######OpenITI# #META# URI: 1369AhmadHafizCawad.Yatim.Hindawi19395315 #META# Tags: novels #META# ID: 19395315 #META# Title: اليتيم #META# AuthorID: 38515157 #META# Author: أحمد حافظ عوض #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة للمؤلف‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الخاتمة‏ # كلمة للمؤلف‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الخاتمة‏ # | اليتيم # | اليتيم # تأليف # أحمد حافظ عوض # | كلمة للمؤلف # في النصف الأخير من سنة 1898 ظهرت هذه الرواية في عالم المطبوعات العربية تحت اسم «رواية ~~اليتيم أو ترجمة حياة شاب مصري»، بلا مقدمة أو كلمة واحدة من قلم كاتبها، الذي لم يكن إذ ~~ذاك معروفا إلا لدى أصدقائه وأقرانه في المدرسة، ولهذا السبب لم ير أن يتهجم على مواقف ~~المؤلفين ويتقحم على صفوف المصنفين بنشر مقدمة يقول فيها شيئا عن نفسه أو قصده، واختار ~~أن يلقي حبل تلك الرواية التي كتبها بمداد التعليم المدرسي على غاربها؛ لتنال حظها من ~~المكانة لدى الأدباء والقراء إما مدحا وإما قدحا، سيما وهو إذ ذاك طفل في عالم الأدب، ~~متطفل على موائده، وما كان ليخطر بباله يوم أن فتح لروايته هذه باب الظهور في الوجود أنه ~~سيضطر في يوم من الأيام بالرغم عنه لكتابة كلمة عنها ومقدمة لها، بل ما كان ليؤمل مع غرور ~~الشباب في مثل ذلك السن أن تعيش روايته هذه في مثل هذا العصر، وتنفد نسخها بعد بضعة أشهر من ~~صدورها أو أن تطبع مرة ثانية. # وسواء كان رواج «رواية اليتيم» وإقبال الناس عليها يرجع إلى أنها تستحق ذلك، أو لأنها ~~كانت صادرة من القلب فوصلت إلى القلوب، فهو ما أتركه للمستقبل أو لحكم الغير. ولكن ما لا ~~أنكره على القارئ أنني لولا رغبتي في بقاء أثر من آثار الشبيبة الأولى مرتديا بالرداء الذي ~~ولد فيه وقائما بالفطرة التي وجد عليها؛ لرأيت فيها شيئا كثيرا يستوجب التغيير ~~والتبديل، فلهذا أزفها للقراء كما ظهرت لهم أول مرة، وفي اعتقادي أنها ستبقى - ما دامت ~~تقدر على المقاومة في معترك حياة الكتب - على ما هي عليه. # كثيرا ما سئلت ms01 عن موضوع هذه الرواية، وعما إذا كانت حقيقية أو خيالية، فكنت أجيب تارة ~~بالتصريح وتارة بالتلميح، ولهذا رأيت أن أعيد الآن كلمة صغيرة في هذا الباب قلتها في مقدمة ~~رواية «الحال والمآل»، وهي أنه لا يلزم أن تكون الحادثة قد وقعت لأشخاص معلومين معروفين، بل ~~يكفي أنها كالحوادث التي تقع كل يوم، وقد تكون حدثت بعض حوادثها لأفراد مختلفين، فاجتمعت مع ~~بعضها، ولمستها ريشة الخيال بمسحة من خطراتها؛ فتألف منها ما تراه شكلا كاملا، وأظن في ~~ذلك ما يكفي. # وكثيرا ما انتقد على هذه الرواية بأنها صورة سوداء من الصور التي تبغض في الحياة ~~وتسيء الظنون بها، بمعنى أنها محزنة، وأن مثل هذه الحوادث المؤلفة لا تتراكم بمثل هذا ~~الحال على أحد، وحتى لقد طلب مني عند هذه الطبعة الثانية أن أخفف بعض سوادها، فرفضت رفضا ~~باتا. أما عن الانتقاد ففيه بعض الحقيقة التي تختلف في تقريرها العقول، إلا أن هذه ~~الرواية إن كانت قد أحزنت كثيرين فقد خففت في وقت تأليفها عن صدر كاتبها حملا ثقيلا، ~~وأراحت ضميره قليلا. # لأسباب شخصية لا محل لها هنا كان كاتب هذه القصة في زمن من الأزمان محملا بصنوف الحزن ~~وضيق الصدر، حتى صغرت في عينه الحياة، وحتى خيل له أنها لا تصفو أبدا، فلهذا نظر إلى ~~العالم بذلك المنظار الأسود، وصبغ روايته في ذلك الوقت بهذا اللون، وربما حمل بطلها من ~~التعاسة والشقاء شيئا كثيرا؛ لأن نفس التعيس ترتاح لتعاسة غيرها حتى ولو كان ذلك في ~~الخيال، فلهذا كان المؤلف كلما ضاق صدره خف إلى قلمه فساقه في روايته هذه، فظهرت على هذا ~~الحال. # ولا أحب أن أطيل الكلام فالكتابة عن شخص الإنسان فيها شيء من الأثرة والأنانية، وهو ما ~~لا أرتاح إليه. ولولا أن ناشر مسامرات الشعب اضطرني لكتابة هذه الكلمة لبقي أمرها في طيات ~~الضمير إلى ما شاء الله. # فأكتفي بهذا حتى تجمعني وهذه الرواية فرصة أخرى. # والسلام. # أ. حافظ عوض # المطرية في 10 صفر الخير سنة 1321 # | الفصل الأول ms02 # زمن الطفولة «أيام كنا والزمان مساعد» # في سنة 1302 هجرية تبتدئ قصتي، حيث كنت أبلغ إذ ذاك العاشرة من العمر، وإنني كنت في ذلك ~~الوقت صغير السن لا أفقه ولا أعي أغلب الحوادث، غير أنني أذكر للقارئ ما يصل فكري إليه من ~~ترجمة حياتي، التي أكتبها الآن وأنا في سن الثانية والعشرين، وإذا سمحت الظروف وعدت إلى ~~بلادي نشرتها، وإن جاء القدر ضد مقاصدي - كما هي العادة - فلا أعدم واسطة من إرسالها لصديق ~~صباي ورفيق شبيبتي ... وليكن في علمك أيها القارئ، أن ما أكتبه عن نفسي وقع لي بدون مبالغة أو ~~تحريف. # ولدت في سنة 1293، وكان ميلادي بمنزل في رمل إسكندرية بالقرب من محطة «باخوص»، ولغاية ما ~~أتذكر من الحوادث أقول: إنني كنت ألعب مع ابنة صغيرة تعادلني في السن، وهي ابنة جارنا في ~~المنزل، الذي كان منقسما إلى مسكنين: أحدهما جهة الشرق والآخر جهة الغرب، وكان يسكن القسم ~~الشرقي رجل من كبار المصريين، كان يأتي لنا وأنا ألعب مع ابنته فيلاطفني، وكنت أذهب معها ~~إلى مسكنهم الذي لم يكن في الحقيقة إلا قسما من منزلنا، حيث لم يكن يفصلنا عنهم شيء، ولنا ~~حديقة واحدة. أما والدي فكان رجلا في سن الأربعين، متوسط القامة، واسع العينين، أسود ~~الشعر، وكنت تراه دائما ملازما للصمت، كمن يفتكر في أمر مهم، ولذلك كان لا يلعب معي ~~كثيرا، كما يفعل جارنا مع ابنته، وكان يذهب في الصباح إلى الإسكندرية، ويعود في المساء، ~~حيث يتناول العشاء، ويذهب للمحادثة مع جارنا، ثم يعود إلى النوم. # أما والدتي فياللأسف! تحققت أني لم أرها إلا وأنا طفل رضيع، وأما من كنت أظنها والدتي لم ~~تكن في الحقيقة إلا مربيتي، وهي مصرية الأصل، وكان عندنا في المنزل خادم وخادمة يقومان ~~بلوازم المطعم والملبس. أما أنا فكنت كثير اللعب مع تلك الابنة، وكنا بعض الأحيان نذهب مع ~~والدها إلى الإسكندرية وإلى سان استفانو، حيث كنا نريض أنفسنا على شاطئ البحر ونعود إلى ~~المنزل عند المساء مارين بين الحدائق والأزهار المجاورة ms03 للطريق. وعلى مثل هذا الحال قضيت ~~زمن الطفولة زمن الهناء والسعادة. # هو الطفل أهنى الخلق لا يعرف الأسى # ولا يعرف البلوى ولا يعرف الهوى # ولما بلغت الثامنة من العمر شرع والدي في تربيتي، فلم يترك فرصة تمر دون أن يعلمني فيها ~~ويرشدني إلى الفضائل والتحلي بالآداب. وأول شيء وضعه في عقلي وثبته بالإرشادات الصدق ~~وفوائده، أذكر أنه ذات مرة قال لي: «إذا رأيت أن تخلص نفسك بالكذب هل تفعل؟» فأجبته: ~~«نعم»، فاغتاظ مني، ولولا شفقته علي وحبه لي لأني كنت وحيده وثمرة حياته، لضربني، ولكنه ~~وبخني، وقال: «اعلم يا ولدي، أن الكذب مهما كانت نتيجته من الخلاص، فلا بد من الوقوع في ~~شره يوما ما، واعلم أن هذه الدنيا لا تدوم، وكلنا مائتون، ومن لم يمت صغيرا مات كبيرا، ~~فكيف يكذب الإنسان سعيا وراء خلاص حياته وهي لا تدوم؟! أليس من شرف المبدأ وواجب الدين ~~أن يصدق الإنسان ولو كان في الصدق فقدان روحه؟» وكم ضرب لي الأمثال! ومما أتذكر منها حكاية ~~واشنطن محرر أمريكا، الذي لم يكذب على أبيه حين سأله: من الذي قطع شجر الكريز؟ وكان واشنطن ~~القاطع له، بل قال بكل ثبات: «أنا يا والدي»، فاشتهر بعد ذلك بالصدق حتى صار رئيس جمهورية ~~تلك البلاد. وكان في أثناء كلامه يزيدني من المعلومات العمومية، حتى إنني لما كنت في ~~المدرسة كنت مشهورا بمعرفة الغرائب، وكنت مع صغر سني أعرف بعض معلومات عن الدول وقوادها ~~وتواريخها وعن السياسة وبعض رجال السياسة، وذلك من المبادئ التي علمنيها والدي. # وكان والدي محافظا على أصول دينه، وأول شيء وضعه في ذهني أصول الدين والتمسك به، حتى ~~إن إخواني التلامذة حين ذهبت فيما بعد إلى المدرسة كانوا يستغربون مني حينما يرونني أصلي ~~كل وقت وأحافظ على الفرائض الدينية، ولذلك كنت محترما عند أساتذتي وعند إخواني. ثم فضلا ~~عن تثقيف ذهني فإنه لم يمنعني عن اللعب في الحدائق مع ابنة جارنا، وكان يوصيني بالأدب معها ~~ومع والدها والأولاد الذين نلعب معهم. ثم شرع في ms04 تعليمي القراءة والكتابة بنفسه ، وكذلك ~~مبادئ الحساب واللغة العربية والفرنسوية. واستمر على ذلك حتى بلغت سن الثالثة عشرة، فأرسلني ~~إلى مدرسة رأس التين الأميرية، وهذه أول مرة رأيت المدرسة والتلامذة والأساتذة، الذين ~~اختبروني وقرروا إدخالي في السنة الثالثة من القسم الابتدائي، وكان ناظر المدرسة رجلا سليم ~~القلب، محبا للتلامذة. وعند المساء كان يأتي خادمي فأذهب معه إلى محل تجارة والدي، التي ~~كانت في محل يسمونه «بورصة مينا البصل»، فكنت أرى التجار وأغلبهم من الأجانب، ثم أذهب مع ~~والدي وخادمنا إلى محطة الرمل، ونركب القطار إلى محطة باخوص، ومن ثم نذهب إلى بيتنا. ~~وهكذا مرت السنة وجاء الامتحان وكنت من المتقدمين في الفرقة. وجاءت أيام المسامحة، ولله ما ~~كان ألطف تلك المسامحة، التي أمضيت أغلب أوقاتها مع ابنة جارنا التي كانت تذهب إلى مدرسة ~~بالإسكندرية وتعود بعد الظهر! # أما والدها؛ فقد سمعت عنه من والدي أنه من كبار المصريين وأغنيائهم، حر المبدأ، كريم ~~العنصر، شريف العواطف، يساعد الفقراء والمساكين، ويحث الناس على تربية أبنائهم، ويجود ~~بماله لتربية أولاد الفقراء لأنه يرى أن بلادنا محتاجة للتربية؛ إذ إن تقدم الأمم مرتبط ~~بتقدم الأفراد، وكم شرع في تأسيس مدرسة خيرية لتربية أولاد الفقراء! ولكن أغنياءنا لم ~~يساعدوه، وغاية مناهم من الدنيا كنز الأموال، حتى يخرج بعدهم أولادهم الذين يهملون ~~تربيتهم فيفقدون ما جمعوه في بعض أيام قلائل، ومن الذي يحصل على أموال هؤلاء الأغنياء سوى ~~باعة الخمور وأصحاب محال اللهو؟ وبذلك تتحول الثروة من البلاد وتلبث الأمة في الجهل، ~~والذنب كل الذنب راجع على أغنيائنا وكبرائنا. وكان جارنا يحبني كما يحب ابنته، وطالما كان ~~يتكلم معي في موضوعات شتى أدبية. # وهكذا مرت الأيام وانقضت المسامحة ما بين إسكندرية وباخوص وسان استفانو، الذي كنت أزداد ~~محبة في الذهاب إليه. ولما جاء ميعاد افتتاح السنة المدرسية وذهبت إلى المدرسة، أخبرونا ~~أننا سنمتحن آخر السنة لكي ننال شهادة سموها شهادة الدراسة الابتدائية، فاجتهدت في مذاكرة ~~دروسي بكل همة ونشاط، وكان والدي يزور المدرسة ويوصي علي الأساتذة، ms05 حتى جاء يوم 25 يونيه ~~سنة 1892 وجاء التلامذة من البلاد المجاورة كدمنهور ورشيد وطنطا، وامتحنا تحريريا، ~~وانتظرنا ظهور النتيجة بقلوب واجفة، وكنت صغيرا لم أفقه مركزي، حتى جاء وقت ظهور النتيجة، ~~وجاء رئيس الامتحان ونادى بأسماء التلامذة الناجحين، وذكر من ضمنهم اسمي فسررت جدا، ~~وذهبت توا إلى والدي وأخبرته بنجاحي، فقبلني ووعدني إذا نجحت في الامتحان الشفاهي أن ~~يهديني هدية فاخرة، وكنت أعجب من التلامذة الذين كانوا يبكون حينما لم يسمعوا أسماءهم، وكنت ~~أتصور أنهم يخافون من آبائهم أن يضربوهم أو يهينوهم لعدم نجاحهم، ثم جاء اليوم المعين ~~للامتحان الشفاهي فدخلنا ووجدنا لكل علم لجنة مكونة من ثلاثة أساتذة، فسألونا عن أسمائنا، ~~وامتحنونا وأعطونا درجات تدل على نجاحنا، ثم خرجت بعد الامتحان وذهبت لوالدي وبشرته ~~بنجاحي، ولم أدر ماذا تم حتى جاءني والدي في اليوم الثالث وأعطاني ساعة ذهبية وقال: «هذه ~~مكافأة على اجتهادك»، وبشرني بتمام النجاح، ولم يمض شهر حتى ظهرت جريدة الوقائع المصرية، ~~ولا تسل عن سروري حين وقع نظري على اسمي مطبوعا في الجريدة، ثم جاءني والدي وقال لي: «اعلم ~~يا ولدي أني أريد أن أرسلك إلى مدرسة في القاهرة لتتميم دراستك»، فسألته: «وهل تذهب معي إلى ~~القاهرة لتقيم فيها؟» فقال: «لا، ولكنك ستكون تلميذا داخليا في المدرسة، بين من يخاف ~~عليك ويعتني بأمرك»، فسألته: «ولم لا ترسلني إلى القسم التجهيزي من مدرسة رأس التين؟» ~~فأجابني: «إنهم ربما ألغوا القسم التجهيزي من هذه المدرسة، وسأرسلك إلى أحسن مدرسة في ~~القاهرة، وما رغبت في ذلك إلا لكي تتعود على التغرب ومعاشرة الأساتذة والتلامذة»، فرضخت ~~لأمره وأنا كاره لفراق موطني وابنة جارنا، التي كانت في ذلك الوقت تزداد لطفا وجمالا، ~~وكان قلبي مولعا بها، حتى إنني كنت لا أهنأ إلا بجوارها، وكانت دائما تحادثني وتذاكرني ~~الدروس، وكنت أشعر بانعطاف نحوها يزداد يوما عن يوم، وأنا لا أعرف وقتها غراما ولا هوى، ~~بل كنت أتدرج في حب طبيعي ممزوج بالميل، ولو كنت أعرف ما تبطنه الأيام لما علق قلبي ms06 بشيء ~~من ذلك، ولكنها الأقدار تجري بما تشاء. # ولما بلغها خبر سفري إلى القاهرة وأنني لا أراها إلا بعد ستة أشهر على الأقل، أسفت غاية ~~الأسف، وصارت تجيء إلي كل يوم وتقول: «تعال نتفسح، وننهب لذة اجتماعنا؛ فقد قرب وقت ~~سفرك»، وكانت تتبسم نحوي بما يشف عن حبها لي حبا ممزوجا بالإخلاص، حتى إنها قالت لي ~~قبل السفر بيومين ونحن جلوس على مقعد بالحديقة: «هل تذكرني في سفرك؟» فأجبتها: «كيف لا ~~أذكرك وأنت رفيقة حياتي من الصغر؟ وهبي أني لا أتذكر هذا المحيا الذي يبسم لي عن وداد ~~ومحبة، فهل أنسى أياما قضيناها ونحن خليان من متاعب الدنيا؟» فقالت: «إن ذكرى ذلك الزمن ~~تولد في قلبي بواعث غريبة، وبودي لو يعود ونعود كما كنا لا نعرف للفراق اسما.» # كل ذلك كان يزيد حبها في فؤادي، حتى كان يوم الخميس فذهبت معها للتنزه في الحدائق ~~المجاورة لمنزلنا، فقالت: «أظنك مسافرا غدا إلى القاهرة»، فقلت لها: «نعم»، فقالت: «ليتني ~~كنت معك»، فأجبتها: «بودي، ولكن عسى أن أراك قبل السفر»، فقالت: «ذلك لا بد منه». # وما زلنا نتجاذب أطراف الحديث بين تلك الرياض الغناء إلى وقت المساء، فرجعنا إلى المنزل ~~ووجدنا أبوينا يتحادثان، فلما رآني والدي قال لي: «إنك مدعو لتناول العشاء في منزل سعادة ~~البك مع سكينة»؛ فحصل لي سرور عظيم، ولما ذهبنا إلى المنزل جلسنا للأكل مع والدها ووالدتها، ~~وكانت سكينة على يميني تحادثني وتلاطفني، ولم تكن أول مرة أكلنا سوية فإننا كنا مختلطين ~~كأننا عائلة واحدة؛ لأن والدها كان صديق والدي ورفيق صباه، وكان يسكن معنا في بيت واحد، ~~وبعد تناول العشاء جلسنا للمحادثة، ولم ندر إلا وقد حضر والدي ومرضعتي، وأمضينا تلك الليلة ~~في هناء لا يشابهه هناء وأنا بين والدي ورفيقة صباي إلى منتصف الليل، فأشار والدي بالقيام ~~لكي أنام وأقوم مبكرا في الصباح فذهبنا إلى مسكننا، وبودي لو كانت الدنيا تستمر ليلا إلى ~~الأبد وأنا وتلك الفتاة نتجاذب الحديث، ونتذاكر عصر الطفولة. # ولكن ما كل ما يتمنى ms07 المرء يدركه. ذهبت إلى سريري وأنا أحاول النوم والأفكار تتجاذبني، ~~حتى غلب علي النعاس فصرت أحلم أني راكب القطار وسكينة معي، وتارة في المدرسة، ولم أستيقظ ~~إلا في الصباح؛ لأن يدا لطيفة وضعت على خدي تنبهني، ففتحت عيني ورأيت «سكينة» وفي يدها ~~باقة من الزهور عليها ندى الصباح، فشعرت بحرارة تدب في جميع جوارحي حين لمست يدها خدي، ~~فحولت رأسي قليلا حتى وضعت فمي على تلك اليد الناعمة اللطيفة وقبلتها قبلة شعرت لها ~~بتيار سرى في مفاصلي كما تسري الكهرباء في السلك، ونظرت إليها فرأيت خدودها قد احمرت من ~~الخجل، وقالت: «قم، فقد قرب ميعاد السفر»، فقمت وأديت فرض صلاة الصباح، ولبست ملابسي، ~~وجلست معها نتكلم قليلا، وإذا بالخادم دخل علينا وقال إن «والدك يطلبك لتناول الإفطار»، ~~فذهبنا إلى قاعة الطعام، وجلست هي بجانبي والباقة بيدها. # وبعد ذلك، أمر والدي الخادم بحمل جعبة السفر إلى المحطة، ثم جاءت مرضعتي وقبلتني بين ~~عيني، ودعت لي بالسلامة، وخرجت من المنزل وأنا أشعر لأول مرة بمرارة الفراق، كل ذلك ~~وسكينة بجانبي لا تنبس ببنت شفة، بل كنت أراها مفكرة كمن يبحث عن نتيجة أمر يود عمله، ثم ~~كنت أراها تنظر إلي مرة وإلى والدي مرة أخرى حتى وصلنا المحطة فوجدت والدها هناك، وما ~~لبثنا أن جاء القطار، وركبنا جميعا إلى أن وصلنا محطة سيدي جابر، فنزلنا وانتظرنا القطار ~~الذاهب إلى مصر، وما لبثنا كثيرا حتى جاء فركبت أنا ووالدي فقط، وسلم علينا والد سكينة ~~وقدم إلي صورته مع ابنته التي سلمت علي وعيناها مغرورقتان بالدموع، وقدمت لي ~~الباقة فأخذتها، ويعلم الله أني بللتها بالدموع التي انحدرت من آماقي على تلك الزهور، ~~ولما صفر القطار نظرت إلى سكينة ووالدها ورياض الرمل، وقلبي واجف ودموعي تسيل على ~~خدودي، ولما سار القطار صرت أزود نظري من محاسن رفيقة صباي حتى احتجبت عن نظري، ولم أعد أرى ~~سوى أشجار الرمل، فدخلت العربة ورأيت والدي يقرأ إحدى الجرائد، ولما رآني والدموع ملء عيني ~~شرع في ملاطفتي قائلا: «لو ms08 كنت محلك ما بكيت كما تبكي ، بل لكنت أكثر سرورا»، فسألته: ~~«وهل تظن يا والدي أن فراق الموطن والإخوان سهل؟» فأجاب: «أنا لا أنكر أن الفراق صعب، ولكن ~~إذا كان الفراق لنيل المعالي والحصول على الشرف فإني لا أستصعبه، ولا سيما إذا كان الإنسان ~~سيجتمع بإخوان يؤنسونه ويضاعفون مسراته»، فأجبته مترددا: «إذا كان!» # قال: «كن على يقين أنك ستكون مسرورا بين إخوانك التلامذة، فإن زمن التعليم كله سرور ~~وهناء، لا سيما وأن المدرسة التي تذهب إليها مشهورة بحسن موقعها، ولطف أساتذتها، وجميل ~~أخلاق ناظرها، وأدب تلامذتها.» # قلت: «وما اسم هذه المدرسة؟» # قال: «المدرسة التوفيقية»، فقلت: «طالما سمعت عنها أنها مدرسة أولاد الأغنياء، فهل يدفعون ~~فيها مبالغ وافرة؟» # قال: «قد كان ذلك من قبل، وأما الآن فجميع المدارس الثانوية على حد سواء، وإنما تمتاز هذه ~~المدرسة بحسن نظامها وحرية التعليم فيها، ولذلك فكبار الأمة يرسلون أولادهم إليها، وإني ~~آمل أن تتخلق بآداب أحسنهم، وأن تختار لك من الأصدقاء من يعاونونك على أعمالك؛ فإن أصدقاء ~~المدرسة يكونون أعظم أعوان المستقبل»، ثم انتقل للكلام معي في مسائل أخرى تهذيبية، حتى ~~وصلنا إلى محطة مصر، وإذا بأصحاب الفنادق ينادون: «أوتيل كديفيال»، «أوتيل شبارد»، «أوتيل ~~رويال»، ونحو ذلك، فنادى والدي رجلا يقول أوتيل كديفيال، وأعطاه جعبة السفر، ومن ثم ركبنا ~~إلى النزل، وإذا به في سناء يشرف على الأزبكية. ولا أطيل على القارئ؛ فأقول إني توجهت في ~~الصباح إلى المدرسة، وبعد الكشف الطبي أمرت بالعودة ثانية بعد أسبوع، وهكذا فعلت. # | الفصل الثاني # في المدرسة التوفيقية # كنت أسمع بعض الناس يقولون إن زمن المدرسة أحسن أيام المرء وأهنأ أوقاته، وما كنت أصدق ~~أقوالهم أو كنت أظن أن زمن تعليمهم ربما كان أهنأ من أيامنا، ولكنني عرفت الآن وتحققت صدق ~~تلك الأقوال الصادرة عن التجارب والحكمة. نعم، أسعد أيام الفتى هي أيام الدراسة، أيام لا ~~يعرف من مصائب الدنيا إلا أسماءها، زمن لا يتحمل الإنسان فيه سوى مذاكرة الدرس، زمن كل آمال ~~المرء فيه التقدم على الأقران، ms09 زمن خال من الهموم والأحزان، ولن يعرف الإنسان قدر ذلك ~~الزمان والهناء إلا بعد أن يكابد متاعب الدنيا، وبضدها تتميز الأشياء. # زمن سعيد قد مضى بصفاء # ما بين إسعاد وبين هناء # كشعاع نور في ظلام حالك # أو نقطة خضراء في صحراء # ولى وأبقى في الفؤاد رسومه # وكذا تولي سائر الأشياء # ولقد كان زمن وجودي في هذه المدرسة زمنا مملوءا بالمسرات التي أصبحت أقدرها الآن ~~فأغبط طلاب تلك المدرسة؛ لأن الصحة تاج على رءوس أصحابها لا يبصره إلا المرضى، وأذكر أني ~~كنت أبكي فيها بعض الأحيان لفراق والدي وحبيبتي، ولكن: # رب يوم بكيت فيه فلما # صرت في غيره بكيت عليه # فيا إخواني في المدرسة، وددت لو تمنحني الطبيعة قوة أسمعكم بها كلمات وبيني وبينكم أقطار ~~شاسعة وبحار واسعة، فإذا سمحت الأيام واطلعتم على أقوالي فاحمدوا الله على وجودكم في هذه ~~المدرسة، وليحمد الله الوطن على وجودكم فيها، فأنتم خير أبنائه وذخيرته على ممر السنين ~~الآتية. # عزمت على أن لا أطيل الكلام في زمن المدرسة؛ فإن ذلك يحتاج لأوقات طويلة، ولعمري يمكن ~~التلميذ أن يكتب مجلدا ضخما عن سنة واحدة فكيف بمن أقام ثلاث سنين متوالية؟! وبما أني ~~خصصت هذا الفصل للكتابة عن أيام المدرسة فسأذكر المهم على وجه الإجمال. # أقمت في هذه المدرسة ثلاث سنوات متوالية، وما أخرجني منها قبل تتميم الدراسة سوى القدر ~~المحتوم والحظ المنكود، ويعلم الله أني كنت متمتعا بجميع صنوف الراحة كأني كنت في منزلي، ~~لا ينقصني إلا بعد سكينة ووالدي، وكنا في الصباح نفطر بالجبن والخبز والعسل، وكان أغلبنا ~~لا يفطر في المدرسة بل من أكل الباعة الذين يوجدون أمام باب المدرسة، وأما الغداء فكان مع ~~التلامذة الخارجية، وعند الساعة أربعة ونصف مساء تخرج التلامذة الخارجية ويبقى الداخلية في ~~المدرسة يتنزهون ذهابا وإيابا في الحوش وأمام المدرسة، وكان ضباطنا رجالا كراما يصرحون ~~لنا بالفسحة في الحقول والحدائق المجاورة، على شرط أن نعود إلى المدرسة قبل دق الجرس. ولا ~~تسل عن أول ليلة بتها في المدرسة، حيث ms10 كنت حزين البال لا أعرف أحدا من التلامذة، ولكنني ~~بالصدفة تعرفت بتلميذ جاء معي في حين واحد، وقد تأكدت بيننا روابط المودة بالنسبة لتوافق ~~مشاربنا وأمزجتنا، وكان هذا الشاب يعادلني سنا، نبيها، ذكيا، محبا للمطالعة ~~والمباحثة خصوصا في آداب اللغة العربية، ولذلك كنت أمضي أغلب أوقاتي معه لحسن أخلاقه وطيب ~~معاشرته وآدابه. أما بقية التلامذة الداخلية فعلى العموم كانوا من خيرة الشبان، وبينهم ~~مودة كأعضاء عائلة واحدة، وكنا مع سرورنا الزائد وراحة بالنا نظن أنفسنا تعساء، لا سيما ~~حينما نرى إخواننا الخارجية يخرجون مساء ونحن دائمون مسجونون في المدرسة، حتى في يوم الجمعة ~~لا نخرج إلا بعد الظهر ونعود في المساء، ولكن كل هذه أفكار صبيانية؛ لأننا لو تأملنا إلى ~~الخارجية لوجدنا أغلبهم، إن لم نقل جميعهم، فاسدي الأخلاق؛ وذلك من عدم اشتغالهم بالدروس ~~والتفاتهم لأشياء أخرى، وخصوصا الذين يأتون من البلاد فإنهم لعدم وجود من يقوم بأمرهم لا ~~يهنأ لهم عيش من المطعم والملبس، وربما يسكنون في بيوت مضرة بالصحة، وربما لا يذهبون إلى ~~الحمامات إلا كل شهرين أو ثلاثة، ثم لعدم وجود من يراعي سيرهم تراهم يسيرون حسب أهوائهم، ~~والشباب مطية الجهل يقود المرء إلى ارتكاب كل منكر وفاسد. هذا فضلا عن أن التعليم في ~~المدارس لعدم مزجه بأصول الدين الذي هو أس الفضائل؛ يجعل الشباب لا يعبئون بالآداب، ~~ويرتكبون المحرمات، ولعمري إن مصر في احتياج إلى شبان يعرفون واجب بلادهم وأنفسهم وإخوانهم؛ ~~ليكونوا مجموعا يدعى بالأمة المصرية، وهذا لا يكون إلا إذا مزج التعليم بالآداب ~~والفضائل. # أقول ذلك لأني كنت متعودا على القيام بالفرائض الدينية حينما كنت بالإسكندرية، فلما أتيت ~~إلى هذه المدرسة وجدت كل شيء بخلاف ما كنت أنتظر، فإنني لما كنت أصلي كانت التلامذة تسخر بي ~~كأنني أنا أعمل عملا غير واجب علي وعليهم، ولكن التعود على شيء يجعل الإنسان يسخر بمن ~~يخالفه، ومع ذلك لم يؤثروا على فكري؛ لأن والدي علمني وثبت أفكاري على مبدأ سرت عليه طول ~~حياتي. وفي اعتقادي أن ذهاب الأطفال ms11 من الصغر بدون تهذيب عائلي إلى المدرسة يضر بالولد ~~كثيرا؛ لأن المعلم إنما يعتني بمواد العلم، وهيهات أن يلتفت إلى الأخلاق إلا بما يهمه من ~~جلوس التلميذ متأدبا، وإن شئت قل خائفا خاشعا مدة الدرس مهما كان شقيا فاسد الأخلاق ~~خارجه، ذلك فضلا عن الاختلاط مع التلامذة سيئي الخلق والتربية. ومن هنا تعرف فائدة تعليم ~~البنات، لا لكي يقرأن ويحررن أو يطالبن بحقوقهن ويعرفن ما لهن وما عليهن فقط، بل ليفدن ~~أبناءهن ويهذبن أخلاقهم ليعيشوا عيشة هنية في الدنيا والآخرة. # أما صديقي الوحيد فكانت أخلاقه توافق أخلاقي في جميع الأمور، وكنا نذهب يوم الجمعة بعد ~~الظهر لزيارة الأهرامات والمقابر والمساجد العتيقة والنزهة البسيطة في بعض الجهات الخلوية ~~وما شابه ذلك، وفي تلك المدة كانت تأتيني رسائل من والدي يحثني على الاجتهاد والسير الحسن، ~~حتى جاء شهر رمضان المعظم وبعد عشرين يوما صرحت لنا المدرسة بالإجازة، ولا تسل عن سروري ~~حين ركبت القطار، وأرسلت تلغرافا إلى والدي، وكان معي صديقي الذي كان مسافرا إلى دمنهور، ~~ولما وصلنا إلى تلك البلدة ودعته، وسار القطار حتى وقف في محطة سيدي جابر، فوافرحتاه! حيث ~~وجدت سكينة تنتظرني هناك مع خادمي، وقد رأيتها تغيرت قليلا وازدادت جمالا على جمال ~~وبهاء على بهاء، وحين أبصرتني أقبلت علي وسلمنا سلام المحبين، ثم صرنا نتمشى ذهابا ~~وإيابا على الرصيف، وهي تسألني عن القاهرة والمدرسة وإخواني وأنا أجاوبها، فما أسعد تلك ~~الأوقات! # ما كان أصفى العيش لو دام كما # قد كان في ماضي الزمان الأول # ليت الكواكب والطبيعة كلها # وقفت وذاك الوقت لم يتحول # وبعد زمن قصير جاء قطار الرمل، فركبت معها وسار بنا سيره المعتاد بين الرياض الغناء ~~وسكينة تحادثني عن والدي ووالدها، حتى جئنا محطة باخوص فوجدت والدي على المحطة، وحين رآني ~~قبلني بين عيني وقبلت يده ثم سرنا وأنا على يمينه وسكينة على يساره حتى وصلنا ~~المنزل، ولا تسل عن الأيام القلائل التي قضيتها وأنا كل يوم أتنزه مع سكينة. ولما انقضت ~~الأيام عدت إلى المدرسة، ms12 وكانت تراسلني سكينة من وقت إلى آخر، إلى أن جاءت المسامحة ~~الكبيرة. واعذرني أيها القارئ أن اختصرت في وصف تلك الأيام وشرحها؛ فإن ذكراها تجدد أحزاني ~~وتضاعف همومي، عافاك الله من مثل مصائبي، إنه رءوف رحيم! # ولا أقول لك إن مدة المسامحة كانت كليل وصل في زمان هجر أو شجرة في صحراء أو نقطة بيضاء ~~في صحيفة سوداء، وبعد انقضائها عدت إلى المدرسة، وما كان أصعب فراق سكينة! ولكن التعود على ~~الفراق يخفف آلامه. ولما وصلت إلى المدرسة تقابلت مع إخواني كما تتقابل أعضاء العائلة مع ~~بعضها بعد طول فراق، وبعد مضي شهر أتاني جواب من سكينة، هذا نصه: # إلى رفيق صباي: أمين # إذا صدق ما يقوله الناس أن قلوب المحبين ترى من وراء حجاب، فيحتمل إن كان عندك ما ~~عندي أن يتخيل لك قرب مقابلتي؛ لأن وافرحتاه! والدي عزم على الإقامة في القاهرة مدة ~~فصل الشتاء، ولو أنني أحزن لفراق الرمل ورياضه إلا أن سروري بلقياك واجتماعي بك من ~~وقت لآخر يجعلني فرحة مسرورة بذهابي إلى القاهرة، وآمل أن تنتظرني على المحطة يوم ~~الجمعة المقبل؛ لنذهب معا إلى المنزل الذي استأجرناه بالقاهرة لهذا المقصد. واقبل ~~سلام حبيبتك. # سكينة # وددت لو منحني الخالق فصاحة سحبان لأشرح للقارئ مقدار السرور الذي سرى في فؤادي حين ~~اطلعت على هذا الجواب، الذي أحفظه الآن بين أوراقي، ولعجزي عن الشرح أترك الأمر للقارئ ~~النبيه ليتصور حالتي حينما أعلم أن رفيقة صباي وحبيبة فؤادي ستكون بالقرب مني، وأراها على ~~الأقل كل أسبوع، ولا بد أن أذكر هنا أن حبي لها بعد المسامحة بلغ درجة الهيام ودخل في دور ~~جديد، ورأيت محاسنها تزداد يوما عن يوم، فلله ما ألطف أخلاقها! وما أسحر عيونها! # ولكن حبي لها لم يكن له عندي هيئة غرام حينذاك، وطالما منعت نفسي عن التعلق بها لسببين؛ ~~أولهما: أني لم أكن واثقا من حبها لي، وأنها ربما أحبت آخر، ثانيا: أن لم يكن لي أمل ~~بزواجها لاختلاف آبائنا في درجة الثروة، فإن والدي ms13 لم يكن إلا تاجرا ووالدها من المثرين ~~الكبار، ولكن لا ينفع العذل والمنع فإن الهوى أصاب فؤادا خاليا فتمكن، ولقد غرست بذوره ~~في قلبي فنما وفرع. وما زلت أعد اللحظات وأستطيل الأوقات حتى جاء يوم الجمعة، فأخذت من ~~الناظر إذنا في الصباح وذهبت لانتظارها، وما جاءت الساعة الحادية عشرة حتى أقبل القطار ~~ورأيت سكينة ووالدها ووالدتها وخادمها وخادمتها، فسلمت عليهم، وحين سلمت على سكينة كان ~~قلبي يخفق خفقانا لا مزيد عليه من شدة الهوى، ثم ركبنا عربتين في إحداهما سكينة ووالدتها ~~وخادمتها، وفي الثانية والدها وأنا والخادم. ولما وصلنا إلى المنزل، وكان في شارع ~~الإسماعيلية، وجدناه ذا حديقة غناء، ورأينا خادمهم الثاني موجودا هناك ومعدا الغداء ~~ولوازم المنزل، وكان مفروشا من أصحابه كما هو الشأن في كثير من بيوت الإفرنج. # وبعد تناول الغداء خرج والد سكينة لبعض أشغال في القاهرة، وخرجت معها إلى الحديقة بعد أن ~~استأذنت والدتها في ذلك، فلما استوى بنا الجلوس في قمرية «كشك» وسط الحديقة، قالت سكينة: ~~«ما أسعدني الآن بوجودك معي!» فأجبتها والفرح ملء قلبي: «أنت تتكلمين بلسان فؤادي، فأنا ~~أكثر منك سرورا»، فقالت: «ألم تر السبب في استئذان والدتي للتنزه معك؟» ~~- لا شك أنك تحبين الحدائق، وتميلين إلى محاسن الطبيعة. ~~- ذلك أمر ثانوي. ~~- ولكن ما هو الأولي؟ ~~- ظننتك تفهم، ولكن لو كان في قلبك ما في قلبي لفهمت القصد. ~~- أما ما في قلبي فذلك موضوع آخر غير التنزه والفسحة والإذن والحديقة. ~~- وهل تظن أن الذي في قلبي هو الفسحة؟ قلت لك: لو كان في قلبك ما في قلبي لفهمت. ~~- آه لو تعلمين ما في قلبي! ~~- وما فيه؟ ~~- سؤال ليس له عندي جواب، أو بعبارة أخرى لا أقدر على إبدائه. ~~- وما الذي يمنعك عن إبدائه؟ أليس بيننا من روابط المحبة الأخوية ما يجعلك على ثقة مني؟ ~~أتخاف أن أفشيه إن كان سرا؟ ~~- أنا واثق منك، ولكن ... ~~- لا تجعل للكلفة بيننا مجالا، وأفصح عن مرادك. # فنظرت إلى جمالها الباهر فرشقتني عيونها بسهام شعرت لها بخفقان في ms14 قلبي، ولم أقدر أن ~~أتفوه بكلمة واحدة بل مسكت يدها وضغطت عليها، ثم وضعتها على صدري، فاحمرت خدودها. ولما ~~كانت هذه الفتاة في غاية من النباهة فهمت مرادي، وقالت: «أنا أشعر بخفقان في قلبك، ولعله ~~ناشئ عما يسمونه بالغرام، فهل وقعت في شباك الهوى؟» ~~- نعم، وقضي الأمر. ~~- تنبه لنفسك فالغرام صعب. # هلا سمعت عن الهوى إن الهوى # صعب وسهل متلف لحشاكا ~~- أنا عارف، ولكن ما قدر يكون. ~~- ومن هي تلك الفتاة التي سلبت عقلك؟ لعلها جميلة. ~~- نعم جميلة، وأي جمال! ~~- وهل تحققت أنها تحبك كما تحبها؟ وإلا كنت معرضا نفسك للخطر؛ فإنهم يقولون: # ومن الشقاوة أن تحب # ولا يحبك من تحبه ~~- ذلك لا أعرفه، وإنما يظهر لي أنها لا تكرهني. ~~- «لا تكرهك» شيء و«تحبك» شيء آخر؛ فإن الإنسان ربما كان يميل لواحد من الناس ولا يكره ~~الآخرين. ~~- سواء أحبتني أو لم تحبني، فإني هويتها وما عدت أحب غيرها والسلام. ~~- ولذلك فإني أراك متغيرا. # ثم صمتت وتغير لونها. # أما أنا فزاد بي الهيام، ولم أسمع منها كلمة تدل على حبها لي، وسكت وأنا أنظر لها وهي ~~مطرقة، والله عليم بما في الصدور. وما زلنا جالسين كأننا أشباح بلا أرواح حتى وقع نظرها على ~~شجرة نرجس فقطفت نرجسة وقالت لي: ما أحسن هذه الزهرة التي تشبه عيونا من فضة بأحداق من ~~ذهب! ~~- لا، بل هي تشبه عيون الحبيبة. ~~- لقد تمكن منك الغرام لتلك الغادة، هل تعرف للنرجس وصفا؟ ~~- نعم، أتذكر قول الشاعر: # والنرجس الغض تسبينا لواحظه # وفي الرياض علينا قام نمام ~~- هذا وصف العشاق، فاسمع وصف الطبيعيين: # عيون من لجين شاخصات # بأحداق كما الذهب السبيك # على قضب الزبرجد شاهدات # بأن الله ليس له شريك ~~- أنا أعرف تشبيها كهذا، وهو: # مداهن تبر في أنامل فضة # على أذرع مخروطة من زبرجد # وبينما نحن في مقارنة التشبيهين وإذا بوالدها قد دخل علينا، فنظرت إلى الساعة فوجدتها ~~ستا، ونسيت أن أعود إلى المدرسة في هذه الساعة لتناول العشاء، فاستأذنت من سعادة البك ~~فسألني أن أتناول العشاء ms15 معهم، فأبديت له عدم إمكاني لأني لم آخذ إذنا، ولكن إن شاء الله ~~سأعود في الأسبوع الآتي، فلما عرف أن لا بد من ذهابي أذن لي. ولما سلمت على سكينة ضغطت على ~~يدي قليلا، وهمست في أذني قائلة: «دع غرام التي هويتها والتفت إلى أشغالك»، فما كان أصعب ~~هذه العبارة على فؤادي المندمل! فنظرت إليها نظرة تشف عن معان لا يفهمها إلا ذوو الغرام ~~وخرجت. وبعد أن ركبت عربة أمرت السائق أن يسير إلى قصر النزهة فسارت العربة وأنا في عالم ~~آخر عالم الفكر والتخيلات، أتفكر فيما قلته وفيما قالته وفي المدرسة، ولم أستيقظ إلا حين ~~مرت العربة على كوبري السكة الحديد، وسارت في شارع شبرا بين حفيف الأشجار وضوء المصابيح ~~وهبوب نسيم المساء حتى وصلت المدرسة، فنقدت السائق أجرته ودخلت المدرسة فلم أر التلامذة، ~~فظننتهم في المذاكرة، وأن أغلبهم لم يأت من الخارج، فصرت أتمشى في الحوش وأنا متفكر في ~~سكينة وجمالها، حتى وقفت بجوار السياج الموجود بين الحوش ومنزل الناظر تحت شجرة هناك كنت ~~أحب الوقوف تحتها، وكان القمر ساطعا والنسيم عليلا والمنظر لطيفا يؤثر على العقول ويضاعف ~~لواعج العاشق، ويولد روح الشعر والتخيل الجميل كما قال فيه الشاعر الأندلسي الوزير ابن ~~عبدون: # يا نفحة الزهر من سراك وافاني # خلوص رياك في أنفاس آزار # والأرض في حلل قد كاد يحرقها # توقد النار لولا ماؤها جاري # والطير في ورق الأشجار شادية # كأنهن قيان خلف أستار # وبينما أنا أتفكر وإذا بيد وضعت على كتفي بلطف، فالتفت فرأيت صديقي ... فقال لي: أنت هنا ~~وأنا أبحث عليك في الحوش والمذاكرة ومحل الأكل! ~~- أنا هنا من الساعة السادسة وما فوق. ~~- لكن لم أرك في العشاء. ~~- وهل أكلتم؟ ~~- أي نعم، من ساعة مضت. ~~- ظننتكم لم تأكلوا للآن. ~~- مسكين! ألم تأكل؟ وأين كنت من الساعة السادسة؟ أكنت واقفا هنا؟! ... أنت كثير التفكر يا ~~صديقي، لا بد أن أفكارك منشغلة بأمر مهم، هل أنت في حاجة للأكل؟ ~~- لا؛ لأني أكلت متأخرا. ~~- وأين كنت اليوم؟ ~~- في انتظار ms16 بعض أقاربنا على المحطة. # ولما كان صديقي المذكور من الشبان المطلعين على أشعار العرب وآدابهم وهو من النابغين في ~~الشعر، سألته أن يسمعني بعض أبيات غزلية، فلما سألته ذلك قال: ولماذا تطلب أشعارا غزلية، ~~هل أنت مغرم؟ ~~- لا، ولكن أحب الشعر العربي، وخصوصا المؤثر منه، فهل تحفظ شيئا من شعرك أو من شعر ~~غيرك؟ ~~- يعجبني قول ابن زريق: # أستودع الله في بغداد لي قمرا # بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه # ودعته وبودي لو يودعني # صفو الحياة وإني لا أودعه # وكم تشفع أني لا أفارقه! # وللضرورات حال لا تشفعه # وما كاد يفرغ من إنشاده حتى دق جرس المذاكرة، وبعد ساعة ذهبنا إلى عنابر النوم فنمت، ~~والقارئ اللبيب يعرف كيف كان نومي وسهادي. ولما استيقظت في الصباح أديت فرضه، وعلى مثل ~~هذا الحال من الشوق والقلق مر الأسبوع، وذهبت إلى منزل سكينة ولما دخلت وجدتها في انتظاري ~~في الحديقة، ثم بعد السلام أخذت تسألني عن المدرسة وأحوالي حتى استطردت إلى ذكر غرامي، ~~وقالت: ألا تقول لي اسم من هويتها لكي أتوصل إليها وأميل قلبها نحوك فإن الغرام ~~أنحلك. ~~- أنا لا أكلفك الذهاب إليها، ولا أظنك تقصدين الذهاب، اللهم إلا إذا كان كلامك هذا من ~~باب المغالطة. ~~- ماذا تقصد بذلك، ومن باب المغالطة؟ ~~- أنت تعرفين من أهواها، لو كان في قلبك ما في قلبي. ~~- وحرمة تربيتنا معا لا أعرف من تعني ومن تهوى! غير أني أقول لك إنك أخطأت في حبك لها ~~خطأ عظيما. ~~- أنت تجرحين عواطفي قبل أن أجرح عواطفك، نعم إنها من عائلة أغنى من عائلتي ولكن الحب ~~يجمع بين الكبير والصغير. ~~- أنت تقول إنني جرحت عواطفك، وأنت قد جرحت عواطفي من أسبوع مضى وما زلت تجرحها، ولم تكن ~~هكذا آمالي منك. دعنا، هل حبيبتك غنية؟ وفي اعتقادي لو كانت تحبك كما تحبها لا تمنع ثروتها ~~من الاقتران بك. ~~- كفاني محاولة يا سكينة، أنت لا تحبينني كما أحبك، ألا تعرفين من أهواها؟ ~~- قلت لك لا أعرفها وحياة حبك لها! ~~- كفى يا سكينة، ms17 ألا يعرف الإنسان، ألا تعرفين نفسك؟! # فلما سمعت مني هذه الكلمة احمرت خدودها وطوقتني بذراعها، وبقينا كأننا سكرى من خمر ~~الغرام المودع في طبقات النسيم، ولم أدر إلا وقد مر علينا على الأقل نصف ساعة زمانية ونحن ~~ذهول من لذة الهوى، فحمدت الله حيث لم يأت والدها أو والدتها أو خادمتها فيروننا على تلك ~~الحال، ثم قالت سكينة: إني كنت واهمة في حقيقة أقوالك، فأنت تحبني كما أحبك. وأخذت يدي ~~ووضعتها بين يديها وضغطت عليها فشعرت بحرارة تدب في مفاصلي، ومسكت يدها وقبلتها، ثم قلت ~~لها: «الآن يرتاح فؤادي؛ فأنت تحبينني كما أحبك.» ~~- وهل عندك شك في ذلك؟ ~~- إن الشك هو الذي أضناني. ~~- لقد أسأتني بسوء ظنك، فكيف أحب غيرك؟ ~~- بل أنت أسأتني بسوء ظنك، فكيف لا أحبك؟ ~~- إذن فلنعش كما نشاء، وكما يشاء الغرام. # وبعد هذا اليوم الذي ابتدأ فيه غرامنا الحقيقي، صرت أقابلها كل أسبوع في منزلهم، ففي ذات ~~أسبوع خرجت من المدرسة وذهبت إلى المنزل، فلما دخلت محل الاستقبال وجدت والدها جالسا وبيده ~~جريدة، فلما رآني سلم علي وأجلسني بجانبه، وأخذ يسألني عن أحوالي في المدرسة وعن عدم ~~مقابلتي له أغلب أيام الجمع، فأجبته: «إنني كنت دائما أحضر هنا، ولكن لم أكن أراكم في ~~المنزل، وكنت أمضي أغلب الوقت مع سكينة نتباحث في الدروس - دروس الغرام»، فسألني: «هل تقرأ ~~الجرائد؟» فأجبته: «إني لا أعتني بها، ولكن لي صديق في المدرسة مولع بقراءتها حتى إذا مر ~~عليه يوم بدون أن يعرف الأخبار فإنه يتكدر.» ~~- ومن هو هذا الصديق؟ ~~- هو فتى من الشبان الأذكياء، وكل التلامذة تحبه وتمدحه؛ لأنه يحب وطنه كما يحب ~~نفسه. ~~- ولم لا تكون مثله، هل الوطن وطنه وليس وطنك؟ ~~- نعم، إنه وطني وأغار عليه وأحب له السعادة، ولكني لا أهتم كثيرا بالأمور السياسية، ولا ~~أشغل وقتي بها كما يعتني ذلك الفتى، فإنه يجمع التلامذة وقت الفراغ ويتكلم عما يجب على ~~الشبان أن يعملوه لرفع شأن بلادهم من بث التعليم وتهذيب جهال الأمة، ولكني أظن أن ms18 كلامه ~~يذهب أدراج الرياح؛ فإنه إذا لم تهتم الرجال الكبار بمصالح البلاد فإن الشبان لا يعملون ~~شيئا، فهم كشجيرات بجانب أشجار كبيرة. # فقال: «ولكن الأشجار الكبيرة تتساقط أوراقها وتنكسر فروعها، وليس فيها ماء نمو ولا غذاء ~~حياة، وأما الشجيرات فوإن كانت صغيرة ولكنها آخذة في النمو، وعندما تجف الأشجار الكبيرة ~~الضخمة غير النافعة تفسح مكانا للشجيرات تنمو فيه وتتمتع بجو الصفاء لا يشاركها مشارك، ~~وإذا كانت هذه الشجيرات معتنى بأمرها من الصغر نمت نموا عظيما وأفرعت وأثمرت أحسن ~~ثمار تستفيد منه البلاد في الحال والاستقبال، وإلا فالعكس ظاهر. ولا شك أنك اطلعت على كثير ~~من تواريخ الأمم التي ارتفع شأنها بعد انحطاطها، ورأيت أن الشبان هم الذين أقاموا عمادها ~~وانتشلوها من وهدة الدمار والانحطاط، فاعلم يا ولدي أن مصر في احتياج إلى أفراد يسعون ~~لصالحها كما يسعون لصالح أنفسهم، متحدين، مرتبطين بالجامعة الوطنية، لا فرق بين المسلم ~~والمسيحي والإسرائيلي، ولا يعرف ذلك إلا المتعلمون، ما لهم وما عليهم، وأنتم ذخيرة هذا ~~الزمن، وكأني بمصر وهي تنتظركم انتظار المريض للطبيب؛ لتقوم بكم ما أعوج من أمورها، ~~فكونوا معها لا عليها. # وهب أنكم لا تجنون ثمار اجتهادكم، ولا إخالكم إلا جانيها في حياتكم، فإنكم تبقون ذكرا ~~حسنا لأبنائكم يتناشدونه بعدكم. وأنتم تقولون إنهم غرسوا شجرة الإهمال فأكلتم ثمرها ~~استعباد الغير لكم، فاغرسوا أنتم شجرة النشاط تتمتعوا برؤية نموها في حياتكم وتجني بعدكم ~~أولادكم ثمرها؛ السعادة والحرية، ويدعون لكم لا عليكم، والله لا يضيع أجر من أحسن ~~عملا.» # فأجبته قائلا: «إننا نسمع عن شبان أوروبا من الأعمال والنشاط ما يحير أفكارنا، ولا سيما ~~حيث نسمع أنهم يتركون بلادهم ويذهبون إلى بلاد أخرى، والإنسان منا يخاف أن يخرج من بلده، كل ~~ذلك يجعلنا نظنهم من طبقة أعلى من طبقتنا في القوى العقلية والبدنية.» ~~- لو اعتبرت الحقيقة فأنتم أفضل من شبان أوروبا الذين نسمع بمدحهم؛ لأن آباءهم غرسوا لهم ~~السعادة فجنوا ثمارها بالراحة والشرف وساعدوا على زيادة نموها، وأما أنتم فالحالة معكم ~~بالعكس، فإنه فضلا ms19 عن أن آباءكم لم يغرسوا لكم شيئا فإنهم لم يتركوكم وشأنكم بل زادوا ~~الطين بلة، وأما عن سفرهم إلى خارج بلادهم فذلك أمر لا يستغرب، ولا يكسبهم فخرا عظيما؛ ~~لأنهم أنى يحلوا يكرموا، وأنى ينزلوا يعظموا، يخرجون من بلادهم لا يملكون شروى ~~نقير فيعودون وقد ملئوا الأوطبة من الأصفر الرنان، كل ذلك بمساعدة إخوانهم في مستعمراتهم ~~التي أوجدها لهم آباؤهم، والمكسب يولد النشاط، وأنتم أين تذهبون إن أردتم؟ أإلى أوروبا ~~فتموتون من الجوع إن فقراء وتصرفون أموالكم إن أغنياء، والوبال في الحالتين، أم إلى ~~البلاد المتوحشة تذبحون وتقتلون، ولا من يسأل عنكم، لا سفير ولا وزير، ولا تحميكم قوة مثل ~~قوة بلادهم؟ شبانهم يترنمون بما فعلته أجدادهم لرفع شأن بلادهم وأنتم بمن تترنمون وبمن ~~تفتخرون؟ شبانهم سعداء وأنتم تعساء. فاسعوا لإزالة هذه التعاسة، إن لم يكن عنكم فعن ~~آبائكم. # فلما رأى علامات التأثر ظاهرة واليأس باديا على وجهي، قال: «لا تظن أن الزمان يستمر على ~~هذه الحال؛ فإنكم ولا شك أحسن من إخوانكم الذين تقدموكم، فأنتم تربون الآن وتعرفون ما ~~لكم وما عليكم ولذلك ترون تعبا في حياتكم، أما الشبان الذين تقدموكم فقد كانوا أسعد بالا ~~لجهلهم، و«لذة الدنيا لمن جهلا»، والحالة تبشر بالنجاح، وإن التأثير الذي ظهر على وجهك ~~يدلني على حسن عواطفك وحبك لبلادك وإخوانك، فساعد صديقك الذي تقول عنه؛ فإن الأمم تشقى ~~برجال قلائل وتسعد برجال قلائل. # ولما قرب ميعاد المدرسة استأذنته وخرجت وأنا منشرح الصدر من محادثة ذلك الرجل العاقل ~~الكامل، وتأسفت قليلا لأني لم أقابل سكينة التي بلغني أنها ذهبت لزيارة بعض العائلات مع ~~والدتها، وعلى مثل هذه الحال مرت السنة وأنا أقابل سكينة كل يوم جمعة، ولما جاء فصل الصيف ~~ذهبت أسرة سكينة إلى الرمل، وقد قضينا مدة المسامحة في تمثيل رواية الغرام، حتى جاء وقت ~~المدرسة وودعت حبيبتي بفؤاد مندمل من الفراق، ولكن على أي حال مسرور بحبها. # ولما وصلت إلى المدرسة واجتمعت بالإخوان وأمضينا الأسبوع وخرجنا يوم الجمعة، تذكرت أيام ~~وجود سكينة ms20 بالقاهرة، والأوقات التي أمضيتها معها في مثل ذلك اليوم، ثم خطرت ببالي أيام ~~المسامحة، ولكني كنت أخفف لواعج الغرام لثقتي بحبها، ولم أعلم ما تخبئه الحوادث وتبطنه ~~الأيام. # | الفصل الثالث # إيه عصر الهناء لو أبت أو لم # يعر أيامك العزاز انقضاء # بعد مضي شهرين من السنة، في صبيحة يوم من شهر ديسمبر سنة 1894، ناولني أحد التلامذة ~~تلغرافا ففتحته بقلب ثابت ظنا مني أنه ربما كان من سكينة تخبرني بأنها ستمضي فصل الشتاء ~~مع والدها بالقاهرة وتود أن تراني على المحطة، ولكن ما وقع نظري على الكلمات الآتية حتى ~~اضطربت مفاصلي وجمد الدم في عروقي: # إسكندرية الرمل الساعة 5,8 صباحا. # ولدنا أمين فريد بالمدرسة التوفيقية. # احضر حالا بأول وابور. # والدك # فتحيرت في أمري، ولم أعرف لذلك سببا سوى أن يكون والدي مريضا، أو أن سكينة حصل لها أمر ~~لا سمح الله، ولكن ذهبت في الحال إلى الناظر واستأذنته في السفر، وكانت الساعة 9 فتمكنت من ~~لحوق إكسبريس 9,5 الذي يصل إسكندرية الساعة واحدة، ولما وصلت إلى محطة سيدي جابر وجدت خادمي ~~في الانتظار وعيناه مغرورقتان بالدموع، فلما رأيته على تلك الحالة ارتعشت مفاصلي وخفق قلبي ~~وشعرت بقرب مصاب أو أمر خطير، فسألت عن صحة والدي فأجابني: «إنه بخير»، «وكيف حال سكينة ~~ووالدها؟» فقال: «بخير»، «ولكن ما السبب في استدعائي هنا فجأة؟» ~~- أمر مهم لا أعرفه. ~~- ولماذا تبكي؟! أخبرني. # فهملت دموعه، ولعلمي أن هذا الخادم أمين وأنه يحب والدي محبة عظيمة، تيقنت أن والدي ~~حصل له شيء، فكررت السؤال فأجاب: إن والدك مريض. ~~- مريض! هل في خطر؟ ~~- نعم، في خطر. # فشعرت بارتخاء في مفاصلي وزيادة خفقان في قلبي، فسألت الخادم: «هل يمكن والدي أن يتكلم؟» ~~فأجاب: «إنه يتكلم قليلا.» # ثم جاء القطار فركبنا وأنا في حالة لا أقدر على شرحها، وليس لي إلا أن أتركها للقارئ ~~اللبيب، ليتصور حالة شاب لا يعرف له أقارب ولا أما ولا أخا سوى ذلك الوالد الذي أصبح على ~~شفا جرف هار. # ولما وصلنا إلى محطة باخوص ms21 أسرعت بالمشي إلى البيت، فقابلني والد سكينة وسلم علي، ~~ولكني بدأته قائلا: كيف حال والدي؟ ~~- والدك بخير، سكن روعك، ما لي أراك متغيرا؟! ~~- ولكن الخادم يقول غير ما تقول. ~~- الخادم جاهل لا يعرف شيئا، وقد طمأننا الحكيم على صحة والدك، وأنه يشفى بعد قليل من ~~الزمن، غير أنه يحتاج للراحة قليلا، وهو نائم الآن فلا تدخل عليه لئلا يستيقظ؛ فالنوم قد ~~يكون للمريض دواء. اجلس يا ولدي. # ثم أخذ بيدي وأجلسني بجانبه وأنا أقول له: «أحقا ما تقول؟» فأجابني: وهل عندك شك في صحة ~~كلامي؟ ألا تعرف أني أحب أباك كما أحب نفسي وابنتي؟ واعلم يا ولدي أن الدنيا كلها أكدار لا ~~تدوم لأحد من الناس، وعهدي بك صبورا تقابل الهموم بقلب جسور. ~~- ليس هذا سيدي موضع نصائح، أحب أن أرى والدي فإن قلبي يحدثني بأشياء كثيرة. ~~- إذا سكنت روعك وهدأت نفسك صرحت لك بمقابلته، ولا إخالك تنسى أن المريض يزداد مرضا ~~إذا رأى ولده الوحيد في حالة جزع وهلع، فإذا وعدتني بالثبات أدخلتك عليه. ~~- أعدك بالثبات والتجلد. ~~- إذن قم بنا. # ولما وصلت إلى غرفة نوم والدي رأيته منطرحا على السرير، بجواره مرضعتي وخادمنا وسكينة، ~~التي حين رأتني سلمت علي والدمع له في خدها الوردي ندوب، وعيناها كأنهما قطعتا مرجان ~~لكثرة ما ذرفته من الدموع، ومثلها مربيتي وخادمنا الذي كان ينفطر حزنا، وكان المنظر ~~هادئا، ووالدي بينهم ساكن البال، مصفر الوجه، ولما رآني حول نظره جهتي، وأشار إلي ~~بالقرب منه فدنوت منه وأنا لا أتفوه ببنت شفة، بل وقفت مبهوتا بجواره، فمد يده ومسك بها ~~يدي ووضعها على صدره ثم ذرف دمعة على خدوده الصفراء وجعل ينظر إلي ويبكي، منظر يفتت ~~الأكباد، ويجرح الفؤاد، ويفيض الدموع! والدي بهذه الحالة وجميع من حولي يبكون، حتى والد ~~سكينة كان يذرف الدمع مدرارا ويجتهد في مواراته عن نظري! كل ذلك وأنا باهت بلا دموع ولا ~~كلام، ثم نطقت: «أبي»، وعندها انحدرت الدموع، وخنقتني العبرات، وسقطت مغشيا علي لا أعي ~~ولا أدري، ولم أتذكر ms22 شيئا إلا أني شعرت ببرودة على جبيني ، مما يدل على أنهم أنعشوني ~~بالماء، ثم صرخت: «أبي، ألا ترد علي؟! أبي، هل انتهت الحياة؟! أبي، لمن تتركني؟! أبي ~~...» # ولما سمع كلماتي المتقطعة التفت نحوي ونظر إلي نظرة ما عشت لا أنساها، وقال: ها أنا ~~لديك، لا تقطع الأمل، وإذا مت فالله خليفتي عليك، ثم أغمض عينيه وسكت، فتقدم والد سكينة ~~ومسك يدي وقال: «ألم تعدني بالصبر يا ولدي؟ إن الله يحيي العظام وهي رميم»، فلم أجبه، بل ~~التفت إلى جهة أخرى، فلمحت سكينة فوجدتها تبكي بشدة فلم أعد أتمالك نفسي من البكاء ~~كالأطفال. وبعد ساعة يشيب لهولها الولدان من أنين ونحيب، فتح والدي عينيه وأشار إلى مربيتي ~~أن تساعده على الجلوس، فتقدمت وتقدم والد سكينة وساعداه حتى اتكأ على وسادة، ثم أشار إلي ~~وقال: «أنا في حالة حسنة.» # ولكنها كانت صحوة الموت الأخيرة، ثم قال: «تقدم يا ولدي، اسمع ما أقوله لك»، كل ذلك كان ~~بصوت منخفض. ~~- اعلم يا ولدي العزيز أن هذه الدنيا ليست بدار بقاء، وأنا وإن لم أرحل عنها الآن فسأرحل ~~عنها قريبا، والحزن ليس من شأن الرجال، وأنا أموت مرتاح البال؛ لأني ربيتك وهذبت أخلاقك ~~وإن كنت لم أترك لك ثروة تستعين بها على متاعب الدنيا، غير أني واثق بهمتك، وأحب أن تتخذ لك ~~طريقا تسلكه في هذا العالم فتعيش به شريفا مكرما، وأوصيك يا ولدي بالهمة والنشاط ومساعدة ~~إخوانك والفقراء والمساكين بقدر إمكانك، وتمسك بقواعد الدين الشريف والأخلاق المرضية، وأنا ~~أموت مستريح البال لأنك ستكون خير خلف لأبيك، وما مات من كنت نجلا له، وقد كتبت وصيتي في ~~رقعة مع مربيتك، والله يوفقك ويهديك لما فيه الخير والفلاح. # وبعد أن أتم هذه العبارة قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، شهادة ~~تنجيني يوم القيامة. # وهنا خفت صوته، وأغمضت عيناه، ومالت رقبته، فتقدم والد سكينة ومربيتي وحولا وجهه نحو ~~القبلة، وأنا أبكي بكاء مرا، وأقول: «هل تموت يا والدي؟ ولمن تتركني؟» فنظر إلي ms23 كأنه ~~يريد الكلام فلم يقدر، غير أنه رفع يده قليلا نحو السماء كأنما «الله موجود»، ثم شهق شهقة ~~فارق الحياة. وهنا لا يمكنني أن أشرح للقارئ حالتي حينذاك، فإن مثل ذلك الوصف فوق طاقة ~~البلغاء، فكيف بمثلي؟ غير أني أقول إنهم لما رأوني وقد وهنت قواي أخذوني إلى غرفة أخرى، ~~وجاء معي والد سكينة يلاطفني، ويذكر لي الأمثال، ويصبرني على المصائب؛ كل ذلك وأنا لا أتكلم ~~بكلمة واحدة، بل كنت أبكي بالرغم عن ملاطفته لي كما يبكي الطفل في حجر أمه، بينما أحضر ~~الكفن ولوازم الدفن، وذاع الخبر في الحال، وجاء الناس أفواجا أفواجا، وقام بالمأتم عم ~~سكينة وأخوالها، بينما كان والدها ملازما لي تلك المدة، وأتذكر أنه قال لي: والدك كان ~~وحيدا في العالم، وأنت خلفه الوحيد، فكن مثله عاقلا صبورا تبق لك ولوالديك ذكرا ~~حسنا، وما أجمل الصبر بالإنسان! وهل أنت من النساء اللواتي لا يعرفن إلا البكاء؟ واعلم يا ~~ولدي أني خليفة أبيك عليك، وقد أوصاني بك، وسأحافظ على وصيته ما بقيت في قطرة دم، وأنك ~~وابنتي الوحيدة كأشقاء لا فرق بينكما، فدع هذا الجزع وهون عليك، وقم لمقابلة الناس كما ~~كان يقابلهم أبوك حين مات أبوه، فإن هؤلاء الناس هم الذين كان يحبهم أبوك ويبرهم، فحفظوا له ~~الجميل واليد البيضاء، وأنا أتوسم في صفاتك أنك تمثل أباك في أطواره وأخلاقه الذكية، فإنه ~~كان - رحمه الله - من أحاسن الناس. # ثم ضرب لي مثلا بأم عبد الله الذي شنقه الحجاج، فإنها حين رأت ولدها معلقا من رقبته ~~بين جمهور من الناس، لفظت جملة تدل على عظيم صبرها ووثوقها من المولى - عز وجل - جملة ~~تبقى ما بقيت اللغة العربية، جملة تولد الصبر في قلب الجزوع الهلوع، وهي: # أما آن لهذا الخطيب أن ينزل عن منبر الخطابة؟ # فإذا كانت هذه امرأة وذاك حشاشة كبدها فما بالك لا تقوم وتدع هذا الجزع وتقف ~~في مأتم والدك؟! # فأردت أن أشكره على اعتنائه بي فخنقتني العبرات، ولما رآني بهذه الحالة عرف أن فؤادي ms24 ~~تلطف، فأخذ بيدي وسار بي يحادثني ويضرب الأمثال حتى وصلنا إلى المحل المعد لمقابلة الناس، ~~وقد علمت أنهم واروه التراب. بينما كان والد سكينة معي رآني الحاضرون، قاموا لمقابلتي ~~وتعزيتي، وأجلسوني بين والد سكينة وعمها، ولما جاء الليل وذهبت الناس أخذني والد سكينة إلى ~~منزله، وجيء بالأكل فلم أقدر على تناول شيء منه، ولكنه - حفظه الله - أخذ ينصحني بأن آكل ~~وإلا فقدت الحياة من الحزن والجوع، فأكلت قليلا، ثم جاءت سكينة ووالدتها وأقاربها ومربيتي، ~~وجلسوا جميعا يتحادثون ويتذاكرون صفات والدي، وقد بلغني أنه مكث مريضا نحو شهر، ولكنه لم ~~يرد أن يزعجني، حتى قربت منيته فطلبني إليه ليراني. ولما مضت أيام المأتم الثلاثة وانقضى ~~كل شيء ورأيت البيت ليس فيه سوى أثاثه، هملت دموعي وتذكرت ماضي أيامي، وقلت: # نعم هذه يا دهر أم المصائب # فلا توعدني بعدها بالنوائب # فلا تحسبني باسطا يد دافع # ولا فاتحا بعدها فم عاتب # | الفصل الرابع # عجبت لهذي الأرض كيف تلمنا # لتصدعنا والأرض أم العجائب # أحدث نفسي خاليا بخلودها # فأين أبي الأدنى وأين أقاربي؟ # بعد مضي عشرة أيام من موت والدي أتتني مربيتي وقالت: «لي معك حديث يا ولدي، فهلم بنا ~~إلى الحديقة»، فلما سمعت ذلك ذهبت معها معللا نفسي بسماع ما يزيل عني الهموم، ولما استوى ~~بنا الجلوس على مقعد هناك تحت شجرة كنت أمرح وألعب تحتها مع سكينة ونحن خليان من متاعب ~~الدنيا، قالت: اسمع يا ولدي كلامي، وثبت جأشك وتصبر على موت والدك فالدنيا كلها ~~فانية، وقد أوصاني والدك أن ألقي إليك بعض كليمات. ~~- وما هي؟ ~~- أوصاني أن أقول لك ما أعرفه عن حالته وثروته ومركزه قبل موته، فاعلم أن والدك كان من ~~كبار تجار الإسكندرية، وكانت والدتك من بلاد المغرب، تزوج بها أبوك حين ذهب إلى تلك البلاد ~~من زمن مديد. ~~- وهل تعرفين عن أهل والدتي شيئا؟ ~~- لا يا ولدي؛ لأن مدة إقامتي مع والدتك كانت قصيرة جدا، غير أني أذكر لك أنها كانت ~~جميلة الطلعة، باسمة الوجه، كريمة الأخلاق، عربية العنصر. ms25 ولما كان والدك مقيما ~~بالإسكندرية حصل هبوط عظيم في أسعار القطن، وكان عند أبيك منه كثير؛ فخسر جميع ثروته ~~وأملاكه، ولكن لثقة التجار به وحبهم له ساعدوه، وصار يشتغل معهم بدون رأس مال، ولما بيعت ~~بيوتكم في الإسكندرية أخلى له سعادة البك - والد سكينة - محلا من منزله بدون أجرة؛ لأنه ~~كان يحب أباك حبا لم أر مثله بين الأشقاء. ~~- إذن هذا ليس منزلنا. # لا يا ولدي، ليس لكم فيه شيء، وقد أوصاني والدك أن أقول لك أن تسعى بنفسك وراء معيشتك، ~~وقد رباك أحسن تربية، واعلم أنه لم يترك لك إلا مبلغا زهيدا كان يوفره بعد مصاريفه من ~~دخله القليل، وقد أعطاني وصية كتبها بخطه في أول مرضه وها هي، وإنما أسألك أن تسمح لي أنا ~~وخادمك أن نفارق هذا المنزل فما عاد لنا فيه بقاء، ويعلم الله أنني لو كنت أقدر أن أعيش معك ~~دون أن أسعى وراء معيشتي ما تركتك قط، وخذ هذه الوصية. # فلما سمعت هذا الكلام وقع على قلبي موقع السهام، فخاطبتها: بودي أن أكون قادرا فتقيمين ~~معي، وأما الآن فاذهبي إلى حيث شئت، ولا تنسي أياما قضيتها في منزلنا. # ثم سلمت علي ودعت لي بالنجاح، وتركتني وحيدا، والدنيا مظلمة في وجهي، والدموع تتناثر ~~على خدي، وقد كنت أظن أن والدي ترك لي ثروة أستعين بها على إتمام دراستي، ولكن جاء الأمر ~~بضد ما تمنيت. وبعد أن مكثت ساعة تائها لا أفقه ولا أعي خطر ببالي أن أقرأ الوصية؛ لعلي ~~أجد فيها ما يخفف المصائب، ففتحتها ويدي ترجف وفؤادي يخفق، ولما وقعت عيني على خط والدي ~~هطلت دموعي فخفت أن تمحى الكتابة فطويت الوصية حتى مسحت عيني، وفتحتها ثانية فرأيت فيها ~~بالحرف الواحد: # ولدي الوحيد وحشاشة كبدي # ستقرأ هذه الوصية وأنا في عالم آخر لا ينفعني فيه إلا عملي وسيرتي التي أبقيتها ~~ولعلها حسنة، واعلم يا ولدي أني كنت وحيدا في حياتي بلا أب ولا أم ولا عم ولا خال، ~~قضى على الكل أمر لا مرد ms26 له، وهذه الدنيا لا تدوم على أحد ، فلم تدم عليهم ولم تدم ~~علي، ولن تدوم عليك ولا على غيرك، فاسمع يا ولدي فيما فيه النفع للبلاد والعباد، ~~وساعد الفقراء والمساكين، واتخذ لك طريقا شريفا تسلكه في هذا العالم، واسع ~~لمعيشتك من أشرف الطرق، واختر العفة مع الفقر. واعلم أن الغاية لن تبرر الواسطة كما ~~يزعم بعضهم، إلا في قليل من النوادر التي لا يقاس عليها. وكن رجلا ذا محبة وشفقة ~~لأبناء جلدتك، وإذا ساعدك الزمان وارتقيت في أمتك فاجعل نصب عينيك خدمة بلادك. ولا ~~يغرنك ما غر غيرك من نعيم الدنيا فكل شيء يزول، ولا يزول اسم رافع عماد أمته ~~ومشيد ركن دولته. # وما المرء حيث يقضي حياته # لنفع بلاد قد تربى بخيرها # وأنصحك أن لا ترغب في خدمة الحكومة فإنها بئست المعيشة، حيث أصبح فيها المرء آلة ~~صماء. وأملي أن تكون رجلا عاملا في الهيئة الاجتماعية. واجعل لك ما استطعت كثيرا ~~من الأصدقاء وقلل ما استطعت من الأعداء؛ فالدهر دوار لا تؤمن غوائله. ولا تتعلقن ~~بأسباب الحياة الدنيا؛ فإن ذلك مجلبة للجبن. ولا يبعثنك طلب الرفعة والمعيشة على ~~خيانة بلادك، بل عش فقيرا لا تملك إلا قوت يومك، وذلك أمر ميسور في بلادك، مع حفظك ~~الناموس شرفك وشرف أهلك وأمتك؛ فإن الأمة تشقى وتسعد بأفراد قلائل. ولا تستصغرن ~~نفسك عن الإتيان بعمل يفيد بلادك؛ فإنك مدان بخدمتها كما يدان بها الأمير والوزير ~~والكبير والصغير والغني والفقر. واعرف لنفسك حقها، فليس بمكرمها غيرك إذا لم تكرمها ~~أنت. واعلم أن الناس في العالم سواء، أبوهم آدم والأم حواء، إنما يمتازون ~~بأفعالهم، فما دمت سالكا سبيل السداد متبعا قوانين البلاد فلا تتذلل لأجنبي، ولا ~~تتواضع لوطني إلا بما يفرضه عليك دينك وواجبك. وقم في أمتك حاثا على التربية ~~وانتشار العلوم والفضائل وحب الحرية؛ فسعادة الإنسان دائما مرتبطة بسعادة بلاده. ~~وهل تهنأ إذا كنت تنام على الحرير وتلبس الخز والديباج وتأكل أشهى المطاعم ومن حولك ~~يتضورون جوعا حفاة عراة، الأرض فراشهم والسماء غطاؤهم؟ ms27 أظن ذلك لا يرضي البهيم ~~فضلا عن الإنسان الممتاز بالعقل واللسان. وإياك ومعاشرة السفهاء؛ فالطبع كالماء ~~يمتزج مالحه بعذبه. ولا تنكب على الملاهي؛ فإنها مفسدة لروح الشرف. # وكن على الدهر معوانا لذي أمل # يرجو نداك فإن الحر معوان # وشاور من هو أكبر منك سنا وأكثر منك تجربة. ولا تترك دراستك وبحثك بمجرد خروجك ~~من المدرسة، بل خصص لنفسك وقتا تتعلم فيه القليل وداوم عليه، وإياك والإهمال! ~~وأختصر على هذا؛ لما أعهده فيك من الفطنة والذكاء. # والآن أخبرك بأمر وهو أني لما ذهبت في سنة 1295 هجرية إلى بلاد الحجاز لقضاء ~~فريضة الحج كانت معي والدتك، وقد تركناك وأنت صغير السن مع مرضعتك، وكانت والدتك ~~حاملا فوضعت في مكة المشرفة غلاما سميناه شريفا، ولكن جاء القدر المحتوم وتوفيت ~~والدتك عقب الولادة من كثرة نزيف الدم وعدم موافقة الطقس، رحمها الله رحمة ~~واسعة! # ولما كان شريف طفلا وليس معي من النساء من تتكفل به، تركته عند امرأة مكية ~~وأعطيتها مبلغا من المال، وأوصيتها أن تكتب لي عنه، فمضت مدة ولم تكتب لي، فلما ~~أعيتني الحيل كلفت أحد الحجاج المصريين بالبحث عنها، فأخبر أنها توفيت فسأل عن ~~الولد المودع عندها فلم يستدل عليه. # فإذا ساعدك الزمان فلا تضيع فرصة يمكنك الوصول فيها إلى شقيقك؛ لأنك وحيد في هذا ~~العالم، و«من لا أخا له كساع إلى الهيجا بغير سلاح»، وإذا سمح الدهر وتقابلت معه ~~فاعرفه بخال على خده الأيمن، ولا تنس أن تبلغه سلامي الأخير، وبث فيه الفضائل. ~~وهذه وصيتي، والسلام عليك إلى يوم القيامة. # والدك # فما جئت على آخرها إلا ويدي ترتجف وقلبي يخفق ودموعي تنهمل، حتى إنني كنت أضطر إلى مسح ~~الدموع التي كانت تغشي عيني فتمنعني عن القراءة، ولا إخال القارئ ألا يعرف حرج مركزي؛ ~~شاب، لم يتجاوز العشرين من عمره، وقف في مزدحم العالم الإنساني، فقيرا لا يملك إلا ~~مبلغا زهيدا لا يكفيه أكثر من سنة، يتيما لا أب له ولا أم ولا عم ولا خال غير أخ لا يعرف ms28 ~~إن كان حيا أو انقضى أجله، وإن كان حيا فالوصول إليه يكلف العناء والفقر وربما فقد ~~الحياة، ومحبا لغادة حسناء عرف درجته بالنسبة لها، وهيهات ثم ألف هيهات أن يحصل عليها، ~~فأظلمت الدنيا في وجهي، وضاقت علي المسالك، وتصورت الدنيا أضيق من سم الخياط، واعتراني ~~اليأس وجلست صامتا والوصية في يدي، وأنا ملقى بجانب الأشجار، ولبثت على تلك الحال مدة من ~~النهار تمنيت فيها الموت بدل الحياة المحفوفة بالمصائب والمخاطر، فغلب علي النعاس فانطرحت ~~على الأرض لا أفقه ولا أعي، وصرت أحلم تارة أني أرى شقيقي أمامي جميل الطلعة، وتارة أرى أني ~~أقتل نفسي وأودع سكينة، وتارة أرى والدي كما كان في الحياة يلاطفني ويسألني عن دروسي. وما ~~استيقظت إلا ويد ناعمة لطيفة وضعت على خدي، ففتحت عيني ورأيت سكينة جالسة بجانبي وهي في ~~ملابس سوداء، تشرق كالقمر الساطع في ليلة دهماء، وعيناها مغرورقتان بالدموع حين رأتني بتلك ~~الحالة والوصية مطروحة على الأرض، ولما رأيتها لم أتمالك من البكاء فأخذت تلاطفني ملاطفة ~~الأم ابنها الرضيع وأنا أبكي بكاء الطفل وهي تبكي بحرقة، وما زلنا على مثل ذلك الحال إلى أن ~~روينا من دموعنا الأزهار والأشجار ونحن صامتان لا حراك بنا، حتى ذهب النهار بنوره وسطع ~~القمر من بين الأشجار، وأنه لم يظهر على منظر أكثر حزنا من منظرنا، والعيون متقرحة من ~~البكاء والخدود بها من سيل الدموع أخاديد، كل ذلك ولا كلام غير صفير النسيم وحفيف الأوراق. ~~وابتدأ الهواء البارد يهفو بجانب وجناتنا التي كانت تلتهب نارا، وازداد البرد حيث كان ~~الفصل شتاء، فقالت سكينة: يا حبيبي، هلم بنا إلى المنزل لأن البرد قارس، وأظن والدي ينتظرنا ~~على أحر من الجمر. # فأجبتها والدموع منهملة: والدك ينتظرك، ومن ينتظرني؟ # وما كدت أنطق بهذه العبارة حتى خنقتني العبرات وهملت الدموع وصرت أبكي كما يبكي الرضيع، ~~فبكت سكينة معي، والقمر شاخص لنا، وقد خيل لي أنه شاحب اللون كأنما هو يشاركنا في أحزاننا. ~~وبعد زمن ليس بقليل قالت: كفانا بكاء، قم معي بحياة ms29 حبي لك فإن فؤادي يتفطر من هذا المنظر، ~~وأخاف عليك من شدة الحزن. ~~- لا تخافي علي، لو كنت تحبينني فإن راحتي في مماتي، والحبيب يحب لحبيبه الراحة بأية ~~طريقة فساعديني على الموت. ~~- ما هذا الكلام؟! هل أنت يا حبيبي أول الشبان الذين مات آباؤهم؟! ~~- ولكني أول الشبان الذين ضاقت بهم الدنيا، وأحدقت بهم المصائب من كل جانب. ~~- دع هذا الجزع، ولسوف تنسى كل شيء فإن في حبنا سعادة. ~~- ليس هذا وقت الكلام يا سكينة؛ فالبرد قارس وأبوك في انتظارك على أحر من الجمر، فقومي ~~إليه مصحوبة بالسلامة ودعيني وشأني أقلب أمري، ولي رب يرحمني ويشفق علي. ~~- أنت تجرح فؤادي بهذه الأقوال، ألم يكفنا ما نحن فيه؟! ~~- ولم أجرح فؤادك، أنت سعيدة وأنا تعيس، قضى الله ذلك ولا مرد لحكمه. ~~- إذا كنت سعيدا فأنا سعيدة، وإن كنت تعيسا فأنا تعيسة؛ فسعادتنا وتعاستنا ~~مرتبطتان. ~~- قد كان ذلك فيما مضى، واليوم لا. ~~- وماذا جرى اليوم؟ هل موت والدك يجعل بيننا فرقا ويمنع حبنا؟ ~~- موت والدك يمنع حبك ولا يمنع حبي. ~~- لا أفهم قصدك، فأنا ما زلت أحبك. ~~- سوف تفهمين وسوف تعلمين حين تتزوجين بأمثالك السعداء، وكأن ما بيننا لم يكن شيئا ~~مذكورا. # وما أتممت عبارتي حتى رأينا شبحا قادما فتحققناه فعلمنا أنه والدها يبحث علينا في ~~الحديقة، ولما وقع نظره علينا قال: أنتما هنا ونحن في انتظاركما من زمن؟! وقد أرسلت الخدم ~~في الحدائق المجاورة للبحث عنكما، ومن قلقي أخذت أتمشى في الحديقة فعثرت بالصدفة عليكما، ~~فكيف تجلسان هنا والبرد قارس؟! # فأجبته: لك الشكر على اعتنائك بي، ولكن البرد لم يؤثر علي؛ فإن في القلب من المصائب ~~نيرانا لا تطفأ. ~~- ظننتك تركت الأحزان التي هي من شأن النساء، قم يا ولدي ودع هذه الأفكار. # ثم مسكني من يدي وسار بي إلى المنزل وسكينة بجانبه، فقال لها: لم لم تأت به إلى ~~المنزل؟ # فقالت: أبى الذهاب وفضل البقاء في الحديقة. ~~- هلا أتيتني وأخبرتني! ~~- كنت على وشك الذهاب إليك لما أصر على البقاء. # ثم قال ms30 لي: أظنك لم تأكل شيئا في نهارك ؛ فقد سألت عنك فقيل إنه خرج من الصباح ولم ~~يعد. ~~- الأكل وعدمه سيان عندي. ~~- عهدي بك صبورا عاقلا، وكلنا مات آباؤنا ونحن مثلك. # وما زال يلاطفني حتى وصلنا إلى المنزل وجيء بالأكل، ولولا إلزامه إياي بالأكل ما أكلت، ~~ثم أمرني أن أذهب للنوم فذهبت، ولكن: # متى يغفل المسكين والجمر تحته # وجيش الرزايا والهموم يحاربه؟ # | الفصل الخامس # دع اليأس والأحزان فالعمر واحد # وما كان مقدورا فسوف تقابله # إذا كنت في مصر تنال صروفه # ففي غيرها لا شك أنك نائله # وأدرى الورى من عاند الدهر قصده # موت مذاقا بالخطوب مناهله # وأودع في نار التجارب مدة # وأثقل من حمل المصائب كاهله # وما المرء إلا حيث يسعى لرفعة # فتبقي له ذكرا جميلا فعائله # لعمري لم ترسل الشمس أشعتها الذهبية على سرير نائم أكثر مني حزنا وأكسر مني قلبا وأتعس ~~مني عيشا وأشغل مني فكرا، مرت تلك الليلة لم يزر فيها النوم جفني وأنا أتفكر في وصية ~~والدي وحالة شقيقي وكيفية الوصول إليه والحصول عليه، فصرت أضرب أخماسا لأسداس وأتصور أني ~~في مكة أبحث عن شقيقي شريف، وتارة أتصور أني لم أعثر عليه، وتارة أتصور قبره أمامي، وتارة ~~أتصور أن عرب الحجاز تفتك بي ... إلى غير ذلك من الوساوس، حتى فتح باب الغرفة ودخلت سكينة، ~~فلما رأتني مستيقظا قالت: أنت مستيقظ، وأنا لم أرد أن أدخل عليك خوف إيقاظك بعد سهرك في ~~الحديقة؟! ~~- شكرا لك، وهل تظنيني أنام؟ # فقالت: ألم تنم أمس؟ فقلت: وهل أنا مثلك أنام الليل؟ شتان بين من أثقلت الهموم كاهله وبين ~~خلي يحلم بالسعادة طول ليله. ~~- إذا استمررت معي على هذه المعاملة فإني أموت ولا شك. ~~- لا تموتي، فسوف أمنع عنك هذه المعاملة بذهابي من بيتكم فما عاد لي عيش فيه، ولكم الشكر ~~على ما أسديتم إلى والدي وإلي من المكارم. ~~- وكفى بالله، لا أقدر أن أسمع هذا الكلام. ~~- ستسمعينه يا سكينة بالرغم عنك وبالرغم عني. # فبكت ولم تتكلم مطلقا، ولكن قمت فلبست ملابسي ms31 ووضعت وصية والدي في جيبي، وسألتها عن محل ~~والدها فقالت: إنه في انتظارك لتفطر معه. فخرجت وخرجت معي إلى حيث يجلس والدها، فلما رآني ~~متغير الوجه قال: إنك لم تنم إلا قليلا يا فريد. # فقلت له: لا قليلا ولا كثيرا. فقال: ولم هذا الحزن يا ولدي الذي تراكم عليك أمس، وما ~~سببه؟ # فقلت: ليسمع لي سيدي كلمة واحدة، لقد أحسنت لوالدي في حياته وفي مماته باعتنائك بأمر ولده ~~الحقير، ولك ولابنتك الشكر والفضل، وحيث إني غريب عنكم وليس لي عندكم ما يجعلني أقيم بينكم، ~~فاسمح لي بالذهاب أقابل العواصف الدنيوية بصدر تربى على الثبات وفعل المروءة، جزاك الله عن ~~الإنسانية خيرا. ~~- هذا كلام لا يسمع، نعم إن والدك توفي وليس لك أقارب ولا ثروة تقوم بتعليمك، ولكني أبوك ~~وسكينة أختك وأمها أمك وهذا البيت بيتك لك ما لنا وعليك ما علينا. واعلم أنني عازم على ~~إرسالك إلى المدرسة التوفيقية لتتميم دراستك، لكي تحوز شهادة الدراسة الثانوية وإما أن ~~تستخدم في الحكومة أو تذهب إلى مدرسة عليا، وكل مصاريفك من مالي فإنني مهما عملت معك لا ~~أؤدي الجميل الذي قام به والدك نحوي أيام كان أول تاجر بالإسكندرية والفضل للمتقدم، ولذلك ~~فإني لا أدعك تذهب. ~~- على أي حال فإن لساني يعجز عن شكرك، غير أني لا أقبل أن يصرف علي من مال أحد غير ~~والدي، وقد أوصاني أن أتخذ طريقا في العالم وأن أقوم بلوازم نفسي؛ فلا أخالف له وصية ولا ~~أرضى أن أعيش إلا على ما أحصل عليه من عرق جبيني، وأنا عارف أنك تحب أن تصرف على تربيتي ~~فإنك مشهور بحبك للتربية، وكم صرفت وكم تصرف من المبالغ على تربية أولاد الفقراء حبا في ~~بلادك! أما أنا فقد تعلمت ما يكفيني لأن أعيش عيشة شريفة مع القيام بواجبات وطني ~~وأمتي. ~~- إذا لم تشأ أن تذهب إلى المدرسة فإني أبحث لك عن مركز في الحكومة بواسطة إخواني. ~~- عزمت إن شاء الله على أن لا أطرق للحكومة بابا. ~~- إذن علام عولت ms32 يا ولدي؟ ~~- على السعي وراء معيشتي، والله وليي وعليه أتوكل. # فلما سمعت سكينة إصراري على الذهاب من عندهم، خرجت من عندنا وأنا أرى الدموع تتناثر من ~~نرجس عينيها كقطرات الندى على الورد، فسألها والدها عن سبب خروجها فلم تجبه بل خرجت صامتة، ~~فالتفت إلي وقال: ألا ترجع عن عزمك؟ وأين تذهب؟ ~~- لا أرجع عن عزمي لأني مسافر إلى بلاد الحجاز في أول مركب تسافر من السويس. ~~- مسافر إلى الحجاز! ما هذا الكلام يا ولدي؟! ولم تسافر؟! لا بد من سبب. ~~- نعم. # وقصصت عليه أمر شقيقي كما هو مذكور في الوصية، وأني عازم على البحث عليه لكي يكون لي ~~وأكون له عضدا وساعدا مساعدا. فلما سمع ذلك أطرق برأسه مدة من الزمن ثم رفع رأسه وقال: ~~لا تذهب، وأنا أكلف مأمور الصرة الذي يذهب مع المحمل الشريف في هذه السنة أن يبحث على ~~شقيقك، فربما يكون قد توفي، وكيف تذهب إلى هذه البلاد والإنسان لا يأمن فيها على حياته؟ ~~فقلت له: إن حياتي لا تهمني، بل يهمني شخص ليس لي من الدنيا سواه، فإن حصلت عليه كان ~~المراد، وإلا أكون قد قمت بالواجب علي، وإن مت أموت شهيد الشرف والمروءة. # فقال: تعجبني شهامتك وحسن مبدئك، ولكن دون مرادك خرط القتاد. ~~- الصبر والثبات يذللان صعاب الأعمال، فلا بد من سفري وعلى الله الاتكال. # وما زال يعارضني وأعارضه حتى لان ووعدني بالمساعدة من مال وغيره، كل ذلك صار وسكينة واقفة ~~على الباب تبكي وتنتحب، فلما سمعت تصريح والدها دخلت علينا وهي باكية، فقال لها والدها: ما ~~لك يا سكينة؟ فقالت: بالله عليك يا والدي لا تصرح له بالذهاب؛ فإنني تربيت معه ولا قدرة لي ~~على فراقه. # ثم جاءت والدتها فأعلمتها بالخبر فشددت علي بالبقاء، وأخذ الجميع يرجونني في تغيير عزمي ~~فلم أغير فكري، فلما رأوا إصراري سكتوا جميعا، وعند ذلك قال البك: «إذا كان ولا بد من ~~سفرك، فلا بد من ذهابي إلى الإسكندرية لأستعلم لك عن أوقات قيام البواخر وكيفية السفر؛ ~~لتكون ms33 على بينة من أمرك، وآمل أنك إذا سافرت تعود في أقرب وقت، وأسأل الله أن يسهل لك ~~السبيل وتعثر على شقيقك الوحيد. ثم قام للسفر. # أما أنا فبقيت مع سكينة ووالدتها مدة طويلة، تتكلم عن السفر وكيفيته وما يتبع ذلك من ~~الكلام، وسكينة لا تتكلم، ولما طال الوقت هممت بالخروج إلى الحديقة، فسألتني سكينة عن مقصدي ~~فقلت لها: إلى الحديقة، فقالت والدمع يغلب قولها: ألا تحب أن أكون معك لكي أتمتع برؤيتك قبل ~~السفر؟ ~~- ذلك ما أتمناه، إنما أرجوك بحق تربيتنا معا أن لا تستعملي رسول هواك في منعي عن السفر، ~~فقد كفانا معارضة. ~~- أنا لا يمكنني؛ لأن رسول غرامي ليس له تأثير عليك الآن، وإلا لكنت قبلت نصيحة والدي ~~وبقيت معنا. # وفي أثناء الكلام وصلنا إلى الحديقة، ولما كنا نمر على محلات لعبنا ونحن طفلان، أو على ~~محلات جلوسنا ونحن عاشقان ندير كئوس الغرام كنا نتنهد سوية، حتى وصلنا إلى مقعد هناك تحت ~~شجرة كنا نألفها حتى لقد سميناه «ملتقى الأحباب»، ولما استوى بنا الجلوس قالت: يا فريد، ~~أتذكر الأيام التي قضيناها تحت هذه الشجرة؟ ~~- تسأليني؟ وهل أنسى أيام هنائي وسروري؟ ألا تعلمين أن أيام الصفاء هي كروضة يانعة زاهرة ~~في صحراء الذاكرة؟ ومن العادة أن الأمور بضدها تعرف، ولكن سوف تنسين ذلك، تنسينني حينما ~~تتزوجين برجل من درجتك في الثروة والمقام. ~~- طالما قلت لك: إنك تجرح فؤادي بهذه الأقوال، وهل أتزوج بغيرك ولو ذقت المنون؟ ~~- لا تتزوجين بغيري! ولم؟ هل تظنينني أتكدر؟ لا وأبيك، إن سعادتي هي سعادتك، فمتى كنت ~~سعيدة ذات بعل يستحقك وأولاد متعلمين مهذبين فإني سعيد، وإنما لي نصيحة أحب أن تسمعيها فإذا ~~عملت بها فإن فؤادي ولو على بعد منك يهنأ ويسعد. ~~- وما هذه النصيحة يا فريد؟ ~~- أحب أن لا تتزوجي إلا من كان متعلما مهذبا، يعرف الواجب نحو امرأته وعائلته. # فأرادت أن تقاطعني الكلام، فقلت لها: «تأني يا سكينة، إن ما أقوله لك صادر عن فؤاد مملوء ~~بحبك.» # وإذا رزقت معه بأولاد، فبثي ms34 فيهم روح الفضائل من الصغر، ورأس الفضائل الدين وحب الوطن. ~~وإذا مت غريبا عن بلادي فاذكريني لأولادك. # فبكت حين سمعت ذلك، فقلت لها وفؤادي يكاد ينفطر من الحزن: «لا تظني أن كلامي صادر عن جفاء ~~أو عدم محبة، لا، فإنني أحبك حبا لا مزيد عليه، كنت أحبك حب خطيبة فصرت أحبك حب شقيقة، ~~فاذكريني ولا تنسيني فإن ذكراك تنعش فؤادي إن حيا، وتسر روحي إن ميتا». ~~- لا سمح الله بذلك! وإني أعاهدك على أن لا أتزوج بغيرك، فإذا عدت سالما كنت زوجي، وإلا ~~فإني أعيش وأموت حافظة عهدك. ~~- هذا الكلام تقولينه الآن كما يقوله أمثالك، نعم إنه صادر من صميم فؤاد، إلا أن طول ~~الزمن يغير ما في الفكر، وهذا أمر أثبتته التجارب وأيدته الحوادث؛ «البعيد عن العين بعيد عن ~~القلب»، وأنا بصفتي أخيك أحب سعادتك فلا تعلقيها على سعادتي فإني براء منها؛ فتكوني كمن ~~يبني قصورا في الهواء. # ثم أخرجت لها من جيبي صورتى، وقلت لها: خذى هذه تذكارا لما كان بيننا، ولا تنسي أيام ~~سرورنا. فقالت: سوف تعلم الأيام أني لا أخون حبك ولا أنقض عهدك ولو نقضته أنت، وسأضع هذه ~~الصورة أمام عيني أتطلع إليها كل ساعة وإن كانت مرسومة في فؤادي، وسأعطيك صورتي قبل سفرك، ~~وأحتمل المصائب في غيابك، وإن كنت تحبني فعد إلي. # وفي هذا الوقت جاء الخادم ودعانا إلى الذهاب لمقابلة البك، فأخذت بيد سكينة إلى أن وصلنا ~~إلى قاعة الجلوس وهناك وجدنا والدها جالسا، فحين رآني أخبرني أنه استعلم عن قيام البواخر ~~من السويس، وعلم أن إحدى بواخر الشركة الخديوية تقلع من المينا الساعة العاشرة صباحا من ~~يوم السبت، وقد اشترى لوازم السفر من جعبة وملابس، ثم أعطاني ريفلفرا وعلمني كيفية ~~استعماله، ووضع لي مبلغا من المال في سقط، وقال لي: «إن هذا المبلغ جميعه قد تركه والدك، ~~وهذا الكتاب - وناولني إياه - هو وصية من أحد كبار المصريين إلى أمير جدة؛ ليوصلك إلى مكة ~~سالما، وهذا كتاب وصية آخر إلى قبودان الباخرة. ومتى ms35 وصلت إلى مكة فاجتهد في البحث على ~~شقيقك حتى تعثر عليه، وعندك من المال ما يكفيك سنين، وإذا احتجت لغيره فاكتب إلي وأنا ~~أرسل لك بأية طريقة كانت، وداوم على إرسال الخطابات فإن القليل منها يصلنا، والله خليفتنا ~~عليك. # | الفصل السادس # وقائلة لما أردت وداعها # حبيبي أحقا أنت بالبين فاجعي؟! # فيا رب لا يصدق حديث سمعته # لقد راع قلبي ما جرى في مسامعي # وقامت وراء الستر تبكي حزينة # وقد نقبته بيننا بالأصابع # تسلم باليمنى علي إشارة # وتمسح باليسرى مجاري المدامع # كان ميعاد قيام الباخرة الخديوية يوم السبت فعزمت على السفر من الرمل يوم الخميس، ثم ~~أرسلت كتابا إلى صديقي في المدرسة، الذي أرسل إلي تلغرافا يعزيني في والدي وكتابا ~~يسألني فيه عما إذا كنت عازما على الرجوع إلى المدرسة، وكتبت له أن ينتظرني يوم الخميس ~~بمصر حيث إنني عزمت على المبيت فيها ليلة الجمعة ومبارحتها إلى السويس في الصباح. فلما كان ~~يوم الأربعاء صباحا جاءني منه كتاب يسألني في السفر إلى مصر يوم الأربعاء ليمضي معي يومين ~~بدل يوم واحد، فشاورت سكينة في ذلك - ولعمري ولقد رأيتها بعيني وهي تذبل كالوردة ~~المقطوعة من فرعها - فقالت: أتفضل إخوانك علينا؟ ألم يكفني سفرك القريب حتى تحرمني من يوم ~~أتمتع فيه برؤيتك؟ فيا حبيبي، إننا أحوج إلى دقيقة بل ثانية نتمتع فيها بمرأى بعضنا، ولا ~~تعجل الفراق. # والهم يأتي لا تعجل قربه # فلنشرب المعسول قبل الصاب # فأجبتها: «يا سكينة، بالرغم عني أن أبعد عنك لحظة واحدة، ولكن ما قدر لا بد من وقوعه، ~~فإن لم أسافر اليوم فسأسافر غدا»، وما انتهيت من عبارتي حتى أخرجت صندوقا صغيرا وأعطتني ~~منه صورة حسناء، قائلة: «خذ هذه ولا تنس صاحبتها»، فتأملت الصورة، فرأيت محاسنها تكاد ~~تتكلم عن جمالها الفتان، ثم أعطتني منديلا مطرزا بيدها منقوشا عليه اسمي واسمها، ~~فطويت الصورة فيه ووضعتها في جيبي، ثم أخذت بيدها وسرنا إلى الحديقة نمر على محال جلوسنا ~~ومرتع أنسنا التي قضينا فيها ساعات طوالا، نتناشد أحاديث الغرام، وندير كئوس ms36 الهوى، ~~وكلما مررنا على محل تتناثر الدموع وتخفق القلوب وتلتهب نار الصدور، وعلى مثل تلك الحال ذهب ~~النهار بنوره وجاء الليل بظلامه وخيالاته، ولقد قضينا ردحا من الليل ونحن جلوس في ~~الحديقة، لا رقيب سوى القمر الساطع ولا نمام سوى النسيم العليل، نتذاكر الماضي بأسف ~~زائد، وننظر إلى المستقبل بفؤاد واجف، حتى شعرنا بالبرد فتركنا الحديقة وذهبنا إلى المنزل ~~وذهب كل منا إلى حجرة نومه، فلم يكن من نصيبي إلا السهاد وأنا أفكر في السفر، وطال الليل ~~حتى خلت الصباح ليس بآت، ولسان حالي يقول: # يا ليل طل أو لا تطل # لا بد لي أن أسهرك # ثم غفلت عيني قرب الصباح ولم أستيقظ إلا وسكينة بجانبي، فسألتني عن نومي فقلت لها: «إني ~~لم أنم إلا قرب الصباح»، فقالت: «أنا لم أنم أبدا». وبعد أن لبست ملابس السفر أمرت الخادم ~~بالذهاب إلى المحطة قبل الميعاد، ثم جاء والد سكينة وقدم لي كيسا مملوءا من النقود ~~الذهبية وحزمني بالحزام المملوء من الذهب، وبعد ذلك قال لي: أنا ذاهب إلى المحطة، فلا ~~تتأخر بعد أن تودع من في المنزل. # فلما خلت بنا الحجرة قبلت سكينة في جبهتها لأول مرة ولآخر مرة في حياتي، وودعتها الوداع ~~الأخير ما بين زفرات تتصعد ودموع تتحدر، فكان المنظر يذيب القلوب ويفتت الأكباد، ~~وكلما هممت بالخروج تمسكني وتتوسل إلي أن أتأخر ريثما تطفئ بعض أشواقها فخفت أن يفوتني ~~القطار، فقلت لها: صبرا يا سكينة صبرا. # يود الفتى في العيش نيل مراده # ولكنها الأيام في حكمها تجري # فيا من هواها لا يغيره النوى # أعدي لبعدي ما استطعت من الصبر # فقالت ولآلئ الدموع تتناثر على خدها: # وهل صبر لبعدك يا حبيب # ولوعات الغرام لها لهيب؟! # ولم نزل على هذه الحال، أنا أهم بالخروج وهي تمنعني، حتى جاء الخادم قائلا: هلم ~~بسرعة؛ فلم يبق على القطار إلا عشر دقائق. # فلما سمعت كلماته ودعتها الوداع الأخير، وخرجت كالسهم لا أعي ولا أسمع ما تقول، فوصلت ~~إلى المحطة والدموع ملء عيني وأنا أتذكر ms37 أيام صباي في تلك البقعة وأني راحل عنها في مثل ما ~~تزيد الحسرة ويولد الأكدار. وبالاختصار، ركبت القطار مع والد سكينة حتى محطة سيدي جابر، ~~وفارقته عند سير القطار الذاهب إلى مصر بعد أن زودني بنصائحه المفيدة. ولما خلوت بالعربة ~~وتذكرت أول مرة سافرت إلى المدرسة ومعي المرحوم والدي هملت الدموع من عيني، والتفت إلى ~~الرمل والقطار ينهب الأرض نهبا، وخاطبت تلك البقعة الزاهية الزاهرة: # عليك سلام الله أيها الموطن العزيز السعيد، موطن صباي ومرتع شبيبتي، ليت شعري أيسمح ~~الزمان بالعودة إلى شقيقي الوحيد أم يضن بهذه الأمنية؟ آه، ما كان أسعدني حين كنت طفلا ~~صغيرا! ألا ليتني لم أكبر وليت الزمان لم يتحول: # يا رجاء نأي مكانا قصيا # وهناء ما عشت فيه مليا # لهف ذاك الرجاء قد كان نبتا # قد سقته مدافع العين ريا # هصرته يد القضاء وأذوت # ذلك الغصن حين كان طريا # أف لدهر لم يصف يوما إلا تكدر في الثاني، دهر شأنه الغدر بكل حر! وأنت يا حبيبة ~~الروح، لا تنسي أياما قضيناها في هذه الربوع، واذكريني فإن ذكرك يخفف بلواي على بعد الديار ~~وشط المزار، إن قلبي ليتفطر حينما أرى نفسي مبعدة عن ديار تمتعت بهوائها وربيت بخيرها ~~وحظيت فيها بأويقات السرور، إلى ديار لا أعرف فيها إنسانا. # وما زلت غارقا في بحار هذه الأفكار حتى وصل القطار إلى محطة مصر، فوجدت صديقي مع بعض ~~التلامذة في انتظاري، وبعد التسليم والتعزية شكرتهم على حسن تعطفاتهم، وركبنا عربة ولم أشأ ~~أن أذهب إلى نزل كديفيال فإنه يجدد أحزاني، بل أمرت السائق بالذهاب إلى نزل آخر. ولما ~~وصلنا جميعا واستوى بنا الجلوس في إحدى غرف النزل، سألني صديقي عن عزمي، فأخبرته بالأمر ~~من أوله إلى آخره، فلما سمعوا قصتي أسفوا لفراقي، وقال أحدهم: «بودي لو أتمكن من مساعدتك ~~بأية طريقة كانت، وكنت أحب أن تتمم معنا دراستك، ولا شك أن أساتذتك يتكدرون لفراقك لما ~~كانوا يعهدونه فيك من الاجتهاد، ويأملونه منك لخدمة البلاد»، فأجبته: «إني أشكرك يا صديقي ms38 ~~على مثل هذه العواطف الشريفة، وأشاركك في الأسف لفراق وطن ربيت فيه وتمتعت بهوائه ~~وأظلتني سماؤه، وإن قلبي ليقابل الخطر المحدق بي بكل ثبات وعزيمة، عالما بأن ما كان سوف ~~يكون، ولكنما يزيد أسفي فراق الذين أحبهم ويحبونني من الإخوان والأصدقاء، ولعدم تمكني من ~~خدمة بلادي معكم في مثل هذا الوقت، وأنا معيد عليكم ما سمعته من البك ...، صديق والدي، فقد ~~قال لي: «إن تقدم بلادكم مرتبط بكم، وأنتم زهرة مصر فانشروا رائحتها الزكية، يشمها الداني ~~والقاصي، ولا تتكاسلوا أو تتهاونوا في أمرها استخفافا بأنفسكم أو استصغارا لقدركم، ولا ~~إخالكم إلا تعرفون عن شبان أوروبا ما أعرفه وزيادة. وليكن في علمكم أن تأخر بلادكم تسألون ~~عنه كما يسأل أكبر الكبراء وأثرى الأغنياء وأفقر الفقراء والقوي والضعيف؛ فكونوا في أمتكم ~~بمثابة الخطباء المذكرين بمجد أجدادهم، حاثين على اتباع الفضائل ونفي الرذائل، وبذلك ~~تقوى عصبيتكم وتجدون من أهل بلادكم من ينشطكم على أعمالكم، فأنتم أحوج إلى التعاون والتضافر ~~منه إلى الشقاق والتنافر، «ولا تفرقوا فتذهب ريحكم»، ودونكم تاريخ الأندلس وكيف تفرقوا ~~شذر مذر، كأن القوم ما كانوا حين انقسموا طوائف طوائف ودبت فيهم روح حب الرئاسة، ~~وتركوا الدين وراء ظهورهم ففتك بهم الغير بما تشق له المرائر وتتفتت له الأكبدة، كما قال ~~شاعرهم يمثل حالهم: # فطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت # كأنما هي ياقوت ومرجان # يقودها العلج للمكروه مكرهة # والعين باكية والقلب حزنان # لمثل هذا يذوب القلب من كمد # إن كان في القلب إسلام وإيمان # وهذا مثل تتمثلون به، وتلقنونه لأخدانكم وأولادكم، وانظروا إلى كتب الفرنسويين ~~الابتدائية كيف أنهم يكتبون أول جملة فيها: «الألزاس واللورين أخذتها ألمانيا. يجب على كل ~~فرنسوي أن يردها إلى بلاده»، ومثل ذلك من العبارات الوطنية؛ ليغرسوا في قلوب الناشئين حب ~~بلادهم والسعي وراء استعادة ما أخذ من حقوقهم. وانظروا إلى الأمم التي نجحت في رفع شأنها، ~~ولا تستبعدوا الطريق فمن جد وجد ومن سار على الدرب وصل.» ولقد نبه فكري إلى أشياء كثيرة ~~بعباراته الرقيقة، فلا حرم ms39 منه الوطن ولا حرمت منه الإقامة. فقال صديقي: أما أنا فكما ~~تعهدني لا أدع فرصة تمر علي دون أن أنشط إخواني وأحثهم على اتباع طرق الفضيلة، ~~ويسوءني أن أرى بعض أولاد الأغنياء منكبين على الملاهي، عاكفين على الملذات البهيمية، ~~طارحين العمل وراء ظهورهم، غير ذاكرين واجب بلادهم، وذلك نتيجة عدم بث روح الكمال وحب ~~الفضائل فيهم من الصغر، ولكن الحال أحسن من ذي قبل، والشبان في دور يبعث على الأمل في ~~النجاح، وفقنا الله لما فيه الخير والفلاح! ولكن إذا كنت مسافرا غدا فلا بد من الذهاب إلى ~~المحافظة لأجل الحصول على جواز السفر، وإني أتشرف بالقيام بهذه الخدمة فإن لي في المحافظة ~~قريبا يساعدني. ~~- إني أشكرك يا صديقي، فإني حصلت على جواز السفر من الإسكندرية. ~~- وكتبك التي بالمدرسة لمن تتركها؟ ~~- خذها ووزعها على إخواني وأصدقائي، واكتب على كل كتاب «هدية من فلان إلى صديقه فلان»، ~~واكتب تحت ذلك «حب الوطن من الإيمان». # فقال أحد الحاضرين: «حيث أبقيت لنا تذكارا يدل على شرف مبدئك، فأرجوك أن تأخذ مني صورتي ~~دليلا على ودادي»، فقال صديقي: «وأنا كذلك»، فشكرتهم جميعا على حسن تعطفاتهم، وأخذت ~~صورتيهما. ثم أشاروا علي بزيارة المدرسة قبل السفر فوافقتهم وإن كان ذلك يجدد الأحزان. ~~وبعد أن وصلنا إلى هناك وكان قبل الغروب بساعة، قابلني بقية التلامذة، وعزوني على موت ~~والدي، ومثلهم حضرات الضباط الكرام، ثم درت في أنحاء المدرسة حتى وصلت إلى شجرتي المحبوبة ~~التي كنت أمضي أغلب أوقاتي ليلا تحتها، وهي بجوار السور الغربي المحيط بسكن الناظر ~~المفضال، ولما وقفت تحتها ذرفت دمعة، لم أشعر لها إلا وهي تسيل على خدي، فأسرعت بالمنديل ~~لمسحها، فلمح ذلك صديقي، ومسك يدي قائلا: «الصبر». ثم تركنا ذلك المكان الذي يجدد الأحزان، ~~وسرنا إلى محل المذاكرة، فلما وصلت إلى محل جلوسي قعدت قليلا متفكرا فيما جرى وفيما ~~سيجري، وفتحت الدرج فوجدت مكتوبا على ظهره: # إذا تذكرت أيامي التي سلفت # أقول بالله يا أيامنا عودي # وعلمت أن كاتبه صديقي، كتبه ليذكرني به، ms40 فشكرته على حفظه العهود، ثم سرنا إلى محل النوم، ~~وهناك جلست على سريري الذي أمضيت عليه ليالي عديدة، لا فكر لي غير سكينة. وبعد أن جبنا ~~أطراف المدرسة: # ودعتها ودموع العين تنهمل # والقلب من شدة الأحزان مندمل # والقلب غاب وضل الفكر أجمعه # حتى تخيل أني ساكر ثمل # | الفصل السابع # أودع أوطانا ربيت بخيرها # وأتركها مني على غير رغبتي # وليت مسيري كان فيه تقدم # لشأن بلادي أو لرفعة أمتي # وعار على الإنسان يترك قومه # يسيرون خلفا وهو يهنى بعيشة # ما قرب الوقت المعين لقيام الباخرة إلا وقلبي يخفق خفقانا زائدا، وفؤادي يتلهف وعيوني ~~تتزود من البلاد بنظرة، وفكري يجول في إمكان العودة وعدمها. والقارئ لو يشاركني في حالتي ~~وأنا مغادر بلادي العزيزة التي أحبها كما أحب نفسي التي بين جنبي إلى بلاد يقال بتوحش ~~أهلها، وساع وراء مقصد لست متحققا من نجاحه، وتارك ورائي حبيبة تذرف الدموع لبعدي وأذرف ~~الدماء لبعدها؛ فإنه لا شك يشفق علي. كل ذلك كان يتمثل في مخيلتي وأنا على ظهر الباخرة ~~التي بقي على ميعاد قيامها ساعتان، وإذا بأحد سعاة المركب يسأل المسافرين عن شخص اسمه أمين ~~فريد، فلما سمعت اسمي قلت له: «ما تريد منه؟» فقال: «لدي كتاب أحضرته من البوسطة له»، ~~فقلت له: «أنا هو»، فناولني كتابا، نظرت في عنوانه فعرفت أنه خط سكينة، وعلمت أنه مرسل من ~~الرمل، وهاك عنوانه: # السويس # المحترم أمين أفندي فريد، يوجد على ظهر الباخرة الخديوية التي تقلع من المينا ~~الساعة 10 صباحا. # ففضضت ختامه وقرأت: # حبيب فؤادي # حذار من القرطاس عند استلامه # ففيه شواظ من جوى الوجد تلهب # وما كان عمدا وضعها فيه إنما # تنفست جمرا حينما كنت أكتب # أكتب إليك هذا الجواب والدمع يمحو ما أكتبه، ويدي ترجف فلا تقدر على الكتابة، ~~وحالي تسر العدو وتسيء الحبيب، وقد تركتني وأنا في حالة يرثى لها، وقيل لي إنه غشي ~~علي مدة تداركوني فيها بالطبيب، وقد عرفوا مقدار حبي وظهر مستور سر الغرام، وزاد ~~بي الوجد والهيام، فكتبت إليك ms41 هذا ولم أعرف كيف أرسله، فتذكرت قيام الباخرة وكتبت ~~عنوانه كما ترى، فإذا وصلك فلا تنس أن تكتب لي رده، واعلم أنني أموت محافظة على ~~ودك، فلا تنس مجروحة الفؤاد. # حبيبتك سكينة # فذهبت توا إلى محل الجلوس، وكتبت لها ما يأتي: # تحمل إليها يا كتاب تحية # من المغرم المسكين والعاشق المضنى # ألا ليت شعري يسمح الدهر باللقا # وأصبح منها قاب قوسين أو أدنى # أكتب إليك هذا وبيني وبين مفارقة وطني ساعة زمانية حيث وصلني جوابك فزاد الوله ~~من جهة وخفف المصائب والأحزان من جهة، فما دمت تحافظين على ودادي وتدومين على عهدي ~~فإن قلبي على البعد يستريح، وتخفف بعض الهموم عن فؤاد الجريح، فإن عدت لمصر كنت ~~سعيدا برؤيتك، وإلا فأذكريني وارحمي شبابك وتزوجي بمن تحبين من الشبان المتحلين ~~بالفضائل والآداب. وفي الختام، أهديك سلاما لا أتعرض لوصفه؛ فإنه يتصور أكثر من ~~أن يوصف، وقبلي لي أيادي والديك، واشكريهما على حسن تعطفاتهما نحو حبيبك. # أمين # وبعد ذلك تذكرت أني لم أعط صديقي صورتي، فأخذت ورقة وكتبت له: # أكتب إليك هذا وأنا على وشك مفارقة أوطاني المحبوبة التي أذكرك بواجبها، وهذه ~~صورتي تذكارا لما كان بيننا من الوداد، فربما تأتي منيتي في تلك البلاد. وسأكتب ~~لك من زمن إلى آخر بما ألاقيه إذا سمحت الفرص. وأسألك أن تهدي وافر تسليماتي إلى ~~أصدقائي جميعا، وعليك ألف سلام من صديقك. # أمين # ثم كتبت على ظهر الصورة هذين البيتين: # تركت روحي لمن أهوى بمصر كما # شاء النوى فاستكانت وهي محصورة # وهذه صورتي سارت إليه لكي # تكون بين يديه الروح والصورة # وبعد كتابة عنواني الجوابين أعطيتهما للساعي وأوصيته بتوصيلهما إلى بوسطة المينا وكافأته ~~على ذلك. وبعد قليل من الزمن أقلعت الباخرة، وسارت تمخر عباب الماء وتتهادي كالعروس على ~~بساط أزرق، بسم الله مجراها ومرساها، وأنا لا أزال واقفا على ظهر المركب أنظر النظرة ~~الأخيرة إلى مصر، والدمع يسيل على خدودي، والناس وقوف بجانبي يشيرون بالمناديل إلى إخوانهم ~~وأقاربهم، وبالطبع لم يكن لي بينهم من يشير ms42 بمنديله سوى قلب حبيبتي في باخوص وقلوب بعض ~~إخواني في المدرسة وهم بين أساتذتهم يتلقون الدروس، فإنها كانت كما أظن تخفق ردا على ~~خفقان قلبي، كأنها مناديل تشير لبعضها وتتماوج في الريح. ثم خرجت المركب من الميناء وصارت ~~تبعد عن مصر حتى لم نعد نرى إلا أطراف الأشجار، وبعد قليل اختفى كل شيء عن أعيننا، وحقا ~~لا يعرف الإنسان مقدار محبة الأوطان إلا عند الفراق، ولطالما قرأت عمن ارتحلوا عن أوطانهم ~~وذكروا لواعج البعاد، ولكن بلاغة كلامهم لم تؤثر علي أو تعرفني شغف الإنسان ببلده وحبه ~~لمسقط رأسه بعشر معشار ما شعرت به عندما غاب عن عيني منظر البلاد، فنزلت إلى حجرتي في ~~الدرجة الثانية أبكي بكاء مرا متذكرا والدي وحبيبتي ومربيتي والرمل والمدرسة والتلامذة، ~~وابتدأت أشعر بدوار في رأسي ظننته لحزني ولكن ظهر لي أنه من اهتزاز المركب، حيث لم أركب ~~البحر إلا في قوارب الإسكندرية قصد الفسحة، ثم تقايأت وسقطت مغشيا علي؛ فجيء بالطبيب ~~ووضعوني في الفراش، وغلب علي النعاس فلم أفق إلا في اليوم التالي، فقصدت ظهر المركب بعد ~~تناول الإفطار فوجدت المسافرين في صحة جيدة يتمتعون بهواء البحر النقي، فأخذت في المشي ~~ذهابا وإيابا، وكانت الباخرة مسافرة إلى سواكن ومعرجة على جدة. وبعد أن تمشيت قليلا ~~وعقلي مملوء بالأفكار، جلست على مقعد هناك بجوار رجل يبلغ نحو الأربعين من عمره يظهر عليه ~~أنه هندي الأصل، فلما جلست قال لي: أظن حضرتك مصري الأصل لأنه يظهر عليك. ~~- نعم يا سيدي. ~~- ألم تركب البحر قبل هذه المرة؟ ~~- كنت أركب القوارب الصغيرة للنزهة وأنا في إسكندرية. ~~- هل أنت من سكان الإسكندرية؟ ~~- أي نعم، وإنما نقيم في الرمل. ~~- أهل الإسكندرية عندهم نشاط أكثر من سكان القاهرة، ويحبون البلاد أكثر من غيرهم، ويظهر ~~أن روح الحرية دبت في نفوسهم. ~~- صدقت يا سيدي، وهل كنت في إسكندرية؟ ~~- أي نعم يا ولدي، وإني هندي الأصل، إلا أني أحضر في هذا الوقت إلى مصر لشراء بعض بضائع ~~منها، آخذها إلى مكة لتشتريها الهنود والأفغانيون ms43 والجاويون وغيرهم، كما أني أحضر من تلك ~~البلاد ما تشتريه الحجاج المصريون. ~~- وإلى أين تسافر الآن؟ ~~- إلى مكة. ~~- ما أسعدني يا سيدي! فإني مسافر أيضا إلى مكة. ~~- مكة؟! ولم تسافر الآن؟ ولأي سبب؟ هل تقيم هناك حتى موسم الحج؟ ~~- لا، ولكن لي هناك مهمة إذا قضيتها رجعت حالا، وإلا انتظرت لقضاء فريضة الحج الشريف ~~وعدت إلى مصر إذا تحققت من عدم نجاحي. ~~- لولا أنك ذكرت لي أنك مصري لما ظننتك كذلك، ولا إخالك إلا صادقا كما يظهر عليك. وهل ~~يترك مصري مصر ويسافر إلى خارج بلده؟! وكثير منهم لا يعرف سوى الجلوس على القهاوي طول ~~النهار، وفي محال الملاهي في الليل، ولا يعرف أحدهم السفر ولا لذته، بل قد سمعت مع العجب ~~أن شبان القاهرة لا يرون إسكندرية وبالعكس، حتى إنهم لا يعرفون عن بلادهم وآثارها إلا من ~~كتب السياح والمؤرخين والجغرافيين. ~~- صدقت يا سيدي، فذلك من عيوب شباننا، لا يعرفون للمنتديات العلمية فائدة، ولا يقبلون على ~~الجمعيات الأدبية، ولا يعرفون إلا اليسير عن جغرافية بلادهم حتى يضعها الغريب أمام أعينهم، ~~وهذا ما يجعلني أعتقد أن السفر إلى الخارج بالنسبة للشبان المصريين لا يفيد الأمة، فالأولى ~~أنهم يتجولون في بلادهم لا لكي ينظروا الآثار فقط بل لكي يعرفوا القرى وعوائد الفلاح المصري ~~في الوجهين القبلي والبحري؛ ليكونوا على بصيرة من أحوال أمتهم ودرجتها في الهيئة الاجتماعية ~~والعالم المتمدن، ليضعوا أمام أعينهم رفع شأنها بالطرق المفيدة لها، وأنا أؤكد لك أن بعض ~~الشبان الذين حازوا الشهادات العالية في المدارس لا يعرفون كيف يزرع القمح ولا القطن، بل ~~لا يعرفون محصولات بلادهم ونحو ذلك، مع أنك لو سألته عن محصولات مملكة أجنبية لذكرها لك ~~وعدد لك شهرة كل مدينة وتعداد أهلها وإذا رأى فلاحا مصريا هزأ به وظنه بهيما، مع أن ~~ذلك الفلاح العاري الصدر والقدمين هو عماد البلاد ومنه تتكون معظم الأمة، حتى إن بعض هؤلاء ~~الشبان يظن أن الأمة المصرية هي الفئة التي تجلس على القهاوي؛ تدخن النرجيلة وتلعب النرد ms44 ~~والشطرنج والورق وتقرأ الجرائد وتتكلم في السياسة، لكن مع ذلك فأنا أبشر حضرتكم أن الوقت ~~آخذ في التحول، وأن بعض الشبان عرفوا واجب بلادهم وتولد عندهم حب العمل والنشاط اقتداء ~~بأميرهم والناس على دين ملوكهم. ~~- ولكن يمكنهم أن يعيدوا سالف مجدهم؟ ~~- «طول العمر يبلغ الأمل»، وإنا على أي حال لا نيأس ما دامت بلادنا مفتوحة للمدنية، ~~ونحن نجاهر بما نفتكر والجرائد تبعث في الأفراد حب العلم وتبث روح العلم والتعليم، وكل شيء ~~آخذ في التقدم، ولا بد من يوم تتعلم فيه الأمة وتقف أمام العالم تطالب بالحقوق ~~المهضومة. ~~- إذا كان في بلادكم من أمثالك عدد يسير، فإن ذلك يبشر بالنجاح. ~~- يوجد عدد غير يسير، وأنا أقل إخواني الذين تعلموا التعليم المنبثة فيه روح الوطنية ~~والاتحاد. ~~- لقد أفرحتني وأعجبني كلامك أيها الشاب المهذب، ولكن ألا تخبرني بأشغالك بمكة؟ # فأخبرته بأمر شقيقي فقال لي: إني لأعجب من بسالتك وإقدامك أيها الشاب، فليت من أمثالك في ~~مصر والشرق كثيرين، أتحب أن تقيم عندي في مكة وتشتغل في التجارة حتى تتمكن من معرفة ~~أخيك؟ ~~- إني أقبل ذلك شاكرا مروءتك، آملا أن أخدمك بصداقة. ~~- لا أحتاج لدليل سوى ما يظهر عليك من شرف المبدأ، فإن ما قلته دليل على حسن تربيتك، ~~واعلم يا ولدي أن ليس لي أولاد ذكور وليس عندي إلا ابنة واحدة، فكن كابني مدة إقامتك معنا ~~حتى تحصل على مرادك، وسأساعدك بكل جهدي لتعثر على شقيقك، وعلى ظني أنه يجب على كل شرقي أن ~~يعضد أمثالك، فإنكم خلاصة الشرق وبكم وبأولادكم يرجع الشرق إلى سالف مجده. # فشكرته على حسن عواطفه، ثم سألني عن اسمي فأخبرته إياه، واسمه سيدي الحاج علي. ولقد ~~كنا نجتمع كل يوم ونتباحث في موضوعات شتى، فظهر لي من عبارته أنه رجل خبير حنكته التجارب ~~وأرضعته الأيام أفاويق الحكم، وأن له ثروة واسعة ومقاما كبيرا بين تجار المشرق، حرا في ~~أفكاره، كريما في أمواله، تقيا في دينه، وكان ذا قامة معتدلة وعينين ضيقتين سوداوين ~~ولحية سوداء يتخللها بعض شعرات ms45 بيضاء، وهو يلبس العمامة الهندية ويتزيا بزي الأعجام ، ويتكلم ~~العربية والإنجليزية والهندية، وله تجارة في مكة والمدينة وبمباي، وكان معه من الخدم اثنان، ~~وأخبرت أن عائلته تقيم في مكة. # وفي اليوم الرابع من مبارحتنا السويس وصلنا إلى جدة، فلما نزلنا البر ذهبنا إلى نزل ~~هناك، وبتنا تلك الليلة وأنا في حالة اندهاش وذهول لوجودي في بلاد جديدة وديار بعيدة، غير ~~أني شممت ريح «شريف» فعادت لي الآمال ومثلت لي اجتماعي به وعودتنا إلى مصر، فيا لها من آمال ~~لو تحققت! # وفي الصباح أخبرت الحاج عليا أن معي كتابا من أحد كبار المصريين إلى أمير جدة وأحب أن ~~أوصله له، فأرسل معي خادما يعرف محل الأمير، ولما دخلت عليه وجدته رجلا تظهر عليه المهابة ~~والإجلال، تحيط به الخدم والحشم، فقدمت له الكتاب، وحين قرأه قال: تفضل، على الرحب ~~والسعة، متى جئت يا ولدي؟ ~~- أمس على الباخرة الخديوية. ~~- وأين أمضيت ليلة أمس؟ ~~- في خان لا أعرف له اسما، مع سيدي الحاج علي الهندي. ~~- وهل وصي عليك الحاج علي من مصر؟ ~~- لا، ولكنا تعارفنا ونحن بالبحر. ~~- أنت ولا شك سعيد يا ولدي لا تحتاج لوصية مثلي؛ فإن لسيدي الحاج علي نفوذا في هذه ~~البلاد ولا نفوذ الأمير نفسه؛ لأنه رجل طيب السريرة خالص النية حسن الأخلاق، يساعد الناس ~~بكل ما في جهده، فاحمد الله على ذلك. ومتى تسافرون إلى جدة؟ فأجبته: «غدا، إن شاء الله»، ~~فقال: «سأرسل معكم بعضا من الحرس لتوصيلكما آمنين، وما دمت مع سيدي الحاج علي فلا تخف ~~من شيء.» # ثم أحضرت القهوة، وسألني عن أحوال مصر فأجبته بقدر ما وصلت إليه معرفتي، مع الاحتراس من ~~الزلل، فاستحسن كلامي، وقال: «إن شاء الله، إذا عثرت بأخيك فلا تنس أن تمر علينا أثناء ~~ذهابك لأرسل معك هدية إلى ...» وذكر اسم رجل لا أتذكره الآن يقول إنه من كبار ~~المصريين. # ثم استأذنته في الانصراف فأذن لي. ولما وصلت الخان وجدت الحاج علي في انتظاري، وقد ظهر ~~أنه أحبني كثيرا لما كان يظهر ms46 من اعتنائه بأمري. وفي ثاني يوم ركبنا بغالا سريعة المشي ~~فوصلنا مكة بعد العشاء لكن بعد عناء طويل، ولم نسترح في الطريق إلا ريثما تناولنا الغداء، ~~وقد أنجز أمير جدة وعده بإرساله جماعة من حاشيته ليوصلونا إلى مكة، ولما وصلنا إلى هناك ~~ذهبنا إلى منزل سيدي الحاج علي، وهو منزل من أحسن منازل هذه المدينة، في الجهة الشمالية ~~منه تحيط به بعض أشجار كثيرة، وهو على الشكل العربي الذي نراه في البيوت العتيقة بالقاهرة، ~~وله حوش مكشوف بمشربيات وأثاث من أحسن مصنوعات الهند والعجم، والمنزل على العموم من ~~الطرز الشرقي الذي يتمنى الأوروبي رؤيته لما احتوى عليه من الزخرفة العربية والهندية ~~والفارسية والتركية، ولقد أعد حجرة لنومي وخادما نبيها تحت أمري، وأنا أستغرب وأصور في ~~نفسي ماذا كان يحصل لي لو لم أتقابل مع هذا الرجل، وكيف تكون معيشتي، وكيف أقيم، وكيف أدبر ~~أمري ونحو ذلك. وبعد تناول العشاء الفاخر قال لي: لا شك أنك في غاية من التعب لأنك لم تتعود ~~على مثل هذا السفر. ~~- أي نعم، وإني لمحتاج إلى الراحة. # فأمر الخادم بتوصيلي إلى حجرة نومي، فوجدت سريرا بديع الصنع مفروشا بأحسن الفروشات ~~العربية؛ فحمدت الله على نعمائه وجزيل آلائه، وصليت فروض اليوم، وما وضعت رأسي حتى نمت من ~~شدة التعب العظيم، ولما أفقت في الصباح وجدت خادما على باب الحجرة فارشا سجادة للصلاة ~~ومعه إبريق وطشت من النحاس الأصفر، فتوضأت وصليت الصبح، وبعد ذلك قال لي الخادم بكل احترام ~~إن سيده ينتظرني، فذهبت معه إلى محل متسع لمقابلة الضيوف، فوجدت الحاج علي جالسا في صدر ~~المجلس يدخن نرجيلة ومعه بعض أشراف مكة المكرمة، فسلمت عليهم فردوا السلام وقوفا، ثم دعاني ~~الحاج علي للجلوس بجانبه، وقدمني لهم بصفة نجل أحد أمراء مصر، وأنا في نفسي أتفكر في حالتي ~~إذا لم أكن تعرفت بهذا الرجل الكريم، وما ذلك إلا ببركة دعاء والدي وتقواه لأن التقوى تنفع ~~الذرية. # | الفصل الثامن # منظر جديد # ألا إنما الدنيا كمثل رواية # تمثلها الأحوال والقول ms47 والفعل # فترفع أستارا وتبدي عجائبا # يحار لها من كل ممتحن عقل # ونحن كأشباح نمثل دورنا # كما شاء كتاب الرواية من قبل # مضى علي شهر في مكة، وأنا أستنشق أخبار شقيقي، وأتوسم في كل شاب رائقة ملامح المصريين، ~~مرة أقول هذا ومرة أقول ذاك، فلما أعيتني الحيل وخفت من ضياع الوقت بدون فائدة وتاقت نفسي ~~إلى العمل، قلت لسيدي الحاج علي: إني أحب أن أفتح محلا تجاريا، وسألته أن يسمح لي ~~بالإقامة خارج المنزل؛ فقد طالت مدة الضيافة وعزمت على تأجير محل أقيم فيه، فقال: لسنا يا ~~ولدي في مصر وإنما نحن في بلاد العرب بلاد الكرم، ولا إخالك لا تعرف عوائدهم التي توارثوها ~~عن أجدادهم، ولسنا كذلك في أوروبا حيث يترك الولد بيت أبيه حينما يتزوج ويصبح الولد وأبوه ~~لا علاقة بينهما، فتلك عوائدهم وهذه عوائدنا، وهل تستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟! ~~ولقد رأيت في بلادكم ميلا لعوائد الأجانب، وياللأسف عوائدهم الفاسدة التي لا تلائم بلادنا، ~~وهذا التقليد الأعمى هو من أدواء الشرق المعضلة! فهلا قلدتموهم في حب بلادهم وغيرتهم على ~~إخوانهم وحب الاستقلال والسعي وراء المنفعة العمومية والعمل والنشاط! فليكن في علمك يا ولدي ~~أني أحببتك لما فيك من الخصال الحميدة والفضائل التي يمدح عليها الشبان، ووجودك في منزلي ~~لا يزيد مصاريفي ولا يقلل ثروتي، فربما دل طلبك هذا على بخلك أو كرهك لمعاشرتنا. ~~- حاشا يا سيدي أن أقابل معروفك الذي أسرتني به بغير الشكران، وإني ما قصدت بطلبي إلا ~~محبة السعي وراء معيشتي وخدمتكم. وأما أمر تقليدنا للأوروبيين فإني مع الأسف أوافقك على ما ~~تقول، فإن هذا التقليد الأعمى منذر بفقد الاستقلال ومضعف لعصبية الأمة، ومهما قلد المقلد ~~فإنه لا يزال معتبرا عند الأوروبي شرقيا، وهي كلمة تدل عندهم على الجهل وعدم أحقية ~~الاعتبار، ولكن لو قلدناهم كما تقول في حب بلادهم والمطالبة بالحقوق المهضومة وثبتنا على ~~ذلك، عرفوا أن الشرقي ليس هو ذاك الجاهل المحتقر، بل هو إنسان مثلهم له ما لهم وعليه ما ~~عليهم. ms48 ~~- تعجبني أفكارك السامية، أكثر الله من أمثالك! # وحيث إني مسافر إلى الهند لإحضار البضائع فسأجعلك رئيسا لحسابات محل تجارتي، واعلم أن ~~ثقتي بك عظيمة فحققها بأعمالك، وأنا أسأل الله أن يوفقك للاجتماع بشقيقك الذي تكبدت لأجله ~~كل هذه المشاق. ~~- بهذه الطريقة تلقي على عاتقي تبعة لست كفئا لحملها، ولكن أود أن أوجد لي محلا صغيرا ~~أبيع فيه وآخذ البضائع من عندكم كما تشتري التجار، ويكون مكسبي وخسارتي راجعين علي، فماذا ~~ترى في هذا المشروع؟ ~~- لا بأس به حيث أردته. # وبعد مضي خمسة أيام كنت في خلالها أذهب إلى المخزن العمومي لانتقاء البضائع وتثمينها، ~~فتحت دكانا، وأرسل لي الحاج علي عاملا يقوم بخدمة المحل ومساومة المشترين، وكنت أجلس ~~كعادة التجار على مقعد مفروش بالحشايا، وكانت البضائع من أبسطة عجمية وفضيات حجازية وكشامير ~~هندية، وما شاكل ذلك من الزخرفة الشرقية، وجعل لي الحاج علي محلا في منزله أجد فيه ما ~~يلزمني من مطعم ومشرب. # ولا بد أن أذكر هنا أن بيت الحاج علي ينقسم إلى قسمين: أحدهما للحريم، والآخر للرجال، ~~وكلاهما منفصل عن الآخر كمال الانفصال، ولكل خدم وحشم مخصوصة، وقد بلغني أن زوجة الحاج ~~مكية الأصل، ولذلك تقيم دائما في مكة، وله زوجة أخرى من بومباي، وقد ولدت له المكية بنتا ~~يضرب المثل بجمالها في مكة، أما امرأته الهندية فلم أسمع عنها لأن الذي كان يخبرني بذلك ~~خادم أمين نبيه للغاية، يقرأ ويكتب ويطالع في كتب الأدب، وله إلمام ببعض العلوم العربية، ~~ولقد أحبني كثيرا كما أحببته لأنه كان سميري في وحدتي وأنيسي في غربتي، وكنا نتحادث كثيرا ~~ونتسامر طويلا، وهو يعتني بأمري جدا. ولقد أحسنت باتخاذي محلا للتجارة؛ لأني تمكنت من ~~معرفة عوائد البلد وأحوال أهلها، وكلما جاء أحد لشراء شيء، سألته عن أمر شاب لا يعرف له أب ~~وغير ذلك من الأسئلة، فمضت مدة تنيف على ثلاثة شهور ولم أسمع عن شريف شيئا فزاد ضجري ~~وكدت أيأس من لقياه. # ففي ذات ليلة جاءني ذلك الخادم النبيه فوجدني جالسا وبيدي ms49 كتاب أقرأ فيه، فقال لي: ألا ~~تعرف ما سيحصل الليلة في منزل الحاج علي؟ # فأجبته أني لا أعرف شيئا، وسألته عن مقصده وماذا سيحصل فقال: ربما فقدت حياة شريفة ~~بجوارك، حياة بريئة من الذنوب، ولا من يرحم ولا من ينصف المظلوم. ~~- حياة تفقد بجواري لا ذنب لها! ما هذا الكلام؟! وما السبب في قتلها؟! ~~- تقتل حفظا للشرف وصيانة للعرض كما يقولون. ~~- إذا فصاحبها مدنس للشرف، هاتك للعرض، ومثله لا يعد بريئا عندنا، فهل يعد بريئا ~~عندكم؟ ~~- وهل في الحب ذنب أو عار يا سيدي؟ فلو أحببت في عمرك أو عرفت ما هو الحب لبرأت ذلك ~~المسكين الذي يروح ضحية التمسك بالعوائد القديمة. ~~- أما الحب فقد عرفته وذقت مرارته، ولعمري إن قلبي ليشفق على كل عاشق أودى به الغرام إلى ~~ركوب ما لا تحمد عقباه، ولكن ما دخل العوائد في مسألة هذا العاشق الذي يقتل الليلة؟ وما ~~السبب في قتله؟ أفصح لأن قلبي يكاد يتفطر من ذكر القتل. ~~- تعلم أن عادة بلادنا تمنع الإنسان أن يزوج ابنته إلا إلى رجل يمكنه أن يسلسل نسبه إلى ~~فلان المشهور، ولم يبق عليهم إلا أن يقولوا إلى القمر أو يكون ابن أحد أغنياء البلد ~~وسراتها، ولا يلتفت إلى حب الفتاة لخطيبها ورغبتها في زواجه. ~~- هذه العادة موجودة عندنا توارثناها عن أجدادنا، وبعضها مستحسن عقلا وعادة، وباقيها ~~مستهجن حسا ومعنى، أما أنا ففي اعتقادي أن المحافظة على الأنساب وعدم زواج الابنة إلا لمن ~~كان طيب العنصر كريم الأصل والأخلاق أمر واجب، ولكن تحتم زواجها بأحد الأغنياء غلط فاحش ~~ورأي فاسد؛ لأن الأغنياء ليسوا جميعا ذوي أصول عريقة في الحسب والنسب، وإن كان الاعتقاد ~~عندنا أن الغني هو الكريم الأصل وأن الفقير هو الدنيء، حتى إن الغني لا يزوج ابنته إلا لابن ~~من يماثله في الثروة بدون أخلاق وآداب ذلك الابن أو سيره الخارجي، وبدون وجود أدني محبة بين ~~العروسين، وهذا من أعظم الأسباب في فساد أخلاق كثيرين من الفتيان والفتيات، وما ظنك بشاب ~~تعود على ms50 السهر في محال اللهو ومغازلة بنات الهوى يتزوج بفتاة لم يتوطد بينه وبينها حب ~~طاهر، ولم يعرف قيمة الزواج وواجب العائلة؟ لا شك أنه يمضي مع عروسه بضع أيام يتمتع فيها ~~باللذة البهيمية ثم يتحول الحال ليعود لسابق عادته، ومن شب على شيء شاب عليه. وأما الفتاة ~~فمتى رأت بعلها يتركها ولا يعود إلا وهو يتمايل سكرا، فهيهات وألف هيهات أن تسلم في عرضها، ~~والشباب والجدة مفسدة أي مفسدة! ولكنا أضعنا الوقت في الكلام وتركنا ما يجب علينا عمله ~~نحو هذا العاشق المعرض للقتل، في حكايته؟ ~~- إن محادثتك يا سيدي تنسي الإنسان نفسه، وتجذب فكره كما يجذب المغناطيس الحديد، وأما ~~حكاية هذا العاشق فإنه شاب نبيه من أعقل شبان مكة وأشجعهم، وقد أحب ابنة الحاج علي ~~وأحبته، ويشهد الله أنها تحبه أضعاف ما يحبها فهي الجانية عليه. ~~- ومن الذي يود قتله؟ هل يحبها أحد سواه؟ ~~- لا، إن الذي يود قتله هو سيدي الحاج علي؛ لأنه لا يرغب أن تهوى ابنته هذا الشاب أو ~~تتزوج به. ~~- إذا كان شابا نبيها عاقلا ويحبها وتحبه، فلم لا يتزوجها؟ ~~- قلت لك يا سيدي إن الاعتبار عندنا بالنسب وهذا الشاب لا يعرف له أب ولا جد، وإنما يقال ~~عنه إنه حفيد مولاي شرف الدين الذي اعتنى بتربيته، وبعضهم يقول إنه ابن خادم كان عنده، ~~وبعضهم يقول إنه مملوك اشتراه من أحد تجار الشام، والحقيقة مستورة، إنما يظهر من طباعه أنه ~~كريم العنصر؛ لأنهم يقولون: «إذا خفي أصل الفتى دل عليه فعله.» # أيها القارئ، هذا شعاع أمل بدا من سم خياط، خفق له قلبي ورقص له فؤادي طربا وسرورا، ~~ولا إخالك ألا تفهم عواطفي في مثل تلك الساعة التي سمعت فيها من الخادم عن ذلك الشاب، فليت ~~هذا الشعاع أخرجنا من الظلمات إلى النور! ~~- أين يكون هذا الفتى؟ لا بد أن أنقذه من مخالب الموت؛ حيث تقول إنه شاب مهذب ~~نبيه. ~~- لقد أمر سيدي الحاج علي رجلين من أعوانه بالكمون وراء سور الحديقة، حتى إذا جاء ms51 هذا ~~الفتى لمقابلة حبيبته كما يفعل أغلب الليالي فتكا به ونقلا جثته إلى الجبل، وقد بلغني من ~~مصدر يوثق به أنهم أغروا خادمة أسما - ابنة الحاج علي - بالذهاب إلى ذلك الشاب برسالة ~~من أسما تدعوه للمقابلة، وأمر الحبيبة لا يخالف. ~~- ولم لم تخبرني بهذا حتى كنا سعينا في خلاصه قبل هذا الوقت وأنذرناه بسوء العقبى، هل ~~تعرفه جيدا؟ ~~- أعرفه جيدا لأني أحبه كثيرا. ~~- هل تعرف لنا طريقا لخلاصه؟ ~~- الرأي عندي أن نذهب خارج السور، ومتى رأينا شبحا قادما وتحققنا أنه شريف و ... # فقاطعته قائلا: «وهل اسمه شريف؟» فقال: «نعم». # فما كان أفرحني عند ذلك! فقال الخادم: ومتى تحققنا أنه شريف أخبرناه بسر المسألة، ولكنا ~~نخاف على أنفسنا. ~~- يقولون عنكم إنكم لا ترهبون الموت، فممن تخاف؟ وهل يجبن الإنسان عن القيام بعمل شريف ~~مثل هذا؟ هيا بنا ودع الجبن. # ثم قمت ولبست عباءة سوداء، وتقلدت سكينا وريفلفرا، وكانت الساعة الخامسة بعد الغروب. ~~وبعد ذلك خرجنا في الظلام الحالك وكنا في آخر الشهر، ولما وصلنا باب البيت فتحه الخادم ~~بسهولة، وحين صرنا خارج البيت قلت للخادم: هل أنت مستعد للدفاع عن نفسك؟ # فقال: وهل تظنني أخرج بدون سلاح؟ ومع ذلك فإن سلاحي لا يفارقني أبدا. ~~- إني أخاف أن يكون ذلك الشاب قضى نحبه بأن تعجل في المجيء إلى المنزل؛ فإن العاشق يعد ~~الثواني متى كان بينه وبين حبيبته ميعاد، وربما ذهب قبل حلول الوقت بزمن طويل. ~~- لا تخف من ذلك؛ فإن عادته أن يأتي لها في منتصف الليل، حيث ينام من في المنزل، ويكونان ~~هما على مأمن من الرقباء، ومن عادتهما أن يمضيا الوقت في كوخ تسكنه الخادمة التي أغروها على ~~دعوته، ولا شك أنه لم يأت للآن، ولكن لا بد من السرعة خوفا من فوات الفرصة. # وكنا نسير في ذلك الوقت ونحن لا نكاد نرى بعضنا، والبرد قارس لأن مكة في سهل معرض لهواء ~~الشمال، غير أن المسافة لم تكن بعيدة؛ لأن منزل الحريم وراء منزل الرجال، ولكن توجد بيوت ~~تمنع ms52 الإنسان من الإتيان إلى منزل الحريم إلا بعد دورة حولها. وبعد أن سرنا قليلا قال ~~الخادم: هنا سيدي فلنقف لأننا بقرب الباب الموصل إلى الحديقة، ولكن البرد قارس. ~~- لنصبر قليلا فإننا قاربنا على منتصف الليل، ولا يبعد أن يأتي ذلك الشاب. ولكن هل تعرفه ~~إذا رأيته؟ ~~- أعرفه تمام المعرفة. ~~- هل يمكنك أن تشرح لي هيئته، وتذكر لي عمره؟ ~~- عمره ما بين الثامنة عشرة والعشرين، معتدل القامة، جميل الطلعة، أسود الشعر والعينين، ~~أقنى الأنف، له خال على خده الأيمن، يجذب العقول بسحر ألحاظه وبلاغة ألفاظه، وعلى العموم ~~فلم يره أحد بمكة إلا أعجب بآدابه وأخلاقه، حتى إنهم استدلوا بطباعه على شرف أصله، ومما ~~يقال عن أصله إن مولاي شرف الدين وجده طفلا ملقى على قارعة الطريق، فأخذته الشفقة عليه ~~وأخذه إلى منزله وأحسن تربيته، وهو يحبه كثيرا لما له من الخصال الشريفة، وأنا أقول لك إنه ~~أشبه الناس بك. # فخالج ضميري أن ذلك الشاب لا شك شقيقي؛ لأن عمره كما أخبرتني مربيتي يكون تسع عشرة سنة، ~~وله خال على خده الأيمن كما يستدل في وصية والدي، وجميع أوصافه تطابق أوصافي. وعند ذلك ~~التصور خفق قلبي لقرب رؤيته، وكلما هب النسيم تنسمت فيه ريح شقيقي والأمل ملء قلبي، ولكن كم ~~تحت طيات الزمان خفايا! # فبينا نرى الآمال والسعد مقبلا # وتبصر نجم الحظ مبتسم الثغر # أفلاك تفتر السعادة سيرها # ويكشر ناب الدهر عن مقبل الشر # بينما كنت أعد النفس بلقيا شقيقي وأبني قصورا في الهواء، على رأي العرب، وقلاعا في ~~الجو، على رأي الإنكليز، وقصورا في إسبانيا، على رأي الفرنسويين؛ وإذا بشبح ظهر من وراء ~~السور، ولما تمعناه وجدنا رجلين يحملان شيئا فاختفينا قليلا وراء حائط صغير حتى قرب منا ~~الرجلان، وسمعنا أحدهما يقول بصوت منخفض: لولا أنك تداركتني لقتلني هذا اللعين، شكر الله ~~غيرتك، ولكنك لم تطعنه كما طعنته في جنبه طعنة كانت القاضية عليه. # فقال الآخر: لعن الله الفقر، أما والله لولا المعيشة وخوفي من الحاج علي لما مسست هذا ~~الفتى ms53 الطاهر الأخلاق الغريب البلاد، ولو كان له أقارب يأخذون بثأره ما طلع النهار علينا، ~~سر بنا لندفنه في الجبل بملابسه الملوثة بالدماء، ولا كفن ولا صلاة ولا مأتم، وارحمتاه عليك ~~أيها الشاب الذي قتل شهيد الظلم والاعتساف! # وما جاء على آخر عبارته إلا وفؤادي يتقطع إربا والخادم يصيح: «قتل الشاب»، فلما سمعته ~~صرخت بالرجلين دون روية: أنا قريبه، أنا أخوه، لا طلع النهار عليكما، لبيكما، ~~لبيكما. # واندفعت لا أعي ولا أفقه، وصوبت الريفلفر نحو أحدهما فخر قتيلا يتخبط في دمائه وهرب ~~الثاني في الظلام تاركا ما يحمله على الأرض، فدنوت منه وأنا كالقصبة في الريح العاصف وكان ~~الظلام حالكا والبرد قارسا فلم أر شيئا، والتفت للخادم فلم أره بجانبي فخفت من مكيدة ~~ووقفت باهتا أنتظر الموت والبلاء والسخط والهلاك. وليعلم القارئ أني تربيت في مصر كتربية ~~أغلب شبانها؛ لا نعرف استعمال السلاح ولا المدافعة عن أنفسنا بغير شقشقة اللسان والسباب ~~اللذين نستعملهما للمدافعة عن الشرف وما شابه ذلك، ولم أوجد خارج منزلي بعد الساعة اثنين ~~من المساء حتى ولا كما يفعل إخواني الشبان المصريون في السهر في المراقص ومحال الفجور بين ~~الأنوار الكهربائية والغازية حتى الصباح، فهذه كانت أول مرة وقفت فيها في الظلام الحالك ~~منتصف الليل، ولا أنيس معي سوى قتيلين أحدهما ملتف في عباءة والآخر ملقى بجانبه يعالج ~~سكرات الموت. # فاعتراني ذهول وتشنجت أعصابي وإذا بنور مصباح ضعيف يجري على بعد، فخفت أن يكون الرجل الذي ~~فر عاد ومعه بعض أناس ليقتلوني، وتخيلت في فكري أن الخادم أغراني على ذلك ليقودني إلى ~~المحاكمة، ونحو ذلك من التخيلات، وأنا لا أقدر على التحول من مكاني كأني تمثال من الصخر لا ~~حراك بي، وإذا به الخادم جاء بمصباح من المنزل لكي نتمكن من معرفة القتيلين، ولما عرفته جرى ~~الدم في عروقي وتجلدت أمام المصاعب، «آه! إن ذكرى ذلك الموقف تقشعر لها الأبدان، وتجلب لي ~~الكدر والأحزان.» # فقلت للخادم: أين كنت؟ فقال: أحضرت مصباحا لنرى ماذا جرى. ثم دنونا من القتيلين ms54 فوجدنا ~~شابا ملفوفا في عباءة ومطعونا في جنبه ، فوضعت يدي ما بين الضلع السادس والضلع السابع ~~فشعرت بضربات قلبية خفيفة آخذة في الانقطاع، وحينما وقعت عيني على وجهه ورأيت ملامحه في ~~المصباح شبه علي وجه والدي محتضرا على فراش موته؛ فاضطرب فؤادي وقلت في نفسي: ليت شعري، ~~هل أنت شقيقي؟ وهل تكون نتيجة أسفاري وفراق حبيبتي وأوطاني أن أراك قتيلا مضرجا بدمائك ~~وأدفنك في بلاد العرب، أم تعيش وتكون حياتك على يدي؟ ولقد دلني النبض الخفيف على أن لا تزال ~~فيه بقية من الحياة، فأخذت عمامة الخادم وربطت بها الجرح لأمنع نزيف الدم ولففته في العباءة ~~وأملت فيه الحياة، وأما الرجل الثاني فقد تحققت أن الرصاصة كانت القاضية عليه، ولكن بعد ذلك ~~وقفت باهتا وحرت في أمري: أأنقل الجثة إلى بيت الحاج علي وهناك البلاء، أم آخذها إلى منزل ~~مولاي شرف الدين فيتهمني بقتله، أو يقع بينه وبين الحاج علي ما لا تحمد عقباه؟ كلاهما ~~أمران أحلاهما مر، وفي ذلك الوقت عدمت كل صوابي وصرت: # كريشة في مهب الريح طائرة # لا تستقر على حال من القلق # فشاورت الخادم فزاد الطين بلة بأن أكد لي أن الحاج علي سوف يتكدر مني ويعمل على قتلنا ~~لأننا عرفنا أنه السبب في قتل الشاب، ولا سيما أن مولاي شرف الدين سيقوم ويقعد لهذا النبأ، ~~وبعد مضي ساعتين تفكرت فيهما فيما أعمل، ويعلم الله أن تينك الساعتين كانتا كسنتين شاب ~~فيهما شعر رأسي ولعمري إن ذلك الموقف يجعل الولدان شيبا، ولكن خطر على بالي أن الحر من ~~تجلد عند مقابلة الخطوب ومحاربة الزمان ولا سيما في مثل ذلك الوقت، فلذلك تجلدت وقلت ~~للخادم: هل لك محل تسكن فيه؟ أو هل تقيم دائما في منزل سيدي علي؟ ~~- لي كوخ خارج المدينة، أذهب إليه بعض الليالي لأرى والدتي العجوز. ~~- فلنذهب إلى هناك ولنأخذ معنا الجثتين، فنرمي جثة الرجل بالجبل ونحفظ جثة الشاب في الكوخ ~~ونعالجه لعل الله يرد فيه الحياة، حيث لا يمكننا الآن أن نذهب إلى ms55 منزل الحاج علي، وكذلك ~~لا يمكننا أن نأخذ شريفا على منزل مولاي شرف الدين لئلا تقوم قائمة العدوان بين الأخير ~~والأول ونكون نحن السبب، ولا يخفاك أن سيدي عليا له علي مكارم لا يجحدها إلا اللئيم، ~~وحاشاي أن أقابل حسن معاملته بالضد بأن أوقعه في تهمة القتل الفظيع، فما رأيك؟ ~~- رأي حسن، وسأحمل هذا الرجل فهل تقدر على حمل الشاب؟ ~~- لا شك أقدر، هلم بنا. # ثم حملت الشاب على صدري وكأن الله أعارني قوة عجيبة في تلك الساعة، ولقد وضع رأسه على ~~كتفي كأنما أحس قلبه أنه على صدر شقيقه الوحيد في هذا العالم فاطمأن، وسرنا في نور ~~المصباح الذي ربطه الخادم في ذراعه. وتفكر أيها القارئ في حالتنا وكلانا يحمل قتيلا أو شبه ~~قتيل والظلام حالك والبرد قارس، وليت شعري إذا مت أو قتلت هل أجد من يحملني كما حملت ~~ذلك الشاب أو أروح فريسة الطيور والوحوش؟ # الله يعلم فالأيام قد طويت # طي البساط على الأسرار والحكم # | الفصل التاسع # أظمتني الدنيا فلما جئتها # مستسقيا مطرت علي مصائبا # وصلنا إلى الكوخ بعد الجهد والعناء فوضعنا حملنا ودق الخادم الباب بشدة حتى فتحت العجوز، ~~وحين دخلنا وجدت الكوخ محلا مكونا من شبه حجرة مسقوفة بالأعشاب كائنة في سفح الجبل، ولما ~~استقر بنا المكان قالت العجوز: يا ولدي، ما هذا؟ # فقال لها: اسكتي ولا تفتحي فاك، وأنت يا سيدي فابق هنا حتى أعود إليك، وإذا غبت فلا ~~تستبطئني. ثم حمل القتيل وخرج مسرعا، أما أنا فاعتنيت بشأن الشاب وكشفت عن جرحه، فلما ~~رأتني العجوز أخذتها الشفقة وشرعت تسألني عن سر المسألة، فلم أجبها بشيء سوى أن ذلك الشاب ~~أخي وقد ضربه اللصوص بمدية وأنا أخاف أن يموت، فقربت منه وأخذت تجس نبضه ثم قالت: «إنه حي، ~~وسيعيش.» ~~- ولكن الجرح بليغ يا أمي، وهيهات أن يعيش! ~~- الأمل بالله يا ولدي، هو الذي يحيي العظام وهي رميم، ولكن أين ذهب ولدي؟ وماذا كان ~~يحمل؟ ~~- لا تخافي عليه فسوف يعود حالا. # ثم سألتها أن توقد ms56 نارا لتدفئة المحل ففعلت، كل ذلك والشاب لا يبدي أدنى حراك حتى قطعت ~~الأمل من حياته، ولم يوجد هناك طبيب يدعوه الإنسان ليتدارك الأمر، وللأسف لم أتمم دراستي ~~فأعرف ما يجب علي اتخاذه فحرت في أمري وقلت في سري: ربما كان عندهم في تلك البلاد من يعرف ~~الطب، فسألت العجوز فقالت إن فلانا وأم فلان تعرف مداواة الأمراض، ومع علمي أن معرفة تلك ~~النساء ليست إلا من باب الدجل سألتها أن تدعو لي امرأة في الصباح تثق بمهارتها وكتمها للسر، ~~وصدق المثل المصري «الغريق يستند على القش»، ولبثت على أحر من الجمر أنتظر عودة الخادم ~~وأحسب في نفسي ألف حساب إذا علم سيدي الحاج علي بأني أنا الذي قتل أحد أعوانه، وأنا الذي ~~خلص غريمه، وأنا الذي اكتشف سر المسألة، وأنا الذي أحسن إليه وأكرم وفادته، وأنا الذي ~~يقابل جميله بمثل هذه الفعال، ولكن كان يقف أمام تلك الأفكار العديدة فكر واحد وهو أني ~~خلصت أخي وأخذت بثأره، وإن لم يكن الجريح أخي فإني عملت ما توجبه علي الذمة والمروءة ~~وحب الإنسانية، رضي أو غضب بكر. # وبينما أنا غارق في بحار التأملات والجريح بجانبي لا يبدي حراكا وإذا به قد تنهد وحاول ~~أن يقوم فلم يقدر، فلما رأيت ذلك دنوت منه ومسكت يده، وكان نور الفجر قد ملأ المكان وقاربت ~~الشمس على الشروق، فلما رآني ورأى المحل ظهر كأنه منذعر لوجوده بين قوم لا يعرفهم وفي مكان ~~لم يره، وكنت قد ضمدت جراحه، ثم قال بصوت منخفض متقطع: «أين أنا؟ أين أنت يا أسما؟ يا ~~حبيبتي يا أسما»، فمددت له يدي وأسندت رأسه على ذراعي، وتأملت وجهه فوإن كان مصفرا خائر ~~القوى إلا أن ملامح الجمال كانت بادية عليه وعذرت التي هوته ولقد شعرت نحوه بمحبة لم أشعر ~~بمثلها أبدا، وحين وقعت عيني على عينيه شعرت بتيار كتيار الكهرباء يسري في مفاصلي حتى إني ~~لم أتمالك نفسي وكدت أسقط على الأرض، لولا تذكري بأني قمت بواجب لا بد من القيام ms57 به خير ~~قيام وأنه يجب علي أن أشد عزيمتي وأتجلد أمام الخطوب حتى يقضي الله أمرا كان ~~مفعولا. # وإذا بطارق يطرق الباب بعنف، فقلت في سري: ماذا جرى؟ وهل هذا الخادم أم رجال ~~الشرطة؟ # فقامت العجوز لتفتح الباب، وبينما هي تمشي مشيا وئيدا دق الباب بعنف زائد، فانزعجت ~~العجوز وصرخت بصوت يتخلله خوف قائلة: ما هذا الطبل؟ ما هذه الغوغاء؟ # ثم فتحت الباب، وإذا بخمسة من الرجال يصيحون: أين القتيل؟ اقبضوا عليه. # فقرب مني أربعة شداد غلاظ قبضوا علي وشدوا وثاقي وتركوني، وذهبوا للتنقيب في أركان ~~الكوخ لكي يبحثوا عن رجال آخرين، ولما لم يجدوا شيئا ظهرت عليهم علامات الاستغراب وقالوا: ~~أين الرجال الآخرون؟ # فقالت العجوز: إني لم أر شيئا. # وأخذت تولول، فقال رجل يظهر أنه زعيمهم: اسكتي وإلا أخذناك مع هذا الأثيم، وأشار ~~إلي. # بالله أيها القارئ الكريم، ماذا تفتكر في حالة مسكين مثلي؛ ترك بلاده وحبيبته وإخوانه ~~ليجد أخا له، وما وصل إلى هذه البلدة إلا بشق النفس والعناء ومكابدة الأهوال وركوب ~~الأخطار، وتراه الآن لم يجن ذنبا سوى الأخذ بثأر من يظنه شقيقه؟ فليت شعري ماذا تكون ~~النتيجة؟ وكيف تنتهي الحالة؟ رويدا رويدا أيها القارئ، سوف أضع أمام عينيك ماذا تم وماذا ~~جرى؛ لترى أن الدنيا كلها أكدار وأحزان، ما صفت لإنسان قط، وإن كانت صفت لغيري ساعة فلم ~~تصف لي دقيقة، أقول لك هذا لكي لا تتمسك بأسباب الحياة الدنيا، ولكي تسعى في عمل الخيرات ~~فهي الطريق الموصل إلى العالم الذي لا يفنى، والعالم الذي ينال فيه عامل الخيرات جنات تجري ~~من تحتها الأنهار لا يرون فيها أكدارا ولا أتعابا. # فيا دهر، هل بيننا ثأر أو عداء قديم حتى صوبت نحوي أسنة سهامك وأنا بريء طاهر الذيل؟! ~~اللهم لا أمل لي إلا رحمتك وجنتك، وإني لأتمنى الموت قبل أن تنسب إلي جريرة القتل ظلما ~~لعباد الله. # رب إن الموت خير # من حياة الذل عندي # وفي الحال، حمل اثنان منهما الجريح وأمسك بي اثنان، وما زالوا سائرين ms58 بنا والشمس على وشك ~~الشروق حتى أوصلونا إلى منزل تظهر عليه هيئة منازل الأمراء والحكام؛ فظننت أننا وصلنا إلى ~~منزل أمير مكة أو المحكمة، ولكن عرفت بعد ذلك أننا في منزل مولاي شرف الدين، وتحقيق الخبر ~~أنهم استبطئوا شريفا فتوجسوا خيفة وأرسلوا في طلبه والبحث عليه الأربعة الرجال المتقدم ~~ذكرهم، ولعلمهم أن شريفا يذهب ليلا إلى منزل الحاج علي لزيارة حبيبته تلصصوا هناك، ~~وبينما هم يدورون وإذا بهم رأوا خادم الحاج علي يحمل قتيلا ويسير به عدوا فهجموا عليه ~~وأمسكوه، ولكنهم رأوا أن القتيل لم يكن «شريفا» وإنما هو رجل آخر فاستفسروه فأبى الاستفسار ~~حفظا لكرامة سيده، وحينما يئسوا منه أخذوه إلى منزل مولاي شرف الدين وضربوه ضربا عنيفا ~~لكي يقر بأمر القتيل؛ لأنهم فهموا أن ذلك القتيل لا بد له من دخل في أمر غياب شريف، ~~فسألهم شرف الدين عن منزل الخادم، فأورى أحدهم أنه يعرفه فأمرهم بالمسير إليه وتفتيشه، ~~وكان ما حصل وتقدم ذكره. # ولما أدخلونا المنزل ورأى مولاي شرف الدين «شريفا» مجروحا وحالته تنذر بالخطر، لم يلتفت ~~إلى من جاء معه من الرجال بل انحنى على شريف وقبله بين عينيه وأجهش في البكاء، وجاء كل من ~~في المنزل يبكون ويندبون ومولاي شرف الدين لا يعي لنفسه، كل ذلك وأنا موثق الكتاف ملقى في ~~زاوية من زوايا المحل يضربني الخدم بالنعال ولكنني أبكي لبكائهم وهم يظنونني أبكي من ألم ~~الضرب ووددت لو انشقت الأرض وابتلعتني، وعند ذاك أحضر طبيب فكشف عن الجرح وفحصه ثم قال إن ~~السكين وصلت إلى قلبه، وهيهات أن يعيش! # فلما سمع شرف الدين هذا الجواب قال: علي بخادم الحاج علي، أما والله لو اتخذ قاتله ~~نفقا في الأرض أو سلما في الجو ما خلص مني ولو كان هو أمير مكة نفسه. # فقال له أحد الذين أحضروني: يا مولاي، ها هو القاتل. وأشار إلي. فلما سمع ذلك شرف الدين ~~التفت إلي بنظرة توقف الأسد عن التقدم لفريسته، وقال: أهذا الذي قتل شريفا؟ قطعوه ~~إربا ولا ms59 تبقوا له أثرا، لا عشت أيها النذل الخائن ولا عمرت بك بلاد أيها القاتل ~~الغادر. # فلما سمعت ذلك أيقنت بالهلاك وودعت الدنيا ومن فيها وسلمت نفسي لأمر الله، ولكن خطر ببالي ~~أن أسأل شرف الدين عن المقتول عما إذا كان ابنه أو متبنيه، فقلت له بشهامة البائس: تأن يا ~~سيدي، فلم أقتل شريفا وإنما أنا أنقذته ممن قتلوه، فأرجوك أن تتمعن في الأمر وأن تشفق على ~~غريب ترك دياره ليبحث عن شقيق له، ولم يرتكب جناية سوى أنه خلص نفسا زكية قتلت بغير ~~ذنب، فإن رأيتموني مذنبا في خلاص ولدكم فاقتلوني ونفسي راضية، وإن وجدتم أني عملت عملا ~~شريفا فلا أسألكم عليه أجرا سوى أن تجاوبوني على سؤال واحد. # ولقد قلت ذلك ومولاي شرف الدين مصغ إلي بعين تنظر نظرة الممتحن، فقال بصوت هادئ: لو ~~كانت براءة المذنبين بناء على أقوالهم فهم أطهر الناس وأبعدهم للذنوب وأشرفهم في كل شيء، ~~ولكن على أي حال إن لم تكن القاتل فلا بد أنك تعرف القاتل. ~~- نعم أعرف القاتل، وإنما أسألك أن تفك وثاقي وأن تعدني وعدا صادقا أن تجاوبني على ~~سؤالي بما تفرضه الذمة قبل أن أخبرك بالقاتل. ~~- تلوح على عينيك البراءة، ولكن ربما كنت واهما، فكوا وثاقه. # فقرب مني اثنان وفكا وثاقي بعد أن أخذا الريفلفر مني وتحققا من عدم وجود سلاح آخر، ثم ~~جلس مولاي شرف الدين على مقعد مرتفع وقال لي: «تكلم»، فوقفت باحترام ورجلاي لا تكادان أن ~~تحملاني، وقلت: إني لم أقتل شريفا وإنما خلصته من أيدي الذين قتلوه وأخذته إلى محل الخادم ~~لأعالجه، ولكن جاء رجالك وأحضروني. ~~- ومن إذن القاتل هو؟ # فقلت له: القاتل هو الرجل المقتول الذي أحضره رجالك مع الخادم. ~~- ومن قتل هذا الرجل؟ # فقلت: أنا. # فقال: ولم ذلك؟ # فقلت: لأخلص شريفا ولآخذ بثأره. ~~- وأنت من أين عرفت شريفا؟ وكيف تأخذ بثأره؟ هل أنت من عائلة شرف الدين؟ ~~- أنا لست من عائلة مولاي، ولست من هذه البلاد، وأريد أن أسألك كما سألتني؛ هل هذا الشاب ms60 ~~ابنك أو من عائلتك حتى تود أن تأخذ بثأره وتبحث عن قاتله؟ # فلما سمع ذلك امتقع لونه وقال بصوت غضوب: ماذا تقول؟! أليس هو ابني وحشاشة كبدي؟! اسكت ~~يا قاتل. # فجاوبته بلطف: يا سيدي، أنا سألتك بحرمة البيت الحرام أن تخبرني بالصدق لأن ذلك يخفف عني ~~متاعب الدنيا. # فأجاب مغضبا: ماذا تقول؟ وما هي متاعب الدنيا التي تتخلص منها بإخبارك عما إذا كان هو ~~ولدي أو غير ولدي، «أسفا عليه، فلا يفيد بكاء»؟ ~~- سيدي، بالله ألا ما أخبرتني بالحقيقة فقد بلغني أنه ليس ابنك، وكن واثقا أن الذي أمامك ~~رجل شريف المبدأ لا يبوح بالسر. ~~- وماذا يعنيك إن كان ولدي أو غير ولدي؟ ~~- يعنيني كثيرا، فإنه إن لم يكن ولدك فإنه شقيقي. # فلما سمع هذه العبارة قال لحاشيته: اذهبوا خارجا، والتفت إلي بعد صمت استغرق زمنا ~~طويلا، وقال: أنا أستغرب أمرك أيها الشاب، ويظهر لي صدق ما تقول لأن ملامح وجهك تشابه ~~شريفا تمام المشابهة، فأخبرني شيئا عن أمرك قبل أن أخبرك بأمري. # فقلت له: أما أنا فشاب مصري. # فاستغرب جدا وقال: مصري؟! # فقلت: نعم مصري، ولقد حضرت هنا للبحث عن شقيق لي تركه والدي صغير السن في سنة 1295، ومضت ~~علي ستة أشهر بحثت في خلالها عنه فلم أهتد إليه، ففي الليلة الماضية جاءني الخادم ~~وأخبرني أن شابا يدعى شريفا يقتل هذه الليلة بواسطة بعض لصوص تآمروا عليه، فسألته عن ~~ذلك الشاب المسكين فقال إنه ابن مولاي شرف الدين والناس تقول إنه ليس ابنه بل تبناه، ولما ~~وصفه لي وقال إن له خالا على خده الأيمن، تحركت في عواطف المحبة الأخوية وعزمت على ~~إنقاذه ولو عدمت حياتي، ومن تعاستي وسوء حظي لم أره إلا مقتولا بيد هؤلاء الأشقياء - لا ~~بارك الله فيهم - فلم أتمالك أن قتلت أحدهم، ويعلم الله أنها أول مرة ارتكبت فيها جريمة ~~القتل، ولما وقع نظري عليه في ضوء المصباح حدثني قلبي أنه شقيقي، فهل أنا مصيب في ظني يا ~~سيدي؟ # فلم يجب، بل جلس مفكرا نحو ms61 ساعة كنا نسمع فيها عويل النساء وبكاء الأولاد ولم نتمالك من ~~البكاء، ثم قلت له: يا سيدي، أسرع بالجواب لأودعه الوداع الأخير، فإن فؤادي ينفطر من هذه ~~الحالة. # فقال ودموعه تسيل على خده: اسمع يا ولدي، إن شريفا ليس ابني وإنما هو ابن رجل مصري تركه ~~عند مرضعة ولدي الصغير الذي مات في ذلك الوقت فأخذت شريفا منها وربيته أحسن تربية، فإذا ~~صدق ظني فأنت شقيقه لا محالة. # فلما سمعت هذه العبارة طفح البكاء وتزايدت ضربات القلب، وقمت مسرعا لا أعي وخرجت ~~كالمجنون، وما فتحت الباب حتى أمسكني الخدم وشرعوا يضربونني ضربا عنيفا ظنا منهم أنني ~~قمت هاربا من أمام مولاي شرف الدين، وزاد الضرب من كل الموجودين الذين كانوا يظهرون مرارة ~~الحزن بشدة الصفع والضرب فوقعت مغشيا علي منهوك القوى لا أعي ولا أفقه ولم أدر بعد ذلك ~~ماذا جرى، وقد علمت فيما بعد أن مولاي شرف الدين لبث غارقا في بحار الهموم ساعة من الزمن ~~كنت فيها أتحمل الضرب العنيف، ولما قام ليرى شريفا ورآهم يضربونني صرخ بهم، وجاءوني ~~بالمنعشات حتى فتحت عيني، وسألتهم رؤية شريف فحملوني إليه ولما وقعت عيني عليه لم أتمالك من ~~البكاء، وشرعت أقبله بين عينيه قائلا: هذه قبلة والدك الذي كلفني بتوصيلها إليك وهو ~~يعالج سكرات الموت. # وفيما أنا أقبله نزلت نقطة حراء على خده فشعر بها وفتح عينيه، وقال بصوت منخفض جدا: ~~إلي يا والدي. # فأخذته على صدري، وصحا صحوة الموت الأخيرة، والتفت نحوي وقال: من أنت الذي يعتني بي هكذا، ~~إني حلمت أني رأيتك في منامي - يشير بذلك حين كلمني في كوخ الخادم - أنت كريم يا هذا، هل ~~أنت ملك أرسلت لي؟ # ثم سكت، وبعد قليل قال: أسما، آه يا أسما! حرام يا أسما! قتلي حرام يا أسما! ماذا جنيت؟ ~~هل الحب ذنب؟ أنا عارف يا أسما، أبوك يكرهني لأنه يظنني غير شريف الأصل، لا يعرف لي أب ~~ولا أم ولا ولا، ولكن الوداع يا أسما، الوداع الوداع يا دنيا، الوداع ms62 الوداع يا والدي، ~~لا، لست والدي إنهم يقولون ، الوداع الوداع أيها الشاب المعتني بي، آه! ليتني أقدر على ~~مكافأتك، ليس لي من يبكيني بعد موتي، ليس لي أقارب ولا أم ولا أب ولا أخ. # إن ذلك المنظر يذيب الحجر، فكيف بقلبي الضعيف الذي تحمل المصائب لإنقاذ هذا الشاب وأراه ~~أمامي يعالج سكرات الموت؟ (آه! ما أصعب هذه الذكرى!)، وفيما هو يتكلم كان فؤادي يتقطع وكلما ~~حاولت أن أنطق خنقتني العبرات، ومولاي شرف الدين لا ينبس ببنت شفة، وحوله امرأته ونساء ~~عائلته، وفرق بين الأم والمربية فرق عظيم. # ولما سمعته يقول: ليس لي من يبكيني بعد موتي، ليس لي أقارب، ولا أم ولا أب ولا أخ، تمالكت ~~نفسي وخاطبته: أنا أخوك فلا تحزن. # فالتفت بعينه، ثم قال: هل أنت أخي؟ لا، ليس لي أخ، أنت كريم أيها الشاب، الله يكافئك ~~عني. # فأجبته، والقارئ يتصور حالتي أولى من شرحها: أنا ورب الكعبة أخوك الوحيد، وأنت أخي ~~الوحيد في هذا العالم، فيا ليتني لم أعرفك ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا ~~منسيا! # فنظر إلي نظرة وداع تفتت الأكباد، وقال لي بصوت منخفض للغاية: لا يعتني بي هذا ~~الاعتناء إلا أخ شقيق، فإن لم تكن شقيقي في النسب فأنت شقيقي لحسن معاملتك. # وما أتم هذه العبارة حتى رأيته وجه نظره نحو باب الحجرة وأبرقت أسرته، فتأملت ~~لأرى من الداخل فرأيت فتاة تخجل البدر ذات قوام كالغصن الرطيب وشعر كالليل الحالك وعيون ~~سوداء بأهداب طويلة وخدود كالورد زادت في احمرارها شدة الحزن وزاد بهاءها اللؤلؤ المتناثر ~~على عقيق خدها، وعلى العموم كانت طلعتها تسلب اللب وتجذب قلوب الناس وهي في ملابس سوداء ~~كالقمر في الليلة الليلاء، ولما وقع نظره عليها قال لها بصوت أعلى كأنما يحاول الرجوع إلى ~~الحياة: يا مرحبا يا مرحبا يا أسما، جئت لتزوريني؟ جئت لتودعيني؟ يا مرحبا يا مرحبا. # فرمت نفسها على قدميه وأخذت تبكي بكاء الثكلى وهي تقول: بأي وجه أقابلك وأنت مقتول بذنبي؟ ~~فلمن تتركني يا حبيبي؟ لا ms63 بقاء لي بعدك، آه من القاتل الظالم! قتلك وقتلني بعدك. # فقال لها: اسمعي يا أسما، إن كان القاتل قد قتلني بسببك فلقد وديتني بزيارتك هذه، ~~قبليني قبل موتي ثم اذهبي لمنزلك لئلا يغضب عليك والدك، واذكريني واشهدي أنني مت شهيد حبك ~~الطاهر واشكري هذا الفتى على اعتنائه بأمري. # فأجابته: إن هذا الفتى شقيقك وليس غريبا، وقد أتى مع والدي من مصر للبحث عنك، فأكرم ~~وفادته وأحسن إليه، ولكن، ولكن ... # وسكتت من شدة البكاء. ~~- إن يكن والدك أحسن إليه فهو بريء من ذنبي؛ لأنه أحسن إلى من أحسن إلي، فالوداع يا ~~أسما، الوداع يا شقيقي، بلغ تحيتي لوالدي إن كان حيا. # بماذا أجاوب؟ وبماذا أرد؟ لم يمكن الكلام، وخرست عن النطق، وغاب رشدي حين أغمض عينيه ~~وفارق الحياة. # من بعده يا دهر فافعل ما تشا # عيشى وموتى بعده سيان # | الفصل العاشر # لكل اجتماع من خليلين فرقة # وكل الذي دون الممات قليل # وإن افتقادي واحدا بعد واحد # دليل على أن لا يدوم خليل # كتب الكتاب من أول الزمان، يذكرون مصاعب الموت وخطبه الجسيم، نعم، إن ما نراه من تجرع ~~مرارة الموت ومنظر الميت من الكآبة وبكاء أهله وخلانه وسواد الملبس وانهمال الدموع على ~~الخدود وتقريح الجفون والعيون؛ يجعل الموت في أعيننا هولا عظيما وخطبا جسيما تشمئز ~~منه النفوس وتخافه القلوب، ولكن لو نظر الإنسان إلى متاعب الحياة الدنيا وفناء لذاتها ~~وانقضاء أيامها، وطوح بنظره إلى أصحاب القبور الذين ينامون نوما هنيئا، لا حسد ولا ~~منافسة ولا نميمة ولا شحناء ولا بغضاء ولا فقر ولا مرض ولا عناء ولا سهاد ولا بلواء ولا ذل ~~ولا استعباد ولا طمع ولا شره ولا غدر ولا قتل، بل راحة نوم عميق لا تتخلله أحلام مزعجة ~~ولا تصورات مفزعة بما سيأتي به النهار وبما ولى به الأمس، والهدو والسكينة اللذين يرفرف ~~جناحهما على مساكنهم؛ يجد أن الموت راحة كما قال أبو العلاء: # ضجعة الموت رقدة يستريح ال # جسم منها والعيش مثل السهاد # نعم، إن خطب الموت يكون ms64 أخف وطأة إذا كان الميت من كان ينتظر موته في كل آن ولحظة، لكنه ~~خطب هائل عند فراق من لا ينتظر فراقه، ولا سيما شاب في نضارة عمره ومقتبل شبابه وزهرة ~~حياته: # من شاء بعدك فليمت # فعليك كنت أحاذر # أنت كنت زهرة حياتي، وأنت كنت محط آمالي، وأنت كنت قصدي ومرادي، لأجلك كان سفري، لأجلك ~~كان تعبي، لأجلك كان فراق وطني، لأجلك رغبت في الحياة، فلا حول ولا قوة إلا بالله! ولا خير ~~في حياة ذلها طويل وشقاؤها كثير، وما هي الحياة؟ إن هي إلا أنفاس تردد ودقائق تعد ~~وتحسب، تنتهي كما ينتهي كل شيء، فأي طمع بعد ذلك في الحياة؟! # أنلهو وأيامنا تذهب # ونلعب والموت لا يلعب؟! # لما فارق شريف الحياة اسودت الدنيا في عيني وحرت في أمري، ولقد كان منظر أسما وهي ~~مغشية عليها بجانب شريف يذيب القلوب، وكلما أفاقت ونظرت إلى وجهه المصفر وعينيه ~~المقفولتين بأهدابهما السوداء؛ ناحت وبكت بكاء الثكلى، ولم أر في حياتي مثل ذلك المنظر، ~~ومن عرف الحب ولو قليلا يمكنه أن يتصور حالة هذه المسكينة التي حين بلغها خبر موت شريف ~~وحكايته من الخادم الذي أطلق سراحه رجال شرف الدين، تركت بيتها ولم تسأل عن لوم أبيها ~~وأمها. ومما زادني حزنا وقطع حشاشتي طفل صغير ابن أحد خدم شرف الدين كان يحبه شريف ~~ويلاطفه كثيرا، كما بلغني، جالس بجانبه يبكي ويقول لمن حوله: لم ينام سيدي هكذا ويتركنا ~~نبكي عليه؟ فمتى يستيقظ يا ترى من نومه؟ # فقالوا له إنه نام ولن يستيقظ أبدا، فمد يده وأمسك بيد شريف وشرع يقبلها والدموع تسيل من ~~عينيه عليها. وبعد تغسيله وتكفينه: # ساروا به والكل باك خلفه # صعقات موسى يوم دك الطور # وبعد ذلك اليوم لم يصف لي عيش ولم تهنأ لي الإقامة بمكة وعزمت على الرجوع إلى مصر، ولكن ~~فضلت البقاء إلى موسم الحج؛ لأعود مع الحجاج المصريين، ولم أرجع إلى منزل الحاج علي الذي ~~حينما بلغه أن شريفا كان شقيقي أسف أسفا لا مزيد عليه ms65 وسافر من مكة إلى الهند دون أن ~~يقابلني وأرسل لي كتابا يعتذر، ولكن هل ينفع العذر؟ وهل ينفع البكاء؟ # ولقد اتخذت لي محلا أقيم فيه مع الخادم الذي لم يشأ أن يتركني، وقابلت ذلك منه بالشكران ~~وجعلته كأخ لي. # ومضى بعد ذلك شهران، ولم يبق على موسم الحج إلا زمن يسير، وبينا أنا جالس ذات ليلة وإذا ~~بالخادم دخل علي وأعطاني ورقة ملفوفة في منديل مزركش بالذهب، وقال: هذه أعطتنيها وصيفة ~~لأسلمها لك، ففتحتها وظهر لي قبل قراءتها أنها رسالة غرام، فقلت: هل نحن في سرور أو في غرام ~~أو في أحزان؟! لكل شيء زمان، فقرأت ما يأتي: # أيها الشاب الجميل # قضى الله الذي خلقك جميلا أن تمتلك قلوب البرايا، وإنني أحببت أخاك كما كان ~~يحبني، ولكن المقادير فرقت بيننا وتركتك خليفة له وملكتني لك، فمنذ رأيتك هويتك، ~~وهؤلاء شبان مكة لم يعجبني أحد منهم كما أعجبتني أنت وأخوك، فإن تعطفت علي بقبول ~~محبتي عددت نفسي سعيدة ومت تحت أقدامك، وإن أردت أن أسافر معك إلى بلادك فإني طوع ~~أمرك. فبالله، ارحم فتاة يحييها وصلك ويميتها هجرك. # أسما # فلما قرأت ذلك الجواب قلت: ما أضل هذا العالم! وما أفسد أبناءه! # وتذكرت بكاءها وعيونها تهمل الدموع، ومودتها الصادقة التي كانت تبديها فقلت: صدق والله من ~~يقول: # وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها # فليس لمخضوب البنان يمين # ثم أخذت القلم وكتبت: # أيتها الغادة الجميلة # إن فؤادي لم يبق خاليا ينتظر غرامك، وليس في وسعه أن يجمع بين اثنين، ولست ممن ~~يغدرون بالعهود، وأنا على يقين أن حبيبتي تموت لأجلي لا أن تعشق غيري، وأنا أول من ~~يحبك إكراما لشقيقي. فإن كنت تحبينه كما كان يحبك ومات لأجلك وبسببك، فتكرمي على ~~أخيه برقعة من خطه سواء كان جوابا أو غراما أو غيره، واعلمي أني لا أبوح بالسر ~~مهما عشت، ولا أنسى الدموع على منظر خدك الوردي. وفي الختام، أهديك أزكي التحية، ~~والسلام. # شقيق عاشقك شريف # أمين ~~فريد # ثم وضعت الجواب في منديل من ms66 عندي، وأعطيت الرد للخادم وأوصيته بتوصيله إليها وانتظار ~~الرد، فلم ترد علي بل أرسلت جوابا كان أرسله شريف لها، وكتبت على ظهره هذه الجملة: # إني أحببتك لمحبة أخيك، فلا تظن ذلك عدم وفاء بعهده. # فقلت في نفسي: ذلك لا يهمني، إنما يهمني الجواب الذي رأيت عبارته بديعة السبك، وخطه ~~لطيف الشكل، وهو كما يأتي: # حبيبتي أسما # إن فؤادي طوع أمرك، وقلبي في إرادتك، وهنائي في محبتك؛ فلا تحرميني من رؤية ~~طلعتك. ولقد ذهبت بالأمس لأراك فلم تسمحي لي باللقاء ولم أدر لذلك سببا، أجفاء ~~وما عودتنيه، أم دلالا والمحبة لا ترتضيه؟ فارحمي حشاشتي يرحمك الله، واضربي ~~موعدا للقاء كيما أطفئ نار أشواقي بنظرة منك ترد الروح للجسد. وأهديك سلام محبك ~~الخاضع. # شريف # وما فرغت من تلاوته حتى تناثرت الدموع على خدي، وقلت: لعمري: # ليذهب من يشاء فلست أودي # على من مات بعدك «يا شريف» # والآن، أحفظ هذا الجواب بين أوراقي التي كلما غلب علي الشوق أمر عليها، فمن جوابات حبية ~~ونحن في عهد الصبا والهموم بعيدة، ومن جوابات أصدقاء أصفياء، ومن ... ومن ... قضى كل ذلك، ~~وأصبحت فريدا وحيدا، لا من يسأل عني من الأحياء أو الأصدقاء، وهكذا الأيام دأبها الفتك ~~بالأحرار: # لكل شيء إذا ما تم نقصان # فلا يغر بطيب العيش إنسان # هي الأمور كما شاهدتها دول # من سره زمن ساءته أزمان # وهذه الدار لا تبقي على أحد # ولا يدوم لها حال ولا شان # ولقد حملت علي بكل ما يمكنها من المصائب، ولم تدع في جسمي محلا إلا رشقته بسهامها. ~~ولا بد أن أذكر هنا أن الدنيا تغيرت أمام عيني كثيرا، فلا عاد يخطر لي على بالي هناء ولا ~~سعادة ولا آمال ولا ... ولا ... كأنني أبو العلاء حيث قال: # غير مجد في ملتي واعتقادي # نوح باك ولا ترنم شاد # وشبيه صوت النعي إذا قيس # بصوت البشير في كل ناد # تعب كل الحياة فما أعجب # إلا من راغب في ازدياد # وأنا الآن أمضي أغلب أوقاتي في كتابة هذا التاريخ ومطالعة الكتب ms67 الدينية والأدبية، وآمل ~~أن أعود لمصر بعد موسم الحج. # | الخاتمة # وكل له يوم يتم به العمر # بينا أنا جالس في منزلي أطوف على سفينة تاريخ الزمان فكري في تقلبات الأيام، خطر ببالي ~~ذلك الصديق الذي فارق بلاده وهو في ريعان الشباب الغض، واقتحم الأخطار الشديدة، وجاب ~~الأقطار البعيدة، لا سعيا وراء المال بل وراء ما يجلب الشرف والفخار، وأي فخار أكثر من ~~مخاطرة الإنسان بحياته وراء البحث على شقيق لا يعرف إن كان على قيد الحياة أو قصفت غصن ~~شبابه المنون؟ وأقول ولا أخشى لومة لائم: إنه يندر وجود مثل ذلك الشاب في ثباته وعدم ~~مبالاته بالأهوال، فاشتقت لمعرفة أخباره؛ لأن الصداقة تحتم علي أن أعرف أحوال من ~~ارتضعت معه أفاويق الوفاق وأمضينا زمن التعليم في سرور وصفاء. # فكتبت جوابا لسعادة ... بك بالرمل، وسألته عن أمر فريد، فجاءني الرد قائلا إنه لم تصل لهم ~~أخبار عنه منذ سفره، فحرت في أمري، وسألت الله أن يرد صديقي سالما. # ثم مر على تلك المراسلة شهر، وفي ذات يوم من أيام الصيف الماضي بينما كنت جالسا مع بعض ~~أصدقائي في منزلنا وإذا بقارع يقرع الباب، فقابلته ولكن لم أعرفه ولم أتذكر أني رأيته في ~~حياتي، ثم سلم علي وقال: هل أنت فلان؟ فأجبته بالإيجاب، وسألته أن يتفضل بالدخول، وبعد ~~التحية وشرب القهوة قال لي: أظنك لا تعرفني. فقلت: صدقت، ولكن أتشرف بمعرفة حضرتكم. # وكان ذلك الرجل مصريا لابسا زيا عربيا، يبلغ من السن نحو الثلاثين، ولقد خطر بفكري ~~أنه أحد أصحاب أخي أو من معارف عائلتنا، ولكنه قال: إنني لست من هذا البلد، وإنما أنا من ~~مدينة الزقازيق، ولدي وصية كلفت بتوصيلها إليك، وهذه الوصية هي سلام فتى مات شهيد ~~المروءة والشرف وخدمة الإنسانية. فأردت أن أقاطعه فقال: تأن وثبت جأشك. # إن ذلك الفتى - رحمه الله - يهديك سلامه الأخير وهو يعالج سكرات الموت وسط القفار، ولا ~~قريب ولا حبيب ولا صديق ولا شفيق ولا رفيق، ويسألك أن لا تنساه ما عشت، فإن ذكراك ms68 له بقاء ~~لاسمه الذي قصفت غصنه المنون في شبابه الغض. # فسألته عن اسم الفتى، فقال: إن اسمه أمين فريد. # فقلت باندهاش عظيم: وارحمتاه، واصديقاه! مات أمين! إنا لله وإنا إليه راجعون. # فقال ذلك الرجل: أما والله لو رأيته وهو طريح بين الأحجار مضرجا بدمائه، لوددت الموت ~~قبل رؤية ذلك المنظر المحزن، وإني ما عشت لا أنسى صورته ورأسه موضوع على حجر والدم يسيل من ~~جنبه وخدوده صفراء وثيابه حمراء. # فسألته: وهل قتل؟ وكيف كان قتله؟ # وهنا ابتدأ أن يقص علي حكايته حتى وداعه الأخير: ذهبت إلى مكة لقضاء فريضة الحج الشريف ~~مع أهل بلدتي، ولما وصلنا إلى مكة أخذت في البحث على محل أقيم فيه بواسطة المطوف، الذي قال ~~لي: إن هناك شابا مصريا يود أن يقابل مصريا، وذهب بي إليه ليسأله على محل، فلما ~~تقابلنا به وجدت شابا جالسا في دكان يبيع فيها من الحراير والأقمشة ما يلزم الحجاج، وحين ~~رآني وعرف أني مصري سلم علي باحترام وقابلني بإكرام ثم سألني عن بلدي، ولقد وقع حبه في ~~قلبي لأول نظرة، ثم سألته عن أمره فأخبرني أولا أنه جاء الأقطار الحجازية لسبب أخبرني به ~~فيما بعد. وفي ذلك الوقت ابتدأت صداقتي معه، ثم ترجاني أن أقيم معه حتى نعود سوية إلى ~~مصر، وشرع في بيع ما في دكانه إلى الحجاج المصريين، الذين أحبوه للطف أخلاقه وجميل معاشرته ~~وحسن معاملته، وفي تلك المدة عرفت قصته من رسالة كتبها عن نفسه قبل مقابلتي بزمن يسير، وهذه ~~الرسالة معي سأعطيكها الآن كما أوصى بذلك. # ومما كنت أستغرب له صبره العظيم وسكونه التام وعقله الذكي ونباهته على صغر سنه، وأنه كان ~~يظهر على وجهه أنه أكبر مما كان سنه؛ لما كان كابده من الهموم والمصائب التي سوف تراها ~~في هذه الرسالة. # ولا أطيل الكلام، بعد قضاء فريضة الحج، عزمنا على زيارة قبر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فباع ما ~~عنده وودع من كانوا يودونه بمكة، وأعطى خادمه مبلغا عظيما فتح له به دكانا ms69 يبيع ويشتري ~~فيها، وسرنا في قافلة مسافرة إلى المدينة المنورة، ولا يخفى عليك أن السفر في تلك الأصقاع ~~محفوف بالمخاطر، فإذا اشتدت الهاجرة وضعنا رحالنا ونصبنا في خيامنا وأقمنا بقية ~~يومنا. # وكنت تراه يدور في القافلة يتصدق على الفقراء ويساعد الضعفاء، ونحو ذلك من الخدم التي ~~يندر أن يقوم بها شاب في سنه، وكان يتأخر عني عند سير القافلة، أعني بعد الغروب، ساعة ~~زمانية، فأسأله أين كنت، فيجيبني أنه كان يساعد النساء اللواتي لا يقدرن على الركوب، وأنه ~~كان يشتري للفقراء خبزا يفرقه عليهم لعشائهم، ونحو ذلك من الأعمال المبرورة. وبعد أن سرنا ~~خمس ليال متوالية نزلنا بواد تحيط به الجبال من كل جانب، وبعد نصب الخيام وتناول قليل من ~~الأكل خرج كعادته حاملا خبزا وطعاما وبقسماطا ليفرقها على الفقراء، أما أنا فجلست ~~للمحادثة مع حاج مصري من مدينة طنطا، ودار بنا الحديث على أخلاق ذلك الشاب المرضية وكرم ~~نفسه وشهامته ومساعدته للضعفاء، وقال كل منا في حقه ما يستحقه من الإطراء والإعجاب به، حتى ~~جاء وقت القيلولة وكان الهواء حارا والعرق يسيل كالماء من جبهة الإنسان، فنمت ونام ذلك ~~الرجل كما هي العادة، ولما استيقظت عند صلاة العصر سألت عن أمين فلم أجده، فانتظرته قليلا ~~فلم يأت، فداخلني قلق عليه وأحس قلبي بشيء؛ إذ خفت على حياته من الجمالين الذين يفتكون ~~بالأغنياء طمعا في سلب أموالهم، لكن فؤادي كان مطمئنا من تلك الجهة لأن الجمالين كانوا ~~يحبون أمينا كثيرا؛ لأنه كان يواليهم بالعطايا ويتصدق عليهم بالخبز والبقسماط ونحو ذلك، ~~ولما سألت جماله عليه أخبرني أنه خرج منذ الصباح ولم يعد، فذهبت للبحث عليه فلم أجده ~~أبدا، فحرت في أمري وكلما سألت واحدا يخبرني أنه لم يره، إلى أن قال لي واحد إن أمينا ~~سمع صوت صارخة تستغيث فذهب مسرعا لإنقاذها لكن لم يعد بعدها، ما سمعت هذه العبارة حتى جمد ~~الدم في عروقي واعتراني ذهول وداخلني خوف على حياته، فذهبت إلى خيمتنا وأيقظت صاحبنا وأخذت ~~جمالينا وذهبنا إلى الجهة ms70 التي أشار لنا إليها ناقل الخبر، وبعد أن سرنا مسافة بين ~~الهضاب والأكمات بقلوب واجفة، رأينا وراء الأكمة ما وراءها: # ها جريح لا أنيس بقربه # بعيد عن الخلان في موطن قفر # توسد في تلك المهامه صخرة # ودمع فراق العيش من عينه يجري # فحين وقعت عيناي عليه وهو بتلك الحالة مطعونا في قلبه بسكين والدم يحيط به من جميع جهاته ~~كأنما هو نائم على حرير أحمر، ووجهه مصفر من كثرة ما نزف من الدم؛ فصرخت من فؤاد مجروح: ~~وافريداه! وارحمتاه! وامصيبتاه! # ودنوت منه أناديه وأقلبه، ولكن متى يسمع الميت النداء؟ # وهنا بكى الرجل وبكينا بكاء شديدا، ثم قال: ولما عرفت أنه فارق الحياة وأن وقت مسير ~~القافلة صار أقرب من قاب قوسين، أرسلت الجمالين ليحضروا لنا فأسا نحفر بها قبرا، ولما ~~ذهبوا نظرت يمنة فوجدت ورقة ملوثة بالدماء ساقطة بقرب الحجر الذي توسده فتأملتها، وإذا ~~هي صورة فتاة جميلة الطلعة باسمة الوجه، والظاهر أنه أخرجها من جيبه ونظر لها قبل مماته ~~النظرة الأخيرة، وتأمل محاسنها ثم سقطت منه، ولما نظرت إلى ظهر الصورة رأيت فيها كتابة ~~حمراء، ظهر لي أنه كتبها بعود أملاه من دمه، وهيئة الكتابة كما ستراها تدل على ارتجاف ~~أعضائه، وسأعطيك هذه الصورة ترى رأيك فيها. وعند ذلك جاء الجمالان بفأس فأمرتهما بالحفر ~~بينما صليت عليه مع رفيقي وفتشت ملابسه فوجدت منديلا مطرزا بالحرير داخل قميصه كأنما جعله ~~أقرب الأشياء إلى قلبه وعليه كتابة إفرنجية لا أعرفها، ولم أجد حزامه الذي كان يحمل فيه ~~النقود، ويظهر أن القتلة المجرمين الذين لا يرحمون صغيرا ولا يوقرون كبيرا ولا يشفقون ~~على الأرواح الطاهرة الزكية، سلبوا ذلك الحزام بما فيه من كثير النقود، وفي الحال واريناه ~~التراب بلا كفن بل بثيابه الحمراء كما تدفن الشهداء، ودموعنا تسيل مدرارا وأفئدتنا تتقطع ~~إربا، ثم بحثنا على حجر كبير وضعناه قرب رأسه وحفرنا عليه بالسكين: # شهيد المروءة والشرف أمين فريد المصري. # وقد أقبل الظلام يجر ذيوله السوداء ولم يبق على مسير القافلة إلا زمن ms71 يسير، وكلما رغبت ~~في تركه أمشي قليلا وأرجع للوراء وأقول: السلام عليك يا أمين، السلام عليك يا أمين إلى يوم ~~القيامة. # وهنا بكينا بكاء مرا، وذرفنا الدموع الحرى. # وبالاختصار أيها الصديق، رجعنا إلى القافلة وما انتشر خبر موته حتى علت الضوضاء، وناحت ~~الفقراء، وبكت الضعفاء، وتأسفت الأغنياء والأقوياء، وتأخر مسير القافلة نحو ساعة زمانية ذهب ~~فيها بعضهم لرؤية مدفنه، وبعد ذلك سرنا نطوي القفار طي السجل، وأنا غائب عن هذا العالم ~~الدنيوي، وصورة ذلك الشاب مرسومة في مخيلتي فلم أنسها ولن أنساها ما عشت، وكلما غلب علي ~~الشوق أنظر ورائي في ضوء القمر الساطع، وأطوح بنظري إلى الوراء، وأتصور في مخيلتي قبره ~~ومقتله، فأذرف الدموع وأردد الزفرات، حتى وضعنا رحالنا في الصباح وعزاني من يعرفه في ~~القافلة، وناحت الفقراء والمساكين قائلين: من لنا بعدك يا أبا الفقراء، ومعين ~~الضعفاء؟! # والموت نقاد على كفه # جواهر يختار منها الجياد # وهذه هي الصورة. # وناولني ورقة ملوثة بالدم المصفر، فنظرنا إلى الصورة فرأيت أنها مصورة بالإسكندرية، ~~وعرفت أنها ولا شك صورة حبيبته، ثم رأيت في ظهرها ما يأتي مكتوبا بعود مداده دم مصفر ~~كلون الزعفران: # آه من سفر بغير إياب! # آه من حسرة على الأحباب! # آه من مضجعي فريدا وحيدا # فوق فرش من الحصى والتراب! # تفقدت من يبكي علي فلم أجد # سوى صورة المحبوب بين يميني # الوداع يا روح، الوداع يا دنيا، الوداع يا سكينة، الوداع الوداع. # لقد قتلني من لا يرحم ولا يخاف الله بينما كنت أخلص منه فتاة فتك بها، وموعدي ~~وإياه يوم القيامة، الله يخلص لي منه! الله عالم، الله خبير. إذا بحثت علي يا ~~حاج إبراهيم ورأيت هذه الورقة، فاهد سلامي الأخير إلى صديقي الذي ذكرته لك كثيرا، ~~وأعطه ترجمة حياتي. ومني عليك السلام إلى يوم ... م القيام ... # ولقد حفظت هذه الصورة وترجمة حياته، وأرسلت ما بقي من ممتلكاته إلى ... بك بالرمل، وأخبرته ~~بالقصة في جواب، ولم أدر ماذا جرى عندهم، ولا شك أن حبيبته التي يذكرها في ترجمة حياته ms72 ~~سفكت الدموع ورثته رثاء بفؤاد مجروح. # أما أنا فأقول لمن يطلع على هذه الرواية من الإخوان الذين عاشرونا مدة المدرسة، أن لا ~~يتعبوا أفكارهم في الوقت على الحقيقة، ومن هو اليتيم، ومن هو الصديق، ومن هو العاشق، ومن هو ~~المعشوق، فإن الأسماء مستعارة، والرواية تحت طلسم لا يعلم غامضه إلا الله وواضعها، وإذا قال ~~الإخوان إنه يقصد بذلك فلانا، ويقصد بذلك نفسه، ونحو ذلك؛ فإنما يرجمون بالغيب ويشغلون ~~أفكارهم فيما لا فائدة فيه، فالأولى بهم أن يعملوا بنصائحها ويتشبهوا بصاحبها، والله يهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم. # وأرجو من يطلع عليها أن يغض الطرف عن الهفوات والزلات، فجل من لا يسهو وجل من لا ~~ينسى، وأول الغيث قطر ثم ينسكب، وأسأل الله أن يوفقني وإياهم لما فيه النفع للعباد والبلاد ~~آمين. ms73