######OpenITI# #META# URI: 1368ShakibArslan.TarikhIbnKhaldun.Hindawi74797079 #META# Tags: history #META# ID: 74797079 #META# Title: تاريخ ابن خلدون #META# AuthorID: 79369353 #META# Author: شكيب أرسلان #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الصقالبة‏ # الأنساب‏ # الخلافة واشتراط القرشية فيها‏ # مذهب النشوء والارتقاء‏ # نوح وولده وقضية الطوفان والسلائل البشرية‏ # التوراة وهل وقع فيها تبديل أم لا؟‏ # تاريخ العرب الأولين‏ # الترك‏ # الصقالبة‏ # الأنساب‏ # الخلافة واشتراط القرشية فيها‏ # مذهب النشوء والارتقاء‏ # نوح وولده وقضية الطوفان والسلائل البشرية‏ # التوراة وهل وقع فيها تبديل أم لا؟‏ # تاريخ العرب الأولين‏ # الترك‏ # | تاريخ ابن خلدون # | تاريخ ابن خلدون # | المسمى بكتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم ~~من ذوي السلطان الأكبر # تأليف # الأمير شكيب أرسلان # | مقدمة # | ابن خلدون أمة وحده # بقلم شكيب أرسلان # جنيف 26 شعبان المعظم 1355 # الأمير شكيب أرسلان # لم نعلم أحدا من العلماء والفلاسفة قبل ابن خلدون أفرد بالتأليف علم طبيعة العمران وما ~~يسمى اليوم بعلم الاجتماع، برغم أن هذا العلم لم يكن من الأسرار الخفية ولا من المباحث التي ~~لا تجول فيها أفكار الحكماء. وقد ثبت أن الفلاسفة قبل ابن خلدون لحظوا هذا العلم وأشاروا ~~إليه في تضاعيف مباحثهم، ولكنهم لم يبلغوا فيه شيئا من الإحاطة التي بلغها ابن خلدون، ولا ~~استقصوا فيه ذلك الاستقصاء الذي جعله في هذا الموضوع نسيج وحده، حتى ألقي إليه فيه بمقاليد ~~الرئاسة، فهو واضع علم الاجتماع بالإجماع، وهو الذي لم يدع منه غفلا غير معلم، ولا وشيا ~~غير منمنم. # قال البارون المستشرق «كارادوفو # Carra de Vaux ~~» صاحب ~~كتاب «مفكري الإسلام» في الجزء الأول من تأليفه هذا: أنجبت أفريقيا الإسلامية اجتماعيا من ~~الطبقة الأولى في شخص ابن خلدون الذي لم يعرف من قبله علم أوتي تصورا عن فلسفة التاريخ ~~أصح ولا أجلى من تصوره، فإن أحوال الأمم الروحية والأسباب الطارئة عليها القاضية بتغييرها، ~~وكيفية تأسيس الدول، وما تدخل فيه من الأطوار وتنوع المدنيات وعوامل نموها أو تقلصها، كل ~~ذلك كان من المباحث التي خاض فيها إلى أقصى ما يمكن الخوض فيه، وذلك في مقدمته المشهورة ~~“Prolegomenes” # ولم نجد في أوروبا - إلا في القرن ~~الثامن عشر للمسيح - أناسا حاولوا أن يستخرجوا أسرار التاريخ استخراجه بعد أن كانت أقفالا ms001 ~~مستحجبة تعذر فتحها، فكان ابن خلدون في العقل والإدراك من فضيلة «مونتسكيو # Montesquien ~~» أو الأب «مابلى # Mably ~~» وهو من دون شك الجد الأعلى لعلمائنا الاجتماعيين المحدثين مثل ~~«تارد # Tarde ~~» أو المستشرق «غوبينو # Gobinean ~~» ا.ه. # ثم ذكر صاحب كتاب «مفكري الإسلام» شيئا عن حياة ابن خلدون وقال إن الأب «بورغيس # Bargues ~~» قدح في ابن خلدون وأنكر عليه الثبات على وتيرة ~~واحدة، وزعم أن قاعدته في السياسة كانت التحول من حزب إلى حزب آخر بحسب ما كانت تقضي عليه ~~به مصلحته الشخصية، أو اتقاؤه للضرر، ونسي بورغيس ما كانت عليه أحوال تلك الحقبة المضطربة ~~الذي يجب تمهيد عذر من يلجأ فيها إلى ما لجأ إليه ابن خلدون. على أن بورغيس نفسه يسمي ابن ~~خلدون «بالمؤرخ الفيلسوف» برغم ما زنه به من عدم الثبات. # ثم ذكر كارادوفو كيف ذهب فيلسوفنا المشار إليه سفيرا عن سلطان غرناطة إلى «بطرة» الغاشم ~~سلطان قشتالة في بعض المهمات، وكيف حاول هذا الطاغية إقناعه بالبقاء عنده ولم يحصل من ذلك ~~على طائل، وذكر مجيئه إلى مصر وولايته للقضاء ثم صحبته لسلطان مصر في خروجه إلى الشام ~~لمحاربة تيمور لنك، ثم ما جرى بينه وبين تيمور لنك من الأحاديث وكيف أقنعه بالإذن له في ~~الرجوع إلى مصر - توفي سنة 808 وفق 1406 عن أربع وسبعين سنة. وقال: إنه كان رجلا سريا بهي ~~الطلعة، حسن الصورة والشورة، خبيرا بالسياسة، عارفا بأخلاق الملوك. # ثم قال: إن عمل هذا الكاتب العظيم كان عبارة عن تاريخ عام مجموع من كتب كثيرة ملحق بتاريخ ~~نفيس للبربر ترجمة المسير «دوسلان # de Slane ~~» إلى الفرنسية، ~~وقدم عليه مقدمة تضمنت فلسفته السياسية. وهذه المقدمة هى في حد ذاتها انسيكلوبيديا شاملة، ~~تبحث عن جميع المسائل من جهتها الفلسفية، والتاريخ نفسه معدود فيها من جملة فروع ~~الفلسفة. # قال ابن خلدون: # إذا نظرنا إلى التاريخ من جهة شكله الخارجي وجدنا مهمته تقييد الحوادث التي تتابعت ~~على مر الأعصار، وتعاقب الأدوار، مما كانت الأجيال الماضية شاهدة له، وإنه لأجل سرد هذه ms002 ~~الحوادث تنقحت العبارات، وتطرز الإنشاء بحلى البلاغة، وبهذا التاريخ زهت مجالس الأدب، ~~وتداعى إليها الناس من كل حدب، والتاريخ هو الذي يعلمنا كيف تقلبت الأحوال على جميع ~~الكائنات، وهو الذي منه يعرف بناء الممالك، وكيفية عمارة الأمم لهذه الأرض. كل أمة إلى ~~المدة المقدرة لها من الحياة، فأما من جهة الأسرار الباطنة لعلم التاريخ، فأعظم أسراره ~~هو البحث عن الحوادث إلى درجة اليقين بها، والتأمل في الأسباب التي أنشأتها وفى كيفية ~~جريانها وتطورها، فالتاريخ بالجملة إنما هو فرع من فروع الفلسفة، وهو جدير بأن يجعل في ~~عداد العلوم الجليلة التي لها المكانة الأولى. # فأنت ترى أن التاريخ في نظر ابن خلدون هو عبارة عن تمحيص الحوادث والبحث عن أسبابها. ~~وهذان الأمران يستلزمان معرفة أحوال الشعوب والبصر بطبيعة العمران، وكان ابن خلدون يرى ~~العمران في زمانه قد أجحف به النقصان وأكدى كما أرى، فيذهب إلى أن المدنيات قد أشرقت شموسها ~~على العالم من مشارق متعددة ولكنه قد غاب الكثير منها وانطوى بدثور المعالم، فهو يقول: إن ~~العلوم التي وصلت إلينا هي أقل من العلوم التي لم تصل إلينا؛ فأين علوم الفرس، والكلدانيين، ~~والبابليين، والأشوريين، والأقباط القدماء، فإنها كلها قد ذهبت. ولم يبق من العلوم التي ~~وصلت إلينا سوى علوم اليونانيين التي انتهت إلينا بسبب اجتهاد الخليفة المأمون في ترجمتها ~~وإنفاقه الأموال الطائلة عليها. # وقد عقب كارادوفو على كلام ابن خلدون هذا بقوله: إن فيه شيئا من المبالغة لأنه قد وصل ~~إلى المسلمين أشياء، لا تنكر أهميتها من معارف الفرس، والهنود واليهود. ولكنه على كل حال ~~كلام يدل على سعة علم ابن خلدون من جهة العلم بالمدنية البشرية. # ثم إن ابن خلدون يتكلم عن الاجتماع البشري فيقول: إن أساس الاجتماع الإنساني إنما هو ضعف ~~الإنسان منفردا بنفسه، فانه إذا عاش وحده فلا يكون مليئا بالقيام كما يلزم له من أجل قوام ~~معيشته، بل لو عاش وحده لما قدر أن يثبت في وجه حيوان واحد من الوحوش المفترسة. ثم إن ~~الاجتماع يستلزم السلطان ms003 الذي هو في الحقيقة عبارة عن وازع يزع اعتداء الناس بعضهم على بعض، ~~فلا بد فيما بينهم من سلطة متينة كافية لردع اعتداء المعتدين، فهذا في الأصل هو منشأ ~~السلطان قال: وهذا غير محصور في الآدميين، بل هو يوجد في الحيوانات أيضا، فقد تحقق عند ~~بعضها - مثل النحل والجراد، وغيرهما - وجود رئاسة عليا ينقاد إليها أفراد ذلك النوع، ويكون ~~لصاحب تلك الرئاسة امتياز في الشكل أو بسطة خاصة في الجسم. والفرق بين الإنسان والحيوان هو ~~أن الحيوان ينقاد إلى تلك الرئاسة بمجرد غريزة مركوزة في فطرته، وأن الإنسان ينقاد إلى هذه ~~الرئاسة بناء على تفكر وروية. # وقد أطال ابن خلدون البحث في تأثير الأقاليم بطباع البشر، وأورد على ذلك الأمثال، واستخلص ~~منها أن الأقاليم المعتدلة أحسن الأقاليم سكانا، بخلاف الإقليم الأول والثاني والسادس ~~والسابع، فإن أهلها يسكنون في بيوت من القصب أو الطين وأكثر طعامهم من الذرة أو الحشائش، ~~وهم في الغالب عراة الأجسام، وإذا اكتسوا فإنما يخصفون على أبدانهم من ورق الأشجار. فأما ~~الأقاليم المتوسطة فأهلها عندهم مزية التعديل في الأمور واتخاذ الأليق من التدابير، والأليق ~~من مظاهر الحياة. وعندهم العلوم والصناعات والأمر والنهي، والنظام والملك، وفيهم ظهر ~~الأنبياء وتأسست الدول والممالك، وسنت القوانين، ووضعت العلوم، وتشيدت الأمصار وغرست ~~المغارس، وحرثت المحارث، وتولدت الصناعات النفيسة، وترفهت المعيشة، وإنما الأمم التي تنسب ~~إلى هذه الأقاليم هي العرب، والرومان، والفرس، والإسرائيليون، واليونان، والهند، ~~والصين. # وقد أمعن ابن خلدون في البحث عن أسباب اختلاف المشارب والأذواق في البشر، فهو يتساءل ~~لماذا الزنوج مثلا تغلب عليهم الخفة والطرب؟ وقد بحث عن ذلك من قبله المسعودي صاحب التاريخ ~~المسمى «مروج الذهب» فقال: إن هذا يوجد عند الأمم التي يسهل عليها القوت، بعكس الأمم التي ~~تضرب في المناطق الباردة التي لا يسهل فيها إيجاد الغذاء. وضرب ابن خلدون مثلا مدينة «فاس» ~~فقال: إنها لكونها محاطة بالبلاد الباردة تجد الواحد من أهلها سائرا وهو مطرق رأسه في ~~الأرض يظهر للناس أنه حزين، وذلك من شدة تفكره ms004 في العواقب، وقد يبلغ فيهم الاحتياط للمستقبل ~~أنهم يخزنون الحنطة اللازمة لهم إلى مدة سنين، وهم مع ذلك يذهبون كل يوم إلى الأسواق ~~لابتياع لوازم معيشتهم! ثم قال: إن لأنواع الأطعمة تأثيرات متنوعة في طباع البشر، فمن ~~الأقوام من يعيشون في أرضين دارة بالخيرات، وتتوافر لديهم الآلات، فتكثر عندهم الحبوب ~~والثمار، بينما غيرهم يقل عندهم هذا النوع من القوت فيكتفون لأجل معيشتهم بلحوم المواشي ~~وألبانها، وتقل عندهم الأخلاط. قال: وإن قلة الأخلاط تزيد الناس بسطة في العلم والجسم، ~~فأجساد هؤلاء الشعوب أنعم وأقوى، وأكثر تناسبا، وعقولهم أسمى وأسرع استنتاجا، وأذهانهم ~~أشد لحظا وثقوبا. # فالقناعة عند ابن خلدون وشظف العيش هما من أحسن الفضائل التي يكمل بها الإنسان. وهذا ~~الفيلسوف غالب عليه الافتتان بسذاجة المعيشة، وبرغم أنه كان مترفا متبحرا في العلوم، ~~عارفا بقدر الصناعات، تراه يحمد دائما معيشة البداوة، ويراها أقرب إلى الطبيعة البشرية، ~~وهو يقول: إن البداوة أصل، والحضارة فرع وإن الأمصار إنما عمرت بأهل البادية، وإن هؤلاء هم ~~أحسن أخلاقا من أهل المدن لأنهم يحمون أنفسهم بأنفسهم. والحال أن أهل المدن ينغمسون في ~~النعيم ويتركون لولاة المدن مهمة حماية أنفسهم وأموالهم، فالمدن والحواضر تعيش في ظلال ~~حامياتها وأسوارها، بينما سكان البوادي يأنفون من السكنى وراء الأسوار، وتحت خفارة الجنود، ~~ويرون أنفسهم أكفأ للقيام بالدفاع عن أنفسهم وأموالهم، وهم دائما على حذر شديد لا يعرفون ~~النوم إلا غرارا، لأنهم أبدا يلقون السمع حتى إذا سمعوا أقل نبأة هبوا مستعدين لمقابلة ~~الخطر الواقع، وهكذا تصير فيهم هذه العادة طبيعة خامسة. # والذي يظهر من كلام ابن خلدون، أنه كان نزاعا إلى المجد، ميالا بطبيعته إلى الاستقلال ~~وشمم الأنف، وهو يقول: إن الشعوب لا ينبغي أن تكون على العموم سلسة القياد، مسرعة إلى تأدية ~~الضرائب للملوك، ويقول أيضا: إن القبائل التي ليس لها حظ من المدنية هي أقوم على فتح ~~الفتوحات من غيرها، ولقد ساق الله تعالى بني إسرائيل إلى الصحراء وأخرهم في بادية التيه ~~أربعين سنة حتى يعتادوا الاستقلال ويتمكنوا من ms005 فتح أرض الميعاد. وللدول عند ابن خلدون أعمار ~~كأعمار البشر، فالدولة عنده تنشأ وتشب ثم تكتمل ثم تدخل في سن الشيخوخة - أي تهزم - ثم تأخذ ~~بالتردي - أي أرذل العمر - وهو يعرض للدولة 120 سنة من نشأتها إلى انقراضها، وهنا قد قصر ~~ابن خلدون كثيرا من آماد الدول. ثم يقول: عندما تنشأ الدول ينتقل الناس من البوادي إلى ~~الحواضر، ويأخذون بعادات أهلها الذين يكونون تغلبوا عليهم؛ فلما تغلب العرب على فارس، ~~وكانوا يجهلون مآخذ الحضارة ومنازعها، قيل إنهم وجدوا في مخازن كسرى أشياء لم يعرفوها، ~~ووضعوا الكافور في العجين مكان الملح، ثم تعلموا دقائق المدنية شيئا فشيئا من الفرس، ولكن ~~هذه الخشونة لا يطول في العادة أمرها، بل أولئك الذين كانوا من أبناء الصحراء تراهم ينقلبون ~~من الخشونة إلى الترف، ولا يلبثون أن يتأنقوا في المأكل والمشرب، والملبس والمفرش، والمركب ~~واتخاذ الآنية النفيسة، وامتهاد البسط الوثيرة، ولأجل إيجاد هذه الأسباب كلها لم يكن لهم بد ~~من أنواع الصناعة، وإفنان الفنون، وكلما تعددت أسباب الترف تعددت الصناعات بقدرها. # قال: وإذا أدرك الهرم دولة من الدول بدأت سلطتها المركزية بالضعف، وأخذ حكام الأطراف ~~بالتمرد عليها. والخروج عن طاعتها. وقال: إن تأسيس الدول سابق لتأسيس الحواضر، وذلك لأن ~~بناء المدن يستلزم إيجاد الصناع، والعملة الذين لا مفر لهم من أن يفيئوا إلى ظل نظام ~~ثابت. وهنا يتكلم ابن خلدون بكلام طويل على الصناعة والتجارة ويقول: إن تقدم الصناعة إنما ~~يكون على نسبة استبحار العمران ويقول: إن الصناعات المبنية على الضرورات - كالخياطة ~~والحدادة والنجارة... إلخ - تتيسر في كل مكان. ولكن الصناعات التي تتعلق بالترف لا توجد إلا ~~في المدن التي قد زخر عمرانها، ففيها تجد الصاغة والزجاجين والعطارين والطباخين وما أشبه ~~ذلك. وفى المدن وحدها توجد الحمامات التي هي من لوازم الترف ورفاهة المعيشة. # قال كارادوفو: # إننا لا نقدر أن نتابع ابن خلدون في جميع آرائه وتعليلاته العلمية للقضايا التي تلقف ~~كرة البحث عنها، ولكنه على كل حال كان النظر إلى فلسفة هذه المبادئ ملازما ms006 لتحقيقاته، ~~وفى الغالب كان على أثر سديد، وكانت له نظرات صائبة، وكثيرا ما يأتي في مباحثه بالأدلة ~~المقنعة والشواهد على آرائه، وقد يستشهد بالكتب التي يستظهر بها ويسميها ويذكر أسماء ~~العلماء الذين يتوكأ على أقوالهم. فمقدمة ابن خلدون تشتمل على مباحث قيمة في السياسة، ~~والزراعة، والنجارة، والنساجة والخياطة، وفن البناء، والطب، والتوليد، وغيرها، وكذلك ~~تبحث في الموسيقى والوراقة، والعلوم القرآنية، والعلوم العددية، والجبر، والهندسة، ~~والفلك، والكيمياء والمنطق، والنحو، والبيان، إلخ. فهذا التنقيب الذي نقبه ابن خلدون عن ~~تاريخ الاختراعات البشرية وأطوارها في جميع مناحي العمران يجعل عبد الرحمن بن خلدون ~~الكاتب الأفريقي الذي عاش في القرن الرابع عشر ندا لأعظم فلاسفة أوروبا الحديثة. ~~انتهى ملخصا. # ولنذكر الآن على وجه الإجمال من من الحكماء سبق ابن خلدون إلى هذه المباحث الاجتماعية، ~~ولو لم يكن بلغ فيها شأوه فنقول: # إن القسم السياسي من فلسفة أفلاطون يمس جانبا من فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، وكذلك ~~يمسها من جهة ثانية القسم القضائي الحافظ للمجتمع الإنساني الكافل لانسجامه. وهو يرى أن ~~المدنية العادلة هي «عبارة عن مجموع منتظم مؤلف من عناصر مختلفة». وفى كتاب أفلاطون عن ~~الحكومة الجمهورية كلام عن بداية الاجتماع البشري يقول فيه: إن المدنية إنما هي وليدة ~~الحاجة، وهي في الحقيقة استنباط الوسائل اللازمة الكافلة للقيام بها. وإن هذه الوسائل لا ~~تتهيأ إلا بتوزيع الأعمال، فمتى اجتمع عدة أشخاص كل واحد منهم قادر أن يقوم بعمل يحتاج إليه ~~الآخرون فهذه هي المدنية، وكلما اختص الواحد منهم بشيء كان عمله له أكثر تجويدا لما يكون ~~سبق من مرانه له، إذ المدنية ليست مجتمع أشخاص متماثلين متساوين في كل شيء؛ بل هي بالعكس ~~مجمع أشخاص غير متشابهين ولا سوآسيا. والوظائف تزداد صعوبة كلما اتسعت رقعة المدنية وازدادت ~~حوائجها، فبجانب الزارع مثلا يأتي المتخصص بعمل السكك الزراعية، وبجانب أصحاب المحاصيل ~~تأتي الطبقة القائمة بالأخذ والعطاء في البر والبحر. وهذا إتقان للعمل وإكمال له، ولكن ~~المبدأ الأصلي واحد. ثم إن هذه المهن تتميز بعضها عن بعض بسعة ms007 المجتمع ويصير أصحابها طبقات ~~متفاوتة؛ فطبقة الصناع تشتغل بسد الحاجات المادية، وطبقة العساكر تشتغل بالدفاع عن المدينة ~~إذا اعتدى عليها جيرانها، وطبقة الحراس أو الحفظة تهيمن على إجراء القوانين، فهذه الطبقات ~~الثلاث أي المشتغلون والجند وحفظة القوانين هم أساس كل مدنية. # ويقول أفلاطون: # إنه لا يجوز استغلال مدنية لفائدة شخص واحد، وإن المقصد من بناء المدينة ليس ترفيه ~~فرد أو طبقة، وإنما هو إسعاد المدينة بأجمعها، فكل فرد من سكانها عليه واجب يقوم به، ~~فإذا قام به فهذا هو العدل. ومن رأي أفلاطون أن احتياجات المجتمع المنظم يجب أن ينظر ~~فيها إلى طبيعة الخلق إذ مهما كان الثقاف ذا تأثير فإن الأصل هو فطرة المخلوق وذلك كحب ~~الكسب عند الصانع، وعلو الهمة عند الجندي، والحكمة والروية عند الحاكم. # ولأفلاطون مذهب آخر وهو: أن أقسام الغرائز في البشر هي تحت تأثير البيئات التي يعيشون ~~بها، فالعلوم الحسابية التي تدرج بعض الناس إلى الفلسفة هي عند بعض الشعوب كالمصريين ~~والفينيقيين وغيرهم زيادة في التحيل لا في العلم (كذا) ولا نرى في هذا الرأي إلا ~~تعسفا. # ويوصي أفلاطون كثيرا باختيار ذوي الغرائز الممتازة كحب الحقيقة، وسهولة الفهم، وتغلب ~~العقل على الهوى، وشرف النفس، والإقدام، وحسن الذاكرة إلخ. # ومن وصاياه تنظيم أعمال الوطنيين بحيث يقلد كل منهم ما هو أهل له فيجوده ويحصر حركته في ~~هذا العمل ولا يتجاوزه إلى غيره. وإذا تأمل القارئ في عقلية أفلاطون الاجتماعية وجدها داخلة ~~في علم النفس، وفى علم الأخلاق، فهو يذكر الأحوال لا على ما تكون عليه في الغالب، بل على ما ~~يجب أن تكون عليه. # فالأساس عند أفلاطون هو أدبي محض، وهو قائم بتطبيق وظائف الاجتماع على القابليات الطبيعية ~~في البشر حتى يأتي العمل أجود ما يمكن، إلا أن أفلاطون يعتقد بأنه لا بد من اختلال النظام ~~شيئا فشيئا، وعند ذلك فلا مفر من التردي، ويدخل أفلاطون حينئذ في شرح كيفية الانحطاط وما ~~ينشأ عن فساد النظام من فساد الأخلاق مما لا يلزم أن نستوفيه هنا، ms008 لأننا لم نقصد إلا ~~إجمالا. وإنما نذكر شيئا ذا بال من فلسفته الاجتماعية، وهو ذهابه إلى أفضل حاجز للمدنية ~~عن التردي، وأحسن وسيلة لانتظام جهود المصالح، إنما هو تسليم زمام أمورها إلى الحكماء، وهو ~~على حد ما قال بعضهم: لا تبلغ المدنية السعادة إلا إذا كان الفيلسوف ملكا، أو الملك ~~فيلسوفا. # ومن رأي أفلاطون أن كل صفة بشرية قابلة للتغيير بحسب البيئات والطوارئ. وإن السياسة بنوع ~~خاص لا تنضبط تحت قواعد يجب العمل بها في كل زمان ومكان. ويترتب على رأي أفلاطون هذا أن رجل ~~الدولة يكون أحيانا فوق القواعد والأوضاع. # وأما أرسطو فعنده تفسرة المدنية أنها مجمع منازل وعائلات تتوخى في معيشتها السعادة ~~والاستقلال. وهو يخالف أفلاطون في حصره المدنية بتوزيع الأعمال ومجرد المبادلة، ويقول: إن ~~الاجتماع لم يكن للحياة المجردة، بل للحياة المرفهة، وإن علم السياسة هو العلم الباحث عن ~~الأسباب والشروط الكافلة للوصول إلى هذه الغاية، وهو يأتي بمباحث تاريخية عن كيفية تولد ~~المدن والمدنيات. ومن رأيه أن الاستقلال الزراعي هو شرط في صحة الأخلاق، وأنه كلما استقلت ~~مملكة عن غيرها في احتياجاتها المعاشية استقلت في أمورها السياسية والعكس بالعكس، وكلما كثر ~~أخذ المملكة وعطاؤها مع الخارج ضعف استقلالها السياسي وتعرضت للحروب، وهي حقيقة قد انطبخت ~~حتى احترقت، وقضية قد ابتقرت حتى انفاقت، فالأمة التي ليس لها استقلال اقتصادي هيهات أن يتم ~~لها استقلال سياسي. # ومما يذهب إليه أرسطو أن الرق أمر طبيعي لا ينبغي التعجب منه، وأن الطبيعة في قسمتها ~~البشر إلى طبقتين سادة وأرقاء ليست ظالمة ولا مستبدة. قال أرسطو: وإنه يوجد في آسيا في ~~الأقاليم الحارة أقوام ذوو ذكاء وسرعة خاطر، لكنهم مجردون من العزم، لذلك هم مخلوقون ~~ليكونوا أرقاء! وقال: إن مناخ يونان المعتدل هو المناخ الوحيد الذي يمكنه أن يولد سلائل ~~جامعة بين الذكاء والعزم، فاليونانيون أحرار بحسب الفطرة قبل التربية. # ولقد بالغ أرسطو في ذلك أشد المبالغة ورأى الناس في رأيه هذا مجرد تسويغ وتصويب لفتوحات ~~صاحبة الإسكندر في الشرق. # أما ms009 اعتدال أمزجة اليونانيين باعتدال إقليم يونان فلا نزاع فيه، ولهذا كثر فيهم الحكماء، ~~وغلبت عليهم العلوم، وهذا شبيه بما يقوله ابن خلدون عن تأثير اختلاف الأقاليم وهو: # الإقليم الرابع أعدل العمران، والذي حافاته من الثالث والخامس أقرب للاعتدال، والذي ~~يليهما الثاني والسادس بعيدان عن الاعتدال، والأول والسابع أبعد بكثير، فلهذا كانت ~~العلوم والصنائع والمباني والملابس والأقوات والفواكه، بل والحيوانات وجميع ما يتكون في ~~هذه الأقاليم الثلاثة مخصوصة بالاعتدال وسكانها من البشر أعدل أجساما وألوانا ~~وأخلاقا وأديانا، حتى النبوات فإنما توجد في الأكثر فيها. ولما تقف على خبر بعثة في ~~الأقاليم الباردة الشمالية ولا الجنوبية التي فيها الحر الزائد، وذلك لأن الأنبياء ~~والرسل إنما يختص بهم أكمل النوع في خلقهم وخلقهم ا.ه. # هذا وإن أرسطو يرى للأسرة غاية أبعد وأسمى من الغاية الاقتصادية، وهي أنه لا بد لكل عائلة ~~من رأس، وأن هذا الرأس هو الرجل الذي يدبر النفوس القاصرة أي نفوس النساء والأولاد. ومعنى ~~النفوس القاصرة ليس أنها نفوس أرقاء، بل معناه أنها نفوس ضعاف محتاجة إلى المعاونة. ولهذا ~~كانت سلطة رئيس العائلة غير مطلقة على المرأة، بل كان حكمه عليها حكم الوالي على رعيته، وفى ~~العائلة متوافرة جميع الشروط اللازمة لتأليف المدنية. # ثم إن أرسطو لا يعد في الوطنيين الأحرار طبقة الصناع والأكرة، بل يقول إن أعمال هؤلاء ~~خسيسة وليس عندهم من الوقت متسع لممارسة الفضيلة، وللاشتغال بسياسة المجتمع. وهذا القول ~~مردود من جهة شقه الأول، وهو ممارسة الفضيلة التي تكون عند الصناع والزراع كما تكون عند ~~غيرهم. ولكنه مقبول من جهة شقه الثاني وهو الاشتغال بسياسة المجتمع، فإن هذه الطبقات قلما ~~تشتغل بها. # وتعريف أرسطو للديمقراطية هو هذا: إنها توجد حيث يكون الرجالات الأحرار الفقراء هم ~~القابضين على أزمة الأمور، وإنها حيث توجد توأمين الحرية والمساواة. قال: وعكسها حكم ~~الأصلاء والأغنياء. وقال: إن الفروق الكبيرة في الثروة تؤدي إلى الحكم المطلق المنحصر في ~~بعض البيوتات، وإن الغاية المقصودة من بناء المدينة هي تأمين سعادة السكان وتمكينهم من ~~ممارسة ms010 الفضائل، والتحلي بمكارم الأخلاق وذلك لا يكون إلا بخضوع الجميع للقوانين. وهذه ~~القوانين لا تنفذ جيدا إلا ببعض شروط اقتصادية لا مناص منها مما يعود بترفيه الطبقات ~~الوسطى التي لا تقدر أن تعيش إلا من كسب أيديها، فهي بطبيعة الحال تحافظ على حسن سير ~~القوانين، ولا نقصد الاجتماعات الشعبية إلا عند الضرورة. أما إذا وجد في المجتمع من يستغني ~~عن العمل ومن يعيش من رأس مال راتب لديه، فإن الديموقراطية تضعف في مجتمع كهذا وتقوم حينئذ ~~الأصوات والانتخابات مقام القوانين. # ولقد تكلم أبو نصر محمد بن محمد بن نصر الفارابي في مبادئ العمران أيضا وأجاد وأفاد ونقل ~~كارادوفو أكثر نظرياته السديدة في المدنية. ولننقل هنا ما ذكره عنه القاضي أبو القاسم صاعد ~~بن أحمد الأندلسي المتوفي بعد زمن الفارابي بقرن واحد قال: # أبو نصر محمد بن محمد بن نصر الفارابي فيلسوف المسلمين بالحقيقة أخذ صناعة المنطق عن ~~يوحنا بن جيلاني المتوفي بمدينة السلام في أيام المقتدر، فبذ جميع أهل الإسلام فيها، وأتى ~~عليهم في التحقق بها، فشرح غامضها، وكشف سرها وقرب تناولها، وجمع ما يحتاج إليه منها في كتب ~~صحيحة العبارة، لطيفة الإشارة، منبهة على ما أغفله الكندي وغيره من صناعة التحليل، وأنحاء ~~التعليم وأوضح القول فيها عن مواد المنطق الخمس، وأفاد وجود الانتفاع بها، وعرف طرق ~~استعمالها، وكيف تصرف صورة القياس في كل مادة منها، فجاءت كتبه في ذلك الغاية الكافية، ~~والنهاية الفاضلة. ثم له بعد هذا كتاب شريف في إحصاء العلوم # 1 # والتعريف بأغراضها لم يسبق إليه، ولا ذهب أحد مذهبه فيه، ولا يستغني طلاب ~~العلوم كلها عن الاهتداء به وتقديم النظر فيه. وله كتاب في أغراض فلسفة أفلاطون وأرسطاطاليس # 2 # يشهد له بالبراعة في صناعة الفلسفة، والتحقق بفنون الحكمة، وهو أكبر عون على ~~تعلم طريق النظر، وتعرف وجه الطلب. اطلع فيه على أسرار العلوم وثمارها علما علما، وبين ~~كيفية التدرج من بعضها إلى بعض شيئا شيئا (إلى أن يقول): ثم له بعد هذا في العلم الإلهي ~~والعلم ms011 المدني كتابان لا نظير لهما، أحدهما المعروف ب«السياسة المدنية» والآخر المعروف ~~ب«السيرة الفاضلة» # 3 # عرف فيهما بجمل عظيمة من العلم الإلهي على مذهب أرسطالطاليس في مبادئ السنة ~~الروحية، وكيف تؤخذ عنها الجواهر الجسمانية على ما هي عليه من النظام واتصال الحكمة، وعرف ~~فيها بمراتب الإنسان وقواه النفسانية، وفرق بين الوحى والفلسفة، ووصف أصناف المدن الفاضلة ~~وغير الفاضلة واحتياج المدنية إلى السير الملوكية، والنواميس النبوية. انتهى. ولكن ليس من ~~هؤلاء واحد لا أفلاطون ولا أرسطو ولا الفارابي يعد واضعا لعلم فلسفة التاريخ الذي هو حق ~~ولي الدين أبى زيد عبد الرحمن بن خلدون مفخرة المغرب بل مفخرة الإسلام كله. # ولقد كان لمحرر هذه السطور من أول ما بلغت سن الحلم ولوع خاص بمقدمة هذا العبقرى العظيم، ~~إلى أني كنت أطالعها المرة بعد المرة، وفى كل مرة أجد لها طلاوة لا تمثل، وأكشف فيها ~~أسرارا جديدة لم تكن انكشفت لى في الأول، وأشرف منها على آراء طريفة، ومباحث لطيفة، كنت ~~أحاول عبثا العثور عليها في غير هذه المقدمة التي لا تخلق ديباجتها ولا تذهب بهجتها. وكأني ~~استبرأت بطول الزمن الكتب العربية المعروفة فكنت أرجع في النهاية إلى مقدمة ابن خلدون، ولا ~~أجد أمنيتي إلا فيها، ولا أزال أستوري زنادا لا يلمع إلا من خلال ذلك الخاطر، وأستسقي ~~غيثا لا يمطره غير ذلك العارض، ولم يكن إعجابي بما في كلام ابن خلدون من مبادئ سامية، ~~وأقوال سديدة، وأنظار فريدة، يعز وجودها في كتب غيره من أساطين الحكمة، بأقل من إعجابي ~~ببلاغة عبارته، ورصانة أسلوبه، وجلالة تقريره، حتى كأنه يخطب من فوق منبر، ويصول في ~~المواضيع صولة غضنفر، فينزل بيانه من نفوس الأدباء - # الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه ~~- المنزلة التي لا تعلوها ~~منازل الأقمار، في أعين السمار، فلو قرأ المتأدب مقدمة ابن خلدون متوخيا فيها مجرد ~~الانطباع على أسلوبها في الإنشاء العربي دون أن ينظر إلى ما فيها من فلسفة عالية، وتحقيقات ~~سنية، وعلوم جمة ملخصة، وحقائق ناصعة من أوضاع الوجود مستخلصة، لكانت مقدمة ms012 ابن خلدون تكفيه ~~عمدة في فن الأدب، وتغنيه عن غيرها من نفائس ما كتب العرب ، ولعل عشقي أسلوب هذا الإمام في ~~كتابة التاريخ، وغرامي بطريقته في تعليل النوازل، وتقرير طبائع العمران، قد ترك أثرا في ~~ملكتي بلغ من العمق أنه قلما كان يفارقني في طرق التعبير عن أفكاري والإفضاء بجلاجل نفسي، ~~وخوانس صدري، إلى أن إماما مثل السيد رشيد رضا رحمه الله حكم في المنار منذ خمس عشرة سنة ~~بأن أسلوب كاتب هذه الأسطر كثير الشبه بأسلوب ابن خلدون. أقول هذا وإن كان المتشبه لا ينبغي ~~أن يعطي جميع حكم المشبه به، وكان مثلنا لا يجهل مكانه من ذلك المدى المتطاول. ولقد أولعت ~~بهذه المقدمة شابا وكهلا وشيخا، وبقيت أنظر إليها نظرة المشتاق لا تخمد السنون من جذوة ~~غرامي بمحاسنها، ولكني لم أكن مطالعا من التاريخ الكبير إلا لمحات يسيره، وربما طالعت من ~~كامل ابن الاثير أكثر مما طالعت من تاريخ ابن خلدون بكثير، فما زال يحز في صدري أن أقرأ هذا ~~التاريخ قراءة مدقق وأعقد آخره بأوله مستوثق، وعدواء الأشغال تعدو عن هذه الأمنية، وتحول ~~بيني وبين هذا الغرض الملح، والوجد المبرح، إلى أن جاءني في السنة الماضية من فاس المحروسة ~~حاضرة المغرب أن الكتبي النبيه الساعي في نشر العلم بما أوتي من جودة الفهم «الحاج محمد ~~المهدي الحبابي» أخذ الله بيده، عزم أن يطبع تاريخ ابن خلدون طبعة جديدة رائقة مستوفية شروط ~~التنقيح مطرزة بالحواشي القيمة اللائقة بمثل ذلك التاريخ العظيم، مستجيدا لهذا الغرض من ~~أدباء شباب المغرب فرقدين يقصر الشيوخ القرح عن مداهما البعيد، وتكاد فحول العلماء لا تحشر ~~معهما في صعيد، أعني كلا من المحققين الكاملين، والجهبذين الحافلين، السيدين محمد علال ~~الفاسي الفهري، وعبد العزيز بن إدريس، زين الله بمثلهما مواسم الأدب وأمطر بغيث أقلامها ~~مربع العربية إذا جدب، فتلقيت من هذا الخبر بشرى أثلجت الصدر، وصرت أترقب طلوع هذا الفجر ~~بذاهب البصر، وبين أنا كذلك إذا بصاحب هذه الفكرة هو نفسه يريدني أن أعلق أنا ms013 أيضا على هذا ~~التاريخ حواشي بما يعن لي من آراء وأنحاء متصلة بمواضيعه أخالف فيها المؤلف أو أوافقه. ~~وأفارقه في وجهة النظر أو أرافقه، وأبدي من النظريات العصرية في علم الاجتماع ما تتم به ~~فوائد هذا الكتاب وتتجلى حقائقه. # وقد صادف مجيء هذا الاقتراح أنء كنت من «الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية» في ~~شغل شاغل عما سواها أكاد أنوء بها وحدها فضلا عن أن أتعداها، فاعتذرت عن خوض هذا البحر ~~العجاج وقلت: من ذا الذي يجري مع ابن خلدون إذا أقر أنمله على مهرق، وقد خاب من يساجل البحر ~~الخضم، ومن يزحم البحر يغرق. فما زال بي إبرام الإخوان وإصرارهم، وإيرادهم في هذه الحاجة ~~وإصدارهم حتى رضيت برغم ما أنا عليه من كثرة الشواغل أن أعلق بعض الحواشي على بعض المظان، ~~مجتزئا من البحث بالمختصر المفيد، ومكتفيا من القلادة بما أحاط بالجيد، ولما كان قد ورد ~~في متن المؤلف ذكر الأمم الكبار، ومن جملتها أمة الترك علقت تحت هذه اللفظة خلاصة صافية في ~~نسب هذه الأمة وأولوياتها ومصايرها، ثم لما كان لا بد في هذا النسب من الانتهاء إلى تاريخ ~~بني عثمان الذين تحملوا أعباء الخلافة الإسلامية ردحا من الدهر، دخلت في هذا البحث وأنا ~~على نية إجماله ما استطعت إلى الإجمال سبيلا، فإذا بي مهما سلكت الطرق القاصدة لا أقدر أن ~~أتخلص من هذا التاريخ إلا في مجلد كبير، وكيف لا يكون ذلك وهناك دولة طويلة عريضة كانت من ~~أعظم دول الأرض، وشجت عروقها، وامتدت شماريخها، من حدود المغرب الأقصى غربا إلى بحر الخزر ~~شرقا، ومن أواسط أفريقيا جنوبا، إلى ألمانيا وبولونيا شمالا، فكانت أيامها ملأى بالحوادث ~~الكبار، شاغلة ما بين دفتي الليل والنهار، فمضيت فيه متوكلا على الله من أول تأسيس هذه ~~الدولة إلى بداية الحرب العالمية متوخيا في الوصف الحد المتوسط، متجانفا عن خطتي المفرط ~~والمفرط، ولا أظن كتابا قد وضع في العربية عن الدولة العثمانية على غرار هذا الكتاب، ~~لاسيما في العصر الحاضر. فأما القسم ms014 المتعلق من تاريخ هذه الدولة بالحرب الكبرى فقد أرجأته ~~إلى فرصة أخرى، ربما أكون عرفت ما يجب أن أملكه في هذا الموضوع من المواد، وأسلكه من ~~الجواد، والله أسأل العون والتيسير، إنه تعالى من وراء السداد. # | الصقالبة # تعليق على ما جاء بسطر 15 صفحة 1 جزء أول من ابن خلدون # الصقالبة هم الأمة التي يقال لها السلاف، وهو أمة عظيمة من الأمم التي يقال لها هناك ~~«الفند» أو «الفنيد» ~~“wendes ou wenedes” # واستقر آخرون على ~~شواطئ البحر الأسود وضفاف الطونة، ويقال لهؤلاء «يازبج # Jazyges ~~» و«باستارن # Bastarnes ~~» ~~و«روكسولان # Roxolans ~~» وأول من سماهم السلاف «جورناندس» ~~المؤرخ القوطي، ومعنى السلاف الشرفاء، وقد انتهى هذا المعنى بأن يفهم منه الأمم المستبعدة، ~~وانقلب عن معناه الأصلي فجاء من لفظة «السلاف» ~~“Slaves” # لفظة «إسكلاف» ~~“Esclaves” # ومعناها عبد. وأيام زحفة ~~البرابرة الكبرى على الدولة الرومانية كان السلاف ينقسمون إلى سلاف غربيين وهم التشيك الذين ~~سكنوا بوهيميا، والبوليز الذين سكنوا بولونيا، واليتون أهل ليتوانيا، والموراف أهل مورافيا، ~~والسوارب أهل بوميرانيا وبراندبورج، والسلاف الشماليون: وهم الذين منهم الشعب الروسي، ~~والسلاف الجنوبيون: وهم الذين عبروا الطونة وسكنوا على شطوط بحر الأدرياتيك، وهم البشناق، ~~والصرب، والحزوات، والاسكلافون. # وأول ما عرف العرب هذه اللفظة كان بسبب مجاورتهم للدولة البيزنطية وكانت كثيرا ما تمد ~~سلطانها على السلاف الجنوبيين، ولما كان العرب لا يوجد عندهم حرف الفاء الفارسية، وكانوا ~~يقلبونها باء، فلفظوا الاسكلافون أصقلابون ومنها جاءت لفظة صقلبي وصقالبة. ولما كانوا في ~~القرون الوسطى يسترقون منهم فقد صار الصقلبي بمعنى رقيق كما هو في اللغات الإفرنجية. وقد ~~جاء في اللسان العربي أن الصقلاب هو الرجل الأبيض، وقيل هو الرجل الأحمر، وإنه قيل له صقلاب ~~على التشبيه بألوان الصقالبة كما في معجم البلدان، وقال المتنبي في وصف حرب بين سيف الدولة ~~وملك الروم: # يجمع الروم والصقالب والبل # غار فيها وتجمع الآجالا # فمن هنا يعلم أن الصقالبة والبلغار مثل اليونان كانوا يخضعون لملك الروم، وأن العرب ~~القدماء لم يكونوا يقولون «سلاف» بل صقالبة للجميع، سموا الجميع ms015 باسم البعض الذين كانوا على ~~شطوط الإدرياتيك، والآن الصقالبة هم الروس، والأوكرانيون والروتينيون، والروس البيض، ويقال ~~لهم صقالبة الشرق. وقسم من البلغار، وجميع الصرب، والحزوات، والبوشناق، والسلوفين، ويقال ~~لهم صقالبة الجنوب والبولونيون، والفنيد، والسلوفاك، والتشيك ويقال لهم صقالبة الغرب، وأكثر ~~الصقالبة تابعون للكنيسة الشرقية، ماعدا البولونيين والتشيك والسلوفين والحزوات فإنهم ~~كاثوليكيون، ومن الصقالبة مسلمون وهم البشناق. # إغريقية هي ما يسميه الأوروبيون «إغريق» والفرنسيس يقولون «غريس» والألمان يقولون «غريش». ~~وهي تطلق على البلاد الممتدة من شبه جزيرة البلقان إلى الجنوب بين بحري إيجه والإدرياتيك، ~~فهي شبه جزيرة صغيرة ناتئة عن شبه جزيرة كبيرة. والقسم الشمالي منها يقال له تساليا والقسم ~~الجنوبي يقال له بيلوبونيز. ومن جملة أقسامها البلاد المسماة إبير، وبيوسية، وايونية، ~~وأتيكيا، على جانب البحر. ولمجاورة أيونية والاتيك للبحر كانتا أول البلاد اليونانية التي ~~تلقت المدنية من الشرق، فإن الشرق هو أصل مدنية اليونان، ومن لفظة يونية جاءت لفظة يونان ~~التي عمت الجمع فيما بعد في عرف العرب. # ويقال لليونان الهيلانيون أيضا، ولا يوجد أعرق في الظلمة من تاريخ أوائل اليونان، إلا أن ~~المؤرخين بحسب ما عثروا عليه من الآثار يؤكدون أن اليونانيين هم من أصل آري، وأول اسم عرف ~~من أسماء الأولين من سكان هذه البلاد هو اسم «البيلاجيين» ~~“Pelasges” # ثم عرفت أسماء «الليلجيين» ~~“Leleges” ~~«والكاريين» ~~“Cariens” # ثم «الآشيين # Acheens ~~» ثم «الدوربيين # Doriens ~~». # | الأنساب # تعليق على ما جاء بسطر 7 صفحة 2 جزء أول من ابن خلدون # إن علم الأنساب هو العلم الذي يبحث في تناسل القبائل والبطون من الشعوب وتسلسل الأبناء من ~~الآباء والجدود، وتفرع الغصون من الأصول في الشجرة البشرية بحيث يعرف الخلف عن أي سلف ~~انحدر، والفرع عن أي أصل صدر، وفى هذا العلم من الفوائد النظرية والعملية، بل من الضرورات ~~الشرعية والاجتماعية والأدبية والمادية، ما لا يحصى، فليس علم الأنساب بطراز مجالس يعلمه ~~الناس لمجرد الاستطراف أو للدلالة على سعة العلم، وإنما هو علم نظري عملي معا. عملي لأنه ~~ضروري لأجل إثبات المواريث التي يتوقف ms016 توفيرها لأهلها على ثبوت درجة قرابة الوارث من ~~المورث، وهذا لا يكون إلا بمعرفة النسب. # وكذلك هو ضروري لأجل الدول الراقية المهذبة التي تريد أن تعرف أصول الشعوب التي اشتملت ~~عليها ممالكها، والخصائص التي عرف بها كل من هذه الشعوب بما يكون أعون لها على تهذيبها وحسن ~~إدارتها، فكما أن العالم المتمدن يعنى بتدريس جغرافية البلدان من جهة أسماء البلاد ومواقعها ~~وحاصلاتها وعدد سكانها ومقدار جباياتها، فإنه يجب أن يعنى بمعرفة أنساب أولئك السكان ~~وطبائعهم وعاداتهم وميزة كل جماعة منهم، وغير ذلك من المعارف التي لا يجوز أن تخلو منها ~~هيئة بشرية راقية، ولما كان من الحقائق العلمية الثابتة المقررة عند الأطباء والحكماء، كما ~~هي مقررة عند الأدباء والشعراء، أن الأخلاق والميول والنزعات المختلفة تتوارث كما تتوارث ~~الأمراض والأعراض الصحية، والدماء الجارية في العروق، فقد كان لا بد من معرفة الأنساب حتى ~~يسعى كل فريق في إصلاح نوعه بطريق الترقية والتهذيب ضمن دائرته الدموية بحسب استعدادها ~~الفطري، لأن الاجتهاد في تنمية القرائح الطبيعية والمواهب المدنية لا يمكن أن يثمر ثمره في ~~قبيل إذا جاء معاكسا لاستعداده الفطري وهذه الاستعدادات أحسن دليل عليها هو علم ~~الأنساب. # وليس هذا العلم منحصرا في العرب - كما يتوهم بعضهم ويظنون أن سائر الأمم قليلة الاحتفال ~~به - فإن الأمة الصينية الكبرى هي أشد الأمم قياما على حفظ الأنساب، حتى إنهم ليكتبون ~~أسماء الآباء والجدود في هياكلهم، فيعرف الإنسان أصوله إلى ألف سنة فأكثر. وقد تناهوا في ~~الاعتناء بهذا الأمر إلى أن قدسوا آباءهم وجدودهم، وعبدوهم كما يعبدون آلهتهم. وكذلك ~~الإفرنج كانت لهم عناية تامة بالأنساب في القرون الوسطى والأخيرة، وكانت في دولهم دوائر ~~خاصة لأجل تقييدها وضبطها، ووصل آخرها بأولها، وقد بقي ذلك معمولا به إلى أن ساد الحكم ~~الديموقراطي في أوروبا فضعف عندهم الاعتناء بهذا الأمر بإلغاء الامتيازات التي كان يتمتع ~~بها النبلاء، وكانوا يدققون في الأنساب من أجلها، وبقي الاهتمام بالأنساب من الجهة العلمية ~~لا العملية. # فأما العرب فلا شك في أنهم في مقدمة ms017 الأمم التي تحفظ أنسابها، وتتجنب التخليط بينها، فلا ~~تجعل الأصيل هجينا، ولا الهجين أصيلا، ولا تحتقر قضية الكفاءة في الزواج، بل تعض عليها ~~بالنواجذ. ولا يقيم العربي وزنا لشيء بقدر ما يقيم للنسب لا سيما في البوادي التي اقتضت ~~طبيعة استقلال بعضها عن بعض، وتنافسها الدائم فيما بينها؛ أن كل قبيلة فيها تعرف نفسها، ~~وتحصي أفرادها، وتحفظ بطونها وأفخاذها حتى تكون يدا واحدة في وجه من يعاديها من سائر ~~القبائل، فاقتضى ذلك أن يكون العرب علماء بأنسابهم، يحفظون سلاسلهم العائلية بصورة مدهشة لا ~~تجدها عند غيرهم، فتجد البدوي أحيانا يجهل أقرب الأمور إليه، ولكنه إذا سألته عن أبيه وجده ~~ومنتسبه فإنه يسرد لك عشرين اسما ولا يتتعتع. # وأما في الحواضر فليس الأمر بهذه الدرجة من الضبط، وذلك لعدم الاحتياج الذي عليه البوادي ~~من هذه الجهة، فإن الحواضر مشغولة بصناعاتها ومهنها ومتاجرها ومكفولة بالسلطان الذي يغنيها ~~عن تماسك الفصيلة أو القبيلة، وعن اعتناء كل فريق بجمع أفراده ليقف في وجه عدوه. وكلما ~~استبحر العمران في مصر من الأمصار قل الاعتناء بالأنساب، وصار الناس ينسبون إلى حرفهم ~~ومهنهم، أو إلى البلاد التي جاءوا منها. وكلما قرب المجتمع من حال البداوة اشتدت العناية ~~بالأنساب، واستفحلت العصبيات التي هي من طبيعة الاعتناء بالنسب. وقولنا إن البوادي أشد من ~~الحواضر عناية بهذا الأمر لا يعني أن الحواضر العربية لا تقيم للأنساب وزنا، فالعرب غالب ~~عليهم الاحتفال بالنسب حاضرهم وباديهم، وأبناء البيوتات منهم، ولو كانوا في أشد الحواضر ~~استبحار عمارة يحفظون أنسابهم ويقيدونها في السجلات، وكثيرا ما يصدقونها لدى القضاة ~~بشهادات العلماء الأعلام والعدول، ويسجلونها في المحاكم الشرعية. وإذا كانوا من آل البيت ~~النبوي - وهو أشرف الأنساب بالنظر إلى اتصالهم بفاطمة الزهراء التي هي بضعة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وهو أشرف الخلق - حرروا أنسابهم لدى نقباء الأشراف، وكتبوا به الكتب المؤلفة، ~~وهذا أمر بديهي لا نزاع فيه، لأن هذا الشرف هو مما يتنافس به، ومما يستجلب لصاحبه مزايا ~~معنوية، وأحيانا منافع مادية، فلا يريد منتسب ms018 إلى هذا البيت الشريف أن يفقد الدليل على ~~نسبته هذه. ولئن كان البيت النبوي هو أشرف الأنساب بالسبب الذي تقدم الكلام عليه فليس سائر ~~بيوتات العرب من ذراري الملوك والأمراء ، والأئمة والعلماء والأولياء بأقل حرصا على حفظ ~~أنسابهم من آل البيت الفاطمي. وجميع قريش مثلا سواء كانوا من الطالبيين أو من غيرهم ~~يفتخرون بنسبهم القرشي، وكذلك ذراري الأنصار من الأوس والخزرج يفتخرون بأنسابهم القحطانية، ~~وكذلك سلائل الملوك من لخم وغسان، وأمثالهم من العرب القحطانية ليسوا بأقل حرصا على حفظ ~~أنسابهم من تلك البطون العدنانية الشريفة. والعرب بالإجمال سائرون في النسب على مقتضى قوله ~~تعالى # كل حزب بما لديهم فرحون # فكل قبيلة ~~راضية بنسبها، تحفظ مآثر قومها، وتعتز بالاعتزاء إلى سلفها، مع أن القبيلة الثانية التي ~~تنافسها تحفظ لها عورات ومعرات تعتبرها بها عند المفاخرة والمنافرة. # ولشدة اعتنائهم بالأنساب تجد انتصار بعضهم لبعض على نسبة درجة القرابة، فكلما كانت ~~القبيلة أقرب كانت أولى بنصرها، لا يتخلف ذلك فيهم إلا لعوامل غير معتادة. ومهما اشتدت ~~العداوة بين أبناء فخذ واحد فإنهم يجتمعون بطنا واحدا على بطن آخر يناوئهم من قبيلتهم، ~~وكذلك تجتمع البطون المنتسبة إلى عمارة لمقاومة عمارة أخرى، وهلم جرا. ولا بد أن ينزع عرق ~~النسب في العربي فيميل به إلى الأقرب مهما كان هذا الأقرب بعيدا في الحقيقة؛ فالقحطاني ~~ينتسب إلى شعب طويل عريض يحصى بالملايين، والعدناني ينتسب إلى شعب لا يقل عنه في العدد ~~والمدد، ولكن إذا اختصما في موقف من المواقف وجدت عرق العصبية نزع في كل عربي، فمال ~~القحطاني إلى قبائل اليمن، ومال العدناني إلى قبائل الحجاز ونجد، أي مضر وربيعة. وقد يؤاخي ~~الفريق منهم من كان يعاديه بغضا بفريق آخر أشد عداوة لأنه أبعد نسبا، وعليه قول شاعرهم: # وذوي ضباب مضمرين عداوة # قرحى القلوب معاودي الأفناد # ناسيتهم بغضاءهم وتركتهم # وهمو إذا ذكر الصديق أعادي # كيما أعدهمو لأبعد منهم # ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد # ومن أجل هذا التدقيق في قرب النسب وبعده، وترتيب الصداقة والعداوة على درجات ms019 هذا القرب ~~وهذا البعد، انقسم العرب إلى ذينك الشعبين الكبيرين: عدنان، وقحطان، وغلب على قحطان اسم ~~اليمن، لأن أكثر منازل العرب القحطانية هي في اليمن، ومن وجد منهم خارجا عن اليمن كالأوس ~~والخزرج في المدينة، وكطي وغيرها في نجد مثلا، فإنما خرجوا بعد أن انهدم سد مأرب، وتفرقت ~~القبائل في البلدان. # وأشهر القحطانيين حمير. ومنهم قضاعة، ومن قضاعة بلى. ومنهم الآن في شمالي الحجاز، وجهينة. ~~ومنهم على سواحل الحجاز يبلغون 100 الف نسمة، وكلب وهم في بادية الشام، ويقال لهم اليوم ~~الشرارات، وعذرة المشهورون بالعشق، ولهم بقايا بمصر وبقايا بالشام، وبهراء ومنهم ما بين ~~بلاد الحبشة وصعيد مصر، ونهد، وجرم، وتنوخ وهؤلاء كانوا في شمالي بلاد الشام. # ومن القحطانية كهلان. ومنهم الأزد، ومن الأزد غسان وكانوا بالشام، وكان منهم نصارى، ولذلك ~~تجد كثيرين من نصارى سورية ينتسبون إلى غسان - أو يحبون أن ينتسبوا إلى غسان - ومنهم الأوس ~~والخزرج في المدينة المنورة، وقد تفرقوا في البلاد ولا يكاد يوجد منهم أحد في المدينة في ~~هذه الأيام. ومن كهلان طيئ وهم من أكبر القبائل، ويقال لهم اليوم شمر، وبحتر الذين منهم ~~البحتري الشاعر، وزبيد بضم أوله ففتح فسكون، وكثير من قبائل الشام هم من زبيد، وسنبس، ~~وجرم ومنهم في بلاد غزة ومصر. وثعلبة. ومنهم كثير في الديار المصرية. وغزية. ومنهم بطون في ~~العراق وفى الشام والحجاز. وبنو لام، وهم بالعراق ومنهم الظفير. # ومن كهلان مذحج، ومن هؤلاء خولان، وجنب، وسعد العشيرة، ومن سعد العشيرة بنو جعفي بضم ~~فسكون والنسبة إليهم جعفي على مثل لفظه، وكان المتنبي الشاعر جعفيا. ومن سعد العشيرة ~~قبيلة يقال لها أيضا زبيد بضم ففتح فسكون، وهم زبيد الحجاز الذين ينتسب إليهم عمرو بن معد ~~يكرب. ومن كهلان النخع. ومنهم الأشتر النخعي عامل الإمام علي رضى الله عنه على مصر. ومنهم ~~عنس، الذين منهم عمار بن ياسر رضى الله عنه. ومنهم الأسود العنسي الكذاب. ومنهم بنو الحارث ~~الذين يسكنون في الجنوب الشرقى من الطائف، ومن كهلان همدان ولا يزال ms020 منهم في اليمن جموع ~~غفيرة، فضلا عمن تفرقوا في البلاد. ومنهم الهمداني صاحب كتاب «الكليل» وكتاب «صفة جزيرة ~~العرب» ومن كهلان كندة، وكان لهم ملك ومنهم امرؤ القيس الكندي الشاعر، وأبو إسحاق يعقوب ~~الكندي فيلسوف العرب. وهم متفرقون في البلاد فمنهم أناس في اليمن، وآخرون في الشام. ومنهم ~~قوم يقال لهم السكون وآخرون يقال لهم السكاسك، جاء في صبح الأعشى: أن النسبة إلى السكاسك ~~سكسكي، ردا له إلى أصله، وهذا صحيح. وقبلي صيدا في سواحل سورية مكان يقال له ~~السكسكية. # ومن كهلان مراد الذين منهم قاتل سيدنا علي بن أبى طالب. وأنمار، ومن أنمار تتفرع بطون ~~كثيرة مثل بجيلة، وخثعم، وهم متفرقون في البلاد. ومن كهلان جذام، وقيل إنهم من العدنانية، ~~ولكنهم انتقلوا إلى اليمن. وكثير من أعقاب جذام في الديار المصرية في الصعيد، وفى الشرقية، ~~والدقهلية. ومنهم بنو صخر في الشام، ومن كهلان لخم، وكان منهم ملوك الحيرة من بلاد العراق، ~~وكان منهم بنو عباد ملوك أشبيلية. ومن لخم أمراء لبنان الأرسلانيون، والتنوخيون، وهؤلاء على ~~الأصح ليسوا من التنوخيين سكان شمالي سورية، بل هم ينتسبون إلى جد يقال له تنوخ من سلالة ~~اللخميين ملوك الحيرة. ومن لخم بطون كثيرة في الديار المصرية ومن لخم بنو الدار رهط تميم ~~الداري الصحابي، وذريته في خليل الرحمن بفلسطين ومن كهلان الأشعريون رهط أبي موسى الأشعري ~~الصحابي. وعاملة، ومن عاملة أهالي جبل عاملة بالشام بين صور وصيدا، وهم شيعة الشام، إلا أن ~~رؤساءهم بني على الصغير ينتمون إلى وائل كما علمت منهم. # وأما العدنانية فهم بنو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وتواريخ العرب تتفق على أن ~~هؤلاء يقال لهم العرب المستعربة، وأن القحطانية هم العرب العاربة، ولكن في مسألة القحطانية ~~يوجد خلاف؛ لأن بعضهم زعم أن العرب العاربة ليسوا قحطان ولكن الذين قبلهم ممن يقال لهم ~~العرب البائدة؛ عاد وثمود وغمليق وطسم إلخ. والرأي الذي عليه الجمهور أن العرب العاربة هم ~~القحطانية، وأن العرب المستعربة هم العدنانية، وهؤلاء العدنانية هم سلالة إسماعيل بن ms021 ~~إبراهيم تعلموا العربية من جرهم الذين هم من القحطانية، جاءوا إلى مكة وأقاموا بها ~~واختلطوا بذرية إسماعيل. # والعدنانية هم نزار بن معد بن عدنان. ومنهم إياد الذين ينسب إليهم قس بن ساعدة. ومنهم بنو ~~أنمار بن نزار. ومنهم ربيعة ويعرف بربيعة الفرس، ومن ربيعة أسد وضبيعة وديارهم بالجزيرة ~~الفراتية تعرف بديار ربيعة، وفى نجد كثير من ربيعة الفرس، وأسد أكثرهم أفخاذا. ومن أسد بنو ~~عنزة، وكانت منازلهم خيبر من ضواحي المدينة. ثم رحل قسم كبير منهم إلى بادية الشام، وهم ~~أكثر عرب هذه البادية، فمنهم الرولة، وولد علي، والمعجل، والحسنة، ويقال هؤلاء ضنى مسلم ~~ثم السبعة، والقدعان، ويقال لهم ضنى عبيد. وآل سعود الذين منهم ملك الحجاز ونجد عبد العزيز ~~بن سعود في هذا العصر ليسوا من عنزة، ولكنهم مجتمعون مع عنزة في ربيعة. ومن ربيعة جديلة، ~~وكانت ديارهم بتهامة. ثم خرجوا إلى البحرين ومنهم فريق في الجزيرة الفراتية، ومن جديلة بنو ~~وائل، ولوائل بكر وتغلب، ومن تغلب بن وائل كليب الذي قتله جساس واشتعلت لأجله الحرب ~~المعروفة بالبسوس. # وكان الحمدانيون ملوك حلب قديما من تغلب، وكان من تغلب نصارى كما كان من غسان، ولما ظهر ~~الإسلام أسلم منهم أناس، وبقي الآخرون متمسكين بنصرانيتهم وأبوا أن يدفعوا الجزية كسائر ~~النصارى بحجة أنهم عرب، وأصر سيدنا عمر على أخذها منهم، وكان سيدنا علي فكر في منعهم من ~~تنصير أولادهم وذلك حتى ينشأ أحداثهم في الإسلام. ولهم حكم خاص في الفقه الإسلامى، واختلفت ~~في شأنهم الأقوال، وجاء في فتوح البلدان للبلاذري عن ابن عباس قال: لا تؤكل ذبائح نصارى بني ~~تغلب، ولا تنكح نساؤهم، ليسوا منا ولا من أهل الكتاب وتظاهرت الروايات على أنه لما أراد عمر ~~أخذ الجزية منهم لحقوا بأرض الروم، فقال زرعة بن النعمان لعمر: أنشدك الله في بني تغلب ~~فإنهم قوم من العرب يأنفون من الجزية، وهم قوم شديدة نكايتهم، فأرسل عمر في طلبهم فردهم، ~~وأضعف عليهم الصدقة. وكتب عمير بن سعد إلى عمر يسأله رأيه فيهم لأنهم ms022 هموا باللحاق بمملكة ~~الروم، فكتب إليه عمر رضي الله عنه يأمره أن يضعف عليهم الصدقة التي تؤخذ من المسلمين في كل ~~سائمة وأرض، وإن أبوا ذلك حاربهم حتى يبيدهم أو يسلموا ، فقبلوا أن يؤخذ منهم ضعف الصدقة، ~~وقالوا: «أما إذا لم تكن جزية كجزية الأعلاج فإنا نرضى ونحفظ ديننا.» # وقال الزهري: «ليس في مواشي أهل الكتاب صدقة إلا نصارى العرب الذين عامة أموالهم المواشي، ~~فإن عليهم ضعف ما على المسلمين. وكان عثمان رضي الله عنه أمر أن لا يقبل من بني تغلب في ~~الجزية إلا الذهب والفضة، فجاءه الثبت أن عمرا أخذ منهم ضعف الصدقة فرجع عن ذلك، واتفقوا ~~على أن سبيل ما يؤخذ من أموال بني تغلب سبيل مال الخراج، لأنه بدل من الجزية. وبالاختصار ~~أبت بهم عروبتهم أن يؤدوا كنصارى الأعاجم، وأبى الخلفاء الراشدون أن يعاملوهم معاملة ~~المسلمين فوجدوا لذلك طريقا وسطا. # ومن بني تغلب الأخطل التغلبي الشاعر النصراني المشهور وهم كثيرون في نجد. # وأما بكر بن وائل فمنهم شيبان. ومنهم بنو حنيفة رهط مسيلمة الكذاب، وأكثر سكان الرياض ~~عاصمة نجد اليوم من بني حنيفة، ومن بكر بنو عجل بن لجيم. # وأما القسم الثاني من العدنانية فهم سلالة مضر بن نزار، ويقال مضر الحمراء ولذلك تجتمع ~~عدنان كلها في ربيعة ومضر. # ولمضر فرع جمع عدة قبائل وهو قيس، ويقال له قيس بن عيلان بن مضر وقيل هو قيس بن مضر لصلبه ~~وعيلان مضاف إليه، قيل فرسه وقيل كلبه. ولكثرة بطون قيس غلب على سائر العدنانية، حتى صار في ~~مقابل اليمن كلها، فصاروا يقولون قيس ويمن، وفى جميع الديار الشامية انقسم العرب إلى قيس ~~ويمن، وكانت حروب القيسية واليمنية في لبنان متصلة وانتهت بواقعة عين دارة منذ 225 سنة. ~~وأما في فلسطين فلا تزال هذه القسمة موجودة. وأما في الأندلس فكانوا يقولون المضرية ~~واليمنية، ومن أشهر قبائل قيس هوازن، وهم بنو هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس ~~عيلان، ويقال لهوازن اليوم عتيبة. وهم من أكبر قبائل ms023 العرب منهم أناس في الحجاز وآخرون في ~~نجد. وينقسمون اليوم إلى فرعين؛ الروقة، والبرقة، وبعضهم يرى أن أحد الفريقين وهو البرقة من ~~عامر بن صعصعة. ومن هوازن بنو سعد الذين كان النبي # صلى الله عليه وسلم # رضيعا فيهم. ويقال لهم بنو سعد ~~بن بكر ذكر صاحب صبح الأعشى أن منهم فرقة بنواحي باجة من المغرب. ومن هوازن بنو عامر بن ~~صعصعة. # ومنهم بنو كلاب، وكان لهم في الإسلام دولة باليمامة، ثم انتقلوا إلى الشام وملكوا حلب مدة ~~من الزمن. ومن بني عامر بن صعصعة بنو هلال وهم أشهر قبائل العرب. وكانوا في الحجاز ونجد. ~~وقد انتقلوا إلى المغرب فملئوه. ثم إن قبيلة حرب الكبيرة في الحجاز من بني هلال، وهم بطون ~~ثلاثة؛ بنو مسروح وبنو سالم، وبنو عبيد الله. هكذا في صبح الأعشى. وأما في كتاب «الارتسامات ~~اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف» فقد جاء في الصفحة 372 ذكر قبائل الحجاز النازلة بين ~~الحرمين، وقد كنت نقلتها عن سجلات الحكومة في المدينة المنورة فهنالك أقول: «أهم هذه ~~القبائل حرب، وهم بنو حرب بن هلال بن عامر بن صعصعة من العرب العدنانية. وحرب خلف أربعة ~~أولاد: سالم، ومسروح، وعبد الله وعمرو. فمسروح أكثرهم ولدا، وقد دخلت بطون بني عبد الله ~~وبنو عمرو في مسروح.» أما صبح الأعشى فيقول نقلا عن الحمداني: إنهم ثلاثة بطون؛ بنو مسروح، ~~وبنو سالم، وبنو عبيد الله. وقال: إن من حرب زبيد الحجاز، وذكر أن منهم بني عمرو. ومنازل ~~مسروح من مكة إلى المدينة المنورة وعددهم يزيد على ستين ألف نسمة. وأما بنو سالم من حرب ~~فمنازلهم من مكة إلى المدينة إلى وادي الصفر إلى الحديدة إلى ينبع البحر، وهم يزيدون على ~~خمسين ألفا. فحرب إذا اجتمعت تزيد على مئة ألف نسمة، وكان شيخ مشايخ حرب خلف بن حذيفة ~~الأحمدي، وكان ناصر بن نصار الظاهر، ومنصور الظاهري، من مشايخ المراوحة من بني سالم من حرب. ~~وبنو مزينة الذين بأطراف المدينة والذين منهم زهير بن أبي سلمى ms024 المزني صاحب المعلقة، ~~داخلون الآن في بني سالم من حرب. والحال أن مزينة في الأصل هم بنو عثمان وأوس ابني عمرو بن ~~أد بن طانجة، واسمه عمرو بن إلياس بن مضر على ما في صبح الأعشى. وكان شيخهم حجاب بن بخيت ~~معدودا من مشايخ المراوحة من بني سالم إلى آخر ما ذكرناه من أسماء شيوخ حرب في العصر ~~الأخير. # وأخبرني العلامة النسابة الشيخ عبد الله بن بلهيد قاضي قضاة المملكة السعودية أن ما ذكرته ~~عن قبائل الحجاز هو أصح ما اطلع عليه في هذا الباب. ومن بني عامر بن صعصعة أيضا بنو عقيل، ~~وكانت مساكنهم بالبحرين، وكانوا أعظم القبائل هناك واجتمعوا هم وبنو تغلب على بني سليم بن ~~منصور فأخرجوهم من البحرين، ثم تغلب بنو تغلب على بني عقيل فأخرجوهم إلى العراق، ثم عادوا ~~إلى البحرين وتغلبوا على بني تميم. ومن بني عقيل بنو عبادة، وبنو خفاجة في العراق ومنهم ~~المنتفق. ثم من بطون هوازن بنو جشم؛ كانت مساكنهم بالسروات بين تهامة ونجد، ومن بطون هوازن ~~ثقيف، ويقال للطائف سوق ثقيف، لأنهم سكانها ومحيطون بها من كل جهة. وفى كتابنا «الارتسامات ~~اللطاف» استوفينا الكلام على ثقيف. ومن قبائل قيس باهلة، وبنو مازن، وبنو غطفان، ومن غطفان ~~بنو عبس جماعة عنترة الفارس المشهور. ومنهم أشجع، ذكر صاحب الأعشى أن منهم حيا عظيما ~~بسجاماسة في المغرب. ومن غطفان دبيان. ومنهم النابغة الذبياني، ومن ذبيان فزارة ومنهم بنو ~~صبيح في برقة ومن هؤلاء رواحة وهيب بأرض برقة إلى طرابلس الغرب وبأفريقيا والمغرب. ومنهم ~~جماعة بالديار المصرية. # ومن قبائل قيس بنو سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان وكانوا في عالية نجد ~~بالقرب من خيبر، وفى وادي القرى وتيماء، ولكن أكثرهم رحلوا إلى مصر، ثم إلى برقة، وأكثر عرب ~~برقة منهم. ومن شاء أن يتوسع في معرفة قبائل برقة فعليه بحواشينا على «حاضر العالم ~~الإسلامى» فإنه يجد في الفصل المتعلق بطرابلس الغرب من صفحة 64 من المجلد الثاني إلى صفحة ~~165 ms025 كل ما يلزم من المعلومات عن ذلك القطر، ولا سيما عن القبائل بأسمائها القديمة والجديدة ~~مما يطول بنا استيفاؤها هنا. ونحن إنما ذكرنا هنا مجمل أنساب العرب على سبيل ~~التمثيل. # ومن قبائل قيس بنو عدوان وكانوا بالطائف، ثم غلبهم عليها ثقيف فخرجوا إلى تهامة، ~~وبأفريقيا منهم أحياء بادية، وفى شرق الأردن اليوم عرب العدوان، وهم رؤساء البدو في تلك ~~الناحية، ولا يعلم هل هم من عدوان هؤلاء، أم هو اتفاق في الاسم. # ومن مضر الياس، وكانت تحته خندف بكسر الخاء وسكون النون وكسر الدال وهي بنت حلوان بن ~~عمران بن الحافي بن قضاعة، عرف بنوه بها فقيل لهم خندف وغلب على سائر قيس قال الشاعر، وقد ~~أهانه العدنانية في أسوان وأعزه القحطانية في اليمن: # إذا تم لي في أرض مأرب مأربي # فلست على أسوان يوما بأسوان # إذا جهلت قدري زعانف خندف # فقد عرفت فضلي غطارف همدان # ومن الياس طانجة، ومن طانجة هذه تميم وهي من أكبر القبائل. ومن بطون تميم بنو العنبر، ~~وبنو حنظلة، ومن قبائل طانجة بنو ضبة الذين منهم ضبة الذي هجاه المتنبي وقتل بسبب هجوه ~~أباه. ومن بني تميم قبائل في نجد منهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الذي ينتسب إليه ~~أهل نجد، فيقال لهم الوهابية. وهم يقولون لأنفسهم السلفية إشارة إلى أنهم على عقيدة السلف ~~الصالح. ومنهم أناس في الدرعية ومنهم كثير من سكان القصيم. ومنهم فريق في جوار حائل مثل أهل ~~قفار والسميرة، وقرى أخرى. ومن قبائل طانجة مزينة الذين منهم زهير بن أبى سلمى ولكنهم دخلوا ~~في حرب كما تقدم الكلام عليه. ومن هؤلاء الإمام المزني صاحب الإمام الشافعي. ومن إلياس بن ~~مضر بنو قمعة، ثم بنو مدركة، ومن مدركة هذيل ومساكنهم جبال الطائف العليا، وقد ذكرت ذلك في ~~«الارتسامات اللطاف» وهم مجاورون لثقيف. ولمدركة خزيمة وله فرعان الهون وأسد. ومن بطون أسد ~~الكاهلية وهم بنو كاهل بن أسد ومن خزيمة كنانة وهم قبيلة شهيرة ذات فروع منها ملكان، وعبد ~~مناة، وغفار ms026 رهط أبي ذر الغفاري. وبكر بن عبد مناة، ومن بكر الدول الذين منهم أبو الأسود ~~الدولي. والليث، وبنو الحارث، وبنو مدلج وبنو ضمرة. وجميعهم متفرقون في بلاد العرب. # ومن كنانة عمرو، وعامر، ومالك. ومن مالك هؤلاء بنو فراس بن غنم الذين اشتهروا بإعجاب ~~سيدنا علي بفروسيتهم: (ولو أن لي بألف منكم سبعة من بني فراس بن غنم) ومن العرب العدنانية ~~قريش، وهم فهر بن مالك. # ومنهم بنو الحارث بن فهر، ومن هؤلاء أبو عبيدة بن الجراح أحد العشرة المقطوع لهم بالجنة ~~رضي الله عنه وبنو محارب بن فهر. # ومنهم الضحاك بن قيس أحد الأصحاب. وبنو الجد الذين كانوا في الأندلس، ثم صاروا إلى ~~فاس. # ومنهم الأمراء والرؤساء والعلماء هم من بني فهر. ومن قريش بنو غالب بن فهر. # ومنهم بنو لؤي بن غالب، ومن هؤلاء بنو سعد وبنو خزيمة، وبنو عامر بن لؤي، وبنو كعب بن ~~لؤي. ومن بني كعب بن لؤي هصيص، ومن هؤلاء بنو هم رهط عمرو بن العاص رضي الله عنه. # ومنهم بنو جمح ومن كعب بن لؤي بن غالب بنو عدي. # ومنهم سيدنا عمر بن الخطاب، وسعيد بن زيد رضي الله عنهما. # ومن قريش مرة بن كعب، ومن بني مرة بن كعب تيم، ومن هؤلاء سيدنا أبو بكر الصديق، وطلحة ~~رضي الله عنهما. ومن مرة بن كعب بنو يقظة، وبنو مخزوم. ومن بني مخزوم سيدنا خالد بن الوليد ~~رضي الله عنه. # ومنهم سعيد بن المسيب التابعي المشهور. # ومن قريش كلاب بن مرة. # ومنهم بنو زهرة، ومن بني زهرة الصحابيان سعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف من العشرة ~~المقطوع لهم بالجنة رضي الله عنهما ومن قريش قصي بن كلاب بن مرة. # ومنهم بنو عبد الدار الذين بأيديهم مفاتيح الكعبة. ومن بني عبد الدار بنو شيبة وهم ~~الشيبيون الذين بأيديهم مفاتيح بيت الله إلى يومنا هذا. ومن قصي بن كلاب بن مرة بنو عبد ~~العزى. ومن هؤلاء بنو أسد الذين منهم سيدنا الزبير بن العوام أحد ms027 العشرة المقطوع لهم بالجنة ~~رضي الله عنه. # ومنهم خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها. # ومن قريش بنو عبد مناف، وهم بنو عبد شمس بن عبد مناف، ومن هؤلاء بنو أمية، وهم بنو أمية ~~الأكبر، وأمية الأصغر ابني عبد شمس، ومن بني أمية الأكبر سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، ~~ومعاوية بن أبي سفيان. ومن عبد مناف بن قصي نوفل، وبنو المطلب. ومن بني المطلب الإمام ~~الشافعي رضي الله عنه. وأما هاشم بن عبد مناف فاسمه عمرو، وسمي هاشما لهشمه الثريد أيام ~~المجاعة، وكان سيد قريش في وقته. وله عبد المطلب بن هاشم، وكان لعبد المطلب اثنا عشر ولدا: ~~عبد الله أبو النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وأبو طالب والد سيدنا علي، والزبير، وعبد الكعبة، والعباس ~~والد عبد الله بن عباس، وضرار، وحمزة، وحجل وأبو لهب، وقثم، والغيداق، والحارث، والعقب ~~منهم لستة؛ حمزة، والعباس، وأبى لهب، وأبى طالب، والحارث، وعبد الله؛ فأما عبد الله فمن ~~ولده سيد الوجود محمد بن عبد الله عليه السلام، وأما العباس فمن ولده الخلفاء العباسيون، ~~وأما أبو طالب فكان له عدا أمير المؤمنين عليا كرم الله وجهه جعفر، وعقيل، وذرية أمير ~~المؤمنين من فاطمة منتشرة في جميع العالم الإسلامى، ويقال لهم آل البيت، وهم السنام الأعلى ~~في الشرف. # ومن خيبر إلى الحائط، والحويط، إلى الحرة، قبيلة هتيم. وليست من القبائل المعروفة ~~بالأصالة في العرب، ولكنها كثيرة العدد تصادم شمر، وتصادم حرب وتصادم أية قبيلة كبيرة، ~~ويقال إنها نحو من مائتي ألف نسمة. # جاء في انسيكلوبيدية الإسلام أن هتيما مشهورون بالقنص، وأن منهم قيونا كثيرين، وأن ~~بينهم وبين الشرارات مصاهرات. # ومن القبائل التي لا يختلط بها سائر العرب الصليب، ولا يعرف أصلهم. وقد ذهب بعضهم إلى ~~أنهم من بقايا الصليبيين، واستدلوا على ذلك بمشابهة الاسم والحقيقة مجهولة ولا يعادون أحدا ~~ولا يعاديهم أحد، وكلما وقعت واقعة بين العرب وفشت الجراحات جاء الصليب هؤلاء وأخذوا الجرحى ~~من الفريقين، وعالجوهم، فهم يتخذون لأنفسهم مهنة الصليب الأحمر في أوروبا. ms028 ولذلك لا يعتدي ~~عليم أحد وأحياؤهم آمنة. # وكل من العرب كما تقدم آنفا مفتخر بنسبه، مستمسك بأصله، فإذا كان عدنانيا لم يرض أن ~~يكون قحطانيا، وإذا كان قحطانيا ساءه أن ينتسب إلى عدنان قال الشاعر : # وما قحطان لي بأب وأم # ولا تصطادني شبه الضلال # وليس إليهم نسبي ولكن # معديا وجدت أبي وخالي # ومن أراد أن يطلع على سلاسل قبائل العرب وشجرات أنسابهم فعليه «بسبائك الذهب في معرفة ~~قبائل العرب» للسيد محمد أمين السويدي البغدادي، فهو كتاب قد جمع فأوعى في هذا الباب. على ~~أن إفراط العرب في التمسك بأنسابهم قد أوجد بينهم من العصبية بعضهم على بعض ما لا يوجد في ~~أمة سواهم، حتى إن «دوزى» الهولندي الممدود من أوسع المستشرقين علما ذكر في كتابه عن مسلمي ~~إسبانيا أن العداوة التي بين العدنانية والقحطانية قد تكون أشد من العداوة التي بين العرب ~~والأعاجم. والحقيقة أن هذه العداوة نفسها هى التي كانت الأصل الأصيل في فقدهم الأندلس، بل ~~في نكوصهم عن قلب أوروبا بعد أن وطئوه بأقدامهم، وكادوا يستولون على تلك القارة. وقد كانوا ~~كلما تم لهم الظفر في واقعة على الأجانب عادوا فاقتتلوا فيما بينهم بين قحطاني ومضري، ~~ففشلوا وذهبت ريحهم، واضطروا أن يعودوا من حيث أتوا. ولم ينحصر ضرر هذه العصبية في الأندلس ~~والمغرب، بل قد أفنت القبائل العربية بعضها بعضا في المشرق أيضا، وصرفتهم عن التبسط في ~~الفتوحات، فما كانوا قد حازوه بشجاعتهم وعلو هممهم فقد فقدوه في منازعاتهم الداخلية بوقوع ~~بأسهم بينهم، لاسيما بين هذين القبيلتين؛ قيس واليمن. وكثيرا ما كانت تقتتل ربيعة ومضر ~~وكلا الفريقين من العدنانية، ونظرا لكون مضر أكثر عددا كانت ربيعة تلجأ إلى اليمن حتى تقف ~~في وجه مضر. وكل عربي تنزع فيه العصبية إلى قومه، فلا يسلم من ذلك أحد، حتى الملوك والخلفاء ~~كانوا يتعصبون للقبائل التي هم منها وهم مع ذلك سادة الجميع. # ومن الأمثال التي تدلك على غلوهم في هذا الباب أن جرير بن عطية الشاعر - وكان من تميم - ~~قال ms029 في إحدى مفاخراته للأخطل التغلبي: # إن الذي حرم المكارم تغلبا # جعل النبوة والخلافة فينا # مضر أبي وأبو الملوك جميعهم # فاعلم فليس أبوكم كأبينا # هذا ابن عمي في دمشق خليفة # لو شئت سلقكم إلى قطينا # فلما بلغ ذلك عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي ضحك وقال: ما زاد ابن الفاعلة على أن ~~جعلني شرطيا عنده! ثم قال وقد نبض به عرق العصبية لمضر: أما والله لو شاء لسقتهم إليه. ~~ولم يكن ليفت في عضد هذه العصبية الغالية سوى العقيدة الإسلامية التي جعلت الإسلام هو ~~العروة الوثقى، وجعلت أخوته فوق كل رابطة. ولذلك قيل: إن العرب لم يكونوا ليتحدوا في يوم من ~~الأيام إلا بالإسلام، ولولا الإسلام لبقوا شعوبا وقبائل يقتتلون في جزيرة العرب إلى يوم ~~القيامة، وبأسهم أبدا بينهم. فلما جاء الإسلام ووحد بينهم في الدين، وقال الله تعالى: # إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم ~~فأصبحتم بنعمته إخوانا # لم يلبثوا أن خرجوا من جزيرة العرب بقوة ~~هذا الاتحاد؛ ففتحوا نصف العالم في ثمانين سنة، ولم يقف في وجههم شيء! ولكن بعد أن بعد ~~عهدهم بعهد النبوة وخلافة الراشدين ضعفت فيهم العقيدة التي كانت هي مدار العمل عند سلفهم، ~~وعادت فتجددت بينهم العصبيات الموروثة عن الجاهلية، فرجعوا يقتتلون على المضرية واليمنية في ~~الإسلام، كما كانوا يقتتلون قبل الإسلام، ورجع بذلك زرعهم هشيما، وبذرهم عرجونا ~~قديما. # فكما أن الأنساب كانت تثير فيهم الحمية والنخوة، وتبعث روح التنافس الحافز لهم على طلب ~~المجد؛ كانت تثير بينهم أيضا العداوات والفتن التي تصدع وحدتهم وتخمد في النهاية جمرتهم، ~~فأضرت من حيث نفعت. ولقد أجمع المؤرخون، واتفق علماء الاجتماع، أن سبب سقوط سلطنة العرب هو ~~طبيعة هذه الأمة في الانقسام والانفراد، وغرامها في منافسة بعضها بعضا. # ولولا آفة الانقسام هذه لكان التمسك بالأنساب هو من الفضائل الاجتماعية التي يتنافس بها، ~~ويتمكن بها المصلحون لحكوماتهم وأوطانهم من ترقية أقوامهم بالبحث عن سلائلهم، والاعتناء ~~بحفظ أصالتها ومنع اختلاطها بغيرها مما يشوب نقاوتها. # أفلا ترى كيف ثار الألمان في هذه ms030 السنين الأخيرة، وأوجدوا قضية النسب «الآري» ومنعوا ~~بجميع الوسائل اختلاط «السامي» مع «الآري» بالمصاهرات حفظا للنسب الذي ينتمون إليه، والذي ~~لا يرون لهم رقيا إلا به وضمن خصائصه وما فعلوا ذلك إلا بناء على نظريات علمية ثابتة، وهم ~~وإن كانوا غلوا في هذا الأمر إلى حد أوجب انتقاد سائر الأمم لهم فلا يمكن أن يقال إن ~~قاعدتهم هذه غير راجعة إلى أصل صحيح. # ونحن لو نظرنا إلى السبب في حفظ النسب لا نجده منحصرا في معرفة التاريخ ولا في ~~الامتيازات المادية التي يحوزها أصحاب النسب في العادة، ولكن هناك غرض آخر أعلى من ذا وذا، ~~وهو توارث الأخلاق التي تهتف بالفضائل، والأفعال المجيدة، تزكي الأنفس، فمن المعلوم أن أصل ~~البيوت الشريفة هو أن يبرع أحد الناس على أقرانه، ويبذ أبناء زمانه بطبيعة ممتازة في نفسه ~~قد تكون أسبابها النفسية مجهولة، وإنما تظهر آثارها في أفعاله فيمتاز بين قومه وتحصل له ~~رئاسة وسؤدد، ويشيع ذكره، ويرتفع شأنه، وتتمنى الحوامل أن تلد مثله، وهذا ما يقال له المجد ~~الطريف وبعد ذلك إذا أعقب نسلا اجتهد نسله أن يقتدوا به بقدر الإمكان، حتى يمتازوا ~~بالأخلاق التي امتاز بها أبوهم، ويحوزوا مثلما حازه من الشرف والسؤدد، وتعب رهطهم في تقوية ~~هذه الروح فيهم طمعا في استبقاء هذه الغرائز التي أورثهم إياها سلفهم، وهي التي تغريهم ~~بالفضائل، وتبعدهم عن الرذائل، وترتفع بهم عن سفاسف الأمور ويقال لهذا المجد التليد. # ولهذا كان من العادة أنه إذا أقدم أحد أبناء البيوتات الكريمة على عمل خسيس كان أول ما ~~يقرعه به الناس، ويهيبون به إلى التوبة منه؛ أن يقولوا له: أفلست أنت ابن فلان؟ أو من آل ~~فلان؟ أيجمل بك أن تفعل ما هو كذا وكذا! فماذا تركت للسوقة والطغام؟ وأشباه هذه الأقوال ~~التي تدل دلالة واضحة على أن الأصالة مفروض فيها أن تقترن بالنبالة، وبعبارة أخرى إن الأصيل ~~في نسبه ينبغي أن يكون فاضلا في عمله، بارعا بأدبه. وما جاء على خلاف هذه القاعدة فيعد ~~شاذا. # فإذا ms031 تقرر عندنا هذا تقرر أن حفظ الأنساب هو عبارة عن حفظ الفضائل وإمتاع المجتمع بها. ~~ومتى كثرت الفضائل في المجتمع ترقت الأمة وعرجت في سلم النجاح، وأصبحت أمة عزيزة غالبة، لأن ~~الأخلاق الفاضلة هي الأساس الذي يبنى عليه كيان الأمم. # وقد تقدم لنا أن الأوروبيين شديدو العناية بالأنساب، خلافا لما يتوهم الشرقيون، وأن ~~الكفاءة في الزواج طالما كانوا يراعونها ولا يزالون يراعونها حتى اليوم، وإن كان قد خف ذلك ~~التمسك القديم بعض الشيء، وذلك بأن النبلاء لا يزوجون بناتهم من الطبقات التي ليست في ~~درجتهم. وأشد الأوروبيين منعة في هذا الأمر هم نبلاء الإنجليز، الذين يأتي الأمريكي المثري ~~فيبذل القناطير المقنطرة من الذهب حتى ينال شرف مصاهرتهم، ولا ينالها إلا لأيا، وكل هذا ~~لأجل أن «يستقطر بأنبيق ديناره دمهم الشريف في دن نسبه» كما قال أحمد فارس في «كشف المخبأ ~~عن فنون أوروبا». وما قاله أحمد فارس من ثمانين سنة في هذا الموضوع لا يزال تصداقه جاريا ~~إلى الآن. # وكذلك نجد النبلاء في ألمانيا وفرنسا وغيرهما محافظين على أنسابهم، مفتخرين بها، مستظهرين ~~على صحتها بالكتب والوثائق والشجرات التي يعتقدونها مع أنفس أعلاقهم وذخائرهم، وكثيرا ما ~~اجتمعنا بأناس من هؤلاء يرفعون أنسابهم إلى عهود بعيدة جدا، ويذكرون أن أصول عائلاتهم ~~معروفة من ألف سنة، وألف ومائتي سنة، ولم نجد أشراف العرب أشد اعتناء بأنسابهم من نبلاء ~~الإفرنج، وهم يزيدوننا في شيء واحد، وهي هذه الأشعرة (جمع شعار) التي تمتاز بها كل عائلة ~~منهم وتحفظها في عهود متطاولة. ونحن العرب لا يوجد عندنا هذا الاصطلاح إلا ما ندر وأكثر ما ~~يكون في الأعلام والرايات. فالعباسيون رايتهم السواد، والأمويون رايتهم بيضاء، والفاطميون ~~رمزهم اللون الأخضر، وأمراء مكة رايتهم عنابية وما أشبه ذلك. فنحن نستظهر على حفظ أنسابنا ~~بالتواريخ والوثائق والصكوك القديمة وكثيرا ما نثبتها بالمحاكم الشرعية، فأما أن تتخذ كل ~~عائلة من بيوتات العرب شعارا خاصا تمتاز به كما هو الشأن عند الإفرنج فليس بمعهود، وإنما ~~جرت العادات عند العرب بأن يتخذ عشائرهم ms032 أسماء خاصة يتنادون بها في ميادين القتال، فهؤلاء ~~يقال لهم «إخوة بلجاء» وهؤلاء يقال لهم «إخوة شيخة» وأولئك يقال لهم «رعاة العليا» أو ~~«فرسان الصباح» وما أشبه ذلك من الألقاب والكنى. فأما نبلاء الإفرنج فلا تكاد تكون منهم ~~أسرة شهيرة بدون شعار تجد صورته على آنيتها ومواعينها وحلاها وفى كتبها، ويقال إن أصل هذا ~~الاصطلاح عندهم هو من زمان الصليبيين. # وقد غلا نبلاء الإفرنج في التمسك بأنسابهم، ورفعوها أحيانا إلى أبعد ما يكون من الأعصر، ~~حتى دفع ذلك العقل. وغلا أيضا علماء الأنساب في مراعاة قواعدهم ودخل بينهم المتزلفون ~~الوضاعون الذين كانوا يتقربون إلى الأسر النبيلة بزيادة رفع الأنساب - أو بوضعها اختراعا - ~~حتى وقعت الشبهة في الصحيح منها، واتهم النسابون جميعهم بالكذب، وفى أوروبا مثل سائر يقولون ~~«هو أكذب من نسابة». # وكان يوجد عند الملوك في أوروبا وظيفة اسمها وظيفة «نساب الملك» وهو ضابط من ضباط رهبانية ~~روح القدس، ترجع إليه مهمة تثبيت الأنساب، لا سيما أنساب الفرسان الذين يقال لهم ~~«شيفالير # Chevalier ~~» وذلك أن النبلاء كانت لهم حقوق لم ~~تكن للعامة، فكان النبيل يدخل في نظام الفرسان عند الملك مثل نظام مالطة، وليون، وسانت ~~كلود، وغيرها. فكانوا يحتفظون بأنسابهم لتكون لهم وسيلة إلى الدخول في هذه الأنظمة، وكان ~~النساء النبيلات أيضا رهبانيات يدخلن فيها، ويلتزمن لأجل الدخول فيها تثبيت ~~أنسابهن. # وإثبات النسب كان عبارة عن إظهار ورقة المعمودية التي تثبت أن فلانا هو ابن أبيه فلان، ~~وأن هذا هو ابن فلان وهلم جرا. وكانوا يقدمون مع أوراق المعمودية الوصايا، وعقود الزواج، ~~وصكوك الشراء. والبيع والهبة، وما أشبه ذلك من الوثائق، وكانوا إذا حرروا نسب عائلة ضموا ~~جميع فروعها في السجل، وجعلوا بجانب كل فرع جميع ما يتعلق به من وصايا وعقود أنكحة، وصكوك ~~مهمة بتواريخها مع براءات الملوك المتعلقة بذلك الفرع. # وهذه البراءات هى التي يقال لها في الدولة العثمانية «الفرامين» جمع «فرمان» ومعناه ~~الأمر، ويقابل الفرمان في الدولة المغربية «الظهير». وكانوا في أوروبا يذكرون أيضا في ~~سجلات الأنساب ms033 تواريخ الأشخاص المشهورين، ومن قتل منهم في الحروب، ويقال إن هذا الاصطلاح ~~بدأ في فرنسا منذ سنة 1600 وإنه من قبل ذلك التاريخ لم تكن للأنساب دائرة خاصة بل كانت ~~الحكومة عندما تريد التحقيق عن نسب من يدلي إليها بطلب ترسل مأمورين إلى البلدة التي ينتسب ~~إليها طالب الوظيفة فيسألون الشيوخ وأهل الخبرة، ويرفعون خلاصة التحقيق إلى الحكومة. # ولما قدمت إلى ألمانيا في أيام الحرب الكبرى، كان ممن تعرفت إليهم من العلماء مؤرخ جليل ~~اسمه الدكتور «ستراد ونتز» وكان مديرا لمصلحة الأنساب في البلاد الجرمانية، وقد تذاكرت معه ~~طويلا في مسألة الأنساب، وذكرت له أنساب العرب وسألته عن أنساب الألمان، فعلمت منه أن أقدم ~~أسرة معروفة في ألمانيا ينتهي قدمها إلى القرن التاسع بعد المسيح، ولا يوجد أسرة معروفة ~~يعرف لها نسب لأبعد من هذا التاريخ. قال: وإن الأسرة المالكة في الساكس هي أقدم بيت في ~~ألمانيا، ويوجد من لهم نسب إلى القرن الثاني عشر للمسيح. # وذكر لي أسرا عريقة من جملتها آل هونلوهيه وكنت عرفت منهم برنسا ضابطا وشاهدته في ~~الأستانة، وتكلمنا على نسب آل هوهنزولون قياصرة ألمانيا، وأن أصلهم من جهة بحيرة كونستاتزا ~~في بلاد بافاريا، ومنذ نحو من ست مئة سنة قام جدهم بخدمات جليلة للوطن فأعطاه الإمبراطور ~~سيجموند لقب شرف وجعله أميرا على براند نبورغ، وهذا هو مبدأ سيادتهم. ومن هناك لم يزالوا ~~يعظمون ويغلظ أمرهم ويتسع ملكهم حتى أوائل القرن الثامن - أي منذ مائتين وعشر سنوات - إذ ~~ترقوا إلى درجة الملك، وصاروا ملوك بروسية. وفى سنة 1870 بعد الغلبة على فرنسا توج الملك ~~غليوم الأول إمبراطورا على ألمانيا كلها كما هو معلوم. ومما ذكره لي هذا الأستاذ المؤرخ أنه ~~يوجد في جبال سويسرا أسرة رومانية، أي من الرومانيين القدماء محفوظة النسب، يقال لها ~~«بلانتا» وكان ذلك متواترا عندهم والناس تنكره ولا يجدون له سندا حتى كشفوا بطريق الاتفاق ~~كتابة لاتينية على حجر كان قد طمسه التراب فإذا به يؤيد تواتر نسب هذه الأسرة، فهي الآن ms034 ~~أقدم عائلة معروفة في أوروبا. انتهى. # وعلم الأنساب مهم جدا للتاريخ، مشتبك به اشتباكا تاما، لأنه به يعرف تاريخ مشاهير ~~الرجال الذين قاموا بأدوار عظيمة في العالم، فيتبين من هذا العلم أصلهم، كما يتبين من ~~التاريخ فصلهم. وكذلك تعرف من الأنساب علاقات المصاهرة، وما يحصل بسببها من التوارث، وما ~~ينشأ عن هذا التوارث من دعاوى وخصومات قد تجر إلى الحروب. ولم تنحصر الأنساب في الفترة ~~الآدمية، بل للطبقة العالية من الحيوانات الداجنة أنساب معروفة، ولحفظ أنسابها فائدة عظيمة ~~في تنشئة هذه الحيوانات وتنميتها، فإن تأثير العرق غير مشكوك فيه، وانتقال النجابة من بطن ~~إلى بطن هذا معدود من القواعد العلمية، وإن كان قد تعرض أحيانا عوارض تمنع انتظام سير هذا ~~التوارث. # ومن الغريب أن الإنسان قد يهمل نفسه أحيانا، ولا يحافظ على صحة بدنه ولا على متانة عقله، ~~ولا يكترث لقضية تسلسل النجابة في عرقه، ولا لصيانة المزايا التي انتقلت إليه بالإرث ~~الطبيعي من آبائه، وبينما هو يهمل نفسه هذا الإهمال، تجده يعتني بحفظ نسل حيواناته حتى لا ~~يكون الفرع مقصرا عن الأصل. ولهذا كانت أنساب الحيوانات معتنى بها في كل مكان، وكان ذلك ~~بها جديرا، وإن كثيرا من الكتب قد كتب لحفظ أنساب العجماوات. قال لاروس في معجمه الكبير: ~~«إن العرب سبقوا جميع الأمم في حفظ أنساب حيواناتها، وإذا كان الجواد العربي قد بقي محفوظا ~~بجميع مزاياه الباهرة، فما كان ذلك إلا بطهارة أصله وصفاء عرقه منذ قرون لا تحصى، وهذا بفضل ~~العرب الذين وجهوا لصفاء عرق الجواد أشد الاهتمام، وإن جميع حيوانات العرب الفارهة لها ~~أنساب يعتنى العرب بحفظها بمزيد الدقة.» قال: وليس عند العرب دفتر نفوس عمومي للخيول، ولكن ~~كل فرس كريم معه حجة يتبين منها نسبه، فلا تختلط عندهم الخيل الأصيلة بغيرها. أما الإنجليز ~~فقد نظموا ذلك وجعلوا للخيل دفاتر نفوس رسمية، منها ما يسمونه ~~“Stud-Book” # يذكرون به أصل الحصان وسلسلة نسبه، ومنها ~~المسمى ~~“Cing Calender” # يذكرون فيها أوصاف الحصان وشياته. ~~وما عملوه لأجل الخيل وحفظ ms035 أرسانها عملوه أيضا لأجل البقر، ولأجل الغنم. ولكن الفرق بين ~~البقر والغنم أن النسب في البقر يكون للثور بمفرده، وأما في الغنم فلا يكون للشاه بل للقطيع ~~كله. ويرى العلماء في تربية الحيوانات أنه لأجل إصلاح جنسها يكون ضروريا الوقوف على ~~أنسابها.» انتهى. # والأنساب معروفة للهررة أيضا، فهي كالخيل الأصيلة، كلما كان الجواد عتيق الأصل كان أحسن ~~جريا، وكذلك كلما كان الهر أصيلا كان أحسن صيدا للفئران. وبالإجمال إصلاح الأجناس ~~بالتزاوج، وبالتربية، وبالتغذية، سواء كان في الآدميين أو كان في الحيوانات الداجنة، يتوقف ~~على حفظ الأنساب، والعناية بعتقها. ولا يزال الحديث الشريف: «اطلبوا كرام المناكح فإنها ~~مدارج الشرف.» من أصدق القواعد العلمية، والحقائق العالمية. # | الخلافة واشتراط القرشية فيها # تعليق على ما جاء بسطر 10 صفحة 3 جزء أول من ابن خلدون # لست هنا في صدد وجود الخلافة في الإسلام، وهو البحث الذي وفاه علماء هذه الملة حقه، ولم ~~يتركوا في قوسه منزعا، وقد قال في هذا المقام ابن خلدون والماوردي وغيرهما كل ما يجب أن ~~يقال، وإنما أقول: إنه اتفق المسلمون - إلا الخوارج والمعتزلة - على وجوب نصب الإمام لحراسة ~~الدين والدنيا، فكان هذا المنصب جامعا بين السلطة الروحية - لكن بدون العصمة التي يقول بها ~~الكاثوليكيون في البابا - وبين السلطة الدنيوية وهي ما يسميه النصارى بالسلطة الزمنية - لكن ~~بدون الامتيازات التي تسجلها القوانين الأوروبية للملوك - ولا تبال بما يتشدق به بعض ~~الطاعنين في الإسلام من أنه جمع بين السلطتين، فكان في ذلك عائق للمجتمع عن الترقي، فهو قول ~~عريق في التحامل، مخالف لسنة الله في خلقة، إذ إن الدين متصل بالدنيا في كل مجتمع بشري، ~~والدنيا ممتزجة بالدين بدون انفكاك، ولا يتصور وجود أحدهما بدون الآخر. # وقد وفينا هذا الموضوع حقه في «حاضر العالم الإسلامى» بما لا حاجة إلى إعادته هنا، ~~وأثبتنا ما في جملة «فصل الدين عن السياسة» من السفسطة التي لا تستند على شيء من الواقع، ~~لأن جميع الحكومات الأوروبية التي جعلها الشرقيون هي المثل العليا في العالم، ولم ms036 يبق لهم ~~عمل إلا أن يحطبوا في حبالها، وينسجوا على منوالها، لم تقدر أن تفصل الدين عن السياسة فصلا ~~حقيقيا، وغاية ما هناك أنها فصلتهما فصلا إداريا لا غير، بحيث إن للأمور الدينية مراجع ~~مخصوصة، وللأمور الدنيوية مراجع مخصوصة. وهذا ما هو أيضا في الحكومات الإسلامية. وقد كان ~~في الدولة العثمانية كما يعلم كل احد، فالصدر الأعظم كان ينظر في الأمور السياسية والإدارية ~~خاصة، وشيخ الإسلام كان ينظر في الأمور الشرعية والدينية خاصة، وكل من المرجعين كان يعود ~~إلى السلطان. # وإذا نظرنا إلى أوضاع الدول الأوروبية نجد أن ملك إنجلترا مثلا هو في المركز نفسه، فكما ~~أنه ملك الأمة الإنجليزية ومرجعها في الحكومة، فهو رئيس الكنيسة الإنكليكانية، وبالتالي ~~فمرجع الإنجليز في العقيدة. ومثل ذلك قيصر ألمانيا الذي كان رئيسا للكنيسة اللوثيرية، ~~فكانت له السلطة الروحية العليا لا تفترق في شيء عن سلطة الخليفة في الإسلام، وهي مجموعة ~~فيه إلى السلطة الدنيوية التي تجعل في يده زمام الأمة الألمانية في الأمور الدنيوية. ولما ~~آل أمر الألمان إلى الجمهورية - وهى مؤقتة - قام مقام القيصر في الأمرين رئيس الجمهورية ~~الألمانية، وقد زعم بعضهم أن من الدول من فصل الدين عن السياسة بالمرة كفرنسا مثلا، ~~والحقيقة أن فرنسا اتفقت مع الطبقة الإكليريكية على وضع نظام خاص يكفل راحة الفريقين، ولكن ~~الحكومة لا تزال هي مرجع رجال الدين عند حدوث المشكلات لما تقدم من أن الدين والدنيا في ~~المجتمع لا يستغني كل منهما عن الآخر. وليس في عصرنا هذا حكومات لادينية بالمعنى المفهوم من ~~هذه اللفظة سوى ثلاث حكومات؛ إحداهما الروسية البلشفية والثانية الجمهورية المكسيكية، ~~والثالثة الجمهورية التركية الكمالية. وما دامت الأمة الفرنسية تعلن عن نفسها أنها أمة ~~مسيحية - يتجلى ذلك في جميع حركاتها وسكناتها - فيكون مخالفا للمحسوس الزعم بأن حكومتها في ~~واد والكنيسة في واد! إذن فالإسلام لم يأت في هذا المعنى بوضع مبتدع، بل هي سنة الله في ~~أرضه. وما دامت الأمم لا تستغني عن الأديان فملوكها وحكوماتها لا تستغني عن الجمع بين ms037 الدين ~~والسياسة. # غير أن الإسلام في أصله يفترق عن غيره من الملل بأن الخلافة فيه وإن أشبهت الملك من جهة ~~الأمر والنهي - على شرط مشاورة أهل الحل والعقد - فهي لا تشبه الملك في مزايا الترف وخصائص ~~الابهة التي يجيزها ملوك الأمم الأخرى. وقد سبق لنا أن تعرضنا لهذا المقام في «حاضر العالم ~~الإسلامى» فقلنا في صفحة 240 من الجزء الأول: «الخلافة في الإسلام ليست بملك ولا سلطنة، ~~وإنما هي رعاية عامة للأمة لإقامتها على الشرع الحنيف، وردع القوي عن الضعيف في الداخل، ~~وصيانة الإسلام ودفع المعتدي عليه من الخارج. وهي لا تنعقد إلا بإرادة الأمة، والسلطان الذي ~~يؤتاه صاحب الخلافة هو من الأمة لا سلطان له عليها إلا منها. وقد فهم لوثروب ستودارد هذا ~~الباب حق الفهم، وعرف الخلافة التعريف الصحيح، بخلاف كثير من الأوروبيين الذين يتبجحون ~~بزعمهم أن مبدأ كون السلطان القومي من الأمة إنما هو من الأوضاع الغربية الأوروبية، قاتلهم ~~الله ما أجهلهم بتاريخ الشرائع، وما أجرأهم على الخلط. # ومن أغرب الأمور أن كثيرا من الشرقيين - ومن المسلمين أنفسهم - يتابعون الإفرنج متابعة ~~عمياء في هذا الوهم ولا يعلمون قاعدة الإسلام في هذا الموضوع. ولو تأملوا ما كان علية ~~الخلفاء الراشدون الأربعة - وهو أشد صور الحكم الإسلامى انطباقا على الشرع - لرأوه أمرا ~~شعبيا محضا، ووضعا ديمقراطيا بحتا، وأبعد شيء عن السلطان المطلق والقرآن الكريم في ~~هذا صريح بقوله تعالى: # وشاورهم في الأمر # وقوله: # وأمرهم شورى بينهم ~~. نعم إن الخلفاء الراشدين ~~لم يقع انتخابهم إلى أجل مسمى نظير رؤساء الجمهوريات اليوم، ولم يكن العرب لذلك العهد - ~~بسذاجة البداوة - يعرفون هذا الضرب من الترتيب، ولكنه لا جدال في أن الخليفة لم يكن شخصا ~~مقدسا غير مسئول كما هو عند الأوروبيين، ولم تكن له مزية شخصية على سائر الأمة، وكان إذا ~~أخطأ يقيد من نفسه. ولم يخطر ببال أحد من الخلفاء الراشدين أن يورث أولاده الخلافة، بل ~~كانوا يلقونها على ظهورهم إلقاء من يريد الخلاص من تبعها، فإذا كان الإنسان يريد أن ms038 يعرف ~~ثمار شجرة الإسلام فليتأمل في سيرة الخلفاء الراشدين، فإنها المرآة الحقيقية لروح ~~الإسلام. # ويناسب أن نذكر هنا بعض الآثار الواردة في ما كان الخلفاء الراشدون يفهمون من هذا الأمر، ~~جاء في «الطبقات الكبرى» لمحمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني قيس بن الربيع عن ~~عطاء بن السائب عن زاذان عن سلمان أن عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت ~~جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة. ~~فاستعبر عمر. ثم قال أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن الحارث عن أبيه عن سفيان بن ~~أبي العرجاء قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك؟ فإن كنت ملكا فهذا ~~أمر عظيم. قال قائل: يا أمير المؤمنين، إن بينهما فرقا. قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ ~~إلا حقا ولا يضعه إلا في حق، فأنت بحمد الله كذلك، والملك يسعف الناس فيأخذ من هذا ويعطي ~~هذا. فسكت عمر. ولما بويع أبو بكر قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإني ~~وليت هذا الأمر وأنا له كاره، والله لوددت أن بعضكم كفانيه، ألا وإنكم إن كلفتموني أن أعمل ~~فيكم بمثل عمل رسول الله # صلى الله عليه وسلم # لم أقم به؛ كان رسول الله عبدا أكرمه الله بالوحي، وعصمه ~~به ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحد منكم، فراعوني، فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني وإن ~~رأيتموني زغت فقوموني.» إلى آخر ما ذكرنا في «حاضر العالم الإسلامى». # ومنه يظهر أن الخليفة ليس معصوما عند أهل السنة، وأنه لا يمتاز عن غيره من الرعية، وأنه ~~مقيد بالشورى، وأنه ليس له أن يستبد بالأمر. ولعل قائلا يقول: إن ملوك العصر الحاضر أيضا ~~مقيدون بالدساتير التي وضعتها الأمم التي يلون أمورها وليس لهم أن يستبدوا في شيء. وهذا لا ~~جدال فيه وإن الأمم الحديثة قيدت الملوك، ولكن يبقى بينهم وبين الخلفاء ms039 الراشدين الفرق ~~العظيم بأن ملوك الأعصر الأخيرة هم غير مسئولين في أحوالهم الشخصية، وأن الخلفاء في الإسلام ~~هم مسئولون كسائر الرعية. ويبقى فرق آخر بأن الخلفاء كانوا من السذاجة والتقشف في معيشتهم ~~ما لم يكن أحد قبلهم ولا بعدهم، ولم يكونوا يأخذون من بيت المال إلا ما يسد عوزهم الضروري، ~~والحال أن الملوك ورؤساء الجمهوريات في الأعصر الأخيرة يتمتعون بالجرايات الوافرة ويعيشون ~~في ترف عظيم لا ينازع فيه أحد. # وكذلك الملوك في هذا العصر ينتقل الملك منهم إلى أولادهم فأحفادهم، والخلفاء الراشدون ~~كانوا يعهدون إلى ذوي الكفاية من الأمة دون أولادهم، فروح الإسلام الحقيقي هي مراعاة ~~الكفاية والأهلية دون أي اعتبار آخر. ولهذا لم أكن ممن يذهب إلى اشتراط القرشية في الخلافة ~~ولو كان هو مذهب الجمهور، فإن حصر الإمامة في أسرة أو عائلة أو عشيرة لا ينطبق على هدي ~~الخلفاء الراشدين الذين كان يمكن كل منهم أن يعهد بالأمر لولده، والحال أنهم لم يفعلوا ذلك، ~~فلا أبو بكر فكر في العهد لمحمد بن أبى بكر، ولا عمر فكر في العهد لعبد الله بن عمر، ولولا ~~خروج معاوية على علي لكان علي أيضا اقتدى بهما في اختيار من هو الأصلح لأمر الأمة. ولو كان ~~حصر الإمامة في قريش محتما ما كان عمر يقول: لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الأمر إليه ~~لوثقت به؛ سالم مولى أبى حذيفة، وأبى عبيدة بن الجراح. وقد كان سالم مولى أبى حذيفة من ~~الأعاجم كما لا يخفى! وقد رد على هذا الدليل بأن عمر صحابى، وأن مذهب الصحابي ليس بحجة. ~~ولكن يرد على هذا بأن عمر بن الخطاب وإن لم يكن معصوما فهو الذي روي عن الرسول # صلى الله عليه وسلم # أنه قال في حقه: «لو كان نبي بعدي لكان عمر.» فهو صحابي ولكن ليس كغيره من الصحابة ولقد منع ~~عمر المتعة واحتج بعمله الفقهاء من أهل السنة. وعلى كل حال لم يكن عمر بالذي يخفى عليه حكم ~~الشرع في مسألة هي أجل المسائل، ولم ms040 يكن أيضا سعد بن عبادة ورهطه من الأنصار بالذين يمارون ~~قريشا في أمر الإمامة لو كانوا يعلمون أنها لا يجوز أن تتعدى قريشا. وأين تذهب مع قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «اسمعوا وأطيعوا وإن ولي عليكم عبد حبشي ذو زبيبة.» فهل هذا ينتظم مع حصر ~~الخلافة في قريش؟ # إن الذين يقولون بحصر الخلافة في قريش إنما يستندون على الحديث الشريف «الأئمة في قريش.» ~~ولكن هذا جاء في زمن كانت الرئاسة فيه لقريش فكانت أولى بهذا الأمر من غيرها، وكانت العرب ~~في صدر الإسلام تطيعها مالا تطيع سواها. ولا ينبغي من ذلك أن هذا الأمر يجب أن يكون أبدا ~~سرمدا في قريش مهما تقلبت الأحوال وتبدلت الأطوار، وما دامت تطلع الشمس، وما بل بحر صوفة. ~~وما بالهم لا يذكرون أنه جاء في رواية هذا الحديث الأئمة في قريش ما أقاموا الدين. وجاء هذا ~~الحديث في بعض المسانيد التي يعول عليها مثل صحيح مسلم، فإن كان حصر هذا الأمر في قريش ~~معلقا بهذا الشرط فيكون قد انحل الإشكال. وليس من ينازع في رئاسة قريش في كونها الأولى ~~بالإمامة من غيرها من عرب وعجم، وإنما النزاع واقع في أنه إذا وجد من الخارجين عن قريش من ~~عرب وعجم، وإنما النزاع واقع في أنه إذا وجد من الخارجين عن قريش من هم أقوى على حمل ~~الخلافة منها، وأشد عصبية في وقتهم، وأقدر على حفظ حوزة الإسلام في وجه الأجانب، فهل يجب ~~حصر الخلافة الإسلامية في القرشي مع ضعفه وإقصاء غير القرشي عنها مع كفايته ورجحانه؟ هذا هو ~~المعترك الذي كان ينبغي أن يجرأ العلماء أن يفصلوا فيه فصلا يتلاءم مع روح الإسلام المبني ~~على قاعدة # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # وعلى ~~قاعدة # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # فليس في ~~الإسلام طبقات كما هي عند البراهمة، الدين في هذه الطبقة، والحكم في تلك الطبقة، والصناعة ~~في هاتيك الطبقة... إلخ، وليس الإسلام في شيء من مشابهة اليهودية في أن الملك هو في السبط ~~الفلاني، وأن ms041 الكهنوت هو في السبط الفلاني... إلخ، فكل هذه الأوضاع لا يعرفها الإسلام، ولا ~~يعرف إلا عمل الإنسان نفسه. وكما قال عمر رضي عنه: «لو جاءت الأعاجم بالأعمال وجئنا بغير ~~عمل فهم أولى بمحمد منا يوم القيامة، فلا ينظر رجل إلى القرابة، وليعمل لما عند الله، فمن ~~قصر به عمله لا يسرع به نسبه.» أفتكون الشريعة التي يقول فيها عمر مثل هذا القول هي الشريعة ~~التي تجعل الإمامة إرثا خاصا بعشيرة خاصة إلى أبد الدهر مهما كان في الخارج عنها من ~~كفاية تزيد على كفايتها، وقدرة على حفظ بيضة الإسلام ترجع على قدرتها؟! لا جرم أن هذا غير ~~معقول، ولذلك لا نعجب من أن يكون مثل القاضي أبي بكر الباقلاني وغيره من العلماء قد أسقطوا ~~شرط القرشية في الخلافة بعد أن رأوا ما رأوا من ضعف قريش ورجحان غيرها عليها. # ولو أن الذين اشترطوا القرشية في الخلافة استدركوا الأمر بقولهم: إنه إذا تساوى القرشي ~~وغير القرشي في الاشتمال على شروط الخلافة فالقرشي بمكانه من قرابة الرسول عليه السلام، ومن ~~رئاسته القديمة أولى من غير القرشي لهان الخطب. ولكن مقتضى كلامهم أن القرشي بسلطان ذلك ~~الحديث المتعلق بقريش في عهد كانت فيه هي الأول - مهما بلغ من الضعف ومن عدم الكفاية - فإنه ~~أولى من غير القرشي مهما بلغ من القوة على حفظ حوزة الإسلام، ومهما بلغ من الضلاعة ~~والكفاية، فهذا الذي نراه مخالفا لروح الشرع، ولما يتجلى من جميع أحكام الكتاب ~~والسنة. # لقد كان لقريش التقدم على جميع العرب، وعلى جميع المسلمين، فكان ذلك الحديث لو صح على ما ~~رووه وارتفعت فيه كل شبهة مطابقا لحالة قريش في أيام تقدمها، فأما من بعد أن غلبت الأعاجم، ~~وقام فيها من رجح ميزانه على قريش في القوة والمتعة رجحانا محسوسا لا يمتري فيه عاقل؛ فقد ~~أصبح من العبث أن نجعل المرجوح أولى من الراجح. ولعمري أن ابن خلدون رحمه الله قد جمع فأوعى ~~عندما قال في مقدمته: «إذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو ms042 لدفع التنازع بما كان لهم من ~~العصبية والغلب، وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة؛ علمنا أن ذلك إنما ~~هو من الكفاية فرددناه إليها، وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود ~~العصبية، فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولى عصبية قوية غالبة على من ~~معها في عصرها ليستتبعوا من سواهم، وتجتمع الكلمة على حسن الحماية، ولا يعلم ذلك في الأقطار ~~والآفاق كما كان في القرشية. إذ الدعوة الإسلامية التي كانت لهم كانت عامة، وعصبية العرب ~~كانت وافية، فغلبوا سائر الأمم، وإنما يخص لهذا العهد كل قطر بمن تكون له فيه العصبية ~~الغالبة. # وإذا نظرت سر الله في الخلافة لم تعد هذا، لأنه سبحانه إنما جعل الخليفة نائبا عنه في ~~القيام بأمور عبادة ليحملهم على مصالحهم، ويردهم عن مضارهم، وهو مخاطب بذلك ولا يخاطب ~~بالأمر إلا من له قدرة علية. ثم إن الوجود شاهد بذلك، فإنه لا يقوم بأمر أمة أو جيل إلا من ~~غلب عليهم، وقل أن يكون الأمر الشرعي مخالفا للأمر الوجودي.» # فلعمري ليس بعد هذا القول مجال لقائل، فإنه القول الذي لا يحسن بعده المراء وإن هذا الدين ~~هو دين العقل لم يقم بالأسرار غير المفهومة، ولم يمتحن أتباعه بما تعيا به العقول، ولا بما ~~لا تظهر فيه وجوه المصالح. وهو كما قال ابن خلدون: لا نجد فيه الأمر الشرعي مخالفا للأمر ~~الوجودي. ولا يمكن أن يتقدم فيه المرجوح على الراجح، وكل معترك هذه المسألة هي القدرة على ~~حماية الإسلام، وإقامة الشريعة على وجهها، فمن كان أضلع بهذا الأمر من غيره بين المسلمين ~~فهو الذي يريده الله ورسوله قياسا على ما لدينا من قواعد الشرع الأخرى التي هي ومبادئ ~~العقل توأمان متلازمان. # | مذهب النشوء والارتقاء # تعليق على ما جاء بسطر 21 صفحة 4 من الجزء الأول من ابن خلدون # قول ابن خلدون إن النسابين كلهم اتفقوا على أن الأب الأول للخليفة هو آدم عليه السلام كما ~~وقع في التنزيل ms043 ... إلخ. هذا ما كان عليه الناس في القرون الوسطى التي عاش ابن خلدون في ~~آخرها، وما لا يزال عليه المتمسكون بالأديان في عصرنا الحاضر، ولكن علماء هذا العصر في ~~العلوم الكونية - وإذا قلنا علماء هذا العصر في العلوم الكونية فإنما نعني بهم علماء أوروبا ~~- قد عدلوا عن نظرية ابتداء العائلة البشرية بآدم وحواء، وعما يقوله اليهود والنصارى من أن ~~عمر البشرية خمسة آلاف أو سبعة آلاف سنة، ورجحوا - ولكن بدون جزم - أنه مضى على وجود ~~العائلة الإنسانية على وجه الأرض نحو من مئة الف سنة! وذهب بعضهم إلى أكثر من ذلك فقدروا ~~لوجودها مائتين وثلاثين إلى مائتين وأربعين الف سنة! وقد وقعوا لأجل ذلك في مشكل من جهة ~~تطبيق هذه النظريات على التوراة، فمنهم من حل هذا المشكل برفض التوراة بتاتا وهؤلاء هم ~~الفئة التي لا تقول بالأديان، والفئة المسماة بالإلهيين وهم الذين يعتقدون بوجود الصانع ولا ~~يقولون بالنبوءات. # ومنهم من بقي متمسكا بالديانة المسيحية، ولكن مع الاعتقاد بأن التوراة دخلها تحريف كثير، ~~وأن فيها كثيرا مما أدخله اليهود. # وهذه الفئة تشابه أقوالها أقوال علماء الإسلام الذين يقولون التوراة كتاب منزل لا شك فيه، ~~ولكن اليهود قد حرفوها - بل بدلوها - إلى أن صاروا يقولون من جملة الأمثال: «توراة مبدلة» ~~وبالاختصار لا يوثق بالنسخ الموجودة منها بين أيدينا. وكذلك يضعفون كثيرا من الروايات ~~الواردة عن السلف الصالح بحجة أنها منقولة عن أحبار اليهود، ويسمون هذا الضرب من الروايات ~~الكونية والقصص (بالإسرائيليات) ويقولون إنها أدخلت في الإسلام وليست منه. فما يقوله ~~المسلمون عن التوراة المبدلة وعن الإسرائيليات هو بعينه الذي يقوله العلماء العصريون في ~~أوروبا الذين لا يقدرون أن يطبقوا بين ما جاء في التوراة عن بدء الخليفة، وبين ما يقرره ~~العلم الحديث، وهم مع ذلك لا يريدون أن يفارقوا العقيدة النصرانية التي فارقتها الفئة ~~المعطلة، والفئة الأخرى التي يقال عنها الإلهيون. # وهناك الفئة الثالثة التي لا تقبل التأويل والتخريج في التوراة، ولا ترضى بأن يقال إن ~~فيها من أوضاع اليهود - وبالتالي ms044 فليس من التنزيل - كما أنها لا ترضى بأن يقال إن الكتب ~~المنزلة إنما تخاطب الناس على قدر عقولهم وتتجنب التصريح بما هو فوق أفهامهم خشية الفتنة ~~وإدخال الشك على العقائد. فهذه الفئة الثالثة هي الفئة المتدينة الباقية إلى اليوم على ~~العقائد التي كانت عليها النصرانية في القرون الوسطى، وهي التابعة للكنائس سواء كانت ~~الكنيسة الكاثوليكية أو الأرثوذكية أو البروتستانتية التي يقال عنها الإنجيلية، ومن هذه ~~الفئة السواد الأعظم في الحقيقة من الأوروبيين والأمريكيين. وهم يقولون بأن البشر تناسلوا ~~من آدم وحواء وفقا لما في التوراة، ويردون مذهب النشوء والارتقاء الذي يرده أيضا أناس ~~كثيرون من الفئة المعطلة ومن الإلهيين، لا من إجراء مخالفته للدين، بل من ضعف الأدلة ~~اللازمة للقطع به، وانخرام كثير من الحلقات التي يفترض وجودها بين الحيوان والإنسان، أو بين ~~الإنسان في أصل تكوينه والإنسان الحالي. وفقد هذه الحلقات وعدم وجود أثر لها في الآثار ~~الحفرية هذا لا يساعد على الجزم عندهم بمذهب النشوء والارتقاء الذي غلب عليه اسم المذهب ~~الدارويني نسبة إلى «دارون» وهو عالم طبيعي من علماء الإنجليز مات في أواخر القرن التاسع ~~عشر للمسيح. # ولما كان تاريخ ابن خلدون مما يصلح لكل الأعصر بالنظر إلى ما فيه من قواعد أبدية، ونظريات ~~في الخليقة والخلق لا تخلق ديباجتها، ولا تنقضي حقائقها، ولكنه كتب منذ خمسة قرون طرأت في ~~أثنائها على المجتمع الإنساني أفكار جديدة، ومبادئ ناقضة لما سبقها، ونظريات لم تكن معروفة ~~في أيام ابن خلدون، أو كانت معروفة ولكن عند غير أتباع الأديان الثلاثة: الإسلام، ~~والنصرانية، واليهودية. # وكان لا بد للناشئة الجديدة من الأمة الإسلامية من أن يطالعوا ما جد من هذه النظريات ~~المحدثة، ويقارنوها بالنظريات القديمة، فلم نشا أن نمر بهذا الموضوع بدون أن نشير - ولو ~~بجملة مختصرة - إلى ما علية العلماء الأوروبيون، حاشا أتباع الكنيسة من جهة أصل وجود ~~الإنسان على وجه الأرض. # وقبل أن نشرع في ذ لك نقول: إن الاعتقاد بكون آدم وحواء هما أبوا البشر هو منصوص عليه في ms045 ~~الكتاب، فأما المدة التي ضربها أصحاب التوراة لوجود الإنسان فليس في القران الكريم شيء يدل ~~عليها، بل هناك هذه الآية الكريمة # ما أشهدتهم خلق ~~السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم ~~. # ثم نقول: إن الذين جزموا بقدم عهد الإنسان بناء على ما كشفوه في باطن الأرض، وما نقبوا ~~عنة في الكهوف والغيران، وما عثروا عليه عرضا واتفاقا في قيعان البحيرات، لا يزالون يقرون ~~بأن معلوماتهم مفتقرة إلى الإكمال، وأنه لا يصح الجزم إلا بالنظرية الإجمالية التي معناها ~~كون إنسان وجد، لا من خمسة آلاف سنة، ولا من سبعة آلاف سنة، بل من أضعاف هذا العدد من ~~السنين، وأنهم استدلوا على ذلك بوجود حجارة مصقولة على شكل الفئوس كانوا يجهلون في أول ~~الأمر حقيقتها وكانت العامة تعتقد بأنها حجارة تتكون في السحاب! # ولما قال بعض علماء القرون الوسطى بأنها من صنع أيدي البشر رفضوا كلامهم ومنذ مائتي سنة ~~تواترت الأدلة بكثرة ما وجد من هذه الحجارة في أعماق متفاوتة تحت التراب، وتحت المياه، ~~ومنها ما بسقت من فوقه الأشجار، ومنها ما تكونت من فوقه المعادن، فحسب علماء الأزمنة ~~الحديثة ما يستلزم وجود هذه الطبقات المتراكمة فوق تلك الأدوات التي صنعها البشر الأولون من ~~الزمن الطويل والدهور الدهارير، فحكموا بأنه لا بد لذلك من عشرات ألوف من السنين. # وقد قسموا المدة التي قضاها الإنسان منذ وجد على سطح الكرة إلى أن صار معروفا عند أعقابه ~~إلى جملة أدوار، أقربها إلى الدور الحالي - بزعمهم - هو الدور المسمى بالرباعي، ويقال له ~~الجليدي. وهو الذي فيه كان الثلج دائما في أماكن أصبح الثلج فيها اليوم نادرا. وكانت ~~البلاد السكاندينافية وهولاندا وجزر إنجلترا وألمانيا والروسية مغطاة بالثلوج. وكان في ~~أوروبا في الأصقاع التي ينحسر عنها الثلج حيوانات لا توجد اليوم عثروا على عظامها، واستدلوا ~~منها على التفاوت العظيم الذي وقع في درجات البرودة والحرارة، مما قضى بهلاك قسم من أنواع ~~هذه الحيوانات، والتجاء القسم الآخر إلى أصقاع أخرى من الكرة الأرضية. ومن أشهر هذه ~~الحيوانات الحيوان الذي يقال ms046 له «الماموث # Mammouth ~~» ~~و«الكركدن» اللذان بعد أن انحسرت الثلوج الدائمة عن القارة الأوروبية رحلا إلى الشمال. ~~وكذلك الحيوان المسمى «بالرنة # Renne ~~» الذي لا يزال في ~~القطب الشمالي مع أن له بقايا مستحجرة في أواسط أوروبا. وقد علت على هذه البقايا طبقات ~~متكونة بكرور الأيام، ومعادن لا يمكن أن تتكون إلا بعشرات ألوف من السنين. كما أنهم عثروا ~~على عظام بشرية أيضا تراكمت من فوقها تلك الطبقات، وبقيت بشريتها ظاهرة. # ولم يقع الاستدلال على وجود الإنسان في تلك الأعصر بالرمم البشرية فحسب بل وجدت له آثار ~~أخرى من أدوات وآلات وتصاوير يحكم على وجوده بوجودها والأثر يدل على المؤثر، فالإنسان وجد ~~في أواسط أوروبا - مثلا - معاصرا للماموث وللرنة. وقد عثر العلماء في القرن الماضي على ~~عدة رمم بشرية، منها ما وجد في مغاور ووجدت بجانبه عظام حيوانات - كالكركدن مثلا - مما لم ~~يبق له أثر الآن في هذه المناطق. وبعد بحث وتنقيب واختلاف بين العلماء الجيولوجيين، اصطلح ~~الأوروبيون على قسمة الأدوار التي يعرفونها عن الإنسان إلى ثلاثة. وهذه الأدوار الثلاثة هي ~~عبارة عن المدة التي مضت في بداية العصر الجليدي إلى أن أصبحت الحالة الجوية مقاربة لما هي ~~عليه أوروبا اليوم. ويقدرون هذه المدة بألف قرن - أي مئة ألف سنة - فقد ذكروا الدور الثلاثي ~~الذي سبق الدور الرباعي أو الجليدي. وقالوا: إن حيوانات كثيرة لم تطق التغيرات التي وقعت في ~~أثنائه فانقرضت. وهنا اختلفوا في أماكن ظهور الإنسان في الدور الثلاثي وتحمله ما لم تتحمله ~~تلك الحيوانات الكبيرة وفى عدم إمكان ذلك. # فبعضهم ذهب إلى أن الإنسان وجد في الدور الثلاثي بدليل وجود أدوات حجرية لا يمكن صنعها ~~إلا بيد مخلوق هو على شيء من العقل، وذهب المنكرون لوجود الإنسان في الدور الثلاثي إلى أن ~~الأدوات المذكورة هي أحدث عهدا من ذلك الدور - فالمفروض - مع الترجيح التام - أن الإنسان ~~وجد في الدور الرباعي. # وأعظم دليل من الآثار الحفرية على ذلك انه وجد بقرب «هيدلبرغ» في بلاد بادن من ألمانيا ~~على عمق أربعة ms047 وعشرين مترا فك أسفل إنساني، ووجد في المحل نفسه بقايا كركدن وفرس من أفراس ~~البحر مما كان يعيش في الدور الثلاثي، وهذا الفك وجد ضخما عظيما عريضا جدا قليل ~~الارتفاع، ولم يوجد له ذقن، ووجد فيه تشابه كثير مع فكوك القردة التي تشبه الإنسان من النوع ~~الذي يقال له «انتروبويد # Antbropoides ~~» بيد أن الأسنان هي ~~أسنان بشرية بالتمام والكمال. # وعثروا في إنجلترا بقرب «بيتدون Piltdown ~~» على جمجمة ~~بشرية ولكنها منحطة عن الجماجم الحاضرة، فأما من بقايا العصر الرباعي فقد وجدوا أكثر من رمة ~~واحدة، ووجدوها كلها متشابهة، منها واحدة وجدت في جبل طارق، وأخرى في «سبىSpy» من بلجيكا. ~~وأخرى في فرنسا، ووجدوا من هذا النوع نفسه في أفريقيا الجنوبية في روديزيا، فثبت من تشابه ~~جميع هذه الرمم وجود طبقة بشرية في الدور الرباعي المذكور، اصطلح العلماء على تسميتها بطبقة ~~«نياندرتال # Neanderthal ~~» وذلك لأن أول مثال منها وجد ~~في واد اسمه وادى «نياندرتال» في ألمانيا. وقد وجد مع رسم هذا الدور أدوات مصنوعة بالأيدي ~~لا تدع شكا بأن أصحاب هذه الرمم كانوا بشرا، ولكن كانت رءوسهم مشابهة جدا لرءوس ~~الحيوانات، وكانت الجمجمة مسطحة، والجبهة ضيقة، وكان القسم الأدنى من الرأس ضيقا، والوجه ~~عريضا، والفكان ناتئين إلى الأمام، والتقاطيع غير منتظمة، والعيون كبيرة، والأنف عريضا مع ~~ضيق في مركزه، والذقن منقبضا، وغير ذلك من الملامح التي تثبت أن طبقة «نياندرتال» هي من ~~الطبقات البشرية، لكنها أدنى من البشر الموجودين الآن. وهي من جهة الجمجمة والوجه تتشابه مع ~~نوع القردة المسمى «بالانتروبوئيد» أي أقرب القردة للإنسان. وبالاختصار آدمى نياندرتال ~~مكانة هو بين القرد والإنسان الأخير. وقد امتاز الآدمي في هذا الدور الذي نحن بصدده بقوة ~~العضلات ووجد العلماء القائلون بهذه النظرية أن السلسلة الفقارية، وأن عظام الأعضاء ~~والأطراف والجمجمة فيها تشابه كثير مع ما يقابلها في القردة. وقد رجحوا بحسب ما دققوا فيه ~~من الهيكل العظمي الذي كان علية إنسان «نياندرتال» أنه كان يمشي منحنيا نحو أفخاذه، ولم ~~يكن ينتصب قائما سويا. ولما ms048 وصل علماء النشوء والارتقاء إلى هذه النقطة اختلفوا فيما ~~يعولون علية من جهة الإنسان الأول؛ فقالوا: إن إنسان نياندرتال هو على شبه كثير مع القردة ~~المسماة «انتروبوئيد» ~~“Anthropoide” # ولكن ثبت أيضا أن هذا ~~النوع من الإنسان وجد في أواسط الدور الرباعي، ولهذا لا يمكن أن يقال إنه أقدم نوع في ~~البشر؛ لأنه قد ثبت وجود آثار الإنسان في أوائل الدور الرباعي، فصار العلماء يتساءلون كيف ~~يمكن التلفيق بين هذين الأمرين؟ فذهب «هيكل» ~~“Haeekel” # الألماني من أقطاب علماء النشوء والارتقاء إلى أن الإنسان لم ينحدر من القرد المعروف بشبهه ~~للإنسان الذي يقال له «اورانج اوتان». # وقال أضداد نظرية النشوء والارتقاء إنه لا يزال بين أقدم الطبقات البشرية وأقرب القردة ~~إلى الإنسان مسافة شاسعة، ولذلك يفترض وجود طبقة متوسطة وسموا هذا النوع «بيتيكانثروب» ~~“Pithecanthrope” # فذهب بعض علماء أوروبا إلى أنه كان ~~قد وجد شبه بين آدمى نياندرتال وبين الآدمي المسمى بيتيكانثروب وبين هذا وبين القرد المسمى ~~اورانج اوتان؛ فليس يستلزم ذلك حتما أن يكون الإنسان الحاضر هو من هذه السلائل، بل إنسان ~~نياندرتال انقرض في أواسط الدور الرباعي ولم يترك بقايا. # وقالوا إن الآثار البشرية التي عثروا عليها لا تصلح حتى الآن مدارا للحكم وخالفهم الذين ~~قالوا إن بين إنسان نياندرتال والإنسان الحالي وجوه شبه كثيرة وإنه لا يمكن الحكم بانقراض ~~إنسان نياندرتال والتبدل منة إنسانا من نوع آخر أكمل من الأول وهو الذي سموه بالإنسان ~~العاقل، وبالإفرنجية ~~“home sapiens” # عن أصل الإنسان، ننقله ~~لقراء هذا الكتاب حتى لا يفوتهم شيء مما يجب معرفته على أهل هذا الزمن، ومن قبيل العلم ~~بالشيء ولا الجهل به. # ولا يزال في أوروبا عدد كبير من العلماء يردون بشدة نظرية داروين، وليسوا هم فقط من أنصار ~~الأديان، بل يوجد من العلماء الطبيعيين من يقيم الأدلة على فساد هذا المزعم. # ومنهم من ذهب مذهبا متوسطا، فوافق على بعض قضايا المذهب الدارويني، ورد بعضها بحجة فقد ~~الأدلة الكافية. وعندي كتاب عنوانه «المذهب الدارويني وما فيه من صواب وخطأ» ms049 وممن اشتهر في ~~الرد على مذهب داروين الإنجليزي، ولامارك الفرنسي في النشوء والارتقاء، الأستاذ ~~«فيالتون # Vialleton ~~» المدرس في جامعة مونبلييه، ~~والأستاذ موريس توماس البلجيكي، وغيرهما ممن يقولون إن مذهب لامارك وداروين مناقضان للعلم، ~~وقال فيالتون: إن داروين قد ذهب في نظريته مذهبا جاهلا ماهية القواعد التي تتنزل عليها ~~الجزئيات، وانخدع بعلاقات الأنواع بعضها مع بعض، كما أن خلفاءه في المذهب قد نظروا إلى ~~المناسبات الصورية التي بين الأنواع نظرا سطحيا، وقرروا النشوء والارتقاء بدون تأمل كاف ~~في كيفية قيام هذه الأنواع بوظائفها. # فلأجل الربط بين الحشرات وذوات الأثداء من الحيوانات اعتمدوا على النطاق الصدري الذي يعهد ~~في ذوات الأثداء المتصلة بالطيور، لكن إذا أنعم الإنسان النظر لا يجد هذه الرابطة في محلها، ~~لأن هذا النطاق ليس في الحقيقة جزءا من هيكل الصدر، بل هو خارج عنه، وليس له اتصال بالقلب، ~~ولا بالأعصاب كما هو عند الحشرات، فالمشابهة ليست أكثر من مشابهة سطحية. والحال أن طبيعة ~~الحيوانات ذات الأثداء لا تمتاز فقط بالنطاق الصدري، ولكن بمميزات أخرى ظاهرة في جميع ~~تكوينها، وفى أنسجتها العضوية، وفى الجلد والشعر والعظام، وكل ما يعهد في ذوات الأثداء. ~~والخطأ نفسه وقع في تقدير خصائص الأعضاء؛ فداروين يرى أن أي عضو يقدر أن يقوم بأي وظيفة، ~~وهذا إهمال لحقيقة الوظائف الأسآسيا، فإن الأعضاء تؤلف مع الأنطقة آلات محركة لها في كل نوع ~~وظائف محدودة لا يمكن أن عملها يتعدى من وظيفة إلى وظيفة، إذ ليس من وسيط بين الجهازين، ففي ~~طبقة الحيوانات ذوات الأربع إذا وجد نوع طيار مثلا أن الكتف التي كانت في البطن تحت مركز ~~الثقل تصعد إلى الظهر لأجل أن تحفظ موازنة الحيوان عندما يطير، ولولا ذلك لا يتمكن من ~~الطيران، فهذا المركز الذي تأخذه الكتف من جديد لا يمكن أن يحصل بالتدريج، ولا مناص من أن ~~يكون وضع أنفا بدون تدرج. كذلك ذوات الأثداء السابحة التي يسير بها الذنب المتحرك من ~~الأعلى إلى الأسفل؛ فيجب أن يكون لهذا الذنب قوة وقطر عظيمان، ms050 بحيث أن الشق الأسفل يندفع ~~إلى الأمام فيكون أفقيا بدلا من أن يكون عموديا كما هو في سائر ذوات الأثداء. # ويقول فيالتون: إن القول بأن الجراثيم تعيد في أثناء نموها الصور المتتابعة التي سبقت ~~نوعها هو مرسل جزافا، وهو أشبه بالمجاز منه بالحقيقة، ففي الجراثيم شيئان؛ البدايات ~~البسيطة التي هي عامة لجميع النوع، ثم الأجهزة والصور التي تتلو هذه البدايات، فالبدايات لا ~~يمكن أن يتكون منها نوع خاص، لأنها حويصلات بسيطة جدا أشبه ببراعم تختلف كثيرا عما سيأتي ~~منها، بل هي بدايات ساذجة عامة لا ينتج منها أقسام خاصة إلا بعد النمو. فالحويصلة لا يمكن ~~أن تشبه حيوانا تاما مهما كان دنيء الطبقة، ولكن تشبه حويصلته. والحويصلة البشرية ذات ~~الخلايا لا يمكن أن تشبه سمكة في جهازها التنفسي، ولكن قد تشبه حويصلة السمكة قبل أن يكتمل ~~فيها هذا الجهاز، وأورد أدلة كثيرة ليس هنا موضعها. # وكان الكيماوي الفرنساوي برتلو - وهو من أشهر علماء الطبيعة - ينعت مذهب داروين بقوله: ~~«قصة داروين الخيالية» و«قصيدة لامارك الفكرية» مع أن برتلو كان يحفل بهذا المذهب. فمن شاء ~~التوسع في هذا الموضوع فليقرأ كتاب فيالتون المسمى ب«أصل الكائنات الحية وخيال النشوء والارتقاء» ~~“L’origine des etres vivanis, L’illusion transformisle par ~~vialleton” ~~. # وقد طرق السيد جمال الدين الحسيني الأفغاني هذا الموضوع، ورد على النظرية داروين، ونحن ~~واضعون كلامه تحت أنظار القراء. # وقد اعترض بعضهم على خوض السيد جمال الدين في حديث كهذا يلزم له تخصص في العلوم الطبيعية، ~~وليس هذا الاعتراض بشيء، لأن التخصص شرط في المباحث التفصيلية، فأما في المبادئ العامة ~~فالذي يلزم إنما هو الفلسفة، ومن كان أطول فيها باعا وأوسع نظرا كان أحق بأن يتكلم بها؛ ~~فالسيد جمال الدين إذن يقدر أن يقول هنا، وهو يقول ما يأتي في رسالته المعروفة ب«الرد على ~~الدهريين»: ~~«وذهب فريق إلى أن الأجرام السماوية والكرة الأرضية كانت على هيئتها هذه من أزال الآزال ~~ولا تزال، ولا ابتداء لسلسلة النباتات والحيوانات. وزعموا أن في كل بذرة نباتا مندمجا ~~فيها، ms051 وفى كل نبات بذرة كامنة، ثم في هذه البذرة الكامنة نبات وفيه بذرة إلى غير نهاية. ~~وعلى هذا زعموا أن في كل جرثومة من جراثيم الحيوانات حيوانا تام التركيب، وفى كل حيوان ~~كامن في الجرثومة جرثومة أخرى، يذهب كذلك إلى غير نهاية. وغفل أصحاب هذا الزعم عما يلزمه من ~~وجود مقادير غير متناهية في مقدار متناه وهو من المحاولات الأولية. # وزعم فريق ثالث أن سلسلة النباتات والحيوانات قديمة بالنوع، كما أن الأجرام العلوية ~~وهيئاتها قديمة بالشخص، ولكن لا شيء من جزئيات الجراثيم الحيوانية والبذور النباتية بقديم، ~~وإنما كل جرثومة وبذرة هي بمنزلة قالب يتكون فيها ما يشاكله من جرثومة وبذرة أخرى. وفاتهم ~~ملاحظة أن كثيرا من الحيوانات الناقصة الخلقة قد يتولد عنها حيوان تام الخلقة، وكذلك ~~الحيوان التام الخلقة، قد يتولد عنه ناقصها أو زائدها. # ومال جماعة منهم إلى الإبهام في البيان فقالوا: إن أنواع النباتات والحيوانات تقلبت في ~~أطوار، وتبدلت عليها صور مختلفة بمرور الزمان وكرور الدهور، حتى وصلت إلى هيئاتها وصورها ~~المشهودة. وأول النازعين إلى هذا الرأي «أيبقور» أحد أتباع «ديوجيتس الكلبي» ومن مزاعمه أن ~~الإنسان في بعض أطواره كان مثل الخنزير مستور البشرة بالشعر الكثيف، ثم لم يزل ينتقل من طور ~~إلى طور حتى وصل بالتدريج إلى ما نراه من الصورة الحسنة، والخلق القويم، ولم يقد دليلا ولم ~~يستند على برهان فيما زعمه من أن مرور الزمان علة لتبدل الصور وترقي الأنواع. # ولما كشفت علوم الجيولوجيا (طبقات الأرض) عن بطلان القول بقدم الأنواع رجع المتأخرون من ~~الماديين عنه إلى القول بالحدوث. ثم اختلفوا في بحثين؛ الأول بحث تكون الجراثيم النباتية ~~والحيوانية، فذهب جماعة إلى أن الجراثيم على اختلاف أنواعها تكونت عندما أخذ التهاب الأرض ~~في التناقص، ثم انقطع التكون بانقضاء ذلك الطور الأرضي. وذهبت أخرى إلى أن الجراثيم لم تزل ~~تتكون حتى اليوم خصوصا في خط الاستواء حيث تشتد الحرارة. # وعجزت كلتا الطائفتين عن بيان السبب لحياة تلك الجراثيم حياة نباتية أو حيوانية خصوصا ~~بعدما تبين لهم ms052 أن الحياة فاعل في بسائط الجراثيم، موجب لالتئامها، حافظ لكونها. وأن قوتها ~~الغاذية، هي التي تجعل غير الحي من الأجزاء حيا بالتغذية فإذا ضعفت الحياة ضعف تماسك ~~البسائط وتجاذبها، ثم صارت إلى الانحلال. وظن قوم منهم أن تلك الجراثيم كانت مع الأرض عند ~~انفصالها عن كرة الشمس، وهو ظن عجيب لا ينطبق على أصلهم من أن الأرض عند الانفصال كانت جذوة ~~نار ملتهبة، وكيف لم تحترق تلك الجراثيم ولم تمح صورها في تلك النيران المستعمرة؟! # والبحث الثاني من موضع اختلافهم صعود تلك الجراثيم من حضيض نقصها إلى ذروة كمالها (نقول: ~~وصل السيد هنا إلى مذهب النشوء والارتقاء) وتحولها من حالة الخداج والنقص، إلى ما نراه من ~~الصور المتقنة، والهيئات المحكمة، والبنى الكاملة فمنهم قائل: إن لكل نوع جرثومة خاصة به، ~~ولكل جرثومة طبيعة تميل بها إلى حركة تناسبها في الأطوار الحيوية، وتجتذب إليها ما يلائمها ~~من الأجزاء غير الحية ليصير جزءا لها بالتغذية، ثم تجلوه بلباس نوعه. وقد غفلوا عما أثبته ~~التحليل الكيماوي من عدم التفاوت بين نطفة الإنسان ونطفة الثور ونطفة الحمار مثلا وظهور ~~تماثل النطف بالعناصر البسيطة، فما منشأ التخالف في طبائع الجراثيم مع تماثل ~~عناصرها؟! # ومنهم ذاهب إلى أن جراثيم الأنواع كافة - خصوصا الحيوانية - متماثلة في الجوهر، متساوية ~~في الحقيقة، وليس بين الأنواع تخالف جوهري، ولا انفصال ذاتي. ومن هنا ذهب صاحب هذا القول ~~إلى جواز انتقال الجرثومة. الواحدة من صورة نوعية إلى صورة نوعية أخرى بمقتضى الزمان ~~والمكان، وحكم الحاجات والضرورات، وقضاء سلطان القواسر الخارجية. # ورأس القائلين بهذا القول «داروين» وقد ألف كتابا في بيان أن الإنسان كان قردا، ثم عرض ~~له التنقيح والتهذيب في صورته بالتدريج على تتالي القرون المتطاولة، وتأثير الفواعل ~~الطبيعية الخارجية حتى ارتقى إلى برزخ «اوران اوتان» ثم ارتقى من تلك الصورة إلى أول مراتب ~~الإنسان فكان صنف «البيم» وسائر الزنوج، ومن هناك عرج بعض أفراده إلى أفق أعلى وأرفع من أفق ~~الزنجيين فكان الإنسان القوقاسي (قد ثبت أن الداروينيين يستندون في ms053 النشوء والارتقاء على ~~جماجم وجدت في أوروبا تحت الأرض، وليس هذه الجماجم وهذه الهياكل أقرب إلى الإنسان القوقسي ~~منها إلى الإنسان الزنجي، ولا هي بالعكس، بل هي ناقصة عن كل منهما) وعلى زعم داروين هذا ~~يمكن أن يصير البرغوث فيلا بمرور القرون وكر الدهور، وأن ينقلب الفيل برغوثا كذلك! ~~(لا مبالغة في قول السيد جمال الدين هذا عن مذهب داروين؛ لأن هذا المذهب يجعل البيئة ~~والاحتياج والضرورة والتأثيرات الخارجية هي منشأ التنوع وأن كرور الدهور تحت هذه التأثيرات ~~يؤدي إلى ما يظهر عجيبا وربما يظهر مستحيلا وليس الأمر كذلك عندهم، وإن الذي جعل ~~كيماويا كبيرا مثل «برتلو» يسمي مذهب داروين قصصا متسع الخيال، هو حكم داروين باطراد ~~هذا المبدأ في المخلوقات). # فإن سئل داروين عن الأشجار القائمة في غابات الهند، والنباتات المولدة فيها من أزمان ~~بعيدة لا يحددها التاريخ إلا ظنا، وأصولها تضرب في بقعة واحدة، وفروعها تذهب في هواء ~~واحد، وعروقها تسقى بماء واحد؛ فما السبب في اختلاف كل منها عن الآخر في بنيته، وأشكال ~~أوراقه، وطوله، وقصره، وضخامته، ورقته، وزهره وثمره، وطعمه، ورائحته، وعمره؟ فأي فاعل خارجي ~~أثر فيها حتى خالف بينها مع وحدة المكان والهواء والماء؟! أظن لا سبيل إلى الجواب سوى العجز ~~عنه! وهكذا لو عرضت علية الحيوانات المختلفة البنى والصور، والقوى والخواص، وهي تعيش في ~~منطقة واحدة، ولا تسلم حياتها في سائر المناطق. أو عرضت علية الحشرات المتباينة في الخلقة، ~~المتباعدة في التركيب، المتولدة في بقعة واحدة ولا طاقة لها على قطع المسافات البعيدة لتخلو ~~إلى تربة جديدة تخالف تربها؛ فماذا تكون حجته في علة اختلافها؟ كأنها تكون كسفا لا كشفا! # بل إذا قيل له: أي هاد هدى تلك الجراثيم في نقصها وخداجها؟ وأي مرشد أرشدها إلى استتمام ~~هذه الجروح والأعضاء الظاهرة والباطنة، ووضعها على مقتضى الحكمة وإيداع كل منها قوة على ~~حسبه، ونوطها بكل قوة في عضو إزاء وظيفة، وإيفاء عمل حيوي، مما عجز الحكماء عن درك سره، ~~ووقف علماء الفسيولوجيا دون الوصول إلى ms054 تحديد منافعه. وكيف صارت الضرورة العمياء معلما ~~لتلك الجراثيم، وهاديا خبيرا لطرق جميع الكمالات الصورية والمعنوية؟ لا ريب أنه يقبع قبوع ~~القنفذ، وينتكس بين أمواج البحيرة، يدفعه ريب ويتلقاه شك إلى أبد الآبدين. الخ). # قلنا: يجوز أن يكون في كلام السيد جمال الدين ما يعترض علية بعض العلماء الطبيعيين من جهة ~~أن السيد فيلسوف إلهي يستند على قواعد من الحكمة والمنطق أصبح كثير من الطبيعيين اليوم ~~يرفضونها ولا يجلونها معيارا للحكم، ولكن لا يمكن هؤلاء ولا غيرهم أن يأتوا في نقض كلام ~~السيد في هذا الموضوع بما يشفي الغليل، أو بما يثلج به اليقين، فلا «داروين» ولا «مارك» ولا ~~«بخنر» ولا خصومهم الكثيرون في أوروبا، ولا «السيد جمال الدين» يقدر واحد منهم أن يقول ~~قولا في معضلة كهذه ويسلم من الاعتراض من جهة من الجهات، وإنما هي نظريات يترجح بعضها في ~~نظر بعض العلماء، ولا يكاد يجزم به حتى يقوم في وجهه ما يمنعه من الجزم. # وما أحسن قول جمال الدين: لا يزال يرفعه ريب ويتلقاه شك إلى أبد الآبدين. ولهذا نجد علم ~~التكوين بنوع خاص بين مد وجزر، وأخذ ورد، وعكس وطرد لا ينتهي. وكيف يمكن أن ينتهي والآثار ~~التي بنى أصحاب مذهب النشوء والارتقاء عليها آراءهم هي أثار ضئيلة جدا، نسبتها إلى ~~الموضوع نسبة النقطة إلى الغدير! وقد اعترفوا هم بأن كل ما عثروا عليه في باطن الأرض إن هو ~~إلا هيكلان أو ثلاثة في القارة الأوروبية، ولم يعثروا حتى هذه الساعة على شيء في القارات ~~الأخرى التي هي أوسع من أوروبا بكثير! وما دامت الشواهد ضئيلة إلى هذه الدرجة ومنحصرة في ~~بقعة واحدة؛ فإنه يستحيل القطع بشيء. هذا ولقد كان أول من كتب عن مذهب داروين باللسان ~~العربي الدكتور شبلي شميل اللبناني، نشر في ذلك كتابا في مصر ضمنه مذهب داروين الإنجليزي، ~~وبخنر الألماني، وجعل له مقدمة جاهر فيها بالمذهب المادي مجاهرة لم تسبق لأحد غيره في ~~الشرق، ورد عليه إذ ذاك الأستاذ الشيخ إبراهيم الحوراني من ms055 علماء المسيحيين الذين يردون ~~المذهب المادي. وكذلك رد عليه اليسوعيون في بيروت، وبعض القسيسين المارونيين واشتدت ~~المناقشات بين الفريقين، وكنا نطالعها أيام الطلب قبل هذا التاريخ بخمسين سنة. وكان نشر ~~الأستاذ الشيخ محمد عبده رسالة أستاذ جمال الدين التي نقلنا عنها هذه الجمل لذلك العهد ~~أيضا. فمذهب داروين معروف في أوروبا منذ ثمانين سنة، وفى العالم العربي منذ خمسين سنة. # | نوح وولده وقضية الطوفان والسلائل البشرية # تعليق على ما جاء بسطر 3 صفحة 6 جزء أول من ابن خلدون # إن ما ذكره ابن خلدون في هذا الموضوع لا يخرج عما اصطلح عليه المؤرخون القدماء مستندين ~~فيه على التوراة، ولكن المؤرخين اليوم قد عدلوا عن هذه الروايات، وعن القول بأن سام وحام ~~ويافث هم آباء البشر الحقيقيون، وأن سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الزنج، إلى ~~غير ذلك. وإذا ذكروا هذه الأمور فإنما يذكرونها وفقا للتوراة وللتقاليد القديمة، ومن باب ~~العلم بالشيء ولكنهم لا يعتقدونها. فأما الطوفان فإنهم يعتقدون بوقوع حادث عظيم من هذا ~~القبيل - إن لم يكن عم الأرض كلها فلا شك في أنه غمر جانبا منها - وذلك لأنه وجدت روايات ~~تشابه خبر الطوفان عند الأمم الأخرى. # وقد أجمع المسلمون والنصارى واليهود على وقوع الطوفان لورود ذكره في كتبهم المنزلة وزعم ~~«اوسيليوس» العالم اللاهوتي الإنجليزي من رجال القرن السادس عشر للمسيح أن الطوفان وقع سنة ~~2348 قبل المسيح، وتابعه في ذلك المطران الفرنسي «بوسويت» وذهب «كلنتون» الإنجليزي إلى أن ~~الطوفان إنما وقع سنة 2482 وهؤلاء ممن يعتقدون أن العالم وجد قبل المسيح بأربعة آلاف سنة. ~~ومن المعلوم أن هذه الروايات مردودة اليوم عند جميع علماء أوروبا - تقريبا - وهؤلاء يقولون ~~بمئات ألوف من السنين مضت على وجود الإنسان، فضلا عن وجود المادة الأرضية نفسها وفى القرآن ~~لا يذكر عدد السنين التي مرت على الإنسان، وإنما يقول الله تعالى: # ما ~~أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم # وهو ~~أصح الأقوال. وقد روى بيروز الكلداني رواية تشابه رواية الطوفان، وهو أن ms056 الملك «كيزوتروس» ~~نجا بسفينة صنعها لنفسه عندما غرق جميع النوع البشري. وجاءت رواية عن اليونان بأنه وقع فيها ~~طوفان في القرن الثامن عشر قبل المسيح، وكذلك طوفان آخر في السادس عشر، وأما بيروز الكلداني ~~فقد كتب تاريخ بابل في أقدم الأعصر، وأخذ عنه يوسيفوس اليهودي. # فأما تقسيمات البشر إلى سلالة حام وسام ويافث، فقد قام مقامها اليوم تقسيمات أخرى، فقالوا ~~سلالة العصر الحجري، وسلالة العصر الحديدي ، وسلالة عصر سكب الرمل، وجعلوا تاريخ ظهور البشر ~~على حسب التغييرات الجوية، وتقلص الجليد التدريجي فإنهم استدلوا بالآثار الباقية في الأرض ~~على مرور الإنسان ببعض البقاع في عصر من الأعصر، مما يدل على أن تلك البقعة كانت قد أصبحت ~~صالحة للسكنى، على حين أن غيرها في ذلك الوقت كان لا يزال غير قابل لسكنى الإنسان، فالأرض ~~هي التي يصح أن يقال إنها أم البشر، وإنها واضعة التقسيم بين السلائل البشرية. وليس ذلك من ~~سام وحام ويافث كما قال الأولون. # وذهبوا إلى أن الإنسان قطع من الحيوانية الدنيا إلى أن صار إنسانا - شبيها لما هو اليوم ~~- عشرات ألوف من السنين، حتى قالوا: إن السلالة المسماة نياندرتال ~~“Neanderthal” # عاشت نحوا من مائتي ألف سنة، وأنه لما بدأ العصر الجليدي ~~الرابع يضمحل أمام أحوال جوية أميل إلى الاعتدال ظهر نوع جديد يظنون أنه بدأ ظهوره في جنوب ~~آسيا أو شمال أفريقيا أو في الأماكن التي غمرها البحر المتوسط فيما بعد، وأنه مضى مئات من ~~القرون حتى كملت أعضاء هذا النوع الجديد الذي سماه علماء السلالة البشرية بالإنسان السابى ~~“Homo-Sapiens” # وهذا النوع البشري في جمجمته وأيديه ~~وأسنانه وعنقه يشبه تماما الإنسان الحالي. ويذهبون إلى أنه ربما كان قد وجد سلالات أخرى ~~غير هذين النوعين، وربما يكون قد وجد أنواع متوسطة بينها وبين النوع الإنساني الحاضر. وقد ~~وجدوا في كهوف «كرومانيون # Cro-Magnon ~~» هياكل أجسام بشرية ~~ترجع إلى نهاية العصر الحجري، وهي تامة الخلقة، فأطلقوا على هذه السلالة اسم سلالة ~~كرومانيون، ووجدوا آلات من الصوان ومن الصدف مع هذه الأجساد، ms057 كما أنهم وجدوا في مغارة ~~غريمالد بقرب منتون جنوبي فرنسا هياكل أجساد بشرية لأجساد الزنوج اليوم، فترجح وجود سلالتين ~~بشريتين في ذلك العصر الأقدم يختلف أحدهما عن الأخرى، فسلالة كرومانيون ربما كانت منحدرة من ~~سلالة غريمالد، ويجوز أن يكون في ذلك الوقت قد بقيت بقايا من سلالة نياندرتال. # ويظهر أنه كلما كان الجو يميل إلى الاعتدال، والجليد يتقلص، كان الإنسان يكتمل وتعلو طبقة ~~عقلة، ويزداد التناسب في أعضائه. وبالاختصار لم يكن اختلاف السلائل عند العلماء العصريين، ~~والتباينات التي أوجدت الشكل القوقاسي، والشكل المغولي، والشكل الزنجي، والشكل الأمريكي ~~القديم؛ إلا نتيجة العوامل الجوية باختلافها وتحولها من طور إلى آخر، وما يستتبع تحولاتها ~~من تغير النبات والحيوان، فالهواء والغذاء هما اللذان كانا الأصل في هذه التباينات بين ~~البشر حتى تكونت هذه السلائل المختلفة. وهذا قد أجمع عليه علماء الوقت الحاضر، وإن كانوا لا ~~يزالون غير متفقين في نسبة الشعوب إلى سلالة السلالة، وذلك لفقد الوثائق التاريخية، وقلة ~~الآثار التي في الأيدي، فأكثر ما عندهم من التعليلات لإثبات أن هذا هو من هذه السلالة، وأن ~~ذاك من تلك السلالة؛ إنما هو افتراض، وأحيانا تخرص، والجزم غير ممكن. وأكثر العلماء ~~يقولون إن تحقيق هذا الباب متعذر، ولكن مأمول ازدياد المعلومات بالعثور على الآثار البشرية ~~القديمة، لا سيما في آسيا وأفريقيا وأمريكا. وقد قيل بناء على الآثار البشرية القديمة التي ~~وجدت في أمريكا: بأن الإنسان قبل أن يكتمل ويصل إلى درجة الإنسانية الحاضرة لم يوجد في ~~القارة الأمريكية؛ فما قطع الإنسان بوغاز بيرين بين آسيا وأمريكا، وأخذ ينتجع أمريكا حتى ~~وصل إلى القسم الجنوبي منها إلا بعد أن كان قد صار إنسانا كاملا، فالعالم القديم وحده، أي ~~أوروبا وآسيا وأفريقيا، هو العالم الذي وجدت فيه السلائل المتوسطة بين الحيوانية ~~والإنسانية، ومرجع هذه الفروق والتباينات بين أصناف السلائل هو اختلاف البيئة، فكل بيئة ~~أثرت في سكانها تأثيرا خاصا، وطبعته بطابعها. وقد يقع الاختلاط بين السلائل المختلفة ~~بسهولة، حيث لا توجد الموانع الطبيعية، وهذه الموانع هي من ms058 قبيل الاوتيانوس الأطلانطيكي، ~~ومنها في آسيا الوسطى جبال عالية منعت اتصال الأمم بعضها ببعض، وقالوا إنهم وجدوا في جزيرة ~~«تسمانيا» ~~“Tosmanie” # بقرب أستراليا شعبا صغيرا بقي ~~عائشا من خمسة عشر إلى خمسة وعشرين ألف سنة في الحالة التي كان فيها في أواخر الدور ~~الحجري! ولما كشف الهولنديون سنة 1642 هذه الجزيرة وجدوهم لعدم اختلاطهم بغيرهم على ما ~~كانوا عليه منذ آلاف السنين، وقالوا: التاسماني الأخير مات سنة 1877، وبه انقرضت هذه ~~السلالة . # وقد لوحظ أن سكان شرقي آسيا، وسكان أمريكا في القديم، يغلب عليهم اللون الأصفر، والشعر ~~الأجعد، كما أن سكان أفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى يغلب عليهم اللون الأسود، والأنف ~~المفرطح، والشعر المفلفل، والشفاه الضخمة. كما أن سكان شمالي أوروبا وغربيها شقر الألوان، ~~وزرق العيون، مع الشعر السبط، والجلد البض، وعلى شواطئ البحر المتوسط نجد الشعوب بيض ~~الألوان لكن مع سواد العيون والشعور، وفي جنوبي الهند نجد الشعوب غالبة عليها سمرة اللون، ~~وجعودة الشعر. ولكن كلما ذهب الإنسان شرقا مالت الألوان إلى الاصفرار. ولا يجب أن تخلو هذه ~~القواعد من استثناءات، ففي أفريقيا مثلا أقوام ملامحهم آسيوية، وفى بلاد اليابان جنس يقال ~~له الأينوس ~~“Oinos” # هم أشبه بالأوروبيين منهم باليابانيين ~~وقد وجدوا قوما أشبه بالزنوج في جزر أندمان ~~“Andamans” # في ~~خليج البنغالة من الهند، كما أنه في بعض أقسام الهند يوجد أناس يغلب عليهم السواد الزنجي ~~وليس من المحقق كون هؤلاء الهنود من أصل واحد مع سودان أفريقيا، فإن تأثير البيئة واستمرار ~~هذا التأثير ألوفا من السنين هما اللذان أوجدا الفروق التي ميزت السلالة البيضاء عن ~~الصفراء، وعن الحمراء، وعن السوداء، بحيث إنه في أواخر الدور الحجري في أوروبا - أي منذ ~~اثني عشر ألف سنة - كانت السلائل البشرية قد تميزت بعضها عن بعضها. # قال الفيلسوف المعاصر «ولز» الإنجليزي ~~“H. G. Wells” # إن ~~العلماء كانوا لا يزالون يقسمون البشر إلى ثلاث أو أربع سلائل منفصلة بعضها عن بعض منذ ~~القدم وهي سلالة سام، وحام، ويافث، اعتمادا على قصة نوح، الواردة في الكتب ms059 المقدسة ولم ~~يبدءوا بإخراج البشرية من هذا التقسيم، وبالاعتماد على نظرية أخرى معناها أن البشرية كلها ~~كتلة واحدة تباين بعضها عن بعض بالتأثيرات الجوية، والعوامل الأرضية والقوى المختلفة، إلا ~~منذ خمسين أو ستين سنة. ولكن العلماء لا يزالون مختلفين في بعض الشعوب هل هي عائدة إلى هذه ~~السلالة، أو تلك السلالة؟ لأن الجزم بذلك غير ممكن، فالسلائل المشهورة هي أربع، وكل منها ~~مختلط بالآخر؛ فأوروبا وشطوط البحر المتوسط وآسيا الغربية تسكنها منذ آلاف من السنين أمم ~~يقال لها السلالة القوقازية، وهي ثلاثة أقسام؛ الجنس الأشقر الشمالي، وقد زعموا أنه جنس ~~متوسط بين سلالتين، والجنس الآري الذي في وسط أوروبا، والجنس الأيبيري أو الساكن على شواطئ ~~البحر المتوسط. ثم تأتى السلالة الصفراء وهى في شرق آسيا، وفى أمريكا، ويقال لها السلالة ~~المغولية. وفى أفريقيا السلالة السوداء، ومنها في أستراليا وفى غينيا الجديدة، ثم إن ~~السلالة الأيبيرية المشتقة من السلالة البيضاء كانت في الماضي تسكن أقطارا أوسع مما تسكن ~~الآن، فلذلك لا تعلم في الحقيقة التخوم التي تفصلها عن السلالة السوداء، ولا الفواصل التي ~~تفصلها عن شعوب شرق آسيا. وقد ذهب «فيلفريد سكافن» إلى أن «هوكسلى # Huxley ~~» وهو عالم طبيعي إنجليزي ممن يقول بالنظرية الداروينية - كان ~~يقول: إنه يوجد بين المصريين وبين الدارفيديين - شعب أورال النائي جاء إلى الهند واستقر في ~~جنوبيها - وحدة في الأصل، وأن هناك نطاقا بشريا مستطيلا من ذوي اللون الأسمر كان يمتد ~~في القدم من الهند إلى إسبانيا. # قال ولز: ويجوز أن هذا النطاق يكون قد امتد حتى شطوط الاوقيانوس الباسيفيكي. وربما كانت ~~الشعوب الشمالية الشقراء، والمغولية الصفراء، فرعين من أصل واحد. # وهذه الشعوب الشمالية انفصل بعضها عن بعض، فتباعد ما بينهما باختلاف البيئة، ويظهر أنه ~~جاء وقت على التاريخ البشري انتشرت فيه ثقافة أولية حجرية ذات خصائص مميزة لها، وكان ~~انتشارها على شواطئ البحر المتوسط بين الشعوب المائلة إلى السمرة، ثم امتدت إلى الهند وإلى ~~شواطئ الصين، ثم إلى المكسيك والبيرو، ولذلك تجدها دائما على الشواطئ البحرية ms060 غير متغولة ~~في الداخل. # وذهب (اليوت سميث) إلى وجود عادات وعقائد عمة لهذه الأقوام الساكنة على هذه الشواطئ لا ~~تجدها عند الأمم الشمالية، ولا عند الأمم الجنوبية. ومهد هذه الثقافة الحجرية كان قبل ~~المسيح بخمسة عشر ألف سنة على ضفاف البحر المتوسط، والقسم الشمالي من أفريقيا. والمدنيات ~~الأولى أي مدينة مصر، ووادي الفرات، ودجلة، قد تولدت من هذه الثقافة الحجرية. وكذلك مدينة ~~العرب الرحل الساميين. # | التوراة وهل وقع فيها تبديل أم لا؟ # تعليق على ما جاء بسطر 3 صفحة 8 جزء أول من ابن خلدون # هذا مقام جليل دقيق لا بد للباحث فيه من أن يبلغ نهاية التروي حتى لا تدحض قدمه، ولا يقع ~~فيما يؤاخذ عليه. والذي يظهر من رأي ابن خلدون أنه لا يعتقد بتبديل التوراة أخذا بقوله ~~تعالى: # وعندهم التوراة فيها حكم الله # قال: فلو ~~كانوا بدلوا من التوراة ألفاظها لم يكن عندهم التوراة التي فيها حكم الله. ونقل عن ابن عباس ~~قوله: معاذ الله أن تعمد أمة من الأمم إلى كتابها المنزل على نبيها فتبدله. أو ما في معناه. ~~ثم قال: إن ما وقع في القرآن الكريم من نسبة التحريف والتبديل في التوراة إلى اليهود فإنما ~~يراد به التأويل فيها. ثم استدرك بقوله: «إلا أن يطرقها التبديل في الكلمات على طريق الغفلة ~~وعدم الضبط وتحريف من لا يحسن الكتابة بنسخها، فذلك يمكن في العادة، لا سيما وملكهم قد ذهب، ~~وجماعتهم انتشرت في الآفاق، واستوى منهم الضابط وغير الضابط.» قلت: وليس هذا مذهب جميع ~~المسلمين، فإن قضية التبديل في التوراة معروفة من صدر الإسلام، ومشار إليها في القرآن نفسه ~~بأن اليهود كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه، وإنهم كانوا يتعمدون كتمان بعض ما أنزل عليهم، ~~وقد ضربوا مثلا لذلك كون النبي # صلى الله عليه وسلم # سأل اليهود عما جاء في التوراة بشأن رجم الزانية ~~فأخفوا عنه آية التوراة المتعلقة بهذا الأمر. ومن المعلوم أن هذا وأمثاله مما شهد به القرآن ~~على اليهود، وجاء مثله في الحديث، لا يخرج ms061 عن كونه تبديلا، ولذلك صارت قضية التبديل في ~~التوراة مثلا مضروبا. كنت أسمع أستاذنا الشيخ محمد عبده رحمه الله يقول: «هذه توراة ~~مبدلة.» ولا أرى في نسبة التبديل إلى التوراة ما يخالف قوله تعالى: # وعندهم التوراة فيها حكم الله # لأن العبرة بالغالب، أو لأنه ~~يريد أن يقول: إن التوراة فيها حكم الله إذا كانت على وجهها الصحيح. وبالجملة فالمسلمون ~~منهم من حصر معنى التبديل في تحريف الكلم عن مواضعه. # ومنهم من اتهم اليهود بتبديل التوراة نفسها. # ومقدم هذه الطبقة هو أبو محمد بن حزم، فقد ذكر في كتابه «المال والنحل» وجود مناقضات ~~ظاهرة، وأكاذيب واضحة في «الكتاب الذي تسميه اليهود التوراة، وفى سائر كتبهم، وفى الأناجيل ~~الأربعة، يتيقن بذلك تحريفها وتبديلها وإنها غير الذي أنزل الله عز وجل.» ثم ذكر ابن حزم ~~المواضع التي حكم فيها بوجود الكذب والتناقض، وقال: «إنها من الكذب الذي لا يشك كل ذي ملكة ~~تمييز في أنه كذب على الله تعالى، وعلى الملائكة عليهم السلام، وعلى الأنبياء عليهم ~~السلام.» ثم قال قبل أن شرع في إيراد الأمثلة: «إننا لم نخرج من الكتب المذكورة شيئا يمكن ~~أن يخرج على وجه ما وإن دق، وبعد فالاعتراض بمثل هذا لا معنى له. وكذلك أيضا لم نخرج منها ~~كلاما لا يفهم معناه، وإن كان ذلك موجودا فيها. لأن للقائل أن يقول قد أصاب الله به ما ~~أراد، وإنما أخرجنا ما لا حيلة فيها، ولا وجه أصلا إلا الدعاوى الكاذبة التي لا دليل عليها ~~أصلا لا محتملا ولا خفيا.» # وقد جاء في الانسيكلوبيدية الإسلامية بقلم المستشرق الألمانى اليهودي هوروفتز - وكانت لنا ~~معرفة به وهو الذي ترجم لنا شعرا ارتجلناه عند زيارة بيت جوتة شاعر الألمان الأكبر، ونشر ~~ذلك في الصحف ولهوروفتز ترجمة شعر الكميت أيضا - أن ابن حزم أورد 57 موضعا يبين فيها ~~تناقضات التوراة والمستحيلات التي فيها. قلنا: إن أبا محمد بن حزم ذكر أن بأيدي السامرية ~~توراة غير التوراة التي بأيدي سائر اليهود، يزعمون أنها المنزلة، ويقطعون بأن ms062 التي بأيدي ~~اليهود محرفة مبدلة وسائر اليهود يقولون إن التي بأيدي السامرية محرفة مبدلة! قال: ولم يقع ~~إلينا توراة السامرية، لأنهم لا يستحلون الخروج عن فلسطين والأردن أصلا، إلا إننا قد أتينا ~~ببرهان ضروري على أن التوراة التي بأيدي السامرية محرفة مبدلة عندما ذكرنا في آخر هذه ~~الفصول أسماء ملوك بني إسرائيل.» انتهى. قلنا إن اختلاف توراة اليهود عن توراة السامرية ~~مسموع، وقد كنا في نابلس منذ ثلاثين سنة، وكان يتردد علينا إسحاق كاهن السامرية، ودعانا مرة ~~إلى الكنيس الذي لهم وهو شيء قديم جدا، وأطلعنا على توراتهم وقال: إن تاريخ نسخها يرجع ~~إلى ألف سنة. ومما أتذكره من كلامه - وكان عالما بمذهبهم - أن بين توراتهم وتوراة اليهود ~~بعض الاختلاف، وربما يكون ذكر لي مواضع الاختلاف أو بعضها، ولكنة لم يبق في خاطري ما ذكره ~~لطول العهد به. # ونعود إلى كلام ابن حزم؛ فهو يأخذ مثلا عبارات من التوراة ويبين ما فيها من الاستحالة ~~مثل: «ونهر يخرج من عدن فيسقي الجنان، ومن ثم يفترق فيصير أربعة أرؤس، اسم أحدها النيل وهو ~~محيط بجميع بلاد زويلة الذي به الذهب وذهب ذلك البلد جيد، وبها اللؤلؤ وحجارة البلور. واسم ~~الثاني جيحان وهو محيط بجميع بلاد الحبشة، واسم الثالث الدجلة وهو السائر شرق الموصل، واسم ~~الرابع الفرات، فقال: «في هذا الكلام من الكذب وجود فاحشة قاطعة بأنها من توليد كذاب ~~مستهزئ، أول ذلك أخباره أن هذه الأربعة تفترق من النهر الذي يخرج من جنات عدن.» وأفاض ابن ~~حزم في تكذيب ذلك بما لا حاجة إلى نقله هنا. ثم قال: فإن قال قائل: فقد صح عن نبيكم # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «النيل والفرات وسيحان وجيحان من أنهار الجنة.» قلنا نعم هذا حق لا شك ~~فيه، ومعناه هو على ظاهره بلا تكلف تأويل أصلا، وهي أسماء لأنهار الجنة كالكوثر والسلسبيل، ~~فإن قيل قد صح عنه عليه السلام أنه قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة.» قلنا هذا ~~حق، وهو من أعلام ms063 نبوته، لأنه أنذر بمكان قبره فكان كما قال، وذلك المكان لفضلة وفضل الصلاة ~~فيه يؤدي العمل فيه إلى دخول الجنة، فهي روضة من رياضها، وباب من أبوابها. # ومعهود اللغة أن كل شيء فاضل طيب فإنه يضاف إلى الجنة، وليس كذلك الذي في توراة اليهود، ~~لأن واضعها لم يدعها في لبس من كذب، بل بين أنه في النيل المحيط بأرض زويلة بلد الذهب ~~الجيد، ودجلة التي بشرق الموصل، وجيحان المحيط ببلد الحبشة، فلم يدع لطالب تأويل حيلة ولا ~~مخرجا. ثم قال نقلا عن التوراة: «وقال الله هذا آدم قد صار كواحد منا في معرفة الخير ~~والشر، والآن كيلا يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة ويأكل ويحيى إلى الدهر، فطرده الله من جنات ~~عدن» قال ابن حزم: حكاية عن الله تعالى أنه قال: هذا آدم قد صار كواحد منا مصيبة من مصائب ~~الدهر، وموجب ضرورة أنهم آلهة أكثر من واحد. وقد أدى هذا القول الخبيث المفترى كثيرا من ~~خواص اليهود إلى الاعتقاد أن الذي خلق آدم لم يكن إلا خلقا خلقه الله تعالى قبل آدم، وأكل ~~من الشجرة التي أكل منها آدم فعرف الخير والشر، ثم أكل من شجرة الحياة فصار إلها من جملة ~~الآلهة، نعوذ بالله من هذا الكفر الأحمق، ونحمده إذ هدانا للملة الزهراء التي تشهد سلامتها ~~من كل دخل بأنها من عند الله تعالى. # ثم قال في إحدى الأماثيل التي أوردها من التوراة: فلما ابتدأ الناس يكثرون على ظهر الأرض، ~~وولد لهم البنات، فلما رأى أولاد الله بنات آدم أنهن حسان اتخذوا منهن نساء! وقال بعد لك ~~نقلا عن الكتاب المقدس: «كان يدخل بنو الله إلى بنات آدم ويولد لهم حراما، وهم الجبابرة ~~الذين على الدهر لهم أسماء» وهذا حمق ناهيك به، وكذب عظيم، إذ جعل لله أولادا ينكحون بنات ~~آدم وهذه مصاهرة تعالى الله عنها. حتى إن بعض أسلافهم قال: إنما عنى بذلك الملائكة، وهذه ~~كذبة إلا أنها دون الكذب في ظاهر اللفظ، ثم مضى ابن حزم بلهجته ms064 الشديدة المعهودة المشهورة ~~في تكذيب التوراة، أو بالأحرى ما ينسب إلى التوراة مما ليس بالحقيقة منها، فأملى نحوا من ~~تسعين صفحة في هذا الموضوع. # ومن جملة ما ذكر عن الكتاب المقدس قضية لوط، وأنه أقام في المغارة هو وابنتاه، «فقالت ~~الكبرى للصغرى: أبونا شيخ وليس في الأرض أحد يأتينا كسبيل النساء، تعالي نسق أبانا الخمر ~~ونضاجعه ونستبق منة نسلا، فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة، فأتت الكبرى فضاجعت أباها ولم ~~يعلم بنومها ولا بقيامها، فلما كان من الغد قالت الكبرى للصغرى: قد ضاجعت أبي أمس تعالي ~~نسقيه الخمر هذه الليلة وضاجعيه أنت ونستبقي من أبينا نسلا، فسقتاه تلك الليلة خمرا وأتت ~~الصغرى فضاجعته ولم يعلم بنومها ولا بقيامها. وحملت ابنتا لوط من أبيهما، فولدت الكبرى ~~ابنا وسمته مواب وهو أبو الموابيين إلى اليوم، وولدت الصغيرة ابنا سمته ابن عمون وهو أبو ~~العمونيين إلى اليوم» إلخ. قال ابن حزم: في هذه الفصول فضائح وسوآت تقشعر من سماعها جنود ~~المؤمنين العارفين حقوق الأنبياء عليهم السلام، فأولها ما ذكر عن بنتي لوط عليه السلام من ~~قولهما «ليس أحد في الأرض يأتينا كسبيل النساء، تعالي نسق أبانا خمرا ونضاجعه ونستبق منة ~~نسلا» فهذا كلام أحمق في غاية الكذب والبرد! أترى كان انقطع نسل ولد آدم كله حتى لم يبق في ~~الأرض أحد يضاجعهما؟ إن هذا لعجب!» ا.ه. # وسحب ابن حزم سائر اعتراضاته هذا السحب مما لا حاجة لإعادته، فمن شاء فليراجعه في كتابه ~~«المال والنحل» وإنما أوردنا ما أوردناه هنا على سبيل التمثيل ولا شك في أن مثل هذه ~~الأقاويل لا تجوز على كتاب منزل، وإن نسبتها إلى كتاب منزل مضرة جدا بالدين، ومفسدة ~~للأخلاق، وإن المسلمين لا يعتقدون بأن مثل هذا يكون من التوراة الحقيقية. # ومن العجب أن التوراة مع اشتمالها على هذه الفصول المستهجنة، وهذه العبارات الغريبة ~~المدهشة، قد صدقها المجمع الكاثوليكي التارنتي الذي قرر أن التوراة الصحيحة في نظر الكنيسة ~~الكاثوليكية هي خمسة أسفار: موسى التي يقال لها الناموس، وكتاب الأنبياء ms065 المشتمل على كتب ~~يسوع، والقضاة، والملوك، ونبوات أشيعا وأرميا، وحزقيال، ودانيال، والاثنا عشر نبيا ~~صغيرا، وكذلك كتب: «باراليبونسيس واسدراس ونيحميا وطوبيا ويوديث وأيوب والمزامير، ~~والأمثال، والكهنوت، ونشيد الإنشاد، والحكمة، وكتابا المكابيين.» ولم يخرج الكاثوليكيون من ~~التوراة إلا كتاب أنوخ، وثلاثة أو أربعة كتب من اسدراس، وثلاثة أو أربعة كتب من المكابيين، ~~وكتاب منشى. # أما اليهود والبروتستانت فإنهم يخرجون من التوراة كتاب طوبيا، ويوديث والحكمة والكهنوت ~~وكتاب باروخ وبعض أقسام من كتاب أستير، وقصة سوسان وقصة الشبان العبرانيين الثلاثة ~~والكتابين الأولين من المكابيين، وقصة أوثان بعل، وداغون. هذا ما كان من العهد القديم، فأما ~~العهد الجديد فهو الذي يشتمل على الأناجيل الأربعة؛ متى، ومرقص، ولوتا، ويوحنا، وأعمال ~~الرسل، و14 رسالة من بولس، و7 رسائل من بطرس، ويعقوب، ويهوذا، ورؤيا يوحنا. وقد أخرج المجمع ~~التارنتي من العهد الجديد رسائل برنابا، ورسائل بولس إلى اللاوديقيين والي سنيكا وكتاب ~~السيد المسيح إلى أبقار، وكثيرا من الأناجيل. # وقد جاء في كثير من الكتب - حتى التي ألفها مؤلفون مسيحيون - تخطئة العهد الجديد أيضا، ~~فضلا عن العهد القديم. وتجد في معجم لاروس تخطئة إنجيل متى في نسب المسيح، فبعد أن ساق ما ~~قاله متى من أنه من سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر بطنا، قال: إن في هذه النسبة مشكلات لا ~~تقبل الحل، لأنه لا يوجد من سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر، وإنما هي ثلاثة عشر بحسب كلام ~~متى نفسه. فأما الذين أنحوا على الإنجيل الأربعة بالتخطئة ممن لم يبق عليهم من المسيحية إلا ~~الاسم فإنهم كثيرون جدا. وقد ازدادت الكتب المتعلقة بهذا المبحث بعد الحرب العامة كثيرا، ~~فقد عرضوا الأناجيل على المحك ومحصوها تمحيصا لا بأس بأن نشير إلى بعضه، ونورد عليه بعض ~~الأمثلة، لأن الاستقصاء في هذا الباب يستغرق مجلدات كثيرة، ونحن إنما نتوخى مجرد الإشارة ~~إلى الموضوع، حتى إذا كان للقارئ رغبة يمكنه أن يراجعه في مظانه، ولو كانت هذه الحواشي ~~للاستقصاء لم تكن لتنتهي. # جاء في الكتاب المتعلق بالسيد المسيح من تأليف ms066 الدكتور «بيئيه سانغليه» ~~“Biuel-Sanglé” # أحد أساتذة علم الروح في فرنسا، وذلك في الجزء الأول من ~~الطبعة الثالثة من الكتاب المذكور في صفحة 30 إلى صفحة 71 ما يأتي ملخصا: «إن أكثر رجال ~~العمل لا يفكرون في الكتابة والتأليف، وترى المتهوسين من أصحاب الدعاية الدينية لا يهتمون ~~بتقييد أعمالهم وتخليدها إلا بعد أن يدخلوا من العمر في الطور الذي يقتضى الراحة، فأما ~~تلاميذ المسيح فقد تأخروا عن كتابة تاريخ معلمهم بهذا السبب، وبسبب آخر هو اعتقادهم أنه لم ~~يبق وقت للكتابة لأن القيامة قريبة، فبقيت أعمال المسيح مدة عشرين إلا ثلاثين سنة محفوظة في ~~الصدور لا في السطور. # وقد ذكر «بابياس Papias ~~» الذي عاش في النصف الأول من ~~القرن الثاني وكان مطرانا على هيرابوليس، وهي البلدة التي أقام بها فيلبس الرسول أن ~~المكتبة الأولى للإنجيل كانت: ذاكرة شمعون الصفا، ويعقوب بن زبدى، ويوحنا بن زبدة ولاوي بن ~~القايوس أي متى، وتوما، وأندريا، وارستيون، ويوحنان، وفيلبس نفسه. فإن هؤلاء الذين كانوا ~~يحفظون تاريخ المسيح، وكانوا يروون حركاته وسكناته للناس شفهيا، إلى أن ألحت جماعات ~~المؤمنين عليهم بكتابتها في الورق فكانت من أجل ذلك الأناجيل الأولى التي يشهد بوجودها ~~الإنجيلي لوقا، ويشهد يايباس نفسه، فإن لوقا يقول ما يأتي: «إن كثيرين أرادوا أن يسطروا ~~روايات الوقائع التي تمت طبقا لشهادة من شاهدوا عيانا.» # وانظر إلى ما يقول يايباس في مقدمة كتابه المسمى «شرح أحكام الرب» خطابا لأحد أصحابه: ~~«لا أتردد من أجلك أن أحرر ما سمعته من الزكيتيم - الزكيتيم بالعبرية تقوم مقام الشيوخ في ~~العربية، وهي مشتقة من فعل زكن بمعنى علم وفطن وأنت تعلم أن العربية والعبرية من أصل واحد ~~والميم في العبرية كالنون في العربية فقولك الزكينين هو كقولك الزكينين - وما وعته ذاكرتي ~~لأجل إثبات حقيقة الشرح الذي شرحته، ولم أكن ناقلا عن الرواة المعروفين بفصاحة اللسان ~~وذلاقة التعبير كما يفعل الكثيرون، بل ناقلا عن معلمي الحقيقة، فإني لا أحب أن أروي عمن ~~يدخلون مبادئ أجنبية في كلامهم، وإنما أحب أن ms067 أروي الوصايا التي فرضها الرب والتي هي وليدة ~~الحقيقة. فإذا كنت صادفت بعض من كانوا في عشرة الزكينيم - أو الزكينين - فكنت أتحرى أن أعلم ~~ما قال اندريا، أو بطرس أو فيلبس أو توما أو يوحنان أو متى أو تلميذ آخر من تلاميذ السيد. ~~ولم أكن أعتقد أن ما هو في الكتب أفيد لي من سماع كلمة حية من أفواه هؤلاء، فمرقص كان ~~ترجمانا لبطرس، وكان يكتب كل ما سمعه من بطرس عن أقوال المسيح وأفعاله، لأن مرقص لم يسمع ~~المسيح ولم يصحبه، وكان يتبع بطرس حيث ذهب، وكان بطرس يعلم بحسب الظرف الذي يوجد فيه، وبدون ~~أن يهم بربط الروايات بعضها مع بعض، فمرقص لم يكتب إلا ما سمع من بطرس، ولم يكن له هم إلا ~~في تقييد كل ما سمع بدون زيادة ولا نقصان.» ثم إن يايباس يقول عن متى: «إن متى جمع كلمات ~~يسوع باللغة العبرية وترجمها كل بحسب استطاعته.» فالأناجيل الأولية إذن كانت إنجيلين؛ ~~أحدهما إنجيل مرقص الأصلي، والثاني مجموعة متى. وكان إنجيل مرقص خاليا من الترتيب، وكان ~~مرقص هذا ويقال له أيضا يوحانان من سلالة اللاوية، وكان يحمل لقبا يونانيا بحسب العادة ~~في ذلك الوقت، وكانت أمه تدعى مريم وفى بيتها كان يجتمع حواريو المسيح وكان قد قطع إحدى ~~أصابعه حتى لا يعود صالحا للكهنوت اليهودي، فكان «ههيبوليتوس» القديس يقول له: «مرقص ذو ~~الإصبع المقطوعة» وقد روى «اوزيبيوس» أنه لما كان بطرس الملقب بالصفا يعظ في روما كان الناس ~~الذين يتلقون البشارة منه يترجون مرقص أن يقيد ذلك بالورق ويدفعه لمن يريد، فعرف بطرس ~~بالأمر فما نهاه ولا شجعه في البداية، ولكن بعد أن كتب مرقص إنجيله صار يتلى في الكنائس - ~~ولا يزال القبط يسمون كنيستهم بالكنيسة المرقصية - وعاش هناك بين سنة 45 و47 للمسيح. # أما مجموعة متى فقد كتبها هذا بين سنة 50 و60 وكان متى من الحواريين وكان متصوفا متقشفا ~~لا يأكل اللحم، ولا يشرب الخمر، وبقي في فلسطين اثنتي عشرة سنة بعد المسيح، ms068 ونشر إنجيله ~~بلغة العبريين، بينما كان بطرس وبولس يؤسسان كنيسة روما، فهذان الإنجيلان هما أقدم ~~الأناجيل. # وجاءت بعد ذلك الأناجيل الثانوية وكثر عددها، ولما تغلبت الكنيسة في الدولة الرومانية ~~أحرقت جانبا عظيما من هذه الأناجيل الثانوية، بحيث لم يبق منها إلا أسماء فقط، فمنها ~~إنجيل «اندرياس» جاء ذكره في منشور من البابا جيلاسيوس الأول سنة 494 ومنها إنجيل «بارنابا» ~~الذي ذكره «جيلاسيوس» ولم يكن يفترق عن إنجيل متى. ومنها إنجيل «باسيليديس» ذكره ~~«اوريجينيس» وقد كتب سنة 125. ومنها إنجيل «قيرنيتوس» وكان يهوديا مال إلى شريعة عيسى ~~وكتبه في نحو سنة 180 وكان يقول إن عيسى هو ابن يوسف من مريم. وقد ذكر هذا الكتاب القديس ~~هيبوليتوس. ومنها إنجيل «هيزيشيوس» الذي ذكره «ايروثيموس» (سنة 340 إلى سنة 420) ومنها ~~إنجيل يعقوب الصغير ذكره «جيلاسيوس» ومنها إنجيل يهوذا ذكره «ايرينابوس» (177-202) وكان هذا ~~الإنجيل مستعملا عند القاينيين وهي نحلة كانت تتمسك بكل شيء تحرمه الكنيسة وكانت تعظم ~~قابين. ومنها إنجيل «تاداى» ذكره جيلاسيوس. ومنها إنجيل «مقريون» ابن مطران سينوب ألفه سنة ~~130 وذكره ايرنايوس وهو مأخوذ من إنجيل لوقا، ولكنه لا يذكر الفصل المتعلق بميلاد يسوع، ولا ~~قصة الكرمة ولا الابن الشاطر. ومنها إنجيل متى الذي ذكره «اوريجينيس» ومنها إنجيل ~~«ساتورينوس» ذكره هيبوليتوس وتاريخه سنة220. ومنها مجموعة الأناجيل الأربعة بقلم «تاتيانوس» ~~الأشوري تلميذ يوستينوس وكان من النحلة التي تحرم أكل اللحم وشرب الخمر والشهوات البدنية. ~~وقد كتب هذا الكتاب سنة172 باللغة الآرامية ولا يوجد في هذا الإنجيل النسبة ~~الداودية. # وفى سنة 453 وجد «تيودوريتوس» أسقف سيروس - مدينة بقرب الفرات - مائتي نسخة من هذا ~~الإنجيل بين رعيته فمنعها. وفى سنة 545 اطلع فكتور أسقف «كابرى» على ترجمة لاتينية لهذا ~~الكتاب. ثم أناجيل الناسينيين ~~“Naasseniens” # و البيراتييبين ~~“Perates” # و السيتيين ~~“Sethiens” # ذكرها كلها هيبوليتوس، وفى الإنجيل الأول منها خطب ليعقوب بن ~~يوسف أخى يسوع. ومنها إنجيل السمعانيين ~~“Simoniens” # جاء ~~ذكره في المقدمة العربية لمجمع نيقية المنعقد سنة 325. ومنها الإنجيل الأبدي، جرى تأليفه في ~~القرن الثاني عشر ms069 بقلم راهب اسمه «جيوفاشينو # Giovacchino ~~» ~~وحرمة البابا وات سينيبالدو الذي عاش من سنة 1243 إلى سنة 1254، وبطرس الذي عاش سنة 1276. ~~ثم تاريخ فرار مريم العذراء ويوسف إلى مصر، وهو منسوب إلى «ثيوفيلوس» الإسكندري وقد ذكره ~~السمعاني في المكتبة الشرقية (1687-1768) ومنها أسئلة مريم التي ذكرها ابيفانوس (320-403) ~~وفيها قضية تطهير الأنفس. ومنها إنجيل الكمال ذكره ابيفانوس ومنها الإنجيل الحي كان منتشرا ~~بين المانويين. # ويوجد أناجيل أخرى محفوظة منها بعض قطع، وذلك مثل إنجيل حواء وكان معروفا عند ~~الاوفيتيين ~~“ophites” # الذين كانوا يعبدون الثعبان، وهو ~~مشابه لإنجيل الكمال. ومنها إنجيل «بارتاماى» الذي حرمه جلاسيوس، وجد فيه بعض المؤلفين ~~قطعا مهمة باليوناني والقبطي مترجمة عن العبري. ومنها إنجيل فيلبس من القرن الثاني وكان ~~هذا يحرم الزواج، ويذهب إلى أن النسل نتيجة مبدأ غير حسن، ولم يبق منه إلا قطعة ذكرها ~~ابيفانوس. # ومنها إنجيل شمعون الصفا ويذهب بوستينوس إلى صحته، وليس بينه وبين إنجيل متى إلا فرق قليل ~~وتاريخه من سنة 160 إلى 170 وبقي معمولا به إلى سنة 190، وفى سنة 1887 وجدوا في أخميم بمصر ~~في قبر راهب قطعة منه. ومنها إنجيل نوما المحرر في القرن الثاني بقلم بعض المسيحين من سوريا ~~باللغة اليونانية. ومنها إنجيل الحقيقة محرر سنة 150 ذكر منه هيبوليتوس بعض قطع. ومنها ~~تعاليم الرسل الاثني عشر، عثروا عليه بشكل مخطوط يوناني ويقال إنه كان في القرن الثاني. ~~ومنها إنجيل الاثني عشر حواريا وجده ريفيليو ~~“Revillout” # باللغة القبطية، ومنه مخطوط في مكتبة ستراسبورج وكاتبه يزعم أنه غملييل القديم الذي كان ~~يدافع عن شيعة يسوع أمام مجلس اليهود. وهذا الإنجيل تاريخه يرجع إلى القرن الثاني. ومنها ~~ذكريات الرسل أشار إليها يوستينوس سبع عشرة مرة، وكانوا يقرءونها كل يوم أحد في النصف ~~الثاني من القرن الأول. ومنها الإنجيل بحسب العبرانيين أو الناصريين كتب باللغة الآرامية في ~~أواخر القرن الأول، وهو يشبه إنجيل متى. ويذهب ايرونيموس وريشاد سيمون إلي أن هذا الإنجيل ~~أعلى درجة من إنجيل متى؛ فالغلطة التي غلطها متى في ms070 جعله زكريا ابنا لبريكيا مصححة في ~~إنجيل العبرانيين الذي يجعله ابن يووادا. وقد كان هذا الإنجيل مستعملا في فلسطين وسوريا ~~وبقي منه اثنتا عشرة قطعة وأشار إليه «اغناطيوس» في رسائله إلي أهل أزمير و«طيطوس» ~~و«فلافيوس» و«كليمان» و«اوريجينيس» و«اورينيموس». وليس في هذا الإنجيل ذكر لبكارة مريم ثم ~~إنجيل العبرانيين الابيونيم وهم جماعات في السامرية كانوا يحافظون علي بعض عادات اليهود ~~لكنهم كانوا يمتنعون عن أكل اللحم وكانوا يحبون الاغتسال كثيرا، ويعيشون في الفقر. ~~وإنجيلهم هذا مشتق من إنجيل الحواريين الاثني عشر، وليس فيه نسبة يسوع، ولا حمل مريم له ~~بصورة عجيبة ولا قصة ملوك المجوس، ولا قصة فرار مريم بيسوع إلي مصر. وهم يقولون: إن يسوع هو ~~ابن يوسف من مريم، ولم تكن مريم بكرا، ولا كان يسوع إلها. وقد حفظ ابيفانوس قطعة من هذا ~~الإنجيل. ثم الإنجيل بحسب المصريين كتب باللغة الآرامية سنة 150 يقرب من إنجيل لوقا، وإنجيل ~~متى، وهو ينسب إلي يسوع ألفاظا غريبة. وقد ذكره تيتوس، وفلافيوس، وكليمان، وغيرهم. ثم ~~الإنجيل المتهود وهو منسوب إلي فوسطس كليمانس ولا يوثق به. ووجد «بيكل» ~~“Bickel” # في فيينا قطعة من إنجيل لم يعرف ~~صاحبه. ويوجد كتاب فيه كلمات منسوبة إلي يسوع لا توجد في الأناجيل واسمه أغرافا ~~“Agrapha” # وكشف ريفليو قطعا فيها أخبار ~~عن مريم في صغرها، كان يسوع يحدث بها الرسل، ونشر ذلك في الجريدة الآسيوية. ووجد طرس في ~~البهنسا من مصر يحتوي واحدا وعشرين سطرا علي الوجهين، يظهر أن تاريخها راجع إلي سنة200، ~~ووجد خبر موت القديس يوسف الناصري النجار والد السيد المسيح - بحسب زعمهم - عثروا على ثماني ~~ورقات من هذا الكتاب. ووجد خبر موت العذراء مريم في مخطوط قبطي نشره «إدوار دولورييه # Dawruliey ~~». # ثم إنه يوجد أناجيل محفوظة بتمامها ووثائق أخرى سامية متعلقة بالسيد المسيح وعائلته منها ~~الكتاب المسمى عقيدة «أداى» ~~“Addai” # وهو مؤلف سرياني من ~~القرن الرابع كتب تحت إملاء بارسلناك كاتب «أبقار» ~~“Abgar” # الأسود ملك الرها من سنة 13 إلى سنة 50، وجد من هذا الكتاب ms071 مخطوط تاريخه القرن الخامس عثر ~~عليه «كيرتون # Cureton ~~» سنة 1876، وقد وجد في هذا الكتاب ~~مكتوب من «أبقار» يسوع يرجوه أن يحضر إليه في الرها حتى يشفيه من مرض هو مصاب به. ومكتوب من ~~يسوع إلى أبقار يذكر له فيه أن كل من يؤمن به ينال الخلاص، وأنه سيرسل إليه أحد تلاميذه ~~ليشفيه من مرضه. وقد ذكر أوزيبيوس (265-340) هذين الكتابين في تاريخ الكنيسة، ولم يشك كثير ~~من العلماء في صحتها، منهم «تيلمونت # Tillemont ~~» والسمعاني ~~و«كاف # Cave ~~» و«جراب # Grabe ~~» و«رنك # Rinck ~~» وفيلبس. # ثم إنجيل برنابي وصاحبه يزعم أنه عاش في زمن يسوع، وكان مخالطا له ولأمه، وهو يذكر أنه ~~لم يكن إلا نبيا من الأنبياء، وأن الصلب إنما وقع على يهوذا الإسخريوطي لشدة شبهه بعيسى، ~~وأن عيسى رجع إلى أمه وتلاميذه ولم يصلب، وهذا الكتاب هو تأليف أحد المسلمين. # قلنا: إن الحكم بدون دليل لا يصح، فقول الدكتور بينيه سانغليه «إن هذا الكتاب تصنيف أحد ~~المسلمين» بدون ذكر المسلم الذي صنفه، بل بمجرد الظن ليس بوارد، فالظن لا يغني من الحق ~~شيئا، وكان عليه أن يأتي من الأدلة على هذا الزعم، فإن كان الدليل عنده على هذا هو نفي ~~الصلب والقول أنه وقع على غير عيسى تشبيها له به، فليس المسلمون وحدهم قالوا بهذا، وهذه ~~الرواية موجودة من زمن عيسى نفسه، حتى إن إميل لودفيج اليهودي الألماني المشهور بتأليف ~~التراجم ذكر في آخر كتابه الذي ألفه لهذا العهد عن المسيح أنه لما سرق النصارى جثة عيسى من ~~المغارة بعد الصلب جاء اليهود وشكوا إلى بيلاطوس النبطي سرقة جسد عيسى وقالوا له: كيف يمكن ~~بدون التواطؤ مع الحكومة أن يتمكن النصارى من إخراج الجسد من المغارة؟! وشائع اليوم كثيرا ~~أن عيسى لم يصلب، وأن الصلب إنما وقع على غيره. وقد استوفينا قضية الصلب هذه في حواشينا على ~~«حاضر العالم الإسلامي» في عرض الكلام على كتاب «درمنجهم» الذي أراد التوفيق بين الإسلام ~~والنصرانية، فمن شاء فليراجعها هناك. وقد نشر الأستاذ صاحب المنار - رحمه ms072 الله - مباحث في ~~هذا الموضوع ورسالة سديدة لأحد الدكاترة المصريين. # وبديهي أن من الأناجيل المحفوظة بتمامها إنجيل مرقص وإنجيل يوحنا وإنجيل متى وإنجيل لوقا، ~~وهي الأربعة التي يعول عليها النصارى. # ثم هناك كتاب يقال له «طولدوس يسوع» ~~“Toldos Jeschou” # وهو مؤلف عبراني من القرن الثاني عثروا عليه في أواخر القرن الثالث عشر، ونشر سنة 1681، ~~وفيه أكثر القصص المذكورة في الأناجيل، وفيه ذكر موت يعقوب أخي المسيح. ثم تلمود أورشليم ~~وبابل، وفيه ذكر المسيح. ثم قصة المسيح وهو صغير بقلم توما الفيلسوف الإسرائيلي يذكر معجزات ~~عيسى وهو محفوظ بكل اللغات السريانية واليونانية واللاتينية. ثم مكتوب يسوع النازل من ~~السماء ذكره ليسنيانوس أسقف قرطاجنة في القرن الرابع للمسيح. ثم تاريخ يوسف النجار كتب في ~~مصر في القرن الثاني وهو بالقبطية. ثم قصة مولد مريم وهي ثلاثة أقسام؛ اثنان منها كتبا في ~~القرن الثاني والثالث في القرن السادس. وفي هذا الكتاب مذكور ولادة مريم ومنشؤها في الهيكل، ~~وزواجها وحملها بيسوع، وغضب يوسف النجار عندما علم أنها حامل، وهذا الكتاب محرر باليونانية. ~~ثم كتاب ولادة مريم وطفولية عيسى لمؤلف مجهول اسمه متى، ويظهر أنه من القرن السادس، وفيه ~~قصص وردت في كتاب ولادة مريم، وفي كتاب توما الفيلسوف الإسرائيلي مع زيادات وهو محرر ~~باللاتيني. ومثله كتاب عن ولادة مريم أيضا كتب في القرن الخامس باللغة اللاتينية. ثم ~~مكاتيب السيدة مريم إلى أهالي مستينس وفلورنسا، وجواب السيدة مريم إلى أغناطوس، وهذه ~~المكاتيب ظهرت سنة 1495 في خاتمة تاريخ «توما ~~دوكانتربوري» ~~“Thomas de Cantorbery” # ثم كتاب عن مريم أيضا جاء ذكره في منشور البابا جيلاسيوس ~~وهو منسوب إلى يوحانان بن زبده. وقد وصل إلى الناس هذا الكتاب بالعربية. وكتاب آخر يتعلق ~~بمريم تأليف ميلتون مطران السارد تاريخه القرن الثاني. ثم رسالة للقديس يوحانان اللاهوتي ~~على قيامة مريم من بين الأموات مظنون أنه كتب في القرن الثاني عشر، ثم الإنجيل المسمى ~~بإنجيل الحداثة كتبه أحد النساطرة الذين ينكرون وجود المطهر، ولا يقولون بعزوبة القسيسين، ~~وقد وصل إلى ms073 الناس باللغة العربية، ولعله مترجم عن السرياني ثم الرسائل المنسوبة إلى يعقوب ~~بن يوسف، وإلى يهوذا بن يوسف أخوي عيسى. ثم أعمال الرسل تأليف لوقا، ثم تاريخ الكنيسة ~~لأوزيبيوس (260-340)، فجميع هذه الكتب ما عدا الأناجيل الأربعة عدت أحاديث خرافة وحرمتها ~~الكنيسة، واضطر الذين بأيديهم منها شيء أن يخفوه. وبرغم هذا فقد كانت من القرن الخامس إلى ~~القرن السدس عشر منتشرة جدا، وربما كانت هي السبب في انتشار العقيدة المتعلقة بمريم حتى ~~انتهى الأمر بأن عبدوها. فأما الأناجيل الأربعة فقد تقررت صحتها في المجمع اللاوديقي في ~~أيام البابا سلفستر الأول (270-337) وفي مجمع قرطاجنة المنعقد سنة 397 وقد ثبت ذلك البابا ~~جيلاسيوس الأول سنة 494، وأقدم هذه الأناجيل الأربعة إنجيل مرقص، وهو رأي «فيلكه # Wilke ~~» و«فابس # Weiss ~~» ~~وأرنست رينان وجول سوري وألبير ريفيل وإدمون ستايفر، وليس في هذا الإنجيل زيادة ولا نقصان، ~~وليست فيه النسبة الداودية ولا أعجوبة الحمل ولا ميلاد المسيح ولا صعوده، وإنشاؤه ساذج، ~~ولذلك فقيمته التاريخية عظيمة، ويأتي بعده إنجيل متى وقد كتب بالعبرية، وترجم إلى ~~اليونانية، وكاتبه يروي روايات غير مضبوطة، فيها كثير من التعسف، ويزيد وينقص، ويحرف ويبدل، ~~ويضع في يوم واحد حوادث وقعت في يومين مختلفين، ولا يتنبه إلى أنه قد روى القصة مرتين، ~~ويحاول أن يعلل كيف أن يسوع الذي كان أكبر من يوحنا المعمدان جاء يطلب من يوحنا أن يعمده، ~~وفي المحل الذي يذكر مرقص مريضا واحدا نال الشفاء على يد عيسى يذكر هو مريضين، وفي المحل ~~الذي يقول مرقص فيه لفظه «كثير» يقول متى «الجميع» والفتاة النائمة يقول عنها إنها ميتة، ~~وقد ورد في إنجيل مرقص: «لماذا تدعونى صالحا ما من صالح غير الله.» فمتى يبدل ذلك قائلا ~~عن لسان المسيح: «لماذا تسألوني عما هو صالح لا يوجد إلا صالح واحد.» ومحل «طوبى للفقراء» ~~يقول «طوبى للفقراء بالعقل» ومحل «الجياع» يقول «الجياع إلى العدل» ثم إن متى يحذف الجملة ~~التي وردت في إنجيل مرقص من أن أقارب يسوع ظنوا به جنة، ومتى ms074 يتعب كثيرا لإثبات أن عيسى ~~ولد في بيت لحم وأن جميع النبوات المتعلقة بالمسيح قد تمت به، وهكذا يؤول ما جاء في العهد ~~العتيق متعلقا بحوادث لا صلة بينها وبين المسيح، وهو يحذف ما جاء في إنجيل مرقص من زيارة ~~النساء لقبر المسيح وكونهن لم يكن منتظرات قيامه من بين الأموات. ثم إنه يذكر التوراة إحدى ~~عشرة مرة، وفى نقله عنها يخلط خلطا كبيرا، إما في النص أو في اسم القائل، إلى غير ذلك من ~~التحريف والتبديل وفيه كثير من الخرافات. فأنت ترى أن مؤلف هذا الكتاب الذي لا يوجد أوسع ~~منه في هذا الباب يطري في الصدق إنجيل مرقص، ويبالغ في انتقاد إنجيل متى. والحال أنه منذ ~~ثلاث سنوات ظهر كتاب عنوانه «لأجل فهم حياة يسوع» تأليف الأستاذ «بروسبير الفاريك # prospere Alfaric ~~» المدرس بجامعة استراسبورغ ذهب ~~فيه الأستاذ المذكور مذهب من يرى أن أكثر ما ورد في إنجيل مرقص مطبق عمدا على نبوءات سبقت ~~في العهد القديم، سواء كانت الحوادث المروية صحيحة أو غير صحيحة، وهذا من قبيل الدعاية لا ~~التاريخ. وقد اجتهد هذا المؤلف أن يثبت كل ما هناك من التناقضات تارة، ومن الأخبار المخالفة ~~للطبيعة طورا، مثل أن الدنيا كلها أظلمت من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة أثناء ~~احتضار السيد المسيح على الصليب، وأنه انشق حجاب الهيكل وغير ذلك من القصص، وكذلك ظهر كتاب ~~جديد اسمه حياة يسوع للمسيو «مورليس غوغويل # Goguel ~~» من ~~علماء فرنسا توخى فيه الرد على الدكتور «كوشو # Couchoud ~~» ~~الفرنسي وغيره من علماء الألمان والهولنديين والإنجليز الذين لم يجدوا في الأناجيل حقائق ~~تاريخية تثبت على التمحيص، بل كل ما وجدوا فيها تقريبا هو من باب الدعاية الدينية ~~المحضة. # ومنهم من رجح كون المسيح رمزا، وأنه لم يوجد أصلا. فالمسيو غوغويل يبين ما في هذه ~~الأقاويل من المبالغات، وهو يقول إن وجود عيسى محقق، وأن الأخبار الواردة في الأناجيل يمكن ~~ربط بعضها ببعض وأخذ نتيجة تاريخية صحيحة منها، وهو يرى أن ادعاء كون المسيح رمزا ms075 فيه من ~~المشكلات التاريخية أكثر من القول بأنه وجد بالفعل. # نعم إن المسيو موريس غوغويل يعتقد أن كثيرا من روايات الأناجيل غير واقعية، بل مطيقة على ~~التقاليد النصرانية تطبيقا لمجرد الدعاية، أو بحسب الاعتقاد وأن هذا في واد والتاريخ في ~~واد. وكذلك رينان في كتابه الشهير «في حياة يسوع» يعترف بتطبيق بعض الروايات على النبوات ~~السابقة تعمدا أو تعملا. # ولنعد إلى بحث الدكتور «بينيه سانغليه» فهو يذكر أن إنجيل لوقا كتب سنة 64 وأن لوقا لم ~~يكن من الذين عاصروا المسيح، ولا كان يهوديا، ولكن في كلامه كثير من العبري والأرامي فهو ~~بدون شك من أصل سامي. وقد كان لوقا فيما يظهر من المتصوفة وكان مذهبه في التاريخ أن يجمع ~~ويرتب الحوادث بدون اعتناء في أمر صحتها وعدمه. # ولكنه لم يكن يسلم من التكرار والتناقض. ويظهر أنه كان طبيبا، وله عدا الإنجيل المذكور ~~كتاب اسمه «أعمال الرسل». وهذه الأناجيل الثلاثة لم يأت القرن الثاني للمسيح حتى كانت هي ~~المساند المعول عليها عند جميع النصارى. أما إنجيل يوحنا بن زبدي فقد كتب بين سنة 80 و90 في ~~آسيا الصغرى وهو يأخذ عن الأناجيل السابقة، وعن وثائق لم يطلع عليها مرقص ومتى. وقد كان ~~يوحنان هذا يهوديا وكانت كتابته بالعبرانية، وكان مطلعا على العهد العتيق، وكان يجهد في ~~إثبات أن المسيح هو ابن الله، ويأتي بجمل من العهد العتيق ليستخرج منها إشارات إلى مجيء ~~المخلص، ويكثر من الكنايات والاستعارات والتأويلات، وعندما يذكر أن المسيح قال: «اهدموا هذا ~~الهيكل وأنا أقيمه بعد ثلاث أيام» زعم أن مراده بالهيكل إنما هو جسده، وبرغم كل هذا فالذين ~~حكموا بصحة هذا الإنجيل عدد لا يحصى من العلماء، وذهبوا إلى أنه ناقل أمين، وأن يوحانان هذا ~~كان أعلم بالأسماء والأعلام من أصحاب الأناجيل الأخرى، وربما أوضح أمورا من أقوال المسيح ~~وعلاقاته مع أحبار اليهود وأعماله في القدس قد فاتت أصحاب الأناجيل الثلاثة الأولى. # وبرغم أن في كلامه عن أيام المسيح في القدس بعض سقطات فهو في هذا ms076 الموضوع أعلى درجة من ~~مرقص ومتى ولوقا. وذهب بعضهم إلى أن يسوع في إنجيل يوحنان هو يسوع الحقيقي التاريخي. وقال ~~آخرون: إن أوثق الأناجيل هما إنجيل مرقص، وإنجيل يوحنا المذكور. وطعن بعضهم في يوحانان ~~المذكور فقالوا: إنه كان جاهلا متكبرا متعصبا منتقما، وكانت فيه ميول شاذة، وكان ~~تلميذا ليوحنا المعمدان وأن والده كان صياد سمك فترك والده واتبع المسيح، وقال عن نفسه: ~~إنه التلميذ الذي كان يسوع يحبه، وبعد موت المسيح صار من رؤساء الفرقة المسيحية، فحبس ~~واضطهد، وكانت وفاته في أفسوس سنة 98. وقد كان لإنجيله نجاح عظيم، لأن الناس كانوا يعلمون ~~خلطته بالمسيح من البداية ومن قبل متى. وقد سأله بعض المؤمنين عن رأيه في أصحاب الأناجيل ~~الثلاثة التي سبقته فقال: إن الذي أهملوه من جهة المعجزات التي يجب أن تروى كان شيئا ~~قليلا. فرغب إليه المؤمنون بسد النقص الذي وقع في الأناجيل الأخرى ، فكان ذلك هو الحامل له ~~على وضع إنجيله. # وكانت هذه الأناجيل الأربعة مكتوبة على ورق البردي، وما انتهى القرن الثاني حتى وجد منها ~~ستون ألف نسخة! ويقال إنه يوجد اليوم 1077 مخطوطا من الأناجيل الأربعة، وأن أقدمها هو ~~إنجيل تاريخه القرن الرابع عثر عليه «تشندورف» فى جبل سيناء في 4 فبراير 1859. ~~انتهى. # ثم إن الدكتور بينيه سانغيليه تكلم عن قيمة الأناجيل التاريخية فنقل أكثر الأقوال ~~المختلفة في هذا الموضوع، ورجح الرأي القائل بأن أصحابها كانوا قوما سذجا رووا الأمور على ~~علاتها، وإنهم لو كانوا من أهل الصنعة والدهاء لم تقع في أناجيلهم الأغلاط والتناقضات التي ~~وقعت. نعم إن سذاجتهم أوقعتهم في أخطاء كثيرة كما هو الشأن في كل ساذج يريد أن يروي قصة، ~~لكن مما لا جدال فيه أنهم لم يضعوا أكاذيب من عندهم، وغاية ما هناك أن هوسهم كان يحملهم على ~~نقل أشياء غير مطابقة للواقع. # فالقارئ يرى مما لخصناه هنا عن العهدين العتيق والجديد أن الاختلاف واقع في كل منهما؛ ~~فالعهد العتيق قد أضاف إليه اليهود ما لا يليق بالكتب المنزلة بوجه من ms077 الوجوه كما تقدم ~~الكلام عليه، فلم يكن التبديل منحصرا في تحريف الكلام، ولا في تأويله كما ذهب إلى ذلك ابن ~~خلدون رحمه الله، هذا فضلا عما وقع من الاختلاف في الأقسام التي يجب أن تعد من التوراة، ~~والأقسام التي يجب إخراجها منها. # وأما العهد الجديد فان التناقضات واقعة فيه من كل مكان، فمنه أناجيل رفضتها الكنيسة ~~بالمرة، ومنه أناجيل لم ترفضها الكنيسة بالمرة ولكنها لم تدخلها في الكتب الكنسية المعول ~~عليها، ومنها الأناجيل الأربعة التي قررت المجامع العمل بها، وليس رفض الكنيسة لبعض ~~الأناجيل وبعض التواريخ المتعلقة بها بالعهد الجديد دليلا كافيا على عدم صحتها، لأن ~~الكنيسة تنفي كل ما هو خارج منها عن عقيدتهم، ودليل ذلك أن ما ينفيه الكاثوليك مثلا قد ~~يثبته البروتستانت، فالاختلافات بين الأناجيل المردودة والأناجيل المصدقة لا تكاد تحصى. ~~وأهم من هذا أن الأناجيل المصدقة والمعول عليها هي أيضا لم تسلم من الاختلافات ولا من ~~الأخطاء كما أجمع على ذلك العلماء الأوروبيون الذين محصوها. # وقد يعترف العلماء المسيحيون أيضا بوقوع الاختلاف فيها، لكنهم يردونه إلى التأويل ~~ويجعلونه من الأعراض التي لا تمس جوهر الحقيقة، وهذا فيه نظر. وعلى فرص جواز هذا القول فإن ~~وجوه الاعتراض الكثير الواقع على الأناجيل من جهة العلماء المدققين غير المؤمنين بالدين ~~المسيحي إنما هي من مخالفة روايتها للسنن الطبيعية، ومن جهة كونها إنشاء جماعة إن لم يجز ~~وصفهم بالكذب لم يجز وصفهم بالعلم، وها كله لا ينفي ما يجب من حرمة التوراة وتقديسهما وفقا ~~لما في القرآن العظيم الذي يوجب لهما هذه الحرمة من حيث وجودهما الأصلي، ولكنه لم يضمن صحة ~~نسخ التوراة ونسخ الإنجيل التي تعاورتها أيدي الناس بالحذف والتبديل بحسب الأهواء والله ~~تعالى من وراء العلم. # | تاريخ العرب الأولين # تعليق على ما جاء في السطر 18 من الصفحة 23 من الجزء الأول من ابن خلدون # لا يزال المؤرخون عموما، والمتخصصون في تاريخ الأمم السامية، متفقين على كون تاريخ العرب ~~القدماء غامضا، وأنه لا يزال مفتقرا إلى وثائق كثيرة ms078 تجلو حقيقته، ولقد عثروا على كتابات ~~غير قليلة كشفت بعض نواح منه، إلا أن كثيرا من هذه الكتابات لا يزال مجهولا، وما دام هذا ~~القسم من الكتابات لا يزال مغيبا فلا يزال تاريخ العرب الأولين ناقصا. والآن تجد معول ~~المؤرخين في هذا التاريخ على بعض الكتابات التي تمكنوا من حلها في بلاد العرب، وعلى ما هو ~~وارد في تواريخ الأمم الأخرى من بابليين وأشوريين ومصريين وعبرانيين ويونانيين ورومانيين، ~~وكذلك على ما هو وارد عن علماء الإسلام بشأن عرب الجاهلية. # وقد جاء في الكتابات البابلية الخزفية التي عثروا عليها ما يدل على وجود ملك اسمه ~~«مانيوم» كان ملكا على «ماغان» أو بلاد العرب الشرقية. ويظنون أن «ماغان» هذه هي معان، كما ~~أنه ورد في محل آخر ذكر «ملوخ» الذي يظن أن منه اشتق اسم العمالقة. وكان السومريون ذوي ~~علاقات مع هؤلاء. ثبت إذن وجود العمالقة في التاريخ منذ ألفين وخمس مئة سنة قبل المسيح. ~~فأما الكتابات التي عثروا عليها في جزيرة العرب فهي ترجع إلى ألف سنة فأكثر قبل المسيح، ~~وأكثر من خدم العلم في كشف هذه الكتابات المنقوشة على الصخور هو بحسب ما ورد بالانسكلوبيدية ~~الإسلامية «يوسف هاليفى # Gosephe Halevy ~~» و«أدوار غلازر # Edoird Glaser ~~» وهذه الكتابات تنقسم إلى قسمين بحسب ~~اللغة؛ فالأول هي المعينية، والثاني هي السبئية نسبة إلى معين وسبأ، وهما قبيلان يقال إنهما ~~من حضر موت. وفى سنة الخمس مئة قبل المسيح كان ملوك مأرب في اليمن يطلق عليهم لقب ملوك سبأ، ~~ثم ظهر بعدهم الحميريون وتمكنوا في مأرب أيضا. وفى نحو السنة الثلاث مئة قبل المسيح كان ~~يقال للواحد من هؤلاء ملك سبأ وذي ريدان وحضر موت، ثم أضافوا إلى ذلك اللقب جملة «وعربهم في ~~الجبل وتهامة» وبقي ملك الحميريين هؤلاء إلى ما بعد استيلاء الأحباش على اليمن أي في القرن ~~الرابع بعد المسيح إلى القرن السادس. # وقد وجد العلماء كتابات منقوشة على الصخور من ذلك العهد. وكان غلازر الأنف الذكر هو الذي ~~كشف الكتابة الطويلة المتعلقة ms079 بسيل العرم، أي انفكاك سد مأرب، وهو الحادث العظيم الذي وقع ~~في سنة خمس مئة وثلاث وأربعين بعد المسيح وهذه الكتابة كتبها أبرهة ونصها: # بقوة الرحمان «رحمانان» ولطفه ورحمته وبمسيحه والروح القدس نقشت هذه الكتابة على ~~الحجر بأمر أبرهة الوالي من قبل الملك اليكسومى «وامفيس ذى يبامان» ملك سبأ وذي ريدان ~~وحضر موت ويمنات وعربهم في الوعر والسهل. # ثم وجد في هذه الكتابة إشارة إلى رسل ملك الروم وملك فارس والمنذر والحارث بن جبلة، مما ~~يدل على أن دسائس كل من الدولتين الرومية والفارسية كانت بدأت في جزيرة العرب منذ ذلك ~~العهد، ولم يطل الأمر حتى خلع أبرهة عامل الحبشة آخر الملوك الحميريين الملقب بذي نواس، ~~وأزال مملكة حمير وأبرهة هذا هو الذي زحف إلى مكة ومعه الفيل واليه أشار صاحب البردة بقوله: # كأنهم هربا أبطال أبرهة # أو عسكر بالحصى من راحتيه رمى # وفى ذلك الوقت تغلب العجم على اليمن لعهد كسرى الأول، فاستناب عنه رجلا يقال له وهريز. ~~ولما ظهر الإسلام كان في اليمن عامل لكسرى أبرويز الثاني يقال له «باذان» فأسلم ودخل بعد ~~ذلك اليمن في الحوزة المحمدية، ولم يقدر العلماء أن يكشفوا شيئا عن المملكة السبئية يرجع ~~إلى أقدم من سنة سبع مئة قبل المسيح. # فأما المعينيون فالظنون أن الكتابات المتعلقة بهم تملأ تواريخها خمسة قرون ويظهر أن ~~المعينيين كانوا معاصرين للسبئيين، وغاية ما هناك أنهم رجحوا أن أقدم الكتابات السبئية يرجع ~~تاريخها إلى أحدث الكتابات المعينية، وقد جاء في الكتابات المعينية ما يثبت وجود دولة ~~السبئيين في اليمن. وكان ملوك المعينيين مثل «خالى كاريبا صادوق» و«بحتيل ريام أبوتبع كرب» ~~في الزمن الذي كان فيه ملوك سبأ، والمظنون أن هذا كان بين سبع مئة وست مئة سنة قبل المسيح، ~~وقد جاء في كتابة معينية ما يفيد أن السبئيين وقبيلة أخرى اسمها «خولان» كانوا يشنون ~~الغارات على الطريق المؤدي من نجران إلى معان في بلاد الشراة جنوبي سورية، وقد أشار كتاب ~~أيوب من التوراة إلى هذه الغارات. # ووجدت ms080 كتابات أشورية سابقة لسنة السبع مئة قبل المسيح فيها إشارة إلى وجود أمير من سبأ ~~اسمه «أيطع آماده» يظن أنه كان في بلاد العرب الوسطى، وفي المظنون أيضا أن ملكة سبأ كانت ~~مالكة لشمالي بلاد العرب، هذا ولم تنفرد سبأ ومعين بملك اليمن، بل كان هناك دولتان قحطان ~~وحضرموت، فالجملة دول أربع أعظمها سبأ. # وكان للمعينيين مستعمرة في مدين نظرا لتجارتهم بالطيب، وقد ثبت ذلك في كتابات كشفها ~~العالم «أوتنغ # Eutung ~~» في «العلي» شمالي المدينة المنورة، ~~وسقطت دولة المعينيين في نحو الست مئة والخمسين قبل المسيح، وقد ورث السبئيون مستعمرتهم في ~~مدين، وفي ذلك الوقت تقدم نحو بلاد العرب دول أخرى مثل حكومة «نبوخذ نصر» فقد كشف أوتنغ و ~~«هوبر # Huber ~~» في تيماء كتابات تدل على كون حكم ~~الآراميين البابليين وصل إلى هناك، وربما كان الملك العربي الذي أشار إليه هيروتوس بأنه عاش ~~في نحو السنة الخمس مئة والعشرين قبل المسيح هو ملك اللحيانيين الذي قال يلينوس الروماني ~~المؤرخ ~~“Pline” # إن عاصمته كانت هجر. # فاللحيانييون هؤلاء يجوز أن يكونوا ورثوا المعينيين والسبئيين ووجدوا قبل النبطيين أي ~~كانت دولتهم بين الخمس مئة والثلاث مئة سنة قبل المسيح، ثم ظهرت آثار النبطيين في القرن ~~الثاني قبل المسيح، وبقيت دولة هؤلاء النبطيين إلى سنة مئة وستة قبل المسيح إذ تغلب عليهم ~~الرومان، وكانت مدينة النبطيين هي بتراء - أي وادي موسى اليوم - وكان يمتد ملكهم إلى مدين ~~وبلاد بني سليم الوارد ذكرها في نشيد الإنشاد من التوراة، وقد عثروا في وعرة الصفاة من ~~حوران على كتابات مشابهة لحروف الهجاء العربية اليمنية، أما الكتابة النبطية - موصولة ~~الحروف - فهي مشتقة من الفرع الآرمي من الكتابة الكنعانية، أو يرجح أنها هي أصل الكتابة ~~العربية التي اصطلحوا عليها في القرن الثالث بعد المسيح. # وأقدم كتابة عربية معروفة اليوم هي كتابة «نمارة» في شرق حوران، تاريخها سنة ثلاث مئة ~~وثمان وعشرين بعد المسيح، وهذه الكتابة تتعلق بملك يقال له امرؤ القيس هذا كان يمتد إلى ~~نجران اليمن. # جاء في ms081 الانسكلوبيديا الإسلامية أنه ربما كان امرؤ القيس هو أحد ملوك المناذرة اللخميين، ~~قلنا: هذا محقق، إذ جاء فيهم بحسب ما في تاريخ أبي الفداء ذكر امرئ القيس بن عمر، ثم عمرو ~~بن امرئ القيس، ثم امرئ القيس المحرق بن عمرو وهو والد النعمان الأعور، ثم جاء امرؤ القيس ~~بن النعمان وقد تابع أبا الفداء في ذلك جرجي زيدان السوري، وعلي ظريف الأعظمي العراقي، ~~وقابلنا بين هذه السلسلة التي ذكرها كل منهما وبين تاريخ صالح بن يحيى التنوخي فوجدنا أن في ~~سلسلة صالح بن يحيى ذكر امرئ القيس بن النعمان الأعور بن امرئ القيس المحرق بن عمرو بن امرئ ~~القيس الأول بن عمرو بن عدي اللخمي، وقابلناها مع سجل نسب العائلة الأرسلانية اللخمية ~~فوجدنا أن المنذر الذي أمه ماء السماء، أي المنذر الأول هو ابن امرئ القيس الثالث بن ~~النعمان الثاني ابن امرئ القيس الثاني بن النعمان الأول ابن عمور الثاني بن امرئ القيس ~~الأول بن عمرو بن عدي اللخمي. # فمن هنا يعلم أنه يوجد عدة ملوك من اللخميين باسم امرئ القيس، ولكن المقصود بالذات هنا هو ~~الملك الذي تولى منهم بين سنة مائتين وخمسين وثلاث مئة وثلاثين بعد المسيح. # فهذا امرئ القيس الأول الذي يقال لها لمحرق، ويقال له البدء فإنه ملك بين سنة مائتين ~~وثمان وثمانين وثلاث مئة وثمانية وعشرين، وقد كان اللخميون عمالا للأكاسرة كما كان ~~الغسانيون عمالا للقياصرة، وكان مقصد ملوك الفرس باستعمال ملوك الحيرة أن يكونوا فاصلا ~~بين الفرس والعرب، ويصدوا غارات القبائل العربية على العراق، ومثل ذلك كان مقصد ملوك الروم ~~بواسطة الملوك أولاد جفنة الغسانيين ردع العرب عن شن الغارات في جنوبي سورية. # فهذا جل ما يعرف من تاريخ العرب قبل الإسلام، وكلما توغل هذا التاريخ في القدم ازداد ~~غموضا كما لا يخفى، غير أن هناك حقيقة اتفق عليها الباحثون من علماء الإفرنجة ولا سيما ~~الذين نقبوا عن الكتابات الحجرية المبثوثة في جزيرة العرب، وهذه الحقيقة أنه في نحو الأف ~~سنة قبل المسيح كانت ms082 للعرب - لا سيما في اليمن - مدنية في غاية الارتقاء والازدهار، وبعض ~~العلماء يذهب # ومنهم صاحبنا الأستاذ المستشرق «موريتز # Morits ~~» الألماني ~~إلى أن أصل إيجاد الكتابة بالحروف بعد الكتابة الهيروغليفية كان في اليمن، وهو يعتقد أن ~~اليمانيين هم الذين اخترعوا الكتابة وليس الفينيقيون هم الذين اخترعوها كما هو الرأي ~~المشهور. # وقد أفضى موريتز إلي بأدلته على هذا الرأي وقال: إن الفينيقيين إنما بنوا كتابتهم على ~~الكتابة العربية اليمنية، ثم إن اليونانيين أخذوا الكتابة عن الفينيقيين وعنهم أخذ ~~الرومانيون، فيكون العرب هم الذين أوجدوا الكتابة في العالم، وبهذا الاعتبار هم الذين ~~أوجدوا المدنية. # وأما المستشرق «هومل # Hommel ~~» ففي الانسكلوبيدية ~~الإسلامية يذكر أخذ اليونان عبادة أبو لون وأمه «ليتو # Leto ~~» عن العرب وقال «روبيرتسون ~~سميث # Roberison smith ~~» إن ليتو هذه اللات، وإن اليونان بحسب رأي بريتوريوس أخذوا بعض ~~أحرفهم عن كتابة عرب اليمن، والبعض الآخر عن كتابة الكنعانيين قال هومل: إن جنوبي بلاد ~~العرب كانت فيه مدنية في أوائل الألف قبل المسيح بالغة الحد الأقصى من الازدهار بما تركته ~~من معابد وحصون ومحافد وقصور، وكتابات. # فأما الكتابة الحميرية وهي التي يقال لها الخط المسند، فقد جاء في الجزء الثامن من كتاب ~~«الإكليل» للفيلسوف العربي الحسن بن أحمد الهمداني صاحب كتاب «صفة جزيرة العرب» تصوير هذه ~~الكتابة كما سيأتي، وقد اشتهر كتاب «الإكليل» كثيرا، ولكن أكثره مفقود حتى في بلاد اليمن ~~نفسها، فقد بحثنا عنه فلم نجدهم يذكرون إلا جزأين، والحال أنه عشرة أجزاء، الأول مختص ~~بالمبتدأ وأصول الأنساب والثاني نسب ولد الهميسع بن حمير، والثالث في فضائل قحطان، والرابع ~~في السيرة القديمة إلى عهد تبع أبي كرب، والخامس في السيرة الوسطى من أول أيام أسعد تبع إلى ~~أيام ذي نواس، والسادس في السيرة الأخيرة إلى الإسلام، والسابع في التنبيه على الأخبار ~~الباطلة والحكايات المستحيلة، والثامن في ذكر قصور حمير ومدنها وما حفظ من شعر علقمة ~~والمرائي والمساند، والتاسع في أمثال حمير وحكمها باللسان الحميري وحروف المسند، والعاشر في ~~معارف حاشد وبكيل. # وقد اطلعت ms083 على الجزأين الثامن والعاشر في المكتبة الملوكية في برلين وأخذت صورتهما ~~بالفوتوغرافيا، وعلمت أن أحد هذين الجزأين لا يزال محفوظا في استانبول كما أني علمت أن ~~الجزء الثامن الذي يدور على القصور والمحافد والمساند قد طبعه الدكتور مولر وشرحه سنة 1879، ~~وأما سائر الأجزاء فما علمنا بوجودها. # وإليك الآن ما جاء في الجزء الثامن عن الخط المسند، قال الهمداني: باب حروف المسند، وهو ~~كتاب حمير ومثلاته في حروف أ. ب. ت. ث وغيرها. # قال الهمداني: أكثر ما يقع بين الناس الخلف فيما تقولوه في لسان حمير من اختلاف صور ~~الحروف، لأنه ربما كان للحرف أربع صور وخمس، ويكون الذي يقرأ لا يعرف إلا صورة واحدة، فلما ~~وقع الخلل في هذا الموضع رأينا أن نثبت تحت كل حرف من حروف، ألف، باء، تاء، ثاء، صورة ~~جميعها، وإنما كان اختلاف صور الحروف على سبيل اختلاف الكتاب العربي، وكانوا يطرحون الألف ~~إذا كانت وسطا مثل ألف همدان، وألف ريام، فيكتبون ريم وهمدن، كذلك تبع كتاب المصاحف ~~الحروف في مثل الرحمن، وألف إنسان ويثبتون ضمه آخر الحرف وواو عليهمو. ~~(إلى أن يقول): ويقرءون كل سطرين بخط، ويفصلون بين كل كلمتين في السطر بخط ومثل ذلك في ~~أول مسند هذه صورته: # والذي عليه جمهور المؤرخين والمنقبين اليوم، وفي مقدمتهم سبرنجر وشرادر، هو أن جزيرة ~~العرب هي مهد الأمم السامية وأن المهاجرة بدأت منها إلى الخارج. # وقد خالف في ذلك بعضهم وذهبوا إلى أنه يجوز أن يكون وقوع المهاجرة بالعكس أي بدلا من أن ~~يكون العرب ارتحلوا من الجزيرة إلى بابل، يجوز أن يكون بعض الأقوام الذين على شواطئ الفرات ~~قد ارتحلوا منها إلى الجزيرة العربية، فأما كون البربر من العرب، وأنهم جاءوا من جزيرة ~~العرب، وأن اللغة البربرية هي من اللغات السامية، فهذا سيكون البحث فيه بمكان آخر. # فبعض العلماء ومنهم «نولدكه» المستشرق الألماني المعروف يقول بهذا الرأي وبعضهم يرده، وقد ~~ذهب «هومل # Hommel ~~» إلى أن السبئيين كانوا في الجوف في ~~شمالي بلاد العرب (التابعة لابن ms084 سعود اليوم) وأنهم تقدموا منها إلى الجنوب، وقد جاء ذكر سبأ ~~في التوراة مرارا، ولكن بأقوال يناقض بعضها بعضا، وإنما يمكن الاتفاق على أن السبئيين ~~كانوا تجارا في تلك الأعصر يبيعون عود الطيب في مصر والشام ويتجرون بالحجارة الكريمة ~~والتوراة تشير إلى ثروة السبئيين، ويؤيد ذلك مؤرخو اليونان والرومان. # وقد ذكر «سترابون» المؤرخ الجغرافي اليوناني أن الرومانيين في زمن أغسطس غزو سبأ وذلك سنة ~~24 - أملا بالاستيلاء على أموال هذه الأمة - ففشلت هذه الغزوة الرومانية فشلا تاما، ~~ولكنها عرفت الرومانيين ببلاد العرب، فقد جاء في كتب مؤرخي الرومان واليونان مثل «ديودور» ~~و«هيرودوت» وغيرهما، كلام كثير عن حضرموت واليمن، ووجد مطابقا للكتابات التي عثروا عليها ~~في جنوبي الجزيرة العربية، ومن ذلك كله يظهر أن أهالي اليمن كانوا أشداء في الحروب، أصحاب ~~إقدام ونشاط في الأعمال، وكانت لهم زرعة راقية جدا وتجارة ممتدة إلى سائر الأقطار وعلاقات ~~اقتصادية مع مصر وفينيقية، وكان لهم قيام على الملاحة، وركوب البحر يعجب به ~~المؤرخون. # وكان السبئيون سباقين في هذه المزايا كلها، وكانوا أصحاب يسار وترف، ولكن يظهر أنه لما ~~غزا الرومان تلك البلاد بقيادة «جالوس # Gallus ~~» كان قد بدأ ~~ظهور دولة الحميريين وكان قد تقهقر السبئيون فالقائد جالوس يذكر أنهم - أي الحميريين - ~~أصحاب الكلمة العليا في اليمن. # وقد كان هذا في القرنين الأول والثاني قبل المسيح، ولكن السبئيين بحسب ما جاء في تاريخ ~~«بلين الروماني» كانوا لا يزالون ذوي سيادة ومكانة، وكانت بقيت لهم بعض المدن، وهذا مؤيد ~~بالكتابات المنقوشة على الصخور، وبآثار العمران، من أقنية وسدود وصهاريج، وبأقوال الهمداني ~~صاحب كتاب «الإكليل» و«صفة جزيرة العرب». # وقد ذكر بلين الروماني معادن جزيرة العرب، واستخراج هذه الأمة للذهب الذي زاد في ثروتها، ~~وسهل طرق مدنيتها، وأما محصول الطيب فقد كان خاصا بالسبئيين والمعينيين. # وفي أوائل القرن الثاني قبل المسيح تقدم الأحباش إلى بلاد سبأ، وصار إيزاناس يلقب بملك ~~حمير وسبأ، ويستدل من الكتابات المنقورة في الصخور أنه من نهاية القرن الثالث إلى الربع ~~الأخير من القرن ms085 الرابع للمسيح لم يكن في اليمن ملوك من أهل اليمن أنفسهم، وأن الحكم كان قد ~~صار للحبشة، ولذلك منذ أواخر القرن الرابع لا تكاد تجد ذكرا لسبأ في كتابات اليونان ~~والرومان. # وقد كان «سبرنجر» منذ نصف قرن لا غير يقول: «إن مؤرخي اليونان وبلين الروماني هم الذين ~~نستقي منهم جميع المعلومات عن السبئيين، وكذلك قبل هذا التاريخ كانت جميع المعلومات التي ~~لدينا عن جنوبي بلاد العرب هي ما جاء في العهد العتيق، وما يتناقله العرب من القصص التي ~~فيها من النخيل أكثر مما فيها من الحقيقة، فلما عثر المنقبون على ما عثروا عليه من الكتابات ~~هناك انكشف لديهم ما يجدر بأن يسمى تاريخا والفضل أكثر في كشف هذه الكتابات راجع إلى ~~غلازر. # وقبل غلارز كان «كارستن نيبور # Caresten Nie buhr ~~» ذهب ~~إلى جزيرة العرب في بعثة علمية أنفذتها الحكومة الدانماركية سنة 1763 وكان فيها «راتكن ~~الألماني» حدثني بذلك حفيده الأستاذ رانكن في هامبورغ. # فهذه البعثة التي هي أول بعثة علمية إلى جزيرة العرب تنبهت لقضية الكتابات المنقوشة على ~~الصخور، فجابت البلاد من لحية إلى مخا إلى تعز فصنعاء، وكان غرضها معرفة الجغرافية وأحوال ~~السكان، وأصولهم وأنسابهم، مع درس طبقات الأرض ونباتاتها، لكنها علمت بوجود كتابات في ظفار ~~لم تصل هي إليها، غير أن هولنديا كان قد أرسل إلى هذه البعثة نسخة عن كتابات عثر عليها، ~~وعلى كل حال فأول من نبه إلى هذه الكتابات ووجوب حلها خدمة للعلم هو «نيبور الدانماركي» ثم ~~تلاه «ستزن # Seetzen ~~» من أولدنبورغ فإنه نسخ الكتابات ~~المنقوشة على صخور ظفار وأرسل نسخة عن بعض جمل سبتية إلى أوروبا، وذلك سنة 1711، ولم يفهموا ~~مآلها في أول الأمر، ثم توصلوا إلى حلها فاشتدت رغبتهم في معرفة غيرها. # وفي سنة 1834 كشف الإنجليزي «ولستيد # Wellsled ~~» كتابة في ~~حصن غراب على ساحل حضرموت، وكتابة في محل يقال له «نقاب الحجر» وفي سنة 1836 كشف ~~«كروتندن # Crullenden ~~» خمس قطع سبئية في صنعاء، ثم نشر ~~الرحالة «فريده # wrede ~~» في سنة 1870 كتابات ms086 وجدها في ~~حضرموت، ثم إنه جاء «أرنود # Arnand ~~» وهو أول أوروبي توصل ~~إلى سد مأرب فنسخ عما وجده في مأرب وفي صنعاء 56 كتابة أكثرها كان جملا قصيرة، ثم كثر ~~الاطلاع على هذه الكتابات في بلاد اليمن، وكان الفضل في حل هذه الكتابات ومعرفة معانيها إلى ~~«جيسنيوس # Gesenius ~~» و«روديجر # Rodiger ~~» سنة 1841 وإلى «أوزياندر # Oseander ~~» (سنة 1856-1863) واطلعوا على كتاب ليعقوب بن صافر اليهودي كتبه ~~بالعبري في سنة 1866، فإنه ذهب من الحديدة إلى عمان على طريق صنعاء، وجاء في كتابه بمعلومات ~~ذات قيمة، وبها استدل «هاليفي # Halevy ~~» على الأماكن التي ~~يجب ارتيادها لأجل الاطلاع على الكتابات الحجرية. # ويظن أن هاليفي كان أول أوروبي تمكن من الإيغال إلى وادي نجران، وإلى الجوف اليماني مركز ~~بلاد معين، وبذلك تمكن من الاطلاع على كتابات كثيرة من أقدم عهود البشرية، ولم يطلع عليها ~~بعده غيره من الأوروبيين، فنسخ هاليفي 686 كتابا منها خمسون من الكتابات الطويلة، ومن هذه ~~الخمسين ثلاثون معينية. # وقد كان ما اطلع عليه هاليفي هذا هو الأساس الذي اتخذه العلماء للتاريخ العربي المتعلق ~~بجنوبي جزيرة العرب. # ثم ذهب إلى هناك الكابتن «ميلز # Miles ~~» ثم «هينرك ملتسان # Heinrich Von Maltzan ~~» الذي ارتاد سواحل حضرموت سنة ~~1870 ثم «ميلنجن # Millingen ~~» الذي ذهب من الحديدة إلى صنعاء ~~سنة 1873، ثم «مانزوني # Manzoni ~~» الذي جاب البلاد بين عدن ~~وصنعاء والحديدة سنة 1880، ثم «شاييرا» الذي جول في تلك البلاد سنة 1879 ثم «هاريس # Harris ~~» الذي ساح في اليمن سنة 1893، ولم يأت هذا الأخير ~~بكتابات جديدة ولكنه أتى بمعلومات عن تلك البلاد مهمة، ثم جاء «لانجر # Langer ~~» النمساوي فتوصل إلى 22 كتابة لم تكن معروفة من قبل، ومات ضحية ~~بحثه وتنقيبه، كما مات ستزن من قبله، وهوبر من بعده، وإن القارئ الذي يهمه هذا البحث جدير ~~بأن يطالع كتاب «فبر # Weber ~~» الذي أسماه «العرب قبل الإسلام» ~~“Arabien Vor dem Islam” # وكتاب هومل المسمى برحلة هلبرخت. # وأما «غلازر» الألماني البوهيمي فقد برع على الجميع لأنه تمكن من نقل ألفي ms087 كتابة حجرية، ~~وبدأ سياحته سنة 1882 فذهب من الحديدة إلى صنعاء، وجاب البلاد ثلاث مرات في الشمال والغرب ~~والجنوب الشرقي والشرق ثم ذهب إلى بلاد ظفار، كما أنه ذهب إلى مأرب ونقل أربع مئة كتابة ~~منها، وحقق معلومات جغرافية أطلسية كثيرة، ووقف على فوائد عظيمة من جهة اللغة، واقتنى أكثر ~~من ست مئة مخطوط عربي، فنشرت أكاديمية باريس جانبا من هذه الكتابات، والآن يوجد حجارة ~~عليها كتابات معينية في لوندرة وأخرى في برلين، فأما المخطوطات فأكثرها في برلين، ومنها ~~جانب في المتحف البريطاني، وأهم هذه الكتابات هي كتابة «حدقان» وكتابة «صراوح» التي منها ~~يؤخذ أهم الوثائق التاريخية على جنوبي بلاد العرب. # ولما سافر غلازر المرة الرابعة إلى اليمن حصل أيضا على مئة كتابة لم نعرفها من قبل، وعلى ~~251 مخطوطا عربيا وجمع معلومات كثيرة. # وأنه يعود أكثر الفضل في تفسير الكتابات واستخراج معانيها إلى هاليفي المار ذكره، ~~وبريتوريوس، وموردتمان، ومولر، وهومل، وغلازر، ثم قام بعض العلماء بسياحات أخرى في اليمن ~~منهم «دفلر # Deflers ~~» سنة 1887 لكن غرض سياحته كان علم ~~النبات، ثم «هرش» ساح إلى حضرموت سنة 1893، وهو أول أوروبي دخل «شبام» و«تريم» ولم يكن ~~باحثا إلا عن الأمور الطبيعية، ثم في سنة 1893 جاء «بانت # Beant ~~» إلى حضرموت فدخل شبام وظفار ثم جاء «كارلو لاندبرج # Carrlo ~~» في سنة 1896 وكتب رحلة مهمة، ثم أرسلت أكاديمية فينا سنة ~~1898 بعثة أنفق عليها ملك السويد فلم تفز بكبير طائل، فتحولت إلى جزيرة سقطرة وقامت هناك ~~بمباحث طبيعية ولغوية ثم إن «بوري # Bury ~~» جاء من قبل هذه ~~البعثة إلى «بيجان وخولان» وصور عدة كتابات، وفي سنة 1902 أرسلت أكاديمية فيينا رجلا اسمه ~~«هاين # Hein ~~» إلى حضرموت رجع بمعلومات كثيرة لم يكونوا ~~عرفوها. # هذا ويقال إن جميع ما اطلع عليه غلازر الذي هو إمام هذا الفن لم ينشر بأجمعه لأنه لم يتسع ~~له الوقت، ومات قبل أن يتمكن من نشر جميع معلوماته، وبعد موته نشروا في فيينا جانبا منها ~~لا كلها، وقد ذهب ms088 غلارز إلى أن الكتابات المعينية ترجع إلى ما قبل المسيح بألف سنة، فلذلك ~~اعترض العلماء على غلارز في هذا الزعم بحجة أن الكتابة المعينية مستقيمة وأشكالها هندسية، ~~ولا يظن أن مثل هذا الشكل يكون متوغلا في القدم إلى تلك الدرجة. # جاء في الانسيكلوبيدية الإسلامية أنه لم يوجد بين كتاب العرب من جاء بتاريخ حقيقي عن ~~اليمن، وبمعلومات مؤسسة على قواعد متينة مثل الهمداني، فقد كان هذا الرجل يمانيا مولودا ~~في صنعاء فحمله حب وطنه والإعجاب بقومه على تأليف كتاب «الإكليل» الذي ذكر فيه تاريخ اليمن ~~ووصف العاديات التي هي فيها. والجزء الثامن من الإكليل كان نشره مع ترجمة ألمانية الدكتور ~~«مولر # H.Muller ~~» كما تقدم وقد أخذ من الجزء العاشر ~~معلومات تكمل ما ورد في كتاب الهمداني الآخر المسمى «صفة جزيرة العرب» وقد كان في كتاب ~~الهمداني قصص أشبه بالأساطير نقلها الهمداني على علاتها إلا أنه برغم ذلك هو الكتاب العربي ~~الوحيد الذي يفهم منه القارئ ما اليمن، وفيه تفاصيل عن أنساب اليمن وطبائع أهلها وعن مواقع ~~مدنها وعن قصورها وحصونها لا توجد في كتب الإفرنج برغم جميع تدقيقاتهم. # وكذلك في إكليل الهمداني عن سبأ وعن سيل العرم ما لا يتم تاريخ اليمن إلا به، وقد ذهب ~~مولر إلى أن الكتابات الحجرية لا تكفي لجلاء تاريخ سبأ ومعين وبلاد اليمن، فأما قول ~~الهمداني إن باني سد مأرب هو لقمان بن عاد، فهو قول تابع فيه العوام والحقيقة التي ظهرت من ~~الكتابات أن باني السد هو إثيممر، فأما وصف آثار السد بعد خرابه فإن أرنود وهاليفي لم يصفا ~~تلك الآثار بغير ما صورها به الهمداني. # وقد قسم مؤرخو العرب أدوار اليمن قبل الإسلام إلى ثلاثة؛ الأول: من البدء إلى عهد تبع أبي ~~كرب، والثاني: من عهد أبي كرب إلى ذي نواس، والثالث: من عهد ذي نواس إلى الإسلام. ولكن ~~علماء الإفرنج قسموا هذه الأدوار إلى ثلاثة بشكل آخر فقالوا الدور الأول هو: السبئي ~~المعيني، والدور الثاني هو: الحميري، والدور الثالث هو: الحبشي ms089 فالفارسي، ولعل الوقت يأتي ~~بمعلومات أوضح ما تيسر حتى الآن، فإن تاريخ الأعصر الغابرة كان ظلمات بعضها فوق بعض فانكشف ~~جزء منها بالحفر والتنقيب وحل الكتابات القديمة، ولا يزال تحت التراب - وربما فوق التراب - ~~كتابات كثيرة لم يصل المنقبون إليها. # ولما كنت في الحجاز منذ ست سنوات، وصعدت إلى جبال الطائف، وجدت كتابات كثيرة على الصخور، ~~وقيل لي إنها مستفيضة في كل مكان تقريبا من جزيرة العرب، وقيل لي أيضا إن بين المدينة ونجد ~~كتابات لا تحصى، وكيف ضرب الإنسان في أرض جزيرة العرب يجد كتابات على الصخور، فإن من عادتهم ~~أن ينقشوا أخبار الحوادث التي تقع عندهم على الجنادل، وقد شاهدنا من هذه الأخبار المحفورة ~~على الصخر بالخط الكوفي شيئا كثيرا، وأوردت أمثلة عليه في رحلتي الحجازية. # ومرة قرأت في طريق وادي لية على صخر خبر قحط أصاب الناس وأجدبوا ثم بعث الله الغيث ~~وسقوا، على أن مؤرخي الإفرنج يعترفون بأن في كتب مؤرخي الإسلام روايات عن مدنية سبأ القديمة ~~والأدوار التي تلتها تنطبق أشد الانطباق على الكتابات المنقوشة في الحجر، وعلى المنابع ~~اليونانية والرومانية، وكلها تفيد أن مدنية سبأ كانت راقية وأرقى من المدنيات العربية ~~الأخرى، فالمباني القديمة الدائرة من آثار سبأ والنقوش والتماثيل وبقايا الأعمدة والهياكل، ~~والقصور والأسوار والأبراج وسدود المياه، مما شاهده سياح الإفرنج بأعينهم يطابق أشد ~~المطابقة الأوصاف التي وصف بها اليونان والرومان تلك الآثار المدهشة، ولا يجدون فيها ~~مبالغة، كما أنه عندما ينظر السائح إلى تلك الآثار الباهرة لا يعود متعجبا مما جاء عنها في ~~كتب الإسلام مما كان يظنه من أساطير الأولين، وحسبك بما ذكره الهمداني من قصر غمدان وغيره ~~من قصور سبأ مثل قصر سالحين ويبنون، وما ذكره عن عظمة سد مأرب وما كتبه مؤرخو اليونان ~~والرومان عن فخامة تلك القصور وهاتيك الأسداد والقلاع فهو مطابق للمحسوس للشهود ~~بالعيان. # فقد كن العرب في جنوبي الجزيرة في حاجة إلى خزن مياه الأمطار لأجل زراعتهم، فبلغوا من ~~الاعتناء ببناء السدود والحياض أقصى درجة يتصورها ms090 العقل، وترقت الزراعة في اليمن لذلك في ~~العهد القديم إلى حد لا يخطر ببال أحد. # وروى الهمداني أنه كان يقال لليمن: اليمن الخضراء لكثرة أشجارها وفواكهها ومحصولاتها، ولم ~~تكن الزراعة وحدها هي التي بلغت الأمد الأقصى من الرقي، بل ضارعتها التجارة من جهة والصناعة ~~من جهة أخرى، فأما خصب أراضي اليمن الذي روى عنه هذه الروايات مؤرخو اليونان والرومان ~~متفقين في ذلك مع مؤرخي العرب، فقد اعترف به سياح الإفرنج الذين جولوا في بلاد اليمن، إلا ~~أن هؤلاء أشاروا إلى تناقص الأشجار والغابات بالقياس إلى الماضي. # وقد ذكر الهمداني اعتدال الإقليم في جهات صنعاء بخاصة وهذا يطابق ما قاله غلازر وغيره من ~~السياح الأوروبيين، وهو أن أعالي اليمن معتدلة الهواء وأن هذا الاعتدال هو السبب في كثرة ~~محصولاتها. # ولقد شاهدت بنفسي في سياحتي إلى اليمن السنة الماضية اعتدال بقعة صنعاء منذ صعدنا «عقبة ~~آنس» حتى انتهينا إلى قرية يقال لها «القبة» ثم إلى قرية أخرى يقال لها «المعبر» ومن هناك ~~سرنا عدة ساعات بالسيارة الكهربائية في بسيط من الأرض يعلو ألفين إلى ألفين وخمس مئة متر عن ~~سطح البحر، إلى أن بلغنا صنعاء، فمررنا ببقعة من أحسن بقاع الأرض، وأكثرها قابلية زراعية، ~~وأجودها هواء وماء، ولما وصلنا إلى صنعاء سألنا هل يوجد كثير من نمط هذه البقعة في اليمن؟ ~~فأجابونا بأننا لم نشاهد إلا جزءا يسيرا من البسائط المريعة المحيطة بصنعاء من الجهات ~~الأربع، وقد كاشفت بما في نفسي من هذا الأمر الأمير الخطير السيد عبد الله بن الوزير أمير ~~الحديدة، وهو من العقل والفضل بالمقام الذي يندر مثله، فقال لي: إن اليمن في الحقيقة هي ~~عبارة عن جبالها. # ولم تكن الزراعة وحدها سبب ثروة اليمن المدهشة في ذلك العصر كما تقدم الكلام عليه، فقد ~~أفاض المؤرخون الأولون من اليونان والرومان مثل ديودور واسترابون وأغاترشيد، في ذكر تجارة ~~سبأ، واستخراجها للذهب والحجارة الكريمة التي كانت تبيعها من البطالمة بمصر، وإلى ~~الفينيقيين بالشام، هذا مع تجارة العنبر وعود الطيب وأيدت التوراة ms091 هذه الروايات ~~كلها. # جاء في الانسيكلوبيديا الإسلامية أن لا مبالغة فيما نقلوه من أن أبواب منازل سبأ وجدرانها ~~وسقوفها وأعمدتها كان منها الكثير مموها بالذهب والفضة مرصعا بالحجارة الكريمة، وأن ~~آنيتهم كان مصوغة من أنفس المعادن، وهذا ما ذكره الهمداني والمسعودي وغيرهما من مؤرخي ~~العرب، وما أيدته الكتابات الصخرية نفسها فيما ترويه عن التقادم العظيمة من الذهب والفضة ~~ونفائس الأحجار، وقد وجد كثير من المسكوكات السبئية ومن الحلي تؤيد أيضا روايات الرواة من ~~كل قبيل. # وقد عني بعض علماء الإفرنج بالتنقيب عن هذه الحياة الاقتصادية التي كانت في اليمن السعيدة ~~من جميع نواحيها وكان السابق في هذه الحلبة «رودو ~~كناكيس # Rhodocanakis ~~» الذي ألف كتابا استخرج فيه من الكتابات الحجرية مما أمكنه أن ~~يستخرجه من المسائل الاقتصادية التي كان يعول عليها أهل اليمن والمسائل الحقوقية المتعلقة ~~بها. # وثبت من هذه التدقيقات أنه كان يوجد عند العرب الأولين قانون صارم يقتضي استثمار الأرض ~~بدون إهمال شيء منها، وأنه كان يوجد إدارة خاصة لأجل تقسيم المياه وتوزيع الأعمال الزراعية، ~~وهذه القوانين المتعلقة باستثمار الأرضين واستيفاء أسباب القيام عليها، كانت متشابهة في ~~جميع بلاد العرب الجنوبية، وهذا البحث قد حمل «جرومان # Groiumann ~~» على تأليف كتاب خاص بهذا الموضوع وصف فيه طبقات الأرض والمناخ، ~~وكيفية توزيع المياه، واستخراج المعادن، وتربية المواشي والصيد وغير ذلك ، مما اعتمد فيه على ~~الكتابات الحجرية من جهة وعلى شهادات المؤرخين والسياح من جهة أخرى، وقد استقى في هذا ~~التأليف من بعض منابع مجهولة حتى الآن نظير الآثار التي جمعها غلارز ولم يتيسر له نشرها ~~كلها، وبالجملة فرأي محققي الإفرنج عن بلاد العرب يتلخص فيما يلي: # الأول: # أن المدنية العربية - لا سيما في جنوبي جزيرة العرب - هي من أقدم مدنيات ~~العالم وأرقاها، وهم على خلاف فيما إذا كان الساميون هم الذين نزحوا من جزيرة ~~العرب إلى بلاد بابل، أو كانوا نزحوا من بابل إلى الجزيرة، وكل فئة من المؤرخين ~~تفترض افتراضات لا يمكن معها الجزم بشيء. # الثاني: # أن أهم أمة في ms092 الجزيرة العربية في الثروة والعظمة والآثار في الأرض كانت أمة ~~سبأ، وكان يعاصرها ويضارعها المعينيون وقحطان وحضرموت، وأن هاتي الأمتين «سبأ ~~ومعين» بقيتا سائدتين إلى الزمن الذي ظهرت فيه الدولة الحيمرية، وأن هذه الدولة ~~تغلبت على اليمن وبقيت فيه إلى أن جاء الأحبوش فاستولى على اليمن وأزال ملك ~~الحميريين، وبقيت اليمن خاضعة للحبشة حتى جاء الفرس فأزالوهم عنها وبقيت اليمن ~~تابعة للأكاسرة حتى ظهر الإسلام. # الثالث: # أن تاريخ اليمن وبلاد العرب أجمع لم يكن له منابع سوى العهد القديم وكتابات ~~هيرودوتس واسترابون، ودبودور، وأنختريد، وغيرهم من يونانيين ورومانيين مع بعض ~~تواريخ للعرب أنفسهم بعد الإسلام، مما اختلط فيه التاريخ بالخرافة، فيجب على ~~الناظر في التواريخ العربية أن يجرد الأقاصيص من الأخبار التاريخية، وأن أحسن ~~ما كتب عن جزيرة العرب بأقلام العرب هو كتب الهمداني أي «الإكليل» و«صفة جزيرة ~~العرب». # الرابع: # أن تاريخ العرب الأولين لم يبدأ في الحقيقة إلا منذ بدأ سياج الأوروبيين ~~بالاطلاع على الكتابات المنقوشة على الحجارة وأخذوا ينظرون فيها إلى أن تمكنوا ~~من حلها وفهم معانيها، فمنها ما وافق كتابات المؤرخين ومنها ما اختلف عنها، إلا ~~أن الكتابات قد جاءت بالجملة مؤيدة للتاريخ، ولم يبق شك في صحة المجموعة، وإن ~~يكن وقع اختلاف في التفاصيل، والقضية الأصلية وهي ارتقاء مدنية العرب إلى تلك ~~الدرجة العليا في تلك الأعصر المتوغلة في القدم قد ثبت بالكتابات الحجرية التي ~~أيدت أقوال المؤرخين كما أن أقوال المؤرخين قد أيدتها. # وهذه مسألة يجب أن تكون عبرة ودرسا للذين يحملون جميع ما يتناقله الناس من ~~الأخبار القديمة محمل الأساطير والأقاصيص الوهمية، وهو ظن باطل ورأي قائل، فإنه ~~مهما كان التواتر قد تداخله أقوال عامية وآراء ساذجة فإنه يرجع إلى نصاب صدق في ~~الأصل لا شبهة فيه في مجموعه، وهذه قضية تاريخ جزيرة العرب شاهدة على ذلك، بعد ~~أن جاءت فيها المكتوبات الحجرية معززة للقراطيس والأوراق المخلفة عن اليونان ~~والرومان والعرب، تعزيزا لم يكن لينتظره أحد. # الخامس: # أنه وجد أقوام دخلت إلى جزيرة العرب، ms093 كما وجد أقوام خرجت منها وأنه بسبب ~~استيلاء الحبشة على اليمن ثم استيلاء الفرس، قد حصل اختلاط في الدماء في جنوبي ~~الجزيرة، كما حصل اختلاط في شماليها بسبب تقدم الآراميين إلى مدائن صالح ~~وتيماء، وأن النبطيين كانوا أيضا تقدموا من بلاد الشراة إلى شمالي ~~الحجاز. # السادس: # أنه يوجد عرب بائدة وعرب عاربة، وعرب متعربة كما جاء في تواريخ الإسلام، وأن ~~من العرب البائدة عادا وثمود وطسما وجديس، وكلهم نزحوا من اليمن إلى الشمال، ~~وبعضهم يذكر منهم العمالقة، وقد ورد ذكرهم في التوراة، وقد وجدت كتابات آرامية ~~في شمالي الحجاز كمدائن صالح منتشرة على الصخور، ويذهب بعضهم إلى أن هذه ~~الكتابات من بقايا النبط الذين اختلطوا بالعرب، ولذلك يجد فيها الإنسان ألفاظا ~~عربية مع الألفاظ النبطية. # وقد روى «هوارت # Huart ~~» في «تاريخ العرب» أن ~~الكتابات التي وجدت في تيماء هي أقدم جدا من الكتابات التي وجدت في مدائن ~~صالح، والمظنون أنها ترجع إلى ست مئة سنة قبل المسيح، وهي خطوط بارزة كما هي ~~خطوط العرب المحدثين بعكس سائر الخطوط السامية التي حروفها مجوفة. # السابع: # على ظن محققي الإفرنج أن الكنعانيين في الأمم السامية نزحوا من الجنوب ~~وأوطنوا فلسطين وأن الفينيقيين جاءوا من شواطئ خليج فارس الغربية وأقاموا على ~~شواطئ الشام، واستدلوا على أن أصل الفينيقيين هو من شواطئ، خليج فارس بوجود ~~النواويس - أي القبور المنحوتة في الصخور - في وطن الفينقيين الأصلي كما في ~~سواحل سورية، وكذلك الرعاة في مصر كانوا عربا فتحوا قسما من وادي النيل وخرجت ~~منهم ملوك، وقد ثبت أن الأشوريين في حروبهم مع المصريين قد تكلموا عن العرب ~~ووجدت لذلك آثار في كتاباتهم الخزفية. # وقد جاء في هذه الآثار وجود دولتين في شمالي جزيرة العرب يقال لإحداهما «موصري # Mousri ~~» وللأخرى «ملوحة # Melouhha ~~» ولم يعلم شيء عن ملوحة هذه، ولكن ظهر أن دورة موصري هي المستعمرة ~~المعينية التي كانت في شمال الحجاز فإن تغلاط بيلسر الثالث ملك الآشوريين الذي عاش بين سنة ~~745 و727 قبل المسيح كان قد غزا ms094 العرب في شمالي الحجاز. # فهذه لمحة دالة مما يتعلق بالعرب وتاريخهم القديم، يقدر أن ينشد منها القارئ مظان ~~البحث. # ولكن الذي لم أجده حتى الآن في كتب الإفرنج هو أصل اشتقاق لفظة «عرب» ومن أين جاءت، ~~فعلماء العرب قالوا: إن هذه اللفظة جاءت من قولهم أعرب من الشيء أي أبان عنه، سمي العرب ~~بذلك لفصاحتهم وحسن إعرابهم عن مقاصدهم. وقيل: إنهم انتسبوا إلى ناحية بقرب المدينة المنورة ~~اسمها عربة، وذلك أن أولاد إسماعيل نشئوا بهذه الناحية فسموا عربا، ثم غلب الاسم على ~~الجميع، ورد على هذا القول بأن الغالب هو أن أسماء الأرضيين والبلاد تنقل من أسماء ~~ساكنيها أو من صفة ثابتة لها، ولم يعهد أن الناس أخذت أسماءها من الأرض التي نزلت فيها إلا ~~على وجه النسبة، والأكثرون على أن اشتقاق لغة «العرب» هو من مادة الإعراب أي الإبانة عن ~~الضمير، وذلك لما اتصفت به هذه الأمة من حسن البيان، وبلاغة التعبير ومن كون لغتهم هي أشرف ~~اللغات والله أعلم. # | الترك # تعليق على ما جاء في السطر 2 من الصفحة 27 من الجزء الأول من ابن خلدون # هذه الأمة هي بدون شك من أشهر أمم الكرة الأرضية، وأكثرها عددا وأشدها شكيمة وأوسعها ~~فتوحات، وأمجدها تاريخا، وقد حررت خلاصة تاريخها في حواشي «حاضر العالم الإسلامي» بما أرى ~~مناسبا إعادته هنا مع زيادة تفصيل. # قلت هناك : إن الترك هم من أكبر وأشهر الأمم الآسيوية، وإنهم معدودون من الشعوب الطورنية، ~~وهم متشابهون في الخلقة مع الصين والتبت واليابان عبرة بما تجده من سحناء أتراك الأستانة ~~والأناضول، فإن هؤلاء قد تولدوا وتناسلوا في غربي آسيا من قرون متطاولة، واختلطوا بالأمم ~~الأخرى كالقوقازيين والمكدونيين والأرناءوط والروم والبلغار والأكراد والصرب وبقايا أهالي ~~الأناضول القدماء، وتولدت منهم أمة لا تشبه المغول ولا الصين، ولكن الترك الأناضوليين الذين ~~لم يختلطوا بهذه الأمم الغربية يشبهون كثيرا أتراك بخارى وخيوه وكاشغر، وهم ذو ملامح ظاهرة ~~الشبه مع أهل الصين والتبت والمغول. # كان الترك من على عنق الدهر في جبل ms095 الذهب بين سيبيريا والصين، ثم أخذوا ينتشرون في ~~الأقطار، فهاجروا إلى شمالي سيحون وجيحون، وإلى الشرق الشمالي من بحر خوارزم، وإلى الشمال ~~الغربي من الصين والخطا، فكان منهم قسم الغرب وهم «المجار والفنلانديون» - أهل فنلاندا على ~~البلطيك - والبلغار وهؤلاء هم الذين يقال لهم «الأوراليون» وكان منهم قسم في الشرق وهم ~~الذين يقال لهم «المانشو والتونغوز» وقسم في الجنوب الشرقي وهم «المغول». # وكان لهم مناسبات ومحاربات مع الأمة الفارسية وقيل إن هيرودتس أبا المؤرخين أشار إليهم ~~تحت اسم تاركيتاوس. # وباني أول دولة منهم أوغوز خان بن قرة خان، وكان له ستة أولاد، وهم كون خان، وآي خان، ~~ويلديز خان، وكول خان، وطاغ خان، ودكز خان. فمن هؤلاء ثلاثة سكنوا الشرق وثلاثة سكنوا ~~الغرب، وكان لكل منهم أربعة أولاد فصار لأوغوز خان 24 حفيدا هم رؤساء القبائل التركية هكذا ~~قال نسابوهم. # ومن البداية انقسم الترك إلى قسمين؛ الساكنين في شرق تركستان وهم «الاويغور» والسكانين في ~~الغرب منها وهم «الترك أو التركمان» وكان «الاويغور» بادئ ذي بدء أرقى وأرق وأكثر مدنية، ~~وكان لسانهم لسان الترك الأدبي وكان لهم خط ومؤلفات. ثم جاء رهبان من النساطرة ونصروا بعضهم ~~وعلموهم خطا مأخوذا من السريانية، وموجود بهذا الخط كتب تركية إلى اليوم. # وفي سنة 85 للهجرة غزا «قتيبة الباهلي» بالمسلمين العرب بلاد الترك، وافتتح بخارى، ومرو، ~~وخوزارزم، وسمرقند وغيرها، واجتمع عليه ملك السند وملك الشاش وغيرهما فهزمهم وأثخن في الترك ~~فصالحوه على أموال يؤدونها إليه، وكان في صلحة بيوت الأصنام والنيران فأخرجت الأصنام فسلبت ~~حليتها، وكانوا يقولون إن هناك أصناما من استخف بها هلك، فلما حرقها قتيبة بيده أسلم من ~~الترك خلق وهذا أول إسلامهم. # وفي خلافة هشام بن عبد الملك تولى خالد بن عبد الله القسري العراقي، وأخوه أسد بن عبد ~~الله خراسان، وغزا أسد بلاد الترك ومنها «جبال نمرود» فصالحه نمرود وأسلم ثم استعمل هشام ~~على خراسان أشرس بن عبد الله السلمي، فدعا أهل ما وراء النهر إلى الإسلام، وطرح الجزية عن ~~الذين أسلموا ms096 فسارعوا إلى الإسلام، ثم لما صارت الخلافة إلى بني العباس وتولى المأمون ~~خراسان - وذلك قبل خلافته - أخذ يغزو السند وأشروسنة، وفرغانة، ويقول البلاذري في «فتوح ~~البلدان» إنه كان مع تسريته الخيول إليهم يكاتبهم بالدعاء إلى الإسلام والطاعة والترغيب ~~فيهما. # نعم، ولما تولى المأمون الخلافة سنة 198 دخل في الإسلام كاوس ملك أشروسنة بعد حروب ~~ومقاتلات تغلب فيها العرب على أهالي تلك البلدان، وكان المأمون رحمه الله بينما هو يغزو ~~الترك من جهة يدعوهم إلى الإسلام من جهة أخرى، قال البلاذري: «وكان يوجه رسله فيفرضون لم ~~رغب في الديوان وأراد الفريضة من أهل تلك النواحي وأبناء ملوكهم ويستميلهم بالرغبة، فإذا ~~وردوا بابه شرفهم وأسنى صلاتهم وأرزاقهم، ثم استخلف المعتصم بالله فكان على مثل ذلك، حتى ~~صار جل شهود عسكره من جند أهل ما وراء النهر من السند والفراغنة والأشروسنة، وأهل الشاش ~~وغيرهم، وحضر ملوكهم بابه وغلب الإسلام على من هناك»ا.ه. # ولا يخفي أن البلاذري كان قريب العهد من هذه الحوادث لأنه الخليفة المعتصم مات سنة 227 ~~والمؤرخ أحمد بن يحيى البلاذري مات سنة 279. # وسنة 350 أسلم سالورخان سلطان التركمان سلالة طاغ خان وتسمى قره خان وأسلم معه قومه، وجاء ~~ابنه فبنى جوامع وفتح عمه بفراخان كاشغر، وأخذ بخارى من السامانية، وجاء بعده أحمد خان بن ~~أبي نصر فأكمل إسلام من لم يهتد من الأتراك، وازداد تردد الترك إلى بغداد ، وامتلأت منهم ~~العراق وأرضوروم وأذربيجان، ووصلوا إلى الشام وصار منهم أمراء جيش الخلافة، واستبدوا ~~بأمورها وصاروا يكتبون بالعربي، وبعضهم اتخذ اللسان الفارسي ولم يهتم أحد منهم بلسان ~~«الأويغور التركي القديم» ولم يجعلوا التركي لسانا رسميا إلا في زمان بني سلجوق في ~~الأناضول، ثم ترقي هذا اللسان في زمان الأتراك آل عثمان الذين خلفوا آل سلجوق، لا سيما في ~~أيام محمد الفاتح وسليم وسليمان، وفكر سليم في جعل العربي لسان الدولة الرسمي فلم يطيعوه، ~~لكن بقي لسان الدين والعلم، وأما لسان الأويغور فقد كان في زمن جنكيز خان ترقى كثيرا لكنه ~~عراه بعد ms097 ذلك التوقف، وهو الذي يعرف ب«جغطاي» ثم بتوالي الزمن تباعد «التركي الغربي ~~العثماني» عن «التركي الجغطائي» كثيرا. ثم هناك «تركي تتر القريم» وهو متوسط بين ~~الفريقين. # وعلماء الألسن يجعلون التركي خمسة أقسام؛ الأول: الأويغوري أو الجغطائي، الثاني: التتاري، ~~والثالث: القيرقيز، الرابع: الياقوتي، الخامس: العثماني، وليس للقيرقيز والياقوت أدبيات في ~~ألسنتهم، والقرقيز مسلمون لكن الياقوت لا يزالون وثنيين، وقيل إن الياقوتي هو أصل التركي، ~~والباقي فروع عنه، ويقول المدققون إن التركي يشبه في الدرجة الأولى لسان التونغور والمانشو ~~من الألسنة الطورانية، وفي الدرجة الثانية لسان المغول، وفي الدرجة الثالثة لسان المجاور ~~والفنلانديين. # هذا والفرقة الأنقرية من الأتراك المستبدة بأمر تركيا اليوم تعلم في مكاتب تركيا مذهبا ~~جديدا في التاريخ، وهو أن أصل الترك الذين في الأناضول وغربي آسيا من الحثيين، وأن هذه ~~البلدان هي لهم من أربعة آلاف سنة، وهم في هذا الكشف التاريخي الجديد يستندون إلى تخمينات ~~بعض مؤرخين محدثين من أصحاب النظريات الجديدة في أوروبا ولكن شيئا من هذا لم يثبت. # وأكثر مؤرخي الأوروبيين يقولون إن أصل الحثيين من جهة الدم لم يتحقق بعد، وغاية ما تقرر - ~~تاريخا - أنهم أخذوا مدنيتهم عن السومريين والأكادييين أهل بابل، وقلدوهم في الكتابة ~~والديانة والشعائر الدينية، ومزجوها كلها بمدنيتهم وديانتهم، وتقرر أيضا عند بعض المؤرخين ~~أن الحثيين هم كانوا الواسطة بين المدينة السامية والمدنية الإغريقية، ولا يزال تاريخ ~~الحثيين هي هندية أوروبية أم قوقاسية؟ وغاية ما لحظوا أن فيها دخيلا من لغات أخرى. # أما الأكاديون من أهل بابل فإنهم ساميون بلا نزاع، ولغتهم سامية والأرجح أنهم جاءوا من ~~جزيرة العرب مهد الساميين. # وأما السومريون فلا يعرف أصلهم وقصارى ما نرجح من أمرهم أنهم غير ساميين وأنه يوجد مدنية ~~معاصرة لمدنيتهم في جهات بحر الخزر. # ولا يعلم أحد ما فائدة أتراك أنقرة من تعليم آراء تاريخية جديدة واهية لا تستند على قواعد ~~متينة؟ وهل إذا كان ترك الأناضول آتيين من فرغانة وسمرقند وكاشغر من ألف سنة فقط يسقط حقهم ~~بالأناضول؟ ولا بد من أن ms098 يثبتوا أن هذه البلاد بلادهم منذ آلاف من السنين حتى يستحقوها؟ كل ~~هذا من جملة الغرائب التي ولدت مع الانقلاب الأنقري، انتهى ما كتبته في «حاضر العالم ~~الإسلامي». # وجاء في الانسيكلوبيدية الإسلامية أن لفظة «ترك» هي محرفة عن لفظة «توكو» عند الصينين، ~~وهو شعب ظهر في القرن السادس بعد المسيح، وأسس ملكا طويلا عريضا امتد من بلاد المغول ~~وشمالي الصين إلى البحر الأسود، وكان أصحاب هذا الملك من القبائل الرحالة، وكان مؤسس هذا ~~الملك الكبير رجلا يقال له «تومان» عند الصينيين، و«ترك بومين» عند الأتراك، وقد مات سنة ~~552 للمسيح. وكان أكثر الفتوحات على يد خاقان الذي مات سنة 576، والصينيون يقولون لهؤلاء ~~ترك الشمال والغرب وكانوا قد انفصلوا عن ترك الشرق، وفي القرن السابع للمسيح خضع الترك ~~جميعا الشرقيون والغربيون لسلالة تانغ الصينية، ولكن ترك الشمال عادوا فاستقلوا في سنة 682 ~~للمسيح، وفي مدة هذه الدولة التركية الغربية وجدت الكتابة المسماة بكتابة أورخون نسبة إلى ~~نهر في بلاد المغول يقال له «أورخون»، وهي أقدم كتابة تركية، واشتهر في قبائل الترك الغربية ~~قبيلة ترغش وحاز أمراؤها لقب «خان» في أواخر القرن السابع المسيحي، وفي ذلك الوقت جاء العرب ~~فقضوا على ملك الترغش هؤلاء في زمان نصر بن سيار سنة 121 للهجرة. ا.ه كلام ~~الانسيكلوبيدية. # قلت: في زمان هشام بن عبد الملك تولى نصر بن سيار بلاد طخارستان، فغزا «أشروسنة » وذلك في ~~أيام الخليفة مروان بن محمد الأموي، وقد كان مضاء العرب في فتح خراسان وما وراء النهر من ~~أبدع ما جاء في التواريخ، ومما يدل على أن العرب إذا أستقام أمرهم لم يقف في وجههم قبيل فإن ~~الترك الذين تغلب العرب عليهم مشهورون بشدة البأس وقوة المراس وقد حشدوا للعرب من كل حدب، ~~فما نالوا منهم نيلا، وتغلب العرب عليهم في أوساط بلادهم وأثخنوا فيهم، ولم يكفوا عنهم حتى ~~دخلوا في الإسلام، فكان الإسلام هو الذي أنجاهم في الدنيا فضلا عن الآخرة. # وفي زمن معاوية استولى العرب على خراسان، وكان الوالي ms099 عبيد الله بن زياد وهو لا يزال ابن ~~خمس وعشرين سنة، فقطع النهر في 24000 مقاتل فأتي «بيكند» وقصد إلى بخارى، فأرسلت «خاتون» ~~ملكة بخارى إلى الترك تستنجدهم، فزحفوا إلى العرب فهزمهم العرب واستولوا على بخارى ورامدين ~~وبيكند، ثم ولى معاوية سعيد بن عثمان بن عفان خراسان فقطع النهر بجنده، وكان معه رجل يقال ~~له رفيع أبو العالية الرياحي، فتفاءل بهذا الاسم خيرا وقال: رفيع أبو العالية رفعة وعلو. ~~وبلغ خاتون ملكة بخارى عبوره النهر فحملت إليه الصلح، وأدت الإتاوة، وبينا هي داخلة في ~~الطاعة أقبل الترك من «السند وكش ونف» في مئة وعشرين ألف مقاتل والتقوا ببخارى، وندمت خاتون ~~على طاعتها للعرب، ونكثت العهد، إلا أن العرب هزموا الترك فرجعت خاتون إلى الصلح، ودخل سعيد ~~بن عثمان بن عفان مدينة بخارى، ثم زحف إلى سمرقند وحلف أن لا يبرح أو يفتحها، وما زال يضيق ~~عليها الحصار حتى صالحوه وأعطوه رهائن من أبناء ملوكهم، ثم أقام على الترمذ وما زال يضيق ~~عليها حتى فتحها ثم انتفض أهل الترمذ ففتحها قتيبة بن مسلم الباهلي. # وفي فتح بلاد الترك استشهد قم بن العباس بن عبد المطلب، كان مع سعيد بن عثمان فلما بلغ ~~خبر شهادته أخاه عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: شتان ما بين مولده ومقبره. ولم يوجد ~~أناس تباينت قبورهم مثل أولاد العباس بن عبد المطلب؛ فقد توفي عبد الله من عباس بالطائف، ~~وتوفي الفضل بن عباس شهيدا بوقعة أجنادين بفلسطين، وقيل بطاعون عمواس واستشهد معبد وعبد ~~الرحمن ابنا عباس بأفريقيا وقيل إن معبدا مات شهيدا بأفريقيا، وعبد الرحمن مات بالشام، ~~واستشهد قم بن العباس بسمرقند، ومات عبيد الله بن العباس بالمدينة، وقيل باليمن، ثم إنه بعد ~~موت معاوية ولى ابنه يزيد بن معاوية سلم بن زياد ما وراء النهر، فصالحه أهل خوارزم على أربع ~~مئة ألف وحملوها إليه، وقطع النهر ومعه أمرأته أم محمد بنت عبد الله بن عثمان بن أبي العاصي ~~الثقفي، وكانت أول عربية عبرت ms100 النهر، وأقام سلم بن زيادة بالسند وسرح جيشا إلى «خنجدة» ~~وفيهم أعشى همدان الشاعر، فانهزم هذا الجيش فقال الأعشى: # ليت خيلي يوم الخجندة لم ته # زم وغودرت في المكر سليبا # تحضر الطير مصرعي وتروح # ت إلى الله في الدماء خضيبا # ثم رجع سلم بن زياد إلى مرو وحشد هناك جيشا وغزا بلاد الترك، فجمع له أهل السند فقاتلهم ~~ودوخهم، ثم إن سلم بن زياد انصرف عما وراء النهر وتولاها عبد الله بن خازم السلمي بعهد من ~~سلم بن زياد، فعصاه سليمان بن مرثد من بني سعد بن مالك من المراثد بن ربيعة واقتتلا، وكان ~~ذلك في أثناء فتنة ابن الزبير مع بني أمية، وطال القتال بين العرب، فانتهز الترك الفرصة ~~وشنوا الغارات حتى بلغوا قرب نيسابور، ولكن انتهت هذه الفتنة بين العرب بالطائلة لابن خازم، ~~وكانت العصبية العربية بين القبائل هي العامل في تلك الفتن كما كانت في الأندلس وفي بلاد ~~الإفرنجة، وكان عبد الله بن خازم لا يتولى غير عبد الله بن الزبير، ولا يطيع عبد الملك بن ~~مروان، فكتب عبد الملك إلى بكير بن وشاح يوليه خراسان، فقاتل ابن خازم وتغلب عليه وقتله ~~وأرسلوا برأسه إلى عبد الملك بن مروان فنصبه بدمشق، واشتدت ا لفتنة بين العرب في خراسان إلى ~~أن كتب وجوه العرب إلى عبد الملك بن مروان أنه لا تصلح خراسان بعد هذه الفتنة إلا برجل من ~~قريش، فولى عبد الملك على خراسان أمية بن عبد الله بن خالد، وغزا أمية بلاد الختل فافتتحها، ~~ثم جاءت أيام الحجام بن يوسف وكانت خراسان من جملة ولايته فولاها المهلب بن أبي صفرة من ~~الأزد وذلك سنة 99، فغزا مغازي كثيرة وانتقضت الختل في أيامه فدوخها وفتح خجندة وأطاعت له ~~السند وكش ونسف، ومات المهلب فقام بعده ابنه يزيد بن المهلب فغزا مغازي كثيرة في بلاد ~~الترك، وفتح «البتم» ثم غزا يزيد خارزم ثم ولى الحجاج بن يوسف المفضل بن المهلب بن أبي صفرة ~~ففتح المفضل بلدانا منها بادغيس وشومان، ms101 وكان موسى بن عبد الله بن خازم السلمي بعد قتل ~~أبيه قد امتنع بالترمذ فاستنجد أهل الترمذ الترك على موسى فهزمهم موسى، وحدث مع موسى هذا ~~وقائع كثيرة وحروب ذات بال تغلب فيها كلها. # وكان أهل خراسان يقولون عن موسى بن عبد الله بن خازم السلمي هذا: ما رأينا مثل موسى قاتل ~~مع أبيه سنتين لم يفل، ثم أتى الترمذ فغلب عليها وهو في عدة يسيرة وأخرج ملكها عنها، ثم ~~قاتل الترك والعجم فأوقع بهم، إلا أنه لما تولى المفضل بن المهلب خراسان أرسل جيشا يقاتل ~~موسى على الترمذ، فانهزم موسى وقتل وتولى الترمذ مدرك بن المهلب، وكان قتل موسى في آخر سنة ~~85 وقيل إن رجلا ضرب ساق موسى وهو قتيل، فلما تولى قتيبة الباهلي وعلم به قتله، ثم ولى ~~الحجاج بن يوسف قتيبة، وهو أشهر فاتح عربي لبلاد الترك، خرج يريد بلاد «آخرون» فلما كان ~~ببلاد الطالقان تلقاه داهقين بلخ، فعبروا معه النهر، وقدم عليه ملك الصغانيان بهدايا وأعطاه ~~الطاعة واستعان به على ملك «آخرون» و«شومان» الذي كان عدوا لملك الصغانيان، ثم أقبل على ~~قتيبة ملك «كفيان» وقدم له الطاعة فانصرف قتيبة إلى مرو، وخلف أخاه صالحا على ما وراء ~~النهر، ففتح صالح «كاسان» و«أورشت» من بلاد فرغانة و«بيمنخر» و«خشكت» وكان في جيش صالح هذا ~~نصر بن سيار المشهور، وأطاع ملك «الجورجان» وقدم على قتبة ثم غزا قتيبة «بيكند» سنة 87 ~~فاستصرخ أهالي «بيكند» أتراك السند فهزمهم قتيبة وفتح «بيكند» ثم فتح «تومشكت» ودخلها ~~صلحا، ثم أوقع بالسند وافتتح «كش ونسف» وكان ملك خارزم قد عصاه أخوه خرزاد فالتجأ الملك ~~إلى قتيبة، فوجه قتيبة أخاه عبد الرحمن بن مسلم بجيش فقاتل خرزاد فقتله وأوقع بجماعته، ~~وأعاد الملك إلى أخيه ثم وثب الأهالي بالملك فقتلوه، فولى قتيبة أخاه عبيد الله بن مسلم على ~~خارزم، ثم غزا قتيبة «سمرقند» فاجتمعوا لقتاله، وكتب ملك السند إلى ملك الشاش (الشاش ما ~~يقال له اليوم طاشقند) فنهدوا إليه في خلق كثير فقاتلهم المسلمون ms102 وهزموهم، وصالحهم أهل ~~سمرقند على ألف ومائتي ألف درهم في كل عام وعلى أن يصلي قتيبة في المدينة، فدخل قتيبة ~~سمرقند وصلى واتخذ مسجدا، وخلف بها جماعة من المسلمين فيهم الضحاك بن مزاحم (صاحب التفسير) ~~وكان في صلح قتيبة بيوت الأصنام والنيران، فأخرج قتيبة الأصنام وسلب حليتها وأحرقها وكانوا ~~يعتقدون بها، فلما رأوا قتيبة قد أحرقها بيده ولم يحصل له سوء أسلم منهم خلق. # وفي زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وفد قوم من أهل سمرقند فرفعوا إليه أن قتيبة دخل ~~مدينتهم غدرا وأسكنها المسلمين، فكتب عمر يأمر بنصب قاضي للنظر فيما ذكروا، فنصب لهم جميع ~~بن حاضر الباجي فحكم بإخراج المسلمين على أن ينابذوهم على سواء، فكره أهل سمرقند الحرب وبقي ~~المسلمون فيها، ثم فتح قتيبة عامة بلاد الشاش وبلغ «اسبيجاب» وقالوا إن قتيبة فتح خارزم ~~وسمرقند عنوة، وقد كان سعيد بن عثمان بن عفان قد تغلب على سمرقند وخارزم صلحا، ولكن قتيبة ~~استقل هذا الصلح وأبى إلا فتحها بالقوة، ثم فتح بيكند وكش ونسف وقيل والشاش وبعض فرغانة ~~وغزا أشروسنة. ولما تولى الخلافة سليمان بن عبد الملك كان قتيبة بن مسلم الباهلي مستوحشا، ~~كارها لخلافته، فكتب سليمان إلى قتيبة يأمره بإطلاق كل من في حبسه، وأن يعطي الناس ~~أعطياتهم، ويأذن لمن أراد القفول في القفول، وكانوا متطلعين إلى ذلك، وكان من مقاتلة أهل ~~البصرة أربعون ألفا، ومن أهل الكوفة سبعة آلاف، ومن الموالي سبعة آلاف، فلم يأذن قتيبة في ~~القفول، فثاروا به فانتصر له العجم على العرب وكانت حرب بين الفريقين فظفر العرب بقتيبة ~~وقتلوه، وهو الذي مهد لهم بلاد خراسان وما وراء النهر، وقتل معه جماعة من إخوته وقتلت زوجته ~~ونجا أخوه ضرار بواسطة بني تميم، وأخذت الأزد رأس قتيبة وخاتمه وبعثوا به إلى الخليفة مع ~~سليط بن عطية الحنفي، وكان قتيبة يوم قتل ابن 55 سنة، وبعد أن قتل قتيبة رحمه الله تولى ~~خراسان وكيع بن حسان بن قيس التميمي، وأراد سليمان بن عبد ms103 الملك أن يثبته في الولاية فقيل ~~له: إن وكيعا ترفعه الفتنة وتضعه الجماعة وفيه جفاء وأعرابية، وكان وكيع يدعو بطست فيبول ~~والناس ينظرون إليه، فلم يكن يصلح للولاية، فقدم عليه يزيد بن المهلب وآليا فقدم يزيد ابنه ~~مخلدا فعزا مخلد «البتم» ففتحها، ثم نقض أهلها العهد فكر عليهم وفتحها ثانية، وأصاب بها ~~مالا وأصناما. # ولما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كتب إلى ملوك ما وراء النهر يدعوهم إلى ~~الإسلام، فإنه همه كان نشر الإسلام قبل كل شيء فأسلم بعضهم، وكان عامل عمر على خراسان ~~الجراح بن عبد الله الحكمي، فوجه الجراح أحد قواده عبد الله بن معمر اليشكري إلى ما وراء ~~النهر فأوغل في بلاد العدو وهم بدخول الصين، فلما تكاثر عليه الترك رجع إلى الوراء وامتنع ~~ببلد الشاش، ورفع الخليفة رضي الله عنه الخراج عمن أسلم بخراسان، وفرض العطاء للمسلمين ~~منهم، وبنى الخانات. وكان الجراج بن عبد الله الحكمي قد كتب للخليفة أنه لا يصلح خراسان إلا ~~السيف، فاغتاظ عمر من كلامه هذا، وعلم أنه وال يستخف بالدماء فعزله، ولكن قضى الدين الذي ~~عليه، ثم ولى عبد الرحمن بن نعيم الغامدي حرب خراسان وعبد الرحمن بن عبد الله القشيري ~~خراجها، وفي خلافة يزيد بن عبد الملك تولى خراسان سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن ~~أبي العاصي بن أمية، فنزل خراسان وبعث ابنه إلى ما وراء النهر فنزل «اشتيخن» فزحف إليه ~~الترك فقاتلهم وهزمهم، ثم لقي الترك مرة ثانية فانهزم أصحاب سعيد، فولى سعيد نصر بن سيار ~~على الجيش وشخص قوم من وجوه خراسان إلى مسلمة بن عبد الملك وإلى العراق وشكوا سعيدا فعزله ~~مسلمة، وولى سعيد بن عمر الجرشي على خراسان فافتتح الجرشي عامة حصون السند. # وقال البلاذري: إنه نال من العدو نيلا شافيا، وفي خلافة هشام بن عبد الله تولى العراق ~~عمر بن هبيرة الفزاري، فعزل الجرشي واستعمل على خراسان مسلم بن سعيد، فغزا «الأفشين» فصالحه ~~على ستة آلاف رأس، ودفع إلى ms104 قلعته وتولى طخارستان نصر بن سيار كما تقدم الكلام عليه فخالفه ~~خلق من العرب فأوقع بهم ثم سفرت بينهم السفراء فاصطلحوا. # ثم تولى العراق خالد بن عبد الله القسري من قبل الخليفة هشام بن عبد الله فولى خالد أخاه ~~عبد الله بلاد خراسان، وبلغ ذلك مسلم بن سعيد فسار إلى فرغانة وأناخ على مدينتها وعاث فيها، ~~فاجتمع عليه الترك وعليهم خاقانهم، فارتحل عن فرغانة، وغزا أسد بن عبد الله القسري «جبال ~~نمرود» فصالحه نمرود وأسلم وغزا «الختل» فلم يقدر عليها. # ثم استعمل الخليفة هشام أشرس بن عبد الله السلمي فدعا أهل ما وراء النهر إلى الإسلام وأمر ~~بطرح الجزية عمن أسلم، فسارعوا إلى الإسلام وانكسر الخراج، ثم استعمل الخليفة هشام سنة 112 ~~الجنيد بن عبد الرحمن المري علي خراسان، فحارب الترك وهزمهم وظفر بابن خاقان فبعث به إلى ~~الخليفة هشام ولم يزل يقاتل الترك حتى دوخهم، وأمده الخليفة بعمرو بن مسلم في عشرة آلاف رجل ~~من أهل البصرة وبعبد الرحمن بن نعيم في عشرة آلاف من أهل الكوفة، وحمل إليه ثلاثين ألف قناة ~~وثلاثين ألف ترس، وأطلق يده في الفريضة، ففرض لخمسة عشر ألف رجل، وكانت للجنيد مغاز كثيرة ~~وفي زمانه عصت نواح من طخارستان ففتحها، وكانت وفاته بمرو، فولى الخليفة هشام عاصم بن عبد ~~الله بن يزيد الهلالي. # وكان نصر بن سيار غزا «أشروسنة» أيام الخليفة مروان بن محمد فلم يقدر عليها، وكان من بعده ~~من الخلفاء يولون عمالهم فينتقصون حدود أرض العدو، ويحاربون من نقض العهد، وبقي الأمر كذلك ~~إلى أيام المأمون يوم مقامه بخراسان، فكان يغزو بلاد الترك من السند وأشروسنة وفرغانة ~~ويوالي عليهم الغارات، ولكنه من جهة ثانية يدعوهم إلى الإسلام، وكتب إليه كاوس ملك أشروسنة ~~يسأله الصلح على مال يؤديه على شرط أن لا يغزي المسلمين بلده، فأجيب إلى ذلك، فلما تولى ~~المأمون الخلافة امتنع كاوس من الوفاء بالصلح، فأرسل المأمون أحمد بن أبي خالد الأحول ~~الكاتب لغزو أشروسنة في جيش عظيم، فاستصرخ كاوس الترك ms105 فزحفوا لنجدته، ولكن أحمد بن أبي خالد ~~أناخ على أشروسنة قبل وصول الأتراك فاستسلم كاوس له، وورد كاوس مدينة السلام وأظهر الإسلام، ~~وملكه المأمون على بلاده ثم ملك ابنه «خيذر بن كاوس» الملقب بالأفشين بعده (واسمه بالخاء ~~المعجمة كما رأيت في تاريخ أبي الفداء). وكان المأمون رحمه الله يكتب إلى عماله في خراسان ~~يغزو من لم يسلم من الترك ويسني العطاء لمن أسلم، وإذا ورد ملوك الترك بابه بالغ في تشريفهم ~~وإكرامهم وأدر عليهم الأرزاق، ثم جاءت خلافة المعتصم، فكانت رغبته في الترك أكثر من كل ~~الخلفاء، وصار أكثر جيشه من أهل السند وفرغانة والأشروسنة والشاش، وغلب الإسلام على تلك ~~البلاد، وصار أهلها يغزون من وراءهم من الترك، وأغزى عبد الله بن طاهر ابنه طاهر بن عبد ~~الله بلاد الغوزية ففتح مواضع لم يصل إليها أحد قبله وكان قتيبة الباهلي أسكن العرب في أرض ~~فرغانة والشاش. # والأفشين هذا هو الذي بعد أن أسبغ عليه الخفاء النعم الجسام عاد فظهر أنه لم يكن إسلامه ~~إلا خداعا، وأنه لم يكن طهر قلبه من عبادة أصنامه، فانتهى الأمر بأن المعتصم قاتله وأخذه، ~~وبعد وقوعه باليد أحرقه، وفي ذلك يقول أبو تمام الطائي شاعر الحضرة. # يا رب فتنة أمة قد بزها # جبارها في طاعة الجبار # جالت «بخيذر» جولة المقدار # فأحله الطغيان دار بوار # كم نعمة لله كانت عنده # فكأنها في غربة وإسار # كسيت سبائب لؤمة فتضاءلت # كتضاؤل الحسناء في الأطمار # صادى أمير المؤمنين بزبرج # في طيه حمة الشجاع الضاري # حتى إذا ما الله شق غباره # مستكن الكفر والإصرار عن # ونحا لهذا الدين شفرته انثنى # والحق منه تانئ الأظفار # هذا النبي وكان صفوة ربه # من بين بار في الأنام وقار # قد خص من أهل النفاق عصابة # وهمو أشد أذى من الكفار # واختار من سعد لعين بني أبي # سرح لوحي الله غير خيار # حتى استضاء بشعلة النور التي # رفعت له سجفا عن الأسرار # ومنها: # ما كان لولا فحش غدرة خيذر # ليكون في الإسلام عام فجار # ما ms106 زال سر الكفر بين ضلوعه # حتى اصطلى سر الزناد الواري # نارا يساور جسمه من حرها # لهب كما عصفرت شق إزار # مشبوبة رفعت لأعظم مشرك # ما كان يرفع ضوأها للساري # صلى لها حيا وكان وقودها # ميتا ويدخلها مع الفجار # قد كان بوأه الخليفة جانبا # من قلبه حرما على الأقدار # فسقاه ماء الخفض غير مصرد # وأنامه في الأمن غير غرار # فإذا ابن كافرة يسر بكفره # وجدا كوجد فرزدق بنوار # وإذا تذكره بكاه كما بكى # كعب زمان رثى أبا المغوار # دلت زخارفه الخليفة أنه # ما كل عود ناضر بنضار # يا قابضا يد آل كاوس عادلا # أتبع يمينا منهم بيسار # واعلم بأنك إنما تلقيهم # في بعض ما حفروا من الآبار # وذلك أن الأفشين خيذر بن كاوس كان مقربا عند المعتصم ولخيذر جهاد عظيم في حروب الروم ولا ~~سيما في فتح عمورية، وهو الذي هزم بابك الخرمي الذي خرج على الخلافة في جبال طبرستان، واشتد ~~أمره وهزم عساكر المعتصم مرارا، فرماه المعتصم بالأفشين فما زال يقاتله حتى أخذه، ولكن في ~~سنة ست وعشرين ومائتين غضب المعتصم على الأفشين خيذر بن كاوس وحبسه إلى مات في حبسه، وأخرج ~~فصلب إلى جانب بابك كما هو مبسوط في التواريخ. # وجاء في الانسكلوبيدية الإسلامية أن الخليفة هشام بن عبد الملك كان قد دعا ملك الترك إلى ~~الإسلام، وأن مؤلفي العرب لم يبدءوا بالكتابة عن الترك الا في القرن الثالث للهجرة، فذكروا ~~من أصنافهم «الطوغوزغوز» و«الغزغز» و«الكيماك» و«الغز» أو «الأوغز» و«القارلق» وكان الغزغز ~~أبعدهم مكانا عن العرب، وكان الأوغز والقارلق هم الساكنين على حدود المملكة العربية مثل ~~جرجان وفاراب وأربيجان، وكان الطريق من المملكة العربية إلى الصين مارا ببلاد القارلق، ~~فكان المسافر يمشي ثلاثين يوما من حدود فرغانة الشرقية في بلاد القارلق إلى أن يصل إلى ~~البحر المحيط. # وذكر ابن خرداذبه قبيلا من الترك كان يسكن بقرب مشاتي القارلق وهم الخالاج، وذكروا أن ~~مدينة «خاقان ترغش» كانت بقرب نهر كو، وكان الترغش ينقسمون إلى «تخسي» وإلى «آز» وكان ~~التخسي يسكنون ms107 على ضفاف «كو» ولهم مدينة اسمها «صوياب» وكان إلى الشرق منهم قبيل يقال له ~~«الصيغل» وكان إلى الجنوب من نهر «مارين» قبيل يقال له «يغمه» من الطوغوزغوز، وفي بلادهم ~~كانت مدينة «كاشغر» وقال محمود الكشفري: إن اليغمة والتخسي كانوا يسكنون على ضفاف نهر ~~«اللي» وكان بالقرب منهم قسم من «الصيغل» وكان هؤلاء الصيغل ثلاثة أقسام: «صيغل اللي» ~~و«وصيغل كاشغر» والصيغل الذين بقرب «تاراز»، وكان الأوغز يسمون جميع الترك من سيحون إلى ~~الصين «صيغل» ويقول محمود الكشغري: إن الاوغز والقارلق كان يقال لهم «التركمان». # وذهب بعضهم إلى أنه قد يكون التركمان من سلائل الإيرانيين الرحالة وقد استتركوا بكرور ~~الأيام، لأن سحنتهم تختلف عن سحنة سائر الترك، ويظنون أن «التاتار» هم من قبائل «الكيماك» ~~السبع وأصلهم من الطوغوزغوز، وقسم بعضهم الترك إلى قسمين: الشمالي والجنوبي، وقالوا إن ~~كلا منهما عشرة شعوب؛ فالشماليون هم البجنك والقبيحاق والأوغز واليمك والباشكرد والباسميل ~~والقاي والياباكو والتتر والغرغز. وإن الجنوبين هم الجيكيل، والتخسي واليغمة والاغراق ~~والجاروق والجومول والأويغور والتنكوت والخيطاي والتقناق. وقد يقع اختلاف في هذا التقسيم ~~لأن شعوبا منسوبة إلى الشمال قد ثبت أنها سكنت في الجنوب. # ومن شعوب القسم الشمالي من كانت لهم لغات مخصوصة بهم مثل القاي والياباكو والتتر ~~والباسميل، ولكنهم كانوا يعرفون اللسان التركي العام، وكان الياباكو يسكنون على ضفاف النهر ~~الكبير «يامار» الذي يظن أنه النهر الذي يقال له اليوم «أومور»، وقد روى بعض المؤرخين أن ~~جيشا إسلاميا عبر النهر في القرن الحادي عشر للمسيح تحت قيادة أرسلان تكين، الذي ذهب ~~يغزو الياباكو والباسميل، وأما الشعوب الجنوبية من الترك، فكان منهم شعب «الجومول» يتكلم ~~بلغة غير التركي، ولكنه يعرف التركي، وقيل مثل هذا «الأويغور» فقد كانت لهم عدا التركي لغة ~~خاصة، وأما «التنكوت» فكانوا قبيلا غريبا في الحقيقة، سكن في وسط الترك وكذلك أهل «خوطان» ~~و«التبت» فقد كانت لهم لغات خاصة بهم، وفي بلاد الصين وماسين كان للأهالي لغة غير التركي، ~~وإنما كانوا يعرفون التركي، وفي أصناف الترك «الجاروق» وكانوا يسكنون في ms108 مدينة برقوق التي ~~هي اليوم «مار الباشي» وكان في بلاد الأويغور خمس مدن، منها «بشبالق» و«قوقو» و«قرة خوجة» ~~وكان الاويغور بوذيين يعبدون الأصنام، وقد ذكر محمود الكشغري قبائل تركية أخرى ليست داخلة ~~ضمن الشعوب العشرين التي ذكرناها، من جملتها «الأدغيش» و«الكوجات» الذين كانوا في خوارزم ~~وقد ذكروا من جملة من هم من أصل تركي «البلغار» و«الصوغار» وذهب الكشغري إلى أن لغة البلغار ~~والصوغار والبجنك كلها لغة واحدة، ولكن الإصطخري يقول: إن لغة البلغار والخزر، تفترق عن لغة ~~الترك، وكانت لهجات القرغز، والقبيجاق، والأوغز والتخسي واليغمة والصيغل والاغراق والكاروق ~~تركية محضة، ويقرب منها لغات اليمكة والباشكير. وبالإجمال فالترك الرحالة الساكنون بين ~~«الايتل» و«اليامار» كانوا يتكلمون بلغة أنقى من لغات أهل المدن، وقد كانت اللغة الصغدية ~~مستعملة إلى جانب التركي في المدن، وكان يغلب على لغة الأوغز - أو التركمان - لهجة الشعوب ~~التركية الجنوبية. ثم جاء في الانسكلوبيدية الإسلامية أن ظهور العرب على الترك في أول ~~الدولة العربية لم يؤثر في قضية اتخاذ الترك الإسلام دينا، وكانوا يروون الحديث النبوي: ~~«اتركوا الترك ما تركوكم.» وما أسلم الترك إلا اختيارا في القرن الرابع للهجرة (وقد ظهر لك ~~مما تقدم أن الإسلام بدأ في الترك من أيام بني أمية، ثم فشا فيهم لعهد المأمون ~~والمعتصم). # وأنه في سنة إحدى وتسعة وتسعين ومائتين للهجرة ، كان زحف ا لترك الوثنيين على المملكة ~~السامانية فدحرهم المسلمون، وفي سنة اثنين وثمانين وثلاث مئة للهجرة دخل الترك المسلمون ~~بخارى واستولوا عليها، وفي القرن الخامس للهجرة فتح الترك المسلمون تحت راية بني سلجوق بلاد ~~الأناضول. وقد رويت أحاديث عن الرسوم عليه السلام بخلاف الحديث السابق، أي أنه كان يحرض على ~~تعلم لسان الترك لأنه سيكون لهم ملك طويل العهد - وأظنه من الأحاديث الموضوعة - ولم يعلم ~~شيء عن تاريخ الحادث الذي قيل فيه إن شعبا تركيا يبلغ مائتي ألف خيمة قد أسلم في يوم ~~واحد. ~~(قلت ورد هذا في صبح الأعشى) والمظنون أن لهذا الحادث علاقة بدولة «ألك خان» من قبيلة ~~«أفرآسياب» ms109 وكان أمراء كاشغر المسلمون استولوا على بلاد «خوطان» ولم تعلم تفاصيل هذا ~~الاستيلاء، وكانت بلدة «كوزن» وقلعة «بوغور» وغيرها معدودة ثغور الإسلام في بلاد التركستان ~~الصيني، وكان دخول الأتراك الذين في الغرب متأخرا عن دخول الذين كانوا في الشرق في ~~الإسلام. # وقد روى ابن الأثير أن شعبا تركيا كان يشتو في بلاد «بالازاغون» ويصيف في بلاد «بلغار» ~~بقرب «الاورال» قد أسلم في شهر صفر سنة خمس وثلاثين واربع مئة، وروى أنهم كانوا عشرة آلاف ~~خيمة، وكان القبجاق في أواسط القرن السادس للهجرة لما يدخلوا في الإسلام، وذلك يستفاد من ~~كتاب قيل فيه عن وصول أمير القبجاق إلى «جند» ثم يقول صاحب الرواية عنه: «رزقة الله ~~الإسلام، وكان الروس منذ أواسط القرن الثاني عشر للمسيح يسمون جميع أصناف الترك ما عدا ~~القبجاق «سرونيكلوبوكي» أي الطرابيش السود. ومن هؤلاء قبيلة «البكنج» يظن أن أصلها ليست من ~~الترك بل أمة غربية، وهم يخالفون الأتراك الطارئين من أواسط آسيا بكونهم يربون البقر، وقد ~~أسلموا كسائر من أسلم من الترك، ولما تأسست سلطنة قرة خيطاي التركية بعد سنة ثلاثين ومئة ~~وألف مسيحية، كان الإسلام قد فشا في الترك، ولكن هذه السلطنة كانت وثنية فأخذت تضطهد ~~الإسلام، ولكنها لم تقدر عليه، وكانت إمارة «بالازاغون» الواقعة في الشمال إمارة إسلامية، ~~وعند انحلال سلطنة قرة خيطاي كانت توجد إمارات إسلامية في شمالي «اللي» مثل إمارة «قارلق» ~~وإمارة أخرى في بلاد «قلجة» وكانت بلاد «ماناس» هي الحد الفاصل بين الترك الإسلامية وغير ~~الإسلامية. # أما دخول الأتراك في الأناضول وقبل ذلك في أذربيجان فما بدأ إلا في زمن السلاجقة، وقد تم ~~تتريك تلك البلاد فيما بعد. # وفي زمن صلاح الدين يوسف بن أيوب كان يوجد أتراك في مصر ومنها دخلوا إلى أفريقيا، وبعد ~~ذلك إلى الأندلس كما ذكر عبد الواحد المراكشي، ولكن لم يكن أثر يذكر للترك في الأندلس. ~~انتهى كلام الانسكلوبيدية الإسلامية ملخصا. وفيه بعض خطأ، وهو في ظنه أن الترك لم يعرفوا ~~مصر إلا في زمن صلاح الدين ms110 بل عرفوا مصر قبل صلاح الدين بكثير وقبل الفاطميين. # وآل طولون هم من الترك وقيل: إنه كان في مجلس الخلفاء الفاطميين أناس من الترك، فبعد ~~انصرافهم سئل عنهم فقال: «هؤلاء الذين سيكونون أمراءنا في الغد.» # قلنا: إنه في القرن الحادي عشر للمسيح كانت جميع بلاد الأناضول التي يقال لها «آسيا ~~الصغرى» مع بلاد «قيلقية» أي ولاية «أطنة» الحاضرة، ومع شمالي سورية كأنطاكية، واللاذقية، ~~ومع أرمينية كلها داخلة في ملك القسطنطينية وكان الإسلام يومئذ منقسما إلى دولتين: الخلافة ~~العباسية في بغداد والفاطمية في مصر. وكانت فارس الغربية تخص بني بوية الذين استأثروا ~~بالأمر في بغداد وحجروا على الخلفاء العباسيين، وأما في شرق إيران فكانت الدولة السامانية ~~تارة في بخارى وتارة في سمرقند، وبقيت مستتبة إلى زمان محمود الغزنوي التركي الذي استولى ~~على خراسان وعلى قسم من بلاد العجم، ولو لم يشغل بفتوحات الهند لربما كان تقدم إلى بغداد، ~~فشغلت الهند الدولة الغزنوية، وبذلك اتسع المجال لدولة أخرى تركية من الغوز يقال لها ~~«الدولة السلجوقية» وكان آل سلجوق أتباعا للغزنويين في بادئ الأمر، فظهر منهم رجل يقال له ~~طغران بك، واستولى على نيسابور قاعدة خراسان، فأراد الغزنويون أن يقضوا عليهم، ولكن جاءوا ~~متأخرين بما شغلهم من فتوحات الهند، وظهر طغرل بك على الغزنوية، فتمكن طغرل بك من خراسان ~~وانتشر أبناء عمه في البلاد الغربية مثل إيران، وكرجستان، وأرمينية. # وكان طغرل بك أحسن السلاجقة سياسة، وأوفرهم عقلا، فاتخذ لنفسه خطة معينة وصار يفتح بلدا ~~بلدا حتى وصل إلى بغداد، وكان بنو بويه غلبوا على بغداد وحجروا على الخلفاء، وكانوا شيعة ~~متعصبين، فجاء طغرل بك إلى بغداد ورفع منار السنة وأيد الخلافة العباسية، وقلده الخليفة ~~السلطنة وسماه بملك الشرق والغرب. وكان في ذلك الوقت أرسلان البساسيري قد دعا للخليفة ~~الفاطمي في وسط بغداد وانهزم القائم العباسي من وجهه، فجاء طغرل بك وهزم البساسيري وقتله، ~~وأعاد الخليفة إلى مكانه ثم تزوج طغرل بك بابنة الخيفة، وعاد أمر الخلافة العباسية كما بدأ ~~من القوة، وانتصرت السنة ms111 أيضا على يد طغرل بك السلجوقي، ومنذ أن تمكن طغرل بك من بغداد نشر ~~غاراته هو وأبناء عمه في بلاد الأناضول وأخذ ينتقص أطرافها، فبدأ السلاجقة بأرمينية وفارس ~~وأغار عليها طغرل بك بذاته سنة 1054 مسيحية، وكان إمبراطور بيزنطية في ذلك الوقت قسطنطين ~~التاسع المسمى مونوماك فعجز عن دفعهم، وجاء بعده قسطنطين العاشر الملقب دوكاس فوصل الترك في ~~زمانه إلى سيواس في قلب الأناضول، ثم توفي طغرل بك وخلفة ألب أرسلان ابن أخيه، فزحف صوب ~~مملكة الروم واستولى على «أرمينية» وهزم ملوك الأرمن، وهكذا انفتحت أمامه مسالك الأناضول، ~~فبث فيها الغارات من كل جانب ووصل إلى قيصرية وتولى الأمر في القسطنطينية قيصر شديد الشكيمة ~~اسمه «رومان ديوجينوس» فجهز الجيوش وزحف إلى الأتراك، وكانت الحرب بين الفريقين سجالا، ~~وكان ألب أرسلان قد كر راجعا إلى إيران بسبب عصيان أولاد عمه عليه، فلما فرغ من قتالهم عاد ~~إلى الأناضول فنهد إليه «رومان ديوجينوس» بمئة ألف مقاتل وذلك سنة 1071 مسيحية، فتلاقى ~~الجمعان في 19 أغسطس/آب سنة 1071 عند بلدة «مالا زغرد» بقرب «خلاط» فدارت الدائرة على ~~الروم، وجرح «رومان ديوجينوس» ووقع في الأسر، وكان ذلك أعظم خطب حل بالنصرانية في الشرق ~~وانقصم بمعركة «مالازغرد» ظهر السلطنة الرومانية البيزنطية. # ووصلت الأخبار إلى الغرب فهاج هائج جميع العالم المسيحي ورأوا أن المملكة البيزنطية أصبحت ~~لا تصلح خصما للإسلام ولا حاجزا دون تقدمه صوب أووريا. ومن ذلك اليوم تولدت فكرة الحرب ~~الصليبية، ومعناها أن المسيحيين الشرقيين لا يقدرون أن يقفوا في وجه الإسلام، فيجب على ~~المسيحيين الغربيين أن ينهضوا ويزحفوا إلى الإسلام في عقر داره، وبرغم الحروب الصليبية لم ~~يزل الترك يتقدمون في آسيا الصغرى حتى بلغوا بحر مرمرة، وذلك في زمان ملك شاه بن ألب أرسلان ~~وبمعاونة ابن عمهم «سليمان بن قطولش»، ووصل الأتراك إلى أزمير في سنة 1081 وأخذ ظل الروم ~~يتقلص عن تلك البلاد الواسعة. نعم إن الصليبين أخروا تتريك الأناضول مدة من الزمن ولكن عاد ~~الأتراك فأتموا فتح هذه البلاد، ووجدت ms112 دولة ثانية تركية غير السلاجقة وهي الدولة ~~«الدانشمندية» التي تأسست في «كيادوكية» وكانت لها قيصرية، وسيواس، وأماسية، وأخيرا جاء ~~بنو عثمان وخلفوا السلاجقة والدانشمندية وفتحوا بورسة وجعلوها دار مملكتهم، ثم أجازوا إلى ~~الرومللي ونقلوا دار ملكهم إلى أدرنة قبل أن يفتحوا القسطنطينية. # ثم وفق الله محمد الثاني الملقب بالفاتح فاستولى على عاصمة النصرانية في الشرق واستصفى ~~بلاد الأناضول كلها وعاد فأكمل فتح الرومللي واستولى على جميع ملحقات الملك القسطنطيني، ~~وأوغل في بلاد البلقان حتى استولى على بلاد الصرب وبوسنة وأكمل خلفاء عمله فاستولوا على ~~جميع الممالك التي في شبه جزيرة البلقان وأدخلوها في الحكم العثماني، واستلحقوا مملكة ~~المجار، ووصلوا إلى بولونية، وحصروا فيينا، ولولا قليل لكانت سقطت في أيديهم. ولم يبدأ تقلص ~~الأتراك عن شبه جزيرة البلقان إلا عند ظهور الروسية، فأصبح الترك بإزاء عدوين كبيرين معا، ~~السلطنة الألمانية، والسلطنة الروسية، فما مضى بعد ذلك أربعة قرون حتى عاد الأتراك فخرجوا ~~من جميع تلك الممالك التي كانوا افتتحوها في البلاد البلقانية ولم يبق لهم إلا القسطنطينية ~~وربضها الذي ينتهي عند أدرنة، وسنذكر شيئا عن تتمة تاريخ الأتراك العثمانيين بعد الانتهاء ~~من مبحث الترك الأصلي. # ونعود إلى تاريخ الترك في أيام زحف المغول من الشرق إلى الغرب فنقول: إن المغول شعب آخر ~~غير الترك ولكنهم من أصل واحد، وقد دخل من المغول كثير في الترك فصاروا منهم، ولما زحف ~~جنكيز خان وأعقابه كان يقال لهم «المغول» ويقول لهم أيضا «التتار» ولكن بعد أن أسلمت ~~الدولة المغولية في القرن الرابع عشر للمسيح غلب على المغول اسم التتار، فتأسست سلطنة في ~~قازان وسلطنة أخرى في استراخان وسلطنة أخرى في القريم، ولكها كانت دولا تترية إسلامية. ثم ~~تأسست دولة تترية إسلامية في سيبريا بقرب طوبولسك الحاضرة، وغلب اسم التتار على جميع ~~الأتراك غير العثمانيين، وهذا هو اصطلاح الروس واصطلاح كثير من الأوروبيين وذلك بأن يسموا ~~بالترك أتراك السلطة العثمانية وبالتتر الأتراك الذين في الروسية الحاضرة. ومن هؤلاء شعب ~~يقال لهم الأوزبك تغلبوا في القرن ms113 السادس عشر المسيحي على «بخارى» و«خيوه» وأزالوا مملكة ~~«الجغطاي» ثم أسسوا دولة «خانات خوقند» وجاء شعب آخر اسمه «النوغاي» من الترك فكانت لهم ~~دولة في بلاد «الفولغا» ثم غلب عليهم شعب تركي آخر اسمه «الكلموك». ومن الشعوب التركية ~~المعروفة شعب يقال له القزق كانوا مستقلين وإن كانوا جيرانا للأوزبك. # وقد كانت تأسست في كاشغر من التركستان الصيني دولة تركية على إثر سقوط دولة الجغطاي ~~واتخذت الإسلام دينا في أواسط القرن الرابع عشر، أي منذ نحو أربع مئة وخمسين سنة، واشتهر ~~منها أمير يقال له محمود خان اعتنى جدا بنشر الإسلام، وكان المغولي أو التركي الذي لا ~~يلبس عمامة يدق له مسمار في رأسه! وأخذت الديانة البوذية تتقهقر من تلك الديار وكان ~~الأويغور من أشهر شعوب الترك لا يزالون بوذيين، فانتشر الإسلام فيهم أيضا ولم يبق على ~~البوذية إلى يومنا هذا إلا قسم منهم يقال لهم «الأويغور الصفر». # ومما يجب أن يعرف أن الأتراك العثمانيين هم من جنس الترك الذي يقال له «التركمان»، ~~وهؤلاء التركمان منهم قسم يقال له «الخروف الأسود» وقسم آخر يقال «الخروف الأبيض» وقد ~~انتشروا في غربي آسيا ودخلت منهم أقوام في البلاد العربية. وفي القرن الثامن عشر والتاسع ~~عشر للمسيح تغلب الكلموك على هؤلاء التركمان كما تغلب الكلموك على الغرغز والقزق. ثم سقطت ~~دولة الكلموك، ومن الغزغز فرقة تسكن في بلاد بني «زاي»، ويقال لهم اليوم «خاكاس» ليسوا ~~كسائر أصناف الترك تابعين للمدنية الإسلامية، كما أنه يوجد في جبال «الألطاي» ترك غير ~~مسلمين، والروس يقولون لهم «كلموك الجبال» وليس هؤلاء مسلمين، وكذلك الأمة المسماة ~~بالياقوت هم أتراك غير مسلمين، ولغتهم لغت تركية قديمة، وقد كانت جميع البلاد إلى النصف ~~الأول من القرن السادس عشر للمسيح من شبه جزيرة البلقا،ن وشطوط البحر الأسود إلى الصين ~~ممالك إسلامية متصلة، كما ورد في الانسيكلوبيدية الإسلامية، ولكن كان قد بدأ دخول هذه ~~الممالك في دور الانحطاط، فتقلص ظل المدنية وعادت البداوة القديمة، وكان قد بدأ الروس من ~~ذلك العهد يتغلبون على ms114 من جاورهم من الترك فاستولوا على مملكة قازان سنة 1552 وعلى مملكة ~~استراخان سنة 1554، فقطعوا ما بين الترك المشارقة والترك المغاربة أي العثمانيين. # ومذ ذلك الوقت أخذ الروس يزحفون صوب الشرق فيستولون على مملكة مملكة من هذه الممالك ~~التركية الإسلامية، واتفقوا مع الصين على أنه لا يجوز أن يبقى للإسلام ملك من بحر الخرز إلى ~~حدود الصين، فالذي لم يدخل تحت حكم الروسية يجب أن يدخل تحت حكم الصين، وقد انعقد هذا ~~الاتفاق بين الروسية والصين بمعاهدة تاريخها (24 فبراير/شباط 1881) وبرغم هذا فيقول ~~«بارتولد» محرر هذا الفصل من الانسيكلوبيدية الإسلامية: إن الإسلام والتركية لم يرجعا إلى ~~الوراء في الروسية وأنه بعد الانقلاب الروسي والحكومة البلشفية تأسست للأتراك في الروسية ~~جمهوريات تابعة لموسكو مثل جمهوريتي «الأوزبك» و«التركمان» وجمهورية «أذربيجان» في القوقاز، ~~وبالإجمال فللأتراك تحت حكومة السوفييت الحاضرة سبع جمهوريات لها شبه استقلال، وهي جمهورية ~~القريم وجمهورية قوفاس وجمهورية الباشكيرد وجمهورية التتار وجمهورية القزق وجمهورية الغرغز ~~وجمهورية ياقوت. ويوجد نواح لها أيضا إدارة مستقلة، وأكثر أهلها من الترك وهي بلاد قره كاي ~~وبالكار وقره كالبكيك وأويرات، ويقول: إن هذا الدور قد أحيا أسماء القبائل التركية القديمة. ~~ويذكر أن أكثر هؤلاء الأتراك قد عولوا في الكتابة على الحروف اللاتينية أما «الكوفاش» ~~و«الكاكاس» و«الأوبرات» فقد بقوا متمسكين بأحرف الهجاء الروسية. # قلنا: إن السبب في هذا هو الدعاية الأنقرية والدعاية البلشفية نفسها، فإن كلا من موسكو ~~وأنقرة أخذتا بالحروف اللاتينية، فالأتراك المسلمون في الروسية قلدوا في ذلك أنقرة، وأما ~~الأتراك غير المسلمين مثل «الكاكاس، والأيرات» فبقوا متمسكين بالحروف الروسية، وذلك لأنه لا ~~يجمعهم بأنقرة جامعة إسلامية حتى يقلدوها، وقد بلغ من انقلاب الأوضاع أن صارت الحروف ~~اللاتينية هي موضوع دعاية الأتراك المسلمين، ويقلد بعضهم بعضا فيها، وأن الأتراك غير ~~المسلمين لا يعرفونها، وجاء في الانسيكلوبيدية أنه في إحصاء سنة 1885 كان عدد الترك في ~~الروسية 26 مليونا، وقيل إن هذا العدد مبالغ فيه، وأن أتراك الروسية ليسوا غير 16 مليونا، ~~وأن جميع الأمة التركية في ms115 العالم ثلاثون مليونا، ولكن كتاب الأترك ومؤلفيهم يجعلون للترك ~~أكثر من هذا العدد بكثير، فأحمد أغاييف يقول: إنهم من سبعين إلى ثمانين مليونا، ومصطفى ~~كمال باشا يقول: مئة مليون. انتهى ما في الانسيكلوبيدية الإسلامية. # والحقيقة أن الذين قالوا إن الترك بأجمعهم ثلاثون مليونا قد نقصوا عددهم كثيرا، كما أن ~~كتاب الترك قد يكونون زادوا العدد على ما هو الحقيقة ولا شك أن الترك الذين في الروسية لا ~~يقلون عن ثلاثين مليونا كما أن الترك الذين في التركستان الصيني يبلغون عشرة ملايين، فيبقى ~~ترك الأناضول ومن يليهم من الترك الذين في تراقية وبلاد البلغار ورومانيا، فهؤلاء كلهم لا ~~يقلون عن خمسة عشر مليونا، ويجب أن نضيف إلى هذا العدد أتراك إيران وهم أربعة إلى خمسة ~~ملايين فالجميع ستون مليونا وهذا أقرب تعديل. # وقد جاء في «صبح الأعشى» في الجزء الخامس خبر كيفية استيلاء الترك على بلاد الأناضول بعد ~~أن كانت كلها للروم قال: إن ثغور المسلمين كانت من جهة الشام «ملطية» ومن جهة أذربيجان ~~«أرمينية» إلى أن دخل بعض قرابة «طغرل بك» أحد ملوك السلجوقية في عسكر إلى بلاد الروم هذه، ~~فلم يظفروا منها بشيء، ثم دخلها بعد ذلك «مماني» أحد أمرائهم بعد الثلاثين وأربع مئة ففتح ~~وغنم، وانتهى في بلادهم حتى صار من القسطنطينية على خمس عشرة مرحلة، ثم فتح «قطلمش » بن ~~إسرائيل بن سلجوق «قونية» و«أقصرا» وأعمالها. ثم وقعت الفتنة بين قطلمش وبين ألب أرسلان ~~السلجوقي وقتل قطلمش في حربه سنة ست وخمسين وأربع مئة وملك البلاد من بعده ابنه سليمان ومات ~~سنة ثمان وسبعين وأربع مئة. وملك بعده «قلج أرسلان» ثم خلفه بقونية وأقصرا ابنه مسعود، ثم ~~توفي مسعود سنة إحدى وخمسين وخمس مئة، وملك بعده ابنه قلج أرسلان. وهذا قسم المملكة بين ~~أولاده، فأعطى قونية وأعمالها ابنه غياث الدين كيخسرو، وأعطى أقصرا والسيواس ابنه قطب ~~الدين، وأعطى «دوفاط» ابنه ركن الدين، وأعطى أنقرة ابنه محيي الدين، وأعطى ملطية ابنه عز ~~الدين قيصر، وتخلى إلى ابنه غياث الدين ms116 عن الأبلستين، ولابنه نور الدين محمود عن قيسارية، ~~وأعطى أماسيا لابن أخيه. ثم ندم على هذه القسمة وأراد انتزاع هذه الأعمال من أولاده، فخرجوا ~~عن طاعته إلا ابنه غياث الدين فإنه بقي معه، وحاصر قلج أرسلان ابنه محمود في قيسارية فتوفي ~~وهو محاصر لها سنة 558، ووقعت الحروب بين الإخوة، وتغلب عليهم أخيرا ركن الدين صاحب دوفاط، ~~وخلفه ابنه قلج أرسلان، ثم قبض عليه أهل قونية وملكوا عمه غياث الدين كيخسرو، وبقي حتى قتل ~~في حرب مع صاحب القسطنطينية، وملك بعده ابنه كيكاوس الغالب بالله وبقي حتى مات سنة 616، ~~وخلفه أخوه علاء الدين فتوفي سنة 634، وملك بعده ابنه غياث الدين كيخسرو، وتوفي سنة 654 ~~وملك بعده ابنه علاء الدين. # ولماء جاء المغول واستولوا على بغداد كان الملك لعز الدين كيكاوس، وركن الدين قلج أرسلان، ~~فخضعا لهولاكو سلطان المغول، وبعد هلاك هولاكو غلب ركن الدين على جميع ملك الترك في ~~الأناضول، وكان هولاكو أقام رجلا اسمه «البرواناه» وكيلا من قبله في بلاد الأناضول فغلب ~~على ركن الدين قلج أرسلان ثم قتله، وحجر على ابنه غياث الدين كيخسرو. وفي تلك الأيام دخل ~~الملك الظاهر بيبرس صاحب الديار المصرية إلى بلاد الروم سنة 675 ولقيه صمغان بن بيدو الشحنة ~~من جهة التتار فهزمهم وثار بيبرس إلى قيسارية فملكها، وجلس على تخت آل سلجوق بها، ثم رجع ~~إلى مصر وبلغ ذلك «أبغا» بن هولاكو صاحب إيران فسار في جموعه إلى قيسارية ورأي مصارع قومه، ~~فشق عليه واتهم البرواناه بمالأة الظاهر بيبرس فقبض عليه وقتله، واستقل بالملك غياث الملك ~~بن ركن الدين قلج أرسلان، وبقي في الملك حتى قتله «أرغون بن أبغا» صاحب إيران سنة 681، وجعل ~~مكانه مسعود ابن عمه كيكاوس، وجعل شحنة في الأناضول رجلا اسمه هولاكو وليس لمسعود بن ~~كيخسرو من الملك إلا الاسم. وبعد ذلك استقل الشحنة بالمملكة وصار ملوك التتر يرسلون إلى ~~الأناضول شحنة بعد شحنة (أصل معنى الشحنة حامية البلد من قبل السلطان) وربما عصى عليهم بعض ~~هؤلاء فلجئوا إلى صاحب ms117 مصر، وكثيرا ما تقلدوا الإمارة بعهد من صاحب الديار المصرية مثل ~~«الناصر محمد بن قلاوون»، وصارت الأناضول من مضافات الديار المصرية، وكان في بلاد الأناضول ~~- وصبح الأعشى يقول بلاد الروم - طوائف كثيرة من التركمان كان السلاجقة يستعينون بهم في ~~الحروب، فظهر منهم أمراء وأسسوا ممالك مثل «أولاد قرمان» أصحاب «أرمتاك» و«قسطمونية» و«بنو ~~الحميد» أصحاب «أنطالية» و«وبنو آيدين» أصحاب البلاد التي يقال لها «أزمير» اليوم و«بنو ~~منتشة» وبلادهم إلى الجنوب من أزمير «وبنو أورخان بن عثمان جق» وهو صاحب «بورسة». وكان قد ~~اتخذ «بورسة» دارا لملكه لكنه لم يفارق الخيام إلى القصور، وكان ينزل بخيامه في ضواحي ~~بورسة ولم يزل على ذلك إلى أن مات. # قال القلقشندي في صبح الأعشى: وملك بعده ابنه «مراد بك» وتوغل في بلاد النصرانية فيما ~~وراء الخليج القسطنطيني في الجانب الغربي، وفتح بلادهم إلى أن قرب من خليج البنادقة، وصير ~~أكثرهم أمراء ورعايا له، وأحاط بالقسطنطينية من كل جانب حتى أعطاه صاحبها الجزية، ولم يزل ~~حتى قتل في حرب الصقالية سنة 791، وملك بعده ابنه أبو يزيد فجرى على سنن أبيه، وغلب على ~~البلاد فيما بين سيواس وأنطالية والعلايا، ودخل بنو قرمان وسائر التركمان في طاعته، ولم يبق ~~خارجا عن ملكه إلا سيواس التي كانت بيد قاضيها إبراهيم المتغلب عليها وملطية الداخلة في ~~مملكة الديار المصرية، ولم يزل أبو يزيد حتى قصده «تمرلنك» بعد تخريب الشام في سنة ثلاث ~~وثمان مئة وقبض عليه، فبقي في يده حتى مات، وملك بعده ابنه سليمان شلبي، وبقي حتى مات، وملك ~~بعده أخوه محمد بن أبي يزيد بن مراد بن عثمان جق، وهو القائم بمملكتها إلى الآن. انتهى ~~بتصرف. # قلنا: أيام زحف جنكيز خان على بلاد خوارزم جاء رجل يقال له «سليمان شاه بن كيالب» من بعض ~~قبائل الأوغرز ومعه خمسين ألفا من قبيلته ونزل على شواطئ الفرات بين أرزنجان وخلاط، وذلك ~~في سنة 1224 مسيحية، وتوفي سليمان شاه هذا غريقا في الفرات، وبعد وفاته رجع أكثر قومه إلى ~~خراسان، وبقي ms118 منهم أربع مئة عائلة مع ولديه «دندار» و«أرطغول» وتقدم أرطغرل إلى الغرب. ~~وكانت حصلت في ذلك الوقت حرب مع «علاء الدين السلجوقي» فخدمه أرطغول ونصره فأقطعه السلجوقي ~~إقطاعات معلومة مكافأة له، ثم تقدم عنده فأقطعه بلادا على مقربة من «بني شهر» وولد لأرطغول ~~ولد سماه عثمان، وكان عثمان يخطب ابنة شيخ من الأولياء اسمه «آده بالي» ووالدها يأبى أن ~~يزوجه بها، فرأى يوما فيما يرى النائم أنه تزوج بملك خاتون ابنة الآده بالي وخرج من حجرها ~~هلال وصعد إلى صدرها، ثم ظهرت من جوانبها شجرة عمت البر والبحر، إلا آخر ما تحدثوا عن هذا ~~الحلم ... فلما أصبح الصباح قص رؤياه على الشيخ الآده بالي فأزوجه ابنته، وولدت له ابنه ~~أورخان، وكان عثمان كبير أولاد أرطغرل، وكان المقدم عند سلطان قونية، فحسده الأمراء على ~~حظوته عند السلطان، ثم ملك عثمان بلدة «قره حصار» وزاد السلطان في إقطاعه ومنحه حق ضرب ~~السكة، وصار اسمه يقرن باسم السلطان في صلاة الجمعة، وكان المغول قد غزوا بلاد الأناضول سنة ~~1300 للمسيح، فانهزم علاء الدين الثالث الذي كان يقال له سلطان الروم، والتجأ إلى «ميشيل ~~باليوغ» ملك القسطنطينية، فمات من حبسه وصار كرسي ملك الإسلام في الروم فارغا، فتولى عدة ~~أمراء منهم: بنو قرمان ومنهم بنو قرمسي ومنهم بنو صاروخان ومنهم بنو ايدين ومنهم بنو حميد ~~ومنهم بنو منتشه ومنهم بنو عثمان الذين كان بيدهم بني شهر وما والاها. # وكان عثمان شديد البأس صارما، وكان لا يزال للقسطنطينية قلاع وبلاد في الأناضول، فأرسل ~~عثمان إلى قواد هذه القلاع يخيرهم بين الإسلام أو الخضوع له، وكان له صاحب من الروم اسمه ~~ميشيل كيوز فأسلم، وأقطعه عثمان بلادا، وهذا هو جد عائلة ميكال أوغلو التي لها ذكر شهير في ~~الدولة العثمانية، وخضع له بعض أمراء الروم وأدوا الجزية، ثم استولى ابنه أورخان على بورسة ~~أخذها من أيدي الروم، وكانت أحصن بلدة في آسيا الصغرى، وذلك الفتح كان سنة 1326 مسيحية، ~~ومات عثمان وحزن عليه قومه لأنه كان ms119 بطلا مغوارا، وهو الذي أسس هذا الملك فقيل الدولة ~~العثمانية من ذلك الوقت، وكان زاهدا يقتدي بأصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولم يكن يدخر مالا، ~~بل يوزع كل ما يدخل في يده على أصحابه، وكان يعيش في بيته من قطيع غنم لا يزال في ذريته حتى ~~اليوم في نواحي بورسة. # بويع للسلطان عثمان مؤسس السلطنة السمانية في سنة 699 تسع وتسعين وست مئة، وقد كان ~~الأدبالي الذي تزوج السلطان عثمان ابنته من علماء القرامان وتفقه في البلاد الشامية، وكان ~~عاملا عالما عابدا زاهدا وكانوا يرجعون اليه بالمسائل الشرعية. # ومن العلماء المعروفين في أيام عثمان المولى طوسون ختن الأدبالي، وقد قرأ عليه وقام مقامه ~~في أمر الفتوى. # ومنهم المولى خطاب بن أبي القاسم القره حصاري، قرأ أيضا في البلاد الشامية وله شرح نافع ~~على منظومة الشيخ عمر النسفي في الخلافيات. # ومنهم مخلص بابا من بلاد قرامان، وكان يرافق السلطان عثمان في فتوحاته. # ومنهم ابنه عاشق باشا وكان عابدا زاهدا متصوفا. # ومنهم ابن عاشق باشا المذكور وكان أيضا على قدم الصلاح نظير آبائه. # ومنهم العارف بالله الشيخ حسن وكانت له زاوية ببلده بروسة. # وكان أكبر أولاد عثمان علاء الدين إلا أنه كان مشغوفا بالعلم محبا للعزلة، فعهد عثمان ~~بالملك لولده أورخان، فعرض أورخان على أخيه الأكبر قسمة الملك، فأبى علاء الدين وأراد ~~الاعتزال جانبا واختار أن يقيم على ضفة نهر «نيلوفر» الجاري في مرج بورسة، فعرض عليه ~~أورخان نصف قطعان الغنم التي خلفها لهم أبوهم فرفض أيضا، فقال له أورخان: من حيث إنك رفضت ~~أن تأخذ حصتك من الغنم والبقر والخيل، فإني أعرض عليك أن ترعى رعيتي وتكون وزيرا لي. فلم ~~يسعه إلا القبول وصار وزيرا لأخيه وأحسن الإدارة. وكان عثمان لم يضرب السكة باسمه فالذي ~~ضربها هو ولده علاء الدين في أيام أخيه أورخان، ثم جعل علاء الدين للمملكة جيشا دائما، ~~ولكن هذا الجيش لم يطل أمره، فاتفق أورخان وأخوه علاء الدين على حله، واعتمدا على طريقة ~~أخرى أشار ms120 بها خليل جندرلي، وهي تأسيس وجاق الانكشارية، وكانوا يأتون بأحداث من أبناء ~~النصارى وغيرهم، فيربونهم في الإسلام، فأكثر الانكشارية هم من هؤلاء، ولما أسسوا هذا الجيش ~~باركه الحاج «بكتاش» وهو الي أعطاه اسم «يني شاري» وفي البداية لم يكن هذا الوجاق أكثر من ~~ألف جندي، ولكنه صار يزداد سنة فسنة. وقضية أخذ أولاد النصارى وتربيتهم في الإسلام وجعلهم ~~جنودا كان العثمانيون قد أخذوها عن الروم، أصحاب القسطنطينية، الذين كانوا إذا غزوا بلاد ~~الإسلام سبوا كثيرا من الأولاد وربوهم في النصرانية، وجعلوهم جندا يقاتلون بهم المسلمين، ~~ولما استولى «نيقوفورفوقاس» على حلب سبى عشرة آلاف ولد من أهلها، ورباهم في دار ملكه وعمدهم ~~وصيرهم من أعز جنوده، وكذلك عندما استولى البطريق ميشيل بوتسنريس على أنطاكية سنة 969 سبى ~~من أولاد المسلمين عشرة آلاف أيضا وربوهم في القسطنطينية، فخرجوا نصاري وصاروا جندا. ~~فالعثمانيون لم يعملوا إلا ما عمله البيزنطيون من قبل، ورتب أورخان وأخوه عدة أصناف من ~~الجيوش منهم: الجيش الذي يقال له «العزب» # ومنهم الخيالة وهم أنواع «السباهية» و«السلحدارية» و«العلوفة جيه» و«الغرباء» و«المسلمان» ~~و«الايكنجي» وبقيت قيادة الابكنجي - وهم الكشافة - في ذرية عائلة ميكال أوغلي مدة ~~أعصر. # وجعل أورخان وأخوه مدينة بورسة قاعدة المملكة وأخذا يفتتحان كل يوم بلدا جديدا، وحاصرا ~~«نيقية» التي كانت العاصمة الثانية لمملكة الروم، وبعد حصار سنتين أخذاها عنوة، وهي البلدة ~~التي انعقد فيها المجمع النيقي الذي به تقررت العقيدة الكاثوليكية، فحول الأتراك كنيسة ~~المجمع المقدس جامعا وأسس أورخان وأخوه في نيقيه مدرسة عالية وملجأ للفقراء، وشيدا فيها ~~عمارات كثيرة، وعهدا بقيادة موقع نيقية إلى سليمان باشا كبير أولاد أورخان، الذي صار فيما ~~بعد خلفا لعمه علاء الدين في الوزارة. # ثم مضى العثمانيون في فتوحاتهم فاتسعت المملكة، وكان أولاد أمير قرسي قد اختلفوا بعد موت ~~والدهم، فوضع أورخان يده على هذه الإمارة وعمرت بورسة في ذلك الوقت، واجتمع فيها العلماء ~~والأدباء والشعراء، وصارت عاصمة حقيقية، ولا تزال عماراتها ومآثرها إلى اليوم تدهش الأبصار، ~~وفيها مدافن ستة من سلاطين آل ms121 عثمان. وكان دوشان ملك الصرب جمع الصقالبة وافتتح بلاد ~~البلغار، وأراد أن يزحف على القسطنطينية، فأرسل ملك القسطنطينية «يوحنا باليولوغ» وعرض على ~~أورخان أن يزوجه ابنته حتى يستعين به على قتال الصقالبة، ولكن دوشان مات قيل أن يتمكن من ~~الزحف على بيزنطية، وفي سنة 1357 أجاز سليمان باشا ابن السلطان إلى البر الأوروبي بستين ~~مقاتلا فقط، ثم أجاز بعده ثلاثة آلاف مقاتل واستولوا على مدينة «غاليبولي» على الدردنيل، ~~ثم على «كونور» و«بولايير» و«مالاجره» و«ابسالة» و«رودستو» وبينما سليمان باشا يتقدم في ~~الفتوحات تردي به جواده فمات ولم يلبث أبوه إلى أن لحق به. # بويع للسلطان أورخان بالسلطنة في سنة ست وعشرين وسبع مئة، وقد نبغ في زمانه المولى داود ~~القيصري القراماني؛ قرأ في مصر، وكان له قدم راسخة في التصوف وشرح فصوص ابن العربي، ولما ~~بنى السلطان أورخان مدرسته في بلدة أزنيق انتدبه للتدريس بها. # ومنهم المولى تاج الدين الكردي، وكان فقيها علامة، ولما مات داود القيصري جعله السلطان ~~أورخان مكانه في التدريس. # ومنهم المولى علاء الدين الأسود وقرأ في بلاد العجم وله مؤلفات، ودرس في مدرسة ~~ازنيق. # ومنهم المولى خليل الجندري، وهو أول قاض من قضاة العساكر، وصار فيما بعد وزيرا وكان من ~~أقارب الشيخ أدبالي. # ومنهم المولى محسن القيصري وقرأ في البلاد الشامية ، وله نظم في علم الفرائض وشرح ~~عليه. # ومنهم الشيخ الغزال ومولده ببلدة «خوى» من بلاد العجم، وكان يركب الغزال، وحضر فتح بروسة ~~مع السلطان أورخان وكان متجردا عن العلائق الدنيوية، وكان السلطان أورخان يحبه حبا جما، ~~فأقطعه موضعا قريبا من مقامه مع ما حوله من القرى، فلم يقبل ذلك الشيخ وقال: الملك والمال ~~هما مما يلزم الملوك والأمراء، ومما لا يحتاج إليه الفقراء. # ومنهم الشيخ العالم بالله قره جه أحمد، وأصله من بلاد العجم سلك مسلك الزهد. # ومنهم الشيخ العارف بالله أخي أوران. # ومنهم الشيخ المجذوب موسى أبدال، حضر مع السلطان أورخان فتح بروسة. # ومنهم أبدال مراد وهو أيضا حضر فتح بروسة مع السلطان. # ومنهم بد ms122 اوغلو بابا وهو أيضا من المجاهدين الذين حضروا ذلك الفتح. # ثم جلس على كرسي السلطنة مراد بن أورخان أخو سليمان باشا، وكان سلطانا عظيما في حب ~~الفتوحات وحسن التدبير، وهو الذي استولى على أدرنة في البر الأوروبي، ونقل إليها كرسي ملكه، ~~وهي من أهم المدن واقعة في ملتقى ثلاثة أنهار، ومن أدرنة زحفت جيوشه فاستولت على كملجنة في ~~تراقية وعلى فاردار وفيليولي وبنى مراد جامعا كبيرا في أدرنة. # ولما رأى أهالي بلاد البلقان تقدم العثمانيين وتوالي فتوحهم هالهم الأمر وعمدوا إلى ~~مصادمتهم، وكان البابا «أوروبانوس» الخامس، نادى بالحرب الصليبية، فزحف أورشق الخامس ملك ~~الصرب ومعه أمراء بوسنة والفلاخ والمجر قاصدين الأتراك في أدرنة، وكان السلطان مراد يحاصر ~~بلدة «بيغا» في الأناضول، فالتقاهم الحاج «إلبيكي» من قواد مراد وهزمهم هزيمة شنيعة سنة ~~1363، واستولى الترك على أثر هذه الوقعة علي «قيزل أغاج» و«يانبول» و«إستيمان» و«سماكوف»، ~~ثم رجع مراد فاستولى على «قرق كلية» و«آيدوس» ومدن أخرى، وفي تلك المدة أزوج مراد ابنه ~~بايزبد المسمى «بلدرم» - الذي تقدم أن تيمور لنك أخذه أسيرا - وذلك من ابنة أمير «كوتاهية» ~~واستولى عليها، وأجبر أمير حميد في الأناضول أن يبيعه إمارته، وسرح «تيمور طاش» أحد قواده ~~فافتتح «مناستير» و«بيرايبة» و«إشتيب» في بلاد الصرب، وافتتح أيضا «صوفيا» من بلاد ~~البانار، ثم سرح جيشا آخر بقيادة الصدر الأعظم خير الدين، فافتتح «سلانيك» وكان خير الدين ~~هذا من أحسن الوزراء تدبيرا، فلما مات طمع أعداء العثمانيين وزحف البلغار من جهة أوروبا، ~~وأمراء قرامان في الأناضول في وقت واحد، فأسرع مراد إلى صد أمير قرامان وهزمه وأسره، وعاد ~~إلى البلقان لقتال الصرب والبلغار، وزحف الوزير «علي باشا» فاستولى على بلاد البلغار، وأسر ~~«سيسمان» ملك بلغاريا ولم يقتله وعين له مرتبا يعيش به، وصار ابن ملك البلغار من أتباع ~~السلطان. وأما ملك الصرب «اليعازر» فكان قد جمع جموعه وزحف بالصرب والأرناءوط، فالتقى ~~الجمعان في صحراء «قوصوه» فكانت معركة من أشد ما عرف التاريخ، وانهزم الصرب وأحلافهم، ~~وبينما السلطان مراد يسير على أشلاء ms123 قتلى الصرب نهض أحد الجرحى فأغمد فيه خنجره، فجرح ~~السلطان جرحا بليغا مات به، ولكن بعد أن أمات اليعازر ملك الصرب. # وكان لقبه عند الناس «غازي خداوندكار» بويع له سنة إحدى وستين وسبع مئة، ونبغ في زمانه: ~~المولى محمود قاضي بروسة، وكان قاضيا بالعدل تقيا متورعا، وكان له ولد اسمه محمد فبرع ~~في العلوم إلا أنه مات شابا، وكان له ولد آخر اسمه موسى باشا ارتحل إلى بلاد العجم، وقرأ ~~على علماء خراسان وما وراء النهر، وبلغ شهرة عظيمة واتصل بخدمة ملك سمرقند «أولغ بك»، وكان ~~هذا الملك محبا للعلوم الرياضية فقرأها عليه لأنه كان من علماء هذه العلوم، ومن المؤلفين ~~فيها وشرح أشكال التأسيس في الهندسة، وله كتاب في علم الهيئة، وقرأ على السيد الشريف ولكن ~~لم تحصل الملاءمة بينهما فتركه، وقال السيد الشريف في حقه: غلبت عليه الرياضيات. # ومنهم الشيخ جمال الدين محمد بن محمد الأقصرائي، كان علامة في العلوم العقلية والنقلية، ~~وله كتب منها كتاب في الطب، ويقال إنه من نسل الفخر الرازي. # ومنهم المولى برهان الدين أحمد قاضي أرزنجان، وكان عالما فاضلا ورعا، وصار أميرا على ~~أرزنجان، وقتل في أواخر سنة ثمان مئة في إحدى الوقائع. # ومنهم الحاج بكتاش وكان من الأولياء، وجاء في «الشقائق النعمانية في علماء الدولة ~~العثمانية» أنه انتسب إليه فيما بعد بعض الملاحدة نسبة كاذبة، وهو بريء منهم. # ومنهم الشيخ محمد الكشتري، أصله من العجم توطن بروسة. # ومنهم بيوستين بوش، أصله من العجم بني له السلطان مراد زاوية في قصبة يني شهر. # ثم تولى السلطنة بعد مراد ابنه «بايزيد يلدرم» أي الصاعقة وفي أيام بايزيد صارت مملكة ~~الصرب تابعة للمملكة العثمانية، ولكن بقي «إتيان بن اليعازر» أميرا عليها يؤدي الجزية ~~لبايزيد، وكانت بقيت لمملكة القسطنطينية في الأناضول بلدة فيلادلفيا، والأتراك يقولون لها ~~«آلاشهر» فأراد السلطان بايزيد أن يلحقها بمملكته وحاصرها، فأرسل السلطان إلى ملك ~~القسطنطينية باليولوج بأن يأمر القائد بتخيلة البلدة، فزحف باليولوج إلى البلدة وأجبر أهلها ~~على تسليمها للسلطان، وفي ذلك ms124 الوقت استولى السلطان على إمارة «آيدين» وعلى قسم من إمارة ~~قرامان، ثم حاصر بايزيد القسطنطينية، وزحف صوب بلاد الفلاخ من رومانيا الحاضرة ودوخها حتى ~~ارتضى أهلها بدفع الجزية. ثم استولى بايزيد على مملكة «قرامان» كلها وعل «طوقات» و«سيواس»، ~~فلم يبق في آسيا الصغرى مملكة تركية مستقلة إلا إمارة «قسطموني» والتجأ إليها الأمراء الذين ~~كان بايزيد أخذ بلادهم، فطلب بايزيد من أمير قسطموني تسليم أولاد أمراء «منتشة» و«آيدين» ~~فرفض طلبه، فزحف إليه واستولى على صمصون وعثمان جيك وغيرهما، وفر أمير قسطموني لاحقا ~~بتمرلنك. وفي أيام بايزيد استلحقت السلطنة العثمانية مملكة البلغار تماما، وأسلم ابن الملك ~~«سيسمان» فاعترض «سيجسموند» ملك المجر على استلحاق بايزيد لبلاد البلغار كلها، وتأهب للحرب ~~وأرسل يستصرخ الفرنسيس والبابا، فأعلن البابا الحرب الصليبية على العثمانيين، وأرسل دوق ~~برغونية ستة آلاف مقاتل لمعاونة المجر وأنضم إلى ذلك الجيش أكابر أمراء فرنسا مثل الدوق ~~«دوبور بون» والدوق «دويار» أولاد عم ملك فرنسا والماريشال «بوسيكو»، وانضم إليهم كثير من ~~الألمان من بافاريا واستيريا، ولما تلاقي هذا الجيش مع المجر وزحفوا لقتال الأتراك كان عدد ~~هذا الجيش الصليبي ستين ألفا، ولكن جيش آل عثمان كان مائتي ألف، فعندما التقى الجمعان هجم ~~الفرنسيس على مقدمة العثمانيين، فأحاط هؤلاء بهم فانهزموا، فلما رأى الهزيمة جيش الميمنة من ~~الصليبيين تحت قيادة «لازكوفيتش» أمير تراتسلفانيا تقهقر إلى الوراء وكذلك تقهقر «مانيس» ~~قائد الميسرة المؤلفة من الفلاخيين، وثبت القلب وكان فيه المجر والألمان، واشتد القتال ~~وكادت تزلزل أقدام العثمانيين إلا أنهم تغلبوا في الآخر على أعدائهم بعد معركة تشيب لها ~~الاطفال هي من أشهر معارك التاريخ. # ويقال إن العثمانيين لم يقهروا الجيش الصليبي ذلك اليوم إلا بعد خسائر تفوق التصور، حتى ~~إن بعض مؤرخي الإفرنج ذكروا أن المسلمين خسروا في تلك المعركة ستين ألف قتيل، مما أهاج غضب ~~السلطان حتى أمر بقتل عشرة آلاف أسير من الإفرنج، وأستحيا السلطان منهم «الكونت دي نيفير # Nevers ~~» الذي يقال له «جان بلا خوف» وأربعة وعشرين ~~أميرا من أعظم نبلاء فرنسا، ms125 فهؤلاء لم يقتلهم السلطان بل اكتفى بأخذ الفدية منهم، ولما سرح ~~الكونت «دي نيفير # De Nevers ~~» قال له: «أنت في حل من العهد ~~الذي تعهدت به أن لا تقاتل عساكري، وذلك أنك لو أتيتني بكل جيوش النصرانية لما كان ذلك إلا ~~سببا في انتصاري عليهم.» وأدى باليولوج ملك القسطنطينية الجزية السنوية لبايزيد وبنى ~~جامعا ومحكمة في القسطنطينية وكان للمسلمين فيها قاض شرعي قبل أن فتحوها! # وقال بايزيد إنه لا بد أن يطعم حصانة الشعير في روما، وصارت إيطاليا كلها ترتجف منه، ~~وبينا بايزيد في أوج عظمته إذ التجأ إليه «أحمد جلاير» أمير بغداد الذي كان تمرلنك تغلب على ~~بلاده، فبعث تمرلنك إلى بايزيد يطلب تسليم أحمد جلاير، فقابل بايزيد تلك الرسالة بالازدراء، ~~فزحف تمرلنك إلى الأناضول واستولى علي سيواس وقتل أرطغول بن بايزيد في المصاف، فسار بايزيد ~~إلى قتال تمرلنك بجيوشه، وتلاقى الجمعان في سهل أنقرة، فكان بايزيد في ذلك اليوم صاعقة كما ~~اسمه، ولكن طالع الحرب لم يكن معه فانهزم وتردي به جواده فوقع أسيرا في 20 يوليو/تموز سنة ~~1402، وأسر معه ابنه موسى، ونجا أولاده الثلاثة سليمان ومحمد وعيسى، واختفى ابنه مصطفى، ~~ولم يطل أسر بايزيد إذ مات غما في السنة التالية، فأخذ الأمير موسى جثة والده تمرلنك ~~ودفنها في بروسة. ويقال إنه في زمن بايزيد ابتدأ فساد الأخلاق في الدولة وانتشرت الرشوة، ~~إلى أن السلطان أمر في يوم واحد بقتل ثمانين قاضيا. # بويع لبايزيد في رابع رمضان سنة إحدى وتسعين وسبع مئة، ومن علماء زمانه شمس الدين محمد بن ~~حمزة الفتاري، قال ابن حجر: كان الفناري عارفا بالعلوم العربية وعلمي المعاني والبيان، ~~وعلم القراءات، كثير المشاركة في الفنون، أخذ على علماء بلاده ثم ارتحل إلى مصر، ثم رجع إلى ~~الروم وتولى قضاء بروسة، وكان مقدما عند السلطان، ويقال إنه أثرى إلى الغاية حتى كان عنده ~~من النقد خاصة مئة وخمسون ألف دينار، وحج مرتين وزار القدس، ثم أصابه رمد أشرف به على ~~العمى، ثم رد الله إليه بصره، ms126 فحج بعد ذلك الحجة الأخيرة، وله كتاب يسمى «فصول البدائع في ~~أصول الشرائع» وشرح «الرسالة الأثيرية في الميزان» شرحا لطيفا وشرح «الفوائد السراجية» ~~وعلق على «شرح المواقف للسيد الشريف» تعليقات تتضمن مؤاخذات لطيفة على السيد، وبلغ من الجاه ~~والثروة الدرجة القصوى، وتزاحم الناس على بابه، وخلف عشرة آلاف من الكتب، وقيل إنه شهد ~~السلطان أمامه شهادة في قضية فرد شهادته، فسأله عن السبب في ردها فقال له: إنك تارك ~~للجماعة. فلم يترك السلطان الجماعة بعد ذلك، ثم اختلف المولى الفناوي مع السلطان والتحق ~~بصاحب قرامان، ولكن السلطان ابن عثمان عاد فاسترضاه ورجع إلى بروسة. # ومنهم المولى حافظ الدين بن محمد الكردي المشهور بابن البزازي، وله «الفتاوى البزازية» ~~وكتاب في مناقب الامام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه، وقيل إنه تباحث مع المولى الفناوي ~~فغلب عليه في الفروع، وغلب الفناري في الأصول وسائر العلوم. # ومنهم مجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب بن محمد الشيرازي الفيروزآبادي صاحب القاموس، ~~وكان ينتسب إلى الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، قال صاحب «الشقائق النعمانية»: وربما يرفع نسبه ~~إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، دخل بلاد الروم واتصل بخدمة السلطان بايزيد يلدرم، وأنعم ~~عليه، وحظي عند السلطان وجول في البلدان، وبرع في العلوم كلها لاسيما الحديث والتفسير ~~واللغة، وله تصانيف كثيرة تنيف على الأربعين، وأجل مصنفاته «اللامع المعلم العجاب، الجامع ~~بين المحكم والعباب» وكان تمامه في ستين مجلدا ثم لخصه في مجلدين، وسماه ب«القاموس المحيط ~~والقابوس الوسيط فيما تفرق من كلام العرب شماطيط» وكان آية في الحفظ والاطلاع. ولد سنة تسع ~~وعشرين وسبع مئة وتوفي باليمن قاضيا بزبيد ليلة العشرية من شوال سنة ست أو سبع عشرة وثمان ~~مئة، وهو متمتع بحواسه، ودفن بتربة الشيخ إسماعيل الجبرتي، قال صاحب «الشقائق النعمانية» ~~وهو آخر من مات من الرؤساء الذين انفرد كل منهم بفن فاق فيه أقرانه على رأس القرن الثامن، ~~وهم الشيخ سراج الدين البلقيني في الفقه الشافعي، والشيخ زين الدين العراقي في الحديث، ~~والشيخ سراج الدين ms127 بن الملقن في كثرة التصانيف في الفقه والحديث، والشيخ شمس الدين الفناري ~~في سعة الاطلاع على العلوم العقلية والنقلية، والشيخ أبو عبد الله بن عرفة في فقه المالكية، ~~والشيخ مجد الدين الشيرازي في اللغة. # وممن نبغ في زمان السلطان بايزيد يلدرم الشيخ شهاب الدين السيواسي وأصله عبد لبعض أهالي ~~سيواس، تعلم في صغرة ونبغ ومال إلى التصوف وتوطن في بلاد آدين، وأكرمه أميرها، وله تفسير ~~للقرآن العظيم، وله رسالة في التصوف سماها «رسالة النجاة في شرف الصفات». # ومنهم المولى حسن باشا بن المولى علاء الدين الأسود وله شرح «المراح في الصرف» وشرح ~~«المصباح في النحو». # ومنهم المولى صفر شاه، وكان من علماء ذلك العصر. # ومنهم محمد شاه بن المولى شمس الدين الفناري، وكان مطلعا على ما اطلع عليه والده من ~~العلوم، وفوض إليه في حياة أبيه تدريس المدرسة السلطانية في بروسة، وهو في الثمانية عشرة، ~~وكانت وفاته سنة 839. وكان له أخ هو المولى يوسف بن المولى الفناري، وتولى التدريس بمدرسة ~~بروسة واستقضي فيها. # ومنهم الشيخ قطب الدين الأزنيقي، وكان زاهدا متورعا متصوفا علامة في العلوم الشرعية، ~~قيل إنه لما اجتاز تمرلنك بالبلاد الرومية اجتمع مع هذ الشيخ فقال له: عليك أن تترك صنيعك ~~هذا من قتل عبد الله وسفك الدماء المحرمة. قال له تمرلنك: يا شيخ إني أنزل في منزل وباب ~~خيمتي إلى الشرق، فأجد بابها في الغد إلى الغرب، وإذا ركبت يركب أمامي خمسون رجلا لا يراهم ~~غيري، فأقفو أثرهم. فقال له الشيخ: كنت سمعت أنك رجل عاقل، فالآن علمت أنك جاهل. فقال: من ~~أين علمت هذا؟ قال: لأنك تفتخر بوصف الشيطان، وهو كونه مظهرا لقهر الله سبحانه وتعالى. ~~ومات هذا الشيخ سنة 821. # ومنهم المولى بهاء الدين عمر بن قطب الدين الحنفي، كان من الفقهاء أرباب الفتوى، ومثله ~~المولى إبراهيم بن محمد الحنفي، ومثله أيضا نجم الدين الحنفي. # ومنهم الشيخ محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن علي الجزري المكنى بأبي الخير، ولد بدمشق ~~ورحل إلى الديار المصرية، ms128 وقرأ بها وجلس للإقراء، ولي قضاء الشام سنة 793 وجاء إلى بروسة في ~~زمان السلطان بايزيد بن عثمان، ولما تغلب تمرلنك على السلطان المذكور أخذ تمرلنك هذا الشيخ ~~معه إلى بلاد تركستان، وقرأ عليه الناس في سمرقند. ثم بعد وفاة تمرلنك خرج من تلك البلاد ~~إلى خراسان، ودخل هراة ثم جاء إلى أصفهان ثم إلى شيراز، وكان الناس يقرءون عليه في كل محل، ~~ثم جاء إلى البصرة ثم جاور بمكة والمدينة، وكان متخصصا في علم القراءات وله التصانيف فيه، ~~وتوفي سنة 833 في شيراز. وله ولدان فاضلان أكبرهما محمد أبو الفتح، وكان من العلماء الكبار ~~ذوي التآليف. والثاني محمد أبو الخير وكان أيضا من العلماء. وولد ثالث اسمه أحمد وكان أيضا ~~كأخويه، ولما وقعت الفتنة التيمورية أرسله تمرلنك رسولا إلى الناصر فرج بن برقوق صاحب ~~الديار المصرية، وافترق عن والده نحوا من عشرين سنة ثم اجتمعا بمصر. # وأدرك أبو الخير ابن الشيخ الجزري زمان السلطان محمد بن مراد، ونصبه السلطان موقعا ~~بالديوان العالي وأكرمه إلى الغاية. # ومنهم المولى عبد الواحد بن محمد بن محمد، كان بارعا في العلوم العقلية والنقلية، وله ~~كتاب في الأسطرلاب ودرس في مدرسة كوتاهية، وأصله من بلاد العجم. # ومنهم المولى عز الدين عبد اللطيف بن الملك ، وكان عند الأمير محمد بن آيدين، شرح «مشارق ~~الأنوار» للإمام الصاغاني وله تصانيف أخرى. # ومنهم أخوه محمد بن عبد اللطيف بن الملك. # ومنهم الشيخ العارف بالله عبد الرحمن بن علي بن أحمد البسطامي من أهل أنطاكية، وكان ~~متخصصا بعلم الحروف والأوفاق والجفر، وله معرفة بالتاريخ، وسكن في بروسة. # ومنهم المولى علاء الدين الرومي، أخذ عن العلامة التفتازاتي والسيد الجرجاني وحضر ~~مباحثهما، وحفظ منهما أسئلة كثير مع أجوبتها. # ومنهم الشيخ العارف بالله فخر الدين الرومي، وكان من العلماء الزهاد. # ومنهم الشيخ رمضان، اتخذه السلطان بايزيد شيخا لنفسه ثم جعله قاضيا للعسكر. # ومنهم المولى أحمدي، أصله من كرمان، وصار المولى أحمدي معلما للأمير ابن كرميان، وكان ~~المولى أحمدي شاعرا، وابن كرميان كان ms129 محبا للشعر، ثم صحب الأمير سليمان بن السلطان ~~بابزيد ولأجله نظم المولى أحمدي الديوان المسمى «إسكندر نامه». # ومنهم الشيخ بدر الدين محمد بن إسرائيل المعروف بابن قاضي سماوة، وكان قد تعلم في الديار ~~المصرية، وقرأ مع السيد الجرجاني علي مبارك شاه المنطقي المدرس بالقاهرة، وعلى الشيخ أكمل ~~الدين، وقرأ عليه السلطان فرج بن برقوق ملك مصر، ثم التحق ببلاد الروم، ولما تسلطن الأمير ~~موسى الملقب بشلبي من أولاد عثمان، وهو أخو السلطان محمد الأول، نصب الشيخ بدر الدين قاضيا ~~للعسكر، ثم وشوا به إلى السلطان فأمر بقتله بإفتاء مولانا حيدر العجمي، وله تصانيف ~~كثيرة. # ومنهم المولى الحاج باشا، وكان من رفاق الشيخ بدر الدين عندما كان يقرأ بالقاهرة، وتخصص ~~بالطب وفوض إليه بيمارستان مصر فدبره أحسن التدبير، وصنف كتاب «الشفاء» باسم الأمير محمد بن ~~آيدين. # ومنهم الشيخ العارف بالله حامد بن موسى القيصري، وكان يبيع الخبز والناس يشترون منه ~~تبركا به، ولما بنى السلطان بايزيد الجامع الكبير بمدينة بروسة رغب فيه ومات بمدينة ~~آقسراي. # ومنهم شمس الدين محمد بن علي الحسيني البخاري، ولد في بخارى، وكان له قدم راسخة في ~~التصوف، وجاء إلى بروسة وأحبه أهلها، واشتهر عندهم باسم أمير سلطان، وأحبته بنت السلطان ~~بايزيد فتزوج بها. وكان آل عثمان يتبركون به ومات في بروسة. # ومنهم العارف بالله الحاج بيرم الأنقروي، ولد بقرية قريبه من أنقرة ونبغ في العلوم وصار ~~مدرسا في أنقرة ومات بها. # ومنهم الشيخ عبد الرحمن الأرزنجاني، كان ساكنا في الجبال بقرب أماسية. # ومنهم العارف بالله (طابدق أمره) كان من الزهاد النساك يسكن بقرب نهر سقارية. # ولما أسر بايزيد ثارت الممالك البلقانية التي كان السلطان العثماني قد أخضعها مثل بلغاريا ~~والصرب ورومانيا، وكذلك ثار أمراء الأناضول من الأتراك مثل أمراء قرامان، ومنتشة وآيدين ~~وصاروخان، واسترجعوا استقلالهم، ووقع الشقاق بين أولاد بايزيد فصاروا يقتتلون ويستأثر كل ~~واحد منهم بشطر من المملكة، ولكن تمرلنك انكفأ عن آسيا الصغرى قاصدا الصين، وبقي القتال بين ~~أولاد بايزيد بعضهم مع بعض وبينهم ms130 وبين أمراء الأناضول الذين استرجعوا استقلالهم وذلك مدة ~~عشر سنوات، والأمور فوضى إلى أن تغلب محمد على الجميع، وكان ملك القسطنطينية باليولوج ~~حليفا لمحمد، فلذلك عندما صفا الوقت له لم يحاول أن يستولي على بلدته، بل رد له بعض المدن ~~التي كانت من قبل تابعة للقسطنطينية، وكان السلطان محمد هذا وهو محمد الأول عظيم الأمانة، ~~محبا للعفو، وقد أجمع المؤرخون على وصف معالي أخلاقه، وهو الذي مهد المملكة تمهيدا ~~جديدا ورتق جميع فتوقها بعد أن مزقتها الفتن تمزيقا، وكان محبا للعلم والعلماء متمسكا ~~بالدين الإسلامي منفذا لأحكامه. # وهو أول سلطان عثماني أرسل صرة إلى أمير مكة، وفرق الصدقات في الحجاز، وفي زمانه نبغ كثير ~~من الشعراء والأدباء والمؤلفين، ومن جملتهم ابن عرب شاه صاحب تاريخ تيمور المسمى ب«عجائب ~~المقدور» وكان معلما لأولاد السلطان محمد، ومات السلطان محمد سنة 1421 مسيحية. # بويع له بالسلطنة سنة ستة عشرة وثمان مئة، وممن نبغ في ذلك الزمان: الشيخ المسمى بأمير ~~سلطان. ونبغ في زمانه برهان الدين حيدر بن محمود الحوافي الهروي من تلاميذ السعد ~~التفتازاني، له حواش على «شرح الكشاف» للسعد، أورد فيها أجوبة على اعتراضات السيد الجرجاني، ~~وكان تقيا ورعا. # ومنهم المولى فخر الدين العجمي، قرأ على السيد الجرجاني، ثم أتى إلى بلاد الروم وصار ~~مفتيا في زمن السلطان مراد، وتعين له ثلاثون درهما كل يوم، فأراد السلطان أن يزيد عليها ~~فلم يقبل وقال: حقي في بيت المال ما يقوم بكفايتي ولا يحل الزيادة عليه. وكان شديد الوطأة ~~على أتباع فضل الله التبريزي رئيس الطائفة الحروفية الضالة، ومات في أورفة، ولما مرض ~~مرض الموت عاده المولى علي الطوسي واستوصاه، فأوصى بأن لا يخلي ظهر العوام من عصا ~~الشريعة. # ومنهم المولى يعقوب الأصغر القراماني وكان عالما مدققا، وجاء إلى بروسة وله رسالة في ~~دفع التعارض بين الآيتين؛ قوله تعالى: # إنا لننصر ~~رسلنا # وقوله تعالى: # ويقتلون النبيين ~~بغير حق ~~. # ومنهم المولى المعروف بقرة يعقوب من بلاد قرامان. # ومنهم المولى بايزيد الصوفي، نصبه السلطان بايزيد معلما ms131 لابنه محمد. # ومنهم العلامة محيي الدين الكافية جي، سمى بذلك لكثرة اشتغاله بكتاب الكافية في النحو، ~~قال السيوطي: شيخنا العلامة أستاذ الأستاذين محيي الدين أبو عبد الله الكافية جي، ولد سنة ~~ثمان وثمانين وسبع مئة واشتغل بالعلم أول ما بلغ، ورحل إلى بلاد العجم وتبريز ولقي العلماء ~~الأجلاء، فأخذ العلوم عن شمس الدين الفناري، والبرهان حيدرة، والشيخ، واجد وابن فرشته شارح ~~المجمع، وحافظ الدين البزازي وغيرهم، ودخل القاهرة وأخذ عنه الفضلاء والأعيان وولي مشيخة ~~الشيخونية لما رغب عنها ابن الهمام، وكان إماما كبيرا في المعقولات كلها: الكلام وأصول ~~الفقه والنحو والتصريف والإعراب والمعاني والبيان والجدل والمنطق والفلسفة والهيئة، بحيث لا ~~يشق أحد غباره بشيء من هذه العلوم، وله اليد الحسنة في الفقه والتفسير، والنظر في علوم ~~الحديث وألف فيه، وأما تصانيفه في العلوم العقلية فلا تحصى بحيث إني سالته أن يسمي لي ~~جميعها لأكتبها في ترجمته فقال: لا أقدر على ذلك. # قال السيوطي: وكان صحيح العقيدة حسن الاعتقاد في الصوفية، محبا لأهل الحديث، كارها ~~لأهل البدع، كثير التعبد على كبر سنه، كثير الصدقة والبذل لا يبقي على شيء، سليم الفطرة، ~~صافي القلب، كثير الاحتمال لأعدائه، صبورا على الأذى، واسع العلم جدا لازمته أربع عشرة ~~سنة فما جئته من مرة إلا وسمعت منه من التحقيقات والعجائب ما لم أسمعه قبل ذلك قال لي ~~يوما: ما إعراب زيد قائم؟ فقلت: قد صرنا في مقام الصغار نسأل عن ذلك! فقال لي: فيها مئة ~~وثلاثة عشر بحثا. فقلت: لا أقوم من هذا المجلس حتى أستفيدها. فأخرج لي تذكرتها فكتبتها منه ~~انتهى. # قلت: وما سبقنا الأوروبيون في المعارف العمرانية والوسائل المادية إلا بكثرة اشتغالنا ~~يزيد قائم إلى الحد الذي يخرج عن اللزوم، بينما كانوا يقضون أوقاتهم بالعلوم الرياضية ~~والتجارب الطبيعية المفيدة وهكذا تفوقوا وتغلبوا علينا. # وممن نبغ في زمان السلطان محمد الأول العثماني، الشيخ عبد اللطيف المقدسي، وكان عالما ثم ~~مال إلى التصوف وسكن بروسة ومات فيها. ومنهم العارف بالله عبد الرحيم بن الأمير عزيز ms132 ~~المرزيفوني وكان متصوفا أيضا. ومنهم العارف بالله بير الياس الأماسي، وكان من الزهاد ~~الأتقياء، وله مريدون. ومنهم عبد الرحمن شلبي ابن بنت بير الياس. ومنهم شجاع الدين ~~القراماني. ومنهم بدر الدين الدقيق. ومنهم العارف مظفر الدين الأرندوي. ومنهم بدر الدين ~~الأحمر. ومنهم بابا نخايش الأنقروي. ومنهم صلاح الدين البولوي. ومنهم مصلح الدين خليفة. ~~ومنهم عمردده البروساي. ومنهم الشيخ لطف الله، وكل هؤلاء من مشاهير الأتقياء رحمهم ~~الله. # وخلفه ابنه مراد وكان عمر مراد عندما تولي السلطنة ثماني عشرة سنة، وبدأ عمله بمهادنة ~~أمير الفرامان، وملك المجر، وثار على مراد عمه مصطفى، وعضده ملك القسطنطينية فتغلب مراد على ~~عمه وأخذ أسيرا وشنقه، وزحف على القسطنطينية وجرت معركة شديدة إلا أن الأتراك لم يقدروا ~~ذاك اليوم على فتح البلدة، أما في الأناضول فاستولي مراد على إمارة (آيدين) بعد أن كان ~~أمراؤها استقلوا في أثناء الفتنة التي وقعت بين أولاد السلطان بايزيد، وكذلك استولى على ~~«صاروخان» وعلى «منتشة» وعلى «بلاد القرامان» وعلى نصف إمارة «قسطموني» فاسترجع مراد جميع ~~ما كانت معركة أنقرة المشئومة مع تمرلنك أخسرته إياه من البلدان. # ولما استراح فكر مراد من جهة آسيا وجه همته نحو أوروبا، وكان «جورج برانكوويتش» ملكا على ~~الصرب، و«سيجيسموند» ملكا على المجر، فظفر العثمانيون بالمجر ظفرا عظيما فاضطر ~~«برانكوويتش» خوفا على ملكه أن يخضع ويؤدي سنويا خمسين ألف دوكه للسلطان مراد، ويقطع كل ~~علاقة مع المجر. # واحتل العثمانيون «كروش واتس» في قلب بلاد الصرب، ثم وجه السلطان قوته صوب بلاد ~~«الأرناءوط» وكان الجنوبي منها يليه «بنو توكشي» والقسم الشمالي يليه «جان كستريوت» فاستولى ~~السلطان على القسمين، ثم زحف نحو بلاد الفلاخ أي رومانية فخضع أميرها «فلاد دارا كول» ~~للسلطان ولكن «سيجيسموند» ملك المجر ثار، ومالأه ملك الصرب وأمير الفلاخ من جهة أوروبا، ~~وأمير القرامان من جهة آسيا، فقهرهم السلطان جميعا، واستسلم أمير الفلاخ للسلطان، وطلب ملك ~~الصرب العفو، وأزوج السلطان ابنته فبقي ملك المجر وحده برأسه، فعاث الأتراك في بلاده ورجعوا ~~بسبعين ألف أسير، ثم ms133 استأنف «برانكو ويتش» ملك الصرب ثورته، فزحف السلطان إلى بلاد الصرب، ~~إلا أنه لم يقدر على بلغراد، فرجع عنها بعد حصار ستة أشهر، وأما المجر فكان ظهر فيهم بطل ~~اسمه «جان هونياد» فهزم العثمانيين وقتل منهم عشرين ألفا مع قائدهم مزيد بك، فأرسل السلطان ~~«شهاب الدين باشا» ومعه ثمانون ألف مقاتل للأخذ بالثأر فكسرهم «هونياد» بفئة قليلة، وأخذ ~~أكابر قوادهم أسرى، ووالى الهزائم على العثمانيين، ثم زحف السلطان بنفسه فانهزم هو أيضا في ~~واقعة «نيشل» وخسر ألفي قتيل، وأربعة آلاف أسير، وتقهقر إلى الوراء، ثم تقدم هونياد إلى ~~الأمام، واستولى على مدن كثيرة للعثمانيين، فاضطر السلطان مراد للصلح وأعاد إمارة الفلاخ ~~إلى أميرها «دراكول». # وعقد هدنة مع المجر إلى عشر سنوات، وصارت بلاد الصرب وبلاد الفلاخ تابعة لمملكة المجر، ~~فحزن السلطان من هذه الحوادث، وعقب ذلك أن ولده «علاء الدين» توفي فخلع السلطان نفسه وذهب ~~معتزلا الملك وأقام «بمغنسيا» وتولى مكانه ابنه محمد الثاني وهو في الرابعة عشرة من العمر، ~~ولم يصل السلطان إلى مغنيسيا حتى نقض المجر عهدهم بتحريض البابا الذي أرسل إليهم أن العهد ~~ليس مسئولا إذا كان مع المسلمين فزحف «هونياد» واستولى على بلاد البلغار، وحاصر «وارنه» ~~فرجع السلطان إلى أوروبا وزحف «هونياد» وهزمه، وكان معه «الكردينال سيزار يني» رسول البابا، ~~فقتل الكردينال في المعمة، وبعد هذه الطائلة على المجر رجع السلطان إلى عزلته وأراد أن ~~يستريح، وإذا بالانكشارية قد قاموا بثورة في أدرنة فجاء السطلان بنفسه فأطاعوا، ثم زحف ~~بستين ألف مقاتل على بلاد اليونان فدوخها وانعطف نحو بلاد الأرناءوط، وكان أمير هذه البلاد ~~المسمى أمير المردريت جعل أولاده الأربعة رهائن عند السلطان. # ومنهم «جورج» الذي تربى في الإسلام، وكان السلطان يحبه جدا لشجاعته، وهو الذي أطلق عليه ~~اسم «إسكندر بك» إلا أن إسكندر بك هذا لم ينس وطنه، فانسل خفية وأثار الأرناءوط على ~~العثمانيين وهزم القائد «علي باشا» واستقل بالبلاد، فسرح السلطان اليه «فيروز باشا» و«مصطفى ~~باشا» بعساكر وافرة فتغلب إسكندر بك عليهما، وأخذ مصطفى ms134 باشا أسيرا، فاضطر السلطان مراد أن ~~يخرج من عزلته مرة ثالثة وزحف بمئة ألف مقاتل وهزم الأرناءوط واستولى على «دبرة» بعد معارك ~~شديدة. # وانتهز هذه الفرصة «جان هونياد» المجري وشن الغارة على العثمانيين بجيش عدده أربعة وعشرون ~~ألفا، منهم عشرة آلاف من الفلاخيين ولم ينضم إليه ملك الصرب خوفا من السلطان، فتلاقى ~~هونياد وجيشه في صحراء قوصوه مع السلطان مراد وجيشه فبقي القتال ثلاثة أيام، ولكن انتهت ~~الواعقة بانكسار المجر، وتفرغ السلطان لمحاربة إسكندر بك فلم يقدر عليه، وبقي يناوشه القتال ~~معتصما بالجبال ومات السلطان مراد في فبراير سنة 1451. # بويع له بالسلطنة سنة خمس وعشرين وثمان مئة ومن علماء عصره المولى محمد بن أرمغان، انتهت ~~إليه رئاسة الفتوى في بروسة بعد المولى شمس الدين الفناوي. # ومنهم ابنه محمد شاه استقضي ببروسة. # ومنهم ابنه يوسف وكان مدرسا. # ومنهم المولى محمد بن بشير، وكان من مدرسي بروسة. # ومنهم المولى شرف الدين بن كمال القريمي. # ومنهم المولى سيد أحمد بن عبد الله القريمي ومات بالقسطنطينية بعد فتح السلطان محمد ~~الثاني لها. # ومنهم السيد علاء الدين السمرقندي وكان عالما ثم مال إلى التصوف. # ومنهم أحمد بن إسماعيل الكوراني كان فقهيا أصوليا ارتحل إلى القاهرة وأجازه ابن حجر في ~~الحديث وجاء الكوراني إلى بلاد الروم فأجله السلطان مراد الثاني وأعطاه مدرسة جده مراد ~~الأول في بروسة ثم مدرسة جدا بايزيد بلدوم في بروسة أيضا. روى صاحب «الشقائق النعمانية» أن ~~الأمير محمد بن السلطان مراد - وهو الذي صار فيما بعد السلطان محمد الفاتح - كان أرسل إليه ~~والده عدة من المعلمين ليعلموه فلم يمتثل أمرهم ولم يقرأ شيئا، حتى إنه لم يختم القرآن، ~~فطلب السلطان مراد رجلا ذا مهابة وحدة ليتمكن من تعليم ابنه، فذكروا له المولى الكوراني ~~فجعله معلما لولده، وأعطاه بيده قضيبا يضربه إذا خالف أمره، فذهب إليه والقضيب بيده فقال ~~له: أرسلني والدك للتعليم وللضرب إذا خالفت أمري. فضحك السلطان محمد من هذا الكلام، فضربه ~~به المولى الكوراني في ذلك المجلس ضربا شديدا حتى ms135 خاف منه السلطان محمد، وختم القرآن في ~~مدة يسيرة، ففرح بذلك السلطان مراد، وأرسل إلى المولى الكوراني أموالا عظيمة، ثم إن ~~السلطان محمد خان لما جلس على سرير السلطنة بعد وفاة أبيه عرض على الكوراني الوزارة فلم ~~يقبل وقال له: إن من في بابك من الخدام والعبيد إنما يخدمونك لأن ينالوا وزارة آخر الآمر، ~~وإذا كان الوزير من غيرهم تنحرف قلوبهم عنك فيختل أمر سلطتك. فاستحسنه السلطان محمد وعرض ~~عليه قضاء العسكر فقبله، ولما باشر أمر القضاء أعطى التدريس والقضاء لأهلها من غير عرض على ~~السلطان، فأنكره السلطان ولكن استحيا من أن يظهره له، فشاور الوزراء فأشاروا على السلطان ~~بأن يقول له: سمعت أن أوقاف جدي في بروسة قد اختلت فلا بد من أن تداركها. فلما قال له ~~السلطان هذا الكلام قال الكوراني: إن أمرتني بذلك أصلحها، فقال السلطان: هذا يقتضي زمانا ~~مديدا، فقلده قضاء بروسة من توليه الأوقاف، فقبل الكوراني وذهب إلى بروسة، وبعد مدة أرسل ~~السلطان إليه واحدا من خدامه بيده مرسوم السلطان وضمنه أمرا يخالف الشرع، فمزق الكتاب ~~وضرب الخادم، فاشمأز السلطان لذلك فعزله ووقع بينهما نفور، فارتحل المولى الكوراني إلى مصر ~~وسلطانها يومئذ قايتباي، فأكرمه غاية الإكرام، ثم إن السلطان محمدا الفاتح ندم على ما ~~فعله، فأرسل إلى السلطان قايتباي يلتمس منه أن يرسل المولى الكوراني إليه فحكى السلطان ~~قايتباي ذلك للكوراني وقال له: لا تذهب إليه فإني أكرمك فوق ما يكرمك هو. قال الكوراني: نعم ~~هو كذلك إلا أن بيني وبينه محبة عظيمة كما بين الوالد والولد، وهذا الذي جرى بيننا شيء آخر، ~~وهو يعرف أني أميل إليه بالطبع، فإن لم أذهب إليه يفهم أن المنع من جانبك فيقع بينكما خلاف. ~~فاستحسن السلطان قايتباي هذا الكلام وأعطاه مالا جزيلا وهيأ له أسباب السفر، وأرسل معه ~~هدايا إلى السلطان محمد، فلما جاء إلى القسطنطينية ولاه السلطان قضاء بروسة ثانية سنة 863 ~~ثم قلده منصب الفتوى وعاش في كنف حمايته عيشا رغدا، وصنف تفسيرا للقرآن العظيم سماه ms136 ~~«غاية الأماني في تفسير السبع الثاني» عقب فيه على العلامتين الزمخشري والبيضاوي وشرح ~~البخاري وسماه ب«الكوثر الجاري علي رياض البخاري» وله تصانيف أخرى، وكان قوالا بالحق، ~~وكان يخاطب الوزير والسلطان باسمه، وكان إذا لقي السلطان يسلم عليه ولا ينحني له، ويصافحه ~~ولا يقبل يده، ولا يذهب إليه يوم عيد إلا إذا دعاه، وكان رحمه الله ينصح للسلطان محمد ~~الفاتح فيقول له: إن مطعمك حرام، وملبسك حرام، فعليك بالاحتياط. فاتفق في بعض الأيام أنه ~~أكل مع السلطان فقال له السلطان: أيها المولى أنت أكلت أيضا من الحرام! فقال: ما يليك من ~~الطعام حرام، وما يليني منه حلال. فحول السلطان الطعام، فأكل المولى فقال السلطان: أكلت من ~~جانب الحرام؟! فقال المولى: نفد ما عندك من الحرام، وما عندي من الحلال، فلهذا حولت الطعام. ~~وتوفي الكوراني سنة 893 في القسطنطينية. # ومنهم المولى مجد الدين، صار قاضي عسكر في زمان الفاتح. # ومنهم المولى خضر بك بن جلال الدين، أعطاه السلطان محمد مدرسة جده في بروسة، وكان علامة ~~يلقب بجراب العلم. # ولما فتح محمد الفاتح القسطنطينية جعله قاضيا فيها، وهو أول قاض بتلك العاصمة، وتوفي ~~فيها ودفن في جوار أبى أيوب الأنصاري عليه رحمه الله. # ومنهم المولى إبراهيم بن الخطيب. # ومنهم المولى خضر شاه من منتشة قرأ في بلاده ثم ارتحل في طلب العلم إلى مصر وعاد إلى ~~الروم، وكان زاهدا وتوفي قاضيا. # ومنهم المولى محمد بن قاضي أيا جلوغ وكان عالما زاهدا. # ومنهم المولى علاء الدين علي الطوسي وأصله من العجم وجاء إلى بلاد الروم، ولما فتح ~~السلطان محمد الثاني قسطنطينية جعل ثمانيا من كنائسها مدارس وأعطى واحدة للطوسي، وهي مدرسة ~~جامع زيرك، وجاءه السلطان محمد الفاتح مرة وأمر بأن الطوسي يدرس كالعادة، وجلس على يمينه ~~وجلس محمود باشا الوزير على يساره، وصار الطوسي يقرأ في شرح العضد للسيد الجرجاني، وحل ~~كثيرا من الدقائق فطرب السلطان، ويقال إنه قام وقعد من شدة طربه، وخلع عليه بعد الدرس ~~وأعطاه عشرة آلاف درهم، وأحسن إلى جميع ms137 الطلبة ثم أعطاه السلطان مدرسة والده السلطان مراد ~~في أدرنة، وعين له كل يوم مئة درهم، ثم أمر السلطان محمد المولى الطوسي والمولى خوجه زاده ~~أن يصنف كل منهما كتابا للمحاكمة بين تهافت الإمام الغزالي والحكماء، فكتب المولى خوجه ~~زاده كتابه في أربعة أشهر، وكتب المولى الطوسي كتابه في ستة أشهر، ففضل الناس كتاب خوجه ~~زاده وأعطى السلطان محمد كلا منهما عشرة آلاف درهم، وزاد خوجه زاده خلعة نفيسة، فكان ذلك ~~سببا في ذهاب المولى الطوسي إلى بلاد العجم. # ومنهم المولى حمزة القراماني. والمولى ابن التمجيد وكان معلما للسلطان محمد. # ومنهم المولى علي العجمي حصل العلوم في بلاده وقيل قرأ على السيد الجرجاني، ثم أتى بلاد ~~الروم ونزل بقسطموني فأكرمه أميرها إسماعيل بك غاية الإكرام ثم أتى إلى أدرنة فأعطاه ~~السلطان مراد الثاني مدرسة جده السلطان بايزيد يلدرم في بروسة، وعاش إلى زمان السلطان ~~الفاتح. ومهم المولى على القومناني وبلده قريبة من مدينة طوقات. # ومنهم المولى حسام الدين الطوقاتي. # ومنهم المولى إلياس بن إبراهيم السينابي. # ومنهم المولى إلياس بن يحيى بن حمزة. # ومنهم المولى محمد بن ميناس. # ومنهم المولى علاء الدين القوجه حصاري ارتحل إلى بلاد العجم وقرأ على التفتازاني والسيد ~~لجرجاني. # ومنهم المولى قاضي بلاط. # ومنهم المولى بخشايش صنف رسائل للسلطان مراد. # ومنهم المولى محمد بن قطب الدين الأزنيقي. # ومنهم المولى فتح الله الشيرواني قرأ على السيد الشريف الجرجاني، وقرأ العلوم الرياضية ~~على قاضي زاده الرومي بسمرقند ثم أتى بلاد الروم وتوطن قسطموني. # ومنهم المولى شجاع الدين إلياس ويلقب بشيخ أسكوب درس فيها مدة أربعين سنة. # ومنهم المولى إلياس الحنفي. # ومنهم المولى سليمان شلبي ابن الوزير خليل باشا، وكان خليل باشا وزيرا للسلطان مراد خان، ~~وتولى هو القضاء بالعسكر المنصور في زمن والده. # ومنهم المولى آقبيق وهو من العارفين. # ومنهم الشيخ محمد بن الكاتب، توطن غاليبولي منقطعا عن الخلق. # ومنهم الشيخ أحمد بن الكاتب أخوه، وسكن غاليبولي أيضا. # ومنهم المولى شيخي من بلاد كرميان. # ومنهم مصلح الدين المعروف بإمام ms138 الدباغين بمدينة أدرنة. # ومنهم الشيخ بيري خليفة الحميدي. # ومنهم الشيخ تاج الدين إبراهيم بن بخشي فقيه. # ومنهم الشيخ العارف حسن خوجه من بلاد قرصي. # ومنهم شمس الدين من خلفاء حسن خوجه. # وخلفه ابنه محمد الثاني الفاتح بويع له في سنة خمس وخمسين وثمان مئة للهجرة، وكانت آسيا ~~الصغرى أي الأناضول كلها في يده ما عدا إمارة القرامان وولاية طرابزون التي كانت تابعة ~~للقسطنطينية، أما في أوروبا فلم يكن للروم غير القسطنطينية وضواحيها، وأما بلاد اليونان ~~فكانت مقسمة بين البنادقة وبين بعض أمراء من الأهالي، وأما الأرناءوط فكانت تحت حكم إسكندر ~~بك، وأما بوسنة فكانت لها إمارة مستقلة، وأما الصرب فكانت تؤدي الجزية للسلطنة العثمانية، ~~وكان باقي ما بقي تابعا للسلطنة رأسا، فلما تولى محمد الثاني فكر في فتح القسطنطينية حتى ~~يجمع شمل المسلمين، وكان «بايزيد يلدرم» بنى من قبل بإزاء القسطنطينية حصنا، من جهة آسيا، ~~فجاء محمد الثاني فبنى حصنا يقابله من جهة أوروبا، فلما رأى الإمبراطور قسطنطين مباشرة ~~السلطان محمد هذه البناية أرسل يستعطفه وعرض عليه دفع إتاوة سنوية فاستنكف السلطان عن قبول ~~أي شيء وبدأت الحرب، فاستأصل السلطان الروم الذي في ضواحي القسطنطينية وأجمع كل من الفريقين ~~على القتال، وصنع رجل مجري للسلطان مدفعا كبيرا يرسل قذائفه إلى مسافة ميل، كان موكلا به ~~سبع مئة رجل، فكان تأثير هذا المدفع عظيما بضخامته وبعد مرماه. # وكان السلطان محمد يقدر أن يحشد مئات ألوف من المقاتلة، أما الإمبراطور قسطنطين فلم يقدر ~~أن يحشد إلا أربعة آلاف وتسع مئة وثلاثة وستين مقاتلا، فهذا العدد كان يقابل مائتين وخمسين ~~ألف جندي عثماني، معها أربع عشرة بطارية من المدافع، يعاونها من البحر مئة وثمانون سفينة ~~حربية! فاستصرخ «قسطنطين باليولوغ» ممالك النصرانية فخذلته، وكان ما أنجدته به هو أن البابا ~~وعد بإعلان حرب صليبية إذا كانت الكنيستان الشرقية والغربية تتحدان، وأرسلت جنوة أسطولا ~~صغيرا خمس سفائن، وتمكن خمسة آلاف مقاتل من الغرباء من الوصول إلى المدينة فنقل السلطان ~~مراكبه البحرية إلى البر، وأزلقها على ms139 الشحم وأنزلها في خليج «قاسم باشا» في ليلة واحدة، ~~ولما أصبح الصباح كان سبعون سفينة حربية في وسط الخليج، وبقي الحصار خمسين يوما فتهدمت ~~الأبراج، فأرسل السلطان إلى قسطنطين يعرض عليه الاستسلام فامتنع، فعرض عليه السلطان أن ~~يوليه بلاد المورة بدلا من فروق فاستنكف أيضا، وفي 29 مايو من تلك السنة قام العثمانيون ~~بهجوم عام، وكان المهاجمون مئة وخمسين ألفا، فدافع الروم في ذلك اليوم دفاعا شديدا، ولكن ~~المسلمين دخلوا من الأسوار، فلجأ الروم إلى كنيسة آيا صوفيا يرجون المعجزة التي تنقذهم، ~~فدخل عليهم العثمانيون من كل جهة وأخذوا البلدة عنوة، وقتل الإمبراطور قسطنطين وهو يقاتل ~~بنفسه، وكان للاستيلاء على القسطنطينية دوي لا يوصف، ووصلت الأخبار إلى المورة فحل من الرعب ~~في قلوب اليونانيين ما لا يحيط به تعريف، وأخذوا يجلون عن بلادهم إلى حيث لا يعلمون، وامتلأ ~~البحر بالسفن التي تشحن الأثقال وتحمل الناس، ولجأ كثيرون من الأروام إلى الجزر الخاصة ~~بالبنادقة والجنوبية، فصدر أمر السلطان بتأمين الناس ونادى المنادي في كل مكان بأن كل رومي ~~يريد الرجوع إلى وطنه فهو آمن على حياته ودينه ومآله، وترك السلطان للأروام عددا كبيرا من ~~الكنائس، وكان البطريرك قد قتل في المعمعة، فعين السلطان بطريركا جديدا اسمه «جناديوس» ~~وسلمه العصا وقال له : إني أعطيك الامتيازات التي كان يتمتع بها أسلافك. وصار البطريرك منذ ~~ذلك اليوم رئيسا للأمة الرومية، وكان له في الدولة العثمانية «رتبة وزير» وكانت عنده ~~محكمة، ومجلس روحاني، فكان يحكم بين الأروام في جميع القضايا، وكان المجلس الروحاني أشبه ~~بمحكمة استئناف، وكان أعضاؤه ذوي امتيازات أيضا فلا يدفعون شيئا من الخراج، وبالاختصار لم ~~يتعرض الأتراك إلى الأروام في دينهم ولا في أملاكهم إلا كنيسة «آياصوفيا» فقد جعلها السلطان ~~جامعا. # وبعد أن انتهى السلطان من فتح «العاصمة الرومانية» أخضع بلاد اليونان بأجمعها، ودخلت ~~جيوشه بلاد الصرب، وسبت خمسين ألف نسمة من رجال ونساء، فأرسل «جان هويناد» بطل المجر إلى ~~«برانكو ويتش» ملك الصرب يعرض عليه التحالف للزحف معا لقتال العثمانيين، فبعث ms140 برانكو ويتش ~~إلى هو يناد يقول له: ماذا تصنع فيما إذا تغلبت أنت من جهة الكنيسة؟ فأجابه هو يناد: إنني ~~أقرر العقيدة الكاثوليكية. وكان سفراء برانكو ويتش سألوا السؤال نفسه السلطان محمد الفاتح ~~فأجابهم: بجانب كل جامع أبني كنيسة وكل من الفريقين يعبد ربه كما يشاء. فسار السلطان بمئة ~~وخمسين ألف مقاتل وثلاث مئة مدفع وحاصر بلغراد، لكنه لم يقدر عليها ولحقت به خسائر كثيرة في ~~الحصار، وكان «هويناد» قد جرح في المعركة ومات، فضعفت المقاومة ولم تمض سنتان حتى دوخ ~~العثمانيون جميع بلاد الصرب، وبعد أن انتهوا من الصرب زحفوا إلى «بوسنة» وأخذ محمود باشا ~~قائد الأتراك أمير «البوشناق» أسيرا ولكنه وعده بالأمان على حياته، ثم إن السلطان محمدا ~~أخذ فتوى من شيخ الإسلام بجواز قتله. وأما الأهلي فمنهم من هاجر # ومنهم من أسلم، وأكثر من أسلم كانوا من طائفة يقال لها «البوغوميل» وكانت مسيحية لكنها لم ~~تكن بعيدة عن العقيدة المسيحية، وكان من هذه النحلة أقوام في بلاد البلغار، ونظرا لتعصب ~~المجر للكنيسة الكاثوليكية طالما اضطهدوا هؤلاء البوغوميل، وأرادوا إكراههم على قبول ~~الكثلكة، وكانت الباباوات لا تزال تلح على ملوك المجر باستئصال هذه الطائفة، فكان هؤلاء ~~يعانون ألوان العذاب، فلما دخل الأتراك إلى بلاد البلقان التي يقولون لها «الرومللي» بدأ ~~هؤلاء البوغوميل يدخلون في الإسلام، وهذا قبل أن يفتح السلطان محمد الفاتح مملكة بوسنة، ~~ولكن عندما دخل السلطان بجيوشه أسلم سائر البوغوميل اختيارا من تلقاء أنفسهم، فمؤرخو ~~الإفرنج يزعمون أنه لما دخل السلطان إلى بوسنة خير الناس بين الإسلام والنصرانية، وأن الذي ~~أسلم بقيت له أملاكه ومن لم يقبل الإسلام جرده الأتراك من ثروته، وكل هذا من أكاذيب ~~المؤرخين الأوروبيين، والحقيقة هي ما ذكرناه، ولو كان السلطان محمد الفاتح عامل البوشناق ~~هذه المعاملة لكان أولى به أن يعامل النصارى بها في سائر البلاد، والحال كما هو معلوم ~~ومشهور أن السلاطين العثمانيين لم يتعرضوا لأحد في دينه، فالبوشناق المسلمون لم يكن أصلهم ~~نصارى بالمعنى المعروف، بل كانوا من هذه ms141 الطائفة التي وصفنا شيئا من عقيدتها والتي كانت ~~أرقى من جميع سكان تلك البلاد. # ولنا رحلة إلى بلاد «بوسنة وهرسك» جمعنا فيها كل المعلومات اللازمة عن أصل «البوشناق» وعن ~~أصل «البوغوميل» ومرادنا نشرها في أول فرصة، وقد رأينا بأعيننا قبور «البوغوميل» القديمة ~~وليس عليها شيء من الصلبان، ولا من علامات النصرانية، وبديهي أنه لما كان البوغوميل هم في ~~الأصل ذوي الوجاهة في بلاد بوسنة وهرسك، صاروا هم ذوي الوجاهة في الإسلام أيضا، وكان ~~استيلاء الأتراك على بوسنة سنة 1463، وفي تلك المدة استولى السلطان محمد على بلاد «طرابزون» ~~التي كان يليها ملوك من الأروام من عائلة «كومين» ثم زحف السلطان لفتح بلاد الفلاخ، فقاومه ~~أميرها «فلاد» مدة من الزمن، لكنه انهزم والتجأ إلى بلاد المجر، فجعل السلطان أخاه «رادول» ~~أميرا على الفلاخ، فأما الأرناءوط فكانوا لا يزالون عصاة، وكان إسكندر بك لا يزال مظفرا في ~~حروبه مع الأتراك فزحف السلطان بنفسه إلى بلاد الأرناءوط، واستولى على بعض المدن مثل «برات» ~~وغيرها ثم رجع وترك القيادة «لبلبان باشا» فلم يوفق، وبقيت ألبانيا متمردة إلى أن مات ~~إسكندر بك. # واشتعلت الحرب بين السلطان وبين جمهورية البندقية، فأرسل السلطان أسطولا مؤلفا من ثلاث ~~مئة سفينة حربية عليها سبعون ألف مقاتل تحت قيادة محمود باشا فاستولى هذا الأسطول على جزيرة ~~نيفروبون وأخذها عنوة، وأستأصل حاميتها، فتحالف البنادقة ومملكة نابولي والبابا مع لوزون ~~حسن من أمراء ا لتركمان في شرقي الأناضول، وذلك لمحاربة السلطان، فزحف السلطان لصد أوزون ~~حسن بمئة ألف مقاتل وقهره في واقعة «أو قلق بيلي» وفي ذلك الوقت استولى على بر القرامان في ~~جنوب الأناضول بعد مقاتلات شديدة، وكان السلطان اعتزم فتح بلاد البغدان «من رومانية ~~الحاضرة» فساق مئة ألف مقاتل لفتحها وكان أميرها «إيتيان الرابع» صلبا شديدا فقاوم أشد ~~مقاومة وأوقع بالأسرى، فحنق السلطان وزحف من جهة الجنوب وأوعز إلى تتر القرم بالزحف من ~~الشرق، وكان في القرم عائلة مالكة من التتر تنتسب إلى «جنكيز خان» وكانت هذه المملكة تشتمل ~~على شبه ms142 جزيرة القرم وبلاد قوبان وبلاد الشركي، ولها جانب من بلاد البغدان وبسرابيا، وكان ~~فيها عدة إمارات تخضع للخان الكبير مثل آل «شيرين» و«آل منصور» و«آل سجد» و«آل إرغين» و«آل ~~بارون» وكل هذه العائلات كانت سلائل أعوان «جنكيز خان» وكان الجنويون قد استولوا على جانب ~~من القرم وأقعوا الشقاق بين أمراء التتر، فجاء السلطان محمد الفاتح وطرد الجنوبية من هناك ~~بأسطول مؤلف من ثلاث مئة شراع، واستولى هو على بلاد القرم، ووضع على كرسي تلك المملكة ~~«منفلي غراني» وصار من الملوك التابعين للسلطنة العثمانية واستولى الأسطول العثماني على ~~مصاب نهر الطونة، وزحف بمئة ألف مقاتل لقتال «إيتيان الرابع» فكانت الحرب سجالا، وكانت ~~أساطيل البندقية تجتاح سواحل الأناضول، واشتعلت الحرب بين البنادقة والسلطان في ألبانيا، ~~وبعد حصار شديد استولى السلطان على «أشقودره» سنة 1479 ثم تصالحت جمهورية البندقية مع ~~السلطان فتفرغ لقتال المجر وزحف أربعون ألف مقاتل من الأتراك إلى ترنسيلفانيا، ثم إن الخلف ~~وقع بين القواد فظفر بهم «إيتيان باتوري» أمير ترانسيلفانيا والجنرال مايتاس كورفين، وهزموا ~~الجيش الإسلامي وارتكبوا من فظائع التعذيب للأسرى ما روته التاريخ، ولكن السلطان لم يتوقف ~~في فتوحاته بل صمم على فتح «إيطاليا» أيضا وأرسل أسطولا ففتح عنوة مدينة «أوترانت» في 14 ~~أغسطس 1480 فوقع الرعب في جميع إيطاليا، وكان مسيح باشا يغزو «رودس» لطرد فرسان مار يوحنا ~~أورشليم، وهم الذين كان يسميهم العرب بالاسبتارية ولهم ذكر شهير في الحروب الصليبية، ولما ~~طردهم المسلمون من فلسطين جعلوا رودس مركزا لهم، وكانت قاعدة سياستهم محاربة المسلمين، ~~فجاء مسيح باشا بمئة وستين شراعا وحصر رودس، وأنزل العساكر إلى البر، وبقي الحصار مدة شهرين ~~فدافع الاسبتارية دفاعا شديدا واضطروا مسيح باشا إلى رفع الحصار، وبعد ذلك بقليل مات ~~السلطان الفاتح في 2 مايو 1481. وخلاصة أعمال السلطان محمد الفاتح هو أنه فتح القسطنطينية، ~~وكان ذلك فتحا مبينا انتهت به القرون الوسطى فصيرها عاصمة للإسلام وفتح أيضا ملحقاتها ~~وفتح مملكتي الصرب وبوسنة وبلاد الأرناءوط وجمع جميع آسيا الصغرى في ملكه. # ولم يكن ms143 السلطان الفاتح من أعظم الفاتحين في الحروب فقط، بل امتاز بحسن الإدارة، وتنظيم ~~الملك وهو الذي حرر النظام المسمى «بقانون نامه» وفيه جميع أنظمة السلطنة من عملية، ~~وإدارية، وسياسية، وعسكرية، وسارت الدولة العثمانية بموجب هذه الأنظمة مدة طويلة، ولا سيما ~~التراتيب المتعلقة للقضاة والعلماء والمدرسين، فإنه اعتنى بها الفاتح أشد الاعتناء، وكان ~~الفاتح نفسه على جانب عظيم من العلم وحسن الثقافة يتكلم بلغات متعددة، وكان بدون شك من ~~أعاظم رجال الدهر ومن حسنات الإسلام الكبرى، وجميع هؤلاء السلاطين من عثمان إلى الفاتح لم ~~يوجد منهم إلا بطل مجاهد وسلطان عظيم الشأن، وقلما تصادف ذلك في دولة أخرى بهذا النسق خلفا ~~عن سلف. # وفي زمان السلطان محمد الفاتح نبغ من العلماء: # المولى خسرو قاضي العسكر المنصور أخذ العلم عن المولى حيدر الهريو وصار مدرسا بمدينة ~~أدرنة، ولما فتح السلطان القسطنطينية جعله قاضيا فيها مع التدريس في آيا صوفيا، وكان إذا ~~دخل جامع آيا صوفيا يقوم له من الجامع كلهم، ويصلي عند المحراب، وكان السلطان ينظر إليه من ~~مكانه ويقول لوزرائه: انظروا هذا أبو حنيفة رفاقه. وكان كثير الاشتغال بالمطالعة، وله تآليف ~~متعددة ومساجد متعددة بناها في القسطنطينية ومات فيها ونقل جثمانه إلى بروسة. # ومنهم خير الدين خليل بن القاسم بن الحاج صفا. # ومنهم المولى محمد الشهير ب«زيرك وكان مدرسا بمدرسة السلطان مراد في بروسة ووقعت له ~~مناظر من خواجه زاده، فوقع في نفس المولىزيرك شيء فترك القسطنطينية وذهب إلى بروسة، فعاد ~~السلطان يحاول تطييب خاطره وعرض عليه مناصب عالية فرفضها. # ومنهم مصلح الدين مصطفى بن يوسف بن صالح البورسوي المشتهر بين الناس بخواجه زاده، ~~والمذكور كان أبوه من التجار فمال إلى تحصيل العلم برغم إرادة أبيه، ولم يكن أبوه مع ثروته ~~يعطيه شيئا فعاش معيشة الفقراء، وتولى القضاء في زمان السلطان مراد، ولما انتهت السلطنة ~~إلى الفاتح - وكان محبا للعلم والعلماء - صار هؤلاء يشدون الرحال إليه وكان خواجه زاده ~~ممن قصده السلطان، فلقيه وهو ذاهب من القطسنطينية إلى أدرنة، فلما رآه ms144 محمود باشا الوزير ~~الأكبر قال له: أصبت في مجيئك لأني ذكرتك عند السلطان فاذهب إليه وعنده البحث. فذهب إلى ~~السلطان فسأل عنه فقال محمود باشا للسلطان: هو خواجه زاده. فكان من جانب السلطان المولى ~~زيرك وفي الجانب الآخر المولى سيدي علي، فجلس خواجه زاده إلى جانب سيدي على واعترض على ~~المولى زيرك وأفحمه، حتى قال له السلطان: كلامك ليس بشيء. ثم ذهب المولى زيرك وبقي خواجه ~~زاده عند السلطان، ثم جعله السلطان معلما لنفسه، وقرأ عليه السلطان متن عز الدين الزنجاتي ~~في التصريف، وصار مقربا من السلطان إلى النهاية حتى حسده محمود باشا الوزير، وقال للسلطان: ~~إن خواجه زاده بريد منصب قضاء العسكر. فقال السلطان: لأي شيء يريد أن يترك صحبتي؟ فقال ~~الوزير: هكذا يريد. ثم قال الوزير لخواجه زاده: أمرك السلطان أن تصير قاضي العسكر. فقال: ~~أنا لا أريد ذلك. قال الوزير: هكذا جرى الأمر. فامتثل خواجه زاده أمر الوزير وصار قاضيا ~~للعسكر، وكان والد خواجه زاده لا يزال في الحياة وكذلك إخوته، فجاءوا يزورونه وهو في منصبه ~~العالي ورأوا ذلك الاقبال العظيم، فقال خواجه زاده لوالده: لو كنت أعطيتني مالا لما صرت ~~إلى هذا الجاه الذي تراه الآن. يشير بذلك إلى أنه في صغره لما عول خواجه زاده على طلب العلم ~~وخالف ملك أبيه في التجارة أمسك أبوه عن الإنفاق عليه، فصار يكد ويجتهد حتى بلغ تلك الدرجة ~~العالية، وكان الشيخ ولي شمس الدين البخاري رأى خواجه زاده وهو يطلب العلم في صباه وثيابه ~~رثة، ورأى إخوته متجملين بالثياب النفيسة فسأل أباهم: لماذا أولادك هؤلاء كلهم عليهم علامات ~~اليسار وولدك هذا وحده بحالة الفقر؟ فقال له: هذا لأني أسقطته من نظري حين ترك طريقتي. فقال ~~الولي شمس الدين: إن هذا الولد سيكون له شأن عظيم ويقوم إخوته أمامه بمقام الخدم. وقد تحقق ~~كلام الولي هذا لأن خواجه زاده عندما صار قاضي العسكر صنع ضيافة عظيمة لأبيه وحشد إليها ~~الأكابر والأعيان والعلماء، فجلسوا على مآدبهم ونظرا للازدحام لم يوجد ms145 مكان في السفرة ~~لإخوة خواجة زادة فلبثوا واقفين كالخدم، وتذكر خواجه زاده قول الولي شمس الدين. وصنف خواجه ~~زاده كتاب التهافت بأمر السلطان وقال المولى الفناري: المصيبة كل المصيبة أن الخواجة زاده ~~قبل القضاء إذ لو داوم على الاشتغال بالتأليف لظهرت له آثار تتحير فيها الألباب. # ثم إن السلطان جعل محمد باشا القرماني وزيرا، وكان متعصبا على المولى خواجه زاده لميل ~~الوزير إلى المولى على الطوسي، فقال للسلطان الفاتح: إن خواجه زاده يشكو هواء القسطنطينية ~~ويمدح هواء إزنبق. فقال السلطان: أعطيته قضاء أزنيق مع المدرسة التي فيها، فمضى خواجه زاده ~~إلى إزنيق، ثم ترك القضاء واشتغل بالتدريس فقط ثم رجع إلى القسطنطينية بعد وفاة الفاتح، ~~ولما جلس السلطان بايزيد بن السلطان الفاتح على سرير السلطنة أعطاه المدرسة السلطانية في ~~بروسة، مع منصب الفتوى فيها، وكان لا يكتب الفتوى إلا بعد النظر في الفتاوى، وإذا تكررت ~~عليه مسألة واحدة لا يهمل أن يعيد النظر في الفتاوى قائلا: لو سامحت نفسي في هذه لربما ~~تسامحت في غيرها. وكان إذا لم يجد المسألة في الفتاوى سلك مسلك الرأي، وكان يقول: إني قد ~~أرجح وجها من الوجوه ثم إذا طالعت في الكتب وجدت هذا الوجه قد ذهب إليه بعض الأئمة قبلي. ~~وكان يقول : ما نظرت في كتاب أحد بعد تصانيف السيد الشريف بنية الاستفادة. وكان خواجه زاده ~~يقول: إني صابح إقدام وحجام فقيل له: ما تريد بذلك؟ فقال: إذا كملت مطالعتي لا أخاف أحدا ~~كائنا من كان، وإذا لم تكمل خاف كل أحد. ونقل عنه أنه قال: إن العلوم على ثلاثة أقسام: قسم ~~منها ما يمكن تقريره وتحريره، وهو المكتوب في المصنفات. ومنها ما لا يمكن تقريره ولا يجوز ~~تحريره، وهو الجاري في المباحثات. ومنها ما لا يمكن تقريره ولا تحريره، وهوما لا يمكن ~~التعبير عنه لدقته إلا إذا حصل لأحد تلك الحالة الذوقية فيتكلم بالإيماء والإشارة. وأمر ~~السلطان بايزيد خواجه زاده أن يكتب حاشية على شرح المواقف فامتثل أمره، وكان قد وقع شلل ms146 في ~~يده اليمنى فكان يكتب الحاشية باليد اليسرى. وتوفي خواجه زاده سنة ثلاث وتسعين وثمان مئة. ~~وكان له ولد اسمه الشيخ محمد من العلماء الكبار مال في آخر الأمر إلى التصوف. # ومن علماء عصر الفاتح المولى شمس الدين أحمد بن موسى الشهير ب«الخيالي وكان عالما ~~عاملا ورعا، ولما توفي تاج الدين الخطيب مدرس أزنيق طلب السلطان محمد الفاتح مدرسا مكانه ~~فعرض الوزير محمود باشا اسم الخيالي فقال له السلطان: أليس هو الذي كتب الحواشي على شرح ~~العقائد وذكر فيها اسمك؟ قال الوزير: نعم هو ذلك. قال السلطان: إنه مستحق لهذا المنصب. ~~وأعطاه المدرسة المذكورة وعين له كل يوم مئة وثلاثين درهما، ومات وهو مدرس فيها وعمره ثلاث ~~وثلاثون سنة. وكان كثير العبادة، حكى من لازمه أنه لم يره فرح ولا ضحك، وكان دائم الصمت لا ~~يتكلم إلا عند مباحث العلوم. # ومنهم المولى مصلح الدين مصطفى القسطلاني، كان مدرسا في مدرسة «ديموطقة» في الرومللي، ثم ~~لما بنى الفاتح المدارس في القسطنطينية أعطاه واحدة منها، وصار قاضيا بالعسكر المنصور، ~~فخافه محمد باشا القراماني لأن القسطلاني كان قويا لا يداري أحدا، فقال الوزير للسلطان: ~~الأولى أن يكون للعسكر قاضيان، أحدهما القسطلاني يكون قاضيا لعسكر الرومللي، والآخر يكون ~~قاضيا لعسكر الأناضول، وفي تلك المدة مات السلطان الفاتح وجلس السلطان بايزيد، فعزل ~~القسطلاني عن قضاء العسكر، وكان له تصانيف عالية الدرجة ولم يتفرغ لأكثر منها لكثرة اشتغاله ~~بالدرس والقضاء، وتوفي سنة إحدى وتسع مئة ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري. # ومنهم المولى محيي الدين محمد بن الخطيب كان مدرسا بإحدى المدارس الثمان بالقسطنطينية، ~~وادعى مرة أنه يقدر على مباحثة خواجه زاده، فقال له السلطان الفاتح: أأنت تقدر على البحث ~~معه؟ قال: نعم لا سيما أن لي مرتبة عند السلطان. فعزله السلطان محمد لهذا الكلام وكان طليق ~~اللسان جريء الجنان، وقهر كثيرا من علماء زمانه، ويروى عنه أنه ذهب ومعه جماعة من العلماء ~~إلى السلطان بايزيد فقبل العلماء يد السلطان، وأما ابن الخطيب فلم يقبل يده ولا ms147 انحنى له، ~~فلما خرجوا من حضرة السلطان قالوا له: كان الأليق أن تنحني له وتقبل يده! قال: أنتم لا ~~تعرفون يكفيه فخرا أن يذهب إليه عالم مثل ابن الخطيب وهو راض بهذا القدر. ثم إن السلطان ~~بايزيد جمعه مع المولى علاء الدين العربي وغيره من العلماء، وانتهى البحث إلى كلام غضب منه ~~السلطان فصنف ابن الخطيب رسالة وذكر السلطان بايزيد خان في خطبتها وأرسلها إلى السلطان بيد ~~الوزير إبراهيم باشا، فازداد السلطان غضبا وقال للوزير: ما اكتفى بذكر ذلك الكلام الباطل ~~باللسان حتى كتبه في الورق! اضرب برسالته وجهه وقل له يخرج من مملكتي. فالوزير كتم ذلك عن ~~ابن الخطيب ولم يشأ كسر خاطره وأرسل إليه عشرة آلاف درهم باسم السلطان والسلطان لا يعلم ذلك ~~وله مؤلفات كثيرة. # ومنهم المولى علاء الدين علي العربي، أصله من نواحي حلب، قرأ أولا في حلب ثم قدم إلى ~~بلاد الروم فقرأ على المولى الكوراني، وقال الكوراني له: أنت عندي بمنزلة السيد الشريف عند ~~مبارك شاه المنطقي. وتحرير الخبر أن السيد الشريف كان قرأ شرح المطالع ست عشرة مرة، ثم قال ~~في نفسه: أريد أن أقرأ هذا الكتاب على مصنفه، فذهب إليه وهو بهراة والتمس منه أن يقرأ عليه ~~شرح المطالع، وكان الشيخ قد بلغ من الكبر عتيا فنظر إلى السيد الشريف فقال له: أنت شاب ~~وأن شيخ كبير لا أقدر على التدريس فاذهب إلى مبارك شاه فهو يقرئك كما سمع مني. وكان مبارك ~~شاه وقتئذ يدرس بمصر، فذهب السيد الشريف من هراة إلى مصر ومعه الكتاب، فقال له مبارك شاه: ~~نعم إلا أنه ليس لك درس مستقل. ولا أذن له بالتكلم بل تقنع بمجرد السماع فرضي السيد الشروط ~~كلها وحضر الدرس. وكان بيت مبارك شاه متصلا بالمدرسة وله باب إليها، فخرج ليلة إلى صحن ~~المدرسة وبينما كان يدور فيها سمع السيد الشريف يقول: قال الشارح كذا وقال الأستاذ كذا وأنا ~~أقول كذا، وكرر كلمات لطيفة أعجبت مبارك شاه حتى رقص من شدة طربه، ms148 فأذن للسيد الشريف أن ~~يقرأ ويتكلم وسود الشريف حاشية شرح المطالع هناك، فالمولى الكوراني قص على المولى العربي ~~هذه القصة وقال له: إني أفتخر بك افتخار مبارك شاه بالسيد الشريف. ودرس المولى العربي بإحدى ~~المدارس الثمان في القسطنطينية ثم صار مفتيا فيها، وكان رجلا قوي المزاج إلى الغاية يجلس ~~عند الدرس مكشوف الرأس في أيام الشتاء، ويقال إنه كان يأتي النساء كل ليلة، وكان يغتسل في ~~بيته مهما اشتد البرد، ثم يصلي مئة ركعة، ثم ينام، ثم يقوم للتهجد، ثم يطالع إلى الصبح، وقد ~~ولد من صلبه سبع وستون نفسا، ولما مرض مرض الموت عاد الوزراء ومعهم طبيب، فأشار عليه ~~الطبيب بالاستحمام فلم يرض، فحمله الوزراء جبرا على سرير قبض كل واحد طرفا منه وذهبوا به ~~إلى الحمام. # ومنهم المولى عبد الكريم كان هو والوزير محمود باشا والمولى إياس عبيدا لمحمد أغا من ~~أمراء السلطان مراد، وقد جيء بهم من بلادهم وهم صغار؛ فمحمود باشا صار فيما بعد وزيرا ~~للسلطان الفاتح. والمولى عبد الكريم قرأ العلوم بأسرها واشتهر بالفضل وأخذ عن المولى علي ~~الطومي والمولى سنان العجمي ثم صار مدرسا بإحدى المدارس الثمان التي أحدثها الفاتح بعد ~~فتحه القسطنطينية وصار قاضيا للعسكر ومات في أيام السلطان بايزيد خان . # ومنهم المولى حسن بن عبد الصمد الصمصوني، كان عالما فاضلا محبا للفقراء، أخذ عن ~~المولى خسرو، ودرس في إحدى المدارس الثمان، ثم معلما للسلطان محمد الفاتح ثم قاضيا للعسكر ~~المنصور، ثم قاضيا لمدينة القسطنطينية، وكان محمود الطريقة في قضائه، وكان له خط حسن، كتب ~~للسلطان الفاتح صحاح الجوهري بخطه. # ومنهم المولى محمد بن مصطفى بن الحاج حسن، قرأ على علماء عصره وصار قاضيا بمدينة ~~غاليبولي، ثم أعطاه السلطان محمد مدرسة والده بمدينة بروسة ثم استقضي فيها ثم استقضي ~~بالقسطنطينية ثم صار قاضيا للعكسر، ومات في سنة إحدى عشرة وتسع مئة في زمان السلطان ~~بايزيدخان، وله تآليف منها حاشيته على تفسير سورة الأنعام للبيضاوي، وحاشيته في المحاكمة ~~بيد الدواني ومير صدر الدين وكتاب ms149 في الصرف اسمه ميزان التصريف. # ومنهم علاء الدين علي بن محمد القوشجي، كان أبوه من خدام أولغ بك ملك ما وراء النهر، وكان ~~حافظ البازي (وهو معنى القوشجي بالتركية) قرأ على علماء سمرقند وقرأ على قاضي زاده الرومي ~~العلوم الرياضية، وكان الأمير أولغ بك أيضا عالما بهذه العلوم فأخذها عنه، وبنى الأمير ~~أولغ بك مرصدا في سمرقند عظيما وتعين له المولى القوشجي هذا، وله زيج شهير. وبعد وفاة ~~أولغ بك لم يعرف أولاده قدر القوشجي فرحل إلى تبريز، وكان أميرها السلطان حسن الطويل فأكرمه ~~كثيرا وأرسله في رسالة إلى السلطان محمد العثماني، فلما جاء إلى الفاتح بالرسالة أكرمه فوق ~~ما أكرمه السلطان حسن ورغب إليه أن يسكن في ظل حمايته فوعده بالمجيء بعد إتمام الرسالة، ~~وعاد إلى السلطان حسن وأدى الجواب ثم أرسل الفاتح من جاء به إلى القسطنطينية بالحشمة ~~الوافرة، وقدم للسلطان رسالة في علم الحساب وسماها المحمدية، ولا يوجد أنفع منها في هذا ~~العلم. ثم حصلت حرب بين الفاتح والسلطان حسن الطويل فاستصحب السلطان المولى القوشجي وهو ~~ذاهب إلى الحرب فصنف له في أثناء السفر رسالة في علم الهيئة سماها «الفتحية» ولما رجع ~~السلطان من فتح العجك أعطى القوشجي مدرسة أيا صوفيا وأكرم أولاده وأتباعه، وكان معه مئتا ~~نفس من الأتباع. ورووا أن المولى القوشجي ذكر مباحثة السيد الشريف مع العلامة التفتازاني ~~ورجح جانب التفتازاني، وكان المولى خواجه زاده يقول: كنت أظن الأمر كذلك إلا أني حققت البحث ~~المذكور، فظهر لي أن الحق في جانب السيد الشريف، فكتبت ذلك في حاشية كتابي وطالعها القوشجي ~~فاستحسن ما كتبت. ولما لقي القوشجي السلطان محمد الفاتح قال له السلطان: كيف شاهدت خواجه ~~زاده قال: لا نظير له في العجم والروم. قال السلطان: ولا نظير له في العرب أيضا. وللقوشجي ~~حاشية على أوائل شرح الكشاف للتفتازاني توفي في القسطنطينية ودفن بجوار أبي أيوب ~~الأنصاري. # ومنهم المولى على بن مجد الدين محمد بن مسعود بن محمود بن محمد بن عمر الشاهروي البسطامي ~~الهروي ms150 الرازي العمري البكري الشهير ب«المولى «مصنفك» والكاف علامة التصغير عند العجم، ~~ولقب بذلك لاشتغاله بالتصنيف مذ حداثة سنة، وهو من ذرية فخر الدين الرازي، ويقال إن الفخر ~~الرازي صرح في بعض مصنفاته بأنه من ذرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقيل بل هو من ذرية ~~أبي بكر الصديق رضى الله عنه. # ولد المولى «مصنفك» سنة ثلاثة وثمان مئة، وسافر إلى هراة لتحصيل العلم سنة اثنتي عشرة ~~وثمان مئة، وصنف شرح الإرشاد سنة ثلاث وعشرين وثمان مئة أي وهو ابن عشرين سنة، وشرح المصباح ~~في نحو سنة خمس وعشرين، وشرح آداب البحث سنة ست وعشرين، وشرح اللباب سنة ثمان وعشرين وشرح ~~المطول سنة اثنتين وثلاثين، وشرح المفتاح للتفتازاني سنة أربع وثلاثين، وصنف حاشية التلويح ~~سنة خمس وثلاثين، وشرح البردة والقصيدة الروحية لابن سينا في تلك السنة، ثم ارتحل إلى هراة ~~وشرح «القواية» ثم شرح «الهداية» سنة تسع وثلاثين، ثم صنف حدائق الإيمان لأهل العرفان، ثم ~~ارتحل إلى بلاد الروم سنة ثمان وأربعين وشرح المصابيح للبغوي، وشرح شرح المفتاح للسيد ~~الشريف، وصنف شرح الكشاف للزمخشري، وله عدة تآليف بالفارسية، وقرأ العلوم الأدبية على ~~المولى جلال الدين يوسف الأبهى من تلاميذ التفتازاني، وقرأ فقه الشافعي على الإمام عبد ~~العزيز بن الباهري وقرأ الفقه الحنفي على الإمام نصيح الدين محمد بن محمد علاء الدين. وكان ~~سريع الكتابة يكتب كل يوم كراسا وكان يدرس الطلبة بالكتابة يكتبون إليه مواضع الإشكال ~~فيجيب كلا في ورقة ويدفعها إلى الطالب. مات بالقسطنطينية سنة خمس وسبعين وثمان مئة ودفن ~~عند أبي أيوب الأنصاري وأصيب بالصمم في آخر حياته. # ومنهم المولى سراج الدين محمد بن عمر الحلبي، لما أغار تمرلنك على البلاد الحلبية أخذه ~~معه إلى ما وراء النهر فقرأ هناك، ثم قدم إلى بلاد الروم في زمن السلطان مراد خان ونصبه ~~معلما لابنه السلطان محمد الذي فتح استانبول ثم أعطاه مدرسة بأدرنة وبقي يدرس ويصنف حتى ~~مات فيها. # ومنهم المولى محيي الدين دويش محمد بن خضرشاه، كان مدرسا ms151 بسلطانية بروسة، وكان في غاية ~~الورع والناس تتبرك به. # ومنهم المولى إياس وكان متصوفا انقطع للعبادة والمطالعة، وكان له غرام بتصحيح الكتب ~~وكتابة الفوائد في حواشيها، وكان للناس فيه اعتقاد عظيم. # ومنهم المولى خير الدين معلم السلطان محمد الفاتح، وكان له جامع ومدرسة في القسطنطينية، ~~وكان عالما فاضلا متفننا لذيذ الصحبة حسن النادرة. # ومنهم المولى حميد الدين بن أفضل الدين الحسين وكان على جانب عظيم من الورع والتقوى ~~صبورا على الشدائد تولى التدريس بمدرسة السلطان مراد في بورسة ثم عزل عنها في أوائل سلطنة ~~الفاتح، وأتي إلى القسطنطينية، وكان الفاتح أحيانا يخرج ماشيا في عدة من أعوانه، فصادفه ~~الشيخ حميد الدين فنزل عن فرسه ووقف فقال له السلطان: أنت ابن أفضل الدين؟ قال: نعم. قال: ~~احضر إلى الديوان غدا. فلما حضر أعطاه مدرسة السلطان مراد في بورسة، وأجرى عليه أرزاقا ~~تكفيه وأوصاه بالاشتغال بالعلم وقال له: أنا لا أغفل عنك. ثم أعطاه السلطان إحدى المدارس ~~الثمان في القسطنطينية ثم استقضاه، وبعد وفاة الفاتح صار مفتيا في زمان ولده السلطان ~~بايزيد، وكان شديد الحفظ قلما توجد مسألة شرعية أو عقلية إلا وهو يحفظها ولم يكن يعرف ~~الغضب. # ومنهم المولى سنان الدين يوسف بن المولى خضر بك بن جلال الدين كان عالما فاضلا واسع ~~الاطلاع حاد الذهن، ولشدة ذكائه غلب عليه الشك فصار يشتبه في أكثر الأشياء، وكان والده ~~يلومه على ذلك، وكانا يأكلان مرة معا فقال له والده: بلغ بك الشك إلى مرتبة أنك قد تشك في ~~أن هذا الظرف من نحاس؟ فقال له: نعم يمكن ذلك لأن للحواس أغاليط. فغضب والده عيه وضربه ~~بالطبق على رأسه، ولما مات والده كان في العشرين من سنه فأعطاه السلطان الفاتح مدرسة ~~بأدرنة، ثم أعطاه دار الحديث ثم جعله من خواصه، وتعلم سنان الدين العلوم الرياضية على ~~المولى علي القوشجي الذي تقدم ذكره، ثم سفر الجو بينه وبين السلطان فعزله وحبسه، فلما عرف ~~العلماء اجتمعوا في الديوان العالي وقالوا: لا بد من إطلاق سبيله ms152 وإلا نحرق كتبنا ونخرج من ~~المملكة. فأمر السلطان بتخلية سبيله، ولكنه أخرجه من القسطنطينية إلى سفر حصار، وبقي غضبان ~~عليه، إلا أن السلطان بايزيد عاد فاستدعاه إلى أدرنة وجعله في دار الحديث فيها وأنعم عليه، ~~وكتب هناك حواشي على مبحث الجواهر من شرح المواقف وأورد أسئلة كثيرة على السيد الشريف، ~~فنصحه بعض أصحابه قائلا له: لا بد من انتخاب تلك الأسئلة لأن السيد رفيع الشأن. فأوعز ~~للطلبة بأن يطالعوا تلك الأسئلة فأسقط منها ما أجابوا عنه، ثم ترك المناصب ومات بقسطنطينية ~~ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري سنة إحدى وتسعين وثمان مئة، وكان ينفق كل ما في يده، ولما مات ~~لم يوجد في بيته حطب يسخن به الماء. # ومنهم المولى يعقوب باشا بن المولى خضر بك بن جلال الدين، وكان عالما محققا صالحا ~~استقضي في مدينة بورسة ومات وهو قاض بها سنة إحدى وتسعين وثمان مئة. # ومنهم أحمد باشا بن خضر بك بن جلال لادين كان أيضا عالما فاضلا متواضعا محبا ~~للفقراء، أعطاه السلطان محمد إحدى المدارس الثمان وهو دون العشرين، ثم صار مفتيا بمدينة ~~بروسة في زمان السلطان بايزيد، ومات سنة سبع وعشرين وتسع مئة وقد ذرف على التعسين. # ومنهم المولى صلاح الدين، كان عالما عابدا جعله الفاتح معلما لابنه بايزيد وتوفي في ~~بورسة. # ومنهم المولى عبد القادر أصله من «اسبارتة» من ولاية حميد، قرأ على المولى على الطوسي ~~وترقى في المناصب حتى صار من خواص السلطان الفاتح، فنقل الوزير محمود باشا عنه إلى السلطان ~~ما غير خاطره عليه، فذهب إلى وطنه ومات مكسور الخاطر، ومن نكاته أنه كان مع السلطان في ~~قونية، فخرج العلماء لاستقبال السلطان مشاة، وكان المولى عبد القادر راكبا فقال له ~~السلطان: قد أضناك السفر فانظر إلى هؤلاء العلماء وقوة مزاجهم. فأنشده بيتا بالفارسية ~~معناه: إن الفرس العربي إن كان نحيفا فهو أجود من جماعة الحمر. فضحك السلطان واستحسن ~~جوابه، ولكنه لم يستحسن منه قوله مرة: إنه لو كان العلامة التفتازاني والسيد الجرجاني في ~~عصره لحملا ms153 قدامه غاشية سرجه، فإن السلطان اشمأز من كلامه وأمره بالمباحثة مع خواجه زاده ~~فأفحمه خواجه زاده، كأن السلطان جعل ذلك عقابا له. # ومنهم المولى علاء الدين علي بن يوسف بالي بن المولى شمس الدين الفناري، كان من العلماء ~~المحققين ارتحل إلى بلاد العجم وأخذ من علماء هراة، ثم عن علماء سمرقند وبخارى ثم عادة إلى ~~بلاده وكان المولى الكوراني يقول للسلطان الفاتح: يجب أن يكون عندك أحد أبناء المولى ~~الفناري. فلما بلغه وجود المولى علاء الدين من ذرية الفناري استقضاه بمدينة بورسة ثم جعله ~~قاضيا للعسكر المنصور، وفي زمانه ارتقى شرف العلم، وكانت للعلماء سيادة تامة ثم عزل ثم ~~أعاده السلطان بايزيد لقضاء العسكر، ثم عزل وأقام على جبل فوق مدينة بورسة يشتغل بالعلم، ~~وكان يقضي في ذلك الجبل الفصول الثلاثة وينزل إلى بورسة في الفصل الرابع، وكان لا ينام على ~~فراش فإذا غلبه النوم استند على الجدار والكتب بين يديه، وكان ماهرا في العلوم الرياضية ~~وفي علم الكلام وعلم الأصول وفي الفقه والبلاغة، وسلك أيضا طريق التصوف، ودخل في خدمة ~~العارف بالله حاجي خليفة، ومع سعة علمه لم يرغب في التأليف، وليس له إلا شرح الكافية في ~~النحو، وكان ينفق كل ما بيده ولم يدخر من رواتبه الكثيرة التي جرت عليه وهو قاض للعساكر أقل ~~شيء، فقيل له في ذلك، فقال: كنت رجلا سكرانا ولم يوجد عندي من يحفظ المال. يريد أنه كان ~~سكرانا بخمرة الجاه، فقال له بعض الحاضرين: إذا رجعت إلى المنصب فيلزم أن تحفظ المال. ~~فقال: لا يفيد فإنه إذا عاد المنصب يعود معه السكر. توفي سنة ثلاث وتسع مئة وقيل إحدى وتسع ~~مئة. # ومنهم المولى حسن شلبي بن محمد شاه الفناري كان عالما عابدا محبا للفقراء وكان مدرسا ~~بالمدرسة الحلبية في أدرنة، وكان ابن عمه المولى علي الفناري قاضيا بالعسكر في أيام ~~الفاتح، فدخل عليه وقال: استأذن لي من السلطان لأني أريد أن أذهب إلى مصر لقراءة كتاب مغني ~~اللبيب في النحو على رجل مغربي ms154 سمعته بمصر يعرف ذلك الكتاب غاية المعرفة. فأذن له السلطان ~~وقال: قد اختل دماغه. وكان السلطان لا يحبه لأنه صنف حواشيه على كتاب التلويح باسم السلطان ~~بايزيد في حياة والده، ثم ذهب غلى مصر وقرأ مغني اللبيب على العالم المغربي قراءة تحقيق ~~وتدقيق، وكتب الكتاب بخطه، وكتب له المغربي إجازة على ظهر الكتاب، وقرأ البخاري على بعض ~~تلاميذ ابن حجر، وأخذ إجازة في الحديث ثم حج ورجع إلى بلاد الروم، فأرسل كتاب مغني اللبيب ~~إلى السلطان، فلما نظر فيه رضي عنه وأعطاه مدرسة إزنيق ثم أعطاه إحدى المدارس الثمان، وفي ~~زمان السلطان بايزيد سكن بورسة وعين له السلطان رزقا كافيا، ومات ببورسة وله حواشي على ~~الشرح المطول للتلخيص وحواشي على شرح المواقف للسيد الشريف وحواشي على التلويح ~~للتفتازاني. # ومنهم المولى مصلح الدين مصطفى بن المولى حسام، وكان عالما في العلوم الشرعية والعلوم ~~الأدبية ومتصوفا أيضا، وكان له اليد الطولى في الإنشاء، وصار مفتيا في بورسة ومات ~~بها. # ومنهم محيي الدين محمد الشهير ب«أخوين» قرأ على علماء الروم ودرس في إحدى المدارس الثمان ~~في قسطنطينية. # ومنهم المولى قاسم المشتهر ب«قاضي زاده» كان أبوه قاضيا في مدينة قسطموني، وكان عالما ~~عابدا وكانت له معرفة بالعلوم الرياضية، وتولى القضاء في بورسة، وكان محمود الطريقة، ومات ~~وهو قاض في بورسة. # ومنهم المولى محيي الدين الشهير ب«ابن مغنيسا اتصل بخدمة المولى خسرو وهو مدرس بمدرسة ~~آيا صوفيا، وكان يسكن في الطبقة العليا من المدرسة، ويشعل سراجه طول الليل، ويرى ذلك ~~السلطان محمد من دار السعادة فسأل السلطان يوما المولى خسرو: من أفضل تلاميذك؟ فقال له: ~~ابن مغنيسا. قال: ثم من؟ قال: ابن مغنيسا. قال السلطان: أهو رجلان؟ قال: لا ولكنه واحد ~~كألف. فقال له السلطان: إنه ساكن في الحجرة الفلانية، وذلك لأنه السلطان كان يرى سراجه ~~موقدا طول الليل. ولما بنى الوزير محمود باشا مدرسته بالقسطنطينية أعطاها السلطان لابن ~~مغنيسا، ففي أول درس ألقاه قال أستاذ المولى خسرو بحضور جم من العلماء: حضرت درسين أحدهما ms155 ~~لمحمد شاه الفناري والآخر هذا الدرس، قال ذلك لشدة إعجابه بتلميذهم صار. قاضيا ~~بالقسطنطينية ثم قاضيا بالعسكر المنصور. واتفق أن سافر السلطان الفاتح إلى الحرب في ~~الرومللي فسأل ابن مغنيسا عن بيت من الشعر العربي فقال له: أتفكر فيه بالمنزل ثم أجيب. فقال ~~له السلطان محمد: أيحتاج بيت واحد من الشعر إلى كل هذا. وأمر بحضور المولى سراج الدين - ~~وكان موقعا في الديوان العالي - فسأله عن ذلك البيت ففي الحال أجابه قائلا: هو للشاعر ~~الفلاني من القصيدة الفلانية من البحر الفلاني. ثم قرأ السباق والسياق، وحقق معنى البيت، ~~فقال السلطان لابن مغنيسا: ينبغي أن يكون العالم هكذا في العلم، ثم عزله عن قضاء العسكر ~~وأعطاه إحدى المدارس الثمان، وقال: هو محتاج بعد إلى التدريس، ثم بعد ذلك استوزره ثم عزله ~~عن الوزارة، وفي زمان السلطان بايزيد رجع قاضيا للعسكر وتوفي وهو قاض. # ومنهم المولى حسام الدين حسين بن حسن بن حامد التبريزي المشهور ب«أم ولد» لقب بذلك لأنه ~~تزوج أم ولد المولى فخر الدين العجمي، كان عالما عابدا منقطعا عن الخلق عاكفا على الدرس ~~والعبادة، أعطاه السلطان الفاتح إحدى المدارس الثمان وكان يحبه لصلاحه ويحسن إليه. # ومنهم ابن المعرف، كان من ولاية بالي كسرى وكان معلما للسلطان بايزيد وكان السلطان يقول: ~~لولا صحبتي معه ما صحت عقيدتي. # ومنهم المولى بهاء الدين بن الشيخ الحاجي بيرم كان عالما فاضلا عابدا، صار مدرسا ~~بمدرسة السلطان بايزيد بن مراد في بورسة، وأخذ عن الخواجة زاده ودرس في إحدى المدارس ~~الثمان، ولما بنى السلطان بايزيد بن محمد مدرسته بأدرنة أعطاها إلى المولى بهاء الدين ~~المذكور. # ومنهم المولى سراج الدين، كان معيدا لدرس خواجه زاده ثم أعطاه السلطان الفاتح إحدى ~~المدارس الثمان بقسطنطينية، وكان يحفظ جيدا قصائد العرب، وينظم الشعر العربي، وقد تقدم ~~كونه تغلب على ابن مغنيسا في معرفة الشعر العربي، ومات في عنفوان شبابه وحزن عليه ~~الناس. # ومنهم المولى محيي الدين محمد ابن كوبولو جعله الفاتح قاضيا بالعسكر المنصور وتزوج بأخته ~~سليمان شلبي ms156 بن كمال باشا، فولد له منها ولد اسمه أحمد شاه، وهو المولى العالم الفاضل ~~المعروف بابن كمال باشا. # ومنهم المولى محيي الدين محمد المعروف بمولانا «ولدان» وكان قاضيا بمدينة غاليبولي ثم ~~جعله السلطان مدرسا في بورسة، ثم قاضيا بها ثم جعله قاضي العسكر، ثم عزله وبقي إلى زمان ~~ولده بايزيد خان فأعاده إلى قضاء العسكر، وحصل في زمانه أن أحد خدام السلطان في أدرنة ظهر ~~منه فساد، فأرسل نائب المحكمة أناسا من قبله لمنعه فلم يمتنع، فغضب النائب وركب إليه بنفسه ~~وقصد منعه فضرب هو النائب ضربا شديدا وبلغ الخبر السلطان، فأمر بتله لتحقيره نائب الشرع، ~~فشفع له الوزراء فلم يقبل شفاعتهم، فالتمسوا من مولانا ولدان أن يتوسط في الأمر فقال ~~للسلطان: إن النائب مخطئ في قيامه من مجلس القضاء بسبب الغضب، فلما ذهب فضربه ذلك الغلام لم ~~يكن عند الضرب قاضيا، بل كان قد أسقط نفسه، فلذلك لا يقال إنه حصل تحقير للشرع يستحق فاعله ~~القتل. فسكن السلطان الفاتح ثم جيء بالغلام بين يدي السلطان فضربه ضربا شديدا مرض من بعده ~~أربعة أشهر، ثم برئ بعد ذلك وترقى وصار وزيرا للسلطان بايزيد وكان يترحم على الفاتح ويقول: ~~ما حصل لي هذا الرشد إلا من ضربه. # ومنهم أحمد باشا بن المولى ولي الدين الحسيني، كان مدرسا بمدرسة السلطان مراد في بورسة، ~~ثم صار قاضيا بأدرنة ثم جعله السلطان محمد الفاتح قاضيا بالعسكر ثم جعله معلما لنفسه، ~~وكان حلو الفكاهة يقرض الشعر بالتركية واستوزره السلطان ثم عزله وجعله أميرا على بورسة ~~ومات بها. # ومنهم المولى تاج الدين إبراهيم باشا خليل بن إبراهيم بن خليل باشا، جده الأعلى خليل باشا ~~أول قاض بالعسكر المنصور في الدولة العثمانية، وأما والده خليل باشا فكان وزيرا للسلطان ~~مراد والد الفاتح، فلما تولى الفاتح عزل خليل باشا ونكبه ومات محبوسا، وكان ولده تاج الدين ~~إبراهيم باشا قاضيا بأدرنة فعزله أيضا وتحولت به الأحوال وصار إلى فقر شديد، ثم ولاه ~~السلطان قضاء أماسية، ولما مات وتولى ابنه ms157 بايزيد استدعاه إلى القسطنطينية وجعله قاضيا ~~للعسكر، ثم جعله رئيسا للوزراء، وكانت سيرته في القضاء والوزارة محمودة، وكان يأكل من ~~مطبخه كل يوم ست مئة نفس من الفقراء، وعند وفاته لم يوجد في خزانته إلا ثمانية آلاف درهم! ~~وله جامع ومدرسة في القسطنطينية. # ومنهم المولى مصلح الدين مصطفى بن أوحد الدين البرحصاري، كان عالما فاضلا عالي الهمة ~~عظيم الحرمة أخذ عن خواجه زاده ودرس في أدرنة وفي القسطنطينية، استقضي فيها أيام دولة ~~السلطان بايزيد، ومات وهو قاض ولم يصنف كتبا إلا رسالة في تجويز الفرار من الوباء. # ومنهم المولى يوسف بن حسين الكرماسني قرأ على خواجه زاده ودرس في القسطنطينية ثم استقضي ~~فيها، وكان سيفا من سيوف الحق لا يخاف في الله لومة لائم، خرج مرة إلى المسجد بعمامة صغيرة ~~فطلبة الوزير إبراهيم باشا لمصلحة اقتضت حضوره في الحال فلم يبدل عمامته الصغيرة، فسأله ~~الوزير عن ذلك فأجابه: حضرت خدمة الخالق بهذه الهيئة ثم لما استدعيتني لم أجد في نفسي رخصة ~~في تغيير الهيئة لأجل الوزير. فوقع هذا الكلام عند الوزير موقع القبول ورواه للسلطان بايزيد ~~فسر السلطان بذلك وأنعم عليه. # ومنهم المولى ابن الأشرف قرأ على خواجه زاده ثم على المولى على الطوسي ونبغ نبوغا عجيبا ~~ولكنه التحق أخيرا بزمرة الصوفية ورغب في السياحة إلى أن مات. # ومنهم المولى عبد الله الأماسي كان مدرسا عظيم الشأن في أماسية زاهدا في الدنيا. # ومنهم المولى حاجي بابا الطوسي اشتغل بالتدريس وأخذ عنه الكثيرون وله تصانيف كثيرة في ~~النحو. # ومنهم المولى ولي الدين القراماني والد الشاعر المشهور ب«نظامي» توفي ولده نظامي في ~~حياته. # ومنهم المولى علاء الدين على الفتاري - وليس من أولاد المولى الفناري - تولى القضاء في ~~بورسة ثم صار قاضي عسكر الأناضول ومات في أيام السلطان بايزيد، وكان له ملكة في الإنشاء ~~بالعربية. # ومنهم سنان الدين يوسف المشهور ب«قرة سنان» كان ماهرا في العلوم العربية والأدب شرح ~~مراح الأرواح في الصرف وشرح الشافية في الصرف أيضا. # ومنهم المولى مصلح الدين مصطفى ms158 بن زكريا القراماني، قرأ في القاهرة، ثم عاد إلى بلاد ~~الروم، وله التصانيف. # ومنهم المولى مصلح الدين مصطفى أخو زوجة المولى عبد الكريم، كان مدرسا بمرادية ~~بورسة. # ومنهم المولى شمس الدين أحمد الشهير ب«قراجه أحمد، كان مدرسا بمرادية بورسة، وله ~~تصانيف. # ومنهم المولى شمس الدين أحمد الشهير ب«دنقوس» كان مدرسا في بورسة وصنف شرح المراح في ~~الصرف، وله شرح على كتاب المقصود في الصرف. # ومنهم المولى طشغون خليفة، وكان متصوفا توفي في زمان السلطان بايزيد. # ومنهم المولى مصلح الدين مصطفى الشهير ب«البغل الأحمر، وكان عالما حافظا لجميع المسائل ~~درس مدة في بورسة، ثم في أدرنة وكان عظيم الجثة جدا لا يحمله إلا فرس قوي. # ومنهم المولى شمس الدين، أصله من ولاية آيدين ارتحل إلى بلاد العجم وقرأ على علمائها ثم ~~إلى بلاد العرب وقرأ أيضا على علمائها، وبرع في علم النغمات، واتصل بالفاتح ثم غضب عليه، ~~فذهب إلى بورسة واختل عقله في آخر عمره من حزنه لأجل مفارقته للسلطان، وكان ينظم القصائد ~~العربية والفارسية والتركية، وكل قصيدة إذا صححت من أولها إلى آخرها يحصل منها هجو كما ~~جاء في الشقائق النعمانية. # ومنهم المولى المليحي، مهر في العلوم وذهب إلى بلاد العجم فأخذ عن علمائها، وكان يحفظ ~~صحاح الجوهري كله، ولكنه ابتلي في آخر الأمر بالخمر وسقطت منزلته ونقل إلى السلطان الفاتح ~~أن المليحي شرب الخمر في سوق البزازين، وصب الخمر على الناس، فأرسل فأتوا به فسأله: لماذا ~~شربت الخمر وصببته على الناس؟ فكان المليحي يقول: عجبا للسلطان كيف صدق قولهم أن المليحي ~~صب الخمر على الناس مع أن الميحي إذا وجد الخمر لا يضيع منها قطرة! وقد تاب المليحي عن ~~الخمر في زمان السلطان محمد، فلما توفي رجع إلى شأنه عفا الله عنه والله يعفو عن ~~كثير. # ومنهم المولى سراج الخطيب، وكان من بلاد العجم جاء إلى بورسة ثم إلى استانبول فجعله ~~السلطان الفاتح خطيبا في الجامع الذي بناه المعروف بالفاتح وكان له في رعاية النغمات شيء ~~عظيم لم يلحقه ms159 به أحد بعده. # ومنهم قطب الدين العجمي، كان وزيرا لبعض ملوك العجم ثم جاء إلى بلاد الروم وخدم السلطان ~~الفاتح، فأكرمه جدا وكان يعرف علم الطب غاية المعرفة. # ومنهم الحكيم شكر الله الشيرواني، وكان طبيبا ماهرا وعالما بالعلوم العربية، ولما حج ~~أقام بمصر وقرأ على علمائها كالشيخ السخاوي وغيره، وأجازه بالروم المولى الكوراني، واتصل ~~بخدمة السلطان محمد ومات في أيامه. # ومنهم خواجه عطا الله العجمي، جاء من بلاد العجم إلى بلاد الروم في أيام الفاتح، ومات في ~~أوائل سلطنة بايزيد وكان ماهرا في الفلك والرياضيات ومعرفة الأزياج واستخراج التقاويم، قال ~~صاحب الشقائق النعمانية: رأيت له رسالة كبيرة في العلوم الرياضية لحل الأسطرلاب والربع ~~المجيب والمقنطرات ورسالة لطيفة في معرفة الأوزان. # ومنهم يعقوب الحكيم كان يهوديا، وكان من أمهر الأطباء فحظي عند السلطان محمد لأجل طبه، ~~ثم أسلم فاستوزره السلطان، ولما مرض السلطان الفاتح رحمه الله عالجه يعقوب الحكيم هذا فلم ~~ينجع علاجه، فأشار الوزير محمد باشا باستدعاء الحكيم اللاري فعالج السلطان بخلال معالجات ~~يعقوب فازداد ضعف السلطان، فاستدعى يعقوب مرة ثانية، فلما عاينه عرف أن مرضه غير قابل ~~للشفاء، فصوب رأي الحكيم اللاري ولم يلبث السلطان إلا قليلا حتى مات روح الله روحه، وجزاه ~~عن الإسلام خيرا. # ومنهم الحكيم اللاري العجمي، اتصل بخدمة الفاتح. # ومنهم الحكيم «عرب» حصل الطب في بلاد العرب ثم جاء إلى بلاد الروم واتصل بخدمة عيسى بك بن ~~إسحاق بك أمير أسكوب، ثم اتصل بخدمة السلطان محمد. # ومنهم ابن الذهبي، كان عالما عابدا زاهدا ورعا، وكان ماهرا في معرفة الأعشاب، وكان ~~لا يؤتى إليه بشيء منها إلا عرفه باسمه ورسمه ومنافعه، وكان طبيبا حاذقا. # ومنهم محمد بن حمزة الشهير ب«آق شمس الدين» نجل العارف بالله شهاب الدين السهروردي ولد ~~بدمشق الشام، ثم أتى مع والده إلى بلاد الروم، وكان مائلا إلى التصوف، واتصل بخدمة الشيخ ~~بيرم، وكان طبيبا للأبدان كما هو طبيب للأرواح، ولما عزم السلطان محمد علي فتح القسطنطينية ~~دعا هذا الشيخ للجهاز، فقال الشيخ ms160 آق شمس الدين: سيدخل المسلمون القلعة من الموضع الفلاني ~~في اليوم الفلاني، وقت الصحوة الكبرى، وكان الأمر كما قال فاعتقد فيه السلطان محمد مزيد ~~الاعتقاد وقال: ما فرحت بهذا الفتح كفرحي بوجود مثل هذا الرجل في زماني. ثم جاءه السلطان ~~يوما من الأيام وهو مضطجع في خيمته فلم يقم للسلطان فقبل السلطان يده وقال له: جئتك لحاجة! ~~قال: ما هي؟ قال: أريد أن أدخل الخلوة عندك أياما. فقال الشيخ: لا. فألح السلطان مرارا ~~والشيخ يقول لا فقال له السلطان وهو غضبان: إن واحدا من الأتراك يجيء إليك وتدخله الخلوة ~~بكلمة واحدة، فلماذا تمنعني أنا وحدي؟ فأجابه الشيخ آق شمس الدين: إذا دخلت الخلوة تجد فيها ~~لذة تسقط السلطنة من عينك وتختل أمورها، فيمقتنا الله، والغرض من الخلوة إنما هو تحصيل ~~العدالة، فأنت عليك أن تفعل كذا وكذا. وذكر ما بدا له من النصائح ثم قام السلطان من عنده ~~والشيخ مضطجع لا يقوم له، فقال السلطان لابن ولي الدين: ما قام الشيخ لي؟ وكان مستاء من ذلك ~~فقال له ابن ولي الدين: إن الشيخ خان عليك الغرور لهذا الفتح الذي لم يتيسر لغيرك من ~~السلاطين العظام، والشيخ كما لا يخفى هو مرشد. ثم دعا السلطان الشيخ في الثلث الأخير من ~~الليل وجاء والليل مظلم، فما رآه بالبصر ولكن عرفه بالروح، فعانقه وضمه وجلس إليه حتى طلع ~~الفجر، فصلى السلطان خلفه، وبعد الصلاة قرأ الشيخ الأوراد والسلطان جالس أمامه على ركبتيه، ~~فلما أتمها التمس السلطان من الشيخ أن يعين له موضع قبر أبي أيوب الأنصاري، وكان يروي في ~~التواريخ أن قبره بموضع قريب من سور القسطنطينية، فقال آق شمس الدين: إني أصدقك، ولكن أريد ~~علامة يطمئن بها قلبي. فتوجه الشيخ ساعة ثم قال: احفروا هذا الموضع من جانب الرأس من القبر ~~مقدار ذراعين يظهر رخام عليه خط عبراني تفسيره كذا، فحفروا مقدار ذراعين فظهر الرخام الذي ~~قال عنه وعليه الخط ففسروه، فإذا هو كما قال فاندهش السلطان وغلب عليه الحال حتى كان ms161 يسقط، ~~وأمر ببناء القبة على ذلك الموضع وببناء جامع، والتمس من الشيخ أن يجلس هناك مع مريديه، ~~فأبى الشيخ واستأذن أن يرجع إلى وطنه فلم يشأ السلطان أن يخالفه، فلما عبر البحر قال ~~لوالده: لما جاوزت البحر امتلأ قلبي نورا وقد فسدت إلهاماتي في قسطنطينية من ظلمة الكفر ~~فيها، وعاد إلى وطنه «قصبة قومك» وبقي فيها حتى مات وله رسالة في التصوف اسمها «رسالة ~~النور» وكان ماهرا في علم الطب، وله رسالة فيه. # حاصر العرب القسطنطينية من سنة 48 إلى سنة 52 للهجرة. ومنهم من يمد ذلك إلى سنة 55، ~~ويقولون إن أبا أيوب الأنصاري رضى الله عنه، وهو خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد بن ~~عوف من بلحارث بن الخزرج الذي شهد «بدرا» «وأحدا» و«الخندق» والمشاهد كلها مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وخرج غازيا في زمان معاوية ومرض في غزو القسطنطينية، فلما ثقل قال لأصحابه: إن ~~أنا مت فاحملوني فإذا صادفكم العدو فادفنوني تحت أقدامكم وسأحدثكم بحديث سمعته من رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وهو: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة.» # قال ابن سعد في الطبقات الكبرى: ولما مرض أتاه يزيد بن معاوية يعوده فقال: حاجتك؟ قال: ~~حاجتي إذا أنا مت فاركب بي ثم سغ بي في أرض العدو ما وجدت مساغا، فإذا لم تجد مساغا ~~فادفني ثم ارجع. فلما مات ركب به ثم سار في أرض العدو ما وجد مساغا، ثم دفنه ثم رجع. قال ~~محمد بن عمر: توفي أبو أيوب عام غزا يزيد بن معاوية القسطنطينية في خلافة أبيه سنة 52 وصلى ~~عليه يزيد بن معاوية، وقبره بأصل حصن القسطنطينية، ولقد بلغني أن الروم يتعهدون قبره ~~ويرمونه ويستسقون به إذا قحطوا. انتهى ما جاء في الطبقات. وقد نقلته إلى حواشي «حاضر ~~العالم الإسلامي» ثم قلت: إن الأتراك عندما فتحوا القسطنطينية بقيادة السلطان محمد الفاتح ~~عثروا على قبر أبي أيوب الأنصاري وبنوا عليه قبة، وجعلوا عنده جامعا. # وجاء في الانسيكلوبيدية الإسلامية: ms162 أن ابن قتيبة هو أول من ذكر قبر أبي أيوب. قلت: كانت ~~وفاة ابن قتيبة في ذي القعدة سنة سبعين ومائتين، وقيل ست وسبعين ومائتين على ما في وفيات ~~الأعيان، والحال أن وفاة محمد بن سعد صاحب الطبقات كان يوم الأحد لأربع خلون من جمادى ~~الآخرة سنة ثلاثين ومائتين، أي قبل وفاة ابن قتيبة كما في وفيات الأعيان أيضا. فيكون جزم ~~أصحاب الانسيكلوبيدية الإسلامية بأن ابن قتيبة هو أول من ذكر قبر أبى أيوب الانصاري هو بغير ~~محله، وذلك لأن ابن سعد سابق لابن قتيبة، وأنت ترى أنه قد ذكره. وأما قضية كون الروم حفظوا ~~قبره وكانوا يستسقون به في القحط فقد جاء في الانسيكلوبيدية المذكورة نقلها عن الطبري، وابن ~~الأثير، وابن الجوزي، والقزويني، والحال أنها مذكورة في طبقات ابن سعد الذي تقدم في الزمن ~~هؤلاء جميعا، وقد جاءت هذه القصة مع ترجمة أبى أيوب في كتاب تركي للحاج عبد الله اسمه ~~«الآثار الماجدية في المناقب الخالدية» طبع استانبول سنة 1257. ثم ذكرت في حواشي «حاضر ~~العالم الإسلامي» رواية كون المولى آق شمس الدين كشف ضريح أبى أيوب، وأن السلطان الفاتح بنى ~~سنة 863 جامعا عند الضريح المذكور. وبعد طبع «حاضر العالم الإسلامي» اطلعت على روايات لا ~~أتذكر الآن مظنتها بالتحقيق تدل على أن قبر أبي أيوب كان معروفا إلى القرن السادس للهجرة. ~~وقد حدث أحد التجار المسلمين بأنه رأى بنية بيضاء في ذلك الموضع، فسأل عنها فقالوا له: هذا ~~قبر أبى أيوب الأنصاري. فإن كان طمس القبر بعد ذلك حتى أثره وانكشف للمولى آق شمس الدين ~~فهذا لا يتعارض مع هذا. # ومنهم الشيخ عبد الرحيم المعروف بابن المصري، اتصل بخدمة العارف بالله آق شمس الدين، وله ~~كتاب اسمه «وحدة نامه» وهو من بلدة قره حصار ومات فيها. # ومنهم الشيخ إبراهيم بن حسن السيواسي، قرأ العلوم على المولى يعقوب بقونية ثم تولى ~~التدريس بمدرسة خوند، خاتون بمدينة قيصرية، فلما اطلع على أن المدرسة للحنفية تركها لأنه ~~كان شافعي المذهب وكان متصوفا، ms163 وتوفي بقيصرية. # ومنهم الشيخ حمزة المعروف بالشامي. # ومنهم الشيخ مصلح الين بن العطار وكلاهما من جماعة آق شمس الدين. # ومنهم العارف بالله أسعد الدين بن الشيخ آق شمس الدين وكان على قدم أبيه في الصلاح ~~والانقطاع عن الدنيا وكان من علماء عصره، وكذلك أخوه فضل الله، كان من العلماء ~~والأتقياء. # ومنهم أخوه أمر الله. # ومنهم أخوه حمد الله المشهور بحمدي شلبي وكلهم كانوا على قدم والدهم رحمه الله. # ومنهم مصلح الدين مصطفى الشهير ب«ابن الوفاء» وكان جامعا بين العلوم الباطنة والعوالم ~~الظاهرة وكان يعرف الموسيقى معرفة تامة، وكان يختار الخلوة على الصحبة، وقصد السلطان الفاتح ~~أن يشاهد فلم يقبل أن يجتمع معه وكذلك قصد ولده السلطان بايزيد فلم يرض هو أن يرى السلطان ~~وكان حنفي المذهب، إلا أنه كان يجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية، فأنكر عليه علماء الحنفية ~~ذلك فأجاب عنه المولى سنان باشا قائلا: لعله اجتهد فيحق له ذلك، فقالوا: هل يمكنه ~~الاجتهاد؟ قال: نعم شرائط الاجتهاد موجوده فيه. فسكتوا. # ومنهم العارف بالله عبد الله حاجي خليفة أصله من قسطموني وكان من العارفين وله مناقب ~~كثيرة، ومثله الشيخ سناد الدين الفروي، ومثله الشيخ مصلح الدين القوجوي وهو من العارفين ~~أيضا ومثله الشيخ مصلح الدين الأبصلاوي، وكان أيضا عارفا منقطعا عن الناس. # ومنهم الشيخ محيي الدين القوجوي، وكان جامعا بين الظاهر والباطن، معرضا عن أبناء الزمان ~~مشغولا بتهذيب الفقراء. # ومنهم العارف بالله سليمان خليفة، وكان من المنقطعين إلى الله توطن بالقسطنطينية قريبا ~~من جامع زيرك. # ومنهم الشيخ عبد الله الإلهي من أهل الأناضول، وذهب إلى ما وراء النهر واتصل بخدمة عبيد ~~الله السمرقندي وغيره، ثم رجع إلى القسطنطينية وسكن في جامع زيرك، واجتمع عليه الأكابر ~~والأعيان ففر منهم إلى بلاد الرومللي، فأقام عند الأمير أحمد بك الأورنوسي وأقبل عليه ~~الطلبة ومات هناك. # ومنهم العارف بالله عبيد الله السمرقندي ولد في طاشقند من تركستان ويقول بعضهم: إن نسبه ~~ينتهي إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه. وكان يقول: الوحدة ms164 خلاص القلب عن ~~العلم بوجود ما سوى الله، ويقول: الاتحاد الاستغراق في وجود الحق سبحانه وتعالى ويقول: ~~السعادة خلاص السالك عن نفسه في مشاهدة الله تعالى. ويقول: الوصل نسيان العبد نفسه في شهود ~~نور الحق، والفصل قطع السر عما سوى الله تعالى توفي سنة خمس وتسعين وثمان مئة وقبره ~~بسمرقند، ومن تلاميذه الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الجامي وله تآليف كثيرة بالعربية ~~والفارسية. # ومنهم العارف بالله علاء الدين الخاوتي، جاء إلى القسطنطينية فخاف منه السلطان الفاتح ~~لكثرة إقبال الناس عليه فأمر بالذهاب إلى بلاد أخرى فتوفي في بلاد القرامان. # ومنهم العارف بالله دده عمر الآيديني، وأقام في تبريز عند الأمير حسن الطويل. # ومنهم الشيخ حبيب العمري القراماني، كان عمريا من جهة الأب وبكريا من جهة الأم، وكان ~~من بلاد القرامان، وكان من كبار المتصوفة. # ومنهم المولى مسعود، وتوطن بمدينة أدرنة واشتغل بتربية المريدين. # ومنهم محمد الجمالي الشهير ب«شلبي خليفة، وكان أيضا من المتصوفة. # ومنهم الشيخ سنان الدين، وكان من العارفين المنقطعين عن الناس، يسكن بالقرب من ~~القسطنطينية. # ومنهم السيد يحيى بن بهاء الدين الشرواني، وكان يقول: يجوز إكثار الخلفاء بتعليم الآداب ~~للناس، وأما المرشد الذي يقوم بمقام الإرشاد بعد شيخه فلا يكون إلا واحدا. # هذا وبعد وفاة الفاتح رحمه الله بويع بالسلطنة لولده السلطان بايزيد سنة ست وثمانين وثمان ~~مئة، وكان محمد باشا القرماني يميل إلى أخيه جم معجبا بمزاياه العالية فأرسل إلى جم يعجل ~~عليه بالحضور، فعلم الانكشارية بذلك فثاروا بالوزير فقتلوه، وكان بايزيد في أماسية فجاء ~~ومعه جيش الأخوان بايزيد وجم في صحراء يني شهر، فتغلب بايزيد على جم وفر هذا إلى مصر، ثم إن ~~إنصار جم مثل قاسم بك ومحمد صنجق بك الأنقري دعوا جم ثانية إلى القتال، فجمع جموعه وتلاقى ~~مع عساكر أخيه فانهزم هذه المرة أيضا واضطر أن يلتجئ إلى فرسان مار يوحنا في رودس ~~فاستقبلوه برا وترحيبا، فأرسل بايزيد إليهم يعرض عليهم خمسة وأربعين ألف دوكا في السنة ~~بشرط أن لا يدعوا جم يفر ms165 من عندهم، فاتفقوا مع بايزيد على ذلك وأرسلوا جم إلى فرنسا ~~واعتقلوه في برج «بورغانوف # Bourganenf ~~» ثم نقلوه إلى روما ~~في زمن البابا اينوشنسيوس الثامن، ولما ارتقى إسكندر بو رجيا إلى كرسي البابوية بعث إلى ~~السلطان بايزيد يعرض عليه هذه المساومة، وهو أنه إن أراد أن يقتل له أخاه فهو يتقاضى على ~~ذلك ثلاث مئة ألف دوكا، وإن كان يكتفي بحبسه فهو يطلب على ذلك أربعين ألف دوكا في السنة، ~~وفي أثناء ذلك زحف كارلوس الثامن ملك فرنسا إلى إيطاليا فتخلص جم من البابا مدة قصيرة، إلا ~~أن ملوك النصرانية حاولوا أن يستعملوه لإثارة الفتنة في المملكة العثمانية، فاتفق فرسان ~~رودس مع ملك إيكوسية والمجر وبولونيا وفرنسا والمرديا من الأرناءوط وغيرهم على أن يزحفوا ~~بجم ويقاتلوا السلطان بايزيد، فبلغ ذلك السلطان فأرسل إلى البابا المبلغ الذي اقترحه من ~~المال لأجل قتل جم، فسموه في نابولي في 24 فبراير 1495 ومات مسموما وتخلص بايزيد من ~~أخيه. # وبعد موت أخيه حاول بايزيد أن يشن الغارة على إيطاليا إلا أن الأحوال لم تساعده إذ كانت ~~الحرب قد اشتعلت بينه وبين الدولة المصرية، فإن المصريين كانوا قد احتلوا بعض القلاع بقرب ~~طرسوس وأطنه، فأمر السلطان بايزيد قرة جوز باشا والي القرامان بأن يطردهم من هناك، ولكن ~~المصريين تغلبوا على جيش بايزيد واشتدت الحرب بين الفريقين، وبينما الحرب قائمة بين السلطان ~~بايزيد وسطان مصر مات ملك المجر ماتياس كورفين، فاهتبل بايزيد هذه الغرة وأغار على المجر من ~~جهة وحاصر بلغراد من جهة أخرى، وكان قائد عسكره في المجر سليمان باشا فهزمه المجر ورجع ~~أدراجه، ورفع الترك الحصار عن بلغراد، إلا أن السلطان دخل في بلاد الألمان مثل كارنتيا ~~واستيريا وعاث وغنم وسبى، وكان معه من المسيحيين خمسة عشر ألف أسير يجرهم الجيش العثماني من ~~ورائه، فزحف الألمان بقيادة الكونت كينز والتقى الجمعان في كارنتيا فأفلت الأسرى المسيحيون ~~من الوراء ووقع العثمانيون في الوسط، فانكسروا وفعل فيهم المسيحيون الأفاعيل وعذبوا فشنوا ~~الغارة على استيريا وهزموا الألمان. ms166 # وسنة 1495 عقد الأتراك هدنة مع المجر ووجهوا قوتهم لقتال البندقية وقهر الأسطول العثماني ~~أسطول البندقية واستولى على لبيانت، وغزا إسكندر باشا والي بوسنة بلاد طارنت وخربها تخريبا ~~تاما، وكان أمير البحر داود باشا استولى على مورون ونافارين وكورون، فوجدت البندقية نفسها ~~عاجزة وحدها عن مقاومة العثمانيين فاتفقت مع دول النصرانية فرنسا وإسبانيا والمجر والبابا ~~على مقاتلة السلطة بايزيد وبثوا أساطيلهم من كل جهة، وفي أثناء ذلك ثارت قبائل القرامان على ~~السلطان فألجأته الضرورة إلى عقد الصلح. # وفي ذلك العهد ظهر اسم «الروس» وكانوا من قبل تحت حكم المغول - أي التتر - ولبثوا تحت ~~حكمهم إلى سنة 1481 حينما ظهر منهم «الغراندوق إيفان الثالث» فهزم التتر ووحد كلمة الروس، ~~وفي سنة 1492 طلب إيفان الثالث محالفة السلطان بايزيد، وجاء سفراؤه بعد ذلك إلى إسطنبول ~~وانعقد الاتفاق بين بايزيد وإيفان واضطر السلطان إلى السلم لأنه كان حصل زلزال خارج للعادة ~~انهدم فيه سبعون ألف بيت ومئة وتسعة جوامع في القسطنطينية، وخربت مدن كثيرة مثل أدرنة ~~وغاليبولي ويموطيقة وشورلو. # وكان بايزيد قد قسم ولايات السلطنة بين أولاده، فأعطى كلا منهم ولاية، وأخطأ في هذا ~~التدبير لأنهم بدءوا يقتتلون بعضهم مع بعض في حياة أبيهم بل ثار به ابنه سليم واستولى على ~~بعض المدن، فقام أخوه قورقود واستولى على مدن أخرى، وكان الانكشارية يميلون إلى سليم فطلبوا ~~من السلطان أن يعتزل الملك وأن يولي السلطان سليما فلم يجد بدا من إجابتهم، ومات بعد ذلك ~~بقليل. ويقال إنه كان حليما محبا للعلم والعلماء، وللشعر والأدب، وإنه لم يكن يحب الحرب ~~بفطرته، وإنما كان يساق إليها بالضرورة. وقام بإصلاحات كثيرة، وفي زمانه وجدت العلاقات ~~الرسمية بين الدولة العثمانية والدول المسيحية، وفي زمانه نبغ من العلماء المولى محيي الدين ~~محمد بن إبراهيم البلكساري، وكان مدرسا في قسطمونى، ثم جاء إلى القسطنطينية، وكان السلطان ~~يحضر درسه في جامع آيا صوفيا، وكان بارعا في علم التفسير وصنف تفسيرا لسورة الدخان وأهداه ~~للسلطان بايزيد. # ومنهم يوسف بن جنيد الطوقاتى، أخذ ms167 عن المولى خسرو، وتولى التدريس في بورسة ثم في ~~القسطنطينية. # ومنهم المولى قاسم بن يعقوب الأماسى المشهور ب«الخطيب» كان مدرسا ببلدة أماسية واتصل ~~بالسلطان بايزيد يوم كان أميرا على تلك البلدة، فلما تولى السلطنة جعله معلما لابنه ~~الأمير أحمد. # ومنهم سنان الدين يوسف، اتصل بخدمة المولى على القوشجى وقضى حياته في التدريس ~~والإفادة. # ومنهم سنان الشاعر، أخذ العلم عن المولى خسرو # ومنهم المولى شجاع الدين إلياس. وكان من المدرسين المعروفين. # ومنهم شجاع الدين إلياس الشهير ب«أوصلو شجاع». # ومنهم المولى علاء الدين اليكاني، وكان مفتيا بمدينة بورسة. # ومنهم لطف الله الطوقاتي، أخذ عن المولى على القوشجي، وكان بارعا في العلوم الرياضية، ~~وصار أمينا على خزانة الكتب عند السلطان الفاتح، وكان عالما علامة، إلا أنه كان يطيل ~~لسانه على أقرانه، وأحيانا يطعن على السلف فأبغضه العلماء ونسبوه إلى الزندقة، وحكم المولى ~~خطيب زاده بإباحة دمه فقتل! وجاء في تاريخه (ولقد مت شهيدا) وقيل إنه لما قتل خرجت روحه ~~وهو يكرر كلمتي الشهادة، وجاء في «الشقائق النعمانية»: أنه كان يقرئ صحيح البخاري فتنزل ~~دموعه على الكتاب. وحكى يوما وهو يبكي أن عليا بن أبي طالب رضى الله عنه ضرب في بعض ~~الغزوات بسهم فثبت نصل السهم في بدنه فلم يقدروا على إخراجه، فلما قام للصلاة أخرجوه من ~~بدنه ولم يحس بذلك. قال المولى لطفى: هذه حقيقة الصلاة، وأما صلاتنا نحن فهي قيام وانحناء ~~لا فائدة فيها، فجاء الوشاة ونقلوا عنه أنه قال: الصلاة قيام وانحناء لا عبرة بها، وشهدوا ~~عليه بذلك، وأما المولى أفضل الدين فتوقف عن إباحة دمه وكذلك المولى محيي الدين القوجوى ~~قال: أشهد بأن المولى لطفى بريء من الإلحاد والزندقة. # ومنهم المولى قاسم الكرمياني، وكان علامة في عصره وكثر عنده الطلبة، وكان مجلسه كثير ~~الفوائد. # ومنهم المولى قوام الدين قاسم بن أحمد الجمالي، تولى قضاء القسطنطينية، وكان عالما كثير ~~الحفظ إلا إنه لم يصنف شيئا. # ومنهم المولى علاء الدين على بن أحمد الجمالي وقضى حياته مدرسا ينتقل من مدرسة إلى ms168 ~~مدرسة، ثم صار مفتيا في العاصمة، وكان متواضعا خاشعا طاهر اللسان لا يذكر أحدا بسوء، ~~وكانت أنوار العبادة تتلألأ على صفحات وجهه، وكان يقعد في أعلى داره وله زنبيل معلق فيلقي ~~المستفتي ورقته في الزنبيل ويحركه فيجذبه المولى علاء الدين ويأخذ الورقة ويكتب جوابها، ~~وذلك حتى لا ينتظر الناس لأجل الفتوى. وكان السلطان سليم بن بايزيد قد تولى السلطنة، وكان ~~سفاكا للدماء فأمر بقتل مئة وخمسين رجلا من حفاظ الخزائن، فجاء المولى علاء الدين إلى ~~الديوان العالي وقال للوزراء: أريد أن أقابل السلطان، فعرضوا الأمر للسلطان، فدخل عليه وقال ~~له: وظيفة أرباب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان، وقد بلغني أنك أمرت بقتل مئة وخمسين ~~رجلا لا يجوز قتلهم شرعا فيجب أن تعفو عنهم. فغضب السلطان سليم وقال له: إنك تتعرض لأمر ~~السلطنة وليس ذلك من وظيفتك، فأجابه المفتي: بل أتعرض لأمر آخرتك وإنه من وظيفتي، فإن عفوت ~~فلك النجاة، وإلا فعليك عقاب عظيم. فانكسرت عند هذا القول حدة السلطان وعفا عنهم، وتحدث مع ~~المفتي ساعة ولما أراد المفتي أن ينصرف قال للسلطان: تكلمت معك في أمر آخرتك، وبقي لي كلام ~~متعلق بالمروءة قال السلطان: ما هو ؟ قال المفتي: إن هؤلاء من عبيد السلطان، فهل يليق بعرض ~~السلطنة أن يتكففوا الناس؟ قال السلطان: لا. قال: فقررهم في مناصبهم، فقال له السلطان: ~~نعم إلا أني أعزرهم في تقصيرهم في خدمتهم، فقال المفتي: هذا جائز لأن التعزير مفوض إلى رأى ~~السلطان. ومرة أخرى أمر السلطان بقتل أربع مئة رجل كانوا قد اشتروا الحرير خلافا لأمر ~~السلطان، فعارضه المفتي في ذلك. فغضب السلطان أيضا وقال له: أيها المولى أما يحل قتل ثلثي ~~العالم لنظام الباقي؟ فقال: نعم لكن إذا كان هناك خلل عظيم. فقال السلطان: ليست هذه من ~~وظيفتك. فقال: له بل هي من وظيفتي لأنها متعلقة بالآخرة. وانصرف المفتي ولم يسلم على ~~السلطان فبقي السلطان واجما مدة طويلة، ولكنه عاد فعفا إجابة لطلب المفتي. ثم فكر في ~~استقامة هذا المفتي وولاه قضاء ms169 العسكر وقال له: إني تحققت أنك تتكلم بالحق، وتوفي سنة ~~اثنتين وثلاثين وتسع مئة. # ومنهم المولى عبد الرحمن بن على بن المؤيد الأملسي. كان متبحرا إلى الغاية في العلوم ~~العقلية والنقلية، شيخا في العلوم العربية، ناظما بالتركية والعربية والفارسية. وقرأ في ~~حلب كتاب «المفصل في النحو للزمخشري» وقرأ على المولى جلال الدين الدواني في بلاد العجم، ~~وجاء إلى استامبول في أيام بايزيد خان ودرس في إحدى المدارس الثمان ثم استقضاه السلطان ~~بالعسكر المنصور. ولما تولى السلطنة السلطان سليم بن بايزيد وسار إلى حرب الشاه إسماعيل كان ~~المولى المذكور معه، وفي أثناء الطريق اختل عقله فجاءوا به إلى استانبول حيث مات، ودفن ~~بجوار أبى أيوب الأنصاري. # ومنهم المولى مصلح الدين مصطفى بن البركى زاده، نصبه السلطان بايزيد معلما لابنه أحمد في ~~أماسية ثم استقضاه في أدرنة، ومات في القسطنطينية. # ومنهم المولى محيي الدين محمد الصامصوني، قضى حياته مدرسا واستقضاه السلطان سليم في ~~أدرنة. # ومنهم المولى سيدي الحميدي قضى حياته مدرسا بين بورسة، وإزنيق، والقسطنطينية، ثم صار ~~قاضيا في العاصمة. # ومنهم المولى سيدي القراماني، وكان مدرسا ثم صار قاضيا بالعسكر المنصور. # ومنهم المولى نور الدين القراصوي كان مدرسا في بورسة، ثم صار مدرسا في أسكوب، ثم صار ~~مدرسا في إحدى المدارس الثمان بالقسطنطينية، وصار قاضيا بالعسكر المنصور، وكان قوالا ~~بالحق، محافظا على الشريعة، ورعا متعبدا. # ومنهم المولى محيي الدين محمد القوجوي، وقضى حياته مدرسا إلى أن استقضاه السلطان سليم في ~~القسطنطينية، ثم استقضاه بالعسكر المنصور، ثم استعفى ثم جعلوه قاضيا بمصر وذهب من هناك إلى ~~الحج ومات سنة إحدى وثلاثين وتسع مئة. # ومنهم المولى بالى الآيدينى وكان من كبار المدرسين. # ومنهم المولى عبد الرحيم بن علاء الدين العربي وكان من عظام المدرسين أيضا. # ومنهم المولى موسى بن حميد الدين بن أفضل الدين الحسينى، وكان عالما عابدا. # ومنهم المولى محيي الدين العجمي وكان قاضيا بأدرنة متصليا في الحق. # ومنهم المولى سنان الدين يوسف العجمي وكان من كبار المدرسين، ومن الصلحاء، ومن المؤلفين ~~وله ms170 حواش على شرح المواقف للسيد الشريف، وقلما يوجد عالم كبير من علماء الترك ليس له حواش ~~على كتب السيد الشريف الجرجاني، أو على كتب التفتلزاني. # ومنهم المولى السيد إبراهيم من سادات العجم، جاء إلى بلاد الروم وكان معدودا من أولياء ~~الله، وكانت تروى عنه الكرامات، وتوفي سنة خمس وثلاثين وتسع مئة في القسطنطينية. # ومنهم المولى علاء الدين على الأماسي وكان مدرسا أرسله السلطان بايزيد إلى قايتباي سلطان ~~مصر فأصلح بينهما. # ومنهم المولى بدر الدين محمود بن الشيخ محمد، كان إماما للسلطان بايزيد. # ومنهم المولى الخليلي كان مدرسا ثم استقضي بالعسكر المنصور. # ومنهم بير محمد الجمالي كان قاضيا في صوفية بلاد البلغار، ثم صار حافظا للدفتر بالديوان ~~العالي، ثم استوزره السلطان سليم خان ولقبه بير باشا، ثم عزل عن الوزارة وكان محمود ~~السيرة، كثير المبرات، توفي في حدود الأربعين وتسع مئة. وكان السلطان سليم يقول: إن كان ~~إسكندر يفتخر بوزيره أرسطو فأنا أفتخر بوزيرري بير باشا في عقله ورأيه. # ومنهم المولى محمد المشهور ب«ابن زيرك» بعد أن قضى مدة من عمره مدرسا بين بورسة، ~~وإزنبق، وكوتاهية؛ تولى القضاء في أدرنة، ثم بالقسطنطينية، ثم بالعسكر المنصور وأرسله ~~السلطان سليم إلى السلطان الغوري صاحب مصر، ومات سنة تسع وثلاثين وتسع مئة. # ومنهم قوام الدين يوسف المعروف ب«قاضي بغداد» كان قاضيا في بغداد فلما حدثت فتنة ابن ~~أردبيل ارتحل إلى ماردين، ثم جاء إلى القسطنطينية، وكان عالما علامة له شرح على «نهج ~~البلاغة» للإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه. # ومنهم المولى إدريس بن حسام الدين البدليسي كان من بلاد العجم ارتحل إلى بلاد الروم ~~وأكرمه السلطان بايزيد غاية الإكرام، وأنشأ تاريخ آل عثمان بالفارسية ويقال إنه تاريخ منقطع ~~النظير. انتقل إلى رحمة ربه في زمان السلطان سليمان القانوني. # ومنهم المولى يعقوب بن سيدي علي كان من كبار المدرسين، له شرح على كتاب «شرعة الإسلام» ~~وكان السلطان بايزيد يلقبه بشارح الشرعة لميله إلى الشرح المذكور. # ومنهم المولى نور الدين حمزة كان حافظا لدفتر ms171 بيت المال بالديوان العالي في زمان السلطان ~~بايزيد. # ومنهم شجاع الدين إلياس الرومي كان من قصبة ديموطقه في الرومللى، وكان من كبار المدرسين ~~معروفا بالعلم والصلاح والزهد، وله حواش على حاشية شرح التجريد للسيد الجرجاني، وحواش على ~~حاشية المطالب للسيد أيضا، وحواش على حاشية شرح الشمسية للسيد أيضا، وحواش على حاشية شرح ~~العضد كذلك للسيد، وكان أكثر اشتغاله بالعلوم العقلية. # ومنهم تاج الدين إبراهيم الشهير ب«ابن الأستاذ» وكان من المدرسين في زمان السلطان ~~بايزيد. # ومنهم ابن المعيد كان مدرسا في أسكوب ومات فيها. # ومنهم ابن العبري وكان من المدرسين. # ومنهم شمس الدين أحمد اليكاني وكان من المدرسين أيضا. # ومنهم عبد الرحمن بن محمد بن عمر الحلبي كان من أصحاب السلطان محمد الفاتح، ونال عنده ~~القبول التام، ثم صدر منه ما غاظ السلطان فأبعده عن جنابه وقال: لولا أنه ابن أستاذي ~~لدمرته. ومات قاضيا في كوتاهية. # ومنهم المولى عبد الوهاب بن عبد الكريم كان حافظا لدفتر الديوان في أيام سليم خان، وتوفي ~~في زمان السلطان سليمان. # ومنهم المولى يوسف الحميدي المشهور ب«شيخ سنان» كان من العلماء المدرسين، وله حواش على ~~شرح المفتاح للسيد الشريف. # ومنهم المولى جعفر بن التاجي وكان من أصحاب السلطان بايزيد وبلغ عنده حظوة تامة، ثم غضب ~~عليه وبقي إلى زمان السلطان سليم فجعله قاضيا للعسكر، ثم نكبه وقتله. # ومنهم المولى سعدي بن ناجي ودرس مدة طويلة، وكان متقنا للعربية يقرض الشعر كأنه من ~~فصحاء العرب، وله حواش على شرح المفتاح للسيد الشريف، وقد نظم العقائد النسفية بالعربية ~~نظما بليغا. # ومنهم المولى محمود بن محمد بن قاضي زاده الرومي، درس في غاليبولى، وفي أدرنة ثم جعله ~~السلطان بايزيد من أصحابه، وقرأ عليه العلوم الرياضية إذ كان لا يدانيه فيها أحد، وفي زمان ~~السلطان سليم بن بايزيد تولى قضاء عسكر الأناضول. # ومنهم المولى محمود بن محمد بن قاضي زاده الرومي، درس في غاليبولي، وفي أدرنة ثم جعله ~~السلطان بايزيد من أصحابه، وقرأ عليه العلوم الرياضية إذ كان لا يدانيه ms172 فيها أحد، وفي زمان ~~السلطان سليم بن بايزيد تولى قضاء عسكر الأناضول. # ومنهم المولى غياث الدين بن أخي العارف بالله آق شمس الدين، قرأ على الخيالي وعلى خواجه ~~زاده، ودرس بالمدرسة السيفية في أنقرة، ثم بالمدرسة الحسينية في أماسية، ثم بالمدرسة ~~الحلبية بأدرنة، ثم بسلطانية بورسه، ثم بإحدى المدارس الثمان في قسطنطينية، ثم في مدرسة ~~أبى أيوب الأنصاري، ومات سنة ثمان وعشرين وتسع مئة. # ومنهم الشيخ مظفر الدين على الشيرازي، قرأ في بلاد العجم على صدر الدين الشيرازي، والجلال ~~الدواني، وارتحل إلى بلاد الروم فأعطاه السلطان بايزيد مدرسة مصطفى باشا بالقسطنطينية، ثم ~~أعطاه إحدى المدارس الثمان، ثم كف بصره فتوطن مدينة بورسة. وكان شافعي المذهب، وكانت له ~~اليد الطولى في العلوم العقلية والمنطق وعلم الكلام، وكذلك في الحساب والهيئة والهندسة، ~~وكان مع هذا صالحا مؤثرا الفقر، باذلا ماله للفقراء. # ومنهم الحكيم شاه محمد القزويني كان من تلاميذ الجلال الدواني ومهر في علم الطب، وجاور ~~مدة في مكة المكرمة، واستدعاه السلطان بايزيد إلى استانبول ونال حظوة تامة عند ولده السلطان ~~سليم، ومات في أيام السلطان سليمان القانوني لأن صاحب «الشقائق النعمانية» يقول: «ومات في ~~أيام سلطاننا الأعظم سلمه الله تعالى وأبقاه.» يريد به السلطان سليمان. وله حواش على شرح ~~العقائد العضدية للدواني، وترجمة حياة الحيوان إلى الفارسية، وغير ذلك من التواليف. # ومنهم المولى السيد محمود، كان نقيبا للأشراف في زمان السلطان بايزيد، وكان كريم ~~الأخلاق، طارحا للتكلف، مشتغلا بنفسه، جوادا بماله. # ومنهم المولى محيي الدين المشتهر «بطبل البازي» وكان مدرسا مشهورا. # ومنهم المولى إبراهيم المشهور ب«ابن الخطيب» مات وهو مدرس في بورسة. # ومنهم المولى يحيى بن بخشي، كان عالما واعظا، وكان يقرئ الطلبة تفسير القاضي البيضاوي ~~بلا مطالعة، وله حواش على شرح الوقاية لصدر الشريعة. # ومنهم كمال الدين إسماعيل القراماني، وكان من المدرسين الكبار، وله تصانيف منها حواش على ~~الكشاف، وحواش على تفسير البيضاوي وحواش على شرح الوقاية لصدر الشريعة، وحواش على شرح ~~المواقف للسيد الجرجاني. # ومنهم المولى عبد الأول بن ms173 حسين الشهير ب«ابن أم الولد» قرأ على المولى خسرو الشهير، ~~وتزوج بابنته، وكان قاضيا في البلدان الكبيرة، ثم اعتقل لسانه فلزم بيته في القسطنطينية، ~~ومات عن مئة سنة. # ومنهم المولى شمس الدين أحمد الأماسي كان مدرسا وتوفي في أوائل سلطنة سليم خان. # ومنهم علاء الدين علي الآيديني الملقب «باليتيم» وكان مدرسا زاهدا، أرادوه على القضاء ~~فلم يرض، وكان يقرأ عشرين درسا في اليوم ولا يأخذ أجرة من أحد، وربما قبل الهدية، وكان ~~راضيا من العيش بالقليل، ومات عن تسعين سنة. # ومنهم المولى الشيخي، كان مدرسا بمدرسة أبى أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأخذ عنه ~~كثيرون. # ومنهم المولى المعروف ب«ضميري» أعطاه السلطان بايزيد إحدى المدارس الثمان، فقال له ~~المولى ابن المؤيد: إنه غير قادر على التدريس فيها، فقال السلطان بايزيد: فليدرس الشرح ~~المتوسط للكافية لعله يقدر على ذلك. # ومنهم عمر القسكموني كان علامة بالقراءات. # ومنهم علاء الدين علي القسطموني أخذ عن المولى عمر القراءات، وأقرأها الطلاب. # ومنهم ابن عمر زاده وكان أيضا يعرف بالقراءات السبع وأقرأها للناس. # ومنهم حسام المشهور ب«ابن الدلاك» كان خطيبا بجامع الفاتح في القسطنطينية، وكان عالما ~~صالحا. # ومنهم محيي الدين الطبيب جعله السلطان رئيسا للأطباء وأكرمه غاية الإكرام، وكان عالما ~~عابدا يحب المساكين، وبعد موته جعل السلطان بايزيد مكانه الحكيم حاجى، وكان السلطان يحب ~~علاج الحكيم المذكور. # ومنهم محيي الدين محمد الأسكليبي، وكان من رجال التصوف. وكان السلطان بايزيد أميرا على ~~أماسية، فذهب هذا الشيخ إلى الحج ولما ودع السلطان بايزيد قال له: سأراك بعد إيابي من ~~الحجاز جالسا على سرير السلطنة، فلما رجع من الحج كان الأمر كما قال. فأحبه السلطان حبا ~~جما وبنى له زاوية في القسطنطينية، وكانت تزدحم في بابه الوزراء وقضاة العساكر، وكان ~~يدعوه السلطان إلى مصاحبته فحصل له جاه عظيم، لكنه لم يتغير طوره، وبقي ملازما الزهد ~~والتقوى. # ومنهم الشيخ مصطفى اليروزي، كان من خلفاء الشيخ الأسكليبي، وكان عالما عابدا. # ومنهم العارف بالله السيد «ولاية» من قصبة كرمتى في الأناضول وكان شريفا ms174 صحيح النسب، حج ~~ثلاث مرات وكان في غاية الورع. ويقال إن السلطان سليم عندما طلب السلطنة في أيام والده ~~بايزيد وسلمه والده السلطنة، التجأ إلى المشايخ الصوفية، ومنهم السيد ولاية المذكور فقال له ~~السيد: ستصير سلطانا ولكن ليس في عمرك امتداد. وهكذا كان لأن السلطان سليم لم يبق في ~~السلطنة أكثر من ثماني سنوات. # ومنهم الشيخ محيي الدين محمد الشهير ب«يولولي شلبي» كان مدرسا ثم تصوف وصار ~~مرشدا. # ومنهم شجاع الدين الشهير ب«نيازي وهو أيضا كان قاضيا ثم تصوف وترك الدنيا. # ومنهم صفي الدين مصطفى وكان من الزهاد المرشدين. # ومنهم الشيخ رستم خليفة البروسي كان ينتسب إلى الشيخ عاجي خليفة وكان عابدا ~~متوكلا. # ومنهم العارف بالله ابن علي ججه خليفة العارف بالله ابن الوفاء وكان شيخا عابدا ~~زاهدا. # ومنهم علاء الدين الأسود أخذ عن حاجي خليفة وكان متوجها إلى الله بكليته. # ومنهم السيد علي بن ميمون المغربي الأندلسي، جاء في الشقائق النعمانية أنه أخذ عن ابن ~~عرفة وعن الشيخ الدباسي، وجاء إلى الشرق لأجل الحج ودخل مصر ثم الشام ثم جاء إلى بورسة ثم ~~رجع إلى بلاد الشامية وتوفي بها ستة سبع عشرة وتسع مئة وكان على جانب عظيم من التقوى قوالا ~~بالحق وكان لا يخالف السنة، فلا يقوم للزائرين، وكان يقول: لو أتاني بايزيد بن عثمان لا ~~أعامله إلا بالسنة. وكان لا يقبل الوظائف ولا هدايا الملوك وجاء في «شذرات الذهب» لعبد الحي ~~ابن العماد الحنبلي، ترجمة العارف بالله سيدي علي بن ميمون فقال: إنه ابن ميمون بن أبي بكر ~~بن علي بن ميمون بن أبي بكر بن يوسف بن إسماعيل بن أبي بكر بن عطاء الله ابن حسون بن سليمان ~~بن يحيى بن نصر الهاشمي القرشي المغربي الغماري أصله من «جبل غمارة» وسكن مدينة فاس، واشتغل ~~بالعلم ثم درس ثم ولي القضاء، ثم ترك ذلك ولازم الغزو على السواحل وكان رأس العسكر، ثم ترك ~~ذلك أيضا وصحب مشايخ الصوفية منهم الشيخ عرفة القيرواني، فأرسله إلى أبي العباس أحمد ms175 ~~التوزي الدباسي، ومن عنده توجه إلى المشرق قال الشيخ موسى الكناوي: فدخل بيروت في أول القرن ~~العاشر وكان اجتماع سيدي محمد بن عراق به أولا هناك. # ولما دخل بيروت استمر ثلاثة أيام لم يأكل شيئا فاتفق ان ابن عراق قال لجماعته وقد أتوا ~~بالطعام: ادعوا ذلك الفقير. فقام السيد علي وأكل ثم قال ابن عراق: قوموا بنا نزور الإمام ~~الأوزاعي. فصحبهم ابن ميمون ففي أثناء الطريق لعب ابن عراق على جواده كعادة الفرسان، فعاب ~~عليه ابن ميمون فقال له ابن عراق: أتحسن اللعب على الخيل أكثر مني؟ قال: نعم، فنزل ابن عراق ~~عن فرسه فحل ابن ميمون الحزام وشكه كما يعرف، وركب ولعب على الجواد فعرفوا مقداره في ذلك ثم ~~انفتح الأمر بينهما إلى أن شهر الله تعالى سيدي علي بن ميمون وقال في «الشقائق»: إنه دخل ~~القاهرة وحج منها، ثم دخل البلاد الشامية وربى كثيرا من الناس ... إلا آخر ما نقل عن صاحب ~~الشقائق، وقال ابن العماد ا لحنبلي: إنه كان من طريقته ما حكاه محمد بن عراق في كتابه ~~«السفينة» وهو أنه لا يرى لبس الخرقة ولا إلباسها وذكر الشيخ علوان أنه كان لا يرى الخلوة ~~ولا يقول بها، ومن وصاياه: اجعل تسعة أعشارك صمتا وعشرك كلاما وكان يقول: الشيطان له وحي ~~وفيض، فلا تغتروا بما يجري في نفوسكم وعلى ألسنتكم من الكلام في التوحيد والحقائق حتى ~~تشهدوه من قلوبكم. وكان ينهي أصحابه عن الدخول بين العوام والحكام ويقول: ما رأيت لهم مثلا ~~إلا الفأر والحيات، فإن كلا منهما مفسد في الأرض. وكان شديد الإنكار على علماء عصره، ومن ~~كلامه: لا ينفع الدار إلا ما فيها. ومنه: لا تشتغل بأن تعد أموال التجار وأنت مفلس، ومنه: ~~اسلك ما سلكوا تدرك ما أدركوا. ومنه: عجبت لمن وقع عليه نظر المفلح كيف لا يفلح، ومنه: كنزك ~~تحت جدارك، وأنت تطلبه من عند جارك. وله من المؤلفات شرح الأجرومية على طريقة الصوفية، ~~وكتاب غربة الإسلام في مصر والشام وما والاهما من ms176 بلاد الروم والأعجام، ورسالة لطيفة سماها ~~«تنزيه الصديق عن وصف الزنديق» ترجم فيها للشيخ محيي الدين ابن العربي ترجمة في غاية الحسن ~~والتعظيم. # وذكر ابن طولون أنه دخل دمشق في أواخر سنة اثنتي عشرة وتسع مئة ونزل بحارة السكة ~~بالصالحية، وهرع الناس إليه للتبرك به، وقال محمد بن عراق في سفينته إنه لم يشتهر في بلاد ~~العرب بالعلم والمشيخة والارشاد إلا بعد رجوعه من الروم إلى حماة سنة إحدى عشرة، ثم قدم إلى ~~دمشق سنة ثلاثة عشرة وتسع مئة، وأقام في قدمته هذه ثلاث سنوات وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما ~~يربي ويرشد، ويدعو إلى الله على بصيرة، واجتمع عليه الجم الغفير، ثم دخل عليه قبض وهو ~~بصالحية دمشق واستمر ملازما له حتى ترك مجلس التأديب، وأخذ يستفسر عن الأماكن التي في بطون ~~الأودية ورءوس الجبال، فذكر له محمد بن عراق «مجدل معوش» فهاجر إليها في ثاني عشر محرم هذه ~~السنة، قال سيدي محمد بن عراق: ولم يصحب غيري والولد علي - وكان سنه عشر سنين - وشخصا آخر ~~عملا بالسنة، وأقمت معه خمسة أشهر وتسعة عشر يوما وتوفي ليلة الاثنين حادي عشر جمادى ~~الآخرة ودفن بها في أرض موات بشاهق جبل حسبما أوصى به قال: ودفن خارج حضرته المشرفة ورجلان ~~وصبيان وامرأتان وأيضا امرأتان وبنتان، الرجلان محمد المكناسي، وعمر الأندلسي، والصبيان ~~ولدي عبد الله - وكان عمره ثلاث سنين - وموسى بن عبد الله التركماني والمرأتان أم إبراهيم ~~وبنتها عائشة زوجة الذعري، والأخريان، مريم القدسية، وفاطمة الحموية، وسألته عند وفاته: أين ~~أجعل دار هجرتي؟ فقال: مكان يسلم فيه دينك ودنياك ثم تلا قوله تعالى: # الذين تتوفاهم الملائكة ~~... الآية. # قلت: قرية «مجدل معوش» هي في قضاء الشوف من بلادنا في بلد لبنان وكان أهلها مسلمين من أهل ~~السنة، ووقعت بينهم عداوة شديدة فخرجوا منها واشتراها النصارى، وذلك منذ مائتي سنة، ولما ~~دخلها السيد علي بن ميمون المغربي كانت لا تزال قرية إسلامية، وبقي قبر السيد من ذلك الوقت ~~معروفا لا يجهله أهل القرية، وجاءنا مرة ms177 الخبر بأن بعض النصارى أرادوا استعمال ذلك القبر ~~للدفن، وكان في ذلك الوقت عمنا الأمير مصطفى أرسلان قائم مقام قضاء الشوف، فأخبرته بالخبر ~~فأمر مدير ناحية العرقوب الشمالي التي منه تلك القرية بأن يتحقق هذا الأمر ويمنع تعرض أحد ~~للقبر، ثم جمعنا إعانة مالية وأدى كل منا ما قدر عليه، فبلغ المجموع مئة جنيه ذهب وجددنا ~~القبر المذكور لأنه كان قد خرب تقريبا فخشينا بسبب خرابه أن يستعمله النصارى لدفن ~~موتاهم. # وبلغ المرحوم الأمير علي بن الأمير عبد القادر الجزائري شروعنا ببناء هذا القبر، فأراد أن ~~يكون له حصة في المثوبة فأرسل أيضا شيئا من المال، وهكذا جددنا قبر الولي المشار إليه قدس ~~الله سره بعد نحو من أربع مئة سنة من وفاته، وكان هذا العاجز السبب في ذلك، وأخمن أن هذه ~~القضية مضى عليها سبع وثلاثون سنة، وقد أطلت في ترجمة السيد علي بن ميمون لكونه من أقمار ~~أهل المغرب التي اطعلت على المشرق ولكوني قمت له بخدمة قبره بعد دفنه بأربعة قرون والله على ~~ذلك شهيد. # ثم نعود إلى ذكر العلماء الذين اشتهروا في زمان السلطان بايزيد فمنهم العارف بالله الشيخ ~~علوان الحميدي، اتصل بخدمة السيد علي بن ميمون وكان بحرا من بحار الحقيقة، وكان شافعي ~~المذهب، توفي سنة أثنتين وعشرين وتسع مئة # ومنهم الشيخ محمد الشهير ب«ابن عراق» كان من أولاد الأمراء الشراكسة وكان من طائفة ~~الجند، وكان صاحب ثروة وحشمة وافرة فترك كل هذا واتصل بخدمة السيد علي بن ميمون، واشتغل ~~عنده بالرياضة، وكان عالما زاهدا وجاور مدة بعد وفاة ابن ميمون بالمدينة المنورة ومات ~~ودفن فيها، وأتذكر أنه يوجد في بيروت زاوية منسوبة إلى ابن عراق. # ومنهم «ابن صوفي» واسمه عبد الرحمن كان عالما مدرسا ثم اتصل بالسيد علي بن ميمون وصار ~~من تلاميذه ولما ذهب السيد إلى الشام بعد أن سكن مدة في بورسة نصبه خليفة له في بلاد ~~الروم. # ومنهم المولى إسماعيل الشرواني قرأ على جلال الدين الدواني، وخدم العلم طول حياته، وتوطن ms178 ~~أخيرا في مكة المكرمة ومات فيها. # ومنهم الشيخ بابا نعمة الله، وكان من السادة الصوفية، سكن بقصبة آق شهر وتوفي بها. # ومنهم الشيخ محمد البدخشي، كان زاهدا متجردا من علائق الدنيا ثم ذهب إلى دمشق وسكن بها، ~~ولما دخل السلطان سليم دمشق زار هذا الشيخ مرتين، ففي المرة الاولى جلسا صامتين وسئل ~~السلطان سليم عن ذلك فقال: فتح الكلام ينبغي أن يكون من العالي ولا علو له عليه. وقد تأدب ~~الشيخ أيضا واختار الصمت تنزلا منه، وأما في الزيارة الثانية فقال الشيخ البدخشي للسلطان: ~~كلانا عبد لله تعالى وإنما الفرق هو أن ظهرك ثقيل من أعباء الناس، وظهري أنا خفيف، فاجتهد ~~أن لا تضيع أمتعتهم. ومات البدخشي بدمشق سنة اثنتين وعشرين وتسع مئة. # ومنهم السيد أحمد البخاري الحسيني، جاء من بخارى إلى بلاد الروم وصحب الشيخ الإلهي، وكان ~~من أشد الناس ورعا، وتعلق به الناس كثيرا وتركوا المناصب واختاروا خدمته، فبنى مسجدا ~~وحجرات حوله للطالبين وذلك في القسطنطينية، وكان مجلسه في غاية الوقار، تجلس فيه الناس كأن ~~على رءوسهم الطير، ولا تجري في مجلسه كلمات دنيوية أصلا، وكانت طريقته العمل بالعزيمة وترك ~~البدعة واتباع السنة وإقامة الصلاة والانقطاع عن الناس والمداومة على الذكر الخفي، والعزلة ~~عن الأنام وقلة الكلام والطعام وإحياء الليالي وصوم الأيام، مات سنة اثنتين وعشرين وتسع ~~مئة. # ومنهم الشيخ مصلح الدين الطويل، أصله من كرة النحاس من ولاية قسطموني كان من المشتغلين ~~بالعلم، ثم التحق بالشيخ الإلهي واشتغل بالتصوف. # ومنهم عابد شلبي من ذرية مولانا جلال الدين الرومي، كان قاضيا ثم ترك القضاء واتصل ~~بالشيخ الإلهي وبنى مسجدا في القسطنطينية وحوله حجرات للفقراء. # ومنهم الشيخ لطف الله الأسكوبي، وهو ممن اتصل أيضا بالشيخ الإلهي وكان في الآخر زاهدا ~~ناسكا ساكنا على جبل من جبال أسكوب منقطعا عن الدنيا. # ومنهم بدر الدين بابا وكان أيضا من جماعة الشيخ الإلهي. # ثم منهم علاء الدين خليفة، وكان أولا من طائفة الجند ثم اقتدى بالشيخ علاء الدين أبدال ~~ورووا عنه الكرامات ms179 وبنى زاوية بالقسطنطينية، ومن هذا النمط الشيخ سليمان خليفة وبنى زاوية ~~أيضا. # ومنهم الشيخ سونديك الشهير ب«قورجي دده». # ومنهم العارف بالله ابن الإامام من السادة الصوفية من أهل آيدين. # ومنهم الشيخ صلاح الدين الأزنيقي كان من مريدي شيخي خليفة. # ومنهم الشيخ بايزيد خليفة وكان عالما متصوفا سكن بمدينة أدرنة. # ومنهم الشيخ سنان الدين يوسف المعروف ب«سنبل ستان» وكان مرشدا مربيا، وعلى جانب من ~~العلم. # ومنهم الشيخ جمال الدين القراماني المعروف ب«جمال خليفة» جاء من بلاده قرامان إلى ~~القسطنطينية وكان مربيا مرشدا وتاب على يده كثيرون. # وقال صاحب «الشقائق النعمانية»: إنه عاده في مرض موته وطلب منه الوصية فقال له: لا تسلك ~~مسالك الصوفية إذ لم يبق لها اليوم أهل، وقال: التوحيد والإلحاد يصعب التمييز بينهما، ~~فالوقوف على طريقتك أسلم، ثم قال له: فإن غلب عليك خاطرك بالميل إلى التصوف فاختر من ~~المشايخ من كان ثابت القدم في الشريعة وإن رأيت فيه شيئا يخالف الشرع ولو قليلا فاحترز ~~منه، فإن مبنى الطريقة رعاية الأحكام الشرعية. # ومنهم الشيخ قاسم شلبي، وكان متصوفا جلس في زاوية الوزير علي باشا في ~~القسطنطينية . # ومنهم الشيخ رمضان، كان من أتباع طريقة الحاج بيرم، وكان مرشدا كبيرا. # ومنهم الشيخ بابا يوسف السفر حصاري، وكان منتسبا إلى هذه الطريقة ولما بنى السلطان ~~بايزيد جامعه بالقسطنطينية حضر للصلاة في أول جمعة بعد بنائه وصعد الشيخ بابا يوسف المنبر ~~ووعظ الناس فحصل لكلامه تأثير عظيم في السامعين، وكان بعض النصارى يستمعون من خارج الجامع ~~فأسلم منهم ثلاثة ففرح السلطان بايزيد بذلك وأنعم عليهم، وصار السلطان يحب هذا الشيخ ~~كثيرا، وعندما ذهب الشيخ للحج أعطاه السلطان مقدارا من الذهب وقال له: هذا المال حصل لي ~~من كسب يدي، وأوصاه أن يجعله في قنديل الصدقات في التربة المطهرة بالمدينة وأن يقول عند ~~التربة المطهرة: يا رسول الله إن راعى أمتك العبد المذنب بايزيد يقرئك السلام، وأرسل هذا ~~الذهب الحاصل من طريق الحلال ليصرف إلى زيت قنديل تربتك وتضرع إليك أن تقبل صدقته. ms180 ففعل ~~الشيخ ما أمره به السلطان، وكانت وفاة هذا الشيخ في أوائل سلطنة سليم خان، ودفن في جوار أبي ~~أيوب الانصاري عليه رحمة الباري. # ولما جلس السلطان سليم بن بايزيد على كرسي السلطنة وذلك في الثاني عشر من صفر سنة ثمان ~~عشرة وتسع مئة طلب الانكشارية زيادة رواتبهم، فاضطر أن يرضيهم لأنهم كانوا السبب في سلطته، ~~وزاد الرسوم المضروبة على البضائع الورادة إلى بلاده، رفعها من ثلاثة في المئة إلى خمسة، ~~وكان الأمير أحمد أمير أماسية استقل واستولى على بورسة، واتفق مع مصطفى بك والي أنقرة فرأى ~~السلطان سليم أن لا بد من قتل إخوته، ولما وقع أخوه قورقوت في يده قتله، وكذلك زحف إلى قتال ~~أخيه أحمد فتلاقيا في صحراء يني شهر، فكانت الطائلة للسلطان سليم ووقع أحمد في يد أخيه ~~فقتله أيضا، فاتسق له الأمر، وأرسلت الدول المجاورة تهنئة ما عدا الشاه إسماعيل سلطان ~~العجم، فكان هواه مع الأمير أحمد، وقد بلغ الشاه إسماعيل في زمانه أقصى درجات القوة، وكان ~~في يده جميع فارس وخراسان والعراق العربي وكردستان وديار بكر - أي من الفرات إلى سيحون ~~وجيحون - فكانت الدولة الصفوية في أوج مجدها، وكانت دولة شيعية خالصة، وقد أخذت تبث التشيع ~~في البلاد العثمانية، فثار غضب السلطان سليم وزحف بمئة وثمانين ألف مقاتل، فصار جيش شاه ~~إسماعيل ينكص إلى الوراء ولا يقاتل، فوصل العثمانيون إلى تبريز، فاعتصم الإيرانيون بأعالي ~~الجبال المشرفة على صحراء «تشالديران» فقبل أن أصلاهم السلطان سليم نار الحرب عقد مجلسا ~~حربيا فأشار الوزراء بإراحة العسكر أربعا وعشرين ساعة بالأقل، وخالفهم في ذلك بيري باشا ~~قائلا: تجب المناجزة في الحال. فأعجب رأيه السلطان سليم وهجم على الإيرانيين وتغلب عليهم ~~بواسطة مدافعه، ووقع في السلطان أثقال الشاه إسماعيل وأمواله مع حرمه وعدد كبير من الأسرى ~~فأمر يقتل الجميع ما عدا النساء والأولاد. # وأراد السلطان سليم أن يشتو تلك السنة في تبريز، وأن يزحف في أول الربيع إلى فارس، ولكن ~~الانكشارية كانوا قد ملوا القتال والسفر وأصبحوا يريدون الرجوع، ms181 فعاد بهم إلى أماسية، وقيل ~~إنه رجع لفقد القوت والعلوفة في بلاد العجم لأن الشاه إسماعيل كان قد خرب البلاد، ثم أرسل ~~الشاه إسماعيل يطلب من السلطان سليم زوجته التي وقعت في الأسر في معركة تشالديران، فرض ~~السلطان تسليمها إليه وأزوجها من وزيره جعفر شلبي، ثم إن الانكشارية ثاروا مرة ثانية في ~~أماسية وأجبروا السلطان على الرجوع إلى القسطنطينية، فأراد السلطان الانتقام من رؤسائهم ~~وقتل إسكندر باشا وسقبان باشا عثمان، وقاضي العسكر جعفر شلبي، وجاء جيش من قبل الشاه ~~إسماعيل يسترجع ديار بكر، فهزمهم العثمانيون واستولوا على «حصن كيفا» و«سنجار» و«بيرجك» ~~و«الموصل» ثم فكر السلطان سليم في فتح بلاد العرب، فزحف إلى «حلب» وجاء من مصر السلطان ~~قانصوه الغوري وكان شيخا كبيرا بلغ سن الثمانين، إلا أنه كان عالي الهمة فتلاقى مع ~~السلطان سليم في مرج دابق عند حلب، وكانت مدافع العثمانيين جعلت الرجحان في جانبهم، وانحاز ~~جانب من جماعة قانصوه الغوري إلى السلطان سليم، ومن هؤلاء جان بردي الغزالي وخير بك ~~الجركسيان وكان معهما أمراء لبنان. # وكان الملك الأشرف قانصوه الغوري أمر الغزالي وخير بك أن يتقدماه أمام الجيش أملا بأن ~~يقتلا لوحشة كانت بينه وبينهما، فراسلا السلطان سليما واتفقا معه وانحازا إلى جيشه ومعهما ~~جم من رجال الجيش المصري ومعهما أمراء لبنان، منهم الأمير فخر الدين المعني والأمير جمال ~~الدين الأرسلاني وهو جدنا على عمود النسب والأمير عساف التركماني، ولما دارت المعركة كان ~~النصر للسلطان سليم وقتل الغوري في المعركة، وكانت هذه الواقعة سنة 1516 وقيل 1515 وهو ~~الأصح، فدخل بعدها السلطان سليم حلب، ثم دمشق بدون قتال، وقيل إن السلطان سليم صلى الجمعة ~~في جامع سيدنا زكريا في حلب فخطب الخطيب ودعا له بالنصر ولقبه «سلطان البرين والبحرين، ~~وصاحب الحرمين الشريفين» فأمر السلطان بأن يقال «خادم الحرمين الشريفين» وسجد شكرا ~~لله. # ولما مر بحماة نزل في دار آل الكيلاني السادة المشهورين من ذرية السيد عبد الله القادر ~~الكيلاني، ورأيت بعيني الغرفة التي بات فيها وهي مطلة على ms182 نهر العاصي وأنعم السلطان على آل ~~الكيلاني وأكرمهم، وكان شاعرا أديبا فأطربه مركز حماة وأعجبه ما هم عليه السادة الكيلانية ~~من الوجاهة والكرم فنطق لسانه بهذين البيتين: # بني كيلان هنتم بعيش # أرى من دونه السبع الطباقا # أطاع لديكمو العاصي ولما # تشرف بالجوار حلا وراقا # رواهما لي السيد عبد القادر حسني الكيلاني كبير هذه الأسرة الشريفة اليوم، وجلس على كرسي ~~مصر بعد قتل الغوري طومان بك واستعد للقتال، فزحف السلطان سليم إلى مصر واشتبكت معركة من ~~أشد المعارك المعروفة في التاريخ، ولكن الأتراك بسبب مدافعهم تغلبوا على المماليك ودخل ~~السلطان سليم إلى القاهرة وانهزم طومان بك بعد أن ألحق بالعثمانيين خسائر عظيمة، ولم يقع ~~طومان بك في المعركة أسيرا بل انحاز بمن بقي معه إلى الريف، وشرع يهاجم العثمانيين، فأرسل ~~السلطان يعرض عليه الصلح فأبى المماليك الصلح، فزحف السلطان إليهم وفي هذه الوقعة أخذ طومان ~~بك أسيرا وشنقه السلطان وعلقه على باب القاهرة، وذلك سنة 1517 في 13 أبريل، وبعد ذلك دخل ~~الحجاز تحت حماية الدولة العثمانية، ويقال إن السلطان سليم كتب بيده على عمود المقياس الذي ~~على شاطئ النيل هذين البيتين: # الملك لله من يظفر بنيل مني # يردده حقا ويضمن بعده الدركا # لو كان لي أو لغيري قيد أنملة # فوق التراب لكان الأمر مشتركا # وقد ظن بعض المؤرخين أن هذين البيتين هما من نظمه لأنه كان شاعرا بليغا بالعربية ~~والتركية والفارسية، ولكننا وجدنا هذين البيتين في لزوميات المعري، فيكون السلطان قد استشهد ~~بهما. # ثم إنه بعد أن استودع إدارة مصر خير بك، رجع إلى سورية وأخذ بتنظيم إداراتها وكان نشاط ~~هذا السلطان غير معهود المثال، وتوقد ذهنه فوق الخيال. # وكان محبا للعلماء والأدباء، مغرما بالعلم والعرفان، وكانت همته أعلى ما عهد في همم ~~الرجال، وكان يتنكر ويخرج متنكرا فيختلط بالشعب ليطلع على حقائق الأحوال ويعرف ممن تشكو ~~الرعايا فيقتص من العمال الذين يتحقق خروجهم عن جادة العدل، ولم يكن فيه عيب يذكر سوى شدة ~~ميله إلى سفك الدماء، وكم قتل ms183 من إخوته ووزرائه وعماله، ولم يكن يجرؤ عليه إلا المفتي ~~الجمالي، الذي يلقبه الأتراك ب«زنبيللي علي أفندي» لأنه كما تقدم الكلام كان عنده زنبيل ~~معلق يضع فيه السائل سؤاله ويحركه فيجذبه الشيخ ويخرج منه السؤال ويجيب عليه ويعيده ~~بالزنبيل الذي يسقط إلى أسفل فيأخذ الجواب منه. # ويقال إن السلطان سليم أراد حمل النصارى الذين في المملكة على الإسلام جميعا أو يخرجوا ~~من البلاد فعارضه زنبيللي على أفندي أي المفتي الجمالي، وقال له: لا يحل له ذلك، وليس لنا ~~إلا أن نأخذ منهم الجزية والطاعة. ويروي الناس بالتواتر شيئا آخر، وهو أن السلطان سليم ~~أراد أن يجعل العربية لسانا رسميا للدولة فعارضه الأتراك في ذلك، ولم أطلع على هذه ~~الرواية في الكتب ولكن الناس يتناقلونها كثيرا والله أعلم. # فأما قضية حمل النصارى الذين في المملكة على قبول الإسلام أو الرحيل منها فهو مروي ~~بالتواتر وفي الكتب أيضا، فيكون قد ثبت أن الشريعة الإسلامية بعدالتها وأمانتها هي التي ~~حفظت المسيحيين في السلطنة العثمانية أيام كان السلطان يقدر أن ينفذ جميع ما يريده بهم، ~~ولذلك نجد ملاحدة الترك ينتقدون دائما العمل بالشرع الإسلامي بحجة كونه السبب في بقاء ~~النصارى في السلطنة العثمانية، وأن بقاءهم كان السبب في ضعف تركيا، فملاحدة الترك يجعلون ~~الشرع الإسلامي مذنبا في تهيئة الحظر السياسي الذي أصاب تركيا، ولذلك لما استولوا على ~~الحكم بعد الحرب العامة أخرجوا جميع النصارى من تركيا، ولم يبق إلا النصارى الذين في ~~القسطنطينية فقط، لأن الدول في مؤتمر لوزان لم توافق على إخلاء القسطنطينية من النصارى ~~تماما وتقرر بمقابلتهم إبقاء مسلمي تراقية الغربية في بلاد اليونان. # ومن العجب أننا نرى الأوروبيين يعملون بكل قوتهم لمحو الشرعية الإسلامية التي في ظلها ~~وبسببها لا غير بقي النصارى في جميع الممالك الإسلامية، وفي السلطنة العثمانية متمتعين ~~بجميع الحقوق التي يتمتع بها المسلمون منذ ظهور الإسلام إلى يوم الناس، هذا وكان نصارى ~~البلاد العثمانية بضعة عشر مليون نسمة، ومن العجب أننا نراهم مع ذلك يفضلون أن تكون ~~الحكومات ms184 الإسلامية ملحدة ولو كانت تخرج جميع النصارى من بلادها، وهذا أقصى ما يتصوره العقل ~~من التحامل والتعصب على الإسلام! يكرهونه ولو حفظهم ويحبون زواله ولو كان في ذلك ~~زوالهم! # هذا ومات السلطان سليم في 22 سبتمبر 1520 فلم يقم في السلطنة أكثر من ثماني سنوات، ولو ~~طالت مدة هذا الرجل العظيم على كرسي هذه السلطنة العظمى لما عرف أحد أية درجة من الشوكة ~~والبسطة كانت تنتهي السلطنة العثمانية؟ # وجاء في «شذرات الذهب» عن السلطان سليم ما يأتي: # وفي سنة ست وعشرين وتسع مئة توفي السلطان سليم بن أبي يزيد بن محمد السلطان المفخم ~~والخاقان المعظم، سليم خان بن عثمان تاسع ملوك بني عثمان، هو من بيت رفع الله على قواعده ~~فسطاط السلطنة الإسلامية، ومن قوم أبرز الله تعالى لهم ما ادخره من الاستيلاء على المدائن ~~الإيمانية رفعوا عماد الاسم، وأعلنوا منارة وتواصوا باتباع السنة المطهرة وعرفوا للشرع ~~الشريف مقداره، وصاحب الترجمة منهم هو الذي ملك بلاد العرب، واستخلصها من أيدي الشراكسة ~~بعدما شتت جمعهم، فانفلوا عن مليكهم وجدوا في الهرب: ولد ب أماسية في سنة اثنتين وسبعين ~~وثمان مئة وجلس على تخت السلطنة وعمره ست وأربعون سنة بعد أن خلع والده نفسه عن السلطنة ~~وسلمها إليه، وكان السلطان سليم ملكها قهارا، وسلطانا جبارا قوي البطش، كثير السفك، شديد ~~التوجه إلى أهل النجدة والبأس، عظيم التجسس عن أخبار الناس، وربما غير لباسه وتجسس ليلا ~~ونهارا وكان شديد اليقظة والتحفظ بحسب مطالعة التواريخ وأخبار الملوك، وله نظم بالفارسية ~~والرومية والعربية، منه ما ذكر القطب الهندي المكي أنه رآه بخطه في الكشك الذي بني له بروضة ~~المقياس بمصر ونصه: # الملك لله من يظفر بنيل غنى # يردده قسرا ويضمن عنده الدركا # لو كان لي أو لغيري قيد أنملة # فوق التراب لكان الأمر مشتركا # قال الشيخ مرعى الحنبلي في كتابه «نزهة الناظرين» وفي أيامه تزايد ظهور شأن إسماعيل شاه، ~~واستولى على سائر ملوك العجم، وملك خراسان وأذربيجان وتبريز، وبغداد وعراق العجم، وقهر ~~ملوكهم، وقتل عساكرهم، ms185 بحيث قتل ما يزيد على ألف ألف! وكان عسكره يسجدون له، ويأتمرون بأمره ~~وكان يدعى الربوية، وقتل العلماء وأحرق كتبهم ونبش قبور المشايخ من أهل السنة وأخرج عظامهم ~~وأحرقها. وكان إن قتل أميرا أباح زوجته وأمواله لشخص آخر، فلما بلغ السلطان سليم ذلك تحركت ~~همته لقتاله وعد ذلك من أفضل الجهاد، فالتقى معه بقرب تبريز بعسكر جرار، وكانت وقعة عظيمة، ~~فانهزم جيش إسماعيل شاه واستولى سليم على خيامه وأعطى الرعية الأمان، ثم أراد الإقامة ~~بالعجم للتمكن من الاستيلاء عليها، فما أمكنه ذلك لشدة القحط بحيث بيعت العليقة بمئة درهم ~~والرغيف بمئة درهم، وسببه تخلف قوافل الميرة التي كان أعدها السلطان سليم، وما وجد في تبريز ~~شيئا، لأن إسماعيل شاه عند انهزامه أمر بإحراق أجران الحب فاضطر سليم للعودة إلى بلاد ~~الروم. # وفي أيامه كانت وقعة الغوري، وذلك أن سليم لما رجع من غزو إسماعيل شاه تفحص عن سبب انقطاع ~~قوافل الميرة عنه فأخبر أن سببه سلطان مصر قانصوه الغوري، فإنه كان بينه وبين إسماعيل شاه ~~محبة ومراسلات وهدايا، فلما تحقق سليم ذلك صم على قتال الغوري أولا، ثم بعده يتوجه لقتال ~~إسماعيل شاه ثانيا، فتوجه بعسكره إلى جهة حلب سنة اثنتين وعشرين كما تقدم، فخرج الغوري ~~بعساكر عظيمة لقتاله، ووقع المصاف بمرج دابق شمالي حلب، ورمى عسكر سليم عسكر الغوري بالبندق ~~ولم يكن في عسكري الغوري شيء منه، فوقعت الهزيمة على عسكر الغوري بعد أن كانت النصرة له ~~أولا، ثم فقد تحت سنابك الخيل وكان ذلك بمخاطرة خير بك والغزالي، بعد أن عهد إليهما ~~السلطان سليم بتوليتهما مصر والشام. # ثم بعد الوقعة أخليا له حلب لأنهما معه في الباطن فأقبل سليم إلى حلب فخرجوا للقائه ~~يطلبون الأمان ومعهم المصاحف يتلون جهارا # وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى # فقابلهم بالإجلال والإكرام ثم حضرت صلاة الجمعة ~~فلما سمع الخطيب خطب باسمه وقال: «خادم الحرمين الشرفين» سجد لله شكرا على أن أهله لذلك ثم ~~ارتحل للشام بعد أن أخلاها له خير بك ms186 والغزالي، فخرجوا للقائه ودعوا له فأكرمهم وأقام بها ~~لتمهيد أمر المملكة، وأمر بعمارة قبة علي الشيخ محيي الدين بن عربي بصالحية دمشق ورتب عليها ~~أوقافا كثيرة، ثم توجه إلى مصر فلما وصل إلى خان يونس بقرب غزة قتل فيه وزيره حسام ~~باشا. # ثم لما دخل مصر وقع بينه وبين طومان باي سلطان الجراكسة حروب يطول ذكرها، وقتل بها وزيره ~~سليم يوسف سنان باشا وكان مقداما ذا رأي وتدبير، فأسف سليم عليه بحيث قال: أي فائدة في مصر ~~بلا يوسف! وقاتل طومان باي ومن معه من الأمراء قتالا شديدا وظهر لطومان باي شجاعة قوية ~~عرف بها وشهد له بها الفريقان، وأوقع الفتك بعسكر السلطان سليم، ولولا شدة عضده بخير بك ~~والغزالي ومكيدتهما ما ظفر بطومان باي، ثم لما ظفر به أراد أن يكرمه ويجعله نائبا عنه ~~بمصر، فعارضه خير بك وخاف عاقبة فعله وقال لسليم: إنك إن فعلت ذلك استولى على السلطنة ~~ثانيا، وحسن له قتله فقلته وصلبه بباب زويلة ودفنه كما أسلفنا. # ونزل السلطان سليم بالمقياس مدة إقامته بمصر بعيدا عن روائح القتلى وحذرا من المكيدة ~~إلى أن مهدها، ثم ولى خير بك أمير الأمراء على مصر وولى الغزالي على الشام، وولى بمصر ~~القضاة الأربعة وهم: قاضي القضاة كمال الدين الشافعي وقاضي القضاة نور الدين على بن يس ~~الطرابلسي الحنفي وقاضي القضاة الدميري المالكي وقاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن الحنبلي، ~~واستولى على الأرض الحجازية وغيرها ورتب الرواتب، وأبقى الأوقاف على حالها، ورتب لأهل ~~الحرمين في كل سنة سبعة آلاف إردب حب، ثم عاد إلى القسطنطينية وقد صرف غالب خزائنه، فأخر ~~السفر إلى بلاد العجم ليجمع ما يستعين به على القتال، فظهر له في ظهره جمرة منعته الراحة ~~وعجزت في علاجها حذاق الأطباء، ولا زالت به حتى حالت بينه وبين الأمنية فتوفي رحمه الله في ~~رمضان أو شوال بعد علة نحو أربعين يوما، وذكر العلائي في تاريخه: «أنه خرج من القسطنطينية ~~إلى جهة أدرنة وقد خرجت له تلك الجمرة تحت ms187 إبطه وأضلاعه، فلم يفطن بها حتى وصل إلى المكان ~~الذي بارز فيه أباه أبا يزيد حين نازعه في السلطنة، فطلب له الأطباء فلم يدركوه إلا وقد ~~تأكلت ووصلت إلى الأمعاء فلم يستطيعوا لها دفعا ولا نفسا ومات بها ودفن بأدرنة عند قبر ~~أبيه. انتهى ملخصا. # قلت: ونبغ من العلماء في عصر السلطان سليم: # المولى شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال باشا، وكان جده من أمراء الدولة العثمانية، ونشأ ~~في حجر العز والدلال ثم غلب عليه حب العلم والكمال فاشتغل بتحصيل العلم ليلا ونهارا، وبعد ~~أن مهر في العلوم تولى التدريس، وانتقل في مدرسة إلى مدرسة، ثم تولى قضاء العسكر، ثم تولى ~~الإفتاء في القسطنطينية بعد وفاة زنبيللي علي أفندي ومات وهو في الإفتاء سنة أربعين وتسع ~~مئة وله تصانيف كثيرة منها: حواش على الكشاف، وله كتاب في الفقه متن، وشرح سماه «الإصلاح ~~والإيضاح» وله كتاب في الأصول متن وشرح، وله كتاب في علم الكلام متن وشرح، وله كتاب في ~~الفرائض متن وشرح، وله حواش على شرح المفتاح للسيد الشريف، ومن من فحول علماء الأتراك لم ~~يكتب حواشي على كتب السيد الشريف، وله تآليف في التركية والفارسية ومن جملة كتبه التركية ~~تاريخ لآل عثمان. # ومنهم المولى عبد الحميد بن علي، وقرأ في بلاد العرب ثم في بلاد العجم ثم جاء إلى بلاد ~~الروم وسكن ببلدة قسطموني، ولما جلس السلطان سليم على سرير السلطنة اتخذه إمامه لنفسه ومات ~~بصحبة السلطان بمدينة دمشق بعد قفول السلطان من مصر. # ومنهم المولى محيي الدين محمد شاه بن علي بن يوسف بالي بن شمس الدين الفناري وهم بيت علم ~~كابرا عن كابر وتولى التدريس مدة ثم استقضي بالقسطنطينية، ثم تولى قضاء العساكر. # ومنهم المولى محيي الدين محمد بن على بن يوسف بن شمس الدين الفناري، ودرس مدة طويلة، ~~واستقضي بالعسكر المنصور، وكان عالما ورعا مدققا محتاطا في معاملاته مع الناس، محبا ~~للفقراء والصلحاء، قال صاحب «الشقائق»: كان رحمه الله علامة في الفتوى وآية كبرى في ms188 ~~التقوى. # ومنهم محيي الدين محمد بن علاء الدين علي الجمالي المتقدم الذكر، وهم بيت علم وفضل، تولى ~~التدريس ثم القضاء وكان من ذوي الطريقة الحسنة. # ومنهم محمد شاه بن محمد بن الحاج حسن، وتولى التدريس مدة طويلة وله تآليف منها شرح على ~~مختصر القدوري. # ومنهم المولى حسام لادين حسين بن عبد الرحمن ودرس في أكثر المدارس المشهورة، ثم تولى ~~القضاء. # ومنهم مصلح الدين مصطفى بن خليل والد «صاحب الشقائق» ولد سنة فتح القسطنيطينية أي سنة سبع ~~وخمسين وثمان مئة وكانت ولادته ببلدة طاش كوبرى وأخذ عن علماء كثيرين وأشهرهم خواجه زاده، ~~وتولى التدريس تارة في أنقرة وتارة في بورسة، وطورا في أسكون وطورا في أدرنة، ثم جعله ~~السلطان بايزيد معلما لابنه السلطان سليم، ثم استقضاه السلطان سليم بمدينة حلب ثم استعفى ~~من القضاء ورجع إلى التدريس، وكان زاهدا عابدا صاحب أدب ووقار فيما يروي عنه ولده، وقال: ~~إنه لم يسمع منه كلمة فيها رائحة الكذب ولا كلمة فيها فحش، وكان طاهر الظاهر والباطن وكانت ~~أكثر براعته في الحديث والتفسير وأصول الفقه والعلوم الأدبية، ولم يتبحر في السابق، وكان ~~مدرسا كبيرا وكانت أكثر مهارته في العلوم الأدبية والعقلية. # ومنهم عبد الواسع بن خضر من أولاد الأمراء أصله من بلدة «ديموطقة» في الرومللي وارتحل إلى ~~بلاد العجم وخراسان، وقرأ على شيخ الإسلام حافد العلامة التفتازاني حواشي شرح المطالع ~~وحواشي شرح العضد للسيد الشريف، ثم رجع إلى بلاد الروم في أواخر سلطنة بايزيد، وفي زمان ~~السلطان سليم تولى التدريس وفي زمان السلطان سليمان القانوني تولى قضاء العساكر، وبعد أن ~~بقي مدة في القضاء وبنى المدارس والمكاتب ارتحل إلى مكة المكرمة واعتزل الناس وعكف على ~~العبادة إلى أن مات سنة خمس وأربعين وتسمع مئة. # ومنهم عبد العزيز بن يوسف بن حسين الحسيني الشهير ب«عايد شلبي «وكان مدرسا ثم تولى ~~القضاء. # ومنهم عبد الرحمن بن يوسف بن حسين الحسيني، وكان أيضا مدرسا ثم انقطع عن الخلق لأجل ~~العبادة. # ومنهم بير أحمد شلبي الآيديني، وكان من ms189 المدرسين الكبار. # ومنهم محيي الدين محمد بن الخطيب قاسم، وكان مدرسا وتولى تعليم الأمير أحمد بن السلطان ~~بايزيد وكان عالما أديبا عابدا ورعا، وكان ينظم الشعر العربي والتركي ويحفظ المحاضرات ~~والتواريخ. # ومنهم زين الدين محمد بن محمد شاه الفناري وكان عالما فاضلا خدم العلم الشريف مدة طويلة ~~مع التقوى والورع. # ومنهم المولى داود بن كمال القوجوي، وكان مدرسا كبيرا وله اليد الطولى في العلوم ~~العقلية. # ومنهم بدر الدين محمود الشهير ب«بدر الدين الأصغر» وكان أيضا من المشتغلين بالعلوم ~~العقلية، وبعمل الحديث أيضا. # ومنهم المولى نور الدين حمزة، وكان من الفقهاء ولكنه كان حريصا على جمع المال وبنى بماله ~~مسجدا بالقسطنطينية وحجرات لسكنى العلماء، قال له الوزير إبراهيم باشا: إنك تحب المال فكيف ~~صرفت هذه الموال في الأوقاف؟ قال: هذا من غاية محبتي للمال، حيث لا أرضى أن أخلفه في ~~الدنيا، وأريد أن يذهب معي إلى الآخرة. # ومنهم المولى محيي الدين محمد البردعي وكان بارعا في العلوم العربية وصاحب أخلاق، وله ~~تصانيف. # ومنهم محمود الشهير ب«ابن المجلد» وكان عالما زاهدا وتوفي في أوائل سلطنة سليمان ~~القانوني. # ومنهم محيي الدين محمد بن يوسف بن يعقوب الملقب «باجه زاده» وكان من المدرسين ثم صار من ~~القضاة في زمان السلطان سليم. # ومنهم محيي الدين محمد المشهور ب«شيخ شاذلو» وكان من العلماء العابدين. # ومنهم سنان الدين يوسف بن علاء الدين اليكاني، كان مدرسا ثم صار قاضيا، وفي زمان ~~السلطان سليم تولى قضاء دمشق وله حواش على شرح المواقف للسيد الجرجان. # ومنهم بير أحمد بن نور الدين حمزة، درس في أشهر المدارس ثم تولى القضاء وصار قاضيا بمصر ~~مرتين. # ومنهم المولى باشا شلبي اليكاني بقي مدة في التدريس، وله حاشية على شرح المفتاح للسيد ~~الشريف. # ومنهم باشا شلبي بن زيرك وكان من المدرسين المعروفين. # ومنهم محيي الدين بن زيرك استقضي في عدة من البلدان. # ومنهم عبد العزيز حفيد المولى المشهور ب«اين أم الولد» وكان من العلماء الأدباء. # ومنهم محيي الدين محمد بن مصلح الدين القوجي، وكان ms190 عالما زاهدا وانتفع به خلق كثير، وله ~~عدة تصانيف. # ومنهم محمود الشهير ب«ابن المجلد وكان عالما زاهدا، وتوفي في أوائل سلطنة سليمان ~~القانوني. # ومنهم محيي الدين محمد بن يوسف بن يعقوب الملقب «باجه زاده» وكان من المدرسين ثم صار من ~~القضاة في زمان السلطان سليم. # ومنهم محيي الدين المشهور ب«شيخ شاذلو» من القضاة في زمان السلطان سليم. # ومنهم محيي الدين محمد المشهور ب«شاذلو» وكان من العلماء العابدين. # ومنهم سنان الدين يوسف بن علاء الدين اليكاني كان مدرسا ثم صار قاضيا، وفي زمان السلطان ~~سليم تولى قضاء دمشق، وله حواش على شرح المواقف للسيد الجرجاني. # ومنهم بير أحمد بن نور الدين حمزة، درس في أشهر المدارس ثم تولى القضاء وصار قاضيا بمصر ~~مرتين. # ومنهم المولى باشا شلبي اليكاني بقي مدة في التدريس وله حاشية على شرح المفتاح للسيد ~~الشرفي. # ومنهم باشا شلبي بن زيرك وكان من المدرسين المعروفين. # ومنهم محيي الدين بن زيرك استقضي في عدة من البلدان. # ومنهم عبد العزيز حفيد المولى المشهور ب«ابن أم الولد» وكان من العلماء الأدباء. # ومنهم محيي الدين محمد بن مصلح الدين القوجي، وكان عالما زاهدا، وانتفع به خلق كثير، ~~وله عدة تصانيف. # ومنهم الشريف عبد الرحمن العباسي، ولد بمصر ومهر في العلوم الأدبية، وجاء إلى القسطنطينية ~~في زمن بايزيد خان ورجع إلى مصر، ثم لما انقرضت دولة السلطان الغوري عاد إلى القسطنطينية، ~~وتوفي سنة ثلاث وستين وتسع مئة، وقد عاش نحوا من مئة سنة، وله كتاب «معاهد التنصيص في شرح ~~شواهد التلخيص» وهو شهير وقرأته أول مرة في استانبول منذ 45 سنة أعارنيه قبل أن أقتنيه ~~الشريف عبد الإله باشا أمير مكة سابقا رحمه الله، فوجدت الشيخ محمد بن التلاميذ الشنقيطي ~~المعروف بالشنقيطي الكبير قد قرأ هذه النسخة، وقرأت تعقيبات له على المؤلف من جملتها أنه ~~ذكر أحمد بن خلف وذكر أنه قتل، فقال الشنقيطي في الهامش: «هو خلف بن أحمد، والمعروف أنه مات ~~حتف أنفه.» # ومنهم المولى بخشي خليفة الأماسي ولد ب أماسية ms191 وقرأ على علماء عصره ثم ارتحل إلى بلاد ~~العرب وقرأ على علمائها أيضا، ثم اختار طريق التصوف وجلس للوعظ والتذكير، وانتفع به خلق ~~كثير وتوفي في جوار الثلاثين وتسع مئة. # ومنهم محيي الدين محمد بن عمر بن حمزة، كان جده من بلاد ما وراء النهر، من تلاميذ السعد ~~التفتازاني، وضرب في الأرض فوصل إلى أنطاكية، وبها ولد محمد هذا وتفقه في أنطاكية ثم سار ~~إلى «حصن كيفا» و«آمد» ثم إلى «تبريز» وأخذ عن علماء تلك البلاد، ثم رجع إلى أنطاكية وحلب، ~~ثم ذهب إلى القدس وجاور هناك وحج البيت الحرام، ثم ذهب إلى مصر وأخذ عن السيوطي ولقي ~~قبولا عظيما عند السلطان «قايتباي» وبقي عنده إلى أن توفي، فسافر إلى الروم من طريق ~~البحر وأول بلدة أقبل عليها «بروسة» فحصل له فيها إقبال عظيم، ثم ذهب إلى القسطنطينية فأحبه ~~أهلها، وسمع السلطان بايزيد وعظه فمال إليه كل الميل، وألف له كتابا اسمه «تهذيب الشمائل» ~~في السيرة النبوية، ولما خرج السلطان إلى الغزو كان هذا الشيخ محمد بن عمر معه، فلما فتح ~~«قلعة مشون» كان هو ثاني الداخلين إليها أو ثالثهم، ثم ذهب إلى حلب ورجع إلى الروم في زمن ~~السلطان سليم، وحرضه على الجهاد في طائفة «قزلباش» - هي طائفة تؤله عليا - وكان يعظ ~~الجنود وعظا مؤثرا، ويذكر لهم ثواب الجهاد. ثم ذهب إلى «الرومللي» وأخذ يعظ أهلها فأصلح ~~كثيرا من الخلق، وأسلم على يديه كثيرون من غير المسلمين، وبنى جامعا في سراي بوسنة ~~ومسجدا في أسكوب. # وأقام في تلك البلاد عشر سنوات يعظ ويفسر القرآن الكريم، وفي سنة اثنتين وثلاثين وتسع مئة ~~غزا مع السلطان سليمان بلاد المجر، ووافقهم الفتح المبين ثم سكن في بروسة وشرع في بناء جامع ~~كبير توفي قبل إتمامه في رابع المحرم 938 وذلك عن سبعين سنة، وولد من صلبه قريب من مئة نفس ~~وله كتب ووسائل، وكم أحيا من سنن وأمات من بدع، فهذا من الرجال الذين اشتغلوا في حياتهم ~~وفقدهم الناس عند مماتهم. # ومنهم ms192 خير الدين خضر المعروف ب«العطوفي» كان معلما لعبيد السلطان بايزيد، ثم اختار ~~طريقة الوعظ فصار يفسر أيام الجمع في مساجد القسطنطينية، وكان ماهرا في التفسير، وله اليد ~~الطولى في علمي المعاني والبيان. # ومنهم عبد الحميد بن شرف من أهل قسطموني، قرأ على علماء عصره، ثم رغب في التصوف، وصحب ~~مصلح الدين الطويل من شيوخ النقشبندية، وبعد وفاته اختار طريق الوعظ، وعكف على التفسير، ~~وكان زاهدا في الدنيا. # ومنهم عيسى خليفة من قسطموني أيضا، وكان متصوفا واختار طريق الوعظ وكان لكلامه تأثير في ~~النفوس. # ومنهم المولى شعيب الترابي، جعله السلطان بايزيد معلما لعبيده، ثم اختار طريقة الوعظ، ~~وكان على الفطرة وكان قوي البدن إلى النهاية، وقيل إنه كان في شبابه يكسر نعال الدواب ~~بأصبعيه. # ومنهم محيي الدين محمد الأساسي وكان من العلماء المحدثين والوعاظ وكان الناس تحبه لورعه ~~وتقواه. # ومنهم المولى الطوقاتي من أماسية لم يفارقها إلى أن مات، ومات في أوائل سلطنة سليمان ~~القانوني وكان مشتغلا بالدرس والعبادة منقطعا عن الناس. # ومنهم المولى مصلح الدين موسى بن موسى الأماسي، اشتهر بين الناس ب«حافظ الكتب» لأنه كان ~~قيما على خزانة كتب جامع السلطان بايزيد ببلدة أماسية، قرأ على علماء العجم ثم على علماء ~~العرب وكان صحيح العقيدة، مرضي السيرة، وكانت له اليد الطولى في الفقه والأصول وله تآليف ~~نفيسة. # ومنهم المولى الشهير ب«ابن المعيد الأساسي» وكان فاضلا محققا سالكا مسلك التصوف ~~مقبلا على شأنه. # ومنهم المولى عبد الله خواجه نزيل «قصبة كوبرجك» اشتهر بعلم العربية، والفقه وكان من ~~الصالحين. # ومنهم المولى ابن دده جك وكان مشهورا بالقراءات العشر، مرضي السيرة، زاهدا ~~عابدا. # ومنهم المولى الشهير في علم القراءات صادق خليفة المغنيساوي وكان من القانتين ~~العابدين. # ومنهم المولى محمد بن الحاج حسن وكان عالما، ولكنه لم يكن على نمط العلماء في الزهد ~~وخشونة العيش، بل كان مائلا إلى الزينة والترف، فجعله السلطان سليم من الأمراء وكان بارعا ~~بالإنشاء وله معرفة بالتواريخ. # ومنهم محمد باشا حفيد المولى، «ابن العرف» معلم السلطان بايزيد، وكان ms193 محمد باشا هذا من ~~وزراء السلطان سليم، وكان على جانب من المعرفة بالآداب السلطانية. # ومنهم المولى عيسى باشا بن الوزير إبراهيم باشا، وكان من العلماء، ثم صار موقعا بالديوان ~~العالي، ثم تولى الإمارة في بلاد الشام. # ومنهم المولى الهير ب«تهاني» وبقي مدة حياته يشتغل بالتدريس، ثم ذهب إلى الحج ومات بمكة ~~المكرمة وكان من العلماء الأدباء. # ومنهم المولى حيدر ابن أخي المولى الخيالي، وقرأ على علماء عصره ثم ذهب إلى مصر وأخذ عن ~~علمائها ثم رجع إلى الروم وأقام ببروسة، وتوفي في أواخر سلطنة سليم خان وكان جميل الطلعة، ~~مرضي السيرة، جيد المحاضرة، زينة للمجالس. # ومنهم المولى محمد ابن الحاج حسن، تولى القضاء في عدة من البلاد، وكان حليم الطبع معرضا ~~عن أبناء الزمان مشتغلا بنفسه. # ومنهم محمد بن الكمال المشتهر ب«أخي شلبي» كان أبوه من الأطباء المشهورين وطلبه السلطان ~~محمد ليصير طبيبا عنده فاعتذر وقال: كيف أختار الرق بعد الحرية. وبعد وفاته نبغ ولده محمود ~~في صناعة الطب حتى صار رئيسا للأطباء في المستشفى الذي بناه محمد الفاتح بالقسطنطينية، ثم ~~صار رئيسا للأطباء في زمان ولده السلطان بايزيد، ثم عزله السلطان سليم، ثم أعاده إلى ~~مكانه، ولما تولى سليمان القانوني عزله أيضا، ثم أعاده إلى مكانه، ثم حج بيت الله، ومات ~~بمصر منصرفه من الحج ودفن عند قبر الإمام الشافعي رضي الله عنه. # ومنهم هدهد بدر الدين وكان من الأطباء المعروفين في دار السلطنة. # ومنهم من أكابر الصوفية العارف بالله الشيخ نصوص الطوسي. # ومنهم العارف بالله الشيخ مصلح الدين الإمام بمدينة بروسة. # والعارف بالله محمد الشهير ب«ابن أخي شوروه». # والعارف بالله محيي الدين محمد المعروف ب«أبي شامة». # والعارف بالله الشيخ عبد الرحمن المؤيدي المعروفة ب«حاجي شلبي». # والشيخ محيي الدين محمد بن المولى بهاء الدين أخذ عن العارف بالله محيي الدين ~~الأسكليبي. # والشيخ مصلح الدين مصطفى المنسوب إلى المولى خواجه زاده. # والعارف بالله مصلح الدين مصطفى المعروف ب«ابن المعلم». # والعارف بالله الشيخ نبي خليفة. # والشيخ محيي الدين الأسود، والشيخ لطف ms194 الله. والشيخ أمير على بن أمير حسن. والمولى خضر بك ~~بن المولى أحمد باشا. والشيخ محمود بن عثمان بن علي النقاش المشتهر ب«اللامعي».وسيدي خليفة ~~الأماسي. والشيخ عبد اللطيف من أتباع طريقة الشيخ أبو الوفاء. والحاج رمضان المتوطن في ~~قسطموني. والشيخ سنان الدين الشهير ب«سختة سنان». # سلطنة السلطان الأعظم سليمان القانوني # هذا ثم تولى سلطنة آل عثمان السلطان سليمان خان بن السلطان سليم خان في شوال سنة ~~926. # وأكثر المؤرخين على أن سليمان خان هو أعظم سلاطين آل عثمان، وعلماء الإفرنج يسمونه ~~سليمان العظيم ~~“Le Grand” ~~، أو سليمان الفاخر ~~“Le Magnfque” # وكان عمره ستا وعشرين سنة يوم تولى ~~الملك، وبدأ ملكه بالحلم والعفو، فأطلق سبيل ست مئة أسير مصري، وكان أبوه السلطان سليم ~~قد ضبط لتجار الحرير مقدارا عظيما من متاجرهم، فعوضهم السلطان سليمان مما خسروه. وأخذ ~~على أيدي الولاة الظالمين وأمر بالعدل والإحسان، وجعل هذه الآية القرآنية # إن الله يأمر بالعدل والإحسان # شعاره. # وعقد سليمان معاهدة مع البندقية ليس هنا محل ذكرها، وبموجبها كانت البندقية تؤدي ~~إتاوتين إلى السلطان عن بعض البلاد التي كانت تحت احتلالها، وفي زمن سليمان القانوني ~~ثار الغزالي والي الشام الذي انحاز إلى السلطان سليم في واقعة مرج دابق، فأرسل السلطان ~~سليمان جيشا بقيادة فرهادة باشا، فتغلب عليه وقتله، وغزا سليمان بلاد المجر فأرسل أحمد ~~باشا فحصر «شابانس» وبيري باشا فحصر بلغراد ومحمد ميكان أوغلي فاجتاح «ترانسلفانيا» ~~فاستولى على شاباتس ودخلها السلطان ظاهرا، ثم استولى على بلغراد وعلى سملين وكان نصرا ~~باهرا، ثم فكر السلطان في فتح رودس لأن فرسان رودس كانوا ملئوا البحر المتوسط اعتداء ~~على المسلمين، وكانوا يقطعون الطريق على الحجاج إلى مكة إذا ذهبوا في البحر، ففي 16 ~~يونيو سنة 1522 سار الأسطول العثماني عليه مئة ألف مقاتل وضيق السلطان الحصار على رودس ~~ووالي عليها الهجمات نحوا من شهرين بدون انقطاع، ويقول مؤرخو الإفرنج - وربما كانوا ~~يبالغون في تقدير خسائر العثمانيين: إن هؤلاء فقدوا في حصار رودس مئة ألف مقاتل، منهم ~~أربعون ألفا ماتوا ms195 بالأمراض. إلا أن العثمانيين دخلوا أخيرا رودس عنوة واستولوا عليها ~~وعلى الجزر التي في جوارها، وأخرج السلطان قائد فرسان رودس وكان اسمه ~~“Villiers de I’sile-Adam” # سالما فذهب إلى مالطة ~~وهناك جددوا قوة الفرسان المذكورين، فصاروا يقطعون الطرق على مراكب المسلمين، كما كانوا ~~يفعلون وهم في رودس. # وفي زمن سليمان عصى أحمد باشا والي مصر وحدثته نفسه بالاستغلال فأرسل إليه السلطان ~~جيشا فهزمه، وانتهى الأمر بالقبض عليه فقطعوا رأسه وعلقوه على أسوار القسطنطينية ثم ~~وقع الخلاف بين والي مصر والدفتر دار - أي رئيس الجباية - فأرسل السلطان وزيره إبراهيم ~~باشا وأصله مملوك صار مقربا عند السلطان وبلغ من الحظوة ما لم يبلغه أحد، فإبراهيم ~~باشا عزل العاملين المتخاصمين ورتب الأمور ونصب واليا على مصر سليمان باشا الذي كان ~~واليا على سورية، ثم غزا السلطان بلاد المجر بمئة ألف مقاتل وثلاث مئة مدفع، فنشبت ~~معركة هائلة قاتل فيها الفريقان أشد قتال، وانتهت بظفر السلطان وغرق «لويس الثاني» ملك ~~المجر وهو منهزم هو وجانب من جماعته في مستنقعات «موهاش»، وسقط «بول طوموري» رئيس ~~أساقفة المجر ومعه سبعة مطارين، واثنان وعشرون أميرا وخمسة وعشرون ألف جندي قتلى، وكانت ~~هذه الواقعة في 26 أغسطس سنة 1526، وعلى رواية كانت خسارة المجر مئتي ألف رجل ولم تكن ~~خسائر العثمانيين أكثر من مئة وخمسين رجلا. # وقيل: إنه وقع في أسر الأتراك عشرة آلاف مجري فذبحوهم عن بكرة أبيهم، ودخل الأتراك ~~بودابست قاعدة المملكة، واستولوا على ما فيها من الخزائن والكنوز، وأسروا مئة ألف نسمة ~~من رجال ونساء، ورجع السلطان إلى القسطنطينية بعد أن أجلس على كرسي المجر أمير ~~ترانسلفانيا المسمى «سابوليا» وكان المجر الذين فروا من أمام الترك نادوا بقرديناند أخي ~~الإمبراطور شارلكان ملكا عليهم. وفي أيام سليمان حصلت فتن في بلاد قرامان وكليكيا ~~وثارت البكطاشية، وسارت الجيوش تلو الجيوش، وخسرت الدولة جندا كثيرا إلا أن إبراهيم ~~باشا قمع الفتنة. # وفي زمن سليمان اشتدت العداوة بين فرنسا والإمبراطور شارلكان، وكان الإمبراطور ~~شارلكان أعظم سلطان مسيحي في عصره، إذ كان ms196 يلي ألمانية وإسبانيا وإيطاليا وهولاندا، ~~وكانت له الكلمة العليا في البحر المتوسط فأوشك أن يخنق فرنسا، ولم يبق أمل للفرنسيس ~~إلا بالالتجاء إلى العثمانيين لأن السلطان سليمان لم يكن يجد أمامه قرنا يقاومه في ~~أوروبا غير الإمبراطور شارلكان الذي كانت الوقائع متصلة بينه وبينه على حدود النمسا، ~~فكان من الطبيعي أن فرنسا تتفق مع السلطان العثماني عدو عدوها، ولكن فرنسا المشهورة ~~بكثرة حروبها الصليبية، وبشدة عداوتها للإسلام، لم يكن من السهل عليها أن تحالف ~~العثمانيين بدون أن تكبر هذا الأمر جميع أمم النصرانية والأمة الفرنسية نفسها، غير أن ~~«فرنسيس الأول» الذي كان وقع في أسر شارلكان، مضى في عزيمته في الالتجاء إلى العثمانيين ~~ومد يده لمحالفة السلطان سليمان، وكانت العلاقات الرسمية قد بدأت بين فرنسا والدولة ~~العثمانية في زمن السلطان بايزيد الثاني من جهة ولويس الحادي عشر من جهة أخرى، ثم كتب ~~السلطان بايزيد كتابا إلى «شارلوس الثامن» وفي سنة 1500 كتب السلطان إلى «لويس الثاني ~~عشر» يطلب منه التوسط بينه وبين البندقية. # وكان «فرنسيس الأول» لأول حكمه عرض على إمبراطور ألمانية وعلى فرديناند الكاثوليكي ~~صاحب إسبانيا مشروعا مآله تقسيم السلطنة العثمانية بين ملوك النصرانية، ولكن لم يتم ~~هذا الأمر لأنه لم يكن سهلا عليهم هذا العمل، ثم اتفق أن الحرب وقعت بين الألمان ~~والفرنسيس، وأخذ فيها فرنسيس الأول أسيرا فأرسلت الملكة لويزا دوسافواي بناء على مشورة ~~وزيرها «دوبراه # Duprat ~~» معتمدا بهدايا نفيسة إلى ~~السلطان سليمان، وذلك في 25 فبراير سنة 1525، ثم كتب الملك فرنسيس الأول نفسه كتابا ~~إلى السلطان يخطب صداقته، ولما كان شارلكان قد عرض من جهته الصلح على السلطان واقترح ~~التحالف، ففضل السلطان محالفة الفرنسيس لما كان الأتراك يعلمون من شدة الفرنسيس، ولم ~~يرض الترك وقتئذ بكتابة حلف بالورق وإنما أجاب السلطان على كتاب الملك فرانسيس بكتاب ~~تعالى فيه على ملك فرنسىا، وأظهر له مزيد عظمته، وهذا الكتاب لا يزال مشهورا في ~~التاريخ بعد أن ذكر فيه سليمان جميع ألقابه السلطانية قال لفرنسيس: قد انتهى إلينا ما ms197 ~~قدمته إلينا من العرض عن أن عدوك قد استولى على مملكتك، وأنك الآن في أسره وأنك تلجأ ~~إلينا لأجل إنقاذك وحمايتك، فكل هذا قد عرض على سدتنا السنية ملجأ العالم، وأحاط به ~~علمنا السلطاني وليس غير معهود أن تدور الدائرة على الملوك وأن يقعوا في الأسر، فليكن ~~قلبك ثابتا ولتكن نفسك طيبة ... إلخ ثم وعده خيرا. # ثم إن فرنسيس الأول تخلص من أسره بموجب معاهدة مجريط، ولكنه لم يعدل عن خطته من جهة ~~محالفة السلطان سليمان وكتب إليه يشكره قائلا له: إننا مغتبطون بما نراه من كرم ~~أخلاقك، وما وعدتنا به من المساعدة في حالتنا الحرجة ... إلخ، ثم أخذ فرنسيس الأول يجتهد ~~في إقناع شعبه بأن تقربه إلى العثمانيين يكون وسيلة لنشر نفوذ فرنسا في الشرق، ~~ومحافظتها على المسيحيين الذين هناك، وقد حصل بالفعل على امتيازات عديدة للفرنسيس بموجب ~~الخط الشريف السلطاني المؤرخ في 20 سبتمبر سنة 1528، فإن السلطان سمح للفرنسيس ~~والكتالان أن يجولوا في مصر ويتجروا كما يشاءون، وأنهم في الخصومات التي بينهم يراجعون ~~قناصلهم فيما عدا الدم، إذ يبقى الحكم فيه لقضاء الشرع، وأذن للفرنسيس والكتالان بإنفاذ ~~وصاياهم وأن القناصل يحررون التركات، وغير ذلك من الامتيازات التي تساهل فيها السلطان ~~ليتخذ من فرنسا ردءا ضد ألمانية. # ثم إنه جرى كلام بين فرنسا والسلطان بموجبه يتولى أحد أولاد ملك فرنسا على عرش المجر، ~~وكانت الحرب قد اشتعلت بين المجر والعثمانيين، فكان العثمانيون من جهة ومعهم الأمير ~~«سابوليا الترانسلفاني» المولى من قبلهم على المجر والمجر والنمسويون من جهة أخرى، ~~فانكسر سابوليا ودخل فرديناند أخو شارلكان إلى بودابست، فزحف الجيش الإسلامي بقيادة ~~إبراهيم باشا وكان الجيش مئتين وخمسين ألف مقاتل، فدخل العثمانيون بودابست وأعادوا ~~سابوليا إلى الملك وجاء أمير البغدان وخضع للسلطان، وسار السلطان سليمان في شهر سبتمبر ~~سنة 1529 إلى فيينا يحاصرها ومعه مئة وعشرون ألف مقاتل، وأربع مئة مدفع ولاقاه في نهر ~~الطونة ثمان مئة قلع، ولم يكن في فيينا أكثر من ستة عشر ألف مقاتل، واثنين وسبعين ~~مدفعا، ms198 ولم تكن الأسوار متينة، ولكن خوف الألمان على بلادهم بعث فيهم حمية خارقة ~~للعادة فصدوا هجمات العثمانيين كلها، ويقال إن السلطان خسر في هذا الحصار أربعين ألف ~~جندي، واضطر إلى الرجوع خائبا، وهي أول خيبة عرفتها جيوش سليمان القانوني. # ولما رجع السلطان إلى بودابست توج سابوليا ملكا على المجر، وكان فرديناند أخو ~~شارلكان يسعى في استمالة إبراهيم باشا حتى يقنع السلطان بقبوله ملكا محل سابوليا، فعرض ~~على إبراهيم باشا الرشوة فلم يجبه إلى شيء، وبقيت الحرب تشتعل، وفي سنة 1532 استولى ~~العثمانيون على غون # Guns # بعد حصار شديد، ثم بثوا ~~الغارات في إستيريا من بلاد النمسا وحصلت هناك معارك كانت فيها الحرب سجالا، وجاء أمير ~~البحر «أندري دوريا» المشهور فعاش في بلاد اليونان، واستولى على الحصون التي كان بناها ~~السلطان بايزيد على جوانب خليج ليبانت، ثم حصلت متاركة بين السلطان وبين شارلكان أراد ~~السلطان خلالها أن يتفرغ لمحاربة العجم، وذهب إبراهيم باشا على رأس جيش جرار فاستولى ~~على تبريز، ولكنه عامل الأهالي بالرفق، وزحف السلطان بنفسه واستولى على بغداد ورجع ~~ظافرا بعد أن غاب أربعة أشهر. # وفي ذلك الوقت اشتهر في البحر المتوسط «أندري دوريا» أمير الأساطيل المسيحية ~~وبمقابلته «خير الدين بربروس» أمير الأساطيل الإسلامية، وكان هذا في مبدأ أمره هو وأخوه ~~عروج من متلصصة البحر ثم دخلا في خدمة السلطان محمد الحفصي صاحب تونس، ومن هناك امتدت ~~سلطتهما على سواحل الجزائر، وقتل عروج في حرب بينه وبين الإسبانيول على تلمسان، فانفرد ~~بالأمر أخوه خير الدين وسماه السلطان أمير البحر سنة 1533، وأخذ يعيث في البحر المتوسط، ~~ويغزو سواحل إيطاليا، ثم استولى على تونس فاضطر شارلكان إلى غزو تونس وأخذها عنوة. ~~وأطلق فيها خمسين ألف أسير مسيحي وأعاد سلطانها مولاي الحسين على شرط أن يؤدي له ~~الإتاوة وأن تبقى هناك حامية إسبانيولية. # ثم إن فرنسيس الأول أرسل إلى السلطان سليمان يعرض عليه المحالفة مع معاهدة تجارية، ~~على أن سليمان وفرانسيس يحاربان شارلكان إذا كان شارلكان يمتنع عن إعادة دوقية ميلانو، ~~وجنوة ms199 وبلاد فلاندر إلى فرنسا، وطلب من السلطان سليمان أن يقرضه مليونا من الذهب حتى ~~يقوم بنفقات الحرب اللازمة، وكذلك كان من جملة الاقتراحات أن يغزو خير الدين جزيرة ~~صقلية، ومملكة نابولي وجزيرة سردينية، وكان المتولي لهذه المهمة الوزير الفرنسي ~~«جان دولا فوره # Jean dela Foreat ~~»، فانعقدت معاهدة ~~تتضمن حرية التجارة بين المملكتين العثمانية والفرنسية برا وبحرا، وأن تكون الدعاوى ~~بين الفرنسيس جزائية كانت أو حقوقية متعلقة بقناصل فرنسا، وإذا وقعت جناية من فرنسي فلا ~~يساق كسائر الناس إلى الحبس، بل لا بد أن يساق إلى الباب العالي، وأن تجار الفرنسيس لا ~~يؤدون إلا خمسة في المئة عن بضائعهم وأن الإفرنج من غير الفرنسيس كالإنجليز، والكتلان ~~والصقليين، والجنوية، ممن ليست بينهم وبين الدولة العثمانية معاهدات إذا سافروا تحت ~~العلم الفرنسي يتمتعون بالحقوق التي يتمتع بها الفرنسيس، ولكن برغم الحرية الدينية التي ~~يكفلها السلطان لرعايا فرنسا لا يحق أن يملك الفرنسيس ولا تملك الكنائس اللاتينية ~~عقارات في بلاد الإسلام، وكذلك الفرنسي الذي يتزوج بمسيحية عثمانية تكون أولاده من ~~رعايا السلطان، وتضمن الاتفاق تحالفا عسكريا في الهجوم والدفاع، فالسلطان تعهد ~~بمهاجمة مملكة المجر ومملكة نابولي، والملك فرنسيس تعهد بشن الغارة على بلاد لومبارديا، ~~وجرى الاتفاق على أن المدن الإيطالية التي يستولى عليها الأسطول العثماني يكون للأتراك ~~حق انتهابها وسوق أهلها أسرى، ولكن ملكية هذه المدن تعود إلى ملك فرنسا، ولما انعقدت ~~هذه المعاهدة كانت اليد الطولى في عقدها لإبراهيم باشا الصدر الأعظم، ويقال إنه جعل ~~توقيعه في ذيل هذه المعاهدة باسم «سر عسكر سلطان» فغاظ ذلك السلطان سليمان وأساء فيه ~~الظن، وفي 5 مارس 1536 ذهب إبراهيم باشا إلى السراي بحسب عادته فقبض عليه وخنق وتولى ~~مكانه إياس باشا الأرناءوطي، وكان السلطان سليمان والملك فرنسيس اتفقا على إدخال ~~جمهورية البندقية في هذه المعاهدة، فأبى البنادقة أن يدخلوا في هذا العقد، فغزاهم ~~السلطان بأسطول يبلغ مئة شراع فاجتاح سواحلهم ورجع بعشرة آلاف أسير، واستولى على جزر ~~الأرخبيل اليوناني. # وجاء أمير البحر أندري دوريا قائد ms200 أساطيل شارلكان لينازل الأسطول الإسلامي فدارت ~~الدائرة على أندري دوريا، وذلك في واقعة بريفيزا التي وقعت في سبتمبر 1538، وفي السنة ~~التالية حشد السلطان مئة ألف مقاتل في ألبانيا ناويا شن الغارة على إيطاليا، وجاء خير ~~الدين بربروس بسبعين بارجة حربية، فأنزل عساكره في مدينة أوترانت وانتظر السلطان من ملك ~~فرنسا أن يزحف على شمالي إيطاليا ويرسل أسطوله لمعاونة الأسطول العثماني، فلما انتشر ~~هذا الخبر في الأمم النصرانية قامت له وقعدت ولم يجرأ فرنسيس على الإتيان بحركة، بل ~~اشترط لأجل الهجوم على مملكة بيمون أن يخرج الأتراك من إيطاليا وعقد معاهداته من ~~شارلكان، فلم يقع ذلك عند السلطان سليمان موقعا حسنا لكنه اجتنب أن يخرق عهده لملك ~~فرنسا، واستمرت الحرب بين السلطان وبين شارلكان ومعه البنادقة وكانت الحرب بين السلطان ~~والبنادقة سجالا، إلا أن البنادقة اضطروا أخيرا إلى طلب الصلح وتركوا جميع جزر ~~الأرخبيل الرومي وتخلوا عن دالماسيا ودفعوا غرامة حربية للسلطان ثلاث مئة ألف دوكة، وفي ~~ذلك الوقت مات إياس باشا بالطاعون وكان أرناءوطيا في الأصل من عائلة كاثوليكية وكان ~~ممدوح السيرة، فتولى مكانه لطفي باشا وكان أرناءوطيا أيضا، وكان السلطان أزوجه ~~بشقيقته، واشتعلت الحرب في بلاد المجر بين العثمانيين والنمساويين وثار أمير البغدان ~~متفقا مع النمسا فولى السلطان أخاه مكانه، وفي أثناء هذه الحرب مات سابوليا ملك المجر ~~من قبل السلطان سليمان فتولت الأمر امرأته إيزابيلا، فزحف جيش النمسا لحصار بودابست ~~فاستصرخت الملكة إيزابيلا السلطان سليمان فزحف بنفسه، وجاءوا للسلطان بابن سابوليا وهو ~~طفل عمره سنة، وإذا بالانكشارية دخلوا بغتة إلى بود وتحولت هذه البلدة من بلدة مجرية ~~إلى بلدة إسلامية، فاعتذر السلطان للملكة إيزابيلا بأن مقصده بذلك تأمين بلاد المجر من ~~عائلة النمسا وأنه متى بلغ ابنها رشده يسلمه مدينة بود. # وكان «رنسون # Rincon ~~» سفير فرنسا في القسطنطينية يعمل ~~ليلا ونهارا لأجل بقاء الاتحاد بين فرنسا وتركيا، وكان هذا السفير يلوم مولاه فرانسيس ~~الأول على مهادنته لشارلكان، وفي أثناء ذلك انخدع فرانسيس بسياسة شارلكان وأرسل إلى ~~السلطان سليمان ms201 يطلب منه مصالحة عدوه شارلكان، فاستغرب السلطان هذا الطلب، ولكن رنسون ~~أصلح خطأ سيده فكتب السلطان إلى فرانسيس قائلا له: «إن شارل ملك إسبانيا يلتمس الهدنة ~~بواسطتك، فإذا كان يريد الهدنة وكنت أنت تريد ذلك من قلبك فأنا أشترط عليه بأن يرد لك ~~جميع البلاد والحصون والأراضي التي أخذها منك، فإذا قام بهذا الشرط وأنت أعلمت بابي ~~العالي بذلك فأنا أعمل لك ما تشاء.» # وظهر أن الحق كان مع السلطان سليمان، وأن الإمبراطور شارلكان كان قد خدع ملك فرنسا ثم ~~تجددت الحرب وبعث فرانسيس الأول يلتمس من السلطان تجريد الأسطول العثماني كله لمباشرة ~~الحرب، وكان للسفير رنسون اليد الطولى في ذلك. فأرسل شارلكان من قتل رنسون السفير ~~الفرنسي غيلة بحجة أنه خائن للنصرانية، فكتب فرانسيس الأول ندوة نور نبرغ يشكو عمل ~~شارلكان ويتهمه بأنه زور وثائق لا صحة لها تبرئة لنفسه من ذلك الجرم. # وبلغ السلطان سليمان مقتل رنسون بينما كان في بود فبلغ منه الغضب أنه كاد يقتل سفراء ~~النمسا الذين عنده، ولولا توسط المعتمد الفرنسي «بولين # Boline ~~» الذي أتاه بخبر قتل رنسون لكان السلطان من شدة غضبه قتلهم، ~~وأما سياسة فرانسيس الأول فكان قد ظهر للسلطان أنها سياسة تذبذب وكاد يرغب عن صحبته إلا ~~أن بولين المعتمد الفرنسي التجأ إلى خير الدين بربروس، وكان هذا أصبح مقربا جدا عند ~~السلطان لا سيما بعد أن كسر أسطول شارلكان في بحر الجزائر، وكان بربروس يميل إلى فرنسا، ~~فما زال بالسلطان حتى أقنعه بإرسال الأسطول العثماني نجدة لملك فرنسا على الإمبراطور ~~شارلكان، وذلك سنة 1543، فسار الأسطول العثماني إلى نيس بقيادة خير الدين بربروس وكان ~~مركبا من مئة وعشر بوارج عليها أربعة عشر ألف مقاتل، فانضم إليه أسطول ملك فرنسا ~~بقيادة الكونت «دانغين # d’enghien ~~» وكان مركبا من ~~أربعين بارجة عليها سبعة آلاف مقاتل، فاستولى العثمانيون والفرنسيس على نيس ولكنهم ~~اختلفوا، وقامت قيامة النصرانية على فرانسيس الأول من أجل تحالفه مع المسلين على ~~النصارى، ومن أجل موافقته على إذلال النصرانية في بلادها حتى ms202 قيل: إن الكنائس في سواحل ~~نيس لم تكن تجرأ على قرع أجراسها مدة إقامة الأسطول العثماني أمام نيس. # فتصالح فرانسيس الأول مع شارلكان، ووجه السلطان قوته إلى حرب المجر وفيلكا وسيكلوز ~~وغران ونيوغراد وفيس غراد وفيلكا وغيرها، فأرسل شارلكان وأخوه فرديناند يلتمسان الصلح ~~من السلطان، وكاد السلطان يجنح إلى الصلح لولا مساعي «جبرائيل دارامون # d’Aramonl ~~» سفير فرنسا الذي كان يهون على السلطان أمر شارلكان ~~قائلا له: إنه في المقيم المقعد مع أمراء البروتستانت في ألمانيا. فعاد السلطان سليمان ~~وأجمع على الحرب وقرر الزحف، وكتب بذلك إلى الملك فرانسيس في شهر مايو 1547 فوصل كتاب ~~السلطان إلى فرنسا بعد وفاة فرانسيس الأول فتبدلت الحالة، وجنح السلطان إلى مصالحة ~~شارلكان وانعقدت بينهما متاركة لمدة خمس سنوات، على أن يدفع الأمير فرديناند أخو ~~شارلكان للسلطان العثماني خمسين ألف دوكة كل سنة جزية عن القسم الباقي من بلاد المجر ~~تحت ولايته. # ولما استراح فكر السلطان من جهة أوروبا وجهة نظره إلى آسيا، فاستنجده أمراء الإسلام ~~في الهند على البرتغال وأنجدهم وأرسل فاحتل اليمن، ووقع القتال بين العثمانيين ~~والزيديين، وكتب السلطان إلى إمام صنعاء يعاتبه على قتاله للجيش العثماني ولكن الامام ~~أجابه بجواب سديد قائلا له: إننا نعلم بلاءك العظيم في حفظ بيضة الإسلام ولا نشكو منك، ~~وإنما نشكو من سوء إدارة عمالك، وقد كان الأولى بهم أن يسوقوا هذه القوة على الكفار ~~بدلا من أن يسوقوها على المسلمين الذين هم على كل حال تبعة السلطان. وهذا الكتاب مذكور ~~في تاريخ البرق اليماني. ثم جاء ابن شاه العجم والتجأ إلى السلطان فزحف السلطان إلى ~~تبريز وفتحها بعد أن فتح «وان» ثم فتح جانبا من «كرجستان». # وبينما كان جيشه يتقدم في آسيا إذ تجددت الحرب في بلاد المجر، وذلك أن الملك سابوليا ~~كان أوصى امرأته إيزابيلا بقسيس اسمه «جورج مارتيموزي» فصارت تعمل برأيه، وكان هذا ~~القسيس يشتغل لفصل الملكة إيزابيلا عن السلطان ولتأليفها مع الأمير فرديناند، وأقنعها ~~بأن تترك له «ترانسلفانيا» و«اليانات» وكل ذلك لم يعلم ms203 به السلطان إلا فيما بعد، فلما ~~بلغه الخبر سير ثمانين ألف مقاتل فعبرت نهر الطونة واستولت على ليبيا، واشتدت الوقائع ~~ولكنها انتهت بظفر السلطان، وأرسل أحمد باشا على أثر الواقعة أربعة آلاف أنف من أنوف ~~النمسويين إلى الأستانة ورجعت أطمشوار والبانات إلى حكم الدولة العثمانية، وأخذ ~~العثمانيون البارون «غوندن دورف» أسيرا مع أربعة آلاف مقاتل. # ثم استولى فرسان مالطة على طرابلس الغرب، فأرسل السلطان الأسطول العثماني فطردهم منها ~~وضم تلك البلاد إلى السلطنة العثمانية، وكان هنري الثاني بن فرانسيس الأول لا يقل رغبة ~~عن أبيه في محالفة الدولة العثمانية، وفي سنة 1551 تعهد هنري الثاني للسلطان بتأدية ~~ثلاث مئة ألف قطعة ذهبية بدلا عن مساعدة الأسطول العثماني لفرنسا، ورهن تحت ذلك جانبا ~~من سفنه، واتفقا على أن السلطان ينجده بستين مركبا حربيا وخمسة وعشرين مركبا من ~~مراكب القرصان، وأنه إذا أراد ملك فرنسا أن يستعمل هذه القوة البحرية خارجا عن بحر ~~طوسكانة فعليه أن يؤدي مئة وخمسين ألف ذهب، وتقرر أن جميع السفن التي يغنمها الأسطول ~~العثماني تكون ملكا للسلطان، وأن المدن التي يستولي عليها العثمانيون يصير رجالها ~~وأموالها ملكا أيضا للسلطان، إلا أن المدن نفسها تصير لملك فرنسا. وتقرر أن الأسطول ~~العثماني يكتسح ما شاء من ممالك شارلكان ويسبي بقدر ما يستطيع، وسار الأسطول العثماني ~~بقيادة «طورغوت ريس» وانضم إليه الأسطول الفرنسي بقيادة «البارون لا غارد» فاكتسحا بلاد ~~كالابرة وصقلية واحتلا كورسيكا ودانت لهما جميع المدن التي في تلك السواحل. # إلا أنه لم يلبث الخلف أن وقع بين الحلفاء لأن الفرنسيس اعترضوا على عدم حرمة ~~العثمانيين للدم والدين والمال، فافترق الأسطولان، وغضب السلطان على طوروغوت وأرسل آخر ~~بقيادة بيالي باشا، كان عدده سبعين بارجة حربية، ولكن هذه المرة أيضا لم يقع الوفاق ~~بين أمراء الأسطولين. والفرنسيس يقولون إن قواد الترك لم يكونوا يفكرون إلا في النهب ~~والسبي، وأرسل هنري الثاني إلى سفيره في القسطنطينية يقول له: إني مع الأسف لم أقدر أن ~~أستفيد من عضد الجيش العثماني لي لا ms204 لعدم رغبة السلطان في ذلك، بل لاهتمام قواده ~~بالغنائم دون الاهتمام بتنفيذ إرادة مولاهم. ومن بعد هذه الواقعة تصالح هنري الثاني ملك ~~فرنسا مع فيليب الثاني ملك إسبانيا وملحقاتها، وعادت المحالفة التركية الفرنسية من ذلك ~~التاريخ حبرا على ورق، لا سيما أن السلطنة العثمانية بعد السلطان سليمان بدأت ~~بالتقهقر. # وكان السلطان سليمان في آخر حياته قد اختلف مع أولاده، لأن وزيره الأعظم «رستم باشا» ~~وشى للسلطان على ولده مصطفى، وكان العسكر يحب مصطفى حبا جما لكرمه وشجاعته، وكان ~~العلماء والأدباء يحبونه أيضا لاعتنائه بالعلم والأدب فزين رستم باشا للسلطان أن ابنه ~~يريد أن يخلعه ويجلس مكانه، ووقر ذلك في نفس السلطان، فأمر بقتل ولده مصطفى في مخيمه ~~وهو في الأناضول، وذلك في 21 سبتمبر سنة 1553 وكان مصطفى في بروسة فقتلوه أيضا، وبكت ~~المملكة كلها على مصطفى لما كان له من المنزلة في قلوب الأمة، ولا سيما عند العلماء ~~وعند العساكر - أي رجال السيف والقلم معا - وكان مصطفى شاعرا له أغزال لطيفة نشرها ~~تحت اسم مستعار (مخلصي) وكان له تفسير للقرآن وتعليقات على البخاري وكتب نحوية. ورثاه ~~الشعراء ولم يخشوا والده، وكان لمصطفى أخ اسمه «جهانغير» فمات حزنا على أخيه وثارت ~~العساكر على السلطان وطلبت عزل الصدر الأعظم رستم باشا الذي كان الواشي بالأمير مصطفى، ~~وكان السبب في هذه المأساة التي جرحت القلوب بأجمعها، وكان مرجع كل هذه الدسائس إلى ~~السلطانة خورشتم التي كانت تهيئ العرش للأولاد الذين منها، وكان رستم باشا صهرها وهي ~~التي في الحقيقة قتلت الصدر الأعظم إبراهيم باشا، ثم قتلت الصدر الأعظم أحمد باشا الذي ~~كان قد خلف صهرها في الوزارة، وهي التي قتلت الأمير مصطفى ابن السلطان. # ثم نشبت الحرب من جديد بين العثمانيين والمجر، فزحف خادم علي باشا على بلاد المجر ~~واستولى على عدة من المدن، وقام المجر يقاتلونه وعلى رأسهم الأمير فردينانذ ولكن الدولة ~~اضطرت إلى توقيف الحرب والمتاركة، نظرا لما طرأ من الحوادث في بيت السلطنة، لأن الأمير ~~بايزيد ابن السلطان ثار ms205 على أبيه على أثر دسائس بين الوزراء لا محل لذكرها هنا، فجمع ~~بايزيد عشرين ألف جندي وقاتل بهم عساكر أبيه، فتغلب أبوه عليه وفر بايزيد مع ولده أرخان ~~إلى أماسية، ومن هناك كتب إلى والده يلتمس منه العفو فوقع الكتاب والرسول في يد «لا لا ~~مصطفى باشا» الذي كان عدوا لبايزيد، فأخفى الكتاب عن السلطان، ولما لم يجد بايزيد ~~جوابا من أبيه ذهب ملتجئا إلى شاه العجم، وكان معه اثنا عشر ألف جندي فقبله الشاه ~~طماسب برا وترحيبا في ظاهر الحال، ولكنه وضع نصب عينه استثمار هذه الحادثة بقدر ~~الاستطاعة، وبالاختصار فقد قبض طماسب أربع مئة ألف ذهب وقتل بايزيد مع أولاده الأربعة، ~~وكان لبايزيد طفل في بروسة في سن ثلاث سنوات فقتلوه أيضا. # وكان قد تولى الوزارة علي باشا وكان رجلا حليما كريما يكره الشر، فعقد مع النمسا ~~صلحا في يوليو سنة 1562، وبعد عقد هذا الصلح تفرغ السلطان لمشروعاته البحرية وأجمع غزو ~~مالطة، فسير بيالي باشا قبطان البحر ومعه صالح بك أمير الجزائر وراغوت أمير طرابلس، ~~وكان الأسطول عشرين ألف عسكري في مالطة وبدءوا بحصار قلعة «سنت ايلم # Sainl-Elme ~~» وفي أول يوم من المهاجمة سقط «دراغوت» ~~أمير طرابلس قتيلا ، وبقي الأتراك يضيقون على ذلك الحصن حتى أخذوه عنوه ولكن أدوا عنه ~~ثمنا غاليا جدا. # وكان رئيس فرسان مالطة «بطرس لا فاليت» فأرسل قائد الجيش العثماني مصطفى باشا يعرض ~~عليه الاستسلام، فأجاب بأنه ليس أمامه سوى الدفاع أو الموت، إلا أن الخبر ورد بأن الحرب ~~نشبت من جديد في بلاد المجر، فأقلع العثمانيون عن مالطة، وذلك أنه كان الأمير ~~«فرديناندو» قد مات وخلفه ابنه مكسيمليان، وكان راغبا في الصلح، إلا إن إتيان بن ~~سابوليا ملك المجر من قبل الدولة العثمانية تجاوز حدود النمسا ودخل بلدة «ساتمار» فلم ~~يسع مكسيمليان إلا أن يحشد جيشه ويدخل إلى بلاد المجر، وكان علي باشا الصدر الأعظم قد ~~مات فخلفه «محمد باشا سوقولوفيتش» من بوسنة، وكان راغبا في الحرب فدخلت الجيوش ~~العثمانية في «كرواسية» و«رانسلفانيا» ms206 وجاء السلطان سليمان إلى بلاد المجر، ودخل عليه ~~إتيان بن سابوليا فوعده بأنه لن يفارق المجر قبل أن يوطد له ملكه، فحصر السلطان بنفسه ~~مدينة «سيفيت # Szlgeth ~~» واستولى عليها وامتنعت القلعة ~~وبقي العثمانيون يحاصرونها مدة أربعة أشهر، في أثنائها مات السلطان سليمان فأخفى ~~سوقولوفيتش خبر موته عن الجيش، وكانت وفاة السلطان في 5 سبتمبر 1566، وفي 8 سبتمبر ~~استولى العثمانيون على القلعة وذبحوا كل ما فيها وبقي الصدر الأعظم كاتما موت السلطان ~~عن الجيش يقرأ الأوامر باسمه إلى أن وصل السلطان الجديد من كوتاهية. # ولا شك في أن السلطان سليمان القانوني كان أعظم سلطان أنجبه البيت العثماني، وبرغم ما ~~عابوه من القيادة للسلطانة التي كانت أحظى حظاياه المسماة روكسلان، وبرغم قتله وزيره ~~إبراهيم باشا الذي كان عماد سلطته وقتله أولاده فقد قال المؤرخ «هامر # Hammer ~~» أشهر مؤرخ لسلطنة آل عثمان: إن هذه الأغلاط لا ~~ينبغي أن تنسينا محاسن هذا السلطان الباهرة، التي جعلت من زمانه العصر الأكبر للسلطنة ~~العثمانية، وذلك بعلو همة هذا السلطان، وسعة عقله ومتانة عزمه وشدة بأسه مع محافظته ~~التامة على الشريعة الإسلامية، ومع حبه للنظام والضبط، ومع تثميرة للمملكة وخيراتها ~~ومراعاة الاقتصاد مراعاة لا تخل بشيء من إظهار عظمة الملك والبذخ في مقام البذخ، وكان ~~السلطان سليمان محبا للعلم والعلماء موقرا لهم عارفا بأقدارهم لا يألو جهدا في ~~الإحسان إليهم والاعتناء بشأنهم. # وقال المؤرخ الفرنسي «لا جونكيير # La Jon quiere ~~» إن ~~عصر سليمان القانوني لم يكن له نظير سواء من جهة الفنون والآداب أو من جهة المفاخر ~~الحربية سوى عصر لويس الرابع عشر في فرنسا مع الفرق بأن دور سليمان انتهى كما بدأ في ~~عنجهية الظفر، ولم تكن نهايته إدبارا وبدايته إقبالا، ولم يعهد أن السلطنة العثمانية ~~أنجبت في عصر من الأعصر من أعاظم الرجال بقدر ما أنجبت في عهد السلطان سليمان، فقد نبغ ~~فيها من رجال السياسة إبراهيم باشا ورستم باشا وصقولي باشا. ومن رجال البحر خير الدين ~~بربروس، وورغوت، ودراغوت، وبيالي. ومن قادة الجيوش فرهاد ms207 باشا، وأرسلان باشا، وحمزة ~~باشا، وميكال أوغلي. ومن كتاب السلطنة جلال زاده، ومحمد إيغري عبدي. ومن الفقهاء، أبو ~~السعود أفندي، وابن كمال باشا. # ونبغ في عصره من الشعراء، عبد الباقي الذي كان عند الأتراك كما كان المتنبي عند العرب ~~وحافظ عند الفرس، وكان السلطان سليمان يجل عبد الباقي إجلالا زائدا ويجعله حلية عصره، ~~ولما كان السلطان سليمان نفسه شاعرا فقد بعث إليه بأبيات يلقبه فيها بشاعر آل عثمان. ~~ومن شعراء ذلك الوقت يحيى بك الذي رثى الأمير مصطفى ابن السلطان سليمان ولم يحقد عليه ~~السلطان بسبب ذلك بل خصص له مرتبا، ومن شعراء ذلك العصر فضولي، والرواني، والسامعي، ~~وغيرهم، ومن مآثر السلطان سليمان المعدودة جامع السليمانية الذي لا يوجد بناء أجل ولا ~~أدق منه في أبنية آل عثمان، وكذلك جامع السليمية الذي بني على قبر السلطان سليم الأول، ~~وجوامع محمد وجهانغير في غلطة، وجامع السلطانة الخاصكي. وفي زمانه جرى إصلاح قناة ~~المياه المسماة ب«قناة يوستنيانيوس» في استانبول، وكذلك جدد السلطان سليمان قناة جديدة ~~على الحنايا إلى دار السلطنة، ولو شاء الكاتب أن يحصي جميع مآثر السلطان سليمان مع ~~الأبنية الفخمة والآثار الخالدة لاحتاج إلى كتاب كبير، وهو مع ذلك إنما تخصص بالقوانين ~~حتى أطلق عليه المؤرخون اسم «القانوني» وكان له مزيد الاعتناء برتب العلماء وتوفير ~~الجرايات لهم، وإغنائهم عن الناس، وقد ميزهم في أمور كثيرة وهذا دأب جميع آل ~~عثمان. # وله قوانين كانت في غاية الحكمة لولاها لم تكن السلطنة العثمانية بلغت ما بلغته من ~~السعادة في زمانه، فإن الحروب بينه وبين دول النصرانية وبين دول آسيا أيضا كانت متصلة، ~~وكانت الجيوش تتلو الجيوش والزحوف تتبع الزحوف وجميعها تقدر بمئات الألوف من العساكر، ~~فلو لم تكن البلاد معمورة والنعم موفورة والأرزاق فائضة والخيرات لم يكن يتيسر للسلطان ~~قضاء نصف قرن في الجهاد المستمر وتعبئة الجيوش الجرارة بدون استنزاف حياة المملكة، ~~والحقيقة أن السلطان وجه عناية خاصة إلى مسألة تنظيم المالية وترتيب الخراج بشكل يفي ~~باحتياجات الدولة بدون أن يرهق الرعية، ms208 وبلغت وارادات السلطنة في أيامه نحو من تسعة ~~ملايين وعشرين ألف دوكة، هذا عدا واردات الخزانة الخاصة التي كانت تبلغ أيضا خمسة ~~ملايين دوكة، هذا ولما بلغ سليمان سن الكبر صار قليل الخروج على الديوان وصار الوزراء ~~يستبدون ويسترسلون إلى شهواتهم، وفي هذا أصاب سليمان من الانتقاد ما أصاب عبد الرحمن ~~الناصر الأموي الذي يشبه سليمان في طول مدة حكمه، بل تولى عدة سنوات زيادة على حكم ~~سليمان، ويشبهه في سعة ملكه وعظمة أعماله وتوالي فتوحاته وسعادة الرعية في ظله، ولكنه ~~في آخر الأمر اعتمد على خواصه وأخلد إلى الراحة، فشكا الرعية من عماله وتناولوه باللوم ~~وأشرعوا إليه أسنة الانتقاد، ولكنه لم يمنع هذا أن يكون عبد الرحمن الناصر وسليمان ~~القانوني كل منهما نسيج وحده وأن يكون مفخرة من مفاخر الإسلام الكبرى. # وجاء في «شذرات الذهب» أنه في سنة 974 كما في «النور السافر» أو 975 كما في كتاب ~~«الأعلام» توفي السلطان سليمان خان بن السلطان سليم خان الحادي عشر من ملوك آل عثمان، ~~قال في الأعلام: كان سلطانا سعيدا ملكا أيده الله بنصر الإسلام تأييدا، ولي السلطنة ~~بعد وفاة أبيه السلطان سليم خان في سنة ست وعشرين وتسع مئة، وجلس على تخت السلطنة وما ~~دلي أنف أحد، ولا أريق في ذلك محجمة من دم، ومولده الشريف سنة تسع مئة، واستمر في ~~السلطنة تسعا وأربعين سنة، وهو سلطان غاز في سبيل الله، مجاهد لنصرة دين الله، مرغم ~~أنوف عداه، بلسان سيفه وسنان قناه، كان مؤيدا في حروبه ومغازيه مسددا في آرائه ~~ومغازيه، مسعودا في معانيه ومغانيه، مشهودا في وقائعه ومراميه، أيان سلك ملك وأنى توجه ~~فتح وفتك، وأين سافر سفر وسفك، وصلت سراياه إلى أقصى الشرق والغرب وافتتح البلدان ~~الشاسعة الواسعة بالقهر والحرب، وأخذ الكفار والملاحدة بقوة الطعان والضرب، وكان ~~مجدد دين هذه الأمة المحمدية في القرن العاشر مع الفضل الباهر والعلم الزاهر والأدب ~~الغض الذي يقصر عن شأوه كل أديب وشاعر. إن نظم فعقود الجواهر أو نثر فمنثور الأزاهر، ms209 ~~وإن نطق قلد الأعناق نفائس الدر الفاخر، له ديوان فائق بالتركي وآخر عديم النظير ~~بالفارسي، تتداولهما بلغاء الزمان، وتعجز أن تنسج على منوالهم فضلاء الدوران، وكان ~~رءوفا شفوقا، صادقا صدوقا، إذا قال صدق وإذا قيل له صدق، لا يعرف الغل والخداع، بل ~~يتحاشى عن سوء الطباع، ولا يعرف المكر ولا النفاق ولا مساوئ الأخلاق، بل كان صافي ~~الفؤاد صادق الاعتقاد منور الباطن كامل الإيمان سليم القلب خالص الجنان. # وما تناهيت في بثي محاسنه # إلا وأكثر مما قلت ما أدع # وأطال صاحب الأعلام في ترجمته وترجمة أولاده، وذكر غزواته، فذكر له أربع عشرة غزوة ~~انتصر وفتح في جميعها، وذكر كثيرا من مآثره، فمن ذلك الصدقة الرومية التي هي الآن مادة ~~حياة أهل الحرمين الشريفيين فإنه أضاف إليها من خزائنه الخاصة مبلغا كبيرا، ومنها ~~صدقات الجوالي، ومعناها ما يؤخذ من أهل الذمة في مقابلة استمرارهم في بلاد الإسلام تحت ~~الذمة وعدم جلائهم عنها، وهي من أجل الأموال ولأجل حلها جعلت وظائف للعلماء والصلحاء ~~والمتقاعدين من الكبراء، ومنها أجراء العيون، ومن أعظمها أجرا عين عرفات إلى مكة ~~المشرفة، ومنها بمكة المدارس الأربع، ومنها تكيته ومدرسته العظيمة بمرجة دمشق، إلى غير ~~ذلك مما لا يحصى، فرحمه الله رحمة واسعة. انتهى ملخصا ومن أراد البسط الزائد فيراجع ~~الأعلام. # قلت: كان سليمان القانوني يجمع أحيانا بين الأضداد فإنه قد اشتهر عنه من الرأفة ~~والعفو ما لا خلاف فيه، كما أنه ثبت كونه أمر بقتل أولاده الذين بلغه أنهم كانوا يريدون ~~أن يخلعوه، والملك كما يقال عقيم، فلا تنفع في جانب الاستئثار بالملك رأفة ولا شفقة، ~~وهذا من وجوه الشبه أيضا بين السلطان سليمان القانوني والخليفة عبد الرحمن الناصر ~~الأموي الذي قتل أيضا ابنه، وكان الحامل له على قتله سبب أشبه بالسبب الذي حمل السلطان ~~سليمان على قتل ابنه مصطفى وهو وقوع الناس به، وحوم القلوب عليه واشتهاره بالعلوم ~~والآداب. # هذا وقد رثى السلطان سليم المفتي أبو السعود العمادي الشهير ب«مرثية هي وإن كانت من ~~شعر العلماء ms210 وعلى لهجة الفقهاء فهي لا تخرج عن طبقة الشعر العالي قال: # أصوت صاعقة أم نفخة الصور # فالأرض قد ملئت من نقر ناقور # أم ذاك نعي سليمان الزمان ومن # قضت أوامره في كل مأمور # ومن ومن ملأ الدنيا مهابته # وسخرت كل جبار وتيمور # مجاهد في سبيل الله مجتهد # مؤيد من جناب القدس منصور # وصدق عزم إلى الخيرات منصرف # وحسن لحظ على الألطاف مقصور # ومنها: # يا نفس ما لك في الدنيا مخلفة # من بعد رحلته عن هذه الدور # وكيف تمشين فوق الأرض غافلة # أليس جثمانه فيها بمقبور # يا نفس فاتئدي لا تهلكي أسفا # فأنت منظومة في سلك معذور # وأما العلماء الذين نبغوا في زمان السلطان القانوني، فمنهم المولى خير الدين الذي كان ~~معلما للسلطان وكان قد حصل على حشمة وافرة بسبب جاهه عند السلطان سليمان، ومع ذلك لم ~~يتبدل ما في طبعه من التواضع ولين الجانب. # ومنهم قادري شلبي وتقلب في المناصب العلمية حتى صار قاضيا للعساكر، ثم عزل عن ذلك ~~وتولى الإفتاء بالقسطنطينية. # ومنهم سعد الله بن عيسى وأصله من قسطموني، وتولى القضاء بالقسطنطينية، ثم تولى ~~الإفتاء بها وكان محمود السيرة مرضي الطريقة. # ومنهم الشيخ محمد بن إلياس المشتهر بجوي زاده، تولى القضاء بمصر، ثم صار قاضيا ~~للعسكر المنصور، ثم تولى الإفتاء بالقسطنطينية، ثم تقاعد عن الفتوى وعاد إلى التدريس ~~وكان قوالا بالحق صادقا بالشرع وقال صاحب «الشقائق النعمانية»: إنه كان من محاسن ~~الأيام. # ومنهم المولى محيي الدين محمد بن قطب الدين وكان مدرسا، وما زال يترقى حتى تولى قضاء ~~العساكر، ثم عزل عن القضاء فرجع إلى التدريس ثم ترك التدريس وذهب إلى الحج ورجع وانقطع ~~للعبادة واعتزل الناس. # ومنهم المولى حافظ محمد بن أحمد باشا بن عادل باشا أصله من بردعة، في حدود العجم قرأ ~~في تبريز وفاق أقرانه وبلغ الغاية من العلوم العقلية مع الرسوخ التام في الفقه والتفسير ~~والحديث، ومع الأدب والتاريخ، ولم يكن يفتر عن الكتابة وله تآليف كثيرة وشروح وحواش على ~~كتب السيد الشريف الجرجاني، وله ms211 رسالة اسمها «الهيولي» وله كتاب اسمه «مدينة العلم» ~~جعله ثمانية أقسام، وأورد في كل قسم منها اعتراضات على ثمانية من العلماء المشهورين في ~~الآفاق، كصاحب الهداية وصاحب الكشاف والبيضاوي والتفتازاني، والشريف والجرجاني، ونحوهم، ~~وله رسالة اسمها «نقطة العلم» ورسالة أخرى اسمها «معارك الكتائب» ورسالة أخرى اسمها ~~«السبعة السيارة» وكان بالجملة من أعاظم العلماء. # ومنهم الشيخ محمد التونسي المغوشي، قال عنه الطاشكبري صاحب «الشقائق النعمانية» إنه ~~أجازه، وقال: إنه كان آية من آيات الله الكبرى في العلم والفضل والتحقيق وكان يقرأ ~~القرآن العظيم على السبع القراءات، بل على العشر، وذلك بدون مطالعة كتاب، وكان يحفظ ~~الشرح المطول للتلخيص مع حواشيه للسيد الشريف، ويحفظ شرح المواقف للسيد، وشرح المطالع ~~لقطب الدين الرازي والكشاف، مع حواشي الطيبي، وغير ذلك من الكتب يحفظها بأسرها لم يكن ~~يحتاج إلى كتاب ولا إلى ورقة، بل كان يملي كل شيء من حفظه، وقد يكون شأنه في هذا من ~~خوارق العادة، وفي آخر الأمر استأذن السلطان سليمان في الذهاب إلى مصر فرارا من برد ~~استانبول الذي لم يألفه، وتوفي في مصر. # ومنهم المولى عبد الفتاح بن أحمد بن عادل باشا كان من المدرسين الكبار وتوفي وهو يدرس ~~بمدرسة الوزير إبراهيم باشا في القسطنطينية. # ومنهم المولى علاء الدين علي الأصفهاني وكان أيضا من كبار المدرسين وأصله من بلاد ~~العجم. # ومنهم مصلح الدين المشهور بجاك وأصله من بلاد منتشا، وكان مدرسا ثم انقطع عن التدريس ~~وانقطع للعبادة. # ومنهم شاه قاسم بن الشيخ المخدومي من أهل تبريز لما فتح السلطان سليم تلك البلدة أتى ~~به معه إلى بلاد الروم وكان من الأدباء. # ومنهم قاضي زاده الأردبيلي، وهو من تبريز أيضا، فلما فتحها السلطان سليم أتى به ~~أيضا إلى بلاد الروم، وقد ترجم «تاريخ ابن خلكان» إلى الفارسية وقتل مع الوزير أحمد ~~باشا نائب السلطان سليمان في مصر. # ومنهم محيي الدين محمد الغراباغي قرأ في بلاد العجم ثم أتى إلى بلاد الروم وعاش ~~مدرسا، وله تآليف منها شرح لرسالة «إثبات الواجب» للدواني، ms212 وحواش على شرح «القواية» ~~لصدر الشريعة، وكتاب في المحاضرات اسمه «جالب السرور» وقد تلقى علماء عصره هذه الكتب ~~بالقبول. # ومنهم ابن الشيخ الشبشري وقرأ في بلاد العجم وجاء إلى بلاد الروم، وله قصيدة ~~بالفارسية مقدار ستين بيتا، مصراع كل بيت منها تاريخ لجلوس السلطان سليمان، وكان ~~المصراع الأخير تاريخا لفتح قلعة رودس، وله كتب وحواش على تأليف السيد الجرجاني وأثنى ~~السيد الطاشكو بري عليه في أخلاقه. # ومنهم الشريف العجمي، قرأ في بلاد العجم ثم جاء إلى بلاد الروم وعاش مدرسا ومات وهو ~~مدرس في إزنبق. # ومنهم حسام الدين ابن الطباخ ولد في مدينة غاليبولي وكان من المدرسين وتولى القضاء ثم ~~ترك القضاء والتدريس، وكان عالي الهمة لا يتذلل إلى أرباب الجاه ولا يذكر أحدا ~~بسوء. # ومنهم محمد بن بير محمد باشا الجمالي قرأ على والده ثم على أحمد بن كمال باشا وتولى ~~التدريس بإحدى المدارس الثمان في القسطنطينية ثم صار قاضيا في أدرنة ومات وهو قاض ~~بها. # ومنهم المولى عبد اللطيف من قسطموني، وكان أيضا من أكابر المدرسين ثم استقضي في ~~أدرنة ثم ترك القضاء، وكان على جانب عظيم من الصلاح، همة في آخرته لا في دنياه. # ومنهم المولى بايزيد الشهير ب«نقيضي وكان مدرسا صالحا لا يلتفت إلى الدنيا وكان ~~يرضى من العيش بالقليل. # ومنهم محمد الشهير ب«ابن المعمار» كان مدرسا في أسكوب، ثم جاء مدرسا في إحدى ~~المدارس الثمان بالقسطنطينية، واستقضي في مدينة حلب مرتين، ومات وهو قاض بحلب وكان مرضي ~~السيرة. # ومنهم شمس الدين أحمد المشهور بابن الجصاص صار قاضيا بدمشق ثم صار مدرسا بإحدى ~~المدارس الثمان في القسطنطينية ومات وهو مدرس بها. # ومنهم علاء الدين علي المشهور ب«جرجين» وكان يدرس في المدارس المشهورة ومات وهو يدرس ~~بإحدى المدارس الثمان. # ومنهم سيدي المنتشوي الملقب بالدب وكان من المدرسين. # ومنهم المولى حيدر الملقب بحيدر الأسود كان مدرسا ثم استقضي بمدينة حلب ولم تحمد ~~سيرته في القضاء، فغضب عليه السلطان وعزله فعاش في القسطنطينية، وبنى مسجدا ووقف عليه ~~أوقافا، إلا ms213 أن اشتغاله بأمور الدنيا كان أكثر من اشتغاله بالعلم عفا الله عنه. # ومنهم عبيد الله شلبي بن يعقوب الفناري من جهة الأم، كان قاضيا في مدينة حلب قال ~~صاحب الشقائق: إنه كان حميد الأخلاق إلى الغاية. وكان من الكرم بما لا مزيد عليه، وربما ~~تجاوز حد الكرم إلى الإسراف، وملك أموالا عظيمة وكان ينفقها كلها، وملك عشرة آلاف مجلد ~~من الكتب، وله شرح على البردة الشريفة من أحسن شروحها. # ومنهم حسام الدين حسين الشهير ب«كدك حسين، كان من المدرسين الكبار ومات وهو مدرس في ~~طرابزون وكان من أهل التقوى والصلاح. # ومنهم محمد الشهير ب«ابن القوطاس أصل أبيه من بلاد العجم وجاء إلى الروم وتوفي محمد ~~المذكور وهو يدرس بمدرسة محمود باشا في القسطنطينية. # ومنهم سنان الدين يوسف ابن أخي الآيديني الشهير ب«أخي زاده» قرأ في بلاد العجم، ودرس ~~في بلاد الروم وكان عالما سليم النفس على فطرة الإسلام. # ومنهم المولى جلال الدين القاضي، كان مدرسا ثم صار قاضيا، وكان عالما فاضلا ~~صالحا محمود الطريقة في قضائه. # ومنهم محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عمر الحلبي، كان مدرسا ثم تولى القضاء وكان ~~مشتغلا بنفسه، سليم الطبع خاشعا متواضعا وقد بنى دار التعليم بالقسطنطينية. # ومنهم ابن الكتخدا الكرمياني قرأ في بلاد العجم على العلامة جلال الدين الدواني، ~~وتولى التدريس في الروم ثم صار قاضيا وحمدت سيرته في القضاء. # ومنهم بدر الدين محمود من أولاد الشيخ جلال الدين الرومي، كان مدرسا بإحدى المدارس ~~الثمان وكان صاحب أخلاق كريمة. # ومنهم بدر الدين محمود بن عبيد الله، كان مدرسا في إحدى المدارس الثمان ثم تولى ~~القضاء بحلب، ثم بادرته ومات وهو قاض بها وكان مستقيم الطريقة. # ومنهم إسحاق الأسكوبي كان مدرسا بإحدى المدارس الثمان، ثم استقضي بدمشق ومات وهو قاض ~~بها وكان صدوقا صحيح العقيدة. # ومنهم أبو السعود المشتهر ب«ابن بدر الدين زاده» وكان قاضيا ومن أهل العلم. # ومنهم دلى برادر وكان من المدرسين ثم ترك التدريس وسكن في القسطنطينية بقرب البحر، ~~وبنى مسجدا ms214 ووقف عليه حماما، ثم ارتحل إلى مكة وجاور بها إلى أن مات. # ومنهم جعفر البروسوي المشتهر بنهالي كان مدرسا ثم صار قاضيا في غلطة من القسطنطينية ~~ثم مال إلى العزلة وكان خفيف الروح ظريف الطبع. # ومنهم باشق قاسم وكان من المدرسين وهو من أصحاب اللطائف والنوادر ولكنه كان من ~~الصالحين وقد عمر نحوا من مئة سنة. # ومنهم فخر الدين بن إسرافيل زاده كان من المدرسين ثم صار قاضيا بدمشق أولا وثانيا، ~~وكان له اختصاص بالعلوم العقلية. # ومنهم شمس الدين أحمد بن عبد الله، كان من المدرسين ثم تولى قضاء دمشق ومات وهو قاض ~~بها وكان محمود الطريقة. # ومنهم حسام الدين حسن شلبي القراصوي كان مدرسا بإحدى المدارس الثمان ثم استقضي ~~بالقسطنطينية وكان من العلماء. # ومنهم أمير حسن الرومي كان من المدرسين ومات وهو يدرس بدار الحديث في أدرنة وله حواش ~~على شرح الفرائض للسيد الشريف. # ومنهم محمد الشاه بن شمس الدين اليكاني، كان مدرسا بإحدى المدارس الثمان، ومات وهو ~~مدرس بها وكان مشتغلا بنفسه لا يذكر أحدا بسوء. # ومنهم سليمان الرومي، كان مدرسا ومات وهو مدرس بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة، ~~قال صاحب الشقائق: وكانت وفاته في مجلس خاص بالعلماء عند حضور سلطاننا الأعظم في وليمته ~~المباركة لختن أولاده الكرام وقد سقط مغشيا عليه، فحمل من المجلس إلى خيمة ومات هناك، ~~وكان معرضا عن أبناء الزمان لا يذكر أحدا إلا بخير. يريد بقوله سلطاننا الأعظم ~~السلطان سليمان القانوني. # ومنهم قطب الدين المرزيفوني وكان من المدرسين ومات وهو يدرس في طرايزان، وله تعليقات ~~على «شرح المفتاح» للسيد الشريف. # ومنهم المولى بير أحمد، كان مدرسا ثم استقضي بحلب وكان صحيح العقيدة لا يذكر أحدا ~~بسوء. # ومنهم محمد بن الشيخ محمود المغلوي الوفائي، كان من المدرسين، وكان محبا للطريقة ~~الوفائية، وكان عالما مؤلفا وله حواش على حاشية شرح التجريد للسيد الشريف. # ومنهم أحمد بن حمزة القاضي الشهير ب«عرب شلبي» قرأ في مصر الصحاح الستة من الأحاديث ~~والفقه، والأصول والهندسة والهيئة وجاء إلى القسطنطينية فبنى ms215 له الوزير قاسم باشا مدرسة ~~بقرب مدرسة أبي أيوب الأنصاري فدرس هناك طول حياته. # ومنهم ورق شمس الدين وكان مدرسا بمدرسة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وكان صالحا ~~لا يذكر أحدا بسوء. # ومنهم محمد بن عبد الأول التبريزي، كان والده قاضي الحنفية بتبريز، ورأى المولى جلال ~~الدين الدواني وهو صغير، وحكى أن علماء تبريز كانوا يجلسون بين يدي الدواني مطرقين ~~رءوسهم، وجاء محمد المذكور إلى بلاد الروم فأعطاه السلطان بايزيد مدرسة ثم أعطاه ~~السلطان سليمان مدرسة أيضا، ثم استقضي بحلب ثم بدمشق ثم بالقسطنطينية وكانت له اليد ~~الطولى في العلوم العربية والإنشاء، وكان كثير الاهتمام بالمحسنات اللفظية ولم يكن يذكر ~~أحدا بسوء. # ومنهم محمد بن عبد القادر المشتهر «بالمعلول» كان مدرسا بإحدى المدارس الثمان ثم ~~تولى قضاء مصر، ثم قضاء العسكر، وكان من أصحاب الثروة، بنى دار الفراء في القسطنطينية ~~وغيرها. # ومنهم محمد الشهير ب«مرجا شلبي» كان من مدرسي المدارس الثمان وتولى قضاء دمشق، ثم ~~قضاء أدرنة، ومات وهو قاض بها وكان محمود السيرة. # ومنهم بير محمد بن علاء الدين علي الفناري كان من مدرسي المدارس الثمان، وعلى جانب من ~~العلم والورع. # ومنهم علاء الدين علي بن صالح، كان مدرسا بإحدى المدارس الثمان، ثم استقضي بأدرنة ~~ومات وهو قاض بها، وكانت له يد في الإنشاء وترجم «كليلة ودمنة» إلى التركية ترجمة ~~حسنة. # ومنهم صالح الأسود وكان مدرسا بإحدى المدارس الثمان ومات وهو يدرس بها، وكان عالما ~~صالحا كاسمه. # ومنهم المولى أبو الليث وكان مدرسا بإحدى المدارس الثمان، ثم استقضي بحلب ثم بدمشق، ~~وتوفي وهو قاض بها، وكان فاضلا حسن العقيدة. # ومنهم فخر الدين بن محمد بن يعقوب، وكان مدرسا بإحدى المدارس الثمان فاضلا صاحب ~~أخلاق مات في عنفوان شبابه. # ومنهم مصلح الدين مصطفى الشهير ب«مصدر» درس بإحدى المدارس الثمان، ثم استقضي بمدينة ~~حلب، ثم صار قاضيا بمكة المشرفة واتصل بخدمة العارف بالله السيد علي بن ميمون ~~المغربي. # ومنهم محمد الشهير ب«شيخي شلبي» درس بإحدى المدارس الثمان، ومات وهو يدرس ms216 بها وكان ~~محمود الطريقة لا يذكر أحدا إلا بخير. # ومنهم سنان الدين يوسف الشهير ب«كوبرجك زادة» ودرس بإحدى المدارس الثمان، وبمدرسة ~~أيا صوفيا وأفتى ببلده أماسية وكان مرضي الطريقة. # ومنهم عبد الرحمن المؤيدي المشهور ب«حاجي شلبي» وكان مدرسا بمدرسة أبي أيوب ~~الأنصاري، ثم بإحدى المدارس الثمان وكان عالما بالعلوم العربية وينظم الشعر العربي ~~الحسن ومات وهو شاب. # ومنهم محبي الدين محمد بن عبدار الشهير ب«محمد بك، اتصل بخدمة الفاضل ابن كمال باشا، ~~ثم صار مدرسا بالمدارس المشهورة ثم ظهر اختلال في دماغه ثم برئ منه، فسافر إلى مصر ~~فأسره النصارى واسترده بعض أصدقائه منهم، وفي زمان السلطان سليمان تولى التدريس ثم ~~استقضي بدمشق وكان ماهرا في العلوم العقلية والعلوم الرياضية. # ومنهم مناسترلي شلبي، درس في مناستر، ثم اختار العزلة واشتغل بالعلم والعبادة وكان من ~~الصالحين. # ومنهم الشيخ إبراهيم الحلبي خطيب جامع السلطان الفاتح بالقسطنطينية وكان من حلب وقرأ ~~في مصر، ثم أتى القسطنطينية فصار خطيبا بجامع السلطان محمد، ومات عن تسعين سنة، وكان ~~فقيها أصوليا تقيا نقيا، ملازما لبيته لا يراه أحد إلا في بيته أو في المسجد، ~~وإذا مشى في الطريق يغض بصره عن الناس، ولم يسمع منه ذكر أحد بسوء، وله عدة تصانيف ~~أشهرها كتاب في الفقه سماه ب«ملتقى الأبحر» ومنهم محمد الحسيني الشهير ب«سيرك محيي ~~الدين» كان معلما للأمير محمد بن السلطان سليمان وكان من ذوي السمت الحسن. # ومنهم محيي الدين محمد القوجوي الشهير ب«محيي الدين الأسود» كان معلما للأمير مصطفى ~~بن السلطان سليمان وكان عالما عاملا مستقيم الطريق لا يذكر أحدا بسوء. # ومنهم المولى خير الدين خضر كان معلما للأمير مصطفى بن السلطان سليمان وتوفي وهو معلم ~~له. # ومنهم هداية بن يار علي العجمي، كان من المدرسين بإحدى المدارس الثمان ثم صار قاضيا ~~بمكة ثم ترك القضاء وجاء إلى مصر وتوفي بها، وكانت له مشاركة في العلوم مع الأدب ~~والتواضع. # ومنهم محيي الدين محمد بن حسام الدين، تنقل في المدارس الشهيرة بين بروسة وتيرة ~~وأماسية وشورلو ms217 ومناستر ومغنيسيا وأدرنة، وتولى القضاء بدمشق ثم في أدرنة ثم في ~~القسطنطينية، وكان مطلعا على علم الكلام وله يد في التواريخ والمحاضرات. # ومنهم محيي الدين الآيديني المشتهر ب«أهلجة» وكان من المدرسين، ومات وهو يدرس ~~بسلطانية بروسة، وكان من الصالحين. # ومنهم عبد القادر الشهير ب«عبدي» كان من كبار المدرسين ثم صار قاضيا بمكة ثم في مصر ~~وتوفي وهو قاض بها وكان مرضي السيرة في قضائه. # ومنهم حسام الدين حسين شلبي الفراصوي، وكان مدرسا بإحدى المدارس الثمان وتوفي وهو ~~مدرس بها وكان له نسبة خاصة إلى العلوم العقلية. # ومنهم كمال الدين الشهير ب«كمال شلبي» وكان من المدرسين بإحدى المدارس الثمان، ~~واستقضي بدار السلام بغداد، وتوفي وهو قاض بها، وكان صحيح العقيدة كريم الأخلاق. # ومنهم أمير حسن شلبي وكان مدرسا بإحدى المدارس الثمان، ثم بمدرسة أيا صوفيا وكان من ~~أهل المروءة والفتوة. # ومنهم محمد بن الوزير مصطفى باشا، كان مدرسا بسلطانية بروسة ومات شابا. # ومنهم محيي الدين محمد بن المولى خير الدين معلم السلطان سليمان كان مدرسا بمدرسة ~~الوزير مصطفى باشا بالقسطنطينية ومات شابا. # ومنهم فرج خليفة الفراماني، وكان مدرسا بإحدى المدارس الثمان ومات وهو مدرس ~~بها. # ومنهم شمس الدين أحمد اللازبي المعروف ب«شمس الأصغر» وتنقل في التدريس إلى أن صار ~~بإحدى المدارس الثمان، ثم صار مدربا بمدرسة السلطان سليمان بالقسطنطينية. # ومنهم شمس الدين أحمد البروسوي وكان من المدرسين وتوفي في أوائل أيام السلطان ~~سليمان. # ومنهم عبد الرحمن بن يونس الإمام وكان مختصا بعلم الكلام وقد مات شهيدا. # ومنهم عبد الكريم الويزوي، كان مدرسا وتوفي مفتيا في مغنيسيا. # ومنهم شمس الدين أحمد الشهير ب«القاف» تنقل في المدارس الشهيرة ثم قضى بدمشق، وكان ~~حسن السمت. # ومنهم سعد الدين الأقشهري تنقل في المدارس الشهيرة وأوفى بأماسية ومات وهو مدرس ~~بمدرسة السلطان مراد في بروسة وكان عابدا زاهدا. # ومنهم خير الدين الأصغر ودرس في أسكوب ثم في شورلو، ثم مات وهو يدرس بها. # ومنهم عبد الرحمن المشهور ب«ابن الشيخ» كان مدرسا ثم اعتزل التدريس وانقطع إلى ms218 الله ~~تعالى، وكان لا يذكر أحدا بسوء، وكان يحب لأخيه ما يحب لنفسه هذا مع القناعة والورع، ~~والرضى من العيش بالقليل. # ومنهم حسن القراماني وكان مدرسا ثم استقضي في غلطة ثم في طرابلس، ثم في سلانيك وتوفي ~~بالقسطنطينية، وكان صاحب ثروة مع الخير والدين وحسن السمت في قضائه ولم يكن يذكر أحدا ~~بسوء. # ومنهم محيي الدين الشهير ب«ابن الحكيم» كان قاضيا بالمدينة المنورة صلى الله على ~~ساكنها ومات وهو قاض بها وبنى مدرسة بالقسطنطينية. # ومنهم عبد الحي بن عبد الكريم بن علي بن المؤيد من أماسية، درس ببلده ثم بالقسطنطينية ~~ثم صار قاضيا بعدة من البلاد، ثم اعتزل القضاء ورغب في التصوف وكان محمود ~~الطريقة. # ومنهم سنان الدين يوسف، أصله من قرة سي، كان متصوفا واعظا يجلس للوعظ في جامع ~~الأمير محمد بن السلطان سليمان، وكان عابدا زاهدا تتلألأ أنوار الصلاح من جبينه، ذا ~~شيبة جليلة. # ومنهم بدر الدين محمود الآيديني توفي وهو يدرس بمدرسة محمد باشا في القسطنطينية وكان ~~مشتغلا بالعلم والعبادة. # ومنهم علاء الدين الآيديني وكان مشتغلا بالتدريس مع العبادة . # ومنهم شمس الدين محمد بن عمر بن أمر الله بن الشيخ آق شمس الدين المشهور، وكان معلما ~~للأمير سليم بن السلطان سليمان، وهو الذي تولى السلطنة بعد أبيه وتوفي شمس الدين محمد ~~هذا في سن الشباب. # ومنهم المولى خير الدين من قسطموني وكان مدرسا ثم صار معلما لبعض أبناء السلطان ~~سليمان. # ومنهم المولى بخشي، كان معلما للسلطان سليم بن السلطان سليمان. # ومنهم جعفر المنتشوي وكان معلما للسلطان بايزيد بن السلطان سليمان وكان مشتغلا ~~بنفسه. # ومنهم المولى درويش سبط لامولى سنان باشا، وكان من المدرسين. # ومنهم مصلح الدين بن المنتشوي وكان من المدرسين المعروفين. # ومنهم سعد الله المعروف ب«ابن شيخ شاذيلو» وكان من المدرسين أيضا وعلى الفطرة ~~الإسلامية. # ومنهم عبد الكريم بن عبد الوهاب بن عبد الكريم، وكان عالما صالحا وتوفي ~~شابا. # ومنهم الشريف مير علي البخاري قرأ على علماء عصره في بخارى وسمرقند، ثم جاء إلى بلاد ~~الروم ms219 في زمان السلطان سليمان، وله شرح لطيف على «الفوائد الغيائية» من علم البلاغة ~~للعلامة عضد الدين. # ومنهم حسام الدين حسين النقاش العجمي، من أهل تبريز رأى العلامة الدواني، وكان رجلا ~~من العلماء يقال له غياث الدين منصور يريد أن يباحث الدواني فقال ملك تبريز للعلامة ~~الدواني: يريد غياث الدين يلتزم معك في بعض المباحث؟ فقال الدواني: يتكلم مع الأصحاب ~~ونحن نتشرف باستماع كلامه. ولم يتنزل إلى المباحثة مع غياث الدين ثم إن النقاش العجمي ~~المذكور جاء إلى بلاد الروم ثم جاور بمكة ثم جاء إلى القسطنطينية، وكان شافعي المذهب ~~وكان حافظا للأحاديث والتواريخ وله شرح على البردة الشريفة. # ومنهم مهدي الشيرازي الشهير ب«فكاري» قرأ في شيراز وأتقن علم الكلام والمنطق والحكمة ~~وجاء إلى بلاد الروم وصار مدرسا بمدرسة قلبة، ومات وهو مدرس بها وكانت له تآليف وكان ~~كاتبا بالعربية. # ومنهم المولى سعيي، وكان أديبا بالعربية والفارسية والتركية وتوفي في أوائل سلطنة ~~سليمان خان. # ومنهم المولى قاسم، لازم خدمة العارف بالله ابن الوفاء ثم نصبه السلطان بايزيد معلما ~~لخدامه، وذلك لعلمه وصلاحه، وكان سريع الكتابة وسرعة كتابته لو وصفت لربما لم يصدق ~~السامع. # ومنهم ابن المكحل كان خطيبا بجامع الفاتح بالقسطنطينية وكان بليغا صالحا. # ومنهم محيي الدين بن العرجون وكان حسن الصوت عارفا بالقراءات، وتولى الخطبة بجامع ~~أيا صوفيا. # ومنهم المولى بير محمد، كان ماهرا بالقرآن، وصار خطيبا بجامع السلطان بايزيد ~~بالقسطنطينية. # ومنهم الحكيم سنان الدين يوسف، ومهر في الطب ونصب طبيبا في مارستان أدرن ثم مارستان ~~القسطنطينية، ثم صار طبيا للسلطان سليم خان «الثاني» وهو بعد أمير على طرابزان، ولما ~~تولى السلطنة جعله طبيبا لدار السلطنة ثم جعله السلطان سليمان رئيسا للأطباء، وبقي ~~على ذلك إلى أن توفي سنة إحدى وخمسين وتسع مئة، قال صاحب الشقائق: وسألته عن مدة عمره ~~قبيل موته بشهر أو بشهرين فأخبر أن سنه مئة أو أكثر بسنتين، ومع ذلك لم يتغير عقله، إلا ~~أنه ظهر في يديه رعشة، فسألته عن ذلك فقال: إنها من ضعف ms220 الدماغ. فتعجبت من إخباره عن ~~ضعف الدماغ مع ما له من كمال الإدراك والفهم، وكان طبيبا مباركا، وله احتياط عظيم في ~~معالجاته لقوة صلاحه وكان لا يذكر أحدا بسوء. # ومنهم الحكيم عيسى كان طبيبا لمارستان أدرنة ثم صار طبيبا بدار السلطنة وكان متصفا ~~بكرم الأخلاق مملوءا بالخير من فرقه إلى قدمه. # ومنهم الطبيب عثمان أصله من العجم جاء في زمان السلطان سليم إلى بلاد الروم وصار ~~طبيبا بدار السلطنة وكان خيرا صالحا. # ومنهم يحيى شلبي المعروف ب«أمين زاده» كان أبوه من أمراء الدولة العثمانية، وغلب ~~عليه حب الكمال، واشتغل بالعلم وكان صاحب كمال وجمال، وقرأ على المولى كمال باشا زاده، ~~وعلى المولى شلبي الجمالي، ثم صار معيدا لدرسه ثم صار مدرسا، وأخذ يتنقل في المدارس ~~الشهيرة، ثم صار قاضيا ببغداد ثم صار مدرسا بدار الحديث التي بناها السلطان سليمان ~~بالقسطنطينية، وكان أبعد الناس عن ذكر مساوئ الناس، قال صاحب الشقائق: ولم يسمع منه ~~كلمة فيها رائحة الكذب أصلا ولا كلمة فحش وكان ماهرا في العلوم الأدبية وفي التاريخ ~~والمحاضرة . # ومنهم عبد الكريم القادري الملقب ب«مفتي شيخ» كان متصوفا، جلس في زاوية آيا صوفيا ~~الصغيرة بالقسطنطينية، واشتغل بالإرشاد ونصبه السلطان سليمان مفتيا وظهرت مهارته في ~~الفقه، وكان إذا قعد في الخلوة الأربعينية يرتاض رياضة قوية ويحفر في الأرض كالقبر ~~ويقعد في تللك الحفر، وربما تتعطل حواسه من شدة رياضته، وبعد تمام الأربعين يخرج إلى ~~الناس ويعظهم إلى وقت الخلوة من السنة القابلة، وكان متواضعا خاشعا، يستوي عنده ~~الكبير والصغير. # ومنهم الشيخ محمود شلبي، انتسب إلى العارف بالله السيد أحمد البخاري وتزوج بابنته، ~~وبعد موته قام مقامه، قال صاحب الشقائق: وكنت لا أقدر على النظر إلى وجهه الكريم ~~لانعكاس حياته إلي، وكان يقرأ عنده كتاب المثنوي يؤوله على طريقة الصوفية. # ومنهم الشيخ ييري خليفة الحميدي، وكان من أتباع السيد البخاري زاهدا عابدا منقطعا ~~عن الناس. # ومنهم حاجي خليفة المنشوي كان من طلبة العلم ثم انتسب إلى خدمة الشيخ محمود شلبي الذي ~~ذكرناه، ms221 وحصل عنده التصوف وأكمله وأجاز به بالإرشاد، وكانت له كلمات مؤثرة في القلوب، ~~وكل من جالسه يمتلئ قلبه خشية، ومات وهو مجاور بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة ~~وأزكى التحية. # ومنهم الشيخ بكر خليفة السيماوي، وكان من المتصلين بخدمة الحاج خليفة المذكور وخلفه ~~بعد وفاته وكان مشتغلا بالحقائق، منقطعا عن الخلائق. # ومنهم سنان الدين يوسف الأردييلي وكان من أتباع العارف بالله شلبي خليفة اشتغل ~~بالإرشاد وسكن بزاوية عند جامع آيا صوفيا ومات عن مئة سنة. # ومنهم الشيخ رمضان، وهو من المتصوفة أخذ عن الشيخ قاسم شلبي وجلس مكانه بعد وفاته في ~~زاوية الوزير علي باشا بالقسطنطينية. # ومنهم الشيخ يالي خليفة، كان من خلفاء الشيخ قاسم شلبي، ومات ببلده صونية بعد الخمسين ~~والتسع مئة. # ومنهم مصلح الدين مصطفى الشهير ب«مركز خليفة» وكان من أتباع العارف بالله الشيخ سنبل ~~سنان، صارفا أوقاته للرياضة. # ومنهم الشيخ سنان خليفة من خلفاء الشيخ سليمان خليفة، وكان رجلا أميا إلا أنه كان ~~صاحب أحوال سنية وجذبات عظيمة. # ومنهم مصلح الدين مصطفى الشهير ب «كندر» كان متصوفا، اتصل بالشيخ محيي الدين ~~القوجري، وخلفه بعد وفاته وكان منقطعا عن الناس لا يخرج من بيته إلا ليصلي في ~~مسجده. # ومنهم محيي الدين الإزنيقي، وكان من أتباع محيي الدين الأسكليبي، وكان من الزاهدين، ~~وممن تربى عند الأسكليبي إسكندر دده بن عبد الله، وكان رجلا أميا ببركة التصوف على ~~معارف ذوقية تتحير فيها العقول كما يقال عن سيدي عبد العزيز الدباغ رضي الله ~~عنه. # ومنهم محيي الدين محمد، كان ببلده اشقب في الرومللي وكان من العارفين بالله. # ومنهم الشيخ إدريس، كان من خلفاء شلبي خليفة وتوطن بدمشق. # وكان من خلفاء الشيخ إدريس مريدا اسمه الشيخ داود خليفة وكان عابدا إلا أنه كان ~~يدعي أنه يصاحب المهدي وأن المهدي من جماعته. # ومنهم الشيخ بابا حيدر السمرقندي جاء إلى بلاد الروم وبنى له السلطان سليمان مسجدا ~~في ظاهرة القسطنطنينية وكان خاشعا يستوي عنده الكبير والصغير. # ومنهم صفي الدين الملقب ب«شيخ السراجين» من أماسية. ms222 # ومنهم الشيخ محيي الدين محمد من قرية بقرب أماسية ولم يكن يأكل إلا من زراعة ~~يده. # ومنهم الشيخ عبد الغفار من بلدة مدرني، وكان أبوه منتسبا إلى طريقة الزينية وكان في ~~شبابه تابعا لهوى نفسه، فرأى في منامه أن والده قد ضربه ضربا شديدا ووبخه، فلما أصبح ~~ذهب إلى الشيخ رمضان وتاب على يده وكانت له توبة عظيمة، ومع هذا فقد كان من العلماء ~~والأدباء، قال صاحب الشقائق: وكان من محاسن الأيام. # ومنهم الشيخ إسحاق وكان طبيبا نصرانيا قرأ على المولى لطفي الطوقاني المنطق ~~والعلوم الحكمية واهتدى للإسلام، فترك الطب والحكمة واشتغل بتصانيف الإمام الغزالي، ~~وداوم على العمل بالكتاب والسنة إلا أنه أنكر التصوف لأنه لم يصل إلى أذواقهم. # ومنهم الشيخ أحمد شلبي الأنقروي كان من العلماء، ثم رغب في التصوف ولما بلغ سن ~~الشيخوخة أقام بمدينة أنقرة. # ومنهم السيد الشريف عبد المطلب بن السيد مرتضى، وكان سيدا صحيح النسب وحصل العلم ~~والأدب، ثم رغب في التصوف وصحب الشيخ ابن الوفاء وأجاز له بالإرشاد الشيخ يحيى الطوزاري ~~وزوجه بابنته، إلا أنه لم يؤثر العزلة والخلوة بل بقي يختلط بالناس. # ومنهم الشيخ عبد المؤمن من أتباع السيد علي بن ميمون انقطع في مدينة بروسة، ومن الناس ~~من لم يكن يعتقد به ولكن يقال إنهم كانوا يفترون عليه اتباعا لأغراضهم. # ومنهم الشيخ شجاع الدين إلياس من الطريقة الخلوتية، وكان أميا تغلب عليه ~~الجذبة. # ومنهم الشيخ أحمد بن مركز خليفة، حصل العلم ثم مال إلى التصوف وانتفع به كثير من ~~الناس. # ومنهم نور الدين حمزة الكرمياني، كان من طلبة العلم ثم رغب في التصوف واتصل بسنبل ~~ستان ثم بمحمد بن بهاء الدين وكان مواظبا على آداب الشريعة. # ومنهم تاج الدين إبراهيم الشهير ب«الشيخ الأصغر العريان» وكان منقطعا عن الناس، ~~ساكنا بقرب «مغنيسيا». # ومنهم محيي الدين المعروف ب«إمام فلندر خانة» صحب الشيخ حبيبا القراماني والشيخ ابن ~~الوفاء والسيد أحمد البخاري، وكان عالما ولكن انقطع عن الناس، وكان خطيبا بجامع قلندر ~~خانة قال الطاش كوبري ms223 صاحب الشقائق: سألته عن سنه فقال: مئة أو أقل منها بسنتين. وعاش ~~بعد ذلك مقدار ثمان سنين. # ومنهم مصلح الدين مصطفى من خلفاء السيد أحمد البخاري، كان متوطنا في القسطنطينية في ~~زاويته المسماة ب«ذات الأحجار» منقطعا إلى الله مشتغلا بإصلاح أصحابه. # ومنهم العارف بالله الشيخ على الكازرواني، وكان في أول أمره اتصل بخدمة السيد علي بن ~~ميمون المغربي وكان له اطلاع على الخواطر وأحوال القلوب. # ومنهم أحمد بن مصطفى بن خليل الطاش كوبري صاحب كتاب «الشقائق النعمانية في علماء ~~الدولة العثمانية» ونشأ في أنقرة وكان أبوه من العلماء فاعتنى به، فقرأ على علاء الدين ~~الملقب باليتيم النحو والصرف، وقرأ على عمه وعلى أبيه وعلى خاله وعلى المولى محيي الدين ~~الفناري، وعلى المولى محيي الدين القوجوي، وعلى المولوي محمود ابن قاضي زاده وعلى الشيخ ~~محمد التونسي، وأجازه العلماء الكبار، وتولى التدريس بمدرسة قلندرخانه بالقسطنطنينية، ~~ثم انتقل إلى إحدى المدارس الثمان ثم إلى مدرسة السلطان بايزيد بأدرنة واستقضي في بروسة ~~وتوفي وهو مدرس بإحدى المدارس الثمان بالقسطنطينية، وله كتاب اسمه «المعالم في علم ~~الكلام» وحاشية على «حاشية التجريد» للسيد الشريف، وله كتاب كبير في التاريخ جمع فيه ما ~~ذكره ابن خلكان وأضاف إليه، وقد جمع كتابه الشقائق النعمانية بعد أن أصابه الضرر في ~~عينيه، لأنه بعد أن تولى القضاء كف نظره فصح فيه المثل إذا جاء القضاء عمي ~~البصر. # ومنهم يحيى بن نور الدين الشهير «كوسيج الأمين» وتنقل في المدارس الشهيرة، ولما بنى ~~السلطان سليمان مدرسته بالقسطنطينية وجعلها دار الحديث أعطاه إياها، ثم بلغ السلطان عنه ~~شيء فغضب عليه وعزله فأصابه غم شديد لم يعش بعده كثيرا. # ومنهم محمود الآيديني المعروف ب«خواجه قايني» وكان من كبار المدرسين، وتولى القضاء ~~بحلب ثم بمكة. # ومنهم المولى مصلح الدين وكان مدرسا في المدارس الشهيرة وتولى قضاء بغداد وقضاء حلب ~~واستقضي في أدرنة ثم في القسطنطينية، وأناف عمره على تسعين سنة. # ومنهم مصلح الدين بن شعبان من غاليبولي وكان معلما للأمير مصطفى ابن السلطان سليمان، ~~وكان ms224 لا يقطع أمرا إلا بمشورته، فلما قتل السلطان ابنه عند خروجه من طاعته وقع في هوة ~~الفقر وصبر على نوائب الدهر. # ومنهم المولى محيي الدين الشهير ب«جرجان» وكان يدرس في المدارس الشهيرة، ثم تولى ~~الإفتاء ثم عزل بكائنة خروج الأمير بايزيد بن السلطان سليمان. # ومنهم محمد بن محمد الشهير ب«عرب زاده» وكان مدرسا في إحدى المدارس الثمان وتولى ~~قضاء مصر وسافر إليها بحرا في قلب الشتاء فأصابتهم عاصفة فغرق هو وجماعة من ~~رفاقه. # ومنهم نعمة الله الشهير ب«روشي زاده» وتنقل في المدارس الشهيرة ثم تولى قضاء المدينة ~~المنورة وحمدت سيرته في القضاء، ولكنه كان في لسانه بذاءة يحذره الناس من أجلها. # ومنهم شاه علي شلبي بن قاسم بك وكان من أصحاب الزهد والصلاح. # ومنهم شمس الدين أحمد بن شلبي بن قاسم بك وكان من أصحاب الزهد والصلاح. # ومنهم شمس الدين أحمد بن أبي السعود وكان مدرسا في إحدى المدارس الثمان ثم في مدرسة ~~الأمير محمد بن السلطان سليمان وتوفي وهو مدرس فيها. # ومنهم قورد أحمد شلبي ابن خير الدين معلم السلطان سليم، وكان مدرسا. # ومنهم غرس الدين أحمد، نشأ في حلب ثم قصد دمشق، وأخذ الطب فيها عن رئيس الأطباء ~~المشهور ب«ابن المكي» ثم ارتحل إلى مصر وأخذ العلوم العقلية والرياضيات عن الشيخ ابن ~~عبد الغفار وأخذ علوم الدين عن القاضي زكريا. # ومنهم عبد الباقي بن علاء الدين العربي الحلبي، وكان من المدرسين المشهورين وتقلد ~~القضاء في حلب وفي مكة وفي مصر، وكانت له شهرة عظيمة إلا أنه كان مقبلا على ~~الدنيا. # ومنهم الشيخ عبد الرحمن بن جمال الدين المعروف ب«شيخ زاده» وكان من جلة العلماء ~~وأجازه المفتي أبو السعود. # ومنهم محمد بن المفتي أبي السعود وكان مدرسا وتقلد القضاء في دمشق. # ومنهم المولى صالح بن جلال وكان السلطان سليمان أمره بترجمة بعض الكتب الفارسية ~~فأتمها في قليل من الزمن ثم تولى قضاء حلب، ثم قضاء مصر. # ومنهم محيي الدين الشهير ب«ابن الإمام» وتولى قضاء حلب. # ومنهم الشيخ تاج الدين ms225 إبراهيم بن عبد الله، وكان يدرس بمدرسة سليمان باشا في إزنيق ~~وله تآليف من جملتها رد على ابن كمال باشا. # ومنهم دده خليفة وتولى التدريس ثم الإفتاء، وله تآليف منها حاشية على شرح التفتازاني ~~في الصرف. # السلطان سليم الثاني # هذا وتولى بعد السلطان سليمان الكبير ولده السلطان سليم الثاني، وذلك في أوائل ربيع ~~الأول سنة أربع وسبعين وتسع مئة، وكانت وفاة السلطان سليمان رحمه الله في اليوم الثاني ~~والعشرين من صفر سنة أربع وسبعين وتسع مئة، وجاءوا بجنازته إلى القسطنطينية وكان يوما ~~عظيما، وبقي خبر موته مكتوما خمسين يوما، وجاء في تاريخ سلطنة سليم الثاني: سليم ~~تولى الملك بعد سليمان. # ولما جاء سليم بجنازة أبيه إلى القسطنطينية لم يوزع على الانكشارية العطايا التي ~~اعتاد السلاطين توزيعها عند جلوسهم على عرش السلطنة، فحصلت ثورة صارت تتفاقم وعجز ~~الوزراء عن قمعها، وخاف السلطان على نفسه فاضطر إلى إجابة طلب العساكر، وأنفق جميع ما ~~في الخزانة حتى أسكتهم، وكان سليم الثاني أول سلطان انحرف عن الجادة التي كان يسير ~~عليها آل عثمان، فإنهم كانوا بأجمعهم أبطالا يباشرون القتال بأنفسهم ولا يعرفون للراحة ~~معنى، ولم يكن لهم غرام إلا بالفتواحات وتأييد الإسلام وتحصين ثغور المملكة وقهر عداها، ~~وكانت همم جميعهم سامية لا يعرف منهم نكس ولا وكل، فما بدأ دور التراخي في آل عثمان إلا ~~في زمن سليم الثاني، وكان محبا للدعة والراحة، ملازما للحرم مدمنا لشرب الخمر ~~مسترسلا إلى الشهوات، وفي أيامه ارتفع التحريج عن الخمرة فكاد يعم شربها، وإنما روى ~~صاحب الدر المنظوم أنه قبل موته تاب وكسر أدوات اللهو وأواني الشراب، وكان قد ألقى ~~السلطان سليم بمقاليد الأمر إلى وزيره الصوقلي ولولا الصوقلي لسقطت هيبة السلطنة، ولم ~~يمت سليمان القانوني حتى انعقدت في 17 فبراير سنة 1568 معاهدة بين الدولة العثمانية ~~والمجر، على أن كل فريق يحفظ ما بيده، وأن النمسا تؤدي للدولة ثلاثين ألف دوكة سنويا، ~~وتعرف بسيادة الباب العالي على البغدان والفلاخ وترانسلفانيا، ولم تحصل النمسا على هذا ~~الصلح ms226 إلا بعد أن رشت رجال الباب العالي بأربعين ألف دوكة. # وكان الصوقلي يريد أن يرسل عساكر تستولي على بلاد الفولغا في شمال الروسيا حتى يقطع ~~ما بين الروس وبين آسيا، فسرح جيشا إلى استراخان ولكن لم توفق تلك الغزاة برغم جميع ما ~~بذله الصوقلي من العناية، ولم يساعده خان القريم «دولة غرائي» كما كان ينتظر، وفكر ~~الصوقلي في فتح «ترعة السويس» لتتمكن الدولة العثمانية من البحر الأحمر والبحر الهندي، ~~ولكنه لم يتمكن من إجراء فكرته هذه بسبب توالي الحروب، وفي زمن السلطان سليم الأول كانت ~~الحجاز واليمن دخلتا في طاعة الدولة، ولكن الزيدية لم يلبثوا أن ثاروا على العثمانيين ~~بقيادة الإمام مطهر، وبعد أن دخل الأتراك إلى صنعاء أخرجوهم منها ومن سائر المدن، ولم ~~يبق ترك إلا في زبيد، فأرسلت الدولة سنان باشا الأرناءوطي فتغلب على الزيدية، واعترف ~~الإمام مطهر بسيادة السلطان، وفي زمن سليم الثاني افتتحت الدولة «جزيرة قبرص» ويقال إن ~~الذي رغب السلطان في فتحها رجل يهودي برتغالي اسمه «يوسف ناسي» مدح له خمر قبرص، فجرد ~~عيلها أسطولا وفتحها، وقيل إنه وعد هذا البرتغالي بتوليته قبرص، ولكنه بعد الفتح ~~استحيا من إنجاز ذلك الوعد المدني الذي حمله عليه الشرب، ولكنه أعطى البرتغالي لقب «دوك ~~ناكسوس» وكان الوزير الصوقلي غير مرتاح إلى فتح قبرص يفضل على ذلك مسلمي الأندلس الذين ~~كانوا يثورون المرة بعد الأخرى على الإسبانيول، ويستنجدون آل عثمان، ولكن «لا لا مصطفى ~~باشا» والوزير بيالي وقبطان البحر أرادوا السلطان على فتح قبرص، فساقت الدولة مئة ألف ~~مقاتل إلى تلك الجزيرة، ونزلت العساكر في 1 آب سنة 1570 وحاصر العثمانيون نيكوزيا ~~وأخذوها عنوة، ويقال إنهم قتلوا عشرين ألفا من الأهالي، واستولى الأتراك على ليماسول ~~ولارناكا وامتنعت فاما غوستة وردت هجمات الأتراك، لكنها لم تقدر على المقاومة إلى ~~الآخر، واستولى الترك عليها وقتلوا قائدها برادغادينو الذي أبدى تلك المقاومة الشديدة، ~~ولما وصل خبر قبرص إلى أوروبا اتفقت البندقية والبابا ودولة إسبانيا وفرسان مالطة ~~وجهزوا أسطولا كبير منه سبعون سفينة ms227 إسبانيولية وتسع سفن لفرسان مالطة واثنتا عشرة ~~سفينة للبابا ومئة وأربعون سفينة للبندقية، فتلاقى هذا الأسطول بالأسطول العثماني في 7 ~~أكتوبر سنة 1571، وكان الأسطول العثماني ثلاث مئة سفينة، واشتبك القتال بإزاء جزائر ~~«كور زولاري» على سواحل بلاد الأرناءوط. # ووقعت سفينة قبطان البحر العثماني بين سفينتي الأميرال الإسبانيولي، والأميرال ~~البندقي، فجاءت أربع سفن عثمانية لأجل تخليص أمير البحر العثماني، وفي أثناء المعمعة ~~أصابته رصاصة فسقط وهجم الإسبانيول وقطعوا رأسه ودارت بعد ذلك الدائرة على العثمانيين، ~~فأخذ الأسطول المسيحي منهم مئة وثلاثين سفينة غصبا وأحرقوا أربعا وتسعين وغنموا ثلاث ~~مئة مدفع، وأسروا ثلاثين ألف مقاتل وأنقذوا خمسة عشر ألف أسير مسيحي، ولم ينج من ~~الأسطول الإسلامي إلا أربعون سفينة لأمير الجزائر، وكانت خسائر أسطول النصرانية لا تزيد ~~على خمس عشرة سفينة وثمانية آلاف مقاتل، وبعد هذه المعركة المشهورة بمعركة ليبانت لم ~~تقم للبحرية الإسلامية قائمة تحمد في البحر المتوسط. # ولهذه المعركة قرعت طبول البشائر في جميع العالم المسيحي ولا يزال أهل إيطاليا ~~يحتفلون كل سنة بتذكار هذه الموقعة، ولما بلغ الخبر السلطان امتنع ثلاثة أيام عن الطعام ~~وطرح نفسه على الأرض يستغيث بالله أن يرأف بالإسلام لأن القوة البحرية التي كان أسسها ~~سليم الأول وسليمان القانوني استولى عليها البوار بهذه الكائنة، ولكن الصوقلي بمهاراته ~~لم يلبث أن شرع بتجديد الأسطول العثماني بسرعة خارقة للعادة وعضده في ذلك أمير الجزائر ~~«أولوج علي» وتوجهت عيله إمارة البحر. فبنى العثمانيون مئة وخمسين سفينة حربية، وكان ~~القرار هو أن يبنوا مئة وخمسين سفينة ثانية، فقال قبطان البحر: إنه يصعب على الدولة ~~استحضار كل لوازن هذه السفن، فأجابه الصوقلي الصدر الأعظم بأن السلطنة بمنابع ثروتها ~~تقدر أن تجعل جميع الأسلحة من الفضة وجميع الأشرعة من الأطلس، وهكذا خرج الأسطول ~~العثماني في سنة 1572 بمائتين وخمسين بارجة حربية، فعادت البندقية تحسب للعاقبة حسابا، ~~وفي مارس سنة 1573 ارتضت بالصلح مع الباب العالي وتخلت عن جزيرة قبرص، ودفعت ثلاث مئة ~~ألف دوكة تعويضات ثم طرد العثمانيون الإسبانيول من تونس ms228 واستولوا على هذه البلدة، ~~وامتنع الإسبانيول بحلق الواد إلا إن الدون جوان دوتريش جاء بأسطول إلى تونس ورد مولاي ~~حسن الحفصي إلى الملك، ولم يطل هذا الأمر إذ بعد سنة ونصف جاء سنان باشا ومعه أربعون ~~ألف مقاتل فطرد الحفصي والإسبانيول معا واستولى على قلعة حلق الواد التي كان امتنع ~~الإسبانيول بها. # ثم عصت بلاد البغدان فأرسلت الدولة جيشا خلع أميرها ونصب مكانه رجلا اسمه إيفونيا ~~وفر أمير البغدان السابق إلى الروسيا حيث قتله إيفان ملك الروس، ثم إن إيفونيا نفسه عصى ~~على الدولة وظاهره القوزاق واستولى على برايلا ويندر واكرمن، فزحفت إليه الجنود ~~العثمانية فهزمته ووقع في الأسر واستؤصل القوزاق بأجمعهم، ومات السلطان سليم في 12 ~~ديسمبر 1574، ومع ما كان عليه هذا السلطان من القصور فقد كانت وفاته مصيبة على الدولة، ~~لأنه بعد وفاته سقط الصدر الأعظم الصوقلي وكان رجلا من دهاة الرجال وكان نادر ~~المثال. # وجاء في شذرات الذهب نقلا عن الأعلام أن السلطان سليم الثاني ولد سنة تسع وعشرين ~~وتسع مئة ، وجلس على تخت السلطنة يوم الاثنين لتسع من ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وتسع ~~مئة ومدة سلطته تسع سنوات، وسنه حين تسلطن سنة وأربعون سنة وعمره كله ثلاث وخمسون سنة، ~~وكان سلطانا كريما رءوفا بالرعية رحيما عفوا عن الجرائم حليما محبا للعلماء ~~والصلحاء محسنا إلى المشايخ والفقراء طالما طافت بكفيه الآمال واعتمرت، وصدع بأوامره ~~الليالي والأيام فأثمرت، وكم أظهرت لسواد الكفرة يد صارمه البيضاء آية للناظرين، وكم ~~جهز جيوشا للجهاد في سبيل الله فقطع دابر القوم الكافرين. # فمن أكبر غزواته فتح جزيرة قبرص بسيف الجهاد ومنها فتح تونس المغرب وحلق الواد ومنها ~~فتح ممالك اليمن واسترجاعها من العصاة، ومن خيراته تضعيف صدقه الحب على أهل الحرمين، ~~والأمر ببناء المسجد الحرام وتولى بعده ولده السلطان مراد تاريخ جلوسه. # بالبخت فوق التخت أصبح جالسا # ملك به رحم الإله عباده # وبه سرير الملك سر فأرخوا # حاز الزمان من السرور مراده # ا.ه. وهو من نظم الشاعر «مامية» الرومي # وفي زمان ms229 السلطان سليم الثاني نبغ من العلماء الشيخ محيي الدين المشتهر ب«حكم شلبي» ~~وكان من الأطباء. # وعلاء الدين المنوغادي وكان من المدرسين الكبار وتولى قضاء بغداد. # والمولى شمس الدين أحمد بن أخي القراماني، وكان أيضا مدرسا ثم تولى قضاء المدينة ~~المنورة. # ويعقوب الشهير ب«جالق» وكان مدرسا أجيرا بإحدى المدارس الثمان ثم تولى قضاء ~~بغداد. # وتاج الدين إبراهيم وقضى حياته في التدريس وكان في المدرسة التي بناها السلطان سليمان ~~في دمشق. # ومحمد بن عبد الوهاب بن عبد الكريم، وأخذ عن أبي السعود المفتي، وعن كمال باشا زاده ~~وتولى قضاء حلب ثم قضاء الشام ثم قضاء مصر، ثم صار قاضيا بالعسكر المنصور، ثم اختلف مع ~~الوزير الكبير فاعتزل، وكان من الأجواد الكبار فوق علمه وفضله، ولما جمع المولى محيي ~~الدين سباهي زاده حواشيه التي علقها على حاشية التجريد للسيد الشريف صدرها باسمه، ~~فأعطاه مئة دينار، ويقال إنه حصل له من قضائه بالعسكر سبعون ألف دينار أنفقها كلها، ~~ومات وعليه أربعة آلاف دينار. وكانت له مقالات على منوال مقامات الحريري وعلق حواشي على ~~حاشية الدواني للتجريد وله شعر عربي بديع. # ومنهم السيد حسن بن سنان خدم المفتي أبا السعود ودرس في المدارس الشهيرة ثم تقلد قضاء ~~حلب ثم انتقل إلى مكة وحمد أهل الحجاز قضاءه. # ومنهم مصلح الدين داود زاده وتنقل في المدارس حتى صار إلى إحدى المدارس الثمان، ثم ~~إلى مدرسة سليم خان، ثم تقلد قضاء المدينة، ولما دخل الحرم الشريف أعتق مماليكه ومات ~~بالمدينة ودفن بالبقيع. # ومنهم المولى محمود معلم الوزير الكبير محمد باشا، وتنقل في المدارس، ثم تولى قضاء ~~القاهرة وحمد الناس قضاءه. # ومنهم مصلح الدين الشهير ب«معلم السلطان» جبانكير ابن السلطان سليمان وكان من ~~العلماء العالمين. # ومنهم محيي الدين الشهير ب«ابن النجار» نشأ في أسكوب من الرومللي وتولي التدريس مدة ~~طويلة ثم تولى قضاء بغداد، وكان فاضلا أديبا وله نظم بالتركي والعربي. # ومنهم عبد الرحمن المعروف بالدارزادة، كان مدرسا في ديموطقة ثم في القسطنطينية وتولى ~~قضاء المدينة المنورة وقضاء حلب. ms230 # ومنهم مصلح الدين بستان، وكان مدرسا في إحدى المدارس الثمان، ثم تولى قضاء بروسة ثم ~~قضاء أدرنة ثم قضاء القسطنطينية ثم قضاء العسكر المنصور، وكان من فحول العلماء وله ~~تآليف قيمة. # ومنهم مصلح الدين الشهير ب«كوجك بتان» وكان من كبار المدرسين وأفتى في بلاد ~~مغنيسيا. # ومنهم المولى عبد الله الشهير ب«غزالي زاده» وهو من ذرية الإمام الغزالي وكان ~~منسوبا إلى الوزير الكبير رستم باشا، وولاه القضاء في قصبة أبي أيوب الأنصاري مع قصبة ~~غلطة، فلما عزل رستم باشا عزل هو أيضا معه وكان محمود الطريقة. # ومنهم المولى جعفر ابن عم المفتي أبي السعود كان مدرسا ثم تولى قضاء دمشق ثم قضاء ~~العسكر في الأناضول وكان عالما عابدا. # ومنهم شاه محمد بن حزم وهو من ذرية جلال الدين صاحب المثنوي، وكان من أكابر المدرسين ~~وتقلد قضاء القاهرة ثم قضاء القسطنطينية، وكان من فحول العلماء، إلا أنه كان معجبا ~~مستبدا صعب المقادة، وله حواش على كتاب الإصلاح والإيضاح لكمال باشا زاده وحاشية على ~~حاشية التجريد للسيد الشريف. # ومنهم أحمد بن عبد الله المشتهر ب«الغوري» ودرس بمدرسة السلطان بايزيد في دمشق وكان ~~عالما أديبا له رسالة في علم الخط. # ومنهم المولى يحيى بن عمر من أماسية، وكان من المدرسين العظام وبلغ السلطان عنه شيء ~~فعزله عن التدريس فانقطع عن الوزراء، واتخذ مسكنا في بشكطاش من القسطنيطينية، وبنى ~~أيضا مدارس ومسجدا وكان يطعم الفقراء، وكان الناس يعتقدون في الولاية، ولما مات صلى ~~عليه المفتي أبو السعود وكانت له جنازة عظيمة. # ومنهم أحمد بن محمد بن حسن الصامسوني، وقضى حياته في التدريس وتولى مرة قضاء حلب ~~وحمده الناس في قضائه. # ومنهم المولى عطاء الله معلم السلطان سليم الثاني، وكان يعلمه عندما كان أميرا على ~~مغنيسيا، فلما جلس على كرسي السلطنة حظي عنده وصار يشاوره وصار يقدم رجاله، وربما قدم ~~غير المستحق على المستحق فخاض الناس في عرضه ونسبوه إلى التعصب، ولما مات كانت له جنازة ~~حافلة وصلى عليه المفتي أبو السعود ونزل السلطان إلى الباب ms231 العالي بنفسه. # ومنهم الشيخ رمضان وكان خطيبا في جامع أحمد باشا في جورلو وتوفي هناك وكانت له تآليف ~~وحواش. # ومنهم بير أحمد المشهور ب«ليث زاده» كان أبوه قاضيا في مصر وقضى حياته في ~~التدريس. # ومنهم المولى سنان وكان أيضا من المدرسين المعروفين، ومن مزاياه أنه كان يسعى في ~~مصالح الناس مقصدا لذوي الحوائج. # ومنهم علاء الدين علي بن محمد المعروف ب«حناوي زاده» وكان مدرسا في إحدى المدارس ~~الثمان، ولما بنى السلطان سليمان المدرستين اللتين بناهما غربي جامعه الكبير أعطاه ~~إحداهما ثم تولى القضاء في دمشق ثم في بروسة ثم في أدرنة، ثم في القسطنطينية ثم صار ~~قاضي العساكر، وكان من فحول العلماء، وقد جمع الأدب إلى العلم وله بدائع النظم، وله كتب ~~كثيرة. # ومنهم الشيخ يعقوب الكرماني وكان أبوه من الجند، ولكنه رغب في العلم والعبادة. # ومنهم محمد بن خضر شاه المعروف ب«ابن الحاج حسن» وكان مدرسا شهيرا ثم تقلد قضاة ~~المدينة المنورة ثم قضاء مكة المشرفة. # ومنهم مصلح الدين اللاري نسبة إلى اللار بالراء المهملة، وهي مملكة بين الهند وشيراز، ~~جاء من بلاده إلى القسطنطينية ثم خرج إلى ديار بكر وآمد ومات هناك، وله تآليف وحواش على ~~الكتب المشهورة، وأراد معارضة المفتي أبي السعود في قصيدته الميمية فقصر عنه. # ومنهم الشيخ أبو سعيد بن الشيخ صنع الله، أصله من بلاد تبريز وكان من المرشدين، ومن ~~الأجواد، وكانت له كلمة نافذة عند الملوك. # ومنهم شمس الدين أحمد بن مصلح الدين المشتهر بمعلم زاده يقال إنه من ذرية إبراهيم ~~أدهم رضى الله عنه، وكان مدرسا ثم تولى القضاء، وما زال يرقى في القضاء حتى تولى قضاء ~~عسكر الرومللي. قال صاحب العقد المنظوم في ذكر أفاضل الروم: إنه كان مجبولا على اللطف ~~والكرم غير أن فيه طمعا زائدا وحرصا وافرا سامحه الله أولا وآخرا. # ومنهم الشيخ بالي الخلوتي المعروف ب«سكران»، وتعاطى أول أمره التدريس ثم تبع الطريقة ~~الصوفية فترك التدرييس والإفادة وعكف على الزهد والعبادة. # ومنهم علي بن عبد العزيز المشتهر ب«أم ms232 الولد زاده» وكان مدرسا كبيرا، ولكنه لم يكن ~~له حظ فعانى كثيرا من الفقر ونكبات الدهر، ثم تولى قضاء حلب ولم يكد يتولاه حتى مات، ~~وعارض المفتي أبا السعود في قصيدته الميمية لأنه كان ضاربا بسهم في الأدب متمكنا من ~~لغة العرب. # ومنهم الشيخ محيي الدين بركيلو وكان عالما عادلا قوالا بالحق لا يهاب الحكام ~~والأمراء وربما وبخهم في وجوههم. # ومنهم محيي الدين فكساري زاده، وكان مدرسا وكان في قول الحق صارما. # ومنهم عبد الكريم بن محمد بن أبي السعود، وتولى قضاء القسطنطينية ثم قضاء العسكر، ~~وكان من أفذاذ العلماء، وتوفي وما بلغ عمره الثلاثين سنة. # وأما أبو السعود أفندي المفتي بن مصطفى العمادي الشهير فإنه كان حسنة زمان السلطان ~~سليمان، وكان منه بمقام القاضي أبي يوسف من هارون الرشيد والقاضي الفاضل من صلاح الدين ~~يوسف والقاضي منذر بن سعيد البلوطي من عبد الرحمن الناصر الأموي، ولم تطر شهرة أحد من ~~شيوخ الإسلام في دولة آل عثمان مطار شهرته، ولد رحمه الله سنة ثمان وتسعين وثمان مئة ~~بقرية قريبة من القسطنطينية من خواص أوقاف الزاوية التي كان السلطان بايزيد خان قد ~~بناها للمولى محيي الدين العمادي والد أبي السعود، وقرأ المولى أبو السعود على والده ~~وعلى الشيخ عبد الرحمن المشتهر ب«شيخ زاده» وبدأ أبو السعود أفندي بالتدريس يتنقل من ~~مدرسة إلى مدرسة حتى انتهى إلى إحدى المدارس الثمان ولما فارقها ودعها بأبيان منها: # دنا النأي عن نجد فأصبحت قائلا # وداعا لمن قد حل هذي المنازلا # فيا حبذا تيك المعالم والربي # بها كل من تهوي وما كنت آملا # نسيم الصبا عرج عليها ونادها # سقتك الغوادي وابلا ثم وابلا # نأت عنك داري لا قلى وسآمة # بلى فعل التقدير ما كان فاعلا # ولن تبرح الأشواق تزداد في الحشا # إلى أن أرى أمرا من الدهر هائلا # وتقلد قضاء بروسة ثم قضاء القسطنطينية، ثم قضاء العسكر في الرومللي قال صاحب الدر ~~المنظوم: ولما انتقل المولى سعد بن عيسى بن أمير خان إلى رحمة ربه اضطرب ms233 أمر الفتوى ~~وانتقل من يد إلى يد، ولم يثبت سقف بيته على عمد حتى تسلم أبو السعود أفندي زمام ~~الإفتاء، وذلك سنة اثنتين وخمسين وتسع مئة، وبقي في عهدته نحوا من ثلاثين سنة، وكتب ~~الجواب مرارا في يوم واحد ثم قال صاحب الدر المنظوم: «وسارت أجوبته في جميع العلوم ~~مسير النجوم.» وكانت وفاة أبي السعود في أوائل جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين وتسع ~~مئة وصلى عليه المولى سنان محشي «تفسير البيضاوي» ودفن في جوار أبي أيوب الأنصاري ثم ~~قال صاحب الدر المنظوم: «إنه تفرد في ميدان فضله فلم يجاره أحد، وضاقت عن إحاطته صدور ~~الحصر والحد، ما صارع أحدا إلا صرعه، وما صمم شيئا إلا قطعه وانقطع عن القرين، ولم ~~يبق من يعارضه ويكابده، وقد وصل تلاميذه وأصحابه إلى المناصب السمية والمراتب السنية، ~~فكان لا يضيع منه كلام ولا يفوت له مرام، وقد عاقه الدرس والفتوى والاشتغال بما هو أهم ~~وأقوى عن التفرغ للتصنيف، سوى أنه اختلس فرصا وصرفها إلى التفسير الشريف، وقد أتى فيه ~~بما لم تسمح به الأذهان ولم تقرع به الآذان، وسماه ب«إرشاد العقل السليم إلى مزايا ~~الكتاب الكريم» ولما وصل منه إلى آخر سورة ص ورد التقاضي من طرف السلطان سليمان خان، ~~وظهر كمال الرغبة والانتظار فلم يمكن التوقف والفرار، فبيض الموجود وأرسله بصهره المولى ~~محمد المشتهر بابن المعلول فقابله السلطان بحسن القبول، وأنعم عليه بما أنعم وزاد في ~~وظيفته كل يوم خمس مئة درهم، وبعد ذلك تيسر له الختام ورتبه بالكمال والتمام وأرسله إلى ~~السلطان ثانيا بعد إتمامه، فقابله السلطان بمزيد لطفه وإنعامه وزاد في وظيفته مئة ~~أخرى. وكان يمنعه عن الإكثار من التأليف تواتر الفتوى من الآفاق، ومن شمائله أنه كان ذا ~~مهابة عظيمة، فلا يقع في مجالسه أخذ ورد، ولكنه كان كثير المداراة للناس مائلا إلى ~~مداهنة رجال الحكومة، وكان طويل القد خفيف العارضين، غير متكالف في اللباس والطعام. ~~انتهى بتصرف وله من النظم القصيدة الميمية المشهورة. # أبعد سليمى مطلب ومرام # وغير هواها ms234 لوعة وغرام # وفوق حماها ملجأ ومثابة # ودون ذراها موقف ومقام # وهيهات أن يثنى إلى غير بابها # عنان المطايا أو يشد حزام # هي الغاية القصوى فإن فات نيلها # فكل منى الدنيا علي حرام # سلا النفس عنها وأطمأنت بنأيها # سلو رضيع قد عراه فطام # وهي تسعون بيتا شرحها كثير من العلماء وله مشيرا إلى تعلق الإنسان بالعالم الجسماني ~~قصيدة مطلعها: # طال الثواء بدارة الهجران # مثوى الكروب قرارة الأشجان # ومنها: # حتى م ترتع في مراتع غفلة # وإلى م تسلك مسلك الخسران # فكان قلبك في جناحي طائر # بادي التقلب دائم الخفقان # ما زلت تبغي مطلبا عن مطلب # وتحل في مغني عقيب مغاني # أوما كفى ما قد بلغت من المنى # قد كان ما في حيز الإمكان # ألقى الزمان إليك حبل قياده # مع ما به من شدة وحران # لو أنت تملك كل ما قدر رمته # قأعلم بأن جميع ذلك فاني # سر في فضاء العالم العلوي كم # هذا الجثوم بعالم الجثمان # قد آن من شمس الحياة طلوعها # من حضرة الأشباح والأبدان # ووجاءه كتاب من شريف مكة، فأجابه بجواب فيه ما يأتي: # وخريدة برزت لنا من خدرها # كالبدر يبدو من خلال غمام # عربية فتنكرت وازينت # بملابس الأعجام والأروام # طوبى لمن رزق الوقوف ببابها # فهو المرام وأي أي مرام # باب إليه تشوقي وتوجهي # حرم عليه تحيتي وسلامي # ياليت شعري هل أفوز بزورة # يوما وقد ضربت هناك خيامي # السلطان مراد الثالث # وتولى بعد سليم الثاني ابنه مراد الثالث، وكان محبا للعلم والأدب إلا أنه استولى ~~عليه شهوتان، إحداهما حب المال والثانية حب الجمال، وأفرط في معاشرة النساء إلى الحد ~~الذي أضر بعقله، ولكنه أصدر أمرا قاطعا بمنع الخمر، فثار به الانكشارية والسباهية حتى ~~اضطروه إلى إلغاء هذا الأمر فانعكس المثل وصار اليوم أمر وغدا خمر، وفي زمانه خرقت ~~النمسا الصلح فسارت العساكر العثمانية وهزموا جنودها، وقتل «هربرت بارون اوسبرغ» في ~~المعركة وأرسل رأسه إلى القسطنطينية فطلبت النمسا الصلح، ولكن العثمانيين لم يزالوا ~~يشنون الغارات على استيريا وكارنيتا فاضطر النمسويون إلى ms235 القتال، وفي ذلك الزمان صار ~~«اتيان باتوري» ملكا على بولونيا فاتفق مع البابا ومع إمبرطور ألمانيا على حرب صليبية ~~يصلونها الأتراك، وبدأت المذاكرة في كيفية تقسيم السلطنة العثمانية، وقد سبق لنا في ~~حواشي «حاضر العالم الإسلامي» أن الممالك الأوروبية في مدة ست مئة سنة قررت تقسيم ~~السلطنة العثمانية وبلاد الإسلام مئة مرة، ذكرنا كل واحدة منها وكيفية المذاكرات التي ~~جرت بها فمن شاء فليراجع ذلك هناك. # وقد كانت عزيمة إتيان باتوري هذا من أهم هذه العزائم النصرانية بحق دولة آل عثمان، ~~وكان يريد أيضا استئصال إمارة موسكو ولكنه مات قبل أن يضع عزيمته هذه موضع الإجراء، ~~وفي مدة مراد الثالث ضعفت قوة الصدر الأعظم الصوقلي، وتغلب عليه رقباؤه وتمكنوا من عزل ~~حواشيه والمنسوبين إليه، وما زالو يقصون من أجنحته إلى أن أرسلوا من قتله سنة 1579 ~~فعقدت الدولة بفقده رأسها المفكر وعقلها المدبر. # وكان شاه العجم طهماسب قد مات مسموما وخلفه ابنه حيدر فقتل في يوم مبايعته، وتولى ~~أخوه إسماعيل فاستقر في الملك ثمانية عشر شهرا، فانتهز العثمانيون الفرصة وشنوا الغارة ~~على أطراف العجم واستولو على بلاد كرجستان كلها وقسموها إلى أربع ولايات، فتولى أزدمير ~~عثمان باشا ولاية شيروان، وتولى محمد باشا تفليس، وحيدر باشا صخوم، وتولى ابن اللاوند ~~على كرجستان، فوقعت المعارك بين الفريقين، وكانت الحرب سجالا بينهم إلا أن أزدمير ~~عثمان باشا في الداغستان كان دائما مظفرا فأتم فتح داغستان وكر على الروس. # ولما كان خان القريم تخلف عن مساعدة الدولة أراد أن يقاتله، فزحف محمد غرائي خان ~~القريم بأربعين ألف فارس، وكاد يوقع بأزدمير عثمان باشا إلا أن إسلام غرائي أخا محمد ~~تولى القريم من قبل السلطان، فزحف على أخيه فتفرق عن محمد غرائي جميع جنده وقتل، فلما ~~رجع أزدير عثمان باشا إلى القسطنطينية دخل بأبهة عظيمة لم تحصل لقائد قبله، وتولى ~~الوزارة العظمى مع قيادة الجيش الزاحف لحرب العجم، ثم إنه سار بمئة وستين ألف مقاتل إلى ~~تبريز وهزم العجم، ودخل تلك البلدة، ولكن ساءت صحته ms236 فتعطلت الحركات العسكرية، وظفر حمزة ~~مرزا قائد العجم بالعثمانيين، وفي أثناء ذلك مات عثمان باشا وتقهقر الجيش العثماني، ~~ورجع العجم فحصروا تبريز وحملوا عليها خمسة عشر حملة وأصلوها ثمانية وأربعين معركة ~~ولكنهم لم يقدروا عليها، وأرسلت الدولة فرهاد باشا لنجدتها، وفي هيعة ذلك اغتيل القائد ~~حمزة مرزا وظفر فرهاد باشا ظفرا عظيما بالإيرانيين، فاضطر الشاه عباس إلى طلب الصلح، ~~فانعدقت المعاهدة على أن تبقى كرجستان وشيروان ولورستان وتبريز وقسم من أذربيجان للدولة ~~العثمانية، وفي زمن مراد الثالث اضطربت المملكة بكثرة الفتن، وظهرت علامات اختلال ~~الإدارة، فثار الانكشارية في استانبول لأنهم أرادوا أن يؤدوا إليهم راتبهم بمعاملة ورق ~~رقيق لم يرتضوا بها فهجموا على قصر السلطان. # وفي مصر ثار الجند على أويس باشا الوالي وفي تبريز خرج الجند أيضا عن الطاعة، فذبح ~~منهم جعفر باشا ألفا وثمان مئة، وفي بود عاصمة المجر انتفض الجند بسبب تأخر أرزاقهم ~~وقتلوا الوالي، وما زال الجند لا سيما الانكشارية يزدادون تمردا حتى قرر سنان باشا ~~الصدر الأعظم الدخول في حرب مع دولة أجنبية ليشغل الانكشارية عن العصيان، فسرح جيشا ~~تحت قيادة حسن باشا والي بوسنة يهاجم النمسا، فانهزم حسن باشا وزحف سنان باشا بنفسه ~~ففتح فيسيريم وبالونة، إلا أن قائد بود انهزم واستولت النمسا على تسع قلاع، ثم ثارت ~~ترانسيلفانيا والفلاخ والبغدان، واتحدت هذه الإمارات الثلاث مع النمسا وقتلوا المسلمين ~~الذين كانوا ساكنين فيها، ولم تكن أحوال السلطنة العثمانية في زمن هذا السلطان على ما ~~يرام، بل اضطرب الحبل ومات السلطان في 6 يناير سنة 1596. # ونبغ في زمن هذا السلطان من العلماء الطبيب إلياس القراماني، وكان في الأصل طبيبا ثم ~~تبحر في العلوم العقلية النقلية ولكنه بقي يتعاطى الطب، وكان فرهاد باشا من وزراء ~~السلطان مراد الثالث مبتلى بحبس البول، فأشار عليه الطبيب إلياس بتناول معجون تناوله ~~فمات بعد ذلك بالزحير، فاتهم الطبيب بأنه تعمد قتل فرهاد بإشارة من الوزير محمد باشا ~~الذي كان رقيبه فدخلت زوجه فرهاد باشا على السلطان وطلبت قتل الطبب، فأخذ ms237 وحبس وأمر ~~السلطان بالتحقيق فلم يثبت شيء على الطبيب، وشفع به المفتي والعلماء فأخرج من الحبس، ~~فجاء خدام فرهاد باشا وقتلوه، ولما وقف السلطان على ذلك غضب غضبا شديدا وقبض على ستين ~~شخصا من جماعة فرهاد باشا وصلب منهم عشرة ونفى الباقين. # ومنهم مصلح الدين بن علاء الدين المشتهر ب«جراح زاده» ولد في أدرنة وقرأ على المولى ~~لطف الله بن المولى شجاع، ثم تبع طريق الصوفية وصار من الأوليات ومات بأدرنة وتنسب إليه ~~الكرامات الكثيرة. # ومنهم عبد الرحمن بن علي الأماسي، كان من المدرسين ثم استقضي في بروسة ثم في أدرنة ثم ~~في العسكر المنصور ثم في مكة المكرمة، وكان ذا حظوة عند السلطان سليم الثاني، وبقي إلى ~~زمن السلطان مراد الثالث، ولكن صاحب الدر المنظوم نبزه بمداهنة الوزراء وانهماكه ~~بالرئاسة وليس ذلك مستحسنا في العلماء. # ومنهم الشيخ محرم بن محمد من قسطموني وكان من المتصوفة، ولما أتم السلطان سليمان ~~جامعه الشهير نصب له به كرسي، فكان يدرس تارة ويعظ أخرى. # ومنهم المولى شمس الدين أحمد، وكان من العلماء وأصحاب الأخلاق. # ومنهم محمد بن أحمد المشتهر ب«زن» كان أبوه من ندماء السلطان سليم الأول، وطلب العلم ~~وانتهى بأن صار من المدرسين يتنقل من مدرسة إلى أخرى، ودرس في مدرسة السلطان سليمان ~~بجزيرة رودس، وكان أطلس بحيث إذا عري عن زي الرجال يشتبه أمره على النظر ويكون مصداق ما ~~قال الشاعر: # وما أدري وسوف أخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # يحكى أنه كان مع السلطان مراد الثالث ببلدة مغنيسيا وكان قد ظهر الجراد وأكل الزروع ~~كلها فقال السلطان: كأنما الجراد لعب بلحية المفتى أيضا. # ومنهم أحمد بن حسن الصامسوني، وكان من المدرسين ثم تولى قضاء حلب ثم قضاء دمشق ثم ~~قضاء مكة وحمدت سيرته. # ومنهم محمد بن عبد العزيز المشتهر ب«معبد زاده» من مرعش لازم المولى خير الدين معلم ~~السلطان سليمان، وصار يتنقل في المدارس ودرس في مدرسة السلطان سليمان في دمشق ثم تولى ~~قضاء بيت المقدس، وكان عالما أديبا ms238 وله نظم يمدح به أهل برومية ويقول فيهم: # رأيناهم أشد الناس حبا # لأهل العلم رأسا أو مسوسا # فلو كان البلاد بني أبينا # لكانت هذه فيهم عروسا # ومنهم المولى محمود المشتهر ب«الكاتب» ولد في سلانيك وكان من المدرسين المعروفين ~~وتولى قضاء بغداد ثم قضاء آمد. # ومنهم المولى زين العباد من أولاد الشيخ إبراهيم التنوري القيصري، ولد في قيصرية وطلب ~~العلم، واتصل بكبار العلماء وأخذ عنهم، وصار من المدرسين ودرس في دمشق بمدرسة السلطان ~~سليمان. # ومنهم رمضان المشتهر ب«ناظر زاده» وكان من المدرسين المعروفين وتقلد قضاء الشام ثم ~~قضاء مصر، وكان عالما عاملا حسن الصورة والسيرة احترز من التأليف خوفا من ~~الخطأ. # ومنهم المولى حسن ولازم المفتي أبا السعود ودرس بإحدى المدارس الثمان وتقلد قضاء ~~الشام ثم قضاء مصر، ثم قضاء مكة ثم قضاء القسطنطينية. # ومنهم المولى حامد من قونية وكان من المدرسين وتقلد قضاء دمشق ثم قضاء مصر ثم قضاء ~~بروسة، وتولى قضاء العسكر في الرومللي، وكان من الفقهاء المشهورين وكان عظيم النفس ~~مهيبا في أعين الناس. # ومنهم المولى محمد بن عبد اللطيف المشتهر «ببخاري زاده» تولى القضاء بطرابلس ~~الشام. # ومنهم المولى يوسف المشتهر ب«سنان» قرأ على محيي الدين الفناري وعلى علاء الدين ~~الجمالي، ودرس بدار الحديث في أدرنة، وتقلد قضاء حلب، ثم قضاء دمشق، وانتهى أمره بأن ~~صار من قضاة العساكر، ومات عن تسعين سنة، وكان شيخا جميل الصورة والسيرة على أخلاق ~~كريمة كثيرة وكتب حواشي على تفسير البيضاوي. # ومنهم أحمد بن محمد المشتهر ب«نشانجي زاده» وكان مدرسا وتقلد قضاء مكة، وقضاء ~~مصر. # ومنهم المولى محمد المعروف ب«همشير زاده» وكان من المدرسين. قال صاحب الدر المنظوم ~~إنه كان محبا للصلحاء مترددا إلى مجالسهم اللطيفة مستمدا من أنفاسهم الشريفة، غير ~~أنه كان كثير الاقتحام في مصالح الفئام باذلا عرضه الخطير في الأمر الحقير. # ومنهم محمد بن المولى سنان، كان مدرسا بمدرسة داود باشا، ثم بمدرسة خانقاه ثم ~~بالمدرسة الخاصكية، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم بإحدى المدارس السليمانية، وكان ~~معروفا بحدة الذهن ms239 وفرط الذكاء وقوة البحث، وله حواش على الشرح «الشريفي ~~للمفتاح». # ومنهم المولى أحمد المعروف ب«الكاملي» كان مدرسا بمدرسة مصطفى باشا باستنانبول ثم ~~نقل إلى مدرسة السلطان محمد بجوار أبي أيوب، ثم بإحدى المدارس الثمان ثم بإحدى مدارس ~~السلطان سليمان، ولما فتح السلطان سليم الثاني جزيرة قبرص تولى قضاءها وتسلم هناك زمام ~~الحكومة، لكنه عجز عن القيام بأمور قبرص، فاستقال من ذلك المنصب وعاد إلى القسطنطينية. ~~قال صاحب الدر المنظوم: إنه كانت له مكاتيب تارة يختار فيها الحروف العارية عن النقط ~~وتارة يلتزم في كلمة حرفا واحدا فقط، ومن الذي ما ساء قط. # ومنهم محمود المشتهر ب«معلم زاده» وكان ملازما للمفتي أبي السعود، ودرس بمدرسة مراد ~~باشا ثم بمدرسة داود باشا، ثم بمدرسة رستم باشا في القسطنطينية، ثم بمدرسة بنت السلطان ~~سليمان باسكدار ثم بإحدى المدارس الثمان ومات شابا. # ومنهم محمود المشتهر ب«بابا شلبي» قرأ على المولى القادري ثم ذهب مذهب الصلاح واشتهر ~~بالتقوى، فنصب لتعليم بنت السلطان سليمان صاحبة الخيرات الحسان، فلما تزوجت بالوزير ~~الكبير رستم باشا أكرمه غاية الإكرام وجمع كتبا كثيرة نفيسة. # ومنهم شمس الدين أحمد بن بدر الدين المشتهر ب«قاضي زاده» وكان مدرسا في المدارس ~~الشهيرة، وتولى قضاء حلب ثم قضاء القسطنطينية ثم قضاء العسكر، وفي زمان السلطان مراد ~~الثالث نال الحظوة التامة وتقلد الفتوى بدار السلطنة، قال صاحب الدر المنظوم: «إنه أفحم ~~من عارضه بشقاشقه الهادرة وأرغم من عاناه بحقائقه النادرة، كثير الاعتناء بدرسة، دائم ~~الاشتغال في يومه وأمسه، رفيع القدر شديد البأس عزيز النفس، يهابه الناس ثم قال: إنه ~~كان فيه من التهور المفرط والحدة ما زاد على المعتاد. # ومنهم أحمد المشهور ب«مظلوم ملك» وكان معلما لأبناء السلطان سليم، فلما جلس على ~~سرير السلطنة السلطان مراد الثالث وقتل إخوته الذين كان هذا الشيخ معلما لهم - فقد قيل ~~إن السلطان مراد قتل من إخوته خمسة - أصبح هذا الشيخ منكوبا، ثم قلدوه قضاء بيت المقدس ~~ثم قضاء المدينة المنورة ثم قضاء مكة المشرفة، ثم عاد إلى القسطنطينية ms240 وكانت سيرته ~~مرضية. # ومنهم عبد الواسع بن محمد ابن المفتي أبي السعود، كان من المدرسين المعروفين وكان ~~يكتب الخط النادر الجميل. # ومنهم محمد بن نور الله المشتهر ب«أخي زاده»، أخذ عن عرب شلبي وعن المولى عبد ~~الباقي، ولازم خير الدين معلم السلطان سليمان، ثم درس بمدرسة خير الدين باشا في بشكطاش ~~وفي غيرها، ثم تقلد القضاء وانتهى بأن صار قاضيا للعساكر، وكان بحرا من بحار العلوم ~~أنظر أهل زمانه. # ومنهم شمس الدين أحمد المعروف ب«العزمي» ولد في القسطنطينية وطلب العلم ودرس ~~بالمدرسة الأفضلية ثم بمدرسة سنان باشا بيشكطاش. # ومنهم المولى محمد المعروف ب«صارو كرداوغلي» كان من ملازمي المفتي أبي السعود وتنقل ~~في المدارس الشهيرة. # ومنهم المولى خضر بك بن عبد الكريم القاضي، وكان من المدرسين، وتوفي وهو مدرس في ~~بروسة. قال صاحب الدر المنظوم: «وكان من الغائصين في بحار العلوم، غير أنه لا يخلو عن ~~القيل والقال، مطلق اللسان في السلف ومزدريا بشأن الخلف مع غاية الإعجاب بنفسه، لطف ~~الله به في رمسه.» # السلطان محمد الثالث # وتولى بعد مراد الثالث محمد الثالث، وكانت أمه من البندقية (يافه) ولما تولى محمد ~~الثالث كان له تسعة عشر أخا فقتلهم جميعا، وبرغم من هذه الفعلة الغريبة كان حسن ~~العقيدة صارما في إحقاق الحقوق مهتما بتنفيذ الشريعة الغراء، وفي زمانه تولى الأمور ~~سنان باشا وحسن باشا وسيكار زاده، وعسفوا الرعية وأثقلوا كواهل الأهالي بالضرائب، ولم ~~يقدر السلطان على إصلاح الحال، وكانت الحرب مستمرة وكانت العساكر العثمانية غير موفقة ~~في بلاد الفلاخ حيث اتفق أمير الفلاخ مع أمير ملدافيا وأمير ترانسلفانيا، والإمبراطور ~~وداف الثاني، فزحف سنان باشا واستولى على بخارست سنة 1595، إلا أن ميشيل أمير الفلاخ ~~عاد فهزم العثمانيين، وقتل أسرى الأتراك بالخازوق، وشوى علي باشا وكدجي بك على النار، ~~وصار الفلاخيون يتقدمون كل يوم إلى الأمام، ولكن الدولة العثمانية لم تكن تستغني عن ~~بلاد الفلاخ لما كانت تستدره من أخلافها وتنعم به من خيراتها، وبينما هي تفكر في ~~استرداد بلاد الفلاخ التي هي في ms241 هذا العصر مصاص مملكة رومانيا، مات الأمير ميشيل هذا ~~فتخلصت الدولة العثمانية من شره. # وأما النمسا فكانت جيوشها استولت على غران ويسغراد وبابقشة وكليس فهاجت خواطر ~~العثمانيين جدا، واضطر السلطان أن يخرج بنفسه إلى الحرب سائرا على خطة أجداده ~~الأوائل، فوقع المصاف في سهل كيرستس في 26 أكتوبر 1596 ودارت الدائرة على النمسويين ~~والمجر، وخسروا خمسين ألف مقاتل في تلك الموقعة، إلا أن العثمانيين لم يحسنوا الاستفادة ~~من هذا الظفر العظيم وفي سنة 1598 رجعت النمسا وهاجمت مدينة راب، وعرضت على ساتورجي ~~باشا تسليم البدلة فرفض، ولما وقع في أيدي النمسويين قطعوه إربا، والتجأ ثلاث مئة من ~~العثمانيين إلى القلعة، ووضعوا النار في البارود فانفجر مخزن البارود، وقتل فيه ~~المحاصرون والمحصورون واستولى النمسويون بعد ذلك على دولا ويسيريم وبابا، وانكسر حافظ ~~أحمد باشا في نيقوبوليس ثم في بود ، فزحف الصدر الأعظم إبراهيم باشا وأنقذ بود واستولى ~~على كانيشة سنة 1600، واستعمل إبراهيم باشا حسن السياسة مع الصرب والفلاخيين فانقادوا ~~إلى الطاعة. # وأما حالة السلطنة في الداخل فقد كانت من أسوأ ما يكون، فلم تكن تسكن ثورة في جهة حتى ~~تثور ثورة في جهة أخرى، وأهمها ثورة «قرة يزيدجي عبد الحليم» في الأناضول، وكان استولى ~~على «أورفة» ثم اتفق مع أخيه الدلي حسن والي بغداد وادعى السلطنة، ولم تتغلب الدولة ~~عليه إلا بعد جهاد طويل، وثار والي ديار بكر ووالي الشام ووالي حلب ووالي كوتاهية ووالي ~~بغداد الدلي حسن المذكور، فتغلبت الدولة عليهم بعد عناء لا يوصف ونقلت والي بغداد إلى ~~بوسنة. # ولكن أوجاق السباهية ثار على الحكومة بسبب تأخر أرزاقه، ولو شاركه أوجاق الانكشارية ~~لقلبوا الحكومة والسلطان معا، ولكن الانشكارية حافظوا على الأمانة وفي أثناء ذلك مات ~~محمد الثالث. # السلطان أحمد الأول # وخلفه ابنه أحمد الأول وهو لم يتجاوز الرابعة عشر من العمر، وكانت السلطنة منهوكة ~~القوى بكثرة الفتن، وهي تحارب النمسا في أوروبا والعجم في آسيا لأن الشاه إسماعيل كان ~~أعلن الحرب، واسترجع تبريز ووان وإيروان، بينما العصاة في أكثر ms242 بلاد الأناضول قد رفعوا ~~رءوسهم، وفي ذلك الوقت عصى الأكراد تحت قيادة «جان بولاد» في حلب وعصى الدروز الذين تحت ~~قيادة الأمير فخر الدين المعنى، فاسترضى مراد باشا الصدر الأعظم جمعا من رؤساء العصاة، ~~وأرسلو جان بولاد واليا على طمشوار في البلقان، وأرضوا قلندر أوغلي بولاية أنقرة، فرفضت ~~أنقرة قبول الثائر، فعاد إلى العصيان، فزحف إليه مراد باشا فهزمه وأرسل من فتك بموصلى ~~شاويش وهو من رؤساء العصاة، كما استجلب إليه يوسف باشا والي منشة وآيدجين الذي كان ~~عاصيا أيضا، فلما حصل في يده خنقه. وفر الأمير فخر الدين المعني إلى البادية. ~~والخلاصة أن مراد باشا أتى بخوارق العادات من الحزم والدهاء حتى استأصل جراثيم الفتن ~~التي كادت تقضي على كيان السلطنة العثمانية فلقبوه بمجدد السلطنة، وما انتهى من قمع ~~الفتن الداخلية حتى وجه همته لمحاربة العجم. # ومن أغرب الأمور أن هذا الشيخ قام بجميع تلك العزائم والعظائم وهو في سن التسعين، أي ~~كان أسن من موسى بن نصير يوم فتح الأندلس، ولكن أثر فيه التعب، وفي 5 آب 1611 انتقل إلى ~~رحمة باريه، فاستدعى السلطان أحمد للصدارة الوزير نصوح باشا والي ديار بكر، فعقد الصلح ~~مع العجم، وأعاد لهم البلاد التي كانت الدولة أخذتها منهم، فأما من جهة النمسا فإنه كان ~~وقع بينها وبين المجر خلاف نفع العثمانيين، وبايع المجر ملكا اسمه بوسكاي، فدخل تحت ~~حماية السلطان، وزحف لالا محمد باشا بجيش استرجع غران ويسغراد ويسيريم، فعادت النمسا ~~فصالحت بوسكاي ملك المجر، وبقيت عساكر الدولة وحدها تحارب النمسا، وكانت الدولة مضطرة ~~إلى الصلح تطفي نيرن الفتن المشتعلة في الأناضول، فانعدقت بين الدولة وبين النمسا ~~معاهدة «سيتفاتوروك # Sitvotorok ~~» سنة 1606، فنزلت ~~الدولة عن الجزية السنوية التي كانت تدفعها لها النمسا وهي ثلاثون ألف دوكة، واكتفت ~~بقبض مئتي ألف ريال غرامة حربية، وأعاد كل من الفريقين الأسرى الذين في يده، وبقيت ~~للدولة غران وابرلو وكانيشه، وبقيت في يد النمسا راب وكورنون، وهذه المعاهدة هي أول ~~معاهدة حصلت بها المساواة بين الدولة العثمانية ms243 والدول الأوروبية، لأنه إلى حد ذلك ~~الوقت كانت الدولة العثمانية تعامل الدول الأوروبية معاملة الأعلى للأدنى، وتتقاضى ~~الأوروبيين جزية سنوية وإتاوات متنوعة، وبهذه المعاهدة حصلت ترانسلفانيا على نصف ~~استقلال، وتخلصت مملكة المجر من دفع الجزية عن القسم الذي لم يكن العثمانيون ~~يحتلونه. # ومن خصائص تلك المعاهدة أن الدول المسيحية أمكنها أن تناقش الدولة العثمانية في كيفية ~~تحرير الصك، وقبل ذلك كانت الدولة تملي مثل هذه المعاهدات باللغة التركية وتبلغها ~~أعداءها، وكان عليهم أن لا يراجعوا فيها. وبالاختصار كانت هذه المعاهدة أعظم إرهاص بين ~~يدي تقهقر آل عثمان. # هذا وقد رفض أهالي ترانسيلفانيا الدخول في طاعة النمسا، فرجع الباب العالي عما تقرر ~~في العاهدة، وزعم أن بوسكاي لم يكن له حق بالتصرف بالإمارة بدون رضى الأهالي، فولى ~~أمراء آخرين من قبله منهم بيتلنغابور وكان من أشداء أعداء النمسا، فاعترضت النمسا على ~~ذلك ، فأجاب الصدر الأعظم بأن المتاركة غير شرعية لأنه لم يكن وقع عليها مفتي السلطنة، ~~فثارت إمارة مولدافيا وطرد الأهالي طومزة الأمير الذي كان من قبل الباب العالي، إلا أن ~~إسكندر باشا جاء فقمع الثورة وأعاد طومزة إلى مكانه، ثم نشبت الحرب في تلك المدينة بين ~~الدولة وإسبانيا، وجاءت سفن فرسان مالطة وصارت تعيث في سواحل الدولة، وغنمت أساطيل ~~الطليان عدة سفن حربية عثمانية، فوجهت الدولة قوتها البحرية إلى البحر المتوسط، وانتهز ~~القوزاق هذه الفرصة ونزلوا في سينوب ونهبوها، فغضب السلطان على الصدر الأعظم نصوح باشا ~~وأمر بخنقه، وفي سنة 1604 تجددت العهود التي كانت بين الدولة وفرنسا، وربما زيد فيها ~~وشددت الدولة في منع الأعمال القرصانية في البحر المتوسط، وعزلت والي تونس وخنقت والي ~~الجزائر، ثم تجددت العهود بين الدولة وبولونيا وتعهدت بولونيا بمنع القوزاق، من الغارة ~~على مولدافيا كما تعهد الباب العالي بمنع التتار من الغارة على بولونيا وفي سنة 1612 ~~انعقدت معاهدة تجارية بين هولاندا والباب العالي. # وفي ذلك الوقت ظهر التبغ بواسطة الهولانديين، فأفتى شيخ الإسلام بمنعه بحجة أنه من ~~الخبائث على نحو ما يذهب إليه ms244 اليوم الوهابية وأتباع الطريقة السنوسية أيضا، ولكن ~~الشعب ثار بالمفتي وقالوا: إنه لا يوجد تحريم للدخان في الكتاب أو السنة، فمن أين ~~للمفتي حق تحريم ما لم يرد على منعه نص؟ فاضطر المفتي إلى إلغاء فتواه، وكان السلطان ~~أحمد الأول قد بلغ رشده وظهرت مناقبه، فكان عادلا كريما محمود السيرة، معتنيا بأمر ~~المملكة، وكان موصوفا بالتقوى والورع أهدى نفائس نادرة إلى الحجرة الشريفة النبوية، ~~ولو لم يكن له علة إلا أن رئيس الخصيان في القصر السلطاني كان في زمانه صاحب الأمر ~~والنهي، ولما مات السلطان أحمد الأول سنة 1607 كان ابنه عثمان في سن الثالثة عشرة. # السلطان مصطفى # فرجحت الأمة مبايعة السلطان مصطى أخي السلطان أحمد، وفي زمن السلطان أحمد هذا أجلى ~~الإسبان بقية مسلمي الأندلس الذين كانوا أكرهوا على التنصير، لكنهم لبثوا مسلمين في ~~الباطن، وسبب ذلك أن هؤلاء أرسلوا وفدا إلى السلطان أحمد يستغيثون به، فخاف ملك ~~إسبانيا من الدولة العثمانية فقرر إجلاءهم، ودخل منهم ألوف إلى فرنسا، فأرسل السلطان ~~أحمد إلى هنري الرابع ملك فرنسا يطلب منه إرسالهم إلى بلاده وبلاد الإسلام ففي الحال ~~أركبوهم السفن إلى بلاد الإسلام. # وفي بداية زمن السلطان مصطفى وقعت حادثة كادت تشمل الحرب بين الباب العالي وفرنسا، ~~وذلك أن أميرا من أمراء بولونيا كان معتقلا في الأبراج السبعة بالقسطنطينية، ففر منها ~~بمساعدة أحد كتاب سفارة فرنسا فقبضت الدولة على السفير واعتقلته، ووسعت مأموري السفارة ~~تحت الاستنطاق، ولبثوا في الاعتقال أربعة أشهر، فأرسلت فرنسا تتهدد بالحرب وتطلب ~~التعويضات، فلم يصل معتمد فرنسا إلى الأستانة حتى كان العثمانيون خلعوا السلطان مصطفى. # السلطان عثمان الثاني # وبايعو السلطان عثمان الثاني ابن أخيه فكانت مدة مصطفى ثلاثة أشهر فقط واعتذرت الدولة ~~لفرنسا، وكتب السلطان والصدر الأعظم وقبطان البحر كتاب اعتذار إلى لويس الثالث عشر، ~~وانتهت المسألة، وفي ذلك الوقت وقع خلاف بين الدولة وبولونيا من أجل مسائل تتعلق ~~بترانسلفانيا، فأجمع السلطان على غزو بولونيا، وكان ينوي ذلك حتى يتمكن من منع تجاوز ~~الروسيا التي كان قد ms245 بدأ أمرها يستفحل، فزحفت الجيوش العثمانية وقطعت نهر دينستر، وحملت ~~على الجيش البولوني حملات شديدة، لكنها لم تقدر عليه، فلما رأى العثمانيون عقم هذه ~~الحروب، وكان البولونيون في وجل شديد من الهزيمة، انعقدت معاهدة الصلح في 16 أكتوبر ~~1620. # وفي ذلك الوقت حصلت مؤامرة في فرنسا على الدولة العثمانية يرأسها كارلس الثاني الملقب ~~ب«كارلس دوغنزاغ # de gauzague ~~» وزعموا أنهم يريدون ~~الاستيلاء على القسطنطينية، وكان منهم البرنس «دوكليف # de Cleves ~~» التي كانت جدته مرغريت باليولوغ من سلالة الإمبراطور ~~اندرونيك باليولوغ، فبدأ هؤلاء الأمراء بالسعي لدى إمبراطور ألمانيا وملك إسبانيا، حتى ~~يعضدهم في هذه الحرب الصليبية، وأرسلوا يوقدون نيران الفتن في بلاد العرب وكروآسيا ~~ودالمآسيا والبانيا ومكدونيا، وفي 8 ستبمبر 1614 حصل اجتماع حضره زعماء من الصرب ~~والهرسك والبشناق والدالماسيين في أرض القبيلة الألبانية الكاثوليكية المسماة ب«كوتجي» ~~وكان في هذا الاجتماع بطريرك الصرب وكثير من الأساقفة، وتقرر إدخال أسلحة وأعتدة من ~~البحر إلى أرض الجبل الأسود وتوزيعها على القبائل الألبانية، وأن تثور هذه القبائل ~~وينضم إليها الصربيون، وقدروا أن عدد الثوار لن يقل عن اثنين وأربعين ألف مقاتل منهم ~~اثنا عشر ألفا من الفرسان، وأنهم يدهمون المدن مثل «فالونه» و«شقودرة» و«كاستلنوفو» قبل ~~أن يتنبه الترك للمكيدة. # وبلغ الخبر أمراء مولدافيا والفلاخ فوعدوا بأنهم بمجرد اشتعال الثورة يعبرون نهر ~~الطونة بجيوشهم وينضمون إلى الثوار المسيحيين، وكان كارلس الثاني دوغنزاغ قد شرع بتكتيب ~~كتائب من فرنسا وفي بناء سفن حربية على نفقة نفسه، وتبرع البابا بمبلغ مئتي ألف ذهب ~~لهذه الحرب وبتقديم ألفي مقاتل في عشر سفن، ووعد ملك إسبانيا بست مئة ألف ذهب وعشرين ~~سفينة، ووعد فرسان مالطة بست سفن، وتعهد اليونان بالدخول في هذه الثورة، واتفق ~~الكاثوليك والأرثوذكس من يونانيين وألبانيين وصرب وبلغار، وتعاهد الأساقفة على ذلك، ~~وكان الرأي العام في فرنسا مائلا جدا إلى إصلاء هذه الحرب الصلييبة على المسلمين، ~~ونشر «سافاري ~~دوبريف» ~~“de Bréves” # سفير فرنسا في تركيا سابقا 1619 نشرة في وجوب محو السلطنة ~~العثمانية، ودعا القسيسون والأساقفة في الكنائس ms246 وأعلنوا الحرب الصليبية سواء في فرنسا ~~أو في النمسا أو في بولونيا أو في إيطاليا، إلا أن كل هذا توقف من نفسه وحبط العمل، ~~ويقال إن الأسطول الذي كان أعده كارلس دوغنزاغ المسمى «بدوك نيفير» احترق بسبب لا يزال ~~مجهولا واضمحلت هذه المسألة من ذلك الوقت. # وقد أشرنا في حواشي «حاضر العالم الإسلامي» إلى هذه المؤامرة الصليبية في جملة المئة ~~مشروع التي ائتمرت بها أوروبا على الإسلام في مدة ست مئة سنة فمن شاء فليراجع ذلك ~~هناك. # وكان السلطان عثمان قد صمم أن يتخلص من أوجاق الانكشارية ويستبدل به جيشا يكون أطوع ~~للسلطنة منه، فعلم الانكشارية بذلك وثاروا به وعينوا داود باشا صدرا أعظم، وخلعوا ~~السلطان وساقوه إلى الأبراج السبعة، وهناك قتلوه في 20 مايو 1622 وهو أول سلطان قتل في ~~الدولة العثمانية. # السلطان مصطفى ثاني مرة # وتولى مكان السلطان عثمان عمه السلطان مصطفى فما مضى يومان على مبايعته حتى ثار ~~السباهية بداود باشا وطالبوه بدم السلطان عثمان، فقال لهم: إنه ما قتله إلا بأمر ~~السلطان مصطفى، فلم ينفعه هذا العذر وأسقطوه من الوزارة، وصارت الحكومة ألعوبة في أيدي ~~العساكر حتى يقال إنهم أسقطوا ستة صدور عظام في مدة الخمسة عشر شهرا التي تولاها ~~مصطفى، وصارت الأمور في نفس الأستانة أشبه بالفوضى، وعصى باشا طرابلس الشام، فطرد ~~الانكشارية من بلده، وعصى باشا ارضروم وزحف إلى أنقرة وسيواس وعذب من سقطوا في يده من ~~الانكشارية، وانضمت بلدان كثيرة في الأناضول إلى الثوار كرها بالانكشارية، وأراد ~~العلماء أن يوقفوا الانكشارية عند حدهم، فلم يفلحوا، وأخيرا تولى الصدارة علي باشا، ~~فرأى أنه لا يستتب النظام بوجود سلطان بلغ هذا الحد من ضعف العزم، فقرر خلعه ومبايعة ~~مراد أخي السلطان عثمان. # السلطان مراد الرابع # وكان مراد مراهقا لم يتجاوز اثنتي عشرة سنة من العمر فلذلك بقي السباهية والانكشارية ~~يسرحون ويمرحون كما يشاءون، ويعسفون الأهالي باسم السلطان. # واستفادت العجم من هذه الحالة فتجاوزت على ملك آل عثمان وزحف الشاه عباس على بغداد ~~وفتحها بعد حصار ms247 ثلاثة أشهر وعذب أهل السنة وشنق نوري افندق قاضي بغداد وعمر أفندي خطيب ~~الجامع الأعظم، وكان والي بغداد في الأصل ضابطا من ضباط الشرطة اسمه «بكير آغا»، فعصى ~~الوالي وأراد أن يستأثر هو بالولاية واعصوصب حوله جماعة على شاكلته، فغلب عليه حافظ ~~باشا وكاد يوقع به، فأرسل بكير آغا إلى الشاه عباس ليأتي إلى بغداد فيسلمه البلد، فلما ~~جاء الشاه عباس وطلب مفاتيح بغداد وجد بكير آغا قد صالح العثمانيين على شرط أن يكون ~~واليا، فالتزم الشاه عباس أن يحصر بغداد وأخذ يغاديها القتال ويراوحها، ولم يتمكن منها ~~إلا بخيانة أبي بكير آغا الذي وعده الشاه عباس بأن يجعله واليا محل أبيه، فلما فتح ~~الشاه عباس بغداد بقي يعذب بكير آغا ستة أيام، ثم وضعه في زورق مطلي بالقطران الملتهب ~~وتركه في دجلة ثم قتل ابنه الذي خان أباه. # ولما وصل خبر سقوط بغداد إلى السلطان مراد الرابع حاول علي باشا الصدر الأعظم إخفاء ~~الخبر عن السلطان، ولكن المفتي أسعد أفندي أخبره بالحادثة، فصدر أمر السلطان بقتل الصدر ~~وعين مكانه شركس محمد، وسرحه بجيش لقتال اباضة والي ارضروم الذي عصى الحكومة وأخذ يقتل ~~الانكشارية في كل سهل وجبل، فزحف إليه القائد حافظ باشا وهزمه ثم صالحه على أن يبقى ~~واليا على ارضروم، وفي أثناء ذلك مات الصدر الأعظم محمد باشا، فتولى مكانه حافظ باشا ~~وزحف إلى بغداد، وانكفأ إلى الموصل ثم إلى ديار بكر، وعاد الانكشارية إلى الثورة، فعزل ~~السلطان حافظ باشا وولى مكانه خليل باشا، فزحف هذا ليأخذ أباظه والى أرضروم فلم يقدر ~~عليه، فعزله السلطان وولى خسرو باشا، فتمكن هذا من إخضاع أباظة ولكنه عوضه من أرضروم ~~بولاية بوسنة. # وبقيت الثورات تتوالى في وسط السلطنة والحالة تسوء، ولكن الله فرج عن الدولة ~~العثمانية بموت الشاه عباس أكبر سلاطين الدولة الصفوية، فخلفه ابنه وكان شابا غرا ~~فزحف خسرو باشا إلى العراق وهزم جيوش العجم، لكنه لم يقدر على فتح بغداد برغم مهاجماته ~~الكثيرة لها، ورجع خسرو باشا إلى الموصل، ms248 فرد السلطان إلى الصدارة حافظ باشا الذي لم ~~يكن عنده مثله في كافيته. # فلما علم العسكر أن السلطان عزل خسرو باشا ثاروا على السلطان وتقاضوه رأس حافظ باشا، ~~وكان المحرك للعسكر على هذا العمل هو خسرو باشا نفسه، ف-أذن السلطان للعساكر في ~~الانصراف من العراق أملا بتسكينهم، فلما وصلوا إلى الأستانة ازدادوا تمردا وهجموا على ~~القصر، ففتح السلطان لهم الأبواب واستدعى اثنتين من الانكشارية واثنين من السباهية، ~~وقال لهم قولا لينا لعلهم يتناهون عن غيهم، فلبثوا مصرين على أخذ رأس حافظ باشا، فبذل ~~حافظ باشا نفسه لأجل راحة مولاه، وخرج إليهم حتى قتلوه طعنا بالخناجر، ولكن لم يسقط ~~رخيصا برغم شيخوخته، ولم يقتل إلا بعد أن قتل منهم عدة، وسكنت ثورة العسكر مؤقتا، ~~ولكن السلطان لم ينس عصيانهم لأمره وكونهم إنما عملوا بدسائس خسرو باشا فأمر بخنقه، ~~فثار العسكر مرة ثانية ونادوا بخلع السلطان مراد، وكان متولي كبر هذه الثورة رجب باشا، ~~فظهر في هذه الحادثة أن السلطان الشاب كان بطلا عشمشما، فإنه أمر حالا بقتل رجب باشا ~~والرمي بجثته إلى العسكر ولم يبال بهم، وطلب السلطان من أحمد آغا قائد السباهية أن يقبض ~~على رءوس الثورة، فماطل في إنقاذ الأمر السلطاني، فأمر السلطان بقتله مع أربعة من ~~رفاقه، وجاء المفتي الأعظم يخوف السلطان من عاقبة استخفافه بغضب العلماء فقتله، فعلمت ~~السلطنة أن على رأسها رجلا غير الرجال الذين عرفتهم إلى ذلك الوقت منذ مدة طويلة ودخلت ~~الناس في الطاعة. # وكان الأمير فخر الدين المعني أمير لبنان ثار بالدروز على الدولة، وعقد معاهدات مع ~~بعض الدول الأوروبية، ولما لم يقدر على مقامه الدولة جاء إلى فلورانسه من إيطاليا، ثم ~~بعد أن أم عدة سنوات في فلورانسة في خبر يطول شرحه، ولا يسعه هذا المختصر زحف إليه ~~الكوجك أحمد باشا بجيش جرار، وبعد وقائع شديدة دارت الدائرة على الأمير فخر الدين، وقتل ~~ابنه الأمير علي - وكانت أم الأمير علي أرسلانية - في واقعة حاصبيا فالتجأ الأمير فخر ~~الدين إلى مغارة في جبل ms249 الشوف اسمها شقيف تيرون، ويقال لها اليوم قلعة نيحا، وهي كهف ~~عظيم في بطن جبل أشبه بالحائط لا يمكن الرقي إليه من الأسفل ولا النزول إليه من سطح ~~الجبل ولا العبور إليه من الجانبين! وإنما يدخلون إليه من أحد الجانبين زحفا على البطن ~~واحدا وراء واحد، على صخرة ضيقة مشرفة على الوادي لا يمكن الإنسان أن يمر بها واقفا، ~~وقد دخلت أنا نفسي زحفا على الصورة إلى هذا الكهف الذي كان يلجأ إليه العصاة في كل ~~حين، وكان ممن لجأ إليه الضحاك بن جندل الخارجي في أيام الحروب الصليبية، وهذا الكهف ~~يسع نحوا من خمس مئة مقاتل، وليس فيه ماء نبع ولكن آبار تجري إليها مياه تحت الأرض ~~بأنابيب من عين يقال لها عين الحلقوم، كانت في ذلك الوقت مطمورة، فلما جاء الكوجك أحمد ~~باشا ورأى استحالة الوصول إلى الكهف لأنه لا يؤتى لا من فوق ولا من أسفل ولا من عن ~~أيمانه ولا من عن شمائله سأل عن مشرب أهل الكهف، فقيل له إن الماء يجري تحت الأرض، ~~ولكنه غير معلوم أصله ولا مكان جريه، فأتى القائد المذكور بخيل تركها عدة أيام عطاشا، ~~فلما أفلتها على سطح الجبل وهي عطاش شمت رائحة الماء فصارت تضرب بأرجلها على الأماكن ~~التي كان الماء يجري تحتها، فعلم الكوجك أن الماء هو هناك فأمر بحفر الأرض حيث كانت ~~الخيل تضرب بأرجلها، فوجد أنابيب الماء فلم يقطع الماء لأنه لو قطع الماء والآبار التي ~~في الكهف ملأى لبقي الأمير فخر الدين قادرا على الامتناع مدة طويلة، فذبح الكوجك بقرا ~~في بحري الماء فجرى دما إلى الآبار، وفي أحد تلك الأيام قام الأمير فخر الدين صباحا ~~فقال له جماعته: تعال فانظر الآبار، فنظر فإذا هي دم، فأمر الجند الذين معه بأن يخرجوا ~~ويستسلموا للقائد وفي جوف الليل دلى نفسه هو ومدبر أموره أبو نادر الخازن ومعهما خادم، ~~وذلك من الكهف إلى أسفل، وهو علو خمسين مترا، ومن هناك ذهب إلى كهف آخر يشابه شقيف ~~تيرون، ms250 واسمه مغارة جزين، فأرسل الكوجك أحمد باشا جماعة نقبوا الصخور من تحت الكهف ~~الثاني، وما زالوا يحشونها بالبارود ويقطعون منها جانبا بعد جانب حتى أوشكوا أن يصلوا ~~إلى المغارة، فاضطر الأمير فخر الدين أن يستسلم إلى الكوجك أحمد الذي أرسله إلى ~~الأستانة مع أولاده الثلاثة منصور وحيدر وبلك. # فلما وصل الأمير فخر الدين إلى الأستانة قال للسلطان: إنني مظلوم ولم أبن القلاع إلا ~~حماية من الأعداء ولم أحارب إلا من كان عاصيا للدولة، وقد أمنت طريق الحج ومنعت ~~الأعراب عن التعدي، وأديت الأموال الأميرية وأيدت الأحكام الشرعية. فعفا عنه السلطان. ~~إلا أن الأمير ملحم المعني جمع رجالا من حزبه القيسية ونهض لقتال الأمير علي علم ~~الدين، الذي كانت الدولة ولته جبل الشوف، فنهض الأمير علي لقتاله ومعه اليمنية فجرى ~~بينهم قتال دارت فيه الدائرة على اليمنية، فكتب الكوجك أحمد باشا للسلطان بأن هذه ~~المشاغبات كلها هي من دسائس الأمير فخر الدين ، فصدر أمر السلطان بقتله مع أولاده، وذلك ~~3 مايو 1635 واستحيا السلطان من أولاده الأمير حسينا واستخدم بالحضرة وترقى وعاش زمنا ~~طويلا، وكان عمر الأمير فخر الدين يوم قتل اثنتين وخمسين سنة وكان قصير القامة طويل ~~الباع عالي الهمة، استولى على معظم سورية ما عدا دمشق وحمص وحماة وحلب، وقيل له سلطان ~~البر، وكان عنده جيش دائم 12 ألفا. # هذا ولقد تمكن السلطان مراد الرابع بحزمه وشدة بأسه من قمع الفتن الكثيرة، وهدأت ~~الأحوال في زمانه وزحف لقتال العجم على رأس جيش جرار، وبينما كان زاحفا كان يأتي من ~~الصرامة أعمالا توقع الرعب في قلوب الذين تحدثهم أنفسهم بالانتفاض، وفي طريقه استولى ~~على قلعة أريوان ثم على قلعة تبريز وأحرقها ثم عاد إلى القسطنطينية يستريح من وعثاء ~~السفر، فما كاد يستقر به المقام حتى رجع الإيرانيون فحشدوا واسترجعوا أريوان وكسروا ~~العثمانيين في صحراء ميربان. # فنهض السلطان مراد ثانية وزحف إلى بغداد ولبس ثياب جندي من عامة الجند، ونزل بنفسه ~~يقاتل في الخنادق، وكان معه الصدر الأعظم، فلما حمل العسكر ms251 العثماني كان السلطان والصدر ~~الأعظم والوزراء يقاتلون بأنفسهم كسائر العسكر، وأصابت الصدر الأعظم طيار محمد باشا ~~رصاصة برأسه فسقط قتيلا، وأخذ السلطان مراد بغداد عنوة على أثر حمله استمرت ثمانيا ~~وأربعين ساعة، ثم انعقد الصلح بين الدولة والعجم على أن بغداد تعود لآل عثمان وأن ~~أريوان تعود للعجم. # وكان مراد الرابع في شدة بأسه، ومضاء عزمه وعظمة مهابته، أشبه بآل عثمان الأولين ولو ~~طالت حياته لجدد عهد سليمان القانوني، ولكنه بعد أن استولى على بغداد استرسل إلى ~~الشهوات البدنية وأدمن شرب الخمر، فاعتلت صحته وبلغت منه العلة أن صارت الروح فيه دماء، ~~وبقي يأمر بسفك الدماء، ويقال إنه بينما كان وصل إلى دور النزاع أمر بقتل أخيه إبراهيم، ~~ولكن السلطانة الوالدة أمرت بعدم إنفاذ هذا الحكم، وقالت له إنه نفذ، وفي 9 فبراير سنة ~~1640 أسلم الروح، وكان عمره تسعا وعشرين سنة، وهو الذي أنقذ السلطنة بعد أن كادت تتمزق ~~أيدي سبأ بالفتن والثورات وانتفاض الأمراء كل واحد من جهة، فأعاد مراد وحدة السلطنة ~~بشدة حزامته وصرامته، وأزال كثيرا من المظالم، وأعاد النظام إلى الجيش، وفي أيامه ~~ازدادت وارادات السلطنة وحسنت جباياتها، ولم يكن يعاب إلا في ظمئه إلى سفك الدماء، فإنه ~~كان يتلذذ بالقتل، وكان له عيب آخر وهو شدة غرامه بالمال، فكان يحب الأحمرين «الدم ~~والذهب» ولم يكن لمراد الرابع أولاد، فتولى السلطنة بعدة أخوه السلطان إبراهيم، ولولا ~~وجود السلطان إبراهيم هذا لانقرضت عائلة آل عثمان لأنه لم يكن بقي منها غيره. # السلطان إبراهيم # وبدأ السلطان إبراهيم ملكه بمصالحة النمسا، ولكن حصلت حادثة أدت إلى الحرب بينه وبين ~~جمهورية البنادقة، وهذه الحادثة من أغرب حوادث التاريخ، وهي أن رئيس الخصيان في القصر ~~الذي يسمونه قيزلر آغاسي، كان عنده في الحرم جارية حسناء بارعة الجمال، اختيرت لتكون ~~ظئرا للأمير محمد بن السلطان إبراهيم، وكانت هذه الجارية قد حملت ثم وضعت ولا يعلم من ~~أين وقع حملها، فشغف حبها السلطان حتى صار يفضل طفلها على طفله، فوقعت الغيرة في السراي ms252 ~~وكاد السلطان يقتل طفله من شدة شغفه بالجارية وحبه لطفلها، فلم يجد القيزار أغاسي حيلة ~~أحسن من أن يقصد الحج ويأخذ معه الجارية والطفل. # ومن المعلوم أن فرسان مالطة لم يكن لهم مهمة سوى قطع طرق البحر على المسلمين، فهاجموا ~~الأسطول الذي كان فيه القيزلر أغاسي فاشتبكت بين الفريقين معركة. # ووقع القيزلر أغاسي قتيلا بعد أن دافع أشد الدفاع عن نفسه، ووقعت الجارية وطفلها في ~~أيدي فرسان مالطة، فظن الفرسان أن الطفل هو ابن السلطان وبالغوا في الاعتناء به وبأمه، ~~إلا أنهم عرفوا فيما بعد بعد أن الطفل لم يكن ابن السلطان فربوه في الديانة المسيحية ~~ونشأ قسيسا، وكان يطلق عليه اسم «الأب ~~العثماني Paere ottomam ~~» وكان الناس في أوروبا يعتقدون أنه من ذرية السلطان، ثم إن ~~فرسان مالطة بعد هذه الغنيمة عرجوا على قندية من جزيرة أقريطش ونزلوا على البنادقة هناك ~~فأكرموهم، فوصل هذا الخبر إلى السلطان فجن جنونه وأصدر أمره بادئ ذي بدء باستئصال جميع ~~المسيحيين ، إلا أن شيخ الإسلام عارضه بشدة فتوقف عن إنقاذ هذا الأمر، وأمر بقتل جميع ~~الإفرنج، فجاء الوزراء وأبدوا وأعادوا حتى أرجعوه عن أمره هذا، وحسنوا الاكتفاء بقتل ~~كهنة الكاثوليك، ولكنه رجع عن هذا أيضا وإنما اعتقل سفراء الدول المسيحية كلهم، وأرسل ~~يقول لهم إنه يجعلهم مسئولين عن الإهانة التي لحقت به، فأجابه سفراء البندقية وإنجلترا ~~وهولاندا بأنه لا يوجد في فرسان مالطة واحد من تبعة حكوماتهم، وأن جميع فرسان مالطة هم ~~فرنسيس، فهاج غضب السلطان إبراهيم علي الفرنسيس، وبينما هو يريد الانتقام منهم أغراه ~~الصدر الأعظم بفتح جزيرة كريت أو قريطش، وفي 24 يونيو 1645 كان الأسطول العثماني المؤلف ~~من ثلاث مئة وثمان وأربعين سفينة أمام هذه الجزيرة، وأنزل إلى خانيا خمسين ألف مقاتل، ~~فجاء أسطول البنداقة متأخرا فأخذوا ثأرهم بإحراق باتراس وكورون ومورون وأخذوا خمسة آلاف ~~أسير من العثمانيين، فلما اتصل الخبر بالسلطان اشتد غضبه وأصدر أمرا جديدا بنقل ~~المسيحيين في السلطنة، ورجع المفتي فعارضه أيضا بشدة، وفتح العثمانيون ريتمو وأبو ms253 ~~كورونو وكسانون من مدن أقريطش ولكن امتنعت عليهم قندية. # وكان السلطان مسترسلا إلى شهواته البدنية منقادا لجواريه الحسان يفعل لهن ما يشأن، ~~فاستنزفن خزانة السلطنة، وأسفت الرعية من هذه الحالة التي عليها السلطان، وكثر القال ~~والقيل فعزم السلطان على البطش بقواد الانكشارية والباهية، فتجمعوا وانضم إليهم العلماء ~~وقرروا خلع السلطان ومبايعة ابنه محمد الرابع - وهو طفل - ووقع ذلك في 8 آب 1648، وما ~~مضى أسبوع على هذا العمل حتى قام السباهية يطلبون إرجاع السلطان إبراهيم إلى العرش، ~~فخاف المفتي والعلماء على أنفسهم إذا رجع وجاءوا بالجلاد قره على ودخلوا على السلطان، ~~فأخذ السلطان يستغيث وقال للمفتي: كان يوسف باشا سول لي قتلك وأنا لم أقبل منه ~~واستحييتك، وأنت الآن تريد قتلي أفلا تلوت القرآن وعلمت كيف يكون حكم الظالمين؟ وبينما ~~يقول هذه الكلمات إذ وضع الجلادون الحبل في عنقه وشدوه فأزهقوا روحه. # السلطان محمد الرابع # وبقي السلطان محمد الرابع على عرشه وهو ابن سبع سنوات ورجعت الفوضى كما كانت قبل أيام ~~مراد الرابع، واضطر العثمانيون لرفع الحصار عن قندية وانكسر الأسطول العثماني، فقتل ~~الوزير صوفي محمد باشا بسبب هذه الهزيمة، وزحف الثوار من الأناضول صوب القسطنطينية ~~وقابلهم الصدر الأعظم قره مراد فهزموا وكادوا يستولون على الأستانة، إلا أن الخلف وقع ~~بينهم فتفرقوا وتمكنت الدولة من الايقاع بهم ومن استرضاء بعضهم. # وفي سنة 1651 ثار الانكشارية طالبين عزل شيخ الإسلام «بهائي» لأنه أفتى بجواز الدخان ~~والقهوة، وكانت الصدور العظام لا تستقر في الدسوت إلا أياما قلائل، وفي سنة 1656 ثار ~~الانكشارية والسباهية بسبب تأخر رواتبهم وطلبوا عقاب الوزراء، فاضطر السلطان لإرضائهم، ~~ولحسن الحظ كانت النمسا مشغولة بحرب الثلاثين سنة فلم تقدر أن تسترجع بلاد المجر، ولكن ~~الحرب بين البندقية والدولة العثمانية لم تكن سعيدة الطالع للدولة، وتغلب الأسطول ~~البندقي على الأسطول العثماني بإزاء الدردنيل، واستولى على تيندوس وعلى لمني، وبينما ~~الحالة هي في الدرجة القصوى من الخلل تولى زمام الصدارة الوزير «محمد باشا الكوبر لي ~~الشهير» ولم يقبل الصدارة إلا على شرط ms254 إطلاق يده في العمل، فوعدته السلطانة الوالدة ~~بعدم معارضته بشيء، وأول ما بدأ به من الأعمال أنه ألغى الأمر الصادر بقتل سلفه، ثم ثار ~~العكسر فأنزل بهم العقاب الصارم ورمى في البحر أربعة آلاف جثة، وبدت خيانة من بطريرك ~~الروم فشنقه، ثم جدد الحرب على البنادقة بشدة عظيمة واسترجع تيندوس ولمنى، وجاء رسل ~~شارل غوستاف ملك السويد يعرضون على الباب العالي محالفة دفاع وهجوم على بولونيا، فرفض ~~الكوبرلي وألقى في السجن معتمدي أمير ترانسلفانيا راكوشي الذي تحالف مع السويديين ومع ~~القوزاق على البولنيين، ثم عزله الكوبرلي وأقام مكانه رجلا يونانيا. وانقرضت بذلك ~~عائلة باسارابيه التي نبغ منها عدة أمراء، فثار راكوشي على الدولة وانتصر في أول الأمر ~~إلا أن الكوبرلي تغلب عليه، ووقعت معارك في بلاد رومانيا أوقع بها المسيحيون بالمسلمين ~~الذين هناك، فزحف الكوبرلي على بلاد الفلاخ وظاهره التتار فزحفوا إلى مولدافيا وقهروا ~~الرومانين وأقاموا أميرا من قبلهم على تلك البلاد. # ثم إن التتار تجاوزوا حدود مملكة النمسا فوقعت الحرب بين النمسا والدولة من أجل ذلك، ~~فصارت الحرب بين الدولة من جهة النمسا والبندقية من جهة أخرى وكادت تقع مع فرنسا أيضا، ~~وكانت امتيازات فرنسا في المملكة العثمانية مقررة ومسكوكاتها مقبولة، وما عدا الإنجليز ~~والبنادقة فكل الامم لأجل أن تتجر في البلاد العثمانية يجب عليها رفع العلم الفرنسي، ~~وكان الفرنسيس لا يؤدون شيئا من الضرائب في بلاد الدولة، وكان قرصان الجزائر لا يقدرون ~~أن يمسوا بسوء السفن الفرنسية، وكان للفرنسيس حتى اصطياد الصدف في سواحل الجزائر، وأكثر ~~من وطد هذه الامتيازات لفرنسا هو السفير سافاري دو بريف، ولكن بعد انقضاء أيام هذا ~~السفير أخذت المحبة بين فرنسا والباب العالي بالنقصان ولا سيما في زمان مراد ~~الرابع. # وكان الإنجليز والهولنديون أقنعوا السلطان بطرد الجزويت، وجاء سفير لفرنسا اسمه ~~«هنري دوغورنيه # de Gournay ~~» فأساء السياسة، فصدر ~~الأمر بإغلاق كنائس غلطة التي كانت تحت حماية فرنسا، وبمنع الفرنسيين من حمل السلاح ~~وبإجبارهم على دفع الرسوم والضرائب، ثم إن الأروام في القدس الشريف ms255 حصلوا على الإذن ~~بحراسة الأماكن المقدسة، وقد كانت من قبل في أيدي الفرنسيسكان، وأخذ قرصان الجزائر ~~يعتدون عى مراكب الفرنسيس، وانضم إلى ذلك أن سفير فرنسا عندما تولى الصدارة محمد باشا ~~الكوبرلي لم يقدم له الهدايا المعتادة، وقد كانت هذه سنة متبعة، ثم رأى السفير الموسيو ~~دولا هاي أن هذا الصدر الأعظم طالت أيامه فقدم له الهدايا اللازمة وعوض ما فرط، ولكن ~~كانت سخيمة الصدر الأعظم تمكنت من قبله فصار يترصد الفرصة ليوقع بين فرنسا ~~والدولة. # وكانت الحرب لا تزال مشتعلة بين البنادقة والدولة على أقريطش، وفي سنة 1659 جاء فرنسي ~~اسمه فيرتامون إلى الصدر الأعظم وسلمه رسائل واردة من جيش البنادقة في قندية باسم ~~المسيو دولاهاي سفير فرنسا في الأستانة، وكان هذا الفرنسي خائنا لقومه فسئل السفير عن ~~ذلك، وكان طريح الفراش بمرض الحصى، وكان الصدر الأعظم وقتئذ في أدرنة، فأرسل السفير ~~ابنه ينوب عنه، فبينما كان الصدر الأعظم يسأل ابن السفير عن معنى هذه المكاتيب لأنها ~~كانت محررة بالأرقام، أجابه الولد بغلظة فأمر الصدر بحبسه وقال: لا نتحمل من ابن سفير ~~ما يجوز أن نتحمله من سفير. فقام السفير من فراشه وذهب إلى أدرنة يحاول تخليص ابنه، ~~فسأل الصدر السفير عن معنى هذه المكاتيب، فأبى السفير أن يجيب بشيء، فبقي الولد في ~~الحبس، وأرسل الكردينال «مازارين» الماريشال «بلونديل» ومعه مكتوب من ملك فرنسا إلى ~~السلطان يطلب فيه عزل الصدر الأعظم، فلم يلتفت الكوبرلي لمعتمد فرنسا ولا أذن له ~~بمقابلة السلطان، فتحمل الكردينال مازارين هذه الإهانة وانتقم لفرنسا بإرسال متطوعين ~~يساعدون البنادق في أقريطش، وكان أمر الكوبرلي يغلظ يوما فيوما، وكلما ازدادت سنه ~~علوا ازداد بطشا وعتوا، وحصلت بعض فتوق في أيامه فسدها بدهائه وحزمه، وأطفأ ثورة ~~حصلت في مصر، وقبل أن يموت سأله السلطان عن الشخص الذ يليق بأن يخلفه، فأشار عليه بابنه ~~«أحمد باشا الكوبرلي» وكان كأبيه في الدهاء والحزم. # ولما تولى هذا الصدارة عرضت النمسا والبنادقة الصلح فلم يجب أحمد باشا الكوبرلي هاتين ~~الدولتين إلى الصلح، ms256 وزحف وعبر الطونة عند غران وهزم الكونت دوفورغاكس، وضيق الحصار على ~~بلدة نوهيزل # Neuhoesel # وهي أمنع معقل في بلاد المجر، ~~كان يقال إنها لا تؤخذ ففتحها الكوبرلي عنوة بعد حصار ستة أسابيع، ثم عاث الجيش ~~العثماني في المجر ومراغية وسيليسية، وسحب في رجوعه ثمانين ألف أسير، فاستغاث ~~الإمبراطور ليو بولد صاحب النمسا بدول النصرانية، فدعا البابا جميع النصارى إلى حرب ~~صليبية. # وكان لويس الرابع عشر غير ناس الإهانة التي لحقت بسفيره، فوعد بتجهيز ستين ألف مقاتل ~~لحرب الترك، وأرسل بالفعل ثلاثين ألفا بقيادة الكونت دوكليني # de Coligny # وتطوع في هذا الجيش أكثر أبناء بيوتات الشرف في فرنسا، وكان ~~الكوبرلي قد استولى على سيرين فار وكورمورن الصغرى، ولكن عندما وصل جيش الفرنسيس صارت ~~الحرب سجالا، وقطع الكوبرلي الأمل من محو قوة النمسا، فعقد الكوبرلي الصلح المسمى بصلح ~~فازفار سنة 1664، ووقع الاتفاق على أن ترانسلفانيا لا يكون فيها عثمانيون ولا نمسويون، ~~وأن يتولاها أمير تحت سيادة السلطان، وفي الولايات المجرية السبع يكون منها ثلاث للنمسا ~~وأربع للدولة العثمانية، وبقي الفرنسيس في البحر المتوسط يتجاوزون على سواحل الدولة ~~ويتعرضون لمراكبها، فاشتد غضب الأتراك ونادوا يا للثارات. # وكان في فرنسا الوزير «كولبير # Colberl ~~» لا يرى في ~~هذه العداوة خيرا، فأرسل ابن المسيو لاهاي لأجل السعي في الصلح، ولم يكن هذا الاختيار ~~في محله لأنه هو الذي أغلظ القول لمحمد باشا الكوبرلي وأمر هذا بحبسه، فلما وصل لاهاي ~~الصغير وقابل الكوبرلي الصغير اختصما في الكلام، فسمع لاهاي من الصدر الأعظم كلاما ~~مهينا، فخرج مغاضبا وقال للصدر: إنه سيغادر القسطنطينية. فلما وصل عند الباب قبضوا ~~عليه وحبسوه، ولما بلغ الخبر السلطان أمر باطلاق لاهاي واسترضائه، ولكن الكوبرلي رفض ~~تجديد امتيازات الفرنسيس، ومنعهم من المرور بالبحر الأحمر ومصر في تجارتهم مع الهند، ~~وأذن للإنجليز والجنوبيين، فأخذ الفرنسيس يوالون النجدات لجزيرة أقريطش، وكان الحصار ~~على قندية، فركب أحمد باشا الكوبرلي بنفسه وضيق الخناق على تلك البلدة، وأقبل فرسان ~~مالطة وأكثر أبناء النبلاء في فرنسا ينجدون قندية، إلا أنهم ms257 انكسروا في واقعة حاسمة ~~وتركوا ميدان القتال منصرفين إلى بلادهم، فازداد ضغط الأتراك على تجار الفرنسيس، فأرسل ~~لويس الرابع عشر أربع سفن لأجل حمل السفير ورجال السفارة وجميع التجار الفرنسيس الذين ~~في القسطنطينية، ثم جهز اثني عشر تابورا وثلاث مئة فارس في خمسة عشر سفينة تحت قيادة ~~«الدوك بوفور # Beaufort ~~» وأرسلها إلى كريت، ولكن ~~هذه الحملة لم تكن عظيمة الفائدة لكريت والبنادقة، ولم تمنع تغلب العثمانيين على ~~الجزيرة، وانعقد الصلح في 6 سبتمبر سنة 1669، ودخلت كريت كلها تحت حكم الدولة ما عدا ~~ثلاثة مراس كورابوزه وصوده واسيبنالونفه. وكان فتح العثمانيين لكريت هو آخر فتح لهم ~~فتحوه من ممالك النصرانية، ولم يوجد في التاريخ بلدة اشتد حصارها وطال نظير قندية، ~~واستمرت حرب كريت خمسا وعشرين سنة، في أثنائها قام العثمانيون بست وخمسين حملة، وصدوا ~~خمسا وأربعين هجمة، وأحرق المحصورون ألفا ومئة واثنين وسبعين لغما وأحرق الأترك ثلاث ~~أضعاف ذلك، وبلغ عدد خسائر البنادقة أربعين ألفا. # وذكر المؤرخ هامر أن خسائر العثمانيين بلغت مئة الف. # وكان لويس الرابع عشر وأكثر شبان فرنسا يريدون محاربة تركيا، إلا أن كولبير الوزير ~~المعروف كان لا يزال يعارض في هذه الحرب، وعزل السفير لاهاي وأرسل مكانه المركيز ~~«دونوانتل # de Nointel ~~»، فطلب من تركيا مطالب رفضها ~~الكوبرلي، وقال: إن تلك الامتيازات التي كان يتمتع بها الفرنسيس كانت من قبيل الأنعام ~~لا غير، وليست شرطا لازما، فإن لم يكن السفير يفهم هذا فما عليه إلا أن يرجع إلى ~~بلاده. فلما علم لويس الرابع عشر بما جرى أمر بتجهيز أسطول خمسين بارجة حربية، ولكن في ~~آخر الأمر تغلب الميل إلى السلام، وأعيدت معاملة الفرنسيس في تركيا إلى ما كانت عليه، ~~واعترفت الدولة لفرنسا بحماية الكاثوليك في الشرق، ومع هذا فإن لويس الرابع عشر بقي طول ~~حياته يكره تركيا ويفكر في شن الغارة عليها، ولم يتأخر عن ذلك إلا عجزا لأن الدولة في ~~أيام أحمد باشا الكوبرلي عادت فصعدت إلى ذروة المجد. # وفي أيام الكوبرلي دخل القوزاق الروس في طاعة ms258 الدولة، وكانت الدولة أعلنت الحرب على ~~بولونيا في 18 آب 1672 وزحف السلطان بذاته وكسر البولونيين، وعقد ملك بولونيا «ميشيل ~~فيسموفيكي» صلحا مهينا وتخلى عن «بادوليه» للعثمانيين وعن أوكرانيا للقوزاق، وتعهد ~~بدفع جزية سنوية عشرين ألف دوكة، فالشعب البولوني لم يوافق على هذا الصلح، وعاد القواد ~~فاستأنفوا الحرب، وكانت سجالا بين الفريقين، فتوسط خان القريم في الصلح وانعقدت ~~المعاهدة على أن يبقى قسم من أوكرانيا تابعا للدولة العثمانية، ومن سوء حظ الدولة مات ~~أحمد باشا الكوبرلي، وكان لم يتجاوز إحدى وأربعين سنة، وكانت وفاته في 30 أكتوبر 1676، ~~ولم يكن سفاكا للدماء كأبيه ولا كان شرها إلى المال، وكان محبا للعدل قائما ~~بالقسط، فتولى الصدارة بعده ابن عمه قره مصطفى باشا، ولم يطل الأمر حتى استؤنفت الحرب ~~في رومانيا وبلاد القوزاق، فزحف قره مصطفى بجيش جرار واستولى على كورين من ~~أوكرانيا. # وبينما العثمانيون يحاربون في أوكرانيا إذ حصلت وقائع في بلاد المجر حملتهم على عقد ~~الصلح، وذلك أن المجر كانوا قد اقتتلوا مع النمسويين، وكانوا منقسمين إلى قسمين؛ ~~أحدهما: حزب الكونت تكلي وهؤلاء كانوا يعتمدون على تركيا، والحزب الآخر: كان يعتمد على ~~النمسا، فاستعان «تكلي # Tekeli ~~» بالدولة وزحف قره مصطفى ~~باشا على رأس مئة وأربعين ألف مقاتل، وكان النصر حليف جيشه فاغتر بقوته وساق الجيش إلى ~~فيينا طامعا في أخذها، وكان الكونت تكلي والقائد العثماني في بود وأكثر القواد ضد هذا ~~الرأي، إلا أن قره مصطفى أصر على حصار فيينا، وكان قائد البلدة الأمير «اشتار نبرغ # Stharemburg ~~» فجند الأهالي كلهم وقابل هجمات ~~الأتراك بمدافع نادرة المثال، وقام الترك بثمانية عشر هجمة وحمل النمسويون من الداخل ~~أربعا وعشرين حملة، ووقع كثير من الحصون في أيدي الأتراك. # ويقول المؤرخ الفرنسي دولا جونكيير: إنه لولا بخل قره مصطفى لربما كان الجيش العثماني ~~استولى على فيينا، وذلك أنه كان يعتقد كون فيينا ملأى بالأموال والكنوز، فلو كان أمر ~~بحمله عمومية واستولى الجند على البلدة لكانوا نهبوها لأنفسهم، فكان يريد أن يأخذها ~~بدون أن يترك للعسكر ms259 حتى التصرف بالغنائب، فبقي منتظرا النصر مع حفظ النظام إلى أن ~~تمكن إمبراطور النمسا ليوبولد من استجلاب البولونيين لنجدة فيينا، وكان البابا استصرخ ~~لويس الرابع عشر باسم النصرانية، إلا أن شدة بغضاء ملك فرنسا لإمبراطور ألمانيا حالت ~~دون نجدة ملك فرنسا الذي كان يثبط سائر الدول المسيحية عن إصراخ الألمان. # وبرغم كل مساعي لويس الرابع عشر في خذلان النمسا زحف صوبيسكي ملك بولونيا وزحف أمراء ~~الساكس والبافيير لنجدة النمسا، وفي 12 سبتمبر 1683 اشتبكوا في معركة حاسمة مع ~~العثمانيين، فخاب السعد في هذه المعركة وفقد العثمانيون عشرة آلاف قتيل، وغنم الألمان ~~والبولونيون ثلاث مئة مدفع وخمسة آلاف خيمة وصناديق لا تحصى ملأى بالعدد، وسقط في أيدي ~~الألمان أعلام الجيش العثماني عدا السنجق الشريف، وتقهقر قره مصطفى باشا قاصدا إلى بود ~~فتعقبه البولونيون وهزموه هزيمة ثانية وقتلوا من جيشه ثمانية آلاف، واستولى الرعب على ~~الأتراك فولوا مدبرين، ووصلت الأخبار إلى الأستانة فثار ثائرة الأمة، واضطر السلطان ~~محمد الرابع إلى إصدار الأمر بقتل قره مصطفى باشا، وأرسلوا رئيس القرناء إلى بلغراد ~~لأجل تنفيذ هذا الأمر، وتولى الصدارة إبراهيم باشا في أحرج وقت عرفته السلطنة، وتألبت ~~على الدولة العثمانية عصبة من دول النصرانية: ألمانيا وبولونيا، والبندقية، والبابا، ~~وفرسان مالطة، وانضم إليهم الروس طمعا في دخول البحر الأسود وغزو بيزنطية، وكان الشيخ ~~العثماني قد دب الرعب في قلبه وكانت الخزانة خاوية، وكانت فرنسا غير داخلة في هذا الحلف ~~بغضا، ولكن كانت المراكب الفرنسية تغزو سفن المسلمين، ووقع قتال بين الأسطول الفرنسي ~~والمراكب العثمانية أمام جزيرة شيو، وضرب أمير البحر الفرنسي «دوكين # Duquesue ~~» مدينة الجزائر بالقنابر ودمرها، ولم يرجع ~~الفرنسيس عنها إلإ بعد أن أخذوا غرامة الحرب من إمارة الجزائر، وتسلموا الأسرى ~~المسيحيين الذين عندهم، وضرب أيضا دوكين مدينة طرابلس، فأوقع بها ما أوقع بالجزائر، ~~وجاء الفرنسيس فضربوا مراسي المغرب ودمروا الأسطول المغربي، ثم إن الهزائم التي وقعت ~~على جيش قره مصطفى باشا في النمسا تركت الطريق مفتوحا للعدو، فزحف إلى المجر، كما أن ~~البنادقة ms260 أعملوا الحركة لأجل فتح بلاد المورة، ووقعت بريفيزة في أيدي البنادقة ثم ~~نافرين ومورون وأركادية باتراس وليبانت وكورنتيه وأثينا. # وأما النمسيون فإنهم استولوا على فيسغراد وفاكسين ودخلوا بست وحصروا بود، واستولوا ~~على بعض مواقع للعثمانيين في كرواسية ودحروا والى بوسنة، ثم استولى قائد النمسا الدوك ~~دولورين على غران ونوهيزل، كما أن الكونت هوبشتاين استولى على ليكة وكوربافية ووادي ~~أودفينة، كما أن الجنرال شولتس هزم تكلي الأمير المجري المولى من قبل العثمانيين، فعين ~~السلطان سليمان باشا صدرا أعظم وعهد إليه باسترداد شرف السلطنة التي أصيبت من النوائب ~~بما لم يسبق له مثيل، وكان سليمان باشا شديد البأس مقداما، إلا أنه كان ينقصه علم ~~الحرب الذي كان موصوفا به الدوك دولورين، وهو القائد الأول في زمانه، وكان الدوك ~~دولورين يحاصر بود وفيها القائد عبدي باشا، وكان المحاصرون تسعين ألف مقاتل فردهم عبدي ~~باشا على الأعقاب مرتين، إلا أنه قتل في المعمة، وبعد قتله دخل النمسويون وحلفاؤهم إلى ~~بود، وذلك في 2 سبتمبر سنة 1686، وكانت بود هي آخر حدود الإسلام من جهة أوروبا، وبقي ~~العثمانيون فيها مئة وخمسا وأربعين سنة، وكانت هي باب الجهاد ومفتاح السلطنة ، وكانت ~~فيها مساجد ومدارس عديدة، فلم يبق منها شيء سوى مدفن لمجاهد يقال له «كل بابا» حافظ ~~عليه المجر إلى الآن وهو على رابية عالية من بود. # ومن آثار العثمانيين في بود حمامات معدنية لا تزال إلى الآن، ثم اشتبك سليمان باشا مع ~~العدو في موهاك، وهو مكان كان العثمانيون كسروا فيه المجر قبل ذلك التاريخ بمئة وستين ~~سنة، فلم يسعدهم طالع الحرب هذه المرة وخسروا عشرين ألف مقاتل مع المدافع والذخائر، ~~ودخل العدو بلاد ترانسلفانيا واستولى عليها واستولى على أربعة عشر حصنا في سلافونيا ~~وعلى كثير من القلاع في كرواسية، والمجر السفلى، فبعد توالي هذه المصائب على الدولة لم ~~تجد الأمة أمامها وسيلة لإصلاح الحال سوى خلع السلطان محمد الرابع، فخلعوه في 8 نوفمبر ~~1687 وبايعوا أخاه السلطان سليمان الثاني. # السلطان سليمان الثاني # وكان سليمان الثاني ms261 محبوسا مدة ستة وأربعين سنة في أحد القصور لا يخالط أحدا ولا ~~يخالطه أحد، وكان يقضي أوقاته بالمطالعة، فلما عرضوا عليه السلطنة حاولا الاستعفاء ~~منها، فأجبروه على القبول، ولكن الانكشارية والسباهية ثاروا على الحكومة وقتلوا الصدر ~~الأعظم وأهانوا حرمه، فلما شاع الخبر في الأستانة ثارت حمية الشعب وخرج العلماء تحت ~~العلم النبوي، ودعوا الأهالي إلى تأديب العسكر، فانقضوا عليهم وفتكوا بهم، وقتلوا ~~كثيرا من رؤسائهم، فأخلدوا إلى السكون وبقي النمسيون والبنادقة يتقدمون في فتوحاتهم، ~~فاستولوا على أرلو وطردوا العثمانيين من دالماسية، وأخيرا دخلوا بلغراد، فالتمس ~~الأتراك الصلح، فاشترطت النمسا شروطا ثقيلة إلى الغاية، فحاول العثمانيون الثبات ~~فتقهقروا أيضا وأخرجهم العدو من نيش وودن، وأصبحت أسكوب تحت خطر السقوط، وقال أحد ~~الوزراء: لا يزال أمامنا حملة واحدة ويصير العدو في الأستانة. فعقدت الدولة مجلسا في ~~أدرنة للتشاور فيما يجب عمله لإنقاذ السلطنة، وعهد بالصدارة إلى مصطفى باشا الكوبرلي ~~ابن الكوبرلي الكبير وأخو أحمد باشا الكوبرلي، فقام بالأمور خير قيام وبدأ بإصلاح ~~السلطنة من الداخل وملأ الخزائن بالأموال، واستأصل الرشوة، وأخذ على أيدي الظالمين، وسن ~~قوانين عادلة للخراج، وكان جانب من موارد السلطنة تحول إلى الأوقاف فأسترجعها الكوبرلي ~~وقال: إن الجهاد أولى بها. ثم بعد أن ملأ خزانة السلطنة بالأموال اللازمة نشر فرمانا ~~يقول فيه: إن الله يأمر المؤمنين بالجهاد إلى آخر رمق من حياتهم، وإنه يجب على المسلمين ~~أن ينفروا خفافا وثقالا. فثارت الحمية في رءوس المسلمين ونفروا من كل صوب، وفي الوقت ~~نفسه عامل النصارى بمزيد الرفق، وأطلق حرية التجارة فاستفاد من ذلك اليهود والنصارى. من ~~جملة ما شدد به هذا الصدر الأعظم الرشيد منع العساكر من الاعتداء على الأهالي ولو بمثل ~~حبة الخردلة، ومن خالف ذلك أنزل به العقاب الصارم، ثم نظر إلى أحوال القضاء فطهر ~~المحاكم وأشعر الرعية وجود العدل، وأعاد مجد السلطنة كما بدأ، وبحسن إدارته هذه حفظ ~~للسلطنة بلاد المورة، لأن الأهالي قاموا إذ ذاك وانتصروا للدولة على البنادقة، لا سيما ~~أن هؤلاء كانوا يسعون في ms262 نشر المذهب الكاثوليكي بين الأروام الأرثوذكسيين، فلما رأى ~~الأروام ما رأوا من عدالة هذا الصدر وحسن إدارته رجعوا إلى الدولة العثمانية من تلقاء ~~أنفسهم. # وبعد أن سدد الكوبرلي أحوال السلطنة وأعاد هيبة الحكومة كما كانت زحف إلى الثغور، ~~ووافاه خان القريم سليم غرائي، فبدءوا ببلاد الصرب فدوخوها وهزموا جيشا ألمانيا في ~~قوصوة، وهزم الأمير تكلي المجري حليف الدولة الجنرال هوسار وأخذه أسيرا، واسترجعت ~~الدولة نيش وردن وسمندريا وبلغراد، وذلك سنة 1690 ثم مات السلطات سليمان الثاني. # السلطان أحمد الثاني # وخلفه أخوه أحمد الثاني في 23 يونيو 1691 فكان للكوبرلي في مدة أحمد من نفوذ الكملة ~~ما كان في مدة سليمان، حتى إن السلطان أحمد قال مرة: إني لا أريد أن أعترض الكوبرلي في ~~شيء من أمور الإدارة خوفا من أن يتعطل بذلك ما هو أدرى مني. إلا أن الأقدار أبت إلا ~~حرمان السلطنة العثمانية من هذا الرجل العظيم، فإنه في الحرب في النمسا تلاقى في ~~«سالان كنيم # Salan Kenem ~~» مع جيش ألماني يقوده ~~لويس فون بادن، وكان الصدر الأعظم مخترطا سيفه أمام الجيش فأصابته رصاصة في صدره فخر ~~قتيلا، ودارت الدائرة على الأتراك وفقدوا ثمانية وعشرين ألف مقاتل ومئة وخمسين مدفعا، ~~وكانت مصيبة من أعظم المصائب على الدولة، وفقدت بفقده وزيرا عاقلا عادلا نشيطا ~~جريئا مهذبا صادقا اجتمع فيه من الخلال الباهرة ما قلما وجد في رجل من رجال ~~السياسة. # فبكاه المسلمون والمسيحيون معا وأسف الجميع لفقده وبقيت الدولة مدة أربعة سنوات لم ~~يلتئم جرحها الذي تركه موت الكوبرلي. # السلطان مصطفى الثاني # ثم تولى السلطنة مصطفى الثاني بن محمد الرابع، وكان عهده متسما بالمتانة والصلابة، ~~ورجع السلطان إلى دأب أجداده الأولين، وأعلن أنه سيباشر قيادة الجيش بنفسه، فقال له بعض ~~وزرائه: إنه لا يجوز له أن يعرض للتهلكة شخصه المقدس. فرفض كلامه، وفي بداية أمره كسر ~~الأسطول العثماني في خليج شيو أسطول البنادقة، وزحف خان التتار إلى بولونيا، وأوقع ~~بأهلها ولم يتوقف إلا عند لمبرغ. وجاء الروس فحاصروا آزوف فهزمهم ms263 العثمانيون والتتار ~~وقتلوا منهم ثلاثين ألفا. وذلك في أكتوبر سنة 1695 ثم دخل السلطان بنفسه بلاد المجر ~~وفتح ليبة، وجاء الجنرال فيتيراني ليصده فأحاط به الجيش العثماني، وبعد عراك شديد كثرت ~~فيه الخسائر من الفريقين أخذ قيتيراني آسيا وأمر السلطان بدق عنقه، ثم انتصر السلطان في ~~واقعة أولاش على أمير الساكس، وبينما كانت الأمور جاريه وفق مراد العثمانيين إذ تولى ~~البرنس أجين دوسافوا قيادة الجيش الألماني. # سلطنة مصطفى الثاني ابن محمد الرابع التي أبتدأت سنة 1695 كانت فاتحتها فاتحة حزم ~~وعزم، وما مضى ثلاثة أيام على استواء السلطان على سرير الملك حتى أعلن نيته أن يتولى ~~قيادة الجيوش بنفسه خلافا لما كان عليه أسلافه المتأخرون، وقد حاول بعض وزرائه أن ~~يأفكه عن عزمه هذا فلم يستفد شيئا. وقال له السلطان: إني ماض في خطتي هذه. ثم إن عهد ~~هذا السلطان بدأ بالظفر، فالأسطول العثماني كسر أسطول البنادقة أمام جزيرة سافس واستولى ~~العثمانيون على هذه الجزيرة، وزحف خان القريم على بولونيا وأوغل وأثخن ولم يتوقف إلا عن ~~لمبرغ، وكذلك الروس تركوا حصار آزوف بعد أن فقدوا ثلاثين ألف مقاتل وذلك في أكتوبر سنة ~~1695، ثم إن السلطان نفسه دخل بلاد المجر وافتتح مدينة ليبة عنوة وأسر الجنرال فيتيرافي ~~وأمر بقطع عنقه، ثم تغلب السلطان في واقعة أولاش على أمير الساكس قائد الجيش الألماني ~~في السنة التالية، فاشتعلت حماسة العثمانيين وصاروا يجودون بالعطايا لتجهيز الجيوش ~~ولتكتيب كتائب من المتطوعة، إلا أن طالع الحرب لم يستمر طويلا على هذا الشكل، فإن بطرس ~~الأول قيصر الروسيا عاد فافتتح آزوف، والبرنس أوجين دوسافوي تولى قيادة الجيوش النمسوية ~~فكسر الجيش العثماني على نهر «تيس # Thaiss ~~»، حيث فقد ~~العثمانيون ثلاثين ألف مقاتل منهم عشرة آلاف غرقوا في النهر وقتل الصدر الأعظم، وفر ~~السلطان ودخل العدو بلاد بوسنة، وذلك سنة 1697، فعاد الخطر فأحدق بالسلطنة، وعول ~~السلطان على وزير جديد من آل كوبرلي وهو الكوبرلي حسين باشا، وكانت الخزانة فارغة فجاء ~~الكوبرلي هذا ورمم الأحوال وحشد جيشا عهد بقيادته إلى ms264 دالتبان باشا وسرحه إلى بوسنة، ~~فأجبر النمسويين على الانكفاء إلى الوراء، فعبروا نهر الساف، وكان لويس الرابع عشر يغري ~~تركيا بمتابعة القتال، ويتعهد لها بواسطة سفيره الماركيز دوفريول بأنه لا يصلح النمسا ~~إلا إذا استرجعت تركيا بلاد المجر وجميع البلدان التي فقدتها، ولكن سياسة النمسا تغلبت ~~في ذلك الحين، وقيل إن الذهب لعب دوره في هذه المسألة، وانعقد الصلح بين تركيا والنمسا ~~على شرط ترك الأولى للثانية جميع المجر وترانسلفانيا، وسميت هذه المعاهدة بمعاهدة ~~كارلوفيتس وتاريخ انعقادها 26 يناير سنة 1699، وبموجبها تقررت الهدنة بين الدولتين إلى ~~مدة خمس وعشرين سنة وصار نهر الساف ونهر أنة فاصلا بين تركيا والنمسا، واسترجعت ~~بولونيا كامينيك وفادوليه وأوكرانية وبقيت أزوف للروسيا، وصارت بلاد المورة وجميع ~~دلماسيه إلى جمهورية البندقية وألغيت جميع الجزى التي كانت تدفعها الدول المسيحية إلى ~~الدولة العثمانية. # ومعاهدة كارلوفيتس هذه كانت إلى ذلك العهد أعظم ضربة على السلطنة العثمانية، فتراجع ~~الأتراك عن بولونيا والمجر إلى ما وراء نهر الدنيستر والساف والأنة، وظهر للجميع الضعف ~~الذي كان قد بدأ يعمل عمله في سلطنة آل عثمان. # وكان الخلل عاما جميع فروع الإدارة، وكانت الفتن مشتعلة على حدود إيران وفي القريم ~~وفي أفريقيا وفي بلاد العرب، فقام الكويرلي حسين الذي اقتفى أثر عمه برأب الصدوع وسد ~~الفتوق، وأعفى أهل بوسنة والبانات مما كانوا يؤدونه باسم الجيش، وترك لأهل الرومللي ~~مليونا ونصف مليون من متأخر الضرائب، وأصدر أوامر في جميع السلطنة بأن جميع المأمورين ~~يجب أن يكونوا علماء وأن يحفظوا القرآن وقواعد الدين، وشدد في انتخاب المدرسين ووضع ~~الإدارة وقيادة الجيش تحت رقابة شديدة، وأصلح الأمور المالية، وسن قانونا للبحرية وبنى ~~المساجد والمدارس والأسواق والثكن العسكرية، ورمم أسوار بلغراد وتمشوار ونيش وشحنها ~~بالأقوات، ونظر في أحوال المسيحيين من الرعايا فعاملهم على قدم المساواة مع المسلمين، ~~ولكن هذه الإصلاحات كلها لم تقع بدون مقاومة، فتألب على الصدر الأعظم حزب ممن كانوا ~~يعيشون بالغلول من أموال الدولة وأخذوا يدسون الدسائس حوله وحول أعوانه، إلى أن اضطروه ~~إلى ms265 الاستقالة، وكان أصيب بمرض عضال وفي 5 سبتمبر 1702 بعث إلى السلطان بختم الصدارة، ~~ومات بعد ذلك بسبعة عشر يوما وفقدت الدولة به رجلا عظيما ممن أخروا أجل سقوطها نظير ~~سائر آل الكوبرلي. # وقد أحدث موت الكوبرلي هذا فتوقا جديدة في السلطنة، وتولى الصدارة دالتبان باشا وكان ~~مغرما بالحرب يريد نقض المعاهدة التي انعقدت مع النمسا، إلا أنه لم يطل أمره وقتل، قيل ~~بدسائس بعض العلماء، فتولى الصدارة «نامي محمد باشا» فأراد أن يحذو حذو الكوبرلي في ~~الإصلاح فأثار عليه المشايخ جيش الانكشارية، وانتهى الأمر بخلع السلطان مصطفى الثاني، ~~ومبايعة أخيه أحمد الثالث. # السلطان أحمد الثالث # وفي أول الأمر اضطر السلطان الجديد إلى إرضاء الثوار وقتل المفتي فيض الله أفندي ~~بفتوى من خلفه محمد أفندي، وهو حادث لم يسبق له مثيل، غير أن السلطان بعد أن تمكنت ~~أقدامه في السلطنة عاد فأخذ ينكل بزعماء الثورة، فقتل منهم وغرب وعهد بالوزارة إلى صهره ~~المسمى داماد حسن باشا، فسار بالمملكة سيرة حسنة وثارت في أيامه بلاد الكرج فدوخها ~~واعتنى بتأمين قافلة الحج من الشام إلى مكة، وبنى مدارس وأنشأ دار صنعه بحرية. # وفي أيام الثالث كان لويس الرابع عشر قد خاض الحرب المسماة بحرب الوراثة في إسبانيا، ~~فعرض بواسطة سفيره على تركيا أن تدخل في حرب مع النمسا وتسترجع ما فقدته، ولكن حزب ~~السلام كان في تركيا غالبا فرفض السلطان طلب ملك فرنسا، وكانت الروسيا قد نجمت قرونها ~~إذ ذاك، فانتهزت فرصة اشتغال الدول الغربية بالحرب وخلا لها الجو ورأت تركيا وقد مالت ~~إلى الدعة، فجعلت تتأهب لقتالها، وتركيا كانت لا تحفل بما تفعله الروسيا بقيادة بطرس ~~الأكبر، وكان كارلوس الثاني عشر قد خشي مغبة قوة الروسيا فحمل عليها وطلب معاونة ~~السلطان فوعدوه بإرسال خان القريم لمعاونته، فاعتمد على هذا الوعد وأوغل في أرض الروسيا ~~بستة عشر ألف مقاتل لا غير فأنكسر، والتجأ إلى بندر ضمن الحدود العثمانية، وحاول أن يجر ~~العثمانيين إلى محاربة الروسيا فلم يفلح، وذلك لأن نعمان باشا الكوبرلي ms266 الصدر الأعظم ~~كان يكره دخول الدولة في الحرب، وكان هذا الكوبرلي نظير أسلافه في العدل إلا أنه كان ~~ينقصه علو أفكارهم، فسقط أخيرا، وكان أكثر السبب في سقوطه مشرفا له، لأنه عارض ~~السلطان في إسرافه، وأبى أن يجعل معاشات الانكشارية من طرق غير شرعية، فقال له السلطان: ~~إن سلفك شورولي كان يجد طرقا لتأديته رواتب العساكر، فأجابه الكوبرلي: لي الفخر بأن ~~أجهل مثل هذه الطرق. فعزله السلطان وولى مكانه محمد باشا البلطجي الذي أعلن الحرب على ~~الروسيا وتولى بنفسه قيادة الجيوش. # وكان بطرس الأكبر يؤمل أن المسيحيين في السلطنة العثمانية يرفعون لواء الثورة فلم ~~يتحرك منهم أحد، وسار البلطجي بمئتي ألف مقاتل من الترك والتتار وأحاطوا بجيش بطرس ~~الأكبر على ضفاف نهر البروت، وأوشك بطرس وجيشه أن يقعوا في الأسر، وكانت الروسيا لو ~~أسروا ستسقط من عداد الدول، فبادرت كاترينا بدهائها لتلافي الخطب ودخلت في المذاكرة مع ~~الصدر الأعظم وعززت الكلام بهدايا فاخرة قدمتها له، وانعقدت معاهدة فالكسن وذلك سنة ~~1711، وبموجبها تعهد قيصر الروسيا بإعادة قلعة آزوف ويهدم القلاع التي بناها في تلك ~~البلاد، وبعدم التدخل في أمور القوزاق، فكانت هذه المعاهدة مفيدة لتركيا، إلا أنها كانت ~~أفيد جدا لروسيا، لأنها أنقذت القيصر من الأسر، وثار غضب ملك السويد ووبخ البلطجي على ~~عدم أسره بطرس الأكبر، فأجابه البلطجي جوابا باردا وهو أنه لو أسر بطرس لبقيت بلاد ~~الروس بدون رئيس، فهذا الكرم كان بغير محله، بل كان نوعا من الخبال، وجاء الكونت بونيا ~~ثوفسكي سفير السويد وعرض القضية للسلطان وعضده خان القريم دولة غرائي، فغضب السلطان على ~~البلطجي وعزله ونفاه. على أن خلفه يوسف باشا لم يكن أيضا مغرما بالحرب، فعقد متاركة ~~مع الروسيا إلى مدة 35 سنة، وصدر الأمر لكارلوس الثاني عشر بأن يعود إلى بلاده، وكان ~~كارلوس جبارا عنيدا فأبى أن يمتثل الأمر وبقي معلقا أمله بجر العثمانيين إلى محاربة ~~الروسيا، فالتزمت الدولة أن تعالج إخراجه من أرضها بالقوة فعصى الأمر، فساقوا إليه ~~عشرين ألف عسكري من التتار ms267 وستة آلاف من الترك، فحاول مقاومة هذا الجيش بثلاث مئة من ~~رجاله ولكن العثمانيين لم يريدوا أن يغدروا بنزيلهم وصبروا عليه حتى رجع إلى السويد من ~~نفسه بعد أن أقام سنتين في تركيا. # وفي تلك المدة استفادت الدولة من الهدنة مع الروسيا وطردت البنادقة من جميع بلاد ~~الموره، ومن بعض البلاد التي كانت باقية لهم في كريت، ولكن جزيرة كورفو امتنعت على ~~العثمانين، فالتجأت البندقية إلى النمسا، وكان قائد جيوشها أوجين دوسافوي الشهير فأعلن ~~الحرب على تركيا وهزم الجيش العثماني في بترفاردين، وذلك في 5 أغسطس سنة 1716، وقتل ~~الصدر الأعظم في الوقعة واستولى النمساويون على «تمشوار» وحاصروا «بلغراد»، فزحف الصدر ~~الأعظم الجديد خليل باشا لنجدة بلغراد فانكسر أيضا، فالتزمت الدولة أن تعقد الصلح مع ~~النمسا وأخلت لها تمشوار وبلغراد وقسما من بلاد الصرب ومن بلاد الفلاخ، ورجع بطرس ~~الأكبر فاستفاد من هزيمة تركيا هذه، وأخل بالمعاهدة التي كان عقدها معه البلطجي، فتجددت ~~معاهدة أخرى وأقنعت الروسيا عدوتها تركيا بالاتحاد معها على قضية النظام الإرثي في ~~مملكة بولونيا، وغفلت تركيا عن كون بولونيا حصنا حصينا لها فسايرت الروسيا. # وتولى الصدارة إبراهيم باشا فقام يحارب العجم وأثار السنية الذين في بلادها فانتهز ~~بطرس الأكبر الفرصة وأغار على الطاغستان وسواحل بحر الخرز، فأرسل خان القريم ينذر ~~الدولة بسوء المصير، فزحفت الجيوش العثمانية على أرمينية وكرجستان وكادت الحرب تقع ~~بينها وبين الروس، فخاف بطرس الأكبر أن تدور عليه الدائرة هذه المرة أيضا، فوسط فرنسا ~~بينه وبين الدولة، فسعى دوبوا سفير فرنسا في إرضاء الفريقين وذلك من أملاك ~~العجم. # وكانت فارس يومئذ في حال أشبه بالفوضى، وكان الشاه مير محمود قد تغلب عليه أشرف ابن ~~عمه واستولى على الملك ونازعه طاهماسب، وكان هذا أحق بالملك شرعا، فتحارب الاثنان ~~وانتهى الأمر بهزيمة أشرف والتحاقه بسجستان حيث مات، وكان عند طاهماسب قائد عظيم اسمه ~~نادر كولي، كان في الأصل زعيم أشقياء، فزحف صوب تركيا واستدرج الولايات الفارسية التي ~~كانت قد دخلت في الحوزة العثمانية، فلم يشأ السلطان ms268 أن يثير على فارس حربا، فغضبت ~~الانكشارية وثاروا وطلبوا رأس الصدر الأعظم ورأس شيخ الإسلام ورأس القبطان باشي، فامتنع ~~السلطان عن إعطائهم رأس شيخ الإسلام، ولكن قتل لهم الآخرين، فلم يزدهم ذلك إلا تمردا ~~وخلعوا السلطان أحمد وبايعوا محمود الأول. # وفي زمن أحمد الثالث دخلت المطبعة في تركيا وأفتت مشيخة الإسلام بجوازها، إلا أنه بقي ~~طبع المصحف الشريف ممنوعا، وطبع في ذلك الوقت كتب كثيرة مثل جيهان نوما وهو جغرافية ~~للشرق مع أطلس، وخلاصات تاريخية وتقويم التواريخ، وهو سلسلة ملوك الشرق وعظمائه إلى سنة ~~1732، وتحفة الكبار وهي تاريخ البحرية العثمانية إلى سنة 1655، وتاريخ تيمور من قلم ~~نظمي زاده، وتاريخ مصر للسهيلي، وتاريخ الأفغان مع مختصر تاريخ الدولة الصفوية في فارس، ~~وتاريخ بوسنة من سنة 1736 إلى سنة 1739، وهي مدة اتصلت فيها الحروب في ذلك الإقليم، ~~وتاريخ الهند الغربية، وكتاب الفيوضات المغنطيسية يتكلم عن خصائص المغناطيس وإبرته ~~المعروفة، فهذه هي الكتب الأولى التي طبعت بالمطبعة العثمانية بحسب رواية المؤرخ ~~«لاجونكيار» ~~“Lajonquiere” ~~، وقد قرأت في بعض ~~المظان ما يخالف هذا وهو أن أول كتاب طبع في الأستانة هو صحاح الجوهري، ثم إن الدولة ~~عادت فمنعت المطبعة، وبقي ذلك إلى زمن السلطان عبد الحميد الأول الذي أصدر خطا شريفا ~~في تاريخ 12 مارس سنة 1784 بإعادة المطبعة تحت إدارة محمد رشيد أفندي وأحمد واصف أفندي، ~~فكانت مدة إهمال المطبعة أربعين سنة، ثم إن السلطان محمود الأول اهتم بها مزيد ~~الاهتمام. # وكان السلطان أحمد الثالث شاعرا أديبا وله شعر رقيق لا سيما في الغزل أحفظ من ~~جملته: # عجبا لسلطان يذل له الورى # ويصول سلطان الغرام عليه # وما أكثر الأدباء والشعراء في آل عثمان. # السلطان محمود الأول # تولى السلطان محمود الأول سنة 1730 ولأول سلطنتة ثار الانكشارية وعلى رأسهم المسمى ~~بترونة خليل، فقمعت الحكومة ثورتهم وقتلت منهم سبعة آلاف، وعاد السكون إلى العاصمة، ثم ~~استأنفت الدولة محاربة العجم وأجبرت الشاه طاهماسب على طلب الصلح، فانعقد في 10 يناير ~~سنة 1732 ونزلت العجم عن تبريز وأردهان ms269 وهمذان وجميع اللورستان، وأيضا تركت لتركيا ~~الداغستان وناختشيفان وأريفان وتفليس وغيرها، ولكن هذا الصلح لم يطل أمره، فإنه برز ~~نادر كوليخان من قواد العجم وخلع الشاه طاهماسب وصار هو كافلا للمملكة الفارسية ووصيا ~~على القاصر الشاه عباس الثالث، فنقض نادر المعاهدة وغزا البلاد العثمانية وحصر بغداد، ~~فاشتبكت في المعركة الثالثة، ووقع السر عسكر طوبال عثمان باشا قتيلا، وكان هذا قائدا ~~بطلا ووزيرا عادلا فاضلا خسرت تركيا بموته خسارة لا تعوض، وأرسلت الدولة جيشا آخر ~~بقيادة السر عسكر عبد الله باشا الكوبرلي بن مصطفى باشا الكوبرلي، فقتل هذا السر عسكر ~~أيضا، فاضطرت الدولة إلى طلب الصلح، وعقدته مع نادر شاه الذي كان تولى سلطنه العجم، ~~ورجعت مع إيران إلى الحدود التي كانت تحددت بين السلطان مراد الرابع والعجم سنة 1639، ~~وأكثر السبب الذي حدا تركيا على طلب الصلح هو نشوب الحرب بينها وبين الروسيا. # وكانت بولونيا في فوضى مستمرة فانتهزت الروسيا من جهة والنماس من جهة أخرى الفرصة ~~لأجل اقتسامها، وقاتل ستانسلاس ملك بولونيا قتالا شديدا، إلا أن الروس تغلبوا عليه ~~فصارت بولونيا في قبضة الروسيا بينما فرنسا مشغولة بالحرب مع النمسا، وكان عند الدولة ~~العثمانية رجل فرنسي اسمه أحمد باشا أصله من البحرية الفرنسية، وقد جرت معه وقائع خرج ~~من أجلها من وطنه في خدمة النمسا ، وامتاز بالبسالة في الحرب بين النمسا وتركيا، ثم وقع ~~الخلاف بينه وبين البرنس أوجين فألقاه في السجن، فوجد وسيلة للفرار من السجن والتجأ إلى ~~تركيا وصار قائدا وتسمى بأحمد باشا، وقدم للسلطان تقريرا يطلعه فيه على أسرار ~~السياسية الأوروبية وأشار على السلطان بعقد محالفة مع فرنسا وأقنعه بها، فرضي السلطان ~~بذلك حتى يتمكن من قهر النمسا، ولما علم كارلس الثاني إمبراطور النمسا هذه المحالفة مع ~~فرنسا أسرع بمصالحة هذه، وفي أثناء ذلك زحف الروس إلى تركيا بينما هي في حرب مع العجم ~~فاستولوا على آزوف والقريم وغيرهما. # ولما كانت النمسا قد صالحت فرنسا واستراحت من حروبها مع إسبانيا وسردانيا عبأت جيشا ~~كبيرا وغزت به بلاد ms270 السرب والفلاخ والبوسنة، وظنت نفسها قد نالت مرامها فانكسر جيشها ~~في بنالوفة، والتزمت أن تخلي البوسنة. وكذلك انكسر جيشها في الصرب تحت قيادة البرنس ~~هيلدبورهوزن فطلب إمبراطور النمسا الصلح وذلك سنة 1737، وتوسطت إنجلترا وهولاندا في ~~إعادة السلام، إلا أن الباب العالي اشترط أن يكون الصلح بواسطة فرنسا، واسترجعت الدولة ~~في تلك النوبة بلادا كثيرة كانت قد استولت عليها النمسا، ولولا غفلة الحاج محمد باشا ~~الصدر الأعظم لكان الجيش النمسوي قضي عليه بتمامه، فأما الحرب مع الروسيا فكانت سجالا، ~~ففي البداية انكسر الروس على نهر الدينيستر وأحرق الأسطول العثماني أسطول الروسيا إلا ~~إنهم عادوا فيما بعد فانتصروا على العثمانيين ودخلوا ملدافيا. # وبمساعدة المركيز «فيلنوف» ~~“Villeneuve” # انعقد الصلح ~~بين الدولتين الروسيا والنمسا وبين الدولة العثمانية وذلك بكفالة فرنسا، وبموجب هذه ~~المعاهدة رجعت بلغراد وشابانز وجميع بلاد الصرب والفلاخ أورزوفة إلى تركيا، وجعلت هذه ~~المعاهدة لمدة سبع وعشرين سنة، وقد محت معاهدة كارلوفيتس السابقة التي كانت وصمة عار ~~على العثمانيين. # فأما الروسيا فقد رضيت بالصلح على شرط أن تهدم قلعة آزوف، ولا يكون لها سفن حربية لا ~~في قلعة آزوف ولا في البحر الأسود، وأعاد الروس جميع البلاد التي كانوا احتلوها من ~~تركيا، وقال المؤرخ الألماني «هامر» ~~“Hammar” # إنه في ~~ذلك الوقت ساد النفوذ الفرنسي في الأستانة إلى أن صار كل شيء بيد فرنسا تقريبا، وطلبت ~~فرنسا تعديلات في الامتيازات الأجنبية المعروفة بامتيازات سنة 1673 فأجيبت إليها، وذهب ~~السفير العثماني محمد سعيد ليقدم ذلك إلى لويس الخامس عشر في فرساي، فقوبل باحتفال عظيم ~~ورجع ومعه مدربون فرنسيس للجيش العثماني بحسب طلب «بونفال» ~~“Bonval” # الفرنسي، الذي كان أسلم وتسمى بأحمد باشا، وهو الذي مات سنة ~~1160 هجرية ودفن في بيره من بلاد اليونان، ثم إن تركيا عقدت محالفة عسكرية هجومية ~~دفاعية مع السويد في وجه الروسيا. # وفي ذلك الوقت توفي الإمبراطور كارلس السادس صاحب النمسا وترك الملك لابنته ماري ~~تيريز، فتحركت أطماع الدول الأوروبية وأردن اقتسام النمسا، وكانت هذه أحسن فرصة للدولة ~~العثمانية حتى ms271 تسترجع بلاد المجر، وكانت فرنسا على رأس الدول التي تريد تمزيق النمسا، ~~فدعت تركيا إلى الاشتراك معهن فأبى السلطان نقض العهد، وشرع يرسل المواعظ إلى تلك الدول ~~حتى تمتنع عن إثارة الحرب، وأصدر الصدر الأعظم منشورا طويلا يصف فيه أهوال الحرب ~~بأبلغ العبارات ويختمه بدعوة الدول المسيحية إلى السلام. وعبثا حاول بونفال المسمى ~~أحمد باشا وسفير فرنسا وغيرهما تحريك السلطان ورجاله لانتهاز هذه الفرصة وساعدهم في ذلك ~~أرسلان غرائي خان القريم الذي كان يعرف مقاصد الروسيا، فالدولة العثمانية حينئذ أصرت ~~على التزام السكوت، وتوسطت إنجلترا بينها وبين الروسيا وأوستريا حتى عقدت بين الدول ~~الثلاث معاهدة سلم دائمة، ثم إن الدولة وحدت بين إمارة الفلاخ وملدافيا، وصارت ترسل إلى ~~هناك أميرا تنتخبه من أروام استانبول، فكان رجال الدولة يضعون هذه الإمارة بالمزاد، ~~فيذهب الأمير الرومي من الأستانة فيجمع ما يقدر عليه من الأموال بالطرق الدنيئة وغير ~~المشروعة، ويرشون بها رجال الديوان لأجل إطالة إمارته، حتى إذا جاء من زاد عليه صرفوه ~~عن الإمارة وولوا الذي زاد، وهكذا ساءت إدارة الفلاخ والبغدان، وكان هذا النسق في الحكم ~~يزيد بغضاء أهالي رومانيا للأتراك ويحملهم على محبة الروس، وقد جنت الدولة العثمانية في ~~تحكيم هؤلاء الأروام في بلاد رومانيا اتحاد الرومانيين مع الروس في وجهها وكان ذلك ~~وبالا عليها. # السلطان عثمان الثالث # وفي 13 ديسمبر سنة 1754 توفي السلطان محمود الأول بعد أن ملك أربعا وعشرين سنة، وكان ~~حليما رءوفا محبوبا فأسف عليه الناس أجمع وخلفه السلطان عثمان الثالث، وكان الصدر ~~الأعظم هو علي باشا، فاستخف بأمر السلطان وأكثر الغلول من مال الدولة، فأمر السلطان ~~بقتله ووضع رأسه في صحن من فضة على باب القصر السلطاني، وولى الصدارة وزيرا اسمه محمد ~~راغب باشا، وكان في غاية الدهاء والحكمة مع الحزم والعزم، وكانت له خبرة بالسياسة ~~الخارجية ولم يطل أمر عثمان الثالث، ولم يحصل شيء في زمانه سوى حريق لم يسبق له مثيل في ~~الأستانة التهم نصف هذه العاصمة ومات عثمان الثالث في 29 أكتوبر ms272 سنة 1757. # السلطان مصطفى الثالث # وخلقه ابن أخيه وهو السلطان مصطفى الثالث ابن أحمد الثالث. # وقد بدأت سلطته في أثناء حوادث أثارت ثائر الأمة؛ منها الاعتداء الذي جرى على قافلة ~~الحجاج بين الحرميين، ومنها أن سفينة أمير الماء، أي القبطان باشي خرج منها جنودها وبقي ~~فيها بعض النواتية من الأرقاء المسيحيين فذهبوا بها إلى مالطة. # غير أن السلطان بدأ بالإصلاح فعلا، وأول ما وجه إليه همه هو إصلاح الأمور المالية ~~وضبط الجبايات واتباع سياسة التوفير ولا سيما في القصر السلطاني، وأخذ السلطان إدارة ~~الأوقاف من يد أغا القصر وسلمها إلى الصدر الأعظم، وكان راغب باشا يبني المحاجر الصحية ~~توقيا من الطاعون، ويقوم بإصلاحات أخرى مثل بناء دار الكتب العظيمة التي بناها في ~~استانبول، وكان مراده أن يشق بلاد الأناضول بترعة تتكون من نهر سقارية، ومن بحيرة واقعة ~~بين سقارية وإزنيق، وذلك تسهيلا لنقل الحبوب والأقوات، فمات قبل أن يتمكن من إجراء هذه ~~الفكرة الحسنة وكانت وفاته سنة 1752. # وبينما كانت الدولة في أشد الحاجة إلى مثل راغب باشا جرت حوادث في غاية الخطورة، منها ~~قتل بطرس الثالث قيصر الروسيا وجلوس كاترينة الثانية على عرش تلك المملكة، وموت أوغوست ~~الثالث ملك بولونيا، وكانت الروسيا قد دخلت في صف الدول العظام، وأخذت تنمو بسرعة، ~~فوجهت جميع دسائسها إلى إسقاط مملكة السويد، ومملكة بولونيا والسلطنة العثمانية، وقد ~~تغلبت على السويد ونزعت من يدها بموجب معاهدة نيستاد أحسن ولاياتها في البلطيق الغربي، ~~ثم قضت الروسيا على مملكة بولونيا وأجلست على عرش هذه المملكة الكونت ستانسلاس ~~بونيائوفكس عشيق القيصرة كاترينة - أو أحد معشوقيها الذين كان لا يأخذهم الإحصاء - ~~فاحتجت تركيا وفرنسا على عمل الروسيا هذا، ولكن الدولة العثمانية كان بلغ منها فساد ~~الإدارة وفشو الرشوة والخيانة إلى أقصى حد يتصوره العقل، وكان الإنجليز يستعملون المال ~~في جميع مقاصدهم، وينالون به جميع ما يريدونه من الدولة، وكان السلطان يعرف كل ذلك ولا ~~يقدر على الإصلاح نظرا لشمول الفساد وعموم البلوى، حتى إنه قال لخان القريم: إن جميع ~~الباشوات ms273 الذين عندي قد فسدت أخلاقهم ولم يبق لهم هم إلا في اقتناء الجواري وآلات الطرب ~~وبناء القصور. وفي أثناء ذلك اعتدى الروس على حدود الدولة ودخل القوزاق إلى بالطة، ~~فأعلنت الدولة الحرب على الروس، ولكن كانت جيوشها في أسوأ حالة، وكان مضى زمن طويل وهي ~~خافضة في السلم، فنسيت أهم معدات القتال، وكانت قلاعها قد تداعت إلى الخراب، وكان ~~المدفعية في أشنع حال، وكان الولاة قد أخذوا يستقلون في ولاياتهم مثل أحمد باشا في ~~بغداد والحاج يمكلي في طرابزون والمملوك علي بك في مصر وغير ذلك، وثار يومئذ ظاهر العمر ~~الزيداني في عكا. # هذا ولما أعلنت تركيا الحرب على الروسيا زحف خان القريم كريم غرائي فاخترق حدود ~~الروسيا وهزم الروس، وعاد إلى بندر بخمسة وعشرين ألف أسير منهم، ولسوء الحظ مات كريم ~~غرائي في أثناء ظفره هذا فزحف الروس وحاصروا شوقسين فامتنعت عليهم، وجاء أمين باشا قائد ~~العثمانيين لنجدة التتر فانهزم وأمر السلطان بقتله، وخلفه وزير يقال له المولدوفنجي فلم ~~يتوفق لأنه بينما كان يعبر نهرد دنيستر طغت المياه فزعزعت أركان الجسرين اللذين على ~~النهر فازدخم الجيش العثماني ازدحاما ساعد على انهيار الجسور فغرق منه عدد كبير، بينما ~~كان الروس يرمون على الجيش بنيرانهم، فانكفأ العثمانيون إلى نهر الطونة ودخل الروس إلى ~~بلاد رومانيا، ثم أرسلت الروسيا أسطولا إلى البحر المتوسط، فأثار بلاد المورة وبلاد ~~الجبل الأسود، فتوالت الوقائع بين الأتراك وبين الثائرين من الأروام ومن السلاف، ~~واشتعلت الحرب بين الأسطولين العثماني والروسي، واحترق الأسطول العثماني في ششمة، وكان ~~يقود الأسطول الروسي أورلوف الشهير عشيق القيصرة كاترين الثانية، ولكن قيادته كانت ~~اسمية، والفعل كان لأمير الماء الايكوسي المسمى الفنستون، وأراد الفنستون هذا أن يخترق ~~الدردنيل، فأبى أورولوف أن يطيعه وجاء فحصر جزيرة لمبي التي هي قبالة ذلك البوغاز، وكان ~~العثمانيون قد بادروا إلى تحصين الدردنيل وحشدوا على الضفتين ثلاثين ألف مقاتل، وهكذا ~~أمنوا خطر عبور الروس إلى الأستانة. # وأما في رومانيا فدارت الدائرة أيضا على العثمانيين مع أنه كان عندهم ms274 هناك مئة ~~وثمانون ألف مقاتل، وأوشكوا أن يحيطوا بالروس، ولكن بسوء إدارتهم تغلب الروس عليهم في ~~معركة كاهولو، وقيل إنهم فقدوا خمسين ألف مقاتل، ولم يكن من يفكر في حفظ شأن السلطنة ~~غير السلطان وحده، وكان الوزراء كلهم تحت تأثير الإنجليز يريدون الصلح، وقد طلبوا وساطة ~~النمسا لذلك، وكان البارون «دوطوط» ~~“de Tott” # الفرنسي ~~يشتغل بأمر السلطان في ترميم المدفعية العثمانية، إذ بعد أن كانت هي المدفعية الأولى في ~~أوروبا تقهقرت إلى الدرك الأسفل، فأنشأ السلطان مدرسة للمدفعية والهندسية في ~~الكاغدخانة، وكذلك بنى السلطان مدرسة للبحرية، وذلك في دار الصنعة التي يقول لها ~~الأتراك الترسانة، وكانت البحرية وصلت إلى أقصى حدود الخلل، وصار القبطان باشي أي ناظر ~~البحرية يضع السفن تحت المزاد، فالذي يزيد له في الرشوة يقلد قيادة السفينة، ومما لا شك ~~فيه أن البارون دوطوط خدم العثمانيين في ذلك الوقت خدمه جزيلة في ترميم المدفعية ~~والبحرية. # وفي سنة 1771 هاجم حسن بك التركي ومعه أربعة آلاف متطوع جزيرة لمني وهزم الروس ~~وألجأهم إلى الفرار بأسطولهم، فكافأه السلطان بنظارة البحرية، وانهزم الروس أيضا في ~~كرجستان وفي طرابزون، إلا أنهم تغلبوا على القريم، وكانت هذه قاصمة الظهر لتركيا، إذ ~~أعلن البرنس الروسي قائد جيشهم استقلال القريم عن تركيا ووضعها تحت حماية الروسيا، ومن ~~بعذ ذلك صار البحر الأسود بين الدولتين بعد أن كا عثمانيا بحتا. # أما النمسا فقد اتفقت مع بروسيا والروسيا على اقتسام بولونيا، ثم توسطت النمسا في ~~الصلح بين تركيا والروسيا، واجتع رجال الدول الثلاثة في مولدفيا، وعندما بدءوا ~~بالمذاكرات الصلحية اشتط الروس في مطالبهم، فرفضت تركيا صلحا كهذا واستؤنفت الحرب، ~~فأنكسر الروس في «روسجق» و«سيلستريه» من بلاد البلغار، فذهبوا إلى بازرجيك، وهي مدينة ~~غير محصنة، فانتقموا عن هزائمهم بقتل الأهالي وفيهم النساء والأطفال، وروى المؤرخ ~~«هامر» أن حسن باشا قبطان البحر على رأس جيشه من السباهية طرد الروس إلى ما وراء ~~الدانوب، وغنم مدافعهم وأرزاقهم وقدور الطعام فيها اللحوم وهي نصف ناضجة. # ثم إن الدولة تغلبت على ms275 علي بك الثائر بمصر بالاتفاق مع ظاهر العمر الزيداني والى عكا ~~الذي كانت السفن الروسية تمده بالمال والسلاح، ولسوء طالع السلطنة مات مصطفى الثالث ~~بينما كان يريد أن يقود الجيش المرابط على الدانوب، وذلك في 21 سبتمبر سنة 1773، وأسفت ~~الأمة العثمانية بأجمعها عليها لأنه كان مصلحا كبيرا، وجاء في زمن بلغت فيه الإدارة ~~أبعد ما تصوره العقل من الخلل، فعالج أمراض السلطنة بصبر عجيب وأصلح جانبا كبيرا مما ~~كان ينوي إصلاحه. # وقد فكر السلطان في خرق برزخ السويس وكلف البارون دوطوط بأن يرسم له خطة لهذا المشروع ~~الذي كان ينوي إجراءه بعد عقد الصلح. # السلطان عبد الحميد الأول # فتولى الملك السلطان عبد الحميد الأول والملك جمرة تضطرم، ولم تصل الفوضى في السلطنة ~~العثمانية إلى مثل ما وصلت إليه لذلك العهد، فإن أحمد باشا والى بغداد كان قد أعلن ~~استقلاله، وظاهر العمر الزيداني كان قد استفحل أمره واستولى على بلاد الجليل، التي يقول ~~لها العرب «بلاد الأردن» وحصن عكا واتخذها عاصمة له، وكان محمد بك والى مصر ثائرا ~~تقريبا، وكان محمود باشا والى اشقودره في شمالي ألبانيا قد انفصل عن الدولة، وكان أهم ~~منه علي باشا وإلى يانيا الذي أسس في جنوبي ألبانيا مملكة مستقلة. # دخل عبد الحميد الأول على السلطنة وهي بهذه الحالة، وجاءت الروسيا وأعلنت عليه الحرب ~~انتقاما عن هزائهما الماضية، وأسرع القائد الروسي الكونت رومانسوف فقطع بين الجيش ~~العثماني وبين ميرته التي كانت في فارنة، فوقع الرعب في الجيش وتبدد شمله، ولم يبق مع ~~السرعسكر إلا 12 ألف مقاتل، فرأى السلطان أن مداومة الحرب مستحيلة، وعقد مع الروسيا ~~معاهدة «كوتشوك قينارجي» في 21 يوليو سنة 1794، وبهذه المعاهدة انسلخت بلاد القريم ~~وبلاد بوجاق وبلاد قوبان عن تركيا، واستولى الروس على كيلبورم ويني قلعة وآزوف، وصار ~~لهم حق الملاحة في البحر الأسود، ورجعت الفلاخ والبغدان إلى تركيا، ولكن مع الاعتراف ~~للروسيا بحق إبداء رأيها في شئون تينك الإمارتين، وكذلك صار للروسيا حق آخر وهو التكلم ~~في الشئون العائدة للمسيحيين وكنائسهم، ms276 مما كان السبب في الحرب المسماة بحرب القريم سنة ~~1854. # قال هامر مؤرخ السلطنة العثمانية: من بعد هذه المعاهدة صار السلم والحرب مع الدولة ~~العثمانية في قبضة الروسيا، وقلما وجدت معاهدة على تركيا أشأم منها، ولم ينشف الحبر على ~~الورق حتى أعملت الورسيا دسائسها في شبه جزيرة القريم، فثار الأهالي وخلعوا دولة غرائي ~~الأمير الشرعي وبايعوا شاهين غرائي الذي انضوى تحت لواء الروسيا، فلم يقبل أشراف البلاد ~~أن يدخلوا في طاعة الخان الجديد، فاستنجد هذا كاترينة فأرسلت إليه جيشا سبعين ألف ~~عسكري، فقبضوا على أشراف البلاد وأعيانها وقتلوا منهم وغربوا وارتكبوا الفظائع، وانتهى ~~الأمر بخضوع القريم للحكم الروسي، وبعد أن قضت الروسيا وطرها من القريم نفمت الخان ~~شاهين هذا إلى الخارج، فلجأ إلى تركيا فنفوه إلى رودس وقيل إنهم قتلوه، وصارت القريم ~~والقوبان من ذلك العهد جزءا من الروسيا، واعترف الباب العالي بذلك سنة 1784، وكانت ~~النمسا والروسيا متفقتين حينئذ، وتعاهد الإمبراطور يوسف الثاني صاحب النمسا والقيصرة ~~كاترينة على اقتسام تركيا، فاضطر الباب العالي أن يعلن الحرب على الدولتين، فزحفت ~~الجيوش النمسوية من جهة بلغراد فكسرها الصدر الأعظم في لاغوس واكتسح بلاد البانات التي ~~كانت لتركيا من قبل، وهاجم الأتراك مدينة كليبورم فامتنعت عليه لأن الروس أحسنوا الدفاع ~~عنها، واستولوا على هوفسيم وعلى اوقزاقوف، وجاء قبطان البحر حسن باشا لينقذ أوقزاقوف، ~~فخسر خمس عشرة سفينة وأحد عشر ألف مقاتل، فكانت نتيجة هذه الفادحة أن الروس دخلوا ~~اوقزاقوف وذبحوا 25 ألف نسمة من أهلها. # وفي أثناء هذه الحرب ظهر رجل في الأناضول تسمى بالشيخ أوعلان أولو، وزعم أنه المهدي ~~وكاد يثير الأناضول كلها على الدولة، ومن الغريب أن هذا المهدي كان في الحقيقة رجلا ~~طليانيا اسمه الأصلي «جيوفني ~~فاتيستابوتي» ~~“Jiovanni Battisla Boalti” ~~، ولد في بيازانو من إيطالي ودخل راهبا عند الدومينيكان ~~في أوفين ~~“Ravenne” # فأرسلوه إلى الموصل، فاختلف هناك ~~مع المطران وخرج من الدير، وأخذ يجوب بلاد الأناضول وبلاد إيران، وانقلب من الرهبانية ~~إلى القيادة العسكرية، وإلى الدعاية المهدوية، وأخذ يخطب في الأمصار ms277 في إعادة الإسلام ~~إلى نقائه الأول كما كان عليه السلف، فانقاد الناس إلى كلامه وأطاعوه، وزحف إلى أرضروم ~~واستولى عليها وتلقب بالمنصور، واراد أن يتقدم منها إلى سيواس، فأرسل الباب العالي رسله ~~إلى هذا المهدي يقول له: إنه ما دام المهدي المنتظر فليظهر حماسته الدينية في محاربة ~~الروسيا، فاقتنع المهدي المنصور بهذا الكلام وسار إلى القوقاس يحارب الروس وانتصر في ~~الوقعة الأولى على القائد الروسي أبركسين، ثم انكسر، وما زال يحارب مدة أربع سنوات، ~~والحرب بينه وبين الروس سجال، إلى أن وقع في أيدي الروس أسيرا فعاملته كاترينة معاملة ~~حسنة، وأجرت عليه رزقا كافيا وعاش في دير الأرمن الكاثوليك إلى سنة 1798. # أما السلطان عبد الحميد الأول فبعد توالي هذه المصائب على المملكة مات غما وذلك في ~~7 أبريل سنة 1787. # السلطان سليم الثالث # وتولى مكانه ابن أخيه السلطان سليم الثالث، وكان عبد الحميد بخلاف السلاطين السابقين ~~برا بأهله، فكان يعامل السلطان سليما معاملة الأب لأبنه. # فجلس السلطان سليم أسوأ ما كانت السلطنة حالا، وكان سليم مقتنعا بوجوب إصلاحها ~~والأخذ في إدارتها بالطرق العلمية الأوروبية، وكانت هذه الفكرة وقد ملأت دماغه، فتجشم ~~مشقة إجرائها وأنفذ كثيرا منها، وكان حميد الخصال عاقلا حليما، فبدأ ملكه بالعفو ~~والمرحمة وساعد المديونين بأداء ثلاثين في المئة إلى دائنيهم من خزانة السلطنة تخفيفا ~~للأزمة الاقتصادية، ولكن طالع الحرب كان لا يزال مشئوما، فإن قبطان البحر حسن باشا ~~انكسر في «فورشاني» في 21 يوليو سنة 1789، وبعد ذلك بشهرين لحقت بالعثمانيين هزيمة ~~أخرى، وكانت الفلاخ ومولدافيا وبلاد العرب في أيدي الأعداء، والروس يحاصرون قلعة ~~إسماعيل التي هي معقل العثمانيين الأعظم على الدانوب، وكانت الخزانة فارغة، فكانت من كل ~~جهة علامات الشؤم مطبقة، إلا أن حادثا جاء فخفف الأزمة، وهو موت يوسف الثاني إمبراطور ~~النمسا سنة 1790، فإن أخاه ليوبولد خالف السياسة التي كان سائرا عليها أخوه في عداوة ~~تركيا، وعقد الصلح مع الباب العالي، وأعاد إليه جميع البلاد التي كانت النمسا احتلتها ~~من تركيا سوى بعض أماكن على ضفة نهر ms278 الأنة، ولكن الروس لبثوا ظافرين وفتحوا قلعة ~~إسماعيل عنوة بعد حصار شديد يفوق الوصف، فذبح الروس جميع المسلمين كبارا وصغارا ~~رجالا ونساء، واستمرت المذبحة ثلاثة أيام، ولما وصل الخبر إلى استانبول ثار الشعب ~~وطلبوا الاقتصاص من رجال الدولة، فقتلوا لهم الوزير حسن باشا الذي كان قبطان البحر برغم ~~ما كان من بسالته وقيامه بواجباته، وكان السر عسكر يوسف باشا قد انهزم أيضا في ماتشين، ~~فتدخلت إنجلترا وبروسيا في الصلح، وانعقدت معاهدة ياسي في 9 يناير سنة 1792، وبموجبها ~~استولت الروسيا على القريم وعلى شبه جزيرة طامان، وقسم من قوبان وقسم من بسارابيا ~~ومدينة أوقزاقوف وغير ذلك. # ونبغ في ذلك الوقت كوتشوك حسين باشا، فتولى نظارة البحرية وكان صهرا للسلطان وكان ~~متحليا بمزايا نادرة، ولو لم يمت قبل وقته وذلك سنة 1803 لبلغت تركيا بواسطة هذا ~~الوزير الدرجة القصوى من الرقي، فإنه بدأ فطهر البحر من القرصان بعد أن طال عيشهم فيه، ~~ثم أخذ بترميم القلاع وشحنها بالمقاتلة، ثم انتدب مهندسين من فرنسا والسويد، ثم أخذ ~~بإنشاء الأساطيل وجدد مدرسة المدفعية ومدرسة البحرية اللتين كان أنشأهما البارون ~~الفرنسي دوطوط، وأنشأ خزانة كتب تشتمل على أحسن كتب الفن، واعتمد في أكثر إصلاحاته ~~العسكرية على ضباط الفرنسيس، وأدخل إصلاحات في دار السبك في الطوبخانة، وكان الروسيا ~~تنظر إلى هذه النهضة العثمانية بعين الحذر، وقد تحفزت للنكث بمعاهدة ياسي، وثار في ذلك ~~الوقت باشا «ودين» من بلاد البلغاري، فساقت الدولة عسكرا لمحاربته ، ولكنها التزمت ~~أخيرا أن ترضيه بترك ودين له مدة حياته. # وكانت هذه الفتن المصطلمة المستمرة في السلطنة العثمانية في داخلها، وهذه الحروب ~~المضطرمة المستمرة عليها من خارجها، قد أطمعت فيها دول أوروبا وصيرتها تفكر في دنو أجل ~~هذه السلطة، وصارت كل دولة تتحفز للاستئثار بشقص من هذه التركة، وقد كان حديث اقتسام ~~أوروبا للسلطنة العثمانية قديما، وطالما تذاكرت الدول الأوروبية جمعاء في هذا الأمر أو ~~تفاوض القسم الاكبر منها في إتمامه، وكان يحول دول ذلك الاختلاف فيما بينهن مع صعوبة ~~إتمام العمل بنفسه ms279 لأنه ليس بسهل، وقد لخصنا في حواشي حاضر العالم الإسلامي كتابا لأحد ~~وزراء رومانيا اسمه مئة اقتسام لتركيا، يدل بالوثائق على قدم الفكرة الصليبية في أوروبا ~~وعدم انقطاعها، ومن الغريب أن الأوروبيين فكروا في هذا الأمر أيام كانت تركيا في عنجهية ~~أمرها، وكانت جيوشها توغل في قلب أوروبا، فبديهي أنهم ازدادوا تفيكرا به بعد أن ظهرت ~~عليها علامات الانحطاط وتوالت فيها الثورات وتحفز رعاياها البلقانيون المسيحيون كالسرب ~~واليونان للانتفاض عليها. # فلما تولى سليم الثالث السلطنة كان الناس في أوروبا يعتقدون أن أجل السلطنة أصبح ~~قريبا جدا، ولذلك قررت الحكومة الفرنسوية غزو الديار المصرية، وحاوت اقتناع تركيا ~~بأن هذه الغزاة لا تنوي بها فرنسا العداوة لتركيا، وإنما تريد بها سبيلا إلى الهند، ~~كما أنها ترى حكم المماليك في مصر شيئا أشبه بالفوضى فتريد القضاء عليه، وكانت إنجلترا ~~في غيرة شديدة من نفوذ كلمة فرنسا لدى الباب العالي، فلما غزت فرنسا مصر اهتبلت في ذلك ~~الفرصة حتى تقربت إلى الحكومة العثمانية، وصارت معها يدا واحدة، فأعلنت الدولة الحرب ~~على فرنسا واتحدث معها إنجلترا والروسيا، وقبضت الدولة على معتمد فرنسا وحبسته في ~~الأبراج السبعة بالأستانة، وضبطت أملاك الفرنسيس في جميع البلاد العثمانية وكان ~~الفرنسيس قد تغلبوا على المماليك في واقعتي الأهرام وإمبابة، وسقطت مصر كلها في أيدي ~~الفرنسيس، وجاء جيش عثماني بقيادة مصطفى باشا عدده 18 ألفا فنزل عند أبي قير، وقبل أن ~~يتحصن في مراكزه هجم عليه بونابرت ومزقه شر ممزق، إلا أن الأسطول الإنجليزي أحرق ~~الأسطول الفرنسي في مياه أبي قير، فتعذر علي الفرنسيس إنجاد عسكرهم، وصار كالمحصور، ومع ~~هذا فقد زحف بونابرت إلى سورية وما زال يتقدم حتى وضع الحصار على عكا، وكان لو أخذها ~~استولى على سورية وربما وصل إلى الأستانة، وهذا شيء لا يقدر مؤرخ أن يجزم به، وإنما ~~يتفق العقلاء على أن فشل بونابرت أمام عكا قضى على آمال فرنسا في هذه الحملة المصرية ~~«فأحمد باشا الجزار البوسنوري» قائد الحامية العثمانية في عكا «والأميرال سيدني سمث» ~~قائد ms280 الأسطول الإنجليزي في بحر عكا ردا بونابرت خائبا، فرجع إلى مصر ومنها أبحر إلى ~~فرنسا، وترك قيادة جيشه للجنرال كليبر، فأخذ الإنجليز يفاوضون كليبر في الصلح، ولكنهم ~~طلبوا منه تسليم جيشه، فأبى قبول هذا الشرط المهين، فجاء واحد اسمه سليمان الحلبي سار ~~من حلب إلى مصر بمجرد حميته وطعن كليبر بخنجر فقتله، فأنقذ الإسلام من عدو كبير، فخلفه ~~الجنرال منوم وأخيرا تم الاتفاق سنة 1801 على إخلاء الفرنسيس للديار المصرية. # وكان السلطان راغبا جدا في عقد الصلح وذلك لأن الفتوق كانت متوالية من كل جهة ~~فالانكشارية عضوا في بلغراد واستولوا على القلعة وكانت عصائب من الأشقياء تعيث في بلاد ~~البلغار ومكدونية وكان السرييون بقيادة قره جورج جد العائلة المالكة الينوم قد رفعوا ~~لواء الثورة وكان علي باشا تبلني المتغلب على بانيا قد أعلن استقلاله عن الدولة وكان ~~الوهابيون قد غزوا الحجاز وأستولوا على الحرمين الشريفين وكانت في نفس العاصمة ثورة ~~أحدثها الانكشارية بالإنفاق مع العلماء بسبب التشكيلات العسكرية التي قام بها السلطان ~~سليم مقتديا فيها بالجيوش الأوروبية وقد أطلق عليها اسم «النظام الجديد»، فوقع القتال ~~بين الانكشارية والنظام الجديد، وأنتهى الأمر بغلبه الانكشارية. # وفي ذلك الوقت رجع التقارب بين تركيا وفرنسا وأرسل بونابرت الجنرال سباستياني لأجل ~~حمل الباب على محاربة الروسيا، وكان الباب العالي عزل أميري الفلاخ ومولدافيا صنيعتي ~~الروسيا فأرسل إسكندر الأول قيصر الروسيا عسكرا احتل تينك الامارتين وأعلنت ~~الحرب. # ثم لم تكف الثورات الداخلية والفتن والحرب مع الروسيا حتى جاء الإنجليز يطلبون من ~~الدولة ان تعقد تحالفا مع الروسيا وإنجلترا وأن تعلن الحرب على فرنسا وتطرد الجنرال ~~«ساستياني» الذي أرسله بونابرت إلى الأستانة، وأن تتخلى عن الفلاخ ومولدافيا للروسيا ~~وقد طلبوا أن يتسلموا الدردنيل والأسطول العثماني فأبى الباب العالي قبول هذه الشروط ~~ودخل الأسطول الإنجليزي من الدردنيل الذي كانت حصونة ضعيفة جدا بسبب إهمال الأتراك لها ~~وكان الأسطول العثماني أمام غ اليبولي فأحرقه الإنجليز ولما وصل الخير إلى الأستانة عول ~~رجال الدولة على الاستسلام لإراد الإنجليز والورس وأشاروا ms281 على السلطان سليم بترك كل ~~مقاومة إلا أن الانكشارية والأهالي ثاروا عليهم وأجبروا السلطان على المقاومة واستفاد ~~من ذلك الجنرال سباستياني والفرنسيس، وأنضم إليهم سفير أسبانيا، وحرضوا الأهالي على ~~القتال وأبتدأت التحصينات بالعاصمة بينما الأميرال الإنجليزي دوكنورت يتفاوض مع رجال ~~الديوان في شروط الصلح فما مضت خمسة أيام حتى كانت الحصون قد ترممت وصار فيها تسع مئة ~~مدفع وكان ناظر البحري من حزب المقاومة مخالفا لزملائه فجهر عشر بوارج وأعدها للقتال ~~فلما رأى الأميرال دوكنورت أنه بهذه الايام الخمسة التي أضاعها في المفاوضات الصلحية ~~أصبحت الأستانة في منعه عظيمة خاف على أسطوله فأسرع بمفارقة الأستانة وبينما هو عابر ~~الدرنيل أطلقت عليه الحصون مدافعها فأغرقت له بارجتين وأهلكت ست مئة بحري. # فغضب الإنجليز وأرادوا الاستيلاء على الديار المصرية، وكانت الدولة قد أرادت التخلص ~~من المماليك فثاروا عليها وتغلبوا على خسرو باشا في دمياط # محمد علي باشا # وكان هناك قائد الباني اسمه «محمد علي» من ذوي التدابير استفاد من سوء ادارة المماليك ~~واستجلب إلى ناحيته عواطف الأهالي فصار له حزب عظيم واثروا على المماليك وثاروا أيضا ~~على خسروا باشا الوالي من قبل الدولة وسفروه إلى الأستانة فأرسلت الدولة مكانه خورشيد ~~باشا فأراد هذا أن يتخلص من محمد علي فلم يقدر عليه بسبب انتصار الأهلي له وألح ~~المصريون على الدولة بتولية محمد علي على مصر فرضيت الدولة بذلك تسكينا للفتنة وأصدرت ~~الفرمان بولاية محمد علي على أن يدفع لها خراجا سنويا سبعة ملايين فرنك وكان ذلك سنة ~~1805 فأتفق المماليك تحت رئاسة محمد بك الألفي مع الإنجليز وشرع الفريقان بمحاربة ~~الدولة وأحتل الجنرال فريزر الإنجليزي الإسكندرية سنة 1807 إلا أن محمد عل يلم يكن على ~~طراز المماليك في الاهمال فتغلب على الإنجليز واسترجع الإسكندرية وأعلنت الدولة الحرب ~~على إنجلترا وجرت معركة بحرية هائلة بين الأسطول العثماني والأسطول الإنجليزي والروسي ~~على باب الدردنيل. # وفي ذلك الوقت عادت الثورة إلى الأستانة، وكان الصدر الأعظم غائبا مع أعوانه الوزراء ~~في سد الفتوق البعيدة فتولى الأمر قائمقام ms282 الصدارة فخان السلطان وأفسد بين الجند ~~فهاجموا القصر وطلبوا من السلطان أن يسلمهم سبعة عشرة شخصة من رجاله ليقتلوهم وكان ~~السلطان توقف عن مقابلة الانكشارية بالعسكر الجديد تحرجا من سفك الدماء بين عساكره ~~ولكنه لم يشأ أن يوافق على تسليم رجاله للقتل وفي مقدمتهم البستانجي باشي الذي عندما ~~رأى أستفحال الثورة وإحاطة الانكشارية والجيش المسمى يمك بالقصر أراد أن يستسلم إليه ~~ليقتلوه ويخلص مولاه السلطان من هذا المأزق وأخذ السيف يعمل في جميع أنصار الإصلاحات ~~الجديدة ثم إزداد الجند حتى طلبوا خلع السلطان سليم نفسه فاستفتوا شيخ الإسلام قائلين ~~له: إذا كان السلطان مخالفا لأحكام القرآن فهل يجوز بقاؤه على عرش السلطنة ؟ فأجاب شيخ ~~الإسلام كلا والله أعلم بما يجب وكان رئيس الثورة رجلا يقال له قاباقتجي أوغلو فاستند ~~على هذه الفتوى وخلعوا سليم الثالث. # السلطان مصطفى الرابع # وبايعوا مصطفى الرابع بن عبد الحميد الأول ودخل شيخ الإسلام فأبلغ السلطان سليم فتوى ~~الخلع وإرادة الشعب فتلقى السلطان سليم هذا الأمر بالصبر الجميل واعتزل جانبا وأخذ يقضي ~~أوقاته في تعليم محمود ابن عمه الذي تولى السلطنة فيما بعد باسم محمود الثاني، ولما وصل ~~الخبر إلى الانكشارية على نهر طونه زاطوا فرحا وثاروا على الصدر الأعظم وجعلوا مكانه ~~شلبي مصطفى باشا. # وصار الحكم في إسطنبول لشيخ الإسلام وقائماقام الصدارة ولكن لم يطل الامر حتى وقع ~~الخلف بينهما واستفاد قاباقتجي أوغلو من ذلك فانحاز إلى شيخ الإسلام واسقطا الصدر ~~الأعظم فقام مقامه طيار باشا فاختلفا معه أيضا فاسقطاه فألتجأ إلى مصطفى باشا ~~البيرقدار وإلى رسجق وكان البيرقدار من حزب السلطان سليم، فقرر أن يزحف إلى الأستانة ~~ويخلصها من هذه الفوضى ويرد سليمان إلى السلطنة فأرسل من قبلخ سعاه إلى الصدر الأعظم ~~وكان الصدر مصطفى شلبين - فأكد له أن كل مراد تخليص الأستانة من شيخ الإسلام وقاباقتجي ~~أوغلي فوافق الصدر على ذلك ومالأهم اليسد علي ناظر البحرية وحف البيرقدار بستة عشرة الف ~~عسكري على الأستانة فلما علم السلطان مصطفى الرابع بهذه الحركة صدر أمره ms283 بعزل شيخ ~~الإسلام وأعوانه وحل نظام عسكر اليمك وكان مصطفى اليرقدار على باب الأستانة فأظهر رضاء ~~وظن السلطان مصطفى أن الفتنة قد أنقضت وذهب إلى كوشك كوك صوتنيز ولكن البيرقدار كان ~~ناويا أن لا يرجع حتى يرد السلطان سليما إلى السلطنة فهاجم القصر واتفق الانكشارية معه ~~وبلغ السلطان مصطفى ذلك فرجع إلى القصر وأرسل إلى البيرقدار يقول له ليتمهل فأنه لا ~~يلبيث أن يخرج أإليه السلطان سليم، وفي الوقت نفسه أمر مصطفى الرابع جماعة من رجاله ~~بقتل سليم الثالث وكان السلطان سليم قوى النية موفق العضلات، فصرع جملة ممن هاجموه قبل ~~أن سقط قتيلا ولما قيل للسلطاتن مصطفى أنه قد قضي عليه جاء ونظر إليه وقال قولوا لباشا ~~روسجق ليأخذ الآن السلطان سليم الذي يريده، وكان البيرقدار ويقال له أيضا العلمدار قد ~~دخل القصر ع نوه فرآ السلطان سليم مدرجا بدمائه فصاح وي أفندق وأخذ يلطم نفسه ويبكى ~~فقال له سيد علي نظار البحرية: ليس لباشا روسجق مصطفى السلمدار أن يبكي بكاء النساء ~~فلندق البكاء ولنقتص من قتلة السلطان السليم ولنخلص السلطان محمود الذي يجوز أن يقتل ~~أيضا فرجع البيرقدار إلى رشده وخلع السلطان مصطفى وحبسه. # السلطان محمود الثاني # وبايع أخاه محمودا بالسلطنة وذلك في 28 يوليو سنة 1808 # وفي سنة 1917 طفت أنا محرر هذه السطور مع بعض زملائي نواب الامة العثمانية في قصر طوب ~~قبو مقر السلاطين العظام قبل أن صاروا يسكنون في قصر طولمة بفجة وكشك يلدز وكان يدلنا ~~على آثاره التاريخية وأقسامه الكثيرة المدهشة، المؤرخ أحمد رفيق بك ولما وصلنا إلى ~~الغرفة التي قتل فيها السلطان سليم الثاثل رحمه الله دلنا على المكان الذي سقط فيه ~~صريعا، وهو لا يزال معروفا إلى الآن، وبهذه المناسبة روى لنا حادثة مصطفى العلمدار هذه ~~بتفاصيلها وقال: إن الذين قتلوا السلطان سليمان أرادوا قتل السلطان محمود أيضا بحيث لا ~~يبقى غير السلطان مصطفى فيضطر العلمدار إلى قبول سلطنته فإنه كان لم يبق إلا سليم ~~ومصطفى ومحمود فجماعة مصطفى بعد قتل ms284 سليم جاسوا خلال القصر ليجدوا محمود ليقتلوه فكان ~~الجوري أخذن محمود وخبأته في مدخنه لم تخطر على بال القتلة فبقى مختبئا في هذه المدخنة ~~إلى أن قبض مصطفى باشا البيرقدار على السلطان مصطفى فأخرجوا محمودا من المدخنة وبايعون ~~سلطانا ولو لم يوجد محمود لكانوا مضطرين أن يبقوا طائعين للسلطان مصطفى قال لنا رفيق بك ~~إنه أدرك جارية عاشت طويلا وماتت في زمان السلطان عبد المجيد بن السلطان محمود وكانت ~~تقص له كيفية قتل السلطان سليم الثالث لأنها شهدت ذلك عيانا. # ولما تولى السلطان محمود الثاني ولي البيرقدار مقام الصدارة العظمى فبدأ هذه بقتل ~~جميع أعوان السلطان مصطفى وزعماء عسكر اليمك وانفرد البيرقدار بالأمر والنهي وعقد مجمعا ~~من جميع الاعيان والوزوراء، وأوضح لهم وجوب إصلاح أوجاق الانكشارية وتأسيس جيش يشارع ~~الجيوش الأوروبية في تعليمه ومعداته وقال الصدر الأعظم إنه هو من جملة الانكشارية وهو ~~يفتخر بكونه ممن هذا النظام ولكنه يرى أن هذا النظام قد فسد وأنه كان نظاما لا يغلب لو ~~لم ينحرف عن جادىة تعاليم الحاج بيكتاش ولكن هذا الجيش بعد أن كان مدة قرون هو عماد ~~السلطنة وكان العالم يرتجف خوفا منه آل من الفساد إلى أن فقد كل مزاياه القديمة ونسى ~~جميع القوانين التي كان فرض عليه العمل بها السلطان سليمان القانوني وصار الترقي فيه ~~بالرشوة وصارت الرتب تحت المزاد وعم الجهل بالفنون العسكرية فأنحطت منزلة هذا الجيش ~~انحطاطا عظيما ولذلك فقد أمرني السلطان بأن استأصل جميع هذه المفاسد من أوجاق ~~الانكشارية وأن أجبر جميع الانكشارية غير المزوجين على السكن في الثكن العسكرية وأن لا ~~أدفع رواتب إلا للانكشارية المقيمين في الثكن وأن أمنع بيع الجرايات والرواتب وأن أوجب ~~على جميع الانكشارية التقيد بتعاليم السلطان سليمان واتباع الطرق العصرية الأوروبية ~~التي أفنى العلماء بوجوب اتباعها كما أن مولاي السلطان عازم على تأسيس جيش جديد من شبان ~~المسلمين ومن أنفس الانكشارية يتلقى الطرق العصرية الأوروبية التي يمكنه أن يقاتل بها ~~الكفار بنجاح هذا مع المحافظة على نظام الطاعة ms285 والاتحاد الذي كان عند الانكشارية ~~القدماء. # فوافق جميع الوزراء وأعيان السلطنة على هذا القرار وأفتى شيخ الإسلام بوجوبه وظن ~~الناس أن كل شيء قد أنتهى. # إلا أن فوز البيرقدار كان عظيما إلى حد أن غص به النظراء وصاروا يتربصون به الدوائر ~~وكان قد أغضب العلماء باحتقاره إياهم وبعزمه على التصرف بأوقاف المساجد وارتكبت ~~البيرقدار خطيئة تبديد الجيش الذي دخل به الأستانة فأنه كان أرسل منه أثني عشر الفا إلى ~~مدينة فيلبه لقتال مولا اغا الثائر ها فلم يبق عنده إلا سبعة آلاف لم يكونوا بقوة كافية ~~ليمنعوه من أعدائه فزحف الانكشارية إلى القصر لينقذوا السلطان مصطفى الرابع ويردوه إلى ~~السلطنة فقابلهم الببيرقدار بشرذمة من العسكر الجديد لفلم يقدر عليهم لتفوقهم في العدد ~~فقتل السلطان مصطفى ورمى إليه بجثته فازداد واحنقا وأحرقوا جانبا من القصر ودخلو ~~وأوشكوا أن يقبضوا عليه وعلى أوانه فلجأ إلى مخزن البارود ووضع فيه النار فهلك هو ~~وأعوانه تحت أنقاض مخزن البارود ولم يشأ أن يستسلم إلى أعدائه. # وأنتصر للعلمدار رامز باشا ناظر البحرية ورمى الانكشارية بالقنابر وأسرع قاضي باشا ~~بثلاثة آلاف من الجند للمحافظة على شخص السلطان وأخذ الانشكارية يتراجعون وأراد رامز ~~باشا أن يعلن العفو إلا أن قاضي باشا خالفه في هذا الأمر وأصر على الانتقام فلما رأى ~~الانكشارية أنهم قد أحبط بهم حل بهم اليأس فوضعوا النار بالبلدة وهي كما لا يخفى مبنية ~~بالخشب، فكادت النار تلتهم جميع الأستانة لتشاغل الناس بالفتنة عن إطفاء الحريق. # ثم إن رامز باشا وقاضي باشا وأعوانهما عندما علموا أن البيرقدار قد هلك في مخزن ~~البارود سقط في أيديهم وفروا إلى رسجق وأرادوا هناك المقاومة فلم يتمكنوا فألتجأ رامز ~~باشا إلى بطرسبرج لأنه أصله من القريم وفر قاضي باشا وبهيج أفندي من أعوانه إلى بلاد ~~القرامان فوقعا في أيدي أعدائهما وقتلا وقد زعزعت هذه الثورة أركان السلطنة فاضطرت ~~الدولة إلى عقد ا لصلح مع الإنجليز فانعدق في 9 يناير سنة 1809 أما مع الروسيا فلم يمكن ~~عقد الصلح، وزحف ms286 الروس وأخذوا برايلا على الدانوب وكسروا العثمانيين أمام «سيليسترية» ~~ولكن لم يقدروا على القلعة ودارت السنة الثانية والصدر الأعظم معتصم بقلعة «شمله» لكنه ~~لا يقدر أن يحمي البلاد فأستولى الروس على «سيليستريه» و«رسجق» و«بيقوبوليس» وبزارجق ~~فجعلت الدولة أحمد باشا صدرا أعظم فزحف بستين الف مقاتل على الروس وأجبرهم على إخلاء ~~رسجق. # وفي ذلك الوقت أعلنت فرنسا الحرب على الروسيا فاضطر قيصر الروسيا إلى طلب الصلح من ~~الباب العليا فانعقد الصلح في 28 مايو سنة 1812 وصار نهر البروت هو الحد الفاصل بين ~~المملكتين ولم يبقى في أيدي الروس سوى أفواه الدانوب، وقسم من بسارابيه، وندم السلطان ~~على عقد هذه المعاهدة لأنه الناس نبهوه فيما بعد إلى أن إلى أن الروسيا لم يكن لها مناص ~~من قبول جميع شروطه وأن وزراءه اضاعوا الفرصة فعزلم وتسمى هذه المعاهدة بمعاهدة ~~«بخارست». # ولما تولى محمود الثاني كانت السلطنة في الداخل ممزقة تمزيقا فكان آل شعبان أوغلو ~~حاكمين في شمالي الأناضول وكان آل قره عثمان أوغلو متغلبين على البلاد المجاورة لأزمير ~~وكان في سرس من مقدونية وفي قلبه من تراقية أمراء اصحاب جيوش وقوة ومنعه لا يخضعون تمام ~~الخضوع للحكومة وكانت بلاد العرب في أيدي الوهابين وكانت مصر في يد محمد علي وكانت بلاد ~~السرب ثائرة وكان علي باشا وإلى يانيا مستأثرا ببلاد تساليا وأبيرس وكان «مولا اغا» ~~غالبا عل ودين فأخذ السلطان محمود يعالج امراض السلطنة فرمى الوهابين بمحمد علي والى مصر ~~فساق عليهم جيشا بقيادة ولده طوسون باشا فتغلب الوهابيون على هذا الجيش في الحجاز ولكن ~~توالت النجدات من محمد علي فهزم الوهابين. # ثم صارت الحرب سجالا بين الفريقين ثم أرسل محمد علي وله إبراهيم باشا فبعد حروب شديدة ~~حصر الوهابين في الدرعية وأستولى عليها عنوة وأخذ الأمير السعودي اسيرا وأرسله إلى ابيه ~~ومعه ولده فمحمد على أرسلهما إلى استنابول وقال لهما انني أوصيت الدولة بكما ليحسنوا ~~معاملتكما فقال له ابن سعود يكون ما أراد الله ولكن لما وصل الأمير وابنه إلى الأستانة ms287 ~~شنقهما الدولة وكان محمد علي قد ذبح المماليك واستأصلهم جميعا في القطر المصري، وبعد أن ~~استراح فكرة منهم وجه همته إلى إصلاح مصر وقام بأعمال مدهشة بحيث يمكن أن يقال إنه من ~~أعظم مصلحي الشربق بل مصلحي العالم لانه بعث مصر من قبرها وانقذها من عبث المماليك ~~وأنشأ لها جيشا عظيما على طرز الجيوش الأوروبية واعتمد في تدريبه على ضباط من الفرنسيس ~~وأنشأ أسطولا عظيما ودار صنعه بحرية ومعامل للسلاح وبنى مدارس وأرسل طلبه يحصلون العلم ~~في أوروبا وأختقر ترعة بين الإسكندرية والقاهرة وفتح محمد علي السودان وكان في الحقيقن ~~ملكا مستقلا لولا الخراج السنوي الذي كان يدفعه للدولة. # وفي ذلك الوقت ثار الصرب على الدولة لسببين أحدهما نزوعه الطبيعي إلى استرداد ملكهم ~~والثاني سوء الادارة وظلم العمال لهم فلما انتقضوا أراد الوالي أن يسكن الأمور باللطف ~~وحسن السياسة فجاء الانكشارية وذبحوا الوالي، وقتلوا من السربيين عددا كبيرا وكان المجر ~~والنمسويون يساعدون السربيين وامتاز بين السريين رجل اسمه «جورج» لقبه الأتراك «بقره ~~جورج» أي الأسود وكان صارما جدا فأعصوصب حوله جماعة من السربيين وأرادوا عبور نهر الساف ~~الثورة فراود ابنه على الرجوع فأبى فتنازعا وأنتهى الأمر بأن الولد قتل الوالد وأمتدت ~~الثورة واستولى قره جورج على شاباتس و«سمندرية» فأرسلت الدولة جيشا للتنكل بهم وعززته ~~بجيش ثان ولكنهم لم يقدروا على قمع الثورة، وكان القائد إبراهيم باشا تراضي مع السربيين ~~على إعطائهم الاستقلال الداخلي تحت سيادة السلطان وأن تقيم الحاميات العثمانية في المدن ~~فأبى الباب العالي تصديق هذا الصلح فأستؤنف القتال بشدة وحصر السربيون بلغراد وكان فيها ~~سليمان باشا فلما أوشك أن يسقط اتفق معهم على الخروج بجيشه وتسليم البلدة ولكن لما خرج ~~نكث السربيون بالعهد وقتلوه مع جميع العساكر التي معه ثم أرسلت الدولة جيوشا للانتقام ~~من السربيين فكانت الحرب سجالا وازدادت شهرة قره جورج بين السربيين واسبتد بالأمور ~~فوقعة المنافسة بينه وبين كثير من أقرانه واستفادت الدولة من هذا الخلاف فساقت العساكر ~~واسترجعت بلغراد وبددت شمل السربيين. # وفر قره ms288 جورج إلى بلاد المجر ورجع الحكم إلى الأتراك فبدأوا هم وأرناؤط بالانتقام من ~~السربيين وقتلوا ونهبوا فعاد السربيون وتألبوا وثاروا ثورة ثانية وتجدد القتال بشدة ~~وكان ميلوش أوبرنوفيتج من زعماء السربيين قعد عرض على القواد العثمانيين الصلح على شرط ~~العفو العام وتأليف مجلس من 12 عضوا ينتخبهم الاهالي ويكون على يدهم توزيع الضرائب ~~وتكون بلاد السربب متمعة باستقلالها المدني والديني والقضائي ويكون لها أمير وأن يبقى ~~في بلغراد قائد عثماني ومعه حامية فانتخب اوبر نوفيتج اميا وصار بيده الأمر والنهي ولم ~~يبق في الوالي التركي من الولاية إلا الاسم وبلغ قره جورج خبر هذا الاتفاق بين الدولة ~~واوبرفيتج فثار به الحسد وجاء إلى بلاد السرب أملا باشعال الثورة فوصل إلى سمندرية فلما ~~علم به أوبرنوفيتج ارسل اليه من قتله غيلة وبعث براسه إلى الأستانة. # فنصبت الدولة رأسه على حائط القصر وفوقه كتابة هذا رأس الشقي قره جورج هذا ما كان من ~~أمر السرب فأما علي باشا التبليني فكان أرناؤطيا وكن ابوه رأس عصابة فورث العيث والفساد ~~في الأرض عن أبيه ولكنه كان داهية حكيما بطلا مغوار معا ولم يكن عنده وجدان يردعه عن ~~شيء فدخل في خدمة الدولة وأقنع ولاة الأمور بتوليته ترحاله وتبالين أولا وسمت نفسه إلى ~~الاستيلاء على يانيا فبث في أطرافها عصائب من قطاع الطريق أقلقوا راحة الأهلية وبعث من ~~جهة أخرى إلى الدولة يعرض عليها أن توله يانيا وأنه يعيد الأمن إلى نصابه فقبلت الدولة ~~اقتراحه وولته يانيا وكانت فرنسا استولت على جزيرة كورفو وأخواتها فخدع علي باشا ضباط ~~الفرنسيس ونال منهم الاذن بالملاحة في بحر كوفرو ولما نشبت الحرب بين الدولة وفرنسا زحف ~~علي باشا على الفرنسيس وأستولى على فونيزة وبريفيزة ثم وجه قوته إلى محو الامارات ~~المسيحية التي بين بلاد اليونان وبلاد الأرناؤوط ولا سيما جمهورية «شولي» فقهرهم بعد أن ~~أعمل الحيل والمال والسيف لذلك وبعد هذا حاز علي باشا والي يانيا شهرة عظيمة ولقبته ~~الدولة بوالي الرومللي ثم أعطت ولديه «ولي» و«مختار» باشويتي ms289 الموره وضمت غليه بشوية ~~براه، ثم إنه كان في أبيرس بلدتان لا تزالان مستقلتين وهما أرجيروكاسترو وكارديكي فشن ~~عليهما الغارة وأستأصل أهاليهما ولا سيما أهالي كارديكي. # وكان له في ذلك ثأر قديم غريب الشكل وذلك ان امه خاميكو بعد وفاة أبيه تولت قيادة ~~العصابة محل زوطجها فوقعت في إحدى المرات في ايدي أهل كارديكي هي وابنتها شاميتزه ~~فارتكبوا فيهما الفاحشة فاستحلفت ولدها عليا الذي كان قاصرا أنته متى بلغ رشده يأخذ ~~بثأر أمه وأخته من أهل كارديكي فلم ينس على هذا الثأر ولما قوع أهل كارديكي في يده بحث ~~عن الذين أعتدوا على عرض أمه وأخته فنظمهم بالسقافيد وشواهم على النار كما يشوي لحم ~~الغنم ولكن المذابح التي اجراها على أثارت عليه السخط العام وبدأت الدولة تخشى عائلته ~~فأرسلوا اليه من استانبول من يقتله فكان بحزمه ويقظته يطلع على ذلك، فلم يصل أحد من ~~المرسلين لقتله إلى يانيا بل كان يأخذهم السيف في الطريق قبل وصولهم وكان جمع أموالا ~~عظيمة لأن البلاد التي تولاها كانت مملكة فيها عدة ملايين وبقى واليا عليها نحوا من ~~ستين سنة، فتمكنت قدمه إلى حد أنه أصبح لا يعبأ بطاعىة السلطان. # وكان أحد المقربين إلى على باشا واسمه إسماعيل باشو قد أختلف معه وجاء فعرض للسلطان ~~جميع ما يعلمه من مظالم على وأقنع السلطان بعزل ابن علي باشا عن ولاية المورة فلما علم ~~علي باشا بالخبر أرسل إليه من يقتله فهجم الجناه على إسماعيل باشو على باب جامع ايا ~~صوفيثا ولكنهم لم يوقفوا لقتله فقبضوا عليهم واستنطقوهم فأقروا بأنهم مرسلون من قبل علي ~~باشا فغضب السلطان غضبا عظيما وولي إسماعيل باشو علي يانيا ودلفينو وسرح معه جيشا عظيما ~~لقتال علي باشا فلما علم علي باشا بأنه لم يبق له أمل في عفو السلطان أجمع المقاومة ~~وحاول، أن يستجلب المسيحيين الذي في بلاد اليونان والأرناؤوط إلى صفة واعدا اياهم ~~التحرر من حكم الأتراك. # فأجاب بعضهم نداءه وأمتنع البعض الآخر فأما ا لذين التفوا حوله فسكان الجبال ms290 من ~~اليونان الغربية ومن تساليا وكان في مقدمتهم اساقفتهم وأما الذين رفضوا الانضمام إليه ~~فالكثوليك من الأرناؤوط لأنه لم يكن لهم ثقة به غير أنه بسبب سوء إدارة إسماعيل باشو ~~أنضم أكثر المسيحيين إلى علي باشا، وبدأت الحرب فأنكسر علي باشا في البداية وذلك في ~~تساليا وأنحاز اثنان من قواده ع مر فريون وطاهر عباس في خمسة عشر الفا من الجنود إلى ~~العسكر السلطاني وخان عليا أولاده الثلاثة وسلموا القلاع التي في ايديهم إلى الدولة ~~ولما بلغه خيانة أولاده له نادى أنهم ليس لهم حق أن يرثوه وقال أنه لا يعرف له أولاد ~~غير الذين هم أنصاره ولم يبق مع على باشا سوى ثمانية آلاف مقاتل كانوا من نخبة جنوده ~~وبينهم رجال مدفعية ماهرون فوقف بهذه القوة أمام عشرين ألف مقاتل من عسكر الدولة كانوا ~~أحاطوا بمدينة يانيا وشرع علي باشا يراسل المسيحيين الذين مع جيش الدولة وفتح خزائنه ~~لهم وبث الدعاة إلى الثورة في جميع بلاد اليونان وكذلك في بلاد رومانيا ثم لجأ إلى حيلة ~~أخرى لأجل استجلاب النصارى إلى صفة وهو أنه زور كتابات زعم أنه ورد إليه من خالد أفندي ~~أحد مقربي السلطان يقول له فيه إنه في الربيع القادم يجب القيام بقتل عام يستأصل فيه ~~جميع المسيحيين القادرين على حمل السلام وتسبي نساؤهم ويؤخد أولادهم المراهقون لينشأوا ~~في الديانة الإسلامية فصدق النصارى هذا المكتوب المزور، وثاروا بأجمعهم وفي مقدمتهم ~~أهالي جمهورية شولي وأنحازوا إلى علي باشا ومعهم كثير من الأرناؤوط المسلمين فتزعزعت ~~مراكز الأتراك ونسبت الدولة عدم النجاح إلى سوء تدبير إسماعيل باشو فعزلته وعهدت ~~بالقيادة غلى خورشيد باشا وذلك سنة 1821 فسار خورشيد باشا بعشرة آلاف من بلاد اليونان ~~قاصدا يانيا فلما وصل إلى لاريا بلغة أن أهالي مدينة باتراس رفعوا لواء العصيان فأمر ~~بنزع السلاح من أيديهم وتغريم المسيحيين جميعا فبدأت من ذلك الوقت ثورة اليونان وكان ~~أهالي الجزر اليونانية لم يفقدوا قوة المقاومة في وجه الأتراك وكذلك أهالي الجبال ~~الغربية من بلاد اليونان ms291 فأنهم كانوا حفظوا نوعا من الاستقلال الدالخي وكان لهم جند ~~وطني يقال له «الارماتوليس «ومعنى هذه اللفظة الرجل الشاكي السلاح وكان الارماتوليس ~~الذين في الجبال لا سخضعون للدولة إلا قليلا فأرادات الدولة أن تخضد شوكتهم وشكلت ~~بأرائهم قوة مسلحة من الأرناؤوط المسلمين بقيادة الأتراك يقال لها «درفند باشا «فتنبه ~~الأروام إلى أن مراد الدولة هو استئصال قوتهم والقضاء على الارماتوليس فلما عصى علي ~~باشا وساقت الدولة عليه الجيش حاول علي باشا أن يستجلب إلى ناحيته هؤلاء الارماتيوليس ~~الذين كان هو من قبل آفه عليهم. # وكانت بلاد اليونان قد استعدت للثورة وذلك لأن الأروام أهل حركة ونشاط وهم أقوم على ~~التجارة والملاحة من كل قوم وكانت ثروتهم قد ازدادت كثيرة عن ذي قبل بانصرافهم إلى ~~التجار وكانوا يجوبون البحار كلها، وفي كل مكان من أوروبا تجار من الأروام فلا يكاد ~~يخلو منهم مكان وكانوا هم الواسطة بين الشرق والغرب وكانت الدولة العثمانية نفسها تحتاج ~~إليهم وتستخدم منهم في سفنها وبأحتكاك الأروام الدائم مع الأوروبيين وحروب الأوروبيين ~~مع الدولة العثمانية إزداد نزوع الأروام إللاى الاستقلال وانقسموا إلى قسمين منهم ممن ~~يريد الاستقلال العاجل بقوة السلاح وآخرون يرون المصلحىة في عدم مقاومة الدولة ~~العثمانية بالسيف. بل بتهذيب الأمة اليونانية وترقيتها حتى تنال تدريجيا حقوقها ويأتي ~~وقت تتحرر من حكم الترك تماما. # وفي سنة 1813 عندما تألبت جميع دول أوروبا على نابوليون ظن الأروام أن دول الاتحاد ~~المقدس ستمد إليهم يد السماعدة ولكن دول الاتحاد المقدس كانت تكره تحرير الشعوب ~~لمخالفته لمباديها فخاب أمل اليونان فيها ثم إن علي باشا التبليني كان قد ضرب التجارة ~~اليونانية من تجار رأوا كساد تجارتهم وضباط تدربوا في الجيوش الأوروبية وناشئه تعلموا ~~في مدارس أوروبا أنه لا خلاص لبلاد اليونان إلا بالثورة العامة، وكما يحصل في جميع ~~الأمم المقهورة تألفت الجمعيات السرية ودخل فيها الوف من الأروام وتألفت شعب لهذه ~~الجمعيات السرية في أوروبا وفي نفس القسطنطينية ويقال إنه كان في القسطنطينية عاصمة ~~تركيا 17 ألف شخص تابعون ms292 للجمعية المركزية وكانوا مطلعين على كل شيء وكانت لهم في بلاد ~~رومانيا وبسارابيا جمعيات تعمل بالاتحاد مع الأروام فتنبهت تركيا لهم وبطشت بكثير منهم ~~وكان اهالي باتراس في بلاد اليونان قد ثاروا بالسلاح على الحامية التركية وانتظروا أن ~~تأتيهم نجدىة من الروس وكان الثوار نحوا من عشرة آلاف فساقت الدولة جيشا مزق شملهم ~~فاعتصموا بالجبال وامتدت حركة العصيان في الجزر اليونانية وبلغت الحماسة من الأروام أن ~~أمرأة أسمها بوبولينة جهرة بما لها ثلاث بوارج حربية وتولت قيادتها ووجد من أغنياء ~~اليونان عدد كبير نزلوا عن كل ثروتهم لأجل ثورتهم وكان أحد القضاء من الأتراك أتيا مع ~~حرمه في سفينة من مصر إلى الأستانة فظفر اليونان بالسفينة وأهانوا القاضي وضربوه ويقال ~~إنهم اعتدوا على عفة زوجته ثم تركوا السفينة تمضي إلى الأستانة فلما وصلت شاع خبر هذا ~~الاعتداء في العاصمة وكانت صدور الأتراك قد أمتلأت وغرا من أخبار الثورة اليونانية فهاج ~~الشعب التركي وهجموا على دار البطريركية وذبحوا البطريرك غريغوريس مع ثلاثة من الأساقفة ~~وقتلوا الوفا من الأروام وأحتج سفراء الدول الأوروبية على هذه المجزرة فأجاتبهم الدولة ~~بأن دول أوروبا كلها تقتص من جميع الذين يكبدون عليها بلا استثناء فأي حق لها في ~~الاعتراض على الذين يأتمرون بسلامة الدولة العثمانية؟ وفتك الأتراك بالأروام في مقدونيا ~~وتراقيا والأناضول وقيل إنه هلك ثلاثون الف رومي منهم ثمانون أسقفا. # ولما وصلت أخبار هذا الانتقام إلى بلاد اليونان: أشتدت الثورة وانتخب «ديمتريوس ~~ابسيلتي» في مدينة هيدرة قائدا عاما للثورة ولكن الجيوش العثمانية كانت دوخت مون بازي ~~ونافارين وحصرت «باتراس» و«نابولي» و«تربيوليتتزة» وغيرها وأرسل خورشيد باشا وهو يحاصر ~~يانيا عساكر ظهرت كثيرا من البلاد اليونانية من الثوار، ولا سيما في «آرائه» إلا أن ~~اليونان ذبحوا من الأتراك في تربيوليتزة 12 الف نسمة ثم وقع الخلف بين الأروام أنفسهم ~~فكانوا ثلاثة أحزاب كل منها يخالف الآخر في أرائه وكان علي باشا لا يزال يدافع عن يانيا ~~وخورشيد باشا يحاصره إلى أن تمكن خورشيد من الاستيلاء على قلعة ms293 يانيا ففر علي باشا إلى ~~بحيرة يانيا وأعتصم بجزيرة لفي وسط البحيرة حيث يوجد برج فيه مخزن بارود جلس فيه ناويا ~~إذا وصل إليه العدو أن يضع النار في البارود فيطير هو والعدو معا ولكن بقية عساكره لم ~~يطيعوه فاضطر إلى قبول شروط الصلح التي عرضها خورشيد باشا وأقسم له هذا على المصحف ~~الشريف بأنه إذا استسلم يسلم فلما استسلم امر خورشيد باشا الجند بقتله، وكان ذلك الشيخ ~~لم يفقد شيئا من بأسه، فلما هجموا عيله أعمل فيهم النار ثم هجم بيطقانه وما زال يصارعهم ~~حتى وقع قتيلا وكان ذلك في 5 فبراير سنة 1822 # أما الأروام فضجروا من الشقاق وعقدوا مؤتمر في ابيدور واعلنوا استقلال اليونان وذلك ~~في أول يناير سنة 1822 وأعلنوا الحرية الدينينة واحترام الملك الشخصي والمساواة التامة ~~أمام القانون وانتخبوا مجلسا يقال له مجلس الشيوخ مؤلفا من واحد وخمسين عضوا ينوب كل ~~واحد منهم عن مقاطعة، ولهذا المجلس لجنة إجرائية مركبة من خمسة أعضاء وأنتخب ديمتريوس ~~إبسيليني رئيسا لمجلس الشيوخ وأنتخب مافروكورداتو رئيسا للجنة الإجرائية ولكن إبسيلنتي ~~استقال من رئاسة الشيوخ وأبى كثير من رؤساء العصابات أن يعترفوا بهذا المجلس ومضوا في ~~أعمالهم كأنهم غير مرؤوسين. # وكان من أشهر هؤلاء قائد عصامة إسمنه «اندروزوز» لم يكن أهالي تيساليه وليفاديه ~~يخضعون لغيره فهذا الرجل عصى أوامر المجلس فأمر مافرو كورداتو بعزله عن القيادة وأعلن ~~خيانته ولما سقط علي باشا وإللاى يانيا ساق خورشيد باشا عساكره إلى بلاد اليونان ليقضي ~~على الثورة منتهزا فرصة الخلاف الذي وقع بين زعمائها ولكن خورشيد أخطأ ي كونه أعلن على ~~الأروام بيانا مهينا لهم وفي أثناء ذلك جاء زعيم ارناؤوطي مسيحي إسمه بوتزاريس مشهور ~~بالبسالة ومعه عصابة من نخبة رجاله فأنضم إلى الأروام وأشتدوا به وكان هذا الرجل أبلاى ~~النفس شريف بالمبدأ فوبخهم على قتلهم نساء الأتراك وأطفالهم قائلا لهم إنكم بهذه ~~الاعمال لوثم القضية الوطنية بالعار وزحف مافرو كورداتو لقتال خورشيد باشا فأنكسر ~~وأنكسر أيضا زعماء عصائب أخرى وسقط في أيدي ms294 الاروام. # ولم تعد إليهم حماستهم إلى بعد وصول المتطوعين الأوروبيين وكان خورشيد باشا استولي ~~على «قورنتية» وفر رجال الحكومة الوطنية التي تألقت هناك واستولي اليأس على الأورام ما ~~عدا الزعيم ابسيلنى، وزعيما أخر اسمه «كولوكوتروني» فهذان بقيا يقاتلان واجتمع إليهما ~~بقيا يقاتلان واجتمع إليهما بقايا السيف، وأخيرا هزما الأتراك في «ستفاني» و«بارباتي» ~~ومات عبد ذلك خورشيد باشا، قيل أنه سم نفسه من شدة اليأس، غير أن عمر يون استولي على ~~جمهورية شولي، وأجلي أهلها من هناك إلى جزيرة كورفو والجزر التي حولها. # وظهر أن الأوراق لا يقدرون أن يقاوموا الدولة العثمانية في البر، لكنهم كانوا على ~~جانب عظيم من القوة في البحر، لأن مراكب القرصان كانت تملأ مجر اليونان وكانت تمتدي على ~~الجميع. وكان عدد القرصان الأورام وافرا جدا، وكانت الدولة الأوروبية تضطر أحيانا إلى ~~تأديهم، فلما حصلت حرب الاستقلال الرومي اجتمع هؤلاء القرصان كلهم ونصروا القضية ~~الوطنية، وصار أكبرهم المسمي «طومبازيس» ومعه مئه سفينة، وأجبر الأسطول العثماني على ~~عبور الدردنيل راجعا، وبقي يجول في الارخبيل الرومي، ويجاذب الأسطول العثماني ~~الحبل. # فاستنجدت الدولة الأسطول المصري وأرسلت قوة بحرية بارجة قائد الأسطول بدون أن يشعر ~~أحد فوقع الرعب في سائر الأسطول، ودارت الدائية عليه. فأرسلت الدولة أسطولا ثانيا فلم ~~يقدر على قرصان اليونان، وخلت سنة 1823 والوقائع مستمرة، والحرب سجال بين الفريقين إلا ~~أنه في هذه السنة قتل «بونزلريس» المسيحي الذي يعد هو «وإبسيلنيى» و«كناريس» أعظم رجال ~~الثورة اليونانية. # ولما طالت هذه الثورة ثارت الحمية في جميع بلاد أوروبا لنصرة اليونان، الذين يقاتلون ~~لأجل استقلالهم وهب الشبان في فرنسا وإنجلترا والمانيا يريدون التطوع في هذه الحرب، ~~وتألفت الجمعيات لجمع الأموال، واكتتسب الناس فيها من كل فج وأقبل كثيرون من القواد ~~والضباط يركبون البحر إلى بلاد اليونان وانضموا إلى الثوار وقتل كثير من هؤلاء ~~المتطوعين، وكان منهم أفراد من أشرف العائلات النبيلة وقواد من المهشورين ~~بالبسالة. # وفي سنة 1824 استولي الأسطول المصري على جزيرة «كازوس» وقطع المصريون خمسمائية رقبة ~~من الأهالي، وأرسلوا ms295 ألوفا من الآذان المصلومة إلى الأستانة واستولي الأسطول التركي على ~~«بسارة» ولكن لم يطل فرح الأتراك هذا فإن السفن اليوناني تغلبت على الأسطول العثماني ~~وفر أمير البحر تاركا الجنود التي أنزلها في «بسارة» فهجم عليهم الأورام وذبحوهم، ~~فأرسلت الدولة أسطولا اجتمع مع الأسطول المصري في جزيرة «ساتس» إلا أن ميوليس» اليوناني ~~من أكبر زعماء الثورة تغلب على الأسطولين، وفقد عددا من جنودهما فأرسل السلطان محمود ~~إلى محمد على والي مصر يوليه بلاد «المورة» وجزيرة «كريت» ويعهد إليه بقمع الثورة، ~~فأرسل محمد على والده إبراهيم باشا فأنزل عما كره في المورة سنة 1825 واستولي على ~~«نافارين» و«كالاماته» وجميع السواحل ما عدا «نابولي» وهزم «كولوكوتروني» في مدينة ~~«تريكورفة» وهزم أبسيلنى في مدينتي «ريزس» و«إردوفه» برغم مساعدات المتطوعين الأوروبين ~~الذين كانوا في صفوف اليونان، وكاد إبراهيم يسحق الثوار بأسرهم فصاروا يقرون إلى الجبال ~~ولم يبق ثائرا إلا زعيم أسمه «بابا فليشاس» فإن هذا الرجل لم يقدر على إبراهيم ولكنه ~~ألحق بعكسره خسائر غير قليلة، ولم يبق بلدة غير طائعة في بلاد اليونان غير «أثينا» ~~و«ميسولونكي» التي جاء القائد التركي رشيد باشا يحاصرها فدافعت النجدات من كل فج بحيث ~~لم يقدر رشيد باشا على فتح البلدة، فاستنجد إبراهيم باشا فجاء وضيق الحصار على ~~«ميسولونكي» فاشتدت المجاعة بالمحصورين حتى أكلوا الخيل والكلاب، وأخيرا أجمعوا من ~~يأسهم على الخروج وكانوا ثلاثة آلاف مقاتل ومعهم النساء والأولاد، فقاتلوا قتالا شديدا ~~ولكنهم لم يقدروا على النجاة، فسحقهم عساكر إبراهيم باشا ورشيد باشا واستولي المسلمون ~~على «ميسولونكي » ومن بعد ذلك ذهب رشيد باشا يحاصر أثينا، حيث اجتمع ألوف من الثوار ~~ومعهم قواد أوروبيون «فانتصر الأتراك عليهم» ثم أخذت البلاد اليونانية تقدم الطاعة ~~لإبراهيم باشا وكان ينقطع كل أمل من استقلال اليونان الذين أخذ الزعماء منهم يقاتل ~~بعضهم بعضا، وصارت الحالة عندهم أشبه بالفوضي، فعند ذلك تدخلت الدول الثلاث فرنسا ~~وإنجلترا والروسيا وطلبت من الدولة ومن الثوار الأورام توقيف الحرب، فالأروام أسرعوا ~~إلى القبول بطبيعة الحال وأما الدولة فقد رضت ms296 هذه المدخلة في مملكتها، واستمرت على ~~القتال فاقترحت الروسيا تقسيم بلاد اليونان إلى ثلاث إمارات تحت حماية أوروبا، فرفضت ~~ذلك الدولة واليونان معا فالدولة رأت في هذا التدبير خروجا لبلاد اليونان من السلطنة ~~العثمانية، واليونان رأوه تدبيرا يخالف مبدأ استقلالهم ووجدتهم وفي ذلك الوقت أي سنة ~~1825 في شهر ديسمبر توفي القيصر إسكندر وخلفه ابنه تقولا الأول الذي أجبر تركيا على عقد ~~مشاهدة تخول للروسيا حق الملاحة في البحر الأسود، وتجعل سربيا إمارة مستقلة استقلالا ~~داخليا تحت سيادة السلطان، وإنما تبقي حاميات عثمانية في بلغراد، وثلاث قلاع أخرى، ~~وتدفع الدولة جزية سنوية، ثم قررت الدول توكيل إنجلترا سربيا إمارة مستقلة استقلالا ~~داخليا تحت سيادة السلطان وإنما تبقي حاميات عثمانية في بلغراد، وثلاث قلاع أخرى، وتدفع ~~الدولة جزية سنوية. # ثم قررت الدول توكيل إنجلترا والروسيا بإيجاد طريقة حل للمشكلة اليونانية، ووافقت ~~النمسا وبروسيا، وفرنسا على ذلك فلما خاطبت إنجلترا والروسيا الباب العالي بشأن حرب ~~اليونان أجاب بأن السلطان لن يقبل تدخل الأجانب بينه وبين رعيته، ولن يجاوب على ~~اقتراحات كهذه. # فمنذ ذلك اتفقت الدول الثلاث في 6يوليو سنة 1827 على أن تفصل بلاد اليونان عن تركيا ~~فصلا إداريا وتجعلها إمارة مستقلة داخليا، وعليها أن تؤدي جزية الدولة العثمانية فأجاب ~~الباب العالي كالأول بالرفض البات، فأمرت الدول الثلاث أساطيلها بمنع الجيوش العثمانية ~~من الحركات العسكرية فأبلغ أمراء البحر الإنذار اللازم إلى إبراهيم، وهو تعهد لهم بأن ~~يتوقف عن كل حركة إلى ما بعد ورود الجواب من السلطان ومن محمد على. فأما اليونان فلم ~~يتقيدوا بإنذار الدول الذي كان موجها إليهم أيضا، وهاجموا بقوتهم البحرية أسطولا صغيرا ~~كان في ميسولونكي فأحرقوه. # فثار غضب إبراهيم باشا وأرسل إلى أمراء البحر بأنه لا يمكنه أن يبقي مكتوف اليد بإزاء ~~اعتداء الثوار، وكان إبراهيم قد جاءه الأمر من الأستانة بعدم توقيف القتال فكرر قواد ~~الأساطيل الثلاث إنذار إبراهيم بإرجاع الأسطول العثماني إلى الدردنيل والأسطول المصري ~~إلى الإسكندرية، وبإخلاء بلاد المور. # وكان إبراهيم باشا غائبا فأجيبوا بأن ms297 هذا البلاغ سيرسل إليه، فاجتمعت الأساطيل ~~الثلاثة في مياه نافارين وكان الأسطول العثماني ثمانين قطعة مصطفا صفين على شكل هلال؛ ~~ولم يكن الفريقين نيه القتال، ولكن بطري قالقضاء والقدر انطلقت رصاصة من جهة الأسطول ~~العثماني فأصابت رجلا إنجليزيا من نواب المجلس البريطاني، فقابل ذلك ربان السفينة ~~الإنجليزية التي وقع فيها هذا الحادث بإطلاق الرصاص المتوالي، ثم أن الإنجليز أرسلوا ~~إلى محرم بك قائد الأسطول المصري يقولن له أنهم حاضرون لتجنب الحرب إذا توقف العثمانيون ~~عن إطلاق النار، ولكن في ذلك الوقت أصابت رصاصة أخرى جنديا إنجليزيا فقتلته، ويقول ~~الإفرنج إن هذه الرصاصة جاءت من بارجه الأميرال التركي فنشبت الحرب واستمرت المعركة خمس ~~ساعات إلى المساء فلم يبق من الأسطول العثماني سوي خمس عشرة سفينة، ولما بلغ الخير ~~إبراهيم باشا تلقاه بسكون جاش وأعلن أنه يقتل كل من أرد الاعتداء على مسيحي ووصل الخبر ~~إلى الأستانة فأبلغ الصدر الأعظم سفراء الدول الثالث الاقتراحات الآتية: - # الأول عدم التدخل في قضية اليونان، والثاني دفع غرامة عن السفن الحربية العثمانية ~~التي احترقت في مينا نافارين، هذا مع اعتذار الدول للدولة فأجاب سفراء الدول الثلاث بأن ~~دولهم قطعت علاقاتها مع تركيا، وبرحوا الأستانة. # فأعلن السلطان محمود الجهاد باسم الدين الإسلامي، وحرض المؤمنين على القتال فأعلنت ~~الروسيا الحرب على الدولة على حين أن الدولة كانت محقت أوجاق الانكشارية فبقيت بدون جيش ~~تقريبا، ولما حصلت معركة نافار بن تجددت آمال اليونان وزحفوا للقتال من كل صوب إلا أن ~~الأتراك حفظوا مراكزهم في نافارين ومودون، وباتراس وكورون وأما إبراهيم فسحب أسطوله ~~وعاد إلى الإسكندرية بموجب عقد هدنة ولم يترك سوي أثني عشر ألف جندي في بعض ~~القلاع. # وفي 16نوفمبر سنة 1828 انعقد في لوندرة مؤتمر دولي لأدل تحديد المملكة اليونانية التي ~~قررت الدولة تأسيسها واتفقوا على أن يجعلوا لها ملكا مسيحيا تحت حماية الدول الثلاث، ~~وجعلوا للدولة على هذه الإمارة اليونانية جزية سنوية نصف مليون قرش، وكذلك قرروا ~~التعويض على المسلمين الذين أجلاهم الأورام عن بلادهم، وبعثت الدول ms298 إلى السلطان لينيب ~~عنه مندوبا في المؤتمر فرفض السلطان هذا الطلب، واستؤنفت الحرب في بلاد اليونان ولكن ~~الروسيا أغارت على بلاد الدولة عبرت جيوشها نهر البروت واحتلت الفلاح ومولدافيا ثم حاصر ~~الروس قلعة سيلسترية وأحاطوا ببرايلة على نهر الطونة وكان السر عسكر حسين باشا في قلعة ~~«شملة» وكان يوسف باشا في «فارنة» فالروس الذين أمام سيلسترية انهزموا عنها، ولكن ~~برايلة سقطت في أيديهم، وجاء القيصر نقولا الأول بنفسه إلى ساحة الحرب، وضيق الروس ~~الحصار على سيلسترية وفارنة وهاجموا شملة واسكي استانبول ولكنهم فشلوا وبينما ~~العثمانيون يدافعون الروس أحسن دفاع إذ باع يوسف باشا قائد موقع ثارنة قلعة هذه المدينة ~~من الروس وقبض على ذلك ثلاث مئة من الأتراك بالقلعة وأبو تسيلمها برغم الأمر الصادر من ~~يوسف باشا، وبعد أخذ ورد ارتضي القيصر بأن يخرجوا بأسلحتهم ويلتحقوا بالعساكر ~~العثمانية. # وأما في آسيا فقد ظهر الروس على العثمانيين وأخذوا قارص واردهان وغيرها وتولي الصدارة ~~في استانبول رشيد باشا فاتح ميسولونكي وأثينا، فزحف إلى البلقان وناجز الحرب الجنرال ~~«روت» فحف الكونت ديابتش القائد الكبير للجيش الرومسي لمعاونة الجنرال روت وهزموا الصدر ~~الأعظم في 11 يونية سنة 1829 ثم استولي الروس على سيلسترية فاعتصم الصدر الأعظم وليثوا ~~يزحفون إلى أدرنة، فاستسلمت البلدة لهم بدون قتلا، واحتل الروس» فرق كليسة» و«ديموطقة» ~~وغيرها. # وأما من جهة آسيا فاستولي الروس على أرضروم، وكانوا سائرين إلى الأمام. # وأما في بلاد اليونان فإشتدت عزائم الأروام وإسترجعوا كل المواقع التي خلت ~~منهم. # والخلاصة أن السلطان محمود شاهد في هذه الحرب هزائم لم تحل بالدولة من قبل فطلب الصلح ~~بواسطة روسيا، وإنقدت معاهدة أدرنة التي بموجبها إستولى الروس على مصاب الطونة، وصار ~~لهم الحق في حرية الملاحة في البحر الأسود والخروج منه إلى البحر الأبيض. وأخذوا «بوتى ~~«في آسيا، وفصلوا بين تركيا وبلاد القوقاس. فخسرت تركيا علاقتها بتلك الأمم القوقآسيا ~~التي كانت من أشد أنصارها! فسهل على الروسيا إدخالهم في الطاعة تدريجا، وتعهدت الدولة ~~بأن لا تعزل أمراء الفلاخ ومولدافيا وأما ms299 سربيا فبقيت على حالها، وتمهد الباب العالى ~~بدفع غرامة حربية 125 مليون قرش يؤديها تقسيطا على عشر سنوات على شرط أن الروس لا ~~يحتلون بلاد الفلاخ ومولدافيا قبل دفع الأقساط كلها. وفى سنة 1830 إعترفت الدولة ~~بإستقلال اليونان وبالحدود التي وضعتها الدول بينها وبين تركيا. # وكان السلطان محمود معتقدا أنه لابد من الإصلاح في داخل السلطنة والسير بتركيا على ~~الطرق المصرية الأوروبية، ولما توالت الهزائم على الجيوش العثمانية في زمان سليم الثالث ~~ومحمود الثاني تحققت الناس أن السبب في هذه الهزائم إنما كان قصور الإنكشارية في ~~التعليم العسكرى عن الجيوش الأوروبية، وأنه لابد للدولة من جيش مرتب على نسق الجيوش ~~الأوروبية حتى يمكنه أن يقاتلها بنجاح أو ثبات، ولم يكن في الإمكان تنظيم هذا الجيش ~~الجديد مع وجود الإنكشارية الذين كانوا يعارضون في هذا الأمر معارضة من يقاتل عن حياته. ~~وكانت الدولة تعانى من ثورات الإنكشارية ما لا يوصف، وكم من مرة كانت ثوراتهم سببا في ~~الإنهزام أما الأعداء وكم إستبدوا بالأهالى وعاشوا في البلاد حتى عاف الناس مجرد سماع ~~ذكرهم، فكانت الصدور ملأى من أعمالهم، وكانت الأمة ترجو الخلاص منهم. فلما أمر السلطان ~~محمود بتنظيم الجيش الجديد كانت جميع الأمة مؤيدة لفكرته هذه، وبدأ السلطان بتنظيم هذا ~~الجيش، وأخذت ضباط الإنكشارية تتعلم الحركات العسكرية في «آت ميدان «. وإذا بالإنكشارية ~~تآمروا وثاروا على السلطان بنتة، وزحفوا إلى السراي يهددون السلطان ويطلبون منه رؤوي ~~الذين وقافقوا على النظام الجديد ولم يكن السلطان محمود خوار العزيمة ولا ممن يهاب ~~الاخطار فامتنع من إجابة طلبهم ونادى بالأمة وأخرج السنجق النبوي فأجتمعت الامة تحته ~~والعلماء لي مقدمتهم وصمدوا إلى الإنكشارية ورموهم بالنيران، وأطلقوا المدافع عليهم ~~فكسروهم، وبعد أن أنهزموا أعلمت الأمة السيوف في رقابهم فقتلوا منهم عشرة آلاف رجل وقيل ~~عشرين الف ا وتخلصت الأمة من معرفتهم وبعد ذلك نشر السلطان خطا شريلا يقول فيه: إنه من ~~المعلوم بين المسليمن أن السلطنة العثمانية إنما رقت ونمت واستولت على الشرق والغرب ~~بقوة الدين الإسلامي، وأن ms300 نظام الانكشارية كان في أول الأمر يوم كانت الطاعة شعاره حصنا ~~حصينا للدولة وطالما كان النصر معقودا برايات هذا النظام ولكن في العصر الأخير فشا في ~~الانكشارية روح التمرد وصاروا بلاء على الدولة وصاروا لا يلقون الأعداء إلا أنهزموا ~~فأجمعت الأمة على إيجاب التخلص من هذا النظام البالي وعلى تنظيم جيش جديد يمكننا أن ~~نصادم به أعداء الدين الخ # وما أكتفي السلطان باستئصال النكشارية بل أراد استصال جميع جراثيم الفساد التي كانت ~~آفة على المملكة فألغى الطريقة البكتاشية وقتل رؤساءها وأقفل تكاياها ولكن بعد أن سار ~~على خطة التجدد في امملكة وغير الأزياء القديمة حاول الرجعيون الانتقام فأشعلوت النار ~~عدة مرار وفي إحدى المرار أحرقوا ثمن الأستانة ولكن السلطان ضمد الجروح وساعد المصابين ~~وفي مرة أخرى أحرقوا بيك أوغلوا محله الأوروبيين وحصلت أيضا ثورة بالسلاح فقضى السلطان ~~عليها ولم يثنه شيء عن عزمه ومضى في سياسة التجدد، وبني المدارس، وأسس المدرسة العسكرية ~~الكبرى وأنشأ المراكب النارية وأسس المحاجر الصحية. # وكان بالجملة مقتنعا بوجوب الإصلاح والتجديد حازما رابط الجأش غير هياب للموت عادل ~~بالرعية مهتما بالصغيرة والكبيرة من شئون الأمة مساويا بين جميع أجناس رعيته ولكن ~~المصائب بسبب أطماع الدول الأوروبية توالت على السلطنة في زمانة. # وفي سنة 1831 استولى الفرنسيس على الجزائر في خبر ليس هنا موضعه فعجزت الدولة عن دفع ~~هذا الاعتداء، لاسيما أن الجزائر كانت منفصلة عنها ولم تكن سيادتها عليها إلا بالاسم، ~~ثم خرج محمد علي والي مصر على الدولة وأغزى ابنه إبراهيم بلاد الشام بخمسين ألف جندي ~~فأستولى على غزة، ويافا، وحيفا، وحاصر عكة التي كان قائدها عبد الله باشا، فأمر السلطان ~~محمد علي برد عساكره إلى الوراء، فاشترط محمد علي على السلطان توليته سورية، فأبى ~~السلطان قبول طلبه، وأرسول جيشا لقتال الجيش المصري تحت قيادة حسين باشا، فانكسر حسين ~~باشا وفتح إبراهيم باشا عكة عنوة، واستولى على جميع سورية، وفي ذلك يقول الشيخ أمين ~~الجندي الشاعر: # لو قيل إبراهيم جاء محاربا # سقطوا ولو كان الكلام ms301 تقولا # قامت قيامة عكة من بأسه # وأحاك من كل الجهات بها البلا # بمدافع ما إن لها من دافع # وقنابر تحكي القضاء المنزلا # تنسيك بدرا والنضير وخبيرا # وحروب عكة والبسوس وكربلا # من مبلغ الأتراك أن جنودهم # هزموا وأن حسينهم ولي إلى # ولم يقف في وجه إبراهيم باشا غير الدروز، فأنهم اجتمعوا في «وادي التيم» وناجزوا جيشه ~~القتال في وقائع متعددة أشهرها واقعة «وادي بكا» حيث أحاط إبراهيم باشا ومعه أثنا عشر ~~ألف مقاتل نظامي بخمس مئة من الدروز فقاتلوه طول النهار وأبوا أن يستسلموا إليه إلى أن ~~ماتو جميعا. وما نجا منهم غير 25 شخصا. اخترطوا سيوفهم وشقوا الجند النظامي على ~~كثافته، وخلصوا بين الجند كله. وقد عرفت منهم واحدا عمر طويلا اسمه أمين المصفى من ~~قصبة بمقلين، وأما دروز حوران فالتجأوا إلى اللجاه واتفقوا مع عرب السلوط، وساق عليهم ~~إبراهيم باشا جيشا فكسروه مرارا وقتلوا منه مقتلة عظيمة، وبقى الدروز عصاة على ~~إبراهيم إلى أن أنصرف من سورية ولكن الأمير بشير الشهابي الوالي على جبل لبنان لأن إلى ~~إبراهيم باشا لأنه كان ذهب إلى مصر وتعاهد مع محمد علي، فلما زحف إبراهيم إلى الشام مهد ~~له كثيرا من المقبات ولم تمنع إبراهيم باشا ثورة الدروز من أن يزحف إلى الأناضول ويهزم ~~جيش الدولة عند قونية، وأن يتقدم من هناك إلى بورسة، فوقع الهلع في الأستانة، وقد كان ~~خوف الروس من محمد على أعظم من خوف الترك. وذلك أن الروس فكروا في أن محمد علي قد ~~يستولى على القسطنطينية وينظم تركيا كما نظم شئون مصر، ويؤسس دولة جديدة شابة غير ~~الدولة العثمانية التي كان حل بها الهرم، فعرضت الروسيا على السلطان محمود محالفة ~~عسكرية في وجه محمد علي، وأنزلت خمسة عشر ألف جندي بقرب الأستانة، وكانت على نية زيادة ~~هذا الجيش حينما نبه السلطان سفيرا إنجلترا وفرنسا إلى خطر وجود العساكر الروسية في ~~الأستانة، وقالا له: إن الأولى به أن يقبل شروط محمد علي، وهي إضافة سورية كلها وولاية ~~«آطنة» إلى ms302 مصر تحت سيادة السلطان من أن يستعين بالروسيا صاحبة الطمع السرمد في ~~القسطنطينية، وهكذا افتتح السلطان بإعطاء سورية وكيليكية إلى محمد علي، ولكن السلطان لم ~~يكن ليرضى من قلبه مصالحه محمد علي على هذا الشرط وبقى يجهز العساكر ليقاتل إبراهيم ~~باشا ويرده إلى الوراء فزحفت العساكر العثمانية تحت قيادة حافظ باشا، وتلاقى الجمعان في ~~«نزب» وكان مع إبراهيم باشا جيش كبير من العرب، فانكسر حافظ باشا كسرة شنيعة وغنم ~~إبراهيم أكثر مدافعه، ومات السلطات محمود من الغم عند سماع خبر هذه الهزيمة وذلك سنة ~~1839. # السلطان عبد المجيد # وتولى السلطنة ولده الكبير السلطان عبد المجيد، وكانت الدولة أصبحت بدون جيش تقريبا، ~~وكان أمير البحر أحمد باشا اختلف مع المصدر الأعظم فذهب وسلم الأسطول العثماني إلى محمد ~~علي في ميناء الإسكندرية. فصارت الدولة مضطرة إلى الصلح مع محمد علي إلا أن الروسيا ~~وإنجلترا والنمسا وبروسيا عقدت مع السلطان عبد المجيد معاهدة سنة 1840 بموجبها لا يبقى ~~لمحمد علي سوى مصر التي تعود إمارة له ولذريته وفلسطين التي يتولاها بصورة مؤقتة، وعليه ~~أن يخلي سورية وبلاد العرب وجزيرة كريت، وبقيت فرنسا خارجة عن هذا الاتفاق، لكنها لم ~~تصل في مساعدة محمد علي إلى العمل، وذلك بما رأته من تألب أوروبا عليه. فصار محمد علي ~~يقاوم بدون سند من جهة الدول، وكانت قوة إبراهيم باشا أكثرها في عكة، فجاء الأسطول ~~الإنجليزي وضرب عكة بالقنابر، وطير مستودع البارود والذخيرة فاستسلمت عكة وسحب إبراهيم ~~جيشه إلى مصر، وكانت الدولة تريد الخلاص من محمد علي تماما إلا أن الإنجليز كانوا ~~عقدوا معه معاهدة لإبقاء مصر في يده، فأجبروا الدولة على مراعاة هذه المعاهدة. # وأما الأمير بشير الشهابي حليف محمد علي فلما التزم إبراهيم باشا إخلاء سورية لم ~~يتبعه إلى مصر، بل بقى يرجو أن يصلح أموره مع الدولة، وكان الأمر والنهي وقتئذ في يد ~~الإنجليز، فلما نزل إلى صيدا وقابل أمير البحر الإنجليزي سمع منه ما يدل على أن إنجلترا ~~لا تريد إبقاءه أميرا على لبنان، ثم ms303 أتوا به إلى بيروت وأبلغوه أن الدولة العثمانية ~~قررت عزله فليختر بلادا يقيم بها، فاختار فرنسا. فقال له الإنجليز لك أن تسكن في أي ~~بلد شئت ما عدا فرنسا، ومصر، فاختار مالطة، ثم وجد مالطة في عزلة عن الدنيا كلها فسعى ~~في التحويل إلى استامبول، وجاء إليها وبقى فيها إلى أن مات. وكان قد تعين الأمير بشير ~~قاسم الشهابي واليا على جبل لبنان وكان الفرق بينه وبين ابن عمه في الحزم والعزم وحسن ~~التدبير كما بين الأرض والسماء، فما مضى على ولايته إلا أشهر قلائل حتى سخط عليه مشايخ ~~الدروز أصحاب الإقطاعات، لأنه كان بذئ اللسان، فكانت بذاءته تجرح في قلوبهم، على حين لا ~~يوجد في الدنيا بلد كجبل لبنان يهتم أهله قبل كل شيء بالآداب وحفظ اللسان فقر والدروز ~~الاجتماع لخلع الأمير بشير قاسم، فانتصر له النصاري لأنه منهم، فوقعت الوقائع بين ~~الفريقين في «دير القمر» سنة 1841 وتسمى هذه الوقائع في لبنان بالحركة الأولى. فعزلت ~~الدولة الأمير بشير قاسم، وأرسلت عمر باشا النمساوي إلى جبل لبنان فأخذت فرنسا تسعى في ~~إعادة الحكم إلى آل شهاب بناء على كون الطائفة المارونية ترغب في ذلك، إلا أن الدروز ~~وسائر الطوائف غير المارونية عارضوا رجوع الحكم إلى الشهابين، فبعد أخذ ورد بين الدول ~~تقررت قسمة الجبل إلى قسمين يفصل بينهما طريق دمشق، وجعلت الدولة الأمير أحمد عباس ~~الأرسلاني واليا على القسم الجنوبي والأمير حيدر إسماعيل أب ياللمع واليا على القسم ~~الشمالي، وألحقت بلاد جبيل باشوية طرابلس. فأغضب هذا التدبير الطوائف الكاثوليكية ~~وحاميتهم فرنسا. ولكن الدول الأخرى حبا بالتوازن وبمقاومة نفوذ فرنسا التي تريد السياة ~~في جبل لبنان عضدت الدولة العثمانية في الترتيب الجديد. وهن انجلترة، وبروسيا. وأمريكا ~~والروسيا. وتألف في كل من القائمقاميتين ديوان مختلط تتمثل فيه كل الطوائف وما مضت ~~سنوات قلائل على هذا النظام حتى تشاجر الدروز والنصارى مرة أخرى، وحصلت وقائع بين ~~الفريقين، فسكنت الدولة هذه الفتنة. # وجاء شكيب أفندي ناظر الخارجية من الأستانة فرتب الأمور، وعزل الأمير ms304 أحمد أرسلان ~~بسبب حصول الفتنة في أيامه، وجعل مكانه أخاه الأمير أمينا فتبقى إلى سنة 1859 فخامة ~~والده الأمير محمد الأرسلاني، وفي مدة هذا ثارت العامة في فضاء كسروان وكلهم هناك من ~~الموازنة، وكانت ثورتهم على مشايخهم آل الخازن فطردوهم واستولوا علي أملاكهم، وقتلوا ~~منهم فذهبوا إلى بيروت يشتكون إلى الوالي التركي، فرأى الوالي أنه لابد من حرب لقمع ~~ثورة الأهالي، فرأى الأولى أخذ المسألة بالسياسة فطال الأمر ببني الخازن، فالتجأوا إلى ~~مشايخ الدروز لأنهم أصحاب إقطاعات مثلهم، وبين الفريقين تكافل إقطاعي طبيعي. فقرر مشايخ ~~الدروز الزحف على كسروان وإعادة بني الخازن إلى بيوتهم، فقامت من أجل ذلك قيامة ~~المارونيين الذين في بيروت وفي بلاد الشوف وجزين، وقالوا. إنهم لا يرضون بذهاب الدروز ~~إلى كسروان يقاتلون إخوانهم، فوقع التنافر بين الفريقين، وبدأ المارونيون بالحركة. ثم ~~انفجر الدم في حوادث جزئية في البداية، واجتمع المسيحيون في زحلة وزحف منهم عدة آلاف ~~قاصدين قضاء الشوف على تفاهم مع نصارى الشوف بأن يثوروا من جهتهم فيضعوا الدروز بين ~~نارين، واعتمدوا على كثرة عددهم لأن الدروز لا يزيدون على السدس بالنسبة إلى النصارى، ~~ولكن الدروز المشهورين بالشجاعة وبحسن الانقياد إلى رؤسائهم في الحروب قابلوا ذلك الجيش ~~الذي زحف إليهم، وذلك في «ظهر البيدر» شرقي عين صوفر، وجرت معركة تقهقر فيها النصارى ~~إلى «قب الياس» ثم حصلت وقائع أخرى كان الفوز في جميعها للدروز، ثم جمع خطار بك العماد ~~جمعا كبيرا من الدروز وقصد مدينة زحلة حيث تجمع فيها النصارى من كل جهة فوقعت واقعة ~~شديدة انتهت أيضا بأن النصارى تركوا زحلة واستولى عليها الدروز وأحرقوها . وكانت قصبة ~~دير القمر المسيحية الواقعة في وسط بلاد الدروز تدافع بشدة الدروز الذين يهاجمونها، ~~فلما سقطت زحلة خارت عزائم أهالي دير القمر فاستولى عليها الدروز، وأعمل الجهلاء منهم ~~السيف في أهلها، وقتلوا مقتلة عظيمة. ولكن عند ما بلغ الخبر آل أرسلان، وآل جنبلاط، وآل ~~نكد، أرسلوا رجالهم إلى دير القمر وأنقذوا ألوفا من بقايا السيف من المسيحيين وآووهم، ms305 ~~وقاموا بإعاشتهم إلى أن جاءت وزراء الدولة والدول وبدأوا بالتحقيق عن الحوادث، وكذلك ~~حصلت حادثة كهذه في حاصبيا وأخرى في راشيا وكان الدروز مع كونهم أقل عددا يتغلبون على ~~النصارى، وكانت تقع من الجهلاء بعد الفوز حوادث مؤسفة لأمراء فيها إلا أنه في جميع هذه ~~الوقائع لم يكن الدروز هم البادئين بالشر، وكيف يبدأون وزعمائهم هم أصحاب الإقطاعات ~~الوافرة وتحت حكمهم عشرات ألوف من النصارى وفي أيديهم أكثر الأملاك. فكان لا يخفي عنهم ~~وهم عقلاء محنكون أن الفتنة تكون سبب انقراض نعمتهم، وتؤل إلى جعل الحكومة على نسبة عدد ~~الطوائف فيفقدون أكثر امتيازاتهم، بخلاف النصارى الذين كانوا يرون أنهم لا يحصلون على ~~المساواة، ولا يتخلص ذلك العدد الكبير منهم عن حكم الدروز إلا بثورة تجبر الدولة على ~~إنصافهم، فقضية أن الدروز كانوا مستوليين على أكثر كثيرا مما يحق لهم بحسب العدد هذه ~~قضية لا نزاع فيها. # وأما قضية كون الدروز هم الذين بدأوا بقتال النصاري وأنهم هم الذين اعتدوا عليهم فهي ~~كذب محض قد تحققه لجنة التحقيق الدولية التي وقفت على جميع الحقائق ولذلك أبي الجانب ~~الأعظم من الدول أن يعد الدروز معتدين، وإن كانوا حكموا على مئات منهم بالنفي، فلم يكن ~~ذلك مبنيا على اعتدائهم، ولكن كان ذلك تسكينا لخواطر النصارى الذين قتل منهم عدة آلاف ~~بعد تغلب الدروز عليهم. ولقد حكمت الدولة بالقتل على المشير أحمد باشا قائد الفيلق ~~العثماني في دمشق وعلى مئات من المسلمين ممن كانوا المسئولين عن الحادثة التي وقعت على ~~نصارى الحاضرة السورية، ولكنها بالانفاق مع الدول عدا فرنسا لم تقتل أحدا من الدروز ~~لما ظهر من أن الاعتداء لم يقع منهم، ولما ثبت بالوثائق والمناشير التي صدرت عن أساقفة ~~النصارى من أن الرؤساء الروحيين كانوا هم المحرضين على الحرب، وغير معقول أن الدول ~~المسيحية مع شدة تعصبها في النصرانية مثل إنجلترا، والنمسا، وبروسيا، والروسيا؛ تساعد ~~الدروز بقدر الإمكان وتأتي مجاراة فرنسا على قتل جانب منهم لو تحقق عندها أن الدروز ~~كانوا هم المعتدين! ms306 ولا تبال أصلا بأقوال المؤلفين الفرنسيين الذين ينكرون هذه ~~الحقيقة ويروون روايات إذ قرأها الإنسان يضحك أو يحزن لشدة بعدها عن الواقع، ولغياب ~~الوجدان فيها تماما، ودعوى الفرنسيس أن الإنجليز لأجل أن يتوكأوا على الدروز ويتخذوا ~~لأنفسهم أنصارا في سورية قد اجتهدوا في إنقاذهم على آثر تلك الحوادث المسماة بحوادث ~~«الستين» لوقوعها سنة 1860 - هي دعوى لا ترتكز على أدنى أساس، لأن الإنجليز هم أشد ~~تحمسا للنصرانية من أن يرضوا بذبح الدروز للنصارى وبأن يتركوا بدون قصاص، ولما وصلت ~~إلى لندرة أخبار هذه الحوادث مقلوبة عن وجهها اشتد غضب الإنجليز، وطلبوا في أول الأمر ~~من حكومتهم الاقتصاص من الدروز بكل صراحة، إلا أنه كان بعض الإنجليز المنصفين المقيمين ~~بورية لاسيما المستر «سكوت» صاحب معمل الحرير في قرية شملان من لبنان قد كتبوا إلى ~~إنجلترا بحقيقة ما جرى، وقالوا إن الدروز إنما كانوا مدافعين لا مهاجمين، فهدأ عند ذلك ~~الرأي العام الإنجليزي. # ولما تألفت اللجنة الدولية في بيروت ثبت أيضا أن الدروز لم يكونوا هم البادئين ~~بالقتال. وثبت أن الأمير محمد أرسلان أمير لبنان الجنوبي راجع الوالي خورشيد باشا لأجل ~~إرسال جيش نظامي يكفي لمنع الحوادث، واستمد أيضا قناصل الدول كلها حتى يسعوا في هذا ~~الأمر لدى الوالي، وهذا كان سبب خلاص الأمير محمد من القتل والنفي ومن كل مسئولية، ولا ~~ينكر أن الإنجليز كانوا قد بدأوا بتأسيس علاقة مع آل جنبلاط وحزبهم من الدروز، وربما ~~كانوا لأجل حفظ التوازن. غير راغبين في استئصال هذه الطائفة القليلة العدد من جبل ~~لبنان، ولكنهم لو كانوا قد تحققوا كون الدروز هم المعتدين لكانوا وافقوا بالأقل على ~~إجراء القصاص بحق عدة مئات منهم كما جرى في دمشق بحق المشير أحمد باشا ومئات من ~~المسلمين، وأيضا فإن الروسيا والنمسا وبروسيا لم يكن عندهن أقل سبب سياسي يقتضي العفو ~~عن الدروز، والاكتفاء بنفي مئتين أو ثلاث مئة رجل منهم إلى الخارج، مع أن النصارى قدموا ~~جدولا إلى اللجنة الدولية يلتمسون فيها قتل سبعة آلاف من الدروز. ms307 # والخلاصة لما ثبت أن الدروز لم يكونوا إلا مدافعين عن حوزتهم ترفقت بهم الدولة ~~العثمانية وجميع الدول عدا فرنسا، وإنما نفى من نفى منهم نكالا وعبرة من أجل المذابح ~~التي لا تنكر مما قام به جهلاؤهم بعد الغلبة، ولقد قلب مؤرخوا هذه الوقائع من الفرنسيس ~~حقائقها رأسا على عقب، وجعلوا الابتداء والاعتداء من الدروز وليس ذلك بصحيح. ثم إنه قد ~~ثبت أيضا باعتراف عقلاء النصارى أنفسهم أنه لم يوجد واحد من الدروز سطا على عرض امرأة ~~نصرانية، ولا يوجد منهم من قتل ولدا، أو امرأة، أو شيخا عاجزا. وقد اعترف بذلك صاحب ~~كتاب «حسر اللثام عن نكبات الشام» المطبوع بمطبعة المقطم بمصر، وفيه سرد حوادث سنة 1860 ~~وفيه من الطعن بالدولة العثمانية ومن الوقيعة بالمسلمين والدروز ما يزيد على كل وصف، ~~إلا أنه صرح بكون الدروز في جميع هذه الوقائع لم يتلوثوا بالاعتداء على أعراض النساء، ~~ولا قتلوا امرأة، ولا ولدا ولا عازا، وهو يذكر أيضا همم كثيرين من زعماء الدروز ~~الذين انقذوا النصارى ألوفا، كما يذكر أن أعيان المسلمين في الشام مثل محمود افندى ~~الحمزاوي وصالح آغا المهايني، وعمر آغا العابد، وعددا كبيرا من الوجهاء ليس الأمير ~~عبد القادر الجزائري فقط؛ قد حافظوا على النصاري، وآمنوهم من خوف، وآووهم من فقر، مع أن ~~مؤرخي الفرنسيس يحصرون هذه المحافظة في الأمير عبد القادر رحمه الله وحده وهو بدون شك ~~قد حافظ على ألوف المسيحيين، وكان السبب في نجاتهم من الغوغاء الذين اعتدوا عليهم بدون ~~علم الرؤساء، ولكن الأمير عبد القادر لم يكن هو الوحيد الذي قام بذلك الواجب. # ثم إن السلطان عبد المجيد أعلن التنظيمات المسماة «بخط كولخانة» وما له أن حياة ~~الأشخاص وأموالهم وأعراضهم تكون مصونة، وتكون الأموال الأميرية عائدة إلى نظام واحد، ~~وأن تلغي الاحتكارات، وأن تكون الضرائب بحسب الثروة وأن تكون مدة الخدمة العسكرية خمس ~~سنوات، وأن كون المحاكمات علنية وأن تكون المساواة أمام القانون شاملة لكل أصناف ~~الرعية، وأن يكون الناس أحرارا في البيع والشراء، وأن ms308 يكون ضبط أملاك المجرمين ~~ممنوعا، بل تعود إلى ورثتهم. # وقد زعم بعض مؤرخي الفرنسيس أن الضرائب وإن أوجب خط كولخانه استيفاءها على نسبة ~~الثروة، فقد كانت تجي بصورة جائزة على المسيحيين. وهذا الكلام أيضا غير صحيح؛ فالضرائب ~~في السلطنة العثمانية كانت على حسب مقدار الأملاك وريعها ولم يكن فيها تمييز طبقة على ~~طبقة مما هو شأن الدول الاستعمارية الأوروبية. # وأسست الدولة جامعة باسم «دار الفنون» وجعلت التعليم ابتدائيا، وإعداديا وعاليا. ~~وقامت بإصلاحات كثيرة؛ وفي سنة 1848 ثارت الفلاخ ومولدافيا، وكادت الفتنة تؤدي إلى ~~الحرب بين الدولتين العثمانية والروسية، ولكن الحرب لم تقع بينهما هذه المرة، وتفادوها ~~بتدابير سلمية. # وفي زمان السلطان عبد المجيد نشبت حرب القريم، وأساسها الخلاف بين الروم واللاتين على ~~كنيسة بيت لحم التي فيها المغارة التي يقال إن المسيح ولد فيها، فاللانين كانوا يدعون ~~حق الولاية على هذه الكنيسة بموجب فرامين بأيديهم، وزعموا أن الأروام بدسائسهم لدى ~~الدولة قد استولوا على حقوق لم تكن لهم من قبل، وأخذوا مفاتيح كنيسة القيامة وبسطها ~~وقناديلها بفرمان من السلطان محمود الأول. وزعم اللاتين أن السلطان سليمان الثاني كان ~~خولهم هذه الحقوق سنة 1690 فرجع الأروام واستردوا ما فقدوه في سنة 1757، ثم إن الروسيا ~~سنة 1808 ساعدت الأروام لدى الباب العالي فاستولوا على جميع الأماكن المقدسة تقريبا، ~~فبقيت فرنسا تحتج على ذلك. وسنة 1851 طلبت فرنسا من الدولة تأليف لجنة مختلطة لأجل ~~النظر في الفرامين التي بأيدي اللاتين والروم، وأدعت الاستيلاء على كنيسة القيامة، وعلى ~~المكان الذي فيه مدافن ملوك الإفرنج، وعلى قبر العذراء، وعلى كنيسة بيت لحم، ~~وغيرها. # فلما بلغ ذلك الروسيا اعترضت على هذا الأمر وقدمت إلى الدولة مذكرة لو قبلها الباب ~~العالي لكان ذلك اعترافا منه بحماية الروسيا لجميع المسيحيين الأرثوذ كسببين فلذلك رفض ~~الباب العالي إجابة طلب الروسيا، فقطعت الروسيا العلاقات مع الدولة وزحفت العساكر ~~الروسية تحت قيادة البرنس «كورتشا كوف» فقطعت نهر الباروت بتسعين ألف ماش وعشرن ألف ~~فارس، وستة آلاف مدفعي، فاحتل هذا الجيش الفلاخ، ms309 ومولدافيا، وكانت الحصون العثمانية عند ~~الطونة خرابا تقريبا ولكن كان عند الدولة قائد اسمه «عمر باشا النمساوي» أصله خرواطي ~~كان من عظماء القواد فرمم تلك القلاع وجمع جيشا جرارا ورصد الروس وردهم، أما في آسيا ~~فتقهقر العثمانيون إلى الوراء، وجاء أسطول روسي فأحرق أسطولا عثمانيا في ميناء ~~«سينوب». # وفي ذلك الوقت كانت إنجلترا ترى من مصلحتها توقيف الروسيا على حدها خوفا من استيلاء ~~الروس على الأستانة، وكان نابوليون الثالث إمبراطور فرنسا منقادا إلى السياسة ~~الإنجليزية، وكانت الأمة الفرنسية الكاثوليكية ترى أن الدولة العثمانية قبلت هذه الحرب ~~مع الروسيا من أجل عدم تسليمها حقوق اللاتين في القدس فلما أحرق الأسطول الروسي السفن ~~العثمانية التي كانت في سينوب دخل الأسطول الإنجليزي والأسطول الفرنسي من الدردنيل إلى ~~الأستانة محافظة عليها من الروسيا فأرسل نيقولا الأول قيصر الروس يحتج على هذه الحركة، ~~ونشر على شعبه منشورا أشبه بإعلان حرب على فرنسا وإنجلترا، فعقدت هاتان الدولتان ~~محالفة هجومية دفاعية مع السلطان عبد المجيد في 12 مارس سنة 1854 وكان تحت قيادة «عمر ~~باشا» - وكان يقال له السردار - مئة وثلاثين ألف نظامي، وخمسون ألف متطوع. وكان الجيش ~~الروسي تحت قيادة البرنس «باسكيفتش» يبلغ مئة وتسعين ألفا، فهاجم الروس سياسترية ~~فدحرهم العثمانيون عنها، فتقهقروا على طول الخط، وأراد عمر باشا أن يجتاز نهر البروت ~~إلا أنه كان الفرنسيس والإنجليز قد عمدوا إلى نقل ميدان الحرب إلى القريم، وقرروا حصار ~~سيباستوبول فانتقل السردار عمر باشا إلى القريم، وهناك جرت الوقائع الكبرى. وثارت بلاد ~~اليونان انتصارا للروسيا وتجاوز الأروام على الحدود العثمانية فانهزموا. واحتل جيش ~~إفرنسي آثينا، وأما في القريم فانتصر الإنجليز والفرنسيس والعثمانيون في وقائع «آلمة» ~~و «بالا كلافة» و«انكرمان» و«ترا كثير» وافتتح عمر باشا «أوباتورية» عنوة. وفتح الحلفاء ~~«برج مالا كوف» بعد معارك شديدة، قيل إن الفرنسيس هناك فقدوا عشرة آلاف مقاتل. ودمرت ~~أساطيل الحلفاء مرافئ الروسيا في البحر الأسود ودخلت أساطيلهم من البلطيك، واستولوا على ~~بومارسوند، وأنضم إلى فرنسا وإنجلترا وتركيا في هذه الحرب مملكة الساردوا، ms310 والبيمونت، ~~فأرسلت 15 ألف مقاتل، فلما توالت هذه المصائب على الروسيا طلب القيصر نقولا الصلح، ~~فانعقد مؤتمر في فينا في أول فبراير سنة 1856 وتقررت فيه شروط الهدنة، ثم انعقد ~~مؤتمرالصلح في باريز وكان الجانب الواحد هو فرنسا وإنجلترا وتركيا ومملكة الساردوا، ~~والجانب الآخر الروسيا. وكانت بروسيا والنمسا كفيلتين، وبهذه المعاهدة تقرر استقلال ~~السلطنة العثمانية التام، وعدم تدخل أية دولة في شئونها الداخلية، وذلك بموجب المادة ~~التاسعة كما أنه بموجب المادة العاشرة تقرر عدم مرور السفن الحربية من الدردنيل، وبحسب ~~المادة الحادية عشرة تقررت حرية التجارة والملاحة في البحر الأسود، وكذلك بحسب المادة ~~العشرين تقرر أن الروسيا تتخلى لمولدافيا عن قسم من بسارابيا. ثم جعلت مصاب الطونة تحت ~~إشراف لجنة أوروبية، وبهذه المعاهدة جرى إلغاء حماية الروس على بلاد السرب، والفلاخ، ~~ومولدافيا، ورجعت هذه الإمارات تحت سيادة الباب العالي وحماية أوروبا. وبمقابلة معاهدة ~~باريز هذه جددت الدولة العثمانية مآل خط كولخانة من جهة إعلان المساواة بين أصناف ~~رعاياها، ومن جهة حرية المذاهب وغير ذلك من الإصلاحات. # وفي 13 يوليو سنة 1858 هجم بعض أهالي جدة بالحجاز على قنصل فرنسا ومعاون قنصل إنجلترا ~~فقتلوهما، فجاء أسطول إنجليزي فرنسي فضرب البلدة بالقنابر وفي سنة 1860 جرت الوقائع ~~التي سبقت الإشارة إليها بين الدروز والنصارى في جبل لبنان، وكانت الدولة سكنت الأمور، ~~واستدعت زعماء الفريقين إلى بيروت ووقع الصلح بينهما، إلا أن بعض الجهلاء في دمشق طمعا ~~بالنهب والسلب استفادوا من غفلة الحكومة فانقضوا على حارة النصارى وفجروا الدماء ~~الغزيرة، وارتكبوا الموبقات الكبيرة ظلما وعدوانا، فكانت هذه الحادثة المشئومة سببا ~~في احتلال جيش افرنسي لبيروت ولبنان تحت قيادة الجنرال «بوفور دوبول # Beaufort ~~D’haipoul ~~» فأرسلت ~~الدولة فؤاد باشا المشهور إلى سوريا، فأخذ فؤاد باشا يضمد جروح المسيحيين ووزع عليهم ~~تعويضات بالملايين، وبحسن سياسته سكن الأمور وقتل عددا من الجناة في حادثة دمشق يبلغ ~~130، ونفى كثيرا من العلماء والأعيان وفي مقدمتهم الشيخ عبد الله الحلبي مفي الشام، ~~وقد كان نفيهم لأجل السياسة لأنهم كانوا بالحقيقة ms311 أبرياء من كل ما وقع على ~~المسيحيين. # وما رجع فؤاد باشا من سوريا إلى الأستانة إلا بعد أن استرجعت فرنسا عساكرها، وكانت ~~يومئذ إنجلترا والنمسا مساعدتين لتركيا. وفي 25 يوليو سنة 1861 توفي السلطان عبد ~~المجيد، وكان سلطانا كريم الأخلاق عادلا حليما متواضعا، وكانت الرعية العثمانية من ~~جميع الطبقات تحبه وتحترمه، ولذلك أسف عليه الجميع. # السلطان عبد العزيز # وتولى مكانة السلطان عبد العزيز. وفي زمانه لم تحصل حوادث تذكر سوى ثورة كريت التي ~~قمعتها الدولة بالقوة، والسلطان عبد العزيز هو أول سلطان زار أوروبا عندما دعاه نابليون ~~الثالث سنة 1867 إلى معرض باريز مع سائر الملوك، وفي زمانه أيضا جرى خرق بوغار السويس ~~بواسطة شركة أفرنسية يرأسها المسيو «داليبس» وذهب السلطان عبد العزيز بنفسه إلى مصر، ~~وكان السلطان عبد العزيز سليم الطوية جسورا إلا أنه كان مسرفا ترك على الدولة ديونا ~~كثيرة. على أن من أهم مآثره اعتناؤه بالأسطول، ففي زمانه كان للدولة قوة بحرية عظيمة، ~~وكانت هي الدولة الثالثة في البحر، وقد كان في أيامه من رجال الدولة «مدحت باشا» وكان ~~مولعا بالحرية، فنما بواسطته حزب الأحرار، وصاروا يتحدثون بخلع السلطان لكثرة إسرافه ~~واستمالوا إليهم السر عسكر «حسين عوفي باشا» ودبروا على السلطان مكيدة فاتفقوا مع ناظر ~~البحرية وأتوا بالأسطول فرنسا أمام سراي طولمة يفجه، بينما العساكر كانت تحيط بالسراى ~~من جهة البر، ثم أدخلو على السلطان من أبلغه أن الأمة خلعته. فأراد السلطان أن يستخف ~~بهذا الموضوع فأطلعوه على العساكر المحيطة بالقصر من جهتي البر والبحر، وأنزلوه من ~~السراي ووضعوه في قصر آخر. # السلطان مراد # وبايعوا السلطان مراد كبير أولاد السلطان عبد المجيد، وما مضى عدة أيام على خلع ~~السلطان عبد العزيز حتى وجد في قصره قتيلا، فذهب الناس إلى أنه قتل بأيدي هؤلاء الذين ~~خلعوه. وليس ذلك بصحيح؛ بل كان الخلع فجأة قد آثر جدا في عقل السلطان، فتناول مقراضا ~~وقطع به عروق زنده فسال دمه إلى أن مات. # وكان ضابط اسمه «حسن الشركسي» شقيقا لإحدى نساء ms312 السلطان، فجاء إلى الباب العالي ودخل ~~على مجلس الوزراء فاغتال السر عسكر حسين عوني باشا وناظر البحرية أحمد باشا القيصرلي، ~~وراشد باشا ناظر الخارجية وكان مراده قتل مدحت باشا ولكن هذا فر ونجا بأعجوبة، فجاء ~~الجند ولم يتمكنوا من القبض على حسن الشركسي إلا بقتله. وأما السلطان مراد فما مضت عليه ~~إلا ثلاثة أشهر في السلطنة حتى حصل له اختلاط في عقله، فاتفق رجال الدولة على إقصائه عن ~~السلطنة وتصب أخيه السلطان عبد الحميد مكانه. # السلطان عبد الحميد الثاني # وكان ذلك سنة 1294 هجرية. وكانت في أواخر مدة السلطان عبد العزيز قد نجمت قرون الثورة ~~في البلقان، وكانت بدايتها في الهرسك، وكان على رأسها «قرة جيبورجيوفتش» من ذرية قرة ~~جورج الذي تقدم الكلام عليه وهو جد ملك يوغوسلافيا الحالي. ثم امتدت الثورة إلى بلاد ~~السرب فأرسلت الدولة جيشا للتنكيل بالعصاة، فاتسمت الثورة وكان مراد السربيين أن ~~يستقلوا استقلالا تاما ولا يؤدوا جزية السلطان. # فساقت الدولة جيشا بقيادة عثمان باشا الذي صار فيها بعد يلقب بالغازي، فهزم السربيين ~~ودوخت الدولة جميع ثوار البلقان من بلغار وسرب، وهرسك. وكانت الروسيا تظاهر الثائرين ~~كما لا يخفي، فلما سحقتهم العساكر العثمانية أعلنت الروسيا الحرب على الدولة العثمانية. ~~وهذه الحادثة تشبه كثيرا إعلان الروسيا الحرب على النمسا عندما ساقت النمسا جيشها على ~~السرب في أول الحرب العامة، أي أن الروسيا كانت دائما ترى نفسها مرجعا للأمم ~~السلاقية، ولاسيما الأمم السلافية الأرثوذكسية، فأما السلافيون الكاثوليكيون فلم يكونوا ~~يرجعون إليها. فكانت بداية سلطنة عبد الحميد الثاني هي بالحرب مع الروسيا، ونظرا لكون ~~تاريخ هذه الحرب معلوما وعليه تأليف كبير بالفرنسية ~~“La Puerre Russo ~~Lurque” # فإننا لا نجد لزوما للتطويل في شأنها، ولا للإسهاب في ~~تاريخ سلطنة عبد الحميد، لأن حوادث أيامه معروفة مشهورة وقد كتب عنها بكل اللغات. ~~فالحرب الروسية التركية جاءت وبالا على الدولة إذ أن الروسية في القرن الأخير قد نمت ~~نموا زائدا قصار عدد سكانها يفوق عدد سكان السلطنة العثمانية أربع مرات بالأقل، وكانت ms313 ~~البلاد البلقانية من سرب وبلغار وفلاخيين وأروام يدا واحدة مع الروسيا، ولم تكن هذه ~~الأسباب وحدها كافية للفشل الذي حل بالجيش العثماني، بل حصل خطأ كثير في التدبير ~~العسكري، وكانت لوازم الجيش ناقصة كما هو شأن الدولة في حروبها في العهد الأخير، وتدخل ~~السلطان كثيرا في أمور الحرب بدون معرفة. وخلاصة القول أن الروس عبروا نهر الطونة ~~وتقدموا ظافرين وصار الجيش العثماني بقيادة السردار عبد الكريم باشا يرجع إلى الوراء ~~وكادت الحرب تنتهي بفشل تام للعثمانيين، وإذا بعثمان باشا قاهر السرب جاء ودخل في قلعة ~~بلافنة واعتصم بها، فجمع الروس جيوشهم وصمدوا إليه فكسرهم كسرة شنيعة فأعادوا الكرة ~~عليه أولا وثانيا وفي كل مرة كان يهزمهم، وفي إحدى المرار فقدوا خمسة عشر ألف عسكري، ~~ورجعت الحرب تبشر بحسن مآل العثمانيين، ولكن عثمان باشا لم يبق عنده وهو محصور من كل ~~الجهات ذخائر تساعده على الثبات، وجاء قيصر الروسيا إسكندر الثاني بنفسه واستصرخ إمارة ~~رومانيا - أي الفلاخ - ومولدافيا وذلك باسم النصرانية قائلا: إنها كلمة تحت الخطر، ~~فأنجده الرومانيون بسبعين ألف عسكري انضافت هذه إلى الجيش الروسي المحاصر لعثمان باشا ~~في بلافته. ومع هذا فلولا نفاد الذخيرة لم تكن تلك الجيوش كلها لتتغلب على عثمان باشا، ~~وفي آخر وقعة أراد عثمان باشا أن يخرق جيوش الروس برغم كثافتها وينفذ إلى الخارج، فوقع ~~جريحا فاضطر إلى النكوص نحو بلافنه. وعرض على إمبراطوا الروسيا الاستسلام، ولما دخل ~~عليه وأراد أن يسلمه سيفه كما هي عادة كل المستسلمين قال له الإمبراطور: إن قائدا مثلك ~~يحق له أن يبقى سيفه معه، وبالغ القيصر في إكرمه. # وبعد تسليم بلافنه زخفت جيوش الروس إلى الأستانة واحتلت أدرنة، ووصلت إلى سان ~~استفانوا؛ وكان العثمانيون قد أعدوا جيشا للدفاع عن الأستانة إلا أنهم كانوا يخشون أن ~~تدور عليهم الدائرة بكثرة جيوش الروس، فأما من جهة القوقاس فكان القائد الكبير أحمد ~~مختار باشا الغازي قد انتصر على الروس في وقعة «كدكلر» وتقدم إلى الأمام، ولكن الروس ~~عادوا فتغبلوا عليه بتفوقهم في ms314 العدد، وكان درويش باشا قائد الجيش العثماني المرابط في ~~باطوم تحت الحصار، فهاجمه الروس مرارا فدحر جميع مهاجماتهم، وانتهت الحرب وباطوم في ~~يده، هذا وعند ما وصل الغراندوق تقولا إلى سان استفا وطلب السلطان عبد الحميد الصلح، ~~فاشترطت الروسيا شروطا ثقيلة جدا التزمت الدولة العثمانية أن تقبلها خوفا على ~~الأستانة من السقوط، إلا أن الإنجليز وجدوا الصلح على هذه الشروط عبارة عن استيلاء ~~الروسيا القريب على سلطنة آل عثمان ووصولهم إلى البحر المتوسط، فاعترضوا الروسيا ودخل ~~أسطولهم إلى الأستانة وأجبروا الروس على تمزيق المعاهدة، وفاوضوا الدول السبع في عقد ~~معاهدة ثانية بدلا عن معاهدة «سان استفانو». فتقرر عقد مؤتمر برلين المشهور، واتفقت ~~الدول هناك على أن تكون إمارة رومانيا مملكة مستقلة تماما عن السلطنة العثمانية، وأن ~~تستقل تماما أيضا إمارة السرب ويسمى أميرها «ميلان أونوفتش» ملكا عليها، وأن يستقل ~~الجبل الأسود ويعطي قسما من بلاد الأرناؤوط، وأن تضاف تساليا وأبيروس إلى اليونان، ~~وأن تكون بلاد البلغار إمارة تحت سيادة السلطان ويليها ولاية ممتازة. # ومن جهة آسيا تضاف قارص وأردهان وباطوم وتوابعها إلى الروسيا؛ وأن تدفع الدولة ~~العثمانية غرامة حربية وتعويضات لتجار الروس الذين لحقتهم خسائر بسبب تدمير الأسطول ~~العثماني لسواحل الروسيا، وهذا هو مجمل معاهدة برلين، وبعد ذلك اتفقت الدولة على ~~إنجلترا على أن تتخلى لها عن التخلي تعهدت إنجلترا للدولة بأنه إن تجاوزت الروسيا على ~~حدود تركيا من جهة آسيا تكون إنجلترا مساعدة لها ثم تقرر بموجب «معاهدة برلين» هذه أن ~~تحتل النمسا ولايتي بوسنة والهرسك احتالا مؤقتا، ولما دخلت الجيوش النمساوية هاتين ~~الولايتين ثار في وجهها مسلمو تلك البلاد وبقيت المعارك بين الفريقين مدة أربعة أشهر، ~~ولم يساعدهم الأهالي السربيون في شيء بل انحصرت المقاومة في المسلمين. وكذلك ثار ~~الأرناؤوط في وجه الجبل الأسود وأبوا أن يلتحق من بلادهم شيء بحكومة الجبل المذكور. ~~وكان الشركس والطاغنسطانيون ثروا على الروس في أثناء الحرب بين الدولة والروسيا، فلما ~~انكسرت الدولة هاجر منهم مئات آلوف إلى الأناضول. وبعد مضي عدة سنوات ms315 على معاهدة برلين ~~شن إسكندر أمير البلغار الغارة على ولاية الرومللي الشرقية، وألحقها بامارة البلغار، ~~فصارت الولايتان واحدا، وفكر السلطان عبد الحميد في سوق جيش لإرجاع الشيء إلى ما كان ~~عليه، إلا أن كامل باشا أشار بعدم الحروب، وبإقرار هذه المسألة، فأعجب رأيه السلطان ~~وجعله صدرا أعظم. # ولما رأت فرنسا ما حل بالدولة العثمانية من النصف أرادت أن تستغل ضعفها بالاستيلاء ~~على تونس، فلم يصعب عليها أن توجد لذلك سببا، وشنت الغارة على توس، وأجبرت باي تونس ~~محمد الصادق على إمضاء معاهدة تضمن لتونس استقلالا الداخلي تحت حماية فرنسا، وكان ذلك ~~سنة 1879 واحتجت الدولة على ذلك ولكنها لم تقدر على محاربة فرنسا من أجل تونس، وزعمت ~~فرنسا بأنه جاء وقت على تونس لم يكن فيه للباب العالي عليها إلا بسيادة إسمية، وثار بعض ~~الأهالي والجند التونسي بقيادة بن علي خليفة ولكن لعدم تكافؤ القوتين انتهت الثورة ~~بتغلب الفرنسيس كما حصل في الجزائر من قبل ولو لم تحتل فرنسا بلدة الجزائر لم تكن ~~لتستولى على المغرب الأوسط كله العملات الثلاث؛ الجزائر، ووهران، وقسنطين، ثم إنه بقيت ~~فرنسا خمسين سنة تقاتل أهل الجزائر حتى أدخلتهم في الطاعة. فلما انتهت منهم بدأت تفكر ~~في الاستيلاء على تونس، ولما انهت من خطب تونس بدأت تفكر في الاستيلاء على المغرب ~~الأقصى، ولما رأت إيطاليا أن فرنسا استأثرت بهذه الممالك الثلاث من دونها اعترضت على ~~فرنسا من جهة، واعترضت على النكترا من جهة أخرى وقالت لهما: إنكما تقاسمتما قارة ~~أفريقيا، فمصر والسودان لإنجلترا، وتونس والجزائر والمغرب الأقصى وأواسط أفريقيا ~~لفرنسا، ولم تدعا لإيطاليا شيئا. فانفقت هذه الدول الثالث على أن تكون لإيطاليا ولاية ~~طرابلس مع برقة، ومن هنا جاءت حرب طرابلس، وهكذا الاستعمار سلسلة أخذ بعضها برقاب بعض . ~~ومن تساهل في أمر ملكه في البداية خوفا من شر أعظم فإنه لا يلبث أن يقع في أعظم من ~~الشر الذي تفاداه. وكذلك احتلال الإنجليز لمصر كان نتيجة وقوع تركيا في الضعف الذي كانت ~~الروسيا هي السبب ms316 فيه. # وإذا نظرنا إلى حروب الروسيا نجد أنها كانت تقدم رجالها وأموالها، وتنفق النفائس ~~والأنفس في سبيل غيرها، فاستقلال اليونان، والجبل الأسود، والسرب والبلغار، والرومانيين ~~واحتلال النمسا للبوسنة والهرسك، واستيلاء فرنسا على تونس واحتلال الإنجليز لوادي النيل ~~والسودان، واحتلال بريطانيا للاريتري ثم لطرابلس وبسط إنجلترا حمايتها على لحج وحضرموت، ~~وظفار، وسلطنة عمان، وجزيرة البحرين، ومدينة الكويت، ونزولها في جزيرة قبرص، كل ذلك كان ~~من نتائج الضعف الذي أوقعته الروسيا بتركيا، فالروسيا كانت تطبخ والآخرين كانوا ~~يأكلون. # وفي زمن السلطان عبد الحميد وقعت الحادثة الجلى وهي احتلال الإنجليز لمصر وبسببها نفر ~~السلطان من إنجلترا نفورا شديدا، وصار الإنجليز يعملون بكل الوسائل لهدم بنيان ~~السلطان العثمانية. وقد تقدم لنا في هذا التاريخ أن عيون الإنجليز كانت طامحة إلى مصر ~~منذ قرون، وأنها على آثر خروج الفرنسيس من مصر أرادوا أن يستأثروا هم بها، ولكن محمد ~~علي لم يكن كالمماليك، فأجبر الإنجليز على الخروج من مصر وبقيت إنجلترا تترصد الفرصة ~~لاحتلال وادي النيل في أول فرصة، لاسيما بعد فتح برزخ السويس الذي جعل طريق الهند على ~~مصر. # وكأن إنجلترا استأجرت قبرص من الدول العثمانية لتكون لها قاعدة بحرية في وجه مصر، وقد ~~حدث أن الجيش المصري كان فيه عنصران؛ أحدهما عربي مصري والآخر تركي وشركسي، فحصل خلاف ~~بين العنصرين لم يعرف العقلاء أن يتداركوه ولا حسبوا حسابا للعواقب، فنشأ عن هذا ~~الخلاف حزب وطني مصري ترأسه الميرالاي «أحمد عرابي» وصار هذا الحزب يطالب بحقوق ~~المصريين الاقحاح ووقف موقفا مناوثا للخديوي توفيق باشا. فشعر الإنجليز بأن هناك حركة ~~يمكنهم أن يستفيدوا منها، فأخذوا يتدخلون فيها بحجة أن لهم مصالح مالية في مصر يخشون ~~عليها، وكانت أمنيتهم القديمة وهي الاستيلاء على الديار المصرية. فأعملوا في هذا ~~الموضوع جميع الدسائس التي اشتهروا بها، ولم تكن شهرتهم فيها بدون أساس. فأخذ الحزب ~~الوطني ينمو تحت رعاية عرابي ومحمود سامي وغيرهما من الزعماء، وانقلب عن أصله فبدلا من ~~أن يكون منحصرا في دائرة ضيقة مناوئا للآتراك والشركسي، أصبح ms317 حزبا هدفه الأسمى كسر ~~نفوذ الأوروبيين في مصر، لأن نفوذهم كان بلغ في زمن إسماعيل باشا مبلغا لا يكاد يتصوره ~~العقل، فإن إسماعيل وضع نصب عينه إدخال مصر في المدنية العصرية الأوروبية، وظن أن من ~~لوازم هذا المبدأ ترغيب الأوروبيين في السكنى بمصر وتمييزهم على الأهالي في كل شيء، ~~فانتهى الأمر بأن أصبح الأهالي في حكم العبيد للأجانب. # فلما تألف هذا الحزب الوطني نظر إلى حالة البلاد فوجدها أصبحت لا تطلق من جهة النفوذ ~~الأوروبي، فترك مناوأة الترك والشركس واتحد معهم على مناوأة الإفرنج، وأخذ الإنجليز ~~يشعلون النار حتى يحدثوا ثورة من المصريين على الأوروبيين وكان السلطان عبد الحميد قد ~~ارتكب هو وأعوانه خطأ كبيرا ساعد الإنجليز في الوصول إلى مرامهم، وذلك أنه أخذ يقوي ~~الحركة العرابية بطريق غير مباشر على أمل إسقاط الخديوي توفيق وعائلة محمد علي كلها، ~~وإعادة مصر ولاية عثمانية كسائر الولايات، وكان هذا رأيا سقيما جدا. إذ لا يعقل أن ~~الدولة بمكانها من الضعف وكثرة المشكلات والخطوب تفتح على نفسها أبوابا كهذه يتعذر ~~عليها سدها فيما بعد وتجعل العائلة الخديوية ضد الدولة أحوج ما كان الفريقين إلى الوئام ~~لما هناك من الخطر الأجنبي على الاثنين، ثم إنه لما شعر الأجانب بأن الحركة العرابية ~~منظور إليها بعين الرضا في الأستانة، طلبوا من السلطان أن يصدر فرمانا بعصيان عرابي ~~باشا ولم يسعه إلا إجابة طلبهم فبعد أن كانت سياسة الأستانة مشجعة للعرابيين على ~~العصيان رجعت تحت الضغط الأجنبي إلى تقوية الخديوي وكسر نفوذ العرابيين بحيث انفض عنهم ~~كثيرون بحجة أن السلطان الخليفة أعلن عصيانه. # ومع هذا فبقيت الثورة تمتد وتشتد حتى جرت مذبحة الإسكندرية، وذهب فيها كثير من ~~الأجانب، وانتشرت الفوضى في البلاد، وهذا الذي كانت إنجلترا تتمناه حتى تدخل من هذا ~~الباب وهو حماية أرواح الأجانب، وبالفعل دخلت منه وجاء الأسطول الإنجليزي فضرب ~~الإسكندرية ودمر قلاعها بالقنابر، ثم بعد تدميرها نزلت العساكر الإنجليزية إلى البلدة، ~~ثم وقعت الحرب بين الإنجليز والعرابيين وكان الإنجليز في ظاهر الحال يحاربون ms318 باسم ~~الخديوي والسلطة الشرعية. # وانقسم الناس في مصر إلى قسمين، منهم من استمسك بالخديوي وقاوم العرابيين بحجة أنهم ~~خارجون عن السلطة الشرعية. # ومنهم من انحاز إلى العرابيين بحجة أنهم المدافعون عن الوطن، وحشد العرابيون جيشا في ~~التل الكبير وصمموا على المقاومة هناك فزحف إليهم الإنجليز وبددوا شملهم في أقل من ~~ساعتين، ثم سارت العساكر الإنجليزية ودخلت القاهرة، وكل هذا بزعمهم على نية تأييد ~~الخديوي، والرجوع من حيث أتوا، ولبث الجيش الإنجليزي مدة من الزمن في مصر بحجة توطيد ~~سلطة الخديوي المتزعزعة، فكلما طالبت الدولة الإنجليز بالجلاء عن مصر كان جوابهم إن هذا ~~يكون بعد توطيد الأمن، وتمكين الخديوي وكيل السلطان الشرعي. ثم أنهم عقدوا مجالس ~~عسكرية، وحاكموا العرابيين، ونفوا عرابي باشا ومحمود سامي باشا وعددا من الباشوات إلى ~~جزيرة سيلان في الهند، كما أنهم نفوا عددا من الضبط الكبار إلى بيروت، ونفوا أيضا ~~معهم إليها الشيخ محمد عبده، وإبراهيم اللقاني وغيرهما من الوطنيين أصحاب الأقلام، وطال ~~مكث الإنجليز في مصر والباب العالي يعترض عليهم ويطلب جلاءهم بحسب وعدهم، حتى أنهم ~~أحصوا مواعيده الرسمية بالجلاء فبلغت اثنين وستين وعدا نكثوا بها كلها! وكان احتال ~~الإنجليز لوادي النيل سنة 1882 وبعد أخذ ورد طويلين بين إنجلترا والباب العالي وصل ~~الفريقان إلى اتفاق على الجلاء اشترطت فيه إنجلترا حق احتلالها لمصر فيما إذا تجددت ~~فيها حوادث مخلة بالأمن، أو وقائع ذات خطر على حياة الأوروبيين، وكاد السلطان عبد ~~الحميد يوقع على هذا الاتفاق، إلا أن فرنسا ألحت عليه برفضه فامتنع في آخر ساعة من ~~التوقيع عليه. # وكان مراد فرنسا الحقيقيأن تفق هي رأسا مع إنجلترا فتترك منازعتها على مصر بمقاببلة ~~تخلي إنجلترا عن منازعتها إياها على مراكش، وهكذا تم بينهما فيما بعد وأصبحت إنجلترة في ~~مصر لا ينازعها سوى الدولة العثمانية التي كانت مشكلاتها الكثيرة وعداوتها مع الروسيا ~~تقيدها تقييدا شديدا عن الاندفاع في عداوة إنجلترا. وأما فرنسا فبطل اعتراضها على ~~إنجلترا في احتلال مصر بمقابلة سكوت إنكتلرة عن احتلال فرنسا للمغرب. # وبقيت ms319 الحال على غير استواء بين إنجلترا والدولة العثمانية مدة سلطنة عبد الحميد ~~كلها، وذلك كله بسبب مصر، وكان السلطان قد أرسل إلى مصر الغازي مختار باشا مندوبا من ~~قبله لملاحظة مصالح الدولة، وكان المصريون يجلون مختار باشا مزيد الإجلال باعتبار ~~تمثيله للسلطان الخليفة، وأيضا بسبب كونه في نفسه قائدا عظيما، وعالما كبيرا، ولكن ~~الإنجليز لم يجعلوا له سبيلا لأي تدخل في أمور مصر، ووضعوا هناك مسيطرا على مصر السر ~~«افلين بارنغ» الذي لقبوه فيما بعد «باللورد كرومر». وكان هذا الرجل شديد الغطرسة، ~~متكبرا فظا، وله عداوة خاصة للإسلام، فتصرف بأمور مصر كما لو كانت إحدى مستعمرات ~~إنجلترا، وفي زمانه ثار السودانيون تحت قيادة محمد أحمد الذي لقب نفسه «بالمهدي» فقالوا ~~له المتمهدي، وانفضوا على المعسكر المصري الإنجليزي الذي كان يقوده «غوردون باشا» ~~فاستأصلوه، وكان عدده عشرة آلاف جندي. واستولى المهدي على السودان وانقطع الحكم ~~الإنجليزي المصري من هناك، ومات المهدي فخله «التعابشي» وكان هذا ظالما عاتيا جبارا، ~~فأسرف في سفك الدماء، وأفنى كثيرا من الخلق فتغيرت عليه قلوب الأهالي وصاروا يريدون ~~التخلص منه. # وفي ذلك الوقت قرر الإنجليز استرجاع السودان، فجهزوا جيشا مصريا عهدوا بقيادته إلى ~~ضباط منهم، وأنفقوا على الحملة من خزانة مصر، وفتحوا السودان ولكن بدلا من أن يردوه ~~إلى مصر كما كان جعلوا الحكم مشتركا بينهم وبين المصريين - بزعمهم - والحقيقة أنهم ~~جعلوا شركة لمصر بالاسم فقط، وبرفع العلم المصري، وقبضوا على كل شيء، وتصرفوا بكل شيء ~~كما يشاؤن. وهم الذين أذنوا لإيطاليا في احتلال مصوع، وعصب، والاستيلاء على بلاد ~~عثمانية واسعة كانت تحت إدارة الحكومة المصرية، ولما احتل الإنجليز مصر كانت الحكومة ~~المصرية تدير من قبل الدولة شمالي بلاد الحجاز، ففي الحال فطن والي الحجاز لمغبة هذا ~~الأمر، وأخرج قضاء الوجه من تحت الإدارة المصرية. # ولكنه بقي في يد مصر القسم الأكبر من شبه جزيرة سينا، فأراد العثمانيون إجراء تحصينات ~~في القلاع التي إلى الغرب من العقبة، فاعترضت إنجلترا على الدولة في ذلك، فأصر السلطان ~~على التصرف ms320 ببلاده بحجة أنها بأجمعها بلاد عثمانية، فاستبد الإنجليز في هذه المسألة ~~استبدادا شنيعا، وأنذروا الدولة بالحرب. وكأن مصر أصبحت في نظرهم من جملة ~~الإمبراطورية البريطانية، فازداد السلطان عبد الحميد شنآنا لبريطانيا العظمى، وكان ذلك ~~من جملة أسباب موالاته لألمانيا. وانعقدت بينه وبين الإمبراطور غليوم الثاني مودة أكيدة ~~صارت تزداد بمرور الأيام، وعول السلطان على ألمانيا في تدريب جيشه، واستدعى «فون غولتس» ~~من قواد ألمانيا ليكون على رأس المدرسة العسكرية في الأستانة واستجاد غيره من أهل العلم ~~والصنعة في ألمانيا واستخدمهم في حكومته. وكان يرسل كل سنة عددا كبيرا من الطلبة إلى ~~ألمانيا، وبقي السلطان عبد الحميد صديقا للإمبراطور غليوم إلى نهاية ملكه. # ولما أعلن الدستور العثماني وصار الأمر إلى جمعية الاتحاد والترقي، ظن رجال هذه ~~الجمعية أنهم يتركون صداقة ألمانيا التي كانت تعتمد على السلطان عبد الحميد وتنال ~~بواسطته الامتيازات في تركيا، ومن جملتها سكة حديد بغداد، رأوا أن يرجعوا إلى صداقة ~~إنجلترا، وأخذوا يتزلفون إلى هذه ويذكرونها بالصحبة القديمة يوم كانت إنجلترا تساعد ~~العثمانيين على الروس، ويوم كان السلطان عبد الحميد في ثورة الهند الكبرى يخاطب مسلمي ~~الهند ناصحا لهم بعدم الاشتراك مع الهنادك في محاربة الإنجليز، إلا أن المسألة المصرية ~~منعت كل تقارب بين العثمانيين والإنجليز وما مضت ثلاثة أشهر على حكم الاتحاديين في ~~تركيا حتى رجع الاتحاديون وأدركوا أن لا أمل في عطف الإنجليز وعادوا أصدقاء لألمانيا ~~كما كان السلطان عبد الحميد وبقيت الأحوال بين تركيا وإنجلترا مشربة بروح العداوة إلى ~~الحرب العامة أي كانت قد بدأت العداوة بين إنجلترا وتركيا من سنة 1882، لأجل مصر ~~واستمرت إلى 1914 أي إلى سنة الحرب العامة وهي مدة اثنتى وثلاثين سنة. وذلك كله بسبب ~~احتلال الإنجليز لمصر والسودان وتوابعهما. ثم خاضت الدولة غمرات الحرب العامة إلى جانب ~~ألمانيا نفورا من انجلترة، ولما بدأت الحرب الكبرى وحاولت دول الحلفاء الروسيا وفرنسا ~~وانجلترة إقناع الدولة العثمانية باجتناب الحرب، كان أول شرط اقترحه رجال الدولة هو ~~إخلاء الإنجليز لمصر، وكان الأتراك مستعدين أن ms321 يقبلوا التحالف مع الإنجليز إذا أراد ~~هؤلاء إخلاء مصر، فلم يقبل الإنجليز أن يسمعوا كلمة واحدة في هذا الموضوع. # وعندما دخلت الدولة في الحرب العامة أعلنت انجلترة الحماية على مصر، وخلعت الخديوي ~~عباس حلمي المنصوب بفرمان سلطاني، ونصبت عمه الأمير حسين بن إسماعيل سلطانا على مصر، ~~وأرادت تجنيد جيش من المصريين لقتال الأتراك فاعترض على ذلك السلطان حسين نفسه لأنه كان ~~وطنيا صادقا، ورضي بعض زعماء مصر بالدخول في الحرب إلى جانب انجلترة على شريطة أن ~~انجلترة تعترف باستقلال مصر وتخلي وادي النيل فرفضت انجلترة هذا الطلب أيضا وأصرت على ~~إرادتها وساقت من المصريين عشرات الألوف استخدمتهم في جيوشها، وتصرفت برجال مصر وأحوال ~~مصر كما تتصرف بالهند أو بغيرها من المستعمرات الإنجليزية. # وكانت انجلترة لا تفكر أصلا أن تلقي شيئا من القوة الحيوية التي ظهرت من السلطنة ~~العثمانية في أيام الحرب الكبرى، ولكن عندما حمى الوطيس ورأت دول الحلفاء ما رأته من ~~قوة تركيا، وعظمة المقام الذي قامته بجانب ألمانيا، علمت خطل رأيها وكونها استخفت ~~بتركيا استخفافا دلت الحوادث على أنه لم يكن في محله. ففكر قواد الإنجليز في اختراق ~~الدردنيل والاستيلاء على الأستانة، وعبأ الخلفاء جيشا جرارا وأرسلوا أساطيلهم وحاولوا ~~عبور مضيق الدردنيل، فقاتلهم العثمانيون قتالا شديدا وأغرقوا جانبا من بوارجهم، ~~فأتوا بجيوش أخرى وأنزلوها في البر وحاولوا التقدم إلى الأمام، فصادمهم الترك بشدة ~~استبسلوا فيها إلى أقصى ما يتصور العقل. واستمرت حرب الدردنيل هذه ثمانية أشهر والحلفاء ~~يكرون والعثمانيون يصدونهم إلى أن قطع الحلفاء كل أمل من الفوز وركبوا بوارجهم خائبين، ~~وقد فقدوا بين قتيل وجريح ثلاث مئة وخمسة وعشرين ألف جندي حسبما قرأت في وثائق الحرب ~~الكبرى المطبوعة في باريز، وفيها أن هذا العدد هو خسائر الجنود البرية، ولم يدخل فيه ~~عدة آلاف من خسائر الأساطيل، وقد جاء في هذا الكتاب أن بعض البوارج التي أغرقها ~~العثمانيون بمدافعهم لم ينج من بحريتها إلا عشرون جنديا لا غير، وقد كانت حرب الدردنيل ~~هذه هي ألمع صفحة من تاريخ ms322 العثمانيين في الحرب الكبرى، كما كانت حرب بلفنة ألمع صفحة ~~في تاريخ الحرب الروسية التركية. وتعدل خسائر العثمانيين في حرب الدردنيل بمئتي ألف ~~مقاتل بين قتيل وجريح. # ولما رأت انجلترة بعينها أن حسبانها من جهة تركيا وقوة مقاومتها كان أكثره خطأ، عادت ~~ففكرت في فصل العرب عن الترك حتى تشغل العثمانيين بعضهم ببعض. # وقد كان الشريف حسين بن علي، أمير مكة قبيل الحرب الكبرى داخل الإنجليز في عقد محالفة ~~معهم على أن يثور على الدولة وتمده إنجلترا بالمال والسلاح على أن تستقل البلاد العربية ~~وتنفصل عن تركيا، فرفضت انجلترة اقتراح أمير مكة هذا استخفافا بالقوة العربية، ~~واعتمادا على أنها لا تحتاج إلى العرب في القضاء على تركيا إذا نشبت الحرب، وكان ~~معلوما أن الحرب العامة ستقع لا محالة، لذلك اتفق الإنجليز والفرنسيس على اقتسام سورية ~~وفلسطين منذ سنة 1912، أي قبل الحرب العامة بسنتين. وهذا من أوضح الدلائل على كون دول ~~الحلفاء كانت تتأهب لقتال ألمانيا ولاقتسام تركيا بعد تغلبهم على ألمانيا، وأيضا يستدل ~~على تلك النية التي كانت عندهن بأن تركيا في أول الحرب العامة عند ما صار الحلفاء ~~يراودونها على عدم الدخول في الحرب أجابتهم بأنها لا تقدر أن تبقى على الحياد التام ~~خوفا من أن يتفق الجميع عليها ويتصالحوا على ظهرها، فهي إن لم تدخل في الحرب إلى جانب ~~ألمانيا، فلابد لها من الدخول في الحرب إلى جانب الحلفاء تحت محالفة تعقد بينهم وبين ~~تركيا. فرفضت انجلترة هذا الاقتراح، ولم تجد من حاجة إلى عقد محالفة مع تركيا قد تمنعها ~~فيما بعد من الاستيلاء على البلاد العربية. وهذا مثل رفضها للتحالف مع مصر وللسبب نفسه ~~وكذلك مثل رفضها للتحالف مع إيران وللسبب نفسه، أي حتى لا تضطر إلى الاعتراف باستقلال ~~هذه الممالك الإسلامية التي كان الإنجليز وضعوا نصب أعينهم القضاء عليها. # ونعود إلى أخبار السلطان عبد الحميد فنقول: إن من أهم الحوادث التي جرت في أيام هذا ~~السلطان هو فتنة الأرمن، وهذه الفتنة أساسها أن الأرمن كانت لهم ms323 في الأعصر القديمة ~~دولة، وكان لهم استقلال، وكانت مملكتهم واقعة في شرقي الأناضول بين المملكة البيزنطية ~~والمملكة الفارسية، ولما استولى الأتراك على تلك البلاد في أيام الأتراك السلاجقة، وبعد ~~واقعة ملازكرد التي وقع فيها قيصر القسطنطينية أسيرا رحل منهم جانب إلى غربي الأناضول، ~~وأقاموا في جبال طوروس وفي سهول كيليكية. وكانت لهم هناك إمارات لعبت أدوارا في الحروب ~~الصليبية، وسواء كانوا في شرق الأناضول أو في غربيه، لم تكن لهم أكثرية عدد بالنسبة إلى ~~السكان المسلمين. وإذا وجدت منهم جماعة في مقاطعة صغيرة كانت أكثر من غيرها فلم يكن ذلك ~~ليقيم لهم ملكا مستقلا، وقد كانت الدولة العثمانية أحصت عددهم في جميع بلادها فكانوا ~~لا يزيدون على ثلاثة ملايين مبعثرة ما بين خمسة وعشرين إلى ثلاثين مليونا من الأمم ~~الأخرى. ففي بعض الولايات كانوا خمسة في المئة، وفي بعضها عشرة في المئة. # وأكثر الولايات سكانا من الأرمن كانت ولايات موش، وبتلس، في شرقي الأناضول وكانوا ~~هناك خمسة وثلاثين في المئة، وبرغم هذا كله كانوا يزعمون أن لهم حقا في الاستقلال كما ~~استقل اليونان، والبلغار، والسربيون، والفلاخيون وغيرهم من الأمم المسيحية التي كانت ~~خاضعة لسلطنة آل عثمان. ولكن هذا قياس مع الفارق، فإن الفلاخيين والبغدانيين كانوا عدة ~~ملايين من أمة واحدة، وعلى حدود الروسيا ولم يكن بينهم إلا مئتان أو ثلاث مئة ألف من ~~الترك، وإن السربيين كانوا مليوني نسمة، وليس بينهم سوى بضعة عشر ألف مسلم. وكذلك ~~البلغار كانوا خمسة ملايين وليس بينهم سوى مليون من الأتراك، وكان اليونان من قبل أكثر ~~من مليون في بلادهم وليس بينهم إلا مائتان أو ثلاث مئة ألف من المسلمين. فلذلك تيسر ~~لهذه الأمم أن تقوم وتدعي الاستقلال، وتقاتل الدولة العثمانية قتالا لم يكن يخمد حتى ~~يشتعل، واستمر ذلك مئات من السنين، فانتهى الأمر بانسلاخ هذه الأقوام عن السلطنة ~~العثمانية بمساعدة أوروبا. # فأما الأرمن فلم يكونوا في أوروبا مثل اليونان، ولا البلغار، ولا السرب، ولا ~~الرومانيين، ولم يكونوا مجتمعين في ولاية واحدة حتى تتألف ms324 منهم كتلة تستحق الاستقلال، ~~وإنما كانوا مشتتين في جميع ولايات السلطنة، وكانوا في كل مكان هم الأقلية، ولم يكن ~~سائر السكان من أتراك وأكراد يقبلون الخضوع للأرمن. فلهذا كان ادعاؤهم الاستقلال غير ~~وارد ولا من جهة، وكان بينه وبين إمكانه فعلا بون شاسع. وهذا ما قد كان يدركه قدماء ~~الأرمن، فلذلك كانوا وطنوا أنفسهم على الارتباط بالدولة العثمانية التي كانت تعتمد ~~عليهم، وتستخدم كثيرا منهم حتى في المناصب العالية. وفي ظلها نما عددهم، وازدادت ~~ثروتهم، ولما كانوا هم أهل جد ونشاط، وإقدام على الأعمال، كان كثير من مرافق السلطنة في ~~أيديهم، وأينما توجه الإنسان في البلاد العثمانية كان يجد على الأرمن آثار النعم. وكانت ~~الدولة تثق بهم وكان الأتراك يخلطونهم بأنفسهم، ويسمون الأرمن «الملة الصادقة». # واستمرت الحال على هذا المنوال إلى أن بدأ الضعف في السلطنة العثمانية، فصار الأرمن ~~يرفعون رؤوسهم وينتهزون الفرص من خطوب الدولة ليطالبوا بتجديد ملكهم القديم، وإن كانت ~~قد درست معالم ذلك الملك، وكانوا هم تفرقوا شذر مذر وزاد هذا الادعاء عندهم أنهم أخذوا ~~يرسلون أولادهم لتحصيل العلم في أوروبا وأمريكا فجميع هؤلاء الشبان الذين كانوا يتعلمون ~~في الديار الأوروبية والأمريكية كانوا يعودون متشبعين بأفكار الانفصال عن الدولة ~~العثمانية، وكان الأوروبيون بواسطة رسالاتهم الدينية الكثيرة يذهبون إلى الديار التي ~~فيها أرمن من تركيا ويفتحون المدارس والملاجئ، وكان جميع من يتعلم في هذه المدارس ~~الأوروبية يخرج كارها للدولة، عدوا للمسلمين، وذلك بسبب المبادئ التي كان الأوروبيون ~~- ولاسيما الأقسة والمبشرون - يرضعونهم إياها من الصغر. فأهم عوامل الشقاق الذي وقع بين ~~الأرمن وبين سائر الرعية العثمانية، كان هو التعليم في مدراس الأوروبيين، فأصبح غير ~~ممكن تساكن الجنسين بعضهم مع بعض، وظهرت عند الأرمن نزعات شيطانية، ونزعات عدوانية ~~تخالف ما كان عند آبائهم بتمامه، فلم يلبث أن وقع الاصطدام بينهم وبين المسلمين ودارت ~~الدائرة على الدولة في الحرب التركية الروسية. # طلب الأرمن من الدول الأوروبية استقلالا داخليا للبلاد التي في شرقي الأناضول على ~~أمل أن يجددوا هناك مملكة أرمينية القديمة، ms325 وبديهي أن الدول في مؤتمر برلين أمكنها أن ~~تفصل الولايات الأوروبية التي كانت للدولة بسبب كثرة المسيحيين فيها، وقلة المسلمين ~~الذين يساكنونهم، ولكنها لم تقدر أن تفصل الأرمن عن حكم الدولة العثمانية نظرا لقلة ~~عددهم بالنسبة إلى من يساكنهم من المسلمين، فقررت اقتراح بعض إصلاحات إدارية في البلاد ~~التي فيها أرمن، ولما كانت هذه الإصلاحات ليست هي مرمى الأرمن الحقيقي سواء أنفذها ~~الأتراك أو لم ينفذوها، لم تكن هذه المسالة لتشفي للأرمن غليلا. # فمن ذلك الوقت شرعوا يعدون معدات الثورة ويتحفزون للقيام على الدولة حتى ينالوا ما ~~يريدونه بالثورة، فأخذوا بتشكيل جمعيات سرية جعلوا مركزها في أوروبا وهي ذات شعب وفروع ~~في جميع البلاد التي فيها أرمن، فكان المركز الأرمني بالوسائل الكثيرة التي له، بجمع ~~الأموال من الأوروبيين ومن الأرمن الموسرين، ويقرر الأعمال ويرسم الخطط والحركات، ~~ويشتري الأسلحة ويعين متطوعين فدائية يفادون بأنفسهم في سبيل مصلحة أمتهم. # وهكذا جعلوا حركة الانتقاض على الدولة تكاد تكون عامة، لاسيما بين النشء الجديد، ~~وكانوا إذا رأوا من أبناء قومهم من لا يريد أن يسايرهم في طريقهم إما اقتناعا بفساد ~~عملهم، أو خوفا من سطوة الدولة، بطشوا به وعدوه خائنا، كانوا يستحلون دمه وقد قتلوا ~~من هذا النمط عددا غير قليل منهم، وكانوا يعلمون أحاثهم أسماء ملوك الأرمن القدماء، ~~ويذكرون أسماء قديسي الأرمن في الكنائس ليثيروا في رؤوس الشبان الحمية الأرمنية، ويحيوا ~~تذكار الملك الأرمني القديم. وكل هذا تحملته الدولة العثمانية مدة طويلة، ولكنها في ~~الآخر رأت أن رعيتها الملمسين لن يستطيعوا على هذه الأحوال صبرا، فأمرت بإقفال بعض ~~مدارس كانت تلقى فيها بعض التعاليم الثورية، فثار الأرمن بسبب إقفال هذه المدارس، ~~وقاموا بحركة عصيان، وكان الأتراك والأكراد قد امتلأت صدورهم وغرا منهم فحصلت حوادث ~~وسالت دماء في ولاية أرضروم، وموش، فجاء الأرمن يشكون إلى الدولة وقامت قيامتهم في ~~الأستانة وطلبوا من بطريركهم عشقيان أفندي أن يراجع السلطان في الاقتصاص من المسلمين ~~الذين حملوا على الأرمن. # ولما وجودوا من عشقيان أفندي فتورا في المراجعة ms326 هجموا عليه وهو في كنيسة «قوم قبو» ~~وحاولوا قتله ففر من بين أيديهم وتوارى ريثما جاءت الشرطة فقبضت على الثائرين وألقوا ~~عددا كبيرا من شبان الأرمن في غيابات السجون. وكانت تشكلت في استانبول لجنة أرمنية ~~ثورية اسمها «اللجنة الحمراء» يديرها أرمني من التبعة الروسية اسمه «آغوب بدريكوف» ~~وأخذت هذه الجمعية السرية تفتك بالأرمن الذين كانوا لا يوافقون على الثورة فقبضت السلطة ~~على بدريكوف هذا وحكمت عليه المحاكم بالقتل، ولكن السلطان عفا عنه وسلمه إلى سفارة ~~الرسيا على شرط إخراجه من الأستانة وخرج، ولكن اغتيال الأرمن الصادقين للدولة بقى ~~مستمرا، وكانت هذه الوقائع سنة 1890. # ثم إن جمعيات الأرمن لاسيما التي يقال لا «هيكان» ازداد جرأة وأخذت تبث حركة العصيان ~~في الأناضول فاشتعلت الفتنة في سيواس، وأنقرة، وقونية، وأطنة وقبضت الدولة على ~~المشاغبين، وأخذت بمحاكمتهم، وأكبر الناس - حتى عقلاء الأرمن أنفسهم - هذه الحركات ~~وأصدر البريرك عشقيان أفندي منشورا ينصح فيه أمته بالإخلاد إلى السكون وتجنب هذه ~~الحركات المخالفة للأمانة للدولة، ولمصلحة الأرمن أنفسهم. فما مضى على ذلك أيام قلائل ~~حتى أطلق أحد المنسوبين إلى هذه الجمعيات الرصاص على البطريرك وهو في كنيسة قوم قبو، ~~ولكنه أخطأه، فأخذت الحكومة العثمانية تشدد في معاقبة ثوار الأرمن. # وفي أثناء ذلك نجمت بوادر الثورة في جبل يقال له «جبل ساسون» من سنجق موش، في ولاية ~~بتلس. وذلك بأن أهالي هذا الجبل كانوا امتنعوا عن تأدية الضرائب، فأبرق والي بتلس إلى ~~الباب العالي عن عصيان أهالي هذا الجبل، ووجوب تأديبهم. فأرسلت الدولة المشير زكي باشا ~~بقوة من المشاة والخيل والمدفعية فدمروا ديار العصاة، وجعلوا عاليها سافلها. فما وصلت ~~أخبار إيداب الدولة لعصاة الأرمن إلى صحف أوروبا حتى قامت قيامتها، وأخذت تتكلم عن ~~مذابح الأرمن كما هي عادتها كلما ثار ثائر أمة مسيحية على حكومة إسلامية. # وما زالت الصحف الأوروبية تضرب على هذا الوتر حتى أمر السلطان عبد الحميد بإرسال لجنة ~~تحقيق إلى محل الواقعة، ودعا الدول التي هن موقعات على معاهدة برلين أن ترسل معتمدين من ~~قبلها ms327 مع اللجنة المذكورة ليشهدوا سير التحقيق، فجرى التحقيق بحضورهم وثبت عصيان الأرمن ~~بشهادات تفوق الإحصاء وأدلة لا تقبل المراء ومع ذلك فقد بقي قناصل الدول فرنسا وإنجلترا ~~والروسيا يدعون أنهم لم يقدروا أن يتصلوا تمام الاتصال بالأهالي حتى يتطلعوا على ~~الحقائق. ثم عندما وجدوا كون هذا العذر واهيا جعلوا يقولون إنه على فرض وقوع عصيان فلم ~~يكن من العدل أن يتناول العقاب جميع أهالي الناحية والحال أنه قد بطش الأكراد بالا ومن ~~الذين ثاروا على الدولة وذلك بمرأى ومسمع من العساكر العثمانية، وأخذت الصحف الأوروبية ~~تحت تأثير الكنائس لاسيما في إنجلترا تستفز الدول إلى التدخل لرفع المظالم عن الأرمن ~~ولما كانت إنجلترا تسمع كثيرا لرؤساء الكنائس في بلادها سعت لدى الدول في التدخل بهذه ~~المسألة فأجابتها فرنسا والروسيا، واتفقت الدول الثلاث على تقديم اقتراحات للسلطان لأجل ~~إصلاح الإدارة في البلاد التي كان الأوروبيون يطلقون عليها اسم «أرمينية» وهي في ~~الحقيقة بلاد الأكراد. # فمن جملة هذه الاقتراحات تعيين مفتش عام لتلك الولايات، وتشكيل لجنة مختلطة دائمة ~~لمراقبة سير الإصلاحات، ويكون مركز اللجنة في الأستانة. فرفض السلطان قبول تشكيل هذه ~~اللجنة الدائمة المختلطة، وعين المشير شاكر باشا مفتشا عاما لولايات شرقي الأناضول، ~~فرفضت الدول تعيين هذا المتفش، وأصرت على تعيين مراقبين أوروبيين وجرى بينها وبين ~~السلطان كثير من الأخذ والرد، والسلطان ثابت لا يتزعزع. فخطب اللورد ساليسبوري في مجلس ~~اللوردية خطابا أنذر به السلطان بسوء المصير إذا لم يقبل نصائح الدول، فاشتد بذلك عزم ~~ثوار الأرمن وقاموا بمظاهرة عظيمة بحجة أنهم يطالبون بتنفيذ الإصلاحات الموعودة، فعند ~~ذلك هجم عوام المسلمين على الأرمن في نفس العاصمة وذبحوا منهم عددا كبيرا، لأنهم رأوا ~~الأرمن يتعمدون إثارة الفتنة سبيلا لإدخال الدول الأوروبية في أمور السلطنة الداخلية. ~~وهذا ما كان يقصده الأرمن فعلا، وكان يعتقدون أن في ذبحهم فائدة لأنفسهم في ~~المستقبل. # فلما وقع هذا الانتقام من الأرمن، واتهم الأجانب رجال الشركة وناظم باشا ناظر الضبطية ~~بأنهم أغضوا النظر على ذبح الأرمن، وأنهم كانوا يقدرون على ms328 منع الشر فلم يمنعوه، أبعد ~~السلطان ناظم باشا عن الأستانة وجعله واليا على بيروت، وعزل سعيد باشا الصدر الأعظم ~~وجعل مكانه كامل باشا. ثم أصدر خطا سلطانيا يتضمن قبول اقتراح الدول وتشكيل مجلس ~~مراقبة لسير الإصلاحات، ولكن خبر ثورة الأرمن والمذبحة التي حلت بهم كان انتشر في ~~ولايات الأناضول وامتلأت صدور المسلمين غيظا منهم. # وكان للأرمن حينئذ بطريرك اسمه إزميرليان عقد الأرمن به جميع آمالهم، وكانوا يبالغون ~~في مدح مناقبه لأنه كان يقوي عزائمهم، ويجدد روحهم القومية، فازدادت حركتهم نموا. ولما ~~كان الأرمن غير مقتصرين في حركتهم هذه على البلاد العثمانية بل كانت هذه الحركة ممتدة ~~إلى بلاد القوقاس، فقد تنكر لها رجال الدولة الروسية أيضا، وسعوا لدى الباب العالي في ~~استبدال بطريك آخر بالبطريرك إزميرليان الذي كانت الروسيا ترى فيه مصدر هذه الحركات، ~~فإنه كان يعارض في إلغاء التعليم الأرمني في القوقاس، والروسيا تأتي إلا التعاليم ~~الروسي وحده، ولما كان طلب الروسيا موافقا لهوى تركيا، فقد حملت الدولة العثمانية هذا ~~البطرك على الاستقالة فاستعفى في 2 أغسطس سنة 1896 وعين مكانه بطريكا رلتماوس مطران ~~بروسة، فبلغ الأرمن من الحنق لهذا التبديل أن أجمعت جمعياتهم الثورية الهجوم على القصر ~~السلطاني، ووزعوا الأسلحة سرا على كثير من أعضاء الجمعيات، وعينوا عيد الجلوس موعدا ~~لهذه الحلة إذ يكون الشعب التركي غافلا متصرفا إلى إعداد الزينة بعيد السلطان. فوصل ~~الخبر إلى السلطان بواسطة البطريرك برلتماوس نفسه، ويقال إن الحكومة الروسية هي نفسها ~~أبلغت السلطان خبر هذه المؤامرة لأنها كانت تكره جمعيات الأرمن الثورية وتعلم اتصالهم ~~بحزب النيهيلست الذين كانوا اغتالوا القيصر إسكندر الثاني: فأخذ السلطان حذره وتهيأت ~~الضابطة للتنكيل بثوار الأرمن. وفي 26 أغسطس سنة 1896 دخلت عصابة من الأرمن إلى البنك ~~العثماني بغتة ومعهم أكياس ملأى بقنابر الديناميت، وقتلوا الجند المحافظ على البنك، ~~وقصدوا الاستيلاء على خزانة البنك فجاء الجند وأحاطوا بهم من الخارج وصاروا يطلقون ~~النار عليهم وهم يقابلون الجند بالمثل، وشاع في الأستانة أن ثوار الأرمن حاولوا نسف ~~البنك العثماني، ms329 فهاج الشعب التركي وصاروا يقتلون الأرمن أينما ثقفوهم، فحصلت مذبحة ~~استمرت ثلاثة أو أربعة أيام فقتل منهم ألوف، وكان سيقتل أضعاف ذلك لولا أن كثيرين من ~~المسلمين حموا كثيرين من الأرمن وآووهم في بيوتهم، وكان كثير من رجال الدولة وقوا ~~الأرمن في الحارات التي تجاور بيوتهم. وامتاز بين هؤلاء المشير فؤاد باشا ~~الجركسي. # فأما العصابة التي دخلت إلى البنك فقد أخرجوها تحت ضمان سفراء الدول وأبعدوها من ~~الأستانة، بعد أن كانت هذه العصابة هي سبب ذبح عدة آلاف من الأرمن ربما كان كثير منهم ~~أو أكثرهم أبرياء. # وكانت جزيرة كريت - أو أقريطش - قد أخذت تتحرك وذلك لاختلاف وقع بين أهالي الجزيرة ~~وبين الدولة، وكانت الثورة في كريت خلقا متأصلا في أهل هذه الجزيرة، ويقال إنهم ~~مفطورون على القلق والشغب وقد كانوا كذلك في القديم قبل الدولة العثمانية بل قبل الدولة ~~الرومانية نفسها، وفي هذه الجزيرة حل ثوار قرطبة الذين بطش بهم الكم الأموي أمير ~~الأندلس في وقعة الربض المشهورة، فجلا منهم طائفة إلى فاس، وسارت طائفة أخرى بضعة عشر ~~ألف نسمة إلى الشرق فنزلوا في الإسكندرية وثاروا فيها على الدولة العباسية، فقاتلهم ~~عمال مصر من قبل بني العباس وأخرجوهم من مصر إلى جزيرة أقريطش قائلين لهم ليتبوأوا منها ~~ما يشاؤون. فذهبوا ونزلوا بهذه الجزيرة، وأسسوا لأنفسهم إمارة مستقلة في جانب من أقريطش ~~تحت رئاسة عبد العزيز بن شعيب البلوطي، واستمرت هذه الإمارة على استقلالها أكثر من مئة ~~سنة. ثم أرسل عليهم الروم من بيزانطية جيشا حصرهم حتى استسلموا وأخذ أميرهم أسيرا إلى ~~القسطنطينية، وشردهم من تلك الجزيرة، ومن بقى منهم فيها تنصروا. # ويقال إنه لا يزال في كريت قرى معروفة يقال إن أصل أهلها من العرب وسحناؤهم تدل على ~~ذلك، ولا تزال عندهم عادات عربية محفوظة إلى اليوم. وقد ذكرنا في ما سبق كيفية فتح ~~الدولة لكريت وأنها آخر فتوحات الدولة العثمانية وأنها بقيت تقاتل كريت سبعا وعشرين ~~سنة إلى أن دوختها. وفي سنة 1766 عصت هذه الجزيرة الدولة ثم ms330 ساقت الدولة عليها عسكرا ~~أدخلها في الطاعة، وسنة 1878 ثارت مرة ثانية فاتفقت الدولة مع أهلها على دستور خاص بهم ~~وعينت لهم واليا مدته بحسب هذا الدستور خمس سنوات، وتقرر أنه إذا كان الوالي مسلما ~~يكون له معاون مسيحي، وإذا كان مسيحيا يكون له معاون مسلم. وكذلك المتصرفون إذا كان ~~المتصرف مسلما كان المعاون مسيحيا، وبالعكس. وكانت نواحي الجزيرة 88 ناحية منها 51 ~~مختلطة أي مسلمين ونصارى، و34 مأهولة بمسيحيين فقط، وثلاث نواح ليس فيها غير مسلمين. ~~وكان للجزيرة مجلس تشريعي يجتمع مدة أربعين يوما في السنة، وعدد أعضائه 80 منهم 49 ~~مسيحيون و31 مسلمون، ولا يتقرر شيء إلا بثلثي الأصوات. ففي سنة 1881 طلب المسيحيون ~~تعديل هذا الدستور بحجة أنه مجحف بحقوقهم، وأن التمثيل في المجلس غير متناسب مع عدد ~~السكان، فإذا كان أعضاء المسيحيين فيه 50 وجب أن لا يزيد المسلمون على 25، والحال أن ~~الدولة جعلتهم 31 ولا شك في أن الدولة كانت تعلم من استعداد أهل كريت للانفصال عنها ما ~~جعلها تحتاط لمستقبل الحكم العثماني فيها، وتراعي الأقلية الإسلامية. ومع ذلك فمسلمو ~~كريت كانوا لا يقلون عن ثلث السكان، وكان بينهم عدد غير قليل من عرب برقة وجماعات وافرة ~~من مهاجري بوسنة والهرسك والبلغار المسلمين. ثم إن المسحيين في كريت اختلفوا مع الدولة ~~من أجل الموازنة المالية لإدارة الجزيرة، واشتد الخصام في سنة 1887 فأرسل السلطان عبد ~~الحميد المشير شاكر باشا لأجل إصلاح الأحوال فوجد أنه لا مناص من استعمال القوة، فإن ~~المسيحيين خرجوا عن الطاعة وأبوا دفع الضرائب، وصاروا يعتدون على المسلمين في القرى ~~التي أكرها مسيحيون، وصار المسلمون يرحلون من القرى إلى المدن لأنهم في المدن كانوا هم ~~الأكثرية. فساق شاكر باشا القوى العسكرية على عصائب الأروام فشتت شملها، وأخلد الجميع ~~إلى السكون برغم أنه كان لكريت جمعية في أثينا ترسل إلى كريت متطوعين وأسلحة فلما رأى ~~اليونان أن الدولة العثمانية قهرت ثوار كريت هاجموا وطلبوا من حكومتهم إرسال الأسطول ~~اليوناني إلى مراسي كريت بحجة ms331 حماية المسيحيين، حيث كان الأتراك بطشوا بالأروام في ~~مدينتي «خانية» و«قندية» فلما رأت الدول استفحال الخطب أرسلن إلى مرسى «سودا» سفنا ~~حربية فأنزلت عساكر في الجزيرة وذلك في 3 فبراير سنة 1897 ولم تشترك ألمانيا ولا النمسا ~~في هذه الحركة، وإنما كانت الدول اللواتي تولينها إنجلترا، وفرنسا، والروسيا، وإيطاليا. ~~فبدلا من أن الأروام يكنون إلى عمل الدول هذا، كان منهم أن أرسلوا في 10 فبراير ~~الكولونيل فاسوس ومعه عدة توابير من الجند المنظم، وجماعة من المتطوعين، فساروا ~~بالأسطول اليوناني ونزلوا بقرب خانية، وأنذرته الدول حتى يرجعوا، وألقت عليهم النار من ~~سفنها فابتعدوا إلى داخل الجزيرة، وأعلنوا الحاق كريت لمملكة اليونان. # فعند ذلك أعلنت الدولة الحرب على اليونان، وزحف المشير أدهم باشا بمئة وخمسين ألف ~~جندي على اليونان، فما انقضت مدة شهرين حتى تمزق الجيش اليوناني كل ممزق، ولوا أن أبرق ~~قيصر الروسيا إلى السلطان عبد الحميد برجوه العفو عن اليونان والتوقف عن متابعة الحرب، ~~لكان الأتراك دخلوا أثينا واستولوا على اليونان كلها. فلم يسع السلطان إلا إجابة رجاء ~~القيصر، وانعقد مؤتمر الصلح، وبعد مذاكرات طويلة تقررت إعادة الجيوش العثمانية من بلاد ~~اليونان كما دخلت بدون أن تجني الدولة العثمانية أدنى ثمرة من انتصارها عملا بالقاعدة ~~الأوروبية، إن ما يؤخذ من الهلال للصليب لا يعاد، وإن ما يؤخذ من الصليب إلى الهلال ~~لابد من إعادته.. فكل نتيجة تلك الحرب كانت تصحيح بعض الحدود بين تركيا واليونان، بحيث ~~أن جميع ما استردت الدولة من تساليا كان عبارة عن قريتين، ولكن أجبرت الدول اليونان ~~المغلوبة على دفع غرامة حربية أربعة ملايين جنيه كلفة الحملة العثمانية. على أن الدولة ~~استفادت فائدة أدبية لا تنكر بهذه الحرب، لأنها كادت في مدة شهرين لا غير تستولي على ~~بلاد اليونان كلها، واجتاز الجيش العثماني جبالا يحار العقل كيف اجتازها بهذه السرعة!! ~~ومن ذلك الوقت خمدت الحركة الأرمنية، واستراحت الدولة مدة سنوات من مشكلات الأرمن، ~~ووقفت الدول عن مطالبتها بتنفيذ برنامج المطالب الأرمنية. # فأما في جزيرة كريت فكان ms332 النصارى قد طردوا المسلمين من جميع القرى واقتلعوا أشجارهم ~~ودمروا بيوتهم، فالتجأ المسلمون إلى المدن واشتدت العداوة بين الفريقين، فهجم الكريتيون ~~المسلمون ومعهم جماعة من عرب بنغازي على حارة النصارى في قندية فأحرقوها، وبطشوا ~~بالمسيحيين، وحصل مثل ذلك في خانية حاضرة الجزيرة، فتعصبت الدول وأنذرت الدولة بأن تخرج ~~عساكرها من كريت أو تعلن هي استقلال الجزيرة، وهي وإن لم تفعل ذلك دفعة واحدة فقد كانت ~~تريد أن تصل إلى هذه الغاية تدريجيا، فأتت بالبرنس جورج ابن ملك اليونان وجعلته واليا ~~للجزيرة، وبقيت هذه الحالة إلى أن انتهت الحرب البلقانية في زمن السلطان محمد رشاد. ~~فتقرر ضم كريت إلى اليونان، وعاني المسلمون في كريت شدائد كثيرة وهاجر منهم قسم كبير ~~إلى بلاد الدولة العثمانية. # ومنهم جماعات وصلوا إلى دمشق ولهم حارة في جبل الصالحية. # ومنهم جماعات تفرقوا في سائر الأقطار. وأناس ذهبوا إلى الإسكندرية، وكانت الدولة ~~أسكنت منهم جماعة في الجبل الأخضر من برقة ولكن مهاجرتهم الكبرى وقعت بعد الحرب العامة، ~~وانعقاد مؤتمر لوزان سنة 1923 وفيه تقررت مبادلة السكان، فأخرجوا جميع المسلمين الذين ~~في الرومالي، أي في البلاد اليونانية من أوروبا وفي الجزر وكريت من الجملة، وقرروا ~~إسكانهم في تركيا، وبمقابلة ذلك أخرجوا جميع الأروام الذين في بلاد الأناضول بدون ~~استثناء، فلم يبق في تركيا رومي واحد إلا من كان غريبا، ولم يبق في بلاد اليونان مسلم ~~واحد إلا عابر سبيل وقد حصلت مبادلة الأملاك والأراضي أيضا، وإنما وقع استثناء للأروام ~~الذين في الأستانة، فإن مؤتمر الدول في لوزان لم يشأ إخلاء القسطنطينية عاصمة الروم ~~القديمة من المسيحيين، فأبقوا فيها الأروام الذين لم يهاجروا من تلقاء أنفسه، وهم مئة ~~وخمسون ألف نسمة وأبقوا في مقابلة ذلك الأتراك الذين في ولاية تراقية الغربية، أي ~~الولاية التي إلى الغرب من أدرنة، وذلك لأن الأتراك المذكورين هم أكثرية هذه الولاية، ~~ولم تكن لهم رغبة في المهاجرة. # وأما في جزيرة كريت، فلم يبق مسلم واحد، ولا في سائر جزر الأرخبيل الرومي ما عدا ~~رودوس ms333 وأخواتها التي احتلتها إيطاليا في أثناء حرب طرابلس الغرب، ثم استلحقتها نهائيا، ~~فهذه الجزر لم تتبع قاعدة تبادل السكان لكونها خرجت من ملك تركيا واليونان معا، فلا ~~يزال عشرة آلاف من المسلمين في جزيرة رودوس، وبضعة آلاف في سائر الجزر العشر ~~“dedocanaire” # وذلك تحت حكم إيطاليا. وانطوى بساط ~~كريت كما انطوى بساط الأندلس بعد أن ملكها المسلمون ثلاث مرات، الأولى ي زمن بني أمية ~~في دمشق، والثانية عندما احتلها ثوار قرطبة تحت إمارة عبد العزيز بن شعيب، والثالثة في ~~أيام الدولة العثمانية، والله يرث الأرض ومن عليها. # وقد عرفت من أعيان كريت المسلمين رجلين، أحدهما أحمد نسيمي بك ناظر الخارجية ~~العثمانية في أيام الحرب، وهو من أعز إخواني، وأمثل من عرفت في حياتي وأحسنهم أخلاقا، ~~فضلا عن ذكائه وسعة إطلاعه، وكان يحدثني عن كريت الأحاديث والآخر فاضل بك أحد أعيان ~~المسلمين في قندية، وقد كنت أسأله مرة عما يقال من حسن جزيرة كريت وزكاء تربتها، ولذة ~~فواكهها وطيب نجعتها فقال لي: جميع ما تسمعه من هذا القبيل عن كريت هو الواقع، وربما ~~أقل من الواقع، ولكن لا يوجد في الدنيا أكثر شرا من أهلها. وفزيلوس الوزير اليوناني ~~المشهور كان هو العامل مع دول الحلفاء في خلع قسطنطين ملك اليونان كما لا يخفى وفي ~~أخريات هذه الأيام ترأس ثورة على الحكومة اليونانية وهو قد بلغ من الكبر عتيا. # وفي زمن السلطان عبد الحميد ساءت الأحوال في مكدونية، لأن السلطان كان أكثر همة في ~~المحافظة على شخصه، وكان شديد التخيل إلى درجة الوسواس. فاستكثر من الجواسيس، وصار ~~بأيديهم تقريبا الحل والعقد، وليس من الصحيح أن السلطان كان يعمل بموجب تقاريرهم كما ~~هو شائع، بل كان يرمي أكثرها ولا يصدق ما فيها، ولكن اهتمامه بقضية أخبار الجواسيس ألقى ~~الخوف في قلوب الرعية وصارت في قلق دائم وأصبحت الناس تبالغ في الروايات عن الجواسيس ~~فساءت سمعة الحكومة، وسخط الرأي العام على هذه الحالة، وبرغم ما كان السلطان يعفو ~~ويصفح، ويجود ويمنح، كانت سمعته بعكس ms334 ما كان يفعل. وذلك بسبب كثرة الجواسيس وحصولهم على ~~الحظوة عنده، فصار الناس يعللون جميع خطوب المملكة بسوء الإدارة، ويعللون سوء الإدارة ~~بانتشار الجواسيس وفقد الحرية. وهذا وإن كان صحيحا إلى حد محدود، فليس بصحيح على ~~إطلاقه، لأن خطوب المملكة كانت لها أسباب داخلية وخارجية، لا نذكر قضية الجواسيس في ~~جوانبها شيئا. فأما العوامل الداخلية فهي انحطاط درجة التعليم عما يجب أن تكون ~~واستيلاء الجهل، وانقسام سكان المملكة إلى أقوام شتى كل منها له هدف غير هدف الآخر، ~~ومنها ما هو عدو عامل لا يرضيه إلا زوال الدولة العثمانية. ثم ما وقر في صدور الناس ~~أجمعين من قرب أجل هذه الدولة فصارت أشبه بالمريض الذي انقطع الأمل من شفائه. # فأما العوامل الخارجية فهي مطامع الدول الأوروبية في أجزاء هذه السلطنة كل دولة منهن ~~تحب أن ترث شقصا من هذه التركة فهي تدس الدسائس في البلاد التي هي مطمح نظرها حتى تتوصل ~~منه إلى مأربها. # ولو كان سهم واحد لا تفيته # ولكنه سهم وثان وثالث # بل وكانت الأسهم التي تتلقاها الدولة العثمانية مما لا يعد ولا يحصى، ولكن المسلمين ~~في السلطنة نظرا لمعرفتهم أن هذه الدولة هي ملجؤهم الوحيد، كانوا لا يريدون أن يعتقدوا ~~زوالهم، فكانوا يتأوهون من جهة لحالتها هذه، ويجتهدون من أخرى في إصلاحها، ويظنون أن ~~الإصلاح ليس بالمستحيل، وأن في استطاعة الدولة أن تنهض وتسترجع مكانها السابق، وذلك إذا ~~كان السلطان يقلع عن سياسته الخاصة وعن حصر الأمور في يده، ويترك الاهتمام بالجواسيس، ~~ويطبق على المملكة القانون الأساسي الذي كان بدأ به في أول سلطنته ثم عطله تعطيلا ~~مؤقتا، فاستمر هذا التعطيل ثلاثين سنة. وكان الشبان على الخصوص يعتقدون أن لا نجاة ~~للمملكة من السقوط إلا بإعادة الدستور، وانتخاب مجلس الأمة، وكان لذلك المهد كثير من ~~رجالات الأتراك المتشبعين بمبادئ الحرية قد هجروا بلادهم وأقاموا بباريز وصاروا ينشرون ~~نشرات ينتقدون فيها الحكم الحميدي ، ويبثون روح الثورة بين الناشئة، فكان السلطان يجتهد ~~في إسكات هذه الفئة التي كانت تشوه ms335 سمعته في العالم الأوروبي، وكثيرا ما كان يتمكن من ~~إرضاء أناس من هؤلاء الشبان بتقليدهم مناصب عالية، أو بإغداق النعم والعطايا عليهم، ~~ولكن بقي هناك من هذه الفئة من كانوا لا يبيعون من السلطان سكوتهم، بل لبثوا يرفضون ~~جميع ما يعرض عليهم من أموال أو مناصب. وكان في طليعة هؤلاء أحمد رضا بك المقيم بباريز، ~~والذي كان يصدر جريدة حرة باسم «مشورت» تدخل إلى البلاد العثمانية سرا، والدكتور ناظم ~~الذي كان من أركان جمعية الاتحاد والترقي - وشنقه مصطفى كمال من عهد قريب - ~~وغيرهما. # ولما كانت الجمعيات الأرمنية بطبيعة الحالة تميل إلى إسقاط السلطان عبد الحميد مدت ~~أيديها إلى هؤلاء الأتراك الذين كانوا قد هجروا أوطانهم إلى أوروبا، وشرعوا في التحريك ~~لأجل إعلان الحكم الشورى في تركيا. وكان بعض المسيحيين من سورية مشتركين أيضا في هذه ~~الحركة، وكل فئة من هذه الفئات كانت لها أغراض غير أغراض الأخرى في الحقيقة، ولكنها ~~كانت تجتمع في نقطة واحدة وهي، مقاومة السلطان، والعمل لإسقاطه، وأخيرا انتدب بعض شبان ~~الأتراك وألفوا جمعية سرية في سلانيك، وسموها «جمعية الاتحاد والترقي» وأخذوا يجتذبون ~~على جمعيتهم كل الوطنيين المخلصين الذين قدروا على اجتذابهم برغم شدة المراقبة، حتى أن ~~بعض المستخدمين في الحكومة انضموا إلى هذه الجمعية، وكانوا يجتمعون في المحافل ~~الماسونية حتى يتقوا الشبهة فيهم. وكان معظم اجتهاد هذه الجمعية السرية متوجها إلى ~~استجلاب الجيش حتى تصير في أيديهم القوة اللازمة لخلع السلطان، وتوفقت هذه الجمعية إلى ~~استجلاب عدد كبير من الضباط، ولما كان عصائب البلغار واليونان يعملون بدون انقطاع في ~~بلاد الرومللي، وكانت الدولة تسوق عليهم العساكر لأجل تطهير بلاد الروملي منهم، وكانوا ~~يعملون في جوار سلانيك، تسنى لرجال الاتحاد والترقي أن يتصلوا بضباط الجيش، وأن يقنعوهم ~~بأن هذه العصائب البلغارية واليونانية إنما تشاغب وتعثوا في الأرض لأجل الحصول على ~~إدارة حسنة يستريح في ظلها السكان وهذه الإدارة غير ممكنة ما دام السلطان عبد الحميد ~~على عرش السلطنة فأما إذا أمكن خلعه، وجعل الحكم في السلطنة دستوريا ms336 شوريا كم هو في ~~سائر الممالك المتمدنة فإن جميع هذه المشاغبات تنتهي من نفسها، وتخلد جميع الأقوام إلى ~~السكينة وهكذا تنجو السلطنة العثمانية من خطر السقوط المحدق بها. فشرب أكثر الضباط هذه ~~المبادئ التي ليس بعجب أن تقبلها عقولهم، لأن المسيحيين من أروام، وبلغار، وسربيين ~~كانوا يدعون أنهم لا يلجأون إلى الثورة إلا من سوء الإدارة وأنه إذا اصطلحت الإدارة ~~فهذه تكون غاية أمانيهم، ويدخلون في الطاعة. # ولم يكن هذا الادعاء صحيحا بل حقيقة الحال أنه سواء اصطلحت الإدارة العثمانية أم لم ~~تصطلح فالبلغار إنما يجتهدون في ضم البلاد المأهولة بالبلغار إلى مملكتهم، واليونان ~~إنما يسعون في ضم البلاد التي أكثرها منهم إلى مملكتهم، ولن يرضو بالبقاء تحت حكم ~~الأتراك ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ولكن شبان الأتراك منهم من آمن بأقوال العصائب ~~اليونانية والبلغارية. # ومنهم من لم يكن يؤمن بها لكنه كان يجد أن طريق النجاة لن تكون إلا بإعادة الدستور، ~~وجعل الحكم في السلطنة للشورى كما هو في سائر البلاد. # وبلغ السلطان سريان هذه الحركة إلى الجيش المرابط في الرومللي، فراعه الأمر وأرسل ~~لجنة تحت رئاسة القائد إسماعيل ماهر باشا لأجل الفحص عن هذه الحركة فرجعت هذه اللجنة ~~وقررت للسلطان أن أكثر الضباط دخلوا في جمعية الاتحاد والترقي، وأن الخطب عظيم، وأن ~~الخرق اتسع على الراقع، وكان حسين حلمي باشا مفتشا عاما لولايات الرومللي، فكتب هو ~~أيضا إلى السلطان يعظم من شأن حركة الجيش، ويشير على السلطان بإعلان الدستور. وفي ~~أثناء ذلك ذهب أنور بك وعصى بشرذمة من الجند في جوار سلانيك، كما أن نيازي بك استولى ~~على مدينة منستر وكاد يعلن فيها الدستور، ولما بلغ جمعية الاتحاد والترقي ما قام به ~~أنور ونيازي منا لعصيان اشتدت عزيمتهم، واجتمعوا حول منزل حسين حلمي باشا وطلبوا إعلان ~~الدستور، وأصبحت سلانيك في أيديهم. ولما وصل الخبر إلى السلطان استشار الصدر الأعظم ~~وكان الصدر يومئذ فريد باشا الأرناؤوطي، فأشار إليه بإعلان الدستور، وذلك تسكينا ~~للفتنة، وكذلك جمال الدين أفندي شيخ الإسلام ms337 أبدى له ضرورة هذا الإعلان، وكان أحمد عزت ~~باشا الدمشقي مستشارا للسلطان - كما لا يخفى - وهو المطلع على ماجريات هذا الخطب، قد ~~عارض في إعلان الدستور بل قوته، ولكن الوزراء خالفوه، وهو نفسه الذي قال لكاتب هذه ~~السطور عند ما اجتمعت به بعد الحرب العامة هنا في جنيف: بأن الذي أثر في السلطان ~~بالدرجة الأولى حتى أعلن الدستور هو جمال الدين أفندي شيخ الإسلام. أما كوجك سعيد باشا. ~~ففي أول الأمر نصح للسلطان بالثبات، وبقمع هذه الحركة بالقوة، إلا أنه بعد ذلك جاءت ~~الأخبار بأن الفيلق الثاني الذي مركزه أدرنة انضم إلى جمعية الاتحاد والترقي، فوقع ~~الرعب في قلوب الوزراء جميعا، وعادوا فأشاروا على السلطان بإعلان الدستور اتقاء لشر ~~أعظم!! والحقيقة أن القوة التي في يد جمعية الاتحاد والترقي كانت ضئيلة، وكان الجيش ~~أكثره طائعا للسلطان، ولكن قوة الجمعية كانت معنوية، والأمة - حتى في نفس قصر يلدز - ~~أصبحت تعتقد أن لا نجاة للدولة إلا بإعلان الدستور، وعقد مجل الأمة. # والخلاصة أن السلطان عبد الحميد أعلن القانون الأساسي، وأمر بانتخاب المبعوثين، ~~وتعيين كوجك سعيد باشا رئيسا للوزارة الجديدة. فأراد سعيد باشا إعطاء السلطان بعض حقوق ~~في تعيين الوزراء خلافا للقانون الأساسي، فوقع بسبب ذلك خلف بين الوزراء أدى إلى ~~استعفاء الوزارة، فانتدب السلطان للصدارة كامل باشا وتألفت وزارة جديدة فيها رجال أمائل ~~مثل رجب باشا الأرناؤوطي ناظر الحربية وحسن فهمي باشا ناظر العدلية، وغيرهما. ولكن ~~وزارة كامل باشا هذه شاهت حوادث ذات بال، مثل إعلان بلغاريا استقلالها التام، ومثل أن ~~دولة النمسا أعلنت استلحاق ولايتي البوسنة والهرسك، ومثل أن الأروام أعلنوا إلحاق جزيرة ~~كريت باليونان، وكان إعلان البلغار لاستقلالهم بموجب كتاب من أميرهم فرديناند إلى ~~السلطان عبد الحميد في 15 أكتوبر سنة 1908 فأرسلت الدولة جوابا للحكومة البلغارية ~~بأنها لا تستطيع الاعتراف بعمل مخالف لمعاهدة برلين، وكتبت إلى الدول تدعوهن إلى عقد ~~مؤتمر لأجل النظر في ما أقدمت عليه بلغاريا من خرق هذه المعاهدة وكذلك احتجت الدولة على ~~استلحاق النمسا والمجر ms338 لبوسنة والهرسك برغم كون النمسا والمجر اجتهدتا في استعطاف ~~الدولة العثمانية، وعرضتا عليها تعويضات مالية وردت لها (سنجق نوفيبازار) من أصل ~~بوسنة. # وفي أثناء ذلك وقع الخلاف بين جمعية الاتحاد والترقي وبين وزارة كامل باشا على مسائل ~~داخلية لأن الجمعية كانت هي سبب إعلان الحرية، فكانت تريد بطبيعة الحال أن تسيطر على ~~الحكومة، ولم يكن هذا الأمر ليحصل بدون اصطدام آراء مفض إلى النزاع، وكانت الأمة مشغولة ~~بانتخاب المبعوثين، ولم تكن الآراء متفقة في قضايا الانتخابات مما يحصل في كل مملكة، ~~فانتهى الأمر بسقوط كامل باشا وكان مجلس الأمة قد انعقد وحضر السلطان عبد الحميد ~~افتتاحه، وأقسم يمين الأمانة للدستور، ولكن لم يكد المجلس ينعقد حتى وقع الشقاق بين ~~المبعوثين، فمنهم مبعوثوا جمعية الاتحاد الترقي ومبدؤهم كان المركزية التامة، أي حصر كل ~~الإدارة في مركز الدولة، وبناء الإصلاحات كلها على هذا الأساس، ومن البديهي أن مبدأ ~~كهذا سيعطي السيادة للعنصر التركي الذي له المقام الأول في السلطنة، فلهذا كان العرب ~~والأرناؤوط والأروام والأرمن ضد هذا المبدأ، لأنه يجحف بحقوقهم، فتألف من هؤلاء حزب ~~تسمى بحزب «الأحرار» انضم إليهم أيضا كثير من الأتراك المناوئين لجمعية الاتحاد ~~والترقي، ففي مسالة كامل باشا وقع الخلاف بين الحزبين، وتغلب الاتحاديون على خصومهم، ~~وهكذا سقط كامل باشا وجاء مكانه حسين حلمي باشا ففي مدة هذا الصدر تسوت بين تركيا ~~والنمسا قضية بوسنة والهرسك، وذلك بدون عقد مؤتمر دولي. لأن الأتراك كانوا يخشون من عقد ~~المؤتمر الدولي فتح أبواب جديدة عليهم فاسترجعت الدولة سنجق نوفييازار، واستأدت مليونين ~~ونصف مليون جنيه بدلا عن الأراضي العائدة في بوسنة للدولة خاصة، وتقرر بقاء التشكيلات ~~الدينية الإسلامية في البوسنة والهرسك مربوطة بالدولة العثمانية، كما كانت في السابق ~~وعقدت الدولة مع النمسا معاهدة تجارية، ثم رجعت إلى مسألة البلغار فبعد أخذ ورد طويلين ~~وحل مشكلات مالية يطول شرحها انتهى الخلاف وانعقدت المعاهدة في 19 إبريل سنة 1909 وفي ~~هذه المعاهدة كل ما يضمن حقوق المسلمين وأوقافهم ومؤسساتهم الدينية في مملكة البلغار، ms339 ~~فاستراح بال الدولة من جهة هاتين المشكلتين قضية استقلال البلغار التام، وقضية استلحقاق ~~بوسنة والهرسك بالنمسا. # ولكن ثار تنور الخصام في وسط السلطنة، وتعددت الأحزاب، وبسبب إعلان الحرية أظهر كل ما ~~في نفسه، وبدلا من أن يكون هذا القانون الأساسي سببا للانضمام وللسير على قاعدة (وإن ~~هذه أمتكم أمة واحدة) وليس امتياز فيها لفريق على فريق، كانت عاقبة هذا النظام الجديد ~~أن كل أمة من الأمم الكثيرة التي تتألف منها السلطنة العثمانية أخذت تحاول الانفصال عن ~~السلطنة نفسها بالطرق الممكنة وغير الممكنة، وجاءت هذه الحالة عذرا للسلطان عبد الحميد ~~الذي كان يدعى أنه إنما أخر إعلان الدستور وجمع الأمة خوفا من تفكك أجزاء السلطنة ~~وفرارا من صدع الوحدة العثمانية لأنه في ظل الحرية لا يمكن منع النزعات القومية التي ~~هي كامنة في صدور هذه الأمم المختلفة التي لا يجمع بينها سوى رهبة الدولة. # ولكن جمعية الاتحاد والترقي مع حسن نية رجالها كان ينقصها كثير من الخبرة وكان أكثر ~~زعمائها شبانا لم يتمرسوا بالأمور، ولم تنجزهم الحادثات، وقد جاء فوزهم بالقبض على ~~ناصية السلطنة غير منتظر - حتى من أنفسهم - فسكروا بخمرة العز واستخفوا بمن سواهم، ~~وظنوا أنهم هم قادرون على كل شيء، والحال أنهم كانوا يواجهون صعابا، ويقابلون عقابا، ~~لا قبل لهم بها، فكانت أمامهم - وهي للطامة الكبرى - دسائس الدول الأوروبية التي كال ~~واحدة منهن كانت تحرك أهالي البلاد التي تطمح إليها من أجزاء السلطنة، وكان هذا مرضا ~~مزمنا، فلا الأجانب كانوا راجعين عن أطماعهم هذه، ولا الأهالي الذين تعودوا رؤية نفوذ ~~هذه الدول في بلادهم كانوا عادلين عن الانقياد إلى وساوسهم، ولأجل وضع سد فيوجه الأجانب ~~كان ينبغي أن تكون الدولة أقوى وأرقى وأسعد حالا، وأغزر مالا من جميع الدول العظام. ~~ولم تكن هذه الشروط حاصلة في الدولة العثمانية كما لا يخفى. ثم إن جميع الأمم التي كانت ~~تتألف منها هذه السلطنة كانت أهدافها مختلفة، فالأروام وهم جانب كبير في المملكة لا ~~ينسون ملكهم القديم، وفي كل حركاتهم وسكناتهم كان ms340 هدفهم الوحيد استئناف الاستيلاء على ~~القسطنطينية وطرد الترك منها إلى آسيا، والأرمن كان هدفهم الوحيد استئناف ملكهم القديم ~~في نفس الأناضول، والبلغار يريدون ضم مكدونية إلى المملكة البلغارية الجديدة، وهذا من ~~جهة المسيحيين. # فأما من جهة المسلمين فإن الجامعة الوحيدة التي كانت تجمع بين الترك والعرب والكرد ~~والأرناؤوط والجركس هي الجامعة الدينية، ولولاها لكانت هذه السلطنة تفككت منذ قرون، ~~ولكن سوء الإدارة في الداخل من جهة، ودسائس الأجانب من الخارج من جهة أخرى، حملا ~~الكثيرين من العرب والأرناؤوط بنوع خاص على النزوع إلى الانفصال عن الدولة برغم الجامعة ~~الدينية، وقد بدأ ذلك عند الأرناؤوط قبل العرب، فحاولت الدولة تأديب الثائرين منهم ~~فاستلزم ذلك تجريد جحافل ووقعت معارك دموية، فازداد الأرناؤوط من الدولة نفورا. وأما ~~العرب فكانت عندهم غيرة من الترك لأنهم كانوا أكثر من هؤلاء عددا، ولم تكن لهم ~~الامتيازات التي للترك، وكان الترك يزعمون أن العرب غير قائمين بما يجب عليهم تجاه ~~السلطنة حتى يتمتعوا بالمساواة التامة مع الأتراك، فمن البلاد العربية جانب كبير لا ~~يقوم بالخدمة العسكرية الإجبارية، بل يكلف الدولة سوق عساكر لإدخال أهله في الطاعة، ~~وهذا النزاع بين العرب والترك لم يكن ينتهي بل كان يزداد بضعف الدولة وقد كان يظهر في ~~مواقع كثيرة. ولكن كان المانع الوحيد من انفجار بركان الشر بين الفريقين هو الخوف على ~~بيضة الإسلام لا غير، إلا أن الإنجليز تمكنوا قبل الحرب العامة من استجلاب كثير من ~~ناشئة العرب، منهم من استجلبوهم بالمنافع الخاصة. # ومنهم من استجلبوه بطريقة الإقناع، وأوهموا العرب أنهم إنما يريدون ليجددوا دولة ~~عربية كدولة بني العباس، أو دولة بني أمية مثلا، ويساعدوا العرب على تجديد مجدهم ~~القديم، وعلى عمارة بلادهم التي لم يحسن الترك إدارتها، ولا عمارتها. فصار بين العرب ~~حزب غير قليل ينزعون إلى الانفصال عن الدولة قلبا وقالبا متوقعين لذلك أول فرصة. ولا ~~يمكن أن يقال إن هذا كان رأي الجمهرة من الأمة العربية ، بل في الحقيقة كان عقلاء العرب ~~يفقهون أنه إذا وقع الانفصال ms341 بين العرب والترك تسقط بلاد العرب تحت حكم الإفرنج، فلذلك ~~كانوا يختارون البقاء تحت حكم الدولة العثمانية خوفا من حكم الأجانب، واختيارا لأهون ~~الشرين. # نعم لو كانوا على يقين بأن الدول الأوروبية تحترم استقلال البلاد العربية ولا تبسط ~~أيديها إليها بالغصب والتقسيم، لكانوا يرجحون بدون شك انفصال عن الترك، والاستقلال ~~بدولة لأنفسهم. ولكن عقلاء العرب كانوا لا يجهلون مطامع الدول الأجنبية، في بلادهم ولم ~~يكن يخفى عنهم تصميم أوروبا على تقسيمها، وأنه لا عهد للدول المسيحية بإزاء المسلمين ~~مهما عاهدت ولم يكن يشذ من العرب عن هذه العقيدة سوى بعض من لا تجربة لهم، أو من لا ~~تهمه الجامعة الإسلامية في كثير ولا قليل. # ومنهم من كان الإنجليز يستخدمونهم في بث دعايتهم كأجراء لا غير. # ثم إن الاتحاديين ساعدوا بسوء تصرفهم واستخفافهم بأعدائهم هذه الأمم غير التركية في ~~السلطنة على أنفسهم، ودخل في الجمعية الاتحادية عناصر كثيرة مفسدة كرهت الرعية بها. ~~وكان رجال الحكم الجديد قد أقصوا عن وظائف الحكومة أكثر الذين كانوا يشغلونها، ~~واستبدلوا بهم شبانا من حزبهم، فآسفوا جمعا عظيما لهم تأثيرا في السلطنة، لأنهم ~~أصابوهم في أسباب معيشتهم، فانكسرت خواطر وتراكمت أحقاد، وتألفت فرقة جديدة من قدماء ~~الرجال الذين كان يقال لهم الرجعين، وانتشرت لهم جرائد، وأعصو صب حولهم كثير من ~~العوام. # ولما كان الاتحاديون يتظاهرون بالتفرنج ويتساهلون بأمور الدين، ويتكلمون أحيانا بما ~~يخالف الشرع، مال جمهور العلماء وأنصار المبادئ الإسلامية إلى هذا الحزب الذي شرع ~~بمصادمة جمعية الاتحاد والترقي، وألفوا تحت رئاسة الشيخ «درويش وحدتي» عصبة سموها ~~«الوحدة المحمدية» وأخذ حزب الأحرار يمد يده على حزب الرجعيين ليكونا يدا واحدة على ~~حزب الاتحاد والترقي، فاشتدت المعارضة في وجه الاتحاديين بينما هم مهملون للاحتياط، ~~واثقون بأنفسهم، مستخفون بخصومهم. فاشتدت المناقشات في الجرائد، وازدادت العداوة بين ~~الأحزاب، وإذا بالناس في 8 إبريل سنة 1909 تسمع أن حسن فهمي بك محرر جريدة «سربستي» قد ~~قتل غيلة على الجسر وهو راجع من بيك أوغلى إلى استانبول، وكان هذا الكاتب من ms342 أكبر أعداء ~~الاتحادي والترقي، فقيل إن الاتحاديين هم الذين أرسلوا من يغتاله، وقيل إن الذين ~~اغتالوه هم حزب الرجعيين، وذلك لأنهم استشاروه في القضاء على الدستور والرجوع إلى ~~النظام الحكم القديم فأبى أن يسايرهم في هذه المكيدة، فخافوا أن يفشى سرهم للحكومة ~~فأرادوا التخلص منه فقتلوه، فهاجت الخواطر لقتل هذا الكاتب، وقدم ستة من مبعوثي المجلس ~~سؤالا لناظر الداخلية عن هذه الحادثة، وتفاقم القلق في الأستانة وكان الرجعيون قد ~~اتصلوا ببعض توابير من الجيش، واتهم السلطان عبد الحميد بأن له يدا في الدسيسة رأسا ~~أو بواسطة أنصاره القدماء، فما شعر الأهالي إلا والعساكر قد ملأت ساحة أيا صوفيا، ~~وأخذوا ينادون بإسقاط الوزارة، وعزل أحمد رضا بك رئيس مجلس الأمة، ويطلبون تسليم علي ~~رضا باشا ناظر الحربية، وأعضاء جمعية الاتحاد والترقي ليقتلوهم، وكان بعض المشايخ علموا ~~العسكر أن ينادوا بإعادة الشريعة وإلغاء القانون الأساسي حتى يملكوا بذلك قلوب العامة، ~~وفي ذلك الوقت هجموا على نادي الاتحاد والترقي، وعلى إدارة جريدة «طنين» وعلى النادي ~~العسكري وعلى نادي النساء ونهبوها وجعلوا عاليها سافلها، ثم انقض الجنود على ضباطهم ~~فقتلوا منهم ثلاث مئة، وفر من الضباط عدد كبير من الأستانة، وتخبأ آخرون فيها. ثم هجم ~~الجند على مجلس المبعوثين ليقتلوا منهم الاتحاديين المعروفين بمكانتهم في الجمعية، ولكن ~~كان المبعوثون الاتحاديون قد علموا بالثورة وما يضمره الرجعيون المتسترون باسم الشريعة ~~من نية قتلهم، فلم يحضروا إلى المجلس. وحضر الأمير محمد أرسلان رئيس لجنة الأمور ~~الخارجية ومبعوث اللاذقية، وقيل له في ذلك اليوم إن ذهابه إلى المجلس خطر على حياته ~~لأنه كان من الاتحاديين المعروفين، فأبى إلا أن يذهب ليقوم بالواجب وكان بلغه أن في نية ~~الثوار إحداث مذبحة في الأستانة تحمل الأجانب على التدخل لأجل حماية رعاياهم فتسقط بذلك ~~حكومة الاتحاد والترقي، فذهب ابن عمنا إلى المجلس ليحمل المبعوثين على مراجعة السلطان ~~شخصيا ليبذل كلمته ونفوذه لأجل تسكين الثورة التي قد تجر وبالا عظيما على السلطنة ، ~~فلما ذهب رحمه الله إلى المجلس لم يجد من ms343 نيف ومائتي مبعوث إلا ثلاثين أو أربعين ~~مبعوثا فقط. فتكلم معهم في الموضوع وتقرر بينهم إرسال وفد إلى قصر بلدز ليعرض الخطب ~~على السلطان، ويلتمس أمره الجازم للعسكر وللشعب بالسكون، فانتخب المجلس أحد عشر مبعوثا ~~منهم محمد أرسلان ليقوموا بهذه المهمة. فلما خرجوا وركبوا العربات عرف محركوا هذه ~~الثورة مقصدهم فردوهم من حيث أتوا وبينما هم على باب المجلس أوعز بعض المحركين لهذه ~~الثورة إلى الجند بأن يطلقوا الرصاص على محمد أرسلان - وهم لا يعرفونه - فوقع شهيدا. ~~ثم قتلوا أيضا ناظم باشا ناظر العدلية، وكان مرادهم أن يفتكوا أيضا بسائر أعضاء ~~المجلس الذين لبثوا ينتظرون الموت مدة ساعتين. # ومنهم من رمى بنفسه من النوافذ فسقطوا وتكسرت أرجلهم. # ومنهم من تخبأ في أي مكان يتوارى به عن الأعين، ولكن العسكر بعد أن فتك بناظر العدلية ~~وبمبعوث اللاذقية سمعوا أنه سيأتي عسكر آخر بأمر السلطان فيقتص منهم، فوقع الرعب في ~~قلوبهم وأمسكوا عن قتل سائر المبعوثين وصاروا يطلقون الرصاص في الفضاء تهويلا. # وأما حسين حلمي باشا والوزراء رفاقه فقد تخبأوا حيث لا يعلم بهم أحد، وانسل محمود ~~مختار باشا على باخرة إنجليزية فذهب العسكر إلى بيته ليقتلوه فلم يجدوه. فأمر السلطان ~~بتأليف وزارة جديدة تحت رئاسة توفيق باشا الذي كان سفيرا للدولة في لندرة، وأدخل فيها ~~أدهم باشا قائد الجيش العثماني الذي قهر اليونان، وذهني باشا ورفعت باشا الذي كان ~~ناظرا للخارجية في الوزارة السابقة، فأبقوه في الوزارة الجديدة كما كان، وأبقوا أيضا ~~ضياء الدين أفندي شيخ الإسلام. وأبقوا نورادونغيا أفندي الأرمني ناظر الأشغال النافعة، ~~وأبقوا خليل حمادة باشا ناظر الأوقاف وتعيين عادل بك ناظرا للداخلية، والقائد ناظم ~~باشا قائدا للفيلق الخامس مكان محمود مختار باشا، وقد كان وقوع هذه الثورة في 13 إبريل ~~سنة 1909 وفي اليوم التالي لم ينعقد المجلس ولكن لما تم تشكيل الوزارة انعقد بحضور 191 ~~مبعوثا وأصدر المجلس منشورا يحاول فيه تلطيف الحادثة، ويحث الرعية على السكون. ونقلت ~~جثة الأمير محمد أرسلان باحتفال عظيم إلى بيروت حيث ms344 كان له مأتم لم يسبق نظيره، وبكى ~~الجميع شابه لأنه كان في الرابعة والثلاثين من العمر، وبكوا مزاياه العالية. وحزن عليه ~~أبوه الأمير مصطفى أرسلان حزنا أثر في صحته فلم يعش بعد ذلك طويلا. # ولما وصل الخبر إلى سلانيك وهي مركز الاتحاد والترقي هاج العسكر ولا سيما الضباط ~~الذين علموا بقتل رفاقهم، فلم يبطثوا أن زحفوا إلى الأستانة. فاجتمع الفيلق الثالث - أي ~~فيلق سلانيك - والفيلق الثاني - أي فيلق أدرنة - وساروا إلى العاصمة تحت قيادة محمود ~~شوكت باشا، فوقع الرعب في الأستانة وخيف أن العساكر الآتية من أدرنة وسلانيك تنتقم من ~~العساكر والأهالي الذين قاموا بالثورة الرجعية، فأرسل الصدر الأعظم إلى محمود شوكت باشا ~~يقول له: إن السكون تام في الأستانة وأنه لا خوف من حرب، وكان توفيق باشا قد نصح ~~للسلطان بعدم المقاومة خوفا من حرب أهلية. # ولما اجتمعت الجيوش في «سان ستفانو» وذلك في 21 إبريل أقبل عليها النواب والشيوخ ~~وانعقد مجلس الأمة تحت رئاسة أحمد رضا بك، ونشروا منشورا يجعل الأمر والنهي والاقتصاص ~~من الثائرين في يد محمود شوكت باشا قائد الجيش المسمى بجيش الحركة، وكان العساكر ~~البحرية قد اشتركوا في الثورة من قبل، ولكنهم لما رأوا القوة أقبلت أسرعوا إلى الخضوع. ~~وبالإجمال لم يكن في نية توفيق باشا ولا أدهم باشا، ولا أحد من الوزارة الجديدة مقاومة ~~الفيلقين القادمين من الرومللي ولكن بعض العساكر الذين كانوا في ثكنة «ظاشقشلة» والذين ~~كانوا هم الثائرين والفاجرين للدماء، أطلقوا النار على جيوش الرومللي فوقعت معركة انتهت ~~بفوز الرومللي، وكذلك وقعت مناوشات خفيفة في ثكن أخرى وانتهت بفوز قوة محمود شوكت باشا، ~~وكان يحيط بقصر يلدز سبعة آلاف من الجيش المخلص للسلطان، إلا أنهم لم يروا السلطان ~~ناويا المقاومة فخضعوا لمحمود شوكت باشا. وفي 26 إبريل تقرر في مجس الأمة خلع السلطان. ~~وصدرت الفتوى من مشيخة الإسلام بأنه إذا كان زيد - الذي هو أمير المؤمنين - يحذف مسائل ~~مهمة من كتب الشرع وقد يمنع تداول هذه الكتب أحيانا ، وكان يخالف الشرع في ms345 استعمال بيت ~~مال المسلمين ويقتل وينفي ويحبس بمجرد هواه، ويحنث بيمينه الذي أقسمه، ويحدث الفوضى في ~~المملكة أفلا يجوز تخليص الأمة من ضرره؟ أفلا يكون من مصلحة الأمة خلعه إلخ؟ الجواب، ~~نعم. # السلطان محمد الخامس # وهكذا تقرر خلع عبد الحميد الثاني، ومبايعة أخيه السلطان محمد رشاد باسم محمد الخامس. ~~وهذبت لجنة مؤلفة من عارف حكمت باشا وآرام أفندي من أعضاء مجلس الأعيان، ومن أسعد باشا ~~مبعوث دراج، وفراسو أفندي مبعوث سلانيك، فبلغوا السلطان قرار خلعه، وفي يوم الأربعاء 28 ~~إبريل الساعة الثامنة والنصف مساء جاء القائد حسين حسني باشا وعلي فتحي بك وأبلغا ~~السلطان قرار نقله إلى سلانيك، وسفروه في نصف الليل، وكان معه نساؤه وإثنان من أولاده، ~~الأمير عبد الرحيم أفندي وعمره 16 سنة والأمير محمد عابد وعمره 6 سنوات، ولم يصحبه إلا ~~أربعة من الخصيان، وتسعة من الخدم. وبعد نقل السلطان إلى سلانيك ومبايعة أخيه سكنت ~~الأمور وأعلنت الإدارة العرفية في العاصمة، وتألف مجلس حربي لمحاكمة الذين أحدثوا ~~الثورة وسفكوا الدماء فصدر الحكم بشنق عدد من هؤلاء، ولا شك في أنه كان قد نفى أناس ~~كثيرون متحفزون لإعادة السلطان عبد الحميد إلى العرش في أول فرصة، ولكن هذا الحزب كان ~~يرى لزوم السكينة إشفاقا على الدولة. ولما اشتعلت الحرب البلقانية أعادت الدولة ~~السلطان عبد الحميد إلى الأستانة، وأنزلته في قصر «بكلر بك» حيث بقى إلى أن مات سنة ~~1917 وحضرت مأتمه وشهد الجمهور بحقه شهادة حسنة لأنهم كانوا يعتقدون إسلامه وإيمانه، ~~وبعد أن بويع السلطان محمد الخامس، أعيد حسين حلمي باشا إلى الصدارة، وبقى النفوذ ~~الحقيقي لجمعية الاتحاد والترقي، فحصل بين الجمعية وحسين حلمي باشا اختلاف أدى إلى ~~استقالته. فاستدعى الاتحاديون إبراهيم حقي باشا سفير الدولة في روما، وجاء إلى الأستانة ~~في 11 يناير سنة 1911 فاختار حقي باشا لنظارة الحربية محمود شوكت باشا وصار طلعت بك ~~ناظرا للداخلية، وجاويد بك للمالية، ورفعت باشا للخارجية، ونجم الدين ملا بك للعدلية، ~~وحلاجيان أفندي للنافعة، والأميرال خليل باشا للبحرية، والشريف ms346 علي حيدر باشا للأوقاف، ~~وأمر الله أفندي للمعارف، وتولى مشيخة الإسلام القاضي حسين حسني أفندي. # وعندما قرئ برنامج الوزارة الجديدة في المجلس نالت 187 صوتا ضد 34 من المعارضين. ~~واستنكف 21 مبعوثا عن إعطاء أصواتهم، فكان مبدأ وزارة حقي باشا مؤذنا بالنجاح، إلا ~~أنه كان الأمر لا يزال في يد الاتحاديين، فاشتدت من أجل ذلك المعارضة. وكان حقي باشا ~~ومحمود شوكت باشا ورفعت باشا من أعضاء الوزارة معتدلين، على حين أن طلعت بك وجاويد بك ~~وحلاجيان أفندي كانوا يريدون إجراء برنامج الاتحاد والترقي «بزرة وعروته» فوقع الخلاف ~~في وسط الوزار وصار الاتحاديون الغلاة يريدون إسقاط حقي باشا من الصدارة، وفي ذلك الوقت ~~جرت ثورة الأرناؤوط وأساسها أنه بعد مؤتمر برلين تألفت جمعية في بلاد الأرناؤوط مبدؤها ~~المحافظة على الوطن الألباني، وهذه المحافظة كانت تقتضي مقاومة الأروام من جهة، ~~والسربيين من جهة أخرى. فنظر السلطان عبد الحميد إلى الموضوع فوجده موافقا لسياسته ~~ولسياسة الدولة العثمانية، فأخذ يقوي الأرناؤوط عمدا ويمدهم بالمال، ويوليهم المناصب ~~ويعتمد عليهم أكثر من سواهم. وما عاشت الجمعية الأرناؤوطية إلا بفضل إمداد السلطان عبد ~~الحميد لها، فقد كان يتخذ الأرناؤوط ردها له في مقاومة البلقانيين الذين ينوون ~~الاستيلاء على بلاد الرومللي كالسرب والبلغار، واليونان، وكان أيضا يتخذ الأرناؤوط ~~بطانة له ضد حزب «جون تورك» الذي كان يعلم أنه لن يرضى عنه. وكان بلغ عدم ثقته بالترك ~~أنه جعل الحرس السلطاني الخاص كله من العرب والأرناؤوط، فكان حول قصر يلدز بضعة عشر ~~تابورا من العساكر نصفها من العرب بزي خاص بهم يلبسون العمائم وأكثرهم من عرب اليمن، ~~والنصف الآخر كان من الأرناؤوط بزيهم الخاص. وكان قد اعتنى جد الاعتناء بتعليم هذا ~~العسكر الخاص وتدريبه وترفيه معيشته، والتأنق في كسوته حتى صار من الطبقة الأولى في ~~عساكر العالم، لا يفضله عسكر آخر. ولما زار إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني صديقه ~~السلطان عبد الحميد الثاني واستعرض أمامه هذا الحرس الخاص، ابتهج الإمبراطور به ~~ابتهاجا أكيدا وقال: إنه يضاهي أحسن عسكره في ألمانيا. ms347 وكان إذا خرج السلطان يوم ~~الجمعة للصلاة أقيمت له مراسم حافلة تتجلى فيها الهيبة الملوكية إلى الدرجة القصوى، ~~وتسير الوزراء والقواد أمام مركبة السلطان مشاة على الأقدام، وتصطف عساكر الحرس المذكور ~~عن الجانبين، العرب من جهة، والأرناؤوط من جهة، فيكون لذلك أبهة وروعة لا ينكرها أحد. ~~وكان يسمى هذا الاحتفال برسم السلملك، فتقصده كبار الأجانب والسياح من جميع الأقطار، ~~وقلما كان السلطان يخرج من قصره إلا لصلاة الجمعة، وكان سفراء الدول يذهبون غالبا ~~لشهود هذه الحفلة، وكان اقتصار السلطان في حرسه على العرب والأرناؤوط دليلا واضحا على ~~عدم ثقته في الأتراك الذين يوجد منهم غالبا من ينوي له السوء # وقد كنا نلاحظ أيضا أنه عند ما يخرج لصلاة الجمعة - سواء كان راكبا جوادا أو ~~راكبا عربة - يكون عن جانبيه فارسان، كل منهما سيفه مسلول في يده وهما أيضا عربيان ~~أحدهما محمد باشا العرقسوسي من دمشق، والثاني علي باشا قيراط من طرابلس الغرب. فلما ~~تدلى السلطان محمد رشاد وصار الأمر إلى حزب جون ترك نثروا هذا الحرس الخاص من أرناؤوط ~~وعرب نثرا، ولم يبقوا له أثرا. # ونعود إلى ذكر إقبال السلطان عبد الحميد على الأرناؤوط فنقول: إنه أمتعهم بامتيازات ~~كثيرة، وأعلقهم حبال الارتباط بشخصه حتى صاروا لا يبغون منه بدلا ولا عنه حولا. ولما ~~قال الاتحاديون بالانقلاب وإعلان القانون الأساسي ثقل ذلك على الأرناؤوط وتوجسوا خيفة ~~قصر حريتهم، لأن القانون الأساس كان معناه المساواة التامة بين الرعية، وهم لم يكن ~~السلطان يعاملهم بالحقيقة بالمساواة، بل كان يميزهم على غيرهم، ويسبغ عليهم من النعم ما ~~لا يعرفه فريق آخر من الرعية، ولذلك اجتهدت جمعية الاتحاد والترقي في استرضاء الأرناؤوط ~~بجميع الوسائل حتى لا يناهضوا الدستور، ووعدتهم بإبقاء امتيازاتهم الأولى، وبفتح مدارس ~~تعلم فيها لغتهم، وباعتبار اللغة الأرناؤوطية لغة رسمية في بلادهم، وبمعاملتهم في كثير ~~من الأحيان بحسب تقاليدهم عاداتهم، وبتعزيز الشرع الإسلامي فيما بينهم، وأخذت توزع ~~الأسلحة على الأرناؤوط ليتمكنوا من مقاومة السربيين، وأهالي الجبل الأسود وكل هذا قصدت ~~به جمعية الاتحاد ms348 والترقي اجتذاب الأرناؤوط إلى ناحيتها حتى لا يعارضوا نشر الدستور، ~~ولا يحدثوا عليه ثورة وهم أسرع الناس إلى الثورات. إلا أن الأرناؤوط كانوا لا ينسون ~~منزلتهم الخاصة عند السلطان عبد الحميد، وكانوا لا يثقون في حزب «جون تورك» ففي أول ~~سبتمبر سنة 1909 أرسلوا وفدا إلى سلانيك يطالب بإعادة الأحكام في ألبانيا إلى الشرع ~~الشريف، وبالاعتراف بامتيازاتهم وبتأسيس مكاتب أرناؤوطية على نفقة الدولة مما لم يكن ~~ليرضي جمعية الاتحاد والترقي التي داهنتهم في أول الأمر من قبيل التسكين وتخدير ~~الأعصاب، حتى لا يثوروا في وجه النظام الجديد. فلما رأتهم ممعنين في الإدلال، متعنتين ~~على الدولة بصنوف المطالب قررت بإزائهم إرهاف الحد، وإدخالهم في الطاعة كسائر أجناس ~~الرعية. وكان بين الأرناؤوط رجل اسمه «عيسى بولاطين» من زعمائهم، ولم يكن يراعي ~~القوانين ولا يتحرج عن القتل والنهب إذا ألجأه الأمر. وكان السلطان عبد الحميد يصيبه ~~بنعمه المتواترة حتى تسلم البلاد من عيثه، فلما أعلن الدستور لزم عيسى بولاطين بيته ~~ساكنا ولكن الاتحاديين لبثوا يحسبون له حسابا، فأصدروا الأوامر إلى الحكومة المحلية ~~بنزع سلاح عيسى بولاطين والجماعة التي حوله، ومن المعلوم أن الأرناؤوطي يؤثر الموت على ~~تسليم سلاحه، فعصى عيسى بولاطين الأمر فساقت الدولة عسكرا بقيادة جاويد باشا فذهب هذا ~~الجيش ودمر القرى وأوقع بأهلها، ودك الحصن الذي يسكنه عيسى بولاطين، فثار الأرناؤوط في ~~كل الجهات من أجل ذلك، واتسعت الثورة فضاعف جاويد باشا القوة وبطش بالثائرين بطشة ~~جبارين، ونزع الأسلحة من أيدي الأرناؤوط وتقاضاهم غرامات ثقيلة، وقيل إنه قتل النساء ~~والأولاد - وهذا ما لا نعتقده، ولكنه أشيع يومئذ عمدا - فاجتمع ثلاثة آلاف أرناؤوطي في ~~«فيرازوفيتش» لأجل الاحتجاج فرماهم جاويد باشا بالقنابر، وشرد بهم من خلفهم، ثم أخذت ~~الدولة بإحصاء النفوس فازداد قلق الأرناؤوط، وعلموا من هذا أن الدولة تريد إجراء الخدمة ~~العسكرية في ألبانيا. وكان مقصد الجون تورك في الواقع أن يلغوا امتيازات الأرناؤوط ~~تدريجيا، وأن يجبروهم على دفع الضرائب التي تدفعها سائر الرعية، وأن ينسوهم تلك الدولة ~~التي عودهم إياها السلطان ms349 عبد الحميد، وكل هذا كان بعيدا عن أن يرضى به الأرناؤوط وفي ~~17 يوليو سنة 1909 عقد الأرناؤوط في «فريز وفيتش» مجمعا عاما للتحدث فيما بينهم في ما ~~يجب أن يعملوه لمعالجة هذه الحالة، فأرسلت جمعية الاتحاد والترقي نيازي بك أحد أركانها ~~لأنه أرناؤوطي، وأصحبته بجماعة من المخلصين لها على أمل أن يصرفوا الأرناؤوط عن ~~المطالبة بما يخالف مصالح الدولة، فلم تقترن مساعيها بالنجاح، لأن المؤتمر الأرناؤوطي ~~قرر أن يكون للأرناؤوط حق بتولي المناصب الإدارية، وبتعليم اللغة الأرناؤوطية، واقترح ~~توسيع سلطة مجالس الولايات وإنشاء الطرق وعقد اجتماع سنوي للأمة الأرناؤوطية، وعدم ~~تقاضي الأرناؤوط شيئا من الضرائب عدا العشر، وأن يؤخذ معدل خمس سنوات ويجعل منه متوسط ~~ويصبر جباية ثابت، وغير ذلك من الاقتراحات التي رأت فيها جمعية الاتحاد والترقي مقدمة ~~لاستقلال داخلي في ألبانيا، وكانت بلاد ألبانيا الجنوبية ساكنة، بخلاف ألبانيا الوسطى ~~والشمالية إلا أن الحركة في آخر الأمر شملت الجميع، وقرر الأرناؤوط فيما بينهم الحرب ~~لأجل الاستقلال بإدارتهم الداخلية وتحفزوا للقتال. # وفي سنة 1910 بدأت الثورة في نواحي «برشتنة» بسبب الضرائب فأسرع الأرناؤوط من سائر ~~الجهات إلى نجدة أرناؤوط برشتنة، فأرسلت الدولة جيشا نحو عشرين ألف مقاتل، ومعهم ~~ثلاثون بطارية من المدافع تحت قيادة شوكت طورغوط باشا، فقاتلوا الأرناؤوط قتالا شديدا ~~ولكنهم لم يقدروا عليهم ولاسيما في مضيق «كاتشانيق» وهو موقع شديد المنعة في ولاية ~~قوصوه احتله الأرناؤوط، وعجز العسكر عن أخذه، فما زالت ترد الإمدادات إلى شوكت طورغوط ~~باشا حتى تمكن من الاستيلاء على المضيق وهزم الأرناؤوط بعد وقائع دموية، ودمر لهم قرى ~~كثيرة فانتقلت مقاتلة الأرناؤوط إلى مضيق «تشرنالوفة» ولبثوا يقاتلون. فأرسلت الدولة ~~محمود شوكت باشا ينصح للأرناؤوط بالكف عن القتال وبالدخول في طاعة الدولة فتوفق في ~~مهمته وأخلد الأرناؤوط إلى السكينة. إلا أن عيسى بولاطين وإدريس صقر وعدة آلاف من ~~الثائرين معهما لاذوا بالقرار إلى جهة الجبل الأسود، وإلى قرى الأرناؤوط الكاثوليك، ~~وكانت الثورة الأرناؤوطية، في بادية الأمر قاصرة على الأرناؤوط المسلمين، ففي سنة 1911 ~~انضم ms350 إلى المسلمين قبائل الأرناؤوط الكاثلويك وصارت جمعيات الأرناؤوط في إيطاليا ~~ورومانيا تمد الثورة، وجاءت إلى الأرناؤوط نجدات من الجبل الأسود، وصار ثوار الأرناؤوط ~~يلجأون إذا ضاقت بهم الحال إلى أرض الجبل وعادت الثورة فازدادت اشتعالا، وعبت الدولة ~~ستين تابورا، وأخذ شوكت طورغوط يدمر قرى الماليسور المارديت من الأرناؤوط ~~الكاثوليكيين، فعند ذلك توسطت دولة النمسا والمجر لدى الباب العالي لأجل الكف عن سفك ~~الدماء، فاستمعت الدولة نصيحة النمسا وأخذت في تضميد جروح الأرناؤوط بما أمكن، وسكن ~~الأرناؤوط ولكنهم رجعوا إلى اقتراحاتهم الأولى وهي احترام الدولة لعاداتهم القومية ~~واستقلال التعليم في مكاتبهم، واستعمال الحروف اللاتينية ومنح البانيا إدارة لا مركزية، ~~وانفاق ما يفيض من واردات ألبانيا على منافع هذه البلاد، واجتمع مبعوثو الأرناؤوط تحت ~~رئاسة حسن بك مبعوث اسكوب وقرروا هذه المطالب فأجابت الدولة بالقبول ورضيت بأن تكون ~~الخدمة العسكرية سنة في الأستانة وسنتين في نفس البانية، وأوجبت أن يكون المأمورون في ~~ألبانيا عارفين باللغة الأرناؤوطية، وأخذت الدولة ترمم البيوت التي دمرتها العساكر، ~~ووزعت مبالغ من النقود على المصابين، وهكذا سكنت الثائرة الأرناؤوطية، وذهب السلطان ~~محمد الخامس بنفسه إلى بلاد الأرناؤوط وصلى في صحراء توصوه ووراءه جمع قيل إنه ألف مصل، ~~ورجع إلى الأستانة مسرورا. # وفي تلك الأيام بدأ الشقاق بين أعضاء الاتحاد والترقي أنفسهم، واختلفت الآراء في مجرى ~~السياسة التي يجب على الجمعية اتباعها، فخرج منها أناس مغاضبين، منهم أمير الألاي صادق ~~بك الذي كان من مؤسسي جمعية الاتحاد والترقي، فانفصل عن الجمعية وألف حزبا جديدا ~~معاكسا لها ثم استعفى طلعت بك، وأمر الله أفندي وحلاجيان أفندي من النظارات، التي ~~كانوا يتولونها وظهر الناس ضعف الحكومة ولم يكن مجلس المبعوثين بأحسن منها حالا بل ~~كانت تتوالى فيه المشاحنات والمهاترات بين الأحزاب، ومرة جرت حادثة بين نواب العرب ~~ونواب الترك وكادوا يتضاربون والخلاصة أن العثمانيين كانوا في ذلك الوقت يمزق بعضهم ~~بعضا، وكانت كل العلامات تؤذن بسوء المصير، وإذا بحادث طرأ بغتة وهو أن إيطاليا أعلنت ~~الحرب على تركيا أو تتخلى لها ms351 عن طرابلس الغرب وبرقة، وكانت مطالب إيطاليا عبارة عن ~~خمسة وهي: خروج العساكر العثمانية من طرابلس، وبنغازي، ودرنة، وتشكيل جندرمة فيها تحت ~~قيادة ضباط من الطليان، وأن تكون إدارة الجمارك بأيدي مأمورين من الطليان أيضا، وأن لا ~~يتعين وال لطرابس إلا برضى إيطاليا، وأعطى الباب العالي مدة أربع وعشرين ساعة ليجيب ~~بالقبول. فاجتمع مجلس فوق العادة في القصر السلطاني، وسمع حقي باشا الصدر الأعظم كلاما ~~مهينا بسبب إهماله وعدم احتياطه لأن سعيد باشا رئيس مجل الأعيان ذكر له أن مطامع ~~إيطاليا لم تكن مجهولة عند تركيا، وأنه سبق لإيطاليا كونها قدمت مذكرة إلى الباب العالي ~~سنة 1904 بعد اتفاق إيطاليا مع فرنسا وإنجلترا تقول فيها،: إنها ما دامت الحالة غير ~~متغيرة في البحر المتوسط، فإن إيطاليا لا تدعي بشيء في طرابلس الغرب، ولكن إذا حصل ~~تغيير في البحر المتوسط يخل بالتوازن الدولي فهي مضطرة أن تتخذ تدابير لوقاية مصالحها. ~~ثم إن حقي باشا كان سفيرا في روما، فكان يجب عليه أن يطلع على حقيقة نيات إيطاليا وليس ~~لحقي باشا عذر في غفلته هذه. فثبت بحق حقي باشا ما أوجب استقالته ملوما بل مغضوبا ~~عليه، ولم يقدر هو أن يدافع عن نفسه. ثم أجاب الباب العالي برفض مطالب إيطاليا قائلا ~~لها: إذا كانت ستصمم على احتلال طرابلس فإن الدولة تقوم بالواجب عليها بإزاء اعتداء ~~إيطاليا. # وحقيقة مسألة طرابلس الغرب من أولها إلى آخرها لا تخرج عن كون إنجلترا وفرنسا تقاسمتا ~~أفريقيا، وذلك على أثر حادثة فاشودة المشهورة التي كادت توقع الحرب بين الدولتين، فعند ~~ما اقتنعت فرنسا بإرجاع جنودها من فاشودة اتفقت الدولتان على تقسيم أفريقيا كلها ~~تقريبا بينهما على قاعدة أن فرنسا تسكت لإنجلترا على وادي النيل وجميع توابعه، وهن ~~امتلاك الخط الممتد من البحر المتوسط إلى الكاب، وبمقابلة ذلك توافق إنجلترا على احتلال ~~فرنسا للمغرب بحذافيره وتوابعه، وقد كانت هذه السياسة التي اتفقت فرنسا وإنجلترا عليها ~~هي الأصل الأصيل في الحرب العامة ولولاها كان يبعد كثيرا وقوع هذه المجزرة ms352 البشرية ~~الكبرى، وذلك لأن ألمانيا وجدت في عمل فرنسا وإنجلترا هذا استخفافا بها، وجهالة ~~لمكانها بين الدول العظام وأخذت من ذلك الوقت تترصد الفرصة لإظهار ما في نفسها من عمل ~~إنجلترا وفرنسا وأبت أن تعترف لفرنسا بحق احتلال مراكش. وسيكون لهذه المسألة أدوار أخرى ~~تمر بها وتزيد العداوة بين ألمانيا وإنجلترا إلى أن تنشب الحرب العامة، لأنه عند ما ~~اشتدت الأزمة بين فرنسا وألمانيا من أجل استيلاء فرنسا على مراكش، كان الفرنسيس سألوا ~~الإنجليز عما يكون من موقفهم في هذا الخلاف؟ فأجابوهم بأن الأسطول الانلكيزي حاضر للعمل ~~في جانب فرنسا. فكان هذا الجواب هو أعظم عامل في زرع العداوة بين الألمان والإنجليز. ~~فالحرب العامة إذا وإن تعددت أسبابها فقد كان السبب الأقوى في نشوبها اتفاق إنجلترا ~~وفرنسا على تقسيم أفريقيا وانتهاء الأمر باحتلال فرنسا للمغرب بمساعدة إنجلترا، ~~فإنجلترا من زمن قديم تريد أن تربط شرقي أفريقيا بالهند، وتجعل من ذلك مستعمرة واحدة، ~~ولأجل تحقيق هذا المشروع توسلت بوسائل لا تحصى، أولها القضاء على الدولة العثمانية حتى ~~يتسنى لإنجلترا وضع يدها على جزيرة العرب التي هي حائلة في الوسط بين أفريقيا والهند، ~~والثاني القضاء على استقلال الدولة الإيرانية، وقد كنت إنجلترا اتفقت سنة 1911 مع ~~الروسيا على اقتسام المملكة الفارسية فجعلوها ثلاث مناطق، الشمالية تحت تصرف الروسيا، ~~والجنوبية تحت تصرف إنجلترا، والمتوسطة مستقلة إلى حد محدود تحت نفوذ الدولتين. # وهكذا أصبح ممكنا أن تمد إنجلترا خطا حديديا في جنوبي فارس آتيا من الهند إلى ~~العراق، ثم تمده في أراضي الدولة العثمانية من حدود فارس في أرض العراق وفلسطين إلى ~~مصر، وهكذا إلى رأس الرجاء الصالح، وتكون جميع البلدان التي سيمر بها هذا الخط من أملاك ~~إنجلترا خالصة لها. فما اكتفت إنجلترا بالاستيلاء على الهند التي فيها 320 مليونا من ~~السكان، بل حاولت أن تطفر من الهند إلى أفريقيا، وتجعل هاتين القارتين، غربي آسيا، ~~وشرقي أفريقيا قطعة واحدة، لا ينازعها فيها منازع. وكأنها تريد أن تأخذ موثقا على ~~الدهر، وتجعل الفلك الدوار ms353 يدور على محور إرادتها، فجميع هذه الأمم من هنود وإيرانيين ~~وعرب ومصريين وأحباش وصوماليين وزنوج لم يوجدوا في نظر إنجلترا ليكون لهم حرية في ~~أنفسهم! وإنما أوجدهم الله ليكونوا رعايا لإنجلترا حتى تكون لها الكبرياء في الأرض، ~~ولأجل إتمام تصورها هذا لزم لها أن تسترضي فرنسا فتبيحها احتلال المغرب، واسترضاء ~~إيطاليا فتتفق مع فرنسا ويسمحان لها باحتلال طرابلس الغرب، فهل تمكنت إنجلترا من تطبيق ~~برنامجها الواسع هذا؟ الجواب إنها قد لقيت في تطبيقه ما لم تكن تتوقعه بل ما لم يكن ~~يخطر لها على بال! فأول خرق وقع في هذا البرنامج وقع من جهة فارس فإن إنجلترا كانت ~~تقاسمت فارس هي والروسيا قبل الحرب العامة، ثم جاءت الحرب العامة فكانت نتيجتها الظفر ~~الأكبر لإنجلترا، وكان من المعقول أن إيران بعد هذا الظفر تصبح - لاسيما المنطقة ~~الجنوبية منها - مستعمرة إنجليزية، فكان الذي حصل هو عكس ذلك، ورجعت إيران فأخرجت ~~الإنجليز والروس من بلادها، ورجع خط الاتصال بين الهند ومصر منقطعا. # وأما الخرق الثاني في برنامج السلطنة البريطانية هذا فقد وقع من جهة بلاد العرب، فقد ~~كانت إنجلترا تفكر بأنها إذا قضت على الدولة العثمانية كانت هي الوارثة لها في بلاد ~~العرب فتتصرف بهذه البلاد كما تشاء، والملك حسين بن علي الذي زعمت أنها حالفته واعترفت ~~باستقلاله بدل قيامه على الأتراك، إنما تجعل له الحكم في الحرمين الشريفين فقط، وهو مع ~~ذلك سيكون مضطرا إلى قبول أية كلمة تصدر منها. وأما نجد والعراق وفلسطين فهذه كانت في ~~نظر إنجلترا مرشحة تكون من المستعمرات البريطانية، فظهر لها بعد الحرب العامة وبعد ~~ظفهرها مع حلفائها أن العراق لا يرضى أن يكون من جملة مستعمرات إنجلترا، وما زال يثور ~~حتى اضطرت إنجلترا إلى الاعتراف باستقلاله، وهي وإن كانت اتفقت مع العراقيين على تأمين ~~المواصلات الإمبراطورية كما يقال، فهذا التأمين للمواصلات ليس بسرمد، كما أن نجدا مع ~~توابعه الواصلة إلى الجوف، وإلى قريات الملح على مقربة من شرقي الأردن، بقى مستقلا ~~تمام الاستقلال، يليه ملك عظيم ms354 الشأن هو «عبد العزيز بن سعود» وقد أوسع ملكه بالاستيلاء ~~على الحجاز وصارت هناك دولة عربية مؤلفة من نجد والحجاز وعسير يسكنها زهاء خمسة ملايين ~~من قبائل العرب المسلحة، ولا يسهل على إنجلترا أن تلعب بها كما تشاء، ولا أن تجعل فيها ~~خطوط مواصلات. فلذلك كان هو هذا الخرق الثاني في البرنامج البريطاني. # ثم بينما هي تظن أنها قد تملكت مصر ولم يبق لها معارض فيها ولا في السودان وبينما هي ~~تقيم القيامة اليوم لأجل منع إيطاليا، من الاستيلاء على الحبشة حتى تؤمن السلطنة التي ~~تحلم بها من البحر المتوسط إلى رأس الرجاء الصالح، ظهر لها خرق ثالث في هذا البرنامج، ~~وهو قيام المصريين عن بكرة أبيهم يبلغون إنجلترا أن جميع مماطلاتها لن تفيدها شيئا في ~~حل الخلاف الذي بينها وبين مصر، وهو الخلاف الذي يأبى المصريون أن يعرفوا له حلا غير ~~مؤسس على استقلال مصر التام!. فهذه إذا ثلاثة خروق، أولها إيراني، والثاني عربي، ~~والثالث مصري، في هذا البرنامج الواسع الذي حلمت به إنجلترا، وليس الإنجليز بأول كتلة ~~بشرية اتسع سلطانها حتى أفقدها رشدها، وجعلها تحاول تخليد حكمها على آفاق لا تغرب الشمس ~~عنها. بل من قبلها سكرت أمم كثيرة بخمرة العز! وبينما هي تظن أن لم يبق لها منازع في ~~الدنيا، جامتها الحوادث بما لم يكن في سحبانها، وخسرت ما كانت قد تظنته مما ملكت ~~أيمانها، وظهر على الأمر من لم يكونوا لها على بال. ولا بد أن يصدق فيها قوله تعالى: # كذلك وأورثناها قوما آخرين * فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا ~~منظرين # ونعود إلى غارة إيطاليا على طرابلس الغرب فنقول: إنها وإن كانت قد اعتذرت بكون ~~الإنجليز والفرنسيس تقاسمتا أفريقيا، ولم تبقيا لها شيئا غير طرابلس الغرب فاضطرت إلى ~~احتلالها، فإنه لم يكن من ضمير حي، ووجدان قوي، ليقبل هذا التعليل ويجعله حجة!!. وإن ~~كان مما لا شك فيه أن إنجلترا وفرنسا كانتا على وفاق مع إيطاليا في قضية طرابلس. ولذلك ~~عند ما استغاثت تركيا بدول ms355 أوروبا جمعاء مما فعلته إيطاليا أصمت إنجلترا وفرنسا آذانهما ~~عن سماع نداء تركيا !! وليتأمل المتأمل في تلوي السياسة ودناءة مباديها، وذلك عندما يرى ~~أن اعتداء إيطاليا على طرابلس لم تقابله إنجلترا بأدنى كلمة استنكار، على حين أنها ~~اليوم تحشد إنجلترا 180 بارجة حربية، وتجمع كلمة خمسين دولة من أعضاء جمعية الأمم على ~~مقاطعة إيطاليا التجارية بحجة أن إيطاليا شنت الغارة على الحبشة ظلما وعدوانا، كأن ~~الغارة على طرابلس لم تكن ظلما وعدوانا!! كأن الغارة على طرابلس لم تكن ظلما ~~وعدوانا!! يحللونه عاما ويحرمونه عاما، ويفضحون أنفسهم أمام التاريخ ولا يبالون بما ~~يقال عنهم. # أرسلت إيطاليا في 29 سبتمبر سنة 1911 أسطولا عظيما إلى مرسى طرابلس فأنذر البلدة ~~بالضرب إن لم تستسلم له، فأبت البلدة الخضوع بدأ يرميها بالقنابر وما زال يرميها حتى ~~تمكن من احتلالها في 7 أكتوبر ولم يكن فيها قوة من الجيش لا في العدد ولا في العتاد، ~~وإنما كان الأهالي العرب هم الذين تولوا كبر المقاومة. وبعد أن نزل الطليان بساحة ~~طرابلس حاول العرب أن يردوا العسكر الإيطالي إلى البحر، فاقتتل الفريقان من 23 أكتوبر ~~إلى 26 منه بشدة نادرة المثال، وكاد العرب يقلعون الطليان من طرابلس، ولولا امتناع ~~الطليان بقلاع طرابلس لأخرجوهم منها ولكنهم امتنعوا ريثما تكاملت جموعهم بوصول ~~الامدادات من البحر، ورد والعرب إلى الوراء بعد أن لحقت بالطليان خسائر جسيمة. ومن شدة ~~ما لحق بهم من الخسائر ارتكبوا فظائع لا تزال وصمة عار عليهم في التاريخ، وذلك في حادثة ~~المنشية التي ذبحوا فيها الأهالي ولم يستثنوا أحدا ولا النساء ولا الأطفال!! ونشرت ذلك ~~الصحف الأوروبية - حتى الصحف المعادية منها للإسلام - فانكفأ الطرابلسيون إلى «واحة عين ~~زارة» فتقدم الطليان بقوة كبيرة وأخرجوهم منها، فانكفأوا إلى «غريان» وصاروا يناوشون ~~الطليان القتال بينها وبين مدينة طرابلس. وقد طرح مبعوثو طرابلس قضية بلادهم في مجلس ~~الأمة العثمانية، فحصلت المناقشات فيها فتبين من إهمال الحكومة العثمانية في ظل الدستور ~~والحرية ما لم يكن معهودا في زمن السلطان عبد الحميد ms356 الذي رموه بكل سوء. فمن جملة ذلك ~~أن حامية طرابلس كان ينبغي أن تكون بحسب النظام 17 تابورا من المشاة و10 كواكب من ~~الفرسان، وست بطاريات من مدافع الصحراء، والحال أنه لم يوجد في كل طرابلس إلا أربعة ~~آلاف جندي نظامي لا يزيدون، وأنه كان أهالي طرابلس قد اقترحوا التجنيد من تلقاء أنفسهم، ~~وقرر المجلس في السنة السابقة النفقات المالية لذلك، وعند ما حضر الشبان للتجند وكانوا ~~ستة عشر ألفا لم تقبل القيادة منهم إلا ثلاثة آلاف وأربع مئة. وكان يوجد في طرابلس ~~أربعون ألف بندقية من نوع مرتيني ونوع شنيدر، فاسترجعتها الحكومة إلى الأستانة على وعد ~~أن ترسل بدلا عنها أربعين ألف بندقية موزر، فنسيت الحكومة هذا الوعد ولم ترسل شيئا، ~~وتبين أنا المشير إبراهيم باشا الذي كان واليا لطرابلس قبل ذلك بسنوات اقترح تأسيس ~~معمل سلاح وقراطيس للبنادق في نفس طرابلس وكتب إلى الباب العالي بأن أهالي طرابلس أشداء ~~ذوو بصائر في الحروب إذا أغارت عليهم دولة أجنبية يقدرون أن يدفعوها عن بلادهم، بشرط أن ~~يكون عندهم الأعتدة والأسلحة الكافية، ولما كان لا يوجد عند الدولة قوة بحرية تؤمن ~~إيصال الأسلحة إلى طرابلس فيما إذا أغارت على هذا القطر دولة كدولة إيطاليا، فإنه يجب ~~إرسال كمية وافرة من الأسلحة إلى ثكن طرابلس، وتأسيس معمل للسلاح أو للرصاص بالأقل في ~~نفس طرابلس، بحيث يكون في أيدي الأهالي عدة كافية يدافعون بها عن أنفسهم عند الحاجة، ~~فهذا الاقتراح أهمله الباب العالي ولم ينظر فيه برغم النذر الكثيرة التي كان يتلو بعضها ~~بعضا بأن إيطاليا تتأهب من زمن طويل للإغارة على طرابلس وبرقة. # بل حدثني من أثق به من زعماء الطرابلسيين. # ومنهم كبيرهم السيد أحمد الشريف السنوسي رحمه الله بأن الدولة في زمن السلطان عبد ~~الحميد كانت ترغب في تجريد أهالي طرابلس من السلاح، وتكبس الزوايا السنوسية التي تظن ~~فيها وجود أسلحة وأن انتقال السيد المهدي السنوسي من واحة جغبوب إلى واحة الكفرة على ~~مسافة 25 مرحلة من بنغازي إلى الجنوب ms357 كان أصل السبب فيه اعتقاد المهدي السنوسي أن هذا ~~القطر سيتعرض في يوم من الأيام لاحتلال إيطاليا، أنه سيحتاج الأهالي إلى السلاح حتما، ~~والحال أن الدولة العثمانية - بعماية قلب غير مفهومة - كانت تحاول تجريد الأهالي من ~~أسلحتهم، ولا تريد أن تدرك أن هذا القطر دون غيره هو تحت خطر غارة أجنبية لا تقدر ~~الدولة أن تدفعها إلا إذا كان الأهالي متسلحين. فالسيد المهدي السنوسي رضي الله عنه كان ~~يرى ضرورة التسلح في وجه الأجانب، ولكنه لم يكن يريد أن يخاصم الحكومة العثمانية التي ~~كانت ضد هذا الأمر، فأوغل في الصحراء وسكن في الكفرة بعيدا عن الحكومة، وذلك حيث يمكنه ~~أن يتسلح هو ومن معه، وأن يستقل بآرائه. ولما ذهبت أنا إلى برقة لأجل الجهاد بعد الغارة ~~الإيطاليا ببضعة أشهر، سمعت أن متصرف بنغازي كان قبل حرب طرابلس بشهرين يكبس زاوية من ~~زوايا السنوسيين اسمها زاوية القطفية بتهمة أنه مخبأ فيها سلاح. # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في ~~الصدور # ولما اجتمعت بأنور رحمه الله بمعسكر عيد منصور فوق درنة، حيث ~~أقمت ثمانية أشهر مجاهدا. كنت أتحدث إليه بما في نفسي من تقصيرات الدولة الفظيعة بحق ~~طرابلس، وكان يوافق على ذلك كله ولا يجد عن إهمالها عذرا. # ثم إنه كان تقرر لدى الدولة تعليم أهالي طرابلس الحركات العسكرية، وأن هذا القرار ~~أيضا قد أهملته الحكومة، ولهذا طلب مجلس الأمة محاكمة حقي باشا وزملائه الوزراء لأجل ~~ما ارتكبوه من هذه الإهمالات كلها، فلم ينفذا القرار بسبب أن بعض الوزراء كانوا من ~~أركان الاتحاد الترقي، فكيف يمكن الجمعية أن توافق على إدانتهم ومحاكمتهم؟ فبقي هذا ~~القرار من المجلس حبرا على ورق. # وكان الصدر الأعظم سعيد باشا قد جنح إلى الصلح، لأن إيطاليا كانت قد احتلت رودوس ~~والجزائر التي تجاورها، وكان البحر في يدها، ولم يكن الأسطول العثماني كفؤا للأسطول ~~الإيطالي. فكان الصدر يرى وجوب الصلح على شرط إبقاء السيادة العثمانية على طرابلس ولو ~~بالاسم، وحفظ حقوق الخلافة الإسلامية، وكانت هذه سياسة ms358 دفع الضرر الأشد بالضرر الأخف، ~~إلا أن الرأي العام الإسلامي كان ضد التساهل في قضية طرابلس، لا سيما عندما رأى ~~المسلمون أن عرب طرابلس لبوا داعي الجهاد بشكل لم يكن منتظرا، ووقفوا في وجه إيطاليا ~~وقفة كان الأوروبيون أنفسهم لا يصدقونها لو لم يروها بأعينهم!. فإيطاليا كانت تظن بحسب ~~المعلومات التي عندها ضعف الحامية العثمانية في طرابلس، أنها تستولي على هذا القطر في ~~مدة لا تتجاوز 15 يوما، وهل لا تشك في ذلك، ولما سمع اللورد كتشنر بظن إيطاليا هذا - ~~وهو القائد المحنك المشهور - وكان يومئذ المندوب السامي البريطاني في مصر قال: إني أرى ~~الطليان مفرطين في التفاؤل، وإن تجربتي الطويلة في حروب أفريقيا تجعلني أخطئ هذا الرأي ~~وأقول: إن احتلال إيطاليا لطرابلس الغرب وبرقة قد يستغرق ثلاثة أشهر... فهذه الثلاثة ~~الأشهر التي ضربها أمدا اللورد كتشنر القائد الإنجليزي الكبير، المنجذ في حروب العالم ~~الإسلامي، والخمسة عشر يوما التي ضربتها إيطاليا أمدا لتمام الاستيلاء على طرابلس، ~~كانت لدى الفعل عشرين سنة تامة، وما انتهت إلا بأسر الشهيد عمر المختار وشنق الطليان ~~إياه وذلك سنة 1931 ولو كان أهالي طرابلس يملكون ما فيه بلغة من العتاد والذخيرة لكانوا ~~إلى اليوم حامين لساحتهم. فإيطاليا بعد غارتها على طرابلس بشهرين أو ثلاثة أوصلت جيش ~~الاحتلال هناك إلى مئة ألف عسكري، ولكنها لم تقدر أن تتقدم إلى الأمام شبرا واحدا، بل ~~كان جيشها في نفس مدينة طرابلس، وفي بلدة خمس، وفي مدينة بنغازي التي لم تقدر العساكر ~~الإيطاليا أن تنزل فيها إلا بعد معركة استمرت ثلاثين ساعة، وجرى فيها من الوقائع ما ~~تشيب له ذوائب الأطفال واحتل الطليان أيضا بلدة درنة على البحر في ذيل الجبل الأخضر، ~~وموقع طبرق من البطنان، أي أنهم لم يكونوا داسوا من أرض طرابلس سوى هذه المدن الأربع، ~~بينما لهم هناك مئة ألف عسكري تمدها البوارج الحربية من البحر!! # وكان أنور ملحقا عسكريا بسفارة الدولة في برلين، وكان علي فتحي ملحقا عسكريا ~~بسفارة الدولة في باريز، فخف أنور من ms359 برلين إلى الأستانة يقصد الجهاد في طرابلس، ولما ~~أبدى اقتراحه وجوب تسفير جانب من الضباط إلى طرابلس لم يعتقد أحد في الأستانة بأن ذلك ~~يؤدي إلى فائدة عملية، ولما استأذن لنفسه في الذهاب إلى طرابلس قال له محمود شوكت باشا ~~ناظر الحربية: لا أرى فائدة منس فرك، وربما يقتلك العرب في الطريق لأن الطليان يقدرون ~~أن يرشوهم بالمال فيغتالوك؟! فقال له أنور: لقد أهملنا طرابلس إهمالا فظيعا ضاقت فيه ~~فسحة العذر، فيجب علينا أن نعوض تفريطنا في حقها، وأن نبذل كل ما نستطيعه في سبيل ~~الدفاع عنها، وإذا كان العرب يقتلوننا في الطريق فيكون الذنب ذنبهم، ونعود نحن معذورين. ~~قال لي هذا أنور من فمه في معسكر درنة، وقد وقعت بيني وبينه مودة أكيدة، وخلطة ارتفع ~~فيها التكليف بيننا، واستمرت هذه المحبة منذ تعارفنا في عين منصور سنة 1912. ولما رأت ~~الدولة إصرار أنور على الجهاد بنفسه في طرابلس، أدت إليه خمسة آلاف جنيه لا غير ~~لاعتقادها عقم حركته هذه، فذهب ومعه عدة ضباط مروا من مصر متنكرين، وكان مصطفى كمال من ~~جملة هؤلاء الضباط. # ولم يصلوا إلى السلوم حتى وافتهم الأخبار بأن قبيلة من العرب يقال لها الشلاوية وهي ~~من القبائل الصغرى أوقعوا بتابورين من الطليان وردوهم مدحورين إلى درنة وغنموا منها ~~أسلابا كثيرة. فاشتد بهذا الخبر عزم أنور، وأغذ السير، فأول ما لاقى زعماء العرب ~~ومشايخ الزوايا السنوسية في زاوية مرطوبة، وكان العرب ناقمين على الدولة إهمالها أمر ~~طرابلس، ذاكرين تلك الحماقة التي كانت تظهر من عمالها في تجريدهم من سلاحهم، فقالوا ~~لأنور: إننا لا نمشي ولا نقاتل حتى تأتينا بالأسلحة والذخائر الكافية وبالمدافع. ~~فأجابهم بأنه سيأتي بكل ذلك، وكان مقصده بهذا الوعد الفارغ إثارة حماستهم حتى ينغمسوا ~~في الحرب، وإلا فهو كان يعلم صعوبة تهريب السلاح إلى طرابلس وبرقة، فإن الأسطول ~~الإيطالي كان مراقبا السواحل مراقبة شديدة فلم تتمكن تركيا من تسريب الأسلحة إلى ~~المجاهدين إلا في الأندر. والذي أعلمه أنه من محمول البواخر العديدة التي أرسلتها ~~الدولة ms360 لم يصل إلا محمول باخرتين لا غير، إحداهما تمكنت من التفريغ في سواحل برقة، ~~والأخرى تمكنت من التفريغ في ساحل طرابلس لأول هذه الحرب . # وقد كان من الممكن تهريب السلاح بواسطة سواحل مصر لولا أن الإنجليز شددوا المراقبة ~~إلى الدرجة القصوى بواسطة مصلحة خفر السواحل المصرية، فلم تتمكن الدولة من تهريب بندقية ~~واحدة بواسطة سواحل مصر. ولما كنت قد أقمت في معسكر عين منصور عدة أشهر، فقد علمت أن ~~السلاح الذي كان يقاتل به العرب هناك قليل منه كان من بقايا سلاح الدولة، ومنه قسم من ~~السلاح اليوناني المهرب الذي يقال له «غراه» والأكثر كان من البنادق الطليانية التي كان ~~العرب يغنمونها في أثناء الوقائع. # وقد أعجب العرب بحمية أنور وبسالته فأحبوه حبا جما، ولما وصلت إلى هناك وجدت في ~~مخيم عين منصور من الجبل الأخضر على مسافة ساعتين من درنة إلى الجنوب سبعة أو ثمانية ~~آلاف مقاتل من العرب من قبيلة العبيدات، وقبيلة البراعصة وقبيلة الحاسة، وبينهم المشايخ ~~السنوسية لزوايا الجبل الأخضر، مثل سيدي محمد العالمي الغماري شيخ الزاوية البيضاء، ~~وسيدي محمد الدردفي شيخ زاوية شحات، وسيدي محمد الغزالي شيخ زاوية ترت، وغيرهم من أشياخ ~~السنوسية. # وكان مع أنور بضعة عشر ضابطا من الأتراك، منهم مصطفى كمال رئيس جمهورية تركيا اليوم، ~~وبضعة عشر ضابطا آخرون من أبناء العرب. ولما مررت بطبرق كان الطليان احتلوها، ولكنهم ~~بنوا استحكاما بقرب البحر امتنعوا من ورائه فلم يكونوا يقدرون أن يخرجوا منه، وكان ~~هناك أمامهم معسكر للعرب قائده أدهم باشا الحلبي، ولا يزيد عدد المقاتلين فيه على ~~ألفين، وبينه وبين معسكر الطليان في طبرق ساعة ونصف، وكان عمدة المقاتلين للطليان في ~~معسكر طبرق قبيلة يقال لها عائلة مريم من العبيدات، وكان لها زعيم يقال له الشيخ المبرى ~~قتل في الجهاد، وكان القائمون بالجهاد في برقة هم السادة السنوسية تحت رئاسة السيد أحمد ~~الشريف الذي استنفر القبائل كلها فانضرت تحت علم السنوسي، وانقادت إلى الضباط ~~العثمانيين تحت رئاسة أنور القائد العام، فكان معسكر صغير ms361 في طبرق أمام الحامية ~~الطليانية التي نزلت في ذلك المرسى، ومعسكر ثان في عين منصور تحت قيادة أنور بنفسه وهو ~~يقابل الطليان الذين في درنة، وكان عدد الطليان عشرين ألف مقاتل، ولكنهم كانوا لا ~~يقدرون على الخروج، ولكما خرجوا ردهم العرب إلى حيث كانوا، لا يقدرون على الخروج، ولكما ~~خرجوا ردهم العرب إلى حيث كانوا، وقد بنوا استحكامات حول درنة يعتصمون بها إذا هاجمهم ~~العرب إلى البلدة، ولكن مهاجمة كهذه كان ينبغي لها مدافع، ولم يكن في معسكر أنور إلا ~~مدفعان صغيران لا غير. # وكانت مدافع الطليان من أضخم المدافع، وكانوا يقذفون علينا بالشرانبل بدون انقطاع، ~~وأظن أنه لولا المدافع الكبيرة ما استطاع الطليان الثبات في درنة نفسها. # وأما المعسكر الثالث في برقة فكان في بنغازي تحت قيادة عزيز بك المصري وكانت فيه ~~قبائل العواقير، والمغاربة، والدرسة، والعرفا، والعبيد، وفيه من زعماء السنوسية سيدي ~~عمران السكوري، وسيدي محمد بن عبد المولى، وجم غفير معهما وكان المعسكر العربي مخيما ~~في سهل يبعد ساعتين عن بنغازي إلى الجنوب، وكنا نخمن عدده بأربعين ألف مقاتل كلها تحت ~~المضارب. وقد وقعت سواء في درنة أو في بنغازي وقائع في غاية الشدة، وخسر الطليان فيها ~~ألوفا مؤلفة من الجنود، وما استطاع الطليان أن يخرجوا مسافة شبر واحد إلا ردهم العرب ~~إلى المدن فاعتصموا بها تمدهم بوارجهم من البحر. # وقد ذكرت هذه الحوادث في حواشي «حاضر العالم الإسلامي» في مبحث خاص بطرابلس الغرب ~~أوسع من هذا. وبقيت هذه الحالة كما نحن واصفوها إلى أن نشبت الحرب البلقانية، وهي التي ~~هجمت فيها دول البلقان مجتمعة بسياسة قيصر الروسيا على تركيا مفاجأة، فتغلبت عليها ~~فبعثوا من الأستانة إلى أور يستقدمونه إلى الأستانة بإلحاح شديد، فاضطر إلى ترك القيادة ~~كارها، وعاد إلى استانبول وخاض في حرب البلقان، ولكن بعد أن كانت دارت الدائرة على ~~الدولة وكان لأنور بلاء حسن بمعية القائد أحمد عزت باشا الأرناؤوطي عندما استرجع ~~الأتراك ولاية أدرنة وبعد رجوع أنور إلى الأستانة صارت قيادة المجاهدين في ms362 يد عزيز بك ~~المصري فبقي يقاوم الطليان مدة من الزمن لكنه اختلف مع السنوسية اختلافا شديدا، وكانت ~~إيطاليا قد اتفقت مع عباس حلمي خديوي مصر لذلك العهد، وذلك على أنه يبذل جهده في تسكين ~~حركة المقاومة فاقتنع بذلك، وأرسل وفودا إلى السنوسية ينصح لهم بترك الجهاد فلم يقبلوا ~~كلامه. وحدثني السيد أحمد الشريف أنه عندما جاءه رسول الخيدوي آخر مرة قال له: كنا ~~نتلقاك بالإكرام والاحترام مراعاة للذي أرسلك وإن كنا لم نستطع إجابة طلبه، ولكن بعد أن ~~تكرر قدومك علينا بالطلب نفسه فإننا مضطرون أن ننذرك بأنك إذا جئت بعد هذه المرة من قبل ~~سمو الخديوي تنصح لنا بترك الجهاد فليس لك عندنا أمان على نفسك. # ولما قطع الخديوي أمله من السنوسية استقدم عزيز بك المصري إلى مصر وكانت الدولة قد ~~عقدت معاهدة الصلح مع إيطاليا وأمرت عزيز بك على بإخلاء برقة فجأة ومعه أربع مئة جندي ~~هم بقية العسكر العثماني الذي كان في برقة، والتمس السنوسية من عزيز بك أن يترك لهم ~~الأسلحة والأعتدة التي كانت في يد العسكر، فاحتج بعدم إمكانه ذلك لأن الدولة كانت صالحت ~~إيطاليا على طرابلس بعد أن هاجمتها الدول البلقانية، ومن أجل ذلك لا يقدر هو أني سحب ~~العسكر إلا بسلاحه، فحصل بينه وبين العرب من أجل قضية السلاح هذه معركة في سهر «دفنة» ~~من البطمان غير بعيد عن السلوم، قتل فيها من العسكر بضعة عشر رجلا، ومن العرب زيادة ~~على ستين فتكاثرت العرب واستصرخ بعضهم بعضا وأحاطوا بالعسكر ومنعوه من المسير وكان ~~مرادهم إصلاء عزيز بك والجند الذي معه معركة لم تكن تنتهي إلا بفناء الأربع مئة جندي، ~~وعدد كبير من العرب المهاجمين، فوصل الخبر إلى السيد أحمد الشريف بمكانه من الجبل ~~الأخضر، فأرسل السيد عمر المختار الشهيد المشهور يأمر العرب بالانصراف، وترك عزيز بك ~~المصري بعسكره يسير إلى جهة مصر، وكانت المسافة بين مكان السيد السنوسي ومكان عزيز بك ~~مسيرة أربعة أيام، فقطعها الشيخ عمر المختار في أربع وعشرين ساعة، ولما ms363 وصل وجد العرب ~~كلها تجمعت وقد أحاطت بعزيز بك وعسكره تريد الأخذ بالثأر، فأبلغ عمر المختار قبائل ~~العرب أمر السيد أحمد الشريف وقال لهم : مهما كان قد حصل فإنه لا يليق بنا أن تكون نهاية ~~مساعدة الدولة لنا في هذه الحرب أن نفتك بعساكرها لأجل مسألة سلاح، وهم مجاهدون ومسلمون ~~مثلنا. وهكذا ألقى عمر المختار السلام بين الفريقين، ومضى عزيز بك بعسكره إلى مصر وقد ~~ترك السلاح للعرب. # ولابد من التنويه بالمقام المحمود الذي كان لأهل مصر في هذا الجهاد، فإن هجوم الطليان ~~على طرابلس وق بغتة، فما مضت أيام حتى بدأوا بالتفاوض مع العرب واستجلبوا أناسا منهم ~~على جهتهم لأن الطرابلسيين رأوا أن الدولة لم ترسل قوة تدافع بها عن بلادهم، ووجدوا ~~القوة التي لها من قبل في طرابلس تكاد تكون عدما، فانقطعت آمالهم من إمكان الجهاد. ~~وبينما هم في منتهى الانكسار إذ وصلت إليهم قوافل من مصر موقرة أرزاقا يتلو بعضها ~~بعضا، فكانوا كالأرض الميتة التي أصابها وابل فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ومن ~~ذلك الوقت بدأوا بالجهاد العظيم، وعلموا أن المسلمين من ورائهم ظهير، ثم لم يلبث أنور ~~أن وصل فازدادت بذلك ثقتهم واشتدت حماستهم، وكان منهم هذا الجهاد الذي استمر عشرين سنة. ~~على أنه لولا دعوة السيد أحمد الشريف هذه القبائل إلى الجهاد ما كان مجئ أنور من ~~الأستانة ولا كانت جمعية الإعانة المصرية التي ترأسها الأمير عمر طوسون ليتمكنوا من ~~تأسيس هذا الجهاد المبين على هذا الأساس المتين، الذي أذن للعرب بأن يصدوا دولة عظيمة ~~كإيطاليا مدة عشرين سنة! # وأما من جهة غربي طرابلس فقد كان الجهاد لا يختلف في شيء عما كان في جهة برقة، ~~واجتمعت هناك الكلمة على الحرب دفاعا عن الوطن، والتفوا حول نشأت بك قائد الجند ~~العثماني الذي جاءه فتحي بك الملحق العسكري العثماني في سفارة الدولة في باريز، وصار هو ~~رئيس أركان الحرب، وانضم إليهم رجالات طرابلس مثل الشيخ سليمان الباروني زعيم الأباضية، ~~وآل سيف النصر، والمحاميد، وأهالي ms364 مصراته وترهونه، وزليطن، وأرفلة، وغيرهم. وكان للدولة ~~معسكر أمام طرابلس، ومعسكر آخر أمام خمس، وكان في المعسكر الأول نشأت بك، وفتحي بك، وفي ~~المعسكر الثاني خليل بك خال أنور باشا، نورى بك أخوه. وكانت الحالة هناك كما كانت في ~~برقة تماما، أي أن المجاهدين كانوا يصدون الطليان عن الخروج من طرابلس وخمس، وبقي هذا ~~الأمر إلى أن نشبت الحرب البلقانية وصالحت الدولة إيطاليا على طرابلس، فانفضت هذه ~~الجموع، وركب نشأت بك وفتحي بك ببقية العساكر إلى الأستانة، وكما أن المصريين قاموا ~~بالواجب تحت رئاسة الأمير عمر طوسون من إمداد مجاهدي برقة، فإن التونسيين قاموا أيضا ~~بمثل ذلك من إمداد مجاهدي طرابلس وكل من الفريقين أنفق بدون حساب، وتجلى هناك تعاون ~~المسلمين بما يسر الخواطر ويحقق قوله تعالى: # إنما ~~المؤمنون إخوة ~~. # وأحزر أن المصريين أمدوا مجاهدي برقة بمبلغ لا يقل عن مائتي ألف جنيه نقدا عدا قيمة ~~الأقوات والأرزاق التي كانت قوافلها متصلة يلاقي بعضها بعضا بين غاد ورائح، وقادم ~~وقافل، فهذه لا أعلم حسابا، وعدا ثلاث بعثات أرسلها الهلال الأحمر المصري، وقام فيها ~~بمساعدات كبيرة. وكان للدولة العثمانية أيضا بعثات هلال أحمر متعددة وجاءت بعثة هلال ~~أحمر أيضا من قبل أهالي كانوا مصابين بأمراض مزمنة، وأوبئة مستحكمة، لاسيما مرض الزهري ~~المنتشر. فأخذت هذه البعثات بمؤاساتهم بعد أن كانوا لا يعرفون شيئا من أمر العلاج ~~والوقاية، فاستفاد الأهلون كثيرا في صحتهم، لاسيما عرب الجبل الأخضر. ولولا أن نشبت ~~الحرب البلقانية والتزم المصريون تحويل إمداداتهم إلى جهة الأستانة، لكان الجهاد في ~~القطر الطرابلسي بقي على حاله، وكان الطليان لا يقدرون أن يبرحوا مراكزهم وراء ~~استحكاماتهم ولكن الحرب البلقانية شغلت المسلمين عن حرب طرابلس، وانصرفوا عن المهم إلى ~~الأهم، وأخذت لجنة الإعانة تحت رئاسة الأمير عمر طوسون «أمين الأمة» ترسل الإعانات إلى ~~الدولة، وأراد الأمير عمر أن يبعث أيضا ما بقى من الإعانة الطرابلسية إلى الأستانة ~~فتبت إليه حينئذ أرجوه أن يبقى إعانة طرابلس لطرابلس لأنها في الحرب البلقانية لا يكون ~~لها غناء ms365 ذوبال، وأما في طرابلس فإنها تسد أرماق المجاهدين الذين كانوا يجاهدون مكتفين ~~بالقوت الضروري، فقد كان الواحد منهم يعيش بقرش ونصف في اليوم. # ولما طال القتال في طرابلس على غير نتيجة لإيطاليا، أخذت هذه تفك في إشعال الحرب على ~~تركيا في أمكنة أخرى، فأما الدردنيل فكانت الدولة قد بادرت بتحكيمه ووضعت فيه أربعين ~~ألف عسكري فلم يجرأ الأسطول الطلياني أن يقتحمه حذرا من الدمار، ولكنه احتل موقعا من ~~جزيرة لمنى. # ثم ذهب فدمر نسافتين من الأسطول العثماني كانتا في بيروت، ولما لم يجد الطليان فائدة ~~من هذه التهويلات أجمعوا احتلال جزيرة رودوس وبقي مع ذلك العثمانيين مصممين على القتال، ~~وكان فريق من الترك يود في الباطن مصالحة إيطاليا على طرابلس تخلصا من الأخطار التي ~~كان يخشى منها على الدولة باستمرار الحرب، إلا أنهم خافوا هيجان العرب والعالم الإسلامي ~~فيما إذا تخلوا عن طرابلس، ولم يكن مساعدا لإيطاليا يومئذ حسب زعم الطليان سوى الخديوي ~~بالسبب الذي تقدم ذكره وقد أشار إلى ذلك جيلوتي رئيس نظار إيطاليا السابق، وذلك في ~~مذكراته المطبوعة التي يذكر فيها تاريخ حياته، فصرح بأن عباس حلمي خديوي مصر كان من أول ~~حرب طرابلس إلى آخرها مساعدا لإيطاليا بما أمكنه من الوسائل، بحجة أن جده إسماعيل باشا ~~عندما خلع من إمارة مصر وسكن في نابولي خشت الحكومة الإيطاليا معاملته! ولما أطلع ~~الأتراك على هذا الكتاب بعد الحرب العامة، وكان جيولتي نشره قبل ذلك ببضع سنوات كان ~~لذلك وقع سيئ لديهم، وطعنت جرائدهم في الخديوي السابق طعنا شديدا. # فالدولة كانت إذا لا تجرأ على التخلي عن طرابلس حتى بعد احتلال رودوس وكان الطليان ~~أصبحوا في حيص بيص من تمادي هذه الحرب التي كلفتهم مبالغ طائلة من المال «منذ عشر سنوات ~~كانت إيطاليا أحصت خسائرها المالية على طرابلس بثلاث مئة مليون من الجنيهات» وعشرات ~~ألوف من الرجال، فحدثتها نفسها أخيرا باحتلال بلاد الرومالي، وكان هذا مما يغيظ ~~البلقانيين الطامحين إلى ميراثها من تركيا وكانت الروسيا قد بدأت بسياسة التأليف بين ms366 ~~البلغار والسرب واليونان، حتى يهاجموا الدولة العثمانية يدا واحدة، فوجدت إيطاليا في ~~احتلال الرومللي سببا للتنازع بينها وبين البلقانيين، فتوقفت عن ذلك وربما تكون ~~إيطاليا كلفت الروسيا اتخاذ سياسة ضغط على الباب العالي حتى يرضى بالتخلي عن ~~طرابلس. # فأخذت الروسيا تفاوض الدول العظام في التوسط لدى الباب العالي في هذا الأمر، وأخيرا ~~اتفقوا جميعا على تقديم مذكرة إلى تركيا ينصحون لها فيها بوضع حد لهذا الخلاف، فأجابت ~~تركيا أن الصلح الوحيد الذي يمكنها أن ترضى به هو إلغاء قرار مجلس نواب إيطاليا استلحاق ~~طرابلس الغرب، وسحب جميع العساكر الطليانية من ذلك القطر، وإلا فهي تقاتل إلى ما شاء ~~الله قتال المظلوم المتعدى عليه! وبينما تركيا على أشد ما يمكن من العزم للدفاع عن ~~طرابلس لما شاهدته من بأس الطرابلسيين وشدة بلائهم في هذه الحرب، ولكونها لم تكن تتكلف ~~عليهم في الشهر الواحد أكثر من مئة ألف جنيه، إذ راعها اتحاد الدول البلقانية الأربع، ~~اليونان، والبلغار، والسرب والجبل الأسود، وتحفزهم للزحف عليها فعند ذلك أجمعت الصلح مع ~~إيطاليا مكرهة. # وكان أنور لا يزال في الجبل الأخضر، ووصل إلينا الخبر ونحن هناك. فعلمت أن الدولة لا ~~تقدر أن تكافح البلقانيين جميعا ومعهم إيطاليا. وفكرت أنه يمكنها إذ أكرهت على الصلح ~~مع إيطاليا أن تستمر على إمداد الطرابلسيين سرا بواسطة مصر، ويمكنها أيضا أن تسحب ~~عسكرها النظامي الباقي في طرابلس بدون أن يحدث ذلك فتورا في الدفاع. فبعد أن وقعت ~~مذاكرات بيني وبين السنوسيين من أعون السيد أحمد الشريف لأنه كان وقتئذ لم يزل في ~~الكفرة، برحت الجبل الأخضر قادما وكان الصدر الأعظم حينئذ مختار باشا الغازي، ولكن ~~السياسة كان أكثرها في يد كامل باشا، وكان ناظر الحربية ناظم باشا، وكان شيخ الإسلام ~~جمال الدين أفندي فقابلتهم جميعا وأوضحت لهم محاذير التخلي عن طرابلس، فقال لي كامل ~~باشا بالحرف: إننا لا نقدر أن نحارب أربع دول البلقان، وسنتمر على محاربة دولة عظيمة ~~كإيطاليا، فبينت له ن استمرار الدفاع عن طرابلس ممكن بدون تكليف ms367 الدولة مؤونة شاقة لأن ~~المجاهدين هناك إذا كفلت لهم الدولة والعالم الإسلامي قوتهم الضروري فإنهم يقدرون أن ~~يصدوا الطليان عن التقدم، وليس المقصد من مسعانا سوى إقناع الدولة بأنها إن أكرهت على ~~الصلح لا تتخلى عن إمداد الطرابلسيين بواسطة مصر، فهذا الرأي لم يرفضه كامل باشا، وكذلك ~~أكد لي جمال الدين أفندي شيخ الإسلام بأن الدولة لن تهمل أهل طرابلس، ولكنها مضطرة الآن ~~أن تكف عن حرب إيطاليا حتى تكون انتهت من الحرب البلقانية. # وبالاختصار أرسلت الدولة نابي ك، وفخر الدين بك إلى سويسرا حيث اجتمعا مع برتوليني ~~وفولبي معتمدي إيطاليا وباشرا مذاكرات الصلح، وانتهى الأمر بأن الدولة تترك سيادتها على ~~طرابلس لأهاليها، وتنصح لهم بالائتلاف مع إيطاليا، وأن إيطاليا تعفو عن جميع الذين ~~قاوموها في طرابلس من الأهالي، والعساكر التي للدولة في طرابلس يخرجون منها، كما أن ~~العساكر الإيطاليا تجلو أيضا عن رودوس، وجزر الأرخبيل التي احتلتها. # وكان أيضا من جملة الشروط أن تبقى طرابلس مرتبطة بالدولة من الجهة الدينية فالسلطان ~~يبقى هو الخليفة الأعظم في نظر الطرابلسيين، ويدعى له على المنابر، ويكون للسلطان وكيل ~~في طرابلس يقال له نائب السلطان، وقد تعين بعد الاتفاق شمس الدين باشا لهذا المنصب، ~~ومعه يوسف بك شتوان مستشارا. # وكانت وزارة سعيد باشا قد شعرت بأن المجلس لا يمشي معها في قضية الصلح مع إيطاليا، لا ~~سيما بعد أن جاء يوسف بك شتوان وخطب في مجلس المبعوثين خطابا مآله أن الحالة الحربية ~~هي في طرابلس مرضية جدا لا تؤذن بأدنى خطر، وأنه لا خوف على الدولة إلا من الشقاق ~~الداخلي، فتحمس المبعوثون وآلوا بعدم الموافقة على الصلح وكان الصدر العظم بدأ يشعر ~~بقرب الحرب البلقانية، ويرى أنه لابد من عقد الصلح مع إيطاليا، وكان المجلس لا يزال في ~~شقاق بعيد بين الأحزاب، فأقنع سعيد باشا السلطان بحل مجلس المبعوثين حتى يتسنى للحكومة ~~أن تمضي في سياستها، وكان للسلطان حق في حل مجلس النواب بموافقة مجلس الأعيان على شرط ~~مباشرة الانتخابات لانعقاد المجلس الجديد، ms368 فصدر الأمر بحل المجلس وانتخب مجلس جديد، وما ~~كاد ينعقد المجلس حتى جاءت الأخبار بأن الأرناؤوط استأنفوا الثورة، واتفقوا هذه المرة ~~مسلمين وكاثوليكيين وأرثوذكسيين يدا واحدة في وجه الدولة، وعلى رأسهم إسماعيل بك مبعوث ~~برات، ونجيب دراغه مبعوث درشتنه، وبصري بك مبعوث دبره وحسن بك، ويحيى بك، وغيرهم. وانضم ~~إليهم أيضا ضباط أرناؤوط من ضباط الجيش العثماني، وعقد هؤلاء الأرناؤوط اجتماعا حضره ~~86 من رجالاتهم، وقرروا طلب حل المجلس الجديد وعزل الاتحاديين الذين في الحكومة مثل ~~محمود شوكت باشا ناظر الحربية، وطلعت بك ناظر البوسطة والتلغراف، وجاويد بك ناظر ~~الأشغال النافعة، فاشتد الخطب على الدولة، واستعفى محمود شوكت باشا وظهر أن الاتحاديين ~~أصبحوا بعد ثورة ألبانيا يخشون تحمل المسئولية، فصار الصدر الأعظم سعيد باشا يعرض نظارة ~~الحربية على المقتدرين فلا يقبلها أحد منهم، فاختار الاستعفاء. فانتدب السلطان لتأليف ~~الوزارة الغازي مختار باشا المشهور. # وكانت تألفت في الأستانة جمعية عسكرية يقال لها جمعية «الخلاص كاران» فوزعت منشورا ~~تطلب فيه تبديل الحكومة، ومنع الأشخاص غير المسئولين من التدخل في أمور الدولة، وتقترح ~~حل المجلس وانتخاب مجلس آخر بتمام الحرية وكانت الحكومة تريد سن قانون يمنع رجال ~~العسكرية من التدخل في السياسة فهذه الجمعية أعلنت أن رجال العسكرية لا يمتنعون عن ~~التدخل في السياسة إلا بعد قبول هذه المطالب. فقرئ هذا المنشور في المجلس وأثار حركة ~~شديدة، وأقسم المبعوثون بأنهم لا يتركون كراسيهم إلا موتى، وطلبوا من الحكومة التحقيق ~~عن الجمعية التي وزعت هذا المنشور، فجاء الصدر الأعظم مختار باشا ومعه ناظم باشا ناظر ~~الحربية الجديد وطمأنا خواطر المبعوثين، وتعهد ناظم باشا بإعادة النظام إلى الجيش كما ~~كان تلا الصدر الأعظم برنامج الوزارة الجديدة وفيه منع الضباط من الاشتغال بالسياسة ~~ومنع المأمورين من التدخل في أمور الانتخابات، والتقيد بالقوانين الموضوعة في أمر تعيين ~~المأمورين، وغير ذلك. وأما من جهة الصلح مع إيطاليا فلم تعلن الوزارة شيئا، ثم وقع ~~الخلاف في المجلس على قضية حق السلطان في حل المجلس وعدمه وكان الاتحاديون الذين لهم ms369 ~~الأكثرية في المجلس يريدون إعطاء هذا الحق للسلطان على شروط كان يناقشهم فيها خصومهم ~~حزب الحرية والائتلاف، وكان هذا الحزب يرأسه لطفي فكري، فاشتد الجدل بين الفريقين، وفي ~~أثناء ذلك كانت ثورة الأرناؤوط تتفاقم يوما فيوما، ثم بدأ الشقاق بين أعضاء الوزارة ~~نفسها، وانتدب مختار باشا الصدر السابق فريد باشا الأرناؤوطي لأجل نظارة الداخلية، ~~وحسين حلمي باشا الصدر السابق أيضا لنظارة العدلية، فأبى فريد باشا الدخول في الوزارة، ~~ودخل حسين حلمي باشا ولكنه اضطر بعد قليل إلى الاستعفاء، وازداد تحرج مركز الحكومة التي ~~كانت ترى ازدياد مشكلاتها في الداخل والخارج، وبينما ثائرة الأرناؤوط تتوقد إذا بعصائب ~~البلغار في مقدونية - أي الرومللي - رجعت إلى العمل، وأخذت بنسف السكك الحديدية ثم في ~~نهار العيد انفجرت قنبرة في «جامع أشتب» وجرح بها أناس كثيرون، فثار المسلمون وأوقعوا ~~بكثير من البلغار، ثم حصلت حوادث من هذا القبيل في ولاية «أسكوب» فانتقم المسلمون أيضا ~~بقتل عدد من البلغار، وأهم حادثة هي التي وقعت في «كوتشانة» في أول أغسطس سنة 1912، ~~فإنه كان قد وضع البلغار قنابر في السوق فانفجرت وقتلت عددا من المسلمين، فأوقع ~~المسلمون بالبلغار، وقيل إنهم قتلوا منهم 150 شخصا، وهكذا استمرت الحوادث مدةطويلة، ~~فعصائب البلغار تلقي القنابر الديناميتية في الأسواق والمجامع عمدا لأجل إثارة ~~المسلمين حتى ينتقموا من المسيحيين، وتضطر الدول المسيحية للتدخل فتنسلخ مكدونية عن ~~تركيا، وهذا على نمط حركات الأرمن. # وكان البلقانيون أكثر الأحيان مختلفين بعضهم مع بعض، نعني بذلك البلغار واليونان، ~~والسرب، وذلك لأن مكدونية التي يقول لها الترك الرومللي فيها من جميع هذه الأجناس، ~~فالبلغار يدعون أنها يجب أن تكون لهم، واليونان يحتجون بأن الأكثرية في سلانيك ونواحيها ~~وتراقيا هي للجنس الرومي، والسربيون يحتجون بأن الأكثرية في شمالي مكدونية هي لهم، وكل ~~فئة تعزز دعواها بأدلة. ولم يكونوا يفكرون بشيء من حقوق المسلمين هناك، مع أن المسلمين ~~في ألبانيا ومكدونية كانوا أكثر من نصف السكان! وكانت للدولة في أوروبا ست ولايات، ~~الأولى ولاية أدرنة الواقعة على البحر الأسود ممتدة ms370 من ضواحي الأستانة إلى حدود ~~البلغار، والثانية ولاية سلانيك التي يتبعها أكثر مكدونية، والثالثة ولاية قوصوه التي ~~هي الآن من ضمن مملكة يوغوسلافيا، والرابعة ولاية منستر الواقعة بين يوغوسلافيا وبلاد ~~اليونان والخامسة ولاية يانيا من جنوبي بلاد الارناؤوط، والسادسة ولاية شقودرة في شمالي ~~بلاد الأرناؤوط. وكان عدد المسلمين في هذه الولايات الست من أرناؤوط وترك وبوماق - وهم ~~نوع من البلغار دينهم الإسلام ولغتهم البلغارية - ومهاجرين يزيدون على عدد النصارى ~~بقليل. فلم يكن للبلقانيين حق في ادعاء تقسيم هذه البلاد فيما بينهم لاسيما وقد كانوا ~~هم أنفسهم غير متفقين في التقسيم، وكل فئة تريد أن تأخذ حصة الأخرى، ولكن ضعف الدولة ~~العثمانية وتكالب الدول الأوروبية عليها من كل جهة أوسعا مطامع البلقانيين حتى أصبحوا ~~لا يفكرون في شيء سوى طرد الأتراك من أوروبا تماما، بحجة أنهم طارئون على أوروبا من ~~آسيا، وأنهم لم يكونوا ذوي ملك في شبه جزيرة البلقان قبل القرن الرابع عشر للمسيح. ثم ~~إن البلقانيين كانوا يعلمون أن الأتراك في حال تغلبهم عليهم لا يقدرون أن ينالوا منهم ~~شيئا، ولا أن يفتحوا من بلدانهم بلدا بخلاف ما لو تغلبواهم على الأتراك فإنهم حينئذ ~~يقدرون أن ينالوا كل ما يريدون، وذلك عملا بقاعدة إن ما يؤخذ من الهلال للصليب لا تمكن ~~إعادته للهلال، وأن ما يؤخذ من الصليب للهلال فلابد من أن يرجع إلى مكانه. وهذه القاعدة ~~متفق عليها في أوروبا تطبقها أوروبا بقدر إمكانها، والبلقانيون يعلمونها. وفي بداية ~~الحرب البلقانية كان في ظن الدول الأوروبية أن تركيا تتغلب على البلغار والسرب واليونان ~~والبل الأسود، فأرسل المسيو بوإنكاره - وهو يومئذ رئيس نظار فرنسا - مذكرة إلى تركيا ~~وإلى الدول البلقانية المتحالفة عليها، يبلغ الجميع بأنها إذا حصلت حرب بين الفريقين ~~فالدول لا تسمح للفريق الغالب أن يأخذ شيئا من الفريق المغلوب. وقد كتب بوإنكاره هذا ~~تزميدا للفريقين في الحرب، وكان مرجحا عنده أن دول البلقان لا يقدرون على تركيا، فلما ~~وقعت الواقعة وانهزمت تركيا في هذه الحرب بما كان فيها ms371 من الشقاق المستمر الذي صرف ~~نظرها عن الاحتياط لحفظ ثغورها، نسى بوإنكاره بلاغه هذا الرسمي الذي كتبه باسم الدول، ~~وكان من جملة المساعدين للبلغار واليونان والسرب على اقتسام تركية أوروبا. وكان مراد ~~الدول - لاسيما إنجلترا وفرنسا والروسيا - إلحاق ألبانيا أيضا بمكدونية وإعطاء جنوبيها ~~لليونان، وشماليها للسرب، لولا معارضة النمسا وإيطاليا في ذلك. فالنمسا كانت دائما ~~تجتهد في منع اتساع مملكة السرب، وقد كان هذا من أكبر عوامل الحرب العامة، وإيطالي ~~نفسها كان من مصلحتها حفظ ألبانيا للأرناؤوط، فلذلك بعد الحرب البلقانية وافقت الدول ~~على تأسيس استقلال خاص لألبانيا، ولكن بعد شدة عظيمة كادت النمسا فيها تقتتل مع ~~الروسيا، غير أنهم ظلموا الأرناؤوط أيضا إذ أن هذه الأمة تبلغ نحوا من ثلاثة ملايين ~~يسكنون على ساحل بحر الأدرياتيك بين الجبل الأسود من الشمال، واليونان من الجنوب، ~~ومكدونية من الشرق، وهم كتلة واحدة كلهم أرناؤوط، ولسانهم هو اللسان الأرناؤوطي، وإن ~~كان الثلثان منهم مسلمين، والثلث الثالث كاثوليكيين وأرثوذكسيين. # وعلى كل حال فبعد أن تقرر إخراج الدولة العثمانية من أوروبا وجب أن يعطى الأرناؤوط ~~البلدان التي هم فيها أكثرية السكان وهي، ولايات يانيا، واشقودرة وقوصوه، ومنستر، ~~لاسيما أن الأتراك المسلمين كانوا بعد خروج الدولة العثمانية من الرومللي يفضلون ~~الانضمام إلى الأرناؤوط حتى يتخلصوا من حكم البلغار واليونان والسرب فالذي حصل في مؤتمر ~~لندرة بعد الحرب البلقانية بتأثير الروسيا، ومساعدة فرنسا لها لم يكن مطابقا لحقوق ~~الأمم من الجهة التي يقال لها «الاتنوغرافية» بل بشدة إلحاح النمسا، وموافقة إيطاليا ~~جعلوا بلاد الأرناؤوط المستقلة عبارة عن ولايتي يانيا وشقودرة وألحقوا منهما شيئا ~~للجبل الأسود، وشيئا لليونان، وكل الذي بقي للمملكة المستقلة لا يزيد عدد سكانه على ~~مليون واحد. والحال أن جنوبي يوغوسلافيا لاسيما ولاية قصوه مأهول بالأرناؤوط، فلذلك ~~يوجد الآن من الأرناؤوط ضمن مملكة يوغسلافيا وعلى حدود ألبانيا أكثر مما يوجد في ~~ألبانيا نفسها!! وهذه من المسائل التي لم تصب فيها الدول، وإنما كان الإعوجاج فيها هو ~~بسبب تعصب الروسيا للسربيين. وستكون هذه من أسباب ms372 تجدد الحروب في شبه جزيرة ~~البلقان. # ولما كان الاختلاف شديدا بين العناصر المسيحية في البلقان الرومي والسلافي ~~والبلغاري، ففي زمن السلطان عبد الحميد سعت الروسيا كثيرا في التأليف بينهم حتى ~~يتمكنوا من إخراج الدولة العثمانية من هناك، ولكن السلطان عبد الحميد بدهائه ويقظته كان ~~دائما يمنع الاتفاق بينهم، ويستميل هذا العنصر تارة، وذاك العنصر أخرى. أما جمعية ~~الاتحاد والترقي فاغترت بقوتها وظنت أن إعلان الدستور قد نفى كل خطر عن السلطنة، ونامت ~~عن مراقبة السياسة الخارجية، بل بلغ غرور بعض أعضائها في أول الأمر أن اعتقدوا حركات ~~البلغار واليونان والسربيين لخلع الحكم العثماني إنما السائق فيها مجرد سوء الإدارة ~~العثمانية، وأنه لو اصطلحت الإدارة العثمانية لأخلد هؤلاء إلى السكون! وحقيقة الحال أن ~~هؤلاء لم يكونوا براجعين عن حركاتهم حتى يطردوا الأتراك من شبه جزيرة البلقان، وأن ~~المسألة عندهم تاريخية محضة لا تعلق لها بالإدارة في حسنها وعدمه. فهذه البلاد لم يكن ~~فيها مسلمون قبل السلطان مراد الأول، فيجب أن تخلوا تماما من المسلمين مرة ثانية. هذه ~~هي فكرتهم الحقيقية وأوروبا كلها تميل إلى هذه الفكرة، ولما افتتح البلقانيون سلانيك ~~قال أحد وزراء الإنجليز: لا يمكننا إلا أن نفرح باسترجاع المسيحيين للبلدة التي بها ~~ابتدأ انتشار النصرانية. # وإذا رجعنا إلى الحقائق نرى أن الحرب الصليبية وإن كانت غير مستمرة إلى اليوم تحت هذا ~~الاسم كما كانت في القرون الوسطى، فهي مستمرة بالفعل، بالروح نفسها وإن كان قد تغير ~~الاسم! وكل بلاد وجدت تحت حكم المسيحيين في الغابر تجتهد الدول الأوروبية في إخراجها من ~~تحت حكم المسلمين ولو كان مضى على ذلك بضعة عشر قرنا، أي أن الأندلس تمثل في كثير من ~~البلدان وليست هي منحصرة في أسبانيا، فالمسلمون ليس لهم إلا القوة ليحافظوا على أنفسهم، ~~ولما كانت الدولة العثمانية قوية تغلبت ليس على بلاد اليونان والبلغار والسرب فقط، بل ~~على بلاد رومانيا، والمجر، وخرواطية، وقسم من بولونيا، وحاصرت فينا مرتين. فلما حل بها ~~الضعف صارت تتقلص شيئا إلى الجنوب حتى لم ms373 يبق لها في أوائل هذا القرن غير الولايات ~~الست التي تقدم ذكرها، ولم يكن من المأمول أن تحفظها إلا بالقوة القاهرة. # حدثني حسين حلمي باشا الصدر الأعظم السابق وهو الذي كان مفتشا عاما للولايات ~~المذكورة يوم أعلن الدستور العثماني أن السر أدوارد غراي ناظر الخارجية الإنجليزية ~~المشهور سأله: ألا يوجد طريقة تنحل بها مشكلات مكدونية؟ فأجابه: نعم يوجد طريقة وهي أن ~~يكون عندنا نحن الأتراك القوة اللازمة لكسر البلغار واليونان، والسربيين، والجبل الأسود ~~في وقت واحد، وليس من طريقة غير هذه. # هذا وقد كان السعي في جمع كلمة الدول البلقانية الأربع قديما. وسنة 1888 قدم أمير ~~الجبل الأسود نيقولا لائحة إلى قيصر الروسيا تتضمن وجوب تحالف هذه الدول ضد تركيا تحت ~~حماية القيصر، وسنة 1893 صارت مكالمة بين اليونان والبلغار في هذا الصدد ولكن لم تسفر ~~عن نتيجة، ثم إن البلغار والسربيين اتفقوا على ذلك وبقي الخلاف بين السرب والجبل ~~الأسود، فتوسط البلغار بين الفريقين ومهدوا العقبات فبقي ناقصا دخول اليونان في ~~الاتحاد، فالذين من اليونان قاموا بالسعي الحثيث للائتلاف مع البلغار برغم ما كان بين ~~الفريقين من نقط الخلاف هم «باناس» سفير اليونان في صوفيا، و«فنزيلوس» رئيس نظار ~~اليونان. وكان إهمال الاتحاديين للسهر على هذه المسألة من جملة أسباب اتفاق البلقانيين، ~~حتى أنه لما علم السلطان عبد الحميد المخلوع بخبر الاتحاد البلقاني هذا هز برأسه وقال: ~~كم من مرة أوشك هذا الاتحاد أن ينعقد وسعيت كل سعي حتى منعته! قال هذا عندما جاؤا ~~ينقلونه من سلانيك إلى الأستانة، فسأل عن السبب فقالوا له: إن دول البلقان الأربع ~~تحالفن على تركيا والحرب قريبة الوقوع. وفي 13 مارس سنة 1912 انعقدت أول محالفة بين ~~السرب والبلغار ضد تركيا. وفي 29 مايو من السنة نفسها انعقدت المحالفة بين البلغار ~~واليونان، ولكن الأولى كان أمدها ست سنوات، أما الثانية فكانت لثلاث سنوات. وفي 5 ~~أكتوبر من تلك السنة ذهب «دانف» رئيس مجلس النواب البلغاري على «ليفادية» في القريم ~~فأخبر القيصر الروسي والمسيو سازونوف ms374 ناظر خارجيته بانعقاد جميع المحالفات اللازمة بين ~~البلقانيين، وانحلال جميع العقد التي كانت تفرق بينهم، لأن القيصر كان هو الحكم في ما ~~إذا اختلفوا. وفي ذلك الوقت كانت ثورة الأرناؤوط أجبرت الدولة العثمانية على منح ~~الارناؤوط بعض امتيازات رآها البلقانيون مضرة بهم، فلما تحققت الدول أن الحرب بين ~~البلقانيين وتركيا واقعة لا محالة، توسطت النمسا في الخلاف تفاديا للحرب وذلك على أساس ~~إدخال الإصلاحات في بلاد الرومللي، وأن تكون هذه الإصلاحات تحت إشراف لجنة ~~دولية. # وبينما الدول في المذاكرة حتى تمنع الحرب، إذا بأمير الجبل الأسود يعلن الحرب على ~~تركيا في 8 أكتوبر سنة 1912 وفي 13 منه عالنت الدول الثلاث اليونان والسرب والبلغار ~~الدولة العثمانية طلب الإصلاحات في الرومللي بحسب المادة 23 من معاهدة برلين، وطلبت ~~تفريق العساكر العثمانية المرابطة في الرومللي. وكانت مذكرة هذه الدول في شكلها غير ~~مقبولة، فلم يبق أمام تركيا سوى إعلان الحرب. ولكن كامل باشا كان يرجو فصل اليونان عن ~~الاتحاد البلقاني بالنزول لهم عن جزيرة كريت، فذهب سعيه سدى لأن فنزيلوس أبى بتاتا أن ~~ينفصل عن حلفائه فنشبت إذا الحرب. # وكان البلغار مستعدين للقتال من زمن طويل، فزحفوا بمائتين وخمسين ألف مقاتل من أحسن ~~الجيوش تدريبا، وأكملهم عدة، ولم يكن عند الدولة جيش متقن التدريب كهذا الجيش، بل كان ~~من أغلاط السلطان عبد الحميد التي لا يمكن التماري فيها منع التمرينات العسكرية خوفا ~~من انتفاض الجيش عليه، واستمر هذا طول مدة سلطنته. فالعسكر الممرن الذي كان في زمن عمه ~~السلطان عبد العزيز، والذي يمثله انتصر عثمان باشا على الروس في باثمنة، وأحمد مختار ~~باشا في القوقاس، ذهب ولم يقم مقامه عسكر آخر مثله. فجميع العسكر في زمن عبد الحميد لم ~~يكن يعرف شيئا من التمرينات التي كانت في زمن عمه، فكان الفرق إذا كبيرا بينه وبين ~~العساكر البلقانية. ولما جاء الاتحاديون وخلعوا السلطان عبد الحميد أرادوا إصلاح الجيش ~~بعملية سموها عملية التصفية، فأخرجوا إلى التقاعد جميع الضباط القدماء المجربين ووضعوا ~~مكانهم شبانا خالين ms375 من التجربة، وبعبارة أخرى انحل الجيش القديم ولم يمض الوقت الكافي ~~حتى يتكون جيش جديد. ومن جملة أسباب الضرر الذي وقع هو اشتغال ضباط الجيش بالسياسة، ~~وانصرافهم عن واجباتهم على إحداث القلق في المملكة، والانتصار لفئة على فئة مما يجب أن ~~ينزه الجيش عنه. # فصار الجيش العثماني بعد إعلان الدستور أشبه بجيش الانكشارية القديم في الفوضى، فهذه ~~الفرقة تخرج عن الطاقة وتنحاز إلى العصاة مثلا، وهذه الجمعية من ضباط الجيش تطلب إسقاط ~~الحكومة وحل المجلس، وهذه الفرقة الأخرى تهجم على مجلس الأمة وتسفك دماء بعض المبعوثين ~~وبعض النظار بتحريك خفي من رجال السياسة، وكم وقع من قتل جنود لضباطهم، وعصيان ضباط على ~~قوادهم. # نعم أن فون غولتس باشا الألماني كان هو والضباط الذين معه أصلحوا كثيرا من حالة ~~الجيش في تركيا، ولكن السلطان عبد الحميد كان يمنع التمرينات العسكرية خوفا على نفسه، ~~وكانت هناك مصالح ضرورية للجيش، وكانت هي بغاية الإهمال وهي مثل مصلحة الإعاشة. ومصلحة ~~الصحة، ومصلحة إركاب العساكر في السكك الحديدية، وغير ذلك مما لا غنى عنه في الجيوش ~~العصرية. وأضف إلى كل هذه النواقص أن الدولة في حرب البلقان احتقرت البلقانيين أشد ~~الاحتقار، وظنت أنها في شهر من الزمن تمزق شملهم كل ممزق، حتى أن ناظم باشا ناظر ~~الحربية أعلن الضباط وجوب أخذهم ألبستهم الرسمية إلى ميدان القتال، حتى إذا دخلوا صوفيا ~~وبلغراد وأثينا ووقع عرض الجيش يكونون بألبستهم الرسمية، كأن أمر الظفر عنده كان لا ~~يتطرق إليه الشك، وهذا أشبه بزبيدة أم الأمين عندما أعطت قائد جيش ولدها قيدا من فضة ~~وقالت له: إن المأمون هو من أولاد الخلفاء، ومتى وقع في يدك فلا يصح أن تقيده كما تقيد ~~سائر الأسرى «أي بالحديد» فأنا أعطيك هذا القيد من الفضة لتقيده به، عندما يقع في ~~الأسر. فكان من الأمر أن المأمون هو الذي قهر الأمين وأخذ منه الخلافة، ثم قتل الأمين ~~في المعمعة. ثم بناء على هذا الاستخفاف لم تستنفر الدولة الجيوش التي لها في سورية، ولا ms376 ~~في العراق، ولا في شرقي الأناضول حيث كانت تخشى ثورة من جهة الأرمن، فاقتصرت على جيش ~~الرومللي وعساكر قسم ممن الأناضول. ولم يكن جيش الرومللي كله ليجتمع، لأن الأرناؤوط ~~كانوا في حال ثورة ولم يقاتلوا في هذه الحرب إلا قتال عصائب، وبهذا كان عدد الجيوش ~~البلقانية أعظم من عدد الجيش العثماني، ففي كل من الساحات الثلاث أي ساحة تراقية ~~الشرقية أمام البلغار، وساحة مكدونية العليا أمام السرب، وساحة سلانيك أمام اليونان، ~~كان الجيش العثماني أقل عددا وأقل معدات من أعدائه. وفي 18 أكتوبر زحف البلغار لأخذ ~~أدرنة فلم يتمكنوا من ذلك، ولكنهم ظهروا على الأتراك في ناحية طونجة. وكان عبد الله ~~باشا في 20 و21 أكتوبر أعطى الأمر بالهجوم بدون أن يؤمن خطا للرجعة، فارتكب في ذلك خطأ ~~حربيا ظهرت نتيجته حالا. وفي 22 أكتوبر تلاقت الفرقة السادسة من الجيش الرابع ~~العثماني مع فرقة من الجيش الأول فلم تعرف إحداهما الأخرى وترامتا بالنيران، إذ كل فرقة ~~منهما كانت تظن أنها بإزاء البلغار. فمن أول الحرب ظهر سوء القيادة في الجيش ~~العثماني. # وكان محمود مختار باشا قائدا لشطر الجيش الثالث وهو ثابت في مركزه، وإذا بالبلغار ~~يهجمون على الجيش الذي على جناحه الأيسر هجوما فجائيا ضعضع الأتراك فانهزموا، فحاول ~~محمود مختار أن يصد البلغار ويتوقف الهزيمة ولكن كان الجنرال البلغاري ديمتريف جاء بدون ~~أن يشعر به الأتراك أصلا فهاجم الجيش الذي على يمين محمود مختار، فاضطر محمود مختار ~~إلى التقهقر فانهزم العسكر العثماني إلى قرق كليسة وهو الجيش الرابع، ثم الجيش الثالث، ~~ثم حاول الجيش الأول أن يهاجم البلغار ليوقف الهزيمة فلم يقدر على شيء بل تقهقر هو ~~أيضا. وكل هذا من عدم وحدة القيادة، وعدم وجود خطة حربية مقررة. فكل فرقة وكل جيش من ~~الأتراك كان يقاتل بدون أدنى صلة مع رفاقه، ولا علم له بما عليه سائر الجيوش العثمانية. ~~لأن الأتراك فكروا أنه لا يلزم لهم إلا أن يقابلوا البلغار في أي مكان كان، وفي أي وقت ~~كان، حتى ms377 يولى هؤلاء الأدبار، فمن شدة استخافهم بالعدو تغلب عليهم العدو. ولما تقهقر ~~عبد الله باشا بجيوشه قسم منها إلى جهة «فيزة» والقسم الآخر إلى لولى بورغاز، لم يكن ~~بين القسمين أدنى صلة، ولا كان الواحد يعرف ما عند الآخر ، ومحمود مختار باشا هو القائد ~~الوحيد الذي كان مالكا حركة جيشه، بحيث عندما التزم إلى التقهقر تقهقر بانتظام حقيقي. ~~وكان ناظم باشا ذهب بنفسه ليتولى القيادة العامة، وناجز البلغار القتال في «لولي ~~بورغاز» «وقره أغاتش». وزحف محمود مختار باشا مهاجما للعدو على ظن أن عبد الله باشا ~~يتمكن من نجدته بالجيش الأول والجيش الثاني، فتمكن محمود مختار من أن يشطر فرقة الجنرال ~~خريستوف إلى شطرين، إلا أنه كانت ودرت نجدات عظيمة للبلغار، وفي الوقت نفسه انهزم الجيش ~~الثاني العثماني، فلم يقدر محمود مختار أن يتمم خطته بسبب الفشل الذي حل بسائر القواد، ~~لكنه بقي ثابتا في مركزه. فأمر ناظم باشا القائد العام بتراجع القوات كلها إلى «شركس ~~كوى» فتراجعت كلها ومن الجملة جيش محمود مختار. # ومن أغرب الأمور أنه بقدر ما استخف الأتراك بالعدو في البداية، وقع فيهم الرعب بعد أن ~~حلت بهم الهزيمة الأولى فنكصوا جميعهم إلى «شطلجة». ولما علمت الجيوش العثمانية التي في ~~تراقية الغربية وفي مكدونية بالهزيمة التي وقعت في تراقية الشرقية، فانكسر أمام ~~السربيين في «بورنيفو» وفي «قوصوه» وفي «كومانوفو» وهي هزيمة كان أكثر السبب فيها أن ~~عصائب الأرناؤوط في أثناء المعركة انسلت من ميدان القتال مدبرة فوقع الفشل في الجيش ~~كله. وصارت المعارك هناك عبارة عن سلسلة هزائم، تتلوا إحداها الأخرى بدون أن يوفق الترك ~~في معركة واحدة إلا ما ندر فسقطت المراكز التركية المهمة مثل قوصوه، ومناستر، وأسكوب، ~~وجميع البلاد التي تتبعها، وكل هذا بين 23 أكتوبر و18 نوفمبر. ولو قيل إنه لم تقع مع ~~تركيا حرب أشأم من هذه الحرب من أول الدهر إلى ذلك الوقت لم تكن في هذا القول مبالغة. ~~وكان القائد الوحيد الذي حفظ جيشه هو جاويد باشا، فإنه لولا انهزام ms378 عصائب الأرناؤوط في ~~واقعة «كومانوفو» مع السربيين لكانت الغلبة في تلك الوقعة للترك، وكان الخبر وصل إلى ~~الأستانة بأن السرب انهزموا فيها انهزاما نهائيا، ولكن المعركة انتهت بعكس ما ابتدأت. ~~وكان جاويد باشا هزم اليونان في إحدى الوقائع، وتمكن من اللحاق ببلاد الأرناؤوط مع ~~جيشه، إلا أن الأرناؤوط كانوا عندما رأوا هزيمة العثمانيين قد فصلوا أنفسهم عن الدولة، ~~وأسسوا في «فالونة» حكومة مؤقتة بمساعدة النمسا وإيطاليا. # وأما من جهة الجيش اليوناني فإنه لم يكن أمامه إلا قوة تركية ضئيلة، فكان الجيش ~~اليوناني يتقدم إلى الأمام قاصدا سلانيك، كان تحت قيادة ولي عهد اليونان ستون ألف جندي ~~يقابلها 25 ألفا من الأتراك، ولكن الترك ثبتوا برغم قلة عددهم ثباتا عظيما ثم ~~تقهقروا إلى الوراء لأن السربيين والبلغار كانوا اتصلوا باليونان، واضطر تحسين باشا إلى ~~تسليم «سلانيك» لهؤلاء. وكان جاويد باشا تغلب على اليونان في وقعة «سيروفيتسش» التي ~~استمرت يومين وانتهت بهزيمة اليونان في 5 نوفمبر، إلا أنه وردت إمدادات عظيمة لليونان ~~فتمكن بها ولي العهد اليوناني من الإقبال بعد الإدبار. فتراجع جاويد باشا إلى «مناستر» ~~وهناك هاجمه السربيون وجرت وقائع بين بقايا الجيوش العثمانية والسربيين واليونانيين ~~والبلغار لم يقدر الترك أن ينالوا فيها كلها خيرا بعد أن انخذلت قواهم المعنوية، وتقطع ~~ما بينهم، لأن البلغار كانوا استولوا على «ديموطقه» فقطعوا ما بين الأستانة وبين ~~مكدونية، واستولى الذعر على الدولة نفسها في الأستانة فأصبح رجالها لا يعلمون ماذا ~~يفعلون، وكان عندهم جيوش كثيرة في المملكة لا تزال في أراضيها، وإنما كانوا في جمود تام ~~بسبب الفشل غير المنتظر، فلم يفكروا في استجماع قواهم. وكانت الإدارة أشه بالفوضى، وقد ~~رأينا ذلك بأعيننا، وكان الهلال الأحمر المذكور بأن انضم إليهما مفتشا ثالثا، كما أن ~~لجنة الإعانة المصرية التي يرأسها الأمير «عمر طوسون» كلفتنا بتوزيع الإعانات على ~~مهاجري المسلمين الذين فروا من الرومللي إلى الأستانة بعد انهزام الجيوش العثمانية، ~~فكنا نحن الثلاثة المفتشين مضطرين أن نتصل برجال الدولة كل يوم لأجل تسهيل مهمة الهلال ~~الأحمر، ms379 ومهمة توزيع الإعانات على المهاجرين، فشاهدنا من آثار الفوضى في الإدارة ما لا ~~يصدقه العقل، وذهبنا في نهار جمعة إلى نظارة الحربية للمراجعة بمصالح مستعجلة فلم نجد ~~في نظارة الحربية أحدا وقيل لنا: أفلا تعلمون أن دوائر الحكومة لا تشتغل نهار الجمعة! ~~فقلت : كلا! إن الدولة التي يحل بها من المصائب ما حل بها هذه المرة لا يحق لدوائرها أن ~~تتمتع براحة يوم الجمعة! نعم عندما كنا نذهب إلى الباب العالي كنا نجد كامل باشا الصدر ~~الأعظم دائما حاضرا، وكنا دائما نراجعه في أيام الجمعة أيضا، وكان يبيت في الباب ~~العالي بقرب مكتبه برغم علو سنه. وجاءنا مرة الخبر بأن أربعة آلاف عسكري في سان استفانو ~~قد أصيب أكثرهم بالكوليرة، لأن من جملة مصائب الدولة في هذه الحرب أن الكوليرة تفشت في ~~عساكرها تفشيا فظيعا، وفتكت بهم فتكا ذريعا فقيل لنا إن هؤلاء العساكر الذين في سان ~~استفانو على مقربة من الأستانة مطروحون بالعراء بدون خيام ولا بيوت يأوون إليها! وكان ~~ذلك في وسط زمهرير الشتاء، فذهبنا أنا ورفاقي إلى كامل باشا وأخبرناه بالخبر، وروينا له ~~ما سمعناه من أن نصف هؤلاء الجند قد ماتوا، وأن رفاقهم جالسون إلى جانبهم في انتظار ~~الموت، فأعطى الأوامر اللازمة إلى الحربية حتى يرسلوا إلى سان استفانو الأطباء ~~والممرضين وجميع اللوازم لأجل معالجة هذه الحالة، ولكننا ثاني يوم لحظنا أنه لم يحصل ~~شيء، فقلت لزملائي: إن كنتم تنتظرون في أثناء هذه الفوضى إغاثة الدولة لهؤلاء العسكر ~~فاعلموا أنه لا يذهب إلى هناك أحد من الأطباء والممرضين حتى يكون العسكر قد قضوا نحبهم ~~جميعا، وعليه يجب أن نبادر نحن بالعمل، فأرسلنا في اليوم نفسه النجارين وحملوا الأخشاب ~~اللازمة وبنوا للعساكر بيوت الخشب، وأرسلنا إليها الأسرة والأغطية اللازمة، والأطباء ~~والمحللين والأدوية، وكل هذا تم في ثلاثة أيام، وبعد ذلك جاء المأمورون العثمانيون ~~فوجدوا كل شيء خالصا، وعلى هذا يمكن أن يقاس غيره. # ونعود إلى تاريخ هذه الحرب المشئومة التي انتهت بها ولاية الدولة العثمانية في شبه ms380 ~~جزيرة البلقان فنقول: إنه بعد أن انهزمت الجيوش العثمانية في تراقية الشرقية وتراجعت ~~إلى «شطلجة» وتشتت العسكر العثماني في تراقية الغربية، ومكدونية بقيت بلاد الأرناؤوط لم ~~يحتلها العدو، وبقيت القوة هناك أيضا ضعيفة، فتقدم اليونان من جهة الجنوب وما زالوا ~~يهزمون أمامهم تلك الشراذم التفرقة حتى وصلوا إلى «يانيا» وأخيرا استولوا على يانيا. ~~ثم إن السربيين وعساكر الجبل الأسود استولوا أيضا على عدة مواقع من شمالي البانيا، غير ~~أن الأرناؤوط صدوهم عن «شقودرة». # أما من جهة البحر فقد كان الأسطول العثماني انحط انحطاطا عظيما، وكان السلطان عبد ~~الحميد يخشى الأسطول كما يخشى الجيش البري، وكان يكره العساكر البحرية أكثر مما يكره ~~العساكر البرية، لأنه يتذكر أنه لما خلعوا عمه السلطان عبد العزيز في سراي طولمه باغجة ~~التي على ساحل البحر نظر السلطان إلى البحر فوجد الأسطول واقفا أمامه، مع أن عبد ~~العزيز هو الذي أنشأ الأسطول، وكان عبد العزيز شديد العناية به، وكانت الدولة في زمانه ~~دولة بحرية من الدرجة الثالثة. # ولما جرت الحرب العثمانية الروسية كان البحر الأسود كله في يد الدولة، ولكن السلطان ~~عبد الحميد أهمل الأسطول إهمالا تاما، فما زالت قوة تركيا البحرية في أيامه تنحط حتى ~~صارت دولة اليونان أقوى منها في البحر، وبعد خلع عبد الحميد اشتغلت الدولة بالفتن ~~الداخلية، وقامت الأحزاب تتناحر فيما بينها، فلم يكن عند الدولة وقت لإصلاح الأسطول. ~~فلما نشبت الحرب البلقانية أدركت الدولة عظم الضرر الذي جره عليها إهمال الأسطول، وذلك ~~بأنها بسبب ضعف أسطولها لم تقدر أن تستحضر جيش سورية من طريق البحر خوفا من أن الأسطول ~~اليوناني يتعرض للبواخر التي تنقل الجيش من سواحل سورية وكيليكية إلى الأستانة أو ~~الرومللي، ولم تكن يومئذ بين الأناضول وسورية سكك حديدية متصلة حتى يمكن نقل العساكر ~~برا. فجيوش البلاد العربية بقيت جميعا في أرضها. وعدا هذا فقد استولى اليونان على ~~جزائر الأرخبيل. نعم أن الأسطول اليوناني لم يجرأ أن يناطح حصون الدردنيل التي عجزت ~~عنها جيوش الحلفاء الجرارة في الحرب العامة، ms381 ولكنه استولى على جزيرة لمنس وانبروس، ~~ومدلى، وساقس، وسائر الجزر. وخرج الأسطول العثماني من الدردنيل لمنازلة الأسطول ~~اليوناني، وألحق الأول بالثاني خسائر مهمة، لكنه لم يتمكن من غلبة ظاهرة، فرجع إلى ~~الدردنيل محتميا بالحصون. # وكان حسين رؤوف بك يومئذ قائدا لبارجة اسمها «حميدية » فأشار بالكرة على الأسطول ~~اليوناني فلم يقبلوا كلامه، فخرج وحده ببارجته حميدية واخترق نطاق الحصر اليوناني، وجاء ~~إلى بلاد اليونان ودمر مينا «سيرا» وأغرق عدة بوارج لليونان، وعجز الأسطول اليوناني عن ~~مطاردته ولكنه كان يتجنب الانتظار في مكان واحد خوفا من أن تجتمع قوة اليونان البحرية ~~عليه. فكان ينتقل من مكان إلى آخر، وكلما صادف لليونان سفينة أغرقها. وقد أخبرني هو أنه ~~كان ذهب إلى مسرى مالطة ونزل إلى البر، ودعاه القائد الإنجليزي واحتفى به، وبينما هو ~~على مائدته أخبروه بأن عدة سفن حربية لليونان وصلت على مقربة من مالطة تترصد خروجه لأجل ~~الإيقاع بحميدية، وقال لي: إنه لم يعتقد تلك المرة إمكان النجاة لأنه بسفينة واحدة لا ~~يقدر أن يتغلب على عدة سفن، وإن كان يمكنه أن يدمر بعضها فخرج من مالطة متوجسا الخوف ~~وسار ببارجته أمام البوارج اليونانية ولم يجرأوا أن يتعرضوا له!. # ورؤوف بك هذا هو الذي صار فيما بعد ناظرا للبحرية في أيام الحرب العامة، ثم بعد ~~الحرب العامة كان من أكبر رجال تركيا الذين نهضوا بها، وقاوموا معاهدة «سيفر» ونظموا ~~المقاومة العسكرية في الأناضول، وبعد استقلال تركيا تولى رئاسة الوزارة في أنقرة، ولكنه ~~لم يوافق مصطفى كمال على سياسته الداخلية وخروجه على قواعد الإسلام، فاختلفا وأدى الأمر ~~إلى مغادرته تركيا، فأقام في فرنسا عدة سنوات ذهب في خلالها إلى الهند، ثم في هذه السنة ~~1935 دعته الحكومة التركية إلى العودة وألحوا عليه فأجاب الدعوة، ولكن على شرط أن يبقى ~~بعيدا عن السياسة. # ثم نعود إلى الحرب البلقانية فنقول: إن سبب الفشل الفظيع الذي حل بتركيا في تلك الحرب ~~كان إقدام الأتراك على القتال بدون استعداد كاف، وعلى ظن أنهم بمجرد اللقاء يهزمون ms382 ~~البلقانيين كما هزموا اليونان سنة 1894، فهاجموا البلغار في تراقية بدون منهاج حربي ~~معين، معتقدين أنهم سائرون إلى تأديب رعية ثائرة، والحال أن الجيش البلغاري كان على ~~تمام الاستعداد من كل جهة. فلما انكسر الترك في هذه الجهة في الصدمة الأولى انكسرت جميع ~~قواهم المعنوية دفعة واحدة، وصارت هذه الحرب عبارة عن سلسلة مصائب. على أن البلغار كانت ~~لحقت بهم خسائر عظيمة ولما وصلوا أمام «شطلجة» كان القتال قد برح بهم، فلما هاجموا ~~الأتراك في شطلجة لم يقدروا عليهم. وكان هؤلاء قد تنبهوا للخطر المحدق بهم وتأملوا في ~~فظاعة دخول البلغار إلى الأستانة، وأفاقوا بعض الشيء من عماياتهم الحزبية التي كانت إلى ~~ذلك الوقت هي شغلهم الشاغل، وأرسلت الحكومة عددا من الوعاظ إلى شطلجة يثيرون الحمية ~~الدينية في رؤوس العساكر، وهذا خلاف ما كانوا عولوا عليه من قبل. فإنه لما بدأت الدول ~~البلقانية الأربع بالقتال أعلنت في مناشيرها الرسمية أنها في حربها هذه إنما تباشر حبا ~~صليبية ضد الهلال، وصارت من أول الحرب على هذه الخطة، ولكن الدولة العثمانية تجنبت في ~~مناشيرها مقابلة البلقانيين بالمثل، وتحاشت في هذه الحرب كل صبغة دينية. وبقيت كذلك إلى ~~أن دارت عليها الدائرة فأرسلت إلى الجيش المرابط في شطلجة الوعاظ وخطباء الجوامع ~~يستفزون حمية الجنود باسم الإسلام الذي أصبح على شفا جرف هاو، وكان الجنود من أنفسهم ~~أدركوا أنه لم يبق أمام البلقانيين ليقضوا على الدولة سوى عقبة شطلجة، فاستجدوا عزائمهم ~~ونظرا لضيق خط الدفاع - لأن شطلجة أشبه ببرزخ واقع بين البحر الأسود من الشرق، وبحر ~~مرمرة من الغرب - تمكن الجيش العثماني من الثبات فيه برغم هجوم البلغار الشديد، بل ~~عندما هجم هؤلاء دحرهم الأتراك وألحقوا بهم خسائر فادحة. وحاول البلغار مهاجمات أخرى ~~فانكسروا فيها. # وكان قد وصل من اليمن الجنرال أحمد عزت باشا وهو من أمهر القواد العثمانيين وأوقرهم ~~علما، وأوسعهم بصيرة، فذهب وشاهد حالة الجيش المعنوية والمادية في شطلجة، وحادثته بعد ~~رجوعه منها هل هناك أمل في إمكان المقاومة بعد هذا الذعر الذي ms383 حل بالجيش؟ - وكان عنده ~~عبد الهادي باشا الفاروقي وهو من القواد المعروفين - فقال لي: إن الجيش يقدر على ~~المقاومة، نعم لا يعرف كل شيء يمكن أن يجد في أثناء القتال. ولكن الحالة الحاضرة التي ~~رأيتها في شطلجة تؤذن بالتأكيد أن البلغار لا يقدرون أن يخرقوا هذا الخط، وأن يدخلوا ~~إلى الأستانة، وكان كامل باشا قد باشر المساعي في طلب الصلح، ولا شك أنه طلب الصلح ~~راضيا بشروط البلقانيين الثقيلة، فجاء الجنرال محمود مختار باشا إلى الأستانة ونهى ~~الدولة عن هذا التهور في طلب الصلح، وأكد لها بأن الأعداء لم يقدروا أن يخرقوا خطوط ~~شطلجة. # ولم أشاهد محمود مختار بنفسه، ولكن شاهدت والده الغازي مختار باشا، وشكا لي أعظم ~~الشكوى من فسولة القواد الذين تولوا تلك الحرب، واستيلاء الرعب عليهم وقال لي: لولا ~~محمود لدخل البلغار الأستانة، ولكن محمود كان السبب في تثبيت قوة الجيش، وفي منع هذا ~~الهلع الذي استولى على الدولة. وكان كامل باشا قال للسلطان محمد رشاد: إنه يكون الأوفق ~~انتقال جلالته إلى بروسة خوفا من دخول البلغار إلى الأستانة، فأجابه السلطان: إنني لا ~~أتحرك من مكاني، فإذا كان لم يبق أمة عثمانية قادرة على منع سقوط سلطانها أسيرا فلا ~~مانع عندي من السقوط أسيرا! وقد جرب البلغار بكل قواهم أن يزحزحوا الأتراك عن مواقفهم ~~فلم يقدروا على شيء. # فالرواية التي يذيعها بعض كتاب الأوروبيين بأن الروسيا هي التي منعت البلغار من دخول ~~الأستانة، ولولا ذلك لدخلوها هي غير صحيحة. وقول القائد العام للجيش البلغاري: إننا لو ~~أردنا أن نخرق خطوط شطلجة لأمكننا ذلك، لكن لا نريد أن نتجشم خسائر الهجوم الفادحة بدون ~~فائدة مادية، هو كلام تبجح ليس عليه أدنى دليل. بل البلغار بعد أن دحرهم الأتراك صاروا ~~يخشون أن يعود الأتراك فيكروا عليهم ويخسروا ثمرات انتصارهم، لاسيما أن الدولة كانت ~~بدأت تستدعي قواها التي كانت متفرقة وتجمعها في شطلجة، ومن جملة من زعم أن البلغار إنما ~~ثبطهم عن دخول الأستانة نهي الروسيا لهم عن ذلك هو ms384 المسيو «دولاجونكيار» صاحب تاريخ ~~السلطنة العثمانية. # Hisioire de l’Empire Ottoman depuis les Origines ~~jnsqu a nos jours por le Vte de la jonquiere ~~. # وهو المطبوع في باريز سنة 1914 وهو تاريخ غريب الشكل جدا، كتابته من أولها إلى آخرها ~~تحامل على الأتراك وعلى الإسلام جميعا، ونقص من مزاياهم وبخس من أشيائهم، وتحريف ~~للوقائع عن حقائقها، وليس يخلو سطر واحد من هذا الكتاب من عبارة بغضاء تخرج من فم مؤلفه ~~مما هو مخالف لشروط التاريخ. ومع هذا فالفرنسيس يعتمدون على هذا الكتاب ويظنونه بالفعل ~~تاريخا للسلطنة العثمانية. # ثم نعود إلى قضية طلب الصلح فنقول إن البلغار لو كانوا علموا هم والسربيين أنهم ~~يقدرون أن يناموا على ظفرهم هذا لما كانوا رضوا بالصلح، بل كانوا مضوا في الحرب إلى ~~آخرها ليزدادوا ربحا ماديا، ومجدا معنويا، ولكنهم علموا أن الدولة العثمانية قد ~~تستجمع قواها وتهزمهم عن شطلجة، وتذهب جميع مجهوداتهم سدى. فأما اليونان فأبو الصلح ~~لأنه كان عليهم أن يستصفوا فتح البلدان التي يريدون ضمها إليهم، ولم يكونوا يخشون ~~استجماع الدولة قواها، فأما في البحر فلم يكونوا خائفين على سواحلهم، لأن الأسطول ~~العثماني كان أضعف من أسطولهم. أما في البر فكان الجيش العثماني لا يقدر أن يلتحم مع ~~الجيش اليوناني إلى بعد أن يدحر الجيش البلغاري كله في تراقية والجيش السربي كله في ~~مكدونية، أما في الأستانة فكان كامل باشا وحزبه مصممين على الصلح، وكان الاتحاديون ~~يريدون متابعة القتال حتى يغسلوا هذا العار الذي التحق بالدولة، ولم يسبق له نظير لأنهم ~~كانوا يقولون: إن تغلب دولة كالروسيا سكانها 160 مليونا على تركيا التي سكانها 26 ~~مليونا ليس بعجيب ولكن تغلب هذه الدويلات الصغيرة التي سكانها يومئذ لا يزيدون مجتمعين ~~على اثنى عشر مليونا هو غير مفهوم، ولا يجوز للدولة أن ترضى به بوجه من الوجوه إلا إذا ~~كانت ترضى بانحلالها التام. وكانوا يعدون الفشل الذي وقع في الجيش العثماني أشبه بقضاء ~~نزل، أو آفة سماوية لا ينبغي أن تكون قاعدة، وعلى ل حال ms385 ينبغي متابعة الحرب حتى تسترد ~~الدولة شأنها، وإلا فلا حياة لها بعد ذلك. وذهب الأمير حليم سعيد باشا، وطلعت بك إلى ~~كامل باشا عندما شاع عزمه على عقد الصلح وجادلاه طويلا حتى يصرفا نظره عن ذلك فقال ~~لهما: إن الاتحاديين هم الذين أصروا على الحرب وهم الذين كانوا السبب في هذه المصائب، ~~وأنه هو لا يريد أن ينقاد إلى آرائهم فرجعا بخفي حنين. # وفي 3 دسمبر انعقدت المتاركة بين تركيا من جهة، وبلغارية وسربيا والجبل الأسود من جهة ~~أخرى، وأبرق ناظم باشا ناظر الحربية من موقع القتال إلى كامل باشا بذلك وكانوا قرروا ~~مباشرة المفاوضات الصلحية بعد عقد المتاركة بعشرة أيام وكانت أدرنة لا تزال محصورة لا ~~يقدر الأعداء عليها، فكانت شروط البلقانيين هي تسليم أدرنة، ومناستر، وشقودرة، لأن ~~المدن الثلاث لم يقدر البلقانيون عليها وكذلك كان اليونان يحاصرون يانيا ولم يقدروا ~~عليها، وطلب البلقانيون تخلية الجيش العثماني لشطلجة، وعدم إرسال قوة من قبل الدولة ~~العثمانية إلى ساحات القتال في أوروبا، وأجاب الترك برفض تخلية شطلجة، وباقتراح تموين ~~المدن التركية المحصورة وبعد أخذ ورد طويلين خيف في أثنائهما من انقطاع المفاوضات اتفق ~~ناظم باشا والجنرال سافوف البلغاري على أن تبقى العساكر العثمانية في شطلجة، وتبقى ~~العساكر البلغارية والسربية في مراكزها، ويكون بين الفريقين منطقة متحايدة. ورفض ~~اليونان الدخول في المتاركة لأنهم كانوا يريدون فتح يانيا، وكانت لا تزال ممتنعة ~~عليهم. # ثم جاء ناظم باشا إلى الأستانة بعد عقد المتاركة وهو لا يشك أن الصلح واقع فذهب محرر ~~هذه السطور لمقابلته وأبديت وأعدت معه في أن شأن الدولة قد انكسر تماما في هذه الحرب، ~~وأن الدولة لا يمكن أن تحيى بعد أن انكسر شأنها إلى هذا الحد وأن الدولة لا يزال في ~~يدها قوى تقدر بها على تلافي ما فرط، وأن في ولاياتها الآسيوية عساكر كثيرة تقدر أن ~~تجرها إلى ميدان القتال وتستأنف الكرة، وقلت له: إن البلقانيين بعصائرهم التي كانت تعبث ~~في تراقية ومكدونية قد شغلوا الدولة أكثر مما شغلتها ms386 جيوشهم المنظمة، فكان يجب على ~~الدولة أن تقابلهم بالمثل، وأن تأتي بجانب من القبائل الكردية والعربية وتبثها بشبه ~~جزيرة البلقان، فإنه من الصعب جدا أن يستطيع البلقانيون تأمين البلاد التي احتلوها إذا ~~شنت هذه القبائل الغارات في أطرافها. فقال لي ناظم باشا: إن الصلح كان مقرر، والقتال لن ~~يتجدد، وعبارته هكذا بالحرف «غوغا تكرر إيتمية جكدر» أي أن القتال لن يتكرر. فأبديت له ~~عدم اعتقادي كون الحرب انتهت، وذهابي إلى أنه لابد من أن تشتعل الحرب من جديد، فعلى ~~الدولة أن تستحضر جميع عساكرها الباقية في آسيا. وخرجت من عند ناظم باشا أنا غير متعجب ~~من فشل الدولة في هذه الحرب. # وأما أحمد عزت باشا الأرناؤوطي الذي كان واليا في اليمن وجاء في آخر الحرب وكان لا ~~يصدق بانكسار الجيش العثماني في ظروف الأحوال التي انكسر بها لكثرة ما رأى من أغلاط ~~القيادة، فقد كاشفته بما في نفسي من قضية جمع العساكر التي في آسيا، واستنفار القبائل ~~العربية والكردية، فأجابني بالموافقة على الشق الأول، وأما الشق الثاني فقال لي: كان ~~هذا موافقا جدا لو وقع في أول الحرب، أما الآن فلم يبق ميدان لشن هذه الغارات بعد أن ~~احتل العدو جميع الرومللي، وانحصر الجيش العثماني في شطلجة. نعم قال لي هذا ولكنه رجع ~~فيما بعد إلى رأيي. ولما استرجع الأتراك تراقية الشرقية وأدرنة كما سيأتي الكلام عليه، ~~واستدعت الدولة وفدا من سورية إلى الأستانة ثمانية أعضاء كنت أنا من جملتهم لبعض ~~المذاكرات المتعلقة بالإصلاحات الداخلية، دعتنا أن نذهب إلى أدرنة ونهنئ أهلها على ~~الخلاص، فشاهدت فريقا من القبائل مخيمين غير بعيد عن البلدة وهم من قبائل العراق، ~~وكانوا بزيهم العربي أي بالعقل والكوفيات، وزرتهم في مضاربهم وشربت القهوة عندهم، وعلمت ~~أنه في الكرة التي كرها الترك على البلغار وأخرجوهم فيها من أدرنة كان لهذه القبائل ~~بلاء شديد، وكان مجرد مشاهدتهم قبل فعلهم يوقع الرعب في البلغار. ولو كانت الدولة تنبهت ~~لهذا الأمر وسحبت من بوادي الشام والزور والعراق ثلاثين ألف ms387 فارس من العرب والأكراد ~~وجعلتهم ردعا للجيش المنظم لما حل بها هذا الفشل العظيم الذي حل بها في الحرب ~~البلقانية، ولكن الدولة استخفت بأعدائها يومئذ استخفافا خيل لها أنها ذاهبة إلى حرب لا ~~يزيد على تأديب عصاة!! # ولما جاؤا إلى المذاكرات الصلحية استندت الدولة على بيان البلقانيين أنهم لا يريدون ~~من هذا الحرب إلا إصلاح إدارة البلدان التي يسكنها أقوام منهم، وأظهرت استعدادها لإعطاء ~~مكدونية إدارة خاصة تحت مراقبة الدول، فأجاب البلقانون بأنهم إنما كانوا رضوا بذلك ~~الاقتراح أملا بتفادي الحرب، والحال أن الحرب قد وقعت برفض الدولة لهذا المشروع فالآن ~~هم يريدون العمل بنتيجة الحرب، وهو إدخال إخوانهم في ممالكهم رأسا، ويطلبون غرامة ~~حربية لتعويضهم مما تكلفوه، وطلب البلغار أن تكون حدودهم خطا يذهب من «ميديه» على ~~البحر الأسود إلى بحر الأرخبيل وتكون «قوله» تابعة لهم. وطلب السربيون ولايتي «قوصوه» ~~و«مناستر». وطلب الجبل الأسود «شقودره» وتوابعها. وطلب اليونان جميع الجزائر وولاية ~~يانيا ومكدونية السفلى داخلا فيها سلانيك وتراقية الغربية، فرفض الأتراك هذه المطالب ~~كلها، وانعقد مؤتمر الصلح في لندره وتواجهت الخصوم بعضها مع بعض. # وكانت الدولة حشدت ثلاثة جيوش أتت بها من آسيا، وصممت أنها لدى الحاجة تزحف وترفع ~~الحصار عن أدرنة التي كان البلقانيون عجزوا عن فتحها، وبتوسط الدول رضيت تركيا أن تتخلى ~~للبلغار عن بعض أماكن غربي أدرنة، وأما من جهة جزائر الأرخبيل فرفضت أيضا تركيا التخلي ~~عنها لليونان، واقترحت أن تترك للدول حل مسألة كريت. وأما ألبانيا فقد رضيت تركيا بأن ~~يكون لها استقلال داخلي وأن تتعين حدودها بالاتفاق مع الدول، فلما رأت الدول أن الدولة ~~غير مستعدة لإجابة البلقانيين إلى مطالبهم، وأن الحرب قد يستأنف نشوبها، أرسلت إلى ~~الدولة في 10 يناير سنة 1913 مذكرة عمومية تنصح لها فيها بقبول مطالب البلقانيين، ~~وبالتخلي عن أدرنة للبلغار، وأنه يقع اتفاق على حماية مسلمي أدرنة، وصيانة المساجد ~~والمقابر الإسلامية التي فيها، وأنه إذا كانت تركيا تصر على الحرب فهذه المرة يجوز أن ~~الحرب تمتد إلى آسيا، وأنه ms388 لا يمكن أن تقترض تركيا مالا من أوروبا عند الاحتياج لأجل ~~إصلاح ممالكها في آسيا. وكان الاتحاديون معارضين أشد المعارضة في الصلح على هذه الصورة، ~~وكانوا يقذفون بكامل باشا لجنوحه إلى السلم، ويقولون لا يحق له أن يتخلى عن شبر من ~~أراضي المملكة بدون قرار مجلس الأمة، والحال أن المجلس كان منفضا. فأجمع كامل باشا على ~~عقد مجمع كبير من رجال الدولة وأعيانها لاستشارتهم في هذا الخطب الجلل، وهي عادة قديمة ~~عند الدولة بأنها في الخطوب الكبرى تدعوا الوزراء الذين في الخدمة، والوزراء السابقين، ~~وقواد الجيش القائمين على الخدمة والمتقاعدين، والعلماء الكبار، ورؤساء الطرق، وكبار ~~أصحاب الأملاك، وأعيان التجار والزراع، ومثل هذا الديوان انعقد في ديسمبر سنة 1876 ~~عندما طلبت الدول وضع مكدونية وبلغاريا والبوسنة والهرسك تحت المراقبة الأوروبية، فرفض ~~الديوان الذي انعقد يومئذ اقتراح الدول هذا، وأدى ذلك إلى نشوب الحرب الروسية التركية. ~~فالديوان الذي عقده كامل باشا هذه المرة لم يحل المسألة حلا نهائيا، وانقضى ~~بالمذاكرات على كيفية المقاومة. وبعد ذلك جاءت جماعة من الاتحاديين إلى الباب العالي ~~وبيدهم طلب يتضمن رفض تسليم أدرنة، ودخل أنور إلى مجلس الوزراء يقدم هذا الطلب إلى ~~الصدر الأعظم، وفي أثناء وجوده داخلا حصلت جلبة أمام الباب العالي، فخرج ناظم باشا ~~ناظر الحربية وانتهر الذين كانوا يرفعون أصواتهم ليحدثوا الضوضاء، فأطلق عليه أحدهم ~~الرصاص فقتله. فخرج كامل باشا فوجد ناظم باشا صريعا فاستقال من الصدارة بتلك الدقيقة، ~~وركب عربته وسار إلى بيته. وتولى الاتحاديون الحكومة تحت رئاسة محمود شوكت باشا بعد أن ~~جاء أنور إلى سراي «طولمه باغجة» وحصل على الأمر السلطاني بذلك. # أما زعم بعضهم بأن أنور هو الذي قتل ناظم باشا فليس بصحيح، لأن كامل باشا نفسه روى في ~~مصر لمن حادثه من أصحاب الجرائد أن جماعة الاتحاديين اجتمعوا أمام الباب العالي وكانوا ~~نحوا من مئة شخص، ودخل أنور عليه يقدم له الاحتجاج على تخلية أدرنة، وبينما هو يقرأه ~~سمع صوت الرصاص أمام الباب، فخرج فوجد ناظم باشا صريعا. إذا ms389 أنور برئ من هذه التهمة ~~بشهادة كامل باشا نفسه، وأما كيفية قتل ناظم باشا وياوره توفيق القبرصلي فقد اختلف ~~فيها، والأقرب أنه انهر الجمع فأهانوه بالكلام فتصدى ياوره للقبض على من استطالوا عليه ~~فحينئذ أطلقوا الرصاص على الناظر والياور معا وقتلوهما. وبعد ذلك وقع استعفاء الوزارة، ~~وذهب كامل باشا وجمال الدين أفندي شيخ الإسلام إلى مصر، وذهب فريد باشا الأرناؤوطي ~~الصدر السابق أيضا إلى مصر، وشاهدتهم هناك ، وجرى بيني وبين فريد باشا جدال طويل في ~~سراي عابدين أمام جمال الدين أفندي، وكان صدره ملآن وغرا على الاتحاديين وكنت أقول له: ~~إنني آسف من هذه المنازعات الحزبية في أثناء ما البلغار مخيمون على أبواب الأستانة، ~~وأتأسف من تفكره والحالة هي هذه بعداوة الاتحاديين. فامعتض جدا مما واجهته به، وشرع ~~جمال الدين أفندي شيخ الإسلام في تهدئة روع كل منا. # ثم في 30 يناير سنة 1913 ردت الدولة الجواب على الدول ومال مذكراتها الجوابية وهي من ~~جهة أدرنة التخلي عن أحد شطريها وهو ما يقع على الضفة اليمنى من نهر المريج، فأما # الضفة اليسرى التي فيها المدينة الحقيقية فتبقى لتركيا، وكذلك لم توافق الدولة على ~~ترك جزائر الأرخبيل. ثم اقترحت على الدول إلغاء الامتيازات الأجنبية التي تعرقل سير ~~الإصلاح الإداري في تركيا، وطلبت أن يكون لها الحق بضرب المكوس التي تستلزمها الحالة، ~~وطلبت إضافة أربعة في المئة على رسوم الجمارك وغير ذلك مما لم تجب إليه الدول. ولما رأى ~~البلغار أن تريا لا تريد تسليم أدرنة جددوا الحرب وهاجموا أدرنة، وجددوا القتال أيضا ~~في شطلجة، وبولايير. بقرب الدردنيل، ومع كون واقعة بولايير لم يوفق فيها الترك فإنه كان ~~يتعذر على البلغار أن يربحوا شيئا من استمرارهم على الحرب. ثم إن الترك كسروهم في ~~واقعة كالكترية، وكانت الدولة استجدت نشاطها، وقطع البلغار آمالهم من التغلب عليها. نعم ~~أن مدينة يانيا في جنوبي ألبانيا كانت استسلمت للجيش اليوناني بعد حصار طال عدة أشهر، ~~ولم يبق فيها قوة ولا ذخيرة فاضطرت حاميتها إلى الاستسلام في ms390 5 مارس ومثل ذلك مدينة ~~أدرنة التي اضطر قائدها شكري باشا إلى تسليمها في 26 مارس فتكون مدة حصارها ستة أشهر ~~وثمانية أيام، كما أن مدة حصار يانيا كانت نحوا من أربعة أشهر وكل من البلدتين لم ~~يتمكن البلقانيون من الاستيلاء عليها إلا بالجوع ولو كان فيهما الميرة الكافية والعلف ~~الكافي للبنادق والمدافع، ما كان في استطاعة البلقانيين دخولها. والدفاع الذي دافعه ~~شكري باشا عن أدرنة يبقى صفحة تاريخية باهرة في تاريخ تركيا، وطالما اقترح عليه ~~البلقانيون تسليم أدرنة تحت شرائط شريفة فأبى، وأجاب بأنه لا يسلمها إلا ميتا، ولكن ~~بعد أن نفذت الذخيرة، وانتهى القوت، لم يبق في استطاعته المقاومة. وأما في الحرب فقد ~~حمل عليه البلغار والسرب مرارا عديدة، وكانوا يرتدون على أدبارهم، وقضى هو وأهالي ~~أدرنة من الجوع وإعواز ضروريات الحياة شيئا كثيرا علمت منه أنا بنفسي حقائق مرة يوم ~~كنت مفتشا للهلال الأحمر المصري في الأستانة مع محمد باشا الشريعي، وكامل باشا جلال. ~~وذلك أنه جاءنا رسول من قبل شكري باشا في أثناء الحصار يقول إنه إنسل من أدرنة خفية ~~ومعه كتابة إلى الباب العالي بطلب مبلغ من المال لشراء حنطة للعسكر، وأن الجوع قد ضرس ~~العسكر بنابه، ولم يجدوا مالا في الخزينة ذلك الوقت. فهل من المكن أن الهلال الأحمر ~~المصري أو لجنة الإعانة المصرية تقرض الدولة مبلغا لأجل إغاثة حامية أدرنة، فتذاكرت مع ~~رفاقي وأرسلنا بواسطة الدولة سرا عشرة آلاف جنيه من مبلغ الإعانة المصرية إلى شكري ~~باشا تحت اسم إعانة لجياع أدرنة. # ثم إننا قررنا بعد ذلك إرسال بعثة من الهلال الأحمر المصري إلى أدرنة، فأبرقت إلى ~~الأمير محمد علي توفيق رئيس الهلال الأحمر المصري وإلى الأمير عمر طوسون رئيس لجنة ~~الإعانة المصرية بوجوب السعي لدى الدول حتى تتوسط مع البلغار لأجل إدخال بعثة إلى أدرنة ~~لمعالجة الجرحى والمرضى، وتم الأمر ودخلت البعثة المصرية وأعانت الجيش العثماني ومسلمي ~~أدرنة إعانة فوق الوصف، وعرفت مقدارها. بنفسي وذلك أنه بعد استرداد الدولة لأدرنة كما ~~سيأتي ms391 الكلام عليه، استدعت الدولة وفدا من سورية كان مؤلفا من ثمانية أشخاص، محمد ~~فوزي باشا العظم، وعبد الرحمن بك اليوسف، وأمين أفندي الترزي من دمشق، ومحمد باشا ~~المخزومي، والدكتور حسن الأسير من بيروت، والشيخ أسعد الشقيري من عكا، ونصرى أفندي ~~الشنتيري من بيروت، والأستاذ الشيخ عبد المحسن أفندي الأسطواني قاضي الشام الحالي، وهذا ~~العاجز كاتب السطور، ولم يبق في الحياة من هذا الوفد غيري وغير الأستاذ الأسطواني ~~والشيخ الشقيري ونصرى الشنتيري . وكان ذهابنا من بيروت إلى الأستانة في شهر أغسطس 1913 ~~لأجل مذاكرات مع الدولة تتعلق بالإصلاحات الداخلية في سورية وبتسكين الأمور بين العرب ~~والترك، وكانت الدولة استرجعت أدرنة، فدعتنا إلى زيارتها لأجل تهنئة أهلها بالرجوع إلى ~~حضن السلطنة العثمانية فذهبنا إلى هناك واحتفل الجيش المرابط بوصولنا، وفي حضور الجيش ~~تلوت قصيدة منشورة في ديواني الذي هو الآن تحت الطبع مطلعها: # فدى لحمانا كل من يمنع الحمى # ومن ليس يرضى حوضه متهدما # فما العيش إلا أن نموت أعزة # وما الموت إلا أن نعيش ونسلما # وخطب في الجمع الشيخ الشقيري وخطب في صلاة الجمعة الشيخ أحمد الفقيه المكي الذي جاء ~~معنا خطبة بصوته الشجي وفصاحته الحجازية مما حقق قولي في قصيدتي: # أدرنتنا لو كان للصخر ألسن # بها يوم عاد الراجعون تكلما # فما من فتى إلا وأجهش بالبكا # ولا من جواد عاد إلا وحمحما # ولا غادة إلا وكفكف دمعها # مكر حماة العرض كالسيل مفعما # ولا منبر إلا وأورق بهجة # وقام عليه ساجع مترنما # وقرت عيون المصطفى في ضريحه # وهناه في الفردوس عيسى ابن مريما # ومنها: # فمن مبلغ البلغار أنا إلى الوغى # وإخواننا الأتراك نزحف توأما # وأن جميع العرب والترك أمة # حنيفية بيضاء لن تتقسما # وقولوا لهم بانت سعاد فلا يزل # فؤادكم صبا عليها متما # فلا يطمعنكم في أدرنة مطمع # ولا تفتحوا في شأنها أبدا فما # أدرنة صارت عندنا تلو مكة # وماء المريج اليوم أشبه زمزما # ولما أقبل الليل كان الوالي الحاج عادل بك أعد لنا مكانا للمبيت فاستعفيت منه ~~قائلا: إنني كنت ms392 مفتشا للهلال الأحمر المصري، ولا يزال له بعثة في أدرنة وكنت أنا ~~السبب في دخولها، فأرغب في المبيت بدائرة الهلال الأحمر المصري، فذهبت وبت هناك وعند ~~الصباح رأيت مئات من مسلمي أدرنة أمام دائرة الهلال الأحمر وبأيديهم سطول، فسألت عن ذلك ~~فقالوا: إنه كل يوم يتوزع عليهم حساء وخبز، ولكنهم قالوا إنه في أثناء حصار أدرنة بعد ~~أن قلت الأقوات واشتد الجوع كان الأربعون ألف نسمة من مسلمي أدرنة يعيشون كلهم من ~~الهلال الأحمر المصري، ولولاه لهلكوا بأجمعهم من الجوع، لأنه لم يبق بأيديهم شيء من طول ~~الحصار، حتى أن الذين في أيديهم شيء من النقود لو أرادوا شراء القوت لم يجدوه، فالله ~~تعالى أغاثهم بوجود هذه البعثة المصرية. ولما استرجعت الدولة أدرنة درت الخيرات، وارتفع ~~الضيق ووزعت الدولة عليهم الأقوات، فلم يعودا محتاجين إلى الهلال الأحمر، وقالوا لي إن ~~الذين تراهم الآن إنما هم خمس مئة أو ست مئة شخص منا لمساكين والعاجزين. # وبمناسبة هذه المعاونة التي لقيتها أدرنة من حمية أهل مصر ينبغي لي أن أذكر على وجه ~~الإجمال ما قامت به مصر كنانة الله في أرضه من إمداد الدولة العثمانية في الحرب ~~البلقانية المشئومة، وأن لا أدع هذه الواقعة غفلا قياما بواجب الأمانة مع التاريخ، ~~وتوفيرا للحق لأهله، فأهل مصر يومئذ حققوا قوله تعالى: # إنما ~~المؤمنون إخوة # وقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «المسلمون في توادهم وتعاطفهم ~~كالجسم الواحد إذا تألم منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى» فأول شيء أنهم ~~جمعوا إعانة للدولة مبلغ نصف مليون جنيه، وذلك بهمة لجنة الإعانة التي كان يرأسها ~~الأمير «عمر طوسون» الذي هو يرأس كل عمل خيري تقريبا في مصر، وأرسلوا بعثة من الهلال ~~الأحمر المصري قامت بأعظم الأعمال في معسكر شطلجة، ثم إن مسلمي الرومللي بالنظر لما وقع ~~عليهم من اعتداء البلقانيين - لاسيما البلغار واليونان - فروا من وجه العدو اتقاء القتل ~~للنفوس والهتك للأعراض، فالتجأوا جميعا إلى الأستانة ليجوزوا إلى بلاد الأناضول، وجاء ~~منهم فريق إلى غاليبولي ليجوزوا منها ms393 أيضا إلى البلاد نفسها، وبديهي أن هؤلاء الذين ~~فروا من وجه العدو هاموا على وجوههم لا يلوون على شيء خوفا على دمائهم وأعراضهم، ولم ~~يكن ليتيسر لهم التريث حتى يستحضروا النفقات اللازمة لهم من أجل السفر، وأكثرهم خرجوا ~~بعيالهم وهم لا يملكون القوت الضروري، وكان ذلك في قلب الشتاء، وكان عددهم لا يقل عن ~~مئة وخمسين ألف نسمة. # فلما دخلوا الأستانة أنزلتهم البلدية في الجوامع والمدارس. فاستوعبتهم جميعا، ومن ~~هنا يعرف الإنسان فائدة هذه الجوامع العظيمة التي شيدها سلاطين آل عثمان بالحجر الصلب، ~~وتوسعوا في عمارتها إلى الدرجة القصوى، حتى أن الجامع الواحد منها مع مضافاته والمدارس ~~المتصلة به يكاد يكون بلدة، فأبرقنا إلى مصر بحالة هؤلاء المهاجرين وكنت أنا المتولي ~~الكتابة إلى الأمير عمر طوسون، والأمير محمد علي توفيق ووصفت لهما حالة إخواننا ~~المهاجرين وما هم عليه من البأساء، فلم نلبث إلا أياما قلائل حتى فوضوا إلينا هذا ~~العاجز ومحمد باشا الشريعي وكامل باشا جلال وعدة أشخاص آخرين من مستخدمي الهلال الأحمر ~~توزيع الإعانات على هؤلاء المهاجرين على معدل ثلاثة ريالات مجيدية للنسمة، فطلبنا من ~~أمانة البلدة جداول أسمائهم جميعا وأخذوا بتنظيمها لنا، فكنا نذهب بأنفسها إلى جامع ~~جامع ومعنا البوليس يدعو كل رئيس عائلة باسمه ليأتي أمام اللجنة مع جميع أفراد عائلته، ~~فننظر في الجدول الذي في أيدينا ونسأله عن اسمه وأسماء أفراد عائلته فإذا طابق ما في ~~الجدول أدينا له ما يستحقه، فكان صاحب العائلة يقبض عشرين ريالا، أو ثلاثين ريالا، أو ~~أربعين ريالا بحسب عدد عائلته. وهكذا حصل لهؤلاء المهاجرين من الفرج ما لا يوصف في زمن ~~كانت الدولة في شغل شاغل عنهم بسبب الحرب وإعداد لوازم الجيوش. # وقد بقينا أكثر من شهر نوزع هذه الإعانات عليهم حتى أخذ كل من المئة والخمسين ألف ~~نسمة نصيبه، وأرسلنا لجنة إلى غاليبولي فدفعت مثل ذلك من الإعانات إلى المهاجرين الذين ~~اجتمعوا فيها، وجميع هؤلاء المهاجرين عبروا إلى الأناضول وسلموا من الإهانات ~~والاعتداءات، لا بل من الفظائع التي حلت ms394 بالذين تخلفوا من المسلمين في بلاد البلقان، ~~وهي وصمة عار على البلقانيين لا يمحوها الدهر فقد ارتكبوا من الفظائع والفجائع بحق ~~مسلمي الرومللي المساكين بعد انهزام العساكر العثمانية ما لو ارتكب المسلمون بحق ~~المسيحيين عشر معاشره لقامت أوروبا وقعدت وملأ صراخها الآفاق، وملأت أساطيلها مرافئ ~~الشرق، وتوالت احتجاجاتها في العشي والإشراق، ولكن هذه الدول التي تدعي المحافظة على ~~حقوق الإنسانية وتزعم أنها تعلم الناس قواعد المدنية، عرفت بجميع فظائع البلقانيين بحق ~~المسلمين وما أتت بأدنى حركة. # ولي في ذلك الوقت برقية شديدة إلى السر إدورد غراي ناظر الخارجية الإنجليزية أبين له ~~فيها دهشة العالم من وقوفهم بدون أدنى اكتراث لما هو واقع على مسلمي الرومللي الوادعين ~~في بيوتهم من اعتداءات الدول البلقانية، على حين أنهم كانوا يقيمون القيامة لو كان ~~الاعتداء واقعا من المسلمين على البلقانيين. وبعد إرسال البرقية طلب كامل باشا الصدر ~~الأعظم صورتها وأعجب بها، وجرى حديث بيني وبين فيسموريس مستشار السفارة الإنجليزية في ~~الأستانة في هذا الموضوع فلم يقدر أن يعترض بكلمة واحدة، وغاية ما قدر أن يقول لي إن ~~السربيين كانوا أقل أذى للأهالي المسلمين من غيرهم. # ولما سقطت سلانيك في أيدي البلقانيين كان قد اجتمع فيها جميع المسلمين الذين في ~~جوارها، والذين فروا من وجه جيوش الأعداء فدخل اليونان والبلغار إلى سلانيك وفيها مئة ~~وخمسون ألف نسمة من المسلمين اللاجئين إليها، فضلا عن المسلمين الذين هم من أهلها، وقد ~~ضبط الأعداء جميع الأقوات والأرزاق التي في البلدة لأجل جيوشهم، فصار المسلمون على شفا ~~الهلاك جوعا، وحرص اليونان والبلغار على قطع أخبار سلانيك عن العالم حتى لا يعلم أحد ~~ماذا يجري فيها، وهذا قد كان من أسوأ أعمالهم، وكأنهم أرادوا أن يمحوا هؤلاء المسلمين ~~الذين اجتمعوا هناك بواسطة الإجاعة فلم يجدوا وسيلة أحسن من قطع أخبار سلانيك عن العالم ~~حتى لا يعرف المسلمون ماذا جرى، ولا يرد منهم أدنى مدد إلى مسلمي سلانيك، ولكن أبى الله ~~إلا أن يغاثوا فجاء رئيس أطباء الجيش العثماني في سلانيك ms395 إلى الأستانة واسمه سلامي باشا ~~وكان خروجه من سلانيك بمجرد دخول العدو، فلم يطأ أرض الأستانة حتى اجتمعنا به ومنه ~~أخذنا الخبر عن سقوط تلك البلدة لأن البلقانيين كانوا قطعوا الأسلاك التلغرافية، فكان ~~لم يمض على سقوطها غير ثلاثة أيام. وهو الذي أخبرنا بأن في سلانيك مائتي ألف مسلم ~~بالأقل إذا مضى عليهم عشرة أيام، ولم تأتهم أقوات يموتون كلهم جوعا. فسرعان ما حركت ~~قلمي بالإبراق إلى مصر سواء إلى الأمير عمر طوسون أو إلى الهلال الأحمر، وحيى الله لجنة ~~الإعانة المصرية والهلال الأحمر المصري، فإنه ما مضى أسبوع حتى كانت البواخر دخلت مرفأ ~~سلانيك ملأى بالأقوات والأرزاق والأكسية وجميع اللوازم الضرورية، ومعها الرجال الموكلون ~~بها، فأغاثوا المسلمين وانتاشوهم من خطر الهلاك جوعا، وكذلك سمعت أن الخديوي السابق ~~أرسل بواخر إلى مرسى «قوله» موقرة أرزاقا لأن قوله هي موطن محمد علي باشا جد العائلة ~~المالكة في مصر. وكان اجتمع إليها أيضا عشرات ألوف من المسلمين الفارين من وجه ~~البلقانيين. # وخلاصة القول أن المقام الذي قامه أهل مصر أبقاهم الله ركنا للإسلام من إغاثة مسلمي ~~البلقان في الحرب البلقانية يبقى لهم مأثرة خالدة لا تبليها الأيام في تاريخ ~~الإسلام. # ونعود إلى وقائع الحرب فنقول: إن الحكومة العثمانية بعد أن تولى الوزارة محمود شوكت ~~باشا كانت ترغب في الصلح، ولكنها لم تكن ترضاه على أي الوجوه، وكان رجال الاتحاد ~~والترقي يريدون استمرار الحرب على أمل الكرة على البلغار وأخذ الثأر منهم، لأنهم كانوا ~~جميعا يعتقدون أن الهزيمة التي انهزمها الجيش العثماني في الحرب البلقانية كانت حادثة ~~على خلاف القياس. ولكن الدول بدأت تضغط على الدولة في أمر الصلح وفي 31 مارس أرسلت ~~الدول مذكرة إلى الباب العالي تلح في عقد الصلح ولكنها تصرح بأنها لا تدعو الدولة إلى ~~دفع غرامة حربية، أما الخط الفاصل بين الأملاك العثمانية والمملكة البلغارية فكان خطا ~~ممتدا من البحر الأسود إلى بحر الأرخبيل يقال له خط «ميديا-أنوس» وهو في الواقع خط لا ~~يبعد كثيرا عن شطلجة، وكان ms396 مؤتمر الدول في لندرة قرر إرسال لجنة عسكرية لتحديد الخط ~~المذكور بالفعل على قدر ما تسمح حالة الأراضي من تقويمه. وأما ألبانيا فقرر المؤتمر ~~سلخها عن تركيا، وجعلها مملكة مستقلة، وكذلك جزائر بحر الأرخبيل كان المؤتمر يريد أن ~~يجعل لها نظاما خاصا، ما عدا كريت فكانوا قرروا إلحاقها ببلاد اليونان. # وكل ما جرى على الدولة من المصائب لم يضع حدا للشقاق في الأستانة، فقتل ناظم باشا ~~ناظر الحربية بأيدي الاتحاديين أثار غضب أضدادهم حزب الائتلاف والحرية فصاروا يكيدون في ~~الخلفاء للانتقام وإسقاط الوزارة الاتحادية، وبلغ الخبر الاتحاديين فأهملوا الاحتياط ~~اللازم، وقيل لمحمود شوكت باشا: إن أناسا يأتمرون بك ليقتلوك فهز أكتافه لا لكونه لم ~~يصدق الخبر بل لأنه لم يبالي بالحياة، وكان متوكلا معتقدا قوله تعالى: # لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم ~~القتل إلى مضاجعهم # وهكذا تم لحزب الائتلاف والحرية ما أرادوا ~~من الكيد، وكان المتآمرون محيي الدين بك مدير الأمن العام في وزارة كامل باشا، ورشيد بك ~~ناظر الداخلية السابق، وصالح خير الدين باشا ابن خير الدين باشا التونسي الذي كان صدرا ~~أعظم، وكان صالح باشا من أصهار العائلة السلطانية، وكان في هذه المؤامرة أيضا صباح ~~الدين بك ابن أخت السلطان، فانتدبوا بعض الأشقياء وبعض الجناة من أصحاب السوابق في ~~القتل ورشوهم وكانوا يعتقدون أنه بمجرد قتل محمود شوكت باشا يستولون على الحكم حالا ~~ويقتلون رفاقه مثل أنور وطلعت وجمال وغيرهم، فذهبت هذه المصابة وترصدت محمود شوكت باشا ~~عند مروره بسيارته من ساحة بايزيد آتيا من نظارة الحربية إلى الباب العالي وكان ذلك في ~~28 يونيو سنة 1913 نحو الساعة العاشرة والنصف قبل الظهر، فقتلوه وهو في سيارته، وقتلوا ~~معه ياوره إبراهيم بك. # وأما الياور الآخر أشرف بك فأمكنه الخلاص وذهب مستنجدا بالبوليس. فنقل محمود شوكت ~~باشا نظارة الحربية حيث مات بعد عشرين دقيقة من الواقعة لأنه كان خرق جسمه خمس رصاصات. ~~فكان بين قتل ناظم باشا وقتل محمود شوكت باشا أقل من ستة أشهر بخمسة أيام، ms397 وأفظع شيء في ~~قتل محمود شوكت باشا أن اثنين من الذين تآمروا بقتله كانا سيقتلان بعد واقعة الثورة على ~~الدستور ومجئ جيش الحرية من سلانيك إلى الأستانة، فعفا عنهما محمود شوكت باشا القائد ~~يومئذ وأنقذهما من القتل، وعفا عن مجرمين سياسيين كثيرين برغم جمعية الاتحاد والترقي ~~التي كانت تريد الاقتصاص منهم، فكان أن الذين عفا عنهم محمود شوكت باشا هم أنفسهم ~~المتآمرين على قتله. ولكنهم لم يبلغوا هذه المرة أمنيتهم، فما أغمض محمود شوكت باشا ~~عينه حتى تولى الحكم الأمير سعيد حليم باشا مكانه، وهو ابن الأمير حليم باشا المصري ابن ~~محمد علي باشا والي مصر، وكان الأمير حليم باشا يسكن الأستانة وأولاده نشأوا فيها، ~~وانضم كبيرهم الأمير سعيد حليم وأخوه الأمير عباس إلى جمعية الاتحاد والترقي، وكانا من ~~أماثل الرجال، وكان الأمير سعيد واسع العلم، ثابت الجنان عظيم الحمية، وفي أيام صدارته ~~استرجعت الدولة نشاطها، وزال ما كان طرأ عليها من الوهل، وتعين طلعت بك ناظرا ~~للداخلية، وكان هو روح الاتحاد والترقي، وهو أجرأ الاتحاديين وأشدهم إقداما، وأسرعهم ~~فهما، وأمضاهم في الأمور، وقد جمع إلى الذكاء والحزم عفة النفس، فإنه كان مأمورا في ~~التلغراف من الدرجة الثانية، فلما صار الانقلاب كان هو من أشد الاتحاديين مضاء، وأعظمهم ~~أثرا بالجمعية، فصار ناظرا للتلغراف، ثم صار ناظرا للداخلية، وفي الحرب العامة تولى ~~الصدارة وبقي فيها إلى نهاية الحرب. ودخل في الحكومة فقيرا وخرج منها فقيرا، وكان ~~يقول: ألا يكفي أن هذه الأمة تحملت جهلي، أفأجعلها تتحمل انحطاط أخلاقي. كان يتكلم عن ~~جهله لأنه لم يكن من العلماء، أو ممن لهم تحصيل للعلم كاف، ولكن كان ذكاؤه الفطري ~~أعجوبة، وكانت جرأته خارقة للعادة، فصار سيد الاتحاد والترقي بدون منازع. وكانت نهايته ~~في برلين قتيلا بيد أرمني أرسلته جمعيات الأرمن لاغتياله وكنا في ذلك الوقت في برلين، ~~وكنت بالمذاكرة معه أسست ناديا يجمع جميع الشرقيين وانتخبت رئيسا له باتفاق الكلمة، ~~فاحتفلنا له باسم النادي الشرقي بمأتم عظيم، وأبقينا تجاليده في مكان خاص بالجبانة ms398 ~~الإسلامية في برلين. # وكانت الجبانة قد ضاقت جدا ولم يبق فيها مكان للدفن، فراجعت الحكومة الألمانية فسمحت ~~لنا بألف وخمس مئة متر مربع أضفناها إليها، وأدرنا حولها جدارا وبنينا فيها مسجدا ~~صغيرا لإيواء المصلين على الجنائز في أيام المطر والثلج، وأنشأنا بجانبه منزلا لأجل ~~حارس الجبانة، فجعلنا جثة المرحوم طلعت باشا في غرفة من ذلك المحل، وجرى تحنيطها حتى ~~يتيسر نقلها إلى الأستانة ودفنها هناك. فلما استقلت تركيا وجاءت الحكومة الكمالية ~~الأنقرية لم تسمح بدفن طلعت في تركيا. فكان من الغرائب أن أعظم الأتراك حمية على وطنه ~~لم يمكن دفنه فيه، وما أبت الحكومة الكمالية دفن طلعت في الأستانة إلا خوفا من أن يكون ~~له مأتم تقوم له تركيا وتقعد وتتجدد فيها قوة الاتحاد والترقي. فسبحان الله الذي جعل ~~طلعت ممن يخافه الناس في حياته وبعد مماته! وكان مع هذا من ألطف الناس خلقا، وأحلاهم ~~عشرة، وأودعهم نفسا. وأيام كنا في برلين سنة 1920 كنا نجتمع كل يوم تقريبا، وقد ~~ترجمته في حواشي «حاضر العالم الإسلامي» ترجمة وافية. # هذا ودخل في الوزارة أحمد عزت باشا الارناؤوطي ناظرا للحربية وقائدا للجيش وعثمان ~~نظامي باشا للاشغال النافعة، وبقي أكثر النظار الآخرين في مناصبهم وبدأت الوزارة ~~بمحاكمة الذين قتلوا محمود شوكت باشا، والذين دخلوا في مؤامرة قتله فحكموا على 24 شخصا ~~منهم بالقتل، منهم من كانوا فروا من الوجه مثل صباح الدين بك ابن أخت السلطان، ورشيد بك ~~ناظر الداخلية السابق، وإسماعيل بك مبعوث كوملجنة. # ومنهم من وقع في اليد مثل صالح باشا خير الدين صهر العائلة السلطانية وجماعة يبلغون ~~عشرة أشخاص فشنقوهم وصلبوهم في ساحة بايزيد. # وقد اجتمعت سنة 1936 بإسماعيل بك مبعوث كوملجنة في جنيف وروى لي كيفية قراره في تلك ~~الحادثة وتخلصه من أيدي الاتحاديين. # ثم إن الدول البلقانية اختلفن بعضهم مع بعض فالحكومة البلغارية تنازعت مع الحكومة ~~السربية والحكومة اليونانية، على اقتسام الأسلاب التي أخذوها من تركيا في الرومللي، ~~ووصل الأمر بينهن إلى القتال. وكانت رومانيا أرادت أن تستفيد ms399 من قتال هؤلاء الحلفاء، ~~فطلبت تعديل حدود «الدبروجة» بينها وبين بلغاريا فوقع الخلاف بين رومانيا وبلغاريا فرأت ~~تركيا الفرصة سانحة لاسترداد ولاية أدرنة، وفي 6 يوليو أرسلت تركيا بواسطة عثمان نظامي ~~باشا إلى الحكومة البلغارية إنذارا بوجوب تخليتها الأراضي التي كان البلغار قد ~~احتلوها، وكانتا لوقائع الحربية قد انتهت من شهر إبريل بموجب متاركة بين البلغار ~~والعثمانيين، ولكن بقيت الجيوش البلغارية محتلة جميع ولاية تراقية التي يفصلها عن تركيا ~~خط «أنوس-ميديه» الذي قرره المؤتمر الدولي بين الفريقين ، فأرسلت الحكومة البلغارية ~~المسيو «نتشيفيتش» معتمد بلغاريا سابقا في الأستانة لأجل الاتفاق مع تركيا لاسيما أنه ~~كان من أنصار التقرب بين تركيا وبلغاريا، فرضى نتشيفيتش بتغيير خط «أنوس- ميديه» الذي ~~كان الأتراك غير راضين به، وجعل الفاصل خطا مارا بقصبة شورلو، ولكن الأتراك طلبوا أن ~~بلغاريا تقبل النصيب المرفوض عليها من الدين العثماني على نسبة ما أخذته من أملاك ~~تركيا، وتقبل أيضا بإعطاء تأمينات متعلقة بحقوق المسلمين الذين في المملكة البلغارية ~~والبلاد التي استولت عليها هذه المرة، وتتعهد بعدم تقاضي تضمينات حربية فلم يقدر ~~تنشيفيتش أن يتعهد صريحا بقبول هذه المطالب، فزحف الجيش العثماني بقيادة أحمد عزت باشا ~~من جهتين، شطر منه سار من جهة رودوستو والآخر من جهة شورلو وفي 22 تموز وصل المتطوعون ~~وخيالة العرب والأكراد إلى أدرنة تحت قيادة أنور باشا. # وأما البلغار فلما وجدوا الجيش العثماني زحف عليهم نكصوا بدون قتال ولم يباشروا إلا ~~مدافعات جزئية قتل فيها صاحبنا رشيد بك ابن المشير فؤاد باشا، كنا معا في حرب طرابلس ~~ولم تكن من البلغار مقاومة إلا بعد أن وصلوا إلى حدود بلغاريا الأصلية ولكنهم لم يقدروا ~~على مقاومة تذكر، ولو شاء العثمانيون يومئذ أو يتوغلوا في نفس بلغاريا الأصلية لأمكنهم ~~ذلك، لكنهم كانوا يخشون اعتراض الدول فأرسل الباب العالي إلى الدول مذكرة يقول فيها إن ~~الدولة أبلغت بلغاريا بوجوب سحب عساكرها من الأراضي التي احتلتها جنودها وذلك لأجل وضع ~~حدود تتمكن بها تركيا من المحافظة على الأستانة وعلى الدردنيل. وهذه ms400 الحدود غير ممكنة ~~إلا باتباع مجرى نهر المريج، بحيث كل ما هو جنوبي هذا النهر يبقى لتركيا. # فلما لم يجب البلغار طلب تركيا اضطرت الدولة إلى احتلال هذه الأراضي تاركة تعيين ~~الحدود الموافقة للمذكرات السياسية، فغضبت الدول من أجل إخلال تركيا بقرار مؤتمر لندرة ~~الذي عين خط «أنوس-ميديه» فاصلا بين تركيا وبلغاريا، وأرسلت إلى الدولة تنذرها بأنها ~~إن لم تسحب عساكرها من أدرنة فإنها تتخذ جميع التدابير اللازمة لأجل تثبيت قرار ~~المؤتمر، فهذا الجواب لم يرع تركيا وقتئذ، وذلك لأن الأتراك كانوا يرون الدول متمسكات ~~بالقرار الذي يصدرنه في مصلحة أعداء تركيا ويقلن لا يجوز تبديل هذا القرار بوجه من ~~الوجوه، بخلاف ما لو كان القرار في مصلحة تركيا فإنه يتبدل حالا. وقبل الحرب البلقانية ~~أبلغت الدول الفريقين بأن هذه الحرب يكون الغالب والمغلوب فيها سواء، وتبقى الحدود ~~مكانها. فلما تغلب البلقانيون على الأتراك نسيت الدول بلاغها هذا كما تقدم الكلام عليه، ~~فلهذا لم يكن لإنذار الدول هذه المرة موقع خوف في قلوب الأتراك، وأبرق عزت باشا قائد ~~الجيش من أدرنة يقول: إن الجيش لا يمكن أن يتخلى عن أدرنة. # وكان بالفعل لو ضغطت أوروبا على تركيا، والحكومة ضغطت على الجيش والأهلين، لجرت ثورة ~~دموية، فأجابت تركيا الدول بأن مذكرتها إلى الباب العالي تشير إلى أن الدول حاضرة ~~للمذاكرة مع تركيا في الشروط اللازمة لتأمين حدودها والحال أن خط «أنوس- ميديه» لا يتأمن ~~به شيء، وأن تركيا إنما احتلت البلاد التي كان احتلها البلغار محافظة على حياة الأهالي ~~الذين كانوا صائرين لا محالة إلى الانقراض فتركيا ترجو من الدول إعادة النظر في قضية ~~الحدود. فلما وصلت هذه المذكرة إلى الدول خطب السر ادورد غراى خطبة فيها شيء من التهديد ~~لتركيا إذا أسرت على استرداد أدرنة. وأما الروسيا فأشارت بمنع كل معاملة مالية بين ~~أوروبا وتركيا، ولكن كل هذا لم يرعب الترك، لأن قضية أدرنة هي لهم قضية حيوية، فأدرنة ~~مفتاح الأستانة كما لا يخفى، وفي ولاية أدرنة مئات ألوف من المسلمين ms401 كانوا سينقرضون أو ~~سيرحلون بأجمعهم لو بقي البلغارهناك، لما كان عند البلغار من الوجد لاستئصال الإسلام من ~~تلك البقعة. فالأتراك كانوا مصممين على عدم الرجوع عن أدرنة وتهددوا البلغار بإعلان ~~الحرب عليهم إذا لبثوا يطالبون بأدرنة، فخاف البلغار من أن ينهزموا ويفقدوا ثمرات ~~طوائلهم في أول الحرب فجنحوا إلى السلم، والتمسوا من تركيا المذاكرة رأسا. وكان مسلمو ~~تراقية الغربية قد ثاروا وأسسوا حكومة مستقلة لأنفسهم مركزها كوملجنة ففي 18 سبتمبر سنة ~~1913 تقررت شروط الصلح بين الفريقين واستعادت تركيا بموجب هذا الصلح أدرنة، وقرق كليسه، ~~وديموطقة، وأعيدت الحدود الأصلية التيكانت بين تركيا وبلغاريا قبل الحرب البلقانية، سوى ~~بعض قرى إلى جهة البحر الأسود أكثر سكانها من البلغار فهذه سمحت بها تركيا ~~لبلغاريا. # وكذلك خسرت بلغاريا الخط الحديدي من أدرنة إلى دده آغاج البلدة التي على ساحل بحر ~~الأرخبيل، وكان البلغار سيجعلونها منفذا لهم إلى البحر المتوسط، وكذلك تقرر بين ~~الدولتين أن يضرب أمد لسكان مكدونية وتراقية أربع سنوات ليختاروا التابعية العثمانية أو ~~التابعية البلغالية، فإذا مضت السنوات الأربع ولم يختاروا التابعية العثمانية يصيرون ~~رعايا بلغاريا، وإلا فيبقون كأجانب مرجعهم الدولة العثمانية. وإذا كان في هذه البلدان ~~يسكن عثمانيون من ولايات أخرى تابعة لتركيا فيبقون على تابعيتهم العثمانية، ثم حصلت ~~مذاكرات في قضية الأوقاف الإسلامية، وتقرر أن تكون إدارتها بأيدي الجماعات الإسلامية ~~وفقا للاتفاق التركي البلغاري المنعقد سنة 1909 بحق الأوقاف الإسلامية في بلغاريا ~~القديمة فاشترطت تركيا أن تكون في الأستانة، بخلاف الأوقاف في بلغاريا القديمة التي كان ~~للحكومة البلغارية حق لإشراف عليها. ثم تقرر أن يكون مسلمو البلغار تابعين للشرع الشريف ~~في أحوالهم الشخصية، فيحكم بينهم فيها قضاتهم كما في تركيا، ويكون للمسلمين في بلغاريا ~~مفتون تنتخبهم الجماعات الإسلامية بتمام الحرية، ويجرى تصديق انتخابهم بمعرفة شيخ ~~الإسلام في تركيا، وتقرر أن تكون المدارس والمكاتب الإسلامية في بلغاريا معدودة من ~~مؤسسات الحكومة البلغارية التي يجب أن تتفق عليها. # واستغرب الناس تساهل بلغاريا هذا مع تركيا، وقد كانت هي الظافرة في الحرب ms402 البلقانية، ~~والحقيقة أن قواد الجيش البلغاري وجدوا أنفسهم لو أصروا على العناد لكر الترك عليهم، ~~وكانوا من بعد غلبهم سيغلبون، لأن الجيش التركي في المدة الأخيرة كان غير الجيش التركي ~~في أول الحرب، ثم إن البلغار كانوا اقتتلوا مع السرب من أجل «منستر» التي كان البلغار ~~والسرب يتنازعون عليها. وكذلك كانوا اقتتلوا مع اليونان من أجل مكدونية فصارت بلغاريا ~~مضطرة بحكم الضرورة أن تسالم تركيا. وانعقدت معاهدة الصلح النهائي بين تركيا وبلغاريا ~~في 29 سبتمبر سنة 1913 واتفقت الدولتان على عدم اعتبار المعاهدة السابقة المنعقدة في ~~لندرة في كل المواد المخالفة فيها للمعاهدة الأخيرة. # ثم جرب المذاكرات بين تركيا واليونان لأجل الصلح، ولم تصل الدولتان إلى وفاق، أولا ~~لأن اليونان طلبوا التمتع بالامتيازات الأجنبية التي كانت الدولة حرمت اليونان إياها ~~عندما كسرتهم سنة 1897 فتركيا أبت إرجاع الامتيازات وقالت: إن الدول العظام أنفسها ~~أصبحت مستعدة لإلغاء هذه الامتيازات، ثم إن تركيا طلبت الحرية التامة في اليونان لشعار ~~الدين الإسلامي، وأن تكون إدارة الأوقاف الإسلامية في بلاد اليونان تحت مراقبة شيخ ~~الإسلام، وتكون قضاة المسلمين هي الحاكمة في الأحوال الشخصية، فطلب اليونان بمقابلة ذلك ~~أن تعاد إلى بطريرك الروم في الأستانة الامتيازات الدينية القديمة التي كان منحها ~~السلطان محمد الفاتح، فأجابت تركيا بأن لا مدخل لدولة أجنبية في أمور داخلية في ~~تركيا. # ثم اختلفوا في قضية الأوقاف لأن اليونان رضوا بالاعتراف بالأوقاف العائدة إلى المساجد ~~رأسا، فأما الأوقاف التي يقال لها وقف ذرية فادعت دولة اليونان أنها تحل فيها محل ~~الدولة العثمانية، واختلفوا أيضا في قضية الخدمة العسكرية، فاقترحت اليونان إعفاء ~~الأروام الذين في تركيا من الخدمة العسكرية على أن تعفي اليونان المسلمين الذين في ~~بلادهم من الخدمة نفسها، فرفض الباب العالي ذلك، فاقترحت اليونان وجها آخر وهو أن يكون ~~للأروام في تركيا توابير مخصوصة لا يدخلون فيها مع سائر العسكر وأن اليونان بمقابلة ذلك ~~تجعل لمسلمي بلادها توابير خاصة ولا تجبرهم على نزع الطربوش فرفض الباب العالي هذا ~~أيضا. وطلبت ms403 اليونان العفو العام عن الأروام العثمانيين الذين ساعدوا اليونان، فأجابت ~~تركيا هذا الطلب. ثم طلبت اليونان ثلاثة ملاين جنيه عثماني تعويضا لها عن ضبط مئة ~~سفينة يونانية قبضت عليها تركيا في أول الحرب فأبى الباب العالي دفع شيء، انقطعت ~~المفاوضات مدة. ثم استؤنفت بميل الفريقين إلى الصلح، وانعقدت المعاهدة في 14 نوفمبر سنة ~~1913 وفازت تركيا بتأييد كلمتها في قضية الامتيازات، وفي قضية الأملاك السلطانية، وكذلك ~~فازت في معاملة الجماعات الإسلامية في أحوالهم الشخصية بموجب الشرع الشريف، كما جرى ~~الاتفاق مع البلغار. ولكن لم يمكن تركيا أن تنال من اليونان أن تكون إدارة هذه الأوقاف ~~بأيدي مسلمي بلاد اليونان وهكذا تم. وبقيت مسألة الجزر معلقة وكانت الدول تريد إلحاق ~~جميع الجزر باليونان عدا «تندس» و«إمبروس» و«كستيلوريزو» وذلك لقربها الشديد من السواحل ~~العثمانية. # وبينما الدول تفكر في فض الخلاف بين تركيا واليونان إذ وقعت الواقعة الكبرى وهي الحرب ~~الكبرى فتوقف كل شيء منذ سنة 1914 إلى سنة 1923 أي مدة تسع سنوات في خلالها جرت الحرب ~~العامة ثم تبعتها حرب أخرى بين تركيا واليونان التي سلمتها إنجلترا قسما من بلاد ~~الأناضول، فاستمرت الحرب بين الأتراك والأروام من سنة 1919 إلى سنة 1922 وانتهت بانهزام ~~اليونان، فعند ذلك انعقد بين الدول وتركيا مؤتمر لوزان، وتقرر الصلح، وبموجبه ألحقت ~~جميع الجزائر في الأرخبيل إلى اليونان، إلا الجزر التي أمام الدردنيل مثل لمنى وتندس، ~~ولكن تقررت أيضا مبادلة الأراضي والسكان، فجميع المسلمين الذين في بلاد اليونان جاءوا ~~إلى تركيا كما أن جميع الأروام الذين في تركيا أخرجوا إلى بلاد اليونان وأخذت تركيا ~~أملاك اليونان فيها، وبمقابلة ذلك أخذت اليونان أملاك المسلمين فيها. واستلحقت إيطاليا ~~رودوس والجزر العشر التي حولها. ولم يبق في مملكة اليونان سوى مسلمي تراقية الغربية، ~~فقد جرى استئناؤهم من المهاجرة، ولم يبق من الأروام في تركيا غير الأروام الذين في ~~القسطنطينية، إذ أن الدول في لوزان جعلن هؤلاء في مقابلة هؤلاء. # وهذه مسائل عائدة إلى الحرب العامة وذيولها، ونحن أحببنا الوقوف ms404 في تاريخ الدولة ~~العثمانية عند هذا الحد، لأننا لو دخلنا في موضوع الحرب العامة لطال بنا الموضوع جدا. ~~ولما كنا نريد أن نفرد الحرب العامة وذيولها إلى أن انعقدت معاهدة لوزان سنة 1923 ~~بتأليف خاص - إن شاء الله - لم نجد لزوما للدخول في هذا التاريخ بموضوع أكبر حرب عرفها ~~العالم مما يجب أن يفرد بتأليف على حدة. # وربما يؤخذ علينا في هذا الكتاب كوننا تكلمنا عن نفسنا في بعض وقائع شهدناها بأعيننا، ~~وربما عد ذلك بعضهم من قبيل تزكية المرء نفسه، والله يعلم أننا من أبعد الناس عن هذا ~~الأمر # بل الله يزكي من يشاء # وإنما قصدنا بذلك ~~زيادة توثيق الوقائع التي نرويها بذكر ما شهدناه منها عيانا، إذ هناك فرق كبير بين ~~السماع والعيان وكثيرا ما روى المؤرخون أخبارا لم يكن لها أصل، أو كان لها أصل ضعيف، ~~وذلك بسبب تلقفهم هذه الأخبار من أفواه الناس، أو نقلهم لروايات غير ممحصة. فأنا إذا ~~رويت ما شهدته بعيني، وما سمعته بأذني، فإنما يكون مقصدي في ذلك زيادة التحري والانتهاء ~~إلى أقصى درجات التوثيق «وما راء كمن سمعا» وهكذا تظهر الوقائع بشكل بارز، حتى كأن ~~الإنسان يراها بالعيان، وليس هذا بمذهب لم يسبق إليه المؤرخون، والله تعالى وحده من ~~وراه السداد. ms405