تقضي بدفع مائة جنيه غرامة لكل ~~من يخل بما ورد في العقد، ومع ذلك قررت الإخلال بعد مهلة الأسبوع الذي ضربته له، كي يجد ~~في أثنائه من يحل محلي في مسرحه، ومادام الباب مفتوحا كما يقول فلأعمل أنا على قفله ~~بالضبة والمفتاح؟! # نغنغة # ولقد شجعني على إتيان ما فعلت، أن مفاوضة كانت تجري في ذلك الحين بيني وبين المرحوم ~~الخواجة «ديموكنجس» على أن أتفق معه على العمل في مسرح جديد اسمه «الرينسانس» في شارع ~~بولاق «فؤاد الأول» (26 يوليو الآن)، وموقعه في ms053 المكان الذي يشغله اليوم محل (إخوان ~~شملا). # وانتهى الاتفاق بيني وبين مسيو كنجس على أن أتناول مرتبا شهريا قدره مائة وعشرون ~~جنيها. وقبضت منه بالفعل عربونا يعادل ماهية نصف شهر، أي ستين جنيها، فكانت هذه المرة ~~الأولى التي أقبض فيها من عملي مثل هذا المبلغ الضخم دفعة واحدة!! # وبعد نهاية المهلة المعطاة إلى الخواجة روزاتي، انتقلت بحول الله وقوته إلى تياترو ~~«الرينسانس»، وبدأت مع الفرقة نجري بروفات فيه لا نلوي على شيء. # وبدأ مديرنا القديم يشعر بالخسارة التي حلت به، وراح يعض بنان الندم على ما جره إليه ~~دس الدساسين، وأكاذيب المنافقين. فماذا هو فاعل إذ ذاك؟ # وما الطرق الذي يسلكه؟ # تسجيل اسم كشكش بك # راح يجرنا إلى المحكمة المختلطة مطالبا إيانا بتعويض قدره ألف جنيه مصري، وبعدم ~~استعمال اسم «كشكش بك» باعتباره صاحب المحل الذي ابتكر هذا الاسم. وبعد مرافعات ~~ومداولات أخذت دورا كبيرا في ساحة المحكمة، صدر الحكم، فإذا هو يقضي برفض طلبات المدعي ~~مع إلزامه بدفع مبلغ المائة جنيه المنصوص عليها في العقد المحرر بيني وبين المسيو ~~روزاتي. وزاد هذا الحكم أن سجل لي في حيثياته اسم «كشكش بك» بصفتي أول مبتكر له، وأول ~~مؤلف استعمله. وأسقط في يد الرجل، وكان ذلك نهاية ملهى «أبيه دي روز». # وتألفت فرقتنا الجديدة في «الرينسانس» من السادة إياهم الذين كانوا دعامة أبيه دي ~~روز، وهم الأربعة الكرام «أمين صدقي واستيفان روستي وعبد اللطيف المصري والعبد الفقير، ~~وانضم إلينا لأول مرة عبد اللطيف جمجوم. # وبدأنا عملنا فتبعنا جمهورنا الذي تكون في الملهى السابق، وتضاعف الإقبال عن ذي قبل ~~وكتب الله لنا ما كنا نرجو من نجاح وتوفيق. # وحين كنا نعد روايتنا الأولى، تناقشنا في اختيار الاسم الذي نطلقه عليها وانتهينا إلى ~~قبول اقتراح أحدنا، وهو أن نجعل الاسم أداة لإغاظة خصمنا الذي رفع علينا الدعوة في ~~المحكمة، ولم يكن الحكم قد صدر إذ ذاك - وهذا الاسم هو «إبقى قابلني!!». # ولعله من المناسب هنا أن نقول إن تلك التسمية كانت بداية لاكتشاف ms054 جديد في عالم ~~التمثيل، وهو مراعاة «التأويز والتريقة» على الغير، باستعمال اصطلاحات وأمثال يذهب ~~الخصوم في تفسيرها مذاهب شتى : ويطبقونها على ما يكونون فيه من حالة نفسية. ولقد انتشر ~~هذا (الاكتشاف) انتشارا سريعا حتى صار قاعدة، أو تقليدا أو دستورا للفرق، حين اختيار ~~أسماء رواياتها. إذ كانت كل واحدة تراعي في هذه التسمية أن ترد ردا محكما على الاسم ~~الذي تكون الفرقة الأخرى قد اختارته لرواياتها الجديدة ... وهلم جرا. # واستمرت رواية «إبقى قابلني» تمثل شهرا كاملا دون أن يقل إقبال الجمهور أو ينقص إيراد ~~الشباك، مما حمل «المسيو ديموكنجس مؤجر الملهى» على تمام الثقة بأننا نسير إلى الأمام، ~~وبأنه كان على حق حين رغب في الاتفاق معنا. # وبعد شهر أخرجنا رواية «كشكش بك في باريس»، فكان نصيبها من النجاح نصيب سابقتها. وأخذ ~~اسم كشكش بك ينتشر بين الطبقات، ويسري فيها مسرى الكهرباء، حتى جرى على كل لسان في ~~الدور والقصور والميادين والأزقة. ولم يعد أحد في مصر كلها قاصيها ودانيها لم يردد هذا ~~الاسم، بل ويبتسم حين يطرق سمعه. # وكانت ثالثة رواياتنا «وصية كشكش» فلم تقل من حيث النجاح والفوز عن سابقتها. # عطلة إجبارية # وفي شهر مايو سنة 1917 انتهت مدة التعاقد بين الخواجة ديموكنجس وصاحب الملك فلم يشأ ~~ديمو أن يجدده، بل رأى بثاقب بصره أن يستقل بمسرح جديد يكون ملكا خاصا به، ففاتحني في ~~الأمر، ووافقته على وجهة نظره، لأن قيمة الإيجار الذي يدفعه كانت كبيرة جدا. وراح ديمو ~~يبحث عن المكان الجديد فوقع اختياره على «قهوة» في شارع عماد الدين، مقامة على قطعة من ~~الأرض يمتلكها البنك العقاري المصري، وبعد المعاينة اللازمة اتفقنا على احتلالها وإقامة ~~مسرح مكانها. # وتقرر أن يبدأ العمل فورا في الهدم والبناء وقدرت المدة اللازمة لذلك بأربعة أشهر ~~قضيناها معطلين عن العمل. # ولكن كانت جيوبنا والحمد لله تحوي ما يكفينا ألم الفاقة وشظف العيش الذي قاسيناه في ~~أيامنا الخالية ... الله لا يرجعها ولا يورينا وشها! # وانتهت المدة المقررة فإذا نحن أمام مسرح كامل ms055 البناء وإن كان من غير سقف، ومع ذلك ~~تقرر استئناف العمل، ولنكتفي بتغطية الصالة بالقماش حتى يحلها الحلال، ثم ننظر في موضوع ~~وضع السقف اللازم!! # وجاء دور اختيار الاسم الذي نطلقه على مسرحنا هذا، ففكرت في اختياره على أن يكون ~~معروفا للمصريين والأجانب على حد سواء، لأني لاحظت أن أولئك الأخيرين بدءوا يتهافتون ~~(كزبائن) مستديمين لفرقتنا، بحيث أصبح الإقبال موزعا بين الفريقين (المصريين والأجانب) ~~على حد سواء. ووقع اختياري على اسم الأجبسيانة فأطلقناه على مسرحنا هذا، وقد كان ~~افتتاحه مبدأ في التاريخ الجديد لشارع عماد الدين. وبعد قليل من الزمن كان اسم مسرحنا ~~يطغي على اسم الشارع لامتداد سمعته واتساع نطاق شهرته. # وهنا أرى أن أعود قليلا إلى موضوع بناء مسرح الأجبسيانة فأقول إن المال الذي كان ~~المسيو كنجس يملكه قد نضب قبل أن ينتهي العمل، فاضطررت أن أمده بما بقي لي من «شقا ~~العمر كله» حتى أصبحت على الحديدة «وعدنا إلى ما كنا فيه من البؤس إياه». # ومن فات قديمه تاه!! # ذكريات الماضي القريب # في هذه الأيام ساقت لي الأقدار فتاة فرنسية ما تزال ذكراها إلى اليوم عالقة في ذهني ~~لا ينسيني إياها كر الغداة ومر العشي. هذه الذكرى الجميلة، أستميح القراء في أن أقف ~~وإياهم إزاءها برهة. # كانت «لوسي دي فرناي» - وهذا هو اسمها - صديقة لي، وكانت عونا في الشدة، وساعدا يشد ~~أزري ويشدد عزمي. ولئن ذكرت في حياتي شيئا طيبا، فأنا أذكر أيام زمالتها وعهد صداقتها. # ولأذكر لك أيها السيد القارئ مثلا من أمثلة الحياة التي كنت أحياها مع «لوسي». # وصلت إلى القاهرة إحدى الفرق الإفرنجية، وكانت تعمل في مسرح الكورسال، (الذي بنيت في ~~موضعه عمارة عدس بشارع عماد الدين الآن). وكنت شغوفا بمشاهدة تمثيل تلك الفرق، وقد كان ~~في مكنتي كممثل - أن أطلب تصريحا مجانيا للدخول، يعني «بون» بلغة الفن!! ولكنني كنت أرى ~~في ذلك ما يخجل، وكنت أفضل أن أدفع ثمن التذكرة مهما كلفني ذلك. # وفي إحدى الليالي أعلنت الفرقة عن تمثيل رواية كنت شغوفا ms056 - أنا ولوسي - بمشاهدتها، ~~ولم أكن أمتلك في هذه الليلة غير اثني عشر قرشا، فاتفقت وفتاتي على أن نحتل مقعدين في ~~أعلى التياترو، وكان ثمن التذكرة خمسة قروش، فدفعت نصف الريال ولم يبق إلا نصف فرنك. ~~وكان الجوع قد أخذ من لوسي كل مأخذ، وهداها تفكيرها إلى خطة قررت تنفيذها. فقادتني إلى ~~قهوة قريبة، وهناك طلبت (واحد شاي). فلما جاء الجرسون بالطلب، شربت الشاي من غير سكر، ~~ثم فتحت حقيبتها ووضعت فيها جميع قطع السكر التي أحضرها الجرسون! # أما الحكمة في ذلك فهي أن الفتاة كانت قد دبرت في المنزل بعض الخبز وقليلا من الشاي، ~~ولم ينقصها إلا السكر! # فلما انتهى التمثيل وقصدنا إلى منزلنا، أعدت الشاي مع ما تهيأ لها من السكر الذي ملأت ~~به حقيبة يدها في أول الليل، وجلسنا نتناول عشاءنا «عيش وشاي وبس!». # فاتحة سعيدة لعهد سعيد # ونعود إلى العمل فأقول إن مسرح «الإجبسيانة» أعد بالفعل، بس من غير سقف ... فجمعت ~~الفرقة بعد أن أعددت مع الأستاذ أمين صدقي أولى الروايات التي أزمعنا إخراجها وهي رواية ~~«أم أحمد». # وقد انضم إلى الفرقة في هذه الأثناء الأستاذ حسين رياض وفي يوم 17 سبتمبر سنة 1917، ~~افتتحنا مسرح الإجبسيانة، وبدأنا عملنا فيه بنجاح كان فاتحة سعيدة. # وإن شئت أن أحدثك عن الإقبال الذي كانت تتمتع به فرقتنا من الجمهور، فيكفي أن أقول لك ~~إن شباك التذاكر كان يقفل قبل موعد التمثيل بأكثر من ساعة لنفاد التذاكر. # وفي أواخر عام 1917 استأثرت رحمة الله بالفقيد الكريم الشيخ سلامة حجازي، فامتلأت ~~قلوبنا حزنا عليه، ورأيت أن الواجب يدعونا جميعا إلى إعلان الحداد العام، وتعطل العمل ~~في المسرح ليلة بهذه المناسبة. ولكن المسيو كنجس رفض أن يجيبنا إلى تلك الرغبة قائلا ~~إنه يكفي لإعلان الحداد وقف التمثيل بضع دقائق!! # وانتهى هذا التضارب في الرأي إلى انسحابي من الفرقة نهائيا، وتصميمي على التضحية ~~بعملي مهما كانت النتيجة. # وأسند صاحب التياترو دوري في رواية «دقة بدقة» إلى الأستاذ حسين رياض، وسار العمل في ~~(الإجبسيانة) بعد ms057 انسحابي بضعة أيام لا تتجاوز الأسبوع، ثم تدهورت الفرقة وانفض الناس ~~من حولها، واضطر المسيو كنجس إلى إقفال مسرحه، والعودة إلى الدخول معي في مفاوضات ~~جديدة. # لم تكن تعجبني خطة كنجس في إدارة الفرقة، ولذلك عرضت عليه اقتراحا يتضمن كف يده عن ~~الإدارة، بل وعن كل شيء في نظير أن يتقاضى 30٪ من الإيراد يوميا! فقبل، ومن تلك اللحظة ~~بدأ تاريخي في إدارة الفرقة التمثيلية. # موازنة الميزانية في شهرين # جردت ما في جعبتي من متاع، فإذا الخزينة لا تحوي غير خمسين جنيها فقط لا غير!! ومع ~~ذلك ألفت الفرقة وقبل الممثلون بارتياح كبير أن يعملوا تحت إدارتي، فأعددنا رواية ~~«حماتك تحبك» من وضع الأستاذ أمين صدقي. وبعدها رواية «حلق حوش». وبعد شهرين هما - ~~نوفمبر وديسمبر - عدت إلى جرد الخزينة للاطمئنان على حالة الاحتياطي، ولكنني رأيت رأس ~~المال كما كان ... خمسين جنيها بلا زيادة ولا نقصان! أي أنني استطعت «موازنة» الميزانية ~~بأن جعلت الإيرادات مساوية للمصروفات، وكان الله يحب المحسنين! # لكن ده مش الغرض يا محترم! إحنا عاوزين غير كده. # نهايته. فكرت كثيرا في طرق الإصلاح. فرأيت أن «كازينو دي باري» المجاور لنا، والذي ~~تديره مدام مارسيل، «لانجلو»، ويعمل به الأستاذ علي الكسار، أقول رأيت بعد البحث الدقيق ~~أن هذا الكازينو قد احتكر إقبال الجمهور، الذي كان يقصده زرافات ووحدانا ويملأ مقاعده ~~ومقاصيره. ما العمل إذن؟ # فلأوقف التمثيل في مسرحي ليلة أمضيها بهذا الكازينو لأدرس عن كثب علة هذا الإقبال ~~وسببه. # لم أتوان لحظة في تنفيذ تلك الخطبة، فقصدت في الحال إلى دي باري وقضيت به ليلة كاملة ~~(كمتفرج)، فأدهشني أن أرى أن كل ما هناك عبارة عن (استعراض) يغلب فيه العنصر الإفرنجي، ~~وتتخلله بضع مواقف فكاهية يظهر فيها الأستاذ علي الكسار. # لم تكن تلك الاستعراضات تحوي موضوعا ما. ولا معاني خاصة، ولكن كانت فخامة المناظر ~~وعظمتها، و«تابلوهات» الرقص ... هي كل ما يشتمل عليه البرنامج! يا لله!! مادام الأمر ~~كذلك، فلماذا أتعب نفسي «وأشغل مخي» في الإتيان بالموضوعات، والبحث عن الروايات ذات ms058 ~~المغزى. وما دام الجمهور يستريح ويقبل على النوع الاستعراضي فماذا يمنع أن نقدم له ما ~~يشتهيه؟ # أولى رواياتنا الاستعراضية # صممت بعد هذه السهرة على عمل رواية استعراضية، على شرط أن يكون العنصر المصري فيها ~~غالبا على الإفرنجي، وأطلعت زميلي الأستاذ أمين صدقي على هذه النية. وفي الحال وضعنا ~~«هيكل» رواية «حمار وحلاوة»، وبدأ الأستاذ أمين يضع أناشيدها على أوزان موسيقية مطروقة، ~~بينما جعلت كل همي في ترتيب المناظر، و«توضيب» الستائر وإمداد الفرقة بما ينقصها من ~~عناصر الرقص والإنشاد. # انتهت الرواية وأجرينا بروفاتها اللازمة، ورفعنا الستار عنها في أول ليلة، بعد أن ~~«خرشمت» صحة الاحتياطي، وتلفت أمله وأنزلته من رقم الخمسين إلى الصفر، وأصبحت قبل رفع ~~الستار ... إيد ورا ... وإيد قدام! فإما إلى الصدر، وإما إلى القبر. وأهي تخريمه يا صابت يا ~~اتنين عور!! # كان إيراد الليلة الأولى 35 جنيها فقط. إنما الذي شعرنا به هو الاستحسان العام الذي ~~قوبلت به الروايات من الجمهور وقد كان هذا الاستحسان أقوم إعلان لنجاحنا. فقد كان ~~الإقبال يتزايد يوما عن آخر. ويكفي أن أقول لك بأن الخزينة عمرت في نهاية الشهر الأول، ~~وقفز رقم الصفر الذي كان يحتلها إلى 400 جنيه. # لم يكن النجاح مقتصرا على الناحية المادية، بل هناك نجاح أدبي آخر، ملأ نفسي سرورا ~~وقلبي انشراحا، ذلك أنه في إحدى الليالي طرق باب المسرح طارق، وجيء به إلي، فإذا هو ~~أستاذي القديم (الشيخ بحر) مدرس اللغة العربية، الذي سبق أن قلت إن الفضل يعود إليه في ~~تدريبي على إلقاء المحفوظات العربية في المدرسة بطريقة خطابية مقبولة. # جاء أستاذي الشيخ بحر يهنئني بعد مشاهدته الرواية، ويفاتحني بما شمله من سرور بنجاح ~~تلميذه. وأقسم أيها السادة أن تهنئة الشيخ كانت عندي أكبر من مبلغ الأربعمائة جنيه التي ~~عمرت بها خزانتي إذ ذاك. # أمين صدقي يترك الفرقة # كان الأستاذ أمين صدقي يتقاضى مرتبا شهريا قدره ستون جنيها، ولكنه بعد أن شاهد ذلك ~~الإقبال المنقطع النظير وهذا الإيراد الضخم، رأى أن يملي علي شروطا جديدة فجاءني ms059 مطالبا ~~بالاشتراك معي في الإيراد مناصفة بدل أن يتناول مني أجرا! دهشت لذلك طبعا وأجبته بأنني ~~أعارض في ذلك، وإن كنت لا أمانع في رفع مرتبه إلى الدرجة المناسبة. # وتمسك كل منا بوجهة نظره. فأضرب الأستاذ أمين عن الكتابة، حينما طلبت إليه أن يبدأ في ~~وضع الرواية الثانية على غرار «حمار وحلاوة» .... # واضطررت إذ ذاك أن أبحث عن شخص آخر يقوم بمهمة وضع الأزجال. وأعلنت فعلا عن حاجتي هذه ~~إلى كثيرين ممن حولي، فتقدم البعض لأداء هذا العمل. وأذكر من بينهم الأساتذة حسني رحمي ~~المحامي والأستاذ إميل عصاعيصو، وقد كان ذلك أول عهدي به. وكذلك جاءني زميل قديم ممن ~~كانوا معي في البنك الزراعي هو المسيو جورج. ش. # فقلت للأخير إنني أرغب في وضع أنشودة تلقيها طائفة من المرابين «الفايظجية» وقانا ~~الله وإياكم شرورهم!! # وفي اليوم التالي حضر السيد (جورج) وأطلعني على زجل ظريف وقع مني موقع الاستحسان. ~~فسألته: «أنت حقا مؤلف هذا الزجل؟». وأجاب بالإيجاب. فقلت: «إذا كان هذا صحيحا فأنا ~~أعينك في الحال ...». # إلا أنه لم يكد يغادر غرفتي حتى دخل صديق لي أكتفي بأن أرمز لاسمه بحرفي (ت. م)، وقال ~~إن واضع الزجل ليس جورج. ش، ولكن صديق له اسمه (بديع خيري)، وكل ما هناك أن اتفاقا عقد ~~بين الاثنين (بديع وجورج) مضمونه أن يتخصص الطرف الأول في التأليف، ويقوم الطرف الثاني ~~بعملية البيع. وزاد الصديق على ذلك أن في استطاعته أن يعمل على فض هذه الشركة الوهمية، ~~وأن يتصل بالمؤلف مباشرة. # أول اتصال بصديقي بديع # واهتممت بما أبداه الصديق (ت. م) وطلبت إليه المبادرة بتنفيذ قوله، فلم يتوان صاحبنا ~~- كتر خيره - بل جاءني في مساء اليوم التالي يجر خلفه فتى ممشوقا. # ولم يشأ صديق الطرفين (ت. م) أن يترك المسألة تمر طبيعية، بل ضحك وقال لي ما نصه: «ما ~~تتغرش في نفخته دي. دا خجول لدرجة ما تتصورهاش، بس العبارة إنه شرب دلوقت ثلاث كاسات ~~نبيت، علشان يتشجع!». # وتناقشنا بعض الوقت مناقشة دلتني على أن الفتى ms060 جد مهذب، وأنه حقا خجول، حسن التربية، ~~جم الأدب. ولعله من الظريف أن أقول إنه بعد فترة قصيرة انكمش صدره العريض وتقلص قوامه ~~الممشوق، وحل به اضطراب غريب. فأومأ لي الصديق (ت. م) قائلا: «اتفرج صاحبنا فاق من ~~الثلاثة نبيت وبقت حالته عبر!». # وقد سألت «بديعا» أهو حقا صاحب زجل «الفايظجية» الذي سبق أن جاءني به المسيو جورج، من ~~يومين، فتردد في الإجابة، وتغلب عليه الخجل والكسوف، وراوغ كي يغير مجرى الحديث، ولكنني ~~أقفلت في وجهه كل أبواب التخلص حتى اعترف. # قلت له إنني أريد منك زجلا جديدا تلقيه طائفة من الأعجام وفدت لزيارة كشكش بك عمدة ~~كفر البلاص، فمتى تتم هذا الزجل؟ فلم يتوان في التأكيد لي بأن في استطاعته الفراغ منه ~~في صباح اليوم التالي. وقد كان عند وعده، إذ جاءني في نفس الموعد يحمل الزجل المطلوب ~~ومطلعه! # هاي هاي أعجام إخوانا ... كفر البلاص قدامنا. # ياللا مافيش استنى # أعجبت بالزجل وبخفة الروح التي تمشت في ثناياه، فلم يغادر بديع المسرح قبل التوقيع ~~على عقد اتفاق بالعمل معي بمرتب شهري قدره ستة عشر جنيها مصريا. # ولعل القارئ يذكر ما قلته من أن المال الاحتياطي بلغ في خزينتي في نهاية الشهر الأول ~~من تمثيل رواية «حمار وحلاوة» أربعمائة جنيه. والآن أقول بأن هذا المبلغ تضاعف دون ~~زيادة أو نقصان عند ختام الشهر الثاني، أي أني وجدت بين يدي إذ ذاك ثمانمائة جنيه مصري ~~... جنيه ينطح جنيه! # عدت بذاكرتي في هذه الحالة إلى حالة البؤس والشقاء، وجبت في عالم الخيال لحظات أفكر ~~في السعادة وأسبح في بحار الآمال قائلا: «أتكون السعادة يا ترى في الحياة أو العظمة أو ~~المال ...؟». # وحين دارت برأسي هذه الأفكار ذكرت حادثا وقع لي حين كنت أعمل في شركة السكر بنجع ~~حمادي. ذلك أنه وصل إلى المدينة في أحد الأيام فيلسوف فرنسي كان قد نزل عن ثروته ~~للأعمال الخيرية مكتفيا بالكفاف، وجعل همه في إلقاء محاضرات شبه صوفية. # وذهبت مع الذاهبين لسماع محاضرة هذا الفيلسوف، لا حبا ms061 في السماع ولا رغبة في العلم، ~~بل لمآرب أخرى! ولئن تسألني عن هذه المآرب ... الأخرى، فلا تنتظر مني جوابا شافيا، وكفاني ~~أن أصرح لك بأن هذه المحاضرات كان يقصد إلى سماعها أناس كثيرون من الجنسين اللطيف ~~والخشن .... # أعود إلى الموضوع فأقول بأن الذي استرعى سمعي في محاضرة هذا الفيلسوف الجملة الآتية: ~~«أيها السادة ... لقد أجهدت نفسي في البحث عن السعادة، فعرفت أنها ليست في هذه الحياة ~~الدنيا إلا لفظا بلا معنى وكلمة بلا مغزى! # كنت غنيا واسع الثراء ... ولكن ذلك لم يجلب لي السعادة ... فتشت عنها في مملكة الحب، فكان ~~لدي أجمل من وددت، ومع ذلك كان هذا الحب أمامي سرابا خلف لي حسرة وتعاسة. # جربت الجاه والترف، جلت في ميادين الصداقة، وأقسم أنني لم أعثر على المسمى الجميل ~~الذي يطلقون عليه اسم السعادة، ولذلك رجحت ... لا بل آمنت بأن هذا العالم خلو من السعادة. ~~وأننا إن افتقدناها فلن نجدها إلا في عالم آخر غير هذا العالم، وفي حياة أخرى باقية غير ~~هذه الحياة الفانية!». # انتهى بتصرف!! # أقول إنني حين وجدت بين يدي ثمانمائة جنيه ترددت في أذني كلمات هذا الفيلسوف العجر، ~~فضحكت ملء شدقي وقلت في نفسي: أين هذا العاجز الغبي، كي أقوده إلى عالم السعادة التي ضل ~~سبيلها وفقد طريقها؟ # نهايته ... لست أريد التوسع في هذه الناحية فقد لمست السعادة وقطفت إذ ذاك ثمارها وضربت ~~عرض الحائط بالفيلسوف الفرنسي وبنظرياته البائدة. # مع الشيخ سيد درويش # نجاح متواصل # بعد أن انفصل عنا الأستاذ أمين صدقي، أعددت رواية سميتها «على كيفك» وهي التي وضع ~~أزجالها الصديق الجديد بديع. # وقد كنت في أثناء تمثيلها أدرس حالات الجمهور النفسية، وأرقب مقدار الأثر الذي تحدثه ~~تلك الأزجال الجديدة في نفسه. وقد سرني أنه كان يتقبلها قبولا حسنا، بل وأحسست فوق ذلك ~~أن جميع الطبقات كانت تستريح لسماعها وتقبل عليها أحسن إقبال. # وقد رأيت إزاء ذلك أن أشجع هذا الفتى الجديد «وأفتح نفسه» للعمل، فرفعت مرتبه من 16 ~~جنيها شهريا إلى ثلاثين جنيها دفعة ms062 واحدة. ولقد تغير الحال تغيرا مدهشا، واتسعت دائرة ~~الأعمال وأضحى مسرح الأجبسيانة مقصد الرواد من كل حدب وصوب. حتى في الأيام التي كان ~~يعبر عنها بالأيام «الميتة» وهي الاثنين والثلاثاء والأربعاء. # قضينا شهرين في تمثيل رواية «على كيفك» كان الرصيد بعدهما قد بلغ ثلاثة آلاف جنيه، ~~وقد كان قبل تمثيلها ثمانمائة فقط. وبعد أن رأيت هذا النجاح المطرد عولت على أن أجتهد ~~في إرضاء جمهوري، وأن أبادله تلك الثقة التي أولاني إياها. ففكرت في الاستعانة بمؤلف ~~ثالث للاشتراك في بناء هيكل الروايات، وفي استنباط موضوعاتها وابتكار نكاتها، وقد وقع ~~اختياري على الكاتب الأديب الأستاذ حسين شفيق المصري، فاتفقت وإياه توا. # ووضعنا إذ ذاك رواية (سنة 1918-1920) وقد نسيت أن أذكر أن ملحن أناشيد هذه الروايات ~~الثلاث (حمار وحلاوة وعلى كيفك وسنة 1918-1920) كان المرحوم كاميل شامبير. # في هذا الوقت كان النوع الذي نخرجه قد طغى على كل ما عداه في مصر، حتى كاد الدرام ~~والتراجيدي يندثران فلم تقم لهما قائمة، وأصبحت الفرقة المخصصة لهما «تنش طير». # فلما ساءت الحال أمامها وأعرض الناس عن تمثيلها، تقدم بعضهم إلى الأستاذ جورج أبيض ~~ينصح له أن يحاربنا في نوعنا، وأن يختط لفرقته خطة جديدة، ما دام الناس يقبلون علينا ~~هذا الإقبال العظيم. # وانقاد جورج لنصيحة أصدقائه. وكان في هذا الوقت قد عثر على الفتى الصغير حامد مرسي، ~~فجاء به ينشد بعض القصائد القديمة بين فصول رواياته. # وكلف الأستاذ جورج المرحوم عبد الحليم دولار المصري أن يضع له رواية تماثل رواياتنا، ~~فكان أن قدم له رواية «فيروز شاه»! # ولم تحدث هذه المنافسة الجديدة أي أثر من ناحية عملنا، بل ولم نحس نحن بأن هناك ~~منافسا جديدا نزل السوق أمامنا! ولكن كانت هناك ظاهرة جديدة كان لها شأنها من وجهة نظري ~~أنا، أقصها عليك فيما يلي! # لم يكن لدي الوقت بالطبع لأذهب إلى تياترو جورج أبيض كي أشاهد روايته، ولكن بعض ممثلي ~~فرقتي كانوا ينتهزون فرص خلوهم من العمل فيذهبون لمشاهدتها، حتى إذا ما عادوا ms063 سمعتهم ~~ينشدون أناشيدها البديعة، ويرددون ألحانها القوية، التي لمحت فيها اتجاها جديدا، وروحا ~~جديدا ... بل فنا جديدا يسمو على كل ما عداه مما سبق أن قدمناه. # الشيخ سيد درويش # سألت عن الملحن؟ فقيل لي إنه شاب إسكندري لم يكن له سابق عهد بالتلحين المسرحي، وإن ~~ألحانه هذه هي الأولى له في هذا المضمار. أما اسمه ... فسيد درويش. عجبت لذلك، وفكرت ~~طويلا في اجتذابه، ولكنني - وقد عهدني القراء صريحا في كل ما خططت في هذه المذكرات - لا ~~أرى ما يحول دون إبداء ما اعتراني في هذه اللحظة من أفكار. # أقول إنني وجدت نفسي بين عالمين متناقضين. # هل يحسن بي أن أتفق مع هذا الملحن؟ أم الأجدر أن أغضي عن ذلك؟ وإذا اتفقت، فماذا تكون ~~النتيجة لو عمل معي شهرا أو شهرين حتى إذا ما تمكنت ألحانه من أفئدة جمهوري، و«خدوا ~~عليها» تركني أعض بنان الندم، أو أملي علي شروطها قاسية، كتلك التي كانت سببا في انفصال ~~زميلي السابق أمين صدقي!! # وهل الأولى أن أسير في خطتي مع الجمهور الذي رضي من ألحاني بما قسم أو أقفز بهذه ~~الألحان إلى العلا ... دفعة واحدة؟! # وأخيرا تغلبت على محبتي للفن، فقررت الاتفاق مع سيد درويش مهما كان وراء ذلك من ~~تضحية، إذ أنني وجدت من الإجرام حرمان الفن من شخص كسيد درويش. # كان المرحوم الشيخ سيد يتقاضى ثمانية عشر جنيها في الشهر من الأستاذ جورج أبيض، فرفعت ~~هذه القيمة إلى أربعين دفعة واحدة، وتعاقدت مع الرجل، وكان مرتب الأستاذ بديع خيري قد ~~وصل في هذا الحين إلى الخمسين. # أعددنا رواية أطلقنا عليها اسم «ولو»، ووضع بديع أول زجل منها وهو عبارة عن شكوى ~~يتقدم بها جماعة من «السقايين» يشرحون للجمهور آلامهم في الحياة، ومطلع هذا الزجل هو ~~«يعوض الله ... يهون الله، ع السقايين، دول غلبانين، متبهدلين م الكبانية، خواجاتها جونا، ~~دول بيرازونا في صنعة أبونا، ما تعبرونا يا خلايق». # سلمنا الزجل للشيخ سيد درويش، وقد كانت ميزته رحمه الله أن يضع لكل لحن ما ms064 يوافقه من ~~موسيقى، وأقصد بهذه الموافقة التعبير الصادق للمعنى العام، بل ولكل لفظ من ألفاظ ~~الكلام، حتى كان المرء يدرك من أول وهلة ما يرمي إليه هذا الكلام عند سماع الأنغام. # تسلم الشيخ سيد لحن السقايين، ولكنه لم يعد إلينا في الموعد المضروب، بل ولا في اليوم ~~التالي!! حتى إذا كان اليوم الثالث قصد إليه أحد أصدقائنا فسهر معه الليل بطوله. وكانت ~~شكواه أن قريحته اليوم متحجرة وأنه قضى الأيام الثلاثة الماضية يقدح زناد الفكر عله يصل ~~إلى النغم الموافق دون جدوى!! # وفيما هما يتحدثان، وقد كانت أضواء النهار في تلك اللحظة تطارد جيوش الظلام!! صادفهما ~~أحد «السقايين» وكان يحمل قربة الماء على ظهره ويجوب الحواري، وكان يسير إذ ذاك في حي ~~المنشية بالقلعة - وسمعاه ينادي بأعلى صوته وبنغمته التقليدية الخاصة قائلا: «يعوض ~~الله» فتنبه الشيخ سيد، وأمسك بذراع صديقه وهتف كما هتف أرشميدس (الفيلسوف اليوناني) من ~~قبل حين وفق إلى نظرية الثقل النوعي في أثناء استحمامه فخرج عاريا يجري في الشوارع ~~ويصيح (أوريكا. أوريكا) أي وجدتها. وجدتها!! # نعم لقد هتف سيد درويش حين سمع نداء السقا فقال لصديقه: «خلاص خلاص يا فلان، لقيت ~~اللحن اللي أنا عاوزه!». # وفي المساء حضر رحمه الله وأسمعني اللحن فكدت أطير به فرحا، وفي الوقت نفسه حضر ~~الأستاذ بديع فأسمعني زجلا رائعا مطلعه: «نبين زين ونخط الودع وندق لكم ونطاهر ... ونحبل ~~اللي ما تحبلش ونفك كمان اللي تشاهر». # وفي اليوم التالي كان الشيخ سيد قد وضع له اللحن المناسب، ثم لحن عقب ذلك زجل استقبال ~~كشكش «ألفين حمد الله على سلامتك ... يا أبو كشكش فرفش أدي وقتك» ... فكان اللحن كذلك بدعة. # وهكذا ظل بديع يتحفني بأزجال من النوع الممتاز فيلحنها سيد تلحينا شائقا، ومن ثم ظهرت ~~رواية «ولو» للجمهور في ثوب قشيب من بديع البيان، وصفاء الألحان، وقد أحسست أن المتفرج ~~كان يسبح في أثناء التمثيل في عالم علوي تهزه نشوة السرور والإعجاب، فيقابل كل كلمة أو ~~نغمة بالتصفيق والترحيب. ولست أجد وصفا وجيزا ms065 لنجاح «ولو» غير أن أقول إنها جاءت آية ~~وكفى .... # وفي هذا الحين كانت شهرتي قد امتدت وصيتي قد بعد، وأرى ألا يقف التواضع في سبيلي إذ ~~صرحت بأنني أصبحت موضع أحاديث الناس في كل مكان ... حتى لم يعد يتردد على ألسنتهم غير ~~تلغراف الحرب العالمية، وروايات نجيب الريحاني. وهنا يحلو لي أن أعود إلى ذكرى حلوة، ~~ذلك أن والدتي كانت إلى هذا الحين تأنف من مهنة التمثيل، وتكره أن يعرف عني أنني ممثل ~~وقد سبق أن رويت الكثير في هذا الشأن. # أسعد أيام حياتي # حدث إذ ذاك أن كانت رحمها الله في عربة «المترو» عائدة إلى المنزل في مصر الجديدة، ~~فسمعت رهطا من الركاب يتذاكرون شئونا فنية ورد في أثنائها اسمي، فأرهفت دون أن تشعرهم، ~~وما أشد دهشتها حين سمعتهم مجمعين على الثناء علي وامتداح عملي والإشادة ~~بمجهودي!! # أتدري يا سيدي القارئ ماذا كان من هذه الوالدة العزيزة التي تحتقر التمثيل وتنكره؟ ~~لقد وقفت وسط عربة المترو، واتجهت إلى أولئك المتحدثين وقالت بأعلى صوتها: «الراجل اللي ~~بتكلموا عنه ده يبقى ابني! أنا والدة نجيب الريحاني الممثل!»، وخلي بالك من الممثل ~~دي! ~~«الممثل» هذه الكلمة التي كانت أمي تأنف أن «أوصم» بها، أضحت موضع زهوها وفخارها! ~~فاللهم سبحانك ربي ما أعمق حكمتك؟! # وفي هذا اليوم، يوم المترو الذي لا أنساه، تفضلت والدتي رحمها الله فشرفتني بالحضور ~~إلى تياترو الأجبسيانة، خصيصا لمشاهدة ابنها الذي يقدره الناس دونها، ويمتدحونه؟! فكان ~~هذا اليوم من أسعد، إن لم أقل أسعد أيام حياتي. # ومما زاد في اغتباطي إلى جانب ذلك ما لمسته من رقي الطبقات التي كانت تقصد إلى ~~مسرحنا، وفي مقدمتهم شباب الهاي لايف وفتياته، وأكرم الأسر في مصر، وأعلاها مكانة، وقد ~~كان صاحب السمو الأمير إسماعيل داود في مقدمة الذين أعجبوا بي، فتفضل وأبرز هذا الإعجاب ~~في إطار من التكريم لست أنساه، إذ كان يتفضل بدعوة الفرقة بجميع أفرادها إلى مسكنه ~~العامر حيث تحيي حفلات خاصة ما كان أحلاها وأبهاها. # الفصل السادس # | في خدمة ms066 الوطن # وإذا كنت إلى جانب ذلك أفخر بشيء آخر، فهو ما كنت أحظى به من تقدير الزعيم الخالد سعد ~~زغلول، الذي كان يتفضل بتشريف حفلاتي، والتردد باستمرار على مسرحي لمشاهدة التمثيل، وإظهار ~~الإعجاب بين وقت وآخر. وكل ذلك ملأني سرورا وفخرا كان لهما الفضل الأول في اجتهادي وموالاتي ~~للعمل بنشاط ورغبة. # كان هذا منذ سنوات عديدة. فهل تدري ماذا كان في هذا العام (1936)؟ لقد تقدمت إحدى ~~الجمعيات الخيرية إلى وزارة معارفنا الجليلة، ترجو السماح لها بدار الأوبرا الملكية لإحياء ~~حفلتها السنوية، على أن تكون فرقة الريحاني هي التي تقوم بالتمثيل!! # فكان جواب الوزارة أن لا مانع من التصريح بالدار، على شرط ألا يسمح لفرقة الريحاني ~~بالتمثيل على مسرحها!! # يالله!! الفرقة التي كانت منذ سنوات عديدة موضع تقدير الأمراء والزعماء والعظماء ~~والكبراء!! تصبح اليوم غير أهل للظهور على مسرح الأوبرا - كما ظهر غيرها من فرق خلق ~~الله؟! # ألا سامحك الله يا وزارة المعارف. وسامح رجالك العاملين. # في إحدى الليالي طرقت بابي فتاة بارعة الجمال، صغيرة السن تبدو عليها مظاهر الأرستقراطية، ~~ومعالم «الأبهة» والفخفخة!! نظرت إلي من فوق لتحت!! وقالت: «أنت اللي بيسموك كشكش؟» فأجبت: ~~«أيوه يا ستي أنا كشكش» فضحكت ضحكة فيها غير قليل من الاستخفاف وقالت: «النبي حارسك، أمال ~~فين دقنك يا دلعدي؟». # نهايته أقول بأنني رغم هذا «استظرفت» الفتاة، وأعجبت بخفة روحها، ولطف حديثها، فسألتها عن ~~اسمها وأجابت بأنها زينب صدقي!! طيب وعاوزة إيه يا ست زينب يا صدقي؟ عاوزة أشتغل ممثلة يا ~~كشكش يا بيه!! # أهلا وسهلا م العين دي والعين دي. أصبحت زينب صدقي من هذه الليلة ممثلة بالفرقة. ولعل ~~زينب لا يضيرها أن أصارح الجمهور بأنها لم تكن يوم أن قصدت إلى المسرح ميالة إلى التمثيل كل ~~الميل، ولم تكن هوايتها للفن هي التي دفعت بها إلينا، وربما كان القصد قتل الوقت والتسلية، ~~لأنها كانت في أخلاقها وحديثها أقرب إلى الطفولة منها إلى أي شيء آخر، ومع ذلك فقد أحبها كل ~~من يظلهم سقف المسرح من ms067 ممثلين وممثلات، مصريين وأجنبيات، وهوت إليها أفئدتهم جميعا. وفي ~~المقدمة (لوسي فرناي) الفتاة الفرنسية التي ذكرتها آنفا والتي عرف القراء أنها كانت شريكة ~~لحياتي في تلك الآونة!! نعم أضحت لوسي وزينب صديقتين لا تفترقان. # المسرح والوطنية # قلت إن إقبال الطبقات الراقية على الأجبسيانة كان بالغا أشده، حتى أن الكثيرين كانوا ~~يحجزون مقاعدهم قبل موعد التمثيل بأيام. وأذكر على سبيل التخصيص ذلك الرجل الذي أكن له ~~إلى اليوم احتراما وتقديرا كبيرين، إلا وهو الأستاذ عبد السلام ذهني المستشار بمحكمة ~~الاستئناف المختلطة (سابقا)، وصاحب المواقف المشهورة في الدفاع عن لغة البلاد بين جدران ~~تلك المحكمة. # كان عبد السلام في ذلك الحين محاميا ببني سويف، وكان «زبونا» مستديما للأجبسيانة. وفي ~~اليوم الذي يشعر أن مرافعته في إحدى القضايا قد تجبره على البقاء هناك إلى القطار ~~الأخير. أقول إنه كان في هذه الحالة يحجز مقعده في التياترو بالتلغراف، ثم ينزل من ~~القطار إلى التياترو مباشرة!! # وحين رأيت من الجمهور المثقف، ومن عامة الشعب هذا الإقبال المنقطع النظير، رأيت أن ~~أستغله استغلالا صالحا، وأن أوجهه التوجيه النافع. فرحت أنقب عن العيوب الشعبية، وأبحث ~~عن العلل الاجتماعية التي تنتاب البلاد. ثم أضمن ألحان الروايات ما يجب عن علاج ناجع ~~لمثل هذه الأدواء. كذلك راعيت في كثير من هذه الألحان أن تكون أداة لإيقاظ شعور ~~الجمهور، وتعويده حب الوطن وإعلاء شأنه، والمحافظة على كرامته، والتغني بمجده الخالد، ~~وعزه الطريف التالد. # وكان من آثار هذا الإقبال وذلك النجاح أن تضاعف الخصوم والحساد، واختلفت أسلحة كل ~~منهم في حربي، فمنهم من كان يطعن من الخلف بخسة ودناءة، ومنهم من كان ينازلني جهارا على ~~صفحات الجرائد اليومية (إذ لم يكن للصحف الأسبوعية وجود في ذلك الحين). ولم يكن القارئ ~~يفرد بين يديه إحدى الصحف إلا وجد فيها نهرا أو نهرين يتغنى كاتبهما بلعنة خاش كشكش ~~وروايات كشكش واللي خلفوا كشكش كمان!! # ومع كل ذلك لم أكن أعير هذه الحملات أي التفات، ولم أكن أحدث نفسي بالرد على أي كاتب. ~~وتحضرني ms068 في هذا المجال عبارة قالها أحد النقاد وهو الأديب المعروف الأستاذ حامد الصعيدي ~~(الموظف الآن بالبرلمان): ذلك أنه قال يوما لبعض صحبه: «إيه اللي رايحين نعمله في راجل ~~نفضل نشتم فيه في الجرايد، يقوم حضرته يرد علينا بكلمة: «ولو»، وهو اسم الرواية التي ~~كنت أمثلها إذ ذاك!! # على أن ذلك كله لم يؤثر من ناحية الإقبال أي تأثير - ولئن كان هناك شيء من ذلك فقد ~~كان تأثيرا عكسيا، لأن الجمهور كان يتهافت على حضور حفلاتنا تهافتا لا مثيل له. # وفي ذلك الحين ظهرت طوائف «البلطجية» الذين كانوا يحومون حول أولاد الذوات من رواد ~~مسرحنا، كالمرحوم علي كامل فهمي وأمثاله من الشبان الوارثين والسراة. وقد شاءت دناءة ~~بعض حسادي أن يتخذوا من أولئك البلطجية أداة لحربي، وقد كانوا يثيرون القلاقل، ويقومون ~~بمشاجرات عنيفة داخل التياترو، ولست أنسى أن رصاصة مسدس أطلقت علي شخصيا أثناء التمثيل ~~... ولكن الله سلم. وفي ليلة أخرى أطلق مأفون علي حصا من نبلة كادت تصيب عيني إلا ~~قليلا!! # فكرت كثيرا في هذه الحوادث فرأيت ألا سبيل إلا محاربة الداء بالداء، فبحثت عن رئيس ~~تلك العصابات وعلمت أنه (يوسف شهدي)، فجئت به، وعرضت عليه العمل بماهية يتقاضاها ~~وأفهمته أن وظيفته هي حفظ نظام الصالة!! ولقد أفلحت خطتي هذه، فوقفت المشاغبات نهائيا. ~~وسار الحال من تلك اللحظة على ما يرام!! # إش ...! # كانت رواية «ولو» قد استغرقت في عرضها على الجمهور ثلاثة أشهر متوالية، لم ينقص ~~الإيراد اليومي فيها عن الثمانين جنيها. # وكثيرا ما كان يزيد على ذلك، مما شجعنا على العناية بالرواية التالية، وقد اخترنا لها ~~اسم «إش»، وهي أيضا من تلحين فقيد الموسيقا المرحوم الشيخ سيد درويش، كما أن واضع تلك ~~الأزجال هو الزميل بديع خيري، الذي أضحى من ذلك الحين إلى اليوم وإلى غد وإلى أن نلقى ~~الله، خلا وفيا وأخا عزيزا نتبادل الثقة ونتعاون في السراء وفي الضراء. # نالت رواية «إش» استحسانا مدهشا. وجاءت ألحانها بدعة من ناحيتي التأليف والتلحين. ~~ويكفي أن أنبه الأذهان إلى اللحن ms069 الذي امتدت شهرته فتخللت الدور والقصور، وأنشده الكبير ~~والصغير في عاصمة القطر وفي ريفه. ألا وهو «يا أبو الكشاكش كان جرى لك إيه يا هلترى. ~~دقنك شابت في المسخرة وأمور الفنجرة». # وفي هذه الآونة كان الزعيم الراحل سعد «طيب الله ثراه» يؤلف الوفد المصري للقيام إلى ~~مؤتمر الصلح في فرساي كي يدافع عن حق مصر في الاستقلال، ويعمل على استخلاص حقها ورفع ~~الحماية الجائرة عن كاهلها. وكان رحمه الله ينادي بضرورة الاتحاد وجمع شمل الأمة تحت ~~لواء واحد والتفاف عناصرها في كتلة واحدة مهما اختلفت النحل وتباينت الأديان والملل. ~~ولقد انتهزت هذه الفرصة فضربت على تلك الوتيرة وضمنت رواية «إش» لحنا تلقيه طائفة من ~~سياس الخيل، جاء في ختامه هذا المقطع: «لا تقول نصراني ولا يهودي ولا مسلم يا شيخ ~~اتعلم. اللي أوطانهم تجمعهم. عمر الأديان ما تفرقهم». # وهكذا ظلت فرقتنا تؤدي واجبها الوطني على قدر ما تسمح به جهودنا المتواضعة. ولم أشأ ~~أن أقف عند هذا الحد بل ساهمت في التبرع المادي، فدفعت لخزينة الوفد مبلغا شكرني من ~~أجله المرحوم فتح الله بركات، وأولاني من عبارات التقدير ما لا أنساه. # فتحية وعبد الوهاب # وفي ذلك الحين - يعني في عز النغنغة والنجاح - كانت مطربة القطرين السيدة فتحية أحمد ~~ضمن أعضاء الفرقة، وكانت إذ ذاك طفلة صغيرة تنال من إعجاب الجمهور واستحسانه قدرا ~~وافرا، لأنها فضلا عن كونها مطربة جلية الصوت، ساحرة الغناء، كانت خفيفة الظل رشيقة ~~الحركة دائمة الابتسام على المسرح. # وكثيرا ما كنا نعد لها قطعا تلحينية في صلب الرواية كانت تقوم بها على خير الوجوه، ~~وفي إحدى الليالي زارني أحد الأصدقاء ومعه فتى صغير السن، لطيف المظهر، تبدو في عينيه ~~دلائل النبوغ الذي لا يزال المستقبل يحجبه إلا على الخبير المتمكن وقد طلب مني الصديق ~~أن الحق هذا الفتى بفرقتي، قائلا إن لديه موهبة قل أن توجد فيمن هم في سنه، وهي أنه ~~يمتاز بحنجرة موسيقية نادرة، وصوت ساحر خلاب، وذاكرته فنية قوية. # لم أشك لحظة في أن ms070 الفتى يتمتع بهذه الأوصاف جميعا، فهل تدري من هو الفتى الصغير الذي ~~نعنيه؟ # هو الموسيقار الكبير الأستاذ محمد عبد الوهاب، ولولا أن المجال لم يكن يسمح بضمه إلى ~~الفرقة لانتظم في سلكها إذ ذاك. # فلوس في كل مكان # كان المال ينهال على خزينة تياترو الأجبسيانة كالمطر الغزير وبشكل لم يكن أحد ينتظره ~~أو يتصوره، وكلما ارتفعت أرقام الأرباح، ارتفعت معها عقائر الخصوم والحساد، وامتلأت ~~أعمدة بعض الصحف بالطعن في كشكش من جميع النواحي. والظريف في الموضوع أن صاحب شخصية ~~كشكش كان مجهولا من الناس طرا، فلم يكن يعرف شكله أحد، ولم يكن إنسان يدري أهو أبيض أم ~~أسمر؟ فتى أم شيخ؟ مطربش أم معمم، ذلك لأنني كنت أظهر على المسرح بالجبة والقفطان ~~وباللحية الطويلة الوقور، ولم أكن أكثر الظهور في الشوارع والطرقات، كذلك لم تكن الصحف ~~الأسبوعية قد انتشرت، بل ولم تكن قد ظهرت وامتلأت صفحاتها بالصور كما هو الحال الآن، ~~تلك الصور التي أوقفت القراء في أنحاء مصر وغيرها على «أشكال» الممثلين والممثلات، ~~وقربتهم إلى الأذهان، بحيث أصبح من السهل الآن على كل امرئ أن يتعرف على أقل مخلوق أو ~~مخلوقة من ممثلي المسرح وممثلاته. # ويحلو لي الآن في هذا الصدد أن أقول، بأن وفرة المال بين يدي كانت تنسيني في كثير من ~~الأحوال المواضع التي كنت أحفظ فيها النقود، من ذلك أنني وضعت يوما في «القمطر»، وأرجو ~~أن يسامحني القراء في استعمال هذا اللفظ، لأنني لم أسمع به إلا من صديق لي قال إن ~~المجمع اللغوي وضعه بدل كلمة «الدولاب»، فأردت أن أنتهز الفرصة وأتفلسف على قرائي ~~المحبوبين، أمال يعني حاتفلسف على مين غيرهم؟ ع المتفرجين؟ ... نهايته. # وضعت يوما في «قمطر» التواليت (لم يخبرني صديقي على الاسم الذي انتخبه المجمع بدل ~~كلمة التواليت) وضعت فيه مبلغ ثلثمائة جنيه مصري، ثم نسيت هذا المبلغ بعد ذلك، ولم أعره ~~أهمية، لأن الخير كثير، وستر المولى كان متوافرا للغاية. وبعد عشرين يوما من هذا الحادث ~~تصادف أن كانت «لوسي» تنظف أدراج ms071 القمطر - يا سلام أنا داخله في مزاجي كلمة القمطر دي ~~بشكل؟! - فعثرت على 300 جنيه، سلمتها لي بعد أن فركت أذني بأصابعها الجميلة وهي تقول : ~~«خلي بالك من فلوسك يا نجيب أحسن ييجي يوم تحتاج لها» .... # كانت نصيحة ثمينة من «لوسي» ولكنني لم أعمل بها. وكم أتمنى من صميم الفؤاد أن تعود ~~تلك الأيام بأموالها المغدقة أو المغرقة ... كي أعمل بنصيحة لوسي - والله العظيم - ولا ~~أفرطش في القرش الأبيض علشان ينفع في اليوم الأسود!! # وفي يوم آخر كنا «بنعزل» - اعذروني إذ لم أجد كلمة لغوية تفيد معنى النقل من بيت لبيت ~~غير دي - وفيما نحن نرفع بساط غرفة النوم وجدنا تحته ثمانين جنيها!! # أما قفاطين كشكش فلم تكن تخلو يوما من كبشة نقدية «مبعزقة» في جيوبها هنا وهنا!! ~~فكانت لوسي - الله يمسيها بالخير - تتولى جمعها في كل مساء وتسلمها لي مقرونة بالنصيحة ~~إياها!! # لعل واحدا يسأل: «ما علة هذا النسيان؟» وردا عليه أقول إنني كنت دائم التفكير في ~~عملي، وفيما يجب أن تكون عليه الرواية الجديدة، وما هي العيوب الاجتماعية المتفشية في ~~البلاد كي نعالجها فيما نقدمه للجمهور بين ثنايا ألحان الرواية وموضوعها؟ وقد كانت ~~نتيجة هذا التفكير المتوالي السرحان ... المتوالي برضه!! # قلت إنني كنت أدير الفرقة لحسابي الخاص نظير حصة مقدارها 30٪ من الإيراد يتقاضاها ~~المسيو ديمو كنجس صاحب التياترو. وقلت إن التياترو لم يكن مسقوفا، بل مغطى بالقماش ~~وكانت الأرضية ترابا في تراب، ومع ذلك لم يكن الكبراء يأنفون ارتياده، أو ينقطعون عن ~~زيارته، أحصى المسيو ديمو كنجس نصيبه في العام الأول فإذا به ثمانية آلاف وخمسمائة جنيه ~~مصري!! وهذا المبلغ هو ثلاثون في المائة فقط من الإيراد! فكم يكون نصيبي أنا ... يا صاحب ~~السبعين في المائة الباقية!! س - وسين تساوي ... حوالي عشرين ألف جنيه تقريبا!! فأخ ... أخ ~~من زمان وفلوس زمان! # الأوبرا كوميك والأوبريت حمار وحلاوة # ومن أظرف ما كان يتردد على ألسنة الناس في عهد «النغنغة» أن نجيب الريحاني اشترى ~~عزبة، وأطلق عليها اسم «حمار وحلاوة»، فإذا ms072 سأل سائل: «وأين مقر هذه العزبة؟«أجاب ~~بعضهم: إنها في الشرقية، وفي مركز فاقوس كمان!! وربما تطور به الخيال فقال: «وفي زمام ~~بلد اسمها منزل نعيم على حدود نجع عودة، وعمدتها بالأمارة اسمه الحاج عبد ~~الوهاب». # وبعد هذا التعيين المدهش، كدت أنا نفسي أصدق أنني أمتلك عزبة بحق وحقيق ... مين عارف ~~يمكن صحيح؟؟ ولذلك انتهزت فرصة وجود صديق لي من أعيان تلك الناحية، فسألته فيما بيننا: ~~هل صحيح يا خوي عندكم عزبة ملكي اسمها حمار وحلاوة؟ وللأسف نفى لي صديقي هذا «الحلم» ~~اللطيف، مؤكدا أنها مجرد إشاعة عارية من الصحة مختلقة من أساسها! ولو كان قلم المطبوعات ~~يهتم في ذلك الحين بإصدار بلاغات التكذيب، لتوسلت إليه أن يفعل، بعد أن استفحلت تلك ~~التهمة، ووجدت بين عباد الله خلقا كثيرا يؤمنون بها! حتى خشيت أن تنمو عائلتي، ويظهر لي ~~مئات من الأقارب الذين لا أعرفهم، والذين ربما تكون رابطة القرابة الوحيدة بيني وبينهم ~~هي ... حمار وحلاوة ليس إلا!! # على أن الظريف أن بعضهم كان يقول في بعض الأحيان، إن العزبة ليست في الشرقية، بل في ~~المنوفية، وفي يوم ثالث تكون في الدقهلية، وهكذا ظلت «حمار وحلاوة» تتناولها حركة ~~التنقلات - كما تتناول السادة الموظفين - إلى أن تبخرت يا حسرة ... ولم يبق لها وجود في ~~غير أدمغة مخترعيها. # على أنني كنت أستطيع بلا شك لو عمدت إلى الاقتصاد المعقول - وبلاش التقتير - أن أملك ~~عزبا بعدد رواياتي، وأن يكون في حوزتي بدل حمار وحلاوة بس - ولو، وإش، وعلى كيفك ... ~~وأخيرا «24 قيراط» التي لم يحن وقت الكلام عنها بعد. # وقد دار حوار بيني وبين المستر هورنيلو (مدير الأمن العام إذ ذاك). وكانت التقارير ~~والمعلومات التي جمعها له مخبروه حملته على أن يأمر بمصادرة الرواية التي كنا نستعد ~~لإخراجها واسمها (قولوا له). ولكن لم تمض على هذه المصادرة أيام حتى قامت الثورة في مصر ~~قاصيها ودانيها، واشتركت الطوائف والطبقات جميعها في مظاهرات وطنية حارة، فخرجت مع ~~أعضاء فرقتي (ممثلين وممثلات) ننشد على أنغام أوركستر الفرقة نشيد ms073 الكشافة. # الريحاني «دسيسة إنجليزية»! # قلت إن شعوري هو الذي كان يدفعني إلى العمل بنشاط وهمة. ولم أكن بطبيعة الحال أرغب من ~~وراء ذلك جزاء ولا شكورا. ولكن الخصوم والحساد والناقمين، جزاهم الله عن المروءة ~~والشهامة كل خير! # في الساعة الحادية عشرة من مساء إحدى الليالي جاءني الأستاذ مصطفى أمين (وقد كان قبل ~~ذلك شريكا للأستاذ علي الكسار في فرقة كازينو دي باري) جاءني مصطفى إلى منزلي يلهث من ~~التعب ويقول: «انج بنفسك يا نجيب فإنك الليلة مقتول لا محالة»! # كيف؟ وبيد من؟ ومن الذي يفكر في إعدامي؟ قال: «هم مواطنوك المصريون! هذا فظيع ... ~~فظيع!». # وراح الزميل مصطفى يقص ما حدث، قال: «إنني آت من الأزهر الشريف حيث عقد اجتماع حافل ~~تبودلت فيه الخطب الحماسية، وقد وقف شخص من خصومك على المنبر، وبدون أن يدعوه أحد ~~للكلام سمم أذهان المستمعين بأكاذيبه مدعيا أنك (دسيسة إنجليزية)، وأن السلطة العسكرية ~~قد أمدتك بالمال لتلهي الشعب برواياتك عن المطالبة بأمانيه العالية! ولما كانت الجماهير ~~في أوقات الثورات تنساق بلا روية، فقد هتف الناس ضدك وصمموا على قتلك!». # يا للصدمة! ينتقل الواقع من اليمين إلى الشمال في طرفة عين، وينقلب الحق سريعا إلى ~~بهتان ومين؟! # القصد، ثارت زميلتي «لوسي فرناي»، وخشيت علي سوءا فصممت على أن نسرع بهجر المنزل توا ~~قبل أن تحل النكبة. # وكانت ليلة لن أنساها! # أخذنا عربة. وكنت في تلك الساعة أحس أن قلب العزيزة لوسي يكاد يقفز من بين جنبيها، ~~وكان يخيل إلي أنني أسمع دقاته وهو يعلو ويهبط، إذ وقفت على سلم العربة لتحول بيني وبين ~~أنظار المارة، وتستحث الحوذي أن يلهب ظهور خيله كي يبتعد بنا عن منزلنا قبل أن تغشانا ~~الغاشية. نعم لم تشأ لوسي أن تجلس بجواري طول الطريق فظلت على هذه الوقفة حتى وصلنا إلى ~~فندق «هليوبوليس هاوس» أمام المكان الذي تقع فيه الآن لوكاندة هليوبوليس بالاس بمصر ~~الجديدة، ولم تكن هذه قد شيدت بعد. # وهناك في إحدى غرف «هليوبوليس هاوس»، نزلت مع لوسي وكانت الساعة ms074 قد تجاوزت الثانية ~~صباحا. # بقيت في هذا الفندق عدة أيام لم تلهني فيها المخاوف عن واجبي الوطني، فقد كنت آتي إلى ~~المسرح في كل صباح ، فأجتمع بالممثلين والممثلات وغيرهم، لنرتب أمورنا ولننظر في شئوننا. ~~ولم تكن هذه الشئون غير مظاهرات نقوم بها هنا وهناك (لأن جميع المسارح كانت معطلة بأمر ~~السلطة). # وجاء الاستقرار # ومضت على ذلك الحال أيام استقرت فيها أمور العامة، وسمحت السلطات لسعد زغلول «رحمه ~~الله» بمغادرة منفاه في مالطة إلى «فرساي»، حيث عقد مؤتمر السلام كما كانوا يدعونه، ~~وكانت النتيجة الطبيعية لذلك أن تفتح المسارح ودور اللهو، وأن تعود إلى ما عهده الجمهور ~~فيها من تسلية، وأن تكون هذه العودة بشروط فيها شيء من الشدة، كتحديد مواعيد السهر، ~~وكدقة المراقبة التي فرضتها الداخلية عليها، ونقول الداخلية ونحن على يقين من أنها كانت ~~«مظلومة»، لأنها لم تكن إلا «مخلب القط» في أيدي السلطة الأجنبية! # ما علينا فلندع شأن السياسة، ولنبق في محيطنا الذي نحن بصدده. جاهدنا بعد أن عادت ~~البلاد إلى ما يقرب من الحالة الطبيعية في أن يسمح لنا بتمثيل روايتنا المصادرة «قولوا ~~له»، وقد سرني أن أصل إلى مبتغاي بعد أن كدت أيأس من الوصول إليه. # وجاءت الليلة الأولى لظهور الرواية ... فكيف أصفها؟ وأين لي قدرة الكاتب النحرير ~~لأستطيع الدقة في التعبير؟ # كانت هذه الليلة عيدا شاملا لكل من احتوته دار التمثيل، سواء في ذلك الممثلون أو ~~المتفرجون. أما تأثير الرواية فتصور قنبلة تنفجر في مكان آهل، ثم تصور ما يكون لها من ~~دوي يهز الجماد ويحرك الصخور! # ظهرت الرواية على أثر المظاهرات التي اشتركت فيها جميع الطبقات، وقد راعينا أن ندخل ~~في صلب الرواية ألحانا وطنية على ألسنة كل طائفة من الطوائف التي قامت بهذه المظاهرات، ~~بحيث لم ندع واحدة منها إلا أرضيناها بما كان يلقيه الممثلون، حين يتقمصون شخصيات أفراد ~~تلك الطوائف على المسرح، واحدة بعد أخرى. # وناهيك بأزجال يضعها بديع ويلحنها سيد درويش! # وإذا كان للنسيان أن يجر أذياله على الذكريات جميعا، فإني ms075 على يقين من أنه لن يمحو من ~~مخيلتي، ذلك المظهر الفاتن الذي بدا من الجمهور في اللحظة التي تحرك فيها الستار مرتفعا ~~عن الفصل الأول في هذه الرواية في كل مساء! # هتاف يرتفع إلى عنان السماء، وتصفيق يكاد يصم الآذان، أما حين أظهر على المسرح بعد ~~ذلك، فلك أنت يا سيدي القارئ أن تقدر ما كنت أقابل به من الجمهور! # دعني أقرب لك الواقع فأقسم أن الدموع كانت تغالب الموقف في عيني، وكان قلبي يطفر ~~اعترافا بالجميل لأبناء الوطن، الذين تهافتوا على أخ لهم يشعر أنه لم يؤد من الواجب ~~عليه إلا قليلا. ومع ذلك فقد ارتفع في نظرهم قدره وسما بينهم ذكره، حتى كدت والله أعذر ~~حسادي فيما فعلوا من محاربتي، لأن هذه المظاهرة الكاملة - بل وأقل منها - كان يكفي ~~لكمدهم ولإشعال نار الحقد بين ضلوعهم. # وبعد أن انتهت الأيام التي قدرناها لرواية (قولوا له)، كنا قد أعددنا الرواية التالية ~~واخترنا لها اسم (رن) ... وقد جاءت كسابقتها شعلة من الوطنية متأججة، ولهبا من الحماس ~~تشتعل ناره ويلتهب أواره، وقد ظهر فيها مع (كشكش بك) تابعه وأمينه (زعرب)، ونجحت بالفعل ~~رواية (رن) كما نجحت سابقاتها. # ماذا أديت للفن؟ # على أنه يحلو لي في هذا الوقت أن أعترف بحقائق لم أكن أطالع بها إذ ذاك غير المخلصين ~~من المحبين. فإنني كنت كلما خلوت بنفسي وحاسبتها على ما أديت للفن من خدمات تستحق أن ~~توصلني إلى ذروة الشهرة التي اعتليتها، وإلى أفق الصيت الذي لا يحد مداه، أقول إنني كنت ~~أحاسب نفسي، فأجد أعمالي كلها من الناحية الفنية - صفرا على الشمال! وليس لها من قيمة ~~إلا ما فعلت في الأفئدة من إشعال جذوة الوطنية بين الجماهير، وهذا وحده ليس كافيا لأن ~~يكون مطية ذلولا تطفر بي في ميدان الشهرة هذه الطفرات المتواليات، ولذلك أردت أن أشبع ~~حاستي الفنية، وأن أستبدل بهذا النوع الحالي من الفن نوعا جديدا أرضي به ضميري وجمهوري ~~في آن واحد! # ولكنني بعد أن أعملت الفكر كثيرا، خفت أن ms076 يرى الناس نوعا لم يألفوه من قبل. وبذلك ~~يهجرونني فأكون كالغراب حين فتنه مشي العصفور فعمد إلى تقليده، ولما أعيته الحيل فضل ~~العودة إلى مشيته الأصيلة ولكنه كان قد نسيها، فظل على الحال التي نراه بها من القفز ~~الثقيل الظل. # فماذا أفعل للتوفيق بين النظرتين؟ # العشرة الطيبة # نظرت حولي فألفيت الأستاذ عزيز عيد خاليا من العمل بعد أن فشل مشروعه في كازينو دي ~~باري، ذلك المشروع الذي افتتحه برواية «حنجل بوبو». # وكان حوله طائفة من الزملاء أعيتهم البطالة: فاستدعيت عزيزا وأشرت عليه بتأليف فرقة ~~تجمع بعض البارزين من الممثلين. ثم صممت على أن أتخذ لها مسرحا مستقلا، فاستأجرت كازينو ~~دي باري بالذات، وكانت قيمة الإيجار ألفي جنيه في العام. # وكنت قد قرأت رواية فرنسية أعجبني اسمها «اللحية الزرقاء»، فاتفقت مع الكاتب المرحوم ~~محمد تيمور بك على أن يقتبسها ويمصرها. ثم عهدت إلى الأستاذ بديع خيري في وضع أزجالها، ~~وإلى المرحوم الشيخ سيد درويش أن يلحن هذه الأزجال. فأثمرت جهود أولئك الفطاحل عن الدرة ~~التي أطلقنا عليها اسم «العشرة الطيبة». # وتألفت الفرقة من الأستاذ عزيز والسيدة روز اليوسف والأساتذة محمود رضا ومنسي فهمي ~~ومختار عثمان واستيفان روستي والمطرب زكي مراد والمطربة برلنته حلمي والسيدة نظلي ~~مزراحي وغيرهم، وقد مكثوا يؤدون بروفات هذه الرواية مدة أربعة أشهر كاملة كنت أدفع فيها ~~مرتباتهم. # أخرج عزيز الرواية. ويهمني هنا أن أقول بأنني اعتنيت بها عناية فائقة، فلم أغلل يدي ~~عن الصرف، ولم أحجم عن بذل كل ما تطلبه إظهارها في المظهر اللائق من مال قل أو كثر أما ~~المناظر فقد عهدت في رسمها إلى الأستاذين أحمد لطفي (الموظف الآن بمصلحة المساحة)، وعلي ~~حسن الذي تخصص في إيطاليا لهذا العمل، ثم قصدت إلى خان الخليلي فحصلت على مجموعة شائقة ~~من التحف القديمة والملابس الأثرية ذات القيمة، وكان من بينها ما ارتداه أو استعمله بعض ~~مشاهير القواد والفاتحين من العصور السابقة. # وفي اليوم المحدد لظهور الرواية، كان مجموع ما صرف في سبيل إعدادها إلى اللحظة التي ms077 ~~يرفع فيها الستار عن أول مشاهدها مبلغ ثلاثة آلاف جنيه مصري. وكانت رواية «العشرة ~~الطيبة» هذه أول عهد الأوبرا كوميك والأوبريت في مصر! كان موضوع الرواية يتضمن تبيان ~~شيء من استبداد الشراكسة، وكانت تركيا قد خرجت إذ ذاك من الحرب العالمية مقهورة، وكانت ~~الأفكار في مصر تعطف عليها وتحن إليها، كما كانت حاقدة على الإنجليز لوقوفهم في سبيل ~~نهضة مصر أولا، ولأنهم كانوا أقوى عامل في هزيمة تركيا ثانيا. # دسيسة أخرى # ولذلك استغل خصومي الموقف، وراحوا يعيدون فريتهم السابقة من أنني دسيسة إنجليزية، وأن ~~القصد من عرضي لرواية «العشرة الطيبة» هو تجسيم مساوئ الأتراك في عين المصريين، وتقريب ~~الإنجليز لقلوبهم. وهذا مع أن الرواية ليس فيها أقل رائحة يشتم منها أي عطف على ~~الإنجليز، أو أي إساءة للترك. ولكن ماذا أفعل مع من لا يتورعون؟ # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور ~~. # ولم تكن تمر ليلة إلا ويقف في إحدى مقاصير كازينو دي باري في أثناء التمثيل، أو في ~~فترة الاستراحة، خطيب ينادي بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويهتف بسقوط الريحاني (داعية ~~الإنجليز وربيب نعمتهم). كل ذلك وهم يعرفون تماما أن الريحاني كان هدفا لنقمة الإنجليز ~~وسلطتهم العسكرية في مصر، وكثيرا ما كان يقف بين المتفرجين بعض العقلاء والمتنورين، ~~فيردون على سفاسف أولئك الخطباء ويسفهون آراءهم. # انتصار # ولكنني مع ذلك أعترف بأن دعاة السوء قد استطاعوا التأثير في بعض السذج بهذه الدعاية. # فلما رأيت هذه النتيجة طلبت إلى الصديقين المرحوم محمد تيمور بك والأستاذ بديع خيري، ~~أن يقصدا إلى أحد البارزين من أعضاء الوفد المصري الذين يعتقد الشعب بآرائهم، ويطلبا ~~إليه أن يتفضل بمشاهدة تمثيل الرواية، ثم يحكم بعد ذلك من الناحية الوطنية لها أو ~~عليها. فكان أن وقع اختيارهما على المرحوم مرقص حنا، وكان إذ ذاك وكيلا للجنة الوفد ~~المركزية. فذهبا إليه، وفي المساء نفسه حضر رحمه الله في رفقة السيدة قرينته والآنسة ~~كريمته السيدة عايدة هانم (قرينة الأستاذ مكرم عبيد). # وفي اليوم التالي تفضل المرحوم مرقص ms078 حنا فنشر في الصحف رأيه الصريح، مقرظا الرواية ~~نافيها عنها كل ما يذيعه المغرضون لحاجة في نفس يعقوب. فكان هذا التصريح الكبير من رجل ~~مثله له مكانته في قلوب الأمة، معولا دك حصون خصومي ودورهم على أعقابهم خاسرين. ومع ذلك ~~فإن فرارهم من الميدان العام لم يكن ليحول بينهم وبين بث دعايتهم، كل وما يقدر عليه. ~~ولعله من الظريف أن أروي في هذه المناسبة ما وقع بين واحد منهم وبيني شخصيا! # مقارنة مضحكة # كان ذلك في سنة 1920، حين وفد إلى مصر الممثل الفرنسي الكبير (جان كوكلان). وكانت ~~الصداقة قد ربطت بيني وبينه موثقا، فدعاني إلى مشاهدة إحدى رواياته في حفلة (ماتينيه) ~~بتياترو برنتانيا القديم. ولبيت الدعوة، وكان إعجابي بالرواية شديدا بحيث كنت من أكثر ~~المتفرجين تصفيقا. وهنا التفت إلي الشخص الجالس في المقعد المجاور لي ولم يكن بالطبع ~~يعرف من أنا، وقال ما نصه: «أيوه كده ... أهو دا التمثيل الصحيح مش الراجل كشكش اللي ~~بيضحك على عقلنا بكلامه الكارع». # وتمشيت معه في الحديث، فوصفت كشكش بأنه دجال لا أقل ولا أكثر. «وتبحبح» الرجل معي ~~بحبحة «فضفض» فيها بكل ما يأكل قلبه من حقد. وأنا أنصت إليه بكل انتباه. ويظهر أن الشك ~~داخل الرجل أخيرا، فسألني عن شخصيتي، وتطمينا له أجبته بأنني وإن أكن «شقيق» نجيب ~~الريحاني، إلا أنني لا أقر خطته في المسرح، ولا أوافق مطلقا على النوع الذي يعرضه أخي ~~الدجال! # تدهور مادي ومعنوي # والآن نترك السادة الخصوم، وندع تأثيرهم في أذهان الجمهور، وننظر إلى هذا الأثر في ~~نفسي. فأقول بكل صراحة إن شيئا من اليأس قد داخلني، وزاد منه أن توالت علي صدمات مالية ~~قاسية. فقد اشتريت قبل ذلك قدرا هائلا من الفرنكات والليرات والأسهم والماركات، فهبطت ~~أسعارها جميعا. وكان التدهور المادي شنيعا فأحسست بعده فعلا بهبوط حالتي المعنوية، حتى ~~لم أكن أتمالك نفسي على خشبة المسرح ... ودب في عملي نوع من الإهمال الذي انقلب إلى فوضى ~~تفشت في ثنايا المسرح، وكادت تقلبه رأسا على عقب. # وكانت ثالثة ms079 الأثافي أن تغير شعور كل من المرحومين عزيز عيد والشيخ سيد درويش نحوي، ~~وسمعت من بعض المتصلين بهما أنهما ينويان رفع راية العصيان، ويتحدثان بأن الإيراد الذين ~~يدخل جيبي من فرقة الكازينو - ولست ممثلا فيها - يجب أن يكون من حقهما وحدهما. # وحين وصل إلى سمعي هذا الخبر، قصدت إليهما وصارحتهما بأنني رجل لا أحب العمل إلا في ~~وضح النهار. ثم سردت عليهما ما وقفت عليه من شأنهما، وأتبعته بأنني على تمام الاستعداد ~~لنفض يدي من المشروع وتركه لهما بخيره وشره، فعليهما أن يذهبا بالفرقة حيث شاءا، وأن ~~يكفياني مئونة النظر في أمرها. وكان ذلك الإجراء الحاسم فصل الخطاب بيني وبينهما، ~~وتضافر الاثنان في إخراج رواية (شهر زاد). # ثلاث شقيقات # فاتني أن أذكر حادثا له أهميته، في مذكرات كهذه، يقصد بها وجه التاريخ الصحيح، الذي ~~آليت على نفسي فيه منذ البداية أن أكون صريحا في سرد الحقائق، وإن آذت مرارتها شخصي في ~~بعض الأحايين. # في سنة 1920 تقدمت إلى ثلاث فتيات منهن طفلة يبلغ سنها حوالي الأحد عشر أو الاثني عشر ~~عاما، وطلبن الالتحاق بالفرقة! # فلم أتأخر عن إجابة هذا الطلب، وأضحت الفتيات (رتيبة وإنصاف وفاطمة رشدي) من أفراد ~~فرقتي، وأريد إلى جانب ذلك أن أقول بأنني لاحظت في الصغرى ذكاء وقادا، وهواية شديدة ~~للتمثيل، ورغبة أكيدة في العمل للتقدم على خشبة المسرح، بعكس شقيقتيها اللتين شعرت أن ~~ميلهما كان متجها إلى إلقاء المقطوعات التلحينية. هذا ما رأيت إثباته قبل العودة إلى ~~المدى الذي تركت القارئ عنده. # وهناك شيء آخر تدفعني الصراحة كذلك إلى إبدائه، وهو أنه في أواخر عام 1920 كان الخلاف ~~قد دب بين الصديقة (لوسي دي فرناي) وبيني، فافترقنا إلى غير عودة. ويقيني أن هذا الفراق ~~كان أول النكبات التي صبها القدر فوق رأسي وساقها إلي حلقات متتالية يأخذ بعضها برقاب ~~بعض. # ذلك لأن ما كان يغمرني من خير جارف، أضحى بعد ذلك البحر جفافا من كل ناحية، بل وشرا ~~مستطيرا، حتى لقد اقتنعت تماما أن هذه الفتاة ms080 كانت هي مصدر الأرزاق، وأنها إنما حملت في ~~جعبتها بسمات الدهر وحظ العمر. # الفصل السابع # | كشكش تقليد # أنا كشكش تقليد! # وقد اشتركت مع الحاج مصطفى حفني، وقمت بالفرقة إلى سوريا ولبنان في أولى رحلاتنا ~~الفنية. وقد رميت بهذه الرحلة أولا وقبل كل شيء، إلى الترويح عن نفسي بعدما لحق بي من ~~أسى، وتجديد نشاطي الذي تضاءل، والتخلص مما حل بي من فتور وسقم. # ونزلنا في بيروت وكلنا آمال بالنجاح الذي ينتظرنا فيها. # ولكن بكل أسف ضاعت الآمال من الليلة الأولى، وبلينا بالكثير من الإخفاق الذي لم نكن ~~نتصوره. # أما علة ذلك فهي أن الأستاذ أمين عطا الله (وقد كان ممثلا بفرقتي قبل ذلك بسنوات)، ~~استطاع إذ ذاك أن ينسخ جميع رواياتي فألف فرقة من مواطنيه في سوريا، وعرض بضاعتنا كلها، ~~ولم ينس أن يغتصب كذلك اسم (كشكش بك). # وأحب أن أنصفه فأقول إنه لم يأخذ الاسم على علاته، بل تصرف فيه من حيث الشكل فضم ~~«الكافين» في بيروت وفتحهما في دمشق، في حين أنهما مكسورتان في مصر! # هذا هو كل التصرف الذي أدخله أمين عطا الله على عمدة كفر البلاص! # المهم أن الناس هناك اعتبروني مقلدا لكشكش بك الأصلي، الذي هو أمين عطا الله، وزاد ~~الطين بلة أن هذا الكشكش بك كان سوريا، وقد مكنه ذلك من معرفة عادات مواطنيه، والوقوف ~~على ما يرضيهم وما لا يرضيهم، فكان يؤدي لهم ما يرغبون كما يرغبون. # وهذه الرغبة أن القوم هناك يميلون إلى الكوميدي المفتعل، بمعنى أن الممثل يجب أن ~~«يتمرمغ» في الأرض، أو يخبط دماغه في الحيط، أو ... أو إلخ، وقد تعمق معهم أمين في هذا ~~النوع، أما نحن فقد حافظنا على روح رواياتنا، وعرضناها مقتطعة من عادات الحياة المصرية، ~~فإنها كانت بعيدة عن عادات إخواننا السوريين، ولذا أصبحت أنا كشكش «التقليد» في حين ~~أضحى أمين عطا الله في نظرهم كشكش «الأصلي». وقد كنت أسمع بأذني بعض الناس هناك يقولون: ~~«هايدا مانه كشكش، هايدا تقليد!» فكنت آخذ هذا الوصف في «أجنابي» ms081 فأقول في سري ... سبحان ~~مغير الكشاكش! # المهم لم تنجح الرحلة من الوجهة الفنية ولا من الناحية المادية، فقد كانت النتيجة أن ~~الإيرادات والمصروفات كانا متوازيين، أي أن الميزانية كانت متوازنة فلم نخسر ولم نكسب ~~هذا من الناحية العامة. أما من وجهة نظري الشخصية فقد كان هناك شيئا متناقضان، يدخل ~~أحدهما في باب الخسارة والثاني في كفة الربح، فالخسارة كان مبعثها أن التسلية والترويح ~~اللذين قصدت إليهما من الرحلة أتيا بنتيجة عكسية وزادا من همومي، وأما من ناحية الربح ~~فلها قصة! # بديعة مصابني # في أول حفلاتنا هناك لفت نظري في المقصورة الأولى سيدة «بتلعلع» وقد ارتدت أفخم ملبس ~~وتحلت بأبهى زينة. # لم أعرفها حقا، ولكنني تنبهت لوجودها وفي فترة الاستراحة بين الفصول، أدهشني أن وجدت ~~هذه السيدة بذاتها تحضر لتحيتي وتهنئتي في حجرتي بالمسرح. ويظهر أنها لاحظت ما أنا فيه ~~من ارتباك، فدفعها ذكاؤها إلى أن تعرفني بنفسها فقالت: «إلا أنت مش فاكرني والا إيه؟ ~~أنا بديعة مصابني اللي قابلتك في مصر وكتبت وياك كنتراتو ولا اشتغلتش!». # وبعد أداء ما قضى به الواجب من أهلا وسهلا، وإزاي الصحة وسلامات، عرفت منها أن الدافع ~~لها على هجر مصر، بعد أن اتفقت على العمل في فرقتي، هي أنها استرجعت للشام على عجل ~~لأمور قضائية تتصل بعملها الفني هناك. وقد عرفت إذ ذاك أنها كانت تعمل بنجاح تام كراقصة ~~وأن اسمها ذاع في أنحاء سوريا ولبنان. # كما أنها كانت قد اشتركت في فرقة أمين عطا الله، وحفظت الكثير من مقطوعاتنا الغنائية ~~التي ورثها عنا أمين ... ونحن على قيد الحياة. ثم سألتني السيدة بديعة: «هل إذا التحقت ~~بفرقتك يكون لي نصيب من النجاح في التمثيل؟». # فأجبتها: «إنك لا تنجحين على المسرح فقط، بل إنني أتنبأ لك بمستقبل تصلين فيه إلى ~~مراتب النجوم من أقرب طريق وفي أسرع وقت». # وفي تلك الليلة جددنا عقد الاتفاق على العمل، وانضمت بديعة إلى الفرقة، وظهرت معنا ~~لأول مرة بمرتب شهري قدره أربعون جنيها مصريا. # وكان أول اشتراك فعلي لها ms082 معنا في بيروت حيث ظهرت في أدوار غنائية، فنالت ما كنت أوقن ~~به من نجاح. # قضية # مكثنا في رحلتنا بسوريا ولبنان ثلاثة أشهر كاملة، فلما عدت إلى مصر، راعني أن أجد في ~~انتظاري قضية مدنية رفعها ضدي المرحوم (ديموكنجس) صاحب تياترو الأجبسيانة الذي كنت أعمل ~~فيه. وإليك موضوعها: # كان في ذمة «ديمو» لي مبلغ ستمائة جنيه كتأمين، فلما اتفقت على القيام ~~بالرحلة تراضينا على أن أدفع له مبلغ خمسة جنيهات عن كل يوم من أيام تغيبنا في ~~هذه الرحلة. إلا أنه انتهز فرصة غيابي فرفع هذه الدعوى مطالبا إياي بتعويض مالي ~~لما سببته له من خسائر «بامتناعي» عن العمل في مسرحه! واخد بالك!! نهايته ~~استمرت هذه المنازعات حوالي شهرين، وانتهت والحمد لله في مصلحتي! # وفي أوائل سنة 1922 تقدمت إلي شركة سجاير ماتوسيان تعرض مشروعا للاتفاق معها على أن ~~تعمل فرقتي ثلاثة أشهر في الإسكندرية لحسابها. وكانت طريقة الشركة أن تضع في علب ~~سجايرها كوبونات يستطيع الزبون أن يقدمها لعامل شباك التياترو فيحصل بواسطتها على ~~تنزيل. # وافقت على مشروع شركة ماتوسيان بالطبع، وبدأنا عملنا في تياترو كونكورديا بالميناء ~~الشرقي بالإسكندرية، من أول شهر مارس وانتهى في مايو. وكانت هذه المدة فرصة استطاعت ~~السيدة بديعة في أثنائها أن تحفظ أدوارا في رواياتي القديمة التي لم تكن يد السيد أمين ~~عطا الله قد وصلت إليها، كما أن لهجتها السورية بدأت تنقلب في هذه الأشهر الثلاثة، وعدت ~~إلى مصر، فشعرت بشيء غير قليل من الضيق، واحتل قلبي نوع من اليأس زاد في إضرامه موت ~~والدتي. # وكأن قسوة القدر لم تكتف بهذه الكارثة، ففجعتني بأروع منها! ذلك أن أصغر إخوتي ~~وأقربهم إلي وأعزهم على نفسي ... بل قل إنه كان التعزية الوحيدة لي، والأمل الباسم في ~~حياتي، هذا الشقيق المحبوب، اختفى في ذلك العام المنحوس - ومازال إلى هذه اللحظة التي ~~أسطر فيها مذكراتي، دامع العين، مفتت الكبد جريح الفؤاد، أقول مازال شقيقي هذا مجهول ~~المصير مني ومن محبيه وأصدقائه - ولم تكن منزلته لديهم لتقل كثيرا ms083 عنها لدي فاللهم صبرا ~~جميلا. # وبعد أن انتهت مدة الثلاثة أشهر التي اتفقنا فيها مع شركة سجاير «ماتوسيان» للعمل ~~بتياترو «كونكورديا» بالإسكندرية، تقدم إلي متعهد يعرض علي أن تقوم الفرقة إلى سوريا ~~مرة أخرى في رحلة فنية، ويسوؤني أن أقول إنها لم تكن أحسن حظا من سابقتها، خصوصا وقد ~~لقيت في أثنائها من تعنت الممثلين الشيء الكثير. # يوسف وهبي وعزيز عيد # عاد إلي إذ ذاك فتوري القديم، وكدت أيأس من مواصلة العمل، لولا خبر نما إلي وأنا في ~~ربوع لبنان. # أما الخبر فهو أن الأستاذين يوسف وهبي وعزيز عيد قد عادا من إيطاليا، وقررا تأليف ~~فرقة يهيئان لها مسرحا في شارع عماد الدين. # ولقد كان مجرد علمي بذلك باعثا لي على إشعال جذوة النشاط في نفسي، فعقدت العزم على ~~العودة إلى مصر وموالاة العمل فيها، مهما كانت الأحوال ومهما حكمت الظروف. # كان ذلك في يناير عام 1923، وهنا يجدر بي أن أنوه باكتشاف وفقت إليه! ذلك أن صديقي ~~بديع خيري كان إلى هذا التاريخ زجالا فحسب، ولم يكن قد اشتغل بالتأليف بعد. فلما وجد ~~مني اهتماما بالبحث عن رواية أقابل بها المنافسين المستجدين، تقدم إلي في حيائه المعروف ~~وهو يقول بأنه انتهز بعض فرص الخلو من العمل واشترك مع شقيقي الأصغر في وضع رواية «على ~~قد الحال». # اتهمت بالكسل صداقة فنية # وقد عرفت منه فيما بعد ما أقصه عليك أيها القارئ فيما يلي: # كان أخي الصغير صديقا حميما لبديع. وكان كل منهما يخلص الود لصاحبه، وقد ~~تآلفت روحاهما، واتحدت أفكارهما، فكان الواحد منهما يجد في زميله الأخ الشقيق ~~لا مجرد صديق. # وقد ظن الاثنان أن في مقدورهما أن يخلقا من نفسيهما مؤلفين، ولكن واحدا منهما ~~لم يطلعني على هذا السر الدفين. # ومن ثم راحا يعملان فيما بينهما، فوفقا إلى رواية فرنسية اسمها «الفانوس ~~السحري، أو علاء الدين» وهي إحدى قصص «ألف ليلة». # فلما انتهيا منها، رغبا أن يبرهنا على قدرتهما بطريق غير مباشر، ولذلك لم ~~يعرضا روايتهما علي بل راحا «يسرحان» ms084 بها على الفرق الأخرى لعل واحدة منها تضع ~~في عينها «حصوة ملح»، وتشتري الرواية. وفي ذلك البرهان القاطع الذي يقدمانه لي، ~~ويحملاني به على الإقرار لهما بأنهما مؤلفان لا يشق لهما غبار! # على أن الفرق التي قصدا إليها السيدان المؤلفان لم تر في الرواية رأيهما، فلم ~~تقبل إحداها الشراء!! كما أن بديعا وأخي لم يجرآ على مفاتحتي في الأمر، ومن ثم ~~أودعا الرواية في المهملات بمنزل الأستاذ بديع، وأبقياها كهدية منهما إلى جياع ~~الفيران، إذ لم تحن الفرصة لبعثها! # ومضت السنوات على ذلك إلى أن عادت الفرقة من سوريا - وكنت كما قدمت - في أشد ~~الحاجة إلى رواية أقابل منافسي. فتقدم إلي الأستاذ بديع «باقتراحه المتواضع» ~~الذي سبق بيانه! # اطلعت على الرواية فوجدتها من «حسبة 25:30 منظرا» ومع أنها كانت كلعب الأطفال ~~أو عبث المبتدئين، إلا أنني أحسست فيها ثمرة يمكن اجتناؤها وأساسا يصح البناء ~~عليه، وإذ ذاك اشتركت مع بديع في «توضيبها»، وصبها في القالب المرضي الذي يضمن ~~لها النجاح المنشود، وكان أن أطلقنا عليها اسم «الليالي الملاح». وكان هذا أول ~~عهد بديع بالتأليف الروائي، ومن ذلك اليوم سار ملازمي في كل ما نضع للمسرح من ~~روايات. # بديعة تبكي # حدثتك يا سيدي القارئ عن «بديع» والآن فلتسمح لي أن أحدثك كذلك عن «بديعة». # قلت إنني اتفقت وإياها على أن تعمل بفرقتي، وأمضينا اتفاقا «في أثناء وجودنا بسوريا»، ~~ينص على أن تتقاضى أربعين جنيها شهريا، فلما عدنا إلى مصر، بدأنا إجراء بروفات «الليالي ~~الملاح». وكم قاسى الممثلون في تلك البروفات، وكم بذلوا من جهود جبارة لم تكن السيدة ~~بديعة قد اعتادتها في عملها مع غيرنا. وإني لأذكر أنها كانت في كثير من الأحوال تبكي ~~وتنتحب و«تقطع» شعرها من الجذور بعد أن ينهكها التعب، وتتوتر أعصابها من العمل المتوالي ~~في البروفات. # ولم يكن ذلك ليقلل من قسوتي أو يثبط من عزيمتي، فقد آليت على نفسي أن أجعل منها عروسا ~~للمسارح، وكوكبا يلمع في أفق الفن. ولم أقصر في إطلاعها على هذه الرغبة ms085 في بعض ~~الأحايين، فكان ذلك يدفعها إلى تحمل الألم، حتى إذا ما بلغ غايته، تملكها الغضب وغادرت ~~المسرح باكية صاخبة ولسان حالي يقول: «برضه ولو!». # فنانة بالفطرة # كانت بديعة فنانة بفطرتها، وكانت تهوى المسرح بطبيعتها، وكنت أحس ذلك منها، وأرى في ~~قوامها وفي جمالها ما يساعد على تكوين عقيدتي التي أبديتها، وهي أنني لابد وأن أجعل ~~منها الممثلة التي أبتغيها، ولذلك لم أكن أولي غضبها و«عصبيتها» أية عناية. بل بالعكس، ~~كانت كلما ازدادت غضبا ازددت قسوة ونضالا في سبيل مصلحتها من ناحية ومصلحة عملي من ~~الناحية الأخرى. # وأخيرا آن أوان اقتطاف الثمرة، وجاء الوقت الذي شاءت فيه العناية أن تنيلنا أجر ما ~~بذلنا من جهود. فظهرت «الليالي الملاح» آية فنية رائعة، وبدت فيها «بديعة مصابني» كوكبا ~~هل على الجمهور في صورة ملكت لبه، واحتلت مكامن إعجابه. وزاد الإقبال وتحسنت الأحوال، ~~وبدأ الناس يتحدثون في كل مكان عن ممثلتنا الجديدة فيقرظها عارفوها، ويرفعها غيرهم إلى ~~أسمى مكان من إعجابهم! وهنا فقط عرفت بديعة سر التدقيق في «البروفات»، ورأت بعينيها أن ~~نجاحها لم يكن إلا وليد تلك الجهود التي أبكتها فيما مضى فأغضبتها المرة تلو ~~المرة. # أراني ملزما بتحليل نقطة في منتهى الأهمية، ولو من وجهة نظري أنا، كانت بديعة هاوية ~~خالصة الهواية وكانت - وما تزال على ما أعتقد - شعلة من النشاط، فجاء نجاحها المجيد بعد ~~ذلك حافزا قويا حملها على مطالبتي بموالاة العمل لإخراج رواية جديدة. وكأنها ظنت أن ~~تأليف الرواية لا يكلفنا شيئا من العناء. وما هي إلا أيام معدودة أجتمع فيها بزميلي ~~بديع ونتبادل الرأي ثم تنتهي الرواية وتكون معدة للمسرح! # حاولت أن أفهمها خطأ ما ذهبت إليه، وأبين لها أن المسألة أبعد مما يتراءى لها، ولكن! ~~كيف أصل إلى موضع الاقتناع منها؟ # هل أنا كسول؟ # ومضى الشهر الأول والنجاح حليف «الليالي الملاح»، ولم نكن قد أنهينا من الرواية ~~التالية غير الفصل الأول. وبعد أيام تبعه الثاني، وكانت بديعة أشبه بالسوط يلهب ظهورنا، ~~ويستحثنا على الإسراع وبذل الهمة «للفراغ ms086 من دي المهمة»! فلما أبطأنا بعض الشيء لم تجد ~~إلا أن ترميني بالكسل. # وقد كانت سامحها الله، أول من خلع علي لقب البطولة في هذه الرذيلة. وقد وجدت دعايتها ~~من أذهان الناس مرتعا، فأصبحت في نظرهم جميعا شخصا كسولا، ولزمني هذا الوصف «بهتانا» ~~إلى اليوم، كذكرى من ذكريات السيدة بديعة مصابني. وأقول بهتانا لأنني لا أرى مسوغا له، ~~ولا أرضى أن أوصف به! # وأعددنا بقية الرواية الثانية «الشاطر حسن» وكان من أثر استعجال بديعة، أن أخرجنا ~~الرواية قبل تهيئة الفصل الأخير منها، فظهر في اليوم الأول مفككا لا ضابط له، إلا أننا ~~استطعنا بحمد الله أن نصلح ما أفسدت السرعة منه. فاحتلت الرواية مكانها من إعجاب ~~الجمهور، وكانت كسابقتها من حيث النجاح والإقبال. # ويهمني أن أعترف هنا، بأن بديعة كانت تنتقل في كل يوم من نجاح إلى نجاح، حتى جاءت ~~الرواية الثالثة «أيام العز»، وفيها ارتكز مجد بديعة على أساس ثابت، وأضحت العروس التي ~~تنبأت بها، والمعدن الذي كشف الصقل جوهره، فبدا للعيان لامعا كشمس الضحى. كان هذا حال ~~بديعة بعد الرواية الثالثة، فإذا كانت قد رمتنا بالكسل قبل أن تصل إلى هذه الدرجة من ~~السمو، فماذا بربك تكون حالتنا في نظرها وهي تريد أن تظهر كل يوم في رواية جديدة؟ # بديع مؤلف وزجال # وقد قلت فيما قبل إن الزميل بديع خيري كان إلى ما قبل ظهور رواية «الليالي الملاح» ~~زجالا فحسب. إلا أنني حين اطلعت على أثره في تلك الرواية عرفت أنه مؤلف بغريزته، وأن ~~أثوابه تخفي تحتها عبقريا لا ينقصه إلا أن يرفع عنه ستار الخجل الذي يكسوه، وإلا أن يحل ~~من قيد التردد الذي يعروه. هذا ما تأكدت منه بعد درس روايته الأولى التي اشترك معه فيها ~~أخي الصغير. # وتوالت الروايات التي اشترك معي في تأليفها بديع، وفي خلال تلك المدة كسبت في شخصه ~~أكبر معين لي في عملي، إذ اتحدت أذواقنا، وائتلفت أرواحنا، وأصبح كل منا للآخر أخا ~~روحيا أو تكملة لابد منها للثاني. # لقد قلت ms087 في مناسبات كثيرة إن بديعا الزجال كان آية من آيات النبوغ في فنه، وهاأنذا ~~أؤكد أن تلك المكانة من الزجل لمست فيه أضعافها في التأليف، ورسم الحقائق والأخلاق ~~المصرية الصميمة، والقدرة على إلباسها الثوب الحقيقي الخلاب في أسلوب يلذ للمرء أن ~~يتابعه بشغف وانتباه. # أضحى بديع خيري إذن زجالا ومؤلفا في وقت واحد. وقد ساعدني ذلك على التفكير في إخراج ~~الكوميدي المصري الصميم. # هذا ما أرى من واجبي أن أثبته للحقيقة والتاريخ قبل أن أواصل السير في سرد الوقائع ~~التي بدأت بها. # اشترك معي بديع في «الليالي الملاح» و«الشاطر حسن» و«أيام العز» ... وقد كان نجاحها ~~بليغا، كما كان أثر بديع وبديعة فيها واضحا جليا. # ريا وسكينة # وهنا ... معذرة يا قرائي الأعزاء إذا عدت بكم ثلاث سنوات إلى الوراء، لأسجل حادثا له ~~أهميته الاجتماعية والفنية. # في سنة 1921 روعت مصر من أقصاها إلى أقصاها إثر اكتشاف حوادث جنائية في الإسكندرية لم ~~يكن للبلاد بها عهد من قبل، وتلك الحوادث هي استدراج بعض النسوة إلى مكان معين، وسلب ~~حليهن ثم قتلهن أشنع قتلة، والتمثيل بجثثهن ثم دفنهن تحت الجدران. وكان أبطال هذه ~~العصابة امرأتين «ريا» و«سكينة» وزوج إحداهما واسمه «حسب الله». # كان اكتشاف هذه الجنايات حديث الناس جميعا. ولما كنت أشعر بأنني خلقت للدراما لا ~~للكوميديا، فقد عولت على اقتباس موضوع من هذه الحوادث الدامية وإخراجه على ~~المسرح. # وهذه النزعة - نزعة الدرام - يظهر أنها تسكن أدمغة رجال الكوميدي جميعا، فكل منهم ~~يعتقد - إن حقا وإن باطلا - بأنه مبرز في هذا النوع، وأنه إذا اتجه إليه فاق نفسه في ~~الكوميدي بمراحل. # ولعل القراء يعرفون كيف عقد شارلي شابلن عزمه على إخراج دوري نابليون وهملت، وكيف صرح ~~مرارا بأنه سيكون المجلى فيهما. نهايته ... أعددت رواية «ريا وسكينة» وأخرجتها في مسرح ~~برنتانيا، ففاق نجاحها كل حد، بحيث كنت أسمع بأذني النحيب والبكاء صادرين من الناس طرا. ~~وكم سمعت البعض ينادون بالصوت العالي: «بزياده بقى ... قتلتونا يا ناس ...». # كان الممثل حسين إبراهيم يقوم بدور «ريا»، وكانت ms088 بديعة تظهر في دور إحدى الضحايا التي ~~تفتك بهن العصابة. كما اضطلعت أنا بدور سفاك اسمه مرزوق. وما دمت قد أشرت إلى ما كان ~~لهذه «الدرام» من تأثير عميق في الجمهور، فلا مانع من ذكر هذه الواقعة. # دشرها ولاك ...! # حدث عندما كنا نمثل هذه الرواية في يافا، أن كان أحد المشاهد حاميا بيني وبين بديعة، ~~وكان الحوار بالغا أشده، حين تقدمت من الفريسة وأطبقت أصابع اليدين حول عنقها وهي تتلوى ~~- كالطير يرقص مذبوحا من الألم - وأرجو السماح يا حضرات القراء في الاستشهاد بهذا المثل ~~... واستحملوا فلسفتي ... ربنا ما يوريكم مكروه. # أقول بينما المناقشة حادة، وأنا أقوم بمهمة الخنق خير قيام، إذ بي أسمع صوتا يدوي من ~~أقصى الصالة صائحا: «دشرها ولاك ... العمى بعينتينك ...!». # وأتبع حضرته هذا القول بطلقة من غدارته، كادت ترديني على خشبة المسرح ... لولا أنني ~~أخدتها من قصيره، وبرطعت إلى الخارج تاركا الفريسة تعرف شغلها مع صاحب هذا الاحتجاج ~~العملي الغريب في نوعه! أما وقد انتهينا من ذكر ما نسينا فلنقفز بعد ذلك ولنواصل ما ~~انقطع. # معلهش يا زهر # عرفتم أنني صادفت في أثناء عملي في شركة السكر بنجع حمادي عرافة فرنسية تنبأت لي ~~بسنوات أعوم في أثنائها في الفلوس عوم، وأن هذه السنوات ستتبعها أخرى عجاف، وهكذا ~~دواليك. # انقضت سنوات القحط والنحس والبلا الأزرق. فاستمع يا سيدي وارث معي للحال التي كنت ~~فيها. # لعلك تذكر المسيو ديمو كنجس ... صاحب تياترو برنتانيا، وكيف فتحت أبواب النعيم باتفاقي ~~وإياه على العمل في مسرحه، ذلك العمل الذي در عليه ربحا لم يكن يتصوره، وملأ خزانته ~~بمال لم يكن يمتد إليه أمله حتى في أحلامه. وإنه وإن كان لي أن أتحدث بنعمة ربي، فإني ~~أقول إنني نقلت هذا الرجل إلى سماء الثروة الجارفة، إذ كان إيراده السنوي من المسرح ~~ثمانية آلاف جنيه أو يزيد. فهل عرف لي هذا الجميل؟ وهل قدر لي ذلك الصنيع؟ # الجواب على ذلك: أنه اتفق مع الحاج مصطفى حفني «مدير مسرح برنتانيا» على أن يشتركا في ~~إتمام ms089 بناء التياترو (لأنه كان إلى هذه اللحظة، على الله، سقف خيش وجدران مترين طوب ~~وأرضية من الرمل و... إلخ). # ولكن للأسف كان الشرط الأساسي أن يخرجاني منه، وأن يجلبا فرقا أجنبية من الخارج للعمل ~~به، الواحدة تلو الأخرى. ألحفت في الرجاء لعلي ألين قلب هذين الشريكين، وبعد مقت وفلقة ~~قلب، تفضلا وتنازلا وقبلا أن يسمحا لي بالتمثيل في فترات متقطعة، بين سفر فرقة أجنبية ~~ووصول أخرى، وفي أيام الصيف القائظة التي يرفض الأجانب أن يعملوا في أثنائها! برضه ~~معلهش يا زهر إذ لم يكن أمامي إلا قبول ما يملى على من قاسي الشروط. # دقات أخرى # آدي دقة! أما الأخرى. فقد كان لي في أحد البنوك الأجنبية سندات تقدر بمبلغ ثلاثة آلاف ~~جنيه كنت أقترض عليها إذا ما أعوزني المال. إلا أنني فوجئت بحجز تحفظي على هذه السندات، ~~لأن رجلا أتى من عرض الطريق ادعى أنني مدين له بمبلغ مائة جنيه! ولذلك رفض البنك أن ~~يجيب مطالبي، وتوقف عن إقراضي أي مبلغ، بالرغم من توسلاتي إليه أن يحتفظ بمبلغ الدين، ~~بل بأضعاف أضعافه، إذ أين المائة من الثلاثة آلاف. # عام بأكمله قضيته دون أن أجد قرشا واحدا، في حين أنني أملك في البنك آلاف الجنيهات! # أما ثالثة الأثافي، ولا مانع من الاعتراف بأنني أستعمل هذا الاصطلاح غصبا عن عين ~~زميلي بديع خيري، ورغم معارضته، لأنه يدعي أن مافيش حاجة في الدنيا اسمها «ثالثة ~~الأثافي»، وأنه لا يفهم لها معنى، ومع أنني أوافقه على أنني أنا أيضا لا أفهم لها معنى ~~إلا أنني برضه أستعملها لأني سمعتها من أحد الفضلاء المبجلين أعضاء بسلامته المجمع ~~اللغوي! # أقول إن ثالثة الأثافي «واللي يزعل يشرب من الزير»، أنني صدمت صدمة نفسانية قاصمة، لا ~~تقاس بجانبها الصدمات المادية مهما اشتدت. صدمة جاءت في الصميم، فضعضعت حواسي، وأسلمتني ~~إلى اضطرابات عصبية قاسية كنت في أثنائها في حاجة إلى من يواسيني ... ولكن أين لي أن ~~أجده؟ # لست أريد التوسع في شرح تلك الصدمة مكتفيا بهذه الإشارة الموجزة حتى ms090 لا أسيء إلى أحد. # هجر شخصية كشكش # قلت إنني قبلت شروط الشريكين ديمو كنجس والحاج مصطفى حفني، ورضيت أن أعمل في ~~«برنتانيا» في فترات متقطعة ، فأعددت رواية «البرنسيس» مع زميلي بديع، وقد كانت أول ~~محاولة حقيقية لنوع الكوميدي في مصر، وإن كانت أشربت ببعض نواحي «الأوبريت». # وفي هذه الرواية - وللمرة الأولى - خرجت عن شخصية كشكش، وظهرت في دور آلاتي بائس يعزف ~~على القانون اسمه «المعلم حسنين»، كما ظهرت بديعة في دور «عيوشة». # ونجحت الرواية كما كان مقدرا لها، وتوطد مركز بطلتها بديعة في عالم التمثيل. ولولا أن ~~الرواية كانت تعرض في فترات متقطعة لواصلت نجاحها يوميا، ولآتت أكلها كما كنا نبغي. ~~ولكن آه! ثم آه! ... من الحاج حفني. ومن أجواقه التي كانت كأجواق «أبو حجاب»، الذي يقولون ~~إنه لا ودى ولا جاب!! # وبعد رواية «البرنسيس» أخرجنا رواية «الفلوس»، ثم رواية «لو كنت ملك» ثم «مجلس ~~الأنس». # وفي هذه الأيام، كنا كالأيتام في مأدبة اللئام، إذ لم يكن لنا - كما شرحت - مسرح ثابت ~~نعمل فيه، كما أن الدرام قد طغى على مصر فاشتهر فيها اسم «مسرح رمسيس»، وعمل عميده يوسف ~~وهبي ومخرجه عزيز عيد، على ترجمة أحسن منتجات الغرب الأدبية، وعرضها على الجمهور في ثوب ~~قشيب ومظهر خلاب، لفت هذا النوع أنظار الناس قاطبة، فتهافتوا على مشاهدته، وولوا وجوههم ~~شطره، وتركنا نتابع سيرنا الأعرج تحت رحمة الحاج مصطفى حفني، وفي ظل رضائه عنا حينا ~~وغضبه علينا أحيانا، فكانت محاولاتنا الكوميدية تنجح في محيطها المحدود، ولكن لم يكن ~~لها مثل ذلك الدوي الذي كان يتمتع به الدرام إذ ذاك. # تأويل مدهش # أي والله مدهش! ذلك التفسير لنصوص العقد، الذي أجبرتني الحالة على توقيعه مع الحاج ~~مصطفى حفني مدير تياترو برنتانيا. كان بين الشروط التي أملاها «الحاج» أن تحيي الفرقة ~~أربع حفلات نهارية (ماتنيه) في كل أسبوع، وإذا «امتنعت عن إحياء إحدى هذه الحفلات كان ~~عليها أن تدفع غرامة مقدارها ثمانية جنيهات. # هذا هو الشرط. وقد كان يحدث في شهور القيظ أن يفتح ms091 شباك التذاكر لحفلات الماتينيه، ~~ولكن العامل «لا يصطبح» بابن حلال يوحد الله. لأن الناس كانوا يفضلون سهر الليالي على ~~حجز أنفسهم عصر كل يوم في ذلك العرق المحرق. فإذا جاء أوان رفع الستار وجدنا التياترو ~~خاويا على عروشه، ومقاعده أفرغ من فؤاد أم موسى. ولذلك كنا نتفق مع الحاج مصطفى على ~~إلغاء الحفلة. # وفي أواخر يوليه من عام 1924 انتهت مدة التعاقد. # وفيما أنا مستعد لنقل الحال والمحتال - أي ما أملك في المسرح من ملابس ومناظر وأدوات ~~وستائر - وقف الحاج مصطفى يحول بيني وبين نقل أي «قشايه» ... إيه يا سيدنا؟ - لأنك مدين ~~لي بمبلغ سبعمائة وعشرين جنيها؟ ~~- يا خبر زي بعضه ... وبتوع إيه دول يا حاج؟ ~~- بقى يعني مش عارف حضرتك؟ بتوع الماتينات اللي بسلامتك رفضت تشتغلها! ~~- لكن دا مش بسلامتي بس اللي رفض، دا بسلامتك أنت كمان لأن مافيش حد جه، ولأنك كنت ~~حاتخسر ثمن النور وأجرة العمال! ~~- لا. مافيش كلام من ده!! # وطبعا انتهت المناقشة وانفض المشكل على أن (ما فيش كلام من ده). وضاعت ملابسي ومناظري ~~وستائري الغالية في شربة ماء. والظريف أن الحاج مصطفى بعد الرجاء الحار، والوسائط ~~الكثيرة، قبل أن يكتفي بهذه الأشياء ... ويتنازل - وخد بالك من يتنازل - عن بقية ما في ~~ذمتي من أموال نظير الامتناع عن «إحياء» الحفلات الميتة إياها!! # بعد هذه الفصول السخنة، وبلاش الكلمة الثانية، يئست من هذه الحياة، التي أنكر الناس ~~فيها الوفاء وباعوا الأصدقاء، فاعتزمت أن أرحل بعيدا عن أناس اشتريتهم، فباعوني، وأخلصت ~~لهم فأنكروني. ثم فكرت أن أجد في الزواج تعزية أو شبه تعزية، فكان قراني ببديعة مصابني، ~~وامتلأ رأسي بفكرة النزوح عن الوطن، والبحث ولو عن فائدة واحدة من الفوائد الخمس، التي ~~يقولون إنها مقرونة بالسفر. # كشكش الأصلي # وفي أحد الأيام نصحت لي بديعة أن نتسلى بشم الهواء في مصيف روض الفرج فرافقتها، وما ~~كدنا نصل حتى طرق أذني صراخ شخص يوزع رقاع إعلان وهو يقول بصوته المنكر: «الحق هنا يا ~~جدع، تعالى شوف كشكش الأصلي يا ms092 جدع، هنا ملك الكوموكودو - أي والله هكذا قال - الحق قبل ~~ما يلعب». # وتراءى لبديعة أن تقف هنيهة لتناقش ذلك «الإعلانجي» في صيغة ندائه، ولم يكن بالطبع ~~يعرف شخصيتها، فجرى بينهما الحوار التالي: # بديعة ~~: # لكن يا أخينا (كشكش الأصلي) في عماد الدين مش هنا. # الإعلانجي ~~: # لا يا ستي هانم. دكهه تقليد، لكن الأصلي هنا. # بديعة ~~: # طيب وإزاي الأصلي يهزأ نفسه في روض الفرج، ويسيب التقليد يتمتع في عماد ~~الدين؟ # الإعلانجي ~~: # وإيه يعني عماد الدين يا ست. فيه في الدنيا أحسن من روض الفرج؟ دا روض العشاق ~~يا هانم ...! # ورأيت أن الخناقة قد تطول وتتشعب البحوث فتجر إلي توتر العلائق بين كشكش الأصلي وبين ~~حرم كشكش التقليد، اللي هو أنا، فجذبت بديعة ودخلنا لنشاهد (الكوموكودو) كشكش اللي مش ~~تقليد!! # ورفع الستار وظهر «المبروك»، فرقص ومثل وغنى وأنشد، فكدت أطير ... لا من السرور، ولكن ~~لأن كشكش ذلك الاسم الذي كنت أعتز به أضحى على هذه الحال من الهوان، يتلاعب به مثل هذا ~~الإنسان «ويمرمغ» به الأرض. ولست أخفي على القارئ أنني لولا وجود بديعة إلى جانبي في ~~تلك اللحظة، يعلم الله أنني ربما ألقيت نفسي في النيل منتحرا، وبلاش الغلب الأزلي ~~ده!! # نهايته. كانت هذه السهرة (الروض فرجية) سببا في القضاء على ترددي في السفر، فلم ينقض ~~الليل، حتى كنت في صباح اليوم التالي قاصدا إلى قلم الجوازات، لاستخراج جواز السفر لي ~~ولبديعة. # غريبالدي # وبعد الانتهاء من الإجراءات اللازمة قابلني الممثل (فريد صبري). # فلما عرف أنني قاصد إلى أمريكا الجنوبية، أظهر الرغبة في مرافقتي، فأفهمته أنني لا ~~أضمن أن أعمل هناك، وقد يقتصر الأمر على تبديل الهواء وانتجاع الصحة. فأجابني بأن الأمر ~~من وجهة نظره على حد سواء. لأنه - وهكذا قال - مقطوع من شجرة، ولا يهمه ما يأتي به ~~السفر، وبناء عليه لم أمانع في أن يصحبني كما صحبني الممثل محمود التوني. # وقصدت إلى إحدى شركات الملاحة، وهناك فهمت أن باخرة اسمها «غريبالدي» تقوم من جنوا ~~قاصدة إلى البرازيل. # فاسترحت إلى قطع التذاكر ms093 بها، وقلت لابد وأن إيطاليا إذا أطلقت اسم زعيمها العظيم ~~«غريبالدي» على إحدى بواخرها، فإن هذه الباخرة لابد أن تكون عروس زميلاتها ~~الأخريات. # وغادرت مصر إلى جنوا، وفي معيتي بديعة مصابني وفريد صبري ومحمود التوني وجوجو ابنة ~~بديعة ... شايف المعية يا عم!! وظللت أمني نفسي بعظمة «غريبالدي» وأبهتها وفخامتها، حتى ~~إذا وصلنا إلى جنوا تبخرت هذه الأحلام. لأن تلك «الغريبالدي» شبهت لي بقارب من قوارب ~~الصيد، أو بسفينة من ذلك النوع القديم الذي علق أثره بأذهاننا من عهد الدراسة، والتي ~~كان الفينيقيون يتنقلون عليها بين ثغور البحر الأبيض. وهنا قلت كيف يتسنى لهذه «القربة» ~~أن تخطو خطوة واحدة في المحيط الأطلنطي؟ نهايته. # أنا سندباد بحري # سارت غريبالدي «تهكع» بنا، موجة تشيلها، وموجة تحطها، إلى أن اجتزنا مضيق جبل طارق، ~~ودخلنا مياه المحيط وهنا كان الغلب الأزلي!! بل هنا كان التحقيق العملي للمثل المعروف ~~وهو: «كالريشة في مهب الريح» أي والله ريشة!! # ولكي تفهم قيمتها في المحيط أقول إنها قضت بنا فيه أو قضينا بها في المحيط خمسة ~~وعشرين يوما في حين أن غيرها من بواخر خلق الله يقطع هذه المسافة في أسبوع. # كان هذا حال «غريبالدي» أما ركابها فربنا ما يوري عدو ولا حبيب. ملك دوار البحر بديعة ~~فلم تعرف رأسها من رجليها. وطرح التوني وفريد صبري أرضا، لكن أرض إيه؟ هي فين الأرض؟ ~~قول طرحا خشبا!! وهذه كانت حالة الركاب جميعا، ولم تكن مقصورة على زملائي، ولم يكن بين ~~الجمع إلا فرد واحد لم يستطع البحر ولا دواره، بل ولم تستطع «غريبالدي» «بخيابة» قدرها ~~أن تؤثر فيه أي تأثير. فكان يغدو ويروح واضعا يديه في جيوبه، ضاحكا من هذا ومن ذاك ممن ~~كانوا يتلقحون في الممرات. هذا الفرد الواحد هو أنا. # ولكن ما ذنبي وقد خلقت مني الأقدار «سندبادا بحريا» في آخر الزمن؟ ولقد كنت أنتهز بعض ~~فرص هدوء البحر فأجمع زملائي، و«أسليهم» بعمل بروفه ... على رواية «هملت»، وغيرها من ~~«الدرامات»، لأن الموقف لم يكن يتحمل عمل بروفات كوميدي!! ms094 # وبعد هذه النكبات المدلهمات، شاهدنا أرضا عن بعد. # فقلت: «الله يرحمك يا خريستوف كولومب ويحسن إليك. ولو أنك كنت السبب في المرار الذي ~~شربناه من حفيدتكم المحترمة «غريبالدي» إذ لولا أنها طلعت في مخ حضرتكم فاكتشفتم ~~أمريكا، ما فكرت في النزوح إليها!! # الفصل الثامن # | في أمريكا الجنوبية # في عواصم أمريكا الجنوبية كشكش مغنواتي ...! # عملت الباخرة بأصلها، وأوصلتنا إلى بلاد القارة الجديدة، بعد أن قطعنا الأمل من هذا ~~الوصول، معتقدين أن الله سبحانه وتعالى قد اختارنا طعاما طيبا لأسماك المحيط الجائعة ~~...! # مررنا أولا بمضيق رائع المنظر عند بلدة «سانتوس»، فأنسانا جماله وفتنته ما لاقينا من ~~عذاب غريبالدي «صبحا ومسا» على رأي ليلى بنت الصحراء ...! # وفي الميناء، عقب أن رست الباخرة، وأقصد القارب الذي حملنا، شاهدت «شحطا»، (والشحط ~~على ما يتراءى لي من غير الرجوع إلى معاجم اللغة هو المارد الطويل العريض) واقفا تماما ~~كما وقف ديلسبس على مدخل القنال، وقد ظننته لأول وهلة تمثالا رخاميا، إلا أنه راعني أن ~~أجد سلاسل من ذهب تحلي صدره، وتتدلى إلى جيوب صديريته. وأخيرا عرفت أنه من إخواننا ~~السوريين الذين يقابلون الرواد والسائحين، ليقودوهم إلى فندق المدينة. فتقدمت إليه ~~وحييته، ثم أفهمته من أنا!! ولكنه هز كتفيه من غير مبالاة وقال: «شو بيكون كشكش هيك ... ~~مغنواتي؟». # وأخذتها في عظمي، وقلت ... بشرة خير، والله اطمأنينا على الشغل. نهايته. وذهبت ورفاقي ~~(بديعة وابنتها جوجو والتوني وفريد صبري) إلى الفندق، وهناك استودعتهم الله، وقلت ~~فلأذهب لارتياد المدينة، لعلي آتيكم منها بنبأ. أو لعلي أستطيع تهيئة فرصة لإحياء حفلة ~~أو حفلتين، وصحبني محمود التوني ورحنا نجوب سانتوس شمالا وجنوبا وشرقا وغربا. # سانتوس!! إنها قرية أو ضيعة، أو قل ما شئت. نظرت إلى التوني متسائلا! «أنحن في ~~أمريكا؟ أمال المغربلين تبقى إيه يا وله؟ نهايته لقينا في تجوالنا في أحد الشوارع رجلا ~~ذا مهابة، قدمه إلينا دليلنا، فعرفنا أنه يدير أكبر فندق في المدينة. وأنه هو الآخر ~~سوري من علية القوم هناك. # وحين قدمني إليه باسم «كشكش بك»، لاحت على ms095 الرجل دلائل الشك والريبة ... ثم ما لبث أن ~~أخذته نعرة الصراحة ففاجأني قائلا: «شو ها الحكي!! أنت ما لك كشكش. لأني أنا شفت كشكش ~~السنة الماضية بمدينة حمص في الشام ... وكان إله لحيه، وحضرتك هلا حليق» ...! على أنني لم ~~أحتج إلى وقت طويل لإقناعه بأنني كشكش صحيح، وبأن اللحية التي رآني بها جاهزة. # أول حفلة # سر الرجل بذلك ووعدني بالعون، وقال إنه سيهيئ للفرقة فرصة العمل في فندقه في نفس ~~المساء، والغريب أن عادتهم جرت على تناول الغداء في الساعة الحادية عشرة صباحا، والعشاء ~~في السادسة والنصف. وكان علينا بالطبع أن نجاري القوم فيما درجوا عليه. فبعد أن مضت ~~ساعة أو ما يزيد دعينا إلى ردهة الفندق، فإذا بها ملأى بالسيدات والرجال من أرقى ~~الطبقات، وإذا النبأ قد سرى بينهم متضمنا أن فرقة (غنائية) ...! غنائية وحياتك!! قد وصلت ~~من مصر، وأنها ستطرب الحضور بأصواتها الرخيمة!! الرخيمة! يا دي الليلة اللي زي بعضها يا ~~أولاد ... والرخيمة دي نجيبها منين؟ # ثم إذا فرضنا أنني مطرب ... وخستكت حبتين، فماذا أقول عن صوت التوني وزميله فريد صبري؟ ~~هل امتدت إليهما الخستكة مني عن طريق العدوى مثلا؟!! # وأخيرا طرأت فكرة!! فلتكن بديعة هي المطربة، ولنكن نحن جميعا مذهبجية التخت!! # ولم نتوان لحظة في تنفيذ هذه الفكرة السديدة، فتوسطت بديعة أريكة الطرب وجلسنا حولها، ~~نخزي العين، وفشر تخت الشيخ سيد الصفتي في زمانه!! # وألقت بديعة قطعا وطنية حماسية من ألحان روايتنا، بينما كنا نحن نردد كالمذهبجية بحق ~~وحقيق. وانتهت الحفلة بنجاح ما بعده نجاح. و«هاص بنا جمهورنا العزيز، فنلنا من إعجابهم ~~وتقديرهم ما نؤكد أننا غير جديرين به إطلاقا!!». # وأخيرا نصح لنا بعض الراسخين أن نولي وجوهنا شطر مدينة سان باولو (على بعد ساعتين في ~~القطار من سانتوس)، وأفهمنا الناصحون أنها مدينة عامرة بمحبي الفن الذين يعشقون ~~التمثيل، ويودون أن نتيح لهم فرصة مشاهدته. وكان ذلك في شهر نوفمبر من عام 1924، فعقدنا ~~العزم على الرحيل إلى سان باولو، وامتطينا القطار، وكم كانت دهشتنا بالغة حين أطللنا ms096 من ~~النوافذ، وشاهدنا المناظر التي تجل عن وصفها الألسن، وتتضاءل إلى جانبها أشهر المناظر ~~السويسرية وأبدعها. # في «سان باولو» # وفي هذه المدينة عرفنا حقا أننا اجتزنا البحر إلى أمريكا، فهي مدينة كبيرة عامرة وبها ~~جالية سورية تتحكم في أغلب المرافق، بين تجارة وصناعة وأعمال مجدية مثمرة. نزلنا في ~~فندق كبير يديره نزيل سوري، وكان خبر قدومنا قد سرى مسرى الكهرباء، فكان في استقبالنا ~~جمهور يربو على الخمسمائة شخص، أكرموا وفادتنا وأنزلونا منهم على الرحب والسعة. # ومنذ اليوم الأول أظهروا لنا رغبتهم في مشاهدة بعض رواياتنا: فأفهمتهم بأن رحلتنا لم ~~تكن فنية، وأننا ما قصدنا بها إلا الاستجمام والراحة، ولذلك لم نصحب فرقة من الممثلين ~~الذين يمكن أن نعمل معهم. فطمأنونا من هذه الناحية، وأبلغونا أن في المدينة جمعية من ~~الهواة، ما لبث أعضاؤها أن وافونا حيث نزلنا، فإذا على رأسها الشاب جورج أستاتي. نجل ~~المرحومة السيدة ألمظ أستاتي (وقد كانت من مشهورات ممثلات فرقة الأستاذ جورج أبيض قبل ~~ذلك وهي شقيقة السيدة إبريز أستأتى قرينة الأستاذ أمين عطا الله). والظريف أن جورج ~~أستاتي كان يمثل رواياتي هناك، ويطلق على نفسه اسم (كشكش البرازيلي)، كما كان زوج خالته ~~(الأستاذ أمين عطا الله) يفعل في سوريا ولبنان!! ووجدت من أفراد هذه الجمعية البرازيلية ~~شابا اسمه جبران طرابلسي، وقد قرأت في جريدة الأهرام أنه يعمل الآن على رأس فرقة في ~~الأرجنتين متخذا لنفسه (شكشك بك). آل يعني تصرف في اسم كشكش، فقلب كيانه!! # ألفت الفرقة إذن مستعينا بأولئك الهواة، وكنت - من قبيل الاحتياط - قد حملت معي طائفة ~~من أهم رواياتي. ورأيت أن أبدأ بزيارة إدارات الصحف كلها قبل أن أبدأ عملي، وقد قابل ~~أصحابها تأليف الفرقة مقابلة مستحبة! إلا أنني شعرت بأن هناك بونا كبيرا بين ما قوبلنا ~~به من صحافة الجالية السورية، وما قابلتنا به الصحافة الوطنية (البرازيلية). ذلك لأنني ~~أحسست في كتابات الأخيرة شيئا من روح التهكم وعدم المبالاة بما يمكن أن تفعله فرقة ~~«شرقية». # وقد علمت أخيرا أن سبب هذا ms097 الفتور إنما يرجع إلى الجفاء بين أهل البلاد الأصليين وبين ~~ضيوفها النازحين، لتمكن الأخيرين من امتلاك أعنة البلاد الاقتصادية. # وجدت نفسي في موقف هو الحرج بعينه، ولكنني مع ذلك أقدمت مستعينا بالله على تذليل ما ~~يعتورني من صعاب. # في جو مكهرب # استأجرت المسرح أربع ليالي بإيجار يعادل خمسين جنيها عن الليلة الواحدة، وعدت إلى ~~الفرقة أجاهد معها في إعداد روايات ريا وسكينة، والبرنسيس، وأيام العز، التي أطلقنا ~~عليها اسم (حلاق بغداد)، وأجهدت نفسي في البروفات، خصوصا بعد أن تكهرب الجو، ورأيت ~~أمامي أعينا مفتحة تريد أن تنتهز فرصة تنال فيها من الشرق والشرقيين. وأقول لك الحق ~~إنني ذكرت ما كان يجب أن أذكره في هذه الآونة! وهو أنني كنت بعملي هذا سائرا في أحد ~~طريقين، فإما للصدر وإما للقبر. ومضت أيام اقتربنا بعدها من الموعد المحدد للتمثيل، ~~فتساءلت عن حركة بيع التذاكر، وهالني أن أعرف بأن المبلغ الذي جمع إذ ذاك وصل إلى ألفي ~~جنيه!! # راعني ما شهدت فعدت إلى نفسي أحاسبهم. ترى ماذا تكون الحال لو قدر الفشل لنا؟ ثم ماذا ~~أكون أنا في نظر أولئك الناس الذين أحسنوا بنا الظن ...؟ # ونظرت من خلال ثقب في الستار قبيل التمثيل فما أروع ما شهدت! # طوائف من أرقى الطبقات رجالا وسيدات تشع من نحورهن وأصابعهن أنوار الحلي البراقة ~~والماسات ذات اللون الأصفر الفاقع الذي لم أر له مثيلا في غير البرازيل. وقد خيل إلي ~~وأنا أنظر إلى السيدات إذ ذاك بأن هنالك قطعة متماسكة من الجواهر أو صفوفا متراصة من ~~اللآلئ. ورفع الستار فمثلنا رواية (ريا وسكينة) وهي من فصل واحد انتهى دون أن أتبين له ~~في نفوس الجمهور نتيجة ... ثم جاء أوان البدء في رواية (البرنسيس). # وهي تبدأ بظهور بديعة على المسرح أولا، وبعد فترة طويلة أظهر أنا ... فعكفت في غرفتي ~~أعالج تهيئة وجهي بالميكياج وأنا أرتجف لوعة، وتملكني خوف أحسست معه كأني مبتدئ لم يعهد ~~أضواء المسرح، ولم يبد أمام الجمهور من قبل. ثم أرهفت أذني منصتا لأقوال بديعة، ms098 أستشف ~~أثرها في أفئدة الناس. وقد سرني أن وجدتها تمثل في إقدام وشجاعة، وكأننا على مسرحنا ~~المعتاد في مصر. وكان أن ظهرت أنا أيضا متشجعا حتى أتممنا الفصل الأول بين عاصفة من ~~التصفيق والهتاف، وامتلأ المسرح بالصحفيين والمهنئين، وغرقنا في لجة من القوم الذين ~~أحاطوا بنا إحاطة السوار بالمعصم. وقد كان فخر أفراد الجالية السورية بإخوانهم المصريين ~~لا يقدر. وانتهت الليلة ونحن نحمد الله كل الحمد، على ما أنعم علينا من توفيق حمل ~~البرازيليين أنفسهم على تقديرنا ورفع شأننا. # فيفا ريحاني! # ارتفع شأننا بعد النجاح الذي لقيناه في (سان باولو)، وقد ظهر ذلك بصورة واضحة في نادي ~~(سبورتنج كلوب)، الذي أنشأته الجالية السورية في تلك المدينة. ذلك أن النادي دعانا إلى ~~مشاهدة مباراة في كرة القدم، بين فريقه وفريق البرازيل ... وكان المتفرجون يزيدون على ~~العشرين ألف متفرج امتلأت بهم جوانب الملعب. فما كدت وبديعة نظهر أمام هذا الجمع ~~الحافل، لنأخذ أماكننا، حتى سمعنا هتافهم صاعدا إلى أجواء الفضاء (فيفا ريحاني) وفيفا ~~معناها يحيا ... وأنت فاهم طبعا ...! # وقد قلت إن أسباب النزاع كانت متوافرة بين النزلاء السوريين وبين أهالي البلاد ~~الأصليين، لتمكن الأولين من القبض على ناصية الحركة الاقتصادية والمالية دون الآخرين. ~~ولذلك شاهدنا في ملعب الكرة قوة كبيرة من الجند كاملة السلاح، استعدادا لما عساه يحدث ~~من احتكاك بين أفراد فريقي المتفرجين الذين عزل أحدهما عن الآخر، فجلس السوريون في ~~ناحية والبرازيليون في الناحية الأخرى، ووضع بينهما فاصل من الجند المدجج بالسلاح حتى ~~لا يغير أحدهما على الآخر، إذا ما توترت الأعصاب عقب هدف من الأهداف، أو إصابة لاعب من ~~لاعب. على أن المعجزة التي تمت هي أنني كنت والحمد لله بمنجى من الأذى المتوقع، لأنني ~~شملت برضاء الخصمين. وكنت بمثابة الضيف المرموق بعطف الفريقين. # ومن أمثلة الرضا التي حبانا بها الوطنيون في البرازيل، أن صحافتهم بعد أن شاهدت ~~رواياتنا، عادت فأثنت على التمثيل بمستطاب الثناء، بعد أن كانت مقابلتها لنا قبل ذلك ~~فاترة غير مطمئنة. # وفي فترة الاستراحة بين ms099 نصفي اللعب، أي (الهافتايم) بلغة الرياضيين، أو (الانتراكت) ~~بلغتنا احنا يا ممثلين، عاد الهتاف يدوي (فيفا ريحاني)، وقد اشترك فيه الجميع حتى خلت ~~نفسي رئيسا لجمهوريتهم، أو فاتحا لمالطة. أو على الأقل جبت الديب من ديله!! # واستؤنف اللعب، فهطل المطر مدرارا كأفواه القرب. أقول لك الحق دي فلسفة مني. لأن ~~المطر كان مدرارا صحيح ... لكن مش كأفواه القرب. لكن نعمل إيه في فلاسفة اللغة، الذين ~~يأتوننا بتشبيهات مش معقولة أولا ومستحيل تحصل ثانيا. # القصد يا سيدي نزل المطر كأفواه القرب وأمرنا لله، ومع ذلك ظل اللاعبون في تنافسهم ~~دون أن يتوقفوا، مع أن الكرة كانت تعوم في بحر خضم. # وانتهى اللعب بفوز السوريين، ثم ابتدأت المعركة التي كان البوليس يخشاها. ومحسوبك ~~وبديعة ومن معنا ... «فككان». # إلى ريو دي جانيرو # وبعد أن أحيينا ليالينا الأربعة في سان باولو، ألح الأهلون علينا في البقاء مدة أخرى. ~~فحاولنا أن نجد ليالي خالية في أحد المسارح الهامة، واستطعنا بعد جهد أن «نربط» أربع ~~حفلات أخرى، نالت من النجاح حظا لا يقل عن سابقتها. # وهنا كان الطمع قد فعل مفعوله في أحد أفراد الفرقة وهو (فريد صبري)، وقد كنت أمنحه في ~~رحلتنا هذه مرتبا شهريا قدره ثلاثون جنيها مصريا، في حين كان يتقاضى في مصر حسبة «خمسة ~~ستة جنيه». # رفع فريد راية العصيان، فجاء يملي شروطه قائلا إن مرتبه إذا لم يرفع إلى تسعين جنيها ~~كما يرفع مرتب التوني إلى سبعين فإنهما سيضربان عن العمل!! # طيب واشمعنى يعني الفرق ده بينك وبين التوني؟ ولم لا تتساويان في المرتب؟ # القصد؟ لم أجد مشقة في استمالة التوني إلى صفي، إذ كان من قدماء ممثلي فرقتي، وكان ~~لين العريكة سهل القيادة. أما زميله الثائر فقد فضلت أن أقطع الصلة به، وأن أعيده إلى ~~مصر قبل أن ينفث أفكاره في بقية الصحب الذين جمعتهم من بين هواة (سان باولو)، وسلمت ~~فريد صبري حسابه، وفوقه حق «الشبرقة» كمان، وقطعت له تذكرة السفر إلى مصر، وودعته، ~~واحنا من هنا وأنت يا ms100 بن الناس من هنا. # وقصدنا بعد ذلك إلى العاصمة (ريو دي جانيرو). وكانت الشهرة والصيت قد سبقانا إليها، ~~ولذلك استقبلنا فيها استقبالا حافلا، ونجحنا في حفلاتنا الثمان التي أحييناها بتلك ~~المدينة، وكان متوسط إيراد الحفلة الواحدة 500 جنيه. # وما كدنا ننتهي من هذه الحفلات حتى استدعينا ثانية إلى سان باولو، وهناك أقمنا ~~حفلتين. # أنا سندباد بري إلى الأرجنتين # بعد أن انتهت حفلاتنا الناجحة في سان باولو، بدت لنا فكرة الرحيل إلى الأرجنتين، أي ~~الجمهورية الفضية، ولكن وجدت مشكلة عويصة، هي التشديد المتناهي في الكشف الطبي على ~~العيون قبل اجتياز الحدود، ولن يدخل البلاد شخص يثبت الطبيب وجود التراخوما في عينيه! # تتوسط جمهورية أرجواي جمهوريتي البرازيل والأرجنتين، وقد نصح لنا بعض الصحب ألا نقصد ~~إلى هاتين الجمهوريتين رأسا، بل نمر بأرجواي أولا، وهناك نعمل على الاتصال بسوري كبير ~~يشتغل في تجارة الحرير، وله في جمهوريات أمريكا الوسطى كلمة مسموعة ونفوذ طائل، وركبنا ~~البحر إلى (مونتيفديو) في أرجواي، وفي المحطة التي رست فيها السفينة على الميناء كنت ~~جالسا في صالون الدرجة الأولى بها، فسمعت أشخاصا يخترقون صفوف الركاب وينادون بأعلى ~~أصواتهم: «سنيور ريحاني سنيور ريحاني». وما كدت أسمع النداء حتى اعتقدت أن هناك مكيدة ~~دبرت لنا، وأنهم لا شك آخذونا من الدار إلى النار. # وجاءت بديعة وقد كسا وجهها الاصفرار، وكاد يغمى عليها. # وتقدمت من هذا المنادي متصنعا الشجاعة، (قال الشجاعة قال وأنا ركبي عاملة زي ~~الشخشيخة!) وقلت: «هاأنذا». فابتسم الرجل وقدم نفسه إلي فإذا به صحفي عرف بمجيئنا فوصل ~~ومعه المصورون لالتقاط صور لنا، وعمل أحاديث معنا! الله يغمك يا حضرة الزميل الفاضل ~~(باعتباري الآن صحفيا ولو خارج الهيئة)، وأنت كركبت مصارين السنيور ريحاني! # نهايته كان عدد أفراد الفرقة ثمانية أشخاص بما فيهم أنا وبديعة، ولما كان كلانا في ~~الدرجة الأولى فإننا لم نشعر بصعوبة كبيرة في إجراء الكشف، وأما ركاب «السكندو» فقد ~~كانت الدقة رائد الطبيب عند توقيع الكشف. وكان من سوء الحظ أن تكون عينا محمود التوني ~~موئلا بل ms101 مخزنا لحبوب «التراخوما»، فمنع من النزول إلى البر بتاتا. وبعد جهاد ومشاوير ~~من هنا لهنا، صرح له على شرط السفر فورا إلى الأرجنتين دون تمضية وقت طويل في أرجواي. # لغاية هنا كويس، لكن إيه اللي رايح يوصله الأرجنتين يا نضري؟ ذهبنا لقطع تذاكر السفر ~~بحرا إلى «بونس أيرس» فطلب منا مبلغ ثمانمائة جنيه كتأمين بمعدل مائة جنيه لكل شخص، حتى ~~إذا ظهر أن شخصا واحدا مصابا بالتراخوما ضاع علينا المبلغ جميعه. # يادي الحوسه! ما هو ظهر معنا شخص واحد عنده تراخوما توزع على أورطه بحالها! # عملية تهريب # وعقدنا مؤتمرا منا ومن التاجر السوري الكريم، الله يمسيه بالخير، وفي هذا المؤتمر ~~تفتقت الأفكار عن حيلة لطيفة هي أن تسافر بديعة بحرا مع الخمسة السليمين وبذلك نطمئن ~~على استرداد التأمين، وهو في هذه الحالة ستمائة جنيه. أما أنا ومحمود فلنجتز الحدود سرا ~~ولنغامر بالهرب على أن يعاوننا ذلك الشهم السوري وأعوانه. # وأقلعت السفينة ببديعة وبقية الفرقة. أما أنا والتوني فقد صحبنا رجل من قبل تاجرنا ~~الكبير يحمل معه خطابا إلى رجل آخر في مدينة أخرى. وامتطينا قطار السكة الحديد، ومكثنا ~~فيه ثلاثة أيام بلياليها نجوب مجاهل أمريكا، مجاهلها والله العظيم. وبلد تشيلنا وبلد ~~تحطنا، وفي كل منها يسلمنا شخص إلى آخر وهذا يسلمنا إلى غيره. وفي كل مرة يصحبنا خطاب ~~من محطة التصدير، إلى محطة التوريد! وكأننا بضاعة مهربة: كوكايين، هيرويين، حشيش، إلى ~~آخر اللستة إياها. # وفي المرحلة الأخيرة، وبعد الليالي الثلاث، وصلنا محطة صغيرة على شاطئ نهر، وفيها ~~نزلنا وأشار دليلنا بإصبعه إلى الشاطئ الآخر من النهر قائلا: «شايفين الكشك اللي هناك ~~ده. أهو إذا نفدتم منه بقيتم في أرض الأرجنتين. ويبقى في إمكانكم تحطوا صوابعكم في ~~عينين الجعيص، حتى لو ظهرت التراخوما في دمائكم مش بس في عنيكم!». # كلام طيب ... لكن ننفد من الكشك إزاي يا أخينا؟ # اتكلوا على الله! # واتكلنا على الله. أمال حانتكل على مين؟ واجتزنا النهر في رفقة الدليل العزيز بعد أن ~~نصح لنا بالجلد وتصنع الشجاعة ms102 حتى لا يبدو علينا خوف مريب. فقلت للتوني. «تشجع» فأجاب: ~~«ما تخافش أنا قلبي جامد» وأبصرت فإذا هذا القلب «الجامد» وقد وصل في سقوطه جنوبا إلى ~~كعب صاحبه. ومال دليلنا على حارس الحدود فتسارا قليلا ثم أفهمه أنني وزميلي صديقان له ~~وأننا حضرنا لمشاهدة حفلات الكرنفال المقامة إذ ذاك في بلاد الجمهورية الفضية. وتنفسنا ~~الصعداء أنا والتوني، وتملكنا في هذا الحين مرح كمرح الأطفال، فعدونا بأخف ما حملتنا ~~أقدامنا إلى القرية كي نأخذ القطار إلى بونس أيرس، وتقدمت متلهفا إلى عامل الشباك ~~أطالبه بتذكرتين إلى المدينة التي نقصدها، فنظر إلينا وهز كتفيه بابتسامة لم نفهم لها ~~معنى وأخيرا قال: «متأسف جدا. لقد تأخرتم لأن القطار مر صباح أمس!». # صباح أمس! وما هو موعد القطار التالي إذن؟ ... # قال: «بعد أسبوع؟!». # أسبوع!؟ وتقولون إنكم في بلاد متمدنة؟ أسبوع يا بني آدم في قارة اسمها ~~أمريكا؟! # دي أفريقيا على كده رايتها لبن يا أولاد العم سام! القصد. أصبحنا أمام الأمر الواقع. ~~وما باليد حيلة. ولكن أين نقضي هذا الأسبوع. ونحن في قرية لا تزيد مساكنها عن مائة بيت؟ # ولكن إذا نسيت كل شيء فلن أنسى اسم هذه القرية التي أرتني الويل وسواد الليل، اسمها ~~يا عزيزي الفاضل، «سان جوزيه» وينطقون هذا الاسم في الأرجنتين «سان خوسيه». # بشرة خير # التفت إلي التوني وقلت له: «أين نمضي الأسبوع ده يا وله؟» ثم غادرنا المحطة، واجتزنا ~~البلد كلها بيتا بيتا في حسبة خمس دقائق، وهنا أشير إلى ظاهرة غريبة، وهي أن السوريين ~~في أمريكا الجنوبية كاليونانيين تماما في مصر. وأني لأذكر أن اللورد كرومر كتب في أحد ~~تقاريره السنوية، حين كان عميدا لبريطانيا في مصر، جملة مأثورة ترجمتها «إنك لو رفعت ~~حجرا في إحدى قرى الصعيد «الجواني» لابد واجد تحته بقالا يونانيا». ولو أن كرومر كان ~~معنا لكتب جملته هذه عن إخواننا السوريين في البرازيل والأرجنتين. # وفي أثناء اجتيازنا للشارع الوحيد في «سان خوسيه» هذه قابلنا رجل تفرس في وجوهنا. ~~وكلمة من هنا وكلمة من هنا، ms103 حصل التعارف. إنه سوري يسكن في سان خوسيه، بشرة خير. قادنا ~~إلى فندق البلدة، آل فندق آل، إنه بيت به حجرة أرضية هي اللوكاندة! وفي هذه اللوكاندة، ~~أو الحجرة بمعنى أصح سرير واحد وكنبة! وبس والله العظيم، أما الأرضية فطبقات من التراب ~~بعضها فوق بعض، وكذلك الحال في السرير حتى لقد ظننت أنهم في كل يوم «يتربونه» لا ~~ينظفونه! # كنت أحمل في هذه الأثناء مبلغا يربو على الألف وخمسمائة جنيه! جلست فوق السرير المترب ~~العالي والتفت خلفي فإذا نافذة خشبية يستطيع الواقف في الخارج أن يمد يده منها ويخطف ~~الفلوس. وإذا ساقه الشر، فيمكن أن «يخطف» روحي كمان من غير إحم ولا دستور، إذ لا يكلفه ~~الأمر سوى تناول زمارة رقبتي وضغطها بإحدى يديه. ويا لوكاندة ما دخلك شر! # لعب الفار في عبي، فجمعت مجلس شورى القوانين، المكون مني أنا رئيسا، ومن محمود التوني ~~سكرتيرا وأمينا للصندوق وأعضاء كمان. وتباحثنا في الأمر واستقر رأينا على أن نقتسم ~~النوم بيننا، فأنام ليلة يسهرها هو كنوبتجي يحمل النقود بين يديه بينما ينام هو في ~~الليلة الثانية واحتل أنا مكانه ... وهكذا دواليك! # دواليك دي مش على مزاجي أبدا، لكن استحملها مني الله لا يسيئك! القصد أمضينا ليالي ~~هذا الأسبوع الذي طال وكأنه عام، أمضيناه زي ما أمضيناه والسلام. وجاء القطار بعد ذلك ~~يتمخطر، فركبنا إلى بونس أيرس حيث تنتظرنا بديعة مع بقية «الشلة». # إلى بونس أيرس # ويغادر هذا القطار محطة «سان خوسيه» في الساعة الثانية بعد الظهر ويصل إلى بونس أيرس ~~في الثامنة من صباح اليوم التالي. جلسنا في أحد صالونات القطار. وحين أرخى الليل سدوله ~~- شايف إزاي بنعرف نتفلسف ونقول سدوله - حين أرخى الليل سدوله جعلنا الصالون عربة نوم. ~~لأن المقاعد تحول أسرة حسب النظام المتبع في هذه القطارات. # وأستطيع أن أقول إننا هنئنا حقا بالنوم في القطار، بعد أن استرحنا من نظام النوبتجية ~~الذي لازمنا ست ليال سويا. إلا أن شيئا غريبا وغريبا جدا لاحظته! # حوالي الساعة الثالثة صباحا - في دغششة ms104 الفجر يعني - صحوت من النوم فلم أسمع صوت ~~القاطرة. فظننت أن القطار وصل إلى إحدى المحطات، ونظرت من النافذة فإذا المياه تغمرنا ~~من الناحيتين! ... # أيقظت التوني وسألته: «إحنا يا وله وقت ما نمنا كنا راكبين وابور بحر والا وابور بر؟» ~~فدهش لهذا السؤال وأطل هو الآخر من النافذة قائلا: يا خبر أبيض نكونش غرقنا. والا متنا ~~وجم الملايكة يحاسبونا؟! تملكتنا الحيرة حقا. ورحنا نسعى بالسؤال إلى أن عرفنا السبب ~~فبطل العجب. هناك نهر كبير يجتازه القطار، لا بواسطة كبرى كما هو الحال عندنا وعند ~~غيرنا من عباد الله في جميع بلاد الدنيا، بل بواسطة صنادل يضعون عربات القطار فوقها ~~بالقطاعي، وتسير الصنادل فتنقل العربات من شاطئ إلى شاطئ، دون أن يشعر الركاب بهذه ~~العملية على الإطلاق! والله عشنا وشفنا! # خلصنا على كده ونقلت شحنة القطار إلى البر الثاني، وواصل سيره إلى بونس أيرس. وقبل أن ~~نصل إليها بساعتين أو يزيد خرج بسلامته سي محمود التوني يتمشى في ردهة القطار، ويتعاجب ~~اسم الله بشبابه وسحنته الرمادي إياها. أنا عيني بترف يا أخواتي ... لازم الواد الملعون ~~ده مش راجع إلا لما يجيب لي مصيبه وياه! # في هذه الأيام كانت هناك خلافات ومشاحنات سياسية بين البرازيل والأرجنتين. وكانت هذه ~~المشاحنات قد كهربت الجو بين أهالي البلدين، وكثرت العيون والأرصاد في قطارات السكة ~~الحديدية، إذ جندت الأرجنتين كثيرين من المخبرين وخصصتهم للخدمة في القطارات. # قابل التوني في طريقه أحد جرسونات القطار فجرى بينهما حديث. والتوني الله لا يكسبه ~~يعرف له كلمتين ثلاثة إسبانيولي: سأله الجرسون: «حضرتك برازيلي؟» وأجاب التوني متعنطزا: ~~«لا فشر أنا شمالي!» آل يعني أمريكاني أصلي من الولايات المتحدة. ولم يدر العبيط أنه ~~زاد الطين بلة. # عاد إلي حضرته شامخا يقص حديثه مع الجرسون، فقلت: «بس والله وديتنا في شربة ميه يا سي ~~التوني. يعني مش كفايه ان التراخوما بتعتك تشحططنا الشحططة دي وتلففنا في المجاهل اللي ~~ما قدرش خريستوف كولومب يوصل لها. وفي الآخر كمان تسلط علينا فلسفتك تخرب ~~بيوتنا!؟». # لم ms105 أكمل هذا الحديث حتى فتح باب الصالون «خواجة» طويل عريض وطلب منا أوراقنا! # مشكلة! # أوراقنا!! والله جالك الموت يا توني أنت ونجيب!! هو احنا يا حسرة معانا أوراق؟ ... ~~داحنا تفليتة، وهربونا أولاد الحلال. ونظر إلي التوني وأراد أن يمدني بشعاع من عبقريته. ~~فوضع يده في جيبه وقال لي بالعربية: «طلع الباسبورت وحطه في عينه كمان». وسارعت لاعنا ~~أبا خاشه قائلا له: إوعى تعملها يا ابن الفرطوس، أحسن نروح في داهية. هي الباسبورتات ~~بتوعنا عليها تأشيرة بدخول الأرجنتين يا مفش، واقتنع التوني بقولي فأخرج يده من جيبه من ~~غير باسبورت ولا دياولو وتشجعت ثم قلت لهذا الخواجة: «ليست معنا أوراق باسبورت لأننا ~~لسنا آتين من الخارج، بل كنا نزور صديقا لنا في «سان خوسيه» ونحن عائدون الآن إلى بونس ~~أيرس، وإذا شئت برهانا على قولي فانتظر حتى نصل إلى العاصمة، وهناك ترى زوجتي وابنتي ~~ينتظراني على الرصيف. وظللت أتلطف مع صاحبنا هذا وأداري سوأة التوني إلى أن وصلنا ~~بالسلامة، دون أن يفارقنا مخبر الهنا. وكانت دهشتنا عظيمة حين رأيت بديعة وجوجو والبقية ~~المحترمة، وقد أحضروا معهم جوقة موسيقية، تقول لجوقة حسب الله قومي وأنا أقعد أزمر ~~مطرحك وهات يا طبل وهات يا عزف. وكان استقبالا فخما لم يستطع معه مخبر الأنس أن يقول لي ~~تلت التلاتة كام. وكانت بديعة قد أعدت معدات العمل، واستأجرت المسرح الذي نعمل به، فلما ~~حان موعد التمثيل، لم يتملكنا شيء من الاضطراب الذي شعرنا به في أول مرة بسان باولو، بل ~~ظهرنا بقلب جامد، ونجحنا نجاحا «جامدا» كذلك. وطنطنت الصحف هناك بالفرقة وأفرادها ~~ومقدرتهم التمثيلية، وخلعت علي لقب «برافتشيني دلاكايرو» أي برافتشيني بتاع القاهرة. ~~وبرافتشيني هذا، هو ممثل من أساطين الفن في تلك البلاد. # العودة إلى مصر # كانت محبة إخواننا السوريين لي وللفرقة طوال المدة التي تنقلنا فيها بأمريكا الجنوبية ~~مما يجل عن الوصف. أحيينا أربع ليال في بونس أيرس كان النجاح فيها حديث الجميع، ثم زرنا ~~مدن روساريو وقرطبة وتوكومان. وهناك كنت أنشر الخريطة بين ms106 يدي، وأضع إصبعي عند المكان ~~الذي نحن فيه ثم أنقله إلى موقع مصرنا المحبوبة، فأقول ... إحنا فين وأنت فين يا حبيبتي ~~يا مصر؟ وهل يكتب الله لنا أن نعود إليك في سلام وخير؟ بعد اجتياز هذه المجاهل التي ليس ~~لها أول يعرف ولا آخر يوصف؟! # وبعد ذلك عدنا إلى بونس أيرس مرة أخرى، ومثلنا بعض الروايات. والغريب أن الجمهور كان ~~لا يكاد يسمع صوتي من بين الكواليس قبل الظهور على المسرح، حتى يصرخ مصفقا، وكأننا نمثل ~~بين جمهورنا المحبوب في مصرنا العزيزة. # رحلات مختلفة # بعد أن أنهينا عملنا في بلاد الجمهورية الفضية (الأرجنتين)، عولنا على العودة من نفس ~~الطريق، ولنأخذ الخط إيابا كما قطعناه ذهابا، فنزلنا أولا في أرجواي، وهناك أحيينا ~~حفلتين في (مونتفيديو)، ثم قصدنا إلى البرازيل، فلما حططنا الرحال في عاصمتها (ريودي ~~جانيرو)، وجدنا ترحيبا لا داعي لوصفه، ووجدنا كذلك رغبة من الجمهور في معاودة التمثيل، ~~فوافقت هذه الرغبة هوى في نفوسنا، ولم نتردد في القبول، وفي مدينة ريودي جانيرو تياترو ~~اسمه المسرح الإمبراطوري، لم أجد له مثيلا في أية ناحية من نواحي العالم، لا سيما في ~~اتساعه وكثرة مقاصيره ومقاعده، ذلك الاتساع الذي تأكدنا لأول وهلة أن الجماهير مهما ~~احتشدت فلن يمتلئ بها أبدا. # استأجرنا هذا التياترو، وقلنا إننا نحسد إذا استطعنا أن نجد متفرجين يملئون ربع ~~مقاعده. فلما جاء يوم الشباك، وذهبت في الساعة الثامنة صباحا لأسلم التذاكر لعامل ~~الشباك، راعني أن أجد زحاما لم يسبق لي عهد به، لا في تلك المدينة حين نزلناها أول مرة، ~~ولا في غيرها من المدن التي ارتدناها. # مفاجأة! # وقبل الغروب قصدت إلى التياترو فآلمني أن أجد ساحته أفرغ من فؤاد أم موسى. يا لله أين ~~ذهب القوم الذين احتشدوا صباحا؟ وهل كانت مجرد مظاهرة قاموا بها ثم «افرنقعوا بعد أن ~~تكأكئوا على المسرح كتكأكئهم على ذي جنة»!! # شايفين الجملة يا خلق؟ أهو كل يوم من ده. أما أشوف بقى أنا والا المجمع بتاعكم!! ~~القصد نرجع إلى لغتنا العربية المفهومة، ms107 فأقول إنني أخذت بحالة الهدوء السائد حول ~~المسرح، وقلت والله باين ختامه قرف وليس مسكا! فلما وصلت إلى شباك التذاكر للاطمئنان ~~على الحالة، لم أجد العامل في مكانه، بل وفوق ذلك وجدت الشباك مقفلا!! # يا دي الوقعة اللي زي بعضها يا عالم!! إيه الحكاية؟ وما التدبير وما العمل؟ على رأي ~~المرحوم الشيخ سلامة حجازي!؟ أخيرا عثرت بعامل الشباك في مقهى مجاور للتياترو!! أنت فين ~~يا بني؟ وهل ده وقت قعدة القهوة؟ وكيف تقفل الشباك في مثل هذا الوقت، ثم تأتي للسرمحة ~~والقنزحة والمش عارف إيه؟؟ وبكل ثبات أجابني العامل: «لقد أقفلت الشباك بعد أن انتهت ~~مأموريتي، لأن جميع التذاكر قد نفدت!!». # نفدت ... نفدت؟ وأظن يا إخواني لو جمعنا سكان البرازيل، واستلفنا عليهم كبشتين تلاته من ~~سكان الأرجنتين وأرجواي، يمكن ما يملوش التياترو!! القصد. جاء أوان التمثيل فنظرت من ~~خلال فجوة صغيرة في الستار، فرأيت الجماهير كالنمل الزاحف، والمقاعد ليس بينها واحد خلا ~~من صاحبه. ونجحنا بحمد الله، ثم اتخذنا طريقنا إلى سان باولو، حيث حالفنا النجاح كذلك، ~~وواصلنا طريق العودة إلى أوربا، بعد أن مكثنا عاما بأكمله في ربوع أمريكا الجنوبية ~~والسفر منها وإليها. # في باريس # وعرجنا على باريس، وأخذت معي كذلك محمود التوني، على سبيل أن نتفرج ع الدنيا!! إلا أن ~~الدنيا التي قصدناها كانت أبعد شيء عنا، إذ أمضينا في باريس خمسة عشر يوما، لم نزر ~~خلالها متحفا ولا رأينا مسرحا، بل كان همنا كله البقاء في جاليري لافاييت. فقد كنا نقصد ~~إلى هذا المحل يوميا من التاسعة صباحا إلى الثامنة مساء، لنشتري كل ما طاب لنا من ~~ملابس، وما راق لنا من أدوات وكماليات. وكم مرة اتفقنا على قضاء السهرة في دار السينما ~~أو في مسرح معين، حتى إذا حان الحين كان التعب قد تملكنا، ولا نجد إلا أن نتخذ سبيلنا ~~إلى الفندق لننام، كي نستأنف في اليوم التالي زيارتنا المعتادة لجاليري لافاييت. # عدنا من أمريكا بمبلغ يزيد على ألف جنيه. وقد تسألني كيف يقف الإيراد عند ms108 هذا الحد ~~الضئيل، إذا ما قيس بالنجاح المتواصل الذي نجحناه، فأجيبك بأن العام الذي قضيناه في ~~أمريكا لم تتح لنا الظروف أن نعمل فيه أكثر من نيف وثلاثين ليلة، وما ذلك إلا لمصادفة ~~عدم خلو المسارح أثناء وجودنا في بعض المدن التي حللنا بها. ولولا ذلك لبلغت مكاسبنا ~~أضعاف أضعاف ما عدنا به. قلت إننا تركنا أمريكا وفي حوزتنا ألف وبعض ألف من الجنيهات. ~~وقد كانت الأيام الخمسة عشرة التي قضيناها في باريس، بل قل في جاليري لافاييت، كفيلة ~~بالتهام هذا المبلغ إلى آخره. بحيث لم يبق معنا أجر العودة إلى مصر، مما اضطرنا إلى أن ~~نرسل إليها في طلب ذلك الأجر تلغرافيا. وقد كان فوصلنا بطريق البرق مبلغ مائة ~~جنيه. # نقول إن جاليري لافاييت التهم كل ما كان معنا، فقد انفتحت أنفسنا لشراء كل ما وقعت ~~عليه أنظارنا سواء من الملابس أو الموبيليا، حتى لكأننا كنا نلم في آخر زادنا. # وأخيرا ... في مصر # فلما وصلنا ثغر الإسكندرية وجدنا الأستاذ أمين صدقي ويظهر أنه كان على نار في ~~انتظارنا ... إذ عرفنا منه أن خلافا دب بينه وبين شريكه الأستاذ علي الكسار، وأنهما فضا ~~الشركة التي كانت قائمة بينهما، ولذلك فإنه يرى أن أتفق وإياه في عمل متحد. ولم أمانع ~~في تلبية هذه الرغبة، فألفنا فرقة للعمل في دار التمثيل العربي. وكان لواء البطولة ~~النسائية فيها معقودا على هامة بديعة مصابني والمطربة فتحية أحمد، أخرجنا رواية «قنصل ~~الوز» وعقبها رواية «مراتي في الجهادية»، وهنا دب شقاق بيني وبين بديعة، وإنني وإن كنت ~~لا أجد معنى للتوسيع في تبيان ما وراء هذا الشقاق، إلا أن ذلك لا يحول دون ذكر منشئه ... ~~ولو من باب تسجيل الواقع إن لم يكن من باب التفكه، فقد كان سبب غضب بديعة مضحكا حقا!! # في أثناء رحلتنا الأمريكية، كنت أنتهز فرصة الخلو من العمل في ساعة الظهيرة مثلا، أو ~~بعد التمثيل مساء، فألعب «برتيتة» بلياردو. إلا أن ذلك لم يكن يرضي بديعة، فكانت تغضب ~~وتكثر من الشكوى ms109 وترميني بالإهمال الشنيع. ولا تنسى وهي تشكو للأصدقاء وغير الأصدقاء أن ~~تقول لهم كبرهان على إهمالي ... جملتها المأثورة: «دا مهمل خالص يا اخواني ...! دا بيلعب ~~بلياردو يا عالم» ... تقولشي يعني البلياردو ده منكر!! أو حرمه ربنا ... وغضبت عليه ~~الملايكة؟ وأنا خلقت عنيدا وإن كنت في دخيلة نفسي أكره هذا الخلق ... ولكن ما حيلتي وقد ~~تكونت هذه الخليقة معي؟ نهايته امتلأ رأس بديعة بفكرة واحدة ... وهي أنني مدمن إهمال!! ~~طبعا إذا كنت بالعب بلياردو ... لأ ومش بس كده، وباشرب سجاير كمان. ما علينا. بعد أن ~~أخرجنا روايتي «قنصل الوز» و«مراتي في الجهادية» تركت الفرقة تعمل لحساب أمين صدقي في ~~دار التمثيل العربي بعد أن أمضيت في العمل فيها شهرين. # برنتانيا أيضا # في هذه الأثناء كان زميلي الأستاذ بديع خيري يؤلف لفرقة الأستاذ علي الكسار، فعدنا ~~إلى الاتفاق من جديد، ثم جاءني الحاج مصطفى حفني وألح في أن أستأجر مسرحه ~~(برنتانيا). # ولما كنت أعتقد أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، فقد تشددت في أن ينص في عقد الاتفاق ~~على غرامة مائتي جنيه، يدفعها الطرف الذي يقف دون تنفيذ أي شرط من شروط التعاقد. ومع ~~ذلك فإنه لم تمض على إمضاء هذا العقد عدة أيام حتى جاءني الحاج مصطفى يتدثر بثوب من ~~الخجل، يحمل في إحدى يديه العربون الذي تقاضاه مني وفي اليد الأخرى الغرامة المتفق ~~عليها وهو يرجو ويسرف في الرجاء. # الله إيه الحكاية يا حاج مصطفى؟ # الحكاية أن الست منيرة عاوزه التياترو وجابت لي ناس جامدين فاضطررت أن أكتب معها ~~كنتراتو!! # شيء جميل قوي يا سي الحاج!!! # أخيرا أشفقت عليه، ولم أر أن أعامله بأفعاله، فأحللته من العقد، وتناولت العربون ~~والغرامة التي اعتبرتها حصة من بضاعتنا ردت إلينا. # ولعل القارئ العزيز لم ينس بعد حكاية الملابس والمناظر التي استولى عليها الحاج ~~مصطفى، بحجة سداد ديون ما أنزل الله بها من سلطان. وفي هذا الحين وقع ما كان يخشى من ~~سوء التفاهم الذي استحكمت حلقاته بين بديعة وبيني فافترقنا. # وبحثت عن ms110 مسرح آخر غير مسرح برنتانيا. فلما أعياني ذلك فكرت في إنشاء مسرح خاص. # كانت تقع في ملتقى شارعي عماد الدين وقنطرة الدكة قهوة اسمها «راديوم». وكان إلى ~~جانبها صالة تحمل الاسم نفسه، وكانت ملاصقة لتياترو «رمسيس»، فاستوليت على هذه الصالة ~~وأنشأت في مكانها «مسرح الريحاني». وبينما أنا أفكر في تأليف فرقتي، هبط علي الزميل ~~القديم علي يوسف، وأفهمني أن ممثلي فرقة الأستاذ يوسف وهبي متذمرون، وأنهم جميعا راغبون ~~عن العمل معه، ولذا اعتزموا الاستقلال دونه بفرقة شرعوا في تأليفها بعيدا عنه. ثم اقترح ~~أن أضم شملهم لأظهر في الدرام بدل الكوميدي. # وأخيرا - وبعد تردد وتفكير - اقتنعت باقتراح السيد علي يوسف وشرعت في التنفيذ، ~~ولاسيما أنني بعد الخلاف مع بديعة هبط اعتمادي على نفسي، وشعرت أنني في حاجة إلى عون ~~قوي أستند إليه في ملاقاة الجمهور. وكانت بديعة في هذا الحين قد استأجرت صالتها ~~المعروفة في عماد الدين. # فرقة دراماتيكية # ألفت فرقتي الجديدة من السيدات: روز اليوسف، وعزيزة أمير، وزينب صدقي، وسرينا ~~إبراهيم، وماري منصور، وغيرهن، والأساتذة: حسين رياض، ومنسي فهمي، وحسن فايق، وأحمد ~~علام، ومصطفى سامي، وجبران نعوم، ومحمود التوني، وغيرهم. وقبل أن أدخل في شرح ما ~~انتابني في هذا المشروع من نكبات ومصائب أقول إنني بدأت في بناء التياترو في أغسطس من ~~عام 1926، وفي الوقت نفسه ألفت الفرقة ولم نبدأ التمثيل إلا في شهر نوفمبر، أي بعد ~~ثلاثة أشهر، كنت أدفع فيها أجور الممثلين، وغير ذلك من مصاريف البناء والتأثيث، وأثمان ~~المناظر والستائر والملابس وما إلى ذلك مما أوقعني في ضائقة مالية. # وأوجدت إلى جانب الفرقة قلما خاصا لانتقاء طائفة من أهم الروايات العالمية، ونقلها ~~إلى اللغة العربية. وقد أدى قلم الترجمة هذا واجبه، وترجم حوالي الاثنتي عشرة قصة من ~~روائع الأدب الفرنسي والإنجليزي والألماني والروسي. كما أن الأستاذ جورج مطران شقيق ~~شاعر الأقطار العربية خليل مطران، قدم إلي ترجمة للرواية الخالدة (النسر الصغير)، تحملت ~~في مدى الأشهر الثلاثة التي أجرينا فيها البروفات الكثير من دلع السادة الممثلين ~~والممثلات، ms111 وأرهقتني طلباتهم التي لا مبرر لها، ورأيت من فعالهم وتعنتهم ومرمطتهم لي ~~الشيء الكثير. ومع ذلك سايرتهم، ولم أتردد في إرضائهم، ورجلي على رقبتي !! # يا خسارة # ولم أكن أدري ما بيتوا لي من غدر وسوء. إذ أنه حين اقترب يوم البدء في العمل، وبعد أن ~~أعددنا ست روايات للظهور، تسلل الممثلون واحد إثر الآخر من الفرقة، وعادوا إلى فرقة ~~رمسيس دون إنذار سابق، ودون أن يتركوا لي مهلة البحث عن غيرهم. في حين أنني كنت قد ~~أسندت إليهم أهم الأدوار في الروايات الست التي أعدت للعرض على الجمهور وبذلك راحت ~~البروفات «هدر» ويا خسارة يا مال الناس!! # جاهدت بكل ما لدي من قوة، وما وصل إلى يدي من مال. فبدأنا عملنا في نوفمبر برواية ~~«المتمردة»، وأعقبناها برواية «مونا فانا»، ثم مثلنا روايتي «اللصوص» و«الجنة». # وهنا خارت عزيمتي وانهدت قوتي، ولم أعد أحتمل آثار الأسلحة الدنيئة التي حوربت بها. ~~وكنت أظن أن سوء الحظ وحده هو الذي ساقني إلى ما وصلت إليه من هبوط. # الفصل التاسع # | عودة إلى: كشكش بك # ديون وحملات # بلغ ما اقترضته عندما تحولت للدراما أربعة آلاف ومائة جنيه، وكان عدد الدائنين ثمانية ~~وعشرين، فتصور مقدار ما كانت تسببه لي من ارتباكات متوالية، ثم تصور حالتي النفسية إزاء ~~ذلك، ثم أعرني انتباهك لأقص عليك أن نكبتي لم تقف عند هذا الحد، إذ أصبحت هدفا لسخرية ~~القوم، وشماتة الغير، وتهكم صاحبة الجلالة الصحافة، التي سلطت علي رعاياها المحترمين، ~~فسلقوني بقارص الكلم وبألسنة حداد. وهل يوجد أطول من ألسنة رعايا صاحبة الجلالة؟ ولا ~~مؤاخذة أيها الزملاء الأعزاء! فواجبنا نستحمل بعضنا ... وإذا كنت قد انقرصت من حضرتكم ~~شهورا وأياما، فاغفروا لي فرصة واحدة متواضعة أرد بها التحية ع الماشي! # كل هذه الحملات التي انصبت على رأسي متتابعة، كانت لأنني تجاسرت على «قدس» الدرام من ~~غير إحم ولا دستور. # ولكي أعطيك عينة بسيطة أروي القصة الطريفة التالية: # تقدمت إلي إحدى ممثلات الفرقة، وطلبت أن تشتري لحسابها حفلات أسبوع كامل. فقبلت عن ~~طيب ms112 خاطر. وبعد إحياء تلك الحفلات جاءتني ساخطة لأنها خسرت 35 جنيها! طيب يا ستي قسمتك ~~كده، نعمل إيه في النحس المجوز على حضرتك وعلي أنا كمان؟ قالت: «لا يا سيدي، فيه طريقة» ~~... طيب اتفضلي بالأمر وأنا طوع الإرادة. # نهايته، اتفقنا على أن تستأجر أسبوعا ثانيا بمبلغ مائة جنيه كي تسترد خسارتها، ثم ~~أعطتني خمسة وستين جنيها وحصلت مني على إيصال بتسلم مائة! وما قبلت توقيع مثل هذا ~~الإيصال، إلا تحت ضغط أقساط الممثلين المطلوبة ومصاريف التياترو وغير ذلك من الرزايا. # وبعد مرور أيام من أسبوع الممثلة، كانت الروح قد بلغت الحلقوم. فلم أستطع الاستمرار ~~في العمل، واضطررت لحل الفرقة بعد أن تقدمت للست صاحبة الأسبوع بما دفعت، وهو الخمسة ~~والستون جنيها. ولكن بسلامتها أبت استلام المبلغ بحجة أنها دفعت لي مائة جنيه لا 65، ~~وحتى إذا ما كنتش مصدق، الوصل آهه! آه ... والله طبيت يا أنس! # لم يكن لدي المبلغ بأكمله بالطبع، وما شعرت في اليوم التالي إلا ببلاغ مقدم من حضرة ~~الممثلة المصونة والجوهرة المكنونة، تتهمني فيه بالنصب والاحتيال والاستيلاء منها على ~~100 جنيه «جنيه ينطح جنيه». وقد تطوعت جريدة «المقطم» الله يمسيها بالخير ولا يوريناش ~~فيها مكروه ... تطوعت برواية الخبر على هذا النحو الطريف الخفيف الذي صورتني فيه تصويرا ~~يبعد عن الواقع بعد الخيال عن الحقيقة. # استطاعت الست الممثلة أن تحصل على وساطات كادت توديني في شربة ميه! ولولا دقة النائب ~~العمومي في ذلك الحين وهو المرحوم طاهر نور، لتحلت يداي بالأساور الحديدية المعدة ~~للسادة اللصوص وقطاع الطرق. نعم لقد كتب السيد أحمد شرف الدين خطابا إلى المرحوم طاهر ~~نور شرح فيه الحقيقة، فقرر الإفراج عني، وكنت قد جمعت من هنا ومن هناك الخمسة والثلاثين ~~جنيها التي كمل بها مبلغ المائة جنيه وسلمته إلى الست الشاكية. وبذلك تقرر حفظ بلاغها. # وبعد، أليست هذه طريفة من الطرائف؟؟ أليست عينة من عينات الاعتراف بالجميل عند كثيرين ~~من عابري سبيل هذه الحياة الدنيا؟ # ولماذا أضع أمام عينيك سيدي القارئ عينات أو ما ms113 يشبه العينات؟ إنه يكفي أن أقول لك ~~إنني منذ اليوم الأول من شهر يناير، إلى اليوم الآخر من ديسمبر سنة 1927، لم أكن أصل ~~إلى شباك التذاكر، حتى يطالعني العامل بورقة حمراء لدفع كمبيالة للبنك، أو إعلان لحضور ~~جلسة، أو بروتستو أو إعلان حجز أو بيع ... يعني أن سنة 1927 التي مرت على الناس بسيطة ~~كانت على دماغ العبد الله كبيسة بشكل ... الله لا يوري عدو ولا حبيب! # وفي شهر فبراير من العام المذكور اجتمع حضرات الدائنين الأماجد، وأنشئوا ما يشبه نظام ~~صندوق الدين، وانتخبوا من بينهم السيدة «ك» لتكون بمثابة متصرفة، أو قيمة، أو وصية على ~~العبد لله، فكانت تعطيني في مساء كل يوم سبعين قرشا فقط لمصروفي، ثم تجمع بقية الإيراد ~~لنضعه في الصندوق لحساب الدائنين وكل سنة وأنتم طيبين؟ # عودة إلى كشكش # وسدت السبل في وجهي من كل ناحية، فلا أنا واجد إنصافا من الناس، ولا عرفانا بالجميل ~~ممن كانوا حولي. وفيما أنا على تلك الحالة زارني أحد دائني وتحدث إلي، لا في طلب ماله، ~~بل في نصيحة رأيت أن أعمل بها. ذلك أنه قال لي: «قوم حط دقنك وألبس جبتك وقفطانك يا سي ~~كشكش، وأنت تلقى الفلوس هلت عليك تاني يا أخينا!». # ودارت في مخي هذه النصيحة، واحتلت جوانب رأسي وإن كنت واثقا أن مصدرها لم يكن حب ~~الخير للخير، بل لحصول الدائن على دينه! وفيها إيه يعني؟ ما تجرب حظك تاني يا وله! # وفكرت في زميلي القديم بديع خيري. فرأيت أننا إذا افترقنا حل البؤس والشقاء بكلينا، ~~وإذا اجتمعنا كان الخير في ركابنا وضحكت الدنيا لنا. فلماذا لا نضم الشمل ونشترك في ~~زغزغة الدنيا مع بعض ... يمكن ربك يفرجها؟ # ووضعت يدي في يد الصديق العزيز بديع ثانية، واستأنفنا العمل معا بعد أن درسنا نفسيات ~~الجمهور وعرفنا النواحي التي تنال إعجابه وتبلغ موضع الرضاء منه. # أعددنا رواية استعراضية خفيفة اسمها (جنان في جنان) عهدت في وضع رسوم مناظرها إلى ~~الرسام الشهير (لومباردي) ثم ألفت الفرقة الجديدة وكان ms114 من أعضائها كمال المصري (شرفنطح) ~~والقصري وحسين إبراهيم والتوني وجبران نعوم والفريد حداد وسيد سليمان. واخترت لإدارة ~~المسرح الإداري الحازم الأستاذ محمد شكري، ولم يكن في هذا الحين قد حصل على لقبه الحالي ~~(بابا) فلما ناله بجدارة عرف كيف يكون حازما حقا وكيف يحمل الكل على احترامه بحيث لم ~~يكن أحد يجسر على الضحك «على بابا»! # أما الممثلات فقد تخيرتهن جميعا من الأجنبيات. وأخرجنا بعد «جنان في جنان»، روايتي ~~«مملكة الحب» و«الحظوظ» وفي أثناء عملنا في رواية (الحظوظ)، تقدمت لي فتاة يونانية ~~خفيفة الروح، كانت تتكلم العربية بطلاقة وبلهجة رائعة، فضممتها إلى الفرقة، وأسندت ~~إليها دورا في الرواية أدته كما يجب، ثم تدرجت في طريق النجاح، إلى أن اشتهر اسمها بعد ~~ذلك، وعملت في فرق أخرى غير فرقتي، وهي الفتاة كيكي. # كانت الفرقة مشاركة بيني وبين مدام مارسيل لانجلو كما ذكرت قبلا وكان وكيل مارسيل ~~المفوض هو المسيو أصلان عفيف. # رحلة فنية # وكان المرحوم الشيخ عبد الرحيم بدوي (صاحب مطبعة الرغائب) دائم الاتصال بنا، وكثيرا ~~ما كان يأتي إلى المسرح، فيداعبنا بلغته «الصعيدية» القحة ونداعبه نحن بالمثل. وفي إحدى ~~الليالي عرض علي أن يستأجر الفرقة لمدة شهر، تقضيه في رحلة تنتقل في أثنائها بالمدن ~~والبنادر في بعض مديريات القطر، فأحلته على الخواجة أصلان عفيف لوضع شروط الاتفاق ~~وإمضائها. فقصد إليه وانتهى الأمر بينهما على إجابة تلك الرغبة. وجاءني أصلان وحده ومعه ~~(الكونتراتو) وهو يبتسم ابتسامة المنتصر الظافر، واطلعت عليه فإذا به يقضي بأن يكون ~~إيجار الليلة الواحدة خمسة وثلاثين جنيهات خلاف أجر الفنادق ومصاريف السفر بالقطارات ~~والسيارات والعربات وشحن الملابس والمناظر، فإن الشيخ عبد الرحيم بدوي هو الذي يتحملها. ~~الله يسامحك يا أصلان يا عفيف! خربت بيت الراجل الطيب في شربة ميه!! قمنا بالرحلة ~~وانتهى بنا المطاف في الإسكندرية بعد قضاء الشهر في المدن والأرياف، وجاءني المرحوم ~~الشيخ عبد الرحيم «يوحوح»، بعد أن خسر الجلد والسقط والكوارع كمان، وهو يقول: «كده يا ~~ريحاني تخربوا بيتي الخراب المستعجل ده (بتعطيش الجيم)» ms115 ... قلت وأنا مالي بس يا عم الشيخ ~~عبد الرحيم، مين اللي قالك تتفق الاتفاق المقطرن ده، عليك وع الخواجة أصلان يمكن يرق ~~قلبه لحالك! لكن هو مين؟ دا أصلان يا عم والأجر على الله. # أول محاولة للاقتباس في كازينو سان استفانو # وفي الإسكندرية تركت الشيخ عبد الرحيم كما تركت الفرقة لأصلان ولمدام مارسيل يعرفوا ~~شغلهم بها. وانتقيت أربعة خمسة ممن أثق بهم من الممثلين، واتفقت مع إدارة كازينو سان ~~استفانو برمل الإسكندرية، على أن نعرض روايات قصيرة في كل مساء على المصيفين والرواد. ~~القصد حاجة ناكل منها عيش والسلام. كان الإيراد بسيطا على كل حال، ولكني استطعت في هذه ~~الآونة أن أتعرف على كثيرين من الكبراء أمثال المغفور له حسين رشدي (باشا)، وحلمي عيسى ~~(باشا)، وغيرهما من أكابر نزلاء الكازينو ومن الوزراء العاملين والسابقين. وهؤلاء راقهم ~~ما كانوا يشاهدونه من تمثيل الفرقة أو «الفريقة»، فطلبوا من مدير الفندق أن أكثر من ~~عرض هذا النوع، وكان المدير مسرورا جدا حين نقل لي هذه الرغبات، التي فتحت نفسي ونشطتني ~~في عملي. وقد أردت يوما أن أختبر مكانتي عند هذا المدير، فأطلعته على رغبتي في العودة ~~إلى القاهرة، ولكنه أصر على البقاء، وألح في الرجاء، فقبلت بعد تردد! وأقصد بعد تصنع ~~التردد لأننا يا حسرة كنا نيجي مصر نعمل إيه؟ والدنيا صيف والبلد مشطبة والتياترات ~~قاعدة تنش ... أقول بعد محادثتي مع المدير، عرض علي أن أنزل بالفندق (يعني بسان استفانو) ~~ولم ينتظر مني مدير فندق سان استفانو جوابا، بل تناول التليفون وطلب وندسور، ورجا أن ~~ترسل في الحال حقيبتي، وعزالي، ومعها فاتورة الحساب! # وفي اليوم نفسه كنت أحتل غرفتي الجديدة في سان استفانو العظيم، كما يفعل العظماء ~~والوارثون ... وما فيش في جيبي ولا مليم. # ازدادت حركة العمل في الكازينو، وازداد إقبال المتفرجين من الطبقات العليا من رجال ~~وسيدات. # فرقة فاطمة رشدي # وبعد أن قضيت أياما في كازينو سان استفانو على خير، وعدت إلى القاهرة، علمت أن خلافا ~~حادا وقع بين السيدة فاطمة رشدي ms116 وفرقة الأستاذ يوسف وهبي، على أثر مشادة بين الأولى ~~وبين السيدة زينب صدقي التي عملت أظفارها في عنق فاطمة ووجنتيها. # وكان ما كان من زوبعة الأستاذ عزيز عيد ضد الفرقة، وخروجه منها متضامنا مع فاطمة، لأن ~~الشرف الرفيع لا يسلم من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم. والدم الذي أراد إراقته عزيز ~~هو «خرشمة» فرقة يوسف وبهدلتها، ويمكن فركشتها كمان: ولكن ما السبيل إلى ذلك؟ هو تأليف ~~فرقة على رأسها فاطمة تقول لفرقة رمسيس: اقفلي والبركة في أنا! ووقع اختيار فاطمة وعزيز ~~على مسرح الريحاني كي يؤديا فيه رسالة الفن ويسويا الهوايل. # ولست أريد الإطالة في ذلك ولا شرح الهوايل التي «سويت» وإنما أكتفي بأن أقول إننا ~~اتفقنا على أجر قدره أربعة جنيهات مصرية كأجر يومي للتياترو، وقد مكثت هذه الفرقة تعمل ~~على مسرحي أكثر من شهر ونصف شهر. وإذا كان القارئ الكريم قد تناول منها أجر يوم واحد، ~~أكون أنا تناولت كذلك. لكن ماعلهش ... كله عند الله! ومن قدم خير بيداه التقاه! # وفي نوفمبر من عام 1927 ألفت فرقتي ثانيا، وبدأت موسما جديدا على مسرحي بعد أن وضعت ~~بمعاونة الزميل العزيز بديع خيري رواية الافتتاح باسم «علشان بوسه»، وأعقبتها رواية ~~«جنان في جنان»، ثم «آه م النسوان» و«ابقى اغمزني». وقد كنا نحاول في خلال ذلك أن نتخلص ~~شيئا فشيئا من نوع الريفيو «الاستعراض»، ونتعمق قليلا قليلا في الكوميدي الأخلاقي. وكان ~~يبهجني جدا أن تنجح محاولاتنا، وأن نسترد جمهورنا العزيز، الذي أقبل على نوعنا إقبالا ~~شجعنا على السير فيما اعتزمنا من خطة. # وفي صيف 1928 كان الوجيه صادق أبو هيف يدير في الإسكندرية كازينو زيزينيا، فاتفق معي ~~على أن تمثل فرقتي بالكازينو بضعة أسابيع فانتقلنا إلى الثغر على الأثر وبدأنا العمل. # صلح مع بديعة # وهنا أقف لحظة لأشير إلى حادث له أهميته. ذلك أن بديعة كما سبق أن قدمت كانت تعمل ~~بصالتها في عماد الدين. وبديعة ماهرة في كل أساليب الدعاية، ويظهر أنها شعرت في ذلك ~~الحين أنها في حاجة ms117 إلى أن تثير حولها ضجة، وأن يدوي اسمها في كل مكان. وفي ذلك من ~~الدعاية «المجانية» لصالتها ولعملها ما فيه. # في أحد الأيام دعتني عائلة من كرام السوريين في الإسكندرية إلى وليمة عشاء، فلبيت ~~الدعوة شاكرا، وأدهشني أن أرى بين المدعوين السيدة بديعة مصابني (وقد كان الخلاف بيننا ~~إذ ذاك بالغا أشده)، كما كان بين المدعوين أيضا الأستاذ جورج أبيض والسيدة دولت. # وجرى حديث على المائدة بين الجميع بضرورة عودة المياه إلى مجاريها بين بديعة وبيني، ~~وأن كلا من الطرفين في حاجة إلى زميله، وأن الحياة لا معنى لها إذا اعتورها مثل هذا ~~التباعد البغيض، وأن ... وأن إلى آخر (الأنات) التي قيلت في تلك الليلة والتي أنتجت ~~ثمرتها بالصلح الذي كان يبغيه أهل الخير ووسطاؤه. # وعادت بديعة إلى الفرقة من جديد فأعددنا رواية تكون هي بطلتها، واهتممنا بوضع ألحان ~~الرواية، فأخذنا للتلحين موسيقيا بارعا، هو الأستاذ زكريا أحمد، الذي أبدع كل الإبداع ~~ووفق تمام التوفيق. أما الرواية فكان اسمها «ياسمينة»، وقد نجحت بالفعل بديعة كما كان ~~مأمولا. وأخرجنا عقب «ياسمينة» رواية أخرى اسمها «أنا وأنت»، وبعدها رواية ثالثة اسمها ~~«علشان سواد عينها». # ورأيت أن أخرج بعد ذلك رواية استعراضية فأعددنا «مصر في سنة 1929» ... # وكما تقضي سنة الأشياء وطبيعتها، دب الخلاف بين بديعة وبيني مرة أخرى، وتجددت أسباب ~~النزاع. وأصبح الصفاء القديم خبرا يروى. فعاد الوسطاء ومحبو الوفاق يجهدون أنفسهم في ~~إزالة ما اجتاح النفوس من موجات الاستياء، ولكن كانت محاولاتهم فاشلة، فذهبت مجهوداتهم ~~أدراج الرياح. ورأى كلانا (بديعة وأنا) أن حالة كهذه مستعص علاجها على «نطس» المصلحين، ~~فاتفقنا فيما بيننا على وضع حد لكل شيء، وذلك بفصم عرى الحالة المعيشية، أما ما بقي من ~~معاني الوفاق والمجاملات، فهذا ما يظل بيننا على حاله. ولقد كان اتفاقنا هذا على يد ~~محام، وبذلك انتهى كل شيء، ولم يعد هناك سبيل للشقاق أو الوفاق. # بلا حمص # وعودة بسيطة إلى الوراء كي أبين ما كنت فيه من حالة لا تسر. ذلك أني كنت في ms118 أثناء هذا ~~الموسم وقبله غارقا «لشوشتي» في ديون شرحت فيما مضى أصولها وفروعها، وقلت إن الدائنين ~~قد اختاروا السيدة (ك) بصفة (سنديك) ووصية علي في وقت واحد، فكانت تتناول عن الدائنين ~~أقساط الدين وتعطيني مصروفا يوميا، ولقد زاد على ذلك مرتب بديعة مصابني وقدره خمسة ~~جنيهات في اليوم. # أنهينا الموسم على خير، وكانت نتيجته أن سددت الديون بمهارة الست (السنديك)، وإن كنت ~~أنا قد خرجت من الموسم بلا حمص - كما هي العادة - وأنا أحمد الله الذي لا يحمد على ~~مكروه سواه. # شعرت أن صحتي في حاجة إلى العناية، وأنه لابد لي من الالتجاء إلى الهدوء بعض الوقت. ~~ولكن أين لي ذلك والجيب مافيهش ولا مليم على رأي الصنايعية المساكين! تقدمت إلى مقام ~~الست المبجلة الوصية المحترمة، طالبا من الله، ولا يكتر على الله، ثلاثين جنيها بس ~~علشان أشم هوا في لبنان، وإلا في إسكندرية. وتفضلت، الله يسترها ولا يوريهاش مكروه في ~~عزيز لديها، تفضلت وسمحت بإقراضي هذا المبلغ، بعد أن ألقت علي محاضرة لا بأس بها في ~~مبادئ الاقتصاد وعلوم التدبير المنزلي واللوكاندجي! وكان ظريفا منها أن تختم هذه ~~المحاضرة النفيسة، بنصيحة نفيسة برضه، هي أن آخد بالي من صحتي أحسن مش كويس. ولعل هذه ~~هي النتيجة الوحيدة التي عملت بها من بين الثلاثين أربعين نصيحة التي ألقتها علي المدام ~~(السنديك). # وقد نصح لي البعض بإدخال عنصر الطرب في الفرقة. وعملت بالنصيحة، عندما تقدمت لي فتاة ~~من الإسكندرية اسمها (هدى)، واهتممت بأمر إظهارها، واتفقت مع الموسيقي الكبير الأستاذ ~~محمد القصبجي على أن يضع لها ألحانا توافق صوتها، وتعدها للظهور أمام الجمهور بالمظهر ~~الذي كنا نوده ونعمل له. # ووضعت بالاشتراك مع الزميل العزيز بديع خيري أيضا رواية «نجمة الصبح»، وقد أسندت دور ~~البطولة النسائية فيها إلى مطربتنا الجديدة (هدى). وقد نجحت (أقصد الرواية) نجاحا كبيرا ~~يكفي لوصفه أن أقول بأنه ما يزال إلى اليوم حليفا لها في كل مرة تعرض فيها، لا من فرقتي ~~وحدها، بل ومن الفرق المتجولة التي تستحل ms119 - كده بالعافية - أن تغير على روايات الغير ~~في وضح النهار، واللي ما يعجبوش فأمامه البحر يملا منه معدته كما يشاء، مادام مفيش في ~~البلد قانون يحمي المؤلفين من نشالي الروايات وخاطفيها ... عيني عينك! # محاولة الاقتباس # وبعد أن أخذت هذه الرواية قسطها وأكملت عدتها، وعرضت على الجمهور وقتا طويلا، جاء ~~أوان التفكير في غيرها، فاتجهت نيتي إلى اقتحام ميدان الاقتباس، وكنت قد قرأت رواية ~~فرنسية أعجبتني. وما إن أطلعت زميلي بديع على نيتي حتى ساهم وإياي في خطتي، وبدأنا في ~~الحال، فلما انتهينا اخترنا للرواية اسم «اتبحبح»، ولما كانت روايتنا هذه هي أول محاولة ~~لنا في الاقتباس، فقد وضعت يدي على قلبي وخشيت أن يكون نصيبها من الجمهور فشلا يعود بنا ~~سنوات إلى الوراء. # كانت الرواية من النوع الكوميدي الأخلاقي، وكان خوفي عليها ناشئا من كثرة حوادثها ~~وضرورة متابعة المتفرج لهذه الحوادث بانتباه تام، ومزيد من العناية والاهتمام، بحيث إذا ~~فاته شيء ولو قليل، ضاع منه كل شيء، وهوت الرواية من أساسها، دون أن يكون لموضوعها دخل ~~في هذا السقوط. # وبعد حمد الله والثناء عليه أقول إن الجمهور قابل روايتنا الجديدة مقابلة لم أكن ~~أنتظرها، وقد شجعني إقباله هذا على أن أقدم له أنواعا جديدة، بمعنى أن أعرج بين وقت ~~وآخر على الفودفيل، ثم أستأنف الكوميدي الذي كان رائدنا على كل حال. وتنفيذا لهذه الخطة ~~أخرجنا رواية «ليلة نغنغة» فنجحت هي الأخرى. # بعد ذلك قامت في مخنا - بديع وأنا - أن نطلع على الجمهور برواية استعراضية ولم يطل ~~بنا التفكير حتى وضعنا رواية «مصر باريس نيويورك»، وقد جاءت والحمد لله الذي لا يحمد ~~على مكروه سواه أسخف ما جادت به القرائح البشرية لدرجة كنت أشعر معها وأنا على المسرح ~~بأنني أجبر الجمهور على الاستماع بطريق الغصب تماما، كما يفعل الطبيب حين يناول مريضه ~~شربة الملح الإنجليزي! ومرت أيام هذه البتاعة وبلاش الرواية ويسرني أن أقول بأن الجمهور ~~ونحن معه قد نسينا ومحونا من أذهاننا ذكراها. # نحن الآن في عام 1930 ولا مانع ms120 من أن أقف لحظة لأقدم للقراء شخصية جديدة. # الأستاذ طبنجة # عرفت أثناء رحلتي في فلسطين وسوريا شابا من طرابلس الشام اسمه (ناجي صبيح)، كان إذ ~~ذاك مندوبا لجريدة لسان العرب، فلما عادت الفرقة إلى مصر، وراحت أيام وجاءت أيام، ~~وأصبحنا في عام 1930 كما قدمت، وإذا بي أرى هذا السيد ناجي صبيح وقد ترك الصحافة وجاء ~~يخطب ود الفن. # وضممته إلى الفرقة، لا ممثلا لا سمح الله ولا موسيقيا أو مؤلفا، بل وكيلا للإدارة. ~~وسواء أظهر في عمله كفاءة أم لم يظهر، فقد كانت فيه ناحية تعجبني والسلام. ذلك أنه كان ~~كثير التحدث ببطولته، وبما كان يرويه من حوادث البطولة والشهامة التي وقعت له أثناء ~~وجوده جنديا في الجيش! # كان ناجي يعقب على كل نادرة أو قصة أو حكاية بجملة مأثورة، هي أنه أخرج الطبنجة من ~~جيبه. واخبط راح خاطف روحه. فمثلا يقص علينا أنه طلب فنجان قهوة من الجرسون، فتأخر هذا ~~قليلا في تنفيذ المطلوب «فلم يكن مني إلا أن أخرجت الطبنجة. واخبط. رحت خاطف ~~روحه!». # وفي أحد الأيام جلس ناجي يلعب النرد (نرد إيه يا خويا والطاولة جرى لها إيه؟ سيبك يا ~~شيخ). جلس يلعب الطاولة مع الممثل كمال المصري المعروف باسم شرفنطح. وهو معروف إلى جانب ~~ذلك بأنه يخاف من خياله. وكثيرا ما كان ينصت إلى الجملة إياها، أو اللازمة التي لا ~~تفارق ناجي، فيرتجف هولا، ويخشى أن يعملها ناجي بعقله، ويخبطه طبنجة من طبنجاته يخطف ~~فيها روحه، علشان خاطر دوش أو شيش جهار أو دوسه يختلفان عليها والا حاجة! نهايته لعب ~~الاثنان، وكان أن وقعت الواقعة، واحتدم الجدال بين اللاعبين، فلم يكن من شرفنطح إلا أن ~~تشجع «وبرق» عينيه الواسعتين، ولعب حاجبيه وسأل ناجي قائلا: «الطبنجة معاك دلوقت والا ~~مش معاك؟» ... وأجابه هذا بأنها معه، وفي الحال أقفل شرفنطح الطاولة بشدة وقال له: «طيب ~~اخلص أعمل معروف واخطف روحي بسرعة»، وانتقى بعد ذلك من الجمل المستوية ما ختمها بقوله: ~~«يا خويا أنت من يوم ما وصلت ms121 مصر، وانت شطبت على أرواح عباد الله ... شفهي كده، اتفضل ~~دلوقتي اخطف لك روح واحدة تحريري ولو بصفة بروفه!». # الفصل العاشر # | إلى الأقطار الشقيقة # وبعد أن مكث السيد ناجي صبيح يعمل معنا حينا، تناول أجرة العودة إلى القطر الشقيق وما كاد ~~يستقر هناك، حتى وصلتني منه رسالة يستحثني فيها على السفر فورا مع أفراد الفرقة، للقيام ~~برحلة في سوريا ولبنان. ولم ينس السيد ناجي أن يفهمني بأن في انتظارنا هناك سمنا وعسلا، وأن ~~الفرصة سانحة ستفلت من أيدينا إذا لم ننتهزها عاجلا. وإنما الذي نسي الإشارة إليه هو أنه ~~سوف يخبطنا طبنجة يخطف بها روحنا إذا امتنعنا عن السفر! # وصادف أن حضر إلى مصر في ذلك الحين الوجيه (خضر النحاس)، وهو من أنشط رجال الأعمال في ~~الأقطار الشقيقة، وقد وافق على أن يتعهد بنشاطه المعروف رحلتي، وتلطف فدفع مبلغ مائتي جنيه ~~كعربون أو كدفعة أولى تحت الحساب. # وقمنا إلى فلسطين أولا فنجحنا فيها والحمد لله، ثم واصلنا السير إلى لبنان وسوريا، ولكن ~~للأسف لم نر ما كنا نأمل فيه من نجاح مادي، إذ اقتصر الأمر على النجاح الأدبي، وهو وحده «ما ~~يأكلش عيش!» والغريب أننا كنا نرى التياترو مليئا بالجماهير، فإذا عدنا للإيراد تبين أنه لا ~~يزيد عن العشرين جنيها أو ما حواليها صعودا وهبوطا. # وحتى لا أطيل في شئون هذه الرحلة أكتفي بالقول إنني عدت منها مدينا للسيد خضر النحاس ~~بالعربون الذي دفعه، وهو ال 200 جنيه، ولعله يستحق مني أن أسجل له في هذا المقام فضلا لست ~~أنساه، ذلك أن هذا الدين ظل في عنقي أمدا طويلا، بحيث لم يسدد إلا بعد مدة طويلة. وهذا ما ~~يحملني على أن أجدد للسيد خضر شكري، لأنه يا سادة يا قراء عمل بأصله صحيح. # عملي في السينما # وعدنا من رحلة الأقطار الشقيقة للاستعداد لموسم سنة 1931. وبينما أنا في التفكير ~~زارني استيفان روستي ومعه المصور السينمائي المعروف (كياريني)، وعرضا علي الاشتراك ~~معهما في إخراج فيلم (صامت) إلا أنني اعتذرت لهما بأن أعمالي ms122 المسرحية من الكثرة بحيث ~~تحول بيني وبين ما يرميان إليه، ولكنهما لم يقنعا بهذه الإجابة. وكلما أبديت لهما ~~الأعذار، زادا في الإصرار. وأخيرا قبلت، واتفقنا على إخراج فيلم أطلقنا عليه اسم «صاحب ~~السعادة كشكش بك». # وقد كان غريبا أن نبدأ العمل فيه دون أن نضع له فكرة معينة، أو نكتب له سيناريو محدد ~~المناظر والوقائع. وكل ما هنالك أننا كنا نخرج في السادسة صباحا دون أن ندري ما سنفعل، ~~حتى إذا جلست لتركيب لحية كشكش، بدأت أفكر في المناظر التي نصورها وفي الحوادث التي ~~نمثلها. فإذا انتهيت من تركيب اللحية أكون قد انتهيت من تفكيري فنبدأ في التنفيذ، يعني ~~في التصوير. # وتكلف فيلم «صاحب السعادة كشكش بك» أولا عن آخر مبلغا وقدره أربعمائة جنيه مصري فقط ~~لا غير. يعني أننا أخرجناه بتراب الفلوس، ومع ذلك فقد نجح وجلب فلوس، وأقبل الجمهور على ~~مشاهدته إقبالا لم يكن يتوقعه أكثر الناس تفاؤلا. # مأزق حرج # وافتتحنا موسم سنة 1931 التمثيلي برواية «أموت في كده». وفي هذا الحين بدأت الحكومة ~~(تحت ضغط الرأي العام) تهتم بالمسرح، فتألفت في وزارة المعارف لجنة من أفاضل العلماء ~~والأدباء، وكانت مهمتها الإشراف على ما تخرجه المسارح من الروايات، وتخصيص إعانات ~~تتناسب مع مجهود كل فرقة، وأثرها في تقدم هذا الفن في البلاد. # ندع هذا جانبا لنذكر حادثة طريفة وقعت حين إعداد رواية «أموت في كده». كان المرحوم ~~إسماعيل (بك) شرين مديرا لإدارة المطبوعات، وكان يرأس لجنة ينحصر اختصاصها في مشاهدة ~~تمثيل الروايات قبل عرضها في المسارح، وكان رحمه الله من أشد المعجبين بفرقتي ومجهودات ~~العبد لله المتواضعة في خدمة فن التمثيل. ولما كنت لا أجد غضاضة في التصريح بنقائصي ~~وعيوبي، فإنني أعترف بأن الفصل الثالث من كل رواية جديدة تظهر على مسرحي لا يتم تأليفه ~~إلا في يوم ظهور الرواية. واديني عقلك بقى ... متى نستطيع إجراء البروفة له مثنى وثلاث ~~ورباع ومش عارف كام؟! # فلما انتهينا من بروفات الفصلين الأول والثاني على ما يرام بدأنا (بديع وأنا)، نضع ms123 ~~فكرة الفصل الأخير، ونرتب حوادثه، وكنا قد حددنا يوم ظهور الرواية، حتى إذا جاء الموعد ~~لم يكن الممثلون قد رأوا أدوارهم في هذا الفصل، بل لم أكن قرأته لهم. وفي الساعة ~~الثانية بعده ظهر ذلك اليوم شرفت لجنة إدارة مطبوعات المسرح وعلى رأسها المرحوم شرين ~~(بك). # ومثلنا أمامها الفصل الأول على ما يرام، وتبعه الفصل الثاني على ما يرامين: كل ذلك ~~واللجنة مغتبطة مستريحة. وأسدل الستار وجاء أوان عرض الفصل الثالث، وهو على ما وصفت، ~~فما العمل؟ يقولون في الأمثال إن الحاجة تفتق الحيلة، فلتسعفنا الحيلة إذن! توكلنا على ~~الله ورفعنا الستار بين استحسان السادة الأماجد أعضاء اللجنة، وابتساماتهم العريضة ~~وأذهانهم المهيأة لسماع بقية ما رأوا من فكاهات الفصلين السابقين. # وكان حسين إبراهيم يمثل دور امرأة من النوع «القباقيبي المصفح»، فلما رفع الستار ظهر ~~حسين على المسرح يتمخطر في الملاية والبرقع، وما كاد ينطق جملة واحدة حتى سقط مغشيا ~~عليه، وتقدمنا جميعا لإسعافه، وشاركنا في هذا الإسعاف أعضاء اللجنة، جزاهم الله عن ~~المروءة كل خير! ولم يكتفوا بهذه المعاونة الشخصية، بل خرج واحد منهم يعدو في الخارج ~~باحثا عن طبيب. ورأى المرحوم شرين (بك) ألا يرهقنا بتمثيل الفصل الثالث أمام اللجنة، ~~مكتفيا بالفصلين الأول والثاني، وتفضل رحمه الله بالتصريح بالرواية كلها! ولم أنس أن ~~أشدد عليه في التريث لحظة حتى يفيق حسين إبراهيم، فنستأنف التمثيل! ولكنه شكر لي ذلك، ~~ونصحني أن نذهب لنستريح بضع ساعات إلى موعد التمثيل مساء! # وخرج رحمه الله مع أعضاء اللجنة، وتركونا - لا للنوم والراحة - لاستئناف الشقاء ~~وإجراء بروفة الفصل الطازة، وليس القارئ بالطبع في حاجة إلى إفهامه أن حسين إبراهيم ~~أفاق في اللحظة نفسها التي غادرت اللجنة فيها المسرح! # لجنة تشجيع التمثيل # قلنا إن وزارة المعارف فكرت في تشجيع التمثيل إذ ذاك بمنح إعانات للفرق، ولذلك كانت ~~اللجنة التي يرأسها الأستاذ العشماوي، بين أعضائها الأساتذة الأدباء مصطفى عبد الرازق، ~~وطه حسين، تزور المسارح مرة في الأسبوع لتشاهد رواياتها وتحكم على قيمتها الفنية. # وكان مسرحي من ms124 بين المسارح التي تتشرف بزيارة هذه اللجنة، وكم سمعت من حضرات أعضائها، ~~وخاصة الدكتور طه حسين كلمات الثناء والإعجاب، وكيف أننا نستحق أكثر العطف والتقدير. ~~وزاد الدكتور على ذلك قوله أنه يلمس الصدق في رواياتنا، ومماشاة الطبيعة دون خروج على ~~أوضاعها، أو مغالاة في تصويرها، ذلك بينما يسمع عند غيرنا ألفاظا جوفاء كالطبل صوتها ~~عال، جوفها خال. # وكان أن نلت من المبلغ المخصص في ميزانية المعارف لتشجيع التمثيل في ذلك العام، ~~ثلاثمائة وخمسين جنيها، وكان عدد الفرق التي منحت مكافآت أربع، كانت فرقتي الثالثة من ~~بينها، حسب الترتيب الذي وضع للمكافآت! وما له معلهش، برضه رضا، لأن هذه كانت المرة ~~الأولى التي أحسسنا فيها تقديرا من الحكومة. # على أن أهم ما سررت له هو أن ممثلي فرقتي فازوا جميعا برضاء اللجنة، ونالوا كلهم ~~مكافآت مالية، بنسبة لم ينلها زملاؤهم في الفرق الأخرى. وتناولت الثلاثمائة وخمسين ~~جنيها، وكنت قبل ذلك قد أعددت كشفا بأصحاب الديون المستحقة علي، وقيمة هذه الديون ~~ومواعيد الاقتراض، وشروط السلفيات، وكيفية التسديد، وما إلى ذلك من أمور أخرى. ورحت ~~أسدد بعض هذه الديون بقدر الإمكان، بعد أن راجعت النظريات الاقتصادية القديمة، التي كنت ~~أسمع بها أيام اشتغالي في البنك الزراعي ولا أعمل بها! # على مسرح الكورسال # وبقى لي من المكافأة - بعد تسديد المستحقات - مبلغ ضئيل استعنت به على افتتاح موسم ~~صيفي في كازينو الفانتازيو بالجيزة، أشكر الله كثيرا على نجاحه كما كنت أقدر وأتوقع. ~~وانتهى موسم الصيف وكان في نيتي أن أعود إلى مسرحي في عماد الدين، لولا ما حدث من سوء ~~التفاهم بيني وبين صاحب الملك، فقد كنت أستأجر منه ذلك المسرح الضيق الصغير بمبلغ ألف ~~جنيه في العام، مع أنني كنت أعمل به ستة أشهر سنويا. # ألغي التعاقد إذن بيني وبين صاحب الملك (المسيو عاداه)، ونظرت حولي باحثا منقبا عن ~~مكان أعمل به، إلى أن عولت على استئجار مسرح الكورسال من الخواجة دلباني، وكان إذ ذاك ~~في موضع عمارة عدس، التي تقع الآن عند ملتقى ms125 شارعي الألفي وعماد الدين. تعاقدت مع ~~المسيو دلباني، وبقيت مهمة انتقاء رواية الافتتاح. فاجتمعت لجنة التأليف المكونة من ~~شخصين لا ثالث لهما، وهما محسوبكم كاتب هذه السطور، أو الأحرف زي ما يعجبك، والثاني ~~زميله وصديقه وعزيزه الأستاذ بديع خيري. # اجتمعت اللجنة وتناقش «الأعضاء» في الموضع الذي يقع عليه الاختيار، وهل يحسن أن يكون ~~من نوع الكوميدي أو الريفيو أو الفودفيل ... أو ... أو ... إلخ وطرح أحد الأعضاء - وهو العبد ~~لله - فكرة نالت موافقة «الأعضاء بالإجماع»، والإجماع هو بديع وحده طبعا، لأنني لم ~~أقترع ولم أصوت، بصفتي صاحب الاقتراح. # كان قد ظهر في فرنسا أديب شاب اسمه (مارسيل بانيول) وضع رواية أطلق عليها اسم بطلها ~~(توباز)، واختار له أن يكون مدرسا بسيطا في إحدى المدارس ... التي مش ولا بد. # قرأت هذه الرواية وقرأت ما استقبلت به من النقاد، وعرفت أنها ترجمت إلى جميع اللغات ~~الحية، ونجحت في البلاد الأجنبية نجاحا لم تصادفه رواية قبلها! ولذلك اقترحت أن نقتبسها ~~ونخرجها على مسرحنا، ونلت موافقة «الأعضاء» بالإجماع كما تقدم. # وإني لأذكر أننا قضينا في مهمتنا هذه (بديع وأنا) أسعد ليالي التأليف التي مرت بنا، ~~وكنا كلما انتهينا في الليل من إعداد جزء منها، قرأناه للممثلين في الصباح فأبدوا كبير ~~إعجابهم ومزيد استحسانهم. # إديني عقلك # أتممت وزميلي بديع اقتباس رواية (توباز) وأطلقنا عليها اسم «الجنيه المصري». ومع أنني ~~أثناء قراءتها لممثلي الفرقة كنت أشعر بدلائل الإعجاب ترتسم على وجوههم، إلا أنني كنت ~~إذا خلوت ببديع، أصارحه بخوفي على الرواية، وإشفاقي من أنها لا تنال شيئا من إقبال ~~الجماهير، أو من الإعجاب بها، لأسباب شتى تتراءى لي! # ولعله من المناسب في هذا المقام، أن أذكر بأن إدارة المطبوعات كانت تضم في ذلك الحين ~~بين موظفيها طائفة وقاك الله شرها. كانت هذه الطائفة تتمتع بعقليات ممتازة! وقاك الله ~~شرها برضه، وإليك عينة من المضايقات التي كان يسببها لنا أولئك السادة المراقبون. # كان المنظر الأول من الرواية عبارة عن فصل في إحدى المدارس الأولية أو الابتدائية، ~~فلما أرسلنا ms126 الرواية إلى إدارة المطبوعات لمراجعتها قبل تمثيلها، أشار أحد حضرات ~~المراقبين بأن فيها نقدا جارحا لمدرسة أميرية! ومن أين جاءك يا سيدي أن مدرستنا أميرية؟ ~~وهل ورد على لسان أي واحد من الممثلين أية كلمة يشتم منها تعيين أو تحديد أو حتى تمييز ~~نوع هذه المدرسة!؟ أبدا والله العظيم! # قال المراقب: «صحيح مافيش ما يثبت، ولكن لابد من أن تشيروا إلى أن المدرسة أهلية ~~وليست أميرية» ... طيب حاضر ... على عيني وراسي! وتبعت ذلك أن سحبت القلم من جيبي وكتبت ما ~~يأتي: # ملحوظة # هذه المدرسة أهلية وليست أميرية! ... # وبذلك استراح المراقب، ولم أخسر أنا شيئا لأن هذه الملحوظة لم تنقص من الرواية شيئا، ~~ولم تؤثر في شيء، لأنها مجرد تسجيل في خانة الملحوظات، ولن يتفوه بها أي ممثل فوق خشبة ~~المسرح! ولكن انظر ماذا تكون حالتي إذا نوقشت في مثل هذه الملحوظات كل يوم عدة مرات لا ~~مرة واحدة. # سخرية وزارية! # قلت إنني اقتبست مع زميلي بديع خيري رواية «توباز» وأطلقنا عليها اسم «الجنيه المصري» ~~وافتتحنا موسمنا بالكورسال، وقدمنا لجمهورنا هذه الرواية المقتبسة. ولا تنس أنني وضعت ~~قبل رفع الستار يدي على قلبي أتحسس خفقاته بعد أن سلمت أمري لله من قبل ومن بعد. # كان إيراد الليلة الأولى ثلاثين جنيها، ثم تقهقر في الليلة الثانية إلى ستة جنيهات، ~~وبعدها أربعة ثم ثلاثة! شايف التعاديل! ثلاثة جنيهات! وأين؟ في تياترو الكورسال الذي ~~كان أكبر وأرحب تياترو في مصر، يعني أن الزبائن الذين جادوا علينا بالجنيهات الثلاثة، ~~ما كانوش باينين فيه! فكان ذلك صدمة لنا وضربة قاصمة لظهورنا من ناحية. # وأريد أن أقرر في هذه المناسبة أنني تلقيت بعض كتب التقدير والتهنئة من أقلية صغيرة ~~من حضرات الأدباء والمثقفين، الذين راقت الرواية في نظرهم، أو الذين اطلعوا من قبل على ~~أصلها الفرنسي. ولكن أين لمثل هذه الأقلية أن تظهر أمام تيار الأغلبية الجارف. الذي ثار ~~في وجه الرواية ووقف منها موقفا ... ربنا ما يوري عدو ولا حبيب! # ولما لم تفلح الرواية في القاهرة، ms127 أردت أن أرى أثرها في غيرها. فقصدت إلى المنصورة، ~~ولكن شعبها - الله يصبحه بالخير - لم ير فيها غير ما رآه القاهريون، بل قل إنهم كانوا ~~شرا عليها من زملائهم هنا . فقد قابلوها مقابلة كلها هزؤ وزراية واستخفاف! وإني لا أزال ~~أحتفظ إلى اليوم بخطاب وصلني من طالب بالمنصورة، يخلع علي فيه من النعوت أشنعها ومن ~~الشتائم أقذعها، وهو فضلا عن ذلك يحذرني العودة إلى المنصورة بعد هذه «العملة» السودة! ~~والعملة هي بالطبع تمثيل رواية «الجنيه المصري»! وانسدت في وجهي السبل، وانهار الأمل ~~بعد أول محاولة قصدت إليها، فجلست قبالة بديع وتركنا لأفكارنا العنان، عسى الله أن يفتح ~~علينا بالفرج بعد الضيق. # انتقام # الرواية قطعة فنية رائعة، لا في ترتيب حوادثها فقط، بل وفي المنطق السليم الذي عولجت ~~به الوقائع وانتهت إليه النتائج! فما الذي حاق بالرواية يا ترى؟ وما الذي أنزلها إلى ~~هذا الدرك في نظر جمهورنا، الذي شهدنا له بالتفوق في الإدراك والسمو في الفهم؟ # لم أدر علة ذلك، وإن كنت أستدرك فأذكر أننا أعدنا في الموسم الأخير (أي في هذا العام) ~~تمثيلها على مسرح رتيز، كتجربة نرى من خلالها هل لا تزال حافظة مكانتها المقندلة في ~~نفوس الجمهور؟ أم أن الأفكار تغيرت نحوها؟ وقد راعنا أنها نجحت نجاحا لم نكن نتصوره، بل ~~لم نكن نقدره. # ما علينا. نعود إلى أيام زمان فأقول إننا حين يئسنا من «الجنيه المصري»، هدانا ~~التفكير إلى طريق فيه شيء من اللعب على الجمهور، بل قل من الانتقام منه. ذلك أننا جمعنا ~~بعض الراقصات وأعددنا جملة مشاهد فكاهية، حشرنا بينها عدة نكات وهزليات، وأطلقنا على ~~هذا العبث اسم رواية «المحفظة يا مدام»، فجاءت بعون واحد أحد، أسخف ما وضعنا في عالم ~~التمثيل من مهازل، وأحط «ما جادت» به قرائحنا (بديع وأنا) مدة اشتغالنا بالمسرح! ~~«المحفظة يا مدام» رواية - كما سميناها - لا في العير ولا في النفير، فلن تجد لها ~~معنى ولا مغزى ولا ... ولا ... على آخره ... أو إلخ ... زي الناس ما بيكتبوها! # كان هذا ms128 حال الرواية في نظرنا، أما في نظر الجمهور، فقد كان شباك التياترو خير شاهد ~~على التقدير والاستحسان. ويكفي أن أذكر أن الإيراد ضرب لفوق، وبدأنا لأول مرة في ~~الكورسال نشاهد الأرقام القياسية التي حرمتنا رواية «الجنيه المصري» منها، بل وأنستنا ~~إياها! وكم كنت أسمع أناسا يقولون أثناء انصرافهم عقب مشاهدة البتاعة اللي اسمها ~~«المحفظة يا مدام»: «أيوه ... آدي الرواية والا بلاش ... مش الجنيه المصري». # إعانة الحكومة # أريد هنا أن أذكر بأن وزارة المعارف كانت تشترط إخراج ثلاث روايات جديدة على الأقل في ~~أثناء الموسم، وإلا فلا إعانة ولا يحزنون وكانت فرقتي قد أخرجت اثنتين فقط، هما «الجنيه ~~المصري» و«المحفظة يا مدام». ولم يبق من الموسم إلا شهر أو أقل! فماذا نفعل وكيف نستطيع ~~تأليف الرواية الثالثة وإخراجها وتمثيلها؟ # وفي هذه الأثناء تقدم إلينا الأستاذ أمين صدقي برواية جاهزة اسمها «الرفق بالحموات»، ~~فوزعنا أدوارها وأسرعنا في تدريب الممثلين وأخرجنا الرواية، ومع ذلك فقد عاشت أسبوعا ~~واحدا لا غير! وكان أن منحتنا لجنة المعارف الدرجة الرابعة، أي أقل مبلغ منحته لفرقة في ~~هذا العام. وبذلك قد تقهقرنا في نظرها عن العام السابق وسبحان من يغير ولا يتغير. # وانتهى موسم 1931، وأسدلنا الستار على آخر لياليه. ورحت أعاود بفكري ما انتابني فيه، ~~فتراءى لي أولا ما كان من قسوة الجمهور في معاملة «الجنيه المصري»، وما كان من الحكومة ~~اللي أنزلتني لجنتها درجة بعد درجة إذ كان أملي معقودا على التقدم درجات! أضف إلى ذلك ~~ما كنت أحس به من اضطرابات داخلية يرجع الفضل في أكثرها إلى القلب، وما صدم به من فشل ~~في الحياة الخاصة، وهو ما كنت أبذل جهودي في كتمه عن الناس قاطبة، محتفظا بآلامه لنفسي ~~وحدها. # في شمال أفريقيا # آليت على نفسي أن ألجأ إلى الراحة فترة من الزمن، أستريح فيها لا من عناء الأعداء ~~وألسنتهم، التي كانت في قوارصها أحد من السيف وأشد من العضب، ومضت أيام شعرت بعدها أن ~~ميلي إلى الجمهور العزيز وحبي له، يدفعني إلى العودة لمفاجأته. ms129 ورغم ما لقيت منه من عنف ~~وظلم، فإن ميلي له لم يتخلله وهن ولا ضعف. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشعب سريع ~~النسيان، فما هي إلا أن يغيب عن ناظره الشخص فترة حتى يدرجه في قائمة المنسيين، وحتى ~~يصبح وكأنه لم يكن بالأمس ملء العين والأذن. # وكانت هذه العوامل سببا في أن أفكر في العودة إلى الظهور سريعا وكان أن تقدمت إلى ~~إدارة كازينو الفانتازيو بالجيزة للعمل به شهرا أثناء الصيف، فمددت يدي مستريحا إلى ~~ذلك. ويهمني هنا أن أقول بأنني نلت من عطف عبد الخالق مدكور (باشا) صاحب الكازينو ومن ~~محبته ومعونته، ما لا أزال أذكره بالشكر والحمد الوافر. وأمضيت شهر الفانتازيو على خير ~~ما أريد. فنجحت كما أؤمل، وعادت أواصر المودة بيني وبين الجمهور سيرتها الأولى. وكأن ~~الذي جرى ما كان. ويا دار ما دخلك شر. # إلى المغرب # وفي هذه الأثناء قابلت صديقنا (الأستاذ علي يوسف) بعد عودته من بلاد المغرب، وكان قد ~~رحل إليها مع فرقة السيدة فاطمة رشدي كدليل أو بالاصطلاح الفني (امبرزاريو) ... وراح يصف ~~لي مقدار محبة القوم هناك لفن التمثيل، وشغفهم به، وكيف أنهم لا يضنون بأموالهم في سبيل ~~مشاهدته. ثم أضاف إلى ذلك أنني إذا قصدت إلى بلاد المغرب، عدت منها مملوء الوفاض بأموال ~~تحتاج في حصرها وعدها إلى حنكة صرافي بنوك العاصمة مجتمعين! # ولقيت أقوال علي يوسف مني نفسا «مفتوحة» وجيوبا «برضه مفتوحة»! فعزمت عزما صادقا على ~~الرحيل كي أدلي بدلوي في دلاء هذه الثروة القريبة المنهل، السهلة المنال، وبدأت في ~~تأليف فرقتي وكنت إذ ذاك في حاجة إلى مطربة تقوم بالأدوار الأولى في رواياتي، وتمثل ~~الأدوار التي كانت تضطلع بها السيدة بديعة مصابني، التي خلا محلها منذ عهد طويل، فطوى ~~معها كثير من الروايات التي كانت هي البطلة فيها. # وبعد البحث تمكنا من الاتفاق مع المطربة حياة صبري، التي كانت فيما قبل تلميذة لفقيد ~~الموسيقى الشيخ سيد درويش، وقام قبلنا إلى بلاد المغرب الأقصى (الامبرزاريو) المحترم ~~علي يوسف. وكانت ms130 مهمته أن ينشر الدعاية اللازمة للفرقة، وأن يقوم بحركة الإعلان الكافي ~~لتعريف الناس في تونس والجزائر ومراكش بمكانة الممثلين الذين تضمهم، والممثلات اللواتي ~~يعملن فيها. وعليه إلى جانب ذلك أن يبيع الليالي لمن شاء، أو أن يطبع التذاكر ويوزعها ~~على الراغبين، ثم يرسل إلينا جانبا من المال، نستعين به في الموعد الذي يحدده. # نقول إن علي يوسف قام قبلنا، ومكثنا نحن في مصر نوالي عمل البروفات لجميع الروايات، ~~ونحن نحدث أنفسنا بالخير الوافر الذي ينتظرنا في هذه الرحلة العتيدة. # الممثلة الأولى # وبعد أن قضينا في البروفات شهرا كاملا، انقطعت ممثلتنا الأولى (حياة صبري) عن الحضور، ~~وبحثنا عن علة ذلك فقيل لنا أنها اتفقت مع فرقة أخرى، وإنها لن تكون معنا في رحلتنا ~~المنتظرة! وما العمل الآن ونحن في انتظار برقية من علي يوسف بين لحظة وأخرى، يشير فيها ~~علينا أن نقوم توا إلى المغرب؟ # ورجونا حياة دون جدوى، فاضطررنا إلى البحث عن غيرها ... وكلما فكرنا في واحدة كعلية ~~فوزي مثلا، قيل لنا إنها اتفقت منذ يومين أو أسبوعين أو ساعتين مع غيرنا للعمل معهم، ~~فيسقط في أيدينا ونعود إلى ندب حظنا السيئ وبختنا اللي زي ما أنت شايف! # والآن، ونحن كالغرقى في محيط بعيد الغور، جاءنا من يحمل إلينا نبأ يتلخص في أن السيدة ~~بديعة مصابني تعرض أن ترافقنا في رحلتنا هذه! بديعة! وماذا يا ترى ساقها إلى طلب ذلك؟ # بل ما هو الدافع لها بعد أن هجرت عملنا، ومضت مدة لم تباشره وايانا؟ القصد! فما دامت ~~هي التي تريد، فلنرد نحن ما يكون! واتفقنا مع بديعة والخيرة في الواقع. # كيف الرحيل # وسارت البروفات في طريقها كما كانت، ومضت مدة كنا ننتظر في أثناءها أي شيء من علي ~~يوسف، ولكن لم نسمع عنه نبأ! فماذا حل به يا ترى؟ وإذا كان هناك ما يسوء فهل تبقى ~~أخباره مكتومة مجهولة؟ # هناك مثل إنجليزي معناه أنه «إذا لم يكن هناك أي أخبار، فالأخبار خير» طيب صدقنا ~~وآمنا بأن الأخبار خير، ولكن كيف ms131 يمكننا الرحيل وليس في أيدينا حتى أجرة القطار من ~~القاهرة إلى بنها؟! # ظللنا ننتظر أن يحن علينا (أبو يوسف) بقرشين من «العرابين» التي تسلمها، ولكن مضت ~~أسابيع وأسابيع ولم نر فيها (ريح يوسف) ولما أكمل في غيابه عنا حوالي الشهرين، يئسنا من ~~الرحلة ومن إتمامها، ورحت أفكر في الطريقة التي أعتذر بها إلى أفراد الفرقة، وأحمل ~~إليهم نبأ حلها شيئا فشيئا. وفيما نحن كذلك، إذا بي أرى علي يوسف شخصيا! علي يوسف بنفسه ~~لا خطاب منه ولا برقية! ~~- ما الذي جاء بك؟ وما نتيجة عملك؟ ~~- إنني أتيت إلى مصر لأدبر المال اللازم لترحيل الفرقة إلى بلاد المغرب! ~~- ما شاء الله. والمال الذي ننتظره من هناك يا سي علي! هل تبخر؟ ~~- كلا. ولكن مسرح البلدية تسلم النقود ولم يشأ أن يعطينا شيئا منها حتى تصل الفرقة ~~إلى هناك ويروها رأي العين! # البحث عن ممول # وراح الله يمسيه بالخير يبحث هنا وهناك عن ابن حلال يدخل وإياه في هذه العملية، وكان ~~له صديقان قديمان هما الشقيقان صالح وموريس كريم. وقد حملتهما هذه الصداقة على أن يعثرا ~~لصديقهما هذا على «لقطة» أو زي ما تقول «هدية» في شخص صديق آخر لهما اسمه الخواجة ~~«جياكومو». وما كاد علي يوسف يلتقي به حتى هيأ له البحر طحينة وأفهمه أن قرشه سيتضاعف ~~آلافا مؤلفة، وأن المليم سيصبح بقدرة قادر دهب أحمر بعد الرحلة. وأن من قدم شيء بيداه ~~التقاه. # ووضع الخواجة «جياكومو» يده في محفظته، فخرجت تحمل ثلاثمائة جنيه (جنيه ينطح جنيه) ~~ويسلمها لعلي يوسف قائلا هذا نصيبي كشريك في هذه الرحلة. وبعد أن تأكد أبو يوسف أنه ~~يحمل هذا القدر من المال (ضحك في عبه) على رأي إخواننا المبسوطين! وعاد إلينا وقد تهلل ~~وجهه بشرا، فأعطانا مما أعطاه الله، وأبلغنا أنه سيسبقنا إلى تونس على أن نلحق به بعد ~~إتمام بعض الإجراءات الخاصة بالتأشير على جوازات السفر وما إلى ذلك. فودعناه أحسن وداع، ~~وانتظرنا بصبر نافد موعد الرحيل يا حبايب! وترك الخواجة «جياكومو» أعماله التجارية ms132 ~~بالإسكندرية، وجاء للقيام معنا إلى تونس، انتظارا لجمع الأموال الطائلة التي ستدرها ~~الرحلة عليه وعلينا، وعلى الناس أجمعين! # وسبقتنا السيدة بديعة مصابني إلى فرنسا لأعمال سينمائية خاصة، بعد أن اتفقنا على ~~اللقاء في معهد مرسيليا. وبعد أيام قمت أنا على باخرة فرنسية وقصدت مرسيليا توا. # أما أفراد الفرقة ومعهم الخواجة «جياكومو»، والزميل العزيز الأستاذ بديع خيري فقد ~~اختار لهم علي يوسف قبل سفره من باب الوفر والاقتصاد باخرة (على قد الحال)، تسير إلى ~~الإسكندرية لبورسعيد لبيروت لأثينا ... إلى ... إلى أن تصل مرسيليا بعد عمر طويل! ... هذا إذا ~~وصلت في سنتها. # الباخرة التائهة # وقامت هذه الباخرة قبل باخرتي بأيام، وكان المفروض أن تصل بعدي بيومين، فلما وصلت ~~انتظرت يوما ويومين وأسبوعا وأسبوعين ولكن اشتد قلقي إذ لم تصل الباخرة ولم يصلنا عنها ~~أي خبر! # سألنا في إدارة الشركة التي تتبعها الباخرة وفي جميع إدارات شركات الملاحة الكبرى ~~والصغرى كمان، ولكن للأسف كنا نسمع جوابا واحدا، معناه بالعربي الذي يفهمه المعلم ~~«دؤدؤ» وأفهمه أنا وأنت ... أن العلم عند الله! # طبعا العلم عند الله يا بني آدم أنت وهو، لكن احنا كمان عاوزين يكون عندنا علم ... نعمل ~~إيه؟ لست أحاول شرح حالتي النفسية وما انتابني من آلام طيلة هذه الأيام. # فقد فقدت الأمل في لقاء أعزائي وأصدقائي الذين شاركوني في حلو الحياة ومرها، فلعنت ~~علي يوسف، ولعنت الساعة التي أشار فيها بهذه الباخرة المقصوفة الرقبة! ولقيت بديعة ~~مصابني، فحملت معي نصيبا من البحث. # وأخيرا وبعد أن كاد اليأس يقطع خيوط الأمل الدقيقة، عرفنا أن إصابة بالطاعون ظهرت في ~~أحد ركاب الباخرة بأثينا، فأخرجوا الركاب جميعا وحجزوهم في «كردون». وكان هذا سبب ~~التأخير. وبعد انتهاء أيام الحجر الصحي استأنف الركاب سفرهم إلى مرسيليا، وبينهم ~~زملاؤنا الأعزاء الذين فرحنا بلقائهم فرحا لا يوصف. # وهنا أرى أن أسرد قليلا مما قصوه علينا في محنتهم هذه. فقد ذكروا أن الأطباء كانوا ~~يجرون الكشف علينا يوميا، وكانوا يأمرونهم بخلع كل ما عليهم من ملابس. أما في مواعيد ~~تناول ms133 وجبات الطعام ... فقد كانوا يلقون إليهم المأكل من بين قضبان حديدية، بحيث لا تلمس ~~أيديهم يد أحد من نزلاء «الكارنتينا» أو «الكردون» الذي كان محاطا من جميع نواحيه ~~بالأسلاك الشائكة وخلفها هذه القضبان الحديدية. # وأخيرا تونس # والآن نترك باخرة «الطاعون» ونحمد الله الذي نجى زملاءنا منها، فنقول إننا أخذنا ~~باخرة أخرى من مرسيليا إلى تونس. ولا أطيل عليك القول، فأقول إننا وصلنا إلى ثغر ~~«بيزرت» فاستقبلنا أهلها الأكرمون استقبال الفاتحين ورأينا الموسيقيين يدقون الطبول ~~والزمور، وشاهدنا مندوبي الجمعيات الخيرية يحملون إلينا الأزهار، والشعراء ينثرون ~~أمامنا القصائد من كل البحور، وخطب الترحيل تتلى علينا من هنا ومن هناك بشكل لم نر له ~~مثيلا من قبل. # شاهدت كل ذلك فقلت: اللهم إني أسألك أن تجعل الخاتمة خيرا، وأن لا تسئنا يا ربي في ~~عملنا، ولا تخيب رجاءنا يا أكرم الأكرمين. # وراحت السكرة ثم جاءت الفكرة. كان علي يوسف - وآخ من علي يوسف - كان قد استأجر مسرح ~~البلدية في تونس لمدة اثنتي عشرة ليلة، وهي كل الليالي الخالية فيه إذ ذاك، لأنه استأجر ~~لفرق أخرى بعد ذلك. ولكن الطاعون قاتله الله، وتأخير الباخرة أكل علينا أربعا من هذه ~~الليالي، لأننا وصلنا متأخرين أربعة أيام عن الموعد الذي قدره علي يوسف. # آدي دقة، أما الأخرى فهي أن الأستاذ أبا علوه ... كان قد استدان قبل وصولنا مبلغ ألف ~~ومائتي جنيه لتسديد مصروفات المطبعة والإعلانات والجرائد والتوزيع والمأكل والمشرب، ~~وقبل أن نبدأ العمل بوغتنا بحضرات السادة الدائنين وقد شرفوا قبل وصول أي زبون، شرفوا ~~لا للفرجة كغيرهم لا سمح الله، بل للحجز على إيراد الشباك سدادا لديونهم المستحقة بس! ... ~~والله عال ... يعني جايين من مصر مخصوص، وشايفين الويل وويل الويل في البر والبحر وفي ~~الطاعون وأثينا علشان تسدد الديون. وإن شالله ما حد أكل ولا شرب. # زاد الطين بلة # كانت الرحلة منصبة على اثنتي عشرة حفلة كما سبق القول، ولكنها رست على ثمان (كما سبق ~~القول برضه)، ومع ذلك فإن الطين رأى أن يزداد بلة أخرى، ms134 وكأن هذا كله لم يكف! هذه البلة ~~هي أن سي على رأي أن يتبرع للجمعيات الخيرية في تونس بإيراد أربع حفلات مجانا لوجه ~~الله. # وهنا جلس مديرنا المالي (الخواجة جياكومو) على قرافيصه يندب حظنا اللي ما فيش منه. ~~وإني لأذكر جملة مأثورة خرجت من فمه فأضحكتنا جميعا (وشر المصائب ما يضحك) جلس جياكومو ~~يذكر صديقيه اللذين ورطاه هذه الورطة فقال: «يعني صالح وموريس بعتوا تلغراف لعلي يوسف ~~قالوا له فيه وجدنا بغل نركبه سوا»! # ذلك هو الوصف الذي ارتضاه مديرنا المالي لنفسه، فجزاه الله عن المروءة كل خير! # كان موقفي في منتهى الحرج مع فرقة مؤلفة من أربعين شخصا بينهم ست ممثلات وراقصات ~~ممتازات، وليس معنا ما نقتات به. فكنت أعمل جاهدا لإدخال أكبر كمية من الصبر على ~~قلوبهم، بينما كان (الخيبة الثقيلة) الأخ علي يوسف يزوغ مني هنا وهناك ولا حياة لمن ~~تنادي. # عملنا أول ليلة فكان الإيراد مائتين وخمسين جنيها، ولكن هل دخل جيبنا منها مليم واحد؟ ~~أبدا والله العظيم والبركة في الدين والدائنين! # وقد فاتني أن أشير إلى شخص بالذات تقدم إلي مرحبا أجل ترحيب، ومحييا أحسن تحية، وتطوع ~~بالتعريف قائلا إنه من هواة التمثيل، وإنه سمع عني كثيرا ورغب في العمل بفرقتي، وقد ~~رحبت به أنا الآخر، ولكن رابني منه بعض تصرفات لم أفهم سرها! فما كدنا نصل مدينة تونس ~~حتى سعى في كثير من العناية والاهتمام بإنزالنا في أكبر فنادق المدينة (واسمه ~~ماجيستيك)، وراعني أنه نجح في حجز أحسن أجنحة الفندق لنا، كما راعني قبول إدارة الفندق ~~أن تتقاضى من الممثلين مبلغ عشرين قرشا فقط كأجر عن الغرفة يوميا، في حين أن إيجار ~~غرفتي في اليوم الواحد هو مائة وستون قرشا. وهو أجر معقول بالنسبة لفخامة الفندق الذي ~~لا يقل من هذه الناحية عن أفخم فنادق القاهرة. # أقول إنني رأيت في هذه التصرفات ما رابني، وأخيرا عرفت أن ريبتي كانت في موضعها ~~تماما، وأن صديقنا الجديد هذا، لم يكن إلا عينا خصصته الإدارة الفرنسية ليكون ms135 بمثابة ~~رقيب علينا في كل خطوة نخطوها، أو حركة نأتيها. وذلك خشية من أن نثير في البلاد شعور ~~الوطنية والحماس، وهو ما يأباه الاستعمار ويعمل على محاربته بكل وسيلة . # ولما كنا والحمد لله لم نقصد من رحلتنا أن نثير حربا شعواء بين الفرنسيين والوطنيين، ~~فإن هذه الرقابة لم تؤثر فينا أقل تأثير، بل بالعكس أفادتنا كل الفائدة بأن جمعت أفراد ~~الفرقة كلهم في صعيد واحد، وصعيد إيه يا سيدي ... أوتيل، لا تقوللي ولا تعيد لي. والأجرة ~~إيه؟! تراب الفلوس! # نهايته ... توددت إلى الأخ المحترم الرقيب الهاوي وقربته إلي ... وصافي يا لبن. # الدائنون وراءنا # قلت إن إيراد الحفلة بلغ مائتين وخمسين جنيها استولى عليها الدائنون وتركونا نأكل ~~بعضنا. # أما رواية الافتتاح فكانت (الليالي الملاح) ... أظن كمان رايح تقول إن السجع هنا مقصود! ~~أبدا واللي خلقك! وقد كان استعدادنا لها فائقا بحيث كانت المناظر والملابس من أفخم ~~الأصناف، كما أن الممثلات والممثلين كانوا على سنجة عشرة، ولذلك ظهرت الرواية بأحسن ~~مظهر ونالت أحسن ما كنا نرجوه من النجاح. وكان هذا الجمهور بالطبع يملأ جوانب تياترو ~~البلدية العظيم وكنت أشعر بفرح كبير لهذا النجاح «الأدبي» الممتاز وأعتبره تعزية لا شك ~~فيها. ولكن حينما أرى الإيراد منحدرا في اتجاه غير طبيعي، كنت أشعر أن لسان حالي يقول: ~~«آخ أيها الفن أتمنى في تلك اللحظة أن تكون خبزا فتؤكل أو عرقسوسا فتشرب!». # قلت إن مجموع الليالي الباقية لنا من التعاقد في التياترو ثمان. ولكن متعهدنا المبارك ~~(السيد علي يوسف) كان قد طبع قبل وصولنا تذاكر اشتراكات عن اثنتي عشرة ليلة، وباع منها ~~الشيء الكثير وتسلم الأثمان كذلك. # ولما لم يكن في طوقنا أن نقدم أكثر من هذه الليالي الثمان، فقد خفت أن يرمينا مشترو ~~تذاكر الاشتراكات بالنصب والاحتيال. ولذلك قصدت إلى محام مشهور هناك وطلبته إليه أن ~~يكتب عريضة باسمي إلى النيابة العمومية يشرح فيها الموقف، ويقول إنني مستعد أن أعيد لمن ~~بيدهم الاشتراكات أثمانهم بعد أن أحصل على المال من بقية البلاد التي في ms136 النية زيارتها. # وأخيرا استطعنا أن نتفق مع إدارة التياترو على العمل به بعض ليال أخرى نحييها عقب ~~عودتنا من عدة بلاد غير مدينة تونس، وقمنا إلى صفاقص وصوصه وبيزرت وكان النجاح في كل ~~منها بالغا أشده، وبدأت يدي تلمس النقود بعض الشيء، ولكن السادة دائني متعهدنا كانوا ~~لنا بالمرصاد، فلم يرحموا غربتنا ولم يرعوا مصيبتنا فلاحقونا في كل مكان! # الفصل الحادي عشر # | بين المسرح والسينما # قررنا أن نزور الجزائر بعد أن انتهى مقامنا في تونس، فشددنا رحالنا إليها. # وهنا أقف لحظة بسيطة لأقول إن علاقتنا بالسيد السند علي يوسف (الامبرزاريو) كانت قد ~~انقطعت، وإننا احتجنا إلى من يقوم مقامه ليسبقنا إلى البلاد التي نزورها ويمهد لعملنا فيها، ~~فكان أن أوفدنا الزميل العزيز بديع خيري إلى بلدة «سراكوس». وقد قصد إليها قبل وصول الفرقة ~~بعدة أيام. وبعد أن انتهينا من هذه البلدة، زرنا بلادا أخرى، وأخيرا قصدنا إلى عاصمة القطر ~~(الجزائر)، فأحيينا فيها بنجاح منقطع النظير ثلاث حفلات جاءتنا بإيراد كبير، استطعت ببعضه ~~أن أسدد جميع الديون التي طوقنا بها متعهدنا السابق، كما أنني وسعت على الممثلين بالبعض ~~الآخر. # ثم حدث في بلدة «وهران» ما لم أكن أتوقعه. فقد سافرت بديعة دون علمي، فأسندت أدوارها إلى ~~كل من فتحية شريف وبهية أمير، ولكن بديعة بعدئذ اتصلت بي تليفونيا من الجزائر واعتذرت عن ~~تسرعها بالهرب، وأكدت أنها عائدة في اليوم التالي. ولكنها للأسف لم تف بوعدها. # العودة إلى مصر # وبعد أن انتهينا من بلاد الجزائر، قمنا إلى مراكش، فلقينا الكثير من ضروب الحفاوة في ~~قصر «الباشا»، الذي نفحنا كثيرا من الهدايا في الليلة الختامية لرحلة الفرقة في بلاد ~~المغرب الأقصى. ثم قصدنا إلى مرسيليا ومن هناك قصد أعضاء الفرقة إلى مصر، بينما سافرت ~~أنا إلى باريس، وهناك استطعت أن أسترد من جمعية المؤلفين مبلغ ضريبة الستة في المائة، ~~التي كانت تحجزها مسارح البلديات من إيراد رواياتي في بلاد المغرب الأقصى، وقد بلغ ما ~~استرددته من الجمعية مائة وعشرين جنيها، بقي لدي منها ms137 بعد «فسحة» باريس خمسون جنيها ~~مصريا عدت بها إلى مصر. وقد حزمت أمري على أن أجعل بيني وبين الممثلين سدا، فلا أجمع ~~فرقة ولا أعتلي المسرح لحسابي. # وبعد أيام قليلة «برم» المبلغ وأصبحت على الحديدة، فعمدت إلى بعض ما لدي من أثاث وحلي ~~وهات يا بيع، هو احنا رايحين ناخد حاجة. # واستحكمت حلقات الأزمة (أزمتي الخاصة) واستولت «الكريزة» على جيب العبد لله، فهبطت ~~بطعامي من «الرستورانات» إلى محلات الفول المدمس! # أول فيلم سينمائي # وقضيت على هذه الحال المدة من أبريل إلى أغسطس سنة 1933، ثم وصلتني برقية من الأستاذ ~~إميل خوري، الذي كان سكرتير تحرير جريدة الأهرام، يحمل تحويلا بمبلغ خمسين جنيها ويطلب ~~مني أن أوافيه بباريس، لتصوير فيلم كان قد حدثني عنه وقت مروري بباريس. فقمت على عجل ~~بعد أن طلبت من زميلي بديع أن يعد نفسه للحاق بي حين أرسل برقية باستدعائه. # ووصلت إلى باريس وقوبلت بالحفاوة اللازمة، وما هي إلا يومين ثلاثة وبدأت أفهم ~~الفولة!! وإيه هي الفولة؟ هي أن عم خوري أخذ المقاولة من شركة جومون لحسابه هو، وجاء ~~يقنعني بقبول الاشتراك معه بنسبة الثلث، ثم قدم لي سيناريو من وضعه هو، وذكر أنه مشرف ~~لمصر وأنه سينال نجاحا لا نظير له ... وأنه ... إلى آخر الأنهات اللي في الدنيا! # اطلعت على السيناريو فوجدت أنه لا بأس به، إذ تركت لنا الحرية في وضع الحوار الذي ~~يدور بين ممثليه، وفي الحال أرسلت في طلب بديع. ولكن قبل أن يصل الزميل، تقدم إلي إميل ~~وأعطاني نسخة من حوار وضعه باللغة الفرنسية، وطلب إلي ترجمته إلى العربية، بحيث لا نخرج ~~عنه قيد أنملة، فلما قرأته وجدت أنه لا يصلح بتاتا، وخاصة لجمهوري الذي عرفته وعرفني، ~~فحاولت أن أقنع الشريك (المخالف) بأن هذا الحوار في مقدوره أن يسقط بدل الفيلم الواحد ~~فيلمين أو ثلاثة، ولكنه أصر ولم يصغ لأي اعتراض. فصممت إزاء هذه الصلابة على التوقف عن ~~العمل والعودة إلى الوطن، فظل بديع يهدئ من ثورتي، ويعمل على إقناعي بأن عودتي ms138 خاوي ~~الوفاض إلى مصر ستطلق ألسنة الناس بالإشاعات والأقوال، وستدع لحضوري فرصة النيل مني، ~~وستكون النتيجة كيت وكيت. # وخشت هذه النصائح في مخي، وزادها ثباتا أن جيبي كان فارغا حتى من ثمن تذكرة العودة، ~~فقلت في نفسي صهين يا واد يا نجيب وأهو فيلم ويفوت ما حد يموت! # وبدأنا عملنا في الفيلم - وقد نسيت أن أذكر لك بأننا اخترنا له اسم (ياقوت) - بدأنا ~~في إخراجه باستوديو جومون يوم الاثنين وانتهينا منه نهائيا يوم السبت التالي، أي أننا ~~كروتناه في ستة أيام! # أما الداعي لهذه «الكروتة» و«الطلصقة»، فهو أن السيد خوري لم يكن يهمه إلا أن يضغط ~~الميزانية. وقد كان، وبعد أسبوعين انتهت عملية المونتاج وجاء خوري ومن معه يجزلون لي ~~التهنئة ويقسمون إنني ... فشر هاري بور وشارل بواييه ومش عارف مين ومين كمان، فهززت رأسي ~~وطمأنتهم بأن الفيلم - مع هذا وذاك - لن تقوم له قائمة، ولن يلاقي أي حظ من النجاح. # أما لماذا نظرت إلى الفيلم هذه النظرة فذلك لأنني صادفت مخرجا لا يفهمني ولا أفهمه ~~وسيناريست عقله زي الحجر وممثلين، سيدي يا سيدي، جمعناهم من الحي اللاتيني ومن جميع ~~الملل والنحل، فمثلا احتجنا لشخص يقوم بدور أستاذ يلبس العمة والقفطان فلم نجد من نسند ~~إليه الدور إلا شخصا فرنسيا لا يعرف من العربية حتى اسمها. وقس على ذلك بقية الأدوار ~~الهامة وغير الهامة، أي أن صيغة منتهى الجموع بتاعة قلة البخت، قد تفضلت بمرافقتي في ~~ذلك الفيلم من بدايته إلى نهايته. ما علينا والسلام نقول إن نجاح هذا الفيلم بعد عرضه ~~كان نسبيا لأنه - كما قلت - لم يكن شعبيا وقد اقتنع ممول الفيلم بصحة ما ذهبت إليه ولكن ~~بعد إيه ... بعد خراب مالطة. # وقبل أن أبارح باريس «ليموني» على خمسين جنيها أخرى على أن أتناول حصتي في الأرباح ~~بعد عرض الفيلم في مصر وعلى خير! # عودتي إلى المسرح # وفي هذه الآونة تسلمت - وأنا بباريس - خطابا من الحاج حفني مدير تياترو برنتانيا يعرض ~~علي العودة إلى مصر لتوقيع عقد اتفاق ms139 معه على العمل في مسرحه. ففكرت في ذلك الفن الجميل ~~الذي أحببته من كل قلبي، وتملكت هوايته نفسي، واحتل حبه فؤادي حتى صار كالحسناء التي ~~أخلصت لي وأخلصت لها. فهل أستطيع هجر هذه المعبودة؟ كلا ... وألف مرة كلا!! # وعدت إلى مصر ... واتفقت مع الحاج مصطفى، على أن يتكفل هو بالفرقة مما جميعه، بما في ~~ذلك الممثلات والممثلون، على أن أتقاضى أنا حصة معلومة. وهنا بدأت في تنظيم حياتي ووهبت ~~نفسي مرة أخرى للفن الذي عشقته بعد أن رفعت عن كاهلي عبء التفكير فيما عداه. # وأعددت مع الزميل العزيز بديع رواية «الدنيا لما تضحك» وما كدت أظهر على المسرح في ~~الليلة الأولى من التمثيل، حتى قابلني الجمهور المحبوب بعاصفة من التصفيق عقدت لساني، ~~فطفر الدمع من عيني لحظات غمرني فيها شعور لا أستطيع وصفه. # فيلم ثان # وفي هذا الوقت تقدم إلي بعض الممولين السينمائيين، وطلبوا الاتفاق معي على إخراج فيلم ~~«بسلامته عاوز يتجوز»، وعرضوا أن أتقاضى منهم ثمانمائة جنيه مصري وخمسة في المائة من ~~الإيراد وشاورت عقلي، فاتضح لي أن هذه الجنيهات الثمانمائة مبلغ لا يستهان به، خصوصا في ~~وقت أنا فيه بحاجة إلى ... إلى إيه ... إلى مائة فقط. # ومن ناحية أخرى فإنني ذهبت إلى أن إخراج الفيلم الجديد قد يعوضني ما فات في سابقه ~~(ياقوت)، لا سيما وأن مدير الإنتاج الأخير قد أظهر لي منتهى الاستعداد في أن يدع لي ~~جميع المهام الفنية التي يقضتيها إظهار الفيلم في مظهر لائق. # وجاء المدير المالي بشخص وفد من بلاد المجر، وقال لي إنه شقيق السينمائي الشهير ~~«فاركاتش» الذي اقترن اسمه باسم فيلم (الموقعة)، مثل فيه شارل بواييه ... وأنه ... وأنه ... ~~إلخ ... فقلت له إنني لا أطمئن لمخرج أجنبي، حتى ولو كان من الذين أشرفوا على أفلام جريتا ~~جاربو ومارلين ديتريش، لأنه لن يصل إلى حقيقة أخلاقنا وباطن عاداتنا، قلت هذا قبل أن ~~أرى المخرج المذكور أو أختلط به، فلما تم ذلك زدت يقينا بما أدليت، واعتقدت أنني سائر ~~بالفيلم الجديد في نفس الطريق ms140 الذي رسم في رصيفه القديم، وأن «شهاب الدين» لا يزال يسعى ~~وراءنا مطالبا بأخيه!! # وحاول المنتج أن يزيل مخاوفي فطمأنني بأنه سيتركني أقبل ما بدا لي. # وبدأنا الفيلم ، بل وقطعنا في العمل شوطا بعيدا، كانت الحزازات أثناءه بيني وبين ~~المخرج تزداد ضراما، لأنني كنت أشاهد بعيني منه عكس ما أريد، فقد كانت إرشاداته ~~للممثلين في المواقف الفكاهية باعثة على البكاء ... لا على الضحك. # وعرض الفيلم على المتفرجين، وكنت بين المتفرجين بالإكراه. وأصارحك أيها القارئ العزيز ~~بأنني حين رأيت نفسي على الشاشة لم أكن أتصور أنني بمثل هذه الفظاعة المؤلمة، وأنني من ~~السخافة على مثل هذه الدرجة التي ابتدعها المخرج من «صبيان» أفكاره البايخة، حتى لقد ~~كان يتراءى لي - كمتفرج - أنني لو لقيت نجيب الريحاني عند الباب أثناء خروجي، لخلعت - ~~يكرم من سمع - ونزلت ترقيع في أصداغه إلى أن أوصله بيته العامر! # انتقام من السينما # وفي هذا الوقت كان حظي في المسرح «ضارب» نار، وكأنني كنت أنتقم من خذلاني في السينما، ~~فقد شفيت غليلي ومعي بديع زميلي، ووضعنا كل همنا في إخراج رواية كاملة المعاني. وكان ~~التوفيق رائدنا بعون واحد أحد، فأتممنا تأليف رواية «حكم قراقوش»، وقد جاءت هذه الرواية ~~بدعة من حيث الوضع والتنسيق، ومن ناحية وجود الفكاهة العذبة والتسلية اللذيذة، في سرد ~~حوادثها وفي رسم شخصياتها. # فلما رأيت نجاحها، حمدت الله الذي عوضني عن السينما بهذا النجاح المسرحي الهائل، ~~ولهذا عقدت نيتي من ذلك الحين على أن أهجر الشاشة بتاتا، وفي خشبة المسرح متسع لي، ~~وإطفاء لشهوتي الفنية وغذاء لروحي المتلهفة على الوصول إلى الكمال بقدر الإمكان، ومن ثم ~~رفضت جميع العروض السينمائية التي تقدم إلي بها كثيرون من الماليين ومن رجال الفن ~~العديدين. # وبعد «حكم قراقوش» أخرجت «مين يعاند ست»، فكانت هي الأخرى انتصارا لي مع أنها كوميديا ~~من النوع «الناعم»، إلا أن المتفرج تقبلها بقبول حسن، وحل الصيف فتأبطت ذراع زميلي بديع ~~وقصدنا إلى جزيرة قبرص، وهناك هيأت لنا الظروف الصالحة وضع رواية «مندوب فوق العادة»، ~~وكان ms141 في عزمنا أن نفتتح بها موسم 1946، ولكن الظروف المواتية مكنتنا من وضع رواية ~~(قسمتي)، التي افتتحنا بها ذلك الموسم، وأبقينا الرواية الأولى بمثابة احتياطي لنا. ~~وأعترف بأن هذه هي أول مرة في حياتي أحتفظ فيها بما يسمى الاحتياطي. # وبعد عرض الروايتين «قسمتي» و«مندوب فوق العادة» فكرت في إخراج رواية استعراضية نختم ~~بها الموسم فأعددت العناصر اللازمة لها واشتركت مع الزميل بديع خيري في وضعها بعد أن ~~أطلقنا عليها اسم «الدنيا على كف عفريت». # فيلم ثالث # وفي أحد الأيام التي كنا نستعد لإخراج تلك الرواية على المسرح، وبينما كنت أرتدي ~~ملابسي لموافاة الممثلين في البروفة دق جرس التليفون وكان المتحدث زميلي بديع، يبلغني ~~أنه في أستوديو مصر، وأن الأستاذ أحمد سالم مديره يود رؤيتي سريعا. فسألت بديعا: ألم ~~يطلعك على أسباب هذه الرغبة؟ فقال كلا. وقبل أن أتوسع في طلب معلومات من بديع تناول ~~الأستاذ سالم بوق «الأرزيز» ... أنت فاهمني؟ الأرزيز ... والأرزيز هو التليفون بلغة المجمع ~~اللغوي، واسألوا أهل الذكر! وسمعت الأستاذ أحمد سالم يضرب لي موعدا أقصاه نصف ساعة ولكي ~~يسهل مأموريتي أبلغني أن سيارته ستكون أمام منزلي قبل هذا الموعد. # وأكملت ارتداء ملابسي، ورحت أضرب أخماسا في أسداس. لا شك بأن مدير أستوديو مصر لم ~~يطلبني بمثل هذه السرعة لأشترك معه في مباراة شطرنج، والا عشرة دومينو أمريكاني، فلابد ~~إذن أن هناك عملا اقتضى هذا الاستدعاء، وأن هذا العمل لن يكون إلا فيلما للأستوديو. لقد ~~كان مجرد التفكير في السينما يزعجني، بعدما رأيت منها فيما مضى، وبعدما قاسيت ممن ~~اشتركت معهم، ولذلك قضيت الطريق بين منزلي وبين الأستوديو، مفكرا في طريقة الاعتذار ~~«بذوق» عن ظهوري على الشاشة، وبزيادة علينا المسرح ... وبينا وبين السينما ربنا!! # ووصلت الأستوديو وهناك لقيت الأستاذ أحمد سالم وحسني نجيب وبديع خيري. سلام عليكم. ~~عليكم السلام، وبعد التحيات الطيبات، والمجاملات المتبادلات (معلهش يا اخوانا يا فصحاء ~~القافية حكمت)، فهمت من الأستاذ سالم أنه يسر الأستوديو أن يخرج فيلما لي ... آه وقعت ~~الفاس في الراس!! ولم أجد ms142 ما أجيب به غير أنني مشتغل إذ ذاك بإخراج رواية مسرحية جديدة ~~وأنها تستغرق كل أوقاتي فأمهلني حتى أنتهي منها. # ودارت بيننا مناقشة أكد لي فيها الأستاذ سالم أن روح التعاون بيننا ستكون وثيقة، ~~ويظهر أنه أحس من ناحيتي بعض التردد أو الرغبة في «الحمرقة»، فصارحني بحقيقة كنت ~~أجهلها، قال لي ما معناه إن الناس بدءوا يلوكون اسمك في معرض الفشل في السينما، وإن ~~واجبك يدعوك إلى الدفاع عن نفسك بطريقة عملية، فقدم الدليل لأولئك القوم على أن الفشل ~~الماضي أتى عن غير طريقك، لأن العوامل التي أفسدت عليك سبيلك لن يكون لها وجود في ~~ستوديو مصر. # كان هذا الكلام الحكيم وغيره كافيا لإقناعي، لا سيما وقد شعرت من خلال الحديث أن روح ~~الصداقة تتمثل فيه، وأن الصراحة هي التي تمليه. كما تبين لي أن محدثي كان يرمي إلى أن ~~يجعل هدفه الأول، وغرضه الأسمى، الوصول إلى النجاح دون كل الاعتبارات المتباينة ... ~~النجاح الذي يعود أثره لا لي وحدي - بل وللهيئة التي يشرف على إدارتها. وانتهت هذه ~~الجلسة بالاتفاق المبدئي على الاشتراك في إخراج الفيلم بعد الانتهاء من رواية «الدنيا ~~على كف عفريت». # لماذا عدت إلى السينما # وفي هذه الأثناء ظهر فيلم «الحل الأخير» فكان نجاحه مشجعا لي على الإقدام، لأننا ~~رأينا من الجمهور ناحية طيبة مطمئنة، هي أنه بدأ ينظر إلى العمل من حيث قيمته الفنية لا ~~من حيث الشخصيات القائمة به. أقول إن هذا الإقبال الكبير على «الحل الأخير» زادني ~~طمأنينة، وطرد من مخيلتي شبه التردد الذي كان يلازمني قبل مشاهدته، واشتركت مع بديع في ~~وضع فكرة السيناريو ثم ذهبنا إلى الأستوديو ولقينا الأستاذ أحمد سالم، فعرضنا عليه ~~فكرتنا، ولكنه أمهلنا يومين قابلناه بعدهما فعرفنا منه أنه قائم في الغد إلى أوربا، ~~لأعمال تستدعي غيابه فترة. ثم قص علينا فكرة جديدة مفضلا جعلها أساسا للسيناريو الذي ~~نضعه، ولا أجد غضاضة في التصريح بأن هذه كانت المرة الأولى التي استحسنت فيها قصة لأي ~~إنسان كان! # ووافقني بديع على صلاحية ms143 هذه الفكرة، فعقدنا النية على بناء سيناريو «سلامة في خير» ~~على أساسها. وقد كان. وأود أن أشير هنا إلى أن اختيارنا كان قد وقع على اسم «أفراح » ~~لإطلاقه على الفيلم، ولكن الأستاذ سالم فضل عليه اسم «سلامه في خير» وقد كان ... برضه، ~~وسافر الأستاذ أحمد سالم إلى أوربا بعد أن سلمنا للأستاذ نيازي مصطفى بصفته مخرجا ~~للفيلم. وإني لأذكر أنني صدمت هذا الفتى في ذلك الحين بتصريح غير مستحب، لأنني لدغت من ~~مخرجين قبله. ولا يلدغ الممثل من مخرج مرتين!! ولكن بمرور الوقت وبالاختلاط في العمل ~~عرفت قيمة نيازي، فاعترفت بخطئي السابق في تقديره فهو كفء مخلص لفنه. # وكانت اجتماعات متعددة متتالية بيني وبين بديع ونيازي عالجنا فيها وضع السيناريو وربط ~~موضعه وحوادثه. # وهنا أكشف للقراء سرا لم يقف عليه واحد منهم، وهو أنه بعد أن تم من تصوير الفيلم ~~أربعة أخماسه ولم يبق إلا خمسه، كانت هناك أجزاء من الفيلم لم ننته من تأليفها بعد ~~تماما. كما نفعل في رواياتنا المسرحية ... واللي فيهش ما يخلهش! # وسرنا في عمل الفيلم وحولنا جو من التفاهم التام لم يكن لي به عهد من قبل، فقد كان ~~المخرج يعمل في حدود واجبه، وكثيرا ما عاوننا بأفكار ثاقبة، وآراء ناضجة، فكنا نحن ~~الثلاثة نواصل العمل سويا، وكل منا يشعر أنه يؤدي فرضا واجبا يدفعه إليه الإخلاص والحرص ~~على النجاح. # وقبل أن ننتهي من آلام الوقوف أمام الكاميرا آناء الليل وأطراف النهار، استلمني ~~المسرح. ولهلبني الموسم فاقتحمته بروايات قديمة نزولا على نصائح الأعزاء من الإخوان ~~واقتراحات المحبين من المتفرجين. ولكن ذلك لم يحل بيني وبين التفكير مع الزميل في ~~الرواية الجديدة «لو كنت حليوه». # ومع ذلك فإن أبراج المخ الغلبان، كانت حاتطير طيران، والذي زاد الطين بلة ما أصابه في ~~نهاية العمل بالأستوديو على أثر الأضواء التي كنت أقف تحت وهجها الساعات الطويلة، والتي ~~تكفي من غير مبالغة لكهربة خزان أسوان، ولولا أن الله قيض لي بعض الأطباء الأصدقاء ~~الذين اختشى منهم المرض على عرضه ms144 ففارقني غير مأسوف عليه ... أقول لولا ذلك لعرضت نفسي ~~على مؤتمر الرمد الدولي الذي عقد بالقاهرة، ولكن الحمد لله جت سليمه ... والبركة في ~~الإخوان. # لتحيا المنصورة # وشاء الحظ أن أتنقل بعدئذ بين طنطا والمنصورة ودمياط حيث أمضيت مع الفرقة ليلة في كل ~~من هذه المدن، أحيينا في الأولى حفلتين (ماتينيه وسواريه) وأريد أن أثبت هنا أن الفقير ~~الماثل الآن بين يديكم أيها القراء، استقبل في مدينة المنصورة استقبالا لم يكن ينتظره. ~~ويظهر أن منشأ هذه الحفاوة عائد إلى أن فيلم «سلامه في خير» عرض في المنصورة قبل أن ~~نزورها، فأرادوا - المنصوريون الكرام - أن يظهروا «لمحسوبهم» لونا من ألوان التكريم، ~~الذي اشتهروا به، فقابلوني تلك المقابلة التي لا أنساها!! وقد أطلق جميلهم لساني بترديد ~~الشكر لهم في كل مجال وأثبته في مذكراتي ليكون مسكا للختام. # وفي المساء قدمنا رواية (مندوب فوق العادة)، فما كدت أظهر على المسرح حتى استمر ~~التصفيق بضع دقائق. وهذا عمل أعترف بعجزي عن الشكر من أجله. وإن كنت لا أجد ما أقوله ~~غير: «فلتحيا المنصورة». # وعدت إلى القاهرة في يوم الأربعاء، ويصح أن أعترف أن الأيام الثلاثة التي قضيتها ~~خارجها كانت بمثابة إجازة من بعض الوجوه، استراح فيها فكري ومخي راحة أرجو أن تعوضني ~~بعض ما أفقدني العمل إياه، وهاأنذا واضع نصب عيني وضع رواية جديدة «لو كنت حليوه» ~~بالاشتراك مع أخي وصديقي بديع وأرجو الله أن يكتب لها الفلاح فنضمها إلى لستة أخواتها ~~السابقات. # نتيجة # الآن يا قارئي العزيز أقف لحظة قبل أن أضع القلم في مكمنه وقبل أن أدفع هذه الخاتمة ~~إلى المطبعة. # أقف لأتذاكر وإياك في حديث لابد منه، وهو أنني قصرت ما نشرت على حياتي العملية وحدها ~~ولم أمس الحياة الشخصية إلا مسا خفيفا كانت تقتضيه ظروف السرد والشرح، وكم كانت ذكريات ~~الحوادث تمثل أمام ناظري حين كتابتها وكأنها كانت من حوادث اليوم الذي أكتب فيه مع أنه ~~مضى على وقوعها سنوات. # والآن ... بعد أن تذوقت من الحياة حلوه ومرها، وبعد أن جرعتني ms145 كأسها حتى الثمالة - كما ~~يقولون - بعد ذلك كله أقر وأعترف أنا الواضع اسمي بخطي أدناه نجيب الريحاني أنني خرجت ~~من جميع التجارب التي مرت بي، خرجت منها بصديق واحد، صديق هو كل شيء، وهو المحب المغرم ~~الذي أتبادل وإياه الوفاء الشديد والإخلاص الأكيد ... ذلك الصديق هو عملي!! # إنه أشبه بالمعشوقة الفاتنة التي كملت أوصافها ومحاسنها، أولا أنها غيور ... غيور بكل ~~ما في هذه الكلمة من معنى، فهي وفية ما دمت وفيا لها، أما إذا حدثتني النفس بخيانتها ~~فالويل وسواد الليل إنها تكشر عن أنيابها، وتقلب لي ظهر المجن تتنمر وتتنكر، وترغي ~~وتزبد، وتفور وتثور، وتطلع القديم والجديد. نعم أيها السادة، فإنني حين أتفرغ لعملي أجد ~~النجاح يواتيني والحظ مقبلا علي ... أما إذا اتجهت بقلبي إلى شيء آخر ... أو إذا ساقت لي ~~الظروف غراما طائشا ... فإنه يخلع نعليه ... ليجعل من رأسي منفضة لهما ... والعياذ بالله. # وكثيرا ما تعاودني الذكريات حين أجتمع بالأخ الصادق بديع خيري فنتذكر شئون الماضي، ~~ونعترف بأننا كوفئنا حق المكافأة إذ اكتسبنا جمهورا يقدرنا ويقدر عملنا، وإن كان حظنا ~~من الناحية المادية هو حظ الأديب في مصر ولكن معلهش برضه ... مستورة والحمد لله، وكل ما ~~يهمنا هو أننا نشعر بأن علينا رسالة نؤديها للوطن المحبوب وقد أديناها كاملة وكوفئنا ~~على هذه التأدية، وحتى لو فرضنا أننا لم نكافأ فما كان ذلك ليحول بيننا وبين أداء ~~الواجب. # بقيت العبرة التي أبثها أخيرا وهي أنني أصبحت أعتقد أن العواطف وما إليها من الكلمات ~~والاصطلاحات المنمقة ليست إلا لهوا ولعبا وتجارة، يمارسها بعض الناس للضحك بها على عقول ~~السذج وقاصري الإدراك، تماما كما تفعل «المعددة» في المآتم، فإنها تأتي بعبارات الأسى ~~والحزن العميق الذي يفتت الأكباد ويحرك الجماد، ومع ذلك فإنك تبحث في قرارة فؤادها فلا ~~تجد مثقال ذرة من الحزن والألم. # ذلك ما أوصلتني إليه التجارب فيما يختص بالعواطف، ولعل ما يراه الجمهور من المواقف ~~المضحكة في رواياتي منشؤها هذا الاعتقاد الراسخ في حياتي. # كلمة واجبة # وهنا أراني مدينا للصديق ms146 العزيز توفيق المردنلي بكلمة شكر لأنه كان السبب الأول ~~والأخير في حملي على كتابة هذه المذكرات، فأنا - ولا حياء في الحق - أقرب إلى الكسل إذا ~~لم أجد الدافع الذي يسوقني إلى ما أريد. # وقد قيض الله لي في صديقي توفيق ناصحا أقنعني في البداية بضرورة كتابة مذكراتي ونزلت ~~على تلك النصيحة إلى أن انتهيت منها بعون الله وحمده ... فليكن شكري لتوفيق آخر ما تخط ~~يميني في هذه المذكرات. ووداعا يا قرائي الأعزاء. ms147