######OpenITI# #META# URI: 1368ShakibArslan.LimadhaTaakhkharaMuslimun.Hindawi69071351 #META# Tags: history #META# ID: 69071351 #META# Title: لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ #META# AuthorID: 79369353 #META# Author: شكيب أرسلان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كتاب الشيخ محمد بسيوني عمران‏ # جواب الأمير شكيب أرسلان‏ # أهم أسباب تأخر المسلمين‏ # لماذا لا نسمي اليابان وأوروبا رجعية بتدينهما‏ # غوائل الجامدين في الإسلام والمسلمين‏ # كون المسلمين الجامدين فتنة لأعداء الإسلام وحجة عليه‏ # مدنية الإسلام‏ # الرد على حساد المدنية الإسلامية المكابرين‏ # حث القرآن على العلم‏ # أسباب انحطاط المسلمين في العصر الأخير‏ # هكذا إذا توجهت الهمم‏ # خلاصة الجواب‏ # كتاب الشيخ محمد بسيوني عمران‏ # جواب الأمير شكيب أرسلان‏ # أهم أسباب تأخر المسلمين‏ # لماذا لا نسمي اليابان وأوروبا رجعية بتدينهما‏ # غوائل الجامدين في الإسلام والمسلمين‏ # كون المسلمين الجامدين فتنة لأعداء الإسلام وحجة عليه‏ # مدنية الإسلام‏ # الرد على حساد المدنية الإسلامية المكابرين‏ # حث القرآن على العلم‏ # أسباب انحطاط المسلمين في العصر الأخير‏ # هكذا إذا توجهت الهمم‏ # خلاصة الجواب‏ # | لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ # | لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ # تأليف # الأمير شكيب أرسلان # | المقدمة # بقلم محمد رشيد رضا # بسم الله الرحمن الرحيم # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم ~~. # 1 # ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ~~على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~. # 2 # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ~~. # 3 # إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ~~ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~أولئك هم الصادقون ~~. # 4 # كتب إلي تلميذي المرشد الشيخ محمد بسيوني عمران إمام مهراجا جزيرة سمبس برنيو (جاوه) ~~كتابا يقترح فيه على أخينا المجاهد أمير البيان أن يكتب للمنار مقالا بقلمه السيال في ~~أسباب ضعف المسلمين في هذا العصر، وأسباب قوة الإفرنج واليابان وعزتهم بالملك والسيادة ~~والقوة والثروة، وقال في كتاب آخر: إنه قرأ ما كتبناه في المنار وتفسيره من بيان الأسباب في ~~الأمرين، وما كتبه الأستاذ الإمام في مقالات (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) في ~~الموضوع، وإنما غرضه أن يكتب في ذلك أمير البيان بقلمه المؤثر المعبر عن معارفه الواسعة، ~~وآرائه الناضجة؛ لتجديد التأثير في أنفس المسلمين بما يناسب حالهم الآن؛ لتنبيه غافلهم، ~~وتعليم جاهلهم، وكبت خاملهم، ms01 وتنشيط عاملهم، وبني الاقتراح على الأسئلة الآتية التي صارت ~~مثار شبهة على الدين عند غير علمائه، فهو يعلم مما سمعه من دروسنا في مدرسة الدعوة ~~والإرشاد، ومما كتبناه مرارا في المنار والتفسير أن كتاب الله تعالى حجة على أدعياء ~~الإسلام والإيمان، وليسوا هم حجة عليه. # اقترحت هذا الاقتراح لحمل أخي ووليي الأمير شكيب على كتابة شيء مثل هذا للمنار، وأنا الذي ~~أنصح له دائما بتخفيف أحمال الكتابة عن عاتقه؛ لكثرة ما يكتب لصحف الشرق والغرب، وللأصدقاء ~~غيرهم، فأرسلت إليه كتاب الشيخ محمد بسيوني عقب وصوله إلي، فأرجأ الجواب عنه؛ لكثرة ~~الشواغل، إلى أن عاد من رحلته الأخيرة إلى إسبانية، وقد أثرت في نفسه مشاهد حضارة قومنا ~~العرب في الأندلس والمغرب الأقصى، وشاهد تأثير محاولة فرنسة - تنصير - شعب البربر في ~~المغرب؛ تمهيدا لتنصير عرب أفريقية المرزوئين باستعبادها لهم، كما فعلت إسبانية في سلفهم ~~في الأندلس - فكتب الجواب منفعلا بهذه المؤثرات، فكان آية من آيات بلاغته، وحجة من حجج ~~حكمته، لعلها أنفع ما تفجر من ينبوع غيرته، وانبجس من معين خبرته، فسال من أنبوب براعته، ~~جزاه الله خير ما جزى المجاهدين الصادقين. # | هوامش # | كتاب الشيخ محمد بسيوني عمران # حضرة مولاي الأستاذ المصلح الكبير السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار، نفعني الله ~~والمسلمين بوجوده العزيز، آمين. # السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فإن من قرأ ما كتبه في المنار وفي الجرائد ~~العربية العلامة السياسي الكبير أمير البيان، الأمير شكيب أرسلان، من مقالاته الرنانة ~~المختلفة المواضيع، عرف أنه من أكبر كتاب المسلمين المدافعين عن الإسلام، وأنه أقوى ضلع ~~للمنار وصاحبه في خدمة الإسلام والمسلمين، وإني أرجو من الله تعالى أن يطيل بقاءهما ~~الشريف في خير وعافية - كما أرجو من مولاي الأستاذ صاحب المنار أن يطلب من هذا الأمير ~~الكاتب الكبير أن يتفضل علي بالجواب عن أسئلتي الآتية؛ وهي: ~~(1) # ما أسباب ما صار إليه المسلمون (ولا سيما نحن مسلمو جاوة وملايو) من ~~الضعف والانحطاط في الأمور الدنيوية والدينية معا، وصرنا أذلاء لا حول لنا ms02 ~~ولا قوة، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: # ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين ~~. # 1 # فأين عزة المؤمنين الآن؟ وهل يصح لمؤمن أن يدعي أنه عزيز، وإن كان ذليلا ~~مهانا ليس عنده شيء من أسباب العزة إلا أن الله تعالى قال: # ولله العزة ولرسوله ~~وللمؤمنين ~~. ~~(2) # ما الأسباب التي ارتقى بها الأوروبيون والأمريكانيون واليابانيون ارتقاء ~~هائلا؟ وهل يمكن أن يصير المسلمون أمثالهم في هذا الارتقاء إذا اتبعوهم في ~~أسبابه مع المحافظة على دينهم «الإسلام» أم لا؟ # هذا؛ والمرجو من فضل الأمير أن يبسط الجواب في المنار عن هذه الأسئلة، ~~وله وللأستاذ صاحب المنار من الله الأجر الجزيل. # محمد بسيوني عمران # سنبس بورنيو الغربية # في 21 ربيع الآخر سنة 1348 ~~••• # هذا نص كتاب السائل ويتلوه جواب الأمير، وقد وضعنا له بعض العناوين؛ لأنها كمحطات الطريق ~~للسالكين، وعلقنا عليه قليلا من الحواشي المفيدة للقارئين، كما فعلنا ذلك في كتاب الإسلام ~~والنصرانية لشيخنا الأستاذ الإمام - رحمه الله. # ملاحظة: الحواشي التي من قلم العلامة السيد رشيد رضا - رحمه الله - عليها التوقيع ~~بحرف (ر)، والحواشي المضافة إلى هذه الطبعة من قلم المؤلف عليها التوقيع بحرف ~~(ش). # | هوامش # | جواب الأمير شكيب أرسلان # إن الانحطاط والضعف اللذين عليهما المسلمون شيء عام لهم في المشارق والمغارب لم ينحصر في ~~جاوة وملايو، ولا في مكان آخر، وإنما هو متفاوت في دركاته، فمنه ما هو شديد العمق، ومنه ما ~~هو قريب للغور، ومنه ما هو عظيم الخطر، ومنه ما هو أقل خطرا. # وبالإجمال حالة المسلمين الحاضرة ولا سيما مسلمي القرن الرابع عشر للهجرة أو العشرين ~~للمسيح، لا ترضي أشد الناس تحمسا بالإسلام وفرحا بحزبه، فضلا عن غير الأحمسي من أهله. # إن حالتهم الحاضرة لا ترضي؛ لا من جهة الدين، ولا من جهة الدنيا، ولا من جهة المادة، ولا ~~من المعنى، وإنك لتجد المسلمين في البلاد التي يساكنهم فيها غيرهم متأخرين عن هؤلاء الأغيار ~~لا يساكنهم في شيء إلا ما نزر، ولم أعلم من المسلمين من ساكنهم أمم أخرى في هذا العصر، ولم ms03 ~~يكونوا متأخرين عنهم إلا بعض أقوام منهم ؛ وذلك كمسلمي بوسنه مثلا فإنهم ليسوا في سوي مادي ~~ولا معنوي أدنى من سوي النصارى الكاثوليكيين، أو النصارى الأرثوذكسيين الذين يحيطون بهم، بل ~~هم أعلى مستوى من الفريقين، # 1 # وككثير من مسلمي الروسية الذين ليس المسيحيون الذين يحاورونهم أرقى من الطوائف ~~المسيحية التي تساكنهم، ولا خلاف في أن مسلمي الصين إجمالا على تأخرهم هم أرقى من الصينين ~~البوذيين، هذا إذا كانت النسبة بين الفريقين باقية كما كانت قبل الحرب العامة، وفيما عدا ~~هذه الأماكن نجد تأخر المسلمين عن مسايرة جيراهم عاما مع تفاوت في دركات التأخر. # ويقال: إن العرب في جزيرة سنغافورة هم أعظم ثروة من جميع الأجناس التي تساكنهم حتى من ~~الإنكليز أنفسهم بالنسبة إلى العدد، ولا أعلم مبلغ هذا الخبر من الصحة، ولكنه على فرض صحته ~~ليس بشيء يقدم أو يؤخر في ميزانية المسلمين العامة. # ولا إنكار أن في العالم الإسلامي حركة شديدة، ومخاضا عظيما شاملا للأمور المادية ~~والمعنوية، ويقظة جديرة بالإعجاب؛ قد انتبه لها الأوروبيون وقدروها قدرها، ومنهم من هو ~~متوجس خيفة مغبتها، لا يخفى هذا الخوف من تضاعيف كتاباتهم، إلا أن هذه الحركة إلى الأمام لم ~~تصل بالمسلمين حتى اليوم الأول إلى درجة يساوون بها أمة من الأمم الأوروبية أو الأميريكية ~~أو اليابان. # فبعد أن تقرر هذا وجب أن نبحث في الأسباب التي أوجدت هذا التقهقر في العالم الإسلامي، بعد ~~أن كان منذ ألف سنة هو الصدر المقدم، وهو السيد المرهوب المطاع بين الأمم؛ شرقا وغربا، ~~فقبل أن نبحث في أسباب الارتقاء فنقول: # أسباب ارتقاء المسلمين الماضي # إن أسباب الارتقاء كانت عائدة في مجملها إلى الديانة الإسلامية التي كانت قد ظهرت ~~جديدا في الجزيرة العربية فدان بها قبائل العرب، وتحولوا بهدايتها من الفرقة إلى ~~الوحدة، ومن الجاهلية إلى المدنية، ومن القسوة إلى الرحمة، ومن عبادة الأصنام إلى عبادة ~~الواحد الأحد، وتبدلوا بأرواحهم الأولى أرواحا جديدة، صيرتهم إلى ما صاروا إليه من عز ~~ومنعة، ومجد وعرفان وثروة، وفتحوا نصف كرة ms04 الأرض في نصف قرن، ولولا الخلاف الذي عاد فدب ~~بينهم منذ أواخر خلافة عثمان وفي خلافة علي - رضي الله عنهما - لكانوا أكملوا فتح ~~العالم، ولم يقف في وجههم واقف. # على أن تلك الفتوحات التي فتحوها في نصف قرن أو ثلثي قرن - برغم الحروب التي تسببت ~~بها مشاقة معاوية لعلي والحروب التي وقعت بين بني أمية وابن الزبير - قد أدهشت عقول ~~العقلاء والمؤرخين والمفكرين، وحيرت الفاتحين الكبار، وأذهلت نابليون بونابرت أعظمهم، ~~وله تصريح في ذلك نقله عنه «لاكاس» الذي رافقه إلى جزيرة «سانت هيلانة» وغيره من ~~المقيدين لحوادث نابليون المتبعين لأقواله؛ فقد ثبت ثبوتا قطعيا من أقوال ذلك الفاتح ~~العظيم وسيرته أيام كان بمصر أنه كان معجبا بمحمد وعمر وبكثير من أبطال الإسلام، وإن ~~نفسه حدثته لما كان بمصر أن يتخذ الإسلام دينا له. # فالقرآن قد أنشأ - إذا - العرب نشأة مستأنفة، وخلقهم خلقا جديدا، وأخرجهم من ~~جزيرتهم والسيف في إحدى اليدين والكتاب في الأخرى يفتحون ويسودون، ويتمكنون في الأرض ~~بطولها وعرضها. # ولا عبرة بما يقال في شأن العرب قبل الإسلام، وما يروى من فتوحات لهم ومدنيات أثيلة، ~~وما ينوه به من أخلاق عظام في الجاهلية، فهذه ولا جدال قد كانت ولا تزال آثارها ظاهرة، ~~ولا شك في مدنية العرب القديمة، وأنها من أقدم مدنيات العالم على الإطلاق، ومما يرجح أن ~~الكتابة قد بدأت عندهم، وأنه لو فرض أن الفينيقيين الذين اخترعوا الكتابة في العالم، ~~فالفينيقيون في الحقيقة أمة سامية عربية، ولكن دائرة تلك المدنية كانت محدودة مقصورة ~~على الجزيرة وما جاورها، وقد أتى على العرب حين من الدهر سادهم الغرباء في أرضهم، ~~وأذلهم الأجانب في عقر دارهم، كالفرس في اليمن وعمان والحيرة، وكالحبشة في اليمن، ~~وكالروم في أطراف الحجاز ومشارف الشام، والحقيقة أنهم لم يستقلوا استقلالا حقيقيا ~~واسعا إلا بالإسلام، ولم تعرفهم الأمم البعيدة وتخنع لهم الممالك العظام والقياصرة ~~والأكاسرة، وتتحدث بصولتهم الناس، ولم يقعدوا من التاريخ المقعد الذي أحلهم في الصف ~~الأول من الأمم الفاتحة، إلا بمحمد # صلى الله عليه ms05 وسلم ~~. # فالسبب الذي به نهضوا وفتحوا، وسادوا وشادوا ، وبلغوا هذه المبالغ كلها من المجد ~~والرقي، يجب علينا أن نبحث عنه وننشده، ونخفي المسألة ونمعن في النشدان: أهو باق في ~~العرب وهم قد تأخروا برغم وجوده، وتأخر معهم تلاميذهم الذين هم سائر المسلمين، أم قد ~~ارتفع هذا السبب من بينهم، ولم يبق من الإيمان إلا اسمه، ومن الإسلام إلا رسمه، ومن ~~القرآن إلا الترنم به، دون العمل بأوامره ونواهيه، إلى غير ذلك مما كان في صدر الملة، ~~وعنجهية الشريعة. # فقد المسلمين السبب الذي ساد به سلفهم # إذا فحصنا عن ذلك وجدنا أن السبب الذي به استقام هذا الأمر قد أصبح مفقودا بلا نزاع، ~~وإن كان بقي منه شيء كباقي الوشم في ظاهر اليد؛ فلو كان الله تعالى وعد المؤمنين بالعزة ~~بمجرد الاسم دون الفعل لكان يحق لنا أن نقول: أين عزة المؤمنين؟ من قوله تعالى: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ~~. # 2 # ولو كان الله قد قال: # وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين ~~. # 3 # بمعنى أنه ينصرهم بدون أدنى مزية فيهم سوى أنهم يعلنون كونهم مسلمين، لكان ثمة محل ~~للتعجب من هذا الخذلان بعد ذلك الوعد الصريح بالنصر، ولكن النصوص التي في القرآن هي غير ~~هذا، فالله غير مخلف وعده، والقرآن لم يتغير، وإنما المسلمون هم الذين تغيروا، والله ~~تعالى أنذر بهذا فقال: # إن الله لا يغير ما بقوم ~~حتى يغيروا ما بأنفسهم ~~. # 4 # فلما كان المسلمون قد غيروا ما بأنفسهم كان من العجب أن لا يغير الله ما بهم، وأن لا ~~يبدلهم الذل والضعة، من ذلك العز وتلك الرفعة، بل كان ذلك يعد منافيا للعدل ~~الإلهي، والله - عز وجل - هو العدل المحض. # كيف ترى في أمة ينصرها الله بدون عمل، ويفيض عليها الخيرات التي كان يفيضها على ~~آبائها، وهي قد قعدت عن جميع العزائم التي قد كان يقوم بها آباؤها؟! وذلك يكون أيضا ~~مخالفا للحكمة الإلهية والله هو العزيز الحكيم، وما قولك في عزة دون استحقاق، وفي غلة ~~دون حرث ولا زرع، وفي ms06 فوز دون سعي ولا كسب، وفي تأييد دون أدنى سبب يوجب ~~التأييد؟! # لا جرم أن هذا مما يغري الناس بالكسل، ويحول بينهم وبين العمل، بل مما يخالف النواميس ~~التي أقام الله الكون عليها، وهو مما يستوي به الحق والباطل، والضار والنافع، والموجب ~~والسالب، وحاشا الله أن يفعل ذلك، ولو أيد الله مخلوقا بدون عمل لأيد من دون عمل ~~محمدا رسوله ولم يحوجه إلى القتال والنزال والنضال، واتباع سنن الكون الطبيعية للوصول ~~إلى الغاية. # وتصور أمة لله عندها مئة وهي تؤدي من المئة خمسة فقط، أتعد نفسها قد أدت ما عليها وهي ~~تطمع في أن يكافئها الله كما كان يكافئ أجدادها الذين كانوا يؤدون المئة مئة، وإن قصروا ~~عن المئة أدوا بالأقل تسعين أو ثمانين منها؟! كل هذا مخالف لما وعد الله على رسله، ~~ومخالف للعقل والمنطق، ومخالف لحكمة التشريع، وليس هذا هو الشرط الذي شرطه الله على ~~المؤمنين، وليس هذا هو البيع الذي يستبشر به المؤمنون. # قال الله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة ~~والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ~~فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز ~~العظيم ~~. # 5 # فأين حالة المسلمين اليوم من هذا الوصف الذي في كتاب الله؟ وأين حالتهم من سلفهم ~~الذين كانوا يتهافتون على الموت الأحمر؛ لإحراز الشهادة، وكثيرا ما كانوا ينشدون الموت ~~ولا يجدونه؟! وكان فارسهم يكر وهو يقول: إني لأشم ريح الجنة، ثم لا يزال يكر ويخوض ~~غمرات الحرب حتى إذا استشهد قال: هذا يوم الفرح، وإذا فاتته الشهادة برغم حرصه عليها ~~عاد إلى قومه حزينا كئيبا. # المقابلة بين حالي المسلمين والإفرنج اليوم # اليوم فقد المسلمون أو أكثرهم هذه الحماسة التي كانت عند آبائهم، وإنما تخلق بها ~~أعداء الإسلام الذين لم يوصهم كتابهم بها، فتجد أجنادهم تتوارد على حياض المنايا ~~سباقا، وتتلقى الأسنة والحراب عناقا، ولقد كان مبلغ مفاداتهم بالنفائس وتضحيتهم ~~للنفوس في الحرب العامة فوق ms07 تصور عقول البشر، كما يعلم ذلك لك أحد؛ فالألمان فقدوا نحو ~~مليوني قتيل، والفرنسيون فقدوا مليونا وأربع مئة ألف قتيل، والإنكليز فقدوا ست مئة ألف ~~قتيل، والطليان فقدوا أربع مئة وستين ألف قتيل، والروس هلك منهم ما يفوق الإحصاء، وهلم ~~جرا، هذا من جهة النفوس، وإنكلترا بذلت سبعة مليارات من الذهب (أي سبعة آلاف مليون ~~جنيه) وفرنسة بذلك نحو مليارين، وألمانيا أنفقت ثلاثة، وإيطالية أنفقت خمس مئة مليون، ~~وروسية أنفقت ما أوقع فيها المجاعة التي آلت إلى الثورة ثم إلى البلشفة، وهلم ~~جرا. # فليقل لي قائل: أية أمة مسلمة اليوم تقدم على ما أقدم عليه هؤلاء النصارى من بيع ~~النفوس، وإنفاق الأموال بدون حساب في سبيل أوطانهم ودولهم، حتى نعجب نحن لماذا آتاهم ~~الله هذه النعمة والعظمة والثروة، وحرم المسلمين اليوم أقل جزء منها؟ # وقد يقال: إن المسلمين فقراء ليس عندهم هذه الأموال لينفقوا هذا الإنفاق كله، فنجيب ~~بأننا نوزع هذه النفقات على الأوروبيين بنسبة رأس المال، لا نكلف المسلمين إلا الإنفاق ~~مثل الأوروبيين على هذه النسبة، فهل تسخو الأمم الإسلامية الحاضرة بما تسخو الأمم ~~الأوروبية التي منها من قد أنفقت في الحرب العامة أكثر من نصف ثروتها؟ # الجواب: لا، ليس في المسلمين اليوم من يفعل ذلك لا أفرادا ولا أقواما، وندر في ~~المسلمين من ينفق الزكاة الشرعية. # وقد يقال: إن الأمة التركية وهي أمة مسلمة قد أنفقت كل ما تقدر عليه في حرب اليونان، ~~ولم تقصر عن شأو الأوروبيين في المفاداة بالأنفس والنفائس. # والجواب: نعم. # قد كان ذلك، ومن الترك من بذل ثلث ثروته، ومنهم من بذل نصف ثروته في هذه الحرب، ~~ولكنهم لما فعلوا ذلك انقلبوا بنعمة من الله وفازوا، وحرروا أنفسهم واستقلوا، وارتفعوا ~~بعد أن كانوا هووا، وعزوا بعد أن كانوا ذلوا، إذا الأمم الإسلامية إذا ائتمرت في ~~المعاداة بما أمرها به كتابها كما كان يفعل آباؤها، أو افتدت على الأقل بما هو دأب ~~الأوروبيين اليوم من بذل النفوس والنفائس في سبيل حفظ بيضتها، وذود المعتدين عنها، ms08 لم ~~تقطف من ثمرات التضحية إلا مثل ما قطفه غيرها، وانقلبت بنعمة من الله وفضل لم يمسها ~~سوء. # ولكن الأمم الإسلامية تريد حفظ استقلالها بدون مفاداة ولا تضحية، ولا بيع أنفس ولا ~~مسابقة إلى الموت، ولا مجاهدة بالمال، وتطالب الله بالنصر على غير الشرط الذي اشترطه في النصر # 6 # فإن الله - سبحانه - يقول: # ولينصرن الله من ~~ينصره ~~، # 7 # ويقول: # إن تنصروا الله ينصركم ويثبت ~~أقدامكم ~~. # 8 # ومن المعلوم أن الله تعالى غير محتاج إلى نصرة أحد، وإنما يريد بنصرته تعالى إطاعة ~~أوامره واجتناب نواهيه، ولكن المسلمين أهملوا جميع ما أمرهم به كتابهم (في ذلك) أو ~~أكثره، واعتمدوا في استحقاق النصرة على كونهم مسلمين موحدين، وظنوا أن هذا يغنيهم عن ~~الجهاد بالأنفس والأموال، ومنهم من اعتمد على الدعاء والابتهال لرب العزة؛ لأنه يجده ~~أيسر عليه من القتل والبذل، ولو كان مجرد الدعاء يغني عن الجهاد لاستغنى به النبي # صلى الله عليه وسلم # وصحابته، وسلف هذه الأمة فإنهم الطبقة التي هي أولى بأن يسمع الله دعاءها، ولو ~~كانت الآمال تبلغ بالأدعية والأذكار، دون الأعمال والآثار، لانتقضت سنن الكون، وبطل ~~التشريع، ولم يقل الله تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ~~ما سعى ~~. # 9 # ولم يقل: # وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله ~~. # 10 # ولم يقل للمعتذرين عن القتال: # لا تعتذروا لن نؤمن ~~لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ~~ورسوله ~~. # 11 # ولم يقل: # أني لا أضيع عمل عامل منكم ~~. # 12 # لقد ظن كثير من المسلمين أنهم مسلمون بمجرد الصلاة والصيام وكل ما لا يكلفهم بذل دم ~~ولا مال، وانتظروا على ذلك النصر من الله، وليس الأمر كذلك؛ فإن عزائم الإسلام لا تنحصر ~~في الصلاة والصيام، ولا في الدعاء والاستغفار، وكيف يقبل الله الدعاء ممن قعدوا ~~وتخلفوا، وقد كان في وسعهم أن ينهضوا ويبذلوا؟! # 13 # اعتذار المسلمين عن أنفسهم ورده # يقولون: ليس عند المسلمين ما عند الإفرنج من الثروة والسعة لينفقوا في أعمال الخير ~~وفي مساعدة بعضهم بعضا. فنقول لمن يحتج بهذه الحجة: إننا ms09 نرضى منهم أن ينفقوا على نسبة ~~رءوس أموالهم كما تقدم الكلام عند ذكر الجهاد بالمال، فهل المسلمون فاعلون؟! # إننا نراهم قد محوا رسوم الأوقاف والمؤسسات الخيرية التي تركها آباؤهم، فضلا عن ~~كونهم لا يتبرعون بأموالهم الخاصة، ولا يجرون مع الأوروبيين في ميدان من جهة التبرع ~~لأجل المشروعات العامة، فكيف يطمع المسلمون أن تكون لهم منزلة الأوروبيين في البسطة ~~والقوة والسلطان، وهم مقصرون عنهم بمراحل في الإيثار والتضحية؟! فإن العمل لأجل السلطان ~~في الأرض، أشبه بالحرث في الأرض، فبقدر ما تشتغل فيها هي تعطيك، وإن قصرت في العمل قصرت ~~هي في الثمر، والمسلمون يريدون سلطانا يشبه سلطان الأوروبيين بدون إيثار ولا بذل، ولا ~~فقد شيء من لذائذهم، وينسون أن الله تعالى يقول: # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ~~. # 14 # وقد يقولون: إننا جربنا البذل والتضحية، وابتلينا بالنقص من الأموال والأنفس والثمرات ~~وصبرنا ولم يفدنا ذلك شيئا، وبقي الأوروبيون مسلطين علينا، إني أنقل هذا القول عن ~~بعضهم؛ لأني قد سمعته كثيرا. # والجواب: هل يقدرون أن يقولوا لنا أن ما يدعونه من البذل والتضحية يشبه شيئا مما ~~يقوم به النصارى واليهود من هذا القبيل؟ أو إنه إذا نسب إليه تكون نسبته نسبة الواحد ~~إلى المئة؟ # عندنا مثال حديث العهد هو مسألة فلسطين: حدثت وقائع دموية بين العرب واليهود في ~~فلسطين فأصيب بها أناس من الفريقين، فأخذ اليهود في جميع أقطار الدنيا يساعدون المصابين ~~من يهود فلسطين، وأراد العالم الإسلامي أن يساعد عرب فلسطين كما هو طبيعي، فبلغت تبرعات ~~اليهود لأبناء ملتهم من فلسطين مليون جنيه، وبلغت تبرعات المسلمين كلها 13 ألف جنيه أي ~~نحو جزء من مئة. # 15 # فسيقولون: إن المسلمين لا يملكون مثل ثروة اليهود، ونعود فنجيبهم: نرضى منهم بأن ~~ينفقوا في مساعدة ملتهم على قدر اليهود والإفرنج بالنسبة إلى رءوس أموالهم، ولا نطالب ~~منهم الفقراء الذين لا يملكون ما يزيد على كفاية عائلاتهم. # قال الله تعالى: # ليس على الضعفاء ولا على ~~المرضى ولا على الذين ms10 لا يجدون ما ينفقون حرج إذا ~~نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل ~~. # 16 # ثم قال تعالى: # إنما السبيل على الذين ~~يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع ~~الخوالف ~~. # 17 # ونجيب أيضا: إنه وإن كان اليهود أغنى بالأموال من المسلمين، فالمسلمون أكثر جدا ~~بالعدد؛ لأن اليهود عشرون مليونا، والمسلمين نحو من أربع مئة مليون، # 18 # فلو أن كلا من المسلمين تبرع لفلسطين بقرش واحد - وهو الذي لا يعجز عنه ~~أحد في العالم مهما اشتد فقره - لاجتمع من ذلك ثلاثة ملايين جنيه ونصف. # فلنترك تسعة أعشار المسلمين ونفرض هذه الإعانة لفلسطين على عشر واحد منهم أي على 35 ~~مليون نسمة لا غير، وهؤلاء الخمسة والثلاثون مليون نسمة نجدهم حول فلسطين في لمحة بصر، ~~فإن مسلمي مصر وسورية وفلسطين والعراق ونجد والحجاز واليمن وعمان هم 35 مليونا، ~~ولنتقاض من هؤلاء أداة قرش واحد عن كل جمجمة، فماذا يجتمع لنا من ذلك؟ # الجواب: يجتمع ثلاثماية وخمسون ألف جنيه. # فالمسلمون قد تبرعوا عن هذه الأعداد كلها بثلاثة عشر ألف جنيه أي بما يساوي نحو ثلثي ~~عشر القرش عن كل نسمة من عشر عددهم. # أهذا ما تريدون أن تسموه «تضحية»؟ # أو بمثل هذه تجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم؟ # أو هذه درجة نجدتكم لإخوانكم في الدين وجيرانكم في الوطن والقائمين عنكم بالدفاع عن ~~المسجد الأقصى الذي هو ثالث الحرمين وأول القبلتين؟ أفلم يقل الله تعالى: # إنما المؤمنون إخوة ~~. # 19 # أفهذه نجدة الأخ لأخيه؟! # يقولون: لماذا سادت الأمة الإنكليزية هذه السيادة كلها في العالم؟ نجيبهم: إنها سادت ~~بالأخلاق والمبادئ الوطنية العالية، حدثني رجل ثقة أنه يعرف إنكليزيا ذا منصب في ~~الشرق كان يأمر خادمه أن يشتري له الحوائج اللازمة لبيته يوميا من دكان رجل إنكليزي ~~في البلدة التي هم فيها، فجاءه الخادم مرة بجدول حساب وفر عليه به 20 جنيها في شهر، ~~فسأله الإنكليزي: كيف أمكنك هذا التوفير؟ # فقال الخادم: تركنا دكان الإنكليزي الذي كنا نشتري منه، وصرنا نشتري من دكان أحد ~~الأهالي من العرب. ms11 # فقال له الإنكليزي: ارجع إلى دكان الإنكليزي الذي كنا نشتري منه. # فقال الخادم: ولو كان ذلك يستلزم إنفاق 20 جنيها زيادة؟! # قال الإنكليزي: ولو كان ذلك يستلزم إنفاق 20 جنيها زيادة. # وسمعت أن كثيرين من الإنكليز الذين في الأقطار لا يشترون شيئا ذا قيمة إلا من ~~بلادهم، ويرسلون إلى لندرة فيوصون على كل ما يحتاجون إليه؛ حتى لا يذهب مالهم إلى ~~الخارج. # أفنقيس هذا بأعمال المسلمين الذين مهما أوصيتهم بالشراء من أبناء جلدتهم أو أوطانهم ~~وعلموا أنهم يقدرون أن يوفروا في السلعة الواحدة نصف قرش إذا أخذوها من الإفرنجي تركوا ~~ابن جلدتهم أو ملتهم ورجحوا الإفرنجي؟ أفلم يكن سبب حبوط مقاطعة العرب لليهود في فلسطين ~~أشياء كهذه؟ # 20 # حرموا أنفسهم أمضى سلاح في يدهم وهو المقاطعة في الأخذ والعطاء مع اليهود ~~من أجل فروق تافهة مؤقتة، ونسوا أن الضرر الذي يصيبهم من الأخذ والعطاء مع اليهود هو ~~أعظم ألف مرة من ضرر هاتيك الفروق الزهيدة. # نتائج إعانة مصر لمجاهدي طرابلس وبرقة # وكنت مرة أشكو إلى أحد كبار المصريين إهمال إخواننا المصريين لمجاهدي طرابلس وبرقة ~~الذين إن لم تجب عليهم نجدتهم؛ قياما بواجب الأخوة الإسلامية والجوار، وجبت عليهم ~~احتياطا من وراء استقلال مصر واستقبال مصر؛ لأنه كما أن وجود الإنكليز في السودان هو ~~تهديد دائم لمصر، فوجود الطليان في برقة هو تهديد دائم لها أيضا. # فكان جواب ذلك السيد لي: لقد بذل المصريون مبالغ وفيرة يوم شنت إيطالية الغارة على ~~طرابلس، ولم يستفيدوا شيئا، فإن إيطالية لم تلبث أن أخذتها. # فقلت له: إن المصريين قد نهضوا في الحرب الطرابلسية نهضة هي دون شك ترضي كل مسلم، بل ~~ترضي كل إنسان يقدر قدر الحمية، ولكن المبلغ الذي تبرعوا به يومئذ معلوم وهو 150 ألف ~~جنيه. # فهل يطمع المسلمون في أنحاء المعمور أن ينقذوا طرابلس من براثن إيطالية بمئة وخمسين ~~ألف جنيه؟ وهل هذه التضحية تقاس في كثير أو قليل إلى التضحيات التي قامت بها إيطالية ~~بالمال والرجال؟! # كانت إعانة مصر في الحرب ms12 الطرابلسية 150 ألف جنيه وأنفقت الدولة العثمانية على تلك ~~الحرب نحو مليون جنيه. # فانظر إلى ما كان لذلك من النتائج: ~~(النتيجة الأولى): # وهي أهم شيء: حفظ شرف الإسلام، وإفهام الأوروبيين أن الإسلام لم ~~يمت، وأن المسلمين لا يسلمون بلدانهم بلا حرب، وفي ذلك من الفائدة ~~المادية والمعنوية للإسلام ما لا ينكره إلا كل مكابر. ~~(النتيجة الثانية): # أن هذا المبلغ الضئيل بالنسبة إلى نفقات الدول الحربية قد كان السبب ~~في توطين الطرابلسيين أنفسهم على المقاومة والمجاهدة بما رأوا من نجدة ~~إخوانهم لهم، فكانت هذه المقاومة سببا لتجشم إيطالية المعتدية من ~~المشاق والخسائر ما هو فوق الوصف، إلى أن صار كثير من ساسة الطليان ~~يصرحون بندمهم على هذه الغارة الطرابلسية. ~~(النتيجة الثالثة): # مهما يكن من عدد القتلى الذين فقدهم العرب في هذه الحرب فإن مجموع ~~قتلى الطليان إلى اليوم يفوق مجموع قتلى العرب أضعافا مضاعفة. # فلقد لقي الطليان في هذه الحرب من الأهوال ما لا يتسع لوصفه مقالة أو ~~رسالة، وفي واقعة واحدة هي واقعة «الفويهات» على باب بنغازي، ثبت فيها ~~150 مجاهدا عربيا لثلاثة آلاف جندي طلياني من الفجر إلى غروب الشمس ~~إلى أن انقرضوا جميعا، إلا أفذاذا أتى عليهم الليل، ورجع العدو ولما ~~يموتوا، وبينما كان العرب في حزن عظيم على من فقدوهم في تلك المعركة؛ ~~إذ جاءهم الخبر البرقي من الأستانة عن برقية وردت سرا من برلين عن ~~برقية رقمية جاءت من سفارة الألمان في رومية بأنه سقط في هذه المعركة ~~ألف وخمس مئة جندي من الطليان، وأصاب الجنون سبعة من ضباطهم. # وهذه وقعة من خمسين وقعة بالأقل تضاهيها، فالمسلمون قد قاتلوا في هذه ~~المعركة جيشا يفوقهم في العدد عشرين ضعفا وقتلوا نصفه أي قتلوا عشرة ~~أضاعفهم، والله تعالى قد قدرهم لهم في حال القوة أن يغلبوا عشرة ~~أضعافهم، وفي حال الضعف أن يغلبوا ضعفيهم فقط كما قال في سورة الأنفال: # 21 # يا أيها النبي حرض المؤمنين ~~على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون ~~يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ms13 مائة يغلبوا ~~ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا ~~يفقهون * الآن خفف الله عنكم ~~وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة ~~صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع ~~الصابرين ~~. ~~(النتيجة الرابعة): # أنه قد كانت نفقات إيطاليا في الحرب الطرابلسية في السنة الأولى منها ~~أي من سنة 1911 إلى سنة 1912 نحو مئة مليون جنيه، ويظن أنها من عشرين ~~سنة إلى اليوم - إذ المقاومة لم تنقطع حتى هذه الساعة - قد بلغت ثلاث ~~مئة مليون جنيه. # 22 # فهذا كان كله نتيجة تلك الإعانات القليلة والنفقات الضئيلة التي قام بها المسلمون في ~~تلك الحرب، ولكن المسلمين ينتظرون أن تنهزم إيطالية الدولة الكبيرة التي أهلها 44 مليون ~~نسمة، ودخلها السنوي 200 مليون جنيه في صدمة واحدة، أو في السنة الأولى من الحرب # 23 # وإن لم يتحقق أملهم هذا انقطع منهم كل رجاء وبطلت كل حركة، وأصاب بعضهم ~~اليأس الذي هو مرادف الكفر بصريح الذكر الحكيم: # إنه لا ~~ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ~~. # 24 # ولنضرب مثلا ثالثا ونمسك بعده عن ضرب الأمثال؛ لأنها لا تعد ولا تحصى: # قام أهل الريف المغربي في وجه الدولة الإسبانية مدة بضع سنين إلى أن تغلبوا عليها ~~وطردوا جيوشها بعد أن أبادوا منهم في واقعة واحدة 26 ألف جندي، وغنموا 170 مدفعا، مع ~~أن جميع أهل الريف بقضهم وقضيضهم ثمان مئة ألف نسمة، وعدد أهالي إسبانية 22 مليون نسمة، ~~وأراضي الريف أكثرها قاحل، والأهالي فيه فقراء يعيشون من كسب أيديهم، ولقد قاموا بعمل ~~أدهش أهل الأرض بالطول والعرض. # فلو كان أهل الريف نصارى لانثالت عليهم الملايين من الجنيهات من كل الجهات؛ إما ~~بطريقة خفية، وإما بواسطة جمعية الصليب الأحمر في سبيل مداواة جرحاهم. # فليقل لنا المسلمون كم جنيها قدموا للريف في ذلك الوقت؟! # ثم تألب الفرنسيس مع الإسبانيين وحشدوا لحرب الريفيين 300 ألف مقاتل وحصروا الريف من ~~كل جانب من البر والبحر، وكانت طياراتهم القاذفة بالديناميت على قرى الريفيين تحصى ~~بالمئات ms14 لا بالعشرات، ولم تكف طيارات الفرنسيس والإسبانيول حتى جاء سرب طيارات أميركية ~~من نيويورك؛ نجدة لفرنسة وإسبانية (النصرانيتين على المسلمين؛ لأنهم مسلمون). # هذا كله والمسلمون ينظرون إلى حرب الريف مكتوفي الأيدي، ولبثوا مكتوفي الأيدي مدة ~~سنة، وأخيرا نهض منهم أفراد لجمع شيء من أجل جرحى الريف، ولأجل بعث الحمية في الناس لم ~~يكتف محرر هذه السطور بالكتابة، بل تبرع بأربعة جنيهات لأجل القدوة، فماذا كان مجموع ~~تلك الإعانات من كل العالم الإسلامي؟ الجواب 1500 جنيه لا غير، فهل من خذلان بين ~~المسلمين يفوق هذا الخذلان؟! # خيانة بعض المسلمين لدينهم ووطنهم واعتذارهم الباطل # ويا ليت المسلمين وقفوا عند هذا الحد في خذلان الريفيين، بل قامت منهم فئات يقاتلون ~~الريفيين بأشد مما يقاتلون به الأجانب، وتألبت على محمد بن عبد الكريم قبائل وافرة ~~العدد شديدة البأس؛ مالئوا الفرنسيس والإسبانيول على أبنائهم ملتهم ووطنهم؛ تزلفا إلى ~~الفرنسيس والإسبانيول، وابتغاء الحظوة لديهم، وقد جرى مثل ذلك عندنا في سورية يوم ~~الثورة على فرنسة، وجرى في بلاد إسلامية كثيرة، # 25 # أفبمثل هذه الأعمال يطالب أخونا الشيخ بسيوني عمران ربه بما وعد تعالى به ~~من جعل العزة للمؤمنين؟! # وإذا سألت هؤلاء المسلمين الممالئين للعدو على إخوانهم: كيف تفعلون مثل هذا وأنتم ~~تعلمون أنه مخالف للدين وللشرف وللفتوة وللمروءة وللمصلحة وللسياسة؟ أجابوك: كيف نصنع ~~فإن الأجانب انتدبونا، ولو لم نفعل لبطشوا بنا، فاضطررنا إلى القتال في صفوفهم؛ خوفا ~~منهم، ونسوا قوله تعالى: # أتخشونهم فالله أحق أن ~~تخشوه إن كنتم مؤمنين ~~. # 26 # وقوله تعالى: # فلا تخافوهم وخافون إن كنتم ~~مؤمنين ~~. # 27 # وكلام مثل هؤلاء في الاعتذار غير صحيح؛ فإن الأجانب قد ندبوا كثيرا من المسلمين إلى ~~خيانات كهذه فلم يجيبوهم ولم تنقض عليهم السماء من فوقهم، ولا خسفت بهم الأرض من تحتهم، ~~ثم إنه إن كان الأجانب المحتلون لبلاد المسلمين قد أصبحوا يغضبون على المسلمين الذين لا ~~يلبون دعوتهم إلى خيانة قومهم، فإنما كان ذلك من أجل كثيرين من المسلمين كانوا يعرضون ~~عليهم خدمتهم في مقاومة إخوانهم، ويقومون ms15 بها بكل نشاط ومناصحة، ويبدون كل أمانة لهم في ~~أثناء تلك الخيانة، ولولا هذا التبرع بالخيانة، والتسرع إلى مظاهرة الأجنبي على ابن ~~الملة، لما استأسد الأجنبي وصار يتحكم في المسلمين هذا التحكم الفاحش، ويتقاضاهم أن ~~يخالفوا قواعد دينهم ومقتضى مصلحة دنياهم من أجل مصلحته، بل قام يحملهم على الموت لأجل ~~الموت. # فإن الموت موتان: أحدهما: الموت لأجل الحياة؛ وهو الموت الذي حث عليه القرآن الكريم ~~المؤمنين إذا مد العدو يده إليهم، وهو الموت الذي قال عنه الشاعر العربي: # تأخرت أستبقي الحياة فلم ~~أجد # لنفسي حياة مثل أن ~~أتقدما # وهو الموت الذي يموته الإفرنسي لأجل حياة فرنسة، والألماني لأجل حياة ألمانية، ~~والإنكليزي في سبيل بريطانيا العظمى - وهلم جرا - ويجده على نفسه واجبا لا يتأخر عن ~~أدائه طرفة عين. # وأما الموت الثاني: فهو الموت لأجل استمرار الموت، وهو الموت الذي يموته المسلمون في ~~خدمة الدول التي استولت على بلادهم؛ وذلك أنهم يموتون حتى ينصروها على أعدائها، كما ~~يموت المغربي مثلا حتى تنتصر فرنسة على ألمانية مثلا، ويموت الهندي حتى تتغلب إنكلترة ~~على أي عدو لها، ويموت التتري في سبيل ظفر الروسية، والحال أنه بانتصار فرنسة على ~~أعدائها تزداد في المغرب غطرسة وظلما وابتزازا لأملاك المسلمين وهضما لحقوقهم؛ وذلك ~~كما حصل بعد الحرب العامة؛ إذ ازداد طمع الفرنسيين في أهل المغرب، وحدثوا أنفسهم بتنصير ~~البربر؛ ليدمجوهم في الشعب الفرنسي، ويأمنوا على مستقبل المغرب الذي صاروا يطلقون عليه ~~لقب «إفريقية الإفرنسية». # وبالاختصار يموت المغربي على ضفاف الرين أو في سورية حتى يزداد موتا في المغرب؛ لأن ~~كل طائفة تفوز بها فرنسة في الخارج هي زيادة في قهر المغربي وإهانته وإذلاله مما لا ~~سبيل للمناكرة فيه، ومما قد ثبت بالتجربة، وكذلك موت الهندي في نصرة إنكلترا هو تطويل ~~في أجل عبودية الهند، وكذلك موت التتري في خدمة الروسية لا عاقبة له سوى ازدياد قهر ~~الروس للتتر، وهلم جرا. # وهذا الموت لأجل الموت هو ما كان بخط منحن كما يقال؛ أي باعتبار النتيجة، ولكنه هناك ~~موت ms16 لأجل الموت مباشرة بدون واسطة، وهو عندما يموت المغربي في قتال أخيه المغربي الذي ~~قام يحاول أن يزحزح شيئا من النير الإفرنسي الذي كاد يدق عنقه، وإن لم يدق عنقه بتاتا ~~استحياه حياة هي أشبه بالموت منها بالحياة. # ولو انحصرت هذه الأمور في العوام والجهلاء لعذرناهم بجهلهم، وقلنا: إنهم لا يدرون ~~الكتاب ولا السنة ولا السياسة الدنيوية، ولا الأحوال العصرية، وإنهم إنما يساقون كما ~~تساق بهيمة الأنعام إلى الذبح. # ولكن الأنكى هو خيانة الخواص، مثال ذلك الوزير المقري الذي هو أشد تعصبا لقضية رفع ~~الشريعة الإسلامية من بين البربر من الفرنسيس أنفسهم، # 28 # ومثله البغدادي باشا فاس الذي طرح نحو مئة شخص من شبان فاس وجلدهم بالسياط؛ ~~لكونهم اجتمعوا في جامع القرويين وأخذوا يرددون دعاء: «يا لطيف الطف بنا فيما جرت به ~~المقادير، ولا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر» ومفتي فاس الذي أفتى بأن إلغاء الشرع ~~الإسلامي من بين البربر ليس بإخراج للبربر من الإسلام، وهلم جرا. # وكل من هؤلاء الخونة المارقين أخزاهم الله قد بلغ من الكبر عتيا، وانتهى من أموال ~~الأمة شبعا وريا، وهو لا يزال حريصا على الزلفى إلى فرنسة، وإثبات صداقته لها ولو ~~بضياع دينه ودنياه؛ حتى تبقي عليه منصبه وحظوظه في هذه البقية الباقية من حياته التاعسة. # 29 # وليس واحدا من هؤلاء ولا من في ضربهم في المغرب إلا وهو مطلع على نيات فرنسة وعلى ~~مراميها من جهة هذا النظام الجديد لأمة البربر، وليس فيهم إلا من هو عارف بوجود جيش من ~~القسوس والرهبان والراهبات يجوس خلال بلاد البربر ويبني الكنائس ويصيد اللقطاه والأيتام ~~والفقراء وضعفاء الإيمان، # 30 # وليس فيهم إلا من هو عالم بمنع فرنسة فقهاء الإسلام والوعاظ من التجوال بين ~~البربر؛ حتى ترتفع الحواجز أمام دعوة المبشرين إلى النصرانية # 31 # وقد يكون المقري والبغدادي هذان هما في مقدمة الموقعين على الأوامر بمنع ~~علماء الإسلام وحملة القرآن من الدخول إلى قرى البربر، وقد يكون المقري هذا هو الذي خصص ~~المبلغ من مال المخزن لجريدة ms17 «مراكش الكاثوليكية» التي تطعن في الإسلام، وتقذف محمدا - ~~عليه الصلاة والسلام - ولدينا كثير من أعدادها التي تتضمن هذه المطاعن. # وبعد هذا فمن يدري؟ فقد يكون المقري مصليا وصائما وبيده سبحة يقرأ عليه أورادا، ~~ومن يدري؟ فقد يكون البغدادي السيئ الذكر ممن يتمسحون بالقبور ويستغيثون بالأولياء ~~ويتظاهرون بهذا الورع الكاذب، وأما المفتي فهو المفتي فلا حاجة إلى تثبيت كونه يصلي ~~الخمس، ويصوم ويتهجد، ويوتر ويتنفل ... إلخ. # وقد مضى علينا نحن في سورية شيء من هذا لأوائل عهد الاحتلال، لكن لم تكن خيانة هؤلاء ~~المعلمين في قضية دينية مباشرة؛ فقد اقترحت عليهم فرنسة أن يمضوا برقية إلى جمعية الأمم ~~ينكرون بها عمل المؤتمر السوري الفلسطيني المطالب باستقلال سورية وفلسطين، فأمضاه منهم ~~عمائم مكورة، وطيالس محررة مجررة، ورقاب غليظة، وبطون عظيمة، وإن لم أقل الآن: أخزاهم ~~الله، أخشى عتاب إخواننا المغاربة الذين يرونني خصصت بهذا الدعاء صدرهم الأعظم، ومفتيهم ~~الأكبر، وأعفيت معممي سورية، فلذلك يقضي العدل بأن نقول: أخزاهم الله أجمعين، أخزى الله ~~الذين منهم في المشرق، والذين منهم في المغرب ممن يوقعون على اقتراحات الأجانب المضرة ~~بالدين والوطن. # 32 # ولعل الأخ الشيخ بسيوني عمران يقول: إن هؤلاء أفراد قلائل؛ فلا يجوز أن نجعل الأمة ~~الإسلامية مسئولة عن مخازيهم وموبقاتهم. # والجواب على ذلك: أن الظلم يخص والبلاء يعم كما لا يخفى، ولكني لا أسلم أن هؤلاء ~~أفراد قلائل، وأن الأمة غير مسئولة! إذ لو كان وراء هؤلاء أمة يخشونها ما تجاسروا على ~~الإتجار بدينها بعد الإتجار بدنياها، بل كانوا لو اقترح عليهم الفرنسيس اقتراحا مضرا ~~بملتهم وأمتهم ولم يقدروا على رده اعتزلوا مناصبهم، ولزموا بيوتهم. # وكان الفرنسيس كلفوا بالعمل غيرهم، فإذا أبى الخلف ما أباه السلف مرة بعد مرة علم ~~الفرنسيس أن لا فائدة في الإصرار، فعدلوا على دسيستهم البربرية وما أشبهها، ولكنهم ~~مصرون عليها بسبب استظهارهم بأناس ممن يزعمون أنهم «مسلمون» فهم يهدمون الإسلام بمعاول ~~في أيدي أبنائه، ويقولون: لسنا من هذا الأمر في قبيل ولا دبير. # 33 # أفلا ترى كيف قالوا ms18 عن الظهير البربري: إنه قد أصدره السلطان وحكومة المخزن؟ # 34 # أفهذا هو الإسلام الذي يناشد الله الشيخ بسيوني عمران بتأييد أهله؟ # قال الله تعالى: # وما كان ربك ليهلك القرى ~~بظلم وأهلها مصلحون ~~. # 35 # ولا شك أن «المسلمين» الذين يبلغون هذه الدرجات من الانحطاط وتتركهم الأمة الإسلامية ~~وشأنهم يلعبون بحقوقها، يستحقون للإسلام التمحيص الذي هو فيه # 36 # فإنما سمح الله بأن يستولي الأجانب على ديار المسلمين ويجعلوهم خولا، ~~ويغتصبوا جميع حقوقهم؛ تعليما لهم وتهذيبا، وتصفية وتطهيرا؛ كما يصفى الذهب الإبريز ~~بالنار. # قال الله تعالى: # ظهر الفساد في البر والبحر ~~بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم ~~يرجعون ~~. # 37 # لقد أصبح الفساد إلى حد أن أكبر أعداء المسلمين هم المسلمون، وإن المسلم إذا أراد أن ~~يخدتم ملته أو وطنه وقد يخشى أن يبوح بالسر من ذلك لأخيه؛ إذ يحتمل أن يذهب هذا إلى ~~الأجانب المحتلين فيقدم لهم بحق أخيه الوشاية التي يرجو بها بعض الزلفى، وقد يكون أمله ~~بها فارغا. # 38 # كلمة الملك ابن سعود في تخاذل المسلمين وتعاديهم # ولله در الملك ابن سعود حيث يقول: ما أخشى على المسلمين إلا من المسلمين، ما أخشى من ~~الأجانب كما أخشى من المسلمين. # 39 # وهو كلام أصاب كبد الصواب، فإنه ما من فتح فتحه الأجانب من البلاد المسلمين إلا كان ~~نصفه أو قسم منه على أيدي أناس من المسلمين منهم من تجسس للأجانب على قومه، ومنهم من بث ~~لهم الدعاية بين قومه، ومنهم من سل لهم السيف في وجه قومه، وأسال في خدمتهم دم ~~قومه. # فأين إسلامهم وإيمانهم من قوله تعالى: # إنما المؤمنون ~~إخوة # 40 # وقوله: # ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم # 41 # وقوله: # إنما ينهاكم الله عن الذين ~~قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على ~~إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم ~~الظالمون # 42 # وقوله: # فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ~~. # 43 # أفبمثل هذا تكون طاعة الله ورسوله؟ أم بمثله تكون أخوة الإيمان وولايته وولاية ~~أهله؟ ms19 # أو لمثل هؤلاء يعد الله العز والنصر والتمكين في الأرض، وهم سعاة بين أيدي الأجانب ~~على ملتهم ووطنهم وقومهم؟! كلما عاتبهم الإنسان على خيانة اعتذروا بعدم إمكان المقاومة، ~~أو باتقاء ظلم الأجنبي، أو بارتكاب أخف الضررين؟ وجميع أعذارهم لا تتكئ على شيء من ~~الحق، ولقد كانوا قادرين أن يخدموا ملتهم بسيوفهم، فإن لم يستطيعوا فبأقلامهم، فإن لم ~~يستطيعوا فبألسنتهم، فإن لم يستطيعوا فبقلوبهم، # 44 # فأبوا إلا أن يكونوا بطانة للأجانب على قومهم، وأبوا إلا أن يكونوا روادا ~~لهم على بلادهم، وأبوا إلا أن يكونوا مطايا للأجانب على أوطانهم، وتراهم مع ذلك وافرين ~~ناعمي البال، متمتعين بالهناء وصفاء العيش، وهم يأكلون مما باعوا من تراث المسلمين، ~~وينامون مستريحين، مثل هؤلاء ليس لهم وجدان يعذبهم من الداخل، ولا نجد من المسلمين من ~~يجرؤ أن يعذبهم من الخارج. # 45 # لم نكن لنطلق الكلام إطلاقا على العالم الإسلامي في هذا الموضوع، فإن الأمة ~~الأفغانية مثلا لا يمكن أحد أن يخطب فيها في حب الأجانب علنا ويبقى حيا، والنجديون ~~لا يوجد فيهم من يجرؤ أن يمالئ الأجانب على قومه، والمصريون قد ارتقت تربيتهم السياسية ~~كثيرا عن ذي قبل؛ فأصبحت مجاهرة أحدهم بالميل للأجنبي، أو تفضيل حكم الأجنبي خطرا ~~عليه، فأما في سائر بلاد الإسلام فمن شاء من المسلمين أن يخلع الرسن ويجاهر بالعصيان ~~لعدو دينه وبلده فلا يخشى شرا، ولا يحاذر قلقا ولا أرقا. # أفلمثل هؤلاء يقول الله تعالى: # وعد الله الذين آمنوا ~~منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ~~يعبدونني لا يشركون بي شيئا ~~. # 46 # حاشا لله تعالى أن يكون عني بهؤلاء «المسلمين» الذين يخونون ملتهم، ويسعون بين يدي ~~أعدائها، ويناصبون إخوانهم العداوة؛ ابتغاء مرضاة الأجانب والحصول على دنيا زائلة وحطام ~~فان، كيف وقد قرن الإيمان بلازمة؛ وهو عمل الصالحات؟ بئسما شروا به أنفسهم، وكذلك لا ~~يعني الله بهؤلاء المسلمين الذين إن لم يكونوا خامروا على قومهم، وسعوا بين ms20 أيدي ~~الأجانب في خراب أمتهم، وأوطئوا مناكبهم لركوب الغريب الطامح، فإنهم اكتفوا من الإسلام ~~بالركوع والسجود، والأوراد والأذكار، وإطالة السبحة والتلوم في السجدة، وظنوا أن هذا هو ~~الإسلام، ولو كان هذا كافيا في إسلام المرء وفوزه في الدنيا والآخرة لما كان القرآن ~~ملآن بالتحريض على الجهاد، والإيثار على النفس، والصدق والصبر، ونجدة المؤمن لأخيه، ~~والعدل والإحسان، وجميع مكارم الأخلاق، ولو كان هذا كافيا لأجل التحقق بالإسلام لما ~~قال الله تعالى: # قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي ~~الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ~~. # 47 # أفيقدر أخونا الشيخ بسيوني عمران أو غيره أن يقول: إن المسلمين اليوم - إلا النادر ~~الأندر والكبريت الأحمر - يفضلون الله ورسوله على آبائهم وإخوانهم وأزواجهم وتجارتهم ~~وأموالهم ومساكنهم، أو يؤثرون حب الله ورسوله - وإنما حب الله ورسوله إقامة الإسلام - ~~على الجزء اليسير من أموال اقترفوها وتجارة يخشون كسادها؟ # لنعمل هذه التجربة، فبضدها تتبين الأشياء. # الموازنة بين المسلمين والنصارى في البذل لنشر الدين # لنفرض أن مسألة تنصير البربر دخلت في طور النجاح، وانتدب البابا الكاثوليكيين الذين ~~في العالم لبذل الأموال اللازمة لهذا التحويل الذي تتوخاه فرنسة في البربر من دين ~~الإسلام إلى دين النصرانية، فكم مليونا تظن من الجنيهات يدر على المبشرين والرهبان ~~والراهبات لبناء الكنائس والمدارس والملاجئ والمستشفيات ومراكز الأسقفيات وما أشبه ذلك؛ ~~لإتمام هذا العمل الذي تضم به الكثلكة ثمانية ملايين من البرابر إلى الأربعماية مليون ~~كاثوليكي الذين في العالم؟ # لا شك أن الجواب يكون: عدة ملايين تجمع في بضعة أشهر، فإن قيل للبروتستانتيين: تعالوا ~~فقد أذنا لكم في تنصير البرابرة فابذلوا في هذه السبيل ما أمكنكم، فإنها تدر حينئذ ~~الملايين بقدر ضعفي ما يدر من الكاثوليكيين، وفي مدة أقصر من المدة التي يجمع فيها ~~المال الذي يجود به هؤلاء. # فلنقل للمسلمين: إن البرابر صاروا على شفا الخروج من الإسلام، وإن الأس في هذا الصبوء ~~عن ms21 دين الإسلام هو الجهل، فعلينا أن نرسل إليهم علماء ووعاظا؛ ليتفقهوا في الدين، وأن ~~نبني لهم المساجد والمدارس والكتاتيب والملاجئ ... إلى غير ذلك من الوسائل التي تمسك ~~بحجزاتهم عن مفارقة الإسلام والمسلمين. # فكم تظن المبلغ الذي يجود به المسلمون بعد اللتيا والتي لهذا العمل؟ لا أظن أنهم ~~يجودون بما يتجاوز جزءا من مئة مما يبذله الكاثوليك أو البروتستانت. # 48 # فهذه هي حمية المسيحيين على دينهم، وهذه هي حمية المسلمين. # ومن الناس من يسأل عن أسباب انحطاط المسلمين وقصورهم عن مباراة سواهم، فلو تأمل في ~~هذه الفروق في النهضة والحمية لوجد عندها الجواب الكافي. # ومن أغرب الأمور أن نرى الأوروبيين ودعاتهم وتلاميذهم من الشرقيين بعد هذا كله يتهمون ~~المسلمين بالتعصب الديني وينبزونهم بلقبه، وينتحلون لأنفسهم التساهل في الدين! إن هذا ~~والله لعجب عجاب. # وها أنذا الآن في كتابتي هذه التي معناها الدفاع لا التجاوز، والأستاذ الأكبر صاحب ~~المنار، وعبد الحميد بك سعيد رئيس جمعية الشبان المسلمين وغيرنا من المدافعين عن حق ~~الإسلام، والرجال الذين يبغون منع الاعتداء على الإسلام وينادون المسلمين لينتبهوا ~~للخطر المحدق بهم - متهمون بالتعصب الديني ومنبوزون بهذه الكلمة، لا بين غير المسلمين ~~فقط، بل بين المسلمين الجغرافيين أيضا - أعني الذين يتباهون بأن سياستهم «لادينية» ~~وطالما صرحوا بأنهم لا يقيمون للدين وزنا، وطالما تزلفوا إلى المسيحيين بكونهم هم لا ~~يدافعون عن الدين الإسلامي كما يدافع زيد وعمرو ... وهؤلاء فئة معروفة يعرفهم الناس، وهم ~~يعرفون أنفسهم، ولو فكر المسيحيون في شأنهم لعلموا أنهم ليسوا على شيء، وأنهم لا ~~يستحقون الاحترام منهم؛ لأن الذي يتزلف إلى الناس بمثل هذه الطرق حري بأن لا يكون أهلا ~~للثقة ولا للكرامة، وما يزين المرء شيء مثل الاستقامة واستواء الباطن والظاهر. # فالمسلم إذا لا يخلص من لقب «متعصب» إلا إذا سمع أن الفرنسيس يحاولون تنصير البربر، ~~فمر بذلك كأن لم يسمع شيئا، وإلا إذا سمع أن الهولانديين نصروا مئة ألف - وقد زعم أحد ~~نواب البرلمان الهولاندي أنهم فازوا بتنصير مليون مسلم من مسلمي الجاوى - وهز ms22 كتفه ~~قائلا: أنا لا يهمني أكان الجاوي مسلما أم مسيحيا ... هنالك «المسلم» يصير «راقيا» ~~ويعد «عصريا» ويصير محبوبا ويقال فيه كل خير؟! # وأما الأوروبي فله أن يبذل القناطير المقنطرة على بث الدعاية المسيحية بين المسلمين، ~~وله أن يحميها بالمدافع والطيارات والدبابات، وله أن يحول بين المسلمين ودينهم بالذات ~~وبالواسطة، وله أن يدس كل دسيسة ممكنة لهدم الإسلام في بلاد الإسلام، وليس عليه حرج في ~~ذلك، ولا يسلبه هذا العمل صفة «راق» و«متمدن » و«عصري» وأغرب من هذا أنه لا يسلبه نعت ~~«مدني» و«لاديني» و«متساهل». # وهؤلاء «المسلمون الجغرافيون» برغم هذه الشواهد الباهرة للأعين، وبرغم ما عملته ~~جمهورية فرنسة «اللادينية» في قضية البربر لمآرب دينية كاثوليكية، وبرغم حماية هولاندة ~~لمبشري الإنجيل في الجاوى، وبرغم قرار الحكومة البلجيكية رسميا إكمال تنصير أهل الكونغو، # 49 # وبرغم منع الإنكليز في الأوغاندا وفي دار السلام - وكذا السودان - من بث ~~الدعاية الإسلامية بين الزنوج، وبرغم أمور كثيرة لا يسعنا الآن شرحها، لا يزالون يخدعون ~~المسلمين قائلين لهم: إن أوروبة قد رفست الدين برجلها، وصارت على خطة لادينية وبذلك قد ~~اتسق لها الرقي ونجحت، ونحن لن نفلح ما دمنا سائرين على خطة إسلامية. # 50 # قد قام ببث هذه السفسطة أناس في تركيا ووجدوا ممن تلقاها بالقبول عددا كبيرا، وترى ~~أناسا في مصر والشام والعراق وفارس يقولون بها ويكابرون في المحسوس ولا يبالون؛ لأنهم ~~يجدون على كل الأحوال من الأغرار من يصدقهم. # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور ~~. # 51 # | هوامش # | أهم أسباب تأخر المسلمين # من أعظم أسباب تأخر المسلمين الجهل، الذي يجعل فيهم من لا يميز بين الخمر والخل، فيتقبل ~~السفسطة قضية مسلمة، ولا يعرف أن يرد عليها. # ومن أعظم أسباب تأخر المسلمين العلم الناقص، الذي هو أشد خطرا من الجهل البسيط؛ لأن ~~الجاهل إذا قيض الله له مرشدا عالما أطاعه ولم يتفلسف عليه، فأما صحاب العلم الناقص فهو ~~لا يدري ولا يقتنع بأنه لا يدري، وكما قيل: ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلائكم بنصف مجنون، ~~أقول: ms23 ابتلاؤكم بجاهل خير من ابتلائكم بشبه عالم. # ومن أعظم أسباب تأخر المسلمين فساد الأخلاق؛ بفقد الفضائل التي حث عليها القرآن، والعزائم ~~التي حمل عليها سلف هذه الأمة وبها أدركوا ما أدركوه من الفلاح، والأخلاق في تكوين الأمم ~~فوق المعارف، ولله در شوقي إذ قال: # وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت # فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا # ومن أكبر عوامل تقهقر المسلمين فساد أخلاق أمرائهم بنوع خاص، وظن هؤلاء - إلا من رحم ربك ~~- أن الأمة خلقت لهم أن يفعلوا بها ما يشاءون، وقد رسخ فيهم هذا الفكر حتى إذا حاول محاول ~~أن يقيمهم على الجادة بطشوا به؛ عبرة لغيره. # وجاء العلماء المتزلفون لأولئك الأمراء، المتقلبون في نعمائهم، الضاربون بالملاعق في ~~حلوائهم، وأفتوا لهم بجواز قتل ذلك الناصح بحجة أنه شق عصا الطاعة، وخرج عن الجماعة. # ولقد عهد الإسلام إلى العلماء بتقويم أود الأمراء، وكان قديما في الدول الإسلامية ~~الفاضلة بمثابة المجالس النيابية في هذا العصر، يسيطرون على الأمة، ويسددون خطوات الملك، ~~ويرفعون أصواتهم عند طغيان الدولة، ويهيبون بالخليفة فمن بعده إلى الصواب. # وهكذا كانت تستقيم الأمور؛ لأن أكثر أولئك العلماء كانوا متحققين بالزهد، متحلين بالورع، ~~متخلين عن حظوظ الدنيا، لا يهمهم أغضب الملك الظالم الجبار أم رضي، فكان الخلائف ~~والملوك يرهبونهم، ويخشون مخالفتهم؛ لما يعلمون من انقياد العامة لهم، واعتقاد الأمة ~~إمامتهم، إلا أنه بمرور الأيام خلف من بعد هؤلاء خلف اتخذوا العلم مهنة للعيش، وجعلوا ~~الدين مصيدة للدنيا، فسوغوا للفاسقين من الأمراء أشنع موبقاتهم، وأباحوا لهم باسم الدين خرق ~~حدود الدين، هذا؛ والعامة المساكين مخدوعون بعظمة عمائم هؤلاء العلماء، وعلو مناصبهم، يظنون ~~فتياهم صحيحة، وآراءهم موافقة للشريعة، والفساد بذلك يعظم، ومصالح الأمة تذهب، والإسلام ~~يتقهقر، والعدو يعلو ويتنمر، وكل هذا إثمه في رقاب هؤلاء العلماء. # 1 # ومن أعظم عوامل تقهقر المسلمين الجبن والهلع، بعد أن كانوا أشهر الأمم في الشجاعة واحتقار ~~الموت، يقوم واحدهم للعشرة وربما للمئة من غيرهم، فالآن أصبحوا - إلا بعض قبائل منهم - ~~يهابون الموت الذي لا يجتمع خوفه مع ms24 الإسلام في قلب واحد، ومن الغريب أن الإفرنج المعتدين ~~لا يهابون الموت في اعتدائهم، هيبة المسلمين إياه في دفاعهم، وأن المسلمين يرون الغايات ~~البعيدة التي يبلغها الإفرنج في استحقار الحياة والتهافت على الهلكة في سبيل قوميتهم ~~ووطنهم، ولا تأخذهم من ذلك الغيرة، ولا يقولون: نحن أولى من هؤلاء باستحقار الحياة؛ وقد قال ~~الله تعالى: # ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا ~~تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما ~~لا يرجون ~~. # 2 # وقد انضم إلى الجبن والهلع اللذين أصابا المسلمين اليأس والقنوط من رحمة الله، فمنهم فئات ~~قد وقر في أنفسهم أن الإفرنج هم الأعلون على كل حال # 3 # وأنه لا سبيل لمغالبتهم بوجه من الوجوه، وأن كل مقاومة عبث، وأن كل مناهضة خرق ~~في الرأي، ولم يزل هذا التهيب يزداد ويتخمر في صدور المسلمين أمام الأوروبيين إلى أن صار ~~هؤلاء ينصرون بالرعب، وصار الأقل منهم يقومون للأكثر من المسلمين، وهذا بعكس ما كان في ~~العصر الأول: # يرى الجبناء أن الجبن حزم # وتلك خديعة الطبع اللئيم # نسي المسلمون الأيام السالفة التي كان فيها العشرون مسلما لا غير يأتون من (برشلونة) إلى ~~(فراكسية) من سواحل فرنسة ويستولون على جبل هناك، ويبنون به حصنا، ويتزايد عددهم حتى ~~يصيروا مئة رجل فيؤسسون هناك إمارة تعصف ريحها بجنوبي فرنسة وشمالي إيطالية، وتهادنها ملوك ~~تلك النواحي وتخطب ولاءها، وتستولي على رءوس جبال الألب، وعلى المعابر التي عليها الطرق ~~الشهيرة بين فرنسة وإيطالية، لا سيما معبر سان برنار الشهير، وتضطر جميع قوافل الإفرنج أن ~~تؤدي للعرب المكوس لأجل المرور، تتقدم هذه الدولة العربية الصغيرة في بلاد (البيامون) ~~مسافات بعيدة إلى أن تبلغ سويسرة وبحيرة (كونستانزه) في قلب أوروبة، وتضم القسم العالي من ~~سويسرة إلى أملاكها، وتبقى خمسا وتسعين سنة مستولية على هذه الديار إلى أن تتألب الأمم ~~الإفرنجية عليها، ولا تزال تناجزها إلى أن استأصلتها، وكانت تلك العصابة العربية يوم انقرضت ~~لا تزيد على ألف وخمس مئة رجل # 4 ~~(وقد نشرنا تفصيل خبرها في المجلد ms25 24 من المنار). # شبهات الجهلاء الجبناء وردها # من السخفاء من يقول: نعم؛ قد كان ذلك، لكن قبل أن يخترع الإفرنج آلات القتال الحديثة، ~~وقبل المدافع والدبابات والطيارات، وقبل أن يصير الإفرنج إلى ما صاروا إليه من القوة ~~المبنية على العلم، وهذا القول هو منتهى السخف والسفه والحماقة، فإن لكل عصر علما ~~وصناعة ومدنية تشاكله، وقد كانت في القرون الوسطى علوم تشاكلها، كما هي العلوم ~~والصناعات والمدنية الحاضرة في هذا العصر، وأمور الخلق كلها نسبية، ولقد كانت في العصر ~~الذي نتكلم عنه آلات قتال ومنجنيقات ودبابات ونيران مركبة تركيبا مجهولا اليوم، وكانت ~~في ذلك الوقت كما هي المدافع والرشاشات وقنابر الديناميت وما أشبه ذلك في هذه ~~الأيام. # على أنه ليست الدبابات والطيارات والرشاشات هي التي تبعث العزائم، وتوقد نيران الحمية ~~في صفوف البشر، بل الحمية والعزيمة والنجدة هي التي تأتي بالطيارات والدبابات والقنابر، ~~وما هذه إلا مواد صماء لا فرق بينها وبين أي حجر، فالمادة لا تقدر أن تعمل شيئا من ~~نفسها، وإنما الذي يعمل هو الروح، فإذا هبت أرواح البشر وتحركت عزائمهم فعند ذلك نجد ~~الدبابات والطيارات والرشاشات والغواصات وكل أداة قتال ونزال على طرف التمام. # يقولون: إلا أن هذا ينبغي له العلم الحديث، وهذا العلم مفقود عند المسلمين، فلذلك ~~أمكن الإفرنج ما لم يمكنهم. ~~(والجواب): أن العلم الحديث أيضا يتوقف على الفكرة والعزيمة، ومتى وجدت هاتان ~~وجد العلم الحديث ووجدت الصناعة الحديثة، أفلا ترى أن اليابان إلى حد سنة 1868 ~~كانوا أمة كسائر الأمم الشرقية الباقية على حالتها القديمة، فلما أرادوا اللحاق بالأمم ~~العزيزة تعلموا علوم الأوروبيين، وصنعوا صناعاتهم، واتسق لهم ذلك في خمسين سنة، وكل أمة ~~من أمم الإسلام تريد أن تنهض وتلحق بالأمم العزيزة يمكنها ذلك وتبقى مسلمة ومتمسكة ~~بدينها، كما أن اليابانيين تعلموا علوم الأوروبيين كلها وضارعوهم ولم يقصروا في شيء ~~عنهم ولبثوا يابانيين ولبثوا متمسكين بدينهم وأوضاعهم، وأيضا فمتى أرادت أمة مسلمة ~~أدوات أو أسلحة حديثة ولم تجدها؟ إن ملاك الأمر هو الإرادة؛ فمتى وجدت ms26 الإرادة وجد ~~الشيء المراد. # فلو أن أمة من أمم الإسلام أرادت أن تتسلح لوجدت السلاح الحديث اللازم بأنواعه ~~وأشكاله من ثاني يوم، ولكن اقتناء السلاح ينبغي له سخاء بالأموال، وهم لا يريدون أن ~~يبذلوا، ولا أن يقتدوا بالإفرنج واليابان في البذل، بل يريدون النصرة بدون سلاح وعتاد، ~~أو السلاح والعتاد بدون بذل أموال، وإذا تغلب العدو عليهم من بعد ذلك صاحوا قائلين: أين ~~المواعيد التي وعدنا إياها القرآن في قوله: # وكان حقا ~~علينا نصر المؤمنين ~~. # 5 # كأن القرآن ضمن للمؤمنين النصر بدون عمل وبلا كسب ولا جهاد بالأموال والأنفس، بل ~~بمجرد قولنا: إننا مسلمون، أو بمجرد الدعاء والتسبيح؟ وأغرب من ذلك بمجرد الاستغاثة ~~بالأولياء، فأصبح الكثير من المسلمين، وهم عزل من السلاح الحديث، وهم غير مجهزين بالعلم ~~اللازم لاستعماله لا يقومون للقليل من الإفرنج المسلحين المجهزين، وصاروا إذا التقى ~~الجمعان تدور الدائرة في أغلب الأحيان على المسلمين، فتوالى هذا الأمر عليهم مدة طويلة ~~إلى أن فقدوا كل ثقة بنفوسهم، واستولى عليهم القنوط، ودب فيهم الرعب، وألقوا بأنفسهم ~~إلى العدو، وبعد أن كانوا مسلمين، صاروا مستسلمين، وقد ذهلوا عن قوله تعالى: # ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم ~~مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مس القوم ~~قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ~~. # 6 # ونسوا أنه لا يجوز أن يتطرق اليأس إلى قلب أحد؛ لا عقلا ولا شرعا، ولا سيما المسلم ~~الذي يخبره دينه بأن اليأس هو الكفر بعينه، وغفلوا عن قوله تعالى في سلفهم: # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء # الآيات. # 7 # فنجدهم إذا استنهضتهم لمعاونة قوم منهم يقاتلون دولة أجنبية تريد لتمحوهم كان أول ~~جواب لهم: أية فائدة من بذل أموالنا في هذا السبيل وتلك الدولة غالبة لا محالة؟! ولو ~~تأملوا لوجدوا أن الاستسلام لا يزيدهم إلا ويلا، ولا يزيد العدو إلا استبدادا ~~وجبروتا؛ سنة الله في خلقه، ولو فكروا ms27 قليلا لرأوا أن هذا الشح بالمال على إخوانهم ~~الذين في مواطن الجهاد لم يكن توفيرا وإنما كان هو الفقر بعينه؛ لأن الأمة المستضعفة ~~لا تعود حرة في تجارتها واقتصادياتها، بل يمتص العدو الغالب عليها كل ما فيه علالة ~~رطوبة في أرضها، ولا يترك للأمة المستضعفة إلا عظاما يتمششونها، من قبيل «قوت لا يموت» ~~وكثيرا ما تحصل مساغب ويموتون جوعا كما يقع كثيرا في جزائر الغرب والهند وغيرهما، ~~ترى المجاعات واقعة في الهند ولا يموت منها ولا إنكليزي، وتراها تشتد في الجزائر ولا ~~يموت بها إلا المسلم، # 8 # وما السبب في ذلك إلا أن الأجانب قد استأثروا بخيرات البلاد، ولم يتركوا ~~للمسلمين إلا الفقر، فقام المسلمون اليوم يعتذرون عن عدم بذل الأموال لمساعدة إخوانهم ~~بعدم وجودها، وهذا صحيح إلى حد محدود؛ وذلك أنهم بخلوا بها في الأول فجنوا من بخلهم على ~~الجهاد الذل والخنوع أولا، والفقر والجوع ثانيا، فإن من سنن الله في أرضه أن ~~الذل يردفه الفقر، وأن العز يردفه الثراء، والمثل العربي يقول: من عز بز، والشاعر ~~العربي الإيادي يقول: # لا تذخروا المال للأعداء إنهم # إن يظهروا يأخذوكم والتلاد معا # هيهات لا خير في مال وفي نعم # قد احتفظتم بها إن أنفكم جدعا # والمتنبي يقول: # فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله # ولا مال في الدنيا لمن قل مجده # فالمسلمون عز عليهم المال ففقدوه، وعزت عليهم الحياة ففقدوها، وأبى الله إلا تصديق ~~كلام النبي المحوى إليه حيث يقول: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على ~~القصاع»، قالوا أومن قلة فينا يومئذ يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ~~يجعل الوهن في قلوبكم وينزع من قلوب أعدائكم، من حبكم الدنيا، وكراهيتكم الموت». # هذا الحديث رواه لي الشيخ محمد بن جعفر الكناني الفاسي - رحمه الله - يوم لقيته في ~~المدينة المنورة منذ خمس وعشرين سنة، ثم قرأته في الكتب، واستشهدت به في مقدمة حاضر ~~العالم الإسلامي، وألفاظه تختلف في رواية عن رواية، فالأستاذ صاحب المنار أمتع الله ~~بطول ms28 حياته هو الأدرى بأصح رواياته # 9 # ومعناه ظاهر وهو: أن المسلمين يأتي عليهم يوم يصيرون فيه مأكلة، وتمتد ~~إليهم الأيدي من كل جهة، فهذا العصر الذي نحن فيه هو ذلك اليوم، وأن المسلمين لا يكون ~~عيبهم يومئذ قلة، الكثرة بنفسها لا تفيد أن تقترن بجودة النوع والكمية التي لا تغني عن الكيفية، # 10 # وعلة العلل في ضعف المسلمين ذلك اليوم هو الجبن والبخل، صريح ذلك في قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «من حبكم الدنيا وكراهيتكم الموت». # 11 # ومن المعلوم أن الإفراط في حب الدنيا يحرم الإنسان التمتع بها، وأن الغلو في المحافظة ~~على الحياة تكون عاقبته زيادة التعرض للهلاك # 12 # هذه هي من سنن الله في خلقه أو من النواميس الطبيعية كما يقال في هذا ~~العصر، فالقرآن يأمر المسلم بأن يحتقر الحياة والمال وكل عزيز في سبيل الله، ويأمر ~~المسلم أن يثبت ولا ييأس، وأن يصبر ولا يتزلزل مهما أصيب، وتراه يقول: # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ~~والله يحب الصابرين ~~. # 13 # هكذا يريد الله ليكون المسلمون، فإن لم يكونوا هكذا بصريح نص القرآن، فكيف يستنجزون ~~الله عداته بالنصر والتمكين والسعادة والتأمين؟! # ضياع الإسلام بين الجامدين والجاحدين # ومن أكبر عوامل انحطاط المسلمين الجمود على القديم، فكما أن آفة الإسلام هي الفئة ~~التي تريد أن تلغي كل شيء قديم، بدون نظر فيما هو ضار منه أو نافع، كذلك آفة الإسلام هي ~~الفئة الجامدة التي لا تريد أن تغير شيئا، ولا ترضى بإدخال أقل تعديل على أصول التعليم ~~الإسلامي؛ ظنا منهم بأن الاقتداء بالكفار كفر، وأن نظام التعليم الحديث من وضع ~~الكفار. # فقد أضاع الإسلام جاحد وجامد. # أما الجاحد فهو الذي يأبى إلا أن يفرنج المسلمين وسائر الشرقيين ويخرجهم عن جميع ~~مقوماتهم ومشخصاتهم، ويحملهم على إنكار ماضيهم، ويجعلهم أشبه بالجزء الكيماوي الذي يدخل ~~في تركيب جسم آخر كان بعيدا فيذوب فيه ويفقد هويته، وهذا الميل في النفس إلى إنكار ~~الإنسان ms29 لماضيه واعترافه بأن آباءه كانوا سافلين، وأنه هو يريد أن يبرأ منهم لا يصدر ~~إلا عن الفسل الخسيس، الوضيع النفس، أو عن الذي يشعر أنه في وسط قومه دنيء الأصل، فيسعى ~~هو في إنكار أصل أمته بأسرها؛ لأنه يعلم نفسه منها بمكان خسيس ليس له نصيب من تلك ~~الأصالة، وهو مخالف لسنن الكون الطبيعية التي جعلت في كل أمة ميلا طبيعيا للاحتفاظ ~~بمقوماتها ومشخصاتها؛ من لغة وعقيدة وعادة وطعام وشراب وسكنى وغير ذلك إلا ما ثبت ضرره. # 14 # محافظة الشعوب الإفرنجية على قوميتها # فلننظر إلى أوروبة - لأنها هي اليوم المثل الأعلى في ذلك - فنجد كل أمة فيها تأبى أن ~~تندمج في أمة أخرى، فالإنكليز يريدون أن يبقوا إنكليزا، والإفرنسيس يريدون أن يبقوا ~~إفرنسيسا، والألمان لا يريدون أن يكونوا إلا ألمانا، والطليان لا يرضون أن يكونوا إلا ~~طليانا، والروس قصارى همهم أن يكونوا روسا، وهلم جرا. # ومما يزيد هذا المثال تأثيرا في النفس أن الأيرلنديين مثلا أمة صغيرة مجاورة ~~للإنكليز، وقد بذل هؤلاء جميع ما يتصوره العقل من الجهود ليدمجوهم في سواهم مدة تزيد عن ~~سبع مئة سنة، فأبوا أن يصيروا إنكليزا ولبثوا أيرلنديين بلسانهم وعقيدتهم وأذواقهم ~~وعاداتهم. # وفي فرنسة نفسها تأبى أمة «البريتون» إلا أن تحافظ على أصلها، وفي جنوبي فرنسة جيل ~~يقال لهم «الباشكنس» احتفظوا بقوميتهم تجاه القوط، ثم تجاه العرب، ثم تجاه الإسبان، ثم ~~تجاه الفرنسيس، وجميعهم مليون نسمة، وهم لا يزالون على لغتهم وزيهم وعاداتهم وجميع ~~أوضاعهم. # والفلمنك يأبون أن يجعلوا اللغة الإفرنسية لغتهم والثقافة الإفرنسية ثقافتهم، ولم ~~يزالوا يصيحون في بلجيكا حتى اضطرت دولة بلجيكا إلى الاعتراف بلغتهم لغة رسمية. # وفي سويسرة ثلاثة أقسام: القسم الألماني وهو مليونان وثمان مئة ألف، والقسم المتكلم ~~بالطليانية وهو أكثر قليلا من مئتي ألف، والقسم المتكلم باللغة الفرنسية، وكل قسم منها ~~يحافظ على لغته وقوانينه ومنازعه مع أنهم كلهم متحدون في مصالحهم السياسية وهم يعيشون ~~في مملكة واحدة. # وإن الدانمرك وبلاد الإسكنديناف وهولاندة فروع من الشجرة الألمانية لا مراء في ms30 ذلك، ~~لكنهم لا يريدون الاندماج في الألمان ولا العدول عن قومياتهم، وبقي «التشيك» مئتين من ~~السنين تحت حكم الألمان وبقوا تشيكا، واستأنفوا بعد الحرب العامة استقلالهم السياسي، ~~بعد أن حفظوا لسانهم واستقلالهم الجنسي مدة خمسة قرون. # وقد هذب الألمان أمة المجر وعلموهم ورقوهم، ولكنهم لم يتمكنوا من إدماجهم في ~~الألمانية، فتجدهم أحرص الأمم على لغتهم المغولية الأصلية، وعلى قوميتهم ~~المجرية. # ولبثت الروسية العظيمة من مئتين إلى ثلاث مئة سنة تحاول إدخال بولونية في الجنس ~~الروسي وحمل البولونيين على نسيان قوميتهم الخاصة؛ بحجة أن العرق السلافي يجمع بين ~~البولونيين والروس، ففشلت جميع مساعيها في إدماج البولونيين فيها، وعاد هؤلاء بعد الحرب ~~العامة أمة مستقلة في كل شيء؛ وذلك لأنهم لم يتخلوا طرفة عين عن قوميتهم. # وليس من العجيب أن لا تريد أمة عددها 30 مليونا الاندماج في غيرها، ولكن الاستوانيين ~~وهم مليونان فقط انفصلوا عن الروسية، ولم يقبلوا الاندماج فيها، وأحيوا استقلالهم ~~ولسانهم المغولي الأصل وجعلوا له حروفا هجائية، ومثلهم أهالي فنلاندة المنفصلون عن ~~الروسية أيضا. # وقد خابت مساعي الروس في إدماج الليتوانيين - من هذه الأمم البلطيكية - في الجنس ~~الروسي، وانتفضوا بعد الحرب العامة أمة مستقلة كما كانوا مستقلين قوميا، وجميعهم ~~أربعة ملايين، وأقل منهم جيرانهم الليتونيون # 15 # الذين هم مليونان لا غير، ومع هذا قد انفصلوا بعد الحرب وأسسوا جمهورية ~~كسائر الجمهوريات البلطيكية؛ لأنهم من الأصل لبثوا محافظين على لغتهم وجنسهم. # وقد عجز الروس من جهة كما عجز الألمان من جهة أخرى عن إدخال هذه الأقوام في تراكيبهم ~~القومية العظيمة؛ لأن كل شعب مهما كان صغيرا لا يرضى بإنكار أصله ولا بالنزول عن ~~استقلاله الجنسي. # وقد حفظ الكرواتيون استقلالهم الجنسي مع إحاطة أمتين كبيرتين بهم؛ هم: اللاتين، ~~والجرمان. # وحفظ الصربيون استقلالهم الجنسي مع سيادة الترك عليهم منذ قرون. # ولم يزل الأرناءوط أرناءوطا منذ عهد لا يعرف بدؤه وهم بين أمتين كبيرتين: اليونان، ~~والصقالبة؛ أي السلاف! # وكذلك البلغار أبوا إلا أن يبقوا بلغارا فيما بين الروم والسلاف واللاتين، ثم جاءهم ~~الترك ms31 فتعلموا التركية لكنهم بقوا بلغارا. # ولا أريد أن أخرج في الاستشهاد عن أوروبة؛ لأني إن خرجت عن أوروبة قالت تلك الفئة ~~الجاحدة: نحن لا نريد أن نجعل قدوة لنا أمما متأخرة مثلنا. # فالأمم التي استشهدنا الآن بها كلها أوروبية، وكلها متعلمة راقية، وكلها ذوات بلدان ~~ممدنة منظمة؛ وكلها عندها الجامعات والأكادميات والجمعيات العلمية والجيوش والأساطيل ... ~~إلخ. # العبرة للعرب وسائر المسلمين برقي اليابانيين # ولكني أخرج من أوروبة إلى اليابان فقط؛ لأن رقي اليابان يضارع الرقي الأوروبي، وقد ~~تم لليابان كما تم رقي أوروبة للأوروبيين؛ أي في ضمن دائرة قوميتهم ولسانهم وآدابهم ~~وحريتهم ودينهم وشعائرهم ومشاعرهم وكل شيء لهم. # فأنقل إلى القراء العرب فقرة من رسالة طويلة جاءت من مراسل أوروبي سائح في اليابان ~~وظهرت في جريدة «جرنال دوجنيف» بتاريخ 20 أكتوبر (1931) فإنه يقول: # إن الياباني يحب الفن قبل كل شيء، وإن رأيته ساعيا في كسب المال فلأجل إن ~~يلذذ بالمال أهواءه المنصرفة إلى الحسن والجمال، وقد انتقش في صفحة نفسه الشعور ~~القومي الشديد عدا الميل إلى الجمال؛ لأنه يفتخر بكون اليابان في مدة ستين سنة ~~فقط صارت من طور أمة في القرون الوسطى إقطاعية الحكم إلى أمة عظيمة من أعظم ~~الأمم، ومما لا ريب فيه أن الديانة اليابانية هي ذات دور عظيم في سياسة اليابان ~~(ليتأمل القارئ) وهي في الحقيقة فلسفة مبنية على الاعتراف بكل ما تركه القدماء ~~لسلائلهم، فالياباني العصري قد ائتلف مع جميع احتياجات الحياة العصرية، لكن مع ~~حفظ الميل الدائم إلى الرجوع إلى ماضيه ومع التمسك الشديد بقوميته، غير مجيب ~~نداء التفرنج (وفي الأصل التغرب # Occidentalism ~~) الذي لا يريد الياباني أن يأخذ منه إلا ما هو ضروري له ~~لأجل مصارعة سائر الأمم بنجاح، ولا شك أن هذا مثال فريد في تاريخ أمم الشرق ~~الأقصى. # ثم يقول: # كان اليابانيون يكرهون الأسفار إلى البلدان البعيدة، ويحظرون دخول الأجانب ~~إلى بلادهم، ولكن هذا المنع قد ارتفع بعد النهضة العصرية، وتلافت اليابان ما ~~فات بشكل مدهش، والنتائج هي أمامنا، إلا أن الماضي ms32 لا يزال عند اليابانيين ~~مقدسا معظما في جميع طبقاتهم؛ لأنه في هذا الماضي المقدس يجد اليابانيون جميع ~~شعورهم بقيمتهم الحاضرة، فتراهم يكافحون بوسائل المدنية الحديثة التامة التي لا ~~سبيل إلى الحياة بدونها في أيامنا هذه، لكن ينبذون كل «تغرب» بمجرد ما يجدون ~~أنفسهم في غنى عنه، ويعودون مع اللذة إلى شعورهم القومي الخالص الذي به يعتقدون ~~أنهم الأعلون. # وهناك هياكل «شنتو» ومعابد «زن» والهياكل البوذية وهي مكرمة معظمة مخدومة ~~بأشد ما يمكن من الحماسة الدينية والإيمان الثابت كما كانت منذ قرون، والحق أن ~~هذا الاحترام الشديد الذي يشعر به اليابانيون لقديمهم ولمعبوداتهم هو الذي قام ~~عندهم حصنا منيعا دون المبادئ الشعوبية، والأفكار الشيوعية المضرة. # ومنذ بضع سنوات ظهر في فرنسة تأليف جديد عن اليابان للمركيز (لا مازليير # La Mazelière ~~) قد أطنبت الجرائد في وصفه، ونشرت عنه ~~جريدة (الديبا) مقالا رنانا، فنحن نوصي القراء الذين يهمهم أن يعرفوا كيفية ارتقاء ~~اليابان - وهو موضوع في غاية الجلالة؛ لما فيه من الاستنتاج لسائر بلاد الشرق - بمطالعة ~~هذا الكتاب الذي لا يمكن أن ينسب إلى مؤلفه التعصب لليابان، على أنني رأيته في الجملة ~~مطابقا لتواريخ ألفها علماء يابانيون متخصصون في التاريخ، وهذه التواريخ مترجمة من ~~اليابانية إلى الإفرنسية، ولا بد لي في هذه العجالة من نقل بعض فقر من تاريخ لا مازليير ~~المذكور، قال في أثناء الكلام على تمدن اليابان العصري وخروج هذه الأمة من عزلتها ~~القديمة ما يلي: # فبدأت اليابان تستعير من أوروبة وأمريكا قسما من مدنيتهما المادية، ومن ~~نظامهما العسكري، ومن مباحث تعليمهما العام، ومن سياستهما المالية، فكان ~~المجددون يجتهدون في أن يقتبسوا من كل شعب ما يرونه الأحسن عنده، فكان ذلك ~~مشروع تجديد وهدم وإعادة بناء، وظهرت آثار ذلك في جميع مناحي الحياة ~~اليابانية. # ثم تكلم على الحرب اليابانية الصينية، وانتهى إلى قوله الذي نترجمه ترجمة حرفية: # إن ظفر اليابان بالصين لم يثبت علو الأفكار والمبادئ العلمية التي أخذتها ~~اليابان عن الغرب وكفى، بل أثبت أمرا آخر وهو أن شعبا آسيويا ms33 بمجرد إرادته ~~وعزيمته عرف أن يختار ما رآه الأصلح له من مدنية الغرب (تأمل جيدا) مع ~~الاحتفاظ باستقلاله وعقليته وآدابه وثقافته. ا.ه. # وقبلا كنت نشرت في الجرائد - وما نشرته لم يكن إلا نقطة من غدير - خلاصة الحفلات ~~التي أقامها اليابانيون لتتويج عاهلهم منذ سنتين، وكيف استمرت مراسم هذا الاحتفال مدة ~~شهر، وكانت بأجمعها دينية، وكيف أن الميكادر هو كاهن الأمة الأعظم، وكيف أنه من سلالة ~~الآلهة (الشمس) وكيف اغتسل في الحمام المقدس المحفوظ من ألفي سنة، وكيف أكل مع الآلهة ~~الأرز المقدس الذي زرعته الدولة تحت إشراف الكهنة؛ حتى يكون تام القدسية لا شبهة فيه، ~~وكيف كان ثمة في الحفل ستماية ألف ياباني وكلهم يهتفون ليحيا الميكادو عشرة آلاف سنة، ~~إلى غير ذلك. # | هوامش # | لماذا لا نسمي اليابان وأوروبا رجعية بتدينهما # فلماذا، يا ليت شعري، تتقدم اليابان هذا التقدم السريع المدهش وتصير هذه الأمة أمة عصرية ~~يضرب برقيها المثل وهي تضرب بأعراقها إلى عقائد وعادات ومنازع مضى عليها ألفا سنة، ويكون ~~إمبراطورها هو كاهنها الأعظم، ولا يقال عنها: (رجعية) و(مرتجعة) و(ارتجاعية) ومتأخرة ~~ومتقهقرة (فإن كانت اليابان رجعية فمرحى بالرجعية). # ولماذا كان ملك إنكلترة وإمبراطور الهند السيد على 450 مليون آدمي في الأرض من البيض ~~والسمر والصفر والحمر والسود هو رئيس الكنيسة الإنكليكانية، ومجالسه النيابية تبحث في جلسات ~~عديدة في قضية الخبز والخمر؛ هل يستحيلان بمجرد تقديس القسيس إلى جسد المسيح ودمه فعلا دون ~~أدنى شك، أم ذلك قبيل الرمز والتمثيل؟ # 1 # ولا يقال عنه: إنه (رجعي)، ولا يقال عن دولته العظمى: إنها (متأخرة) أو ~~(متقهقرة)، فإن كانت إنكلترة بعد هذا متقهقرة فيا حبذا (التقهقر). # ولماذا كانت القارة الأوروبية كلها مسيحية مفتخرة بمسيحيتها، تتباهى بذلك في كل فرصة، ~~متحدة في هذا الأمر على ما بينها من عداوات ومنافسات، ولا ننبذها حتى بقولنا: (رجعية) ~~و(ارتجاعية)، والحال أن الديانة التي تدين بها أوروبة عمرها 19 قرنا. # وهذا عهد يصح أن يقال عنه: قديم، (وقديم جدا)، وهؤلاء اليهود - مهما ننكر عليهم من ~~الفضائل فلا ms34 نقدر أن ننكر عليهم المقدرة والذكاء والحس العملي والجد الهائل - لا يزالون ~~يفخرون بتوراة وجدت منذ آلاف السنين ويشاركهم فيها المسيحيون. # ولماذا نرى أعظم شبان اليهود رقيا عصريا يجاهدون في إحياء اللغة العبرية التي لا يعرف ~~مبدأ تاريخها؛ لتوغلها في القدم، ولا يقال عنهم: إنهم رجعيون ومتأخرون وقهقريون؟! # وقد نشر وايزمان رئيس الجمعية الصهيونية حديثا في جريدة (الماتن) كان من أهم ما فخر به ~~وأدلى به كمأثرة ينبغي أن تذكرها لهم الإنسانية هو (أن فلسطين الحديثة تتكلم اليوم بأجمعها ~~بلغة الأنبياء) يريد بفلسطين الحديثة؛ فلسطين اليهودية التي قد نشر الصهيونيون فيها اللغة ~~العبرانية القديمة، وأجبروا نشئهم الجديد على أن يتحدثوا بها لتكون اللغة الجامعة لليهود، ~~ومن الذي فعل هذا؟ الجواب: هم اليهود العصريون الذين هم أشد الناس أخذا بمبادئ العلم ~~الحديث والحضارة العصرية. # وما يذكر إلا أولو الألباب ~~. # 2 # وماذا عساني أحصي من هذه الأماثيل والعبر في رسالة وجيزة كهذه؟! # كل قوم يعتصمون بدينهم ومقومات ملتهم ومشخصات قومهم الموروثة ولا ينبزون بهذه الألقاب إلا ~~المسلمين! # فإنه إذا دعاهم داع إلى الاستمساك بقرآنهم وعقيدتهم ومقوماتهم ومشخصاتهم وباللسان العربي ~~وآدابه والحياة الشرقية ومناحيها قامت قيامة الذين في قلوبهم مرض ... وصاحوا: لتسقط الرجعية. ~~وقالوا: كيف تريدون الرقي وأنتم متمسكون بأوضاع بالية باقية من القرون الوسطى، ونحن في عصر ~~جديد. # جميع هؤلاء الخلائق تعلموا وتقدموا وترقوا وعلوا وطاروا في السماء؛ والمسيحي منهم باق على ~~إنجيله وتقاليده الكنسية، واليهودي باق على وثنه وأرزه المقدس، وكل حزب منهم فرح بما ~~لديه، وهذا المسلم المسكين يستحيل أن يترقى إلا إذا رمى بقرآنه وعقيدته ومآخذه ومتاركه ~~ومنازعه ومشاربه ولباسه وفراشه وطعامه وشرابه وأدبه وطربه وغير ذلك، وانفصل من كل تاريخه، ~~فإن لم يفعل ذلك فلا حظ له من الرقي؟! # فهذا ما كان من ضرر الجاحد الذي يقصد السوء بالإسلام، وبالشرق أجمع، ويخدع السذج ~~بأقاويله. # | هوامش # | غوائل الجامدين في الإسلام والمسلمين # وبقي علينا المسلم الجامد، الذي ليس بأخف ضررا من الجاحد، وإن كان لا يشركه في الخبث ~~وسوء النية، ms35 وإنما يعمل ما يعمله عن جهل وتعصب. # فالجامد هو الذي مهد لأعداء المدنية الإسلامية الطريق لمحاربة هذه المدنية محتجين بأن ~~التأخر الذي عليه العالم الإسلامي إنما هو ثمرة تعاليمه. # والجامد هو سبب الفقر الذي ابتلى به المسلمون؛ لأنه جعل الإسلام دين آخرة فقط، والحال أن ~~الإسلام هو دين دنيا وآخرة، وإن هذه مزية له على سائر الأديان، فلا حصر كسب الإنسان فيما ~~يعود للحياة التي وراء هذه كما هي ديانات أهل الهند والصين، ولا زهده في مال الدنيا وملكها ~~ومجدها كتعاليم الإنجيل، ولا حصر سعيه في أمور هذه المعيشة الدنيوية كما هي مدنية أوروبة ~~الحاضرة. # والجامد هو الذي شهر الحرب على العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية وفنونها وصناعاتها ~~بحجة أنها من علوم الكفار، فحرم الإسلام ثمرات هذه العلوم، وأورث أبناءه الفقر الذي هم فيه، ~~وقص أجنحتهم، فإن العلوم الطبيعية هي العلوم الباحثة في الأرض، والأرض لا تخرج أفلاذها إلا ~~لمن يبحث فيها # 1 # فإن كنا طول العمر لا نتكلم إلا فيما هو عائد للآخرة قالت لنا الأرض: اذهبوا ~~توا إلى الآخرة؛ فليس لكم نصيب مني. # ثم إننا بحصر كل مجهوداتنا في هذه العلوم الدينية والمحاضرات الأخروية جعلنا أنفسنا بمركز ~~ضعيف بإزاء سائر الأمم التي توجهت إلى الأرض، وهؤلاء لم يزالوا يعلون في الأرض ونحن ننحط في ~~الأرض، إلى أن صار الأمر كله في يدهم، وصاروا يقدرون أن يأفكونا عن نفس ديننا فضلا عن أن ~~يملكوا علينا دنيانا، ومن ليست له دنيا فليس له دين، وليس هذا هو الذي يريده الله بنا وهو ~~الذي قال: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض # الآية. # 2 # وقال: # هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا ~~. # 3 # وقال: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا خالصة يوم القيامة ~~. # 4 # وقال فيما حكاه وأقره: # ولا تنس نصيبك من ~~الدنيا ~~. # 5 # وعلمنا أن ندعوه بقوله: # ربنا آتنا في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة ms36 # 6 ~~... إلخ. # والمسلم الجامد لا يدري أنه بهذا المشرب يسعى في بوار ملته وحطها عن درجة الأمم الأخرى، ~~ولا يتنبه لشيء من المصائب التي جرها على قومه إهمالهم العلوم الكونية حتى أصبحوا بهذا ~~الفقر الذي هم فيه، وصاروا عيالا على أعدائهم الذين لا يرقبون فيه إلا ولا ذمة، فهو إذا ~~نظر إلى هذه الحالة عللها بالقضاء والقدر بادئ الرأي، وهذا شأن جميع الكسالى في الدنيا ~~يحيلون على الأقدار. # هذا الخلق هو الذي حبب الكسل إلى كثير من المسلمين فنجمت فيهم فئة يلقبون «بالدراويش» ليس ~~لهم شغل ولا عمل، وليس في الواقع إلا أعضاء مشلولة ~~في جسم ~~المجتمع الإسلامي. # وهذا الخلق بعينه هو الذي جعل الإفرنج يقولون: إن الإسلام جبري لا يأمر بالعمل؛ لأن ما هو ~~كائن هو كائن، عمل المخلوق أم لم يعمل. # آيات العمل المبطلة لتفسير القدر بالجبر والكسل # ولا شيء أدل على فساد هذا الزعم الإفرنجي من القرآن الملآن بالحث على العمل وباستنهاض ~~الهمم، وابتعاث العزائم، ونوط الثواب والعقاب والفوز والفشل بالعمل الذي يعمله المكلف، ~~قال الله تعالى: # وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله ~~. # 7 # وقال تعالى: # وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم ~~عملكم ~~. # 8 # وقال تعالى: # وسيرى الله عملكم ~~. # 9 # وقال تعالى: # لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ~~. # 10 # وقال تعالى: # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ~~. # 11 # وقال تعالى: # والله معكم ولن يتركم ~~أعمالكم ~~. # 12 # أي لا ينقصكم أعمالكم. # وقال تعالى: # وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم ~~من أعمالكم شيئا ~~. # 13 ~~«لا يلتكم» من لاته يليته، أو ولته يلته بمعنى نقصه، أي لا يبخسكم من أعمالكم شيئا، ~~وقال تعالى: # نوف إليهم أعمالهم فيها وهم ~~فيها لا يبخسون ~~. # 14 # وقال عز وجل: # وإن كلا لما ليوفينهم ربك ~~أعمالهم ~~. # 15 # وقال عز وجل: # وليوفيهم أعمالهم وهم لا ~~يظلمون ~~. # 16 # وقال عز وجل: # أني لا أضيع عمل عامل منكم ~~. # 17 # وقال عز وجل: # فنعم أجر العاملين ~~. # 18 # وقال عز وجل: # لمثل هذا فليعمل ~~العاملون ~~. # 19 # وقال ms37 عز وجل: # إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه ~~. # 20 # وقال عز وجل: # وتوفى كل نفس ما عملت ~~. # 21 # وقال عز وجل: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى ~~وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم ~~أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ~~. # 22 # وقال عز وجل: # يوم تجد كل نفس ما عملت من ~~خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها ~~وبينه أمدا بعيدا ~~. # 23 # وقال عز وجل: # ووفيت كل نفس ما عملت وهو ~~أعلم بما يفعلون ~~. # 24 # وقال عز وجل: # فأصابهم سيئات ما عملوا ~~. # 25 # وقال تبارك وتعالى: # ووجدوا ما عملوا حاضرا ~~. # 26 # وقال تبارك وتعالى: # ليذيقهم بعض الذي ~~عملوا ~~. # 27 # وقال تعالى: # إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك ~~لهم جزاء الضعف بما عملوا ~~. # 28 # وقال تعالى: # ولكل درجات مما عملوا ~~وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون ~~. # 29 # وقال تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~* ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ~~. # 30 # وقال تعالى: # سيجزون ما كانوا يعملون ~~. # 31 # وقال تعالى: # جزاء بما كانوا يعملون ~~. # 32 # وقال تعالى: # ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ~~. # 33 # إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصى من الآيات التي امتلأ بها القرآن، ومنها ما هو نص في ~~مسألتنا هذه كقوله تعالى: # وما أصابكم من مصيبة ~~فبما كسبت أيديكم ~~. # 34 # وقوله تعالى: # أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم ~~مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ~~. # 35 # إن صاحب السؤال يعلم، وأكثر المسلمين لا يعلمون أن هذه الآية خاطب الله تعالى بها ~~أكمل هذه الأمة إيمانا وإسلاما وهم أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~؛ إذ تعجبوا من ظهور ~~المشركين عليهم في غزوة أحد فرد الله عليهم ببيان السبب؛ وهو مخالفتهم أمره # صلى الله عليه وسلم # للرماة الذين يحمون ظهور المقاتلة بألا يبرحوا أماكنهم سواء كان الغلب للمسلمين أو ~~عليهم، فلما انهزم المشركون خالفوا الأمر؛ لمشاركة المقاتلين في الغنيمة، فكر عليهم ~~المشركون حتى شج رأس النبي # صلى الله عليه وسلم ~~... إلخ. # وكلها ناطقة بأن الإسلام ms38 هو دين العمل، لا دين الكسل، ولا هو دين الاتكال على القدر ~~المجهول للبشر، كما يقول الدراويش البطالون: رزقنا على الله؛ عملنا أم لم نعمل، كما ~~يزين للناس بعض مؤلفي الإفرنج من أن دين الإسلام دين جمود وتفويض وتسليم، وأن تأخر ~~المسلمين إنما نشأ عن ذلك، ولو كان في هذه الدعوى ذرة ما من الصحة لما نهض الصحابة - ~~أخبر الناس بالإسلام - وفتحوا نصف كرة الأض في خمسين سنة، ولكن التسليم الذي يتكلمون ~~عليه، ويهرفون فيه بما لا يعرفون، إنما هو مقرون بالعمل وبالكدح وبالسعي وإلا فلا يسمى ~~تسليما بل يسمى جمودا، ويعد بطالة وهو مخالف للقرآن والسنة. # وأما إذا كان التسليم لله مقرونا بالعمل فإنه أنفع في الدنيا والآخرة؛ لأن إفراط ~~المرء في الاعتماد على نفسه يورطه في البطر إذا نجح، وفي الجزع إذا فشل، والذي يريده ~~الإسلام إنما هو أن يعقل الإنسان ويتوكل # 36 # وأن يدبر لنفسه بهداية عقله الذي جعله الله مرشدا، ويعلم مع ذلك أن ليس كل ~~الأمر بيده، وإن من الأقدار ما لا تدركه الأفكار، وهذا صحيح، ولما ذكر النبي # صلى الله عليه وسلم # القدر سأله بعض أصحابه ألا نتكل؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. (رواه البخاري ~~ومسلم). # ومن أغرب الغرائب أن هؤلاء الإفرنج الذين لا يفتئون ينعتون الإسلام بالجبرية وينسبون ~~تأخر المسلمين إلى هذه العقيدة - التي كان يقول بها فئة قليلة من المسلمين - يذهلون عما ~~هو وارد في الإنجيل من آيات القضاء والقدر التي تماثل ما في القرآن وقد تزيد عليه مثل ~~قوله: لا تسقط شعرة من رءوسكم إلا بإذن أبيكم السماوي. ومثل آي كثيرة لو أردت استقصاءها ~~لطال المقال. # ولا نجد في الإفرنج الذين هم مغرمون بالعمل وهائمون وراء الكسب ومنكرون للقضاء والقدر ~~في الجملة، إلا من يقرأ الإنجيل الشريف ويقدسه ويعجب بمبادئه السامية كما نعجب بها نحن، ~~فما بالهم نسوا ما فيه من آيات القضاء والقدر؟ وما بالهم لم يصفوا أقوال المسيح صلوات ~~الله عليه بالجبرية؟! # يحلونه عاما ويحرمونه عاما ~~. # 37 ms39 # وحقيقة الأمر أن كل ما هو وارد في الإنجيل وكل ما هو وارد في القرآن من آيات القضاء ~~والقدر إنما كان مقصودا به سبق علم الله بكل ما يقع # 38 # ولم يكن مقصودا به نفي الاختيار والتزهيد في الكسب. # وفي حديث الوزنتين والوزنات وغير ذلك من مواعظ الإنجيل الشريف ما يدل على ما عزاه ~~القرآن الكريم إلى صحف إبراهيم وموسى؛ أي وغيرهما من رسل الله. # ألا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف ~~يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى ~~. # 39 # | هوامش # | كون المسلمين الجامدين فتنة لأعداء الإسلام وحجة عليه # ونعود إلى المسلم الجديد فنقول: إنه هو الذي طرق لأعداء الإسلام على الإسلام، وأوجد لهم ~~السبيل إلى القالة بحقه؛ حتى قالوا: إنه دين لا يأتلف مع الرقي العصري، وإنه دين حائل دون ~~المدنية. # والحقيقة أن هؤلاء الجامدين هم الذين لا تأتلف عقائدهم مع المدنية، وهم الذين يحولون دون ~~الرقي العصري، والإسلام براء من جماداتهم هذه. # إن الإسلام هو من أصله ثورة على القديم الفاسد، وجب للماضي القبيح، وقطع كل العلائق مع ~~غير الحقائق، فكيف يكون الإسلام ملة الجمود؟ والقرآن هو الذي جاء فيه من قصة إبراهيم عليه ~~السلام: # إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل ~~التي أنتم لها عاكفون * قالوا وجدنا آباءنا لها ~~عابدين * قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال ~~مبين ~~. # 1 # وجاء فيه: # قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين ~~* قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ~~ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا ~~كذلك يفعلون * قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون ~~* أنتم وآباؤكم الأقدمون * ~~فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ~~. # 2 # وجاء فيه: # إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا ~~على آثارهم مقتدون * قال أولو جئتكم بأهدى ~~مما وجدتم عليه آباءكم ~~. # 3 # وجاء فيه: # وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله ~~قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان ~~آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ~~. # 4 # وجاء فيه: # سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن ~~قبلتهم ms40 التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب ~~يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~. # 5 # وغير ذلك من الآيات الداعية إلى الثورة على القديم إذا لم يكن صحيحا ولم يكن ~~صالحا. # على أن الذين يفهمون الإسلام حق الفهم يرحبون بكل جديد لا يعارض العقيدة، ولا تخشى منه ~~مفسدة، ولا أظن شيئا يفيد المجتمع الإسلامي يكون مخالفا للدين المبني على إسعاد العباد، ~~أفلا ترى علماء نجد وهم أبعد المسلمين عن الإفرنج والتفرنج، وأنآهم عن مراكز الاختراعات ~~العصرية، كيف كان جوابهم عندما استفتاهم الملك عبد العزيز بن سعود أيده الله في قضية ~~اللاسلكي والتلفون والسيارة الكهربائية؟ أجابوه: إنها محدثات نافعة مفيدة، وإنه ليس في كتاب ~~الله ولا في سنة رسول الله لا بالمنطوق ولا بالمفهوم ما يمنعها. # أفليس الأدنى لمصلحة الأمة أن تقدر الدولة على معرفة أي حادث يحدث بمجرد وقوعه حتى تتلافى ~~أمره؟ أفليس الأنفع للمسلمين أن يتمكن الحاج ببضع ساعات من اجتياز المسافات التي كانت تأخذ ~~أياما وليالي، لقد سألت الشيخ محمد بن علي بن تركي من العلماء النجديين الذين بمكة عن رأيه ~~في التلفون واللاسلكي فقال لي: هذه مسألة مفروغ منها، وأمر جوازها شرعا هو من الوضوح بحيث ~~لا يستحق الأخذ والرد. # ولم تكن مقاومة الجديد خاصة بجامدي الإسلام، فقد قاومت الكنيسة في النصرانية كل جديد ~~تقريبا من قول أو عمل، ثم عادت فيما بعد فأجازته، ولما قال «غاليله» بدوران الأرض كفرته، ~~ولا يزال يوجد إلى اليوم من أحبار النصارى من يكفر كل مخالف لما جاء في التوراة من كيفية ~~التكوين، ومن سنتين حوكم أحد المعلمين في محاكم إحدى الولايات المتحدة لقوله بنظرية داروين ~~ومنع من التدريس، ولكن هذا لا يمنع سير العلم في طريقه. # 6 # فالنصارى عندهم جامدون كما عندنا جامدون، والمسلم الجامد يحارب كل علم غير العلم الديني ~~التقليدي الذي ألفه، حتى إنه ليحارب من لا يعتد في دينه إلا بالكتاب والسنة، وينسى أن ~~العلوم الطبيعية والرياضية والهندسة وجر الأثقال والفلك والطب والكيمياء وطبقات الأرض وكل ~~علم يفيد ms41 الاجتماع البشري هي علوم دينية إن لم تكن مباشرة فمن حيث النتيجة، # 7 # وكم جرى تدريس هذه العلوم في الأزهر الأموي والزيتونة والقرويين وقرطبة وبغداد ~~وسمرقند وغيرها عندما كان للإسلام دول كبار وأعاظم رجال، وكم نبغ في الإسلام من عظماء جمعوا ~~بين الحكمة والشريعة، ونظموا بين الحديث والرياضة، وإن أكبر فيلسوف عربي اشتهر اسمه في ~~أوروبة هو القاضي ابن رشد؛ وقد كان من أكابر الفقهاء. # | هوامش # | مدنية الإسلام # أما زعم من زعم أن الإسلام لم يتمكن من تأسيس مدنية خاصة والاستدلال على ذلك بحالته ~~الحاضرة، فهو خرافة يموه بها بعض أعداء الإسلام من الخارج، وبعض جاحديه من الداخل، أما ~~القسم الأول فلأجل أن يصبغوا المسلمين بالصبغة الأوروبية، وأما القسم الثاني فلأجل أن ~~يزرعوا في العالم الإسلامي بذور الإلحاد، ونحن لا ننكر تأثير الدين في المدنية، ولكننا لا ~~نسلم بأنه يصح أن يكون لها ميزانا؛ وذلك لأنه كثيرا ما يضعف تأثير الدين في الأمم فتفلت ~~من قيوده، وتفسد أخلاقها، وتنهار أوضاعها، فيكون فساد الأخلاق هو علة السقوط، ولا يكون ~~الدين هو المسئول، وكثيرا ما تطرأ عوامل خارجية غير منتظرة فتتغلب على ما أثلته الشرائع من ~~حضارة، وتزلزل أركانها، وقد تهدمها من بوانيها، ولا يكون القصور من الشريعة نفسها، فتأخر ~~المسلمين في القرون الأخيرة لم يكن من الشريعة؛ بل من الجهل بالشريعة، أو كان من عدم إجراء ~~أحكامها كما ينبغي، ولما كانت الشريعة جارية على حقها كان الإسلام عظيما عزيزا. # وأي عظمة أعظم مما كان الإسلام في أيام عمر بن الخطاب مثلا. # ومدنية الإسلام قضية لا تقبل المماحكة؛ إذ ليس من أمة في أوروبة سواء الألمان أو الفرنسيس ~~أو الإنكليز أو الطليان ... إلخ، إلا وعندهم تآليف لا تحصى في (مدنية الإسلام) فلو لم تكن ~~للإسلام مدنية حقيقية سامية راقية مطبوعة بطابعه، مبنية على كتابه وسنته، ما كان علماء ~~أوروبة حتى الذين عرفوا منهم بالتحامل على الإسلام يكثرون من ذكر المدنية الإسلامية، ومن ~~سرد تواريخها، # 1 # ومن المقابلة بينها وبين غيرها من المدنيات، ms42 ومن تبيين الخصائص التي انفردت ~~بها. # فالمدنية الإسلامية هي من المدنيات الشهيرة التي يزدان بها التاريخ العام، والتي تغص ~~سجلاته الخالدة بمآثرها الباهرة. # وقد بلغت بغداد في دور المنصور والرشيد والمأمون من احتفال العمارة، واستبحار الحضارة، ~~وتناهي الترف والثروة، ما لم تبلغه مدينة قبلها ولا بعدها إلى هذا العصر، حتى كان أهلها ~~يبلغون مليونين ونصف مليون من السكان، وكانت البصرة في الدرجة الثانية عنها، وكان أهلها نحو ~~نصف مليون. # وكانت دمشق والقاهرة وحلب وسمرقند وأصفهان وحواضر أخرى كثيرة من بلاد الإسلام أمثلة تامة ~~وأقيسة بعيدة في استبحار العمران، وتطاول البنيان ورفاهة السكان، وانتشار العلم والعرفان، ~~وتأثل الفنون المتهدلة الأفنان. # وكانت القيروان وفاس وتلمسان ومراكش في المغرب أعظم وأعلى من أن يطاولها مطاول، أو ~~يناظرها مناظر، أو أن يكاثرها مكاثر في ممالك أوروبة حتى هذه القرون الأخيرة. # وكانت قرطبة مدينة فذة في أوروبة لا يدانيها مدان، وكان عدد سكانها نحو مليون ونصف مليون ~~نسمة، وكان فيه نحو سبع مئة جامع، عدا المسجد الأعظم الذي لما زرته في هذا الصيف قال لي ~~المهندس الذي كان معي من قبل الحكومة الإسبانيولية: إنه يسع بحسب مساحته خمسين ألف مصل في ~~الداخل و30 ألف مصل في الصحن، فجملة من يسعهم هذا المسجد العجيب ثمانون ألفا من ~~المصلين. # ولما ذهبنا إلى آثار قصر الزهراء رأيناها آثار مدينة لا آثار قصر واحد، وعلمنا أنها تمتد ~~على مسافة تسع مئة متر طولا في ثمان مئة متر عرضا، والإسبانيون يقولون: مدينة ~~الزهراء. # وقال لي المهندسون الموكلون بالحفر على آثارها: إنهم يرجون الإتيان على كشفها كلها من ~~الآن إلى خمسين سنة. # وحسبك أن غرناطة التي كانت حاضرة؛ كانت مملكة صغيرة في آخر أمر المسلمين بالأندلس، لم يكن ~~في أوروبة في القرن الخامس عشر المسيحي بلدة تضاهيها ولا تدانيها، وكان فيها عندما سقطت في ~~أيدي الإسبانيول نصف مليون نسمة، ولم تكن وقتئذ عاصمة من عواصم أوروبة تحتوي نصف هذا العدد، ~~وحمراء غرناطة لا تزال يتيمة الدهر إلى اليوم. # هذه لمحة دالة ms43 من مآثر حضارة الإسلام وغرر أيامه، وإلا فلو استقصينا كل ما أثر المسلمون ~~في الأرض من رائع وبديع لم تسع ذلك الجلود الكثيرة المرصوفة طبقا فوق طبق. # وكم حرر المؤرخون الأوروبيون تحت عنوان (مدنية الإسلام) كتبا قيمة ومجاميع صور تأخذ ~~بالأبصار، وإن أشد مؤرخي الإفرنج تحاملا على الإسلام لا يتعدى أن يحاول التصغير من شأن ~~مدنيته، وأن ينكر كونه أبا عذرتها، فقصارى هذه الفئة أن ينكروا كون المسلمين قد ابتكروا ~~علوما وسبقوا إلى نظريات صارت خاصة بهم، وغايتهم أن يقولوا: إن المسلمين لم يزيدوا على أن ~~نقلوا وأذاعوا وكانوا واسطة بين المشرق والمغرب. # وهذا القول مردود عند المحققين الذين يعرفون للمسلمين علوما ابتكروها، وحقائق كشفوها، ~~وآراء سبقوا إليها، فضلا عما زادوا عليه وأكملوه، وما نشروه ونقلوه، ومن استرق شيئا وقد ~~استرقه، فقد استحقه. # وبعد؛ فلم نعلم مدنية واحدة من مدنيات الأرض إلا وهي رشح مدنيات سابقة، وآثار آراء اشتركت ~~بها سلائل البشرية ، ومجموع نتائج عقول مختلفة الأصول، ومحصول ثمرات ألباب متباينة ~~الأجناس. # | هوامش # | الرد على حساد المدنية الإسلامية المكابرين # أينسى حساد الإسلام والمكابرون في عظمة فضله، الزاعمون أنه نقل وتعلم وقلد واقتدى، وأنه ~~إنما صلى وراء غيره - أن الغرب كان غلب على الشرق، وأن المدنية الشرقية يوم ظهر الإسلام كان ~~أخنى عليها الذي أخنى على لبد، وأنه هو الذي جددها وأحيا آثارها، وأقال عثارها؟! وأنها بعد ~~أن كانت قد امحت ولحقت بالغابرين، أبرزها من أصدافها، وجلاها من بعد أن كانت ملفوفة ~~بغلافها، ونشرها إلى الخافقين، وبلجها كفلق الصبح لكل ذي عينين، وأضفى عليها لباس الإسلام ~~الخاص، ودبجها بديباجة القرآن، التي لم تفارقها في شرق ولا غرب، ولا سهل ولا غر، حتى حمل ~~ذلك كثيرا من علماء الإفرنج ممن لم يعمه الهوى، ولم يحد في التحقيق عن مهيع الهدى، على أن ~~اعترفوا بأن مدنية الإسلام لم تكن نسخا ولا نقلا، وإنما هي قد نبعت من القرآن، وتفجرت من ~~عقيدة التوحيد؟! # فأما ما ترجمته حضارة الإسلام من كتب، وما أخذته عن غيرها ms44 من علوم، وما أفادته في ~~فتوحاتها من منازع جميلة، وطرائق سديدة، أخذتها عن غيرها فلا يقدح ذلك في بكارتها ~~الإسلامية، ومسحتها العربية؛ لأن هذا شأن الحضارة البشرية بأجمعها أن يأخذ بعضها عن بعض ~~ويكمل بعضها بعضا، فالحلم الحقيقي ينحصر في هذا الحديث الشريف: «الحكمة ضالة المؤمن ينشدها ~~ولو في الصين» # 1 # وهذه من أقدس قواعد الإسلام. # وعلى كل حال لا يقدر مكابر أن يكابر أن الإسلام كان له دور عظيم في الدنيا سواء في ~~الفتوحات الروحية، أو العقلية، أو المادية، وأن هذه الفتوحات قد اتسقت له في دور لا يزيد ~~على ثمانين سنة؛ مما أجمع الناس على أنه لم يتسق لأمة قبله أصلا. # وكان نابليون الأول لشدة دهشته من تاريخ الإسلام يقول في جزيرة سنت هيلانة: إن العرب ~~فتحوا الدنيا في نصف قرن لا غير. # وتأمل أيها القارئ في أن قائل هذا القول هو بونابرت الذي لم تكن تملأ عينيه الفتوحات مهما ~~كانت عظيمة. # وتعظم في عين الصغير صغارها # وتصغر في عين العظيم العظائم # فهذا رجل عظيم جدا استعظم حادث العرب الذي لم يسبق نظيره في التاريخ، وقد بقي دور العرب ~~هو الأول في وقته، ولبثوا وهم المسيطرون في الأرض، لا يضارعهم مضارع، ولا يغالبهم مغالب، ~~مدة ثلاثة قرون أو أربعة، ثم أخذوا بالانحطاط، وجعلت ظلالهم تتقلص عن البلدان التي كانوا ~~غلبوا عليها شيئا فشيئا؛ وذلك بفتور الهمم، ودبيب الفساد إلى الأخلاق، ونبذ عزائم الدين، ~~واتباع شهوات الأنفس، وأشد ما ابتلوا به التنافس على الإمارات والرئاسات - ولا سيما بين ~~القيسية واليمانية - مما لولاه لدانت لهم القارة الأوروبية بأجمعها، وكانت الآن عربية كما ~~هو المغرب. # فالمصائب التي حلت بالمسلمين إنما هي مما صنعته أيديهم، ومما حادوا به عن النهج السوي ~~الذي أوضحه لهم القرآن الذي لما كانوا عاملين بمحكم آيه علوا وظهروا وكانت لهم الدول ~~والطوائل، فلما ضعف عملهم به وصاروا يقرءونه بدون عمل، وانقادوا إلى أهواء أنفسهم من دونه، ~~ذهبت ريحهم، وولى السلطان الأكبر الذي كان لهم، وانتقصت الأعداء أطراف ms45 بلادهم، ثم قصدوا إلى ~~أوساطها وما زال الأعداء يفتحون من بلدان الإسلام حتى أصبح ثلاث مئة مليون مسلم تحت ولاية ~~الأجانب ولم يبق في العالم سوى 70 أو 80 مليون مسلم نقدر أن نقول: إنهم تحت ولاية ~~أنفسهم. # ولنضرب الآن بعض أمثلة عن الأمم الأخرى لأجل المقابلة بيننا وبينهم؛ إذ كانت «بضدها تتبين ~~الأشياء». # اليونان والرومان قبل النصرانية وبعدها # كان اليونانيون قبل النصرانية أرقى أمم الأرض أو من أرقى أمم الأرض، وكانوا واضعي أسس ~~الفلسفة، وحاملي ألوية الآداب والمعارف، ونبغ منهم من لا يزالون مصابيح البشرية في ~~العلم والفلسفة إلى يوم الناس هذا. # وكان الإسكندر المقدوني أعظم فاتح عرفه التاريخ أو من أعظم الفاتحين الذين عرفهم ~~التاريخ، حاملا للأدب اليوناني، ناشرا لثقافة اليونان بين الأمم التي غلب عليها، وما ~~كانت دولة البطالسة التي لمعت في الإسكندرية بعلومها وفلسفتها إلا من بقايا فتوح ~~الإسكندر، ثم لم تزل هذه الحالة إلى أن تنصرت اليونان بعد ظهور الدين المسيحي بقليل، ~~فمذ دانت هذه الأمة بالدين الجديد بدأت بالتردي والانحطاط وفقد مزاياها القديمة، ولم ~~تزل تنحط قرنا عن قرن، وتتدهور بطنا عن بطن، إلى أن صارت بلاد اليونان ولاية من جملة ~~ولايات السلطنة العثمانية، ولم تعد إلى شيء من النهوض والرقي إلا في القرن الماضي، وأين ~~هي مع ذلك الآن مما كانت قبل النصرانية؟ # أفيجب أن نقول: إن النصرانية كانت المسئولة عن انحطاط اليونان هذا؟! # إن القائلين بأن الإسلام قد كان سبب انحطاط الأمم الدائنة به لا مفر لهم من القول بأن ~~النصرانية قد أدت أيضا إلى انحطاط اليونان التي كانت من قبلها عنوان الرقي. # ثم كانت رومية في عصرها الدولة العظمى التي لا يذكر معها دولة، ولا يؤبه في جانب ~~صولتها لصولة، ولم تزل هكذا هي المسيطرة على المعمور إلى أن تنصرت لعهد قسطنطين، فمنذ ~~ذلك العهد بدأت بالانحطاط مادة ومعنى، إلى أن انقرضت أولا من الغرب، وثانيا من الشرق، ~~ولم تسترجع رومية بعد انقراض الدولة الرومانية شيئا من مكانتها الأولى، وبقيت على ms46 ذلك ~~مدة 15 قرنا حتى استأنفت شيئا من مجدها الغابر. # وما هي إلى هذه الساعة ببالغة ذلك الشأو الذي بلغته أيام الوثنية. # أفنجعل تنصر الرومان هو العامل في انحطاط رومة وتدحرجها عن قمة تلك العظمة الشاهقة؟! ~~لقد قال بهذا علماء كثيرون، كما قال آخرون مثل هذه المقالة في الإسلام، وكلا الفريقين ~~جائر حائد عن الصواب. # فإن لسقوط الرومان بعد فشو الدين المسيحي فيهم، ولسقوط اليونان من قبلهم بعد أن ~~تقبلوا دعوة بولس إلى النصرانية أسبابا وعوامل كثيرة من فساد الأخلاق، وانحطاط ~~الهمم، وانتشار الخنا والخلاعة، وشيوع الإلحاد والإباحة، ومن هرم الدول الذي يتكلم ~~عنه ابن خلدون، وغير ذلك من أسباب السقوط الداخلية؛ منضمة إليها غارات البرابرة من ~~الخارج، فكانت ثمة أسباب قاسرة مؤدية إلى السقوط الذي كان لا بد منه، فلو فرضنا أن ~~النصرانية لم تكن جاءت وقتئذ لم يكن الرومان ولا اليونان نجوا من عواقب تلك الحوادث، ~~ولا تخطتهم نتائج تلك الأسباب. # فدعوى بعض المؤرخين الأوروبيين أن تغلب المسيحية على اليونان والرومان أخنى على ~~عظمتها، وذهب بمدينتها، ليس فيه من الصحيح إلا كون الأوضاع الجديدة تذهب بالأوضاع ~~القديمة؛ سنة الله في خلقه، وأنه في هيعة هذا التحول لا بد من اضطراب الأحوال وانحلال ~~القواعد واستحكام الفوضى، وإلا فلا أحد يقدر أن يقول: إن الوثنية أصلح للعمران من النصرانية. # 2 # وهذه الدعوى كادت تكون أشبه بدعوى أعداء الإسلام الذين يزعمون أن الشرق كان رائعا في ~~بحابح العمران، فجاء الإسلام وطمس المدنيات الشرقية القديمة! لولا أن الحقيقة هي كما ~~قدمنا أن المدنيات الشرقية كانت كلها قد انقرضت أو انحطت قبل ظهور الإسلام بكثير، وأن ~~الإسلام وحده لا غيره هو الذي جدد مدنية الشرق الدارسة، واستأنف صولته الذاهبة الطامسة، ~~وبعث تلك الحواضر العظمى الزاخرة بالبشر كبغداد والبصرة وسمرقند وبخارى ودمشق والقاهرة ~~والقيروان وقرطبة وهلم جرا، فإن كانت قد بقيت للشرق آثار مدنيات قديمة فإن الإسلام هو ~~الذي وطد بوانيها، وطرز حواشيها، وحمل السيف بيد والقلم بيد إلى أبعد ما تصوره العقل من ms47 ~~حدود الأقطار التي لم يسبق لشرقي أن يطأها بقدمه. # فإذا كان الإفرنج الصليبيون من الغرب، وكان المغول أولئك الجراد المنتشر من الشرق، قد ~~دمروا ما بنى الإسلام في تلك الممالك، ونسفوا عمران هاتيك الحواضر، وكانت منافسات ملوك ~~الإسلام الداخلية للشهوات، وإمعانهم في الضلالات، ومحيدهم عن جادة القرآن القويمة، ~~وفقدهم ما يزرعه في الصدور من الأخلاق العظيمة، وقد قضت في الداخل، على ما عجز عن ~~تعفيته العدو من الخارج، فليس الذي في هذا التقلص ذنب الإسلام، ولا التبعة في هذا ~~الانقلاب عائدة على القرآن، وإنما الذنب هو ذنب الهمج من الإفرنج، وجناية ذلك الجراد ~~الزحاف من المغول، وإنما هي تبعة المسلمين الذين رغبوا عن أوامر كتابهم واشتروا بآياته ~~ثمنا قليلا، إلا النادر منهم. # وأيضا فقد تنصرت الأمم الأوروبية في القرن الثالث والرابع والخامس والسادس من ميلاد ~~المسيح، وبقيت أمم في شرقي أوروبة إلى القرن العاشر حتى تنصرت، ولم تنهض أوروبة نهضتها ~~الحالية التي مكنتها تدريجا من هذه السيادة العظمة بقوة العلم والفن إلا من نحو أربع ~~مئة سنة أي من بعد أن دانت بالإنجيل بألف سنة، ومنها بعد أن دانت به بسبعماية سنة، ~~ومنها بثمان مئة سنة، ... إلخ. # وهذه هي القرون المسماة في التاريخ بالقرون الوسطى، ولا نقول: إن الأوروبيين كانوا في ~~هذه القرون بأجمعهم هائمين في ظلمات بعضهم فوق بعض، بل نقول: إن العرب كانوا أعلى كعبا ~~منهم بكثير في المدنية بإقرار مؤرخيهم، وبرغم أنف لويس برتران وأضرابه. # ومن الكتب المخرجة حديثا الشاهدة بذلك: التاريخ العام للكاتب الفيلسوف الإنكليزي ~~«ولز» و«تاريخ مدنيات الشرق» لمؤلف إفرنسي متخصص في التواريخ الشرقية اسمه «غروسه» ~~فالحقيقة التاريخية المجمع عليها هي واحدة في هذا الموضوع، لم يظهر ما ينقضها ولن يظهر؛ ~~وهي: إن العرب في القرون الوسطى كانوا أساتيذ الأوروبيين، وكان الواحد من هؤلاء إذا ~~تخرج على العرب تباهى بذلك بين قومه. # سبب تأخر أوروبا الماضي ونهضتها الحاضرة # أفنجعل هذا التأخر الذي كان عليه الأوروبيون في القرون الوسطى مدة ألف سنة ناشئا عن ~~النصرانية التي ms48 كانت دينهم الذي يعضون عليه بالنواجذ؟! # نعم؛ إن الأمم البروتستانتية منهم تجعل مصدر هذا التأخر الكنيسة البابوية لا ~~النصرانية من حيث هي، وتزعم أن نهضة أوروبة لم تبدأ إلا بخروج (لوثير، وكلفين) على ~~الكنيسة الرومانية. # وأما فولتير ومن في حزبه من أقطاب الملاحدة فلا يفرقون كثيرا بين الكاثوليك ~~والبروتستانت، وعندهم أن جميع هذه العقائد واحدة، وأنها عائقة عن العمل والرقي، ولهذا ~~قال فولتير تلك الكلمة عندما ذكر لديه لوثير، وكلفين، قال: «كلاهما لا يصلح أن يكون ~~حذاء لمحمد # 3 ~~» يرى أن محمدا # صلى الله عليه وسلم # بلغ من الإصلاح ما لم يبلغا أدناه، مع اعتقادم ~~الكثير أن مذهبهما كان فجر أنوار أوروبا. # 4 # والحق الذي لا يرتاب فيه أن النصرانية نفسها لم تكن هي المسئولة عن جهالة الإفرنج ~~المسيحيين مدة ألف سنة في القرون الوسطى، بل للمسيحية الفضل في تهذيب برابرة ~~أوروبا. # وهؤلاء اليابانيون هم وثنيون، ومنهم من هم على مذهب بوذا، ومنهم من يقال لهم: طاويون، ~~وكثيرون منهم يتبعون الحكيم الصيني كنفوشيوس، ولقد مضى عليهم نحو ألفي سنة ولم تكن لهم ~~هذه المدنية الباهرة ولا هذه القوة والمكانة بين الأمم، ثم نهض اليابان من نحو ستين سنة ~~وترقوا وعزوا وغلظ أمرهم، وعلا قدرهم، وصاروا إلى ما صاروا إليه ولم يبرحوا ~~وثنيين. # فلا كانت الوثنية إذا سبب تأخرهم الماضي ولا هي سبب تقدمهم الحاضر، وقد تفاوت ~~اليابان والروسيا وتحاربتا فتغلبت اليابان على روسيا؛ مع أن اليابانيين في العدد هم نصف ~~الروس، ولكن مما لا شك فيه أن اليابانيين أرقى من الروس، والحال أن روسية عريقة في ~~النصرانية، واليابان عريقة في الوثنية. # فليترك إذا بعض الناس جعل الأديان هي المعيار للتأخر والتقدم. # 5 # أفنقول من أجل هذا المثال: إن الإنجيل هو الذي أخر روسيا عن درجة اليابان، وإن ~~عبادة الآلهة ابنة الشمس هي التي جذبت بضبع اليابان حتى سبقت روسيا؟! # إن لهذه الحوادث أسبابا وعوامل متراكمة ترجع إلى أصول شتى، فإذا تراكمت هذه العوامل ~~في خير أو شر تغلبت على تأثير ms49 الأديان والعقائد، وأصبحت فضائل أقوم الأديان عاجزة بإزاء ~~شرها، كما أصبحت معايب أسخفها غير مؤثرة في جانب خيرها. # ولسنا هنا في صدد أسباب تقدم اليابان السريع حتى نبين أن اعتقاد عامتهم (وجود حصان ~~مقدس يركبه الإله فلان) لم يقف حائلا دون تقدمهم المبني على ما ركب في فطرتهم من ~~الحماسة، وما أوتوا من الذكاء، وما أورثهم نظام الإقطاع القديم من التنافس في المجد ~~والقوة. # وعندنا أمثلة كثيرة تكاد لا تحصى في هذا الباب اجتزأنا منها بما ذكرناه، ولم نكن ~~لنتعرض لهذا المقام لولا حملات القسوس والمبشرين وكثير من الأوروبيين على الإسلام، ~~وزعمهم أنه عنوان التأخر، وأنه رمز الجمود، وتحدثهم بذلك في الأندية والمجامع ونشرهم ~~هذه الافتراءات في المجلات والجرائد، وقولهم: إن الشجرة تعرف من ثمارها، وإن حالة ~~العالم الإسلامي الحاضرة هي نتيجة جمود الإسلام، وتحجر القرآن. # كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون ~~إلا كذبا ~~. # 6 # وحسبك أن المسيو سان (المقيم الإفرنسي السامي) في المغرب ينشر في العدد الأخير من ~~(مجلة الأحياء) الإفرنسية مقالة يتكلم فيها على يقظة المغرب بعد (ليل الإسلام)! هكذا ~~تعبيره. # فإن كان تأخر إحدى الممالك الإسلامية حقبة من الدهر يجب أن يقال فيه (ليل الإسلام) ~~فكم كان ليل النصرانية طويلا عندما بقيت أوروبة المسيحية زهاء ألف سنة وهي في حالة ~~الهمجية أو ما يقرب من الهمجية. # إن إدخال الأديان في هذا المعترك وجعلها هي وحدها معيار الترقي والتردي ليس من النصفة ~~في شيء، أما الإسلام فلا جدال في كونه هو سبب نهضة العرب وفتوحاتهم المدهشة مما أجمع ~~على الاعتراف به المؤرخون شرقا وغربا، ولكنه لم يكن سبب انحطاطهم فيما بعد كما يزعم ~~المفترون الذين لا غرض لهم سوى نشر الثقافة الأوروبية بين المسلمين دون ثقافة الإسلام، ~~وبسط سيادة أوروبة على بلدانهم، بل كان السبب في تردي المسلمين هو أنهم اكتفوا في آخر ~~الأمر من الإسلام بمجرد الاسم، والحال أن الإسلام اسم وفعل. # | هوامش # | حث القرآن على العلم # باعث للمسلمين على سبق الأمم في الرقي # العالم الإسلامي ms50 يمكنه النهوض والرقي واللحاق بالأمم العزيزية الغالبة إذا أراد ذلك ~~المسلمون ووطنوا أنفسهم عليه، ولا يزيدهم الإسلام إلا بصيرة فيه وعزما، ولن يجدوا لأنفسهم ~~حافزا على العلم والفن خيرا من القرآن الذي فيه: # هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون ~~. # 1 # والذي فيه: # وزاده بسطة في العلم ~~. # 2 # والذي فيه: # وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم ~~. # 3 # والذي فيه: # شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط ~~. # 4 # والذي فيه: # بل هو آيات بينات في صدور الذين ~~أوتوا العلم ~~. # 5 # والذي فيه: # يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات ~~. # 6 # والذي فيه: # ويعلمهم الكتاب والحكمة ~~. # 7 # وفيه: # يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة ~~فقد أوتي خيرا كثيرا ~~. # 8 # وفيه: # فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ~~وآتيناهم ملكا عظيما ~~. # 9 # وغير ذلك من الآيات الكريمة، وفيه ما هو خاص بالأمة العربية: # هو ~~الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل ~~لفي ضلال مبين ~~. # 10 # وقد زعم بعضهم - ومن جملتهم (سيكار) هذا الذي بالمغرب قد ألف كتابا في الطعن على ~~الإسلام، وهو الذي يكتب في مجلة «مراكش الكاثوليكية» - أن المراد بلفظة «العلم» في القرآن ~~هو العلم الديني، ولم يكن المقصود به العلم مطلقا لنستظهر به على قضية تعظيم القرآن للعلم ~~وإيجابه للتعليم. # وقد أتى سيكار من المغالطة في هذا الباب ما لا يستحق أن يرد عليه؛ لما فيه من المكابرة في ~~المحسوس، وكل من تأمل مواقع هذه الآيات المتعلقة بالعلم وبالحكمة وغيرها مما يحث على السير ~~في الأرض والنظر والتفكير يعلم أن المراد هنا بالعلم هو العلم على إطلاقه متناولا كل شيء، ~~وأن المراد بالحكمة هي الحكمة العليا المعروفة عند الناس، وهي غير الآيات المنزلة والكتاب ~~كما يدل عليه العطف، وهو يقتضي المغايرة، ويعزز ذلك الحديث النبوي الشهير: «اطلبوا العلم ~~ولو في الصين». # 11 # فلو كان المراد بالعلم هو العلم الديني - كما زعم سيكار ms51 - ما كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يحث على ~~طلبه ولو في الصين؛ إذ أهل الصين وثنيون؛ لا يجعلهم النبي مرجعا للعلم الديني كما لا ~~يخفى. # وفي بعض الآيات من القرائن اللفظية والمعنوية ما يقتضي أن المراد بالعلم علم الكون؛ لأنه ~~في سياق آيات الخلق والتكوين، وهي في القرآن أضعاف الآيات في العبادات العملية؛ كالصلاة ~~والصيام؛ كقوله تعالى: # ألم تر أن الله أنزل من ~~السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن ~~الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه ~~كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء ~~. # 12 # أي العلماء بما ذكر في الآية من الماء والنبات والجبال وسائر المواليد المختلفة الألوان ~~وما فيها من أسرار الخلق، لا العلماء بالصلاة والصيام والقيام. # وقد كنا ظننا هذا الرجل على شيء من حب الحقيقة، فلما أنكر المدنية الإسلامية رددنا عليه ~~من المنار وجادلناه بالتي هي أحسن، وعظمنا من قدر المدنية المسيحية، ووقرنا منها، ورددنا ~~على القائلين من الأوروبيين بأن النصرانية كانت وقفا لسير المدنية، وسببا لسقوط اليونان ~~والرومان ، إلى غير ذلك. # فكان من سيكار هذا أن نشر سلسلة مقالات تتضمن من الطعن على الإسلام ما لو جئنا برده لم ~~نستغن عن إيراد شبه واعتراضات تتعلق بالدين المسيحي مما نأبى أن نتعرض له؛ لأنه ليس من ~~العدل، ولا من الكياسة، ولا من حسن الذوق أن نغيظ إخواننا المسيحيين من أجل رجل اسمه سيكار ~~أو غيره من هذه الطبقة من الدعاة والمبشرين، هذا زائدا إلى ما رأيناه في كلامه من الخلط ~~والخبط والمغالطة التي من قبيل قوله: إن العلم المقصود في القرآن ليس هو العلم المعروف عند ~~الناس بمفهومه المطلق، وإنما هو العلم الديني فقط؛ لأن القرآن لا يهمه شيء من علوم الدنيا! ~~فمكابر كهذا لا يستحق الجواب. # ثم علمنا أن المسيو سيكار هذا هو من مستخدمي فرنسة في الرباط بإدارة الأمور الإسلامية، ~~وأنه هو والمسيو لويس برينو مدير التعليم الإسلامي هناك، والقومندان ماركو مدير قلم ~~المراقبة على ms52 الجرائد والمطبوعات، والقومندان مارتي مستشار العدلية الإسلامية ورهطا آخرين ~~- هم الذين لعبوا الدور الأهم في قضية العمل لتنصير البربر. # وما كان استخدام فرنسة لهم في مهمات كلها عائدة للإسلام إلا على نية نقض كل ما يقدرون ~~عليه من بناء الإسلام بالمغرب، وستذوق فرنسا ولو بعد حين وبال ما عملته وتعمله من التعرض ~~للدين الإسلامي الذي تعهدت في معاهداتها باحترامه. # إنا لا نريد لفرنسا إلا خيرا ولكننا ننصح لها بالعدول عن هذه السياسة التي هي على خط ~~مستقيم ضد المبادئ التي تعلنها عن نفسها من أن الأديان في نظرها على حد سواء! فإن كانت ~~الأديان عند الدولة الإفرنسية على حد سواء؛ فلماذا هذا الاجتهاد في تنصير البربر وهم ~~مسلمون؟! ولماذا هذه المساعي الحثيثة في تنصير العلويين سكان جبال اللاذقية، وفي فصلهم عن ~~الوحدة السورية، والحال أن العلويين هم فرقة من الفرق الإسلامية كما لا يخفى؟! وكذلك ننصح ~~الإنكليز بالعدول عن دعايتهم الدينية في السودان والأوغاندة، وننصح لهولاندة بترك دعايتها ~~الدينية بين مسلمي إندونيسيا. # كلمة لطلاب النهضة القومية دون الدينية # يقول بعض الناس # 13 # ما لنا وللرجوع إلى القرآن في ابتعاث همم المسلمين إلى التعليم! فإن النهضة ~~لا ينبغي أن تكون دينية، بل وطنية قومية كما هي نهضة أهل أوروبة؟! ونجيبهم: أن المقصود ~~هو النهضة؛ سواء كانت وطنية أم دينية # 14 # على شرط أن تتوطن بها النفوس على الخب في حلبة العلم، ولكننا نخشى إن ~~جردناها من دعوة القرآن أن تفضي بنا إلى الإلحاد والإباحة وعبادة الأبدان واتباع ~~الشهوات، مما ضرره يفوت نفعه، فلا بد لنا من تربية علمية سائرة جنبا إلى جنب مع تربية ~~دينية، وهل يظن الناس عندنا في الشرق أن نهضة من نهضات أوروبا جرت دون تربية دينية؟! ~~وهل جرت نهضة اليابان دون تربية دينية؟! # أفلم يقل رئيس نظار ألمانيا في الرايستاغ منذ ثلاث سنوات: إن ثقافتنا مبنية على الدين ~~المسيحي؟ وهذه هو إعلان ألمانيا التي هي المثل الأعلى في العلم والصناعة وإتقان الآلات ~~والأدوات، لا ينازع في ذلك ms53 أحد، ولا أعداؤها. # أفتوجد جامعة في ألمانيا أو إنكلترا أو غيرهما من هذه الممالك الراقية من دون أن يكون ~~فيها علم اللاهوت المسيحي؟! # 15 # ثم إنهم عندما يقولون: في أوروبا (نهضة وطنية) أو (نهضة قومية) أو جامعة وطنية أو ~~قومية، لا يكون مرادهم بالوطن: التراب والماء والشجر والحجر، ولا بالقوم: السلالة التي ~~تنحدر كلها من دم واحد، وإنما الوطن والقوم عندهم لفظتها تدلان على وطن وأمه بما فيهما ~~من جغرافية وتاريخ وثقافة وحرث وعقيدة ودين وخلق وعادة؛ مجموعا ذلك معا، وهذا الذي ~~يناضلون عنه، ويستبسلون كل هذا الاستبسال من أجله. # | هوامش # | أسباب انحطاط المسلمين في العصر الأخير # من أعظم أسباب انحطاط المسلمين في العصر الأخير فقدهم كل ثقة بأنفسهم؛ وهو من أشد الأمراض ~~الاجتماعية، وأخبث الآفات الروحية، لا يتسلط هذا الداء على إنسان إلا أودى به، ولا على أمه ~~إلا ساقها إلى الفناء وكيف يرجو الشفاء عليل يعتقد بحق أو بباطل أن علته قاتلته؟! وقد ~~أجمع الأطباء في الأمراض البدنية أن القوة المعنوية هي رأس الأدوية، وأن أعظم عوامل الشفاء ~~إرادة الشفاء، فكيف يصلح المجتمع الإسلامي ومعظم أهله يعتقدون أنهم لا يصلحون لشيء، ولا ~~يمكن أن يصلح على أيديهم شيء، وأنهم إن اجتهدوا أو قعدوا فهم لا يقدرون أن يضارعوا ~~الأوروبيين في شيء؟! # وكيف يمكنهم أن يناهضوا الأوروبيين في معترك وهم موقنون أن الطائلة الأخيرة ستكون ~~للأوروبيين لا محالة؟! فصال مثلهم مع هؤلاء مثل أولئك الأقران الذين كان يبطش بهم سيدنا علي ~~- رضي الله عنه - في وقائعه؛ فقد حدثوا أنه سمعت له في صفين أربع مئة تكبيرة، وكان من عادته ~~- كرم الله وجهه - أنه يكبر كلما صرع قرنا، فقيل له في ذلك؛ فأجاب: كنت إذا حملت على ~~الفارس ظننت أني قاتله؛ فكنت أنا ونفسه عليه. # وهكذا أصبح المسلمون في الأعصر الأخيرة يعتقدون أنه ما من صراع بين المسلم والأوروبي إلا ~~سينتهي بمصرع المسلم ولو طال كفاحه، وقر ذلك في نفوسهم، وتخمر في رءوسهم، لا سيما هذه ~~الطبقة التي تزعم أنها ms54 الطبقة المفكرة العاقلة المولعة بالحقائق، الصادفة عن الخيالات - ~~بزعمها - فإنها صارت تقرر هذه القاعدة المشئومة في كل ناد، وتجعل التشاؤم المستمر والنعاب ~~الدائم من دلائل العقل وسعة الإدراك، وتحسب اليأس من صلاح حال المسلمين من مقتضيات العلم ~~والحكمة وما زالت تنفخ في بوق التثبيط، وتبث في سواد الأمة دعاية العجز؛ إلى أن صار ~~الاستخذاء ديدن الجميع إلا من رحم بك، وكانت روحه من أصل فطرتها قوية عزيزة. # ولم تقتصر هذه الفئة على القول بأن حالة المسلمين الحاضرة هي متردية متدنية لا تقاس بحالة ~~الإفرنج في قليل ولا كثير بل زعمت أن التعب في مجاراة المسلمين للإفرنج في علم أو صناعة أو ~~كسب أو تجارة أو زراعة أو حرب أو سلم أو أي منحى من مناحي العمران هو ضرب من المحال، وشغل ~~بالعبث لا يليق بالعاقل إتيانه، وكأن المسلمين من طينة، والإفرنج من طينة أخرى، فعلو ~~الإفرنج على المسلمين أمر لا بد منه؛ وكأنه كتب في اللوح المحفوظ وجف به القلم، ولم يبق ~~أمام المسلمين إلا أن يعلموا كونهم طبقة منحطة عن طبقة الإفرنجة ويعملوا بمقتضى هذه ~~العقيدة. # وكثيرا ما وقعت لي مجادلات مع هؤلاء المفلسفين بالفارغ صغار النفوس، ولم يكن يدخل في ~~عقولهم المنطق، ولا يعظهم التاريخ، ولا ينفع في إقناعهم علم الطبيعة ولا التشريح، ولا يحيك ~~بهم استنتاج ولا قياس؛ وذلك لما غلب عليهم من آفة الذل، ومرض الاستخذاء، وقد أحس الأوروبيون ~~بما عند المسلمين من هذه الحالة الروحية الموافقة لمصالحهم الاستعمارية، فصاروا يروجونها ~~فيهم، ويقووون عندهم هذه العقيدة، فانطبق على هؤلاء الناعقين بالبين الآية الشريفة: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ~~. # 1 # ولم يكن الإفرنجة وسعاتهم ودعاتهم بملومين على ترويج هذه النظريات التاعسة بين المسلمين؛ ~~لأنها مما يسهل الاستعمار ويمهد طرقه ويكفيهم المقاتلات والمنازلات ويوفر عليهم ~~المزاحمات والسابقات، ويجعل لهم التفوق بلا نزاع، والتسلط دون جدال ولكن العجب كل العجب ~~من هؤلاء المسلمين الذين أمرهم الله ليتصفوا بالعزة ويتسموا بالأنفة ويستوفوا تمام الرجولة ~~كيف كانوا ينقادون لهذه الأضاليل ms55 التي مآلها عبوديتهم للأجانب، لقد صدق فيهم كلام الله - ~~تعالى: # وفيكم سماعون لهم والله عليم ~~بالظالمين ~~. # 2 # وأكثر ما كانوا يؤكدونه للناس من عدم قابلية المسلمين هو استحالة قيامهم بالمشروعات ~~العمرانية والأعمال المادية وكل ما يتعلق به حساب ورقم أو مساحة وقياس؛ فإذا قلت لهم: إن ~~كان المسلمون لا يحسنون هذه العلوم كما تزعمون فكيف استطاعوا أن يؤثروا هذه الآثار الباهرة ~~التي يؤمها السياح من أقاصي الدنيا وكيف ملئوا مصر والشام والعراق والمغرب وإيران والهند ~~والقسطنطينية وغيرها مباني ومؤسسات تبهر الأبصار وتحير الأفكار وكانت لهم معامل ومناسج ودور ~~صناعات متنوعة وغير ذلك مما يعد في الصناعة من الطراز الأول؟ أجابوك: قد كان هذا قبل أن ~~يرقى الإفرنج هذا الرقي الحديث، وقبل أن يكشفوا أسرار الكون التي كشفوها وغير ذلك مما ليس ~~بجواب عن هذا الخطاب والموضوع، هو في واد، وهذا في واد. # فنحن نريد أن نقول: إن كل من سار على الدرب وصل، وإن المسلمين إذا تعلموا العلوم العصرية ~~استطاعوا أن يعملوا الأعمال العمرانية التي يقوم بها الإفرنج، وإنه ليس هناك فرق في ~~القابلية البشرية؛ ولكن على شرط أن ينفض المسلمون عن أنفسهم غبار الخمول، ويلغوا هذه ~~القاعدة التي قد كانت من أسباب شقائهم زمنا طويلا؛ وهي أن كل عمل عمراني في الشرق لا بد ~~من أن يستعار له شركة أوروبية لتقوم به وإلا فلا يستطاع عمله، ولقد أتت التجارب بعد ذلك بما ~~يثبت فساد هذه النظرية بتمامها، وتمكن المسلمون في كثير من البلاد من إنشاء شركات صناعية ~~وتجارية وتأسيس معامل ومناسج ودور صناعة نجحت نجاحا باهرا كذب مزاعم تلك الفئة المثبطة ~~وصيرها موضوعا للهزء. # ولما عزم السلطان عبد الحميد الثاني العثماني على مد سكة حديدية من دمشق إلى الحرمين ~~الشريفين قوبل هذا المشروع أوانئذ بمزيد الاستغراب تبعا للعادة، ومن الناس من ضحكوا به ~~وقالوا: نحن نرى أنفسنا عاجزين عن إنشاء طريق عجلات، فكيف نستطيع أن ننشئ سكة حديدية طولها ~~يزيد عن ألفي كيلو متر وأنى لنا المال والعلم اللازمان ms56 لمشروع عظيم كهذا؟! وأغرب من تشاؤم ~~المسلمين وشعورهم بالعجز عن القيام بهذا العمل أن المهندس الألماني الكبير مايستر باشا الذي ~~انتدبه السلطان لرئاسة مهندسي هذا الخط هو نفسه كان لا يعتقد إمكان إنشاء هذا الخط، وكان ~~هذا الرجل صديقي فسألته مرة عن رأيه فيه فقال: لي إنه يرجو إيصاله إلى معان وهي مسافة أربع ~~مئة كيلو متر من دمشق، فأما مده من معان إلى المدينة فيكاد يكون من المستحيل. فسألته: هل ~~ذلك من عدم وجود المال؟ # قال: على فرض وجد المال فإن دون إنشاء الخط موانع طبيعية يتعذر التغلب عليها؛ فإن السكة ~~يلزم لها ماء في كل محطة، والماء لا يوجد إلا في محطات معدودة، وإن أنشأنا صهاريج تملأ بماء ~~المطر لم يؤمن أن الحرارة في الصيف تنشف بشدتها مياه الصهاريج، وهناك صعوبة أخرى وهي أن ~~الخط سيمتد في أمكنة كلها رمال، وقد تهب الرياح السافياء فتأتي برمال تغطي الخط، ولا يمكن ~~منع ذلك إلا بزرع الحلفاء والقصب والطرفاء، وكل هذا يلزمه ماء حتى ينمو؛ وأين الماء من تلك ~~الأراضي؟! هذا كان كلام المهندس الكبير لي من جهة الطبيعة، ثم ذكر الخطر الواقع على الخط من ~~أعراب البادية. # فأما أنا فكنت معتقدا خلاف اعتقاد الآخرين قائلا بأن ليس ثمة صعوبات لا يستطاع تذليلها، ~~وكنت من الذين ينددون بالمتشائمين والمتهكمين، ونظمت في هذا المشروع قصيدة أحث بها الأمة ~~على التبرع لأجله، وتبرعت أنا من جيبي بخمسة عشر جنيها، وذكرت ما سيكون لهذا الخط من ~~الفوائد العمرانية والاقتصادية والعسكرية؛ فضلا عن تسهيل الحج الذي هو هدفه الأسمى، وكان ~~مطلع قصيدتي: # ألا يا بني الإسلام هل من مساعد # لفعل سماوي المثوبة ماجد # فلما طبعت القصيدة ونشرتها سلقني الكثيرون من أولئك الغربان بألسنة حداد؛ وكأني كفرت في ~~تنويهي بمشروع يربط الشام بالحجاز ويختصر المسافة بينهما على الحجاج من 40 يوما إلى أربعة ~~أيام وهزءوا ما شاءوا، وتمنطقوا بقدر ما أرادوا، ولكن كل تلك الفلسفة لم تجدهم فتيلا ونجز ~~الخط الحديدي من دمشق إلى المدينة ms57 المنورة؛ وهي مسافة ألف وأربع مئة كيلو مترا، ولولا خلع ~~السلطان عبد الحميد لكان قد تم إلى البلد الحرام، ولكن من بعده فترت الهمة بإكماله، وجاءت ~~الحرب وعواقبها فقضت بإهماله. # ثم إن هذا الخط جاء من أبدع الخطوط الحديدية في العالم، صادفت مرة فيه أحد كبراء مسلمي ~~الهند من أعضاء مجلسها الأعلى وهو ممن تثقفوا ثقافة إنكليزية محضة وتخرج من جامعة أكسفورد ~~فقال لي: لا يوجد في نفس إنكلترة سكة حديدية تضاهي في الإتقان هذه السكة، ولو لم أشاهدها ~~بعيوني ما صدقت بوجودها. وبالفعل لم يصدق كثير من المسلمين أخبارها فأرسلوا وفودا ~~يشاهدونها بأعينهم، فكان المسافر يصل من دمشق إلى المدينة في ليلتين، وكانت دمشق تستفيد كل ~~سنة من هذا الخط ما يقارب 200 ألف جنيه، وعمرت القرى التي مر بها الخط، وارتفعت أثمان ~~الأراضي ارتفاعا مدهشا، وتضاعف عمران المدينة المنورة أضعافا، هذا فضلا عما توفر من ~~المشاق والأخطار على الحجاج والزائرين، والتجار والمسافرين. # وأما الصعوبات الطبيعية التي كانوا يقدرونها فلم يصح منها شيء، وأما الأعراب فلم يقع منهم ~~على الخط أدنى اعتداء، وكان عند كل محطة من محاط الخط قلعة فيها جند للمحافظة، وكل تلك ~~المحطات والقلاع كانت مبنية أمتن بناء، ولما كان لا يتاح لغير المسلمين دخول أرض الحجاز ~~فكان إنشاء الخط؛ أي القسم الداخل منه في الحجاز كله على أيدي مهندسين مسلمين، حتى إن ~~مايستر باشا الألماني نفسه لم يتجاوز في إشرافه بلدة تبوك. # ولما ذهبت إلى المدينة المنورة زائرا للنبي # صلى الله عليه وسلم # وذلك سنة 1330ه، كنت أسمع أن عدم ~~مد الخط الحديدي من المدينة إلى مكة نشأ عن اعتراض قبائل العرب من حرب وغيرها، وأنهم لا ~~يسمحون بمرور الخط في أراضيهم، ففحصت هذه القضية فوجدت أكثرها هراء وافتراء، وسألت شيوخ ~~القبائل عما يقال من معارضتهم في إنشاء السكة؛ فقالوا: لو كنا معارضين لإنشائها لعارضنا ذلك ~~من أول دخولها في أرض الحجاز، والحال أننا كنا مساعدين للحكومة على هذا المشروع بكل قوانا، ~~فسألتهم التوقيع على ms58 عريضة للدولة يطلبون فيها تمديد هذا الخط من المدينة إلى مكة فوقع ~~عليها جم من أولئك المشايخ، ولم تكن الدولة عهدت إلي بهذه المهمة، وإنما قمت بها خدمة ~~للوطن وللملة. # ولولا طروء الحرب العامة بعد ذلك بقليل لكان بوشر بمد الخط الحديدي من المدينة إلى مكة، ~~فلما انتهت الحرب العامة واحتلت إنكلترة فلسطين وفرنسا سوريا كان أول ما توجهت إليه همم ~~الإنكليز والفرنسيس هو تعطيل هذا الخط الحديدي الذي يربط القطر الشامي بجزيرة العرب ويقرب ~~صلات المسلمين بعضهم ببعض. # وكم احتج المسلمون على تعطيل هاتين الدولتين لهذا الخط الحيوي للشام والحجاز، وكم أبدوا ~~وأعادوا في أن هذه السكة الحديدية الحجازية كانت تركيا قد جعلتها من جملة أوقاف المسلمين ~~فلا يحق لدولة أجنبية أن تعبث بأوقافهم! فلم يكن ذلك ليقنع تينك الدولتين بالاعتدال ورفع ~~الاعتداء، ولا تزال هذه المؤامرة الفظيعة على هذا الحق المقدس من حقوق المسلمين نافذة إلى ~~يوم الناس هذا، فإذا قام شخص مثلنا يذكرهم بهذا الاعتداء القبيح ضاقت صدورهم به ودس عليه ~~الإنكليز في السر، وطعن عليه الفرنسيس في الجهر، ونعتوه «بعدو فرنسا» وما أشبه ذلك. # والحال أننا إنما نريد صلاح أحوال بلادنا، ولا نضمر لأحد سوءا، والشاهد الذي نقصده هنا ~~هو ما سبق إنشاء سكة الحجاز من تشاؤم كثير من المسلمين، واستهزائهم واستنكارهم وتأكيد أنه ~~خط محال إنشاؤه، ومشروع يكون من قلة العقل تعليق الأمل به، وهذا مثال من أمثلة كثيرة لا ~~يمكن استقصاؤها من كثرتها؛ فقلما تدخل بلدا من بلدان الإسلام، ولا يوردون لك من هذه ~~الأمثال. # وكما ظن المسلمون أنهم لا يحسنون شيئا من المشروعات العمرانية، وأنه لا بد لهم من ~~الأوروبي حتى يدخلوا الإصلاح في بلادهم، وأنه من دون الإفرنجي لا يقدرون على أية عمارة ولا ~~مرفق ذي بال، كذلك ذهبوا إلى أنه لا حظ لهم في الأعمال الاقتصادية أصلا، وأن كل مشروع ~~اقتصادي إسلامي صائر إلى الحبوط إن لم تكن له أركان إفرنجية، وقد طال نومهم على هذه العقيدة ~~الفاسدة حتى لم يبق ms59 في بلادهم شيء اسمه اقتصاد إلا كانت إدارته بأيدي الإفرنج أو اليهود، ~~وحتى لو دعا منهم داع إلى تأليف شركة تجارية أو صناعية أو زراعية لم يدخلها صاحب رأس مال من ~~المسلمين إلا إذا كانت إدارتها بيد إفرنجي أو يهودي، وكلمة الجميع عندهم: نحن لا يخرج من ~~أيدينا عمل ولا نصلح لشيء. # وقد بقي اليهود والإفرنجة يتمتعون بخيرات بلاد الإسلام قرونا وحقبا طوالا دون مزاحم ~~ولا مراغم، ويستدرون فيها أخلاف كل صنعة، ويستورون زناد كل مرفق إلا ما ليس له بال حتى ولو ~~قدر ما ضاع على المسلمين في ظل هذا الوهم بالمليارات وعشرات المليارات ما كانت فيه مبالغة ~~وكأن المسلمين لم يوجدوا في الدنيا إلا عملة أو أكرة يشتغلون بأيديهم، ولا يشتغلون ~~بعقولهم. # وبهذا السبب خلا الميدان في بلاد الإسلام لأصناف الأجانب يركضون فيه جياد قرائحهم ~~وعزائمهم، ويجمعون الثروات التي ليس وراءها متطلع لمزيد؛ وذلك على ظهور المسلمين ومن ~~أكياسهم، وقد يكثر التحدث بما يصيب الأجانب من هذه المكاسب الطائلة التي كان أهل الإسلام ~~أولى بها؛ لأنها من بلادهم ولا تحفزهم همة ولا تأخذهم غيرة فيجربون الخب في الحلبات ~~الاقتصادية إلى أن نبغ في مصر محمد طلعت باشا حرب، فكان في هذا الباب أمة وحده، وأدرك ~~بواسع عقله وثاقب فكره أن ليس في هذا الموضوع شيء يفوق طاقة المسلمين، ولا مما يتعذر وجود ~~أدواته عندهم، وأن قصورهم فيه عن مباراة الأجانب لم يكن إلا من آثار ذلك التوهم القديم الذي ~~هو أنهم لا يحسنون الجري في أي ميدان من ميادين الاقتصاد، وقد وجدت عند هذا الرجل في جانب ~~رجاحة العقل وسداد الحكم همة بعيدة قعساء، ونزعة وطنية صافية من الأقذاء، سالمة من الأهواء، ~~فاجتمعت فيه جميع الشروط اللازمة لمن شاء أن يبدأ بالشرق بنهضة اقتصادية تزاحم بالمناكب ~~وثبات الأجانب، ومما يندر في الرجال الجمع بين الحساب الدقيق والخيال الواسع، وهما قد ~~انتظما جنبا إلى جنب في دماغ طلعت باشا حرب، فكانت سعة خياله مساعدة له على الإقدام نحو ~~المشروعات ms60 التي هي مظان الأرباح، وكانت دفة حسابه مساعدة له على نجاحها، وضمان أرباحها، ~~وبالاختصار اقتحم طلعت حرب معركة هي الأولى من نوعها في المجتمع الشرقي. # وعندما باشر جمع رأس المال الذي كان حدده لإنشاء بنك مصر وهو 80 ألف جنيه عانى في ذلك ~~أهوالا، ونحت جبالا؛ وذلك لما ران على عقول المسلمين من أنهم لا يقدرون على الاستقلال ~~بعمل اقتصادي، وأن كل عمل منهم في هذا السبيل حابط من نفسه، هابط على أم رأسه، فلما أخذ ~~طلعت باشا حرب يتقاضى أغنياء مصر المشاطرة في هذا المشروع لبوا نداءه؛ حياء منه، لا ~~اعتقادا بأنه سيأتي بثمرة، وبقيت ثقتهم بأجمعها في بنوك الأجانب، وما زال معولهم عليها إلى ~~أن شاهدوا بأعينهم النجاح الذي كاد يكون معجزة في نظرهم، وارتفع رأس مال بنك مصر من 80 ألف ~~جنيه إلى مليون جنيه، واحتوت خزائنه من الودائع على عدة ملايين من الجنيهات، واشتمل على ~~أملاك وملفات وشركات متعددة متنوعة تقدر بملايين أخرى من الجنيهات؛ بحيث زادت الأموال التي ~~تحت تصرف البنك على عشرين مليون جنيه، وكل هذا في ثماني عشرة سنة أنشأ فيها طلعت باشا حرب ~~ومدحت باشا يكن ورفاقهما على حساب بنك مصر شركة مصر للغزل والنسج التي معملها في المحلة هو ~~من أكمل وأعظم معامل الغزل والنسيج في العالم يعمل فيه 18 ألف عامل يندر فيهم غير المصري، ~~ويسد من المنسوجات القطنية ثلث حاجة القطر المصري بأجمعه، فيكون قد وفر على المملكة المصرية ~~ثلاثة ملايين جنيه سنويا، كانت من قبل تخرج من جيوب المصريين لتدخل في جيوب ~~الأوروبيين. # وهناك من توابع بنك مصر شركة مصر لنسج الحرير، وشركة مصر للتمثيل والسينما، وكل هذه نالت ~~معروضاتها الجوائز الكبرى في المعرض الدولي الباريزي سنة 1937 ثم شركة مصر لمصايد الأسماك، ~~وشركة مطبعة مصر، وشركة مصر للطيران، وشركة مصر للسياحة، وناهيك بشركة مصر للملاحة البحرية ~~وما أنشأته من المنشآت الجواري كالأعلام؛ مثل: زمزم، والكوثر، والنيل، وغيرها؛ مما كاد يكون ~~كالأحلام، فصار الحجاج يبلغون الحجاز على بواخر ms61 يرون بها أنفسهم في مثل قصور الملوك؛ ~~فراهة، ورفاهة، وراحة، ونعيما، ومقاما كريما، وصار سياح مصر الكثيرون إلى أوروبا في فصل ~~الصيف يركبون تحت العلم المصري الشريف بواخر لو قرنت ببواخر الأمم الأوروبية لحلت بينها ~~في الصف الأول، هذا بعد أن قضينا كل الدهر نسير ونسري في البواخر الأجنبية ونؤدي إليها ~~أموالنا بلا سبب سوى قصور هممنا عن إنشاء بواخر خاصة بأوطاننا؛ بها ركوبنا، وعليها نقل ~~بضائعنا، وليس هنا محل تفصيل مشروعات طلعت باشا حرب باعث النهضة الاقتصادية في الشرق لنخوض ~~في هذا العباب، ولا مقصدنا تمجيده والإشادة بمآثره ولو بالحقيقة، وإنما كان إيرادنا هذه ~~القصة على سبيل المثال لما كان عليه المسلمون من الجبن في المواطن الاقتصادية إلى أن هب هذا ~~الرجل مدير بنك مصر فأيقظهم من سباتهم، وأعلمهم أنهم رجال كما الأوروبيون رجال، وأنهم إذا ~~شحذوا غرار عزائمهم وأعملوا أسنة قرائحهم قدروا على ما يقدر عليه الأجانب من الأعمال ~~الاقتصادية الكبيرة. # وها نحن أولاء الآن نرى العاملين في بنك مصر وفي الشركات المضافة إليه ثلاثين ألف مستخدم ~~وعامل كلهم مصريون؛ إلا النادر الأندر، وهكذا بدأ المسلمون يقتحمون معارك الحياة الاقتصادية ~~في كل فن من فنونها، وتولدت عندهم في أنفسهم ثقة كانت محجوبة عنهم من قبل؛ بحيث إن أحمد ~~حلمي باشا والسيد عبد الحميد شومان من فلسطين أسسا في القدس بنكا كل رأس ماله خمسة عشر ألف ~~جنيه، وتوفقا - بحسن إدارتهما - إلى أن صيرا هذا البنك العربي الوحيد في القطر الشامي من ~~البنوك المعدودة ذوي الفروع الكثيرة صار يشتمل على خمس مئة ألف جنيه. # وكذلك أسسا بنكا زراعيا شاطر في تأسيسه أكثر من خمسة آلاف مساهم من عرب فلسطين، وبلغ ~~رأسماله نيفا ومئة ألف جنيه، فسدت بهذين البنكين الأمة العربية في فلسطين حاجتها، ~~واستغنى ذوو الحمية منها عن الالتجاء إلى بنوك الأجانب، وفهم الناس أن هؤلاء ليسوا فوق ~~الشرقيين، وأنهم لا يعجزون. # إنما جئنا بهاتين المسألتين للاستدلال على الأضرار الفظيعة التي كان يحدثها بالمسلمين ~~عدم ثقتهم بأنفسهم. # ولعلهم بدءوا ms62 يتعافون الآن من هذا المرض الاجتماعي المهلك، والله غالب على أمره. # | هوامش # | هكذا إذا توجهت الهمم # الإصلاحات المعنوية والمادية في البلاد المقدسة # توالت على بلاد الإسلام المقدسة قرون وأحقاب كانت فيها أشد البلاد افتقارا إلى الإصلاح، ~~وأقربها إلى الفوضى، وأقلها أمنة سبل وراحة سكان، وأكثرها عيثا وفسادا، وكانت هذه ~~الحالة فظيعة جدا مخجلة لكل مسلم، مرمضة لكل مؤمن حجة ناصعة للأجانب على المسلمين الذين ~~لا يقدرون أن ينكروا ما في الحجاز من اختلال السبل، واضطراب الحبل؛ مع كونه هو مهد الإسلام، ~~ومركز الحجيج العام، في كل عام، إلى بيت الله الحرام، والمشاعر العظام، ومهوى قلوب يتأجج ~~بها الغرام؛ لزيارة مرقد الرسول عليه الصلاة والسلام. # كل الأجانب يستظهرون بهذه الحالة على دعوى أن الإسلام لا يلتئم مع العمران، وأنه هو ~~والفوضى توءمان، وأنه لو كان دينا عمرانيا لما كانت تكون هذه الحالة السيئة في مركزه، ~~ولما عجز عن إقامة العدل والأمن في مأزره. # وحقيقة الحال هي أن تلك الفوضى لم تنشأ إلا عن إهمال العمل بقواعد الشرع الإسلامي، وعن ~~إرخاء العنان لبعض الأمراء الذين كانوا يلون أمر الحجاز؛ مدلين على الناس بما لهم من النسب ~~النبوي الشريف الذي كان يحول بين سلاطين الإسلام وبين تشديد الوطأة عليهم، أو إرهاف الحد ~~فيهم، وقد كان هذا من خطل الرأي ومن التقصير في جانب الشرع؛ فإن الشريعة الإسلامية لا تعرف ~~نسبا ولا حسبا. # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتساءلون ~~. # 1 # وإن الله تعالى قد جعل التقوى فوق كل المناقب والمحامد، وقرر أن من قصر به عمله لم ينهض ~~به نسبه، ومن المروي عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «ألا إن بعض آل بيتي يرون أنفسهم أولى الناس بي؛ ~~وليس الأمر كذلك، إنما أوليائي المتقون؛ من كانوا وحيث كانوا، ألا إني لا أجيز لأهل بيتي أن ~~يفسدوا ما أصلحت». # هذا حديث نقله لنا خاتمة المحدثين المرحوم السيد بدر الدين الحسني المغربي الدمشقي، وكيف ~~كانت درجة ثبوته فهو مطابق لروح الشرع، تتفجر ms63 معانيه من كل ناحية من الكتاب. # ولهذا كان سلاطين الإسلام من وقت إلى آخر ينذرون من أمراء الحرمين من كانوا يظلمون الناس ~~ويبغون في الأرض بغير الحق، ولقد ذهب مثلا ذلك الكتاب الذي كتبه أحد سلاطين مصر من ~~المماليك إلى أحد أمراء مكة المكرمة؛ وهو الذي يقول فيه: # اعلم أن الحسنة في نفسها حسنة؛ وهي من بيت النبوة أحسن، والسيئة في نفسها سيئة؛ ~~وهي من بيت النبوة أسوأ، وقد بلغنا أنك بدلت حرم الأمن بالخيفة، وأتيت ما يحمر له ~~الوجوه وتسود الصحيفة، فإن وقفت عند حدك؛ وإلا أغمدنا فيك سيف جدك. # ولا ينبغي أن يفهم من هنا أن هؤلاء الأمراء لم يكن فيهم إلا من استحق هذا الوصف، كلا؛ فقد ~~وجد فيهم الأمراء العادلون، إلا أنه قد بقيت مع الأسف أحوال الحجاز غير مستوية، وأعراب ~~البادية يسطون على الحجاج، وليس لداء معرتهم علاج، وكانت كل من الدولة العثمانية والدولة ~~المصرية ترسل طوابير من الجند النظامي مصحوبة بالمدافع وسائر آلات القتال؛ لأجل خفارة قوافل ~~الحج، وتؤدي إلى زعماء القبائل الرواتب الوافرة، وكل هذا لم يكن يمنع الأعراب ومن لا يخاف ~~الله من الدعار من تخطف الحجاج في كل فرصة تلوح لهم. # وكثيرا ما كانت قافلة الحج تضطر إلى الرجوع وقد فاتها الحج أو الزيارة بعد أن قصدوا ذلك ~~من مكان سحيق، وتكلفوا بذل الأموال، وتجشموا مشاق الأسفار في البر والبحر، فكانوا يذوبون من ~~الشوق على ما فاتهم، ويتحرقون من الوجد، ويبكون بصيب الدمع، والناس بأجمعهم يحوقلون ~~ويقولون: (ليس لها من دون الله كاشفة) ذاهبين إلى أن سطو الأعراب هؤلاء داء عضال لا تنفع ~~فيه حيلة ولا وسيلة، وقد عمت بهم البلوى، وإلى الله المشتكى. # وهكذا توالت القرون والحقب والناس على هذا الاعتقاد لا يتزحزحون عنه إلى أن آل أمر الحجاز ~~إلى الملك عبد العزيز بن سعود منذ بضع عشرة سنة؛ فلم تمض سنة واحدة حتى انقلب الحجاز من ~~مسبعة تزأر فيها الضواري في كل يوم بل في كل ساعة إلى مهد ms64 أمان، وقرارة اطمئنان، ينام فيها ~~الأنام بملء الأجفان، ولا يخشون سطوة عاد، ولا غارة حاضر ولا باد، وكأن أولئك الأعراب الذين ~~روعوا الحجيج مدة قرون وأحقاب لم يكونوا في الدنيا، وكأن هاتيك الذئاب الطلس تحولت إلى ~~حملان؛ فلا نهب ولا سلب ولا قتل ولا ضرب، ولو شاءت الفتاة البكر الآن أن تذهب من مكة إلى ~~المدينة، أو من المدينة إلى مكة، أو إلى أية جهة من المملكة السعودية وهي حاملة الذهب ~~والألماس والياقوت والزمرد، ما تجرأ أحد أن يسألها عما معها. # ما من يوم إلا وتحمل فيه إلى دوائر الشرطة لقط متعددة، ويؤتى بضوال فقدها أصحابها في ~~الطرق، وأكثر من يأتي بها الأعراب أنفسهم؛ خدمة للأمن العام، وإبعادا للشبهة عنهم وعن ~~ذويهم، فسبحان محول الأحوال ومقلب القلوب، ووالله لا يوجد في هذا العصر أمن يفوق أمن ~~الحجاز لا في الشرق ولا في الغرب، ولا في أوروبا ولا في أمريكا، وقد تمنى المستر كراين ~~الأميركي صديق العرب الشهير في إحدى خطبه أن يكون في وطنه أمريكا الأمن الذي رآه في الحجاز ~~واليمن. # وكل من سكن أوروبة وعرف الحجاز في هذه الأيام يحكم بأن الأمنة على الأرواح والأعراض ~~والأموال في البقاع المقدسة هي أكمل وأشمل وأوثق أوتادا وأشد أطنابا منها في الممالك ~~الأوروبية والأمريكية، فأين أولئك الذين كانوا يقولون: إن الأعراب لا يقدر على ضبطها إنسان، ~~وإن سكان الفيافي هم غير سائر البلدان؟! فها هو ذا ابن سعود قد ضبطها بأجمعها في مملكته ~~الواسعة، ومحا أثر الغارات والثارات بين القبائل، وأصبح كل إنسان يقدر أن يجوب الصحاري وهو ~~أعزل، ويدخل أرض كل قبيلة دون أن يعترضه معترض أو يسأله سائل إلى أين هو غاد أو رائح، ولو ~~قيل لبشر: إن بلادا كان ذلك شأنها من الفزع والهول وسفك الدماء وقطع الطرق قد مرد أهلها ~~على هذا البغي وهذا العدوان من سالف الأزمان، وإنه يليها ابن سعود فلا تمضي على ولايته لها ~~سنة واحدة حتى يطهرها تطهيرا ويملأها أمنا وطمأنينة؛ لظن السامع أنه ms65 يسمع أحلاما أو ~~خرافات، أو اتهم القائل في صحة عقله. # ولكن هذا قد صار حقيقة كلية، وقضية واقعية في وقت قصير، وما أوجده إلا همة عالية، وعزمة ~~صادقة، وإيمان بالله، وثقة بالنفس، وعلم بأن الله تعالى مؤيد من أيده، ناصر من نصره، يحث ~~على العمل ويكافئ العامل، ويكره اليأس، ويقول لعباده: # ومن يقنط ~~من رحمة ربه إلا الضالون ~~. # 2 # وقد سرت بشرى الأمان الذي شمل البلاد المقدسة الحجازية فعمت أقطار الإسلام، وأثلجت صدور ~~أبنائه، وارتفعت عن الحجاز تلك المعرة التي طالما وجم لها المسلمون؛ وذلك بقوة إرادة ~~الملك عبد العزيز بن سعود، والتزامه حدود الشرع، ولكن ليس هذا كل شيء وقد بقيت حاجات في ~~الصدور؛ فلم يزل يعوز الحجاز وسائل كثيرة للراحة والهناء من قبيل الإصلاحات المادية ~~العمرانية التي يتوق إليها الحجاج ولا يجدونها، وهي إصلاحات عصرية لا طاقة للحجاز بها مع ~~قلة الوارد إلى بيت المال، وازدياد الخرج على الدخل، وأيضا مع استئثار أكثر بلاد المسلمين ~~بأوقاف الحرمين الشريفين، وعدم استعمالها فيما وقفت عليه. # وقد كان يتحتم على العالم الإسلامي أن يشاطر منذ زمن طويل في إزاحة هذه العلل المادية ~~التي يعتذر الحجاز بحق عن أن يقوم بها وحده؛ لا سيما أن الحرمين الشريفين ليسا للعرب وحدهم؛ ~~بل لجميع المسلمين. # فلم تزل هذه المسألة موضوع الأماني ومتجه الآمال، والناس ينتظرون فيها الابتداء بعمل من ~~الأعمال، إلى أن عقدت مصر عزيمتها على هذا الأمر الذي تعتبر مصر جد أمينة بأن تطلع به، وبأن ~~تكون فيه السباقة والقدوة لغيرها. # ولم يطلق على مصر لقب «كنانة الله في أرضه» عبثا؛ بل هي من قديم الدهر موئل الحجاز ~~وانبار المسنتين من أهله، وحسبك ما قامت به مصر عام الرمادة من ميرة الحجاز بطلب سيدنا عمر ~~إلى سيدنا عمرو - رضي الله عنهما - ومن بعد ذلك لم تشتد بأهل الحرمين لأواء، ولا عضتهم ~~مسغبة بنابها إلا أسرعت إليهم مصر بالإغاثة وتفريج الكربة، لم تتخلف مصر عن هذا الواجب في ~~وقت من الأوقات، وفي هذه الأيام ms66 عندما اشتد الشعور بوجوب إصلاح الحجاز من الناحية العمرانية ~~بعد أن أزيحت علته من جهة تأمين السوابل كانت مصر هي الناهضة لمد يد المساعدة إليه في هذا ~~الشأن، وكأنما كتب في اللوح المحفوظ أن يكون محمد طلعت باشا حرب هو الطالع حربا على الخلل ~~والفوضى والإهمال في عمران الشرق، فوجه شطرا من همته العلياء شطر البيت الحرام الذي قد ~~أمرنا الله بأننا حيث ما كنا نولي وجوهنا شطره؛ لئلا يكون للناس علينا حجة، فكان طلعت باشا ~~حرب في هذه الحلبة أيضا هو المجلي، وكان قد بدأ من بضع سنين بتأسيس شركة الملاحة البحرية، ~~وأنشأ البواخر الجواري كالأعلام البالغة الحد الأقصى من أسباب الراحة والانتظام؛ مثل: زمزم، ~~والكوثر، وغيرهما مما قد سبق الكلام عليه، وحصل بذلك من الفرج لحجاج بيت الله الحرام ما ~~تحدثت به الركبان، وشاع ذكره في البلدان، ولكن لم يكن هذا كل ما تسمو إليه همة هذا الرجل من ~~إصلاح عمراني وتنظيم مادي في الحجاز؛ فقصد إلى الأرض المقدسة ونظر في مختلف العلل التي تجب ~~معالجتها، وعرض نتيجة مشاهداته على الحكومة المصرية التي أسرعت في إجابته إلى تقرير اللازم ~~من هذه الإصلاحات الحيوية بالاتفاق مع الحكومة السعودية التي بذلت كل ما في وسعها لأجل ~~تسهيل الاتفاق، وتيسير الارتفاق، فكان ما ستنفقه الحكومة المصرية والحكومة السعودية في هذه ~~النوبة من إصلاحات الحجاز لإنشاء طرق وإنارة كهربائية وتوزيع مياه وتطهيرها وغير ذلك نحوا ~~من مئتين وأربعين ألف جنيه. # وهكذا تكون الدولة المصرية قد نهجت السبيل لجميع الحكومات الإسلامية في العالم أن تشاطر ~~في القيام على قدر إمكانها بما يستلزمه الحجاز من الإصلاحات العصرية التي لا مندوحة عنها في ~~قطر يؤمه المسلمون من المشارق والمغارب سالكين إليه البر والبحر والجو وهو مرشح حتما ~~بواسطة طرق الانتقال الحديثة؛ لزيادة العمران، وتكاثف السكان، وليكون أنموذجا للجمال ~~الصوري والمعنوي، ومثالا لطيب النجعة في الشتاء والصيف، فإن الذي يشتمل عليه الحجاز من ~~المصايف البديعة؛ كالطائف والهدى ووادي محرم ووادي ليه وجبال الشفا العالية ثلاثة آلاف ms67 متر ~~عن سطح البحر - يندر وجود أشباهه في المعمور كما فصلنا ذلك في رحلتنا الحجازية الموسومة ~~«بالارتسامات اللطاف»، لا يعوز هذه الأمكنة الممتازة بطيب هوائها وجودة مناخها وجمال ~~إقليمها سوى الطرق المعبدة للسيارات حتى تقرب المسافات. # وقد نشرت شركة بنك مصر عن الإصلاحات اللازمة للحجاز تقارير وافية قيمة من أقلام المهندسين ~~البارعين الذين أنفذتهم شركة البنك إلى الأراضي المقدسة؛ مثل محمد الجمال بك نائب المدير ~~العام لمعامل الغزل والنسيج المصرية، الذي تكلم عن حالة الحجاز العمومية وقابلية أرضها وما ~~يلزم لهذه البلاد من الأسباب الفنية والمدارس الصناعية، وألم بمشروع المياه الذي يلزم له ~~بناء خزان في مرتفع تعلو عنه عين زبيدة؛ بحيث يسد كل عوز في مكة ومن جهة المياه، وبمشروع ~~إضاءة مكة بالكهرباء، وبمشروع إنشاء طريق صالحة للسيارات من جدة إلى البلد الحرام، أو سكة ~~حديدية توصل بينهما. # ومشروعات أخرى تضمنها هذا التقرير الواضح المفيد الذي ليس فيه محل نظر سوى تخمينه عدد ~~مسلمي المعمور بمئتين وخمسين مليونا، فهذا خطأ فاحش ناشئ عن متابعة إحصاءات قديمة أوروبية ~~غير نزيهة، أو ثمة خطأ مطبعي تصحيحه 350 مليونا (ثلاث مئة وخمسون مليونا) وهذا أيضا دون ~~الواقع كما أوضحنا ذلك بالإحصاءات الرسمية والبراهين الساطعة في مجلتنا «لا ناسيون آراب»؛ ~~ردا على الزاعمين أن عدد المسلمين 260 مليونا، مع أن مسلمي آسية وحدها ينيفون على 260 ~~مليونا، وقد بقي غير داخل في هذا الإحصاء مسلمو إفريقيا الذين يناهزون مئة مليون، ومسلمو ~~أوروبا الذين هم من خمسة إلى ستة ملايين. # ولقد اهتممنا بهذا الموضوع عمدا؛ لما نحسه من تحرج صدور الأوروبيين بكثرة عدد المسلمين، ~~واجتهاد الدول الاستعمارية بخاصة أن ينقصوا من عددهم، ويخسروا من وزنهم، فمحصنا هذا البحث ~~عدة مرات؛ لما نشعر من نيتهم هذه. # ثم نعود إلى قضية إصلاحات الحجاز؛ فنقول: إن من جملة التقارير الوافية في هذا الموضوع ~~تقريرا محررا بقلم المهندس المحقق السيد حسن البهتيمي الذي يتكلم على تحويل مجرى السيل عن ~~مكة، وعلى تحسين طريق المسعى بين الصفا والمروة، وتحسين ms68 طريقة ورود المياه بعرفات من عين ~~زبيدة، وإنارة البلد الأمين بالكهرباء، وتقريرا آخر في هذه المسائل نفسها من قلم السيد ~~مصطفى ماهر رئيس مهندسي مياه الجيزة والجزيرة بمصر ذهب فيه إلى أنه بعد أن يتم إصلاح توزيع ~~عين زبيدة وعين حنين التي يتفرغ منها المجرى المسمى بعين الزعفران؛ يجب أن يباشر الحفر في ~~سائر الآبار والأودية التي هي مظان مياه غزيرة تفيض عن حاجة مكة من جهة شرب الشفة، وتكفي ~~للزراعة والبساتين؛ قال: ومشروع المياه سيكون مفتاحا للبحث عن هذه الكنوز الأرضية. # وتكلم المهندس المشار إليه عن بئر زمزم؛ وقال: إن في مائها أملاحا نافعة كأملاح المياه ~~التي يستشفى بها في أوروبا؛ فهي من هذه الوجهة صالحة لتوضع في زجاجات معقمة مقفلة وتحمل إلى ~~الخارج وتباع فيكون منها ربح جزيل. # ثم أشار بالوسائل اللازمة لصيانتها من الجراثيم الضارة، وأن يتولى عالم بكتريولوجي دوام ~~تحليلها؛ ليكون تعقيمها تاما. # وتكلم عن عملية مياه عين زبيدة وبناء الخزانات اللازمة بتفاصيل ليس هنا مكانها. # وأصحب التقرير بالرسوم التي توضح كل شيء، وأشار إلى إنارة مكة بالقوة الكهربائية وما فيها ~~من أرباح وفوائد؛ وذلك كما قرره المهندسون الآخرون، ولكل وجهة هو موليها. # وفي تقرير المهندس الكبير السيد مصطفى ماهر كلام خاص بالمدينة المنورة التي هي جنة من ~~جنان الأرض، وفيه وصف مياهها العذبة الغزيرة، وحدائقها الغناء، وقد ختم تقريره الشائق بقوله: # وإني أسأل الله أن يوفق عباده المؤمنين إلى مد يد المعونة إلى الأراضي المقدسة ~~قبلة المسلمين، كل فيما يقدر عليه؛ للتيسير على أهلها، والاحتفاظ لهذه البقاع ~~الطاهرة بما يليق بها من الجلال والوقار. ا.ه. # وتنتهي مجموعة هذه المباحث - التي أعظم اليد في إجرائها لطلعت باشا حرب - بالتقارير ~~الصحية الجلية الوافية من قلم العلماء المتخصصين السادة: محمد حسن العبد، ومصطفى ماهر، وحسن ~~حسني راشد الكيمائي بوزارة الصحة المصرية، وحسن البهتيمي وكيل القلم الفني ببنك مصر. # وفي هذه التقارير التحليلات المفصلة الدقيقة لمياه بئر زمزم، ومياه عين زبيدة، ومياه عين ~~الزعفران في مكة، وعين الزرقاء في ms69 المدينة المنورة، مع التواصي الفنية اللازمة للاستفادة ~~منها. # ولما كانت هذه المجموعة قد نشرت وتوزعت اكتفينا منها بلمحة دالة في هذه الرسالة؛ سائلين ~~الله أن يوفق كلا من الدولتين العزيزتين: المصرية، والسعودية، إلى إتمام هذه الإصلاحات ~~الجليلة بحذافيرها، فإن الإصلاح واجب في كل مكان، فكيف البقاع المقدسة؟! # | هوامش # | خلاصة الجواب # | أن المسلمين ينهضون بمثل ما نهض غيرهم # بقلم شكيب أرسلان # لوزان 11 نوفمبر سنة 1930 # إن الواجب على المسلمين - لينهضوا ويتقدموا ويتعرجوا في مصاعد المجد، ويترقوا كما ترقى ~~غيرهم من الأمم - هو الجهاد بالمال والنفس الذي أمر به الله في قرآنه مرارا عديدة، وهو ما ~~يسمونه اليوم (بالتضحية). # فلن يتم للمسلمين ولا لأمة من الأمم نجاح ولا رقي إلا بالتضحية، وربما كان الشيخ محمد ~~بسيوني عمران أو غيره من السائلين عن رأينا في هذا الموضوع قد ظن أني سأجيبه أن مفتاح الرقي ~~هو قراءة نظريات (أينشتين) في النسبية مثلا، أو درس أشعة (رونتجين)، أو ميكروبات (باستور)، ~~أو التعويل في اللاسلكي على التموجات الصغيرة أكثر من الكبيرة، أو درس اختراعات (أديسون)، ~~وأن سبب حادثة المنطاد الإنكليزي الذي سقط أخيرا واحترق هو كونه لم ينفخ بالهليوم وإنما ~~بالهيدروجين، والحال في الهيدروجين - وإن كان أخف في الوزن - قابل للاشتعال، وإنه لا خوف من ~~اشتعال الهليوم - وإن كان أثقل شيئا من الهيدروجين - وما أشبه ذلك. # والحقيقة أن هذه الأمور إنما هي فروع لا أصول، وإنها نتائج لا مقدمات، وإن (التضحية) أو ~~الجهاد بالمال والنفس هو العلم الأعلى الذي يهتف بالعلوم كلها، فإذا تعلمت الأمة هذا العلم ~~وعملت به دانت لها سائر العلوم والمعارف، ودنت منها جميع القطوف والمجاني. # وليس بضروري أن يكون صاحب الحاجة عالما بعملها حتى يكون عالما بالاحتياج إليها. # قال لي مرة حكيم الشرق السيد جمال الدين الأفغاني: # إن الوالد الشفيق يكون من أجهل الجهلاء، فإذا مرض ابنه اختار له أحذق الأطباء، ~~وعلم أن هناك شيئا نافعا هو العلم، لا يعلم هو شيئا منه، ولكنه يعلم بسائق حرصه ~~على حياة ابنه أنه ms70 ضروري. # ولم يكن محمد علي عالما وربما كان أميا، ولكنه بعث مصر من العدم إلى الوجود في زمن ~~قصير، وصيرها في زمانه من الدول العظام بسائق هذا العلم الأعلى الذي هو العقل السليم ~~والإرادة، وهو الذي يبعث صاحبه إلى التفتيش عن العلوم وحمل الأمة عليها. # فالمسلمون يمكنهم إذا أرادوا بعث العزائم وعملوا بما حرضهم عليه كتابهم أن يبلغوا مبالغ ~~الأوروبيين والأمريكيين واليابانيين من العلم والارتقاء، وأن يبقوا على إسلامهم كما بقي ~~أولئك على أديانهم، بل هم أولى بذلك وأحرى، فإن أولئك رجال ونحن رجال، وإنما الذي يعوزنا ~~الأعمال، وإنما الذي يضرنا هو التشاؤم والاستخذاء وانقطاع الآمال، فلننفض غبار اليأس ~~ولنتقدم إلى الأمام، ولنعلم أننا بالغو كل أمنية بالعمل والدأب والإقدام، وتحقيق شروط ~~الإيمان، التي في القرآن: # والذين جاهدوا فينا ~~لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ~~. # 1 # | هوامش ms71