######OpenITI# #META# URI: 1368ShakibArslan.TarikhGhazawatCarab.Hindawi59024715 #META# Tags: history #META# ID: 59024715 #META# Title: تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط #META# AuthorID: 79369353 #META# Author: شكيب أرسلان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # عطوفة الأمير شكيب أرسلان‏ # كلمة بين يدي رحلتي لتتبع الآثار العربية في الأقطار الغربية‏ # مبدأ غارات العرب على فرنسة وما اعتمدنا عليه من الروايات عنها‏ # 1 - حملات العرب الأولى على فرنسة إلى عهد إخراجهم من أربونة واللانغدوق سنة 759 ~~مسيحية‏ # 2 - غارات العرب على فرنسة من بعد جلائهم عن أربونة إلى عهد استيلائهم على بروفانس سنة 889 ~~مسيحية‏ # 3 - نزول العرب في بروفانس وغاراتهم من هناك على سافواي وبييمونت وسويسرة إلى دور إجلائهم عن ~~فرنسة‏ # 4 - الصفة العامة لغارات العرب هذه والنتائج التي ترتبت عليها‏ # كتاب غارة العرب على سويسرة في أواسط القرن العاشر‏ # الخاتمة‏ # عطوفة الأمير شكيب أرسلان‏ # كلمة بين يدي رحلتي لتتبع الآثار العربية في الأقطار الغربية‏ # مبدأ غارات العرب على فرنسة وما اعتمدنا عليه من الروايات عنها‏ # 1 - حملات العرب الأولى على فرنسة إلى عهد إخراجهم من أربونة واللانغدوق سنة 759 ~~مسيحية‏ # 2 - غارات العرب على فرنسة من بعد جلائهم عن أربونة إلى عهد استيلائهم على بروفانس سنة 889 ~~مسيحية‏ # 3 - نزول العرب في بروفانس وغاراتهم من هناك على سافواي وبييمونت وسويسرة إلى دور إجلائهم عن ~~فرنسة‏ # 4 - الصفة العامة لغارات العرب هذه والنتائج التي ترتبت عليها‏ # كتاب غارة العرب على سويسرة في أواسط القرن العاشر‏ # الخاتمة‏ # | تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط # | تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط # تأليف # شكيب أرسلان # | عطوفة الأمير شكيب أرسلان # | المقدمة # بقلم شكيب أرسلان # جنيف 19 ربيع الأول 1352 # بسم الله الرحمن الرحيم # ربنا إليك نفزع من مداحض القدم، وبك نستعصم في ما يجري به القلم، ونشهد أن لا إله إلا أنت ~~وحدك لا شريك لك، بارئ النسم ومفيض النعم، وباسط الوجود على العدم، شهادة نعدها للنجاة إذا ~~اشتدت الغمم، ونتقي بها النار ذات الضرم، ونشهد أن محمدا عبدك ورسولك سيد من دعا إلى ~~توحيدك من بين الأمم، وسلطان من طهر الأرض من عبادة الصنم، المنزل عليه كلامك الموصوف ~~بالقدم، المبعوث بالآيات الباهرة ms001 والحكم. اللهم صل عليه وعلى آله لهاميم العرب ومعادن ~~الكرم، وأصحابه حملة الكتاب وليوث الكتائب في المزدحم، الذين أشرقت شموسهم في الشرق والغرب ~~فأماطت الظلم وأنارت الظلم، وسلم يا رب كثيرا. # وبعد، فإنه مما يجب أن يخلد في الصدور قبل السطور، وأن يكتب على الحدق قبل الورق، أن حفظ ~~التاريخ هو الشرط الأول لحفظ الأمم ونموها، ورقي الأقوام وسموها، وأنه لا يتصور على وجه ~~الكرة وجود أمة تشعر بذاتها وتعرف نفسها قائمة بنفسها إلا إذا كانت حافظة لتاريخها واعية ~~لماضيها، متذكرة لأولياتها ومبادئها، مقيدة لوقائعها مسلسلة لأنسابها حاشدة لأحسابها خازنة ~~لآدابها، مما لا يقوم به إلا علم التاريخ الذي هو الواصل بين الماضي والمستقبل، والرابط بين ~~الآنف والمستأنف، وأنه لا جدال في كون الأمة العربية التي تتحفز لتنباع وتستوفز لتمد طائل ~~الباع، لم تكن لتحدث نفسها بالنهوض الذي جعلته نصب نواظرها، والاتحاد الذي سيرته شغل ~~خواطرها لو لم تكن رقت من رئاسة الممالك فيما غبر هاتيك الدرجات العالية، وطالعت من ~~تاريخها تلك الصفحات المتلالية فجعلت الحاضر منها يخجل أن يقصر عن شأو الغابر، ويستطار أن ~~يعلم أباه سيدا في الأوائل وهو عبد في الأواخر، فكان إذن تاريخ العرب هو عمدة العرب فيما ~~يطمحون إليه من معال، ووسيلتهم فيما يندفعون إلى تحقيقه من آمال، ولعمري إن هذا التاريخ ~~المجيد وإن سقته سيول المحابر واخضرت له أعواد المنابر، وسبقت فيه تآليف استولى أصحابها ~~على الأمد إخراجا، ولمعت فيه كتب أو لاحت لكانت بروجا، ولو نضدت لكانت أبراجا، لا تزال ~~فيه نواقص بادية العوار ومعالم طامسة الآثار، ومظان متوارية غامضة، ومعلومات قاعدة غير ~~ناهضة، تحتاج إلى همم بعيدة من الأفواج الآتية ليثيروا من دفائنها، وإلى معارف واسعة عند ~~السلائل المقبلة لينثلوا من كنائنها، وإن من أخص ما أهمل العرب فيه التأليف مع أنه من أمجد ~~ماضيهم وألمع ما لمعت فيه مواضيهم هو الدور الذي كان لهم في القارة الأوربية خارجا عن ~~الأندلس، وذلك كفتوحاتهم في ديار فرنسة وإيطالية وسويسرة، وما كانوا يقولون له: ms002 الأرض ~~الكبيرة، وكفتوحاتهم لجزائر البحر المتوسط التي رفعوا فوقها أعلامهم حقبا طويلة، وأثروا ~~فيها آثارا كثيرة أثيرة، فإن هذا الدور من أدوارهم يكاد يكون عند أبنائهم مجهولا، بل إن ~~كثيرا من ناشئتهم لا يعرفون عنه كثيرا ولا قليلا، والحال أنه من أقعس فتوحاتهم مجدا ~~وأوعر مغازيهم غورا ونجدا، وأدل أعمالهم على ما أوتوه من علو الهمم ومضاء العزائم، وما ~~كان غالبا على أخلاقهم يومئذ من احتقار الطوائح واستصغار العظائم، فلهذا خصصت بهذا الموضوع ~~كتابا مستقلا أسميته «الخبيئة المنسية في مقام العرب بجبال الألب والبلاد الإفرنسية»، ~~وجعلت هذا الكتاب أشبه بجزء من أجزاء كتابي الذي أنا مباشر تأليفه عن الأندلس باسم «الحلة ~~السندسية في الرحلة الأندلسية»، وسيكون فيما أحزر أربعة أو خمسة أجزاء إن لم يكن ~~أكثر. # هذا وقد رأيت أن أتوج هذا الكتاب باسم الملك العربي الصميم منزعا ونسبا، ذؤابة بيت ~~الرسول الكريم وحسبك بذلك شرفا وطهرا وأما وأبا، الذي وقف نفسه الأبية على خدمة أمته ~~العربية عاملا لنهضتها بعد ربضتها، ومجاهدا في ربوتها بعد كبوتها فيصل بن الحسين ملك ~~العراق والرافدين، أطال الله أيامه ونصر أعلامه وسدد آراءه وأحكامه، وأبلغه من مجد العرب ~~مرامه، وذلك بالاتفاق مع أخويه الإمامين الهمامين العاهلين العادلين ملكي الجزيرة العربية ~~في هذا العصر، المكتوب لهما فيه بإذن الله التمكين والنصر، الإمام يحيى بن محمد بن حميد ~~الدين صاحب مملكة اليمن السعيدة، والملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود صاحب ~~الدولة العربية السعودية، أيدهم الله جميعا لتأييد هذه الأمة وصيانة ذمارها، وألهمهم دوام ~~الائتلاف والاتحاد لما به تجديد مجدها وإقامة عثارها، حتى يعود أمرها كما بدا وترجع أيام ~~عزها جددا، وما ذلك على الله بعزيز. # | ملحق بالمقدمة # بقلم شكيب أرسلان # جنيف 14 جمادى الثانية 1352 # قد كنت حررت هذه المقدمة منذ أشهر قلائل والملك فيصل في الحياة والأمة العربية تستمد ~~حياتها السياسية من حياته، وتبني معظم آمالها على أصيل آرائه ومنصور راياته، وقبل أن بوشر ~~طبع هذا الكتاب اختار الله هذا العربي الكبير ms003 لجواره، وكانت بموته الفادحة التي لم يرزأ ~~العرب بمثلها، وقامت نوادبهم وسالت مدامعهم في كل غور ونجد من أجلها، فلم نشأ أن نغير شيئا ~~من مقدمة هذا الكتاب بل أبقيناه متوجا باسمه كما لو كان في الحياة؛ إذ إننا لا نزال نعد ~~فيصلا حيا في القلوب والخواطر وإن غاب بوجهه الكريم عن النواظر، لا سيما أن المرحوم كان ~~قد سمع بخبر هذا التأليف وسألني - وا حسرتاه عليه إذ كان مؤخرا في برن - عنه وعن مباحثه ~~وعما أمكنني الاطلاع عليه من آثار العرب في القرى السويسرية التي كان انتهى إلى سمعه أنني ~~ذهبت إليها ونقبت فيها، وكان مهتما بهذا الموضوع مرتاحا إلى نشر هذا الكتاب، كما كان ~~مرتاحا إلى نشر كل أثر عربي، وما كان فيصل رحمه الله إلا رمزا للقضية العربية، والرمز لا ~~يموت عند قومه، فإذا كان فيصل قد مات فلن يموت تذكاره ولا تمحى آثاره، ولنا نعم العزاء في ~~جلالة ولده المعظم الملك غازي الأول الذي نرتقب من هلاله بدرا ناميا، ونرجو من كرم الحق ~~تعالى أن يجعله فيصلا ثانيا. آمين. # | كلمة بين يدي رحلتي لتتبع الآثار العربية في الأقطار الغربية # ليس بعجيب أن يكون مثلي مغرما بالأندلس وآثار العرب فيها، وفيما جاورها من الأصقاع ~~الأوربية، فإن كل عربي صميم حقيق بأن يبحث عن آثار قومه، ويتعلم مناقب أجداده، ويتدارس ~~معالي هممهم مع إخوانه، ويترك من ذلك تراثا خالدا لأعقابه، ولعمري إن آثار العرب في ~~الأندلس هي غرة شادخة وهمة شامخة في تاريخ الأمة العربية، بل نقول ولا نخشى مغالطا إنها من ~~أنفس ما أثره العرب، بل من أنفس ما أثره البشر في الأرض. فلا غرو أن يعجب بها العربي، ~~وينقب عنها، ويشد الرحال إليها ويأخذ العبرة اللازمة منها، فليست هي الآية الناطقة والبينة ~~القاطعة على مجدنا الماضي، وعلى ما قدرنا أن نعمله في سالف الحقب فحسب، بل هي الحجة الملزمة ~~والآية المعجزة المفحمة على جدارتنا بالاستقلال التام، وكفايتنا إذا ملكنا الاستقلال أن ~~نحسن الاضطلاع بالأحكام، وهي أيضا ms004 للدلالة على أننا نقدر أن نعمل في الأعصر المستأنفة ما ~~عملناه في الأعصر السالفة إذا تركنا الأجانب وشأننا. # كنت إذن منذ ريعان شبابي وغضاضة إهابي مولعا بحضارة الأندلس العربية وآثارها، مشغوفا ~~بتاريخها وأخبارها حتى أني منذ أربع وثلاثين سنة وهي مدة يصح أن تسمى دهرا نقلت من ~~الإفرنسية إلى العربية رواية الكاتب الأشهر شاتوبريان المسماة ب«آخر بني سراج»، وذيلت تلك ~~الرواية المترجمة بتاريخ للأندلس استخلصته من الكتب العربية والأوربية، وأجلت معظم قداح ~~البحث فيه عن سقوط مملكة غرناطة، وجلاء العرب الأخير عن تلك الجزيرة؛ لأن هذه الحقبة من ذلك ~~التاريخ كادت تكون في عصرنا مجهولة، وقد صادف ظهور هذا الكتاب مبدأ النهضة العربية فكان له ~~في النواحي رنة نواح، وسال له من المآقي مدمع سفاح، وتجددت تذكارات أشجان، وبلغ التأثير من ~~قلوب جميع الذين قرأوه أنهم كانوا يتلونه المرة بعد المرة شفاء لما في صدورهم، أشبه بالثكلى ~~التي لا يشفي ما بها سوى ذرف دموعها، ولطم خدودها وتلمس آثار مفقودها، وكانت بازدياد ~~النهضة العربية تزداد الرغبة في هذا المقام وتشرئب إلى الأندلس الأعناق، وتتحلب على ~~ذكراها الشفاه، فأعدت من سنين قلائل طبع الرواية المذكورة «آخر بني سراج» مع ذيلها، وأضفت ~~إليهما تاريخا قديما عن سقوط غرناطة عثرت عليه في مدينة مونيخ عاصمة بافاريا يسمى «أخبار ~~العصر في انقضاء دولة بني نصر» لمؤلف لم يذكر اسمه فيه، لكنه يترجح كثيرا مما لحظنا من ~~كلامه أنه كان ممن حضر الوقائع بنفسه أو ممن عاصر أهلها؛ لأنه يسرد أخبارها سرد من شاهدها ~~بالعيان، أو من روى عمن شاهدها، وأظن المقري عند ما كتب «نفح الطيب» كان مطلعا على ذلك ~~الكتاب؛ لأني رأيت في كتاب «أخبار العصر» هذا جملا كثيرة رأيتها في النفح بحروفها، نعم ~~أعدت طبع كتابي ذاك عن الأندلس مضموما إليه هذا الكتاب الذي عثرت عليه في مونيخ غفلا من ~~اسم مؤلفه ومعه أربعة مراسيم سلطانية من السلطان أبي الحسن علي بن الأحمر والد أبي عبد الله ~~آخر ملوك العرب بالأندلس الذي ms005 سلم غرناطة إلى الملك فرديناند والملكة إيزابلا، وكان طبعي ~~لهذه الكتب منذ ثمان سنوات بمطبعة المنار الشهيرة بمصر. # ولكن كل هذا لم ينقع غلتي ولم يشف ما بي من أمر الأندلس، وبقيت بعد معرفتها بالقلم ~~متشوقا إلى مشاهدتها بالعيان والتجوال فيها بالقدم، استزادة من معرفة أخبارها واقتصاص ~~آثارها، ووفاء بواجب ازديارها، وما زلت أحدث نفسي برحلة أقوم بها في تلك الديار التي ترك ~~لنا عنها آباؤنا أجمل تذكار، وتعوقني العوائق عنها، وتعترضني الأشغال من دونها، وأنا أخشى ~~أن توافيني المنية قبل تحقيق هذه الأمنية إلى أن يسر الله هذه الرحلة منذ ثلاث سنوات، ~~والأمور مثل النفوس مرهونة بالآجال، وكنت موطنا النفس على السفر إلى الأندلس في ربيع سنة ~~1348 وفق سنة 1930 فجدت شئون وطرأت طوارئ اقتضت أن نراجع جمعية الأمم في جنيف مراجعات ~~مستمرة قضت علي بأن لا أفارق جنيف في تلك الآونة، بحيث إنه أقبل الصيف يسحب من ذيله، وجاء ~~الحر هاجما برجله وخيله، فأخذ بعض الإخوان يشيرون علي بتأخير الرحلة إلى الشتاء التالي ~~أو إلى الربيع الذي وراءه ذهابا إلى أن السياحة في إسبانية لا تلائم في أيام القيظ لا سيما ~~القطعة الأندلسية التي أنا قاصدها، فلم يكن ذلك ليغير من نيتي ولا ليرخي من مشدود طيتي؛ ~~لأني لم أبرح في هذه المسألة منذ ثلاثين سنة أمني بها النفس، وكلما حدا سائق بدا عائق، ونحن ~~نعتمد على التأخير والتسويف ونعلل النفس بشتاء وصيف وربيع وخريف، وقد عرفنا أكثر البلاد ~~الأوربية ولم تبق مدينة فيها إلا دخلناها، وربما بدل المرة الواحدة مرارا، وقتلنا أحوالها ~~درسا واختبارا، ولم يبق من أوربة ما لم نعرفه سوى الأصقاع الإسكندنافية في الشمال ~~والبلاد الإسبانية في الجنوب، فأما الأولى فإنه يجوز لمثلنا أن يعرفها كما أنه يجوز له أن ~~لا يعرفها إذا عاقته العوائق عن معرفتها، ولكن الأندلس التي نحن إليها منذ نعومة الأظفار ~~ونقرأ عنها بل نؤلف الأسفار، فإنه لا يجوز لمثلنا أن يتأخر عن السفر إليها، ونحن لا نزال ~~أنضاء أسفار ms006 بين الأقطار، وعليه انتهزنا هذه الفرصة، واغتنمنا من وقتنا هذه الخلسة قاصدين ~~إلى الأندلس عن طريق فرنسة التي حصلنها على رخصة المرور بها أياما معدودات، وذلك أنه لما ~~كان الغرض الأصلي من الرحلة اقتراء آثار العرب كيف حلوا، وأنى ارتحلوا من هذه الديار ~~الغربية كان لا بد لنا أولا من زيارة فرنسة التي كانت للعرب فيها جولة، بل كانت لهم في ~~جنوبيها دولة وصولة، وطالما عصفت ريحهم ببلاد الإفرنجة بعد أن عصفت ببلاد القوط والجلالقة ~~والباشكنس وغيرهم من أمم الغرب التي خفضوا دعائمها ونقضوا مرائرها، وكادوا يلحقون بأولها ~~آخرها، وها أنا ذا أحدث عن سياحتي: # في 18 يونيو قبل الظهر من سنة 1930 فصلت من لوزان قاصدا إلى باريس فوصلت إلى تلك العاصمة ~~ليلا، وكان قد عرف بقدومي شابان من نخبة أدباء المغاربة: السيد أحمد بلافريج من ذوائب ~~بيوتات الأندلسيين في رباط الفتح، والسيد محمد الفاسي من آل الجد الفهريين الأندلسيين من ~~أعيان فاس، فما نزلت من القطار حتى وجدتهما أمامي في المحطة وركبنا معا إلى فندق أورليان ~~پالاس في شارع برون ~~“Bonlevard Brune” # وتحدثت إليهما في ~~موضوع رحلتي، وكان ذلك قبل ميعاد عطلة الدروس التي كانا يريدان بعدها السفر إلى وطنهما ~~فاتفقنا على أن يوافياني إلى «مجريط» ليرافقاني في بعض هذه السياحة، وبعد ذلك بأيام قلائل ~~مرا علي بالفعل؛ إذ أنا في فندق رومة في عاصمة الإسبانيول، وكان في اليوم التالي من ~~وصولي إلى باريس أقبل علينا أولادنا الطلبة السوريون، وأنسنا بلقائهم واجتمعنا مع فئة من ~~نخبتهم في المطعم العربي الذي بقرب الجامع، وبعدها ذهبت أنا والسيدان محمد الفاسي وأحمد بلا ~~فريج إلى مكتبة غوتنر المتخصصة بالكتب الشرقية حيث اشتريت بعض كتب عربية أكثرها يتعلق ~~بالأندلس، وصادف أني لدى نزولي في أورليان بالاس وجدت صديقي الحميم حسين رءوف بك بطل ~~الدارعة حميدية الشهير، ورئيس نظار أنقرة سابقا، وناظر البحرية العثمانية من قبل، فسررت ~~بلقائه كثيرا لأن آخر العهد بيننا كان في الأستانة سنة 1924، وكذلك جاء لزيارتي هناك رحمي ~~بك ms007 الذي كان واليا لأزمير أيام الحرب الكبرى، وكان من أركان جمعية الاتحاد والترقي في ~~تركيا، وهو من أعز إخواني وإخوان ابن عمي الأمير أمين مصطفى أرسلان، فكانت لي بغير ميعاد ~~فرحة عظيمة بالاجتماع بهذين الخليلين اللذين طال عهدي بلقائهما، وذهبنا إلى المطعم العربي ~~فأوصينا على مطاعم مغربية، وسمعنا من شجي ألحان الموسيقى العربية ولا سيما الألحان ~~الأندلسية، وسمرنا أجمل سمر وكانت ليلة كلها سحر، وبعد إقامة خمسة أيام بباريز ركبت القطار ~~الحديدي إلى تولوز «طلوزة» وجاء لوداعي إلى المحطة جمهور من شبان العرب بباريز وهتفوا في ~~المحطة: فليحيا العرب. # ووصلت إلى طلوزة بعد مسيرة ثماني ساعات بالقطار، ونزلت في فندق قريب من محطتها اسمه ~~«ترمينوس» # 1 # وفي اليوم التالي قصدت قرقشونة # 2 # التي فيها الآثار الشهيرة فزرت البلدة والقلعة، وصعدت إلى الأسوار، وجولت في ~~تلك الحصون نحوا من ساعتين، ورجعت في المساء إلى طلوزة، والمسافة بالقطار بين هاتين ~~البلدتين لا تزيد على ساعتين. ~~(1) الكلام على طلوزة وقرقشونة # رأيت مناسبا ابتداء الكلام على فرنسة العربية قبل الانتقال إلى إسبانية العربية، ~~وذلك بناء على كوني بدأت رحلتي من فرنسة، ولما كان غرضي من هذه الرحلة هو استقصاء آثار ~~العرب وأخبارهم أينما كانوا وحلوا من القارة الأوربية توخيت أن لا أخرج عن هذا الصدد ~~إلا نادرا مما يقتضيه سياق البحث، فلو كنت زرت الأندلس مبتدئا من المكان الذي دخل منه ~~العرب، أي: من الجنوب لكان الترتيب يقضي علي بأن أبدأ بجبل طارق، فالجزيرة الخضراء ~~فشريش فأشبيلية فقرطبة فطليطلة وهلم جرا نحو الشمال، وأن أنتهي بأربونة فقرقشونة ونيم ~~وأفينيون إلى جبال الألب بين إيطالية وفرنسة وسويسرة، وهكذا كان ينبغي أن أفعل لو كنت ~~حرا أن أسكن في هذه الأيام وطني سورية، فكان السفر منها إلى الأندلس على الطريق الذي ~~سلكه أجدادنا عند فتحهم تلك الديار، وهي طريق المغرب، ولكن الغربة التي تطوحنا بها بسبب ~~نضالنا عن استقلال وطننا قضت علينا بأن نسكن أوربة، وأن نقصد الأندلس من شماليها لا من ~~جنوبيها، أى: من حيث ms008 نحن مقيمون الآن، ومن حيث انتهى العرب في فتوحاتهم الأوربية لا من ~~حيث ابتدأوا بها، ولما كان المقصود هو كما قلنا من استقراء آثار السلف وتأثر خطواتهم، ~~حيث دل عليها التاريخ، وأثبتها الأثر من قارة أوربة بدون تقيد بمكان معين وبدون ~~التزام، ما شاهدناه من هذه الأماكن بالعين بل باطراد الكلام على جيل من الغولوا ولا ~~نعلمما شاهدناه إلى ما لم نشاهده مما جاوره ودخل تحت حكمه، أى: جميع ما قيل إن أقدام ~~العرب وطئته من هذه البلدان في حملتهم الأولى على الغرب، لم يكن لنا بد من أن نتناول ~~طلوزة وقرقشونة وأربونة ونيم وأفينيون وليون، وليست هذه فقط بل جميع البلاد التي ~~احتلوها من جنوبي فرنسة، وما صاقب ذلك من شمالي إيطالية، وما ناوح ذلك من جبال الألب ~~العالية الواقعة اليوم بين هذه الممالك الثلاث: فرنسة وإيطالية وسويسرة، إلى حدود بحيرة ~~كونستاتزة من ألمانية. # فكان هذا الكتاب وإن استقل باسم «تاريخ غزوات العرب في فرنسة وسويسرا وإيطاليا وجزائر ~~البحر المتوسط» هو في الحقيقة جزءا من رحلتي الأندلسية التي نحن بسبيلها؛ لأنها هي ~~خاتمة مطاف العرب في أوربة، وفاتحة ما أفاضوا إليه من الممالك بعد فتحهم للأندلس، وإذا ~~لحظت أني قد بدأت بالرحلة وبتاريخ حملة العرب على أوربة من هذه الجهة كان لك أن تقول: ~~إني جعلت أولا ما كان ينبغي أن يكون آخرا، فإن هذا الجزء هو الآخر باعتبار فتوحات ~~العرب، ولكن قضت الأقدار بأن يكون هو الأول باعتبار ترتيب سياحتي التي بدأت فيها من ~~الشمال إلى الجنوب، فرأيت أنا أولا ما فتحوه هم أخيرا، ورأيت آخرا ما احتلوه هم ~~أولا. # وبالجملة فموضوع هذا الكتاب هو أيام العرب، في فرنسة وفي شمالي إيطالية وقلب سويسرة، ~~وهو أول تأليف عربي مستقل في هذا الموضوع. # طلوزة # Toulouse # كانت طلوزة في قديم الدهر حارات متفرقة، ولم تأخذ شكل مدينة إلا في أيام ~~الرومانيين، ومن ثم صارت قاعدة مملكة التكتوزاجيين # 3 # ومركز علم وصناعة، ودخلت فيها النصرانية بواسطة القديس سيرنيه، وبعد أن ~~سقطت ms009 سلطنة رومة صارت طلوزة عاصمة ملوك القوط، وبقيت دار مملكتهم من سنة 419 للمسيح ~~إلى سنة 508، وكانت حينئذ قاعدة بلاد أكيتانية المنضمة إلى إسبانية، وسنة 778 صارت ~~كونتية مستقلة، واشتهر من أمرائها الكونت ريموند الرابع، ولم تنضم إلى مملكة ~~فرنسة إلا سنة 1271 للمسيح # 4 ~~. ففي القرن الخامس كانت دار ملك القوط، وفي القرن السابع والثامن كانت ~~مركز دوقية أكيتانية، وفي القرن الحادي عشر والثاني عشر صارت قاعدة كونتية طلوزة، ~~ولما شن العرب الغارة على فرنسة كانت طلوزة من المدن التي قصودها لكنهم لم يتمكنوا ~~منها كما تمكنوا من أربونة وقرقشونة وغيرهما. # وقد كانت غارة العرب على طلوزة في أيام إمارة السمح بن مالك الخولاني على ~~الأندلس، وذلك لمضي إحدى عشرة سنة على دخول العرب إلى إسبانية كما سيأتي عند الكلام ~~على غارات العرب في جنوب فرنسة. # قرقشونة # CARCASSONNE # مدينة على نهر الأود # Aude # وقناة الجنوب وهي ~~قسمان: الأول: الذي فيه القلعة وهو مبنى على متن رابية مشرفة على القسم الثاني، ~~وفيه بعض بيوت وشوارع ضيقة وكنيسة معروفة بكنيسة سان نازير # Saint-Nazaire # من بناء القرن الحادي عشر، وجميع أبنية هذا القسم ~~العالي لا تزال كما كانت في القرون الوسطى، وليس مثلها في كل فرنسة في هذا الباب، ~~ولهذا هي مقصد السياح من كل فج. والقسم الثاني: هو الذي على شاطئ النهر، ويسمى ~~قرقشونة الجديدة، وهي جديدة بالنسبة إلى قرقشونة القديمة التي على الرابية، ولكن هي ~~في الحقيقة من زمن لويس التاسع ملك فرنسة، أي القديس لويس الذي عاش في أواسط القرن ~~الثالث عشر. # 5 # وأما تاريخ العرب فيها فالمشهور أنهم افتتحوها في سنة 713 للمسيح، ~~وأنها بقيت في أيديهم إلى سنة 759 على ما ستقرأه عند الكلام على غارات العرب في ~~جنوبي فرنسة. # | هوامش # | مبدأ غارات العرب على فرنسة وما اعتمدنا عليه من الروايات عنها # أهم كتاب وضع في هذا الموضوع هو كتاب المستشرق الفرنسي الشهير المسيو «رينو» # 1 # الذي عاش في الثلثين الأولين من القرن الماضي، وكتابه يسمى «غارات ms010 العرب على ~~فرنسة، ومن فرنسة على سافواي وبيمونت وسويسرة في القرن الثامن والتاسع والعاشر من التاريخ ~~المسيحي بحسب روايات المؤرخين المسيحيين والمسلمين». # 2 # فإن جميع المؤرخين الأوربيين ذكروا غارات العرب على فرنسة بعد استيلائهم على إسبانية، ~~وأجمعوا على أن شارل مارتل الذي يسميه العرب: «قارله» هو الذي أنقذ أوربة في وقعة «پواتييه» ~~الشهيرة من الوقوع تحت سلطة العرب، وأنه لولا انهزام العرب في تلك المعركة لكانوا استولوا ~~على أوربة كلها، وربما كانت بأجمعها قد دخلت في الإسلام، ولا نقدر أن نحصي ما جاء في كتب ~~الأوربيين من فرنسيس وألمان وإنكليز وإسبانيول وطليان في هذا الموضوع، ولا نجد لزوما لهذا ~~الاستقصاء بعد أن قرروه في الجملة، وأجمع عليه مؤرخوهم وأيدت ذلك تواريخنا العربية، وإنما ~~كان غرضنا في هذا الكتاب استقصاء جزئيات هذه الغارات العربية إلى قلب أوربة، والإحاطة بما ~~يتسنى لنا من تفاصيلها، ولم نجد في هذا الباب كتابا أوعى من كتاب المسيو رينو المذكور؛ ~~لأنه وضع خاصا بتاريخ هذه الغارات، ولأن واضعه هو من أشهر المحققين في المسائل التاريخية ~~والمطلعين حق الاطلاع على اللغة العربية بحيث يمكنه عند كل رواية أن يقابل ما جاء عنها في ~~الكتب اللاتينية القديمة بما جاء في الكتب العربية، وإنك لتجده لا يروي رواية ولا خبرا إلا ~~ذكر في الحاشية مأخذ تلك الرواية، أو ذلك الخبر مع تعيين المؤلف والمؤلف والجزء والصفحة، ~~وأحيانا خزانة الكتب التي فيها ذلك المؤلف، وقد يورد النصوص بعينها لا سيما إذا كانت من ~~التواريخ التي وضعت في عصر تلك الفتوحات، وكما أنه يستعمل هذه الدقة في الاستشهاد من كتب ~~الإفرنجة فإنه يستعمل الدقة نفسها في الاستشهاد من كتب العرب، ومن أجل ذلك كان أكثر ~~اعتمادنا في تاريخ هذه الوقائع على المستشرق المشار إليه، كما أننا اعتمدنا في تاريخ ~~استيلاء العرب على قسم من شمالي إيطالية ومن أهالي سويسرة عليه أيضا، وعلى مؤلف آخر من ~~أهالي سويسرة الألمانية اسمه «فرديناند كيللر» # 3 # سنأتي بتلخيص تأليفه بعد الانتهاء من تلخيص كتاب المسيو ms011 رينو، وسنقابل جميع ~~رواياتهم بما لدينا من التواريخ العربية الشهيرة. # قال المسيو رينو في مقدمة كتابه: # جاء وقت كانت فيه فرنسة عرضة لغارات شعب أجنبي كان قد استولى على إسبانية وبلدان أخرى ~~مجاورة لها، وجاء بدين جديد ولسان جديد وأوضاع جديدة، فأصبحت المسألة مسألة هل فرنسة وسائر ~~ممالك أوربة التي لما تخضع لهذا الشعب الجديد تقدر أن تحتفظ بأعز ما يحتفظ به الإنسان من ~~دين ووطن وأوضاع أم لا؟ # وكان الناس يتساءلون عن كنه هذه الوقائع التي ترتب عليها احتلال ذلك الشعب لقسم من بلادنا ~~ومن آية جهة وقعت، وأية أحوال أحاطت بها، وهل كان المغيرون كلهم من العرب، أم كانوا من أمم ~~شتى؟ وما كانت نتائج هذه الغارات المتكررة كثيرا؟ وهل بقي في البلاد منها آثار أم ~~لا؟ # ولقد جرى البحث أكثر من مرة عن هذه القضية، ولكن لم يعن أحد فيما يظهر لنا بأن يضع لهذا ~~الموضوع تأليفا خاصا يحيط بجميع الوقائع التي نحن بصددها ويستنبط منها نتائج ~~عامة # 4 # ولا شك في أن تأليفا وافيا بهذا الغرض ينبغي له الجمع بين الروايات الأوربية ~~المسيحية والروايات العربية الإسلامية ليعرف قول الغالب وقول المغلوب معا. # ومن مدة طويلة كان الناس في أوربة قد لحظوا أن روايات مؤرخي أوربة المسيحية عن هذه ~~الوقائع لم تكن كافية، وأن الزمن الذي قد حصلت فيه هذه الحوادث، وأغار فيه العرب على فرنسة ~~هو أشد الأزمنة على هذه البلاد وأحلكها سوادا، ففي سنة 712 عندما بدأت هذه الحملات على ~~فرنسة كانت هذه البلاد مقسمة بين إفرنج الشمال الذين كانوا يملكون «نوستريا» # 5 # و«أوسترازيا» # 6 # و«بورغونيا» # 7 # وبين إفرنج الجنوب الذين كانوا يملكون «أكيتانية» # 8 # من نهر اللوار إلى جبال البيرانه، وبين بقايا القوط الغربيين # 9 # الذين كان بقي في أيديهم قسم من مقاطعة «لانغدوق» # 10 # وقسم من مقاطعة «بروفانس» # 11 # وكانت الفوضى قد وقعت في الحكومة والمجتمع، فلذلك لم تأتنا إلا معلومات ضئيلة ~~عن ذلك العهد، ولم تبدأ الأخبار التاريخية تنجلي إلا في أيام ms012 «ببين» ابن «شارل مارتل» وفي ~~أيام «شارلمان» بن «ببين»، ولكن في ذلك الوقت كان المسلمون قد نكصوا إلى الوراء، ثم عاد جو ~~فرنسة فاربد ثانية في زمان أولاد لويس الحليم ~~“Le ~~Débonnaire” # وجدد العرب غاراتهم على فرنسة أيام كان النورمنديون من ~~جهة، والمجار من جهة أخرى يشنون مثلها ويعيثون في الأرض مفسدين. # ولا نقدر أن نقول: إن تواريخ العرب عن تلك الحوادث كانت مستوفية الشروط، فإن المؤلفين ~~الذين كتبوا عنها جاءوا بعدها بزمن فلم يعاصروها، إلا أن يكون ثمة مؤرخون لم تصل إلينا ~~كتبهم، فقد ذكر العرب أن لموسى بن نصير تاريخا ألفه حفيده، وإن لأحد الشعراء قصيدة في ~~تاريخ طارق بن زياد نظمها بعد عهده بقرنين، ولكن هذه الكتب التي كتبت بعد الحوادث بمدة غير ~~قصيرة لم تكن مستوفية شروط التحقيق، وأكثر الأحيان يروي أصحابها روايات شفهية عن أفواه ~~الرواة # 12 # وغير خاف أن العرب كانوا في ذلك الدور، دور الحماسة والمجد، لا يفكرون إلا في ~~إعلاء شأن دينهم، فكان لا يهمهم شيء بقدر الشعر والضرب في أودية الخيال. # إذن حكاية العرب لوقائع غارات العرب على فرنسة كانت متأخرة عن زمن حدوثها في القرن التاسع ~~المسيحي، كما أن منها ما لم يتعرض العرب للبحث عنه أصلا. # ولقد كان في أيدي العرب وسائل لمعرفة أحوال فرنسة الداخلية وما جاورها؛ لأنهم عدا ~~احتلالهم مدة مديدة جانبا منها كانت صلاتهم مع هذه البلاد مستمرة، وكانت السفراء تختلف بين ~~الفريقين الفينة بعد الفينة، فقد ذكر المسعودي أنه في نواحي سنة 939 مسيحية توجه إلى قرطبة ~~مطران جيرون من كتالونية وكان اسمه «غودمار» # Godmar # وذلك ~~في أيام الخليفة عبد الرحمن الناصر، وألف لولده الحكم المشهور بحبه للعلم تاريخا لبلاد ~~فرنسة من زمن كلوفيس إلى ذلك العهد # 13 # وكانت كتالونية أيام شارلمان خاضعة لمملكة فرنسة، وكان مطران جبرون يعترف ~~بسيادة لويس دوترمير # Louis-d’Outremer # وعليه نعتقد أن ~~تاريخ فرنسة هذا الذي قال المسعودي: إنه عثر على نسخة منه في مصر تاريخ صحيح، ولكن مع الأسف ~~لم ms013 نعلم عن هذا التاريخ شيئا إلا هذا القليل الذي رواه منه المسعودي. # 14 # ومما كان يشق جدا على العرب كثرة الأسماء الأعجمية من أسماء الرجال والبقاع التي كانت ~~تعرض لهم، وكانت مجهولة عندهم، ولم يكن من المألوف عندهم وضع الحركات، ثم كان نساخهم كثيري ~~السقط في التنقيط فتبعد اللفظة عن أصلها بعدا يجعلها مجهولة تماما. # 15 # وقد كان مما يفيد في هذا الباب المسكوكات التي كان يضربها الفاتحون، إلا أن العرب في ~~إسبانية وفرنسة لم يكونوا إلى القرن العاشر يعرفون سوى مسكوكات قرطبة، فأما مسكوكات ما قبل ~~هذا التاريخ فلم يكن فيها شيء سوى آيات قرآنية، ولم يكن فيها ذكر ملك ولا أمير. # فمن أجل هذا كان من الصعب جدا معرفة أخبار العرب في الأدوار الأولى من استيلاهم على ~~إسبانية، وأصعب منه معرفة أخبار استيلائهم على ما استولوا عليه من فرنسة. # ومن الكتب النفيسة في هذا الموضوع تاريخ «استيلاء العرب على إسبانية» الذي ظهر ~~بالإسبانيولية في السنوات الأخيرة لمؤلفه «كوند» # Conde # الذي كان لديه كتب عربية كثيرة في مكتبة الإسكوريال وغيرها؛ فاستقى بدون شك من منابع غزيرة ~~إلا أنه لم ينتدح له أن ينقح كتابه كما يجب، وربما كان هو نفسه غير ماهر في ~~التمحيص. # 16 # وهناك تأليف آخر لم يطلع عليه كوند وهو مجموعة رسائل مفيدة في إيضاح تاريخ ~~إسبانية أيام العرب بقلم «فوستينو بوربون» الذي اطلع على المخطوطات العربية التي في خزانة ~~الأسكوريال، وكان معظم همه تخطئة «تاريخ إسبانية» تأليف «ماسدو» # Masdeu ~~. # وفي كتاب فوستينو بوربون هذا شواهد عربية محرفة إلا أنه عنده بصر بالنقد، وإنك لتجد في ~~كلامه على جيوش العرب الفاتحين واختلاف أصولها الذي أدى إلى تنازعها تدقيقات لا يعرفها ~~كوند. # إننا نحن لم نكن في هذا التأليف لنجهل المشكلات التي ستعترضنا في طريقنا، لكننا برغم ذلك ~~وجدنا في استطاعتنا إضافة معلومات جيدة إلى ما تقرر في هذا الباب إلى حد الآن، وفي الغزوات ~~العربية التي لم نجد لها أثر رواية إلا في كتب الأوربيين أمكننا ms014 أن نصل إلى أبعد مما وصل ~~إليه «موراتوري» # 17 # والدون «بوكه». # 18 # ولقد اتبعنا في عملنا هذا الطريقة الآتية، وهي أن نمحص عن الوقائع شهادات المعاصرين أو ~~الذين كانوا في العهد أقرب من غيرهم إليها، ومهما قيل عن النقصان الذي في روايات المؤرخين ~~المسيحيين الذين كانوا في ذلك العهد، فإننا قد وجدنا فيها ما يستحق كثيرا من الاعتبار بحيث ~~إذا تطابقت مع روايات العرب جزمنا بأن الحقيقة هي هناك، وأما إن لم تطابق روايات هؤلاء ~~روايات أولئك، فإننا ننقل حينئذ ما قاله كل من الفريقين ونبدي رأينا في ترجيح الأقرب إلى ~~العقل، وأما المنابع التي لم نقدر أن نصل إليها فقد نبهنا عليها وأشرنا إلى أماكنها، وذلك ~~كبعض وقائع رواها كوندي نقلا عن كتب العرب فقد كان الأحسن أن ننقل تلك النصوص بعينها، ~~ولكننا لم نظفر بها. # وفي آخر كتابنا هذا نذكر الشعوب التي انضمت إلى العرب، وأوشكت بالاتحاد مع العرب أن تخضع ~~أوربة كلها لشريعة القرآن، فنحن نطلق على الجميع اسم «سارازين» وهي لفظة لم يجزم إلى الآن ~~في وجه اشتقاقها، أو لفظ «المور» أي المغاربة؛ وذلك لأن العرب جاءوا أولا إلى المغرب، ومنه ~~دخلوا إلى إسبانية فسموا من أجل هذا مغاربة، وليعلم أنه في أثناء ما كان المسلمون يكتسحون ~~أراضي فرنسة ويجتاحون شمالي إيطالية وبلاد سويسرة كانت منهم عصائب حاكمة في صقلية وجنوبي ~~إيطالية، ولم يكن لغارات هؤلاء صلة بغارات أولئك، ولكن كان لها تأثير بعضها في بعض مما لم ~~تفتنا الإشارة إليه. # ثم إنه في جميع البلاد التي احتلها العرب طويلا أو قصيرا كانت بقيت لهم آثار وسرت عنهم ~~أخبار، فهنا كنت ترى قلعة كانوا يعتصمون بها عندما يجتاحون تلك الأرض، وهناك كانت مخاضة نهر ~~أو قنطرة كانوا يأخذون عندها رسما على المارين، وهنالك كهف في واد كانوا يضعون فيه ~~الغنائم، وعلى تلك الجبال أبراج متناوحة كانوا يتبادلون منها الإشارات النارية لأجل توحيد ~~حركاتهم، وهلم جرا، فالآثار والأخبار التي لا ترتكز على دليل وثيق من ذلك العصر ms015 نفسه لم ~~نتعرض لها. # ومثل ذلك فعلنا بالقصص التي قصها الرواة الذين لم يعاصروا تلك الحوادث، والتى هي أقرب إلى ~~أن تكون من عمل خيالات القصاص المولعين بأخبار الحماسة والمغرمين بأحاديث المجد والرئاسة، ~~ففي القصص التي ترويها الرواة عندنا أغلاط كثيرة؛ منها ما وقع فيه بعض مؤرخي ذلك الوقت مثل ~~تلقيبهم المسلمين «السارازين» بلفظة «بايين» Payens # أي: ~~وثنيين، وذلك أن المسيحيين كان من عادتهم أن يسموا جميع الأمم السالفة للنصرانية «وثنيين» ~~وجميع الأمم التي حاربها الإفرنسيس وثنيين، ومن جملة هؤلاء حسبوا المسلمين! ولهذا فقد عزوا ~~إلى هؤلاء آثارا ومباني وهياكل كانت في الحقيقة هي من عمل غيرهم، وليسوا منها في قبيل ولا ~~دبير. # وكذلك لما كانت شهرة شارلمان قد غلبت شهرة الجميع فإن القصاص نسبوا إلى أيامه حوادث ~~وقعت من قبله، وحوادث أخرى وقعت من بعده، فالوقائع التي جرت في زمان شارل مارتل جعلوها في ~~زمان شارلمان، وما زالوا ينسبون إلى أيام شارلمان غزوات جميع الإفرنج في بلاد المسلمين إلى ~~القرن العاشر بل إلى آخر القرن الحادي عشر أي الزمن الذي استصرخ فيه مسلمو الأندلس يوسف بن ~~تاشفين ملك المرابطين، فتأمل. # ومن هذا النمط تعمد بعض القصاص والزجالين أن ينحلوا أجداد ممدوحيهم فضل تحرير البلاد وطرد ~~الأعداء، وذلك مثل قصيدة غيليوم ذي الأنف الأصلم الذي ينسب إليه الشاعر إجلاء العرب عن ~~تولوز ونيم وأورانج وغيرها من مدن فرنسة. # ثم إنه كان المجار قد جاءوا من شرقي أوربة وعاثوا في نواحي فرنسة، فاختلط على الناس ما ~~عاثه المجار بما عاثه العرب، بحيث كثيرا ما كان أولئك القصاص يسمون المجار «سارازين» ~~ويسمون الفاندال «سارازين»، وممن قال بذلك الأب «لوكوانت» P. Lecointe # مؤلف التاريخ الإكليريكي في فرنسة والدون «مابيون» # Mabillon # والأب «باجي» Pagi # والدون «فاسيت» # Vaissette # والدون ~~«بوكه» # Bouquet # والحقيقة أنه لم يوجد دليل واحد من ~~رواية مرجعها إلى القرن الثامن يدل على كون الفاندال اجتاحوا فرنسة في ذلك العصر، وقد يقال: ~~إن هذه الأقاويل وردت في تواريخ القديس «دنيس» # Saint-Denis # الشهيرة التي ms016 هي الحجة الكبرى عند آبائنا، ولكن تواريخ القديس كتبت في أواسط القرن الثاني ~~عشر، وقد حشر فيها كاتبوها كل الأساطير التي كانت تدور في ذلك الوقت، ولم يزل التاريخ لم ~~يمحص ولم ينفصل عن الأقاصيص إلى القرن السابع عشر. # ولنعد إلى موضوع كتابنا هذا فنقول: ليست المسألة مسألة اجتياح بعض مقاطعات محدودة بل قد ~~بقي جانب كبير من فرنسة ميدانا لجيوش العرب مدة طويلة، ثم تجاوزوا منها إلى «سافواي» ~~و«بيمونت» و«سويسرة» واحتلوا أمنع الحصون من قلب أوربة، وذلك من خليج «سان تروبيس» إلى ~~بحيرة «كونستانزة» ومن نهر الرون وجبل «جورا» إلى سهول جبل «فرات» و«لومبارديه»، ومما لا ~~جدال فيه أن تذكار الغزوات العربية في هذه الديار لم يكن بدون تأثير في الحملات الصليبية ~~وفي هذه الحركة العامة التي اندرأت بها أوربة على آسية وإفريقية، ووضعت أصحاب الإنجيل في ~~وجه أصحاب القرآن مدة قرون مستطيلة. # لقد فسحنا بهذا الكتاب مجالا للباحثين في هذا الموضوع بحيث يمكن من يأتي بعدنا أن يأتوا ~~بمعلومات جديدة عنه، ولما كانت الشقة بعيدة بين زمن هذه الوقائع والزمان الحاضر فقد بقيت في ~~كتابنا مواضع كثير مفتقرة إلى الجلاء، ومع هذا فإن كنا قد قدرنا أن نلقي بعض الشعاع على ~~هذا القسم الذي هو أغمض قسم من تاريخ فرنسة، فلا يكون ذهب عناؤنا سدى. # ولقد قسمنا كتابنا هذا إلى أربعة أقسام: الأول: ما يتعلق بحملات العرب الزاحفين من ~~الأندلس مخترقين جبال البيرانه # 19 # إلى أن طردهم «بيين» القصير من «ناربون» وكل «اللانغدوق» سنة 759 مسيحية. ~~الثاني: ما يتعلق بغارات العرب برا وبحرا على «پروفانس» في نواحي 889. الثالث: ذكر توغل ~~المسلمين من پروفانس إلى «دوفيني» و«سافواي» و«بييمونت» وسويسرة. الرابع: شكل هذه الغزوات ~~والنتائج التي ترتبت عليها. # انتهى ملخصا كلام المستشرق الإفرنسي رينو في مقدمة كتابه. # ثم شرع رينو في سرد الوقائع فقال تحت عنوان: «القسم الأول في حملات العرب الأولى على ~~فرنسة إلى عهد إخراجهم من أربونة واللانغدوق سنة 759 مسيحية». # لما وصف أحد مؤرخي العرب كيفية فتح ms017 أبناء ملته لإسبانية، روي عن محمد # صلى الله عليه وسلم # الكلمات ~~الآتية: «زويت لي مشارق الأرض ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما ~~زوي لي منها». # 20 # وقد كاد يكون هذا هو الواقع، وجاء زمن ظن الناس فيه أن جميع الربع العامر سيعنو لراية ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فإنه ما مضت سنوات قلائل حتى ضرب الإسلام بجرانه على العراق وفارس والشام ~~ومصر وإفريقية إلى سيف الأوقيانوس الأطلنتيكي ، ثم من إفريقية أغار العرب على إسبانية وما ~~زالوا يجوسون خلال البلاد إلى أن بلغوا فرنسة، وصارت جميع قارة أوربة تحت خطر استيلائهم، ثم ~~من الجهة الأخرى تجاوزوا سيحون وجيحون وما زالوا يفتحون البلدان حتى ظن أنه لن يقف في وجههم ~~شيء إلا أن كان من الحدود الطبيعية التي للكرة الأرضية. # وكان مركز هذه السلطنة التي لا نهاية لها هو في سورية بمدينة دمشق القديمة، وكانت الرئاسة ~~الروحية والدنيوية في الخلفاء بني أمية. وكان الخليفة يومئذ هو الوليد. # 21 # وكان العرب قد وجدوا في إفريقية أمة تسكن جبال الأطلس اسمها البربر اشتهرت بصعوبة المراس، ~~وبحب الحرية والاستقلال، وقاتلت القرطاجنيين والرومانيين من دونهما، وكان بعض هؤلاء البربر ~~يهودا وبعضهم نصارى وبعضهم وثنيين، وكان لهؤلاء البربر لسان خاص بهم، ومنهم من كان يتكلم ~~بلغة تقرب من العربي والعبري والفينيقي # 22 # فسواء كان هؤلاء البربر بقايا شعوب جاءت من أرض كنعان وفينيقية # 23 # أو كانوا قد رحلوا من اليمن فرارا من وجه الأحابيش الذين كانوا قد استولوا على ~~بلاد اليمن # 24 # فهذا التشابه في اللغة كان عاملا كبيرا في استقرار دولة العرب في إفريقية، ~~وأعان البربر العرب في فتوحاتهم ومغازيهم، وأضف إلى ذلك كون العرب والبربر متشابهين أيضا ~~في البداوة، وسكنى الوبر، وشظف العيش، وطلب النجعة، وحب القتال، وشن الغارات. # | هوامش # الفصل الأول # | حملات العرب الأولى على فرنسة إلى عهد إخراجهم من أربونة واللانغدوق سنة 759 ~~مسيحية # خبر موسى بن نصير وطارق بن زياد # فما رسخت أقدام العرب في إفريقية حتى فكروا في عبور بحر الزقاق الفاصل ms018 بين إفريقية ~~وأوربة، وكان ذلك سنة 710م وأمير إفريقية من قبل الخليفة هو موسى بن نصير من أهل ~~الحجاز، ولد في زمان عمر بن الخطاب ورضع مع اللبن الغرام بالغزو حبا في نشر عقيدة ~~التوحيد. # 1 # وكان عمره يوم قام بهذه الغزوات ثمانين سنة، ولكن كانت فيه همة الشبان ~~تتوقد نارها لم يفتر منها شيء، وكانت إسبانيا تحت حكم القوط وكان الأمير عليها ~~لذريق. # 2 # وكان يتبعها من أرض فرنسة مقاطعة «روسيون» # 3 # وقسم من «اللانغدوق» # 4 # من (بروفنس) # 5 # وكانت في إسبانية حواضر حافلة بالعمران زاهرة، إلا أن روح الانتقاض كان ~~كامنا في النفوس، وفساد الأخلاق كان قد تغلغل في جسم الأمة، فلم يكن عجبا أن تسقط ~~مملكة كهذه ولو عظيمة في ظاهرها بيد عدد قليل من المتدينين الأحامس الذين يسوقهم إلى ~~الحرب حب الغنائم، فضلا عما يعتقدونه من أنهم مرسلون من الله لهداية البشر. # فجرب موسى التجربة الأولى ببعض برابر أجازهم إلى طريفة # 6 # فعاثوا ونهبوا ولم يصادفوا مقاوما فاشتد بذلك عزم موسى. وفي السنة التالية ~~(711) جرد تجريدة جديدة اثني عشر ألف مقاتل كان أكثرهم من البربر عقد عليهم لطارق بن ~~زياد، فهزم طارق بهذا الجيش الصغير جيش القوط كله، واحتز رأس لذريق وبعث به إلى ~~الخليفة # 7 # في دمشق. وفي أقل من سنة تم لطارق فتح قرطبة ومالقة وطليطلة، وقد روى أحد ~~مؤرخي العرب أنه لأجل أن يلقي الرعب في القلوب أمر مرة بقتل بعض الأسرى الذين وقعوا في ~~يده، وجعل من لحومهم شواء أطعم منه عسكره. وطارق بن زياد # 8 # هو الذي سمي باسمه هذا الصخر المسمى بجبل طارق، فالمسلمون المؤمنون كانوا ~~يرون هذا الجهاد مما يزيد سواد المسلمين ويضمن لهم الجنة، والمسلمون الذين لم يكونوا ~~يفكرون في أمر الآخرة قد رأوا في الأندلس قطرا خصيبا فياضا بالخيرات، فيه كل ما ~~تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. فاجتمعت إذن في هذا الفتح مقاصد الدنيا والآخرة، وانتظم فيه ~~الاحتساب مع الاكتساب، ومما لا نزاع فيه أنه قد كان من ms019 أهم أسباب فوز طارق في الأندلس ~~عضد اليهود الذين كانوا كثيرين في إسبانية، وكان المسيحيون يغلظون في معاملتهم ويعدون ~~عليهم أنفاسهم فلما أقبل العرب وجدوا فيهم إخوانا يأخذون بثأرهم # 9 # وينفسون من خناقهم. # فلما بلغ موسى بن نصير ما فتحه الله على يد طارق هاج أشد هياج للأخذ بنصيبه من هذا ~~الفتح، وأقبل بجيش من العرب والبربر # 10 # ومعه واحد من أصحاب محمد # صلى الله عليه وسلم # عمره مائة سنة وكثير من أبناء ~~الصحابة. # 11 # وقد انتحى موسى طريقا غير الطريق التي سلكها مولاه طارق، وفتح بلدانا ~~أخرى مثل ماردة # 12 # وسرقسطة # 13 # وكان أكثر جنده من الفرسان، وكانت تتبع كل كوكبة من فرسانه طائفة من حملة ~~الأرزاق بالبغال، وإن مؤرخي العرب متفقون على أن موسى بن نصير وصل بغزواته إلى فرنسة، ~~وأنه في «ناربون» # 14 # وجد في إحدى الكنائس سبعة تماثيل فضية منقوشة، وكذلك في قرقشونة عرضت ~~لمطامعه في كنيسة «سانت ماري» سبعة أعمدة كبار هائلة من الفضة. # 15 # وكان العرب يطلقون على فرنسة اسم «الأرض الكبيرة» ويعنون بها جميع الأرض الواقعة بين ~~جبال البيرانه (التي يقول لها العرب: البرانس) وجبال الألب والأوقيانوس ونهر البا ~~ومملكة الروم، وهذه البلاد تنطبق في الحقيقة على فرنسة في زمن شارل مارتل # 16 # وابنه ببين # 17 # ولا سيما في زمان شارلمان. # 18 # وكانت الأمم التي في هذه المملكة تتكلم بعدة لغات كما يقول مؤرخو ~~العرب. # وقد كان أشد ما بهت له المسيحيون أوانئذ أنهم كانوا يرون أعداءهم هؤلاء في كل مكان ~~وفي وقت واحد، وكانت طريقتهم في الفتح أنه إذا خضع لهم بلد بدون قتال لم يعتدوا على ~~سكانه في مالهم ولا في دينهم، وإنما كانوا يحولون جانبا من الكنائس إلى جوامع ويغنمون ~~ما فيها من النفائس، ويضعون أيديهم على الأراضي التي نزح أهلها وعلى الخيل والأعتدة ~~التي كانت ضرورية لهم في تلك الغزوات المتواصلة، وكانت الجزية التي يضربونها على ~~الأهالي متفاوتة بحسب الأحوال، وربما أخذوا من الأهالي رهائن ليستوثقوا منهم، فأما ~~البلاد ms020 التي لم تخضع لهم إلا بالسيف فقد كانت عرضة لجميع المظالم التي تصحب الفتوحات، ~~وكان يضرب عليها ضعف جزية البلاد الخاضعة بلا قتال، وكانوا يتركون فيها حامية لحفظها، ~~وربما جعلوا في هذه الحامية بعض اليهود الذين كانت عداوتهم للمسيحيين أضمن سبب للثقة ~~بهم. # وقد ذكر مؤرخو العرب في عرض الكلام على الفتوحات العربية في فرنسة أنه قد كان مقصد ~~موسى بن نصير رحمه الله المعاد إلى دمشق حضرة الخلافة عن طريق ألمانيا مارا ~~بالقسطنطينية وبآسية الصغرى، بحيث يصبح البحر المتوسط كله عبارة عن بحر متوسط للمملكة ~~الإسلامية، يخدم مواصلات بعضها مع بعض، أما مؤرخو المسيحيين فلم يذكروا شيئا عن دخول ~~موسى إلى أرض فرنسة، ولعل زحفة موسى عليها كانت قاصرة على غارات سريعة مر بها كخطفة ~~البازي ورجع. ومما لا مشاحة فيه أن النصرانية كانت يومئذ تحت أشد الأخطار، وأن الإنسان ~~ليرتجف رعبا عندما يفكر فيما كان يمكن أن يحل بأوربة لو لم يقع الخلف من أول الأمر بين ~~العرب الغالبين» أ.ه كلام رينو ملخصا. # وقد استشهد رينو هنا بكلام المقري فوجب أن ننقل قول المقري في هذا الصدد جاء في ~~الصفحة 129 من الجزء الأول من نفح الطيب ما يأتي ببعض اختصار: كانت نفس موسى بن نصير ~~تنزعج إلى جليقية (وهي ما يسميه الإفرنج # Galicie # غاليسيا وقاعدتها مدينة كان العرب يسمونها شانت ~~ياقو # Santiago # ويقول لها الإفرنج # Saint-Jacques De ~~Compostelle ~~) فبينما هو يعمل في ذلك ويعد له إذ أتاه مغيث الرومي ~~رسول الوليد بن عبد الملك يأمره بالخروج عن الأندلس والإضراب عن الوغول فيها، فساءه ذلك ~~وقطع به عن إرادته؛ إذ لم يكن في الأندلس بلد لم تدخله العرب إلى وقت ذلك غير جليقية، ~~فكان شديد الحرص على اقتحامها، فلاطف موسى مغيثا رسول الخليفة وسأله أنظاره إلى أن ~~ينفذ عزمه في الدخول إليها ويكون شريكه في الأجر والغنيمة، ففعل ومشى معه حتى بلغ ~~المفازة فافتتح حصن بارو وحصن لك (هو في الإفرنجية # Luque ~~) فأقام هناك وبث السرايا حتى بلوغ ms021 صخرة بلاي ~~على البحر الأخضر، وطاعت الأعاجم فلاذوا بالسلم وبذل الجزية، وسكنت العرب المفاوز، وكان ~~العرب والبربر كلما مر قوم منهم بموضع استحسنوه حطوا به ونزلوه قاطنين، فاتسع نطاق ~~الإسلام بأرض الأندلس، وبينما موسى كذلك في اشتداد الظهور وقوة الأمل إذ قدم عليه رسول ~~آخر من الخليفة يكنى: أبا نصر أردف به الوليد مغيثا لما استبطأ موسى في القفول، وكتب ~~إليه يوبخه وألزم رسوله إزعاجه، فانقلع حينئذ من مدينة «لك» بجليقية وخرج على الفج ~~المعروف بفج موسى، ووافاه طارق في الطريق منصرفا من الثغر الأعلى، فأقفله مع نفسه ~~ومضيا جميعا، وقف معهما الرسولان مغيث وأبو نصر حتى احتلوا أشبيلية، فاستخلف موسى ~~ابنه عبد العزيز على إمارة الأندلس وأقره بمدينة أشبيلية لاتصالها بالبحر، وركب موسى ~~البحر إلى المشرق بذي الحجة سنة خمس وتسعين وطارق معه، وكان مقام طارق قبل دخول موسى ~~سنة، وبعد دخوله سنتين وأربعة أشهر، وحمل موسى الغنائم والسبي وهو ثلاثون ألف رأس ~~والمائدة (سيأتي ذكر ذلك كله في محله من الجزء الآتي) منوها بها ومعها من الجواهر ما ~~لا يقدر قدره، وهو مع ذلك متلهف على الجهاد الذي فاته آسف على ما لحقه من الإزعاج، وكان ~~يؤمل بأن يخترق ما بقي عليه من بلاد إفرنجة ويقتحم الأرض الكبيرة حتى يتصل بالناس في ~~الشام، متخذا مخترقه بتلك الأرض طريقا مهيعا يسلكه أهل الأندلس في مسيرهم ومجيئهم من ~~المشرق وإليه على البر لا يركبون بحرا، وقيل: إنه أوغل في أرض الفرنجة حتى انتهى إلى ~~مفازة كبيرة وأرض سهلة ذات آثار فأصاب فيها صنما عظيما قائما كالسارية مكتوبا فيه ~~بالنقر كتابة عربية قرئت فإذا هي: «يا بني إسماعيل انتهيتم فارجعوا» فهاله ذلك، وقال: ~~ما كتب هذا إلا لمعنى كبير، فشاور أصحابه في الإعراض عنه وجوازه إلى ما وراءه فاختلفوا ~~عليه، فأخذ برأي جمهورهم وانصرف بالناس وقد أشرفوا على قطع البلاد وتقصي الغاية ~~أ.ه. # وجاء في نفح الطيب بعد ذلك بصفحتين ما يأتي: وذكر بعض المؤرخين أنهم وجدوا في الحجر ~~بعدما تقدم ms022 من الكتابة التي هي: ارجعوا يا بني إسماعيل ... إلخ ما معناه: (وإن سألتم لم ~~ترجعون فاعلموا أنكم ترجعون ليضرب بعضكم رقاب بعض). # 19 # أ.ه. # وقال ابن خلدون عن دخول موسى بن نصير إلى الأندلس ما يلي: # نهض من القيروان سنة ثلاث وتسعين في عسكر ضخم من وجوه العرب والموالي وعرفاء ~~البربر، فوافوا خليج الزقاق ما بين طنجة والجزيرة الخضراء، فأجاز إلى الأندلس، ~~وتلقاه طارق فانقاد واتبع. ويقال: إن موسى لما سار إلى الأندلس عبر البحر من ~~ناحية الجبل المنسوب إليه المعروف اليوم بجبل موسى، وتنكب النزول على جبل طارق ~~وتمم الفتح وتوغل في الأندلس إلى برشلونة في جهة المشرق، وأربونة في الجوف، ~~وصنم قادس في الغرب، ودوخ أقطارها وجمع غنائمها، وأجمع أن يأتي المشرق من ~~ناحية القسطنطينية، ويتجاوز إلى الشام دروب الأندلس ودروبه، ويخوض إليه ما ~~بينهما من بلاد أعاجم أمم النصرانية مجاهدا فيهم ومستلحما لهم إلى أن يلحق ~~بدار الخلافة من دمشق، ونمى الخبر إلى الخليفة الوليد فاشتد قلقه بمكان ~~المسلمين من دار الحرب، ورأى أن ما هم به موسى تغرير بالمسلمين، فبعث إليه ~~بالتوبيخ والانصراف وأسر إلى سفيره أن يرجع بالمسلمين إن لم يرجع هو، وكتب له ~~بذلك عهده، ففت ذلك في عزم موسى وقفل عن الأندلس بعد أن أنزل الرابطة ~~والحامية في ثغورها، واستعمل ابنه عبد العزيز لسدها وجهاد عدوها وأنزله بقرطبة ~~فاتخذها دار إمارة، واحتل موسى بالقيروان سنة خمس وتسعين، وارتحل إلى المشرق ~~سنة ست بعدها، بما كان معه من الغنائم والذخائر والأموال على العجل والظهر. ~~يقال: إن من جملتها ثلاثين ألف رأس من السبي. وولى على إفريقية ابنه عبد ~~الله، واندرجت ولاية الأندلس يومئذ في ولاية المغرب، فكان صاحب القيروان ناظرا ~~في الجميع، وقدم موسى على سليمان بن عبد الملك وقد ولي الخلافة بعد الوليد ~~فسخطه ونكبه. وثارت عساكر الأندلس بابنه عبد العزيز فقتلوه لسنتين من ولايته ~~بإغراء الخليفة سليمان، وكان خيرا فاضلا وافتتح في ولايته مدنا كثيرة، ~~وكان الذي تولى قتله حبيب بن أبي ms023 عبيدة الفهري، وكان سبب غضب سليمان على موسى ~~أنه لما توجه إلى المشرق وانتهى إلى مصر وصل أشرافها وفقهاءها وبلغه الخبر بمرض ~~الوليد، ووافاه كتابه يستحثه على القدوم، ووافاه كتاب آخر من سليمان يثبطه، ~~فأسرع موسى باللحاق بالوليد فقدم عليه قبل وفاته بثلاثة أيام ودفع إليه ما معه ~~من الذخائر والأموال، فغاظ ذلك سليمان، وأساء مكافأته حين أفضى الأمر إليه ~~فنكبه ونكب آل بيته أجمع، وكانت وفاة موسى رحمه الله بالمدينة المنورة سنة ثمان ~~وتسعين، وقيل غير ذلك. أ.ه. # وقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد القيرواني: ارتدت البربر اثنتي عشرة مرة من طرابلس ~~إلى طنجة، ولم يستقر إسلامهم حتى عبر موسى بن نصير البحر إلى الأندلس، وأجاز معه كثيرا ~~من رجالات البربر برسم الجهاد، فاستقروا هنالك فحينئذ استقر الإسلام بالمغرب وأذعن ~~البربر لحكمه وتناسوا الردة. أ.ه. # وقال ابن عذارى المراكشي في «المغرب في أخبار ملوك الأندلس والمغرب» ما يلي: # وفي سنة 96 توفي الوليد بن عبد الملك في جمادى الآخرة وولي الخلافة سليمان ~~فغضب على موسى غضبا عظيما وأمر عليه فأوقف في يوم شديد الحر في الشمس، وكان ~~رجلا بادنا ذا نسمة، فوقف حتى سقط مغشيا عليه، وقال له سليمان: كتبت إليك ~~فلم تنظر كتابي هلم مائة ألف دينار. فقال: يا أمير المؤمنين، قد أخذتم ما كان ~~معي من الأموال فمن أين لي مائة ألف؟ فقال سليمان: لا بد من مائتي ألف. فاعتذر، ~~فقال: لا بد من ثلاثمائة ألف دينار، وأمر بتعذيبه وعزم على قتله. فاستجار بيزيد ~~بن المهلب، وكانت له حظوة عند سليمان فاستوهبه منه وقال: يؤدي ما عنده. وقيل: ~~إن موسى افتدي من سليمان بألف ألف دينار. ذكر ذلك ابن حبيب وغيره. ثم إن يزيد ~~بن المهلب سهر ليلة مع الأمير موسى فقال له: يا أبا عبد الرحمن، في كم تعتد أنت ~~وأهل بيتك من الموالي والخدام، أتكونون في ألف؟ فقال: نعم وألف وألف. قال: فلم ~~ألقيت بيدك إلى التهلكة؟ أفلا أقمت في قرار عزك وموضع سلطانك؟ ms024 فقال: والله لو ~~أردت ذلك لما نالوا من أطرافي شيئا، ولكني آثرت الله عز وجل ولم أر الخروج عن ~~الطاعة. أ.ه. # قلت: لم يكن يزيد بن المهلب بالذي يجهل فضل الطاعة للخليفة وشناعة شق العصا، ولكنه ~~قال لموسى هذا الكلام لما أثار من غيظه عمل خليفة كسليمان بن عبد الملك برجل عظيم خدم ~~الإسلام ما لم يخدمه أحد مثل موسى بن نصير، فقد كافأه بما لا يكافأ به مجرم، وهو في ~~الحقيقة لا من أعاظم رجال الإسلام فقط بل من أعاظم رجال العالم، وحسبك أنه هو الذي دوخ ~~البربر المشهورين بشدة البأس وصعوبة المراس بعد أن أشعلوا ثورات، لا ينادى وليدها ولا ~~يحصى عديدها، وبعد أن ارتدوا عن الإسلام اثنتي عشرة مرة، فلم يستقر إسلامهم إلا على يد ~~موسى بن نصير، وحسبك أنه دخل الأندلس واستتم فتحها واستصفى ممالكها وهو ابن 75 سنة، ~~وكان جميع جيشه هو وطارق لا يزيد على ثلاثين ألف مقاتل، ولو أن قائدا معه ثلاثمائة ألف ~~مقاتل ما أحاط بالأندلس وأثخن فيها ما أحاطه موسى وأثخنه في ذلك الأمد القصير بين أمم ~~أعداء تموج حواليه كالأبحر الزاخرة، وما رأى الأندلس وحدها كفؤا لهمته بل حدثته نفسه ~~التي قل مثلها في نفوس البشر في بعد الهمة، أن يوغل في أرض الإفرنج، ويعطف منها إلى ~~الشرق حتى ينفذ من القسطنطينية. # وقرأت في «تاريخ دول الإسلام» للإمام الذهبي أن موسى بن نصير توفي في وادي القرى عن ~~78 عاما، وأنه كان يقول: لو أطاعني عسكري نفذتهم حتى أفتح رومية. # وروى ابن عذارى أنه أقام على المغرب والأندلس أميرا نحوا من 18 سنة. # ومما ذكر في وفاته أنه حج مع الخليفة سليمان فلما وصلا إلى المدينة قال موسى لأصحابه: ~~ليموتن بعد غد رجل قد ملأ ذكره المشرق والمغرب، وبالفعل كان موسى الرجل الذي ملأ اسمه ~~المشرق والمغرب، وكان في الرجولية كالصخرة التي تنحط عنها السيول. # هذا ولم يكتف سليمان بنكبة موسى في شخصه حتى نكب جميع أولاده، فأمر محمد بن ms025 يزيد ~~أمير إفريقية بأخذ عبد الله بن موسى بن نصير وتعذيبه واستئصال أموال بني موسى، فسجنه ~~محمد وعذبه ثم قتله، وأما عبد العزيز بن موسى فقد رويت في أسباب قتله روايات كثيرة، ~~أقربها إلى العقل أنه لما بلغه ما حل بأبيه وأخيه وأهل بيته خلع طاعة بني مروان، فجاء ~~أمر سليمان إلى وجوه العرب بالأندلس بقتله، فقتلوه وحمل رأسه ورأس أخيه عبد الله حتى ~~وضعا بين يدي أبيهما موسى وهو في عذابه. # 20 # قال ابن عذارى: «فكان فعل سليمان هذا بموسى من هفوات سليمان التي لم تزل تنقم ~~عليه». # قلت: من هفوات ابن عذارى أن يعبر عن أعمال سليمان هذه بلفظة هفوات، وهي في الواقع من ~~الجرائم التي لا تغفر، ولكن مما لا يجوز أن ننساه أن موسى بن نصير أخذته الغيرة مما ~~وفق إليه طارق بن زياد من الفتوح، وأهانه بعد أن تلاقيا في الأندلس، وكان هذا العمل ~~الصغير غير متناسب مع كبارة نفس موسى وعلو همته، ولم يخل من تأثير في قضية نكبته؛ لأن ~~طارقا شكا إلى الخليفة ما فعله به وظاهره في ذلك مغيث الرومي رسول الوليد إلى الأندلس. ~~قال صاحب «أخبار مجموعة في فتح الأندلس وذكر أمرائها رحمهم الله والحروب الواقعة بينهم» ~~وهو من أقدم ما كتب من تواريخ الأندلس يظهر أن صاحبه حرره # 21 # في عهد الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر: أنه لما دخل موسى الأندلس كان ~~ذلك سنة ثلاث وتسعين ومعه ثمانية عشر ألفا - وهذا خلاف الرواية التي نقلها المقري وهي ~~أنه دخلها بعشرة آلاف - وقد بلغه ما صنع طارق فحسده، فلما نزل الجزيرة قيل له: اسلك ~~طريقه. قال: ما كنت لأسلك طريقه. فقال له العلوج الأدلاء: نحن ندلك على طريق هي أشرف ~~من طريقه، ومدائن هي أعظم خطبا من مدائنه لم تفتح بعد يفتحها الله عليك إن شاء الله، ~~فامتلأ بذلك سرورا، فكأن فعل طارق قد غمه، فساروا به إلى مدينة شذونة فافتتحها عنوة ~~ألقوا بأيديهم إليه، ثم سار إلى مدينة قرمونة ms026 # 22 # فقدم إليها العلوج الذين معه، وهي مدينة ليس في الأندلس أحصن منها ولا أبعد ~~من أن ترجى بقتال أو حصار، وقد قيل له حين دعا إليه: ليست تؤخذ إلا باللطف، فقدم ~~إليها علوجا ممن قد أمنه، واستأمن إليه مثل (يليان) ولعلهم أصحاب يليان، فأتوهم على ~~حال الأفلال معهم السلاح فأدخلوهم مدينتهم، فلما دخلوها بعث إليهم الخيل ليلا وفتحوا ~~لهم باب قرطبة - من أبواب قرمونة - فوثبوا على أحراسه ودخل المسلمون قرمونة، ومضى موسى ~~إلى أشبيلية وهي أعظم مدائن الأندلس شأنا وخطبا وأعجبها بنيانا وآثارا، وكانت دار ~~الملك قبل غلبة القوطيين على الأندلس، فلما غلب القوطيون حولوا السلطان إلى طليطلة ، ~~وبقي شرف الرومانيين وفقههم ودينهم ورئاستهم في دنياهم بأشبيلية، فأتاها موسى بن نصير ~~حتى حصرها أشهرا، ثم إن الله فتحها وهرب العلوج إلى مدينة باجة، فضم موسى يهودها ومضى ~~إلى مدينة ماردة، وكانت أيضا دار بعض ملوك الأندلس، ذات آثار وقنطرة وقصور وكنائس تفوت ~~الوصف، فحصرها وقد كان أهلها خرجوا إليه وزحمهم دفعة، فقاتلوه من سورها على قدر ميل أو ~~أكثر قتالا شديدا، فلما رأى خروجهم إليه أبصر فيها حفرا كانت مقاطع للصخر فأكمن فيها ~~الرجال والخيل ليلا، فلما أصبح زحف إليهم فخرجوا إليه كهيئة خروجهم بالأمس، فركبهم ~~المسلمون وخرج عليهم الكمين وقتلوا قتلا ذريعا، ونجا من نجا منهم إلى المدينة، وهي ~~مدينة حصينة لها سور لم يبن الناس مثله، فثبت عليهم يقاتلهم أشهرا حتى عمل دبابة ~~فدب المسلمون تحتها إلى برج من أبراجها فنقبوا صخره، فلما نزعوا صخره أفضوا في داخله ~~إلى الصماء التي يقال لها: «اللاشة ماشة» بلسان أهل الأندلس، فنبت عنها معاولهم ~~وفئوسهم، فبينا هم يضربون فيها إذ استفاق عليهم العلوج فاستشهد المسلمون تحت الدبابة ~~فسمي بذلك البرج «برج الشهداء» إلى اليوم، وما أقل من يعرف هذا، وكان فتحه لها في رمضان ~~سنة أربع وتسعين يوم الفطر، فلما كان من أمر الشهداء ما كان، قال العلوج: قد كسرناه، ~~فإن كان يوما مجيبا إلى الصلح فاليوم فاطلبوه إليه، فخرجوا ms027 إليه فألفوه أبيض اللحية ~~فراوضوه على شيء لم يوافقه ثم رجعوا، فلما كان قبل العيد بيوم خرجوا إليه ليراوضوه، ~~فإذا هو قد شبب لحيته بالحناء فألفوه أحمر اللحية، فعجبوا، وقال قائلهم: أظنه يأكل ولد ~~آدم، أو ما هذا الذي رأيناه بالأمس؟ ثم خرجوا إليه يوم الفطر فإذا اللحية سوداء فرجعوا ~~إلى أهل مدينتهم فقالوا: يا حماقى، إنما تقاتلون أنبياء يتخلقون، كيف شاءوا ~~يتشببون # 23 # قد صار ملكهم حدثا بعد أن كان شيخا، اذهبوا فأعطوه ما سأل، فصالحوه على ~~أن جميع أموال القتلى يوم الكمين وأموال الهاربين إلى جليقية للمسلمين، وأموال الكنائس ~~وحليها له، ثم فتحوا له المدينة يوم الفطر في سنة أربع وتسعين، ثم إن عجم أهل أشبيلية ~~تحيلوا على من بها من المسلمين، وجاءوا من مدينة يقال لها: لبلة. ومدينة يقال لها: ~~باجة. وقتلوا من بها من المسلمين - قتل فيها ثمانون رجلا - فقدم فلهم على موسى بن ~~نصير بماردة، فلما فتح ماردة بعث ابنه عبد العزيز على جيش إلى أشبيلية فافتتحها ورجع، ~~ثم مضى موسى من ماردة في عقب شوال يريد طليطلة، وبلغ طارقا إقباله فخرج معظما له ~~متلقيا، فلقيه بكورة طلبيرة، فلما رآه نزل إليه، فوضع موسى السوط على رأسه، وونبه فيما ~~كان من خلاف رأيه، ثم سار به إلى مدينة طليطلة، ثم قال له: أحضرني بما أصبت ~~وبالمائدة # 24 # فأتاه بها وقد اقتلع رجلا كسرها من أرجلها فقال له: أين هذه الرجل؟ فقال: ~~إني لا علم لي، كذلك أصبتها. فأمر بالرجل فعمل لها من ذهب، وعمل لها سفط من خوص ~~فأدخلها فيه ثم سار حتى افتتح سرقسطة ومداينها. أ.ه. # ولم يرد في «أخبار مجموعة» أن موسى دخل بلاد إفرنجة، ومقتضى كلام صاحب هذا التاريخ أن ~~هذا حصل من بعده، فإنه يذكر بعد ولاية موسى بن نصير ولاية ابنه عبد العزيز، ولا يذكر أن ~~مقتل عبد العزيز كان بإشارة من سليمان بن عبد الملك كما ذكر كثير من المؤرخين، ولا ~~يقول إن عبد العزيز بن موسى خرج عن ms028 الطاعة بعد ما بلغه ما فعل الخليفة بأبيه، بل بالعكس ~~هو يقول: إنه لما بلغ الخليفة سليمان قتل عبد العزيز شق ذلك عليه وأمر عبيد الله بن ~~زيد عامله على إفريقية بأن يتشدد في قضية قتل عبد العزيز، وأن يقبض على حبيب بن أبي ~~عبيدة وزياد بن النابغة اللذين قتلاه، وأن يقفلهما إليه مع من شركهما في قتله من وجوه ~~الناس. # الولاة على الأندلس بعد موسى بن نصير # وهو يذكر أن أهل الأندلس ولوا عليهم بعد عبد العزيز واليا صالحا كان يؤمهم في ~~صلاتهم هو «أيوب بن حبيب اللخمي» # 25 # ابن أخت موسى بن نصير، وتولى بعده «الحر بن عبد الله الثقفي»، ثم في خلافة ~~عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تولى السمح بن مالك الخولاني، وأمره الخليفة بأن يخمس ~~الأراضي ويخرج منها ما كان عنوة خمسا لله من أرضها وعقارها، وبقر القرى في أيدى ~~غنامها بعد أن يأخذ الخمس، وأمره بأن يكتب إليه بصفة الأندلس وأنهارها، وكان رأيه ~~انتقال أهلها منها لانقطاعهم عن المسلمين. # قال صاحب «أخبار مجموعة»: وليت الله كان أبقاه حتى يفعل، فإن مصيرهم إلى بوار إلا أن ~~يرحمهم الله. # وهذه العبارة تدل على أن عقلاء المسلمين من أول الفتح، وفي أيام عنجهية العرب ~~بالأندلس، وأيام كانت قرطبة عاصمة فيها مليون ونصف من السكان، وكان في الأندلس من عز ~~الإسلام ما كان، لم يزالوا يستشعرون خطر المقام بتلك البلاد نظرا لانقطاعها عن بلاد ~~الإسلام، ولكثرة فتن العرب بعضهم مع بعض، وفتن العرب مع البربر وغير ذلك. # هذا وبعد السمح بن مالك الخولاني تولى عنبسة بن سحيم الكلبي، ثم يحيى بن مسلمة ~~الكلبي، ثم عثمان بن أبي سعيد الخثعمي، ثم حذيفة بن الأحوص القيسي، ثم الهيثم بن عقير ~~الكناني، ثم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي الذي استشهد في واقعة بلاط ~~الشهداء # 26 # ثم عبد الملك بن قطن المحاربي القرشي. # 27 # قال صاحب «أخبار مجموعة»: وكان من وصفنا من الولاة يجاهدون العدو ويتوسعون في البلاد ~~حتى بلغو ms029 إفرنجة وحتى افتتحت عامة الأندلس. أ.ه. # وذكر المؤرخ (كوندي) الإسبانيولي أن الحر الثقفي هو الذي تجاوز حدود الأندلس إلى بلاد ~~إفرنجة ونواحي أربونة وسبى وغنم وقفل بالأسارى والغنائم. # وقال: إن غزو الحر لإفرنجة وصرف قوته إلى الجهاد في بلاد الغال كانا من الأسباب التي ~~سهلت للمسيحيين الملتجئين إلى جبال آستوريا الاجتماع على العصيان، وزرع نواة المقاومة ~~ووضع أساس دولة مسيحية في إسبانية محل الدولة التي كان قد بادت، وقد انضم إلى هذا السبب ~~سبب آخر أراد الله به تيسير أمرهم هو سخط الناس على إدارة الحر، وتبرم الدهماء بعسفه، ~~المسلمون والمسيحيون في ذلك سواء، فإن الحر كان قد آسف الخاصة والقواد والأمراء وصاروا ~~إلبا عليه، وكانت الأهالي في غاليسيا وليون والجبال الأشتورية حديثة العهد بالخضوع ~~للعرب، فثقل عليهم الظلم أكثر مما ثقل على الذين أطاعوا من قبل، وظهر في ذلك الوقت رجل ~~استفاد من هذه الأحوال الروحية في الشعب وجمع شمل بقايا حزب المقاومة وثار به، وهو ~~بيلاي # 28 # أول ملك للإسبانيول بعد دخول العرب للأندلس أ.ه. # وذكر صاحب «أخبار مجموعة في فتح الأندلس وأخبار أمرائها والحروب الواقعة بينهم» أن ~~عبيد الله بن الحبحاب بن الحارث، مولى بني سلول من قيس، عندما ولاه الخليفة مصر أقر بشر ~~بن صفوان على إفريقية وولى عقبة بن الحجاج السلولي الأندلس فدخلها سنة 110 وافتتح الأرض ~~حتى بلغ أربونة. # ثم ذكر أنه لما وقعت الواقعة بين العسكر الشامي وعبد الملك بن قطن أمير الأندلس في ~~خبر سيأتي ذكره في الجزء الآتي، وقتل الشاميون عبد الملك وصلبوه في قرطبة، كان ابناه في ~~نواحي أربونة. قال صاحب «أخبار مجموعة»: فلما بلغ ابنيه ما كان حشدا من أقصى ~~أربونة وراجعا أهل البلد والبربر، وسيوفهم تقطر من دماء البربر، فرضيت البربر أن ~~تنال ثأرها من أهل الشام # 29 # فإذا فرغوا كان لهم في أهل البلد رأي، فأقبل قطن وأمية ومعهما عبد الرحمن ~~بن حبيب، وأقبل معهم عبد الرحمن بن علقمة اللخمي صاحب أربونة، فأقبلوا في مائة ألف أو ms030 ~~يزيدون أ.ه. # ومن هنا يعلم القارئ ما كان من بال العرب بأربونة منذ خيم الإسلام بعقرتها، وما كان ~~من وفرة جيوشهم فيها لأجل الرباط وسداد الثغور. # رجع إلى حديث استيلاء العرب على جنوبي فرنسة # نعود إلى كلام المستشرق «رينو» في موضوع غارات العرب على جنوبي فرنسة، فهو يذكر أن ~~فتن العرب المستمرة المصطلمة، بعضهم مع بعض، قد نفست من خناق المسيحيين في الأندلس ~~وإفرنجة، ويقول: إن معظم اهتمام الخلفاء كان وقتئذ توجه إلى الاستيلاء على القسطنطينية ~~التي كانوا أغزوها جيشا عدته مائة وعشرون ألف مقاتل، وأسطولا عدده ألف وثمانمائة ~~سفينة، ولا شك أن سموهم إلى فتح شرقي أوربة شغلهم عن الزحف على غربي أوربة، ولكنه ~~يقول: إن مؤرخي العرب ذكروا مع ذلك بعض غارات على «اللانغدوق» في أيام ولاية الحر ~~الثقفي سنة 718 مسيحية. # وقد أيد هذه الرواية «أيزيدور» أسقف «باجة» # 30 # وهو من المؤرخين الذين عاشوا في ذلك العصر، و«لذريق شيمنيس» مطران ~~طليطلة # 31 # وقالوا: إن العرب زحفوا إلى الأمام حتى وصلوا إلى مدينة «نيم»، ولم يجدوا ~~مقاوما ورجعوا بالغنائم والسبي الكثير. # قال رينو: ولم تكن مقاطعات جنوبي فرنسة لتقدر أن تقف في وجه العرب المندفقين عليها من ~~جبال البيرانه، وكان الحكم للدولة المعروفة بدولة «الكسالى» # 32 # إذ ذاك، وكانت بلاد اللانغدوق يقال لها: «القوطية» # Gotie # بسبب طول مقام القوط بها، وقد يقال لها أيضا: «سبيتمانية» ~~أي «السبعية» لاشتمالها على المدن السبع: أربونة، ونيم، واقد، وبيزيه، ولوديف، ~~وقرقشونة، وماقلونة. # 33 # وكانت من جملة مملكة «أود» دوق اكيتانيه # 34 # وكان هذا يدعي أنه من ذرية الملك كلوفيس # 35 # وبهذا السبب كان من أبناء عم ملوك فرنسة الشمالية فكان يكره بطبيعة الحال ~~حجاب القصر، الذين قد استولوا على الأمور واستبدوا بها من دون الملوك، ولم يبق لهم ~~هم إلا في توطيد سلطتهم وسلطة جنس الفرنج # 36 # في تلك المملكة مما ثني أعنتهم عن صد العرب الموجفين على جنوبي ~~فرنسة. # فصارت بلاد اللانغدوق والبروفانس متروكة لأهلها الغاليين # 37 # وكان هؤلاء شعبا مركبا ms031 من أعقاب الرومانيين القدماء ومن القوط، وكانت لكل ~~من الفريقين عادات خاصة وشرائع يمتاز بها، فلم يكن من واق لجنوبي فرنسة في ذلك الوقت ~~أحسن من وقوع بأس العرب فيما بينهم، وذلك أن حكومة إسبانية العربية كان مرجعها القيروان ~~في إفريقية، وحكومة إفريقية كانت عائدة إلى دمشق دار الخلافة، فلم يكن من الممكن أن ~~تكون سلطة موزعة إلى هذا الحد، وأن تتعدد مراكزها كل هذا التعدد وأن يستتب بها النظام، ~~وأن تقيم على الطاعة رجالات نشأوا في ظلال السيوف، ثم إن النزاع كان وقع بين العرب ~~والبربر، وبين المسلمين وغير المسلمين من الجيوش الفاتحة، ولما كانت أراضي المسيحيين ~~التي دخلت في حوزة الفاتحين قد صارت إلى أيدي عدد من ذوي الأطماع، وحرم كثير من ~~المستحقين الفيء الذي يستحقونه، أدى ذلك النزاع أخيرا إلى القتال، وسالت الدماء ومشت ~~الصفوف بعضها إلى بعض، وهناك سبب آخر كان به أعظم الفرج لفرنسة، نفس من خناقها وأرخى ~~من رباقها وهو انتفاض عصابة من مسيحيي إسبانية فيهم شماس، وصعوبة مراس ثاروا بالعرب ~~ثورة الضواري، وأبوا إلا الدفاع عن دينهم ووطنهم، فلجأوا إلى جبال آستورية # 38 # وغاليسية # 39 # ونابار. # 40 # وهناك بدأوا بمقاومة لم تضع عصاها إلا بإجلاء المسلمين أجمع عن تلك ~~البلاد. # وكان الخليفة الجديد عمر بن عبد العزيز اطلع على ما دب من الخلل إلى موقف العرب ~~بالأندلس، فأنفذ إليها السمح بن مالك الخولاني أميرا، وعهد إليه بإصلاح الأمور ورم ~~الثغور، وكان السمح مدبرا حكيما وقائدا باسلا وسائسا حازما، ذا دربة بتمشية ~~الأمور، فرتق الفتوق، ووازن بين الدخل والخرج، وأنصف الجند في الأعطيات، ووزع على ~~المجاهدين جانبا من الأراضى، وعهد بما بقي منها إلى وكلاء من ذوي الأمانة ورد ريعها ~~إلى بيت المال، وكان الخليفة قد أمر السمح بأن يقدم له بيانا عن البلدان المفتوحة وما ~~فيها من النفوس والجبايات، ليبرم في أمر الأندلس رأيا، فقد كان عمر بن عبد العزيز شديد ~~الخوف على الإسلام، وكان قد هاله بقاء ذلك العدد الكبير من المسيحيين ms032 في تلك البلاد، ~~واستشعر من ورائهم خطرا على مستقبل المسلمين، ففكر في إجلاء مسيحيي إسبانية وجنوبي ~~فرنسة إلى إفريقية حيث لا يكون من وجودهم تهلكة على الدولة، إلا أن السمح طمأن مخاوف ~~الخليفة قائلا له: إن الإسلام ينمو وينتشر وتمتد شماريخه بسرعة في إسبانية، وأنه لا ~~يبعد اليوم الذي تصير فيه تلك البلاد بأجمعها تابعة لدين محمد. روى ذلك بعض مؤرخي العرب ~~وأسفوا من كون السمح بن مالك الخولاني لم يعمل برأي الخليفة في هذا الموضوع. # 41 # انتهى. # ولنقابل الآن كلام رينو وكلام من نقل عنهم من مؤرخي الإسبانيول والإفرنج بكلام العرب ~~لتزداد الحقائق وضوحا فنقول: نقل المقري في النفح عن ابن حيان ما يلي: # قالوا: إن موسى اصطلح مع طارق وأظهر الرضى عنه وأقره على مقدمته على رسمه، وأمره ~~بالتقدم أمامه في أصحابه وسار موسى خلفه في جيوشه فارتقى إلى الثغر الأعلى، وافتتح ~~سرقسطة وأعمالها، وأوغل في البلاد، وطارق أمامه، لا يمران بموضع إلا فتح عليهما ~~وغنمهما الله تعالى ما فيه، وقد ألقى الله الرعب في قلوب الكفرة لم يعارضهما أحد إلا ~~بطلب صلح، وموسى يجيء على أثر طارق في ذلك كله ويكمل ابتداءه، ويوثق للناس ما عاهدوه ~~عليه، فلما صفا القطر كله وطمأن نفوس من أقام على سلمه، ووطأ لأقدام المسلمين في ~~الحلول به أقام لتمييز ذلك وقتا، وأمضى المسلمين إلى إفرنجة ففتحوا وغنموا وسلموا ~~وعلوا وأوغلوا حتى انتهوا إلى وادي «ردونة» # 42 # فكان أقصى أثر العرب ومنتهى موطئهم من أرض العجم، وقد دوخت بعوث طارق ~~وسراياه بلد إفرنجة، فملكت مدينتي برشلونة # 43 # وأربونة # 44 # وصخرة «أبينيون» # 45 # وحصن «لودون» # 46 # على وادي ردونة، فبعدوا عن الساحل الذي منه دخلوا جدا، وذكر أن مسافة ما ~~بين قرطبة وأربونة من بلاد إفرنجة ثلاثمائة فرسخ وخمسة وثلاثون فرسخا، وقيل: ثلاثمائة ~~فرسخ وخمسون فرسخا. ولما أوغل المسلمون إلى أربونة ارتاع لهم قارله ملك الإفرنجة ~~بالأرض الكبيرة وانزعج لانبساطهم، فحشد لهم وخرج عليهم في جمع عظيم، فلما انتهى إلى حصن ~~لودون، وعلمت ms033 العرب بكثرة جموعه زالت عن وجهه، وأقبل حتى انتهى إلى صخرة أبينيون فلم ~~يجد بها أحدا، وقد عسكر المسلمون قدامه فيما بين الأجبل المجاورة لمدينة أربونة، وهم ~~بحال غرة لا عيون لهم ولا طلائع، فما شعروا حتى أحاط بهم عدو الله قارله، فاقتطعهم عن ~~اللجا إلى مدينة أربونة، وواضعهم الحرب فقاتلوا قتالا شديدا استشهد فيه جماعة منهم، ~~وحمل جمهورهم على صفوفه حتى اخترقوها ودخلوا المدينة ولاذوا بحصانتها، فنازلهم بها ~~أياما أصيب له فيها رجال، وتعذر عليه المقام وخامره ذعر وخوف مدد للمسلمين، فزال عنهم ~~راحلا إلى بلده، وقد نصب في وجوه المسلمين حصونا على وادي ردونة شكها بالرجال ~~فصيرها ثغرا بين بلده والمسلمين، وذلك بالأرض الكبيرة خلف الأندلس. انتهى. # إن كلام ابن حيان هذا يجمل خبر غزوات العرب لإفرنجة أو فرنسة من أيام موسى بن نصير ~~وطارق بن زياد إلى زمان عبد الرحمن الغافقي، ومنه يعرف أن غزو العرب لإفرنجة يرجع إلى ~~أول الفتح الأندلسي، وإن كان مؤرخو الإفرنج لا يذكرون مغازي العرب لفرنسة إلا من بعد ~~ولاية السمح بن مالك الخولاني، وأما المؤرخان المسيحيان أيزيدور الباجي وشيمينش مطران ~~طليطلة، وأولهما عاصر زمان الفتح، فإنهما يذكران غارات للعرب على فرنسة في زمان الحر بن ~~عبد الرحمن بن عثمان الثقفي أمير الأندلس بعد عبد العزيز بن موسى بن نصير الذي ثأر به ~~الجند، وقتلوه حسبما تقدم الكلام عليه. # والذي في نفح الطيب نقلا عن ابن خلدون أن محمد بن يزيد عامل الخليفة سليمان بن عبد ~~الملك على إفريقية لما بلغه مهلك عبد العزيز بن موسى بن نصير بعث الحر بن عبد الرحمن ~~الثقفي أميرا على الأندلس. وفي صفحة 140 من نفح الطيب من الجزء الأول الطبعة الأزهرية ~~يذكر أمراء الأندلس على النسق الآتي: # طارق بن زياد مولى موسى بن نصير، ثم الأمير موسى بن نصير، وكلاهما لم يتخذ سريرا ~~للسلطنة، ثم عبد العزيز بن موسى بن نصير، وسريره أشبيلية، ثم أيوب بن حبيب اللخمي، ~~وسريره قرطبة، وكل من يأتي بعده فسريره ms034 قرطبة والزهراء والزاهرة بجانبيها إلى أن انقضت ~~دولة بني مروان على ما ينبه عليه، ثم الحر بن عبد الرحمن الثقفي، ثم السمح بن مالك ~~الخولاني، ثم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، ثم عنبسة بن سحيم الكلبي، ثم عذرة بن عبد ~~الله الفهري، ثم يحيى بن سلمة الكلبي، ثم عثمان بن أبي نسعة الخثعمي، ثم حذيفة بن ~~الأحوص القيسي، ثم الهيثم بن عبيد الكلابي، ثم محمد بن عبد الله الأشجعي، ثم عبد الملك ~~بن قطن الفهري، ثم بلج بن بشر بن عياض القشيري، ثم ثعلبة بن سلامة العاملي، ثم أبو ~~الخطار بن ضرار الكلبي، ثم ثوابة بن سلامة الجذامي، ثم يوسف بن عبد الرحمن الفهري. قال: ~~وها هنا انتهى الولاة الذين ملكوا الأندلس من غير موارثة أفرادا عددهم عشرون فيما ذكره ~~ابن سعيد، ولم يتعدوا في السمة لفظ الأمير. قال ابن حيان: مدتهم منذ تاريخ الفتح من ~~لذريق سلطان الأندلس النصراني، وهو يوم الأحد لخمس خلون من شوال سنة 92 إلى يوم الهزيمة ~~على يوسف بن عبد الرحمن الفهري وتغلب عبد الرحمن بن معاوية المرواني على سرير الملك ~~قرطبة، وهو يوم الأضحى لعشر خلون من ذي الحجة سنة 138 ست وأربعون سنة وخمسة أيام. ~~انتهى. # وأما ابن عذارى في «البيان المغرب» فيذكر في الجزء الأول أن محمد بن يزيد أمير ~~إفريقية استعمل على الأندلس الحر بن عبد الرحمن القيسي، وكانت الأندلس إذ ذاك إلى والي ~~إفريقية كما كان أيضا والي إفريقية من قبل والي مصر. ثم قال: وسنة 99 توفي سليمان بن ~~عبد الملك واستخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يوم وفاته فاستعمل على إفريقية ~~إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم. قال: «واستعمل إسماعيل بن أبي ~~المهاجر على الأندلس السمح بن مالك الخولاني. ثم ذكر ابن عذارى أنه عند ولاية بشر بن ~~صفوان على إفريقية ولي الأندلس عنبسة بن سحيم الكلبي. ثم ذكر أنه عند ولاية عبيدة بن ~~عبد الرحمن السلمي على إفريقية تولى ms035 عثمان بن أبي نسعة على الأندلس، ثم من بعده حذيفة ~~بن الأحوص القيسي، ثم الهيثم بن عبيد الكناني، ثم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي الذي ~~استشهد ببلاط الشهداء، ثم ذكر إمارة عبد الملك بن قطن على الأندلس، ثم ولاية بلج بعد ~~مقتل عبد الملك، ثم ولاية ثعلبة بن سلامة العاملي، ثم ولاية أبي الخطار الكلبي، ثم ~~ولاية ثوابة بن سلامة الذي ثار على أبي الخطار وهزمه، ثم ولاية يوسف الفهري آخر أمراء ~~الأندلس الذي دخل في زمانه عبد الرحمن بن معاوية الأموي إلى تلك البلاد. # وأما صاحب «أخبار مجموعة في تاريخ أمراء الأندلس» فذكر بعد إمارة عبد العزيز بن موسى ~~بن نصير إمارة أيوب بن حبيب اللخمي، كان يؤم أهل الأندلس في صلاتهم وكان رجلا صالحا، ~~فولوه أمرهم بعد قتل عبد العزيز بن موسى بن نصير، وهو ابن عمة عبد العزيز، وجاء بعده ~~الحر بن عبد الله الثقفي # 47 ~~(ولم يقل: الحر بن عبد الرحمن الثقفي) ثم ذكر أنه لم يستقر بالحر القرار ~~حتى ولي عمر بن عبد العزيز رحمه الله الخلافة فعزل عبد الله بن يزيد والي إفريقية (ولم ~~يقل: محمد بن يزيد) وولاها إسماعيل بن عبد الله مولى بني مخزوم، وذلك أن الخلفاء كانوا ~~إذا جاءتهم جبايات الأمصار والآفاق يأتيهم مع كل جباية عشرة رجال من وجوه الناس ~~وأجنادها، فلا يدخل بيت المال من الجباية دينار ولا درهم حتى يحلف الوفد بالله الذي لا ~~إله إلا هو ما فيها دينار ولا درهم إلا أخذ بحقه، وأنه فضل أعطيات أهل البلد من ~~المقاتلة والذرية بعد أن أخذ كل ذي حق حقه، فأتى وفد إفريقية بخراجها وذلك أنها لم تكن ~~يومئذ ثغرا فكان ما فضل بعد أعطيات الأجناد وفرائض الناس ينقل إلى الخليفة، فلما ~~وفدوا بخراج إفريقية في زمان سليمان أمروا بأن يحلفوا فحلف الثمانية، ونكل إسماعيل بن ~~عبيد الله مولى بني مخزوم، ونكل بنكوله السمح بن مالك الخولاني، فأعجب ذلك عمر بن عبد ~~العزيز من فعلهما ثم ضمهما ms036 إلى نفسه فاختبر منهم صلاحا وفضلا، فلما ولي عمر ولى ~~إسماعيل إفريقية، وولى السمح بن مالك الأندلس وأمره أن يخمس أرضها، ويخرج منها ما ~~كان عنوة خمسا لله من أرضها وعقارها، ويقر القرى في أيدي غنامها بعد أن يأخذ الخمس ~~وأن يكتب إليه بصفة الأندلس وأنهارها، وكان رأيه انتقال أهلها منها لانقطاعهم عن ~~المسلمين، وليت الله كان أبقاه حتى يفعل فإن مصيرهم إلى بوار إلا أن يرحمهم الله، ~~فقدمها السمح سنة مائة فوضع يدا في السؤال عن العنوة ليميزه من الصلح وفي إخراج ~~البعوث، وبنى القنطرة وذلك أنه كتب إلى عمر يستشيره ويعلمه أن مدينة قرطبة تهدمت من ~~ناحية غربها، وكان لها جسر يعبر عليه نهرها ووصفه بحمله وامتناعه من الخوض الشتاء عامة ~~«فإن أمرني أمير المؤمنين ببنيان سور المدينة فعلت فإن قبلي قوة على ذلك من خراجها ~~بعد عطايا الجند ونفقات الجهاد، وإن أحب صرفت صخر ذلك السور فبنيت جسرهم» فيقال والله ~~أعلم: إن عمر رحمه الله أمر ببنيان القنطرة بصخر السور، وأن يبني السور باللبن؛ إذ لا ~~يجد له صخرا فوضع يدا فبنى القنطرة في سنة إحدى ومئة. # ثم هلك عمر رحمه الله، فولى يزيد بن عبد الملك بشر بن صفوان أخا حنظلة بن صفوان ~~إفريقية، فعزل بشر السمح بن مالك وولى عنبسة بن سحيم الكلبي، ثم تتابعت ولاة ~~الأندلس بعد عنبسة، فوليها يحيى بن مسلمة الكلبي، ثم وليها بعد يحيى عثمان بن أبي نسعة ~~الخثعمي، ثم وليها بعد عثمان حذيفة بن الأحوص القيسي، ثم الهيثم بن عفير الكناني، ثم ~~عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، وعلى يديه استشهد أهالي بلاط الشهداء، واستشهد معهم ~~واليهم عبد الرحمن، وولي عبد الملك بن قطن المحاربي محارب فهر من قريش، وولايته الأولى ~~نحو من ستة أشهر، لم تطل، وكان من وصفنا من الولاة يجاهدون العدو ويتوسعون في البلاد ~~حتى بلغوا إفرنجة وحتى افتتحت عامة الأندلس (إلى أن يقول): إن هشام بن عبد العزيز رحمه ~~الله بعث على مصر عبيد الله بن ms037 الحبحاب بن الحارث مولى بني سلول من قيس، وجعل إليه أمر ~~إفريقية والأندلس، فأقر بشر بن صفوان على إفريقية، وولى عقبة بن الحجاج الأندلس (ثم ~~قال): فدخل الأندلس (أي: عقبة بن الحجاج) سنة عشر ومئة فأقام عليها سنين وافتتح الأرض ~~حتى بلغ أربونة، وافتتح «جليقية» # 48 # و«إلبة» # 49 # و«بنلونة» # 50 # ولم يبق بجليقية قرية لم تفتتح غير «الصخرة» فإنه لاذ بها ملك يقال له: ~~«بلاي» فدخلها في ثلاثمائة راجل، فلم يزالوا يقاتلونه ويناورونه حتى مات أصحابه جوعا ~~وترامت طائفة منهم إلى الطاعة، فلم يزالوا ينقصون حتى بقي في ثلاثين رجلا ليست معهم ~~عشر نسوة. فيما يقال: إنما كان عيشهم بالعسل، ولاذوا بالصخرة فلم يزالوا يتقوتون بالعسل ~~معهم جباح # 51 # والنحل عندهم في خروق الصخرة، احترزوا وأعيى المسلمين أمرهم فتركوهم ~~وقالوا: ثلاثون علجا ما عسى أن يكون أمرهم؟ واحتقروهم ، ثم بلغ أمرهم إلى أمر عظيم ~~سنذكره إذا بلغنا موضعه إن شاء الله. أ.ه. # ثم ذكر صاحب «أخبار مجموعة»: أن عقبة بن الحجاج بقي أميرا على الأندلس إلى سنة 121 ~~إذ ثارت البربر في إفريقية ودخلوا طنجة، وقتلوا واليها عمر بن عبد الله المرادي، وشغل ~~صاحب إفريقية بشر بن صفوان بهذه الثورة، فوثب عبد الملك بن قطن المحاربي على عقبة بن ~~الحجاج، فخلعه ولا أدري أقتله أم أخرجه؟ فملكها بقية 21، 22، 23 حتى دخل بلج بن ~~بشر القشيري ثم الكعبي بأهل الشام، وقد وصفنا سبب دخوله في أحاديث تأتي بعد هذا. # ثم ذكر ما معناه: أنه بعد موت بلج القشيري تولى الأندلس ثعلبة بن سلمة العاملي، وجار ~~في سياسته، وذهب وفد من الأندلس إلى حنظلة بن صفوان أمير إفريقية يشكون ما هم فيه، ~~فأرسل عليهم واليا أبا الخطار حسام بن ضرار الكلبي، فأصلح الأمور ورضي به الشاميون ~~والبلديون، وكان رجلا من خيار الناس وأنزل أهل الشام في الكور، وبقي أبو الخطار أربع ~~سنين وستة أشهر إلى أن دخل الأندلس الصميل بن حاتم بن شمر بن ذي الجوشن، وشمر هو الذي ~~قتل الإمام الحسين ms038 بن علي رضي الله عنه، وقتله بعد ذلك المختار بالكوفة، فارتحل ولد ~~الشمر عن الكوفة إلى الجزيرة، ثم ارتحلوا إلى الأندلس مع جند قنسرين، ورأس الصميل ~~بالأندلس ودانت له قيس فيها واقتتل مع أبي الخطار وانهزم هذا، وتولى ثوابة بن سلمة ~~الجذامي، ثم مات سنة 129، وتولى بعده يوسف بن عبد الرحمن بن عقبة بن نافع الفهري، وفي ~~أيامه اشتدت العداوة بين قيس واليمن، فانحازت مضر وربيعة إلى يوسف ومعه الصميل، واجتمعت ~~يمن الأندلس حميرها وكندتها ومذحجها وقضاعتها تحت لواء أبي الخطار، وكانت بين ~~الفريقين أشد حرب عرفها العرب بعضهم مع بعض. قال صاحب «أخبار مجموعة»: وهي الفتنة ~~العظمى التي بها يخاف بوار الإسلام بالأندلس إلا أن يحفظه الله. # ومن كلام هذا المؤرخ الذي كتب هذا التاريخ في أيام الحكم المستنصر يظهر أنهم كانوا ~~يخشون على إسلام الأندلس البوار، لا من جهة انقطاع مسلمي الأندلس من وراء البحر فقط، بل ~~من جهة الفتنة التي لا يفتر أوارها فيما بينهم، ولقد وقع ما كانوا منه يحذرون، فما كان ~~زوالهم من هناك بحرب الإسبانيول فحسب بل كان أقوى عامل على زوالهم من الأندلس شدة عداوة ~~بعضهم لبعض، وهو مرض الفرقة الذي رافقهم إلى الساعة الأخيرة من ملكهم هناك. # 52 # رجع الحديث إلى حرب القيسية واليمانية # ذكر صاحب «أخبار مجموعة» أن ابن حريث # 53 # وأبا الخطار زحفا إلى يوسف والصميل # 54 # بقرطبة، فأقبلا حتى نزلا على نهر قرطبة بقبليها بقرية «شقندة» # 55 # وعبر يوسف والصميل النهر إليهما بمن معهما، فالتقوا حين صلوا الصبح ~~فتطاعنوا على الخيل حتى تقصفت الرماح وثبتت الخيل وحميت الشمس، ثم تداعوا إلى البراز ~~فتنازلوا وتضاربوا بالسيوف حتى تقطعت، ثم تقابضوا بالأيدي والشعور ولم يكن في الإسلام ~~صبر مثله إلا ما يذكر من صفين. # 56 # ولم يكن القوم بالكثير لا هؤلاء ولا هؤلاء وإنما كانوا خيار الفريقين، ~~وكانوا متقاربين، إلا أن اليمن كانوا أكثر قليلا، فلما أعنى بعضهم بعضا تواقفوا يضرب ~~بعضهم وجوه بعض بالقسي والجعاب، ويحثي بعضهم التراب على بعض؛ ms039 إذ قال الصميل ليوسف: ما ~~وفقنا إذ خلفنا جندا نحن منهم في غفلة. قال: ومن هم؟ قال: أهل السوق بقرطبة. فرد إليهم ~~يوسف مولاه خالد بن يزيد وصاحب سوقه، فأخرجا منهم نحوا من أربعمائة راجل معهم الخشب ~~والعصي، ومع قليل منهم السيف والمزراق، فخرج الجزارون بسكاكينهم فجاءوا إلى قوم موتى، ~~وقد مضت الظهر والعصر لم يصلوهما لا صلاة خوف ولا أمن، فجردوهم وقتلوا وأسروا بشرا ~~كثيرا خيارا، وأسروا أبا الخطار وابن حريث وكانا الأميرين، وكان ابن حريث لما رأى أهل ~~سوق قرطبة يقتلون أصحابه تغيب ودخل تحت سرير الرحى التي بموضع بيع الخشب، فلما أسروا ~~أبا الخطار وهموا بقتله قال: ليس علي فوت ولكن عندكم ابن السوداء ابن حريث، فدل ~~عليه فأخرج وقتلا جميعا، وكان ابن حريث يقول: لو أن دماء أهل الشام جمعت لي في قدح ~~لشربتها، فلما استخرج قال له أبو الخطار : يا ابن السوداء هل بقي في قدحك شيء لم تشربه؟ ~~فقتلا، وأسر منهم بشر كثير. ثم أتي بالأسرى، وقعد الصميل في كنيسة كانت في داخل ~~مدينة قرطبة، وهي اليوم موضع مسجدها الجامع، فضرب أوساط سبعين منهم. فلما رأى ذلك أبو ~~عطاء بن حمد المري قام إليه فقال له: أبا جوشن أغمد سيفك أو ارجع سيفك. قال له: اقعد ~~أبا عطاء فهذا عزك وعز قومك. فجلس ولم يغمد السيف، ثم قام إليه فقال له: يا عرابي، ~~والله إن تقتلنا إلا بعداوة صفين لتكفن أو لأدعون بدعوة شامية، فأغمد سيفه وأمن الناس ~~على يدي أبي عطاء بعد بلاء عظيم، فيقال والله أعلم: إن تلك الوقيعة توجد في بعض العلم ~~أنها قاطعة الأرحام. # 57 # وكانت قبل سنة إحدى وثلاثين ومئة، قال: فأعقبهم الله بالجوع والقحط، فجاعت ~~الأندلس سنة اثنتين وثلاثين ثم سنة ثلاث، فثار أهل جليقية على المسلمين وغلظ أمر علج ~~يقال له بلاي، قد ذكرناه في أول كتابنا، فخرج من الصخرة # 58 # وغلب على كورة «واستورس» # 59 # ثم غزاه المسلمون من جليقية وغزاه أهل «استورقة» # 60 # زمانا طويلا ms040 حتى كانت فتنة أبي الخطار وثوابة. # 61 # فلما كان في سنة ثلاث وثلاثين هزمهم وأخرجهم عن جليقية كلها، وتنصر كل ~~مذبذب في دينه وضعف عن الخروج، وقتل من قتل وصار فلهم إلى خلف الجبل إلى «أستورقة» ~~حتى استحكم الجوع فأخرجوا أيضا المسلمين عن أستورقة وغيرها، وانضم الناس إلى ما وراء ~~الدرب الآخر وإلى «قورية» # 62 # و«ماردة» # 63 # في سنة ست وثلاثين، واشتد الجوع فخرج أهل الأندلس إلى طنجة وأصيلا وريف ~~البربر ممتارين ومرتحلين، وكانت إجازتهم من واد بكورة «شذونة» # 64 # يقال له: وادي «برباط» # 65 # فتلك السنون تسمى سني برباط فخف سكان الأندلس، وكاد أن يغلب عليهم العدو ~~إلا أن الجوع شملهم. أ.ه. # هذا ما اخترنا تلخيصه وتمحيصه من أخبار الأمراء الذين تعاقبوا على الأندلس والذين ~~كانوا يغزون إفرنجة أو فرنسة، ولنضف إليهم ما ذكره ابن عميرة صاحب «بغية الملتمس في ~~تاريخ رجال أهل الأندلس» # 66 # فهو يذكر الحر بن عبد الرحمن القيسي ويقول: إنه عزل بعنبسة بن سحيم الكلبي. ~~ويقول: إن عنبسة تولى الأندلس سنة 106 من قبل بشر بن صفوان أمير إفريقية في أيام هشام ~~بن عبد الملك ومات سنة 107 وقيل 109. # وأما ابن خلدون فيذكر أن ولاية عنبسة بن سحيم كانت من قبل يزيد بن أبي مسلم عامل ~~إفريقية، لا بشر بن صفوان، وأن بشر بن صفوان كان واليا على إفريقية وقت مقتل عنبسة، ~~ولما بلغه الخبر أرسل مكانه واليا على الأندلس يحيى بن مسلمة الكلبي. ويقول ابن خلدون: ~~إن استشهاد عنبسة كان في أرض الفرنجة سنة 107. # وبين ابن خلدون وصاحب «أخبار مجموعة» اختلاف في الأسماء، لعله من تصحيف النساخ، ففي ~~نفح الطيب نقلا عن ابن خلدون يذكر «الهيثم بن عبيد الكلابي» - وهكذا في صبح الأعشى - ~~وفي «أخبار مجموعة» الهيثم بن عفير الكناني، ثم إن صاحب «أخبار مجموعة» يذكر بعد الهيثم ~~ولاية عبد الرحمن الغافقي بلا فاصل، على حين أن ابن خلدون يذكر بعد الهيثم محمد بن عبد ~~الله الأشجعي، ولعل صاحب أخبار مجموعة أهمله لقصر مدته ms041 لأنه لم يلبث إلا شهرين. # وأما ابن عذارى فيذكر في «المغرب» أن بشر بن صفوان تولى إفريقية مرتين، وفي الثانية ~~منهما ولى على الأندلس عنبسة بن سحيم. ثم يقول: إنه سنة 107 ولى على الأندلس يحيى بن ~~سلمة الكلبي. ومن هنا يعرف أن مقتل عنبسة بن سحيم بأرض إفرنجة غازيا كان سنة 107، وهذه ~~هي رواية ابن عميرة وابن خلدون أيضا. والمستشرق رينو # 67 # يقول: إنه قتل سنة 725 مسيحية، والمؤرخ كوندي الإسبانيولي يجعل قتله سنة ~~106 هجرية الموافقة 724 مسيحية. # ولنرجع إلى تاريخ رينو عن غارات العرب على فرنسة فهو يقول: إن السمح بن مالك الخولاني ~~الذي تولى الأندلس في خلافة عمر بن العزيز بعد أن سكن الدهماء وأصلح الأمور في ~~الداخل، أعمل همته في الجهاد ليستأنف المسلمون الحرارة الأولى، وليجدد عزائمهم بعد ~~الالتياث، ويعقد صرائمهم بعد الانتكاث قال: وكان ذلك سنة 721 مسيحية في خلافة يزيد بن ~~عبد الملك، وكان مضى على فتح العرب للأندلس إحدى عشرة سنة لا غير، فأجاز السمح إلى بلاد ~~فرنسة، تفيض بجيوشه أقطارها، وزعم مؤرخو الإفرنجة المعاصرون أن العرب جاءوا ومعهم ~~نساؤهم وأولادهم؛ لأنهم كانوا على نية الاستقرار في البلاد. قالوا: وكان الفقراء ~~والمحاويج يأتون من جزيرة العرب والشام ومصر وإفريقية ومعهم عائلاتهم لأجل سد مفاقرهم ~~بالفتوحات وارتياد الرزق من وراء الغارات. # قال رينو: ولم يزل السمح يتقدم بجيشه إلى أن صار أمام أربونة فحصرها ولم يلبث أن ~~فتحها وقتل رجالها وسبى نساءها وذراريها، وكانت أربونة بمصاقبتها للبحر وسهولة الوصول ~~إليها بالسفن من إسبانية ثم بمنعتها الطبيعية من جهة البر تصلح أن تكون مسلحة للعرب في ~~أرض إفرنجة، فزاد السمح في تحكيم حصونها ووضع الحاميات في المدن المجاورة لها. # الكلام على مدينة أربونة # Narbonne # كانت زيارتي لأربونة بعد أن قفلت من الأندلس، لا كما كانت زيارتي لطلوزة وقرقشونة، ~~أي قبل أن دخلت إليها. وأربونة هي كما لا يخفى المدينة التي توجهت إليها همة العرب أكثر ~~من الجميع من أرض فرنسة، وذلك لكونها على كثب ms042 من البحر ولسهولة التوصل إليها من الأندلس ~~على الماء، وكونها لذلك العهد أهم حاضرة إفرنسية في جوار إسبانية، فكان العرب إذا ~~أفاضوا من جبال البيرانه ناحرين الشمال يجدون أربونة هي المدينة الأولى التي ~~تستقبلهم. # وموقع أربونة هو على ارتفاع 10 أمتار فقط عن سطح البحر الملح، وعلى مسافة 14 كيلو ~~مترا منه إلى الشرق، ونهر الأود يمر بالقرب منها، والسهول التي بينها وبين البحر هي ~~متكونة من الرواسب التي أبقاها هذا النهر بجريه من آلاف وآلاف من السنين. # وهي الآن مدينة من الدرجة الثالثة، لا يزيد عدد أهلها على 30 ألفا، ومناخها شبيه ~~بمناخ المدن العربية، أي: إنها لطيفة الشتاء نادرة الثلج، حارة القيظ لولا نسمات لطاف ~~تهب عليها أحيانا من جهة البحر فتخفف من حرارتها، وفي مدة تزيد على نصف السنة تعصف ~~الرياح في أربونة من الشمال الغربي، وتسفي التراب وتكدر صفو المزاج، ولكنها تفيد في ~~تنشيف ما حول أربونة من المستنقعات، وأكثر حاصلات أربونة من الكرم، وفيها جميع أشجار ~~البلاد الحارة، وقد شاهدت فيها التين والزيتون والصبير. # ويمر بأربونة جدول اسمه «روبين» # 68 # مشتق من قناة الجنوب المستمدة من الأود وأربونة من أقدم مدن الأرض، عثروا ~~فيها على آثار الآدميين من العصر الحجري، وعلى قبور مما قبل التاريخ، وفي أواخر القرن ~~الثاني عشر قبل المسيح أغار السلتيون على أربونة واستقروا بها، وكانت لهم علاقات تجارية ~~مع اليونانيين الذين كانوا يترددون إلى سواحل بروفانس والكاتالان. # وقد جعل الجبل المسمى «بالفولسك» # 69 # مدينة أربونة حاضرة لهم، وجاء الرومانيون سنة 121 قبل المسيح فافتتحوها ~~وصارت في أيامهم مركزا تجاريا عظيما تضارع مرسيلية، وكان الولاة الرومانيون يقيمون ~~بها، وكانت لها امتيازات لعهدهم عريضة، وبلغ عدد أهلها مائة ألف نسمة في ذلك العصر، ~~وسنة 1413 استولى عليها القوط، وتزوج فيها ملكهم أدولف بالأميرة «بلا سيدة ~~غالة» # 70 # أخت الإمبراطور الروماني، وكانت لزفافه فيها حفلة عظيمة، ثم استولى على ~~أربونة «غوندبود» # 71 # ملك البرغونديين، # 72 # لكنه لم يتمتع بها طويلا، وعادت للقوط، وثبت هؤلاء ms043 فيها برغم غارات الفرنج ~~عليها. # نقلنا هذه الخلاصة عن «دليل أربونة» # 73 # ولنذكر ما جاء في هذا الدليل بشأن العرب، قال: في أوائل القرن الثامن ~~للمسيح ظهر العرب على «سبتيمانية» وافتتح «زاما» # 74 # أربونة سنة 719 بعد حصار استمر ثمانية وعشرين يوما فقتل الرجال وسبي ~~النساء والأطفال، ثم نظر «زاما» إلى أهمية أربونة الجغرافية فحصنها وشحنها بالميرة. ~~وهكذا تمكن العرب فيها من صد غارة شارل مارتل الذي حاصر أربونة سنة 732 بعد أن هزم ~~العرب في معركة بواتيه، ثم إن «ببين» القصير حاصر أربونة سنة 752 ونكص عنها، ولم يتمكن ~~منها سوى شارلمان سنة 759، وذلك بعد أن حاصرها مدة سبع سنوات، فإن الأهالي الذين في ~~البلدة كانوا ملوا هذا الحصار الطويل فثاروا بالحامية العربية وذبحوها، وعاد العرب سنة ~~792 فحاصروا أربونة، فبعث شارلمان لنجدتها بعثا عدته عشرون ألف مقاتل، عقد لواءه ~~للفارس المشهور غليوم، # 75 # وتلاقى الجمعان بقرب أربونة، فاستأصل العرب جيش الإفرنج ولم يبق من هؤلاء ~~إلا غليوم وثلاثة عشر من رفاقه، وصلم أنف غليوم في المعركة، ولقب من ذلك اليوم بذي ~~الأنف القصير، إلا أنه أحرز مجد قتل عبد الملك أمير الجيش العربي بيده، فأما أربونة ~~فبرغم انكسار الإفرنج ذلك اليوم لم تسقط في أيدي العرب. # انتهى ما جاء في دليل أربونة، وهذا غير مطابق لما في تواريخ العرب. انظر إلى ما جاء ~~في نفح الطيب في هذا الصدد، قال: «كان هشام (ابن عبد الرحمن الداخل الأموي) يذهب بسيرته ~~مذهب عمر بن عبد العزيز، وكان يبعث بقوم من ثقاته إلى الكور، فيسألون الناس عن سير ~~عماله ويخبرونه بحقائقها، فإذا انتهى إليه حيف من أحدهم أوقع به وأسقطه أو أنصف منه ولم ~~يستعمله بعد، ولما وصفه زياد بن عبد الرحمن لمالك بن أنس قال: نسأل الله تعالى أن يزين ~~موسمنا بمثل هذا. # 76 # وفي أيامه فتحت أربونة الشهيرة، واشترط على المعاهدين من أهل ~~جليقية # 77 # من صعاب شروطه انتقال عدد من أحمال التراب من سور أربونة المفتتحة يحملونها ~~إلى ms044 باب قصره بقرطبة وبنى منه المسجد الذي قدام باب الجنان، وفضلت منه فضلة بقيت ~~مكومة، وقاسى مع المخالفين له من أهل بيته وغيرهم حروبا، ثم كانت الدائرة له. وقصد إلى ~~بلاد الحرب غازيا، وقصد «ألبة» # 78 ~~«والقلاع»، فلقي العدو وظفر بهم وفتح الله عليه سنة خمس وسبعين، وبعث ~~العساكر إلى جليقية مع يوسف بن بخت، فلقي «ابن منده» # 79 # وهزمه، وأثخن في العدو، وفي سنة ست وسبعين بعث وزيره عبد الملك بن عبد ~~الواحد بن مغيث # 80 # لغزاة العدو، فبلغ ألبة والقلاع فأثخن في نواحيها، ثم بعثه في العساكر سنة ~~سبع وسبعين إلى أربونة وجرندة # 81 # فأثخن فيها ووطئ أرض برطانية. # 82 # وتوغل عبد الملك في بلاد الكفار وهزمهم، ثم بعث العساكر مع عبد الكريم بن ~~عبد الواحد إلى بلاد جليقية، فانتهى إلى «أسترقة» # 83 # فجمع له ملك الجلالقة واستمد بملك الباشكنس ثم خام عن اللقاء ورجع أدراجه ~~وأتبعه عبد الملك، وكان هشام قد بعث بالجيوش من ناحية أخرى فالتقوا بعبد الملك وأثخنوا ~~في البلاد، واعترضتهم عساكر الفرنج فنالوا منهم بعض الشيء ثم خرجوا سالمين ظافرين. ~~أ.ه. # فمن هنا يظهر أن العرب عادوا فافتتحوا أربونة في زمان الأمير هشام بن عبد الرحمن ~~الداخل، ولكن الرواية عن الفتح التام والاستقرار تضعف بقول المقري في النفح: «ثم بعثه ~~في العساكر إلى أربونة، وجرندة فأثخن فيها» فإذا كان قد تم له فتحها فلا محل لغزوها ~~ثاني مرة والإثخان فيها. وقد جاء ذكر الأمير هشام في المعلمة الإسلامية لهوتسما وباسيت ~~ورفاقهما، ولم يذكروا أنه فتح أربونة، وإنما قالوا: إنه أغزى مرارا الجيوش الإسلامي ~~بلاد النصارى وجنوبي فرنسة، ووصلت جيوشه إلى «أسترقة» و«أوبياده» # 84 # من المملكة التي أسسها بقايا ملوك المسيحيين في إسبانية، ممن لم يخضعوا ~~للعرب، من أعقاب بلاي # 85 # وغزا جيرونة # 86 # وأربونة، ولم يرد في الأنسيكلوبيديا الإسلامية أنه فتح أربونة. # أما المؤرخ الإسبانيولي كوندي فإنه يذكر غزوات الأمير هشام في جليقية بالجيش الذي ~~أرسله تحت قيادة الحاجب عبد الواحد بن مغيث، وغزواته ms045 في نواحي البيرانه بالجيش الذي ~~أرسله تحت قيادة عبد الله بن عبد الملك، ويقول: إن عبد الله هذا فتح جيرونة سنة 793 وفق ~~177، وبعد أن فاز بفتح هذه البلدة زحف صوب الشمال فعبر البيرانه وفتح أربونة وذبح أهلها ~~واكتسح أقطارها، ووصل إلى قرقشونة حيث تجمعت لصده أمراء البلاد قاطبة، وناجزته الحرب ~~بين قرقشونة وأربونة، فظهر المسلمون في هذه المعركة، وانهزم المسيحيون انهزاما غير ~~تام، يدل على ذلك أن عبد الله قفل راجعا إلى الأندلس بعد تلك الطائلة. وقيل: إن سبب ~~قفوله هو خوفه أنه بطول القتال يفقد الغنائم الوافرة التي كان غنمها. وقالوا: إن هشاما ~~جعل هذه الأموال في بناء جامع قرطبة، ثم إن الأمير ولى عبد الله بن عبد الملك سرقسطة، ~~وسرح عبد الكريم بن الحاجب عبد الواحد إلى جليقية فعاث ودمر، ولكنه سقط في كمين دبره له ~~الأذفنش، وهلك فيه أكثر عسكره وقواده ومنهم يوسف قائد الفرسان. # وأما المستشرق رينو في كتابه: «غارات العرب على فرنسة ومن فرنسة على سافواي وبييمونت ~~وسويسرة» فإنه يذكر ما رواه مؤرخو العرب عن هذه الغزاة وما تابعهم فيه لذريق شيمينيس، ~~ويروي قصة أحمال التراب التي حملها أسارى المسيحيين المساكين على ظهورهم وبالعجلات من ~~مسافة مائتي مرحلة، ويقول: إن مؤرخي العرب زعموا سقوط أربونة تلك النوبة في أيديهم، ~~ولكنه يستبعد هذا الأمر بسبب كون المؤرخين المسيحيين لم يذكروا ذلك ولو بمناسبة دخول ~~المسيحيين ثانية إلى أربونة، ثم يقول: إن النويري الذي روى خبر هذه الغزاة ببعض تفصيل ~~لم يصرح بأن جيوش العرب استولت على أربونة في هذه الغزاة واستقرت فيها، # 87 # وسنذكر بقية هذا البحث فيما يأتي عند الكلام على غزوات بني أمية في ~~فرنسة. # رجع الحديث إلى السمح بن مالك الخولاني وغارات العرب على فرنسة # قال رينو: وبعد أن انتهى السمح من أمر أربونة، وشجن المدن المجاورة لها بالمقاتلة، ~~زحف نحو طلوزة # 88 # وكانت وقتئذ عاصمة أكيتانية # 89 # فحشد «أود» دوق أكيتانية كل ما قدر على حشده من الجنود، وخف لصد العرب ms046 عن ~~المدينة، بينما كانوا قد أخذوا بمخنقها واستعملوا المنجنيقات وسائر آلات الحصار في ~~قتالها إلى أن أوشك أهلها أن يسلموها، وإذا باود قد أقبل بجيش يسد الفضاء حتى قال مؤرخو ~~العرب: إن العثير المتطاير من زحف أقدامهم كان يغطي عين الشمس من كثرتهم، فتلا السمح ~~لعسكره الآية القرآنية: # إن ينصركم الله فلا غالب ~~لكم # ولما تدانى الجمعان خيل أن الجبال تلاقى بعضها ببعض، وكانت المعركة ~~من أهول ما يتصوره العقل، وكان السمح يظهر في كل مكان وسيفه ينطف دما وهو يشدد عساكره ~~بقوله وبفعله، وكان كالفحل الهائج لا يرد رأسه شيء أو كالأسد الزائر يحمل على العدو فلا ~~يقف أحد في وجهه، فما هو إلا أن أصابته طعنة خر بها صريعا عن جواده، فلما رآه ~~المسلمون مجدلا # 90 # فت في أعضادهم ونكصوا على أعقابهم، وتركوا قتلاهم بالعراء ورجعوا إلى ~~الوراء، وكانت هذه الواقعة في شهر مايو من سنة 721 وطاح فيها عدد من فرسان المسلمين ~~المغاوير الذين شهدوا الفتوحات السابقة. ولقد تولى قيادة الجيش - بعد قتل السمح وتقهقر ~~العرب - عبد الرحمن (الغافقي) وعاد به إلى الأندلس. # 91 # ولما شاع خبر هذه الواقعة دبت الحماسة في قلوب أهالي اللانغدوق والبيرانه وهبوا لخلع ~~طاعة العرب وحميت أنوفهم، إلا أن هؤلاء كانوا لا يزالون متمكنين في أربونة، وكانت قد ~~جاءتهم نجدات من الأندلس فعادوا يشنون الغارات منها على البلاد المجاورة، وآضت جيوشهم ~~تتقدم من كل مكان وتجر بخزائم الطاعة أنوف السكان، وكان الرهبان والقسيسون في ذلك الوقت ~~هم أصحاب الكلمة العليا، وكانت الكنائس والأديار ملأى بالنفائس والذخائر، فلم يكن من ~~العجب أن تتوجه همة العرب قبل كل شيء إلى اجتياح هذه المعابد وصب البلاء على الرهبان، ~~ولم يكن من العجب أن يكون هذا القسم من تاريخنا ملآن بقصص تدمير العرب للأديار والبيع؛ ~~لأن الذين كانوا يكتبون إذ ذاك إنما كانوا من الرهبان والإكليريكيين، فكان معظم كلامهم ~~الحديث عما حل بأديارهم وتقديمها على ديارهم. # فقد جاء في تواريخ الرهبان الذين شهدوا تلك الوقائع أن ms047 العرب هدموا دير ~~«جوسل» # 92 # بقرب «بيزيه» # 93 # ودير القديس «بوزيل» # 94 # بقرب «نيم» # 95 # ودير «صنجيل» # 96 # بقرب «آرل» # 97 # والدير المشهور بالثروة المسمى بدير «الترتيل» # 98 # بقرب «آغيمورت». # 99 # وكان يسمى كذلك لأن الرهبان كانوا ألزموا أنفسهم فيه النشيد الدائم بتسبيح ~~الرب، وذلك على أنه كلما تعبت طائفة خلفتها طائفة في الترتيل فلا ينقطع الترتيل من ~~الدير لا ليلا ولا نهارا. فدهم العرب هذه الأديار كلها بغتة، منحدرين عليها انحدار ~~العقبان، بحيث لم يقدر الرهابين الذين فيها إلا أن يخلصوا، نجيا برقابهم وببعض ذخائر ~~القديسين التي كانت عندهم، # 100 # وكان العرب أول ما يعمدون إلى الأجراس والنواقيس فيكسرونها # 101 # وكانت بعض عصائب من أهالي البلاد تقاتل العرب في الأحايين، وكان هؤلاء لا ~~يسيئون معاملة الذين يدخلون في طاعتهم بدون مقاومة ويكفونهم القتال. # ثم إنه في سنة 724 تولى إمارة الأندلس عنبسة (ابن سحيم الكلبي) # 102 # واجتاز جبال البيرانه بجيش جرار، وأوغل في البلاد، وفتح قرقشونة وأوقع بمن ~~وجد فيها، ثم فتح نيم وأخذ من أهلها رهائن أرسلهم إلى برشلونة # 103 # وقد كانت فتوحات عنبسة بحسب رأي أيزيدور الباجي فتوحات حذق ومهارة أكثر ~~منها فتوحات بطش وقوة، ولذلك تضاعف في أيام عنبسة خراج بلاد الغال. وقيل: إن عنبسة نفسه ~~قد زاد الخراج على الأهالي، ولا يظهر أن ذلك صحيح، وإنما ازداد الخراج بتوفيره وبحسن ~~تدبيره، ثم إن عنبسة وقع قتيلا في إحدى الوقائع سنة 725 فخلفه في القيادة «حديرة» ~~وجاءت إلى هذا نجدات من الأندلس، وعادت ريح الإسلام فعصفت ببلاد النصرانية من كل جهة، ~~بحسب تعبير أحد مؤرخي العرب، فالسبتيمانية إلى حدود الرون و«الألبيجوا» # 104 # و«الرورغ» # 105 # و«الثبيلاي» # 106 # و«التبيلاي» # 107 # صارت ميدانا لغارات العرب، وشملها الخراب من كل جهة، وما لم يؤخذ بالحديد ~~سلطوا عليه النار إلى حد أن كثيرين من الغزاة أنفسهم أكبروا هذا العبث الزائد في تلك ~~البلاد، فإنهم لم يكونوا يعفون عن شيء سوى الجواهر النفيسة والسلاح والخيل وكل ما ~~يزدادون به قوة على قوة. ms048 # وأكثر ما شمل الخراب مقاطعة «روديس» # 108 # فقد احتل العرب فيها حصنا يظنه بعضهم حصن «رو كبريف» # 109 # والآخرون حصن «بالاغيه» # 110 # وأخذوا يحتاجون جواره ولا يلقون مناهضا ولا عرقا نابضا، وقد بقيت عندنا ~~عن تلك النوازل شهادة رجل كان يقال له: «دادون» # 111 # عندما زحف العرب خرج بسلاحه ومعه جماعة مسلحون من أهل وطنه، فجاء العرب إلى ~~بيته ولم يجدوا فيه سوى أمه فأخذوها من جملة السبي، وعادوا إلى الحصن الذي كانوا ~~تبوأوه، فجاء دادون بسلاحه ومعه رفاقه، ووقفوا أمام باب الحصن، وطلب دادون تسليم أمه، ~~وقال: إنه ليس ببارح حتى ينقذها فأجابه واحد من العرب: إن شئت أن نرد عليك أمك فادفع ~~إلينا الجواد الذي أنت راكبه وإلا فإننا نذبح أمك أمام عينيك. فأجاب دادون وقد كاد ~~الغضب يخرجه من عقله: افعلوا بأمي ما تريدون فلا أسلم جوادي. عند ذلك جاء البربري بأم ~~دادون وقطع رأسها وألقاه من فوق الحصن إلى ما بين يدي ذلك المسكين، فعندما شاهد دادون ~~رأس والدته كادت نفسه تزهق من الألم وأخذ ينتحب ويصيح: يا للأخذ بالثأر. ولكنه لم يكن ~~يقدر أن يدخل إلى الحصن، فذهب وقد خولط في عقله وانقطع عن الناس، وأقام على ضفاف وادي ~~«دوردون» # 112 # في المكان الذي بني فيه فيما بعد الدير المسمى بدير «كونك». # 113 # وقد استشهد رينو على هذه الحادثة بقصيدة «أرمولدس نيجلوس» # 114 # التي نشرها في موراتوري # 115 # ثم الدون بوكيه # 116 # في مجموعة مؤرخي بلاد الغال، ثم المسيو بيرتس # 117 # في تاريخ الجرمانيين، وقد جاءت هذه الحادثة في البيت المائتين والسبعة من ~~قصيدة «نيجلوس» وليس يوجد في القصيدة ولا في تاريخ دير «كونك» ما يدل على السنة التي ~~أغار فيها العرب على «رورغ»، ولكن إذا عرفنا أن دادون مات في أواخر القرن الثامن علمنا ~~الزمن الذي وقعت فيه هذه الحادثة، فأما دير «كونك» فقد بقي قائما إلى زمان الثورة ~~الفرنسوية. # ولنذكر حادثا آخر يدل على ما بلغته من الفجائع تلك الغارات التي كان جانب ms049 عظيم من ~~فرنسة مرزحا لها، وهذا الحادث وقع في دير «موناستييه» # 118 # في جهات «فيلي» # 119 # فقد كان المسلمون اجتاحوا مقاطعات «بوي» # 120 # و«كليرمون» # 121 # وكنيسة «بريود» # 122 # ثم أشرفوا على دير «موناستييه» فجمع القديس «شافر» # 123 # رئيس الدير رهبانه، وأمرهم بأن ينسحبوا إلى الحراج المجاورة، ويأخذوا معهم ~~الأعلاق النفيسة والذخائر التي في الدير ويتواروا في البرية، إلى أن يتأذن الله بالفرج ~~وبأوقات أحسن فيعودوا فيها إلى متبوئهم الأول، أما هو، أي: القديس المذكور فقد أجمع أن ~~يبقى في الدير مهما كان البرابرة يريدون أن يفعلوا به، فإن أمكنه أن يردهم إلى الصراط ~~المستقيم فذاك، وإلا فإن قتلوه فيكون تردى بالأحمر من أثواب الشهادة، فأخذ الرهبان ~~يبكون ويستغيثون راجين منه أن يذهب معهم إلى البرية ويطلب النجاة كما يطلبون أو أن ~~يتركهم يموتون معه، فأصر القديس على كلامه، وقال لهم: إن اتقاء الخطر ضروري لا سيما إذا ~~كان في السلامة فائدة للكنيسة، وضرب لهم مثلا مسألة الرسول بولس الذي كان اليهود ~~أعداؤه يقتصون أثره في دمشق للاقتصاص منه، ففر منهم ونزل ليلا في زنبيل تدلى به من عن ~~سور المدينة وخلص نجيا، وكذلك بطرس رئيس الحواريين كان قد أجمع الفرار من وجه نيرون ~~لو لم يكن سبق في إرادة الله توقيف خطواته، ثم قال لهم القديس: أما أنا فإني لست بذاهب ~~من هذا الدير، فإن من واجبات الراعي أحيانا أن يضحي بنفسه في سبيل خلاص رعيته، وإني إن ~~سال دمي هذه المرة فربما يسكن بانفجاره الغضب الإلهي الثائر بدون شك من خطايا ~~البشر. # فلما رأى الرهابين تصميم القديس هذا لم تسعهم إلا طاعته، وبعد أن سمعوا القداس وأخذوا ~~معهم النفائس التي في الدير خرجوا إلى البرية، وتغلغلوا في الغابات، ولكن انسل منهم ~~اثنان فصعدوا فوق رابية مشرفة على الدير ليشهدوا ما عساه أن يقع فيه، ولم يلبث العرب أن ~~حضروا فوجدوا القديس «شافر» عاكفا على الصلاة في زاوية من الدير، فلم يأبهوا له، وإنما ~~أخذوا يطوفون في الدير أملا بالعثور ms050 على شيء يغنمونه، وكان مرادهم أن يثقفوا الرهبان ~~وأن يأخذوا منهم أحدثهم سنا وأقواهم بنية ليبيعوهم في سوق النخاسين بالأندلس، فلما ~~علموا أن الرهبان قد فروا بأسرهم وأنه لم يبق في الدير شيء من النفائس التي كانت ~~تحدثهم أنفسهم بها استشاطوا غضبا وانهالوا على القديس بضرب مبرح. # وكان في ذلك اليوم عند البرابرة عيد يقدمون فيه ضحية لله، ولم يقل المؤرخ الذي ننقل ~~عنه هذه القصة ما شكل تلك الضحية؟ ولكنه يقول: إنهم كانوا في ذلك العيد يشربون الخمر ~~ويطنزون، مما يدل على أن العصابة التي أغارت على كورة «فيلاي» لم تكن عصابة مسلمة، ولكن ~~عصابة بربرية لا يزال أهلها غائصين في لجج الوثنية، فلما رآهم القديس قد انتبذوا مكانا ~~للقيام بشعائر عيدهم جاء إليهم ونصح لهم بأنهم بدلا من عبادة الشياطين يكون أولى بهم ~~أن يعبدوا خالق الأكوان الذي لولاه لم يكن شيء في هذه الدنيا، فلم يكن هذا الكلام ليقع ~~منهم موقع القبول بل زادهم سخطا، وجاء أحدهم فرماه بحجر فسقط على الأرض مغشيا عليه، ~~ثم أراد البرابرة أن يحرقوا الدير ويدكوه إلى الحضيض، ولكن يقول المؤرخ: إنهم بينما هم ~~يهمون بأن يفعلوا سلط الله عليهم ريحا صرصرا عاتية وصواعق محرقة فأركنوا إلى الفرار، ~~وتركوا الدير، ثم مات القديس بعد أيام قلائل من أثر الضرب، بعد أن عاد الرهبان إلى ~~ديرهم، ولا تزال الكنيسة تحتفل بعيد القديس «شافر» في 19 أكتوبر من كل سنة، وأما الدير ~~المذكور فقد بقي قائما إلى زمان الثورة الفرنسية الكبرى. # ونظن أنه في ذلك العهد كانت قد وقعت غارة العرب على مقاطعة «دوفيني» # 124 # وعلى مدينة «ليون» # 125 # وعلى بلاد «برغونيا» # 126 # وقد ذكر أحد مؤرخي العرب هذه الغزوات قائلا: إن الله قد قذف الرعب في قلوب ~~الكفار، فلم يكن واحد منهم يقف في وجه المسلمين إلا لطلب الأمان، ولم يزل المسلمون ~~يتقدمون في البلاد ويؤمنون العباد إلى أن وصلوا إلى وادي «الرون» وهناك ابتعدوا ~~عن السواحل وأوغلوا إلى الداخل. # وقد نقل رينو ms051 هذا الكلام عن المقري، ولكن إن كان الكلام الذي نقله هنا هو الوارد في ~~النفح فإن العبارة التي اطلعنا عليها هي هذه نقلا عن ابن حيان: إن موسى اصطلح مع طارق ~~وأظهر الرضا عنه، وأقره على مقدمته، على رسمه، وأمره بالتقدم أمامه في أصحابه، وسار ~~موسى خلفه في جيوشه، فارتقى إلى الثغر الأعلى وافتتح «سرقسطة» وأعمالها وأوغل في البلاد ~~وطارق أمامه لا يمران بموضع إلا فتح عليهما وغنمهما الله تعالى ما فيه، وقد ألقى الله ~~الرعب في قلوب الكفرة فلم يعارضهما أحد إلا بطلب صلح، وموسى يجيء على أثر طارق في ذلك ~~كله ويكمل ابتداءه ويوثق للناس ما عاهدوه عليه، فلما صفا القطر كله وطمأن نفوس من أقام ~~على سلمه، ووطأ لأقدام المسلمين في الحلول به، أقام لتمييز ذلك وقتا، وأمضى المسلمين ~~إلى إفرنجة ففتحوا وغنموا وسلموا وعلوا وأوغلوا وانتهوا، حتى انتهوا إلى وادي «ردونة» ~~فكان أقصى أثر العرب ومنتهى موطئهم من أرض العجم، وقد دوخت بعوث طارق وسراياه بلد ~~إفرنجة فملكت مدينتي «برشلونة» و«أربونة» وصخرة «آبينيون» وحصن «لودون» على «وادي ~~ردونة» فبعدوا عن الساحل الذي منه دخلوا جدا. انتهى. # فهذه العبارة قد تقدم نقلنا إياها في الكلام عن موسى بن نصير وطارق. # رجع إلى كلام رينو. قال: ولا نعلم في الحقيقة الأمكنة التي أشرف عليها العرب ذلك ~~اليوم إلا بأخبار الاجتياح الذي وقع فيها، فإنه في نواحي «فيين» # 127 # على ضفاف «الرون» أصبحت الكنائس والأدبار كلها دكا، و«ليون» التي يسميها ~~العرب «لودون» رأيت أيضا تخريب أعظم كنائسها، وكذلك شمل العيث «ماسون» # 128 # و«شالون» # 129 # وكذلك «بون» # 130 # حل فيها من العيث ما لا يوصف، ووصل العرب إلى مدينة «أوتون» # 131 # وأحرقوا كنيسة «سان نازير» # 132 # وكنيسة «سان جان» # 133 # ودير «سان مرتين». # 134 # وكذلك نهبوا دير «سين أندوش» # 135 # في «صوليو» # 136 # وكذلك دمر العرب دير «بيز» # 137 # بقرب «ديجون». # 138 # وقد استشهد «رينو» على هذه الحوادث بتاريخ «مواساك» من مجموعة مؤرخي بلاد ~~الغال، وبتاريخ «الدون بلانشيه» # 139 # المسمى ms052 بتاريخ برغونيا وبتاريخ «غاليا كريستيانيا». # 140 # ويذهب بعضهم إلى أن غارات العرب قد امتدت إلى أبعد مما ذكرنا، وقالوا: إنهم بثوا ~~سراياهم إلى جهات نهر «اللوار» وأخرى بقرب «نيفير». # 141 # وأخرى إلى مقاطعة «فرانش كونتي». # 142 # وقالوا: إن دير «سان كولمبان» # 143 # قد دكه العرب في تلك الغزوة، وأنهم قتلوا أكثر الرهابين والقسيسين الذين ~~صادفوهم في «بيزانسون». قال «رينو»: وليس في هذه الروايات شيء لا يقبله العقل ولا سيما ~~ما تعلق منها بمقاطعة «فرنش كونتي» التي فيها أسماء وآثار عربية كثيرة، وقالوا أيضا: ~~إن الدير الذي في سفح جبال «الفوج» # 144 # المسمى بدير «لوكسول» # 145 # قد جعله العرب أيضا أثرا بعد عين، وذبحوا الرهابين الذين كانوا فيه تحت ~~رئاسة القديس «ميلين». # 146 # نقل هذه الروايات «رينو» عن الأب «لكوانت» # 147 # ونقل أيضا عن «مابيون» # 148 # وقال: يظهر أن المسلمين لم يجدوا مقاومة حقيقية إلا أمام مدينة ~~«سانس» # 149 # فإن هذه المدينة كان فيها مطران ينتسب إلى عائلة نبيلة، يقال له: ~~«أبيول» # 150 # اشتهر بالفضائل والكمالات حتى جعلوه في مصاف القديسين، فهذا المطران عندما ~~سمع بإيجاف العرب قاصدين بلده بدأ بتحصين البلدة، وهيأ أسباب الدفاع عنها، بحيث لما ~~وصل العرب إليها وأخذوا يقذفونها بقذائف منجنيقاتهم كان أهاليها يرمونهم من أعالي ~~الأسوار بأجزاء محرقة كانت تلتهب بها آلاتهم الحربية. # قال «رينو»: إلا أنه يعترضنا في هذه الروايات كون المؤرخين الذين ذكروها لم يصرحوا ~~بأن أصحاب هذه الغارات كانوا من السرازين # 151 # ولا ثمة لفظة تدل على أن الذين فعلوا هذه الأفاعيل هم مسلمون بدون شك، بل ~~كان المؤرخون يشيرون إليهم بقولهم : «فندال» # 152 # وطالما كانوا يطلقون هذا الاسم في النصف الأول من القرن العاشر على المجار ~~عندما جاء هؤلاء إلى ألمانية ودخلوا إلى فرنسة واكتسحوا «الألزاس» و«اللورين» و«فرانش ~~كونتي» و«برغونيا» و«شمبانيا» وغيرها. # ثم يعود رينو، فيقول: إنه على كل حال قد تحقق مجيء العرب إلى فرنسة وتغلغلهم في أحشاء ~~البلاد وأنهم لم يكن لهم خطة مرسومة معينة في مغازيهم ومراميهم، وأنهم لم ms053 يجدوا في ~~البداية من أهل فر نسة إلا مقاومة واهية وعزما غير جميع. نعم تختلف فرنسة عن إسبانية ~~في هذا الباب بأن إسبانية وجد فيها من انضم إلى العرب وسعى بين أيديهم ودان بدينهم، ~~وأما في فرنسة فإذا استثنينا بعض أشخاص لا يعرفون معنى للدين ولا للوطن لم يوجد من ~~الأهالي فئة كان لها شيء من الوجاهة والنبالة رضيت بأن تنحاز إلى العرب أو أن تصبأ عن ~~دينها، بل إنه في وسط مدينتي أربونة وقرقشونة، حيث أقام العرب مدة طويلة، بقي الأهلون ~~متمسكين بدينهم المسيحي لا يرضون به بدلا. # وكان أود دوق أكيتانية طول هذه المدة منحرفا عن القتال، متجنبا الانغماس في الحرب؛ ~~لأن غارات العرب كانت واقعة على أطراف بلاده ولم تكن في قلب البلاد مثل ذي قبل، وأما ~~«شارل مارتل» فكان مشغولا بمحاربة «الغريزونيين» و«البافاريين» و«السقسون» الذين كان ~~يخشى أن يعبروا عليه نهر الرين وينازعوه مركز سلطانه، وكان بينه وبين «أود» ما بين ~~النظراء الذين يغص بعضهم بمكان بعض، فأما مؤرخو العرب الذين لم يكن لهم اطلاع على تلك ~~المنافسات الداخلية بين ملوك الإفرنج فعللوا سكوت «شارل مارتل» الذي كانوا يسمونه: ~~«قارله» عن مقارعتهم بالتعليل الآتي. قالوا: إن كثيرا من أمراء الإفرنج فزعوا إلى ~~«قارله» وشكوا له الأضرار التي حلت بهم من عيث المسلمين في البلاد، وأوضحوا له العار ~~الذي يلحق بها من كون جيش كالجيش العربي، مجهز بأسلحة خفيفة، يتغلب على جيوش شائكة ~~بأثقل الأسلحة غائصة في الزرد إلى أعناقها كالجيوش الإفرنجية، فأجابهم قارله: دعوهم ~~الآن يفعلون فإنهم في إبان صولتهم أشبه بالسيل الذي يجرف كل ما يقف في وجهه، وهم اليوم ~~قد اتخذوا من جرأتهم دروعا ومن أقدامهم حصونا، ولكنهم بعد أن تمتلئ أيديهم من ~~الغنائم، وبعد أن يألفوا نعيم الحضر ويستولى الطمع عليهم فينافس بعضهم بعضا ويدخل ~~الشقاق في صفوفهم، حينئذ نزحف إليهم ونتغلب عليهم ونترك جمعهم شريدا وقائمهم حصيدا، ~~وقد نقل هذا الكلام «رينو» عن المقري صاحب النفح، ونحن راجعنا المقري فوجدناه يقول في ms054 ~~آخر صفحة 128 من الطبعة الأزهرية المصرية ما يلي: # وقال الحجاري في المسهب: إن موسى بن نصير نصره الله نصرا ما عليه مزيد، وأجفلت ملوك ~~النصارى بين يديه حتى خرج على باب الأندلس الذي في الجبل الحاجز بينها وبين الأرض ~~الكبيرة، فاجتمعت الفرنج إلى ملكها الأعظم قارله - وهذه سمة لملكهم - فقالت له: ما هذا ~~الخزي الباقي في الأعقاب؟ كنا نسمع بالعرب ونخافهم من جهة مطلع الشمس حتى أتوا من ~~مغربها واستولوا على بلاد الأندلس وعظيم ما فيها من العدة والعدد، بجمعهم القليل وقلة ~~عدتهم وكونهم لا دروع لهم، فقال لهم ما معناه: الرأي عندي أن لا تعترضوهم في خرجتهم ~~هذه، فإنهم كالسيل يحمل من يصادره، وهم في إقبال أمرهم ولهم نيات تغني عن كثرة العدد، ~~وقلوب تغني عن حصانة الدروع، ولكن أمهلوهم حتى تمتلئ أيدهم من الغنائم ويتخذوا المساكن ~~ويتنافسوا في الرئاسة ويستعين بعضهم على بعض فحينئذ تتمكنون منهم بأيسر أمر. قال: فكان ~~والله كذلك بالفتنة التي طرأت بين الشاميين والبلديين والبربر والعرب والمضرية ~~واليمانية، وصار بعض المسلمين يستعين على بعض بمن يجاورهم من الأعداء. انتهى. # قلت: إن أعظم العوامل التي قضت برجوع بدر العرب كالعرجون القديم، بعد أن كان تماما ~~وأنار المشرق والمغرب، تعود إلى عاملين كبيرين: أحدهما الفتنة التي ذكرها صاحب المسهب ~~بين الشاميين والبلديين، فقد طال بينهما النزاع وتحول إلى فتنة صماء أوقفت سير الإسلام ~~في أوربة بعد أن مشى فيها مشي النار في يابس العرفج، وأهم من فتنة البلديين والشاميين ~~فتنة العرب والبربر، فقد أجمع المؤرخون من العرب والإفرنجة على أن الحرب التي اصطلت بين ~~المسلمين في شمالي إسبانية والتي تغلب فيها البربر على العرب وأخرجوهم بها من تلك ~~الديار كانت هي السبب في انتهاز الإفرنج والإسبانيول تلك الغرة اللائحة لاستئناف دولتهم ~~وصولتهم وطردهم للمسلمين من شمالى إسبانية. وبعد ذلك عندما جمع العرب شملهم وكروا على ~~البربر وأوقعوا بهم، انتقاما عما صدر من البربر من قبل، استفاد الإسبانيول والإفرنج ~~فائدة كالفائدة الأولى، واغتنموا أيضا مثل تلك ms055 الفرصة، وقد كان أنكى من الفتنتين المار ~~ذكرهما فتنة القيسية واليمانية وواقعة شقنده المشهورة ووقائع أخرى كانت تشغل العرب ~~بعضهم ببعض، فيستأسد العدو في خلالها وينهض من ورائها فيكر عليهم ويسترجع منهم قلاعا ~~وحصونا وحواضر عامرة، وقد شوهد أنه لما اشتدت الفتنة في قرطبة بين العرب والبربر في ~~أيام الخليفة المستضعف هشام الثاني كان كل فريق من المسلمين يستعين بالإسبانيول، وكان ~~هؤلاء يشترطون للنجدة كذا وكذا من الحصون، وكذا وكذا من المدن، وكان أولو الأمر في ~~قرطبة ينزلون لهم عنها. # 153 # أما العامل الثاني الذي لم يكن يقل خطرا عن الأول فإنه ولوع العرب ~~بالغنائم وحرصهم عليها إلى الدرجة التي كانت سببا في الهزائم، فإن الواقعة الكبرى التي ~~وقعت بين عبد الرحمن الغافقي و«شارل مارتل» الذي يقول له العرب: «قارله» كان سبب إدبار ~~العرب فيها، وتملص أوربة من أيديهم هو شدة الخوف على الغنائم لا غير، فإنه لما تلاقى ~~الجمعان أراد عبد الرحمن أن يأمر جيشه بترك الغنائم التي كانوا جمعوها حتى لا تبقي ~~قلوبهم مشغولة بها عن القتال، ولكنه توجس خيفة أن يكسر بذلك من قلوبهم، فتفتر عزائمهم ~~وتخبث نفوسهم، فأذن لهم في حفظ غنائمهم وهو كاره، فجعلوها وراء المعسكر وأعينهم فيها، ~~وعلم بذلك الإفرنج ولحظوا شدة حرص العرب عليها، فلما حمي الوطيس زحف جانب من جيش ~~الإفرنج من طريق آخر قاصدا المعكسر الذي فيه الغنائم، فانكفأ العرب عن ميدان القتال ~~راجعين إلى معسكرهم الذي فيه تلك الأسلاب ليدافعوا من دونها، ولم يبق في الميدان قوة ~~كافية لصد السواد الأعظم من الجيش الإفرنجي، وهكذا كانت تلك الهزيمة الكبرى في المحل ~~الذي يسميه العرب ببلاط الشهداء، ويسميه الإفرنج بمعركة «پواتييه». فأنت ترى أن «قارله» ~~عندما قال للإفرنج قوله ذاك: «دعوا العرب يملأون أيديهم» كان كأنه يقرأ في ظهر ~~الغيب. # نعود إلى سياق التاريخ بحسب رواية «رينو» فنقول: # وفي سنة 730 تولى إمارة الأندلس عبد الرحمن «الغافقي» الذي خلف السمح بن مالك ~~الخولاني في قيادة الجيش المحاصر «لطلوزة» عند مصرع السمح ms056 في المعركة، وكان عبد الرحمن ~~هذا رجلا صارما عادلا محببا في جنده، لنزاهته ولعدم رغبته في حطام الدنيا لنفسه، ~~وكان أيضا محل احترام صلحاء المسلمين لمعرفته بالحديث النبوي ومصاحبته لأحد أولاد ~~الخليفة عمر. # 154 # وقبل أن نكمل ترجمة عبد الرحمن الغافقي التي ستنتهي بواقعة بلاط الشهداء ينبغي لنا أن ~~نكمل الخبر عن الفترة التي وقعت بين إمارة عنبسة بن سحيم الكلبي وإمارة الغافقي، فنقول: ~~قال المؤرخ الإسبانيولي «كوندي»: إن أول عمل قام به عنبسة هو تنظيم الخراج وتقسيم ~~الأراضي بين المسلمين بدون تجاوز على الأراضي التي لها ملاكون أصليون من الأهالي، فكان ~~يستوفي العشر من الذين خضعوا لدولة العرب من أنفسهم، ويستوفي الخمس ممن لم يخضعوا إلا ~~بالسيف، وهو الذي بنى جسر قرطبة. # 155 # وطاف عنبسة في المقاطعات ينظر في مظالم الناس ويوزع بينهم العدل بدون تمييز بين ~~الأديان، ثم إن أهالي «طرسونة» انتقضوا عليه فزحف إليهم ودوخهم ودك حصونهم، واقتص ~~من زعماء الثورة وفرض عليهم غرامة مضاعفة. # ثم أغزى جيوشه بلاد إفرنجة، فدمر وأحرق ونسف زروعا وأسر خلقا كثيرا، وقيل: إنه كان ~~يكره هذا العيث في بلاد العدو، إلا أنه كان يداري جنده ويحذر أن يتهم بفتور الحمية ~~الإسلامية. # 156 # قال «كوندي»: ثم إنه في ذلك الوقت خرج في سورية نبي كذاب اسمه ~~«زوناريا» # 157 # كان يزعم أنه المسيح المنتظر عند اليهود، فلما سمع بخبره عرب الأندلس، وكان ~~كثير منهم من أهل الشام، صدقوا مقالته هذه وتركوا الغنائم التي كانوا غنموها والمساكن ~~التي كانوا ارتضوها، وعادوا إلى سورية مجفلين، فضبط عنبسة الأملاك التي تركوها، وحولها ~~لبيت المال، ثم في السنة التالية غزا عنبسة بلاد فرنسة ورافقه النصر في أول الأمر، وما ~~زال يقطع الأودية ويستقري البسائط حتى عبر نهر «الرون» إلى الشرق، ولكنه وقع في إحدى ~~الوقائع مثخنا بجراحات كثيرة، مات على أثرها، وذلك سنة 106 للهجرة، وقبل أن مات استخلف ~~حديرة الفهري، فلم يشغل هذا المنصب إلا مدة يسيرة؛ لأن أمير إفريقية أرسل أميرا على ~~الأندلس يحيى بن ms057 سلمة. # 158 # وكان هذا قائدا مجربا محبا للعدل صارما جدا في إعطاء الحقوق ~~لأصحابها، فهابه المسلمون والمسيحيون معا، وبينما كان يطوف في الولايات الشمالية انتهز ~~أعداؤه الفرصة فطلبوا من أمير إفريقية عزله فأجابهم إلى ما سألوا وأرسل أميرا على ~~الأندلس عثمان بن أبي نسعة # 159 # وكان عثمان هذا مشهورا بالبسالة والنجدة والبصيرة بالحروب، فتولى الإمارة ~~واضطلع بها، ولكن وجد أصحابه فيه عودا صليبا وقناة لا تلين لغامز ولم يحققوا فيه ~~آمالهم، ولا هو عرف لهم جميل سعيهم في تأميره، بل رأوا منه ما أمض وأرمض، فما زالوا ~~يسعون به كما سعوا بسلفه حتى حملوا الخليفة هشاما على صرفه بحذيفة بن الأحوص # 160 # فلم يقم هذا إلا قليلا، وعاد أمير إفريقية فولى على الأندلس عثمان بن أبي ~~نسعة نفسه، ولكن ولاه وكيلا لا أصيلا، إلى أن قدم من دمشق بأمر الخليفة الهيثم بن ~~عبيد الكناني # 161 # وكان الهيثم شاميا ولكنه كان فظا بخيلا جاسيا، فآسف شيوخ العرب ~~والبربر وساءت ملكته فيهم، فاتحدوا عليه فألقى بهم في السجون وأهلك بعضهم. # وكان من جملة المنكوبين زياد بن زيد فرفع الشكوى إلى الخليفة، هو ومن معه، واتهموا ~~الهيثم بأنه يسير في الأندلس سيرة لا مناص من أن تنتهي ببوار الأمة والخطوب المدلهمة، ~~فأرسل الخليفة هشام محمد بن عبد الله، وفوض إليه أمر التحقيق عن الشكاوى الواقعة بحق ~~الهيثم، وأذن له بأنه إذا ثبت لديه كون الهيثم مجرما يعزله ويقتص منه ويتبدل به الأمير ~~الذي يراه الأصلح، فجاء محمد هذا ومضى بالتحقيق اللازم على أحسن وجه، وعند ما ثبت لديه ~~إجرام الهيثم ألقاه في السجن وأطلق الذين كان نكبهم ورد عليهم أموالهم، ويقال: إنه قبل ~~أن نفى الهيثم من الأندلس إلى إفريقية أمر بتطويفه في شوارع قرطبة راكبا على حمار، ~~تشهيرا له ونكالا وفاقا. # وبعد ذلك فوض محمد بن عبد الله بالإمارة الأمير عبد الرحمن الغافقي فاستحسن الجميع ~~تولية عبد الرحمن الغافقي لما كانوا سبروا من نجابته ومن مزاياه العالية، ولم يشذ عن ~~الجمهور إلا ms058 عثمان بن أبي نسعة الذي كان يرى نفسه أولى بالإمارة، فتولى عبد الرحمن سنة ~~728 وفق 110 (هنا فرق بثلاث سنوات عن رواية نفح الطيب). وكان متوفر العناية بإقامة ~~العدل ورفع المظالم وإيتاء الحقوق أصحابها، ولأجل أن يتمكن من تسكين الدهماء وإرضاء ~~الجمهور بقي سنتين يطوف على بلد بلد ويباشر إماطة المظالم وإزاحة العلل بنفسه غير مميز ~~بين المسلم والمسيحي، وعزل كثيرا من القواد والولاة الذين ثبتت مظالمهم للرعية، وكذلك ~~أعاد إلى المسيحيين الكنائس التي كانوا انتزعوها من أيديهم، والتى كان لهم الحق بها ~~وفقا للعهود، كما أنه هدم الكنائس التي كانوا أخذوا الإذن فيها بالرشوة خلافا ~~للعهود. # ولم يكن يهدأ له بال إلا بغزو فرنسة حتى يدوخها ويضمها إلى إمارته أو يضم منها ~~البلدان التي كانت من قديم الزمان تحت حكم القوط، فحشد جيشا جرارا من نخبة المقاتلة ~~والصابرين في الحروب، واستنجد أمير إفريقية فأرسل إليه بجنود مختارة للجهاد، تتلظى ~~شوقا إلى الجلاد، ولما وصلت نجدة أمير إفريقية سرحها عبد الرحمن إلى الدروب، وبعث إلى ~~عثمان بن أبي نسعة أمير الثغر بأن يشاغل العدو بالغارات إلى أن يكون هو قد أطل بمعظم ~~الجيش، فوقع من عثمان على باقعة شديد البأس كان بدون هذا ينافس عبد الرحمن على الإمارة، ~~ولم يكن مرتاحا إلى عمل يبدأ به عبد الرحمن، وينال به حسن الذكر. وقد انضاف إلى هذا ~~السبب في كراهيته لتلك الحرب أنه في إحدى غاراته على فرنسة وقعت في يده ابنة «أود» دوق ~~أكتيانية، ويقال: إنها كانت تسمى «نوميرانسه» # 162 # ويقال: إن اسمها «مينين» # 163 # ولكنها كانت مشهورة باسم «لامبيجيه» # 164 # وكانت بارعة في الجمال مع مكانها من بيت الملك ، فهام عثمان بها حبا وتزوج ~~بها كما تزوج عبد العزيز بن موسى بن نصير بالأميرة «أيجيلونة» # 165 # أرملة الملك «لذريق» فمن بعد أن أصبح عثمان بن أبي نسعة صهرا لدوق ~~«أكيتانية» عقد مع أبيها معاهدة سلم ومهادنة أمن بها «دوق أكيتانية» غارات العرب ولو ~~إلى مدة من الزمن. # فلما ورد ms059 أمر الأمير عبد الرحمن الغافقي إلى الأمير عثمان بن أبي نسعة بالزحف على ~~بلاد حميه «دوق أكيتانية» وقع في حيص بيص، وراجع الأمير قائلا له: إنه لا يقدر أن ~~يخفر جواره ولا أن يخرق العهد قبل انقضاء أجله، وكان عبد الرحمن قد عرف بزواج عثمان مع ~~ابنة «أود» وأنه قد شغفه حبها فغضب من تلكؤ عثمان عن الزحف، وأفهمه أن ذلك العهد الذي ~~كان عقده مع الإفرنج بدون علمه لا يعده هو موثقا له، وأن عليه أن يتحرك للجهاد بدون ~~مراجعة، فلما قطع عثمان أمله من منع عبد الرحمن عن إعمال الغارة في بلاد «أود» أرسل إلى ~~حميه يخبره بما وقع # 166 # حتى يأخذ حذره ويتخذ لنفسه وسائل الدفاع، فبلغ عبد الرحمن ما فعله عثمان، ~~فأرسل جيشا إلى الباب تحت قيادة ابن زيان، انتخبه من أصدق رجاله، وأمره بأنه إن تمكن ~~يقبض على عثمان بن أبي نسعة ويرسله إليه، وإن أبى الطاعة يهدر دمه، فوصل ابن زيان ~~بعسكره بغتة إلى مقر عثمان، وهو ينوي القبض عليه، ففر هذا في الجبال ومعه بعض أعوانه ~~واستصحب أيضا زوجته الأميرة «لامبيجيه» التي كان لا يفارقها ولا يرى الدنيا إلا بها، ~~فسار الجيش في إثره حتى أدركوه وأحاطوا به، فتفرق عنه أصحابه في تلك الأوعار ولم يبق ~~معه سوى زوجته الحسناء، فدافع عن نفسه وعنها دفاع الأسود حتى أردوه قتيلا، وفي جسمه ما ~~لا يحصى من طعن وضرب، فاحتزوا رأسه وأتوا به وبالأميرة الحسناء إلى الأمير عبد الرحمن، ~~فلما رأى عبد الرحمن هذه الغادة هتف قائلا: والله ما كنت أظن أنه يوجد مثل هذا الصيد ~~في جبال البرانس. وقد وقعت هذه الواقعة سنة 730 وفق 113 ثم إن الأمير عبد الرحمن أرسل ~~الأميرة إلى دمشق هدية للخليفة، وهكذا انتهت حياة الأميرة «لامبيجيه» ابنة دوق ~~«أكيتانية» في حرم الخليفة الأموي في الشام. # 167 # ولما وصل خبر مصرع عثمان إلى دوق «أكيتانية» علم أن الحرب واقعة لا محالة وتأهب ~~للدفاع الشديد، ولكن الجيش العربي اندلق من ms060 جبال «البيرانه» اندلاق السيول من الجبال، ~~لا يقف في وجهه شيء، فاكتسح الأرضين من «نافارا» # 168 # إلى «بوردو» # 169 # وامتلأت أيدي المسلمين بالغنائم، ولما وصلوا إلى «بوردو» حاول أهلها أن ~~يدافعوا عنها فكسروهم وأخذوا البلدة عنوة ووضعوا السيف فيها ونهبوها، وكان الأهالي ~~الذين وقعوا في اليد يفدون أنفسهم بالمال، وأما أمير «بوردو» فقد قتل في ~~المعركة. # وبعد أن انتهى عبد الرحمن من فتح بوردو تقدم إلى الشمال فوجد دوق «أكيتانية» في طريقه ~~يحاول صده في مضيق «دوردون» # 170 # غير أن حملات العرب لم يكن ليصدها شيء، فانهزم «أود» وفر بجيشه، وقطع أمله ~~من ملكه، فتناسى جميع ما كان بينه وبين «شارل مارتل» من الأحقاد والضغائن، وأرسل ~~يستصرخه، فلم يمكن «شارل مارتل» أو «قارله» إلا إجابة «أود» لا لأجل الإنسانية فقط بل ~~لأجل السياسة؛ إذ كان جميع مصير فرنسة والممالك المجاورة لها متوقفا على نتيجة هذه ~~الحرب فلو كان العرب تغلبوا ذلك اليوم على الإفرنج لما كانوا وقفوا إلا على ساحل ~~البلطيق. # فامتد الصريخ في كل بلاد فرنسة وزحفت المقاتلة من كل صوب، وانضم الجميع تحت لواء ~~«شارل مارتل» وبقي العرب يتقدمون إلى أن وصلوا إلى قريب من مدينة «تور» # 171 # وهناك علم عبد الرحمن الغافقي أن جيشا عظيما زاحف لمصادمته، وكان عبد ~~الرحمن مع شدة بأسه وغرامه بالحرب عاقلا حازما بصيرا بالعواقب، ففكر ساعة فيما بين ~~أيدي رجاله من الغنائم الثقيلة، وعلم ما يعوقهم عن القتال من اهتمامهم بحفظها، فهم ~~بإعطاء الأمر إلى الجيش بترك جميع ما في أيديهم من الغنائم والأسلاب، ولكنه خاف من ~~إغضاب عسكره فيما لو حملهم على تجرع هذه الكأس المرة؛ إذ قد تفتر همتهم وتلقس نفوسهم، ~~فرجع عن عزمه هذا معتمدا على ما كمن في نفوسهم من شجاعة وصبر، ثم تقدم وحصر «نور» ~~وأخذها عنوة بمشهد من جيش «شارل مارتل» وخيم بساحتها، ولما دخل العرب المدينة أسرفوا في ~~القتل والنكاية، ثم تلاقى الجمعان بين «تور» و«پواتييه» # 172 # وكان عبد الرحمن هو البادئ بالمناجزة فاستمرت المعركة ms061 مدة طويلة، قبل أن ~~يترجح النصر للإفرنج، ولما رأى عبد الرحمن الخلل قد ابتدأ يظهر في صفوفه ألقى بنفسه في ~~وسط المعمعة يصطليها بيده، ودخل حتى بين صفوف الأعداء أنفسهم، يغامر مغامرة الجندي الذي ~~هو من عرض الجند، إلى أن خر هناك صريعا، فلما رأى العرب مصرع قائدهم الأكبر نزل بهم ~~الرعب ونكصوا على أعقابهم وبنكوصهم خمدت جمرتهم وسقط في أيديهم، فأذرع الإفرنج فيهم ~~القتل وطرحوا منهم بالعراء ألوفا وما زالوا يعملون في أقفيتهم السلاح إلى ~~«أربونة». # 173 # فلما وصل خبر هذه الفاجعة إلى الأندلس وإلى إفريقية زلزل المسلمون زلزالا شديدا، ~~وعم الحزن واشتد البث ولبس المسلمون أثواب الحداد، فأسرع أمير إفريقية بإرسال عبد الملك ~~بن قطن الفهري، خلفا لعبد الرحمن الغافقي، وأنفذ معه جيشا من خيل ورجل وبعث إلى ~~الخليفة بدمشق يعلمه بفاجعة بلاط الشهداء وقتل الأمير عبد الرحمن الغافقي وبأنه أنفذ ~~عبد الملك الفهري مكانه وجرد معه جيشا، فوافق الخليفة على عمل عامله وشمر للأخذ بالثأر ~~وأمر بغزو بلاد فرنسة وأخذها بالسيوف من كل ناحية، فسار عبد الملك الفهري وفي نيته أن ~~يأخذ بذحل المسلمين ويجبر الكسر الذي وقع، ولكن هيهات فقد كان بلغ بالمسلمين اليأس ~~مبلغه، وذهب كل كلام القائد في استنهاض هممهم سدى، وسار منهم مع عبد الملك جيش إلى ~~فرنسة لكنهم ساروا بصدور غير منشرحة وآمال غير منفسحة، وكيف يقاتل جيش تعوزه القوة ~~المعنوية، فانهزم جيش عبد الملك في جبال «البيرانه». # وأخيرا أرسل الخليفة مكانه عقبة بن الحجاج (السلولي)، وكان اشتهر ببسالته وحسن ~~تدبيره في حرب البربر بإفريقية فوصل إلى الأندلس، وانتعشت به الآمال بما كان عليه من ~~زكاء السيرة والعدل وسداد التصرف، فبدأ بعزل العمال الذين عسفوا الرعية وحبس الذين غلوا ~~من أموال الدولة أو قاموا بجبايات غير شرعية، وانتصر للضعفاء واقتص لهم من الأقوياء، ~~وأمر الولاة بتجنيد فرق من الجند أرصدها لاستئصال قطاع الطرق، وأسس كثيرا من المدارس ~~والمساجد على نفقة الدولة، وخصص لها الخدمة الكثيرين، وكان لا يميز في المعاملة بين ~~أصناف ms062 رعيته، وبالإجمال فقد كان عقبة هذا كامل العدالة تام الرجولية لا يجد قائل فيه ~~مطعنا، ثم نظر في سيرة سلفه عبد الملك الفهري فلم يجد عليه ما يؤاخذه به، فجعله أميرا ~~على الخيالة، وأرسله إلى الثغر، وكان في نية عقبة أن يزحف إلى فرنسة بجيش جرار # 174 # امتثالا لأمر الخليفة، ولكن لما وصل إلى «سرقسطة» جاءه الخبر بأن البربر ~~في إفريقية ثاروا عودا على بدء، وأمره أمير إفريقية بأن يتولى قيادة الجيش الثائر ~~للتنكيل بهم وأن يعبر البحر إلى طنجة، وهكذا اضطر عقبة أن يعدل عن غزو فرنسة وأجاز إلى ~~طنجة واشتدت به عزائم العرب في إفريقية. # وكانت هذه الواقعة سنة 737 مسيحية وفق سنة 120 هجرية، وفي آخر هذه السنة توفي «بيلاي» ~~بطل «أستورية» الذي كان هو وحده بنفسه نواة المقاوة بما بقي من قوة الإسبانيول في وجه ~~العرب بعد أن استصفى هؤلاء جميع إسبانية وأخنوا على ملك المسيحيين بها، فإنه بطائفة ~~قليلة من رجاله لم يزل يفر في جبال «أشتورية» من صخرة إلى صخرة إلى أن اعتصم بمغارة ~~جعلها مركز قوته المنيعة، ولم يبرح معتصما بذلك الغار يشن منه الغارات على الأطراف ~~القريبة منه، وهو بمنجاة من العرب، حتى وسع رقعة إمارته، وما زالت تتسع شيئا فشيئا ~~إلى أن صارت إمارة مذكورة ثم مملكة ثم تغلبت هذه المملكة بعد عدة قرون على جميع إسبانية ~~وأخرجت العرب من كل أوربة، وسنذكر في الجزء التالي جميع ما يتصل بنا علمه من خبر ~~«بيلاي» هذا، وكيفية نشوء إمارته ونمو أعقابه إلى أن استرجعوا جميع وطنهم بعد ثمانية ~~قرون، ولنعد الآن إلى تاريخ «رينو» عن غزوات العرب في فرنسة، ولنمهد لكلامه بما ~~يلي: # واقعة بلاط الشهداء # قبل الدخول في شرح هذه الواقعة وأسبابها وما قيل فيها أرى أن أترجم للقارئ بطلي هذه ~~المعركة عبد الرحمن الغافقي العربي و«شارل مرتيل» الإفرنجي الذي يسميه العرب «قارلة» ~~وأذكر خلاصة خبرهما، فيكون ذلك أعون على فهم الواقعة والحوادث التي أدت إليها ونشأت ~~عنها. ~~«فشارل مرتيل» هو ms063 ابن «ببين ديريستال» # 175 # مولده سنة 689 كان اتهمه أبوه بقتل أخيه الذي كان من غير أمه فاعتقله في ~~كولونية # 176 # وما زال إلى أن مات أبوه ببين سنة 714 في الاعتقال فثار الأسترازيون أي ~~أهالي القسم الشرقي من المملكة الميروفنجية الإفرنجية بتلك الدولة وجعلوا شارل (أو كارل ~~أو قارله) دوقا عليهم وتغلبوا به على أهالي القسم الغربي من المملكة بعد وقائع متعددة ~~سنة 716 وسنة 717 إلى سنة 719، وعند ذلك اضطر الملك «شيلبريك» الثاني أن يتخذ شارل ~~حاجبا فتسلم زمام الأمور، واستبد بها وصار مع الملك «شيلبرك» الثاني والملك «تيتري» ~~الرابع كما كان المنصور بن أبي عامر في الأندلس مع الخليفة الأموي هشام أو كما كان عز ~~الدولة ابن بويه أو ابن عمه عضد الدولة بن بويه مع الخليفة الطائع العباسي أو كما هو ~~المقيم العام الذي تجعله إحدى الدول الاستعمارية من قبلها في هذا العصر بجانب أحد ~~سلاطين الإسلام ممن ليس له من السلطنة إلا الاسم، هذا ومن ذلك الوقت أخذ شارل يمهد ~~البلدان التي تليه ويدوخ الشعوب التي في جواره فقهر السكون والبافاريين وغيرهم من ~~الألمان وكذلك كان «أود» دوق أكيتانية قد هاجمه فدحره. # ولكن لم يبلغ تلك الشهرة التي بلغها ولم يلقب بشارل مارتل، أي: المطرقة إلا بعد أن ~~ظهر على العرب في واقعة «پواتييه» أو بلاط الشهداء، جاء في «المعلمة التاريخية ~~الإفرنسية لغريغوار وموريس فال» # 177 # ما يلي: وكان العرب استولوا على إسبانية وسبتيمانية وتهددوا بلاد الغال ~~والنصرانية كلها وهزموا «أود» دوق أكيتانية، فاستصرخ هذا شارل فزحف شارل إلى العرب على ~~رأس جيش الأسترازيين والمقاتلة التي جاءته من وراء الرين، فانتصر على الأمير عبد الرحمن ~~انتصارا عظيما بين «تور» و«پواتييه» سنة 732، ويقال: إنه بعد هذه الوقعة تلقب ~~بمارتيل، وهي لفظة معناها المطرقة، ثم إنه بسط الملك الإفرنجي على البلاد التي يسقيها ~~نهر الصاوون ونهر الرون، ودخل سبتيمانيا، وطرد العرب من نيم ومدن أخرى، لكنه لم يقدر ~~على أربونة التي تم فتحها فيما بعد على يد ms064 ابنه ببين القصير. انتهى. # ومات شارل مارتل سنة 741 ولم يسمح لأحد من الملوك الميروفانجيين بشيء من الملك ولا ~~بلقب الملك، وترك سبعة أولاد ذكور، أشهرهم ببين وكارلومان، فتقاسم هذان المملكة ~~بينهما. # أما عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي فهو أمير الأندلس، كان مع السمح بن مالك الخولاني ~~في غزاة طلوزة بحسب رواية «رينو»، ولما استشهد السمح رحمه الله في تلك الغزاة تولى عبد ~~الرحمن قيادة جيش العرب الغازي للإفرنجة، وقفل به إلى الأندلس وآلت إليه الإمارة فيما ~~بعد، وقد ذكرنا في حاشية متقدمة ترجمة الأمير عبد الرحمن المذكور نقلا عن بغية الملتمس ~~لابن عميرة. ولنذكر الآن شيئا عن نسب هذا الرجل العظيم فنقول: # يقال له: الغافقي نسبة إلى غافق، وهي قبيلة من الأزد، وهو ابن الشاهد بن عك ~~بن عدنان بن عبد الله بن الأزد، وقيل: بل هو غافق بن الحارث بن عك بن الحارث بن ~~عدنان، وإليهم ينسب الحصن المعروف بغافق في الأندلس على مسافة مرحلتين من ~~قرطبة. وجاء في تاج العروس: إن لهم خطة أيضا بمصر. وذكر ياقوت في معجم ~~البلدان: غافق. فقال: إنها حصن بالأندلس من أعمال فحص البلوط منها أبو الحسن ~~علي بن محمد بن الحبيب بن الشماخ الغافقي كان من أهل النبل، وتولى الأحكام ~~ببلدة غافق مدة طويلة قدر 65 سنة ومات سنة 503. وقال المقري في نفح الطيب: إن ~~غافقا هو ابن عك بن عدنان بن أزان بن الأزد، قال ابن غالب: من غافق أبو عبد ~~الله بن أبي الخصال الكاتب، وأكثر جهات شقورة ينتسبون إلى غافق. انتهى. # قلت: ومن العلماء المعروفين المنسوبين إلى غافق عبد العزيز بن علي بن عيسى بن سعيد بن ~~مختار الغافقي أبو الأصبغ المعروف بالشقوري، المتوفى سنة 531 ترجمه ابن بشكوال في الصلة ~~وابن الأبار في التكملة. # ومنهم عبد الرحمن بن بشر بن الصارم الغافقي أبو سفيان، وفد على سليمان بن عبد الملك ~~ورجع إلى الأندلس فاستشهد بها في قتال الروم، روى عنه بكير بن الأشج وعبد الرحمن ~~شريح. ms065 # ومنهم أبو بكر محمد بن أبي عامر بن حجاج الغافقي الأشبيلي وهو الذي جاور بالمدينة ~~المنورة، وقال: # لم يبق لي سؤل ولا مطلب مذ # صرت جارا للحبيب الحبيب # لا أبتغي شيئا سوى قربه # وها أنا منه قريب قريب # جاء ذكره في نفح الطيب. # ومنهم أبو عبد الله محمد بن فطيس الغافقي الألبيري الزاهد: كان من أهل الحديث والضبط ~~رحل إلى المشرق وسمع من شيوخ كثيرين وعاد إلى البيرة وطنه، وتوفي بها في شوال سنة 319 ~~عن تسعين سنة، ورد ذكره في النفح أيضا. # ومنهم محمد بن عيسى بن دينار الغافقي من أهل قرطبة كان فقيها زاهدا حج وحضر ~~افتتاح أقريطش «أي جزيرة كريت» واستوطنها. قاله الرازي. # ومنهم اليسع بن عيسى بن حزم بن عبد الله بن اليسع بن عبد الله الغافقي، من أهل بلنسية ~~أصله من جيان، وسكن المرية ثم مالقة، يكنى: أبا يحيى، ترجمه صاحب نفح الطيب، وقال: إنه ~~كتب لبعض الأمراء بشرقي الأندلس، وله كتاب سماه «المغرب في أخبار محاسن أهل المغرب» ~~جمعه للسلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بالديار المصرية بعد أن رحل إليها من الأندلس سنة ~~ستين وخمسمائة، وتوفي بمصر سنة 575. # ومنهم أبو العباس أحمد بن عبد السلام الغافقي الأشبيلي الشهير بالمسيلي: رحل حاجا ~~وقفل إلى بلده، ذكره صاحب النفح. # ومنهم أبو إسحق إبراهيم بن عبد الله بن خصيب بن أحمد بن حزم الغافقي: أندلسي سكن دمشق ~~وتولى بها الحسبة وسمع بمصر وبغداد وطرابلس ودمشق وغيرها، كان مالكي المذهب لكنه كان ~~يميل إلى مذهب المعتزلة، قال المقري: ما سمعت بمالكي معتزلي غير هذا، توفي سنة 404 ذكره ~~ابن عساكر. # ومنهم أبو أمية إبراهيم بن منبه بن عمر بن أحمد الغافقي من أهل المرية نزل مرسية، ~~وتولى القضاء والخطبة فيها وحدث بصحيح البخاري آخر الحجة سنة 555 ذكره صاحب النفح، ~~ومنهم غير هؤلاء من الأعلام. # وأما عبد الرحمن الغافقي، أمير الأندلس، فقد ذكر المقري في النفح نقلا عن ابن سعيد ~~أنه كان من التابعين، تولى إمارة الأندلس ms066 في حدود العشر ومائة وهو من أبطال الإسلام ~~المعدودين، كل ما ذكره المؤرخون من أخباره يدل على أنه كان من أفذاذ الرجال، جمع إلى ~~الشجاعة والإقدام، العدل في الأحكام، والسهر على مصالح الأنام، وبعد النظر في ~~السياسة. # قال المؤرخ «رينو» إنه كان مهتما بأخذ ثأر المسلمين عن الغزوات التي أصيبوا فيها في ~~السنين الأخيرة قبل إمارته، وكان يفكر في حملة شديدة على فرنسة يدوخ بها هذه المملكة ثم ~~يجتاز منها إلى إيطالية فألمانية فالقسطنطينية ويدخلها في حكم الإسلام، ولما كانت ~~الحماسة الدينية في ذلك الوقت في إبان غليانها، وكانت الأندلس وفرنسة الجنوبية بخصب ~~أراضيهما واعتدال هوائهما أصبحتا مقصدا للعرب من جميع الجهات، وكان يأتيها كل يوم ~~رجالات أشداء من جزيرة العرب ومن جبال الأطلس، فقد كان الأمير عبد الرحمن الغافقي يمرن ~~هؤلاء المجاهدين على استعمال السلاح ويثير فيهم نخوة القتال، وكان مقامه بقرطبة، ولكنه ~~بقي مدة يطوف في الأندلس وينظر في مظالم العباد ويقتص من القوي للضعيف ويعزل الولاة ~~الذين حادوا عن جادة الاستقامة ويتبدل بهم ولاة معروفين بالعدل والنزاهة، وكان يعامل ~~المسلمين والمسيحيين على السواء تقريبا وعلى كل حال لم يكن يخرج في معاملة المسيحيين ~~عن العهود المعقودة معهم. # وفي تلك الأيام كان المسلمون يوالون الغارات من أربونة وقرقشونة على البلدان المجاورة ~~لهما، ولكن حصل حادث نفس من خناق المسيحيين بعض الشيء، وذلك أن القائد الذي كان في ~~سردانة من جبال البيرانيه كان بحسب رواية إزيدور الباجي ولذريق شمينيس أحد أحلاس الحرب ~~الإفريقيين الذين بالاتحاد مع العرب فتحوا الأندلس، وكان يسمى «مونوزه» وكان من ذوي ~~البطش والشبا المرهوب، وكان في مبدأ أمره صارما جدا في معاملة المسيحيين، وأحرق ~~حيا أسقفا اسمه «أنامبادوس» فلما وقعت الحرب بين البربر والعرب مال بطبيعة الحال إلى ~~قومه البربر، واتحد مع «أود» صاحب جنوبي فرنسة الذي لأجل أن يتمكن منه أزوجه ابنته ~~المسماة «لامبيجيه» وكانت فتاة بارعة في الجمال # 178 # بلغت شهرة عظيمة. # وقد روى «كوندي» الإسبانيولي هذه الحادثة بشكل آخر نقلا عن مؤرخي ms067 العرب، فجعل ~~«مونوزه» هذا محرفا عن عثمان بن أبي نسعة # 179 # الذي تولى إمارة الأندلس مرتين، وكان ينافس عبد الرحمن الغافقي على الإمارة ~~ويرى نفسه أولى بها، وروى «كوندي» أن ابن أبي نسعة هذا أصاب هذه الأميرة في إحدى غزواته ~~فسباها في من سبا وهام بحبها نظرا لجمالها واتحد من أجلها مع «أود» أبيها، ثم لما حمله ~~عبد الرحمن على شن الغارات في بلاد إفرنجة اعتذر «مونوزه» أو ابن أبي نسعة بوجوب مراعاة ~~الميثاق الذي بينه وبين «أود» فلم يقبل عبد الرحمن منه هذا العذر وأصر عليه بالتعبية ~~والزحف، فأسرع ابن أبي نسعة بتحذير حميه «أود» ليكون على أهبة ضخمة في وجه عبد الرحمن، ~~فأرسل عبد الرحمن نخبة من جنوده إلى «البيرانه» وأمرهم بالقبض على ابن أبي نسعة حيا ~~أو ميتا، فلما رأى هذا نفسه لا يقدر على الوقوف أمامهم فر ومعه زوجته الحسناء إلى ~~الجبال، فتأثروه إلى حيث ثقفوه، وتغلبوا عليه واحتزوا رأسه وأرسلوا بالرأس إلى دمشق، ~~وكذلك أرسلوا إلى دمشق الأميرة «لامبيجيه» التي دخلت في حرم الخليفة. روى هذه الحادثة ~~أيضا إيزيدور الباجي ولذريق شيمينس، ثم رويا أن المسلمين الذين كانوا في جنوبي فرنسة ~~كانوا قبل واقعة «پواتييه» غزوا مدينة «أرل». # قال «رينو»: وقد أشار مؤرخو العرب إلى هذا الحصار بدون تسمية هذه المدينة ولكن بوصفهم ~~إياها بأنها مبنية على ضفاف نهر كبير هو أكبر نهر في تلك البلاد كانت تصعد به السفن من ~~البحر، ويظن بعض مؤرخي الإفرنج أن حملة العرب على مدينة آرل لم تكن إلا خدعة يقصدون بها ~~صرف نظر الإفرنج عن وجهة الحرب الحقيقية، وهي الجهة الشمالية، فإن عبد الرحمن بعد أن ~~لبث نحوا من سنتين، يتأهب للزحف ويكتب الكتائب ويعبي الجنود، توجه إلى جبال ~~البيرانيه، وكان جيشه جرارا يزج الأرض ويهتز شوقا إلى القتال، والأرجح أن مروره من ~~هناك وقع في ربيع سنة 732، وقد جعل طريقه على أرغون ونابارة ودخل أرض فرنسة من أودية ~~«بيغور» # 180 # و«بيرن» # 181 # يستدل على ذلك من آثار ms068 التدمير التي وقعت في تلك الديار فقد هدم العرب ~~الكنائس والأديار مثل دير «سان سافين» # 182 # بقرب «طارب» # 183 # ودير «سان سيفر دورستان» # 184 # في «بيغور» وخرب العرب «آير» # 185 # و«بازاس» # 186 # و«أوليرون» # 187 # و«بيرن» وكذلك دير «سانت كروا» # 188 # بقرب بوردو. ثم افتتحوا بوردو # 189 # عنوة. وأقبل أود دوق أكيتانيا بجموعه محاولا صدهم في ممر دور ~~دفاون # 190 # نهزم. وكان عدد قتلى المسيحيين من الكثرة بحيث إن المؤرخ إيزيدور ~~الباجي # 191 # قال: إن الله تعالى وحده يقدر أن يحصيهم. فلما رأى أود أن لا طاقة له ~~بالثبات أمام العرب استصرخ شارل مارتل الذي كان في ذلك الوقت يدافع عن مملكته فاستجاش ~~عصائبه القديمة من جهات الدانوب والألبا # 192 # والأوقيانوس، ثم إن العرب بعد أن ظفروا بأود أوغلوا حتى وصلوا إلى پواتييه ~~وأحرقوا دير «سانت إيميليين» # 193 # وكنيسة «سانت إيلير» # 194 # في پواتييه. # قال رينو: إنه بلغت حماسة العرب في تلك الغزوة أن بعض مؤرخيهم شبههم بريح صرصر، تقتلع ~~كل ما جاء أمامها، أو بسيف ماض يقطع كل ما يصادمه، وكان العرب قد وضعوا نصب أعينهم ~~مدينة «تور» التي كان فيها دير «سان مارتين» # 195 # المشهور بنفائسه، وهناك تلقى العرب خبر قدوم شارل مارتل بجيوش الإفرنجة، ~~فقلما ذكر التاريخ معركة لها ما بعدها مثل هذه المعركة، فكان المسيحيون من جهة يذبون عن ~~ديانتهم وأوضاعهم وأملاكهم وأنفسهم، وكان المسلمون من جهة أخرى معتقدين أيضا أنهم إنما ~~يقاتلون في سبيل الله، خلا ما كان يهمهم من حفظ الغنائم التي في أيديهم. قال رينو: إن ~~مؤرخا عربيا روى أن عبد الرحمن كان في آخر الأمر في خوف شديد من لهو جيشه بالغنائم ~~الكثيرة التي كانوا يجرونها في أثناء زحفهم؛ وأنه قد فكر في حملهم على تركها في أرضها ~~لئلا تشغلهم عن القتال فتكون عليهم وبالا، لكنه لم يشأ - وهو في مأزق كذلك المأزق - أن ~~يغيظهم ويخسر توجه قلوبهم، وبقي واثقا بشجاعتهم وبيمن نقيبته في القتال، فكان لتردده ~~هذا تلك النتيجة المشؤومة. وقد روى ms069 هذا المؤرخ العربي أن العرب هاجموا مدينة تور، بمرأى ~~من شارل مارتل، وأنهم انقضوا مثل النمور الكاسرة على أهلها فذبحوهم ذبح الشياه مما لا ~~شك أنه قد أغضب الله تعالى فعاقبهم بنكال قريب، أما مؤرخو المسيحيين فكانت رواياتهم عن ~~هذه المعركة قاصرة، ولم يذكروا شيئا عن أخذ العرب لمدينة تور، وقد بقي الجيشان يرابط ~~كل منهما الآخر مدة ثمانية أيام، وبعد مناوشات ليست بذات بال أجمع الجيشان على الوقعة ~~الفاصلة، وبحسب هذه الرواية العربية تكون الوقعة قد حصلت بقرب تور، وهذا هو رأي لذريق ~~شيمينيس الذي كان يروي عن مؤرخي العرب، وأما مؤرخو الإفرنجة فأكثرهم يذهبون إلى أنها ~~وقعت في إحدى ضواحي «پواتييه» ويستدلون على ذلك من الآثار المحفوظة في دير مواساك، ومن ~~الممكن الجمع بين الروايتين. وذلك بأن يقال إن بداية المعركة حصلت بقرب تور وأنها انتهت ~~بقرب پواتييه وقد كان ذلك في شهر أكتوبر سنة 732 بحسب رواية بعضهم، وكان المسلمون هم ~~الذين بدأوا القتال، وكان الفرنج قادمين من حروب اتسق لهم فيها النصر، فكانت حماستهم ~~تغلي مراجلها ويزيدها فيهم وجود شارل مارتل الذي كان كلما ظهرت ثلمة خف وسدها بنفسه، ~~وقد هاجم المسلمون بخفة حركاتهم على سروات الخيل مهاجمات شديدة، يحاولون بها خرق صفوف ~~الإفرنج فكانوا يجدون أمامهم صفوفا أشبه بالجدران في ثباتها، فكانت تتكسر عليها حملات ~~العرب، فاستمر القتال أول يوم طول النهار، ولم يحجز بينهم سوى الظلام، وفي اليوم التالي ~~تجدد القتال ورخصت النفوس في سوق المنايا وحمل المسلمون حملات اليائسين؛ إذ لم يكونوا ~~ينتظرون من الإفرنج مثل هذا الثبات ولكنهم لم ينالوا منهم وطرا، وبينما كانوا يضاعفون ~~حملاتهم؛ إذ أغارت فرقة من الإفرنج على معسكر المسلمين يظن أن قائدها كان أود دوق ~~أكيتانية، فلما رأى المسلمون غارة جانب من الإفرنج على مخيمهم أشفقوا على الغنائم التي ~~كانوا حازوها فتركوا المصاف وانكفأوا إلى المخيم ليستخلصوه من أيدي الإفرنج، وعند ذلك ~~هرع عبد الرحمن يرد المنكفئين ويسوي الصفوف، فذهب اجتهاده عبثا، وأصابه سهم من جهة ~~العدو ms070 فخر صريعا، وعند ذلك وقع الفشل في صفوف المسلمين، لكنهم تمكنوا من تخليص ~~مخيمهم من أيدي الأعداء وإن كانوا فقدوا كثيرا من رجالهم، وأقبل الظلام فحال بين ~~الفريقين، وكان مراد شارل مارتل الكر على العرب عند الصباح، إلا أنه عندما أصبح الصباح ~~لم يجد منهم أحدا، وذلك أنهم لما رأوا ما حل بهم سروا في أحشاء الليل وانحازوا إلى ~~الوراء قاصدين جبال البيرانه، وكان مسراهم من السرعة بحيث إنهم تركوا خيامهم منصوبة ~~وغنائمهم مطروحة في الأرض. # ولما رأى شارل مارتل أن العدو أقلع بقضه وقضيضه وزع على عساكره ما وجده في مخيم العرب ~~من الغنائم المركومة، ولكنه لم يتأثر العرب في طريقهم وهم قافلون، وعللوا ذلك بأنه خشي ~~أن يكون انكفاؤهم إلى الوراء استدراجا ومكيدة، أو أنه قد أمن بعد هذه الوقعة على ~~مملكته وأصبح لا يخشى عليها شرا، فلذلك قطع نهر اللوار، راجعا إلى الشمال، مفتخرا ~~بما أحرزه من النصر الباهر، ومنذ ذلك اليوم لقبوه بمارتل (أي المطرقة) سموه بها لمتانته ~~ولما سد به بنفسه من الثلم التي كانت تقع في جيشه. # ولا يمكن قبول روايات بعض مؤرخي المسيحيين الذين أوصلوا عدد المسلمين الصرعى في تلك ~~المعركة إلى ثلاثمائة وستين ألفا، فإن المسلمين ذلك اليوم لم يسقطوا كلهم صرعى، وما ~~كان من الممكن جمع جيش مؤلف من خمسمائة ألف مقاتل في تلك الأيام وقد كانت الحروب ~~الداخلية المستأصلة للرجال لا تنقطع، ثم على فرض المحال وأنه كان ممكنا حشد فيالق ~~جرارة كهذه فكيف كان يمكن إيجاد الميرة اللازمة لهذه الفيالق الجرارة في البلاد التي ~~تمر فيها، وقد كانت خربت تقريبا من توالي الغارات والرزايا، نعم لا ينكر أن هذا الجيش ~~الذي قاده عبد الرحمن الغافقي، تلك النوبة، كان أعظم جيش وأحمس جيش قاده العرب إلى ~~وطننا الجميل، وأنه كان قد هب للحرب كالريح المرسلة، وأدل دليل على ذلك هو كون فرنسة ~~بأجمعها جمعت ذلك اليوم جموعها وجاءت بالشوك والشجر لمقابلة ذلك الجيش العربي المغير، ~~وأن هذه المعركة لا تزال ms071 حتى اليوم شاغلة أعظم موقع في أذهان جميع الأوربيين. # وأما مؤرخو العرب فلم يكونوا يعلمون من تفاصيل تلك المعركة الفاصلة أكثر مما عرفه ~~مؤرخو الإفرنج، وغاية ما ذكر العرب أن عددا كبيرا من رجالهم استشهدوا في بلاط الشهداء ~~وهو الاسم الذي أطلقوه على تلك الواقعة، ويقولون: إنه لا يزال يسمع هناك دوي خفي هو ~~ضجيج الملائكة الذين ينزلون من السماء للصلاة في ذلك المكان المقدس على الشهداء الذين ~~لقوا فيه ربهم. # قال المستشرق رينو: وبعد هذه الهزيمة انكفأ فل الجيش العربي إلى البيرانه مدمرا كل ~~ما مر به، ومن جملة ذلك دير سولينياك. # 196 # وقيل: إن الإفرنج عندما انكفأ العرب أعملوا في أقفيتهم السلاح إلى أن بلغوا ~~أربونة، ولا يظهر أن هذه الرواية متينة # 197 # وقد كان تأثير هذه الهزيمة مختلفا جدا بين المسلمين والمسيحيين، ~~فالمسيحيون استجدوا عزائمهم واستأنفوا صرائم، وهبوا في جبال البيرانه للأخذ بالثأر، ~~واعتقدوا أن الله عاد معهم يؤيدهم على أعدائهم، والمسلمون استولى عليهم الوهل ونزل ~~الوهن بعزائمهم، وأخذ الأتقياء منهم يقولون: إن ما حل بهم من الأدبار بعد الإقبال إنما ~~كان جزاء وفاقا من الله تعالى على استرسالهم في معاصيهم وإمعانهم في ركوب ~~أهوائهم. # وكان النائب في الإمارة الذي تركه عبد الرحمن الغافقي في قرطبة قد طير الخبر بهزيمة ~~المسلمين في بلاط الشهداء إلى القيروان وإلى دمشق، فارتمض الخليفة لهذا الخطب وأرسل ~~أميرا على الأندلس اسمه عبد الملك # 198 # وجهز معه جيشا وأمره بالأخذ بثأر المسلمين وشفاء صدور المؤمنين واستنفاد ~~الوسع في هذا الأمر، فأقبل هذا الأمير على الأندلس، يحاول رتق الفتق ورفو الخرق، وأغذ ~~بجيشه إلى البيرانه، وأخذ يخطب في الغزاة والمرابطة، ويشدد من عزائمهم، ويجدل سواعد ~~المسلمين، ويحبك من مرائرهم ويبين فضائل الجهاد وعلو رتبة الاستشهاد، إلا أن كل هذه ~~الخطب في المجاهدين لم تفعل فيهم الفعل الكفيل برأب ذلك الصدع، وكان نصارى شمالي ~~إسبانية وجنوبي فرنسة قد رفعوا رؤوسهم بعد هذه الوقعة ونبذوا إلى المسلمين على سواء، ~~وروى مؤرخ من مؤرخي العرب أن ms072 جيشا من الفرنسيس قطع وقتئذ البيرانه واستولى على ~~بانبلونه وجيرونه. # أما الأمير عبد الملك فأعمل الحركة أولا إلى كتالونيا وأراغون ونافار # 199 # ثم تقدم إلى بلاد اللنغدوق # 200 # وحصن المدن التي كانت منها في أيدي المسلمين، ثم أبعد المغار في بلاد ~~العدو، وكانت بلاد «السبتيمانيا» و«بروفانس» في حالة الفوضى تقريبا، وكان كل ذي طمع ~~فيها قد انفرد بإمارة واستأثر بزعامة، وكان بعض من هؤلاء الزعماء ينضوون تحت جناح دوق ~~أكيتانية والآخرون يتفيأون في ظل شارل مارتل، وذلك مصانعة لكل منهما، ولكنهم كانوا في ~~الحقيقة إنما يريدون الاستقلال بإماراتهم، وكثيرا ما كانوا يتحدون يدا واحدة مع ~~المسلمين الذين كانوا في أربونة، وذلك ليتقوا بأس أولئك الملوك الكبار ومن هؤلاء ~~الأمراء «موروند» الذي كان يلقب بدوق مرسيلية والذى كان بيده أكثر مقاطعة ~~بروفانس. # وفي تلك المدة كان شارل مارتل مشغولا يبسط سلطته على برغونية وعلى مقاطعة ليون، حيث ~~كان المسلمون قد شنوا الغارات وأهرجوا البلاد وأمرجوها، ثم إنه زحف لقتال ~~«الفريزون» # 201 # فشغلوه أيضا عن قتال المسلمين. # وفي سنة 734 اتفق يوسف أمير أربونة العربي مع موروند دوق مرسيلية وزحف المسلمون بجيش ~~جرار، وعبروا نهر الرون واستولوا على مدينة «آرل» ونهبوا أديار الرسل والعذراء # 202 # وهدموا قبر سان «سيزير» # 203 # ثم تقدموا إلى أواسط بلاد البروفانس، وحاصروا مدينة «فريتا» المعروفة اليوم ~~«بسان ريمي» # 204 # واستولوا عليها، وساروا منها نحو «آفينيون» وعبثا حاول مقاتلة «آفينيون» ~~صد المسلمين في ممر «دورانس» # 205 # فإن المسلمين ذللوا كل العقبات، وكانت «آفينيون» في ذلك الوقت عبارة عن ~~الصخرة التي بني عليها فيما بعد قصر الباباوات، وهو المكان الذي كان مؤلفو العرب يسمونه ~~بصخرة أبنيون، وقد بقي المسلمون في ذلك الوقت أربع سنوات محتلين بلاد ~~«بروفانس» # 206 # وكان «أود» دوق أكيتانيا قد توفي سنة 735 فجاء شارل مارتل واستولى على ~~بلاده وخضع له أولاد الدوق المذكور. # وأما الأمير عبد الملك # 207 # فبعد أن أهب الله له ريح النصر في هذه الغزوات بأرض فرنسة، عاد إلى جبال ~~البيرانيه، لتدويخ ms073 الأهالي الباقين على العصيان، فصادفته أنواء وأمطار وهو في جبال ~~وأوعار فوقعت عليه هزيمة، وعندما بلغ الخليفة ما أصابه قلد إمارة الأندلس أميرا غيره ~~اسمه عقبة # 208 # ولم يبق في يد عبد الملك سوى إمارة المقاطعات التي في جوار ~~البيرانه. # وكان عقبة هذا رجلا يتقد حمية على الإسلام ويرى في الجهاد قرة عينه، ويقول مؤرخو ~~العرب: إنه اختار إمارة الأندلس حبا بالجهاد والرباط، وكان إذا وقع في يده أسير من ~~المسيحيين لا يهمل أن يعرض عليه الإسلام، وفي أيامه حصن المسلمون جميع المواقع التي ~~أمكنهم تحصينها في بلاد اللنغدوق، حتى ضفاف نهر الرون، وشحنوها بالمقاتلة، وفي ذلك ~~الوقت أعادوا المغار كما بدا على بلاد «دوفينيه» # 209 # فخربوا بلدة «سان بول» المعروفة بالثلاثة القصور و«دونزير» # 210 # واحتلوا «فالانس» # 211 # وأصبحت جميع الكنائس المجاورة لمدينة «فيين» # 212 # على ضفتي الرون قاعا صفصفا. # وكان المسلمون للأخذ بثأر جيشهم الذي قهره شارل مارتل في بلاط الشهداء قد احتلوا ~~مدينة ليون من جديد، وبثوا الغارات منها على بلاد «بورغونية» فأخذ شارل مارتل يتأهب ~~لقتالهم، وقد كان وافقه الحظ من جهة الشمال والشرق حيث سكنت الثورات التي كانت ثائرة ~~عليه، فسرح أخاه «شيلد براند» # 213 # بجيش إلى ليون، وأرسل يستصرخ «لويتبراند» # 214 # ملك «اللومبارديين» في إيطالية ليوافيه بجيش لقتال المسلمين الذين كانوا ~~ألبا واحدا مع موروند دوق مرسيلية، وقد تمكنوا من جبال «دوفينه» و«بييمونت». # 215 # فجاء شيلد براند (أخو شارل مارتل) وحاصر المسلمين في آفينيون واستعمل في ~~حصارها الآلات المعروفة لذلك العهد، وتبعه شارل مارتل نفسه بجيش جديد، وجاء لويت براند ~~ملك اللومبارديين بجيش آخر من إيطالية، فاستولوا على أفينيون عنوة واستأصلوا من بها من ~~المسلمين، وتقدم بعد ذلك شارل مارتل صوب أربونة وكان فيها أمير يقال له بحسب تلفظ ~~المؤرخين القدماء: «أتيما» # 216 # وكانت مواصلات مسلمي الأندلس مع مسلمي سبتيمانيا أكثرها من طريق البحر ~~نظرا لكون أهالي جبال البيرانيه المسيحيين حائلين بين الفريقين، فلما وصل الخبر إلى ~~عقبة بأن شارل مارتل قد ضيق الحصار على ms074 أربونة أرسل جيشا في البحر، لنجدة هذه البلدة، ~~تحت قيادة رجل يقال له: عامر. # 217 # فلما عرف شارل مارتل بمجيء هذا الجيش الجديد جاءه بغتة قبل أن يتأهب للقتال ~~فأخذ المسلمون على غرة وكانت هزيمتهم تامة، وقتل أميرهم ولم ينج منهم إلا فل قليل ~~خلصوا إلى مراكبهم وآخرون وصلوا إلى «أربونة»، ولكن برغم هذا كله لم يتمكن شارل مارتل ~~من أخذ «أربونة» وصعرت له خدها، وفي تلك الأيام جاءه الخبر بأن الفريزون والسكسون ~~أشعلوا الثورة من جديد، فاضطر شارل أن يرحل عن «أربونة» ولكنه قبل رحيله خرب القلاع ~~التي كانت في «بيزيه» # 218 # و«أقد» # 219 # ودمر أبواب مدينة «نيم» # 220 # الشهيرة وقسما من الملهى الروماني الذي كان فيها خوفا من أن يتحصن به ~~العرب، وكذلك دمر مدينة «ماجلون» # 221 # وأخذ المسلمين الذين فيها أسارى ومعهم أيضا أناس من المسيحيين أبقاهم ~~رهائن عنده. # ولا يمكن أن يقال: إن جميع أهالي جنوبي فرنسة كانوا يحبون شارل مارتل، ولو كان قد دفع ~~عن النصرانية غارات المسلمين؛ لأن هؤلاء الأهالي كانوا ينظرون إلى هذا الرجل وقومه ~~كبرابرة من أهل الشمال، بينما هم يرون أنفسهم أمة ذات مدنية قديمة من زمان الرومانيين، ~~ولا نزاع في أن المسلمين كانوا قد خربوا الكنائس والأديار وما يخصها من الأراضي، ولكن ~~شارل مارتل عندما جاء ودفع عادية المسلمين عن تلك البلاد لم يرد تلك العقارات على ~~الرهبان والأساقفة، بل وزعها على رجال الحرب من أنصاره، فبقيت الكراسي الأسقفية خالية. ~~ويقال: إن «فليكارپوس» # 222 # مطران «فيين» بعد أن خرج المسلمون من البلاد لم يرجع إلى أسقفيته، لخلو ~~الكرسي مما يقوم بأوده، فذهب إلى «فاله» # 223 # حيث جعلوه رئيسا لدير «سين موريس» # 224 # وكان الأحبار ورجال الدين يؤولون هذه المصائب بأنها عقاب صبه الله تعالى ~~على هام العباد تنبيها لهم للرجوع إلى طريق الفضيلة. # 225 # ولم يخل الأحبار ورجال الدين من أناس تعلقوا بشارل مارتل الذي تولى كبر ~~دفع المسلمين عن أوربة، وأشهر هؤلاء «هينماروس» مطران «أوكسير» # 226 # الذي كان يحارب ms075 في جيش شارل مارتل بنفسه ويقاتل المسلمين في البيرانه، وهو ~~في ثوب الأسقفية. # وكان موروند دوق مرسيلية قد فر هاربا من وجه شارل مارتل، وبقي متواريا إلى أن غادر ~~شارل مارتل جنوبي فرنسة عائدا إلى الشمال، فلما ذهب شارل مارتل شمالا ظهر موروند من ~~مخبأه، وجدد علاقاته مع المسلمين، وقاموا بعمل واحد، فبلغ الخبر شارل مارتل، وفي سنة ~~739 زحف إلى الجنوب ومعه أخوه شيلدربرند واستولى على مرسيلية ومن ذلك الوقت أصبح ~~المسلمون في أربونة لا يجرؤون على عبور نهر الرون. # وليست عندنا معلومات يوثق بها عن كيفية معاملة المسلمين لأهالي مقاطعة بروفانس، ويجوز ~~أن يكون اتفاقهم مع موروند قد جعلهم أقل ضغطا على بلاده مما كانوا في غيرها، ولكن نزلت ~~على بلاد بروفانس و«لانغدوق» مصيبة ثانية، وهي غارات المسلمين البحرية التي كانت سواحل ~~جنوبي فرنسة دائما عرضة لها. # وكان المسلمون في أول الأمر لا يحبون ركوب البحر، ولكن بعد أن فتحوا سورية ومصر ~~وإفريقية اضطروا إلى استعمال الأساطيل البحرية، وبعد وفاة الرسول بخمس عشرة سنة غزا ~~معاوية أمير الشام جزيرة قبرص، وفي سنة 669 غزا العرب جزيرة صقلية، ومن ذلك الوقت لم ~~تبرح سواحل سلطنة القسطنطينية عرضة للغارات البحرية الإسلامية، وكانت طوائف الأساطيل ~~الإسلامية، في بادئ الأمر، جمعا مؤتشبا من الأفاقين ومن النصارى الذين أسلموا، ومن ~~الشذاذ من كل قوم، ولكن المسلمين فيما بعد تعودوا ركوب البحر والغزو فيه طمعا في ~~الغنائم، ومنهم من كان يغزو في البحر جهادا في سبيل الله وابتغاء الأجر والثواب، ~~وصاروا يروون أحاديث عن الرسول معناها الحث على الجهاد في البحر، حتى بلغت بهم الحماسة ~~إلى أن النساء صرن يغزون في البحر، ومنهن «أم حرام» امرأة أحد الصحابة التي ماتت في ~~غزاة بحرية في قبرص، وقيل: إنه لما ذهب الأسطول الإسلامي يغزو القسطنطينية، كان أحد ~~أولاد الخليفة عمر حاضرا، فسأل أمير البحر عن ذنوب الغزاة المجاهدين، فأجابه الأمير ~~بأن آثامهم معلقة في أعناقهم، فأجابه ابن عمر: والذى نفسي بيده، لقد تركوا آثامهم على ~~الشاطئ. ms076 وعزوا إلى الرسول أنه قال: إن الجهاد في البحر فيه عشرة أمثال أجر الجهاد في ~~البر. # وكانت الغزوات الإسلامية البحرية، صدر الإسلام، موجها أكثرها إلى مملكة الروم، ولما ~~استولى العرب على مدينة قرطاجنة لم يفكروا في أول الأمر أن يجاهدوا فيما وراء البحر، ~~ولذلك بنو مدينة القيروان على مسافة بعيدة عن الشاطئ، ولما غزا موسى بن نصير الأندلس لم ~~يكن عنده إلا أربع سفن لا غير، كانت تذهب وتجيء لنقل الجنود من إفريقية إلى جبل ~~طارق. # 227 # وعند ذلك فهم موسى ضرورة بناء الأساطيل وأنشأ دور الصناعة في كثير من مرافئ ~~الأندلس، وكذلك كانت للعرب مرافئ كثيرة ممتدة من جبل طارق إلى طرابلس الغرب، وسنة 736 ~~أنشأ العرب دار صنعة عظيمة في تونس، وكان لهم في الأندلس قائد للبحر اسمه أمير ~~الماء # 228 # ويظن أن لفظة (أميرال) محرفة عنها، وذكر مؤلفو العرب أن موسى غزا جزيرة ~~سردانية سنة 712، وذكر مؤرخو المسيحيين غزاة للعرب في جزيرة كورسكا # 229 # وكانت جزائر سردانية وكورسكا وصقلية تابعة لملك القسطنطينية، ففي البداية ~~كان العرب يكتفون بانتقاصها من أطرافها ولكن أخذوا فيما بعد يتوغلون في الداخل. # وكان أول نزول العرب في سواحل فرنسة، هو في جزيرة «ليرين» # 230 # بقرب عين الطيب. # 231 # وقد اختلف المؤرخون في التاريخ الذي يقال: إن العرب غزوا فيه هذه الجزيرة. ~~فقالوا: إن ذلك وقع سنة 728. وقالوا: بل سنة 739 وكان في هذه الجزيرة دير شهير تخرج منه ~~آباء للكنيسة وأساقفة مشهورون، ويوم كبسه العرب كان فيه خمسمائة راهب آتين من فرنسة ~~وإيطالية وسائر بلاد أوربة، وكان رئيس هذا الدير القديس «پورسير» # 232 # فلما قرب المسلمون من الدير جمع القديس الرهبان بأجمعهم وقال لهم: إنه يجب ~~عليهم أن ينتظروا الموت، وإنما أرسل إلى البر الأحداث الذين كانوا يتعلمون في الدير، ~~فلما نزل المسلمون في الجزيرة فتشوا عن غنائم يأخذونها فلم يجدوا شيئا ذا بال، فعرضوا ~~على الرهبان الإسلام، فلم يقبل أحد أن يترك دينه فذبحوهم جميعا. # ومات شارل مارتل سنة 741 وخلفه ms077 ابنه بيين القصير، واشتغل في توطيد ملكه في شمالي ~~فرنسة وجنوبيها، بحيث كان يمكن العرب أن يغتنموا هذه الفرصة ويحددوا غاراتهم على جنوبي ~~فرنسة ويبلغوا منهم مرادهم، ولكن وقع الشقاق بين العرب أنفسهم فعاقهم عن كل عمل من هذا ~~القبيل، فإن العرب لم يكونوا في هذه الغزوات وحدهم بل كان معهم البربر، وكان القبيلان ~~في نزاع دائم، كما أنه كان العرب أنفسهم منقسمين إلى يمانيين وهم أبناء قحطان، وإلى ~~عدنانيين وهم أبناء إسماعيل بن إبراهيم. وكانت الحروب دائمة بين هذين الشعبين، لشدة ما ~~عند العرب من العصبية، فبعد أن وقعت في بلاد العرب امتدت إلى مصر والشام ثم الأندلس ~~وفرنسة. # وفي ذلك الوقت أعفى العرب الأقوام الذين خضعوا لهم وساروا معهم من الجزية التي كانوا ~~ضربوها عليهم، ومنهم البربر، فاعتاد هؤلاء أن لا يؤدوا شيئا، إلا أنه في سنة 737 عاد ~~أمير إفريقية فتقاضى البربر الجزية فعصوا عليه، وكانوا أقواما أشداء نشأوا على صهوات ~~الخيول، فلم يقدر الأمير على تدويخهم، واضطر عقبة أمير الأندلس أن يجيز إلى بر العدوة، ~~أي: إلى إفريقية، لإدخال البربر في الطاعة. وهكذا تمكن شارل مارتل، في غياب عقبة في ~~إفريقية لإدخال البربر في الطاعة، أن يخضد شوكة العرب في جنوبي فرنسة. # 233 # ثم اشتدت ثورة البربر في إفريقية ظهروا على العرب ولجأ فريق من العرب إلى ~~الأندلس، وكان العرب والبربر الذين في الأندلس قد تقاسموا الأراضي فيما بينهم، سواء في ~~الأندلس أو في جنوبي فرنسة، فخافوا من أن هذا الفريق الذي دخل الأندلس من العرب ينازعهم ~~على الأراضي، وقصدوا أن يجلوهم عن البلاد، وكان الأمير عبد الملك أمير الأندلس عدوا ~~لهؤلاء العرب الذين دخلوا الأندلس، فقتلوه ونصبوا رأسه على جسر قرطبة، وكان في أربونة ~~أمير اسمه عبد الرحمن، من أنصار عبد الملك فزحف من أربونة بجيش يقال: إنه بلغ مائة ألف ~~مقاتل، وكان يريد الأخذ بثأر عبد الملك، فوصل إلى قرطبة واقتتل الفريقان ورمى عبد ~~الرحمن قائد جيش العدو بسهم فقتله، وقفل إلى أربونة بعد ms078 أن أخذ بثأر صديقه. # 234 # ولم يكن في وسع الخلفاء في دمشق أن يعيدوا السكون إلى نصابه في بلاد بعيدة كبلاد ~~الأندلس؛ لا سيما أن الثورات كانت تتوالى في الولايات الشرقية فتشغلهم عن المغرب، وهكذا ~~تغيرت الحالة في جنوبي فرنسة، وخلا الجو للمسيحيين، برغم قصر باع ببين القصير وفتور ~~همته، وكان المسلمون الذين في أربونة قد استولوا على مدينة نيم والمدن المجاورة لها، ~~ولكن الحاميات الإسلامية في تلك المدن أخذت تخف شيئا فشيئا، فصار في نيم وفي بيزييه ~~وفي ماغلون إدارة أهلية مستقلة بعض الشيء، وأصبح لكل من هذه البلدان أمير يدير أمورها ~~لكنه معترف بسلطان المسلمين. # 235 # ومثل هذا حصل في شمالي إسبانية، أي في أشتورية ونابار وغيرهما. # وفي سنة 747 تولى قيادة الأندلس أمير اسمه يوسف # 236 # فأنفذ ابنه عبد الرحمن بجيش، إلى البيرانه، لأجل تدويخ تلك البلاد؛ ولكن ~~المسيحيين قاوموه بالسلاح مقاومة شديدة، وكانت طرق الاتصال بين مسلمي أربونة وبين ~~قرطبة، تكاد تكون منقطعة، بسبب جبال البيرانه، ولذلك لم يطل الأمر حتى ابتدأ المسيحيون ~~في السبتيمانية ينتفضون على المسلمين، وكان يتنازع هذه البلاد، أي المدن السبع، ~~فيفر # 237 # بن أود دوق أكيتانيا وببين بن شارل مارتل، وكان وببين قد نال من البابا لقب ~~ملك، وهو اللقب الذي لم ينله أبوه برغم جميع ما بلغه من الشهرة والمكانة. # وفي سنة 752 سار وببين بجيش إلى اللانغدوق، واستولى على نيم وأقت وماغلون ~~وبيزيه. # 238 # وبعد ذلك زحف لحصار أربونة وضيق عليها بجميع قوته، ولما وجد أن أمر حصارها ~~يطول أبقى جانبا من عساكره حولها تحت قيادة أمير من أمراء القوط اسمه ~~أنسماندوس # 239 # إلا أن العرب قتلوا أنسماندوس هذا في كمين عملوه له، وصادف ذلك حصول مجاعة ~~في جنوبي فرنسة عطلت حركات الجيوش. # وكان بنو العباس في الشرق قد تغلبوا على بني أمية، ونقلوا مركز الخلافة من دمشق إلى ~~بغداد واستأصلوا الأمويين، وتعقبوهم في كل مكان، ففر منهم واحد إلى إفريقية ومنها أجاز ~~إلى مالقة فتلقاه عرب الأندلس كمنقذ ms079 لهم، وكان اسم هذا الأمير عبد الرحمن # 240 # وكانت هذه الواقعة سنة 755 وقد قدر أن يكون على يد هذا الرجل وأعقابه أعظم ~~مجد ممكن لمسلمي إسبانية، وفي أيامهم تأثلت المدنية العربية في الأندلس تأثلا لا تزال ~~له آثار باهرة هناك إلى اليوم، وإلى يوم مجيء عبد الرحمن لم يكن لأمراء المسلمين في ~~الأندلس شغل إلا بقتال بعضهم بعضا فلم يؤثروا آثارا خالدة. # وقد لقي عبد الرحمن نفسه خطوبا وأهوالا، وبقي يسكن الثورات ويرتق الفتوق مدة طويلة، ~~ولكنه تمكن أخيرا من توطيد سلطته وتمكين استقلاله، واستوسق له أمر الأندلس بتمامها، ~~إلا أنه لم يقدر أن يتجاوز إلى غيرها، فلذلك تحاشى أن يتلقب بلقب الخليفة واقتصر على ~~لقب أمير، وبقي أعقابه إلى القرن العاشر مكتفين بهذا اللقب، وإنما كانت عاصمتهم قرطبة ~~مركزا للعلوم والصنائع ومبعثا لأشعة المعارف. # وبعد أن رسخت قدم عبد الرحمن الأموي في الأندلس، فكر في مدينة أربونة وما يليها من ~~جنوبي فرنسة، وسرح جيشا تحت قيادة أمير اسمه سليمان، زحف إلى البيرانه أملا برفع ~~الحصار عن أربونة، ولكن المسيحيين كبسوهم في تلك الأوعار، فانهزموا هزيمة تامة. # ولما كان جمهور أهالي أربونة من المسيحيين، وقد ضرسهم حصار أربونة بنابه ولم يعد لهم ~~طاقة بتحمل تلك الحالة، داخلوا الملك ببين سرا على أن ينتفضوا على المسلمين وينضموا ~~إلى جيشه، بشرط أنهم يكونون في المستقبل أحرارا في بلدتهم، وتكون إدارة أمورهم بحسب ~~عرف القوط، وهكذا تم الاتفاق بينهم وبين ببين، فبينما كانت الحامية الإسلامية غافلة عما ~~يصنعون كبسوها على غفلة منها، وذبحوها بأجمعها، وفتحوا أبواب البلدة للفرنسيس، وكان ذلك ~~سنة 759 فانقرضت حكومة الإسلام من أربونة، وأبقى الملك ببين جيشا وافرا لأجل حراسة ~~البلاد. # 241 # أ.ه. ملخصا من كلام رينو. # | هوامش # الفصل الثاني # | غارات العرب على فرنسة من بعد جلائهم عن أربونة إلى عهد استيلائهم على بروفانس سنة 889 ~~مسيحية # قال «رينو»: إن العهد الذي سنتكلم عنه الآن في هذا القسم من تاريخنا مختلف عن العهد الذي ~~تقدمه والذي سردنا وقائعه، ms080 فقد ظهر لنا مما تقدم من الوقائع أن العرب في تغلغلهم في فرنسة ~~لم يكونوا مقتصرين على نية الاستيلاء على هذه المملكة فقط، وإدخالها في الإسلام، بل كان هدف ~~رميهم الاستيلاء على سائر أوربة وإضافة هذه القارة التي كادت في زمان الرومانيين تستولى على ~~العالم، إلى سلطنة الإسلام كإحدى مقاطعاتها، ومما لا ينبغي أن ننساه أن قواد الجيش العربي ~~الفاتح كان أكثرهم من الجزيرة العربية والشام والعراق، فكان مركز ديانتهم ومبعث قوتهم في ~~الشرق، ومن الشرق، فكانت جميع أعراقهم تنزع بهم إلى هناك، ولم يكن في نظرهم عقبة كؤود بعد ~~أن قاموا بتلك الفتوحات التي لا نظير لها، وكانوا كلما كانت مملكة أوسع رقعة وأكثر رجالا ~~وجدوها أصلح للغارة وأجدر بالفتح وبنيل المجد في الدنيا والثواب في الآخرة. # أما العهد الذي سندخل فيه الآن فلا يماثل العهد السابق؛ فإن الأمير الذي بدأ يتولى ~~الأندلس كان بقية عائلة مالكة قد ثل عرشها في الشام وأبيد رجالها بالسيف، ففر شريدا ~~وانسل وحيدا إلى إسبانية، وأصبح لا يرى في إفريقية وفي سائر أقسام السلطنة الإسلامية إلا ~~أعداء له ولأهله، ولم تكن الجزيرة الأندلسية بالقطر الذي يمكنه وحده أن يستقل بحملات عظيمة ~~كفيلة بالاستيلاء على الأرض الكبيرة، بل كان المسلمون في ذلك القطر قد دب في جوانبهم ~~الوهن بسبب الفتن الداخلية المستمرة التي كانت بينهم، والتي كانت قد أبادت خضراءهم، وبما ~~تأصل في طباع أهل الأندلس من غريزة حسب الانتقاض على كل سلطة مما اهتبل به المسيحيون، سكان ~~المقاطعات الشمالية، الغرة لأجل الكرة على العرب. # وكانت فرنسة التي هي مرمى العرب في هذه الغارات تتأيد يوما فيوما ويغلظ أمرها، فإنها في ~~عهد «ببين» و«شارلمان» خضعت بأجمعها لسلطة واحدة، وكان يمكنها لدى الحاجة أن تستعين بجيوش ~~جرارة تأتيها من ألمانية وبلجيكا وإيطالية، فارتفع إذا كل خوف من وجودها بعد ذلك عرضة ~~لاعتداء المعتدين، ولم يعد مسلمو إسبانية هم المهاجمين لمسيحيي فرنسة، بل أصبح مسيحيو فرنسة ~~هم المهاجمين لمسلمي إسبانية. # 1 # وكان «ببين» و«شارلمان» قد أخذا ms081 يراسلان أهالي «كتالونيا» و«أراغون» و«نابار» ~~ليوحدوا حركتهم مع الإفرنج، كما أنهما كانا دائما يمدان أيدي التحريك إلى أمراء العرب ~~الثائرين على السلطان في قرطبة، وكثيرا ما هم، ثم لم يلبث شارلمان وأولاده أن وطئوا بالفعل ~~أرض إسبانية وأدخلوا بعضها في مملكتهم؛ لأن الولايات التي تشرب من نهر الأيبر # 2 # بقيت مدة من الزمن تابعة لفرنسة، ثم عندما أخذ المسيحيون سكان الشمال يكرون على ~~العرب ويسترجعون بلاد آبائهم كان أهالي جنوبي فرنسة الذين أكثرهم والإسبان من أصل واحد ~~يخفون لنجدتهم ويجيبون لصريخهم. # ومما يدلك على بعد المدى الذي تصل إليه أهواء النفوس إذا استحكمت العداوة أن أمراء قرطبة ~~كانوا في نزاع دائم مع خلفاء بغداد، وكان وكد كل من الفريقين النكاية بالآخر، أكثر منه في ~~الفتوحات في بلاد المسيحيين أنفسهم، وبينما كان ملوك قرطبة يراسلون قياصرة القسطنطينية ~~الذين كانوا في حرب مع مسلمي الشام وفارس ومصر كان خلفاء الشرق يعقدون معاهدات مع ملوك ~~الفرنسيس الذين كانوا في حرب مستمرة مع مسلمي الأندلس، وكانت لذلك العهد العلاقات التجارية ~~قد بدأت بين الشرق والغرب وسارت السفن تختلف بين «مرسيلية» و«فريجوس» ومرافئ سورية ومصر؛ ~~لأجل التجارة بالبهارات والطيوب والمنسوجات الحريرية، وانضمت إلى هذه العلاقات التجارية ~~أسباب دينية كان يستهان لأجلها بجميع الأخطار، وذلك أن المسيحيين في الغرب كانوا في أثناء ~~الحروب بينهم وبين المسلمين لا يتأخرون ساعة عن أن يزوروا البقاع المقدسة في فلسطين. # وفي سنة 733 ذهب حجاج من الغرب إلى بيت المقدس والناصرة وكانوا يجولون آمنين في فلسطين ~~والشام وزاروا قصر الخليفة نفسه في دمشق ولم يعترضهم أحد # 3 # ولا خافوا ولا حزنوا. # وكان الخلفاء العباسيون يعاملون الدولة الإفرنسية أحسن معاملة، ويتبادلون وإياها التحف ~~والألطاف، وإن كان قد وجد من عمالهم في إفريقية من يشن الغارات على سواحلنا، في الأحايين، ~~فما ذاك إلا لتباعد المسافات بين أولئك العمال وبين مركز الخلافة العباسية. # هذا ومنذ استرجع «ببين» القصير «أربونة» وأجلى العرب عنها سكنت الأمور بين مسلمي الأندلس ~~والفرنسيس، وكان «ببين» يعد «البيرانه» هي ms082 التخم الطبيعي بين فرنسة وإسبانية، وكان عبد ~~الرحمن مشغولا حينئذ بمحاربة الأمراء الخارجين عليه، ولم يكن «ببين» يهمل شيئا من الوسائل ~~لإثارة نيران الفتن بين المسلمين، وسنة 759 أي بعد استرداد الفرنسيس لأربونة دخل أمير ~~برشلونة المسمى سليمان # 4 # في علاقات مع «ببين » وتعاهد معه. # 5 # ومؤرخو الفرنسيس يزعمون أنه انضوى تحت لواء «ببين» ولكن الأصح أن يقال: إنه ما ~~قصد إلا أن يستعين به على الاستقلال عن سلطانه، ومن بعد ذلك أصبحت هذه خطة أمراء المسلمين ~~في شمالي الأندلس، فيوم يضغط عليهم السلطان في قرطبة يلجأون إلى فرنسة، ينشدون عندها ~~التنفيس من حناقهم، وإذا ظهرت لهم مطامع الفرنسيس بحق بلادهم عادوا إلى رئيسهم في قرطبة ~~واعتصموا به، وكانت تساعدهم على الاستقلال طبيعة البلاد التي كانوا فيها فإنها بلاد جبلية ~~كثيرة الأوعار صعبة المرتقى يسهل على المقاتلة بها، ولو كان عددها قليلا، أن تشاغل الجيوش ~~الجرارة، وكان العرب يسمون «قشتالة» القديمة و«ألبة» بلاد «البا» و«القلاع» # 6 # وكانوا يسمون النابار بلاد البشكنس، وربما أطلقوا هذا الاسم على البلاد التي ~~وراء البيرانه إلى جهة فرنسة؛ لأن أصل الأهالي واحد سواء في السفح الجنوبي أو السفح الشمالي ~~من البيرانه. # وكان العرب يسمون البيرانه جبل البورتات وهذه اللفظة مشتقة من الكلمة اللاتينية Portus # وبالإسبانيولية Puerto # ومعناها الممر؛ وذلك لأنه من هناك كان الممر من ~~الأندلس إلى الأرض الكبيرة، وكان يوجد في البيرانه أربعة أبواب معروفة عند العرب: الأول ~~طريق برشلونة إلى أربونة على مدينة «پربينيان» # 7 # الحاضرة. والثاني: طريق «بويسردا» على «سردانة». # 8 # والثالث: الطريق الذي يؤدي من «بنبلونة» إلى «سان جان بييه دوپور» # 9 # والرابع: طريق طلوزة إلى بايون. # 10 # وكانت طرق البيرانه في القرون الوسطى أوعر مما هي الآن بلا نكير. # وكما كان ببين ملك فرنسة كثير التضريب بين أمراء المسلمين، لا يفتأ يغري بعضهم بالإيقاع ~~ببعض، كان الخليفة العباسي المنصور بعد أن بنى بغداد مجتهدا أيضا في توحيد المملكة ~~الإسلامية كما كانت لعهد بني أمية، ولذلك أرسل من سواحل إفريقية أسطولا ms083 فيه عساكر لمقاتلة ~~عبد الرحمن الأموي الملقب بالداخل # 11 # ووجد من أمراء المسلمين بالأندلس من مالأه على عبد الرحمن، ولما كان ببين لا ~~يخشى عادية المنصور، بمكانه من البعد عن فرنسة، وكان يرجو نصرته لكون عدوهما واحدا أسرع ~~إلى الدخول في العلاقات مع المنصور، وأمل منه الجذب بضبعه. # وفي سنة 765 أرسل رسلا إلى بغداد لبثوا ثلاث سنوات حتى رجعوا إلى فرنسة ومعهم رسل ~~الخليفة، فنزلوا في مرسيلية وصعدوا إلى مقر ببين فبالغ في الاحتفاء بهم وقضوا ذلك الشتاء في ~~مدينة «متز» باللورين، ثم أمر بإقامتهم في قصر سلس # Sels # على ضفاف اللوار ثم أعيدوا إلى الشرق، عن طريق مرسيلية، ومعهم الهدايا إلى الخليفة. # هذا وقد اتبع شارلمان خطة أبيه «ببين» في هذا المعنى فما استوسق له الأمر حتى أخذ يداخل ~~أمراء الأندلس، من مسلمين ومسيحيين، فكان يقول لهذا الفريق: إنه إنما يريد ليحررهم من طاعة ~~أمير قرطبة ويساعدهم على استقلالهم ويخفض جناح الرحمة لهم، ولذلك الفريق أنه هو حامي ~~النصرانية الطبيعي الناصر للنصرانية الحافظ للكنيسة الأصلية القامع للبدع ... إلخ. # وكان العرب عندما فتحوا الأندلس أبقوا للمسيحيين حريتهم الدينية، فكان يوجد أساقفة في ~~قرطبة وطليطلة والمدن التي من الدرجة الأولى # 12 # وكان لهم قسيسون في كل مكان وجدوا فيه، إلا أنه لا يظهر أنه كان يوجد في المدن ~~الثغرية التي كانت مترددة بين حكم المسلمين وحكم النصارى أساقفة ينظرون في شؤون المسيحيين ~~الروحية وكان المسلمون في إحدى الحروب هدموا مدينة طر كونة # 13 # فلم يبق فيها مركز أسقفي فصارت أمور بلاد كتالونيا الروحية مربوطة برئيس ~~أساقفة أربونة في فرنسة، وقد كان أيضا رئيس أساقفة أوش من مقاطعة جيرس # Gers # في فرنسة ينظر في شؤون مملكة أراغون الروحية، وكان شارلمان يفصل ~~خصومات المسيحيين الإسبانيين فيما بينهم، وكان يتوسط لهم عند الباب فيما إذا كانت لهم رغائب ~~إليه أو قضايا عنده. # وسنة 777 ثار أميران من أمراء المسلمين في مقاطعات نهر إيرة، وخرجا من طاعة السلطان في ~~قرطبة، فاجتازا البيرانه قاصدين شارلمان ms084 في وستفاليا # Westphalie # 14 # حيث كان منعقدا مجلس حافل، وكان أحد هذين الأميرين وهو المسمى سليمان، في ~~أثناء وجوده أميرا على سرقسطة، قد قاتل عساكر أمير قرطبة وأخذ قائدها أسيرا وجاء به وقدمه ~~كهدية إلى شارلمان، ويزعم مؤرخونا أن هذا الأمير دخل في طاعة الإمبراطور الإفرنسي. # 15 # وكان شارلمان مترصدا فرصة كهذه حتى ينقض على إسبانية ويملك ولو جانبا منها، فأمر ~~بالنفير العام وتوافت إليه المقاتلة من ألمانية وفرنسة ولمبارديه، وزحف بهم قاصدا ~~البيرانه، وكان ذلك سنة 778 ولم يكن يشك في كون الأهلين سيهرعون من كل ناحية إليه، يجتمعون ~~تحت لوائه، ولكن أخطأ حدسه هذا؛ لأن المسلمين عندما جاء بنفسه قاوموه بالسيف وظهر أنه لم ~~يكن مقصد بعض أمرائهم من خطبة وده إلا الاستعانة به على استقلالهم، وأما المسيحيون في ~~الجبال فقد آلوا هم أنفسهم أيضا أن لا يخضعوا لحكم الأجنبي أيا كان، فما وصل شارلمان إلى ~~البيرانه حتى وجد نفسه محاطا بالأعداء فضيق الحصار على بنبلونه # 16 # ولم يفتحها إلا بعد قتال شديد، وكذلك قاومته مدينة سرقسطة، ويقول المؤرخون ~~المسيحيون: إنه استولى عليها ذلك اليوم وأنه أخذ أميرها أسيرا وأرسله مكبلا إلى فرنسة، ~~وأما مؤرخو العرب فينكرون ذلك، ويقولون: إنه فشل في هجومه على سرقسطة فشلا تاما، ولكن ~~بعد ذلك جرى أن قتل أمير سرقسطة غيلة فالتجأ ابنه إلى فرنسة. # 17 # أما أمراء برشلونة وجيرونة ووشقة فقد أرسلوا رهائن من قبلهم إلى ~~شارلمان. # وبينما شارلمان يحارب في شمالي إسبانية إذ جاءه الصريخ بأن أمة الصكصون أبت بأن تترك ~~ديانتها الوثنية وبأنها زحفت للقتال، فاضطر شارلمان إلى مغادرة إسبانية عائدا إلى فرنسة، ~~وبينما هو في طريق رجوعه وعند وصوله إلى وادي «رونسفو # Roncevaux ~~» انقض عليه المسيحيون الجبليون، وساعدهم في ذلك المسلمون، فأوقعوا ~~بساقة جيشه واستأصلوها، وهلك ذلك اليوم كثير من أبطال الفرنسيس بينهم فيما يقال ~~«رولان # Roland ~~» الفارس الشهير. # وبالاختصار كانت الجهات الشمالية من إسبانية أشبه بالثغور لفرنسة كما كانت بلادا ثغرية ~~للعرب، وكان العرب يسمونها إفرنجة لكونها طالما ms085 ألحقت بمملكة أكيتانيا، وكان شارلمان قد جعل ~~أكيتانيا لابنه لويس الذي جعل كرسي ملكه طلوزة أو طولوز. # فبعد أن قفل شارلمان من إسبانية عادت فعصت عليه المدن التي كانت أطاعته قبلا، وحنق ~~المسلمون على المسيحيين وجعلوا ينتقمون منهم، بحجة أنهم كانوا السبب في مجيء الفرنسيس، فلجأ ~~عدد من المسيحيين إلى الجبال وكانوا يتحملون شظف العيش ويلبسون جلود السباع، ولا يبالون ~~بسكنى البراري، ولكن المترفين من المسيحيين الذين لم يكونوا يستطيعون السكنى في الأوعار، ~~التجأوا إلى شارلمان، ووزع هذا عليهم أراضي في بسائط أربونة، ولم يفرض عليهم من الضرائب ~~شيئا إلا الخدمة العسكرية، وقيل: إنه كان بين هؤلاء المهاجرين أناس مسلمون ارتدوا إلى ~~النصرانية كما يظهر من أسمائهم # 18 # وقد اشتهر أناس من هؤلاء المهاجرين ولا يزال من بقاياهم عائلات نبيلة ينتسبون ~~إليهم مثل عائلة فلنوف # Villeneuve ~~. # ثم إن عبد الرحمن الأول أمير قرطبة توفي سنة 788 وقد وصفه المؤرخون الفرنسيون بالقسوة، ~~وقالوا: إنه كان سفاكا للدماء جبارا عاتيا وأنه أوقع بكثير من رعيته العرب والبربر، وزعم ~~الدون بوكيه أن النصارى واليهود قاسوا العذاب ألوانا في أيامه، وأنهم اضطروا إلى بيع ~~أولادهم ليتمكنوا من المعيشة، وأما نحن فنعتقد أن هذا الأمير الذي فتح بلاده فتحا بقوة ~~ساعده وبمجرد حسن تدبيره، وكان في جدال وجلاد دائمين لأجل توطيد سلطانه، لم يكن ليستغنى ~~أحيانا عن الإتيان بمثلات من الشدة يرهب بها أعداءه، والحقيقة أنه كان في نفسه حليما ~~عاقلا محبا للعلوم والصنائع، وأنه هو أول مؤسس للمدنية العربية الزاهرة في الأندلس، ولا ~~يظهر أنه كانت له علاقات رأسا مع شارلمان، وإن كان المقري يذكر ذلك ويقول: إنه أراد أن ~~يخطب إحدى بناته # 19 # والأرجح أنه لم يكن عبد الرحمن الأول هو الذي دخل في علاقات كهذه مع قارله، بل ~~عبد الرحمن الثاني الذي كانت له علاقات مع شارل الأصلع، والذي كان عائشا في عصر لم تكن فيه ~~هذه المصاهرات وأمثالها مستنكرة. أ.ه. # وقبل إكمال حديث «رينو» عن عبد الرحمن الأول وعبد الرحمن الثاني ms086 رأينا مناسبا أن نذكر ~~خلاصة تاريخ عبد الرحمن الثاني نقلا عن نفح الطيب. # قال المقري: غزا عبد الرحمن بن الحكم لأول ولايته إلى جليقية وأبعد وأطال المغيب وأثخن في ~~أمم النصرانية هنالك، ورجع، وفي سنة 208 أغزى حاجبه عبد الكريم بن عبد الواحد إلى ألبة ~~والقلاع، فخرب كثيرا من البلاد وانتسفها، وفتح كثيرا من حصونهم وصالح بعضها على الجزية ~~وإطلاق أسرى المسلمين، وانصرف ظافرا، وفي سنة 24 بعث قريبه عبيد الله بن البلنسي في ~~العساكر، لغزو ألبة والقلاع، فسار ولقي العدو فهزمهم وأكثر القتل والسبي، ثم خرج لذريق ملك ~~الجلالقة وأغار على مدينة سالم بالثغر، فسار إليه فرتون بن موسى وقاتله فهزمه وأكثر القتل ~~والسبي في العدو، ثم سار إلى الحصن الذي بناه أهل ألبة بالثغر نكاية للمسلمين فافتتحه ~~وهدمه، ثم سار عبد الرحمن في الجيوش إلى بلاد جليقية فدوخها وافتتح عدة حصون منها وجال في ~~أرضهم ورجع بعد طول المقام بالسبي والغنائم، وفي سنة 26 بعث عبد الرحمن العساكر إلى أرض ~~الفرنجة وانتهوا إلى أرض برطانية # 20 # وكان على مقدمة المسلمين موسى بن موسى عامل طليطلة # 21 # ولقيهم العدو فصبر حتى هزم الله عدوه. وكان لموسى في هذه الغزوة مقام محمود، ~~وفي سنة 29 بعث ابنه محمدا بالعساكر، فتقدم إلى بنبلونة، فأوقع بالمشركين عندها وقتل غرسية ~~صاحبها وهو من أكبر ملوك النصارى. # إلى أن يقول: وفي سنة إحدى وثلاثين بعث العساكر إلى جليقية فدوخوها وحاصروا مدينة ~~ليون # 22 # ورموها بالمجانيق وهرب أهلها عنها وتركوها، فغنم المسلمون ما فيها وأحرقوها، ~~وأرادوا هدم سورها فلم يقدروا عليه؛ لأن عرضه كان سبعة عشر ذراعا، فثلموا فيه ثلمة ورجعوا، ~~ثم أغزى عبد الرحمن حاجبه عبد الكريم في العساكر إلى بلاد برشلونة فعاث في نواحيها وأجاز ~~الدروب التي تسمى «البرت» إلى بلاد الفرنجة، فدوخها قتلا وأسرا وسبيا، وحاصر مدينتها ~~العظمى «جيروندة» # 23 # وعاث في نواحيها وقفل، وقد كان ملك القسطنطينية من ورائهم «توفيلس» # 24 # بعث إلى الأمير عبد الرحمن سنة 25 بهدية يطلب مواصلته ms087 ويرغبه في ملك سلفه ~~بالمشرق من أجل ما ضيق به عليه المأمون والمعتصم، حتى أنه ذكرهما له في كتابه إليه، وعبر ~~عنهما بابني مراجل وماردة # 25 # فكافأه الأمير عبد الرحمن عن الهدية وبعث إليه يحيى الغزال من كبار أهل الدولة، ~~وكان مشهورا في الشعر والحكمة، فأحكم بينهما الوصلة وارتفع لعبد الرحمن ذكر عند مناغيه من ~~بني العباس، ويعرف الأمير عبد الرحمن بالأوسط؛ لأن الأول عبد الرحمن الداخل والثالث عبد ~~الرحمن الناصر، ثم توفي عبد الرحمن الأوسط سنة ثمان وثلاثين ومائتين بربيع الآخر لإحدى ~~وثلاثين سنة من إمارته، ومولده بطليطلة في شعبان سنة ست وسبعين ومائة. # وكان عالما بعلوم الشريعة والفلسفة وكانت أيامه أيام هدوء وسكون، وكثرت الأموال عنده، ~~واتخذ القصور والمتنزهات وجلب إليها المياه من الجبال، وجعل لفضلها مصنعا اتخذه الناس ~~شريعة وأقام الجسور، وبنيت في أيامه الجوامع بكور الأندلس، وزاد في جامع قرطبة رواقين، ~~ومات قبل أن يستتمه، فأتمه ابنه محمد بعده، وبنى بالأندلس جوامع كثيرة، ورتب رسوم المملكة ~~واحتجب عن العامة. قال: وكان كثير الميل للنساء، وولع بجاريته «طروب» وكلف بها كلفا شديدا ~~وهي التي بنى عليها الباب ببدر المال حين تجنت عليه وأعطاها حليا قيمته مائة ألف دينار. ~~أ.ه. # وجاء في النفح كلام طويل عن محبة هذا الأمير لطروب ولغيرها من الجواري، ولم يقل: إنه خطب ~~ابنة شارل الأصلع ملك فرنسة، ولم أذكر أن «دوزي» الذي استقصى في الكلام عن عبد الرحمن ~~الثاني وسيرته الشخصية ذكر شيئا من هذا. # ونعود إلى سياق حديث «رينو» عن أمراء بني أمية ومغازيهم في إفرنجة، فهو يقول: إن عبد ~~الرحمن الداخل كان استخلف ابنه هشاما من بعده، وأن هشاما لأول حكمه وجد الفتن مشتعلة في ~~أكثر البلاد، فأراد أن يشغل الأمة عن الفتن الداخلية بجهاد العدو الخارجي؛ لأنه أجمع شيء ~~للكلمة، وكان يريد أن يتلافى ما نقص من المملكة بغارات ببين وشارلمان الأخيرة ويخضد شوكة ~~مسيحيي بلاد استوريش وشمالي الأندلس فأجمع على قتال المسيحيين في كل مكان، وفي أيامه كثرت ~~القالة ms088 بأن المسلمين لا يقدرون إلا على قتال بعضهم بعضا، وأفتى بعض الفقهاء بأنه لا يجب ~~دفع الخراج لأمراء لا يعرفون أن يقاتلوا إلا أمة محمد وحدها، وكانوا يضربون الأمثال في خدمة ~~الإسلام بخلفاء بغداد الذين كانوا يواصلون غزو مملكة القسطنطينية. # فبناء على هذا كله تحمس هشام وأعلن الجهاد، وأمر الناس كافة بأن ينفروا قاصدين جبال ~~البيرانه، فمن لم يقدر على الجهاد بنفسه وجب أن يجاهد بماله، وقرئ منشور الأمير في ~~الجوامع، وفيه الآي القرآنية التي تحض على الجهاد # 26 # فلما تلى هذا المنشور نفر الناس للجهاد من كل فج، وانثالوا على الأمير من كل ~~حدب، ولكن برغم هذا كله لم يكن المجاهدون بالأعداد التي كانت تجتمع في الغزوات الأولى لأول ~~الفتح عندما كان المجاهدون كحصي الدهناء، ينفرون للجهاد في سبيل الله من إفريقية والشام ~~وجزيرة العرب وغيرها، فإن هذه البلدان كلها كانت في أيام هشام موصدة الأبواب على من أراد ~~الجهاد في الأندلس، فأصبح الغزو في الأندلس منحصرا في أهلها، ولذلك لم يجتمع في هذا النفير ~~سنة 792 غير مائة ألف مقاتل، انقسمت إلى شطرين: زحف منها شطر إلى قتال مسيحيي أشتوريش، فلم ~~يظفروا بطائل يذكر، وزحف الشطر الآخر تحت قيادة الوزير عبد الملك # 27 # إلى كتالونيا، ومنها تأهب لاجتياح فرنسة. # وكان دخولهم إلى فرنسة سنة 793 وشارلمان يومئذ مشغول على ضفاف الدانوب بحرب الآفاريين، ~~ونخبة جنود مملكة أكيتانيا غائبة في إيطالية بصحبة لويس بن شارلمان، فنهد المسلمون من فورهم ~~إلى أربونة، ولما وجدوها محصنة بادروا بإحراق أرباضها، وزحفوا إلى قرقشونة # 28 # وكان لويس ملك أكيتانيا قد عهد بالوكالة في غيابه إلى غليوم كونت طلوزة، ~~فاستنفر غليوم أمراء المملكة ورجالاتها، وأقبل المسيحيون تحت السلاح من كل جانب، وتلاقوا مع ~~المسلمين على ضفاف نهر «أوربيو» # 29 # في المكان المسمى «فيلدانيا» # 30 # بين قرقشونة وأربونة، وكانت المعركة من أحمى المعارك وطيسا، وقاتل الكونت ~~غليوم قتال الضواري، ولكن المسلمين ثبتوا كالأوتاد والفرنسيس انهزموا ذلك النهار وولوا ~~الأكتاد وأصيبوا بخسائر فادحة، وغنم المسلمون غنائم ms089 فوق الإحصاء، غير أنه لم يكمل سرورهم ~~وقتل أحد كبار قوادهم، فلم يتعقبوا المسيحيين في هزيمتهم، واكتفوا بما أصابوه من السبي ~~والمغنم، وقفلوا إلى الأندلس ظافرين، وكان لهذه الطائلة للمسلمين على المسيحيين، فرح عظيم ~~عند المسلمين؛ لأنه كان قد طال عهدهم بالظفر # 31 # وأصاب الأمير خمس الغنائم فبلغ خمسة وأربعين ألف مثقال من الذهب، فإذا حسبنا ~~قيمة الذهب يومئذ بالنسبة إلى قيمته الحاضرة وجب أن نضرب هذا العدد بتسعة فيجتمع لنا ~~سبعمائة ألف فرنك من معاملتنا الحاضرة # 32 # فبنى هشام بهذا المال في جامع قرطبة الذي كان أبوه لم يتمه # 33 # وكان عبد الرحمن الأول بدأ جامع قرطبة من غنائم الحرب، فزاد ذلك في حرمة الجامع ~~في نظر المسلمين، فلما باشر ابنه هشام بناء القسم الجديد من الجامع وجد المسلمين ملتزمين ~~الصلاة في القسم القديم، فسأل عن سبب ذلك، فقيل له: إن هذا من أجل كون هذا القسم بني من ~~غنائم الجهاد، فأجابهم هشام بأن القسم الجديد أيضا بني من غنائم الجهاد، واستدعى القاضي ~~ونفرا من كبار القوم فأيدوا كلامه. # 34 # وقال بعضهم: إن أسس هذا الشطر الجديد من الجامع وضعت على تراب مجلوب من جليقية ~~ومن جنوبي فرنسة، أي من مسافة مائتي مرحلة، حمله أسرى المسيحيين على ظهورهم، وقد تقدم هذا ~~الخبر في الكلام على مدينة أربونة. # ولم يثبت أن المسلمين تمكنوا من أربونة في تلك الغزاة، ولو كانوا فتحوها لكان مؤرخو ~~المسيحيين أشاروا إلى ذلك الحادث، واشتهر في تلك الحرب غليوم كونت طلوزة، من أمراء البلاد ~~ومن أفرس فوارسها وأشدهم تحمسا بالدين المسيحي؛ لأنه بعد أن قضى حياته في الحروب، وكان من ~~جملة غزاة الفرنسيس الذين فتحوا برشلونة، أنهى حياته في دير جلون ~~(Gellone) # الذي بناه هو بنفسه في لوديف ~~(Lodéve) # ومات بذلك الدير منقطعا للعبادة، وصار معدودا في مصاف القديسين، ~~ترجمه أحد معاصريه فقال: إنهم في القرن العاشر كانوا في الكنائس يرتلون دائما الأناشيد ~~بذكر أعماله المجيدة ومواقفه في جهاد المسلمين، ولما أخذ شعراء الفرنسيس ينظمون القصائد ms090 على ~~شارلمان ومشاهير رجاله ويترنمون بذكر وقائع، فيها ما هو صحيح وفيها ما هو خيال، كانوا ~~يجعلون من ذلك قسطا كبيرا لغليوم ذي الأنف القصير، وكانوا يصورون مدينة نيم ومدينتي أورنج ~~وآرل كأنها قد وقعت في أيدي المسلمين ولم يتم استخلاصها إلا على يد ذلك البطل الذي لا يغالب ~~... وكذلك وجدت كتابة لاتينية بقيت محفوظة إلى زمان الثورة الفرنسوية في دير «مون ماجور» ~~“Mont-Major” # تفيد أن شارلمان جاء بنفسه إلى آرل لطرد ~~المسلمين منها. # ومن المعلوم أن الشعراء لم يكن همهم التدقيق في المسائل التاريخية إذا أرادوا التغني ~~بأحاديث أبطالهم وهاموا في أودية خيالهم، فأما الكتابة التي في دير «مون ماجور» فهي غير ~~صحيحة؛ لأنها تتضمن أن شارلمان بنى ذلك الدير تمجيدا لواقعة طرد المسلمين من آرل، والحال ~~أن الدير قد بني بعد ذلك بمئة وخمسين سنة. # وكان هشام ملك قرطبة قد توفي سنة 796 وخلفه ابنه الحكم، فثار بعد عماه # 35 # فاضطر أن يقضي أوائل أيامه في قمع الثورة، وفي السنة التالية بينما كان شارلمان ~~في مدينة أكسلاشابل # Aix-la-chapelle # جاء مستنجدا به أمير ~~برشلونة المسلم وعم الحكم أمير قرطبة. # 36 # وفي تلك السنة نفسها بينما كان لويس بن شارلمان ملك أكيتانيا عاقدا مجمعا في ~~طلوزة، جاءه رسول من الأذفونش ملك جليقية وأشتورية، يلتمس حشد جميع القوات المسيحية ~~وتجريدها لقتال العدو العام، ثم وفد أيضا على هذا المجمع رسول من قبل أمير مسلم في ناحية ~~وشقة ~~(Huesca) # يقال له: «باهالوك» يريد أن يسالم ~~المسيحيين. # 37 # فظهر أن الغرة كانت لائحة لأخذ الثأر من المسلمين وللدخول إلى إسبانية، وكان لويس ملك ~~أكيتانيا وأخوه شارل (أو كارل) قد شنا الغارات في أطراف المقاطعات التي تشرب من نهر إيرة، ~~ثم عاد لويس فأجاز البيرانه من جهة آراغون، وحاصر وشقة التي كان أميرها قد أرسل بمفاتيحها ~~إلى شارلمان، ولكن لما جاء الفرنسيس لتسلم بلدته امتنع عليهم ولبس لهم جلد النمر، وفي ذلك ~~الوقت كان عبد الله عم الحكم أمير قرطبة قد استولى على طليطلة، ms091 وعمه الآخر سليمان استقر في ~~بلنسية، فسرح جيشا لقتال عمه عبد الله في طليطلة، وسار هو بنفسه مع جيش من الفرسان قاصدا ~~البيرانه، فأدخل في الطاعة برشلونة وغيرها من المدن التي كانت أشرطت نفسها للعصيان، ومن ~~هناك قصد الجبال وأوقع بالمسيحيين وسبى منهم كثيرا نساء ورجالا، واتخذ الحكم من أسراه ~~حرسا خاصا وهو أول أمراء قرطبة الذين اتخذوا حرسا خاصا من الأسرى والأجانب، وقد رجع ~~الحكم من تلك الغزاة مظفرا منصورا، # 38 # كما أن عمه سليمان قتل في إحدى المعارك التي دارت بينهما، وعمه عبد الله فر ~~إلى إفريقية وعادت طليطلة إلى الطاعة، ثم إن الأذفونش صاحب جليقية أغار في تلك الأيام على ~~المسلمين في إشبونة، ووقع في يديه بعض أسرى منهم، فأرسلهم راكبين على البغال إلى شارلمان ~~اعتزازا بالنصر، ثم إن لويس ملك أكيتانيا الذي هو ابن شارلمان اكتسح نواحي وشقة # 39 # ولم يكن شيء من هذه الغارات، سواء من هذه الجهة أو من تلك الجهة، ليؤدي إلى ~~نتيجة حاسمة يستفص منها أحد الفريقين ملكا، بل كانت النتيجة الوحيدة هي خراب تلك النواحي، ~~وكان أهم ما لقيه الفرنسيس في هذه الحرب هو أن أمراء المسلمين الذين كانوا أظهروا الطاعة ~~لشارلمان، عندما جاءت جيوشه إلى بلادهم، أبوا أن يقبلوها وأصلوها نارا حامية، وكان ~~المسلمون لا يزالون أصحاب المدن الكبرى والمعاقل المنيعة مثل برشلونة وطرطوشة وسرقسطة، ~~وكانت برشلونة بنوع خاص بحصانة موقعها وبقربها من فرنسة ووجودها على سيف البحر، من أشد ~~البلاد نكاية بالفرنسيس، وكان الأمير الذي فيها والذي يسميه مؤرخونا «زاتون» # 40 # قد أوهم شارلمان أنه يريد الدخول في طاعته، ولكن عندما حضر الفرنسيس أمام بلدته ~~امتنع من قبولهم وقلب ظهر المجن فأجمع لويس ملك أكيتانيا بالاتفاق مع غليوم كونت طلوزة، ~~وبرأي مجمع مؤلف من أمراء تلك البلاد أن يستولى على برشلونة في أول فرصة، وكان شارلمان ~~يومئذ في رومة مشغولا بقضية تتويجه إمبراطورا على الغرب. # وكانت برشلونة كما قال الشاعر «أرلمولدوس نيجلوس»: قد أصبحت للمسلمين معقلا متينا، ~~وكانت تصدر ms092 عنها فرسان تلك الخيل المشهورة بخفة الحركات، فتبث الغارات في بلاد النصارى ~~وتعود أيديها ملأى بالغنائم، وكانت من المنعة بحيث إن الفرنسيس لبثوا سنتين يحصرونها ~~ويضيقون عليها، ويكتسحون نواحيها، ولكنهم لم يقدروا على دخولها، وقد قسم الفرنج جيشهم إلى ~~ثلاثة أقسام: قسم منهم كان يهاجم برشلونة، وقسم ثان يقوده غليوم كونت طلوزة كان يرابط في ~~الممر الذي تفيض منه جيوش المسلمين الآتية من قرطبة لنجدة برشلونة، وقسم ثالث كان يقوده ~~الملك لويس نفسه، وكان في أعالي جبال البيرانه، يحمل على المسلمين حيث وجد الفرصة ~~ملائمة. # وكان الإفرنج قد تقاسموا أعمال الحصار، فمنهم من كان مشغولا بوضع السلالم ومنهم من كان ~~يجلب الميرة والعدة، ومنهم من كان موكولا إليه الحفر والنقب، ومنهم من كان موكولا إليه ~~غير ذلك، فاشتد الحصار شدة غير معهودة، وجاءت جيوش المسلمين فلم تقدر على النفوذ إلى ~~برشلونة فتحولت إلى بلاد أشتورية، وهزمت أهلها، فبقي أمير برشلونة منفردا بقوته، وخرج في ~~إحدى المعارك لقتال الإفرنج المحاصرين، فأخذ أسيرا ثم حمل الإفرنج على البلدة الحملة ~~الأخيرة وفتحوها. # 41 # وكان فتح الإفرنج لبرشلونة سنة 801 مسيحية بعد أن بقيت تسعين سنة في أيدي المسلمين، فلما ~~دخلوها حولوا جوامعها كنائس، وأرسل الملك لويس إلى أبيه شارلمان جانبا من الغنائم، فيها ~~دروع وخوذ، ومنها خيول مسرجة بأفخر السروج، وبعد ذلك أصبح لفرنسة منطقتان في شمالي إسبانية ~~إحداهما كتالونيا وقاعدتها برشلونة، والثانية غشقونية ومن جملتها ناباره وأراغون. # وفي تلك السنة جاء وفد من قبل هارون الرشيد إلى شارلمان، وكان شارلمان قبل ذلك قد أرسل ~~رسولا يهوديا اسمه إسحق مصحوبا باثنين من الفرنسيس لأجل السلام من قبله على الخليفة ~~العباسي، وقد أمر شارلمان هذا الوفد بأن يمر بالقدس قبل ذهابه إلى بغداد، وأن يتعهد أحوال ~~زوار المسيحيين لبيت المقدس، ويتوسط لدى الخليفة في تسهيل هذه الزيارة حتى يزداد عدد الزوار ~~والتجار القاصدين إلى البقاع المقدسة، وكان الفرنسيس من عهد أنيبال لم يروا في بلادهم ~~فيلا، فكان من جملة مهمة هذا الوفد أن يأتوا ms093 من الشرق بفيل يبتهج برؤيته أهل فرنسة، فلما ~~وصل الوفد إلى بغداد استقبلهم الخليفة برا وترحيبا ووعد بتسهيل زيارة المسيحيين لبيت ~~المقدس وترفيه مقامهم عندما يردون إليه، ولم يكن في دار الوحوش التي عند الخليفة عندئذ سوى ~~فيل واحد فبعث به هارون الرشيد إلى شارلمان ومعه هدايا أخر من منسوجات حريرية وقطنية لم ~~يكن يوجد منها في فرنسة، ومن طيوب ومعطرات وأشياء أخر، وكان من جملة الهدية شمعدان من نحاس ~~أصفر، عظيم الحجم، وساعة من نحاس أصفر أيضا تتحرك بالماء وتدق اثنتي عشرة مرة بعدد ساعات ~~النهار. # ونزل الوفد في قدمته من الشرق، في مدينة بيزة، وحملت الهدايا بابتهاج عظيم إلى «أكس ~~لاشابل» مركز الإمبراطور شارلمان، ولما وصل الوفد قدموا للإمبراطور تحايا الخليفة، ~~وأبلغوه ما قاله لهم من أنه يضع مودته فوق مودة جميع الملوك # 42 # وكان هذا الوفد قد صدر له الأمر من شارلمان بأن يتوجه إلى قرطجنة، في إفريقية، ~~ويلتمس من إبراهيم الأغلبي (عامل الخليفة) الإذن بنقل رفات القديس فبريانس المدفون في ~~قرطجنة وغيره من القديسين المدفونين هناك، فأذن لهم إبراهيم فيما طلبوه وبعث أيضا رسولا ~~وراءهم إلى الإمبراطور يتودد إليه، وقد كان لذلك في هاتيك الأيام وقع عظيم، نظرا لانقطاع ~~العلاقات تقريبا بين الأقطار المتباعدة، وكانت الناس تستدل به على عظمة شارلمان # 43 # وأن الله أعطاه في ذلك العصر صورة ترى كل ملك دونها يتذبذب، وفي تلك الأيام لم ~~تكن الحرب تسكن بين المسلمين والإفرنج في بلاد أراغون وكتلونية وناباره، وكانت سجالا بين ~~الفريقين. # ولم يكن شارلمان ليقدر على النظر في جميع شؤون مملكته الواسعة، ففي سنة 809 مسيحية مات ~~الكنت أوريول ~~“Aureole” # قائد الجيوش الإفرنسية في أراغون، ~~فجاء أمير سرقسطة المسلم، وكان يقال له: عمروس، واستولى على الأماكن التي كانت في حوزة ~~الكنت زاعما أنه عندما يأتي شارلمان بنفسه يسلمها إليه، ولكن لما جاءت العساكر الفرنسية ~~أبى إنزالهم فيها، فبقيت في يد المسلمين. هكذا روى مؤرخو الفرنسيس. وقد روى بعض مؤرخي ~~العرب أن عمروس هذا كان ms094 أميرا في وشقة، وكان أبوه مسلما وأمه مسيحية، وكان مثل هذا الزواج ~~كثير الوقوع في إسبانية لذلك العهد، لا سيما في الأصقاع الشمالية، وكان يقال لهؤلاء الذين ~~هم من أب مسلم وأم مسيحية المولدون، وكان هذا الصنف من الناس لا يرجعون إلى مبدأ، ولا ~~يتقيدون بذمام، وإنما يتبعون مصالحهم الخاصة، وكانوا كثيرين في مدينة طليطلة فثاروا على ~~أمير قرطبة فرماهم برجل يقال له: عمروس، وكان داهية من الدواهي، فجاءهم عمروس وتظاهر لهم ~~بالإخلاص لقضيتهم، وأوهمهم أنه في نفسه ممالئ لهم ينتظر أول فرصة للانتقاض معهم على ~~السلطان، وأقنعهم بذلك بمكره وحيلته وصدقوا كلامه، واتفق معهم على بناء قلعة في أعلى البلدة ~~تكون المعقل الأمين بزعمه لهم ، بحيث لا تنالهم جيوش السلطان بسوء، فلما أكمل بناء هذه ~~القلعة دعاهم فيها إلى وليمة، فكان كلما دخل منهم واحد قطع الجند رأسه، فقيل: إنه قطع رؤوس ~~أربعمائة من أعيانهم، وقيل: إنه بلغ عدد القتلى خمسة آلاف، وهكذا تمكن عمروس من إدخال ~~طليطلة في الطاعة. انتهى. # وقد ذكر دوزي الهولندي في «تاريخ الإسلام في إسبانية»: إن عمروس هذا كان من الإسبانيول ~~الذين اتخذوا الإسلام دينا، والحقيقة أنه لم يكن يهمه لا مذهب ولا مشرب، وإنما كانت تهمه ~~مطامعه الدنيوية، فكاشفه الأمير الحكم بما في نفسه من أمر طليطلة التي كانت لا تنتهي من ~~ثورة إلا إلى ثورة، وكانت تأبى الخضوع لوال عربي، وقد أعيى الحكم أمرها، فدبر عمروس هذه ~~المكيدة على أهالي طليطلة بالاتفاق مع الحكم، وكتب الحكم قبل ذلك إليهم قائلا لهم: إن أعظم ~~دليل على اعتنائنا بشأنكم أننا مرسلون إليكم الآن واليا من أبناء جنسكم، وقد كان هذا القول ~~صحيحا لأن عمروس كان إسبانيوليا، مهتديا للإسلام، وذهب عمروس فخدع أهالي طليطلة وتودد ~~إليهم وزعم أنه كاشفهم سرا بما في نفسه من الحمية على جنسه، والاستعداد لخلع طاعة السلطان ~~عندما تلوح أول بارقة أمل، وقال لهم: إن أكثر أسباب النزاع بينكم وبين السلطان كانت من قبل ~~الولاة الذين كانوا يتولون طليطلة، فكانوا يضعون ms095 الجند في بيوتكم فيسلبون راحتكم، فلو بنينا ~~في طرف من المدينة حصنا تتخذه ثكنة للعساكر لانحسمت أسباب النزاع بينكم وبين السلطان، فوثق ~~الأهالي بكلام عمروس، وبنوا الحصن واستقر به عمروس. وبعد ذلك أكمل عمروس المكيدة بأنه تواطأ ~~مع السلطان على أن يرسل جيشا إلى طليطلة بحجة أن العدو تحرك في الثغر فأرسل الحكم جيشا ~~تحت قيادة ولده عبد الرحمن - وكان في الرابعة عشرة من عمره - فلما وصل الجيش إلى طليطلة ~~أشاعوا أن العدو انقبض إلى بلاده، وأن الجيش سيعود أدراجه إلى قرطبة، ولكن عمروس أشار على ~~أعيان طليطلة بأن يأتوا للسلام على الأمير عبد الرحمن، قياما بواجب الحرمة للسلطان، فجاء ~~منهم جمهور وسلموا عليه، واستقبلهم الأمير بالحفاوة والإكرام، وهم دعوه أن يطيل الإقامة ~~عندهم، وتظاهر الأمير بادئ ذي بدء بأنه مضطر لسرعة الأوبة، ولكن أعيان البلدة ألحوا عليه ~~بالتريث عندهم، وأملوا فيه خيرا كثيرا، وكانوا مسرورين بكون واليهم الجديد إسبانيوليا ~~من جنسهم، وبعد ذلك تقرر إعداد وليمة لأعيان طليطلة وجوارها ولكنها لم تكن مريئة المأكلة، ~~وفي اليوم التالي جاء المدعوون أفواجا أفواجا ونزلوا عن ركائبهم وربطوها خارج الحصن، ~~وصاروا يدخلون زرافات، وكان في ساحة الحصن خندق وقف بجانبه جماعة من الجلادين، فكانوا كلما ~~أقبل جماعة يقطعون رؤوسهم ويرمون بها في الخندق، وتم كل هذا وأهل البلدة لا يعلمون بشيء مما ~~جرى داخل الحصن. # وكان هناك طبيب من أهل طليطلة، عظيم الفراسة، لحظ عدم خروج أحد من المدعوين، فسأل ~~الأهالي: هل رأيتم أحدا من المدعوين إلى الحصن خرج منه؟ فأجابوه: يجوز أن يكونوا دخلوا من ~~هذا الباب وخرجوا من الباب الآخر. فقال لهم الطبيب: بل أظن أنهم لن يخرجوا أبدا وأنه أتى ~~عليهم القتل. وقال ابن عذارى: إن عدد القتلى يوم الخندق هذا بلغ سبعمائة. وقال النويري وابن ~~القوطية: إنهم أكثر من خمسة آلاف، ولكن من بعد هذه الواقعة سكنت الثورة في طليطلة مدة ~~طويلة. انتهى كلام دوزي. # فهذه كانت عقبى غرام أهل طليطلة بالانتقاض، وعمروس الإسبانيولي هذا الذي دبر هذه ms096 المكايد ~~هو الذي خدع أيضا قواد الفرنسيس وتسلم منهم المواقع التي كانوا فيها، ولا يبعد على رجل ~~كهذا، غدر ذلك الغدر بأهل وطنه، أن يغدر بالفرنسيس. # ولننظر الآن إلى رواية المؤرخ كوندى الإسبانيولي، قال: إن الحكم لم يتمتع طويلا بالراحة ~~التي كان وطد أطنابها بتعبه وجهاده، ففي سنة 801 مسيحية وفق 185 هجرية تحرك ملك أشتورية ~~وأراد التجاوز على المسلمين، ولما كان يعلم نفسه أضعف من أن يقدر عليهم استنجد بشارلمان، ~~وهذا أسرع لنجدته مؤملا بذلك الاستيلاء على ولايات إسبانية الشمالية وضمها إلى مملكته، ~~فجعلت أمداد شارلمان تثوب إلى الإسبانيول تحت قيادة ولده لويس ملك أكيتانية، فزحف لويس ~~واستولى على مدينة جيرونة، وجاء فحاصر برشلونة، وانضم إليه بهلول بن مخلوق من عمال أمير ~~قرطبة، وسار بالفرنسيس إلى طرطوشة، فزحف الحكم بنفسه ومعه عمروس ومحمد بن مفرج قائد الخيالة ~~الذي كان عظيم الاعتماد عليه نظرا لدهائه وإقدامه. # ولما وصل إلى سرقسطة ثارت الثورة في طليطلة بما أحرج الأهالي من عسف يوسف بن عمروس الذي ~~كان قبض عليه الأهالي لسوء ملكته فيهم، فاستدعى السلطان والده عمروس، وعهد إليه نظرا ~~لدربته ودهائه بولاية طليطلة، وأرسل ولده يوسف قائدا على تطيلة. # ثم أغار الحاكم على نابارة وبنبلونة ودخل وشقة، فخشي الأذفونش على بلاده وحشد عساكره، ~~وزحف إليه يوسف بن عمروس فأوقعه الأذفونش في كمين وأخذه أسيرا، فدفع عليه أبوه فدية جسيمة ~~حتى أنقذه، وأما الحكم فكان يتوقد صدره إحنة على بهلول عامله الذي انحاز إلى الفرنسيس ومشى ~~بين يديهم، ولما عرف أنه في جوار طركونة عمد إليه من فوره، ولم يزل في أثره حتى ثقفه في ~~طرطوشة بعد أن هزمه، واحتز رأسه، ورجع الحكم إلى قرطبة بدون أن يتعرض لبرشلونة، وذلك ~~خوفا من الفشل في حصارها. # أما حصار الإفرنج برشلونة فقد أجمع المؤرخون أنه كان من أندر ما عرف التاريخ شدة وصبرا، ~~وأن مسلمي برشلونة صبروا في هذا الحصار إلى الحد الذي تتحير فيه العقول، ولكن الخلاف وقع ~~بين المؤرخين في الأطوار التي دخلت ms097 فيها تلك الحرب، فبعضهم قالوا، كما في تاريخ متس وتاريخ ~~ريجينون وغيرهما: إنه في سنة 797 قدم أمير برشلونة العربي على شارلمان، وبعد ذلك في سنة 801 ~~أراد خلع طاعته، فأخذ أسيرا ونفي. وهؤلاء المؤرخون يسمونه تارة «زاتون» # Zaton # وطورا «زادو» # Zaddo # وأحيانا ~~«زاد» # Zaad ~~، ولعل اسمه سعدون أو سعد، ~~وفي تاريخ الملك لويس الحليم ورد أن سعدون هذا وقع أسيرا في سربونة، وأنه بعد أسره تولى ~~إمارة برشلونة ابن عم له، اسمه عامر، فدافع عن البلدة دفاعا يتقاصر عنه كل وصف مدة سنتين، ~~تحمل في أثنائها مسلمو برشلونة من ضيق الحصار ما يعجز أي قبيل عن تحمله. # وذهب مؤرخون منهم مارمول # Marmol # إلى أن الرواية الصحيحة ~~هي أن سعدون أو سعدا كان تابعا لملك قرطبة فانتقض على سلطانه فأرسل إلى شارلمان يعده ~~بالدخول في طاعته، وفي سنة 797 و798 دخل فعلا في طاعة شارلمان، ولكن شارلمان بعد سنتين من ~~هذا العهد شعر بأن أمير برشلونة نقض طاعته، فسرح إليه جيشا تحت قيادة ولده لويس فحاصر ~~برشلونة واستفتحها ثم انصرف عنها، فجاء أمير سرقسطة واستردها، ولكن لويس عاد ثانية سنة 806 ~~فاستولى عليها وعلى أعمالها، فالروايات تختلف في كيفية استيلاء الفرنسيس على برشلونة، ولكن ~~خلاصتها واحدة وهي أن العرب خسروا بلاد كتلونية مذ ذلك الوقت، وأنه تولى عليها في البداية ~~أمراء تابعون لفرنسة ثم لم يبرحوا حتى استقلوا عنها وعن العرب معا. # وقد ذكر كوندي الإسبانيولي واقعة عمروس في طليطلة، وكيف غدر بأعيان تلك البلدة وكيف دعاهم ~~إلى وليمة في القصر وقطع رؤوسهم غدرا، ولكن رواية كوندي تختلف عن رواية دوزي بكون دوزي ~~يوهم أن تلك المكيدة وقعت بتواطؤ عمروس مع سيده الحكم ومع ابنه الأمير عبد الرحمن الذي كان ~~في الخامسة عشرة من عمره، وبأن كوندي يقول: إن صاحب ذلك الرأي إنما كان عمروس، وأن الأمير ~~عبد الرحمن مع صغر سنه أوضح له فظاعة ذلك العمل وما يبقى بعده على الأعقاب من قبيح الذكر ~~ولكنه تغلب عليه لحداثة سنه، ms098 وراجعه الأمير كثيرا وأبدى وأعاد فلم يقنع عمروس إلا بتنفيذ ~~ما بيته لأهل طليطلة، قائلا للأمير: إن طليطلة قد ألفت العصيان من زمن طويل حتى صار لها ~~خلقا ملازما وأنه لا بد لسكونها من قطف عدة مئات من رؤوس أعيانها، ثم ذكر كوندي زحف ملك ~~أكيتانية وحصاره لطرطوشة سنة 807 وأن الأمير عبد الرحمن كان في سرقسطة فزحف لإنجاد طرطوشة ~~ووافاه إليها وإلى بلنسية فطردوا الفرنسيس عنها، ثم يقول: إن عبد الرحمن عاد فاستولى سنة ~~812 على جيرونية من كتلونية، وأنه وصل بجيشه إلى أربونة وعاد بغنائم وافرة، ثم إن الفرنسيس ~~استولوا على طرطوشة بعد حصار شديد وسار ملكهم لويس منها قاصدا أخذ وشقة # 44 # فما كاد ينصرف عن طرطوشة حتى رجعت هذه البلدة إلى حكم العرب. # وقد علق «دومارليس » على روايات كوندي عن هذه الحرب حاشية معناها: أن مؤرخي الفرنسيس ~~يزعمون أن ملك قرطبة بعث إلى شارلمان وفدا بطلب الصلح، وأنهم وصلوا إلى «أكسلاشابل» وتقرر ~~الصلح على أن ينزل العرب لشارلمان عن جميع البلاد الواقعة بين نهر إيرة والبيرانه، وإن هذه ~~المعاهدة انعقدت سنة 810. # فدومارليس يستبعد وقوع هذه المعاهدة بكون العرب لم يذكروا عنها شيئا في تواريخهم ثم بكون ~~لويس بن شارلمان زحف إلى كتلونية عدة مرات من بعد هذا التاريخ، فيرى دومارليس أنه يجوز أن ~~تكون حصلت مهادنة بين الفريقين إلى حد سنة820 أو إلى ما بعد ذلك، وأما العرب الذين شوهدوا ~~في أكسلاشابل فربما كانوا من بعض أولئك الولاة المسلمين الذين كانوا ينقضون على ملك قرطبة ~~ويستعينون عليه بالأجانب من قبيل بهلول بن مخلوق الذي تلقى جزاء خيانته من يد الحكم ~~نفسه. # أساطيل الإسلام في الأندلس وإفريقية # قال رينو: وفي تلك الأيام أخذت قوة الإسلام البحرية تزداد وتنبسط في البحر المتوسط ~~بسبب رغبة المسلمين بإنشاء الأساطيل في مرافئ الأندلس وإفريقية، وقد كان لذلك تأثير ~~عظيم في اجتياح المسلمين لجنوبي فرنسة، ولما اقتطع عبد الرحمن الداخل بلاد الأندلس عن ~~خلافة بني العباس وأرسل هؤلاء جيشا في البحر، أجاز ms099 إلى الأندلس لمطاردته، علم عبد ~~الرحمن بأنه لا بد له من قوة بحرية في وجه قوتهم البحرية. # ففي سنة 793 اتخذ عبد الرحمن الأول دور الصناعة # 45 # في مراسي طركونة وطرطوشة وقرطجنة وأشبيلية والمرية وغيرها، وقبل ذلك كانت ~~جزر الباليار - أي: ميورقة ومينورقة ويابسة وجزيرتا سردانية وكورسيكة - عرضة لغزوات ~~المسلمين، بحيث إن أهالي هذه الجزائر وضعوا أنفسهم تحت حماية شارلمان، وورد في مجموعة ~~الدون بوكيه أن هؤلاء كانوا تغلبوا على المسلمين في بعض الوقائع وأخذوا منهم بضع رايات، ~~فأرسلوا بها إليه، وعلى أثر ذلك ازداد غزو المسلمين لهذه الجزائر، فكانوا يغادونها ~~القتال ويراوحونها، ويسبون من أهلها النساء والأطفال ويقتلون المقاتلين ولم يكونوا ~~يعفون إلا عن الشيوخ العاجزين والمرضى والمقعدين. # وسنة 806 اكتسح المسلمون جزيرة كورسيكة # 46 # وكان ببين بن شارلمان ملكا على إيطالية، فأرسل أسطولا لمطاردتهم، فلما ~~شعر المسلمون بدنو أسطول النصارى انسحبوا إلى الوراء، فطمع فيهم آدمر # Admer # كونت جنوة وتعقبهم بأسطول فرجعوا إليه وقتلوه ~~وهزموا أسطوله وأسروا ستين راهبا وباعوهم في الأندلس، وبلغ ذلك شارلمان ففكهم من الأسر ~~بفدية أداها عنهم. # 47 # وسنة 808 جاء قرصان من الأندلس، فنزلوا بسردانية فاجتمع أهلها ودحروهم فنزلوا ~~بكورسيكة (أو قرسقة) فصادمهم القائد بورشارد # Burchard # فخسروا ثلاثة عشر مركبا وانهزموا، ولكن المسلمين في السنة التالية جاءوا من إفريقية ~~ونزلوا في سردانية، كما أن غزاة مسلمين آخرين جاءوا يوم عيد الفصح ونزلوا في كورسيكة ~~وعاثوا فيها. وجاء في تاريخ كورسيكة لجاكوبي أن المسلمين خيموا في الجهة الشرقية من ~~الجزيرة بين أطلال مدينة «آليرية # Aleria ~~» ولم يتمكن ~~الفرنسيس من طردهم إلا بشق الأنفس، ثم في سنة 813 رجعوا إلى كورسيكة وأسروا وغنموا، ~~وبينما هم راجعون أكمن لهم كونت أمبورياس # Amporias # بقرب مدينة برينيان قوة بحرية غنمت منهم ثمانية مراكب كان فيها أكثر من خمسمائة أسير، ~~فانتقم المسلمون عن ذلك باجتياح سواحل نيقه # Nice # وبروفنس وسيفيتة فكشيا # Civita-Vecchia # بقرب ~~رومة. # 48 # ورأى الإمبراطور شارلمان أن الخطر قد ازداد على بلاده، وأن لا بد له من ms100 تدابير بالغة ~~في الشدة لرد غارات المسلمين البحرية، وقد كانت إمارة الأغالبة في إفريقية تابعة ~~للخلافة العباسية في بغداد، فكان أمير القيروان مدة خلافة هارون الرشيد يتحامى سواحل ~~مملكة شارلمان حرمة للعهد الذي كان بين هارون والإمبراطور، ولكن عندما مات الرشيد سنة ~~809 ووقعت الحرب بين ولديه الأمين والمأمون تفصى الأمير الأغلبي من ذلك العهد، وصارت ~~مراسي تونس وسوسة بؤرة قرصان تنبث منها الغارات البحرية. وقيل: إن أمير صقلية كان يشكو ~~إلى رسول قادم من عند الأغالبة عيث القرصان في سواحله، فأجابه الرسول: نعم منذ مات أمير ~~المؤمنين صار الذين كانوا عبيدا يريدون أن يكونوا أحرارا، والذين كانوا أحرارا ~~ولكنهم فقراء يريدون أن يكونوا أحرارا أغنياء. # وكان القرصان أكثر ما يتعرضون للسفن التي تتردد بالبضائع بين فرنسة وإيطالية من جهة، ~~ومصر والشام وآسيا الصغرى من أخرى، وكان قد انضم إلى قرصان المسلمين قرصان النورمانديين ~~وأخذوا جميعا يعيثون في السواحل الجنوبية، فأمر شارلمان ببناء الأبراج والحصون في ~~السواحل وعند مصاب الأنهار، وأنشأ الأساطيل لدفع عوادي القرصان، وجميع هذه الروايات ~~جاءت في مجموعة الدون بوكيه. # ولما طالت هذه المساجلات البحرية وتعب منها الفريقان داخل بعضهم بعضا في عقد معاهدة ~~سلم تأمن بها السفن البحرية غوائل متلصصة البحر، ففي سنة 810 انعقدت أول متاركة، ثم ~~تجددت بعد سنتين، وجاء رسول من الأندلس يرجح أنه يحيى بن حكم أمير الماء # 49 # في الأندلس قاصدا أكسلاشابل وعقد مهادنة مع شارلمان لثلاث سنوات، ولكن ~~المسلمين نقضوها هذه المرة؛ لأنهم سنة 813 نزلوا في جزيرة كورسيكة وتقدم عبد الرحمن ابن ~~أمير قرطبة إلى حدود فرنسة بجيشه، وفي تلك الواقعة قتل القديس آفانتين ~~“Saint Aventin” # من أهالي بانيبر دولوشون # Bagneres-De-Luchon # في مقاطعة غارون ~~العليا. # ومات شارلمان سنة 814 وخلفه ابنه لويس الحليم، وسار على أثره في السياسة، ولكن في ~~أيامه استفحلت غزوات المسلمين البحرية، وجرت لذلك العهد حادثة في قرطبة تفاقم بسببها ~~هذا الأمر، وذلك أن أهالي ربض قرطبة ثاروا على الحكم أميرهم فسار إليهم الحكم برجاله ~~وحرسه ms101 وأوقع بهم وقتل منهم مقتلة عظيمة ونفى بقية السيف، وكانوا زهاء خمسة عشر ألفا ~~فأركبهم طبقا عن طبق وأجازهم البحر إلى إسكندرية، وهناك خاف عاديتهم والي الإسكندرية ~~فأدى إليهم مبلغا من المال وأركبهم إلى جزيرة أقريطش التي يقال لها اليوم: ~~كريت. # 50 # وفي سنة 816 توجه رسل من قبل الأمير عبد الرحمن بن الحكم الذي كان بدأ يباشر الأشغال ~~في حياة أبيه، وذلك إلى مدينة كومبيان # Compiegne # حيث ~~كان يقيم الإمبراطور، ثم ذهبوا إلى أكسلا شابل حيث كان سينعقد مجلس شورى، وكان مراد رسل ~~أمير الأندلس عقد متاركة، وانعقدت إلا أنها لم تطل، وفي سنة 820 سار أسطول إسلامي من ~~تركونة وغزا جزيرة سردانية فجاء أسطول مسيحي لأجل الدفاع عنها، فتغلب الأسطول الإسلامي ~~وأغرق المسلمون ثمانية مراكب للمسيحيين وأحرقوا أيضا مراكب كثيرة. # وفي تلك السنة مات الحكم، وتولى ابنه عبد الرحمن، وكان الحكم موصوفا بالقسوة جبارا ~~وكان يلقب بأبي العاصي ومن هنا لقبه الإفرنج بلفظة أبولاز # Abulaz # فلما مات الحكم جاء عمه عبد الله يطالب بالإمارة كعادته، وهو ~~الذي كان داخل شارلمان لأجل أن يساعده على ابن أخيه، فلما جاء هذه المرة وأهرج الأندلس ~~وأمرجها اهتبل الفرنسيس الغرة ليزحفوا مجددا إلى كتلونية وآرغون فعاثوا ودمروا ~~وأحرقوا. # وفي سنة 820 اتهم بيره # Bera # أمير برشلونة من قبل ~~فرنسة بممالأة المسلمين سرا، وكان الواشي به أحد القوط، وكان بيره نفسه قوطيا ~~أيضا، وكان من عادة القوط أنه إذا تخاصم اثنان ولم يقدر أحدهما أن يثبت دعواه بالبينة ~~تبارزا بالسلاح فالمغلوب منهما يعد مذنبا، وفي ذلك اليوم كان المغلوب «بيره» فتقرر ~~حينئذ أنه كان خائنا للفرنسيس، وفي ذلك الوقت ثار نصارى ناباراه على الفرنسيس من شدة ~~عسفهم وظلمهم، واتفقوا مع المسلمين، وسلموهم مدينة بنبلونة، فأرسل الإمبراطور الكنت ~~أزنار # Asnar # والكنت أبل # Eble # لأجل تسكين الثورة، فانقض عليهما نصارى الجبال وثقفوهما، فأما ~~أزنار فعفوا عنه لأنه كان من أصل غشقوني أي من أقارب الإسبانيول فأطت بهم رحم القرابة ~~نحوه، وأما الكنت إبل فلكونه إفرنسيا ms102 صريحا أرسلوه إلى الأمير في قرطبة، روى ذلك ~~الدون بوكيه. # وفي سنة 826 ثارت مدينة ماردة على عبد الرحمن، فكتب إليهم لويس بن شارلمان الكتاب ~~الآتي نصه: # باسم ربنا الإله وباسم مخلصنا يسوع المسيح، من لويس الإمبراطور السعيد ~~بالنعمة الإلهية إلى الأساقفة والشعب في ماردة، قد اتصل بنا ما تقاسونه من ~~العذاب من جهة الملك عبد الرحمن الذي لا يزال يرهقكم عسرا متبعا في ذلك طريقة ~~أبيه أبولاز الذي كان يبتزكم أموالكم والذي كان جعل أصدقاءه أعداء وجعل الطائع ~~عاصيا، فاليوم يريدون أن يحرموكم حريتكم وأن يثقلوا كواهلكم بالضرائب وأن ~~يمسوا كرامتكم ويهينوكم، وقد علمنا أنكم أبيتم تحمل الإهانة ودفعتم عنكم ظلم ~~ملوككم ووقفتم في وجه طمعهم وغدرهم، وقد جاءنا هذا الخبر من مصادر عدة، فرأينا ~~أن نكتب هذا الكتاب لتعزيتكم على ما أنتم فيه ولتحريضكم على الثبات في خطتكم ~~هذه، ولما كان هذا الملك البربري عدوا لنا، كما هو عدو لكم، فإننا حاضرون ~~للاشتراك معكم في قتاله. ومرادنا في هذا الصيف بعون الله تعالى أن نرسل جيشا ~~يجتاز البيرانه ويكون حاضرا للعمل بإشارتكم، فإن كان عبد الرحمن سيزحف إليكم ~~فيكون جيشنا بالمرصاد له، وترانا نعلمكم من الآن أنكم إن كنتم تخلعون طاعة عبد ~~الرحمن وتصيرون من رعايانا فنحن حاضرون أن نعيد إليكم حريتكم الأولى، بدون مساس ~~بها وبدون أن نطالبكم بأدنى مال تؤدونه لنا، وأنتم تختارون القانون الذي تريدون ~~أن تسيروا عليه، ونحن نعاملكم كأصدقاء يريدون أن يشتركوا في الدفاع عن سلطتنا ~~ونسأل الله أن يسبغ عليكم أثواب العافية. انتهى. # وفي ذلك الوقت عقد الإمبراطور لويس ندوة عامة في أكسلاشابل، حضرها ابنه ببين وسائر ~~أمراء البلاد المجاورة لإسبانية، وأعلن الإمبراطور عزمه على غزو الأندلس للأخذ بالثأر. ~~وكان في أكسلاشابل قائد قوطي اسمه عيسون # Aizon # التجأ ~~بزعمه إلى الإمبراطور، فما شعروا به إلا وقد انسل من هناك خفية، وجاء وأثار الأهالي ~~في كتلونية وآراغون، واستولى على مدينة أشونة # Assuna # واجتاح البلاد التي كانت تحت احتلال الفرنسيس، وأرسل يستنجد أمير قرطبة، ms103 ولما أبطأ عليه ~~الإمداد ذهب بنفسه إلى قرطبة لأجل الاستعجال في التعبئة والنجدة فسرح عبد الرحمن جيشا ~~بقيادة عبيد الله أحد أبناء عمه، وسار هذا الجيش ومعه عيسون، وأغذوا السير، بينما ~~الجيش الإفرنسي يسير بطيئا، فوصلوا إلى برشلونة وجيرونة واجتاحوهما، وتقدموا إلى ~~سردانة وملأوا البلاد عيثا وتدميرا كما جاء في مجموعة بوكيه، وكان أهالي ماردة قد ~~أعلنوا الحرب على عبد الرحمن، وانتظروا نجدة الفرنسيس لهم، ولكن عبد الرحمن ضيق عليهم ~~الحصار وجرعهم أمر كؤوسه ثلاث سنوات حتى دخلوا في طاعته صاغرين ورجعوا داخرين بعد ~~أن كانوا فاخرين، وفي تلك الأيام ازداد عيث قرصان النرمندانيين في سواحل فرنسة وألمانية ~~وإنكلترة وإسبانية، بينما قرصان إفريقية والأندلس تجعل في سواحل فرنسة وإيطالية غدوها ~~ورواحها، فعيل صبر بونيفاس أمير كورسيكة وأرسل مراكب إلى إفريقية فاجتاحت ساحل قرطجنة ~~للأخذ بالثأر. # وقد ذكروا أنه كان للمسلمين لذلك العهد بارجة متناهية في الكبر يظنها الرائي من بعيد ~~سورا عاليا سائرا في البحر غزت مرة جزيرة أوي # Oye # في بريطانية عند مصب نهر لوار ولكن لم نعلم من آثارها شيئا غير هذا. # ولا يخفى أن هذه الوقائع كانت تتراكم كلها في أيام الإمبراطور لويس الحليم الذي كان ~~هو بنفسه قائل الرأي ضعيف العزيمة سيئ الإدارة فاقد الإرادة، قسم مملكته بين أولاده ~~الثلاثة، وسلم إلى كل حصته، ثم بدا له أن يعيد القسمة وأن يجعل نصيبا لولده الرابع، ~~فثار أولاده عليه وقاتلوه وخلعوه، ورجع إلى العرش، ولكن لم ترجع مهابته وامتلأت أيامه ~~بالفتوق والآفات بحيث إنه أصدر سنة 828 منشورا يقول فيه: إن المجاعة والطاعون وسائر ~~أصناف الآفات السماوية انقضت على شعوب سلطنتنا مما يدل على غضب الله تعالى من أعمالنا ~~غير المستقيمة، ثم أمر الإمبراطور بصيام عام وباجتماع الأساقفة في أربع حواضر، منها ~~مدينة طلوزة، وذلك لأجل المذاكرة في التدابير اللازمة لمعالجة هذه الحال. # أما العلاقات التجارية، بين مملكة شرلمان وبين مصر والشام، فلم تنقطع في وقت من ~~الأوقات، وفي سنة 831 تجددت المواصلات بين الخلافة العباسية والسلطنة ms104 الغربية، وقد تقدم ~~وفد من قبل الخليفة المأمون إلى فرنسة مؤلف من ثلاثة، اثنان منهما مسلمان والثالث ~~مسيحي، وجاءوا إلى الإمبراطور بهدايا منها منسوجات فاخرة ومنها أفاويه عاطرة. # وكانت الحرب لا تزال مشتعلة في جبال البيرانه، بين جيوش أمير الأندلس وجيوش فرنسة، ~~فاجتاح الأمير عبيد الله ابن عم الأمير عبد الرحمن في سنة 838 البلاد التي كانت تحتلها ~~جيوش الفرنسيس، كما أن هؤلاء اجتاحوا من بلاد قشتالة ما كان تابعا لملوك قرطبة، وسار ~~أسطول للمسلمين من تركونة ومعه أسطول آخر من جزيرتي ميورقة ويابسة، وهاجم المسلمون ~~مرسيلية وأنزلوا العساكر في نواحيها واستولوا على ضواحيها وساقوا جميع الرجال حتى ~~الرهبان أسرى، والمظنون أنه في تلك الغزوة حصلت الحادثة المنسوبة إلى القديسة ~~أوزيبيا # Cusebia # رئيسة دير الراهبات في مرسيلية ~~والأربعين راهبة اللائي كن في ذلك الدير، وذلك أنهن خشين من أن الغزاة يتجاوزون على ~~أعراضهن ويلحقون بهن المعرات فشوهن خلقة أنفسهم بجدع أنوفهن حتى يكن بمأمن من تجاوز ~~غزاة العرب. # ومات الإمبراطور لويس سنة 840 فوقع الخلف بين أولاده، واغتنم المسلمون هذه الفرصة ~~فدخلوا من مصب نهر الرون، كما جاء في مجموعة مؤرخي فرنسة للدون بوكيه، وعاثوا في مدينة ~~آرل ونواحيها، وفي الوقت نفسه أغار موسى أمير تطيلة في بلاد نابار وأوغل حتى بلغ أرض ~~سردانة، واكتسح تلك البلاد. # 51 # وكانت في تلك الأيام قد ساءت الأحوال في فرنسة إلى الدرجة القصوى بسبب الحروب ~~الداخلية، وأصبحت قد انتثر سلكها وتعطلت حلاها وتقاسم جنوبي فرنسة ثلاثة ملوك: ~~الإمبراطور لوطير # Lothaire # والملك شارل الأصلع والملك ~~الشاب ببين بن ببين الذي كان ملكا على أكيتانية، ثم ثار أمير اسمه فولكراد # Folcrade # على الإمبراطور وسمى نفسه كنت آرل وبروفنس، ~~وقد بلغ حب الشقاق وفساد الأخلاق أن الكثيرين من سلالة شارل مارتل وببين القصير ~~وشارلمان كانوا يستنجدون بالأعداء الأجانب بعضهم على بعض. # ولم تكن إيطالية بأحسن حالا من فرنسة؛ لأن المسلمين كانوا استولوا على جزيرة صقلية، ~~وكان اثنان من أمراء المسيحيين يتنازعان الإمارة في بلاد بينيفنتي بقرب ms105 نابولي، فاستنجد ~~كل منهما بالمسلمين الذين كانوا في صقلية، فدخل المسلمون إلى الأرض الكبيرة واستولوا ~~على قسم كبير منها. # 52 # وفي سنة 846 جاء غزاة العرب إلى رومة وصعدوا في نهر الطير ونهبوا كنائس القديسين بطرس ~~وبولس وغزوا أيضا جنوة وعطلوا سدود نهرها، فنفر الأهالي وقاتلوهم وحمل الرهبان ~~والقسيسون السلاح. # 53 # ولم تكن الأندلس بأسعد حالا في تلك الأيام؛ لأن الفتن كانت تصطلمها، والآفات تنيخ ~~عليها بكلكلها فانضم إلى الفتن المجاعة والقحط والجراد وغزو النورمنديين الذين أخذوا ~~ينزلون في أشبونة وأشبيلية ويفسدون في أرضهما. # وفي سنة 848 عاد المسلمون فغزوا مرسيلية وجميع الساحل إلى جنوة، كما جاء في مجموعة ~~الدون بوكيه، وكان الملك ببين شابا، وكان في حرب مع عمه شارل الأصلع، فطلب ببين ~~مساعدة المسلمين له وأرسل إلى قرطبة غليوم كونت طلوزة حفيد البطل غليوم الذي اشتهر في ~~حروب المسلمين وتلقب بالقديس، كما سبق الكلام عليه، فنال غليوم ما أراده وأصحبوه بعساكر ~~تمكن بها ببين من إخراج عمال شارل الأصلع من برشلونة ومن مدن أخرى من كتلونية، وكان ~~قرصان المسلمين قد نزلوا في سواحل آرل، واضطروا لمعاكسة الريح أن يتأخروا في الساحل، ~~فحمل الأهالي السلاح من كل جهة وذبحوهم، ولكن في تلك المدة زحف جيش من المسلمين يقوده ~~موسى عامل سرقسطة وتقدم من جهة أورجل # Urgel # وريباغورسة # Ribagorsa # ولم يزل يثخن في أرض ~~الفرنسيس ويقتل ويسبي إلى أن اضطر الملك شارل الأصلع أن يطلب من المسلمين الصلح ولم ~~ينله إلا بتقديم هدايا ثمينة كما جاء في مجموعة الدون بوكيه. # وفي سنة 850 وقعت نكبة على مسيحيي الأندلس، وحصلت حوادث في قرطبة وصل خبرها إلى ~~فرنسة، وتحرير الخبر أن الشرع الإسلامي يطلق لأهل الذمة الحرية الدينية ولا يجبرهم إلا ~~على أداء الجزية، ولكن إذا تزوج مسلم بمسيحية فالأولاد يجب أن ينشأوا على دين الأب، ~~كذلك إذا أسلم مسيحي أو مسيحية فأولاده معدودون من المسلمين إذا كانوا قاصرين، فإذا ~~بلغوا سن الرشد وأرادوا الرجوع عن الإسلام فلا يحق لهم، وكذلك إذا ms106 قذف أحد المسيحيين ~~نبي الإسلام فليس أمامه سوى الإسلام أو الموت. # وقد كان الزواج المختلط كثير الوقوع في الأندلس، فطالما تزوج مسلمون بمسيحيات وقد ~~كانت المرأة المسيحية المتزوجة بمسلم كثيرا ما تلقن بناتها قواعد النصرانية فيحصل بسبب ~~ذلك نزاع شديد في العائلات، وفي ذلك الوقت كان في قرطبة قسيس متضلع في اللغة العربية ~~اسمه بهارفكتس، وكان قد شاع أن بهارفكتس في إحدى المرار تلفظ بالشهادتين وأسلم، فصادفه ~~بعد ذلك أناس من المسلمين وسألوه عن رأيه في نبي الإسلام # صلى الله عليه وسلم # فامتنع أولا عن ~~الجواب فألحوا عليه في تبيين رأيه، فأجاب بجواب نال فيه من الرسول، وقيل: إن المسلمين ~~ذلك اليوم لم يتعرضوا له بسوء، ولكنه بينما كان مارا فيما بعد في أحد الشوارع جاء أحد ~~المسلمين وأغرى العامة بالهجوم على القسيس قائلا لهم: إن هذا هو الذي قذف بالنبي، ~~فهجمت العامة عليه، وذهبوا به إلى القاضي، فسأله عما عزي إليه من القذف، فلم ينكر ~~كلامه، بل أيده أمام القاضي فاضطر القاضي أن يحكم عليه بالقتل، وكان ذلك في شهر رمضان ~~فلم ينفذ فيه الحكم إلى أن انسلخ الشهر وجاء العيد فقطعوا رأسه بمحضر من جم لا يحصى من ~~الأهالي. # 54 # فكان لهذه الحادثة صدى بعيد وثارت من أجلها الخواطر، وكان المسيحيون كثيري العدد في ~~الأندلس وفي نفس قرطبة مركز السلطنة وكان المسلمون تركوا لهم كثيرا من كنائسهم ~~وأديارهم، وكانت لهم أديار للرهبان وأخرى للراهبات، وكان من المسيحيين كثير من ~~المستخدمين في القصر الملكي لا سيما أن القصر كان يحتوي عددا عظيما من الصقالبة، ~~فكثرت من أجل ذلك المنازعات الدينية وصارت تتقدم الشكايات على بعض المسيحيين بأنهم ~~قذفوا بالرسول فيؤتى بهم إلى القاضي فيسألهم فلا ينكرون، فيحكم القاضي عليهم بالقتل، ~~ولأجل أن لا يأخذ المسيحيون أجسادهم ويحنطوها ذخائر كان الحكام يحرقون أجساد المحكوم ~~عليهم بالقتل ويرمون رمادها في النهر، وقيل: إنهم كانوا يطرحون بعضها للكلاب. # وقد كان تأثير هذه الشدة بعكس ما أمل رجال الحكم، فإنه وجد من المسيحيين ms107 من كان ~~يتهافت على القذف بالرسول # صلى الله عليه وسلم # ليقتلوه ويصير شهيدا، وقتل بهذا الشكل أناس كثيرون، ~~ومن جملتهم رجل اسمه «سانشو» من فرنسة كان مستخدما في القصر، واثنان من الخصيان في ~~القصر أيضا، وأكثر من تهافت على القذف بالرسول لنيل الشهادة المتحمسات من النساء ~~المسيحيات. # 55 # وأخيرا عقد أساقفة المسيحيين مجمعا قرروا فيه أن التحرش بهذا الموضوع أي القذف بنبي ~~الإسلام عمدا، حبا بالقتل ونيل الشهادة، هو مخالف لروح الإنجيل، ثم إن الملك شارل ~~الأصلع تدخل في هذه المسألة، بناء على التماس المسيحيين منه؛ لأنه قد أصابهم في البلدان ~~الشمالية من إسبانية ما أصابهم في قرطبة. # ولما تفاقم هذا الأمر اشتد غضب عبد الرحمن الثاني على المسيحيين، وطرد من قصره جميع ~~الذين كانوا مستخدمين فيه منهم، ثم مات عبد الرحمن سنة 858 وخلفه ابنه محمد، وفي أولى ~~أمره شدد أيضا في معاملة المسيحيين حتى فكر في إخراجهم جميعا من مملكته، ولكنه عاد ~~فعدل عن فكره بسبب توالي الثورات وعدم مؤاتاة الوقت له، وكانت الحرب لا تزال مشتعلة في ~~كتلونية، وكان موسى أمير سرقسطة قد ظفر بالمسيحيين في بعض الوقائع إلا أنه انكسر في آخر ~~الأمر وتغلب عليه ملك أشتورية فعزله الأمير محمد من إمارة سرقسطة، فاستشاط غضبا وانحاز ~~إلى المسيحيين، وزوج ابنته بغرسية ملك ناباره، وثارت في أثناء ذلك مدينة طليطلة. # ثم إن المسلمين غزوا أيضا جزيرتي سردانية وكورسيكة، واشتدت الفوضى وانتشر الحبل في ~~بلاد فرنسة، فكنت ترى الكنائس مهدمة والمدن خرابا واللصوص أسرابا والناس يتركون ~~ديارهم ويضربون في الأرض طلبا للأمان، ومنهم من فضل الموت على ترك أرضه، ومن الأهالي ~~من كان ينضم إلى الغزاة طمعا في السلب. # وبينما الحال هكذا في فرنسة لم تكن الأندلس بأسعد منها، إذ ثار فيها رجل يقال له: عمر ~~بن حفصون - كان مسيحيا فأظهر الإسلام - وأعصوصب حوله جيش من اللصوص وقطاع الطرق، ~~فثار على الأمير محمد وجاذبه الحبل وصارت الأندلس في أمر مريج، واضطر الأمير إلى مسالمة ~~ملك فرنسة شارل الأصلع ms108 ليتفرغ لأمر ابن حفصون، وجاءت رسل شارل إلى قرطبة وكان ذلك سنة ~~866 وتقرر أن تبقى كتلونية بيد الفرنسيس، وعاد رسل شارل بهدايا ثمينة من قرطبة ومعهم ~~إبل بحدائج مزينة، وهكذا تقضي حوادث الزمن على الملوك بمصافاة ذوي الشحناء ومهاداة ~~الأعداء. # وفي سنة 869 جاء غزاة العرب فنزلوا في بروفانس في محل يقال له كامرغ # Camargua # وهو جزيرة مشكلة من نهر الرون، وفيها أملاك ~~للمطران رولان رئيس أساقفة آرل، فلما نزل المسلمون في هذه الجزيرة صادفوا المطران هناك ~~يتعهد مزارعه فقبضوا عليه وقتلوا ثلاثمائة من رجاله وساقوه إلى أحد مراكبهم، فجاء ~~المسيحيون لأجل أن يفكوه بفدية، فطلب المسلمون به مائة وخمسين ذهبا و150 ثوبا و150 ~~سيفا و150 عبدا، فرضي المسيحيون بتقديم هذه الفدية، فجمعوها وقدموها لأجل إنقاذ ~~المطران، وكان هذا في أثناء جمعها قد فارق الحياة بما أصابه من الرعب فكتم المسلمون ~~موته حتى يقبضوا المال، ولما تسلموا جميع الأشياء التي اشترطوها أخرجوا جثة المطران إلى ~~البر، وألبسوها الثياب التي كانت عليه عندما كان حيا، وانصرفوا وكان المسيحيون قد ~~جاءوا جمعا عظيما لتهنئة المطران بالخلاص، فلم يجدوا سوى جثة هامدة، وتحول فرحهم ~~مأتما. # ومات شارل الأصلع سنة 876 وكان ناويا أن يذهب بجيش إلى إيطالية التي كان المسلمون قد ~~استولوا على نواحيها الجنوبية وأصبح بسبب ذلك البابا في رومة تحت الخطر، وبرغم توالي ~~غزوات المسلمين والنرمنديين كان الشقاق بين أمراء فرنسة لا يزال قائما قاعدا، حتى ~~نهكت قوى البلاد بأجمعها، ولم يبق إلا أمل ضعيف يمسك بحشاشتها، وبلغ اختلاف الكلمة ~~وتشظى العصا أقصى ما يتصور العقل. # | هوامش # الفصل الثالث # | نزول العرب في بروفانس وغاراتهم من هناك على سافواي وبييمونت وسويسرة إلى دور إجلائهم عن ~~فرنسة # قال رينو: إن الدور الأخير الذي سنتكلم عنه يشابه الدور الذي نقدمه في شدة المهاجمات وفي ~~آثار السلب والعيث، جد المشابهة، وإنما الفرق هو في كون الحوادث السابقة لم تصب إلا سواحل ~~فرنسة خاصة، على حين أن الحوادث التي نحن بسبيلها الآن ستمتد إلى بلاد ms109 دوفيني، إلى حدود ~~ألمانية، وأن الحوادث السابقة كانت عبور سبيل، على حين أن هذه كانت راجعة إلى مركز ثابت ~~مستقر، وكانت تنذر بأن تستمر. # وقد بدأ هذا الدور في سنة 889 إذ كان متوليا على بروفنس ودوفيني رجل يقال له بوزون # Boson # وقد سمي نفسه ملك أرل، ولما كان بوزون المذكور غير ~~منتسب إلى بيت شارلمان الإمبراطوري ثقلت إمارته على الناس، وشملهم القنوط، فكان المكان ~~والزمان مساعدين على نزول غزاة العرب في تلك الديار. # وإليك تحرير خبر نزولهم واستقرارهم في بروفنس بحسب تاريخ ليوتبراند # Liutprand # في مجموعة موراتوري وبحسب تاريخ دير نوفاليز # Novalese # وبحسب مجموعة الدون بوكيه وتاريخ بروفنس تأليف ~~بوش # Bouche # قالوا: # إن عشرين ملاحا عربيا ركبوا مركبا خفيف القلع من سواحل إسبانية، قاصدين سواحل ~~بروفنس، فأخذتهم الريح العاصفة وألقت بهم في خليج غريمو # Grimad # الذي يقال له أيضا: خليج سانتروبيز # Sant-Tropes # فصعدوا إلى البر، لم يبصرهم أحد، وكان حول هذا الخليج أجمة ~~أشبة بلغ من اشتباك سرحها أن الإنسان لم يكن يجرؤ أن يدخل فيها، وإلى الشمال من الخليج كانت ~~سلسلة جبال، بعضها أعلى من بعض، فإذا وصل الإنسان إلى قمتها أشرف على قسم كبير من بروفنس ~~السفلي، فأغار العرب على أقرب قرية من البحر وذبحوا أهلها، وأخذوا يرودون في الجوار، ولما ~~وصلوا إلى القمم التي كانت تشرف من جهة على البحر وتناوح من جهة أخرى جبال الألب، فهموا ~~حالا ملاءمة هذا المكان لاستقرارهم فيه، بصورة دائمة، فالبحر كان لهم بابا لتلقي ~~الإمدادات التي قد يحتاجون إليها في بعض الأحيان، والبر كان لهم منفذا إلى النواحي التي ~~يرومون الغارة عليها، والغابة المشتبكة التي ذكرناها تصلح لهم معقلا يلجأون إليه عند ~~الاضطرار. # فلم يطأ هؤلاء القرصان تلك الأرض حتى أرسلوا إلى إسبانية وإفريقية، يستمدون من إخوانهم ~~الانضمام إليهم، وبدأوا هم بالعمل في مكانهم، فما مضت عدة سنوات حتى امتلأت تلك الأرض ~~بالحصون والمعاقل، وكان أهم تلك الحصون المسمى فركسيناتوم # Fraxinetum # 1 # الذي يشتق من اسم شجر الدردار الكثير في ms110 تلك الجهات. والمظنون أن فركسيناتوم ~~كانت في القرية الحاضرة التي يقال لها: غاردفرينه # Garde-Frainet # الواقعة في ذيل الجبل إلى جهة الألب، ومما لا جدال فيه أن مركز ~~هذه القرية كان بغاية الأهمية؛ لأنها الطريق الوحيد من الخليج إلى الشمال، وإلى الآن يجد ~~الناس في أعلى الجبل آثار خراب وبقايا عمران: جدرانا متهدمة، وبنيانا منحوتا في الصخر ~~وبئرا منحوتة في الصخر أيضا. # ولم يبق شيء من شجر الدردار إلى هذا الوقت، ولكن المسيو جرمون # Germond # كاتب العدل الحالي في سانتروبيز الذي بحث بحثا دقيقا في هذه ~~المسألة يظن أنه كان توجد غابة دردار في قعر الخليج على شاطئ البحر، وأنه كان توجد قرية ~~رومانية اسمها فركسينيتو احتلها العرب ثم هدموها، واختاروا قمة من الجبل لإنشاء معقل لهم ~~سموه فركسينيت # Fraxinet # ومن رأي المسيو جرمون أن ذلك ~~المعقل كان أشبه بمخفر يقصدون منه الإشراف على سهول بروفنس السفلى، وذلك لأن المكان لا يزيد ~~محيطه على ثلاثمائة قدم ولا يتسع لأكثر من مائة رجل لا غير. ويظن المسيو جرمون أن المعقل ~~الأصلي الذي كان العرب يعولون عليه هو على نصف فرسخ من هناك، بقرب البحر، فوق جبل يقال له ~~اليوم: «سيدة ميرمار» # Notre Dame de Miremar # حيث توجد آثار ~~مهمة وخنادق عميقة. وأما المسيو بوش صاحب تاريخ بروفنس فيظن أن العرب قد أطلقوا اسم ~~فركسينيت على حصون كثيرة شادوها في دوفيني وسافواي وبييمونت، وإننا نرى رأي بوش هذا صوابا ~~لكثرة وجود هذا الاسم في هذه النواحي. # ولما انتهى العرب من بناء حصنهم بدأوا بشن الغارات في النواحي القريبة منهم وصادف ذلك تلك ~~المحاربات الداخلية التي كان حاميا وطيسها بين زعماء البلاد فصارت كل فئة تجتهد أن تجذبهم ~~إلى نفسها، ثم عندما نمت شوكتهم عدوا أنفسهم سادة لتلك الأرض واستولى الرعب على قلوب ~~الجميع من عاديتهم وأصبح لا يرتفع في وجههم رأس ولا ترتقي إلى مصارعتهم همة، ومن جملة ~~الأدلة على ذلك أنه وجدت في قبر القديسة مادلينه في فيزلاي # Vezelay # من بورغونية كتابة ms111 تفيد أن جسد القديسة نقل من مدينة إكس في ~~بروفنس إلى هناك، خوفا من العرب. وكان وجود هذه الكتابة قد انكشف سنة 1279. راجع في ذلك ~~تاريخ هينو # Hainut # تأليف جاك دوغويز # DeGuyse # وتاريخ بروفنس تأليف بوش. # وكان العرب يتقدمون يوما فيوما نحو جبال الألب تعلقا وتسلقا حتى وقفوا في أعلاها، ~~وكانت مملكة آرل خاضعة للويس بن بوزون المتقدم الذكر، وكان لويس هذا سار بجيش إلى إيطالية ~~لمقاتلة بيرانجة ملك لونباردية فترك بلاده بدون حامية تقريبا وصارت ثفوره عورة وكان ~~النرمنديون يعيثون في قلب فرنسة وكادوا إحدى المرار يستولون على باريز، وجاءت فرقة من ~~البرابرة الوثنيين من الشرق وهم المجر فعاثت وخربت جانبا من ألمانية ثم من إيطالية وأوشكت ~~أن تدخل إلى فرنسة. # وفي سنة 906 اجتاز العرب مضايق دوفيني # Dauphiné # وقطعوا ~~جبل سنيس # Mont Cenis # حتى انتهوا إلى دير نوفاليز على ~~حدود بييمونت، في وادي سوزة. وكان رهبان الدير قد تمكنوا من الفرار إلى مدينة توزينو ومعهم ~~ذخائر القديسين وما في الدير من أشياء ثمينة، ومن جملتها خزانة كتب نفيسة، فلما وصل العرب ~~لم يجدوا في الدير إلا راهبين بقيا كحراس فيه، فنهب العرب الدير والقرية، وأحرقوا ~~الكنائس. # جاء ذلك في تاريخ دير نوفاليز الوارد في مجموعة موراثوري: وفيه أنه كانت هناك كنيسة صغيرة ~~باسم القديس هلدراد # Heldrad # من رجال أوائل القرن التاسع ~~فأحرقوها وفر كثير من الأهالي إلى الجبال بين سوزة وبريانسون # Briançon # واعتصموا بدير أولكس # Oulx # فاقتص العرب آثارهم وقتلوا منهم عددا كبيرا حتى سمي ذلك المكان بساحة الشهداء (راجع ~~مجموعة دير أولكس التي نشرها ريفانتلا في تورينو سنة 753) وكان الأهالي قد اجتمعوا وثاروا ~~بالعرب، وقبضوا على أناس منهم وساقوهم إلى تورينو، واعتقلوهم في دير القديس أندراوس. ولكن ~~هؤلاء الأسرى حطموا الأصفاد التي كانوا مقيدين بها وأحرقوا الدير وأفلتوا وكادوا يحرقون ~~جانبا من المدينة، ثم إن العرب قطعوا المواصلات بين فرنسة وإيطالية، واحتلوا جميع مضايق ~~جبال الألب، فصار مرور الناس عائدا إلى أذنهم. وسنة 911 كان رئيس أساقفة ms112 أربونة يريد السفر ~~إلى رومة لمهم مستعجل فلم يقدر على السفر خوفا من العرب، وكانوا لا يسمحون لأحد أن يمر ~~بدون أن يأخذوا منه رسما معلوما، ثم شرعوا يشنون الغارات على سهول بييمونت ومونفرات # Montferrat ~~. وفي سنة 908 نزل بعض قرصان العرب في سواحل ~~لنغدوق بقرب أيغمورط ونهبوا دير الترتيل الذي كانوا هدموه في زمان شارل مارتل ثم أعيد ~~بناؤه. # وكان صعد على عرش قرطبة سنة 912 عبد الرحمن الثالث الملقب بالكبير والذى تولى الملك خمسين ~~سنة وجمع تحت حكمه بلاد الأندلس قاطبة، وكان من أيمن ملوك الدهر نقية. أوصل الأندلس إلى ~~أعلى ذرى الهناء والسعادة والمجد، وهو أول من تلقب من أمرائها بالخليفة أمير ~~المؤمنين. # وكان حنشو غرسية ملك نابار وأوردونة ملك ليون تحالفا مع ابن حفصون الثائر على المسلمين، ~~وبالاتحاد مع مقاتلة الفرنسيس وقفوا في وجه جيوش عبد الرحمن، إلا أن عبد الرحمن سنة 920 ~~أرسل عمه المسمى أيضا عبد الرحمن، والملقب بالمظفر، فهزم جيوش الأعداء وقطع جبال البيرانه ~~واكتسح جانبا عظيما من غشقونية ووصل إلى أبواب مدينة طلوزة ثم أصيب في رجوعه بفشل؛ إذ هجم ~~عليه غرسية بن حنشو أو سانجه كما يقول العرب واسترجع منه جميع الغنائم التي غنمها. # 2 # فامتد الصريخ في بروفنس ودوفيني وبلاد الألب، من أعمال غزاة العرب، وحاول بعضهم أن ~~يقاوموهم بالسلاح فهلكوا لعدم اجتماع كلمتهم، وكانت مرسيلية أيضا قد نالها عيثهم، وخرب ~~العرب كنيستها العظمى، وكذلك أغاروا على إكس، وروى بوش في تاريخ بروفنس وغويز في تاريخ هيبو ~~أن العرب سلخوا جلود بعض من وقعوا في أيديهم أحياء، # 3 # وفر مطران اسمه «أودول ريكوس» إلى مدينة «رنس» في الشمال، وكان العرب يسبون ~~نساء البلاد ويبنون بهن بما نشر سلالتهم فيها، ولا شك أنه قد انضم إليهم أناس من أبناء ~~البلاد ممن لا يبالون على أي جنبيه وقع الأمر. # وبلغ من شدة الذعر أن الأغنياء صاروا يجلون إلى جهة الشمال فرارا من بطش العرب وجاء في ~~سيرة القديس ميول # Mayeul # في مجموعة ms113 البولنديين أن القديس ~~الذي كان أهله أغنياء من أبنيون فر من وجه العرب إلى برغونية، وأحرق العرب كنائس ~~سيسترون # Sisteron # وغاب # Gap # وقتلوا في أنبرون # Enbrun # القديس ~~ينديكتوس رئيس الأساقفة ومطرانا آخر معه، وجاء في تاريخ خطط الألب العليا تأليف المسيو ~~لادوسيت # Ladoucete # خبر ثلاثة أبراج محصنة في أنبرون ~~كان العرب نزلوا بها وبواسطتها ملأوا تلك الناحية خوفا، وكان القديس ليبرال قد انتخب خلفا ~~للقديس بندكتس فأراد أن يدخل أنبرون ولكنه لم يجرؤ على ذلك بسبب وجود العرب هناك ورجع من ~~حيث أتى. # وكان من عادة أهالي فرنسة وإسبانية وإنكلترا أن يذهبوا إلى رومة، ولو مرة في العمر، ~~لزيارة قبور الرسل، ولم يكن بد من علاقات الأساقفة والقسيسين برومة كما لا يخفى، ولكن معابر ~~الألب صارت كلها إلى أيدي العرب، وصار هؤلاء يعتدون على السابلين، وبرغم أن الناس كانت ~~تجتمع قوافل وتسير بالأسلحة لم تكن تمضي سنة بدون أن تحصل في تلك المعابر وقائع دموية حسبما ~~جاء في مجموعة مؤرخي فرنسة. # وفي تلك الأيام وصل المجار إلى فرنسة، وملأوا البلاد عيثا وتدميرا، ورأى الأهالي فيهم ~~تصديق نبوة حزقيال عن يأجوج ومأجوج، ولما كانت سنة الألف للمسيح ظن الناس أنها قد أزفت ~~الساعة، وسأل مطران فردن # Verdin # أحد القسيسين عن صحة هذه ~~المسألة وهل المجار هم يأجوج ومأجوج أم لا؟ فطمأن القسيس خاطر المطران قائلا له: إن من ~~أشراط الساعة أن يأتي يأجوج ومأجوج ومعهم شعوب أخرى، والحال أن المجار جاءوا وحدهم، فلا ~~تنطبق هذه النبوة عليهم، على أنه من المحقق أنهم في العيث والتدمير بذوا الأولين ~~والآخرين. # ثم إن بلاد بييمونت ومونفرات كانت ميدانا لغارات العرب، روى مؤرخ دير نوفاليزه أن أحد ~~أعمامه، وكان من قواد الجند، ذهب من «مويين» إلى «فارسل» فداهمته عصابة عربية في إحدى ~~الحراج بقرب البلدة فتقاتل الفريقان وجرح عدد منهما ووقع بعض المسيحيين أسرى فأخلى العرب ~~سبيل بعضهم واستبقوا القادرين منهم على الفدية، وبقي عم الراوي وخادمه في أيديهم، وكان والد ~~الأسير المذكور مارا من ms114 هناك فعلم بالخبر والتزم أن يجول في المدينة وأن يقترض مبلغا من ~~المال ليفك به ابنه مع خادمه، وروى هذا المؤرخ أن العرب كانوا وصلوا إلى حدود ليغورية (على ~~خليج جنوة) وذكر المؤرخ الشهير ليوتبراند # 4 # الذي عاش في الثلث الأول من القرن العاشر أن العرب أغاروا على مدينة ~~آكي # Aqui # إحدى مدن مونتفرات المشهورة بحماماتها ~~المدنية ولكنهم انهزموا في تلك الواقعة، ويقول المؤرخ نفسه: إن بعض قرصان العرب دخلوا مدينة ~~جنوة وقتلوا ونهبوا وسبوا كثيرا من النساء والأولاد. # وكان الأساقفة الذين فروا من وجه العرب في بروفنس والرهبان وغيرهم قد لجأوا إلى بلاد ~~فاليه # Valais # من سويسرا فجاء العرب ودخلوا هذا الوادي ~~واكتسحوه. # وكان هناك دير على اسم الشهيد القديس موريس # 5 # كان الإمبراطور شارلمان وغيره من الملوك أولوه مزيد العناية فجعله العرب دكا، ~~على ما في تاريخ غالية كرستيانية # Gallia Christiana # وذهب ~~بعض المؤرخين إلى أن المسلمين كانوا هدموا هذا الدير سنة 900. # وجاء في مجموعة الدون بوكيه أن العرب استولوا على ناحية تارنتيس وأن قافلة كانت ذاهبة من ~~فرنسة إلى إيطالية، فوقعت في يدهم واضطرت إلى الرجوع بعد أن قتل عدد منها. # ولما استولى العرب على فاليه تقدموا إلى أواسط كورة غريزون # 6 # وكان هناك دير شهير اسمه دير دي ~~زانتيس # Disentis # بناه أحد تلاميذ القديس كولومبان فنهبه العرب وجردوه من كل حلاه، ~~وكذلك فعلوا بكنيسة «كوار». روى ذلك المؤرخ أشبريخر # Sprecher ~~. وقيل: إن المطران فالدو # Wualdo # شكا سنة 940 من غارات العرب المتواصلة وأن آثار تلك الغارات كانت باقية إلى سنة 952 وأن ~~الإمبراطور أوتون أقطع المطران المذكور أملاكا على سبيل التعويض بموجب مرسوم مؤرخ في سنة ~~956، ورد ذلك في مجموعة تاريخية ألمانية طبعت في كوار، وكانت سويسرة يومئذ تابعة لمملكة ~~بورغونية. # وكانت الحرب في تلك الأيام مشتعلة بين ملوك أشتورية وناباره من جهة، وخليفة قرطبة من جهة ~~أخرى، وتواقف الفريقان عند زمورة، فانهزم المسلمون في تلك الواقعة وقتل منهم نحو من مائة ~~ألف # 7 # ولكن عبد ms115 الرحمن الناصر كان يقدر أن يجمع جميع قوى المسلمين في الأندلس فلم تكن ~~هزيمة كهذه لتكسر من شوكته، وكان في استطاعته وقتئذ أن يفحش النكاية بالمسيحيين لولا ~~اشتغاله بالفتوحات في إفريقية ولولا ظهور الدولة الفاطمية التي أخذت تجاذب الدولة الأموية ~~الحبل، فكان هذا من حسن حظ المسيحيين. # وكانت مدينة فريجوس في مقاطعة الفار بلدة عامرة ومرسى عظيما للسفن، فأغار عليها العرب ~~واجتاحوها اجتياحا شديدا حتى لاذ أهلها بالفرار وتركها كجوف حمار، وأخذ المسيحيون الذين ~~في السواحل كلها ينسحبون إلى الجبال، وكان في ذلك الوقت الكنت هوغ # Hugues # ملكا على بروفنس، فأعلن عزمه على طرد المسلمين من تلك الأطراف، ولما ~~كان أهم معقل لهم هناك هو حصن فراسينت الذي منه كانت تنبعث غاراتهم إلى داخل البلاد، أجمع ~~هوغ أن يهاجم هذا الحصن، ولما كان مصاهرا لإمبراطور القسطنطينية أرسل إليه يطلب منه إنجاده ~~بأسطوله، وكان الروم يملكون نفاطات يقال لها: النار الإغريقية، فكانت تحرق المراكب بمجرد ما ~~تصيبها، ففي سنة 942 زحف هوغ على حصن فركسينت بجيش جرار من البر. وجاء الأسطول الرومي من ~~البحر فأحرق مراكب العرب التي في الخليج، كما أن جيش هوغ تمكن من الحصن والتجأ العرب إلى ~~الجبال المجاورة، ولكن جاء الخبر إلى هوغ وهو في هذه الحرب مع العرب بأن بيرانجة # Berenger # الذي كان ينازعه مملكة إيطالية، وكان قد فر إلى ~~ألمانية، رجع إلى إيطالية يحاول أن يتنسم ريح الدولة ثانية فنسي هوغ الخطر الواقع على بلاده ~~من العرب وأسرع إلى مهادنتهم بشرط أن يقطعوا الطريق في معبر سان برنار وسائر معابر الألب ~~على بيرانجة. روى ذلك المؤرخ ليوتبراند الذي بهذه المناسبة أفحش الطعن في هوغ وقال: إنه جاء ~~بها صلعاء لا سبيل للعذر فيها، وبلغ من حدته أنه أخذ يخاطب معبر سان برنار فيقول له شعرا ~~معناه: إنك تسهل هلاك الأتقياء وتجعل نفسك حصنا واقيا للطغاة الذين يقال لهم المورو أفلا ~~تخجل أيها التعس من أن تبسط ظلك على أناس يسفكون الدم البشري ويعيشون من قطع ms116 الطريق؟ وماذا ~~أقول لك، لعمري جدير بك أن تنقض عليك صاعقة أو أن تكسر تكسيرا أو أن تفنى فناء أبديا ... ~~إلخ. # ومن بعد هذه الحادثة ازدادت جرأة العرب ونفحوا عرفهم واستقرت قدمهم في البلاد وأصبحوا ~~كأنهم سيلبثون أبديا في قلب أوربة فأخذوا يتزوجون من أنفس الأهالي ويحرثون ويزرعون كسائر ~~الفلاحين، وكان أمراء النواحي يكتفون بأن يأخذوا منهم إتاوة خفيفة، وربما اعتضدوا بهم في ~~بعض الأحايين، أما الذين كانوا في أعالي الجبال فقد كانوا يتقاضون المارين الأموال الفادحة، ~~ويقتلون من يمتنع عن دفع ما يطلب منه، وأما معبر سان برنار الكبير الذي كان يسمى من قبل ~~بجبل المشترى فقد كان من قديم الدهر بموقعه بين فاله # Valais # ووادي أوسط # Aoste # هو واسطة الاتصال ~~بين سويسرة وإيطالية، ولما استولى عليه العرب وعلى غيره من المعابر تمكنوا من سائر النواحي ~~المجاورة. # وكانت مدينة نيس (أونيقة) تابعة لمملكة آرل وكانت أيضا تحت طائلة العرب ويظهر أن جماعة ~~من المسلمين كانوا يسكنون في نيس؛ لأن دورانت يذكر في تاريخ نيس أنه كان فيها ناحية ~~للمسلمين # Canton Des Sarrazins ~~. # وقد احتل العرب أيضا مدينة غرانوبل # Grenoble # مع الوادي ~~المريع المسمى وادي غرازيفودان # Graisivaudan # وذهب مطران ~~غرانوبل ومعه ذخائر القديسين وكنوز الكنيسة والتجأ إلى دير دونات # Donat # في فلانس إلى الشمال، ولا يعلم تماما في أية سنة دخلوا عرانوبل ~~وإنما من المحقق أن العرب في سنة 954 كانوا استولوا على هذه البلدة، لأنه وجدت كتابة منقوشة ~~على حجر تاريخها سنة 954 تدل على وجود المسلمين في غرانوبل، والغالب على الظن أن مسلمي ~~بيمونت كانوا قد اتخذوا لأنفسهم عدة معاقل كانوا يعتصمون بها عند الحاجة، وقد ذكر مؤرخ دير ~~نوفاليزة حصنا من هذا النمط كان يحتله العرب باسم فراسنيدلوم # Frascenedellum # وهو مكان بقرب كازال على نهر البو Po # وكان هذا المحل يسمى أيضا فركسيناتوم، وقيل: بل هذا الحصن هو الذي ~~يسمى الآن فنسترال # Fenestralle ~~. # وعلى كل حال فلينظر القارئ إلى مؤرخ معاصر شاهد الحوادث بعينه وهو مؤرخ دير ms117 نوفاليزة، فقد ~~قال: إن العرب كانوا يسبون النساء والأولاد والخيل وغير ذلك، وكان قد دخل معهم أفاق من ~~أهل البلاد اسمه أيمون # Aymon # طمعا في الغنائم فوقعت في ~~أيديهم مرة امرأة بارعة في الجمال فاستأثر بها أيمون لنفسه فجاء أحد زعماء العصابة العربية ~~وانتزع تلك الحسناء من يد أيمون بالقوة فغلت مراجل الغضب في صدر أيمون وثار للانتقام فذهب ~~إلى الكنت روتبلدس # 8 # الذي كان صاحب السيادة في بروفنس العليا وكالمه بالسر الخفي في قضية طرد العرب ~~من البلاد، وكان للعرب سعاة وجواسيس في كل محل فاجتهد أيمون أن يكتم مسعاه بكل ما أمكنه حتى ~~تمكنوا من استنفار الناس بدون أن يشعر العرب، واجتمع الأمراء والزعماء وقادوا الأهالي ~~وهاجموا العرب وأخمدوا جمرتهم ورفعوا نيرهم عن أعناق الأهلين. قال هذا المؤرخ: وإن عائلة ~~أيمون هذا كان لا يزال منها بقايا إلى زمانه. # وفي سنة 952 كان المجار قد اكتسحوا الإلزاس، وصارت جميع بلاد جبل جوراه # Jura # تحت خطر احتلالهم، ففكر كونراد الذي كان أميرا على بورغونية ~~وسويسرة وفرنشكونتي ودوفيني في تدبير حيلة للتخلص من المجار والعرب معا، فكتب إلى العرب ~~كتابا يقول لهم فيه: إن لصوص المجار قد سمعوا بخصب الأراضي التي في أيديكم وهم عامدون إلى ~~انتزاعها منكم، فتعالوا إلي لنزحف إليهم معا ونبيدهم، وفي الوقت نفسه كتب إلى المجار ~~قائلا لهم: لماذا ينازع بعضنا بعضا؟ إن المسلمين هم الذين بأيديهم أخصب البقاع، فتعالوا ~~إلي لنزحف إليهم ونطردهم وحينئذ أنا أجعلكم في مكانهم. قال: هذا وعين للفريقين مكانا ~~للقاء، فحضر الفريقان والتحمت الحرب بينهما من نفسها، وكان الكنت قد حشد عساكره وكمن لهم ~~جميعا، فلما اشتبكوا في الملحمة انقض عليهم بجيشه فذبحهم ولم ينج منهم إلا القليل فأرسل ~~بقية السيف إلى آرل وبيعوا في أسواقها أرقاء. # جاء هذا الخبر في مجموعة الدون بوكيه ولم نعلم تماما في أي مكان حصلت هذه المعركة، وكان ~~مركز العرب الأصلي في بروفنس وكان المجار في الألزاس وفرنشكونتي فالمظنون أن هذه الوقعة ~~حصلت في نقطة ms118 متوسطة كأن تكون مثلا في السفواي وقد ثبت أن العرب أقاموا طويلا في السفواي ~~وكانت تسمى موريين # Maurienne # حتى ذهب بعضهم إلى أن هذه ~~اللفظة مشتقة من لفظة المورو التي تطلق على المسلمين المغاربة، ولكن هذا الزعم هو خطأ؛ لأن ~~هذه اللفظة معروفة منذ القرن السادس للمسيح، وكيف كان الحال فقد أقام العرب طويلا بسفواي، ~~وقد علمنا أن المطران بيلية # Billiet # أسقف سان جان دومورين ~~قام بمباحث دقيقة فيما يتعلق بتاريخ بلاد سفواي، فعثر على أسماء كثيرة تدل على وجود العرب ~~هناك لا سيما في جوار مودان # Modane # إذ يوجد واد يقال له: ~~وادي السرازين وقرية اسمها فريناي # Freney # وقد ذكر بوش مؤرخ ~~بروفنس ما يؤيد هذا القول. # وكان المسلمون يجولون في جميع أنحاء سويسرة بلا معارض كأنهم في دياراتهم وقد تقدموا إلى ~~أن صاروا على أبواب مدينة سانغال وعلى ضفاف بحيرة كونستنز، وكانوا يعتدون على الرهبان الذين ~~كانوا هناك فلا يخرج منهم أحد إلا رشقوه بسهم، وكانوا قد ألفوا سكنى الجبال والسير في ~~الأوعار، حتى قال أحد الكتاب المعاصرين: إنهم صاروا أشبه بالمعزى في خفة أقدامهم وسهولة ~~سيرهم في حروف الجبال، وكانوا قد بنوا أبراجا في أماكن متعددة يقال: إن آثارها لا تزال ~~موجودة. وكانوا قد ألحقوا أضرارا لا تحصى بالمسيحيين. وذكر مؤرخ دير سان غال # Saint-Gall # في كتاب داخل في مجموعة برتز أنه كان يوجد رئيس ~~للدير المذكور اسمه «فالتون» قد جمع عصابة من الرجال الأشداء وسلحهم بالحراب والفؤوس وهاجم ~~هؤلاء البرابرة بغتة، فقتل أكثرهم ومن نجا منهم قبض عليه، وساقوا الأسرى إلى الدير، فأبى ~~هؤلاء أن يأكلوا أو يشربوا، فماتوا جوعا! # وفي أثناء ذلك تغلب الألمان على المجار، وكسروا شرتهم، فنشقت سويسرة نسيم الفرج، ولكن ~~البروفانس والدوفيني وجانبا من جبال الألب بقيت تحت طائلة العرب الذين كانت ترد إليهم ~~الإمدادات من البحر، وكانت هذه البلدان لا تستريح ما داموا فيها، وكان الرجل العامل المدبر ~~إذ ذاك بين ملوك أوربة، أوتون ملك جرمانية الذي لقب فيما بعد بالإمبراطور ms119 والذي استحقت له ~~خلاله المجيدة لقب «الكبير» فدخل أوتون في علاقات مع خليفة قرطبة الذي كان أشبه بالحامي ~~لمستعمرة فراكسينية العربية، فعزم أوتون لأجل الدفاع عن حقوق النصرانية أن يبعث بسفارة إلى ~~الخليفة عبد الرحمن الناصر، وكان قد جاء إلى أوتون كتاب من عبد الرحمن لا يخلو من عبارات ~~فيها غض من الدين المسيحي، بحيث اعتمد أوتون بخاصة أن يجعل في سفارته إلى قرطبة عالما ~~لهوتيا يمكنه الاعتماد عليه في الأخذ والرد مع علماء المسلمين، فوقع الاختيار على راهب من ~~دير غورز # Gorse # بقرب متس كان يقال له: جان وكان بلغ من ~~تضلعه في علم اللاهوت أن حاول إقناع الخليفة عبد الرحمن بالتنصر. # وقد كانت هذه السفارة في سنة 956 والمؤرخون من المسلمين ومن النصارى متفقون على ما بلغته ~~قرطبة لذلك العهد من العظمة والمجد فقد كانت فيها العلوم والمعارف والصنائع والفنون ~~والسياسة، والكياسة قد أدركت الأمد الأقصى في وقتها، وكانت أوربة المسيحية مدهوشة بعظمة ~~قرطبة وكان عبد الرحمن مقصدا لجميع ملوك العصر، وكان يراسله البابا وإمبراطور القسطنطينية ~~وملوك إسبانية وفرنسة وألمانية وبلاد الصقالبة، وكان ملوك المسيحيين - بحسب قول مؤرخي العرب ~~- يبسطون أيدي الخضوع للخليفة، ويعدون شرفا عظيما لهم أن يرسل الخليفة يده لسفرائهم ~~ليقبلوها؛ وذلك لجلالة قدره في أعينهم ولطف منزلته في أنفسهم، وكان عبد الرحمن الناصر عندما ~~تقدم عليه وفود هؤلاء الملوك لا سيما وفد ملك الروم، يبالغ في الاحتفال ويتكلف الكلف الثقال ~~ويأمر باستقبالهم بالعساكر والأعوان وبإظهار جميع عظمة الخلافة، فكانوا يفرشون لهم الشوارع ~~التي يمرون بها بفاخر البسط والديباج، وكانت الألوف من حرس الخليفة الخاص وأمامهم الأمراء ~~وعظماء الدولة يصطفون على الجانبين؛ ومنهم بطانة تحيط بعرش الخليفة وبعد ذلك يقوم الأئمة ~~ويخطبون في هذا الحفل بما يناسب المقام من وصف عز الإسلام وإظهار مناقب الإمام ثم يتلوهم ~~الشعراء بالقصائد الطنانة التي تزيد من ابتهاج الحاضرين وحماسة السامعين. # 9 # أما سفارة الراهب غورز من قبل ملك فرنسة، فإنها وإن لم تكن محفوفة بجميع تلك الأهمية فلم ~~تكن ms120 خالية من الاحتفاء والاحتفال، ولقد بقي لنا عنها رحلة بقلم أحد تلاميذ الراهب المذكور ~~يمكننا أن نلخص منها ما يلي: # سافر الراهب جان ومعه راهب ثان لا غير، وكانت الهدايا التي لا بد من استصحابها هي من مال ~~الدير الذي ينتسب إليه الراهب، فسار الراهب ماشيا على قدميه إلى «فيين» # Vienne # على نهر الرون، ومنها ركب في النهر إلى البحر، وركب فيه إلى ~~برشلونة التي كانت إذ ذاك تابعة لمملكة فرنسة، وإنما كانت أول مدينة تخص الخليفة من الثغور ~~هي طرطوشة # 10 # فلما وصل سفراء ملك إفرنجة إلى طرطوشة وأذن لهم عاملها بالمسير إلى قرطبة ~~تقدموا في البلاد، وقطعوا جانبا عظيما من جزيرة الأندلس، وهم في ضيافة العرب بالمعهود من ~~كرمهم، فوصلوا إلى قرطبة لم يتكلفوا إنفاق درهم واحد، وهناك استقبلوا برا وترحيبا ~~وأنزلوا في محل على مسافة ميلين من قصر الخلافة. # ثم إن الخليفة علم بمهمة الراهب، وما هو مكلف تبليغه من قبل ملك فرنسة، فأراد أن يتجنب ~~المباحثات الدينية، وقال: إنه لم يكن لائقا بمقام اثنين مثل الخليفة والملك أن يدخلا في ~~مجادلات كهذه وأنه لا يسع الخليفة أن يسمع كلاما فيه نيل من الرسول # صلى الله عليه وسلم # ولا يجوز له ~~ذلك بحسب الشريعة # 11 # واقترح الخليفة أن يعد كتابه إلى الملك أوتون كأنه لم يكن، ولكن جميع هذه ~~الملاحظات لم يقبلها ذلك الراهب، وأصر على رأيه، وجاء مطران قرطبة ينصحه بترك هذا العناد، ~~فأخشن له الجواب وأخذ يقرعه على هوادته وتساهله وتساهل جماعته في أمر الدين المسيحي، وكيف ~~أنهم قد رضوا بختان أولادهم وبالامتناع عن أكل الخنزير مسايرة للمسلمين. ولما علم الخليفة ~~بتصلب هذا الراهب وأنه راكب رأسه لا ينثني عن عزمه أبى أن يقبله وأرسل إليه قائلا إنه ~~كان قد بعث إلى الملك أوتون أحد الأساقفة سفيرا عنه فانظره ثلاث سنوات ولذلك هو يريد أن ~~يمسك سفير أوتون لديه لا ثلاث سنوات فقط بل تسع سنوات؛ لأنه يرى نفسه أكبر من أوتون بثلاث ~~مرات، فأجاب ms121 الراهب بأنه لا يقدر أن يخرج عن الأوامر التي في يده من أوتون وتقرر عند ذلك أن ~~يرسل الخليفة رسولا آخر يسأله عما إذا كان لا يزال مصمما على رأيه في كيفية سفارة الراهب ~~وأخذ الخليفة ينتدب للرسالة إلى أوتون من عنده ممن يصلح لذلك، فكان المسلمون يستعفون من تلك ~~السفارة؛ لأنه من المعلوم أن على المسلمين واجبات دينية يصعب عليهم القيام بها في بلاد ~~النصارى، ومن أجل ذلك كان أكثر سفراء ملوك الإسلام إلى ملوك النصارى مسيحيين، وكثيرا ما ~~كانوا أساقفة أو قسيسين، ففي تلك النوبة انتدب لهذه السفارة رجل مسيحي اسمه «رسيموندس» كوفئ ~~فيما بعد على المهمة التي قام بها بجعله أسقفا وكان يحسن اللاتينية والعربية معا، ويظن ~~بعضهم أن الأسقف رسيموندس هذا هو نفس رمندس الذي كان مطرانا إسبانيوليا وكانت بينه وبين ~~المؤرخ ليوتبرند علاقة ومودة وقد جعل هذا تاريخه باسمه. # وفي تلك المدة كان أوتون مشغولا بإطفاء فتنة أثارها عليه ابنه وصهره فلما وصل السفير ~~الإسبانيولي من قبل الخليفة أجابه الملك إلى كل ما اقترحه، وقفل الرسول إلى قرطبة وقد دبر ~~الأمور كما شاء الخليفة، ورضي الخليفة من بعدها أن يستقبل الراهب، وكان الخليفة يعلم تقشف ~~الراهب ومذهبه في لبس الخشن وبعده عن مظاهر الأبهة، فبعث إليه بأنه يريد أن يستقبله كسفير ~~من قبل الملك، وأنه لا بد له إجلالا لقدر مرسله من قبول حالة السفارة وأنه ينبغي له أن ~~يدخل على الخليفة بملابس لائقة، فأجابه الراهب بأنه لا يجد لبسا أبهى ولا أفخر من ثوب ~~رهبانيته، فظن الخليفة أنه قد يكون الراهب عاجزا عن شراء الملابس اللازمة، فبعث إليه بعشر ~~أقات فضة، وكانت الأقة اثنتي عشر أوقية، ولكن الراهب تصدق بهذه الفضة على الفقراء. فأرسل ~~الخليفة إليه قائلا إنه يقبله ويحتفل به ولو جاءه في كيس خيش. # وفي اليوم المعين للاستقبال اصطفت العساكر على الجانبين، ووقف العبيد الصقالبة قابضين ~~على الحراب، ووقف آخرون بالقسي، وكانت هناك الفرسان تلعب في الميدان وفي هذه الحالة دخل ~~الراهب ms122 السفير، وقد فرشت أمامه مداخل القصر بالبسط والديباج، فما زال يتقدم إلى أن وصل إلى ~~البهو الذي فيه الخليفة، فوجد الخليفة جالسا على سرير الخلافة متربعا على عادة الشرقيين، ~~فعند وصوله إليه أعطاه باطن يده تمييزا له عن غيره فقبلها الراهب، ثم أمر له بالجلوس وبعد ~~المراسم المعتادة في المجاملة شرع الخليفة يتكلم عن الملك آتون وما بلغه من المقام السامي ~~بين الملوك وأثنى عليه مزيد الثناء. # ثم إنه لما كان عبد الرحمن قد بلغه كون ابن الملك أوتون ثار على أبيه أنحى بشيء من ~~اللائمة على الملك قائلا: إنه لا ينبغي للملوك أن تقبل أقل انتقاص من سلطتها ولا ترعى في ~~ذلك عاطفة إشارة إلى شيء كان وقع مع عبد الرحمن نفسه، فإنه عصى عليه أحد أولاده فانتهى ~~الأمر بأن أمر بقتله. # ثم دار الكلام على موضوع الرسالة التي جاء بها الراهب سفيرا؛ فمؤرخو العرب أو بالأقل ~~المؤرخون الذين عرفناهم، لم يكونوا يذكرون شيئا عن قضية احتلال العرب لسواحل بروفنس وبثهم ~~الغارات إلى الداخل، مما يدل على أنهم لم يكونوا يأبهون لهذه الحادثة # 12 # على أن المؤرخ ليوتبرند الذي عاش في ذلك العصر يؤكد أن تلك المستعمرة العربية ~~في جبال الألب كانت تحت حماية الخليفة نفسه، وصاحب الرسالة التي نحن بصددها عن رحلة الراهب ~~سفيرا من قبل الملك أوتون إلى الخليفة عبد الرحمن هو نفسه يقول: إن موضوع تلك السفارة لم ~~يكن سوى التوسط لدى الخليفة لوضع حد لغارات العرب في فرنسة وإيطالية. ومن المؤسف أن الرسالة ~~ناقصة والكلام منقطع في أهم نقطة من الموضوع ولم يعثر إلى الآن على نسخة تامة لتلك ~~الرسالة. # هذا وفي سنة 960 تم طرد العرب من جبل سانبرنار وليس عندنا معلومات عن تفاصيل الوقعة، ~~ويظهر أن القديس برنار دومنتون # Dementhone # الذي بنى ملجأ ~~في أعلى هذا الجبل، حتى نسبت إلى اسمه سلسلة تلك الجبال كلها، كان هو نفسه في هذه ~~المعركة. # ومات عبد الرحمن الثالث (أي الناصر) سنة 961 فخلفه ابنه الحكم الثاني، ms123 وكان ملكا محبا ~~للعلوم والمعارف جانحا إلى السلم، ففي أيامه ازداد عكوف الناس في الأندلس على العلوم ~~والصناعات وبلغوا منها شأوا مدهشا وغلبت الكياسة والرقة ودماثة المدنية على أولئك الأقوام ~~الذين كانوا في مبدأ أمرهم على جانب عظيم من الخشونة والجفاء، فأما في زمن الحكم فقد صارت ~~الدولة للعلم وترقى به حتى النساء، اللائي كان منهن العالمات والفاضلات وصاحبات المكانة في ~~دار الخلافة، وكان الحكم في أوائل أيامه، استجلابا لثقة المسلمين به، قد غزا جليقية ~~وأشتورية وكتلونية ودوخها ولكن المسيحيين طلبوا منه الصلح فأجابهم إليه، ولما أخذ وزراؤه ~~وقواده يحثونه على نقض هذا الصلح لما عند المسلمين من حب الجهاد، أجابهم بهذه الآية البديعة ~~من القرآن: # وأوفوا بالعهد إن العهد كان ~~مسئولا # نعم إنه اشترط على كنت برشلونة وسائر أمراء الكتلان دك حصونهم ~~القريبة من ثغوره وأخذ منهم موثقا بأنهم لن يمالئوا أحدا من ملوك المسيحيين الذين يدخلون ~~معه في حرب. # 13 # وكان العرب لا يزال منهم جماعات محتلة لبروفنس ودوفيني ولا تزال الناس هناك تخشى عاديتهم، ~~وكان الملوك في منازعاتهم يستعينون بهم فيكون الترجيح بواسطتهم، وكان أوتون ملك الألمان بعد ~~أن قهر المجار واستصفى جميع ألمانيا أجبر البابا على تتويجه بتاج الإمبراطورية وتغلب على ~~برانجة ملك لونباردية، وخرج هذا من مملكته شريدا فقام ابنه أدالبرت للمطالبة بملك أبيه، ~~وروى بعض المؤرخين مثل البريك المنقول تاريخه في مجموعة لاينبتز أن أدالبرت استعان بمسلمي ~~فركسينت. # وفي سنة 956 تم إجلاء العرب عن غرينوبل، وقد تقدم أن أساقفة هذه المدينة كانوا هجروها إلى ~~ساندوناث من جهة فالانس، فقام أحدهم إيزاردن وجمع أكابر البلاد وقوادها واستنفرهم لقتال ~~المسلمين، وكان هؤلاء يملكون أخصب النواحي وأجود الأراضي فتقرر أن كل إنسان يكون نصيبه من ~~هذه الأراضي بقدر بسالته وإقدامه، فلما تمكن الأهالي من إجلاء العرب عن غرينوبل ووادي ~~غرازيفودان تقاسم المقاتلون للعرب تلك البقاع التي كانت بيدهم بحسب درجة انغماسهم في الحرب، ~~ومن ذلك جاءت ثروة بعض العائلات القديمة في مقاطعة دوفيني ومن جملتها عائلة ms124 إينارد # Aynard # التي يقال: إن أصل ثروتها من تلك الحرب الصليبية، ~~وبعد أن استصفى الأسقف إيزورن تلك البلاد ومحا آثار العرب فيها أعلن عن نفسه أميرا على ~~غرينوبل وعلى الوادي، وحفظ خلفاؤه تلك الإمارة مدة طويلة وبقي جانب من امتيازاتهم إلى زمن ~~الثورة الإفرنسية. # فالقارئ يرى أن أمور المسلمين في تلك الأصقاع كانت قد أخذت تتراجع إلى الوراء، وأن ذلك ~~التقهقر كان يزيد طمع الأهالي في التخلص منهم تماما، ففي سنة 968 نادى الإمبراطور أوتون ~~بهذه العزيمة وأجمع أن يستأصل شأفتهم من هذه النواحي، إلا أنه مات قبل أن يحقق وعده. وكان ~~في ذلك العصر رجل لا يذكر اسمه إلا مقرونا بالتجلة والإكرام سواء عند الملوك أو بين الشعوب ~~وهو القديس مايول # Mayeul # الذي كان قسيسا في بلدة ~~كلوني # Cluny # في بورغونية، وكان قد بلغ من شهرته ~~بالفضائل أن تحدث الناس بانتخابه لمقام البابوية، وكان هذا القديس ذهب إلى رومة لزيارة ~~كنائسها وفي إيابه من رومة جاءت طريقه على بلاد البييمونت قاصدا الرجوع إلى ديره من جهة ~~جبل جنيفر # Genevre # وأودية دوفيني، وكان المسلمون إذ ذاك ~~محتلين البلاد الواقعة بين غاب # Gap # وإمبرون # Embrun # ومركزهم في الأعالي المشرفة على وادي دراك # Drac # بإزاء جسر أورسيير (ولا يزال هذا المكان معروفا إلى ~~اليوم). # فلما وصل القديس مايول إلى ذيل الألب وجد هناك عددا كبيرا من الزوار القافلين من رومة ~~والمسافرين قد علموا بمجيئه فانتظروه ليسيروا معه؛ إذ لم يكونوا يرجون أن تنتدح لهم فرصة ~~خير من هذه لاجتياز جبال الألب، فتقدمت قافلة القديس وفيها هذا الجم الغفير، وما وصلوا إلى ~~ضفاف الوادي سائرين في طريق منحصرة بين الجبل والنهر، حتى انهال عليهم العرب برشق من السهام ~~من عل، وكان العرب نحوا من ألف مقاتل ولم يكن للمسيحيين مفر، فأحيط بهم ووقع أكثرهم في ~~الأسر، وكان من جملة الأسرى القديس مايول، وقد جرح في يده وهو يذب عن أحد رفاقه؛ فسيق ~~الأسرى إلى مكان على حدة، وكان أكثرهم فقراء لا يطمع الإنسان ms125 من ورائهم في مغنم فدنا العرب ~~من القديس وسألوه عن درجة يساره، فأجابهم القديس بأنه من قوم أغنياء ولكنه خرج من جميع ~~أملاكه ووقف نفسه على عبادة ربه وهو الآن راهب في دير ذي أملاك وأراض واسعة فتساوموا معه ~~على فدية تبلغ ما يساوي ألف ليبرة من الفضة أو ثمانين ألف فرنك من المعاملة الحاضرة، وطلب ~~العرب من القديس أن ينفذ رفيقه إلى دير كلوني ليحمل إليهم المال وضربوا له موعدا قالوا له: ~~إن فات هذا الموعد ولم يروا المال فإنهم يقتلون القديس وسائر الأسرى فكتب القديس إلى الدير ~~قائلا: إلى آباء كلوني والإخوان الذين فيه مايول المسكين أسير مكبل بالقيود ... إلخ. فلما ~~وصل هذا الكتاب ارتفع البكاء والعويل من كل جانب وأسرعوا بجمع الأموال واستجادوا أكف ذوي ~~الحمية وجردوا الكنيسة من زخرفها، وأرسلوا كل ما وقع في أيديهم من المال لفكاك القديس ومن ~~معه من الأسرى، فوصل المال قبل انقضاء الأجل وأطلق المسلمون سراحهم. # وكان القديس في أثناء وقوعه في الأسر قد حاول أن يرشد المسلمين قائلا لهم: إن الذي ~~يعتقدون به لا يقدر أن يخلصهم من العذاب ولا ينفعهم بشيء، فعندما سمعوا منه هذا الكلام هاجت ~~حفيظتهم وشدوا وثاقه وصاروا به إلى أحد الكهوف وحبسوه فيه ثم إنهم عادوا فسكنوا ورجعوا إلى ~~معاملته بالحسنى، وكان إذا اشتهى الطعام جاء أحدهم وغسل يديه وأصلح له طعاما شهيا ووضعه ~~بين يديه بكل أدب، وكان مع القديس نسخة من التوراة، فجاء أحد المسلمين ومد يده إليها بدون ~~احترام، فلامه رفاقه وقالوا له: إن هذا كتاب مقدس ونحن معاشر المسلمين نقدس جميع الكتب ~~السماوية، وبهذه المناسبة قال أحد كتاب ذلك العصر: إن المسلمين يحترمون مثلنا أنبياء العهد ~~القديم ويرون المسيح نبيا كبيرا وإنما يجعلونه على كل حال أصغر من محمد بقولهم: إن ~~محمدا كان خاتم الرسل وهم يقولون: إن محمدا هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم. # وقد وقعت حادثة القديس مايول هذه في سنة 972 فصار لها دوي عظيم في الأقطار وضج ms126 لها ~~المسيحيون الصغار والكبار وهبوا طالبين الأخذ بالثأر وكان في نواحي سيسترون # Sisteron # في قرية يقال لها نويه # Noyers # رجل نبيل يقال له: بوبون # Bebon # كان ~~قد استنفر الناس مرارا لتخليص هذه البلاد من العرب فانتهز هذه الفرصة التي كان فيها الناس ~~غضابا من أجل حادثة مايول فجمع كلمة الفلاحين والأعيان وسكان البوادي والحواضر ممن يغضبون ~~للدين والوطن ثم بنى حصنا في نواحي سيسترون بإزاء حصن كان ينزله المسلمون يريد بذلك مراقبة ~~حركاتهم حتى ينقض عليهم في أول غرة ويقتحم أول ثلمة. وحاول المسلمون أن يعرقلوا مساعي بوبون ~~هذا فلم يفلحوا وكان الحصن الذي فيه المسلمون على رأس جبل يقال له: «بيترة انبيه» Petra-Empia # وبينما الفريقان يداور كل منهما الآخر ~~إذ اغتصب قائد حصن العرب امرأة الحرسي الموكول إليه باب الحصن فانتقم البواب المذكور عن هذه ~~الفعلة بأن عرض على بوبون أن يفتح له الباب على حين غرة فيدخل إلى الحصن ويفتك بمن فيه، ~~وهكذا تم وجاء بوبون ومعه رجاله فوجدوا الباب مفتوحا فدخلوا وذبحوا المسلمين وهم غارون ~~ومنهم من عرض على المسيحيين أن يتنصر فهؤلاء عفوا عنهم واستحيوهم ومن جملتهم القائد، وقد ~~جعلت الكنيسة بوبون هذا في مصاف القديسين كما يستفاد من المجموعة البولندية. # 14 # وفي الوقت نفسه كان أهالي غاب # 15 # قد ثاروا بالعرب ووثبوا عليهم واستأصلوهم. # وجاء في كتاب قديم يتعلق بهذه البلدة أن الذي جمع كلمة الأهلين وثار بهم على العرب هو رجل ~~يقال له: غليوم فكبسوا العرب بياتا في جميع المواقع التي كانوا يحتلونها، واستأصلوا ~~عرقاتهم وكانت مكافأة الذين قاموا بهذه الحرب أن أخذوا نصف البلدة ونصف الأراضي وتركوا ~~النصف الآخر للمطران والكنائس، وهكذا تحررت بلاد الدوفيني وأصبح خلاص مملكة بروفنس بعد ذلك ~~قريبا. # وإن من المؤسف أن لا تكون لدينا على هذا الحادث المهم معلومات مفصلة، وغاية ما علمناه أن ~~غليوم كونت بروفنس هو الذي تولى كبر تلك الحرب ، ومن يدري فقد يكون هو نفسه غليوم الذي عفى ~~آثار العرب في «غاب» فإن غاب ms127 كانت من توابع بروفنس، وكان غليوم كونت بروفنس محبا للعدل ~~محافظا على الديانة برا برعيته فأحبه رعاياه حبا جما، ولما استنفر أهالي بروفنس ~~ودوفيني السفلى ونيس لقتال العرب لبوا نداءه، فلما اجتمع إليه الجم الغفير منهم قصد أن ~~ينهد إلى العرب في فركسينت، وعندما علم العرب أن أهالي البلاد ضيقوا عليهم من كل جانب نزلوا ~~من جبالهم مجتمعين ودافعوا عن أنفسهم صفا، وأول معركة وقعت معهم وقعت في نواحي ~~دراغينمان # Dragengman # في مكان يقال له: تورتور # Tourtour # حيث يوجد إلى الآن برج مبني منذ ذلك اليوم، ~~تذكارا لتلك المعركة، فانهزم المسلمون والتجأوا إلى حصن منيع، ولكن المسيحيين أخذوا ~~بمخنقهم حتى اضطروهم أن يغادروا الحصن ليلا ويلجأوا إلى الحراج المجاورة، فتأثرهم أهالي ~~البلاد وتغلبوا عليهم، فقتل أكثرهم، وأخذ الباقون أسرى # 16 # وجميع من وقع في الأسر أو استسلم من المسلمين عفوا عنه كما أنهم لم يقتلوا ~~المسلمين الذين كانوا ساكنين وادعين في القرى المجاورة، ومن هؤلاء من تنصر واندمج في ~~الأهالي، ومنهم من بقي مسلما ولكنه أصبح رقيقا مستخدما إما في أراضي الأديار أو في أراضي ~~الزعماء، وقد بقيت لهذه الأمة بقايا معروفة مدة طويلة كما سيأتي الكلام عليه. # أما سقوط حصن فركسينت فقد وقع في سنة 975 وكانت مدة بقاء هذا الحصن في أيدي المسلمين أكثر ~~من ثمانين سنة، ولما كان هو المركز الأصلي لجميع العرب المنتشرين في داخل فرنسة وشمالي ~~إيطالية وفي سويسرة، فلابد من أن ذلك الحصن كان ملآن بالأموال والنفائس، فوزع الكونت غليوم ~~صاحب بروفنس تلك الأموال على الذين امتازوا بقتال العرب، وأشهرهم «جيبلين غريما لدي» الذي ~~كان من أهل جنوة فإنه كوفئ على إقدامه بالأراضي التي كانت في منتهى خليج سان تروبيز، وممن ~~يذكر بين المشاهير الذين جالدوا حق الجلاد بهذه الحرب مسيحي آلت إليه السيادة على مدينة ~~كاستلان # Castallane # في مقاطعة الألب السفلى، وربما ~~كانت ثروة آل كاستلان الحاضرة راشحة عن تلك الفتوحات، ولا ينبغي أن ننسى أن العرب كانوا ~~أيضا قد أجلوا عن مدينة ms128 رييز في (الألب السفلى) فإنه في كل سنة يحتفل أهالي هذه البلدة ~~بعيد خلاصهم منهم الذي يصادف يوم العنصرة. # وقد استولت الكنيسة أيضا على كثير من الأراضي التي كانت بأيدي المسلمين، وذلك لأن رجال ~~الدين المسيحي كانوا قد أصيبوا أكثر من سواهم بهذه الغارات العربية وتهدم كثير من أديارهم ~~فلذلك كانوا هم دائما في طليعة الحركة لإجلاء العرب، فنال أساقفة فريجس ونيس نصيبا كبيرا ~~من الأراضي التي كانت بأيدي المسلمين، وفي طولون وقع نزاع بين الأهالي على الأراضي التي ~~كانت للمسلمين؛ لأنه كان قد طال حكم العرب لتلك البلدة فدثرت آثار التملك القديم وأصبحت ~~الحدود مجهولة، فجاء الكونت غليوم من آرل وأجري التقسيم بين الأديار والأهالي والأمراء، ~~وأرضى الجميع، ولذلك بقي لغليوم هذا اسم كبير في التاريخ، وأطلقوا عليه لقب أبي ~~الوطن. # فقد تقرر إذا أن سقوط حصن فركسينت في أيدي المسيحيين وقع في سنة 975 وأنه من ذلك الوقت ~~لم يبق للمسلمين شيء في أرض فرنسة، نعم إن بعض المؤرخين ومنهم داليين المار الذكر يزعم ~~بقاء المسلمين في جبال الألب مستمرا إلى ما بعد سنة 980 بل إلى ما بعد سنة الألف، ولكننا ~~لا نثق بهذه الرواية، ونظن أنه إن كانت قد بقيت عصابات عربية في جبال الألب من بعد تاريخ ~~سقوط فركسينت فلا تكون عصائب محاربة بل تكون عصائب مستسلمة وقد ارتدت عن الإسلام إلى ~~النصرانية أو صار رجالها في حكم الرقيق، وبالاختصار فمن بعد ذلك العهد لم يبق على أتباع ~~الإنجيل خطر من أتباع القرآن إلا إن كان من قبيل وقائع قرصانية كان لا بد لأجل التخلص منها ~~من مطاردة البرابرة إلى نفس بلادهم. # وفي سنة 976 مات الخليفة الحكم الثاني في قرطبة وكان ابنه بليدا فتقلد الأمور الحاجب ~~الملقب بالمنصور وكان آية باهرة في البسالة والإقدام وحسن التدبير بلي منه النصارى بباقعة ~~لا نظير لها فأعاد للإسلام رونقه الأول وبث الغارات في أطراف بلاد النصرانية حتى أوقع الذعر ~~في جميعها وعادت النصرانية على شفا خطر عظيم، ms129 وكان المنصور عندما تسلم الزمام قد بدأ بترتيب ~~أمور الولايات الإفريقية، حيث أدخل في الطاعة جميع أهلها وجند منهم الجيوش الجرارة، ~~واستنفر أيضا أهل الأندلس منتخبا منهم أشجع الشبان وأخذ يشوقهم إلى القتال ويمرنهم عليه، ~~وكانت غزوات المنصور كلها في فصل الصيف، ما عدا غزاة واحدة، وذلك لأن رجال إفريقية كانوا لا ~~يتحملون برد الأصقاع الشمالية، وبلغ عدد غزواته في مدة سبع وعشرين سنة ستا وخمسين غزوة، ~~لم تنهزم له فيها راية ولا ولى جيشه مدبرا. # 17 # وكان المسلمون في الغالب فرسانا فإذا قصدوا إلى بلاد النصارى وهزموا لهم جيشا ذبحوا ~~الرجال وسبوا النساء والأولاد وباعوهم رقيقا، فكنت ترى بعد كل غزاة من غزوات المنصور أسواق ~~قرطبة وأشبيلية وأشبونة وغرناطة مكتظة بالرقيق من ذكور وإناث، وكان تجار الرقيق يأتون بهذه ~~الخلائق إلى إفريقية ومصر وسائر بلاد الإسلام فتنتشر فيها، وكان المنصور يرى جهاده في بلاد ~~النصرانية أفضل قرباته إلى الله تعالى، وكان يستصحب في جميع أسفاره التابوت الذي يريد أن ~~يوضع فيه عند موته، وكان من عادته أن ينفض الغبار الذي يعلق بثيابه في أثناء غزواته ويجعله ~~في ذلك التابوت، ليصنع منه لبنة يضعها تحت رأسه عند الموت، فجال غزاة المسلمين تحت راياته ~~المنصورة في قشتالة وليون وناباره وآراغون وكتلونية إلى أن وصلوا إلى غاشقونية وجنوبي ~~فرنسة. # وجاست خيل المنصور في أماكن لم يكن خفق فيها علم إسلامي من قبل، وسقطت مدينة شانتياقب من ~~جليقية وهي أقدس معهد مسيحي في إسبانية في أيدي المسلمين، وأحرقت تلك المدينة، وأخذت أجراس ~~الكنيسة الكبرى المعروفة بكنيسة القديس يعقوب إلى قرطبة حيث عمل منها قناديل وعلقت في ~~الجامع الأعظم، ولأجل أن يزيد المنصور من إذلال المسيحيين أجبرهم على حمل الأجراس المذكورة ~~على ظهورهم من شانتياقب إلى قرطبة، وهي مسافة ثمانمائة كيلو متر، ولا ينكر أن المسيحيين ~~عادوا عندما دخلوا قرطبة فاسترجعوا هذه الأجراس وحملوها على ظهورهم من قرطبة إلى شانتياقب، ~~وتلك الأيام نداولها بين الناس. # وفي أيام المنصور # 18 # كاد الأمل ينقطع من بقاء ms130 النصرانية في إسبانية، فاتحد ملوك النصارى بأجمعهم ~~أصحاب ليون ونابار وقشتالة وسائر المقاطعات المسيحية، ونبذوا كل ما كان بينهم من خلاف، ~~وصاروا عصبة واحدة، وتسلح الأساقفة والقسيسون وساروا في مقدمة الجيوش بحسب رواية مؤرخي ~~النصارى على ما في مجموعة الدون بوكيه، واجتمعت جيوش جرارة من المسيحيين على حدود قشتالة ~~القديمة، وحشد المنصور جميع ما عنده من قوة وكانت الوقعة هي التي ستكون الفاصلة بين ~~الفريقين، وتلاقى الجمعان على نهر دويره فكانت المعركة من أهول ما يتصور العقل وبقيت طول ~~النهار وسالت الدماء كالأنهار ولم ترجح فئة على الأخرى، ولكن المسيحيين كان أكثرهم في زرد ~~الحديد فكان التلف منهم أقل، ولما خيم الظلام رجعت كل فئة إلى مخيمها وانتظر المنصور مجيء ~~قواده وأعوانه للتشاور معهم فلم يحضر منهم أحد فسأل عن سبب تأخرهم فقيل له: إنهم سقطوا صرعى ~~في المصاف، فعلم المنصور أن العاقبة وبيلة والتاث جسمه وامتنع عن أخذ أي علاج، ومات بعد ~~أيام قلائل، فدفنوه في الثياب التي كانت عليه يوم المعركة وفي التابوت الذي كان يحمله معه ~~ليدفن فيه، ولا يزال قبره معروفا في مدينة سالم. # 19 # وكان المنصور طول استيلائه على الدولة جامعا بين مجد السيف ومجد القلم، فازدهرت في أيامه ~~العلوم والصنائع وتقدمت الزراعة وازداد العمران وبلغت الأندلس لعهده من السعادة مبلغا لم ~~تعرفه من قبل، وفي أيام المنصور انتشرت مبادئ ~~الفروسية ~~“Chevallerie” # والمبالغة في حفظ الشرف والرفق بالمرأة وبأي ضعيف ونجدة الملهوف ~~أيا كان، وهذا أمر لا نزاع فيه إلا أن المسيو فياردو # Veiredot # في كتابه المسمى «مشاهد الأخلاق العربية في إسبانية في القرن ~~العاشر» قد تجاوز الحد في زعمه أن العرب لعهد المنصور، هم الذين قرروا نظام الفروسية كما ~~كان معروفا عند فرسان المسيحيين فيما بعد، وقد كان واجبا على المسيو فياردو أن يأتي ~~بالبرهان على ما قاله لأن الذي بأيدينا من تواريخ الذين عاشوا في ذلك العصر ليس فيه شيء مما ~~قرره المسيو فياردو. # 20 # وكانت وفاة المنصور سنة 1002 فقام بالأمر بعده ms131 ابنه عبد الملك ولكنه مات سنة 1008 وبموته ~~انقضت أيام الإسلام الزاهرة في إسبانية. # 21 # ثم نشبت الحرب الداخلية في قرطبة وأخذت الحكومات تهدم بعضها بعضا وفترت الحمية الأولى ~~وبدأ الإسلام يتقهقر ويستسر بدره منذ ذلك الوقت، وقد كان في استطاعة المسيحيين من شمالي ~~الأندلس أن يسترجعوا بلاد آبائهم وأجدادهم من ذلك الحين إلا أنهم هم أنفسهم أيضا كانوا ~~منقسمين وكانت العداوة بين نابار وغاليسية كما كانت بينهم وبين المسلمين، وكان المسيحيون ~~يدخلون في حروب المسلمين بعضهم مع بعض منحازين إلى إحدى الفئتين المتقاتلتين حسبما تقتضي ~~مصلحتهم، وربما كان مع كل من الفئتين فئة من المسيحيين؛ وكان الأساقفة بأنفسهم يخوضون غمرات ~~هذه الحروب، وفي سنة 1009 انضم المسيحيون في الفتنة التي وقعت في قرطبة إلى إحدى الفئتين ~~ونصروها على الفئة الأخرى فاستعانت الفئة التي دارت عليها الدائرة بمسيحيي كتلونية الذين ~~زحفوا إلى قلب الأندلس، ولكنهم فقدوا في أثناء الحرب ثلاثة من أساقفتهم ورجلا من أبطالهم ~~اسمه أرمانجو كونت إيرجل. # 22 # والحاصل أن مسلمي إسبانية كانوا قد أخذوا ينكصون وتنحص أجنحتهم ولم يبق أدنى خطر منهم ~~على فرنسة، وأخذت هذه المملكة تتقوى وتتقدم إلى الأمام، وسنة 987 انتقل الملك إلى آل ~~كابت # Cabet # فكانوا أجدر به من المتأخرين من سلالة ~~شارلمان، ثم تنصر النورمنديون وصاروا عاملا عظيما من عوامل القوة النصرانية وسكنوا وركنوا ~~وتركوا العيث والدعارة، وكذلك تنصر المجار وأصبحت أوربة كلها مسيحية، وفي ذلك الوقت بدأت ~~الناس تطالب الملوك بحقوقها وتنبهت الجماعات وناقشت السلطة الحساب وتأسس ما يسمى بالحرية ~~البلدية مما أدى في آخر الأمر تدريجا إلى الحالة الاجتماعية التي جعلت أوربة في مقدمة ~~العالم المتمدن، وأورق من ذلك الوقت غصنها واخضر رعيها وأفلح سعيها، على أن سواحل فرنسة لم ~~تسلم من غارات المسلمين إلى ما بعد ذلك بمدة طويلة ففي سنة 1003 نزل مسلمون أندلسيون في أرض ~~أنطيب أو عين الطيب # Antibes # وأخذوا بعض رهبان أسرى وفي سنة ~~1019 غزا منهم أناس مدينة أربونة فاجتمع عليهم الأهالي وكشفوهم ثم ms132 قتلوهم وأسروا منهم عشرين ~~رجلا كانوا في غاية الطول والعظم، فأرسلوهم إلى دير سان مارسيان في ليموج، فاستخدم منهم ~~رئيس الدير اثنين وفرق الباقين على أصحابه، وجاء في مجموعة الدون بوكيه خبر يفيد أن هؤلاء ~~لم تكن لغتهم عربية. # وفي سنة 1047 نزل مسلمون أندلسيون في جزيرة لارين # Lerins # 23 # واستاقوا عددا من الرهبان أسرى فذهب رئيس دير سان فكتور في مرسيلية إلى ~~الأندلس لافتكاكهم، وكان بعض أمراء الأندلس شرعوا يشنون الغارات البحرية على بلدان ~~المسيحيين، وأشهر هؤلاء مجاهد العامري الذي استولى على دانية وجزر الباليار والإفرنج يسمونه ~~موجيت # Mujet # أو موزكتوس # Musectus # وكان اسمه يلقي الرعب في سكان كورسكة وسردانية وبيزة وجنوة، ~~وبقيت غارات المسلمين على سواحل فرنسة تتوالى ولا تغيب طويلا إلى أن اشتدت قوة فرنسة ~~البحرية ولم تنته تماما إلا بفتح فرنسة لجزائر الغرب، # 24 # وكانت مدينة ماغلون مقصدا لغزاة المسلمين حتى أطلق عليها لقب بورسارازين # port-Sarrazin # ومن هذا القبيل مدينة مارتيخ عند مصاب ~~نهر الرون التي فيها أبنية يقال: إنها من أيام العرب ومثلها جزر هييار # Hyeres # التي قبالة ساحل الفار وقد جاء في إحصاء لمقاطعة مصاب الرون - بقلم ~~المسيو تولوزان - أنه وجدت أوراق قديمة في مارتيغ تتعلق بإقامة المسلمين في تلك البلاد، ~~وكذلك وجدت أوراق قديمة في فوس يظهر منها أن المسلمين سكنوا في جزائر هييار المارة الذكر، ~~على أن المسلمين بدأوا بالتقهقر البحري في أواسط القرن الحادي عشر، ففي سنة 961 كان الروم ~~استردوا جزيرة أقريطش، وفي سنة 1050 أجلي المسلمون عن جنوبي إيطالية وفقدوا ملكهم في صقلية، ~~وتجاوز المسيحيون البحر ونزلوا في بعض سواحل إفريقية حيث خفقت لهم أعلام مدة طويلة، ثم لم ~~يلبث الإسبانيول أن استرجعوا طليطلة وقرطبة وأشبيلية وغيرها، ثم زحف من أوربة إلى آسيا ~~الصليبيون بجيوش لا تحصى فوقفوا المسلمين عند حدودهم بل غزوهم في عقر دارهم وفقد المسلمون ~~كل أمل في التجاوز على فرنسة والجنوب الغربي من أوربة، وفي سنة 960 كان الكاتب العربي ابن ~~حوقل يصف مسلمي الأندلس ms133 بالجبن والطيش وفقد الصلابة والحزم، وكذلك ابن سعيد الذي كان يكتب ~~في القرن الثاني عشر قد تعجب كيف أن المسيحيين لم يطردوا مسلمي الأندلس تماما في ذلك ~~الوقت. # 25 # ومما يدلك على ما وقع في نفوس المسلمين من هذه الجهة الشاهدان الآتيان: روى مؤرخو العرب ~~أنه لما قفل موسى بن نصير إلى الشام بعد فتحه الأندلس، سأله الخليفة عن الشعوب المختلفة ~~التي مارسها، فأجابه، أن الإفرنج فيهم العدد والشدة والإقدام والثبات، ويستغرب أن يكون موسى ~~بن نصير وصف الإفرنج بهذا الوصف وهو لم يباشر معهم حربا، وعلى فرض أنه وصل إلى جنوبي فرنسة ~~كما يزعم مؤرخو العرب، فإنه لم يكن قد لقي الإفرنج بل لقي القوط الذين كانوا أصحاب الحكم في ~~البلاد الجنوبية من فرنسة ولكن مسلمي الأندلس عندما تلاقوا مع رجال شارل مارتل وشارلمان ~~علموا من هم الإفرنج في صلابة العود وعلموا من هم الفرنسيس في حب المجد والإقدام على ~~الأخطار، وقد روى المؤرخ الإسبانيولي كوندي كلام موسى بن نصير هذا وأضاف إليه بزعمه قول ~~موسى: إن الإفرنج إذا انهزموا فليسوا بشيء. # 26 # والشاهد الآخر هو ما يرويه العرب من وجود كتابة منقوشة على تمثال في مدينة أربونة معناها: ~~يا أولاد إسماعيل لا تتجاوزوا هذا المكان فإنكم إن تجاوزتموه ولم ترجعوا على أعقابكم هلكتم. ~~هكذا روى المقري في نفح الطيب في النسخة الخطية التي في المكتبة الملوكية. # 27 # | هوامش # الفصل الرابع # | الصفة العامة لغارات العرب هذه والنتائج التي ترتبت عليها # مرادنا أن ننظر إلى هذه الغارات العربية من حيث المجموع وأن نشير إلى بعض حقائق لم يتسن ~~لنا حتى الآن أن نتبسط فيها. # وكذلك نريد أن نذكر الشعوب المختلفة التي ضربت بأسهم مذكورة في هذه الغارات، ولا نزاع في ~~أن النهضة الأولى قد كانت للعرب، وأن جميع الغزوات الكبرى كان يرأسها قواد من هذه الأمة، ~~وأن الاسم العربي هو الذي كان غالبا فيها، وأنه كان بمنزلة القطب من الرحى، وأن المراد ~~بلفظة «سارازين» عند كتاب الأوربيين هو العرب لا ms134 غير. # فمن أين جاءت لفظة سارازين هذه؟ الجواب جاءت من اللفظة اللاتينية «ساراسنوس» التي أصلها ~~اللفظة اليونانية «سراكنوس» وهذه اللفظة معروفة منذ القرون الأولى من التاريخ المسيحي، ~~والناس تقصد بها العرب الرحل الذين في جزيرة العرب وبين دجلة والفرات وسورية وبلاد العجم، ~~قد ذهب الناس مذاهب شتى في مأخذ هذه اللفظة، وأكثر الآراء اتفقت على أنها مشتقة من «شرقي» ~~لا سيما أن بطليماوس الجغرافي الفلكي اليوناني الذي كان بمصر يتكلم في جغرافيته عن شعب يقطن ~~في بلاد جزائر الغرب يقال له: مغاربة # Machurebe # فمن هنا ~~ظهر أنه أريد بكلمة «شرقيين» التي جاءت منها كلمة «ساراكينو» العرب الذين بقوا في آسية، كما ~~أن الذين جلوا منهم إلى إفريقية تسموا مغاربة وذلك كما هي الحال اليوم. # وقد ذهب بعض علماء المسيحيين في القرون الوسطى إلى أن «سرازين» مشتقة من «سارة» زوجة ~~إبراهيم الخليل، وهذا غير وارد؛ لأن سارة هي أم إسحق لا أم إسماعيل جد العرب. # ومن الأسماء التي يطلقها المسيحيون على العرب في القرون الوسطى الإسماعيلية، # 1 # أي أبناء إسماعيل، وهذه هي نسبة موافقة للواقع؛ لأن قسما كبيرا من قبائل ~~العرب متسلسل من إسماعيل، ومحمد من هذه السلالة، ولكن العرب لا يعترفون بأن إسماعيل كان ابن ~~أمة وأن إسحق يمتاز عليه، وهم ينسبون إلى إسماعيل كل ما ورد في التوراة عن إسحق، ومما ~~استعملوه في القرون الوسطى من الأسماء التي كانت تطلق على العرب لفظة «هجارنة» أي سلالة ~~هاجر، وهذا الاصطلاح، أي هجارنة، مجهول عند العرب، ثم إن أعظم شعب اشترك مع العرب في هذه ~~الغزوات هو الشعب الساكن في جبل الأطلس ونواحيه المنتشر من مصر إلى الأوقيانوس الأطلنطيكي، ~~ومن البحر المتوسط إلى السودان، والذي يقال له: البربر. يعرفهم الإنسان بلونهم النحاسي ~~وأنوفهم الحادة وشفاههم الرقيقة ووجوههم المستديرة، والمظنون أن هذه الأقوام التي يقال لها: ~~البرابر قد وجدت في إفريقية قبل أن وجد الفينيقيون في قرطجنة، وهم من قديم الزمان معتصمون ~~بجبالهم لا يخضعون لسلطة أجنبية، وكان اليونان والرومان يقولون عنهم: ms135 البرابرة فبقي عليهم ~~اسم بربر إلى الآن. وقد اندمج هؤلاء البربر مع غيرهم من الإفريقيين ومع بقايا الشعب ~~القرطجني وبقايا الرومان والفاندال، وتألف منهم شعب واحد يقال له: الشعب المغربي # Maure # أو الشعب ~~الإفريقي # Afri ou Afrecaia ~~. # وقد كان بين الأقوام الذين اشتركوا مع العرب في غزو فرنسة من هم من سلالة جرمانية أو ~~صقلبية، وذلك أنه في القرنين الرابع والخامس للمسيح تقدم أسلاف الذين كانوا ساكنين في شمالي ~~البحر الأسود ونهر الدانوب، زاحفين إلى قلب أوربة وإلى جنوبيها، بأسماء مختلفة، كصقالبة ~~وخرواطيين وسربيين ومورافيين وبوهيميين وتديروا بولونية وبوهيمية وسربية ودالماسية، وقسما ~~من بلاد اليونان، وكانوا في أثناء زحفهم يقتتلون مع الأمم السكسونية والأمم الهونية التي ~~منها المجار، وكان الفريقان في حروب دائمة مع شارل مارتل وأولاده وأحفاده؛ لأن ممالك هؤلاء ~~كانت دائما عرضة لغارات هؤلاء البرابرة، ولم تنقطع هذه الحروب المصطلمة إلا بعد أن دخل ~~الجرمانيون والسلاف في النصرانية، وقد كان البرابرة المذكورون يستعملون الأسرى الذين يقعون ~~في أيديهم كالحيوانات بلا فرق، وكان أهالي هولندة يبيعون أسراهم كالعبيد، وانتشرت هذه ~~العادة في فرنسة والبلاد المجاورة لها، ولم تنقطع إلا بعد أن دخل هؤلاء البرابرة في ~~النصرانية # 2 # وتهذبوا. # ومن المعلوم أن تجارة الرقيق امتدت جدا بعد أن افتتح المسلمون الشام ومصر وإفريقية ~~والأندلس؛ لأن العرب كانوا يعرفون الرق ويحملون عبيدهم على جميع الأشغال اليدوية وعلى الحرث ~~والزرع، أما في الشرع الإسلامي فالرقيق لا يهان أصلا، وكل عبد تظهر كفايته في شغل من ~~الأشغال يقدر أن يرقى إلى ما يرقى إليه الحر بدون فرق وكان التجار يذهبون إلى بلاد ~~الجرمانيين والسلاف وأحيانا إلى نواحي بحر الأدرياتيك والبحر الأسود ويأتون بأصناف الرقيق، ~~ولم يزل أهالي القوقاس يبيعون من أولادهم إلى اليوم، فكانت هذه الشعوب تبيع من أولادها إلى ~~التجار، وكان يأتي منهم قسم إلى فرنسة لا بالبيع والشراء بل بواسطة السبي في الحروب. # ولما كان المسلمون غيرا في قضية الحريم صاروا يخصون هؤلاء العبيد ليمكنهم استخدامهم في ~~داخل الأحاريم بدون خوف ms136 فتنة، وهكذا تولدت في فرنسة مهنة جديدة هي مهنة الخصي، وتأسس لذلك ~~معمل كبير في فاردون # Verdun # في بلاد اللورين. # وكان الصبيان الذين ينجون من خطر هذه العملية القاسية يباعون في أسواق الأندلس بأثمان ~~عالية، وكانوا يتهادون الخصيان من الصقالبة كما يتهادون الخيل أو الحلي الثمينة. # وقد روى أحد كتاب العرب أنه في سنة 966 أراد أمراء كتلونية من الإفرنج أن يتزلفوا إلى ~~خليفة قرطبة فقدموا له هدايا من جملتها عشرون خصيا صقلبيا، والعرب يصفون جميع الرقيق ~~الجرماني والصقلبي والسلافي بلفظة صقلبي # Saclabi # ونظن أنه ~~من هذه اللفظة جاءت كلمة اسكلاف # Esclave # بمعنى عبد. وكان ~~أكثر حرس خلفاء قرطبة وأمراء الأندلس من الصقالبة، وكان منهم كثير في صقلية، ولهم في مدينة ~~بلرم حارة منسوبة إليهم، وكان منهم عدد كبير في إفريقية، وقد يصل الصقالبة إلى أعلى ~~المناصب، ولذلك لا يمكنك أن تقرأ تاريخا لدولة عربية ليس فيه ذكر للصقالبة؛ إذ بدون ذلك ~~يكون التاريخ مغلقا لا يتحصل فهمه. # 3 # ولم يكن بين العرب والبربر أناس من شمالي أوربة ومن أصل وثني فقط، بل وجد لهم أنصار ويا ~~للخجل قد ولدوا في حجر النصرانية، من أهل إيطالية وأهل فرنسة، وقد كان اليهود يستثمرون بؤس ~~الأهالي ويشترون الأولاد من ذكور وإناث ويأتون بهم إلى مراسي البحر حيث كانت ترد سفن ~~اليونان والبنادقة وتحملهم إلى بلاد الإسلام، وكانت هذه التجارة القبيحة قد وصلت إلى قلب ~~عاصمة النصرانية، وقد جاء في مجموعة موارثوري أنه في سنة 750 اضطر البابا زخريا أن يشتري ~~بماله من أيدى البنادقة عددا كبيرا من الأولاد ذكورا وإناثا كانوا يريدون الخروج بهم من ~~رومة ثم إن البابا الذي خلف زخريا اضطر أن يحرق مراكب كثيرة لليونان آتية لحمل الرقيق، ~~وقد جاء في تاريخ الصليبيين للمسيو ميشو أن هذه التجارة كانت جارية في أوربة حتى القرن ~~الثالث عشر، ولكن بشيء من الاحتياط، وكان أسارى المسيحيين والسبي منهم يستخدمون في جيوش ~~المسلمين، وكان السبي من أعظم مقاصد هؤلاء في الغزو، فكلما حصلت ms137 معركة رأيت أسواق الأندلس ~~وإفريقية غاصة بالأسرى المسيحيين، فأما الأطفال والأولاد فكانوا يربون في الإسلام وفي اللغة ~~العربية، وكانوا لا يقدرون أن يرتدوا عن الإسلام إذا بلغوا، وأما الأرقاء الذين بلغوا سن ~~الرشد فلم يكونوا يجبرون على الإسلام لأنه جاء في القرآن # لا ~~إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي # على أن كثيرا ~~من المسيحيين البالغين كانوا يخدمون في جيوش المسلمين عن طيب خاطر. # وأضف إلى هؤلاء قسما من أهالي البلاد التي افتتحها المسلمون، فإن العرب والبربر عندما ~~افتتحوا الأندلس وجدوا أعوانا لا يحصى عددهم من المسيحيين واليهود، ولما لم يكن جيش العرب ~~كافيا لحفظ جميع هذه الفتوحات كانوا كلما دخلوا بلدة عهدوا إلى اليهود بحراستها، # 4 # ولما دخل العرب إلى أرض فرنسة وما جاورها من البلاد لم يخل الأمر من أنهم وجدوا ~~من أهل البلاد رجالا ممن لا يعرفون الحمية الدينية ولا الوطنية، وممن دأبهم أن يستفيدوا من ~~المصائب العامة، فمشوا بين أيدي العرب في غزواتهم وفتوحهم وحطبوا في حبالهم، ولقد رأينا كيف ~~أن «مورونت» دوق مرسيلية وغيره من سادة البلاد تمالأوا مع العرب على أبناء بلادهم، فإذا كان ~~هذا شأن الكبار فما ظنك بالصغار؟ ولا شك أن العرب في فتوحاتهم في مقاطعات دوفيني وبييمونت ~~وسفواي وسويسرة كانوا قد وجدوا من الأهالي أعضادا لهم سرا وعلنا، وكان مؤرخو ذلك العصر ~~لا يصرحون بذلك حياء، ويجتزئون بالإشارة إلى خيانة بعض المسيحيين، ولكن الحقيقة أنه لولا ~~تلك الخيانة لم يكن المسلمون ليستقروا في تلك البلاد القاصية المنقطعة عن أوطانهم الأصلية، ~~وهم في قلة من العدد، في زمن كانت فيه المواصلات غير ما هي الآن. # نعم إن العرب كانوا يجدون من أهالي البلاد ردءا لهم، وقد رأينا في تاريخ دير نوفاليس كيف ~~أن المسلمين قاتلوا الأهالي بقرب فرسل # Verceil # وتغلبوا ~~عليهم وساقوا عددا منهم أسرى ثم دخلوا المدينة وعرضوا الأسرى للبيع، كما تعرض السلع، وصار ~~كل من أراد يدفع في الأسير ثمنا إلى آخر القصة. # أما من جهة اليهود وسياستهم في ms138 جنوبي فرنسة، لذلك العهد، فقد قرأنا في سيرة القديس ~~تيودار # Theodard # رئيس أساقفة أربونة أنه لما دخل ~~المسلمون بلاد اللانغدوق انحاز اليهود إليهم وفتحوا لهم أبواب مدينة طلوزة، وأن شارلمان - ~~تأديبا لليهود على خيانتهم - أمر بأنه كل سنة في الأعياد الكبرى الثلاثة يؤتى بيهودي ويصفع ~~على باب الكنيسة العظمى، وقد بقيت هذه العادة مدة طويلة ثم تبدلوا بها دفع مبلغ من الدراهم. ~~ولنا اعتراض على هذه الرواية من جهة أن العرب لم يدخلوا طلوزة فعلا فلعل هذه الحادثة وقعت ~~في فتح مدينة أخرى، وإذا تركنا قضية أنساب الغزاة ورجعنا إلى لغاتهم فإننا نجد أنهم لم ~~يكونوا بأجمعهم يتكلمون بالعربية، فقد روى ابن القوطية أن بعضهم كان يتكلم بالبربرية، وأنه ~~سنة 1019 عندما غزا المسلمون أربونة كان الغزاة ذلك اليوم من الذين لا يعرفون العربية، ~~وكذلك لم يكن جميع الغزاة مسلمين، بل كان فيهم يهود ووثنيون وأحيانا مسيحيون، وقد كان في ~~البربر عبدة أوثان ومجوس، ولم يدخلوا جميعا في الإسلام إلا بعد فتح إفريقية بمدة ~~طويلة. # 5 # ومن الغريب أن المسيحيين في القرون الوسطى كانوا يسمون غزاة العرب بالوثنيين، ~~مع أنه لا يوجد أبعد عن الوثنية من المسلمين، ومن شدة توحيدهم للباري تعالى يكرهون جميع ~~شعائر الوثنية ويحرمون تصوير المخلوقات الحية، نظير اليهود، ولكن شدة حرمة المسلمين لمؤسس ~~ديانتهم جعلت العوام في أوربة يعتقدون أن المسلمين يعبدونه، كما أن المسيحيين في القرون ~~الوسطى كانوا يطلقون لقب وثني على كل من ليس مسيحيا وقد جاء في التاريخ المنسوب إلى ~~المطران توربين # Turbin # أنه يوجد في إسبانية على شاطئ البحر ~~تمثال من نحاس صنعه محمد نفسه وأن المسلمين يسجدون له، وكذلك فيلومين Philomane # في تاريخه لفتح شارلمان بلاد لانغدوق يتكلم عن تمثال لمحمد من ~~الفضة المذهبة كان المسلمون في أربونة في أثناء استيلائهم عليها يعتقدون أنه ملجأ لهم، ~~وكذلك جاء في رواية تمثيلية اسمها لعب القديس نقولا كان لها شهرة في القرون الوسطى أن أحد ~~أمراء المسلمين في إفريقية كان يعبد صنما اسمه ms139 ترفاغنت # Tervagant # وأنه عندما كان يحصل على مراده كان يغطي خدود الوثن بأوراق ~~الذهب، ثم إن في قصيدة إفرنسية تذكر وقائع رولان الشهير أن مسلمي سرقسطة كان عندهم مغارة ~~جعلوها هيكلا لآلهتهم، وكان فيها تماثيل من ذهب كل تمثال في يده صولجان وعلى رأسه تاج، وأن ~~المسلمين كانوا يجتمعون في تلك المغارة للعبادة. # 6 # وكان اسم «ترفاغنت» ينقلب أحيانا إلى ترماغنت وكان يرد معه اسم أبولين # Apolin # وأسماء أخرى ما أنزل الله بها من سلطان، فتدور في ~~أقاصيصنا القديمة، مثل قصة لافيوكت (البنفسجة) التي نشرها فرنسيسك ميشال، وزعموا أن هذه ~~الأسماء هي أسماء آلهة إسلامية! # وقد بلغ من تعصب أجدادنا وتحاملهم على المسلمين أنه في الرواية المسماة بلعب القديس ~~نيقولا كان يوجد تمثال لذلك القديس كانوا يسمونه محمدا باعتبار أن لمحمد تمثالا، وأنهم ~~كانوا يسمون هيكل الأوثان محمدية # Mohamarie # فانظر إلى ~~غرابة تصاريف الأقدار، وقابل بين هذه الخرافات وبين الحقيقة، وتأمل كيف صنع محمود الغزنوي ~~عندما غزا الهند سنة 1025م، واستولى على صنم أصر على كسره، وعرض عليه الهنود مقدار وزنه ~~ذهبا فأبى إلا أن يكسره وأن يضعه على أسكفة باب المسجد في عاصمته، حتى تدوسه ~~الأقدام. # 7 # وليست هذه الحادثة فذة في بابها، فتأمل في كتابنا المسمى «خلاصة التواريخ ~~العربية عن الحروب الصليبية» تجد من أمثالها كثيرا. # ماذا كان السبب يا ترى في ذهاب آبائنا في الوهم والخطأ إلى هذا الحد؟ الجواب أن بعض ~~العلماء ذهبوا إلى كون أسماء ترفاغنت وأبولين وما أشبه ذلك كانت آتية من بلاد النورمانديين ~~أهالي شمالي أوربة الذين كانوا يعبدون الأصنام، فالعامة في أوربة خلطوهم بالمسلمين بزعمهم ~~أن كل من ليسوا مسيحيين وثنيون! وكذلك كان البربر الذين جاءوا مع العرب متمسكين ببعض شعائر ~~وثنية كانوا يمارسونها ظنت العامة أن هذه الشعائر كان يمارسها العرب أيضا، ولا يجوز أن ~~ننسى أنه في هذه الكتب التي تتهم المسلمين بالوثنية وتزعم هذا الزعم الغريب أنهم ينحتون ~~تماثيل من حجر أو خشب أو معدن ويعبدونها وقد ورد أن ms140 المسلمين إذا وجدوا تلك التماثيل لم ~~تنفعهم انقضوا عليها وحطموها وجعلوها جذاذا. # على أن الاسم العربي والدين الإسلامي كانا هما السائدين في هذه الفتوحات الإسلامية في ~~أوربة، فليس عندنا شيء من الآثار عن البربر أو الصقالبة الذين كانوا مع العرب في مغازيهم، ~~وكل ما عندنا عن هذه الفتوحات إنما هو من رشحات أقلام العرب المسلمين. # أما أسباب هذه الفتوحات العربية، والعلل الأصلية في اقتحام هذه الغمرات، فهي متعددة، ~~فمنها ما يرجع إلى حب الغنائم وكسب الأموال، ومنها ذوق خاص بالضرب في الآفاق، ومنها ما هو ~~محض تجرد لنشر الدين الإسلامي ورجاء ثواب هذا العمل المبرور عند الله فإن القرآن يحث على ~~الجهاد في سبيل الله # انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا ~~بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن ~~كنتم تعلمون # فالمسلمون الذين كانوا يقدرون على حمل السلاح كانوا ~~يجاهدون بأنفسهم، والذين لم يكونوا قادرين على القتال كانوا يجاهدون بأموالهم وجاء في ~~القرآن: # الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم # وكل مسلم ~~يموت وهو يقاتل في سبيل الله فإنه يموت شهيدا # ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون # فالمسلمون يسمون شهيدا كل من بذل دمه في سبيل الإسلام، كما أن ~~المسيحيين يسمون شهيدا كل من مات لأجل النصرانية. # ثم إن الشرع الإسلامي يفرض على المسلمين أن يدعوا غير المسلمين إلى الإسلام، أو إلى دفع ~~الجزية، وذلك قبل إعلان الجهاد ومباشرة الحرب ويجوز أن يكون قد حصل هذا الإعلان عند دخول ~~العساكر الإسلامية إلى فرنسة ولكن الأهالي لم يجيبوا دعوة الإسلام فاضطر أمراء المسلمين إلى ~~تجريد الحسام، وكان المسلمون في أوائل الفتح يتقلدون السيوف ويتأبطون الرماح ويتنكبون ~~القسي، وكانوا كلهم متعممين، ثم إنهم بتغير الأوقات صاروا يتشبهون بالنصارى في أزيائهم ~~وأسلحتهم، ويلبسون الدروع ويغوصون في الزرد وطالما كانوا يقتنون سيوف مدينة «بوردو» لشهرتها ~~في ذلك الوقت، وتركت عساكرهم العمائم وصاروا يلبسون على رءوسهم الكمة الهندية، وكان أمراء ~~الفرنسيس في كتلونية أهدوا ms141 الخليفة عشر أدراع سلافية ومائة سيف إفرنسي، وأنعم الخليفة على ~~حاجبه يوم توليته إياه الوزارة بمائة فارس إفرنجي متقلدين السيوف والحراب غائصين في الحديد ~~على رءوسهم الكمم الهندية، وبالاختصار كان المسلمون قد اقتدوا في شكتهم وأعلامهم وسروج ~~خيولهم بأوربة المسيحية، ولكن بدون شك كانوا يسترجحون في التسلح جانب الخفة ، ويتجنبون ~~السلاح الثقيل الذي كان يعول عليه الأوربيون. # 8 # أما الغنائم فكانت عبارة عن الحجارة النفيسة والنقود المضروبة والمنسوجات والأدوات ~~والأسرى والسبي، وكان السبي أفضل جزء من الغنائم، وكان الأمير يستأثر بالخمس بحسب الشريعة، ~~وينفقه في إعانة الفقراء وأبناء السبيل، وكان الباقي يوزع على الجند، وللفارس ضعفا ما ~~للراجل، وكان يوجد دائما في ساقة الجيش تجار يشترون كل ما يقع في أيديهم من صامت ~~وناطق. # أما الأسرى فليسوا كأسرى هذه الأيام، فكان المسيحي إذا وقع أسيرا كبلوه وإذا انتهت قسمة ~~الغنائم عرف الأسير ذلك الرجل المسلم الذي خرج هو في نصيبه فيصير له مملوكا يتصرف به كيف ~~شاء، ويصير هو وجميع ما يعمله ملكا لسيده، ويتوارثه الأبناء عن الآباء، ويعود أولاده أيضا ~~أرقاء نظير والدهم، وإذا كان سيده غيورا على الإسلام عرض على ذلك الأسير المسيحي اتخاذ ~~الإسلام دينا فإذا أسلم فقد يعتقه وإن لم يعتقه افتكه بعض الصالحين ومحبي الخير من ~~المسلمين؛ لأن تحرير الرقاب هو من أفضل القربات عند المسلمين، وهو بعد تحريره يصير في ~~المجتمع الإسلامي نظير سائر الأحرار ويبلغ من درجات العلياء ما يقسم له حظه ونصيبه ويطلق ~~عليه اسم مولى وهو اسم يتضمن معنى السيد ومعنى المملوك معا، وهناك طبقة أخرى وهي طبقة ~~العبيد الذين يعتقهم سادتهم ولكن على شرط أن يؤدوا إلى سادتهم شيئا معلوما كل ~~سنة. # 9 # وإن كان الأسير المستعبد أبى أن يتحول عن دينه إلى الإسلام فقد كانوا يستعملونه في حرث ~~الأرض أو في حمل الأثقال، وقد وجد مسيحيون كثيرون قبلوا الإسلام، وآخرون بقوا متمسكين ~~بنصرانيتهم، وكلهم كانوا يمتازون بالخدمة وكان يعول عليهم في الحروب، وقد كان منهم كثير في ~~الحرس الخاص ms142 للخلفاء والملوك لا سيما في قرطبة، ولم يكن أسرى المسيحيين الذين بقوا متمسكين ~~بدينهم ليلبثوا عبيدا بدون أمل في الحرية، بل كان أمراء المسلمين وأغنياؤهم ممن يصير إليهم ~~بعض هؤلاء الأسرى إذا وقعت لهم حوادث جاء التوفيق فيها لهم رفيقا أرادوا شكر الله تعالى ~~على نعمته فحرروا من عندهم من الأسرى وسنة 997 علم المنصور بن أبي عامر بأن الله كتب لجنوده ~~النصر في واقعة كبيرة في إفريقية فشكرا لله تعالى أسرع إلى تحرير ألف وثمانمائة أسير مسيحي ~~من ذكور وإناث. # 10 # وكان المسيحيون يجمعون أموالا ويذهبون إلى إسبانية وإفريقية لافتكاك الأسارى، ~~هذا يفتك أباه وهذا أخاه وهذا صديقه وهلم جرا، ومن هناك تأسست رهبانيات بقيت مدة قرون في ~~أوربة لم يكن لها عمل إلا افتكاك الأسارى من بلاد المسلمين، وقد سجل التاريخ من مآثر هذه ~~الجمعية ما هو فوق الوصف، ومن ذلك عمل إيزان رئيس دير القديس فيكتور في مرسيلية، الذي ذهب ~~في سنة 1047 إلى الأندلس برغم ضعف جسمه وكثرة أمراضه، وأفتك عددا من أسارى المسيحيين وجاء ~~بهم قاصدا فرنسة، فبينما هم في البحر هاجمهم قرصان فأخذوهم ووقعوا ثانية في الأسر، ورجع ~~إيزان يسعى من جديد سعيا حثيثا ويذهب ويجيء حتى افتكهم مرة ثانية، وعندما جاء بهم إلى ~~مرسيلية كان الضنى قد بلغ منه مبلغه فما وطئ أرض مرسيلية حتى مات دنفا. # وأما الرقيق من النساء فكن يشتغلن في قصور الأمراء وحرم الأغنياء ويساعدن زوجات الرجل ~~الذي يملكهن، وإذا امتازت إحداهن بجمال أو قسام كانت تعلم وتهذب وتباع بثمن غال أو ~~يتزوج بها مالكها وكثيرا ما كن يرسلن هدايا إلى الخلفاء والكبراء، وذلك كما حصل للأميرة ~~«لمبيجية» ابنة أود دوق أكيتانية التي صارت إلى الخليفة في دمشق وإذا تزوج المسلم بأمة صارت ~~بذلك حرة وكان أولادها أيضا أحرارا، ولم يكن فرق بينها وبين الزوجة التي هي حرة من الأصل، ~~وإن كان ولد للرجل من جاريته أولاد، ولو لم يكن عقد نكاح، ورضي بأن يعترف بهم فإنهم يصيرون ~~أحرارا ms143 وتصير أمهم حرة أيضا لكن مع بقائها تحت سلطة زوجها، ومثل هذه الجارية عند وفاة ~~زوجها تتحرر تماما ويقال لها عندهم: أم ولد. وكانت قصور خلفاء دمشق وبغداد وقرطبة ملأى ~~بالنساء اللائي يقال لهن: أم ولد. وكان أولاد هارون الرشيد، ما عدا واحدا فقط، كلهم أبناء ~~جوار يقال للواحدة منهن: أم ولد. أما إذا كان الأب ولد له أولاد من جاريته ولم يرد أن يعترف ~~بهم فإنهم يبقون هم وأمهم عبيدا. # ولنضرب لك مثلا على ما كان يعانيه الأسرى المسيحيون، في بلاد الإسلام، بالحادثة ~~الآتية: # في أواخر القرن العاشر وقع رجل من أحلاس الحرب، من بلدة طلوزة، أسيرا في أثناء ذهابه ~~لزيارة بيت المقدس، فصار إلى بيت رجل من الأغنياء استخدمه في حرث الأرض، فقال لهم: إنه لا ~~يحسن هذا العمل وإنه لا يحسن غير القتال، فجعلوه جنديا، وحضر وقائع كثيرة وآل به التقلب ~~في البلاد إلى أن حضر حرب قرطبة الأهلية سنة 1009 مسيحية، وهناك امتاز بالبسالة ونبه أمره، ~~ولما كان «شنجو» كونت قشتيلة قد خاض غمرات تلك الحرب وشاهد ما شاهده من إقدام هذا الرجل أمر ~~بإطلاق سبيله. # أما مصير المسلمين الذين كانوا يقعون في أيدي الإفرنج فلم يكن يختلف كثيرا عن مصير ~~المسيحيين الذين يقعون أسرى في بلاد الإسلام، ولقد كان الرق معروفا بفرنسة، وكان يأتيها ~~رقيق كثيرون من جرمانيين وسلاف وغيرهم من شمالي أوربة، فإذا كان يستعبد فيها الأوربيون ~~فبديهي أن يستعبد فيها الأسرى من المسلمين، ولم يكن فرق بين الأسرى في الإسلام والأسرى في ~~بلاد الإفرنج، سوى أن الرقيق في الإسلام إذا تحرر أصبحت له جميع حقوق الأحرار، بخلاف ~~القاعدة في أوربة فإن طبقة العبيد ولو تحرروا تبقى منحطة عن طبقة النبلاء، وتبقى بينهما ~~فواصل، وكان المسلمون يبذلون أيضا الأموال في افتكاك أسراهم، فمنهم من يفكه أهله، ومنهم من ~~يفكه أصحابه، ومنهم من يفكه سلطانه، وقد تأسست عند المسلمين جمعيات لفداء الأسرى كما عند ~~المسيحيين، وذلك إن فك العاني معدود من أفضل الأعمال في الإسلام، ms144 وقد سأل محمدا # صلى الله عليه وسلم # سائل عما يجب أن يعمله لينال أفضل الثواب فأوصاه النبي بتحرير الرقاب، وقد روى النويري ~~ولذريق شيميناس أنه في زمن الأمير هشام بن عبد الرحمن بلغ من ظفر جيوش الإسلام أنهم بحثوا ~~عن أسرى يفكونهم بالمال المجموع لذلك الغرض فلم يجدوا أسيرا مسلما يفكونه. # وكان يؤتى بأسرى المسلمين إلى آرل ومرسيلية وأربونة، ويباعون فيها، ويأتي أناس من أبناء ~~ملتهم إلى هذه المدن فيفدونهم فأما المسلمون الذين لم يحصل لهم نصيب الافتكاك من الأسر ~~فكانوا يصيرون إلى العبودية، فيشتغل الواحد منهم في خدمة مالكه، وأكثر ما كانوا يستعملونهم ~~في الحرث، وكان يحق لمالك العبد أن يبيعه أو أن يضربه أو أن يعذبه، وكثيرا ما كانوا ~~يكبلونهم بالحديد لئلا يفروا، ولم يكن للعبيد من المسلمين، كما لم يكن للعبيد من اليهود ومن ~~الوثنيين، حق أن يتزوجوا بالمسيحيات ولو كن من الخوادم، ومن كانت منهن متزوجة بغير مسيحي ~~كان لا يؤذن بدفنها في مقابر النصارى بل هناك ما هو أكثر من ذلك، وهو أنه لم يكن يؤذن في ~~زواج العبد من الأمة ولو كانا من ملة واحدة، وإنما كان للمالك أن يأذن في مساكنة العبد ~~للأمة في مكان واحد، ولكن على شرط أن الأولاد الذين يولدون لها يكونون ملكا للمالك ~~المذكور، ولقد تلاشى الرق من أوربة في نواحي القرن الثاني عشر إلا أنه بقي جائزا بحق غير ~~المسيحيين لا سيما المسلمين، وعلى ذلك شواهد من آثار القرن الثاني عشر والقرون التالية، ومن ~~جملتها نصوص واردة في مجموعة القوانين البحرية القديمة تأليف المسيو بارديسو، غير أن ذوي ~~التقوى كانوا إذا أرادوا أن يشكروا الله تعالى على نعمة أفاءها الله عليهم أعتقوا عبيدهم ثم ~~عمت العادة بأن كل عبد طلب أن يتعمد أي أن يتنصر يصير حرا، وهكذا اندمج العبيد في سائر ~~الأمة. # وكان العبيد من المسلمين يشتغلون في المزارع من أملاك المتمولين أو أوقاف الأديار ~~والكنائس، وقد مر بنا أن أسارى المسلمين الذين وقعوا في اليد سنة ms145 1019 أمام أربونة قد وزعهم ~~المسيحيون على الكنائس وعلى بعض الزعماء، وهكذا وقع للمسلمين الذين كانوا في فرنسة بعد ~~سقوطهم في معركة سنة 975 ولجميع عساكر المسلمين الذين انفصلوا عن مجموع جيشهم في أثناء ~~غزواتهم للبلاد الإفرنسية. # وكانت هناك أسباب أخرى لزيادة عدد الرقيق المسلم في فرنسة، منها الحروب الصليبية في ~~الشرق، ومنها الحروب التي كانت تقع بين الإفرنج وبين مسلمي الأندلس، وقد ذكر المسيو بارديسو ~~- في كتابه المار الذكر - أن منها ما كان آتيا أيضا بطريق التجارة، ومما لا نزاع فيه أنه ~~قد بقي استعباد أسرى المسلمين في فرنسة عادة متبعة دهرا طويلا، وفي سنة 1149 أوصى أرنود ~~مطران أربونة بعبيده المسلمين لمطران بيزيه # Beziers # وفي ~~سنة 1250 أوصى روميو فيلنوف # Romeo de Villeneuve # الذي كان ~~وزيرا عند كونت بروفنس، قبل موته، ببيع العبيد المسلمين الذين كانوا في أراضيه، وكانوا من ~~الذكور والإناث، ذكر هذا المسيو بوش في تاريخ بروفنس، وبعد ذلك بمئتي سنة ورد ذكر شراء ~~الملك رينه # Reué # 11 # لثلاثة عبيد من المسلمين، وقد اطلعنا على قرارات لمجمع الأساقفة في طراكونية في ~~إسبانية المنعقد 1239 من جملتها أن يجبر المسلمون الذين بفرنسة على اتخاذ لبس خاص بهم، ~~وكذلك اليهود، وقد جاء مثل هذا الاقتراح في قانون لأسقف بيزيه سنة 1863. # وكان المتحمسون بالنصرانية يغضبون للسماح بزواج الأرقاء في فرنسة بحيث وجد في قانون ~~رهبانية جيتو # Jéteau # مادة تمنع أديار هذه الرهبانية أن ~~يجتمع فيها مسلمون ومسلمات في محل واحد، بل كان هناك معاهد دينية ترفض استخدام العبيد ~~المسلمين في أشغالها. # لقد مر بنا أن المسلمين الذين كانوا يطلبون المعمودية يصيرون أحرارا، وكان هذا حقا ~~لهم، ولما كان كثير من هذا الطلب لا يقع عن إخلاص أو عقيدة، وكان بعض هؤلاء المتعمدين إذا ~~حصلوا على حريتهم يعودون إلى ضلالهم، فكان لسادة هؤلاء العبيد الحق في امتحانهم مدة من ~~الزمن، وعند ذلك صار كثير من المسيحيين الذين لا وجدان لهم يمتحنون عبيدهم من المسلمين ~~امتحانات يقصدون بها منعهم من الدخول ms146 في النصرانية، ومنهم من كانوا وقد تنصر عبيدهم، يرفضون ~~الموافقة على تحريرهم ويستمرون على إرهاقهم بأشد ما يمكن، ولقد أصدر الباب كليمنفوس الرابع ~~سنة 1266 منشورا أنزل به صواعق الغضب على رئيس دير القديس بندكنس في ميرنده، لكونه عذب ~~رجلا مسلما غنيا كان قد تنصر، وزعم هذا الرئيس أن تنصره كان غير حقيقي وضبط له أملاكه ~~وحرم منها أولاده. # فأنت ترى أنه كان من المسلمين المستعبدين في فرنسة أشخاص ذوو أملاك، وكانوا مثل اليهود ~~يقرضون الأموال بالربا، وكان إذا غضب الشعب على المرابين من اليهود أدخلوا المسلمين أيضا ~~في دائرة غضبهم، وقد قلنا: إنه لم يكن للمسلمين حق في التزوج بمسيحيات، وإن كل مسيحية كانت ~~ترضى بأن يتزوجها مسلم كانت تحرم من حق الدفن في المقابر المسيحية، وكان هؤلاء المسلمون ~~يعطلون أشغالهم في الأعياد المسيحية قسرا. # وبالإجمال فعدد المسلمين الذين تنصروا في فرنسة كان كبيرا، # 12 # وهذه نتيجة طبيعية للحالة التي كانت يومئذ ولكن الفرنسيس الذين مع الأسف اتخذوا ~~الإسلام دينا كان عددهم أكبر، فإن الغزوات الإسلامية الأولى لفرنسة وسبي المسلمين للذراري ~~من أهلها وما كان التجار يتجرون به من الرقيق، كل هذا قد أدخل في الإسلام عددا لا يحصى من ~~الإفرنج، ومن المعلوم أن المسلمين يتلقون المسيحيين الداخلين في دينهم بمزيد التساهل ~~ويعتنون بهم ويوفرون حظوظهم وأرزاقهم وبهذا كثر عدد النصارى الذين صبأوا عن دينهم ودخلوا في ~~الإسلام. # ولنتكلم الآن عن كيفية حكم المسلمين في فرنسة أيام كانوا سائدين فيها وعن طرز معاملتهم ~~لرعاياهم وعن سياستهم المدنية والدينية والخراجية، فإنهم قد استقروا بعد غزواتهم الأولى في ~~بروفنس ودوفيني وبييمونت وسفواي وسويسرة، ولكن استقرارهم الحقيقي لم يكن إلا في بعض المعاقل ~~الحصينة وفي ضواحيها، ولم يتفق لهم أن استولوا في فرنسة على بلاد بأسرها، نعم كانت في ~~أيديهم معابر الجبال والأنهار، فكانوا يأخذون من السابلة رسوما على المرور، وكان الوادعون ~~منهم يشتغلون بالفلاحة والزراعة، وربما أدوا الضرائب عن محصولاتهم إلى أمير البلاد التي ~~كانوا فيها، أما بلاد بروفنس التي كانت ms147 تجاور حصن فركسينت فقد كانت دائما عرضة لعبث ~~عصاباتهم، وفي أوائل فتحهم لجنوبي فرنسة أيام شارل مارتل وابنه ببين القصير لم يطل الأمر أن ~~وقعت بينهم الحروب التي أدت إلى التنفيس من خناق المسيحيين، فكان للقوط في اللانغدوق ~~أمراؤهم وقوامسهم يلون أمورهم وإنما لم يكن المسلمون يعطون هؤلاء الأمراء سلطة عسكرية واسعة ~~فكأنهم كانوا يحفظون حق السيطرة لأنفسهم على الحكومات المسيحية المحلية، وقد ذكرا يزيدور ~~الباجي المؤرخ المسيحي الذي عاش في ذلك العصر أن عقبة أمير الأندلس في سنة 734 كان يلتزم ~~سياسة ترك الشعوب التي تخضع لحكم المسلمين على قوانينها الأصلية، وقد وقع في يدنا منشور من ~~الوالي المسلم لمدينة قويمرة في البرتغال يظهر منه أنه كانت للمسيحيين إدارة خاصة بهم، ونص ~~هذا المنشور هو ما يلي: يكون على مسيحيي قويمرة كونت يلي أمورهم ويحكم فيهم بالسداد، وكما ~~كانت عادة المسيحيين في الأحكام وله أن يفصل الخصومات التي تقع بينهم، ولكنه لا يقدر أن ~~يحكم على أحد بالقتل إلا بعد موافقة قاضي المسلمين وذلك بأن الجاني يؤتى به أمام القاضي ~~ويقرأ نص الحكم عليه بحسب الشريعة المسيحية، فإذا وافق القاضي أمكن تنفيذ الحكم بالقتل وإلا ~~فلا، ويكون لكل مدينة من المدن الصغيرة قاض خاص بها يحكم فيها بالعدل ويكف المنازعات، وإن ~~أهان مسيحي مسلما عومل بشرع المسلمين، وإن سطا مسيحي على عرض مسلمة أجبر على الإسلام ~~وعلى التزوج بالمرأة التي اعتدى على عرضها، وإلا فالقتل، وإن كانت المرأة محصنا فإن ~~المعتدي على عرضها يقتل بلا مراجعة. # 13 # وقد وجد نص هذا المنشور في دير لوربان # Lorban # وطبع في أشبونة سنة 1609. # أما من جهة سياسة المسلمين الدينية في فرنسة فليست عندنا عنها معلومات شافية للغليل، وكل ~~ما نعلم أن المسلمين تركوا للنصارى حريتهم الدينية، وأن السواد الأعظم من أهل أربونة مثلا ~~بقوا مسيحيين، وكان عددهم كبيرا، وقد ترك لهم المسلمون كنائسهم وبيعهم مع القسيسين والوفهة ~~الذين يخدمونها، على أنه لم يسمع أن المسلمين في أربونة وما جاورها من فرنسة مثلا ms148 متعوا ~~المسيحيين بالحقوق التي أمتعوهم بها في قرطبة والمدن التي في قلب المملكة، نعم إن المسلمين ~~في قرطبة استولوا على كنائسها الكبرى، ولكنهم أبقوا للمسيحيين سائر كنائسهم وتركوا لهم ~~أديارهم التي للرهبان والتي للراهبات على السواء، وتسامحوا معهم في أمر لم يتسامح فيه ~~المسلمون لا في إفريقية ولا في آسية وهو قرع المسيحيين للأجراس # 14 # في مواعيد صلاتهم، أما في أربونة وما جاورها من المدن فلم يكن للمسيحيين أساقفة ~~كما في قرطبة، ولا كانت لهم أديار ولم يكن السبب في ذلك كله من المسلمين بل كانت هناك فوضى ~~كنسية كما يستدل عليه من كتاب بعث به القديس بونيفاس إلى البابا زخريا سنة 742 وهذه الفوضى ~~كانت ناشئة عن الانقلابات التي أحدثتها حروب أولاد كلوفيس فيما بينهم، أما في شمالي إسبانية ~~فقد وقعت الفوضى الكنسية لدى وصول المسلمين إلى البلاد، ففي أراغون مثلا، عندما جاء ~~المسلمون واستولوا على هذه المملكة، فر الأسقف إلى جبال البيرانه ولم تعد الأسقفية إلى ~~أراغون إلا بعد ذلك بثلاثمائة سنة، أي عندما أجلي المسلمون عن البلاد، ولا يظهر أنه كان في ~~برشلونة أسقفية لعهد وجود المسلمين فيها، بل يظهر أن أمراء المسلمين تحاشوا قبول الأسقفيات ~~في المدن الواقعة في الثغور، وقد كان المسلمون يتركون للمسيحيين كنائسهم على شريطة أن ~~يكتفوا بالقديم منها، وأن لا يؤسسوا كنائس جديدة، وإن بنوا شيئا جديدا منها فلا يكون إلا ~~مكان القديم، وذهب بعض فقهاء الإسلام إلى أنه لا يجوز تجديد الكنيسة الجديدة إلا بأحجار ~~الكنيسة القديمة، ولم يكن للمسيحيين حق في الطواف في الأسواق بالصلبان والأعلام المسيحية ~~ولم يكن أيضا للمسيحيين أن يعارضوا نصرانيا يريد الدخول في الإسلام، وقد تبين من الأمر ~~المتعلق بنصارى قويمرة في البرتغال أنه كان على كل كنيسة دفع ضريبة لبيت المال، مقدارها خمس ~~وعشرون قطعة فضية، وكان على كل دير دفع خمسين قطعة أما الكنائس العظمى فكانت تدفع مائة ~~قطعة. # وقد تقدم أن المسلمين في مدن الأندلس كانوا يعاملون النصارى بالحسنى، كما أن النصارى ~~كانوا ms149 يراعون شعور المسلمين فيختنون أولادهم ولا يأكلون لحم الخنزير، ومع هذا فقد وجدت ~~كتابات للمسيحيين من القرن التاسع تدل على أن مراجل البغضاء كانت تغلي أحيانا بين ~~الفريقين، وأنه كان محظورا على المسيحيين إقامة شعائر دينهم علنا بالاحتفال اللازم، وأن ~~المسلمين كانوا إذا سمعوا قرع النواقيس اشمأزوا ونفروا وربما قذفوا وشتموا، ولكن لا ينكر أن ~~المسيحيين أيضا كانوا إذا سمعوا الأذان تعوذوا بالله ورسموا إشارة الصليب على صدورهم، وقد ~~أقر بذلك القديس أولوج # Euloge # الذي كان من المضطهدين سنة ~~850. # أما من جهة الخراج فقد تقدم أن السمح (ابن مالك الخولاني) أمير الأندلس كان هو البادئ ~~بتنظيم الجبايات واستخراج الارتفاعات سواء في إسبانية أو في جنوبي فرنسة، وقبل ذلك كانت ~~أمور الجباية فوضى والحبل منتشرا، وقد وزع السمح قسما من الأراضي المأخوذة من المسيحيين ~~على غزاة المسلمين وعلى العائلات الفقيرة، بعد أن كان بعض ذوي السلطة قد استأثروا بها ~~لأنفسهم من دون الفقراء، وقد ضم السمح بقية الأراضي إلى بيت المال، وكان الخراج المفروض على ~~أراضي المسلمين هو عشر المحصول بخلاف المسيحيين فقد كانوا يدفعون الخمس، أي ضعف خراج ~~المسلمين، وكان المسيحيون عدا الخمس يدفعون الجزية، وهي إتاوة شخصية كان يتقاضاها المسلمون ~~من المسيحيين في مقابلة محافظتهم على دمائهم وأموالهم وأمتاعهم بحريتهم الدينية، أما من ~~أسلم من المسيحيين فكان معفي من الجزية، وكان ملوك الأندلس يضربون رسما على البضائع ~~والسلع، فالمسلم كان يؤدي اثنين ونصفا في المئة، والمسيحي كان يؤدي خمسة في المئة، وكانوا ~~يسمونها زكاة وكانت تنفق في إعانة الفقراء وافتكاك الأسرى. # وكان المسلمون يسمون المسيحيين الذين خضعوا لهم ودفعوا الجزية المعاهدين أو أهل الذمة، أي ~~الذين لهم على المسلمين ذمة الحماية والمحافظة، أما المسيحيون الذين لم يكونوا خاضعين ~~للإسلام فكانوا يسمونهم أعلاجا واحدها علج، وكانوا يقولون: عجمي لكل من ليس بعربي، ويسمون ~~مشركا كل من يقول بأن الله ثلاثة أقانيم لأن المسلمين لا يرون في الثلاثة الأقانيم إلا ~~ثلاثة أشخاص. # ويحق للإنسان أن يسأل: بأي لسان كان العرب يكالمون ms150 الأمم التي تغلبوا عليها؟ فإن من عادة ~~العرب أن لا يحفلوا بغير لغتهم كما أن المسيحيين لذلك العهد كانوا من الجهل والبربرية بحيث ~~لم يكونوا يفكرون في تعلم العربية، ولم يذكر التاريخ رجلا مسيحيا لأوائل أيام الفتح ~~الإسلامي أتقن العربية غير هارتموت # Hertmote # رئيس دير ~~سانغال الذي كان يعرف العربية واليونانية والعبرية، وكان من رجال أواخر القرن التاسع، ولم ~~يبدأ آباؤنا بتعلم العربية إلا في أيام الحروب الصليبية؛ إذ لم يجدوا غنى عن الاطلاع على ~~لغة قوم استولوا على جانب من بلادهم، فكانوا يذهبون إلى إسبانية حيث كانت العربية ~~واللاتينية تعلمان جنبا إلى جنب ويقرأون العربية على أهلها، وفي سنة 1142 أكمل بطرس ~~رئيس دير كلوني # Cluny # أول ترجمة لاتينية للقرآن، وبدأ يكتب ~~الردود على دين الإسلام، وتبعه في ذلك مؤلفون كثيرون من النصارى. # على أننا لا نشك في أنه في أول دخول العرب إلى فرنسة كانت اللغة العربية معروفة فيها، ~~وكان كثير من الإفرنج يحسنون التكلم بها، وذلك لأن العرب كانوا يأخذون أبناء البيوتات ~~النبيلة رهائن على طاعة أهلهم لهم، ويرسلون هذه الرهائن إلى قلب مملكتهم، فكان لابد لهم ~~هنالك من أن يتعلموا العربية، وكذلك كان بديهيا أن الأسرى والعبيد من المسيحيين يتعلمون ~~العربية، فإذا عادوا إلى بلادهم كانوا من جملة الإفرنج الذين يعرفون هذه اللغة، وأضف إلى ~~ذلك المسلمين المستعبدين الذين كانوا في أرض فرنسة فقد كانوا كلهم يتكلمون بالعربية، ولا ~~تنس التجار وزوار بيت المقدس الذين برغم جميع تلك الحروب الهائلة لم ينقطعوا عن التجارة ولا ~~عن الزيارة، وكانوا يختلفون إلى مصر والشام وغيرهما من بلاد الإسلام، ومن جملة هؤلاء ~~الإنكليزي القديس غيلبود # Geillebaud # الذي ذهب إلى الشرق ~~ووصل إلى الشام سنة 734 للمسيح، وقيل: إنه عند وصوله إلى دمشق قبض عليه على ظن أنه جاسوس، ~~فلما علموا أنه قادم لزيارة بيت المقدس خلوا سبيله، فطاف في سورية وفلسطين بدون معارضة؛ ~~ولكن لم يقع في أيدينا شيء من المعلومات عما دار من الأحاديث بين الخليفة في دمشق ms151 وبين ~~القديس المذكور. # وكان المسيحيون في ذلك العصر مستسلمين للأقدار يعتقدون أن غزوات العرب لبلادهم إنما هي ~~عقاب من الله تعالى للبشر على خطاياهم فكانوا راضين بما قدره الله عليهم لا يحاولون دفع ما ~~نزل بهم ولم ينهضوا في أوربة لاستعمال الوسائل البشرية الكفيلة بدفع الأذى عنهم إلا في أيام ~~الحروب الصليبية. # وكان المسلمون في غاراتهم يستعملون السبي فيربون الصبيان إلى أن يبلغوا رشدهم، ويجعلونهم ~~جنودا، ويربون الصبيات إلى أن يبلغن رشدهن فيتخذوهن حلائل، وكانوا في أي مكان شنوا فيه ~~الغارة وضعوا ذلك نصب أعينهم، تأمل في كيفية حلولهم بجزيرة أقريطش، فقد تقدم أن خمسة عشر ~~ألفا من ربض قرطبة أجلوا عن الأندلس على أثر فتنة الربض المشهورة، فجاءوا إلى الإسكندرية، ~~ومن هناك عزموا على النزول في أقريطش نظرا لحسن هوائها وجودة تربتها، ولما وصلوا إلى تلك ~~الجزيرة أمرهم قائدهم بأن يبدأوا بالعمارة، وأحرق السفن التي جاءوا بها، فصاح رفاقه به ~~قائلين له: كيف يمكننا بعد الآن أن نراسل نساءلنا وأولادنا؟ فأجابهم: إنني أعطيتكم وطنا ~~جديدا وهذا الوطن هو الذي يكفل لكم إيجاد نساء تتزوجون بهن، وبعد ذلك عليكم أنتم أن تنسلوا ~~الأولاد، ولما جاء المسلمون ودخلوا أرض فرنسة فاتحين لم يكن لهم مقصد سوى نشر دين الإسلام ~~وإخضاع فرنسة وكل أوربة لأحكام القرآن، ولكن فيما بعد ذلك دخل في تلك الغزوات مقاصد أخرى، ~~كحب النهب أو الأخذ بالثأر، ومن هذا القبيل نزول العرب في أواخر القرن التاسع في أرض ~~بروفنس. # وقد ذكر المؤرخ ليو تبرند كيفية فتح العرب لصقلية فقال: إن أمير صقلية من قبل إمبراطور ~~القسطنطينية كان قد خرج من طاعته، فأرسل يستنجد أمير العرب في القيروان، فشاور هذا أعوانه ~~فيما يفعل، فأشاروا عليه بإصراخه، ولكن على شرط أن العسكر الإسلامي يأخذ ما يمكنه من ~~الغنائم ويقفل بدون استقرار في تلك الجزيرة، وذلك لأنهم لمعرفتهم بشدة قرب صقلية من الأرض ~~الكبيرة كانوا يعتقدون أن مقام أمة تخالف أهل تلك الديار في اللغة والعقيدة لا يمكن أن يكون ~~هناك ms152 لا طويلا ولا وطيدا، وأنه لا مناص من أن يكر اليونان والإفرنج فيسترجعوا تلك الجزيرة ~~ولو بعد حين، قيل: إن أحدهم سأل يوم عقد تلك الشورى بشأن غزو صقلية ما مقدار المسافة التي ~~تفصل بين الجزيرة والأرض الكبيرة؟ فأجابوه بأن الإنسان يقدر أن يأتي ويرجع مرتين أو ثلاثا ~~في النهار، فسأل: وكم المسافة بين صقلية وإفريقية؟ فقيل له: مسافة يوم وليلة. فقال: لو كنت ~~طيرا ما رضيت أن أجعل مقامي بهذه الجزيرة والحال هي هذه من جهة المسافة. ذكر ذلك النويري. ~~والحقيقة أن المسلمين لم يعولوا على البقاء في صقلية إلا بعد أن رأوا أمورها فوضى، وبعد أن ~~وجدوا أمراء تلك البلاد يستعينون بهم بعضهم على بعض، لا تجمعهم جامعة قومية ولا تضمهم صارخة ~~وطنية. # أما الآثار الحجرية التي تركها المسلمون في فرنسة على أثر غزواتهم فيها فهي قليلة جدا ~~ففي أربونة مثلا حيث بقي العرب نحوا من أربعين سنة، لم نجد لهم بناء خاصا بهم، وغاية ~~ما عملوا أنهم زادوا في تحكيم القلاع التي فيها حتى جعلوها في مناعتها لا تؤخذ، ولكن لم يجد ~~المؤرخون هناك كتابات عربية ولا آثارا يتحققون كونها عربية. وقد قيل عن بناء في مدينة ~~سردانية التي بجوار جبل لويس: إنه من عمل المسلمين، ولكن ذلك القول لم يثبت لأنه بناء لا ~~يشابه أبنيتهم المعهودة، نعم يوجد في جنوبي فرنسة كثير من المسكوكات العربية وأكثرها ليس ~~عليه ذكر الملوك الذين ضربت في أيامهم، ولا ينكر أنه في أواخر القرن التاسع للميلاد كان ~~المسلمون قد قطعوا مراحل بعيدة في المعارف والفنون وأخذوا يتقدمون يوما فيوما في المدنية، ~~وفي ذلك الوقت كان نزولهم في بلاد بروفنس ودوفني وسافواي وسويسرة، ولا نزاع في أن مسلمي ~~إسبانية وصقلية بل مسلمي إفريقية نفسها كانوا في ذلك العصر أرقى من مسيحيي فرنسة والبلاد ~~المجاورة لها التي كانت غائصة في فتن كقطع الليل المظلم ولسنا الآن في صدد المدنية الباهرة ~~التي أثلها العرب في الأندلس فمن ذا الذي لا يسمع بعظمة جامع ms153 قرطبة الأعظم، ومن لا يعلم ما ~~شاده العرب من الجسور والمعابر وشقوه من الأنهر والجداول لري الأراضي، وما بنوه من القصور ~~المنيفة الشامخة، ولعمري لم ينحصر فضلهم في الصناعة والفن بل كانت لهم القدم الراسخة في ~~العلوم العقلية والفلسفة وكانوا ترجموا إلى العربية كتب أرسطو وأبيقراط وجالينوس ~~وديسقوريدوس وبطوليماووس وغيرهم، وكشفوا من العلم أسرارا جديدة أضافوها إلى ما تلقوه عن ~~غيرهم. فكان تفوق العرب على المسيحيين في ذلك العصر حقيقة ثابتة لا مراء فيها وكان ~~المسيحيون يفتقرون إليهم في العلم ويردون حياضهم فيه، وقد روى المؤرخون أن شانجة ملك ليون ~~كان في سنة 960 جاء إلى قرطبة ملتمسا الاستشفاء، لدى أطباء العرب، من مرض كان قد أعياه ~~شفاؤه، فوجد عند أطباء العرب الراحة التي كان ينشدها وبقي طول حياته يذكر الحفاوة التي ~~استقبل بها والاعتناء الذي رآه في قرطبة بشأنه، وفي تلك الأيام كان راهب اسمه جربرت انتجع ~~إسبانية، طلبا للعلوم الطبيعية والرياضية، فبلغ من العلم مبلغا خيل لعامة فرنسة إذ ذاك ~~أنه ساحر. # 15 # أما العرب الذين جاءت عصائبهم ونزلت في أرض فرنسة وتدرجت إلى جبال الألب فلم يكونوا من ~~النمط الأول؛ أي من الذين يريدون أن ينشروا ثقافة أو يؤثلوا مدنية، وإنما كانت غاراتهم كلها ~~منبعثة عن طمع في النهب وغرام بالكسب. فالنهضة الحقيقية في أوربة لم تبدأ إلا منذ القرن ~~الثاني عشر أي منذ زحف أهل الغرب لقتال أهل الشرق، ووجدت النصرانية والإسلام في الصراع ~~وجها لوجه، فوقع الاحتكاك بين المسلمين والمسيحيين، وأفاق الفرنسيس والإنكليز والألمان من ~~رقدتهم ونفضوا عنهم غبار الخمول، ووجدوا ضرورة المشاطرة في المدنية الإسلامية، وكان علم ~~اللغة اليونانية قد درس، وصار العلم اليوناني غير معروف إلا عند العرب، فأخذ المسيحيون ~~من فرنسة وجوارها يؤمون إسبانية لأجل ترجمة التآليف العربية المنقولة عن اليونان، وذلك إلى ~~اللغة اللاتينية التي كانت يومئذ لغة الكتابة والعلم في أوربة، وقد بقيت هذه التراجم إلى ~~القرن الخامس عشر هي عمدة الجامعات والمدارس في معرفة علوم يونان. # ولا مندوحة لنا ms154 عن أن نقول كلمتين عن آثار هؤلاء العرب الذين نزلوا في فركسنيت، فإن الأثر ~~الذي أثروه هناك من الآبار المحفورة والأسراب المكفورة والحجارة المنحوتة والأبنية المحكمة ~~لا تزال بقاياه بارزة للعيان، دالة على صبر عجيب وهمة بعيدة، ولكن لم يوجد على شيء من ذلك ~~الحصن كتابات عربية كما وجد في الحصون التي من بناء العرب في الأندلس. # وقد ذكروا أن حصونا كثيرة على قنن الجبال هي من بناء العرب المذكورين وأنه كانت لهم ~~أبراج كثيرة منتظمة بلبة الساحل الإفرنسي والإيطالي، اختاروا لها تلال الجبال لتوقد بها ~~النيران ليلا على حسب عادة العرب الذين كانوا يشبون هذه النيران إيذانا بوقوع الحرب ~~وطلبا للمدد وجمعا للقوة. وقد ذكر ذلك المسيو ألفونس ده ~~نيس # Denys # في كتابه النزهة البديعة في مقاطعة الفار، وكذلك جاء في كتب العرب ~~كلام على الأربطة والمراقب التي شادها الأمير عقبة بن الحجاج السلولي، أمير الأندلس في ~~جنوبي فرنسة، في نواحي سنة 734 وقد ذكر أيزيدور الباجي أن السمح بن مالك الخولاني الذي تولى ~~قبل عقبة إمارة الأندلس، قد بنى هو جانبا من هذه الأبراج، ولكننا لا نعلم لماذا ينسبون ~~بناء هذه الأبراج كلها إلى العرب، ولماذا لا يجوز أن يكون أهل البلاد أنفسهم هم الذين ~~بنوها، أو بنوا بعضها، احتياطا لأنفسهم ومراقبة لأعدائهم. # 16 # هذا ومما وجد من آثار العرب في فرنسة الأطالس الحريرية والأسفاط الثمينة من ~~العاج والفضة والكؤوس البلورية والأسلحة النفيسة، ولا يزال منها جانب في خزائن الكنائس وفي ~~مخادع الغواة؛ والناس تقومها بأثمان غالية مما يدل على مكانة الصنعة العربية في الأنفس، ~~ولكن من المحقق أن أكثر هذه المصنوعات العربية هي من عصر متأخر عن القرن الثامن، ولم يكن ~~مقام العرب بفرنسة خاليا من تأثير في طرق الزراعة فإن هؤلاء القوم لم يحلوا في مكان إلا ~~طبقوا الأراضي بالعمل، وجروا الأقنية، ونسقوا من تحتها الجنان شاهدك على ذلك تلك البساتين ~~المنقطعة النظير، في مرسية وبلنسية وغرناطة، ويقال: إن العرب الذين نزلوا في بروفنس هم ~~الذين ms155 بدأوا في استثمار شجر البلوط، ولا يزال هناك غابة منه يقال لها: غابة المغاربة. وكذلك ~~العرب هم الذين كانوا يستخرجون القطران من أشجار الصنوبر والأرز، ويقلفطون به المراكب، ~~ولهذا تجد أهالي بروفنس لا يقولون للقطران غودرون # Goudron # كما يقول سائر الفرنسيس، بل يقولون قطران # Quitran ~~. # 17 # وقالوا: إن العرب هم الذين أصلحوا جنس الخيل في فرنسة، وذلك أنهم كانوا يأتون على سفنهم ~~بالجياد العراب ليتسنى لهم عليها بث الغارات في داخل البلاد، فبقي جنسها في فرنسة من ذلك ~~الوقت والآن يوجد صنف من الخيل في مقاطعة كامرغ # Camergue # متولد من ازدواج الخيل الأندلسية بخيول تلك المقاطعة. # ومما يظنه الناس من بقايا عادات العرب نوع الرقص الذي يطلع عليه الإنسان في جنوبي فرنسة ~~وهو يختلف باختلاف الأماكن، فمنه زفن يقع في الليالي يرقص فيه الشاب بين فتاتين، وفي أثناء ~~رقصه يقدم فاكهة تارة إلى هذه وطورا إلى تلك، ومنه ما يقف فيه الراقصون خطا، بإزاء ~~الراقصات خطا، ثم يشتبك الخطان أحدهما بالآخر والشخص الذي يكون على رأس كل من الخطين يعمل ~~إشارات يقتدي بها الآخرون، وهناك رقص عسكري يرقص فيه اثنان كل منهما متقلد سيفا يحاول أن ~~يصيب به الآخر أشبه بالأقران في ساحة القتال إذا أرادوا أن يهاجموا أو يدافعوا. # أما وجود أناس في فرنسة نقدر أن نحكم عليهم حكما باتا بأنهم من أصل عربي فغير محقق، ~~قيل لنا: إن قوما يسكنون على ضفاف نهر الصاوون، بين ماصون وليون، لا سيما على الضفة ~~الشمالية أنهم من بقايا شرذمة من العسكر العربي انقطعت عن مجموع الجيش في أيام شارل مارتل ~~وقالوا: إن لهؤلاء عادات خاصة وألفاظا خاصة قد تكون باقية من اللغة العربية ولكن شيئا من ~~هذا لم يتحقق، لا سيما أن تلك الألفاظ هي في الحقيقة مشتقة من اللاتينية، أو باقية من ~~الإفرنسي القديم وأن البلاد الواقعة بقرب ماصون لم ينزل بها عرب بل كانت ملجأ لمن فروا من ~~وجه العرب، وكذلك قيل: إن جماعة من سكان البلاد المجاورة لجبال ms156 البيرانه، يقال لهم: كاغوت، ~~هم من أصل عربي. ولكن لم يثبت شيء من هذا، بل الأرجح أن هذا الجيل من الناس هو من جملة ~~الأجيال الغريبة المنتشرة في بريطانية وأوفرنيه باسم كاكو وكابوت وما أشبه ذلك. # ثم إنه كما لا يخفى في زمن الملك هنري الرابع هاجر من إسبانية إلى فرنسة عدد كبير، نحو من ~~مائة وخمسين ألف نسمة من مسلمي الأندلس، فرارا من تضييق فليب الثالث ملك إسبانية الذي منع ~~أن يجتمع في جزيرة الأندلس دينان، وأجبر بقية المسلمين فيها على التنصر بالنار والسيف، ولما ~~وجد أن الكثرين منهم لا يزالون مسلمين باطنا، وأن لهم علاقات بالدولة العثمانية التي كانت ~~في ذلك العصر ذات صولة عظيمة، أجمع أخيرا على طردهم من بلاده، فجاءوا إلى فرنسة ولكنهم لم ~~يكونوا في فرنسة إلا عابري سبيل؛ لأنهم أبحروا من سواحل فرنسة إلى إفريقية والبلاد ~~العثمانية ومن بقي منهم في فرنسة تنصر واندمج في مجموع الأمة كما أشار إلى ذلك شينيه # Chenier # في كتابه المباحث التاريخية عن المغاربة. # 18 # أما تأثير الأدب العربي في آداب لغات الأمم الساكنة في جنوبي أوربة، فقد قيل فيه: إنه وقع ~~في لغة الأوك # Oc # التي كان يتكلم بها أهالي جنوبي فرنسة ~~وكتلونية، إذ هناك أقام العرب طويلا، وقد دخل في اللغة الإفرنسية كلمات كثيرة من العربية ~~لا مراء فيها، وهذا الاختلاط في اللغات لم يقع بخاصة أيام وجود العرب بفرنسة، بل قد وقع ~~أكثره بعد جلائهم عنها؛ لأن العلاقات التجارية لم تنقطع بين العرب والفرنسيس في يوم من ~~الأيام، وبالإجمال فتأثير العرب في فرنسة كان أقل مما يتوهم الناس، وإن ما أجروه فيها من ~~العيث والتدمير ليتضاءل في جانب ما خربه النورمانديون والمجار، بل نقدر أن نقول: إنه بقيت ~~للعرب مكانة عظيمة في نفوس الناس، حتى أصبحت لفظة سرازين ولفظة روماني كأنهما واحدة، وحتى ~~تعود العامة أن ينسبوا إلى السرازين أي العرب كل ما يرونه كبارا أو جبارا. # ومن الغريب أنه لم يبق من غارات النورمنديين والمجار ms157 إلا تذكارات في بطون التواريخ، ~~والحال أن تذكار غزو العرب لفرنسة لا يزال في جميع الأذهان كأنه حديث العهد، وقد وقعت غزوات ~~العرب قبل غزوات النورمنديين والمجار، واستمر وجودهم في البلاد إلى ما بعد جلاء المجار ~~واندماج النورمنديين في مجموع الأمة، إلا أن غزوات العرب الأولى كان فيها من العظمة والأبهة ~~ما لا يمكن أن يقرأه الإنسان إلا وتعروه الدهشة والحيرة، وكان العرب يمتازون عن النورمنديين ~~والمجار بكونهم أمة بقيت مدة طويلة تسير على رأس المدنية العامة، وأنهم بعد جلائهم عن فرنسة ~~لم تزل تحت الرعدة من احتمال غاراتهم، ثم إن الحروب العظيمة التي تولوا كبرها، سواء في ~~الأندلس أو في إفريقية أو في آسية في وجه الصليبيين، قد أضافت إلى اسمهم لمعانا جديدا فوق ~~اللمعان الذي كان من قبل، وكل هذا لم يكن كافيا في تفسير مكانة العرب المكينة في الصدور ~~لولا قصص الفرسان والفروسية التي كان يتغنى بها أهل فرنسة وجوارها، خلفا عن سلف، فقد كانت ~~هذه القصص تكاد تكون الأسمار الوحيدة للأمراء والنبلاء، بل الأسمار الوحيدة لعامة الشعب، ~~وإنما كان يعجب بتلك القصص وهاتيك الأخبار من سير الأبطال كل من كان يدعى نفسا عالية ~~وحسا نجيبا، وقد تضاءل كل تاريخ بجانبها وهزل كل أدب ما عداها، وكان أكثرها شعرا ولهذا ~~الشعر رواة اختصوا به، يذهبون من بلدة إلى بلدة ومن قرية إلى قرية، فينشدونها الجماهير التي ~~تترنح لها أعطافهم، وكان لا يحتفل بعيد ولا بموسم إلا اندفع أولئك الرواة في إنشاد تلك ~~القصائد عن سير أبطال الوطن، وكانت أكثر هذه السير تدور على حروب المسلمين، وعلى ما جالده ~~صناديد الفرنسيس في دفع غاراتهم، ولما كان في هذه القصص وتلك القصائد من المبالغة ما هو ~~جدير بكل القصاص الذين يترنمون بوقائع الأبطال، كانت الواقعة الواحدة تتجسم وتنمو وتصبح ~~أضعاف ما هي تجسيما لفضل أولئك الذين تولوا كبر تلك الوقائع، حتى صار في تاريخ كل مدينة ~~وكل بلدة من فرنسة وإيطالية أمير عربي أو بطل عربي يبارزه أمير إفرنسي ms158 أو بطل إفرنسي وبعد ~~أن يشتد البراز ويطول العراك وتظهر فيه خوارق الأقدار، ينتهي بالبداهة بتغلب البطل الفرنسي ~~على البطل العربي. # وبالجملة فقد كان العرب لذلك العهد، هم الأمثلة العليا والأقيسة البعيدة، في الشجاعة ~~والشهامة وعزة النفس ومكارم الأخلاق والعفو عند المقدرة وقرى الضيف، تشهد بذلك وقائع ونوادر ~~كثيرة، منها ما رواه بعض مؤرخي الإسبانيول من أنه في سنة 890 أراد ملك أشتورية، أذفونش ~~الكبير، أن ينتدب مؤدبا لابنه وولي عهده فاستدعى اثنين من مسلمي قرطبة، حرصا على تهذيبه؛ ~~إذ لم يجد في المسيحيين إذ ذاك كفؤا لهذه المهمة. # ومن الغريب أنه في قصة من قصص الفروسية المتعلقة بشارلمان الكبير يروون أنه في صغره ذهب ~~واقتبس من أنوار العرب، وأنه من تأثير ذلك تمكن من إدارة تلك السلطنة العظيمة التي جدد بها ~~مجد العالم الغربي، وقد بقيت هذه الأقاصيص هي المعول عليها في الأندية والمجامع، وهي ~~الفكاهة المستطرفة في المواسم والمحافل إلى عهد غير بعيد، ولم يدخل التمحيص التاريخي عندنا ~~إلا منذ مائة وخمسين سنة؛ إذ أخذ الناس ينبذون ما هو من عمل الخيال إلى ما هو من لباب ~~الوقائع الراهنة. # وختام القول: إنه لو نشر موسى بن نصير وطارق بن زياد وعبد الرحمن الناصر والمنصور بن أبي ~~عامر، ورأوا ما هي عليه الحالة في زماننا هذا، لوجدوا اختلافا كثيرا في بيئتي المسيحيين ~~والمسلمين، عما كانتا عليه في الأعصر السالفة. ولكن مما لا شك فيه أنهم بعد الوهلة الأولى ~~كانوا يبتهجون بالمكانة العليا التي جعلها القصاص والزجالون من آبائنا لأعمالهم الكبيرة، ~~وكانت نفوسهم المشغوفة بمعالي الأمور تقابل بمزيد الإكبار ذلك الشعور النبيل الذي كان يختلج ~~عند من نسميهم البرابرة من آبائنا والذي لا يزال يتلاشى يوما فيوما. # انتهى كتاب رينو ببعض اختصار وتصرف. # | هوامش # | كتاب غارة العرب على سويسرة في أواسط القرن العاشر # تأليف الدكتور فرديناند كلر # Der einfall der Sarazenenen in die ~~Schweiz. # um die mitte des X Jahremderts. # Von dr Ferdinand Keller. # Mittheilungen der antiquarischen. # Gesellsehaft in Zurich. ms159 # وهو كتاب بالألمانية، نشرته شركة «الآثار العتيقة» في زوريخ، في سنة 1856 وقد أطلعنا ~~عليه العلامة الأستاذ «البروفسور هس» مدرس التاريخ والألسن الشرقية في جامعة زوريخ من ~~سويسرة، وذلك في سنة 1919 وهو أول كتاب اطلعنا عليه في هذا الموضوع، فلخصناه يومئذ، ~~ونشرنا خلاصته في مجلة المنار لصاحبها الأستاذ العلامة السيد رشيد رضا، ثم إننا رأينا ~~نقل هذا الكتاب برمته إلى العربية في كتابنا هذا، ولم نختصر منه إلا في المظان التي ليس ~~فيها طائل. # قال فرديناند كلر في كتابه: # قال ليوبراند ~~(Liuprand) ~~: إنه بحسب إرادة ~~الله التي لا يدرك سرها، قد جرى في سنة 891 أنه جاء عشرون عربيا في مركب صغير ~~من سواحل إسبانية، قذف بهم الريح بالرغم منهم نحو خليج القديس تروبز # St Tropez # في بروفانس Provence ~~. فنزلوا إلى البر هناك، على عادة ~~لصوص البحر، وكان نزولهم في جوف الليل فتسللوا إلى قرية «تروبز» وفتكوا بأهلها ~~المسيحيين، وملكوا الناحية، ثم اتخذوا معقلا الجبل المسمى موروس # Maurus # ليكونوا في حرز حريز من عادية الأمم ~~المجاورة، وكان ذلك الجبل مغطى بالأشجار الشائكة التي كانوا يحتمون بأشواكها ~~وألفافها، ولم يجعلوا فيها سوى شعب واحد لأنفسهم يمرون فيه، وهذا المكان يسمى ~~فراكسينيتوم # Fraxinétum # 1 # يحده البحر من جهة ومن جهة أخرى غابة مؤتشبة مشتبكة الأغصان، من ~~نشب فيها نفذت فيه أشواك أحد من الحراب فلا يقدر أن يتقدم ولا أن يعود، فأمنوا ~~في هذا المكان المنيع وصار لهم سربا وصاروا يجولون في الجهات المجاورة بدون ~~وجل، واثقين بمكمنهم هذا، ثم أنفذوا رسولا إلى إسبانية لأجل أن يندب الناس من ~~قومهم، ليلتحقوا بهم، فمدح الرسول المكان وأطمع الناس فيه، وقال: إن أهالي تلك ~~البلاد لا يخشى بأسهم وليسوا بجمرة قوية فلم يلبث إلا قليلا حتى رجع ومعه مائة ~~رجل من العرب، جاءوا ليتحققوا ما ذكره لهم الرسول عن هذا الموقع وطيب ~~نجعته. # وقد أسعف غارة العرب هذه ما كان بين أهل بلاد بروفانس، من الشقاق البعيد، ~~وقيام بعضهم ضد بعض، فكان بعضهم ms160 لأجل أن يستأصل البعض الآخر يستنجد هؤلاء العرب ~~العفارية المكارين، فكان من اختلاف أهالي تلك البلاد، ومن توالي النجدات إلى ~~العرب من إسبانية، أن أصبح هؤلاء آمنين في سربهم، وشرعوا يجولون ويسلبون ~~ويقتلون كيفما شاءوا، وكيفما لاح لهم الصيد، واجتاحوا تلك البلاد الخصيبة ~~اجتياحا تاما وأصابوا فيها مغانم كثيرة. # هذه هي الرواية الحرفية لمؤرخ معاصر # 2 # عن نزول المسلمين في سواحل بروفانس وعن طبيعة جبل «فراكسيناتوم» وكيفية ~~تحصينهم له، بحيث بقي مدة سنين طوال مركزا لقوتهم في هذا الجانب من أوربة وصيصية ~~يمتنعون بها ويبعثون منها شراذم كثيرة أو قليلة إلى الجنوب، وإلى الشرق من جبال الألب ~~البحرية، وما عتموا أن صارت لهم شوكة يتحدث الناس بها، برعب الناس منهم، وباعتمادهم هم ~~على أنفسهم، وكانت لهم غزوات بعيدة المغار، لأجل الغنائم، فإذا لم يجدوا أمامهم من يقرع ~~النبع بالنبع نهبوا تلك الأديار الغنية والمدن المحصنة والمعاقل التي كان يسكنها أشراف ~~البلاد، وتركوها قاعا صفصفا كأن لم تغن بالأمس. # والذى يظهر جليا من روايات مؤرخي ذلك العصر أن هذه الغارة لم تكن ذات مغزى سياسي ~~كغيرها من الغارات، ولا كان لها غرض راجع إلى توسيع ممالك الدولة الإسلامية الأندلسية، ~~ولم يكن مقصد هذه العصابة إخضاع أهالي هاتيك البلدان لسلطانها. وذلك لأن عددها لم يكن ~~كافيا لتحقيق دعوى كهذه، وقصارى ما كانت ترمي إليه أن تحوز الذهب والكنوز التي تعثر ~~عليها، وتعود بها إلى معقلها في جبل فراكسيناتوم، وأنها إذا وجدت طالع الحرب قد خانها ~~تشحنها في السفن الراسية في خليج فركسيناتوم وتطوير بها بجناح الريح قافلة إلى إسبانية، ~~وكذلك يظهر أن خليفة إسبانية لم يكن ذا علاقة بهذه العصابة التي تطوحت في ذلك الفج ~~السحيق ولا أتاها أدنى مدد من جهته. # 3 # وأما السؤال عن الوقت الذي اجتاز فيه المسلمون جبال الألب، وتوغلوا في أرض إيطالية، ~~فإنه لا يجد جوابا مستندا على معلومات دقيقة ويجب أن يكون هذا الحادث قد وقع على كل ~~حال في أوائل القرن العاشر، فقد دلنا محرر ms161 المذكرات اليومية لدير «نوفاليز» # Novalese # الذي على مقربة من «سوزا» # Susa # بحذاء جبل «سنيس» # Senis # على ~~أن غارة المسلمين كانت في نواحي سنة 906، فمنذ تلك السنة كانوا في «بروفانس» ~~و«بورغوند» # Burgund # و«شيمله» # Cimella # حول «نيسه» # Nizza # يجولون ~~ويقتلون ويحرقون، ومن المحقق أنهم في هذه السنة كانوا يتوقلون في جبل سنيس وكانوا قد ~~فتحوا الباب نحو بلاد سافواي وسويسرة، وفي أسفل هذا الجبل كان دير نوفاليزه الذي كان من ~~أعظم الأديار وأغناها، فلما سمع الرهبان بلصوصية هؤلاء القوم وبقسوتهم، وكانوا يعرفون ~~جيدا ما وراءهم حزموا ما في الدير من الأشياء الثمينة ومن جملتها خزانة النفيسة وذهبوا ~~بها إلى تورين لتكون بمأمن. فما كادوا يفارقون الدير حتى جاء المسلمون واكتسحوا كل شيء ~~وأحرقوا الكنيسة والبناء كله، وكان راهبان طاعنان في السن قد بقيا في الدير لأجل حراسته ~~فقبضوا عليهما وأهانوهما. # 4 # وفي ذلك العهد أصبحت البلاد الواقعة بين نهري «بو» Po # و«الرون» مجالا للغارات والعيث، فالبييمون وبروفانس وبلاد ~~«دوفيني» # Dauphiné # و«مونتفرات» # Montferrat # وبلاد «تارنتيزة» # Tarentaise # كانت كل سنة عرضة للدمار والنار، وقد حدث مدونو الوقائع ~~اليومية في ذلك العصر عن حوادث ترعد لها الفرائص، مما فعله هؤلاء العرب ورووا كيف كانوا ~~يهجمون على التجار والزوار عابري السبيل، ويسلبونهم ما معهم وإذا حاولوا الدفاع عن ~~أنفسهم يقتلونهم. # 5 # وكان أكابر القوم لا سيما الرؤساء الروحيون الذين يؤمون رومة واقعين تحت ~~الخطر الشديد من غارات العرب، بسبب ما يحملون من الذخائر وما يستصحبون من الأعلاق ~~النفيسة، وأما في القرى فلم يكونوا يقتصرون في النهب على الخيل والمواشي، بل كانوا ~~ينهبون كل ما له قيمة، ويقبضون على الرجال والنساء والأطفال ويبيعونهم في سوق الرقيق، ~~وكانوا إذا رأوا مقاومة من بعض البلاد وطاح منهم أناس في المعركة، انتقموا لأنفسهم ~~بإحراق هاتيك المدن حتى يصيروها رمادا، وكانت تنقطع العلاقات والمواصلات أحيانا بين ~~البلاد بسبب غارات العرب وكان أهالي الأماكن التي يهاجمها المسلمون يفرون ويلجأون إلى ~~الجبال والغابات، وربما قاوموا العرب وربما كانت لهم الغلبة عليهم، إلا أنهم ms162 لم يكونوا ~~يقومون عليهم بصورة نفير عام ولا كان ينتدب لهم يومئذ أدلاء مستبسلون، وأشنع شيء كان هو ~~عدم الوئام بين أهالي البلاد، بسبب عداوة الأمراء بعضهم لبعض، واستنجادهم في حروبهم ~~الداخلية بهؤلاء الأعداء، وكان من الطبيعي أن يوجه العرب كل همتهم إلى الاستيلاء إلى ~~الطرق العامة، وبنوع خاص على معابر جبال الألب، لأنهم كانوا يرون في ذلك أحسن طريقة ~~للكسب والسلب، فكانت المتاجر والبضائع تقع هناك تحت أيديهم على طرف الثمام وكان ~~المسافرون الأغنياء يأخذون معهم في أسفارهم كل ما يلزم لهم، فكان في ذلك مطمع عظيم ~~للمسلمين، وكانوا في تلك الطرق الجبلية يتمكنون من استقبال السابلين بالسهام والحجارة، ~~ومن إلقائهم في الأودية والمهاوي بحيث إنهم بعدد غير كبير كانوا يقدرون على ما لا تقدر ~~عليه الجيوش الكبيرة. # وروى «فلودوارد» # Flodoard # في تعليقاته السنوية أن ~~المسلمين سنة 921 أتوا على قافلة من حجاج الإنكليز كانت ذاهبة إلى رومة، فلقوها في بعض ~~أودية الألب، واستأصلوها، وبعد ذلك بسنتين لقوا قافلة إنجليزية أخرى وفتكوا بها، ثم ~~إنهم في سنة 929 لقوا قافلة حجاج أخرى أيضا، فاضطر هؤلاء إلى الرجوع قبل أن يقعوا في ~~أيديهم، ولما كان غير ممكن تعيين أماكن هذه الوقائع فلا نقدر أن نحكم في أي محل حصلت، ~~أفي ضمن حدود إيطالية إلى جهة سويسرة، أما في حدود فرنسة؟ وإذا فكرنا أنه كان من عادة ~~المسافرين الإنكليز الذين يقصدون رومة أن يجتازوا من معبر سان برنار، # 6 # لزم أن نرجح كون الوقائع المذكورة جرت في ضمن حدود إيطالية، ولقد اطلعنا ~~على تاريخ يثبت أن كنوت ~~“Knnut” # ملك إنكلترة والدانمرك ~~الذي كان يلقب بالكبير كان قد طلب من رودولف ~~“Rudolf” # الثالث ملك برغوند # Burgond # أن يأمر بالتسهيلات اللازمة ~~سواء من جهة تأمين الطرق أو من جهة الإعفاء من الرسوم للقسوس والتجار والحجاج الذين من ~~ممالكه يؤمون رومة. # 7 # في أي حقبة من القرن العاشر تمكن العرب من معبر سان برنار الذي كان يسمى حينئذ ~~بجبل جوفيس ~~“Mont Jovis” # وفي أية ms163 سنة بسطوا ~~سيادتهم على تلك البقعة؟ # هذا شيء لا نقدر أن نحدده، نعم توجد كتابات، من ذلك الوقت، متعلقة بهذه الحوادث، إلا ~~أنها لا تحتوي على تواريخ يمكن الاعتماد عليها، والذي يظهر من كلام رينو # 8 # أنه يميل للقول بأن هذه الحوادث جرت في سنة 939 لكننا سنرى فيما يأتي أنها ~~جرت قبل هذا التاريخ. # 9 # ومن المحقق أن العرب نزلوا سنة 940 من جبال سان برنار العالية إلى وادي ~~الرون الخصيب، حيث كان مبنيا دير أغاوونوم ~~“Agaunum” # العظيم، المؤسس على اسم سان «موريتيوس # Mauritius ~~» ~~وأصحابه، والذي كان فيه ذخائر كثيرة من الذهب والفضة وأصناف الجواهر، المهداة إليه من ~~الملوك الكارلوفنجيين والبورغونيين، وكانت محفوظة ضمن حيطانه، ففي السنة المذكورة هجم ~~العرب على هذا الدير ونهبوه وأحرقوه وتركوه رمادا، ولم يمض إلا قليل حتى جاء القديس ~~«أولريك» # Ulrich # أسقف «أوغسبورغ» # Augsburg # في أثناء سفرته إلى برغوند، وزار هذا المكان لأجل نقل ~~عظام الشهداء التي أذن له كونراد ملك بورغوند في دفنها في أوغسبورغ، ولم يكن باقيا ~~هناك سوى خادم واحد يحرس البناء الذي صار طعمة للنار. # 10 # ومما جاء في تاريخ «فلودوارد» أنه في سنة 940 جاءت قافلة مؤلفة من حجاج إنكليز ~~وغاليين، كانوا قاصدين رومة، فبعد أن فقدت بعض رجالها رجعت من حيث أتت لأن العرب كانوا ~~قد استولوا على القرية والدير المذكور. # وقد ذكر مؤرخو الفرنسيس كتابا محفوظا موجها من راهب من دير سان «موريس» # St-Maurice # اسمه رودولف إلى ملك فرنسة لويس الرابع ~~المسمى «أوترمير» # Outremer # يقول له فيه: كم ألقى الله ~~من سلام على ملوك فرنسة من «كلوفيس» و«داغوبرت» إلى كارل الكبير # 11 # لكونهم اعتنوا بهذا المكان وقدسوه، وهو يلتمس منه أن ينفق على هذا المكان ~~لأجل تجديد بناء الدير وترميم قبور القديسين الذين دفنوا فيه. # وفي ذلك الوقت كانت العصابة من دعار العرب الذين جعلوا مساكنهم في جبال الألب ~~المعروفة بالألب البونينية Pôninische # قد بدأت تشن ~~الغارات على بحيرة جنيف وبلاد «فاد» # 12 # كما ذكر المؤرخون المعاصرون، ms164 ويظهر أنها كانت استولت على معابر جبال الألب ~~الشرقية، فإذا كان ينقصنا تواريخ مضبوطة عن دخول العرب إلى جبال الألب الغربية، وجوسهم ~~الأودية التي تتخللها، فإن عندنا قاعدة متينة لتاريخ وجودهم في شرقي سويسرة، بما هو ~~محفوظ من الوثائق التاريخية في سجلات «كور # Chur ~~» ~~الأسقفية. فإن فلودوارد يذكر من جملة وقائع سنة 936: «أن العرب شنوا الغارة على سويسرة ~~الألمانية وقتلوا كثيرا من الحجاج الذين كانوا قافلين من رومة». # ومما لا ينقدح فيه أدنى عارض من شك أن جانبا من سويسرة الألمانية وهو القسم الذي من ~~«كور» إلى وادي «الرين» كان المسلمون قد اكتسحوه. وليس هذا القسم سوى جبال الألب ~~الراتية # Ratische # العليا فإن ثبت هذا الرأي فقد ~~ترتب عليه إما أن تكون غارة العرب على مقاطعة «فاليس # Wallis ~~» قبل سنة 939 أو أن يكون احتلالهم لجبال الألب الراتية سبق ~~احتلالهم لجبال الألب البونينية، وليس من المحقق ما ذهب إليه فلودوارد من أن احتلال ~~العرب لمعابر الألب سنة 936 أو سنة 933 يعني به احتلالهم جبال الألب الراتية، وإنما ~~المحقق كون «كور» ونواحيها قد اجتاحها العرب قبل سنة 940 وأنه ليكون ذا بال أن تتمكن من ~~معرفة الطريق التي سلكها العرب عندما تبطنوا أحشاء هذه البلاد، هل جاءوا من البيامون ~~منقسمين شطرين، شطر منهم اتبع جبال الألب الشرقية، والشطر الآخر اتبع جبال الألب ~~الغربية من سويسرة؟ الجواب: ليس بمستحيل أن يكونوا قصدوا ناحية «راتين» وبلغوها برغم ~~قلة عددهم، معتمدين على بسالتهم والرعب الذي وقع في قلوب الناس منهم، ففتحوا طريقا ~~لأنفسهم على ضفاف بحيرات لانغن ~~“Langen” # وكومر ~~“Comer” # وعرفوا مسالك الألب. # 13 # إن تاريخ إيطالية العليا لا يذكر هذه الحوادث ولكن قد افترضنا أن العرب ~~تقدموا من مارتيناخ ~~“Martinach” # خارجا عن مجرى نهر ~~الرون وتتبعوا ناحية فوركا ~~“Furka” # والألب العليا ~~اللتين يفصل بينهما وادي أورزيرن ~~“Urseren” # وساروا على ~~الطرق القديمة المؤدية إلى منابع الرين وأبواب معبر الألب الراتية، وهذا الافتراض لا ~~يستند على رواية مكتوبة وليس فيما وجد في دير ديسنتيس ms165 ~~“Dissentis” # الواقع أمام وادي الرين ما يؤيد مرور أتباع محمد من هناك، ~~إلا أن المؤرخين لا يزالون يعتقدون أن العرب كما عاثوا بنواحي «كور» ونهبوا ديرها قد ~~اجتاحوا أيضا دير «ديسنتيس». # وأما السند الذي ثبت به حضور العرب في وادي الرين فهو أن هرمان أمير سويسرة الألمانية ~~قد التمس من أوتو الكبير في المجلس الذي عقده الإمبراطور في كويد لنبورغ # Quedlinburg # في شهر أبريل سنة 940 أن يهب ~~فالتو ~~“Walto” # أسقف كور تعويضا عما لحقه من ~~اجتياح العرب لديره، وأن الإمبراطور قد أجاب رجاءه فعهد إلى الأسقف المذكور بإدارة ~~كنيستين إحداهما كنيسة «بلودنس» Pludenz # في وادي ~~«دروس» # Drusthale # والثانية كنيسة سان مارتين في ~~وادي شامزر # Schamserthale # على شرط أن ريع الأولى ~~يعود إلى أساقفة كور وأن ريع الثانية يعود إلى دير الراهبات في «كازيس». # وظاهر أن العيث الذي عاثه العرب قد كان طويل الأمد، وأنه وقع منذ سنة 939 وأن ~~احتلالهم للألب الراتية كان في زمن احتلالهم للألب البونينية، وأن هذا الحادث تقدم ~~إحراق العرب لدير سان موريس الذي يذهب رينو إلى أنه وقع عند عبور العرب من سان ~~برنار. # ولكن في قولنا: إنهم عاثوا واكتسحوا تلك البلاد، لا نعني أنهم أقاموا بها مستقرين في ~~مكان، بل كانوا يكمنون في الجبال وينقضون من مكامنهم لدى الفرصة فلم تكن لهم قدم ثابتة ~~في محل، وكانت حياتهم حياة عصابة تنتجع في كل يوم جبلا متى لاحت أمامها بارقة أمل في ~~الكسب أقدمت، وإلا أحجمت، فكان مطمح نظرهم كله قطع الطرق على التجار وعلى الحجاج الذين ~~كانوا يقصدون رومة ومعهم الأموال والذخائر، ومما لا شك فيه أنهم كانوا قد احتلوا بعض ~~قرى صغيرة، واتخذوها لهم مركزا، وكانت لهم أنزال يلجأون إليها وأبراج يضعون فيها ~~مغانمهم، وأكثر ما كانوا يهجمون على القوافل في الأودية العميقة وفي المضايق التي لا ~~يمكن فيها الدفاع، وكانوا متى أعوزهم القوت صالوا على الأماكن غير الحصينة وعلى الأديار ~~المملوءة بالأعلاق الكنسية. # وبقيت حالتهم على ما وصفناه مدة مديدة، إلا ms166 أنه بعد دخولهم إلى البلاد باثنتي عشرة ~~سنة طرأ حادث فجائي وافق مصلحتهم، ومكنهم من معابر جبال الألب، فازدادت بهم جرأتهم ~~وتضاعف طمعهم. # وهو أن «هوغو» # Hugo # كونت «بروفانس» كان في سنة 926 ~~قد أحرز تاج مملكة «لومبارديا» # Lombardie # ودخل في حرب ~~عوان مع صهره «البريكوس» # Albericus # بطريق رومة. فاهتبل ~~العرب من هذه الحرب الغرة، واستفادوا من غياب الأمير المذكور عن بلاده، فتمكنوا من ~~سلسلة جبال الألب، سواء من الشمال أو من الغرب، ونهبوا البلدان التي بحذائها، ولما وصل ~~صريخ رعايا الكونت هوغو مما لقوه من عيث العرب، صحت عزيمته على مصالحة صهره والرجوع إلى ~~إيطالية العليا، ثم على مهاجمة المسلمين في معقلهم الأول «فراكسينيتوم»، ولأجل أن ~~يستوثق من الانتصار سعى في استمداد سلطنة القسطنطينية، لتنجده بمقدار من النار ~~الإغريقية يحرق بها سفن العرب الراسية في ميناء فراكسينيتوم، ويقطع عن هؤلاء كل مدد من ~~البحر، وكان في نيته مهاجمة العدو من جهة البر بينما يكون أسطول القسطنطينية ممسكا ~~عليهم البحر، فبعد أن اتفق هوغو مع إمبراطور القسطنطينية وقبل شروطه جاءت السفن ~~البيزنطية إلى مرسى «سان تروبيز» بينما كان الجيش البري يزحف من جهة «بافيا Pavia ~~» فلم يكد الأسطول البيزنطي يصل إلى المرسى حتى ~~أحرق سفن العرب كلها، وتقدم الملك هوغو من جانب البر فضيق عليهم الخناق حتى انهزموا ~~معتصمين بجبل «موروس» وكاد يستأصلهم ويأخذهم جميعا أسرى، لولا أن حدث حادث غير منتظر ~~وذلك أن «برنغار» # Berengar # كونت «أيفريا» # Ivrea # حفيد الإمبراطور «برنغار» المتوفى سنة 926 ~~ووارثه كان قد أخذ يسعى سرا للحصول على تاج مملكة لومبارديا، فبلغ هوغو خبر هذه ~~المؤامرة فعزم أن يقبض على المتآمرين وأن يقتلهم أو يسمل أعينهم، ولكن برنغار كان على ~~حذر شديد فانسل من لومبارديا بغتة والتجأ إلى هرمان أمير الشفاب # Schuvaben # وسار إليه عن طريق سان برنار، فتلقاه الأمير هرمان برا ~~وترحيبا، وقدمه للإمبراطور أوتو وهذا أكرمه وخلع عليه، فما كان أسرع هوغو عندما عرف ~~بالقضية إلى إرسال الهدايا من الذهب والفضة إلى أوتو. ms167 # وكان هوغو قد خلص ممالكه من العرب، وخضد شوكتهم، وتحول فكره إلى جهة الإمبراطور وأوجس ~~خيفة أن يحشد هذا عليه وينزع منه تاج لومبارديا، فعدل هوغو مع العرب عن العداوة إلى ~~المسالمة، وبعث إليهم في جبل مورو يعرض عليهم السلم على شرط أن يجوسوا خلال ديار برنغار ~~ويمنعوه بجميع الوسائل من أن يجتاز جبال الألب بجيشه. # 14 # فاشترط العرب حينئذ على هوغو أن يعترف لهم بحق احتلالهم معابر الألب ~~الراتية والبونينية، كما أن هوغو اشترط على العرب أن يخلوا المدن والقرى التابعة له، ~~ولكن لم يكن هذا الشرط الأخير مصرحا به في المعاهدة، فالمسلمون قاموا بأحكام المعاهدة ~~حق القيام واحتلوا جميع معابر الألب المذكورة، يستدل على ذلك من كون برنغار عاد إلى ~~إيطالية مع جند قليل من أصحابه عن طريق جبال التيرول # Tyrol ~~. # فأما العرب فقد تلقوا هذا العقد، مع الملك هوغو، بفرح عظيم، وأصبحوا يرون أنفسهم ~~السادة الشرعيين لهذه المعابر، وصاروا يأخذون رسوما من السابلين، ومن لم يؤد الرسم ~~أخذوه أسيرا ثم اضطر أن يفك رقبته بمبلغ عظيم من الذهب. # 15 # وتقدم العرب من سان برنار وجاسوا في بلاد «فاتلاند» # 16 # إلى «أفانشس» # Avanchez # ونيوشاتل # Niochatel # في جبال «جورا» # Jura # وكانوا حيث مروا يعيثون وينهبون، ولقد كانت غاراتهم في شمالي ~~الألب الراتية من «كور» # 17 # إلى بحيرة «كونستانس» # 18 # في وادي الرين هائلة جدا، فقد وجد في خزانة كتب دير «كور» كتابة تفيد أن ~~الإمبراطور أوتو الكبير عندما مر في 24 فبراير سنة 953 بقصر «إرنشتاين» # Ehrenstein # ترجاه الأسقف «هارتبرت» مطران «كور» في ~~تعويضهم من الرزايا التي ألحقها بهم العرب، فأقطعهم أوقافا في «الإلزاس» وأخرى في ~~«كونيغسكهايم» # Konigsheim # وكنيسة «موخنهايم # Mauchenheim # وما يتبعها. # وقد وجدت كتابة ثالثة في «دورنبورغ» # Dornburg # تاريخها 28 ديسمبر سنة 955 مآلها أن الإمبراطور «أوتو» كان منصرفا من إيطالية فشاهد ~~بعينه آثار عيث العرب وبناء على التماس أخيه رئيس أساقفة «برونو» أنعم على دير كور بتلك ~~التعويضات، وقيل: إن جزالة هذا العطاء الذي أعطاه الإمبراطور ms168 كان من قبيل نذر نذره لأجل ~~عودته موفقا من إيطالية على طريق الألب، فإنه أنعم على الأسقف بالدار التي كانت تخصه ~~في «زيزرس» وأمر بإعفاء سفن الأساقفة في بحيرة «فالنزي» من المكوس، وقد اتبع ذلك أعطيات ~~أخرى، مثل إعطائه إياهم كنيسة «ننتسينغن» في وادي «دروس» مع العقارات التابعة لها، ~~وإنعامه بجباية الأملاك التي كانت تخصه في كور، وبمكوسها التي كان يؤديها سابلة الجبال ~~من الألمان، وأخيرا أعطاهم في سنة 958 كنائس عدة مثل «سان لورنز» و«سان هيلاريوس» ~~و«سان مرتينوس» وكنيسة «كاربوفوروس» ومنحهم حق ضرب السكة، وكذلك أعطى دير «ديسنتيس» في ~~سنة 965 الدار التي كانت له في «فافيكون» على بحيرة زوريخ، وأقطع فيكتور رئيس رهبان كور ~~سنة 967 قطائع في «فينشغاو» و«إنغادين # Engadin ~~». # وفي ذلك الوقت أوصل العرب غاراتهم إلى «زارغانس» # Sargans # و«توغنبورغ» # Togenburg # وأبنسيل ~~“Appenzell” # وصالوا على أهالي تلك الجبال، ~~فقتلوا الرجال ونهبوا المواشي وأحرقوا المساكن. وقد روى الراهب «أيكهارد» # 19 # الذي حرر تاريخ دير «سانت غالن» ما يلي: ~~«كان العرب يبعدون جدا مغارهم في جبال الألب لا سيما في زمان «فالتو» ويفتكون ~~بأهلها بجرأة غريبة، حتى إنهم في ذات يوم رشقوا بالنبال من أعالي جبل واقع شرقي الدير ~~جماعة كانوا قائمين بطواف ديني يتقدمهم الصليب مرفوعا، ولكن «فالتو» # 20 # كان شديد البأس فأمر قومه بأن يتعقبوا العرب إلى مكامنهم، وسلحهم بالحراب ~~والمناجل والفؤوس، وفي الليلة الثانية كبسهم بياتا، فقتل منهم وأسر بعضهم # 21 # وفر الباقون، ولم يقدروا أن يدركوهم لأنهم كانوا أقدر على التوغل، وأبصر ~~بالتوقل في الجبال، أما الذين وقعوا أسرى فسيقوا إلى الدير في الأغلال، وقد رفضوا رفضا ~~باتا أن يأكلوا ويشربوا، وما زالوا حتى هلكوا جوعا. وقال «أكهارد» أن الرزيئة التي ~~رزئ بها الدير من عيث العرب كانت من الجسامة بحيث يستلزم وصفها كتابا. # 22 # ولا يقدر أحد أن يعلم بالتمام كم كانت مدة إقامة العرب بشرقي سويسرة، فإن الأوراق ~~والوثائق التي وجدت في دير «كور» ودير «سان غالن» ودير فافرس ~~“Pfafers” # لم يوجد فيها ms169 ما يحدد هذه المدة، ولا يظهر أن رحيلهم من هناك ~~تأخر عن العقد السادس من القرن العاشر. # وفي سنة 954 نفسها، وهي التي وصل فيها العرب إلى سان غالن، وقع الحادث المهم الذي هو ~~هزيمة العرب والمجار معا، فقد تمكن كونراد ملك بورغوند أو البرجان، ببسالته الشخصية ~~وبخدعة حربية دبرها، من استئصال طائفة مهمة من هؤلاء العرب # 23 # وتطهير أودية بلاده منهم، إلا أنه برغم هذه الهزيمة كان العرب لا يزالون ~~مستولين على معابر الألب الغربية. # وليس بمحقق وجود عرب الألب الغربية في هذه الواقعة، فإن «أكهارد» الرابع، راهب دير ~~سان غالن الذي روى خبر هزيمة العرب في هذه الواقعة يقول: إن العرب كانوا متمكنين جيدا ~~في قلب الجنوب من أوربة حتى إنهم لم يكونوا يحدثون أنفسهم بإمكان خروجهم منها، وكانوا ~~يتزوجون، بحسب قوله، من بنات أهل البلاد، ويسكنون أودية خصيبة، ويؤدون للملك ضرائب، ~~وعلى كل حال فمما لا شك فيه أن قسما من العرب الذين كانوا يصلون هذه الحروب قد أقاموا ~~في الآخر وأوطنوا، ونووا أن يؤسسوا لأنفسهم مستعمرة ويتعاطوا الفلاحة والزراعة، ولكنه ~~غير ممكن تعيين المكان الذي نووا أن يستعمروه، هل هو في «فاله» أو في «سافواي» أم في ~~غيرهما، فإن المؤرخين لم يعينوه، وفي سنة 954 التي اشتهرت بغارة العرب من جهة، وغارة ~~المجار من جهة أخرى على سويسرة وقعت حادثة فرار الملكة برتا ~~“Bertha” # مع عمها المطران «أولريك» أسقف «أوغسبورغ» والتجائهما إلى البرج ~~الذي كانت بنته هي في «نوشاتل» والمظنون أن هذا الحادث كان مبدأ لعمران مقاطعة ~~«فو». # 24 # ولم ترد قصة العرب هذه في التواريخ العالية فقط بل جاءت في سيرة بعض القديسين، ~~وبالإجمال قد كانت اشتدت وطأتهم، وعم الرعب منهم، إلى أن أصبح الجميع في حنق شديد ~~عليهم، ومما زاد حنق الناس عليهم أنهم كانوا تعرضوا لرجل من أكبر رجال عصره، وهو القديس ~~مايولوس ~~“Majolus” # راهب دير كلوني ~~“Cluny” # قبضوا عليه وهو عائد من «بافيا» إلى بورغوند، ~~وذلك سنة 972 وقد روى هذه القصة ms170 خلفه في رئاسة دير كلوني كما يأتي: # عبر القديس مايولوس ورفاقه في 22 يوليو سنة 973 قنن جبال الألب، ووصلوا إلى قرية ~~واقعة إلى الشمال من معبر سان برنار على ضفة نهر درانس ~~“Drance” # كان يقال لها لذلك العهد «بونس أورزاريي Pons Ursarii ~~» وتسمى اليوم «أورزيير» # 25 # وقد كان انضم إليه عدد من الحجاج من أقطار مختلفة أملا بأن يكونوا بمعيته في مأمن، ~~فلما وصلت هذه القافلة إلى هذه القرية ومرت هناك من معبر ضيق، انقضت عليها عصابة من ~~العرب فأوقعت بها، ولم يكن من سبيل في ذلك المكان للدفاع، فأركنت إلى الفرار لا تلوي ~~على شيء، فتأثرها العرب وقبضوا على من أدركوه منها وأوثقوه بالقيود، وكان أحد العرب ~~يحاول طعن أحد خدمة القديس بمزراقه إذ تقدم القديس واتقى الطعنة بكفه، فنفذت الطعنة ~~منها، وكانت جراحة شديدة بقي أثرها في يده طول حياته، وأما الخادم ففر ناجيا، ثم جردت ~~هذه العصابة العربية الحجاج من كل ما معهم، وساقتهم إلى كهف من الصخر حبستهم فيه، ولم ~~تستثن من الحبس القديس مايولوس، فلحظ العرب رجلا جالسا على حجر لا يلوح على وجهه ~~علامة الاهتمام بالخلاص، وبينما كانوا يهينونه كان هو مهتما بدعوتهم إلى الديانة ~~المسيحية، فازداد بذلك غضبهم منه، فقيدوا رجليه بالحديد، وأدخلوه الكهف مع الآخرين، وفي ~~الليلة التالية رأى مايولوس رؤيا أنه سيخلص من أيدي العرب، بواسطة الرسل الحواريين، فقد ~~رأى أسقف رومة بالأثواب الحبرية وفي يده المبخرة، ثم رأى رؤيا ثانية أيدت أمله في أنه ~~سيحتفل هو ورفاقه بعيد صعود السيدة مريم، ولما أصبح الصباح وجاء وقت الطعام عرض العرب ~~عليه أن يطعم من طعامهم، وكانوا يأكلون لحما وخبزا يابسا، فأجابهم مايوليوس أنه ليس ~~بآكل من هذا الطعام الذي لم يألفه فحينئذ عجنوا له بسرعة وخبزوا خبزا نظيفا طريا، ~~وقدموه له فتناوله منهم وأكل الخبز بعد أن بارك عليه بحسب عادته، وعادت إليه قوته، وكان ~~أحد المسلمين قد أراد قطع عصا من شجرة واحتاج إلى أن يتسلق عليها، فوضع رجله ms171 على ~~التوراة التي كان القديس يحملها دائما معه في أسفاره، فأخذ القديس يتنفس الصعداء، ولحظ ~~ذلك المسلمون فوبخوا أخاهم على عمله هذا، وقالوا له: لا يليق أن تفعل هذا بكتاب يتضمن ~~كلام الأنبياء، وذلك أن المسلمين يعظمون الأنبياء ويقولون: إن ما قاله الأنبياء عن عيسى ~~قد تم بشخص محمد # صلى الله عليه وسلم ~~. # ثم إن العصابة العربية دخلت مع القديس في قضية فدائه وفداء بقية الأسرى، لا سيما بعد ~~أن رأوا منه ما استوجب حرمتهم له، وقد سألوه أهو من ذوي اليسار، أم معدم؟ فأجابهم بأنه ~~لا يملك شيئا ولكن للدير أصحاب يقدرون أن يفكوا الأسرى بأموالهم، فأرسل مايولوس ~~بالاتفاق مع العرب راهبا كان معه، وأصحبه بكتاب إلى دير «كلوني» يقول فيه: «إلى السادة ~~والإخوان في دير كلوني، من مايولوس المسكين المقيد بالحديد، إنني محاط بالهلاك من كل ~~ناحية فأسرعوا بإنقاذي وإنقاذ رفاقي وبإرسال المال اللازم للفداء» فلما قرئ هذا الكتاب ~~في مجتمع الرهبان، وكانوا يحبونه جميعا ويحترمونه احتراما زائدا، بلغ منهم الحزن ~~مبلغه وسارعوا إلى جمع المال لساعتهم، ولم يضنوا بشيء ولا ادخروا منفسا حتى أنهم بذلوا ~~الأشياء الضرورية فضلا عن الكمالية وعن الذخائر والأعلاق التي كانت عندهم، وفي اليوم ~~المعين كان أحد الرهبان المبجلين في قرية «أورزيير» ومعه جميع المال المطلوب، فتخلص ~~مايولوس هو ومن معه، وتمتعوا بفرح الاحتفال بعيد صعود مريم إلى السماء كما كان رأي ~~القديس في المنام. # ومما يهم الاطلاع عليه هو أن العرب تقاضوا في فداء القديس مايوليوس ألف دينار فضة، ~~ولم يتقاضوا على الآخرين إلا دينارا واحدا عن كل رقبة. # ثم إنه من هذه الحالة تتجلى القوة التي تمكن بها العرب في ذلك الوقت من الاستيلاء على ~~جميع معابر الألب، ومن الغريب أنهم لم يكونوا يتقاضون مكوسا على البضائع التي تحمل ~~على هذه الطرق كما كانوا يتقاضونها في الأزمنة الأولى، ولم يطلبوا في البداية شيئا ~~منها من مايولوس نفسه، وذلك حتى يطمعوه في التقدم فيقطع أعالي الجبال ويصير في الجهة ~~الأخرى، فحينئذ ينقضون ms172 عليه ويسلبونه على حين يتعذر عليه الفرار. وهكذا حصل. # وكان الملك هوغو قد اشترط عليهم أن لا يتعرضوا للحجاج ولا يأخذوا منهم شيئا، فرعوا ~~ذلك العهد إلا أنه لما مات هوغو رأوا أنهم أصبحوا غير مقيدين بعهد. # وقد قال «رينو»: إن حادثة مايولوس كان لها صدى عظيم في كل الأقطار، وارتفع الصراخ من ~~كل الجهات لأخذ الثأثر، وفي ذلك الوقت كان في جوار سيسترون ~~“Sisteron” # رجل نبيل يقال له: «بونو» أو «بوفو» ~~( # Bobo # أو # Beuoo ~~) ~~مشهور بالحمية والنجدة، عظيم الهم في تحرير وطنه، فاستنهض الناس المعروفين بالحمية على ~~دينهم ووطنهم، وقرروا بناء قلعة مناوحة لحصن العرب، ليتمكنوا من استئصالهم، فبوبو هذا ~~الذي أصبح فيما بعد معدودا من القديسين هو الذي بدأ بتخليص نواحي سيسترون من العرب ~~وأخرجهم من جميع بلاد «دوفينه» # Dauphiné # ثم إنهم ~~أخرجوا من «بروفانس» Provence # لأن غيليوم أحد ~~أكناد # 26 # بروفانس هاجمهم برجال أشداء من صناديد تلك البلاد ومن رجال دوفينه السفلى ~~وإمارة نيقة # 27 # وذلك في قلعتهم فراكسينيتوم المشهورة، فبعد دفاع شديد استولى الإفرنج على ~~القلعة وفر بعض حماتها العرب إلى الغاب الذي بقربها وطلب آخرون النجاة في الجبال وانتهى ~~الأمر بأن فريقا منهم هلك وفريقا تنصر، فاستحياهم الإفرنج واختلطوا بالأهلين. # ولما كانت فراكسينيتوم مستودعا لجميع كنوز العرب وذخائرهم، سواء الذين منهم كانوا في ~~فرنسة أو عليا إيطالية أو سويسرة، فقد أصابها الغالبون وتقاسموها فيما بينهم. # آثار كتابة في كنيسة القديس بطرس مونتجو # من أهم الآثار التي تركها العرب في بلادنا الكتابة التي في كنيسة القديس بطرس ~~مونتجو # 28 # في «فاله» # Valais # فقد كان هذا الوادي ~~مجالا لغاراتهم ومركزا لهم في أثناء مقامهم بجبال الألب، وهذه الكتابة هي دليل واضح ~~على أن تذكارهم المخيف لم يكن أمحى من قلوب الأهالي حتى من بعد مائتي سنة من جلائهم ~~فإنها قد كتبت في العقد الثالث أو الرابع من القرن الحادي عشر، أي زمان بناء الكنيسة ~~التي شيدها هوغو أسقف جنيف، وهو الذي كان ولدا طبيعيا للملك البورغوني رودولف ms173 ~~الثالث، وتولى كرسي الأسقفية نحوا من تسع عشرة سنة # 29 # ودفن في كنيسة لوزان الكاتدرائية بجانب أبيه، ومما يؤسف له أن هذه الكتابة ~~كانت قد ذهبت في أثناء ترميم هذه الكنيسة سنة 1739 وجعل الحجر الذي كانت منقوشة عليه من ~~جملة عتبات الباب، ولقد طمست الآن هذه الكتابة حتى لم يبق منها سوى حرف هاء # h # وحرف ف # f # وصليب ~~صغير، ولقد ورد نص هذه الكتابة على روايات مختلفة في بعض الكلمات لكنها متفقة في ~~المعنى # 30 # وهي لاتينية معناها: «إن عصابة إسماعيلية # 31 # انتشرت في وادي الرون وألقت الرعب في البلاد بالنار والحديد ورفعت الهلال ~~في أودية الألب البنينية». # 32 # وفي أسفل الكتابة تاريخ بناء الكنيسة حسبما تقدم. # أسماء عربية في البلاد # كان علماء الآثار قد بحثوا عن أسماء بلاد «فاله» ووجدوا ألفاظا كثيرة لم يعلموا لها ~~أصلا في اللغات الغالبة على هذا الشطر من أوربة، ولما كانت هذه البلاد واقعة في معابر ~~«الفاله» إلى «البيامون» حيث مر العرب في القرن الحادي عشر فقد ترجح أن هذه الأسماء ~~عربية الأصل ونحن الآن موردون عدة أسماء لا شك في كونها عربية. ~~«الماجل» في وادي زاس: # هذا المكان هو قرية صغيرة في الجنوب من أعالي وادي زاس # 33 # الذي يمتد منه طريقان إلى البيامون، أحدهما يمر في وادي ~~«فوركا» ويسمى معبر «أنترونا» والآخر هو معبر «مورو» نسبة إلى جبل ~~مورو، وكلا الطريقين معروف منذ سنة 1440 بكونه من أقدم المعابر، ~~فأحدهما كانت تمر منه المواشي والحيوانات الموقرة بأموال التجار، ~~والآخر كان يمر منه البريد الطلياني قبل تمهىد طريق السمبلون. # 34 # ولقد ثبت أن معاهدة الملك هوغو مع العرب لم تضمن لهؤلاء احتلال معبر ~~سان برنار فقط بل حق الاستيلاء على جميع المعابر لمنع مرور الجيوش، فمن ~~البديهي أن يكون العرب قد استولوا على وادي زاس ملتقى هذين الطريقين ~~وجعلوا هناك برجا فيه خفراء، ومنه يأتي اسم «الماجل» بالتشديد محرفا ~~عن «محل». # 35 ~~«على العين» في وادي زاس: # في القسم الأعلى من ms174 وادي زاس مثلجة يقول لها أهالي تلك الجهات «مثلجة ~~على العين» إذ منها تخرج ساقية من سواقي نهر «فيسب» # Visp # الذي هو وادي زاس فتسمية ذلك المكان «على ~~العين» # 36 # هي في غاية المطابقة. ~~«العين» في وادي زاس: # إن الجبل الآلي الشرقي الذي هو منبع نهر «فيسب» كان يسميه العرب ~~أيضا «ألب العين». ~~«مشابل» في وادي زاس: # إن أسماء القسم الغربي من وادي زاس لم تكن معروفة المعاني، إلا أن ~~الأستاذ «هيتزيغ» # 37 # يذهب إلى أن «مشابل» # Mischabel # جاءت من الأشبال أي الأسود، ويشرح ذلك ~~بقوله: إن هناك عدة قنن صغيرة تعلوها قنة كبيرة هي بينها أشبه بلبؤة ~~بين أشبالها وأنه لا يبعد مثل هذا التخيل عن أمم الجنوب، ولأجل تأييد ~~هذا الرأي يستشهد بكون القمم التي إلى الشرق من السمبلون تسمى بجبل ~~الأسد. # 38 # وأنه يوجد أسماء أخرى يظهر عليها الأصل العربي لكنها محرفة تحريفا ~~يصعب معه الاهتداء إلى حقيقة أصلها، فلذلك تركناها واكتفينا منها بجبل ~~«مورو». # 39 # فأول ما يعرف بجبل «مورو» الجبل الذي إلى الجنوب من حصن «فراكسينيت» ~~والثاني الجبل الذي فيه معبر «مورو» الذي يؤدي من حصن العرب هذا إلى ~~«ماكونياغا» # Macugnga # في ~~البيامون. # ويوجد أيضا قمة يقال لها: «قمة المورو» # 40 # إلى الجنوب من «بانيو» في وادي «انزه» # 41 # ثم قمة أخرى بهذا الاسم بين «أنترونا» ووادي «أنزه» إلى ~~الشمال من «بريبنونة» Prebenone ~~. # وكذلك إلى الشرق من معبر سان برنار قمة اسمها جبل مورو. # فانغلهارد # Engelhard # المؤرخ يرى في ~~كثرة هذه الأسماء بالجهة الإيطالية من جبال الألب أن العرب كانوا فيها ~~قديما. # أسوار وطرق وكهوف وغير ذلك # إن العرب كما هو معروف هم أهل إتقان لصنعة البناء، ولا سيما بناء الأبراج، وطالما ~~أثروا في هذا الباب آثارا باهرة، فمن الغريب أن لا يكونوا تركوا عند معابر الألب شيئا ~~من المعاقل والحصون، ولكن من المحتمل أن يكونوا أقاموا بالأبراج التي كانت قبل مجيئهم ~~قائمة عند مضايق الجبال باقية من القرنين الثامن والتاسع، فلم تكن بهم حاجة ms175 إلى بناء ~~حصون جديدة، وعلى كل حال ينبغي أن تكون الحوادث التي جاءت بعد خروجهم من البلاد قد أنست ~~الأهالي ذكراهم بالمرة. # وأما في سويسرة فليس الأمر كذلك، ولا سيما في مقاطعة لوزان، فإنك تجد برج العرب # La tour Des Sarrazins # فوق «شييزاس» عند ~~«فيفاي». # 42 # ودهليز العرب وغار الغرب بقرب «لوسنس» # Lucens ~~. # وفي «فيفلسبورغ» # Viflisburg # يوجد حائط يقال له: حائط ~~العرب # 43 # جاء ذكره في تاريخ سويسرة ل مولر # Muller # في الجزء الأول صفحة 251. # وأن كثيرا من الأسماء المضافة إلى «سارازين» المراد بهم العرب توجد في مدينة ~~«بازل» # 44 # ونواحيها حسبما ذكر الأب «سيراسة» # Serasset # في تاريخه «المباحث التاريخية والأثرية والجغرافية عن ~~أبرشية بازل» في الجزء الثاني صفحة 149 فهو يقول: # ويؤكدون أن هذه العصائب الفتاكة، بعد أن أحرقت دير سان موريس تقدمت نحو بحيرة ~~جنيف وزحفت إلى «الجورا» # Jura # ولم يقل لنا ~~التاريخ شيئا عن توغل العرب في بلاد «روراسيا» # Rauracia # ولكن إن كانت الكتب قد سكتت فقد قامت الأخبار ~~المعنعنة المتواترة مقامها، وأن كثيرا من أماكن بلادنا بإضافتها إلى أسماء ~~عربية، تشعر بوقوع هذه الغارة المخيفة، فعلى نصف مرحلة من «دفلية» # Develier # على الجبل، وإلى الشمال الغربي منه، ~~يوجد على مقربة من الطريق السلطاني الروماني فسحة صغيرة بين صخرتين، يقال لها: ~~غار «السارازين» وأهالي هذه النواحي يروون بالتواتر نقلا عن آبائهم، أن هذا ~~المحل كان قد احتله «السارازين» أي العرب، وأنهم كانوا يذهبون ويوردون جمالهم ~~عند «السورن» # Sorne # بقرب «كورتيتيل» # Courtetelle # فهذا هو الاسم الذي يطلقه ~~الأهالي على ذلك الطريق الروماني، وعلى أحد صخور الغار محفور عدد 23 بالأرقام ~~العربية، ولما كان لا يعرف من نقش هذا الرقم في الصخر، وكان قديما جدا، ~~فيترجح أنه قد نقشه العرب عندما كان لهم محرس في ذلك المحل. # وبقرب من «روسميزون» # Rossemaison # بحذاء جبل ~~«شايبوت» # Cheibut # توجد آثار طريق يقال له: ~~طريق السارازين. # 45 # المسكوكات # من قديم الزمان يوجد في سويسرة مسكوكات عربية من الفضة، غير قليلة، تستجلب النظر، ~~ولقد ms176 تمكن العلماء باللغة العربية من إثبات مكان ضربها وزمانه، ولكن لم يكن عليهم من ~~السهل الجواب على كيفية وجود هذه المسكوكات تحت الأرض نظير ما وجد من المسكوكات الباقية ~~من الدور الروماني، فقبل أن ندخل في بحث تاريخ هذه المسكوكات يجب أن نذكر الأماكن التي ~~عثر عليها فيها وكيفية العثور عليها. # فأول تنقيب جرى بشكل علمي وأدى إلى نتيجة كان سنة 1830 وذلك أنه وجد على مائة خطوة من ~~قرية «شتيكبون» # Steckbon # على الطريق العام ثلاثون قطعة ~~من الفضة، لم يعرف أحد في البداية ما هي، وقد اشترى أكثرها الماجور «شيغ» # Schiegg # وبعضها دخل في حيازة البرنس لويس ~~نابوليون # 46 # ثم أهداه البرنس بواسطة الأستاذ «أوكن» # Oken # إلى مجموعة العاديات في زوريخ، وبعد هذا أهدى الأستاذ ~~«كيرن» # Kern # والأب «ران» # Rahn # من شتيكبورن جملة من هذه القطع إلى المجموعة المذكورة، وقد كان ~~أول من شرح تاريخ هذه القطع، من علماء المسكوكات، الأستاذ «فراين» # Fraehn # من أعضاء أكاديمية بترسبورغ، فقال: إن هذه الدراهم هي من ضرب ~~عمال الخلفاء على إفريقية في الربع الأخير من القرن الثامن، وكانوا يطلقون لفظة إفريقية ~~على البلاد التي تتركب اليوم من تونس وطرابلس، فأقدم هذه الدراهم مضروبة سنة 169 للهجرة ~~وأحدثها سنة 182 أي أقدمها في زمن الخليفة الهادي وأحدثها في زمن هرون الرشيد الشهير، ~~وكلها مضروبة في القيروان عاصمة إفريقية في زمان الأمراء عمال الخلفاء نصر # 47 # وهرثمة # 48 ~~(ابن أعين) ويزيد. # 49 # وأن قطعة واحدة هي مضروبة في زمان إدريس مؤسس الدولة الإدريسية. # 50 # وهذه المسكوكات مغطاة بالكتابة، كاسم الأمير، ومكان الضرب وتاريخه، وبعض آيات من ~~القرآن. # وأكثر الكتابة هي بالخط الكوفي الذي يختلف عن الخط العربي الحاضر. # وأما كيفية دخول هذه المسكوكات الإسلامية إلى سويسرة فيظن الأستاذ فرين أنه كان عن ~~طريق فرنسة؛ لأنها وجدت مع هذه الدراهم مسكوكات مضروبة باسم كارلوس الأصلع ملك فرنسة ~~(843-877) وأن النورمنديين قد أتوا بها إلى فرنسة في أثناء غارتهم عليها، وكان ~~النورمانديون أتوا بها من شمالي ms177 إفريقية، في أثناء غاراتهم على سواحل تلك البلاد، ولقد ~~ظن ذلك بناء على أنه وجد من هذه المسكوكات في الروسية مما كان قد جاء به النورمنديون ~~أيضا، إلا أنه بعد أن تحقق كون العرب أقاموا زمانا طويلا في نفس سويسرة لا يبقى محل ~~لنسبة جلب المسكوكات إلى النورمانديين. # وقد وجدت دفينة أخرى من المسكوكات العربية في «مودون» لكنهم لم يعرضوها على علماء ~~المسكوكات إلا منذ سنة، ولقد اعتنى بهذه المسألة المسيو «سوره» # Soret # من جنيف ومن أعضاء الأكادمية الذين لهم مباحث جليلة عن ~~مسكوكات سويسرة. # فإحدى هذه القطع مضروبة في إفريقية أيام العباسيين سنة 170 هجرية (786-787 للمسيح) ~~والثانية عليها اسم إسماعيل بن أحمد في أيام الخليفة المعتضد، ومكان ضربها الشاش، وزمان ~~ضربها سنة 283 للهجرة (896) والثالثة مضروبة في بغداد سنة 361 (974). # وقد ترجم الأستاذ «سوره» كتابات الدراهم، فأحدها مكتوب عليه من إحدى الجهتين لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له: عضد الدولة أبو علي بويه. وعلى الدائر باسم الله، ضرب هذا ~~الدرهم في مدينة السلام سنة أربع وستين وثلاثمائة، ومن الجهة الأخرى لله المجد، محمد ~~رسول الله. الطائع لله. الملك العادل عضد الدولة أبو شجاع. # ورأي المسيو «سوره» يوافق رأي الأستاذ «فرين» بشأن المسكوكات العربية التي وجدت في ~~شتكبورن، وهو أنها دخلت سويسرة بواسطة النورمانديين، أما التي وجدت في مودون فإنه يراها ~~دخلت بواسطة العرب الذين أقاموا بسويسرة. # ومن جملة الافتراضات أن تكون هذه المسكوكات قد وصلت إلى سويسرة بطريقة سلمية، أي كثمن ~~بضائع، أو أن تكون وصلت إلى أيدي السويسريين في أيام الحرب الصليبية من جملة ما غنمه ~~الإفرنج من المسلمين، ولا نميل إلى قبول هذين الافتراضين كما نميل إلى رأي «سوره» من ~~كون دفينة مودون هي مما تركه العرب الذين شنوا الغارة على سويسرة. # الملابس العربية # إن في خزانة كنيسة «كور» من بقايا القرون الوسطى أشياء نفيسة إلى الغاية يندر وجود ~~مثلها في البداعة، فمنها حلة من الحرير يلبسها القسيس في القداس، تختلف عن بقية الملابس ms178 ~~الكنسية وهي مطرزة بآيات قرآنية مكتوبة بالأحرف العربية، ولا نعلم شيئا عن كيفية حيازة ~~الكنيسة لهذه الحلل، ولكن يترجح أنها كانت في أيام وجود العرب في سويسرة، وكما أن رينو ~~يقول: إن في كنائس فرنسة كثيرا من الحلل الدمقسية والآنية الثمينة والأقداح البلورية ~~التي جاءت في زمان وجود العرب بفرنسة، فلا يبعد أن يكون ما في كنيسة كور من هذه الملابس ~~الكهنوتية قد جاء في زمان وجودهم بسويسرة. # وإننا مضطرون للاعتراف بأن العرب كانوا في أيام ازدهار الخلافة في إسبانية، أعلى ~~كعبا في الصناعات والعلوم من الأوربيين، وأن الثياب التي كانوا ينسجونها للزينة كانت ~~من أفخر ما يوجد، ولقد اتفقت الكلمة على كون الصنائع العربية اليدوية، من الحلي والآنية ~~الفضية والأسلحة، هي من الأشياء التي يتنافس الناس بها، إلا أننا نقول: إن الشيء الذي ~~فاق العرب به الجميع هو صنعة النسيج التي كان أكثر ازدهارها في القرن العاشر والحادي ~~عشر والثاني عشر، وكان الخلفاء يهدون منها أمراء أوربة وملوكها، فإنهم كانوا يتحفونهم ~~بنفائس الأسلحة والآنية، وأفخر ما كانت تشتمل عليه هداياهم هو الثياب المطرزة المنسوجة ~~بأنواع التصاوير المزركشة بالذهب والفضة مما كانت تخرجه معامل المسلمين، وكان من اصطلاح ~~العرب في النساجة أن يجعلوا خطوطا عرض الواحد منها سبعة سنتيمترات، وينسجوا عليها حروف ~~الكتابة التي يريدونها من جهة، والتصاوير من جهة أخرى، ولم تكن هذه الكتابات وهذه ~~التصاوير من صنع الأيدي، بل كانت من عمل المعامل والأنوال، وكانت مادة النسج من الخز ~~وخيوط الفضة مصنوعة بالتطريق، وكانت تدور بخيطان الفضة بنود من الحرير الأصفر، بحيث لا ~~تزال الفضة تلمع في أثناء النسيج، وتنعكس عليها ألوان الأطلس الأصفر فيخال الرائي تلك ~~الفضة ذهبا. # وقد ذكر ابن خلدون الكاتب العربي المشهور أن أمراء العرب وملوكها كانت تخلع على من ~~تريد تشريفه أو تكريمه خلعا من هذا النوع، وكان المعمل الذي يخرج هذه المنسوجات يسمى ~~بالمطراز، وقد نقل المستشرق الشهير «دساسي» عبارة ابن خلدون في المجلد الثاني صفحة 782 ~~من كتابه «المنتخبات العربية» # Chrestomatie ms179 Arabe # كما ~~أنه في صفحة 305 من هذا الكتاب ذكر ما يأتي: # إننا نعرف منسوجات كثيرة من صنع العرب، هي من النوع الذي يسميه ابن خلدون ~~بالطراز، وأول ما أذكره الطيلسان الذي كان يرتديه قياصرة ألمانيا عند تتويجهم، ~~فقد كان هذا الطيلسان يشتمل على كتابة عربية منسوجة من خيطان الذهب، كان قد ~~ترجمها وشرحها المرحوم المسيو «تيخسن» # Tychsen # وظهر أن هذا الطيلسان صنع في بلرم # 51 # سنة 528 للهجرة (1133 للمسيح) ولا شك في أن ذلك كان في زمن ~~رجار # 52 # لأنه لا يوجد في تلك الكتابة شيء يتعلق بالديانة الإسلامية. # ثم ذكر دساسي أسماء كتب ألمانية تتكلم عن هذا الطيلسان. ثم قال: # وأذكر قطعة ثانية من هذا النوع من الحرير والذهب محفوظة في ذخائر كنيسة ~~نوتردام في باريز، وهي من أنفس النسيج وعليها ألقاب الخليفة الحاكم بأمر الله ~~الفاطمي المتوفى سنة 411 (1020) ثم أذكر قطعة ثالثة من هذا النوع وجدت في أحد ~~قبور دير «سان جرمان دي ~~پراي» # St-Germain-Des-Près # وفيها كلمتان عربيتان مكررتان كثيرا، وقد ذكر هذه ~~التحف المسيو «فيلمين» # Villemin # في كتابه عن ~~الآثار المجهولة إلى الآن والتي تنبغي معرفتها خدمة لتاريخ الصناعة، وتكلم ~~أيضا عن هذه القطعة المسيو «دمارست» # Demarest # في رسالة مطبوعة سنة 1806 ومما يلحق بهذا الباب ما وجد في قبر الإمبراطور ~~فريدريك الثاني # 53 # المتوفى في 13 دسمبر سنة 1250 فقد عثروا على قميص على أكمامه كتابة ~~عربية، وذكر ذلك في كتاب إيطالياني مطبوع سنة 1814 في نابولي يتضمن كلاما على ~~قبور بلرم، ولقد نشر المسيو «دمور» # Demurr # في ~~أحد تآليفه صورة سجادة، عليها كتابة عربية، منسوجة بمصر في زمان المستعلي بالله ~~أي بين سنة 1094 وسنة 1101 وهي محفوظة في خزانة الفاتيكان في رومة» انتهى كلام ~~دساسي. # وعاد كيلر إلى ذكر القطعة التي وجدت في دير «كور» بسويسرة، فقال: إن عليها كتابة ~~بالعربية «أطال الله لنا أهله» وقال: إن الأستاذ «هيتزيغ» قد ترجمها، وإذا بالترجمة هي ~~دعاء للمدعو له بإطالة حياة رجال ثقته ms180 وقومه، وهو تفسير غريب. والمرجح أن هذا الأستاذ ~~تصحفت عليه كلمة «أجله» فقرأها «أهله» لا سيما أن الكتابة هي الأحرف الكوفية، ولا بد أن ~~تكون العبارة «أطال الله أجله» لأن «أطال الله أهله» ليس لها معنى. انتهى كلام كيلر ~~ببعض اختصار. # | هوامش # | الخاتمة # القصص على آثار العرب في وادي فاليه من سويسرة # قد تقدم في هذا الكتاب بحسب الروايات المتفق عليها والتي يعدها المؤرخون من الحقائق ~~التاريخية أن العرب أغاروا على هذا الوادي واستولوا على معبر سان برنار الكبير، ~~وتغلغلوا في عدة من شعاب الوادي، وأقاموا بها، وكانت لهم وقائع مع الأهلين ومن جملتها ~~إحراقهم دير القديس موريس، ومنذ جئنا إلى سويسرة، وألقينا فيها عصا التسيار، علمنا في ~~أثناء الحديث مع علماء البلاد، ولا سيما الذين يعنون بالآثار التاريخية، أنه يوجد في ~~ذلك الوادي قرى أصل أهلها من العرب أو فيها أناس من سلائل العرب اندمجوا مع سائر ~~الأهالي، وأنهم يعرفون من سحنائهم أنهم عرب، فلما أجمعنا نشر هذا الكتاب، وفيه كل ما ~~تعلق بموضوع إقامة العرب بفرنسة وسويسرة وإيطالية، رأينا حريا بنا، زيادة في التثبت ~~ونصحا بالبحث، أن نتوجه بنفسنا إلى هاتيك القرى التي يقال: إن أهلها من أصل عربي، ~~وننقب ما استطعنا عن هذه المسألة بمشافهة أهل الديار ومراجعة ما يمكن العثور عليه من ~~الآثار، وكان طبيبنا في لوزان الدكتور جاك رو # 1 # قد أشار علينا بزيارة دير سان موريس الذي فيه خزانة كتب قيمة ومخطوطات ~~متناهية في العتق، وكتب كتاب توصية لرئيس الدير حتى يضع بين أيدينا من الكتب والمخطوطات ~~ما يوافق موضوعنا، كما أن صديقنا المحامي الدكتور فريدريش من جنيف، وهو من المتخصصين في ~~العلوم التاريخية والأثرية، قد ذكر أنه من جملة تلك القرى قرية اسمها إيزيرابل # Iserables # وقرية أخرى اسمها فريتوريس # Freytorreus # وقال: إن القرية الأولى في مكان حصين، ~~محاط بالأوعار، مما يستدل منه على أن العرب لجأوا إلى ذلك المكان واعتصموا به. # ففي 29 يونيو من هذه السنة قصدت إلى سان موريس وهي تبعد ms181 عن جنيف بالسكة الحديدية ~~ساعتين وربع ساعة، وذهبت إلى الدير الذي تنتسب إليه القصبة، وهو دير عريق في القدم بناه ~~سيجسموند أمير بورغونية في سنة 515 للمسيح ، ولا يزال معمورا من ذلك الوقت، فعندما دخلت ~~إلى الدير ناولتهم الكتاب الذي معي من صديقهم الدكتور جاك رو، فاستدعوا لي الراهب ~~المتولي حفظ المكتبة واسمه طونولي # Tonoli # فجاء وجلس ~~إلي، وتجاذبنا أطراف البحث الذي جئت إلى هناك من أجله، فقال لي: إنه لا يعهد في خزانة ~~كتب الدير مخطوطات فيها شيء يتعلق بغارة العرب على وادي فاله، وأنه يمكن الاطلاع على ~~هذه المسألة في الكتاب الذي يقال له # Monumanta Germanica ~~Historica # أي مجموع التاريخ الجرماني. ثم قال لي: إلا أنه من ~~المتواتر عند الجميع أن العرب مروا من هنا وأحرقوا هذا الدير، ثم أشار علي بالذهاب ~~إلى بلدة مارتيني # Martigni # وهي على الخط الحديدي تبعد ~~نحوا من نصف ساعة عن سان موريس إلى الجنوب، وتقع بعد سان موريس بثلاث محاط، وأن هناك ~~رجلا محاميا يقال له: كوكو # Coquoz # يقدر أن يدلني ~~على القرى التي يقال: إن من أهلها من هو منحدر من دم عربي، ويقفني على معلومات قد يهمني ~~الاطلاع عليها، وكذلك في مدينة سيون # Sion # قاعدة مقاطعة ~~فاليه رجل يقال له: الأب ليوماير، متخصص في الأمور التاريخية، وله كتاب عن تاريخ مقاطعة ~~فاليه، فهو أيضا من الأشخاص الذين قد أجد ضالتي عندهم. # وعلى هذا فقد ذهبت إلى مارتيني وبحثت عن المسيو كوكو، وحدثته بالمقصود من زيارتي له، ~~فدلني على رجل يقال له فيليب فاركه # Farquet # يقيم ~~بدائرة تخص دير سان برنار، وهو معدود من العلماء، فذهبت واجتمعت بهذا الرجل، فقال لي: ~~إنه لا يعلم شيئا من جهة تاريخ العرب في وادي فاليه غير ما هو شائع على ألسن الجميع، ~~ولكنه أشار إلى ساحة وراء كنيسة مارتيني وقال لي ونحن ننظر من النافذة: إن هذه الساحة ~~التي أمامنا يقال لها ساحة ~~السرازين Place des Sarrazins # ومن هنا يعلم أن العرب سكنوا في ms182 مدينة مارتيني هذه، وهو أمر ~~معقول جدا؛ لأنه قد ثبت في التاريخ كونهم استولوا على معبر سان برنار المشهور، ومن ~~المعلوم أن مارتيني هي البلدة التي يصعد منها الناس إلى جبل سان برنار الذي فيه الدير ~~القديم، وكل يوم تسير السيارات بالمسافرين بين سان برنار ومارتيني. # وكنت علمت من هؤلاء الأشخاص الذين تحادثت معهم في هذا الموضوع أن قرية إيزرابل هي ~~التي يرجح أن فيها من بقايا العرب، وأنه يوجد أيضا قرية أخرى تابعة لمدينة سيون يقال ~~لها: إيفولين # Evolene # هي من هذا القبيل، فسرت بالقطار ~~إلى سيون، واجتمعت بالقسيس الذي يقال له ماير وهو قيم خزانة الكتب التي في مدرسة سيون، ~~فلم أجد هذا الرجل معتقدا بصحة هذه الروايات، وهو يظن أن العرب مروا ببلاد فاليه غزاة، ~~عابري سبيل، وما عدوا أن أحرقوا دير سان موريس ولا أعلم هل هو معتقد ذلك فعلا، أم ~~يحاول إنكار وجود آثار للعرب في تلك الديار فقد وجدته من القسيسين المتعصبين في الكثلكة ~~إلى الغاية ولم أجد في كلامه ما ينقض شيئا من الروايات التي أطبق عليها المؤرخون من ~~كون العرب أوطنوا وادي فاليه وأقاموا بها حقبة وبقيت لهم فيها أعقاب، وهو نفسه أشار ~~علي بمراجعة كتاب بالألماني لمؤلف يقال له فيشر # Fischer # لكنه يقول: إنه غير واثق برواياته. # فتركت القسيس وركبت سيارة وسرت إلى قرية إيفولان، والمسافة من سيون إليها نحو من 25 ~~كيلو مترا، وهي في الجبال ليس وراءها عمران، ومنها إلى حدود إيطالية بضع ساعات لا غير، ~~فلما وصلت إلى القرية وجدتها قرية صغيرة ليس فيها أكثر من مائة بيت، أهلها فلاحون، يعيش ~~أكثرهم من الحرث ومن قطع الأخشاب، لكثرة الحراج التي حولهم، فسألت عن شيخ القرية أو ~~عمدتها، كما يقال في مصر، فدلوني على بيت حقير، دخلت إليه فوجدت الرجل، وحادثته في ~~الموضوع فقال لي: إنه يسمع بهذه الروايات كسائر الناس، وأنه ليس عندهم وثائق خطية على ~~شيء من هذا، ثم أشار علي بمقابلة القسيس مرشد أهل القرية فسألت ms183 عن القسيس فلم أجده، ثم ~~ملت إلى فندق صغير في تلك القرية، يقصد إليه السياح الذين يحبون العزلة في الجبال، ~~فوجدت صاحب الفندق رجلا على أثارة من علم، وهو من أهل سيون، فقال لي: إن الجميع يسمعون ~~أن أهالي هذه القرية أو بعضهم على الأقل هم من أصل عربي، وأنه في الوادي الآخر الذي ~~وراء وادي إيفولن والذي يقال له أنيفيه # Anniviers # قرى ~~يقال أيضا: إن فيها من بقايا العرب الذين أغاروا على وادي فاليه، وسألت هذا الرجل هل ~~يعلم في إيفولين عائلة تعلم نفسها منحدرة من أصل عربي، فأجابني: أما هكذا فلا أعلم ~~وغاية من هناك أنهم يقولون بوجود الدم العربي في هذه القرية، وأن في سحنة بعض أهلها ما ~~يدل على كونهم ليسوا من أصل سويسري. # فغادرت قرية إيفولين، ورجعت إلى سيون، ومنها ركبت القطار وجئت إلى محطة ريد # Rid # التي منها يمكن الذهاب إلى قرية إيزارابل، فنزلت في ~~ريد، وسألت: هل يوجد طريق معبد إلى إيزارابل؟ فقالوا: لا، ولا سبيل إلى الذهاب إلا على ~~ظهر دابة أو سيرا على الأقدام، ولما كان وجود مطية يأخذ وقتا، وكان من عادتي بحسب ~~إشارة الطبيب أن أمشي كل يوم لا أقل من ساعتين، لأجل الرياضة الجسدية، اخترت أن أذهب ~~إلى إيزارابل ماشيا، ولكنها كانت مرحلة شاقة لأن الطريق إلى إيزارابل إنما هو تصعيد ~~مستمر في عقبة كؤود، يأخذ اجتيازها ساعتين ونصف ساعة فيصل الإنسان إلى تلك القرية التي ~~يجدها في أوعر محل من ذلك الجبل، لولا ذلك الطريق الذي ينفذ إليها لا يكاد الماعز يجد ~~إليها متسلقا ولا متعلقا، ولا شك أن العرب إن كانت بقيت منهم بقايا ولاذت بالجبال، ~~طالبة النجاة من أيدي أهل البلاد، لم يكونوا ليجدوا للامتناع خيرا من ذلك المحل، ~~والقرية في سفح جبل قائم، تشرف على واد عميق الغور، والغابات تحف بها، فلما وصلت إليها ~~سألت شيخها، ويقال له كازيمير تافر # Tavre # فسألته عما ~~يعلم من قضية انتساب هذه القرية إلى العرب، فقال لي: إن ms184 العرب كانوا شنوا الغارة على ~~وادي فاليه، وأحرقوا دير سان موريس، وانتشروا في هذه الأرض ثم انقرضوا كما جاء في ~~التواريخ، وإن كانت لهم أعقاب في هذه البلاد فليس ذلك خاصا بقرية إيزارابل، فربما ~~كانت بقايا العرب في عدة قرى، فسألته هل يعلم عائلات تعلم نفسها من أصل عربي، فقال لي: ~~لا، فسألته: هل يوجد عندهم أوراق عتيقة تدل على صحة تلك الروايات؟ فأجابني أن عندهم في ~~خزانة البلدية أوراقا مكتوبة باللاتينية ترجع إلى سنة 1200 مسيحية فما بعدها، وإن هذه ~~الأوراق كلها صكوك بيع وشراء يراجعونها عند وقوع الخلاف على حدود الأراضي، وليس فيها ~~شيء عائد إلى التاريخ، فتركته وجئت إلى ساحة القرية، فوجدت شبان القرية كلهم مجتمعين في ~~مقهى صغير يشربون فيه المرطبات، فسألت عن سبب هذا الاجتماع فقيل لي: إن لشبان القرية ~~جمعية قد جعلت لنفسها علما خاصا، وإن ذلك اليوم هو يوم الاحتفال بالعلم، فكان لي ~~اجتماعهم هذا فرصة لأجل التفرس في هيئاتهم وسحنهم، فرأيت فيهم سحنا لا تفترق عن غيرها ~~من خلقة أهل سويسرة، ورأيت أشخاصا تغلب عليهم السمرة الشديدة، ولا تشبه خلقة الآخرين، ~~وأما من جهة لغتهم فإنهم يتكلمون الإفرنسية ولغة أخرى عامية مشتقة من اللاتينية، وهذه ~~اللهجة العامية غالبة على جميع قرى ذلك الوادي من أوله إلى آخره، ولا يتكلم الأهالي ~~فيما بينهم إلا بها، وقد تختلف لهجة ناحية عن ناحية، ولم يتسع لي الوقت أن أبحث في ~~عاميتهم هذه، ولا سيما في لهجة إيزارابل وإيفولين، لأعلم هل هناك ألفاظ عربية أم لا؟ ~~فإن بحثا كهذا ليأخذ وقتا طويلا لم أكن أملكه، فتركت إيزارابل مكتفيا بما رأيته ~~وسمعته، وعلمت أن تاريخ العرب في ذلك الوادي لا يمكن أن يؤخذ إلا من بطون الكتب، وما ~~عدا ذلك فهو روايات شائعة متواترة لا شك في أن لها أصلا ولكن هذا الأصل قد اختفى بكرور ~~الأيام. # ثم إن أحد أصحابي ممن يعنون بتاريخ سويسرة نبهني إلى مطالعة القاموس التاريخي ~~السويسري المسمى # Dictionnaire historique et biographique de ms185 la ~~Suisse # إذ فيه تحت لفظة «سرازين» فصل يتعلق بمقام العرب في سويسرة ~~وجبال الألب، فذهبت إلى خزانة كتب الجامعة في جنيف، وطالعت الفصل المذكور، ولخصت منه ما ~~يلي: في القرن التاسع للمسيح استغاث البابا بالسويسريين والفريزوزينين، لوقاية رومة من ~~غارات العرب، وفي سنة 888 جاء عرب من إسبانية واحتلوا فركسيناتوم (مقاطعة الفار في ~~فرنسة) وأغاروا من هناك على الشمال والغرب، وسنة 906 اجتازوا جبال الألب الغربية ~~واكتسحوا دير نوفاليز بقرب سوز # Suze # وفي سنة 913 كانوا ~~في آكي # Acque # في بيامونت، وفي سنة 921 وصلوا إلى جبل ~~سان برنار الكبير، حسبما روى فليودار ~~دورنز # Fléodard de Reims # وهناك رموا بالحجارة قافلة إنكليزية كانت ذاهبة إلى رومة، وفي ~~سنة 936 قطع العرب جبال الألب ~~الريتية # Alpes Rhétiennes # واكتسحوا أسقفية كوار # Coire # فاضطر الملك أوتون الأول أن يعوض أسقف كوار مما رزأه به العرب، ومن الوقائع التي لا شك ~~فيها أن العرب نزلوا من جبل سان برنار، ونهبوا دير سان موريس في وادي فاليه، وذلك سنة ~~940 كما روى ذلك أولريك مطران أوغسبورغ، ولا تمكن معرفة ما إذا كانت ثمة علاقة بين ~~حوادث سان برنار وحوادث كوار، وفي سنة 941 كان هوغ ملك إيطالية في حرب الماركيز ~~بيرانجه الإيفري # Berenger D'ivrée # والملكة برته ~~صاحبة برغونية التي كان طلقها، فاستمال هوغ العرب واستخدمهم وألقى إليهم بحراسة معابر ~~الألب، ففر بيرانجه من وجههم والتجأ إلى الدوق هرمان الشوابي # Hermamnn de Soiab # وبلغ من قوة العرب أنهم جعلوا رسوما على المارة الذين ~~كانوا يقطعون جبال الألب، قاصدين رومة، ويقال: إنهم تقدموا من هناك حتى بلغوا مقاطعة ~~فو # Void # التي قاعدتها لوزان ومقاطعة جوره، التابعة ~~لنيو شاتال، واستطالوا على دير سان غال # Saint Gall # وكانت توجد كتابة في كنيسة القديس بطرس في بورغ # Bourg # محفورة بين سنة 1019 و1038 يستدل منها على الغارات العربية إلى جهة الغرب. # وأما غاراتهم إلى جهة الشمال الشرقي فالروايات عنها لم تحقق بصورة قطعية وكذلك لم ~~يتحقق كونهم تديروا جبال ms186 الألب، بصورة ثابتة، وإنما تحقق على وجه ليس فيه مراء أن الملك ~~أوتون مر بكوار سنة 952 ومعه «أدليدة» فوجد الدير قد نهبه العرب فعوض الدير مما فقده، ~~وذلك سنة 955 وأما في جنوبي الألب فقد طال مقام العرب، ولكن لا نظن صحيحا أنهم ~~استعمروا وادي ساز # Saas # سنة 940 إلى سنة 960 وكذلك ما ~~يقال من احتلالهم بونترازينه Pontresina # وأما ما يقال ~~من كون بعض أسماء وادي ساز هي عربية مثل «على ~~العين» # Allalin # والعين # Ein # والماجل # Almagel # ومشابل # Mischabel # وبالفرين # Balfrin # ومونتومورو # Monto Moro # فلم يثبت كون هذه الألفاظ ~~عربية، وفي 23 يوليو سنة 973 قبض العرب على الراهب ميول ورفاقه، فثار الناس من أجل هذه ~~الفعلة، واجتمع غليوم كونت آرل، وهاردوين أمير تورينو وربالد كونت بروفانس، وزحفوا إلى ~~العرب من كل جهة واستولوا على فركسينة وانقرض العرب من هناك. # وهذا الفصل من قاموس سويسرة التاريخي عليه إمضاء # H. ~~Dübi # وهو مأخوذ من بضعة عشر تأليفا بالإنكليزية والإفرنسية، ~~وأكثرها بالألمانية، وفي رأس هذه التآليف كتاب كيلر # Keller # الذي ترجمناه وأردفنا به كتاب رينو المستشرق الإفرنسي. # بقي علينا أن نلاحظ على هذا الفصل ارتياب كاتبه في عروبة الألفاظ التي ذكرها فنحن ~~نخالفه في هذا الرأي، ونوافق على رأي كيلر، وهو أن هذه الألفاظ عربية لا ريب فيها وأنه ~~يستحيل أن توجد ثلاثة ألفاظ كهذه مشابهة للألفاظ العربية تصادفا، وذلك مثل «على العين» ~~و«العين» و«الماجل» فإن هذه كلمات عربية صريحة، وشكل التلفظ بها بحسب رسم حروفها باللغة ~~الإفرنسية يدل على كونها عربية مغربية؛ لأن إخواننا المغاربة والأندلسيين يميلون إلى ~~الكسر في تلفظ الحرف الأول من لفظ عين وما في ضربها من الألفاظ كزيت وجيش وزيد وغيرها، ~~بخلافنا نحن المشارقة فإننا نلفظ كل هذه الألفاظ بفتح أولها، وأما الماجل فقد تقدم أنه ~~حوض الماء، وأن هذه اللفظة كانت تسعمل في مكة لحياض الماء التي فيها، وأما مشابل فيجوز ~~أن تكون من أصل عربي بمعنى مكان الأسود، أو كما قيل من إن ms187 هناك جبالا شبهوها بلبؤة تجر ~~أشبالها كما أنه يجوز أن يكون أصلها لفظة أوربية تشابهت اتفاقا مع اللفظة العربية، أما ~~الألفاظ الثلاثة الأولى فلا يمكن أن يكون وجودها مجرد اتفاق، لا سيما أنها أسماء لأماكن ~~فيها مياه، وأما بالفرين فقد تكون محرفة عن أصل عربي ويكون أصلها بالفرين تصغير فرن، ~~ويجوز أن تكون لفظة إفرنجية، وأما «مونتومورو» فهو ظاهر ومعناه جبل المغاربة أو العرب، ~~وبالاختصار فرأى كاتب هذا البحث من جهة هذه الألفاظ هو في غير محله. # فهذا ما اخترنا نقله وجمعه من أخبار غارات العرب على فرنسة وإيطالية وسويسرة ممحصا ~~ممخوضا معولا فيه على أوثق المصادر والله تعالى من وراء العلم هو المبدئ المعيد ~~والأول والآخر. # فتح المسلمين لمالطة # قد كان أصل المحور الذي دارت عليه مباحث هذا الكتاب هو غزوات العرب في شمالي جبال ~~البيرانه من فرنسة وإيطالية وسويسرة، ولكن الحديث شجون والتاريخ، إنما هو حديث عن حوادث ~~يثير بعضها بعضا، وقلما تجد منها حادثة إلا وهي متعلقة بسابقة لها، ولذلك لم يكن حصر ~~الكتاب ضمن الحدود التي ذكرناها، بل تعدى إلى موضوع غزو العرب لجزائر البحر الرومي مثل ~~كورسيكة وسردانية وصقلية والأرض الكبيرة المقابلة لها التي يقال لها كالابرة، وتناول ~~البحث أيضا جزيرة إقريطش التي يقال لها اليوم: كريد، فأما جزر الباليار فهذه تابعة ~~للأندلس قديما وحديثا، ولذلك أبقينا الكلام عليها إلى الكتاب الذي ننوي وضعه على ~~الأندلس، وقد هيأنا كثيرا من مواده، وإنما بقيت جزيرة في البحر المتوسط، فاتنا ذكر فتح ~~المسلمين لها، مع كونها ذات ذكر شهير في التاريخ أكبر كثيرا من جرمها الجغرافي ألا وهي ~~جزيرة مالطة، فأحببنا أن نذكر عنها خلاصة تاريخية في هذا الكتاب، فنقول: # يوجد أرخبيل يقال له: الأرخبيل المالطي مؤلف من جزيرة مالطة وأخواتها غوزو # Gozo # وكومينو # Comino # و ~~كومينوتو # Cominotto # وفلفولا # Filfola # وصخور أخرى تحاذيها، جاء في الإنسيكلوبيدية الإسلامية المحررة ~~بالإفرنسية أن هذه الجزر كانت في الأعصر القديمة مأهولة بطائفة من طوائف البحر المتوسط، ~~لها آثار تدل عليها، محفوظة ms188 في مكان من مالطة يقال له: «الحجر القائم» # Hagiar kaim # وأول ما عرف التاريخ عنها هو أن الفينيقيين استعمروها ~~قبل القرن العاشر قبل المسيح، واتخذوها قاعدة لسفنهم التجارية، قالت الإنسيكلوبيدية: ~~ولم يتحقق كون اسم مالطة مشتقا من الفينيقية وإنما تحقق كون جزيرة غوزو أو غولوز # Gailos # معنى اسمها «سفينة تجارية مستديرة الشكل» وقد ~~استولى القرطاجنيون على مالطة في القرن السابع قبل المسيح، وبقوا فيها أربعة أو خمسة ~~قرون، ثم استولى عليها الرومانيون سنة 218 قبل الميلاد وبقيت نحوا من عشرة قرون في ~~أيدي الرومانيين واليونانيين، وفي القرن الأول للمسيح تنصر أهل مالطة عن يد القديس ~~بولس، ولما سقطت السلطنة الرومانية الغربية استولى عليها البيزنطيون، وكانت لهم مركزا ~~ضروريا بعد استيلائهم على شمالي إفريقية. # وقد استولى المسلمون على مالطة سنة 256 للهجرة وفق 869 و870 مسيحية، ولكن هذا ~~الاستيلاء هو الاستيلاء الثابت؛ لأن ابن الأثير يخبرنا أنه في سنة 221 أرسل إبراهيم بن ~~الأغلب أسطولا لغزو الجزائر، والأرجح أن مراده بالجزائر هو الأرخبيل الذي من جملته ~~مالطة، وقد كانت غزوات المسلمين لمالطة وصقلية في القرن الثامن للمسيح، وربما كانت ~~مالطة دخلت في حوزة المسلمين قبل سنة 800 وكان مقام المسلمين بمالطة أطول وأثبت من ~~مقامهم بصقلية، بدليل كون لغة مالطة عربية. # وقد اختلف العلماء في أصل اللهجة المالطية، فزعم بعضهم أنها من أصل فينيقي، وذهب ~~آخرون إلى أنها لهجة عربية، وهذا رأي الجمهور، فاللغة المالطية عربية تشابه في كثير من ~~الألفاظ لهجات العرب الشرقيين، وفي كثير منها العرب المغاربة وتكثر في لغة مالطة ~~الإمالة، كما يكثر أيضا قلب الألف ياء، فيقولون: «يينا»، بدلا من أنا، ويقلبون القاف ~~همزة، ويستعملون أحيانا نون الجمع المتكلم قبل المفرد، فيقولون مثلا: إنا نقول له. ~~بدلا من: نحن نقول له، وهذا على نسق أهل المغرب وتختلف اللهجات في نفس مالطة بين ~~المدينة والقرى، وبين مالطة وغوزو، ولا توجد الخاء والغين في مدينة مالطة المسماة ~~«فاليت» وإنما توجد في جزيرة غوزو، ولم يتم البحث حتى الآن عن ms189 اللهجات المالطية حتى ~~يعرف ما هو راجع منها إلى العربية الشرقية وما هو راجع إلى العربية الغربية، وقد أثرت ~~الثقافة اللاتينية الإيطالية في اللغة المالطية، ودخلت ألفاظ كثيرة منها في لغة مالطة، ~~ولم يكن للمالطيين حروف يكتبون بها إلى أن قام في القرن الثامن عشر رجل يقال له: «آجيوس ~~سلدانيس» فاعتنى بالبحث عن لغة بلده، ومن ذاك الوقت أخذوا يكتبون لغتهم، واستعملوا ~~الحروف العربية، ثم نهضت عصبة من المالطيين اسمها «عقدة تالكتيبة تالمطي» أي عصبة ~~الكتاب المالطية ونشرت كتابا في نحو اللغة المالطية سمته «تعريف الكتب المالطية» وذلك ~~في سنة 1924 وجاء في مقدمة هذا الكتاب ذكر أنواع الكتابة المالطية، ثم إن هذه العصبة ~~نشرت مجلة اسمها المالطي في سنة 1925 وكان غرضها الأصلي إحياء اللغة المالطية العربية ~~أو ما تعبر عنه بالمالطي الصافي. # ومنذ سنة 1850 أخذت مسألة اللغة المالطية شكلا سياسيا، وذلك لأن الإنكليز أحبوا أن ~~يعززوا اللغة المالطية العربية، لعدم رغبتهم في نشر اللغة الإيطالية التي هي لغة الطبقة ~~المثقفة ولغة رجال الكنيسة في مالطة، ومن شاء الاطلاع على آداب اللهجة المالطية فليراجع ~~كتب بونللي # L, Bonelli # وشتومة # H. Stumme ~~. # وقد ترك المسلمون في مالطة، عدا أسماء البلاد واللغة العربية، قطعا من المسكوكات ~~وعددا كبيرا من الآثار الكتابية لا سيما كتابات القبور، وأشهر هذه الكتابة المسماة ~~«ميمونة» تاريخها يوافق سنة 1173 مسيحية، وقد نشرت منذ قرن تام، وبحث فيها المستشرقون ~~مثل إيطالينسكي # Italenski # ولنسي # Lance # وآماري # Amari # وغيرهم، وقد ~~وجدوا كتابة أيضا في جزيرة غوزو، وهي محفوظة في متحف مالطة ثم إنه وجدت كتابات نحو ~~العشرين في أثناء الحفريات التي وقعت بين سنة 1922 وسنة 1925 في محل يقال له: ~~رباطو # Rabato # بقرب نوتابيل # Notabile # وهي محفوظة في متحف مربع رومانا # Romana # على مقربة من مكان الحفريات. # هذا وقد خرجت مالطة من أيدي المسملين سنة 1090 مسيحية، فإن النورمنديين استردوها بعد ~~استردادهم لصقلية، ولكن كان المسلمون مأذونا لهم في الإقامة بهذه الجزيرة إلى سنة 1249 ~~ثم إن ms190 مالطة من سنة 1530 إلى سنة 1798 صارت مركزا لفرسان ماريوحنا أورشليم الذين طردهم ~~الترك من رودس سنة 1523 فانتقلوا إلى مالطة وأنشأوا أسطولا عظيما، كانوا يلاقون به ~~أساطيل المسلمين، الترك أو الإفريقيين، وكان يؤتى بألوف من أسارى المسلمين إلى مالطة، ~~ولهذا قصد الأتراك الاستيلاء على مالطة سنة 1565، ولكنهم لم يتمكنوا منها، وحاولوا ذلك ~~مرة أخرى في أيام السلطان محمد الرابع، وفي المكتبة العمومية في مالطة وفي متحفها بعض ~~كتابات عربية متعلقة بفن الملاحة، انتهى ما ذكرته الإنسيكلوبيدية الإسلامية عن مالطة، ~~نقلناه باختصار. # ولما كان العلامة الرحلة اللغوي المشهور أحمد فارس الشدياق، صاحب الجوائب قد أقام ~~بمالطة أربع عشرة سنة وكتب عليها كتابا سماه «الواسطة في معرفة أحوال مالطة» فقد أردنا ~~أن نأخذ من هذا الكتاب بعض ما يتعلق بغرضنا من جغرافية مالطة وتاريخها وذكر فتح ~~المسلمين لها ، فنقول: # قال أحمد فارس: إن تخطيط مالطة هو في 22 درجة وأربع وأربعين دقيقة من الطول، وفي 25 ~~درجة و54 دقيقة من العرض، أما موقعها في الكرة فإن بعض الجغرافيين ألحقوه بإفريقية، ~~بالنظر إلى المكان، وبعضهم ألحقه بجزائر إيطالية بالنظر إلى عادات أهل مالطة وأحوالهم ~~وديانتهم، فأما عرض مالطة فاثنا عشر ميلا، وطولها عشرون، ودورتها ستون وقاعدتها الآن ~~هي المدنية المسماة فالته ~~“La Valette” # فأما في الأعصر ~~السالفة فكانت نوتابيلي، ويقال لها الآن المدينة، وموقعها في وسط الجزيرة في أرفع موضع ~~منها، وكانت الجزيرة منقسمة إلى شطرين: أحدهما يمتد جهة الشرق، والآخر جهة الغرب، والذي ~~بنى فالته كان أحد أمراء الإفرنج وسماها باسمه، وذلك سنة 1576 وهي على ربوة بقرب البحر ~~يقال لها: شبراس، قلت: زعم بعض المالطيين أن أصل هذه الكلمة «شبرا الراس» وبعضهم أنها ~~«جبل راس» وعندي أنها شعب الراس، قال في الصحاح: شعب الراس شأنه الذي يضم قبائله. ~~أ.ه. # وهو كناية عن أصل الشيء ومجتمعه، كما أن قبائل الراس مرجعها إلى الشعب، ويحتمل أنها ~~سميت بشيب الراس لأن أهل مالطة كانوا يناصبون المسلمين الحرب وكل فريق ملاق من فريقه ms191 ما ~~يشيب الرأس. أ.ه. # قلت: تأييدا لما استشهد به أحمد فارس أقول: جاء في لسان العرب «والشعب شعب الراس وهو ~~شأنه الذي يضم قبائله، وفي الرأس أربع قبائل، وأنشد: # فإن أودى معاوية بن صخر # فبشر شعب رأسك بانصداع أ.ه. # ثم نقل أحمد فارس عن المؤلف الفرنساوي بوليه أن قاعدة مالطة سميت باسم الأمير لافاليت ~~رئيس طريقة الفرسان، ولد في سنة 1494 ومات سنة 1568 وكان شهيرا بالبأس، وأول ما استولى ~~عليه من الجزيرة عند محاصرته المسلمين بها برج «سانت المو» ثم قوي عليهم وأخرجهم منها ~~أ.ه. قلت: إن هذه الرواية تخالف ما جاء في الإنسيكلوبيدية الإسلامية من كون مالطة خرجت ~~من أيدي المسلمين سنة 1090 إذ ينبغي من هذه الرواية أنه كان فيها مسلمون في أواسط القرن ~~السادس عشر للمسيح، وأنه كانت في أيديهم حصون وأبراج، ولولا ذلك ما قيل: إن الأمير ~~لافاليت أخرجهم منها. # وأما اسم مالطة فجاء في كتاب أحمد فارس: إن اليونانيين سموها مليته، واشتهر ذلك سنة ~~828 قبل الميلاد، ومعنى ميليته أو ميليسه في لغة اليونان النحل فحرف المسلمون ذلك ~~وقالوا: مالطة، قال: وزعم قوم أنها سميت باسم ميليته ابنة دوريس، وهو مشتق من ميليت في ~~السريانية، وهو اسم إله، ولا يبعد أن يكون ذلك في اللغة الفينيقية أيضا، قال: وممن ذكر ~~مالطة من الشعراء الأقدمين أوميروس وأوفيديوس ويفهم من كلام الأول أن القبيلة التي يقال ~~لها: «ألفپا كونس» هم أول من استوطنوا هذه الجزيرة، وكانوا ذوي قوة وبأس، ثم خلفهم ~~الفينيقيون، وهم من جهات صور وصيدا، وذلك سنة 1519 قبل الميلاد، فلبثوا فيها نحو ~~أربعمائة وخمسين سنة، حتى تغلب عليهم الإغريقيون ثم سلموها للقرطجنيين، وذلك نحو سنة ~~528 قبل الميلاد، ثم جاء من بعدهم الرومانيون سنة 283 من التاريخ المذكور، وأعظم ما حدث ~~في أيامهم قدوم ماربولس، وانكسار السفينة به وبمن كان معه، وذلك سنة 58 للميلاد، في ~~موضع يقال له الآن: خليج ماربولس، ومنذ ذلك الوقت تنصر أهل الجزيرة، ثم بعد الرومانيين ~~استولت قبيلة ms192 «الفندلس» ثم «القوث» ثم «البليساريون» وألحقوها بحكومة البلاد الشرقية ~~وبقيت كذلك إلى سنة 780 فأخذوه في هضم الرعية، فقاموا عليهم وسلموا الجزيرة للمسلمين. ~~أ.ه. ملخصا. # قلت: يريد بالقوث أمة القوط الذين كانوا غلبوا على إسبانية، وبالفاندالس الأمة التي ~~كانت أيضا غلبت على إسبانية وإفريقية، وأما البليساريون فهم قوم بليسار # Belisaire # وكان من قواد الإمبراطور يوستنيانوس صاحب ~~بيزنطية، ولد سنة 490 وفي سنة 533 غزا الفندلس في إفريقية، واستولى على قرطاجنة، ثم غزا ~~أيضا القوط عندما كانوا في إيطالية واستولى على صقلية ونابولي ورومة، ولعله في هذه ~~الغزاة استولى على مالطة، ثم قال أحمد فارس: ذكر في كتاب الجمع والبيان في أخبار ~~القيروان: إن مالطة فتحت في أيام أبي الغرانيق محمد بن أحمد بن محمد بن الأغلب، توفي ~~سنة إحدى وستين ومائتين، وإنما لقب بالغرانيق لأنه كان مشغوفا بالصيد، روي أنه بنى ~~قصرا في السهلين، لصيد الغرانيق أنفق فيه ثلاثين ألف دينار ، فكني بهذه الكنية، فعلى ~~هذا فلا معنى لقول المؤلف (أي المؤلف الذي نقل عنه أحمد فارس): وسلموا الجزيرة ~~للمسلمين. أ.ه. يريد أحمد فارس أن يقول: إن المسلمين أخذوها فتحا. # ثم نقل صاحب «الواسطة في معرفة أحوال مالطة» عن ذلك المؤلف بقية حوادث مالطة، فقال: ~~ثم قام الأمير روجر النورماندي بعدها بمائتي سنة، واسترد الجزيرة وألحقها بصقلية، فبقيت ~~كذلك نحو سبعين سنة، ولما تزوج القيصر هنري السادس قيصر جرمانية ولية عهد صقلية دخلت ~~مالطة في حكومته، وذلك سنة 1266 وبقيت كذلك اثنتين وسبعين سنة، وفي أثناء ذلك ولي أخو ~~لويس ملك فرنسة حكم صقلية ومالطة معا، وبعد سنتين تغلب عليه الأمير بطرس الأراغوني، ثم ~~آل أمرها إلى الملك كرلوس ملك صقلية فولى عليه الفرسان من نظام ماريوحنا برضى الأهلين ~~واتفاق دول أوربا، ثم لما نبغ نابليون واستولى على البلاد سلمت له الجزيرة على أن يرخص ~~للأهلين في التصرف بحقوقهم، إلا أن الفرنسيس لم يلبثوا أن هتكوا بعض السنن القديمة، ~~وانتهكوا حرمة الكنائس، فتحزب عليهم المالطيون تحزبا لم يخل من سفك ms193 دم كثير منهم وتلف ~~أموالهم، إلى أن أتت الإنكليز فسلموها لهم وكان ذلك سنة 1800. # قلت (أي قال أحمد فارس): لما دخلها نابليون وجد فيها ألفا ومائتي مدفع ومائتي ألف ~~رطل من البارود وأربعين ألف بندقية وعدة بوارج و4500 أسير من المسلمين فأطلقهم، وذلك ~~سنة 1798. # ثم رجع الشدياق إلى النقل عن المؤلف الذي نقل عنه فقال: إن أخذ المسلمين لمالطة كان ~~من باب المصادفة أولى منه من المغالبة، وعاملوا الأهلين أولا بالرفق والمياسرة، وقرروا ~~سننهم وأحكامهم، وامتزوجوا بهم للغاية، حتى كأن الجيلين واحد، كما يتبين من بقاء لغتهم ~~فيهم. # قال: أما لغة مالطة فذهب بعضهم إلى أنها عربية فاسدة، وذلك آخرون إلى أنها فينيقية ~~لأن اليونانيين بعد أن فتحوا الجزيرة لم يخرجوا منها الفينيقيين بل ظلوا فيها آمنين ~~محافظين على لغتهم، وما برحت مستقلة حتى بعد استيلاء الرومانيين عليها وأنها لم تتغير ~~في مدة القرطاجنيين لأن لغة هؤلاء كانت أيضا فينيقية، ومع أن دأب الرومانيين كان حمل ~~الناس على التخلق بأخلاقهم والسلوك بسنتهم أينما ملكوا فلم يجبروا الرعية هنا على ~~التكلم بلغتهم، والدليل على ذلك أن الرومانيين الذين كانوا مع ماربولس سموا المالطيين ~~بربرا ولم يكن يطلق هذا الاسم إلا على من جهل اللاتينية واليونانية. # قال: ثم بقيت في دولة المسلمين أيضا ولم تتغير وإنما دخل فيها بعض ألفاظ أجنبية ~~ويؤيد كونها فينيقية مشابهة بعض ألفاظ منها للعربية، نحو بير وصيد، فإنهما في الفينيقية ~~بر وصد وغير هذا كثير مما له لفظ واحد ومعنى واحد في كلتا اللغتين، والحاصل أن مأخذ ~~اللغة المالطية من الفينيقية أرجح من أن يكون من العربية وإن كانت قريبة من هذه أيضا. ~~أ.ه. # قال أحمد فارس: قلت: دليله هذا أوهى من بيت العنكبوت فإن البير والصيد ينطق بهما في ~~لغتهم كما في لغتنا سواء ما عدا موافقتهما في تصريف الأفعال والأسماء وفي الضمائر وغير ~~ذلك من أساليب الكلام، ومن الغريب أن المؤلف لا يعرف الفينيقية ولا العربية ولا ~~المالطية، وإن كانت لغته، ويتعرض للحكم والاستدلال، فكيف ms194 يحكم على الشيء وهو يجهله وكيف ~~يقول: إن لغة المسلمين بقيت في أهل مالطة لشدة الالتحام الذي كان بين الفريقين ثم يقول ~~الآن: إنها فينيقية لمجرد وجود كلمتين فيها؟ وإنما حمله على هذا بغضه وبغض أهل بلاده ~~للعرب وتبرئة أنفسهم أنهم ليسوا منهم بل من الفينيقيين. أ.ه. # قلت: لغة مالطة عربية لا شبهة فيها، وإنما ثبتت العربية في مالطة برغم انقراضها من ~~صقلية وسردانية والأندلس وجنوبي فرنسة وجميع البلدان التي احتلها العرب من أوربة، لكون ~~أصل لغة تلك الجزائر والبلدان لاتينيا، فلما تقلص ظل العرب عنها رجعت إليها لغتها ~~الأصلية وانقرض العربي منها بالكلية، فأما مالطة فلغتها الأصلية لم تكن لاتينية بل كانت ~~الفينيقية وهي أخت العربية، فلما جاءتهم العربية بعد فتح الإسلام لمالطة كانت كأنها ~~نزلت في وطنها وثبتت فيها ثبوتا لم يزلزله خروج المسلمين من مالطة كما ذهبت العربية من ~~البلدان الأخرى التي أهلها الأصليون لاتينيون ولغاتها الأصلية لاتينية. # ثم قال أحمد فارس: والظاهر أن المسلمين الذين فتحوا مالطة لم يكونوا من أهل العلم ~~والتمدن، كالذين كانوا في صقلية وغيرها، فإني لم أجد قط فيما قرأت من كتب الأدب ~~والتواريخ قال المالطي، والسيوطي رحمه الله لم يغادر في كتاب الأنساب الذي سماه «لب ~~اللباب» أحدا من أهل العلم إلا ذكره ما خلا المنسوب إلى مالطة. أ.ه. # قلت: أتذكر أني قرأت في بعض كتب التراجم، من مؤلفات أهل الأندلس، أسماء رجال منسوبين ~~إلى مالطة، وفي معجم ياقوت يذكر نقلا عن السلفي: سمعت أبا العباس أحمد بن طالوت ~~البلنسي بالشقر يقول: سمعت أبا القاسم بن رمضان المالطي بها يقول: كان القائد يحيى صاحب ~~مالطة قد صنع له أحد المهندسين صورة تعرف بها أوقات النهار الصنج، فقلت لعبد الله بن ~~السمطي المالطي أجز هذا المصراع: # جارية ترمي الصنج فقال: # بها النفوس تبتهج # كأن من أحكمها # إلى السماء قد عرج # فطالع الأفلاك عن # سر البروج والدرج # وأما قول ياقوت إنها بلدة بالأندلس فليس بمانع من كونه يريد بها هذه الجزيرة المسماة ~~مالطة ms195 الواقعة في بحر الروم، فقد جاء في تاج العروس: ومالطة كصاحبة ووقع في التكملة ~~مضبوطا بفتح اللام والمشهور على الألسنة سكونها بلدة بالأندلس كما نقله الصاغاني وهي ~~مدينة عظيمة في جزيرة من بحر الروم، شديدة الضرر على المسلمين في البحر، يعظمها النصارى ~~تعظيما بالغا وبها وكلاء عظمائهم من كل الجهات، ولقد حكى لي من أسر بها عن زخارفها ~~ومتانة حصونها وتشييد أبراجها وما بها من عدة الحرب ما يقضي بالعجب، جعلها الله دار ~~إسلام بحرمة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فأنت ترى أن كتاب العرب كانوا يجعلون مالطة من الأندلس ~~كما كانوا يجعلون ميورقة ومينورقة وسردانية وغيرها. # ثم نقل أحمد فارس عن المؤلف الذي اعتمد عليه كلاما عن جزيرة «كوتزو» من أخوات مالطة ~~فقال: إن اسمها جزيرة غورش وإنها بالإفرنجية كوتسو وإن هذه اللفظة يونانية ومعناها مركب ~~مستدير وهي كأنها ذيل انقطع من مالطة وطولها اثنا عشر ميلا في عرض ستة، وأهلها نحو ~~خمسة عشر ألفا، وجملة قراها ست، ومدينتها تسمى الربط (كأنه محرف عن الربض) وفيها آثار ~~قلعة قديمة، وبقول الجزيرة وفاكهتها طيبة جدا، وكذا عسلها، وزعم بعضهم أن مالطة وغورش ~~وكمونة كانت في الأصل جزيرة واحدة وحدث من الزلازل ما فرقها. أ.ه. # وأردف أحمد فارس رحمه الله هذا الكلام بقوله: رأيت جزيرة غورش غير مرة، أما اسمها ~~فأظنه محرفا عن لفظة الهودج، سماها به المسلمون لشدة شبهها به، كما سموا الجزيرتين ~~الأخريين كمونة وفلفلة لصغرهما، إلا أن أهلها ينطقون بها بالغين المعجمة لا بالمهملة ~~كما ينطق بها أهل مالطة. # ثم ذكر أحمد فارس أن أهل مالطة رغما من كون لغتهم فرعا عن العربية فليس منهم من ~~يحسن قراءتها والتكلم بها، وأن هناك دار كتب موقوفة فيها ثلاثة وثلاثون ألف سفر، وليس ~~فيها من الكتب العربية ما تحته طائل، ثم ذكر أن في لغتهم إمالة كثيرة فهم يقولون للتفاح ~~تفيح وللرمان رمين وللبطيخ بتيح بالحاء المهملة وللخيار حيار بالحاء المهملة أيضا ~~وللإجاص لنجاص وللدلاع دليع وللخبز حبس وللخوخ حوح ms196 بالحائين المهملتين، ويقولون: بس ~~بمعنى حسب، ولكن يبدلون سينها زايا ويكسرون أولها. # ثم قال: إنه لا ينكر أن كثيرا من الكلام العربي الذي بقي في مالطة مستعمل بطريقة ~~المجاز إما بذكر اللازم وإرادة الملزوم وإما بتخصيص العام وتعميم الخاص كقولهم مثلا ~~«وحلت» للوقوع في الأمر الصعب وأصله الوقوع في الوحل خاصة، ونحو «الطلاب» للمتكفف وهو ~~اسم فاعل للمبالغة من طلب، ونحو «مغلوب» للنحيف وهو اسم مفعول من غلب وهو لازم له ~~غالبا، وفتيت أي قليل وهو من فتت الشيء إذا كسرته وصغرت جرمه، قال: وإن أهل غورش ~~ينطقون بالأحرف الحلقية على حقها إلا أنهم يكسرون ما قبل الواو الساكن فيقولون مكسور ~~ومفتوح ويضمون ما قبل الألف نحو قاعد وهلم جرا، ويقولون منكم وعليكم بكسر الكاف وهي ~~لغة ربيعة وقوم من كلب كما في المزهر ويسمى الوكم. # وذكر من اصطلاحاتهم أنهم يعبرون عن الدخول في الفعل بلفظة «سائر» وهي نظير قول أهل ~~الشام ومصر «رايح» فإذا قال المالطي: أنا ساير نسافر فهي كقول الشامي أو المصري: أنا ~~رايح أسافر. # قلت: يظهر أن سائر هذه كانت مستعملة في المغرب وقد نحتوها فبقي منها سين مفتوحة، ~~فيقولون عن شخص مثلا هو في حال الأكل سيأكل، وأحيانا يقلبونها تاء فيقولون تيأكل، ~~ويقولون في المغرب في مثل هذه الحالة كيأكل، وأظن الكاف هنا منحوتة من «كائن» وذلك كما ~~ينحت أهل الشام لفظة «عمال» فبدلا من أن يقول هو عمال يأكل تجده يقول: «عمياكل» وفي ~~بعض جهات من شمالي لبنان يقلبون الميم نونا فيقولون: «عنياكل». # ثم ذكر أحمد فارس اصطلاح أهل مالطة على إدخال لفظة «تا» بين المضاف والمضاف إليه، ~~فيقولون مثلا: «الرجل تالبيت» وذهب أحمد فارس إلى أنها منحوتة من متاع، قال: فإن أهل ~~المغرب يدخلونا كثيرا في الإضافة ويبتدئون بالميم ساكنة على عادتهم من الابتداء ~~بالساكن وتقصير اللفظ، ومما يؤيد هذا التوجيه أن المالطيين لا ينطقون بالعين إذا وقعت ~~في آخر الكلمة فيقولون مثلا: تلا وقلا في طلع وقلع، قال أحمد فارس: وقلب العين ms197 ألفا ~~أو همزة هو من أساليب العرب، كما في تفصى وتفصع، وأقنى وأقنع، والشمى والشمع، وتكأكأ ~~وتكعكع، وزقاء الديك وزقاعه، وزأزأ وزعزع، وبدأ وبدع، والخباء والخباع وغيرها، حتى إنهم ~~قلبوها متوسطة كما في تأرض وتعرض، ودأم الحائط ودعمه، انتهى. # قلنا: إن الهمزة والعين من مخرج واحد فلا عجب أن تأتي ألفاظ بالهمزة وبالعين ومعناهما ~~واحد. # ثم قال أحمد فارس: إنهم في مالطة يجعلون الهاء حاء، وأنشد من شعر المالطيين: # المحبوب تا قلبي سافر # ليلي ونهاري نبكيح # جعلنلو بدموعي البحر # وبالتنهيدات تا قلبي الريح # أي: ليلي ونهاري نبكيه، وإبدال الهاء حاء لغة من لغات العرب، قالوا المليه، والمليح، ~~والمده والمدح، وتاه وتاح، إلى آخره. # قال: ومما بقي عندهم من فصيح العربية قولهم دار نادية، وحقها دارندية ولكنها أفصح من ~~قول أهل مصر والشام دار ناطية، ويقولون للداية قابلة، ويقولون للرهان مخاظرة، وللعلية ~~غرفة، ويقولون عن لي بمعنى بدالي، وتجالدوا وهو أفصح من تعاركو، وزفن أي رقص، وبوقال ~~وهي أفصح من قول أهل الشام شربة أو نعارة، ومن فصيح كلامهم يماري أي لا يقنع بالحق، ~~ويشرق بالماء، ويستقصي، وفرصاد للتوت، وسفود، وأهل الشام يقولون سيخ وشيش، ويقولون ~~تقزر أي تباعد من الأدناس، وعسلوج للقضيب، وجلوز للبندق الذي يؤكل. # قال: ولكن هذه الألفاظ كلها مستعملة في الغرب وبهذا يترجح أن أصل المالطيين من ~~المغاربة، ولكنه في محل آخر قال: إنه لا شك في كون اللغة المالطية عربية ولكني لست أدري ~~أصل هذا الفرع أشامي هو أم مغربي، فإن فيها عبارات من كلتا الجهتين والغالب عليها ~~الثانية، غير أن الألفاظ الدينية من الأولى فيقولون مثلا: القداس والقديس والتقربن ~~والأسقف مما لا يفهمه أهل المغرب. أ.ه. # قلت: إن في المالطية ألفاظا واصطلاحات شامية، وقد ورد هذا الرأي في الإنسيكلوبيدية ~~الإفرنسية، ولكن الألفاظ المغربية هي بدون شك أكثر. # وذكر أحمد فارس من أوزان كلام مالطة فاعلة للمصدر، فيقولون عملته بالواقفة أو ~~بالقاعدة، والمصدر على هذا الوزن معروف في العربية قال تعالى: # فهل ترى لهم من باقية ms198 # أي من بقاء، وقال تعالى: # ليس لوقعتها كاذبة # أي كذب، ثم قال: إن بقاء ~~العربية في مالطة لو محرفة مع عدم تقييدها في الكتب دليل على مالها من القوة والتمكن ~~عند من تصل إليهم من الأجيال، ألا ترى أن مالطة قد تعاقبت عليها دول متعددة ودوا لو ~~يحملون أهلها على التكلم بلغاتهم فلم يتهيأ لهم وبقوا محافظين على ما عندهم خلفا بعد ~~خلف، وهؤلاء الإنكليز يزعمون أن لغتهم ستكون أعم اللغات وما تهيأ لهم أن يعمموها عند ~~المالطيين، ويقال: إن الذي تحصل عند أهل مالطة من العربية مما هو مأنوس الاستعمال وغير ~~مأنوسه يبلغ عشرة آلاف كلمة. # بحث دقيق جليل عن مغازي العرب في أوربة وجزائر البحر المتوسط # بقلم الأستاذ الأفضل السيد عبد العزيز الثعالبي رئيس الحزب الوطني في ~~تونس # كان بلغنا أن لدى الأستاذ الأجل الأفضل السيد عبد العزيز الثعالبي، وثائق ومعلومات لا ~~توجد عند غيره ، في موضوع فتوحات العرب في جنوبي أوربة، فاقترحنا عليه كتابة شيء في هذا ~~الموضوع نجعله كالقلادة في جيد تأليفنا هذا، فتفضل علينا حفظه الله ونفع به الإسلام ~~بالخلاصة التالية: # إن أول واضع لخطة الفتوحات الإسلامية في أوربة هو الخليفة الثالث سيدنا عثمان بن عفان ~~رضي الله عنه، فإنه حين ندب أخاه من الرضاع، عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لفتح بلاد ~~شمالي إفريقية، ووافته البشائر بفوز جيوشه على جيوش جيجير والي سبيطلة من قبل ~~البيزنطيين، ندب القائدين البحريين الجليلين عبد الله بن عبد القيس وعبد الله بن نافع ~~بن الحصين الفهريين، وكانا على الأسطول، فأمرهما بالمسير إلى الأندلس وكتب لهما وصية ~~سياسية في ذلك، تلك الوصية الخالدة التي يقول فيها: إن القسطنطينية تفتح من قبل ~~الأندلس، وإنكم إن فتحتم ما أنتم بسبيله تكونون شركاء لمن يفتح القسطنطينية في الأجر، ~~وقد اتخذ ولاة شمالي إفريقية وقواد أجنادها هذه الوصية نبراسا لسياستهم الإسلامية التي ~~يسيرون عليها. # وأول أمير شرع في إعداد الوسائل والمعدات لتنفيذ تلك الوصية الأمير حسان بن النعمان، ~~شيخ وزراء الدولة الأموية، ms199 بعد أن دان له شمالي إفريقية بالطاعة فقد أنشأ بفناء قرطاجنة ~~دار الصناعة لبناء السفن والأساطيل وصنع الأسلحة، وجلب لها الصناع من قبط مصر، وسار على ~~منهاجه في ذلك مولاه طارق بن زياد بعد أن ولي المغرب، فجاز بجيوشه أرض العدوة، وناجز ~~الأندلسيين سنة 92 ثم تلاهما في ذلك إسماعيل بن أبي المهاجر الذي تقلد إمارة شمالي ~~إفريقية في عهد عمر بن عبد العزيز فأغزى أساطيله جنوبي أوربة سنة 105 وكانت قيادتها ~~لعبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، ولم يعد إلا بعد أن أثخن في إيطالية، وهذه الغزوة ~~تعتبر كبشير لإنقاذ الإيطاليين من حكم البيزنطيين الطغاة. # وفي ولاية عبيد الله بن الحبحاب لإفريقية جهز أسطولا كبيرا جعل إمارته لقائد جيوشه ~~الموفق حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة الفهري، فغزاها سنة 123 ونكل فيها بالبيزنطيين أشد ~~تنكيل، ولو لم تحصل ثورة البربر ضد الحكم العربي بسبب تخميس أعشارهم لتملك شطوط إيطاليا ~~وطهرها من حكم البيزنطيين كما فعل ذلك من قبل حسان بن النعمان في شمالي إفريقية. # وفي سنة 207، بعد استقرار الدولة الأغلبية جهز زيادة الله الأكبر أسطولا بإمارة ~~قائده محمد بن عبد الله التميمي لمنازلة سردينية، ثم أعاد عليها الكرة سنة 212، وكانت ~~إمارة الأسطول والجيوش في هذه المرة لقاضي القضاة الإمام أسد بن الفرات، فملك مازرة ~~وحاصر سركوسة، وحول أسوارها أدركت الإمام الشهادة رضي الله عنه سنة 213 فتولى القيادة ~~العامة صاحب أسطول الأندلس القائد أصبغ المعروف بفرغلوسن، وبعد أن استقرت الأمور في ~~البلاد المفتوحة قلد زيادة الله إمارة إيطالية لابن أخيه إبراهىم بن عبد الله بن ~~الأغلب، وما زال مواليا للجهاد حتى فتح بليرم ونابولي. # وفي ولاية أي عقال الأغلب بن إبراهيم استؤنفت حرب التحرير في إيطالية سنة 224 وتم فتح ~~صقلية. # وفي ولاية الأمير محمد الأول تقدمت الفتوحات في شطوط إيطالية واستمرت من سنة 233 إلى ~~سنة 240 ففتحت باتية وقطانية وبشيرة. # وفي ولاية الأمير أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب ندب والي صقلية العباس بن الفضل ~~لغزو ms200 قصر الحديد ومدينة شلقودة وجهز الأسطول وأمر عليه أخاه وسيره لفتح جزيرة أقريطش ~~فكان له واقعة مهولة في البحر الرومي مع أسطول بيزنطية. # وفي عهد أبي الغرانيق محمد الثاني بن أحمد بن محمد بن الأغلب قلد خفاجة الولاية على ~~إيطالية وأخرجه سنة 251 لفتح جنوة ففتحها وتقدم إلى جبال الألب واستمر فاتحا إلى نهاية ~~سنة 252 وفي سنة 253 سيرت بيزنطية أسطولا ضخما، لمحاربة المسلمين في شطوط أوربة ~~الجنوبية ومنع جحافلهم من التقدم في فرنسة، فواقعهم خفاجة على شواطئ جنوة وسركوسة وألحق ~~بهم خسارة عظيمة. # وفي سنة 255 غزا الأسطول الأغلبي جزيرة مالطة واستولى عليها وألحقها بشمالي ~~إفريقية. # وفي عهد إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب قلد الحسن بن رباح ولاية جنوبي أوربة ~~ونهده إلى الغزو فيما يليها؛ فتقدم إلى مرسيلية وفتح البروفنص فاستنجدت فرنسة بالدولة ~~البيزنطية فسيرت لها أسطولا مؤلفا من 140 مركبا، فتلقاه الأسطول الإفريقي في عرض ~~البحر الرومي فدارت بينهما معركة مهولة كان الفوز فيها للبيزنطيين بعد أن تحطمت شوانيهم ~~والتجأت بقايا الأسطول الإفريقي إلى بليرم، لكن الجيوش الإسلامية كانت تتوغل في فرنسة ~~واستمرت على ذلك من سنة 266 إلى سنة 272 فملكت بعض شواطئ الرون واحتلت كولونيا، غير أن ~~عين البيزنطيين لم تنم عن هذه الفواجع، فأعادوا كرة حملتهم البحرية وحاولوا في هذه ~~المرة قطع خطوط الاتصال بين جنوبي أوربة وشمالي إفريقية، فاحتل أسطولهم مدينة سبرية ~~فقاومهم المسلمون مقاومة عنيفة منعتهم من التقدم. # وفي سنة 275 جهزت إفريقية أسطولا عظيما لتعقب أسطول البيزنطيين وشل حركتهم عن ~~التقدم في الشطوط، ولم يلبث أن اشتبك العدو وضربه الضربة الحاسمة ومكن سيادة المسلمين ~~في إيطاليا وجانب من فرنسة. # واستمر نجم الإسلام صاعدا في أوربا بعد هذه الوقعة العظيمة وأمراء الأغالبة لا ~~ينفكون عن تعزيز المسلمين في ولايتهم الأوربية ومراقبة حركات الصليببين مراقبة عنيفة ~~تحبط كل سعي في الانتكاث حتى دان من كان في حوزتهم من النصارى بالإسلام وتذوقوا حلاوة ~~تحريره إياهم من ظلم الأمراء الإقطاعيين، وطغيان الكنيسة الكاثوليكية ms201 واستمر ذلك إلى أن ~~ظهرت النبعة الآثمة نبعة الدعوة العبيدية في قبيلة كتامة البربرية من المغرب الأوسط، ~~وقدر لها أن تجتاح الدولة الأغلبية فتعطل الفتح في أوربا وانقلبت جيوش إفريقية مغيرة ~~على العالم الإسلامي لتقويض دولة بعد أخرى وهدم الخلافة العباسية القائمة في المشرق ~~وبسبب ذلك تحولت السياسة الإسلامية تجاه أوربا من الهجوم والتوثب إلى الدفاع ~~والتسليم. # ولم يجن أحد على الإسلام ما جناه عليه هؤلاء العبيديون أو الفاطميون وإليك ~~البيان: # لما تغلب عبيد الله المهدي على إفريقية وزال عنها حكم بني الأغلب كرهت الولايات ~~الإسلامية في أوربا أن تقدم طاعتها للمتغلبين، فأجمع أصحاب الشأن فيها على إعلان ~~الاستقلال حتى يمتنع نقل الجيش من أوربا إلى إفريقية، فبايعوا بالإمارة القائد أحمد بن ~~زيادة الله بن قرهب؛ وبمجرد انعقاد هذه البيعة كتب الأمير إلى المقتدر بالله الخليفة ~~العباسي بالطاعة، فأنفذ إليه المقتدر بالتقليد والخلع والألوية وطوق من الذهب ولما بلغ ~~ذلك عبيد الله المهدي أخذ يسعى في بث الدسائس والفتن بين المسلمين في أوربا، وما زال ~~بهم حتى اختلت الأمور على ابن قرهب فخلع سنة 303 وقتل بعد أن وصل إلى المهدية؛ وعقب ~~ذلك اجتمع أولو الحل والعقد من المسلمين في دار الإمارة ببليرم فكتبوا إلى المهدي، وذلك ~~بعد أن بلغهم أنه جهز جيشا لغزو المشرق بقيادة الطاغية البربري القائد حباسة بن يوسف ~~يلتمسون منه تعيين الولاة والقضاة وأن يبقى لهم الجيش يدرأون به الأخطار أمام الأعداء ~~إلى غير ذلك من الشروط التي تضمن لهم الاستقلال الداخلي ولا تجعل بلادهم عرضة للغارة ~~والفتوق، فأبى أن يجيبهم إلى هذه الطلبات العادلة، وأخرج إليهم الجيوش والأساطيل وعين ~~عليهم سعيد بن المضيف فحاصرهم شهورا، وكانت البلاد ممتنعة عنه فتنحى عنها وأرجل جنود ~~كتامة في أرباض الشواطئ المفتوحة للنهب والسلب، ففعلوا الأفاعيل التي أفزعت النساء ~~والذرية؛ حتى إذا رأى المسلمون أنه لا طاقة لهم بهذا الفزع نزعوا إلى طلب الأمان فأمنهم ~~بلا قيد ولا شرط، وعلى أثر ذلك احتل البلاد وهدم أسوار المدن وجرد حاميتها ms202 من السلاح ~~والخيل وفرض المغارم الكثيرة، ونصب سالم بن أبي راشد أميرا عليها وعززه بجيش من كتامة ~~فكان دأبهم الإفحاش في الظلم وسلب الأموال، فانقبضت النفوس وخارت الهمم عن التوسع حتى ~~طمع فيهم رعاياهم الإيطاليون والفرنسيون. # وفي عهد أبي القاسم بن عبيد الله المهدي عين لولاية أوربا خليل بن إسحاق الطاغية؛ ~~فقضى في الحكم أربعة أعوام ارتكب فيها من الجور والفساد ما لم يسمع بمثله، وجعل ~~المسلمين يفرون أفواجا أفواجا إلى البلاد النصرانية ويتنصرون. ويحدثنا عنه المؤرخون ~~أنه لما عاد سنة 329 إلى شمالي إفريقية كان يفتخر بمظالمه، فقد حضر مجلسا من وجوه ~~الدولة العبيدية في قصر الإمارة وكانوا يتباحثون في شئون الدولة، فقال: إني قتلت في ~~إمارتي ألف ألف نسمة، فرد عليه أبو عبد الله المؤدب، وكان من عقلاء الرجال في الدولة ~~الشيعية: «لك يا أبا العباس في قتل نفس واحدة ما يكفيك». # وفي أيام الأمير تميم الملقب بالمعز لدين الله وجه القائد جوهرا في الغزوة الثانية ~~على مصر سنة 357 بعد وفاة صاحبها كافور الإخشيدي فاستولى عليها وبنى له مدينة القاهرة، ~~وفي سنة 361 رحل المعز إلى المشرق واتخذ القاهرة عاصمة لملكه واستخلف على إفريقية أبا ~~الفتوح يوسف بلكين بن زيري بن مناد الصنهاجي مؤسس الدولة الصنهاجية؛ فكان همه ضبط ~~البلاد وتكوين الشعور بالوحدة البربرية، فشعرت الأمم النصرانية المتاخمة للمسلمين في ~~أوربا بسريان هذا الضعف والانحلال في قوة التماسك بالوحدة الإسلامية، فأخذوا يواثبون ~~المسلمين في كل مكان، وما زالوا يجمعون ويؤلبون عليهم إلى أن وافتهم سنة 372، فحشدوا ~~قواهم لمناجزة المسلمين في فرنسة، ولما بلغ ذلك أبا الفتوح أمر عامله على جنوبي أوربا ~~أن ينهد لقتالها فتحرك إليهم في جيوش كثيفة ودارت بينهم معارك ارتدت فيها النصرانية على ~~الأعقاب وفاز فيها المسلمون فوزا عظيما، فما كان من الملك روجار النرماندي قائد هذه ~~الحملات الصليبية الأولى إلا أن استنفر الأمم النصرانية لمحاربة الإسلام في أوربا ~~وإفريقية. # وكان النرمنديون نزلوا من شمال فرنسة إلى جنوبها ثم شرعوا يتعقبونهم ويناجزونهم في ~~إيطاليا ms203 ويفتكون منهم المدن، مدينة إثر مدينة، حتى ملكوا جميع البلاد الإسلامية في جنوب ~~أوربا، ومما ساعدهم على ذلك تراجع أمر الدولة الصنهاجية أواخر حكم المعز بن باديس إثر ~~الزحفة الهلالية التي سيرها إليهم العبيديون سنة 452 من مصر لتقويض معالم شمالي ~~إفريقية. # ولم تقف أطماع النرمنديين على إزالة الحكم الإسلامي من أوربا، بل جنحوا إلى التغلب ~~على المسلمين في مواطنهم الآمنة بإفريقية، فهجموا في سنة 476 على المهدية دار المملكة ~~الصنهاجية بأسطول مؤلف من 300 مركب عليه 30 ألف مقاتل، وكانت المدينة مفتوحة غير محصنة ~~فتغلبوا عليها وعلى زويلة، وأحدثوا فيها مقتلة ذريعة، وحرقوا وخربوا المعالم المشهورة ~~وأخيرا صالحهم تميم بن المعز بن باديس على مائة ألف دينار وما انتهبوه من الأموال ~~وسبوه من النساء والذراري. # ولما انتقل الحكم إلى الأمير حسن بن علي بن تميم بن المعز بن باديس سنة 516 أراد غسل ~~العار الذي لحق الدولة من فعل النرمنديين ورد ما فقدته من الأقطار الواسعة في أوربا، ~~فندب لذلك حليفه الأمير علي بن يوسف بن تاشفين اللمتوني صاحب العدوتين أن ينهد لقتال ~~النرمنديين؛ فأغزى أسطوله شطوط أوربا الجنوبية، وكان بقيادة أبي عبد الله ميمون، فأثخن ~~فيها قتلا وسبيا ورد أمم النصرانية على أعقابها بعد أن هلك من الطرفين عدد لا يحصى، ~~ولم تخمد هذه الكارثة همم النرمانديين وتقعد بهم عن استئناف حملتهم على المهدية، ~~فأعادوا الكرة عليها في أساطيلهم أواخر جمادى الأولى سنة 517 فتلقاهم آساد العرين في كل ~~مكان وتخطفتهم السيوف حتى أبيدوا عن آخرهم، وغنم المسلمون مراكبهم وأسلحتهم وأموالهم، ~~فكانت وقعة عظيمة أنعشت أرواح المسلمين بعد طول الخمود؛ ولكن الصليبيين لم يكفوا عن ~~متابعة الغارة فأعادوا الكرة على المهدية سنة 543 فاحتلوها بعد وقائع مهولة وخرج منها ~~السلطان حسن بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بجملته وحاشيته إلى جزائر بني مزغناي ~~(الجزائر) وجعل الصليبيون المهدية قاعدة لحركتهم الحربية في شمالي إفريقية وشن الغارة ~~منها على ما يليها من الشطوط التي استولوا عليها، وقد مكثوا ms204 بها إلى أن أجلاهم عنها ~~أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي في المحرم سنة 555 ولولا نجدته لكانت بلادنا اليوم ~~بلادا نصرانية من غير شبهة. انتهى. # كتابات عربية على القبور الإسلامية في مالطة # بعد أن أتممنا كتابنا المتضمن غزوات العرب في فرنسة وسويسرة وإيطاليا وجزائر البحر ~~المتوسط ومن جملتها جزيرة مالطة اطلعنا على رسالة للمستشرق الإيطالي (إيطوري روسي) # Ettore Rossi # الذي يعد من أعلم المستشرقين ~~بأحوال مالطة إن لم يكن أعلمهم وهو الذي حرر الفصل المختص بمالطة في الإنسيكلوبيدية ~~الإسلامية واجتمعنا مع الأستاذ المشار إليه في رومة في هذه الأيام الأخيرة وتباحثنا في ~~تاريخ مالطة وكثير مما يتعلق بشؤونها وهو الذي قدم لنا رسالته هذه باللغة الإيطالية ~~فأحببنا أن ننقل ما جاء فيها من الكتابات العربية التي وجدت على القبور الإسلامية في ~~مالطة والتي جمعها إيطوري روسي وصورها بالفوتوغرافية ونشر صورها في الرسالة المذكورة ~~فنحن آثرنا نقلها كما وجدناها في رسالته إتماما للفائدة. # ومما جاء في صدر هذه الرسالة أن نزول العرب في مالطة وقع بحسب الرواية المشهورة في ~~سنة 256 للهجرة وأنه من المعلوم أن أبا الأغلب إبراهيم غزا جزيرة صقلية سنة 221 للهجرة ~~أي 835-836 للمسيح واستولى عليها فغير معقول أن يكون استولى على صقلية وترك مالطة وهي ~~أقرب إلى إفريقية من صقلية فلابد أن يكون استيلاء المسلمين على مالطة وقع قبل سنة 226 ~~للهجرة وفق 869-870 للمسيح. # أما تاريخ استخلاص مالطة من أيدي المسلمين فيذكرون أنه وقع بين سنة 992 للمسيح وسنة ~~1025 وذلك بالغارة البيزنطية، ولكن مما لا شك فيه أن المسلمين بعد أن استرجع المسيحيون ~~مالطة بقوا يسكنون الجزيرة نحوا من مئتي سنة أي إلى سنة 1224 بل إلى سنة 1249 بحسب ~~رواية العلامة آماري # Amari # مؤرخ صقلية. # وهذه هي نصوص الكتابات التي وجدت في المقابر الإسلامية في مالطة ننقلها كما وجدناها ~~في الرسالة المذكورة: # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على النبي محمد وعلى آله وسلم تسليما، لله ~~العزة والبقا وعلى خلقه كتب الفنا ms205 ولكم في رسول الله أسوة حسنة، هذا قبر ميمونة ~~بنت حسان بن علي الهذلي عرف ابن السوسي توفيت رحمة الله عليها يوم الخميس ~~السادس عشر من شهر شعبان الكائن من سنة تسع وستين وخمسمائة وهي تشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له. # انظر بعينيك هل في الأرض من باقي # أو دافع الموت أو للموت من راق # الموت أخرجني قصرا فيا أسفى # لم ينجني منه أبوابي وإغلاق # وصرت رهنا بما قدمت من عمل # محصا علي وما خلفته باقي # يا من رأي القبر أني قد بليت به # والترب غبر أجفاني وآماقي # في مضجعي ومقامي في البلا عبر # وفي نشوري إذا ما جئت خلاقي # أخي فجد وتب. # بسم الله الرحمن الرحيم: قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم (...) توفي ~~... يوم الأربعا ودخل قبره يوم الخميس من العشر الأو (...). # الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين أدعو ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب الم (...) ~~محمد وآله وسلم تسليما إن ربكم الله. ~~(...) م ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات. # بأمره ألا له (؟). ~~(بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سي)دنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما فاز. ~~(كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجورك)م يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة ~~فقد. # وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. هاذا قبر الشيخ المرحو(م ...). # توفي رحمه الله فى العشر الأول من صفر عام ثمانية وسبعي(ن ...). # بسم الله الرحمن الرحيم هذا قبر محمد ... توفي يوم الثلاثة في ذي الحجة سنة ثلاث و ... ~~(...) الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون (...). ~~(...) العلي العظيم لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت (...). ~~(... لق)د جاكم رسول من أنفسكم رؤوف فإن تولوا لا إله إلا هو ع(ليه ...). ~~(...) من شعبان سنة ستة وأربعين وخمسمائة برحمة الله وبرضوانه وصلى الله على محمد (...). ~~(... أج)وركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة ms206 فقد فاز وما الحياة (...). ~~(...) إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر (...). # كل نفس (...). # سلام على أهل القبور (...). ~~... عنده إلا بإذنه يعلم ما بين (...). ~~... لعطى محمد # قف بالقبور ... # بسم الله الر(حمن ...). # هذا قبر (...). ~~(... زح)زح عن النار و(...). ~~(... ا)لا متاع الغرور. ~~(... الرحي)م هذا قبر أمة الله بنت أبو القاسم ابن عرو(ة) # لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. ~~... الله ... # إنما تو(فون أجوركم ...). # بسم الله الرحمن (الرحيم) ~~... (إ)براهيم الصمطى. # بسم الله الرحمن الرحيم ~~... والح ... # توفي يوم الخميس الثامن من ... سنة ... ~~... وخمسمائة # بسم الله الرحمن الرحيم (...) ~~... لله الله (...) # بسم الله الر(حمن الرحيم ...) ~~... النار وأدخل الجنة ... # عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم. # لا إله # إلا الله # محمد و # رسول الله # بسم الله الرحمن الرحيم الله لا إله إلا هو الحي القيو(م ...). # أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا (...). ~~(...) الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. ~~(...) شربة ولم يأكلوا من كل رطب ويابس. ~~(... صلى الله ...) محمد وآله وسلم تسليما إن ... (...) ~~(...) ... إلا له ... (...). ~~(... أجور )كم يوم القيامة فمن زحرج عن النار و(...). ~~(... و)لا نوم له ما في السماوات وما في الأرض (...). # سلام على أهل القبور الدوارس # كأنهم لم يجلسوا فى المجالس # ولم يشربوا من بارد الماء شربة # ولم يأكلوا ما بين رطب ويابس # هذا قبر ~~... عبد # العزيز ... # ورحم الله من # دعا له بالرحمة # | هوامش ms207