######OpenITI# #META# URI: 1368ZakariyaMihran.BankMarkazi.Hindawi58379149 #META# Tags: economics :: history #META# ID: 58379149 #META# Title: البنك المركزي في العصور المختلفة #META# AuthorID: 75147482 #META# Author: زكريا مهران #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # مقدمة‏ # 1 - تطور البنوك‏ # 2 - البنك المركزي في إنجلترا وفي فرنسا وفي ألمانيا وفي روسيا وفي الولايات المتحدة‏ # 3 - وظائف البنك المركزي، رأس ماله، إدارته، الأعمال التي يمتنع عن مباشرتها‏ # 4 - فكرة بنك مركزي لمصر‏ # 5 - التعاون الدولي، الصندوق المشترك، بنك التعمير‏ # الإهداء‏ # مقدمة‏ # 1 - تطور البنوك‏ # 2 - البنك المركزي في إنجلترا وفي فرنسا وفي ألمانيا وفي روسيا وفي الولايات المتحدة‏ # 3 - وظائف البنك المركزي، رأس ماله، إدارته، الأعمال التي يمتنع عن مباشرتها‏ # 4 - فكرة بنك مركزي لمصر‏ # 5 - التعاون الدولي، الصندوق المشترك، بنك التعمير‏ # | البنك المركزي في العصور المختلفة # | البنك المركزي في العصور المختلفة # تأليف # زكريا مهران # | الإهداء # إلى روح المغفور له طلعت حرب باشا الذي كتب عن البنك الوطني وعلاج مصر الاقتصادي، ~~وأسس بنك مصر وشركاته ليرفع القواعد من نهضتنا. # أهدي هذه الرسالة، ذكرى لأيام أسعدتني بالعمل معه والاستماع إليه. # زكريا مهران # | مقدمة # دعاني قسم الخدمة العامة بالجامعة الأمريكية إلى إلقاء محاضرة عن البنك المركزي، وترك ~~لي حرية اختيار الناحية التي أحاضر فيها؛ فاخترت أن أتحدث عن البنك المركزي في العصور ~~المختلفة؛ ذلك لأني لم أرد أن أكرر ما سبق لي أو لغيري ذكره في هذا الموضوع. # وقد رأيت أن أعتمد على التاريخ لأستخرج الدروس من صميم الوقائع، متبعا في ذلك الطريقة ~~المعروفة بالطريقة الألمانية. فأعددت هذه المحاضرة وألقيت ملخصها في قاعة «يورت» ~~التذكارية في الثاني من يناير سنة 1948. # وقد طلب إلي بعض حضرات الذين سمعوا المحاضرة أن أقوم بطبعها؛ لأنهم رأوا فيها ~~لونا جديدا من البحث فيه تمهيد لدراسة البنوك المركزية، وفيه عرض مقارن لنظمها. # وإني لأرى من واجبي - والمحاضرة تستند إلى التاريخ - أن أعترف بدين عظيم للمؤرخ ~~الكبير الأستاذ سليم بك حسن. فقد شجعني على البحث ما نافثني فيه أو ترجم لي بعض الوثائق ~~البردية. وكذلك أمدني بكثير من المراجع التي اعتمدت عليها عند الكلام على الدول ~~القديمة. كما أقر بالفضل لجناب مستر «ألن رو» - مدير متحف الإسكندرية - فقد أعانني على ~~استيضاح بعض النقط الغامضة ms01 في تاريخ الفراعنة والبطالسة والرومان بمصر. فلحضرتيهما مني ~~أجزل الشكر وأطيب الثناء. # الفصل الأول # | تطور البنوك # المعابد في الدول القديمة # لا بد لي حين أتبع الطريقة التاريخية من أن أمر مرورا عابرا على سير بعض الأمم ~~والأفراد لأقتطف منها ما يصلح أن أقدمه نموذجا على عمل معين أو فكرة خاصة، مما ~~أراه جديرا بالذكر في هذا البحث. # ولو رجعنا إلى مصادر التاريخ القديم فيما أمكن العثور عليه من الحفريات لوجدنا ~~أن الإيداع والاقتراض كلاهما قديم في ذاته قدم الطيبات من الرزق. كان الإنسان ~~يستكثر منها، فإن زادت عن حاجته ادخرها إلى وقت يفيد منها فيه، وإن امتنعت عليه ~~راح يلتمسها قرضا أو صدقة ممن يقدر عليها. # فإذا كان الإنسان في عهده البدائي فأدوات الصيد والدفاع عن النفس والحبوب هي أثمن ~~ما يحرص عليه، وهي لهذا نقوده الأولى التي تبايع بها أيضا قبل أن يهتدي إلى استعمال ~~الأجرام المعدنية ثم النقود المسكوكة التي بدأ يضربها الليديون - على أرجح ~~الأقوال. # ولما كان من الطبيعي أن يحتفظ الإنسان بتلك السلع، وأن يدخرها لوقت الحاجة في ~~مكان أمين خوف السرقة أو الغصب، فقد استودعها المعابد في أول الأمر؛ لما فيها ~~من مناعة وقداسة. وكانت معابد قدماء المصريين والآشوريين والبابليين والفرس والإغريق ~~بها أمكنة خاصة لحفظ ودائع الأفراد. ولدينا الآن من قطع الخزف وجدران بعض المعابد ما ~~تثبت نقوشه أن تلك المعابد كانت تقبل الودائع وتقرض الأفراد؛ مما جعل المؤرخين ~~يقطعون بأن معبد «دلوس # Delos ~~» ومعبد «أفيز # Ephese ~~» ومعبد «ساموس # Samos ~~» كانت تؤدي الأغراض التي تؤديها شون البنوك في الوقت ~~الحاضر. # لم يكن كاهن المعبد عند قدماء المصريين مجرد رئيس ديني، وإنما كان على درجة كبيرة ~~من الاستعداد الاقتصادي، فكان يدبر للناس أمور معاشهم ويقدم لهم المساعدات في ~~أوقات الضيق، ويقوم عليهم بغير قليل من التوجيه الاقتصادي المحلي. # وقد أكد لنا البحث التاريخي صحة ما جاء في الكتب المقدسة من أن يوسف - ~~عليه السلام - قد جعله مولاه على خزائن الأرض المصرية يعالج أزمة امتدت إلى ms02 سبع ~~سنوات بسبب انخفاض فيضان النيل. ومن هذه الحقيقة التاريخية نشأت الأسطورة التي يؤمن ~~بها الإسرائيليون من تعاقب الأزمات مرة كل سبع سنوات، وقد حاول كثير من الاقتصاديين ~~أن يقيموا الأدلة على صحتها. # الإقراض عند الإغريق # قلنا إن كهنة المعابد كانوا يقرضون المحتاجين. ويستتبع ذلك أن نعرف هل كانت ~~المعابد تأخذ فائدة على ما كانت تقدمه من قروض. اختلف المؤرخون في ذلك، ~~والراجح أن معابد الإغريق لم تكن في أول عهدها بالإقراض تأخذ فائدة، ولكنها ~~اضطرت إلى أخذ تعويض عن التأخير في سداد القرض، فنشأت عن ذلك عادة أخذ الفوائد التي ~~صارت فيما بعد معمولا بها على اعتبار أنها أجر أو استغلال لرأس المال الذي ~~يقترض. # ولسنا نعرف على وجه التحقيق الوقت الذي بدأ فيه الأفراد يتخذون الإقراض حرفة ~~لهم. ولكن من القصص الثابتة أن «هريود» الذي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد قد نصح ~~لمقترض حبوب أن يرد لمقرضه أكثر مما أخذ حتى يشجعه بتلك الطريقة على تسليفه ~~مرة أخرى إذا احتاج إلى الاقتراض منه. # وكان القانون الإغريقي القديم ظالما؛ لأنه أباح للمقرض أن يطالب المقترض بدفع ~~نصف ما استلف زيادة على الأصل إذا لم يسد السلفة في الميعاد المتفق عليه. وعلى ~~هذا أصبحت عملية الإقراض عملية كاسبة يلجأ إليها نفر من الضعفاء ويتعالى عنها ذوو ~~الههم. ولكنها ما لبثت أن صارت ضرورة تحتمها ظروف التوسع الاقتصادي عند الإغريق في ~~القرن الرابع قبل الميلاد. وقد حفظ لنا التاريخ أسماء كثير من كبار رجال المصارف ~~الإغريقية؛ فمنهم «بازيون» الأثيني الذي أهدى بلاده أسطولا مكونا من خمس مراكب. ~~وقد مات سنة 371 عن ثروة كبيرة مصرفية قام على إدارتها بعده شريكه «فورميون Phormion ~~» الذي خلده «ديموستين # Demothene ~~» بدفاع مجيد في إحدى القضايا الهامة التي رفعت ~~عليه. # ولما كان الصيرفي الإغريقي يجلس ليباشر عمله إلى جوار مائدة خشبية، فقد أطلق ~~الإغريق كلمة ترابيزة # Trapezi # على المصرف، ولا زالت ~~مستعملة في اللغة اليونانية إلى الآن. وترجمتها في اللغات «طاولة بنك # Banco, Taoula ~~» التي ms03 صارت علما على المصارف إلى ~~وقتنا هذا. # وقد افتن أصحاب المصارف الإغريقية في الدعاية لأعمالهم، فكتب أحدهم المدعو «كايكوس » ~~على مصرفه أنه يعامل الأجانب كما يعامل الوطنيين، وأنه مستعد حتى في الليل أن يبدل ~~النقود لمن أراد، وكانت لهم دفاتر يقيدون فيها حساباتهم اليومية ويوقع عليها ~~العميل بإمضائه أو خاتمه للمضاهاة عليه عند اللزوم. # وقد عرف القانون الإغريقي نظام إيقاف الدفع المعروف الآن «بالموراتوريوم» في أوقات ~~الضيق والأزمات. وقد تخصص بعض المدافعين في القضايا المالية، ورتبوا لها إجراءات ~~تؤدي إلى سرعة الفصل فيها. # البنك المركزي عند البطالسة # وحين دخل الإغريق سنة 332ق.م مصر لم تكن لها نقود مضروبة؛ لأن المصريين كانوا ~~يتعاملون بالحبوب فيما بينهم. وقد كانوا يتعاملون أيضا بحلقات معدنية إذا استدعى الأمر ~~في أغراض تجارية أغلبها مع غير المصريين، فقد كانت للإغريق جاليات استوطنت من قبل ~~مدنا لا تبعد عن البحر الأبيض، أهمها بلدة «نقراطس» عند فرع النيل الكانوبي، ~~ومكانها الآن بلدة «نقراش» القريبة من «إيتاي البارود». # كانت هذه البلدة بمثابة ميناء دولي حر تقطنه جالية إغريقية بلغ عدد أفرادها 10000 ~~نسمة يتعاملون فيما بينهم أو مع أهل البلاد الآخرين بالقطعة الدارية الذهبية وبالقطع ~~الإغريقية من الدراخمة ومضاعفاتها. وقد نشطت هذه الجاليات الإغريقية ومن نزح إلى مصر من ~~الإغريق عقب الفتح المقدوني، وتغلغلوا في داخلية البلاد، وكان منها كبار الموظفين ورجال ~~المال على عهد البطالسة. # ولقد وضع البطالسة لموارد الخزانة نظاما مزدوجا في الضرائب، فقسموها إلى قسمين؛ ~~أحدها: ضرائب تؤخذ عينا من الحبوب التي تنتجها الأرض المزروعة، والآخر: ضرائب ~~تؤخذ نقدا من العملات التي ضربوها في مصر باسمهم. أما الضرائب الزراعية؛ فقد كانت ~~تسلم في شون، ثم تنقلها مراكبهم في النيل وترعه إلى المخازن الرئيسية بالإسكندرية. ~~وأما الضرائب النقدية - وهي رسوم ومكوس تؤخذ على كل ما لا علاقة له بالزراعة ~~كرسوم العقود وضرائب المهن الحرة والاحتكار - فقد عهدوا فيها في أول الأمر إلى ~~ملتزم يرسو عليه العطاء الأكبر في مزايدة علنية. # ولم يلبث أن اتضح خطأ نظام الالتزام ms04 في الضرائب النقدية؛ لأنه نظام وإن صلح في ~~آثينا إلا أنه لا يصلح في مصر لبعد المسافات وصعوبة الإشراف على عمل هؤلاء ~~الملتزمين الذين ساموا الناس الخسف، ونشروا الرشوة في الجباية، وأساءوا إلى البطليموس ~~نفسه، فعدلت الحكومة عن نظام الالتزام، وعينت موظفين من قبلها لجباية الضرائب ~~وإيداعها مصرفا حكوميا يقوم على تحصيلها واستغلالها لحساب الخزانة. # وقد ألقت حفائر الفيوم أخيرا ضوءا على أعمال هذا النوع من المصارف الحكومية فيما ~~اكتشف بها من وثائق تركها «زينون» - أحد مديري هذه المصارف - وفيما اكتشف بالإسكندرية ~~من نصوص لإرادات ملكية تعرف بقوانين الإيرادات كان البطليموس «فيلادلف» يرسلها إلى ~~مديري هذه البنوك وموظفيها كمنشورات أو لوائح يجب العمل بها. # ومما يؤسف له أشد الأسف أن وثائق «زينون» موزعة على عدة متاحف، فبعضها ~~بمتحف القاهرة، والبعض الآخر في متاحف الولايات المتحدة، وإيطاليا، وكولومبيا. وكان من ~~الواجب أن تحفظ سجلات «زينون» وملف أعماله في متحف القاهرة، وأن تترجم كلها، فلا ~~يترجم بعضها ويبقى البعض الآخر بغير ترجمة. ومما يؤسف له أيضا أن قوانين ~~الإيرادات قد أضرت بها رطوبة الإسكندرية التي تتلف ورق البردي؛ ولذلك اضطر كثير ممن ~~ترجموها أن يملئوا الفراغ الذي أحدثه التلف بفروض ظنية قد تصيب وقد تخطئ؛ ومن ثم ~~يقوم الخلاف عند الباحثين فيها. # ولقد اطلعت على الترجمة الإنجليزية لهذه الوثائق وعلى رسالة قيمة وضعها العالم ~~الألماني «فلكن # Vulken ~~» عنوانها: # Accentuke aus der Kongishen Bank Theben ~~؛ أي توضيح ~~البنك الملكي في طيبة. # وأستطيع بعد هذا أن أؤكد لحضراتكم أن مصر قد عرفت نظام البنك المركزي بمعنى الكلمة، ~~وأن هذا البنك المركزي كانت له فروع وشون بمختلف البلاد المصرية الهامة، وأنه استعمل ~~في أساليبه ومحرراته ما لا يختلف كثيرا عما هو متبع الآن. # وثبت من وثائق «زينون» أن «أبولونيس # Appolonios ~~» ~~مدير المصرف الملكي بالإسكندرية، و«زينون» مدير المصرف بالفيوم، «وبيتون Python ~~» مدير فرع آخر، جرت بينهما مكاتبات لتنظيم ~~العمل في الفروع. وفي هذه الأوراق ما يفيد أن أجور العمال وأثمان السلع الموردة ~~للخزانة العامة كانت تدفع ms05 بتحاويل كأنها شيكات، وأن أذون التوريد وقسائم الدفع ~~وإيصالات القبض من هذا البنك وفروعه كانت تحرر في عبارات قريبة جدا مما ~~تستعمله البنوك في الوقت الحاضر. # ومن التعديلات الهامة التي أدخلها البنك المركزي المصري على نظم البنوك الآتية: ~~أنه أبطل العمل بالأوامر الشفوية، ونص على ضرورة الاعتماد على الكتابة في جميع ~~العمليات المصرفية. فضلا عن التوسع في أعمال المصرف من فتح حسابات جارية إلى ~~قبول ودائع وإعطاء سلفيات لأغراض مختلفة، مع تقديم رهون وضمانات شخصية ~~وعينية. # وكانت الأوامر الملكية تلزم مديري المصارف بضرورة استغلال الأموال الملكية، ~~وتحتم عليهم أن يأخذوا رهونا عند إقراضها للأفراد حتى لا تضيع. وكانت هذه المصارف ~~أيضا تستغل الأموال المودعة فيها وتعطي عنها فوائد إذا بقيت فيها وقتا طويلا. وكان ~~فيها خبراء في المعادن والنقود ومراجعو حسابات، وكانوا جميعا يؤدون قسما قبل ~~مباشرة أعمالهم على أن يؤدوا بالذمة والأمانة، وكانوا يعاقبون أشد العقاب ~~إذا أهملوا في أعمالهم أو بددوا تلك الأموال المسلمة إليهم على اعتبارها أموالا ~~عامة. # ولم يكن البنك المركزي الملكي يقصر نشاطه على المعاملات الداخلية، بل كان يمول ~~التجارة في البحر الأبيض المتوسط، ويتعامل أيضا في قروض مع الدول الأخرى. وقد ~~طلبت قرطاجنة من البنك الملكي في عهد «فيلادلف» أن يقرضها قرضا دوليا لتستعين ~~به في حربها مع روما، ولكنه رفض حتى لا يغضب روما. ولكن بنوك روما عندما طلب منها ~~بنك «أوليت» أن تقرضه اشترطت شروطا قاسية منها أن يرهن البنك المصري جميع إيرادات ~~الدولة ضمانا للقرض. # ونستطيع بعد هذا كله أن نقول: إن ذلك البنك المركزي المصري عندما كان مملوكا ~~للحاكم يوجه منه سياسة البلاد الاقتصادية كان صورة من التأميم الفعلي، على اعتبار ~~أن مالية الملك في تلك العصور القديمة كان قوامها الخزانة تدخلها جميع إيرادات ~~الدولة، ثم يصرف منها جميع ما كان ينفقه على الحرب ومشروعات الإصلاح العامة في ~~بلاده. # ومن المهم أن نذكر أن ذلك المصرف الحكومي وفروعه قد انفرد بإدارتها والتعامل ~~معها الإغريق. أما المصريون فقد ابتعدوا عنها مفضلين ms06 خزن غلالهم بمنازلهم وعند ~~الضرورة يتعاملون مع الشون. # وقد علل ذلك بعض المؤرخين بفقرهم ولكون الضرائب الإضافية كانت تفرض على ~~المصريين بين وقت وآخر، ومنها ما يؤخذ للترفيه عن الحكام وضيافتهم في حفلات وولائم ~~فخمة. من ذلك ما جعل كهنة إيزيس يكتبون على مسلة «الفيلا» شكوى لربهم مما حل بهم ~~من ضنك بسبب إطعام الجنود والقادة في تجوالهم بالأقاليم القبلية. ومن ذلك أيضا أن ~~نبيلا رومانيا وفد على مصر في سياحة ومعه حاشيته يحمل أمتعتها أربعون حمارا، ~~وكانوا يجوبون البلاد بدعوة من الحكومة، ويرغم المصريون على الاكتتابات للاحتفاء بهم. ~~ولهذه الأسباب امتنعوا عن إيداع نقودهم في البنوك حتى لا تؤخذ منهم في تلك الضرائب ~~الإضافية والاكتتابات الجبرية، بينما الإغريق - وهم الأغنياء - لا تمتد إليهم أيدي ~~الجباة وكبار الموظفين من أبناء جنسهم الذين استعمروا البلاد. # البنوك عند الرومان # ولما فتح الرومان مصر بعد هزيمة كليوباترة سنة 532م، أدخلوا كثيرا من التعديلات ~~على نظم البنوك الخصوصية والعمومية التي سبق لهم أن نقلوها عن الإغريق والبطالسة. ومن ~~أهم هذه التعديلات أنهم أباحوا للأفراد اتخاذ البنوك حرفة لهم، وقد كان البطالسة لا ~~يسمحون بذلك إلا بعد تصريح من المتعذر أن تعطيه الحكومة؛ مما جعل أغلب المؤرخين ~~يذهب إلى القول بأن البطالسة قد احتكروا أعمال البنوك وجعلوها ملكا للدولة. # وعلى العكس كانت روما تعد مهنة البنوك تجارة حرة، وكان مديرو هذه البنوك ~~الخصوصية منفصلين تماما عن مديري خزانة الدولة. وقد عرفت روما هذا النوع من البنوك في ~~القرن الرابع قبل الميلاد، وكان يقوم به جماعة من الصيرفيين عرفوا باسم # Argentarû # فتحوا حوانيت إلى جوار الفورم وفي ~~الأحياء القريبة منه. وكانوا يتجرون في المعادن النفيسة - وبنوع خاص الفضة - بيعا ~~وشراء، ويقرضون النقود بالفائدة. وكان بعضهم من أصل أجنبي من الإسبان الرومانيين ~~والإغريق والفينيقيين. # ولما انتصرت روما على قرطاجنة سنة 146ق.م، اضطرت إلى تنظيم ماليتها وشئونها ~~الاقتصادية لتسير بخطوات ثابتة في بناء إمبراطوريتها العظيمة. فجعلت خزائنها تؤدي ~~أعمال المصرف الحكومي للدولة، وجعلت لها عشر فروع في المستعمرات ms07 أهمها فرع الإسكندرية ~~لمصر ولما جاورها من بلاد أفريقية. وهذه الفروع تجبي ضرائب الصادرات والواردات ~~وتحصل الجزية وترسلها للخزانة في روما. وكانت خزانة روما تقرض المستعمرات وتحاسبها ~~على الفائدة إذا هي تأخرت في دفع ما عليها من جزية. # أما البنوك الخصوصية، فكانت تقوم على أموال مؤسسيها وأموال الأثرياء من الحكام ~~وأغنياء الرومان. وكانت هذه البنوك تفتح الحسابات الجارية وتقبل التحاويل، ولها دفاتر ~~منظمة، منها ما نسميه الآن بدفتر الصندوق ودفتر اليومية ودفتر الأستاذ. وإلى ~~بنوك الرومان يرجع الفضل في وضع الأصول لطريقة مسك الدفاتر الحالية. # وكان المقرضون يتعاملون في أغلب الأحيان بأكثر من الفائدة القانونية؛ مما اضطر ~~المشرع الروماني إلى استعمال القسوة؛ فنص على مصادرة قسم كبير من أموال الدائن ~~والمدين إذا ثبت عليهم التعامل بالربا. فلجأ بعضهم إلى التحايل على القانون ~~بطريقة البيع المعروف «بالغاروقة» أو بطريقة بيع السلم، ولما شددت الحكومة على ~~المرابين نزح كثير منهم إلى مصر - التي ابتليت منذ القدم بالأجانب المشتغلين لها - ~~فأقرضوا تحت أعين حكامها الرومانيين ورعايتهم بفائدة بلغت 80٪ في كثير من ~~الحالات. # ولقد كان الربا متأصلا في نفوس الرومان. وكانت عقود الاقتراض تبيح للدائن ~~أن يسترق مدينه عملا بالشرط الذي يلزم المدين أن يضع نفسه تحت تصرف الدائن إذا ~~عجز عن الوفاء. # ومع هذا لا يفوتنا أن نذكر هنا أن القانون الروماني قد وضع القاعدة التي نقلها ~~المشرع الفرنسي ومن أخذ عنه، وهي إمكان اتخاذ دفاتر البنوك حجة على المتعاملين ~~وغيرهم، ودليلا من أدلة الإثبات في الدعاوى التجارية. # العصور الوسطى # ننتقل بعد ذلك إلى ما يعرف عند المؤرخين بالعصور الوسطى، وهي فترة احتضار ~~الإمبراطورية الرومانية بين سقوط شقيها الغربي والشرقي، وتلك حقبة من الزمن سادت ~~فيها العقائد الدينية عند المسيحين والمسلمين على السواء. أما في البلاد الإسلامية ~~فعلماء الشرع لا يرون التعامل بالربا، وأما في البلاد المسيحية فقد كان رجال ~~الدين يحرمون إقراض النقود بالفائدة وقد سموها الربا، ويحرمون أيضا إقراض السلع ~~المستهلكة كالحبوب إذا كان ردها أكثر مما أعطيت؛ لذلك انفرد اليهود ms08 بعمليات ~~الإقراض في مختلف الدول، وأرهقوا الناس بشروط فادحة جعلتهم موضع الكراهية والمطاردة ~~والاعتداء في كثير من البلاد. # ولكن الظروف السياسية والاقتصادية - وخصوصا في بيزنطة التي ورثت تقاليد الإغريق ~~والرومان - جعلت الكنيسة تتسامح تدريجيا، فلا تأخذ محاكمها بالشدة من يتعامل ~~بالفائدة. وجاء بعض الباباوات يجيز التعامل بالفائدة على أن تكون قليلة وحمى بعض ~~المقرضين بالفعل، بل توسط لهم في تحصيل ديونهم كي يمنع عبث اليهود وسيطرتهم على ~~مرافق التجارة والمال. فنشطت على أثر ذلك شركات صغيرة مكونة في الغالب من أفراد ~~عائلة واحدة غنية تقوم بأعمال البنوك بمالها، وربما أمدها حاكم أو غني مستتر ~~بماله أيضا. وقد أقرضت الأفراد والحكومة والنبلاء واستظلت بظلهم تستمد منه الجاه ~~والمعونة وتدفع به الأذى عن نفسها. وكثيرا ما اقترضت الحكومات والبلديات من هذه البنوك ~~لتشتري الحبوب في أوقات المجاعة أو لتنفق على الحروب، وكتبت للبنوك صكوكا ~~بالدين وفوائده ومواعيد دفع أقساطه؛ فكان من ذلك أساس الديون العامة وصلة البنوك ~~بها. # ولهذا فقد رأى بعض الحكام أنه لا مفر من تعضيد هذه الشركات، بل لا بد له من ~~خلقها لتقف إلى جواره في الأزمات ولتساعده في التجارة، فنجد حاكم البندقية ينشئ في ~~سنة 1171 البنك المعروف ببنك # Bank of Wenice # باكتتاب ~~جبري فرضه على الأغنياء فرضا، وتعهد لهم بضمان ربح لا يقل عن 5٪ سنويا، ثم ~~أشرك الحكومة معهم بالمال، وجعل على إدارة ذلك البنك موظفين يعينهم لإدارته. # وقد نجح ذلك البنك المركزي شبه الحكومي نجاحا كبيرا دفع بلادا أخرى إلى تقليده؛ ~~فقام على قواعده بنك سانت جورج وبنك برشلونة في القرن الرابع عشر. وأخذت الفكرة ~~تنتشر من بلد إلى آخر حتى أخذ بها الهولنديون حين كبر ملكهم ونشطت تجارتهم بعد ~~توسعهم الاستعماري، فأنشئوا في أمستردام بنكها المعروف # Bank Amesterdam-“Bank van Wissel” # سنة 1609 في كنف الحكومة وتحت ~~إدارتها بواسطة موظفيها. # وقد أساء الموظفون الهولنديون إدارة ذلك البنك وعبثوا بأمواله، وعمل تحقيق في سنة ~~1760 اتضح منه أن الودائع التي كانت مقدرة في الدفاتر بمبلغ 30000000 ms09 جلدر لا ~~يوجد منها في خزائنه سوى مبلغ 10000000 جلدر، وأن الموظفين قد سرقوا ما لا يقل عن ~~ثلثي أموال البنك أو 66٪ منها. واضطرت الحكومة أن تعمل على دعمه؛ لأنها مسئولة عن ~~أعمال موظفيها وضامنة للأموال المودعة فيه، ولكن عبث الموظفين لم يلبث أن اتضح مرة ~~أخرى، فحين احتلت فرنسا هولاندا سنة 1790 وراجعت حساب البنك ظهر أنه مفلس بسبب ~~تلاعب الموظفين واقتراض البلدية منه قروضا للبذخ؛ فاضطرت الحكومة الهولندية إلى أن ~~تصفي أعماله وأن تدفع جميع ديونه. # شركات «جون لو» # ومن القصص الطريفة التي يرويها كتاب تاريخ البنوك لما فيها من دروس وعظات؛ قصة ~~رجل اتفقت الآراء على أنه من أكبر نوابغ العالم في شئون المال، ولكنها اختلفت في ~~حقيقته؛ فمن قائل إنه أكبر محتال مغامر عرفه التاريخ، ومن قائل بأنه رجل نزيه ~~ولكن الظروف خانته؛ ذلكم «جون لو # John Law ~~»، رجل ~~استكتلندي الأصل على أعظم جانب من التحصيل العلمي والثقافة الاقتصادية، وضع رسالة ~~قيمة سنة 1700 عنوانها # Money and Trade Considered ~~، ~~ضمنها مشروع بنك مركزي يكتتب في أسهمه أربعون من كبار الماليين ليكونوا شركة تصدر ~~الورق النقدي، وتغطيه بقروض ورهون على الأراضي؛ فتفيد من ثمرتها وتقوي من غطائها ~~في الوقت ذاته، ولما لم يؤمن بمشروعه أحد في اسكتلندا أو إنجلترا شد الرحال إلى ~~خصوم الإنجليز في فرنسا المتعطشة لمنافسة إنجلترا في التوسع الاستعماري والمالي. # رحب وصي العرش الفرنسي ب «جون لو» الذي وطد الصلة به وأقنعه بضرورة إنشاء بنك ~~بأموال الحكومة. ولكن أصحاب البنوك الخصوصية ورجال المجلس المالي بفرنسا ناهضوا ~~المشروع، فعدله إلى مشروع إنشاء بنك مملوك للأفراد وتحت إشراف الحكومة، فقبل الوصي ذلك ~~وأعطاه امتيازا بالبنك وسط ضجة في البرلمان سنة 1716، وبدأ بنكه المسمى # Banque Générale ~~، فأصدر ورقا مغطى 100٪ بالذهب ~~والفضة، ونجح في أعماله نجاحا كبيرا وأدى خدمة كبرى للفرنسيين؛ إذ اضطر البنوك ~~الأخرى إلى تقليل سعر الفائدة التي كانت تقرض بها الأفراد والحكومة. # ولو أن الرجل وقف عند هذا الحد لكان من المفلحين. ولكن الطمع دفعه ms10 إلى الاستزادة ~~من النجاح، وجعله يحصل من الملك عقب بلوغ رشده على امتياز بإنشاء البنك الملكي # Banque ~~Royale # لإصدار الورق ~~النقدي دون أن يكون مجبرا على دفع قيمته بالنقود المعدنية؛ فسبب بذلك تضخما في ~~الورق النقدي صور للناس رخاء كاذبا، ودفعهم إلى تأسيس شركات كثيرة من النوع ~~الذي تمليه ظروف التضخم، بعضها نافع وبعضها خيالي. ولعبت الوطنية أيضا دورا ~~خطيرا في إنشاء تلك الشركات التي قصد بمعظمها إغاظة الإنجليز وصراع شركاتهم التي تعمل ~~في أمريكا وآسيا. # وانتهى الأمر بإفلاس البنك وشركاته ووقوع فرنسا في أزمة طاحنة دامت خمس سنوات. ~~أما أغنى رجل في العالم فقد أضحى طريدا يتسول في الطرق حتى رتبت له إنجلترا ~~معاشا مكافأة له على إفساد مالية عدوها اللدود فرنسا. # بقيت آثار هذه النكبة عالقة بأذهان الفرنسيين زهاء نصف قرن، حتى جاء رجل من ~~كبار الماليين بجنيف سنة 1776، واستصدر من حكومتها امتيازا بإنشاء بنك # Caisse d’Escompte # له حق إصدار الورق النقدي، على ~~أن يودع الخزانة الفرنسية مبلغا معينا من سنداتها تأمينا لما يصدره ~~بموافقتها، ولكنه اضطر تحت ضغط الحكومة وطلباتها المتكررة أن يصدر ورقا لا يمكنه ~~أن يعطي بدله نقودا معدنية، فتوقف عن الدفع، وتدخلت الحكومة لإنقاذه؛ فاسترد ~~مكانته في سني 1777 و1779، ولكن الحكومة عادت ترهقه بالاقتراض حتى بلغ مجموع ما ~~اقترضته منه 15000000 فرنك أرادت أن تسويها بأوراق أصدرتها الخزانة اسمها # Assignats # قبيل الثورة الفرنسية، ذكرت أن الغرض ~~منها شراء أملاك الكنائس ورجال الدين لضمها إلى أملاك الدولة، وتعهدت في تلك ~~الصكوك بأن تدفع عنها فائدة، فأقبل الناس عليها طمعا في الربح، وأكثرت الحكومة ~~من إصدارها حتى بلغت 45500000000 فرنك فنزلت بذلك قيمتها. واضطرت الحكومة أن تصدر ~~بدلا منها صكوكا أخرى عرفت باسم # Mandats # غطتها ~~برهن ممتاز على بعض أملاك الجمهورية، ولكنها لم تفلح لفقد الثقة بها، فهوت إلى ~~الحضيض، ولم تجد الحكومة بدا من إلغائها تماما سنة 1797. # الفصل الثاني # | البنك المركزي في إنجلترا وفي فرنسا وفي ألمانيا وفي روسيا وفي الولايات المتحدة # بنك إنجلترا ms11 # ندع تلك البنوك التي أنزل عليها التاريخ ستاره لنتكلم عن أهم البنوك المركزية ~~القائمة في الوقت الحاضر مبتدئين بعميدها؛ بنك إنجلترا. فهو وإن لم يكن أقدم البنوك ~~الموجودة على قيد الحياة أو أكثرها مالا، إلا أنه برغم ذلك له مآثر لا تنكر في عالم ~~البنوك وآثار خالدة في السياسة والاقتصاد والاستعمار البريطاني. # رسم الخطة الأولى لهذا المصرف العتيد رجل اسمه «وليم باترسون » سنة 1694، واستعان ~~على تدبير ماله بجماعة من كبار الماليين في حي السيتي، بعضهم من الحزب المعروف بجماعة ~~ال # Whigs # ليقرضوا الملك وليم الثالث # William # 1200000 جنيه ليستعين بها في حربه مع لويس الرابع عشر ~~ملك فرنسا نظير فائدة تدفع لهم سنويا بواقع 8٪ مضافا إليها ما سمي نفقات ~~الإدارة، فيكون مجموع ما يدفع لهم 100000 جنيه سنويا، وعلى أن يكون من حق هذه ~~الشركة أن تحصل على إذن من الحكومة البريطانية بإصدار الورق النقدي، وقد حصلت على ذلك ~~الإذن بعد سنوات قليلة. # ولكن هارلي # Harley # وفولي # Foley # على رأس جماعة من ملاك الأراضي وأعيان الأقاليم والقساوسة ~~والرجعيين من المطالبين بإعطاء الملكية أوسع الاختصاصات المعروفين # Tories # أغاظهم ذلك، فاتهموا منشئ بنك إنجلترا ~~بأنهم انتهزوا فرصة احتياجه للمال وأقرضوه بربا فاحش، ورموهم علنا في البرلمان ~~بأنهم أفاكون خونة. ولم يطل الأمر بحزب الملك حتى ناهضهم بمشروع أعده رجل ~~جماع للمال كان في الأصل طبيب الأمراض النسائية ومولد الملكة آن، اسمه # Dr, Chamberlen ~~، فكون شركة من رجال البلاط وحزب ~~الملك أنشأت بنكا يسمونه بنك الأراضي # Land Bank # له ~~حق إصدار الورق النقدي على أن يغطى برهون على الأملاك الزراعية، وحجتهم في ذلك ~~أنه لا خوف من إصدار الورق طالما هو مغطى بحقوق عينية على الأراضي الزراعية ~~التي تغل إيرادا مضمونا يكفي أيضا لدفع ربح معقول للمساهمين. # وبالرغم من كون الملك وليم قد حاول أن يبقى محايدا في ذلك الصراع، إلا ~~أنه اضطر تحت ضغط الحوادث إلى المساهمة في بنك الأراضي بمبلغ 5000 جنيه. # وقد قام مشروع هذا البنك على أساس قريب الشبه ms12 للمشروع الذي سبق أن وضعه جون لو. ~~وقد فات مؤسسي هذا البنك أن طول مدة الرهن يفقد الأرض سمعتها وقيمتها. وقد ~~ظنوا أن الأرض التي قيمتها مثلا 1000 جنيه إذا رهنت عشرة أعوام أتت بثروة توازي ~~10000 جنيه، وإذا رهنت عشرين عاما أتت بثروة توازي 20000 جنيه وهكذا، وحسبوا أن مثل ~~هذه الثروة تصلح أساسا طيبا للغطاء عند الإصدار. # ولم يكتف خصوم بنك إنجلترا بمحاربته ماليا بل حاربوه دينيا؛ فقد وقف القس ~~الدكتور # Sachervell # خطيبا في كنيسة سانت بول ودعا إلى ~~مظاهرة قامت من هايد بارك لتخريب بنك إنجلترا ونهبه، ولكن الملكة # Anne # آن أرسلت حرسها الملكي فحافظ على البنك وحماه ~~من المعتدين، وقد حفظ البنك لها هذا الصنيع ووثق العلاقات معها. ولكنها اضطرت من ~~ناحية أخرى أن ترضي المناصرين للملكية، فأصدرت لهم امتيازا بشركة # South Sea # محاربة لنفوذ فرنسا في أمريكا. وقد ~~أقحموا الملك جورج الأول، فأجلسوه في رياسة شركات فجة، وجعلوا في عضوية إدارتها بعض ~~ذوي النفوذ ليقبل الجمهور على الاكتتاب فيها. وقد أفلست هذه الشركات وحقق ~~البرلمان في تصرفاتهم، وأصدر قراره بإدانة هؤلاء العظماء الذين غرروا بالشعب ~~وأوقعوه في مشروعات خائبة. # ولقد استطاع بنك إنجلترا أن يقوم بعمله على الوجه الأتم وسط تلك العواصف الحزبية ~~والمالية، ولعل من حسن حظه أن خصومه قد منعوا بنص صريح مساهمي بنك إنجلترا من ~~الاشتراك في بعض شركاتهم. ولكن بنك إنجلترا رغم كيدهم له كان رحب الصدر مع خصومه؛ فلم ~~يمتنع عن بذل المساعدة لإنقاذ أعوان الحكومة من الورطة المالية التي أوقعوا أنفسهم ~~فيها. # ولم يبخل على الحكومة البريطانية بالقروض في الحروب والأزمات التي سببت لها ديونا ~~بلغت في سنة 1750 ما قدر بمبلغ 75 مليونا من الجنيهات، منها لبنك إنجلترا وحده 12 ~~مليونا. وهذا الدين ليس بالقليل في ذلك الوقت على شعب عدده ستة ملايين ونصف مليون ~~نسمة. لقد قبل البنك عن طيب خاطر أن ينزل فائدة دينه إلى 4٪، ثم أنزلها مرة ثانية ~~إلى 3٪، وفوق هذا فقد تكفل بتحويل وحدته ms13 ديون الحكومة المختلفة الأنواع، فأحسن ~~القيام بتلك المهمة التي عهدت إليه بها الحكومة البريطانية. # ولما ولي الحكم العبقري بت الصغير Pitt # أخذ على ~~عاتقه وهو في الخامسة والعشرين من عمره سنة 1783 أن يعمل على تخفيض ديون إنجلترا ~~بتقليل النفقات واتخاذ احتياطي يخصص في الميزانية لاستهلاك الديون. ولكن الثورة ~~الفرنسية لم تمهله، فقد جرت في أعقابها صراعا عنيفا في القارة الأوروبية امتد ~~لهيبه إلى إنجلترا، وأوشك أن يتناولها في مستعمراتها، ولم يكن بد لإنجلترا في أن ~~تقترض لتستعد للحرب التي لم يكن ثمة مفر من الدخول فيها. # ولما كان بنك إنجلترا مقيدا بمقتضى القانون ألا يقرض الحكومة إلا بتصريح ~~من البرلمان، فقد استصدر «بت» قانونا يعفي بنك إنجلترا من هذا القيد، ويطلق يده أن ~~يقترض ما يشاء من ذلك البنك في تلك الفترة الحالكة السواد التي تعلقت فيها مصائر ~~إنجلترا بين الحياة والفناء. وقبل البنك ذلك ولكنه تعرض للإفلاس؛ إذ أكثر من ~~البنكنوت وجاء الناس يطالبونه بالقطع النقدية المعدنية. وهمت الحكومة أن تعفيه من ~~ذلك، وإذا بزعماء المال يجتمعون ويمضون تعهدا ألا يسحبوا أموالهم وألا يطالبوا ~~بالنقود المعدنية. ذلك موقف خالد من مواقف الوطنية العملية، لا بد لنا من أن ~~نذكره بالإعجاب لقوم بنوا مجدهم على الأخلاق والتضحية. # ولما انتصر الإنجليز على نابليون عادت الثقة إلى المالية البريطانية، وجاءت الأموال ~~والسبائك المعدنية تتدفق على البنك وغيره من البنوك الأخرى، وأعادت الحكومة العمل ~~بالمادة التي كانت تحرم على بنك إنجلترا ألا يقرضها إلا بعد استئذان ~~البرلمان. # ولم تكن شدائد الحروب فقط هي التي أدى فيها البنك واجبه نحو بلاده، بل أدى ذلك ~~الواجب في أزمات السلم أيضا عندما عمت ضائقة نقص المحاصيل الزراعية، ونشأت مفاجآت ~~التنافس الصناعي وتخبط شركات التأمين التي تعرضت فيها بنوك إنجلترا وشركاتها ~~للخراب فعلا، فتقدم بنك إنجلترا وقاد السفينة قيادة ربان ماهر فنجت بأقل الخسائر ~~الممكنة. # ولقد كانت لهذا البنك اليد الطولى في إقالة عثرات كثير من الشركات الاستعمارية، ~~وفي إنشاء البنوك التي تعمل في الخارج لمصلحة ms14 التجارة والاستعمار البريطاني. وكم ~~كلفته الحكومة البريطانية سرا وعلنا أن يمد هذه الشركات بالمعونة. وحسبه أنه ~~مكن للحكومة البريطانية أن تشتري موجودات شركة الهند الشرقية عندما قرر البرلمان ~~ضمها إلى التاج ليحكم الهند، وأنه أعطى تلك الحكومة أيضا المبلغ الذي دفعته ثمنا ~~لأسهم شركة قنال السويس عندما عرضها الخديو للبيع بثمن بخس. # لم يكن من المستغرب بعد هذا كله أن تنظر إليه الحكومة والشركات والأفراد في ~~إنجلترا نظرة الإعجاب بما انطوى عليه من رعاية مصلحة الجميع؛ فقد لمسوا قيمة تلك الخصال ~~التي طبع عليها مساهموه وإدارته على مرور الزمن وتعاقب الأحداث. # ولقد وصف هذا البنك # Walter Pagehot # أدق وصف وأوجزه ~~في كتابه # Lombard Street # الذي طبع سنة 1873 فقال: ~~«إن بنك إنجلترا قد نجح؛ لأنه عرف أن يؤدي واجبه في نظر ثاقب لا يحابي أحدا، ~~بل يعمل للمصلحة العامة وحدها، فيدخر في وقت الرخاء احتياطيات هائلة يتقدم بها ~~مخاطرا في أوقات الشدائد لينقذ بلاده.» وقد أعجب بهذا الوصف اللورد كنيس، ~~فقال عنه في سنة 1926: «إنه قد أمم بنك إنجلترا بتلك العبارة الجامعة منذ خمسين ~~سنة مضت.» تلك نبوءة صدقت قولا وتأويلا؛ فقد تحققت سنة 1945 عندما أممته ~~الحكومة، ولم يشعر أحد بأقل فارق. # بنك فرنسا # ذلك بنك إنجلترا قام على أموال الأفراد، وتدرج مع الزمن في تقاليد جعلته يضع ~~مصلحة الإمبراطورية في المقام الأول، هو بنك يختلف بعض الاختلاف عن بنك فرنسا الذي ~~أنشئ سنة 1800 في عهد نابليون الذي لم يقصر كل همه على الحروب، بل نهض بفرنسا في ~~الاجتماع والقانون والمال. # تأسس بنك فرنسا برأس مال قدره 30000000 فرنك مقسم إلى أسهم قيمة كل سهم ~~منها 1000 فرنك، كتبت فيه الحكومة بما قيمته 5000000 فرنك، والباقي من رأس المال اكتتب ~~به الأفراد والشركات، ثم زيد رأس ماله سنة 1948 عندما ضمت إليه تسع بنوك إقليمية صارت ~~ضمن فروعه المنتشرة في فرنسا. # نشأ هذا البنك أول أمره شبه حكومي خاضعا لسلطان الحكومة الفرنسية إلى حد كبير؛ ~~فهي مساهمة فيه، ms15 ولا رأي غير رأيها في إدارته وسياسته. وقد احتكر إصدار البنكنوت في ~~فرنسا، وأكثر من إصداره بالنسبة لبنك إنجلترا؛ لأن الفرنسيين لا يستعلمون الشيكات ~~بالكثرة التي يستعملها الإنجليز. # وتستودع الحكومة الفرنسية هذا البنك أموالها، ويقوم لها بخدمات كبيرة بغير أجر، ~~وتستطيع دائما أن تلزمه بتقديم قروض لها، ولا يقتصر عمله على الحكومة والبنوك، بل ~~يتعامل مع الأفراد ويحفظ لهم الودائع، ويعطيهم خطابات الاعتماد، ويشتري ويبيع لهم ~~الأوراق المالية في البورصات. وهو في هذا يخالف ما كان الإجماع منعقدا عليه من ~~ضرورة ابتعاد البنوك المركزية من التعامل مع الأفراد. # وقد وجه بعض الكتاب إلى هذا البنك انتقادين؛ أولهما : أنه بالغ في كثير من ~~المواقف في جمع السبائك المعدنية الذهبية منها بوجه خاص عملا بالأساليب ~~الكلاسيكية التي تعتبر المعادن النفسية عنوان الرخاء وعماد الثبات في سعر العملات. ~~وثانيهما: أنه كان خاضعا خضوعا أعمى لأوامر وزارة المالية الفرنسية، لا يناقشها ما ~~تطلبه من قروض، ولو كانت عقيمة أو كانت بواعثها العمل على تصوير التوازن لميزانيات ~~ملفقة؛ مما أدى إلى هبوط الفرنك. # ومهما يوجه إليه من انتقاد فمن حقه عليها أن تذكر له أنه قد أدى واجبه هو الآخر ~~نحو بلاده في حروبها وأزماتها، وفي نشر استعمارها وتجارتها قبل أن يتحول كزميله بنك ~~إنجلترا إلى بنك مؤمم مملوك للدولة. # الريشبنك في ألمانيا # ومن النماذج الفريدة في بابها: بنك الريخ الألماني، الذي أنشئ في سنة 1875 بعد أن ~~توحدت ألمانيا وانتصرت على فرنسا في الحرب السبعينية. وكان من المتعين أن يوجد ~~نظام الإصدار الذي كانت تقوم به بنوك الدويلات من قبل، وأن يكون للإمبراطورية الجرمانية ~~بنك مركزي تقوم عليه نهضتها الاقتصادية التي يجب تجنيد القوى لتسرع فتحتل ألمانيا ~~المكان اللائق بها؛ ولهذا كان من خصائص النظام الألماني أن يجعل البنوك على صلة ~~وثيقة بالصناعة على عكس النظام الإنجليزي والفرنسي - ولا يماثل النظام الألماني ~~إلا نظام النمسا والمجر واليابان قبل الحرب الماضي - وأن يجعل البنوك أيضا على صلة ~~كبيرة بالحكومة والهيئات العامة. # لقد جنت الحرب العالمية ms16 الأولى على ألمانيا، وأفقدت برلين سوقا مالية عظيمة كانت ~~تمتاز بكونها تقترض لآجال طويلة في حين أنها هي تقترض لآجال قصيرة، كما جنت ~~أيضا على بنك الريخ الذي وإن استطاع بمهارة فائقة أثناء تلك الحرب أن يمول ألمانيا ~~وحلفاءها الذين كانوا عبئا ثقيلا عليها لقلة مواردهم، إلا أنه خرج منها منهوك ~~القوى غارقا في خضم من الورق النقدي الذي فقد قيمته سنة 1923 حين أعلنت الحكومة ~~الألمانية عجزها عن سداد ما عليها، ومد لها الحلفاء يد المساعدة لتستطيع أن تدفع ~~لهم ما فرضوه عليها من ديون. # أعاد الحلفاء بنك الريخ سنة 1924 في نظام جديد فرض عليه طبقا لمشروع داوز # Dawes # أن يبتعد عن الحكومة، وأن يعين في مجلس إدارته ~~قوميسيرا أجنبيا، ثم جاء مشروع «يونج» فأحل خبيرا أجنبيا محله. ولكن هتلر أرجع ~~البنك تحت سيطرة الحكومة وجعله مسئولا أمام الفوهرر، ولو أن أسهمه تحملها ~~الأفراد. ولقد لعب هذا البنك دورا خطيرا أثناء الحرب العالمية الثانية في تمويل ~~ألمانيا، وكان واسطة التعامل بين الدول المحتلة التي ربط عملاتها بعملته في نظام ~~محكم للتبادل التجاري بزعامة المارك في منطقته التي أخضعتها جيوش الألمان قبل ~~هزيمتهم، وجعلت عملتها متصلة بالمارك اتصال الإسترليني بالعملات التابعة ~~له. # نظام روسيا الشيوعية # أما روسيا فإنها أنشأت بنكها المركزي ملكا للحكومة سنة 1860 في العهد القيصري. ~~ولكنها أسرفت في الاقتراض منه وفي حمله على إصدار ورق نقدي كان يعوزه الغطاء السليم. ~~فكان النظام القيصري مضرب المثل على فساد الإدارة الحكومية حين تسيطر على بنك ~~الدولة. # وقد تغير هذا النظام على أيدي البلاشفة الذين جعلوا الغابات والمزارع والمصانع ~~والمواصلات كلها ملكا للدولة، وهي التي تقوم بالتوزيع في نظام متماسك متشابك ~~يعود بالنفع على الأمة في مجموعها - كما يقولون - وجند فيه الأفراد في مختلف طرائق ~~الإنتاج التي تقوم بالصرف عليها ميزانية ضخمة تجمع في ميزانيات الاتحاد السوفيتيي ~~بإشراف الهيئة التشريعية المركزية، وهذه الميزانية هي التي تمد البنك الحكومي بالمال ~~طبقا لما يرسم له من خطط. # ومنع هذا النظام سنة ms17 1921، وأعطي البنك حق إصدار ورق النقد «البنكنوت»، وقد حصر ~~فيه بمقتضى القانون حق امتلاك الذهب، سواء ما يوجد منه في البلاد أو ما يستورد من ~~الخارج، وكذلك له وحده حق امتلاك المعادن التي تقرب منها القطع المعدنية، وحق امتلاك ~~العملات الأجنبية التي توجد أو ترد إلى روسيا. # وقد استطاع هذا البنك بعد مجهود عنيف أن يثبت العملة الروسية، وهو المسئول عن غطاء ~~النقد وكل ما يتعلق بالعملات، وتحت تصرفه بنوك صغيرة منتشرة في البلاد تقوم ~~بالقروض الطويلة الأجل. أما القصيرة الأجل فهي من حق بنك الحكومة الرئيسي ~~وحده. # ومهمة هذا البنك أن يمول الإنتاج بمختلف أنواعه من يوم أن يبدأ الإنتاج إلى آخر ~~مرحلة يباع فيها. ويزعم البلاشفة أن نظامهم مرن يجعل النقود لا تبقى عاطلة ~~أية مدة، مع أنه يخضع المقترض إلى إشراف حكومي وتوجيه يقيدانه. ~~فإذا أخفق حقق معه لمعرفة أسباب الإخفاق، فإذا كان العمل الذي اقترض من أجله مجديا ~~استمر فيه، وإلا منع منه وسئل عن نتائج أخطائه. # وتدخل أرباح هذا البنك وخسائره في الميزانية العامة. أما موارده فتأتيه من ودائع ~~مخصصة للإنتاج وتنفيذ برامج أعدت للصناعة ولتمويل الإنتاج في المزارع التعاونية ~~ومن احتياطي خاص يؤخذ من أرباحه، فضلا عما تخصصه له الميزانية العامة ~~للاتحاد سنويا. # وهذا البنك مسئول أكبر المسئولية عن جعل كمية النقود وحركتها مطابقتين لحاجات ~~البلاد، وهو وحده الذي يستطيع أن يتعامل مع البنوك الخارجية، وعند اللزوم يصدر له قانون ~~بتحديد سعر العملات الأجنبية. # الطريقة الفدرالية في الولايات المتحدة # نترك العالم القديم لننتقل إلى توأمه الحديث الاكتشاف الذي قام كيانه الاقتصادي على ~~أكتاف جماعات نشيطة هاجرت إليه زرافات ووحدانا معظمهم من القارة الأوروبية؛ لدواع ~~دينية، أو سعيا وراء الرزق في استخراج المعادن النفيسة، أو فلاحة الأرض. ولقد ~~كانت تلك القارة مسرحا لمعارك طاحنة بين هؤلاء الأقوام، بل أيضا بين بعضهم وبين ~~الإنجليز في حرب انتهت باستقلال الولايات المتحدة. # وإن لنا في تاريخ الولايات دروسا يجب الانتفاع بها حين تتطور من بلاد كان جل ~~اعتمادها ms18 على الزراعة، إلى بلاد تجمع بين الزراعة والصناعة في أرقى الأساليب المبتكرة ~~التي باتت يحسب لها أكبر حساب في المنافسة الدولية والتهيؤ لانتزاع أسواق المال ~~من القارة الأوروبية. # ونظام بنوكها المركزية المتحدة في إدارة عامة جاء وليد تجارب قاسية مرت بها ~~البنوك والحكومة والأفراد في أدوار متلاحقة من الرخاء والأزمات والاعتبارات ~~الإقليمية المختلفة. # ولقد قضت ظروف هذه الولايات أن تكون الخطوة الأولى إنشاء بنوك الأراضي # Land Banks # في سنة 1686 لمساعدة المزارعين على ~~استغلال أراضيهم. وكان من حق هذه البنوك أن تصدر ورقا نقديا، ولكنها تحت ضغط ~~الحاجة أسرفت في إصداره إلى حد جعل إبداله بالنقود المعدنية متعذرا؛ فجر هذا ~~إلى تضخم سيئ العواقب تلته أزمات مما اضطر الحكومة أن تخطو الخطوة الثانية ~~بإنشاء بنوك حكومية في الولايات # State Banks # أولها ~~بنك # The Bank of the State of Peunysilvania ~~، ثم بنك # The Bank of the State of New York ~~، ثم بنوك أخرى ~~بعضها مملوك للولاية وبعضها مملوك لها وللأفراد مثل بنك # Bank of ~~Indiana ~~، ومضت هذه البنوك في أعمالها تصدر الورق النقدي وتقبل ~~الودائع وتقترض وتقرض، ولكن القروض زادت عن الودائع. # ولما لم تكن هذه البنوك على جانب من القوة والتنظيم يسمح لها أن تنهض بالولايات ~~المتحدة كدولة تسعى إلى هدف في المعترك الدولي، فقد أسست الحكومة سنة 1791 بنكا ~~مركزيا شبه حكومي # Bank of the United States ~~، رأس ~~ماله 10000000 دولار، دفعت منها الحكومة 2000000 دولار، والباقي اكتتب به الأفراد ~~والبنوك. ونقلت عن بنك إنجلترا وتقاليده بعض موارد هذا البنك. وبدأ عمله في فيلادلفيا، ~~واستودعته الحكومة والبنوك والأفراد ما زاد لديهم من مال، فضلا عن كون الحكومة قد ~~اعتمدته في تحصيل مالها أو أداء ما عليها للأفراد. # ولما انتهى امتياز هذا البنك بعد عشرين عاما، وأرادت الحكومة أن تمد مدته ~~لعبت الأهواء السياسية دورا خطيرا فرفض مشروع القانون بصوت واحد في المجلسين، ~~واضطر البنك أن يصفي أعماله في سنة 1811. # نشطت على أثر ذلك البنوك الأخرى نشاطا ضارا، فحدثت أزمات ms19 اتضح منها بوجه قاطع ~~خطأ تصفية ذلك البنك؛ فأنشأت الحكومة بنكا ثانيا على غرار البنك الأول عرف باسم # The Second Bank of the United States ~~، وجعل ~~امتيازه كذلك لمدة عشرين عاما، وقام على إدارته مجلس مكون من عشرين عضوا تنتخبهم ~~الجمعية العمومية للمساهمين وخمسة أعضاء يعينهم رئيس الولايات المتحدة بموافقة ~~الكونجرس. وكان مركزه الرئيسي في فيلادلفيا أيضا وله فروع منتشرة في المدن ~~الهامة. # وبالرغم من كون هذا البنك قد أصلحت فيه العيوب التي أخذت على البنك الأول، ~~وبالرغم من كونه قد قام للحكومة والأفراد بخدمات لا تنكر، إلا أن تدخل الحكومة ~~في إدارته واضطرارها تحت ضغط سياسي لم تقو على مواجهته إلى سحب ودائعها منه ~~وإعطائها للبنوك الإقليمية التي كثر عددها، وساءت إدارتها، كل أولئك سبب للبلاد ~~كارثة مالية جعلت هذا البنك يتوقف عن الدفع في سنة 1841. # ساء الموقف بعدئذ؛ فالبنوك الإقليمية متضاربة السياسة، ومصادر النفوذ الورقية ~~متعددة، ونظمها متغيرة متبدلة، وزاد الموقف سوءا على سوء قيام الحرب الأهلية؛ ~~فأصبح من المحتم بعد هذا أن يصدر قانون في سنة 1863 ينظم أعمال البنوك في ~~الولايات المتحدة. # نص ذلك القانون على نظام يعرف ب # National Banks ~~System ~~، بمقتضاه يتعين على البنوك في الولايات المتحدة أن تملك ~~ضمانا لإصدارها سندات حكومية بقيمة 25٪ مما تصدره هذه البنوك من ورق وما تحفظه من ~~ودائع. عمل هذا القانون على ضبط أعمال البنوك، ومكن للحكومة أن تعترض منها وبين ~~واجباتها في الإصدار، وحدد لها المدة التي يعطى فيها الامتياز بعشرين ~~عاما. # ولكن هذا النظام رغم متانته الظاهرة لم يحل الإشكال الأول، وهو عدم توحيد سياسة ~~البنوك لمصلحته الاقتصاد القومي في الولايات المتحدة. وقد اتضح هذا العيب جليا في ~~أزمة سنة 1907 عندما شكلت الحكومة لجنة # National Monetary ~~Committee # لتبحث أسباب ونتائج تلك الضائقة ... وقد قدمت تلك اللجنة ~~تقريرا لفتت فيه النظر إلى أنه من عيوب ذلك النظام عدم توحيد السياسة، وعدم مرونة ~~النظام نفسه، وضعف السوق المفتوحة لخصم الأوراق التجارية والزراعية، وبالجملة عدم ~~انطباق هذا النظام ms20 تماما على حاجات البلاد. # وكان هذا التقرير أساس التعديل الذي أقره الكونجرس سنة 1913 للنظام الحالي المعروف ~~ب # Federal Reserve System # المتبع الآن في الولايات ~~المتحدة، ومن أهم أغراضه تدبير نظام مرن في إشراف دقيق وتنظيم عام مركز. # قسمت الولايات المتحدة بمقتضى هذا النظام الجديد إلى اثنتي عشرة منطقة، في كل ~~منطقة منها مدينة هامة للاحتياطي بها بنك مركزي له مجلس إدارة مكون من تسعة أعضاء، ~~ويتكون رأس ماله من اكتتاب تدفعه البنوك، وقد تساهم الخزانة العامة للدولة بمبلغ ~~معين تأخذ به أسهما بناء على اقتراح من لجنة # Organisation ~~Committee ~~، ولكن لوزير المالية أن يتصرف ببيع هذه الأسهم إذا ~~لم تعد هناك حاجة إلى امتلاكها. # وكل بنك من هذه البنوك له حرية العمل في استقلال ذاتي يتعامل فيه بالسوق ~~المفتوحة وبالخصم ويتصل بالبنوك المركزية الأخرى. ولكن تشرف على هذه البنوك ~~هيئة مركزية في واشنجتن تسمى # Board of Governors of the Federal ~~Reserve System ~~، ترسم لها خطة العمل الموحد حتى لا تتضارب ~~الخطط. وهذه الهيئة تتكون من سبعة من المديرين يعينهم رئيس الولايات ~~المتحدة بموافقة مجلس الشيوخ. وبهذا فإن اللامركزية تصبح اسمية أكثر منها ~~فعلية؛ لأن هذه الهيئة المركزية تنسق العمل بين تلك البنوك، وتجعلها ترعى رعاية ~~موحدة للاقتصاد الوطني. # ذلك النظام الأمريكي لا نظير له في بلد آخر من بلاد العالم التي في كل منها بنك ~~مركزي واحد. إن هذا النظام الأمريكي بلا شك فذ في نوعه؛ لأنه يقوم على اثني عشر ~~بنكا يتبعها أربعة وعشرون فرعا لها يساهم فيها 6300 بنك. ومثل هذا النظام لم يسمع ~~بمثله في بلاد أخرى، ومن المتعذر - إن لم يكن من المستحيل - أن يطبق في غير ~~الولايات المتحدة. # الفصل الثالث # | وظائف البنك المركزي، رأس ماله، إدارته، الأعمال التي يمتنع عن مباشرتها # (1) وظائف البنك المركزي # بعد أن قدمنا للقارئ نماذج طيبة اخترناها من ماضي الدول وحاضرها شرحا لتطورات ~~أو صفات أو مواقف للبنوك المركزية، يطول بنا الحديث إذا أردنا أن نصف له كل بنك من ms21 ~~البنوك المركزية في الدول المختلفة؛ لذلك حسبنا أن نزجي صورة عامة لنظم هذه البنوك ~~وإدارتها حسب آخر ما وصل إلينا بعد التعديلات التي أدخلتها الدول على بنوكها أثناء ~~الحرب العالمية الثانية وبعدها. فبعض البلاد رأت أن تملك حكوماتها بنكها المركزي في ~~النظام الذي يطلق عليه التأميم، والبعض الآخر جعله شركة بين الحكومة والأفراد، ~~والبعض اختار شركة بين الحكومة والأفراد والشركات، والبعض فضل أنه يكون مملوكا ~~للشركات وحدها. # وإذا كانت الآراء مختلفة على ملكية الحكومات لبنوكها المركزية، فإنه من المجمع ~~عليه أن وظائف البنك المركزي في شكل أو آخر تكاد تكون قائمة على ما ~~يأتي: ~~(1) # إصدار البنكنوت؛ ولهذا كان يسمى البنك المركزي ببنك الإصدار؛ تمييزا ~~له عن البنوك الأخرى. ~~(2) # العمل على تثبيت النقد وجعله مطابقا لحاجة البلاد، وهذا أهم عمل ~~البنك المركزي، حتى قال بعض الكتاب في وصف البنك المركزي إنه ~~البنك الذي يعمل على تثبيت النقد. ~~(3) # القيام بخدمات معينة للحكومة والبنوك، فتستودعه الحكومة مالها وتقترض ~~منه، وهو يعمل على الوقاية من الأزمات وعلاجها إذا وقعت، وهو أيضا بنك ~~البنوك تحتفظ فيه بقدر من مالها وتقترض منه عند الحاجة. ~~(4) # وضع سياسة للبنوك تمنعها من التنافس الضار وتمكنها من تأدية الائتمان ~~على أتم وجه. ~~(5) # القيام تحت رقابة الحكومة بتوجيه الاقتصاد القومي في البلاد. ~~(6) # الاتصال بالبنوك المركزية الأخرى والتعاون معها. # هذه هي الخطوط الخارجية لمهام البنك المركزي يذكرها الكتاب في عبارات مختلفة الشرح ~~والتعليق. # إصدار البنكنوت # إن وظيفة إصدار البنكنوت لمن أخطر وظائف البنك المركزي؛ ولهذا فقد جرى ~~العمل حتى أوائل القرن الحالي على تسميته ببنك الإصدار؛ تمييزا له عن البنوك ~~الأخرى. والأصل أن إصدار العملة معدنية كانت أم ورقية من اختصاص الحكومة؛ لأن ~~النقود تقدر الأرزاق وتنقلها بين الناس. # وتلزم الحكومة البنك المركزي بأن يغطي ما يصدره من بنكنوت بالذهب أو ~~بالفضة أو بهما معا، وبسندات أوراق مالية ثابتة القيمة مستندة إلى الذهب؛ حتى لا ~~ينطلق البنك في الإصدار جزافا، وحتى يكون الناس في أمن من التعامل ~~بالبنكنوت. # وعملية إصدار البنكنوت يجب ms22 أن تهدف إلى ضبط كميته وفقا لمطالب البلاد التي ~~يصدر فيها؛ فالكثرة في الإصدار تسبب تضخما ينزل قيمة النقود ويرفع الأجور ~~وأسعار السلع، والقلة فيه تسبب التقلص الذي يرفع قيمة النقود ويهوي ~~بالأجور وأسعار السلع. # وقد اضطرت الحكومات تحت ضغط الحروب والأزمات إلى تغيير نظم الغطاء ونسبته، ~~فتارة تعفي البنك من اتخاذ الذهب غطاء، وتارة تنقص من النسبة المفروضة فتجعلها ~~الثلث مثلا بدلا من النصف، وتارة تجعل الغطاء من السندات الحكومية لما تدره من ~~فائدة تقاسم البنك فيها. # ولا توجد قاعدة عامة للغطاء. والغطاء الأمثل في نظرنا هو الذي يستند بعضه إلى ~~نسبة قليلة من الذهب وأغلبه إلى سندات الحكومات ذوات السمعة المالية والأثر ~~الأكبر في تجارة الدول. # تنظيم الائتمان # لعل وظيفة البنك المركزي في تنظيم الائتمان هي أدق وظائفه وأخطرها شأنا في ~~حياة الأمم. ولقد ذهب كثير من الكتاب إلى اعتبارها المهمة الأولى التي تتفرع ~~عنها مهماته الأخرى. قد تأثر بهذا الرأي واضع نظام بنك كندا المركزي فقال: إن ~~مهمته تنظيم الائتمان والعملة ومنع تقلبات الأسعار ورفع مستوى الإنتاج ~~والتجارة. # ومما لا جدال فيه اليوم أن الائتمان يخلق مالا لمن لا مال عنده، وأنه ~~كان من أسباب تأخر الدول وخرابها في الأزمنة القديمة جهل الحكومات بأهمية الائتمان. ~~أما الآن فقد غدا الائتمان له القسط الأوفى من عناية الباحثين والحكومات بعد أن ~~كثرت دواعي المال ومعضلاته. وأصبح الاقتصاد الائتماني مفضلا على الاقتصاد ~~النقدي الذي كان يرى جمع النقود وتكديسها المطلب الأول عند الأفراد ~~والحكومات. # إن ثبات الأسعار وثبات سعر الصرف منوطان بالائتمان، وكلاهما منفعل به. فإن قيل ~~إن ثبات الأسعار في الداخل هو المقدم، وإن ثبات سعر الصرف رهين بإرادة ~~الدول الأخرى، فمما لا شك فيه أن تقدم الأمم واستقرار الحياة هادئة فيها ~~أمران يتصلان اتصالا وثيقا بالرفاهية عند الشعوب كافة. # ويعتمد البنك المركزي في تنظيمه للائتمان على وسائل بعضها مادي، والبعض الآخر ~~أدبي، وهي بوجه عام ما يأتي: # أولا: # رفع أو خفض أسعار الفائدة، فيزيد أو ينقص الائتمان فيساعد ms23 أو ~~يعوق سير الأعمال الحرة. # ثانيا: # بيع وشراء السندات والحوالات في السوق المفتوحة، فيخرج المال أو ~~يسحبه ليزيد أو ينقص من الائتمان ليضبطه عند الحد الواجب. # ثالثا: # التدخل بطريق مباشر أو غير مباشر في أعمال البنوك؛ حتى لا ~~تفسد جو المال، أو تسبب مضاربات، أو تساعد على أعمال ~~خائبة. # رابعا: # استعمال النفوذ الأدبي في تهيئة حالات نفسية عند البنوك والشركات ~~والأفراد لتغيير اتجاهات ضارة، أو لتوجيه مفيد، خصوصا إذا كان ~~في مجلس إدارته مديرو بعض البنوك والشركات؛ فإنهم يتأثرون برأيه ~~ويحملون نصحه إلى شركائهم والمتصلين بهم، فيسهل تنظيم الائتمان ~~وتنسيقه بين مختلف البيئات الاقتصادية. # بنك البنوك # اكتسب البنك المركزي بمقتضى ما جرى عليه العمل صفتين؛ الأولى: اعتباره بنك ~~البنوك، والثانية: اعتباره بنك الحكومة. فلزمته الصفتان بالسنن قبل أن ينص عليها ~~التشريع. بل إن بعض البلاد لا نجد فيها تشريعا يفرض على البنك المركزي أي ~~التزام قبل البنوك والحكومة؛ فقد حدث في إنجلترا أن البنوك الإنجليزية وجدت من ~~مصلحتها وقد أصبح بنك إنجلترا موضع ثقة الحكومة أن تستودعه قسما من أموالها. ~~وكذلك استودعته البنوك الإرلندية والاسكتلندية بعض أموالها؛ فمكنه ذلك ابتداء من ~~سنة 1854 من أن يقوم بعمليات المقاصة بين كثير من البنوك. # وإيداع البنوك ما زاد عن حاجتها في البنك المركزي أمر يفيد منه البنك كما تفيد ~~منه البنوك أيضا؛ فيتم لها عن طريق ذلك تعاون يمكنه من رعاية الاقتصاد القومي، ~~ويستطيع في الأزمات وعند كثرة الطلب في الأعمال الموسمية أن يساعدها من مالها ~~المشترك، وأن يوسع نطاق الأعمال على أساس مرن، فيخصم أو يعيد خصم حوالاتها، ~~ويمدها بالمال الذي يسهل عليها به مواجهة الطلبات التي تنهال عليها في الأوقات ~~الحرجة. # وفرض نسبة معينة على البنوك بمقتضى القانون إجراء حديث العهد. ولعل ~~الولايات المتحدة هي أولى الدول التي فرضته بنص قانوني ملزم للبنوك ~~المرخص لها. وقد نقلته عنها قوانين بلاد كثيرة بعد الحرب العالمية الأولى. وهو ~~ضروري عند الدول التي ليست لبنوكها سنن مرعية يقوم بها العرف مقام القانون. ~~وتختلف ms24 النسبة التي يفرضها القانون في بلد عنهما في بلد آخر، فبعض البلاد يجعلها ~~10٪ من الودائع التي تحت الطلب و20٪ من الودائع المؤجلة، والبعض الآخر يزيد أو ~~ينقص في الحالتين. وأحسن نظام في نظري هو نظام أستراليا الذي يجعل تحديد النسب ~~متغيرا وخاضعا لما يتم عليه الاتفاق بين البنك المركزي وبين وزير ~~المالية. # ويقوم البنك المركزي بإعادة خصم الحوالات للبنوك التجارية. وفي النادر جدا أن ~~تقوم بعض البنوك بخصم حوالات الأفراد إلا في ظروف معينة، وبشروط معينة ~~سنتكلم عليها فيما بعد. وقد كان المتبع في بنك إنجلترا إلى قيام الحرب ~~العالمية الأولى ألا يخصم إلا الصكوك التجارية القصيرة الأجل، وكانت معظم ~~البنوك المركزية تقلده في هذا، وسبب ذلك يرجع إلى ضرورة عدم الإسراف في الخصم؛ ~~حتى لا ينضب معين البنك المركزي إذا تعرض لخصم يستبقي ماله معطلا خارج ~~البنك لوقت طويل، في حين يجب عليه أن يكون ماله جاهزا تحت تصرفه استعدادا ~~للطوارئ وليكثر من حركته فيؤدي به عدة طلبات. ولكن ظروف الحرب الأولى والثانية ~~غيرت كثيرا من القيود التي كانت موضوعة على الخصم أو إعادته . # وقد أصبح الرأي السائد الآن أنه يجب ألا ترهق الحكومات بنوكها ~~المركزية بنصوص تشريعية وقواعد لا ضرورة لها تحد من نشاطها. وفي هذا الصدد يقول # M. H. De Kock ~~: إنه من المتعين ألا نثقل ~~كاهل البنوك المركزية بالأوامر والنواهي التشريعية، بل الأفضل أن نرسم لها نظما ~~مرنة تمكنها من مواجهة الظروف بما لديها من خبرة وبما يراه مجلس إدارتها من ~~علاج لبعض المواقف. # بنك الحكومة ومستشارها # من مهام البنك المركزي أن يقوم للحكومة بخدمات منها حفظ أموالها، وإقراضها، ~~وإبداء النصح لها في كثير من الحالات. وهو بهذا بنك الحكومة؛ تحفظ فيه ودائعها ~~الثمينة ونقودها، وتحصل منه على الحوالات اللازمة لأعمالها، ويصرف عنها ما تدفعه في ~~نفقاتها وأجور موظفيها، ويحصل لها بعض الأحيان ما تعهد إليه بتحصيله من دفعات ~~تسدد لحسابها. # ومن أعماله أن يمد الحكومة بالنقود الأجنبية اللازمة لها في دفع ديون عليها ~~للخارج. وهو ms25 يأتي هذا بمفرده أو بمساعدة بنوك أخرى يركن إليها في هذا ~~العمل. # وإذا احتاجت الحكومة مالا أقرضها، وإذا أصدرت سندات تولى عملية عرضها ~~للاكتتاب وقام على دفع الكوبونات نيابة عنها في المواعيد التي تحددها، ويقوم ~~بتحويل الديون وتدبير استهلاكها، كل ذلك يؤديه للحكومة بغير أجر أو بأجر زهيد ~~جدا. # وفوق هذا فإنه من واجب البنك أن يمحض الحكومة النصح في كل ما تطلب فيه رأيه ~~من مسائلها الاقتصادية الكبرى، بل لقد جرى العمل في إنجلترا على مشاورة بنك ~~إنجلترا في السياسة الاقتصادية، وفيما تضعه من خطط لمشروعات تقوم الحكومة بها ~~وحدها أو مشتركة مع النقابات أو الهيئات. # وتعتبر مراقبة النقد من صميم عمل البنك المركزي في الأوقات التي يستلزم ~~الأمر فيها إجراء المراقبة عند الطوارئ أو دواعي الحروب. # الأعمال التي يجب أن يبتعد عنها البنك المركزي # قلنا إن البنك المركزي بنك للبنوك وللحكومة. وهذا يستدعي أن يمتنع عن مباشرة ~~أعمال لا تتفق وهاتين الصفتين؛ فلا يجوز له أن يتعامل مع الأفراد أو ينافس في ~~ذلك البنوك التجارية التي قام على خدمتها والتفرغ لها، ويجب عليه أيضا أن ~~يمتنع عن الاشتغال بالأعمال غير مأمونة العواقب؛ فلا يزج بنفسه في مغامرات أو ~~أعمال صناعية تستدعي إبقاء ماله طويلا في مشروعاتها فضلا عن تعرضها للمفاجآت ~~والخسارة. # هذا محصل الرأي الحديث في شأن البنوك المركزية يستند أيضا إلى ضرورة تخصص كل ~~بنك للعمل الذي قام من أجله؛ فالتجارة لها بنوك، والزراعة لها بنوك، والصناعة لها ~~بنوك، ويجب عدم الخلط في أعمالها. وهذا الرأي الحديث متبع إلى حد كبير في ~~نظم البنوك المركزية الحالية. أما البنوك المركزية القديمة، فقد كانت تتعامل ~~مع الأفراد وتشترك في الصناعة والتجارة بقدر ولو يسير. # هذه القاعدة العامة ليست مطبقة في جميع البلاد، ولا هي بالمتبعة في كل ~~الظروف، وإنما يدخل عليها في بعض المواقف استثناء تقتضيه المصلحة العامة. فقد ~~كانت فرنسا قبل تأميم بنكها تجيز له التعامل مع الأفراد؛ ففتح لهم الحسابات ~~الجارية، وحفظ لهم الودائع، واشترى وباع لهم ms26 الأوراق المالية وأعطاهم خطابات ~~الاعتماد. # وقد عدلت الآن أغلب الدول عن ذلك؛ فإيطاليا سنة 1936 قصرت عمل البنك ~~المركزي على المعاهد المالية، كذلك فعلت المكسيك والإكوادور سنة 1937، واليونان ~~والهند والأرجنتين كل منها ضيقت عمل بنكها المركزي، وكادت أن تجعله محظورا مع ~~الأفراد. # وعلى عكس ذلك نجد أستراليا في قانون بنكها المركزي الصادر سنة 1945 تلزم ~~بنكها أن يتعامل مع الأفراد. وقد قال وزير ماليتها في مذكرته التي شرح بها ذلك ~~القانون إنه قانون يعطي البنك أوسع الاختصاصات والأعمال التي تباشرها البنوك ~~التجارية. # هذا ولا نستطيع أن ننسى أن بنك إنجلترا العتيد من أول واجباته أن يساعد ~~الادخار وتوظيف الأموال، وأن يشجع الصناعة والتجارة والزراعة والاستعمار. ومن ~~الأمثلة التي نسوقها فوق ما ذكرناه من مجهوده في بناء مجد الإمبراطورية أنه يملك ~~أسهم شركة التثمير المعروفة # Securites Investment Trust ~~Ltd ~~، وبعض أسهم شركة # Bankres Industrial ~~Development Company ~~، وشركة # Agricultural ~~Mortgage Company ~~. # ولا يمكننا أيضا أن ننسى أن اليابان وألمانيا وإيطاليا وروسيا - وغيرها من ~~البلاد التي أقامت نهضات أو أعدت مشروعات تنفذ في سنين معدودة كمشروعات ~~السنوات الخمس - قد اعتمدت في ذلك على بنوكها المركزية، سواء بالنسبة للدور ~~الذي قامت به تلك الحكومات، أو بالنسبة لمجهودات الأفراد والشركات فيما أعدته لهم ~~الحكومات أو كلفتهم به من أعمال. # ويدخل على القاعدة العامة القاضية بمنع البنوك من التعامل مع الأفراد استثناء ~~هام في أوقات الأزمات؛ إذ تكلف الحكومات بنوكها المركزية بأعمال تعالج بها ~~الأزمات. ولا بد لها في هذه الأحيان من تعامل مع الأفراد أو تدخل في التجارة ~~والصناعة والزراعة. ~~(2) امتلاك الحكومة للبنك المركزي # ولا خلاف عند أحد على ضرورة اتخاذ بنك مركزي في كل دولة ولو كانت شبه متحضرة. ~~وقد جاءت جميع المؤتمرات الاقتصادية تحض الدول على اتخاذ البنك المركزي، وإنما يقع ~~الخلاف - وهو ليس بالخلاف الحديث - حول الوسيلة التي تؤدي إلى تلك الغاية المجمع ~~عليها؛ فبعض البلاد ترى أن تملك الحكومة البنك لتستطيع أن تديره وأن تسيره طبقا ~~لمشيئتها، فتوجه به الاقتصاد الوجهة ms27 التي تراها لازمة لمصلحة بلادها، والبعض يرى أن ~~تبتعد الحكومة عن ملكية البنك وإدارته؛ لأنه يخشى أن تتدخل السياسة والحزبية في ~~أعمال البنك فتفسده. # والمسألة في نظري ليست مسألة مذهب يقصد لذاته، وإنما هي مسألة تخضع أولا وقبل ~~كل شيء لظروف البلد نفسه؛ فإذا كانت ظروفه تجعل امتلاك حكومته للبنك لا ينتج ~~ضررا قلنا بوجوب ذلك، وإذا كانت ظروف البلد - سياسية أو اقتصادية أو هما معا - ~~تقتضي إبعاد الحكومة عن البنك، فلا بد لها من أن تبتعد عنه، وإذا كانت ظروف البلد ~~تستلزم اشتراك الحكومة والأفراد والشركات في ملكية البنك وإدارته ليتكون من هذا ~~المزيج توازن القوى، واشتراك في المسئوليات، وتعاون على النهوض بالاقتصاد القومي، فمن ~~المحتم أن تقول بهذا النظام المشترك الذي يطلق عليه بعض الاقتصاديين النظام شبه ~~الحكومي، ويسميه بعض الكتاب نظام التأميم الناقص. # وإذا تركنا روسيا ولها نظام تملك فيه بنكها المركزي بشكل يتفق مع الأوضاع ~~الشيوعية، فإننا نجد دولا كثيرة تملك بنكها المركزي، منها إنجلترا، وفرنسا، ~~وفنلندا، والسويد، وكندا، والنمسا، والدانمرقة، ونيوزلندا، وأستراليا، وباراجواي، ~~والأرجنتين، وجواتيمالا، وكوستاريكا، ومعظم هذه البنوك حولته الحكومة إلى ملك للدولة ~~بأن نزعت ملكية مساهميه كما تنزع الحكومات ملكية الأفراد للمصلحة ~~العامة. # وقد اختلفت الطريقة التي اتبعتها الدول في كيفية تقدير التعويض الذي دفع لحملة ~~الأسهم عند نزع ملكيتهم؛ فبعض الدول اتخذت سعر السهم في البورصة أساسا للتقدير، ~~والبعض الآخر قد أخذ بمتوسط سعر السهم في فترة معينة. # وأما عن الطريقة التي اتبعت في دفع التعويض للمساهمين؛ فبعض الدول تدفع ذلك ~~التعويض نقدا، والبعض الآخر تدفعه بسندات على الحكومة، وبعض الدول تخير صاحب الأسهم ~~المنزوعة ملكيتها بين قبض التعويض نقدا وبين أخذ سندات بقيمته على الحكومة. فكندا دفعت ~~التعويض نقدا بسعر البورصة، وإنجلترا دفعته بسندات على الحكومة بفائدة أخذت من متوسط ~~فترة معينة، ونيوزلندا خيرت المساهمين قبض قيمة أسهمهم المنزوعة نقدا وبين أخذ ~~سندات بها على الحكومة. # وبينما نجد الولايات المتحدة بها اثنا عشر بنكا مركزيا تكتتب في كل بنك منها ~~البنوك ms28 التجارية، إذا بنا نجد دولا أخرى تبعد البنوك والشركات عن الاكتتاب في ~~بنكها المركزي؛ حتى لا تسيطر على إدارته وتجعلها مسيرة لمصلحة البنوك والشركات. ومن ~~هذه الدول فنزويلا، وتشكوسلوفاكيا، والصين، وسويسرا، هذه الدول تجعل البنك المركزي ~~ملكا للحكومة والأفراد، ويحرم على البنوك والشركات أن تكون مالكة لأسهمه. وهناك ~~دول يقتضي نظام بنكها المركزي اشتراك الحكومة مالكة لأسهمه، وهناك دول يقتضي نظام بنكها ~~المركزي اشتراك الحكومة والبنوك والأفراد؛ ليكون الجميع متعاونين على العمل مشتركين ~~في التبعات. ونذكر على سبيل المثال المكسيك، وشيلي، وبيرو، وكولومبيا. # وإذا كان امتلاك الحكومة للبنك المركزي يستفاد منه جعل البنك قسما من الخزانة ~~العامة وخضوعه في إدارته وسياسته للحكومة؛ فإن ذلك الخضوع يختلف في دولة عنه في ~~دولة أخرى. فالنظام الإنجليزي قد مر بسلام من القديم إلى الحديث حتى انتهى بأن ~~يعين الملك أعضاء مجلس الإدارة، بينما النظام الفرنسي يجعل بعض أعضاء مجلس الإدارة ~~معينين بمقتضى وظائفهم الرسمية، والبعض بمقتضى رياستهم لهيئات تمثل أهم نواحي ~~الاقتصاد القومي في فرنسا. ومرد ذلك فيما أعتقد إلى أن النظام النيابي مستقر ~~وسياسة الإمبراطورية البريطانية محل احترام جميع الأحزاب، بينما في فرنسا النظام ~~النيابي متبدل والأحزاب تتصارع، والأهواء لا تحمد عقباها إذا امتدت إلى البنك ~~فغيرت سياسته بين آن وآخر. # إدارة البنك ومحافظه # ويكاد ينعقد الإجماع على ضرورة إعطاء الحكومة حق تعيين المحافظ ومن ينوب عنه ~~حتى في البلاد التي لا تساهم الحكومة في مال بنكها المركزي. ويغلب أيضا في ~~جميع الأنظمة النص على إبعاد الأجانب عن امتلاك لسهم البنك المركزي وعن العضوية ~~في مجلس إدارته. ولكن هناك بلاد قليلة العدد للأموال الأجنبية فيها شأن يذكر فهي ~~مضطرة بحكم ظروفها أن تبيح للأجانب أن يملكوا قدرا معينا من أسهم بنكها ~~المركزي - بل قد تجبرهم على ذلك في نسبة تفرضها فرضا على البنوك الأجنبية أو ~~فروعها. وهي أيضا تعطيهم عضوا في مجلس الإدارة، ومن هذه الدول شيلي، وكولومبيا. ~~وقد أخذت بعض الدول بنظام يبيح ضم خبير أجنبي إلى مجلس إدارة بنكها ~~المركزي؛ ms29 لتسوغ مثل هذا الموقف الشاذ عندما تقضي به الضرورة، ومن هذه الدول ~~تشكوسلوفاكيا، وأستونيا. # الجمعية العمومية والأصوات فيها # أما مقدار الأصوات التي تكون من حق الحكومة في الجمعية العمومية للبنك ~~المركزي، فلا يرجع حتما إلى نسبة ما تملكه الحكومة من رأس مال البنك إذا كانت ~~مساهمة فيه؛ لأن الجمعيات العمومية لا ترسم سياسة البنك المركزي، وكذلك الحال ~~بالنسبة للمساهمين؛ فقد يوضع حد لأصوات كبار المساهمين في الجمعيات العمومية كما ~~هو حادث أيضا في بعض الشركات، وقد تمنع الحكومة تماما من التصويت في الجمعية ~~العمومية رغم كونها مساهمة بمبلغ كبير في رأس المال. ومن ذلك أن حكومة كولومبيا ~~تساهم بنصف رأس مال بنكها المركزي، ومع هذا فأسهمها لا تعطيها حق التصويت ~~بنص المادة 6، ولا ضرر من تقييد حق التصويت - على الحكومة أو المساهمين - ~~لأنه كما قلنا لا ترسم الجمعيات العمومية سياسة البنوك المركزية، وتدخل الحكومة ~~فيها لا يعني توجيه سياسة البنك، بل ربما يحرج الحكومة نفسها عند تنافس الطامعين ~~في عضوية مجلس الإدارة. # إن عمل الجمعيات العمومية يكاد يكون محصورا في مراجعة حساب الأرباح والخسائر، ~~وتعيين المراقبين، وانتخاب بدل الذين انتهت عضويتهم في مجلس الإدارة أو إعادة ~~انتخابهم. وإذا كان حق الحكومة في تعيين من يمثلها في مجلس الإدارة ثابتا في ~~نظام البنك، فإن حضور الجمعيات العمومية لا يعني إلا المساهمين العاديين الذين ~~يتطلعون إلى معرفة ما خصهم من الأرباح. أما الحكومة فهي طبعا تعرف مقدما ~~ميزانية البنك ومقدار ما خصها من الربح قبل عقد الجمعية العمومية. # ولا بد لنا من أن نعرف أن امتلاك الحكومة للبنك المركزي إنما هو وضع ~~اشتراكي، وهو حلقة من سلسلة حلقات تستدعي تأميم المرافق الهامة في البلاد، فلا ~~بد معه من تأميم المواصلات، والمناجم، ومعاهد المال الأخرى التي يتعلق عملها ~~بمصادر الائتمان الصناعي والتجاري والزراعي منها بوجه خاص، وغيرها مما يجعل ~~التأميم مستجمعا عناصره كافة، وإلا كان ناقصا لا يؤدي الثمرة المطلوبة ~~منه. فإذا بدأنا بتأميم البنك المركزي، فلا بد لنا من أن نتبعه بتأميم ms30 المرافق ~~الأخرى. # الفصل الرابع # | فكرة بنك مركزي لمصر # (1) محاولات البنك المركزي في مصر # كنت أريد أن أرى في مصر بنكا مركزيا لأتحدث عنه، ولكني مع الأسف لم أجد ~~سوى محاولات لاتخاذ ذلك البنك، بعضها قامت به الحكومة، والبعض الآخر قام به الأفراد، ~~من ذلك أن المرحوم محمد علي باشا عقد اتفاقا بينه وبين أحد الأجانب في شركة تقرب ~~من البنك المركزي شبه الحكومي ساعده في تمويل تجارته الخارجية وفي تدبير النقد ~~المصري، ولم يطلق على هذه الشركة اسم بنك؛ لأن العلماء كانوا يحرمون البنوك، ولم ~~يتعامل بالفائدة فيما أعطى أو أخذ من ذلك المالي الأجنبي. # أما المحاولة الثانية فقد كانت في أواخر عهد المغفور له إسماعيل باشا بعد أن ~~اضطربت الأحوال المالية في مصر؛ فقد عقد بعض كبار المصريين اجتماعا بموافقة الخديو ~~ووضعوا نظام بنك مركزي نقلوه عن نظام بنك فرنسا، وجعلوا من أغراضه تسوية ديون الخديو ~~والقيام على خدمتها. ولكن إنجلترا عارضت في ذلك، في حين اشترطت فرنسا أن يكون البنك ~~دوليا وتحت إشرافها، وحجتها في ذلك أن مصر لا تستطيع أن تصدر تشريعا يمس حقوق ~~الأجانب بغير موافقة دولهم. # وأما المحاولة الثالثة فقد جاءت أثناء الثورة العرابية؛ إذ وضع العرابيون في ~~برنامجهم لترقية البلاد تأسيس بنك مركزي وطني. # وفي سنة 1898 صدر دكريتو خديوي يصرح للسير أرنست كاسل، وسلفاجو، وسوارس، بإنشاء ~~البنك الأهلي، ويختصه وحده بامتياز إصدار البنكنوت في مصر. وقد جاء في الطلب الذي ~~قدموه للسير «ألوين بالمر» - المستشار المالي - للحصول على الدكريتو أنهم يحققون ~~الرغبة التي كلفهم بها جنابه، وأن البنك الأهلي - كما يعلم جنابه - حين يصدر ~~البنكنوت يقترض بغير فائدة. # هذه العبارة تغنينا عن كل تعليق، فالبنك الأهلي يقترض من مصر بغير فائدة، بل أكثر ~~من ذلك أقرض مال مصر بفائدة قليلة لإنجلترا باستعماله القراطيس الإنجليزية غطاء لما ~~يصدره من بنكنوت. وقد نجحت سياسة اللورد كرومر المالية إلى أقصى حد حين أراد من ~~إنشاء هذا البنك أن يحارب نفوذ البنوك الأجنبية، وأن تستخلص مصر للإنجليز. ms31 # وأما المحاولة الرابعة فقد كانت عن طريق أبحاث جرت بين البنك الأهلي والحكومة ~~بين سنتي 1904، 1907 أراد منها البنك أن يزيد من اختصاصاته بأن يكتسب صفة البنك ~~المركزي فوق أعماله التجارية الواسعة النطاق التي قد يتنازل مطمئنا عن قسم منها لبعض ~~البنوك الإنجليزية، وبهذا تتم سيطرة رءوس الأموال الإنجليزية على مصر. # وأما المحاولة الخامسة فقد دعا إليها المرحوم طلعت باشا حرب في كتاب له عنوانه: ~~«البنك الوطني وعلاج مصر الاقتصادي» طبعه سنة 1912. وقد أراد من إنشاء بنك مصر أن ~~يحقق به تلك الفكرة - كما أخبرني رحمه الله - وقد ظل ينتظر بفارغ الصبر ~~انتهاء امتياز البنك الأهلي ليحل بنك مصر محله في إصدار البنكنوت، ويكون بنكا ~~مركزيا يضطلع بنهضة البلاد. ولم يغب هذا عن البنك الأهلي فأعد له العدة. # وأما المحاولة السادسة فقد كانت فرصة عرف البنك الأهلي كيف يستغلها حين ~~انكشف في سنة 1940حساب الحكومة الجاري في البنك بمبلغ مليوني جنيه، وحين أراد بنك مصر ~~أن يقترض منه كما كانت تقرض البنوك الأخرى على سندات الدين الموحد وسبائك ~~الذهب. فاشترط البنك الأهلي لإمهال الحكومة في دفع دينها ولمساعدة بنك مصر على اجتياز ~~أزمة عابرة أن تستصدر الحكومة قانونا من البرلمان يمد امتيازه أربعين سنة، وقد ~~تعهد لها البنك الأهلي بأن يتحول إلى بنك مركزي. وقد قبلت الحكومة ذلك ~~مرغمة تحت ضغط الحوادث، كما قال وزير ماليتنا. ~~(2) استعداد الحكومة # وما زال البرلمان بمجلسيه يطالب الحكومة كل عام أن تتخذ لمصر بنكا مركزيا، ~~والحكومة تعد، حتى لقد بلغ بها الأمر أن ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، فقد جاء في ~~خطاب العرش في نوفمبر سنة 1946 ما نصه: # وتقدمت الأبحاث المتعلقة بالأرصدة وبنظام العملة المصرية وبالبنك ~~المركزي. وأصبحت الحكومة المصرية على أتم استعداد لأن تتناول بالعمل ~~الإيجابي هذه الموضوعات الهامة، سواء من حيث ما يستدعيه علاجها من تشريعات، ~~أو من حيث التدابير التي تتخذ مع المؤسسات الحالية. # انتهت الدورة البرلمانية، ولم تنفذ الحكومة ما أتمت دراسته، ولم تتناول بالعمل ~~الإيجابي موضوع ms32 البنك المركزي، ولم تتخذ مع المؤسسات الحالية أي تدبير. # وفي نوفمبر سنة 1947 جاء في خطاب العرش ما نصه: # وقد حان الوقت لإنجاز ما وعدت به حكومتي من تأميم البنك الأهلي تحقيقا ~~لاستقلالنا الاقتصادي وتدعيما لنقدنا المصري. # وقد استفسرت اللجنة المالية بمجلس الشيوخ من الحكومة عما أعدته من تشريع في هذا ~~الصدد، فتبين لها أنه لم يوضع بعد. وانتهت الدورة كسابقتها ولم تنفذ الحكومة ما ~~أعلنت استعدادها للقيام به أكثر من مرة. ~~(3) المشروع المقدم مني لتحويل البنك الأهلي إلى بنك مركزي # ولقد رأيت - بوصفي عضوا بمجلس الشيوخ - أن أضع حدا للأضرار المحيطة بنا؛ فقدمت ~~في الثاني من يناير سنة 1946 مشروع قانون لتحويل البنك الأهلي إلى بنك مركزي للدولة ~~المصرية على أساس شركة شبه حكومية رأس مالها عشرون مليونا من الجنيهات تملك الحكومة ~~منه 51٪ والباقي يكتتب به المساهمون الحاليون - إذا هم أرادوا - والبنوك والهيئات ~~المالية والأفراد، فلا يقل نصيب المصريين فيه عن 80٪ على أقل تقدير. # وبالرغم من امتلاك الحكومة لأغلبية رأس المال، فقد جعلت لها في الجمعية العمومية ~~أصواتا بنسبة 30٪ حتى لا تستأثر بالإدارة، ولكني جعلت لها من ناحية أخرى كل ~~الاختصاصات التي توجه بها سياسة البنك طبقا للمصلحة العامة بصفتها ممثلة ~~للدولة وتحت رقابة البرلمان. # وتأييدا لهذا الإشراف جعلت للحكومة حق تعيين المحافظ ونائبيه بقرار من مجلس ~~الوزراء، ويعين وزير المالية أيضا مندوبين من قبل الحكومة لدى البنك لهما مراقبة ~~أعمال البنك. # ونص مشروعي على أن تكون أغلبية أعضاء مجلس الإدارة من المصريين، فيضم إلى المحافظ ~~ونائبه ثمانية آخرون من المصريين. أما باقي الأعضاء فيجوز أن يكونوا من الأجانب ~~لمدة تسع سنوات يجب بعدها أن يصبح مجلس الإدارة كله مصريا. وجعلت إلى جوار مجلس ~~الإدارة خبيرا يؤخذ رأيه في المسائل الكبرى. # وقد بحثت اللجنة المالية بمجلس الشيوخ مشروعي في عدة جلسات استمعت فيها إلى رأي ~~ممثل الحكومة وإلى آراء بعض أساتذة الجامعة وبعض المشتغلين بالشئون المالية، وانتهت ~~اللجنة إلى تقرير جاء فيه أن مشروعي يبعدنا عن الطفرة والمفاجأة، وليس ms33 فيه ~~إخلال بتعهداتنا ولا يحمل في ثناياه ثورة ولا انقلابا على نظامنا المالي. وإنما هو ~~مجرد خطوة هادئة أملتها الحاجة وقضت بها الظروف. # ولما عارضت الحكومة في مشروعي لأنها ترى ضرورة تأميم البنك الأهلي لتسيطر عليه ~~تماما وتوجهه الوجهة التي تراها لمصلحة البلاد، لم يسع اللجنة المالية إلا أن ~~تقدم تقريرا لمجلس الشيوخ مطالبة الحكومة أن تسرع بتقديم مشروعها حتى يمكن المقارنة ~~بينه وبين مشروعي، وما زال تقرير اللجنة المالية منظورا أمام المجلس. # تحبيذ مشروعي ونقده # وقد أثار هذا المشروع اهتمام كثير من الدوائر المالية والعلمية؛ فخاطبني في ~~صدده بعض مديري البنوك وثقات المال مبدين ارتياحهم للمبادئ التي قام عليها المشروع ~~وأخصها عدم تأميم البنك تأميما كاملا كما تريد الحكومة. وقد عنيت به شعبة النقود ~~والبنوك في جمعية فؤاد الأول للتشريع والإحصاء والاقتصاد، فعقدت عدة جلسات لبحثه ~~انتهت إلى الموافقة عليه. # ولقد بذل نادي التجارة الملكي همة عظيمة في بحث مشاكلنا الاقتصادية، فنظم ~~عدة محاضرات ومناظرات وشكل لجنة لدراسة موضوع البنك المركزي. وقد كان الرأي ~~السائد في المحاضرات والمناظرات ضد فكرة التأميم. أما اللجنة فقد أعدت توصيات ~~متفقة مع مشروعي في قواعده الأساسية. # ولم يقصر قسم الخدمة العامة بالجامعة الأميريكية جهده على النواحي الأدبية ~~والاجتماعية، بل أضاف إليها هذا العام الناحية الاقتصادية؛ فدعا نخبة من رجال ~~الاقتصاد إلى محاضرات أعقبتها مناقشات في موضوع البنك المركزي. وكانت أغلبية ~~المحاضرين والمتناقشين تؤيد فكرة عدم التأميم، وتقول بضرورة امتلاك الحكومة ~~لأكثر من نصف أسهم البنك مع وجوب ابتعادها عن التدخل في إدارته. # يتضح مما تقدم أن الأغلبية العظمى لمن درسوا موضوع البنك المركزي ~~تؤيد مشروعي وتناصره، وإن كان البعض قد اعترض على تقديري سعر سهم البنك بمبلغ ~~ثلاثين جنيها أو على ضم خبير دولي إلى إدارة البنك أو على السماح للبنك ~~بالتعامل مع الأفراد أو إتيان بعض عمليات تجارية. # أما الاعتراض على تقديري سعر السهم بمبلغ ثلاثين جنيها فردي عليه أن ~~هذا التقدير مأخوذ من متوسط أسعار أسهم البنك في عدة سنوات كما ms34 فعلت كثير ~~من الدول عند تحويل بنك فيها إلى بنك مركزي. ثم إني لم أجعل هذا السعر ~~إجباريا، بل تركت للمساهم الخيار بين أن يأخذ هذا المبلغ وبين أن يبقى مساهما ~~في البنك الأهلي بعد تحويله إلى بنك مركزي، وفوق ذلك جعلت من الجائز أيضا أن يعطيه ~~البنك سندات فائدتها متوسط الأرباح التي كان يحصل عليها في السنوات الأخيرة. ~~فلم أظلم المساهمين الحاليين أو الجدد خصوصا وأني مددت مدة الامتياز 13 سنة. ~~فإذا قدرنا مقابلا لهذه الزيادة فالتقدير يزيد عن الثلاثين جنيها. # وأما عن ضم خبير دولي إلى إدارة البنك، فهذا من أوجب الأمور، ونحن ~~نستقدم خبراء فنيين في أتفه المسائل. وهذا له نظائر في بعض البنوك المركزية مثل ~~بنك أستونيا وبنك شكوسلوفاكيا. على أنني لم أحدد جنسية الخبير الكفؤ الذي ~~يستطيع أن يضطلع بمثل هذه المهمة الدقيقة الخطرة، فمن الجائز أن يكون ~~مصريا. # وأما عن السماح لبنكنا المركزي بالتعامل مع الأفراد وبالتدخل في بعض ~~الأعمال التجارية، فالواقع أني قد منعته من الأعمال التجارية التي ينافس بها ~~البنوك الأخرى، ولم أسمح له بالتعامل مع الأفراد إلا في حالات استثنائية محضة ~~يقررها وزير المالية، ولا يمكنني أن أمنع البنك من تشجيع نهضتنا ومن علاج ~~الأزمات أو أقبل أن يقفل فروعه في السودان لتنفرد البنوك الأجنبية بالعمل، فلا ~~بد من تدخله إذا دعت الضرورة. ~~(4) مشروع البنك الأهلي # بقي أن نتكلم عن مشروع البنك الأهلي وعن تفكير الحكومة في مشروع تريد به ~~التأميم. # يرى البنك الأهلي أن التعاقد الذي تم بينه وبين الحكومة سنة 1940 يستوجب أن ~~تصدر الحكومة قانونا يمكنه من الهيمنة على البنوك الأخرى ويزيد من نفوذه في ~~مصر، ويتمسك بأن يبقى ملكا لمساهميه الحاليين. ذلك مشروع البنك الأهلي يراعي مصلحة ~~المساهمين وحدهم ويضرب بمصلحة البلاد عرض الحائط، وقد صدق سعادة محمود بك الدرويش عندما ~~وصف ذلك المشروع في مذكرته المعروفة بأنه امتهان لذكاء المصريين. ~~(5) مذهب الحكومة في التأميم # أما الحكومة فإنها وإن صرحت في الصحف وفي خطب العرش بفكرة التأميم ms35 إلا أنها ~~متقاعسة مترددة في تنفيذ تلك الفكرة. وقد لا تستطيع تنفيذها بعد أن عمل البنك ~~الأهلي على امتلاك معظم الأرصدة ليضع أمامها عقبة لا تستطيع أن تتخطاها إلا إذا ~~أرادت أن تعرض نفسها لأخطار تسوية الأرصدة التي تصبح دينا للحكومة المصرية على الحكومة ~~البريطانية. # ومن أعجب الآراء التي سمعتها رأي يقول بأن تسلخ الحكومة من البنك الأهلي عملية إصدار ~~البنكنوت، فتجعل لها إدارة ملحقة بوزارة المالية. وهذا رأي عقيم فاسد يؤثر على ~~مكانة نقدنا ويحرمنا من بنك مركزي ينظم الائتمان ويرعى نهضتنا. وقد يرحب البنك ~~الأهلي بهذا الرأي ليتفرغ للأعمال التجارية المكسبة. # ما لنا ولكل هذا؟ ولم الطفرة والمجازفة ومحاولة الوثوب في قفزة واحدة إلى ~~أغراض قد ندركها وقد لا ندركها؟ أليس من الأفضل لنا أن نمشي فوق أرض صلبة، وأن ~~نقطع الطريق على مرحلتين، فإن كانت المرحلة الأولى غير كافية أضفنا إليها مرحلة ثانية، ~~فنبدأ ببنك شبه حكومي فإن اتضح بعد ذلك ضرورة امتلاك الحكومة له أصدرنا تشريعا نستكمل ~~به التأميم. # إن التأميم الكامل وسيلة وليس بغاية. والمسألة ليست مسألة مذهب يقصد لذاته أو عقيدة ~~تفرض على الناس فرضا، وإنما هي مسألة تخضع أولا وقبل كل شيء إلى الظروف ~~الخاصة بكل بلد. فإذا كانت ظروفه السياسية والاقتصادية يقتضي إبعاد الحكومة عن ~~امتلاك البنك وإدارته فلا بد من إبعادها، وإذا كانت تلك الظروف تستلزم اشتراك ~~الحكومة والبنوك والأفراد ليكون من هذا الاشتراك نفع وتوازن وتحمل للمسئوليات وتعاون ~~على النهوض بالاقتصاد القومي، فمن الواجب حتما أن نأخذ بها النظام الذي يطلق عليه ~~الاقتصاديون النظام شبه الحكومي، ويسميه بعض الكتاب نظام التأميم الناقص. وهو ما ~~نراه ضروريا لمصر متفقا مع ظروفها. # الفصل الخامس # | التعاون الدولي، الصندوق المشترك، بنك التعمير # البنك المركزي الدولي # ننتقل بعد ذلك إلى النطاق الدولي لنختم به هذه المحاضرة؛ فقد لا يخلو من الفائدة ~~إتماما لهذا البحث أن نلم ولو إلماما بسيطا بالفكرة التي دعا إليها البعض من وجوب ~~الاتفاق على عمل دولي لتتعاون البنوك المركزية فيما بينها. ms36 وقد وجدت هذه البنوك أن ~~من دواعي نجاحها أن تتعاضد وأن تكون بينها زمالة. وقد كانت حتى قبل حرب سنة 1914 يشد ~~بعضها أزر البعض وتقدم له القروض. وقد رأينا بنك إنجلترا يقدم للولايات المتحدة ~~المعونة في أزمة سنة 1907، ثم رأينا الولايات المتحدة ترد لها ذلك الجميل مضاعفا ~~سنة 1931، ثم رأينا بنوك إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة تتحالف سنة 1936 الحلف ~~الثلاثي المشهور ليثبت سعر كل من الإسترليني والفرنك والدولار بالنسبة إلى ~~الآخر. # وقد رأينا أيضا جهدا طيبا لتنسيق سياسة البنوك المركزية وتعاونها في محاولة ~~سبقت عند إنشاء بنك التسويات ~~الدولية # Bank of International Settlements # الذي اقترحه تقرير لجنة يونج للتعويضات المسمى # Young camrnittee for Reparations ~~، وإن كان همه ~~الأول تمكين الحلفاء من الحصول على التعويضات من ألمانيا إلا أنه من أغراض هذا البنك ~~- كما جاء صراحة في ذلك التقرير - أن يعمل على تنظيم التعاون الدولي، وأن يعقد قروضا ~~قصيرة الأجل، وأن يساعد الدول والبنوك المركزية في أوقات الضيق الناشئ من نقص ~~مفاجئ في أرصدتها. وأن يقوم بالمقاصة بين هذه البنوك حتى لقد وصف بعضهم هذا ~~البنك بأنه ناد للبنوك المركزية. # وقد أرادت اللجنة أن يكون من أغراضه أن يعمل على تثبيت العملات ومنع الأسعار من ~~التقلب؛ الأمر الذي لا يتمم كما قالت اللجنة إلا بتعاون الدول، وكان من المفروض ~~أنه إذا تم ذلك التعاون، فإنه سيقضي على المتاعب الناجمة من الذهب في ~~تنقلاته الضارة بين الدول ليفسد علاقتها ويسبب لها الأزمات. # تلك فكرة اتخاذ البنك المركزي الدولي التي كانت فيما سبق أملا طالما تاق كثير من ~~كتاب الاقتصاد الذين ذهب بعضهم إلى القول بضرورة اتخاذ نقد دولي أو وحدة عالمية ~~تنسب إليها عملات الدول المختلفة وتربط إليها بقيود تمنع تلك العملات من التضارب في ~~سياستها والتسابق في تخفيض قيمتها. ولهذا الغرض قام اتفاق «بريتون وودز» على ~~اتخاذ مؤسستين دوليتين إحداهما صندوق النقد والأخرى بنك الإنشاء ~~والتعمير. # أما الصندوق فأساس عمله أن يمكن الدول المساهمة فيه من قروض قصيرة الأجل تسد ms37 ~~بها حاجة عاجلة وتتقي بها موقفا مفاجئا في تجارتها الخارجية. وأما البنك الدولي ~~للإنشاء والتعمير فيعمل على تمكين الدول من قروض طويلة الأجل تساعدها على التعمير ~~وإصلاح ما خربته الحرب أو زيادة الإنتاج. وخيل لواضعي الاتفاق أنهم قد حلوا مشكلة ~~الذهب أو كادوا؛ لأنهم قالوا بربط العملات إلى بعضها في قاعدة تجعلها على أكثر ما ~~يمكن أن يظن من الثبات. وبهذا اعتقدوا أنهم عالجوا أخطاء ما بين الحربين من تسابق ~~بعض الدول في تخفيض عملاتها، وذهب بعضهم إلى الاعتقاد بأن هذا البنك المركزي الدولي ~~سيساعد بهذه الصور على رفع مستوى المعيشة وتثبيت الأسعار عند مختلف الدول. # وقد فرض هذا الاتفاق على الدول التي قبلته أن تساهم بواسطة بنكها المركزي أو بواسطة ~~بنك ترضاه حكومتها أو بواسطة حكومتها في دفع حصة معينة يدفع قسم منها ذهبا ~~والقسم الآخر بالعملة الوطنية أو بسندات حكومية لا تدفع عنها فوائد، وبشرط أن تكون تحت ~~الطلب كأنها نقد أو ما يقوم مقامه. ومن هذا يتكون مال الصندوق الذي يسعف الدولة ~~المحتاجة بقرض قصير الأجل كما يمد البنك الدولي للتعمير البلاد التي تحتاج قرضا ~~طويل الأجل أو يسعى لها في تدبير ذلك القرض بمعونته. # يتضح من ذلك أن النظام الذي قام عليه بنك التعمير قد قصد منه توظيف لرءوس ~~أموال عاطلة كان يخشى عليها من الخسارة إذا استغلت في غير بلادها، فجاء هذا الاتفاق ~~يؤمنها من الخسارة التي تعمل الدول متكافئة على درئها. وبهذا يجد أصحاب رءوس ~~الأموال في هذا البنك ما يقوي عزائمهم على الإقراض الدولي المضمون في نظير رضائهم ~~بربح قليل. # وعندي أنه لا جدال في كون هذا النظام له مزايا لا يستهان بها إذا احترمته الدول ~~الموقعة عليه، وضحت ببعض مصالحها في سبيل مصلحة العالم. ولكن مع الأسف لكل بلد ~~ظروفه الخاصة وحكومته التي تخضع لبرلمانه، ولا أعتقد أن هذه الهيئة الدولية ~~تستطيع أن تسير البنوك المركزية في مختلف الدول كما تسير إدارة هيئة الفدرال ريزرف ~~البنوك المركزية في الولايات المتحدة. # لا أريد ms38 أن أضرب في بيداء الفروض الجائز وقوعها وأمامي خطر ماثل من قيام منطقة ~~الإسترليني بزعامة إنجلترا، تلك المنطقة التي لا يرجع تاريخها إلى سنة 1931 كما يعتقد ~~الكثيرون، بل لعله يرجع إلى ما هو أقدم من ذلك إلى سنة 1871 التي قادت فيها إنجلترا ~~جماعة من الدول إلى قاعدة الذهب دخلته في حلف كبير، وخرجت عنه في حلف كبير ارتبط ~~معها ارتباطا وثيقا لدواع مشتركة وصلات سياسية واقتصادية متعددة لا بد من أن ~~أحسب لها حسابا ليس بالسهل أن أتغاضى عن نتائجه. # إن المسألة في نظري أصعب من أن يحلها اتفاق «بريتون وودز»؛ فالإسترليني رغم كثرة ~~أنصاره مريض ولم يدخل في دور النقاهة بعد، ثم إن أنصاره يكرهون استبداده بهم، ولكنه ~~قيدهم باتفاقات تجميد ديونهم، فلا يستطيعون الفكاك ليتم لهم التعاون في نظام دولي ~~طليق وإن كان أغلبهم يسعى إلى الاستقلال؛ فقد تسمح به إنجلترا استقلالا نقديا شبيها ~~بالاستقلال السياسي الذي سمحت به للبلاد الداخلة في نطاق الإمبراطورية والمتصلة ~~بها. # يضاف إلى ما تقدم كون التعاون الدولي دونه عقبات من تنافر بعض الدول الكبرى ~~وتكتلها سياسيا في مناطق تبسط عليها نفوذها، وكون الديون المختلفة لم ترصد ~~نهائيا بين الدول حتى يمكن القول بأن الاتفاق على بنك مركزي للبنوك المركزية قد ~~أضحى أمرا سهل التنفيذ متعين النفع. ms39