######OpenITI# #META# URI: 1369AhmadHafizCawad.NapoleonFiMisr.Hindawi35825168 #META# Tags: history #META# ID: 35825168 #META# Title: نابوليون بونابارت في مصر #META# AuthorID: 38515157 #META# Author: أحمد حافظ عوض #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء الكتاب‏ # 1 - مصر قبل الحملة الفرنسية‏ # 2 - تاريخ فكرة الحملة الفرنسية على الديار المصرية‏ # 3 - الحملة الفرنسية في الإسكندرية‏ # 4 - استعداد الحملة للسير في فتح مصر‏ # 5 - في القاهرة‏ # 6 - القاهرة قبل الواقعة‏ # 7 - الواقعة‏ # 8 - القاهرة يوم الواقعة‏ # 9 - النظام الذي وضعه نابوليون لحكومة مصر‏ # 10 - الدور الأول (من 1 يوليو-13 أغسطس)‏ # 11 - الدور الثاني (أغسطس-22 أكتوبر/10 جمادى الأولى)‏ # 12 - ثورة القاهرة‏ # 13 - الدور الثالث (من أول نوفمبر سنة 1788 إلى آخر أغسطس سنة 1799)‏ # 14 - المدة الثانية‏ # 15 - العودة لمصر من سورية‏ # 16 - الأحوال والحوادث في مصر أثناء الحملة السورية‏ # 17 - المدة الأخيرة لنابوليون في القطر المصري‏ # ذيل أول‏ # ذيل ثان‏ # إهداء الكتاب‏ # 1 - مصر قبل الحملة الفرنسية‏ # 2 - تاريخ فكرة الحملة الفرنسية على الديار المصرية‏ # 3 - الحملة الفرنسية في الإسكندرية‏ # 4 - استعداد الحملة للسير في فتح مصر‏ # 5 - في القاهرة‏ # 6 - القاهرة قبل الواقعة‏ # 7 - الواقعة‏ # 8 - القاهرة يوم الواقعة‏ # 9 - النظام الذي وضعه نابوليون لحكومة مصر‏ # 10 - الدور الأول (من 1 يوليو-13 أغسطس)‏ # 11 - الدور الثاني (أغسطس-22 أكتوبر/10 جمادى الأولى)‏ # 12 - ثورة القاهرة‏ # 13 - الدور الثالث (من أول نوفمبر سنة 1788 إلى آخر أغسطس سنة 1799)‏ # 14 - المدة الثانية‏ # 15 - العودة لمصر من سورية‏ # 16 - الأحوال والحوادث في مصر أثناء الحملة السورية‏ # 17 - المدة الأخيرة لنابوليون في القطر المصري‏ # ذيل أول‏ # ذيل ثان‏ # | نابوليون بونابارت في مصر‏ # | نابوليون بونابارت في مصر‏ # تأليف # أحمد حافظ عوض # | إهداء الكتاب # إلى زوجتي العزيزة التي لولا تعضيدها ومساعدتها ما أمكن تأليف هذا الكتاب. # أحمد حافظ عوض # «أفي استطاعتنا أن نكتب التاريخ؟ وهل في استطاعتنا أن نستخلص أو نستخرج من نص أو ~~وثيقة، أقل أثر من روحها أو حقيقتها؟ إنما أمرنا أن نعتمد على صيغة النص ببساطتها، ~~ونتمسك بعبارتها، فالصيغة هنا هي التي لها القيمة والوضوح، أما روح التأليف فليس ~~بمحدود، وأما الأفكار والمعاني فإنما يسار فيها على الهوى! ... لا بد أن تكون عظيم ~~الغرور وواسع الخيال حتى تقدم على كتاب التاريخ!» ms001 # بالزاك ~~“Est-Ce.que noue ecrirons l’histoire, nous? Est-ce que non ~~essayons: d’extraire d’un texte, d’un document la moindre parcelle dc vie Ou ~~de vérité? Nous publions Ics textes purement et Sirppirmemi Nuns nous en ~~fenons à La lettre، La lettre est seule apprédabic et definie، L’esprit ne ~~l’est pas; les idées sont des faniaisies، II faut ètrc blen vain pour ~~écrire، l’histoire; il faut avoir dc l’imagination.” # Balzac # نابوليون الأول «إمبراطور». # | مقدمة الكتاب # بقلم أحمد حافظ عوض # لكل شيء تاريخ، وللتاريخ تاريخ، ولهذا الكتاب تاريخ؟ # وأول ما يجب أن يبدأ به، بعد حمد الله وشكره على توفيقه وإلهامه، هو ذكر السبب الذي دعا ~~إلى وضع هذا الكتاب أو تاريخ الفكرة فيه، وكيف تقلبت به الأحوال، حتى ظهر على هذا الشكل ~~والمنوال. # وفي اعتقادي أن مصارحة الناس بالحقيقة عن فكرة وضع كتاب، أو إتمام عمل من الأعمال العامة ~~التي تعيش بعد صاحبها، أو يقدر لها الخلود بين النفائش الأدبية، والآثار القومية، لمما ~~يساعد الأجيال الخالفة على تقدير الكتاب، وتقدير ظروف واضعه، وتجلو صدأ الحقيقة عن قيمة ~~العمل ومنزلته، في الفترة الزمنية التي وضع فيها هيكله، وتم فيها بناؤه، وتلك مهمة تاريخية ~~أيضا، وكأنها تاريخ للتاريخ! ~~••• # منذ عدة سنوات قام بنفسي خاطر أن أضع كتابا في تاريخ مصر الأحدث؛ أي: في القرن التاسع ~~عشر، يبتدئ بالحملة الفرنسية، وينتهي بعهد اللورد كرومر. # ولكن هذا الخاطر لم يتجسم، ولم يأخذ شكلا محددا، ولم تساعد الحياة الصحفية القلقة، ~~التي قضت علي بها المقادير، على الانقطاع لعمل كهذا، خصوصا وأنا أطمع - فيما أطمع - أن ~~لا أضع كتابا في التاريخ، على الأسلوب الذي اعتاده كتاب اللغة العربية، من جمع وتنسيق، ~~بغير بحث ولا تدقيق ولا تحقيق، مما يحتاج إلى دراسة وانقطاع، ومحاكاة للأسلوب الغربي ~~الحديث في كتابة التاريخ والخوض في عبابه. # وكل ما كان له من الأثر في نفسي، من جراء تلك الفكرة، الرغبة في الاطلاع على الكتب ~~الإفرنجية التي وضعها المؤلفون والسياح عن تلك الفترة، من العهد ms002 الأول؛ أي: قبيل الحملة ~~الفرنسية وخلالها وبعدها، وبقيت هذه الرغبة تتنازعني بشدة مرة، وبلطف أخرى، ثم تعقبها فترة ~~إهمال وترك، حسبما تتلقفني أيدي المقادير من حياتي التي أشرت إليها. # ومرت عدة سنوات ولم أجمع إرادتي مرة للجلوس على مكتب لوضع خطة لتنفيذ ذلك العمل الذي ملت ~~إليه، وهكذا بقيت فكرة وضع هذا التاريخ أشبه بما وصفه اللورد روزيري - في كتابه عن نابوليون ~~في سانت هيلين - «بشيطان أدبي» # 1 # متسلط على جسمي، أغالبه ويغالبني، وأطارده ويطاردني، حتى أراد الله ولا راد ~~لإرادته، أن يندلع لهيب الحرب الأوروبية الكبرى في شهر أغسطس سنة 1914. # وكنت في ذلك الوقت أتولى رياسة تحرير جريدة المؤيد بعد وفاة مؤسسها المرحوم الشيخ علي ~~يوسف، وكان المؤيد لسان حال السراي الخديوية، وصلتي الشخصية والعمومية بسمو الخديو السابق ~~عباس حلمي باشا معروفة، ولها في تاريخ مصر السياسي صحيفة ذات قيمة عظيمة لم يؤن بعد أوان ~~نشرها، فكان من مقتضى هذه العلاقة، أن يصيبني رشاش من النكبة التي أصابته بفقدان عرشه ~~وملكه، ففقدت كل ما لدي، وكل عمل أتكسب منه، فتركت تحرير المؤيد، ونار الحرب مشتعلة، ~~والظروف قاسية، والريبة بين الناس فاشية، وسيف السلطة العسكرية مصلت على الرقاب، ولي زوج ~~وأولاد صغار، أخشى أن يحال بيني وبينهم بالنفي أو الاعتقال، فاخترت العزلة، مع التلطف ~~والاحتيال، وانتقلت بأسرتي إلى الإسكندرية، ثم قضت بعد ذلك السلطة العسكرية الإنجليزية بأن ~~لا أبرح ذلك الثغر، وأن أبقى فيه تحت إشرافها وسيطرتها، حتى تضع الحرب أوزارها. # وحمدت الله، «الذي لا يحمد على مكروه سواه» على الخلاص من النفي أو الأسر أو الاعتقال، ~~إلى غير ذلك من ضروب الاضطهاد التي لاقاها المشتغلون بالسياسة الوطنية، وخصوصا كل من كانت ~~لهم علاقة مثل علاقتي، أو أقل منها بكثير، مع سمو عباس باشا حلمي الخديوي السابق. # ومع أنني كنت في بيتي، مع زوجي وولدي في مدينة واسعة الأكناف، إلا أنني كنت مع هذا أقاسي ~~ألم الاعتقال والضغط على الحرية، ورضوخي للاستبداد، واضطراري إلى الانتقال عن الحياة ~~العمومية، الصحفية والسياسية. ms003 # فتحرك في صدري ذلك «الشيطان الأدبي»، وذكرني بكتاب تاريخ مصر في القرن التاسع عشر، ووسوس ~~إلي بأن الاشتغال بتأليف هذا الكتاب مما يساعد على قطع رقبة الفراغ بسيف العمل، فكان من ~~أثر ذلك أنني استعنت بالله وبدأت في وضع الهيكل الذي يشاد عليه بناء الكتاب، وقسمته في ~~الهيكل إلى أربعة أجزاء بحيث يكون في كل جزء رجل أو رجلان كبيران، الأول عن الحملة الفرنسية ~~حتى خروج الفرنسيين من مصر بيد الترك والإنجليز، وبطلا هذا الجزء نابوليون بونابرت وكليبر، ~~والثاني من خروج الفرنسيين إلى وفاة محمد علي وبطلاه محمد علي وإبراهيم، والثالث من وفاة ~~محمد علي إلى الاحتلال الإنجليزي، ورجله إسماعيل، والرابع من الاحتلال البريطاني إلى الحرب ~~الأوروبية وبطلاه عباس وكروم. # هكذا كان الهيكل، وهكذا كانت النية! ~~••• # وبدأت أبحث وأنقب، وأجمع وأرتب، ثم بدأت أكتب، فرأيت أنه لا بد لبيان الحالة السياسية ~~والاقتصادية والأدبية والاجتماعية، التي كانت عليها مصر قبل قدوم الحملة الفرنسية، من أن ~~أضع مقدمة وافية، واستطردت في ذلك، وخصوصا لما وقعت في يدي كتب قيمة قديمة لم أكن قد ~~قرأتها، وفيها معلومات غريبة، مثل كتاب «ثورة علي بك الكبير» المشار إليها في هذا الكتاب، ~~وغيره من كتب السياح مثل قولني، وبروس، وبراون، وسونيتي، وسافاري، ودينون، فطال البحث حتى ~~بلغ في المقدمة أربعا وستين صحيفة من هذه الطبعة بحرفها الصغير هذا. # ثم رأيت من الضروري أن أضع للقارئ العربي مقدمة أخرى عن تاريخ «فكرة الحملة الفرنسية» على ~~مصر، وأسبابها السياسية والدولية، وكيف تطورت الفكرة في عصور مختلفة، وكان لا بد كذلك من ~~فصل موجز واف عن نشأة وتاريخ نابوليون الذي فتح مصر للعالم الأوروبي، وكان له في هذه ~~الديار، وفي العالم أجمع شأن عظيم. # ولا بد من بيان كيف اختمرت فكرة الحملة في رأسه، وهل جاء مصر راغبا أو مكرها، واستغرق ~~هذا البحث وذاك ما يقرب من مائة صحيفة. # كل ذلك قبل الدخول في الحملة الفرنسية. # وتفتحت معي الأبواب، وتشعبت المسال، ووجدت نفسي أسبح في بحر خضم من عويص ms004 المباحث، ومختلف ~~الكتب والرسائل، والمذكرات الشخصية والعمومية عن الحملة الفرنسية، بحيث لم أصل - بعد مزاولة ~~العمل خلال سنوات أربع، تتخللها فترات انقطاع واشتغال بشئون الحياة - إلى نقطة يحسن الوقوف ~~عندها، إلا نقطة مبارحة نابوليون أرض مصر، وجاء ذلك في هذا المجلد الضخم بهذا الحرف ~~الصغير! # وكل ذلك لم يرد على نصف الجزء الأول من هيكل الكتاب كما كنت قد رسمته وصورته في مخيلتي، ~~فوقفت ثم أخذت أبحث عن كتب لم أطلع عليها، ومذكرات لم تصل يدي إليها، فاتسع المجال، وانفسح ~~ميدان الخيال. ~~••• # وألقت الحرب أوزارها وارتفع كابوس الاعتقال، فطويت صحائف الكراريس والمسودات والتعليقات ~~والمذكرات، وهرعت إلى ميدان العمل في النهضة الوطنية، والحركة السياسية والصحافية، على أمل ~~أن أعود إلى الكتاب فأتمه وأكمل ما فيه من نقص في فرصة أخرى. # ومرت على ذلك سنوات خمس والكتاب في صحائف مبعثرة، وأوراق متناثرة، ومذكرات ومقتطفات ~~متنوعة، وتعليقات متوزعة ... وقد مل شيطاني، وهجر دماغي؛ لأنها امتلأت كخلية النحل، بكثير من ~~المشاكل التي تلهي عنه، وكدت أنسى ما كتبته حتى أهملته، لولا حنين كان يتولاني من آن لآخر، ~~ولولا أن زوجي الفاضلة كانت تذكرني به في أوقات مختلفة؛ لأنها اشتركت فيه معي بروحها، ~~وبمساعدتها لي في تعريب بعض القطع من الفرنسية إلى العربية، في الأيام التي قضيتها معها في ~~شبه منفى بالإسكندرية، ومع كل هذا فلم أقدم على مباشرة طبع الكتاب أو تنقيحه؛ لأنني اعتقدت ~~أنه عمل ناقص، وأنه ليس في مقدوري ولا من رغبتي أن أتمه، وكنت أسوف، وأؤمل أن أنقطع له مرة ~~أخرى، ولكن الفرص لم تتهيأ والظروف لم تساعد. # وحدث أنني مرضت ذات مرة في صيف العام الماضي وتولاني يأس من الحياة وخيل لي أن المنية عدت ~~قاب قوسين أو أدنى، فكان أشد ما يحزنني أنني قد أموت قبل أن أبرز للوجود هذا الذي عملته! ~~فلما من الله بالشفاء نظرت إلى مسودات هذا الكتاب، وقلت في نفسي: قد أمرض ثانية وأموت ~~ولا يتم هذا العمل ولا يطبع ولا ينشر، وهيهات أن يتولى ms005 إنسان تنقيحه وطبعه بعدي، وهكذا ~~يزول من الوجود أثر من عمل أجهدت فيه نفسي، وانصرفت إليه بكل ما في روحي من لذة معنوية ~~ورغبة صادقة أدبية ووطنية. # فخطر لي أن أبدأ بطبع ما كتبت وأن أكتفي بما إليه وصلت، ولئن يظهر هذا العمل، على غير ~~إرادتي، ناقصا - أو بعبارة أخرى، أقل مما كانت تصبو إليه نفسي، وتتوجه إليه مطامعي - فذلك ~~أولى من أن لا يظهر مطلقا، وأولى من أن تعدو عليه العوادي فتذهب به كأن لم يكن، وكأن لم ~~أقض في مزاولته عدة سنين من زهرة الحياة! # واختمر هذا الرأي بنفسي فأقدمت، وشرعت في طبع ما كتبت، وأنا آسف على أن الزمن لم يسمح لي ~~بأن أصل بالكتاب إلى ما أردت، أو ما إليه طمحت! # ومع ذلك كانت تعاودني رغبة الإصلاح والإتقان فكنت أمعن في البحث والفحص، وكثيرا ما كنت ~~أوقف الملزمة أسبوعا وأسبوعين حتى أحقق بعض النقط في بعض المصادر التي كنت أعثر عليها في ~~المكاتب، ثم أحور وأغتر، وأزيد وأنقص، وقد صبر معي القائمون «بمطبعة مصر» صبرا جميلا ~~يشكرون عليه، حتى وصلت إلى النتيجة التي يراها القارئ بين يديه. # وها هو الآن بين يدي قراء اللغة العربية وأترك لهم الحكم عليه وعلى قيمته وحقه في المنزلة ~~التاريخية والعمل الأدبي، وكيفما كان حكمهم الذي يصدرونه عليه، فإنني واثق من شيء واحد، وهو ~~أنهم سيعترفون معي أنني وضعت أسلوبا جديدا في كتابة التاريخ العربي، وأنني رسمت خطة لمن ~~يريد أن يقتفي أثرها ويزيد في تحسينها وإتقانها، وأنني بعراة أوجز قد أزلت بعض الأنقاض، ~~ورفعت قليلا من الأتربة المتراكمة في طريق من يريد السير في إتمام هذا العمل. # ويرى القارئ في هذا الكتاب إشارة إلى ما كابدته وقاسيته من صعوبة البحث، ومن إظهار الأسف ~~من أن الحكومة المصرية، وكتاب اللغة العربية منذ زمن محمد علي، لم يظهروا أقل عناية بوضع ~~كتاب مفصل عن تاريخ الحملة الفرنسية، من المصادر العديدة والمجلدات الضخمة الموضوعة عن هذه ~~الفترة باللغة الفرنسية، مع تحقيق كان أقرب ms006 سهولة في أيام محمد علي باشا وإبراهيم باشا ~~مثلا، منه في هذا الزمن بعد طول المدة وانقراض الذين عاشوا في تلك الأيام القريبة، فأوجه ~~نظر القارئ إلى تلك الملاحظة. # ومن هذا البيان يظهر للقارئ المفكر أنني في هذا الكتاب لم أقم إلا بنصف الجزء الأول من ~~الأجزاء الأربعة التي وضعتها هيكلا لكتاب تاريخ مصر في القرن التاسع عشر، فهل من يقدم على ~~إتمام الأجزاء الباقية على هذا النمط أو أحسن منه؟ أما أنا فلا أؤمل أن أوفق للزيادة على ~~هذا الذي فعلت، إلا أن يشاء الله غير ذلك. ~~••• # ولما لم يعد الكتاب تاريخا كاملا لمصر في القرن التاسع عشر، كما أردت، ولم يصبح تاريخا ~~كاملا للحملة الفرنسية من بدئها إلى نهايتها، اخترت له اسمه الحالي «فتح مصر الحديث»؛ لأن ~~اليوم الذي وطئت فيه قدم نابوليون بونابرت أرض مصر بحملته، كان يوما فاصلا بين القديم ~~والحديث، وكان فتحا لباب مصر ومسألتها على مصراعيه للتدخل الأوروبي، وقد قلت في هذا ~~الصدد: ~~«كان ظهور السفن الفرنسية، بمن نقل من جنود وضباط وقواد وعلماء، وذخائر وبنادق ومدافع، ~~فاتحة عصر جديد لمصر، بدأ بالاحتلال الفرنسي، تحت قيادة أعظم القواد الحربيين الذين أظهرهم ~~هذا الوجود، ثم عقب بالنزاع بين أوروبا، حول هذه البقعة المسماة وادي النيل ... ذلك النزاع ~~الذي ما برح يظهر على جميع الأشكال، وغريب الأحوال، من مطاردة الفرنسيين وإخراجهم، إلى ~~معاضدة المماليك، بإنزال قوة إنكليزية على الشواطئ المصرية، ثم بمقاومة محمد علي، وإيقافه ~~عند حد لا يتعداه، في مشروعاته ومطامعه، ثم بالمعارضة في فتح قنال السويس، إلى التدخل في ~~أمور مصر المالية، حتى كانت الثورة العربية، والاحتلال الإنكليزي والحماية الظاهرة، ~~والمقنعة ... كل هذه الحوادث والمشاكل خلقها وضع فرنسا قدمها في مصر، فإنه من ذلك الحين، ~~أوجست إنكلترا خيفة من تعاظم نفوذ أية دولة أوروبية في وادي النيل، أو تقوية أية سلطة ~~محلية، مما قد يكون عائقا في تنفيذ سياستها القاضية بأن يكون طريقها إلى الهند في يدها ... ~~فكان لها القدح المغلي في كل هاتيك ms007 الحوادث والمشاكل، إلى أن استقر قدمها في مصر، عقب ~~الثورة العرابية ... ومع ذلك فستبقي مصر سببا لمشاكل أوروبا ومنازعاتها وحروبها، حتى تنال ~~استقلالها التام بطريقة تجعل الباب مفتوحا، والثقة في التساوي كاملة، أو يحكم الله بأمر من ~~عنده وهو خير الحاكمين». ~~••• # لهذا سميته «فتح مصر الحديث»؛ أي: فتحها للنزاع الدولي, والمدنية الأوروبية، والمستقبل ~~السعيد لوادي النيل من البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة فكتوريا نيانزا. # ولن يقف في سبيل الوصول إلى هذه الغاية، بهمة الجيل الجديد، والقومية الحديثة والتقدم إلى ~~الأمام أحد، كائنا من يكون! # هذا هو اعتقادي في مستقبل مصر الكبرى، أضعه أمام أبنائنا وأحفادنا منارا يهتدى به، ~~وغاية تتوجه إليها النفوس والقلوب والعقول. # والله سبحانه وتعالى يحقق للناس ما يتوجهون إليه بإخلاص ومثابرة وعزم صادق. # القاهرة في 11 ديسمبر سنة 1925 # | هوامش # الفصل الأول # | مصر قبل الحملة الفرنسية # قبل الدخول في الكلام على الحملة الفرنسية على مصر وأسبابها، وكل ما يتعلق بها مما هو ~~موضوع هذا الكتاب، نرى من الواجب علينا أن نستفتحه بمقدمة وافية عن الحالة التي كانت عليها ~~مصر قبل تلك الحملة. # فنقول: كانت الديار المصرية منذ منتصف القرن الثالث عشر، إلى نهاية القرن الثامن عشر ~~الميلادي؛ أي: إلى يوم سقوطها في يد نابوليون، تحكمها وتتحكم في رقاب أهلها، طبقة المماليك ~~من بقايا الطبقة الثانية منهم، ولكي نوفي التاريخ حقه يجب علينا أن نشرح للقارئ، بإيجاز ~~يليق بالمقام، من هم المماليك، وما هو أصل نشأتهم، وأسباب قوتهم، وبقاء سطوتهم، ونوضح بقدر ~~الاستطاعة، الدور الذي لعبوه، في تاريخ الشرق والإسلام إلى يوم انقراضهم. # يبتدئ تاريخ المماليك بإقبال أواخر خلفاء الفاطميين على شراء المماليك الشبان بكثرة من ~~قارة آسيا لاتخاذهم عبيدا وحراسا وبطانة، واستمرت هذه الحال حتى زمن الدولة الأيوبية، وقد ~~استفاد بهم صلاح الدين أعظم الفوائد، فإنه ألف من أولئك المماليك الأشداء الأقوياء جيوشا ~~قهر بها أوروبا في جميع الحروب الصليبية، ولكن خلفاءه ضعفوا عن أن يستخدموهم كما استخدمهم ~~صلاح الدين، حتى إذا ولي الحكم الملك الصالح، أكثر ms008 من ابتياع المماليك، وجعل منهم أمراء ~~دولته وخاصة بطانته، فصار لهم من النفوذ ما جعلهم يتخذون لهم دورا خاصة، في جهات منيعة ~~تحكم على المدينة «في جزيرة الروضة بالمنيل»، ومن أجل ذلك لقبوا «بالمماليك البحرية» ثم ~~أشتد ساعدهم، وقوي جاههم، وفعلوا بالدولة الأيوبية على ضفاف النيل، مثل ما فعل أشباههم، ~~وأبناء نوعهم، في الدولة العباسية على ضفاف الدجلة؛ إذ انتهى الأمر بهم إلى قتل آخر ملوك ~~الدولة الأيوبية وهو السلطان «نوران» المعظم في نفس الوقت الذي كان فيه لويس الحادي عشر - ~~الذي يلقبه كتاب الإفرنج بالقديس لويس - يحاول بعد حبسه أن يعقد معهم اتفاقية سياسية في عام ~~1350 ميلادية. ~~••• # مثل المماليك في تاريخ الدول الإسلامية، والمماليك الشرقية، دورا مهما جعل من الواجب ~~على المؤرخين، أن يضعوا له بحثا خاصا، وتحقيقا دقيقا، ليظهروا ما كان لتلك الطبقة من ~~الأثر الطيب أو السيئ، وليشرحوا أيضا ما إذا كان في ظهورهم، وتقوية شأنهم، بل وفي ذكائهم ~~ونشاطهم، وقوة بأسهم، فائدة للأمم الإسلامية، بحيث استطاعت أن تردد وقتا ما بأولئك ~~المماليك غارات الأمم المسيحية، من القرن الثالث عشر إلى القرن التاسع عشر؟ أو هل كان ظهور ~~أولئك المماليك على مسرح السياسة الشرقية الإسلامية، سواء في آسيا، أو شمال إفريقيا سببا ~~في اضمحلال النهضة العربية الإسلامية الصحيحة، وقضاء على الحياة العلمية الفكرية، التي ~~ابتدأت في الأزهار على شواطئ دجلة والفرات والنيل، في عهد الدول الأموية والعباسية، ~~والفاطمية، وما تفرع من الدول العباسية من الدول الصغيرة، كدول بني بويه وحمدان ~~وغيرهما. # إن الجواب الصحيح على هذه الأسئلة يحتاج إلى بحث مفصل، وتحليل دقيق، في مؤلف خاص بهذا ~~الموضوع، وهو ما لا يحتمله هذا الكتاب الذي وضع لغرض آخر، وزمن أحدث، ولكنني أغتنم هذه ~~الفرصة لألفت إليه نظر محبي المباحث التاريخية: وفي رأيي أن الحكم في هذا الباب مجازفة لا ~~تصح، قبل عرض جميع الحوادث ونتائجها، وأسبابها، ومسبباتها، ومن وجوهها المختلفة. # على أن الذي يهمني من بحثي هذا من الوجهة المصرية الوطنية القومية، هو أنني أميل إلى ms009 ~~الرأي، بأن المماليك وخصوصا الطبقة الثانية منهم كانوا سببا في بلاء هذه الديار، وعذاب ~~أهلها مدة طويلة من الزمان؛ إذ صيروا وادي النيل، ميدانا للسلب والنهب والمظالم، كما سترى ~~ذلك مفصلا في بابه. ~~••• # كلمة «مملوك» اسم مفعول من «ملك»، وهو ظاهر المعني لا يحتاج لإيضاح وقد ذكر المؤرخون أن ~~منشأ المماليك في جهات «قفجان» من شمالي آسيا، وأنه لما غزا المغول تلك الأصقاع تحت قيادة ~~بانوخان حفيد جنكيز خان، سلموا أهلها الذل، وفتكوا بهم فتكا ذريعا، حتى هاجر سكان ~~الولايات القسبينية والقوقاسية ديارهم، فضعفت قبائلهم وتشتت في بلاد آسيا الصغرى، وكانت ~~تجارة الرقيق الأبيض والأسود في شدة انتشارها، فكان النخاسون يبتاعون أحسن أبنائهم وأجملهم ~~وأقواهم، من أقاربهم أو آبائهم، أو كانوا يختطفونهم فيبيعونهم لمن أرادوا من أمراء وأغنياء ~~الديار السورية والعربية والمصرية، فيشب الفتى وقد نسي قومه وجنسيته، واندمج في سلك أمثاله ~~المماليك تحت رعاية كبير منهم، أو أمير من أمراء العرب أو غيرهم، يقربونهم إليهم، ويحبونهم ~~لجمالهم وذكائهم وولائهم في خدمتهم، فيرقونهم بعد أن يشتد ساعدهم في بطانتهم، وعند ذلك ~~تتطلع نفوسهم إلى مراتب العز ومنازل الإمارة والشرف بل إلى الملك ذاته؛ لأنهم كانوا يعرفون ~~أن أمثالهم من المماليك الأرقاء الذين ابتيعوا صغارا، وربوا في أحضان أسيادهم وملوكهم، ~~شبوا على الفروسية والإقدام، ووصلوا إلى أرقى مناصب الملك والسيادة، ولم يكن يخفى على ~~صغيرهم قبل كبيرهم أن سلاطين المماليك - بعد الدولة الأوروبية - من عهد الملك الظاهر بيبرس، ~~فالملك المنصور قلاوون، فالسلطان حسن، وبرقوق، وبرس باي، وقايتباي، وجميع ملوك هذه الدولة ~~وسلاطينها لم يكونوا إلا مماليك، أو أبناء مماليك مثلهم، ولقد روى الإسحاقي في تاريخه رواية ~~وهي وإن تكن من قبيل الأقاصيص التي لا يعتمد عليها المؤرخ، إلا أنها مثال للتصورات العقلية، ~~والآمال النفسية، التي كانت تدور بخلد المملوك وهو رقيق صغير، روى الإسحاقي عن عبد الملك ~~الأشرف قايتباي المحمودي، أنه لما جنبه الخواجا «كذا» محمود إلى مصر وكان معه رقيقه أحد ~~المماليك الذي جلب معه تحدثا مع الجمال «قائد الجمل» ms010 الذي يحملهما إلى مصر في ليلة مقمرة، ~~فقالا: لعل هذه الليلة هي ليلة القدر التي يستجاب فيها الدعاء، فليدع كل منا بما يحبه، فأما ~~قايتباي فقال: أنا أطلب من الله تعالى سلطنة مصر، وقال الثاني: وأنا أطلب من الله أن أكون ~~أميرا كبيرا، أما الجمال فقال: أما أنا فأطلب «حسن الخاتمة» فصار قايتباي سلطانا وصاحبه ~~أميرا، فكانا إذا اجتمعا يقولان «فاز «الجمال» من بيننا!!»، فانظر كيف كانت تحدث المملوك ~~نفسه بالرقي إلى مصاف الملوك!! فهل كان هذا رقا واستعبادا؟ # لم يكن «الرق» الذي ينسبونه إلى المماليك إلا كلمة لا معنى لها؛ لأنهم لم يكونوا هم ~~الأرقاء بحق البيع والشراء، بل كان الأرقاء، في الواقع ونفس الأمر، هم المصريون من جميع ~~طبقاتهم ... ~~••• # يقسم المؤرخون الحديثون من كتاب الشرق تاريخ المماليك في مصر إلى دولتين يسمون الأولى ~~دولة «المماليك البحرية» وقد سموا بهذا الاسم؛ لأنهم في مدة حكم الملك الصالح، ابتنوا دورا ~~كبيرة، ومعاقل متينة، عند الروضة حيث يتفرع نهر النيل إلى فرعين، ويسمى بالبحر الكبير، ~~فلقبوا لذلك بالمماليك البحرية، ومادتهم على هذا التقسيم من سنة 1250 إلى 1381 ميلادية، ~~ويسمون المماليك الذين خلفوهم من أول السلطان برقوق من سنة 1381 إلى 1517؛ أي: إلى الفتح ~~العثماني، بدولة المماليك البرجية، «نسبة إلى الأبراج»، أو الشراكسة «نسبة إلى ~~أصلهم». # ولما كان الفتح العثماني لم يقض على سلطة المماليك، بل زادها بعد ذلك عتوا وتجبرا، كان ~~الأولى - على رأيي - أن يقسم تاريخ المماليك في الديار المصرية إلى قسمين على النمط الآتي: # الأول: # من سنة 1250؛ أي: بعد انقراض الدولة الأيوبية إلى سنة 1517 وهو تاريخ ~~الفتح العثماني. # الثاني: # من 1517 إلى 1811؛ أي: إلى أن قضى «محمد علي» على البقية الباقية منهم في ~~مذبحة المماليك المشهورة بالقلعة. # ولا عبرة بقولهم إن القسم الأول من المماليك البحرية كان من جنس غير جنس المماليك ~~الشراكسة «الذين يبتدئون على حسب آراء المؤرخين الحديثين، من تولية السلطان الظاهر برقوق ~~الجركسي»؛ لأن المماليك في أول أمرهم وفي أواخر الدولة العباسية، إلى مذبحة ms011 القلعة، لم ~~يكونوا من جنس خاص، ولا من أمة معلومة، بل كانوا دائما خليطا ممن يباع ويشترى من ~~الفتيان الحسان الأقوياء، سواء أكانوا من شواطئ بحر قزوين، وأواسط آسيا، من تتر ومغول ~~وشركس، أم كانوا من بحر إيجة من الأروام، وجزر البحر الأبيض المتوسط، وهذا السلطان الظاهر ~~«حوشقدم»، من مماليك الطبقة الأولى، يلقب بالرومي؛ لأنه يوناني الأصل، ويلقب بالناصري، ومع ~~إسلامه، كان له ولع بالعلوم والآداب اليونانية القديمة، وربما كان فيهم من أجناس مختلفة من ~~الشعوب القائمة حول الأدرياتيك، أو من جزائر إيطاليا والبحر الأبيض على الإجمال. # ولولا أن المماليك كانوا في القسم الثاني، أتباعا للدولة العثمانية، ولو بالاسم، وأنهم ~~لم يلقبوا أنفسهم بألقاب «الملك» و«السلطان» - اللهم إلا أن يكون واحد منهم وهو علي بك ~~الكبير سنة «1763-1774»م - لما كان ثمت داع إلى تقسيم مدتهم إلى دورين، ولاكتفينا ~~واكتفى المؤرخون بالقول بأن المماليك حكموا مصر من عام 1350 إلى حوالي 1811، مع استثناء مدة ~~الاحتلال الفرنسي، وأول ظهور سلطة محمد علي. # القسم الأول # كان مماليك القسم الأول من عام 1250 إلى الفتح العثماني أرقى أخلاقا وأفضل سياسة، ~~وكان يظهر فيهم من وقت لآخر فحول سياسة ورجال عدل ونظام ورفق بالرعية، وكان مما يصلح ~~شأنهم، أن الوراثة كانت توجد بينهم من وقت لآخر مما ثبت دعامة الملك، ولم يدعها مطمعا ~~لكل سفاك للدماء طامح للسلطة والإمارة. # امتاز مماليك هذه الطبقة بما تركوه في القاهرة وضواحيها من الآثار النفسية، والمساجد ~~البديعة النادرة المثال، وما أبقوه من العمائر التي تدل على ذوق راق ورفاهية تضرب بها ~~الأمثال. # يقول العلامة «لاين بول» في كتابه المسمى «القاهرة»: # لقد جمع هؤلاء المماليك بين المتناقضات التي لم تجمع في طبقة من الأمراء في ~~أي زمان أو مكان، فبينما نعرف أنهم عصبة من الأفاقين ابتيعوا بيع السلع، ونشئوا ~~أرقاء، وربوا سفاكين للدماء، ظالمين للعباد، مخربين للبلاد، نجد منهم ميلا ~~غريبا للفنون، يحق لأي ذي عرش وصولجان أن يفخر به على الأنداد والأقران، ولقد ~~أظهر هؤلاء المماليك في لباسهم، وفراشهم ms012 ومسكنهم، وعمائرهم ذوقا ساميا، ~~ورفاهية بالغة، يصعب على أوروبا الآن، في عصرها «الاستاثيقي» المحب للجمال ~~والتأنق، أن تدانيهم فيه. # انظر إلى ما يوجد الآن في القاهرة من المساجد الكبيرة التي تناطح مآذنها السحاب تجد ~~أنها بنيت في عصر مماليك الطبقة الأولى ... انظر إلى جوامع قلاوون، والناصر، والناصر بن ~~قلاوون، والسلطان حسن، وبرقوق والمؤيد، والإشرافية وقايتباي، ثم انظر إلى قباب قبور ~~المماليك بالصحراء، تر من جلال البناء، وبديع العمارة ما لا يدانى وكل ما بني بعد ذلك ~~في العصر الأخير من القرن التاسع عشر، إنما هو تقليد وتشبيه بهايتك العمائر، التي تفخر ~~بها القاهرة على مدن العالم. # من أين للمماليك بتلك الثروة؟ # هنا لا يجد المؤرخ المحقق مناصا من النظر إلى الحالة الاقتصادية التي كانت عليها مصر ~~في تلك المدة؛ لأن موارد مصر معروفة، وهي هي في كل عصر من حيث الثروة الزراعية، والتي ~~لا يوجد في وادي النيل مصدر سواها، ولم تكن تربة مصر في ذلك الحين كانت أخصب مما هي ~~الآن، بل لم تكن لحاصلاتها أسواق تباع فيها بأزيد مما تباع به اليوم، فمن أين كان ~~للمماليك ذلك اليسار وتلك الثروة الواسعة، وتلك الأموال التي استطاعوا الإنفاق منها على ~~بنائها تيك العمائر، وعلى ما كانوا ينعقونه على ترفهم ونعيمهم، وشراء المماليك ~~والسراري، ولم يكن ثمن المملوك مما يستهان به، فكثيرا ما ذكر المؤرخون أنهم كانوا ~~يبتاعون المملوك أو الجارية بألف أو ألوف من الدنانير، وقد جاء في بعض التواريخ أن ~~السلطان سليمان لما فتح مصر ووضع نظام حكومتها - ذلك النظام الذي سنشير إليه، والذي ترك ~~السلطة في يد المماليك وأدى إلى خراب هذه الديار - وأراد العودة إلى بلاده نقل معه ألف ~~جمل محملة ذهبا وفضة، فضلا عن أسلاب أخرى وهدايا ثمينة. # ولم تكن في أرض مصر مناجم الذهب، ولا مصادر أخرى للثروة غير محصول الزرع - وكان ~~المزروع منها قليلا، والنيل يغمر أكثر بلادها فلا يستفاد به في زمن الفيضان - فمن أين ~~كانت لمصر وللمماليك كل هذه الثروة؟ # لم أجد ms013 بين المؤرخين الذي نقبت في كتبهم من عني بهذه النقطة ووفاها حقها من البحث ~~العلمي والتاريخي مثل مستر «كامرون» # 1 # فإنه وقف مثلما وقفنا عند حالة مصر الاقتصادية وسأل كما سألنا من أين كان ~~يأتي المال؟ ثم جاء بالجواب الشافي بعد بحث واستقراء في المصادر الإنجليزية المختلفة من ~~كتب وتقارير رسمية، فقال ما خلاصته: # إنه لما كان المماليك أصحاب السلطة المطلقة في مصر، وفي سوريا أيضا فقد وقعت ~~في قبضتهم جميع الموانئ، وطرق القوافل التي توصل إلى أوروبا متاجر البلاد ~~الهندية، وغيرها من بلاد الشرق الأقصى، بذلك تمكنوا من فرض الضرائب التي ~~يريدونها على كل كمية من البضاعة الهندية التي تمر من طريق البحر الأحمر إلى ~~القاهرة، ثم إلى الإسكندرية، وكذلك من طريق البحر الأحمر إلى القاهرة، ثم إلى ~~الإسكندرية، وكذلك من طريق الخليج الفارسي إلى البصرة، وطريق القوافل منها ~~فميناء إسكندرونة لتنقل منها إلى فينيسيا «البندقية» التي كانت واسطة لهم في ~~إيصال المتاجر الشرقية إلى أوروبا، وقد بقي هذا الاحتكار الاقتصادي، المنتج ~~للمال، في أيدي المماليك حتى اكتشف «فاسكودي جلعا» البرتغالي، طريق رأس الرجاء ~~الصالح إلى المياه الهندية - ولم يكن قد دار أحد حول إفريقيا بحرا ~~مثله. # ولكي يصور القارئ لنفسه مقدار الثروة التي كانت تدخل في أيدي المماليك، نضرب له ~~مثلا، جاء به مستر كامرون، كما هو ... قال: # فلنفرض أن تاجرا من العرب ابتاع من البضائع الفارسية أو الهندية، أصنافا ~~كالحرير والبهارات والنيلة، ما قيمته عشرة آلاف جنيه، ثم أرسل هذه البضائع ~~بحرا إلى البصرة من طريق الخليج الفارسي، أو بحرا إلى السويس من طريق البحر ~~الأحمر، وكان في الغالب يفضل إرسال تجارته عن طريق السويس فالقاهرة ~~فالإسكندرية؛ لأن البصرة، وإن كانت أقرب إليه برا، ولكن طريق القوافل من ~~البصرة إلى حلب فإسكندرونة أبعد شقة، وأصعب مشقة، وأكثر تعرضا للصوص ولهذا ~~كانت طريق مصر عند التجار أضمن وأروج. # قدرنا بضاعة التاجر بنحو 10000 جنيه، وهذه البضاعة حين تفرغ من السفن في ~~ميناء السويس نضرب عليها ضريبة لا تقل ms014 عن 4000 جنيه فيكون ثمنها على التاجر ~~14000 جنيه، وتقدر في أرض مصر بحرا وبرا بعشرين ألف، وفي مرور هذه البضاعة ~~في أرض مصر يضاعف ثمنها حتى تباع في الإسكندرية بنحو ثلاثين ألفا «بما يدفع ~~للمماليك الحكام من الضرائب المشروعة وغير المشروعة» لتاجر من تجار البندقية ~~«فينيسيا» فلا يستطيع شحن هذه البضاعة في السفن لأوروبا قبل أن يدفع مبلغ 5000 ~~جنيه ضريبة الإصدار، فيكون مجموع ما وصل - من ثمن البضاعة التي كلفت الأوروبي ~~35 ألف جنيه - إلى سلاطين المماليك وأمرائهم في أرض مصر، ما يقرب من 10000 ~~جنيه؛ أي: نحو ربع ثمن البضاعة في تقديرها الأخير أو قيمة ثمنها الأساسي، وقس ~~على ذلك. # وضرب المستر كامرون مثلا آخر نقله عن كتاب اسمه «تقرير عن المحفوظات القديمة لوزارة ~~الهند» بقلم السرجورج بردوود ما يأتي: «ولا مبالغة فيما ذكرنا فإنه جاء في التقرير ~~المشار إليه أنه في سنة 1620 صدرت الشركة الهندية الإنكليزية «التي امتلكت الهند» ~~200000 رطلا من النيلة، ابتيع الرطل منها في مدينة «آجرا» (في شمال الهند) بمبلغ 14 ~~بنس (خمسة قروش ونصف) وبيعت في لندره على حساب الرطل الواحد بخمسة شلنات (أي: بخمسة ~~وعشرين قرشا)». # ولاحظ أن هذا المثال المأخوذ من المصادر الرسمية كان في عام 1620 بعد أن استبدل طريق ~~البحر الأحمر، والخليج الفارسي، بالطريق البحري حول رأس الرجاء الصالح؛ لأن اكتشاف هذا ~~الطريق وقع في سنة 1498 وقد قدر التقرير المشار إليه نفقات طريق مصر والشام بثلاثة ~~أمثالها في الطريق البحري؛ ولذلك يصح أن يقال إن ثمن الرطل النيلة كان يصل إلى 15 شلنا ~~بعد خمسة. # ومما يجب ذكره في بيان إثراء المماليك من مركز مصر، أنه يضم إلى هذه أن المسيحيين في ~~مقابل زيارتهم للقدس الشريف، كانوا يدفعون مبالغ من المال لمن تكون له السيادة على ~~فلسطين من المماليك البحرية، فقد جاء في تاريخ الدولة العثمانية تأليف المرحوم محمد بك ~~فريد «أن السلطان سليم لما فتح مصر وعاد إلى أدرنه وصل إليه سفير من قبل مملكة ms015 إسبانيا ~~ليكلمه في شأن حرية زيارة المسيحيين للقدس الذي كان قبلا تابعا لسلطة مصر، وتبعها في ~~دخولها تحت ظل الدولة العلية، في مقابل دفع المبلغ الذي كان يدفع سنويا ~~للمماليك.» # ومن هذا يظهر للقارئ أن التيار الذهبي الذي كان يسيل بتجارة الهند والشرق كلها إلى ~~شواطئ البحر الأبيض المتوسط، سواء من طريق مصر وهو الأكثر، أو من طريق سوريا، كان يمر ~~في أيدي المماليك فيأخذون منه ما يشاءون من ضرائب ثم هدايا، ثم رشاوى، وهذا غير السلب ~~والنهب، وبذلك استطاع المماليك في الدور الأول بناء كل هاتيك العمائر وشراء المماليك ~~والبذخ والإنفاق. # وكان لهذا الحال الاقتصادية تأثير كبير على إدارة الأحكام في البلاد المصرية، فالثروة ~~عادة تغطي العيوب وتدرأ المصائب، فكان المصريون من تجار وعمال يستفيدون من تلك التجار، ~~الشرقية الغربية، بين بيع وشراء، وقيام بما تستلزمه من نقل وتوزيع، ولذلك كان اليسار ~~فاشيا بين المصريين، وكان المماليك من جهة أخرى قانعين بما يفرضونه من الضرائب على ~~المتاجر الأجنبية وما يدخل في خزائنهم من المال بحيث لم يروا ضرورة لظلم الفلاحين، ~~ومصادرة التجار المصريين، واستلاب ما في بيوت الناس من خير وبركة، كما اضطر أن يفعله ~~خلفاؤهم المماليك بعد الفتح العثماني، الذي حصل بعد اكتشاف طريق الرجاء الصالح وتحويل ~~المتاجر الآسيوية بحرا إلى أوروبا، بزمن قصير جدا «الأول في 1498 والثاني في ~~1517». # اكتشاف الوصول إلى الهند بحرا وتأثيره على ثروة مصر # ولقد أثر اكتشاف طريق البحر حول إفريقية، على ثروة مصر تأثيرا كبيرا اضطر معه سلطان ~~مصر في ذلك الحين، إلى أن يبعث بعمارة بحرية إلى مياه الهند لمحاربة البرتغاليين، ~~وإتلاف سفنهم؛ لأن «فاسكودي غاما» البرتغالي لما دار حول رأس الرجاء الصالح، ثم وصل إلى ~~الهند سنة 1498، وعاد منها إلى بلاده، حرض قومه «كما فعل قرينه كلومبوس بعد اكتشاف ~~أمريكا» على امتلاك البلاد الهندية التي زارها، وفعلا احتلوا جزءا كبيرا من الجهة ~~الغربية من الهند ولا تزال لهم مستعمرة برتغالية صغيرة للآن. # قال جورجي زيدان: في سلطنة «قانصو» الغوري «من ms016 1501-1516» ما نصه: «ثم كانت الحوادث ~~السياسية فتوقف الغوري عن إتمام ما كان يقصده من البناء والتحسين «في جامعه ومدرسته في ~~أول شارع الغورية»؛ لأن البرتغاليين لما استولوا على بعض بلاد الهند أثقلوا على ~~العلاقات التجارية بينها وبين مصر فجهز قانصو الغوري إلى محاربتهم حملة عظيمة ذهبت ~~غنيمة باردة لجيوش الإفرنج في البحر الأحمر.» ا.ه. # بهذه العبارة الخفيفة مر المؤرخ جورجي زيدان على أكبر حادث في تاريخ «مصر الحديث» دون ~~أن يقدر له قيمته، فأولا لم يذكر لنا كيف بعث الغوري بهذه الحملة العظيمة برا أم ~~بحرا ... وقوله أثقلوا على العلاقات التجارية، لا يدخل في ذهن القارئ نورا يضيء له ~~سلسلة الحوادث، وتأثير وجود البرتغاليين في الهند على ثروة مصر، بل وثروة الشرق كله؛ ~~لأن الدولة العثمانية لم تدرك الخطر المحيق بأملاكها في مصر وآسيا من استيلاء ~~الأوروبيين على البلاد الهندية، ولو أراد الله وأؤتي رجال الدولة العثمانية منعة في ~~المدار السياسية، لفضلوا الاستيلاء على شواطئ الهند الغربية، على التوغل في أوربا ~~فكانوا بذلك يمنعون المتاجر الهندية من الذهاب إلى أوروبا، قبل أن تمر ببلادهم، مصر أو ~~سوريا، ثم كانوا ينشرون الدين الإسلامي في بقية البلاد الهندية، وكان الترك، بدلا من ~~محاربتهم لجمهورية البندقية، واستيلائهم على جزر البحر الأبيض - تلك الجزر التي لم تبق ~~في يدهم طويلا، وكلفت من الأموال والرجال ما لا يدخل تحت حصر - يتفقون مع فينيسيا على ~~عدوهم وعدوها، وهو الاستعمار الأوروبي في آسيا. # ويرى الباحث من هذا أن سوء سياسة الدولة العثمانية كانت سببا في الإضرار بمصلحة مصر ~~وثروتها، كما كانت من بعد سببا في تركها في أيدي مماليك الطبقة الثانية يسومون أهلها ~~سوء العذاب، حتى صارت إلى ما صارت إليه، عند قدوم الحملة الفرنسية تحت قيادة نابوليون ~~بونابرت. # والحق يقال أن جمهورية فينيسيا كانت أعرف بالخطر المحيق بثروتها وثروة مصر من ~~الأتراك، فإنها هي التي حرضت السلطان الغوري على إرسال تلك الحملة إلى المياه الهندية، ~~وهي التي أرسلت له بالأخشاب اللازمة لبناء السفن في البحر ms017 الأحمر، وكانت هذه الأخشاب ~~تنقل على ظهور الجمال من الإسكندرية إلى السويس ويتولى عمال مهرة من الفينيسيين إنشاء ~~السفن، ويؤكد السير بردوود في تقريره الذي سبقت الإشارة إليه، أن الفينيسيين اشتركوا ~~بجيوش في الحملة المصرية البحرية، وذكر: أن ذلك الأسطول المصري سافر من السويس والتقى ~~بالأسطول البرتغالي على شواطئ بومباي، وأن الأسطول المصري قهر البرتغالي وحطم سفنه ومات ~~قائده واسمه «لورانزو ~~المائيدا» ~~“Lorenzo da Al Maeyda” # وهو ابن حاكم الولايات البرتغالية في الهند الغربية، وأخذ ~~الهنود يقاومون البرتغاليين، ويقلبون لهم ظهر المجن، فخاف البرتغاليون العاقبة وجمعوا ~~أسطولا جديدا قهروا به الأسطول المصري الفينيسي، في شهر فبراير سنة 1509 على مقربة من ~~جزيرة ديو ~~(Dio) # ولا شك أن هذه المعركة البحرية كانت من ~~المعارك الفاصلة في التاريخ؛ إذ لو أتيح للمصريين الفوز الأخير، لقضي على الاستعمار ~~الأوروبي في الهند إلى زمن طويل، ولبقيت مصر، وبلاد الدولة العثمانية، تتمتعان بثمار ~~التجارة الهندية. # وعلى مثل هذه الحوادث الكبرى يمر مؤلفو تاريخ مصر، الحديث، مرورا غير لائق بمقام ~~التأليف. # وكانت نتيجة تحويل التجارة الآسيوية عن طريق مصر عظيمة في إدارة البلاد ونظاماتها ~~وثروتها، إلى درجة أدت إلى خراب مصر؛ إذ بقي المماليك، وبقي بذخهم، وبقي تعودهم على ~~الترف والنعيم، وقل الوارد من الخارج، فتحولوا إلى امتصاص دماء المصريين حتى أوصلوهم ~~إلى ما يقرب من الفناء، كما سيمر على القارئ فيما يلي: # الفتح العثماني لمصر # بعد ثمانية أعوام مرت على تلك المعركة البحرية في المياه الهندية أقبل السلطان سليم ~~العثماني على مصر بجيش جرار وبعد وقائع ومعارك مع السلطان الغوري في مرج دابق، قرب حلب ~~- وبعد معارك مع خلفه «طومان باي» بالقرب من الخانكة - دخل القاهرة «في شهر يناير سنة ~~1517» عنوة ولاقت العاصمة من جيوش العثمانيين الأمرين؛ إذ دار القتال في شوارعها ~~وحاراتها، وأمعنوا فيها قتلا وسلبا، ونهبا وحرقا، حتى لقد بلغ عدد من قتل من جنود ~~المماليك، ومن أهالي المدينة، أكثر من خمسين ألفا بشهادة مؤرخي الترك أنفسهم. # ومن هنا يبتدئ القسم الثاني لحكومة ms018 المماليك «1517-1798»؛ لأن السلطان سليم لما افتتح ~~مصر كان في إمكانه القضاء المبرم، على المماليك الجراكسة وغيرهم، وكانت مصر استراحت من ~~مظالمهم، وتمكنت الدولة العثمانية من وضع نظام إداري يجمع بين النفوذ العثماني، وبين ~~تقدم الأمة المصرية، واستعمار هذه الديار على الطرق الحديثة، ولكنه على ما يظهر من جميع ~~أقوال مؤرخي هذه الفترة الثقات خاف لبعد مصر عن مركز الحكومة العثمانية «ولم يكن ثمت ~~سكك حديد ولا سفن بخارية» أن يستضعف أحد الولاة جانب المصريين، وهم دائما مستضعفون، ثم ~~يبسط نفوذه في البلاد، ويستقل بها، وفي هذا الصدد يقول المرحوم علي باشا مبارك، في ~~الجزء السابع من «خططه التوفيقية» ما خلاصته. # لما أخذ السلطان سليم مصر ورأى غالب حكامها من المماليك التي ورثوها عن ساداتهم رأى ~~أن بعد الولاية عن مركز الدولة ربما أوجب خروج حاكمها عن الطاعة، وتطلبه للاستقلال، ~~فجعل حكومة مصر منقسمة إلى ثلاثة أقسام وجعل في كل قسم رئيسا، وجعلهم جميعا منقادين ~~لكلمة واحدة وهي كلمة وزير الديوان الكبير، وجعله مركبا من الباشا الوالي من قبله، ومن ~~بكوات السبع وجاقات وجعل للباشا مزية توصيل أوامر السلطان إلى المجلس، وحفظ البلاد، ~~وتوصيل الخراج إلى القسطنطينية، ومنع كل من الأعضاء عن العلو عن صاحبه، وجعل لأعضاء ~~المجلس مزية نقض أوامر الباشا بأسباب تبدو لهم وعزله أن رأوا ذلك، وجعل حكام المديريات ~~الأربع وعشرين من المماليك وخصهم بمزية جمع الخراج ... إلخ، ثم استطرد فقال: وبهذا ~~الترتيب تمكنت الدولة العلية من إبقاء الديار المصرية تحت تصرفها نحو مائتي سنة، ثم ~~أهملت تلك القوانين ولم تلتفت الدولة لما كان يحصل من المماليك في الأمور المخلة ~~بالنظام فضعفت شوكة الدولة وهيبتها التي كانت لها على مصر، وأخذ البكوات تكثر من ~~المماليك وتتقوى بها حتى فاقت بقوتها الدولة العثمانية في الديار المصرية فآل الأمر ~~والنهي لهم في الحكومة، وصارت سلطة الدولة في مصر صورية غير حقيقية، ولو كانت الدولة ~~العلية تنبهت لهذا الأمر ومنعت بيع الرقيق لكانت الأمور باقية على ما وضعها السلطان، ~~ولكنها ms019 غفلت عن هذا الأمر كما غفلت عن أمور كثيرة، ومن ذلك لحق الأهالي الذل والإهانة ~~وهاجر كثير منهم إلى الديار الشامية والحجازية وغيرهما، وخربت البلاد وتعطلت الزراعة من ~~قلة المزارعين، وعدم الاعتناء بتطهير الجداول والخلجان التي عليها مدار الخصب وصار ~~للبكوات الكلمة النافذة وانفردوا بالتصرف. ا.ه. # وقد أراد المرحوم علي باشا مبارك بقوله: «منع بيع الرقيق» هو شراء المماليك وتجنيدهم ~~بواسطتهم أسيادهم الذين بقي لهم النفوذ المطلق في الديار المصرية على الرغم من توالي ~~الولاة الذين كانوا يلقبون بالباشوات من الدولة العلية، ولخوف الحكومة العثمانية من ~~ولاتها، ولرغبتها دائما في استرضاء المماليك، لكيلا يمنعوا الخراج عنها كانت لا تكاد ~~تبعث بوال من عندها حتى تعزله وتعين بدله، وحتى لقد بلغ عدد ولاتها منذ الفتح العثماني ~~إلى الاحتلال الفرنساوي - أي: من 1517 إلى 1798؛ أي: نحو 280 سنة - أكثر من مائة وال، ~~قل من أقام منهم أكثر من عامين، وكثر من بدل كل عام، ولقد كان بعض أولئك الولاة، كما ~~أثبت المؤرخون من أهل الكفاءة والإخلاص، وذوي الرغبة في إصلاح ما اختل من شئون هذه ~~البلاد، فلا يكاد يشعر المماليك برغبته في الضرب على أيديهم، وكف مظالمهم، حتى يقرروا ~~عزله، كما ترك لهم هذا الحق في النظام الذي وضعته الدولة لهم كما تقدم، فكان الوالي ~~بمقتضى هذه الظروف، يوجه همته إلى إرضاء المماليك والتقرب منهم، وأخذ ما يستطيع أخذه من ~~الأموال والطرف، ليعود إلى الآستانة مملوء الوفاض بادي الثراء. # وعلى الرغم من حيطة الدولة ورغبتها في أن لا يستبد أحد من المماليك بالسلطة في الديار ~~المصرية، ومع ما كانت تبذله من الوسائل للتفريق بينهم وغرس بذور الأحقاد في صدورهم، ~~فإنهم كانوا في الواقع ونفس الأمر مستبدين بحكومة البلاد وطالما ماطالوا الدولة في ~~إرسال الخراج، بدعوى الحاجة إليه في إقامة الجسور أو حفر الترع وهم لم يفعلوا شيئا من ~~هذا، أو بحجة قلة الفيضان وعجز المحصول وتأخر الأهالي عن دفع الضرائب، كما أن ذلك لم ~~يمنع من اغتصاب الملك مرارا من الباشا الوالي ms020 وطرده من الديار المصرية، وبلغ الأمر في ~~منتصف القرن الثامن عشر - أي: عام 1746 - أن قام المدعو إبراهيم بك القازضغلي، كخيا ~~الإنكشارية «ميرالاي وجاق؛ أي: فرقة الإنكشارية» واتحد مع إسماعيل رضوان كخيا العرب، ~~وقاوما الأحزاب الأخرى حتى استطاعا القضاء على عثمان بك الذي كان وقتئذ زعيم المماليك - ~~أي شيخ البلد - وصارت مشيخة البلد لإبراهيم بك المذكور فصادر ممتلكات كثيرين من ~~الأغنياء في القاهرة، ووضع يده على جميع محصولات البلاد والكمارك والقرى والمخازن، ولما ~~عينت الدولة واليا جديدا لمصر عامله إبراهيم بك بالاحتقار فأراد الباشا الوالي الفتك ~~به فلم يتيسر له ذلك، ثم لما ولي وال آخر غير ذلك وكان اسمه «راغب محمد» اتفق مع ~~إبراهيم بك وحزبه مدة من الزمن، فلم يوافق ذلك سياسة الدولة فسعت للإيقاع بين واليها ~~وبين البكوات، فبعثت له بالأوامر القاضية عليه بإبادتهم، فحاول ذلك ولكنه فشل، فلما عرف ~~إبراهيم بك بمقاصده عزله . # وكان من مماليك إبراهيم بك المذكور «وكانوا يبلغون الألفين عدا» فتى يدعى «علي» اشتهر ~~بالفروسية والإقدام، فرقاه سيده إبراهيم بك إلى رتبة البكوية، وكان لهذا المملوك شأن ~~كبير في تاريخ مصر؛ لأنه خرج على الدولة لما وصل بدسائسه إلى مشيخة البلد، ثم أراد أن ~~يستقل بملك مصر فتم له ما أراد، وفوق ما أراد. # ذلك أنه في سنة 1763 ميلادية تمكن علي بك هذا من أن يكون كبير المماليك، ولقب بشيخ ~~البلد، ولكنه لم يصل إلى هذه الدرجة، إلا بعد منازعات وحروب مع أقرانه، ومنافسة مع ~~المماليك أنداده، أدت إلى تخريب البلاد، والإساءة إلى العباد، إلى درجة أحرجت الشيخ ~~الحفناوي أحد علماء الجامع الأزهر، «على ما بهم من جبن وفزع من المماليك» فقال لهم، كما ~~روى الجبرتي، «لقد خربتم الأقاليم والبلاد، وكل ساعة خصام وحروب مع علي بك.» # ومع ذلك بقي النزاع بين علي بك وأقرانه البكوات، حتى أجبروه على الفرار إلى بلاد ~~اليمن، ولكنه عاد باستدعاء أنصاره في عام 1180 هجرية /1766 ميلادية، وحين استقرت قدمه ~~في القاهرة، قتل أربعة من البكوات ms021 في ليلة واحدة، ونفى أربعة آخرين، وكان من مماليكه ~~إبراهيم بك الذي بقي حتى الحملة الفرنسية، وعاش حتى بعد مذبحة محمد علي في القلعة، ومن ~~مماليكه أيضا أحمد بك الجزار المشهور الذي حارب نابوليون في عكا وصده عنها، ومن ~~مماليكه كذلك محمد بك أبو الذهب الذي غدر به وكان سبب القضاء على آماله ومطامعه، ومنهم ~~مراد بك المشهور في الحملة الفرنسية. # ولما خلا الجو لعلي بك، أخذ في مناهضة نفوذ الدولة العثمانية، فشرع في عزل وإبعاد ~~جميع مستخدمي الملكية والجهادية، ورؤساء الوجاقات، وأبدالهم بمن هم على دعوته، وسعى في ~~تقليل العساكر العثمانية، وإكثار المماليك من دعاته، وعمل ما لم تعمله الدولة حين ~~استيلائها على مصر، بأن منع البكوت الذين كان يخشى من تغيرهم عليه، من أن يقتني أحدهم ~~أكثر من مملوك واحد أو مملوكين، ولم يحفل بسلطة الوالي ونفاه من مصر، فلما شعرت الدولة ~~بمقاصده، حاولت القضاء عليه، ففشلت في مساعيها، ولما علم بمقاصد الدولة نحوه، فعل كما ~~فعل «محمد علي» بعده فأعلن استقلال مصر وطرد الوالي الجديد، واتحد مع الشيخ ظاهر أمير ~~عكا، منتهزا فرصة اشتغال الدولة العثمانية بمحاربة روسيا، وعلى الرغم من النزاع الذي ~~كان بين زعماء مماليكه «أي: أحمد بك الجزار، ومحمد بك أبو الذهب» فإنه توصل بدهائه ~~وحزمه، إلى بسط نفوذه على جزيرة العرب، واستولى على جده وعين عليها واليا من مماليكه، ~~اسمه حسن بك ولقبه بالجداوي نسبة إلى جده «وكان لهذا الرجل شأن في حوادث مصر مع ~~الفرنسيس، «سيأتي دورها في هذا الكتاب» واستدعى إليه «روستي» المشهور في الحوادث ~~الفرنسية «وكان هذا الأخير تاجرا صغيرا من أهالي البندقية وبقي في مصر من ذلك الحين، ~~إلى أيام الحملة الفرنسية» # 2 # وكلفه بتنظيم التجارة الخارجية والمخابرات الدولية، ونصح إليه روستي باتخاذ ~~جدة مركزا للتجارة مع الهند. # ولم يكتف علي بك بهذا بل أعلن الحرب على الدولة العثمانية، وحاربها في اليمن والشام، ~~حتى امتد نفوذه في جميع شواطئ البحر الأحمر وبحر القلزم وبسط رواق سلطته على الحجاز ~~ومكة ms022 المشرفة، وعزل شريفها، وأقام مقامه ابن عمه الذي لقبه «بسلطان مصر وخاقات البحرين» ~~وأمر بأن يخطب باسمه في المساجد وضرب النقود # 3 # باسمه في القاهرة. # وعقد له «روستي» المشار إليه، معاهدة سلمية مع الفينيسيين وعهد إلى رجل أرمني يدعى ~~يعقوب، عقد معاهدة دفاعية هجومية مع الروسيا، ثم سير حملة إلى الشام تحت قيادة مملوكه ~~محمد بك أبو الذهب فاتحد مع صديق مولاه الشيخ «ظاهر العمر» صاحب عكا، واستولى على غزة ~~والرملة ونابلس وبيت القدس ويافا وصيدا وحاصر دمشق وافتتحها عنوة. # وليس غرضنا شرح تاريخ علي بك فإن الغرض من هذه المقدمة هو بيان ما كانت عليه أحوال ~~مصر عند الحملة الفرنسية، وإنما أردنا، من ذكر قيام هذا المملوك بمناوأة الدولة ~~العثمانية، إظهار أن سياسة الدولة في مصر كانت عقيمة، وأنها تركتها ألعوبة في أيدي ~~أولئك المماليك الأفاقين، السفاكين للدماء، الطامعين في الاستزادة من الملك والسلطان، ~~ويكفينا في هذا المقام أن نقول في بقية تاريخ علي بك «سلطان مصر وخاقان البحرين، كما ~~كانوا يلقبونه» أن مملوكه محمد بك أبو الذهب - «الذي لقيه «فولني» الرحالة الفرنسي في ~~غارته على سوريا ووصف جنوده المماليك وصفا بليغا في كتابه، # 4 # وكنا نود أن نأتي عليه لولا خوف الإطالة - أصغى لمساعي رجال الدولة ~~العثمانية، وصادف ما قالوه له هوى في نفسه فانقلب على مولاه، وولي نعمته، وعاد بالجيش ~~الذي افتتح به سوريا ليحارب سيده به، وبعد تقلبات يطول شرحها فر علي بك إلى الشام، ثم ~~عاد منها معضدا بالدولة الروسية ولكنه فشل، وقبض عليه محمد بك أبو الذهب ثم مات ~~مسموما بيده، وقد روى الجبرتي: أنه لما مات علي بك أنعم محمد بك أبو الذهب على مراد بك ~~الذي سيكون له معنا في الحملة الفرنسية شأن كبير، بسريته «نفيسة المرادية» التي اشتهرت ~~بالمكارم والهمة، وسيأتي معنا ذكرها في أيام الفرنسيس وفي زمان محمد علي باشا ~~أيضا. # أما محمد بك أبو الذهب فإنه أعاد مصر تحت سلطة الباب العالي، وهذا يؤيد ما ذهب إليه ~~المؤرخون من ms023 أن انقلابه على مولاه، كان بدسيسة من الدولة واستقر هو في وظيفة شيخ البلد؛ ~~أي: الحاكم المطلق فعلا، وأخذ يعبث في البلاد ظلما، وجعل الضرائب ضعفين، وأثقل كاهل ~~الأهالي بالمغارم والمظالم، والقتل والنهب والسلب، وكان من المحتمل أن لو أستتب قدم علي ~~بك، ولم يغدر به مملوكه، أن يسير بالبلاد سيرة حسنة، ويوطد فيها دعامة ملك أثبت من نظام ~~ذلك التنازع بين المماليك والدولة، ولكن مصر دائما مقضي عليها بمثل هذه الظروف ~~السيئة. ~~••• # مات محمد بك أبو الذهب بالحمى في الشام وقد ذهب إليها محاربا ومنتقما من الشيخ ظاهر ~~العمر وترك وراءه بحارا من الدماء، وأشلاء من القتلى، وخرائب من السلب والنهب، فكان من ~~مماليكه المقربين إليه إبراهيم بك، ومراد بك، اللذان كانا يحكمان الديار المصرية عند ~~قدوم نابوليون بونابرت بحملته التي هي موضوع هذا الكتاب. # الحالة الإدارية والحالة الاقتصادية لمصر قبل الحملة الفرنسية # لما احتل الفرنسيون هذه الديار، ونقبوا في آثارها، وألفوا الكتب في أحوالها، كتب ~~بعضهم من رجال البعثة العلمية مباحث دقيقة في نظام حكومة المماليك قبل احتلال ~~الفرنسيين، وعلى هذه المباحث نعتمد فيما نكتبه في هذا الباب؛ لأن ما كتبه المؤرخون ~~باللغة العربية، ممن شهدوا تلك الأيام كالجبرتي، ونقولا الترك، والشيخ الشرقاوي، لا ~~يشفي الغليل، والكثير منه خط وخبط لا يهتدي الباحث في ظلماته إلى قبس نور يستضيء به في ~~وضع مختصر عن نظام حكومة المماليك في عهدها الأخير، ولا في بيان الحال الاقتصادية ~~للبلاد، ولقد تعبت كثيرا في معرفة عدد سكان القطر في ذلك الحين لما وجدته من التناقض ~~البعيد في الروايات، إلا أنه بضم أقوال السياح وأقوال المؤرخين المتأخرين إلى بعضها، ~~يصح الاستنتاج أن سكان القطر في ختام القرن الثامن عشر كانوا بين المليونين ~~والثلاثة. # وإنه لمن المفيد كثيرا معرفة عدد سكان القطر المصري، قبل الفتح العثماني ومقارنته ~~بعددهم الذي أشرنا إليه. # كان النظام الإداري الذي وضعه السلطان سليم لمصر، ونقحه وزاد عليه السلطان سليمان ~~بعده، يلخص فيما يلي: # أنشئ ديوانان تحت رئاسة الباشا الوالي ms024 يحضر اجتماع كليهما وهو جالس وراء ستار ولا صوت ~~له في أحدهما، وما يقره الديوان ينفذه الباشا الذي يجدد تعيينه كل سنة. # وأما واجبات الديوان الأول فهي المفاوضة والإقرار على ما يتعلق بالأمور الداخلية التي ~~لا علاقة للدولة بها، وأما أعضاؤه فهم أغوات الوجاقات «الأورط أو الفرق العسكرية» الست، ~~ودفتر داريوها وروزنا مجيوها، «يعني قومندانات الآلايات ورئيس كتابها ومدير وحساباتها» ~~ونواب من جميع فرق الجيش، وأمير الحج، والقاضي الأكبر، وأعيان المشايخ، والأشراف، ~~وللباشا الحق في إصدار الأوامر بعقد جلساته، ولم يكن ذلك إلا في الحوادث الهامة. # وأما الديوان الصغير فيعقد يوميا في قصر الباشا وأعضاؤه هم كخيا الباشا «وكيله» ~~والدفتردار والأغا وكبار رجال المتفرقة ونائب من كل وجاق «فرقة» وينظر هذا الديوان في ~~الأعمال، وما تحتاج إليه البلاد من الأمور. # ورسم السلطان سليم بأن يكون مقر الوالي قلعة الجبل، وأن لا تزيد مدة ولايته عن سنة ~~واحدة ثم تعطى لغيره، وزاد في نظام الجند فأنشأ وجاقا سابعا بمن بقي من المماليك ~~الشراكسة، ورتب لكل وجاق ديوانا ينظر في شئونه، وكان مجموع الوجاقات «أي: الحامية ~~العسكرية» عشرين ألفا. # وجعل السلطان سليمان للبكوات المماليك، الذين أقامهم السلطان سليم، امتيازات خاصة ~~وأضاف إليهم 12 بيكا فوق العادة، وهاك أسماء الموظفين الذين ينتخبون من البكوات ~~المماليك وهم الكخيا، أو نائب الباشا، والقباطين الثلاثة، وهم قومندونات ثغور السويس ~~ودمياط وإسكندرية، والدفتردار، وأمير الحج، وأمير الخزنة، ومديرو المديريات الخمس، ~~وهيجرجا والبحيرة والمنوفية والغربية والشرقية. # وكانت وظيفة الدفتردار ضبط الحسابات، وحفظ الدفاتر والسجلات، ولا ينفذ أمر بيع عقار ~~إلا بعد توقيعه عليه، إشارة إلى تسجيله في دفاتره، وأمير الحج يحمل الهدايا والصدقات ~~التي كانت ترسل من السلطان سنويا، إلى الحرمين الشريفين، وأما أمير الخزينة فيحمل ~~الجزية السنوية للأستانة، من حاصلات مصر برا، وكانت مديريات القليوبية والمنصورة ~~والجيزة والفيوم في عهدة كشاف «مديرين» لا فرق بينهم وبين البكوات في النفوذ، ولهم في ~~كل مديرية من هذه المديريات ديوان خاصة من الوجاقلية والشربجية. # وكان هم الباب العالي منصرفا إلى ms025 العناية بالسويس ودمياط وإسكندرية؛ لأنها أبواب ~~الفاتحين لمصر، فكان يرسل حاميتها من الآستانة، تحت قيادة ضباط أتراك، ولا تحسب هذه ~~الحاميات من جيش مصر، وإن كانت نفقتها على الخزينة المصرية. # وقرر السلطان سليمان بأنه المالك الحر لجميع أرض مصر، فلذلك كان يوزعها إقطاعات على ~~الملتزمين «على نظام الإقطاعات في أوروبا في القرون الوسطى» والفلاحون هم الذين كانوا ~~يقومون بزراعة الأرض كانوا مجبورين على العمل فيها، دون أن يكون لهم حق التصرف بالبيع ~~أو بالشراء ولا يرث أبناؤهم إلا حق الخدمة فيها، وتنتقل الأرض بالميراث لأبناء ~~الملتزمين. # وإذا مات الملتزم من غير وارث، تعود الأرض للسلطان مالكها فتعطى لملتزم جديد، وكان ~~على كل الملتزمين والفلاحين ضرائب أو خراج يدفعونه إما نقدا وإما عينا وكان لا يحل ~~لأحد الفلاحين ترك ما في يده من الأرض، أو التخلي عن تعهدها بالحرث والزرع، بل كان يجبر ~~على ذلك ويجلد بالسياط أو يقوم بدفع ما عليها من الخراج إلى أولئك الملتزمين، ولم يكف ~~هذا النظام العسكري الذي لم يدع للمصريين ظلا من معني الوجود، حتى تطاولت مطامع ~~الأتراك إلى سلب القضاء الشرعي من يد علماء المصريين، ذلك القضاء الذي أبقى لهم شيء من ~~النفوذ الديني في الأحكام والمواريث والقضاء، فأصدر السلطان سليمان «سنة 928ه» أمره ~~بإبطال قضاة المذاهب الأربعة من التصرف في القضاء بديار مصر، وتسليم جميع الأحكام ~~الشرعية لقاض واحد من قضاة الروم «أي: الترك» بحيث لا يصح لأحد أن يوقف وقفا، أو يعقد ~~عقدا، أو يكتب وصية أو إجارة، أو حجة أو غير ذلك من الأمور الشرعية، حتى تعرض على قاضي ~~العسكر الذي يعين من الآستانة. # وروى المؤرخون أن أول قاضي من الترك عينه السلطان سليمان كان اسمه «سيدي جلبي» وهذا ~~عين له وكلاء قضاة للمذاهب المختلفة من الترك أيضا، وجعل لكل قاض منهم نائبا من ~~المصريين، وأحدث هذا القاضي من أساليب امتصاص دماء الأمة ضريبة على التركات فجعل على كل ~~تركة الخمس منها لبيت المال مع وجود الورثة من الذكور والإناث، ولا ms026 ندري بأي حق، ولا ~~على أية قاعدة شرعية، وضع هذه الضريبة الفادحة، وغريب أن علماء مصر ورجال الأزهر لم ~~يعارضوا في ضريبة كهذه، وبقي معمولا بهذه البدعة إلى الزمن الأخير من سلطة المماليك ~~فقد ذكرها الإسحافي في حوادث سنة 1028؛ أي: بعد فرض تلك الضريبة بمائة عام تماما: وقال ~~«وهذا العام وقع الطعن والطاعون بمصر المحروسة وقراها، ومكث نحو شهرين فاشتغل الناس ~~بموتاهم، وأقفل غالب الأسواق في مصر وحوانيتها، ما عدا أسواق الأكفان فإنها مفتوحة ~~ليلا ونهارا، ومنع جعفر باشا «الوالي التركي» عامل الأموات من التعرض للموتى، فصار ~~الناس يدفنون موتاهم من غير إذن، وحصل بذلك رحمة للعالمين، قال هذا المؤرخ: «فيا سبحان ~~الله!! يموت اليهودي، وهو صاحب مائة ألف، فلا يتعرض له أحد من الظلمة.» ولا يسأل عما ~~خلف وإذا مات مسلم لم يدفن حتى يشاور عليه وتأتي الظلمة تخرجه من بيته ويختمون عليه ~~«كذا في الأصل» مع أن له أولادا «كذا» وأخوة وزوجة فالحكم لله العلي الكبير، ألم ~~يسمعوا قول العزيز الجبار # إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا ~~. ا.ه. ~~••• # هذه النظامات الإدارية والعقارية والقضائية بقيت مرعية الجانب ما دام نفوذ الدولة ~~قويا، ولكن لما استبد المماليك بالأمر انهار جدار هذه النظامات التي لا تخرج عن كونها ~~نظاما عسكريا لم تراع فيه مصلحة البلاد، ولا ترقية شئونها الاقتصادية أو السياسية، ~~حتى ولا العمل على حفظها من التدهور إلى هاوية الفقر المدقع، فلم تقرر في ذلك النظام ~~خطة مالية لحفر الترع وصيانة الجسور، أو أي أمر يساعد على إصلاح الأراضي أو صيانتها، ~~وهي مصدر حياة سكان البلاد، ومصدر خراج الدولة، ومغارم المماليك، وما يلزمهم من الأموال ~~للبذخ والترف، والإنفاق على «بيوتهم» ومماليكهم الذين بلغ عددهم في أواخر القرن الثامن ~~عشر عند زيارة «فولني» لمصر نحو 8500 مملوك من الكبار الذين ينفق الواحد منهم على سلاحه ~~وملبسه وزوجاته وسراريه، نحو ألفين وخمسمائة جنيه في العام، على تقدير «فولني» وهو شاهد ~~عيان. # وكان البكوات الكبار من ms027 المماليك يخلعون على أتباعهم في أيام المواسم، الخلع النفيسة ~~المصنوعة في فرنسا أو فينيسيا، ومن كشامير الهند وحرير دمشق، وكانوا إذا أعتقوا مملوكا ~~ورقوه درجة يمنحونه منزلا فاخرا مؤثثا بالرياش الفاخر، ويزوجونه، ويهبونه الجواري ~~الحسان، من بيض وحبشان، فاشتد بذلك ساعدهم، وتقلص ظل الدولة شيئا فشيئا. # ثم كان التنافس بين زعماء المماليك سببا في تخريب البلاد، فإذا خاف أحدهم على نفسه ~~من فتك الآخرين، يغير بجماعته على مديرية من المديريات، ويستولى على خراجها، ويتولى ~~أخذ ضرائبها من الملتزمين والفلاحين، وكثيرا ما يستحل المديرية أو المديريتين لنفسه ~~ملكا حلالا!! فكيف كان من الممكن أن يستتب نظام إداري أو عقاري، في أحوال فوضى ~~واضطرابات كهذه مستمرة بلا انقطاع، وزاد الطين بلة، على المصريين الفلاحين، أن ~~الملتزمين، وكان غالبهم من محاسيب المماليك وأتباعهم الذين إما يعجز منهم عن التطلع إلى ~~مقام البكوات، وإما لضعف في أجسامهم يعوقهم عن مجاراة الأقران في ميادين الفروسية، وإما ~~لرغبة منهم في البعد عن غمرات التحزبات، وأخطار المنافسات - كانوا يفضلون الإقامة في ~~الريف بعد نيل الالتزامات الواسعة - ونقول زاد الطين بلة على الفلاحين أن أولئك ~~الملتزمين مدوا أيديهم إلى ما في أيدي الفلاحين من الأراضي وجعلوها وسايا «جمع وسية» ~~لهم وحتموا على الفلاحين العمل فيها بغير أجر، كما كانوا كذلك يكلفون بالخدمة المجانية ~~في أراضي الأوقاف والحبوسات، التي قل أن يصل شيء من ريعها للإنفاق على ما خصص ~~له. # مثل هذا النظام لم يكن ليؤدي مطلقا إلا إلى هذه الخراب والإفلاس، وطالما حاقت بمصر ~~المجاعات الحادة كما تراه مفصلا بأبلغ العبارات في صحائف الجبرتي، ولا يخفى أن الغزوات ~~التي قام بها علي بك الكبير من سنة 1766-1775 كلفت مصر وأهلها أكثر من ستة وعشرين ~~مليونا من الجنيهات، وقد ذكر «فولني» أن علي بك الكبير ابتاع خنجرا مرصعا بالجواهر ~~الكريمة بمبلغ 225000 جنيه، ولقد وصل الحال بالفلاح المصري أنه لم يجد سكنا يقيم فيه ~~فكان يلتحف العراء، وذو اليسار منهم يعيشون في أكواخ من الطين، ولا يجد الواحد منهم ms028 ما ~~يأكله سوي الخبز الحقير المصنوع من الذرة والحلبة، يتناوله بالبصل النيئ أو الأعشاب ~~التي يجمعها من جروف الترع والمجاري، ويطبخها بغير لحم ولا إدام، وكان رداؤه قطعة من ~~القماش المصبوغ بالنيلة، وهي ميراث الفلاحين وإليها ينسبون «أصحاب الجلاليب الزرقاء»، ~~وأما البذخ والترف، والذهب والفضة، والملابس المزركشة، والغلائل الرقيقة، والخيل ~~المسومة، والسلاح المنمق بالجواهر الكريمة، والدور الفسيحة، والقصور الفاخرة، والنعيم ~~على وجهه الأكمل، فلم يخرج عن دور المماليك وأتباعهم، وذوي المحسوبية عليهم من لصوص ~~الإنسانية. # ذكر الشيخ عبد الرحمن الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار» - وهو مؤرخ هذه الفترة وجامع ~~شتات أخبارها، وله ميل للمماليك - عند كلامه عن مراد بك، أنه جعل إقامته بقصر الجيزة، ~~وزاد في بنائه وتنميقه، وبنى تحته رصيفا محكما، وأنشأ بداخله بستانا عظيما نقل إليه ~~أصناف النخيل والأشجار والكروم، واستخلص غالب إقليم الجيزة لنفسه شراء ومعارضة، وغصبا، ~~وعمر قصر جزيرة الذهب وجعل به بستانا عظيما، وكذلك قصر «ترسا» وبستان «المجنون»، وصار ~~ينتقل في تلك القصور والبساتين ... إلخ، وإليك وصف كاتب فرنسي لقصر مراد بك بعد انخذاله ~~في واقعة إمبابة، وفراره للصعيد، ودخول الفرنسيين في منزله، قال: «ولما وصل المعسكر ~~العام إلى الجيزة في الساعة التاسعة مساء نزلنا دار مراد بك فلم نجد فيها إنسانا، ولم ~~يكن هذا القصر يشابه في حجاراته، وتوزيع طرقاته، قصور أوروبا، ولكنا وجدنا فيه مما تركه ~~رجال مراد بك، ولم يحفلوا بنقله، فراشا فاخرا، وحرائر موشاة الأطراف بالذهب والفضة، ~~وأشياء من مفاخر الصناعة الأوروبية ... إلخ، ومثل هذا الوصف بالنص ورد في كتاب «فيفان ~~دينون» # 5 # الذي قدم القاهرة آتيا من رشيد بعد مدة من سقوط القاهرة في أيدي ~~الفرنساويين، وروى كتاب الحملة الفرنسية أن الجنود الفرنسيين كانوا يجدون في ملابس كل ~~واحد من المماليك الصرعى في ميدان القتال «واقعة إمبابة» ما لا يقل عن نحو مائتين أو ~~مائتين وخمسين قطعة من الذهب، عدا ما تقدر به ملابس الواحد منهم وطيلسانه وسلاحه وسراج ~~جواده، من المبالغ الطائلة.» # تجارة مصر قبل الحملة الفرنسية # لم يكن ms029 من الممكن مع حكومة لحكومة المماليك، أن تنمو التجارة، أو تتسع المعاملات ~~الداخلية والخارجية، وقد سبق لنا أن شرحنا، في هذه المقدمة أن مصر لم تعد بعد طريق ~~التجارة الشرقية من موانئ آسيا إلى أوروبا، بعد أن اكتشف طريق الرجاء الصالح، ولو كانت ~~على ضفاف النيل حكومة عادلة، لفضل التجار إرسال متاجرهم عن طريق البحر الأحمر، ونقلها ~~من السويس إلى الإسكندرية بدلا من تعرضها لأخطار البحار العظمى حول إفريقية، وواسع ~~المحيط الأطلانطيقي، «وسنزيد هذه النقطة إيضاحا عند الكلام على تجارة الهند» ... ولو أن ~~الحكومة العثمانية، بعد فتح مصر، فكرت في صالح نمو التجارة، وقدرت خسارة مستعمرتها ~~الجديدة، من اكتشاف طريق الرجاء الصالح، خصوصا وقد حاربت بأساطيلها البرتغال الذين ~~كانوا يهددون تجارة مصر، كما سبق لنا بيانه، نقول لو أن الحكومة العثمانية فكرت في هذا ~~الأمر، وأعادت حفر خليج أمير المؤمنين «الذي احتفره عمرو بن العاص بأمر الخليفة عمر بن ~~الخطاب لنقل المئونة إلى الحجاز، والذي أمر بردمه، في سنة 134 هجرية، الخليفة المنصور ~~أبو جعفر ثاني الخلفاء العباسيين لكي يمنع وصول الإمداد إلى العلويين الذين طالبوا ~~بالخلافة في المدينة المنورة»، لسهلت للتجارة النقل بحرا من الهند إلى أوروبا، عن طريق ~~مصر ولكنهم لم يفعلوا هذا، ولم يتمكنوا من نشر سيادتهم البحرية في المياه الهندية، وزد ~~على ذلك أن مظالم المماليك وتعديهم على التجار الأوروبيين الذين كانوا يأتون لشراء ~~حاصلات مصر، وما يصل إليها من المماليك الشرقية الآسيوية بطريق القوافل، كانت من أكبر ~~الضربات على التجارة المصرية، ولقد انحط مقام الإسكندرية حتى لم يبق فيها من السكان إلا ~~ثمانية آلاف # 6 # وزاد الطين بلة فيها أن الحكومة العثمانية احتكرت لنفسها الجزء القديم من ~~الميناء، وهو الجزء الذي يصلح لرسو السفن، فكانت السفن الأجنبية القادمة بالمتاجرة ~~وللشراء مضطرة أن ترسو خارج الميناء الجديدة معرضة للزوابع والزعازع، ورأى مؤرخو ~~الإفرنج «في سنة 1766» أنه بينما كان علي بك الكبير يحارب الدولة هبت ريح عاتية أغرقت ~~اثنين وأربعين سفينة كانت راسية في ميناء إسكندرية، ولم ms030 تكن الإسكندرية متصلة بالنيل ~~بقناة تنقل لها الماء الحلو، وكانت هناك قناة مرسومة في الخرائط الفرنسية وهي الترعة ~~المسماة بالمحمودية، نسبة إلى السلطان محمود، ولكن ما كانت توصل المياه إلا في زمن ~~الفيضان فقط، فكان اعتماد سكانها على مياه الأمطار يحفظونها في الصهاريج. ~~••• # وحاول جماعة من تجار الإنكليز تسيير القوافل بين السويس والقاهرة لنقل المتاجر ~~الهندية إلى عاصمة القطر، ثم نقلها بواسطة النيل، إلى دمياط أو رشيد، ولكن مظالم ~~المماليك، وتعدي العربان على القوافل، أوقف تلك المشروعات التي كانت تساعد على نمو ~~التجارة المصرية، وليست هذه الأقوال لكتاب أوروبيين حتى يتهموا بالتعصب لقومهم، فإن ~~الشيخ عبد الرحمن الجبرتي يقول في ترجمة مراد بك «فأحدث المترجم ديوانا خاصا بثغر ~~رشيد على الغلال التي تحمل إلى بلاد الإفرنج وسموه ديوان البدعة، وإذن ببيع الغلال لمن ~~يحملها إلى بلاد الإفرنج وغيرها، وجعل على كل إردب دينارا خلاف البراني «يعني الرشوة ~~والمغارم»، والتزم بذلك رجل من أعوانه الموصوفين بالجور وسكن برشيد، وبقيت له بها ~~وجاهة، وكلمة نافذة، فجمع من ذلك أموالا وإيرادا عظيما، وكانت هذه البدعة السيئة من ~~أعظم أسباب قوة الفرنسيس وطمعهم في الإقليم المصري، بعدما أضيف إلى ذلك من أخذ أموالهم ~~ونهب تجارتهم وبضاعتهم، من غير ثمن، واقتدى به أمراؤه «أمراء مراد بك» وتناظروا في ذلك ~~وفعل كل منهم ما وصلت إليه همته واستخرجته فطنته.» وقال عنه أيضا: «واختص بالسيد محمد ~~كريم السكندري ورفع شأنه بين أقرانه فمهد له الأمور بالثغر وأجرى أحكامه به، وفتح له ~~باب المصادرات والغرامات ودله على مخبئات الأمور، وأخذ أموال التجار من المسلمين وأجناس ~~الإفرنج، حتى تجسمت العداوة بين المصريين والفرنسيين ... إلخ.» وقال في ترجمة السيد محمد ~~كريم المذكور: «وقلده مراد بك أمر الديوان والجمارك بالثغر فزاد في المكوسات، ومصادرات ~~التجار، خصوصا الإفرنج.» # ومن رأي «جودت باشا» في تاريخه أن الذي دعا الفرنسيين للحملة على مصر هو ما أتاه ~~المعلم نقولا النصراني الذي جعله حسن باشا قبودان رئيسا للقلونجية «البحارة» في ~~الترسانة التي شادها هذا بالجيزة لإنشاء ms031 السفن، فإنه بعد أن اشتد نفوذه وعظم شأنه، أكثر ~~من التعدي على سفن الإسلام والإفرنج معا. # 7 # وكانت نتيجة ذلك كله أن مصر تدهورت إلى هوة الخراب الاقتصادي الذي تجرعت منه الأمرين، ~~وقاسى منه أهلها الجوع والعراء والمظالم، نحو ثلاثة قرون من الزمان حتى اضمحل شأنها، ~~وفقدت منزلتها التي كانت لها في العالم القديم والحديث، وحتى هجرها أهلها، وهي البلاد ~~التي لا يحب أهلها هجرها، ولا غرابة أن تتضاءل مصر في ثلاثمائة عام حتى تعود خيالا، ~~لما كانت عليه من قبل، وحتى ينقص عدد سكانها من نحو 15 مليونا إلى نحو مليونين ~~ونصف. # ولكن بالرغم عن كل هذا فإنه بقيت لمصر تجارة ترد إليها بالقوافل من اليمن وبلاد ~~الحبشة وسوريا شرقا، وطرابلس وتونس والجزائر والصحراء غربا، فكان يرد من اليمن، البن ~~وبهارات الهند والأقمشة الهندية الجميلة، ويرد من الحبشة الصمغ والعاج والريش، ومن دمشق ~~الأقمشة الحريرية المشهورة ومن بلاد الغرب والصحراء الصوف والجلود، والتمر وما أشبهه ~~ذلك، وكانت التجارة الأوروبية بين الإسكندرية ورشيد ودمياط وموانئ أوروبا متواصلة الأخذ ~~والعطاء فكانت يرد السفن من فرنسا بالأقمشة والمعادن والخردوات والمصنوعات، وتعود حاملة ~~للأقمشة القطنية والبن اليمني والريش والعاج والصمغ والقمح والأرز. # استعمار إنجلترا في الهند وتأثيره في تجارة مصر في ذلك العهد # لما اتسعت مطامع الشركة الإنجليزية الهندية في استعمار تلك الأقطار، وكانت تلك الشركة ~~تحت سيطرة الحكومة الإنجليزية في لندن، توجهت الأنظار بالطبع إلى هذه الديار المصرية؛ ~~لأنها طريق الهند في التجارة «والداء قديم وتعبير «مواصلات الإمبراطورية البريطانية» ~~ليس بالشيء الحديث». # وعلى الرغم من اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح حول إفريقيا بحرا فقد كان طريق التجارة ~~الطبيعي إلى أوروبا هو البحر الأحمر، ومصر، والبحر الأبيض المتوسط، وقد حدث في منتصف ~~القرن الثامن عشر الميلادي ثلاث حوادث أثرت على الحالة السياسية في العالم، وأهمها ~~تأثيرا على تجارة مصر ومستقبلها معاهدة باريس التي تنازلت فيها فرنسا عن كل دعوى لها ~~في الهند إجابة لطلب إنجلترا، والحادثتان الثانيتان هما ثورة علي بك الكبير وخروجه ms032 على ~~الدولة في سنة 1766 «كما سبق لنا القول»، والحرب التي شبت نارها بين الترك والروس سنة ~~1768 وكان نتيجتها معاهدة «كاينارجه». # وكان من أهم النتائج لهذه الحوادث الثلاثة، زيادة نفوذ إنجلترا بفضل مركزها الجديد في ~~الهند، ولهذا وجهت أنظارها منذ ذلك الحين إلى مصر وكانت مطامعها في أول الأمر ~~تجارية. # وكان في مقدمة الرجال الذين اهتموا بالعلاقات التجارية بين الهند وإنجلترا عن طريق ~~مصر رجل اسمه جامس بروس ~~(James Bruce) # الرحالة المشهور ~~الذي ساح في البحر الأحمر وبلاد الحبشة، وتقرب من علي بك بواسطة روسيتي الفينيسي الذي ~~سبق ذكره، وقد تمكن بروس هذا من الحصول على إذن من علي بك والي مصر، يجيز للإنجليز حرية ~~سفر السفن الإنجليزية، ودخولها ميناء السويس وسافر بروس إلى الحبشة وفي أثناء غيبته عرض ~~روستي على علي بك مشروع ترويج التجارة بين مصر والهند لفائدة الجمارك المصرية، فاغتنم ~~علي بك فرصة نشوب الحرب بين تركيا وروسيا في سنة 1769 واستولى على الحجاز عنوة بحد ~~السيف. # وفي سنة 1771 اقترح إنجليزي مقيم في جدة على علي بك فتح طريق تجاري من الهند إلى ~~السويس مباشرة، وخابر علي بك حام البنغال في هذا الصدد، ولكن قبل أن ينفذ هذا المشروع ~~الاقتصادي خسر علي بك ملكه في الحجاز، وفي مصر أيضا. # وفي يناير سنة 1773 عاد «بروس» من سياحته من الحبشة وكان محمد بك أبو الذهب هو الحاكم ~~المطلق التصرف في مصر فتقرب إليه «بروس» وانتهز هذه الفرصة للاتفاق مع محمد بك أبو ~~الذهب على أن يسمح للإنجليز بجلب بضاعتهم من الهند إلى ميناء السويس. # وقد ذكر بروس شيئا عن هذه المخابرات في كتابه المعنون «سياحة إلى نابع النيل من سنة ~~1768 إلى 1773» # 8 # ولكن الحكومة الإنجليزية لم تحفل كثيرا بمساعي بروس وخسرت التجارة المصرية ~~والإنجليزية سواء بسواء. # ولم يقف الأمر عند هذا الحد من معاكسة التجارة بين مصر والهند وأوروبا بل أن الباب ~~العالي؛ أي: تركيا، ارتأت أن سفر البضاعة الهندية من طريق السويس مضر بتجارة ms033 الآستانة ~~عن طريق حلب، فأرسل الباب العالي فرمانا إلى باشا القاهرة يأمره بإيقاف كل تجارة تأتي ~~عن طريق السويس، ولم تكن هذه هي المرة الأولى، ولا الأخيرة التي عاكس فيها الباب العالي ~~مرور التجارة الهندية من طريق مصر. # ولم تنجح محاولات «وران هاستنج» حاكم الهند، واتفاقية مع محمد بك أبو الذهب في سنة ~~1775، ما دامت تركيا قد رأت، في ذلك الوقت، أن مرور التجارة الهندية من طريق مصر مضر ~~بصوالحها، وهكذا خسرت مصر واشتدت بها الفاقة والضنك. # المماليك والمال # لم يكن شره المماليك في جمعهم للمال قاصرا على حاجتهم إليه في البذخ والترف والإنفاق ~~على منازلهم وقصورهم وشهواتهم؛ إذ لو كان الأمر كذلك لما اشتدت وطأتهم على البلاد ~~واستنزفوا ثروتها، وامتصوا دماءها إلى النقطة الأخيرة، بل لقد كانت حاجتهم إلى المال ~~أشد وأقوى من قضاء أوطارهم الشخصية، فقد قضى نظامهم بأن لا يقوم لواحد منهم شأن، إلا ~~بالإكثار من المال، فأولا لا يكون لمملوك بعد عنقه عزوة، إلا إذا أكثر من شراء ~~المماليك خاصة له ليكون له منهم سند وجاه، والمماليك الذين يكونون من أتباعه، لا ~~يداومون على التعلق بأهدابه، إلا إذا أغدق عليهم المال، ومدهم بجمع ما يحتاجون إليه من ~~فاخر اللباس، وجميل الهندام، والأسلحة الغالية الأثمان، ثم إذا تطلعت نفس الواحد منهم ~~إلى الإمارة، اضطر إلى بناء الدور الواسعة لاستقبال الزوار، ومد رواق نفوذه على ~~الأقران، وكانت الدسائس والمنازعات بين البكوات وبعضهم، قاضية عليهم بالإكثار من المال ~~في حوزتهم، ليكون آلة قوية في تصيد الأحزاب، وكانوا لا يرعون عهدا، ولا يعرفون الوفاء ~~إلا نادرا، فبينما نرى محمد بك أبو الذهب مملوكا وتابعا ثم قائدا لجيش علي بك ~~الكبير في الشام، نجده قد عاد بهذا الجيش للقضاء على مولاه، وبينما ترى إسماعيل بك ~~مرسلا من قبل علي بك الكبير على رأس ثلاثة آلاف مقاتل لمقاومة خائن عهده أبو الذهب، ~~نجد هذا قد انضم إلى الخصم، وعاد معه لقتال من أرسله لقتاله، وقس على هذا مئات من ~~الأمثلة يجدها القارئ ms034 - إن أحب - منثورة على صفحات الجبرتي، وإنما كان الوفاء للمال ~~لحاجتهم إليه في قضاء أوطارهم، وإدراك مطامعهم. # وقد ذكر الثقاة أن علي بك الكبير حين خذله رجاله وأنصاره، التجأ إلى صديقه الشيخ ظاهر ~~عمر أو «العمر» # 9 # في عكا وكان مقدار ما أخذ معه من الأموال ثمانمائة ألف محبوب ذهبا «أي: ~~نحو أربعة وعشرين ألف جنيه تقريبا»، يحملها على 25 جملا، وقالوا أيضا إنه نقل معه من ~~المصاغ والحلي ما يساوي أربعة أضعاف ذلك. # وقد قابل «فولني» في سياحته بالشام، جيوش علي بك الكبير وهي ذاهبة لفتح سوريا، فقال ~~إن الجيش المشار إليه كان مؤلفا من نحو 40000 مقاتل، ولكن لم يكن فيه من المماليك ~~الخيالة غير خمسة آلاف، ونحو ألف وخمسمائة من المشاة وهم من المغاربة والباقي خدم ~~وأتباع، وبعد وصف هذا الجيش بالفوضى والاضطراب، والسلب والنهب، أخذ يصف ملابس المماليك ~~وصفا بديعا، فقال: إن ملابسهم لم تكن تصلح لامتطاء صهوات الجياد، وإنها تتكون من ~~أربعة أو خمسة أردية وطيلسانات تتدلى إلى أرجلهم، وكان قميص الفارس منهم من القطن ~~الناعم الأبيض، والثوب المتدلي فوق القميص من القماش الهندي الخفيف، وفوق ذلك القفطان ~~من حرير مزركش تمتد أكمامه حتى أطراف الأصابع، ثم «الكرك» بأكمام قصيرة، ويطوف حول ~~الرقبة فراء من السمور، ولكل واحد منهم طيلسان يلبسه في الحفلات يلف به جسمه جميعه!!!! ~~وهذا يحتاج إلى المال الوفير، ومصادر مصر كما سبق لنا القول ضئيلة، وزادتها هاتيك ~~الحروب والمنازعات، وإهمال حال البلاد، فقرا على فقر، فلا غرابة أن تصل الأمة إلى حال ~~لا تستطيع معها الحياة، ولو طال أمر المماليك على هذا الحال، ربع قرن آخر من الزمان، ~~لما بقي في مصر من يحرث الأرض أو يرعى الماشية. # محاولات الباب العالي القضاء على المماليك # ولقد ذكرنا في هذه المقدمة عند الإشارة إلى الفتح العثماني، أن السلطان سليما أخطأ ~~في عدم قضائه على سلطة ونفوذ المماليك مع مقدرته عليهم إذ ذاك، ولكن فاتت العثمانيين ~~الفرصة وندموا عليها، خصوصا وقد قويت شوكة البكوات ms035 بما كانوا يشترونه من المماليك ~~الجدد، وبما وصل إلى أيديهم من أموال الأمة المغلوبة على أمرها، ولم يعد الدولة ~~العثمانية، ولا لواليها هيبة ولا سلطان، ليت شعري لو أن السلطان سليما فعل ما نهذب ~~إليه من إبادة المماليك ومنعهم عن استجلاب الرقيق من الممالك، إلى أن يضمحل حالهم في ~~زمن قريب، ووضعت الديار المصرية تحت حكم الدولة العثمانية مباشرة، أكان يكون حالها بعد ~~ثلاثة قرون، من الزمان، أصلح مما وصلت إليه من الخراب والدمار؟؟؟ فقد كان من الممكن ~~والمتصور أن لا يقع ما وقع فيها من تلك الحوادث المشئومة، التي أتت على الحرث والنسل من ~~جراء مظالم المماليك ومطاحناتهم، وكانت رتبت نظاماتها على حال أرقى وأصلح من تلك ~~النظامات، وعمرت البلاد، ونما النسل، وحفظت الثروة، وتحسنت التجارة، بل وحصنت شواطئ ~~البلاد، ولم تصبح في حال من الفوضى بحيث استطاع نابوليون غزوها على أسهل ما يمكن ~~... # الحكم في هذا صعب جدا، فإن تاريخ الدولة في ممالكها الأخرى، كالشام والعراق، لا يضع ~~في نفس المؤرخ أملا أوسع، بأن تكون أحوال مصر أرقى وأصح، ولكن ربما قيل في هذا أن ~~موارد مصر وخيراتها الطبيعية، ونيلها الذي يجري بالبركة في كل عام، وسلاسة أخلاق أهلها، ~~كانت تساعد على ترقيتها، ونموها أكثر مما جاز للدولة في بلادها الأخرى، وعلى كل حال فكل ~~ما أصيبت به مصر في تلك المدة لا يصح عدلا أن يلقى ذنبه كله على أكتاف المماليك، بل ~~تتحمل الدولة منه جزءا كبيرا؛ لأنها أخطأت في توجيه همتها إلى الفتوحات في أوروبا، ~~بدلا من توجهها إلى الشرق، لوضع سيادتها البحرية على المياه الهندية، لتحول تيار ~~التجارة الشرقية إلى طريق مصر والشام، بدلا من ذهابها إلى أوروبا، حول إفريقية، ولأن ~~الدولة لم تتبع سياسة رشيدة مع المماليك بالقضاء عليهم مرة واحدة، بدلا من خطة الإيقاع ~~بينهم، ويترك باب الاسترقاق بشراء المماليك مفتوحا، ولكن الجزء الأكبر من ذنب سقوط مصر ~~واضمحلالها، يلقى عدلا على أكتاف المماليك ومظالمهم وبلاياهم في هذه الديار. # في فجر القرن الثامن ms036 عشر وجه الباب العالي همته إلى القضاء على المماليك ولكن لا ~~بمحاربتهم، ولا إبادتهم؛ إذ يظهر أن ذلك كان متعذرا على الدولة وقتئذ، أو أنه لم ترده ~~خوفا من مروق القائد، الذي تبعث به عن طاعتها، واستبداده بملك مصر، فاختارت خطة إيقاع ~~النفرة والمنافسات بين البكوات وبعضهم بواسطة ولاتها، ويظهر للمتمعن في تاريخ هذه ~~الفترة؛ أي: من سنة 1700 إلى حين الاحتلال الفرنسي، في سنة 1798، أنه وجد بين المماليك، ~~وبين الباب العالي حرب سرية، فكان المماليك يعرفون أن الدولة تسعى لإبادتهم بإغرائهم ~~على بعضهم، ولكنهم كانوا في الدهاء والسياسة أقل كفاءة من مناظريهم الأتراك، وكان نفوذ ~~الدولة الديني والسياسي مساعدا لرجال الدولة على المماليك، وزد على ذلك أن مطامعهم ~~الشخصية، وشهواتهم الذاتية، وفساد أخلاق بعضهم، وقلة ولائهم لأسيادهم وأقرانهم، إلى غير ~~ذلك من صفات الشره والأنانية، كانت من أكبر الأسباب التي ساعدت الدولة عليهم فأضعفت ~~شوكتهم، وإن لم تقض عليهم، ولا نرى بدا من الإشارة إلى الحوادث والوقائع التي تبرهن ~~على استنتاجنا هذا؛ لأني لم أجد من المؤرخين من صرح بهذا الرأي مع الإيضاح الكافي ، أو ~~وضع النقطة على العين «كما يقولون»!! # فقد حدث في سنة 1119ه في أيام حكم السلطان أحمد «1114-1143ه/ 1702-1730م» أن ولي مصر ~~حسن باشا، وهو الذي بدأ بإلقاء بذور الشقاق بين القاسمية والفقارية، وقد كانت المنافسات ~~والمحاربات، بين هاتين الطائفتين من المماليك، سببا في شقاء مصر وخرابها، وفي هذا يقول ~~الجبرتي - «وإن كان قد أخطأ في حكايته الطويلة الخرافية عن أصل القاسمية والفقارية» - ~~«ولم يزل الأمر - أمر الخلاف - يفشو ويزيد، ويتوارثه السادة والعبيد، حتى تجسم ونما، ~~وأهريقت له دما، فكم خربت بلاد، وقتلت أمجاد، وهدمت دور، وأحرقت قصور، وسبيت أحرار، ~~وقهرت أخيار.» ا.ه. # وحدث في سنة 1147ه و1734م «في أيام حكم السلطان محمود 1143-1168ه و1730-1754م» أن عين ~~بكير باشا واليا للدولة في مصر، ويظهر أنه كانت لديه أوامر بالإيقاع بالمماليك، قال عنه ~~المؤرخون: أنه لما وصل إلى القاهرة في يوم السبت 14 شوال سنة 1147 ms037 وصعد إلى القلعة، في ~~موكب حافل، فلما مر من وسط المدينة صاح الناس في وجهه، وعلا صراخ العامة من ثقل المغارم ~~والكلف، وفساد العملة، فلم يحفل بصراخهم وصار حتى وصل القلعة ولم يلبث طويلا حتى أخذ ~~يدس الدسائس بين الأمراء لإفساد أمورهم، وتفريق كلمتهم، ثم شغله تفشي الطاعون في البلاد ~~عن تنفيذ مآربه مدة، ولكنه بعد ذلك استغوى بعضهم، ودبر معه مكيدة للقضاء على بقية ~~البكوات، فاستدعاهم بدعوى النظر في أمور الخزينة، إلى بيت الدفتردار، وهناك وقعت مذبحة ~~دموية تعد صورة مصغرة لمذبحة محمد علي المشهورة بالقلعة، عام «1811»؛ أي: بعد ذلك ~~الميعاد بنحو ثمانين سنة، «قال فيها الجبرتي» «قتل فيها أحد عشر من كبار أمراء المماليك ~~وسبب بذلك فتنة اندلع لسان لهيبها في القاهرة وضواحيها.» وقال المؤرخون لهذه الفترة: ~~ولما شاع الخبر بما جرى سار صالح الكاشف، رأس هذه الفتنة «أحد آلات الوالي» إلى بكير ~~باشا ليلا من باب الميدان، وأعلمه بما جرى، فخلع عليه رتبة الإمارة، فطلب منه مالا ~~يفرقه على العسكر المجتمعين معه، فوعده بأن يرسل له ما طلب، فنزل صالح إلى جامع السلطان ~~حسن، فوجد محمدا كتخدا الجاويشية وأتباعه وجماعة آخرون فلبث معهم ينتظر المال، وصعد ~~عمر جلبي، ابن علي بك قيطاس «منافس صالح المذكور» بطائفة من قومه إلى بكير باشا، يطلب ~~بثأر أبيه «محمد بك قيطاس أحد كبار البكوات الذين قتلوا في المذبحة المشار إليها»، وكان ~~وصوله بعد نزول صالح كاشف فخلع عليه الباشا إمارة أبيه،! ورسم له بقتال قاتلي أبيه ومن ~~معهم، وكان الباشا يود لو أنهم يقطعون بعضهم بعضا، فنزل ابن قيطاس وأصحابه، وأمامهم ~~بيرق من المحجر، خلف جامع المحمودية وبيت الحصري وزاوية الرفاعي، وعملوا متاريس على باب ~~الدرب قبالة جامع السلطان حسن، وجعلوا يطلقون بنادقهم، على كل من يمر بهم من الخصوم، ~~وعلى من هم بجامع السلطان حسن ... ثم قال: ولما رأي كبار الوجاقات ما بلغت إليه هذه ~~الفتنة وإنها إنما هي بإيعاز من بكير باشا، قاموا على قدم وساق، وأحاطوا بالقلعة، ~~وأنزلوا ms038 بكير باشا، ذليلا مقهورا وسجنوه، وكتبوا إلى دار السلطنة، بما وقع وطلبوا ~~إرسال وال آخر، فأرسل السلطان الأمير مصطفى باشا أمير ياخور لضبط أموال من قتلوا في ~~هذه الفتنة ... إلخ، وقد أحسنت الدولة معاملة بكير باشا هذا وعينته في أرقى وظائف ~~الدولة. # ثم أرادت الدولة إتمام خطتها السياسية، فعينت في سنة 1152 سليمان باشا الشامي المعروف ~~بابن العظم، وكان أول عمل له في مصر إيقاد نار الفتنة بين البكوات، فوقعت فتن بين أمراء ~~المماليك فقتلوا بعضهم بعضا، ولكن لما اتضح لهم أمر الوالي، أنزلوه وعين بعده وال ~~آخر، وتعاقب ثلاثة من الولاة مدة ست سنوات، ثم هبت الدولة مرة ثانية للقضاء على ~~المماليك، فعينت محمد رجب باشا واليا، قال المؤرخون: فلما استقرت به الولاية أخذ يدبر ~~الحيل لقتل من بقي من الأمراء، ثم استمال إليه حسين بك الخشاب وكاشفه بما في نفسه، ~~وأقسما الأيمان على أن لا يخونا بعضهما، وأعلن أن السلطان محمود يريد قطع دابر القطامشة ~~والدمايطة وهم أصحاب الكلمة يومئذ ... ثم دبر لهم مؤامرة كالتي دبرها قبله بكير باشا، ~~ولكن هذه المرة في القلعة في ديوان الوالي، ليشرف بنفسه على هلاكهم، وهي أشبه بمذبحة ~~محمد علي أيضا من حيث وقوعها في القلعة، وإشراف الوالي، كما أشرف محمد علي عليها، ~~ولكنهم لم ينجحوا هذه المرة أيضا، كما يؤملون ... حقيقة قتل بضعة من كبار الأمراء ولكن ~~إبراهيم جاويش، وهو سيد علي بك الكبير ومربيه، أخذ عدته وأدرك المكيدة، فجمع قومه ~~وانتهت هذه الفتنة كما انتهت مثيلاتها بإنزال الباشا وعزله». # وعلت كلمة إبراهيم بك كما سبق لنا بيانه في موضع آخر من هذه المقدمة؛ ولكن الدولة ~~بقيت مصرة على تنفيذ سياستها بتلك الخطة العقيمة، خطة تقليبهم على بعضهم، ولو خربت ~~البلاد، وأبيدت العباد، فمن ذلك أن حمزة باشا الوالي في سنة 1198ه في أوائل ظهور نجم ~~علي بك الكبير، أراد الفتك بالبكوات في القلعة كما فعل الولاة أسلافه، قال مؤرخو هذه ~~الفترة: وجاءت أيام عيد الفطر فركب الأمراء في ثاني يوم ms039 شوال إلى قرة ميدان ليهنئوا ~~حمزة باشا بالعيد ... فلما حضروا في ذلك اليوم وهنئوا الباشا، وخرجوا إلى دهليز القصر ~~يريدون الانصراف إلى بيوتهم، برزت لهم طائفة من الجند وسيوفهم بأيديهم مسلولة، وآخرون ~~يحملون البنادق واندفعوا عليهم، فأطلقوا البنادق، وأعملوا السيوف فأصيب عثمان بك ~~الجرجاوي بضربة سيف في وجهه، وأصيب حسين بك كشكش بطلق ناري في خاصرته، وجرح كثيرون ~~جراحا بليغة، فعند ذلك ارتفعت الأصوات وعلت الجلبة، وصاح الأمراء بمماليكهم، فاقتحموا ~~الدهليز والسيوف بأيديهم، وحالوا بينهم وبين المتآمرين، وانتهت هذه المؤامرة الدنيئة، ~~كما انتهت سابقاتها بإنزال الباشا وعزله!! وولي بعد حمزة باشا، محمد راقم باشا سنة ~~1182ه فبينا تراه يعضد خصوم علي بك، الذي لقب بالكبير بعد، ويساعد على إرسال حملة ~~لمقاومته تحت رئاسة حسين بك كشكش، ويجمع لهذه الحملة المال بمصادرة التجار والأهالي، ~~نجده يقابل علي بك، بعد انتصاره على جيش حسين بك كشكش المشار إليه، ودخول الأول القاهرة ~~ظافرا، فيخلع عليه ويقره شيخا للبلد، وكان ذلك مبدأ نفوذ علي بك وعلو نجمه، وكان قد ~~حلب أشطر الدهر، وعرف أن لا أمانة له مع هذه السياسة العثمانية، فعزل الوالي وأعلن ~~استقلاله بمصر، ولكنه لم ينج من فخ الدولة والسقوط في الهوة التي اتقاها؛ إذ تمكن رجال ~~الدولة من التأثير على مملوكة محمد أبو الذهب كما سبق لنا بيانه، واستمر الحال على هذا ~~المنوال، حتى زمن مراد بك وإبراهيم بك مملوكي محمد أبو الذهب، فإن الدولة أرادت هذه ~~المرة أن تتخذ خطة حاسمة، تليق بشرف الملك وشرف السياسة، فأصدر السلطان عبد الحميد ~~الأول أمره بإرسال قوة إلى مصر لتخليصها من أيدي المماليك، فوصلت القوة العثمانية في ~~عمارة كبيرة تحت قيادة قبودان حسن باشا إلى ثغر الإسكندرية سنة1200ه؛ أي: قبل الحملة ~~الفرنسية بثلاثة عشر عاما، فصمم مراد بك - كعادته من العناد، وحب الاستقلال - على ~~مقاومة القوة العثمانية، قال المؤرخون: فسار مراد بك بمن معه ونزلوا الرحمانية، فلاقتهم ~~الجنود العثمانية «كما لاقت بعد ثلاثة عشر سنة في هذه البقعة العساكر الفرنسية» فانذعرت ~~جنود ms040 المماليك، من قنابل العثمانيين فشتت شملهم، وفر مراد بك وإبراهيم بك كذلك إلى ~~الصعيد، كالعادة، ودخل حسن باشا، الذي لقب بالغازي لفتحه مصر من جديد فتحا لم يدم ~~أكثرمن سنة واحدة؛ لأن حسن باشا استدعي للأستانة بسبب الحرب مع الروسيا فترك الأحكام في ~~مصر في يد إسماعيل بك أحد المماليك يشاركه في الحكم حسن بك الجداوي، كما كان مراد ~~وإبراهيم، ولم تستفد مصر من هذه الحملة العثمانية شيئا، اللهم إلا ما ذكره المؤرخون من ~~أن الجيش العثماني أعاد فعاله المعتادة؛ إذ خربت العساكر كل ما مروا به من المدن ~~والقرى، ونهبوا ما فيها، ولولا همة حسن باشا نفسه ما أبقوا على شيء فإنه كان يتهدد ~~الجنود حتى اضطر إلى رمي بعضهم بالرصاص ليردعهم عن أعمالهم الوحشية. # وبعد أربع سنوات عاد مراد بك وإبراهيم بك إلى السيادة الفعلية على البلاد، وبقيا ~~يسومان أهلها الذل والاستعباد، حتى داهمتهما الحملة الفرنسية، كما سيأتي لك بيانه، في ~~مكانه. # ويصح لنا أن نقول هنا من إتمام الفائدة في موضعها أن الباب العالي حاول بعد جلاء ~~الفرنسيين عن مصر القضاء على البقية الباقية من المماليك لتخليص مصر من شرهم، ولكن لم ~~تنجح سياسة تركيا حتى استطاع محمد علي في مذبحة القلعة أن يخلص مصر من المماليك، ~~ويستخلصها لنفسه. # الأوبئة التي فتكت بأهل مصر في عهد المماليك # ما كفي هذه الديار التعسة ما لاقته من مظالم المماليك وعسفهم وتخريبهم وحروبهم، التي ~~أفقرت البلاد من أهلها، ومن خيرها، ومن أرضها، ومائها، حتى بليت في تلك الفترة بأوبئة ~~فتاكة، تسببت طبعا من سوء الأحوال الصحية، ومن نتائج الغزوات، والحروب والتعفن، وعدم ~~تصريف المياه الآسنة في الجداول والخلجان، والبرك، فحدث في سنة 1052ه # 10 # ما يأتي بيانه: # في أثناء ولاية مقصود باشا، من قبل السلطان إبراهيم بن أحمد، داهم الوباء بولاق أولا ~~ثم ظهر في القاهرة ففتك بأهلها، وبكافة أهل القطر فتكا ذريعا حتى كان اضطر الناس ~~لكثرة الموتى، إلى دفنهم بغير صلاة، وروى المؤرخون أن 230 قرية صارت خرابا ms041 لفناء أهلها ~~بذلك الوباء. # وحدث في سنة 1108ه وباء شديد سببه أن وقع في البلاد غلاء كبير مدة ولاية علي باشا ~~قلج، من قبل السلطان مصطفى، فقل ورود الغلال، وعزت الأقوات وضاق العيش على الفقراء، ~~ومتوسطي الحال واشتد بالناس الجوع، قال المؤرخون: «فأكل الناس الجيف وجذور الأشجار، ~~فثارت النفوس، حتى اجتمع السواد الأعظم، رجالا ونساء وأطفالا، وصعدوا إلى القلعة ~~ووقفوا بحوش الديوان، وصاحوا من الجوع، واستغاثوا بالباشا، فلم يجبهم أحد فرجموا ديوانه ~~بالحجارة، وأكثروا من الجلبة والصياح، فركب الوالي وطردهم، فنزلوا إلى الرميلة ونهبوا ~~ما بها من حواصل الغلال، وكذلك حواصل كتخدا الباشا، وكانت ملأى بالشعير والفول، وأصناف ~~الحبوب فلم يقدر أحدهم على ردهم ... واشتد الغلاء وضاق بالناس الخناق، وعم الخطب، ومات ~~الكثير منهم جوعا، والعياذ بالله، وخلت أكثر القرى من أهلها، وخطف الناس الخبز من ~~الأسواق والأفران، مع ندرته، ومات الناس، فتركت جثتهم في الطرقات، فأنشب الوباء أظفاره ~~بالعباد فأراحهم من حياة مرة، وشقاء مستمر، فكانوا يحملون الموتى من الطرقات عشرات ~~عشرات، ويذهبون بهم إلى مغسل السلطان عند سبيل المؤمن فمات من جراء ذلك خلق كثير» ا.ه ~~ملخصا. # وفي سنة 1147ه داهم البلاد وباء في زمن باكير باشا، الذي أوقع الفتن بين الأمراء ~~وبعضهم، قال المؤرخون في هذه الفترة: إن هذا الطاعون لم يسبق له مثيل؛ إذ انتشر في ~~البلاد قاطبة، وفتك بالناس فتكا ذريعا، فكان الناس يدفنون موتاهم على ضوء المشاعيل ~~لاشتغالهم ليلا ونهارا بدفن الموتى، الذين يقعون في الشوارع والطرقات قتلى الوباء، ~~فتبقى جثثهم ملقاة بعض الليالي والأيام وطالت مدة هذا الوباء. # وفي سنة 1171ه هاجم البلاد وباء آخر في أول مدة استقلال علي بك، قال المؤرخون: وكان ~~ظهور الوباء عقب أن أمطرت السماء مطرا غزيرا جدا سالت منه السيول وامتلأت الأودية، ~~واشتد الطاعون شدة بالغة فكثر الموت، وصارت جثث الموتى تلقى في الطرقات والحارات ~~لكثرتها، وعدم وجود من يدفنها، وكثرت الجثث واجتمعت حولها الكلاب تنهشها، وطالت أيام ~~الوباء وسمته العامة «قارب شيحه، اللي يأخذ المليح والمليحة» ms042 ولم يرتفع الوباء من أرض ~~مصر في تلك المرة إلا في السنة التالية. # ثم في سنة 1205 بعد الحملة العثمانية التي جاء فيها قبودان حسن باشا الغازي وتعينه ~~إسماعيل بك كبيرا للمماليك، قال المؤرخون: «وفي هذه السنة طرأ على البلاد، ولا سيما ~~القاهرة، وباء شديد الوطأة لم تقاس البلاد مثله من قبل، فإن عدد الموتى في القاهرة بلغ ~~نحو الألف في يوم واحد وتقلب على حكومتها في يوم واحد ثلاثة حكام، وسبب ذلك أن إسماعيل ~~بك أصيب بالوباء فأقيم آخر من بيته مكانه فمات أيضا، حتى فني كان من كان في بيت ~~إسماعيل في يوم واحد، ولم يبق منه إلا عثمان بك الطبل الذي مهد لمراد وإبراهيم سبيل ~~العودة إلى السيادة في مصر، وسمي هذا الوباء بوباء إسماعيل.» # أفبعد كل هذه الأوبئة التي تناوبت على القطر في كل عهد المماليك، وبعد كل هاتيك ~~الحروب والمنافسات والمشاحنات بين المماليك وولاة الدولة، وبين المماليك وبعضهم بعضا، ~~وغارات أعراب البادية، ومظالم الحكام، يمكن أن يبقى في هذه الديار المصرية إلا من فاته ~~الموت، أو عجز عن المهاجرة؟ لا غرابة أن يقول علي مبارك باشا بعد وصفه النظام الذي وضعه ~~السلطان سليم لمصر بعد فتحها «وخربت البلاد وهاجر الكثيرون منهم إلى الديار الشامية ~~والحجازية وغيرها.» # كلمة عامة عن المماليك # لم تمنع أخلاق المماليك الفاسدة، ومطامعهم ومظالمهم، من أن يوجد بينهم من آن لآخر، ~~بعض ذوي الكرامة وأصحاب التدبير، وأن يوجد بينهم من ذوي الرغبة في إصلاح أحوال البلاد، ~~ورفع المظالم عن الأمة، فقد روى الشيخ عبد الرحمن الجبرتي وغيره من الرواة، عن إسماعيل ~~بك أيواظ، وهو ابن أيواظ بك القاسمي، الذي قتل في إحدى فتنهم، مع نحو سبعمائة من رجاله ~~في «الرميلة» بتحريضات والي الدولة، كما سبقت إلى ذلك الإشارة، ولي ولده المشار إليه، ~~وسار في إمارة الحج ثم اشتطت نار الفتنة فهرب واختفى، ثم عاد، وبعد فتنة أخرى استقرت له ~~السيادة المطلقة فعلا في القطر المصري نحو ستة عشر عاما إلى أن قتل ms043 غدرا في ديوانه ~~بتحريض من الوالي أيضا، وقال الجبرتي عن إسماعيل بك هذا: «إن أيامه كانت سعيدة، ~~وأفعاله حميدة، والإقليم في أمن وأمان، من قطاع الطريق وأولاد الحرام، وكان صاحب عقل ~~وتدبير وسياسة في الحكام، وفطانة ورئاسة وفراسة في الأمور.» وذكر الجبرتي وهو ثقة فيما ~~رواه عنه عدة روايات تدل على عدل إسماعيل بك، وكرم أخلاقه، وبعده عن نقائص المماليك ~~أمثاله، فمما ذكره عنه أنه جدد سقف الجامع الأزهر، وكان قد آل إلى السقوط، وأنشأ مسجد ~~سيدي إبراهيم الدسوقي بدسوق، ومسجد سيدي علي المليجي بمليج، ومن مآثره عن نفس صاحب ~~الرواية أنه كان يرسل غلال الحرمين في أوانها، ويجعل في بندر السويس والمويلح وينبع، ~~غلال سنة قابلة في الشون، لكي تشحن السفائن وتسافر في أوانها، ثم يرسل خلافها على هذا ~~النحو، قال الشيخ الجبرتي: ولما مات سنة 1136ه، ووصل خبر نعيه إلى أهل الحجاز، حزنوا ~~عليه وصلوا عليه صلاة الغيبة عند الكعبة، وكذلك فعل أهل المدينة فصلوا عليه بين المنبر ~~والمقام، ومات صغير السن على روايتين للجبرتي فهو يقول مرة في الثامنة والعشرين، ولكنه ~~بعد أن ذكر أنه تولى الأحكام وعمره ستة عشر عاما، وأنه حكم البلاد ستة عشر عاما وطلع ~~أمير الحج ست مرات، وهذا خلط من الجبرتي، قال: ورثاه الشعراء ثم ذكر في كتابه قصائد ~~مطولة خير ما فيها قول بعضهم: # وكان جديرا بالرئاسة والعلا # فقد سار فينا سيرة سارها عمر # وكان له حزم ورأي ومنعة # ولكن إذا جاء القضاء عمي البصر # به غدر الجبار جركس ماكرا # فعما قليل سوف يجزى بما مكر # وكأنما ألف الناس قتل الأمراء بعضهم واحدا بعد واحد، فلهذا أشار الشاعر ببساطة ~~«فعما قليل سوف يجزى بما مكر» وأغرب من هذا أن شاعرا آخر من شعراء ذلك الزمن رثى ~~إسماعيل بك هذا بأبيات، يقول في ختامها: # ولا بد أن الله يأخذ من سطا # عليه بتاريخ «سيقتل قاتله» # فإذا جمعت جمل كلمتي «سيقتل قاتله» تجد تاريخ سنة 1136 التي قتل فيها إسماعيل بك، ~~وكان قاتله ms044 مملوكا اسمه ذو الفقار بتحريض من الوالي، ومحمد جركس بك الطاغية الذي أنعم ~~عليه إسماعيل بك، وعفا عنه مرارا، وكان نصيب ذي الفقار، بعد أن سار شيخ البلد وأمير ~~الأمراء، رصاصة قضت على حياته سنة 1142، بدسيسة من نصيره الأول محمد جركس، الذي مات ~~غرقا في النيل من مطاردة رجال ذي الفقار، وهكذا كانوا يفعلون!!! # وممن ذكروا بالخير، من أولئك الطغاة الظالمين، مملوك آخر اسمه عثمان بك الذي ولي ~~الأحكام، بعد مقتل ذي الفقار، وغرق محمد جركس، وفي مدته نكبت مصر بالوباء، كتب الجبرتي ~~عن عثمان بك ذي الفقار، وقال إن ما رواه عنه، هو عن لسان والده الشيخ حسن الجبرتي؛ لأن ~~عثمان بك، كما روى الشيخ عبد الرحمن، «كانت له مع الوالد صحبة أكيدة، ومحبة زائدة، ~~وصاحبه في سفر الحج ثلاث مرات، وكان لا يجالس إلا أرباب الفضائل مثل المرحوم الوالد ... ~~وقرأ على الشيخ الوالد تحفة الملوك، والمقامات الحريرية ... إلخ.» ومما هو جدير بالذكر في ~~هذا المقام قول الجبرتي: «إن عثمان بك لما فر من مصر عاش بعد خروجه منها نيفا وثلاثين ~~سنة ولجلالة شأنه جعل أهل مصر سنة خروجه منها تاريخا لأخبارهم، ووقائعهم ومواليدهم إلى ~~الآن، من تاريخ جمع هذا الكتاب يعني سنة 1226ه، فيقولون جري كذا، سنة خروج عثمان بك ... ~~إلخ.» وهذه الإشارة مهمة جدا؛ لأنها ترشدنا إلى السنة التي بدأ فيها الجبرتي جمع ~~كتابة وهي سنة 1226ه؛ أي: بعد خروج الفرنسيين من مصر بنحو عشر سنوات، وفي أيام سلطة ~~محمد علي ونفوذه، بل هي السنة التي وقعت فيها مذبحة المماليك في القلعة، فهل معني كلمة ~~«جمع» أنه بدأ بالتأليف أو أنه جمع مذكراته وما كتبه من الحوادث في أوقاتها منذ بدأ ~~يكتب؟ ويغلب على الظن أن الشيخ عبد الرحمن الجبرتي بدأ قبل ذلك بكثير، وأنه كان يدون ~~الحوادث في أيام وجود الفرنسيس بمصر، فقد جاء في مقدمة كتابه «يقول الفقير عبد الرحمن ~~بن حسن الجبرتي أني كنت سودت أوراقا في حوادث القرن الثاني عشر وما يليه، وأوائل ms045 ~~الثالث عشر الذي نحن فيه، جمعت فيه بعض الوقائع إجمالية، وأخرى محققة تفصيلية، وغالبها ~~محن أدركناها، وأمور شاهدناها ... إلخ.» مما يدل على أن حوادث القرن الثالث عشر؛ أي: من ~~1200، وهي السنة التي دخلت فيها الجنود العثمانية تحت قيادة حسن قبودان باشا كان يقيدها ~~في أوقات مختلفة، وأنه لم يبدأ بجمع مسوداته في أوراق منسقة النظام، مرتبة على السنين ~~والأعوام، إلا في سنة 1226 باعترافه هو كما تقدم، ومما يزيد هذا الرأي تأكيدا قول ~~الجبرتي في الجزء الرابع في نهاية سنة 1225 هجرية «انقضت السنة بحوادثها التي قصصنا ~~بعضها؛ إذ لا يمكن استيفاؤها للتباعد عن مباشرة الأمور، وعدم تحققها على الصحة، وتحريف ~~النقلة وزيادتهم ونقصهم في الرواية، فلا أكتب حادثة حتى أتحقق صحتها بالتواتر ~~والاشتهار، وغالبها من الأمور الكلية التي لا تقبل الكثير من التحريف، وربما أخرت قيد ~~حادثة أثبتها، ويحدث غيرها وأنساها، فأكتبها في «طيارة» حتى أقيدها في محلها إن شاء ~~الله تعالى، عند تهذيب هذه الكتابة، وكل ذلك من تشويش البال، وتكدر الحال، وهم العيال ~~وكثرة الأشغال، وضعف البدن، وضيق العطن.» # وقد توسعنا في هذا الاستطراد قليلا؛ لأنه تحقيق تاريخي جدير بالاهتمام، ونعود إلى ~~عثمان بك، فنقول إنه كان من المماليك الأقوياء، الأشداء في الحق، وإن أحوال مصر قد ~~تحسنت في الفترة القليلة التي حكم فيها من 1142-1156؛ أي: نحو أربعة عشر عاما وقد وصفه ~~الجبرتي فقال: # وطلع بالحج وعاد في أمن وأمان، وانتهت إليه الرياسة، وشمخ على أمراء مصر ونفذ ~~أحكامه قهرا عنهم، وعمل في بيته دواوين لحكومات العامة، وانصف المظلوم من ~~الظالم، وجعل لحكومات النساء ديوانا خاصا، ولا يجري أحكامه إلا على مقتضى ~~الشريعة، ولا يقبل الرشوة، ويعاقب عليها، ويباشر أمور الحسبة بنفسه، ومنع ~~المحتسب من أخذ الرشوات وهجج الشهود - شهود الزور - من المحاكم ولم يعهد عليه ~~أنه صادر أحدا في ماله أو أخذ مصلحة على ميراث، ومات كثيرون من الأغنياء، ~~وأرباب الأموال العظيمة، فلم تطمح نفسه لشيء من أموالهم وكان على الهمة، حسن ~~السياسة، يحب إقامة ms046 العدل والحق في الرعية، وهابته العرب، وأمنت الطرق والسبل ~~البرية والبحرية، ولم يأت بعد إسماعيل بك ابن أيواظ في أمراء مصر من يشابهه أو ~~يدانية ... إلخ. # وسرد الجبرتي عدة حكايات تدل على عدله وصلابته في الحق. # ولكن ما يكاد يتوطد قدم أمير من المماليك، وينال ثقة الرعية، ويقبض على مقاليد الأمور ~~بيده، حتى تتحرك ضده الأحقاد والدسائس سواء من أقرانه البكوات أو بواسطة الوالي، فتثور ~~الفتن، ويقتل ذلك الأمير، أو يفر هاربا بحياته، ويندلع لسان الفوضى، وتلقى الأمة ~~والبلاد المحن والنكبات. # ولم يكن لأحد من طبقات الأمة المصرية، لا من التجار ولا من الفلاحين صفة أو كرامة، أو ~~هيئة، اللهم إلا لفئة علماء الأزهر، لما كان لهم من النفوذ الديني على المماليك والعامة ~~على السواء، فكنت ترى الأمراء يجتمعون بهم ويزورونهم ويشاورونهم، وهذا الشيخ الحفناوي ~~وقف في وجه الأمراء لما اجتمعوا بالقاهرة وقرروا إرسال حملة لمحاربة علي بك «الكبير» ~~وصالح بك ومحمد معهم «الذين استقروا بالمنيا وبنوا حولها سورا وأبراجا ركبوا عليها ~~المدافع وقطعوا الطريق على المسافرين المبحرين والمقبلين، وقال لهم: «خربتم البلاد ~~والأقاليم، وعلى أي شيء هذا الحال، وكل ساعة خصام ونزاع وتجاريد.» إلى آخر ما قال، فلم ~~يسع الأمراء إلا الامتثال، قال الجبرتي: «فلم يلبث هذا الشيخ إلا أيام ومرض ورمي بالدم، ~~وتوفي فيقال إنهم أشغلوه وسموه.» # والدليل على أنه لم يبق من الأمة المصرية بأسرها إلا هيئة علماء الدين وغالبهم أهل ~~ضعف ومسكنة وزهد وذل، أنه على الرغم من كل هاتيك المصائب والرزايا والنكبات، التي كانت ~~تتساقط كالصواعق على رءوس هذا الشعب المسكين، لم نسمع في كل هذه المدة أن حدثت في ~~البلاد فتنة، أو وجدت حركة تذمر، إلا مرة واحدة على أيدي بعض العلماء في سنة 1209؛ أي: ~~قبل احتلال الفرنسيين بأربعة أعوام فقط، وحكاية هذه الثورة الأهلية الوحيدة في بابها، ~~كما رواه الجبرتي عنها في حوادث شهر الحجة من تلك السنة قال: «وفيه وقع من الحوادث أن ~~الشيخ الشرقاوي له حصة بقرية بشرقية بلبيس، حضر إليه ms047 أهلها وشكوا من محمد بك الألفي ~~واستغاثوا بالشيخ فاغتاظ وحضر إلى الأزهر، وجمع المشايخ، وأقفلوا أبواب الجامع، وذلك ~~بعدما خاطب مراد بك وإبراهيم بك، فلم يبديا شيئا، وأمر العلماء الناس بإغلاق الأسواق ~~والحوانيت، ثم ركبوا في ثاني يوم، واجتمع عليهم خلق كثير، وذهبوا إلى بيت السادات، ~~وازدحم الناس على بيت الشيخ من جهة الباب والبركة، بحيث يراهم إبراهيم بك، فبعث إليهم ~~أيوب بك الدفتدار، فحضر إليهم ووقف بين أيديهم وسألهم عن مرادهم فقالوا: نريد العدل ~~ورفع الظلم والجور، وإقامة الشرع، وإبطال الحوادث والمكوسات التي ابتدعتموها ~~وأحدثتموها، فقال: لا يمكن الإجابة إلى كل هذا فإننا إن فعلنا ذلك ضاقت علينا المعايش ~~والنفقات، فقيل له: هذا ليس بعذر عند الله، ولا عند الناس، وما الباعث على الإكثار من ~~النفقات، وشراء المماليك، والأمير يكون أميرا بالإعطاء، لا بالأخذ، فقال: اصبروا حتى ~~أبلغ، ولم يعد لهم بجواب وانفض المجلس، وركب المشايخ إلى الجامع الأزهر واجتمع أهل ~~الأطراف من العامة والرعية، وباتوا بالمسجد.» # وما يشير إلى دسائس البكوات ضد بعضهم أن إبراهيم بك انتهز هذه الفرصة للإيقاع بمراد ~~بك شريكه في الحكم، على الرغم من تحالفهما، فبعث للمشايخ يعضدهم ويقول لهم أنا معكم، ~~وهذه الأمور على غير خاطري، وأرسل إلى مراد بك يخيفه من عاقبة ذلك، فبعث مراد بك يصالح ~~المشايخ، وعقد مجلسا حضره المشايخ والأمراء وانتهى الأمر كما يقول الجبرتي، بأن تاب ~~الأمراء والتزموا بما اشترطه المشايخ عليهم، وانعقد الصلح على أن يدفعوا سبعمائة وخمسين ~~كيسا موزعة، وعلى أن يرسلوا غلال الحرمين ويصرفوا غلال الشون، وأموال الرزق، ويبطلوا ~~رفع المظالم المحدثة، والكشوفيات والتفاريد «جمع فردة، ضريبة» والمكوس وأن يكفوا ~~أتباعهم عن امتداد أيديهم إلى أموال الناس ويسيروا في الناس سيرة حسنة ... وكتب بذلك حجة ~~«فرمن» من فرمان عليها الباشا، وختم عليها إبراهيم بك ومراد بك، فانجلت الفتنة ورجع ~~المشايخ، وخلف كل واحد وأمامه جملة عظيمة من العامة وهم ينادون حسب ما رسم سادتنا ~~العلماء، بأن جميع المظالم والمكوس، «بطالة» من مملكة الديار المصرية، وفرح ms048 الناس، ~~وظنوا صحته وفتحت الأسواق وسكن الحال على ذلك نحو شهر ثم عاد كل ما كان، مما ذكر ~~وزيادة!! ا.ه، عن الجبرتي بلغته وتعبيراته. # وهناك ثورة أخرى صغيرة جدا وقعت في الإسكندرية تكلم عنها «بروان» الرحالة ~~الإنكليزي، وكان زعيمها الشيخ محمد المسيري كبير علماء الإسكندرية في ذلك الوقت، وله ~~معنا شأن في مدة الحملة وبعدها، وكانت تلك الحركة ضد الكاشف المتولي زعامة الجند في ~~الإسكندرية، وقد روي أن مراد بك أرسل من القاهرة حملة صغيرة مؤلفة من كاشفين وبعض جنود ~~من أتباعهما، فأظهر الشيخ المسيري كفاءة في حملة الأهالي على التسلح وترميم الأسوار، ~~والاستعداد للمحاربة فلما علم الكاشفان القادمان بذلك، أعلنا أهل الإسكندرية أنهما لا ~~يريدان حربا، وانتهى الأمر بأن عاد أحدهما يحمل هدية قدمها إليه أهل الإسكندرية، وأخرى ~~من التجار الأجانب. # 11 # وللشيخ المسيري هذا شأن يذكر عند قدوم الحملة الفرنسية كما أنه عاش إلى زمن محمد علي، ~~وكان له شأن معه. # وبهذه المناسبة نذكر أن «براون» قدر سكان الإسكندرية عند قدومه إليها في سنة 1792 ~~بنحو عشرين ألفا بينهم عدد كبير من الأروام، ويتولى إدارة الأحكام فيها قاض يعين من ~~الآستانة ومعه مشايخ المذاهب الأربعة، ولكن «سافاري» الذي زار مصر، وكان في الإسكندرية ~~في 24 يوليو سنة 1777، يقول: إن سكان الإسكندرية في ذلك الزمن، لم يكونوا يتجاوزون ~~الخمسة الآلاف، والحقيقة بين هذين العددين؛ أي: حوالي الاثني عشر ألفا. # مراد وإبراهيم # لا نختم هذه المقدمة التي ألممنا فيها، بعض الإلمام، بحالة مصر من الوجوه السياسية، ~~والاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية، قبل قدوم الحملة الفرنسية دون أن نأتي على ذكر ~~لتاريخ الرجلين اللذين كانا يحكمان مصر، في ذلك العهد، وعلى وصف موجز لأخلاقهما، ~~وظروفهما وأحوالهما. # كانت الكلمة العليا في البلاد المصرية، عند قدوم الحملة الفرنسية، في يد رجلين من ~~مماليك محمد بك أبو الذهب، وهما مراد وإبراهيم، أو إبراهيم ومراد؛ لأنه من الصعب أن ~~يقدر الباحث في حلكة تلك الفترة، من كان منهما أولى بالتقديم من صاحبه؛ ذلك لأنه في ~~لحظة من ms049 اللحظات، أو فترة من الفترات، كانت تبدو القوة والنفوذ والسيطرة في يد مراد، ~~وما هي إلا أيام أو شهور حتى ترى مرادا منزويا في قصوره بين أخدانه ونسائه، والأمر كل ~~الأمر في يد إبراهيم. # كان مراد رجلا جريئا مقداما ممتلئا ثقة بنفسه، أو بعبارة أخرى، مخدوعا مغرورا ~~فيها، وكانت له حركات تدل على أنه عصبي المزاج حاده، على أنه قد كان مع ذلك شديد الغيرة ~~على مركزه، لا يقبل الضيم، ولا يرتاح إلى السكون والدعة، بعكس مناظره أو شريكه إبراهيم، ~~فإنه كان على جانب كبير من الدهاء والحيلة، لا يقدم رجلا دون أن يفكر في العاقبة، ~~ولذلك كنت تراه ينزوي ويترك الأمر في يد منافسه حين يرى منه ميلا ذلك، فلا يعارضه ولا ~~يقاومه، ولكن يعمل لتحين الفرص لإسقاطه. # مات مراد بك في الصعيد، والفرنسيون في مصر، ولكن إبراهيم عمر طويلا وهرب إلى الشام، ~~وعاد مع الأتراك والإنجليزي لإخراج الفرنسيين، وبقي إلى زمن محمد علي، وكان من الذين ~~طاردهم محمد علي إلى بلاد النوبة، ومات فيها. # وكان الشيخ عبد الرحمن الجبرتي معاصرا لهما، وعارفا بطباعهما وأخلاقهما، فآراؤه من ~~هذه الوجهة، حجة ثقة، وإن كان الشيخ الجبرتي حاقدا بعض الحقد لأسباب لا نعلمها، على ~~مراد بك، كما يظهر ذلك من الكلام عنه، كلما عرض ذكر اسمه فيما كتبه من حوادث تلك ~~الأيام. # وخلاصة تاريخه عند الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، أنه كان من مماليك محمد بك أبو الذهب، ~~ومحمد بك، مملوك علي بك الكبير، وعلي بك، مملوك إبراهيم كتخدا القاضدغلي. # اشترى محمد بك مراد بك في سنة 1182ه، ثم أعتقه وأمره، وأنعم عليه بالإقطاعات الجميلة ~~وقدمه على أقرانه، وتزوج بامرأة الأمير صالح بك، وسكن داره العظيمة بخط الكبش، ولما مات ~~علي بك تزوج بسريته أيضا، وهي الست نفيسة المرادية الشهيرة الذكر بالخير، ولما انفرد ~~محمد بك بإمارة مصر، كان هو وإبراهيم بك أكبر أمرائه، فلما سافر محمد بك أبو الذهب إلى ~~سوريا محاربا للظاهر عمر، أقام مقامه في الحكم إبراهيم بك، وسافر ms050 مراد بك بصحبته، فلما ~~مات محمد بك أبو الذهب بعكا، اجتمع أمراؤه على رأس مماليكه في رياسة مراد بك، فلما ~~حضروا إلى مصر بجثة محمد بك، اتفق رأي الجميع على إمارة من استخلفه سيدهم، وهو إبراهيم ~~بك ورضي جميعهم برياسته «لوقور عقله وسكون جأشه» «كذا عن الجبرتي» ... # وعكف مراد بك على لذاته وشهواته في دوره وقصوره، كل ذلك «كما يقول الجبرتي» على ~~مشاركته لإبراهيم بك في الأحكام، والنقض والإبرام، والإيراد والإصدار، ومقاسمة الأموال ~~والدواوين، وتقليد مماليكه وأتباعه، الولايات والمناصب، وأخذ في بذل الأموال وإنفاقها ~~على أمرائه وأتباعه فانضم إليه بعض أمراء علي بك وغيرهم ممن مات أسيادهم، فأكرمهم ~~وواساهم، ورخص لمماليكه في هفواتهم، وسامحهم في زلاتهم، فانقلبت أوضاعهم، وتبدلت ~~طباعهم، وشرهت نفوسهم وعلت رءوسهم. # ولما قدم حسن قبودان باشا إلى مصر، كما ذكرنا في غير هذا المكان، هرب مراد بك ~~وأتباعه، وكذلك فعل إبراهيم بك ففر إلى الصعيد، فلما انقضت غزوة حسن قبودان باشا، ~~واضمحل شأن إسماعيل بك الذي أمره حسن باشا على مصر، عاد مراد وإبراهيم إلى سابق عهدهما، ~~ومن ذلك الوقت داخل الغرور مراد بك، وظن في نفسه أنه هو الذي استرد مركزه ومركز زميله ~~إبراهيم بك في مصر. # وصف الجبرتي مراد بك فقال: # وكانت صفته أنه أشقر اللون، مربوع القامة ، كث اللحية، وغليظ الجسم والصوت، ~~بوجهه أثر ضربة سيف، ظالما غشوما متهورا، مختالا، معجبا متكبرا، إلا أنه ~~كان يحب العلماء ويتأدب معهم، وينصت لكلامهم، ويقبل شفاعتهم. # ووصف مارسيل # 12 # وهو من العلماء الذين رافقوا نابوليون في حملته على مصر، وكان مديرا ~~للمطبعة الفرنسية بالقاهرة، وعضوا بالمجمع العلمي، وسمع من المماليك وأهل القاهرة عن ~~إبراهيم بك ومراد بك، فقال عنهما في كتابه «مصر منذ فتح العرب إلى الاحتلال ~~الفرنساوي» # 13 # ما تعريبه: ~~«كان إبراهيم بك ومراد بك ينافس أحدهما الآخر، ويغار منه ومع ذلك اتحدا ليظل الحكم في ~~أيديهما، على الرغم من اختلاف طباعهما، وكان أولهما أكبر سنا، وقد زادته السنون ~~الطوال خبرة ومعرفة بفنون السياسة، وقدرة على ms051 كبح جماح عواطفه، وإخفاء ما في نفسه، فكان ~~دائما على حذر من زميله الذي كان يعرف فيه الكبر والعجرفة، ولكنه كان يشعر أيضا من ~~نفسه، بأنه أقل منه شجاعة، وقوة وكفاءة في الشئون العسكرية، فاجتنب إبراهيم بك سلوك أي ~~سبيل يصطدم فيه مع مراد بك، أو يضطره للحرب والقتال معه. # وكان إبراهيم بك أقل جرأة من مراد بك، ولكنه لم يكن أقل منه جورا وطمعا، إلا أنه ~~كان يخفي غلظ قلبه وقسوته، بما كان يتصنعه من الحلم والرأفة، على خلاف مزاحمة الذي كانت ~~تبدو عليه دائما علامات الحدة، وسرعة الغضب، ولم يظهر إبراهيم بك، سواء قبل ولايته ~~الحكم، أو بعده، شيئا من حسن الأخلاق بل كان سيئ السيرة، لا قلب له ولا ذمة، جبانا ~~كثير الأوهام، حليف الوسواس، سيئ الظن بالناس، كثير الوعود لا يبر بشيء منها، خادعا ~~ماكرا، يظهر المحبة والإخلاص لمن يريد قتله!! ولا يحجم عن إتيان أي عمل، ولكن لا يصل ~~إليه إلا بطرق خفية ملتوية. # أما مراد بك فبالعكس لم يكن يطلب شيئا بطريق الحيلة والخداع بل بالقوة، تظهر عليه ~~علامات القوة والغلظة، متين الأساطين، قوي البنية مفتول الساعد، حتى إنه كان يستطيع أن ~~يقطع رأس الثور بضربة واحدة من حسامه، وتلوح عليه ملامح الجندي، وهيئته كهيئة الليث ~~الغضنفر، لم يباره أحد في ميدان القتال، وإذا غضب ارتعش الواقف أمامه من قمة رأسه إلى ~~أخمص قدميه، ولم يكن يعرف كيف يكتم حقده وبغضه، ومع هذا فقد كان كريما جوادا، قريب ~~العفو سريع الرضاء، يقدر كفاءة الناس حتى أعدائه، مخلصا لأصدقائه، بارا بوعده، تظهر ~~عليه أحيانا علامات الحدة والطمع، وأحيانا يميل للحرية والإسراف، ولكنه كان مع كل هذا ~~فخورا بنفسه سفاكا للدماء، سريع الغضب، إذا ملكته سورته ضحى كل شيء، حتى مصلحته ~~الشخصية في سبيل الانتقام.» ا.ه، رأي مارسيل. # وممن يوثق بروايته تمام الثقة في وصف مراد بك، الضابط «سونيني» الفرنسي # 14 # الذي ساح في مصر سنة 1777؛ وذلك لأنه أولا بعيد عن الغرض الذي يمكن أن ~~ينسب ms052 إلى الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، أو إلى مثل مارسيل الذي سمع عنه ولم يره؛ لأن مراد ~~بك بعد فراره من واقعة إمبابة، لم يعد إلى القاهرة حين كان مارسيل بها، وقد روى ~~«سونيني» في كتابه أنه قابل مراد بك مرات عديدة وقال عنه ما يأتي: # وكنت في بعض الأوقات أدخل قصر مراد بك بواسطة شاب فرنسي تمتع بثقته، وقد ~~قابلني البك برقة ولطف، وأجلسني إلى جانبه، وجعلني أدخن من غليونه، وهذا يعتبر ~~شرفا ممتازا في هذا البلاد، غير أني لم أخدع به على الإطلاق، وقد طرح علي ~~ألفا من الأسئلة، كان السؤال الواحد منها أسخف من الآخر، وظهر لي منها كلها أن ~~الرجل على جانب من الجهل العظيم، وأخيرا قام مقدمي إليه بشرح أمري، فأظهر البك ~~ارتياحا من الأجوبة التي أجبت بها على الأسئلة، وكانت النتيجة أن اقترح علي ~~إدخالي في خدمته بوظيفة مزدوجة كطبيب ومهندس، وقدم لي دارا كبيرة في القاهرة، ~~مع جميع أنواع الخدم والحراس، وأقوات يومية وافرة للغاية التي ليس وراءها غاية، ~~كما خصص لي مرتبا كبيرا، ومن المعقول أن يغتر بهذه الهبات أي واحد على غير ~~معرفة بهؤلاء البكوات، الذين لا مبادئ لهم وبتقلباتهم فيما يقدمون من هبات ~~ويمنحونه من ألقاب الشرف أي هؤلاء الذين يثقلون كاهل الرجل بالمكارم في يوم ، ~~وفي اليوم التالي يفاجئونه بوضعه في الأصفاد والأغلال الحديدية، أو قد يأمرون ~~بإعدامه. # ومراد الذي كان له من الشجاعة ما مكنه من مقاتلة الفرنسيين، رجل جميل جدا، ~~وذو مظهر حربي، وذقن مغطاة بلحية سوداء شعثاء، وحاجبان كثيفان يرسمان قوسين فوق ~~عينيه المملوءتين ذكاء وحماسة ونارا، وعلى أحد وجنتيه أثر لجرح زاد منظر سحنته ~~حدة وعنفا، وقد جمع إلى الشجاعة العظيمة مظهرا فريدا فذا، وقوة خارقة ~~للعادة، بحيث إنه إذا ركب ومر بجانب ثور يستطيع أن يقطع رأسه بضربة واحدة من ~~مهنده، وكان مقاتلا لا يفل له عزم، بحيث كان يستطيع أن يتحمل أشد المشاق، كما ~~كان فارسا مغوارا قادرا ماهرا في استعمال السيف، وشجاعا وقت ms053 المحنة ~~والضيق، وجسورا يقدم على جلائل الأعمال والمشاريع، ورزينا متئدا في العمل، ~~ولكنه مرعب في المبدأ والمستهل، بحيث لو تعلم مراد لكان قائدا عظيما، وكان له ~~شكل يدل على الكبرياء، وسلوك يشف عن الجود والسخاء، فأكسبه هذان الأمران، ذلك ~~المظهر الجليل الذي يبدو على ملك من الملوك، ولكن الحمق والجهل والقساوة كانت ~~من الصفات التي صيرته ظالما جبارا عتيا. ا.ه. # مراد بك وحكاية إصلاح جامع عمرو # مراد بك «نقلا عن كتاب مارسيل». # من الأعمال الطيبة الباقية الأثر والمنسوبة إلى مراد بك، أنه أصلح جامع عمرو بن ~~العاص، بل وأوجده من العدم، ومن الناس، من يعد له هذه المأثرة ويذكرها له بالمدح ~~والثناء، وغريب أن يقوم رجل مثل مراد بك بهذا العمل الصالح إلا أن يكون له من ورائه ~~مآرب، كاكتساب قلوب الناس والجند، من المماليك بنوع خاص، ليستأثر بالأمر دون شريكه ~~ومنافسه إبراهيم بك، وهناك روايتان، أو وجهتا نظر مختلفتان، في السبب الذي حمل مراد بك ~~على ذلك العمل النافع، فالجبرتي، وهو شاهد عيان، وخبير بأحوال ذلك الزمان، يصف ذلك ~~الإصلاح الذي قام به مراد بك بأنه «خطرات من وساوسه» وفي هذا الصدد يقول: # 15 # ومما سولت به نفس المترجم «مراد بك» بإرشاد بعض الفقهاء، عمارة جامع عمرو بن ~~العاص، وذلك أنه لما خرب هذا الجامع، بخراب مدينة الفسطاط وبقيت تلالا ~~وكيمانا، وخصوصا ما قرب من ذلك الجامع، ولم يبق لها بعض العمار إلا ما كان من ~~الأماكن التي على ساحل النيل، وخربت في دولة القاصدغليه، وأيام حسن باشا ~~«قبودان» لما سكنتها عساكره «الأتراك» ولم يبق بساحل النيل إلا بعض أماكن جهة ~~دير النحاس «كتبها الجبرتي دار النحاس» وفم الخليج والجامع العتيق، «جامع عمرو» ~~لا يصل إليه أحد لبعده وحصوله بين الأتربة والكيمان، وكان الناس فيما أدركنا، ~~يصلون فيه آخر جمعة في رمضان فتجتمع به بعض الناس على سبيل التسلي من القاهرة ~~ومصر وبولاق، وبعض الأمراء أيضا، والأعيان ويجتمع بصحنه أرباب الملاهي من ~~الحواة والقراداتية وأهل الملاعيب والنساء الراقصات المعروفات ms054 «بالغوازي»، فبطل ~~ذلك أيضا من نحو ثلاثين سنة # 16 # لهدمه وخراب ما حوله، وسقوط سقفه وأعمدته، وميل شقته اليمنى، بل ~~وسقوطها بعد ذلك، فحسن ببال المترجم هده وتجديده بإرشاد بعض الفقهاء، ليرقع به ~~دينه الخلق، كما قال شاعرهم: # ومسجد في فضاء ما عمارته # فوق الصيانة إلا ~~لهو مختلق # كأن عمرا دعا يا عاص هم به # ورمه رقعة في ~~دينك الخلق # ثم ذكر الجبرتي أن مراد بك قام بعمارة ذلك المسجد وصرف عليه أموالا عظيمة «أخذها من ~~غير حلها» ووضعها في غير محلها، وصلى الناس صلاة آخر جمعة من رمضان سنة 1212 «أي: قبل ~~وفاة مراد بك بثلاث سنوات فقط». # ثم قال الجبرتي: «فلما حضرت الفرنساوية في العام القابل «1213» جرى على الجامع ما جرى ~~على غيره من الهدم والتخريب وأخذ أخشابه، حتى أصبح بلقعا أشوه مما كان فيا ليتها لم ~~تزن ولم تتصدق.» ثم انتهى بهذه العبارة إلى وصف لتاريخ مراد بك فقال: # وبالجملة فمناقب المترجم لا تحصى، وأوصافه لا تستقصى، وكان من أعظم الأسباب ~~في خراب الإقليم المصري، بما تجدد منه ومن مماليكه وأتباعه من الجور، والتهور، ~~فلعل الهم يزول بزواله. # هذه رواية الجبرتي عن إصلاح جامع عمرو، ولكني أطلعت على الرواية الآتية في كتاب ~~«مارسيل» الذي سبقت الإشارة إليه، فقد ذكر في ترجمة مراد بك الحكاية الآتية أعربها ~~ليطلع عليها قراء اللغة العربية، ولنسجل في التاريخ، إظهارا لصورة من أخلاق ذلك الرجل، ~~الذي وقف بجيشه أمام نابوليون بونابرت في واقعة إمبابة الفاصلة، قال مارسل عن مراد، ما ~~تعريبه: «وفرض ضريبة جديدة على تجار اليهود، لا في القاهرة وحدها، بل في مصر كلها، ~~وكانت هذه الضريبة سببا لاجتماع كبار الإسرائيليين في معابدهم، وبعد المناقشة فيما ~~بينهم، أرتأوا أن يرسلوا كبيري أحبارهم، إلى مراد بك يسألاه أن يرفع مقته وغضبه عنهم، ~~ولما وقف الحبران أمام مراد بك قالا له: «أيها الأمير، إننا فقراء ولو أردنا أن نبيع ~~أملاكنا ونساءنا وأولادنا، بل وأنفسنا، فإننا لا نستطيع أن نقدم لك عشر الضريبة التي ms055 ~~ضربتها علينا، ولكن لو تكرمت علينا بإعفائنا مما لا نستطيع دفعه، كان ذلك شفقة منك، ~~وإننا في مقابل ذلك ندلك على كنز عظيم حفظنا سره، خلفا عن سلف، ونوصي به أبناءنا حتى ~~لا يعرف مكانه أحد سوانا.» # فلما سمع مراد بك هذا القول أرهف أذنيه وقال: «إنني ألغي أمر الضريبة، فأين الكنز؟ ~~فأجابه الحبران: أن الكنز مدفون في جامع عمرو بن العاص، في مصر القديمة، وكان قد وضعه ~~ذلك الفاتح العظيم في صندوق حديدي وخبأه في بطن الأرض ولا يعرف محله سوانا.» # أعطيت هذه المعلومات بدقة وإتقان حتى كأنها حقيقية لا مكذوبة، ومع ذلك فكانت توجد ~~ضمانة أخرى وهي رأسا الحبرين المبلغين!! # لم يسرع مراد بك في وضع يده على الكنز الذي أصبح بعده ملكا له، خوفا من أن يتهم ~~بتخريب الجوامع، ولكي يضع يده على الكنز دون أن يثير سخط الشعب عليه، رأى أن يتظاهر ~~بخروجه إلى الصيد، وعند عودته مر بالجامع ودخل فيه متظاهرا بالصلاة، فلما قابله فيه ~~المشايخ، قال لهم مراد بك - وقد رأي الجامع وأطلاله خربة - «ما دام الله قد قادني إلى ~~هذا المكان المقدس، فإنه أراد بذلك من دون شك، أن أكون أنا الشخص الذي يتولى إصلاحه ~~وتجديده، وأن يقرن اسمي باسم مؤسسة عمرو بن العاص في دعائكم، وغدا سأرسل العمال ~~والصناع للبدء في إصلاحه.» # وفي اليوم التالي جاء العمال ولكن بدلا من أن يشتغلوا بإصلاح الخرائب عمدوا إلى هدم ~~المباني، وحفر الأرض في المكان الذي رسمه لهم وكيل مراد بك وكاتم أسراره المخلص. # وبعد بضع دقائق ظهرت أرض الجامع وأخطر مراد بك فجاء مسرعا يشهد بنفسه إخراج الصندوق ~~الحديدي كما أخبره الحبران، فوجد الصندوق وكان نصفه أحمر من الصدأ وإقفاله لا مفاتيح ~~لها، ولما كسر الصندوق وجد فيه بعض أوراق من الرق مكتوبة عليها آيات قرآنية بخط كوفي ~~على الطراز الذي كان يكتب به في عصر عمرو بن العاص. # وكان من حسن حظ الحبرين أنهما تواريا بين الجمهور وهربا قبل أن يظفر بهما مراد ms056 بك ~~الذي عندما عاد إلى القاهرة انتقم من اليهود بفرض ضريبة مضاعفة عليهم، وكان يجلد من ~~تأخر في دفع ما عليه.» # هذه رواية مارسيل، ولا ندري من أين جاء بها، كما أننا لا نتصور كيف يستطيع اختلاقها، ~~ونستغرب أيضا كيف لم يصل خبرها إلى مسامع الجبرتي وهو عائش في تلك الفترة من الزمن، ~~مختلط بالعلماء والمشايخ والأمراء والحكام واليهود والنصارى على السواء، ولعلها من ~~الإشاعات والحكايات التي كانت تروى للأجانب قبل الحملة الفرنسية وبعدها، ومن تلك ~~الأقاصيص، التي رويت عن مراد بك فيما كتبه كتاب الإفرنج ولم نجد لها أثرا في كتاب ~~الجبرتي، وهو العمدة الوحيدة في هذه الفترة حكاية مراد بك وكيف وجده أبوه بعد أن اختطف ~~من أحضانه طفلا، وبيع كغيره من المماليك، ثم ارتقى حتى سار شبه ملك في مصر، وهي حكاية ~~رواها «سافاري» في خطاباته الموجهة إلى شقيق ملك فرنسا، قبل الثورة الفرنسية في سنة ~~1779. # 17 # ولقد كان من الأمور الطبيعية أن طفلا يخطف من بين أحضان أمه وأبيه، ويباع بيع ~~الرقيق، فيصير مملوكا، لسيد من الأسياد، ثم ينهض به الجد الباهر، من فتى حقير، إلى ~~زعيم ثم أمير، وأخيرا يصل إلى السيادة على مصر كأنه يوسف الصديق، وكان من الأمور ~~الطبيعية أيضا أن يفكر هذا الولد في أهله وأمه وأبيه، ويفكر كيف يبعث إليهم فيحضرهم ~~ويبرهم، كما حدث ليوسف الصديق، حين دخل عليه أخوته وهم له منكرون. # وأما رواية «سافاري» التي رواها عن مراد بك وأبيه، فهي كما جاء في الخطاب الثالث ~~والعشرين سنة 1779 كما يأتي: # واختم هذا الخطاب يا مولاى بالرواية الآتية التي تريك أن حوادث يعقوب وولده ~~يوسف «عليهما السلام» تتجدد في هذه الديار، ففي العام الماضي حصل قحط عظيم أتى ~~على الحرث والنسل في الديار الشامية، وكان ثمت رجل طاعن في السن يقيم في ضواحي ~~دمشق، وضاقت الحال بهذا الرجل وعز عليه إطعام أولاده الصغار، وبينما هو يبيع في ~~أسواق تلك البلدة شيئا من بقايا متاعه ليبتاع بثمنه غذاء لأولاده، سمع ms057 القوم، ~~في القافلة القادمة بالأرز من دمياط، يتحدثون عن مراد بك وقهره لأعدائه، ودخوله ~~القاهرة ظافرا، ثم سمع منهم وصفهم لذلك الأمير ولأخلاقه، وخلقه، وطول قامته، ~~ولون عينيه، وخيل لذلك الرجل الهرم أنه يرى في تلك الأوصاف ملامح ولده الذي ~~اختطف منه وهو في سن الثانية عشرة من عمره، فصمم في الحال على السفر إلى مصر، ~~وفعلا سافر ووصل إليها، وقابل ولده المفقود، وتعرف به، ولا تسل عما دار بين ~~الولد وأبيه من ذكرى الماضي والحاضر، فحن إليه مراد وأجلسه إلى جانبه، وطلب ~~إليه أن يبعث في طلب أخوته في الحال، ودعا أباه إلى اعتناق الدين الإسلامي، ~~فاعتذر الشيخ، ثم بعد مدة رغب في العودة إلى بلده فأمده مراد بمبلغ طائل من ~~المال، وأرسله محفوفا بالإكرام والإجلال، إلى دمشق. ا.ه. # هذه رواية سافاري، وغريب أنها فاتت الجبرتي وهو معاصر لمراد بك!! وقد تكون من نوع ~~الإشاعات والروايات التي أشرنا إليها. # وسواء أصحت هذه الرواية أم لم تصح، فمن المؤكد أن هذا الحادث حصل مع علي بك الكبير في ~~سنة 1766. # ولما كان علي بك المشار إليه، رجلا استقل بملك مصر، وصار ملكا عليها وعلى الحجاز، ~~وعلى جزء كبير من البلاد السورية، فإن رواية كالتي سنذكرها عنه، جديرة بأن تدون في ~~صحائف التاريخ، خصوصا وأنه لا أثر لها مطلقا في أي مصدر من المصادر العربية، فقد روى ~~«ستافرو لاسنيان» الرومي مؤلف كتاب «ثورة علي بك» - ذلك الكتاب الذي سبقت الإشارة إليه ~~سابقا - الرواية الآتية بحروفها، قال: # 18 # وفي سنة 1766 بعث علي بك بأحد أمرائه الملقب طنطاوي بك - وهو أحد محاسيبه ~~الذي تقدم ذكرهم، وأحد الذين رقاهم إلى رتبة البكوية - إلى الآستانة مع ~~«الخزنة»؛ أي: الجزية التي كانت تدفعها مصر للباب العالي سنويا، وأمره أن ~~يرسل حين وصوله إلى الآستانة، رجلا موثوقا به إلى أماسيا «في الأناضول» ليبحث ~~عما إذا كان أباه وأمه لا يزالون في قيد الحياة، حتى إذا وجدهما كذلك يدعوهما ~~إلى السفر إلى الآستانة ليحضرا إلى مصر مع طنطاوي ms058 بك عند عودته، وقد قام طنطاوي ~~بك بتنفيذ إرادة مولاه فأوفد خازنداره إلى بلدة أماسيا، فوجد المدعو داود، والد ~~علي بك حيا # 19 # فأفضى إليه الرسول بمهمته، فسر الشيخ الهرم سرورا عظيما لعثوره ~~على ولده المفقود، وسرعان ما سوى مهامه وشئونه المنزلية وسافر مع الخازندار، ~~ومعه أصغر بناته وحفيد له، تاركا أكبر بناته في المنزل مع زوجها. # ووصل إلى الآستانة، في وقت انتهاء طنطاوي بك من مهمته، وفعلا حضر هو وابنته ~~إلى القاهرة بعد رحلة دامت أربعين يوما. # ووصلت البشائر إلى علي بك بمقدم والده، فخرج من المدينة ومعه كثيرون من ~~أتباعه لمقابلته، وحين رآه جثا على ركبتيه وقبل يديه. # ووصف الكاتب الفرح الذي استولى على الوالد وولده، ثم قال وبعد ذلك أم الجميع منزل علي ~~بك الكائن في الأزبكية # 20 # وتولى المماليك والأتباع غسل أقدام القس داود، ثم دخلوا به إلى الحريم، ~~وهناك قدم له بك علي زوجته مريم # 21 # قال المؤلف، وأقيمت الأفراح في المدينة وتلقى علي بك التهاني من البكوات ~~والأمراء، وأرسل الباشا والي الدولة، تهانئه مع كتخدائه، وأبدى رغبته في مقابلة الوالد ~~داود. # قال أيضا: ثم أقام داود سبعة أشهر في القاهرة وصمم على العودة إلى أماسيا، ولم تنفع ~~معه توسلات ولده بالبقاء، فسافر من مصر محملا بالهدايا النفيسة، وأقلته سفينة خاصة إلى ~~الآستانة، وصدرت الأوامر إلى كبوكتخدا مصر في الآستانة، ليقوم بما يلزم لترحيل داود إلى ~~بلده. # وأهم أنباء هذه الرواية هو أن علي بك بذل مجهودات كبيرة لدى والده لحمله على تزويج ~~أخته المسماة «يوهود» «كذا في الأصل» إلى محمد بك أبو الذهب ذلك الذي غدر به بعد، وكان ~~سبب نكبته وسقوطه من ذلك العرش الذي صعد إليه بهمته وكفاءته. # هذه الرواية موثوق بسندها أكثر كثيرا من رواية سافاري، عن مراد بك ووالده، وليس من ~~البعيد أن يكون سافاري قد سمع هذه الحكاية من أفواه الناس ونسبها إلى مراد بك ليفكه بها ~~مولاه شقيق ملك فرنسا!! # وكيفما كان الحال فإن هذه الروايات تضع أمام ms059 القارئ صورة صادقة، لنشأة أولئك المماليك ~~الآفاقيين الذين قضي على مصر بأن يتولوا حكمها، ويسيطروا على حياتها ووجودها ومستقبلها، ~~في ذلك الزمن العصيب. # ذكرنا أن مراد بك مات في سنة 1215ه/1801م، وأما إبراهيم بك فإنه بقي إلى ما بعد مذبحة ~~المماليك، على يد محمد علي باشا بالقلعة سنة 1811م، ومات في بلاد النوبة، وهذه رواية ~~الجبرتي عن وفاته قال في الجزء الرابع: # 22 # في وفيات سنة 1231ه: «ومات الأمير الكبير الشهير إبراهيم بك المحمدي «نسبة ~~إلى مولاه محمد أبو الذهب، مات بدنقله متغربا عن مصر، وكان موصوفا بالشجاعة ~~والفروسية، وباشر عدة حروب، وكان ساكن الجأش صبورا ذا تؤدة وحلم، قريبا للانقياد إلى ~~الحق، متجنبا للهزل إلا نادرا مع الكمال والحشمة لا يحب سفك الدماء.» # ثم ذكر سيرته مع مماليكه وتساهله معهم حتى داخلهم الغرور، وغرتهم الغفلة عن عواقب ~~الأمور، واستضعفوا من عداهم، وامتدت أيديهم لأخذ أموال التجار، وبضائع الإفرنج ~~الفرنساويين وغيرهم بدون الثمن مع الحقارة لهم ولغيرهم فكان هذا من الأسباب التي عجلت ~~بقدوم الحملة الفرنسية إلى مصر، أو كان من الأسباب التي توسلوا بها لغزو مصر. # وقد وصف «مارسيل» حالة مراد بك وإبراهيم بك قبيلة الحملة الفرنسية فقال في كتابه الذي ~~سبقت الإشارة إليه ما تعريبه: ~~«ساءت حالة مراد بك ولم يستطع مناوئة زميله إبراهيم بك وبقيت مراجل الغيظ والحقد تغلي ~~في نفس كل منهما، ولكن كان الأهالي يدفعون دائما النفقات اللازمة لرجالهما بوسائل ~~متنوعة، وضرائب شتى تضرب من وقت لآخر على سكان القاهرة، وسكان الأقاليم؛ لأن مراد بك، ~~وإبراهيم بك لم يكونا لينفقا إلا على سلب الأهالي، وسحق مصر، سواء أكانا غالبين أو ~~مغلوبين، في يديهما القاهرة، أو مطرودين منها إلى الصعيد. # وكان الغرض الوحيد الذي يرميان إليه هو الاستيلاء على أموال المصريين وبعد نضب معين ~~تلك الأموال، عمدا إلى التجار الأجانب لا سيما الفرنسيين في القاهرة ورشيد والإسكندرية، ~~فتحمل محل «فارسي» في رشيد ومحلات نيدورف وكاف، وهنريسي وبودوف # 23 # وبري ريال، في القاهرة، ما لا تطيقه نفس ms060 أحد، ووضعت عليهم ضرائب ناءوا ~~بحملها، ولم يجد تدخل الباشا شيئا، ولم تقابل الطلبات التي عرضت في الآستانة على ~~السلطان سليم الثالث إلا بالصمت والإغضاء، وكان ذلك سببا في استمرار الظالمين على ~~مظالمهما؛ إذ أدركا عجز الباب العالي عن ردعهما. # ولما بلغت الأمور حدها، وعيل صبر التجار الفرنسيين، أرسلوا عريضة إلى حكومة الدير ~~كتوار في الجمهورية سنة 1795 فأحالتها على القنصل «ماجلون»، ولم يهتم مراد بك بالرد على ~~عرائض القناصل الأوروبيين إلا بتشديد الحملة على التجار، بل أراد فوق ذلك أن يدمر ~~محلاتهم في القاهرة ويعطل تجارتهم.» ~~••• # تلك كانت حالة مصر كما وصفناها بإسهاب قبيل الحملة الفرنسية، وهكذا كانت أخلاق الرجال ~~الذين يحكمونها عند وقوع ذلك الحادث الجلل، في تاريخ السياسة والجنس البشري ومصر بنوع ~~خاص، وأعني به قدوم نابوليون بونابرت لفتح مصر، بل لفتح أبوابها إلى العالم الأوروبي، ~~والسياسة الاستعمارية، والمدنية الغربية أيضا. # وتلك كانت هي الأسباب السياسية والتاريخية التي جرت بسلسلتها الطبيعية إلى الاحتلال ~~الفرنسي. # وسنأتي في الجزء الثاني من هذا الكتاب على الأسباب التي ساقت فرنسا، والسياسة ~~الأوروبية، إلى فتح باب المسألة المصرية، في اللحظة الأخيرة من القرن الثامن عشر، وفي ~~مستهل القرن التاسع عشر. # | هوامش # الفصل الثاني # | تاريخ فكرة الحملة الفرنسية على الديار المصرية # لا بد لنا قبل الكلام على الحملة الفرنسية؛ وما تم على يديها، وما حصل لها في هذه الديار ~~المصرية، أن نفرد فصلا خاصا للأسباب التي حملت حكومة الجمهورية الفرنسية، على القيام ~~بهذه الحملة، في الوقت الذي كانت فيه تلك الإدارة الفرنسية، مبغوضة ممقوتة من جميع دول ~~أوروبا المعتبرة في ذلك الحين، حتى إنها كانت في الحقيقة في حرب مع النمسا وجمهوريات ~~إيطاليا، «وإن يكن نابوليون قد أخضع هاتين الأخيرتين» وعداوة مستحكمة مع الروسيا، وحرب ~~مستمرة مع إنكلترا، هذا فضلا عن أن الجمهورية الفرنسية، لم يكن قد توطدت بعد أركانها، أو ~~ثبتت دعائمها. # قد يقال لنا إن هذا فصل من تاريخ فرنسا، وعلاقاتها بالدول الأخرى، وأن لا شأن له في تاريخ ~~مصر، الذي ms061 هو الغرض من هذا الكتاب، ولكن اعتراضا كهذا لا يصدر إلا عن نظر سطحي؛ لأن الوقوف ~~على حقيقة مركز مصر في السياسة الأوروبية، وعلاقة هذا المركز بالحركة الاستعمارية، التي ~~قامت بها أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر، وأوائل التاسع عشر، لا يكون إلا بمعرفة ~~المصريين الأسباب التي دفعت فرنسا إلى فتح الديار المصرية، ثم إن إدراك العوامل التي حاربت ~~فرنسا في مصر، وأجبرتها على الجلاء عن هذه الديار، بل وفهم الحوادث التي سنأتي عليها في هذا ~~الجزء من كتابنا، وفيما وقع من اتفاق الدولة العثمانية مع إنكلترا، والقضاء على كل أحلام ~~نابوليون والفرنسيين كافة في الشرق، لا يكون إلا بفهم الأسباب التي حملت فرنسا للغارة على ~~وادي النيل. # وإننا مع ما نعلمه من صعوبة هذا البحث، والتحقيق التاريخي بشأنه، لم نر بدا من الخوض ~~فيه، مع أنه قد كان في إمكاننا التجاوز عنه، وصعوبة هذا البحث لا ترجع لقلة المواد أو ~~لتشتتها، أو لغموضها، فهي هنا أكثر وضوحا وجلاء من البحث السابق، عن مصر قبل الحملة في ~~المقدمة، والمصادر التي يرجع إلى الأخذ عنها كثيرة، وقد وضع فيه الكتاب الفرنسيون فصولا ~~طويلة، بل وضعت له كتب خاصة وأحسنها وأوفاها كتاب «أسباب الحملة الفرنسية على مصر» # 1 # تأليف «شارل رو» وهو كاتب بحاثة كان موظفا بوكالة فرنسا السياسية في القطر ~~المصري، وكتابه هذا متوج برضاء الأكاديمي الفرنسية، ولكن صعوبة هذا البحث ليست في قلة ~~مواده، ولكن في اختصاره ووضعه في الصيغة اللائقة المتناسبة، مع قيمة الحوادث في هذا الكتاب، ~~وصعوبته أيضا ترجع إلى أن قراء العربية في حاجة إلى إيضاح أمور لم يدرسوها، ووصف رجال ~~كثيرين لم تسبق لهم معرفة بتاريخهم، هذا فضلا عن ضرورة إيقاف قراء العربية على مختصر من ~~تاريخ نابوليون، وعلاقته بحكومة بلاده ورجال السياسة الذين كان لهم شأن في فكرة الحملة ~~الفرنسية على مصر، وهذا المطلب وحده كان جديرا بأن يلوي عنان الكاتب ويرد منه الطرف ~~حسيرا. # ولكنا وقد وطدنا العزم على تأدية هذا الواجب، فلن نرجع ms062 حتى نجول فيه جولة بقدر المستطاع، ~~فإن وفيناه حقه فهو غاية المرام، وإن قصرنا فيكون ما نضعه في هذا الباب أساسا يبني عليه من ~~يكتب بعدنا فيه، ممن هم أغزر مادة وأفصح بيانا، ولن يذهب باجتهاد المجتهد أنه لا ~~يصيب. # كانت مصر منذ القدم، ولا تزال إلى يومنا هذا، عروس الشرق، وخريدة عقد للعالم المتوسط، ~~ولذا كانت دائما مطمح أنظار الدول التي يقوى شأنها في هذه الدنيا، ولو كانت مصر هذه بنيلها ~~وأرضها الخصبة، وأهلها الذين سلس قيادهم، وسهل حكمهم، في مكان غير مكانها الجغرافي الذي هي ~~فيه، كأن تكون في آسيا أو في أمريكا مثلا، لما تطلعت إليها الأنظار، ولما تسابق نحوها ~~القواد العظام، والدول العظيمة الشأن؛ لأن ثروة مصر الطبيعية القاصرة على الأرض والزرع، ~~ليست في حد ذاتها مما يبعث على الطمع والجشع، فكل ما يخرج منها يكفي لأبنائها، ولكن وجودها ~~على مفرق الطرق، وملتقى أشعة العالم، وكونها «الطريق السلطاني» لمتاجر الشرق والغرب، هو ~~الذي جعل لها هذه الأهمية، ووجه إليها المطامع منذ القدم وإلى اليوم. # فلذلك لم يكن غرض الاستيلاء على مصر، في كل الأوقات، موجها لها بالذات، بل كثيرا ما كان ~~للقضاء على نفوذ دولة من الدول، أو عرقلة لنمو أمة من الأمم، ولا شأن لنا أن نضرب على هذه ~~النظرية الأمثلة من التاريخ القديم؛ إذ تكفينا حوادث القرن الماضي وما تقدمه، للتدليل على ~~ما نقول ، وخصوصا فيما نحن بصدده من تاريخ الحملة الفرنسية على مصر، فإن تاريخ هذه الفكرة ~~يرجع إلى عهد أبعد، حين لم يكن يحلم أحد فيه بالثورة الفرنسية، أو جمهوريتها، ولا نابوليون ~~وفتوحاته، وإمبراطوريته. # فقد كان ليبنتز # Leibnitz # 2 # أول من فكر في ذلك؛ إذ كان لويس الرابع عشر في سنة 1672 يحارب بلاد الفلمنك ~~«هولانده» التي كان لها في ذلك العصر نفوذ كبير، ومستعمرات ومتاجر واسعة في الشرق والغرب - ~~تلك المستعمرات التي من بقاياها الآن صومترا وجلوه الإسلاميتان - فكتب ذلك الرجل الكبير إلى ~~لويس الرابع عشر يقول: «إذا كان مولاي يريد ms063 القضاء على جمهورية هولاندة فأحسن وسيلة لذلك هي ~~ضرب هذه الأمة في مصر هناك حيث يوجد طريق الهند، وحيث يمكن تحويل التجارة الهولندية إلى ~~طريق مصر.» # ثم لما قويت سلطة روسيا، وامتد رواق فتوحاتها على المماليك العثمانية، في أواخر القرن ~~الثامن عشر؛ أي: في الوقت الذي حاول علي بك الكبير الاستقلال بملك مصر، خافت فرنسا من ~~استيلاء الروسيا على الآستانة، وتمزيق شمل الدولة العثمانية، فارتأت حكومة لويس السادس عشر، ~~قبل الثورة الفرنسية، ببضع سنوات، أن تحتل مصر غنيمة لها من ميراث الدولة العثمانية، وفي ~~هذا الصدد قال مسيو ده سارتين # M. de. Sartine # وزير البحرية ~~إذ ذاك، في مجلس الوزراء: # إن احتلال مصر هو الطريقة الوحيدة لحفظ تجارتنا في البحر الأبيض، ومتى توطدت ~~قدمنا في مصر صرنا أصحاب السيادة على البحر الأحمر، وصرنا نستطيع أن نهاجم إنكلترا ~~في الهند، أو ننشئ في تلك الأصقاع متاجر ننافس بها الإنجليزي ... إلخ. # ووافق هذا الرأي حكومة لويس السادس عشر فأوفدت في سنة 1777 لمصر البارون ده توت # Baron de Tott # 3 # بدعوى أنه قادم لعمل مباحث فلكية وعلمية «لأكاديمي العلوم»، ولكنه كان مكلفا ~~بعمل خرائط لشواطئ مصر وسوريا وجزر اليونان وجزيرة كريد أيضا، وكلف بنوع خاص أن يدرس ~~النقطة الواقعة من ساحل مصر، بين الإسكندرية وأبي قير، ومعرفة أي نقطة تصلح لإنزال الجنود ~~إلى البر، وكان معه ضابط من البحرية لقياس عمق النقط المجاورة للساحل ليعرف ما يصلح منها ~~لسير السفن، وكلف «سوتيني» الذي سبق ذكره، أو آخر بالسفر إلى السويس لمثل تلك المباحث ولرسم ~~خريطة عن مدينة القاهرة في أثناء مروره بها، وقد فعل ذلك كله في الوقت الذي كان فيه مراد بك ~~وإبراهيم بك يتطاحنان مع إسماعيل بك، أحد مماليك علي بك الكبير، الذي ولي مشيخة ~~البلد! # قال المؤرخون الفرنسيون: ومرت بضع سنوات لم توطد فيها حكومة لويس السادس عشر العزيمة على ~~تنفيذ ما صممت عليه، حتى كانت سنة 1781 كتب الكونت ده سان ~~بريست # Saint-Priest # سفير فرنسا في الآستانة يستحث ms064 حكومته على فتح مصر، وقد ورد في كتاب ~~السفير المشار إليه قوله: «إن الروسيا قد صارت على مقربة من القسطنطينية، وربما استطاعت أن ~~تقضي على تركيا في أوروبا # 4 # قبل أن تستطيع دولة ما مساعدتها، فعلى فرنسا أن تسرع في احتلال مصر التي لا ~~تكلف فرنسا صعوبة؛ لأن مصر خالية من أي تحصين ما، ولأنه لا يوجد فيها من الجيوش أكثر من ~~خمسة أو ستة آلاف مملوك، لم يقفوا في ميدان حرب منظمة، وليس لديهم مدفع واحد، وفعلا صممت ~~الحكومة على تنفيذ هذه السياسة، وأعدت ثمانية وعشرين ألف جندي لهذه الحملة، وجهزت السفن ~~لنقل هذه القوة إلى الإسكندرية وأبي قير ودمياط.» # وكانوا يعتمدون على مساعدة المسيحيين العديدين المقيمين في القاهرة وفي الوجه القبلي ~~والذين يتولون إدارة الأعمال للبكوات، # 5 # ولكن حوادث الحرب في أمريكا عطلت سفر هذه الحملة، ثم قامت الثورة الفرنسية على ~~قدم وساق وسقطت الملكية وسالت الدماء أنهارا في باريز، فأهمل شأن مصر وغير مصر. # ويظهر مما تقدم أن فكرة احتلال فرنسا لمصر قديمة، وقد ظهر جليا من المستندات العديدة أن ~~سافاري وسونيني لم يكونا سائحين فقط، بل كانا من رسل الحكومة الملكية في باريس، وفي رسائل ~~سافاري ما يثبت جليا أنه كان يحرض حكومة فرنسا على احتلال مصر، فقد ورد في إحدى رسائله قوله: ~~«لو أن في مصر حكومة عادلة وتوجهت نية هذا الشعب المصري الذكي إلى خدمة أرض مصر ~~الخصبة، فأي جوخ ينسج من صوف أغنام مصر الجميل، وأي قماش يعمل من كتانها الناعم، ~~وأي أقمشة تصنع من قطنها بنوعيه، # 6 # وأي حرير ينسج من نتاج دود القز الذي ينمو في بلد كهذه، صافية لا مطر ~~فيها ولا غمام؟؟ وأي خير لا يجنى إذا حفرت الترع، وأقيمت الجسور لجعل الأرض صالحة ~~للزراعة؛ وهي التي دفنت ثلثها الرمال؟ وأي نجاح لا يناله الإنسان إذا بحث عن مناجم ~~الزمرد الذي قال أنه يوجد في تربة هذه البلاد؟؟» ا.ه كلام سافاري. # ثم قامت الثورة الفرنسية وتأجج لهيبها، وأكلت بعضها ms065 حتى بدأت نارها في الخمود، وعلا نجم ~~نابوليون بونابرت بعد انتصاراته في شمال إيطاليا وقهره للنمسا، ففكر في الغارة على مصر ~~للأسباب التي سنأتي عليها. # وهنا يلزمنا أن نأتي على خلاصة موجزة من تاريخ حياة نابوليون لكي يقف القارئ العربي على ~~قيمة الرجل الذي قدم لفتح مصر، وكانت له فيها حوادث أشبه بالقصص الروائية، منها بالحقائق ~~التاريخية. # ذلك الرجل الذي جالس علماء الأزهر وناقشهم في الأديان، وشرب معهم القهوة جالسا القرفصاء ~~مثلهم على الوسائد والحشايا، ودخن التبغ مثلهم في الشبكات، حتى ارتدى اللباس العربي مثلهم، ~~وشهد مع المصريين حفلاتهم في مولد النبي، وفتح الخليج، وتناول في شهر رمضان الطعام على ~~الموائد الشرقية، في منزل السيد البكري، والسيد السادات، ولقبوه في مصر بالسلطان الكبير، ~~وكان يذكره الجبرتي في كتابه باسم «ساري عسكر الفرنسيس بونابارته». ~~••• # إن مجرد ذكر «نابوليون بونابرت» يجلب أمام مخيلة الذين وقفوا على شيء من التاريخ تصورات ~~كثيرة، وخيالات كبيرة، من ذا الذي لم يسمع باسم هذا الرجل العظيم الذي ملأ الدنيا بذكره حتى ~~دوى صيته في الخافقين، ولا يزال يرن صدى هذا الدوي في الآذان، وسيبقى كذلك ما دام على سطح ~~هذه الكرة الأرضية إنسان! نابوليون بونابرت، ذلك الفتى الذي صعد من التراب، إلى السحاب، ~~فارتقى من ضابط صغير فقير، إلى قمة أكبر عرش في العالم ... نابوليون ذلك الرجل القائد الذي ~~دوخ أوروبا بأسرها، وركعت له القياصرة وسجدت له الملوك!! # الكلام على هذا النمط لائق بالشعراء، وذوي الخيال، وليس أفصح، ولا أغلى قيمة في البلاغة، ~~من مقال السيد توفيق البكري - حفيد البكري الذي جالس نابوليون في منزله - عن نابوليون ... تلك ~~الدرة اليتيمة التي كتبها السيد توفيق البكري عند زيارته لمقبرة البانتيون، وهي منشورة في ~~كتابه «صهاريج اللؤلؤ». # وإنما يليق بنا في مقام التاريخ أن ننزل من ذروة الشعر والخيال، إلى أرض الحقيقة الجامدة ~~والحوادث البارزة الباردة، فنقول: # ولد نابوليون في 15 أغسطس سنة 1769 «وفي نفس هذا العام ولد محمد علي مؤسس العائلة ~~العلوية» في مدينة أجاكسيو من ms066 أعمال جزيرة كورسيكا، من أب اشتهر بالإقدام والوطنية، والميل ~~إلى الشعر والفصاحة، ومن أم كانت مثال الكمال والإخلاص، وحسن الأحدوثة وطيب الخلق، ولقد ~~وصفها باولي Paoli # 7 # في سنة 17936، بأنها امرأة جديرة بأن تلد الأبطال، وكان أهل الجزيرة مشهورين ~~بالشجاعة، وحب الحرية، حتى طالبوا بها في ثورات اشتركت فيها أم نابوليون، وهي حامل فيه، وفي ~~أهل كورسيكا كثير من صفات العرب الغرباء من حيث الكرم والشجاعة والصبر على المكاره، والتمسك ~~بأهداب الحرية، ومن هذا العنصر ولد نابوليون العظيم. # لما بلغ نابوليون التاسعة من عمره أرسله أبواه في 15 ديسمبر سنة 1778 إلى «أوتون» # Autun # في فرنسا لتلقي العلوم ودراسة اللغة الفرنسية، ~~وكانت أمه لا تحسن الكلام بهذه اللغة فبقي في فرنسا نيفا وسبع سنوات متوالية لم تقع فيها ~~عينه على وطنه، ولما عاد إلى مسقط رأسه في سبتمبر سنة 1786 - أي: قبل قدومه لمصر قائدا ~~عظيما بنحو اثنتي عشرة سنة - كان عمره سبعة عشر سنة، وقد سار ملازما ثانيا في الطوبجية، ~~قال المؤرخون الذين لم يتركوا شاردة ولا واردة، من حياة نابوليون سواء وهو طفل على مكتبه، ~~أو إمبراطور على أريكته: إن نابوليون لما كان تلميذا بمدرسة بريين # Brienne # كان يشعر كأنه غريب بين أقرانه؛ لأنه لم يكن فرنسيا، وكان ~~التلامذة يحتقرونه للهجته الأجنبية، ولعدم انتسابه إلى الأسر العريقة في النسب، وفوق ذلك ~~لضيق ذات يده أيضا، فكان ذلك من أدعى الأسباب إلى تكوين نفس الفتى، وعدم اشتغاله باللهو، ~~وانفراده بذاته، في غدواته وروحاته، ونار المطامع تتأجج في صدره، وتسري في شرايين جسمه، ~~وتأكل في خلايا قلبه، وكان ميالا إلى العلوم الرياضية أكثر من سواها، وكانت رسائله التي ~~يبعث بها إلى أبويه، وهو في سن الثالثة عشرة، والرابعة عشرة، تدل على نمو عقل، ورجاحة فكر، ~~حتى قال عنه أحد كتاب الإنجليز المدققين: # 8 ~~«ولقد يخيل لنا أن نابوليون لم يكن أبدا صغيرا.» # ولقد أدرك هذا الفتى في صغره أن الجندية كحرفة، هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن بها الوصول ~~إلى إدراك ms067 المعالي، وأن القواد العظام الذين أحسنوا الاستفادة من ظروفهم، هم الذين استطاعوا ~~قلب الممالك، وثل العروش، وليس التيجان، فلذلك كان شغفه بالتاريخ والجغرافيا عظيما حتى لقد ~~كان يخيل لنفسه بنفسه أنه واحد من أبطال بلوتاركه. # 9 # وكانت نيران الثورة الفرنساوية في ذلك الحين تتأجج في أتونها، ولم يكن تمث قد اشتمل ~~لهيبها، وعلا شرارها، ولا بأس من أن نقول هنا لفائدة القارئ العربي، أن تلك الثورة الهائلة ~~التي فكث العالم من أغلال الاستبداد، وغيرت كثيرا في أصول الاعتقادات القومية والدينية في ~~أوروبا، لم تكن بنت ساعتها، بل هي من نفثات أقلام الكتاب الفرنسيين من نهاية القرن السابع ~~عشر، إلى نهاية القرن الثامن عشر: أولئك الكتاب الذين فتقوا ذهن الأمة، وفتحوا عيون الشعب ~~إلى أن النظام الذي كانوا يعيشون تحت سلطانه، نظام استبدادي وأن معتقداتهم التي يرضخون تحت ~~نفوذها، معتقدات قائمة على أسس واهية، وأنها لا تحتمل التحليل والبحث في ضوء العقل والقياس ~~المنطقي، وقائد هذه الكتيبة في ساحة الوغى، الكاتب الفرنسي العظيم «فولتير» بذلك القلم ~~الساحر، والأسلوب الباهر، ومن هذه الآراء تغذى عقل نابوليون في مطالعاته مدة سبع سنين قضاها ~~في الجيش، حتى نشأ جاحدا للأديان، متسع الفكر واسع الصدر. # واندلع لهيب الثورة في سنة 1789 ففتحت لنابوليون أبواب الرقي، وأسباب النهضة لإدراك ما ~~صورته له مخيلته من أمانيه وآماله، فكان أول خاطر قام بنفسه قيادة الثورة في جزيرته، ~~لتحريرها من رق فرنسا، وفعلا سافر إلى كورسيكا وتولى قيادة فرقة من الثائرين، إلا أن ~~الحكومة التي وجدت في باريس، أعلنت من تلقاء نفسها في «30 نوفمبر سنة 1789» استقلال الجزيرة ~~وجعلها مملكة منضمة إلى الجمهورية الفرنسية، فغير ذلك في خطته وعاد إلى باريس وهو شديد ~~التحمس للثورة، ولكن لم تأت سنة 1792 حتى بردت نار حماسته وميله لزعماء الثورة، وذلك لما ~~رآه من ارتكابهم للفظائع، وإهراقهم الدماء، فقد كان حاضرا صيف ذلك العام هجوم الثوار على ~~قصر التوياري في 20 يونيو، وكذلك ذبحهم لجنود الحرس السويسري في 10 أغسطس، وكانت هذه ms068 ~~المناظر تؤلم فيه فكرة النظام العسكري، حتى قال «لبوريين» # Bourienne # صديقه، وسكرتيره بعد ذلك، «كيف تسمحون لهؤلاء ~~الغوغاء بارتكاب هذه المساوئ، ولماذا لا يكتسحون منهم أربعمائة أو خمسمائة بالمدافع فيفر ~~الباقون إلى بيوتهم؟!». # ثم عاد في نهاية ذلك العام إلى جزيرته برتبة كابتن «يوزباشي» وحصلت بين أسرته وبين ~~«باولي» وأنصاره منازعات أدت إلى مهاجرة أسرة نابوليون إلى قرية بجوار طولون في فرنسا، ~~وكانت إنجلترا قد أعلنت العداء على الحكومة الجديدة في فرنسا، وجمعت حولها ممالك النمسا ~~وروسيا وأيدتها بالمال، واستردت بلجيكا حريتها من تحت سلطة فرنسا، وطردت الجنود الفرنسية من ~~«كونده» و«مينس» «وفلنسين» وهددت قلب فرنسا، وكذلك احتلت طولون على البحر الأبيض المتوسط، ~~فكانت تلك الحوادث سببا لأن تحرك عوامل الغيظ في قلب نابوليون ضد خصوم بلاده فمال إلى ~~زعماء الثورة، وانضم إليهم قلبا وقالبا، واندمج في جيش الجمهورية المحارب لطولون «في 16 ~~سبتمبر 1793» بوظيفته قومندان الطوبجية، وهنا ظهرت مواهب نابوليون الحربية؛ إذ استطاع ~~بنبوغه العسكري، وبما درسه في فن الطوبجية وهندستها، وعلوم الحرب الحديثة، من طرد الإنكليز ~~والاستيلاء على طولون في «19 ديسمبر 1792» فكافأته حكومة الجمهورية بترقيته إلى رتبة جنرال، ~~ولكن بعد سقوط حكومة روبسبير # Robespiere # الذي كان نصيرا ~~لنابوليون، استدعى نابوليون إلى باريز وألقي في غياهب السجن، ولكن ظهرت براءته من التهمة ~~التي وجهها أعداؤه إليه، وبعد حوادث، وتقلبات لا دخل لها في موضوعنا، ضاق صدره من أعمال ~~حكومة فرنسا وشطب اسمه من قائمة الجنرالات، وعول على الذهاب إلى الآستانة ليتولى تدريب ~~الطوبجية العثمانية، ولكن نجم سعده الآخذ في الصعود خدمه، كما خدمه سنين طويلة مقبلة ... ذلك ~~أنه حدثت ثورة في باريس قام فيها نحو ثلاثين ألف من الحرس الأهلي # Guarde Nationale # ضد حكومة الكونفنسيون، التي لم يكن لها من القوة أكثر من ~~خمسة آلاف، وكانت الحكومة قد اختارت براس # Barras # قومندانا ~~لجيش الحكومة في باريس، ولما لم يكن «باراس» من رجال العسكرية، وكان صديقا لنابوليون ~~محبا له اختاره لقيادة الحامية، والدفاع عن العاصمة، فتمكن هذه المرة بمهارته ms069 من قهر ~~أعداء الحكومة وحماية العاصمة، قال المؤرخون الثقاة: إنه لولا مهارة نابوليون في وضع ~~المدافع وتصويبها على النقط التي اجتمع فيها الثائرون، لسقطت الحكومة، ولوقعت فرنسا من جديد ~~في دور الفوضى والخراب، وكافأت الحكومة نابوليون بتوليته قيادة جيش الداخلية، وبذلك دوى اسم ~~نابوليون من هذا التاريخ في جوانب فرنسا، وذاع صيته في البلاد. # في هذا الوقت، وقت لمعان شهرته، وقع في حبائل غرام سيدة على جانب عظيم من الجمال والرقة ~~وهي «جوزفين بوهارنيه» وكانت أرملة للمركيز إسكندر بوهارنيه أحد الجنرالات الذين سقطوا ضحية ~~لآلة القتل في الأيام الأولى من الثورة، فاقترن بها «9 مارس سنة 1796» وكان قبل هذا التاريخ ~~بيومين، قد عين قائدا للجيش الذي جهز لفتح إيطاليا ومحاربة النمسا اللتين كانتا متحالفتين ~~مع إنكلترا ضد فرنسا، فلما تولى نابوليون قيادة الجيش كان فيه من القواد من هم أكبر منه ~~سنا، ولكن لم يكونوا أعلم منه بفنون القتال، فلما رأوه، ولم يكونوا من قبل قد عرفوه إلا ~~اسما، ورأوا منه فتى في الخامسة والعشرين من عمره، ضئيل الجسم، قصير القامة، ناحل البدن، ~~ورأوه كذلك يحمل صورة عروسه ويكثر من النظر إليها، ويريها للضباط معه ظنوا أن ترقيته لهذا ~~المركز الكبير، راجعة إلى المحسوبية ولنفوذ النساء؛ ولكن كما قال الجنرال ماسينا # Masséna ~~: «ما كاد يضع على رأسه قبعة الجنرال حتى خلناه قد ~~طالت قامته شبرين، وأخذ يسألنا عن مواقع فرقتنا، ويستفسر عن القوى الفعالة في كل فيلق من ~~الفيالق، ثم ألقى إلينا الأوامر، وأعلن أنه سيستعرض الجيش غدا، ويهاجم العدو بعد غد ... ~~فعرفنا أن هذا ليس بفتى، ووثقنا من أنه قائد عظيم.» # وتوالت انتصارات نابوليون في شمال إيطاليا والنمسا ، وطبقت شهرته الخافقين فالتف به القواد ~~العظام، وأعجب به إلى درجة التقديس ناشئة الضباط، ورجال المستقبل، ولقبته أوروبا بها نيبال ~~الثاني، لما أتى على يديه من المعجزات في فنون الحرب، واستفاد نابوليون من تجاربه في هذه ~~الحرب، ومن مناطحته لرجال السياسة وكبار دهاة الحرب في النمسا، ما ساعده كثيرا في مستقبل ms070 ~~حياته الباهرة. # ولما تم له الفوز كما أراد، وأرادت فرنسا عقد مع النمسا صلحا في 17 أكتوبر سنة 1717 سمي ~~«صلح كامبو فورمبو» نسبة إلى البلد التي تم فيها، وأعادت فرنسا تحت رايتها بلجيكا وحدود ~~الرين، ومحت جمهورية البندقية من صحيفة الوجود، بعد أن عاشت عصورا طويلة محتكرة تجارة ~~الشرق بسبب علاقاتها بمصر، ولطالما حاربت الدولة العثمانية في مواقع بحرية أشهرها واقعة ~~«ليبانت» المشهورة في أكتوبر سنة 1571 ... ولم يمض على عقد ~~هذه المعاهدة عشرة شهور حتى كان نابوليون بجيشه في أرض مصر. # بقي علينا، قبل الانتقال بهذا القائد العظيم إلى حملته على مصر، وبيان الأسباب التي دعت ~~إلى هذه الحملة، والأغراض التي قامت بنفسه هو، أن نقول كلمة موجزة في تعليل فوز هذا الرجل ~~تمهيدا لمعرفة القوة الحربية الجديدة، التي داهم بها المماليك في مصر فنقول: أجمع الباحثون ~~المدققون على أن فوز نابوليون الباهر السريع في شمال إيطاليا والنمسا، راجع إلى أن الفن ~~العسكري كان قد دخل في طور جديد في خلال القرن الثامن عشر، بسبب الاختراعات العديدة التي ~~أدخلت على البنادق والمدافع، ففي سنة 1720 أدخل على البندقية تحسينات بحيث سار في إمكان ~~الجندي أن يطلق منها عدة طلقات في الدقيقة الواحدة، ثم اخترع للميدان مدافع أخف حركة وأسهل ~~في النقل، وأخيرا في سنة 1765 اخترع جريبوفال # Gribeauval # أحد ضباط جيش لويس السادس عشر بطارية ميدان تجمع بين أكثر مما يجمع من القوة مع أخف ما يمكن ~~من صعوبة النقل، ثم قال الأستاذ فيشر في كتابه عن نابوليون وارتقاه الفن العسكري ما ~~تعريبه: # ونتيجة هذا كله، ليست فقط أن المدافع صارت لها أهمية جديدة في الحرب، وأصبحت لأول مرة ~~عاملا ضروريا في القتال الذي تقوم به المشاة، بل كانت النتيجة أيضا، أن تغير الفن ~~الحربي بحذافيره فاستطاعت الجيوش الآن أن تنقسم إلى فرق، والفرقة إذا حلت في مركز موافق ~~لها، تستطيع أن تدافع عن نفسها تلقاء قوة متفوقة عنها، أو على الأقل تستطيع أن تقاتل حتى ~~تحرز السلامة ms071 بواسطة قتال يقوم به القسم المعد لحمايتها في المؤخرة، ولهذا صارت أهم مسألة ~~متعلقة بالفن الحربي، أن يبحث الباحثون عن الكيفية التي يستطاع بها الاستفادة كل الاستفادة، ~~من القوة الجديدة التي تكون لقسم مرن يستطيع التحول من جهة إلى أخرى، في ساحة واسعة، وتعلم ~~القواد كيف يقذفون بالفصائل والشراذم المؤلفة من الجنود المعدة للمناوشات، وكيف يبعثون إلى ~~القتال بالفرق التي كانت مرابطة في بقاع ثانية في الخريطة الحربية، والخلاصة أن نابوليون ~~بونابرت استفاد من الانقلابات في الفن العسكري، وكان أول من استخدم هذا التطور بمهارة ~~ونبوغ، فأدهش العالم وساد عليه فترة من الزمن طويلة. # ونعود الآن إلى فكرة الحملة الفرنسية على مصر فنقول: # لما تم لفرنسا بواسطة نابوليون الظفر على أعدائها لم يبق لها من الدول المنافسة المعادية ~~سوي إنجلترا العدوة اللدودة التي حركت الضغائن في نفوس الأمم الأخرى، وجمعت حول فرنسا، ~~بواسطة أموالها ودهاء رجالها نطاقا حديديا من الدول النافرة، حتى بلغ عددها في وقت واحد ~~ست دول، فكان أول خاطر قام في نفس نابوليون هو محاربة إنجلترا بقطع طريق متاجرها الهندية، ~~وذلك بالاستيلاء على مصر. # روى المؤرخون أن نابوليون في أثناء مخابرات صلح كامبوفورميو، كان يجمع قواده في حديقة ~~«باسيريانو» Passeriano # في شمال إيطاليا، ويصور لهم فتح ~~مصر، واتخاذ هذه الديار قاعدة حربية لإرسال قوة كبيرة إلى الهند، للقضاء على سلطة إنجلترا ~~فيها، وفي الوقت نفسه كتب إلى حكومة فرنسا رسالة مطولة يشرح فيها أهمية الحملة على مصر، من ~~وجوهها السياسية والحربية والتجارية وقد نقل مسيو ديزيه ~~لاكروا # Desiré Lacroi # في كتابه الذي وضعه عن بونابرت في مصر، من محفوظات وزارة الخارجية ~~بباريس خطابا مطولا بعث به إلى تاليران # Talleyrand # وزير ~~الخارجية في 13 سبتمبر سنة 1797 نقتطف منها العبارة الآتية: ~~«إذا قضى علينا الصلح مع إنجلترا بالتنازل عن رأس الرجاء الصالح فلا بد لنا من أن ~~نعتاض عنها بالديار المصرية، التي لم تقع أبدا في حيازة دولة أوروبية، نعم كان ~~للفينسين «البندقيين» فيها نفوذ منذ بضع قرون، ms072 ولكنه كان نفوذا مزعزعا، وفي ~~استطاعتنا بإرسال خمس وعشرين ألف جندي للاستيلاء على تلك الديار، وعندي أن مصر ليست ~~تابعة الآن للدولة العثمانية، وأرجو من مواطني الوزير # 10 # عمل التحريات اللازمة للوقوف على ما يحدثه احتلالنا لمصر من الأثر على ~~حكومة جلالة سلطان تركيا، وأن جيشا كجيشنا الذي يستوي عنده جميع الأديان، يتساوي ~~لديه المسلمون والأقباط والأعراب والوثنيون على السواء ... إلخ.» # فأجابه «تاليران» بخطاب مؤرخ 23 سبتمبر قال فيه: إنه موافق على فكرة الحملة على مصر التي ~~يعوض احتلالها على فرنسا، خسارتها في جزائر الأنتيل # 11 # وتفتح لنا طريق التجارة للهند ... إلخ. # ويظهر أن عقارب الحسد لنابوليون دبت في نفوس أعضاء الحكومة الجمهورية في ذلك الوقت، ~~فخافوا من اتساع شهرته، ومن مكانته في قلب الجيش الذي يقوده، ولا يبعد أنه يكون قد خيل لهم ~~في ذلك الوقت أن نابوليون، بما أصبح له من المحبة لدى الشعب الفرنسي، وما يلتف به من الجنود ~~والقواد، قادر على أن يضع يده على السلطنة في باريس ويستبد بالملك «كما فعل فعلا» ولا يبعد ~~أن تكون هذه الأفكار قد مرت بمخيلة نابوليون، لما رأى من القابضين على زمام الحكومة الرغبة ~~في فصله عن جيشه، الذي أحبه وحارب تحت قيادته، ولكنه كان حكيما فنظر إلى فرنسا وقال - كما ~~روى يوريين في مذكراته - «إن الثمرة لم تنضج بعد.» # رأت الحكومة في باريز فصله من جيش إيطاليا، وأصدرت أمرا بتعيينه قائدا عاما لجيش ~~إنكلترا «أي: الجيش الموجه لمحاربة إنجلترا» وبعد يومين من صدور هذا الأمر، أصدرت الحكومة ~~المركزية في باريس أمرا آخرا بانتدابه سفيرا مفوضا من قبل الجمهورية الفرنسية لمؤتمر ~~راستاد # Rastadt # مع مندوبين آخرين قال أحد المؤرخين: ~~ولم يكن يخفى على ذكاء نابوليون أن هذا الانتداب إنما يراد به إبعاده عن جيشه ، وأن حسد رجال ~~الحكومة لشهرته هو الذي حملهم على إرساله في مهمة وهمية، ولكن نابوليون مع هذا كان أحكم من ~~أن يظهر لهم تذمره من هذا النفي السياسي، وهو في الوقت بعينه كان يفكر في ms073 الجهة التي ينوي ~~أن يسير إليها بالجيش الظاهر الذي حارب تحت زعامته، # 12 # وقبل أن يبرح مكانه استعرض الجيش في ميلانو «14 نوفمبر» وخاطب الجنود بكلمات ~~تثير في صدورهم الحماسة وتذكرهم به على الدوام، فقال في خطابه لهم: # أيها الجنود، سأذهب في مساء غد إلى راستاد، ولا أجد تعزية على فراقكم، إلا في ~~أملي بأني سأجتمع بكم عن قريب للدفاع ضد أخطار جديدة، أيها الجنود، كيفما كانت ~~الوظائف التي تسندها الحكومة إلى رجال هذا الجيش، فإنهم سيكونون دائما جديرين برفع ~~رايات الحرية، والمحافظين على مجد فرنسا وشرفها، أيها الجنود، إن تحدثتم بالملوك ~~والأمراء الذين قهرناهم، وبالأمم التي خلصتموها من ربقة الاستبداد، في ميدانين ~~«إيطاليا والنمسا» فاعلموا أنكم ستفعلون أكثر من ذلك في ميدانين آخرين. # وفي الإشارة الأخيرة كان نابوليون ينطق بما يكن فؤاده نحو مصر والشرق، لا نتبع نابوليون ~~في سيره إلى راستاد، ولا عودته إلى باريس، واحتفال الحكومة به، ولا لزوم لنشر خطابه الذي ~~أشعل به قلب الأمة الفرنسية، ولا رحلته لارتياد الشواطئ الفرنسية لفكرة غزو إنكلترا، فكل ~~ذلك خارج عن موضوعنا، مهما بلغت قيمته من الفائدة التاريخية، ولكننا ننقل عن لسان صديقه، ~~وكاتب مذكراته، بوريين، بعد عودته مع نابوليون من سياحة الشواطئ التي أشرنا إليها، العبارة ~~الآتية: ~~«وما رأي مولاي القائد في رحلته.» فهز نابوليون رأسه وقال: «إنني لا أرى أملا في غزو ~~إنكلترا، إني لا أجازف بمستقبل فرنسا الجميلة.» وقال بوريين في مكان آخر من مذكراته: «وأخذت ~~افكار نابوليون تتوجه إلى مسألة غزو مصر، فصارت موضوع فكره ليل نهار.» قال لي مرة: «إن ~~أوروبا بأسرها ليست إلا جحر فأر، وما صدرت الشهرة العالية، وما دوى من الصيت الخالد، إلا من ~~الشرق وفي الشرق.» والخلاصة أن نابوليون وحكومته فرنسا عدلوا عن غزو إنكلترا لاستحالة نقل ~~الجيش الفرنسي في مضيق المانش، وفكروا في أن أحسن وسيلة لقهر إنكلترا، هي بالاستيلاء على ~~مصر، فإن كان المانش متعذرا، فإن السير في البحر الأبيض متيسر، ومتى امتلكت فرنسا مصر، ~~عطلت تجارة إنكلترا ms074 في الشرق، وخيل لنابوليون أنه يستطيع، بالاتفاق مع راجات الهند، الذين ~~احتلت إنكترا بلادهم، طرد الإنكليز من تلك الديار، كما أن احتلال فرنسا لمصر يقضي عليها ~~بتحويل معظم أساطيلها إلى البحر الأبيض المتوسط، فتستطيع فرنسا أن تعبر المانش بجيش تغزو به ~~تلك الدولة الرابضة على أمواج البحار. # وكان لا بد لفرنسا من الارتكاز على حجة تبرر بها حملتها على مصر وهي من أملاك الدولة ~~العثمانية، تلك الحكومة السلطانية الوحيدة التي لم تكن على عداء مع فرنسا، وكانت أول من ~~اعترف بالجمهورية فكان من الأعذار التي قالت بها فرنسا، وما ورد في خطاب نابوليون لتاليران ~~وزير الخارجية، من أن مصر ليست في حيازة تركيا؛ لأن المماليك استبدوا بالأمر فيها، ثم وجدت ~~فرنسا من تقارير قنصلها في مصر، مسيو ماجاللون # Magallon ~~- ~~تلك التقارير التي أظهر فيها مر الشكوى من معاملة المماليك للتجار الفرنسيين سواء في ~~إسكندرية ورشيد ودمياط والقاهرة - حجة ترتكن عليها. # نابوليون بونابرت حوالي العهد الذي افتتح فيه القطر المصري «نقلا عن صورة ~~للمصور «أبياني». # ويذهب بعض المؤرخين إلى أنه قد كان من أكبر الأسباب التي حملت الحكومة الفرنسية على تقرير ~~الحملة على مصر، رغبتها في الخلاص من نابوليون بونابرت بإبعاده عن باريس، وأن نابوليون بعد ~~تحمسه لمشروع الحملة على مصر، بردت نار حماسته، لما أدرك ما وراء هذا الإبعاد، من الرغبة في ~~القضاء على شهرته، قبل أن تمتد يده لإدارة الأحكام في فرنسا، ولكنه كان قد تورط في مشروع ~~الحملة، فلم يعد في إمكانه الانسحاب منه، وشهادة «بوريين» في مذكراته تؤيد رأي هذا الفريق ~~فقد قال ما نصه: «ولقد يلوح لي من جميع ما رأيته ووعيته، أن الرغبة في الخلاص من شاب طموح، ~~ولدت شهرته الحسد في قلوب الزعماء، هي التي تغلبت على خطر تجريد فرنسا، لمدة غير معلومة، من ~~جيش عظيم، مع ما كان كثير الاحتمال، من تحطيم الأسطول الفرنسي، وأما نابوليون فلم يبق أمامه ~~إلا أن يختار بين قيادة حملة غير مأمونة العواقب، أو القضاء على مستقبله، ولما ms075 كانت حملة ~~مصر، هي الوسيلة الوحيدة لإبقاء علم شهرته خافقا، لم يتردد في قبول القيادة العامة التي ~~صدر له بها الأمر في 12 إبريل سنة 1798.» # 13 # وأما الفريق الثاني من المؤرخين، فيقول: إن رجال الحكومة لم يريدوا إبعاد نابوليون، وفي ~~مقدمتهم وأكثرهم عنادا كان لاريفاليير ~~ليبو # La Revalliere Lépeaux # فإنه عارض واحتج على تجريد فرنسا من ثلاثين أو أربعين ألفا من خيرة ~~الجنود الفرنسية، وتعريضهم مع سفن الأسطول إلى معركة بحرية مع الأسطول الإنكليزي في البحر ~~الأبيض المتوسط، وإبعاد القائد العظيم الذي تخافه النمسا وتخشاه، هذا عدا حمل الباب العالي ~~على محاربة فرنسا لتعديها على ولاية من ولاياته، فكان نابوليون على رأي هذا المؤرخ، يرد هذه ~~الاعتراضات بأنه لا خوف من الأساطيل الإنكليزية، وإن سحب ثلاثين أو أربعين ألف جندي من ~~فرنسا، ليس بالشيء الذي يذكر ما دام جيشها أكثر من ثلث مائة إلى أربعمائة ألف جندي، وأن ~~الباب العالي قد فقد مصر لاستبداد المماليك بالأمر فيها، واشتد الجدال بين نابوليون ~~ومعارضيه، حتى هدد بالاستعفاء من منصبه، فكان جواب لاريفاليير بشدة «إنني أبعد من أن أقبل ~~استقالتك، ولكني أرى أنك إذا قدمتها، فعليهم قبولها.» فصمت نابوليون ولم ينطق بكلمة ~~الاستقالة بعدها، والروايات في هذه النقطة متناقضة؛ إذ قال بعض المؤرخين: إن الذي أجاب ~~نابوليون ذلك الجواب هو رويبل، وقال آخرون: إنه باراس، ورأى «تيير» المؤرخ العظيم # Thiers # أن هذا الفصل حدث مع لاريفاليير كما ~~ذكرنا. # وكيفما كان الحال فإن الحكومة الفرنسوية قد قررت الحملة، وعينت نابوليون قائدا عاما ~~على جيش البر والبحر لهذه الحملة، وبلغ من أمر التكتم بشأنها أن القواد وكبار الضباط، لم ~~يكونوا يعلمون إلى أين هم سائرون، ولم يأمن رئيس الحكومة «الدير كتوار» إلى كاتب بكتابة أمر ~~الحملة وقيادتها، فكتبهما بخط يده. # وليس من شأننا أن نأتي على بيان التحضيرات الحربية ، البرية والبحرية؛ إذ يكفينا أن نقول ~~إن الحملة كانت مؤلفة من اثنين وثلاثين ألف جندي من البرية والبحرية، تحملها 13 قايقا و14 ~~بارجة و400 سفينة لنقل ms076 العساكر والمهمات، وتقرر أن تسير السفن من ثغور طولون ومارسيليا ~~وجنوا في فرنسا، وسيفاتافتشيا في إيطاليا. # ولقد أظهر نابوليون بإجماع الباحثين والمدققين، مهارة عظيمة ونظرا ثاقبا، وقريحة وقادة ~~في تجهيز هذه الحملة؛ إذ رووا أنه فكر في كل شيء من دقائق الأمور، فلم يترك صغيرة ولا كبيرة ~~إلا رتبها وبوبها وأحصاها، فبدأ باختيار زهرة القواد، وخلاصة الضباط، ولم ينس أصناف الصناع، ~~وأرباب الحرف اللازمة للجيش، وجلب من روما المطبعة العربية واليونانية، وأحضر معها فئة من ~~العارفين بصف الحروف وطبعها، وجمع عدة آلات وأدوات علمية، ولم ينس انتقاء مكتبة جامعة للكتب ~~عن مصر والشرق، ليقرأها مع ضباط جيشه أثناء سفرهم. # وانتهت كافة التجهيزات في 12 إبريل سنة 1798، وأمضى الأمر بتكوين «جيش الشرق» وتعيين ~~نابوليون بونابرت قائدا عاما، وفوض له الاستيلاء على الديار المصرية، وطرد الإنكليز من ~~جميع البلاد التي يمتلكونها في الشرق ما استطاع لذلك سبيلا، وعلى الأخص القضاء على تجارة ~~الإنجليز في البحر الأحمر، وفوض له أيضا خرق برزخ السويس، واتخاذ الوسائل اللازمة لضمان ~~امتلاك البحر الأحمر واختصاص جمهورية فرنسا به، فما كان أحلاها أحلاما!! وما كان أبعدها ~~تحقيقا!! والملك لله الواحد القهار. # وكادت حادثة الاعتداء على سفير فرنسا # 14 # في فينا توقف سير هذه الحملة؛ لأن حكومة الجمهورية خافت من تحرك النمسا فأصدرت ~~الأوامر لنابوليون، ولكنه اكتفي بكتابة خطاب شديد إلى الكونت «كوبنزل» فهدأت الأحوال وبرح ~~باريز في 3 مايو ووصل طولون في 9 منه، ونشر على الجيش في اليوم التالي إعلانا حماسيا ملأ ~~عباراته الضخمة، بألفاظ مختارة لتحريك الأشجان، والتأثير في النفس والوجدان، وقال لهم في ~~طولون: «إن أوروبا تنظر إلى أعمالكم.» كما قال لهم بعد ذلك، تحت ظل الأهرام، «إن أربعين ~~قرنا من الزمان تراقبكم»!! وسنرى ماذا يقع تحت عيون أوروبا بأسرها، وأربعين قرنا من ~~الزمان بسرها وسحرها! # والجدول الآتي يبين مجموع القوة الفرنسية وطريقة نقلها على السفن من الموانئ ~~المختلفة: # موانئ السفر # بوارج # فرقاطات # سفن وطرادت # نقالات # جنود # خيول # طولون # 13 # 7 # 6 # 106 # 20000 # 470 ms077 # مرسيليا # 2 # 30 # 3200 # 60 # كورسيكا # 1 # 20 # 1200 # جنوا # 1 # 1 # 35 # 3100 # 70 # سفاتافيتشيا # 1 # 1 # 41 # 4300 # 80 # المجموع # 13 # 9 # 11 # 232 # 31800 # 680 # وكان تكوين القوة «من حيث الأسلحة» من 24300 من المشاة «البيادة» و4000 خياله «سواري» ~~وطوبجية 3000 ونحو ألف من الأتباع، والمجموع بالضبط 32300 «لا أربعين ألفا كما يتساهل ~~المؤرخون» وكانت قيادة الأسطول تحت الفيس أميرال برويز # Brueys # وتحت قيادة الكونت أميرالات # Decrés, ~~Blanquet-Duchyl, Villenenve ~~، ورياسة أركان حرب الأسطول لغانتوم # Ganteaume # وأما الجيش البري فكان برتيه # Berthier # رئيس أركان الحرب وكافاريللي على المهندسي، ~~ودومرتين # Doumartin # على الطوبجية وتحت رئاسته على ~~الفرق القواد # Songis # و # Faultrier # و # Desaix # و # Kleber # و # Dugua # وعلى ~~الأورط # Lannes # و # Murat # و # Lunusse # و # Vial # و # Veaux # و # Rampon # و # Davout # و # Friant # و # Belliard # و # Dumas # و # Leclere # و # Verdier # و # Andreossy # ومن ياوران نابوليون الضباط # Junot # و # Beauharnais ~~«ابن زوجته» و # Louis Bonaporte ~~«أخوه» ~~و # Sulkowski # و # Jullien # و # Duroc # و # Croizier ~~. # ولقد جئنا على ذكر أسماء أولئك القواد والضباط الذين صاحبوا نابوليون في حملته؛ لأن ~~الكثير منهم بلغ بعد من الشهرة في تاريخ أوروبا مكانا قصيا، ولأن الكثيرين منهم كانت لهم ~~في الديار المصرية، حوادث ووقائع مشهورة، ومنهم من قتل في هذه الديار، ولا بد من معرفة ~~أسمائهم، وتتبع حركاتهم، وأهم ما فكر فيه نابوليون أنه ارتأى أن تكون معه بعثة علمية محضة ~~لدراسة طبيعة البلاد المصرية، وبحث آثارها ونباتها وحيوانها، ونيلها وأرضها، وسمائها ~~وسكانها، وكانت هذه البعثة تتألف من نحو مائة عالم من مشهوري علماء فرنسا الذين امتازوا ~~بدراسة خاصة في كل فرع من فروع العلوم، وكانت هذه البعثة تحت رياسة الرياضي الشهير صديق ~~نابوليون مونج # Monge # أحد أعضاء الأكاديمي، وكان معه من ~~رجال الأكاديمي # Berthollet # و # Dolomieu # و # Denon # ومن ~~مهندسي الكباري والقناطر # Le pére # وجيرار ومن الرياضيين # Corancez ~~، # Costaz ~~، # Fourier # ومن علماء الفلك # Nouet # و # Beauchamp # و # Méchin # ومن علماء الطبيعة والنباتات ms078 # Saint-Hilaire Geoffroy # و # Savigny # ومن الكيماوين # Descotils # و # Champy # ومن ~~الرسامين والموسيقيين والشعراء وعلماء فن المعمار عدد كثير. # ولا نزاع في أن هذه أول بعثة علمية رافقت، مرافقة رسمية، حملة من الحملات العسكرية في ~~تاريخ العالم، والفضل في ذلك بلا نزاع راجع لنابوليون دون سواه، ولنا كلام على الأعمال التي ~~قامت بها هذه البعثة العلمية من حيث فائدتها لمصر وأهلها، ومن حيث فائدتها للعلم عامة في ~~أوروبا، ربما أتينا عليه في مكان آخر. # وفي اليوم التاسع عشر من شهر مايو نشرت سفن أسطول هذه الحملة أعلامها وسارت تمخر عباب ~~البحر الأبيض المتوسط، قاصدة جزيرة مالطة، وكان نابوليون وياروانه في السفينة أوريان # Orient ~~«المشرق» التي يسميها الجبرتي «نصف الدنيا» ومعه ~~قائد الأسطول برويس، ومعه أيضا بها من رجال البعثة العلمية مونج وبرتللو، ومن القواد ~~كفاريللي المهندس وغيرهم، وهنا نذكر أن الحكومة الإنكليزية عملت بأمر هذه الحملة، ولكنها لم ~~تكن على بينة من معرفة الجهة التي تقصدها لما اتخذته الحكومة الفرنسية من وسائل التكتم ~~الزائد، وكان الفكر الراجح لدى حكومة إنكلترا، أن هذه العمارة الفرنسية تنوي السفر من مياه ~~البحر الأبيض المتوسط إلى جبل طارق قاصدة احتلال ايرلنده، ومع ذلك فقد أصدرت الحكومة ~~الإنكليزية للأمير ال نسلون أمرا بمراقبة هذه الحملة، وأصدرت إليه الأوامر الصريحة بأن ~~يفعل كل ما في إمكانه لأسر، أو إغراق، أو حرق، هذه العمارة الفرنسية مهما كلفه ذلك، ما دام ~~قادرا على تسيير سفنه ولديه من الزاد والمئونة والذخيرة ما يكفيه، وكان نلسون يخالف حكومته ~~في ظنها من حيث وجهة العمارة الفرنسية، وبعد أن أجبرته زوبعة كبيرة على الالتجاء بسفنه إلى ~~جزيرة سردينيا، حيث رمم بعضها، التي أضرت بها هذه الزوبعة، تمكنت العمارة الفرنسية من السفر ~~دون أن يقف لها الأسطول الإنجليزي على أثر، ثم قصد نلسون شواطئ إيطاليا وكتب في 15 يونيو ~~على مقربة من نابولي قائلا: إذا كانت السفن قد مرت من سيسيليا «جزيرة صقلية» فإنها لا بد ~~وأن تقصد تنفيذ مشروع الاستيلاء على الإسكندرية، لكي ms079 ترسل من مصر حملة إلى الهند بناء على ~~اتفاق مع «تيبو صاحب» وليس تنفيذ هذه الخطة بالأمر العسير. # أما العمارة الفرنسية فوصلت مالطة في 9 يونيو «1798» وأنزلت قوة في اليوم الثاني لاحتلال ~~الجزيرة، وليس من موضوع عملنا أن نشرح حال مالطة وما جرى في استيلاء نابوليون عليها، إنما ~~يكفينا من قبيل الفائدة التاريخية، ولما له من علاقة بهذا الكتاب، أن نذكر أن استيلاء ~~نابوليون على مالطة كان ضروريا لحفظ مواصلاته مع فرنسا، وكانت هذه الجزيرة مستقلة تحت ~~إدارة حكومة تدعى «فرسان مالطة» وهم جماعة من المسيحيين من جميع ممالك أوروبا، أشبه بفرسان ~~الحروب الصليبية، وقفوا أنفسهم للدفاع عن صوالح النصرانية، لما شبت الحروب بين الدول ~~الإسلامية وممالك أوروبا المسيحية، وكان لقبهم في الأول فرسان «رودس» فلما فتح السلطان ~~سليمان جزيرة رودس، منحهم الإمبراطور شارلكان جزيرة مالطة وكانا يتقربون إلى ممالك أوروبا، ~~ويستدرون خيرات أبنائها، بدعوى أنهم يحاربون حالهم حتى فاجأهم نابوليون بخيله ورجله، وبعد ~~مقاومة ضعيفة استولى على الجزيرة وترك فيها أحد قواده الجنرال فوبوا # Vaubois # ومعه ثلاثة آلاف جندي كحامية في الجزيرة، وقبل أن يبرح الجزيرة، ~~فكر في أن يوطد العلاقات الودية في المياه اليونانية في ألبانيا وأبيروس، وكان في حروبه مع ~~البندقية قد استولى على جميع الجزر والسواحل والثغور التي كانت ملكا لتلك الجمهورية في بحر ~~الأدرياتيك سنة 1797، وحينذاك راسله علي باشا والي «بنينا» المشهورة، ولم يكن إذ ذاك قد خرج ~~عن طاعة الدولة، مؤكدا له حسن ولائه، فكان أول خاطر لنابوليون قبل مبارحته مالطة، لتوطيد ~~علاقاته الحسنة في ألبانيا، وأبيروس، هو أن بعث بخطاب إلى علي باشا والي ينينا وأوفد به أحد ~~ضباطه. # واستعاض نابوليون، عن القوة الفرنسية التي تركها في الجزيرة «3000 جندي» بقوة تعادلها من ~~المالطيين والفرنسيين، الذين كانوا مع فرسان الجزيرة، وغنم من الجزيرة نحو 1200 مدفع وكميات ~~كبيرة من الذخائر، أخذت منها الطوبجية الفرنسية ما رأته لازما في حملتها على مصر، وكان في ~~الجزيرة نحو ثمانمائة من الأتراك الأسرى فأطلق نابوليون سراحهم، وأحضرهم ms080 لمصر في السفن ~~لإرسالهم إلى بلادهم، وقد عمل هذا، كما يظهر من منشوراته في مصر، بقصد التودد للمسلمين ~~ولحكومة الباب العالي، ثم ضم إلى الحملة عددا وافرا من المالطيين والأسرى المغاربة الذين ~~يعرفون اللغة العربية والفرنسية بصفة تراجمة، وكان لهم شأن في حوادث مصر كما سيأتي ذكره في ~~مكانه، وأرسل من مالطة في سفينة عدة آثار غالية وغنائم بقصد إيصالها إلى فرنسا، فغنمها ~~الإنجليز قبل أن تصل إلى فرنسا. # وفي 19 يونيو أقلعت العمارة الفرنسية من مالطة قاصدة جزيرة كريد، أما نلسون فإنه تتبع ~~العمارة الفرنسية بأسطوله، وقد روى كتاب الإنجليز أن نلسون كان في 20 يونيه ماخرا بأسطوله ~~جنوب جزيرة صقلية، وكانت العمارةالفرنسية قد خرجت في اليوم السابق من مالطة، بحيث كان ~~الأسطولان على مقربة من بعضهما، ولكن لم ير أحدهما الآخر، وكانت وجهة الأسطول الإنجليزي ثغر ~~الإسكندرية ليدرك العمارة الفرنسية، كما قرر نلسون ذلك في ذهنه، وقال كتاب الإنجليز: إن ~~نلسون كان في صباح يوم 24 يونيو على مسافة بضع فراسخ من العمارة الفرنسية، جنوبي جزيرة ~~كريد، ولكن لم يرها أيضا واستمر قاصدا الإسكندرية فوصلها، كما سيأتي بيانه، بثلاثة أيام ~~قبل العمارة التي يتعقبها ... فما أعجب حوادث التاريخ!! فلو أن نلسون أبصر العمارة الفرنسية ~~في مكان من المكانين المشار إليهما، لعقبهما وربما مزقها إربا، قياسا على ما فعل معها في ~~أبي قير بعد، وقياسا على انتصاراته على أساطيل فرنسا وحلفائها في حروب تلك السنين، ولو تم ~~له ذلك لتغيرت صفحة كبيرة من صفحات التاريخ، ولما ظهر لنابوليون من الشهرة والمجد ما ظهر، ~~ولما حاق بمصر ما حاق بها من المحن والمنافسات والمنازعات، التي لم تكسب من ورائها فائدة ~~مباشرة. # في يوم 26 يونيو وصلت العمارة الفرنسية إلى جزرية كريد، وهناك في صبيحة اليوم التالي ~~اجتمعت بها الفرقاطة التي كان قد بعث بها للاستعلام في جهات نابولي، وأخبر نابوليون بأن ~~نلسون على رأس أسطول ضخم، كان قريبا من مياه نابولي في يوم 20، وأنه سار قاصدا مالطة، ~~فلما وصل هذا ms081 النبأ إلى مسامع نابوليون أصدر أوامره في الحال بالسفر إلى جهة إفريقية، وعند ~~ذلك كشف الغطاء للجنود والضباط عن الجهة التي تقصدها الحملة، بعد أن بقي سرها مكتوما عن ~~الجميع؛ إذ أصدر الجنرال بونابرت أمرا وزعه على جميع السفن لتتلوه الجنود، ولما كان هذا ~~المنشور من الأهمية بمكان من وجهة تاريخ مصر، وبيان الخطة التي وضعها نابوليون لنفسه ولجيشه ~~في مبدأ الأمر نأتي على تعريبه. # منشور إلى الجيش البري # 15 # من المعسكر العام على ظهر الباخرة أوريان 4 مسيدور سنة 6 للثورة «22 ~~يونيه سنة 1798» # من بونابرت عضو الانستينو ناسيونال، وقائد عام جيش مصر # أيها الجنود! # إنكم ستخوضون غمار حرب سيكون لها تأثير عظيم على المدينة وتجارة العالم أجمع، ~~وستضربون إنكلترا ضربة حساسة في صميم فؤادها، على أمل أن تتمكنوا بعد من إيصال هذه ~~الضربة للقضاء على حياتها. # سنضطر إلى قطع مسافات متعبة على الأقدام، وسنقاتل في عدة مواقع، وسنفوز في جميع ~~المعارك؛ لأن العناية معنا. # وبعد وضع أقدامنا في أرض مصر ببضعة أيام سنمحي من صحيفة الوجود أولئك البكوات ~~المماليك الذين يعضدون التجارة الإنجليزية دون سواها، والذين أهانوا تجارنا، ~~وعاملوا سكان وادي النيل بالظلم والاستبداد. # واعلموا أن الشعب الذي سنعيش معه يدين بدين الإسلام، وأول قواعدهم «أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا عبده ورسوله» فلا تعارضوهم في معتقدهم، وعاملوهم كما عاملنا اليهود ~~والإيطاليين، واحترموا مشايخهم وعلماءهم، كما احترمنا الرهبان والقساوسة. # وليكن في نفوسكم من التسامح للتقاليد التي يقضي بها الشرع، والمساجد، مثلما كان ~~لكم من التسامح مع الكنائس والصوامع والبيع، ومع المتدينين بدين عيسي وموسى، ولقد ~~كانت الجيوش الرومانية قبلكم تحمي الأديان وترعاها، وستجدون في هذه الديار عادات ~~تخالف العادات في أوروبا، فلا بد من أن تألفوها وتعتادوها، وأعلموا أن الناس الذين ~~ستكونون بينهم، يعاملون النساء على غير مألوفنا، وقد أجمعت الأمم على أن من يتعدى ~~على حرمة المرأة، إنما هو حيوان وبهيم. # وأما النهب والسلب، فلا يغني إلا فئة قليلة من الأفراد، ولكنه يحط من قدرنا، ~~وينقص ms082 من شرفنا، ويبغض فينا قلوب الناس الذين من مصلحتنا أن نكون معهم على صفاء ~~ووداد. ا.ه. # ولقد جئنا على نص هذا المنشور لأسباب كثيرة، منها أنه غير موجود باللغة العربية، ~~بخلاف منشوراته الأخرى، التي عربت تعريبا قبيحا، ونشرها الجبرتي وغيره، ومنها أنه ~~يعبر عن عواطف نابوليون وميوله الأولى قبل أن يحطم نلسون أسطوله في أبي قير، ويقطع عليه ~~آمالا كبيرة، ومنها أنه لم يقصد بهذا المنشور الذي وزع على الجنود دون سواهم، مراءات ~~المصريين، ومن هذه الأسباب أيضا، رغبتنا في تطبيق هذه النصائح والإرشادات، التي وجهها ~~لجنوده، على ما وقع منهم من الأمور المغايرة لروح هذه القواعد، أثناء وجود نابوليون ~~بمصر، وبعد سفره منها. # | هوامش # الفصل الثالث # | الحملة الفرنسية في الإسكندرية # كان ظهور السفن الفرنسية، بمن نقل من جنود وضباط وقواد علماء وذخائر وبنادق ومدافع، فاتحة ~~عصر جديد لمصر، بدأ بالاحتلال الفرنسي، تحت قيادة أعظم القواد الحربيين الذين أظهرهم هذا ~~الوجود، ثم عقب بالنزاع بين أوروبا، حول هذه البقعة المسماة وادي النيل ... ذلك النزاع الذي ~~ما برح يظهر على جميع الأشكال، وغريب الأحوال، من مطاردة الفرنسيين وإخراجهم، إلى معاضدة ~~المماليك بإنزال قوة إنكليزية على الشواطئ المصرية، ثم بمقاومة محمد علي، وإيقافه عند حد لا ~~يتعداه في مشروعاته ومطامعه، ثم بالمعارضة في فتح قنال السويس، إلى التداخل في أمور مصر ~~المالية، حتى كانت الثورة العرابية، والاحتلال الإنكليزي، والحماية الظاهرة والمقنعة ... كل ~~هذه الحوادث والمشاكل خلفها وضع فرنسا قدمها في مصر، فإنه من ذلك الحين، أوجست إنكلترا خيفة ~~من تعاظم نفوذ أية دولة أوروبية في وادي النيل، أو تقوية أي سلطة محلية، مما قد يكون عائقا ~~في تنفيذ سياستها القاضية بأن يكون طريقها إلى الهند في يدها، فكان لها القدح المعلى في كل ~~هاتيك الحوادث والمشاكل، إلى أن استقر قدمها في مصر، عقب الثورة العرابية ... ومع ذلك فستبقى ~~مصر سببا لمشاكل أوروبا ومنازعاتها وحروبها، حتى تنال استقلالها التام بطريقة تجعل الباب ~~مفتوحا، والثقة في التساوي كاملة، أو يحكم الله بأمر من عنده ms083 وهو خير الحاكمين. # والآن وجب علينا أن ندخل في تاريخ الحملة الفرنسية وحروبها وأعمالها في مصر مدة الثلاث ~~سنوات التي حكم فيها الفرنسيون هذه الديار، وعاملوا أهلها بما عاملوهم به من عدل وظلم، ~~وإكبار واحتقار، وتعمير وتدمير؛ إذ قد جمع في تلك المدة من المتناقضات ما سيظهر للقارئ على ~~صفحات هذا الجزء الخاص بهذه الفترة. # دمغ الشيخ عبد الرحمن الجبرتي هذه الفترة بقوله، في فاتحة الجزء الثالث من كتابه، «عجائب ~~الآثار في التراجم والأخبار»، ذلك الكتاب الذي سنذكره، ونأخذ عنه ونجادله كثيرا فيما ~~سنكتبه بالعبارة الآتية فقال: # وهلت سنة 1213 هجرية وهي أول سني الملاحم العظيمة، والحوادث الجسيمة، والوقائع ~~النازلة، والنوازل الهائلة، وتضاعف الشرور، وترادف الأمور، وتوالي المحن، واختلال ~~الأحوال، وفساد التدبير وحصول التدمير، وعموم الخراب وتواتر الأسباب، وما كان ربك ~~مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون. # ولو وضعت حوادث الحملة الفرنسية في مصر، ونتائجها ومعاركها، في هيكل أو تابوت، وأريد أن ~~ننقش لها كلمة تذكار، لما وجد الباحثون أفضل من عبارة هذا الشيخ الأزهري، عبد الرحمن بن حسن ~~الجبرتي!! # كان الثغر الإسكندري في ذلك الوقت بلدة حقيرة لا يزيد عدد سكانه عن عشرة آلاف نسمة ~~تقريبا، وكانت تجارته قد اضمحلت وثروته قد نزفت وقلت، وكان الرئيس إذ ذاك فيها «والمشار ~~إليه بالإبرام والنقض» هو السيد محمد كريم السكندري، وهو رجل لم أقف على حقيقة جنسيته، ~~والغالب على الظن أنه مغربي الأصل استوطنت أسرته الإسكندرية، وكان كما رواه الجبرتي في ~~ترجمته حياته، في أول أمره قبانيا يزن البضائع في حانوت الثغر، وعنده خفة في الحركة وتودد ~~في المعاشرة، فلم يزل يتقرب إلى الناس، بحسن التودد، ويستجلب خواطر حواشي الدولة، وغيرهم من ~~تجار المسلمين والنصارى، ومن له وجاهة وشهرة في أبناء جنسه، حتى أحبه الناس، واشتهر ذكره في ~~الإسكندرية ورشيد ومصر، واتصل بصالح بك حين كان وكيلا لدار السعادة، وله الكلمة النافذة في ~~ثغر رشيد، ثم اتصل بواسطته إلى مراد بك فتقرب إليه، ووافق الغرض منه، وقلده أمر الديوان ~~والجمارك بالثغر فعلت ms084 كلمته، ونفذت أحكامه، وكان قبودان الميناء التركي إدريس بك. # وقد سبق أن قلنا في ختام الفصل السابق إن الأميرال نلسون الإنكليزي جاوز بأسطوله العمارة ~~الفرنسية جنوبي كريد ولم يرها، فقصد الإسكندرية لكي يدركها على ظنه، فوصلها قبل العمارة ~~الفرنسية بثلاثة أيام فقط، لا بعشرة كما رواه الجبرتي، وتابعه المؤرخون الحديثون، بغير ~~تمحيص ولا تحقيق، وللجبرتي العذر في أغلاطه التاريخية، فإنه إنما كان يكتب في القاهرة ويقول ~~وردت مكاتبات على يد السعاة من الإسكندرية، ومضمونها أن في ثامن «محرم » وصلت عمارة إنكليزية ~~فلا معني إذن لمتابعته، والنقل عنه، بغير ترو، وأوقات وصول هاتيك الأساطيل، وأولئك القواد ~~العظام مضبوطة بالساعات، إن لم يكن بالدقائق في كتب القوم ومذكراتهم، ومع ذلك فلو أنهم ~~قرءوا الجبرتي حق قراءته؛ أي: أنهم درسوا كل كتابه، ولم يكتفوا بالنقل، لوجدوا إن الجبرتي ~~في وفيات سنة 1215 عند ترجمة حياة مراد بك، يقول بعد ذكره وصول العمارة الإنكليزية ~~ومغادرتها المياه المصرية ما نصه: «فما هو إلا أن غابوا في البحر نحو الأربعة أيام إلا ~~والفرنسيس قد حضروا وكان ما كان.» وهو قريب من الصواب أو هو الصواب بعينه، ومن أغلاطهم التي ~~لا تغتفر تقريرهم أن القوة التي قدم بها نابوليون كانت تبلغ أربعين ألفا، وأن عدد البوارج ~~كان أربعمائة سفينة، مع أن البيان الرسمي موجود في كتب القوم، ومنها يظهر في الحال أن القوة ~~التي برح بها أوروبا كانت 32 ألفا فقط، وأنه ترك منها في مالطة ثلاثة آلاف اعتاض عنها ~~بألفين من المالطيين، وأن عدد السفن لم يزد عن 320 سفينة. # فلما ألقى الأميرال نلسون مراسيه في الإسكندرية، ولم يجد العمارة الفرنسية بعث بقارب وفيه ~~«على رواية الجبرتي» عشرة أنفار، فوصلوا إلى البر، واجتمعوا بالسيد محمد كريم، ومن معه من ~~أعيان البلدة فكلموهم واستخبروهم عن غرضهم، فأخبروا أنهم إنكليز حضروا للتفتيش على ~~الفرنسيس؛ لأنهم خرجوا بعمارة عظيمة يريدون جهة من الجهات، ولا ندري أين قصدهم، فربما ~~دهموكم فلا تقدرون على دفعهم، ولا تتمكنون من منعهم، فلم يقبل ms085 السيد محمد كريم منهم هذا ~~القول وظن أنها مكيدة منهم، وجاوبهم بكلام خشن، فقالت رسل الإنكليز: «نحن نقف بمراكبنا في ~~البحر محافظين على الثغر، لا نحتاج منكم إلا الإمداد بالماء والزاد بثمنه.» فلم يجيبوهم ~~لذلك، وقالوا هذه بلاد السلطان وليس للفرنسيس، ولا لغيرهم عليها سبيل، فعادت رسل الإنكليز ~~وأقلعوا في البحر ليمتاروا من غير الإسكندرية، وليقضي الله أمرا كان مفعولا. # ولو كان السيد محمد كريم أو غيره في الإسكندرية واقفا على شيء من حوادث أوروبا، ومنازعات ~~الإنكليز مع الفرنسيس لأمد أسطول نلسون بما أراد من ماء ومئونة، لا سيما وقد طلبوا شراء ذلك ~~بالمال، ولترك لهم حريتهم حتى يتخابر مع حكام البلدة البكوات، ونائب السلطان، ولو تم ذلك، ~~وبقيت العمارة الإنكليزية ثلاثة أيام أخرى، لكان لها، مع نابوليون وحملته، حال الله بها ~~أعلم. # ويظهر أن رواية الجبرتي هي أصح الروايات؛ لأن الذي حمل نلسون على الإقلاع من مياه ~~الإسكندرية، هو حاجته الشديدة للزاد والماء، بدليل أنه أقلع في الحال إلى شواطئ آسيا الصغرى ~~فجزيرة سراقوزه، حيث امتار وعاد إلى الإسكندرية ثانية، فوصلها في أول أغسطس؛ أي: بعد نزول ~~الفرنسيس أرض مصر بشهر كامل. # وفي اليوم الأول من شهر يوليو سنة 1798 # 1 # وصلت العمارة الفرنسية إلى مياه الإسكندرية عند مطلع الفجر، فبرزت أمام الجنود ~~والقواد مآذن الثغر ومبانيه مجليية بازار الفجر، وراء قاعدة من زرقة البحر، وأدرك الجيش أنه ~~وصل إلى محط رحاله، ونهاية أسفاره، ولما ارتفع ذيل النهار، وعلت الشمس في الأفق، أبصر أهل ~~الثغر سفن العمارة الفرنسية، فأدركوا حين ذلك أن الإنكليز صدقوهم، ولم يخدعوهم، وكان أول ما ~~عمله نابوليون أن بعث بالفرقاطة # La Junon # إلى البر للوقوف ~~على حال البلدة، ولطلب قنصل فرنسا، وكان في ذلك الوقت هو ابن أخ «ماجاللون» الذي سبقت ~~الإشارة إليه، فعارض السيد محمد كريم في ذهاب القنصل، ولكنه عاد فسمح به، ويقول الجبرتي، ~~وتابعه المؤرخون الحديثون، إنه ذهب مع القنصل بعض أهل البلد، ولم يرد ذكر ذلك في الكتب ~~الفرنسية التي وقفنا ms086 عليها وهي أحق بالمعرفة، فلما وصل القنصل إلى بارجة الأميرال أخبر ~~نابوليون أن العمارة الإنكليزية، تحت قيادة نلسون، كانت هنا منذ ثلاثة أيام «أي: 28 يونيه ~~سنة 1798» وروى له ما قاله الإنكليز من تفتيشهم على العمارة الفرنسية، وأن الترك قد داخلهم ~~الفزع، فأخذوا في تحصين المدينة، وأقلعة المتاريس، وأن المسيحيين في الثغر في أشد درجات ~~الخطر، بحيث سار من اللازم الإسراع في احتلال المدينة، ولم يكن نابوليون في حاجة للتحريض ~~على الإسراع، فإنه ما كاد يسمع بعبقريته نلسون قريبا من الإسكندرية، حتى داخله الفزع، ~~وأصدر أمره في الحال بالتحول إلى جهة العجمي، وبرج مرابوت «قلعة قايتباي» لإنزال الجنود ~~ليلا إلى البر فعارضه الأميرال في ذلك؛ لأن الجو قد تغير في آخر النهار قائلا: إن نلسون ~~لا يمكن أن يعود قبل بضعة أيام. # قال بوريين في مذكراته عن ذلك اليوم - وكان بوريين مرافقا لنابوليون في ~~باخرته - «فلما قال الأميرال إن نلسون لا يعود قبل بضعة ~~أيام، عارض نابوليون واحتد قائلا: يلزمنا أن لا نضيع دقيقة واحدة، فقد أعطاني الحظ ثلاثة ~~أيام فإذا لم انتهزها خسرنا كل شيء.» # فاضطر الأميرال إلى أن يصدر أمره بإنزال الجنود في الحال فبدأ في ذلك العمل على الرغم من ~~هياج البحر وغرق بعض العساكر، قال بوريين في مذكراته: # كانت الساعة الثانية من صبيحة يوم 2 يوليو حين وضعنا أقدامنا في أرض مصر عند نقطة ~~تبعد نحو ثلاثة فراسخ من الإسكندرية «جهة المكس»، وفي الساعة الثالثة بدأ بالزحف ~~على الإسكندرية ثلاث آلايات تحت قيادة كليبر وبون ومورات تحت رياسة القائد ~~العام. # وغريب مع هذا التدقيق في التاريخ، وكون روبيين كان كاتب يد نابوليون فهو شاهد عيان، أن ~~يوجد بين المؤرخين من يقرر أن موعد نزول الجيوش الفرنسية كان في يوم 3 يوليو لا في 2 منه، ~~كما يقول به «بربيه» في كتابه «تاريخ مصر من سنة 1798 إلى 1900» # 2 # هو من خيرة الكتاب المحققين، وصاحب التوفيقات الإلهامية، وهو ممن يعتمد على ~~تدقيقهم في التاريخ، يقول أيضا: إن ms087 نزول الجنود الفرنسية في أرض مصر كان في يوم الثلاثاء ~~19 محرم، الموافق 3 يوليو، مع أنه قرر وصول العمارة إلى الإسكندرية يوم الأحد 17 محرم، ~~فكأنه يرى أن الجنود لم تنزل في مساء ذلك اليوم، ولا يتفق هذا مع إسراع نابوليون وخوفه من ~~نلسون، والجبرتي يقول: «وردت الأخبار بأنه في يوم الاثنين 18 محرم وردت مراكب وعمارات ~~للفرنسيس، فأرسو في البحر.» وهو في هذا الخطأ التاريخي مخطئ ومعذور معا. # ونقطة الخلاف هي هل كان دخول نابوليون مدينة الإسكندرية يوم الاثنين «2 يوليو 18 محرم على ~~رواية بوريين وهو شاهد عيان، وعليه أكثر اعتماد كتاب الإفرنج»، أو في يوم الثلاثاء «3 ~~يوليو و19 محرم». # ومما جاء في مذكرات «بوريين» عند نزوله من السفينة أنه لما مد الأميرال يده لمساعدة ~~نابوليون على النزول إلى القارب، رأى القارب قد ابتعد عن مكانه فصرخ قائلا: «إن حظي بدأ ~~يخونني»! ولكنه بعد صعوبة ومخاطرة وضع قدمه في أرض مصر الساعة الأولى بعد منتصف ~~الليل! # وتكون الجيش الزاحف على الإسكندرية في الساعة الثالثة من صباح يوم الأحد 2 يوليو «18 محرم ~~سنة 1223» من ثلاث فرق فقط «منو» على الجناح الأيسر و«كليبر» في القلب، «وبون» في الجناح ~~الأيمن، وكان نابوليون بونابرت القائد العام، يسير على قدميه؛ لأنه لم يكن قد أنزل من ~~الخيول القادمة مع الحملة جوادا واحدا، ولم يكن ذلك بالشيء الكثير على قائد طبقت شهرته ~~الخافقين، وهو لا يزال في التاسعة والعشرين من عمره يوم وطئت قدمه أرض مصر! # أما أهل الإسكندرية فقد أزعجهم ظهور الأسطول في النهار، ولكنهم لم يكونوا ينتظرون أن ~~يداهمهم العدو ليلا؛ إذ المألوف عندهم أن الجيوش التي تنزل أرض مصر تأتي من جهة أبي قير، ~~وأنه يلزمها عدة أيام لإفراغ شحن هذه السفن، وتنظيم قوة لمهاجمة المدينة، ولكنهم لم يعرفوا ~~نابوليون وسر نجاحه، وهو الإقدام وعدم ضياع الوقت. # إلا أنه لما أنزلت الجنود الفرنسية في البر ليلا في تلك الليلة المقمرة أسرع بدوي على ~~فرسه بالسير إلى الإسكندرية، وأبلغ ms088 الخبر للسيد محمد كريم ... ومن يدري كيف كان، وأين كان في ~~تلك الساعة مع سراريه وأخدانه، على نحو ما ألف أهل ذلك الزمن، من الترف والنعيم واللهو، ~~فأخذ معه نحو عشرين من المماليك الإنكشارية «على رواية الفرنسيين؛ إذ ليست لدينا رواية من ~~مصادر أخرى» فالتقت هذه القوة الصغيرة عند مطلع الفجر بطليعة من الجيش الفرنسي فظنوها كل ~~القوة القادمة، فهاجمها الإنكشارية وقتلوا ضابطها وقطعوا رأسه وعادوا بها ظافرين إلى شوارع ~~الإسكندرية. # وأخذ بعض عربان قبيل الهنادي وهم على خيولهم يناوشون تلك المقدمة، ويقطعون حبل مواصلاتها ~~مع القوى التي بقيت لإنزال بقيت الجيش، وكانت تحت قيادة الجنرال ديزيه # Desaix ~~، قال أحد المؤرخين : لو كانت القوة البدوية التي ناوشت الجيش ~~الفرنسي، مؤلفة من نحو خمسمائة من شجعان المماليك، لأحدثت ضررا كبيرا في مبدأ الحركة؛ لأن ~~الجنود الفرنسيين، لم يكونوا قد تنبهوا، ولأنهم ما كانوا مستعدين لقبول أي مؤثرات ~~جديدة. # وما زال بونابرت سائرا برجاله حتى أشرفوا على مدينة الإسكندرية، فكان أول ما لاح لهم في ~~نور الفجر عمود السواري ثم المنائر والمباني، وصعد نابوليون في الساعة الثامنة صباحا، على ~~قاعدة عمود السواري لاستطلاع المدينة، وإعداد الحملة عليها. # وليس من غرضنا، ولا من خطتنا في كتابة هذا التاريخ، أن نتوسع في دقائق الحركات العسكرية ~~ومواقع القتال؛ لأن وجهتنا سياسية محضة، وغايتنا هي بيان حالة البلاد والأمة، وما نقلب ~~عليها من الحوادث والأحوال، وأما الحركات الحربية وذكر أسماء القواد والضباط، وتنقلات ~~الأورط والألايات، وإيضاح نقل الذخائر والمهمات، فهو من خصائص التاريخ الحربي، وقل أن ~~يدعو إلى اهتمام القراء الذين وضع لهم هذا الكتاب. # ويكفينا أن نقول: إن الإسكندرية لم تكن محصنة، ولم يكن لها جيش كاف للدفاع، لا من جانب ~~الدولة، ولا من جانب المماليك، فلم يأت ظهر ذلك اليوم، حتى كان نابوليون قد دخل المدينة ~~ونزل في دار القنصل الفرنسي، والتجأ السيد محمد كريم، ومن بقي حوله من الملتفين به إلى ~~حصن فرعون، وأما الأهالي فسلموا، ودارت المخابرات مع السيد محمد كريم طول ms089 ليلة الإثنين، ~~وانتهى الأمر بأن جاء هو ومن معه مستسلمين، وهكذا سقطت الإسكندرية، التي أسسها القائد ~~اليوناني الكبير، أعظم قواد العصور الأولى في يد نابوليون بونابرت، أعظم قواد العصور ~~الحديثة!! هكذا الدهر بالناس قلب. # قال الجبرتي: «فنادى الفرنسيس بالأمان في البلد، ورفع بنديراته عليها وطلب أعيان الثغر ~~فحضروا لديه فأمرهم بجمع السلاح وإحضاره إليه، وأن يضعوا «الجوكاد» في صدورهم فوق ملبوسهم، ~~والجوكاد ثلاث قطع من جوخ أو حرير أو غير ذلك، مستديرة في قدر الريال، سوداء وحمراء وبيضاء، ~~توضع بعضها فوق بعض بحيث تكون كل دائرة أقل من التي تحتها حتى تظن أن الألوان الثلاثة ~~كالدوائر المحيط بعضها ببعض.» # قال كتاب الفرنسيس: أما السيد محمد كريم فإنه قبل أعتاب نابوليون، وقال له: إنه أصبح ~~عبده ومولاه، وخطب بين يديه، فرضي عنه نابوليون وطلب منه أن يكون خادما للجمهورية ~~الفرنساوية، مساعدا لها على إبادة المماليك، وتأييد سلطة خليفة المسلمين، سلطان آل ~~عثمان!!!! فأجابه السيد كريم إلى ما طلب، فعين قومندانا للبوليس في الثغر فقام بواجبه خير ~~قيام؛ إذ أعاد النظام في المدينة وجمع السلاح وقدم للجيش الفاتح كل ما يحتاجه. # ويظهر من قول نابوليون للسيد كريم «إنه يريد إبادة المماليك» وتأييد سلطة خليفة المسلمين ~~سلطان آل عثمان» أنه كان في أول الأمر مصمما على اتباع السياسة التي اتبعها الإنكليز فيما ~~بعد في مصر، وهي حفظ سيادة آل عثمان، ودعوى المحافظة على حقوق الدولة، وأن الغرض الذي جاء ~~من أجله بالحملة الفرنسية هو لإبادة المماليك، كما كانت دعوى الإنكليز، إخضاع الثورة ~~العرابية ... # وأحسن ما وقفت عليه من بيان الخطة التي وضعها نابوليون نصب عينيه في سياسة مصر، هو ما ~~كتبه ذلك المؤرخ الكبير، والسياسي الخطير، مسيو تيير # Thiers # 3 # في تاريخ فرنسا الحديث، قال: # إن نابوليون الذي جمع بين كفاءة القائد العسكري، ودربة الإداري، ومهارة السياسي، ~~أدرك بثاقب فكره الخطة السياسية التي يجب اتباعها في مصر بمجرد وضع قدمه فيها، فكان ~~عليه أن ينظف البلاد من الذين يحكمونها فعلا، وهم المماليك الذين ms090 وجبت محاربتهم ~~سواء بالسيف أو بالسياسة، وكان ذلك من حقنا؛ لأنهم طالما أساءوا إلى الفرنسيين، ~~وطالما عاملوهم بالظلم والاستبداد، وأما فيما يختص بالباب العالي فكان من الواجب ~~التظاهر بعدم الرغبة في التعدي على حقوق سيادته، وإظهار احترام تلك الحقوق ~~ورعايتها، وكيفما كانت صفة تلك السيادة فإنها لم تكن ذات تأثير مهم، وفي الإمكان ~~الاتفاق مع الباب العالي إما على أن يتنازل عن مصر بإعطائه تعويضات عنها في مكان ~~آخر، وإما بتوزيع السلطة فيها توزيعا لا يسوءنا؛ لأن سماحنا بإقامة الباشا في ~~القاهرة، كما كان من قبل مقيما، مع تولينا السلطة التي كانت في يد المماليك، هو ~~غاية مطلبنا، أما فيما يختص بالأهالي فكان أول واجب علينا لتأليف قلوبهم معنا هو أن ~~نكسب الأغلبية، وهم المصريون المسلمون، وذلك يكون باحترام المشايخ وتمليق كبريائهم، ~~وتوسيع دائرة نفوذهم، وبالضرب على أوتار قلوبهم الحساسة، بنغمة كالنغمة التي ضربنا ~~عليها في إيطاليا، والتي توجد دائما في كل زمان ومكان، تلك هي نغمة إعادة مجد ~~الوطن القديم، وذكرى الدول العربية الإسلامية، وبذلك نتأكد من التسلط على البلاد ~~وحكمها تماما، وزيادة على ذلك، فإننا باحترامنا للحق في معاملة الناس وممتلكاتهم - ~~عند شعب اعتاد أن يعتقد أن فتح البلاد يعطي للفاتحين الحق في القتل والسلب والنهب - ~~مما يبعث فيهم الدهشة، ويرفع مكانة الجيش الفرنسي في عيونهم، وفوق كل هذا وذاك، ~~فإننا بمحافظتنا على الأعراض، واحترامنا لاسم النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، نستطيع أن نستولي على ~~القلوب، كما استولينا على البلاد. # ويؤيد الاعتقاد بأن نابوليون وضع لنفسه أساس هذه السياسة، الخطاب الذي بعث به إلى إدريس ~~بك قبودان السفن العثمانية في الميناء، وكانت ثلاث سفن فقط، وكبراهن السفينة المسماة «عقاب ~~بحري» وهي سفينة القبودان؛ إذ كتب له في اليوم الأول من وصول العمارة الفرنسية لمياه ~~إسكندرية يقول ما نصه: # إن البكوات أكثروا من سوء معاملتهم لتجارنا، وقد جئت للمطالبة بحقوقنا وسأكون ~~غدا في الإسكندرية، فلا يكون ذلك داعيا لقلقك؛ لأنك تابع صديقنا العظيم، ومولانا ~~سلطان تركيا، ولتكن خطتك تبعا ms091 لمقتضيات هذه السياسة، أما إذا بدر منك أقل معاملة ~~عدائية للجيش الفرنسي، فإنني أعاملك معاملة الأعداء وتكون أنت السبب فيه، الأمر ~~الذي هو أبعد الأشياء عن مرادي وفؤادي. # 4 # وقد روى سرهنك باشا في كتابه «حقائق الأخبار عن دول البحار» رواية أخرى، لم يذكر فيها ~~بالطبع هذا الخطاب، ولكن قال في باب البحرية بمصر في عهد ولاة الدولة العثمانية ما يأتي: ~~«وفي عهد السلطان سليم خان الثالث ازدادت أهمية البحرية العثمانية بما أدخل فيها من ~~الإصلاحات، وكانت عنايته السلطانية موجهة لزيادة قوة «الدونتمة» فعززها بالسفن الجسيمة التي ~~أمر بتشييدها، كالملايين والفراقيط والشهدية، وغير ذلك وخصص بعضها لحماية الثغور وأرسل ~~بعضها للديار المصرية، فكان في ثغر الإسكندرية منها ثلاث سفن حربية تحت قيادة إدريس بك ~~قبودان السفينة المسماة «عقاب بحري» عندما فاجأ بونابرت الديار المصرية بجيوشه وأساطيله، ~~ولما طلب بونابرت من إدريس بك أن يرفع العلم الفرنساوي بدلا من العثماني، توقف عن إجابة ~~هذا الطلب وطلب الإقلاع عن الميناء فصرح له نابوليون بذلك، فأقلع إلى الآستانة وأخبر بما ~~حصل، وكان أبو بكر باشا والي مصر وقتئذ قد هرب إلى غزة.» # 5 # وهذه الرواية مضطربة؛ لأن طلب نابوليون لرفع الراية الفرنسية بدل العثمانية لا يتفق مع ~~روح خطابه، ولا يسير مع خطته السياسية التي شرحناها، وها هو نابوليون في منشورة الذي وزعه ~~على أهالي مصر يسمح لهم برفع الرايات العثمانية؛ إذ يقول في المادة الثالثة «كل قرية تطيع ~~العسكر الفرنساوية تنصب أيضا صنجاق السلطان العثماني محبنا دام بقاؤه» ... وقوله: إن أبا بكر ~~باشا، والي مصر وقتئذ هرب إلى غزة إنما هو من باب التساهل أيضا؛ لأن أبا بكر باشا، لم يفر ~~إلى غزة إلا بعد انهزام المماليك في واقعة إمبابة، وخذلانهم في واقعة الصالحية في مديرية ~~الشرقية، على أنه لم يكن ثمت من داع لذكر هذه العبارة الأخيرة؛ لأن القبودان العثماني لم ~~تكن له صلة بوالي مصر، وكانت علاقاته مع الباب العالي مباشرة. # 6 # ومما يؤيد أن نابوليون وضع نصب عينيه اتباع ms092 سياسة «دعوى المحافظة على السيادة العثمانية» ~~قوله في المنشور الذي سبقت الإشارة إليه آنفا، وسنأتي على نصه بعد في مكانه «ومع ذلك فإن ~~الفرنساويين في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني، وأعداء ~~أعدائه أدام الله ملكه.» وقوله أيضا في ختام ذلك المنشور: «أدام الله إجلال السلطاني ~~العثماني.» # ومن الوسائل التي تذرع بها نابوليون لنشر دعوته في الشرق، وللتقرب من المسلمين والدولة ~~العثمانية، أن أصدر أمره # 7 # بإعادة السبعمائة أسير تركي، الذين فك إسارهم من مالطة إلى بلادهم بطريق البر، ~~وكان بعض أولئك الإسراء من أهالي طرابلس والجزائر وتونس ومراكش ودمشق وسوريا وأزمير ومن ~~الآستانة أيضا، وأمر بأن يصرف لهم الغذاء الحسن واللباس الجيد ، وأن يعاملوا معاملة خاصة ~~ووزعت عليهم مبالغ كافية من النقود يستطيعون بها السفر، وسلم إليهم بعض نسخ من المنشورات ~~التي أعدت لتوزيعها على الشعب المصري، وقصد بذلك أن يذيعوا خبر انتصار الفرنسيين وقوتهم ~~ونياتهم الحسنة نحو المسلمين، قال لاكروا: «ولم يسكت أولئك الأسرى عن نشر مكارم نابوليون ~~فكانت أقوالهم هذه سببا لالتفاف القلوب حوله، وأثرت تأثيرا حسنا في الشرق كله.» # ولم تقف رغبة الفرنسيين في التقرب من المسلمين، ودعوى إبقاء السيادة العثمانية على مصر ~~عند هذا الحد، بل اتخذ أيضا من الوسائل السياسية ما يلزم لذلك، فكلف «ليران» وزير ~~الخارجية، سفير الجمهورية الفرنسية في الآستانة أن يؤكد للباب العالي، أن فرنسا لا تريد إلا ~~أن تحل في مصر محل المماليك الذين استبدوا بالأمر وخلعوا سلطة جلالة السلطان، وأساءوا إلى ~~الجمهورية الفرنسية، بسوء معاملتهم لأبنائها الذين قضت عليهم أشغالهم بالوجود في ~~الإسكندرية، «من نص تعليمات وزير الخارجية» وسيظهر للقارئ أن كل هذه المجهودات والمساعي، لم ~~تفد أمام مساعي إنكلترا وسياستها، أو تحريضها الدولة على استرداد مصر. ~~••• # لما استقر قدم نابوليون بالإسكندرية شرع أولا في وضع نظام لحكومتها، فكان أول ما عمله أن ~~أصدر أمرا إلى القواد يقضي باحترام الدين، وحقوق الأهالي وممتلكاتهم، وقد جاء في هذا الأمر: # يريد القائد العام أن يترك للأتراك «بريد ms093 الأهالي» الحرية التامة في تأدية ~~واجباتهم الدينية في المساجد كما كانوا يفعلون من قبل، ويشدد كذلك في أن لا يدخل أي ~~فرنسي، جندي كان أو غير جندي في المساجد، ولا أن يحتشدوا على أبوابها، وعليكم أيها ~~القواد أن تصدروا الأوامر لكل ضابط فرقة بتلاوة هذه الأوامر على الجنود، وأن يقرأ ~~عليهم أيضا الأمر الخاص بتجنب النهب والتعدي، ولكم أن تعاقبوا كل مخالف لهذه ~~الأوامر بالقتل رميا بالرصاص، ومن المهم جدا أن يدفع الجنود ثمنا لكل ما ~~يبتاعونه في المدينة، وأن لا يسب الترك ولا يتعرض لهم؛ إذ يجب علينا أن نكون معهم ~~على صفاء وأن لا نحارب إلا المماليك. # وترك أمر الأحكام والفصل في القضايا للقضاة المسلمين ، ثم شكل ديوانا أو مجلسا بلديا، ~~مؤلفا من المشايخ وأعيان البلدة، قال أحد المؤرخين: إن نابوليون اختار سبعة من كبار ~~الإسكندرية ولم يذكر منهم إلا اثنين هما السيد محمد كريم السابق ذكره والشيخ محمد المسيري ~~كبير علماء الإسكندرية، # 8 # وفوض إليهم النظر فيما تحتاجه المدينة وأمهم أن يجتمعوا كل يوم مرة لتقدم لهم ~~الشكاوى ويتقاضى الناس أمامهم، وتوالى صدور أوامر نابوليون بتلك السرعة المدهشة، والذكاء ~~الباهر فكان من أوامره: # 9 # أمر بتشكيل قومسيون لتحديد قيمة النقود المختلفة. # أمر بإبدال سبائك الذهب والفضة التي مع الحملة وصكها نقودا من نقود ~~البلاد. # أمر بجمع الضرائب التي كانت مفروضة من قبل وجباية مبلغ قدره مائة وخمسون ألف ~~فرنك «ستة آلاف جنيه» كغرامة حربية. # أمر بإنشاء كورنتينة. # أمر بإنشاء مطابع مختلفة للغات الفرنسية والعربية والتركية ~~واليونانية. # لا شك أن نابوليون قد أثبت بهذه النظامات والأوامر، شديد رغبته في إرضاء المصريين والتقرب ~~إليهم بكل الوسائل، ولكن ضريبة مبلغ مائة وخمسون ألف فرنك على مدينة الإسكندرية، في حالها ~~التي كانت عليها، تعد من باهظ المغارم التي تنوء تحت حملها البلاد وقت فتحها، وقد يقال: وما ~~هو مبلغ ستة آلاف جنيه على ثغر كالثغر الإسكندري، يتبرع أهله للصليب الأحمر في زمن الحرب ~~الكبرى «عن طيب خاطر كما يقولون!!» بمبلغ اثني ms094 عشر ألف جنيه؟؟ ولكن يجب أن تقارن بين ثروة ~~الإسكندرية وتعداد سكانها في ذلك الحين، وثروتها وتعداد أهلها في الوقت الحاضر، فقد كان ~~سكان الإسكندرية ثمانية آلاف فقط على رواية الفرنسيين أنفسهم، فمعنى ضريبة ستة آلاف جنيه في ~~ذلك الزمن هي كضريبة سبعمائة وخمسون ألف جنيه على مدينة الإسكندرية في الوقت الحاضر، هذا ~~إذا كانت المقارنة بنسبة السكان فقط فكيف بالمقارنة مع الثروة؟؟ # صورة من الطبيعة: «نابوليون قبل الهجوم على الإسكندرية من كتاب مذكرات ~~الكابتن تورمان الذي كان في فرقة المهندسين العسكرية مع الحملة». # ولم يخسر الفرنسيون في فتح الإسكندرية أكثر من نحو أربعين قتيلا مع ثمانين إلى مائة من ~~الجرحى، ولكي يبعث نابوليون الحماسة في قلب الجيش أمر أن يدفن جميع الذين قتلوا في ~~الاستيلاء على الإسكندرية بجانب عمود السواري، وأن تحفر أسماؤهم عليه! وذكر المؤرخون أنه ~~قتل من عساكر الإنكشارية والأهالي نحو مائة نسمة. # وكان أول ما فكر فيه نابوليون هو تحصين ثغر الإسكندرية اتقاء البوارج الإنكليزية، فأصدر ~~أمره للضابط كريتين # Cretin # أحد رؤساء الفرق الهندسة، فقام ~~بذلك الأمر خير قيام، وأظهر من المهارة والعلم، ما جعل نابوليون يطريه إطراء عاليا في ~~مذكراته، التي كتبها بعد ذلك بسنين طوال. # وأخذ يستعد نابوليون للسير بجيشه لفتح مصر، والقضاء على المماليك فكان أول ما فكر فيه، ~~طبع منشور باللغة العربية، كتبه هو بنفسه بالفرنسية، كما أيد ذلك الثقاة، وعربه بلغة ركيكة ~~غير مضبوطة، وليست منطبقة على الأصل الفرنسي تماما، بعض المستشرقين والتراجمة الذين أحضرهم ~~معه، وطبع هذا المنشور في المطبعة العربية التي أحضرها وتاريخه 2 يوليو سنة 1798، الموافق ~~18 محرم سنة 1213 و14 ميسودور سنة 6 للجمهورية الفرنسية، ونحن مضطرون إلى أن نأتي على نص ~~هذا المنشور بحروفه، وتعبيراته الشاذة الركيكة، كما نقله الجبرتي، واعتمد عليه المؤرخون ~~الحديثون، ثم نعقب عليه ببيان الفوارق بين الأصل الفرنسي وترجمته: قال الشيخ الجبرتي: ~~«وقد كان الفرنسيس حين حلولهم بالإسكندرية كتبوا مرسوما وطبعوه وأرسلوا منه ~~نسخا إلى البلاد التي يقدمون عليها، تطمينا لهم، ووصل ms095 هذا المكتوب مع جملة من ~~الأساري الذين وجدوهم بمالطة، وحضروا صحبتهم، وحضر منهم جملة إلى بولاق ومعهم منه ~~عدة نسخ، ومنهم مغاربة، ومنهم جواسيس، وهم على شكلهم من كفار مالطة، ويعرفون ~~باللغات، وهذه صورة المكتوب: # بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، لا ولد له ولا شريك له في ~~ملكه # من طرف الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية والسر عسكر الكبير ~~أمير الجيوش الفرنساوية بونابرته ... يعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمن مديد، ~~الصناجق الذين يتسلطون في البلاد المصرية يتعاملون بالذل والاحتقار في حق ~~الملة الفرنساوية، ويظلمون تجارها بأنواع الإيذاء والتعدي فحضر الآن ساعة ~~عقوبتهم، وأخرنا من مدة طويلة هذه الزمرة المماليك المجاوبين من بلاد ~~الإبازة والجراكسة يفسدون في الإقليم الحسن الأحسن الذي لا يوجد في كره ~~الأرض كلها، فأما رب العالمين القادر على كل شيء، فإنه قد حكم على انقضاء ~~دولتهم، يا أيها المصريون قد قيل لكم إنني ما نزلت بهذا القطر إلا بقصد ~~إزالة دينكم، فذلك كذب صريح فلا تصدقوه وقولوا للمفترين إنني ما قدمت إليكم ~~إلا لأخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه ~~وتعالى، واحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا أيضا لهم إن جميع الناس ~~متساوون عند الله، وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل ~~والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب، فماذا يميزهم عن غيرهم ~~حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم ويختصوا بكل شيء أحسن فيها من الجواري ~~الحسان، والخيل العتاق، والمساكن المفرحة! فإن كانت الأرض المصرية التزاما ~~للمماليك فليرونا الحجة التي كتبها الله لهم، ولكن رب العالمين رءوف وعادل ~~حكيم، ولكن بعونه تعالى من الآن فصاعدا لا ييأس أحد من أهالي مصر عن ~~الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العالية، فالعلماء والفضلاء ~~منهم سيديرون الأمور وبذلك يصلح حال الأمة كلها، وسابقا كان في الأراضي ~~المصرية المدن العظيمة، والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر، وما أزال ذلك ~~كله إلا الظلم والطمع من المماليك. # أيها المشايخ والقضاة والأئمة والجربجية، وأعيان البلد، ms096 قولوا لأمتكم إن ~~الفرنساوية هم أيضا مسلمون مخلصون، وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية ~~الكبرى وخربوا كرسي البابا الذي كان دائما يحث النصارى على محاربة ~~الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطة وطردوا منها الكوالليرية # 10 # الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين، ~~ومع ذلك الفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان ~~العثماني وأعداء أعدائه، أدام الله ملكه، ومع ذلك أن المماليك امتنعوا عن ~~إطاعة السلطان غير ممتثلين لأمره فما أطاعوا أصلا إلا لطمع أنفسهم. # طوبى ثم طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير فيصلح حالهم، وتعلى ~~مراتبهم! طوبى أيضا للذين يقعدون في مساكنهم غير مائلين لأحد من الفريقين ~~المتحاربين، فإذا عرفونا بالأكثر تسارعوا إلينا بكل قلب، لكن الويل ثم ~~الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا، فلا يجدون بعد ذلك طريقا ~~إلى الخلاص ولا يبقي منهم أثر. # ثم اتبع هذا بخمس مواد للإرهاب، ولتكون بمثابة تعليمات للمصريين، نأتي على نصها: # المادة الأولى: # جميع القرى الواقعة في دائرة قريبة بثلاث ساعات عن المواضع التي يمر بها ~~عسكر الفرنساوية فواجب عليها أن تبعث للسر عسكر من عندها وكلاء لكيما يعرف ~~المشار إليه أنهم أطاعوا، وأنهم نصبوا علم الفرنساوية الذي هو أبيض وكحلي ~~وأحمر. # المادة الثانية: # كل قرية تقوم على العسكر الفرنساوية تحرق بالنار. # المادة الثالثة: # كل قرية تطيع العسكر الفرنساوي أيضا تنصب صناجق السلطان العثماني محبنا ~~دام بقاؤه. # المادة الرابعة: # المشايخ في كل بلد يختمون حالا جميع الأرزاق والبيوت والأملاك التي تتبع ~~المماليك، وعليهم الاجتهاد التام لئلا يضيع أدنى شيء منها. # المادة الخامسة: # الواجب على المشايخ والعلماء والقضاة والأئمة أنهم يلازمون وظائفهم، وعلى ~~كل أحد من أهالي البلدان أن يبقى في مسكنه مطمئنا، وكذلك تكون الصلاة ~~قائمة في الجوامع على العادة، والمصريون بأجمعهم ينبغي أن يشكروا الله ~~سبحانه وتعالى لانقضاء دولة المماليك قائلين بصوت عال: # أدام الله إجلال السلطان العثماني! # أدام الله إجلال العسكر الفرنساوي! # لعن الله المماليك! # وأصلح حال الأمة المصرية. # نقل هذا ms097 المنشور المرحومان جورجي بك زيدان وشارويم بك في كتابيهما عن تاريخ مصر الحديث، ~~وغير فيه الأول بضع كلمات بما يقابلها فكلمة «شرع» بدل «متساوون» في قوله: «متساوون عند ~~الله» و«الكرج» بدل «الجركس»، ونسي الثاني كلمة «دينكم» في قوله: «إنني جئت لإزالة دينكم» ~~فكتبها «لإزالتكم» «وما أظن ذلك عن قصد» وكان الأولى بهما مقارنة الأصل بالترجمة، ونحن قبل ~~أن نأتي على ما بين الأصل والتعريب من الفوارق، نقول: إن نابوليون قد أتعب نفسه وتراجمته ~~ومطبعته، بغير فائدة؛ لأن هذا المنشور بما فيه من حقائق من حيث صفة المماليك وتخريبهم أرض ~~مصر، وتمويهات كدعوى الإسلام وعبادة الله، واحترام النبي والقرآن، وبما فيه من ترغيب، ~~وترهيب «لا يساوي عند المصريين بصلة» كما يقول العوام في تعبيراتهم، وذلك لأسباب كثيرة، ~~منها أن المصريين مغلوبون على أمرهم، ولا حول لهم ولا قوة، فقد كانوا إذ ذاك كالأغنام ~~والحمير، لمن غلب وركب، ومنها أنهم مع ما أصيبوا به من الذل والهوان، تحت نير المماليك ~~والأتراك، لا يميلون لقبول سلطة مسيحية، ولا يرضون بغير الأتراك المسلمين بديلا، والدليل ~~على ذلك اضطرابهم عند قرب الفرنسيس وقيام الكثيرين منهم بمهاجرة الديار، وما أظهروه من ~~الجزع ليلة قدوم الفرنسيس في الجهة الشرقية من النيل، واستعدادهم جميعا لمقاتلة القادمين، ~~ولو بالعصي والنبابيت، ومن أكبر الأدلة أنهم على الرغم من حسن معاملة الفرنساويين لهم، ~~وترتيب نظام إداري عادل لأحوالهم، ثاروا ضد نابوليون وجنوده ورجاله وعلمائه مرتين في مدة ~~أقل من سنتين كما سيجيء تفصيل ذلك، وهم لم يثوروا ضد مظالم الأتراك والمماليك طول هاتيك ~~القرون مرة واحدة، اللهم إلا أن تكون تلك «الهيصة» التي قام بها الشيخ الشرقاوي، لتعدي ~~الألفي بك على ممتلكاته، حيث جمع فيها بعض المشايخ، وانتهت كأنها لم تكن، ولكن نابوليون ~~معذور في تصوره أن في مصر، كما في غيرها من البلاد، أمة تحكم العقل، وتفهم قيمة صوالحها، ~~وأن لها شيئا من المقدرة على رد مكروه، وأنها تعزز، أو تضعف، إن مالت إلى جهة، أو انحرفت ~~عن أخرى، فلذلك ms098 كتب ذلك المنشور البديع في بابه معنى وسياسة، من الوجهة السياسية الفرنسية، ~~ولا غضاضة عليه في ذلك. # أما الخلاف بين الأصل والتعريب - مع التجاوز عن سوء الترجمة وأغلاطها - فهو أن الأصل في ~~خزائن وزارة الحربية الفرنسية، والموجود في مكاتبات نابوليون تحت نمرة 2723، ليس فيه ذكر في ~~مقدمته «لا بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا هو لا شريك له» وليس فيه عبارة «ومن طرف ~~الفرنساوية المبني على أساس الحرية والتسوية»، بل جاء في أوله: «من بونابرت عضو الانستيتو ~~ناسيونال، والقائد العام»، وأوله «أنه من زمان مديد ... إلخ» ... وجاء في الأصل: «وأنني أكثر من ~~المماليك احتراما لله ولنبيه وللقرآن» وفي التعريب «أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه ~~وتعالى أحترم نبيه والقرآن العظيم» وليس في الأصل مطلقا قوله: «قولوا إن الفرنساويين هم ~~أيضا مسلمون مخلصون»، والذي فيه هو: «قولوا إننا أصدقاء للمسلمين الصادقين» وفرق بين ~~العبارتين كبير، ولسنا ممن يظن أن هذا الخلاف قد جاء عفوا من سوء الترجمة، بل هو مقصود؛ ~~لأن نابوليون لا يكتب بلغته عبارات يعرف أنها ستحفظ عليه في التاريخ، وتعرض من أعدائه، أمام ~~قومه، لتشويه سمعته، وكان أحرص الناس وأنفذهم نظرا إلى هذين الأمرين، وإنما حور المترجمون ~~عباراته ووافق هو على ذلك التحوير، وأعقب نابوليون هذا المنشور بخطاب كان قد كتبه وأعده وهو ~~على ظهر الباخرة «أوريان» في 30 يونيو؛ أي: قبل الإشراف على الإسكندرية بيوم واحد، وهذا ~~الخطاب موجه للسيد أبي بكر باشا الذي كان واليا على مصر من قبل الدولة العثمانية، وقد بعث ~~الخطاب المذكور مع ضابط تركي من ضباط السفن التي كانت راسية بالميناء، وهذا هو نص الخطاب: # إن الإرادة التنفيذية للجمهور الفرنساوي طالما طلبت من الباب العالي معاقبة ~~البكوات المماليك لسوء معاملتهم للتجار الفرنسيين، فكان جواب الباب العالي دائما ~~أن أولئك المماليك أشخاص أدنياء طماعين، ولا يحترمون مبادئ العدل وأن الباب العالي ~~لا يكتفي فقط لعدم السماح لأولئك المماليك بإساءة أصدقائه الصادقين من الفرنسيس، بل ~~يشملهم برعايته وعنايته كلما تيسر له ذلك. # فلذلك ms099 قررت الجمهورية الفرنسية إرسال جيش عظيم للقضاء على مظالم المماليك في مصر، ~~كما اضطرت إلى عمل مثل ذلك مرارا في خلال القرن الحالي مع باي تونس ومع الجزائر، ~~فأنت الذي كان من الواجب أن تكون السيد المطاع على البكوات، وقد أصبحت بغير جاه ولا ~~نفوذ، جدير بأن تتلقى نبأ قدومي بالسرور والانشراح، وأنت بالطبع تعلم أنني لم آت ~~للتعرض للدين والشرع، ولا للقيام بأمر ضد السلطان، وكذلك لا بد أنك تعرف أن الأمة ~~الفرنسية هي الحليفة الوحيدة للسلطان في أوروبا، فهلم إذا إلى مقابلتنا والعن معنا ~~المماليك وعنصرهم الخبيث. # 11 # بونابرت # والظاهر أن هذا الخطاب لم يصل إلى يد بكير باشا أو أن وصل إليه ولم يجب عليه. # بعد هذه المنشورات التي وزعها، والكتب التي بعث بها إلى الباشا الوالي وقومندان السفينة ~~التركي، شرع نابوليون - كما سيراه القارئ مفصلا بعد - في تفهم النفسية المصرية، فأخذ يكثر ~~من الاجتماع بالشيخ المسيري، ومحمد كريم، ويدعو العربان إلى المآدب، ويشتري منهم الخيول، ~~ويعد العدة للسير بالحملة إلى القاهرة، وامتلاك ما في القطر المصري من قرى وبنادر ... فلنسر ~~معه حتى نرى! # | هوامش # الفصل الرابع # | استعداد الحملة للسير في فتح مصر # كانت إقامة نابوليون في الإسكندرية سبعة أيام فقط، وما كان ليقيم فيها هذه المدة على ~~قصرها، لما جعله أساسا لنجاحه من قيمة الزمن، لولا حاجته إلى أمور كثيرة: منها تدبير مسألة ~~الأسطول، وإنزال ما فيه من المدافع الثقيلة، وآلات الحرب العديدة، ومنها حاجته إلى الخيول ~~للخيالة؛ لأنه لم يحضر معه كما ورد في الجدول السابق نشره، سوي 680 جوادا، مع أن معه أربعة ~~آلاف جندي من الخيالة، ولم ينس أن يحضر معه السروج، والأعنة والأدوات اللازمة لكل ~~جواد. # ولم يكن في الإسكندرية ما يكفي لهذا القدر من الخيول، فالتزم أن يستعين بالسيد محمد كريم ~~على شراء الخيول اللازمة من عرب البحيرة، وكان من اللازم له عدا شراء الخيول منهم، أن يتودد ~~إليهم لكيلا يعاكسوه، ويقطعوا خطوط مواصلاته في سيره، ولما كان للسيد محمد كريم ms100 بصفته أكبر ~~حاكم في الإسكندرية، من النفوذ على الأعراب ولحاجتهم دائما إلى النقود، لبوا الأمر سراعا ~~فاجتمع منهم في يوم 4 يوليو ثلاثون شيخا من شيوخ قبائل الهنادي، وأولاد علي، وبني يونس، في ~~ساحة المعسكر الفرنسي فأحسن نابوليون مقابلتهم وتودد إليهم، وكتبوا معه عقدا تعهدوا فيه ~~بأن يجعلوا الطريق من الإسكندرية إلى دمنهور آمنا، وأن يوردوا ثلاثمائة رأس من الخيل، في ~~مقابل مائتين وأربعين جنيها # 1 # ذهبا، وخمسمائة هجين في مقابل مائة وعشرين جنيها وأن يقدموا ألف جمل مع ~~قادتها لحمل الأثقال، وأن يطلقوا سراح الأسرى الفرنسيين الذين قبضوا عليهم في مناوشاتهم قرب ~~الإسكندرية، وقبضوا مقدما مبلغ ألف بنتو ذهبا فسر نابوليون بهذه النتيجة سرورا كبيرا ~~وشرب وأكل مع أولئك الأعراب وقد حضروا في اليوم الثاني وقدموا ثمانين حصانا، ونحو مائة ~~جمل، ووعدوا بالباقي في الأيام التالية، وجاءوا باثني عشر جندي فرنسي كانوا لديهم ~~أسرى. # وكانت رغبة نابوليون قائمة على الوصول إلى القاهرة قبل فيضان النيل الذي يفيض في شهر ~~أغسطس، ولذلك صمم على متابعة السير في الحال إلى عاصمة البلاد فبدأ أولا بوضع حامية مؤلفة ~~من ثمانية إلى تسعة آلاف جندي في الإسكندرية تحت قيادة الجنرال «كليبر» الذي جرح في محاولته ~~دخول الإسكندرية، ولم يكن قد شفي من جراحه وأصدر إليه عدة أوامر في خطاب مطول # 2 # نكتفي باقتطاف ما يأتي منها: # إنك تتولى يا مواطني الجنرال قوموندانية الإسكندرية وأبا قير والصف ~~المتحرك # 3 # المخصص للبقاء في ساقة الجيش لتسهيل المواصلات فيه، وعليك مراقبة إنشاء ~~الكورنتينة، وإعداد مستشفيين واحد للجرحى وآخر للمرضى، وأرجو أن تكون علاقاتك مع ~~العربان، ووقوفك على حركاتهم، على غاية ما يرام، وأن تحافظ على احترام العلماء ~~وأعيان البلد، وسيذهب الأسطول ليرسو في مياه أبي قير ويلزم أن يرسو في جهة بحيث ~~يكون في مأمن من الطوارئ، تحت حماية الطوابي التي يلزم إقامتها هناك، ولعلك تدرك من ~~هذا أهمية الإسراع في إنشاء تلك الاستحكامات، ومن المهم جدا أن يسارع الصف ~~المتحرك الذي تحت قيادة الجنرال دومي ms101 ~~(Dumay) # إلى ~~احتلال نقطة السكربون # 4 # الواقعة بين الإسكندرية ودمنهور حيث توجد مياه كثيرة، وأن ينصح له ~~بتنظيف الآبار الموجودة في جهة «البيضة» ومن الضروري جدا أن تبقى مواصلات ~~الإسكندرية ورشيد على غاية ما يرام بواسطة القوارب في البحيرة، وسيبعث لك ديوان ~~أركان الحرب بالنظام الذي وضعه لإدارة الأحكام في البلاد، فمن الواجب كثيرا تعويد ~~القوم تدريجيا على أخلاقنا وتصرفاتنا، وأن نترك في أيديهم مجالا واسعا من سلطة ~~إدارة أمورهم الداخلية، وبالأخص يلزم عدم التدخل في شيء من المسائل التي لها مساس ~~بالشرع والدين، وفوق ذلك كله أرجوك أن لا تفرط في إجهاد نفسك بحيث تضر بصحتك، التي ~~هي أهم لدي وللجيش، من كل شيء، ولك السلام. # بونابرت # وفي هذه الأوامر من دقائق الحكم، وحسن الإدارة، واجتذاب القلوب، ما لا يخفى على المفكر في ~~تاريخ ذلك الرجل العظيم، وأهم ما في هذه الأوامر إشارته إلى حماية الأسطول من غارة نلسون، ~~التي وقعت على الرغم من كل ذلك بعد شهر واحد من وصول الجيش الفرنسي إلى الإسكندرية، كما ~~سنشرحه في مكانه، ولكن المهم ذكره هنا، هو أن نابوليون كان على حذر من الأسطول الإنكليزي، ~~وكان يعلم علم اليقين أنه إن قضي على سفنه بالدمار، فقد قضي على كل آماله ومشاريعه في مصر ~~خصوصا والشرق عموما، ولذلك كان همه منذ وصل إلى الإسكندرية أن يبحث عن طريقة تقي الأسطول ~~من الخطر، فكتب إلى الأميرال برويس يقول «تاريخ 3 يوليو»: # إن القائد العام يريد منك اتخاذ كل الوسائل لإنزال كل ما يخص الجيش إلى البر، ~~ويعتقد القائد العام أنك ولا بد قد جسست عمق البحر؛ ولذلك يود أن يدنو الأسطول من ~~الميناء؛ لأن وجوده بعيدا غير موافق لمصلحة مواصلاتنا. # 5 # وكان نابوليون يميل إلى دخول الأسطول في ميناء الإسكندرية لحمايته بأسرع ما يمكن، ولكن ~~حصل خلاف بين رجال البحرية فيما يختص بسعة قاع الميناء لقبول سفن كبيرة كالتي مع الأسطول، ~~فقال القبودان باريه # Barré # بإمكان ذلك، ولم يوافق عليه ~~الأميرال وبقية القبودانات الآخرين، ms102 وكان من أمر رسوه في مياه أبي قير ما كان. # وقد أوضحنا هذه النقطة لعظيم أهميتها في مركز الفرنسيين بالقطر المصري، ولأن نابوليون ~~طالما ندد بالأميرال برويس وشكا نتيجة تساهله وعدم الحيطة اللازمة، ولمؤرخي الفرنسيين ~~مجادلات في هذه المسألة يطول شرحها. # وكان آخر ما كتبه نابوليون بالإسكندرية الخطاب الآتي الذي بعث به إلى السيد محمد كريم: # المعسكر العام - 7 يوليو 1798 - إلى السيد محمد كريم # 6 # لقد سر القائد سرورا كبيرا بحسن سلوككم منذ دخول الجيش الفرنسي فلذلك يمنحكم ~~وظيفة محافظ دائرة الإسكندرية، وسنبعث لكم أوامرنا على يد الجنرال كليبر، قومندان ~~عموم الجهة، وذلك لا يمنع السيد محمد كريم من أن يكتب للقائد العام في جميع الأحوال ~~متى أراد، وعليكم أن تقدموا للجنرال كليبر كل ما يطلبه من مستلزمات الجيش الفرنسي ~~وبوليس دائرة العربان. # بونابرت # ولكن السيد محمد كريم هذا ، على الرغم من هذه المعاملة الحسنة، وتلطف نابوليون في مخاطبته ~~وثقته به، لم يحفظ للفرنساويين حرمة، ولم يرع لهم عهدا، وكان كعادة أبناء جنسه وزمنه، ~~وكعادة أبناء وطنه، إلى وقتنا هذا لا يثبتون على رأي واحد؛ إذ بينما هم مع هؤلاء؛ إذ هم مع ~~أولئك ... وعذرهم في هذا قصر نظرهم من جهة، وخوفهم من التقلبات من جهة أخرى، زيادة عما ربوا ~~عليه من أثر الذلة والمسكنة وضعف الإرادة، فقد وجد الفرنسيون معه بعد ذلك، مكاتبات بعث بها ~~وراء ظهورهم إلى مراد بك، يحرضه على الغارة على الإسكندرية، فجاءوا به من الثغر ذليلا ~~ومثلوا به تمثيلا، إلى غير ذلك مما سيأتي في مكانه مفصلا ... # ومن أسرار نجاح نابوليون في حروبه، الإسراع والحيطة، فإنه ما كاد يضع قدمه يوم 2 يوليو في ~~الإسكندرية، حتى أصدر أمره مساء ذلك اليوم للجنرال ديزيه بالتقدم بفرقته للاستيلاء على قرية ~~«البيضة»، وهي على بعد ثلاثة فراسخ من الإسكندرية لكي يكون ذلك بمثابة النقطة الأمامية لقوى ~~الجيش التي تتقدم دائما إلى الأمام، وتنذر بالخطر إن كان هناك هجوم من العدو، ومما يجب ~~ذكره ما أوصى به نابوليون ms103 الجنرال ديزيه قبل تحركه لتلك النقطة الأمامية؛ إذ قال له في ~~أوامره: «أن لا تستعمل المدفعية ما استطعت ولا تسلط المدافع على المساكن، وأهم شيء لدينا هو ~~إخفاء ما عندنا من وسائل القوة الغربية، فلا تستعملها إلا حيث تضطر لمقاومة قوة كبيرة ~~جدا.» # 7 # ثم أصدر أمرا آخر بأن تكون فرقة الجنرال «بون» على بعد فرسخ واحد من ~~الإسكندرية بحيث تكون واسطة المخابرات بينه وبين الجنرال ديزيه. # ومما يجب ذكره هنا أنه كان أمام نابوليون طريقان لنقل جيشه إلى شاطئ النيل، أحدهما من ~~رشيد والثاني من الإسكندرية إلى دمنهور فالرحمانية، والأول سهل لوجود الماء، ولكن رشيد كانت ~~لا تزال في حوزة المماليك، وربما خشي مقاومة منهم فيها، وهو يريد الإسراع للاستيلاء على ~~القاهرة، فلذلك اختار الثاني ووضع نظامه على ذلك. # جاء في المذكرات التي أملاها نابوليون في سانت هيلانة ما يأتي: # وكنا في شهر يوليه وقد قرب النيل أن يغمر الأرض بمياهه، فأراد بونابرت أن يصل إلى ~~القاهرة قبل الفيضان، ولم يكن بونابرت يجهل أن تحت ستار التقاليد القديمة تختفي ~~الحقائق أحيانا، وأنه يجب على الإنسان أن يدرس الأمور قبل أن ينشر نفوذه على ~~البلاد التي يريد افتتاحها، وأن يفهم أن القوة المسلحة وحدها، ليست الضمان الوحيد، ~~وكان يعرف طبقا للتقاليد المألوفة، أن احتلال القاهرة بمثابة احتلال مصر كلها، فمن ~~الواجب عليه أن يسرع في وضع يده على المدينة المقدسة ليقضي بقوة الذعر والخوف، على ~~روح الخرافات والأوهام التي تسود الشعب، فيحرك جيشه ليصل إلى غرضه، وترك حامية ~~مؤلفة من ثمانية أو تسعة آلاف رجل في الإسكندرية وسلم قيادتها، وكذلك قيادة الفرق ~~التي كانت في عهدة الجنرال «ديموي» إلى «كليبر» الذي اضطرته جروحه للبقاء وعدم ~~استطاعته السير. # وفي اليوم السادس من يوليو بدأت الحملة سيرها من الإسكندرية إلى دمنهور مما سنفرد له ~~فصلا خاصا بعد أن ننتقل بالقارئ إلى القاهرة، ونروي له ما حصل فيها، وكيف كان وقع خبر ~~احتلال الفرنسيس على أفئدة المماليك والأهالي. # | هوامش # الفصل الخامس # | في القاهرة ms104 # لم يذكر لنا الجبرتي بالضبط متى وصل إلى القاهرة، خبر دخول البوارج الفرنساوية في مياه ~~الإسكندرية، وكل ما قاله بعد كلمات قلائل عن احتلال الإسكندرية العبارة الآتية: # ولما وردت هذه الأخبار إلى مصر، حصل للناس انزعاج، وعول أكثرهم على الفرار ~~والهياج ... # وكذلك لم يعتن المؤرخون الحديثون بضبط اليوم الذي وصلت فيه الأنباء إلى القاهرة؛ لأننا ~~نعرف أن السيد محمد كريم بعث لمراد بيك بنبأ ظهور العمارة الفرنسية بمجرد ظهورها، أو بعد ~~رسو القارب، الذي يقل القنصل الفرنسي للبارجة «أورويان»، ويقع ذلك في يوم الأحد 17 محرم سنة ~~1213، وأول يوليو سنة 1798، فكم كان يلزم من الأيام لوصول الأخبار إلى القاهرة بأسرع ما ~~يمكن؟ كان لا بد من أربعة أيام على الأقل للفارس المجد، فتكون الأخبار قد وصلت إلى القاهرة ~~ظهر يوم الخميس 5 يوليو، والظاهر أن هذا هو الصواب؛ لأن الجبرتي يقول: «وأخذوا في الاستعداد ~~وقضاء اللوازم والمهمات، وارتحل مراد بك بعد صلاة الجمعة.» وهو اليوم التالي لعقد المجلس ~~وقرار ما اتفق عليه. # وكان السيد محمد كريم حين أبصر تلك العمارة الفرنسية، وهاله أمرها، كتب إلى مراد بك يقول: ~~إن العمارة التي حضرت إلى ميناء الإسكندرية تتألف من سفن كثيرة لا أول لها يعرف، ولا آخر ~~لها يوصف، فبالله ورسوله أدركونا بالرجال، وتوالت رسائله بالأخبار المنقطعة، حتى قيل - كما ~~روى أحد المؤرخين - إنه بلغ عدد الرسل الذين بعث بها السيد محمد كريم، ثلاثة عشر رسولا في ~~يوم واحد، وهو يوم الأحد أول يوليو. # جاء في كتاب تاريخ فرنسا الحديث، الذي سبقت لنا الإشارة إليه، البيان الآتي: # ولما قرأ مراد بك التحرير الذي بعث به السيد محمد كريم غضب غضبا شديدا ورمى به ~~إلى الأرض، وهاج وماج، وسار إلى منزل إبراهيم بك (كان مراد بك بقصره في الجيزة، ~~وإبراهيم بك في سراية بقصر العيني) واجتمع به مدة وشاع الخبر في كل القاهرة فهاج ~~الأهلون وخافوا، واجتمع الأمراء والأعيان في قصر إبراهيم بك، وحضر أبو بكر باشا ~~والي الدولة العليا من القلعة السلطانية، ms105 واجتمع كل قواد المماليك والأعيان، وهم ~~إبراهيم بك الكبير، ومصطفى بك الكبير، وأيوب بك الكبير، وإبراهيم بك الصغير، ومراد ~~بك الصغير، وسليمان بك أبو دياب وعثمان بك الشرقاوي، ومحمد بك الألفي، ومحمد بك ~~المنوفي، وعثمان بك البرديسي، وعثمان بك الطوبجي، وقاسم بك أبو شنب، وقاسم بك أبو ~~البحر، والأمير مرزوق بن إبراهيم بك الكبير، وعثمان بك الطويل، ومن العلماء الشيخ ~~السادات، والشيخ عبد الله الشرقاوي، والشيخ سليمان الفيومي، والشيخ مصطفى الصاوي، ~~والشيخ محمد المهدي، والشيخ خليل البكري، والسيد عمر مكرم نقيب الأشراف، والشيخ ~~العربي، والشيخ محمد الجوهري، وكثيرون غيرهم وأخذوا يبحثون في مجيء الفرنساويين ~~وفتحهم الإسكندرية ويستغربون ذلك الأمر جدا، أما مراد بك فكان يعلم أن الدولة ~~العلية مغتاظة منه؛ ولذلك قال لوزيرها «أي: للوالي»: «إن الفرنساويين لم يدخلوا هذه ~~الديار إلا بإذنها.» # اعتمد مراد بك في قوله هذا، على العبارة الواردة في منشور نابوليون بأنه قادم للقضاء على ~~المماليك، وأنه صديق الدولة والسلطان ... إلخ، ثم قال أيضا: ~~«ولا ريب أن حضرة الوزير يقدر أن يخبرنا بشيء عن ذلك غير أنه لا بد أن تسعفنا ~~العناية على الاثنين.» «يعني الفرنسيس والترك» فأجابه الوزير قائلا: أيها الأمير، ~~أنه لا يليق بك أن تتكلم بمثل هذا الكلام؛ لأنه لا يمكن أن تسلم الدولة العثمانية ~~لدولة نصرانية أن تستولي على بلاد إسلامية، فدعوا عنكم هذا المقال، وانهضوا جميعا ~~كالأبطال، وصادموا الذين أتوا ليفتحوا بلادكم، وبعد ذلك أجمعوا رأيهم على أن يسجنوا ~~قنصل فرنسا وجميع التجار الفرنساويين المقيمين بالقاهرة، خوفا من الخيانة فسجنوهم ~~في قلعة الجبل. # نقلنا هذه العبارة من كتاب الشيخ الدحداح، بنصها حرفيا؛ لأن الجبرتي لم يأت على شيء من ~~هذا التفصيل، وهو إذ ذاك يقيم بالقاهرة، وله اتصال تام بكثير من الأمراء والشيوخ الذين ~~حضروا ذلك المجلس، وكل ما قاله في ذلك الصدد «إنه اجتمع بإبراهيم بك ومراد بك باقي الأمراء ~~والعلماء والقاضي، وتكلموا في شأن هذا الأمر الحادث، فاتفق رأيهم على إرسال مكاتبة بخبر هذا ~~الحادث إلى إستامبول، وأن مراد ms106 بك يجهز العساكر لملاقاتهم وحربهم، وانقضى المجلس على ذلك، ~~وكتبوا المكاتبة وأرسلها بكر باشا مع رسوله عن طريق البر ليأتيه بالترياق من العراق.» ا.ه. ~~والعبارة الأخيرة مثل معروف في مصر، والمراد به استحالة وصول المعونة من جانب تركيا، ويروى ~~عادة بالتعبير الآتي: «على ما يأتوا بالترياق من العراق يكون العليل مات!»، وذلك يدلنا على ~~أن الجبرتي وأمثاله من المشايخ والمصريين لم يكونوا مخدوعين في قوة الدولة وإمكانها إسعاف ~~مصر!!! # وفي رواية عن كتب الفرنسيين أنه لما وصلت الأخبار إلى القاهرة، بأن جيشا من الكفار «كذا» ~~هبط أرض مصر، وأن عدده كثير، وكل جنوده من المشاة وليس فيهم خيالة، طرب المماليك وكشافهم، ~~وأنيرت القاهرة زينة، وقال المماليك: ما هؤلاء الجنود الكفار إلا كحب «الفستق» للكسر والأكل ~~«ولو كانوا مائة ألف لأفنيناهم عن آخرهم» وأخذ كل واحد منهم يعد بقط مائة رأس من رءوسهم!!! ~~ا .ه. # فأما دعاوى المماليك، وغرورهم بأنفسهم فقد يكون صحيحا، وأما إن القاهرة أنيرت للزينة ~~فغير صحيح، إلا أن تكون الإنارة من الخوف والفزع!! # ورواية الجبرتي في هذه النقطة أصدق الروايات، وهو القائل: «وفي أثناء خروج مراد بك ~~والحركة، حركة الاستعداد، بدأت الوحشة في الأسواق، وكثر الهرج بين الناس والإرجاف، وانقطعت ~~الطرق، وأخذت «الحرامية» في كل ليلة تطرق أطراف البلد، وانقطع مشي الناس والمرور في الطرق ~~والأسواق، من المغرب، فنادى الأغا والوالي بفتح الأسواق والقهاوي ليلا، تعليق القناديل على ~~البيوت والدكاكين.» # وأخذ مراد بك في الاستعداد للسفر لمقاومة الفرنساويين، قال الجبرتي وهو شاهد عيان: ~~«وأخذوا في الاستعداد للثغر (ربما كان الأصل للسفر) وقضاء اللوازم والمهمات في مدة خمسة ~~أيام، فصاروا يصادرون الناس، ويأخذون أغلب ما يحتاجون إليه بدون ثمن، ثم ارتحل مراد بك بعد ~~صلاة الجمعة وبرز خيامه ووطاقه إلى الجسر الأسود، فمكث به يومين حتى تكامل العسكر وصناجقته، ~~وعلي باشا الطربلسي وناصف باشا، وأخذ معه عدة كثيرة من المدافع والباردو وسار من البر مع ~~العساكر والخيالة، وأما الرجالة «الراجلون؛ أي: المشاة وهم الالداشات القلينجية والأروام ~~والمغاربة»، فإنهم ms107 ساروا في البحر مع الغلايين الصغار التي أنشأها الأمير المذكور.» # فيؤخذ من رواية الجبرتي أن مراد بك تحرك بالجيش الذي جمعه من الخيالة برا، والمشاة ~~بحرا في النيل، في يوم الأحد 14 محرم، 8 يوليو، بدليل قوله بعد ذلك «وفي يوم الاثنين وردت ~~الأخبار بأن الفرنسيس وصلوا إلى دمنهور، وفعلا كان وصول نابوليون لدمنهور في الساعة ~~الثانية من صباح يوم 9 يوليو، وكانت مقابلة الجيش الفرنسي لمراد بك وجنده وقواربه، عند ~~شبراخيت في يوم الجمعة 13 يوليو فكأن مراد بك قضى أربعة أيام في السير من الجيزة إلى ~~شبراخيت. # ولم يرد في الجبرتي، ولا فيما كتب بعده، أدنى بيان لمقدار القوة التي سار بها مراد بك، ~~ولا غرابة أن لا يذكر الجبرتي عددا معينا، فما نظن أن مراد بك نفسه كان يعرف عدد جنوده من ~~خيالة ومشاة، وهكذا كان نظامهم!! إلا أن الشيخ الدحداح، وهو كما قلنا ناقل عن المصادر ~~الفرنسية يقول: إن مراد بك ركب في جيش جرار يفوق العشرين ألف مقاتل وجمع غفير من فرسان الغز ~~والبدو وسار بهم إلى الرحمانية، وهذه مبالغة غير معقولة، وكذلك «لاكروا» وهو ناقل من ~~المصادر الرسمية الفرنسية، يقول: إن مراد بك برح القاهرة في 6 يوليو «يوم الجمعة الذي ذكره ~~الجبرتي» ومعه ثلاثة آلاف من المماليك الخيالة وألفين من الإنكشارية المشاة وعدد كبير من ~~السفن يبلغ نحو الستين، منها خمسة وعشرون مسلحة، وقوة من المماليك قابلت الجنرال ديزيه ~~(Desaix) # عند دمنهور. # فمجموع هذه القوة لا يزيد على ثمانية آلاف، كما اعترف بذلك نابوليون في مذكراته التي ~~أملاها في سانت هيلانة، فعبارة الشيخ الدحداح مبالغ فيها بلا نزاع. # ويقدر المستر كامرون في كتابه الذي سبقت الإشارة إليه، في مقدمة هذا الكتاب، قوة المماليك ~~في ذلك الحين بعشرة آلاف خيال وثلاثين ألف باشبوزق «جندي غير نظامي»، وهذا التقدير غير ~~مضمون الخطأ، خصوصا والمستر كامرون ليس من الموفقين في صحة الأرقام، إلا ما كان خاصا ~~بالقوى الإنكليزية لوقوفه عليها في المصادر الرسمية، فقد قدر قوة ms108 الحملة الفرنسية بأربعين ~~ألفا من خيرة الجنود، وهو كما عرف القراء مبالغ في نحو الربع، وأن صعب تحقيقه للقوة ~~الفرنسية، فتحقيقه لقوة المماليك أصعب! وثابت في أقوال كتاب الفرنسيين، وهم أحق بالمبالغة ~~في قوة المماليك، ليباهوا بما حازوه من فخار وانتصار، أن قوة المماليك لا تزيد على ثمانية ~~آلاف وخمسمائة خيال من المماليك أخذ منها مراد بك نحو خمسة آلاف، وبقي الباقون في القاهرة، ~~وأما الباشبوزق، وهم الجنود غير النظاميين، من خدم المماليك وأتباعهم «الالداشات»، فلا يسهل ~~تعدادهم، ولا نظنهم يزيدون عن العشرين ألفا، وهم لا يساوون ألفا من الجنود ~~المنظمة. # قال كامرون: إنه لما وصلت الأخبار للقاهرة هزأ المماليك بفكرة الغارة الفرنسية على مصر، ~~وأرسل مراد بك للقنصل الفرنسي روستي # 1 # وأخذ يستفسره عن الغرض من غزوة الفرنسيين، وأخذ يسب الفرنسيس ويشبههم بالمكارين ~~«الحمارة» قائلا للقنصل: «أعطهم قليلا من المال ودعهم يذهبون؛ لأنني لا أريد أن أوذيهم.» ~~وعبثا يحاول القنصل تفهيمه أن قائد الحملة الفرنسية، هو نابوليون بونابرت بطل واقعة ~~«اركولا»، ذلك الذي دوخ النمسا في سهول لومبورديا! فلم تكن لمراد بك معرفة بالجغرافيا ولا ~~بالممالك ... # نترك مراد وجيشه، سائرا لملاقاة نابوليون وجنوده عن طريق الفرع الغربي من النيل، ونعود ~~إلى متابعة الحملة الفرنسية في سيرها، بعد أن تركناها تستعد للحركة من الإسكندرية ~~لدمنهور. # من الإسكندرية إلى الرحمانية # في اليوم السادس من شهر يوليو برح الجنرال فيال # Vial # الإسكندرية متوجها إلى دمنهور على نفس الطريق التي سار فيها الجنرالات ديزية، وبون، ~~ورينيه، مارا بالبيضة والعكريش وبركة غطاس، وسار الجنرال مينو بحملة منظمة للاستيلاء ~~على رشيد، ورتبت عمارة بحرية من السفن الخفيفة المسلحة تحمل الزاد والذخيرة والمدافع ~~والمهمات للسفر من مصب النيل متجهة جنوبا، لكيما تلتقي مع الجيش عند الرحمانية، وعهدت ~~رياسة هذه العمارة الكولونيل «بريه» وكان معه الجنرال اندرويسي # Andreossy ~~، قومندان عموم المهمات مع ضباط آخرين من البحرية، وكان ~~مجموع القوى التي تحركت من الإسكندرية ورشيد واحدا وعشرين ألفا على رواية أصدق ~~المصادر، بين طوبجية وبيادة وسواري وبحرية. # وفي ms109 الساعة الخامسة تماما من مساء يوم الاثنين 9 يوليو الموافق 25 محرم برح نابوليون ~~بونابرت وهيئة أركان حربه، مدينة الإسكندرية عن طريق الصحراء إلى دمنهور. # وكانت مقدمة الجيش تحت قيادة الجنرال «ديزيه»، أول من برح الإسكندرية كما قلنا، مع ~~قوة مؤلفة من أربعة آلاف وستمائة مقاتل، وقد قاسى هذا القائد وجنوده، من شدة الحر وقلة ~~الماء وصعوبة السير في الرمال، مر العذاب، وكان العربان قد ردموا الآبار، وألقوا فيها ~~النطرون المالح حتى سار ماؤها مرا وحامضا، ولم تكن المنطقة الخصبة الواقعة الآن بين ~~دمنهور وإسكندرية، كما هي اليوم بعد مد السكة الحديدية، وتطهير المصارف، وحفر الترع ~~والمساقي، بل كانت خرابا ينعق على أطلالها البوم، ليس فيها إلا بضعة أكواخ وعشش ~~للعربان وقطاع الطريق، فداخل قلوب الجنود الفرنسيين الكدر، وشملتهم الكآبة، ولم يجدوا ~~في تلك المهامة القفر ما كان يمنيهم به رؤساؤهم، من أرض مثمرة، وأنهار جارية وأشجار ~~معشوشية، حتى اضطر «ديزيه» وهو القائد البطل الصبور، كما يدل على ذلك تاريخه، أن يكتب ~~لنابوليون قائلا: «إذا لم يجتز الجيش الصحراء بأسرع ما يمكن فقد قضي عليه بالفناء.» ~~وعلى رواية بوريين، سكرتير نابوليون أنه؛ أي: «ديزيه» كتب يقول: «إما أن تأمرنا بالعودة ~~إلى الوراء أو المسارعة في السير، فإن البقاء في هذه الصحاري مستحيل، وقد بدأ الجنود ~~يتذمرون ويتململون» ... وشتان بين هذه الأرض الجرداء المحرقة، خصوصا في شهر يوليو، وبين ~~سهول لومبادريا في شمال إيطاليا، أو مناظر التيرول في جنوب النمسا!! «تلك المناطق التي ~~كانت تحارب فيها هذه الجنود»، ولهذا يطعن كتاب الإنجليز «الذين ما كانوا يريدون ~~لنابوليون نجاحا» على المماليك لعدم إسراعهم لمعاكسة الحملة الفرنسية في سيرها بين ~~دمنهور والإسكندرية، أما نابوليون فإنه بعد أن برح الإسكندرية في الساعة الخامسة مساء ~~استمر مع هيئة أركان حربه سائرا طول ليلة في جو مقمر، إلى أن اختفى القمر في الساعة ~~الثالثة صباحا فسار في الظلام، وكاد يروح ومن معه ضحية لرصاص جنوده فرقة من الفرق ~~المعسكرة في النقط الأمامية؛ إذ خيل للحراس أنهم ms110 هوجموا فنادوا بالتأهب، وأطلقت البنادق ~~من الفريقين مدة ما حتى سمعت الأصوات، وتبودلت العبارات والإشارات، وسار نابوليون في ~~طريقه إلى أن لاحت لأنظاره بلدة دمنهور في الساعة الثامنة صباحا، فيكون قد قضى راكبا ~~حوالي ستة عشر ساعة، دون راحة!! وكانت دمنهور في ذلك الزمن بلدة حقيرة تحيط بها أشجار ~~نخيل وسنط كثيرة، وفيها بعض المساجد، وحولها بعض تلول عليها قبور وأضرحة للأولياء، وكان ~~«ديزيه» قد احتل البلدة بلا مقاومة، وهناك استقبل نابوليون في دار، قال عنها المؤرخون ~~الفرنسيون، إنها أشبه بزريبة لا نوافذ ولا أبواب لها، وهناك اجتمع شيخ البلد والكشاف ~~والمشايخ وبعض أعيان البلدة فقدموا له جرعة من اللبن، ولقمة من الفطير الذي يسميه ~~الفلاحون «الدماسي»؛ أي: المسوى تحت رماد النار!!! فما كان أوسع الفرق بين تلك الدار ~~الحقيرة، وقصور إيطاليا وزخارفها!! # وحكى بوريين فقال: «لما وصلنا دمنهور اتخذت هيئة أركان الحرب دارا كانت لأحد أعيان ~~البلد مقرا لها، وكان ظاهر هذه الدار حسنا؛ لأنها مبيضة بالجير، ولكن داخلها كان ~~متهدما، ينم على فقر ومسكنة، وكان نابوليون قد علم أن صاحب الدار ذو ثروة، فلذلك سأله، ~~بعد أن طمأن خاطره بواسطة المترجم: لماذا يحرم نفسه من التمتع برفاهية العيش ما دام ~~غنيا وقادرا على ذلك؟ وأكد له المترجم أن صدقه يفيده ولا يضره، فلما اطمأن خاطر ~~الرجل قال: انظر إلى قدمي! منذ بضع سنوات أصلحت داري، وابتعت بعض الأثاث، فوصل خبر ذلك ~~إلى مسمع الحكام في القاهرة، فطلبوني وطالبوني بالمال؛ لأنهم اعتقدوا أنني ذو ثروة ~~ويسار، فلم أعطهم ما أرادوا فعاقبوني بالضرب إلى أن أعطيتهم ما طلبوا، ولكن بعد أن ~~انكسرت رجلي كما ترون، ومن ذلك الحين هممت أن لا تكون لي دار غير هذه الدار الخربة، ~~والويل ثم الويل لمن يعرف أنه غني في هذه البلاد!! وأضمن الأحوال للسلامة هو الفقر أو ~~ادعاء الفقر.» # واستمر الجيش في طريقه قاصدا الرحمانية، حتى وصلها في نفس ذلك اليوم 10 يوليو، ولما ~~وقعت عيون الجنود على نهر النيل فرحوا وطربوا، وخلع ms111 الكثيرون من الضباط والجنود ~~ملابسهم، ونزلوا للاستحمام بماء النيل، ووصل بونابرت وهيئة أركان حربه، واستقر معظم ~~الجيش في جوار الرحمانية وعلى شاطئ النيل طلبا للراحة، حتى تصل العمارة البحرية التي ~~قامت من رشيد كما سبق لنا القول. # وكان المماليك قد سارعوا بإرسال نحو خمسمائة خيال على جناح السرعة لتعويق نابوليون ~~عند دمنهور، فوصلت هذه القوة بعد أن ارتحل معظم الجيش الفرنساوي ووصلت مقدمته إلى ~~الرحمانية، ولم يبق إلا فرقة الجنرال ديزيه، التي تركت في المؤخرة، فالتقى المماليك ~~بالفرنسيين، ودارت معركة غير مهمة بين دمنهور والرحمانية خسر فيها الفرنسيون أربعة من ~~الجنود، وخسرت تلك الفصيلة من المماليك نحو خمسين. # وقد خلط الشيخ الدحداح، فيما ترجمه في كتابه تاريخ فرنسا الحديث، فروى حكاية التمرد ~~الذي وقع بين الجنود الفرنساوية، وكاد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، كأنها وقعت في ~~المنطقة بين الإسكندرية ودمنهور، وهذا غير صحيح، ورواية هذا التمرد ستأتي في مكانها بعد ~~انهزام المماليك في واقعة شبراخيت، وقبل وصول الجيش الفرنساوي لإمبابة، بنحو يومين، كما ~~رواه نابوليون نفسه تفصيلا، في مذكراته التي أملاها وهو أسير في سانت هيلانة. # موقعة شبراخيت # قال صاحبنا الجبرتي متهكما على مراد بك «وما كان أكثر تهكمه عليه»: «لما ارتحل من ~~الجسر الأسود أرسل إلى مصر يأمر بعمل سلسلة من الحديد في غاية التخن «كذا» والمتانة، ~~طولها مائة ذراع وثلاثون ذراعا، لتنصب على البوغاز عند برج مغيزل من البر إلى البر، ~~لتمنع مراكب الفرنسيس من العبور لبحر النيل، وذلك بإشارة علي باشا، وأن يعمل عندها جسر ~~من المراكب وينصب عليها متاريس ومدافع ظنا منهم أن الإفرنج لا يقدرون على محاربتهم في ~~البر، وأنهم يعبرون في المراكب، ويقاتلونهم وهم في المراكب، وأنهم يصايرونهم ويطاولونهم ~~حتى تأتيهم النجدة.» # وكيفما كان غرض الجبرتي من هذه العبارة فإن مراد بك، بعد أن ألقى تلك الأوامر، سار ~~بجيشه المؤلف من نحو ثلاثة آلاف فارس من المماليك، وألفين من الإنكشارية، ونحو ألف ~~وخمسمائة أو ألفين من البحارة، في القوارب التي سبقت الإشارة إليها، ms112 وتابع سيره ملازما ~~ضفة النيل حتى وصل إلى قرية الطرانة، وهناك وصلت إليه الأخبار بما تم للفرنسيين في أرض ~~مصر، وعلم لأول مرة أن الجيش الفرنسي احتل رشيد، وأن فرقة المماليك التي بعث بها إلى ~~دمنهور تفرقت شذر مذر، بين تلك البلدة وبلدة الرحمانية، وأن كتلة الجيش الفرنسي زاحفة ~~على مصر. # فسار إلى شبراخيت وأخذ في الاستعداد الحربي على قدر معرفته وكفاءته، لملاقاة القوة ~~الفرنسية، فبدأ بإقامة طابيتين في بلدة شبراخيت، ووضع في كل طابية 9 مدافع، وأخذ كذلك ~~في حفر الخنادق حول تلك البلدة حيث وضع للدفاع عنها مشاته من الإنكشارية، ووقفت عمارته ~~في النيل منتظرة قدوم السفن الفرنسية. # والآن نترك الكلام في وصف هذه الواقعة المهمة، التي ذكرها الجبرتي في بضعة سطور، ~~وتابعه المؤرخون الحديثون لنابوليون نفسه، فيما أملاه من مذكراته وهو في منفاه قال ما ~~خلاصته: ~~«كان الجيش في يوم 12 يوليو عند الساعة السابعة مساء معسكرا عند قرية منية سلامة، ~~على بعد فرسخ من الرحمانية، وصدرت إليه الأوامر بأن يسير عند الساعة الواحدة صباحا؛ ~~لأنه كان من المهم كثيرا أن لا نعطي مراد بك الوقت الكافي للتحصن والتترس، وجمع شتات ~~جيشه، فما كاد يظهر ضوء القمر حتى تحرك الجيش، ثم لم تأت الساعة الثامنة صباحا حتى كان ~~وجها لوجه مع جيش مراد بك المرتكز جناحه الأيمن، المؤلف من المماليك، على بلدة ~~شبراخيت، وجناحه الأيسر يتألف من نحو ألفين من العربان، ممتدين إلى داخل الصحراء، وكان ~~مع كل مملوك ثلاثة أو أربعة من الجرال لخدمته وكذلك كان العربان في حركة مستمرة متنقلين ~~من مكان لآخر، بحيث يخيل للنظار أن هذا الخط مؤلف من خمسة عشر ألفا إلى ثمانية عشر ~~ألفا.» # ولما التقى الجيشان أخذ كل فريق يرقب الآخر، وكان الفرنساويون ينتظرون قدوم عمارتهم ~~التي كانت لم تزل راسية بجوار الرحمانية، ولا تستطيع السير قبل أن تهب رياح الشمال، وهي ~~لا تهب قبل الثامنة صباحا، وأخيرا سطعت الشمس بأشعتها الذهبية على خوذ المماليك ~~وملابسهم، فأظهرت تلك الجنود البديعة ms113 في أجلى مظاهرها، ودارت مناوشات بين الفرسان ~~وبعضهم على الطريقة الشرقية أظهر فيها المماليك من البسالة والرشاقة، وخفة الحركات، ما ~~ملأ صدورنا بالإعجاب والإجلال، فكان الفارس منهم، هو وجواده كأنه قط عة واحدة متماسكة، ~~وكأنما كان جواده يشاركه في جميع عواطفه ومؤثراته وحركاته، التي كان يقوم بها من إطلاق ~~غدارته وسل سيفه، وإدارة جواده، بمهارة ورشاقة تفوق الوصف. # ولا نستمر مع نابوليون في أوصافه للحركات الحربية لهذه الواقعة، مما هو فني محض، ~~ونكتفي بالقول بأن المعركة دارت على ثلاثة أدوار الدور الأول هجمة قام بها المماليك ~~ففتحوا بها ثلعة في مربع فرقة الجنرال «رينيه» وأخرى في مربع الجنرال «دوكا» ولكن نيران ~~المدافع، وبنادق المشاة من الخلف، ردتهم على أعقابهم بخسارة كبيرة، والدور الثاني ~~المعركة البحرية في النيل، وذلك أن العمارة الفرنسية تحت قيادةالكولونيل بريه Perrée ~~، وصلت الساعة الأولى بعد الظهر فقابلتها السفن ~~المصرية بنار حامية، وكانت تلك السفن تحت قيادة علي باشا الطرابلسي واحتدمت الحرب بين ~~الفريقين، فخسرت السفن الفرنسية خسارة كبيرة وكادت تدور الدائرة عليها، وهنا يقول ~~نابوليون في مذكراته: «إن «بريه» أنقذ سفنه بحسن تصرفه ومهارته في إدارتها.» ويقول ~~الجبرتي ومن تابعه، نقلا عن أفواه المماليك طبعا: «إن المصادفة هي التي قضت بفوز ~~الفرنساويين؛ ذلك لأن قنبلة من قنابلهم أصابت المركب التي تحمل ذخائر المماليك، ~~فأحرقتها وتطايرت أجزاؤها في الفضاء، فانذعر المماليك وخابت آمالهم.» # وأما الدور الثالث فهو أن نابوليون لما أدرك الخطر المحدق بعمارته في النيل أصدر ~~أمره، بتلك السرعة التي طالما أنقذته من مهالك شتى، للبيادة بالهجوم على شبراخيت وقطع ~~مواصلات الإنكشارية الذين فيها عن المماليك، فشعر أولئك بالخطر فولوا الأدبار بعد ~~مقاومة قليلة، واستمرت المعركة دائرة حتى الساعة السادسة مساء حيث انتهت بوصول ~~الفرنسيين إلى بلدة «شابور»، وتقهقر مراد بك ومن معه إلى القاهرة. # وكانت خسارة الفرنسيين في هذه الواقعة من ثلاثمائة إلى أربعمائة بين قتيل وجريح، وخسر ~~المماليك مثل هذا القدر من الخيالة، بين قتيل وجريح وأسير، ونحو أربعمائة إلى خمسمائة ~~من المشاة، ولقد ms114 كانت هذه الواقعة أول درس تلقاه المماليك عن الحرب مع الجيوش النظامية ~~الأوروبية، بعد أن كان يخيل لهم أنهم لا يغلبون، وأن الحرب هي عبارة عن امتطاء صهوة ~~الجواد، وإطلاق القرابينه، وإشهار السيف ... عرفوا عند ذلك أن العدو القادم عليهم لا ~~يستخف به، وأن شمس أيامهم قاربت الأفول. # ومن الأدلة التي يجب أن تذكر للدلالة على كياسة نابوليون واجتذابه لقلوب قواده ~~وضباطه، أنه لما علم بأن الكولونيل بيريه البحري جرح في يده، وفقد سيفه في المعركة ~~البحرية، رقاه في الحال إلى رتبة «كونتر أميرال» وبعث له بالخطاب الآتي: # إنني أبعث إليك يا مواطني الجنرال بسيف عوضا عن سيفك الذي فقدته في واقعة ~~شبراخيت، فأرجوك أن تقبله مني برهانا على اعترافي لك بفضل الخدم التي قمت بها ~~للجيش في فتحه مصر. # بونابرت # ولا شك أن خطابا كهذا يفوح عبيره في الجيش فيملأ قلوب القواد والضباط والجنود حبا ~~لقائدهم، ورغبة عظيمة في التفاني في خدمته وخدمة وطنهم. # قال نابوليون في مذكراته عن هذه الواقعة: # إن واقعة شبراخيت كانت مما يجلب الفخار للجيش الفرنسي، نعم إننا كنا عشرين ~~ألف رجل ومعنا اثنان وأربعون مدفعا في ساحة الوغى، ولم يكن أمامنا في الحقيقة ~~سوى ثمانية آلاف مقاتل، ولكن هذه كانت أول مرة وجد فيه الجيش الفرنسي نفسه أمام ~~أولئك الفرسان البواسل الأبطال. # 2 # وغريب أن صاحب كتاب «حقائق الأخبار» يسمي هذه الموقعة الكبيرة واقعة الرحمانية، ولم ~~يقع في الرحمانية منها شيء، وزيدان يخلط بين شبريس وشبراخيت، والجبرتي لا يذكر أين ~~مكانها، بل يقول كعادته وردت الأخبار بحصول معركة! # من شبراخيت إلى إمبابة # كان من السهل علينا أن ننتقل بالقارئ من واقعة شبراخيت إلى الواقعة التي يسمونها ~~واقعة إمبابة، ويسميها آخرون واقعة الأهرام، وغيرهم واقعة القاهرة، وهي جديرة بأن تطلق ~~عليها هذه الأسماء الثلاثة لولا أن لنابوليون نفسه في مذكراته، عبارات في غاية الأهمية ~~عن الجيش الفرنساوي في تلك المنطقة، الواقعة بين شابور وإمبابة ... تلك المنطقة التي ~~قطعها الجيش المذكور في ستة أيام؛ أي: من ms115 صباح 14 إلى صبيحة 20 يوليو «من السبت 30 محرم ~~إلى الجمعة 6 صفر»، وليس لهذه المدة أثر في الكتب العربية؛ لأن صاحبنا «الجبرتي» لا علم ~~له بها، وكفاه ما كان فيه من هم وغم، بعد وصول أخبار خذلان مراد بك في واقعة شبراخيت؛ ~~إذ لم تعد تخفى الحقيقة عن سكان القاهرة، على الرغم من دعوى المماليك عن تلك الواقعة ~~الكبير «بأنه لم يقع فيها قتال صحيح، وإنما هي مناوشة بين طلائع العسكرين بحيث لم يقتل ~~إلا القليل من الفريقين.» كما روى الجبرتي، وذلك عن ألسنتهم، وسجله في كتابه ليكون ~~للأعقاب مثلا على مقدار ما في البلاغات الرسمية في أيام الحروب من الصدق ~~والكذب!! # بعد أن استراح الجيش الفرنسي في شبراخيت وما جاورها على ضفة النيل يوم الجمعة 13 ~~يوليو صدرت إليه الأوامر بالسير صباح اليوم التالي فوصلت مقدمته مساء ذلك اليوم إلى ~~بلدة «كوم شريك» وفي تلك الجهة يكثر البطيخ في هذا الفصل من العام، وأكثره منزرع في ~~الأرض الرملية التي تقارب النيل في تلك البقعة فأكل منه الجنود كميات كبيرة وطابت ~~نفوسهم نوعا ما. # وفي الخامس عشر عسكر الجيش على النيل ثم سار نحو أربعة فراسخ ونصف حتى أدرك بلدة أبو ~~نشابة وفي السابع عشر كان عند بلدة وردان، وكان الجيش يسير ببطء زائد لأسباب كثيرة منها ~~شدة الحر، وصعوبة الحصول على المئونة الكافية للجيش، في بلاد لحق أهلها الفقر المدقع، ~~وهاجر الكثيرون من سكانها ولم تبق فيها إلا بقية لا تسمن ولا تغني من جوع. # وكان يتابع الجيش من بعيد بعض العربان الذين كانوا يتصيدون من الجنود الفرنسية ~~ليقتلوه، وليأخذوا سلاحه وما معه من قليل أو كثير، فكانت كل هذه الأمور وغيرها مما ينغص ~~على الجنود حياتهم، ويزيد في ضيق أنفاسهم وكدرهم، وكما كان بنو إسرائيل حين جاوز بهم ~~موسى البحر، وأنقذهم من مظالم الفراعنة، وأنزل عليهم المن والسلوى، يتشوقون إلى مصر، ~~ويحنون إلى فولها وعدسها وقثائها وبصلها، كذلك كانت الجنود الفرنسية، كلما رأت الصحراء ~~المحرقة والبلاد ms116 القاحلة، حنت إلى فرنسا، وتذكرت إيطاليا، وسهولها وجمالها. # قال نابوليون في مذكراته: # ولقد غشت الكآبة نفوس الجنود فأخذوا يقارنون بين هذا الشعب البربري الذي لا ~~يحسنون التفاهم معه، مساكن أولئك الفلاحين البؤساء الذين يشابهون ثيرانهم في ~~البلاهة والغباوة، وهذه البلاد القاحلة العارية عن الظل والثمر، وهذا النيل، بل ~~المجراة الحقيرة التي تحمل قليلا من الماء القذر الملوث بالطين، وضموا إلى كل ~~هذا أولئك العربان، سكان الصحاري ذوي الأجسام الناحلة، والقسوة المتناهية، ~~ونساءهم اللائي هن أكثر قبحا وقذارة ... أخذ الجنود يقارنون بين كل هذا، وبين ~~سهول «لومبارديا» المزهرة المثمرة، وأهالي فينيسيا الأرقاء الظرفاء وتزايدت ~~شكوى الجنود من أنه جيء بهم إلى بلاد لا خبز فيها ولا نبيذ، ولم يستمعوا إلى ما ~~يقال لهم من أن هذه البلاد، التي ترونها فقيرة، قد كانت أغنى بلاد الدنيا، ~~وكانت خزانة الحبوب لروما والقسطنطينية، وأنهم متى وصلوا إلى القاهرة وجدوا ~~فيها ما يطلبون من مآكل وشراب ... فكان جوابهم على هذا: «هكذا قلتم لنا في ~~الصحراء قبل دمنهور، فغاية الأمر أن تكون القاهرة أكبر من دمنهور ثلاث مرات أو ~~أربعا، أو مجموعة من العشش الحقيرة، الفقيرة من كل ما يجعل الحياة مقبولة ~~ومحتملة.» # وذكر أيضا بونابرت أنه كان يدنو من الجنود ويخطب فيهم قائلا: # إن النيل الآن في آخر انخفاضه، وإنه بعد قليل من الزمن يفيض بالماء الكثير ~~وسيدركون كل ما سمعوا عنه، وبعد أيام قليلة ستكون لدى الجيش الطواحين والأفران ~~لصنع الخبز، وأن هذه الأرض التي يرونها اليوم جرداء، والتي يسيرون فوقها بصعوبة ~~سيرونها عما قليل خضراء زاهية بالمزارع مما يذكرهم بخصوبة وادي النيل، وكانوا ~~كلما استقر بهم المقام في نقطة على النيل خلعوا ملابسهم ونزلوا للاستحمام، ثم ~~يأخذون بعد ذلك في الجدل والسياسة والمناقشة وإظهار الغيظ من تلك الحال فكانوا ~~يقولون: «لأي شيء جئنا إلى هذه البلاد؟» لا شك أن حكومة «الدير كتوار» قد ~~أبعدتنا ونفتنا من بلادنا، وفي بعض الأحيان يلتفتون إلى الجهة التي فيها قائدها ~~«نابوليون»، وكان دائما يعسكر على ضفة النيل، ms117 ولا يتناول من الطعام أكثر مما ~~يتناول أحقر جندي، ويظهرون نحوه علائم الانعطاف والشفقة، قائلين: لا شك أن رجال ~~الحكومة أرادوا إبعاد قائدنا والتخلص منه، ولكن كان يلزمه بدلا من أن يقودنا ~~إلى هنا أن يأمرنا ونحن بأقل إشارة منه، كنا نطرد أعداءه من تلك القصور التي ~~يحكمون فيها كما سبق لنا طرد أعداء الجمهورية من مساكنهم. # وكان الجنود كلما رأوا العلماء قد ذهبوا إلى مكان أو جهة من الجهات للوقوف ~~على بعض الآثار في الطريق، خيل لهم أن أولئك العلماء هم الذين حرضوا الحكومة ~~على إرسال هذه الحملة، فكانوا موضع سخطهم، واحتقارهم، وكانوا يلقبونهم «حمير ~~العلماء». # وكان الجنرال كافاريللي رئيس فرقة المهندسين، له رجل مبتورة وضع مكانها رجلا ~~من خشب، يكثر من التنقل بين الجنود لتطمئن خواطرهم، وليذكر لهم محاسن مصر ~~وخيراتها فالتفت إليه أحد الجنود وقال له منكتا متهمكما: أنت تقول كل هذا ~~لتهزأ بنا، وأنت لك رجل في فرنسا، قبل أن تكون لك رجل هنا، قال الراوي فانتقلت ~~هذه النكتة من فرقة إلى فرقة حتى امتلأت بها أفواه الجنود ضحكا وسخرية. ~~ا.ه. # ولقد أطلنا في نقل هذه العبارات من المصادر الفرنساوية لأهميتها من حيث هي من مذكرات ~~ذلك القائد العظيم، ولأنها توصف حالة كان عليها الجيش الفرنسي، بحيث لو أتيح لقوة ~~منظمة، ولو صغيرة، من المماليك أو غيرهم، أن تلتقي بذلك الجيش، وهو على ذلك الحال، وفي ~~تلك البقعة، لكان من الممكن أن تتغير صفحة مهمة من صفحات التاريخ: # وفي التاسع عشر من شهر يوليو «الخميس 5 صفر» وصل الجيش الفرنساوي إلى أم دينار، على ~~بعد خمسة فراسخ من القاهرة، وهنا لاحت له لأول مرة مناظر الأهرامات وبعض المآذن العالية ~~من مساجد القاهرة. # وفي اليوم التالي اصطف الجيش وصدرت له الأوامر بالاستعداد للمحاربة في الواقعة ~~الفاصلة، التي سنفرد لها فصلا خاصا. # | هوامش # الفصل السادس # | القاهرة قبل الواقعة # بين وصول مراد بك لإمبابة، بعد هزيمته في شبراخيت، وبين واقعة إمبابة الفاصلة نحو خمسة ~~أيام، نريد أن نأتي على ms118 وصف القاهرة في خلالها، وعمدتنا في هذه النقطة، هو صاحبنا الشيخ عبد ~~الرحمن الجبرتي، فإن ما يرويه في هذه النقطة صحيح الرواية؛ لأنه شاهد عيان، وأقوال مثله في ~~أوقات كهذه مما يحرص عليها المؤرخون، هذا فضلا عن أن وصفه لحالة الشعب وحكامه في ذلك ~~الحين، مما يعطينا صورة صادقة اللون للحالة الاجتماعية، والأخلاقية والنفسانية، للأمة ~~المصرية، وسنجتهد بقدر الإمكان في اختصار عباراته المطولة، وفي الاقتصار منها على ما ~~يساعدنا في تكوين وتلوين الصورة التي نريد إبرازها في هذه الصحائف. # قال الجبرتي: إنه لما وصلت الأخبار بانهزام مراد بك، اشتد انزعاج الناس، وكان العلماء ~~يجتمعون بالأزهر كل يوم، ويقرءون البخاري وغيره من الدعوات، وكذلك مشايخ فقراء الأحمدية ~~والرفاعية والبراهمة «لا يريد البراهمة الهنود، بل أتباع سيدي إبراهيم الدسوقي المعروف» ~~والقادرية والسعدية، وغيرهم من الطوائف، وأرباب الأشاير، ويعملون لهم مجالس بالأزهر، وكذلك ~~أطفال المكاتب ويذكرون الاسم اللطيف وغيره من الأسماء «يعني بهذا تلاوة أسماء الله ~~الحسنى». # قال عن يوم الاثنين 16 يولي «2 صفر»، وبعد ذكره خبر وصول مراد بك إلى إمبابة، وشروعه مع ~~بقية الأمراء في إقامة المتاريس، وترتيب الجنود حتى سار البر الغربي والشرقي مملوءين ~~بالمدافع والعساكر والمتاريس والخيالة والمشاة قال: «ومع ذلك فلم تكن قلوب الأمراء مطمئنة؛ ~~إذ شرعوا في نقل أمتعتهم من البيوت الكبار المشهورة، إلى البيوت الصغيرة التي لا يعرفها ~~أحد، واستمروا طول الليالي ينقلون الأمتعة ويوزعونها على معارفهم وثقاتهم، وأرسلوا البعض ~~منها إلى بلاد الأرياف، وأخذوا في تشهيل الأحمال، واستحضار دواب الشيل وأدوات ~~الارتحال.» # وهذا من الأدلة القاطعة على أن أمراء المماليك قد داخلهم الفزع والخوف، وأنهم لم يكونوا ~~واثقين من أنفسهم، ولا من قادتهم، وأنهم ما كانوا يحرصون على ملك، ولا يشعرون بعاطفة قومية ~~أو دينية أو وطنية، ولا فكروا في قبور أسلافهم، ولا في معابد دينهم، حتى ولا في أعراضهم، ~~كما يشعر كل قوم يداهمهم عدو أجنبي عن جنسهم ودينهم وخلقهم، وكان كل همهم محصورا في الحرص ~~على مقتنياتهم وأموالهم التي سلبوها من المصريين ms119 المساكين!! وعندي أن مراد بك على الرغم من ~~أنه أشجع الجميع، وأحقهم بشيء من الثناء لمدافعته ومقاومته، ما أسرع بالفرار إلى القاهرة ~~بعد واقعة شبراخيت، إلا ليجمع ما لديه من مال وخيول، ليهرب إلى الصعيد!! فقد روى الجبرتي: ~~أن مراد بك بعد واقعة إمبابة الأخيرة فر إلى الجيزة ولم يقض في قصره أكثر من ربع ساعة، وأنه ~~قد أعد غليونه الكبير وجمع فيه كل ما يريد الحرص عليه، وأنه اضطر إلى حرق ذلك الغليون لما ~~عجز عن سيره لقلة الماء في النيل! ورووا عن إبراهيم بك أنه أعد في السفن كثيرا من خيراته ~~ومقتنياته. # ومن الغريب في أمر أولئك المماليك أنهم في ذلك الظرف العصيب، حرموا على غيرهم ما أحلوه ~~لأنفسهم، فقد روى «الجبرتي» أنه لما رأى الأهالي منهم ذلك الخوف، والسعي في تخبئة أموالهم ~~ومقتنياتهم، أرادوا الاقتداء بهم، فمنعهم الأمراء «المماليك» وهددوهم بالقتل، ولولا ذلك لما ~~بقي بمصر من أغنيائها أحد. # وإلى القارئ صفحة من صورة القوم في ذلك الحين، كما رسمها الجبرتي بريشة قلمه الساذج، قال: ~~«وفي يوم الثلاثاء «17 يوليو» نادوا بالنفير العام لخروج الناس للمتاريس، فأغلق الناس ~~الدكاكين والأسواق، وخرج الجميع لبر بولاق، فكانت كل طائفة من طوائف أهل الصناعات، يجمعون ~~الدراهم من بعضهم، وينصبون لهم خياما ويجلسون في مكان خرب، أو مسجد، ويرتبون لهم قيما ~~ليصرف عليهم ما يحتاجون له من الدراهم التي جمعوها من بعضهم، وبعض الناس كان يتطوع بالإنفاق ~~على البعض الآخر، ومنهم من يجهز جماعة من المغاربة أو الشوام بالسلاح والأكل وغير ذلك بحيث ~~أن جميع الناس بذلوا ما في وسعهم، وفعلوا ما في قوتهم وطاقتهم، وسمحت نفوسهم بإنفاق ~~أموالهم، فلم يشح في ذلك الوقت أحد بشيء يملكه، ولكن لم يسعفهم الدهر» ... # ولعمري إن هذا الدليل ناصع على وطنية كامنة في نفوس المصريين لا تحتاج إلا إلى التهذيب ~~والإرشاد وحسن القيادة؛ إذ لم ينقصهم التضامن في تكوين فئات، وجمع شتات، وتسليح القادرين، ~~وإنفاق المال عن طيب خاطر ... ولكن ماذا تنفع هذه الفوضى ms120 والجهل، أمام النظام والعلم؟! # وإلى القارئ صورة أخرى ... قال صاحبنا الجبرتي: «وخرجت الفقراء وأرباب الأشاير بالطبول ~~والزمور، والأعلام والكاسات، وهم يضجون ويصيحون، ويذكرون بأذكار مختلفة، وصعد السيد عمر ~~أفندي «مكرم» نقيب الأشراف إلى القلعة، فأنزل منها بيرقا كبيرا، سمته العامة «البيرق ~~النبوي»، فنشره بين يديه من القلعة إلى بولاق، وحوله ألوف من العامة بالنبابيت والعصي ~~يهللون ويكبرون، ويكثرون من الصياح ... وجلس مشايخ العلماء بزاوية علي بك ببولاق يدعون ~~ويبتهلون إلى الله بالنصر.» # قال: «وانقطعت الطرق، وتعدىالناس بعضهم على بعض، وأما بلاد الأرياف فإنها قامت على قدم ~~وساق بقتل بعضهم بعضا، وبنهب بعضهم بعضا، وكذلك العرب غارت على الأطراف والنواحي، وصار ~~قطر مصر، من أوله إلى آخره، في قتل ونهب، وإخافة طريق، وقيام شر، وإغارة على الأموال ... ~~وحاول العامة التعدي على النصارى واليهود فمنعهم الحكام، ولولا ذلك المنع لقتلهم العامة وقت ~~الفتنة.» # ولم يغب عن الجبرتي أن ينتقد نظام المماليك الحربي، ويهزأ بهم، وبسوء تصرفهم، وعدم قيامهم ~~بما يلزم لحماية البلاد، فقال: «في كل يوم تكثر الإشاعة بقرب الفرنسيس إلى مصر، فمنهم من ~~يقول إنهم واصلون من البر الغربي، ومنهم من يقول بل يأتون من الشرقي، ومنهم من يقول بل ~~يأتون من الجهتين، وهذا وليس لأحد من أمراء العساكر همة تحمله على أن يبعث جاسوسا، أو ~~طليعة تناوشهم القتال قبل دخولهم، وقربهم ووصولهم إلى فناء مصر، بل كل من إبراهيم بك ومراد ~~بك جمع عسكره، ومكث مكانه لا ينتقل عنه، ينتظرون ما يفعل بهم، وليس ثم قلعة ولا حصن، ولا ~~معقل، وهذا من سوء التدبير، وإهمال أمر العدو»!! فالشيخ الجبرتي الأزهري، يقول في ذلك ~~الزمن، بما يقول به كتاب الإنكليز الخبيرون عن إهمال المماليك أمر مناوشة نابوليون وجيشه، ~~خصوصا في جهات الصحراء، وفي النقط التي ضاقت فيها صدور الجنود، وكرهوا مصر وفتحها!! ولو أن ~~قوة هاجمت الفرنساويين من ورائهم عند «وردان» مثلا - فإن مواصلاتهم مع شبراخيت والرحمانية ~~لم تكن على ما يرام - لأضرت بهم ضررا بليغا، ولربما ألحقت بهم الفشل والانهزام. ms121 # قال المستر كامرون في كتابه: «ولقد أضاع المماليك الفرص الثمينة فإن نابوليون ترك حرا ~~في تسيير جنوده، وهم منهوكو القوى في الصحراء حتى دمنهور، ثم كذلك في الوصول إلى النيل دون ~~أن يضطر إلى مقاومة في الحصول على الماء، ولما انهزم مراد بك في شبراخيت عاد إلى القاهرة ~~وجمع معظم قوته عند إمبابة، ولم يتخذ أقل الوسائل لمناوشة عدوه وحرمانه من النوم والراحة، ~~ولا عمل شيئا يؤدي إلى تجريد السكة التي سار فيها جيش العدو من الزرع، ثم لم يكن ثمت من ~~داع لمحاربة عدوه في الجهة الغربية من النيل، بل ما كان على مراد بك إلا أن يتحول بجيشه ~~إلى الجهة الشرقية تحت أسوار العاصمة، وأن يجبر نابوليون على عبور نهر النيل في نقطة واسعة ~~شديدة التيار بين إمبابة وبولاق، أو الجيزة ومصر، في ظروف غير ملائمة لمصلحة الفرنساويين، ~~كل هذه الفرص أضاعها مراد بك كبرياء وجهلا، وألقى نفسه غنيمة باردة في يد المغير على ~~بلاده.» # وكذلك لم يخل الجبرتي المماليك أصحابه من قاذع اللفظ، ومر القول إذ وصفهم بعد ذلك فقال: ~~«وفي يوم السبت 21 يوليو وصل الفرنسيس إلى أم دينار، فعندها اجتمع العالم العظيم من الجنود ~~والرعايا والفلاحين المجاورة بلادهم لمصر، ولكن الأجناد متنافرة قلوبهم، منحلة عزائمهم، ~~مختلفة آراؤهم، حريصون على حياتهم، وتنعمهم ورفاهيتهم، مختالون في ريشهم، مغترون بجمعهم، ~~محتقرون شأن عدوهم، مرتبكون في رؤيتهم، مغمورون في غفلتهم، وهذا كله من أسباب ما وقع من ~~خذلانهم وهزيمتهم.» # والذي يؤيد عندك صدق عبارة الجبرتي في قوله: «حريصون على تنعمهم ورفاهيتهم.» أن الجنود ~~الفرنساويين وجدوا في خيام المماليك، وفي عامة معسكرهم الذي أقاموه في جهة إمبابة، بعد ~~الفشل والهزيمة، من فاخر الرياش، وأصناف السجاجيد الفارسية، والأواني الغالية الفضية ~~والصينية، ما دل على أن أولئك القوم ما فارقوا نعيمهم، ولا ملذاتهم، إلى اللحظة الأخيرة ~~التي يدافعون فيها عن ذلك النعيم، والخير العميم، بل عن أرواحهم وأعراضهم، وسيأتي ذلك في ~~مكانه بعد وصف الواقعة التي قضت على تلك العصبة فلم تقم ms122 لهم بعدها قائمة تذكر. # ولننتقل إلى الجانب الآخر قبل الواقعة ... جاء فيما أملاه نابوليون في سانت هيلانة ما يأتي: # في 19 يوليو وصل الجيش إلى قرية أم دينار تجاه ملتقى فرعي الدلتا، وعلى بعد خمسة ~~فراسخ من القاهرة، فشاهد الجيش لأول مرة الأهرامات وصوبت النظارات لرؤية هذه الآثار ~~القديمة. # واستراح الجيش في اليوم العشرين من شهر يوليه ثم صدرت له الأوامر بالتأهب لخوض ~~المعركة. # وكان العدو قد عسكر على الضفة اليسرى لنهر النيل تجاه القاهرة بين إمبابة ~~والأهرامات يجيش عرمرم من المشاة والفرسان، تحرسه عمارة بحرية، وبين سفنها فرقاطة ~~تحمي معسكره، أما العمارة البحرية الفرنسية فقد بقيت في المؤخرة؛ لأن النيل كان ~~منخفضا، ولا بد من الاستغناء عن الإمدادات التي يجب أن تنقل بواسطته. # اعتز المماليك والأغوات والبحارة بكثرة عددهم وحسن موقفهم، وملأت الحماسة قلوبهم، ~~وشجعتهم نظرات أمهاتهم وأولادهم وزوجاتهم، فيات الرجاء يملأ أفئدتهم، وكانوا يقولون ~~إن تحت الأهرامات التي بناها أجدادهم سيلقى الفرنسيون حتفهم، وسيحفرون قبورهم، ويحل ~~القضاء بهم. # الفصل السابع # | الواقعة # واقعة إمبابة # على الرغم من رغبتنا الشديدة في تحاشي الخوض في تفصيل الحركات العسكرية، كما سبقت لنا ~~الإشارة إلى ذلك، فإننا لم نر مناصا من وصف معركة إمبابة، وصفا يليق بمنزلتها من ~~التاريخ. # حقيقة إن واقعة إمبابة، على عظيم أهميتها، لا تعد من الوقائع الفاصلة في تاريخ الجنس ~~البشري؛ لأن المعركة التي يسمونها «الفاصلة»، هي معركة يترتب على نتيجتها تغيير كبير في ~~الأمم والدول، وأنه لو تمت على خلاف ما تمت، لكان الفرق هائلا، وربما غير سطح البسيطة بسبب ~~ذلك. # وللمؤرخين اهتمام بالمواقع الفاصلة في التاريخ، ولهم فيها كتب خاصة، ولا بأس أن نذكر على ~~سبيل الاستئناس أن من الوقائع الفاصلة في تاريخ الجنس البشري واقعة اليرموك، وواقعة ~~القادسية ... الأولى قضت على السلطة الرومانية المسيحية، في آسيا الصغرى، والثانية قضت على ~~الدولة الفارسية، والديانة الزردشتية، ومن هذه الوقائع الفاصلة في التاريخ القديم، واقعة ~~ثرمويلي، بين الفرس واليونان، وفي تاريخ القرون الوسطى، واقعة فتح القسطنطينية، وواقعة ~~لزتداد السيل ms123 التركي حول فينا، ومن هذه الوقائع أيضا في تاريخ الإسلام، واقعة عبد الرحمن ~~الثالث مع «شارل مارتيل» في سهول «طورس»، ومنها في تاريخ أوروبا وأترلوا، وسيدان، ~~والمارن. # ولا تعد واقعة إمبابة من الوقائع الفاصلة؛ لأنه لو تغير «الطابق»، وقهر نابوليون فيها، ~~لأمكنه الرجوع إلى الوراء ريثما ينظم نفسه، ويعيد الكرة، وكان في إمكانه على فرض فشله ~~نهائيا، أن يعود إلى سفنه في الإسكندرية بعد أن يخسر ربع أو نصف جيشه، ولم يكن نلسون قد ~~حطم العمارة في أبي قير وقتئذ، اللهم إلا إذا كان انتصار المماليك في إمبابة حاسما بالقضاء ~~المبرم على نابوليون وجيشه، ولم يك ذلك من الأمور التي تدخل في حيز الممكنات، ويضعها ~~المؤرخون المدققون موضع الاهتمام، لما كان ثمت من الفرق العظيم بين كفاءة القواد ونظام ~~الجنود، والفرق بين الأسلحة، ولكن لو حدث ذلك على فرض المستحيل، كما يقولون، إذا كانت تعد ~~واقعة إمبابة من الوقائع الفاصلة الهائلة، وإذا لما كانت الإمبراطورية الفرنسوية الأولى، ~~ولا الثانية، ولما كانت مواقع أوسترلينز، وجنا، ومارنجو، وواترلو، ولما كان ثمت من ضرورة ~~للإتيان بجيش عثماني، ولا انتقل محمد علي من بلدته قوله، ولعاش ومات لا يعرفه إلا «أهل ~~بلده» كما يقال في الأمثال. ~~••• # لم تصل أخبار معركة إمبابة للمؤرخ الجبرتي، وهو صحفي تلك الأيام، إلا متقطعة من أفواه ~~الناجين من الجند والكشاف والمماليك، ولذلك كانت روايته عنها مضطربة، فبينما يقول: إن الحرب ~~والقتال استمر ثلاثة أرباع الساعة، تراه يناقض نفسه فيقول: إن الحرب بدأت من وقت القائلة ~~«حوالي الساعة عشرة أو أحد عشر صباحا»، ثم يذكر أن الحرب استمرت إلى المساء تقريبا، فنحن ~~أمام هذا التناقض في المصادر العربية، نعتمد على الروايات الفرنسية، وعلى مذكرات نابوليون ~~ومذكرات بوريين وأشباهه، وخلاصة أقوالهم تظهر فيما يأتي: # كانت قوة المماليك من مشاة وخيالة، ممتدة بين إمبابة ونقطة الأهرام، بحيث كان جناح هذا ~~الجيش الأيمن مؤلفا من نحو عشرين ألفا من الإنكشارية والجندرمة، والالداشات والرجالة ~~والعربان، وهذا الجناح قائم وراء خناق أو متاريس أقاموها بسرعة ms124 كبيرة في خلال الأيام الأربع ~~منذ عودة مراد بك إلى إمبابة، وكان مع هذا الجناح من المشاة نحو أربعين مدفعا من طراز ~~قديم، مثبتة على أرصفة أعدت لذلك، بحيث لا يستطاع نقلها من جهة إلى أخرى، ولا تحويل طلقاتها ~~إلى اتجاه مخصوص غير ما أعدت له، بخلاف مدافع الفرنساويين، التي هي من نظام حديث، وتجرها ~~الخيول، وتحملها الجنود، من مكان إلى آخر حيث تقضي به مصلحة الموقعة، وهذا الجناح الأيمن ~~مرتكز على شاطئ النيل شمالي قرية إمبابة، ثم يتألف قلب الجيش من نحو عشرة آلاف مملوك، ونحو ~~ألفين من الأغوات والشوربجية، وبعض الخيالة من المصريين، ومع كل طائفة أتباع وخدم، وكان على ~~الجناح الأيسر بضع آلاف من العربان الخيالة منتشرين إلى نقطة الأهرام. # وكانت السفن المصرية التي كانت في واقعة شبراخيت، وما انضم إليها من الغلايين ممتدة في ~~النيل من إمبابة إلى بولاق، ووراءها سفن وقوارب عديدة واقعة شراعها، حتى كان المنظر في ~~البقعة، الواقعة من إمبابة إلى الجيزة من جهة الغرب، ومن بولاق إلى مصر العتيقة من جهة ~~الشرق، في نهر النيل ذلك اليوم، مما يأخذ بالأبصار حتى وصفه أحد الكتاب الفرنسيين فقال: إن ~~تلك المنطقة بهاتيك الأشرعة كانت كأنها غاية باسقة الأشجار ... وعلى الضفة المقابلة لإمبابة؛ ~~أي: على شاطئ بولاق وما وراءه من جهة قصر النيل والقصر العيني إلى مصر العتيقة، خرج سكان ~~القاهرة رجالا ونساء، وأرباب الطرق والأشاير، بالطبول والزمور كأنهم في مولد من الموالد ~~المشهورة في مصر. # ولم نقف على بيان واف للنظام الذي وضعه إبراهيم بك للجنود التي بقيت لحماية القاهرة؛ ذلك ~~لأن هذه الجنود لم تفد فائدة، ولأن ما وضع من النظام من الجهة الشرقية لم يؤد إلى نتيجة، ~~وكل ما نعرفه في هذا الصدد إن إبراهيم بك أرسل إلى العربان المجاورين لمصر ورسم لهم أن ~~يكونوا في المقدمة بنواحي شبرا وما ولاها. # وعلى هذا النظام في البرين، الغربي والشرقي، كان الجيش المصري - إن صح أن يسمى بالمصري - ~~معسكرا انتظارا لقدوم الجيش الفرنساوي. # قلنا ms125 في آخر الفصل الخاص بالحملة الفرنساوية من إسكندرية إلى القاهرة، إن جيش نابوليون ~~وصل أم دينار يوم 19 يوليو. # وفي اليوم التالي تقدم إلى الأمام قليلا فوقع بمصر قواده على الجيش الرابض فكان منظره ~~مؤثرا عليهم؛ لأن كثرة الذاهبين والآتين فيه، وكثرة الأتباع والخدم، أكبرت في عيونهم قوة ~~الجيش المصري وخيل لهم، على روايات بعضهم، أن هذه القوة لا تقل عن خمسين ألف مقاتل، وهم ~~«الفرنسيون» لا يزيدون على عشرين ألفا، فلذلك أخذ نابوليون يركض بجواده متنقلا أمام واجهة ~~جيشه، وهو يقول لهم بصوته الرنان، مشيرا بإصبعه إلى قمم الأهرام: # إن أربعين قرنا من الزمان تنظر إليكم. # وأخذ الجيش الفرنساوي في التأهب للقتال، وصدرت الأوامر من القائد العام بأن يسير الجنرال ~~«ديزيه» بفرقته في الميمنة ويجاوره الجنرال «رينيه» بفرقته وتتوسط فرقة الجنرال «دوكا» ~~ومعها القائد العام، عند قلب الجيش، ويرتكز الجنرال «بون» على النيل ويجاوره الجنرال «فيال» ~~مكملا للجناح الأيسر. # فلما أشرق النهار بضوئه التقى الجيش الفرنساوي بفصيلة من المماليك فبددها ببضع طلقات من ~~المدافع، وفي الساعة الثامنة صباحا التقى الجمعان. # فكان أول ملاحظة بونابرت أن الجناح الأيمن للجيش المصري لا يعبأ به؛ لأنه لا يستطيع ~~الخروج من وراء الحواجز التي أقامها، والتي لا تصد، أو تعطل، إلا الخيالة، ثم إن مدافعه ~~لثبوتها وعدم المقدرة على تحريكها، لا تفيده إلا إذا وقف الجناح الأيسر من الجيش الفرنساوي ~~أمامها، فلذلك أصدر بونابرت أمره بالانحراف عن مواجهة هذه المدافع، وبتوجيه فرقة الجنرال ~~«ديزية» للفصل بين قلب الجيش المصري، حيث توجد حقيقة القوة الفعالة، وهي العشرة آلاف مملوك، ~~وبين جناحه الأيمن، فسار «ديزية» وتبعته فرقة «رينيه». # وسارت الجنود الفرنساوية على هذا الطراز نحو نصف ساعة بسرعة كبيرة وبسكون وهدوء، إلا أن ~~مراد بك، وإن لم يكن بالقائد المدرب، إلا أنه قد وهب بصرا ثاقبا وإلهاما حربيا، أدرك ~~الغرض من هذه الحركة، وعرف أنه إذا وصلت القوى الفرنساوية إلى غرضها فقد قضت عليه في الحال، ~~فلذلك أصدر أمره للخيالة التي معه بالهجوم على المشاة ms126 الفرنسيين في خلال سيرهم لتعطيلهم في ~~نفاذ خطة فصل قلب الجيش المصري عن ميمنته. # وانقض مراد بك بنحو سبعة آلاف فارس، من أفخر الفرسان الذين امتطوا صهوة جواد في التاريخ ~~القديم والحديث، وبسرعة كالبرق الخاطف، فدخلوا بين فرقتي «ديزيه» و«رينيه»، كالمردود بين ~~الجفن والجفن، وقد عملت هذه الحركة بخفة عجيبة حتى خيل لبونابرت أن «ديزية» أصبح في خطر، ~~وأنه ليس لديه الوقت الكافي للاصطفاف للقتال، ولكن لحسن حظه كانت الفئة الأولى من المماليك ~~الذين هاجموه قليلة، قتل نصفها بطلقات المدافع فمكن في وقت سقوطها، وارتداد الباقي منها، من ~~تكوين مربعه، ورتبت المدافع وطلقات البنادق على الجهات الأربع، ورأى الجنرال «رينيه» الخطر ~~كما رآه «ديزية» فشكل جنوده في مربع أيضا، وتلقى الخيالة المماليك من الجهات الأربع، وقامت ~~فرقة الجنرال «درجا»، التي يقودها بونابرت فعلا، بحركة دوران حول ميمنة المصريين، فحالت ~~بينها وبين النيل، واستطاعت أن تطلق المدافع من وراء الخيالة المماليك المواجهين لمربع ~~«ديزية» ومربع «رينيه»، فوقع بذلك المماليك بين نارين من أمام ومن خلف، فصاروا يتساقطون ~~جثثا هامدة على الأرض، واختل نظام الجيش المصري، ووقع زعماؤه في حيص بيص. # فلم يبق أمام مراد بك إلا الانسحاب للوراء مع ثلاثة آلاف من الخيالة قاصدين الجيزة، وكانت ~~فرقة الجنرال «رامبون» الاحتياطية، قد وجهت إلى الأمام وراء الميمنة المصرية للاستيلاء على ~~نقطة لكي تستطيع قطع المواصلات بين إمبابة والجيزة، وحين رأى من بقي من فرسان المماليك ~~انسحاب مراد بك إلى الجيزة، أرادوا اللحاق به فلقيهم «رامبون» بفرقته التي أشرنا إليها، ~~وأطبقت عليهم فرقة «دوجا» و«وبون» فلم يبق أمام أولئك الفرسان إلا أن يلقوا بأنفسهم في نهر ~~النيل على أمل العبور إلى البر الثاني، وفي ذلك الاضطراب قل من استطاع الوصول منهم سالما، ~~قالوا ولهذا السبب غرق منهم بضعة آلاف. # أما جيش المشاة من الإنكشارية وغيرهم، وكانوا نحو عشرين ألفا متترسين وراء الخنادق، بما ~~معهم من المدافع، فإنهم لما أبصروا هزيمة الخيالة تركوا ميدان القتال فارين لا يلوون على ~~شيء، فمنهم من لقي حتفه، ms127 ومنهم من نزل إلى القوارب ووصل إلى البر الشرقي ... ولو كانت هذه ~~القوة الكبيرة تحت قيادة حسنة لاستطاعت أن تدور حول الجنود الفرنسية، وتحصرها بين إمبابة ~~والجيزة، حيث الخيالة، ولكن هذه القوة البيادة لم تكن على شيء من النظام، وكلهم من ~~الباشبوزق والخدم والأتباع، ولم يكن في الحقيقة في مصر قوة للقتال غير قوة الخيالة ~~المماليك، التي كانت تحسن القتال مع جنوده من نوعها، لا أمام بطاريات من مدافع متحركة، ولا ~~أمام بنادق سريعة الطلقات، ولا أمام حركات عسكرية فنية، كالتي امتاز بها جيش نابوليون ~~بونابرت، وقهر بها جيوش إيطاليا والنمسا. # وحاول مراد بك القيام بهجمات جديدة ليفتح طريق المواصلات بينه وبين ما تبقى من جيشه ليسهل ~~لهذا الأخير انسحابه، فلم ينجح في هجماته، ودخل الليل لظلمته، فلجأ إلى الجيزة وذهب إلى ~~قصره ليأخذ منه ما لم يستعد لأخذه من قبل. # وبلغت خسارة الفرنساويين في هذه الموقعة، على روايتهم، ثلاثمائة بين قتيل وجريح، أما ~~خسارة المماليك فقد رووا أن لم يبق من مجموع قوة المماليك إلا ثلاثة آلاف ، انسحب بهم مراد ~~بك إلى الجيزة، ونحو ألف بقيت مع إبراهيم بك في القاهرة، وقتل وغرق في النيل نحو سبعة آلاف ~~من كبار المماليك وأتباعهم، وقتل نحو ثلاثة آلاف أخرى من العربان والفلاحين ~~وأمثالهم. # ثم ماذا جرى على السفن الفرنساوية والسفن المصرية؟ أما السفن الفرنساوية فإنها لقلة الماء ~~في النيل، لم تقدر على السير في محاذاة الجيش، وليس من البعيد أنها تأخرت خوفا من السفن ~~المصرية، وقد لاقت من قتالها الأمرين قرب شبراخيت، فكيف وهي الآن أكثر عددا وعدة؟ # كان «بوريين» سكرتير نابوليون ممن سار مع العمارة الفرنسية من الرحمانية إلى القاهرة كما ~~سبق لنا القول، وهو يروي لنا، في مذكراته، «أن تلك العمارة، يوم واقعة إمبابة، كانت راسية ~~على مسافة عشرة فراسخ من القاهرة، «قريبا من نقطة القناطر الخيرية»، وأن ريح الشمال كانت ~~تهب شديدة، فكانت أصوات المدافع لا تصل إلى من هم في السفن، ولكن لما أقبل المساء، وهدأت ~~الريح، ms128 سمعت طلقات المدافع، وأبصرنا جثث القتلى والغرقى من المماليك يسير بها تيار النيل ~~إلى رشيد ودمياط، فعرفنا أن الدائرة دارت عليهم.» # وأما السفن المصرية فإنها لم تستطع القيام بعمل، وخاف مراد بك وقوعها في أيدي الغزاة فأمر ~~بإحراقها، وسنأتي على ذكر هذا الإحراق، وما أحدثه من الجزع في القاهرة، في الفصل ~~الآتي. # والآن نقف عند هذا البيان الذي حاولنا فيه بقدر الإمكان، وصف معركة إمبابة التي دامت من ~~الصباح إلى المساء، وإن تكن ساعات القتال الحقيقية قليلة ومتقطعة، ولكنا قبل أن ننتقل إلى ~~وصف حال القاهرة في ذلك اليوم العصيب، وما جرى عليها في الليلة التالية نصف حال الجيش ~~الفرنسي بعد انتصاره، قال كاتبهم: «وصل نابوليون وأركان حربه إلى الجيزة عند الساعة التاسعة ~~مساء فاحتلوا قصر مراد بك الذي لم يبق فيه إنسان.» ثم وصفوا ما في ذلك البيت من فراش وفير، ~~ودمقس وحرير، وأقمشة من فاخر صناعة كشمير، ونمارق مزركشة من صنع أمهر الصانعين، وما في ~~بستانه من أشجار وأثمار نادرة المثال، وغنمت الفرقة التي عسكرت في إمبابة كميات كثيرة من ~~المؤن والمآكل اللذيذة والحلوى الفاخرة، وجميع أدوات وفراش البكوات والكشاف، من أبسطة ~~فاخرة، وفضيات وصيني، فدب الفرح والسرور في قلوب الجنود، خصوصا بعدما وجدوا في ملابس ~~البكوات والمماليك القتلى أموالا طائلة، فقد رووا أنهم كانوا يجدون في ملابس الواحد منهم ~~بين مائتين ومائتين وخمسين قطعة من الذهب، وهذا غير ملابسهم الموشاة بالذهب والفضة، وسلاحهم ~~المفضض والمذهب، فكان ذلك حاملا للجنود الفرنساوية على انتشال جثث الغرقى من النيل طلبا ~~للغنيمة، وأكل الجنود وشربوا وطربوا، وأقيم في وسط المعسكر سوق للبيع والشراء، في السروج ~~والخيول والملابس والسلاح! كل ذلك بين جثث الموتى وأنين الجرحى! والخلاصة أن الجنود ~~الفرنسية سكرت بخمرة الظفر، ورقصت على نغمة الغنائم! # وكانت النيران قد شبت في السفن المصرية وما جاورها من القوارب الصغيرة فعلا دخانها وتأججت ~~نارها، فكانت القاهرة تلوح بمآذنها، وقباب مساجدها، ودورها وقصورها، وراء ذلك الدخان ~~واللهيب، في حين كانت الجنود الفرنسية في البر ms129 المقابل طروبة لاهية، كأنما تبصر وراء الأفق ~~زينة بحرية، أو ألعاب نارية!! # هكذا كان حال الفاتحين الغزاة في البر الغربي من النيل، فانظر إلى حال المساكين أهل مصر ~~في الضفة المقابلة! # الفصل الثامن # | القاهرة يوم الواقعة # تركنا في ذهن القارئ صورة لما كان عليه الجيش الفرنساوي في الضفة الغربية، والآن نعود إلى ~~صاحبنا «الجبرتي» في وصف ما حاق بالقاهرة يوم الواقعة ومساؤه فنقول: بلغ ما كتبه الجبرتي عن ~~واقعة إمبابة بضعة سطور لا قيمة لها، إلا فيما ذكره من أسماء بعض البكوات الذين أبلوا بلاء ~~حسنا، فذكر منهم أيوب بك الدفترادار، وكان من كبار المماليك، وعبد الله كاشف الجرف وعدة ~~كثيرة من كشاف محمد بك الألفي، وغرق إبراهيم بك الصغير، وهو صهر إبراهيم بك الكبير، ثم قال: ~~«ولما عاين وسمع عسكر البر الشرقي القتال ضج العامة والغوغاء من الرعية، وأخلاط الناس ~~بالصياح، ورفع الأصوات بقولهم: «يا رب ويا لطيف» «ويا رجال الله»، ونحو ذلك وكأنهم يقاتلون ~~ويحاربون بصياحهم وجلبتهم، فكان العقلاء من الناس يصرخون عليهم ويأمرونهم بترك ذلك ، ويقولون ~~لهم إن الرسول والصحابة والمجاهدين إنما كانوا يقاتلون بالسيف والحراب، وضرب الرقاب، لا ~~برفع الأصوات، والصراخ والنباح، فلا يسمعون ولا يرجعون عما هم فيه، ومن يقرأ ومن ~~يسمع.» # وليس بصحيح ما كتبه «الجبرتي» من أنه لما انهزم المماليك في البر الغربي حول الفرنسيس ~~المدافع والبنادق على البر الشرقي؛ إذ لم يرد ذكر ذلك في المصادر الموثوق بها، كما أنه لا ~~ينطبق على العقل أن يشتغل الفرنساويون بإطلاق قنابلهم إلى الجهة الشرقية، وهي لا تصل إلى ~~تلك الجهة ولا تأتي بفائدة، كما أنهم لم يكونوا يخشون من عبور سكان القاهرة إليهم، وقد يمكن ~~أن بعض الطلقات التي كانت موجهة لفئات من المماليك سقطت في النيل، فخيل لهم أن الضرب كان ~~بذلك القصد. # وفر إبراهيم بك وأبو بكر باشا، وعولا على الفرار إلى سوريا، وهذه كانت نية إبراهيم بك من ~~أول الأمر، كما يظهر من أخذه أهبته، وجمعه مقتنياته ... قال الشيخ الجبرتي، وهو ms130 في هذا الوصف ~~الحجة الثقة ... # فلما استقر إبراهيم بك بالعادلية «الوايلية الآن» أرسل يأخذ حريمه، وكذلك من كان ~~معه من الأمراء ... واستمر معظم الناس طول الليل خارجين من مصر، البعض بحريمه، والبعض ~~ينجو بنفسه ولا يسأل أحد عن أحد، بل كل واحد مشغول بنفسه عن أبيه وابنه، والناس ~~يضجون بالعويل والنحيب، ويبتهلون إلى الله من شر ذلك اليوم العصيب، والنساء يصرخن ~~بأعلا أصواتهن من البيوت، فخرج تلك الليلة معظم أهل مصر، البعض لبلاد الصعيد، ~~والبعض لجهة الشرق، وهم الأكثر، وأقام بمصر كل مخاطر بنفسه، ومن لا يقدر على الحركة ~~ممتثلا للقضاء، متوقعا للمكروه، وذلك لعدم مقدرته أو لقلة ذات يده، وما ينفقه على ~~حمل عياله وأطفاله. # وأي مصري، بل أي إنسان ذي عاطفة، يقف على ذكرى هذه الحال، ويتصور ما كان يجيش في صدور ~~القوم من الآلام والأحزان، في تلك الليلة السوداء، التي زادت القوم مصائب على مصائبهم ~~السابقة واللاحقة، ثم لا ينقطع نياط قلبه، أو تنحدر الدموع من عينه؟؟ # وقال الشيخ الجبرتي: «والذي أزعج قلوب الناس بالأكثر أن في عشاء تلك الليلة شاع في الناس ~~أن الإفرنج عدوا إلى بولاق وأحرقوها، وكذلك الجيزة، وأن أولهم وصل إلى باب الحديد يحرقون ~~ويقتلون ويفجرون بالنساء!! وكان السبب في هذه الإشاعة أن بعض القلينجية «البحارة» من عسكر ~~مراد بك لما تحقق الكسرة أضرم النار اغعليون الذي هو فيه (وهذا لا شك بأمر مراد بك وإن لم ~~يعلم به الشيخ الجبرتي) وكذلك مراد بك، لما وصل من الجيزة أمر بانجرار الغليون الكبير من ~~قبالة قصره ليصحبه معه إلى جهة قبلي، فمشوا به قليلا ووقف لقلة الماء في الطين، وكان به ~~عدة وافرة من آلات حربية، والجبخانة، فأمر بحرقه أيضا فصعد اللهيب من جهة الجيزة وبولاق، ~~فظن الناس، بل أيقنوا أنهم أحرقوا البلدين، فماجوا واضطربوا زيادة عما هم فيه من الجزع ~~والفزع والروع.» # ولو كان إبراهيم بك، أو كان أبو بكر باشا، ذا حكمة وإخلاص، وشفقة على الرعايا، لشكل حكومة ~~وقتية من الكبراء والأمراء، ms131 وهدأ خواطر الناس، وحافظ على السكينة والسلام حتى الصباح، وكان ~~له أن يفر مع ذلك بمماليكه ونسائه وأمواله، إذا شاء، ولكن هكذا كان المماليك لا يعرفون من ~~الواجبات إلا المحافظة على أرواحهم، واعتبارهم بقية الناس حشرات لا قيمة لهم. # وقال الشيخ الجبرتي: «وأخذ الناس يتلاحقون ويتسابقون، وخرجوا من كل صوب ينسلون ... وخرج ~~أكثرهم ماشيا، أو حاملا متاعه على رأسه، وزوجته حاملة طفلها، ومن قدر على مركوب أركب ~~زوجته وابنته، ومشي هو على أقدامه، وخرج غالب النساء ماشيات حاسرات، وأطفالهن على أكتفاهن ~~يبكين في ظلمة الليل» ... والعياذ بالله. # ثم أتبع هذه الصورة المؤلمة بما هو أشد منها إيلاما، قال عفا الله عنه: # واستمر الناس على ذلك الحال طول ليلة الأحد وصبحها، وأخذ كل إنسان ما قدر على ~~حمله من مال ومتاع، فلما خرجوا من أبواب البلد، وتوسطوا الفلاة تلقتهم العريان ~~والفلاحون، فأخذوا متاعهم ولباسهم وأحمالهم، بحيث لم يتركوا لمن صادفوه ما يستر به ~~عورته، أو يسد جوعته، وربما قتلوا من قدروا عليه، أو دافع عن نفسه ومتاعه، وسلبوا ~~ثياب النساء وفضحوهن وفتكوا بهن، وفيهن المخدرات ونسوة الأعيان، وكانت ليلة وصباحها ~~في غاية الشناعة، جرى فيها ما لم يتفق مثله في مصر، ولا سمعنا بما شابه بعضه في ~~تواريخ المتقدمين، فما راء كمن سمعا. # ولما أصبح الصباح كان إبراهيم بك قد فر بحريمه وأمواله ومعه من تبعه من مماليك وغيرهم من ~~البكوات، ويبلغ عددهم نحو ألف مقاتل، واصطحب معه أبو بكر باشا الوالي، وفروا جميعا قاصدين ~~بلدة «بلبيس» وتركوا القاهرة بلا حاكم ولا وازع، ولا ندري إن كان الخطاب الذي بعث به ~~نابوليون قد وصل إلى يد نائب الدولة العلية، وممثل جلالة السلطان بمصر، وخليفة المسلمين، أو ~~لم يصل؛ إذ الرواة مختلفون في ذلك، فالجبرتي لم يشر إلى هذا الخطاب ولا علم له به، وكتاب ~~الفرنسيين يقولون: إن ذلك الخطاب وقع في أيدي المماليك، ولم يعلم به أبو بكر باشا؛ إذ من ~~المحتمل أنه لو وصل إلى يديه، ورأى أن قائد الحملة ms132 الفرنسية يقول: إن فرنسا صديقة السلطان، ~~وإنه يريد أن يخلص البلاد من المماليك، ويحفظ سيادة الدولة العثمانية، لاختار البقاء في ~~القاهرة، ليرى إن كان ما يقوله نابوليون صحيحا أو غير صحيح!! # ومن الغريب أن نابوليون كتب خطابا آخر للباشا الوالي في يوم 23 يوليو؛ أي: بعد يومين من ~~الواقعة، وبعد مقابلته في الجيزة لكثير من العلماء والأعيان، الذين لا بد أنهم قد أخبروه ~~بسفر الباشا الوالي مع إبراهيم بك إلى بلبيس، والظاهر أنه كتب ذلك الخطاب الثاني ليبعث به ~~للباشا في بلبيس، على اعتقاد أو ظن، بأن الخطاب الأول لم يصله، وهذه ترجمة الخطاب الثاني ~~الذي لم يظهر في كتاب من الكتب العربية، حتى ولا في كتاب الدحداح، الذي هو أوسع الكتب ~~تفصيلا، لنقله عن المصادر الفرنسية: # إن نية الجمهورية الفرنساوية في احتلالها لمصر هي بقصد طرد المماليك الذين طالما ~~شقوا عصا الطاعة على الباب العالي وعاملوا الحكومة الفرنسية بالعداء، والآن وقد ~~تمكنت الجمهورية الفرنسية، بانتصار جيوشها، من وضع يدها على مصر، فإن من أقصى رغبات ~~الجمهورية أن تحافظ على نفوذ ممثل جلالة السلطان، وعلى استحقاقه ووجوده، فلذلك ~~أرجوك أن تؤكد للباب العالي أنه لم يخسر بوجودنا في مصر شيئا، وإنني سأحرص على أن ~~تتلقى حكومة جلالة السلطان الجزية التي كانت ترسل لها من مصر. # 1 # بونابرت # وعلى كل حال فلم يأت هذا الخطاب بالنتيجة التي كان يريدها نابوليون؛ إذ لم يعد الوالي، ~~ولم تثق الدولة في شيء من صحة هذه التصريحات. # قال الشيخ الجبرتي: «ولما أصبح يوم الأحد «8 صفر، 22 يوليو» والمقيمون لا يدرون ما يفعل ~~بهم، ومتوقعون حلول الفرنسيس، ووقوع المكروه، ورجع الكثيرون من الفارين وهم في أسوأ حال من ~~العري والفزع، فتبين أن الإفرنج لم يعبروا النيل إلى البر الشرقي، وأن الحريق كان في ~~المراكب المتقدم ذكرها، فاجتمع في الأزهر بعض العلماء والمشايخ وتشاوروا فاتفق رأيهم على أن ~~يرسلوا مراسلة إلى الإفرنج، وينتظروا ما يكون من جوابهم، ففعلوا ذلك وأرسلوها صحبة شخص ~~مغربي يعرف لغتهم وآخر ms133 صحبته.» # وفي كتب الفرنسيين أن الذين فكروا في فتح باب المخابرة هم جماعة من تجار الإفرنج في ~~القاهرة وذكروا أنهم اجتمعوا بكخيا الوالي - نائبه - وأقنعوه بضرورة ذلك، فسمح لهم بالذهاب ~~إلى البر الغربي لمقابلة القائد العام، وفعلا ذهبوا إليه، فقال لهم: الأولى أن يحضر إلي ~~العلماء والمشايخ والأعيان، لأطمئنهم بنفسي. # وعندي أن رواية الجبرتي أقرب إلى التصديق؛ إذ لا يعقل أن أهل البلد لا يفكرون في حالهم، ~~في ذلك الوقت العصيب، ويتركون لتجار من الأجانب النظر في هذا الأمر، وليس من البعيد أن يكون ~~السعي قد حصل من الجانبين. # والشيخ الدحداح يقول في كتابه: «وفي الصباح اجتمع القاضي والأعيان، وقالوا: لا سبيل لنا ~~إلا التسليم لمن فتح البلاد عنوة فاتفقوا على هذا الرأي وأتوا بقنصل فرنسا والتجار الذين ~~كانوا قد سجنوهم في القلعة، وطلبوا إليهم أن يسيروا معهم إلى بولاق «والصحيح الجيزة»، ~~ليطلبوا إلى بونابرت أن يقبل تسليمهم ويؤمنهم، فأشار عليهم القنصل بأن يرسلوا اثنين من ~~الفرنسيين ومعهم محمد الكاتب الأول لإبراهيم بك، إلى الجنرال بونابرت فلما أتوه قابلهم ~~الباشا وأمنهم على أموالهم وأنفسهم، وطلب إليهم أن يرسلوا إليه بعض القوارب لينقل بها فرقة ~~من جيوشه لتدخل المدينة، وتمنع تعدي رعاع القوم على المنازل، فرضوا وأخبروا العلماء ~~والأعيان بما كان، فبعثوا حالا بالقوارب إلى بر إمبابة فركبتها فرقة الجنرال ديبوي Dupey ~~وكان العلماء والأعيان فيها فاجتمعوا بالجنرال فأمنهم ... فنزل الجنرال ليلا في منزل إبراهيم ~~بك الصغير، وأرسل بعض الجنود إلى القلعة فاستولوا عليها.» # ورواية المعلم «نقولا الترك» # 2 # وهو من المعاصرين للحملة، ومن أنصار الفرنسيين تقول: # وكان أبو بكر باشا وإبراهيم بك حين انهزموا من بولاق وقلوبهم مفتر مات بالحسرات، ~~وهم يتأسفون على ما فات، ثم أخذوا عيالهم ورجالهم، وخرجوا من المدينة من باب النصر، ~~قاصدين البرية، والديار الشامية، وبقت بقية أهل القاهرة تلك الليلة بمخاوف وافرة ... ~~وعند الصباح، اجتمع القاضي والأعيان، وقالوا إن الحكام ولت، وأحوالهم اضمحلت، ~~فالتسليم لنا أصلح، وحقن دماء الإسلام أوفق وأربح، وقد ذكرنا أن القنصل ms134 والتجار ~~الفرنساوية، «تحت اليسق» في قلعة الجبل، فأحضروهم وطلبوا منهم أن يسيروا معهم إلى ~~بولاق، ويأخذوا لهم الأمان، فأشار عليهم القنصل أن يتوجه اثنان من التجار، ومحمد ~~كتخدا إبراهيم بك، وساروا إلى بر إمبابة، وفي وصولهم تقدموا إلى الجنرال ديبوي، ~~وترحب بهم وسألهم عن أحوال المدينة، وما مراد أهلها، فقالوا: إن الحكام ولت، ~~والرعية ذلت، وقد أتينا من قبل علماء البلد والأعيان، نطلب لهم الأمان، فأجابهم ~~الجنرال ديبوي: من ألقى سلاحه حرم قتاله، فلهم مني الأمان، ومن أمير الجيوش، ومن كل ~~من في هذا المكان، وإنما يلزمكم أن ترسلوا المعادي والقوارب ... إلخ. # وظاهر من هذه الرواية المعاصرة أن الذين اجتمعوا هم القاضي وأعيان القاهرة، وأنهم قرروا ~~في مداولاتهم الإفراج عن القنصل الفرنسي والتجار الذين كانوا مسجونين في قلعة الجبل، أو ~~«تحت اليسق» كما كانوا يعبرون عن الاعتقال في ذلك الزمان. # وكيفما تكن الحقيقة بين هذا أو ذاك، فإن ما لا نزاع فيه هو أن الجنرال ديبوي عبر نهر ~~النيل على قوارب ومعديات قدمها له المصريون في اليوم الثاني والعشرين من شهر يوليو سنة ~~1798، ودخل القاهرة مساء، «وساروا قدامه بالمشاعيل إلى أن دخلوا المدينة، والمنادية تنادي ~~أمامه بالأمان، على الرعية والأعيان، وجلس الجنرال ديبوي في منزل إبراهيم بك الصغير وأرسل ~~بعض الصلدات تسلمت قلعة السلطان» كما يقول المعلم «نقولا الترك» بلهجته، في رسالته. # وفي الصباح وجد أهالي القاهرة المنشور الآتي ملصقا على الحيطان، ولم نقف على نص هذا ~~المنشور باللغة العربية، فلذلك نعربه نحن نقلا عن المصادر الرسمية الفرنسية وتاريخه 4 ~~ترميدورستة 6 «22 يوليو» وهذا هو: # يا أهل القاهرة: إنني مسرور من سلوككم وقد أحسنتم صنعا بعدم اشتراككم في العمل ~~لمقاومتي. # لقد أتيت هنا لأقضي على جنس المماليك وأبيده ولأحمي التجارة وحقوق البلاد ~~الطبيعية. # فليهدأ بال من دخل الخوف قلبه، ونال الرعب منه، وليعد الذين تركوا بيوتهم إليها، ~~ولتقم الصلوات اليوم في المساجد كما كانت تقام من قبل، وكما أريد أن تبقى دائما، ~~ولا تخافوا شيئا على عيالكم وبيوتكم وأملاككم ms135 ولا سيما دينكم، دين النبي الذي أحبه ~~وأقدسه. # ولقد أسرعت بتعيين رجال الشرطة حتى يعود الأمن إلى نصابه ولا يعبث به عابث، ~~وسيكون لكم ديوان مؤلف من سبعة أشخاص يجتمعون في جامع «الدود» «كذا» ويكون اثنان ~~منهم دائما متصلين بالقائد ويبقى أربعة منهم للاهتمام بحفظ الأمن ومراقبة الشرطة.» ~~ا.ه حرفيا. # ومدهش أن الجبرتي لم يأت على نص هذا المنشور، مع حرصه على نصوص تلك المنشورات، وغاية ما ~~ورد في كتابه قوله: إن الفرنساويين أعطوا الوفد الأول الذي قابل نابوليون «سواء أكان الرجل ~~المغربي وصاحبه، أم بعض التجار وقنصل فرنسا، وكاتب إبراهيم بك» ورقة لتطمين أهل مصر، ~~وعبارتها مغايرة للأصل الذي نقلنا تعريبه من المصادر الرسمية، وجاء الشيخ الدحداح بتعريب ~~ذلك المنشور بعبارة مغلوطة ركيكة، تخالف كثيرا في نقطها الأساسية، الأصل الرسمي، ولم يذكره ~~ولم يشر إليه المعلم نقولا الترك. # ورواية الجبرتي، بعد ذلك أصح من غيرها قال: «ولما رجع الجواب بذلك «وبعد ذلك المنشور» ~~اطمأن الناس، وركب الشيخ الصاوي والشيخ سليمان الفيومي وآخرون إلى الجيزة فتلقاهم نابوليون ~~وضحك لهم، وقال لهم: أنتم المشايخ الكبار؟ فأعلموه أن المشايخ الكبار خافوا وهربوا، فقال: ~~لأي شيء يهربون؟ اكتبوا لهم بالحضور، ونحن نعمل لكم ديوانا لأجل راحتكم وراحة الرعية ~~وإجراء الشريعة، فكتبوا منه عدة مكاتبات بالحضور والأمان، ثم انفصلوا من معسكره بعد العشاء، ~~وحضروا إلى مصر واطمأن برجوعهم الناس وكانوا في وجل وخوف على غيابهم، وأصبحوا فأرسلوا ~~الأمان إلى المشايخ فحضر الشيخ السادات والشيخ الشرقاوي والمشايخ، ومن انضم إليهم من الناس ~~الفارين من ناحية المطرية، أما السيد عمر مكرم نقيب الأشراف فإنه لم يطمئن ولم ~~يحضر.» # وكانت العامة من الأهالي لما علموا بفرار البكوات وكبار المماليك، انقضت على دورهم ~~كالذئاب الخاطفة فنهبتها وأشعلت النار في بعضها، وبيع ما كان في تلك القصور والدور، من فرش ~~ونحاس وأمتعة، بأبخس الأثمان، وهكذا الغوغاء تفعل في كل مكان وزمان، حيث لا راع ولا ~~وازع. # قال «لاكروا»: واستمرت المخاطبات دائرة بين أهالي المدينة من جهة، والقائد العام من ms136 جهة ~~أخرى، فيما بين الثالث والعشرين إلى الخامس والعشرين من شهر يوليو فلم يبق أحد ممن له حيثية ~~في القاهرة لم يعبر النيل لملاقاة «السلطان الكبير»، كما لقب الناس بونابرت إذ ذاك «ولم نر ~~في الجبرتي ذكرا لهذا اللقب» وتقديم واجبات الطاعة والخضوع له فكان نابوليون يقابلهم ~~جميعا بالبشاشة والاستئناس ليبعث الطمأنينة في نفوسهم. # وكان يساعد بونابرت في تطييب خواطر القوم المترجم بينه وبينهم، وكان من ذوي الحصافة ~~والعلم، وهو المستشرق المعروف مسيو ~~فانتير # M. Venture # 3 # ولما عزم نابوليون على الانتقال من الجيزة للقاهرة، شرع أولا في أخذ الحيطة ~~اللازمة للجيش وله، فأصدر أمره للجنرال «ديزيه» باحتلال الجهة الواقعة على بعد فرسخين جنوبي ~~الجيزة، وإقامة الطوابي والمتاريس، ووضع المدافع اللازمة توقيا من هجوم مراد بك، وكذلك أمر ~~الجنرال «دوجا» بإقامة خط دفاع عند نقطة الهرم توقيا من هجوم العربان، وبعث بونابرت بكميات ~~وافرة من الغلال والأرز والمئونة إلى رشيد في القوارب لتموين الجيش والأسطول. # وفي يوم الأربعاء 25 يولية 11 صفر # 4 # عبر نابوليون بونابرت النيل ودخل القاهرة دخول الظافر الفاتح، ونزل في دار ~~الألفي بك المطلة على بركة الأزبكية، وكان ذلك المنزل كما روى الجبرتي، في خط الساكت، وقد ~~أنشأه محمد بك الألفي في السنة السابقة لدخول الفرنساويين وزخرفه وصرف عليه أموالا عظيمة، ~~وفرشه بالرياش الفاخرة، فكأنه إنما كان يبنيه لأمير الفرنسيس، قال الشيخ الجبرتي: «ولما عدى ~~كبيرهم، وسكن بالأزبكية لم يدخل المدينة إلا القليل منهم، فمشوا في الأسواق بغير سلاح ولا ~~تعد بل صاروا يضاحكون الناس، ويشترون ما يحتاجون إليه بأغلى ثمن فيأخذ أحدهم الدجاجة ويعطي ~~صاحبها في ثمنها ريال فرانسة، ويأخذ البيضة بنصف فضة، قياسا على أسعار بلادهم وأثمان ~~بضائعهم.» وفات شيخنا الجبرتي أن أولئك الجنود قد امتلأت جيوبهم من ذهب المماليك وفضتهم، ~~وأن الأموال التي يبتاعون بها البضائع ليست أموالهم! ثم قال: «فلما رأى منهم العامة ذلك ~~أنسوا بهم واطمأنوا إليهم، وخرجوا لهم بالكعك والفطير والخبز والبيض والدجاج، وأنواع ~~المأكولات وغير ذلك مثل السكر والصابون، ms137 والدخان والبن، وصاروا يبيعون لهم بما أحبوا من ~~الأسعار، وفتح غالب السوق الحوانيت والقهاوي.» # ولنأت هنا على وصف كاتب فرنسي للأيام الأولى التي أعقبت دخول نابوليون مدينة القاهرة، وما ~~أسرع في إصداره من الأوامر وتنفيذه من الأعمال ما ليس له أثر في المصادر العربية قال: # في 25 يوليه دخل القائد العام القاهرة ونزل في بيت الألفي بك الكائن بميدان ~~الأزبكية والواقع طرف المدينة، وكان لهذا البيت حديقة جميلة تتصل من الجهة الخلاء ~~ببولاق ومصر القديمة. # ولم يكد يستقر في هذا البيت، هو وأركان حربه حتى وجه عنايته للاعتناء بالمرضى ~~والجرحى والنظر فيما يعود على الجند بالراحة والرفاهية، فأمر بأن ينشأ في أقل من ~~ثمانية أيام مستشفى في بولاق لمائتي جريح، وآخر في مصر القديمة لمائتي مريض، وثالث ~~في الجيزة لمائة من المرضى، ورابع في القاهرة لمائة آخرين، وأن يبني في الجيزة فرن ~~ومخبز لكل قسم من إدارة الجيش، وفي بولاق ستة أفران ومخبز، وفي القاهرة ثلاثة أفران ~~ومخبز، وأصدر أمرا خاصا بأن يكون الخبز الذي يقدم للجند من الدقيق النقي الذي لا ~~يشوبه شيء غير دقيق الحنطة. # ولكي يحمي الأهالي ويؤمن المغلوبين على أمرهم صرح للقوافل بالمجيء بدون خوف إلى ~~مصر، ورفع الحصار البحري عن الإسكندرية ليدع السفن التركية تدخل إليها، وليجعل ~~التجارة حرة كالعادة. # وأصدر منشورا حث فيه العرب على الإخلاد إلى السكينة، وأن لا يحرجوا صدور ~~الفرنسيس بقتالهم إياهم، وجعل العرب تحت حمايته ورعايته كأهل مصر، ونظم جيشا من ~~الجنود الأتراك مؤلفا من خمس فصائل يبلغ عدد رجال كل منها 65 رجلا ووضعهم تحت ~~قيادة الجنرال دبوي. # وصرح لنساء البكوات والمماليك اللواتي كن يهمن على وجوههن في ضواحي القاهرة ~~بالعودة إلى منازلهن، وأن يضعن أيديهن على أملاكهن، وقال في هذا الشأن: # لما رأى القائد العام أن نساء البكوات والمماليك اللواتي يهمن على وجوههن ~~في ضواحي القاهرة قد يقعن فرائس لرجال العرب، أخذته الشفقة التي يتحلى ~~بها الرجل فأذن لكل نساء البكوات والمماليك بالعودة إلى المدينة، والإقامة ~~في منازلهن ms138 التي هي ملك لهن واعدا إياهن بالأمان. ا.ه. # وطلب من كبار المشايخ أن يصدروا منشورا فأطاعوا وأصدروا منشورا نصحوا فيه ~~المصريين بالخضوع لمن أرسله الله سبحانه وتعالى لإنقاذهم، هذا الرجل الذي يحترم ~~النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، والذي جاء لينتقم للمؤمنين من ظلم المماليك. # وثبت كبار المشايخ في مراكزهم وقراهم، وأعاد لهم كل الامتيازات التي كانوا ~~يتمتعون بها وأحاطهم برعاية لم يروها من قبل، ومن هؤلاء المشايخ ألف ديوانا لحكم ~~البلاد كما فعل في الإسكندرية. ا.ه من المصادر الفرنسية. # وهكذا فتح الفرنسيون مصر واحتلوا عاصمتها، واستقروا في دور أمرائها وأسيادها، وتم لهم ما ~~أرادوا وطارت كآبتهم التي لحقتهم في الطريق، وأخذوا يقتربون من الأهالي ويتوددون إليهم، كما ~~رأى القارئ من عبارات الجبرتي وأقوال الكتاب الفرنساويين، وبشر نابوليون المصريين بعهد سلام ~~ورفاهية ورقي وإصلاح وأكثر من الوعود والأماني ... فماذا تم على يد الفرنساويين؟؟ وهل كان ~~عهدهم بمصر عهد إصلاح وسلام، أو كانت كل هاتيك الوعود والأحلام، كلاما في كلام! # | هوامش # الفصل التاسع # | النظام الذي وضعه نابوليون لحكومة مصر # كنت أظن قبل أن أجوس خلال هذه المباحث التاريخية، وأشغل نفسي بتحقيق نقطها وضبط موادها ، ~~كما يليق بالمؤرخ الصادق، أن كاتبا عربيا قد حام حول الحمى، ووفى هذه الفترة القريبة منا ~~شيئا من حقها التاريخي، ولكني لم أر واحدا ممن وضعوا المجلدات الضخام، قد أتعب نفسه ~~وكلفها مئونة البحث الصحيح، الدال على إخلاص في خدمة التاريخ أو خدمة الوطنية، رأيتهم كلهم ~~قد اعتمدوا على الشيخ الجبرتي، ونقلوا عنه حرفا بحرف دون تقدير لظروف الرجل وكفاءته، ومن ~~غير نظر إلى أنه كتب تاريخه لا نقلا عن المصادر، ولا من أوراق ثابتة ذات قيمة أثرية، بل ~~كان اعتماده على ما يصل إليه من أفواه الناس ورواة الأخبار، وغلطهم أكثر من صوابهم، هذا ~~فضلا عن أن الشيخ الجبرتي يعترف في كتابه، أنه ابتدأ في جمعه وتنسيقه في السنة السادس ~~والعشرين بعد المائتين والألف؛ أي: بعد ثلاثة عشر عاما من خروج الفرنساويين وستة عشر من ~~دخولهم، فلا ms139 بد من وقوعه في أغلاط كبيرة وكثيرة، وكان من أقل الواجبات على إخواننا المؤرخين ~~أن يلجئوا إلى المصادر الفرنسية، ويكملوا ما نقص منها، أو يقارنوا بينها وبين ما خالف منها ~~أقوال الجبرتي، أفليس من المدهش والمحزن أن مؤرخا مشهور الاسم يلخص عن الجبرتي حرفا بحرف ~~ويقع في أغلاطه؟ بيد أن الكتب الفرنسية موجودة مفصلة تصحح له الصواب، وتهديه إلى ساحل الحق، ~~وإن غفرنا له ذلك لإسراعه في وضع ذلك السفر في مبدأ حياته العملية، فهل نغتفر لمثل حنا بك ~~شارويم المصري الصميم صاحب الكتاب الكافي في أربع مجلدات ضخام؟ وهو ممن درسوا اللغة ~~الفرنسية وتولى القضاء في المحاكم المختلطة، وما دونه في هذه النقطة التاريخية المهمة، أضعف ~~من صاحبه وقد تابع الجبرتي في جميع أغلاطه وتخريفاته!! فالجبرتي مثلا يقول: «دخل نابوليون ~~القاهرة في يوم الثلاثاء 10 صفر.» فينقلون عنه ذلك!!! ويقول الجبرتي بعد «وفي يوم الخميس 13 ~~صفر أرسلوا يطلبون المشايخ.» وكيف يكون الثلاثاء 10 في الشهر والخميس 13؟ وكيف تابع أولئك ~~المؤرخون المحققون الجبرتي في أغلاطه؟ وكيف يعقل أن نابوليون وأوامره ولوائحه ومنشوراته ~~لترتيب شئون البلاد - كانت تنهال كالسيل عشرات في اليوم الواحد - يبقى بين الثلاثاء والخميس ~~لا يشكل الديوان! ثم إن هنالك اختلافا في أسماء أعضاء الديوان الأول، بين صورة الأمر ~~الرسمي الذي أصدره نابوليون، وهو محفوظ بنظارة الحربية الفرنسوية، وبين ما جاء في كتاب ~~الجبرتي الذي جمعه بعد ست عشرة سنة!! فعلى من نعتمد؟ بالطبع لا تردد في الاعتماد على الأمر ~~الرسمي، ولم يذكر الجبرتي شيئا عن النظام الذي وضعه نابوليون للمديريات، وتشكيل دواوين ~~فيها للنظر في شئون الرعية، وكذلك لم يفعل مؤرخونا الحديثون! وبين نابوليون اختصاصات ديوان ~~القاهرة، ولم يذكر الجبرتي عن هذه الاختصاصات شيئا، وكذلك فعل إخواننا المؤرخون!! وللجبرتي ~~ألف عذر وعذر، ولكن بماذا نعتذر عن المؤرخين الحديثين؟؟ # ويسوءني أيضا أنه لم يقم شخص واحد من رجال البعثات المصرية، الذين أوفدهم محمد علي ~~وخلفاؤه إلى فرنسا، بجمع أو تعريب شيء من مئات الكتب والمذكرات المستفيضة، عن ms140 الحملة ~~الفرنساوية بمصر، حتى بقي تاريخها مجهولا في هذه الديار، وحتى وجدنا في العشرة التاسعة من ~~القرن التاسع عشر من يقصر اعتماده على الشيخ عبد الرحمن الجبرتي الحبشي الأزهري، ولا يعرف ~~سواه من المصادر الصحيحة والمواد الكثيرة التي تحير المؤلف لكثرتها، وسعة مواردها، والحق ~~يقال إن مؤلف تاريخ فرنسا الحديث، سواء أكان هو البستاني أو الدحداح، قد ألم بكثير من ~~المعلومات والبيانات، مع أنه بعيد عن مصر، والكتاب خاص في نظره بتاريخ فرنسا، ولم يك كاتبه ~~أو معربه مصريا، أو قاصدا وضع تاريخ لمصر، ولو كانت عبارة ذلك الكتاب فصيحة، ووجه كاتبه ~~همته إلى تحقيق أسماء الأشخاص، والأماكن في أصلها العربي، لكان ما جاء منه في تاريخ فرنسا ~~بمصر، يستحق الثناء والإعجاب. # لا أكتب هذه الكلمة من باب التبجح والتعالي على من كتبوا قبلي في هذه الفترة، ولكني ~~أكتبها من قبيل التذكرة من جهة، والآسف من أخرى ... للتذكرة لمن يكتب التاريخ بعدنا، وللآسف ~~لأني كنت أحب أن أجد الطريق أمامي ممهدا لكيما أجد من وقتي متسعا لزيادة التعمق والتحقيق ~~والاستنتاج، ولكيلا أقع فيما لا بد أن أكون قد وقعت فيه من الأغلاط، لتشعب المسالك وقلة ~~المادة في المصادر العربية المصرية. ~~••• # قبل أن نذكر النظامات العديدة التي وضعها نابوليون لإدارة البلاد المصرية، والتي لم تؤد ~~إلى نتيجة فعلية، حتى في مدة وجود الفرنساويين هنا، بل ولم يبق لها أدنى أثر بعد خروجهم، ~~نرى من الضروري خدمة للحق والتاريخ أن نعترف أن نابوليون كان مخلصا في نية الإصلاح وإن كان ~~لم يوفق، وإذا كانت نتيجة حملته، قد جاءت بعكس ما أراد ولم تحدث غير الخراب والدمار، وفقدان ~~الأنفس والأموال، والإخلال بالآداب، والإفساد للأخلاق، فما ذلك إلا للظروف التي أحاطت ~~بنابوليون وحملته، والمقتضيات التي جاءت فوق طاقته، وسنعود إلى هذا ببيان أوسع، وإيضاح ~~أكمل، في الحكم النهائي على نتيجة الحملة الفرنساوية في مصر، بعد أن يكون القارئ قد وقف على ~~أصول القضية وفروعها. # وما ذكرنا هذه الكلمة الموجزة إلا تمهيدا لبيان أن خطة ms141 نابوليون في مصر مدة وجوده فيها ~~وبعد سفره منها قد تطورت في أطوار مختلفة، باختلاف المؤثرات السياسية الخارجية عنها، ~~الفعالة فيها. # ولكي يستنير القارئ ويسير معنا على هدى، نقسم له هاتيك التطورات إلى أدوارها، مع بيان ~~الأسباب الطبيعية التي قضت بها، والتقسيم الذي سنأتي عليه هو من مبتكراتنا؛ إذ لم نر أحدا ~~من الكتاب الأجانب أو غيرهم، قد فصله هذا التفصيل، كما أننا ما جئنا به إلا ليتمكن القارئ ~~المصري الذي لم يدرس تاريخ أوروبا دراسة وافية، من الوقوف على أمهات النقط السياسية في ~~تاريخ هذه الفترة. # تنقسم التطورات التي أشرنا إليها إلى خمسة أدوار: # الدور الأول: # من وصول الحملة إلى الإسكندرية إلى وصول نبأ واقعة أبي قير البحرية «من ~~أول يوليو-13 أغسطس». # الدور الثاني: # من وصول الخبر بالواقعة البحرية «13 أغسطس» إلى ثورة مصر الأولى 21 ~~أكتوبر سنة 1798. # الدور الثالث: # من تاريخ الثورة المذكورة إلى مغادرة نابوليون مصر 23 أغسطس سنة ~~1799. # الدور الرابع: # مدة زعامة كليبر إلى قتله «22 أغسطس سنة 1799-14 يونيو سنة 1800». # الدور الخامس: # مدة زعامة مينو إلى خروج الفرنسيس نهائيا من مصر في 2 نوفمبر سنة ~~1801. # الفصل العاشر # | الدور الأول (من 1 يوليو-13 أغسطس) # من احتلال الإسكندرية إلى واقعة أبي قير # لما احتل نابوليون الإسكندرية، وسار بجيشه حتى وصل إلى قصبة الديار المصرية، لم يكن يقوم ~~بذهنه طول البقاء بمصر بالنسبة لذاته شخصيا؛ إذ المعروف أنه كان منذ سطعت شمس حياته، ~~وتألق سنا مجده، ولاح كوكب شهرته في أوروبا، متطلعا إلى السيادة على فرنسا، وبواسطتها على ~~أوروبا، كما أدرك ذلك فعلا بعد، ولذلك قالوا إنه لما أدرك أن حكومة الديركتوار تريد ~~إبعاده عن فرنسا خوفا من شهرته التي نالها، ومحبته التي تمكنت في قلب الشعب الفرنسي، بردت ~~نار حماسته التي اشتعلت بفكرة فتح مصر، ولكنه كان قد تورط في الأمر من جهة، ومن جهة أخرى ~~التفت يمنة ويسرة عله يجد طريقة لأخذ السلطة من يد أولئك الحكام، فرأى كما صرح بذلك ~~«لبورين»، «أن الثمرة لم تنضج ms142 بعد» # 1 # ققدم إلى مصر بحملته، وكان من أمره ما كان. # ونحن نريد أن نستنتج من هذا أنه لم يكن مصمما على البقاء في مصر، وكانت عينه متطلعة ~~دائما إلى فرنسا، فكان همه موجها إلى وضع نظام حكومة راقية في هذه الديار ليكتسب بها مودة ~~الشعب المصري وثقته، ويسعى في التودد إلى حكومة الباب العالي، فيوفق بين احتلال فرنسا لمصر، ~~وسيادة جلالة سلطان آل عثمان، كما سبق لنا بيان ذلك، وعلى هذه الفكرة سار في الخطة التي ~~وضعها لنظام حكومة هذه الديار، إلى أن علم أن نلسون الإنكليزي قد دمر أسطوله في واقعة أبي ~~قير «وكان علمه بذلك بالضبط يوم 13 أغسطس، وهو قادم من مطاردة إبراهيم بك في مديرية ~~الشرقية»، فعرف أنه قد حيل بينه وبين العودة إلى فرنسا، وأن مواصلاته بوطنه، ومصدر ~~الإمدادات، بل قل الحياة له ولجيشه، قد انقطعت فلجأ إلى اتخاذ خطة أخرى، والأصح أن يقال، ~~إلى توسيع خطته الأولى مع المصريين، كما سنشرح ذلك في حينه. # قلنا إن خطته في الدور الأول كانت قائمة على وضع نظام راق وحكومة عادلة لمصر مع التشديد ~~على جيشه وضباطه بالمحافظة على العادات والآداب الشرقية، والتقاليد الإسلامية، فلذلك أصدر ~~أمره يوم وصوله إلى القاهرة بتشكيل ديوان من علماء مصر وشيوخها، وهذه صورة لأمره الرسمي ~~بتشكيل الديوان واختصاصاته. # معسكر القاهرة 7 ترميدور سنة 6 / 26 يوليو سنة 1798 # بونابرت عضو المجتمع العلمي الأهلي وقائد عموم الجيش يأمر بما يأتي: ~~(أولا): # تحكم مدينة القاهرة بواسطة ديوان مشكل من تسعة أشخاص. ~~(ثانيا): # يتألف هذا الديوان من المشايخ، السادات، والشرقاوي، والصاوي، ~~والبكري، والفيومي، والعريشي، وموسى السرسي، ونقيب الأشراف سيد ~~عمر، ومحمد الأمير، وعليهم أن يجتمعوا في الساعة الخامسة مساء ~~اليوم بمنزل «كخيا الشواهد» وعليهم أن ينتخبوا من بينهم رئيسا لهم ~~وينتخبوا سكرتيرا «كاتم سر» من الخارج «أي: من غير دائرتهم» ~~ويختاروا لهم كتبة تراجمة يعرفون الفرنساوية والعربية ولهذا ~~الديوان حق تعيين اثنين من خيار الناس «أغات» لإدارة البوليس، ~~وعليه أن ينتخب قومسيونا مؤلفا ms143 من ثلاثة آخرين يكلفون بمهمة دفن ~~الموتى الموجودين في القاهرة وضواحيها. ~~(ثالثا): # يجتمع أعضاء هذا الديوان كل يوم من الظهر ويبقى منهم ثلاثة ~~أعضاء على الدوام في دار المجلس. ~~(رابعا): # يقام على باب الديوان حرس فرنساوي وآخر تركي. ~~(خامسا): # على الجنرال برتبة وقومندان المدينة أن يكونا عند الساعة ~~الخامسة مساء اليوم بدار الديوان لإجراء ما يلزم لأعضائه، ولكي ~~يفهموهم أن لا يعملوا شيئا ضد مصلحة الجيش.» ا.ه. ~~••• # هذا نص أمر تشكيل واختصاصات الديوان الأول كما نشره «لاكررا» نقلا عن النص المحفوظ ~~بديوان الحربية في فرنسا تحت نمرة 2837، وهو يخالف في بعض الوجوه - وربما كان في شكله فقط - ~~ما كتبه الجبرتي في هذا الصدد، فقد ذكر الشيخ الجبرتى «أنهم «الفرنسيس» أرسلوا يطلبون ~~المشايخ والوجاقلية عند قائمقام صاري عسكر، فلما استقر بهم الجلوس خاطبوهم وتشاورا معهم في ~~تعيين عشرة أنفار من المشايخ للديوان وفصل الحكومات، فوقع الاتفاق على الشرقاوي والبكري ~~والصاوي والفيومي والسرسي والعريشي والدمنهوري والمهدي والشبراخيتي والدواخلي.» # فالستة أعضاء الأول، هم كما ورد في أمر نابوليون الرسمي، وأما الأربعة الآخرون فقد ذكر ~~مكانهم ثلاثة فقط؛ عمر مكرم نقيب الأشراف، والشيخ محمد الأمير، والسادات. # فأما السيد عمر مكرم فقد كان غائبا؛ لأنه خرج مع إبراهيم بك وأبي بكر باشا هاربا من وجه ~~الفرنسيس، ولم يعد إلى مصر إلا بعد خروجهم، فمن المحتمل أن يكون نابوليون قد ذكره ليبلغه ~~ذلك، وهو لا يزال في بلبيس، فيرتاح خاطره فيحضر، وأنه انتخب واحدا من العلماء الثلاثة ~~الدمنهوري والشبراخيتي والدواخلي، وأما الشيخ محمد المهدي فمن المؤكد أنه انتخب ليكون «كاتم ~~سر وباشكاتب الديوان الخصوصي» وأما شيخ السادات فقد ذكره نابوليون في أول أمره المشار إليه، ~~ولكن لم يرد ذكره كعضو من أعضاء الديوان، في كتاب الجبرتي، وأما المعلم نقولا الترك، فقد ~~خلط وخبط فقال: «ابتدأ نابوليون في النظامات لمدينة مصر فأحضر أولا خمسة من الأسماء الكبار ~~وهم الشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ خليل البكري والشيخ مصطفى الصاوي والشيخ محمد المهدي ~~والشيخ سليمان الفيومي، وأحضر معهم اثنين ms144 من الوجاقات وواحد من التجار وهم علي كتخدا باشي ~~ويوسف شاويش باشي والسيد أحمد المحروقي، وأفرز إلى هؤلاء محلا معينا، وعين لهم علائف ~~«مرتبات» شهرية وأقامهم رؤساء في ديوان خصوصي.» ا.ه. # ونحن لا نعرف شيئا عن أولئك الاثنين من الوجاقلية؛ إذ لم نعثر على اسمهما في أي كتاب، ~~ولكنا نعرف أن السيد أحمد المحروق لم يكن في القاهرة في ذلك الحين؛ لأنه فر مع إبراهيم بك، ~~وبكير باشا، ولم يعد إلى القاهرة إلا بعد واقعة الصالحية في 12 أغسطس أي بعد نحو عشرين ~~يوما من هذا التاريخ، ومن الغريب أن يرد بعد هذا في رسالة نقولا الترك ذكر أسماء أعضاء ~~الديوان الذين أمضوا على المنشور الذي وزعه نابوليون تحت أسمائهم ردا على المنشورات ~~والأوراق التي كان يبعث بها إبراهيم بك ورجال الدولة لتحريض الأهالي على الفرنساويين «كما ~~سيأتي ذلك في موضعه» وعددهم عشرة رجال وهم البكري والشرقاوي والصاوي والمهدي ومحمد الأمير ~~والعريشي والفيومي والدواخلي والسرسي والدمنهوري، فلم يذكر من بينهم السادات، ولا الشيخ ~~محمد الأمير مفتي المالكية، ولا الشيخ الدواخلي. # ولم يذكر الجبرتي الاختصاصات التي أعطاها نابوليون للديوان، ولكن ذكر أولا أنه حضر مع ~~المشايخ في جلسة الديوان مصطفى كتخدا الباشا «وكيل الباشا الوالي» والقاضي «التركي» وهذا من ~~الأدلة الكبيرة على رغبة نابوليون في إتباع السياسة التي شرحناها من حيث اتفاقه مع الدولة ~~ومحافظته على حقوق السيادة العثمانية، ثم قال الجبرتي: «وقلدوا محمد أغا المسلماني أغات ~~مستحفظات «محافظ» وعلي أغا السواري والي الشرطة وحسن أغا محرم أمين احتساب، وذلك بإشارة ~~أرباب الديوان فإنهم؛ أي: «الفرنسيس» كانوا ممتنعين عن تقليد المناصب لجنس المماليك فعرفوهم ~~أن السوقة في مصر لا يخافون إلا من الأتراك ولا يحكمهم سواهم.» وذكر الجبرتي أيضا أنهم ~~قلدوا محمد بك كتخدا لبونابرته ومن أرباب المشورة الخواجة موسى كافوا وكلاء الفرنساوي ... ~~«وصوابهما موسى كافوا وكاوي الفرنساوي» وعينوا مسيو جان بنو وكيلا للديوان. # هذا فيما يختص بنظام إدارة حكومة القاهرة، أما فيما يختص بداخلية البلاد فلم يذكر الجبرتي ~~شيئا وكذلك ms145 لم نجد في كتاب المعلم نقولا الترك، ولا في كتاب البستاني الناقل عن كتب ~~الفرنسيس، ولكن رأينا في المصادر الفرنسية، أن نابوليون ألقى عدة أسئلة على المشايخ أعضاء ~~الديوان للاستفسار منهم عن أحسن الطرق لإدارة أحكام المديريات، فأجابوه على أسئلته بجوابات ~~أعجبته وسر بها؛ ولذلك وضع النظام الآتي في أمر له بتاريخ 27 يوليو، ومحفوظ أصله في مخابرات ~~نابوليون بنمرة 2858 وهذا تعريبه: # المادة الأولى: # يشكل في كل مديرية من مديريات القطر المصري ديوان مؤلف من سبعة أعضاء ~~للنظر في شئون الأهالي، وليعرضوا علي كل شكوى تقدم لهم، وليمنعوا ~~التعديات التي تقع من الأهالي على بعضهم، وليراقبوا المشبوهين ~~وليعاقبوهم إذا اقتضى الحال بطلب قوة من قومندان الجهة الفرنساوي، وعلى ~~هذا الديوان إرشاد الأهالي إلى ما يراه موافقا لمصلحتهم. # المادة الثانية: # يقيم في كل مديرية أغا من الإنكشارية تكون علاقاته متواصلة مع ~~القومندان الفرنساوي، وتكون تحت أمرته قوة مؤلفة من سبعين رجلا من ~~أهالي البلاد مسلحين لكي يسيروا في البلاد لتوطيد دعائم الأمن وإدخال ~~الناس في دائرة الطاعة والطمأنينة. # المادة الثالثة: # يقيم في كل مديرية مدير لجباية أموال الميري وتحصيل جميع ضرائب ~~الأطيان، وجمع إيرادات أملاك المماليك التي أصبحت الآن ملكا للجمهورية ~~الفرنسية، ويكون تحت إدارته العدد الكافي من العمال اللازمين ~~لذلك. # المادة الرابعة: # يعين مع المدير المشار إليه آنفا وكيل فرنساوي للمخابرة مع إدارة ~~ديوان المالية ولتنفيذ الأوامر التي تصدر له من هذه الجهة ويكون تابعا ~~لها. ا.ه. # بونابرت # ووضع نابوليون عدا ذلك مذكرة تقضي بتثبيت جميع الملاك في أملاكهم، وبالمحافظة على الأوقاف ~~التابعة للمساجد والمعاهد الدينية، وأن تستمر المعاملات التجارية والمدنية على ما كانت ~~عليه، وأن يبقى السير في الأعمال القضائية على ما كان عليه. ~~••• # فأنت ترى من هذا النظام أن نابوليون قد وضع المهم من سلطة إدارة أمور البلاد في أيدي ~~أبنائها، مكتفيا بالرقابة العامة، ولكن البلاد كانت خالية من الرجال المصريين الذين يصلحون ~~لتولى مهام هذه الشئون، بدليل اختيار أعضاء الديوان في القاهرة بعض رجال المماليك لتولي ms146 ~~إدارة الأحكام، وقد ذكر المعلم نقولا الترك أن محمد أغا المسلماني الذي عين محافظا لمدينة ~~القاهرة أرمني اعتنق الإسلام، وتعيين أغا من الإنكشارية بقوة مسلحة تحت يده معناه بقاء ~~السلطة الفعلية في أيدي أولئك العتاة الظالمين. # ومع وضع هذا النظام الشبيه بالدستوري في شكله، ومع عظيم تودد الفرنساويين للمشايخ ~~والأعيان والعلماء والمسلمين عامة، فإن ذلك لم يمنعهم من فرض ضريبة فادحة على مدينة القاهرة ~~فقد روى الجبرتي، أنهم في يوم السبت «28 يونيو» اجتمعوا بالديوان وطلبوا دراهم سلفة، وهي ~~مقدار خمسمائة ألف ريال «مائة ألف جنيه» من التجار والمسلمين والنصارى والقبط والشوام وتجار ~~الإفرنج أيضا، وأما المعلم نقولا الترك فيقول في رسالته: «وكان أمير الجيوش بونابرته بعد ~~دخوله إلى أرض مصر أحضر تجار ديوان البهار المعروف بديوان البن الوارد من الأقطار، وطلب ~~منهم ألف وستمائة كيس، وطلب من الأقباط المباشرين الدواوين ألف وستمائة كيس، أخرى ومن تجار ~~النصارى ثمانمائة كيس، وتسلم تلك الأربعة آلاف كيس ستة أيام ووعدهم بوفائها عندما يروق ~~الحال ويتسع المجال.» ا.ه، فإذا كانت قيمة الكيس كما ذكرها «بيريه» ستين جنيها، تكون ~~الضريبة التي فرضها نابوليون على القاهرة 240000 جنيه. # ثم أخذوا أيضا يجمعون الأموال بطرق شتى، ويحصلون على الغنائم ومقتنيات المماليك بأساليب ~~عديدة، فمن ذلك أنهم نادوا على نساء أمراء المماليك بالأمان وأنهن يسكن بيوتهن، وإن كان ~~عندهن شيء من متاع أزواجهن يظهرنه، فإن لم يكن عندهن شيء يصالحن على أنفسهن، ويأمن في ~~دورهن! قال الجبرتي: «فظهرت الست نفيسة زوجة مراد بك وصالحت عن نفسها وأتباعها من نساء ~~الأمراء والكشاف بمبلغ قدره مائة وعشرون ألف ريال فرنساوي «24000 جنيه»! # ثم قال أيضا: إنهم جمعوا أموالا طائلة من بقية نساء الأمراء، وصاروا يعملون عليهن ~~إرهاصات وتخويفات، وكذلك مصالحات على الغز والأجناد المختلفين والغائبين والفارين فجمعوا ~~بذلك أموالا كثيرة. # ولم يكتفوا بكل هذا بل طلبوا الخيول والجمال والسلاح والأبقار فحصلت عليها مصالحات «أي: ~~دفع الناس بدلها أموالا». # وصاروا يفتشون الدور ويستخرجون الخبايا والودائع ويستعينون بالخدم للاستدلال على مستودعات ms147 ~~أسيادهم، وفرضوا ضريبة أخرى غير السابقة على أهل الحرف من التجار في الأسواق، فلأي سبب ~~كانوا يجمعون هذه الأموال، وبأي حق كانوا يصادرون الناس وفي أي شريعة يدفع النساء إتاوة ~~للإقامة في دورهن؟ إن من حقوق الفاتح أن يغنم ما يقع في يده من الغنائم التي يتركها العدو ~~في ميدان الحرب، وله حق مصادرة أملاك أعدائه الذين حاربوه وماتوا في ساحة الوغي، وله أن ~~يجمع السلاح ويتقي شر الثورات والقلاقل، ولكن جمع هاتيك الأموال على ذلك الشكل مما يسيء إلى ~~سمعة نابوليون وقواده وضباطه الذين جمعوا تلك الأموال، وقد روى بوريين عن نابوليون أنه عاد ~~من حروبه في إيطاليا بمبلغ ثلاثة ملايين من الفرنكات، فلا شك أنه عاد من مصر بمثلها أو أكثر ~~منها، وقل مثل ذلك عن القواد والضباط. # ولو أن هاتيك المصادرات وقعت على المماليك لقلنا تسلط الظالم على الظالم، ولكنها تعدت إلى ~~أرباب الحرف من المصريين المساكين! # وفي الوقت الذي يتبجح كتاب الفرنساويين بأن بونابرت ما كاد يضع قدمه في مصر حتى أصدر أمره ~~بالعفو عن الفارين، والسماح لنساء المماليك بالعودة إلى دورهن مطمئنين؛ نجد أنهم ما سمحوا ~~لهن بالعودة إلا ليضربن عليهن هاتيك الضرائب الفادحة، ولقد روى الجبرتي في أوقات مختلفة ~~روايات عن تعرض الفرنساويين لنساء المماليك ومصادرتهن، وخلق الأسباب لدعوتهن إلى منازل ~~الحكام مما يخجل القلم من ذكرها، وحكاية عن زوجة رضوان كاشف، التي صالحت نفسها بألف ~~وثلاثمائة ريال، ثم نهبوا بعد ذلك بيتها، بحجة التفتيش على السلاح، وأخذوا كل ما فيه، ~~وقرروا عليها بعد إهانتها وإقامتها ثلاثة أيام عندهم أربعة آلاف ريال أخرى، ليست الوحيدة في ~~بابها. # ولا غرابة في ذلك فما خرج الكثير من أولئك الضباط والمقطوعين من موظفي الجيش إلا بقصد ~~الحصول على الثروة، وما نقول هذا من عندنا، فقد جاء في كتاب «ميو» الذي سبقت الإشارة إليه ~~قوله في الصحيفة الثالثة من مذكراته ما يأتي تعريبه: # أي ميدان واسع فتح أمام أصحاب النفوس الثائرة التي نفذ منها الصبر وكان أصحاب ~~المطامع ms148 يرقبون المستقبل لكي يزيدوا ثروتهم. # وكان كل منهم يأمل خيرا في هذه الحملة العظيمة، وكان القائد العام يمنيهم غالبا ~~بالأقوال الخادعة ويدفع فيهم حب العظمة والثراء، وكان جنودنا قد اعتادوا في إيطاليا ~~الثراء والغنى عن نفقات البلاد التي فتحت، وكانت مصر أمام أعينهم منجما مهملا، ~~وبلادا عذراء لم تستغل بعد، ولم تمسها الأيدي العاملة. إلخ إلخ. # فعل الفرنساويون ما فعلوه لاغتصاب الأموال، وهم ثملون بخمرة الفوز في الوقت الذي كان فيه ~~أسطول نلسون يغرق ويحرق أسطولهم في أبي قير في موقعة بحرية قضت على آمالهم في هذه الديار ~~قضاء مبرما، فما كان أصدق قول الشاعر عليهم في تلك الآونة: # يا نائم الليل مسرورا بأوله # إن الحوادث قد يطرقن أسحارا # في الوقت الذي كانت فيه العمارة الفرنساوية تلاقي البلاء من مواقع الإنكليز كان نابوليون ~~في القاهرة يستعد لتجهيز حملة لمطاردة إبراهيم بك، ومن معه من المماليك النازلين في ~~بلبيس. # في الدور الأول أيضا بعد الواقعة # يخطئ من يظن أن الفرنساويين بمجرد قهرهم المماليك في واقعة إمبابة واستيلائهم على ~~مدينة القاهرة عاصمة الديار المصرية، قد تملكوا هذه البلاد وخضع لهم فيها البعيد ~~والقريب، قلت هذا لأن ما كتبه إخواننا المؤرخون الحديثون يترك لأول وهلة في نفس القارئ ~~ذلك الأثر، والحقيقة أن الفرنساويين لم يستقر لهم في مصر قرار بغير حرب وقتال منذ وضعوا ~~قدمهم فيها، إلى يوم خروجهم منها، وأنهم وإن كانوا قد ملكوا عاصمة الديار، وأصدروا ~~الأوامر، وأنشئوا الدواوين، فإن سلطتهم لم تكن قد توطدت إلا في الجهات التي مروا فيها، ~~وفي الثغور التي احتلوها كالإسكندرية ورشيد، وأما ما دون ذلك فقد كان إبراهيم بك لا ~~يزال بقوة كبيرة من المماليك في الشرقية، وكان مراد بك بقوة أخرى قابضا مسيطرا على ~~الوجه القبلي، وكانت مديريات الدقهلية والغربية غير خاضعة للسلطة الفرنسية، وقد كتب ~~مسيو «ميو» من الذين رافقوا الحملة في كتابه الذي سبقت الإشارة إليه كلمة نرى من تعظيم ~~الفائدة تعريبها بإيجاز، قال: # إننا وإن نكن قد احتللنا القاهرة، وصرنا سادة ms149 فيها، إلا أننا كنا أشبه ~~بالمحصورين منا بالفاتحين؛ إذ كنا لا نستطيع الخروج عن دائرة المدينة، ومن ~~ابتعد من الجنود لاقى حتفه، وكثيرا ما خسر الجيش من رجاله بهذه الصورة، وحتى ~~الطريق من القاهرة لبولاق لم تكن مأمونة، وكانت مواصلاتنا محفوفة بالخطر بسبب ~~العربان الذين كانوا يجرءون على الدنو من أبواب القاهرة فكأننا في حرب مستمرة، ~~ولطالما ذكرتني الحرب بموقفنا في مصر وهكذا كل حرب أهلية؛ لأن احتلال جيش لبلد ~~لا يريد أهلها إلا الحرية، يجعل ذلك الجيش معرضا للخطر فإما محو تلك الأمة، ~~وإما ترك البلاد لأهلها، ومع أن الشعب المصري لم يقم من نفسه للتعدي علينا إلا ~~أنه كان يميل ويعضد أعمال كل معاد لنا، ولو أن المصريين لم يكونوا على جانب ~~عظيم من الضعف، وخور العزيمة أو كانوا متحمسين بفكرة الوطنية، لما بقي لفرنسي ~~في أرض مصر أثر، خصوصا وقد امتنع عنا المدد وانقطع حبل الاتصال ~~ببلادنا. # 2 # كانت هذه الظروف قاضية على نابوليون بإرسال الحملات المتوالية لجهات القطر المختلفة ~~للاستيلاء عليها، وتوطيد قدم الفرنساويين فيها، فبدأ أولا بإيفاد حملة تحت قيادة ~~الجنرال ديزيه إلى الصعيد لاقتفاء آثار مراد بك، وأرسل حملة أخرى تحت قيادة الجنرال ~~فيال إلى دمياط وكلف كليبر قومندان نقطة الإسكندرية أن يرسل قوة كبيرة تحت رياسة ~~الجنرال ديموي لاحتلال مديرية البحرية وعين الجنرال زانشكوك لمديرية المنوفية وعين مورت ~~للقليوبية وفوجيير للغربية، ومع كل واحد منهم قوة عسكرية لفتح البلاد ووضع النظام الذي ~~خصص لها، وكانت التعليمات الصادرة لجميع هؤلاء القواد محصورة في المسائل ~~الآتية: ~~(1) # تجريد الأهالي من السلاح. ~~(2) # جمع الخيول اللازمة للخيالة الفرنسية. ~~(3) # إنشاء أفران للخبز. ~~(4) # إنشاء المستشفيات اللازمة. ~~(5) # الاستيلاء على ممتلكات ومخلفات المماليك من أرض ودور وماشية. ~~(6) # دراسة أحوال الأهالي وأخذهم بالشدة إذا اقتضى الحال فإن الطاعة عند هؤلاء ~~القوم معناها الخوف. # ونحن لا ننوي أن نتبع هذه الغزوات بتفصيلاتها الوافية إلا فيما نجد منه فائدة في ~~إظهار الروح المصرية أو بيان حال من الأحوال الاستثنائية فلطالما وقعت بين الفرنساويين ~~والفلاحين المصريين ms150 معارك كثيرة في جهات مختلفة من جهات القطر لم أر لها ذكرا في الكتب ~~العربية على الإطلاق، على أنه يحسن بأبناء كثيرين من أعيان القرى والبلدان أن يعرفوا ~~اليوم أن آباءهم أو أجدادهم قد قاتلوا الفرنساويين حول بيوتهم وفي حقولهم. # ولنبدأ الآن بأهم المعارك التي دارت في أرض مصر بعد واقعة إمبابة، وقد سبق لنا القول ~~في ختام الفصل السابق، أنه في الوقت الذي كان فيه نلسون يغرق ويحرق السفن الفرنسية، كان ~~نابوليون يعد حملة قوية لمطاردة إبراهيم بك والقضاء على القوة الباقية معه في بلبيس؛ ~~لأن وجود إبراهيم بك على مقربة من القاهرة، وفي طريق القوافل الذاهبة إلى السويس ~~والقادمة من الحجاز، كتم لأنفاس القوة الفرنسية في القاهرة، وقد صادق أن المحمل المصري ~~قد من الحجاز بعد بضعة أيام من احتلال الفرنساويين للقاهرة، وتصحب المحمل عادة قوة من ~~الجند، وقد روى الجبرتي أنه في 20 صفر 1213 «3 أغسطس» وردت مكاتيب الحجاج من العقبة، ~~فذهب أرباب الديوان إلى العسكر «يعني نابوليون» وأعلموه بذلك، وطلبوا منه أمانا لأمير ~~الحج، فامتنع وقال: لا أعطيه ذلك إلا بشرط أن يأتي في قلة، ولا يدخل معه مماليك كثيرة ~~ولا عسكر، فقالوا له ومن يوصل الحجاج؟ فقال: أنا أرسل لهم أربعة آلاف من العسكرية ~~يوصلونهم إلى مصر، فكتبوا لأمير الحج # 3 # بذلك، ولكن إبراهيم بك كان قد سبقهم لذلك وطلب من أمير الحج أن يقدم بمن ~~معه إلى بلبيس، وفعلا انضموا إليه، ولكنهم لاقوا بذلك عناء شديدا من تعدي العربان ~~وإيذائهم، فكان ما حصل دافعا لنابوليون على الإسراع في مطاردة إبراهيم بك؛ لأنه اتصل ~~به إن إبراهيم بك، بعد أن تقوى جانبه بالمدد الذي جاءه مع الحجاج، سيهاجم القاهرة من ~~الشمال، وكذلك سيهاجمها مراد بك من الجنوب، فخاف نابوليون العاقبة فأخذ في الاستعداد ~~لمحاربة إبراهيم بك، فكان أول عمله أن أصدر أمره للجنرال لكرك # Leclerc # بالزحف إلى جهة الخانكة، وكان «ميو» صاحب المذكرات في الفرقة ~~التي سارت تحت قيادة هذا الجنرال، ويظهر من روايته ms151 أنه كان تابعا لقسم المهمات؛ لأنه ~~روى عن نفسه فقال: كانت الساعة الخامسة من صباح 2 أغسطس حين برحنا القاهرة مارين ~~بالقرافة حتى وصلنا القبة حيث كان الجنرال «دينيه» معسكرا ووصلنا يوم 3 أغسطس بلدة ~~الخانكة دون أن نصادف مقاومة، ولما كنا قد صممنا على الإقامة طويلا في هذه النقطة أخذت ~~في إعداد ما يضمن للجنود غذاءهم بأن شرعت في بناء عدة أفران للخبز وروي أيضا أنه في ~~صبيحة يوم 5 أغسطس هاجمتهم قوة كبيرة مؤلفة من المماليك والفلاحين وبينما هم يشتغلون ~~بمقاومتهم ثار أهل القرية «الخانكة» فصاروا يقتلون كل من يقع في يدهم من الفرنساويين، ~~ودمروا الأفران التي بناها صاحبنا «ميو» وانتشب القتال بين الطرفين من صباح ذلك اليوم ~~إلى مسائه، وكادت تدور الدائرة على الفرنساويين لولا أن قائدهم انسحب بمن معه من الجنود ~~تحت جنح الظلام عائدا أدراجه إلى القاهرة، وكانت أخبار هذه الفرقة قد وصلت نابوليون ~~فأصدر أوامره للقوات المختلفة بالسير إلى جهة الخانكة فاستردوها، وخرج نابوليون بنفسه ~~يوم 7 أغسطس من القاهرة وسارت تلك القوة حتى وصلت بلبيس في يوم 9 منه. # أما إبراهيم بك فإنه لما علم بذلك انسحب بمن معه إلى الصالحية والجبرتي يقول إنه ~~انسحب للمنصورة # 4 # أولا، وأرسل الحريم إلى القرين، ولم يذكر الجبرتي بالطبع شيئا عن واقعة ~~الخانكة، ولكنه قال: «فلما كانت ليلة الأربعاء «يوافق 8 أغسطس» خرج كبيرهم بونابرته ~~وكانت أوائلهم وصلت إلى الخانكة وأبي زعبل وطلبوا كلفة من أبي زعبل فامتنعوا «أي: ~~أهلها» فقاتلوهم وضربوهم وكسروهم ونهبوا البلدة وأحرقوها.» ثم قال: «وفي ثامن عشر منه ~~«من صفر يوافق يوم السبت 11 أغسطس» ملك الفرنساويون بلبيس من غير قتال ومن بقي فيها من ~~الحجاج فلم يشوشوا عليهم وأرسلوهم إلى مصر ومعهم طائفة من العسكر؟». # وهذه الرواية عن الحجاج ذكرها نابوليون في تقريره الرسمي الذي بعث به لحكومة فرنسا ~~«الديركتوار» بتاريخ 19 أغسطس، وقد نشر نصه «لاكروا» وفيه ذكر نابوليون أن العربان ~~فتكوا بالحجاج وسلبوهم، وأن تاجرا من المصريين أكد له ms152 أنه خسر من البضائع الهندية - من ~~كشامير وغير ذلك - ما تقدر قيمته بمائتي ألف ريال، والتاجر المشار إليه هو السيد أحمد ~~المحروقي كان حاجا في ذلك العام المشئوم، وروايته في الجبرتي هي أن «إبراهيم بك ومن ~~معه من المماليك لما علموا بقرب الفرنساويين منهم، ركبوا في الليل وترفعوا إلى جهة ~~القرين، وتركوا التجار وأصحاب الأثقال من الحجاج، فلما طلع النهار حضر إليهم جماعة من ~~العربان واتفقوا معهم على أن يحملوهم إلى القرين وعاهدوهم، فلما توسطوا الطريق نقضوا ~~عهدهم وخانوهم ونهبوا حمولهم وتقاسموا متاعهم، وعروهم من ثيابهم، وفيهم كبير التجار ~~السيد أحمد المحروقي، وكان ما يخصه نحو ثلاثمائة ألف ريال فرنسي نقودا ومتجرا من جميع ~~الأصناف الحجازية ... إلخ.» قال الجبرتي: «إن الحجاج عادوا إلى القاهرة تحرسهم شرذمة من ~~الجند الفرنساوي فدخلوها، وهم في أسوأ حال وصحبتهم أيضا جماعة من النساء اللاتي كن ~~خرجن ليلة الحادثة، وهن أيضا في أسوأ حال تسكب عند مشاهدتهن العبرات.» # ونحن نقول إن من الغريب في ذلك الزمن العصيب، أن تاجرا مصريا يكون من بعض ثروته ~~تجارة يقدم بها من الحجاز تحت الخطر تقدر على رواية نابوليون، عن صاحبها، بمائتي ألف ~~ريال، وعن الجبرتي بثلاثمائة ألف، والريال الفرنسي يقدر بخمسة فرنكات فتكون قيمة تلك ~~البضائع التي خسرها السيد أحمد المحروقي ستين ألف جنيه على الرواية الثانية، «وقد ~~استعمل نابوليون في تقريره الرسمي كلمه ~~“écus” # عن ~~الريال، والمعروف أنه بخمس فرنكات»، وأربعين ألفا على الرواية الأولى!! # وفي يوم الجمعة «17 صفر/10 أغسطس» وصلت مقدمة الجيش الفرنساوي إلى الصالحية، وكانت ~~تلك المقدمة مؤلفة من نحو ثلاثمائة من الخيالة وكان فيها نابوليون فالتقت بهذه القوة، ~~قوة كبيرة من مماليك إبراهيم بك، ودارت معركة ظهرت فيها بسالة المماليك ومهارة فرسانهم ~~على الخيالة الفرنساوية، وكادت تدور الدائرة على نابوليون ومن معه، لولا أن أدركته ~~البيادة والطوجية فلم يستطع فرسان المماليك الوقوف أمامها، وقتل وجرد من الفرنساويين ~~عدد كبير ومن بينهم كثيرون من الضباط الكبار، وترى وصف هذه المعركة في مذكرات«ميو» الذي ~~شهد ms153 الواقعة بعينه وأطرى مهارة فرسان المماليك إطراء عظيما. # وفي أثناء اشتباك المعركة كان إبراهيم بك قد أعد عدته للرحيل إلى الديار الشامية ~~فتمكن من نقل كل ما أخذه معه من المقتنيات الثمينة والأموال الكثيرة، وسار في جمع كبير ~~من رجاله ونسائه وسراريه ومعه أيضا السيد أبو بكر باشا والي الدولة العثمانية في ~~الديار المصرية، وإليك ما يقوله «ميو» في مذكراته وهو يؤيد رأينا السابق # 5 # قال: # ولقد بقي نابوليون لغاية اللحظة الأخيرة يمني نفسه بإمكان التأثير على والي الدولة ~~بالبقاء في مصر، كما كان في زمن المماليك، وقد سبق لنا أن ذكرنا نصوص الخطابات التي بعث ~~بها نابوليون من الإسكندرية ومن الجيزة لأبي بكر باشا، والآن نذكر أيضا أنه بعد ~~استيلاء الفرنساويين على الصالحية، وفرار إبراهيم بك وأبي بكر باشا، كتب نابوليون ~~خطابا أعطاه لأعرابي على هجين سريع ليلحق إبراهيم بك في طريقه إلى غزة، على أمل أن ~~يتفق معه ومع والي الدولة، وهذا هو تعريب ذلك الخطاب: # المعسكر العام بالصالحية 12 أغسطس 1798 # إلى إبراهيم بك # لم يعد عندك شك في تفوق الجيوش التي أقودها، وها أنت خارج أرض مصر وأمامك ~~صحراء واسعة، وإنك لتجد في واسع حلمي كل ما تريده من نعمة وسعادة واطمئنان، فهل ~~لك أن تبلغني في الحال رغباتك؟ وإني أعلم أن باشا «نائب» جلالة السلطان موجود ~~معك، فليكن هو واسطة ورسولا للمخابرة بيني وبينك . # 6 # بونابرت # وليس لدينا أدنى دليل على وصول هذ الخطاب إلى يد إبراهيم بك، ولكن مما لا نزاع فيه هو ~~أن نابوليون لم يتلق ردا ولا رسولا، حتى ولم يعد إليه الأعرابي الذي بعث الخطاب معه، ~~ولو جاز لنا أن نتخيل وصول ذلك الخطاب فعلا فهل كان من الممكن أن يؤدي إلى اتفاق ~~إبراهيم بك مع نابوليون، كما اتفق مراد بك بعد مع الفرنساويين؟؟ # الجواب على هذا، أن كل الدلائل تفيد أن إبراهيم بك ما كان ليقبل مطلقا؛ لأنه قد أعد ~~من قبل عدته للسفر، ولأن جميع المماليك كانت لهم ثقة ms154 في مقدرة الدولة على إخراج ~~الفرنساويين من مصر، وما اتفق مراد بك معهم إلا بعد أن انتصر نابوليون على الجيش ~~العثماني في واقعة أبي قير البرية، بعد هذا التاريخ بنحو سنة كاملة «25 يوليو 1799»، ~~وما كان يعقل أن يكون والي الدولة العثمانية، رسول الاتفاق بين إبراهيم بك ونابوليون!! ~~كما أنه لا يبعد أن تكون قد وصلت إلى إبراهيم بك وأبي بكر باشا أخبار من جهة العريش عن ~~رغبة الدولة العثمانية في محاربة الفرنساويين ومطاردتهم من أرض مصر. # بقي علينا أن نأتي على الصورة التي كتب بها الجبرتي نبأ انهزام إبراهيم بك وفراره إلى ~~الشام، فإن روايته في هذه النقطة غريبة، ويلاحظ القراء إننا بعد أن نشرح حادثة من ~~الحوادث، نعود إلى رواية الجبرتي، وإننا نفعل ذلك بقصد المقارنة بين المصادر المختلفة، ~~من جهة، وبقصد بيان ما كان يصل من الأخبار إلى القاهرة من جهة أخرى، مع إظهار الحالة ~~العقلية التي كانت لطبقة المتعلمين من المصريين في ذلك الوقت، وهي التي يمثلها الجبرتي ~~في أجلى مظاهرها، قال: # وفي يوم الثلاثاء 2 ربيع الأول # 7 # وصل الفرنساوية إلى نواحي القرين، وكان إبراهيم بك ومن معه وصلوا ~~إلى الصالحية، أودعوا ما لهم وحريمهم هناك، وضمنوا عليها العربان وبعض الجند، ~~فأخبر بعض العرب الفرنساوية بمكان الحملة فركب صاري عسكر «بونابرت» وأخذ معه ~~الخيالة وقصد الإغارة على الحملة وعلم إبراهيم بك بذلك أيضا فركب هو وصالح بك ~~«الذي كان أميرا للحج» وعدة من الأمراء والمماليك، وتحاربوا معهم نحو ساعة ~~أشرف فيها الفرنسيس على الهزيمة لكونهم على الخيول، وإذا بالخبر وصل إلى ~~إبراهيم بك بأن العرب مالوا على الحملة يقصدون نهبها فعند ذلك فر بمن معه على ~~أثره وتركوا قتال الفرنسيس ولحقوا بالعرب وجلوهم عن متاعهم، وقتلوا منهم عدة ~~وارتحلوا إلى قطيا. ا.ه. # فإن صحت رواية الجبرتي، فكأن نابوليون لم يسرع بالقوة الخيالة، التي قدرها كتاب ~~الفرنساويين بنحو ثلاث مائة، إلا لينقض على مقتنيات إبراهيم بك وأمواله وعرض نفسه ومن ~~معه بذلك للخطر الذي لم ينقذه ms155 منه إلا قوة المشاة التي أجبرت بنيرانها المماليك على ~~الفرار على رواية الكتاب الفرنساويين - وأما غدر العربان بالمماليك في تعديهم على ~~متاعهم، كما رواه الجبرتي، فأمر معروف مشهور. # والظاهر أن نابوليون كان يعلق أهمية كبرى على ما أخذه إبراهيم بك معه من المقتنيات ~~والأموال، وإذا كان العربان قد نهبوا من واحد من الحجاج، ما تقدر قيمته بنحو ستين أو ~~أربعين ألف جنيه، فكم يكون مع إبراهيم بك، وأبي بكر باشا والسيد عمر مكرم، ومئات من ~~أمراء المماليك الذين لم يتركوا في القاهرة ليلة الواقعة «في إمبابة» شيئا ثمينا لم ~~يأخذوه معهم؟؟ ولا ينسى القراء أن الكثير من ضباط نابوليون وقواده ورجاله، وهو في ~~مقدمتهم قدموا مصر برغبة الإثراء وجمع الأموال، ولا نقول هذا جزافا فقد رواه يورين عن ~~نابوليون، وكتب عنه ميو في مذكراته # 8 # فهل يا ترى كانت رغبة الحصول على ثروة إبراهيم بك، هي التي دعت نابوليون ~~لكتابة ذلك الخطاب الأخير؟؟ # بعد خروج إبراهيم بك ومن معه، من أرض مصر وتوجههم إلى غزة، لم يبق أمام نابوليون في ~~تلك المنطقة إلا أن يعمل على تحصينها فأصدر أمره للجنرال «كافريللي» بإنشاء القلاع ~~والطوابي والقشلاقات اللازمة في الصالحية وحواليها، وعين الجنرال رينيه قومندانا ~~لحامية الصالحية ومديرا لمديرية الشرقية، وفي الوقت نفسه عين الجنرال دوجا لمديرية ~~الدقهلية وكان اسمها مديرة المنصورة، وبعد أن أصدر لهم الأوامر كالتي أصدرها للمديرين ~~السابق تعيينهم، برح الصالحية قاصدا القاهرة ولم يكد يبتعد عن تلك النقطة بنحو فرسخين، ~~حتى التقى برسول «كليبر» قادما من الإسكندرية يحمل إليه أشأم الأنباء، وهو تدمير ~~الأسطول الفرنساوي في أبي قير!! # المحاربات الفرعية في صعيد مصر والجهات الأخرى # أما وقد خصصنا هذا المبحث بالحروب التي قام بها الجيش الفرنساوي في أنحاء القطر ~~المصري لنشر نفوذه في كافة الجهات، فعلينا أن نترك نابوليون عائدا للقاهرة بذلك السهم ~~المسموم في أحشائه «نبأ تدمير السفن الفرنسية» وننتقل إلى الجهات التي وقعت فيها ~~المعارك، حتى إذا فرغنا منها، لم يبق أمامنا إلا شرح الحوادث السياسية ms156 التي كانت نتيجة ~~لازمة لمعركة أبي قير، وإعلان الدولة العثمانية الحرب على فرنسا، واتفاقها مع إنكلترا ~~وروسيا أيضا. # وليس لدينا في المصادر العربية، لا في كتاب الجبرتي، ولا في كتب المؤرخين الحديثين، ~~كلمة عن تلك الحروب، كما أنها ليست موجودة في المصادر الإنكليزية مطلقا، فاعتمادنا ~~فيها يكون على ما كتبه الفرنساويون أنفسهم وتبعة الصدق والكذب في الرواية تقع عدلا ~~عليهم. # ولنبدأ الآن أولا بأهم هذه الحروب، وليس بالطبع بعد إبراهيم بك إلا مراد بك، فنقول: ~~إن مراد بك بعد واقعة إمبابة وفراره من الجيزة، اجتمع عليه بقية من بقي من المماليك في ~~الفيوم وانضم إليه كذلك خصومه الذين كانوا في الصعيد، وكذلك التف حوله عدد عديد من ~~العربان، وبهذا الجيش المكون من المماليك والعربان، اتخذ مراد بك مقره عند ناحية ~~البهنسا في مديرية الفيوم، وكانت معه بقية من بعض السفن الحربية التي سلمت من الحريق في ~~واقعة إمبابة، وهذه سارت في النيل إلى بلدة المنيا واستقرت أمامها، وألقت القوارب ~~والمراكب الصغيرة التي تحمل المئونة والأدوات وبعض مستلزمات المماليك مراسيها في بحر ~~يوسف بالقرب من «أبو جرج». # في 23 أغسطس أصدر نابوليون أمه للجنرال ديزيه بالسير لمقاتلة مراد بك بقوة مؤلفة من ~~أربعة آلاف جندي، فشرع الجنرال «ديزيه» في مغادرة الجيزة حيث أقام منذ واقعة الأهرام، ~~فأمر قوة من جيشه أن تنزل إلى النيل لتركب في السفن التي هيئت لنقلها، ورغما عن ~~الفيضان الذي كان يغمر البلاد، نزلت فرقة من الجيش وسارت بها السفن مخترقة النيل حتى ~~وصلت بني سويف في 26 أغسطس وتقدمت حتى وصلت بعد عناء شديد إلى بحر يوسف، وبعد أن قطعت ~~ثماني ترع أخرى، وبحيرة كان الماء فيها قليلا وصلت السفن إلى البهنسا، فبغت مراد بك ~~وأسقط في يده؛ لأن لم يكن ينتظر أن يصل الفرنسيون إلى هذه المدينة، وأمر رجاله أن يمروا ~~على الضفة الأخرى من البحر اليوسفي ويذهبوا إلى الفيوم الواقعة غرب بني سويف، ولم يستطع ~~الفرنسيون إدراكهم إلا بعد أن اجتاز آخر جمل لهم ms157 البحر. # ولما علم الجنرال ديزيه من الأهالي أنه توجد اثنتا عشرة سفينة محملة بالمئونة ~~والذخيرة على مقربة منه أمر رجاله فاستولوا عليها رغم النار الحامية التي كان يصبها ~~المماليك عليهم. # وكان في هذه المراكب بعض المماليك فلما رأوا أنهم واقعون في أيدي الفرنسيين ألقوا ~~بأنفسهم إلى الماء، وتمكن الكابتن راب ياور الجنرال ديزيه أن يجرد اثنين منهم من السلاح ~~بعد مقاومة شديدة؛ لأنهما رفضا التسليم ووجد في مركب من هذه المراكب الاثني عشرة ستة ~~مدافع وذخائرها. # ولما جاء الليل لم يستطع الفرنسيون اقتفاء أثر العدو الهارب فأمر ديزيه جنوده ~~بالراحة. # وعلى الجنرال ديزيه، وهو في البهنسا، أن مراد بك بعد أن أقام في هذه المدينة شهرا ~~غادرها منذ ثمانية أيام وذهب اللاهون بقرب الفيوم حيث يقيم محمد بك الألفي وبعض ~~المماليك، ولا تزال المواصلات بين اللاهون والبهنسا سليمة وأن البكوات عثمان رضوان وعمر ~~ومماليك إبراهيم بك الصغير قد كلفوا بالمحافظة على البهنسا بجيش مؤلف من أربعمائة رجل ~~من المماليك وقبيلتين من العرب، وقد أحضر أولئك العرب منذ ثلاثة أيام من أسيوط وأمروا ~~بحماية الإمدادات التي تأتي من البلاد إلى البهنسا بطريق البحر اليوسفي، أما الجنرال ~~ديزيه فلم يكن معه في هذه الحملة إلا الأورطة الأولى من الفرقة الواحدة والعشرين، أما ~~بقية الفرقة فقد ظلت في المؤخرة. # وقد زحفت العمارة البحرية التي كانت للمماليك في أبي جرج إلى الأمام لتحمي حركات مراد ~~بك وتقدم الجنرال ديزيه إلى ديروط الشريف ليقطع على هذه العمارة خط الرجعة، وتمكن ~~الفرنسيون من إيقاف سبعة وعشرين مركبا محملة حبوبا وخضروات، فلما علم حسن بك قبودان ~~السفن المصرية أن الفرنسيين طردوا المماليك من البهنسا، واستولوا على مقدار وافر من ~~المؤن والذخائر، صعد بمراكبه في النيل قاصدا أسيوط ونزل فيها لينضم إلى مراد بك، أما ~~العمارة الفرنسية فقد وجدت أنه يتعذر عليها السفر؛ لأن القتال كان معوجا والريح شديدة ~~حتى اضطر الجنود أن يجروا المراكب بالحبال في مياه لا يزيد ارتفاعها عن منطقة الرجل، ~~وأعياهم التعب فلم يستطيعوا ms158 السير بعد وصولهم إلى ملوي، وحينئذ أرسل الجنرال ديزيه عشرة ~~من قواربه تحمل بعض المرضى من رجاله إلى بني سويف ليعالجوا هناك وظل هو وجنوده يترقبون ~~وصول المماليك، ولكنه لم ير منهم أحدا. # وليس من السهل علينا أن نستمر في وصف تلك المعارك الثانوية المتقطعة، وليس لنا سوى ~~المصادر الفرنسية، فهي بالطبع وجهة النظر الفرنسية، دون سواها كما أنه ليس في مقدورنا ~~أن نقارنها بغيرها، وكم كنا نود أن نضرب صفحا عن هذه المحاربات، ولكن ضرورة ذكرها، ~~لأول مرة في اللغة العربية أجبرتنا على أن نقتصر على ملخص لهاتيك الحوادث قطعة فقطعة، ~~فإذا وجدها القارئ جافة فليعلم أنها رواية حوادث، وسلسلة محاربات متقطعة، وليس في ~~الإمكان صياغتها بشكل آخر. # واعتمادنا في أخبار هذه الحوادث المتقطعة على كتاب «دنيس لاكروا» - المعنون «بونابرت ~~في مصر»، قال بعد رواية ما تقدم: # في 14 أكتوبر شوهدت أول فصيلة من فصائل مراد بك مؤلفة من 150 مملوكا وبعض الأعراب في ~~قرية بني قرة، فقابلتها فصيلة فرنسية مؤلفة من أربعمائة رجل وأكرهتها على الابتعاد عن ~~ضفة النهر ليتيسر للجيش الفرنسي السير. # وفي 5 أكتوبر رأى الفرنسيون قوة أخرى من المماليك عددها ستمائة مملوك يسيرون بنظام ~~على الضفة اليمني لبحر يوسف فأمر الجنرال ديزيه عمارته بالتقهقر نحو نصف فرسخ لكي ينزل ~~منها الجنود، ولم تكد العمارة تنفذ الأمر حتى أرسل العدو فصيلة لتمنع هذه الحركة، ولكن ~~حملة «القربينات» من الفرقة الحادية والعشرين لم تدع هذه الفصيلة تقرب من الشاطئ، ونزلت ~~الفرقة ونظمت صفوفها بدون أن تلقى مانعا، وأمر الجنرال ديزيه في الحال بوضع مدفعين ~~وبزحف الجيش لمقالة العدو، فتقهقر المماليك ببطء أمام الفرنسيين الذين كانوا يصلونهم ~~نارا حامية مدة أربع ساعات، وفقد فرسان المماليك الذين كانوا تحت قيادة محمد بك الألفي ~~بعض خيولهم، وحينئذ أمر الجنرال ديزيه جنوده بالراحة. # وفي 6 أكتوبر واصل الفرنسيون زحفهم وكانت العمارة تتبعهم رغما منشدة هبوب الريح، ~~فرأوا جيش مراد بك قد احتل المرتفعات التي تشرف على النيل، وقد صف مراد بك ms159 جنوده وراء ~~المرتفعات على خط طويل، فصف الجنرال ديزيه فرقته على هيئة مربعات يؤلف كل منها من مائتي ~~رجل وأمر بالزحف حتى سار الفرنسيون على مقربة من مركز العدو، فأمرهم بالوقوف وحينذاك ~~استطاع أن يرى مراد بك واقفا أمام خيمته يحيط به مماليكه وكشافة وكبار ضباطه فاصدر ~~الجنرال ديزيه أمره بإطلاق النار ففتحت البنادق أفواهها واصلت العدو نارا حامية حتى ~~اختل نظامه، وفر رجاله، لا ياوون على شيء، واقتفى الفرنسيون أثرهم يعملون السيف في ~~رقابهم فقتلوا عددا عظيما من الرجال والخيل. # وكان مراد بك ينوي أن يجر الفرنسيين إلى الصحراء ليتمكن من إهلاكهم، ولكن الجنرال ~~ديزيه لم يخدع بهذه الحيلة، وأمر رجاله أن لا يبتعدوا عن ضفة البحر اليوسفي ليستولوا ~~على قوارب المماليك. # وفي 7 أكتوبر واصل الجنرال ديزيه الزحف حتى وصل إلى بلدة سدمنت حيث جمع مراد بك ~~المماليك والأعراب من أعوانه وخيوله التي يبلغ عددها أربعة أو خمسة آلاف جواد فصمم على ~~الاستيلاء على هذه المدينة مهما كلفه الأمر. # ومع أن مراد بك هزم في موقعة سدمنت شر هزيمة فإنه لم يستسلم لليأس، ولم يكف عن محاربة ~~الجنرال ديزيه في بلاد الصعيد، ولذلك رأى هذا الجنرال أن الحاجة تدعوه للقضاء على قوات ~~مراد بك وطرده إلى الصحراء، فاتخذ ديزيه مدينة بني سويف مركزا مؤقتا لقواته وجعلها ~~قاعدته الحربية، وطلب من القائد العام للقوات الفرنسية في القاهرة إرسال الإمدادات ~~اللازمة لإخضاع الصعيد، ولم ير بونابرت إجابة طلبات الجنرال كلها ، ولم يقبل أن يمده بكل ~~القوات التي سأله إياها، ولكن الجنرال «ديفو» الذي كان في ذلك الوقت في القاهرة، سافر ~~منها بقوة مؤلفة من 1200 من الفرسان و300 رجل من المشاة ومعه ستة مدافع، وستة قوارب ~~حربية، مجهزة بالسلاح والمتاريس، وهذه القوة مكنت الجنرال ديزيه من امتلاك ناصية ~~الصعيد، والبحث عن قوات المماليك والجيوش التي كانت تعاون مراد بك، والقضاء عليها قضاء ~~مبرما. # وفي 3 يناير سنة 1799 التقى الجنرال ديزيه بفرقة من جيش مراد بك بقرب قرية السواقي، ~~وسرعان ms160 ما وقع الأنظار عليها، حتى تهيأ الجنرال «ديفو»، لمحاربتها قصف رجاله وأمرهم ~~بالهجوم فلم يستطع جيش مراد بك الوقوف طويلا، بل اختلت صفوفه، وولى الأدبار، والقوة ~~الفرنسية مجدة في أثره، بعد أن ترك 800 قتيلا. # وواصل الجنرال «ديفو» الزحف بجيشه، حتى وصل طهطها في 8 يناير، واضطر جيشر مراد إلى ~~التقهقر منها، بعد أن قذف الرجال الذين كانوا يدافعون عن المدينة بأنفسهم في النهر فغرق ~~منهم عدد عظيم. # ولما رأى الجنرال «ديفو» أن العدو كر عليه ثانية بفصيلة من العرب والمماليك أمر ~~بإطلاق النار فاستطاع أن يخضع كل مدن الإقليم، وأن يعيد المواصلات بينه وبين العمارة ~~البحرية الصغيرة التي انتهزت فرصة قيام الريح، وواصلت السير فوصلت جرجا في اليوم السابع ~~عشر من شهر يناير، وألقت مراسيها على الضفة اليسرى للنيل، واستطاع الجنرال ديزيه بفضل ~~ذلك الاتصال أن يواصل فتوحاته، ولكن بعد أن أضاع ثمانية عشر يوما في حروب متواصلة مع ~~العدو. # وعلم مراد بك بهزيمة جيشه في طهطا، ولكن في الوقت ذاته جاءته الأنباء مبشرة بصلحه مع ~~حسن بك الجداوي وبوصول شرفاء ينبع وانضمام حسن بك إلى مراد بك ومعه ثلاثة آلاف مقاتل ~~ومائتين وخمسين من المماليك. # وكان لحسن بك نفوذ عظيم في مصرالعليا، فأثرت أخبار صلحه مع مراد بك تأثيرا عظيما ~~ووصل إلى الصعيد ألفا شريف من أشراف ينبع الذين كان يقودهم حسن بك بنفسه. # كان مراد بك ينسب هزيمته السابقة إلى عدم وجود جيش له من المشاة يحمي ذمارهم ويرد ~~عادية الأعداء عنهم، وظن الآن أن القدر جاءه بما كان ينقصه؛ إذ علم أن ألفين آخرين من ~~الأشراف قد تجمعوا في ينبع، ينتظرون وصول السفن لتحملهم وتجتاز بهم البحر الأحمر، ورأى ~~مراد بك أنه أصبح وله جيش يبلغ عدده اثني عشر إلى أربعة عشر ألف مقاتل، فصمم على وضع ~~مشروع جديد للقضاء على جيش العدو وإهلاكه. # أراد مراد بك أن يذهب إلى جرجا عندما يغادرها الجنرال ديزيه ليقوم على تحصينها ويؤيد ~~العصاة فيها، وبذلك يكون وراء الجنرال ديزيه ms161 ويضطره إلى العودة للقتال بين المنازل حيث ~~تكون النتيجة انتصار مراد بك، ولذلك بقي في الصحراء على الضفة اليسرى لقناة الصعيد ~~الكبرى. # وفي 20 يناير سافر الجنرال ديزيه مخترقا الطريق بين النيل والقناة، وفي 22 يناير ~~التقى الجيشان في آخر النهار في بلدة سمهود، وكانت القناة تفصل بينهما ولكن القناة كانت ~~جافة لا ماء فيها. # أما الجيش الفرنسي فكان مؤلفا من خمسة آلاف من المشاة والفرسان وأربعة عشر مدفعا ~~وعمارة بحرية صغيرة في النيل، وجيش العدو كان مؤلفا من 1800 من المماليك و7 آلاف من ~~فرسان العرب وألفين من المشاة من أشراف ينبع وثلاثة آلاف من العرب ولا مدافع عندهم، ~~فكان مجموع جيش العدو نحو ثلاثة عشر ألفا أو أربعة عشر ألفا من المقاتلين. # وفي يوم 22 تقابلت فصيلة الهوسار السابعة تحت قيادة القومندان دوبلسي بجيش العدو ~~قريبا من أسوار قرية سمهود، وبعد قليل وصل الجنرال ديزيه فأمر مشاته أن يؤلفوا مربعين ~~متساويين، وضع أحدهما على اليمين والآخر على اليسار، وجعل الفرسان في الوسط يؤلفون ~~مربعا آخر وليكونوا في حمى المشاة، ومع ذلك تقدم العدو على المربعات كلها بدون خوف ~~وأحاط فرسانهم وهم كثيرو العدد بالقوة الفرنسية وألقت جماعة من المشاة مؤلفة من عرب ~~ينبع بأنفسها في القناة وبدأت تطلق النار بشدة، فكبدت ميسرة الفرنسيين خسائر فادحة، ~~وحينذاك اضطر الجنرال ديزيه أن يأمر ضابطي أركان حربه وهما راب وسافاري بالهجوم على ~~العرب ومعهما كوكبة من فرقة الفرسان السابعة من الهوسار، بينما أمر فرقة حملة ~~القرابينات الحادية والعشرين أن تتقدم تحت قيادة الكابتين كليمانت على شكل طابور إلى ~~القناة لتحصر قوة العدو، فنفذ ذلك الأمر بشجاعة نادرة، واضطر العرب إلى الفرار من وجه ~~القوة الفرنسية تاركين خمسة عشر قتيلا وعددا كبيرا من الجرحى، ولم يفقد من فرقة حملة ~~القرابينات غير رجل واحد أصيب بطعنة خنجر عندما أراد أن ينزع علما من أيدي الأعراب ~~وسقطت سمهود في قبضة الفرنسيين، ومع ذلك بقيت عصابات عديدة من المماليك تتقدم صائحة ~~صياحا مزعجا يعاونها عرب ms162 ينبع، وهي تريد استرداد سمهود من أيدي الفرنسيين، ولكن فرقة ~~حملة القرابينات الحادية والعشرين تصدت لهم وأصلتهم نارا حامية واضطرتهم إلى التقهقر ~~بعد أن كبدتهم خسائر فادحة، وفي ذلك الوقت انقض المماليك على المربع الذي كان تحت قيادة ~~الجنرال فرانيت، بينما كانت فرقة من مشاتهم تضايق الفرقة التي كان يقودها الجنرال ~~بليارد، غير أن نيران المدفعية الفرنسية الحامية قضت على تلك الجهود التي كان يبذلها ~~العدو حتى اضطر بعد هجوم لم ير فائدة منه أن يولي الأدبار تاركا عددا كبيرا من ~~القتلى والجرحى. # ثم صدر الأمر للجنرال ديفو أن يحمل على المماليك الذين كانوا تحت قيادة مراد بك وحسن ~~بك فصدع الجنرال بالأمر وحمل على جيش مراد بك حملة صادقة، حتى اضطره للتقهقر فكان تقهقر ~~مراد بك علامة التقهقر العام. # وهرب العدو والفرنسيون يعملون السيف في أقفيته مدة أربع ساعات، ولم يقف الفرنسيون إلا ~~في فرشوط حيث وجدوا عددا عظيما من رجال العدو قد قضوا نحبهم، وهم متأثرون من جراحهم، ~~ولم يفقد من الفرنسيين في تلك المعركة غير أربعة رجال، أما المماليك فقد قتل منهم أكثر ~~من مائتين وخمسين رجلا بخلاف الجرحى الذين لا يحصى لهم عدد. # وأراد الجنرال ديزيه أن يقتفي أثر مراد بك في اليوم الثاني، ولكن العدو كان يحارب في ~~بلاده وهو يعرف مسالكها جبالها ووهادها، أما المشاة والفرسان الفرنسيون فقد كان أنهكهم ~~التعب ولا يستطيعون جر مدافعهم الثقيلة فاضطر الجنرال ديزيه أن يأمر جيشه بالمبيت في ~~فاو يوم 22 وفي يوم 23 واصل الزحف حتى وصل دندره وعسكر بجيشه في خرائبها. # وفي يوم 24 زحف وسط سلسلة جبال ليبيا مخترقا وادي النيل، فشاهد على بعد آثار طيبة ~~وهياكلها ذات المائة باب وفي 25 يناير بات الجيش الفرنسي بين الجبلين ووصل في يوم 26 ~~إلى لسنا وكان المماليك يفرون أمام الجيش المنتصر، وهم يحرقون في طريقهم كل ما كان معهم ~~من الخيام والمعدات بعد أن تفرقت جموعهم أيدي سبا. # أما مراد بك وحسن بك ففرا إلى بلاد ms163 البرابرة والتجأ فيها الألفي بك فاحتل الجنرال ~~ديزيه أسنا، وأنشأ فيها استحكامات وبنى المخازن والأفران لصنع الخبز اللازم للجنود ~~ومستشفى لتمريض الجرحى والاعتناء بالمرضى، وبقي الجنرال فرانيت مع فرقته في إسنا ~~لمراقبة الألفي بك وحسن بك قائد أشراف ينبع، واجتاز الجيش أدفو وهي مدينة كبيرة على بعد ~~عشرة فراسخ من إسنا، وكان ديزيه مجدا في مقابلة العدو يروم الإسراع في التنكيل به ~~والقضاء على قواته، فاجتاز الجبال التي يجري بينها النيل، وكانت الجنود تسير بصعوبة وقد ~~أنهكها التعب حتى وصلوا إلى قرية بنيان وباتوا فيها، وفي 12 فبراير عسكر الجيش الفرنسي ~~في قرية أسوان وهي على الضفة الشرقية، وفي 3 فبراير تركها عابرا النهر وعسكر قبالتها، ~~وهناك يبلغ عرض النيل 500 توان «مقياس طوله ستة أقدام أو 1,949 متر» وعندما ترك ديزيه ~~الضفة اليسرى للنيل في المرة الأولى، بقي المماليك عليها؛ لأن الوادي هناك عريض بينما ~~كانت المناورات الحربية مستمرة على الضفة اليمنى ومنها يستطيعون الوصول إلى سواحل البحر ~~الأحمر. # وفي اليوم ذاته تمكنت فصيلة من الوصول إلى جزيرة أنس الوجود، وهي آخر حدود المملكة ~~الرومانية القديمة، فوجدت بقرب شلالات النيل نحو خمسين قاربا محملا بأمتعة المماليك ~~اضطروا لتركها أثناء فرارهم، ورفعت راية مثلثة الألوان على صخرة عالية هناك، حياها ~~الجنود بين أصوات الأبواق ودق الطبول، وتناول الخطباء الكلام فشبهوا الفرنسيين ~~بالرومانيين الذين امتلكوا مصر من أقصاها إلى أقصاها، وكان الجنرال ديزيه ينوي أن يقيم ~~معسكرات للجنود في البلاد من قرية أسوان إلى جرجا حتى يضمن إخلاد البلاد إلى السكينة، ~~فترك في قرية أسوان الجنرال بليارد مع فصيلة من المشاة وغادر ديزيه سائرا بفرسانه، وقد ~~قسمهم قسمين، أحدهما على ضفة النيل اليسرى، والآخر على ضفته اليمنى حتى وصل إلى إسنا في ~~اليوم التاسع من شهر فبراير. # واضطر الجوع حسن بك أن يترك بلاد البرابرة ويغادرها مع أفراد أسرته ونسائه وأمتعته ~~وكنوزه وثروته، ولكي يخلي محلا لمراد بك فإنه ذهب إلى ضفة النهر اليمنى حيث كان له ~~أعوان ويملك هناك قرى، ms164 ولما علم الجنرال ديفو أن حسن بك اقترب من طيبة رأى أن يعبر ~~النيل مع فرقة الرماة الثانية والعشرين وفصيلة الدراجون الخامسة عشر وفاجأه في يوم 12 ~~فبراير. # ولما رأى حسن بك أنه لم يعد في استطاعته أن يعسكر في الوادي اضطر أن يفر إلى الصحراء ~~ونزل هناك بجنوده. # واحتل الجنرال ديزيه إسنا ونشر أعلام الأمن والسكينة وعمل على تنظيم الأقاليم ورفع ~~لواء العدالة، ولما علم من الرسل الذين أتوه من جهات مختلفة أن مراد بك غادر مكانه ~~وابتعد عنه قاصدا إسنا وأسيوط، وأن الألفي بك ترك الواحات، وأن الأشراف وحسن بك خرجوا ~~من الصحراء ونزلوا على ضفة النيل اليمنى، أسرع بالقضاء على مشروعات أعدائه فأمر الجنرال ~~باليار أن يغادر أسوان ويذهب إلى إسنا مع كل جيوشه، ليقطع على الأعداء خط الرجعة وليملك ~~ناصية الصعيد، وأمر الجنرال فرانيت أن يجمع جنوده ويسير بهم إلى أسيوط، وأمر العمارة ~~البحرية أن تسير في النيل متبعة أثر الجنرال فرانيت الذي سافر بنفسه في 2 مارس ليضع يده ~~على أسيوط قبل أن يصلها مراد بك، وقبل أن تتصل قواته بقوات الألفي، فوصل الجنرال فريانت ~~إلى الصوامعة في يوم 5 مارس وكان هو في مقدمة الجيش، وقد أمر أن يهيأ مسكن لجنوده ودخل ~~إلى هذه المدينة فقوبل بإطلاق النار من البنادق؛ إذ كان يحتل هذه البلدة نحو ثلاثة آلاف ~~أو أربعة آلاف مقاتل من الفلاحين العصاة، فهجم عليهم الجنرال فرانيت من ثلاثة جهات حتى ~~اضطر كثير منهم أن يرموا بأنفسهم في النيل وفي الغداة واصل الجنرال السير إلى جرجا ~~فأسيوط حيث انضم إلى الجنرال ديزيه. # ورغما من ذلك فإن مراد بك استطاع أن يتصل بالألفي بك ويضم قواته إليه في أسيوط، ~~وهناك علما أن الجنرال بونابرت استولى على العريش، ودخل سوريا ولكن بقي في القاهرة من ~~الفرنسيين أكثر مما معه في الصعيد، وأنه أخلى القلعة وأن أهالي القاهرة قدموا له فروض ~~الطاعة وصرح علماء الأزهر بأنه لو اقترب المماليك من العاصمة فإن الأهالي والمشايخ ~~ينضمون ms165 إلى الفرنسيين؛ لأنهم سئموا الحرب ويريدون الجنوح إلى السكينة والهدوء. # هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الجنرال ديزيه كان مقتفيا أثر المماليك وهو لا يبعد ~~عنهم أكثر من يومين، فاضطر مراد بك أن يفر إلى الواحة الكبرى والألفي بك إلى الواحة ~~الصغرى، وتفرق المماليك في البلاد متنكرين بثياب الفلاحين. # ومع ذلك بقي حسن بك والشرفاء على ضفة النيل اليمنى، وما كادوا يجمعون جموعهم في قنا ~~حتى علموا أن العمارة الفرنسية عاكستها الرياح بقرب بلدة البارود فأسرعوا لمهاجمتها، ~~وكانت العمارة مؤلفة من اثنتي عشرة سفينة مسلحة بالمدافع الضخمة ومحملة بالمؤن، ~~والذخائر، والأمتعة، وخزينة الحرب، وآلات الموسيقى ونقل نحو ثلاثمائة رجل، فقسم حسن بك ~~جنوده إلى قسمين وجعل كل قسم منهما على كل ضفة من ضفتي النيل، وانضم إليه نحو 10 آلاف ~~من الأهالي الذين دفعهم الطمع إلى السلب والنهب، وكانت المعركة شديدة، واحتل الأعداء ~~الجزر النيلية والمآذن ولما لم يكن عندهم شيء من المدافع، هجموا على العمارة البحرية ~~بإطلاق نار بنادقهم فتمكنت السفينة «إيطاليا» من أن تبدد شمل العرب وتوقع الاختلال في ~~صفوفهم، ولكن هذه الخسارة التي أصابت العرب لم تفت في عضدهم ولم تثن عزيمتهم، فأسرعوا ~~إلى النزول في النهر واستولوا عنوة على كل السفن تقريبا ونهبوا الذخائر وحاولوا الصعود ~~إلى السفينة إيطاليا، والاستيلاء عليها، ولكن قبودان تلك السفينة وهو الكابتن «سوراندي» ~~ضاعف جهوده وأمر بإطلاق نيران المدافع فحصدت صفوف المهاجمين، غير أنه عند اقتراب ساعة ~~الفوز، كان الملاحون قد أصيبوا بجروح منعتهم من القيام بالمناورة بالسرعة اللازمة، ~~فدفعت الرياح السفينة إلى تل من الرمال حيث سقطت وأحاط بها العرب من كل جهة ، فلما رأى ~~الربان سوراندي أن لا أمل له في إنقاذها أشعل فيها النار بنفسه، ونسف ما فيها من ~~الذخائر، وقضى نحبه فيها بعد أن قضى على المحيطين بها انتقاما لنفسه ولملاحيه ~~وذخائره!! ووقعت السفن الأخرى في قبضة العدو فاستولوا على ما فيها، وقتلوا الملاحين ~~وغنم العرب الخزينة وما فيها من المال، وكانت خسارة الجيش الفرنسي في ms166 تلك المعركة مائتي ~~ملاح، وثلاثمائة جندي، والمجموع خمسمائة فرنسي، وهذه كانت أكبر خسارة تعرض لها الجيش ~~الفرنسي في مصر، وكانت تلك الكارثة التي بقي ذكرها زمنا طويلا سببا دفع الجنود أن ~~يتهموا قائدهم أنه أساء عملا في وضع العمارة تحت حماية قوة من جيشه، وأنه ارتكب غلطة ~~كبرى؛ لأنه ظن أن العمارة تستطيع أن تقتفي أثر الجيش في وقت انخفاض مياه النيل. # ولما علم الجنرال بليار نزل في النيل، وسافر في الحال إلى إسنا وسار على ضفة النهر ~~اليمنى حتى وصل إلى قنا، فعلم أن معركة شديدة دارت رحاها هناك، وأن الفرنسيين انهزموا ~~شر هزيمة وفقدوا عددا عظيما من جنودهم وأموالهم وأمتعتهم. # وفي 8 مارس التقى الجنرال بليار بجيش العدو عند بلدة «قفط» وقد رفع رجاله رءوس ~~الفرنسيين على أسنة حرابهم وتبعهم عدد كبير من الفلاحين يرتدون ملابس الفرنسيين التي ~~سلبوها، وبأيديهم بعض الآلات الموسيقية التي غنموها، وقد ثمل الأعداء بخمرة النصر، ~~ونادى حسن الجداوي بأعلى صوته مصرحا على رءوس الأشهاد، ومتنبئا أن ساعة الفرنسيين قد ~~دنت، وحان يوم هلاكهم وأنهم من اليوم فصاعدا، لا يلقون غير الهزيمة بعد الأخرى، وأن ~~المؤمنين سيكون نصيبهم النصر والفوز الأكبر. # ولما وقعت عينا الجنرال بليار على العدو، صف جيشه الصغير على شكل مربع، ووقف لمواجهة ~~خصمه الذي أطلق عليه نيران البنادق، وحينئذ هجم الجنرال ومعه فصيلتان من الرماة ~~الفرنسيين على حسن بك وجيشه ودارت رحى معركة حامية وانقض فرسان «الدراجون» على العدو ~~والسيوف بأيديهم، فذبحوا ثلثي العرب وقتل المأجور لاباور اثنين منهم بيده، وغنم منهم ~~ثلاثة أعلام، وبينما كانت المعركة دائرة، أطلقت المدافع نارها، فمنعت الشرفاء من التقدم ~~لنجدة إخوانهم، ولكن المماليك انقضوا على الفرنسيين من الوراء، فقطعوا خط الرجعة على ~~نحو 25 رجلا من الرماة الفرنسيين، وكانت معركة شديدة إذ اضطر الفرنسيون أن يقاتل ~~الواحد منهم ستة من رجال العدو، وكان ذلك اليوم يوم مجد وفخار للجنرال بليار الذي أمكنه ~~أن ينقذ جيشه ويطهر الصعيد من حسن بك ورجاله، ولما كانت المواصلات ms167 قد قطعت بين الجنرال ~~بليار ونفدت ذخائره، أسرع بليار في العودة إلى قنا، فوصلها في 12 مارس ومنها كتب إلى ~~الجنرال ديزيه في أسيوط يشرح له الموقف الذي كان فيه، وأنبأه أن المماليك ورجال حسن بك ~~وعثمان بك وأعراب ينبع ذهبوا إلى جهة بئر البحر، فجمع الجنرال ديزيه في الحال سفنه التي ~~بقيت له وسار في النيل يوم 18 مارس، وفي الغداة نزل البر، وسار بجيشه لينجد الجنرال ~~بليار، وفر المماليك بعد هذه المعركة عائدين إلى السفينة بعد أن تركوا عددا عظيما من ~~الجرحى والخيول في الصحراء، فأمر ديزيه الجنرال بليار أن يقتفي أثرهم ويبحث عنهم أين ~~ذهبوا وعاد ديزيه إلى قنا ورتب قوة مؤلفة من فصيلة من الفرقة الواحدة والستين وكوكبة من ~~فرقة الهوسار السابعة، وجعلها تحت إمرة الجنرال ديفو، وفي الوقت ذاته أمر القائد موراند ~~قومندان جرجا أن يذهب إلى الضفة اليمني للنيل، ويبقى أمام جرجا حتى يقف في وجه العدو ~~إذا تقهقر، ولما شعر العرب بحرج موقفهم لم ينتظروا حتى يسد الجنرال ديفو عليهم الطريق، ~~ومروا على شاطئ النيل بقرب برديس، فلما علم قومندان جرجا بوصولهم، قام في يوم 5 إبريل ~~عائدا إلى جرجا وأخذ معه 250 رجلا، وذهب للقائهم في برديس التي استولى عليها ولما ~~شاهده أعراب ينبع والفلاحون والمماليك خرجوا منها وهم يصيحون صياحا عاليا، وأرادوا أن ~~يصدوه عن برديس فلم يستطيعوا واضطروا إلى الفرار ليلا بعد أن تركوا عددا عظيما من ~~القتلى، وحينئذ عاد القائد موراند إلى جرجا. # وفي اليوم التالي دارت رحى معركة جديدة؛ لأن أعراب ينبع ساروا إلى جرجا وهم ينهبون في ~~طريقهم الأسواق، فترك موراندقوة في المدينة وسار للقائهم خارجها ففرق جمعهم وقتل من ~~استطاع منهم أن يدخل المدينة، أما الباقون فهاموا على وجوههم في الصحراء، وقد فقد أعراب ~~ينبع في هاتين المعركتين مائتي قتيل، أما الفرنسيون فجرح منهم عدد قليل. # ولما انهزم العرب في جرجا ساروا إلى طهطا لتدميرها وتحريض أهلها على الثورة، ولما علم ~~القائد لاسال بخبرهم، أسرع في ms168 الحال بالفرقة الثانية والعشرين من الهوسار، والثامنة ~~والثمانين، ومعه مدفع، فوصل إلى جهينة في الساعة الأولى بعد الظهر من يوم 10 إبريل، ~~وكان أعراب ينبع فيها، فحاصرها بجزء من جيشه، وسار لمقابلة العدو بالجزء الآخر، ولما ~~رأى الأعراب ذلك، انقضوا على الجيش الفرنسي وثبتوا أمامه بضع ساعات رغم نيران المدافع ~~التي كانت تلتهم صفوفهم فقتل منهم عدد عظيم، ومن بقي حيا فر هاربا، وتمكن نحو مائتين ~~منهم بفضل الأشجار أن يسيروا إلى الصحراء، وكان بين القتلى الشريف الذي تلى حسن بك في ~~الزعامة، وقد هلك أعراب ينبع كلهم تقريبا، ومع ذلك فإن الجنرال ديفو لم يكف عن ~~مطاردتهم، ولم يكد ديفو يصل أسيوط حتى علم أن الثورة قامت في بني عدي بقرب أسيوط؛ إذ ~~قام أهلوها وهم أشجع سكان مصر بالانضمام إلى المماليك والعرب وأهالي دارفور الذين جاءوا ~~مع القوافل من قلب إفريقية، وشاع أن مراد بك غادر الواحات ليكون على رأس أولئك العصاة، ~~وأنه أرسل بقواته وكشافه لينظموا تلك القوة وليثيروا حمية العصاة. # وبينما كان الجنرال ديفو يحارب في بني عدي تلك الجموع ويعمل لإهلاكها والقضاء عليها، ~~كان عرب الجمعيات والبقوشية يهددون المنيا، وقد ثارت أيضا القرى المجاورة لبني عدي، ~~ولم يكن مع الجنرال «ديستريه» محافظ المنيا غير عدد قليل من الجنود وأمل أن يصله ~~الإمداد حتى يتغير موقفه الحرج وسار إليه الجنرال ديفو لينجده، ولكنه وصل متأخرا ولم ~~يستطع الجنرال «ديستريه» مقاومة العدو وطرده إلا بعد جهد عنيف، ومع ذلك ذاعت إشاعة أن ~~عرب ينبع واصلوا الزحف إلى بني سويف التي هبت فيها نيران الثورة، وفي القرى المجاورة، ~~فأسرع الجنرال ديفو. # ولم يبق في الصعيد الأعلى غير حسن بك الذي انسحب منذ زمن طويل إلى القصير، وبقي فيها ~~مطمئنا وأصبحت أسوان في قبضة يده، فأرسل الجنرال أيبار قومندان إسنا الكابتن رينو ومعه ~~200 رجل من المشاة للاستيلاء على أسوان، وهو إما يجهل عدد القوة التي مع حسن بك أو يظن ~~أنها سارت مع القوافل، ولما علم حسن بك ms169 بوصول تلك القوة القليلة العدو تولاه الطرب؛ لأن ~~الفرصة مكنته من الانتقام للمؤمنين، وأسرع بلقائها ومعه 180 مملوكا و200 من الأعراب ~~و300 من البيادة، وعندما رأى الكابتن رينو تلك القوة العظيمة، لم تأخذه الدهشة ولم ~~يتولاه اليأس، بل أمر رجاله أن يقفوا على هيئة مربع، ونادى فيهم بأعلى صوته «أيها ~~الرفق! إن أبطال إيطاليا # 9 # لا يعبئون بكثرة عدد أعدائهم فليقاتل كل واحد منكم خصمه وأنا أقضي على ~~الباقي منهم» ... فعلت هذه الكلمة فعلها في الجند وأثارت حميتهم، فلم يكادوا يطلقون ~~بنادقهم أول طلقة حتى سقط من المماليك 100 على الأرض يمجون علقما ونجيعا، وبعد بضع ~~ساعات تمكن الكابتن رينو من دخول أسوان ووضع يده على الأمتعة والجرحى، وجرح أيضا حسن ~~بك وعثمان بك جروحا خطرة قضت على حياتهما بعد بضعة أيام، أما الكابتن رينو فلم يفقد من ~~رجاله غير أربعة قتلى و15 جريحا، وكانت هذه المعركة أجمل معركة للفرنسيين في مصر، أما ~~مراد بك فعندما علم بخبر تلك الكارثة فر إلى الصحراء، وهلك حسن بك والمماليك ولم يبق ~~منهم غير شريف واحد من أشراف ينبع. # ولم يبق على الفرنسيين إلا أن يحتلوا ميناء القصير والواحة الكبرى والواحة الصغرى، ~~ولكن شدة القيظ ووعورة الأرض اضطرتا الفرنسيين أن يؤجلوا إرسال الحملة إلى الواحات حتى ~~شهر نوفمبر، ولكنهم رأوا أن يحتلوا القصير في الحال؛ لأن السفن الآتية من بلاد العرب ~~وجدة وينبع كانت تأتي لتحمل الأرز والحنطة وبعض الحبوب الأخرى إلى الجزيرة ولا سيما مكة ~~والمدينة، فرأى الجنرال بليار أنه لا بد من امتلاك القصير في الحال وتحصينها. # وقد عد الصعيد منذ ذلك الوقت أنه قد تم فتحه ولم يبق على الجنرال ديزيه إلا أن يسير ~~حملة لي الصحراء الكبرى للقضاء على قوة مراد بك، فرأى أن يعهد بها إلى الجنرال فراينت، ~~ذلك القائد الذي اشتهر بالشجاعة والإقدام والمقدرة في الفنون العسكرية، وكان مراد بك في ~~موقف يرثى له، وليس معه غير بعض المماليك والعرب، فهو لا يستطيع عملا ولا يخشى منه، ms170 ~~ولذلك رأى الجنرال ديزيه أن يتفرغ لتنظيم البلاد فقسم الصعيد إلى قسمين وجعل عاصمة ~~الأول أسيوط والثاني قنا، واختار لنفسه القسم الأول، وبقي في أسيوط وعهد بقنا إلى ~~الجنرال بليار. # ولما خضع الصعيد واستتب الأمن أظهر الجنرالان قدرة فائقة في الأعمال الإدارية لم تكن ~~أقل من قدرتهما في الأعمال العسكرية، وذهبا إلى القرى ليدبرا مع المشايخ والأهالي أمر ~~حفر الترع وتطهيرها، وإقامة الجسور ووضعا مع رجال البلاد القادرين القواعد التي تضمن ~~تحسين حالة البلاد، وعملا على اتفاق الحكومة مع الأهالي، وتركا الناس يهتمون بفلح ~~أراضيهم، وكان أغنياء البلاد يتمتعون بثروتهم بدون خوف، وتغلب العقل والحكمة على الطباع ~~فلم يهب الأهالي للانتقام، ولم يقصر الفرنسيون في محاكمة الجند الذين يعتدون على ~~الأهالي حتى لقب بونابرت بلقب السلطان العظيم ولقب ديزيه بالسلطان العادل، وأرسل ~~بونابرت إلى ديزيه كتابا يثني عليه قال فيه: # أرسل إليك يا مواطني الجنرال سيفا جميلا نقشت عليه هذه الكلمة ~~- افتتاح الصعيد - وهو لم يفتح إلا بفضل ~~مقدرتك وجهودك، وإنني أرى في تلك الهدية دليلا على احترامي لك، وإخلاصي ~~لشخصك. # بونابرت # وأرسل أيضا إلى كل من الجنرال بليار والجنرال فراينت سيفا مزينة قبضت ~~بالماس. ~~••• # وإلى القارئ كل ما جاء في الجبرتي متقطعا عن المحاربات في الصعيد قال: # إنه في يوم الأربعاء أول ربيع الثاني سنة 1213 وردت الأخبار بأن مراد بك ومن ~~معه لما بلغهم ورود الفرنسيس عليهم رجعوا إلى جهة الفيوم، وأن عثمان بك الأشقر ~~عدا إلى البر الشرقي وذهب من خلف إلى أستاذه إبراهيم بك بغزة وخرج جماعة من ~~الفرنسيس إلى جهة الشرق، ومعهم عدة جمال وأحمال فخرج عليهم الغز والعرب الذين ~~يصحبونهم وأخذوا منهم عدة جمال بأحمالها ولم يلحقوهم، وفي ليلة الأحد 12 منه ~~ركب كبير الفرنسيس إلى بر الجيزة وسفر عساكر إلى الجهة التي بها مراد بك، وكذلك ~~إلى الجهة الشرقية ومعهم مدافع على عجل، وعينت عساكر إلى مراد بك وذهبوا إليه ~~ببحر يوسف جهة الفيوم، وفي يوم الثلاثاء سافر أيضا جماعة من الفرنسيس إلى ms171 جهة ~~مراد بك ومن معه والتقوا معهم وتراموا ساعة ثم انهزموا عنهم، واطمعوهم في ~~أنفسهم فتتبعوهم إلى أسفل جبل اللاهون ثم خرجوا عليهم على مثل حالهم رجالا ~~وتراموا معهم وكمنوا لهم وثبتوا معهم، وظهر عليهم المصريون وقتل من الفرنسي ~~مقتلة كبيرة. # وجاء في حوادث شهر جمادى الأول قوله: «وفي يوم الخميس أول جمادى الأولى قدمت ~~مراكب من جهة الصعيد، وفيها عدة من العسكر جرحى، وفي أول شعبان جاءت الأخبار أن ~~مراد بك ومن معه سافروا إلى قبلي ووصلوا إلى عقبة الهواء، وكلما قرب منهم عساكر ~~الفرنسيس انتقلوا إلى قبلي وقد داخلهم خوف شديد ولم تقع بينهم ملاقاة ولا قتال، ~~وجاء في حوادث شهر رجب تواترت الأخبار من ابتداء شهر رجب بأن رجلا مغربيا ~~يقال له: الشيخ الكيلاني كان مجاورا بمكة والمدينة والطائف فلما وردت أخبار ~~الفرنسيس إلى الحجاز، وأنهم ملكوا الديار المصرية انزعج أهل الحجاز وضجوا ~~بالحرم وجردوا الكعبة، وصار هذا الشيخ يعظ الناس ويدعوهم إلى الجهاد ويحرضهم ~~على نصرة الحق والدين وقرأ بالحرم كتابا مؤلفا في معنى ذلك فاتعظ جملة من ~~الناس وبذلوا أموالهم وأنفسهم واجتمع نحو الستمائة من المجاهدين، وركبوا البحر ~~إلى القصير مع من انضم اليهم من أهل ينبع وخلافهم، وورد الخبر في أواخر رجب أنه ~~انضم إليهم جملة من أهل الصعيد، وبعض الأتراك والمغاربة ممن كان خرج معهم مع غز ~~مصر عند واقعة إمبابة ركب الغز معهم أيضا وحاربوا الفرنسيس، فلم يثبت الغز ~~كعادتهم وانهزموا وتبعهم هوارة الصعيد والمتجمعون من القرى وثبت الحجازيون، ثم ~~انكفوا فقلتهم وذلك بناحية جرجا وهرب الغز والمماليك إلى ناحية إسنا وصحبتهم ~~حسن بك الجداوي وعثمان بك حسن تابعه، ووقع بين أهل الحجاز والفرنسيس بعض حروب ~~غير هذه المرة في عدة مواضع وانفصل الفريقان بدون طائل. ا.ه. # هاتان هما الروايتان الموجودتان في كتب التاريخ الفرنسي والعربي أثبتناهما تعريبا ~~ونقلا، وظاهر أن الجبرتي لم يكن يعلم شيئا عن أخبار فتح الفرنسيس لبلاد الصعيد، إلا ~~ما يسمعه من أفواه الناس وما يصل من الأخبار ms172 المتقطعة إلى القاهرة، وظاهر أيضا أن هذه ~~المحاربات في الصعيد بين المماليك والأهالي والعرب من جانب، والفرنسيين من جانب آخر، ~~وقعت خلال الحوادث التي أفردنا لها الفصول الآتية، والآن ننتقل إلى نابوليون في القاهرة ~~ونتبعه في غزوته للشام حتى نصل إلى نهاية أمره في أرض مصر. # | هوامش # الفصل الحادي عشر # | الدور الثاني (أغسطس-22 أكتوبر/10 جمادى الأولى) # من معركة أبي قير إلى ثورة القاهرة الأولى ~~(1) معركة أبي قير البحرية # كانت معركة أبي قير البحرية التي أبصرها «دينون» # 1 # من برج «أبي مندور» بين الأسطول الإنكليزي الذي يقوده الأميرال نلسون، ~~والأسطول الفرنسي الذي نقل جيوش الحملة الفرنسية لمصر تحت قيادة الأميرال «برويز»، من ~~المعارك الفاصلة في تاريخ الجنس البشري؛ لأن النتائج التي ترتبت على تلك الواقعة كانت ~~على جانب عظيم من الأهمية، بحيث لو أتيح النصر للفرنساويين، أو لو بقيت لهم من أسطولهم ~~قوة تعادل ما لإنكلترا في البحر الأبيض المتوسط من القوة البحرية، لما كانت خاتمة ~~الحملة الفرنسية في مصر كما تمت بعد ذلك، بل لما كانت خاتمة نابوليون في الشرق كله كما ~~حصلت!! # ولو شاء الكاتب أن يضرب بالسهم الأوفر في ميدان التخيلات، وتصور المحتملات، لوجد ~~الباب واسعا لمثل هذه التأملات! فقد كان من الممكن أن تبقى مصر مستعمرة فرنسية منذ ذلك ~~الحين إلى الآن! ولقد كان من الممكن أن ينجح نابوليون في الاستيلاء على عكة والتوسع في ~~مطامعه وأمانيه وآماله في الشرق، كما صرح بذلك «لبورين» في حديث سنأتي عليه، وكان من ~~الممكن - نتيجة لازمة لذلك - أن لا يعود بالسرعة إلى فرنسا ليقبض على صولجان ملكها، ~~ويدوخ الممالك، ويثل العروش، ثم يهوي كما يهوي الشهاب النازل! # ولقد أكد الثقاة أن الدولة العثمانية ما كانت لتنضم إلى إنكلترا في محاربتها فرنسا، ~~وتتفق مع الروسيا، عدوتها التاريخية، لذلك الغرض إلا بعد أن وثقت أن قوة فرنسا في البحر ~~الأبيض المتوسط قد تلاشت بعد وقعة أبي قير البحرية التي يقول عنها الإنكليز في ~~كتاباتهم: «إنها لم تكن انتصارا فحسب، بل كانت فتحا»! ms173 # وليس مما يهم المؤرخ المصري أن يتوسع في تفصيل الحركات الحربية لتلك الواقعة؛ إذ سواء ~~أأخطأ الأميرال «برويز» في أنه لم يعمل بنصيحة نابوليون، ويذهب بالأسطول إلى جزيرة ~~كورفو ... وسواء أأخطأ في أنه حين أبصر الأسطول الإنكليزي لم يقابله في عرض البحر بدلا ~~من البقاء راسيا في مياه أبي قير، وسواء أظن أن نلسون لا يهاجمه ليلا أم لم يظن ... ~~فتلك مباحث تهم كتاب الإنكليز والفرنساويين والاختصاصيين من رجال الحروب البحرية، وأما ~~نحن فلنا النظر إلى النتائج وأثرها في وطننا المصري وأمتنا المصرية، ويكفينا في هذا ~~المقام، من قبيل ما تقضي به الضرورة التاريخية، أن نذكر أن الأميرال نلسون بعد أن رفض ~~السيد محمد كريم السكندري السماح بتسويته، اضطر إلى مغادرة الإسكندرية قبل قدوم العمارة ~~الفرنساوية بثلاثة أيام ثم قصد سواحل الشام لأخذ ما يلزمه من الماء والمئونة، ثم عاد ~~أدراجه إلى المياه المصرية بعد شهرين تقريبا، فأبصر السفن الفرنسية في خليج أبي قير ~~فلم ينتظر منها أن تلم شعثها، بحضور بحارتها الذين كان الكثير منهم في الإسكندرية ~~ورشيد، وكان من صفات نلسون المعروفة، الإقدام والجرأة والمجازفة، وبذلك استطاع في ليلة ~~واحدة أن يحطم السفن الفرنساوية، وأن يحرق ويغرق الكثير منها، بحيث لم يبق من تلك ~~العمارة الكبيرة، إلا بضع سفن صغيرة بقيت في مياه أبي قير استعملها نابوليون بعد لنقل ~~المدافع إلى يافا في حملته على الشام، واستطاع الكونتر أميرال فيلنوف # 2 # الهروب ببضع سفن فرنساوية إلى جزيرة صقلية ومنها إلى فرنسا. # ولقد بلغ من انتهاك قوة الأسطول الإنكليزي بعد هذه الواقعة الهائلة، أنه لم يستطع ~~القضاء على البقية الباقية من السفن الفرنسية، وإن كانت قد وقعت هذه السفن الباقية، عند ~~الحملة الشامية، غنيمة لسفن الأسطول الإنكليزي تحت قيادة السر سدني سميث. # ولنابوليون أقوال كثيرة في الانتقاد على الأميرال «بروبز» الفرنساوي وعلى ~~الكونتراميرال فيلنوف الذي كان في إمكانه - على رأي نابوليون - أن يعود بالسفن التي فر ~~بها ليقضي على الأسطول الإنكليز في نهاية الواقعة في منتصف الليل أو في ms174 الصباح، ولكتاب ~~الفرنساويين مناقشات كثيرة في هذا الموضوع، بين مخطئ ومصوب، ومنتقد على برويز، ومعارض ~~لنابوليون، نضرب عنها صفحا؛ لأنها كما ذكرنا خاصة بهم، غير أنه لا يفوتنا أن نذكر أن ~~الفريقين من المتحاربين في واقعة أبي قير - فرنساويين وإنجليز - رجالا وضباطا وقادة، ~~قد أظهروا في ذلك الوقت العصيب من صفات الشهامة والبسالة والتفاني في خدمة الوطن ما يجب ~~أن يبقى درسا للأجيال الخالفة، وأن تتعظ به الأمم، وتتفاخر به الدول، فقد أصيب ~~الأميرال «برويز» بقنبلة ألقته صريعا على ظهر باخرته الأوريان «الشرق» وأرادوا نقله ~~إلى سفينة أخرى فقال: «أتركوني أموت هاهنا»! وأصيب نلسون الأميرال الإنكليزي بإصابات ~~قطعت لحم جبهته فانهدل على عينه وظن أنه مات، ومع ذلك رفع اللحم بيديه إلى جبينه وعصبه، ~~وبقي يصدر الأوامر لمتابعة القتال! ... وحكاية ذلك الفتى «كلاسيلانكا» ابن الضباط ~~كاسبلانكا الذي بقي والنار تحرق الباخرة أوريان، لا ينتقل من مكانه؛ لأن أباه أمره ~~بالبقاء فيه حتى احترق!! إلى غير ذلك من الروايات التي تهز الأوتار الحساسة، وتولد ~~عواطف الحماسة، وتخلد في أعقاب الأمم الراقية شعور الوطنية والعواطف القومية! # ولقد سبق لنا أن ذكرنا أن نابوليون علم بنكبة أسطوله، وهو قادم من الصالحية، ثمل ~~بنشوة الفرح والظفر على إبراهيم بك، ومن معه، وإن يكن قدا ساءه عدم استطاعته الحصول على ~~ما كان مع إبراهيم بك وبقية الأمراء والمصريين من الثروة والخيرات، وقد روى «بوريين» في ~~مذكراته أن كليبر قومندان الإسكندرية إذ ذاك، لما علما بنتيجة واقعة إبي قير، أوفد ~~للقاهرة ضابطا من أركان حربه ببيان مفصل فلما وصل إلى القاهرة لم يجد نابوليون بها ~~والتقى ببوريين كاتم أسراره، فعلم منه بتفاصيل الواقعة وكلفه بالسفر إلى الصالحية ~~لملاقاة القائدة العام، وهناك التقى به على بعد فرسخين من الصالحية. # روى كتاب الفرنساويين أن نابوليون لما تلقى نبأ تلك الفاجعة أظهر التجلد، وأسرع ~~بالعودة إلى القاهرة، فدخلها في يوم 15 أغسطس، وكانت الأخبار قد أشيعت في القاهرة، ~~وشملت الكآبة من علم بذلك من الضباط والقواد، وقد روى الشيخ ms175 الجبرتي الحكاية الآتية، ~~بمناسبة شيوع أخبار معركة أبي قير قال: # تحدث الناس بتلك الأخبار فصعب على الفرنساويين واتفق أن بعض النصارى الشوام ~~نقل عن رجل شريف يسمى السيد أحمد الزور من أعيان التجار بوكلة الصابون أنه تحدث ~~بذلك فأمروا بإحضاره وذكروا لذلك «كذا في الأصل» فقال: أنا حكيت ما سمعته من ~~فلان النصراني فأحضروه أيضا، وأمروا بقطع لسانيهما أو بدفع كل واحد منهما مائة ~~ريال فرنسية نكالا بهما، وزجرا عن الفضول فيما لا يعنيهما، فتشفع المشايخ فلم ~~يقبلوا، فقال بعضهم: أطلقوهما ونحن نأتيكم بالدراهم فلم يرضوا، فأرسل الشيخ ~~مصطفى الصاوي فأحضر مائتي ريال ودفعها في الحضرة. # فتأمل في هذه المعاملة الغريبة التي يظهر منها تغيظ الفرنساويين وشديد رغبتهم في أن ~~لا يذاع نبأ تحطيم عبارتهم، ويظهر أن الفرنساويين الذين فعلوا ذلك لما أحضر الشيخ ~~الصاوي النقود خجلوا من أنفسهم، ووبختهم ضمائرهم؛ إذ يقول الشيخ الجبرتي: «فلما قبضها ~~الوكيل ردها ثانية إليه، وقال: فرقها على الفقراء فأظهر أنه فرقها كما أشار وردها إلى ~~صاحبها، فانكف الناس عن التكلم في شان ذلك.» # وكان وقع الخبر بطبيعة الحال على الفرنساويين شديد، والذي يقوله «ميو» في مذكراته ~~يعبر عن شعور الفرنساويين؛ لأن «ميو» كما سبق أن ذكرنا، كان مع نابوليون في محاربة ~~إبراهيم بك، وعلم بالخبر عند قدوم رسول كليبر بالقرب من الصالحية، وقد أكثر «ميو» من ~~الندب والعويل قائلا: «يا رب كيف تنتهي هذه الحملة في مصر، وكيف نؤمل المساعدة وقد حيل ~~بيننا وبين بلادنا! أنعيش في مصر بقية حياتنا، بعيدين عن أولادنا وآبائنا وأزواجنا ~~وخليلاتنا ...؟ فقدنا كل هذا وأصبحنا في ديار مقفرة، وبين قوم لا نألفهم ولا يألفونا ... ~~إلخ.» وقال بوريين: «بالرغم من تجلد نابوليون وتدرعه بالصبر ليبعث الطمأنينة في قلوب ~~القواد والضباط والجنود ، فإنه كان كلما سار على انفراد معي يبدي الجزع، ويظهر الغيظ ~~والحنق، قائلا: «إن حكومة الديركتوار مؤلفة من رجال سفلة أدنياء فهم يحسدونني ~~ويبغضونني، وأحب ما يحبون أن أفنى أنا ومن معي في هذه البلاد، وفضلا عن كل ms176 هذا أفلا ~~ترى أن جميع الجنود يتذمرون ولا يود واحد منهم الإقامة هنا»، وقال بوريين أيضا: ~~«وعبثا كنت أهدئ خاطره وأعزيه بقول: حقيقة إن الخطب جلل، ولكنه كان يكون أشد وأنكى لو ~~أن نلسون عثر بالحملة وهي قادمة لمصر وحطم عمارتنا وأغرقنا مع جنودنا، أو لو بقي نلسون ~~في الإسكندرية أربعا وعشرين ساعة لكانت القاضية علينا، أما الآن فنحن حكام هذه البلاد، ~~ولدينا الجنود والذخائر، والخيرات والأموال.» ~~(2) سياسته بعد المعركة # كان نابوليون رجلا في مقتبل عمره ممتلئ الصدر بالآمال الكبار، حديد العزيمة، قوى ~~الإرادة، فلذلك وطد همته على النظر إلى مركزه الجديد بعين الحكمة فجمع لديه نخبة قواده ~~وأركان حربه وألقى عليهم خطابا حماسيا يحرك الأشجان؛ إذ قال لهم: «إن كانت الظروف ~~قضت علينا أن نبقى هاهنا، وأن نقوم بأعمال عظيمة لنقم بها! وإن قضت علينا أن ننشئ مملكة ~~واسعة فلننشئها! وإن كانت البحار التي ليست لنا فيها سيادة قد فصلت بيننا وبين وطننا ~~فإنه لا توجد بحار تفصلنا عن إفريقيا وآسيا! وهانحن كثير والعدد والعدة، وإن لزمنا جنود ~~أخرى فإننا نجند من هذه الديار وغيرها، وإن لزمتنا ذخائر فعلى شامبي وكونتيه # 3 # أن يقوما بصنعها لنا ... فلنكن عظاما ولنفعل العظائم.» # 4 # ثم أخذ يشرح لهم مركز القطر المصري، وموارده الطبيعية التي تحتاج إلى حسن ~~تدبير ونظام كي يعود إلى ما كان عليه من الثروة في الأزمان الماضية، وإذا ساعدت تلك ~~الموارد الطبيعية الصناعة الحديثة، والعلوم العصرية، أمكن أن توجد على شواطئ النيل دولة ~~عظيمة الشأن، ثم ذكرهم بأن مركزهم في مصر حصين، تحده من الشرق الصحراء ومن الشمال ~~البحر، وأن أول واجباتهم أن ينشطوا الجنود، وليذكروا دائما أن الصفات الكريمة في ~~الإنسان إنما تظهر في أوقات الشدائد، وختم خطابه قائلا «يجب علينا أن نرفع رءوسنا، ~~ونصعد على الموجة، ونهزأ بالعواصف والزعازع، فربما قد قدر لنا أن نغير صحيفة الشرق، وأن ~~نضع أسماءنا بجانب أسماء أولئك الرجال العظام الذين خلد التاريخ أسماءهم.» # 5 # كان نابوليون في «الدور الأول» يريد أن ms177 يجعل مصر مستعمرة فرنساوية تتصل بفرنسا، وأما ~~في هذا الدور - بعد أن حيل بينه وبين وطنه - فقد صمم على أن يجعلها دار إقامة، وقصبة ~~ملك كان يحلم به في الشرق، كما هو ظاهر من كلماته التي ألقاها على ضباطه، ولذلك كانت ~~خطته السياسية في هذه المدة، التوسع في استجلاب رضاء المصريين والتقرب منهم، والامتزاج ~~بهم، فكأنما يقول: أما وقد قضي علينا بالبقاء مع هؤلاء القوم فلنجتهد في إدراك ~~تصوراتهم وفهم معتقداتهم، والاشتراك معهم في أخلاقهم وعاداتهم، ولطالما قيل إن نابوليون ~~أسلم أو ادعى الإسلام، وللمؤرخين مناقشات في هذا الصدد سنأتي على شيء منها بعد، والمؤكد ~~في الأمر أن فكرة إسلام نابوليون ترجع إلى هذه الفترة. # يجوز لنا أن نتصور بحق أن نابوليون، وقد أدرك واعتقد أو تصور «لأنه لم يكن قط يحلم ~~بأنه يستطيع العودة إلى فرنسا ويؤسس فيها ما أسسه من الملك والصولة والإمبراطورية ~~العظيمة» أنه وقد حيل بينه وبين بلاده، فإنه سيبقى في هذا الديار ويقيم فيها سلطة تضارع ~~سلطة المماليك، مثل السلطان حسن أو الغوري أو بيبرس أو صلاح الدين «ولم يكن الكثيرون من ~~المماليك مسلمين أصلا» ... ولا يبعد أن نابوليون مع ما أوتي من سعة القريحة ومضاء ~~العزيمة، وبعد الخيال، قد صور لنفسه وفي نفسه مملكة مصرية يملكها بونابرت، تتسلط على ~~البحر الأحمر، وبلاد العرب والشام أيضا، ويتم له في مصر ما تم لمحمد علي، وهو أكفأ منه ~~سياسة وأكثر علما، ومعه رجال من الدرجة الأولى في الكفاءة العلمية ... فلماذا لا تكون ~~فكرة الإسلام قد توطدت في نفسه واعتمدها، وكان من الممكن - إذا لم يستطع مبارحة القطر ~~المصري - أن يقوم بتنفيذها! وأي خيال يستطيع أن يصور لنا ماذا كان مستقبل مصر، لو أن ~~نابوليون أسلم حقيقة، وصاغ مصر والشرق على درجة ما استطاع أن يفعل بعد في ~~فرنسا!! # وكانت الصفحة الثانية من سياسته الداخلية تقضي عليه بأن يهيئ لضباطه وجنوده أسباب ~~الراحة والاطمئنان ووسائل التسلية، ليخفف عنهم ألم الحنين إلى الوطن وليوطد عزيمتهم على ~~البقاء في ms178 هذه الديار واتخاذها وطنا ثانيا. # وأما خطته السياسية الخارجية تبعا لمقتضى ظروف هذا المركز، فكانت ترمي إلى التودد ~~إلى الدولة العثمانية، وأمراء المسلمين في الشام والحجاز. # وسنأخذ الآن في بسط الأعمال التي قام بها نابوليون لتنفيذ هذه الخطة في وجوهها ~~المختلفة، أما مع المصريين فإنه ما كادت تستقر قدمه في القاهرة حتى أخذ يزور علماء ~~الأزهر وكبار المسلمين في دورهم، ويدعوهم إليه ويحادثهم ومنهم علم أن موعد الاحتفال ~~بوفاء النيل قد حان، فانتهز هذه الفرصة لإقامة شعائر ذلك الاحتفال بمزيد الأبهة ومظاهر ~~الأفراح التي يألفها المصريون، ويتخذها رجال السياسة آلة لإلهاء الشعوب، وصرفها عن أمور ~~كثيرة، بما في ذلك من إدخال السرور على الجنود، وصرفهم عن التفكير في حقيقة ~~موقفهم. ~~(3) حفلات ومظاهر # كان وصول نابوليون للقاهرة مساء يوم الأربعاء «3 ربيع الأول/15 أغسطس» قال الجبرتي: ~~«ففي يوم الجمعة خاصة أمر صاري عسكر بالاستعداد وتزيين العقبة كالعادة، وكذلك زينوا عدة ~~مراكب وغلايين، ونادوا على الناس بالخروج إلى النزهة في النيل والمقياس والروضة على ~~عاداتهم وأرسل صاري عسكر أوراقا لكتخدا الباشا «وكيل الوالي الذي بقي بعد خروجه كان ~~اسمه مصطفى بك»، والقاضي التركي «الذي أبقوه في وظيفة القضاء الشرعي لإفهام المصريين أن ~~صفة السيادة العثمانية محفوظة»، وأرباب الديوان وأصحاب الثورة والمتولين المناصب وغيرهم ~~بالحضور في صبيحة «يوم السبت 6 ربيع الأول و18 أغسطس»، وركب «نابوليون» بموكبه وزينته، ~~وعساكره وطبوله وزموره، إلى قصر قنطرة السد وكسروا الجسر بحضرتهم وعملوا شنك مدافع ~~ونفوطا «أي أطلقوا المدافع والصواريخ» حتى جرى الماء في الخليج وركب وهم صحبته حتى رجع ~~داره.» # وكتاب الفرنساويين يصفون ذلك الاحتفال بالتطويل ويقولون: إن المصريين على بكرة أبيهم ~~فرحوا وطربوا، وطبلوا وزمروا، وأن المشايخ جمعوا بين الدعاء لله سبحانه وتعالى، ~~والصلوات على نبيه الكريم، وبين الدعاء لنابوليون وباركوه وبجلوه!!! هذا وصاحبنا ~~الجبرتي يقول: «وأما أهل البلد فلم يخرج أحد منهم تلك الليلة للتنزه في المراكب على ~~العادة سوى النصارى الشوام والقبط والأروام والإفرنج البلديين ونسائهم وقليل من الناس ~~البطالين»!! # والمعلم نقولا الترك ms179 يقول في هذا الصدد: «وكان موكبا عظيما ومحفلا جسيما يذكر ~~جيلا فجيلا، وعم الأمان كل الناس، وخرج الرجال والنساء من دون بأس وصنع أمير الجيوش ~~وليمة عظيمة لسائر العلماء والأعيان، وأهل الديوان والجنرالية والفسالية «لعله يعني ~~أوفسية، الضباط» وحكام الخطوط المصرية، وقد أعجبت أهل مصر القاهرة، تلك الأحوال ~~الباهرة.» # والفرق بين جلال الجبرتي وتحفظه، والمعلم نقولا الترك ومغالاته، غير خاف سببه. # ويظهر أن نابوليون سرته نتيجة ذلك الاحتفال فأخذ يسأل عن الموالد والأعياد، فعلم أن ~~المولد النبوي يقع في العاشر من شهر ربيع الأول، فاستدعى إليه السيد خليل البكري وقلده ~~نقابة الأشراف، بدلا من السيد عمر مكرم الذي سافر مع إبراهيم بك واستقر بغزة، قال ~~الشيخ الجبرتي - وروايته في هذه الأمور أصدق الروايات - «ثم سأل صاري عسكر الشيخ خليل ~~البكري عن المولد النبوي ولماذا لم يعملوه كعادتهم، فاعتذر بتعطيل الأمور وتوقف ~~الأحوال، فلم يقبل «نابوليون» وقال: لا بد من ذلك، وأعطى له ثلاثمائة ريال فرنسية ~~معاونة، وأمر بتعليق تعاليق «كذا» وأحبال وقناديل واجتمع الفرنساوية يوم المولد ولعبوا ~~ميادينهم وضربوا طبولهم ودبادبهم، وأرسل الطبلخانة الكبيرة «الجوفة الموسيقية العسكرية» ~~إلى بيت الشيخ البكري، واستمروا يضربونها بطول النهار والليل بالبركة تحت داره، وهي ~~عبارة عن طبلات كبار مثل طبلات النوبة التركية، وعدة آلات ومزامير مختلفة الأصوات ~~مطربة، وعملوا حراقة نفوط مختلفة وصواريخ تصعد في الهواء.» # وفي رواية كتاب الفرنساويين أن نابوليون أعطى السيد البكري ألفا وثمانمائة فرنك ~~«فأما أن يكون الريال الفرنسي ستة فرنكات والمعروف أنه خمسة، أو أن رواية الشيخ الجبرتي ~~أقل تسعين ريالا»، وأن نابوليون ذهب إلى منزل السيد البكري حيث جلس بجوار المنشدين ~~الذين أخذوا في تلاوة القصة النبوية، وكان يهتز معهم كأنما هو مشارك لهم في التلاوة ~~والنغمات، ثم مدت الموائد، وكان عددها يربو على عشرين مائدة نصبت على الطريق الشرقية في ~~بهو كبير، وكانوا يجلسون على وسائد لا على كراسي وحول كل مائدة خمسة أو ستة أنفار، وقد ~~جلس نابوليون حول واحدة من هذه الموائد وبجواره السيد البكري، ms180 وتفرق كبار قواده حول ~~الموائد الأخرى يأكلون مع القوم بأيديهم. # وكان منزل السيد خليل البكري إذ ذاك بالقرب من بركة الأزبكية في الجهة الجنوبية من ~~ميدان الأوبرا الحالي، حيث العمارة المطلة على الميدان الآن، وكان السيد خليل البكري من ~~الذين توددوا للفرنساويين كثيرا، ولقي بسبب ميله إليهم متاعب كثيرة في أثناء التقلبات ~~والثورات التي سيجيء ذكرها، ولم يكن السيد خليل البكري المشار إليه من ذوي الأخلاق ~~الفاضلة، بل كان - كما يؤخذ من ترجمته في وفيات الجبرتي ومن أخباره الواردة عنه - ~~متساهلا في أمور دينه على شاكلة أبناء الأسر العريقة في الحسب الذين أخذوا بأسباب ~~النعيم والترف، وللجبرتي كلام طويل عن خروج ابنه البكري «عن حدود الحشمة مع ~~الفرنساويين»، وعن السيد البكري ومملوكه، نضرب عنه صفحا، وإنما أشرنا إليه من قبيل وصف ~~الحالة الأخلاقية لبعض دعاة الأمة في ذلك الحين، والمعلم نقولا الترك يذكر السيد ~~البكري، بعد حكاية مولد النبي فيقول عنه: «وقد كان السيد خليل البكري محبا لجمهور ~~الفرنساوية، فلأجل ذلك بغضه الإسلام «أي المسلمون» المصرية.» # وما كاد يفرغ نابوليون من هذا الاحتفال حتى فكر في تقليد إمارة الحج: قال الشيخ ~~الجبرتي: «وفي عشرين «ربيع الأول/أول سبتمبر» قلدوا مصطفى بك كتخدا الباشا على إمارة ~~الحج فحضر إلى المحكمة عند القاضي، ولبس هناك الخلعة بحضرة مشايخ الديوان، والتزم ~~بونابرت بتشهيل مهمات الحج.» وقد نشر لاكروا خطابا كتبه نابوليون في ذلك الوقت ليبعث ~~به إلى الشريف غالب بن مسعود أمير مكة، ولم يرد لهذا الخطاب ذكر في الكتب العربية، ~~ولذلك رأينا أن نأتي على نصه: # إلى الشريف غالب بن مسعود # في الوقت الذي أنبئوك فيه بدخول الجيش الفرنسي إلى مصر، أرى من الواجب علي ~~أن أؤكد لك بأن نيتي ترمي إلى تأمين طريق الحج إلى مكة بكل الوسائل الممكنة ، ~~وستبقي المساجد والأملاك التي للحرمين الشريفين في مصر كما كانت في الماضي لا ~~ينازعهما فيها منازع. # إننا أصدقاء لنبي المسلمين ولدينهم وسنعمل كل ما نستطيعه لإرضائكم وللتودد ~~إلى الدين الإسلامي. # أريد منك أن ms181 تعلن الناس في كل مكان أن قوافل الحج لا تلقى في طريقها مقاومة، ~~بل ستكون محمية بطريقة تجعلها في مأمن من اعتداء البدو عليها. # بونابرت # فانظر إلى هذه الدعاوى وتفهم منها ما كان يرمي إليه نابوليون في سياسته. # وهكذا أخذ نابوليون يتودد بجميع الوسائل للمصريين وعلمائهم وكبرائهم فكانت أوامره ~~للقواد الذين عينهم في جهات القطر المصري مشددة بضرورة المحافظة على عادات المصريين ~~وتقاليدهم، وعدم التعرض لدينهم وأموالهم وأعراضهم، وكان يوصي بذلك جميع الضباط والجنود ~~المقيمين في القاهرة وضواحيها، ثم كان لا يفتر لحظة عن استرضاء المشايخ والسؤال عن ~~خاطرهم، والاجتماع بهم، والتحدث معهم في المسائل العمومية وفي الأديان، مظهرا عظيم ~~ميله إلى الدين الإسلامي إلى غير ذلك من وسائل التلطف وحسن السياسة ونهاية ~~الدهاء. # وكان مما التفت إليه، للتأثير على جيشه وحمله على الرضى بحالته، أن شرع في الاستعداد ~~لإقامة احتفال كبير يوم تذكار تأسيس الجمهورية الفرنساوية، وكان ذلك اليوم يقع في 22 ~~سبتمبر، ولكن نابوليون شرع في الاستعداد للاحتفال به في الأسبوع الأخير من شهر أغسطس، ~~عقب الاحتفال بالمولد النبوي مباشرة، ونص الأمر الذي أصدره، لبيان برنامج ذلك الاحتفال، ~~مؤرخ في 26 أغسطس، وهذا الأمر يقضي بأن تحتفل الجنود الفرنساوية والموجودة في القاهرة ~~حول بركة الأزبكية، والتي في الإسكندرية عند عمود السواري، والتي في الصعيد على أطلال ~~طيبة «مع أنه في ذلك التاريخ لم يكن «ديزيه» قد برح بجيشه الفاتح للصعيد بلدة بني سويف» ~~وقد وصف الجبرتي الزينات التي أقامها الفرنساويون للاحتفال بعيدهم هذا، فقال: «إنهم ~~أقاموا في وسط بركة الأزبكية صاريا عظيمة «مسلة» نقشوا عليها تصاوير سواد في بياض ~~ووضعوا قبالة باب الهواء بالبركة شبه بوابة كبيرة عالية «قوس النصر» من خشب مقفص وكسوها ~~بالقماش المدهون مثل لون الصاري ونقشوا عليها تصاوير حرب المماليك المصرية معهم، وهم في ~~شبه المنهزمين بعضهم واقع على بعض، وبعضهم ملتفت إلى خلف، وعلى موازاة ذلك من الجهة ~~الأخرى بناحية قنطرة الدكة التي يدخل منها الماء إلى البركة مثال بوابة أخرى، وأقاموا ~~أخشابا ms182 كثيرة منتصبة مصطفى منها إلى البوابة الأخرى شبه الدائرة متسعة محيطة بمعظم ~~فضاء البركة، بحيث سار عمود السواري «المسلة» الكبير المنتصف المذكور في المركز، وربطوا ~~بين تلك الأخشاب حبالا ممتدة وعلقوا بها صفين من القناديل، وبين ذلك تماثيل لحراقة ~~البارود وأقاموا في عمل ذلك عدة أيام.» ولا ينقص وصف الشيخ الجبرتي شيء، سوى أن تلك ~~الأخشاب المنتصبة كانت مائة عمود وتسعة أعمدة عدا رفع على كل عمود منها راية وكتب ~~عليها أسماء مديريات فرنسا، وأن تلك التماثيل التي ذكرها كانت بشكل هياكل نقش عليها ~~الذين قتلوا في معارك المماليك بمصر. # وفي الساعة السابعة من صباح يوم السبت «11 ربيع الثاني/22 سبتمبر» اصطفت الجنود على ~~النظام الذي أعد لها وتقدم نابوليون يحف به قواده وأركان حربه ورؤساء المصالح وأعضاء ~~المجمع العلمي «سيأتي الكلام عليه» وأعضاء الديوان وكتخدا الباشا ... ولنترك للشيخ ~~الجبرتي الكلام على طريقته اللذيذة قال: # وفي حادي عشرة كان يوم عيدهم الموعود به فضربوا في صبيحته مدافع كثيرة، ~~ووضعوا على كل قائم من الخشب بندبرة من بندبراتهم الملونة، وضربوا طبولهم، ~~واجتمعت عساكرهم بالبركة الخيالة والرجالة، واصطفوا صفوفا على طرائفهم ~~المعروفة بينهم، ودعوا المشايخ أعيان المسلمين والقبطة والشوام، فاجتمعوا ببيت ~~صاري عسكري وجلسوا حصة من النهار، ولبسوا في ذلك اليوم ملابس الافتخار، ولبس ~~المعلم «جرجس الجوهري» كركة بطرز قصب على أكتافها إلى أكمامها، وعلى صدرها ~~شمسات قصب بازرار «سترة تشريفة فرنساوية» وكذا «فلتيوس» وتعمموا بالعمائم ~~الكشميري، وركبوا البغال الفارهة، وأظهروا البشر والسرور في ذلك اليوم إلى ~~الغاية، ثم نزل عظماؤهم «الفرنساوية» وصحبتهم المشايخ والقاضي وكتخدا الباشا ~~وركبوا وذهبوا عند الصاري الكبير الموضوع بوسط البركة، وقد كانوا فرشوا في ~~أسفله بسطا كثيرة، ثم إن العساكر لعبوا ميدانهم، وعملوا هيئة حربهم «مناورة» ~~وضربوا المدافع والبنادق، فلما انقضى ذلك اصطفت العساكر صفوفا حول الصاري ، ~~وقرأ عليهم كبير قسوسهم ورقة بلغتهم، لا يدري معناها إلا هم وكأنها كالوصية أو ~~النصيحة أو الوعظ. # وليت شعري: هل كان الشيخ عبد الرحمن الجبرتي أحد المدعوين في ذلك الاحتفال، ms183 حتى إنه ~~شهده عن قرب واشترك فيه، أو أنه كان من المفرجين من بعيد؟؟ # كل الدلائل تشير إلى أنه كان من المدعوين؛ لأنه كان من كبار العلماء الذين يشار ~~إليهم، وكان قبل من المتقربين إلى المماليك، فلا يعقل أن تترك دعوته، وإن ساءه من ~~المعلم جرجس الجوهري والمعلم فلتيوس لبسهما تلك الملابس المقصبة، إلا أن النقطة التي ~~يصعب علينا تحقيقها، هي قوله إن كبير قسوسهم «الفرنساوية» قرأ عليهم ورقة بلغتهم، ولم ~~يك مع الفرنساويين قساوسة، فقد كانوا خرجوا من جميع الأديان في الثورة، وكتاب ~~الفرنساويين يقولون إن الذي تلا ذلك الخطاب على الجنود، هو نابوليون نفسه! فكيف أخطأ ~~الجبرتي في تمييزه بين «صاري عسكر بونابرته»، وبين «كبير قسوسهم»؟؟ وإن يكن من المحتمل ~~كثيرا، أن يكون نابوليون قد كتب ذلك الخطاب وعهد إلى أحد كبار العلماء بتلاوته، إلا أن ~~«ميو» وهو أيضا شاهد عيان، يقول إن الذي خطب في الجنود هو نابوليون بصوته الرنان، ~~والمعلم نقولا الترك وهو شاهد عيان آخر، لم يذكر شيئا عن خطاب ما، وأحسن ما ورد في ~~عبارته عن هذا الاحتفال قوله عن الصاري الكبير الموضوع في وسط الأزبكية: «إن ~~الفرنساويين كانوا يسمونه شجرة الحرية، وأما أهالي مصر فكانوا يقولون إن هذه إشارة إلى ~~الخازوق الذي أدخلوه فينا باستيلائهم على مملكتنا»! # وإني لا أشك في أن عبارة المعلم نقولا هذه صحيحة، فهي وإن تكون من نكات العامة في ~~مصر، ومع أنها سخافة من سخافاتهم، إلا أنها تعبر عن شعور القوم في ذلك الحين! وغريب ~~تصورهم أنه كانت لهم مملكة وضاعت، مع أنهم كانوا دائما عبيدا للحكام المماليك، وهم لا ~~يقلون في الأجنبية عن أولئك الفرنساويين، سوى أن أولئك كانوا مسلمين «وإن كان إسلامهم ~~ضعيفا»، وهؤلاء كفار، لا يعرف لهم دين ولا عقيدة. # فهذه قوة اليقين عند المسلمين ، وهذه عقيدتهم الدينية التي جعلت مصطفى كامل بعد هذا ~~التاريخ بمائة عام - تغيرت فيها المذاهب، وتبدلت فيها العقائد - لما حاجه بعضهم في ~~تعلقه بالدولة العثمانية مع ظلم الأتراك، واستبداد السلطان ms184 عبد الحميد، وهو «أي: مصطفى ~~كامل» من طلاب الحرية والدستور!!، يصرح في إحدى خطبة بقوله: «إننا نقول وسيف السلطان ~~على رقابنا: ليحيا جلالة السلطان.» وفي هذا قد عبر مصطفي كامل عن شعور المسلمين في جميع ~~بقاع الأرض، وعلى كل حال فنحن تأتي على نص خطاب نابوليون من المصادر الفرنساوية لأهميته التاريخية: # أيها الجنود: # إننا نحتفل بتذكار اليوم الأول من السنة السابعة لإقامة الجمهورية ~~الفرنساوية، فمنذ خمس سنوات كان استقلال الشعب الفرنساوي مهددا، ولكنكم أنتم ~~باستيلائكم على طولون قد قضيتهم على مقاصد أعدائكم، ولم تمض سنة على ذلك حتى ~~كنتم قد قهرتم النمساويين في موقعة ديجو ~~(Dego) # وفي السنة التالية كنتم تتسرفون من قمم جبال الألب «على الممالك النمساوية»، ~~ومنذ سنتين فقط كنتم تهاجمون أسوار مانتوا ~~(Mantuoua) ~~، وحزتم ذلك النصر الباهر عند ~~قرية سان جورج، وفي السنة الماضية كنتم عند منابع نهري درافا والأسونزو، عائدين ~~من انتصاراتكم في ألمانيا! فمن كان يظن أنكم في هذا اليوم تكونون كما أنتم الآن ~~على ضفاف نهر النيل، في وسط هذه القارة العتيقة؟! فاعلموا أن أمر العالم - من ~~الإنكليزي المتمدين الراقي إلى البدوي المتوحش - تنظر إليكم محدقة. # أيها الجنود، إن مستقبلكم باهر؛ لأنكم جديرون بما قمتم به من جلائل الأعمال، ~~وجديرون بالحكم الذي يحكمون به عليكم، فإما أن تموتوا موت الأبطال الذين نقشت ~~أسماؤهم على هذا الهرم، وإما أن تعودوا لوطنكم مكللين بغار الفخر والفخار، ~~ومصحوبين بإعجاب العالم من صغار وكبار! واعلموا أننا منذ برحنا وطننا ونحن ~~موضوع رعاية وعناية أبنائه، وفي هذا اليوم يحتفل مثلكم أربعون مليونا من ~~الفرنساويين بخلع نير الاستبداد وبإقامة الحكم الدستوري، وهم في أفراحهم يذكرون ~~أنهم مدينون لأعمالكم ولدمائكم في حفظ السلم ونمو الثروة والتمتع بالحرية ~~المدنية. # فلما فرغ من تلاوة هذا الخطاب الذي قصد به مع كل هذا الاحتفال، تمليق مشاعر الجنود ~~وتطيب خواطرهم، هتفوا فلتحيا الجمهورية! وليحيا الجنرال بونابرت! وذهبت شرذمة من الجنود ~~تحمل الراية المثلثة الألوان إلى الجيزة لتقيم تلك الراية على أعلى نقطة في الأهرام، ~~وعاد ms185 نابوليون إلى داره، قال الجبرتي: ~~«ثم رجع صاري عسكر إلى داره فمد سماطا عظيما للحاضرين، فلما كان عند الغروب ~~أوقدوا جميع القناديل وعملوا حراقة وصواريخ» ... إلى آخره. ~~(4) المسلمون والأقباط # إن يكن الشيخ الجبرتي قد ساءه من المعلم جرجس الجوهري، كبير الأقباط في ذلك العهد، ~~توشحه بتلك الملابس المذهبة في الاحتفال، وخروجه مع أمثاله عما اعتاده من الملابس التي ~~ألفها المصريون، إلا أنه مع ذلك قد كان من المحبين للمعلم جرجس، ومن المعجيبن به، ~~وحقيقة يظهر من غالب ما كتبه الجبرتي عنه، أو من بقية الأخبار التي وردت عن ذلك الرجل، ~~أنه كان من أكابر القوم، جامعا لكثير من الصفات الطيبة، فهو لم يفعل مثل المعلم ~~«يعقوب» الذي خرج عن حدوده وجمع له جندا من بعض فقراء الأقباط، وكاشف المسلمين ~~بالعداوة، كما سيأتي في مكانه. # وقد ذكر الجبرتي في وفيات سنة 1225، بعد الحوادث التي نحن بصددها باثنتي عشرة سنة ~~ترجمة المعلم جرجس الجوهري وأطراه ... قال: «مات المعلم جرجس الجوهري القبطي كبير ~~المباشرين، وهو أخ المعلم إبراهيم الجوهري، ولما مات أخوه في زمن رياسة الأمراء ~~المماليك تعين مكانة في الرياسة على المباشرين والكتبة، وبيده حل الأمور وربطها في جميع ~~الأقاليم المصرية، نافذ الكلمة، وافر الحرمة، وتقدم في أيام الفرنسيين فكان رئيس ~~الرؤساء، وكذلك كان مع العثمانيين لما كان يسديه إليهم من الهدايا والرغائب، ورأينه ~~يجلس بجانب محمد خسرو باشا «سيأتي ذكره في تاريخ محمد علي» وبجانب شريف أفندي ~~الدفتردار، ويشرب بحضرتهم الدخان، وكان عظيم النفس ويعطي العطايا ويفرق على جميع ~~الأعيان عند قدوم شهر رمضان من الشموع العسلية والسكر والأرز والكساوي والبن، ويعطي ~~ويهب، وأنشأ دارا كبيرة عند قنطرة الدكة.» # وبهذه المناسبة لا نجد مناصا - خصوصا وقد ذكرنا تقرب نابوليون من المسلمين وعلمائهم ~~وتودده لهم ولدينهم ومعتقداتهم - أن نقول كلمة في هذا المكان عن سلوك الفرنساويين مع ~~النصارى عموما، والأقباط خصوصا في ذلك العهد، ولقد كنت أظن أن حنا بك شاروييم يخصص في ~~كتابه «الكافي» فصلا لهذا الموضوع فلم أجده أعاره أدنى ms186 نظرة، ولعل له في ذلك ~~حكمة. # ليس لدينا تعداد موثوق به عن سكان القطر في زمن الفرنسيس، ولكن يؤخذ من المصادر ~~الفرنسية أن عدد الأقباط كان في ذلك الحين من تسعين إلى مائة ألف على رواية «لاكروا»؛ ~~أي: نحو ثمن عددهم اليوم، فإذا لاحظنا أن عدد المسلمين، منذ ذلك الحين قد تضاعف خمس ~~مرات «أي: من مليونين ونصف مليون» تقريبا إلى ثلاثة عشر مليونا في الوقت الحاضر فيكون ~~الأقباط قد تضاعفوا ثمانية مرات، وهي نتيجة غريبة مع وجود تعدد الزوجات عند المسلمين، ~~ومع التساوي في حالة الرخاء والطمأنينة في القرن التاسع عشر، وربما كان عددهم أكثر مما ~~ورد في رواية «لاكروا». # وليس بضائر الأقباط إذ ذاك أن يلجئوا إلى الفاتحين ويتوددوا إليهم، ويفرحوا بقدومهم ~~للخلاص من مظالم المماليك وسوء معاملتهم وبقائهم محتقرين في بلد، يعتقدون أنها في الأصل ~~بلدهم، وإن كان الأقباط على ما اعتقد قد كانوا أحسن حالا من مواطنيهم المسلمين؛ لأن ~~الأقباط كانوا آلات المماليك في تحصيل الضرائب، وكانوا كتاب أيديهم والمباشرين ~~لأعمالهم الحسابية، وأمورهم الداخلية، ومن ذا الذي كان من المصريين المسلمين في زمن ~~المماليك «في يده حل الأمور وربطها في جميع الأقاليم المصرية، نافذ الكلمة موفور ~~الحرية»، مثل المعلم جرجس الجوهري، كما قال عنه الجبرتي؟ # كان ظلم المماليك في الحقيقة واقعا في الأكثر على الفلاحين المسلمين، ولم يكن ~~الأقباط في ذلك الوقت ممن يشتغلون بحراثة الأرض وزرعها، كما أنه قد كان في دهاء الأقباط ~~وحسن حياتهم وصفاتهم الكثيرة التي أوجدها أثر الاستبداد في نفوسهم، خير واسطة للتخلص من ~~المظالم والتقرب من الحكام، بما لا يتيسر في كثير من الأحوال لمواطنيهم المسلمين، وزد ~~على هذا أنهم لكونهم فئة قليلة مستضعفة، كانوا أكثر اتحادا، وأحسن معاونة لبعضهم البعض ~~من المسلمين، بحيث إذا لحق واحد منهم ظلم وجدت كبراءهم في ذلك الزمن يذهبون إلى الحكام ~~ويتوسلون إليهم في منع الظلم عن ابن طائفتهم. # ومع هذا نقول لا غضاضة عليهم إذا فرحوا بقدوم الفاتح الأجنبي تخلصا من احتمال الظلم ~~على ms187 كل حال، ولم يكن عند الأقباط، ولا عند المسلمين في ذلك الزمن، عاطفة وطنية؛ إذ لم ~~يكن الوطن لهؤلاء ولا لهؤلاء! وأما إذا كان المسلمون بعكس ذلك من حيث عدم الرضى عن ~~الفاتح الأجنبي، وميلهم للأتراك والمماليك، فذلك لأسباب كثيرة أهمها الرابطة الدينية ~~بينهم وبين الخلافة الإسلامية، التي لم يكونوا يعتبرونها دولة أجنبية عنهم، وبسبب هذا ~~الشعور تمكن الأتراك من المصريين في مصر، وكذلك من العرب في آسيا، وأبقوهم تحت سلطانهم ~~إلى عهد قريب جدا. # والآن نبحث في: هل كان من وراء تودد الأقباط للفرنساويين فائدة للأقباط! وترقية ~~أحوالهم؟ الجواب على هذا صريح واضح، وهو أنه إن لحق المسلمين ظلم واحد من الغاصبين، ~~فإنه قد لحق الأقباط ضعف ذلك، والقضية في هذا الشأن بديهية لا تخفى إلا على عمى البصيرة ~~الذين تغرهم الزخارف، والذين تخدعهم أقوال الفاتحين الأجانب وتوقعهم في حبائل مكرهم؛ إذ ~~لا نزاع مطلقا في أن الفاتح الأجنبي إنما يعمل جهده لإرضاء الأغلبية بالتودد لها ~~والتقرب منها، ولا يهمه أن يستضعف جانب الأقلية أو تهضم حقوقها، وتبقى دائما هذه خطته ~~مهما تظاهر بعكس ذلك أمام الأقلية بقصد غرس أسباب النفرة ليسود الحكم من جراء ~~التفرقة. # ولو كان نابوليون يثق بأنه إذا أباد الأقباط على بكرة أبيهم ينال ثقة المسلمين ويحل ~~في قلوبهم محل العثمانيين، لما تأخر عن ذلك طرفة عين!! ثم هل ادعى نابوليون المسيحية ~~الأرثوذكسية كما ادعى الإسلام وتظاهر بمدح الدين الإسلامي؟ وقد كان أقرب للتصديق في ~~الأولى من الثانية! # خذ المثال الآتي: قال الجبرتي في حوادث شهر رمضان من تلك السنة: «نبهوا الفرنساوية ~~بالمناداة في أول رمضان بأن نصارى البلد يمشون على عاداتهم مع المسلمين أولا، ولا ~~يتجاهرون بالأكل والشرب في الأسواق، ولا يشربون الدخان ولا شيئا من ذلك بمرأى منهم ... ~~كل ذلك لاستجلاب خواطر الرعية حتى إن بعض الرعية من الفقهاء مر على بعض النصارى وهو ~~يشرب الدخان، فانتهره فرد عليه ردا شنيعا، فنزل ذلك المتعمم وضرب النصراني واجتمع ~~عليه الناس وحضر حاكم الخطة، فرفعهما ms188 إلى قائمام، فسأل من النصارى الحاضرين عن عادتهم ~~في ذلك فأخبروه عن عادتهم القديمة أنه إذا استهل شهر رمضان لا يأكلون ولا يشربون في ~~الأسواق ولا بمرأى من المسلمين أبدا، فضرب النصراني وترك المتعمم لسبيله»! # وذكر الجبرتي في حوادث يوم 8 جمادى الآخرة قال «وفيه قتلوا «الفرنساوية» أربعة أنفار ~~من القبط قيل إنهم سكروا في الخمارة وعربدوا فاغتاظ لذلك القبطة.» وقس على هذا ~~كثيرا. # ولكن الأقلية مع الأسف تنسى دائما هذه الحقيقة البديهية، ونعني بها سعي الفاتح ~~الأجنبي في إرضاء الأكثرية، فإذا حدثت قلاقل ومشاكل يحرض ذوو الأغراض من الطرفين الطبقة ~~لواطئة فتتسع الهوة، ثم متى تأكد الحاكم الأجنبي أن الأكثرية غير راضية عنه وغير ممكن ~~استجلاب خواطرها، كما تأكد ذلك الفرنسيون بعد، فإنه يأخذ في إيغار صدور الفئة القليلة ~~ويظهر نحوها انعطافه وحمايته فيحدث مثل ما حدث من المعلم يعقوب، وتأليفه فرقة من فقراء ~~الأقباط لمقاومة المسلمين ومحاربتهم، وكانت عاقبة ذلك وبالا على شخصه هو حتى اضطر أن ~~يهجر وطنه، ويسافر مع الفرنسيين عند خروجهم، كما سيجيء ذلك مفصلا في مكانه. # إلا أنه من مصلحة الأغلبية، أكثر مما هو في مصلحة الأقلية، أخذ الأغلبية للأقلية تحت ~~جناحها بما تظهره نحوها من واجب الانعطاف، وما تبديه من حسن الصلات؛ لأن الأقلية في كل ~~زمان ومكان مستضعفة ميالة إلى المودة والرعاية، فإذا قابلتها الأكثرية في ربع الطريق ~~قطعت لها الأقلية ثلاثة أرباعه الباقية، وباجتماع الكلمة تسهل للأكثرية مقاومة الأجنبي، ~~ومصادمة الحوادث، ومقارعة الدسائس، دون أن تشعر بثغرة في حصنها، أو ثامة في درعها، أو ~~فلول في سيوفها، وبهذا تقضي السياسة والمصلحة، وبهذا يقضي العدل، وبهذا تفضي الوطنية، ~~بل بهذا يقضي الدين نفسه الذي يتخذه الفريقان آلة للتفريق. # والخلاصة أن أبناء الوطن الواحد متكاتفون متضامنون، إن أصاب فريقا منهم خير أصاب ~~الآخر، فإن أصلح الحاكم ، أجنبيا كان أو غير أجنبي، عم الإصلاح، وإن أفسد عم الخراب ~~ولحق الواحد ما يلحق الآخر، واليوم الذي يكون رائد المسلمين والأقباط الوطنية ومصلحة ~~الوطن، مع انصراف ms189 كل فريق لإصلاح شئونه الخاصة به، هو اليوم الذي يقال فيه إن مصر قد ~~تكونت فيها قومية متماسكة جديرة بأن تحل المحل اللائق بها بين الأمم الراقية. # 6 ~~(5) سياسة الإنشاء للبقاء # كان من مقتضى سياسة نابوليون في هذا الدور أن يدرس طبيعة البلاد ويقف على جميع ~~مواردها ويجمع الوسائل التي يستطيع بها طول البقاء فيها، وبالجملة يوطن نفسه ومن معه ~~على الرضاء بمصر والاستفادة منها، وإن أمكن فليجعلها النقطة المركزية لفتوحاته وآماله ~~في الشرق، ولكي يصل إلى هذه الغاية فكر في إنشاء المجمع العلمي المصري «انسيتو ديجبت» ~~الذي لا يزال موجودا بالاسم إلى الآن، يجمع بين أعضائه في الوقت الحاضر زمرة من أهل ~~العلم والفضل من الأجانب وبعض المصريين، وكان صدور أمره بذلك في 22 أغسطس سنة 1798 ولا ~~حاجة بنا إلى تعريب نص ذلك الأمر، بما فيه من بيان اختصاصات ذلك المجمع وجلساته وأعضائه ~~وأعماله، ولكنا نكتفي لفائدة التاريخ بالبيان الآتي: # يتألف أمر نابوليون بإنشاء المجمع العلمي المصري من ستة وعشرين مادة أهم ما فيها أن ~~الغرض من المجمع: ~~(1) # تقدم ونشر العلوم والمعارف في الديار المصرية. ~~(2) # بحث ودراسة وطبع المباحث الطبيعية والصناعية والتاريخية لمصر. ~~(3) # استشارته في المسائل المختلفة التي ترى الحكومة عرضها عليه. # ومن هنا يرى أن المجمع أنشئ ليؤدي وظيفتين، علمية بحتة وإدارية حكومية، لتسهيل مهمة ~~القائمين بإدارة الأحكام، وجاء في المادة الثالثة من هذا الأمر أن المجمع يؤلف من أربع ~~دوائر، وقال في المادة الرابعة إن هذه الدوائر الأربع هي للرياضيات، والطبيعيات، ~~والاقتصاد السياسي، والآداب والفنون، والمادة الخامسة قررت أن تتألف كل دائرة من اثني ~~عشر عضوا وينتخب للجميع رئيس ووكيل وسكرتير ومدير أعمال، وقرر أن تطبع أعمال المجمع كل ~~ثلاثة شهور، وعين أول رئيس للمجمع العالم الكبير مسيو مونج # Monge # وخص نابوليون بوكالة الرئيس، ومسيو فورييه # Fourier # سكرتيرا ومسيو كوستاز # Costaz # لإدارة الأعمال. # قال لاكروا : إن إنشاء المجمع لفت نظر الأهالي فإن المكتبة وجميع الآلات والأدوات ~~الخاصة بدراسة العلوم الطبيعية والرياضية والنباتات المختلفة والأحجار المتنوعة التي ms190 ~~جمعها العلماء لتحقيق مباحثهم، وما أشبه ذلك من الأمور، استدعى اهتمام الأهالي فصاروا ~~يفكرون في الأسباب الداعية لهذه المساعي، حتى لقد خيل لهم أن الغرض منها صناعة الكيمياء ~~أو صناعة الذهب! ولكن لما أدركوا الغرض الحقيقي من ذلك تحببوا إلى العلماء وتقربوا ~~إليهم ومال إليهم المتعلمون من المصريين وكثير من الطبقة الواطية من أصناف العمال، ~~والصناع الذين كان العلماء يسألونهم عن صناعاتهم وأعمالهم. # ولنرجع إلى شيخنا الجبرتي فهو من أهل العلم الذين يقدرون القائمين به حق قدرهم، ولقد ~~كتب في هذه النقطة مطولا معجبا مثنيا على الفرنساويين وعلومهم ومباحثهم، مما يدل على ~~سعة صدر وشغف بالعلم، ولا بأس هنا أن ننقل مثالا من أقواله في هذا الصدد؛ لأنها مقياس ~~لدرجة الرقي العقلي في الأمة المصرية في ذلك الزمن، قال: # وأفردوا للمديرين والفلكيين وأهل المعرفة والعلوم الرياضية، كالهندسة والهيئة ~~والنقوشات والرسومات والمصورين والكتبة والحساب والمنشئين، حارة الناصرية حيث ~~الدرب الجديد وما به من البيوت، مثل بيت قاسم بك وأمير الحج المعروف بأبي يوسف، ~~وبيت حسن الكاشف جركس القديم والجديد الذي أنشأه وشيده وزخرفه وصرف عليه ~~أموالا عظيمة من مظالم العباد! # وقال عن المكتبة: # وفيه جملة كبيرة من كتبهم وعليها خزان ومباشرون يحفظونها ويحضرونها للطلبة ~~ومن يريد المراجعة، فيطلب من يريد المراجعة ما يشاء من الكتب فيحضرها الخازن ~~فيتصفحون ويراجعون ويكتبون حتى أسافلهم من العساكر. # وقال عن تلطفهم مع المصريين «وإذا حضر إليهم بعض من المسلمين ممن يريد الفرجة لا ~~يمنعونه من الدخول إلى أعز أماكنهم ويتلقونه بالبشاشة والضحك وإظهار السرور بمجيئه، ~~وخصوصا إذا رأوا فيه قابلية أو معرفة أو تطلعا للنظر في المعارف بذلوا له مودتهم ~~ومحبتهم، ويحضرون له أنواع الكتب المطبوع بها أنواع التصاوير وكرات البلاد والأقاليم ~~والحيوانات والطيور والنباتات، وتواريخ القدماء وسير الأمم وقصص الأنبياء، ولقد ذهبت ~~إليهم مرارا ... ورأيت عندهم كثيرا من الكتب الإسلامية مترجما بلغتهم، فمن ذلك كتاب ~~الشفاء للقاضي عياض، والبردة للبوصيري ترجموها بلغتهم، ورأيت بعضهم يحفظ سورا من ~~القرآن ولهم تطلع زائد للعلوم.» # 7 # وقال: ms191 # وافردوا لجماعة منهم بيت إبراهيم كتخدا السناوي وهم المصورون لكل شيء ومنهم ~~أريجو المصور، وهو يصور صورة الآدميين بشكل يظن من يراه أنه برز في الفراغ، ~~مجسم يكاد ينطق، حتى إنه صور صورة المشايخ كل واحد منهم على حدته في دائرة ~~وكذلك غيرهم من الأعيان، # 8 # وآخر في مكان يصور الحيوانات والحشرات، وآخر يصور الأسماك والحيتان ~~بأنواعها وأسمائها، ويأخذون الحيوان أو الحوت الغريب الذي لا يوجد ببلادهم ~~فيضعون جسمه بذاته في ماء مصنوع حافظ للجسم فيبقى على حالته وهيئته لا يتغير ~~ولا يبلى، ولو بقي زمنا طويلا ... وسكن الحكيم «رويا» # 9 # ببيت ذو الفقار كتخدا ووضع آلاته ومساحته وأهوائه في ناحية، وركب ~~له كوانين وتنانير لتقطير المياه والأدهان واستخراج الأملاح ... وأفردوا مكانا ~~في بيت حسن كاشف جركس لصناعة الحكمة والطلب الكيماوي. # وذكر الجبرتي بعض عمليات كيماوية وطبيعية عرضت عليه مما لا يخفى أمره اليوم على ~~تلامذة المدارس في المعامل الكيماوية والطبيعية! ولكنه يقول عنها: «ولهم في ذلك أمور ~~كثيرة وأحوال وتراكيب غريبة، ينتج منها نتائج لا تسعها عقول أمثالنا.» # رحمك الله يا شيخ جبرتي وبرد ثراك! لو عشت لرأيت أن عقول أولاد أحفادك وسعت أكثر من ~~ذلك! وما هو إلا جهل الحكام، واستبداد الظلمة الذي جعلك تتصور استحالة إدراك تلك ~~المبادئ من العلوم، علوم أولئك الذين كانوا همجا وبرابرة، في الوقت الذي كانت مدارس ~~بغداد وقرطبة وسمرقند والقاهرة نفسها، تفيض بالعلم وبالنور!! وما كان ربك ليهلك القرى ~~بظلم وأهلها مصلحون. # وهنا يجب أن نقول إن الحملة الفرنسية إن كانت قد فشلت من حيث هي، ولم تخلف وراءها لدى ~~المصريين سوى الآثار المحزنة، والتذكارات المؤلمة، إلا أن العمل العلمي الذي قام به ~~رجال البعثة العلمية من بحث وفحص وتأليف وتصوير مما سنأتي على خلاصة وافية له في المكان ~~اللائق به، قد غطى على تلك العيوب وأبقى إلى اليوم أثرا علميا فاخرا باهرا، إن لم ~~يكن قد أفادنا من وجهة مباشرة فائدة مادية علمية، وحتى وإن لم تستفد منه فرنسا ما ~~أملته، ms192 إلا أن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأنه عمل تطاطئ أمامه الرءوس إجلالا ~~وإكبارا. ~~(6) الاستعداد الحربي # لم يكن ليخفى على نابوليون أنه في مصر محاط بالأعداء من الجنوب والشمال والشرق ~~والغرب، ففي الجنوب مراد بك ومعه قوة كبيرة من المماليك تعضده العربان الهوارة وعرب ~~الحجاز أيضا، وقد وقف الفراء على مطاردتهم لمراد بك في الفصل السابق، ومن الشمال ~~الأساطيل الإنكليزية تمر ذاهبة وآتية تقطع عليه السبيل، بل وتحصره ومن معه حصرا ~~تجاريا وعسكريا، ولا يزال إبراهيم بك ومن معه من المماليك على حدوده الشرقية، في ~~أول بلاد الشام، وكذلك عرب درنة وقبائل البدو من أولاد علي والهنادي يناوشونه ورجاله من ~~آن لآخر، فلذلك وجه نابوليون همته إلى تحصين البلاد وإقامة الطوابي والحصون حول ~~القاهرة. # وقد ابتدأ الإنكليز يدسون له الدسائس ويحرضون عليه الأتراك، قال الجبرتي في حوادث شهر ~~ربيع الثاني: «وفي ثالثة «الجمعة 14 سبتمبر» حضرت مكاتبة من إبراهيم بك خطابا للمشايخ ~~وغيرهم مضمونها: إنكم تكونون مطمئنين ومحافظين على أنفسكم والرعية وإن حضرة مولانا ~~السلطان وجه لنا عساكر وإن شاء الله عن قريب سنحضر عندكم، فلما وردت تلك المكاتبة وقد ~~كان سأل عنها بونابرت فأرسلوها له وقرئت عليه فقال: المماليك كذابون.» ثم لم يكن ليخفى ~~على بونابرت أيضا أنه على الرغم من كل ما عمله من أسباب التودد والتقرب إلى المصريين، ~~فإن التوفيق بين الفريقين لا يزال بعيدا ... وكيف يتصور عكس ذلك ولديه في كل وقت شاهد ~~على ميل المصريين للعثمانيين؟؟ فمن الحوادث التي لا يخفى معناها على مثله أن أحد ~~الأغوات الأتراك حضر من الإسكندرية في ذلك التاريخ بقصد زيارة المشهد الحسيني قال ~~الجبرتي: «فشاهده الناس واستغربوا هيئته، وفرحوا برؤيته، وقالوا: هذا رسول الحي! «تأمل ~~هذا التعبير» حضر من عند السلطان بجواب للفرنسيس يأمرمهم بالخروج من مصر «وتأمل هذا ~~أيضا»، فاختلفت روايات الناس وآراؤهم وأخبارهم وتجمعوا بالمشهد الحسيني وتبع بعضهم ~~بعضا، وصادف أن بونابرت في ذلك الوقت بلغه مما نقل وتناقل بين الناس من أنه ورد مكتوب ~~إلى المشايخ ms193 أيضا وأخفوه فركب من فوره وحضر إلى بيت الشيخ السادات بالمشهد الحسيني، ثم ~~جلس مقدار ساعة وركب ومر بعسكر من باب المشهد والناس قد كثر ازدحامهم بالجمع والخطة ~~«بسبب ذلك الأغا» وهم يلغطون ويخلطون، فلما نظروه وشاهد هو جمعيتهم داخله أمر من ذلك ~~فصاحوا بأجمعهم وقالوا بصوت عال «الفاتحة»، فشخص إليهم وصار يسأل من معه عن ازدحامهم ~~فلطفوا له القول، وقالوا له: إنهم يدعون لك! وذهب إلى داره وكادت تنشأ من ذلك ~~فتنة.» # فلا غرابة إذا رأينا نابوليون يعمل جهده لتحصين القاهرة، وحث رجاله وأهل العلم منهم، ~~على الإسراع في تحضير الأدوات الحربية، وصناعة البارود والقنابل وأصدر أمره بإخراج سكان ~~القلعة من منازلهم، والسكنى بالمدينة، قال الجبرتي في حوادث شهر ربيع للثاني: # وأصعدوا إلى القلعة مدافع ركزوها بعدة مواضيع وهدموا أبنية كثيرة وشرعوا في ~~بناء حيطان وكرانك وأسوار وهدموا قصر صلاح الدين، ومحاسن الملوك والسلاطين، ~~ذوات الأركان الشاهقة، والأعمدة الباسقة. # وكان من مقتضى الحيطة العسكرية إزاء تحريضات إبراهيم بك أن يتخذ نابوليون خطة التشديد ~~في مراقبة القادمين من الأغراب، منعا لنقل، الأخبار قال الجبرتي في حوادث هذا الشهر ~~أيضا: «إنهم نبهوا على الأغراب من المغاربة وغيرهم والخدامين الباطلين ليسافروا إلى ~~بلادهم، فذهب جماعة منهم إلى بونابرت، وقالوا له: إن السفر غير ممكن؛ لأن طريق البر غير ~~مأمون وسفن الإنكليز في البحر تقطع عليهم الطريق.» ويظهر أن العبارة الأخيرة حركت أشجان ~~نابوليون من جهة وافحمته من أخرى، فتركهم وشأنهم واكتفى بأن أصدر أمره أن لا يخرج أحد ~~من البلد إلا بجواز من محافظ المدينة، ولا يسمح لغريب بالدخول إليها إلا بعد التحقق من ~~أمره، ومما رواه الجبرتي في حوادث ربيع الثاني أنهم قتلوا شخصين وطافوا برأسيهما ينادون ~~ويقولون: «هذا جزاء من يأتي بمكاتيب من عند المماليك أو يذهب إليهم بمكاتيب.» # واشتد نابوليون في معاملة كل من يعلم عنه أنه يكتب للمماليك، أو يتلقى منهم الرسائل، ~~أو يبعث لهم بالمعونة المالية، وأخذ الناس بالشبهة وسعى بعض المفسدين في إيذاء الرجال ~~والنساء أيضا ms194 بهذه الوسيلة، مثل ما حدث لزوجة عثمان بيك الطمنبرجي «أو الطنبورجي» الذي ~~كان من كبار المماليك وفر مع مراد بك إلى الصعيد، فإنه اتصل بالجنرال «دبوي» أنها ستبعث ~~مع خادم لها خمسمائة محبوب لإيصالها إلى زوجها، فبعث «دبوي» إليها فاستغاثت بالشيخ ~~المهدي والشيخ السرسي فذهبا معها، ومع ذلك، ومع عدم ثبوت شيء ضدها، ومع الحاح المشايخ ~~في الإفراج عنها والمبيت بدار الحاكم الفرنسي بدلا عنها، فإن الجنرال «دبوي» قال: «نو ~~نو.» «كما رواها الجبرتي حرفيا» فباتت عندهم وتلطف الجبرتي فقال: «وصحبتها جماعة من ~~النساء المسلمات والنساء الإفرنجيات.» ومع ذلك فإنهم، بعد رجاء القاضي الكبير وكتخدا ~~الباشا والمشايخ لدى نابوليون نفسه، أطلقوا سراحها في مقابل دفع ثلاثة آلاف ريال فرنسية ~~«ستمائة جنيه». # ولقد كان الجنرال «ديبوي» هذا أول من سقط قتيلا في ثورة الأهالي ضد الفرنساويين!! ~~ولاحت للفرنساويين فرصة يلقون بها على المصريين مثلا قاسيا، ودرسا ثقيلا، فقد علم ~~القارئ أن السيد محمد كريم السكندري، الذي كان محافظا للإسكندرية أو مديرا للجمارك ~~عند قدوم الفرنساويين، وسلم إليهم وصافاهم، وخدمهم ولكنه، كما سبق لنا القول غدر بهم ~~وبعث بالكتب من وراء ظهورهم إلى مراد بك، ولا شك في أن الذي حمل السيد كريم على ذلك هو ~~حبه في أخذ الحيطة لنفسه، ولأن الفرنساويين قد غلوا يده عن المكاسب والمظالم في ~~إسكندرية، ولا عبرة بما يقال غير ذلك، ولم يذكر مؤرخو الفرنسيين كيف وقعت رسائل السيد ~~محمد كريم في يد نابوليون وكل ما ذكروه أن نابوليون أمر بإلقاء القبض عليه وإحضاره إلى ~~القاهرة ... وإلى القارئ نص الأمر الذي كتبه بونابرت لمحاكمته «محفوظات نابوليون ورقة ~~نمرة 3247». # إلى الجنرال ديبوي (25 أغسطس 1798) # عليك أيها الستوين جنرال اتخاذ الاحتياطات الكافية لعدم فرار «كريم» وبعد ~~فليتقدم للتحقيق معه وليطلب منه الجواب الصريح على الأسئلة الآتية: ~~(1) # هل كتب لمراد بك بعد أن حلف لنا يمين الطاعة؟ ~~(2) # لمن من المماليك قد كتب بعد مصادقته لنا؟ ~~(3) # أي نوع من المكاتبات كان بينه وبين عربان البحيرة؟ # واستمرت المحاكمة والتحقيق إلى يوم ms195 5 سبتمبر فاتضح لهم أن السيد محمد كريم خانهم ~~وكاتب المماليك ومالأهم وتجسس لهم، فلذلك أصدر نابوليون أمره # 10 # بالحكم على السيد كريم بالإعدام رميا بالرصاص في ميدان القلعة، هذه رواية ~~المصادر الفرنسية، وإلى القارئ ما ذكره الشيخ الجبرتي رحمه الله في وفيات سنة 1213 قال: ~~«ومات الوجيه الأمثل السيد محمد كريم السنكدري مقتولا بيد الفرنسيس.» «وبعد أن ذكر ~~شطرا من ماضيه الذي سبق لنا الكلام عنه» قال: فلما حضر الفرنسيس ونزلوا الإسكندرية ~~قبضوا على السيد محمد المذكور وطالبوه بالمال وحبسوه في مركب «وهذا غير صحيح، ولكن ~~الجبرتي يريد أن يبرئه أولا من ممالأته للفرنسيس وخدمته لهم، مع أنه وصفه في ماضيه ~~بالظلم والاستبداد»، ولما حضروا إلى مصر وطلعوا قصر مراد بك، وفيه مطالعة ~~بأخبارهم، # 11 # وبالحث والاجتهاد على حربهم وتهوين أمرهم وتنقيصهم، فاشتد غيظهم عليه ~~فأرسلوا وأحضروه وحبسوه فتشفع فيه أرباب الديوان عدة مرار فلم يمكن، وجاءه «مجللون» ~~«كان قنصل فرنسا مع كريم في إسكندرية» وقال له المطلوب منك كذا وكذا من المال وذكر له ~~قدرا يعجز عنه، وأجله اثنتي عشرة ساعة وإن لم يحضر ذلك القدر وإلا يقتل بعد مضيها، ~~فلما أصبح أرسل إلى المشايخ وإلى السيد أحمد المحروقي فحضر إليه بعضهم فترجاهم، وصار ~~يقول: اشتروني يا مسلمين، وليس بيدهم، ما يفتدونه به، وكل إنسان مشغول بنفسه، ومتوقع ~~لشيء يصيبه «لاحظ اضطراب الخواطر في هذه العبارة» وذلك في مبادئ أمرهم، فلما كان قريب ~~الظهر، وقد انقضى الأجل، أركبوه حمارا واحتاط به عدة من العسكر إلى أن ذهبوا إلى ~~الرميلة وكتفوه وربطوه مشبوحا وضربوا عليه بالبنادق، ثم قطعوا رأسه، وطافوا بها في ~~جهات الرميلة، وهم ينادون: هذا جزاء من يخالف الفرنسيس. # ولصاحبنا المرحوم الحاج عبد الله براون الإنكليزي المستشرق في كتابه «بونابرته في ~~مصر» إعجاب بالسيد محمد كريم وقال عنه: إنه أبى دفع الفدية ومات شهما مقداما!! وما ~~أدري على من اعتمد في هذه الرواية ومصدره الوحيد في هذا الجبرتي، وهو يقول: إنه تذلل ~~وقال اشتروني يا مسلمين؟ # ولكن ms196 الذي يلفت النظر ولا يفوت المؤرخ هو ملاحظة أن الفرنسيين كانوا على استعداد ~~للعفو عن السيد محمد كريم عفوا تاما لو أنه دفع لهم ما أرادوه من المال فداء عن ~~نفسه، وإذن فلم يكن العدل أو القصاص هو المقصود بالذات، وإنما كانت الغاية اغتصاب المال ~~ممن يظنون أنه كان رجلا غنيا، أو أن أغنياء البلد سيشفقون عليه ويجمعون المال لخلاص ~~حياته، وفي ذلك من العار والشنار ما فيه. # وسواء استحق السيد محمد كريم تلك العقوبة لخيانة عهدا قطعه على نفسه - وهو عهد أعطي ~~لعدو البلاد تحت سيف القهر والقوة - أم أنه نال ذلك العقاب جزاء وفاقا لمظالم سابقة ~~ارتكبها، ونفوس بريئة أزهقها، والعدل الإلهي جرى مجراه!! فإن ذلك شيء، وتصور المصريين ~~أن الفرنساويين قد ظلموا رجلا من كبار رجالهم، شيء آخر، خصوصا إذا كان السيد محمد ~~كريم ينتسب حقيقة إلى الأشراف بلقب السيادة، وإن كان لقب «السيد» يطلق في مصر على أبناء ~~البلد فيقولون «سي السيد» فلان، لكل معمم وتاجر ومن لا صفة له من العلم أو الوظيفة، ولا ~~شك أن نابوليون أراد أن يلقي على المصريين درسا ثقيلا، ولكنه ككل الأوروبيين لا يصلون ~~إلى فهم الروح الشرقية، ولذلك فإنه بدلا من أن تستفيد سياسته من قتل السيد محمد كريم ~~والتمثيل به، قد خسر أضعاف ذلك من تغير القلوب، وإعطاء أعدائه سلاحا ماضيا لمحاربته ~~وتنغيص سلطته. # وأصدر أوامره للجنرال كليبر بالإسكندرية بأن يقطع دابر الأعراب في مديرية البحيرة، ~~وأن يحفظ مواصلاته ببحيرة أدكو ورشيد، وكذلك أصدر أمرا طويلا إلى الجنرال أندريوسي ~~(Andreossy) # بدراسة وفحص بحيرة المنزلة حتى يأمن ~~على البلاد من السفن المعادية. # ولتحصين بحيرة المنزلة وفحصها حدثت محاربات ووقائع عسكرية بين الفرنسيين وبين أهالي ~~الجهات الواقعة بالقرب من دمياط وفي مديرية الدقهلية. # ولما كانت المصادر العربية خالية كل الخلو من الإشارة إلى تلك الوقائع والملاحم رأيت ~~من الواجب أن أعتمد على المصادر الفرنسية فألخص من «لاكروا» الروايات الآتية في ~~مكانيها، قبل أن ننتقل إلى مخابرات نابوليون مع والي عكا، ms197 وقبل أن ندخل في أسباب وتاريخ ~~ثورة القاهرة، ليرى القارئ المصري أن الفرنسيين لم يكونوا مطمئنين لا في الداخل ولا في ~~الخارج، ولا في القاهرة ولا في الأقاليم، وفي ذلك من الموعظة السياسية والتاريخية ما ~~فيه. # وإلى القارئ ملخص لتلك الملاحم والحوادث التي جرت في شمال القطر المصري ملخصه عن ~~«لاكروا» قال ما خلاصة تعريبه: # عين الجنرال مينو «الذي أسلم بعد وسمي عبد الله مينو» محافظا لرشيد وبعد أن وجه ~~عنايته لنشر أعلام الأمن في ربوع هذه الأرجاء وإعادة الطمأنينة إليها قرر أن يتفقد ~~الأحوال بنفسه فيها، واستصحب معه الجنرال «مارمون» الذي أرسله القائد العام بمهمة خاصة، ~~وقاما للطواف في البلاد ومعهما بعض أعضاء المجمع العلمي في مصر الذين انتهزوا هذه ~~الفرصة للبحث والتنقيب خدمة للعلم». # وفي اليوم العاشر من شهر سبتمبر سافرت هذه البعثة من رشيد سائرة على ضفاف النيل، ولم ~~يكن رجالها يخافون أهل البلاد أو يرتابون في إخلاصهم بعد أن رأوا احتفاء أهالي برمبال ~~ومطوبس وفوه بهم. # وأراد الجنرالان أن يعبرا إلى الضفة اليمنى، ولكن فيضان النيل حال بينهما وبين ~~أمنيتهما؛ إذ كان لا بد لهما من اجتياز جسور لا يزيد عرضها عن قدمين، وهي مهددة بالسقوط ~~من وقت لآخر. # ولما وصلت البعثة إلى كفر شياس عامر في اليوم الخامس عشر من شهر سبتمبر ووثقت بإخلاص ~~الأهالي لم يأخذ الجنرالان معهما للحراسة غير ستة أو ثمانية من الفرسان، ولكن لم تكد ~~البعثة تدخل هذه القرية حتى أحاط برجالها عدد كبير من الأهالي بأيديهم البنادق والحراب، ~~فلما رأى العلماء ذلك فروا هاربين وتقدمت جموع المصريين واستولوا على الجسر ليمنعوا ~~الفرنسيين من اجتيازه، ولما رأى الجنرالان أنهما وقعا في الفخ تبعا الهاربين، ووقع مصور ~~اسمه «جولي» من فوق جواده خوفا ورعبا، وأراد الجنرال مارمون أن يعيده على الجواد، ~~ولكن الرجل ملكه الهلع فلم يستطع أن يحرك قدميه أو يعتدل على جواده، وسقط ثانية فاضطر ~~الفرنسيون لتركه وذبحه الأهالي أمام أبناء جلدته الذين لم يستطيعوا إنقاذه. # وكان الجنرالان قد تركا ms198 كتيبة من الجند لحفظ الأمتعة فوصلا إليها وعادا مستصحبين مائة ~~وأربعين رجلا، ولكنهما وجدا أن الجسر قد قطع في عدة مواضع واضطرا أن يخوضا الماء ~~برجالهما، ولم تستطع هذه القوة الصغيرة أن تحاصر القرية إلا بمشقة كبيرة. # ولم يثبت الأهالي إلا قليلا وانسحبوا إلى المنازل والأبراج في كفر شياس عامر، وقاد ~~الجنرال مارمون فصيلة من حملة القرابينات وزحف حتى وصل إلى باب البرج الكبير، ولكن علو ~~ذلك البرج ومتانة بابه لم تمكنه من اقتحامه إذ كان من فيه يطلقون عليه نيران البنادق ~~ويرمون رجاله بالأحجار الثقيلة بحيث لم يستطع الجنود القرب منه. # وبعد قليل دخل الجنرال مينو إلى القرية فقتل جواده برصاصة ووقع الجنرال في حفرة عمقها ~~ثلاثة أقدام، ولما رأى الجنرال مارمون حرج الموقف أراد أن لا يعرض رجاله للقتل وصمم على ~~احتلال البلدة، فأمر رجاله أن يشعلوا النار في المنازل وأن يدمروا جزءا من البرج، وفي ~~الساعة الحادية عشر مساء حينما اندلعت السنة النيران في البيوت هرع عدد عظيم من أهالي ~~القرى المجاورة لإغاثة القرية التي تأججت فيها النار، ولكن تمكن ثلاثون من الجنود ~~الفرنسيين كانوا على الجسر من أن يصدوا هؤلاء القادمين ويمزقوا شملهم ثم أكرهوهم على ~~الفرار، واستطاع الفرنسيون أن يدمروا القرية ويهدموا البرج، ولم يفقد منهم غير ثلاثة من ~~القتلى وتسعة عشر من الجرحى. # ولما رأى الجنرالان مينو ومارمون أن الفرصة غير ملائمة لاستئناف الطواف في الدلتا ~~أرجأ هذه المهمة حتى ينتهي وقت الفيضان وعادا إلى رشيد برجالهما. # وقد حدث مثل هذه الحوادث في الوقت ذاته في أقاليم المنصورة ودمياط والمنزلة، وجاءت ~~قوة من العرب في مديرية الشرقية يعاونها عرب «درة» وأهالي المنزلة تحت قيادة زعيم قادر ~~اسمه حسن طوبار # 12 # صديق المماليك وحليف لهم فهجمت في ليلة 15 سبتمبر على حامية دميان، ولكن ~~هذه استطاعت أن تقف في وجه هؤلاء المغيرين وتصدهم. # وفي 16 سبتمبر ثارت قرية الشعراء الكائنة على رمية قوس من دمياط واجتمع فيها العرب ~~واتخذوها محلا لقيادتهم العامة، وفي 17 و18 ms199 وصلهم إمداد كبير وكذلك وصلت لحامية دمياط ~~إمدادات أيضا. # وفي 28 سبتمبر صمم الجنرال «فيال» أن يهاجم قرية الشعراء وتولى الجنرال أندريوسي ~~قيادة العمارة البحرية التي ألقت مراسيها بقرب القرية، وصف العدو «أي: المصريين» رجاله ~~صفا واحدا واحتل المنطقة الواقعة بين النيل وبحيرة المنزلة، وكان عدد رجاله نحو 10 ~~آلاف «كذا»، فأرسل الجنرال «فيال كتيبة من الفرقة الخامسة والعشرين لتهجم على ميمنة ~~العدو وتقطع عليه الطريق إلى بحرية المنزلة، وفي الوقت ذاته هجم على المقدمة ففرق شمل ~~العدو الذي غرق كثير من رجاله في النيل وبحيرة المنزلة، وأشعل النار في قرية الشعراء ~~فمات نحو 1500 من العرب بين غريق وقتيل وغنم منهم مدفعين جميلين من البرونز وثلاثة ~~أعلام، أما الفرنسيون فلم يفقدوا إلا قتيلا واحدا وأربعة من الجرحى، وهكذا استطاع جيش ~~صغير من الفرنسيين قوامه 500 رجل أن يقهر عرمرما للعدو عدده 10 آلاف!! وامتاز في هذه ~~الموقعة بالبسالة الكابتين سابانية وأرسل القائد العام إلى الجنرال فيال رسالة يهنئه ~~فيها بالفوز جاء فيها «إن الموقعة التي قمت بها أيها الجنرال المواطن في قرية الشعراء ~~رفعت مكانتك ومكانة جنودك.» # وكلف الجنرال فيرديه بالزحف على قرية سنباط بمديرية المنصورة فسار ومعه قوة مؤلفة من ~~600 رجل، وقام بمهمته خير قيام رغم ما لاقاه من ثبات العرب الذين قتل منهم نحو خمسين ~~رجلا دون أن يفقد الفرنسيون غير جندي واحد!! # وأرسلت عدة حملات صغيرة قليلة الأهمية إلى بلاد الوجه البحري وظلت الثورات من أواخر ~~أغسطس حتى نهاية سبتمبر، ولكن قضي عليها ووزعت الفرق الفرنسية في أقاليم ~~الدلتا. # وبقي عرب «درنه» محتلين قرية «دنديط» فأرسل نابوليون أمرا إلى الجنرال «مورات» قائد ~~القوة بإقليم القليوبية والجنرال «لانوس» بالزحف واستخلاص هذه القرية فوصلا إليها في 28 ~~سبتمبر وفرقا شمل الثائرين بعد أن هلك منهم نحو مائتي رجل بين غريق وقتيل، وتركوا ~~قطعانهم وجمالهم وحميرهم، ولم يصب من الفرنسيين غير بعض الجرحى. # وقدم الجنرال مورات تقريرا اثنى فيه ثناء عاطرا على الجنود واختص بالمديح الضابط ~~نيثرودو، وكان ms200 هذاالضابط سويدي الأصل امتاز بالبسالة والإقدام ورقي إلى رتبة قائد فرقة، ~~وجرح بعد ذلك جرحا مميتا في سنة 1803 إذ اعتدي عليه في مدينة «بني جواف». # وكان بونابرت يعلق أهمية كبرى على امتلاك بحيرة المنزلة، ويظهر ذلك من تعليماته التي ~~أصدرها إلى الجنرال أندريوسي إذ جاء فيها: # يا مواطني الجنرال علمت مسرورا خبر وصولك إلى دمياط، ويظهر لي أنك وصلتها في ~~الوقت الملائم لتساعد الجنرال «فيال» وتمده بنصائحك وآرائك الثاقبة ولتقدم ~~للجيش مرة أخرى خدمة كبيرة. # يجب أن يكون معك عدد كبير من الجنود وقد أصدرت الأوامر إلى الجنرال دوجا ~~بالاستيلاء على المنزلة، وأن يدخل إلى البحيرة أكبر عدد يستطيعه من القوارب ~~والسفن المسلحة بالمدافع الصغيرة، وأمرته أن يطوف بالجزر الموجودة في هذه ~~البحيرة وأن يأخذ رهائن من كل القرى التي تظهر العداء، وأن يقوم بكل ما يلزم، ~~وقلت له يجب عليك: ~~(1) # أن تسيطر على بحيرة المنزلة. ~~(2) # ولكي تستطيع الوصول إلى «يباوس» # 13 # يجب أن تذكر كلماتي وتعمل بها وهي: اجتهد أن تدخل في ~~البحيرة كل الفرقة التي معك، ويجب أن يصل الجنرال اندريوسي إلى ~~بياوس. # إنني أعتقد أن مصر لا يمكن أن تهاجم الأمن بحيرة المنزلة، وإن الدفاع والهجوم ~~يتوقف على ما تقوم به، وإذن يجب عليك السير بحذير وبطء ولا تتقدم إلى الأمام ~~إلا إذا كنت متحققا منه؛ لأنه ربما كانت حفرة صغيرة سببا في خطأ حسابنا ~~ولتعرف: ~~(1) # كم عدد المراكب الموجودة في بحيرة المنزلة؟ ~~(2) # وكم تستطيع كل منها أن تحمل من الناس؟ ~~(3) # وما هو عمق البحيرة؟ ~~(4) # وهل يمكن لكل قارب أو مركب أو سفينة أن تمخر في البحيرة؟ ~~(5) # وما هو عمق كل من المصبات الثلاثة؟ ~~(6) # وهل يمكن لسفينة مدفعية أن تمخر فيها؟ ~~(7) # وكم عدد سكان الجزائر الموجودة في البحيرة؟ ~~(8) # وما السبيل إلى اتصال دمياط بالحيرة؟ ~~(9) # وهل ماء البحيرة حلو أو مالح؟ ~~(10) # وكيف يستطيع الجنود الذين يعسكرون بين البحيرة والبحر أن يتصلوا ~~ببعضهم؟ # لا تذهب إلى «يباوس إلا بقوات كبيرة وليكن معك على الأقل ست كتيبات مسلحة كل ms201 ~~منها بمدفع، ولا تغادر دمياط إذا لم يكن معك على الأقل 500 رجل وستة مراكب ~~مسلحة بالمدافع وخذ معك من الماء ما يكفيك للإقامة في بياوس خمسة أو ستة أيام ~~لا بل عشرة أيام. # وأرسل لي مذكرات عن كل ما تجده في دمياط والمنزلة والصالحية: وكل ما يتعلق ~~بدمياط والنيل والدفاع عن المرسى. # بونابرت # وبعد أن عاد الجنرال اندريوسي إلى دمياط عقب واقعة الشعراء قام بالمهمة التي عهدت ~~إليه خبر قيام وكانت عمارته البحرية مؤلفة من ستة عشر مركبا منها ثلاثة مسلحة، وسافر ~~من دمياط في 3 أكتوبر ونزل إلى النيل واجتاز البوغاز، وصار معه 100 رجل في الطريق ~~الفاصلة بين بحيرة المنزل والبحر، وترك بقية الجيش في السفن، وفي اليوم الرابع من ~~أكتوبر سبر عمق البوغاز في «ديبه» وخرج من البوغاز قاصدا المطرية، فرأى عمارة العدو ~~البحرية تمخر مخفية وراء الجزر قد ظهرت أشر عنها فأطلق عليها نارا حامية مدة ساعتين ~~لكي يدمرها من جهة وليعلن الجنرال «فيال» من جهة أخرى أن المعركة قد بدأت، وكان هذا ~~الجنرال متأهبا فلما احتل الجنرال اندرويسي منطقة قرية المنية «غرب دمياط» أرسل له ~~الجنرال «فيال» بعض الجنود لتعزيز قوته: ولما جاءه أمرهم أن يطفئوا عطشهم قبل الدخول في ~~المعركة فأجابوه لسنا عطاشى ولا حاجة لنا بالطعام، بل نريد الحرب، وهبوا للقتال ونشبت ~~معركة شديدة قتل فيها من العرب والفلاحين خلق كثير ولم يقتل ولم يجرح جندي فرنسي واحد، ~~وكان قائد قوة العدو حسن طوبار فأرسل إليه الجنرال «دوجوا» كتابا يدعوه إلى الاتفاق مع ~~الفرنسيين، فرد عليه الشيخ حسن طوبار بما يلي: «إنني لا أريد أن أرى الفرنسيين لا عن ~~قرب ولا عن بعد، وإذا أكدوا لي أنهم يبقون مسالمين هادئين في ضواحي المنزلة، فإنني أدفع ~~لهم الضرائب التي كنت أدفعها للمماليك، ولكنني لا أريد أن يكون بيني وبين الكافرين أقل ~~اتصال.» # وبعد ثلاثة أيام أرسل الجنرال اندريوسي الضابط «تيرليه» رئيس فرقة عمال الجسور، ~~والكابتن ساباتيه من فرقة المهندسين للقيام بالأعمال المتعلقة بسير ms202 غور البحيرة ومعرفة ~~ما أراده بونابرت . # وقد أكرهت هذه الموقعة مراكب العدو على الابتعاد حتى المصب القديم في «بياوس» ومكنت ~~الفرنسيين من إقامة حاميات عسكرية في المطرية والمنزلة لحماية العمارة البحرية الفرنسية ~~التي خصصت للجولان في البحيرة. # وإلى هنا ينتهي التلخيص من الفرنسية عن بحيرة المنزلة وما جرى من المناوشات الفرعية ~~في شمال الدلتا. ~~(7) مخابرات سياسية # وبدأ يكاتب حكومة الباب العالي، وأحمد باشا الجزار والى عكة ليتودد إليهما، وليأمن ~~جانب اعتدائهما، وليتوصل من ذلك إلى إقناع المصريين بأن جلالة السلطان وخليفة المسلمين ~~راض عن احتلال الفرنساويين لمصر تنفيذا للسياسة التي وضع خطتها عند قدومه، وقد وقفنا ~~في المصادر الفرنسية على نص الخطابين اللذين بعث بهما إلى أحمد باشا الجزار، ثم الخطاب ~~الذي أرسله إلى الصدر الأعظم: أما أول خطاب بعث به الأول فقد أوفده إليه مع مسيو ~~بوفوازين # Beauvoisin # وكانت وظيفته في القاهرة ~~قومسير لدى الديوان المخصوص «أشبه بالمستشار المالي في مجلس الوزراء سابقا» وقد ألقى ~~عليه التعليمات الآتية في خطاب محفوظ في أوراق نابوليون بنمرة 3087 وهذا نصه: # المعسكر العام بالقاهرة في 22 أغسطس 1798 (يوافق 10 ربيع أول سنة ~~1213) # على الستوين بوفوازين أن يذهب إلى دمياط ومنها يبحر على سفينة تركية أو ~~يونانية قاصدا يافا ليحمل إليها الخطاب المرفق بهذا إلى أحمد باشا الجزار، ~~وليطلب مقابلته لكي يصرح له بصوت عال أن المسلمين ليس لهم أصدقاء صادقون في ~~أوروبا مثلنا، وإنني قد علمت مع الأسف أنهم يعتقدون في سوريا أنني أنوي ~~الاستيلاء على أورشليم «بيت المقدس» والقضاء على الدين الإسلامي، ليقل له إن ~~مثل هذا الظن بعيد عن رغبتي وميولي، فليكن مطمئن الخاطر مستريح البال، وإنني ~~أعرفه بالسماع لما اتصل بي من أنه رجل ذو فضل وكفاءة، وليؤكد له أنه إذا أحسن ~~التصرف معنا ولم يتعرض لمن لا تعرض له فإننا نصادقه، وبدلا من أن يكون وجودنا ~~في أرض مصر منقصا لسطوته، فإنه يزيدها قوة وتمكينا، وأنني أعلم أن المماليك ~~الذين بددت شملهم قد كانوا أعداءه، ويجب عليه ms203 أن لا يخلط بيننا وبين عامة ~~الأوروبيين؛ ذلك لأننا بدلا من أن نستعبد المسلمين، فإننا بالعكس نفسح لهم ~~طريق الحرية، والخلاصة أن على رسولنا أن يشرح لأحمد باشا ما وقع في مصر، ويحسن ~~أيضا أن يزيل من رأسه فكرة الاستعداد للحرب، ويبعده عن التدخل في المشاغبات، ~~وإذا لم يكن أحمد باشا في يافا فعلى الستوين «بوفوازين» التوجه إلى عكة، ولكن ~~يحسن به أن ينتهز فرصة وجوده في يافا لزيارة الأسر الأوروبية، وخصوصا ليقابل ~~وكيل القنصل الفنرساوي، ولكي يقف على أخبار الآستانة وما يجري من الأمور في ~~سورية. # بونابرت # وهذا نص الخطاب الموجه إلى أحمد باشا الجزار «محفوظ بنمرة 3078»: # إلى أحمد باشا حاكم صيدا وعكا # معسكر القاهرة (في 22 أغسطس 1798) # إنني لم آت مصر محاربا للمسلمين بل جئتها لمحاربة البكوات، واعتقد أني ~~بالقضاء عليهم قد عملت عملا عادلا وموافقا لصالحك؛ لأنهم كانوا أعداءك ولا ~~بد أنك تعلم أنني لما وضعت قدمي في مالطة كان أول عمل عملته أن أطلقت سراح ~~ألفين من أسرى الأتراك الذين قصوا عدة سنين في ذل الأسر والعبودية، وما وصلت ~~إلى مصر حتى طمأنت خواطر الأهالي وبالغت في احترام العلماء ورجال الدين ومساجد ~~المسلمين، ولم يلق حجاج بيت الله مثل ما لاقوا من العناية والرعاية معي، ولم ~~يحتفل بمولد النبي بمثل ما احتفلت به بالأبهة الكاملة والاحترام العظيم. # وقد بعثت إليك بهذا الخطاب مع ضابط يستطيع أن يوقفك على ميولي ورغبتي في أن ~~أكون معك على صفاء وسلام لتساعد معنا على ترقية الوسائل التي تؤدي لنمو التجارة ~~وخير البلدين، وأؤكد أنه لا يوجد للمسلمين أخلص أصدقاء من الفرنساويين. ~~ا.ه. # بونابرت # وظاهر من عبارة هذا الخطاب، ومن التعليمات التي وضعها نابوليون للستوين «بوفوازين»، ~~أن نابوليون قد اتصل به أن أحمد باشا الجزار والي عكا، أو أميرها فعلا، قد شرع في ~~الاستعداد للغارة على مصر بناء على تعليمات وردت له من الآستانة، أو بناء على اتفاق ~~بينه وبين الإنكليز؛ لأن أحمد باشا الجزار قد كان رجلا مدربا عرك الدهر ms204 وحلب أشطره، ~~فهو لا يخفى عليه أن نابوليون قد قضى على سلطة المماليك في مصر، وهو ليس بأكثر منهم ~~عددا وعدة، فلولا أن يكون معضدا بقوة تعادل قوة الفرنساويين، لما تأخر عن الاتفاق مع ~~نابوليون، ولم يك أحمد باشا الجزار بالرجل الذي تهمه الفكرة الإسلامية، ولا الارتباط ~~بالخلافة العثمانية؛ إذ من المؤكد أن الجزار لم يكن تابعا للدولة العلية إلا بالاسم، ~~ولطالما حاول رجال الدولة القضاء على سلطته فلم يفلحوا، واستبد بالملك في عكا وصيدا ~~ويافا، وامتد رواق سلطانه على الدروز في جبل لبنان، وبلغ من الاستبداد مبلغا عظيما ~~حتى هابه الناس، ونفرت منه القلوب، فلما وصل إليه رسول نابوليون أبى مقابلته، ومع بعد ~~الشيخ الجبرتي عن معرفة هذه الأمور لتكتم الفرنساويين إياها، فإنه علم بها فقال: «وفي ~~حوادث أواخر شهر ربيع الأول حضر القاصد الذي كان أرسله كبير الفرنساوية بمكاتبات وهدية ~~إلى أحمد بك الجزار بعكا، وصحبته أنفار من النصارى الشوام في صفة تجار، فلما وصلوا إلى ~~عكا وعلم بهم أحمد باشا أمر بذلك الفرنساوي فنقلوه إلى بعض النقاير، # 14 # ولم يواجهة، ولم يأخذ منه شيئا، وأمره بالرجوع من حيث أتى وعوق عنده نصارى ~~الشوام الذين كانوا بصحبته» ... وفي رواية المعلم نقولا أن مندوب نابوليون، ويسميه ~~«باظان» «بوفوازين»، قد ركب سفينة من سفن أحمد باشا الجزار، كان الفرنساويون قد قبضوا ~~عليها وأسروها في دمياط، فلما وصلت السفينة إلى عكا نزل قبطانها وهو الذي أرسل الخطاب ~~إلى الجزار، فلما قرأه - على رواية المعلم نقولا - «قال للقبطان وجه هذا الكافر، ودعه ~~يسافر، وإن لم يرجع في الحال، من هذه الديار، أحرقته بالنار»!! # وذكر «لاكروا» أن نابوليون بعث برسول ثان إلى عكا فكان حظه أشأم من الأول؛ إذ أمر ~~الجزار بقتله والتمثيل به، ولكن «لاكروا» على سعة اطلاعه، ووجود المحفوظات الرسمية تحت ~~أمره لتأليف كتابه، لم يذكر نص الخطاب الثاني الذي بعث به نابوليون إلى أحمد باشا ~~الجزار، فقد كان بونابرت في خطابه الثاني أقل صلفا وأخف دعوى، وقد عثرت على نص ms205 هذا ~~الخطاب الثاني في مذكرات «ميو» وهذا تعريبه: # 15 # لا أريد أن أدخل معك في حرب، نعم أنك لست عدوا، لي ولكن حان الوقت لتعلم ~~أنك إذا بقيت جاعلا حدود مصر ملجأ لإبراهيم بك، فإنني أعد ذلك علامة للعداء ~~وأذهب إلى عكا. # وإذا كنت تريد أن تبقى في سلام معي فابعد إبراهيم بك على مسافة أربعين فرسخا ~~من حدود مصر، ودع التجارة حرة بين دمياط وسوريا. # وحينئذ أعدك باحترام البلاد التي تحت إمارتك وأترك للتجارة الحرية التامة بين ~~مصر وسوريا في البر وفي البحر. # بونابرت ~~••• # وقد أكدت المصادر الموثوق بها أن الجزار كان قد عقد مع الإنكليز اتفاقا على أنهم ~~يحمون عكا بمدافع أساطيلهم، ولولا ذلك لما عجز نابوليون، في حملته على الشام عن فتح عكا ~~وعن إدراك ما أراده وكانت تطمح إليه آماله في الشرق. # ونرى من الواجب هنا ذكر شيء عن تاريخ أحمد باشا الجزار ليكون لدى القارئ صورة في ذهنه ~~عن هذا الرجل الغريب، ويوفق بينها وبين حكمنا السابق عليه. # ذكر الشيخ الجبرتي أحمد باشا الجزار في وفيات سنة 1219 هجرية ووصفه «بالجناب المكرم، ~~والمشير المفخم، والوزير الكبير، والدستور الشهير» وأثنى عليه على الرغم مما ذكره من ~~مظالمه التي قال فيها: «وأخاف النواحي وعاقب على الذنب الصغير بالقتل والحبس والتمثيل، ~~وقطع الآناف، والآذان والأطراف، ولم يغفر ذلة عالم لعلمه، أو ذي جاه لوجاهته، وسلب ~~النعم عن كثير جدا من ذوي النعم واستأصل أموالهم، ومات في محبسه ما لا يحصى من ~~الأعيان والعلماء وغيرهم، إلى غير ذلك من الفظائع.» ثم قال: «ولقب بالجزار لما قتل من ~~شيوخ عربان البحيرة نيفا وسبعين كبيرا وجاء برءوسهم للقاهرة.» وهنا يسأل القارئ وما ~~كان شأن أحمد باشا الجزار والي عكا بالبحيرة والقاهرة؟ فنقول: إن أصل هذا الرجل من بلاد ~~البوسنة، قال عنه المرحوم جودت باشا في تاريخه: «إن الجزار لم يكن من المماليك، بل هو ~~بوسنوي الأصل من طائفة البوشناق الذين هم أشجع وأقوى طوائف الروم أيلي.» وقال عنه: «إنه ~~قدم إلى ms206 دار السعادة وعمره ثمان عشرة سنة واشتغل حلاقا ثم سار يتردد إلى دائرة علي ~~باشا حكيم أوغلي، الذي عين واليا على مصر سنة 1169 هجرية «1755م»، فسافر معه إلى مصر ~~كواحد من الأتباع ثم أخذ يلتصق بالبكوات المماليك، وقلده علي بك الكبير كشوفية البحيرة ~~وقتل من الأعراب من قتل أخذا بثأر سيده عبد الله، أحد أتباع علي بك، ثم فر من مصر في ~~حوادث يطول شرحها فسافر إلى الآستانة، ثم عاد لمصر متنكرا وآوه عربان البحيرة الذين ~~فتك من قبل برجالهم»!! ومما قاله الجبرتي: «وأقام بعرب الهنادي وتزوج هناك فلما أرسل ~~علي بك «الكبير» التجاريد إلى ابن حبيب والهنادي حارب الجزار معهم ثم سافر إلى بلاد ~~الشام.» وتقلبت به الأحوال من بؤس ورخاء، ولم يذكر الجبرتي أنه عاد لمصر مرة ثالثة ولكن ~~جودت باشا يقول: «إنه بعد إقامته بدمشق خاوي الوفاض مرتبكا لأنواع السفالة والدناءة، ~~توجه إلى مصر في زي أرمني، وبعد أن بات في بيته ثلاث ليال أخذ المال الذي في داره وجاء ~~مرة أخرى إلى الشام.» # وكانت في سوريا «سنة 1185» منافسة: بين أولاد الظاهر عمر والدروز فدخل بينهم وصدرت ~~إرادة الدولة باستخلاص صيداء من أولاد الظاهر وعين خليل باشا متصرف القدس قائدا للجند ~~فكان الجزار معه، وأخيرا توصل الجزار إلى أن سار محافظا على قلعة بيروت ثم واليا ~~لعكا. # هذا مختصر موجز لحياة رجل يقول عنه الجبرتي: «وبالجملة فكان من غرائب الدهر، وأخباره ~~لا يفي القلم بتسطيرها، ولو جمع بعضها لكانت مجلدات، ولو لم يكن له من المناقب إلا ~~استظهاره على الفرنساوية لكفاه.» # 16 # ولكن شيخنا الجبرتي لم يكن يعلم أن الذي صد الفرنساويين عن عكا لم يكن أحمد باشا ~~الجزار، بل كانت سفن السيرسدني سميث # 17 # في البحر وتدبيرات فليبو # 17 # المهندس الفرنساوي في ~~البر، ولا يفل الحديد إلا الحديد. # وفشل نابوليون أيضا فيما حاوله من الاتفاق مع الدولة العثمانية، ولما كان الخطاب ~~الذي بعث به للصدر الأعظم في غاية من الأهمية التاريخية رأينا أن نأتي على ms207 تعريبه من ~~المصادر الفرنسية وهذا تعريبه: # القيادة العامة الفرنسية بالقاهرة في 5 فركتدور العام الرابع ~~للثورة، الموافق 22 أغسطس 1798 # إلى الصدر الأعظم # يا دولة السيد العظيم: إن الجيش الفرنسي الذي أتشرف بقيادته قد دخل مصر ~~ليعاقب البكوات المماليك على الإهانات التي لم يكفوا عن توجيهها للتجار ~~الفرنسيين. # وقد عين المواطن «تاليران بيريجور» وزير الشئون الخارجية في باريس سفيرا من ~~قبل فرنسا في الآستانة بدلا من المواطن «ادبرت دوبايبت» وزود بالسلطة ~~والتعليمات اللازمة من لدن «الديركتوار» المفاوضة، وعقد معاهدة وتذليل ما عساه ~~يقف من الصعوبات بشأن احتلال الجيش الفرنسي لمصر، ولتوطيد دعائم المحبة القديمة ~~التي لا بد من بقائها بين الدولتين. # ولما كان يحتمل أن السفير لم يصل حتى الآن إلى الآستانة، فقد بادرت لإطلاع ~~دولتكم على نية الجمهورية الفرنسية فهي لا تريد فقط إعادة العلاقات الحسنة ~~القديمة، بل تروم أيضا الحصول على تأييد الباب العالي، وهي في حاجة شديدة إلى ~~تأييده للقضاء على أعدائها الطبيعيين الذين يعملون ضدها. # ولا بد أن يكون السفير «تاليران بريجور» قد وصل الآن، وإذا كان قد تأخر بسبب ~~بعض الطوارئ فأرجوكم أن ترسلوا إلى القاهرة من يكون موضع ثقتكم، وتزودوه ~~بالتعليمات والسلطة اللازمة، أو أن ترسلوا إلي فرمانا حتى أستطيع أن أرسل ~~لكم وكيلا، ليحدد معكم مصير هذه البلاد، ويدبر الأمور التي تكون في مصلحة عظمة ~~السلطان والجمهورية الفرنسية حليفته الأكثر أمانة، وتوقع في الارتباك والحيرة ~~البكوات والمماليك أعداءنا المشتركين. # وأرجو دولتكم قبول الاحترامات. # بونابرت # ولم يصل هذا الخطاب لحكومة جلالة السلطان حتى كانت الدولة العثمانية قد أعلنت الحرب ~~رسميا على فرنسا في 21 ربيع الأول الموافق 2 سبتمبر من تلك السنة، وأخذت في جمع ~~الجيوش بمدينة دمشق وبجزيرة رودس لإرسالها لمصر وأتت الدونائمة الروسية من البحر الأسود ~~إلى بوغاز الآستانة، ثم خرجت إلى البحر الأبيض مع الدونانمة العثمانية، وذلك بمقتضى ~~معاهدة أبرمت بين إنكلترا والدولة العثمانية والروسيا لمحاربة فرنسا، وإخراج جيوشها من ~~أرض مصر، فكان ذلك من أعظم الأسباب التي حملت نابوليون على ms208 حرب الشام ومفاجأة الدولة ~~قبل استعدادها كما سيأتي ذلك في مكانه. # وحاول نابوليون التأثير على العالم الإسلامي ورجال الدولة العثمانية بواسطة علماء مصر ~~فاستكتبهم رسالة مطولة للتنويه بذكر الفرنساويين وحسن معاملتهم واحترامهم للدين ~~الإسلامي، ولم نقف على نص هذه الرسالة؛ لأن الشيخ الجبرتي ضن بنشرها بالنص كأن نفسه لم ~~تكن راضية عما فيها، مع أنهم طبعوها ونشروها في القاهرة، ومع ذلك فهو نفسه عمدتنا ~~الوحيد فيما كتبه عنها قال: وفي السبت ثامن عشر ربيع الثاني كتبوا من المشايخ «تأمل هذا ~~التركيب» كتابا يرسلوه إلى السلطان وآخر إلى شريف مكة، ثم إنهم بصموا منه عدة نسخ ~~وألصقوها بالطرق والمفارق وصورته بعد الصدور، ذكر ورودهم «الفرنسيس» وقتالهم مع ~~المماليك وهروبهم، وأن جماعة من العلماء ذهبت إليهم بالبر الغربي فأمنوهم، وكذلك الرعية ~~دون المماليك، وذكروا فيه أنهم من أخصاء السلطان العثماني وأعداء أعدائه، وأن السكة ~~«النقود» والخطبة باسمه، وشعائر الإسلام مقامة على ما هي عليه، وباقي المنشور بمعنى ~~الكلام السابق من قولهم إنهم مسلمون وإنهم محترمون للقرآن والنبي، وإنهم أوصلوا الحجاج ~~المتشتتين وأكرموهم، وأركبوا الماشي وأطعموا الجيعان وسقوا العطشان، واعتنوا بيوم ~~الزينة يوم جبر البحر، وعملوا له شأنا ودونقا استجلابا لسرور المؤمنين، وأنفقوا ~~أموالا برسم الصدقة على الفقراء، وكذلك اعتنوا بالمولد النبوي وأنفقوا أموالا في شأن ~~انتظامه واتفق رأينا ورأيهم على بس حضرة الجناب المحترم مصطفى أغا كتخدا بكر باشا والي ~~مصر جالا فاستحسنا ذلك لبقاء علاقة الدولة العلية، وهم أيضا مجتهدون في إتمام مهمات ~~الحرمين وأمرونا أن نعلمكم بذلك والسلام. ا.ه. # وغريب أن يطلب نابوليون من المشايخ كتابة هذا المنشور في 18 ربيع الثاني بعد أن كانت ~~الدولة العلية قد أعلنت الحرب على فرنسا وجمعت جيوشها لإخراج الفرنساويين من مصر منذ ~~شهر تقريبا، ويبعد أن لا يكون نابوليون ورسله وجواسيسه منتشرة في مصر وسوريا على بينة ~~من ذلك، ومن الغريب أيضا أن يذكر في هذا المنشور أن أبا بكر باشا لا يزال واليا على ~~مصر!! ~~(8) تلبد الجو بالغيوم # أسباب الثورة الكبيرة # لا ms209 نزاع في أن نابوليون قد تأكد في ذلك الوقت أن مركزه قد أصبح محفوفا بالمخاطر، ~~فالطريق إلى فرنسا قد سدت في وجهه ولم يعد له أدنى أمل في العودة إلى بلاده، وكيف يكون ~~ذلك وإنجلترا مسيطرة على البحر الأبيض المتوسط، ولم يبق من سفن فرنسا ما يصلح لنقل ~~شرذمة من الجنود من موانئ فرنسا إلى مصر، وحكومة «الديركتوار» في باريز قد اختلت واعتلت ~~وناوأها الخصوم والأعداء من كل جانب، والكثير من أعضائها يخشى سطوة نابوليون وشهرته!! ~~كل هذه أمور لم تكن لتخفى على ثاقب فكر ذلك الرجل العظيم الذي برهن في حياته على ذكاء ~~نادر المثال، ولقد ذكر «بوريين» في مذكراته أنه كان يجد نابوليون في القاهرة أثناء هذه ~~الفترة شديد التفكر، كثير الصمت، بادي القلق والاضطراب ... ولا غرابة في ذلك فهذه حاله من ~~جهة وطنه، فهو لا شك قد علم أن ثلاث دول كبار، تركيا وروسيا وإنكلترا، قد أشهرت الحرب ~~عليه وصممت على الفتك به ومن معه في أرض مصر، فلا بد له من مقاومتها بكل الوسائل التي ~~يستطيعها، والوسيلة الوحيدة أمامه هي مهاجمة تركيا في سوريا، والاستيلاء على تلك ~~الديار؛ إذ كان يعلم أن جيشه أحسن نظاما وأكمل عدة من جيش الأتراك في ذلك الزمن، ولكن ~~يلزمه للقيام بهذه المهمة المال الوفير، فمن أين يأتي به؟ لم يكن لديه مصدر غير مصر! ~~وما أتعس حظ مصر! # ولقد سبق لنا أن شرحنا في هذا الكتاب أن موارد مصر قد نضبت وزد على ذلك أن تجارتها ~~القليلة من طريق البحر الأبيض أو من البحر الأحمر قد عطلت بمحاصرة الإنكليز لشواطئها، ~~ولم يكن من مصلحة نابوليون وسياسته القاضية باستجلاب محبة المصريين ومودتهم، أن يلجأ ~~إلى ما كان يلجأ إليه المماليك، من مصادرة أموال الناس وامتصاص دمائهم، نعم إن ~~الفرنساويين فعلوا شيئا من هذا على طرق شتى، ودعاوى مختلفة، ولكنهم فعلوه على شكل ~~معقول، كدعوى مصادرة أملاك المماليك وتفتيش بيوتهم، ومطالبة الذين ينتسبون إليهم أو ~~يخابرونهم بشيء من المال على قدر طاقتهم، ms210 ولو زاد الأمر عن ذلك الحد لما اتفق مع دعوى ~~الفرنساويين بأنهم قدموا لينقذوا البلاد من ظلم المماليك، وليحافظوا على الحقوق، ~~وليحترموا الواجبات! # فكيف يحصل نابوليون على المال اللازم للإنفاق على جيشه ورجاله، وكلهم راغب في الكسب، ~~آلف لمعيشة الرفاهية؟ ثم كيف يحصل على المال اللازم لتجهيز الحملة على الشام ومقاومة ~~الدولة العثمانية والأساطيل الإنكليزية والروسية؟ لم يبق أمامه إلا أن يفرض ضرائب جديدة ~~على أهالي القاهرة ومدن مصر وقراها على طريقة جديدة، وكان معه من رجال الاقتصاد الإداري ~~مسيو بوسيلج Poussielgue # الذي عينه مديرا للأمور ~~المالية، وكان الجبرتي يسميه «بوسليك الروزنامجي»، ويقول المعلم نقولا: إن المصريين ~~كانوا يسمونه «وزير المشيخة الفرنساوية» # 18 # فوضع له مشروعا يقضي بتسجيل عقود الممتلكات وحجج العقارات للتصديق عليها ~~في مقابل ضريبة مخصوصة، فطالبوا أصحاب الأملاك بإحضار حججهم ومستنداتهم التي تثبت ~~ملكيتهم. # قال الشيخ الجبرتي في هذا الصدد: «إن الغرض من ذلك التحيل على أخذ الأموال إذ طلبوا ~~من الناس إثبات ملكيتهم، فإذا أحضروا حججهم وأثبتوا وجه تملكهم لها، إما بالبيع أو ~~بالانتقال لهم بالإرث، لا يكتفى بذلك يأمر بالكشف عليها في السجلات، ويدفع على ذلك ~~دراهم بقدر عينوه، فإن وجدوا تمسكه مقيدا بالسجل طلب منه بعد ذلك الثبوت، ويدفع على ~~ذلك الإشهاد وثبوته قدرا آخر، ثم ينظر بعد ذلك في قيمة العقار ويدفع على كل مائة اثنين ~~فإن لم تكن له حجة، أو كانت ولم تكن مقيدة بالسجل، أو مقيدة ولم يثبت ذلك التقييد، ~~فإنها تضبط لديوان الجمهور وتصير من حقوقهم.» # ووضع له بوسيلج مشروعا آخر للضرائب يقضي بتحصيل أموال عن المواريث والتركات، وفي هذا ~~يقول الجبرتي، وهو أدرى بشعور قومه: «ومن جملة الشروط مقررات على المواريث والموتى ~~ومقاديرها متنوعة في القلة والكثرة كقولهم: إذا مات الميت يشاورون عليه ويدفعون معلوما ~~لذلك ويفتحون تركته بعد أربع وعشرين ساعة، فإذا بقيت أكثر من ذلك ضبطت للديوان أيضا ~~ولا حق فيها للورثة، وإن فتحت على الرسم بإذن الديوان يدفع على ذلك الإذن مقررا وكذلك ~~على ثبوت ms211 الورثة، ثم عليهم بعد قبض ما يخصهم مقرر، وكذلك من يدعي دينا على الميت يثبته ~~بديوان الحشريات ويدفع على إثبات مقررا ويأخذ له ورقة يستلم بها دينه فإذا استلمه دفع ~~مقررا أيضا! ومثل ذلك في الرزق جمع «رزقة» والأطيان بشروط وأنواع وكيفية أخرى غير ذلك ~~والهبات والمبايعات والدعاوى والمنازعات والمشاجرات والإشهادات الجزئيات والكليات، ~~والمسافر كذلك لا يسافر إلا بورقة ويدفع عليها قدرا، وكذلك المولود إذا ولد ويقال له ~~إثبات الحياة، وكذلك المؤاجرات وقبض أجر الأملاك وغير ذلك.» ا.ه. # خلص المصريون من ظلم فوضى، فوقعوا في ظلم منظم! ولكي يعطيه صفة النظام، ويلبسه ثوب ~~العدل، أصدر نابوليون أمره بعقد مجلس عام مؤلف من كبار الأمة وأعيانها من جميع أطراف ~~القطر المصري، للموافقة والتصديق على هذا المشروع المالي «كتصديق الجمعية العمومية على ~~الضرائب» فحضر من الإسكندرية ورشيد ودمياط وبقية بنادر القطر المصري بعض علمائها ~~وأعيانها، واجتمع هذا الجمع في بيت قائد أغا بالأزبكية، قال الجبرتي: «فتوجه المشايخ ~~المصرية والذين حضروا من الثغور والبلاد وكذلك أعيان التجار ونصارى القبط والشوام ~~ومديرو الديوان من الفرنسيس وغيرهم جمعا موفورا.» # ثم افتتحت الجلسة بخطاب مطول عن مصر وتاريخها وكونها بلادا خصبة أضر بها الظلم وسوء ~~الإدارة، وأن الفرنساويين بعثهم الله لينقذوها من الخراب والدمار، وأنهم يريدون إصلاحها ~~وتنظيم أمورها، وأنهم استدعوا كبار المصريين في هذه الجمعية للاستفادة من خبرتهم ... إلى ~~غير ذلك، وبعد أن أتم المترجم قراءة هذا الخطاب الذي يظهر من لهجته أنه من إنشاء ~~نابوليون نفسه، طلب من الحاضرين انتخاب رئيس لهم. # وكان نابوليون قد حنق على الشيخ الشرقاوي؛ لأنه أبى أن يضع على كتفه طيلسان الجمهورية ~~الفرنساوية ذا الثلاثة ألوان، وزجر نابوليون وخرج مغضبا من عنده، وعبارة الشيخ الجبرتي ~~في هذه النقطة ظريفة قال: «ثم قال الترجمان نريد منكم يا مشايخ أن تختاروا شخصا منكم ~~يكون رئيسا عليكم، فقال بعض الحاضرين: الشيخ الشرقاوي: فقال «نو نو»: وإنما يكون ذلك ~~بالقرعة بأوراق فطلع الأكثر على الشيخ الشرقاوي، فقال حينئذ: يكون الشيخ الشرقاوي هو ~~الرئيس.» ms212 وانقضى الاجتماع الأول وكان ذلك يوم السبت 25 ربيع الثاني، وفي يوم الاثنين ~~اجتمع المجلس وكلف المعلم ملطي القبطي الذي شارك «بوسيلج» في وضع مشروع الضرائب ، ~~بتلاوته ولم يقرروا في ذلك اليوم شيئا، وفي يوم الخميس اجتمعوا ثانية وأظهر المشايخ ~~معارضة شديدة في تسجيل حجج الممتلكات، وقالوا: الأولى أن تقرض على العقارات ضرائب ليسهل ~~تحصيلها ويكون ترتيبها بنسبة قيم الممتلكات، كعوائد الأملاك في الزمن الحاضر، ثم ~~اجتمعوا مرة ثالثة وقرر المشايخ كيفية قسمة الورثة في الشريعة الإسلامية، فلم يرض بها ~~الفرنساويون، وكانوا يريدون أن يورثوا الابن كالبنت بدعوى أن الولد أقدر على الكسب من ~~البنت! فاحتدم الجدال بين الطرفين، ولكن يظهر من الأخبار القليلة التي وصلت إلينا عن ~~هذا الاجتماع أن الأقباط والسوريين «ذكر منهم الجبرتي الخواجه ميخائيل كحيل من أعضاء ~~هذه الجمعية» قالوا: إننا أعتدنا أن نقسم مواريثنا على شريعة الإسلام وقر القرار على أن ~~يضع المشايخ بيانا بكيفية المواريث في الشريعة المحمدية، وكان آخر اجتماع لهذا المجلس ~~الغريب يوم السبت 10 جمادى الأول إذ تقررت فيه عوائد الأملاك والعقار، فجعلوها ثلاث ~~درجات يدفع الأعلى ثمانية ريالات فرنسية، والأوسط ستة والأولى ثلاثة، وما كانت أجرته ~~أقل من ريال في الشهر فلا يدفع عنه شيء، قال الجبرتي: «وأما الوكائل والحمامات والمعاصر ~~والسيارج والحوانيت فمنها ما جعلوا عليه ثلاثين وأربعين بحسب الخسة والرواج والاتساع، ~~وكتبوا بذلك مناشير على عادتهم والصقوها بالمفارق والطرقات، وأرسلوا منها نسخا للأعيان ~~وعينوا المهندسين ومعهم أشخاص لتمييز الأعلى من الأدنى وشرعوا في الضبط والإحصاء وطافوا ~~في الجهات لتحرير للقوائم وضبط الأسماء وأربابها ... إلخ.» # ولا شك في أن هذه الاجتماعات، وما نشر من قبل من مشروع الضرائب الجديدة قد شغل بال ~~أهالي القاهرة، فكان ذلك حديثهم في مجتمعاتهم وكثر لغطهم، وتضاربت آراؤهم، وغير خاف أن ~~ثروة مصر في ذلك الزمن تجمعت في مدينة القاهرة، وتنوعت طبقات أهلها، من الملاك وأصحاب ~~الدور الكبيرة والوكائل العديدة والحوانيت الكثيرة، إلى أرباب الحرف الصغيرة، وهذه ~~الضريبة تمسهم جميعا من الكبير إلى الصغير، ms213 وكانوا قد ألفوا عدم دفع ضريبة ما اكتفاء ~~بما كان المماليك يتحصلون عليه من أثمان محصولات البلاد، وما كانوا يفرضونه من الضرائب ~~والمغارم على الأغنياء من التجار المصريين والأجانب على حد سواء. # فلا غرابة إن أظهر أهل القاهرة التململ من هذه الضرائب الجديدة الفادحة التي لم تخل ~~منهم كبيرا ولا صغيرا، ولا غنيا ولا فقيرا، فكان ذلك سببا لثورتهم وهياجهم، تلك ~~الثورة التي عادت عليهم بالوبال والنكال كما سنفصل ذلك في مكانه. # ومن رأي «لاكروا» عن أسباب الثورة، أن الأغنياء وأصحاب المصالح من المصريين مالئوا ~~الفرنساويين وامتنعوا عن مقاومتهم؛ لأن صوالحهم تقضي عليهم بتجنب أسباب القلاقل، ولكن ~~فرض هاتيك الضرائب على دورهم وعقارهم، وتركاتهم وديونهم ومؤاجراتهم، ودخلهم وخرجهم، قد ~~نفر قلوبهم من الفرنساويين فساعدوا على تحريض العامة والغوغاء. # ومن رأي «بيريه» أن بعض علماء الأزهر وغيرهم من المشايخ الذين لم ينتخبوا لعضوية ~~الديوان، ولم يشاركوا الفرنساويين في الأحكام وإدارة الأمور، حقدوا على الآخرين الذين ~~خصوا بذلك وصارت لهم كلمة مسموعة في شئون البلاد، فانتهز أولئك الحاسدون فرصة تذمر ~~الناس من الضرائب الجديدة، فحرضوهم على الهياج والثورة تحت ستار الدين. # ومن المؤرخين من ينسب ثورة أهالي القاهرة لتحريضات المماليك وما ورد من إبراهيم بك من ~~المنشورات، ومن رجال الدولة العثمانية من المراسلات والمكاتبات، ومن هؤلاء المعلم نقولا ~~الترك، وهاك ما يقوله في هذا الصدد ننقله بحرفه لما فيه من الفائدة التاريخية، وليقف ~~القراء على أسلوبه ونظريته: قال: «إنه من بعد أن مكثت الفرنساوية، في المملكة المصرية ~~مقدار ثلاثة أشهر فكان المسلمون يظنون أن سترد لهم الأوامر من الدولة العثمانية ~~بتقريرهم على المملكة حسبما كانوا يشيعون، أنهم حضروا إلى مصر بإدارة السلطان سليم، ~~وكان يخبر أمير الجيوش بقدوم عبد الله باشا العظم من الشام إلى مصر وأعد له منزلا ينزل ~~فيه وأمر بتدبيره وفرشه ومضت المدة المعينة ولم يحضر أحد فتسبب من قبل ذلك أسباب كثيرة ~~للنفور، وإيداع الفتن والشرور، من قتل السيد محمد كريم؛ لأنه كان أحد الأشراف، ومن ورود ~~المكاتيب ms214 من الأمراء المصريين، وكتابات أحمد باشا الجزار إلى البلاد المصرية، ~~واستنهاضهم على الفرنساوية، وإنه قادم عليهم بالعساكر العثمانية، وقد كان الفرنساوية ~~يخرجون البنات والنساء المسلمات، مكشوفات الوجوه في الطرقات، ثم اشتهار شرب الخمر وبيعه ~~إلى العسكر، ثم هدم جامع ومنارات في بركة الأزبكية لأجل توسيع الطرقات، لمشي العربات، ~~وكان المسلمون يتنفسون الصعداء من صميم القلوب، ويستعظمون في هذه الخطوب وصاحوا لقد آن ~~أوان القيام، على هؤلاء اللئام، فهذا وقت الانتصار إلى الإسلام.» # ونحن لا نجادل في أن الأمور التي عددها المعلم نقولا قد آلمت المسلمين وقرحتهم في ~~مشاعرهم، ولكنها لم تكن هي السبب الأصلي في الثورة؛ لأن منشور الجزار ومكاتيب المماليك ~~لم تصل القاهرة إلا بعد الثورة بنحو أسبوعين، كما هو وارد في الجبرتي، وما نظن الجزار ~~في عكا قد طبع منه المئات والألوف، بل غاية ما كتب منه بضع نسخ وقعت في أيدي ~~الفرنساويين فأبادوها، حتى إن الجبرتي نفسه لم يحصل على نسخة منها، وكذلك المعلم نقولا ~~نفسه بدليل خلو كتابيهما منه، ثم إن المصريين كانوا قد ألفوا خروج النسوة العاهرات ~~مكشوفات الوجوه مع الفرنساويين، والكثير من أولئك النسوة كن من السراري والجواري البيض ~~والحبشان اللاتي وجدهن الفرنساويون في دور المماليك، وأولئك النسوة لا دين لهن ولا عرض ~~وليسوا مصريات، وما كان المصريون يعدونهن من الحرائر إلا إذا اعتقن وتزوجن بعقد نكاح، ~~وهذا الجبرتي، وهو من أقدم البيوتات العريقة في الحسب والنسب، ومن أهل التقوى والشدة في ~~الدين، يذكر خروج أولئك النسوة مع الفرنساويين بغير تغيظ ولا انتقاد، كقوله عند سفر ~~الفرنساويين للشام «وكان معهم عدة مواهي ومحفات للنسوة الجواري البيض والسود والحبوش ~~اللاتي أخذوها من بيوت الأمراء وتزيا أكثرهن بزي نسائهم الإفرنجيات.» وكتب الجبرتي عن ~~حضور القومندان الفرنسي لخط الشهد الحسيني وجلوسه في القهاوي مع الأهالي فقال: «ويحضر ~~معهم ذلك الضابط ومعه زوجته وهي من أولاد البلد المخلوعين.» «كذا»، وغير خاف أن أولئك ~~النسوة الرقيقات، من الأرمنيات والروميات والجركسيات، كن حلا لمن يبتاعهن من النصارى ~~واليهود، وكان أغنياء ms215 الأقباط يتخذون منهن السراري كعادة المسلمين في ذلك الزمن، فما ~~كان خروجهن مع الفرنساويين داعيا للثورة، وإن كان فيه من تغيير القلوب، واستنكار كشف ~~وجوههن، بعد أن كن نسوة للمماليك وغيرهم، ما فيه ثم إن شرب الجنود الفرنسية للخمر وبيعه ~~لهم بواسطة نصارى الشوام أو الأورام لا ينغص عيش المسلمين ويدفعهم إلى الثورة، ومن ~~الغريب أن المعلم نقولا الترك يعدد كل هاتيك الأسباب وينسى السبب المباشرة للثورة كما ~~اعترف به الفرنساويون وشهد به المعاصرون. # وقد كتب الشيخ عبد الله الشرقاوي في رسالته «تحفة الناظرين» قال: «فلما قامت عليهم ~~أهل مصر بسبب طلبهم تقريد غرامة «كذا» على البيوت، قتلوا منهم ما يقرب من الألف، وهتكوا ~~بعض الأعراض في مصر وقتلوا من علماء مصر نحو ثلاثة عشر عالما، ودخلوا بخيولهم الجامع ~~الأزهر.» فالشيخ الشرقاوى، كبير علماء المسلمين في ذلك الزمن، قد كان أولى من المعلم ~~نقولا الترك بأن يذكر أن خروج النساء حاسرات الوجوه، وبيع الخمور، وهدم المآزن ~~والمساجد، كل ذلك كان سببا للثورة، بدلا من تخصيصه السبب بذكر الضرائب على ~~البيوت. # والخلاصة أن الباحث المدقق والمؤرخ المنصف يحكم لأول وهلة أن السبب الأصلي في تلك ~~الثورة هو مشروع هاتيك الضرائب الفادحة، ولا نزاع مطلقا في أنه متى وجد السبب، ودبت ~~عقارب العدوان، وغلت مراجل القلوب، تكونت الأسباب الأخرى المرشحة للسبب الأول فتعطيه ~~صفة تطير حولها قلوب العامة والغوغاء، ومن قبل فيعرض منهم حياته للموت الزؤام تحت مخدر ~~المؤثرات الدينية، والعوامل الملية، والنعرات والقومية ... فالتعصب الديني الذي ينسبه ~~الكتاب المسيحيون من أمثال نقولا الترك ومن جاراه من المؤلفين الحديثين، كالشيخ الدحداح ~~ومن على شاكلته، لم يكن هو سبب الثورة بحال من الأحوال، وإن تكن الثورة قد لبست ثوب ~~الدين في شكل من أشكالها، فما ذلك إلا لمقتضيات الظروف التي لا بد منها، والتي تصحب ~~هياج العامة في كل زمان ومكان. # وليست هذه أول مرة ثار أهالي القاهرة «أو كانوا على أبواب الثورة» بسبب الضرائب ~~والمغارم فقد حدث في سنة 1202؛ أي: قبل هذا ms216 التاريخ بإحدى عشر عاما أن إسماعيل بك فرض ~~ضريبة على سكان القاهرة فذهب رؤساء الحرف والطوائف إلى الشيخ العروسي، شيخ الجامع ~~الأزهر، كما ذهب القوم في هذه المرة إلى دار القاضي، وركب الشيخ العروسي معهم وقبل ~~إسماعيل بك شفاعته خوف الفتنة، وإن يكن قد جمع ما أراد بعد بطرق أخرى. # 19 # | هوامش # الفصل الثاني عشر # | ثورة القاهرة # ذكرنا في الجزء الأخير من الفصل السابق العوامل التي كونت أسباب ثورة أهالي القاهرة التي ~~حدثت في يوم الأحد 21 جمادى الأولى سنة 1213 21 أكتوبر سنة 1798، وقد اطلعنا على نص التقرير ~~الذي بعث به نابوليون لحكومة الديركتوار في باريس عن هذه الثورة، وهذا التقرير مؤرخ في 27 ~~أكتوبر ومحفوظ في مكاتبات نابوليون بنمرة 3538، فلم نر فيها أثرا لذكر السبب الذي حمل ~~الأهالي على الثورة والهياج، وكل ما فيه بيان للخطة الحربية التي اتخذها لإخماد تلك الثورة، ~~وكنت أود أن أنقل عن الجبرتي وصفه لهذه الثورة الداخلية، كعادتي في الاعتماد عليه في ~~المواقف الأهلية التي تصور للقارئ الذكي حالة الشعب المصري العقلية والنفسية في ذلك الزمن، ~~ولكن مولانا الجبرتي خرج عن أسلوبه الطبيعي البسيط الذي يدون الحقائق عارية عن ثوب ~~الخيالات، واختار لوصف تلك الثورة الفريدة في بابها، بل ربما كانت الأولى والأخيرة من ~~نوعها؛ لأنها قد كانت في الحقيقة ثورة أهلية ضد مظلمة عمومية، وأما الثورة الثانية في زمن ~~كليبر، فقد كانت حربا بين جنود الترك والمماليك الذين دخلوا القاهرة بعد انهزام جيش الصدر ~~الأعظم في المطرية وبين الجنود الفرنساوية، نقول: إن الشيخ الجبرتي اختار لوصف هذه الثورة ~~أسلوب المقامات السجعية، ليظهر كفاءته الكتابية في ذلك الأسلوب الذي كان يعجب به أهل زمانه ~~إعجابا كبيرا، ومع ذلك فلا بد لنا من الاعتراف بأن اعتمادنا واعتماد كل مؤرخ في وصف هذه ~~الثورة من وجهة النظر المصرية عليه دون سواه؛ لأنه «شاهد عيان» وإن يكن - كما يخيل لي - قد ~~أنشأ هذه المقامة التاريخية بعد مضى الحوادث بزمن طويل؛ لأنه لو دونه في وقتها لكان ms217 أسلوبه ~~فيها بسيطا دقيقا كعادته. # انقضى المجلس العمومي، أو الجمعية العمومية على اصطلاح زماننا، يوم السبت بعد تقرير تلك ~~الضرائب الجديدة الفادحة فكثر لغط الناس وتناجوا فيما بينهم، واندس فيهم من ذوي الأغراض ~~وآلات الفساد من أوغر صدورهم، ومن هؤلاء بعض آلات الإنكليز وجواسيسهم، كما يذهب إليه كتاب ~~الفرنساويين، # 1 # وإن لم يكن لدينا دليل تحقيقي - وقلما يوجد دليل يجزم في مثل هذه الأمور - فلم ~~يكد يلوح فجر يوم الأحد حتى امتلأت الطرقات بالغوغاء، وليس لهم زعيم عاقل ولا مرشد مفكر، ~~قال الجبرتي: «ووافقهم على ذلك بعض المتعممين الذين لم ينظر في عاقبة الأمور، ولم يتفكر أنه ~~في القبضة مأسور.» # 2 # مما يؤيد أن حزبا من المشايخ قد كان حاقدا وحاسدا للعلماء الذين خصهم ~~الفرنساويون بالعناية والرياسة، وكان في القاهرة في ذلك الوقت رجل اسمه السيد بدر وهو رجل ~~سوري الأصل من بيت المقدس، نقول: إن ذلك السيد بدر جمع حوله جما غفيرا من «حشرات ~~الحسينية، وزعر الحارات البرانية»، وانضم إليهم خلق كثيرون حتى بلغوا نحو الألف عدا وقصد ~~هذا الجمع الفوضي بيت القاضي الكبير بقصد أن يطلبوا منه التوسط لهم لدى الفرنساويين في محو ~~تلك الضرائب أو تخفيضها، وكان القاضي المشار إليه، هو القاضي التركي الذي بقي في مصر ولم ~~يفر مع إبراهيم بك وبكير باشا، وكان حقا عليه ذلك لأنه مولى من قبل السلطان بفرمان، ولما ~~كان نابوليون ميالا لحفظ الصفة الدينية، ومظهر السيادة العثمانية، أبقى ذلك القاضي في ~~وظيفته وتحبب إليه كثيرا ومنحه المنح الكثيرة والعطايا الوافرة، حتى لقد ذكره في تقريره عن ~~هذه الثورة فقال عنه: «إنه رجل محترم لعلمه وفضله.» وكان اسمه إبراهيم أدهم أفندي كما ورد ~~في التقرير المشار إليه واسمه في كتاب الجبرتي «بجمقشي زاده». # وكان من عادة المصريين أن يلجئوا إلى علماء الدين وقضاة الشرع في شكاويهم من ظلم المماليك ~~وأتباعهم، ولذلك كان الغرض من التوجه إلى بيت القاضي، هو حمله على الذهاب إلى نابوليون، وفي ~~رواية الجبرتي، أن القاضي لما رأى ms218 تجمعهم خاف العاقبة «وأغلق أبوابه، وأوقف حجابه!»، ولكن ~~رواية نابوليون في تقريره تقول: إنه دخل على القاضي في أول الأمر نحو عشرين رجلا من ~~الثائرين، فركب فعلا جواده وخرج، ولكنه ما كاد يسير قليلا حتى ألقى واحد من أتباعه نظره ~~إلى كثرة المجتمعين وهياجهم، فرأى أن تلك الملاحظة صحيحة، ونزل في الحال عن جواده ورجع إلى ~~بيته، فحنق عليه القوم واجتمعوا حول داره يرجمونها بالحجارة ... ولو أن القاضي حذرهم سوء ~~العاقبة ولم يداخله الخوف من كثرة تجمعهم، وسار أمامهم إلى دار نابوليون، أو من ينوب منابه، ~~لكان من الممكن أن تهدأ ثائرة القوم أثناء المناقشة، سواء بالوعد أو بالوعيد، ولكنه لم ~~يفعل، فزاد بذلك هياج القوم وغيظهم واندلع لهيب الثورة في أحياء القاهرة. # ولا نظن أن مولانا القاضي قد اتخذ تلك السياسة لكي يزيد الخرق اتساعا! فقد يخطر ببال ~~المفكر أن القاضي رجل تركي حاقد على الفرنساويين، وقد قضت عليه الظروف، التي فوق طاقته، ~~بالبقاء في مصر فصانع الفرنساويين ولاطفهم، حتى إذا رأى أهل القاهرة في ثورة صحيحة ضد أولئك ~~المغيرين لم يشأ أن يقف عقبة في سبيلها، وفضل أن يزيد في إشعال نارها بالامتناع عن الشفاعة ~~للقوم، ولو رموه بالخيانة، ورجموه بالطوب والحجارة! والأتراك مشهورون بالدهاء وسعة ~~الحيلة! # قد يكون هذا الظن معقولا لو كانت لدينا الأدلة على أن إبراهيم أفندي هذا كان من ذوي ~~الأخلاق القوية، إلا أن تاريخه في حوادث مصر يشير إلى عكس ذلك ويدل على أنه كان رجلا ضعيف ~~الإرادة، جبان القلب، كما يؤيد ذلك بقاؤه في القاهرة مع استطاعته الفرار مع إبراهيم بك ~~ومماليكه ورجال الدولة، وكان هو أولى بذلك من السيد أحمد المحروقي والسيد عمر مكرم، ثم حدث ~~في أثناء غزو نابوليون لسوريا أن مصطفى أفندي، كتخدا بكر باشا، الذي عينه الفرنساويون أمير ~~الحج وقربوه ورفعوه خدع القاضي «وأخرجه معه على الفرنساوية» على غير إرادة منه كما سيأتي ~~ذلك مفصلا في بابه. # وكيفما كانت الحال فإن الثورة اندلع لهيبها، واشتد أوارها، وأخذ الغوغاء ms219 يكثرون من الجلبة ~~والصياح قائلين: «نصر الله السلطان»! وهكذا من خزعبلاتهم المعروفة، في تلك الأحوال ~~المألوفة، ونادى بعض المعممين الضالين المضلين بالجهاد وقتل الكفار!! # وليت شعري أين كان هؤلاء وأين كانت هذه الوطنية والنعرة الدينية والفرنسيون لا يزالون في ~~البر الغربي وبينهم وبين القاهرة نهر واسع عريض! ومعهم من المماليك عدد عديد، ومن الآلات ~~والأسلحة شيء كثير! ولكنه الجهل يقوم حيث يجب أن يقعد، ويقعد حيث يجب أن يقوم! # كان نابوليون في تلك الآونة خارج القاهرة؛ لأنه برحها مبكرا مع بعض أركان حربه قاصدا ~~مصر العتيقة وجزيرة الروضة، وكان الجنرال جونو # Juno # مقيما ~~في الأزبكية حيث يقطن الجزء الأكبر من الفرنساويين، وكان الجنرال «ديبوي» المكلف بإدارة ~~قومندانية القاهرة «أي: حاكمها» في منزل إبراهيم بك الوالي المطل على بركة الفيل، فلما وصلت ~~إلى هذا الأخير أخبار تجمهر القوم وهياجهم خرج من داره قاصدا خط الغورية يقابل الشيخ عبد ~~الله الشرقاوي، كبير العلماء ورئيس الديوان، للاستفسار منه عن هذه الحركة الفجائية، فلم ~~يجده في منزله، وربما كان في ذلك الوقت في الجامع الأزهر حيث احتشدت الخلائق وتكاثرت الجموع ~~وكثر الصياح واللغط، وكان الجنرال ديبوى رجلا في سن الثامنة والثلاثين من عمره، نشأ ~~جنديا في ارتوا # Artois # ورقي ببسالته وإقدامه في درجات ~~الجندية حتى سار في رتبة الجنرال التي منحه إياها نابوليون في مصر في هذه السن الفتية، ~~ونريد بهذا الوصف أن نقول إنه كان جنديا جسورا مجازفا فلذلك اندفع في وسط الجموع، وليس ~~معه إلا شرذمة من الفرسان، وفصيلة من البيادة للتوجه إلى بيت القاضي، فمر من شارع ~~الصنادقية، فوجد الزحام شديدا، قال الجبرتي: «فخاف وخرج من بين القصرين وباب الزهومة، وتلك ~~الأخطاط بالخلائق مزحومة.» وروى نابوليون في تقريره المشار إليه أن أحد رجال الإنكشارية ~~الذين عينوا في بوليس القاهرة لما رأى ازدحام الناس ووقوفهم في وجه الجنرال «ديبوي» أطلق ~~طبنجته الكبيرة فكان ذلك سببا في إشعال نار الثورة، وخروج القوم عن حد الصواب، وغريب أن ~~نابوليون لم يرض أن يذكر في ms220 تقريره أن الذي أطلق طبنجته، فكانت سببا في إلهاب نار الثورة، ~~هو ذلك اللعين برطلمين الرومي صنيعتهم وسنأتي على طرف من سيرته، فلما رأى ذلك الجنرال ديبوي ~~حمل على القوم المتجمعين بمن معه من الجنود واندفع هو شاهرا سيفه أمامه فرشقه واحد، لا ~~يعرف من هو، بسهم أو نوع من أنواع الحراب فقطعت له شريانا وسقط قتيلا يتدرج في دمائه، ~~وفي رواية المعلم نيقولا الترك: إن الذي قتل الجنرال ديبوي، رجل من الأتراك ضربه بخشبه على ~~خاصرته في سوق النحاسين، ومما جاء في كتاب الحملة الفرنساوية # 3 # أن «مسيو بودوف كاف»، من تجار الفرنسيين في مصر، وأحد أعضاء الديوان ركب مع ~~ديبوي في ركبته المشئومة، فلما أحس ديبوي بالسهم التفت لبودوف وقال له: «لقد قضي ~~علي.» # جرى الدم في شوارع القاهرة بين الفريقين فكان فاتحة الحرب وخاتمة الدمار؛ إذ دار القتال ~~بين الجنود والأهالي: قال الجبرتي: «فعند ذلك أخذ المسلمون حذرهم وأبرزوا ما كانوا أخفوه من ~~السلاح، وآلات الحرب والكفاح، ومسكوا الأطراف الدائرة، بمعظم أخطاط القاهرة، كباب الفتوح ~~وباب النصر والبرقية، إلى باب زويلة وباب الشعرية، وهدموا مساطب الحوانيت، وجعلوا أحجارها ~~متاريس، ووقف دون كل متراس، جمع عظيم من الناس.» وبعبارة موجزة إن الأهالي تحصنوا في الدور ~~والطرقات الضيقة وعلى أبواب المدينة التي ذكرها الجبرتي كأنهم في حصار وأي حصار! # فلما شاعت الأخبار أسرع الجنرال «جونو» فبعث رسولا لنابوليون فحضر نابوليون مسرعا بمن ~~معه من جهة مصر العتيقة، فوقف القوم في طريقه، ولم يكن نابوليون مشهورا مثل «ديبوي» ولذلك ~~رضي أن يقصد جهة بولاق ويدخل من جهة الأزبكية وفي الحال أصدر أوامره بالسرعة التي امتاز بها ~~في أدوار حياته العسكرية، فعين الجنرال «بون» لقومندانية القاهرة بدلا من «ديبوي» وأخذ في ~~إعداد المدافع في الجهات المناسبة ووجه بالجنود إلى أحياء المدينة المتطرفة فأطلقت البنادق ~~على الأهالي بلا تمييز ولا تدقيق. # وكان في القاهرة، كما يوجد فيها الآن عدد وافر من المغاربة، وهم عادة من أجلاف القوم وأهل ~~الشرور الذين يودون مثل ms221 هاتيك الظروف السيئة ليعبثوا في البلاد سلبا ونهبا، فأولئك القوم ~~كانوا أول من تظاهر بالحمية القومية والغيرة الدينية ووقفوا، كما يقول الشيخ الجبرتي، عند ~~جهة المناخلية، فقصدهم الفرنساويون وأجلوهم عن تلك البقعة فارتدوا عنها منذعرين وأنسابوا في ~~المدينة مع من انضم إليهم من أسافل القوم، وامتدت أيديهم لنهب الدور وهتك النساء، والتعرض ~~للنصارى واليهود بالأذى، ومن الغريب أن أولئك المغاربة قد كانوا أول من انضم إلى ~~الفرنساويين بعد إخماد هذه الفتنة، واتخذوا منهم جنودا بعثوا بهم إلى المنوفية لمقاتلة ~~أهلها وخصوصا آل شعير في كفر عشما، وسنذكر ذلك في حينه، قال الجبرتي عن أولئك المغاربة ~~وأسافل العامة: «وسبوا النساء والبنات، ونهبوا خان الملايات، وما به من الأمتعة والموجودات، ~~وأكثروا من المعائب، ولم يفكروا في العواقب.» # وبقي الحال على هذا المنوال حتى أقبل الليل وأرخى سدوله على المدينة، وكم كان في تلك ~~الساعة من امرأة تندب حظها، وبنات يصرخن، وأمهات يولولن، وشيوخ عاجزين عن صد تيار الفتنة!! ~~وانتهز نابوليون فرصة دخول الليل، قال في تقريره: «وفي منتصف الليل سار الجنرال دومرتين # Dummartin # ببطارية من المدافع فوضعها على مرتفع واقع بين ~~القبة والقلعة، وذلك المرتفع يتسلط بمسافة نحو خمسمائة قدم على حي الجامع الأزهر.» وفي هذا ~~يقول الجبرتي: «وأما الإفرنج فإنهم أصبحوا مستعدين، وعلى تلال البرقية والقلعة واقفين، ~~ولأمر كبيرهم منتظرين.» # والحق يقال إن نابوليون لم يرد أن يأمر بإطلاق القنابل على المدينة لما في ذلك من تخريب ~~الدور وإزهاق الأنفس قبل أن يبعث للقوم برسل السلام، وكلمات النصح والتحذير. # قال الجبرتي: «وكان كبير الفرنسيس أرسل إلى المشايخ مراسلة فلم يجيبوه عنها ومل من ~~المطاولة.» وكانت الطلقات النارية ومن البنادق تتجارب في كل مكان وحي، بين الأهالي من جانب، ~~والنصارى المختفين في دورهم، وبعض الفرنسيين والأجانب الذي استوطنوا في بعض أحياء القاهرة، ~~من آخر قال «ميو» في مذكراته: «وكان كشير من الفرنساويين الذين أنشئوا المطاعم والقهاوى ~~متشتتين في أطراف المدينة فأولئك فتك بهم الثائرون ونهبوا دورهم، وكذلك حاصر القوم دار ~~العلماء، فاضطر ms222 هؤلاء أن يدفعوا عن أنفسهم.» وذهب جماعة من الثائرين إلى الدار التي يسكنها ~~الجنرال «كفريللي» المهندس الكبير وهي دار مصطفى كاشف بالدرب الأحمر ونهبوا أدواته وكسروها، ~~وقتلوا بعض الفرنساويين ومن بينهم اثنان من المهندسين وهما «تيفنو» و«درفال » # Duval # و # Trevenon # فاضطر ~~الباقون إلى الفرار للقلعة، وجاءوا بالمدد من جهة المحجر، وأحاطوا بمن في الدار من ~~المسلمين، وقتلوهم عن آخرهم، وكان منهم أحد المشايخ المسمى الشيخ محمد الزهار، ولكن بعد أن ~~كسر الثائرون أكثر الآلات الهندسية والنظارات الفلكية مما يعز وجوده بعد ذلك خصوصا في ذلك ~~الزمان والمكان، وممن قتلهم الثائرون من العلماء والفضلاء مسيو «تستفويد» # Testiviude # وهو شيخ يبلغ من العمر فوق الستين، وكان في ~~ذلك الوقت يشتغل برسم خريطة للقطر المصري، وقتل أيضا دوبريه الرسام # Dupres # وخلص «جومار» العالم الكبير لحسن حظه وحظ العلم، ~~وقد كتب «دينون» فصلا مطولا في كتابه عن مركز رجال العلم في دارهم، وكيف كافحوا وقاوموا ~~حتى أخمدت الثورة، وله كلمات حلوة جميلة عن الجنرال «ديبوي» وخصوصا عن الضابط البولوني ~~«سولسكي» الذي قتل بعد ذلك. # وروى نابوليون في تقريره أن المشايخ من أعضاء الديوان وعلماء الأزهر قصدوا الجهات التي ~~تترس فيها الثائرون ونصحوهم بالكف عن القتال، وبينما يذهبون إلى كبير الفرنساويين ويمهدون ~~أسباب الصلح، فلم يستمعوا لهم وسبوهم وهددوهم بالقتل إن تعرضوا لهم، عند ذلك يئس نابوليون ~~من إنابة القوم إلى رشدهم فأصدر أمره عند الساعة الرابعة بعد ظهر يوم الاثنين بإطلاق ~~القنابل على الجامع الأزهر وما حوله من الجهات حيث يوجد الثائرون، قال الجبرتي: «وتعمدوا ~~بالخصوص الجامع الأزهر، وحرروا عليه المدافع والقنبر، وكذلك ما جاوره من أماكن المجاورين، ~~كسوق الغورية والفحامين، فلما سقط عليهم ذلك ورأوه، ولم يكن في عمرهم عاينوه، نادوا يا ~~سلام، من هذه الآلام، يا خفي الألطاف، نجنا مما نخاف، وهربوا من كل سوق، ودخلوا في ~~الشقوق.» # ولا يكاد الإنسان يتلو عبارة الجبرتي، التي نقلناها، حتى يشعر بشيء من الاستهزاء أو ~~الضحك، الذي هو أشبه بالبكاء لسخافة أولئك القوم، وتصورهم إمكان ms223 مقاومة الفرنساويين، وهم ~~عزل من السلاح، محصورون من جميع الجهات، ومع خصمهم المدافع الكبيرة، والقنابل الكثيرة! قال ~~الجبرتي بعد كلام طويل على ذلك النسق الغريب: «وتتابع الرمي من القلعة والكيمان، حتى تزعزت ~~الأركان، وهدمت في مرورها حيطان الدور، وسقطت في بعض القصور، ونزلت في البيوت والوكائل، ~~وأصمت الآذان بصوتها الهائل، فلما عظم الخطب، وزاد الحال والكرب، ركب المشايخ إلى كبير ~~الفرنسيس ليرفع عنهم هذا النازل، ويمنع عسكره من الرمي المتراسل ... فلما ذهبوا إليه عاتبهم ~~في التأخير، واتهمهم بالتقصير، فاعتذروا إليه فقبل عذرهم، وأمر برفع الرمي عنهم فقاموا من ~~عنده وهم ينادون بالأمان في المسالك، وتسامع الناس بذلك، فردت فيهم الحرارة، وتسابقوا ~~لبعضهم بالبشارة، واطمأنت القلوب، وكان الوقت قبل الغروب، وانقضى النهار وأقبل ~~الليل.» ~~••• # وأول ما يتبادر لذهن القارئ من تقرير نابوليون لحكومة الديكتوار أنه أراد تلطيف ذكر هذه ~~الثورة وتخفيض شأنها لكي يفهمهم في باريز أن مركزه في مصر محفوف بالأخطار، وأنه مقيم بجيشه ~~وسط شعب يتحين الفرص للانقضاض عليه، أو للانقضاض عنه، فلذلك اكتفى نابوليون بالقول إنه ما ~~كاد يطلق قنابل المدافع على الثائرين مدة عشرين دقيقة، حتى تبدد شملهم، واحتل الجنود الجامع ~~الأزهر وزهقت روح الفتنة!! في حين أن الحرب بقيت سجالا في جزء كبير من الليل كما يشهد بذلك ~~الجبرتي؛ إذ يقول: إن أهل الحسينية، والعطوف البرانية، استمروا على القتال إلى أن مضى من ~~الليل نحو ثلاث ساعات، وما منعهم عن الاستمرار إلا لأن البارود قد فرغ منهم، فعجزوا عن ~~المقاومة، ولم يدخل الفرنساويون المدينة - على رواية الشيخ - إلا «بعد هجمة الليل، دخل ~~الإفرنج المدينة كالسيل، ومروا في الأزقة والشوارع، لا يجدون لهم من ممانع، كأنهم الشياطين، ~~أو جند إبليس اللعين، وهدموا ما وجدوا من المتاريس، وكروا ورجعوا، وترددوا وما هجموا، ثم ~~دخلوا إلى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيول، وبينهم المشاة كالوعول.» # وحكاية الشيخ الجبرتي الأزهري عما عمله الفرنساويون في الجامع الأزهر من أنواع الإساءة ~~وخرق حرمة ذلك المكان المبجل، من العبارات التي تملأ الفؤاد حسرة، والنفس ms224 كآبة، ولولا خوف ~~التطويل لنقلناها عنه فليراجعها من يشاء وإنما نذكر هنا أن الجنود الفرنساوية وخيولها بقيت ~~في الجامع الأزهر من مساء يوم الاثنين إلى يوم الأربعاء؛ إذ يقول الجبرتي: إن المشايخ ذهبوا ~~في ذلك اليوم إلى نابوليون ورجوه في إخراج العسكر من الجامع الأزهر «فأجابهم لذلك السؤال، ~~وأمر بإخراجهم في الحال» ... ولكن المعلم نقولا الترك يقول: إن نابوليون لم يجب المشايخ إلى ~~طلبهم ثم قال: «فانصرفوا من أمامه باكين «كذا» وعلى أحوالهم نائحين، وتأسفوا على جامع ~~الكنانة، وخراب الديانة، ثم في ذلك النهار أرسلوا له الشيخ محمد الجوهري، وكان في كل حياته ~~ما كان يقابل أحدا من الحكام، ولا يتعرض إلى أمور العوام، وفي دخوله قال له: ما قابلت ~~حاكما عادلا أو ظالما، والآن قد أتيت متوسلا إليك أن تأمر بإخراج العسكر من الجامع ~~الأزهر، وتغفر ذنب هؤلاء القوم الغجر، واتخذني مدى العمر داعيا لك ناشرا فضلك، فانشرح ~~أمير الجيوش من ذلك الخطاب، وانعطف قائلا: إنني عفوت وصفحت عن أحبابك، لأجل خطابك.» # وقد جارى جورجي زيادان المعلم نقولا في روايته عن شفاعة الشيخ محمد الجوهري، ونحن لا ~~نتعرض لنفيها أو إثباتها، ولكنا نستغرب إهمال الجبرتي لها، مع أنه أولى بمعرفتها لصداقته ~~وثقته بالشيخ الجوهري، ثم نقول: إن ما ذكره المعلم نقولا عن الشيخ الجوهري، من حيث اعتكافه ~~وعدم زيارته للأمراء والحكام صحيح؛ إذ كان ذلك الرجل من أهل الفضل والمكانة السامية؛ لأنه ~~من أهل العلم ومن بيوت الحسب والجاه، ذكره الجبرتي في وفيات سنة 1215 وقال عنه: إنه كان من ~~الذين حضروا على والده الشيخ حسن الجبرتي، وكان آية في الفهم والذكاء وألقى الدروس ~~بالأشرفية وأظهر التعفف والامتناع عن خلطة الناس، والذهاب والترداد إلى بيوت الأعيان، ~~وساعده على ذلك الغنى والثروة وشهرة والده، وتردد الأمراء على داره وسعوا لزيارته، وكانت ~~شفاعته لا ترد عندهم، وطار صيته في الآفاق ووفدت الوفود عليه من الحجاز والهند والشام ~~والروم، وطلب لمشيخة الجامع الأزهر فأبى، ولكنه نقض ما أبرمه العلماء والأمراء ورد المشيخة ms225 ~~للشافعية بعد أن كانوا قد عينوا فيها الشيخ عبد الرحمن العريشي الحنفي، وعين الشرقاوي بعد ~~العروسي بإشارته، ولم يذكر الجبرتي في ترجمة الشيخ الجوهري المطولة أنه زار نابوليون أو ~~رجاه، وكل ما ذكره من علاقته بالفرنساويين قوله: «ولم يزل وافر الحرمة معتقدا عند الخاص ~~والعام، حتى حضر الفرنساوية واختلت الأمور وشارك الناس في تلقي البلاء، وذهب ما كان له ~~بأيدي التجار ونهب بيته وكتبه التي جمعها وتراكمت عليه الهموم والأمراض، وحصل له اختلاط لم ~~يزل حتى توفي يوم الأحد حادي عشرين شهر القعدة بحارة «براجون» وله عدة مؤلفات في العلوم ~~والمباحث الشرعية ذكرها الجبرتي، وهي تربوا على الثلاثين مؤلفا رسالة. # ولم يقتصر أمر الثورة على سكان القاهرة إذ كان من الطبيعي أن تنتشر الأخبار في البلاد ~~المجاورة فيسارع الفلاحون والعربان لنصرة إخوانهم، وفعلا قدم إلى القاهرة من جهة القليوبية ~~عدد كبير من الفلاحين والبدو فاضطر نابوليون أن يبعث بفرقة من الخيالة تحت قيادة الجنرال ~~دوماس # Dumas # لمقاومة الفلاحين بالقرب من بلدة القبة ~~وعزبة الزيتون فحال بينهم وبين القاهرة. # وكان زعيم العرب والفلاحين القادمين من القليوبية لنصرة الثائرين في القاهرة المرحوم شيخ ~~العرب سليمان الشواربي جد آل الشواربي # 4 # المعروفين في القليوبية، وقد روى المعلم نقولا التركي أنه لما صمم أهل القاهرة ~~على الثورة كتبوا إلى الشيخ الشواربي يستنجدونه «وعينوا له زمانا يحضر بعشائر العربان، وقد ~~أتى في الميعاد إذ كانت الفرنساوية محيطة بالقاهرة فضربهم الفرنساويون بالمدافع والرصاص ~~فولوا منهزمين». # وليس في الجبرتي أثر لهذه الرواية والقرائن كلها تدل على صحتها، ولعل السبب في ذلك هو أن ~~الشيخ الجبرتي كان في حي الأزهر مع المحصورين المضروبين، بينما كان المعلم نقولا الترك مع ~~الفرنساويين المحاصرين للمدينة؛ ولذلك استطاع أن يعرف أن الفرنساويين صدوا القادمين للنجدة ~~وضربوهم بالمدافع والرصاص فولوا منهزمين، والدليل على صحة الرواية هو ما ورد بعد ذلك في ~~حوادث أوائل شهر رجب في الجبرتي قوله: إن كبير الفرنسيس الذي بناحية قليوب حضر ومعه سليمان ~~الشواربي شيخ الناحية وكبيرها فلما حضر ms226 حبسوه بالقلعة، وقيل: إنهم عثروا على مكتوب أرسله ~~وقت الفتنة السابقة إلى سرياقوس ليحرضهم على قتال الفرنسيس، وقال في حوادث آخر شهر رجب هذا، ~~إنهم قتلوا الشيخ سليمان الشواربي ومعه ثلاثة من عرب الشرقية قطعوا رءوسهم بالرميلة، ونقلت ~~جثة الشواربي إلى قليوب ودفن هناك مع أسلافه، رحمه الله. # وكان حاكم القليوبية الذي قبض على الشواربي هو الجنرال مورات # Murat # صهر نابوليون وملك إيطاليا في بعد، وصاحب الشهرة الواسعة في تاريخ ~~أوروبا وحروبها النابوليونية وتاريخ حياته أشبه برواية من الروايات الخيالية، ويكتفي أنه ~~ارتقى من جندي بسيط إلى ملك عظيم. # وحاول المصريون أيضا من أهل القرى المجاورة كالجيزة وما وليها الهجوم على القوى ~~الفرنسية، واجتمع منهم على رواية نابوليون في تقريره نحو أربعة أو خمسة آلاف فحملت عليهم ~~فرقتان تحت قيادة الجنرالين؛ لأن ~~(Launes) # وفو ~~(Veaux) # فبددنا شملهم وكذلك أقبل جماعة من البدو إلى ~~جهة باب النصر، فأوفد نابوليون الكولونل «سولكوسكي» البولوني أحد أركان حربه فقتل هو ومن ~~معه إلا نفرا واحدا. # وليس من الغريب أن يتبع الفرنساويين إخمادهم الفتنة بالانتقام من المصريين عمن قتل من ~~أبناء جنسهم، سواء من الملكين أو من الحربيين، كيف لا وقد قتل منهم من القواد الجنرال ديبوي ~~وكان محبوبا لبسالته وجرأته، وكذلك قتل العربان كما ذكرنا الكولونيل سولوسكي وكان ضابطا ~~يولوني الأصل من ذوي الفضائل والمكارم، وأي فضيلة أشرف من فضيلة الوطنية لدى رجل أبت نفسه ~~أن يبقى في بلاده بعد أن هدمت المطامع الأوروبية سور استقلالها فارتحل عنها المجد والحرية، ~~فجاء مصر يفعل فيها مثل ما فعل في بلاده!! حتى لقي حتفه في أرض ما عرفت الحرية، ولا ذاقت ~~طعم الاستقلال، ولقد أحبه نابوليون حبا جما حتى لقد سالت الدموع من عينيه حين عمل ~~بمقتله، وكثيرا ما ذكره وأثني عليه، ولقد رثا «دينون» مقتل سولكوسكي بكلمات هي السحر ~~الحلال وقال: كان ذلك الضابط الجميل الرشيق صديقا حميما، طموح النفس، عالي الهمة إلى آخر ~~ما أسبغ عليه من الثناء والإطراء. # ويقدر نابوليون في تقريره عدد ms227 من قتل من المصريين في هذه الثورة السخيفة بنحو ألفين إلى ~~ألفين وخمسمائة، وقدر خسارة الفرنساويين بنحو ستين نسمة من الجنود الملكيين. # وأما المعلم نقولا الترك فيقدر الخسارة بأكثر من ذلك أضعافا مضاعفة فقال: «وقد كان مات ~~بهذه الواقعة ألفا صلدات «استعمل المعلم نقولا هذه الكلمة عن الجنود وهي فرنسية # Soldat # عسكري» ومن أهالي المدينة ما ينيف عن خمسة ~~آلاف.» وهي مبالغة لا شك فيها خصوصا فيما يتعلق بخسارة الفرنسيين. # وإلى القارئ سلسلة انتقامات الفرنسيين من المصريين نسردها واحدة فواحدة، فنبدأ بما رواه ~~الجبرتي، ثم نأتي على أقوال الفرنسيين أنفسهم. # نقتطف من الجبرتي في الجزء الأخير من مقامته الثورية العبارات الآتية قال: «ثم تردد ~~الفرنسيس في الأسواق ووقفوا صفوفا، مائتين وألوفا، فإن مر بهم أحد فتشوه، وأخذوا ما معه ~~وربما قتلوه، وتحزبت نصارى الشوام، وجماعة أيضا من الأروام، واغتنموا الفرصة في المسلمين، ~~وأظهروا ما هو بقلوبهم كمين ... وانتدب برطلمين للعسس، على من حمل السلاح واختلس، وبعث أعوانه ~~في الجهات، يتجسسون في الطرقات، فيقبضون على الناس بحسب أغراضهم، وما ينهبه النصارى من ~~أبغاضهم، فيحكم فيهم بمراده، ويعمل برأيه واجتهاده، ويأخذ منهم الكثير، ويركب في موكبه ~~ويسير، وهم موثوقون بين يديه في الحبال، ويسحبهم الأعوان بالقهر والنكال، فيودعونهم ~~السجونات، ويطالبونهم بالمنهوبات، ويقررونهم بالعقاب والضرب، ويسألونهم عن السلاح وآلات ~~الحرب ... وكثير من الناس ذبحوهم، وفي بحر النيل قذفوهم ... ومات في هذين اليومين وما بعدهما ~~أمم كثيرة لا يحصى عددها إلا الله!». # وليت شعري هل أحصى نابوليون تلك الخلائق الذين فتكوا بهم بعد إخماد الثورة وخلود الناس ~~إلى السكينة، فيما قدره من خسارة الثائرين في تقريره الآنف الذكر، أو كان الألفان أو ~~الألفان ونصف ألف خارج هذا العدد «الذي لا يحصبه إلا الله»، على رأي الجبرتي، طيب الله ~~ثراه. ~~(ثانيا) ألقوا القبض على عدد كبير من كبار القوم المتهمين بإشعال جذوة الثورة، ومن هؤلاء ~~ذكر الجبرتي الشيخ سليمان الجوسقي شيخ طائفة العميان، والشيخ أحمد الشرقاوي، والشيخ عبد ~~الوهاب الشبراوي، والشيخ يوسف المصيلحي، والشيخ إسماعيل ms228 البرواي، وفي اليوم التالي «23 ~~أكتوبر» أصدر نابوليون أمرا «محفوظا في مخاطباته بنمرة 3427» إلى الجنرال «بون» قومندان ~~القاهرة «بأن يقتل أولئك المشايخ، ومن قبض عليهم من زعماء الثوار، وذلك بأن يؤخذوا ليلا ~~إلى شاطئ النيل بين مصر العتيقة وبولاق ثم يقتلوا وتلقى بجثتهم في مياه النهر». # وقد بقي أهل القاهرة عدة أيام لا يعرفون ماذا جرى لأولئك المشايخ والفرنساويون يخفون ~~عليهم الأمر، والشيخ الجبرتي يقول: «أخذ الفرنساويون المشايخ من بيت البكري وعروهم عن ~~ثيابهم وصعدوا بهم إلى القلعة فسجنوهم إلى الصباح، ثم أخرجوهم وقتلوهم بالبنادق وألقوهم من ~~السور خلف القلعة وتغيب حالهم عن أكثر الناس أياما.» # وكان ذلك ليلة الأحد 25 جمادى الأول، مع أنهم كانوا قتلوا قبل ذلك بعدة أيام وطرحت جثتهم ~~بالنيل ويظهر أنهم حقيقة عروهم عن ثيابهم وأخفوا رءوسهم، وإلا لو طرحت في النهر لطفت رممهم ~~وتعرفهم الناس في أماكن مختلفة، ولا ندري من أين جاء المعلم نقولا التركي بأن الفرنساويين ~~عقدوا مجلسا وحاكموا الذين ألقى القبض عليهم محاكمة قانونية، مع أن الفرنساويين، وهم أولى ~~بالدفاع عن أنفسهم، لم يذكروا شيئا من هذا! أفنكون ملكيين أكثر من الملك. # ويقول المعلم نقولا الترك أيضا: «إن نابوليون وجد من بين أولئك المقبوض عليهم أثنان من ~~أعضاء المجلس العالي، فبعد قتلهما أمر بإلغاء المجلس.» ولا ندري من كان من أولئك المشايخ في ~~المجلس العالي الذي يشير إليه وكلهم ما عدا الشيخ الجوسقي من متوسطي المدرسين الذين يقرءون ~~الدروس في الأزهر وفي غيره من المساجد مثل المشهد الحسيني وزاوية الجوهرية وجامع الكردي، ~~ويظهر من تراجمهم أنهم كانوا من أهل التقوى والصلاح والابتعاد عن المشاكل، أما الشيخ سليمان ~~الجوسقي فكان من ذوي المطامع وأهل المشاغبات، وتاريخه من الأمور العجيبة ولذا رأيت أن أذكره ~~بشيء من التفصيل؛ لأنه يرسم لنا صورة من حياة ذلك العصر. # الجوسقي نسبة إلى الجوسق وهي على الأغلب بلدة في مديرية الشرقية، # 5 # قال عنه الجبرتي أنه ولي شيخا على العميان بزاويتهم المعروفة الآن بالشنواني ~~فسار فيهم بصرامة وجبروت، ms229 وجمع بجاههم أموالا عظيمة وعقارات، فكان يشتري غلال المستحقين ~~المعطلة بالأبعاد «كأن يكون لأحد الناس استحقاق في وقف ما في جهة من جهات القطر البعيدة ~~يستولي عليها الملتزمون من المماليك ولا يدفعون للمستحقين شيئا، فيأتي الشيخ الجوسقي ~~ويبتاع من المستحقين غلتهم»، بدون الطفيف ويخرج كشوفاتها وتحاويلها على الملتزمين، ويطالبهم ~~بها كيلا وعينا، ومن عصى منهم بعث إليه بالجيوش الجرارة من العميان فلا يجد بدا من ~~الدفع!! وله أعوان يرسلهم إلى الملتزمين بالجهة القبلية، يأتون إليه بالسفن المشحونة ~~بالغلال والمعاونات «بدل الغلة» من السمن والعسل والسكر والزيت وغير ذلك، ويبيعها في سني ~~الغلاء بالسواحل والرقع # 6 # بأقصى القيمة ويطحن منها على طواحينه دقيقا ويبيع خلاصته في البطط # 7 # بحارة اليهود، ويعجن نخالته خبزا لفقراء العميان يقتاتون به مع ما يجمعون من ~~الشحاذة في طوافهم بالليل وأطراف النهار بالأسواق والأزقة، وتغنيهم بالمدائح والخرافات، ~~وقراءة القرآن في البيوت ومساطب الشوارع وغير ذلك ومن مات منهم ورثة الشيخ الجوسقي، وكثير ~~من أولئك العميان الشحاذين من ترك ثروة طيبة فصار الشيخ بذلك من ذوي اليسار والنفوذ تخشى ~~سطوته، وتسمع كلمته يركب البغال وأتباعه محدقون به، وعلى رواية الجبرتي أنه «تزوج الفتيات ~~الجميلات واشترى السراري البيض والحبش والسود، وكان يقرض الأكابر المقادير الوافرة من ~~المال، ليكون له عليهم الفضل والمنة، ولم يزل حتى حمله التفاخر في زمن الفرنسيس على إثارة ~~الفتنة التي أصابته وغيره وقتل فيمن قتل بالقلعة، ولا يعلم له قبر.» ومن غريب أمر الشيخ ~~الجبرتي أنه لما ذكر وفاة المشايخ الآخرين كان يختم ترجمة كل واحد منهم بقوله: «اتهم في ~~إثارة الفتنة وقتل شهيدا.» أما عن الشيخ الجوسقي فلم يرض أن يقول عنه: «مات ~~شهيدا»!! # والثالث من سلسلة انتقامات الفرنساويين ما رواه كتاب الفرنساويين في كتبهم ومذكراتهم من ~~أن نابوليون أصدر أمره للضابطين كروازبيه # Croizier # وأوجين ~~بوهارنيه «هو ابن زوجته جوزفين»، وكلاهما من أركان حربه بمطاردة العربان الذين اعتدوا على ~~الجرحى القادمين من جهة الشرقية وفتكوا بهم أثناء ثورة القاهرة فأحاطا بمن معهما من ms230 الجنود ~~بكثير من مضارب البدو النازلين في الجهات الواقعة شرقي مديرية القليوبية، فأحرقوا خيامهم ~~وخربوا دورهم وفتكوا بنسائهم وأولادهم، وقبضوا على مائتين من رجالهم، وكان أمر نابوليون ~~قاضيا بذبح أولئك العربان ذبحا وجز رءوسهم من حلوقهم، وجمع هاتيك الرءوس المفصولة في ~~أكياس ليتفرج عليها أهل القاهرة! # لا مبالغة في هذا القول فقد روى «بوريين » كاتب يد نابوليون في مذكراته ما نصه حرفيا: # بعد إخماد الثورة ببضعة أيام قضت ضرورة المحافظة على سلامتنا أن نعمل عملا ~~قاسيا فظيعا، وذلك أن نابوليون بعث بالضباط كروازيه أحد أركان حربه وأمره أن ~~يهاجم قبيلة من البدو كانت اعتدت على شرذمة من جنودنا، وأن يحيط بتلك القبيلة ويحرق ~~مساكنها، ويذبح رجالها، وكان الأمر يقضي بأن يجمع رءوس القتلى في أكياس ليعرضها على ~~سكان القاهرة وكان «بوهارنيه» مع كروازيه في تلك المهمة القاسية، فعادا في اليوم ~~التالي ومعهما عدد عديد من الحمير محملة بأكياس ملأى بالرءوس البشرية! وفتحت هاتيك ~~الأكياس، وأفرغ ما فيها أمام أعين الناس المجتمعين! وأني لا أستطيع أن أصف بشاعة ~~ذلك المنظر، ولا القشعريرة التي أحسست بها عند رؤيته. # وغريب أن الجبرتي لم يذكر شيئا عن هذه الحادثة، وما أظنها خفيت عليه، ولكن ربما نسي ~~تقييدها أو سقطت من أوراقه قبل تنسيقها وتدوينها. ~~(والرابع) من ذلك إرسال برطلمين الرومي وكيل محافظة القاهرة بفئة من الجند إلى جهة ~~سريافوس لمطاردة الفارين من أهل القاهرة الذين خافوا العقاب فلم يدرك أحدا منهم، ولكنه عوض ~~عن فشله، لإرضاء أسياده الفرنساويين، بنهب البلاد وإحراق القرى وفرض المغارم حتى ضج العباد ~~واستغاثوا من مظالمه. # وقد سبق لنا ذكر هذا الرجل الرومي الذي عينه الفرنساويون عند احتلالهم القاهرة كتخدا ~~مستحفظان «وكيل محافظة» ولا أدري لماذا اختاروه لتلك الوظيفة في الوقت الذي كانوا يتحببون ~~فيه إلى المسلمين، ولكن الذنب في ذلك واقع على المشايخ الذين أفتوا لهم بأن سوقة مصر لا ~~يخافون إلا من المماليك وأشباههم، فلذلك عينوا محمد أغا المسلماني، وهو أرمني حديث عهد ~~بالإسلام، أغات مستحفظان؛ أي: محافظا ms231 للقاهرة، وعينوا برطلمين هذا وكيلا له، فبئس الأصيل ~~وبئس الوكيل! واسم برطلمين الحقيقي «رتامي» وكان العامة في مصر - على رواية الجبرتي - ~~يسمونه «فرط الرمان» وقال عنه: إنه من أسافل نصارى الأروام العسكرية القاطنين بمصر، وكان من ~~الطبلجية عند محمد بك الألفي، وله حانوت بخط الموسكي يبيع فيه القوارير الزجاج، فلما دخل ~~الفرنساويون عينوه في تلك الوظيفة فسكن في بيت بحي كاشف الكبير بحارة عابدين فأخذه بما فيه ~~من فرش ومتاع وجواري وغير ذلك. # 8 # وأما أولئك المغاربة الذين كانت لهم اليد الطولي في الفتنة والمشاغبة فإن الفرنساويين ~~أطلقوا سراح الذين قبضوا عليهم بوساطة كبيرة من بين جنسهم اسمه عمر القلقجي، وقد جمع هذا ~~أولئك «الفتوات» من أوباش المغاربة فانتقى نابوليون فئة كبيرة ألف منها فرقة عسكرية تحت ~~زعامة عمر المذكور، قال الشيخ الجبرتي في حوادث يوم 18 جمادى الأولى «يوافق 28 أكتوبر»: «إن ~~أولئك المغاربة بعثوا بهم إلى جهة بحري فضربوا كفر عشما وقتلوا كبيرها المسمي بابن شعير، ~~ونهبوا داره ومتاعه وبهائمه، وكان شيئا كثيرا جدا، وأحضروا إخوته وأولاده وقتلوهم، ولم ~~يتركوا منهم سوى ولد صغير جعلوه شيخا عوضا عن أبيهم.» # ورواية الجبرتي في هذه الحكاية مضطربة، شأنه في كل الحوادث التي تبعد عن القاهرة فإن ~~مهاجمة كفر عشما وقعت في 20 أكتوبر وهو يوافق 10 جمادى الأولى؛ أي: قبل الثورة بيوم واحد، ~~والفرنساويون يقولون إن ابن شعير أو أبا شعير كان من كبار اللصوص وقطاع الطريق أو من يسمونه ~~«شيخ منصر» ولقي منه الفرنساويون في مديرية المنوفية الأمرين فكان يهاجمهم ويفتك بجنودهم، ~~ويسلب ذخائرهم وأسلحتهم ويختفي بمن معه، فطاردهم وطاردوه، وقاتلهم وقاتلوه، حتى كانت ليلة ~~السبت 20 أكتوبر اتصل بالجنرال لأنوس # Lanusse # أن أبا شعير ~~يبيت في كفر عشما # 9 # في داره فأسرع بقوة عظيمة وأحاط بالقرية، وحاصر الرجل في داره وقتلوه ومن معه، ~~قال «لاكروا»: إن أبا شعير هذا كان رجلا ظالما عاتيا، وكان له النفوذ الأول في جميع ~~مديرية المنوفية وما جاورها، وكان تحت أمرته من الرجال ms232 أكثر من ألف ومائتين فلما حاصروه ~~وقاتلوه، وفر من استطاع الفرار من رجاله، استولوا على منزله فوجدوا فيه على رواية ذلك ~~المؤلف مقادير كثيرة من النقود والفضة الخالصة، وكميات وافرة من الذخائر والأسلحة المتنوعة، ~~وأخذوا من داره ثلاثين جوادا من أفخر الجياد المطهمة، ثم طافوا برأسه في جميع قرى المنوفية ~~ليقتنع الناس بموته، وفي مكاتبات نابوليون خطاب بعث به للجنرال لأنوس يقول فيه: «أقدم لك ~~مزيد التهاني يا مواطني الجنرال على ظفرك بأبي شعير، فقد كان فوزك على ذلك السلاب # Brigand # انتصارا كبيرا لنا.» # وسواء كان ابن شعير أو أبو شعير لصا وقاطع طريق، أو كبير عزوة ورئيس عشيرة، وفقد قتلوه ~~ومثلوا به وغنموا أمواله! ومن يدرينا ماذا فعلوا في بلدته من الشرور وهتك الأعراض وسلب ~~العباد! # ومع هذا يقول الكتاب الفرنسيون: إن نابوليون عامل المصريين بعد الثورة بالرفق وأبدى لهم ~~من التسامح والتساهل شيئا كثيرا! فماذا كانوا يطلبون بعد قتل من ظنوهم زعماء الثورة، ~~وإلقاء لجثث أولئك العلماء في النهر كأحط المجرمين بلا محاكمة، وبعد إزهاق أرواح أكثر من ~~ثلاثة آلاف نسمة بشهادة نابوليون نفسه ثم تخريب القرى وإحراقها!! ثم ما هو أكبر من ذلك من ~~خرق حرمة المعهد الإسلامي المقدسة وجعله إسطبلا للخيول ومرحاضا للجنود! ماذا كنتم تريدون ~~أن يفعل بالمصريين أكثر من هذا يا دعاة المدنية وأنصار العدل والإنسانية! وحملة راية ~~«الحرية والمساواة والإخاء» ...؟ # أما أن المصريين قد أخطئوا بتلك الثورة السخيفة، فذلك ما لا شك فيه، ورحم الله الشعبي ~~الخارجي لما قال للخليفة هارون الرشيد: «لقد قمنا بفتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة ~~أقوياء.» وهكذا كان المصريون، ولكنهم من جهة أخرى قد حركتهم عوامل الأغراض المتباينة ~~وحرضتهم آلات أعداء الفرنساويين من رسل الإنكليز والروس والأتراك، وبقايا المماليك في ~~القاهرة، والويل للأمم التي تقع ألعوبه في مهاب السياسة التي لا قلب لها ولا ضمير ... # تسفك دماء المصريين فلتسفك! تخرب ديارهم فلتخرب! ولكن لا يبقى الفرنساويون في أرض مصر ما ~~دامت طريق إنكلترا إلى الهند! # ليس ms233 للمصريين في أي وقت من الأوقات، ولا في أي زمان من الأزمان، مصلحة ما في الثورات ~~والاضطرابات؛ لأنهم في حال خاصة لا يفيدهم فيه غليان العواطف، واضطرابات المشاعر القومية، ~~في القلاقل التي لا يستفيد منها غير الأجنبي ... وتاريخ القرن التاسع عشر، الذي كانت هذه ~~الحوادث التاريخية فاتحته في مصر، يشهد بذلك، وإن صحت أو لزمت الثورات لتطهير جسم أمة من ~~الأمم في أوروبا مثلا، أو لقلب حكومة من حكوماتها، أو نظام من نظاماتها فلأنها أمم مستقلة ~~بذاتها، فدورانها حول نفسها، وشرها لها، وخيرها لها، وأما في مصر، فكل اضطراب في جسم الأمة ~~يعود عليها بالنكال، وعلى المصريين أن يضعوا هذه الحقيقة دائما نصب أعينهم ولا تخدعهم ~~الظواهر، فقد كفاهم من التاريخ موعظة، وليستفيدوا من سكوتهم، وليتركوا المتنافسين وشأنهم، ~~فذلك أسلم لهم، اللهم إلا إذا اشتد ساعدهم وقوي بأسهم - وبينهم وبين ذلك أمد بعيد، وسفر ~~طويل - فلهم أن يسيروا على السنن الطبيعية للأمم ... ليحرص المصريون وليبتعدوا عن الوقوع في ~~حبائل المحركين لعواطفهم، وليلازموا السكينة ولا يمكنوا أعداءهم من صدهم وتعويقهم عن السير ~~المضمون في طريق الحضارة الصحيحة والعلم النافع، والاستفادة من ظروف الزمان والمكان، فإن لم ~~نكن فجرة أقوياء، فلنكن بررة أتقياء، حتى يحكم الله بأمر من عنده وهو خير الحاكمين. # يقول الكتاب الفرنساويون: إنهم قهروا المماليك في واقعة إمبابة وقهروا المصريين في ثورة ~~القاهرة؛ ذلك أن المصريين بعد أن رأوا من قوة الفرنساويين ما رأوا أظهروا المذلة والمسكنة، ~~وحاموا حول الفاتحين يتطلبون منهم العفو والمغفرة، وأكثر الكثيرون منهم التزلف والتملق ~~والصغار كعادتهم، التي أورثتهم إياها الاستعباد والاستبداد ... وهذا المعلم نقولا الترك يقول: ~~«وقد خسرت الإسلام، ولم تربح بهذا القيام، سوى الذل والإهانة، وافتضاح جامع ~~الديانة.» # فلا غرابة بعد ذلك إذا شمخ الفرنساويون بأنوفهم واستباحوا ما استباحوا من حمى المسلمين ~~وأعراضهم، ونفذوا ما أرادوا من ضرائبهم. # قال الجبرتي: «وفي السابع والعشرين من الشهر «جمادى الأولي» شرعوا في إحصاء الأملاك ~~والمطالبة بالمقرر «من الضرائب» فلم يعارض في ذلك معارض ولم يتفوه أحد ms234 بكلمة، والذي لم يرض ~~بالتوت يرضى بحطبه.» # وكان من نتائج تلك الثورة ومقتضياتها أن يغير نابوليون خطته وسلوكه نحو المصريين، ~~ويعاملهم معاملة الشدة ويشك في إمكان إخلاصهم، ولولا أنه قد كان عالما بأن الدولة ~~العثمانية قد اتفقت مع إنجلترا وروسيا على محاربته وإخراجه من أرض مصر، فكان ذلك قاضيا ~~عليه بأن يتودد للمصريين بعض التودد، ويكثر من نشر المنشورات، ويلقي عليهم النصائح ~~والإرشادات ، ويذكرهم بعدله وحلمه وعفوه، ويقارن ذلك بظلم المماليك وغطرستهم - نقول لولا ~~ذلك لكان أشد وطأة على المصريين مما كان بعد الثورة وفي الدور الثالث ... # بقي علينا أن نسأل أين ذهب السيد بدر المقدسي السوري زعيم القوم وقائد «أولاد الحسنية ~~والحارات البرانية» ومسبب كل هاتيك الشرور والفضائح في بيوت النصارى والمسلمين على السواء؟ ~~أين ذهب ذلك البطل المغوار؟ كان أول من فر إلى بلاده محملا بالغنائم مما خف ثقلا وغلا ~~ثمنا، فقد روى الجبرتي بعد ذكره القبض على أولئك المشايخ الأزهريين الذين قتلوهم أو ذبحوهم ~~في القلعة أو على ضفة النيل «أما السيد بدر المقدسي فإنه تغيب وسافر إلى جهة الشام.» وهكذا ~~يفعل دائما الدخلاء الذين لا ناقة لهم في البلاد ولا جمل؛ لأنهم أفاقون لا دين لهم ولا ~~وطنية عندهم، وليس لهم في البلد ذمار، ولا عرض يصان، ولا مال يحرص عليه، ولا قبور آباء ~~وأجداد ترعى كرامتها وتخفر ذمتها. # وهنا صفحة أخرى بيضاء للمصريين في خلال تلك الفتنة ألا وهي معاملة كثير من أهالي القاهرة ~~لكثير من الفرنسيين والإفرنج الذين التجئوا إليهم، واستظلوا بحمايتهم من العامة والغوغاء، ~~ولا أنقلها عن الجبرتي، ولا المعلم نقولا الذين شهدا حوادث تلك الأيام وتركنا لنا مذكراتهما ~~عنها، فإنهما لم يكتبا عن هذه الأمور والحوادث، التي اشتهر في ذلك الوقت بالطبع أمرها, ~~ولكني أنقل تلك الصحيفة البيضاء عن ذلك الكاتب البليغ والمصور الماهر «فيفان دينون» وهو ~~شاهد عيان أيضا قال: # مع أن عامة الأهالي والغيورين على الدين مع بعض كبار الناس، كانوا متعصبين قساة ~~في الثورة التي قامت في القاهرة، إلا ms235 أن الطبقة المتوسطة، وهي في جميع البلدان أكثر ~~الناس عملا بأحكام العقل والفضيلة، كانت تعاملنا بتمام الإكرام والإنسانية على ~~الرغم مما بيننا وبينها من الفارق الكبير في الأخلاق والدين واللغة، وهذا بينما كان ~~التحريض على القتل يجري من شرفات المآذن بغيرة دينية، وبينما كانت الشوارع ملأى ~~بالجرحى وبأكداس القتلى. # وجميع الذين كانوا يأوون في ديارهم أي رجال من الفرنسيين، كانوا يتوقون إلى ~~إخفائهم وإنقاذهم، وإلى إمدادهم بكل حاجاتهم في الحال وبمجرد الطلب، وقد أفهمتنا ~~عجوز كانت في الحي الذي أقمنا فيه، أنه لا يسعنا إلا الالتجاء إلى مقر الحريم في ~~دارها؛ لأن جدارنا أضعف من أن يقينا إذا هوجمنا. # وحينما لم يكن من المستطاع الحصول على طعام من البلد، وحينما كان كل شيء يدل ~~بجلاء على قرب حدوث مجامع، عمد جار لنا إلى إمدادنا بقوت مما خزنه لديه درن أن نطلب ~~منه شيئا، بل إنه جرد دارنا من كل شيء يجعلها ظاهرة للعدو، ثم جلس أمام بابنا يدخن ~~غليونه مخادعة للمعتمدين حتى يظنوا أن هذا الدار ما هي إلا داره. # وحدث أن شابين كان يقتفى أثرهما في الشوارع، فأمسك بهما أناس مجهولون فتوقعا أن ~~سيسقطا فريسة لقسوة مفزعة، وبينما كانا يجاهدان بعنف في سبيل التخلص، رأى الممسكون ~~بهما أنهم لا يستطيعون إقناعهما بحسن مقاصدهم، فأودعوا لديهما أطفالهم كبرهان على ~~إخلاصهم. # ومن المستطاع إيراد كثير من أشباه هذه الحكاية الدالة على رقة الشعور التي أعادت ~~الروابط بين الطبائع البشرية في ساعة غليان واضطراب. ا.ه. # ولا أختم هذا الفصل عن ثورة القاهرة دون أن أسجل على صفحات التاريخ بالعربية الحادثة التي ~~نقلتها السيدة «جيهان ديفري» من بعض المذكرات عن مسيو مارسيل المستشرق، وشغفه العظيم ~~بالآثار العربية، قالت: # وسمع الضباط الفرنسيون فجاءة صرخة مزعجة فأخذوا مجاهرهم، ووقفوا في البيت البعيد ~~الذي كانوا يرقبون منه شبوب النار فشاهدوا شبحا ينسل بين المحاصرين وقد شد بيديه ~~على كومة له قد سودها الدخان والبارود، وهي كأنها كرة هوائية منفوخة، أما الأهالي ~~فلم يرونه لشدة ما أصابهم ms236 من البلايا وتولاهم من الذعر. # وقال أحد الضباط الفرنسيين: إنني أراهن بأن ذلك الشبح هو مارسيل. وكان هو بعينه؛ ~~لأنه لم يكن أحد غيره يهتم بإنقاذ المخطوطات النفيسة والدفاع عنها - تلك المخطوطات ~~التي كانت مودعة في الجامع ونجت من شرور الحرب. # وقد ذهب مارسيل لأنقاذها وهو بملابس النوم ملتفا بعباءة ومحتذيا بحذاء البيت، ~~واندفع بين الثائرين وحمل ذلك الكنز إلى مركز القيادة العامة، وكان من حسن التوفيق ~~أنه استطاع إنقاذ نسخة خطية من القرآن كتبت في القرن الثالث عشر «الميلادي» على رق ~~وزينت صفحاته بنقوش بديعة ذات قيمة فنية. # | هوامش # الفصل الثالث عشر # | الدور الثالث (من أول نوفمبر سنة 1788 إلى آخر أغسطس سنة 1799) # من ثورة القاهرة إلى مغادرة نابوليون مصر # ندخل الآن في الدور الثالث من أحوال الحملة الفرنساوية في مصر، وهو الدور الذي أدرك فيه ~~نابوليون بعد ثورة القاهرة أنه لا يزال غريبا عن المصريين وبعيدا عن قلوبهم، فاختار لنفسه ~~السياسة التي يقضي بها ذلك التغير، وهي سياسة الشدة عليهم، والحذر منهم، وعدم الاكتراث بهم، ~~ولذلك كان أول بادرة من أعماله إلغاء الديوان وعدم الاهتمام بالمشايخ، ثم إدارة الأحكام ~~بواسطة رجاله وأعوانه. # إلا أن إعلان تركيا الحرب على فرنسا واستعدادها بالجيوش الجرارة برا وبحرا لمحاربته، ~~وتحريضها المصريين والمسلمين عامة على مقاومة الفرنساويين، وتنغيص حياتهم في وادي النيل كل ~~ذلك قضى عليه بالرجوع إلى خطة المداهنة والتودد إلى المصريين مع بقائه على حذر منهم، ولما ~~كان هذا الدور طويل المدة وتخللته الحملة الفرنساوية على سوريا، وكان لتلك الحملة، وفشل ~~الفرنساويين فيها، تأثير على سياستهم وخطتهم في هذا الدور رأينا أن نقسم هذه الفترة إلى ~~ثلاث مدد: # المدة الأولى: # من الثورة إلى بدء الحملة السورية «من أول نوفمبر سنة 1798 إلى أول ~~فبراير 1799». # المدة الثانية: # الحملة السورية «من فبراير إلى يونيو 1799». # المدة الثالثة: # من عودة نابوليون من سوريا إلى مغادرة أرض مصر «من يونيو لغاية أغسطس ~~1799». # وغير خاف أن سياسة الفرنساويين مع المصريين كانت تأخذ في هذا الدور أشكالا متنوعة ms237 ~~متقاربة ومتباعدة بنسبة هاتيك المدد الثلاث، وما يحيط بها من المؤثرات السياسية، فعلى ~~القارئ أن يلاحظ تلك الظلال المختلفة الألوان في خلال تلك المدد لكي يدرك منها الظروف ~~الخارجية التي قضت بها. # المدة الأولى # 1 # كان هم الفرنساويين في المدة الأولى موجها إلى تحصين البلاد اتقاء لغارات ~~المغيرين من البر والبحر، قال الجبرتي بعد الثورة بأسبوعين: «وفي مدة هذه الأيام ~~بطل الاجتماع بالديوان المعتاد، وأخذوا في الاهتمام في تحصين النواحي والجهات وبنوا ~~ابنية على التلول المحيطة بالبلد ووضعوا فيها عدة مدافع وقنابر، وهدموا أماكن ~~بالجيزة، وحصنوها تحصينا زائدا وكذلك مصر العتيقة ونواحي شبرا، وهدموا عدة مساجد ~~منها المساجد المجاورة لقنطرة إمبابة ومسجد المقس «المعروف الآن بأولاد عنان» على ~~الخليج الناصري بباب البحر»، ولا شك أن التفاصيل الواردة في كتب الفرنسيين في هذه ~~النقطة أدق إيضاحا، وخلاصة ما كتب في هذا الصدد أن نابوليون أصدر أمره للجنرال ~~المهندس «كفريللي» بأن يضع مشروعا لتحصين مدينة القاهرة بحيث يجعلها واقعة تحت ~~رحمة القلاع والطوابي فبنوا على التل الذي أطلقت منه المدافع على حي الأزهر خلال ~~الثورة حصنا منيعا يتسلط على جميع تلك الأخطاط، وحولوا جامع المقس الذي كان ذكره ~~الجبرتي إلى قلعة سموها قلعة سلوكوسكي، تذكارا لذلك الضابط البولوني الذي قتل عند ~~باب النصر، ثم أقاموا برجا عاليا على مرتفع في الطريق الموصل من الأزبكية إلى ~~بولاق ووضعوا فيها الكميات الوافرة من المدافع والذخائر، وأطلقوا عليه اسم «برج ~~كامين». # 1 # وأقاموا أيضا على التل المعروف بتل العقارب بالناصرية، قرب الدار التي اختاروها ~~للمجمع العلمي طوابي وعدة أبراج وثكنات للجنود، وجعلوا جامع الظاهر بيبرس المعروف ~~بالقرب من الحسينية قلعة، وحولوا منارته برجا ووضعوا على أسواره المدافع واتخذوا ~~باقيه معسكرا وبنوا في داخله عدة مساكن للجنود، وكان الشعائر الدينية في هذا ~~المسجد قد عطلت منذ زمن طويل، وجاء في الأمر الذي أصدره نابوليون بتاريخ 27 أكتوبر، ~~ومحفوظ نصه بنظارة الحربية في باريس، أنهم هدموا المقياس بالروضة وبنوه بشكل طابية ~~وضعت فيها المدافع وحولوا قناطر السباع ms238 التي بناها السلطان صلاح الدين لنقل المياه ~~إلى القلعة، ولا تزال آثارها باقية للآن، إلى طابية أخرى، والخلاصة أنهم اتخذوا كل ~~الاحتياطات الحربية الفنية لإخضاع أي حركة في القاهرة أو ضواحيها، ولمقاومة الجيش ~~المهاجم للمدينة. # وفي الأيام الأولى من شهر جمادى الثانية؛ أي: في خلال إنشاء تلك الحصون، وإقامة ~~هاتيك الاستحكامات، لم ينس نابوليون أن يمتن على أهالي القاهرة بأنه قد صفح عنهم، ~~وعفا عن زلتهم، وعاملهم - بعد كل الذي جرى عليهم - بالتساهل والتسامح، وأصدر هذه ~~الأفكار في منشور كتبه عن لسان المشايخ ووزعه ملصوقا بالشوارع والأسواق، وإلى ~~القارئ نصه: # نصيحة من كافة علماء الإسلام بمصر المحروسة: # نعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ونبرأ إلى الله من الطاغين في ~~الأرض بالفساد، ونعرف أهل مصر المحروسة أن طرفا من الجعيدية وأشرار الناس ~~حركوا الشرور بين الرعية، وبين العساكر الفرنساوية، بعدما كانوا أصحابا ~~وأحبابا بالسوية، وترتب على ذلك قتل جملة من المسلمين، ونهبت بعض البيوت ~~ولكن حصلت الطاف الله الخفية وسكنت الفتنة بسبب شفاعتنا عند أمير الجيوش ~~بونابرته، وارتفعت هذه البلية؛ لأنه رجل كامل العقل عنده شفقة ورحمة على ~~المسلمين، ومحبة إلى الفقراء والمساكين، ولولاه لكانت العساكر أحرقت جميع ~~المدينة ونهبت جميع الأموال وقتلوا كامل أهل مصر، فعليكم أن لا تحركوا ~~الفتن ولا تطيعوا أمر المفسدين، ولا تسمعوا كلام المنافقين، ولا تتبعوا ~~الأشرار، ولا تكونوا من الخاسرين سفهاء العقول، الذين لا يقرءون العواقب ~~لأجل أن تحفظوا أوطانكم، وتطمئنوا على عيالكم وأديانكم، فإن الله سبحانه ~~وتعالى يعطي ملكه من يشاء ويحكم ما يريد، ونخبركم أن كل من تسبب في تحريك ~~هذه الفتنة قتلوا عن آخرهم وأراح الله منهم العباد والبلاد، ونصيحتنا لكم ~~أن لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة واشتغلوا بأسباب معايشكم وأمور دينكم، ~~وادفعوا الخراج الذي عليكم والدين النصيحة والسلام ا.ه. # ثم التفت نابوليون إلى إتمام ما شرع فيه، وأشرنا إليه في الدور الأول من تحسين ~~مدينة القاهرة وتجميلها ليجعل الإقامة فيها للفرنساويين مقبولة محبوبة، فمد الشوارع ~~الواسعة من الأزبكية ms239 إلى بولاق، ومن الأزبكية إلى قبة النصر، وردموا الجهات الواقعة ~~حول بركة الأزبكية وجددوا قنطرة المغربي، ومدوا شارعا آخر بين باب الحديد وباب ~~العدوى عند المكان المعروف بالشيخ شعيب، ومهدوا جسرا آخر ممتدا من هناك إلى خارج ~~الحسينية ... إلى غير ذلك من أسباب تسهيل المواصلات. # وفكروا في إقامة أماكن للهو والنزهة فوضع مسيو دارجيفال # Dargeaval # مشروع إنشاء «كازينو» أطلق عليه لقب تيفولي # Tivoli # تشبها بنظيره في باريس، واختير لإقامة ذلك ~~المكان إحدى دور الأمراء المماليك وعهد إلى مسيو دارجيفال المذكور تنفيذ مشروعه في ~~تلك الدار وحديقتها، فحولها إلى ملهى يجمع بين دفتيه أسباب التسلية المعروفة في ~~أمثال هذه الأماكن، فجعل في جزء منها بهوا للعب البليارد، وقاعة للعب الورق، وأخرى ~~للمطالعة، وفي مكان آخر أعد محلا أشبه بالمسرح للرقص والغناء ومطعما ومحال ~~للشراب وما أشبه ذلك، وإليك ما يقوله شيخنا الجبرتي في هذا الصدد: قال في أواخر ~~حوادث شهر جمادى الثانية: «وانقضى هذا الشهر وما حصل فيه من الحوادث الكلية ~~والجزئية، التي لا يمكن ضبطها لكثرتها، منها أنهم أحدثوا بغيط النوبي المجاور ~~للأزبكية أبنية على هيئة مخصوصة منتزهة يجتمع بها النساء والرجال للهو والخلاعة في ~~أوقات مخصوصة، وجعلوا على كل من يدخل إليها قدرا مخصوصا يدفعه، أو يكون مأذونا ~~وبيده ورقة» ... رحم الله الشيخ الجبرتي! لم تفته صغيرة ولا كبيرة! # وشكل التجار الأوروبيون الموجودون في القاهرة شركة تجارية رأس مالها 300000 فرنك، ~~وجعل ثمن السهم فيها ثلاثة آلاف فرنك ومدتها ثلاث سنوات، واشترك الجيش الفرنساوي في ~~عشرة أسهم منها بناء على أمر أصدره نابوليون إلى بوسيلج مدير الأمور المالية، وهذا ~~الأمر محفوظ في أوراق نابوليون بباريس نمرة 3619 وتاريخه 14 نوفمبر سنة ~~1798. # وفي هذه الفترة ظهرت للمجمع العلمي جريدتان فرنساويتان وهما «الديكاداجيسيان» # Le Decade Egyptien ~~«والكورية دي أجيبت» # Le Courier d’Egypte # وابتدأ الباحثون من ~~الفرنساويين في إقامة وإنشاء الأعمال النافعة التي تقضي بها ضرورة الإقامة في هذه ~~الديار، وكان من الرجال الذين أحضرهم نابوليون معه رجل اسمه كونتيه # Conté # كانت ms240 وظيفته رئيس فرقة الطيران الذي لم يكن ~~في المنزلة التي هو فيها الآن، ولكنهم كانوا قد بدءوا في خلال الثورة الفرنساوية في ~~اختراع المناطيد «البالونات» وجعلوا لها عملا خاصا في الإدارة الحربية، فكان ~~مسيو كونتيه هذا من أكثر الناس نفعا للحملة الفرنسية؛ لأنه كان نادرة الذكاء ~~والمقدرة على الاختراع والتفنن، فأنشأ لهم معامل لصناعة الأقمشة والقبعات والورق، ~~وأخذ يدرس الصناعات الوطنية ويجتمع كثيرا بالصناع المصريين ويستفسر منهم عن الآلات ~~التي يستعملونها في صناعاتهم المحلية، ولا تنس أن مراد بك كان قد أنشأ في الجيزة ~~دار صناعة للآلات الحربية والقنابل والبارود، وأن مثل هذه الصناعات كانت معروفة في ~~مصر، ولكن الفرنساويين تحت إدارة كونتيه دشاسي وولده # Champy # أدخلوا محسنات الصناعة الأوروبية فصنعوا ~~البارود، وسبكوا المدافع والبنادق وجميع ما يلزم من أدوات الحرب، كل ذلك لعلمهم أنه ~~قد قضي عليهم بالبقاء في وادي النيل، وأن طريق البحر إلى وطنهم قد سد في وجوههم، ~~والحاجة أم الاختراع. # 2 # وفي هذه المدة بدأت الدولة العثمانية بتحريض من إنجلترا في مقاومة الفرنساويين ~~بإيغار صدور المصريين عليهم، فأرسلت عدة منشورات، ووالت إرسال الرسل بالرسائل ~~والكتب لأعيان البلاد وكبار القوم، ومن هذه المنشورات منشور طويل لم يذكره الجبرتي؛ ~~لأن الفرنساويين صادروه وأحرقوه وقد وقفنا على صورة باللغة الفرنسية لنص ذلك ~~المنشور، فرأينا من باب الفائدة التاريخية أن نأتي على أهم ما جاء فيه من عبارات ~~الطعن على الفرنساويين، وتسفيه أحلامهم، والاستهزاء بمعتقداتهم، ويقول «لاكرو»: إن ~~المطلع على هذا المنشور، وما فيه من الطعن على مبادئ الثورة الفرنسية، يرى من خلاله ~~أنه كتب بقلم أوروبية. يشير بذلك إلى أنه كتب بإرشاد الإنكليز وبتعليماتهم؛ ~~والمنشور مستفتح بالبسملة والصلاة على النبي محمد خاتم المرسلين، وعلى آله وأصحابه ~~والتابعين إلى يوم الدين، ثم يقول: # إن الفرنساويين أباد الله ملكهم، ونكس أعلامهم، قوم كفار ملاعين، لا ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر، ولا يعتقدون في رسالة محمد # صلى الله عليه وسلم # ويسخرون من ~~جميع الأديان، وينكرون البعث والنشور، وما كتب لعباده تعالى من الثواب ms241 ~~والعقاب في الدار الآخرة، ويعتقدون أن المصادفة العمياء هي التي أوجدت هذا ~~الكون وهي المتسلطة في الحياة والموت، وأن الإنسان متى وضع في التراب انحل ~~جسمه ولا يعود إلى حياة ثانية يعاقب فيها، أو يثاب على عمله في الحياة ~~الدنيا، ولهذا السبب هدموا كنائسهم، وخربوا معابدهم، وكسروا صلبانهم، ~~وطردوا قساوسهم ورهبانهم، وعندهم أن كتب الأنبياء والمرسلين ليست إلا ~~أكاذيب وخرافات ملفقة، وأن القرآن والتوراة والإنجيل، ليست إلا أساطير ~~الأولين، ويعتقدون أن الأنبياء كموسى وعيسي ومحمد ليسوا إلا أفرادا ~~امتازوا عن غيرهم قليلا ما، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى لم يبعثهم ~~برسالة، ولم يختصهم بنبوة، ولا يعتقد فيهم غير ذلك سوى الأغبياء ~~والمفتونين، ومن رأيهم أن الناس قد خلقوا سواء ولهذا يجب أن يكونوا متساوين ~~في الحرية، يعتقد الواحد منهم ما يشاء فيما يشاء. # وعلى أساس هذه المعتقدات الفاسدة، وضعوا لهم نظاما جديدا وشرائع ~~شيطانية بها هدموا أساس المعتقدات الدينية، وأحلوا ما حرم الله وفتحوا ~~للشهوات البشرية أبواب الفساد، فصاروا بذلك أمة همجية بعيدة عن الإنسانية ~~لا تعرف غير الدعارة والشرور. # ومن مبادئ أولئك القوم الضالين إيقاع النفرة، وغرس بذور الخلاف بين ~~الملوك والأمم، وخلق الأسباب للمشاكل والقلاقل بين العباد، ويوهمون الناس ~~بأنهم أنصار الحرية، ويفهمونهم أنهم إخوان، وأنهم يعتقدون مثل ما يعتقدون، ~~ويدخلون بذلك في صدور عباد الله أوهاما باطلة، ومطامع سافلة، وبذلك سقطوا ~~في بحر لا ساحل له من الفضايح والقبائح، ولم تعد لهم ضمائر رادعة، ولا نفوس ~~زاجرة، فالحيلة عندهم مهارة، والسلب شطارة، وسفك الدماء مهارة وجسارة، ~~والكذب فصاحة ونباهة، ولقد ذبحوا وقتلوا وأهلكوا من قومهم من لا يدين ~~بدينهم. # ولقد اهتزت جوانب أوروبا لهذه الطغمة الشريرة التي انتشرت كالذئاب ~~الجائعة، تهاجم الأمم المطمئنة لهدم قواعد الحكومات؛ وإبادة الأديان، ~~واختطاف النساء والأطفال، فسالت من جراء ذلك الدماء أنهارا، وفازوا في ~~إخضاع الأمم التي رضخت لشرهم وخنعت لأمرهم! # فما أنتم فاعلون يا حماة الإسلام وأنصار الدين الحنيف؟ يا من تؤمنون ~~برسالة محمد بن عبد الله! إن ألئك القوم الضالين ms242 قد ساء فألهم فظنوا ~~المسلمين كأولئك الكفار المنافقين الذين صدقوهم واتبعوا مبادئهم الفاسدة، ~~وغاب عنهم أن الإسلام محفور على صفحات قلوبنا، وأنه يجري مجرى الدم في ~~عروقنا، فهل يمكن أن نترك ديننا الطاهر الحنيف، بعد أن أنار الله قلوبنا ~~بنوره، وهدانا إلى الصراط المستقيم؟ كلا ثم كلا! إن الله سبحانه وتعالى لا ~~يرضى لعباده المؤمنين أن يزعزع إيمانهم، وقد قال سبحانه وتعالى في كتابه ~~العزيز # إن ينصركم الله فلا غالب ~~لكم ~~. # فكونوا يا عباد الله على حذر منهم ولا تقعوا في أشراكهم وحبائلهم، ولا ~~ترهبنكم كثرتهم ولا تدهشنكم هيئتهم، فالأسد لا يرهب الثعالب مهما كثر ~~عددها، والنسر لا يخاف البغات مهما استنسر، وستصلكم الجيوش الجرارة على ~~الصافنات من الجياد لتقضي على عدو الله وعدوكم، وتقذف به إلى النار وبئس ~~القرار، فلا تيأسوا من روح الله فإنه تعالى حارسكم ومؤيدكم وناصركم، فبعونه ~~تعالى وحول رسوله الكريم ستمحق جيوشنا أولئك الكفرة الضالين، والساعة آتية ~~لا ريب فيها، نصر الله جيوش الموحدين وأعز سلطان المسلمين ا.ه. # ليس في المصادر الفرنسية إشارة إلى التاريخ الذي وصل فيه هذا المنشور إلى ~~القاهرة، ولكن ورد في الجبرتي، كما سبقت لنا الإشارة، أنه في ليلة السبت 24 جمادى ~~الأولى حضر هجان من ناحية الشام وعلى يده مكاتبات، وهي صورة فرمان وعليه طرة ومكتوب ~~من أحمد باشا الجزار وآخر من بكر باشا إلى كتخدائية مصطفى بك، ومكتوب من إبراهيم بك ~~خطابا للمشايخ، أما خطاب بكر باشا وإبراهيم بك فلا نظن أنهما نشرا أبدا، وأما ~~فرمان أحمد باشا الجزار فهو لا شك هذا المنشور، وفيه بلا مرية روح السرسدني سميث في ~~طعنه على مبادئ الثورة الفرنسية؛ إذ هي نفس المطاعن التي يوجهها الإنكليز ~~للفرنساويين في ذلك الزمن، مثل كارليل الكاتب المشهور والمستر برايتون الخطيب ~~البرلمان الكبير، وكان السرسدني سميث في ذلك الوقت كثير التردد على عكا، وله من هذا ~~النوع منشور بعث به في حرب الشام لنصارى سوريا ويحذرهم، كما في هذا المنشور، من أن ~~الفرنساويين مسيحيون، بل هم ms243 كما وصفهم في هذا المنشور قوم لا دين لهم ولا عقيدة، ~~وأنهم هدموا أركان الدين المسيحي. # ومن التاريخ المذكور لوصول هذاالمنشور يتضح جليا أن لا صحة لدعوى المعلم نقولا ~~الترك، ومن نقل عنه من أمثال الشيخ الدحداح، إن العلماء وزعوا ذلك المنشور على ~~أهالي القاهرة ليحضوهم على الثورة السالفة الذكر، ونقول: إن عبارة هذا المنشور، من ~~حيث معتقدات الفرنساويين، تطابق ما وصفهم به الشيخ عبد الله الشرقاوي في رسالته ~~الذي وضعها للصدر الأعظم يوسف باشا بعد الاتفاق على خروج الفرنساويين من مصر وسماها ~~«تحفة الناظرين فيمن ولي مصر من الولاة والسلاطين» إذ قال فيها: «وحقيقة رجال ~~الفرنساوية أنهم فرقة من الفلاسفة إباحية طبائعية يقال لهم: نصارى قاتوليقية، ~~يتبعون عيسى عليه السلام ظاهرا وينكرون البعث والدار الآخرة، وبعثة الأنبياء ~~والمرسلين، ويقولون إن الله واحد، ولكن بطريق التعليل ويحكمون العقل ويجعلون منهم ~~مديرون يدبرون الأحكام يضعونها بعقولهم ويسمونها شرائع، ويزعمون أن الرسل محمدا ~~وعيسى وموسى كانوا جماعة عقلاء، وأن الشرائع المنسوبة إليهم كناية عن قوانين وضعوها ~~بعقولهم تناسب أهل زمانهم.» # ولنعد إلى منشور الجزار فنقول إن من السهل كثيرا تصنيف مثل هاتيك المنشورات، ~~والدعوة إلى الجهاد ضد الكفار مألوفة، وطريقة من الطرق التي يلجأ إليها، ولكن ما ~~فائدتها في ذلك الزمن، وفي أي زمن سواه، هل يمكن أنها حركت أمة أو حررت شعبا أو ~~أدت إلى نتيجة مرضية حيث يكون القابض على نواصي الأمة قويا قادرا على قمع أية ~~ثورة في إبانها، وإخماد أي فتنة في مكانها؟ اللهم لا فائدة لهذه الأعمال إلا إيقاع ~~النفرة وغرس بذور الأحقاد، وتحريك الضغائن والأضرار بالذين يراد الخير لهم، والأولى ~~بالذين يريدون امتلاك البلاد أو نصرة أهلها - إن كان هذا صحيحا - أن يستعيضوا عن ~~الأقوال بالأفعال، ورحم الله من قال: «السيف أصدق أنباء من الكتب»! # ولا شك في أن هذا المنشور قد أزعج نابوليون ورجاله؛ لأنه دب على المواضع الحساسة ~~في نفوسهم ووجه إليهم من المطاعن ما هو مؤلم، ولأنه نقض أساس دعواه للمصريين بأنهم ~~مسلمون، ms244 أو أنهم يحترمون الدين الإسلامي، أو أنهم أصدقاء أمير المؤمنين وخليفة ~~المسلمين. # قال الجبرتي: «إنه لما وصلت هذه الأوراق - يعني فرمان الجزار هذا - وكتب بكر باشا ~~وإبراهيم بك أخذها مصطفى بك وكيل بكر باشا وذهب بها إلى صاري عسكر «بونابرت» فلما ~~اطلع عليها قال: هذا تزوير من إبراهيم بك ليوقع بيننا وبينكم العداوة والمشاحنة، ~~وأما أحمد باشا الجزار فهو رجل فضولي وسيأتي بعد أيام وال من الدولة يقيم معنا ~~ونقيم معه كما كان الحال مع المماليك» ... وإن صحت هذه الرواية ، فيكون ما قاله ~~نابوليون إنما هو جواب على خلاصة ترجمها له المترجمون من تلك الكتب الكثيرة، فلما ~~اطلع على ترجمتها بالنص رأى من مقتضى السياسة أن يحمل علماء الأزهر على كتابة منشور ~~ضد منشور الجزار، فكتب له بعضهم ما أراد وطبعوا من صورة ما كتب عدة نسخ وزعوها في ~~البلاد، والصقوا منها كثيرا بالأسواق والحارات ... وهذا نصها عن الجبرتي: # نصيحة من علماء الإسلام بمصر المحروسة # نخبركم يا أهل المدائن والأمصار من المؤمنين، ويا سكان الأرياف من ~~العربان والفلاحين، أن إبراهيم بك ومراد بك وبقية دولة المماليك أرسلوا عدة ~~مكاتبات ومخاطبات إلى سائر الأقاليم المصرية لأجل تحريك الفتنة بين ~~المخلوقات، وادعوا أنهم من حضرة مولانا السلطان، ومن بعض وزرائه بالكذب ~~والبهتان، وبسبب ذلك حصل لهم شدة الغم والكرب الزائد واغتاظوا غيظا شديدا ~~من علماء مصر ورعاياها حيث لم يوافقوهم على الخروج معهم ويتركوا عيالهم ~~وأوطانهم، فأرادوا أن يوقعوا الفتنة والشر بين الرعية والعسكر الفرنساوية ~~لأجل خراب البلاد وهلاك كامل الرعية، وذلك لشدة ما حصل لهم من الكرب الزائد ~~بذهاب دولتهم وحرمانهم من مملكة مصر المحمية، ولو كانوا في هذه الأوراق ~~صادقين، بأنها من حضرة سلطان السلاطين، لأرسلوها جهارا مع أغوات معينين، ~~ونخبركم أن الطائفة الفرنساوية بالخصوص عن بقية الطوائف الإفرنجية دائما ~~يحبون المسلمين وملتهم، ويبغضون المشركين وطبيعتهم، أحباب لمولانا السلطان ~~وقائمون بنصرته، وأصدقاء له ملازمون لمودته وعشرته ومعونته، يحبون من ~~والاه، ويبغضون من عاداه، ولذلك بين الفرنساوية والموسكوف غاية العداوة ~~الشديدة، ms245 من أجل عداوة المسكوف القبيحة الرديئة، والطائفة الفرنساوية، ~~يعاونون حضرة السلطان على أخذ بلادهم إن شاء الله تعالى ولا يبقون منهم ~~بقية، فننصحكم يا أهل الأقاليم المصرية، أنكم لا تحركوا الفتن والشرور بين ~~البرية، ولا تعارضوا العساكر الفرنساوية، بشيء من أنواع الأذية، فيحصل لكم ~~الضرر والهلاك، ولا تسمعوا كلام المفسدين، ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين ~~يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين، وإنما عليكم دفع ~~الخراج المطلوب منكم لكامل الملتزمين، لتكونوا بأوطانكم سالمين، وعلى ~~أموالكم وعيالكم آمنين مطمئنين؛ لأن حضرة صاري عسكر الكبير أمير الجيوش ~~بونابرته اتفق معنا على أن لا ينازع أحدا في دين الإسلام، ولا يعارضنا ~~فيما شرعه الله من الأحكام، ويرفع عن الرعية سائر المظالم ويقتصر على أخذ ~~الخراج، ويزيل ما أحدثه الظالمة من المغارم فلا تعلقوا آمالكم بإبراهيم ~~ومراد، وارجعوا إلى مولاكم مالك الملك وخالق العباد، فقد قال نبيه ورسوله ~~الأكرم، «الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها بين الأمم» - عليه أفضل الصلاة ~~والسلام. # 3 # ولا شك أن نابوليون قد أدرك من منشور الدولة العثمانية لأهل مصر أن الحرب مع ~~الأتراك آتية لا ريب فيها، وأن من مقتضى السياسة أن يزيد في التودد إلى المصريين، ~~ويعيد إنشاء الديوان الذي ألغاه بعد ثورة القاهرة، ولكن على طريقة جديدة بعد الذي ~~اكتسبه من الخبرة، وعرفه من مكانة الأفراد ومنزلتهم عند الشعب، وبعد ما عرف من عرف ~~من الموالين له من المصريين والسوريين والأجانب في مصر، لذلك ارتأى أن يشكل الديوان ~~على نظام مختلط من المشايخ والتجار والأجانب فأصدر أمره في 16 رجب «25 ديسمبر» ~~بإنشاء ديوان مؤلف من ستين عضوا، وسماه الديوان العمومي، وقرر أن ينتخب من هؤلاء ~~أربعة عشر عضوا يتألف منهم ديوان سماه «الديوان الخصوصي» وكأني باللورد دوفرين، ~~بعد أربعة وثمانين سنة من هذا التاريخ، استعار هذا النظام «البونابارتي»، مع بعض ~~التحوير، عند وضعه نظام مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية عقب الاحتلال ~~البريطاني سنة 1882. # وقرر أن الديوان العمومي لا يجتمع إلا عند الضرورة، أما ms246 الخصوصي فيجتمع كل يوم ~~للنظر في الأمور المختلفة ولوضع إمضاءات أعضائه «!» على منشورات نابوليون وبلاغاته ~~المطولة عن حرب الشام كما سيرى القراء ذلك. # أما أعضاء الديوان الخصوصي فلم يذكر الجبرتي إلا ثلاثة عشر منهم حتى إن مصححي ~~المطبعة الأميرية، الذين أحسنوا تصحيح الطبعة الأولى من كتاب الجبرتي، وهي التي ~~طبعت في زمن الخديو توفيق باشا سنة 1297 هجرية - أي: بعد موت الجبرتي بإحدى وستين ~~سنة - لاحظوا في هامش الكتاب أنه لم يذكر إلا ثلاثة عشر عضوا، والمعلم نقولا الترك ~~لم يشر إلى تأسيس هذا الديوان، ولم يأت على المنشور الخاص به، ولكنه عند ذكره سفر ~~نابوليون من مصر جاء بمنشور نائبه على لسان أعضاء الديوان وعليه ستة عشر إمضاءة، ~~وهي تخالف الأسماء الواردة في الجبرتي، وكلاهما - على أي حال - متفق على الأسماء ~~الآتية: # الشيخ عبد الله الشرقاوي، الشيخ محمد المهدي، الشيخ مصطفى الصاوي، السيد خليل ~~البكري، الشيخ سليمان الفيومي، السيد أحمد المحروقي، لطف الله المصري، يوسف ~~فرحات. # والخلاف في الخمسة الآتية أسماؤهم: # فالجبرتي ذكرها كالآتي: حسين بن محرم، كحيل رواحه الإنكليزي، بودني موسى كافر ~~الفرنساوي. # ونقولا الترك ذكرها هكذا: علي كتخدا مجرلي، يوسف باش جاويش، جبران سكروج، لومار ~~بودوف، ذو الفقار كتخدا، وأسقط حسن بن محرم. # وجارى زيدان الجبرتي حرفا بحرف مكتفيا بثلاثة عشر، ولم يذكر رواحه الإنكليزي، ~~بل قال: «وواحد إنكليزي وآخر يدعى أباديف.» # فلما رجعت للمصادر الفرنسية المطولة وجدت في كتاب «الحملة الفرنسية» الذي سبقت ~~الإشارة إليه وهو أحق بالثقة من سواه، الترتيب الآتي من نفس نص الأمر النابوليوني ~~المحفوظ في أوراقه الرسمية؛ إذ صدر أمر نابوليون كما يأتي: يؤلف الديوان الخصوصي كالآتي: # من العلماء: # المشايخ عبد الله الشرقاوي، محمد المهدي، مصطفى الصاوي، السيد ~~خليل البكري، سليمان الفيومي. # من التجار: # السيد أحمد المحروقي، حسن بن محرم. # من الأقباط: # المعلم لطف الله المصري، المعلم إبراهيم جر العايط. # من السوريين: # يوسف فرحات، مخائيل كحيل. # من الأجانب: # ولمار «وهو طبيب سويدي من السويد» وفرنسوا بودوف، وكاف # 2 ~~(Caffe & Beaudeuf) # وهما ~~تاجران ms247 فرنسيان من أهالي مرسيليا. # فالذي سقط من الجبرتي هو المعلم إبراهيم جر العايط القبطي، وخلط بين ولمار ~~السويدي، وسماه رواحه الإنكليزي، ولا يبعد أنه كان يتسمى باسم «رواحة» قبل مجيء ~~الفرنسيين؛ إذ كان الأجانب قبل مجيئهم يرتدون الملابس الشرقية ويتخذون ألقابا ~~مصرية، وكيف يعين نابوليون في الديوان الخصوصي إنكليزيا وهو في حرب معهم في البر ~~والبحر؟ ... ثم «بودني» الذي ذكره الجبرتي هو لا شك «بودوف» الفرنسي، وكاف هو الذي ~~سماه موسى كافر! وأما الأسماء التي جاءت في رسالة المعلم نقولا الترك فلا يصح ~~الاعتماد عليها؛ لأن تاريخ المنشور الذي وضعت عليه تلك الإمضاءات يقع في 20 ربيع ~~الأول سنة 1214، وتشكيل الديوان العمومي الذي نحن بصدده كان في رجب سنة 1213، فمن ~~المحتمل حدوث تغيير في الأعضاء في خلال تلك المدة خصوصا، وأن من الثابت لدينا أن ~~مخائيل كحيل السوري مات في 29 محرم سنة 1214. # 3 # أما أعضاء الديوان «عدا أعضاء الخصوصي» فلم نقف على أسمائهم في الكتب العربية، ~~وكل ما ذكره الجبرتي عنهم قوله: «وأما العمومي فأكثره مشايخ حرف.» وكنت قبل أن أعثر ~~على الاسم الساقط في الجبرتي من أعضاء الديوان الخصوصي، أميل إلى الظن بأنه قد يكون ~~الشيخ عبد الرحمن الجبرتي نفسه، هو ذلك العضو، وأنه لم يرد ذكر اسمه تواضعا منه أو ~~ترفعا عنه، خصوصا بعد خروج الفرنسيين وقدوم الأتراك، وهو لم يجمع كتابه إلا بعد ~~هذه الفترة بزمن طويل، كما سبق لنا تحقيق ذلك، وسبب هذا الظن أن «كاردين» وغيره من ~~الذين ترجموا هذه الفترة من تاريخ الجبرتي، قالوا عنه: إنه كان عضوا في الديوان ~~الخصوصي مدة وجود الفرنسيين في مصر، ولكن هذا الظن زال أثره بعد أن تحققت من أن ~~الشيخ عبد الرحمن الجبرتي كان عضوا في الديوان الذي أنشئ في زمن الجنرال ~~مينو. # 4 # ومما جاء في مرسوم نابوليون بتشكيل هذا المجلس أن يكون في المجلس مندوب فرنسي وهو ~~مسيو جلوتيه # Gloutier # وأن الذي يأمر باجتماع ~~المجلس هو قومندان «حاكم» المدينة، ويجب أن تنتهي جلسات الديوان ms248 العمومي بعد ثلاثة ~~أيام، ولا ينعقد ثانية إلا بدعوة فوق العادة، وأن أعضاء الديوان الخصوصي يجتمعون ~~يوميا للعمل «على ما يؤيد العدل ويؤدي إلى إسعاد الأهالي وخدمة صوالح الجمهورية ~~الفرنسية» وجعل مرتب رئيس الديوان الخصوصي في كل شهر مائة ريال، ولكل عضو ~~ثمانون. # وأعقب نابوليون الأمر بإنشاء الديوان على الطريقة المتقدم بيانها بمنشور طويل قصد ~~به اكتساب مودة المصريين، مع الإرهاب والإنذار! وإن كان الجبرتي قد نشره مع طوله ~~«للاطلاع على ما فيه من التمويهات على العقول والتسلق على دعوى الخواص من البشر ~~بفاسد التخيلات، التي تنادي على بطلانها بديهة العقل فضلا عن النظر»؛ فنحن كذلك ~~ننشره لسبب آخر وهو مقارنته بالأصل الفرنساوي، لإظهار ما في ذلك من تصورات نابوليون ~~في نفسه، وإظهار ما كان يعانيه المشايخ في تنقيح وتحوير عباراته، بألفاظ تقرب من ~~مراده، ولا تجرح المسلمين في عواطفهم، ولا تؤلمهم في معتقداتهم، وهذا هوالنص العربي ~~كما ورد في الجبرتي وفي غيره ممن نقل عنه، ولم يأت به المعلم نقولا الترك. # بسم الله الرحمن الرحيم # من أمير الجيوش الفرنساوية إلى كافة أهل مصر الخاص والعام! نعلمكم أن ~~بعض الناس الضالين العقول، الخالين من المعرفة وإدراك العواقب، سابقا ~~أوقعوا الفتنة والشرور بين القاطنين بمصر فأهلكهم الله بسبب فعلهم ونيتهم ~~القبيحة، والباري سبحانه وتعالى أمرني بالشفقة والرحمة على العباد فامتثلت ~~أمره وصرت رحيما بكم عفوا عنكم، ولكن حصل عندي غيظ وهم شديد بسبب تحريك ~~تلك الفتنة بينكم، ولأجل ذلك أبطلت الديوان الذي كنت رتبته لنظام البلد ~~وإصلاح أحوالكم من مدة شهرين، والآن توجه خاطرنا إلى ترتيب الديوان كما ~~كان؛ لأن حسن معاملتكم وأحوالكم في المدة المذكورة أنسانا ذنوب الأشرار ~~وأهل الفتنة التي وقعت سابقا، أيها العلماء والأشراف أعلموا أمتكم ومعاشر ~~رعيتكم بأن الذي يعاديني ويخاصمني إنما خصامه من ضلال عقله وفساد فكره فلا ~~يجد ملجأ ولا مخلصا ينجيه مني في هذا العالم، ولا ينجو من بين يد الله ~~لمعارضته لمقادير الله سبحانه وتعالى، والعاقل يعرف أن ما فعلناه بتقدير ~~الله تعالى، ms249 وإرادته وقضائه، ومن يشك في ذلك فهو أحمق وأعمى البصيرة، ~~واعلموا أيضا أمتكم أن الله قدر في الأزل هلاك أعداء الإسلام وتكسير ~~الصلبان على يدي، وقدر في الأزل أني أجيء من الغرب إلى أرض مصر لهلاك الذين ~~ظلموا فيها وإجراء الأمر الذي أمرت به، ولا يشك العاقل أن هذا كله بتقدير ~~الله وإرادته وقضائه، واعلموا أيضا أمتكم أن القرآن العزيز صرح في آيات ~~كثيرة بوقوع الذي حصل، وأشار في آيات أخرى إلى أمور تقع في المستقبل وكلام ~~الله في كتابه صدق وحق لا يتخلف. # إذا تقرر هذا وثبتت هذه المقالات في آذانكم فلترجع أمتكم جميعا إلى صفاء ~~النية، وإخلاص الطوية، فإن منهم من يمتنع عن الغي وإظهار عداوتي خوفا من ~~سلاحي وشدة سطوتي، ولم يعلموا أن الله مطلع على السرائر يعلم خائنة الأعين ~~وما تخفي الصدور، والذي يفعل ذلك يكون معارضا لأحكام الله ومنافق، وعليه ~~اللعنة والنقمة من الله علام الغيوب، واعلموا أيضا أني أقدر على إظهار ما ~~في أنفس كل واحد منكم؛ لأنني أعرف أحوال الشخص وما انطوى عليه بمجرد ما ~~أراه، وإن كنت لا أتكلم ولا أنطق بالذي عنده، ولكن يأتي وقت ويوم يظهر لكم ~~بالمعاينة أن كل ما فعلته وحكمت به فهو حكم إلهي لا يرد، وأن اجتهاد ~~الإنسان غاية جهده لا يمنعه عن قضاء الله الذي قدره وأجراه على يدي! فطوبى ~~للذين يسارعون في اتحادهم وهمتهم مع صفاء النية وإخلاص السرايرة والسلام. ~~ا.ه. # كتب نابوليون هذا المنشور الغريب في 21 ديسمبر وهو يوافق يوم الجمعة 13 رجب، ~~ولكنه لم ينشر في القاهرة إلا يوم 16 رجب؛ أي: بعد ثلاثة أيام قضاها المترجمون في ~~تعريب وتحوير عبارة نابوليون الأصلية التي ادعى فيها لنفسه منزلة النبوة إن لم نقل ~~الإلوهية، وهذا ما يقصده الشيخ الجبرتي بقوله: «التسلق على دعوى الخواص من البشر.» ~~كالأنبياء المرسلين وأولياء الله الصالحين مثلا، ولو عرف الشيخ الجبرتي أن ~~نابوليون يقول في الأصل الفرنسي: «إن الذين يبلغ بهم الاستخفاف إلى معاداتي لا ~~يجدون ملجأ ms250 لأنفسهم لا في هذا العالم ولا في عالم الآخرة.» لما اكتفى بوصف نابوليون ~~بالتسلق على دعوى الخواص من البشر، بل لرماه بالإغراق والتسلق على مقام الله سبحانه ~~وتعالى. # وغريب أن نابوليون الذي ما صح له اعتقاد بوجود الخالق كما أثبت ذلك كل المحققين ~~من كتاب تاريخه، يدعى أن الله عز وجل أمره أو أوحى إليه بالشفقة والرحمة على ~~العباد!! ومن رأى اللورد «روزبري» في كتابه الجليل عن نابوليون في سانت هيلانة، ذلك ~~الكتاب الذي حلل فيه أخلاق نابوليون ومعتقداته تحليلا فلسفيا علميا، معتمدا ~~فيه على أقوال نابوليون وشهادة الذين عاشروه ونقلوا عنه، أن نابوليون كان من الوجهة ~~الدينية، رجلا ماديا لا يعتقد بوجود الخالق، ولا يصدق بالأنبياء ولا بالبعث ~~والنشور، ولنا في هذا الموضوع كلمة سنأتي بشيء من البيان والتحقيق في فصل سنعقده ~~لما كان يقال، ولا يزال يعتقد لدى بعضهم، من أن نابوليون اعتنق الإسلام أو ~~ادعاه. # وكيفما كان معتقد نابوليون وهو يكتب ذلك المنشور، فلا نزاع في أنه أراد به ~~التمويه على العقول وإرهاب المسلمين وتحذيرهم من الانقلاب عليه وعلى جنوده إذا أقبل ~~العثمانيون لخلاص مصر من أيدي الفرنساويين، وفاته أن للمسلمين اعتقادات ثابتة، ~~ودينا قائما على أسس راسخة رسوخ الجبال، قد فصل فيه كل أمر تفصيلا، فهم لا ~~يؤخذون بمثل هذه التمويهات، وهم لا يثقون بالمسلم إلا إذا حسن إسلامه واتبع أوامر ~~الدين الحنيف واجتنب نواهيه، وفاته أيضا أن فكرة الخلافة الإسلامية متأصلة في نفوس ~~المسلمين، وأنهم ما داموا يعتقدون أن الخلافة في بني عثمان، فمهما جاءهم نابوليون ~~بالمعجزات، ومهما صور لهم من أمثال تلك العبارات، فإنهم يعتقدون أن نصرة آل عثمان ~~على المسلمين فرض مقدس عليهم؛ أخطأ المسلمون المصريون وغير المصريين في ذلك أم ~~أصابوا، فإن ذلك لا يغير الحقيقة التي شرحناها في هذا المقام، والمعنا إليها في ~~كثير من مواطن الكلام. # 4 # ورأى نابوليون ضرورة تحصين القطر المصري من الجهات المختلفة اتقاء للطوارئ فبعث ~~الجنرال مارمون # Marmont # بفرقة من الجنود ليساعدوا ~~في تحصين الشواطئ المصرية ms251 الواقعة بين برج العرب «مارابوط» ورشيد، وكان الأسطول ~~الإنكليزي ومعه بضع سفن روسية وعثمانية يظهر من آن لآخر أمام الشواطئ المصرية فيضطر ~~الفرنساويون إلى مضاعفة قواهم في الجهات الواقعة على السواحل والثغور، وأنشئت ~~القلاع والطوابي حول ثغر دمياط وعلى مصاب نهر النيل وكانت في ذلك الوقت أكثر من ~~اثنين، وانتقل الجنرال كليبر من قومندانية الإسكندرية إلى القاهرة وعين مكانه ~~الجنرال مارمون المشار إليه. # والآن وقد ظن نابوليون أنه قد اطمأن بالا بعد أن حصن القاهرة أو جعلها تحت رحمة ~~طوابيه وقلاعه ومدافعه، وبعد أن حصن الشواطئ من الإسكندرية إلى العريش وأقام في ~~الصالحية القوى الكافية والحصون اللازمة، وبعد أن ضعضع الجنرال «ديزيه» قوى مراد بك ~~في الوجه القبلي ولم يبق في نظر نابوليون معارض ولا مقاوم، انصرف إلى التفكير في ~~المشروع العظيم الذي لم يتم على يديه، ولكن بقي فخاره لفرنساوي آخر، ونعني به مشروع ~~قنال السويس - أي: اتصال البحر الأبيض بالبحر ~~الأحمر - ولم يكن الفرنساويون لهذا الوقت «أوائل شهر ديسمبر سنة 1798» قد امتلكوا ~~السويس؛ لانقطاع المواصلات بينها وبين القاهرة، ولسطوة العربان في الصحراء الواقعة ~~بين البلدين، وقد كانوا حاولوا احتلال ذلك الثغر بواسطة نفر من المماليك وبضع نفر ~~من الفرنساويين فلم ينجحوا، فقد روى الجبرتي في حوادث 15 ربيع الأول أنهم عينوا ~~إبراهيم العمار أغات المتفرقة قبطانا للسويس، وسافر معه أنفار «يبوت» فرنساوي فخرج ~~عليهم العربان فنهبوهم وقتلوا إبراهيم أغا المذكور ومن معه. # 5 # فكان احتلال السويس ضروريا لوصول التجارة القادمة من البحر الأحمر، ولتأمين ~~الحجاج، ولقطع المواصلات مع إبراهيم بك ومن معه في سوريا، فلذلك انتخب نابوليون فئة ~~من العلماء وأوفد الجنرال «بون» بفرقته ليكون في مقدمة الحملة على السويس وأصدر له ~~أمرا مطولا بالتعليمات التي يتبعها، وهي محفوظة في مكاتبات نابوليون نمرة 3697 ~~وكلها تعليمات عسكرية لا نرى ضرورة لتعريبها، وفي يوم 24 ديسمبر عسكر نابوليون ومن ~~معه من الجنود والقواد والعلماء في بركة الحج، ثم وصل بلده «اجرود» بعد ظهر اليوم ~~التالي وسار منها إلى السويس ms252 فوصلها في الليل وبات في خيمة. # وكانت السويس في ذلك الزمن فرضة صغيرة يقيم فيها بضع مئات من الناس في غير موسم ~~الحج، وكان الماء ينقل إليها على ظهور الجمال من عيون موسى وليس فيها من الصهاريج ~~التي تحفظ فيها المياه إلا عددا قليلا قد تخرب أكثره، وكان يصل عدد سكانها إلى ~~نحو الألفين أو ثلاثة آلاف في أيام موسم الحج وحركة التجارة، ولما وصلها نابوليون ~~في 27 ديسمبر أصدر أمره بإقامة المعاقل والحصون وعزم على زيارة عيون موسى، وهذا ~~البيان ملخص من بيان طويل أملاه نابوليون وطبع في كتاب «حروب مصر وسوريا للجنرال ~~براتران». # والجبرتي يقول في حوادث 16 رجب: «إن ساري عسكر بونابرته سافر إلى السويس وأخذ ~~صحبته السيد أحمد المحروقي وإبراهيم أفندي كاتب البهار «ديوان البن والبضائع التي ~~ترد من البحر الأحمر» وأخذ معه بعض المديرين والمهندسين والمصورين وجرجس الجوهري ~~وأنطون أبو طاقية وغيرهم، وعدة كثيرة من عساكر الخيالة والمشاة وبعض مدافع وعربات ~~وتختروان، وعدة جمال لحمل الذخيرة والماء والقومانية «المأكولات». # وروى أيضا أنه لما عاد السيد أحمد المحروقي ومن معه من السويس حكوا أن أهل ~~السويس لما بلغهم مجيء الفرنساوية «أي: الفرقة التي ذهبت مع الجنرال بون لاحتلال ~~الثغر قبل وصول نابوليون» هربوا وأخلوا البلدة فذهب بعضهم إلى الطور وبعضهم إلى عرب ~~البادية، فنهب الفرنساويون ما وجدوه في البندر من البن والمتاجر والأمتعة وهدموا ~~الدور وكسروا الأخشاب وخوابي المياه.» ثم قال: «فلما حضر كبيرهم وكان متأخرا عنهم ~~كلمه التجار الذاهبون معه، وأعلموه أن هذا الفعل غير صالح فاسترد من العسكر بعض ~~الذي أخذوه ووعدهم باسترجاع الباقي أو دفع ثمنه بمصر.» وقال الجبرتي أيضا: «إن ~~نابوليون في مدة إقامته بالسويس سار يركب ويتأمل النواحي وجهات ساحل البحر ليلا ~~ونهارا.» # ولا شك أن نابوليون كان ينظر إلى أمواج البحر الأحمر وهو يحرق الارم لعدم وجود ~~السفن التي تقله وتحمل جيوشه إلى البلاد الهندية ليأخذ بثأره من الإنكليز! فكأنما ~~كانت هاتيك الأمواج تجيبه بتلاطمها على الصخور، وحفيفها بالرمال «إن ms253 أولئك الذين ~~تحقد عليهم سيحاربونك وتحاربهم، ويخذلونك وتخذلهم، ثم يكون، بما لهم من السيطرة على ~~هذه المياه، القول الفصل في شأنك لهم، فيأخذونك إلى سانت هيلانة، وتعيش فيها كئيبا ~~لا مؤنس لك غير مثل هذه الأصوات، من مثل هذه الأمواج والمستقبل لله! والملك لله!» ~~ولو كشف له قناع المستقبل وهو ينظر ويتأمل شواطئ البحر الأحمر، لرأى كما يرى النائم ~~في حلمه، خيالات السفن مارة من البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأحمر، حاملة رايات ~~الزينة المصرية والفرنساوية، وفي وسط إحدى هاتيك السفن رجل من بني جنسه يشير بإصبعه ~~قائلا: «إنني أفتح الطرق للأمم» # 6 # ثم يرى بعد ذلك خيال المدرعات الإنكليزية والمدافع البريطانية مع سفن ~~بلاده وأبناء قومه وعشيرته يقفون كتفا لكتف مع أولئك الذين صدوه وقبروه ليحفظوا ~~لهم هذه الديار، # 7 # بعد أن أخرجوهم منها منذ قرن من الزمان! فيفيق من سباته مذعورا، وهو ~~يقول في سره مباكتا نفسه: كلا لا يمكن أن يكون هذا صحيحا! إنما هي أضغاث أحلام، ~~وخيالات من خيالات هذه البلاد المشهور بالطلاسم والسحر في غابر الأيام! أولم يضرب ~~موسى بعصاه البحر في هذا المكان فانفلق وعبر هو وبنو إسرائيل، وغرق فرعون فكان من ~~الهالكين ...؟ # كأني بنابوليون وقد أفاق من غيبوبة كهذه فقال لمن معه من العلماء والمفكرين: ~~«هلموا نعبر البحر حيث عبره موسى وبنو إسرائيل»! # وليس هذا من قبيل الخيال فإن نابوليون صمم حقيقة على قطع البحر الأحمر عند النقطة ~~التي عبر منها موسى وقومه؛ ولذلك أصدر أمره إلى الجنرال «برتية» في يوم 27 ديسمبر ~~بأن ينبه على الكونتر أميرال «غانتوم» أن يذهب مع نحو ستين رجلا من الأدلاء إلى ~~جهة عيون موسى، وأعلنه بأنه سيركب مع الخيالة في الساعة الثالثة من صباح اليوم ~~التالي، وليكن مع المشاة والأدلاء ما يلزمهم من المؤنة لمدة ثلاثة أيام. # وفعلا ركب نابوليون ومعه الجنرالان كفريللي رئيس المهندسين والجنرال دومرتين ~~قومندان الطوبجية مع عدد من الفرسان وعبر البحر عند نقطة المعدية، في الوقت الذي ~~تنسحب فيه المياه بالجزر، وكان ms254 ذلك في الساعة الثالثة من صباح يوم 29 ديسمبر، ~~والمسافة بين السويس وعيون موسى تبلغ نحو ثلاثة فراسخ، وكان الكونتراميرال غاننوم ~~قد سافر بسفينة مسلحة مع عدد كبير من البحار والمهندسين، وكثير من العلماء عن طريق ~~البحر، وقد روى نابوليون فيما أملاه على «برثران» أنهم وجدوا عند عيون موسى آثار ~~مبان كان أقامها الفينيسيون «البندقيون» في القرن الخامس عشر حينما أرادوا مقاومة ~~البرتغاليين في طريقهم إلى الهند. # ونلخص القطعة الآتية من كلام مطول من كتاب برتران المشار إليه قال: «وفي المساء ~~امتطى نابوليون صهوة جواده ليعود إلى السويس والذين جاءوا عن طريق البحر ركبوا ~~السفينة، وفي الساعة التاسعة مساء نادى الجنود الذين في المقدمة أنهم ضلوا الطريق ~~وطلبوا الأدلاء، وكان الجنود في النهار قد تسلوا بسقي أولئك الأدلاء الخمور حتى ~~سكروا وغابوا عن الصواب وضل الركب الطريق، وكانت الليلة مظلمة وخيل للجند في مقدمة ~~الركب أنهم يبصرون نارا في السويس فاتجهوا إليها، ولكن تلك النار كانت عبارة عن ~~مصباح السفينة التي تقل الجماعة الآخرين فازداد الركب ضلالا، وكانت الساعة قد صارت ~~عشرة وأخذ المد يعلو، والمياه تدنو، والخيل تسير في تلك الرمال إلى أن وصلت المياه ~~إليها وأخذت تزداد شيئا فشيئا حتى وصلت إلى بطون الخيل والقوم حيارى لا يدرون ~~ماذا يصنعون حتى قال نابوليون منذعرا: «أجئنا هنا لنغرق كما غرق فرعون من قبل؟ فما ~~يكون أحسن من هذا موضوعا للوعظ في كنائس رومه.» # 8 # ولكن الحامية كانت مؤلفة من جنود أقوياء من الذين خدموا الجيش من ثمان ~~إلى عشر سنوات، وهم على جانب من النباهة والدراية، فمن هؤلاء اثنان أحدهما اسمه ~~لويس وكربونيل، فالأول اكتشف الطريق الأصلي في الحال وعاد بسرعة لإرشاد الجماعة، ~~وكانت المياه قد وصلت إلى سروج الخيل، وكاد يغرق الجنرال كفريللي بسبب رجله ~~المصنوعة من الخشب، ولكنهم بعد جهد جهيد صلوا إلى الشاطئ». # وقال صاحب هذه الرواية إن الذين بقوا في السويس أدركوا أن الجماعة قد ضلوا فخطر ~~لهم أن يقيموا نارا لهدايتهم، فلم يجدوا الخشب ms255 اللازم لذلك فهدموا دارا من الدور ~~ولم يكادوا يشعلون النار حتى كان الجماعة قد وصلوا إلى البر، ولم ينس نابوليون أن ~~يكافئ الجندي لويس الذي دلهم على الطريق، وأنقذ الجنرال كفريللي من الغرق فرقى ~~درجته وأهداه سيفا نقش على إحدى صفحتيه «من الجنرال بونابرت للفارس لويس.» وعلى ~~الصفحة الثانية «عبور البحر الأحمر.» # 9 # وفي أثناء وجود نابوليون جهة الطور حضر إليه رهبان دير طور سيناء وطلبوا منه أن ~~يشملهم برعايته، كما أعطاهم النبي محمد عهد الأمان، وكما فعل صلاح الدين والسلطان ~~سليم؛ فأعطاهم عهدا بأن لا يعتدي عليهم أحد من الفرنساويين، وصورة عهد نابوليون ~~لهم محفوظة بنمرة 3782 في مجموعة مكاتباته. # كان نابوليون موفقا في جميع أموره، ولطالما عرض نفسه للأخطار، ففي «أركولا» ~~بإيطاليا كاد يصعق تحت سنابك الخيل، وأنقذ بمعجزة من معجزات الزمان، وهاهو يخلص من ~~سيل البحر ومده ويعلو على الأمواج وارتفاعها، وكأني به وهو يقول: «أجئنا لنغرق كما ~~غرق فرعون.» يسمع هاتفا يهتف في تلك الليلة الليلاء، وفي ذلك المكان المملوء ~~بالذكريات الرهيبة: ~~«لا تخف! إن الله حارسك وحافظك، فإن المهمة التي خلقت لأجلها لم تتم بعد! جئت إلى ~~هذه الديار فقطعت دابر فئة ظلمت العباد وسفكت الدماء، وخرجت عن حدود الإنسانية حتى ~~ضجت منها الأرض والسماء، فجاء الله بك جلادا لتنفيذ عدله الإلهي، وسنذهب بك إلى ~~الشام فنفعل فيها في الضالين الظالمين مثلما فعلت في أولئك المماليك في مصر، ~~والنمساويين في إيطاليا، ثم تعود إلى فرنسا فتشعل نار الحرب في أوروبا، وتتسم ذروة ~~المجد الشاهقة، وتأخذ في غزو الأمم وإذلال العباد، وإهراق الدماء، وتبقى كالسيف ~~المعلق على الرقاب، تنظف أوروبا كما ينظف الخادم دار مولاه! حتى إذا انقضت مهمتك ~~سقطت من ذلك المكان العالي، سقوط الشهاب الثاقب، لتعيش بعد ذلك ستة أعوام متوالية ~~يتقطع فيها نياط قلبك، كما تقطع أوتار الآلة الموسيقية، فيسمع لها رنين غريب، قد ~~بقي دويه إلى اليوم، يرن في آذاننا، وآذان من يأتي من بعدنا، إلى يوم الساعة! وما ~~كنت في الأولى، ms256 ولا في الثانية، إلا آلة في كف القضاء، وألعوبة في يد الأقدار، وكل ~~ميسر لما خلق له»! # ولنعد إلى ما كنا فيه من رحلة نابوليون إلى السويس فنقول: إنه في اليوم التالي ~~لخلاصة من ذلك المأزق الحرج، ركب في جماعة من العلماء وفيهم مونج وبرتللوا وبعض ~~قواده وضباطه أركان حربه وسار بهم شمالا بقصد استطلاع طريق مواصلة البحر الأبيض ~~بالأحمر، وكان قبل قد أصدر أمره إلى القوة المرابطة بالسويس بالسير عائده للقاهرة ~~عن طريق أجرود وبلبيس، أما هو فعثر على آثار تلك الترعة التي كانت تنقل مياه النيل ~~في الوادي من بوبسط على فرع النيل القديم الذي كان يسمى «بيليز» ~~“Peluse” ~~. # وفي الثالث من شهر يناير سار نابوليون ومعه بعض القواد والجنود في اتجاه وادي ~~الطمبلات، وهناك أبصر برجل يسير على هجين يحمل رسالة، ولما رأى الرجل الجنود ~~الفرنسية حاول الاختفاء والابتعاد، وكانت الرسائل التي معه من إبراهيم بك والجزار ~~باشا إلى مصر معلنة بابتداء المعارك على حدود سوريا وبأن جيش الجزار دخل الأراضي ~~المصرية، وأن مقدمة هذا الجيش احتلت قلعة العريش، وهي تعمل في تحصين القلعة لتكون ~~قادرة على الدفاع. # وفي هذه الأثناء وصلت مراكب من جدة إلى السويس حاملة مقدارا عظيما من البن ~~وبضائع الهند فاجتاز بونابرت الصحراء وعاد إلى السويس، وكانت حملة هذه المراكب تبلغ ~~نحو أربعمائة أو خمسمائة طن، وجاءت أيضا قافلة من القاهرة وأصبحت مدينة السويس ~~كمدينة هندية وقابل بونابرت التجار الذين عادوا من الهند، وبعد ذلك سار من السويس ~~إلى الصالحية، وأخذ في إقامة الاستحكامات فيها استعدادا للحملة على سوريا. # | هوامش # الفصل الرابع عشر # | المدة الثانية # الحملة الفرنساوية على الشام # 1 # ندخل الآن في المدة الثانية من الدور الثالث، وهي عبارة عن الزمن الذي قضاه نابوليون ~~في غارته على الديار الشامية إلى أن عاد إلى القاهرة يائسا من تحقيق أحلامه في بلاد ~~الشرق، وقد سبق لنا القول إن الدولة العليا اتحدت مع إنكلترا وروسيا على محاربة فرنسا ~~وإخراج جنودها من أرض مصر، فأعلن الباب ms257 العالي الحرب على فرنسا رسميا في 21 ربيع ~~الأول سنة 1213 الموافق 2 سبتمبر سنة 1798، والحق يقال: إن نابوليون كان أبعد نظرا من ~~جميع رجال السياسة في فرنسا؛ لأنه فكر في إمكان قيام الدولة العلية عليه، فحسب لذلك ما ~~حسب من سوء العواقب قبل أن يبرح فرنسا بحملته، بدليل أنه كتب من إيطاليا إلى مسيو ~~تالليران ~~(Talleyrand) # وزير الأمور الخارجية بتاريخ 13 ~~سبتمبر سنة 1797 «أي: قبل إعلان الدولة العثمانية الحرب على فرنسا بسنة كاملة» خطابا ~~محفوظا الآن بوزارة الخارجية يطلب منه اتخاذ الوسائل اللازمة لإرضاء الباب العالي ~~وحمله على قبول الاحتلال الفرنساوي لمصر، بل وزاد نابوليون في ذلك إذ طلب من تالليران ~~أن يذهب بنفسه إلى الآستانة ليبذل ما أوتي من حكمة ودهاء للتأثير على رجال الدولة ~~العلية. # إلا أن تالليران لم يكن في الحقيقة صافي النية نحو نابوليون، كما يشهد بذلك تاريخه ~~معه حتى بعد ارتقاء نابوليون إلى عرش فرنسا، وطالما أظهر نابوليون الحقد عليه وطعن في ~~ذمته وإخلاصه في مذكراته وأحاديثه في سانت هيلانة، ولذلك لم يذهب تالليران إلى ~~الآستانة، قال «ميو» في مقدمة كتابه: «ولما كان نابوليون يحب دائما أن يشرك الرجال معه ~~فيما يذهب إليه من الأخطار # 1 # طلب من تالليران أن يذهب إلى الآستانة، وبرح نابوليون فرنسا وهو معتقد بصدق ~~وعود تالليران ولكن الأول لم يدرك أن الثاني كان أكثر منه دهاء وخبثا؛ لأنه تركه يرحل ~~لمصر وهو عارف بما ستؤدي إليه نتائج تلك الحملة، وبقي في باريس و،خدع بذلك أحد أعضاء ~~الديركتوار الذي كان يتطلع إلى منصب وزارة الخارجية.» # ومع ذلك فإن تالليران لم ينس أن يكلف سفير الجمهورية الفرنسية في الآستانة أن يبذل ~~نفوذه للتأثير على الباب العالي لأجل منعه عن الانضمام إلى إنكلترا وروسيا، فقد رأيت في ~~كتاب المرحوم سرهنك باشا «حقائق الأخبار في دول البحار» وهو في هذا ناقل عن المصادر ~~التركية قوله: «إن الدولة العلية أخذت تسعى في استرجاع مصر، وإخراج نابوليون منها ~~بالقوة رغما عن المساعي التي أجراها ms258 مسيو روفن # Ruffin # سفير فرنسا لدى الباب العالي لإقناع الدولة وجعلها تعتبر حركات بونابرت حبية لا عدائية؛ ~~لأن الدولة وقتئذ عدت ذلك بمثابة إعلان حرب من فرنسا عليها وسجنت السفير روفن المذكور ~~في «يدي قلله» مع باقي الفرنساويين المقيمين في القسطنطينية كالعادة، ثم أخذت تجهز ~~جيوشها وأساطيلها وعقدت لذلك معاهدات دفاعية مع دولتي الروسيا وإنكلترا على يد مندوبها ~~المسمى عصمت بك أحد الصدور العظام وعاطف أفندي رئيس الكتاب.» # ونحن لا نحتاج إلى تذكير القارئ بأن إنكلترا لما اتفقت مع الدولة العثمانية على ~~محاربة فرنسا في مصر، إنما كانت تنفذ خطتها السياسية، وتقاليدها الأساسية، وهي أن لا ~~توجد على ضفاف النيل دولة قوية؛ تلك السياسة التي ظهرت واضحة جلية في جميع حوادث القرن ~~التاسع عشر الميلادي بمصر، من إخراجها الفرنسيين من هذه الديار، وبمقاومتها محمد علي ~~باشا وإضعاف دولته وخضد شوكته، وفي مقاومة إنشاء قناة السويس، وفي مساعدتها إسماعيل ~~باشا على الإسراف، وباتخاذ ديون مصر وسيلة للتدخل في شئون البلاد، وإلهابها شرارة ~~الثورة العرابية توسلا لاحتلال مصر. # وأما روسيا التي لم تكن في ذلك الحين قد رسمت سياستها الآسيوية تلك السياسة التي حولت ~~بها وجهها شطر التوسع في آسيا والتطلع إلى الهند، فإنها لعداواتها للجمهورية ~~الفرنساوية، وخشيتها من انتشار أفكار الثورة الفرنسية في البلاد الروسية، رضيت أن تدخل ~~في اتفاق مع عدوتها تركيا وإنكلترا لإخراج فرنسا من أرض مصر، وهكذا السياسة دائما ~~تعادي وتصافي للمصلحة قبل كل شيء. # بدأت تركيا حربها ضد فرنسا باحتلال الجزر اليونانية الواقعة في بحر الادرياتيك وكان ~~نابوليون، لما قهر جمهورية فينيسيا«البندقية»، احتل تلك الجزر وضمها إلى الجمهورية ~~الفرنساوية، قال سرهنك باشا في كتابه المشار إليه «وصلت الدوننما الروسية من البحر ~~الأسود إلى الآستانة وانضمت إليها الدوننما العثمانية، ثم أقلع الأسطولان سوية من ~~البوغاز وقصدا بحر الادرياتيك، واستوليا على البلاد التي كانت فرنسا واضعة يدها عليها ~~هناك بمساعدة دلنلي علي باشا، وبعد أن تم لها ذلك شكلت الدولة الروسية هناك جمهورية ~~مكونة من عدة جزائر يونانية عرفت ms259 بجمهورية الجزائر السبع، وكفت الدولة وقتئذ أحمد باشا ~~الجزار والي عكا أن يبعث جيشا لاحتلال العريش.» # ويرى القارئ، من الشذرات التي نقلناها واعتمدنا عليها من كتاب سرهنك باشا، التمرق بين ~~ما يكتبه في التاريخ أهل المعرفة والاطلاع وذووالإلمام بلغة أو بلغتين من اللغات ~~الأجنبية، وبين ما يكتبه في هذا الفن من لا يكلف نفسه مشقة الفحص والتمحيص، وينقل من ~~الكتب العربية أغلاطها، ويقع فيما وقع عليه فيه كتابها عن جهل قهري، فالجبرتي مثلا ~~إنما يعتمد عليه في الأمور المحلية والحوادث الوقتية اليومية، ولكن معرفة الأمور ~~الخارجية والمسائل السياسية تحتاج للرجوع إلى الكتب التركية أو الأوروبية إجمالا، ولقد ~~وقع سرهنك باشا في كتابته عن هذه الفترة في أغلاط جمة وبما أشرنا إليها في سياق ~~الكلام. # ولنعد إلى تاريخ حملة نابوليون على سورية فنقول: ذكر نابوليون في مذكراته التي أملاها ~~على الجنرال برتران في سانت هيلانة أنه لو بقي الفرنساويون في مصر ينتظرون في الغارة ~~عليها من البحر والبر لعرضوا أنفسهم لأخطار كبيرة لا قبل لهم بها، ولذلك صمم نابوليون ~~على مهاجمة أعدائه قبل أن يهاجموه، وبدأ في تجهيز الحملة على سورية، وكان نابوليون يؤمل ~~أن ينضم إليه مسيحيو سوريا ودروز جبل لبنان لما يقاسيه أولئك من ظلم الجزار وقبائحه، ~~وكان من جهة أخرى يصور لنفسه إمكان تأليف جيش كبير من أهالي سوريا ليسير بهم إما شمالا ~~إلى الآستانة وإما جنوبا بشرق إلى بلاد فارس والأقطار الهندية ليعيد ذكرى الإسكندر ~~المقدوني ويتوج قيصرا على كل هاتيك الممالك والأصقاع، فقد جاء في مذكرات «بوريين» أن ~~نابوليون التفت إليه وهما سائران بالقرب من الشاطئ أمام عكا وقال: # بوريين! إذا نجحت في فتح هذه المدينة، كما أعتقد أنني سأنجح، فإنني سأجد فيها ~~كنوز الجزار، وأجد أسلحة تكفي لثلاثمائة ألف جندي، وعند ذلك أهيج أهالي سورية ~~الذين يبغضون الجزار لظلمه، ويسألون الله صباح مساء أن أنجح في دخول عكا، ثم ~~أسلح منهم جيشا عرمرما وأقصد دمشق وحلب فينضم إلي القوم كمخلص لهم من ~~المظالم، ثم أسير ms260 بجيوش لفتح الآستانة وأنشئ في الشرق إمبراطورية عظيمة الشأن ~~تنقش اسمي على أحجار الأبدية، وربما عدت إلى باريس من طريق أدرنة وفينا بعد أن ~~أمحي من صحيفة الوجود بيت هابسبورج. # 2 # إيه أيتها الأحلام! ما أحلاك ساعة التصور وأمرك عند صحو التحقيق: # تقفون والفلك المحرك دائر # وتقدرون فتضحك الأقدار! # 2 # عاد نابوليون من رحلته إلى السويس في السابع من شهر يناير سنة 1799، قال الجبرتي ~~«وفي ليلة الاثنين غاية شهر رجب حضر ساري عسكر بونابرت من ناحية بلبيس إلى مصر ليلا، ~~وأحضر معه عدة عربان وعبد الرحمن أباظة أخو سليمان أباظة شيخ العبابدة وخلافه رهائن ~~وضربوا أبو زعبل والمنير وأخذوا مواشيهم وحضروا بهم للقاهرة، وخلفهم أصحابهم رجالا ~~ونساء وصغارا.» # وما فعل ذلك نابوليون بعرب الشرقية وأخذ زعماءهم رهائن إلا ليأمن جانبهم في حملته على ~~الشام، أو ليتقي شرهم في حال هجوم الجنود التركية التي كانت في ذلك الوقت قد احتلت ~~العريش وأخذت في الزحف على مصر، وأول ما بدأ الشيخ الجبرتي ينوه بحملة الشام قوله في ~~حوادث يوم 12 رجب «وقد ذهب عدة من العسكر الفرنساوية إلى قطية وشرعوا في بناء أبنية ~~هناك، وأشيع سفر ساري عسكر إلى الشام والإغارة عليها.» وذكر في حوادث 19 رجب أيضا «أنه ~~كثر الاهتمام والحركة لسفر الفرنسيس إلى جهة الشام، وأخذوا جمال عرب الترابين ليحملوا ~~عليها الذخيرة والدقيق والعليق والبقسماط، ثم رسموا على الأهالي عدة كبيرة من الحمير ~~والبغال فخاف الناس على حميرهم وامتنع خروج السقايين والبراسمية، وحصل للناس ضيق بسبب ~~ذلك.» # نقلنا هذه العبارة من الجبرتي ليرى القراء أسلوب الفرنساويين في الاعتداء على ~~المساكين، وأخذهم دوابهم التي يتعيشون منها، وكأنهم استحلوا كل ما في أيدي المصريين ~~واعتبروه ملكا لهم يأخذونه أنى شاءوا وكيفما شاءوا. # وقبل أن يعلن نابوليون للمصريين بعزمه على غزوة الشام كتب منشورا على لسان أعضاء ~~الديوان الخصوصي تزلف فيه إلى المصريين، وبالغ في التلطف معهم إلى حد بعيد، وهذا ~~المنشور مكتوب بعبارة عربية مسجعة تشابه أسلوب المعلم نقولا في رسالته، ولعل ms261 نابوليون ~~كلفه بتحرير ذلك المنشور بعد أن مدحه بقيصدته المعلومة التي جعلها مسيو مارسل المستشرق ~~موضوع محاضرة له في دار المجمع العلمي، وقد وزع المنشور في يوم 21 من شهر شعبان سنة ~~1213 / 28 يناير سنة 1799 وهذا هو: # الحمد لله وحده، هذا خطاب إلى جميع أهل مصر من خاص وعام، من محفل الديوان ~~الخصوصي من عقلاء الآنام، علماء الإسلام، والوجاقات والتجار الفخام، نعلمكم ~~معاشر أهل مصر أن حضرة ساري عسكر الكبير بونابرته أمير الجيوش الفرنساوية صفح ~~الصفح الكلي عن كامل الناس والرعية، بسبب ما حصل من أراذل أهل البلد والجعيدية، ~~من الفتنة والشر مع العساكر الفرنساوية، وعفا عفوا شاملا، وأعاد الديوان ~~الخصوصي في بيت قائد أغا بالأزبكية، ورتبه من أربعة عشر شخصا أصحاب معرفة ~~واتقان، خرجوا بالقرعة من ستين رجلا كان انتخبهم بموجب فرمان ، وذلك لأجل قضايا ~~حوائج الرعايا وحصول الراحة لأهل مصر من خاص وعام، وتنظيمها على أكمل نظام ~~وإحكام، كل ذلك من كمال عقله وحسن تدبيره، ومزيد حبه لمصر وشفقته على سكانها من ~~صغير القوم قبل كبيرة، رتبهم بالمنزل المذكور كل يوم لأجل خلاص المظلوم من ~~الظالم، وقد اقتص من عسكره الذين أساءوا بمنزل الشيخ محمد الجوهري، وقتل اثنين ~~بقراميدان وأنزل طائفة منهم عن مقامهم العالي إلى أدنى مقام؛ لأن الخيانة ليست ~~من عادة الفرنسيس، خصوصا مع النساء الأرامل فإن ذلك قبيح عندهم لا يفعله الإ ~~كل خسيس، ووضع القبض بالقلعة على رجل نصراني مكاس؛ لأنه بلغة أنه زاد المظالم ~~في الجمرك بمصر القديمة على الناس، ففعل ذلك بحسن تدبيره ليمتنع غيره من الظلم، ~~ومراده يرفع الظلم عن كامل الخلق، ويفتح الخليج الموصل من بحر النيل إلى بحر ~~السويس لتخف أجرة الحمل من مصر إلى قطر الحجاز الأفخم، وتحفظ البضائع من اللصوص ~~وقطاع الطريق، وتكثر عليهم أسباب التجارة من الهند واليمن وكل فج عميق، ~~فاشتغلوا بأمر دينكم وأسباب دنياكم، واتركوا الفتنة والشرور، ولا تطيعوا ~~شيطانكم وهواكم، وعليكم بالرضا بقضاء الله وحسن الاستقامة، لأجل خلاصكم من ~~العطب والوقوع ms262 في الندامة، رزقنا الله وإياكم التوفيق والتسليم، ومن كانت له ~~حاجة فليأت إلى الديوان بقلب سليم، إلا من كانت له دعوة شرعية، فليتوجه إلى ~~قاضي العسكر المتولي بمصر المحمية، بخط السكرية، والسلام، على أفضل الرسل على ~~الدوام ا.ه. # وأما حكاية اقتصاص نابوليون من جنوده الذين «أساءوا بمنزل الشيخ محمد الجوهري» ذلك ~~القصاص الذي يتدلل به المصريين، ويوهم به أن الاعتداء على النساء ليس من عادة الفرنسيس؛ ~~فهي إن الشيخ محمد الجوهري الذي سبق الكلام عنه لما رأى تزاحم الفرنساويين على السكنى ~~بحي الأزبكية، هجر داره التي كانت له مطلة على البركة بالقرب من باب الهواء، وترك فيها ~~بعض الخدم من رجال ونسوة فحيل لبعض الفرنسيين في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب - ~~وذلك قبل عودة نابوليون من السويس بثلاثة أيام - التعدي على تلك الدار لأمر ما، فاستيقظ ~~النسوة الخادمات وصرخن فضربوهن وقتلوا منهن امرأة وحاولوا هتك عرض بنت خادمة، ففرت منهن ~~إلى مكان خفي في قعر الدار، قال الجبرتي: «وعاثوا في الدار وأخذوا متاعا ومصاغا ~~ونزلوا فاستيقظ البواب واختفى منهم.» وقال: «فلما قدم ساري عسكر من سفره ركب مشايخ ~~الديوان وأخبروه بأمر ذلك الاعتداء على منزل الشيخ الجوهري فاغتم لذلك وأظهر ~~الغيظ.» # ولولا أن الشيخ الجوهري له تلك المنزلة العالية التي يركب لأجلها مشايخ الديوان، لما ~~اغتم ولا اهتم نابوليون بأمر ذلك الاعتداء القبيح على داره وخدمه! ولو كان فيه نساؤه ~~وبناته للحقهن ما لحق خادماتهن! ولكن ألم يكن يقع مثل ذلك مع أسر كثيرة في جميع أحياء ~~القاهرة؟ وهل كنا ننتظر من الشيخ الجبرتي أن يدون لنا كل ما حصل من ذلك في دور محمد ~~وإسماعيل وإبراهيم وسيد أحمد مثلا ...؟ # ولولا أن نابوليون في ذلك الوقت كان قادما فيه على حرب عوان مع جميع المسلمين شرقا ~~وغربا، وشمالا وجنوبا، لما تزلف إلى المصريين، ولا همة منزل الجوهري وخادماته، مهما ~~عظم مقامه وجل شأنه؛ إذ لا نزاع في أن نابوليون كان أحوج إلى جندي فرنسي من أن يريق دمه ~~فداء ms263 لمصرية أو لمصري! ولكنه رضي مكرها أن يقتص من اثنين أو ثلاثة من الجنود ليبرهن ~~للمصريين على عدله وليقربهم إليه زلفى، ومع ذلك فنحن لا نعرف كيف اقتص من الجنود، وغاية ~~ما نعرفه هو أن الجبرتي ذكر في حوادث أول شعبان العبارة الآتية: «إنهم قتلوا ثلاثة ~~أنفار من الفرنسيس وبندقوا عليهم بالرصاص بالميدان تحت القلعة قيل: إنهم من المتسلقين ~~على الدور»! ومن يدرينا، أو يدري الجبرتي، أن أولئك الثلاثة ليسوا من المجرمين الذين ~~ارتبكوا إجراما فاحشة ضد القواد أو الضباط أو الجيش مثلا ...؟ # ولنعد إلى الحملة الشامية فنقول إن نابوليون شرع في الاستعدادات لتلك الحملة، وبدأ في ~~تسييرها من القاهرة في الأيام الأولى من شهر رمضان من تلك السنة الموافق شهر فبراير سنة ~~1799، ولم يجد مناصا أمام ما ظهر للناس من حركة الجنود، وما أذيع في طول البلاد وعرضها ~~من قرب هجوم الأتراك على مصر، أن يعلن للمصريين بصفة رسمية عزمه على غزو الشام، فجمع ~~لديه أعضاء الديوان، وقال لهم كلاما طويلا خلاصته أنه قد قضى على المماليك في الوجهين ~~القبلي والبحري، من أرض مصر، وأنه قد عزم على أن يذهب ليبيد البقية الباقية منهم؛ أي: ~~أولئك الذين فروا مع إبراهيم بك إلى سوريا، وصاروا يهددون الأقطار المصرية، ويبعثون ~~بالمكاتبات والمنشورات المهيجة للأمة، ليقضي عليهم، ويريح العباد من شرورهم، وألقى على ~~المشايخ كلاما ثقيلا وهددهم وآلهم بالفناء والعدم إذا حصل في البلاد أثناء غيبته شغب ~~أو فتنة، قال الجبرتي: «وكتبوا أوراقا مطبوعة في هذا المعنى وألصقوها بالطرق.» ولا ~~ندري لماذا لم ينشر الجبرتي نص هذا المنشور كأثر من الآثار التاريخية لتقف منها الأجيال ~~الخالفة على تمويهات السياسة في ذلك الزمن، ولهذا يحق لنا أن نذكر المعلم نقولا الترك ~~بالخير لوضعه نص ذلك المنشور في رسالته، وقبل أن نأتي على نصه نقول: إن نابوليون قد ~~تحاشى، سواء في خطابه الذي ألقاه على أعضاء الديوان، وسواء في هذا المنشور، ذكر أنه ~~يحارب الدولة العثمانية أو الأتراك، وقصده بذلك ظاهر؛ إذ إنه لا ms264 يزال يوهم المصريين بأن ~~الدولة العلية غير غاضبة على احتلاله مصر، وأنه إنما جاء لمحق سلطة المماليك ~~الظالمين. # إلا أنه مع هذا الحرص مهد أذهان القوم لقبول فكرة الانفصال عن تركيا بإعطاء نفسه لقب ~~«السلطان أمير الجيوش» ولعل الجبرتي لم ينشر ذلك المنشور بنوع خاص لوجود ذلك اللقب فيه، ~~نعم إن كتاب الفرنسيين قالوا وكرروا وأكدوا أن المصريون كانوا يلقبون بونابرت «بالسلطان ~~الكبير» من أول يوم وطئت فيه قدماه أرض القاهرة، ولكنا لا نزال نؤكد أن ذلك لم يكن إلا ~~من أفواه المداحين والمنافقين، سواء من بعض المسلمين أو النصارى السوريين أو بعض ~~الأقباط، والجبرتي لم يذكر هذا اللقب قط، وضن أن يكون في مصر لقب سلطان مع وجود سلطان ~~آل عثمان خليفة المسلمين، وكذلك لم يرد في كل منشورات نابوليون، سواء المقولة عن لسانه، ~~وسواء المنسوبة إلى المشايخ وأعضاء الديوان، ذكر لذلك اللقب إلا في هذا المنشور الذي ~~رفض الجبرتي تسطيره ودونه المعلم نقولا الترك، ولم يكن لنابوليون مصلحة في انتحال هذا ~~اللقب لنفسه؛ إذ كانت تقضي عليه السياسة والحكمة بعكس ذلك، فهو ابن الثورة الفرنساوية ~~التي ثلت عروش الملوك، والتي تنادي بالحرية والإخاء والمساواة، ولا يخاطب الوزير أو ~~الحقير إلا بلفظ ستواين «مواطن» وهذا نص المنشور نقلا عن رسالة المعلم نقولا ننقله ~~بنصه وقصه: # من محفل الديوان الخصوصي إلى جميع الأقاليم المصرية نخبركم أن أمس تاريخه ~~خامس شهر رمضان المعظم، توجه حضرة الدستور المكرم سر عسكر الكبير بونابرته، ~~أمير الجيوش الفرنساوية مسافرا يغيب ثلاثين يوما لأجل محاربة إبراهيم بك ~~الكبير وبقية المماليك المصرية حتى تحصل الراحة الكلية للأقاليم المصرية، من ~~هؤلاء الأعداء الظالمين، الذين لا راحة فيهم، ولا رحمة في دولتهم على أحد من ~~رعيتهم، وقد وصلت الآن مقدمة الجيوش الفرنساوية إلى العريش، وعن قريب يأتيكم ~~خبر «قطيعة» إبراهيم بك ومن معه من المماليك نظير ما وقع في «قطيعة» أخيه مراد ~~بك ومن معه في إقليم الصعيد، فيقطع دابرهم من بر الشام كما انقطع دابرهم من ~~إقليم الصعيد ms265 بالتمام، ويبطل القيل والقال، وتذهب الكاذبة التي تسمعونه من ~~أوباش الرجال، ونخبركم أن حضرة الساري عسكر المشار إليه، يتجدد له كل يوم نية ~~الخير والرحمة، ويحدث في تصميم الشفقة والرأفة، هذه هي نيته لكم في كل الأقطار ~~المصرية، ويحصل لهم النجاح والصلاح، ويكمل في سائر أقطارها السرور والإصلاح، ~~وتفرح أقاليمها على يد سلطانها بونابرته بمشيئة الله الذي مكنه فيها، ونصره على ~~من ظلم فيها من المماليك المفسدين، ولا يتم خلاصها بالكلية وتتطهر من دولة ~~المماليك الردية، إلا ببذل همته ورأيه السديد، في تكميل نظامها بخضوعهم لسيوفه ~~الباترة، وتكمل زروعها الفاخرة، وأنواع تجارتها الباهرة، ويحدث فيها برأيه وحسن ~~تدبيره التحف من أنواع الحرف والصنايع النفيسة، ويجدد فيها ما اندثر من صنائع ~~الحكماء والأولين، ويرتاح في دولته كل الفقراء والمساكين فالتزموا يا أهل سكان ~~الأرياف والفلاحين بحسن المعاملة والأدب، واجتنبوا في غيبته أنواع الكذب ~~والقبائح حتى يراكم حين يعود بعد الشهر قد أحسنتم المعاملة، ومشيتم على ~~الاستقامة، وينشرح صدره منكم، ويرضى عليكم، وإن حصل منكم في غيابه أدنى خلل ~~ومخالفة حل بكم الوبال والدمار، ولا ينفعكم الندم، ولا يقر لكم قرار! واعلموا ~~أن ذهاب دولة المماليك بقضاء الله وقدرته، ونصرة سلطانكم أمير الجيوش عليهم ~~بتقدير الله وأمره، والعاقل يمتثل إلى أحكام الله، ويرضى بمن ولاه والله يؤتي ~~ملكه من يشاء والسلام عليكم ورحمة الله. # 3 # واتبع المعلم نقولا هذا المنشور بإمضاءتين فقط وهما على الشكل الآتي: «الداعي لكم ~~الفقير عبد الله الشرقاوي رئيس الديوان الخصوصي عفا الله عنه، والداعي لكم الفقير السيد ~~محمد المهدي الحفناوي كاتم السري؛ وباشكاتب الديوان عفا الله عنه.» # وقد كان هذان الشيخان يمضيان دائما على منشورات الفرنساويين وبلاغاتهم عن الحرب في ~~الشام، وكان قد اختار نابوليون جماعة من العلماء لمرافقته لتلك الأقطار ليوهم العالم ~~الإسلامي بأن رجال الدين يسيرون في ركابه ويشهدون بعدله وإحسانه، ولا شك في أن اختيار ~~هذين الشيخين لإمضاء المنشورات راجع في الأكثر إلى الصفة التي لكل واحد منهما في ~~الديوان الخصوصي؛ لأن الشيخ عبد ms266 الله الشرقاوي كان رئيس الديوان والشيخ محمد المهدي ~~كاتب سره، ولكن وجودهما في هذه المنزلة له أيضا سبب آخر، وهو أنهما كانا من صنف ~~المشايخ الذين نعرفهم ويعرفهم كل من له خبرة بأحوال هذه الديار وطبقات أهلها، كانا من ~~ذلك النوع الذي كان أولى به الزهد في الدنيا وزخارفها، من أن يكون شرها في حب المال ~~والتعلق بمظاهر الحياة الفانية. # كان الشيخ عبد الله بن حجازي بن إبراهيم الشافعي من بلدة الدويلة بمديرية الشرقية، ~~لذلك سمي «الشرقاوي» وكان في مبدأ أمره من الفقراء المعوزين يعيش من فضلات الناس الذين ~~يلتصق بهم في أيام طلبه للعلم، ثم أخذ في التردد على الشيخ محمود الكردي من مشايخ الطرق ~~الصوفية، فلما توفي هذا أخذ في إلقاء الدروس بالأزهر، وكان يجمع الطلبة والمجاورين ~~للذكر في حلقات في دور الناس ليأخذوا بذلك الدراهم، وليأكلوا من قصع الثريد، ثم ارتقى ~~به الحال حتى عد في طبقة العلماء، وتوصل إلى مشيخة الجامع الأزهر، قال الجبرتي الذي ~~لخصنا منه ما تقدم عن الشيخ الشرقاوي في وفيات سنة 1227 «أي: بعد المدة التي نحن بصددها ~~بأربعة عشر عاما»: «فلما حضرت الفرنساوية جعلوا المترجم رئيس الديوان، فانتفع في ~~أيامهم بما يتحصل إليه من المعلوم والمرتب له عن ذلك، وقضايا وشفاعات ببعض الأجناد ~~المصرية، وجعالات واستيلاء على تركات وودائع خرجت أربابها في زمن الفرنسيس وهلكوا، ~~واتسعت عليه الدنيا وزاد طمعه فيها وكبر عمامته، وزوجته بنت الزعفراني هي التي تدبر ~~أمره، وتحرر كل ما يأتيه ويجمعه، ولا يروح ولا يغدو إلا عن مشورتها، واشترت العقارات ~~والحمامات والحوانيت.» ا.ه. # وكان هذا الشيخ الشرقاوي أول من استقبل الأتراك وألف كتيبا بناء على طلبهم سماه ~~«تحفة الناظرين فيمن ولي مصر من الولاة والسلاطين» وقد سبق لنا نقل شذرة من هذه ~~الرسالة، وهي الكلمة الوحيدة التي توجد في ذلك الكتيب، وجاء في مقدمته «إنه لما حل ركاب ~~الصدر الأعظم، والوزير الأفخم، والدستور الأكرم، حضرة مولانا الوزير يوسف باشا، بلغة ~~الله من المرادات ما شاء، بمدينة بلبيس ms267 في شهر رمضان سنة 1214 بعد حصول الصلح بينه وبين ~~طائفة الفرنساوية في قلعة العريش، وذهبت مع بعض علماء مصر لملاقاته، طلب مني بعض ~~الإخوان من أتباع ذلك الصدر الأعظم أن أجمع كتابا متضمنا لواقعة الحال ~~المذكور». ~~«فأين هذه الألقاب للوزير الأعظم، والدستور الأكرم من «سلطاننا بونابرته أمير الجيوش ~~ذي العدل والإحسان والإصلاح والخير للرعية والملة المحمدية»؟ # وكان ينتظر من أكبر علماء زمانه أن يكتب للأعقاب الخالفة تاريخا ذا قيمة عن الحملة ~~الفرنساوية في مصر، كما طلب منه ذلك من طلب أتباع الصدر الأعظم، ولكن رسالته المذكورة ~~ليس فيها عن الحملة الفرنساوية إلا نحو ثلاث صفحات لا قيمة لها، قال الجبرتي في ترجمة ~~الشيخ الشرقاوي: «وللمترجم طبقات جمعها في تراجم الفقهاء الشافعية المتقدمين والمتأخرين ~~من أهل عصره، ومن قبلهم من أهل القرن الثاني عشر نقل تراجم المتقدمين منهم من طبقات ~~السبكي والإسنوي، وأما المتأخرين فنقلهم من تاريخنا هذا بالحرف الواحد.» # وهذه العبارة تدلنا على أن بعض أجزاء تاريخ الجبرتي هذا كان مكتوبا ومتداولا بين ~~الأيدي، والغالب على الظن أن بعض أجزائه الخطية كانت توضع في مثل مكاتب الأزهر، ثم قال ~~الجبرتي: «وعمل تاريخا مختصرا في أربعة كرارريس وأهداه للوزير يوسف باشا عدد فيه ملوك ~~مصر، وذكر في آخره خروج الفرنسيس ودخول العثمانية في نحو ورقتين، وهو في غاية البرود ~~وغلط فيها غلطات»! وكانت وفاة الشيخ الشرقاوي في أول حكم محمد علي باشا. # وأما الشيخ محمد المهدي فتوفي بعد الشرقاوي بثلاث سنوات؛ أي: سنة 1230 هجرية، قال ~~عنه الجبرتي: إن والده كان من الأقباط وأسلم الشيخ وهو صغير دون البلوغ على يد الشيخ ~~الحفني الذي احتضنه ورباه، ثم دخل الأزهر وقصد للتدريس في سنة 1190 وتقرب من إسماعيل بك ~~كتخدا وكيل حسن باشا الجزايرلي، وصاهر الشيخ محمد الحريري الحنفي وأقبلت عليه الدنيا، ~~وزادت ثروته ورغبته وسعيه في أسباب تحصيل الدنيا، واشتغل بالشركات والتجارة في الكتان ~~والقطن والأرز وغير ذلك، والتزم بعدة حصص في البحيرة والمنوفية والجيزة والغربية، ~~وابتنى دارا بالأزبكية ناحية ms268 الرويعي، ولما حضرت الفرنساوية وخافهم الناس لم ينقبض ~~الشيخ المهدي عن المداخلة فيهم، بل اجتمع بهم وواصلهم وانضم إليهم، وسايرهم ولاطفهم ~~وجاراهم في أغراضهم، وأحبوه وأكرموه وقبلوا شفاعاته ووثقوا بقوله، فكان هو المشار إليه ~~في دولتهم مدة إقامتهم بمصر، والواسطة بينهم وبين الناس في قضاياهم وحوائجهم، وأوراقه ~~وأوامره نافذة عند ولاة أعمالهم، وراج أمره في أيامهم وزاد إيراده وجمعه، وأقاموه ~~وكيلا عنهم في أشياء كثيرة وبلاد وقرى يجيء خراجها إليه، ويأتيه الفلاحون بالهدايا ~~فيفعل بهم ما كان يفعله أرباب الالتزامات من الحبس والضرب وأخذ المصالح، وصار له أعوان ~~وخدم وتبع من وجهاء الناس، ثم قال الشيخ الجبرتي الذي لخصنا ما تقدم عنه ما نصه: ~~«وبالجملة فكان لوجوده وتصدره في تلك الأيام النفع العام، سد بعقله ثقوبا واسعة ~~وخروقا، وداوى برأيه جروحا وفتوقا، لا سيما أيام اليهازع، والخصومات والتنازع ، وما ~~يكدر الفرنساوية من مخارق الرعية، فيتلاقاه بمراهم كلماته، ويسكن حدتهم بملاطفاته، ولما ~~مضت أيامهم وتنكست أعلامهم، وارتحلوا عن الأقطار المصرية، ووردت الدولة العثمانية، كان ~~المترجم أعظم المتصدرين في مقابلاتهم، وأوجه الوجهاء في مخاطبتهم ومكالمتهم، وبهرهم ~~بتحيله واحتياله، واسترهبهم بسحره وخياله» ... وبعد كلام طويل عنه وعن أولاده، قال: إنه ~~اشترى دارا كبيرة بناحية الموسكي «وهي المعروفة الآن بدار الشيخ المهدي» وكانت لبعض ~~عتقى بقايا الأمراء الأقدمين، وتنتهي حدودها من الموسكي إلى حارة المناصرة أو إلى كوم ~~الشيخ سلامة، ولم يدفع من ثمنها إلا العربون وكتب الحجة وسكنها، وماطل في دفع ثمنها ~~كعادته في دفع الحقوق وغاب خمس سنوات متنقلا في البلاد حتى مات في غيبته بعض أصحاب ~~الدار التي اشتراها منهم، واستمر الحال بالشيخ المهدي حتى زمن محمد علي باشا، فكان ممن ~~أوقع النفرة بين الباشا وبين السيد عمر مكرم، ونال بذلك أغراضه، ومنح النظر على أوقاف ~~كان السيد عمر يحصل منها على أموال جمة، وأكثر المهدي من التردد على محمد علي باشا ~~وأكابر دولته مثلما كان يفعل في زمن الفرنساويين وعين شيخا للجامع الأزهر أياما ~~قلائل، وكان كلما وجد امرأة من ms269 نساء البكوات المماليك ذات اليسار بغير زوج يقترن بها ~~ويسقط مالها وتوالها في بئر عميق «هكذا تعبير الشيخ الجبرتي»، وترك المال الكثير ~~والعقارات الواسعة والأطيان الشاسعة لأولاده وأولاد أولاده المعروفين الآن في ~~القاهرة. # هذه خلاصة موجزة اقتطفناها من عدة صحائف من وفيات الجبرتي الطويلة لكي يكون القارئ ~~لنفسه صورة عن زعماء العلماء في ذلك العصر، وما ذكرناها إلا لاختصاص الشيخين الشرقاوي ~~والمهدي بإمضاء منشورات نابوليون وبلاغاته وتمويهاته على المصريين خاصة، والمسلمين في ~~جميع بقاع الأرض عامة، حتى إذا وضعت تراجم أولئك العلماء بجانب ما في تلك المنشورات من ~~العبارات، وجد للقارئ معيار يزن به الحقائق التاريخية ولهذا يهتم المؤرخون المحققون ~~بالبحث عن صفات وأخلاق وظروف الأشخاص الذين يمثلون دورا من الأدوار في حوادث عصر من ~~العصور. # 4 # ليس من غايتنا أن نتبع الحملة الفرنساوية في غارتها على الديار السورية ؛ لأن ذلك ~~يعتبر صفحة من تاريخ تلك البلاد، ونحن إنما نكتب تاريخ مصر في هذه الفترة ولكن ذلك لا ~~يمنعنا من أن نلم إلماما عاما بحركات تلك الحملة في سوريا ونتائجها التي لها بلا شك ~~ارتباط بتاريخ مصر، خصوصا إذا لاحظنا في ذلك تاريخ محمد علي باشا وحملته على سورية ~~واستيلاء الجيوش المصرية على الجزء الأكبر من سورية والأناضول، وانتصارات جنود مصرية ~~نجحت حيث فشلت الجنود الفرنساوية تحت قيادة أعظم قائد عسكري أوجده الزمان؛ فنقول: إن ~~الحملة الفرنساوية تألقت من نحو ثلاثة عشر ألف جندي تحت قيادة الجنرالات كليبر ورينيه ~~ولأن وبون ومورات ودومرتين وكفريللي، وسارت هذه الحملة من جهات مختلفة من دمياط ~~والصالحية وبلبيس والقاهرة، وكان خروج نابوليون من العاصمة في يوم الأحد 5 رمضان سنة ~~1213 / 10 فبراير 1799، وأخذ معه من المشايخ سليمان الفيومي ومصطفى الصاوي وعبد الرحمن ~~العريشي ومحمد الدواخلي، واستصحب معه أيضا قاضي عسكر إبراهيم أدهم أفندي «يجمقشي زاده» ~~ومصطفى بك «الذي كان كتخدا الوالي والذي ولاه أمير الحج» واستصحب أيضا جماعة من التجار ~~والوجاقلية والأقباط والشوام. # وكان غرض نابوليون من استصحاب أولئك المشايخ والقاضي وأمير الحج ms270 التأثير بهم على ~~المسلمين في سوريا لكي يفهمهم أنه على اتفاق تام مع المسلمين في مصر، وأنة إنما قدم ~~سورية ليخلصها من مظالم الجزار، ولكنه لم يوفق في النهاية إلى وجود أولئك المعممين معه؛ ~~لأنهم تخلفوا عنه في الطريق، ولهم حكاية طويلة كادت تحدث منها ثورة كبيرة سنأتي عليها ~~في مكانها. # وقبل أن نتبع نابوليون في غزوته الديار الشامية وتعدد انتصاراته المتوالية - إذ لم ~~يمض على خروجه من القاهرة أكثر من شهر من الزمان حتى كان قد استولى على العريش وغزة ~~وخان يونس والرملة ويافا وحيفا، وابتدأ في حصار عكا - نقول قبل هذا نسأل: ماذا أعدت ~~الدولة العثمانية لذلك المغير على بلادها، بعد أن حالفت إنكلترا واتفقت مع الروسيا على ~~محاربته وإخراجه من أرض مصر منذ 2 سبتمبر سنة 1798؛ أي: قبل تحرك نابوليون للشام بنحو ~~أربعة أشهر ونصف؟ # كل ما نعلمه هو أن الدولة أعدت جيشا في جزيرة رودس لإرساله لمصر، وعهدت إلى أحمد ~~باشا الجزار والي عكا بإرسال الجيوش إلى الديار المصرية عن طريق الصحراء، ولكن الجزار ~~كان رجلا داهية لا يخفى عليه أن تجريد ولايته، التي استقل بها عن الدولة من جيوشه، ~~يعرضه للوقوع في شراك الدولة، فلذلك لم يحفل بفرمانات الدولة وأوامرها كما يؤخذ ذلك من ~~خطاب بعث به يوسف باشا ضياء حين عين لقيادة الجيش الزاحف على مصر، وهذا الخطاب، موجود ~~بنصه في الجزء الثاني من «تاريخ الأمير حميدر أحمد الشهابي» واكتفى الجزار بإرسال أربعة ~~آلاف، خليطا من المماليك المصرية والمغاربة والأرنئوط إلى قلعة العريش لتكون هذه القوة ~~على مقربة منه، حتى إذا رأى من العثمانيين عين الغدر، استدعى تلك القوة إليه ثانية، ~~وكانت هذه السياسة الخرقاء من أسباب ضعف الدولة في ذلك الحين وبعده إلى آخر عهد ~~الإمبراطورية العثمانية. # ولنعد إلى نابوليون فنقول: إن فرقة الجنرال «رينيه» وصلت إلى العريش في 20 فبراير، ~~وحصلت بينه وبين القوة المرابطة فيها بعض وقائع حتى اضطرت تلك القوة إلى الالتجاء إلى ~~القلعة، ولم يكن فيها من المدافع غير ms271 ثلاث قطع، فكيف تفعل أمام تلك الحملة المنظمة ~~والمدافع الكثيرة والجنود العديدة؟ وقدم عبد الله آغا # 3 # من قبل الجزار من جهة غزة بقوة تزيد عن ستة آلاف مقاتل فتلقاها الجنرالان ~~كليبر ورينيه وهجمت عليها الجنود الفرنسية ليلا فبددت شملها قبل أن تتمكن من الوصول ~~إلى نجدة العريش، وامتنعت القوة المرابطة في قلعة العريش وأبت التسليم إلى النهاية إلا ~~على شريطة أن يسمح لها بالخروج بكامل سلاحها، ولم يرد نابوليون أن يفقد في هجومه على ~~تلك القلعة نحو خمسمائة جندي من رجاله، وهو في أشد الحاجة إليهم بعد أن دام الحصار ~~ثمانية أيام، ولذلك قبل شروط الحامية فسلمت وخرجت بسلاحها، بعد أن عاهد رجالها نابوليون ~~وأقسموا بالشرف العسكري أن لا يرفعوا في وجهه سلاحا، ما دام يحارب سورية «وعلى رواية ~~أخرى لمدة عام» ولكن هذه القوة بعد أن خرجت قاصدة دمشق تحولت ثانية إلى يافا وانضمت إلى ~~المحاربين، فكان عملها هذا مسوغا لنابوليون أمام نفسه وضميره لقتل من قتل في تلك ~~المجزرة البشرية التي بقيت وصمة في تاريخه على الرغم من الأسباب الوجيهة التي دافع بها ~~عن نفسه وعمله في مذكراتاه في سنت هيلانة. # ولما استولى الفرنساويون على العريش أرسلوا إلى القاهرة بخبر انتصارهم فأقيمت الزينات ~~وأطلقت المدافع، قال الجبرتي في حوادث 25 رمضان: «وبعد الظهر عملوا الشنك الموعود به ~~وضربوا عدة مدافع بالقلعة والأزبكية، وأظهر النصارى الفرح والسرور بالأسواق والدور، ~~وأولموا في بيوتهم الولائم، وغيروا الملابس والعمائم، وتجمعوا للهو والخلاعة، وزادوا في ~~القبح والشناعة.» # ولما استولى نابوليون على العريش أصدر منشورا لأهالي سوريا كما فعل في الإسكندرية ~~لأهالي مصر، وقد رأينا من باب المقارنة والفائدة التاريخية أن نأتي على بعض شذرات منه ~~فيما يأتي: # بسم الله الرحمن الرحيم ... وبه نستعين # من طرف بونابرته أمير الجيوش الفرنساوية إلى كافة المفتيين والعلماء وكافة ~~أهالي نواحي غزة والرملة ويافا حفظهم الله تعالى! بعد السلام نعرفكم أننا حررنا ~~لكم هذه السطور نعلمكم أننا حضرنا إلى هذا الطرف بقصد طرد المماليك وعسكر ~~الجزار عنكم، ms272 وإلى أي سبب حضور عسكر الجزار وتعديه على بلاد يافا وغزة التي ما ~~كانت من حكمه، وإلى أي سبب أرسل عساكره إلى قلعة العريش، بذلك هجم على أرض مصر ~~فلا شك كان مراده إجراء الحروب معنا ونحن حضرنا لنحاربه. # ومن هذا يرى القارئ أن نابوليون مع أنه يحارب الدولة العثمانية في بلادها، ومع أنها ~~أعلنت الحرب عليه وعلى فرنسا فإنه لا يزال متمسكا بأنه لا يحارب تركيا، ولا يقصد ~~التعدي إلا على المماليك وأحمد باشا الجزار الذي بادأه العدوان! ثم جاء في هذا المنشور: # وقصدنا أن القضاة يلازمون وظائفهم وأن دين الإسلام لا يزال معتزا ومعتبرا ~~والجوامع عامرة بالصلاة وزيارة المؤمنين ... والذي يتظاهر لنا بالحب يفلح والذي ~~يتظاهر بالغدر يهلك ... إلخ. # وليلاحظ أن أسلوب هذا المنشور الموجود نصه في الجبرتي يخالف لهجة المنشورات الأخيرة ~~التي طبعت في القاهرة بعبارة مسجعة فصيحة نوعا ما، ويظهر أن هذا التركيب الركيك من ~~إنشاء «فنتور» المستشرق الذي صحب نابوليون في حملة سورية ومات أمام عكا بالطاعون، أو من ~~إنشاء بعض كتبة الدواوين الذين أخذهم معه، وكان من الذين سلموا في العريش عدد كبير من ~~المماليك المصريين الذين تبعوا إبراهيم بك، وأولئك اختاروا أن يعودوا لمصر، فأرسلهم ~~نابوليون مع بعض جنده إلى مصر وانضم ثلاثمائة من المغاربة إلى الجيش الفرنسي فسلحوا، ~~وانقلبوا من محاربة الفرنساويين، إلى محاربة الذين كانوا يحاربون معهم غيرة على الدين ~~والملة!! # ولما احتل الفرنساويون العريش كلفوا مشايخ الديوان بنشر بلاغ وضعوه لهم وأمضاه السيد ~~البكر بصفته نقيب الأشراف، والشيخ الشرقاوي بصفته رئيس الديوان، والشيخ المهدي بصفته ~~كاتبه، وعجيب أن الجبرتي لم يكتب نص هذا المنشور أو البلاغ، ولكن المعلم نقولا الترك ~~نشره في رسالته، فرأينا أن نأتي على نصه لعدم وجوده في الكتب المتداولة، ولأنه يشرح ~~كيفية الاستيلاء على العريش، وهذا نصه: # 4 # لا إله إلا الله الحق المبين، ومحمد رسول الله الصادق الوعد واليقين، نعرف آل ~~مصر وسائر الأقاليم أن توجهت الفرنساوية إلى الديار الشامية وحاصروا قلعة ~~العريش من عشرة ms273 رمضان إلى سبعة عشر منه ووقعت مقاتلة عظيمة خارج القلعة، وكان ~~في القلعة نحو ألف وخمسمائة نفر غير من قتل خارجها، فلما طال عليهم الحصار، ~~وتهدمت أسوار القلعة من ضرب الفرنساوية بالمدافع عليها وتيقنوا بالهلاك، وهكذا ~~أصحاب المروءات وهؤلاء اعتقهم وأطلق في سبيلهم، وبعض الكشاف والمماليك الذين ~~كانوا في القلعة نحو ستة وثلاثين جنديا طلبوا من حضرة السر عسكر أن ينعم ~~عليهم برجوعهم إلى مصر إلى عيالهم، وبيوتهم فأحسن إليهم وأرسلهم إلينا وإلى ~~وكيله، ودخلوا عليه يوم الأحد في 26 رمضان معزوزين مكرومين، # 5 # وأرسل السر عسكر أن يؤتى بإكرامهم «لعله يوالي إكرامهم» إن داموا ~~على عهدهم الذي حلفوا به في العريش، وإن خانوا وهانوا فيحصل لهم من يده ~~الانتقام! وأمر في الفرمان أن الجنرال دوكا يأمر التجار بالسفر في القوافل إلى ~~بر الشام لينتفعوا بالمكاسب أصحاب التجارة، وينتفعوا سكان بر الشام ببضائع مصر ~~حسب العادة السابقة ليحصل الأمان بحلوله في تلك الأراضي، وكتب حضرة وزيره ~~الجنرال إسكندر برتبة فرمانا يخبرنا ويخبر حضرة الوكيل بالحالة التي وقعت إلى ~~عساكر إبراهيم بك وبعض من عساكر الجزار والمساعدين له، وأن الفرنساوية وجدوا في ~~قلعة العريش مخازن أرز وبقسماط وشعير وثلاثمائة رأس من الخيل الجياد، وحمير ~~كثيرة وجمال غزيرة اكتسبته جميعه الفرنساوية، ومع ذلك عندهم الصفح عند قدرتهم ~~عليه، وهذا من صفات أصحاب المروءة من الرجال الأبطال، فيا إخواننا لا تعارضوا ~~الملك المتعال، واتركوا أنفسكم من القيل والقال، واشتغلوا في إصلاح دينكم ~~والسعي في معاش دنياكم وارجعوا إلى الله الذي خلقكم وسواكم والسلام عليكم. ~~ا.ه. # وبعد احتلال العريش تقدمت القوة الفرنساوية نحو خان يونس ثم إلى غزة، ودارت في الجهة ~~الواقعة بين هاتين البلدتين موقعة كبيرة بين الفرنساويين والجنود التي يقودها عبد الله ~~باشا انكسر فيها هذا الأخير، وانسحب بمن بقي معه من القوة إلى يافا وسلمت غزة، وتقدم ~~الجيش الفرنساوي في سيره فاحتل الرملة وسار منها قاصدا يافا، وهو أول ميناء بحري في ~~الديار السورية من جهة القطر المصري، وكان نابوليون قد ms274 أصدر أمره للكابتين «بريه» بأن ~~يحمل في بعض سفن بقيت للفرنساويين، المدافع الكبيرة، والآلات العديدة التي كان يريد ~~استعمالها في حصار عكا، ولذلك أسرع في الاستيلاء على يافا ليتلقى تلك الآلات، ويسير بها ~~إلى مكانها غير حاسب للأسطول الإنكليزي الذي يقوده السر سدني سميث حسابا. # وكانت يافا محصنة تحصينا حسنا، وفيها قوة كبيرة من عساكر الجزار والمماليك وجميع من ~~بقي من القوة التي يقودها عبد الله باشا، وفيها عدد كبير من المدافع، وتقدر القوة التي ~~كانت في يافا بنحو اثني عشر ألفا، ولم تكن القوة الفرنسية كلها أكثر من ذلك، وقد حاول ~~نابوليون أن يؤثر على تلك القوة ويحملها على التسليم فبعث بضابط ودليل من عنده يحمل ~~راية السلام بقصد المفاوضة، فكان جوابها على ذلك، قتل الضابط ومن معه ووضعت رأساهما على ~~المزاريق فوق الأسوار، وطرحت جثتاهما وراءها، فاغتاظ الفرنساويون وسلطوا على المدينة ~~المدافع الكبيرة وهجموا على الأسوار حتى سقطت المدينة، واستباح الجند الفرنساوي حماها ~~يقتل وينهب ويسلب ويهتك الأعراض ويفعل ما يشاء. # وقد نشر الجبرتي صورة الخطاب الذي بعث به نابوليون لحاكم يافا وصورة البلاغ الذي نشر ~~في مصر بالاستيلاء عليها، وكان السيد عمر مكرم نقيب الأشراف الذي فر مع إبراهيم بك، ~~وكان له شأن عظيم في تاريخ مصر في أيام محمد علي باشا، ممن حوصروا في يافا فبعد سقوطها ~~ذهب ومن معه من المصريين إلى نابوليون فأكرمهم، وأرسلهم إلى مصر في السفن إلى ~~دمياط. # وقد وردت الفقرة الآتية في البلاغ الذي نشر في مصر على لسان المشايخ نأتي عليها ~~لأهميتها في البحث التالي قال: «وفي يوم الجمعة غرة شوال وقع الجميل من حضرة ساري عسكر ~~الكبير، ورق قلبه على أهل مصر من غني وفقير الذين كانوا في يافا وأعطاهم الأمان ورجعوا ~~إلى بلدهم مكرمين، وكذلك أمر أهل دمشق وحلب برجوعهم إلى أوطانهم سالمين لأجل أن يعرفوا ~~مقدار شفقته، ومزيد رأفته ورحمته، يعفو عند المقدرة، ويصفح وقت المعذرة، مع تمكينه ~~ومزيد إتقانه وتحصينه. وفي هذا الوقت قتل أكثر من ms275 أربعة آلاف من عسكر الجزار بالسيف ~~والبندق لما وقع منهم من الانحراف ... إلخ.» وعلق الجبرتي رحمه الله على هذا المنشور ~~الطويل بقوله: «فلما تحقق الناس هذا الخبر تعجبوا، وكانوا يظنون استحالة ذلك خصوصا في ~~المدة القليلة، ولكن المقضي كائن.» # ولم يعلم الجبرتي، ولم يفهم الشيخ المهدي الذي حرر ذلك البلاغ المسجع، الغرض من ~~العبارة التي روى فيها المنشور قتل أكثر من أربعة آلاف من عسكر الجزار بالسيف وبالبندق، ~~وإلا لو علم الكاتب أو الناقل كيف كان ذلك أو على أية حالة، ولأي سبب قتلوا، لارتجف ~~القلم في يد الأول ولاستعاذ بالله، ولما تركها الثاني تمر دون أن يعلق عليها بكلمة ~~استهجان واستنكار! ويسأل كيف يتفق ذلك العمل الوحشي مع وصفه نابوليون ومقدار شفقته ~~ومزيد رأفته ورحمته!! # 5 # ونحن وإن كنا وعدنا أن لا نطيل الكلام في أخبار الحملة السورية لاعتبارها صفحة من ~~تاريخ قطر غير قطرنا، إلا أنه لا يمكن المرور بها دون الوقوف أمام ذلك الحادث العظيم ~~التي امتلأت به صفحات الكتب الأوروبية، وكان موضوع مناقشة ومناظرة، واضطر نابوليون أن ~~يبرر عمله فيه في الأيام الأخيرة من حياته. # وحكاية هذه المسألة أن نابوليون لما فتح يافا أباح لجنده تلك المدينة مدة يومين ~~كاملين يفعلون بها وبأهلها ما يشاءون، وما أدرى لماذا فعل ذلك نابوليون، وهو يريد ~~استجلاب الخواطر واكتساب ميول أهل الشام من مسلمين ونصارى؟ ولعله قد غاظه ما فعل حاكمها ~~برسوله، أو لعله خسر في الواقعة بعضا من جند جيشه، وهو حريص عليه لقلة عدده، أو لعله ~~أراد أن يعوض على الجنود ما قاسوه من المشقة في قطع فيافي الصحراء والاحتراق بشواظها، ~~لكيلا يدب دبيب التذمر والشكوى من جراء ما يلاقونه من النصب والعناء، ولقد فعل جنده في ~~تلك البلدة البائسة من الشرور والفضائح ما تقشعر له الأبدان حتى إن نابوليون نفسه كتب ~~في تقريره الذي بعث به لحكومة الديركتوار: «إنه لم تتصور له فظائع الحرب مثلما ظهرت له ~~في يافا»! وقد كتب الشيخ الدحداح، فيما عربه عن ms276 تاريخ فرنسا، وهو من المحبين ~~للفرنساويين المادحين لهم فقال: «فإن شدة الحر وعتاد المحصورين أضرا بالفرنسيين ~~وحملاهما أثقالا شديدة؛ ولذلك لما دخلوا المدينة حدث فيها ما تقشعر الأبدان من ذكره، ~~فإن القتال الذي جرى في أسواق يافا كان قتالا لا يسوغ أن نسميه بشريا، فإن الشياطين ~~لا تقدر أن تقوم بشر أعظم منه.» # فلما رأى نابوليون الشرور التي تجري في البلدة وخزه ضميره، وأرسل ضابطين من ضباطه ~~لمنع الجنود عما يفعلون، فوجدوا أن طائفة كبيرة من جند الجزار ومن غيرهم قد تحصنوا في ~~بعض المنازل والخانات وصاروا يدافعون عن أنفسهم دفاع المستميت، فطلب إليهم أولئك الضباط ~~الفرنسيون أن يسلموا فأبوا إلا أن يؤمنوا على حياتهم، فأمنوا فسلموا سلاحهم وقبض عليهم ~~كأسرى، وهنا اختلفت الروايات في عدد أولئك الأسرى، ففي رواية أنهم كانوا أربعة آلاف، ~~وفي رواية أخرى أنهم كانوا ألفين فقط، والرواية الأولى أقرب إلى الصحيح بدليل ذكر هذا ~~العدد في بلاغ نابوليون للمصريين. # 6 # وإلى القارئ حكاية ما جرى نقلا عن مذكرات بوريين: قال: # كنت أتمشى مع الجنرال بونابرته أمام خيمته، وإذ به قد أبصر ذلك الجمع المحتشد ~~من الأسرى يسوقه الجند، فقبل أن يقع نظره على الضابطين اللذين بعث بهما أركان ~~حربه التفت إلي بصوت يتهدج من الحزن قائلا: «ماذا يريدون مني أن أفعل بهؤلاء ~~الرجال؟ هل عندي من الزاد ما يكفيهم؟ ألدي من السفن ما يلزم لنقلهم إلى مصر أو ~~إلى فرنسا؟ لماذا أوقعوني في هذا المشكل.» وبعد أن أصاح بونابرته سمعا لما ~~قاله الضابطان وهما بوهارنيه وكروازيه وبخهما توبيخا شديدا على سلوكهما، ولكن ~~لا ينفع اللوم إذا لواقع أنه أصبح أمامنا أربعة آلاف أسير ويجب البت في أمرهم، ~~ودافع الضابطان عن نفسهما بأنه أمرهما أن يوقفا تيار القتال، فكان جواب بونابرت ~~«إنما أردت أن تمنعوا التعدي على النسوة والأطفال والعجزة والمستسلمين من ~~الأهالي، ولكن لم أرد بذلك الجنود المسلحة، فلقد كان الأولى بكما أن تقتلاهم ~~بدلا من أن تأتياني بهذا القدر من الأسرى المنكودي الحظ! فماذا ms277 تريدون أن أصنع ~~بهم؟ # قال كتاب الفرنساويين: إنه عقد مجلس حربي للبت في أمر أولئك الأسرى، وانقض على أنه لم ~~يقرر رأيا حاسما، وانعقد مجلس آخر ولم يوفق لقرار، وطال الجدال والأخذ والرد، وانتهى ~~الأمر بأن تقرر إعدامهم جميعا رميا بالرصاص وهم عزل من السلاح!! # ووصف «ميو» في تنفيذ ذلك القرار في أولئك البؤساء، مما تقشعر له الأبدان ويفتت ~~الأكباد، ويندى له جبين الإنسانية خجلا، ويبقى ذكره في التاريخ وصمة عار للذين قاموا ~~بذلك الجرم الفظيع والعمل الوحشي، حقا إن دفاع نابوليون عن نفسه في سانت هيلانة وجيه ~~ومنطقي، وربما كان فيه شيء من العذر إذا لوحظ مركز الفرنساويين في ذلك الظرف، وإذا لوحظ ~~أيضا أن بعض أولئك الأسرى، كانوا من الذين أقسموا بشرفهم العسكري أن لا يحاربوا ~~الفرنساويين مدة عام بعد أن سمح لهم بونابرت بالخروج سالمين بسلاحهم من قلعة العريش، ~~وسيرهم إلى داخلية البلاد، وأنه إذا أخلى سبيلهم ؛ لأنه لم يكن في استطاعته أن يبعث بهم ~~إلى مصر، ولا إلى غيرها، ولا أن يعطيهم الغذاء اللازم لهم، فإنهم لا يعودون لقتال جيشه ~~وتقوية عدوه، وفي دفاع نابوليون أو تبريره لذلك العمل قوله: «وإني مستعد أن أعيد ذلك ~~العمل إذا وجدت في نفس الظروف التي كنت فيها، وكذلك كان يفعل الدوق ولنجتون الإنكليزي ~~وغيره من القواد اللذين يوجدون في مثل ما وجدت فيه من الظروف.» ولكن على الرغم من كل ~~دفاع وظروف حربية اضطرارية، فإن ذلك العمل إنما ينظر إليه، ويحكم عليه، من الوجهة ~~الإنسانية، وحكمها في ذلك واحد لا يتغير، وهو أن قتل الأسرى العزل من السلاح الذين ~~أمنوا على حياتهم، على لسان ضباط من الجيش، جريمة لا تغتفر وعار لا يمحى! وغريب دفاع ~~بعض الكتاب الفرنساويين الذين كانوا مع الحملة مثل فيجوروسويون # Vigo-Rousillon # في دعواه «إننا لما كنا في الشرق اتبعنا عادات ~~الشرقيين»! فلو سلمنا جدلا أن الشرقيين كانوا يفعلون بالأسرى مثل ذلك الفعل، فأين ~~الفرق، على دعواكم، بين المدنية والهمجية، يا أبناء الثورة الفرنسية، ورافعي راية ms278 ~~الإخاء والمساواة والحرية؟ # إن يكن العدل الإلهي قد قضى، ولا راد لقضائه، أن يسلط الفرنساويين على أولئك الجند من ~~رجال الجزار الظالم وغيرهم من الأرنئوط، والمماليك الظالمين، لما ارتكبوه من الشرور ~~وهتك الأعراض، وقتل البريئين من عباد الله، سواء في سورية أو في مصر، فإن ذلك العدل ~~الإلهي قد قضى أيضا أن يتفشي الطاعون في يافا ويفتك بالجنود الفرنساويين فتكا ذريعا ~~حتى مات بسببه، في أيام قلائل، مئات من الجنود، وكاد يفضي الأمر إلى انتقاض الجيش ~~وثورته على ضباطه، وحتى امتنع الأطباء عن العناية بالمرضى خوفا من العدوى، ولولا جرأة ~~نابوليون «أو اعتقاده في طالع سعده» على الدنو من المطعونين ومحادثتهم، مما شجع قلوب ~~الجند والضباط والأطباء، لقضي على تلك القوة الفرنسية في يافا وضواحيها قضاء ~~مبرما. # 6 # بقيت الصفحة الأخيرة من تاريخ الحملة الفرنسية في سورية وهي حصار عكا، وفشل نابوليون ~~بونابرت وعوده من آسيا بخفي حنين! # تفصيل الحصار وما أظهره الطرفان من آيات البسالة والإقدام ليس من موضوع كتابنا كما ~~سبق لنا ذكر ذلك، ولكن أمورا كثيرة لها علاقة بتاريخ مصر، وتاريخ النزاع بين فرنسا ~~وإنكلترا على وادي النيل، بدأت في حصار عكا وكان لها شأن يذكر في حوادث القرن التاسع ~~عشر الميلادي، وهناك رجال كانت لهم اليد الطولى في التأثير على مركز الفرنساويين في ~~مصر، بل وجلائهم عنها، لا نجد بدا من النظر في أمرهم، والحديث بشأنهم فنقول: # كان من أغراض نابوليون في حملته على الشام كما ذكر ذلك هو في تقريره لحكومة ~~الديكتوار، بتاريخ 10 فبراير سنة 1799، «منع تموين الأسطول الإنكليزي من الموانئ ~~السورية» فكان من مقتضى ذلك أن تبذل إنكلترا غاية جهدها في وقف تيار التقدم الفرنساوي ~~في سورية، وكان ذلك من دواعي اتحادها مع الدولة العثمانية؛ ولذلك كلف السر سدني سميث ~~قائد الأسطول الإنكليزي في الشرق أن يذهب إلى عكا ليساعد في الدفاع عنها، ولبذل كل ~~الوسائل للقضاء على نابوليون وحملته، وكان للسر سدني سميث هذا الفضل الأول في فشل ~~الحملة الفرنسية في المشرق ms279 باعتراف نابوليون نفسه. # وجدت في كتاب تاريخ الأمير حيدر الشهابي صورة فرمان بعث به سلطان تركيا إلى أهالي ~~طرابلس الشام، وفيه ذكر للاتفاق مع الدولة البريطانية وللمهمة التي عهدت إلى السر سدني ~~سميث هذا، والفرمان مكتوب بعبارة عربية مسجعة، وغريب في بابه، حتى لم أجد بدا من ~~الإتيان على نصه، مثلا للمكاتبات الرسمية في ذلك الزمن وها هو نصه: # أقضى قضاة المسلمين نائب أفندي بطرابلس الشام وأعيانها عموما زيد قدرهم ~~فليكن معلوما كما لا يخفى أن الفرنساويين الأوغاد قد هجموا على أخذ مصر ~~القاهرة، وما يليها من البلاد، والآن قد احتلوا يافا وغزة والرملة وملحقاتها، ~~وعلى زعمهم الفاسد يريدون تدمير أمة الإسلام، وهدم كعبتها وجوامعها فاقتضت ~~صداقة المحب الصادق، والخل الموافق، أجل الأحباب، وكريم الأنساب، سعادة أخينا ~~المحترم سلطان الإنكليز المفخم، المتحد معنا بإخلاص الطوية، على تدمير الأمة ~~الفرنساوية، إنه لغزير مكارمه، ووافر مراحمه سير مع عمارتنا الهمايونية، عمارة ~~إنكليزية، وأقام عليها ساري عسكر افتخار الأمراء الكرام في الطائفة المسيحية، ~~وعظيم الكبراء الفخام في الملة العيسوية، جناب محبنا المحترم السير ~~بلمام # 7 # سدني سميث الأكرم فوجهناه من لدنا بالتفويض الخاقاني، والتوقيع ~~السلطاني، مشيرا مطلقا في تلك الديار، كما يراه بعين الاعتبار، فعليكم أن ~~تحبوه ومهما مر عليكم من مراكبه وحاشيته، فقدموا لهم الإكرام، وحفظ الحرية ~~والمقام، وليعلم الخاص والعام، حسن صداقته مع الإسلام، والإعانة لنا على ~~الدوام، اعلموا ذلك واعتمدوه غاية الاعتماد والسلام. ا.ه بحروفه. # بعد أن احتل الجيش الفرنساوي ثغر حيفا استمر في طريقه حتى وصل عكا في 19 مارس سنة ~~1799، وكان الجزار قد تحصن فيها وقد دام الحصار الفرنساوي حولها ستين يوما كاملة، عجزت ~~فيها الفنون العسكرية، والحيل الحربية، والتدبيرات الهندسية، والشجاعة الفردية ~~والعمومية، عن تدويخ ذلك الحصن وإسقاطه حتى ضرب بذلك الحصار المثل في الشرق والغرب، ولا ~~زال المصريون لهذه الساعة يقولون لمن يباهي بنفسه: «هل فتحت عكا»! # والسبب في فشل نابوليون وقواده وجيشه الباسل راجع إلى البسالة التي حاربت بها جنود ~~الجزار، وإلى الدولة العثمانية بإرشاد ms280 إنكلترا وتحريضاتها، لم تتأخر عن إمداد حامية عكا ~~بالقوات الكافية في الوقت المناسب، وفوق كل هذا أن قيادة وإدارة الدفاع عن المدينة كانت ~~في أيد أوروبية لا تقل كفاءة وخبرة وعلما عن مثل ما يوجد من هذه الصفات في القوة ~~المحاصرة، بل لقد كان تهور نابوليون، وثقته بنفسه، واعتقاده في طالع سعده، من الأسباب ~~المهمة لفشله في إخضاع ذلك الحصن المنيع، فقد روى الكتاب الفرنساويون الذين لم تبهرهم ~~أقوال نابوليون أن «كليبر» انتقد خطة الهجوم وأسلوب الحصار حتى لقد رووا عنه أنه قال: ~~«إننا هاجمنا عكا على الطريقة التركية، بينما كان الدفاع عنها على الطريقة الفرنساوية.» ~~والمراد بهذا أن خطة الهجوم كانت عن جهل وطيش، في حين أن الدفاع عن الحصن كان مرتبا ~~منظما على القواعد العلمية. # فمن أين كان للجزار وجنوده ذلك النظام العلمي الذي صد نابوليون وأذاقه طعم أول فشل في ~~حياته العسكرية، والجواب على هذا يقتضي التصريح بأن الدفاع عن عكا كان في يد الإنجليز ~~تحت إرشاد السر سدني سميث، ذلك الرجل الذي قضى على نابوليون وأحلامه في الشرق؛ إذ لو ~~تيسر لنابوليون فتح عكا، لما وقف في تيار فتوحاته في آسيا عائق، ولأدى به الحال إلى ~~الإضرار الصحيح بمركز الدولة العلية، فقد كانت ولايات الشام والعراق والأناضول تابعة ~~بالاسم وكثيرون من أمراء سوريا كانوا ينتظرون سقوط عكا لينضموا إلى نابوليون، كما اعترف ~~بذلك فيما بعد الأمير بشير الشهابي كبير أمراء جبل لبنان. # 8 # ومن غريب الحوادث في تصاريف الإرادة الإلهية أن السر سدني سميث هذا كان مسجونا في ~~باريس في الوقت الذي برح فيه نابوليون بحملته فرنسا قاصدا مصر، قال بوريين في مذكراته: ~~«برحت باريس برفقة نابوليون في 3 مايو سنة 1798 «قاصدين طولون للسفر إلى مصر» وقبل هذا ~~الموعد بعشرة أيام فقط فر أحد المسجونين في سجن التامبل # Temple # وكان ذلك الرجل هو السر سدني سميث الذي قدر أن تكون له اليد ~~الطولى في إحباط مشروع تلك الحملة، وكان فراره بواسطة أمر مزور باسم مدير ms281 البوليس - ~~ورقة مزورة منعت الانقلاب في الشرق.» # وكان السر سدني سميث هذا رجلا غريب الأطوار، جمع بين البسالة والإقدام والجرأة ~~والصراحة والتهور والغرور والطيش! ولما كان الإنكليز محتلين طولون في سنة 1793 أحرق ~~الأسطول الفرنساوي، وصادف في سنة 1796 وقوعه في يد الفرنساويين فحبسوه في ذلك السجن، ~~وبقي سجينا فيه نحو سنتين حتى ساقت له المقادير رجلا فرنساويا اسمه فيلبيو Philippeaux # ساعده على الفرار بواسطة ذلك الجواز ~~المزور، وكان فيليبو هذا مهندسا حربيا من كبار المهندسين الذين نقموا على الثورة ~~الفرنساوية وهجر بلاده ثم عاد إليها في الوقت الذي ساعد فيها السر سدني سميث على الفرار ~~فتوطدت بين الرجلين صداقة جمعت بينهما في الخير والشر حتى إنه جاء معه إلى عكا، وكان له ~~الفضل الأول في تدبير الدفاع عن المدينة وإحباط كل الخطط الحربية والهندسية التي كان ~~يديرها نابوليون وكفريللي، ولم يكن فيليبو أقل من كفريللي خصمه كفاءة، ومن غريب ~~المقادير أن الاثنين ماتا في ذلك الحصار، الأول خارج الأسوار، والثاني داخلها! ولم يكن ~~فيليبو غريبا عن نابوليون أيضا، فقد كان قرينه في المدرسة الحربية في باريس، وتلقى ~~الاثنان دروسهما الرياضية على «مونج» أحد علماء البعثة العلمية في مصر، وأمضيا الامتحان ~~معا تحت رياسة لابلاس # Laplace # واندمج في نفس السنة ~~التي اندمج فيها نابوليون في الطوبجية، والآن جمعت الظروف الغريبة، حول أسوار عكا ~~داخلا وخارجا، جميع أولئك الرجال!! # وكان للسر سدني سميث نوادر ومشاغبات مع نابوليون تظهر منها أخلاق الرجلين الذين وقف ~~الشرق بينهما حائرا في تلك الأيام العصيبة، فمن ذلك أن السر سدني سميث علم أن أمراء ~~جبل لبنان المسيحيين يظهرون الميل للفرنساويين، على فكرة أنهم مسيحيون مثلهم، وأنهم ~~سيخلصونهم من مظالم الجزار وولاة الدولة العثمانية، وكان نابوليون في سوريا أمام ~~المسيحيين يظهر المسيحية، كما كان شأنه مع المسلمين في مصر، فقد روى المؤرخون الثقات أن ~~نابوليون بعد معركة «طابور» التي قهر فيها بأقل من ستة آلاف جندي، جيشا مؤلفا من ~~ثلاثين ألفا من المماليك والإنكشارية والترك، سار إلى ms282 الناصرة ونزل في دير الرهبان ~~الفرنسيسكان وطلب من رئيس الدير أن يقيم الصلاة بصفة رسمية شكرا لله على ذلك الانتصار ~~العظيم، ودخل نابوليون الكنيسة وجثا على ركبتيه وقت الصلاة. # فلما علم السر سدني سميث بمساعدة المسيحيين للفرنساويين واغترارهم بهم، بعث لهم ~~بمجموعة من منشورات نابوليون التي وزعها على المصريين، وخصوصا منشوره الأول الذي يقول ~~فيه إنه هدم أركان الدين المسيحي وثل عرش البابوية، فاندهش الموريون المسيحيون، وامتنع ~~اللبنانيون عن توريد الخمر والبارود وعن تقديم المساعدات للفرنساويين. # ولم يكتف السر سدني سميث بذلك، بل كتب أوراقا باللغة الفرنساوية ونثرها بين جنود ~~نابوليون، وقد نشر «ميو» في مذكراته نص تلك المنشورات التي يقول لهم فيها: إنه قد سدت ~~عليهم السبل، ولم تبق لديهم سفينة تعيدهم إلى بلادهم، وإن من أراد منهم أن يعود إلى ~~وطنه فإنه مستعد لنقله في السفن الإنكليزية، وإن حكومة فرنسا نفتهم إلى هذه الديار ~~النائية لتقضي عليهم وعلى قوادهم، إلى غير ذلك من الأقوال التي يقصد بها التحريض على شق ~~عصا الطاعة، فلما وقعت تلك الأوراق في يد نابوليون حنق على السر سدني سميث ونشر منشورا ~~على الجند قال فيه: «لا شك أن الكومودور الإنكليزي قد أصيب بداء الجنون.» فعد السر سدني ~~هذا القول طعنا في شخصه وكتب إلى نابوليون يطلبه إلى المبارزة! # فأجابه نابوليون جواب استهزاء واستصغار! # وللسر سدني سميث حكايات غريبة عن بسالته وإخلاصه وجرأته في حوادث هذه الحرب، وهو الذي ~~يقال إنه أنقذ «محمد علي» من الغرق بعد واقعة أبي قير البرية، كما سنذكر ذلك في مكانه، ~~وله رسائل موجودة باللغة العربية في تاريخ الأمير حيدر الشهابي مع الأمير بشير الشهابي ~~يظهر منها أن أحمد باشا الجزار لم يقم للسر سدني بحق الولاء مع أنه لولاه لقضى نابوليون ~~على سلطة الجزار في عكا وسورية، كما قضى على سلطة أخواته وأسياده مراد وإبراهيم في مصر، ~~ولا غرابة فإن من أظهر أخلاق المماليك عدم الوفاء وقلة الإخلاص. # ولنعد إلى حصار عكا وحوادثه الغريبة فنقول: إنه إذا ضم ms283 إلى علم «فيليبو» وحسن إدارته ~~في الدفاع، أن الإنكليز بعثوا بجنود وضباط كثيرين لتحصين المدينة، كما يظهر ذلك من ~~أسماء الضباط الإنكليز الذين قتلوا في ذلك الحصار، وإذا ضم إلى ذلك أيضا أن المدافع ~~التي بعث بها نابوليون من مصر في السفن وقعت في أيدي الإنكليز، واستعملت في الدفاع عن ~~عكا، وأن نابوليون ارتكب غلطات كثيرة بشهادة الفرنساويين، وأن الدولة العثمانية في آخر ~~وقت بعثت بالإمدادات الكثيرة، وأن الطاعون كان يفتك بالجيش الفرنساوي فتكا ذريعا، وأن ~~الذخائر اللازمة لموالاة الحصار قد نفدت إلا قليلا - إذا ضم كل هذا إلى بعضه عرفنا كيف ~~فشل نابوليون أمام حصن صغير كحصن عكا، فتحه بعد ثلاثة وثلاثين سنة، إبراهيم باشا بجيش ~~من الفلاحين المصريين! # 7 # وعلى الرغم من الانتصار الباهر الذي ناله الفرنساويون على جيش الدولة عند جبل طابور، ~~وعلى الرغم من تعضيدات بعض أمراء سوريا وبعض المسيحيين والدورز لنابوليون وجيشه، فقد ~~رأى نابوليون للأسباب التي ذكرناها في الفقرة السابقة، ضرورة الانسحاب من حصار عكا ~~والعودة إلى مصر، ولم يذكر التاريخ انسحابا مقرونا بالفشل والخسائر والمشاق، مثل ~~انسحاب نابوليون من موسكو في الروسيا في عام 1812، ولا يزال يضرب به المثل في عظم ~~الفشل الحربي، وكانت عودة نابوليون من سورية صورة مصغرة لذلك الانسحاب من الروسيا ... ناب ~~في هذا العطش والقيظ والشمس المحرقة في الصحراء الفاصلة بين آسيا وإفريقيا، مناب الثلج ~~والبرد القارس والزمهرير في روسيا! وناب الطاعون في فتكه بالجند الفرنساوي، مناب ~~القوزاق في مطاردتهم للمنقطعين من ذلك الجيش الذي دوخ أوروبا في عدة وقائع فاخرة ~~باهرة! # وكان نابوليون مع شديد عزمه، وبالغ صبره وجلده، أسفا كئيبا يحرق الأرم على الإنكليز ~~الذين قضوا على آماله، وسدوا الطريق على أحلامه، وقطعوا بينه وبين الوصول إلى بلاده، ~~وكان الجيش لتغيظه وانحطاط قواه المعنوية كلما وصل إلى بلدة أو قرية من قرى الشام يمعن ~~فيها قتلا ونهبا وسلبا، ثم يشعل فيها النار خوفا من انقضاض القوم على الجند بدعوى ~~أن ذلك خير وسيلة حربية مشروعة لتعطيل العدو ms284 عن تعقبه ومطاردته ... # وروى المؤرخون من فرنساويين وإنكليز أن نابوليون وجد في يافا عددا كبيرا من جنوده ~~المصابين بالطاعون وأمراض أخرى فتحير في أمرهم، ولم يرد أن يتركهم فريسة في يد أعدائهم، ~~اعتقادا منه بأن جنود الجزار لا يبقون عليهم ولا يرحمون ضعفهم ومرضهم، ولا غرابة أن ~~يعتقد نابوليون ذلك الاعتقاد؛ إذ إنه هو لم يرحم الأسرى العزل من السلاح، ولم تسلم ~~النسوة ولا الشيوخ ولا الأطفال من اعتداء جنوده، وكذلك لم تكن لديه وسائل لنقل أولئك ~~المرضى إلى مصر، فاقترح نابوليون على الأطباء أن يجرعوهم السم ليموتوا موتة هينة بدلا ~~من تعريضهم، على ظنه لقساوة أعدائهم والتمثيل بهم! فكان جواب الأطباء: «إن صناعتنا تقضي ~~علينا أن نبرئ لا أن نميت»! # وهنا اختلاف كبير في هذه الرواية فكثير من الكتاب يؤكدها، وكثير منهم ينفيها وينكرها، ~~ونابوليون نفسه في سانت هيلانة ينكر أشد الإنكار أنه أصدر أمره بتسميم المرضى، ولكنه من ~~جهة أخرى يقول: إنه لو وجد نفسه في مثل ذلك الحال؛ أي: لو كان كواحد من أولئك المرضى، ~~لفضل أن يتجرع السم ليموت موتة هادئة سريعة، وإنه لو أصدر أمره للتعجيل على حياة المرضى ~~الذين قضى عليهم الموت، لما وبخه ضميره ولكان في عمله محقا. # والظاهر من اختلاف الروايات، ومن أقوال بعض قواد نابوليون، ومن دفاعه هو عن نفسه في ~~مذكرات سانت هيلانة، أن نابوليون اقترح على الأطباء تجريع المرضى نوعا من السم أو ~~الأفيون، وأنه لما رأى شدة معارضتهم له، ترك مع المرضى بعض الجند لحراستهم، ونقل من أمل ~~فيه الشفاء معه، بدليل أنه ورد في أخبار الانسحاب أن نابوليون كان يمشي على قدميه في ~~الصحراء واقتدى به الضباط والخيالة تاركين للمرضى الخيول والدواب. # والخلاصة أن حملة الشام قد فشلت فشلا ذريعا، ولم يعد من القوة التي سار بها ~~نابوليون، وهي كما ذكرنا ثلاثة عشر ألفا، غير سبعة آلاف على تقدير الكتاب الإنكليز قد ~~انحلت عزائمهم، وانحطت قواهم، ولكن بعض الكتاب الفرنساويين يؤكدون أن الجيش الفرنساوي ~~عاد من سورية ms285 وكان عدده في الصالحية 11.123 فيكون القنص ألفين فقط، قتل منهم خمسمائة في ~~ساحات القتال ومات في المستشفيات 700 وترك في معسكرات العريش وقطية نحو ستمائة ونحو ~~مائتين تقدموا الجيش إلى مصر، فتكون الخسارة الحقيقية للجيش لا تزيد عن ألف ومائتين إلى ~~ألف وخمسمائة على تقدير أولئك الكتاب، وفرق كبير بين هذا العدد وسبعة آلاف كما يقول ~~الإنكليز، وفي رأي «بيريه» أن الحملة الفرنسية في سورية فقدت ثلث رجالها؛ أي: نحو أربعة ~~آلاف بين قتيل وجريح ومطعون، وربما كان هذا التقدير أقرب إلى الصواب، وهذا يوافق ما ~~نقله المعلم نقولا الترك في رسالته؛ إذ ذكر أن الفرنساويين «خسروا ثلاثة آلاف وخمسمائة ~~«صلدات» على أسوار عكا ومات بالطاعون نحو ألف وزيادة.»؛ أي: أن الخسارة كانت حوالي ~~أربعة آلاف وكسور. # وكيفما كانت الخسارة فنابوليون مع هذا لم يرد أن يفهم جيشه أنه عاد من سورية بالخيبة ~~والفشل، ولذلك نشر بينهم منشورا طويلا قال فيه: أيها الجنود، إنكم قد قطعتم القفار ~~الواقعة بين آسيا وإفريقيا بسرعة تحاكي سرعة مسير جيش من العرب على خيولهم، وبددتم ~~الجيش الذي كان ذاهبا ليهاجم مصر، وألزمتم الجيش الثاني الذي كان يقصد به الإغارة على ~~وادي النيل، أن يأتي إلى عكا لإمدادها، وقد فتحتم العريش وغزة ويافا، وهدمتم قلعة عكا! ~~فالآن سنذهب إلى مصر؛ لأن العدو مصمم على مهاجمتها ... إلى غير ذلك من الأقوال التي قصد ~~بها طبعا تقوية عزائم الجند على اجتياز تلك الصحاري المحرقة مرة ثانية. # وكذلك لم يرد نابوليون أن يدرك المصريون أنه قد باء بالخيبة والخسران في حملته ~~السورية، فبعث قبل مقدمه إلى مصر بمنشور للديوان الخصوصي قال فيه: # إلى محفل ديوان مصر، نخبركم عن سفري من بر الشام إلى مصر، فإني بغاية العجلة ~~بحضوري لطرفكم بعد ثلاثة أيام تمضي من تاريخه، ونصل عندكم بعد خمسة عشر يوما ~~وجايب معي جملة محابيس بكثرة ومحقت سراية الجزار وسور عكا، وبالقنبر هدمت ~~البلد، ما أبقيت فيها حجرا على حجر، وجميع سكانها انهزموا من البلد إلى طريق ms286 ~~البحر والجزار مجروح، ودخل بجماعته داخل برج من ناحية البحر وجرحه يبلغ لخطر ~~الموت، ومن جملة ثلاثين مركبا موسوفة عساكر الذين حضروا يساعدون الجزار ثلاثة ~~غرقت من كثرة مدافع مراكبنا. ا.ه بحروفه. # ومما تجب ملاحظته على هذا الكذب والتضليل أنه لا توجد صورة لهذا المنشور بأية لغة ~~أوروبية، وليس له أصل فرنسي؛ لأنه - مع هذا التضليل - أعقل من أن ينشر هذه السخافات في ~~لغة أوروبية يحاسب عليها من قوم يفهمون ويعملون! # وختم خطابه هذا بالعبارة الآتية «نقلا عن الجبرتي»: «وإني مشتاق إلى مشاهدتكم؛ لأنكم ~~عملتم غاية جهدكم من كل قلبكم لكن جملة «فلانية» «كذا» دائرون بالفتنة لأجل ما يحركون ~~الشر في وقت دخولي، كل هذا يزول مثل ما يزول الغيم عند شروق الشمس وقنتورة # 9 # مات من التشويش، وهذا الرجل صعب علينا جدا والسلام.» # ولكن على الرغم من هذا الخطاب، وعلى الرغم من الاحتفال الفخيم العظيم الذي أعده ~~الفرنساويون، ونظمه نابوليون على طريقة التهويل والإرهاب، فإن المصريين لم يخف عليهم أن ~~نابوليون وجيشه قد فشلا في الشام وعادا منها بخفي حنين، وهذا الشيخ الجبرتي يقول: ~~«وأقاموا على حصار عكا أربعة وستين يوما حربا مستقيما ليلا ونهارا، وأبلى أحمد ~~باشا الجزار وعسكره بلاء حسنا شهد له الخصم.» وكتب الشعراء في سوريا ومصر قصائد ~~الابتهاج بخلاص عكا وفشل الجند الفرنساوي في تدويخها. # | هوامش # الفصل الخامس عشر # | العودة لمصر من سورية # في اليوم الثاني من شهر يونيه سنة 1799 وصل الجيش الفرنساوي إلى العريش، واتخذت ~~الاحتياطات الكافية لتحصين تلك البقعة وفي يوم 4 يونيه عسكر الجيش في قطية، وفي يوم 7 وصل ~~الجيش إلى بلدة الصالحية وهي أول حدود مصر من جهة الصحراء الشرقية، وهناك استراح الجيش، ~~وأصدر نابوليون أمره للجنرال كليبر بالسفر مع فرقته إلى دمياط للإقامة بها، وكان غرض ~~نابوليون من ذلك إبعاد كليبر عن القاهرة، ليتيسر له الاستعداد للسفر إلى فرنسا، قبل أن يعلم ~~به كليبر وذلك لأسباب كثيرة سنأتي عليها في مكانها. # قال الجبرتي في حوادث شهر محرم سنة ms287 1214 «وفي يوم الثلاثاء «يوافق 11 يونيه» حضر جماعة من ~~العسكر بأثقالهم وحضرت مكاتبة من كبير الفرنساوية أنه وصل إلى الصالحية وأرسل دوجا الوكيل ~~(Dugua) # ونبه على الناس بالخروج لملاقاته بموجب ورقة ~~حضرت من عنده يأمر بذلك.» # ومن لنا بالوقوف على التعليمات الخاصة التي بعث بها نابوليون إلى الجنرال «درجا» مع أولئك ~~الرسل بقصد الاستعداد العظيم للاحتفال بقدومه احتفال القائد الظافر، ليوهم المصريين أنه قد ~~ملك سورية ودوخ أهلها، وقضى على الجيوش التي أشيع في طول البلاد وعرضها أنها قادمة لخلاص ~~مصر من أيدي الفرنساويين؟؟ ولكن وإن لم نعرف تلك التعليمات فإننا نعرف أن في صبيحة يوم ~~الجمعة 10 محرم «14 يونيه» جمع الفرنساويون في القاهرة أهل المدينة من شيوخ وأعيان وموظفين ~~وعامة وسوقة، وأقيمت الزينات ودقت الطبول وعزفت الجوقات الموسيقية عربية وإفرنكية، وتوشح كل ~~ذي حيثية بالملابس المزخرفة، وتألف من الجنود والأهالي موكب عظيم، خرج من الأزبكية في صباح ~~ذلك اليوم، يستقبل نابوليون بونابرت خارج المدينة، وكان هو قد عسكر بجيشه في المنطقة ~~الواقعة بين سراي القبة والعباسية، وكانت تسمى هذه الجهة بالعادلية واليوم يقال لها ~~الوايلية التي هي في الحقيقة جزء منها، وقد وصف كثيرون من كتاب الفرنساويين، ذلك الموكب ~~المنظم والاحتفال الفخم الذي قوبل به نابوليون بعد عودته من سورية لمصر وبالغوا فيه، وكان ~~هو أول المبالغين في وصفه لحكومة الديركتوار! وليس لدينا في اللغة العربية غير أقوال الشيخ ~~الجبرتي والمعلم نقولا، والأول لا يزيد في الوصف على كلمات موجزة، والثاني لم يذكر شيئا عن ~~الهدايا الفاخرة التي قدمها التجار بالقاهرة وأعيانها وأشرافها لنابوليون وذلك بالطبع، كما ~~نعرف أمور بلادنا، بناء على تحريضات أوامر من الحكام الفرنساويين، وكان أكثر الناس تملقا ~~وتزلفا لنابوليون الشيخ خليل بكري الذي لم يزل نقيب الأشراف، مع حضور السيد عمر مكرم من ~~يافا، فقد قدم الشيخ خليل من أنواع الهدايا جوادا عربيا كريما يقود زمامه «رسم» ذلك ~~المملوك الذي اشتهر في أوروبا وبقي ذكره في التاريخ خالدا بجوار اسم نابوليون؛ لأنه سافر ms288 ~~معه إلى فرنسا وبقي معه مرافقا له في غدواته، وروحاته، وغزواته وانتصاراته، حتى كان يلقب ~~«مملوك الإمبراطور»، وكانت له في قصر النوباري مكانة معروفة، ولم يكن رسم هذا هو ذلك ~~المملوك الذي كان له مع الشيخ البكري حكايات مر بها الجبرتي مرور النسيم! بل كان واحدا من ~~مماليك كثيرين للشيخ البكري الذي قدم لنابوليون عدا الجواري والمملوك هدايا كثيرة فاخرة ~~ثمينة، فكان سرج الجواد مطرزا بالذهب واللآلي واليواقيت، وأهداه أيضا عددا من الهجن ~~السريع الخطا، وقدم له أيضا الجواري الحسان، من الجركس والحبشان، والشيلان الكشميرية ~~والأسلحة ذات القبضات المحلاة بالذهب والجواهر الكريمة، إلى غير ذلك من العطر والعود ~~والصندل والأقمشة الحريرية من صنع الهند والصين. # والخلاصة أن الشيخ خليل البكري، غفر الله له وتجاوز عن سيئاته، لم يدخر وسعا في إرضاء ~~الفرنساويين، فجاد بخير ما عنده، وتجاوز الأمر حتى قالوا إنه جاد بعرضه!! فقد روى ثقاة ~~المؤرخين أن ابنة الشيخ خرجت عن حدود الحشمة وسلكت مع الفرنساويين مسلكا شائنا فوصمت بيت ~~البكري بوصمت عار لا تمحى، وقد روى الشيخ الجبرتي، وهو عفيف القلم ، تلك الرواية وهو يتململ ~~غيظا، وقال: إن أعداء الشيخ اتهموه بأن خروج ابنته مع الفرنساويين كان بعلمه ورضاه، ~~والعياذ بالله، وروى بعضهم أنها كانت تسقي أباها وضيوفه من كبار القواد الفرنساويين الشراب ~~فكان ما كان، ولكن هذا على ما أعتقد غير صحيح، وأغرب ما في حكاية هذه الفتاة وقصتها الغربية ~~التاريخية ما روته الكاتبة «جيهان ديفري» في كتابها عن نابوليون في مصر، فقد أكدت أن ابنة ~~البكري «وذكرت أن اسمها زينب البكرية» كانت معشوقة نابوليون بونابرت نفسه، ونحن ننقل ~~روايتها هذه بكل تحفظ؛ لأننا لا نعرف على أي المصادر اعتمدت هذه الكاتبة الباحثة؛ إذ من ~~الجائز أنها اعتمدت على مذكرات أو مصادر لم نوفق إلى العثور عليها. # ورواية جيهان ديفري هي أنه كان لنابوليون بونابرت في مصر معشوقة اسمها بولين فوريس Pauline Fourès # وكانت من قبل خاطئة من بلدة ~~كاركاسون # Carcassone # في فرنسا وتزوجت من الضابط فوريس، ms289 ~~وكان رجال الجيش يعلمون بعلاقة القائد العام بها، وكذلك كان يعرف المصريون وكانوا يسمونها ~~«ست السلطان الكبير»، فحدث في زيارة ابنة البكري وأمها لتلك السيدة الفرنسية أن وقع نظر ~~نابوليون على الفتاة العذراء ابنة سليل بيت الصديق، فأعجب بظرفها وشكلها الشرقي، وكانت ~~الأخبار قد وردت إليه من فرنسا بسوء سلوك زوجه جوزيفين وأخبار علاقاتها ببعض الضباط في ~~باريس، ومهدت له بولين الاجتماع بزينب واتخذها خليلة أخرى له، وكان الفرنسيون يسمونها ~~(La petite Egyptienne du Général) # كما كانوا يسمون ~~بولين فوريس ~~(Notre Dame de l’Orient) # وروت كاتبة هذه ~~الرواية أن حب نابوليون لزينب لم يدم طويلا؛ لأن بولين مكرت بالفتاة وغيرت ملابسها الشرقية ~~بملابس باريسية وقامت لها بالتطرية الغربية، ففقدت ميزتها وغرايتها لدى نابوليون ومال قلبه ~~أكثر إلى بولين. # واتخذ كاتب إنجليزي من كتاب الروايات الخيالية الممزوجة بالحوادث التاريخية حادثة ابنة ~~البكري جزءا من موضوع رواية اسمها «المملوك المفقود» # 1 # تتداولها الأيدي في كل مكان وزمان، ولكن مؤلف هذه الرواية وصف الشيخ البكري ~~بأنه كان متألما، وأنه كان يسير في شوارع القاهرة ليلا نادما صاخبا على ما أصاب ابنته ~~وذكر مؤلف الرواية اسم تلك الفاجرة، وقال إنها هامت بحب كولونيل الفرنسي وكيفما كان الحال ~~فقد لاقت جزاءها بعد خروج الفرنسيس وعودة المماليك والأتراك؛ إذ قطعوا رقبتها أمام ~~والديها. # ومن أغرب الأمور أن ذلك يحصل ونابوليون بونابرت وهو شبه ملك لفرنسا «القنصل الأول» لا ~~يستطيع أن يخلص الفتاة التي عبث بعفافها من القتل!! # وإن قال قائل أما كان الأولى التجاوز في هذا الكتاب عن ذكر هذا! كان جوابنا أن لنا غرضا ~~في وصف أخلاق القوم في ذلك الزمن، والإشارة إلى من لا يكرمون أنفسهم ولا أمتهم ولا دينهم، ~~أمام الغاصب الأجنبي «ومن لا يكرم نفسه لا يكرم». # وقال المعلم نقولا الترك عن ساعة الاستقبال والسلام: «واقبلوا عليه وهنوه بقدومه وبعد ~~الجلوس قال لهم: لقد بلغني أن بعض المفسدين والأعداء الكاذبين قد أشاعوا عني الأخبار، أنني ~~مت في تلك الديار، فأمعنوا بي النظر، ms290 لتتحققوا الخبر، وانظروا هل أن بونابرته مات، أم لا ~~يزال بعد في الحياة، وقولوا للمفسدين: لا يتأملوا بهذا الأمل وبونابرته قد جاء سالما ~~غانما، وبإذن المالك العزيز لا يموت بونابرته حتى يدوس جميع الممالك.» فأجابوه «لا بأس على ~~أمير الجيوش قد كذب كل من قال أطال الله لنا بقاك، ولا شمت بك أعداك، وجعلنا من الدنيا ~~فداك.» # وهكذا يقول الناس لكل ذي قوة وسلطان! وما نظن إلا أن نابوليون وهو يقول لهم هاتيك الأقوال ~~الطنانة كان يتصور أمام مخيلته السر سدني سميث في بارجته، وهو يشير إليهم بإصبع الاستهزاء، ~~يذكره بالفشل أمام عكا، وعودته من سوريا منكوبا مهزوما، فيقول نابوليون في نفسه: # وتجلدي للشامتين أريهم # أني لريب الدهر لا أتضعضع # ثم تحرك الموكب على نظام رتبوه وعلى شكل يقصد به إلقاء الرعب وإظهار الأبهة وجلال الملك ~~وعظمة السيادة في نفوس المصريين، حتى لقد استمر ذلك الموكب - على رواية الجبرتي - خمس ساعات ~~متوالية في شوارع القاهرة إلى أن وصل إلى داره بالأزبكية، وقد ذكر لنا «ميو» في مذكراته ~~الصريحة «أن نابوليون سير الجند في موكب دخوله القاهرة صفوفا منفردة حتى يوهم القوم بأنه ~~لم يخسر كثيرا من جيشه كما أشاعوا عنه في مصر» ... ولهذا استمر الموكب خمس ساعات! # ومع ذلك لم يخف عن المصريين، كما روى الجبرتي أن العساكر قد تغيرت ألوانهم واصفرت وجوههم، ~~وقاسوا مشقات عظيمة من الحر والسغب. # ولم يكتف نابوليون بذلك الموكب العظيم، بل أراد أن يجعل دخوله في القاهرة عيدا كبيرا أو ~~مولدا من الموالد، استمر ثلاثة أيام متوالية، وفي هذا يقول الجبرتي: «فلما وصل ساري عسكر ~~الفرنساوية إلى داره بالأزبكية تجمع هناك أرباب الملاهي والبهالوين، وطوائف الملاعبين، ~~والحواة والقرادين، والنساء الراقصات والخلابيص، ونصبوا أراجيح مثل أيام الأعياد والمواسم، ~~واستمروا على ذلك ثلاثة أيام، وفي كل يوم من تلك الأيام يعملون شنكا وحراقات ومدافع ~~وصواريخ، ثم انقضى الجمع بعدما أعطاهم ساري عسكر دراهم وبقاشيش.» # من للتاريخ بمن يشرح للأجيال الخالفة ما كان يجول بخاطر نابوليون وهو ينظر ms291 من نافذة بيت ~~الألفي، في ليلة من تلك الليالي المقمرة، إلى أولئك المهاويس من الحواة وملاعبي القردة ~~والنسوة الراقصات؟ وهو يعلم أنه في أحرج المراكز، وأن جيشه قد قل عددا، وأن مراكبه قد ~~حطمت، وأن دول أوروبا العظيمة قد تجمعت لمحاربته، وأن الجيش العثماني، تعضده الأساطيل ~~الإنكليزية والروسية والعثمانية، قادم لمحاربته من طريق البر والبحر، وأن الحكومة في باريس ~~قد خذلته، وأنه لا بد له من الهرب من هذه الديار المصرية ليصل إلى فرنسا لينال فيها ما تطمح ~~إليه نفسه من المجد والفخار، ويفكر كيف يهرب وسفن الإنكليز في البحر الأبيض المتوسط ذاهبة ~~وآتية!! # لا نزاع في أن كل هاتيك الأفكار المقلقة كانت تجول في رأس نابوليون فتتعاقب فيها الآمال ~~بالآلام، وتمتزج الأوهام بالأحلام، فكان لا شك يبتسم تبسمة صفراء لأولئك اللاعبين الصاخبين، ~~ويقول لهم: «العبوا العبوا يا عبيد الأوهام، وآلات الحكام»! ولو أجابه واحد من أولئك ~~البهاليل الرقصين اللاعبين، لقال له على لسان الفلسفة الشرقية: «نحن أحسن منك حالا، وأنعم ~~منك بالا، وأفضل في النتيجة مآلا! ما لنا ولأمواج سانت هيلانة، تدوي في آذاننا، وتذيب من ~~أرواحنا، وتفتت في أكبادنا، بعد الهيل والهيلمان، والتاج والصولجان ؟؟ ومن لم يقامر بالدنيا ~~أبدا، كان كمن قامر بها، فكسبها في يوم، وخسرها في آخر!! وملك كسرى تغني عنه كسرة»! # يقول هذا ويرقص! # يقول «بوريين» في مذكراته: إن نابوليون ما كاد يستقر في القاهرة حتى أصدر منشورا من تلك ~~المنشورات التي سداها الكذب ولحمتها التلفيق ولا ينخدع بها إلا ذوو البلاهة والجنون، وعن ~~هذا المنشور أو البلاغ يقول الشيخ الجبرتي: «إنهم في تاسع عشر من الشهر «محرم» كتبوا ~~أوراقا وطبعوها وألصقوها بالأسواق، وهي من ترصيف وتنميق أحد الفصحاء.» فإذا لاحظنا أن ~~نابوليون دخل القاهرة في 10 من الشهر رأينا أنهم قضوا نحو أسبوع في تعريب وترصيف وطبع ذلك ~~البلاغ الذي يدل إنشاؤه على قلم مصري، ولعله من ترصيف وتنسيق الشيخ المهدي الذي يقول عنه ~~المؤرخون في كتاب الحملة: إنه كان ينظم منشورات القائد العام ms292 شعرا، مما يدل على أن ~~نابوليون أو من معه من المستشرقين ينزلون النثر المسجع منزلة الشعر الموزون المقفى، ~~والمنشور المشار إليه مكتوب على لسان أعضاء الديوان. # وقد كنا عزمنا على الاكتفاء من هذا المنشور المطول بشذرات تدل على أسلوبه وتركيبه، ولكن ~~عثرنا في الوقت الأخير على صورة مأخوذة بالفوتوغرافية من أصل لذلك المنشور، فرأينا إتماما ~~للفائدة أن ننقل تلك الصورة، وأن نأتي على نص المنشور نقلا عنها ليسهل على القارئ مطالعته، ~~ومقارنته بنصه في الجبرتي: # الجمهور الفرنساوي # من محفل الديوان الخصوصي بمحروسة مصر # خطابا لأقاليم مصر الشرقية والغربية والمنوفية والقليوبية والجيزة ~~والبحيرة # النصيحة من الإيمان # قال الله تعالى في محكم القرآن: # ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان ~~، وقال تعالى: # ولا تطيعوا أمر ~~المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا ~~يصلحون ~~، فعلى العاقل أن يتدبر في الأمور قبل أن يقع في ~~المحذور. # نخبركم معاشر المؤمنين أنكم لا تسمعوا كلام الكذابين فتصبحوا على ما فعلتم ~~نادمين. # وقد حضر إلى محروسة مصر المحمية أمير الجيوش الفرنساوية، حضرة بونابرتة محب الملة ~~المحمدية، ونزل بعسكره في العادلية، سليما من المطب والأسقام، شاكرا الله موحدا ~~للملك العلام، ودخل إلى مصر، من باب النصر، يوم الجمعة عاشر شهر محرم الحرام سنة ~~ألف ومائتين وأربعة عشر من هجرته عليه السلام، في موكب كبير عظيم، وشنك جليل فخيم، ~~وعسكر كثير جسيم، وصحبته العلماء الأزهرية والسادات والبكرية، والعنانية ~~والدمرداشية، والحسينية والأحمدية والرفاعية والقادرية، والوجاقات السبعة ~~السلطانية، وأرباب الأقلام الديوانية، وأعيان التجارة المصرية، وكان ذلك اليوم ~~يوما مشهودا عظيما لم يقع نظيره في المواكب السابقة قديما، وخرجت سكان مصر ~~جميعا لملاقته «كذا» فوجدوه هو الأمير الأول بونابرته بذاته وصفاته، وظهر لهم أن ~~الناس يكذبون عليه، شرح الله صدره للإسلام، ونظر بعين لطفه إليه، والذي أشاع عنه ~~الأخبار الكاذبة، العربان الفاجرة، والغز الهاربة، ومرادهم بهذه الإشاعة هلاك ~~الرعية، وتدمير أهل الملة الإسلامية، وتعطيل الأموال الديوانية، لا يحبون راحة ~~العبيد، وقد أزال الله دولتهم من شدة ظلمهم، إن بطش ربك لشديد، وقد بلغتنا أن ~~الألفى توجه ms293 إلى الشرقية مع بعض المجرمين من عربان «يلي» والعبايدة الفجرة ~~المفسدين، يسعون في الأرض بالفساد وينهبون أموال المسلمين، إن ربك لبالمرصاد، ~~ويزورون على الفلاحين المكاتيب الكاذبة الفاجرة، ويدعون أن عساكر السلطان حاضرة، ~~والحال أنها ليست بحاضرة، فلا أصل لهذا الخبر، ولا صحة لهذا الأثر، وإنما مرادهم ~~وقوع الناس في الهلاك والضرر، مثل ما كان يفعل إبراهيم بك في غزة حين كان، ويرسل ~~فرمانات بالكذب والبهتان، ويدعي أنها من طرف السلطان، ويصدقوه أهل الأرياف خسفاء ~~العقول، ولا يقرءون العواقب، فيقعون في المصائب، وأهل الصعيد طردوا الغز من بلادهم، ~~خوفا على أنفسهم وهلاك عيالهم وأولادهم، فإن المجرم يؤخذ مع الجيران، وقد غضب الله ~~على الظلمة، ونعوذ بالله من غضب الديان، فكانوا أهل الصعيد أحسن عقولا من أهل بحري ~~بسبب هذا الرأي السديد، ونخبركم أن أحمد باشا الجزار، سموه بهذا الاسم لكثرة قتله ~~الأنفس ولا يفرق بين الأخيار والأشرار، وقد جمع الطموش الكثيرة من عسكر العثملي ومن ~~الغز والعرب وأسافل العشيرة، وكان مراده الاستيلاء على مصر وأقاليمها، وأحبوا ~~اجتماعهم عليه لأخذ أموالها وهتك حريمها، ولكن لم تساعه الأقدار، والله يفعل ما ~~يشاء ويختار. # ألطافه خفية، والكلام على صفو النية، وقد كان أرسل بعض هذه العساكر إلى قلعة ~~العريش، ومراده يصل إلى قطية، فتوجه حضرة ساري عسكر أمير الجيوش الفرنساوية وكسر ~~عسكر الجزار الذين كانوا في العريش، ونادوا الفرار الفرار، بعد ما حل بأكثرهم القتل ~~والدمار، وكانوا نحو ثلاثة آلاف، وملك قلعة العريش وأخذ ما فيها من ذخائر الجزار ~~بلا خلاف، ثم توجه صاري عسكر إلى غزة فهرب من كان فيها من عسكر الجزار، وفروا منها ~~كما يفر من الهرة العصفور والفار، ولما دخل قلعة غزة نادي في رعيتها بالأمان، وأمر ~~بإقامة الشعائر الإسلامية وأكرم العلماء والتجار والأعيان، ثم انتقل إلى الرملة ~~وأخذ ما فيها من ذخائر الجزار، من بقسماط وأرز وشعير وخرب أكثر من ألفين قرية عظام ~~كبار، كان جهزها الجزار، لذهابه إلى مصر ولكن لم تساعده الأقدار، ثم توجه إلى يافا ~~وحاصرها ms294 ثلاثة أيام ثم أخذها وأخذ ما فيها من ذخائر الجزار بالتمام، ومن نحوسات ~~أهلها أنهم لم يرضوا بأمانه، ولم يدخلوا تحت طاعته وإحسانه، فدور فيهم السيف من شدة ~~غيظه وقوة سلطانه، وقتل منهم نحو أربعة آلاف أو يزيدون بعدما هدم سورها، فعل الله ~~الذي يقول للشيء كون «كذا» فيكون، وأكرم من كان فيها من أهل مصر وأطعمهم وكساهم ~~وأنزلهم في المراكب إلى مصر وغفرهم بعسكر خوفا من العربان، وأجزل عطاياهم، وكان في ~~يافا نحو خمسة آلاف من عسكر الجزار، هلكوا جميعا وبعضهم ما نجاه إلا الفرار، ثم ~~توجه من يافا إلى جبل نابلس فكسر من كان فيها من العساكر بمكان يقال له: فاقوم وحرق ~~خمسة بلاد من بلادهم، وما قدر كان، سبحان مالك الملك الحي القيوم، ثم أخرب سوق عكا، ~~وهدم قلعة الجزار التي كانت حصينة لم يبق فيها حجر على حجر حتى إنه يقال: كان هناك ~~مدينة، وقد كان بنى حصارها وشيد بنيانها في نحو عشرين من السنين، وظلم في بنياتها ~~عباد الله، وهكذا عاقبة بغيان الظالمين. # ولما توجه إليه أهل بلاد الجزار من كل ناحية كسرهم كسرة شنيعة، فهل ترى لهم من ~~باقية، نزل عليهم كصاعقة من السماء، فإن قال أهل الشام لما قلنا كما «كذا» ثم توجه ~~راجعا إلى مصر المحروسة لأجل سببين «الأول» أنه وعدنا برجوعه إلينا بعد أربعة ~~أشهر، والوعد عند الحر دين، «والسبب الثاني» أنه بلغه أن بعض المفسدين من الغز ~~والعربان يحركون في غيابه الفتن والشرور في بعض الأقاليم والبلدان، فلما حضر سكنت ~~الفتنة، وزالت الأشرار مثل زوال الغيم عند شروق الشمس وسط النهار، فإن همته العلية، ~~وأخلاقه المرضية، متوجهة في البكرة والعشية، لإزالة الأشرار والفجرة من الرعية، ~~وحبه لمصر وإقليمها شيء عجيب، ورغبته في الخير لأهلها ونيلها وزرعها بفكره وتدبيره ~~المصيب، يحب الخير لأهل الخير والطاعة، ويرغب أن يجعل فيها أحسن التحف والصناعة، ~~ولما حضر من الشام، أحضر معه جملة أساري من خاص وعام، وجملة مدافع وبيارق اغتنمها ~~في الحروب من الأعداء ms295 والأخصام، فالويل كل الويل لمن عاداه، والخير كل الخير لمن ~~والاه، فسلموا يا عباد الله لقضاء الله، وارضوا بتقدير الله فإن الأرض لله، ~~وامتثلوا لأحكام الله، فإن الملك لله يؤتيه من يشاء من عباده، هذا هو الإيمان بالله ~~ولا تسعوا في سفك دمائكم، وهتك عيالكم، ولا تتسببوا في قتل أولادكم ونهب أموالكم، ~~ولا تسمعوا كلام الغز الهاربين الكاذبين، ولا تقولوا إن في الفتنة إعلاء كلمة ~~الدين، حاشا لله لم يكن فيها إلا الخذلان التام، وقتل الأنفس وذل أمة النبي عليه ~~الصلاة والسلام، والغز والعربان يطمعوكم ويغروكم لأجل أن يضروكم فينهبوكم، وإذا ~~كانوا في بلد وقدمت عليهم الفرنسيس فروا هاربين منهم كأنهم جنود إبليس، ولما حضر ~~ساري عسكر إلى مصر أخبر أهل الديوان من خاص ومن عام، أنه يحب دين الإسلام، ويعظم ~~النبي عليه السلام، ويحترم القرآن، ويقرأ فيه كل يوم بإتقان، وأمر بإقامت «كذا» ~~شعائر المساجد الإسلامية، وإجراء خيرات الأوقاف السلطانية، وسلم عوائد الوجاقلية، ~~وسعى في حصول أقوات الرعية، فانظروا هذه الألطاف والمزية، ببركة نبينا أشرف البرية، ~~وعرفنا أن مراده يبني لنا مسجدا عظيما بمصر لا نظير له في الأقطار، وأنه يدخل في ~~دين النبي المختار، عليه أفضل الصلاة وأتم السلام». # ويرى القراء في الصورة الفوتوغرافية أسماء أعضاء الديوان الخصوصي كالآتي: السيد خليل ~~البكري نقيب السادة الأشراف، الفقير عبد الله الشرقاوي رئيس الديوان، الفقير محمد المهدي ~~كاتب سر الديوان، الفقير مصطفى الصاوي خادم العلم، الفقير سليمان الفيومي خادم العلم، علي ~~كتخدى باش اختيار مستحفظان، يوسف باش جاوش تفتكجيان، السيد أحمد المحروقي. # 2 # يلاحظ القارئ أن جميع أعضاء الديوان الخصوصي الذي شكل في «16 رجب سنة 1213 / 25 ديسمبر ~~سنة 1799»؛ أي: قبل هذا الموعد بنحو ستة شهور، وسبق لنا الكلام بشأنهم، لم يوقعوا كلهم على ~~هذا المنشور، واكتفي بوضع إمضاءات العلماء والسيد أحمد المحروقي سر تجار القاهرة، واثنين من ~~الضباط الأتراك ضباط الوجاقات، ولم يكن قد ورد اسمهما في الأسماءالتي ذكرها الجبرتي عند ~~تشكيل الديوان، ولا في كتاب الحملة كما هو ms296 موضح في كتابنا، هذا فلا بد إذن من أنه حصل تغيير ~~أو زيادة عضوين من ضباط الوجاقات بقصد إرهاب المصريين؛ لأنهم، كما قال عنهم المشايخ ~~للفرنساويين عند دخولهم، لا يخافون إلا من الحكام المماليك، ثم يظهر أن نابوليون ارتأى ~~إخلاء المنشور من أسماء الأعضاء غير المسلمين؛ لأن أسماء مثل بودوف وكاف ولطف الله وكحيل ~~وولمار لا تتفق مع دعاوى «قراءة القرآن بإتقان، واحترام النبي عليه الصلاة والسلام، ~~والعزيمة على الدخول في دين الإسلام»!! # نص المنشور العربي. # وقد خصص مسيو كرسيتان شرفيس في كتابه الحديث المسمى «بونابرت والإسلام» بحثا خاصا عن ~~هذا المنشور ومتى كتب ومن كتبه، وهو الذي نقلنا عنه الصورة الفوتوغرافية التي حصل على ~~صورتها الأصلية من وزارة الحربية، وظاهر من التحقيقات التي عملها على الأصل الخطي أن ~~نابوليون هو الذي أملى عبارة المنشور على كاتب يده بوريين، وأنه بعد ذلك أخذ ما كتبوه وأدخل ~~عليها بخطة تصليحات وزيادات ثم أمر به فنسخ، وإن كان ذلك حصل بين 15 و16 يونيه؛ أي: ثاني ~~يوم لدخوله القاهرة، والجبرتي يقول لنا: إنه في التاسع عشر من محرم كتبوا أوراقا وألصقوها ~~«19 محرم الموافق 23 يوليو» ولم يك من السهل ترصيف وتسجيع عبارة المنشور لموافقتها للأصل ~~الفرنساوي في مدة قصيرة بسبب ما يدور من المناقشات والأخذ والرد بين المترجمين والمصححين. # نص المنشور الفرنسي. # بقي علينا أن نذكر أن العبارة العربية قريبة جدا من الأصل الفرنساوي، ومن الغريب أنه لم ~~يرد في النص المطبوع في الصورة الفرنسية ذكر للقب «السلطان الكبير» وكذلك لا يوجد لهذا ~~اللقب أثر في النص العربي الموجود في الجبرتي ولا في المعلم نقولا، ولا في الأصل الصحيح ~~المنقول بالفتوغراف، ولكن ورد في كتب الفرنساويين، وورد في الصورة الخطية الفرنسية المنقولة ~~بالفتوغراف في كتاب شرفيس، فيظهر من ذلك جليا أن نابوليون أراد لنفسه ذلك اللقب، وأملاه ~~على كاتب يده، ولكن معارضة المشايخ مثلا، أو عدم قبولهم وضع إمضاءاتهم على منشور يلقب فيه ~~نابوليون بالسلطان الكبير، أو غير ذلك من أغراض ms297 لبعض المستشرقين أو القواد الآخرين، أدى إلى ~~رفع ذلك اللقب من المنشور العربي والفرنسي، ومع وجود الصورة الأصلية، في اللغتين كما يراه ~~القارئ في الصورتين المأخوذتين بالفتوغراف، فلا يزال بعض كتاب الفرنسيين يؤكد أن نابوليون ~~كان يلقب في مصر بالسلطان الكبير!! # وأما ما ورد في هذا المنشور من دعوى اعتناق الدين الإسلامي وتلاوة القرآن وإنشاء مسجد ~~كبير إلى غير ذلك من موضوع لفكرة الإسلامية لدى نابوليون - فسنفرد له فصلا خاصا لإماطة ~~النقاب، عن كل ما قيل في هذا الباب. # وكنا نود أن نقف بالقلم عند هذا الحد فيما يختص بالحملة السورية لولا إننا عثرنا على ~~رسالتين، بعث بهما على لسان أعضاء الديوان الخصوصي، إلى نابوليون وهو في سوريا، وهاتان ~~الرسالتان نقلهما مسيو كرسيتان شرفيس في كتابه الذي سبقت الإشارة إليه ليتخذها دليلا على ~~ثقة المسلمين بنابوليون وحبهم له ومدحهم إياه، مع أن أولئك المشايخ كانوا يمضون ما يكتب ~~لهم، وذلك باعتراف مسيو شرفيس نفسه، فقد قال في خلال تحقيقاته عن المنشور الآنف الذكر: إن ~~نابوليون كان لا يكتب فقط ما سيوقع عليه باسمه، بل كان يكتب أيضا ما سيمضيه سواه، ولذلك ~~أملى وكتب ذلك المنشور الذي أمضاه بعض العلماء بعد تحوير وتلطيف، ونريد بهذا أن نقول إن ~~وجود تلكما الرسالتين اللتين بعث بهما إلى نابوليون في سوريا، بل والثالثة التي بعث بها ~~إليه وهو الحاكم الأول في فرنسا، لا يثبت أبدا أن المسلمين اعتقدوا في نابوليون بونابرت ~~مثلما تصور هو أنهم يعتقدونه فيه. # والرسالتان المشار إليهما لهما أهمية عظيمة في نظرنا؛ لأن أصلها غير موجود باللغة ~~العربية، لا في الجبرتي ولا في المعلم نقولا، ومع أن ثالثهما بعث بها بعد هذا التاريخ بنحو ~~سنة ونصف؛ أي: في مدة رياسة الجنرال «منو» وكان الشيخ عبد الرحمن الجبرتي قد صار عضوا في ~~الديوان وإمضاءاته موجودة بين الذين أمضوا تلك الرسالة الثالثة، فإنه لم ينشر لنا نصها ~~العربي، بل ولم يشر إليها إشارة صغيرة مما يثبت دون أقل شك أن المشايخ لم يكونوا ms298 يعترفون ~~بأن تلك الرسائل صادرة منهم عن اعتقاد ويقين، وإن كانت إمضاءاتهم عليها وأسماؤهم واردة ~~فيها. # ومع اعتقادنا هذا الذي نقرره مع الأسف لما فيه من نسبة الضعف الأخلاقي لأكبر مشايخ ~~المسلمين وعلمائهم في ذلك الزمن، نرى من الضروري للفائدة التاريخية أن نأتي على تعريب تلك ~~الرسائل من المصادر الفرنسية، ونكتفي هنا بالرسالتين اللتين بعث بهما إلى نابوليون في ~~سوريا، ونترك الثالثة إلى حوادث المدة الأخيرة من تاريخ الفرنساويين بمصر. # وقبل أن نأتي على تعريب الرسالتين المذكورتين نقول: إن مسيو كرستيان سرفيس قد نقلهما ~~وغيرهما من الرسائل التي لا أصل لها في العربية، من مجموعة رسمية، ولم يذكر لنا عن أصلهما ~~العربي شيئا بخلاف الثالثة التي روى عنها أن سلفستر ده ساسي، العالم المستشرق الكبير هو ~~الذي ترجمها من العربية إلى الفرنسية. # وقد يخطر بالبال أن الرسالتين المشار اليهما لم تكتبا بالعربية قط، وإنهما وضعتا ~~بالفرنسية في القاهرة وأفهم المشايخ ما فيهما ووضعت إمضاءاتهم عليهما، ولكن أسلوب عبارتهما ~~في الفرنسية يدل على أنهما مترجمتان من العربية، ونحن مع فقد النص العربي لا نجد، كما قلنا ~~مناصبا من تعريبهما ثانية، وإن كنا لا نطمع في أن نعيدهما إلى ما يقرب من نص ألفاظهما، ~~مجتهدين في تقليد أسلوب ذلك العصر. # وليس في إحدى الرسالتين تاريخ زمن وضعهما، ولكن يظهر أن الأول كتبت لنابوليون في أول زمن ~~الحملة الشامية، وهذا نصها: # كتاب من ديوان القاهرة # بسم الله الرحمن الرحيم # من أعضاء الديوان الخصوصي بالقاهرة المعزية، إلى نصير الضعفاء والمساكين، وحامي ~~العلوم والمتعلمين، وصديق الدين الإسلامي ومن به يدين، وذخر اليتامى والمساكين، ~~ومنظم شئون الممالك والجيوش، الأجل الأمجد، ساري عسكر الجيش الفرنسي القائد العام ~~بونابرت، حياه الله بصنوف السعادة، بشفاعة أشرف الخلق سيدنا محمد عليه الصلاة ~~والسلام. # بعد الدعاء بدوام بقائكم، وتمني عودتكم الميمونة والوجود بيننا، وإذا أردتم ~~الوقوف على أحوال القاهرة والجهات البحرية والقبلية، والأقاليم الشرقية والغربية ~~فهي على أحسن حال من الهناء والرفاهية، بعيدة عن الاضطراب، وصنوف العذاب، والمساجد ~~والأسواق على نظام ms299 يدعو إلى الإعجاب، والأعيان والتجار والأهالي يحفظون الجميل ~~ويعترفون بالمنة لذلك الذي أغدق عليهم هذه الخيرات، ولا يكفون عن التضرع للعزة ~~الإلهية بدوام عزه ومجده. # ولما كانوا قد غمرتهم النعم الإلهية، وتمتعوا بالراحة والرفاهية، فقد أصبحوا ~~يعجبون بحكمة القائد الذي باسمه يحكم القطر المصري، ويرون في اختياركم هذا القائد ~~دليلا على عطفكم السامي. # أما حاكم الخط فقوي العزم، يعمل بقواعد العدل والحزم، والمدير العام للمالية على ~~جانب عظيم من النبل والرأفة والحلم، ونقيب السادة الأشراف الشيخ البكري لا يزال ~~دائما على عهد الولاء مقيم، ورئيس الديوان الشيخ الشرقاوي يصرف الأمور تصريف حكيم، ~~والشيخ المهدي يحفظ لكم المنة والشكر، والناظر قوسقيار كيخيا، هو دائما زينة ~~الدنيا، وأخيرا فإن سكان مصر كلهم لا يرغبون غير عودتكم التي ستكون إن شاء الله ~~عودة قريبة ميمونة، ويسألون الله عز وجل أن يحفظ جيوشكم من كيد الظالمين، ويفتح لكم ~~أبواب النجاة والسلامة. # وفي غداة سفركم جمع الجنرال دوجا الأعضاء الستين، الذين يؤلفون الديوان العام ~~وأوصاهم أن يراقبوا الحوادث بعين الانتباه والحذر، وزاد على ذلك قوله إن الذين ~~يسلكون سبيل العدل والحكمة يستحقون عفوك ورحمتك، ولكن الذين يريدون بذر بذور الشر ~~والاضطراب، عليهم تقع المصائب والويلات التي تأتي مما عملت أيديهم ، فأظهر الناس ~~إعجابا بهذه النصائح الحكيمة، وفي اليوم نفسه عاد واستدعى مشايخ الحارات والأسواق ~~ووجهاء المدينة والأعيان، وأنذرهم بأنه إذا أقدم أحد على تعكير السلام والأمن في ~~الأحياء والأسواق، فإنه ينزل العقاب على الرؤساء الذين لا يمنعون ذلك وأوصاهم ~~بمعاقبة الوشاة الذين يروجون الأخبار الكاذبة التي هي منبع الشر. # وكان لهذه النصيحة وقع عظيم على سكان القاهرة ووزعت فرماناتكم الشريفة في ~~الأقاليم، وبفضل ما سبق أن اتخذتموه من التدابير الحكيمة انطبعت في العقول مقاصدكم ~~الكريمة ومحت إلى الأبد كل أثر من أثار العصيان والاضطراب. # وتنازلوا بإفادتنا عن ما يجري من الحوادث، وطمنونا عن صحتكم وليحفظكم الله بحق ~~شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. # السيد خليل البكري (نقيب الأشراف) # عبد الله الشرقاوي (رئيس الديوان) # محمد المهدي (كاتم ms300 سر الديوان) # علي كخيا المجدلي (عضو الديوان) # السيد أحمد المحروقي (عضو الديوان) # يوسف فرحات (عضو الديوان) # بودوف (عضو الديوان) # يوسف باش جاويش (عضو الديوان) # ميخائيل كحيل (عضو الديوان) # لطف الله المصري (عضو الديوان) # ولمار (عضو الديوان) # جورج نصار (ترجمان) # ذو الفقار كخيا (قومسير الديوان) # وهذا تعريب الرسالة الثانية: # قال الله تعالى وقوله الحق # إن الأرض لله يورثها ~~من يشاء من عباده والعاقبة للمتقي ~~. # من ديوان مصر المحمية إلى القائد العام للجيوش الفرنسية، صاحب العظمة التي لا تحد ~~والروية، وجامع الخلال السنية المرضية، أدامه الله ذخرا للضعفاء والمساكين، ~~والعلماء المتقين، وأظله بحمايته السرمدية. # بعد الدعاء بدوام مجدكم، وطول بقائكم، وتمنى عودتكم الميمونة إلينا والسلام، ~~نتشرف بإخباركم إننا تلقينا كتابكم الشريف المتضمن أخبار الحوادث التي جرت حينما ~~وقعت يافا في أيدي جيوش الجمهورية الفرنسية، وما أصاب أعداءكم من الذل والاندحار، ~~وكان الأفضل أن يكفوا عن مقاومة أوامر العالية، ويقلعوا نهائيا عن وسائل الحيلة ~~والخداع، والكذب والنفاق، التي كانت سبيلا لهلاكهم، ولكن متى حم القضاء عمي البصر، ~~ولا تنفع القوة والحيلة في دفع ما كتب في لوح القدر. # وقد كتبنا أخبار هذه الحوادث وطبعناها، وأفهمنا الأمة المصرية فحواها، وجعلناها ~~تشعر بأن لو دخل الجزار الظالم أرض مصر لما أبقى على أحد، ولا ميز بين الصالحين ~~والأشرار، وظلمه لشعب سوريا أقوى دليل، وذكرنا لهم أن هذا الطاغية من جنس المماليك ~~وهم أصل نعمته ورفعته، ولكن الله الذي يقرأ ما في الصدور، فلا تخفى عليه خافية، قد ~~أنقذهم من جوره، ولذلك فإن الأمة المصرية تشكر بعد الله سبحانه وتعالى كبار علمائها ~~الذين أسرعوا لاستقبالكم في الجيزة حين مقدمكم السعيد، والذين حصلوا لهم على ~~حمايتكم العالية، والنعم التي أغدقتموها عليها وهم يحمدون الله عز وجل على أنه لم ~~يلهمهم ما ألهم أهل يافا من التمرد والعصيان؛ لأن أهل مصر من غير شك أحسن عباد ~~الله، وهكذا أذعنا هذه الأخبار التي تشهد بحلمكم ورأفتكم. # وقد أقمنا لاستقبال الأعلام التي غنمتموها في يافا احتفالا عظيما، وكان النظام ~~فيه ms301 بديعا، وهرع إلى هذا الاحتفال جميع الأعيان والعلماء والتجار، وسكان مصر حتى ~~كان هذا اليوم فرحا للعامة والخاصة، وحملنا هذه الأعلام إلى الجامع الأزهر ~~ورفعناها مع المصحف فوق المنابر والأبواب، ويا ليت أهل يافا اقتفوا أثرنا ونسجوا ~~على منوالنا، فكانوا يدركون عظيم مكارمكم ولكن إذا أراد الله قصاص شعب ظالم فلا راد ~~لمشيئته، والويل لمن يخالف إرادته. # وإذا أردتم الوقوف على حال مدينتا السعيدة فهي في غاية السرور والاطمئنان ~~والإخلاص، والجنرال دوجا، وقائد الموقع، ومدير المالية العام، والعلماء والشعب، ~~يعيشون على أتم وفاق، بعيدين عن الاضطرابات والوشايات، ولا ينقصهم شيء غير وجودكم ~~الميمون، ولا ينفكون عن التضرع لله عز وجل أن يعيدكم قريبا إلينا رافلين في حلل ~~المجد والعز. # ونقدم ألف سلام للجنرال ألكسندر برتيه الذي نعرف مزاياه ورأفته، ولصديق المساكين ~~الشفوق العادل الترجمان الأول فنتور، ولولدنا «إلياس» # 3 # حفظه الله بشفاعة ابن عباس، ولولدكم وتلميذكم أرجين، # 4 # الذي هو عندكم أعز من حدقة العين، ولصرافكم استيف المعروف بغيرته ~~وإخلاصه في خدمتنا، ولكاتم أسراركم بوريين ذو الصفات الممدوحة حفظهم الله جميعا. # وإننا إن لم نكن بحاجة للتوصية، نوصيكم بالعطف على أولاد مصر وسوريا المساكين ~~الذين أظهرتم لهم تلك الرأفة العظيمة، وليحرس الله سلامتكم ويعيدكم إلينا محفوفين ~~بعنايته الربانية بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. # السيد خليل البكري (نقيب الأشراف) # محمد المهدي (كاتم سر الديوان) # عبد الله الشرقاوي (رئيس الديوان) # ذو الفقار كخيا (قومسير) # علي كخيا المجدلي (عضو الديوان) # يوسف باش جاويش (عضو الديوان) # أحمد المحروقي (عضو الديوان) # ميخائيل كحيل (عضو الديوان) # يوسف فرحات (عضو الديوان) # لطف الله المصري (عضو الديوان) # بودوف (عضو الديوان) # ولمار (عضو الديوان) # جورج نصار (ترجمان) # | هوامش # الفصل السادس عشر # | الأحوال والحوادث في مصر أثناء الحملة السورية # أي من 10 فبراير-14 يونيه سنة 1799 # سرنا وراء نابوليون في غزوته للبلاد السورية إلى أن عاد إلى الديار المصرية، كما هو مفصل ~~في الباب السابق، ولم نرد أن نقطع سلسلة التاريخ في ذلك الباب بذكر ما وقع في مصر من ms302 ~~الحوادث والشئون التي لها أهمية تاريخية، واخترنا أن نخصص لها بحثا يؤلف منثورها ويجمع ~~شتاتها. # وقبل أن نأتي على الحوادث المختلفة نذكر أن نابوليون قد أحسن اختيار نائبه، أو وكيله في ~~مصر، ونعني به الجنرال «دوجا» إذ يظهر من الخطة التي سلكها ذلك الرجل في إدارة شئون مصر، ~~ومن تناوله الحوادث المختلفة، وتصريفه أمورها، أنه كان على جانب عظيم من القدرة السياسية، ~~مع تؤدة وأناة وحلم وحسن روية ويقظة تليق بالحاكم الحكيم، ولقد كان سلوكه مع أهالي المنصورة ~~والمنزلة بعد ثورة الشيخ حسن طوبار، جديرا بالثناء والإعجاب، ولعل سياسته في ذلك الظرف هي ~~التي أهلته في نظر نابوليون ورشحته لتولي الزعامة في غيبته، وكان الفرنساويون في حاجة إلى ~~رجل لين في غير ضعف، شديد في غير عنف، مثل الجنرال دوجا، في الوقت الذي غادر فيه نحو نصف ~~الجيش الفرنسي أرض مصر إلى سوريا، والذي هدد فيه المماليك وعرب الحجاز، بل وعرب الغرب، أرض ~~مصر من جميع الجهات، فكان من المحتم على مديري الأمور منهم، ولاة وحكاما، أن يتوددوا ~~ويتلطفوا مع المصريين وأن يعاملوهم بأحسن أساليب المعاملة، مع المحافظة الدقيقة على ~~تقاليدهم وعاداتهم. # وكان من خير المساعدين للجنرال دوجا في مهمته الشاقة، مسيو بوسيلج مدير الأمور المالية ~~الذي كان يسميه الجبرتي «بوسليك الروزنامجي» والجنرال دوستين، الذي كان حاكما للقاهرة، ~~وكان يلقب بالقائمام. # وكانت إدارة أمور الوجه القبلي وملاقاة حوادثه العصيبة ومحارباته العتيقة مع مراد بك وحسن ~~بك الجداوي وعثمان بك الشرقاوي، وعرب الحجاز تحت زعامة الشريف الجيلاني، موكولة إلى الشجاع ~~الباسل الجنرال ديزيه الذي وطد سلطة الفرنساويين في الوجه القبلي من الجيزة إلى ~~أسوان. # وقد أحسن الجنرال دوجا السياسة مع المصريين في العاصمة، واهتم بالأمور الصغيرة والكبيرة ~~حتى اكتسب ثقة المشايخ والأعيان والمصريين عامة، فمن ذلك أن نابوليون لما برح مصر إلى سوريا ~~في الخامس من شهر رمضان اجتهد الفرنساويون بإرشاد الجنرال دوجا في أن يسلكوا مع المسلمين ~~سلوكا لائقا بالآداب الإسلامية في ذلك الشهر، وأصدروا الأوامر المشددة للمسيحيين من أقباط ms303 ~~وشوام بأن يحافظوا على التقاليد المرعية في السنوات السابقة، وبأن لا يتجاهروا بالأكل ~~والشرب في الأسواق، ولا يدخنوا التبغ، ولا يلبسوا العمائم البيض والشيلان الكشمير؛ إلى غير ~~ذلك من التقاليد المرعية في تلك الأيام، ثم أخذ الفرنساويون يزورون المسلمين في ليالي رمضان ~~«ويدعون أعيان الناس والمشايخ والتجار للإفطار والسحور ويعملون لهم الولائم»، ويقدمون لهم ~~الموائد على نظام المسلمين وعاداتهم، ويتولى ذلك الطباخون والفراشون من المسلمين تطمينا ~~لخواطرهم، ويذهبون أيضا ويحضرون عندهم الموائد ويأكلون معهم وقت الإفطار، ويشاهدون ترتيبهم ~~ونظامهم ويحذون حذوهم، ووقع منهم من المسايرة للناس، وخفض الجانب، ما يتعجب منه، وقال الشيخ ~~الجبرتي صاحب الكلمة المتقدمة: «وانقضى شهر رمضان ووقع فيه السكون والطمأنينة وخلو الطرقات ~~من العسكر واختفائهم بالليل جملة كافية، وانفتاح الأسواق والذهاب والمجيء وزيارة الإخوان ~~ليلا، والمشي على العادة بالفوانيس ودونها، واجتماع الناس للسهر في الدور والقهاوى ووقود ~~المساجد وصلاة التراويح وطواف المسحرين والتسلي بالرواية والنقول وترجي المأمول وانحلال ~~الأسعار.» ثم قال: «ولما كان يوم العيد أطلق الفرنساويون المدافع تكريما وإجلالا، وطافوا ~~على أعيان البلد للتهنئة والتبريك والمجاملة» ... إلى غير ذلك من الحال الاجتماعية التي تدل ~~على تلطف الفرنساويين، وسلوكهم مسلك الحكمة والسياسة بفضل دهاء الجنرال دوجا وفطنته. # ومما يجب ذكره في باب الأعمال الطيبة التي تمت في تلك المدة إنشاء أول جسر على نهر النيل ~~بين الجيزة والقاهرة، وقد أنشئ ذلك الجسر في النقطة التي يوجد فيها الآن كبري عباس، قال ~~الجبرتي: «وضع الفرنساويون جسرا من مراكب مصطفة، وعليها أخشاب مسمرة من بر مصر بالقرب من ~~قصر العيني إلى الروضة قريبا من موضع طاحون الهواء تسير عليه الناس بدوابهم وأنفسهم إلى ~~البر الآخر، وعملوا كذلك جسرا عظيما من الروضة إلى الجيزة.» # وكذلك نذكر مع الثناء على الجنرال دوجا ورجاله تلك الاحتياطات الصحية الشديدة لمنع انتشار ~~الطاعون وتفشيه في البلاد؛ إذ أصدروا الأوامر الصريحة للأهالي ونشروا المنشورات في الطرق ~~والجهات المختلفة وقرروا العقوبات الصارمة لمن يتهاون في أمر الطاعون وعدواه، ولعل تلك ~~الاحتياطات الصحية كانت الأولى من ms304 نوعها في هذه الديار لوقاية أهلها من أوبئة الطواعين التي ~~فتكت بأهلها فتكا ذريعا في أوقات عديدة. # 1 # ويجمل بنا أن نقول هنا: إنه كان من المحتمل، لو ترك الفرنساويون وشأنهم مع المصريين، ولم ~~توجد لهم إنجلترا القلاقل والمشاكل وساروا بالقطر سيرة دوجا خلال الحملة الشامية، أن تتوطد ~~بين الفريقين دعائم الوفاق والتفاهم. # أما الحوادث المهمة التي وقعت في مصر في الحملة السورية فتنحصر في المسائل ~~الآتية: ~~(1) # ثورة أمير الحج. ~~(2) # ثورة المهدي بمديرية البحيرة. ~~(3) # المخابرات مع أمراء المسلمين. ~~(4) # حروب ديزيه مع مراد بك والمماليك وعرب الحجاز في الصعيد. # وسنشرح مع الإيجاز المفيد تلك المسائل واحدة واحدة. ~~(1) مسألة أمير الحج # كانت وظيفة إمارة الحج من الوظائف الكبرى في القطر المصري، وكان لا يتقلدها إلا كبار ~~الأمراء من المماليك، ولهذه الوظيفة مرتبات ثابتة وأوقاف كثيرة، فلما قدم الفرنساويون ~~إلى مصر كان أمير الحج صالح بك من أتباع مراد بك، قادما بالمحمل والحجاج المصريين من ~~الأقطار الحجازية، وحاول نابوليون أن يستدعيه إلى القاهرة كما سبق لنا ذكر ذلك فرفض، ~~وانضم إلى إبراهيم بك عند بلدة بلبيس وسافر معه إلى الأقطار الشامية وتوفي بها في تلك ~~السنة، ولكي يؤكد نابوليون للمصريين أنه محافظ على تقاليدهم الدينية وعاداتهم ~~الإسلامية، ارتأى أن يسند وظيفة إمارة الحج للمدعو مصطفى بك الذي كان في وظيفة كتخدائية ~~الباشا أو وكيله أو نائبه، قال المعلم نقولا الترك في حوادث الأيام الأولى من احتلال ~~الفرنساويين: «ثم إن أمير الجيوش أحضر مصطفى أغا كتخدا باكير «بكر» باشا وأمنه وألبسه ~~فروا، وجعله أمير الحاج وأمره أن يباشر لوازم الحج وما يحتاج إليه، وقال له: لماذا ~~الوزير فر هاربا مع المماليك؟ ألم يعلم أننا متحدون مع الدولة العثمانية، ونحن ما ~~حضرنا هذه الديار إلا بإذن السلطان، ثم أمر أن يحرر إلى بكر باشا وأن يرجع إلى القلعة ~~كما كان، وله الكرامة والأمان.» وظاهر من هذا أن نابوليون تعطف على مصطفى بك وأحسن إليه ~~وقلده أكبر المناصب. # وقد بحثت كثيرا لعلي اهتدي إلى ترجمة لمصطفى ms305 بك هذا في مجلدات الجبرتي أو في سواه ~~فلم أعثر على اسمه إلا في وقت اختياره لإمارة الحج، ويغلب على الظن أنه كان من ~~المماليك، وأنه كان في وقت من الأوقات أغات الإنكشارية «قومندان وجاق؛ أي: فرقة ~~الإنكشارية» ثم تولى كتخدائية الباشا، وبقي بعد دخول الفرنساويين مقربا منهم، وقد ~~عهدوا إليه تشغيل الكسوة الشريفة ومنحوه مرتبات ومخصصات إمارة الحج وجعلوه أمينا على ~~ممتلكات الباشا الوالي التي لم يمسوها بسوء، فلما قصد نابوليون الغارة على سوريا اختار ~~كما ذكرنا من المشايخ مصطفى الصاوي وسليمان الفيومي والدواخلي والعريشي لمرافقته، ~~واختار معهم مصطفى بك أمير الحج وأدهم أفندي بجمقشي زاده قاضي القضاة، وكان النظام الذي ~~رسمه لهم نابوليون هو أن يسبقهم بمرحلة، فلما وصل إلى الصالحية كانوا هم في بلبيس، ولما ~~برح الصالحية طلب إليهم أن ينتقلوا إليها، قال الشيخ الجبرتي: «فبلغهم وقوف العرب ~~بالطريف فخافوا من المرور فذهبوا إلى العرين «كذا» فأقاموا هناك، وأخذ عسكر الفرنسيس ~~جمالهم فأقاموا مكانهم فقلق المشايخ الدواخلي والصاوي والعريشي، وخافوا سوء العاقبة ~~ففارقوهم وذهبوا إلى العرين، وتخلف الفيومي مع كتخدا الباشا والقاضي.» وذكر الجبرتي ~~أيضا «أن الشيخ الصاوي والعريش والدواخلي وآخرين خافوا عاقبة الأمر، وذهبوا إلى القرين ~~«بالقاف» وحصل الدواخلي توعك وتشويش.» وقال أيضا: «واتفق أن الشيخ الصاوي أرسل إلى ~~داره مكتوبا، وذكر في ضمنه أن سبب افتراقهم من الجماعة أنهم رأوا من كتخدا الباشا ~~أمورا غير لائقة، فلما حضر ذلك المكتوب طلبه الفرنساوية المقيمون بمصر وقرءوه، وبحثوا ~~عن الأمور غير اللائقة فأولها بعض المشايخ أنه قصر في حقهم والاعتناء بشأنهم فسكتوا ~~وأخذوا في التفحص، فظهر لهم خيانته ومخامرتهم عليهم» ... وزاد الجبرتي على ما تقدم ~~إيضاحا لحوادث 17 منه، إلا أنه لم يذكر لنا عرضه من عبارة تخوف المشايخ الثلاثة «سوء ~~العاقبة» سوى قوله: «إن الفرنساويين ظهرت لهم خيانة مصطفى بك وعصيانه.» # وحقيقة ما وقع من مصطفى بك، كما يؤخذ من أقوال المؤرخين الفرنساويين ومن عبارات ~~الجبرتي المتقطعة، ومن روايات المعلم نقولا المبعثرة، أن مصطفى بك لما ms306 كان في جهة ~~الشرقية وصلت إليه أنباء من أحمد باشا الجزار، ومن رئيسه السابق بكر باشا يخبرانه فيها ~~أن الجيش العثماني قادم لتخليص مصر من جهات شتى، وخيل له أن نابوليون قد ذهب بجيشه إلى ~~سوريا، وأنه يستطيع لما له من مركز إمارة الحج، ومن صفة الوكالة عن والي الدولة في مصر، ~~أن يثير على الفرنساويين حربا عوانا، فأثر على القاضي الذي سبق لنا وصفه بالضعف ~~والخور في حوادث ثورة القاهرة، وأراد أن يؤثر على المشايخ الأزهريين، وهم حريصون دائما ~~على رعاية صوالحهم، فلم يتأثر بعض التأثر إلا الشيخ سليمان الفيومي وعاد الثلاثة ~~الآخرون للقاهرة، وانتقل مصطفى بك والقاضي والشيخ الفيومي وبعض التجار والجند الوجاقلية ~~الذين كانوا معهم، ونادوا بالجهاد وخلاص البلاد، وفي حوادث يوم 17 شوال، يقول الجبرتي: ~~«إن مصطفى بك انتقل ومن معه إلى كفور نجم، ثم إلى منية غمر ودقدوس وبلاد الوقف، وانضم ~~إليه الجبالي وبعض العرب العصاة، فأكرمهم وخلع عليهم وأخذ يفيض الأموال، وحين كانوا على ~~البحر «يريد على نهر النيل في جهة ميت غمر» مرت بهم سفن تحمل الميرة والدقيق إلى ~~الفرنسيس بدمياط، فاغتصبوا تلك السفن وأخذوا ما فيها قهرا.» # والخلاصة أن مصطفى بك قلب للفرنساويين ظهر المجن وبادأهم بالعدوان اعتمادا على قدوم ~~جيش الجزار وإبراهيم بك من سوريا، فأمتد لهيب الثورة في مديريتي الشرقية والدقهلية، قال ~~لاكروا «وهو ناقل عن كتاب برتران بإملاء نابوليون»: إن مصطفى بك أمير الحج وصلت إليه ~~رسائل من الجزار بأن بونابرت قد قتل، وإن الجيش العثماني محيط بالجيش الفرنساوي، فرفع ~~مصطفى بك راية العصيان جهارا، وأصدر منشورا يحرض أهالي مديرية الشرقية على الثورة، ~~وذكر في ذلك المنشور، أن بونابرت قتل وأن جيشه قد تبدد، فانضم إليه بعض الأهالي حتى ~~بلغت قوته نحو خمسمائة من المشاة ومثلها من الخيالة، فلما وصلت الأخبار إلى القاهرة، ~~أصدر الجنرال دوجا أمره إلى الجنرال لأنوس حاكم إقليم المنوفية بمطاردة مصطفى بك ~~والقضاء عليه، فصدع بما أمر، وبعد عناء ومشاق ومقابلات عديدة، تفرقت قوة أمير ms307 الحج شذر ~~مذر، وفر هو هاربا إلى دمياط، وبحث لأنوس عن القرى التي اشتركت في الثورة وأحرقها، ~~لتكون لغيرها مثالا وعبرة، وقد قال نابوليون في خطابه إلى حكومة الديركتوار المؤرخ 18 ~~يونيه، رأى بعد أربعة أيام من وصوله إلى القاهرة، «وهكذا فقد ذلك الرجل - يريد مصطفى بك ~~- في يوم واحد جميع الخيرات التي نالها على يدنا، وأصبح مشردا مطرودا من وطنه، بعيدا ~~عن أسرته التي لا تزال بالقاهرة، وفقد كل كرامة واحترام». # وذكر الجبرتي في حوادث 24 شوال، أن الفرنساويين صادروا ممتلكات مصطفى بك وقبضوا على ~~كتخدا الذي كان ناظرا على الكسوة، وأخذوا ما تركه بكر باشا من الأمتعة والملابس ~~والسروج والخيل والجمال، قال: «فانقبضت خواطر الناس لذلك لأنهم كانوا مستأنسين بوجوده ~~ووجود القاضي، ويتوسلون بشفاعتهما عند الفرنسيس وكلمتهما عندهم مقبولة وأوامرهم مسموعة» ~~... فليتأمل القارئ في الغرض من قول الجبرتي: «وكان الناس مستأنسين بوجود القاضي وأمير ~~الحج.» كأنما كان وجود هذين الرجلين الممثلين للسلطة العثمانية خير ضمان للمصريين من ~~الاحتلال الفرنساوي!! أو كأنما كان وجودهما يمثل في نظر القوم في ذلك الزمن ما كان ~~يمثله وجود الغازي أحمد مختار باشا في زمن الاحتلال الإنجليزي! أم ليت شعري ماذا أراد ~~الجبرتي من معنى الاستئناس بوجود ذينك الرجلين؟ وقد سبق لنا ذكر القاضي وأخلاقه، فلنضرب ~~عنه صفحا، وأما مصطفى بك هذا فلم يكن من أهل المروءات ولا من ذوي الكفايات، يدلك على ~~هذا بقاؤه في مصر وعدم سفره مع رئيسه، كما يدلك على انحطاط نفسه وجبنه، أن المنشورات ~~التي بعثت بها الدولة إلى مصر، وهي التي جئنا على نصها العربي وصلت إلى مصطفى بك فأخذها ~~هذا وذهب بها إلى نابوليون يتقرب إليه ويتملق، # 2 # ومن دلائل سخافته وضعف خلقه أنه بعد أن أغرى القاضي وأضر به وبأولاده ~~وأسرته، وبعد أن سبب الأذى للأهالي الذين عضدوه، وحرقت قراهم، وصودرت أملاكهم، يكتب إلى ~~الفرنساويين متملقا مستعطفا، فقد ورد في حوادث يوم الثلاثاء 26 شوال في الجبرتي ما ~~نصه حرفيا «وفيه حضر إمام كتخدا الباشا ms308 «الإمام الذي يصلى به» ومعه مكتوب فيه الثناء ~~على الفرنساوية، وشكر صنيعهم واعتنائهم بعملهم موكب الكسوة والدعاء لهم، وأنه مستمر على ~~مودته ومحبته معهم، وفي آخر المكتوب وإن بلغكم من المنافقين عنا شيء فهو كذب ونميمة.» ~~قال فقرئ كتابه بالديوان فلما فهمه الفرنسيس كذبوه ولم يصغوا إليه، وقالوا: إن خيانته ~~تثبتت عندنا فلا ينفع الاعتذار، وكتبوا له أنه إن كان صادقا في مقالته فليذهب إلى ساري ~~عسكر بونابرت بالشام، وأمهلوه ست ساعات بعد وصول الجواب إليه، وبعدها يأمرون العساكر ~~بمطاردته والقبض عليه، ثم أصدر الجنرال دوجا منشورا للمصريين يعلنهم بعزل أمير الحج، ~~ويثني على المصريين لعدم اشتراكهم في تلك الفتنة ويشير على الحجاج بمرافقة الكسوة ~~والصرة ... إلخ. # ولم يعرف الجبرتي ما جرى على مصطفي بك سوى أنه ذكر أنه ربما رحل إلى الشام، ولكن ~~المعلم نقولا روى أن مصطفى بك فر إلى غزة ومنها إلى عكا، فلما دخل على الجزار، قال: أنت ~~الذي كنت أغاة الإنكشارية وأمير الحج «يريد عند الفرنساويين» قال: نعم ولكني هربت منهم ~~وأتيت اليك، فقال الجزار: ما أنت إلا جاسوس ثم أمر بقتله. # وهكذا كانت خاتمة مصطفى بك كتخدا الباشا وأمير الحج وزعيم هذه الثورة، أما الشيخ ~~سليمان الفيومي الذي اشترك مع مصطفى بك أمير الحج في هذه الثورة أو سار معه شوطا ~~بعيدا فيها، فلم أعثر على ما يثبت أن الفرنسيين عاقبوه أو عنفوه، لا سيما وأنه عضو في ~~الديوان الخصوصي ومن كبار هيئة العلماء، ولم يذكر الجبرتي عند ذكره الفيومي في وفيات ~~سنة 1225 هجرية - وهي السنة التي توفي فيها الشيخ سليمان الفيومي؛ أي: بعد هذا التاريخ ~~بنحو ثلاثة عشر عاما - شيئا عن هذه الثورة وانضمامه إلى القائم بها، بل بالعكس قال ~~عنه: «إنه لما طوقت الفرنساوية البلاد المصرية وأخرجوا منها الأمراء وخرج النساء من ~~بيوتهن، وذهبن إلى داره أفواجا أفواجا حتى امتلأت داره وما حولها من الدور بالنساء، ~~فتصدى لها وتداخل الفرنساوية ودافع عنهن، وأقمن بداره شهورا، وأخذ أمانا لكثير من ~~الأجناد، وأحبه ms309 الفرنساوية وقبلوا شفاعاته ويحضرون إلى داره، ويعمل لهم الولائم، وساس ~~أموره معهم وقرروه في رؤساء الديوان الذي رتبوه لإجراء الأحكام.» وقال أيضا: # ولما نظموا أمور القرى والبلدان المصرية على النسق الذي جعلوه، ورتبوا على ~~مشايخ كل بلد شيخا ترجع أمور البلدة ومشايخها إليه، جعل الشيخ سليمان الفيومي ~~شيخا للمشايخ، مضافا ذلك لمشيخة الديوان وحاكمهم الكبير فرنساوي يسمى ~~«ابريزون» فازدحمت داره بمشايخ البلدان، فيأتون إليه أفواجا ويذهبون أفواجا، ~~وله مرتب خاص خلاف مرتب الديوان، واستمر معهم في وجاهة إلى أن انقضت أيامهم ~~وسافروا إلى بلادهم، وحضرت العثمانية والوزير يوسف باشا كان الشيخ في عداد ~~العلماء المتصدرين. ا.ه. # وغرضنا من نقل هذه الشذرات، من ترجمة حياة الشيخ سليمان الفيومي، إظهار حالة العلماء ~~وتصرفهم مع الفرنسيين، واستفادتهم من تلك الظروف، وأردنا كذلك أن نلفت النظر إلى الفقرة ~~الخاصة بالنظام الذي وضعوه لمشيخة البلاد، فإن هذا البيان الذي ذكره الجبرتي عفوا، في ~~ترجمة الشيخ سليمان الفيومي، لم يذكر في الكتب الفرنسية ولا في غيرها، حتى لقد صعب ~~علينا رد الاسم الفرنسي - «أبريزون» - إلى أصله. # 3 ~~(2) ثورة المهدي في مديرية البحيرة # دعوى المهدوية قديمة العهد في الإسلام، ولطالما جلبت على المسلمين من أسباب المشاكل ~~والحروب والرزايا والتحزبات والانقسامات، ما لا تزال ذكراه مؤلمة لنفوس المسلمين، وقد ~~حدث في أواخر شهر ذي القعدة من سنة 1213 هجرية، أن رجلا مغربيا لم يذكر لنا واحد من ~~المؤرخين اسمه، وكل ما ذكره الجبرتي عنه لا يتعدى بضع سطور نأتي على نصها قبل شرح ثورته ~~ودعاويه الطويلة العريضة ومحارباته للفرنساويين أياما عديدة، قال الجبرتي في ختام ~~أخبار شهر ذي القعدة: «ومن حوادثه أن طائفة من عرب البحيرة يقال لهم: عرب الغز، جاءوا ~~وضربوا دمنهور وقتلوا عدة من الفرنسيس وعاثوا في نواحي تلك البلاد حتى وصلوا إلى ~~الرحمانية ورشيد، وهم يقتلون من يجدونهم من الفرنسيس وغيرهم، وينهبون البلاد ~~والمزروعات.» ثم قال في حوادث 2 من شهر ذي الحجة: «وتجمع كثير من الفرنسيس وذهبوا إلى ~~جهة دمنهور، وفعلوا بها ما فعلوا ms310 في بني عدي من القتل والنهب لكونهم عصوا عليهم بسبب ~~أنه ورد عليهم رجل مغربي يدعي المهدوية، ويدعو الناس ويحرضهم على الجهاد، وصحبته نحو ~~الثمانين نفرا، وكان يكاتب أهل البلاد ويدعوهم للجهاد، فاجتمع عليه أهل البحيرة وغيرهم ~~وحضروا إلى دمنهور وقاتلوا من بها من الفرنساوية، واستمر أياما كثيرة يجتمع عليه أهل ~~تلك النواحي وتفترق، والمغربي المذكور تارة يغرب وتارة يشرق.» ا.ه. # هذا كل ما ذكره الجبرتي عن ثورة المغربي المدعي المهدوية في مديرية البحيرة، واضطراب ~~روايات الجبرتي ونقصها راجع إلى أنه مقيم في القاهرة، وأن الفرنساويين، لمقتضى السياسة، ~~يمنعون تسرب الأخبار الصحيحة عن الثورات والحوادث في داخلية البلاد، والظاهر من رواية ~~المؤرخين الفرنساويين أن ثورة هذا المغربي استفحل أمرها وعظم شأنها حتى اضطربوا لأمرها، ~~أما المعلم نقولا فلم يذكر كلمة واحدة عن حوادث هذه الثورة. # وخلاصة ما كتب الفرنساويون في هذا الصدد هو أن ذلك الرجل المغربي كان من أهالي «دونه» ~~من ولاية طرابلس الغرب، وأنه اشتهر بالتقوى والصلاح بين قومه حتى كبر اعتقادهم فيه ~~فادعى المهدوية، وكان رجلا جريئا فصيح اللسان، قوي الجنان يدعي أنه لا يأكل ولا يشرب، ~~وأن الملائكة تغذيه وتحميه، وخرج ذلك الرجل من بلدته وليس معه إلا خمسة وعشرون رجلا، ~~فلما وصل إلى واحة سيوة وجد بها قافلة من الحجاج المغاربة فيها نحو أربعمائة رجل من ~~الأشداء الأقوياء والمسلحين، فخطب فيهم وحرضهم على الجهاد ضد الكفار. # قال أولئك المؤرخون إنه في هما بين 24 و25 إبريل سنة 1799 «الموافق 18 القعدة» انقض ~~ذلك المغربي على رأس نحو ستمائة رجل على مدينة دمنهور فاستولى عليها بغتة، وقبض على من ~~فيها من الجنود الفرنساويين وفتك بهم قتلا وذبحا من أولهم إلى آخرهم، واستولى على ~~سلاحهم وعلى مدافع كانت معهم، فلما أشيع أمر انتصاره هذا في مديرية البحيرة هرع إليه ~~الناس من كل فج، وكبر اعتقادهم فيه فاستفحل أمره، وعظم شأنه، وغلا في دعاواه، فكان ~~يقول: إن رصاص الكفار وسيوفهم لا تنال منه شيئا وإنه يذر الرماد في ms311 عيون الفرنساويين ~~فيقتلهم، إلى غير ذلك من دعاوى الكرامات التي بنى عليها أمثاله ترهاتهم وخزعبلاتهم ~~وشهرتهم، وبلغ عدد الذين انضموا تحت لوائه، على رواية الفرنساويين، أكثر من أربعة آلاف ~~مقاتل، ولكن ليس فيهم سوى خمسمائة رجل مسلحين، وكان في الرحمانية فرقة من الجند ~~الفرنساوي تحت قيادة الضابط لفيفر ~~“Lefebvre” # فلما ~~اتصلت به أخبار استيلاء المهدي على دمنهور وقتله حاميتها الصغيرة، سار بقوة مؤلفة من ~~خمسمائة جندي بسلاحهم الوافر لملاقاة المهدي والقضاء عليه، فوقعت بين الفريقين معركة ~~كبيرة بين دمنهور والرحمانية، فقتل من الفلاحين العزل من السلاح خلق كثير إلا أن ~~الثائرين تمكنوا بكثرتهم من الالتفاف حول القوة الفرنساوية وقتلوا منها عددا كبيرا، ~~فاضطر الضابط «ليفيفر» بعد معركة دامت عدة ساعات إلى الانسحاب والالتجاء إلى الطابية ~~المقامة في الرحمانية. # ولما وصلت أخبار هذه الثورة إلى القاهرة اضطرب الجنرال دوجا وأصدر أمره للجنرال لأنوس ~~الذي كان مكلفا بمطاردة مصطفى بك أمير الحج، بأن ينتقل بالقوة التي معه إلى البحيرة، ~~وأصدر أمرا ثانيا للجنرال فوجير ~~“Fugiere” # حاكم إقليم ~~الغربية بالسير بقوة كافية إلى الرحمانية، فوصل إلى تلك النقطة في 5 مايو، وبرح الجنرال ~~لأنوس ميت غمر في ذلك اليوم، وانضم إلى القوة المحاربة في الرحمانية يوم 9 من ذلك ~~الشهر، وتولى لأنوس قيادة الجند التي تحت رياسة فوجير وليفيفر وسار بتلك القوة الكبيرة ~~قاصدا دمنهور، فدخلها في اليوم التالي «10 مايو» وكان الجند الفرنساوي قد بلغ منه ~~الحنق والغيظ مبلغا شديدا، فأخذ يفتك بالأهالي فتكا ذريعا، انتقاما على رأيهم ~~للذين قتلوا من حامية دمنهور، قال «لاكروا» ما نصه: «ولما كان أهالي دمنهور قد اشتركوا ~~في الثورة وضربوا مثلا سيئا لأهالي البحيرة لذلك قضي عليهم رجالا ونساء وأطفالا ~~بالفناء قتلا بحد السيف، وأشعلت النار في دمنهور حتى احترقت عن آخرها، ولم يبق من ~~دورها ومساكنها غير أطلال قائمة، وأحجار قاتمة، وجثث هامدة.» # وكان أول الهاربين الفارين من تلك الواقعة المحزنة ذلك التقي الورع صاحب الكرامات، ~~والآيات البينات، الذي تحرسه الآلهة! وتغذيه الملائكة! ولا تميته ms312 السيوف! ولا تحرقه ~~النيران! انتهز ذلك الكاذب المنافق فرصة دفاع الأهلين عن أولادهم وأعرضهم وما يمتلكون ~~من حطام الدنيا، وفر مع جماعة من أتباعه على ظهور الخيل إلى حدود الصحراء من شمال ~~مديرية البحيرة، تاركا وراءه أولئك المساكين يتجرعون غصص الموت، ويرون بأعينهم حشاشات ~~أفئدتهم، وفلذات أكبادهم تذبح على شفار السيوف وتحترق في لهيب النار! # وجرم جره سفهاء قوم # فحل بغير جانيه العقاب # ولكن ذلك المفتون لم يسلم من يد القصاص العادل؛ لأن الجنرال لأنوس لم يكتف بتبديد ~~شمل تلك القوى المهدوية، بل سار بقوة كافية لمطاردة الفارين حتى أدرك في العشرين من شهر ~~مايو «المهدي المنتظر» عند الصحراء، وهناك اخترقت صدره رصاصة فسقط يتضرج في ~~دمائه. # ومن غرائب مقتضيات الجهل أن أولئك المغاربة والعربان المفتونين بمهديهم لم يريدوا أن ~~يعتقدوا عن قائدهم قد مات بل تفرقوا شذر مذر عصابات وجماعات في أنحاء البلاد يوهمون ~~الناس أن المهدي لم يمت، وإنما قد اختفى وهو يحارب بسيفه البتار، من وراء ستار ... ا.ه ~~رواية الفرنسيين. ~~••• # ما تقدم من رواية ذلك المغربي الثائر ضد الفرنسيين مستقى من المصادر الفرنسية التي لم ~~يكن لدينا سواها، ولكني عثرت في اللحظة الأخيرة على بيان من مصدر موثوق بصحته وروايته؛ ~~لأنه أولا مصدر محايد، وثانيا شاهد عيان، وصاحب هذه الرواية هو الكولونيل روبرت توماس ~~ويلسون الإنجليزي أحد ضباط الحملة الإنجليزية التي قدمت لمصر تحت قيادة الجنرل أبو ~~كرومبي للاشتراك مع الجيش التركي في إخراج الفرنسيين من أرض مصر. # فقد وضع الكولونيل ويلسون كتابا ذا قيمة تاريخية عظمى عن تلك الحملة # 4 # روى فيه أن الذي يسميه الفرنسيون «المهدي» صاحب الثورة في البحيرة لم يقتله ~~الفرنسيون، وأنه اجتمع بالجيش الإنجليزي بالقرب من الرحمانية وسار معه حتى وصل إلى ~~القاهرة، وأنه لم يكن شخصا عاديا، بل كان أحد أمراء المغرب الأقصى واسمه مولاي محمد، ~~وقد أطال الكولونيل ويلسون في وصف ذلك الرجل فقال عنه: إنه اجتمع به وإنه رجل مهيب ~~الطلعة، حسن البزة، نبيل النزعة، وإنه رأس الحركة الثورية ms313 التي قامت في دمنهور في غيبة ~~نابوليون في سورية، قال: «وكان يركب فرسا عربية من أجمل الجياد التي وقعت العين عليها، ~~وكانت عمامته وجبته ناصعتي البياض، موشاة حوافيها بالذهب وتتدلى على كتفيه شراريب من ~~الدمقس الأحمر، إلى غير ذلك من جميل الملبس وجليل الخلق.» # فمن يكون هذا الأمير المغربي مولاي محمد، ذلك ما لم أتمكن من تحقيقه وغاية ما وصل ~~إليه بحثي أنني عثرت على الرواية الآتية في الجبرتي، وهي قبل قدوم الفرنسيين إلى مصر ~~بنحو سبع سنوات؛ إذ قال في أخبار 13 رمضان سنة 1206 هجرية ما يأتي: # وفيه حضرت صدقات من مولاي محمد صاحب المغرب ففرقت على فقراء الأزهر وخدمة ~~الأضرحة والمشايخ المفتيين والشيخ البكري والشيخ السادات والعمريين على يد ~~الباشا بموجب قائمة ومكاتبة. # وهذا النبأ وحده من بين أنباء الجبرتي ورواياته في مجلداته الأربعة يثبت أنه كان هناك ~~من أمراء المغرب أمير يدعى «مولاي محمد»، وأنه كانت له صلة بمصر، وأنه كان يرسل الصدقات ~~إلى العلماء والمشايخ وطلاب العلم في الأزهر الشريف، فإذا ضم هذا إلى رواية ويلسون الذي ~~قابله ورآه وحادثه ووصفه كما عرفه، كان من المحقق أنه لم يكن رجلا مشعوذا، وأنه قدم ~~مصر بغتة بجماعة من عرب الصحراء الغربية وأهل الغرب لمحاربة الفرنسيين عن غيرة دينية، ~~وأنه لم يقتل كما روى كتاب الفرنسيين الذين أجمعوا على الخلاصة التي تقدم ~~بيانها. # وكان من سوء حظ الفرنساويين أن عصابة من تلك العصابات المفتونة طوحت بها خاتمة ~~المطاف، بعد ذلك التاريخ بنحو شهر من الزمان، إلى جهة بحيرة أدكو، وكان الجنرال ~~دومارتين ~~“Doumartin” ~~«وهو من أكبر القواد الفرنساويين ~~ورئيس فرق الطوبجية ومن كبار المهندسين، وهو الذي أخضع ثورة القاهرة الأولى كما يذكر ~~القراء بمدافعه التي سلطها على المدينة من تلال البرقية والمرتفعات المحيطة بها» - يسير ~~في قارب مسلح ووجهته الإسكندرية للوقوف على كيفية تحصينها وخطط الدفاع عنها، ويظهر أنه ~~كان موفدا من قبل نابوليون لأداء هذه المهمة بعد عودتهما معا من سورية؛ أي: بعد 14 ~~يونيه بقصد ms314 التثبت من قوة الدفاع عن شواطئ مصر خوفا من الأساطيل الإنجليزية والعثمانية ~~القادمة بجيش لمصر، كان ذلك القائد الكبير يسير في ذلك القارب فالتقت به عصابة مشردة من ~~عصابات ذلك المهدي، فصبت عليه ومن معه في القارب نارا حامية قضت على أكثر من نصف ~~البحارة وأصيب «دومارتين» بعدة رصاصات، فنقل بها جريحا إلى رشيد ومات بسببها في التاسع ~~من شهر أغسطس، فخسر الفرنساويون بموته خسارة كبيرة، وتولى مكانه في رياسة الطوبجية ~~الجنرال سونجي ~~“Songis” ~~. # ولا نجد مناصا من تذكير القراء بما كتبناه عن ثورة القاهرة وما يجلبه أولئك الأفاقون ~~مثل بدر المقدسي السوري، وذلك المهدي، أو الأمير المغربي، على الأهالي الآمنين ~~المطمئنين، من البلايا والمصائب، كما حصل لأهالي دمنهور، وكما وقع لسكان القاهرة من ~~قبلهم، ولا زلنا نقول ونكرر إنه مع شديد رغبة الناس في الخلاص من الحاكم الأجنبي، فإن ~~مصلحتهم وظروفهم تقضي عليهم بالتزام السكينة والابتعاد عن القلاقل ما لم تتكافأ القوى ~~ويضمن الفوز، ولا يفل الحديد إلا الحديد، وكانت تلك المصلحة وتلك الظروف تقضيان على ~~الحاكم الأجنبي من جانب آخر أن يدرك شعور العامة، ولا يمكن المهيجين المفتونين من إثارة ~~الخواطر بالضرب على الأوتار الحساسة من العواطف القومية، وأن يسلك مع الذين قدر عليهم ~~القضاء بالوقوع تحت سيطرته مسلك الحكمة والعدل والإنصاف، وأن يدع إدارة أحكام البلاد في ~~أيدي أبنائها حتى لا يشعر الأهلون بثقل وطأة السلطة الأجنبية، فبذلك - وبه وحده - يقفل ~~باب التحريض والتهيبج في وجوه طلاب الصيد في المياه العكرة، ممن لا ناقة لهم في البلاد ~~ولا جمل. ~~(3) المخابرات مع أمراء المسلمين # كانت حملة نابوليون على سورية مدعاة للتأثير العظيم على العالم الإسلامي؛ لأن محاربة ~~الدولة العثمانية في سوريا بجيش مدرب تحت قيادة رجل مثل نابوليون بونابرت كان من شأنه ~~أن يبعث الوجل والاضطراب في قلوب أمراء المسلمين، الذين كانوا تابعين للدولة العثمانية ~~اسما، وكانوا يتحينون الفرص للخلاص من سيطرتها المركزة في القسطنطينية - تلك السيطرة ~~التي كانت تخول لها إرسال الولاة الظالمين المتغطرسين الضالين إلى ولاياتها ms315 المختلفة، ~~ولهذه الأسباب كان كبار الأمراء وذوي العصبية من ولايات الدولة العثمانية ينظرون إلى ~~نتيجة الحملة الفرنسية في سوريا لينضموا، أو ليشايعوا، أو ليظهروا الولاء للغالب، أملا ~~في الخلاص، ووسيلة للاستقلال عن الآستانة، وكان من هؤلاء الأمير بشير الشهابي وأمثاله ~~في فلسطين وسوريا، ومنهم أيضا أمير مكة الشريف مسعود بن غالب. # وقد سبق لنا أن ذكرنا أن نابوليون انتهز فرصة موسم الحج فأرسل خطابا لشريف مكة يذكر ~~له فيه استيلاءه على مصر ويدعوه إلى المصادقة، ويظهر أن الشريف غالب لم يحفل بالرد على ~~نابوليون، ولكنه حين علم أن الفرنسيين قاموا بحملة على سورية وأخذوا يهاجمون عكا، وأنه ~~مما يدخل في حيز الممكنات أن تتفكك عرى الدولة العثمانية، بعث بخطاب مطول إلى القاهرة ~~يظهر فيه التودد نحو الفرنسيين ويعدهم بالمعونة والتأييد. # وقد نشر الجبرتي نص هذا الخطاب؛ لأن الفرنسيين أذاعوه في مصر ليقيموا البرهان على أن ~~أمراء المسلمين يراسلونهم ويظهرون العطف نحوهم. # وقد رأينا من الواجب إثبات صورة ذلك الخطاب في هذا الكتاب، لما له من القيمة الأثرية ~~التاريخية ولإظهار أسلوبه العربي في ذلك العهد، وصورته كما يأتي: # من الشريف غالب بن مساعد شريف مكة المشرفة إلى عين أعيانه، وعمدة إخوانه ~~«بوسليك» مدير أمور جمهور الفرنساوية، وممهد بنيان السياسة بسداد همته الوفية؛ ~~وبعد: فإنه وصل إلينا كتابك، وفهمنا كامل ما حواه خطابك، مما ذكرت من وصول ~~«قنجتنا» وأنك أرسلت هجانا برفع العشور عن البن، وبذلت الهمة في شأن التصرف في ~~نفاذ بيعه، وتأملنا في كتابك فوجدنا من صدق مقاله ما أوجب تمسكنا بوثاق ~~الاعتماد عن تموه غياهب الشك في كل المراد، ووجب الآن علينا تكوين أسباب ~~المصادقة، والمبادرة فيما ينظم مهمات تسليك الطرق بيننا وبينكم عن الوعث وزوال ~~المناكرة، وشهلنا الآن إلى طرفكم خمسة مراكب مشحونة من نفس بندرنا جدة المعمورة ~~في هذا الأوان، ولا أمكن لنا خروج هذا المقدار إلا بمشقة علاج مع سلب اطمئنان ~~التجار؛ لأن كثرة أكاذيب الأخبار، أوجبت لهم مزيد الارتياب والأعذار، بحيث ما ~~بيننا وبينكم إلا ms316 العربان المختلفة رواياتهم على ممر الأزمان، وأما نحن فقد ~~جاءتنا منكم قبل هذا المكاتيب، التي أوجبت عندنا من خطاب كتبكم زوال تلك الظنون ~~والأكاذيب، فخاطرنا مستقر بالطمأنينة من قبلكم، لما ثبت عندنا من ألفاظ كتبكم، ~~والمطلوب في حال وصول كتابنا إليكم إرسال عسكر من لديكم إلى بندر السويس لأجل ~~حفظ أموال الناس، ويصلوا بالأبنان إلى مصر، ويبيع التجار، ويزول وقف الأسباب ~~والبأس، وتهتموا في رجوعهم كذلك قبل بأوان، ليكون ذلك سببا في كثرة وفود ~~الأبنان، وعند رجوعهم يعد البيع من مصر إلى السويس كذلك تصحبوهم بالعسكر من ~~طرفكم الوثيق، ليكونوا محافظين لهم من شرور الطريق؛ لأن هذه المرة ما أرسل ~~إليكم هذا المقدار إلا تجربة واستخبارا من أعيان التجار، وعند مشاهدة الإكرام ~~والاحتفال بهم، في كل حال يرسلون إليكم نفائس أموالهم، ويهرعون بالجلب لطرفكم، ~~ويزول الريب عن قلوبهم، ونرجو الله بهمتنا تسليك الطرقات، وتنجيح المطالب، ~~وتحصيل الميراث بأحسن مما كانت من الأمان، وأعظم مما سبق في غابر الأزمان، ~~ويكثر بحول الله الوارد إليكم من الأسباب الحجازية، وكذلك لنا بن في المراكب، ~~فمأمولنا منكم إلقاء النظر على خدامنا، وبذل الهمة على ما هو من طرفنا، وأنتم ~~كذلك لكم عندنا مزيد الإكرام في كل مرام، ولا يخفاك أنه ورد علينا قبل بأيام ~~كتب من طرف أمير العسكر الفرنساوية، محبنا بونابرته، فما كان لنا منها ~~فتأملناه، وصار إليه الجواب فوصله إليه، وما كان منها معولا في إرساله علينا ~~إلى نواحي الهند وابن حيدر وإمام مسكت، ووكيلكم الذي في المخا، فجميعا ~~أصدرناها من طرفنا مع من نعتمده إلى أربابها، وإن شاء الله عن قريب يأتيكم ~~الجواب والسلام. # تحريرا في ثمانية عشر شهر ذي القعدة سنة ألف ومائتين وثلاثة عشر. ~~••• # وظاهر من هذا أن مخابرات نابوليون لم تكن قاصرة على شريف مكة، بل اتخذه أيضا واسطة ~~لإيصال كتبه وأغراضه إلى حيدر آباد في الهند، وإلى إمام «مسقط» على الخليج الفارسي، ~~وإلى القنصل الفرنسي في المخا، أو موخا، باليمن. # أما حوادث محاربة الفرنسيس للمماليك في الصعيد ms317 فقد أجملناها تحت عنوان المحاربات ~~الفرعية من هذا الكتاب. # | هوامش # الفصل السابع عشر # | المدة الأخيرة لنابوليون في القطر المصري # من 14 يونيه-22 أغسطس سنة 1799 ~~(1) مسألة القضاء الشرعي # كانت المدة التي قضاها نابوليون في القطر المصري بعد عودته من سورية إلى مبارحته هذه ~~الديار «من 14 يونيه إلى 22 أغسطس سنة 1799» مملوءة بالحوادث الهامة، منها ما هو محلي ~~موضعي، ومنها ما هو عام دولي، فمن الحوادث المحلية التي كان لها شأن هام واهتمام في ~~الهيئة الاجتماعية المصرية حادثة ابن القاضي التي فتحت باب القضاء الشرعي في مصر، وقد ~~سبق للقارئ أن علم من الفصل السابق في الحوادث التي وقعت أثناء الحملة السورية، أن ~~مصطفى بك أمير الحج قد استغوى إبراهيم أفندي أدهم قاضي قضاة القطر المصري المعين بأمر ~~جلالة السلطان، خليفة المسلمين صاحب السلطة الشرعية، فأصبحت مصر في ذلك الحال بغير قاض ~~شرعي تصدر باسمه الأحكام ويأذن للقضاة بالنظر في الدعاوى، ويظهر أن الجنرال دوجا لما ~~تغيب القاضي خاف من اضطراب القضاء، فساس الأمور بحكمة ودهاء، وترك مركز القاضي لولده ~~المدعو ملأ زاده أفندي، ويظهر أن العلماء والمشايخ والأعيان لم ينكروا عليه ذلك بل سرهم ~~ورضوا به، كما يتبين لنا من تمسكهم بابن القاضي واهتمامهم بأمره كما سيجيء بيانه، ولا ~~أدري كيف كان تصور القوم في ذلك الزمن، ألمجرد أن إياه كان متواليا للقضاء بفرمان ~~سلطاني، يكون لذلك الفتى ما كان لأبيه من السلطة الشرعية؟ أم لمجرد أنه تركي وابن تركي ~~يكون له حق النظر في شئون المسلمين والفصل في قضاياهم وخصوماتهم؟ # وعلى كل حال فإن الذي ارتضاه الجنرال دوجا لم يرضه نابوليون، وأراد البت في مسألة ~~القضاء الشرعي في مصر حتى يقطع الصلة بينها وبين السلطنة العثمانية بعد كل الذي أظهر من ~~رغبة الاتفاق مع الدولة العلية، وبعد علمه بأن تركيا قد اشهرت عليه الحرب، وأن الجيوش ~~العثمانية بالاتفاق مع إنكلترا، قادمة للنزاع معه على السلطة في هذه الديار! فلم يكد ~~يفرغ نابوليون من حفلاته وزياراته، وتوزيع منشوراته، حتى ms318 أصدر أمره في 22 محرم سنة 1214 ~~بإلقاء القبض على ملأ زاده، ابن القاضي، وسجنه في القلعة، فأحدث عمله هذا ضجة في ~~الدوائر الأهلية، كما يظهر ذلك من رواية الجبرتي الذي يقول: «فلما اجتمع أرباب الديوان ~~حضرت إليهم ورقة من كبير الفرنسيس فقرئت عليهم، ومضمونها أن ساري عسكر قبض على ابن ~~القاضي وعزله، وأنه وجه إليكم أن تقترعوا وتختاروا شيخا من العلماء يكون من أهل مصر ~~ومولودا بها يتولى القضاء ويقضي بالأحكام الشرعية، كما كانت الملوك المصرية يولون ~~القضاء برأي العلماء، فلما سمعوا ذلك أجاب الحاضرون بقولهم إننا: جميعا نتشفع ونترجى ~~عنده في العفو عن ابن القاضي، فإنه إنسان غريب ومن أولاد الناس، وإن كان والده قد وافق ~~كتخدا الباشا «مصطفى بك أمير الحج» في فعله فولده مقيم تحت أمانكم.» # فانظر كيف أهمل المشايخ الأفاضل المسئولون عن إقامة العدل وإرشاد الناس أمر مسألة ~~القضاء التي فتح بابها عليهم نابوليون، واهتموا بادئ ذي بدء بأمر ابن القاضي وخلاصه! ~~ذلك لأن الهيبة التركية ونفوذها متأصلان في نفوس القوم، ولم تكن جلسة الديوان هذه قاصرة ~~على أعضائه كما يؤخذ ذلك من رواية الجبرتي عن وجود السيد السادات، فقد روى أنه كان ~~حاضرا في المجلس وأغلظ القول للفرنساويين، ولم يذكر الجبرتي شهودا آخرين من العلماء ~~والأعيان، ممن ليسوا أعضاء هذه الجلسة التي قصد فيها الفصل في مسألة القضاء الشرعي، ~~ولكن يؤخذ من العريضة التي قدمها المجتمعون لنابوليون، والتي عثرنا على صورتها ~~بالفرنسية في كتاب شرفيس، أنه حضر تلك الجلسة التاريخية، عدا السيد السادات، المشايخ ~~الأمير الشيخ الحريره «كذا في الأصل وصوابه الحريري» والدسوقي الجوهري والسرسي والعريشي ~~والعناني، وكثير من أعيان القاهرة وقد شدد السيد السادات في طلب العفو عن ابن القاضي ~~وقال للمندوبين الفرنساويين الحاضرين «كيف تفعلون هذا وأنتم دائما تقولون إن ~~الفرنساوية أحباب العثمانية، وهذا ابن القاضي من طرف العثماني فهذا الفعل مما يسيء الظن ~~بالفرنساوية ويكذب قولهم خصوصا عند العامة.» # قال الشيخ الجبرتي: «فلما ترجم هذا الكلام للوكيل الفرنساوي قال: لا بأس ms319 بالشفاعة، ~~ولكن بعد تنفيذ أمر ساري عسكر في اختيار قاض خلافه.» ثم هددهم بقوله: «ولا تكونوا ~~مخالفين يلحقكم الضرر بالمخالفة فامتثلوا، وعملوا القرعة فطلعت لأكثرية باسم الشيخ أحمد ~~العريشي الحنفي ثم كتبوا عرضحالا بصورة المجلس والشفاعة.» # فيظهر من هذه الرواية أنه لولا تهديد الفرنساويين للمشايخ لما قبلوا انتخاب واحد منهم ~~من علماء مصر لتولي القضاء في الديار المصرية، ولفضلوا أن تنتقل تلك الوظيفة السامية من ~~الوالد إلى ابنه، ولو كان الابن فتى غير عالم بالشرع الشريف، وذلك لمجرد أنه تركي وابن ~~تركي! وهذه العاطفة جديرة بالنظر، وكان لها ولا يزال لها شأن مهم في أمور هذه الديار، ~~ويجب أن تبقى دائما موضع اهتمام وعناية من يتم له الأمر على ضفاف وادي النيل. # ولما علم نابوليون بما دار في المجلس من الكلام والأخذ والرد حنق على السيد السادات ~~واستدعاه إليه ولامه وعنفه، ولولا تلطف الشيخ المهدي وحيلته ونيله ثقة نابوليون وحسن ~~ظنه، لاتسعت مسافة الخلف، ولربما صودر السيد السادات وعوقب كما وقع له بعد ذلك في مدة ~~الجنرال كليبر. # وواجب علينا أن نقول في هذا الموقف أن السيد محمد أبا الأنوار شيخ السجادة الوفائية ~~في ذلك الزمن، كان من ذوي الكفاية والجرأة وكان له من النفوذ والمنزلة في العالم ~~المصري، ما جرأه مرارا وتكرارا على مقاومة النفوذ الفرنساوي والاحتفاظ بالكرامة ~~الإسلامية، وكان على جانب عظيم من العلوم الدينية وتلقى دروسه على أكبر مشايخ ذلك ~~العصر؛ قال عنه الجبرتي، وهو قليل المدح، إنه لما انتظم أمره أحسن سلوكه بشهامة وحكمة ~~ورياسة وتؤدة، مع التباعد عن الأمور المخلة بالمروءة، ومع أنه كان صديقا للشيخ عبد ~~الرحمن الجبرتي بدليل قوله عنه: «ولما قدمت الفرنساوية لم يتعرضوا له في شيء وراعوا ~~جانبه وقبلوا شفاعاته وتردد إليه كبيره وأعاظمهم وعمل لهم الولائم وكنت أصاحبه في ~~الذهاب إلى مساكنهم والتفرج على صنائعهم ونقوشهم وتصاويرهم وغرائبهم» ... إلخ ... فإنه لم ~~يخله من الانتقاد واللذع اللذين كان يميل إليهما الجبرتي بطبعه، وكانا سببا في نكبته ~~في آخر عمره، فوصف الشيخ ms320 السادات بالشره في حب المال، وبالكبرياء والدعاوى الكاذبة، فمن ~~قوله عنه، إنه ترفع على العلماء والأقران وصار يلبس قلووقا بعمامة خضراء، متشبها ~~بالأكابر من الأمراء، وبعدا عن التشبه بالمتعممين والمقرئين والفقهاء، ولما طالت ~~أيامه، وماتت أقرانه، الذين كان يستحيي منهم ويهلبهم، غالى في دعواه وصار في داره كبيت ~~حاكم الشرطة يضرب ويجلد، ومدحوه على منبر الخطابة في صلاة الجمعة في زاويتهم المعروفة ~~أيام الموالد، حتى إن الجبرتي سمع قائلا يقول بعد الصلاة لم يبق على الخطيب إلا أن ~~يقول: اركعوا واسجدوا واعبدوا الشيخ السادات، إلى غير ذلك من الصفات التي حفظ بها هيبة ~~ذلك البيت القديم، وألبسه بها هالة من المجد والوقار، ولكن خلطهم لأنسابهم، وامتزاج ~~دمائهم بأبناء السراي من النسوة الرقيقات من الجراكس والأرمن والأروام، أدخل في خلفهم ~~بذور الفساد والانحلال، فانقرض ذلك المجد وهوى ذلك الجلال! # وقلد الشيخ أحمد العريشي قضاء مصر، ولم يذكر لنا الجبرتي ولا سواه صورة المكاتبة التي ~~بعث به المشايخ يرجون العفو والإفراج عن ابن القاضي، وقد رأيت صورتها باللغة الفرنسية ~~فيما نقله كرستبان شيرفيس في كتابه «نابوليون والإسلام» وخلاصة تلك العريضة أن أعضاء ~~الديوان قد انضم إليهم في جلسة خصوصية المشايخ السادات، والأمير، والحريري، والدسوقي، ~~والجوهري، والسرسي، والعريشي، والعناني، ,كثيرون من أعيان المدينة قد اختاروا بالاقتراع ~~بناء على طلب الجنرال بونابرته الشيخ أحمد العريشي لتولي قضاء مصر مكان ابن القاضي ~~المعزول، وأن أولئك المجتمعين من أعضاء الديوان والعلماء والأعيان يرجون بونابرته في ~~الصفح أو الإفراج عن ابن القاضي الذي لم تكن له علاقة بعصيان أبيه وانضمامه إلى أمير ~~الحج، ثم ذكروا له أن الأهالي تولاهم الكدر والحزن على ما أصاب القاضي وولده، وأن أمه ~~وجدته وأخته في غم شديد واضطراب عظيم قلقا عليه، ومما قالوه أيضا: إنه لو عين للبلد ~~كل يوم قاض جديد فإنه لا يرتاح لهم بال، ما دام الذي كان متوليا للقضاء معتقلا ~~مسجونا، وإن أعضاء الديوان يتكلفون بابن القاضي ويضمنون حسن سيره وولاءه للحكومة، ~~وذكروا له أن واجبهم هو ms321 الذي قضى عليهم بهذا الطلب لكي يوقفوا بونابرته على عواطف الأمة ~~وشعورها، إزاء ذلك الحادث، ودعوا له بطول العمر والسلامة! فلما وصل هذا الخطاب إلى ~~نابوليون أصدر أمره بإعداد حفلة لتولية الشيخ العريشي قضاء مصر، وخلع عليه خلعة ثمينة ~~وسار في موكب كبير إلى دار المحكمة الكبرى بين القصرين، ثم أصدر أمره بإطلاق سراح ابن ~~القاضي، وكان الرجل الطيب الوجيه السيد أحمد المحروقي كبير تجار مصر قد أخذ أسرة القاضي ~~إلى داره تطمينا لخواطرهم، وانتهى ذلك الحادث الذي أظهر فيه المشايخ والأعيان تضامنا ~~يحمدون عليه. # ويظهر حقيقة أن الشعب المصري كان متأثرا من اعتقال ابن القاضي حتى إن الفرنساويين ~~رأوا من الضروري، على رواية الجبرتي، عندما أفرجوا عن ذلك الفتى، «أن يركب مع أرباب ~~الديوان والأغا وساروا به وسط المدينة ليراه الناس ويبطل القيل والقال». # وسرعان ما فعل ذلك نابوليون حتى أتبع خروج ابن القاضي من سجن القلعة بمنشور طبعه ~~ووزعه وألصقه بالأسواق كرد على خطاب العلماء، وقد ترك لنا الجبرتي صورة هذا المنشور ~~كعادته في جمع ما طبع ووزع، وعدم وصول يده إلى غير ذلك، مما كتبه أعضاء الديوان، ولما ~~كان هذا المنشور على جانب من الأهمية؛ لأنه يشرح سياسة نابوليون ورأيه في مسألة القضاء ~~الشرعي رأينا أن نأتي على أهم ما جاء فيه، قال: # من ساري عسكر الكبير بونابرته أمير الجيوش الفرنساوية محب أهل الملة ~~المحبوبة، خطابا إلى السادات العلماء أنه وصل لنا مكتوبكم بشأن القاضي فنخبركم ~~أن القاضي لم أعزله، وإنما هو هرب من إقليم مصر وترك أهله وأولاده وخان صحبتنا ~~من المعروف والإحسان الذي فعلناه معه، وكنت استحسنت أن ابنه يكون عوضا عنه في ~~محل الحكم في مدة غيبته، ولكن ابنه لم يكن قاضيا متواليا للأحكام على الدوام؛ ~~لأنه صغير السن وليس أهلا للقضاء، فأنا لا أحب مصر خالية من حاكم شرعي يحكم ~~بين المؤمنين، فاستحسنت أن يجتمع علماء المسلمين ويختاروا باتفاقهم قاضيا ~~شرعيا من علماء مصر وعقلائهم لأجل موافقة القرآن العظيم باتباع سبيل ~~المؤمنين، وكذلك ms322 مرادي أن حضرة الشيخ العريشي الذي اخترتموه جميعا أن يكون ~~لابسا من عندي وجالسا من المحكمة، وهكذا كان فعل الخلفاء في العصر الأول ~~باختيار جميع المؤمنين ... وسبب رفعنا لابن القاضي «رفعه للقلعة؛ أي: اعتقاله» ~~سكون الفتن والإصلاح بين الناس، وأعرف أن أباه ما كان يكرهني، ولكنه ذهب عقله ~~وفسد رأيه، وأنتم يا أهل الديوان تهدون الناس إلى الصواب والنور من جنابكم لأهل ~~العقول، فعرفوا أهل مصر أنه انقضت وفرغت دولة العثمانلي، من أقاليم مصر وبطلت ~~أحكامها منها، وأخبروهم أن حكم العثمانلي أشد تعبا من حكم الملوك وأكثر ظلما، ~~والعاقل يعرف أن علماء مصر لهم عقل وتدبير وكفاية وأهلية للأحكام الشرعية ~~يصلحون للقضاء أكثر من غيرهم في سائر الأقاليم، وأنتم يا أهل الديوان عرفوني عن ~~المنافقين المخالفين أخرج من حقهم # 1 # لأن الله تعالى أعطاني القوة العظيمة لأجل ما أعاقبهم فإن سيفنا ~~طويل ليس فيه ضعف، ومرادي أن تعرفوا أهل مصر أن قصدي بكل قلبي حصول الخير ~~والسعادة لهم مثل ما هو بحر النيل أفضل الأنهار وأسعدها، كذلك أهل مصر يكونون ~~أسعد الخلائق أجمعين، بإذن رب العالمين. ا.ه. # ومع أن نابوليون قد أكد على المشايخ في خطابه الذي وجهه إليهم أن يكون القاضي الذي ~~ينتخبونه من أهل مصر ومولودا بها، فإن الشيخ أحمد العريشي لم يكن مصري الأصل؛ لأنه في ~~الواقع ونفس الأمر سوري، ولد في بلدة خان يونس واسمه أحمد اللجام الخانيونسي أو اليونس، ~~وقدم إلى الدار المصرية عام 1187ه؛ أي: قبل هذه الحوادث بنحو اثنين وعشرين سنة، وتلقى ~~الدروس بالأزهر والتصق بابن بلدته الشيخ عبد الرحمن اليونسي الملقب بالعريش أيضا، وحضر ~~الفقه على الشيخ حسن الجبرتي، والد الشيخ عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ، ثم تولى بعد الشيخ ~~عبد الرحمن العريشي مشيخة رواق الشوام، وكان يسكن في دار واسعة بسوق الزلط، وقال عنه ~~الجبرتي: إنه كان فصيحا مستحضرا منضلعا من المعقولات والمنقولات وتوفي سنة 1218 ~~هجرية. ~~(2) استعداد الإنكليز والترك # لم يكن ليكفي إنكلترا إخفاق نابوليون في غاراته على سوريا، أو فشله ms323 في مشروع تأسيس ~~مملكة شرقية يسطو بواسطتها على الهند، بل بقيت إنكلترا مصممة على إخراج مصر من سلطة ~~الفرنساويين، ولم تكن إنكلترا وحدها بقادرة على ذلك لصغر جيشها، وعدم إمكانه مجاراة ~~الجيش الفرنساوي المدرب الذي يقوده نابوليون، نابغة الحرب في ذلك الزمان. # صحيح أنها سدت في وجهه السبل، وحطمت سفنه، وحالت بينه وبين بلاده إلا أن نابوليون قد ~~أظهر في غارته على سوريا، ومقدرته على البقاء في مصر، أنه قادر بمن معه من الجيوش ~~والقواد والعلماء أن يغير مركز مصر، ويرقي مواردها الطبيعية، ويصلح من شئونها الإدارية، ~~بحيث يستطيع أن يوجد على ضفاف النيل دولة جديدة قوية ينشئ فيها السفن في البحر الأحمر، ~~ويغير على الهند أو غيرها متى توفرت معداته، هذا عدا أن وجوده في مصر معطل لسير التجارة ~~الإنكليزية، ولمشروعات إنكلترا الإمبراطورية، وإذا كان محمد علي الأمي، بلا قواد عظماء ~~ولا علماء فضلاء، ولا مشرعين ولا مخترعين، استطاع بعد ذلك بعشرين عاما أن يوجد من مصر ~~الأساطيل والجيوش، فهلا كان في استطاعة نابوليون ومن معه، إذا بقوا في أرض مصر، أن ~~يفعلوا فعله؟ لا شك في أن ذلك هو ما كان يفكر فيه نابوليون بعد واقعة أبي قير البحرية، ~~كما صرح بذلك في كثير من أقواله. # ولم يكن لدى إنكلترا من الوسائل إلا استخدام الفكرة الإسلامية، وتحريض الدولة ~~العثمانية والمماليك الذين اغتصب نابوليون الحكم من أيديهم، لمقاومة الفرنساويين وتكدير ~~صفو عيشهم في أرض مصر حتى يتركوها، إما بالقهر وإما بالرضا والصلح، فلما تم اتفاق ~~إنكلترا مع الدولة العثمانية وعاد نابوليون بالفشل من سوريا وضعت إنكلترا خطة لاحتلال ~~مصر بواسطة الجيوش العثمانية في البر، وأسطولها تحت قيادة السر سدني سميث في ~~البحر. # وكانت تلك الخطة تقضي بأن تبعث الدولة العثمانية جيشين، أحدهما تنقله السفن العثمانية ~~والإنجليزية من رودس والموانئ العثمانية إلى أبي قير، والجيش الثاني يزحف من سوريا ~~وتكون مقدمته مؤلفة من إبراهيم بك ومماليكه، ومن ينضم إليه من جيش الجزار، وإتماما ~~لضمان نجاح هذا المشروع تقرر الاتفاق مع ms324 المماليك الموجودين في مصر تحت إمرة مراد بك ~~وغيره من كبار الزعماء، مثل عثمان بك الطنبرجي وعثمان بك الشرقاوي وحسن بك الجداوي ~~وغيرهم، ووضعت لذلك خطة مقتضاها أن يكون مراد بك مستعدا بجيشه في مديرية البحيرة وأن ~~يكون عثمان بك الشرقاوي بعزوته ومماليكه في الشرقية، فالأول يلتقي بالجيش العثماني ~~القادم بحرا إلى أبي قير، والثاني ينضم إلى الجيش القادم من سوريا عن طريق ~~العريش. # وربما سأل سائل: وكيف كان يمكن الاتفاق والمخابرة مع المماليك في الوجه القبلي، ~~والفرنساويون في جميع بلاد القطر المصري قد سدوا في وجوههم السبل وضيقوا عليهم المذاهب؟ ~~والجواب على هذا هو أن طرق الصحراء شرقا وغربا، كانت في أيدي العربان، وهم موالون ~~للمماليك والأتراك، فأولئك كانت مهمتهم إيصال الأخبار والمراسلات بين مصر وسوريا وشواطئ ~~طرابلس الغرب حيث تلقي السفن الإنكليزية مراسيها، ويلتقي ضباطها بالعربان، ويزودونهم ~~بالرسائل والأموال لرؤساء البدو والمماليك، فيسير أولئك في الصحراء من واحة سيوه إلى ~~وادي النطرون ثم إلى الفيوم وغيرها. # فلما تم وضع نظام تلك الخطة تحرك مراد بك بمن معه من المماليك من الصعيد إلى مديرية ~~البحيرة، وانحدر محمد بك الألفي وعثمان بك الشرقاوي على الضفة اليمنى من النيل ومعهما ~~نحو ثلاثمائة من فوارس المماليك، وانضم إليهم نحو ثلاثمائة أخرى من عرب الصحراء ~~الشرقية، وعسكر هذا الجيش في البقعة المسماة «سبع آبار» بين السويس ومصر، وكان ذلك في 7 ~~يونيه سنة 1799 «الموافق يوم الأحد 3 صفر سنة 1214» وأخذت الرسل تذهب وتجيء بين ذلك ~~المعسكر وأهالي الشرقية لتحريضهم على الثورة في وجه الفرنساويين، فتنبه لذلك الجنرال ~~لاجرانج # Lagrange # المتولي القيادة في الشرقية، ~~فزحف بفرقة من الخيالة ونصف أورطة من الهجانة وباغت ذلك الجيش الصغير من المماليك ~~والأعراب واحتاط به في ليلة «22 يوليه/8 صفر» ودارت بين الطرفين معركة غير منتظمة انتهت ~~بتشتت المماليك وقتل كثيرين منهم، وغنم الفرنساويون عددا وافرا من الجمال، وجميع ما ~~كان مع تلك القوة من الميرة والذخيرة وأسروا نحو ثلاثين مملوكا جيء بهم إلى القاهرة، ~~وهذه الرواية ms325 عن المصادر الفرنسية، لا تختلف كثيرا عن رواية الجبرتي التي سردها في ~~حوادث 11 صفر، «أي: بعد أربعة أيام من حدوث الواقعة»، وإنما ذكر الجبرتي أن القوة التي ~~داهمت المماليك كانت مؤلفة من «جماعة من العسكر المنضمة إليهم» ثم قال: «فلما داهموهم ~~بادروا بالفرار وركب عثمان بك بقميص واحد على جسده وطاقية فوق رأسه، وتركوا متاعهم ~~وحملتهم، ووجدوا على فراش عثمان بك مكاتبة من إبراهيم بك يستدعيهم للحضور إليه ~~بالشام.» # والحقيقة أن عثمان بك ومن معه استدعوا لانتظار إبراهيم بك ومماليكه وجيش الجزار، بناء ~~على التعليمات الواردة من رسل الإنكليز، فأما إبراهيم بك - وهو دائما شديد الحرص - ~~فكان يسير من غزة على مهل لكيلا يدخل مصر قبل قدوم الجيش العثماني من رودس، وذلك خوفا ~~من الوقوع في أيدي الفرنساويين، فلما جاءه خبر تلك الهزيمة لعثمان بك والألفي بك عاد ~~أدراجه إلى سوريا، وأما الجزار الخبيث فاكتفى بعودة الفرنساويين من سوريا، واستخلاصه هو ~~عكا، وامتداد نفوذه في الولايات السورية، ثم قلب للدولة العثمانية وللإنكليز ظهر المجن، ~~ولم يحفل بفرمانات الدولة، ولا برسائل يوسف باشا الصدر الأعظم، الذي قدم بجيش عظيم إلى ~~سوريا قاصدا مصر، وكذلك لم يحفل بخطابات السر سدني سميث صاحب الفضل الأكبر عليه، ذلك ~~الذي أنقذه من مخالب الفرنساويين وأبقاه سلطانا مستبدا في عكا وسوريا، فلم يبعث ذلك ~~الطاغية بما وعد به من الجند، ولا ما وعد به من الميرة والذخيرة إلى الجيش العثماني ~~القادم بحرا، ولذلك حنق عليه السر سدني سميث وعزم على التنكيل به، كما يؤخذ ذلك صريحا ~~من نص خطاب عثرت عليه في كتاب تاريخ الأمير حيدر الشهابي، مكتوب من السر سدني سميث إلى ~~الأمير بشير الشهابي بعد هذا التاريخ بستة أشهر، # 2 # وأما مراد بك فتحرك بمن معه من الممالكي والعربان من الفيوم سائرا في طريق ~~الصحراء إلى أن وصل إلى جهة وادي النطرون في مديرية البحيرة، وهناك وقعت بينه وبين ~~الجنرال «مورات» قائد الخيالة المشهور في تاريخ الحروب النابوليونية في أوروبا، موقعة ~~انتهت بهزيمة ms326 مراد بك ورجوعه بمن معه من فوارسه إلى مديرية الجيزة جنوبا، وفي رواية ~~أخرى أن الجنرال «مورات» سبق مراد بك إلى وادي النطرون فلما قدم هذا ورأى قلائل في ~~أثناء تعقب الفرنساويين له، وتجد أخبار الذين أسروا من المماليك في حوادث الأسبوع الأول ~~من شهر صفر من يوميات الجبرتي. # ونقل لاكروا عن المذكرات التي أملاها نابوليون في سنت هيلين أن مراد بك لما عاد من ~~البحيرة إلى الجيزة وصل إلى جهة الأهرام وصعد إلى قمة الهرم الكبير في يوم 13 يوليو، ~~وأخذ يتبادل الإشارات مع زوجته السيدة نفيسة وهي فوق سطح منزلها، قال: ولما تناقل الناس ~~في القاهرة خبر هذه الإشارات قلقت السيدة المذكورة، وخافت أن يلحق بها الفرنساويون أذى، ~~فذهبت إلى منزل الجنرال بونابرت وطلبت مقابلته، فتلقاها بكل احترام وإكرام، وأكد لها ~~أنه لم يحفل بما وجه لها من التهم ثم قال لها: «ولو أنك تريدين الاجتماع بزوجك لما ~~تأخرت عن أن أهادنه أربعة وعشرين ساعة لكي تلتقيا، إذا كان في هذا ما يسرك ويسره.» ~~ولولا أن سند هذه الرواية قوي ومصدرها مما يجب الوثوق به، لما حفلنا بها ولما اعتقدنا ~~صحة وقوعها على تلك الصورة، وكيفما كانت حقيقتها فمما لا شك فيه هو أن نابوليون كان ~~شديد الميل - وخصوصا في ذلك الوقت - إلى الاتفاق مع مراد بك، ولا يبعد أنه أراد أن ~~يتخذ من منزلة السيدة نفيسة ومكانتها لدى زوجها، وسيلة للصلح والتحالف معه، ولقد كانت ~~السيدة نفيسة دائما موضع إكرام الفرنساويين وإجلالهم، وكان يحتمي في نفوذها نسوة أمراء ~~المماليك وغيرهن من كبار وصغار. # 3 # ولقد أدرك نابوليون بثاقب فكره أن تلك الحركات المتوافقة في الشرق والغرب، وتلك ~~التنقلات في الصحارى المحرقة في فصل الحر الشديد، ليست إلا مقدمة لحركة حربية من جانب ~~أعدائه، ولذلك انتقل بجزء كبير من الجيش في 14 يوليه إلى جهة الجيزة، وأصدر أمر الجنرال ~~برتبة رئيس هيئة أركان الحرب بأن يجهز حملة بالبطاريات والمدافع وينتقل بها إلى جهة ~~الأهرام، وقضى نابوليون ليلته معسكرا ms327 في تلك البقعة، وإلى هذه الفترة تنسب الإشاعة ~~التي رواها بعض المؤرخين الذين قالوا إن نابوليون استدعى مشايخ المسلمين إلى الجيزة ~~وسار بهم إلى الأهرام، ثم أعلن إسلامه هناك، وإنه دخل الهرم الكبير، وقد نفى «بوريين» ~~في مذكراته هذه الرواية، وقال: إن نابوليون لم يستدع المشايخ ولم يعلن إسلامه، بل ولم ~~يدخل الهرم أبدا! # وفي اليوم التالي «15 يوليه» عند الساعة الثانية ظهرا أبصر نابوليون فارسيا ينهب ~~الأرض نهبا فتلقاه، ووجد معه رسالة من الجنرال مارمون ~~(Marmont) # قومندان حامية الإسكندرية، وفي هذه ~~الرسالة ينبئه بأن ثلاث عشرة سفينة كبيرة وتسع فرقاطات وثلاثين غرابا ~~(Chaloupes) # مسلحة، وتسعين نقالة محملة بالجنود ~~العثمانية وقد ألقت مراسيها في مساء 12 يوليو في مياه خليج أبي قير، وأنها استطاعت أن ~~تنزل جنودها إلى الساحل في يوم 14، وأنها استولت على الطابية المقامة في تلك ~~النقطة. ~~(3) قبل معركة أبي قير # فلما تلقى نابوليون هذا الخبر أدرك في الحال عظيم أهميته؛ إذ لم يخف على مثله، ولا ~~سيما وقد قتل المسائل فكرا وتمحيصا بعد عودته من سوريا وعرف حرج مركزه في هذه الديار، ~~أن المعركة الفاصلة بينه وبين الإنكليز في مصر قد حان وقتها، فإذا استطاعت القوة ~~العثمانية التوغل في أرض مصر، واستطاع الإنكليز والترك الاستيلاء على الثغور المصرية، ~~فقد قضي على نابوليون وجيشه، وقضي على هاتيك المطامع الكبرى القضاء المبرم. # ولقد أدرك نابلوين بثاقب فكره وخبرته العسكرية، أن الجيش العثماني الذي جيء به إلى ~~أبي قير هو بقية الجيش الذي كان في رودس، والذي أخذ منه جزء لإمداد عكا، وأن هذه البقية ~~لا تزيد عن خمسة عشر ألف مقاتل، مع فئة من الضباط الإنكليز، وإن هذا الجيش إنما جاء ~~معتمدا على أمرين: # أولهما: # تعضيد المماليك الذين يقومون مقام الخيالة لهذا الجيش الذي لم تكن ~~معه الخيول الكافية. # وثانيهما: # قيام الأهالي والعربان في وجه الفرنساويين في جميع جهات القطر ~~المصري، فإذا استطاع نابوليون أن يحول بين اتصال الجيش العثماني ~~بالمماليك، ويمنع حدوث الاضطرابات في داخلية البلاد، فقد استطاع ms328 أن ~~يخلص من ذلك المأزق الحرج. # ولقد أجمع كتاب المذكرات الخصوصية، ورواة الأخبار العمومية، ومؤرخو هذه الفترة من ~~المتقدمين والمتأخرين، أن نابوليون لم يبد في حياته نشاطا وذكاء وقادا، وبعدا في ~~النظر، مثلما أظهره في ذلك الحين، فإنه ما كاد يتلقى نبأ نزول الجنود العثمانية في ساحل ~~أبي قير حتى أخذ يصدر الأوامر تباعا بسرعة البرق، وبحيث لم تكد تمضي أربعة وعشرين ~~ساعة، حتى كان جميع الجيش الفرنساوي المتشتت في وادي النيل، شرقا وغربا، وجنوبا ~~وشمالا، يسير إلى نقطة معينة وهي الرحمانية، فالجنرال «ديزيه» في الصعيد صدرت له ~~الأوامر بالتخلي عن جميع الوجه القبلي ليقدم بجيشه إلى القاهرة، والجنرال «رينيه» ~~المعسكر في لبيس أمر بترك ثلاثمائة جندي في الصالحية لمراقبة الحدود الشرقية، وأن يسير ~~هو بجميع الجنود الفرنساوية، من أقرب طريق إلى نقطة الرحمانية، وكذلك تلقى الجنرال ~~كليبر الأوامر بالتحرك من دمياط إلى جهة أبي قير، وكذلك تلقى الجنرال كليبر الأوامر ~~بالتحرك من دمياط إلى الإسكندرية، وكذلك تلقى الجنرال منو الأوامر بالسير من ~~رشيد. # والخلاصة أن نابوليون لم يبت تلك الليلة في الجيزة حتى كان الجيش الفرنساوي من جميع ~~الجهات يسير قاصدا نقطة واحدة. # ولم تمض ثلاثة أيام حتى كانت جميع القوى الفرنساوية مجتمعة في الرحمانية، وهناك أصدر ~~نابوليون منشورا للمصريين يعدهم ويهددهم ويحذرهم ويتملقهم ويتقرب منهم، موجها فيه ~~الخطاب إلى أعضاء الديوان، وقد حفظ الجبرتي ونقولا الترك ذلك المنشور باللغة العربية ~~وهذا نصه: # لا إله إلا الله محمد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، نخبركم يا محفل الديوان بمصر ~~المنتخب من أحسن الناس وأكملهم بالعقل والتدبير، عليكم سلام الله تعالى ورحمته ~~وبركاته، بعد مزيد السلام عليكم، وكثرة الأشواق إليكم، نخبركم يا أهل الديوان، ~~المكرمين العظام، بهذا المكتوب إننا وضعنا جماعات من عسكرنا بجبل الطرانة، وبعد ~~ذلك سرنا إلى إقليم البحيرة لأجل أن نرد راحة الرعايا المساكين، ونقاصص أعداءنا ~~المحاربين، وقد وصلنا بالسلامة إلى الرحمانية وعفونا عفوا عموميا عن كل أهل ~~البحيرة حتى صار الأقاليم في راحة تامة، ونعمة عامة، ms329 وفي هذا التاريخ نخبركم ~~أنه وصل ثمانون مركبا صغارا وكبارا حتى ظهروا بثغر الإسكندرية، وقصدوا أن ~~يدخلوها فلم يمكنهم الدخول من كثرة البنب وجلل المدافع النازلة عليهم، فرحلوا ~~عنها وتوجهوا يرسون بناحية أبي قير وابتدءوا ينزلون إلى البر، وأنا الآن تاركهم ~~وقصدي أن يتكامل الجميع في البر، وأنزل عليهم أقتل من لا يطيع وأخلي بالحياة ~~الطائعين، وآتيكم بهم محبوسين تحت السيف لأجل أن يكون في ذلك شأن عظيم في مدينة ~~مصر، والسبب في ذلك في مجيء هذه العمارة إلى هذا الطرف العشم بالاجتماع على ~~المماليك والعربان، ولأجل نهب البلاد وخراب القطر المصري، وفي هذه العمارة خلق ~~كثير من «الموسقو» الإفرنج الذين كراهتهم ظاهرة لكل من يوحد الله، وعداوتهم ~~واضحة لمن كان يعبد الله، ويؤمن برسول الله، يكرهون الإسلام، ولا يحترمون ~~القرآن، وهم نظرا لكفرهم في معتقدهم يجعلون الآلهة ثلاثة، وإن الله ثالث تلك ~~الثلاثة، تعالى الله عن الشركاء، ولكن عن قريب يظهر لهم أن الثلاثة لا تعطي ~~القوة، وإن كثرة الآلهة لا تنفع، بلى إنه باطل؛ لأن الله هو الواحد الذي يعطي ~~النصرة لمن يوحده، هو الرحمن الرحيم، المساعد المعين، القوي للعادلين الموحدين، ~~الماحق رأي الفاسدين المشركين، وقد سبق في علمه القديم، وقضائه العظيم، أنه ~~أعطاني هذا الإقليم وقدر وحكم بحضوري عندكم إلى مصر لأجل تغييري الأمور ~~الفاسدة، وأنواع الظلم، وتبديل ذلك بالعدل والراحة، مع صلاح الحكم، وبرهان ~~قدرته العظيمة، ووحدانيته المستقيمة، إن لم يقدر الذين يعتقدون أن الآلهة ثلاثة ~~قوة مثل قوتنا؛ لأنهم ما قدروا أن يعملوا الذي عملناه، ونحن المعتقدون وحدانية ~~الإله ، نعرف أنه العزيز القادر، القوي القاهر، المدبر للكائنات، والمحيط علمه ~~بالأرضين والسماوات، القائم بأمر المخلوقات، هذا ما في الآيات، والكتب ~~المنزلات، ونخبركم بالمسلمين إن كانوا بصحبتهم، يكونوا من المغضوب عليهم ~~لمخالفتهم وصية النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، بسبب اتفاقهم مع الكافرين ~~الفجرة اللئام؛ لأن أعداء الإسلام، لا ينصرون الإسلام، ويا ويل من كانت نصرته ~~بأعداء الله! وحاشا الله أن يكون المستنصر بالكفار مؤيدا، أو يكون مسلما ms330 ~~ساقتهم المقادير، للهلاك والتدمير، مع السفالة والرذالة، وكيف لمسلم أن ينزل في ~~مركب تحت بريق الصليب، ويسمع في حق الواحد الأحد، الفرد الصمد، من الكفار، كل ~~يوم تخريفا واحتقارا، ولا شك أن هذا المسلم في هذا الحال، أقبح من الكافر ~~الأصلي في الضلال. # نريد منكم يا أهل الديوان أن تخبروا بهذا الخبر جميع الدواوين والأمصار، لأجل ~~أن يمتنع أهل الفساد من الفتنة بين الرعية، في سائر الأقاليم والبلاد؛ لأن ~~البلد الذي يحصل فيه الشر يحصل لهم مزيد الضرر والقصاص، انصحوهم يحفظوا أنفسهم ~~من الهلاك خوفا عليهم أن نفعل فيهم مثل ما فعلناه في أهل دمنهور، وغيرها من ~~بلاد الشرور، فإنهم بسبب سلوكهم المسالك القبيحة قاصصناهم، والسلام عليكم ورحمة ~~الله وبركاته. # تحريرا بالرحمانية في يوم الأحد 15 صفر 1214، طبع بالمطبعة الفرنسية ~~العربية. # ولقد قصد نابوليون بهذا المنشور عدة أمور: أولها وأهمها، إلقاء الرعب في قلوب ~~المصريين ليخلدوا إلى السكينة، وليخافوا عاقبة الفتك بهم، كما حصل لأهالي دمنهور عقب ~~ثورة المهدي، أو مولاي محمد، وأراد نابوليون أن يفهم المصريين أن القادمين ليسوا ~~أتراكا مسلمين، بل هم روسيون مسيحيون لا يعتقدون بالوحدانية مع أنه لم يكن مع الجيش ~~العثماني الذي نزل في أبي قير جند من الروس، ولا من الإنكليز، ولم يثبت التاريخ سوى ~~وجود بعض الضباط الإنكليز الذين قدموا مع الأسطول البريطاني ليكونوا في هيئة أركان حرب ~~المشير مصطفى كوسة باشا قائد ذلك الجيش، وما قصد نابوليون بذلك الاختلاق إلا الإيهام ~~والتغرير بالعقول، وتلك خطة تبررها السياسة في أيام الحروب، ولكن المعلم نقولا الترك ~~أراد أن يعتذر عن هذا الاختلاق - أي: دعوى أن الجيش القادم معظمه من الروس المسيحيين - فقال: # وخشي أمير الجيوش من العامة في مصر وغيرها من البلدان، فكتب فرمانا إلى ~~علماء مصر وأرباب الديوان يخبرهم بورود المراكب وخروج عساكرها إلى البر، وإنها ~~مراكب نصارى، ولكن ربما معهم بعض المسلمين، وتعريفه بذلك استنادا على الفرمان ~~الذي ورد من الدولة العثمانية إلى الجزار والأقطار الشامية حيث يقول: «قريبا ~~نحضر لكم الدونتمة ms331 الهمايونية مع دونتما الدولة المسكوبية المتحدة مع دولتنا ~~بالحب والصداقة، ونحضر لكم عشرين ألف مقاتل في البر مع الدولة القوية غير ~~العساكر البحرية، لأجل طرد الملة الفرنساوية.» وهذا الفرمان قد حضرت صورته إلى ~~أمير الجيوش وأطلع عليه العلماء والأعيان وأهل تلك البلدان. ا.ه. # والمعلم نقولا يشير بالطبع إلى المنشور الذي سبق لنا الكلام عنه وليس فيه شيء مما ~~يقوله المعلم نقولا، اللهم إلا إذا كان يشير إلى منشور لم نقف له على أثر في الكتب ~~الفرنسية ولا الإنكليزية ولا العربية، ومع ذلك فإن ذكر العمارة الروسية وقدومها مع ~~الجيش العثماني ليس معناه إنزال جنود روسية مع العساكر التركية في أرض مصر، ولكن يظهر ~~أن المعلم نقولا أراد أن يعتذر لنابوليون بما لم يعتذر به نابوليون عن نفسه!! # وأغرب من هذا تعليق المرحوم مخائيل بك شارويم على هذا المنشور في كتابه «الكافي» ~~بالعبارة الآتية: # قلت: وفي هذا الخطاب، إن كان صحيحا، من النقد على بونابرته والتعيب، ورميه ~~بالغش والخديعة، ما يزري به ويحط من عظمته ويذهب بشهرته. # ولماذا لا يكون ذلك المنشور صحيحا ونصه في الجبرتي ورسالة المعلم نقولا وصورته ~~المطبوعة محفوظة في أوراق نابوليون المحفوظة، # 4 # ثم لماذا يزري من نابوليون ويحط من عظمته ويذهب بشهرته الأبدية الخالدة، ~~وهو إنما فعل ما تقضي به السياسة وأساليبها، وأكاذيبها أيضا!! # ولقد أحدث قدوم ذلك الجيش العثماني حركة في نفوس المصريين فانتعشت أرواحهم، وانتشت ~~آمالهم وخيل لهم الخلاص من الاحتلال الأجنبي، مع أن القادمين عليهم لا يريدون لهم ~~خلاصا، ولا يودون لهم حرية واستقلالا، ولكن هذا نظر المصريون على أنهم والأتراك أمة ~~واحدة، وإن لم يرض الأتراك باعتبار المصريين كذلك، ولا سيما في ذلك الزمن إذ الجندي ~~جندي، والفلاح فلاح!! ولذلك خشي الفرنساويون عاقبة هيجان المصريين، وقيامهم عليهم فترك ~~نابوليون في القاهرة الجنرال «دوجا» الذي اشتهر بدهائه ولينه وحسن تصرفه مع المصريين ~~أثناء الحملة السورية، وترك له قوة كبيرة من الفرنساويين في القلعة عدا قوة أخرى من ~~الأروام الذين جندوهم ودربوهم، وكلف الجنرال ms332 ديزيه بالتخلي عن الصعيد والقدوم بجيشه إلى ~~القاهرة. # ولقد كانت ساعة الفرنسيين عصيبة والجو أمامهم مظلما قاتما؛ لأنه مع هذه الاحتياطات ~~الكثيرة، ومع ذلك المنشور الذي أكثر فيه نابوليون من التزلف للمصريين ودعوى الإسلام ~~والطعن على المسيحية، فإن الحركة التي دب دبيبها بين المصريين كانت تشعر بما داخل نفوس ~~القوم من الفرح والسرور بقدوم الجيش العثماني، فقد روى الجبرتي الحادثة الآتية: قال في ~~حوادث يوم 16 صفر: # ولما تحققت هذه الأخبار «نزول الجيش العثماني في أبي قير» كثر اللغط بين ~~الناس، وأظهروا البشر وتجاهروا بلعن النصارى، واتفق أنه تشاجر بعض المسلمين ~~بحارة البرابرة بالقرب من كوم الشيخ سلامة مع بعض نصارى الشوام، فقال المسلم ~~للنصراني: إن شاء الله بعد أربعة أيام نشتفي منكم، وكلام من هذا المعنى فذهب ~~ذلك النصراني مع عصبة من جنسه إلى الفرنسيس، وأخبروهم بالقصة وزادوا وحرفوا ~~وعرفوهم أن قصد المسلمين إثارة فتنة، فأرسل قائمقام إلى الشيخ المهدي وتكلم معه ~~في شأن ذلك وحاجه وأصبحوا فاجتمعوا بالديوان، فقام المهدي خطيبا وتكلم كثيرا ~~ونفى الريبة وكذب أقوال الخصوم، وشدد في تبرئة المسلمين عما نسب إليهم، وبالغ ~~في الحطيطة والانتقاص من جانب النصارى، وهذا المقام من مقاماته المحمودة، ثم ~~جمعوا مشايخ الأخطاط والحارات وحبسوهم. # فهذه الحادثة البسيطة تمثل لنا صورة مجسمة للشعور القومي في تلك الفترة، وهي حال يجب ~~على المؤرخ أن لا يفوتها، والدليل على تخوف الفرنساويين أنهم زادوا في الحيطة فجمعوا، ~~كما ذكر الجبرتي، مشايخ الأخطاط والحارات واعتقلوهم. # فلنترك أهل القاهرة في آمالهم وتصوراتهم، ولنتبع نابوليون وجيشه إلى تلك المعركة ~~الهائلة التي وقعت بينه وبين الجيش العثماني، وكانت عاقبتها وبالا على العثمانيين تلك ~~الواقعة التي قال عنها نابوليون للجنرال مورات: «على هذه الواقعة سيرتب مستقبل العالم ~~بأسره.» ولكن نابوليون وحده هو الذي كان يدرك السبب في ذلك، ويعلم أن انتصاره في تلك ~~المعركة يمهد له سبيل العودة إلى فرنسا، وعلى جبينه إكليل الفوز والنصر، فيستطيع أن ~~يقبض على السلطة في تلك الديار، ويستطيع أن يصل إلى ما ms333 وصل إليه من الملك والمجد ~~والفخار. ~~(4) واقعة أبي قير # أخطأ سرهناك باشا وغيره من المؤرخين الذين قالوا: إن نابوليون قهر الجيش العثماني ~~الذي نزل في أبي قير بستة آلاف مقاتل، والحقيقة التي أثبتها الكتاب الفرنساويون أن ~~الجيش الذي جمعه نابوليون في الرحمانية وسار به إلى أبي قير كان لا يقل عن عشرين ألف ~~مقاتل من خيرة الجنود المشاة المدربين عدا ثلاثة آلاف من الخيالة، ولم يكن الجيش ~~العثماني يزيد عن ثمانية عشر ألفا من الجنود، وليس معهم سوى مائتي جواد للقائد وأركان ~~حربه، وبعض الضباط، وذلك باعتراف نابوليون في المذكرات التي أملاها في سانت ~~هيلانة. # قلنا: إن القائد العثماني أنزل جنوده في يوم 14 يوليو على ساحل أبي قير، ونقول: إنه ~~كان يؤمل أن تصل إليه المماليك بالخيول والإمدادات، وروى المعلم نقولا في رسالته أن ~~المشير مصطفى كوسه باشا لما أنزل جنوده واستولى على القلعة التي أقامها الفرنساويون، ~~أرسل المنشورات إلى المصريين والعربان يستنهضهم للقيام في وجه الفرنساويين، وأن كبار ~~القوم ذهبوا إليه وخلع عليهم الخلع الثمينة، ولا أثر لهذه الرواية، لا في المصادر ~~العربية ولا في المصادر الفرنساوية، وكل ما ذكره الجبرتي من علاقة الجيش التركي ~~بالمصريين، قوله في حوادث 18 صفر: «إنه وردت أخبار وعدة مكاتيب لكثير من الأعيان، وكلها ~~على نسق واحد تزيد عن المائة مضمونها أن المسلمين وعسكر العثمانيين ومن معهم ملكوا ~~الإسكندرية، فصار الناس يحكي بعضهم لبعض ... إلى آخره.» # ولا شك في أن السرعة التي جمع بها نابوليون جيشه وهاجم العثمانيين لم تمكنهم، لا من ~~الاجتماع بالمماليك، ولا من دعوة سواهم، وكان ذلك سر فوز نابوليون في تلك الموقعة، وفي ~~كثير من المواقع الكبيرة التي كسبها في أوروبا، ولو أن الجنرال منو، بعد هذا التاريخ ~~بنحو سنتين، قلد رئيسه في السرعة والنشاط وعدم إضاعة الوقت، لما استطاع الجيش الإنكليزي ~~الذي قدم تحت قيادة الجنرال «أبركرومبي» أن يحصره في الإسكندرية، وينتهي بالاشتراك مع ~~الجيش العثماني بالوصول إلى القاهرة، وإخراج الفرنساويين منها. # وكان نابوليون يتصور أن الجيش ms334 العثماني لا يبقى في أبي قير بعد أن احتل قلعتها أكثر ~~من يوم واحد، وأنه سيزحف في داخلية البلاد فيجتمع عليه المماليك المشتتون في الوجه ~~البحري، ويلتف عليه عربان البحيرة وسواها، ولذلك عسكر نابوليون عند الرحمانية في يوم 19 ~~يوليو، فلما وصلت إليه الأخبار بأن الجيش العثماني لا يزال مرابطا في أبي قير أسرع في ~~نقل مركز جيشه من الرحمانية إلى بركة غطاس الواقعة بالقرب من بحيرة المعدية، وعلى مسافة ~~قريبة من الإسكندرية وأبي قير، فمنع بذلك الجيش العثماني من التحرك إلى داخلية البلاد، ~~أو إلى محاصرة الإسكندرية دون أن يلتقي مع الجيش الفرنساوي في معركة فاصلة. # وفي 24 يوليو اتخذ نابوليون الإسكندرية مقرا للمعسكر العام، ولم يكن قد رأى ذلك ~~الثغر منذ احتله عند قدومه منذ سنة وشهر، ولما التقى نابوليون بالجنرال مارمون ~~(Marmont) # قومندان حامية الإسكندرية، لامه وعنفه ~~على تمكين الجيش العثماني من النزول إلى البر، وكان هذا الجنرال قد خرج بألف ومائتي ~~مقاتل لمقاومة العثمانيين، فلما رأى أنه لا يقدر على مقاومة ذلك الجيش الكبير عاد ~~أدراجه إلى الإسكندرية وتحصن فيها، ولو أسرع القائد العثماني، ولم ينتظر قدوم نابوليون ~~من الرحمانية لكان من الممكن أن تكون النتيجة غير ما كانت، ولكن الجيش العثماني بقي في ~~أبي قير من يوم 14 إلى يوم 24 حتى تمكن نابوليون من الوصول إلى الإسكندرية والوقوف في ~~وجه خصمه، كل ذلك والجيش العثماني لا يظن أن الفرنساويين قد أصبحوا أمامه وجها لوجه، ~~وأن المسافة بين الفريقين لا تزيد على بضع كيلومترات. # ولقد سبق لنا أن قلنا إن وصف الحركات العسكرية في المواقع الحربية ليس من اختصاص ~~المؤرخ المصري الذي يقصد تدوين تاريخ أمته، وأما وصف المعارك الحربية من الوجهة الفنية ~~فهو من اختصاص كتاب الإفرنج الذين يهمهم وصف المعارك لأسباب فنية وقومية، ولهذا نكتفي ~~بأن نقول: إن الجيش العثماني في هذه المعركة لم يكن مستوفيا الأسباب التي تساعده على ~~الفوز لعدم وجود قوة كافية من الخيالة، ولأن المماليك الذين اعتمد على مساعدتهم ms335 لم ~~يستطيعوا تقديم تلك المساعدة، ولأن سرعة نابوليون ونشاطه لم تمكن الأتراك من التحصن ~~اللازم واستعمال الوسائل التي يستطيع بها شل حركات الجيش الفرنساوي. # وخلاصة ما يمكن ذكره من وصف هذه المعركة التاريخية أنه في فجر 25 بدأ الجيش الفرنسي ~~في الزحف، وكان الجنرال «مورات» # Murat # على رأس جيش عدده ~~2300 فارس في المقدمة، والجنرال «لان» # Lannes # ومعه 2700 ~~في الميمنة والجنرال «لانوس» # Lanusse # ومعه 2400 رجل ~~لحفظ خط الرجعة، والجنرال دافو # Davout # ومعه ثلاثمائة ~~من فرسان يقوم بحفظ المواصلات بين الجيش والإسكندرية، وبمنع الأعراب من دخول شبه جزيرة ~~أبي قير. # وتلاقى الجيشان وجها لوجه ومكثا ساعتين وقد لزما السكون، ثم بدأت المدافع الكبيرة ~~تقذف نيرانها على مراكب صغيرة للأتراك دخلت بحيرة ادكو فغرق بعضها وانسحب البعض الآخر، ~~وتقدم الجنرال مورات بفرسانه وبأربعة بطاريات من المدفعية ونزل الأتراك إلى السهل حيث ~~كان الفرسان الفرنسويون ينتظرونهم، وقذفت المدافع عليهم النار، وفغرت البنادق أفواها ~~تمطرهم الرصاص فحاولوا العودة والنزول إلى المراكب. # وكانت النتيجة أن نابوليون تمكن في يوم واحد «25 يوليو» من القضاء على ذلك الجيش ~~العثماني المؤلف من خيرة الجنود الإنكشارية بسالة وإقداما، وقتل منهم في هذه الواقعة ~~عدد كبير، واختل نظام الجيش العثماني فأركن جنوده إلى الفرار طالبين النجاة بالالتجاء ~~إلى القوارب في مياه أبي قير، ولكن الجزء الأكبر منهم لم يتمكن من اللحاق بالسفن فغرق ~~منهم خلق كبير. # وقد ذكر الفرنساويون أن نحو عشرة آلاف من الجنود الإنكشارية غرقوا في محاولتهم ~~الفرار، وذكروا أيضا أن السر سدني سميث أميرال الأسطول الإنكليزي كان في البر مع فئة ~~من ضباط الإنكليز هيئة أركان حرب المشير مصطفى باشا، فلما رأى هزيمة الجيش العثماني، ~~وبعد أن كاد يقع أسيرا في يد الفرنساويين، أسرع بالنزول في القارب للحوق بسفينته، وهنا ~~ذكر المؤرخون رواية لا أجد ما يدعو إلى عدم تصديقها، وإن كنت لم أجد ما يثبتها أو ~~ينفيها في المصادر الأخرى، تلك الرواية هي أنه كان بين الجنود العثمانيين الذين ألقوا ~~بأنفسهم في البحر ms336 فرارا من الفرنساويين، جندي من الباشبوزق قد غلبته الأمواج، وحامت ~~حوله رسل الموت، وهو يطفو مرة ويرسب أخرى، حتى ألقته المقادير بجوار قارب السر سدني ~~سميث الذي أبصر ذلك الجندي المشرف على الهلاك فمد يده لإنقاذه، وتمكن بمساعدة من معه ~~من رفعه إلى القارب فلم يكن من المغرقين. # أفتدري أيها القارئ، أو كنت تعلمين أيتها المقادير، من كان ذلك الجندي المشرف على ~~الهلاك الذي طرحته أمواج القدرة الإلهية بجوار ذلك القارب الذي يحمل بحارة من الإنكليز؟ ~~ولم ترمه بجوار قارب من القوارب التي وصل إليها بعض أولئك الجند الذاهلين عن إخوانهم في ~~الملة والدين، وكل منهم قد ذهل عن أخيه، وفصيلته التي تأويه؟ # ذلك الجندي هو محمد علي من بلدة قولة الحقيرة، قدم مع القادمين المتطوعين لخلاص مصر ~~من أيدي الفرنساويين، وما كان هو يدري، ولا المنجم يدري، أنه جاءها وسيجيئها ليستخلصها ~~لنفسه، ولأولاده من بعده، سواء من أيدي الفرنساويين، ثم المماليك، ثم الإنكليز، ثم ~~الأتراك ... ولكن إلى حين!! وهل كان يدري السر سدني سميث، وهو يمد يده إلى ذلك الجندي ~~البائس الضائع الذي يكاد يلفظ النفس الأخير، أن هذا الرجل، بعد ثمانية أعوام بالضبط من ~~هذا التاريخ 1807، تحت قيادة الجنرال «فريزر» ويلحق بها العار والشنار، ويباع بعض ~~جنودها الأسرى من الإنكليز، بيع السلع والمماليك والعبيد في سوق الرقيق؟ أتراه لو كان ~~يدري ماذا كان يفعل؟ أظنه كان ينقذه من الغرق، ولكن ما أظنه كان يسمح له بالعودة إلى ~~أرض مصر في الحملة العثمانية الثانية؟! ولو غرق ذلك الجندي في تلك اللحظة، لتغيرت صحائف ~~التاريخ، ولما رأت مصر نبوغ محمد علي وهمته، ولا بسالة إبراهيم وبطولته، ولا إسراف ~~إسماعيل ومهارته، ولا ذكاء عباس وكارثته! # أما قائد الحملة العثمانية السر عسكر مصطفى كوسة باشا فإن الجنرال مورات - قائد ~~الخيالة الفرنساوية التي أبلت بلاء حسنا في هذه الواقعة وكانت لها اليد العليا في ذلك ~~الفوز الذي أنعش قلوب الفرنساويين وأحيا ميت آمالهم - أسره بيده بعد أن أطلق عليه ~~القائد العثماني رصاصة من ms337 غدراته أصابت يده، وجاء به إلى نابوليون فأحسن وفادته وأكرم ~~مثواه. # وكان مع المشير مصطفى كوسة باشا أحد أولاده فامتنع مع نحو ثلاثة آلاف من الإنكشارية ~~وتحصن في طابية أبي قير، وأبى التسليم على الرغم من النصائح التي أسداها إليه أبوه، وقد ~~كلف الجنرال منو، الذي قدم بفرقة من الجند الفرنساوي من رشيد واشترك في المعركة، بأن ~~يوالي حصار ذلك الحصن حتى يسلم من فيه، وقد سلموا فعلا بعد قليل من الزمن. # ولما وصلت أخبار هذا الفوز الفرنسي إلى القاهرة طرب الفرنساويون وشاركهم في أفراحهم ~~وسرورهم جميع الذين كانوا يخشون قدوم الأتراك، سواء في ذلك النصارى وبعض أفراد المسلمين ~~الذين انحازوا للفرنساويين، وارتبطت مصالحهم بوجودهم معهم، فقد روى «ميو» في مذكراته: ~~أنه لما أذيع في القاهرة انتصار الفرنساويين في واقعة أبي قير كان النصارى يعانقون ~~الفرنساويين فرحا وطربا، وأقيمت الاحتفالات والزينات ثلاثة أيام متوالية، وقال الشيخ ~~الجبرتي في حوادث شهر صفر: «وفي عشرينه أشيع أن الفرنساوية تحاربوا مع العساكر الواردين ~~على أبي قير، وأخذوا مصطفى باشا أسيرا وكذلك عثمان خجا وغيرهما، وأخبر الفرنسيس أنه ~~حضرت لهم مكاتبة بذلك من أكابرهم، فلما طلع النهار ضربوا مدافع كثيرة من قلعة الجبل، ~~وباقي القلاع المحيطة بصحن الأزبكية وعملوا في ليلتها «أعني ليلة الأربعاء» حراقة ~~بالأزبكية من نفوط وبارود وصواريخ تصعد في الهواء» ... ولم يذكر الجبرتي صورة الخطاب الذي ~~بعث به الجنرال دوجا إلى المشايخ واكتفى بقوله ... «وفي يوم الجمعة تاسع عشرينه «صفر» حضر ~~مكاتبة من الفرنسيس بحكاية الحال «عن موقعة أبي قير» التي وقعت لم أقف على صورتها.» ~~ولكن المعلم نقولا الترك حفظ نص ذلك المنشور الذي طبع في المطبعة الفرنساوية في القاهرة ~~وتاريخه 2 ربيع الأول، وهذا نصه حرفيا من رسالة المعلم نقولا: # من حضرة ساري عسكر الجنرال «دوكا» قائمقام أمير الجيوش بمصر حالا: إلى علماء ~~الإسلام، وكافة أرباب الديوان: # بعد السلام عليكم، وكثرة الأشواق إليكم، لا يخفاكم أنه وصلني خبر صحيح بأن ~~العساكر الفرنساوية ملكت قلعة أبو قير في 14 ترميدور ms338 الموافق شهر صفر سنة 1214، ~~وأنهم استأسروا فيها ثلاثة آلاف نفر ومن الجملة مصطفى باشا، وغاية ما وقع أن ~~العمارة التي نزلت في أبو قير كانت بها عساكر خمسة عشر ألف لم يخلص منهم أحد بل ~~الكل تلاشوا وهلكوا، ثم أخبركم عن لسان حضرة الساري عسكر الكبير بونابرته أنكم ~~في الحال تظهرون هذا الخبر بين الخاص والعام، وتشهروه في الأقاليم المصرية فإنه ~~خبر فيه سرور وفرح، وألزمكم أن تعرفوني في الحال عن إشهار هذا الخبر الفاخر ~~المعتبر، وأخبركم أن حضرة الساري عسكر الكبير بونابرته يحضر إليكم عن قريب، ~~والله تعالى يحفظكم والسلام ختام. # تحريرا في 22 ترميدور سنة السابعة لمشيخة الفرنساوية الموافقة إلى 2 ربيع ~~الأول سنة 1214. # وأما عثمان خجا أو خواجة الذي ذكره الجبرتي، فقد كان من المماليك الذين تولوا الأحكام ~~في مدة مراد بك، وكان من أتباع صالح بك الذي كان أميرا للحج عند قدوم الفرنساويين، ~~وكان مولى من قبله على ثغر رشيد فسام أهلها سوء العذاب ظلما واستبدادا، وكان مع صالح ~~بك في حجته الأخيرة، فلما مات هذا بالشام ذهب عثمان خجا إلى الآستانة وجاء مع المشير ~~مصطفى باشا وجيشه. # ومع أن نابوليون أحسن معاملة مصطفى باشا وولده توددا للعثمانيين وتقربا منهم، ورغبة ~~منه في اتخاذ أسيره العظيم واسطة في الصلح والمخابرات مع رجال الدولة، فإنه أراد، من ~~جهة أخرى، أن يفهم المصريين والعثمانيين أنه لا يعفو عن المماليك ولا يعاملهم كما يعامل ~~الأتراك، فأصدر أمره بقتل عثمان خجا، وفي رواية الجبرتي، أنهم ذهبوا به إلى رشيد ~~«وطافوا به في البلدة يزفونه بطبولهم وهو مكشوف الرأس حافي القدمين حتى وصلوا به إلى ~~داره، فقطعوا رأسه وعلقوه على شباك داره ليراها الناس أجمعين» ... وهذه الرواية ناقصة؛ ~~لأن نابوليون ما كان ليأمر بقطع رقبة كبير من أمراء المماليك بعد أن وقع في يده أسير ~~حرب، كما وقع مصطفى باشا وولده وغيره، إلا بناء على تهمة توجه إليه، وحكم يصدر عليه، ~~وقد وفق المعلم نقولا الترك في رسالته، إلى الحصول على ms339 صورة التهمة التي وجهت إلى عثمان ~~خجا، والفتوى بالحكم عليه بالإعدام، وقد طبعت تلك الفتوى في المطبعة الفرنساوية، ~~ولأهميتها التاريخية ولعدم تداولها في المصادر العربية نأتي على نصها: # هذه صورة الفتوى حكم الشرع الشريف الذي صدر من محكمة رشيد دام جلالها على ~~عثمان خجا «خواجة» خطابا إلى حضرة الجنرال الحاكم في البلد المذكورة مؤرخ في ~~أربعة وعشرين من شهر ترميدور من إقامة الجمهور الفرنساوي، الموافق 8 ربيع أول ~~سنة 1214: # وصلتنا مكاتبتكم بالأمر أننا نستخير ونكشف عن جميع الأعمال التي حدثت من طرف ~~عثمان خواجة كردلي، وننظر إن كان حصل منه الشر أكثر من الخير، وبموجب هذا الأمر ~~بحضور حضرة سيدنا شيخ الإسلام العالم المتورع الشريف أحمد الخضري مفتي حنفي، ~~ونقيب الأشراف المكرم المحترم الشريف بدوي، وقدوة الأعيان الحاج أحمد أغا ~~السلحدار، والمكرم علي شاويش كتخدا، وقدوة النجار أحمد شحال، والمكرم إبراهيم ~~الجمال والشريف على الجماني «لعله الحمامي» والشيخ مصطفى ظاهر والشريف إبراهيم ~~سعيد والمكرم محمد القادم والحاج باشي سليمان وبحضور جماعة من المسلمين خلاف ~~المذكورين أعلاه. # ثم حضر رمضان حمودي ومصطفى الجبار وأحمد شاويش وعبد الله والحاج حسن أبو جودة ~~والحاج بدوي المقرالي وعلي أبو زرازين، وبدوي دياب وحسن عرب، وثبت من إقرارهم ~~ومن شهادتهم أن عثمان الخواجة المذكور كان ظلمهم ظلما شديدا بالضرب والحبس من ~~دون حق، ونهب أملاكهم وخلاف ذلك، سئل جماعة من المسلمين الحاضرين في المجلس إن ~~كان حصل من عثمان خواجة الشر أكثر من الخير فكلهم قالوا بلسان واحد: إنه حصل من ~~طرف عثمان خواجة الشر أكثر من الخير، وبسبب ذلك انقطع رأس عثمان خواجة حاكم ~~رشيد سابقا. # مطابق لأصله ومعناه باسم حاكم رشيد الآن، طبع بالمطبعة الفرنساوية بمصر ~~المحروسة. # فهل كانت تلك المحكمة الغريبة تصدر هذا الحكم على عثمان خواجة حاكم بلدتهم سابقا، لو ~~أتيح للعثمانيين الظفر والفوز في واقعة أبي قير؟ أو ما كان أولئك المشايخ والأعيان ~~يستقبلونه بالطبول والزمور، ويقيمون له الولائم، ويمدحونه بالقصائد، ويذكرون ما كان ~~عليه من عدل وكرم وسماحة؟؟ # ألا ms340 إنها الأيام أبناء واحد # وهذي الليالي كلها أخوات # إن في ذلك لعبرة! # ومع أن انتصار الفرنساويين في واقعة أبي قير قد كان عظيما وحاسما، إلا أنهم ابتاعوا ~~ذلك الفوز بثمن غال وبأرواح ثمينة عزيزة خصوصا لدى جيش سدت في وجهه السبل وصار إمداده ~~بالرجال مستحيلا، فقد خسر الفرنساويون في هذه الوقعة - على رواية نابوليون في تقريره ~~لحكومة الديكتوار «ولاحظ أنه كان في جميع هاتيك التقارير يخفف من ذكر الخسارة ويباهي ~~بانتصاره ويبالغ في خسائر أعدائه» - خمسمائة قتيل وخمسمائة جريح، ومات من قواده وضباطه ~~الجنرال لاتورك ~~(Letureq) # والقائد دوفيقية ~~(Duvivier) # والقائد كريتين ~~(Cretin) # 5 # ومن أركان حربه الضابط ~~(Guilbert) # وجرح ~~الجنرالان لان ومورات وفوجيبر والضابط مرانجيه. # ومما يدل على سرور الفرنساويين بنتيجة تلك الواقعة، ذلك المنشور الذي أصدره الجنرال ~~نابوليون إلى جيشه في اليوم التالي وفيه يقول: # إن اسم أبي قير كان شؤما لدى عموم الفرنساويين، ولكن يوم 7 ترميدور «25 ~~يوليو» جعل ذلك الاسم مقرونا بالفخار، وأن الانتصار الذي حازه الجيش في هذا ~~اليوم سيساعد على عودته إلى أوروبا في وقت قريب، لقد فتحنا «ماينيس» وامتلكنا ~~حدود «الرين» بإغارتنا على جزء من ألمانيا ونعيد اليوم فتح أملاكنا في الهند ~~وأملاك حلفائنا، وهكذا تمكنا بواسطة معركة واحدة من أن نضع في يد حكومة بلادنا ~~الوسائل اللازمة لإجبار حكومة إنجلترا، على الرغم من انتصاراتها البحرية، على ~~عقد صلح تفتخر به الجمهورية، ولقد تكبدنا كثيرا من المشاق وقاتلنا أعداء من ~~جميع الأجناس والعناصر، وسنضطر أن نقهر غيرهم ولكن النتيجة ستكون جديرة ~~بفخارنا، وجديرة بتقدير الوطن لأعمالنا حق قدرها. # وبدأ نابوليون في تنشيط رجاله بمكافأتهم على أعمالهم ومجهوداتهم فأصدر أمره لقومندان ~~الطوبجية بأن يسلم إلى فرقته الجنرال مورات الخيالة المدفعين اللذين كانت الحكومة ~~الإنجليزية أهدتهما للباب العالي وغنمهما الفرنساويون في هذه المعركة، وأمر أن يحفر على ~~ذينك المدفعين اسم الأورط الخيالة التي اشتركت في الواقعة، وأن يحفر عليهما كذلك اسم ~~الجنرال مورات والأدجونات جنرال «رواز» وأن يكتب على حافة كل مدفع «واقعة أبي قير»، ms341 ثم ~~أصدر أمره بأن تسمي ثلاث قلاع من قلاع الإسكندرية بأسماء كريتين ودوفيفيه ولاتورك؛ ~~تذكارا لأولئك القواد والضباط الذين قتلوا في المعركة، وقد ورد ذكر أسماء هذه القلاع ~~في حصار الإنجليز للإسكندرية في الحرب الأخيرة مدة الجنرال منو، وأصدر كذلك نابوليون ~~أمره بترقية الجنرال فولتريه والجنرال برتران، ومنح الأطباء الذين عالجوا الجرحى ثلاثة ~~آلاف جنيه. # ومما هو جدير بالذكر، فيما له مساس بتأثير الظروف والحظوظ أو المقادير على بني ~~الإنسان، أن واقعة أبي قير هذه أثرت في تاريخ الجنس البشري، وفي حياة الأشخاص الذين ~~اشتهر اسمهم فيها، ولا سيما نابوليون بونابرت وصهره «فيما بعد ذلك» الجنرال مورات، ~~فواقعة أبي قير مهدت لنابوليون العودة إلى فرنسا متوجا بنار الفوز والانتصار والشهرة ~~الحربية، فمكنه ذلك من القبض على صولجان الحكم في فرنسا، وواقعة أبي قير الذي أظهر فيها ~~مورات من المهارة العسكرية في حركات الخيالة، ومن الجرأة والإقدام ما جعل نابوليون ~~ينسى، أو يتغاضى عما نسب إلى مورات من العلاقات الغرامية مع زوجته جوزيفين أثناء معارك ~~إيطاليا، فقد كان مورات فتى رشيق القوام، حلو الشمائل، محبوبا لدى السيدات، وكانت له ~~منزلة خاصة لدى «مادام تاليان» ولدى «جوزيفين» وطن في أذن نابوليون نبأ هذه العلاقات ~~النسائية مع مورات فغضب عليه وأساء معاملته في إيطاليا، وما قبله في حملة مصر إلا ~~مضطرا بتأثير مادام تاليان، أو رغبة من نابوليون في إبعاده عن فرنسا خلال غيبته في ~~حملة مصر، ومع أن مورات أبلى بلاء حسنا في واقعة إمبابة، فإن قلب نابوليون لم يصف له ~~إلا بعد ذلك الفوز الحاسم في أبي قير - ذلك الفوز الذي اشتراه مورات بتعريض حياته للخطر ~~والهلاك. # وكان ذلك سببا في توطيد علائق المحبة بين الرجلين! وكانت أبو قير سببا في زواج ~~مورات «بكارولين» أخت بونابرت، ثم إلى ما وصل إليه حتى صار ملكا لنابولي في إيطاليا ... ~~وهكذا الأقدار!! ~~••• # ولما وصلت أنباء تلك الواقعة إلى أوروبا اهتزت لها جوانب فرنسا طربا وسرورا سيما ~~وقد كانت فرنسا في ذلك الوقت مخذولة في ms342 حروبها مع النمسا وغيرها من الدول ~~المعادية. # وأما الباب العالي فإنه أظهر السخط على السر سدني سميث الذي كان سببا في المجازفة ~~بتلك الحملة، وتعريض جيش كبير من عساكر الدولة العثمانية للانكسار، دون اتخاذ الوسائل ~~الكافية للنصر، وانتهز أحمد باشا الجزار حاكم عكا فرصة انخذال السر سدني سميث فأكثر من ~~التشنيع عليه ليبرر لدى رجال الدولة تأخره عن المخاطرة برجاله في تلك الحملة ~~المشئومة. # وكان أميرال الأسطول العثماني يدعى باترونابك، فلما فشلت الحملة اتهمه الإنكشارية في ~~رودس بأنه مالأ أعداء الإسلام وقصر في واجباته فحكموا عليه بالإعدام وقتلوه أشنع قتلة، ~~ومن آراء نابوليون في هذه المعركة قوله في مذكراته التي أوحى بها للجنرال برتران في ~~سانت هيلانة: # ليت شعري ماذا كان يؤمل السر سدني سميث من تقرير تلك الحملة والإشارة بها؟ ~~أكان يؤمل الاستيلاء على مصر بواسطة ثمانية عشر ألف رجل من المشاة عديمي الخبرة ~~والدربة، ولا خيول عندهم ولا مدافع ولا آلات حربية تحمي ظهورهم؟ أم كان يرجو من ~~وراء ذلك أن يحمل الجيش الفرنسي على فتح باب المخابرات لكي يعود إلى أوروبا؟ ~~فهل نسي أن بونابرت كان قائد ذلك الجيش وبطله المغوار؟ لا يوجد إلا جواب واحد ~~على هذه الأسئلة، وهو أن جهل ذلك الضابط البحري بشئون الحرب البرية هو الذي برر ~~عنده مشروع تلك الحملة، ولقد ارتكب مثل هذه الغلطة الفظيعة حين ألقى في يد ~~الهلاك والفناء، على سواحل دمياط، بضع مئات من أحسن الجيوش الإنكشارية بعد هذا ~~التاريخ بشهور قلائل. ا.ه. # ولكن هناك جوابا آخر غير جهل السر سدني سميث القائد البحري، بالحرب البرية ... ذلك ~~الجواب الذي أثبته تاريخ إنكلترا الاستعماري في جميع حوادث القرن الماضي، هو أن ~~الإنكليز لا يبالون بمقدار ما يعرضون من الرجال للموت والفناء، ما دام أولئك الجنود من ~~جنس غير جنسهم، وطينة غير طينتهم، فلهم الغنم وعلى غيرهم الغرم، ووقائع السودان، وحملة ~~هيكس باشا، وحوادث الحرب الأخيرة في شمال فرنسا، أعظم برهان على هذا الرأي، والسياسة لا ~~قلب لها ولا ضمير، ms343 وهكذا فعلت فرنسا بأهل مراكش والجزائر في الحرب الأخيرة وهكذا تفعل ~~جميع الأمم والدول. ~~(5) استطلاع أخبار فرنسا # وفي صبيحة اليوم التالي للواقعة «26 يوليو»، وقبل أن يعود نابوليون إلى الإسكندرية ~~أوفد اثنين من ضباطه لمقابلة السر سدني سميث في بارجته المسماة «تايجر» «النمر» بحجة ~~المخابرة معه في تبادل الأسرى من الفريقين؛ إذ كان عند الأميرال الإنكليزي نحو ثلاثين ~~من الجند الفرنساوي الذين أسروا في حصار عكا، كما أنه كان عند الفرنساويين كثير من أسرى ~~الأتراك، ولم تكن رغبة تبادل الأسرى هي التي حملت نابوليون على إيفاد ذينك الضابطين ~~لمقابلة عدوه اللدود، بل كانت له من وراء ذلك غاية أخرى، وهي الوقوف من السر سدني سميث ~~على أخبار فرنسا وأحوالها، بعد أن انقطعت أخبارها عن نابوليون عدة شهور، وربما كانت له ~~غاية أخرى، وهي الوقوف على حركات خصمه وسكناته، لعله يتمكن من الإفلات من يده، خصوصا ~~وقد صمم نهائيا على مغادرة القطر المصري والعودة إلى فرنسا بعد أن تحقق لديه أن ~~الحملة الفرنساوية في مصر مقضي عليها بالفشل، لضعف الحكومة المركزية في باريس، ولانقطاع ~~المواصلة والمدد بين فرنسا ومصر بعد تحطم الأسطول الفرنساوي، وعجز البحرية الفرنساوية ~~عن مجاراة الإنكليزية، فلما وصل الضابطان المشار إليهما آنفا إلى البارجة الإنكليزية، ~~استقبلهما السر سدني سميث بالحفاوة والتكريم، وذكر «بوريين» في مذكراته أن نابوليون بعث ~~مع رسوليه بهدايا نفيسة للسر سدني سميث، فأهدى هذا مثلها للضابطين ولاطفهما كثيرا وقبل ~~منهما ما جاءا لأجله من تبادل الأسرى. # ولم يكن ليخفى على مثل السر سدني سميث أن وراء فكرة تبادل الأسرى وزيارة أولئك الضباط ~~غاية أخرى لنابوليون، ولكن لم يثبت لنا التاريخ في مذكرات أو معلومات ما كان ينويه ~~الأميرال الإنكليزي حين أعطى الضابطين الفرنساويين، فيما أعطاهم، بضع نسخ من الجرائد ~~الإنكليزية ومجموعة من أعداد جريدة «لاجازيت فرنسيز ده فرانكفورت» الصادرة في المدة ~~الواقعة بين أول إبريل وآخر يونيو من تلك السنة، وقد كانت أعداد هاتيك الصحيفة والصحف ~~الإنكليزية مشحونة بأخبار انخذال الجمهورية الفرنساوية وخسائرها في حروب ms344 ألمانيا ~~والنمسا وإيطاليا. # ويرى فريق من كتاب الإنكليز أن السر سدني سميث أراد، بإرسال تلك الصحف لنابوليون، ~~إيقافه على أحوال بلاده واختلال شئونها ليحمله على فكرة الانجلاء عن مصر والعودة إلى ~~فرنسا، وكانت نظرية عقد صلح، مع قائد الجيش الفرنسي في مصر، يقضي بجلاء ذلك الجيش عن ~~وادي النيل، جلاء مقرونا بالحقوق العسكرية، أو ما يسمونه «شرف الحرب»، فكرة قائمة برأس ~~السر سدني سميث، والدليل على ذلك أن قرر تنفيذها مع الجنرال كليبر ووضعت لذلك معاهدة ~~وافية بعد سفر نابوليون، دون أن تكون لدى السر سدني سلطة تخول له ذلك العمل من حكومة ~~بلاده، ويرى فريق من كتاب الفرنساويين أنه أراد أن يحرك في نفس نابوليون فكرة الفرار ~~من مصر حين يعلم باختلال الأحوال في فرنسا ونضوج الثمرة التي كان يتطلع إليها، وربما ~~كان يؤمل السر سدني سميث من وراء ذلك أن ينقض على نابوليون ويأسره في البحر، ويأخذ كل ~~ما معه من التحف والطرف غنيمة باردة!! # ويرى غير هؤلاء أن السر سدني سميث أراد مجرد النكاية بنابوليون حين أرسل له تلك ~~الصحف، كأن يقول له: «كيفما كانت انتصاراتك في البر فأنت في قبضة يدي، وبلادك مخذولة في ~~حروبها مضطربة في داخليتها» وربما أراد الأميرال الإنكليزي كل هاتيك الأغراض، ولكن ما ~~لا نزاع فيه، والذي عليه ثقاة المؤرخين، هو أن نابوليون لم يكن جاهلا بأحوال بلاده ~~واضطراباتها، فقد ثبت من التحقيقات التاريخية أن يوسف بونابرت، شقيق نابوليون، بعث له ~~برسائل وصلت إليه، على رواية بعضهم، وهو في حصار عكا، وعلى رواية آخرين، وصلت إليه في ~~القاهرة، شرح له فيها حالة فرنسا وحثه على الإسراع في العودة إليها، وقد روى «ميو» في ~~مذكراته حكاية غريبة، وهي أن أسرة نابوليون في فرنسا استأجرت رجلا يونانيا اسمه ~~«بورباكي» وكانت له سفينة راسية في ميناء «ليفورنو» بإيطاليا، واتفقت معه على مبلغ ~~أربعة وعشرين ألف فرنك تدفع له إذا هو استطاع إيصال الخطابات التي كتبها شقيقه إلى يده ~~في مصر، وذكر «ميو» أن بورباكي وصل ms345 إلى الإسكندرية وتواترت إشاعة في الجيش الفرنساوي، ~~بعد عودته من سوريا بقدوم رجل يوناني في بعثة سرية من فرنسا، وشك «ميو» في وصول خطاب من ~~حكومة الديركتوار لنابوليون يدعوه إلى العودة إلى فرنسا لتولى قيادة جيوشها، ولكن ~~المؤرخين المعجبين بنابوليون، ذكروا نص ذلك الخطاب وتاريخه من باريس في 21 مايو سنة ~~1799، فيكون وصوله إلى القاهرة في أواخر شهر يونيو معقولا. # وعلى كل حال فلا نزاع في أن نابوليون لم يكن في حاجة إلى صحف السر سدن سميث ليصمم على ~~العودة بنفسه إلى فرنسا، فإنه قبل أن يتولى قيادة الحملة على مصر كان متطلعا إلى ~~السيادة على فرنسا، ولا يخفى على ذكاء مثله الوقاد أن مصر لا تكون إلا في يد صاحب ~~السيادة البحرية، وأن اتصاله بفرنسا قد أصبح مقطوعا، وأن آماله في الشرق قد قضي عيها ~~القضاء المبرم في عكا، فعودته لبلاده في ذلك الوقت كانت ضربة لازب، وإنما اتخذ ما ورد ~~في تلك الصحف واسطة للتأثير على من أراد أن يعود بهم من القواد، وليبرر خطته أمام بقية ~~ضباط الجيش وقواده ورجال البعثة العلمية الذين جاء بهم، ثم تركهم وانسل إلى ~~وطنه. # قال بويين في مذكراته ما نصه: # لما وصلت الصحف التي أرسلها السر سدني سميث انكب نابوليون على تلاوتها طول ~~الليل. # ومن حديثه بعد ذلك مع بوريين قوله: # لقد وقع ما كنت أخشاه! لقد خسر أولئك البلهاء إيطاليا، وذهبت انتصاراتنا هباء ~~منثورا، فلا بد لي من مبارحة مصر حالا. # ثم أمر بأن يستدعى إليه الجنرال الكسندر برتييه، فلما حضر أمره بالجلوس وقال له: «إن ~~الأمور في فرنسا سائرة من رديء إلى أردأ، ولا بد لي من السفر، وأحب أن تكون معي.» ثم ~~اجتمع نابوليون بالأميرال «غانتوم» واستدعوا إليهم «بوريين» ناقل هذه الرواية، واتفق ~~الأربعة فيما بينهما على كتم السر، وأمر غانتوم بإعداد البارجتين لامويرون ولاكاريير # La carrier, La Muiron # وإعداد سفينتين آخريين ~~صغيرتين وهما لارافانش ولافورتون «الانتقام والحظ»، وأن تكون بحارة هاته السفن لا ~~يزيدون عن 400 إلى ms346 500، وأن يعد ما يلزم من المئونة والمياه ما يكفي لمدة شهرين، واختلى ~~نابوليون بغانتوم وتباحث معه في طريق الفرار والتحيل للخلاص من الوقوع في أيدي السفن ~~الإنكليزية. # وأصدر نابوليون أمره بالسفر إلى القاهرة، وذلك أولا لكي يوهم السر سدني سميث الذي ~~كان واقفا بالمرصاد في بارجته «النمر»، بأنه مصمم على البقاء في مصر، وثانيا ليدعو ~~معه من يشاء من خاصة رجاله، وليأخذ إلى فرنسا كل هاتيك الجواهر الثمينة، والمقتنيات ~~الفاخرة، والطرف النادرة، التي جمعها من دور المماليك ومن نسائهم ... ولا نقول هذا القول ~~الذي سبقت لنا الإشارة إليه جزافا، فقد ذكر المعلم نقولا الترك العبارة الآتية بحروفها ~~«ودبر بونابرته أمر السفر، وهيأ ثلاث مراكب وأرسل لهم ليلا عدة صناديق مملوءة بالجواهر ~~الثمينة، والأسلحة العظيمة، والأمتعة والقماش، والأمور التي كان اكتسبها.» ~~(6) آخر عهد القاهرة بنابوليون بونابرت # ففي الخامس من شهر أغسطس سنة 1799، الموافق يوم الاثنين 3 ربيع الأول سنة 1214 برح ~~نابوليون الإسكندرية قاصدا القاهرة، فبات يوم 6 في الرحمانية، وفي مساء يوم السبت 10 ~~أغسطس وصل إلى القاهرة، قال الشيخ الجبرتي في حوادث ذلك اليوم: «وفي ليلة الأحد تاسعه ~~حضر ساري عسكر الفرنساوية بونابرته ودخل إلى داره بالأزبكية، وحضر صحبته عدة أناس من ~~أسرى المسلمين وشاع الخبر بحضوره، فذهب كثير من الناس إلى الأزبكية ليتحققوا الخبر على ~~جليته، فشاهدوا الأسرى وهم وقوف في وسط البركة ليراهم الناس، ثم إنهم صرفوهم بعد حصة من ~~النهار فأرسلوا بعضهم إلى جامع الظاهر خارج الحسينية واصعدوا باقيهم إلى القلعة، وأما ~~مصطفى باشا ساري عسكر فإنهم لم يقدموا به لمصر بل أرسلوه إلى الجيزة مكرما.» ~~ا.ه. # وفي نفس ذلك اليوم الذي كان يتفرج سكان القاهرة على أسرى الأتراك الذين اختار الجبرتي ~~أن يسميهم «أسرى المسلمين» - مما يدل على أن المسلمين لا يميزون في الدين جنسية - كان ~~المشايخ العلماء والأعيان في القاهرة وسراتها يسمعون من فم نابوليون، على لسان تراجمته، ~~مر الكلام وقاذع اللفظ توبيخا لهم على ما أظهره المصريون من السرور والاستبشار بقدوم ~~العثمانيين، وقد ms347 نقل لنا الجبرتي كلمات قليلة من العبارات التي فاه بها نابوليون في ذلك ~~الموقف، إلا أن المعلم نقولا الترك جاءنا بخلاصة خطبة نمقها قلمه بعبارات مسجعة، كأنما ~~كتبها لنابوليون ليلقيها بذلك النص!! والمؤرخون الجبرتي ونقولا الترك، إنما جمعا شتات ~~كلمات سمعها كل واحد منهم على حدة من أفراد من الذين حضروا ذلك المحفل، ولا يبعد أن ~~يكون كل واحد منهما حاضرا؛ لأن الشيخ عبد الرحمن الجبرتي وإن لم يكن إذ ذاك عضوا من ~~أعضاء الديوان، إلا أنه كان من كبار العلماء، وشيخ رواق الجبرتية، فله حق الذهاب مع ~~العلماء والأعيان للسلام على نابوليون، كما أن المعلم نقولا الترك قد كان بالطبع من ~~الأدباء المعروفين، وقد مدح نابوليون بقصيدة، وله صلات بالمستشرقين والسوريين المترجمين ~~من أبناء جنسه، فمن الممكن أن تكون روايته لأقوال نابوليون أصدق وأوفى من عبارة ~~الجبرتي، خصوصا وأن في عبارات نابوليون شيئا من التعريض بمنزلة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فلا ~~يرضى الجبرتي أن يثبتها في كتابه. # لهذا نرى من الضروري أن نثبت العبارتين، ولا سيما أن المسيو «كرستيان شرفيس» صاحب ~~كتاب «بونابرت والإسلام» اهتم بعبارة المعلم نقولا ونقل صورة فوتوغرافية للصحيفة ~~الواردة فيها، من النسخة المطبوعة في باريس. # وإلى القارئ عبارة الشيخ عبد الرحمن الجبرتي: قال: «ولما استقر ساري عسكر بونابرته في ~~منزله ذهب للسلام عليه المشايخ والأعيان وسلموا عليه، فلما استقر بهم المجلس قال لهم ~~على لسان الترجمان: إن ساري عسكر يقول لكم: إنه لما سافر إلى الشام كانت حالتهم طيبة في ~~غيابه، وأما في هذه المدة فليس كذلك؛ لأنكم كنتم تظنون أن الفرنسيس لا يرجعون، بل ~~يموتون عن آخرهم فكنتم فرحانين مستبشرين، وكنتم تعارضون الأغا في أحكامه، وأن المهدي ~~والصاوي ما هم «بونو»؛ أي: ليسوا بصليبيين ونحو ذلك، وسبب كلامه الحكاية المتقدمة التي ~~حبسوا بسببها مشايخ الحارات فإن الأغا الخبيث # 6 # كان يريد أن يقتل كل يوم أناسا بأدنى سبب، فكان المهدي والصاوي يعارضانه ~~ويتكلمان معه في الديوان ويوبخانه ويخوفانه سوء العاقبة، وهو يرسل إلى ms348 ساري عسكر ~~فيطالعه بالأخبار ويشكو منها، فلما حضر عاتبهم في شأن ذلك فلاطفوه حتى انجلى خاطره، ~~وأخذ يحدثه على ما وقع له من القادمين إلى أبي قير والنصر عليهم وغير ذلك.» ا.ه. # وأما عبارة المعلم نقولا الترك فهي كما يأتي «وفي خامس شهر ربيع أول «هذا خطأ وصوابه ~~عاشر» حضر أمير الجيوش إلى مصر، ودخل بالعز والنصر، وبليت أعداؤه بالذل والقهر، وصحبته ~~مصطفى باشا وولده مأسورين مع جملة الأسارى «وهذا أيضا غير صحيح؛ لأن مصطفى باشا وابنه ~~أرسلا للجيزة قبل قدوم نابوليون بعدة أيام» وفي ثاني يوم من وصوله حضرت لعنده جميع ~~الحكام والعلماء والأعيان وأرباب الديوان، وهنئوه بقدومه وانتصاره، فنظر إليهم بعين ~~فراسته واختباره، وقد وجدهم في حزن شديد، وقد بلغه الهرج الذي حصل في غيابه، وعزمهم ~~عليه في انقلابه، والكتابات التي أتت إليهم من مصطفى باشا وعثمان خواجة حين حضروا إلى ~~أبي قير فقال لهم: «لقد أخذني منكم العجب أيها العلماء والسادات إذ إنني أراكم تغتمون ~~وتحزنون من انتصاري، حتى الآن ما عرفتم مقداري، وقد خاطبتكم مرارا عديدة وأخبرتكم ~~بأقوالي بأنني أنا مسلم موحد، وأعظم النبي محمد، وأود المسلمين، وأنتم إلى الآن غير ~~مصدقين، وقد ظننتم أن خطابي هذا خشية منكم مع أنكم شاهدتم بأعينكم، وسمعتم بأذنكم، قوة ~~بطشي واقتداري، وحققتم فتوحاتي وانتصاري، فقولي لكم إني أحب النبي محمد، ذلك لأنه بطل ~~مثلي، وظهوره مثل ظهوري، بل وأنا أعظم منه؛ إذ إنني غزوت أكثر منه، ولي باقي غزوات ~~غزيرة، وانتصارات كثيرة سوف تسمعونها بآذانكم وتشاهدونها بأعينكم، فلو كنتم عرفتموني، ~~لكنتم عبدتموني وسوف يأتيكم زمان به تذلون، وعلى ما فعلتم تندمون، وعلى أيامنا تتحسرون ~~وتبكون، فأنا قد بغضت النصارى ولاشيت ديانتهم وهدمت معابدهم، وقتلت كهنتهم، وكسرت ~~صلبانهم، ورفضت إيمانهم، فهل تريدون أن أرجع نصرانيا ثانيا، فإذا رجعت فلا تجدون في ~~رجوعي فائدة ، فدعوا عنكم هذه الأحوال، وامتثلوا لأمر الله المتعال، وكونوا فرحين ~~مطمئنين، ليحصل لكم النجاح والصلاح، وقد نبهتكم مرارا عديدة، ونصحتكم نصائح مفيدة، فإن ~~كنتم تعرفونها وتذكرونها فتربحوا ms349 وتنجحوا، وإن كنتم رفضتموها تخسرون وتندمون.» ا.ه كلام ~~نابوليون، وقال المعلم نقولا: «ثم انصرفت العلماء وهم منذهلون من هذا الخطاب، ومتعجبين ~~كل الإعجاب، ولم يقدر أحد أن يرد له جواب.» ا.ه. # ونحن نترك مناقشة ما كتبه مسيو شرفيس تعليقا وبحثا في هذه الأقوال المنسوبة إلى ~~نابوليون بونابرت، إلى الباب الذي سنخصصه في الكلام على مسألة بونابرت وإسلامه، وقد ~~وعدنا بذلك في مواقف سابقة، ولكن لا بد لنا من القول هاهنا بأن عبارة المعلم نقولا ~~مبالغ فيها، وأن نابوليون ما كان ليخطر له ببال في تلك اللحظة، أن له بقية من «غزوات ~~غزيرة وانتصارات كثيرة» ولعل المعلم نقولا كتب رسالته، أو أعاد تنقيحها، بعد أن ذاعت ~~شهرة نابوليون وغزواته في أوروبا فاختلق من دماغه ما اختلق. # وكان من نتائج فوز الفرنسيين في واقعة أبي قير، كما هو ظاهر من عبارات نابوليون التي ~~أذاعها في طول البلاد وعرضها، أن يقوى النفوذ الفرنسي، وأن يجنح الذين أظهروا الميل ~~والولاء للفرنسيين إلى التغالي والتعالي على المصريين، وعدم المبالاة بشعورهم، ولا سيما ~~بعد أن بدت من المصريين بوادر الشماتة والاستبشار بقدوم الأتراك، وما كان المصريون في ~~ذلك الزمن يظنون أو يتخيلون أن الجيش التركي يقهر ويذل على أيدي جماعة كالفرنسيس، ومن ~~العبارة الآتية التي ننقلها عن الجبرتي، دليل جلي على الحالة السياسية والشعور المصري ~~في تلك الفترة، والعبارة على بساطتها لها دلالة قوية على ما كان يحس به المصريون ~~بارزا، في صورة أبقتها لنا ريشة الجبرتي: قال بمناسبة الاحتفال بحفلة وفاء النيل عقب ~~عودة نابوليون للقاهرة: # خرج النصارى البلدية من القبطة والوشام والأروام وتأهبوا للخلاعة والقصف ~~والتبرج واللهو والطرب، وذهبوا تلك الليلة إلى بولاق ومصر العتيقة والروضة ~~واكتروا المراكب ونزلوا فيها وصحبتهم الآلات والمغاني، وخرجوا في تلك الليلة عن ~~طورهم، ورفضوا الحشمة، وسلكوا مسلك الأمراء سابقا من النزول في المراكب ~~الكثيرة المقاديف وصحبتهم نساؤهم وقحابهم وشرابهم، وتجاهروا بكل قبيح من الضحك ~~والسخرية وغير ذلك، وأجرى الفرنساوية المراكب المزينة وعليها البوارق وفيها ~~أنواع الطبول والمزامير في ms350 البحر، ووقع في تلك الليلة في البحر وسواحله من ~~الفواحش والتجاهر بالمعاصي والفسوق ما لا يكيف ولا يوصف ... إلى آخره ... # ونترك للقارئ ما يستنتجه من مغزى هذه العبارة، وننتقل إلى بقية أعمال نابوليون في مصر ~~قبل مبارحته أرضها. ~~(7) محاولات سياسية مع تركيا # كانت المدة التي قضاها نابوليون بونابرت في القاهرة بعد معركة أبي قير عبارة عن أسبوع ~~واحد «من يوم الأحد 11 أغسطس إلى الأحد 18 منه» وصادف يوم 11 ربيع الأول الموافق 13 ~~أغسطس المولد النبوي، فاحتفل السيد خليل البكري بالمولد كعادته احتفالا كبيرا أقام له ~~مهرجانا فخما في الأزبكية، ودعا إليه نابوليون بونابرت إلى منزله فلبى الدعوة، وإلى ~~القارئ رواية الجبرتي في هذا الصدد، قال: «دعا الشيخ خليل البكري ساري عسكر الكبير مع ~~جماعة من أعيانهم وتعشوا عنده، وضربوا ببركة الأزبكية مدافع وعملوا حراقة وصواريخ، ~~ونادوا في ذلك اليوم بالزينة وفتح الأسواق والدكاكين ليلا وإسراج قناديل واصطناع ~~مهرجان.» ا.ه. وهكذا شارك نابوليون في احتفال المولد النبوي للمرة الثانية والأخيرة في ~~حياته، وهو مشغول البال بالاستعداد للسفر، أو بعبارة أصح للهرب من القطر المصري. # وفي هذه المدة حاول نابوليون الصلح مع الدولة العثمانية، خصوصا وقد علم أن الصدر ~~الأعظم يوسف باشا ضيا قد برح الآستانة وحضر بنفسه إلى الأناضول وسوريا ليجمع جيشا ~~يهاجم به مصر من طريق الشرق، وأراد نابوليون أن يتخذ من وجود الشيخ مصطفى كوسة باشا في ~~القاهرة أسيرا، واسطة في المخابرة مع الصدر الأعظم فكتب خطابا طويلا، لا تزال صورته ~~باللغة الفرنساوية محفوظة في أوراق وزارة الحربية، وفي مكاتبات نابوليون بنمرة 436، ~~وتاريخه 17 أغسطس؛ أي: قبل سفره من القاهرة لإسكندرية ومنها لفرنسا بيوم واحد، ولما كان ~~هذا الخطاب على جانب عظيم من الأهمية السياسية، رأينا أن نأتي على تعريبه من الأصل ~~الفرنساوي، قال بعد الديباجة مخاطبا الصدر الأعظم: # أريد بواسطة هذا الخطاب أن أوقفكم على مركز مصر الحقيقي لعلي بذلك أساعد على ~~فتح باب المخابرات بين الباب العالي والجمهورية الفرنساوية فيما عساه يؤدي إلى ~~وضع حد ms351 للحرب القائمة بين الأمتين، تلك الحرب التي لا تعود إلا بالخسارة على ~~الجانبين، وأني لا أدري أي طالع نحس قضى بشبوب نار الحرب بين أمتين عاشتا طول ~~الزمان على صفاء ووفاق لبعد ما بينهما من الشقة، ولعداوة فرنسا للروسيا، وعداوة ~~هذه الأبدية لتركيا، وكيف لا ترى دولتكم أن كل جندي تخسره فرنسا، هو خسارة ~~للأمة العثمانية؟ وكيف خفي على فطنتكم السياسية، وخبرتكم بشئون ممالك العالم أن ~~الروسيا وألمانيا طالما اتفقتا على تجزئة المملكة العثمانية، ولم يمنعها عن ذلك ~~إلا معارضة فرنسا؟ # إن مثل دولتكم لا يخفى عليه أن العدوة الحقيقية للإسلام هي الروسيا! أوليس ~~القيصر بولس الأول رئيس فرسان مالطة يعلن أنه يحمل شعار الصليبيين ضد الإسلام؟ ~~أوليس هو حامي ذمار الأرثوذكسية الرومية وأتباعها أكثر أعداء المسلمين عددا ~~وأشدهم حقدا؟ # وأما فرنسا فإنها بالعكس من ذلك قضت على فرسان مالطة وأفرجت عن الأسرى ~~الأتراك الذين اعتقلهم المالطيون، وفرنسا هي التي تعتقد الآن كما يعتقد ~~المسلمون أن الله واحد فرد صمد. # ومعنى هذا كله أن الباب العالي قد أعلن الحرب على أصدقائه الأوفياء، وحالف ~~عليهم أعداءه الألداء، ومن الغريب أن الباب العالي يبقى صديقا لفرنسا وهي ~~مسيحية حتى إذا خلعت رداء المسيحية، وقاربت في معتقداتها دين الإسلام، قلب لها ~~الباب العالي ظهر المجن وبادأها بالشر والعدوان! فلا نزاع إذن في أن روسيا ~~وإنكلترا قد خدعتا الباب العالي، ومنعنا وصول رسلنا الذين بعثنا بهم للآستانة ~~ليشرحوا لحكومتها فكرة وخطة الحملة الفرنساوية على مصر، تلك الخطة، التي صرحت ~~مرارا وتكرارا من أنها لا ترمي إلا للقضاء على المماليك والإضرار بمصالح ~~إنكلترا، دون التعرض إلى حقوق صديق فرنسا جلالة السلطان سليم، وأن المعاملة ~~التي عاملت بها جميع رجال الدولة العثمانية الذين وجدتهم في مصر، وكذلك ~~معاملتنا للسفن التي تحمل الراية العثمانية لأصدق برهان على حسن نيات الجمهورية ~~الفرنسية، ولكن مع كل هذا أعلن الباب العالي الحرب على فرنسا في أول يناير، ومع ~~علمي بذلك فإنني لم أيأس من إمكان إعادة المياه إلى مجاريها، فبعثت ms352 بالستوين ~~«بوشان» قنصل الجمهورية الفرنساوية رسولا للباب العالي فقوبل بالقبض عليه ~~وسجنه، وقوبلت مساعي بحشد الجيوش في غزة وأمرها بالزحف على مصر، فاضطررت أن ~~أحاربها في سوريا، بدلا من أن تحاربني في وادي النيل. # ولا يخطرن على بالكم أنني أكتب هذا خوفا وتزلفا! كلا فإن جيشي قوي مدرب ~~جامع لكل الصفات التي تؤهل لقهر أعدائه، وقد أقمت القلاع والحصون على الحدود ~~وعلى شواطئ البحار فأصبحت في أمن، وأضحت جيوشي لا تغلب، ولكني مع كل هذا رأيت ~~من واجبي نحو الإنسانية، ونحو السياسة الرشيدة الصحيحة، ونحو أقوم وأصدق حليف ~~لفرنسا، أن أسعى هذا المسعى. # وإني واثق من أنه لا يمكن للباب العالي أن يدرك بالحرب وإراقة الدماء، ما ~~يناله بالمسالمة والصفاء، وإني لعلى قدم الاستعداد لسحق أي جيش يقصد به الإغارة ~~على مصر، ولكني مستعد من جهة أخرى أن أقابل كل مسعى للتوفيق بأحسن ما تريده ~~الدولة العثمانية من التساهل، فعليكم بعد هذا أن توقفوا تيار هذه الاستعدادات ~~التي تبذلون فيها نهاية جهدكم عبثا، ولتعلموا أن أعداء تركيا ليسوا في مصر، بل ~~هم على مقربة من البوسفور، وهم الآن في جزيرة كوفو تمخر سفنهم في مياه الأرخبيل ~~بسبب سوء تصرفات رجال الدولة «يشير إلى وجود السفن الروسية في البحر الأبيض ~~وخروجها من البوسفور». # على تركيا أن تقوي جيوشها وتكثر من بناء السفن وتسليحها، ولتدعو المسلمين ~~تحت ظل البيرق النبوي، لا لمحاربة فرنسا، بل لمحاربة الروس والألمان الذين ~~يريدون جميعا إضعاف تركيا ونيل أغراضهم، وإن قلتم: إن تركيا تريد مصر، نقول ~~لكم: إن فرنسا لم ترد ولا تريد أن تسلبكم إياها. # فإما أن تبعثوا بسفراء مفوضين لباريس، وإما أن تبعثوا برسول منكم إلى ~~القاهرة، وإني أؤكد لكم أنه لا تنقضي ساعتان من الزمان في المناقشة والإيضاح، ~~حتى يتم الاتفاق على الصلح والسلام، ونحن مستعدون أن نقفل البحر في وجه الروسيا ~~ونقاوم تلك الدولة التي تتخذنا جميعا ألعوبة لأغراضها ومطامعها، فليس من مصلحة ~~فرنسا أن توجه مهارة جيوشها وبسالة جنودها ضد المسلمين، بل ms353 بالعكس تقضي مصلحتها ~~بالاتفاق على الدوام ضد أعدائها وأعداء الإسلام، وأظن أنني وفيت المقام حقه من ~~الشرح والبيان، فإن أردتم المخابرة، ففي إمكانكم استدعاء الستوين بوشان الذي ~~بلغني أنه محجوز عندكم، وفي إمكانكم اتخاذ أية وسيلة أخرى، وأني أؤكد لكم أن ~~أسعد أيام حياتي هو اليوم الذي أستطيع فيه إيقاف تيار العداوة بين تركيا ~~وفرنسا، والقضاء على هذه السياسة العقيمة ... إلخ. # الإمضاء «بونابرت» # 7 # وبعث نابوليون هذا الخطاب مع أحد الضباط العثمانيين المأسورين، باتفاق وتعليمات من ~~المشير مصطفى باشا، ولا علم لمولانا الشيخ الجبرتي بهذه المساعي؛ لأنه لم يشر إليها ~~بحرف واحد، ولكنها اتصلت بالمعلم نقولا الترك فأشار إليها بقوله: «وابتدأ «بونابرت» ~~يكاتب الدولة على يد مصطفى باشا، ويذكرهم صداقة الفرنساويين ويحذرهم من باقي الدول، ~~وأن الأوفق لهم إقامة الفرنساوية في مصر، وأنهم أنسب من الغز وتبقى الخطبة والسكة باسم ~~الدولة العثمانية، ويمشي الحج كعادته القديمة ويدفعون الأموال المعتادة للخزينة، وأرسل ~~مصطفى باشا هذا الخطاب مع أحد أتباعه.» # ومثل هذه البيانات لا بد أن يكون قد سمعها المعلم نقولا من المحيطين بالمشير العثماني ~~من السوريين التراجمة، ومثل هذا لا يتيسر طبعا للشيخ الجبرتي. # ولا شك في أن هذه المساعي النابوليونية، لم تلق من الأتراك آذانا صاغية؛ لأن نفوذ ~~إنكلترا كان بالغا حده في الآستانة بواسطة الصدر الأعظم يوسف ضيا باشا، الذي كانت ~~صلاته مع السر سدني سميث على غاية الإحكام والوفاق، وكان مع ضيا باشا عدد كبير من ~~الضباط الإنكليز، كما يظهر ذلك جليا من أخبار متقطعة، وجمل متفرقة، يراها القارئ في ~~تاريخ هذه الفترة من كتاب الأمير حيدر الشهابي، وكان السر سدني سميث تعرف بالأمير بشير ~~الشهابي في بيروت وسعى للتوفيق والصلح بينه وبين أحمد بشا الجزار، فلم يحفل به ذلك ~~الطاغية، فأراد الأميرال الإنكليزي الاستعانة بنفوذ الصدر الأعظم فلم يحفل به الجزار ~~أيضا. # وليس هذا مجال البحث في تلك الآراء النابوليونية فيما يختص بعلاقات تركيا مع فرنسا ~~السياسية، ولا سيما فيما له علاقة بمصر وبقاء السيادة العثمانية مع ms354 الاحتلال الفرنسي ~~فإن أحوال الزمان قد تغيرت، ومراكز الدول قد تبدلت، إلا أن ذلك لا يمنع أن نقول إن ما ~~قرره نابوليون من عداوة الروسيا لتركيا - تلك العداوة الدائمة الأبدية التي قضت بها ~~صوالح الدولتين وتجاورهما، وتعارض أغراضهما - لا يختلف فيه اثنان، ولكن مع هذا وقفت ~~بينهما السياسة الإنجليزية في ذلك الزمن كما وفقت بين فرنسا وتركيا ونفسها ضد الروسيا ~~في حرب القريم، وكما وفقت بين فرنسا وروسيا ونفسها أيضا ضد ألمانيا وتركيا في الحرب ~~الأخيرة الكبرى! فهل معنى هذا أن السياسة الإنكليزية أرقى وأدق وأمهر من جميع سياسات ~~الدول الأخرى؟ وهل أوتي الإنكليز من الحكمة والدهاء وبعد النظر ما لم يؤته غيرهم؟ ~~الحقيقة في رأينا القاصر أن الفضل في نجاح السياسة الإنكليزية في جميع الأدوار، راجع ~~إلى تماسك أجزاء الأمة البريطانية، وتوحيد أفكار القائمين فيها بإدارة الأمور وتدبير ~~مهام الملك، وإلى الكثير من الحظ الذي لا يزال طالعه ملازما لهذه الدولة ~~البريطانية. ~~(8) الاستعداد للسفر # في اليوم الذي كتب فيه نابوليون بونابرت ذلك الخطاب إلى صاحب الدولة الصدر الأعظم ~~يوسف ضيا باشا كتب خطابا بعث به إلى أعضاء الديوان من المشايخ والأعيان، لم يذكر نصه ~~الجبرتي، ولا المعلم نقولا سوى ما قاله الأول: «وفي ثالث عشر أشيع أن كبير الفرنسيس ~~سافر إلى جهة بحري، ولم يعلم أحد أي جهة يريد، وسأل أحدهم بعض أكابرهم فأخبر أن ساري ~~عسكر المنوفية «الجنرال لأنوس» دعاه إلى ضيافته بمنوف، وراج ذلك على الناس وظنوا ~~صحته.» # وإلى القارئ نص خطاب نابوليون معربا عن المصادر الفرنسية: # إلى أعضاء الديوان الموقرين # غدا أسافر إلى منوف حيث أنوي التنقل في جهات الوجه البحري لأقف بنفسي على ~~المظالم التي يمكن أن يكون قد ارتكبها الحكام، وأتفقد الأحوال وأتعرف بأهالي ~~البلاد، ولذلك أطلب منكم أن توطدوا دعائم الثقة عند الخاصة والعامة، وأكدوا ~~للأمة المصرية، أنني أحب المسلمين، وأسعى في خيرهم وسعادتهم، وأفهموا الناس أن ~~لدي من الوسائل ما أنفع به الأصدقاء، وأنكل بواسطته بالأعداء، وأحب أن تبعثوا ~~لي دائما بأخباركم، ms355 وتوقفوني على حقائق الأمور ومقتضيات الأحوال. ا.ه. # الإمضاء «بونابرت» # وظاهر أن نابوليون إنما قصد بهذا الخطاب التعمية والإبهام لكيلا يذيع سر سفره من ~~القطر المصري. # وروى بعض المؤرخين أنه قد كان في نية نابوليون قضاء أسبوع آخر في القاهرة لكثرة ما ~~لديه من المهام التي تقضي وضع خطط ونظامات، ولأنه كان يود أن يأخذ معه صديقه الجنرال ~~«ديزيه» فاتح الصعيد ليكون من أكبر أنصاره وأعوانه فيما يطمع إليه من الأغراض في فرنسا، ~~ولكن «ديزيه» كان في أقاصي الصعيد وتلزم لحضوره مدة طويلة، وما منع نابوليون من انتظاره ~~إلا ما ورد إليه من الأخبار التي بعث بها الأميرال غانتوم من الإسكندرية يخبره فيها ~~بابتعاد السفن الإنكليزية عن المياه المصرية، أنه إن لم تسافر السفينتان اللتان ستقلان ~~نابوليون وحاشيته 24 أغسطس، فلا يبعد أن تعود البواخر الإنكليزية، ويكون السفر إلى ~~فرنسا مهددا بالخطر إن لم يكن مستحيلا. # ففي 18 أغسطس برح نابوليون القاهرة قاصدا منوف، وكان القواد الذين صمم على أخذهم معه ~~الجنرالات مورات، وبرتران، وأندريوسي، ومارمون، ولان، ومن رجال البعثة العلمية مونج ~~وبرتلو ودنوني وبرسفال، وروى بوريين سكرتير نابوليون في مذكراته قال: «وبقي سر السفر ~~إلى فرنسا مكتوما، إلا أن الجنرال «لانوس»، قومندان مديرية المنوفية، لما نزل عنده في ~~يوم 19 لم تخف عليه وجهتنا، فقال لي: «إنكم مسافرون إلى فرنسا» ولم يزده جوابي بالنفي ~~إلا زيادة في الشك.» # وفي يوم 22 وصل نابوليون ومن معه إلى الإسكندرية، وقد قال برتران في مذكرات سانت ~~هيلانة عند اختياره للجنرال كليبر في قيادة الجيش الفرنساوي في مصر ما نصه: «كان ~~الجنرال ديزيه أكفأ ضابط لتولي رياسة جيش الشرق، ولكن وجوده في فرنسا كان أنفع، ويليه ~~في الدرجة كليبر، ثم الجنرال رينيه، ولقد فكر نابوليون في استصحاب أولئك الثلاثة معه ~~إلى فرنسا، وفي أن يترك القيادة في مصر للجنرال لاونس، ولكن لما فكر في أخطار السفر في ~~البحر، فضل أن يترك رياسة الجيش في مصر في يد ضابط ذي كفاية ووقع اختياره على الجنرال ms356 ~~كليبر.» # وهذه العبارة كتبت بعد ستة عشر عاما من هذا التاريخ، وأراد بها نابوليون تبرئة نفسه ~~مما وجه إليه من التهم، مع أنه لم يكن يحب الجنرال كليبر، ولم يرد أن يقابله قبل سفره ~~من مصر خشية من جرأة كليبر ولسانه المر، وتحاشيا من أن يقول له: «إما أن نسافر معا ~~وإما أن نبقى معا»، وإلا لو أراد أن يجتمع بالجنرال كليبر قبل سفره، لضرب له موعدا ~~مناسبا، بل وما كان ليكلفه مشقة العودة إلى دمياط بعد أن حضر إلى أبي قير بعد نهاية ~~الواقعة، والدليل على هذا الرأي أنه اختار لمقابلته وإعطائه الرسائل والتعليمات التي ~~كتبها لخلفه، الجنرال منو المعروف بوداعته وخضوعه وولائه لنابوليون. # 8 # وكان نابوليون لما وصل إلى الإسكندرية أقام خيمته في الجهة المعروفة الآن في الرمل ~~بمحطة «كامب سيزار» «معسكر القيصر» فلما اجتمع به منو أعطاه كتاب التعليمات التي وضعها ~~لكليبر، وترك معه أيضا عدة رسائل منها واحدة إلى ديزيه بدعوة إلى السفر لفرنسا بأقرب ~~فرصة، ورسالة أخرى لصديقه الحميم «جونو» يعتذر فيه لعدم تمكنه من أخذه معه، وفي هذه ~~الفترة، وفي تلك البقعة الأثرية، صرح نابوليون للجنال منو، لأول مرة، بما تتوق إليه ~~نفسه من التطلع إلى ملك فرنسا؛ إذ قال له كما ورد في مذكرات سانت هيلانة: # سأصل إلى باريس وأطرد أولئك المحامين «أعضاء حكومة الديركتوار» الذين يهزءون ~~بنا، والذين لا يصلحون لإدارة أحكام الجمهورية، وعند ذلك أضع نفسي في رياسة ~~الحكومة وأجمع حولي الأحزاب المتنافرة، وأعيد الجمهورية الإيطالية، وأثبت قدم ~~فرنسا في هذه المستعمرة الفاخرة (مصر). # رسالة بونابرت لكليبر خليفته # ترك نابوليون كليبر خلفا له في القيادة العامة على الجيش الفرنساوي في مصر، وبعبارة ~~أخرى حاكما عاما مطلق التصرف في شئون القطر المصري، وكتب له خطابا مطولا له قيمة ~~تاريخية عظمى؛ لأن نابوليون رسم في ذلك الخطاب أو في تلك المذكرة السياسية، الخطة التي ~~يسلكها الجنرال كليبر في الأمور الداخلية والخارجية. # وهذا الكتاب محفوظ بالنص الأصلي في وزارة الحربية الفرنسية «وثيقة نمرة 4374»، ~~ولأهمية ms357 هذا الخطاب، وعدم وجود أثر له في اللغة العربية، رأينا أن نأتي هنا على تعريبه ~~بدقة وإتقان، قال: # تجد أيها القائد المواطن طي كتابي هذا أمرا تستلم بموجبه قيادة الجيش ~~العليا، فإني قد عزمت على تقديم موعد سفري يومين أو ثلاثة أيام خوف عودة السفن ~~الإنجليزية، وقد اصطحبت معي القوادبرتيه وأندريوسي ومورات ولان ومارمون ~~والمواطنين مونج وبرتواليه، وتجد مع كتابي هذا بعض الأوراق التي ترى منها أننا ~~قد خسرنا إيطاليا، وأن مدن ماتو وتورين وتوتون محصورة، # 9 # على أنه يوجد مجال للأمل بأن المدينة الأولى تتحمل الحصار إلى ~~نهاية شهر نوفمبر المقبل، وأنا أرجو أن أصل إلى أوروبا - إذا ابتسم لي الحظ - ~~قبل ابتداء شهر أكتوبر. # وتجد أيضا لغة اصطلاحية للمخاطبة مع الحكومة ولغة أخرى للمخاطبة معي ~~أنا. # أرجو لا أن تسفر في شهر أكتوبر «جونو» ومعه خدمي وجميع حوائجي التي تركتها في ~~القاهرة، ولا مانع أن تبقى لديك من تريده منهم. # ترغب الحكومة في سفر الجنرال ديزيه إلى أوروبا في شهر نوفمبر ما لم تطرأ ~~حوادث مهمة، وستعود لجنة الفنون إلى فرنسا في شهر نوفمبر؛ أي: حالما تنتهي ~~مهمتها وأعضاؤها يهتمون الآن في إنجاز الأعمال الباقية التي تقوم بها في زيارة ~~صعيد مصر، على أنه يجوز لك أن تستبقي منها من تتوسم فيه المنفعة لك. # سافر الأفندي الذي أسرناه في أبي قير إلى دمياط، وقد كتبت لك لترسله إلى قبرص ~~فهو يحمل إلى الصدر الأعظم كتابا تجد طيه نسخة منه. # إن وصول أسطولنا إلى برست وطولون، ووصول الأسطول الإسباني إلى قرطجنة مما لا ~~يدع مجالا للشك في إمكان إرسالنا إلى مصر البنادق والسيوف والمسدسات وباقي ~~المهمات التي تحتاجها، والتي سأرسلها لك مع قسم من الجيش الاحتياطي لتعويض ~~الخسائر التي أصابتنا في الموقعتين، وستعلمك الحكومة حينئذ عن نياتها، وأنا ~~شخصيا بصفتي العمومية وبصفتي الخصوصية سأعد الإجراءات اللازمة لإرسال لك ما ~~يهمك من الأخبار من آن إلى آخر. # وإذا لم تنجح الوسائل التي سنستعملها للاتصال بك لطروء حوادث ليست في ~~الحسبان، ms358 ولم يصلك من الآن إلى شهر مايو أية نجدة وأي خبر من فرنسا، وإذا تفشى ~~الطاعون في مصر على الرغم من كل الاحتياطات التي اتخذت هذه السنة، وقضى على ~~1500 جنديا من جيوشك مما يعد خسارة كبرى، فعليك والحالة هذه أن لا تركب متن ~~الخطر في إثارة المعركة المقبلة، بل إنك مفوض في عقد الصلح مع الباب العالي ~~العثماني، حتى ولو كان الجلاء عن مصر من شروط الصلح الأساسية، إنما يجب أن ~~ترجئ تنفيذ هذا الشرط إلى حين عقد الصلح العام. # وإنك تقدر أكثر من أي شخص آخر، أيها الجنرال المواطن، أهمية امتلاك مصر ~~وبقائها في يد فرنسا، إن السلطة التركية المتداعية الأركان تتهدم شيئا فشيئا ~~وسيكون إجلاء فرنسا عن مصر من المصائب التي تعظم نتائجها؛ إذ قد نرى في أيامنا ~~هذه البلاد تنتقل إلى يد أوروبية أخرى. # وعندما تضع خططك يجب أن تراعي الأنباء التي ترد إليك عن انتصار أو انكسار ~~الجمهورية في أوروبا. # إذا أجابك الباب العالي قبل أن تصلك أنبائي من فرنسا، وقبل فتح باب مفاوضات ~~الصلح التي اقترحتها عليه، فيجب أن تصرح أنك حائز على كافة السلطات التي أحوزها ~~أنا، وباشر المفاوضة، وأبد بما سبق وصرحت أنا به من أن فرنسا لا تنوي اقتطاع ~~مصر من أملاك الباب العالي، وأطلب انفصال الباب العالي عن التحالف، ومنحه إيانا ~~حق التجارة في البحر الأسود، واطلب هدنة ستة أشهر نتبادل في أثنائها المصادقة ~~على المعاهدة. # وإذا فرض أن الظروف حملته على أن تعقد أنت بنفسك المعاهدة مع الباب العالي، ~~فيجب إشعاره بأنه لا يمكنك تنفيذها قبل التصديق عليها، وحسب المتبع بين كافة ~~الدول تكون المهلة بين إمضاء المعاهدة والمصادقة عليها هدنة لا يحدث فيها أي ~~عمل عدائي. # وإنك تعرف، أيها القائد المواطن، ما هي نظريتي في سياسة مصر الداخلية، فإنك ~~مهما تفعل فستجد المسيحيين دائما أصدقاءنا، إنما يجب منعهم على كل حال من ~~الاستخفاف بمواطنيهم حتى لا يتعصب الأتراك ضدنا، كما هم متعصبون ضد النصارى ~~فتصبح العلة لا شفاء ms359 لها، ويجب أن تحذر روح التعصب، وتنومها إلى أن تتمكن من ~~استئصالها، إذا حزت ثقة كبار مشايخ القاهرة فإنك تجمع حولك أفكار مصر بأجمعها، ~~وأفكار كل زعيم من زعماء الشعب، لا شيء أقل خطرا علينا من المشايخ الذين ~~يرهبون القتال ولا يعرفون طرقه، ولكنهم مثل القسيسين يوحون بالتعصب دون أن ~~يكونوا هم أنفسهم متعصبين. # من جهة التحصينات فإن الإسكندرية والعريش هما مفتاحا مصر، كان لدي مشروع ~~لإقامة متاريس من النخل في الشتاء المقبل، منها متراسان من الصالحية إلى ~~القطية، ومتراسا من القطية إلى العريش، وأحد المتراسين الآخرين يقام حيث وجد ~~الجنرال مينو مياها صالحة للشرب. # يطلعك الجنرال سانسون قائد فرقة الهندسة والجنرال سونجي قائد مدفعية الجيش ~~على كل ما يتعلق بأمور جيشهما. # المواطن بوسيلج قد عهد إليه بالشئون المالية فقط، وعهدي به رجل جد وعمل، وقد ~~صار لديه الآن بعض المعلومات عن الإدارة المصرية المرتبكة، كنت أفكر في إنشاء ~~طريقة جديدة لجمع الأموال الأميرية فيما إذا لم يحدث أمر جديد مما يغنينا عن ~~استخدام الأقباط تقريبا، وإني أوصيك بالتفكر مليا في هذا الأمر قبل الإقدام ~~عليه، فالأفضل أن تبتدئ بمثل هذا العمل متأخرا قليلا، من أن تبتدئ به قبل ~~أوانه. # ستظهر السفن الحربية الفرنسية بلا ريب في هذا الشتاء أمام الإسكندرية أو ~~البرلس أو دمياط، يجب أن تتبنى برجا في البرلس، اجتهد في جمع 500 أو 600 شخصا ~~من المماليك حتى متى لاحت السفن الفرنسية تقبض عليهم في القاهرة أو الأرياف ~~وتسفرهم إلى فرنسا، وإذا لم تجد عددا كافيا من المماليك فاستعض عنهم برهائن ~~من العرب، ومشايخ البلدان، فإذا ما وصل هؤلاء إلى فرنسا يحجزون مدة سنة أو ~~سنتين يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة، ويعتادون على تقاليدنا ولغتنا، ولما ~~يعودون إلى مصر يكون لنا منهم حزب يضم إليه غيرهم. # كنت قد طلبت مرارا جوقة تمثيلية وسأهتم اهتماما خاصا بإرسالها لك؛ لأنها ~~ضرورية للجيش وللبدء في تغيير تقاليد البلاد. # إن المركز السامي الذي ستشغله بصفتك رئيسا أعلى، سيفسح المجال أمام المواهب ms360 ~~التي خصتك بها الطبيعة، واعلم أن ما يجري هنا لذو أهمية كبرى، وستكون نتائجه ~~عظيمة على التجارة فنحن في عهد ثورات كبيرة. # لقد اعتدت على أن أرى مكافأة أعمال الحياة ومتاعبها في أفكار حكم الأجيال ~~الخالفة فإني أبرح مصر مع أسقف كبير؛ لأن مصلحة الوطن ومجده، الطاعة الواجبة ~~علي نحوه، والحوادث الاستثنائية التي وقعت أخيرا، هي وحدها التي تحملني على ~~المرور بين أساطيل الأعداء في ذهابي إلى أوروبا، ولكني سأبقى بقلبي وأفكاري ~~بينكم، وسأفخر بنجاحكم مقدار فخري بنجاح ما أباشره بيدي، وأني أعتبر الأيام ~~التي تمضي دون أن أعمل فيها عملا نافعا للجيش الذي أترك لكم قيادته، تعد من ~~الأيام التي أسأت التصرف فيها، وقد عهدت إليكم إشادة البناء العظيم الذي وضعنا ~~أحجاره الأساسية. # إن الجيش الذي أتركه في عهدتكم مؤلف جميعه من أبنائي فقد شاهدت علامات ~~الإخلاص والتعلق بي على وجوههم حتى في أشد أيام محنتهم، فدعهم يسيرون في هذا ~~السبيل، وسنقوم بهذه المهمة نحوهم نظرا للاعتبار الخاص الذي أكنه لك ونظرا ~~لتعلقي الحقيقي بهم وسلام عليك. # بونابرت # وقع الخبر في مصر # دهش الناس في مصر من فرنسيين ومصريين حين وصل إلى القاهرة نبأ ارتحال بونابرت من مصر، ~~فروى الجبرتي فقال: # وفي ثامن عشرينه «أي 28 ربيع الأول» ورد من بونابرته ساري عسكر الفرنساوية ~~كتاب من الإسكندرية خطابا لأهل مصر وسكانها، فأحضر قائمقام دوجا الرؤساء ~~المصرية وقرأ عليهم الكتاب، ومضمونه أنه سافر يوم الجمعة حادي عشرين الشهر ~~المذكور إلى بلاد الفرنساوية لأجل راحة أهل مصر وتسليك البحر، فيغيب نحو ثلاثة ~~أشهر، ويقدم مع عساكره ليصفو له ملك مصر ويقطع دابر المفسدين، وأن المولى على ~~أهل مصر وعلى رياسة الفرنساوية جميعا هو كليبر، ساري عسكر دمياط. # ونحن لا نعلم ما إذا كان الجنرال دوجا قد اكتفى بقراءة خطاب نابوليون لأعضاء الديوان ~~من المشايخ، أو أنه أمر بترجمته وطبعه ونشره؛ إذ لو فعل ذلك لجاز لنا أن نعتقد أن ~~الجبرتي كان يحرص على نصه، كما أن المعلم نقولا لم يشر إليه ms361 مطلقا، وإن يكن قد حفظ لنا ~~صورة الخطاب الذي وزع بإمضاء المشايخ، وهو ما لم يأت به الجبرتي على نصه، ولهذا فإننا ~~نأتي على تعريب نص آخر خطاب بعث به نابوليون إلى أعضاء الديوان نقلا عن كتاب الكابتن ~~لاجونكيير. # 10 # من القائد العام بونابرت إلى ديوان القاهرة المنتخب من خيرة الرجال ~~وأوسعهم معرفة وأكثرهم حكمة: # القيادة العامة بالإسكندرية في 22 أغسطس سنة 1799 # لما كنت عالما أن أسطولي على قدم الاستعداد، وأن جيشا كبيرا سيسافر، وكنت ~~أعتقد كما قلت لكم مرارا بأنني إذا لم أضرب أعدائي ضربة شديدة أسحقهم بها فلا ~~أستطيع أن أتمتع هادئا بامتلاك مصر التي هي أجمل بلاد الدنيا، فقد عولت على أن ~~أكون على رأس أسطولي تاركا القيادة العامة أثناء غيابي للجنرال كليبر، وهو رجل ~~ذو مزايا خاصة، وقد أوصيته أن يحفظ للمشايخ العلماء ما كنت أحفظه لهم من المحبة ~~والود. # فابذلوا جهدكم ليثق به الشعب المصري ثقته بي، ومتى عدت بعد شهرين أو ثلاثة ~~أكون مسرورا؛ لأني أحمل لهذا الشعب المدح والثناء، وللعلماء حسن ~~الجزاء. # بونابرت # وكتب نابوليون الخطابين الآتيين للجنرال «دوجا» ولبوسيلج الروزنامجي: # من القائد العام بونابرت إلى الجنرال دوجا # القيادة العامة بالإسكندرية في 22 أغسطس سنة 1799 # حينما تقرأ هذا الكتاب أكون أيها المواطن الجنرال في وسط البحر؛ لأن أحوال ~~فرنسا توجب علي السفر إليها، وفضلا عن ذلك فإن سفري هو الوسيلة الوحيدة ~~لتأمين هذه السفن ورجال الجيش. # إن كليبر يحفظ لك حبا واحتراما، وأنت واثق أن بعض السفن الحربية الفرنسية ~~ستصل في الشتاء، وتستطيع أن تبحر عليها للعودة إلى منصبك في القسم التشريعي ~~لتتمكن من استخدام مهارتك وحزمك لحفظ السكينة في هذه المدينة العظيمة وفي مصر ~~والجيش. # وتأكد أنه مهما كانت الظروف التي يحكم علينا بها القدر فإنني أحفظ لك دائما ~~من الاحترام والود مثل ما تشعر به نحوي. # بونابرت ~~••• # من القائد العام بونابرت إلى المواطن بوسيلج # القيادة العامة بالإسكندرية في 22 أغسطس سنة 1799 # إن الحوادث التي جرت في أوروبا منذ ms362 15 يونية تجعل من واجبي الإسراع في السفر، ~~وأرجو أن أصل قبل سقوط مدينة مانتو. # إن الجنرال كليبر الذي تولى قيادة الجيش يجلك ويحبك. # وسأطلع الحكومة يباريس على ما تقدم لهذه البلاد من الخدم الجليلة في كل يوم، ~~ومهما كانت الظروف فإنك تستطيع أن تعتمد على نيتي في أن أقوم بتأدية كل عمل ~~يسرك. # بونابرت ~~••• # قلنا إن المعلم نقولا الترك حفظ لنا في رسالة نص الخطاب الذي وزع بإمضاء المشايخ عن ~~سفر نابوليون؛ وهذا نصه: # من محفل الديوان الخصوصي، خطابا إلى سائر الأقطار المصرية، من الأقاليم ~~القبلية والبحرية، وكامل الرعايا وفقهم الله! # نخبركم أنه حضر إلى الديوان مكتوب من حضرة الجنرال «دوكا» القائم مقام، بأن ~~سري عسكر بونابرته الكبير، أمير الجيوش الفرنساوية، توجه إلى البلاد الفرنساوية ~~لأجل حصول الراحة الكاملة إلى الأقطار المصرية، وأنه كان حضر له استعجال من ~~الجمهور في بلاده، لطول غيابه، أقام عوضه رجلا كاملا عاقلا فيه شفقة ورحمة ~~عامة على الرعية، جعله أميرا على الجيوش الفرنساوية، وأخبرنا القائم مقام أننا ~~نكون في غاية الأمان والاطمئنان، على ديننا وعرضنا ومتاجرنا، وأموالنا وأسباب ~~معاشنا، وكما كنا في زمان حضرة الساري عسكر الكبير بونابرته، ننصحكم يا أيها ~~الرعايا لا تطيعوا أهل الفساد، واتركوا الفتن والعناد، وامتثلوا أمر خالق ~~العباد، والسلام عليكم ختام. # الفقير السيد خليل البكري (نقيب الأشراف) # الفقير عبد الله الشرقاوي (رئيس الديوان) # الفقير محمد المهدي (كاتم سر الديوان) # الفقير مصطفى الصاوي الشافعي # الفقير سليمان الفيومي المالكي # الفقير السيد أحمد المحروقي # الفقراء: علي كتخدا، يوسف باش شاويش، # لطف الله المصري، يوسف فرحات، # جبران سكروج، ولمار بودوفز ذو الفقار كتخدا. # نظر وعلم: وكيل الفرنساواية «جاوتيه» # طبع بمطبعة الفرنساوية بمصرالمحروسة # ثم قال المعلم نقولا: «ثم حضر الجنرال كليبر من دمياط إلى بولاق والتقاه القائم مقام ~~دوكا ~~(Dugua) # وشيخ البلد دوسطين ~~(Dustin) # ودخل مصر بالعز والنصر، وقدم السلام عليه ~~القواد والحكام والعلماء والأعيان.» # وقال الجبرتي في ختام روايته عن سفر نابوليون: # فتحير الناس وتعجبوا في كيفية سفره ونزوله البحر مع وجود ms363 مراكب الإنكليز ~~ووقوفهم بالثغر ورصدهم الفرنساوية من وقت قدومهم الديار المصرية صيفا وشتاء، ~~ولكيفية خلاصه أنباء وحيل لم أقف على حقيقتها. # ونحن سنكمل لمولانا المرحوم الشيخ الجبرتي هذه الأنباء والحيل التي لم يقف على ~~حقيقتها نقلا عن أقوال الذين رافقوا نابوليون في سفره، ومجازفته لتتم بهذه الصورة، ~~ونختم الرواية. # وقع الخبر على كليبر # عرف القارئ من الفصل السابق أن نابوليون لم يكن ينوي الاجتماع بكليبر، ولذلك ترك ~~أوامره وتعليماته للجنرال منو في ضواحي الإسكندرية، أما كليبر فإنه وصل إلى رشيد ~~انتظارا لمقابلة نابوليون، فعلم من منو أن القائد العام سافر من الإسكندرية ولم يذهب ~~إلى مكان المقابلة في رشيد، عند ذلك أحس كليبر بأن نابوليون خدعه، وأنه سافر قبل أن ~~يقابله أو يستشيره في قبول تلك المهمة الشاقة في تلك الظروف العصيبة، كيف لا وقد كانت ~~حالة الفرنسيين في مصر مما لا يغتبط به بحال من الأحوال على الرغم من انتصارهم في واقعة ~~أبي قير؛ إذ لم يبق من الثلاثين ألف من الجنود الذين احتل بهم نابوليون مصر أكثر من ~~عشرين ألفا، وكانت الأحوال المالية في غاية الحرج، ومرتبات الموظفين والجنود متأخرة ~~مما ساعد على الانحطاط الأدبي، وتمشى هذا الشعور بين طبقات الجيش وأسلحته ~~المختلفة. # وإذا ضممنا إلى كل هذا استعداد الأتراك، بالاشتراك مع الإنجليز، للهجوم على مصر، ~~وشعور المصريين بالاشمئزاز من الفرنسيين وسلوكهم وآدابهم ومعاملاتهم الشخصية والعمومية، ~~ونفور المصريين أيضا من الحاكم الأجنبي، ولو كانت حكومته أحسن نظاما وأوفر عدلا من ~~حكم المماليك أو الأتراك. # نقول إذا ضممنا كل هذه الأمور بعضها إلى بعض، أدركنا حالة الجنرال كليبر النفسية، ~~وتغيظه من بونابرت وسفره وتركه له هذه المهمة الشاذة القاسية، على الرغم من الظهور ~~بمظهر الرياسة والسلطة الكبيرة التي كانت لسلفه نابوليون بونابرت. # روى منو فيما كتب من مذكراته بعد، أن كليبر حين وصل إلى رشيد - حيث تلقاه منو ليسلمه ~~أوامر نابوليون - وعلم بسفر القائد العام، وأنه لم ينتظر مقابلته ووقف على أسماء القواد ~~الذين اختارهم نابوليون للسفر معه أظهر ms364 منتهى الحنق والغيظ وسلق نابوليون بألسنة ~~حداد. # وكان من أثر حقده وغيظه أنه أصدر أوامره في الحال بتسفير خليلة نابوليون «بولين فورس» ~~كيما تتبعه إلى باريس وكيما تعلم بأمرها جوزفين، وفي ذلك من النكاية ما فيه، ولكيما ~~يفهم نابوليون أنه «أي: كليبر» رفض الهدية التي أهداها له! # سفر نابوليون من مصر # كان سفر نابوليون بونابرت من مصر أشبه بالقصص الخيالية وأساطير الأولين منه بالحقائق ~~التاريخية والحوادث الواقعية، فإنه كان يعلم علم اليقين أن السفن الإنكليزية الكثيرة ~~العدد والعدد واقفة له بالمرصاد، وأن أعظم ما تتوق إليه نفس السر سدني سميث، أو أي ~~ربان سفينة من سفن الأسطول الإنجليزي، هو أن يلقي القبض على نابوليون بونابرت رجل ~~فرنسا وعدو إنكلترا اللدود، وكان يعلم فوق ذلك أن القابضين على زمام الأحكام في باريس ~~يغارون منه ولا يريدون وجوده بينهم؛ لأن الشعب الفرنسي متحمس له، معجب به، والعقلاء من ~~القوم لا يريدون الخلاص من استبداد الملوك ليقعوا في يد استبداد حربي، أشد نكاية وأثقل ~~وقعا. # فنابوليون الرجل المملوء بالآمال كان يعلم كل ذلك، فلا الطريق مأمونة، ولا أصحاب ~~السطوة في بلاده يرغبون في وجوده، ومع كل هذا صحت عزيمته على اقتحام الأخطار والمقامرة ~~بكل شيء في الوجود، ولا أعز فيه من الحياة، التي خاطر بها؟ فلما للسماك وإما ~~للسمك! # ونحن لا نريد أن نتبع نابوليون في سفره المحفوف بالأخطار، فتلك صحيفة من تاريخ الرجل ~~وأخرى من تاريخ فرنسا، ونحن إنما نكتب تاريخ مصر، ويكفينا في هذا المقام أن نذكر ما له ~~مساس بسفره من حوادث هذه الديار فنقول: # إن نابوليون اتفق مع الأميرال غانتوم على أن تكون تحت أمرته السفينتان لاكاريير # La Carriére # ولاميرون # La Muiron # وركب في الأولى بونابرت والجنرالان «برتيه ومونج» ومعهما ~~«برتللو» العالم الرياضين و«بوريين» سكرتير نابوليون، وركب في الثانية الآخرون، وقد روى ~~«بوريين» لنا في مذكراته أن عدد الذين ركبوا السفينتين كان يبلغ من أربعمائة إلى ~~خمسمائة بين قواد وضباط وعلماء وأتباع، وكان ممن سافر مع نابوليون رستم المملوك ms365 المشهور ~~الذي أهداه إليه السيد خليل البكري وسبقت لنا الإشارة إلى تاريخه معه، ومما رواه سافاري ~~«كونت ده رفيجو» في مذكراته، أن نابوليون ومن معه غادروا ضواحي الإسكندرية ليلا بحيث ~~لم يعلم بهم أحد، ولما نزلوا البحر من نقطة على الشاطئ «لا بد وأن تكون برج العرب قرب ~~المكس»، تركوا الخيول التي كانوا يركبونها فعادت أدراجها جافلة إلى الإسكندرية فذعرت ~~الحامية وارتفعت أصوات الأبواق، وهب الحراس ظنا منهم أن هناك حملة فاجأتهم على غرة، ~~حتى إذا أبصروا الخيل بلا فوارس لها، ظنوا أن كمينا من الأعراب فتك بشرذمة من الجنود ~~الفرنساويين، فأصدر قائد الحامية أمرا بإعداد حملة للاستكشاف، وعرف جواد نابوليون ~~وأخبر بعض الخدم العائدين بما جرى. # ولما كنا قد وعدنا أن نكمل لمولانا الشيخ الجبرتي عبارته بذكر أنباء الحيل التي ~~استطاع بها نابوليون بونابرت الوصول إلى فرنسا «مع وجود مراكب الإنجليز ووقوفهم بالثغر ~~ورصدهم الفرنساوية» فلا مندوحة لنا من نقل بيان موجز للوسائل التي اتخذت للتملص من ~~الأساطيل البريطانية، ولدينا في مذكرات بوريين، كاتم أسرار نابوليون ورفيقه في هذه ~~الرحلة المحفوفة بالأخطار، العبارة الآتية: # قال بوريين: # وفي يوم 23 أغسطس سنة 1799 ركبنا في السفينتين «لاموبرون، ولاكاريير» وكان ~~عددنا يتراوح بين 400 و500 وكانت الليلة حالكة الظلام بحيث كنا نلتمس الوصول ~~إلى السفينتين تحت نور النجوم الضئيل. # ولم يكن الأميرال غانتوم حرا في تصرفاته، واتخاذ السبل البحرية التي يراها ~~موصلة بنا إلى الشواطئ الفرنسية؛ لأن نابوليون استبد بالأمر، وقال للأميرال ~~بصراحة وصرامة: إن إرادتي هي أن تسير بمحاذاة الشواطئ الإفريقية إلى أن نصل إلى ~~جنوبي جزيرة سردينيا ... إن معي بضعة أفراد من الرجال الأبطال ومعي كمية من ~~الذخائر والمدافع، فإذا انقض علينا الإنجليز ونحن بجوار الشاطئ الإفريقي، فإني ~~أستطيع أن أنزل إلى الأرض اليابسة وأشق طريقي بهؤلاء الشجعان الصناديد إلى ~~وهران، أو إلى تونس، أو إلى أية فرضة بحرية أخرى لعلنا نستطيع الحصول على ما ~~يوصلنا إلى بلادنا. # تلك كانت إرادة نابوليون وعزيمته الصارمة! # ثم استمر بوريين في وصف ms366 الرحلة والقلق الذي كان يساور نابوليون ومن معه من انقضاض ~~السفن الإنجليزية عليهم، حتى أراد الله الذي اختار نابوليون بونابرت لعرش فرنسا لينفذ ~~على يديه إرادته العالية في أوروبا، أن تصل السفينتان الفرنسيتان إلى خليج «مريجوس» في ~~جنوب فرنسا في الثامن من شهر أكتوبر من تلك السنة. ~~••• # وهنا نقف بالقلم بعد أن وصلنا بنابوليون بونابرت إلى بلاده. # وإلى هنا ينتهي أمرنا مع نابوليون بونابرت وينتهي هذا الكتاب. # | هوامش # | ذيل أول # بحث في رواية إسلام نابوليون # كثيرا ما أشرنا في مواقف عديدة من هذا الكتاب إلى رواية إسلام نابوليون أو رغبته في ~~اعتناق الدين الإسلامي، أو اعتقاده الشخصي في دين محمد عليه الصلاة والسلام، ووعدنا بأن ~~نخصص بحثا في هذا الموضوع لما له من الأهمية العظمى من الوجهة التاريخية، ومن وجهة رأي رجل ~~من أعظم عظماء الرجال، في الدين الإسلامي، رجل فتح مصر للعالم الأوروبي، وتولى الحكم فيها، ~~بل وضع أسس النظامات والمباحث التي سارت في طريقها مصر، منذ ذلك العهد إلى يومنا الحاضر، ~~وسنحاول التحقيق والتدقيق ما استطعنا، معتمدين في هذا المبحث العويص على تصريحات نابوليون ~~وآرائه الشخصية في منفاه بسانت هيلانة، وكذلك على آراء الذين عاشروه في مصر وفي أوروبا، أو ~~في منفاه أيضا، فنقول: # تناقل بعض المؤرخين رواية إسلام نابوليون بونابرت في مصر، وردد هذه الرواية كثيرون ممن لا ~~يمحصون الحقائق، بحيث صارت، بغير حذر ولا تحفظ، كأنها حقيقة تاريخية، على الرغم من أن حياة ~~نابوليون، بعد مبارحته أرض مصر نهائيا، معروفة مفصلة، وتمسكه بالمسيحية، وتتويج البابا ~~له، وزواجه من ماري لويز بجميع المظاهر والطقوس المسيحية، من الحوادث المقررة المعروفة في ~~صحائف التاريخ، ونحن نقرر هنا قبل الدخول في الموضوع، أو إطالة البحث: # أولا: # أن نابوليون بونابرت لم يعتنق الدين الإسلامي مطلقا. # ثانيا: # أن نابوليون ابن الثورة الفرنسية لم يكن له اعتقاد صحيح في دين من ~~الأديان. # ثالثا: # أنه كان ينوي التظاهر باعتناق الدين الإسلامي إذا استحالت عليه العودة ~~إلى فرنسا. # رابعا: # أنه كان يرى في سهولة الدين ms367 الإسلامي وموافقته للفطرة الإنسانية ما حببه ~~فيه وأمال قلبه إليه. # ولدينا تصريحات نابوليون نفسه فيما أملاه على الجنرال برتران في مذكرات سانت هيلانة عن ~~فتح مصر، وعن فكرة اعتناق الدين الإسلامي، وهي الحجة القاطعة في هذا الباب. # قال عن لسان برتران ما تعريبه: ~~«كان دهاة السياسيين الذين خبروا مصر ووقفوا على أحوال سكانها وطباعهم يعدون الدين أكبر ~~عقبة تعترض توطيد أقدام الفرنسيين في مصر، وقد قال «فولتي» الرحالة في سنة 1788: «للبقاء في ~~مصر تجب مواجهة حروب ثلاثة أولاها ضد إنجلترا، والثانية ضد الباب العالي، والثالثة - وهي ~~أشد صعوبة - ضد المسلمين الذين يتألف منهم شعب مصر.» وقد سببت هذه الأخيرة للفرنسيين بلاء ~~شديدا، وكبدتهم خسائر جساما، وكانت أشد العقبات التي يصعب تذليلها. # وضع الفرنسيون أيديهم على الإسكندرية والقاهرة، وانتصروا في شبراخيت وإمبابة، ومع ذلك بقي ~~مركزهم مزعزعا يعبث به المسلمون الذين أذهلتهم سرعة الحوادث، فخضعوا واستسلموا أمام القوة، ~~ولكنهم لبثوا ينظرون بعين الكراهية والمقت إلى فوز «الكفار» الذين دنسوا بوجودهم مياه النيل ~~المقدسة، وكان المسلمون يعدون من الفضيحة والعار وقوع الطريق الأول لبلد الكعبة المقدسة، ~~بيد غير المؤمنين، وظل العلماء والأئمة يرددون الآيات التي تنص على مقاومة الكفار. # ومن المبادئ الأساسية التي سار عليها الأتراك والمماليك في سياستهم، أنهم أبعدوا المشايخ ~~عن المناصب الإدارية والقضائية، ولذلك دهش العلماء والمشايخ الأجلاء، حينما رأوا أنفسهم في ~~«زمن الفرنسيين» يولون القضاء والمناصب الإدارية، ويحكمون بين الناس، وعلا مقامهم في أعين ~~الشعب ولم يمر شهر واحد من دخول الجيش الفرنسي إلى القاهرة، حتى تغير إحساس المشايخ نحو ~~الفرنسيين، وتعلقوا تعلقا شديدا «بالسلطان الكبير»!! وأخلصوا له الود، وما كانت أشد ~~دهشتهم حينما رأوا الفرنسيين الذين انتصروا في موقعة إمبابة يظهرون اهتماما كبيرا بقرى ~~هؤلاء المشايخ وأملاكهم الخاصة، ويحافظون عليها محافظة كبيرة، ولم يتمتع أولئك المشايخ من ~~قبل بمثل الاحترام والإنصاف والرعاية التي تمتعوا بها تحت حكم الفرنسيين، بل سعى الناس إلى ~~العلماء يطلبون حمايتهم، لا المسلمون وحدهم فحسب، بل المسيحيون أيضا من الأقباط ~~واليونانيين والأرمن الذين ms368 كانوا يقيمون في مصر. # وكان المسيحيون قد انتهزوا فرصة دخول الجيش الفرنسي، وأرادوا أن يطرحوا عن أعناقهم النير ~~القديم، وأن يخرجوا عن تقاليد البلاد وعاداتها وأن يحتقروا المسلمين أو يناوئوهم، فلما بلغت ~~هذه الأخبار آذان القائد العام عنف أولئك المسيحيين، وأغلظ لهم القول، وأكرههم على مراعاة ~~العادات القديمة وعدم الإخلال بها، # 1 # فقوبل عمله هذا من المسلمين بالفرح، ونال القائد العام ثقتهم التي لا حد ~~لها. # لم يحفل الجيش الفرنسي بالدين منذ الثورة، ولم يدخل رجاله الكنائس في إيطاليا، ولم يغشوا ~~كذلك كنائس مصر، ولم تغب هذه الملاحظات عن أعين العلماء والمشايخ الذين كانوا يغارون على ~~الدين الإسلامي، وطربوا لهذا الأمر، واعتقدوا أن الفرنسيين، إن لم يكونوا من المسلمين، فهم ~~على الأقل ليسوا من الكافرين، وأن «السلطان الكبير» من غير شك يحميه النبي! وجعلوا يذيعون ~~هذه الفكرة، ويعملون على ترويجها بين الشعب، ويقولون للناس: إن الفرنسيين لم يكونوا ~~لينتصروا على المؤمنين ويقهروهم، لو لم يكن قائدهم متمتعا بحماية النبي ورعايته، وأن جيش ~~المماليك، وهو أقوى جيش في الشرق دون جدال، لم يستطع أن يقف أمام الجيش الفرنسي إلا لأن ~~المماليك كانوا من الملحدين، وأن هذا الانقلاب ورد ذكره عدة مرات في القرآن. # وجعل نابوليون بعد ذلك يضرب على الوتر الحساس ويتكلم عن الوطنية العربية، قائلا: «لماذا ~~تخضع الأمة العربية للأتراك؟ وكيف تكون مصر، جنة الله في أرضه، وبلاد العرب المقدسة، مهبط ~~الوحي، خاضعتين لشعب يخرج من القوقاز؟ وإذا هبط الآن النبي من السماء فإلى أين يذهب؟ أيذهب ~~إلى مكة، وهي لم تبق عاصمة المملكة الإسلامية؟ أم يذهب إلى الآستانة وهي مدينة دنسة يزيد ~~فيها عدد الكافرين على المؤمنين؟ ولو ذهب إليها لكان في وسط أعدائه!! إنه بلا شك يفضل مياه ~~النيل المقدسة، وينزل في الجامع الأزهر وهو أول مفتاح للكعبة المقدسة.» # وكان المشايخ الأجلاء يسمعون هذه الأقوال وعلى وجوههم علامات الفرح وأيديهم مشتبكة على ~~صدورهم وهم يتمتمون «طيب! طيب!». # ولما فر مراد بك من أمام نابوليون إلى الصعيد قال لهم ms369 نابوليون: «إنني أريد أن أعيد مملكة ~~العرب، ومن يمنعني من ذلك؟ لقد أهلكت المماليك وجيشهم أقوى جيش في الشرق بأسره، ومتى ~~تفاهمنا وعرف المصريون ما أريده من الخير لهم، فإنهم سيظهرون إلى الود والإخلاص، وحينئذ ~~أعيد إلى مصر مجد الفاطميين.» وكان هذا الحديث الذي فاه به نابوليون موضوع سمر كبار ~~المصريين في القاهرة، وكان الذين شاهدوا منهم موقعة الأهرام يعززون ذلك القول، ويقولون ~~للناس: إنه سهل هين على الفرنسيين. # وكان الشيخ المهدي أفصح المشايخ لسانا، وأوسعهم معرفة، وأصغر علماء الأزهر سنا، ~~وأكبرهم ثقة بنابوليون، فعرب أقواله هذه ونظمها شعرا حفظه الناس وتغنوا به في صحاري ~~إفريقيا وبلاد العرب!!! # وكان يرد على العلماء الذين كانوا يؤلفون الديوان الكبير، تقارير من الأقاليم تنبئ ~~بانتشار الفوضى التي كان سببها سوء التفاهم، ولأن الناس كانوا يسمون الفرنسيين بالكافرين، ~~وبدأ «السلطان الكبير» يشكو مر الشكوى في حديثه مع العلماء مما كان ينشره أئمة المساجد، ~~ويذيعونه بين الناس وتحريضهم إياهم على الفتنة. # وفي ذات يوم وجد نابوليون الفرصة سانحة فقال لعشرة من كبار المشايخ الذين كان يثق بهم: ~~«يجب وضع حد لهذه الحال، ولا بد إذن من فتوى تصدر من الجامع الأزهر تأمر الناس أن يقسموا لي ~~يمين الطاعة.» # فاصفرت وجوه المشايخ، وتولاهم رعب شديد، وارتبكوا في أمرهم، وارتج عليهم القول، وكان ~~الشيخ الشرقاوي شيخ الجامع الأزهر، أربطهم جأشا فقال لنابوليون «إنك تريد حماية النبي وهو ~~يحبك، وتريد أن يسرع المسلمون للانضواء تحت بنودك، وتريد إعادة مجد العرب، وتقول: إنك لست ~~من الكافرين، فاسلم إذن وادخل في دين النبي، وحينئذ يهرع إليك 100 ألف من المصريين و100 ألف ~~من العرب يأتون من مكة والمدينة، وينضم الجميع تحت لوائك ويلتفون حولك، ومتى مرنتهم على ~~أساليبك، ودربتهم على القتال، استطعت أن تفتح بهم الشرق كله، وتنقذ وطن النبي.» فانبسطت ~~أسارير المشايخ وركعوا جميعهم على الأرض يطلبون المعونة من السماء ... ودهش نابوليون وأخذه ~~العجب؛ لأنه كان يرى أن الإنسان يجب أن يموت على دينه، ولكنه أدرك بثاقب فكره وسرعة ms370 خاطره ~~أنه يستطيع أن يستغل ذلك القول لفائدته، فأجاب: # إن عقبتين من أصعب العقبات تعترضاني ورجالي لنصير مسلمين، أولاهما الختان، ~~والثانية الخمر الذي تعود جنودي منذ الصغر احتساءه، وأنا لا أستطيع أن أقنعهم ~~بالعدول عنه. # فاقترح الشيخ المهدي أن يعرض المسألة على ستين عالما من علماء الأزهر للمناقشة فيها، ~~وذاعت الإشاعة في كل الجوامع أن كبار المشايخ يعملون ليلا ونهارا لتعليم «السلطان الكبير» ~~وقواده قواعد الدين الإسلامي، وأنهم يريدون إصدار فتوى يسهلون بها اعتناق الفرنسيين للدين ~~الحنيف، فطرب المسلمون وفرحوا وأذيع أن الفرنسيين يعجبون بالنبي محمد، وأن القائد العام ~~يحفظ القرآن، ويعتقد أنه مذكور فيه الماضي والحاضر والمستقبل، وأن الكتاب يحوي كل الحكمة، ~~وأنه يريد اعتناق الدين الإسلامي، ولكن تحول بينه وبين بغيته مسألة الختان وشرب الخمر، وظل ~~أئمة المساجد والمؤذنون متحمسين مدة أربعين يوما لهذا الخبر، وأفادت هذه الحادثة الفرنسيين ~~فائدة كبيرة؛ إذ لم يعد المصريون يعدونهم من الكافرين. # وذاعت أشاعات كثيرة بين الشعب، فمن قائل: إن النبي محمد ظهر «للسلطان الكبير» وقال له: ~~«إن المماليك لم يحكموا إلا طبق أهوائهم، ولذلك أعنتك عليهم وأنت تحفظ القرآن وتحبه، وقد ~~أعدت السلطة للعلماء والمشايخ، ولكن يجب عليك أن تتم ما بدأت به فاعتنق مبادئ شريعتي واعمل ~~بها، إنها مبادئ الله نفسه، إن العرب لا ينتظرون غير هذه الإشارة وسأعهد إليك بفتح آسيا ~~كلها.» # وقد اغتنم نابوليون فرصة رواج هذه الإشاعات، ورد على العلماء قائلا: إنه طلب من النبي أن ~~يمهله سنة لتهيئة جيشه، وإعداده للدخول في دين الإسلام، فأجابه النبي إلى ما طلب، وأنه وعد ~~ببناء جامع كبير، وأنه سينجح في حمل جيشه كله على اعتناق الدين الإسلامي، وأنه منذ الآن ~~يعده الشيخان السادات والبكري كذلك.» ا.ه. ~~••• # هذا ما أملاه نابوليون بونابرت بنفسه على الجنرال برتران لينشره في كتابه الذي سبقت إليه ~~الإشارة في هذا الكتاب، وفي هذه الأقوال يصف نابوليون نفسه «بالسلطان الكبير» حين كان بمصر، ~~مع أن هذا اللقب كان كبيرا عليه أيام وجوده في هذه الديار، حتى ms371 إننا شككنا في أنه خوطب في ~~مصر بهذا اللقب الذي لم يذكره الجبرتي، ولا المعلم نقولا الترك وهما معاصران، والأخير منهما ~~سوري مسيحي ممن مالئوا الفرنسيين في ذلك الزمن، وله في مدح نابوليون قصيدة كلها مبالغة ~~وإغراق وفيها يقول: # الشهم بونابرته # ليث الوغى والاقتدار # من فاق قدرا وارتقى # أوج العلام وسما الفخار # إلى غير ذلك من مبالغات الشعراء، ومع ذلك لم يذكر ذلك اللقب! والخلاصة هي أن هذه ~~التصريحات الصريحة من نابوليون بونابرته، وهو في منفاه في سانت هيلانة وعلى حافة القبر، ~~بعيدا عن مظاهر السياسة ومطالبها وأكاذيبها، دليل قاطع على أن نابوليون لم يعتنق الإسلام، ~~وإنما كان يفكر فيما يفعله لو قضت عليه الظروف بالبقاء في مصر مقطوع الصلة بفرنسا، وهو ما ~~كان يريد طبعا إلا أن يتخذ من اعتناق الدين الإسلامي هو وجيشه في مصر، وسيلة للتغرير ~~بالمصريين والمسلمين في الشرق. # فإذا ضممنا إلى هذه التصريحات الغريبة، ما ورد في بعض منشورات نابوليون في القاهرة عن ~~معتقداته الدينية، وإشاراته العديدة إلى الدين الإسلامي، تحقق لدينا أن نابوليون، ابن ~~الثورة الفرنسية، لم يصح له اعتقاد في دين من الأديان. # فقد ورد في منشور المشايخ الذي صدر بعد عودة نابوليون من حملته على سوريا قول المشايخ: # ولما حضر ساري عسكر إلى مصر # 2 # أخبر أهل الديوان من خاص وعام، أنه يحب دين الإسلام، ويعظم النبي عليه ~~السلام، ويحترم القرآن، ويقرأ فيه كل يوم بإتقان ... وعرفنا أن مراده يبني لنا مسجدا ~~عظيما بمصر لا نظير له في الأقطار، وأنه يدخل في دين النبي المختار، عليه أفضل ~~الصلاة وأتم السلام. # وهذا القول ينطبق تمام الانطباق على ما رواه نابوليون، فيما نقلناه آنفا، عن نفسه في ~~سانت هيلانة، بعد تاريخ هذا المنشور بواحد وعشرين عاما! # أما اعتقاد نابوليون في الأديان وخاصة في الدين الإسلامي، فأمر يرجع فيه إلى تصريحات ~~نابوليون وآرائه الخاصة التي نطق بها في أوقات مختلفة من حياته، وخصوصا في الجزء الأخير ~~منها؛ أي: في السنوات الست التي قضاها في جزيرة ms372 سانت هيلانة منفيا، وحين كان يعتقد بقرب ~~انفراط عقد الحياة ودنوه من حافة القبر، وقد لخص اللورد روزبري معتقدات نابوليون الدينية، ~~من أحاديثه المختلفة مع لاس كاس، وانتوماراشي وجوجو وغيرهم # 3 # فقال ما تعريبه: ~~«ولقد كان من أهم النقط التي تدور حولها أحاديث نابوليون في منفاه مسألة الدين، وكان ~~الإنجيل من الكتب التي كان نابوليون يحب تلاوتها بصوت عال ... # وليس من الغريب أن تتجه أفكار نابوليون في تلك الساعات المظلمة إلى مسائل الاعتقادات ~~الدينية ... ويؤكد «برتران» بلهجة صارمة أنه لم يحدث قط أن سمع نابوليون - سواء أكان ذلك في ~~فرنسا أم في جزيرة ألبا، أم في جزيرة سانت هيلانة، - ~~ينكر وجود الخالق، أو يشك في «ألوهية» المسيح، وكان نابوليون على الدوام يمنع المناقشات ~~التي تدول حول موضوع معتقده الديني، ويقول: إنه يؤمن بما يؤمن به قسيس كنيسته! # ولكن العالم لا يقتنع بهذه المواربة، ويحب أن يقف على حقيقة اعتقاد نابوليون ورأيه في ~~الدين، ولا نظن أن «جورجو» اخترع من عنده جميع ما كتبه في مذكراته عن أحاديث نابوليون ~~وآرائه الدينية في سانت هيلانة.» # ثم انتقل اللود روزبري إلى بيان موجز عن اعتقاد نابوليون فذكر فيما ذكر أنه كان يميل إلى ~~الدين الإسلامي، ويعترف أن علماء الأزهر في مصر زعزعوا أفكاره بآرائهم وحججهم، وأقنوعه بأن ~~من يعبد ثلاثة آلهة لا يكون إلا وثنيا ... ومن معتقدات نابوليون في المسيح أنه لم يوجد، ~~وغاية ما في الأمر أن واحدا من الناس الكثيرين الذين يتحمسون ادعى أنه نبي أو مسيح - وفي ~~كل زمان كثيرون من هذا الطرارز - وأنه قتل أو صلب لذلك السبب، وكان يعتقد نابوليون في موسى ~~كزعيم شعب وقائد، ولكن اليهود كانوا قساة وجبناء، وبلغ اعتقاد نابوليون في المسيح إلى درجة ~~أنه كان يقول: إنه لا يستطيع أن يتصور أو يصدق أن رجلا ذكيا مثل البابا ليوس السابع ~~يعتقد حقيقة في المسيح! وأما الدين الإسلامي فإنه بعكس ذلك سهل، وأرقى من المسيحية؛ لأنه ~~افتتح نصف العالم في عشر سنوات، في حين أن ms373 المسيحية لم توطد قدمها قبل ثلاثمائة عام، وصرح ~~نابوليون في وقت آخر بأن الدين الإسلامي أحلى وأظرف الديانات الموجودة، وقال عن نفسه مرة: ~~«نحن المسلمون»! ~~••• # ويرى القارئ من هذه المعلومات المستقاة من مصادرها الأصلية ما يؤيد بجلاء آراءنا التي ~~أثبتناها في صدر هذا البحث، وأن ما ادعاه بعضهم، من أن نابوليون أسلم، لا حقيقة له على ~~الإطلاق، وأن الرجل لم يكن إلا من أصحاب الآراء الحرة، المتشككين في جميع الأديان. # | هوامش # | ذيل ثان # مكتبة الكتاب، أي: مصادره # يهتم كتاب الغرب بذكر المصادر التي اعتمدوا عليها في تأليف كتاب من الكتب وخصوصا ~~التاريخية منها، فينشرون بيانا للكتب والتقارير والمذكرات وجميع المصادر التي استقوا ~~معلوماتهم منها، ويسمون ذلك مكتبة الكتاب # Bibliographie ~~؛ ~~أي: مصادره، وقد زاد بعضهم اهتماما بالمصادر إلى درجة أن خصص لها بحثا مستفيضا عن أصحاب ~~تلك المصادر ومبلغ ما لهم من القيمة في تصوير الحقائق وتقريرها، ومن هؤلاء اللورد روزيري في ~~كتابه عن نابوليون في سانت هيلانة؛ فإنه خصص الفصول الأولى من كتابه للبحث في المصادر ~~ووصفها بأنها كالأساس الذي يبنى عليه المنزل. # ولقد أعجبني هذا الرأي حتى إنني قلت عنه في رسائل «من والد إلى ولده»، في باب دراسة ~~التاريخ، ما يأتي: # ومما تجب العناية به في دراسة التاريخ والاشتغال به، تمحيص المستندات والمصادر التي اعتمد ~~الكاتب المؤرخ عليها، وتقدير ما لتلك المستندات والمصادر من القيمة الحقيقية، ولم أر من ~~المؤرخين من فحص مصادر مؤلفه وعرضها على القراء بنقد صحيح، ليكون القارئ على بصيرة بقيمة ما ~~يسند إلى تلك المصادر، مثل اللورد روبري في كتابه العظيم عن نابوليون بونابرت في منفاه ~~بجزيرة سانت هيلين، فإنه بدأ بذكر المصادر التي اعتمد عليها، وهم أولئك القواد والضباط ~~ورجال حاشية الإمبراطور المنفي الذين كتبوا عنه ونقلوا أقواله أو أحاديثه وتصريحاته، وما ~~كان بينه وبين حاكم الجزيرة من المشادة والخلاف والمشاكل، فبعد أن وصف منزلة كل كاتب منهم ~~لدى الإمبراطور، وكيف كان من الممكن أن يكون موضع سره، وإلى أي حد يصح الاعتماد ms374 على رواية ~~للكاتب في موقف من المواقف ، ومسألة من المسائل وما هو ماضي ذلك الكاتب، وما هي صفاته ~~وأخلاقه، وما هي آراؤه السياسية والحزبية، كيما تقدر قيمة الثقة التي يحق له التمتع بها، ~~وعلى هذه الطريقة وضع اللورد روزبري قاعدة جديدة في كتابه التاريخ، وقد عولت إن شاء الله أن ~~اسلك هذه الطريقة في مقدمة الكتاب # 1 # الذي وضعته عن تاريخ الحملة الفرنساوية ونابوليون في مصر؛ إذ يتحتم أن يقف ~~القارئ على القيمة الحقيقية لأكبر المصادر العربية في تلك الفترة التاريخية، وهو كتاب الشيخ ~~عبد الرحمن الجبرتي وإلى أي حد تمكن الثقة بروايته، وكيف كانت علاقة ذلك المؤرخ بالمماليك ~~أولا، وبالفرنساويين ثانيا، وما هي منزلته في درجة التحقيق وصدق الرواية، وما يصح ~~الاعتماد فيه على قوله، وما لا يصح منه، في الظروف المختلفة، ثم مقارنة ذلك بالمصدر العربي ~~الآخر، وهو رسالة المعلم نقولا الترك، وبيان الفارق بينهما من وجهة نظر الشيخ الأزهري ~~المسلم، والمسيحي اللبناني، إلى تلك الحوادث والحالة السياسية، ويتبع ذلك مقابلة هذين ~~المصدرين العربيين بالمصادر الفرنسية رسمية وغير رسمية ... ~~••• # على هذا النحو كنت أطمع في دراسة، ووصف وتحليل، المصادر التي اعتمدت عليها في هذا الكتاب، ~~ولكن أراني عاجزا عن تناول هذا البحث وإيفائه حقه كما تصبو إليه نفسي. # ولا ينكرن القارئ علي أنني تعرضت في متن الكتاب للحكم على أشخاص المؤلفين الذين اعتمدت ~~عليهم، ونقلت عنهم، واستشهدت بهم، فيما كتبته عن عبد الرحمن الجبرتي والمعلم نقولا الترك ~~وعن الشيخ الشرقاوي، وعلى غيرهم من الكتاب الإفرنج، ولكن تلك الإلمامات البسيطة الخفيفة لا ~~تشبع مطمعي الأدبي. # فأمام هذا المطمع، ومع الشعور بذلك العجز، لا أرى مناصا من التوسط بين الممكن والمستعصي، ~~فاكتفي بكلمات موجزة عمن لا مناص من التكلم عنهم لإيضاح قيمتهم التاريخية، ومكانتهم في ~~التحقيق والتدقيق، مع بيان لتاريخ حياتهم ولظروفهم الخاصة. # ولست من رأي الذين ينشرون في مقدمة الكتاب أو في آخره، قائمة بأسماء الكتب التي قرءوها أو ~~اعتمدوا عليها كمصادر لكتابهم، ما داموا قد أشاروا إلى تلك ms375 المصادر وذكروها في ذيل الصحائف ~~أو في متنها ، وإنما أردت في هذا البحث أن أبين للقارئ قيمة المصادر وتاريخ أصحابها، ~~ومنزلتهم في درجة تقرير الحقائق، وبعدهم أو قربهم من الأشخاص الذين كتبوا عنها فأقول: إن ~~المصدر الذي يصح الاعتماد عليه، والثقة به أو الاقتباس منه والنقل عنه واحد من اثنين: إما ~~معاصر وشاهد عيان - حتى ولو كان متحيزا أو ضالعا مع فريق دون فريق - وإما حجة ثقة، وباحث ~~مفكر ممتاز بعبقرية خاصة. # فالأول من دون الحوادث والوقائع التي رآها بعينه، أو سمعها من معاصريه بأذنه، وأهل ~~المعرفة لا يعدون ما يضعه المعاصرون من المذكرات والأخبار تاريخا بالمعنى الصحيح، لأسباب ~~كثيرة أهمها قربهم من الحوادث، وتأثرهم بالأشخاص، واقتصارهم على تدوين الحوادث، دون إبداء ~~الآراء، أو استنتاج الأحكام، ويصفون كتب المعاصرين بأنهم مذكرات تصلح لأن تكون مادة أو غذاء ~~كما وصف «ميو» مذكراته متواضعا بقوله: # Memoires pour servir a ~~l’histoire ~~. # وأما الثاني فهو الباحث المدقق المفكر المشهود له بسعة الاطلاع والنبوغ، والذي تهيئ له ~~الظروف، الوقوف على المعلومات والمخطوطات والمحفوظات، من الوثائق الرسمية وغير الرسمية، مما ~~لا يتيسر لسواه من الكتاب، فإذا قيل مثلا إن «إدوارد جيبون» أو أن «اللورد ماكولي» قال كذا ~~وكذا في تاريخه، أو إن موتتسكيو أو جيزو أو تيير، قال كيت وكيت، وأبدى رأيه في حادث أو أمر ~~«لم يقع في زمانه»، فلا مناص من الثقة بذلك الرأي، وإحناء الرأس إجلالا لمنزلة قائله؛ لأنه ~~حجة ثقة وآراؤه نتيجة بحث عويص مستفيض. # وليس لدينا في اللغة العربية، عن الفترة التي كتب عنها هذا الكتاب، من الفريق الأول سوى ~~الشيخ عبد الرحمن الجبرتي الأزهري والمعلم نقولا بن يوسف الترك «أو التركي» البيروتي ~~اللبناني: # وليس عندنا في هذه الفترة، مع الأسف الشديد، واحد من الصنف الثاني. # حقيقة أنه يوجد معاصر آخر وضع رسالة جاء فيها على شيء من تاريخ الحملة الفرنسية في مصر ~~ونعني به الشيخ عبد الله الشرقاوي شيخ الجامع الأزهر في ذلك الحين، وصاحب رسالة «تحفة ~~الناظرين فيما ولي ms376 مصر من الولاة والسلاطين». # وقد سبق لنا أن جئنا على ترجمة حياة الشيخ الشرقاوي، وأشرنا إلى رسالته التي لا قيمة لها ~~على الإطلاق، اللهم إلا من وجهة صدورها من رجل كانت له صفة العلماء، وكان شيخا للجامع ~~الأزهر، ورئيسا للديوان في أيام الفرنسيين، ولما كانت رسالته لا تعتبر من المصادر ~~التاريخية، وسبق لنا الكلام عنها فليس لها دخل في بحث تقدير المصادر التاريخية. # بقي الكلام عن المصدرين الآخرين وهما كتاب «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» للشيخ عبد ~~الرحمن الجبرتي، وكتاب «ذكر تملك الفرنساوية للديار المصرية» تأليف المعلم نقولا الترك ~~اللبناني. # هذان هما المصدران العربيان اللذان يصح الاعتماد عليهما؛ لأن صاحبيهما عاشا في تلك المدة، ~~وشهدا بأعينهما، وسمعا بآذانهما، الحوادث التي دوناها، وإن كان كل واحد منهما يختلف عن ~~الآخر اختلافا بينا؛ لأن الأول «الجبرتي» كان من علماء الأزهر وشيخ رواق الجبرتية، وكانت ~~له علاقات وصلات بكبار المماليك، وأما الثاني فقد كان سوريا لبنانيا نزيلا في هذه ~~الديار، وكانت له صلات بالتراجمة والمستشرقين من رجال الحملة الفرنسية. # ولننته أولا من المعلم نقولا لقصر موضوع الكلام في شأنه، فنقول: كل ما استطعت أن أحصل ~~على معرفته من تاريخ هذا الرجل، هو أنه ولد في دير القمر بلبنان سنة 1763 وتوفي سنة 1828؛ ~~أي: أنه كان يبلغ من العمر نحو 35 سنة حين كان في مصر أيام الحملة وأصل عائلته من الآستانة، ~~واسم أبيه يوسف الترك أو التركي، ويظهر أنه حضر لمصر قبل الحملة بزمن قصير، وأنه كان في ~~خدمة الأمير بشير الشهابي الدرزي الذي أرسله لمصر، وأذكر أني قرأت له أبياتا من الشعر في ~~مدح الأمير بشير الشهابي في كتاب تاريخ الأمير حيدر. # أما رسالته عن الحملة الفرنسية فقد سبقت الإشارة إلى وصفها في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، ~~وعبارتها مسجعة، وفيها ركاكة، والغريب أنها لم تطبع في مصر ولا في سوريا كرسالة مستقلة ذات ~~قيمة تاريخية، ولولا أن مسيو «ديجرانج إينية» حفل بها وطبعها في باريس مع ترجمتها الفرنسية ~~لضاع أثرها بتاتا، ms377 وقد ذكر ديجرانج أنه نقل هذه النسخة من ثلاث؛ واحدة بخط المؤلف، أهداها ~~لأحد مشايخ المارونية، والثانية أعطاها له مسيو كوسين ده برسيفال، والثالثة وجدها في ~~المكتبة الملكية في باريس. # والرسالة في رأيي جديرة بالثقة في مواضع كثيرة، وخاصة في الحوادث والمسائل التي كانت في ~~الجانب الفرنسي، والجالية الأجنبية في مصر، حيث البيئة التي يعيش حولها مثل المعلم نقولا ~~الترك، وفضلا عن ذلك فإنه من مزايا هذه الرسالة أن صاحبها حفظ لنا بعض المنشورات التي ~~أهملها الجبرتي عمدا أو سقطت من أوراقه. # ولا أدري بالضبط متى كتب المعلم رسالته، وما أظن أنه كان يكتبها في أثناء وقوعها حوادثها ~~وهو في مصر، ولكن يظهر أنه جمع مذكرات وأوراقا ومنشورات، وصنف رسالته بعد عودته إلى سوريا ~~حيث ترك النسخة الخطية لدى أحد شيوخ الموارنة، ولم يذكر في مقدمة رسالته شيئا عن تاريخ ~~وضعها، ولا إشارة إلى أنه شهد حوادثها بنفسه، ولا متى حضر لمصر، ولا متى برحها، فإن من ~~الجائز أنه لم يحضر الأيام الأولى من الاحتلال الفرنسي، ولم يشهد بنفسه واقعة إمبابة، وإن ~~كانت روايته عن اجتماع المماليك في دار إبراهيم بك في القصر العيني، عند وصول خبر نزل ~~الفرنسيين في الإسكندرية، تدل على أنه كان بالقاهرة وعارفا بأسماء كبار المماليك الذين ~~شهدوا تلك الجلسة التاريخية. # ويؤكد ديجرانج مترجم رسالة المعلم نقولا إلى الفرنسية وطابعها بالعربية أنه قابل المعلم ~~نقولا الترك في دير القمر بلبنان قبل وفاته، ولم يذكر لنا في أي وقت بالضبط قدم المؤلف ~~القاهرة، ولكنه أكد لنا أن الذي أوفده إلى مصر هو الأمير بشير الشهابي حوالي عهد الحملة ~~الفرنسية # 2 ~~«كذا» وأنه بقي في مصر مدة الحملة الفرنسية لغاية دخول الترك مع الإنجليز، كما ~~هو ظاهر من الرسالة إذ ورد في آخرها ثناء على الأتراك «بعد الثناء على الفرنسيين»، وبعض ~~أبيات قالها في مدح يوسف باشا الصدر الأعظم القائد للجيوش التركية. # أتى صدر الصدور لأرض مصر # بنصر أشرقت فيه الديانة # بعام قد كساه النور أرخ # به فتحت ms378 بيوسف الكنانة # وكما مدح من قبل نابوليون ورثى كليبر، مدح يوسف باشا!! # وفي رواية «كاردين» # 3 # إن الأمير بشير الشهابي زعيم الدروز أوفد المعلم نقولا الترك لإيقافه على حوادث ~~مصر واحتلال الفرنسيين لها؛ لأنه كان يتوقع حملتهم على الشام، وكان يرغب الانضمام إلى ~~الفرنسيين لو أن نابوليون نجح في الاستيلاء على عكا «كما انضم فعلا الأمير بشير إلى ~~إبراهيم باشا بعد سقوط عكا في يد المصريين» وذكر «كاردين» أن الأمير بشير لما أوفد المعلم ~~نقولا أمره بالإقامة في دمياط لموافاته بالأخبار منها، ولكني أعتقد أنه برح دمياط وجاء إلى ~~القاهرة في خلال الحوادث التي كتب عنها، وذكر «كاردين» أيضا أن أحمد باشا الجزار ضبط ~~كتابا من الكتب التي كان يبعث بها المعلم نقولا لمولاه الأمير بشير، فكان ذلك سببا في ~~إلحاق الأذى بأخ المعلم نقولا كان مقيما في عكا. # ومما رواه كاردين أيضا عن المعلم نقولا أنه بعد جلاء الفرنسيين عن مصر عاد إلى دير ~~القمر، وفقد بصره في أواخر أيامه فكان يملي شعره على ابنته «ورده»، وليس في مقدمة الرسالة ~~ولا في ختامها إشارة إلى زمن وضعها، ولا إلى السبب الذي دعاه للحضور إلى هذه الديار، وكيفما ~~كان الحال فإنه كتب عن حوادث شهدها بنفسه ورآها بعينه. # ومن هذه الملاحظات وما نقدمها بحق للقارئ والباحث المدقق والمؤرخ المحقق، أن يقدر منزلة ~~رسالة المعلم نقولا الترك من الوجهة التاريخية. # وكنت أتصور أن المعلم نقولا الترك يعرف الفرنسية حتى إن الأمير بشيرا أوفده لمصر ~~للاختلاط بالفرنسيين، ولموافاته بأخبارهم، وإيقافه على حقيقة أحوالهم، ولكن «ديجرانج» الذي ~~قابله في دبر القمر وترجم رسالته، يؤكد أن المعلم نقولا لم تكن له أدنى معرفة باللغة ~~الفرنسية، وهذه نقطة ذات أهمية؛ لأنها تفسر لنا كثيرا من أسباب غلطاته وسقطاته. # ومما هو جدير بالذكر عن المعلم نقولا الترك أن قصيدته في مدح نابوليون ترجمها مسيو مارسل ~~المستشرق الذي سبقت الإشارة إليه في هذا الكتاب، وأذكر إنني أطلعت على ديوان شعر له بخط ~~اليد في مكتبة المرحوم مخلع ms379 باشا، ولا أدري ماذا جرى له. # ومما هو جدير بالذكر أيضا وصف المعلم نقولا لنابوليون بونابرت كما رآه بعينيه في مصر، ~~وهي صورة يحرص عليها المؤرخون لمقارنتها بالصورة التي صار إليها نابوليون حين أصبح ~~إمبراطورا عظيما، قال المعلم نقولا: «وكان نابوليون قصير القامة رقيق الجسم، أصفر اللون، ~~باعة اليمين أطول من اليسار، مملوءا من الحكمة، مشمولا بالسعد والنعمة، يبلغ من العمر ~~ثمانية وعشرين سنة.» ~~••• # والآن ننتقل إلى المصدر التاريخي الثاني وهو كتاب «عجائب الآثار في والتراجم والأخبار» ~~لمؤلفه الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، أحد علماء الأزهر، وشيخ رواق الجبرتية في مدة الاحتلال ~~الفرنسي، وما بعده حتى زمن محمد علي. # ولد الشيخ عبد الرحمن الجبرتي في مدينة القاهرة سنة 1167 هجرية «1754م»، وكان جده السابع ~~يدعى أيضا الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، وهو أول من قدم مصر من الجبرتية «نسبة إلى جبرت إحدى ~~المقاطعات الإسلامية في بلاد الحبشة» في أوائل القرن العاشر الهجري، فتكون أسرة الشيخ عبد ~~الرحمن الجبرتي قد قضت في هذه الديار أكثر من ثلاثمائة عام، وانقرضت بوفاة المؤرخ في 27 ~~رمضان سنة 1237ه «18 يونيو سنة 1823م.» لأن الشيخ عبد الرحمن لم يعقب من الأسر الجبرتية غير ~~ابن وابنة، توفي الولد بعد وفاة والده ببضع سنوات، وعمرت الابنة ولا يعرف عنها ولا عن ~~ذريتها شيء. # وأهم من اشتهر من الأسرة الجبرتية بالعلم والفضل، الشيخ حسن الجبرتي والد المؤرخ، فقد كان ~~ممن يشار إليهم بالبنان في زمانه، وتلقى العلم عليه كثيرون من العلماء الذين ذكرت أسماؤهم ~~في هذا الكتاب، وكانوا أعضاء في الديوان الذي أنشأه نابوليون، وصور بعضهم لا تزال معلقة في ~~متحف في فرساي، مثل المشايخ الشرقاوي والمهدي والصاوي والفيومي وتوفي الشيخ حسن سنة 1188ه، ~~ولم يترك من الذرية، على كثرة ما ولد له من الذكور والإناث، وعلى كثرة من تزوج من الحرائر ~~وتسرى من الرقيقات الجركسيات والحبشيات، غير المؤرخ عبد الرحمن، ويظهر أن والدة المؤرخ كانت ~~واحدة من تلك السراري التركية أو الجركسية الأصل، وذكر الذين ترجموا كتاب الجبرتي ms380 إلى ~~الفرنسية أن والده ترك له ثروة كبيرة، وكانت له ضيعة في بلدة إبيار ذهب إليها - كما يقول ~~كاردين - عند احتلال الفرنسيين، ولم يعد إلى القاهرة إلا بعد مدة من الزمن، وهي رواية إذا ~~صحت فإنها تثبت أن الشيخ عبد الرحمن لم يشهد بنفسه كثيرا من الحوادث التي وقعت في أوائل ~~دخول الفرنسيين، ويكون ما كتبه عنها منقولا من أفواه الناس، ويضعف الثقة بكثير من ~~رواياته. # أما عن الكتاب «كتاب عجائب الآثار» فأقول: إن الكثيرون من الأدباء وأهل الفضل لا يقدرون ~~كتاب الشيخ عبد الرحمن الجبرتي حق قدره، كأثر تاريخي عظيم، وعمل أدبي مجيد، ومذكرات يومية ~~ذات قيمة كبرى للمؤخر، والسبب في النظر إليه بهذه العين يرجع إلى أن الناس لا يميلون إلى ~~هذا النوع من الأسلوب من جهة، ولأنه مجموعة من عبارات وروايات وحوادث غير متمازجة ولا ~~متناسقة، من جهة أخرى! # ولكن الذين لا يأخذون الأمور بظواهرها، والذين يتعمقون في البحث، عن حوادث تلك الأيام ~~وظروفها وأحوالها، لا يسعهم إلا الإعجاب بذلك السفر الجليل وواضعه، فالشيخ عبد الرحمن ~~الجبرتي هو بلا نزاع مؤرخ هذه الفترة وجامع شتات أخبارها، بإخلاص وحسن نية ومجهود كبير، بل ~~هو كاتبها العظيم وصحافيها الأمين، والذي لولاه لبقي تاريخ هذه الفترة، التي تبلغ نحو خمسين ~~سنة - أي: من نهاية القرن الثاني عشر الهجري إلى أوائل القرن الثالث عشر - صحيفة بيضاء، أو ~~قطعة جرداء، في اللغة العربية. # والذي يهمنا في كتابه «من حيث علاقته بهذا الكتاب» هو القسم الواقع في الجزء الثالث، ~~وقليل مما تقدمه من أخبار كبار المماليك في النصف الأخير من الجزء الثاني، ومهمتنا في هذا ~~البحث تنحصر في قيمة الأخبار الواردة فيه، وصدق الوثائق المحفوظة به من منشورات وتعليمات ~~وغيرها، وقرب ذلك أو بعده من الحقيقة التاريخية. # ولا تردد مطلقا في الحكم على أن الصدق في الرواية كان رائد الشيخ في كل ما كتبه، ولم يكن ~~يحابي ولا يداجي، إلا في النادر من ميوله الشخصية وعلاقاته الخاصة بكبار المماليك كميله إلى ~~إبراهيم بك ms381 ووقاره، ونفوره من مراد بك وطيشه وجرأته. # أما من وجهة أن كتاب عجائب الآثار، كتاب تاريخي فلا ندحة من الاعتراف بأنه ليس من ~~التاريخ ، على أسلوبه الصحيح، في شيء وإنما هو مذكرات وروايات قيد المؤلف شواردها، بغير ~~ترتيب ولا تنسيق، تصلح أن تكون مادة للمؤرخ، مع شيء غير قليل من الصعوبة والعناء. # وكتاب الجبرتي في نظري أشبه بالتلول الأثرية لا تكاد تحفر فيها، أو تزيل الأتربة من جانب، ~~حتى تعثر بجوهرة ثمينة، أو تحفة ناردة، وقد لا تعثر بشيء مطلقا في جزء كبير منها، وهكذا لا ~~تمكن الاستفادة من كتاب الجبرتي إلا إذا عالجته حفرا، وبحثا وغربلة، ومقارنة ومقابلة، ~~واستخرجت الدر من الصدف، والمعدن من التراب، وميزت بين ما له قيمة وبين ما ليست له قيمة، ~~ولا يسهل هذا إلا بعناء ومقارنة بينه وبين المصادر الأخرى، في اللغات الأجنبية - وهي قليلة ~~ونادرة جدا في الجزء الخاص بالمماليك قبل الاحتلال الفرنسي - وكثيرة فيما يختص بالحملة من ~~مذكرات ومؤلفات، وأوراق رسمية، وغير رسمية. # وليس من السهل معرفة كيف كان يكتب الجبرتي مذكراته هذه، ولكن المعقول المستنتج من كثير من ~~رواياته أنه كان يجلس لنفسه بعد مرور بضعة أيام فيدون ما يكون قدره أو سمعه أو وصل إلى ~~علمه، وهو يعترف في مقدمة كتابه فيقول: # كنت سودت أوراقا في حوادث آخر القرن الثاني عشر، وما يليه وأوائل القرن الثالث ~~عشر الذي نحن فيه، جمعت فيها بعض المواقع إجمالية، وأخرى محققة تفصيلية، وغالبها ~~محن أدركناها، وأمور شاهدتها، واستطردت في ضمن ذلك سوابق سمعتها، ومن أفواه الشيخة ~~تلقيتها، فأحببت جمع شملها وتقييد شواردها في أوراق منسقة النظام، مرتبة على السنين ~~والأعوام ... وما بعدها إلى التسعين أمور شاهدناها ثم نسيناها وتذكرناها، ومنها إلى ~~وقتنا أمور تعقلناها وقيدناها وسطرناها، وسنورد أن شاء الله تعالى ما ندركه من ~~الوقائع، بحسب الإمكان والخلو من الموانع، إلى أن يأتي أمر الله، وأن مردنا إلى ~~الله، ولم أقصد بجمعه خدمة ذي جاه كبير أو طاعة وزير أو أمير، ولم أداهن فيه ms382 دولة ~~بنفاق، أو مدح أو ذم مباين للأخلاق، لميل نفساني، أو غرض جسماني. # والشيخ الجبرتي نفسه يعترف في كتابه أنه ابتدأ في جمع أوراق كتابه وتنسيقه في السنة ~~السادسة والعشرين، بعد المائتين والألف؛ أي: بعد ثلاثة عشر عاما من خروج الفرنسيين من مصر، ~~فتأمل مقدار الأغلاط التي يقع فيها رجل أزهري يجمع أوراقه المتناثرة بعد مرور ثلاثة عشر ~~عاما على الحوادث التي يكتب عنها! وليكن ذلك منك على بال، لتقدير روايات الجبرتي حين تنقل ~~عنه، أو تعتمد عليه. # ومما تجب ملاحظته أن كتاب الشيخ عبد الرحمن، عن الفترة التي شهدها بنفسه، إنما هو تاريخ ~~للقاهرة، أكثر مما هو تاريخ لمصر؛ لأنه لم يقف إلا على النادر جدا من الحوادث التي وقعت ~~خارج القاهرة في الوجهين القبلي والبحري، فهو لم يذكر ثورة «المهدي» في البحيرة إلا بكلام ~~لا قيمة له، كما أوضحنا ذلك عند الكلام عليها، ولم يعرف أكان المهدي هو «مولاي محمد» من ~~أمراء الغرب، الذي سبق له ذكره في الجزء الثاني من كتابه، أم كان شخصا آخر؟ مع أن «مولاي ~~محمد» دخل القاهرة مع الإنجليز والأتراك عند جلاء الفرنسيين، ولا يعقل أن الشيخ عبد الرحمن ~~الجبرتي لم يقابله ولم يتعرف به. # ومما يثبت أن معلومات الجبرتي لم تتعد القاهرة أنه لم يشر إلى محاربات الصعيد ولا غيرها ~~إلا بعبارات قصيرة متقطعة، ليس فيها شيء من المعلومات الصحيحة. # ومع أنه من كبار العلماء في القاهرة، فإنه لم يذكر اسم الشيخ المسيري كبير علماء ~~الإسكندرية، الذي كان موضع ثقة نابوليون، وكانت كلمته النافذة في ذلك الثغر، ولم يشر إليه ~~إلا حين جاء ذكره في أيام حكم محمد علي، # 4 # والشيخ عبد الرحمن معذور في قصر أخباره على ما يصل إلى علمه، وهذا هو شأن ~~المذكرات أو اليوميات التاريخية، ولكن ليس للمؤرخ في هذا الزمن أدنى عذر في قصر اعتماده على ~~ما كتبه الجبرتي، وهذا شأنه. ~~••• # بقي علينا أن نشير إشارة موجزة إلى خاتمة صاحبنا الجبرتي وموته مقتولا في طريق شبرا، فقد ms383 ~~ذكروا أنه وظف إماما في سراي محمد علي باشا بشبرا، وأن محمد بك الدفتردار حقد عليه فسلط ~~عليه من أودى بحياته وهو عائد من شبرا إلى القاهرة على حماره، وليس بصحيح ما ادعاه «كاردين» ~~من أن الذي قتل بطريق شبرا هو ابن الشيخ عبد الرحمن وليس هو، وهذا غريب من «كاردين» مع أنه ~~كان موظفا بقنصلية فرنسا في القاهرة حوالي سنة 1830؛ أي: بعد وفاة المؤرخ بنحو سبع ~~سنين # ولا صحة لما يذاع أيضا من أن هناك جزءا خامسا من كتاب «عجائب الآثار» لم يصرح بطبعه ~~لما فيه من الطعن على محمد علي باشا؛ لأنه توجد نسخة خطية من تاريخ الجبرتي في مكتبة وزارة ~~الحربية الفرنسية في باريس، ولو كان فيها شيء لم ينشر في الطبعة المصرية، لما خفي أمره على ~~المستشرقين. # وفضلا عن ترجمة الجزء الخاص بالحملة الفرنسية في مصر إلى اللغة الفرنسية بواسطة مسيو ~~«كاردين» فقد ترجم كتاب الجبرتي إلى اللغة الفرنسية بأكمله في ثمان مجلدات جماعة من فضلاء ~~المصريين، وعلى رأسهم المرحوم شقيق بك منصور يكن. # وترجم الجزء الخاص بالحملة الفرنسية إلى التركية مصطفى أفندي بهجت الطبيب الخاص للسلطان ~~سليم الثالث تحت عنوان «إنقاذ مصر من الفرنساوية». ~~••• # وكنت أحب أن أتوسع في بيان المصادر الفرنسية والإنجليزية التي اعتمدت عليها في هذا ~~الكتاب، ولكن المقام يضيق عن ذلك من جهة، ولأني مكتف بالإشارات والتعليقات والبيانات التي ~~كتبتها عن هذه المصادر في متن الكتاب وفي حواشيه، فهي في هذا الباب كافية وافية. # | هوامش ms384