######OpenITI# #META# URI: 1369AntonZikri.NilFiCahdFaracina.Hindawi85913029 #META# Tags: history #META# ID: 85913029 #META# Title: النيل في عهد الفراعنة والعرب #META# AuthorID: 97026070 #META# Author: أنطوان زكري #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # منابع النيل حسب عقيدة قدماء المصريين وتقاليدهم‏ # خطاب أحد رؤساء كهنة قدماء المصريين إلى يوليوس قيصر الروماني بشأن منابع النيل‏ # بحث العالم القديم والحديث في منابع النيل‏ # رأي العرب في منابع النيل‏ # أسماء النيل من النصوص المصرية القديمة‏ # سيحور‏ # فيضان النيل وأسبابه عند قدماء المصريين‏ # التنبؤات المصرية القديمة الخاصة بالنيل‏ # أعمال ملوك الأسرة 12 في النيل‏ # زيادة النيل ونقصانه وأطواره في عهد العرب1‏ # نتائج زيادة النيل ونقصانه في عهد العرب‏ # مصبات النيل: حسب عقيدة القدماء‏ # مقاييس النيل في عهد الفراعنة‏ # ذكر مقاييس النيل وزيادته في عهد العرب‏ # المقياس بناء على تحقيقات مهندسي العصر الحالي‏ # الضرائب المصرية القديمة‏ # المكوس المصرية القديمة على المراكب‏ # أموال خراج أراضي مصر في عهد العرب‏ # خراج مصر في الإسلام‏ # رأي العلماء في بحيرة مريس‏ # أعياد النيل عند قدماء المصريين‏ # في العصور الوسطى‏ # في العصور الحديثة‏ # رسوم النيل في الآثار المصرية‏ # أنشودة النيل لقدماء المصريين‏ # الشعر العربي في مدح النيل‏ # عبادة النيل‏ # آلهة الأنهر - ثالوث بيلاق - العجل أبيس وسيرابيس - قصص خرافية عن النيل - ما أشيع عن النيل‏ # ذكر شيء من فضائل النيل‏ # مقدمة‏ # منابع النيل حسب عقيدة قدماء المصريين وتقاليدهم‏ # خطاب أحد رؤساء كهنة قدماء المصريين إلى يوليوس قيصر الروماني بشأن منابع النيل‏ # بحث العالم القديم والحديث في منابع النيل‏ # رأي العرب في منابع النيل‏ # أسماء النيل من النصوص المصرية القديمة‏ # سيحور‏ # فيضان النيل وأسبابه عند قدماء المصريين‏ # التنبؤات المصرية القديمة الخاصة بالنيل‏ # أعمال ملوك الأسرة 12 في النيل‏ # زيادة النيل ونقصانه وأطواره في عهد العرب1‏ # نتائج زيادة النيل ونقصانه في عهد العرب‏ # مصبات النيل: حسب عقيدة القدماء‏ # مقاييس النيل في عهد الفراعنة‏ # ذكر مقاييس النيل وزيادته في عهد العرب‏ # المقياس بناء على تحقيقات مهندسي العصر الحالي‏ # الضرائب المصرية القديمة‏ # المكوس المصرية القديمة على المراكب‏ # أموال خراج أراضي مصر في عهد العرب‏ # خراج مصر في الإسلام‏ # رأي العلماء في بحيرة مريس‏ # أعياد النيل عند قدماء المصريين‏ # في العصور الوسطى‏ # في العصور الحديثة‏ # رسوم النيل في الآثار ms01 المصرية‏ # أنشودة النيل لقدماء المصريين‏ # الشعر العربي في مدح النيل‏ # عبادة النيل‏ # آلهة الأنهر - ثالوث بيلاق - العجل أبيس وسيرابيس - قصص خرافية عن النيل - ما أشيع عن النيل‏ # ذكر شيء من فضائل النيل‏ # | النيل في عهد الفراعنة والعرب # | النيل في عهد الفراعنة والعرب # تأليف # أنطوان زكري # حضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول: «أول ملك جلس على عرش مصر بعد دول ~~الفراعنة المرسومة صور عظمائهم حول رسمه الكريم.» # | مقدمة # على غير ما اعتاده بعض الكتاب من اتخاذهم عادة في ما يؤلفون ويكتبون وضع مقدمات كبيان ~~للفن الذي يشتغلون به، أو المواضع التي يوفقون للإجادة في مباحثها تشويقا للقراء، ~~وتنبيها عن أهمية ما يتصدرون للإطناب فيه، بما أوتوا من براعة واقتدار؛ حتى يكون المطلع ~~على اشتياق لما تزفه الأقلام للأفهام. # قد رأيت في هذا المؤلف اجتناب الإطالة في التمهيدات والمقدمات اكتفاء بأن الموضوع ~~المقصود بالبحث والبيان هو النيل، والنيل ذو أهمية بذاته لا تحتاج معالجة لإثارة الأشواق ~~واستفزاز الفطن؛ لأن النيل ومزاياه وتوقف حياة البلاد عليه تكاد أن تكون في حكم ~~المعلومات الفطرية، التي تنبعث الأذهان بطبيعتها إلى حب الاطلاع على كل ما يتعلق به من ~~المباحث التاريخية، والمعلومات الفنية التي جادت بها القرائح في قرون ماضية، لا زلنا نقتفي ~~آثارها في الارتشاف من مناهلها، والحرص على الاستفادة من كل جديد مفيد. # النيل في عصر الفراعنة، وفي عصور الفتوحات الاستعمارية، إلى عصر الفتح الإسلامي وما يليه، ~~أخذ عناية دائمة بالمحافظة على فوائده من كل دولة كان لها حق السيطرة على هذه ~~البلاد. # لهذا تحتم عندي التلخيص بأقصى مستطاع لكل المعلومات الزمنية للنيل وتطوراته في كل هذه ~~العصور، اعترافا للرجال المصلحين في كل أمة بالفضل الذي بذلوه لفائدة العمران في المحافظة ~~على مياهه، وانتفاع بلاده ببركات فيضه. # فلنا المعذرة إذا قصرنا بحثنا على أدق ما يهم الاطلاع عليه، خصوصا فيما يتعلق ~~بالمناطق الشهيرة التي نرى في الإلماع إليها أتم كفاية لمن يهمه أمثال مباحثها العمرانية ~~والتاريخية. # فلهذه الأسباب يكون اقتناء كتابي هذا، والتكرم بالاطلاع ms02 عليه كتشجيع أدبي لكل قارئ فيه حظ ~~الارتياح وامتنان الثناء؛ لأن كل فرد من سائر الطبقات المصرية يشتاق لتبادل وتعميم هذه ~~المباحث العمومية، بقدر الارتباط العام لكل فرد ممن أقلته أرض مصر ببركات النيل ~~وفيوضاته. # | منابع النيل حسب عقيدة قدماء المصريين وتقاليدهم # قليل من المصريين من يشاهد عليه الاعتناء بالنيل ومعرفة تطوراته، بحسب النظامات الحكومية ~~التي طرأت عليه لمناسبات تحسين الري، وحسن التصريف في كميات الفيضان، وقل أن تجد حتى عند ~~ذوي الاطلاع معلومات تدل على اهتمام القوم بهذا النهر، الذي هو مصدر الثروة وينبوع ~~الحياة، بل إن أغلب الأمة المصرية لا تذكر شيئا عن النيل إلا في أوان التحاريق، بمناسبة ~~التشديدات التي تتخذها مصلحة الري في وضع المناوبات، واحتياجهم إلى تلقي الأخبار المنبئة عن ~~بدء الفيضان، وهذا هو منتهى اهتمام الزراع وأرباب الأطيان الواسعة، وأما أغلبية الطبقات ~~من الأمة حتى المشتغلين بالعلوم العامة في المدارس بأنواعها وطبقات الصناع والتجار، فلا ~~يحسبون للنيل حسابا ولا يعتنون بشيء من أخباره إلا في مقتضيات محدودة من الزمن، مثل ~~حفلة وفاء النيل وباقي الأعياد المتداخلة في أشهر الفيضان عند بعض الطوائف، فإذا انقضت هذه ~~المدة أغفلوا ذكر النيل جانبا، كأنهم ليسوا من سكان واديه، أو من القاطنين في أراضيه التي ~~كرمها الله بالخصب والرغد، وجعله لها مصدر السعادة ومهاد الثروة. # أفرد كثير من المؤرخين النيل بمباحث مطولة عن البعثات التي كلفت باكتشاف ينابيعه ~~وطرق سريانه في الأودية، ووسائل الانتفاع به وما تحويه مسالكه من المعادن والأتربة ذات ~~الخواص، وهذا المبحث مفيد من الوجهة العلمية، التي تقبل المزيد من الوضوح، كلما تقدم ~~العقل العرفاني في ارتقائه ووصوله إلى حقائق لم تكن معلومة من ذي قبل، وغرضنا في هذا ~~الكتاب البحث الآن عما كان للنيل من المزايا الخاصة، المترتبة على عقائد وتقاليد تداولها ~~قدماء المصريين حسب اعتقادهم، فمن ذلك ما قاله هيردوت: «إنما مصر هدية من هدايا النيل.» ~~وكلمته هذه الصغيرة تشمل وادي النيل بأسره؛ لأن النيل كشريان الحياة، بفيضاناته الدورية ~~التي يعبر عنها في ms03 أقاليم الصعيد بلفظة «دميرة ». # والبداهة ترشدنا إلى أن مجرى النيل وما يحيط بشواطئه كلها جزء اغتصبته سطوة النيل من ~~مجموعة الأقاليم، واختص هذا الجزء المغتصب بالمقتضيات الطبيعية من الخصوبة، فجاد بحسن ~~الإنبات وامتاز بالموقع الثمين، وأحاسن المجهودات الإنسانية التي ابتدع الأهالي طرائقها ~~ووسائلها في تقسيم المناطق إلى بلدان وحيضان وحدائق، واتخذوا لكل موقع ما يناسبه من ~~الاحتياطات الزراعية، ولم يشيدوا المباني في البلاد إلا بأماكن محدودة من أطرافها؛ لتكون ~~مناطق المزارع خالية من عوائق التقسيم والترتيب وحرية الانتفاع، وليكون أهل كل قرية عونا ~~لبعضهم في حقوق الجوار والارتفاق وصد الطوارئ، جريا على عادة المجاملات التي كانت راسخة في ~~أخلاق المصريين قبل أن يتغلب عليها التقليد الأجنبي الحاضر، الذي أفقد النفوس كثيرا من ~~مزايا التعاون والمحبة والإخلاص. # وكان قدماء المصريين يجعلون للنيل احتراما اعتقاديا؛ لكونه السبب الفعال في صيانة ~~أرواحهم من مهالك القحط والجدب، وانتشار الفاقة واستحكام الضيق؛ إذ كان عوام الناس ~~وخاصتهم مقبلين على الزراعة والاعتناء بها أكثر من كل شيء، ولم يكن الاعتناء بالصناعات ~~والأحوال الأخرى الأدبية إلا في بعض المدائن التي كانت تقوم بالحاجة الكافية لمجموع ~~الأهالي، وبهذا كانت التجارب على جانب من الرواج، وأولو البراعة في العلوم كانوا على منتهى ~~درجات الاحترام والتوقير، اعترافا بفضلهم وتشجيعا لذوي الاستطاعة، على أن يحذو النجباء ~~حذوهم في فضلهم ومعارفهم، وكانوا يقدمون للنيل بعض اعتبارات كالعبادة ويسمونه «حعبي»؛ أي ~~الإله المقدس. # وعدم إلمام المصريين القدماء بمعلومات عن منابع النيل كان شأنا عاما، ولا يعدونه ~~تقصيرا في الوجهة العلمية، وقد لاحظ ذلك المؤرخ الشهير هيردوت الذي قدم لمصر قاصدا ~~البحث وجمع الاستدلالات في هذا الشأن، حتى قال: «لم يعرفني أحد شيئا من منابع النيل.» ~~وأيدت رأيه أنشودة النيل القديمة التي كانوا يترنمون بها في المواسم والأعياد، ويعترفون ~~فيها «بأن النيل آت من الظلمات.» # وذكر في كتاب الموتى: «أن النيل مولود من رع»؛ أي الشمس التي هي أكبر الآلهة عند ~~المصريين القدماء، ويقرب من هذا المعنى أنه وجد مكتوبا في ورقة بردية، «من ms04 ضمن أوراق كتب ~~التحنيط »، نص بالمعنى الآتي، «في بطاقة عند مقبرة أحد الموتى»: «إنك أيها الراحل في لحد ~~الخلود، سيفيض عليك النيل في مضجعك الأخير أثرا من بركاته؛ لأن ماءه آت من مدينة أبو «أي ~~جزيرة أسوان»، وهذا النيل ينفجر من هوته، هذا «نو» الخارج من ينبوع صخري، كأن الفيضان ~~يفور من خزانته والمياه تتدفق من ينبوعها.» # وقد قال المؤرخ هيردوت أن أمين معبد الآلهة «نيت» بمدينة سايس أخبره بأن بين مدينة «سين» ~~بطيبة ومدينة جزيرة أسوان جبلين؛ أولهما يدعى باللغة المصرية القديمة «كروفي»؛ أي هوته، ~~والثاني «موفي»؛ أي مياهه، وبين هذين الجبلين تتفجر منابع النيل من هوة عظيمة، وينصب ~~الماء منها طبقا لطبيعة الحواجز الصخرية هناك إلى شطرين؛ أحدهما إلى مصر في الشمال والآخر ~~إلى إثيوبيا في الجنوب. # وقد اجتهد هيردوت لما أتى مصر بمباحثه العلمية من الوجهة الجغرافية، وعالج كثيرا من ~~طبقات الكهنة، فلم يبوحوا له بشيء من معلوماتهم، إلا فيما يتعلق بعظمته المشهورة ومكانته ~~الراسخة في النفوس، كمعبود يؤدون له فرائض العبادة والإجلال ما استطاعوا، وخصوصا في ~~الأوقات التي حددوها لذلك عند بدئه في الزيادة، وبلوغه منتهى الفيضان، ومبادئ تصريفه في ~~الأقاليم، ورتبوا على ذلك الأعياد والمواسم الشهيرة، التي لا زالت تراعى في الاحتفالات ~~والمظاهر السنوية ترحيبا بوفائه، وشكرا لما يغدقه على الأرض من نعيم الخصوبة ~~والرغد. # وقد اكتشفوا في معبد بيلاق الذي شيده الإمبراطور «تراجان»، واحتفظ عليه خلفاؤه من بعده ~~رسما يمثل لنا الإله حعبي «النيل» في مخبئه، وتفسير هذا الرمز أنه يوجد فوق صخور مرتفعة ~~عليها رسما الصقر والباشق، وفي حجرة يرى بداخلها هيكل إلهي لإله راكع، حاملا في يديه آنية ~~تخرج منها فيوضات النيل المباركة، ويجد الرائي مرسوما على رأس الحجرة حية ملتفة على نفسها، ~~وبين رأسها وذنبها منفذ ضيق لمرور النيل، وهذا الرسم فسره كاهن مدينة سايس للمؤرخ هيردوت ~~بأنه منتهى معلوماتهم عن منابع النيل، فهو فيض من عند الله لم تصل استطاعة أمثالهم لاكتشاف ~~أوائله غير ما هو مشاهد للزائرين في أطراف ms05 وادي النيل، ويقصد الكهنة بذلك وقوف الأمة عند ~~هذه النقطة، وعدم التطلع إلى مباحث أخرى. # وكان علماء المصريين مع كثرة الرموز العلمية وسعة المعلومات المحفوظة في الصدور، والمرموز ~~إليها في بعض المخلدات الأثرية، لا يسمحون لمعاصريهم ولا لزائريهم من فجاج الممالك ~~بالتوسع في مباحث عن ينابيع النيل وأوائل مصدر فيضه؛ لأنهم يعتقدون سعة البحث في ذلك ~~ممنوعة دينيا، وتعرض المشتغلين بها لحلول النقمات التي تنذر بها الكتب المقدسة كل من ~~يسعى إلى عمل يؤدي إلى كفر أو ضلال، وكانوا يعتقدون أن النيل فيض من البركات الإلهية، يتنزل ~~من السموات العلا إلى عالم الأرض، فيكون منها الرغد والسخاء وصلاحية الأرض لكل نبات يحتاجه ~~الإنسان في أدواره المعاشية، ولهذا كانوا يسمونه أبا الآلهة «أتف نترو»، ولم يلتفت قدماء ~~الباحثين من المصريين إلى أسباب الزيادة في النيل في أزمنة الفيضان؛ لاعتقادهم أنه قدسي ~~في تكوينه، وفي تأثيره وفيما تبصر الخلائق عنه؛ لأنه سر من فيض البركات الإلهية، اختص ~~الله بها هذا الوادي السعيد، وجعله إلى الأبد مصدر الرفاهية والسعة والإغداق بأنواع الأرزاق ~~التي تفي باحتياجات قاطنيه، وبسد العوز لكل الطبقات التي تأوي إليه، ويجدون فيه ومن ~~سجايا أهله حرما آمنا. # وقد اجتهد علماء المباحث المصرية عن النيل وينابيعه ومصادره العليا، مثل هيردوت وسترابون ~~وديودور الصقلي، وعلماء الرومان كالمؤرخ بلين وسنيك وغيرهم من الفلاسفة، فلم يستطيعوا سوى ~~الوقوف عند ما ألقاه إليهم الكهنة عن عظمة النيل، وإن عجائبه ترجع إلى قدسية مصدره الإلهي، ~~فاضطروا للإذعان خاضعين لعقائد وتقاليد قدماء المصريين في شأنه، ولم يتجاوزوا في مباحثه إلى ~~ما وراء الشلالات، وإلى ذلك أشار هيردوت بقوله: «إن النيل يعرف مبدؤه بعد سفر أربعة أشهر، ~~سواء كان ذلك برا أو بحرا، وهي المدة التي كان يستغرقها المسافر في وصوله إلى جزيرة ~~أسوان.» # واستمر الناس على الاعتقاد بأن ينابيع النيل مما يعسر على الباحثين حل غوامضه إلى عصر ~~الرومان، فأرسل نيرون بعثة رسمية لاكتشاف هذه المنابع، فوصلت بعد مستنقعات واسعة إلى صخرين ~~تجري فيهما المياه فظنوهما المنابع ms06 الأولى للنيل، وعادوا يتوهمون لأنفسهم الظفر بما لم ~~يستطع غيرهم الوصول إليه. # وقال بلين: «إن منبع النيل آت من موريتاني # Mauritanie # الواقع شمال أفريقيا.» وقال سنيك: «إن منبعه يبتدئ في ضواحي مدينة بيلاق.» وقال المؤرخ لوكين: ~~«إن منبع النيل الحقيقي لم يعرفه أحد في العالم.» ووافقه على ذلك المؤرخ أميان مرسليان، أحد ~~علماء القرن السابع للمسيح، وإن منتهى ما وصلت إليه الاجتهادات وتجوال البعثات في رحلاتها ~~أن منابعه آتية من بحيرات أفريقيا الوسطى، وكان قدماء الباحثين يضربون الأمثال بمعرفة منابع ~~النيل في استحالة الوصول إلى غرض يرضي ويقنع الباحثين. # وقال المقريزي في وصف مصر: «إن النيل يظهر على الأرض بقرب وادي القمر، الواقع بقرب ~~الاستواء.» وقال جرانفيل: «إن النيل فردوس أرضي.» ولا تزال هذه العقيدة عند قدماء النوبيين ~~رغما عن توالي السنين وظهور الاكتشافات العلمية التي تحتم بمقتضاها أن يتحول الناس عن ~~عقائدهم الأولى التي توارثوها في أجيال ماضية. # | خطاب أحد رؤساء كهنة قدماء المصريين إلى يوليوس قيصر الروماني بشأن منابع النيل # من المعلوم أن حقوق الاستعمار تحتم على القائمين به البحث في الأقاليم التي يحتلونها ~~عن منابع ثروتها، ومصادر رغدها، وأساليب مجدها؛ ليتخذوا لهم في هذه المصادر سطوة فعالة؛ ~~لتخضع النفوس إلى إرادتهم بدون أن يتجشموا في هذا الإخضاع معاناة شاقة؛ لأن الاستعانة بما ~~يعد من ضروريات الطبيعة في ترويج الاستعمار من ضروب السياسة، التي يتفنن فيها مهرتهم ~~لاجتذاب الشعوب وتسخيرهم، وعلى هذا المبدأ افتكر الرومان أن يتخذوا أساليب الاستعمار ~~المعتادة مع الكهنة البارعين في عصر قدماء المصريين، وابتدءوا يخابرونهم عن مصادر النيل ~~وينابيعه؛ ليستدرجوهم بعد ذلك إلى صيرورتهم في قبضتهم، وليبوحوا لهم بطرق الدهاء وأساليب ~~السياسة عما استأثروا به علما؛ حتى يتوصلوا بذلك إلى السلطة الفعلية في هيمنة الأعمال ~~وتسخير الظروف إلى ما يشاءون. # وقد جاء في أنشودة النيل ما يشير إلى أنه بطبيعته فيض سماوي، يحيي به الله الأرض بعد ~~موتها، وأن ارتسام هذا المعنى في خيالات الكهنة مكنهم من اختراع الروايات والأقاصيص؛ ~~ليحفظوا لأنفسهم مركز الاختصاص ms07 بالمعلومات الدقيقة، وليخلدوا لهيمنتهم على الشعب صفة ~~أدبية أبدية. # وقد روى الكهنة للمؤرخ اليوناني هيردوت في القرن الخامس ق.م وليوليوس قيصر الروماني في ~~القرن الأول ق.م أقاصيص نظمها الشاعر الروماني ليكين # Lucain # باللاتينية، وسردها بأسلوب خطاب بعثه رئيس كهنة قدماء المصريين ~~إلى يوليوس قيصر الروماني، بشأن هذه الينابيع، ويحق لي التنويه بأني أول من وفق إلى ~~ترجمته إلى اللغة العربية، وإليك فحواه بالاختصار: # أخطأ الأقدمون في تعبيرهم بأن النيل يزداد فيضانه عقب ذوبان الثلوج في جبال ~~إثيوبيا؛ لأن سكان تلك الجهة من حرارة الشمس تبدو جلودهم سمراء، كما أخطأ الزاعمون ~~بأن منابع الأنهار المتكونة من ثلوج يذيبها الحر وتزداد في أوائل فصل الخريف؛ لأن ~~النيل لا تبتدئ زيادته قبل أن ترسل نجمة الشعرى اليمانية أشعتها إلى الأفق، وقبل أن ~~يتساوى في ميزان الأفلاك زمن الليل والنهار. # فنواميس النيل ليست كنواميس بقية الأنهر، ولم يزدد فيضانه في الشتاء، فبعد ابتعاد ~~الشمس عن درجات المقارنة الأفقية لها في فصل الصيف تتدفق المياه بنسبة تعويضه عن ~~ذلك، وقد اختص النيل بلطافة حالة الجو، فهو يفيض في منتصف الصيف حينما تكون منطقة ~~الأرض الحارة مانعة عن الحيلولة بتأثير القيظ، فيأتي النيل مساعدا للعالم في أرجاء ~~واديه، وقد يتجه أمام وجه برج الأسد المتأجج بالحرارة، ويبادر بلدة سيين # Syéne # المحترقة ببروج السرطان، فلا ترتفع مياهه قبل ~~نزول الشمس في الخريف، ويتسع الظل في بلدة مروى # Méroé ~~، «وهي بقرب شندى عاصمة المملكة المصرية بالسودان»، فلن ~~يستطاع بيان السبب لسعة وأدوار فيضك أيها النيل؛ لأن القدرة الإلهية هي التي نظمته ~~بقدر حاجة العالم إليك. # وأخطأ القدماء أيضا في نسبتهم زيادة الفيضان إلى هبوب الرياح في وقت طويل، تكون ~~الأمطار فيه مجبورة على أن تجود بقطراتها على هذا النهر، وتدفعه بلا انقطاع إلى ~~المنافذ الكبيرة التي تسيل على شواطئ البحر الأحمر، ولوجود حواجز أمامه تعوق سرعة ~~انحداره، ويتدفق في الجداول والجهات التي تستفيد مزارعها وحقولها لوصول فيوضاته ~~إليها. # ومن الخطأ أيضا التصديق بأقوال من زعموا أن فيض النيل ms08 ناتج عن قنوات مارة تحت ~~الأرض ، أو ثقوب مفتحة الأفواه في حفر واسعة تنحدر إليها المياه في مسافات عميقة ~~آتية من الجهات الباردة في الدب الأكبر، وسط قطب الدنيا، وإن حرارة الشمس لما تضعف ~~عند بلدة مروى تجلب مياهها وتجذب النهرين الكانج والألب بمسالك خفية يقذف عندها ~~النيل تدفقاته إلى هذه الأنهار في منبع واحد، ولكنها لا تستطيع السريان في هوته ~~فيدمج الأرض حين يغمرها، وينتزع من بعض طبقاتها الأملاح الكامنة في طول ~~مجراه. # وظن البعض أن الشمس والهواء يجتذبان الماء من المحيط، ولما تصل الشمس إلى المنطقة ~~الحارة أمام برج السرطان ينشق المحيط، ويأخذ مياها أكثر من الجو، وهذه الزيادة ~~تنقلها الأعاصير إلى النيل. # وأرجوك أيها القيصر أن تسمح لي بأن أشرح لك تحليلات هذه المسألة العويصة ~~فأقول: # إن مياه النيل منذ بدء الخليقة تتسرب من عروق في الأرض، أوجدها الله لتكون مجراه ~~الطبيعي، تسيره القدرة الإلهية بأنظمة وقوانين فوق مقدورات أمثالنا وأمثالكم، ~~أتريد يا روماني معرفة منابع النيل، وقد اهتم قبلك بالبحث في موضوعها الملوك ~~المصريون الجبابرة والعجم والمقدونيون منذ أجيال، ولم يتغلبوا على قوة الطبيعة في ~~شيء؟ وأراد إسكندر ذو القرنين أكبر ملوك الأرض في عهده، والمعبود الأعلى في مدينة ~~ممفيس معرفة منابع النيل، فأرسل بعثة في أواخر إثيوبيا، وهناك عاقتها حرارة الجو ~~الملتهب، وذهب سيزوستريس إلى الغرب وإلى أقاصي الدنيا تجر الملوك عربته، وكان في ~~استطاعته أن يشرب من منابع أنهاركم «كالرون والبو»، فإن ذلك أسهل عليه من أن يشرب ~~من منابع النيل، ووصل كمبير الأحمق إلى الشرق بين الذين يعمرون طويلا، ولما غابت ~~عنه المئونة ذبح رجاله والتهمهم بدون أن يعرف منابع النيل، ولم يستطع أحد في القصص ~~والروايات الوصول إلى مقر منبعه، ولم تدخر الأمم وسعا في السعي إلى اكتشاف منابع ~~النيل، وإني أدرك حكمة الآلهة الذين أرادوا صيانة مجراك أيها النيل، من أن يستطيع ~~أحد الوصول إلى منتهاك البعيد المدى، فإنك تقوم وسط قطب العالم ناصبا شواطئك أمام ~~برج السرطان المضطرب، فتسري إلى ms09 الجهات، وتراك فيها الشعوب القاصية والدانية ، وتبحث ~~القاصية عن منبعك ثم تعود مقهورة إلى حقول إثيوبيا المرتوية من مياهك الغربية ويجهل ~~العالم منبعك. # وقد أعطيت وحدك أيها النيل حق الامتياز لتسير من قطب لآخر، يبحث الناس في بداية ~~مجراك ونهايتك، تتسع مياهك ثم تضيق لتحيط مروى، وسكانها قوم سود الوجوه يفتخرون ~~بغاباتهم المملوءة بخشب الأبنوس الكثيرة الأوراق، ولا يوجد هناك ظل يخفف حدة ~~الحر ما دام برج الأسد يرسل حرارته على خط مستو على وجه الأرض، فتمر في منطقة ~~الشمس بدون أن تضيع شيئا من مائك، تدعو قريبا تحت طبقتك مياهك المقسمة إلى حدود ~~قبائل العرب وأراضي ببلاق «فيلا» التي هي منتهى حدود مملكتك المصرية، وعند ميلك ~~تخطط الصحراء بممر التجارة بين البحر الأحمر وجبال ليبيا. # أرتنا لجج النيل عندما تحتد، فيلاقي مجراها في مسيره عراقيل وشلالات سريعة ~~تعترضها بعض الصخور في الصحراء، ولكن لم يوقف مياهك شيء، فحينئذ تلقي الزبد حتى ~~الكواكب، وكل شيء يخشى اضطراب أمواجك، ويتذمر الجبل تحت بياضها احتراما؛ لأنك النهر ~~الذي لا يقهر، وبعد ذلك تظهر الأرض المقدسة والصحراء المعروفة بشرايين النيل؛ ~~لأنها تبشر بالفيضان في أوائله عقب أن أغلقت الطبيعة أبواب المجاري بمياهك المتشردة ~~عن دخول بلاد ليبيا بحاجر الجبال في هذا الوادي العميق، الذي فيه يجد مجراك نظامه ~~المألوف، ويتقدم بهدو وسكينة، ويبتدئ من مدينة ممفيس التي تسلم إليك حقولها وتفتح ~~أبواب السهول والوديان، ولا يوجد على شواطئك حواجز تعتبر حدا لفيضانك. # | بحث العالم القديم والحديث في منابع النيل # فوق المزايا العلمية والصناعية التي امتازت بها مصر في قرونها الأولى، قرون العظمة ~~والإسعاد، والتفوق الباهر على سائر الأمم، خص الله هذا الإقليم بالنيل المبارك، وهو أكبر ~~المنن الإلهية التي جعلت كافة مواهب البشر أمامها لا تكاد أن تكون شيئا مذكورا، فالنيل هو ~~ينبوع الحياة ومهد الارتقاء ووسيلة الحياة الخالدة، ورغد العيش المزيد، فكلما أمعن ~~الباحثون فكرتهم فيما تقله أرض مصر من العجائب الصناعية، والهياكل والآثار والمباني التي ~~قاومت العصور ظاهرة فوق بعض المواطن، ms10 وتحت بطون الأرض في غيرها، يرتد إليهم طرف مجهوداتهم ~~الفكرية حائرا ذاهلا، كلما رأى النيل يتماوج بأعاجيب المناظر ويتدفق في مجاريه بأوفر ~~الخيرات على بلاد أسعدتها الطبيعة بأن يفيض عليها من كنوزه وخيراته ما جعلها تمتاز بسعة ~~الخصب وقوة النماء، وأن أهاليها كلما جدوا في الأعمال الزراعية جادت عليهم بأضعاف ما ~~كانوا يتمنون في مبادئ أعمالهم، فينشطون على الدوام إلى التوسع في استخدامها بقدر ما تشجعهم ~~عليه سعة الآمال، فلا تضن الأرض بما استودعت من المزايا، ولا تكل السواعد ولا الهمم عن ~~اجتناء أطيب الثمرات، وإحراز الأرباح الوافرة، وهكذا كان المصري وبلاده في دور نشأته الأولى ~~وسعادتها الماضية كل على صاحبه يجود بأقصى المنح، فتجدد للأراضي زيناتها النباتية، وتتنوع ~~لأقوام الشعب موارد ثروتهم المالية. # كانت مصر بهذا الاعتبار مصدرا للمعجزات العقلية؛ لأن خصائصها الشهيرة ومميزاتها المدهشة ~~لم تجتمع في غيرها من الأقاليم، وكفى أن منابع النيل وأدوار فيضه وتطورات انتقاصه، واستمرار ~~مجاريه على حالة لا تعوقها الرواسب ولا كميات الرمال التي تذروها الرياح في المناطق، قد ~~جعلت ألباب الباحثين حيارى، وطالما عاق الأقدمين الوصول إلى حل مسائله العويصة، ولكنهم ~~وقفوا أمام أقاويل وآراء كل فريق يدلي فيها بحجته التي يؤيد بها رأيه على رأي مناظريه، ~~وامتدت بالقوم العصور الغابرة بدون أن يصلوا في هذه النقط إلى تمحيص نهائي يرفع النقاب ~~ويزيل الشكوك. # وروي في عصر فايتون الخرافي رواية أشبه إلى الخيال منها إلى الحقيقية؛ إذ قيل فيها: إن ~~النيل كأنه لما رأى قرب الشمس من الأرض خشي من احتراقه بلهيبها، فأخفى رأسه في آخر الكرة ~~الأرضية، وإلى القرن السابع عشر ق.م لم تصل مباحث المؤرخين إلى رأي سديد في حقيقة ومبادئ ~~منابعه. # وقد أفرغ الفراعنة مثل سيزوستريس «رعمسيس الثاني» وغيرهم جهدا كبيرا من عنايتهم؛ للوقوف ~~على حقيقة الينابيع فما استطاعوا، ولما قدم إلى مصر هيردوت وابتدأ مباحثه عن الينابيع لم ~~يرشده أحد، وذكر أن بسامتيك أحد ملوك الأسرة السادسة والعشرين ألف بعثة مكونة من 240000 ~~رجل، وأمدها بكل ما تحتاجه ms11 لتسهيل العقبات في مسيرها، والوسائل الصناعية الأخرى في نقل ~~الأحمال والمؤن، والوسائل الدفاعية إذا صادفها شيء من ذلك، وترتيب وصول المعلومات منها إليه ~~عن الأقاليم التي تجتازها، والمناظر التي اهتدت إليها، وعجائب الأودية والقبائل، وأمدها ~~بسعة الإغداق والمعونات الكبرى؛ لتتغلب بالبذخ والسخاء والمعدات الكثيرة على إنجاح ~~مأموريتها، فقضت فيها بعض السنين وعادت من حيث أتت، ولم تدون غير اكتشافات جغرافية عن ~~بعض المواقع في تلك المجاهل، ثم استحكمت هذه الفكرة لدى إسكندر المقدوني وكمبيز، ورتب كل ~~منهم في عهده رحلة خاصة وأمدها بأساليب أقرب في الوصول إلى الغاية المطلوبة، وأسهل منالا ~~في الاستكشافات والتوسع في المعلومات، فعادت كباقي البعثات الماضية راضية من الغنيمة ~~بالإياب. # وفي القرن الثالث ق.م في عهد بطليموس إفرجت # Evergète # تكلم المؤرخون عن منابع النيل، فكانت آراؤهم متطابقة مع المعنى الذي أورده الشاعر الروماني ~~في كتابه المعروف بالفرساي # Versailles ~~، على لسان يوليوس ~~قيصر، أن النيل يخفي رأسه عن الأنظار كحسناء لا تبرح عن دلالها مهما أطال إليها المشوق ~~الضراعة والاستعطاف، فالنيل يستمر في مجاريه فياضا متدفقا، بينما أفكار الباحثين ~~تكد وتجهد وتعود بالملل والضعف. # وفي القرن الأول ق.م أبدى «جوبا» ملك «موريتانيا» رأيه عن منابع النيل، وتبعه فيه بلين ~~وميلا والمؤرخ ديون كاسييس، وهو أن منابع النيل القاصية لتعمقها تحت الصخور والتجاويف ~~العميقة بتلك الأودية والوهاد، لا يستطيع أفراد البعثات التي تنتدب من أجله خوض غمار تلك ~~المياه، وفي هذه المنابع الفجوات التي تتفاوت بين الضيق والسعة، والمنعطفات الطويلة إلا ~~إذا تطوعت بحياتها للخطر الذي لا يحتمل معه عود بعض أفرادها؛ لينبئ الباقين عما رأت عيناه ~~ووعته ذاكرته من هذه المناظر وعجائب تكوينها. # وقال بطليموس الجغرافي، المولود في القرن الثاني ب.م: إن منابع النيل تلتقي في بحيرتين ~~كبيرتين بأنحاء خط الاستواء، ولا يستطيع الغرباء التجول إلى ما وراءها؛ لأن الأذهان ممتلئة ~~بالروايات المنفرة عن وجود الوحوش والحيوانات الضارية، التي تفتك بكل من أراد المسير في ~~غاباتها أو مغاورها. # جاء العرب بعد اليونان خلفاء لهم في الاستعمار، وحكموا ms12 مصر واستولوا على بلاد النوبة ~~وغيرها من البلاد المجاورة لمنابع النيل، وأحكموا صلاتهم التجارية والسياسية مع السودان ~~وشعوب أفريقيا الجنوبية، واتخذوا هذه التمهيدات وسيلة لوصولهم إلى ما عجز عنه أسلافهم في ~~تلك الأقاليم المجهولة. # ومن مشاهير العرب الأجلاء، الذين صرفوا وقتا مديدا وعزما صادقا في الوقوف على ~~معلومات صحيحة بشأن منابع النيل، الإمام الشهير أحمد بن محمد بن عبد السلام المنوفي، نسبة ~~إلى منوف، في نهاية القرن التاسع الهجري، وكان إماما في العلوم الإسلامية وتواريخ الأمم، ~~احترمه كثير من العلماء وأئمة البحث وعظماء الشعوب، ونقلوا عنه في مؤلفاتهم، وكان يثبت ~~لتلامذته أن العلم الصحيح والتقوى توأمان، فمن لم يزدد عقله بقوة الإيمان الذي هو فوق ~~نواميس الطبيعة يكون دائما في تردد الحيرة والضلال، دون هذا المؤلف الشهير كتابا ~~عنوانه: «الفيض الجديد في أخبار النيل السعيد»، وتوجد منه الآن نسختان خطيتان إحداهما في ~~دار كتب مرسيليا، والثانية في دار الكتب المصرية بالقاهرة، تكلم فيه عن منابع النيل وأصله ~~واستمداده وطوله وعرضه، وتضمن أبحاثا وافية فلخص منها ما أورده من الفوائد في الباب ~~الأول «في فصل رأي العرب في منابع النيل». # ثم جاء نابليون مصر مع بعثة علمية بحثت في أحوال البلاد وأمورها، ودونت عنها مؤلفات ~~كثيرة، ولكنها لم توفق للبحث عن منابع النيل. # وفي سنة 1819 أرسل محمد علي باشا بعثته العلمية الشهيرة، يرأسها جالياردو المهندس ~~الفرنسي، فسافر إلى الخرطوم وقال في مذكرته: «إن منابع النيل تبتدئ من جبال القمر.» # وفي سنة 1856 توسع في الاستكشاف كل من الباحث برتون وبيك. # خريطة وادي النيل لبطليموس نقلا عن الخوارزمي. # وبيكر إلى ما خلف بحيرتي «فكتوريا والبيرنيانزا»، وتحقق أخيرا أنهما أهم المنابع التي ~~يتكون منها النيل، وقد ساعدت الاكتشافات الأخيرة رجال أوربا على التجول في أواسط أفريقيا، ~~واستطاعوا الوصول إلى قول عززوه ببراهين الاكتشافات والرحلات المتوالية في هذه الأقطار، ~~وكلل النجاح سعيهم، وكانوا مصداقا للمثل القائل بأن من لازم السير في الدرب وصل إلى ~~مرحلة النجاح، «كما سيأتي بيانه تفصيلا.» # | رأي العرب في ms13 منابع النيل # وفاء بما أجملناه في هذا البحث نثبت هنا ما جاء في كتاب «الفيض الجديد في أخبار النيل ~~السعيد»، تأليف الشيخ العالم أحمد بن محمد بن عبد السلام المنوفي، في ذكر منابع النيل، ~~الذي هو من أكبر الثقات في المباحث العلمية. # ذكر المؤرخون في أصل منبعه من مبتداه إلى منتهاه أقوالا، فقال أكثرهم ومنهم الحافظ ابن ~~كثير في تاريخه الكبير: إن مبتداه من الجبل القمر، «بضم القاف وسكون الميم»؛ أي البيض، ~~ومنهم من يقول: «جبال القمر» «أي بفتح القاف»، بالإضافة إلى الكوكب، وهي غربي الأرض وراء ~~خط الاستواء في الجانب الجنوبي، ويقال: إنها صخور تنبع من بينها عيون، ثم تجتمع من عشرة ~~مسيلات متباعدة، ثم تجتمع كل خمسة منها في بحيرة، ثم يخرج منها أنهار ستة، ثم تجتمع كلها في ~~بحيرة أخرى، ثم يخرج منها نهر واحد وهو النيل، فيمر على بلاد السودان بالحبشة، # 1 # ثم على النوبة ومدينتها العظمى دنقلة، ثم أعلى أسوان، ثم تظهر على ديار مصر، ~~ويحمل إليها من زيادات أمطارها، ويجرف من ترابها، وهي محتاجة إليها معا؛ لأن مطرها قليل لا ~~يكفي زروعها وأشجارها، وتربتها رمال لا تنبت شيئا حتى يجيء النيل بزياداته وطينه، فينبت ~~فيها ما يحتاجون إليه، وهي من أحق الأرض دخولا في قوله تعالى: # أولم ~~يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا ~~تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون ~~، ثم يجاوز ~~النيل مصر قليلا، فيفترق فرقتين عند قرية على شاطئيه يقال لها: شطنوف، وهي من عمل ~~القليوبية، فيمر الغربي منه على رشيد ويصب في البحر الملح، وأما الشرقي فيفترق أيضا عند ~~جوجر فرقتين، يمر الغربي منهما على دمياط من غربيها، ويصب في البحر الملح، والشرقي منهما يمر ~~على أشمون طناح فيصب هناك في بحيرة شرقي دمياط يقال لها بحيرة تنيس وبحيرة دمياط، # 2 # وهذا بعد بعد عظيم من ابتدائه إلى انتهائه؛ ولهذا كان ألطف المياه. # وقال ابن القيم في كتاب الهدى: «النيل أحد أركان الجنة، أصله من وراء جبال القمر ms14 في ~~أقصى بلاد الحبشة من أمطار تجتمع هناك وسيول يجر بعضها بعضا، فيسوقه الله تعالى إلى الأرض ~~الجرز التي لا نبات بها، فيخرج به زرعا تأكل منه الأنعام والأنام، ولما كانت الأرض التي ~~يسوقه سبحانه إليها إبليزا صلبة، إن أمطرت مطر العادة لم ترو ولم تتهيأ للنبات، وإن أمطرت ~~فوق العادة أضرت الناس والمساكن، وعطلت المعائش والمصالح، فأمطر سبحانه البلاد لعبيده، ثم ~~ساق تلك الأمطار إلى هذه الأرض في نهر عظيم، وجعل سبحانه زيادته في أوقات معلومة على قدر ~~ري البلاد وكفايتها، فإذا روى البلاد وغمرها أذن سبحانه بتناقصه وهبوطه لتتم المصلحة ~~بالتمكن من الزرع.» # وقال قدامة: «إن منبع النيل في بلاد القمر وراء خط الاستواء من عين تجري منها عشرة ~~أنهار، كل خمسة منها تصب في بطيحة في الإقليم الأول، ومن هذه البطيحة يخرج نهر ~~النيل.» # وقال صاحب كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق: «إن هذه البحيرة تسمى بحيرة كوري # 3 # منسوبة إلى طائفة من السودان، يسكنون حولها متوحشين، يأكلون من وقع إليهم من ~~الناس، ومن هذه البحيرة يخرج نهر النيل، وإذا خرج النيل منها يشق بلاد كوري، # 4 # ثم بلاد قنة، طائفة من السودان أيضا وهم بين كانم # 5 # والنوبة، ثم يغوص في الرمال ويمر تحت الأرض مكتوما من الجنوب إلى الشمال، ثم ~~يظهر ببلاد النوبة، فإذا بلغ مدينة دنقلة عطف من غربيها إلى المغرب، وانحدر إلى الإقليم ~~الثاني، فيكون على شاطئيه عمائر النوبة، وفيه جزاير لهم متسعة عامرة بالمدن والقرى، ثم يشرق ~~إلى الجنادل وإليها تنتهي مراكب النوبة انحدارا، ومراكب الصعيد الأعلى صعودا، وهناك أحجار ~~لا تمر المراكب عليها إلا في أيام زيادة النيل، ثم يأخذ إلى الشمال فيكون على شرقيه مدينة ~~أسوان من بلاد الصعيد الأعلى، ثم يمر بين جبلين هما مكتنفان لأعمال مصر أحدهما شرقي والآخر ~~غربي، حتى يأتي مدينة مصر، وهي الفسطاط الذي بناه عمرو بن العاص، فيكون على شرقيه، فإذا ~~جاوزها انقسم كما تقدم.» قلت: أي في قوله: فيفترق فرقتين عند قرية على ms15 شاطئيه يقال لها شطنوف ~~إلى آخر ما ذكره. # قال صاحب الأقاليم السبعة : «إن النيل يخرج أصله من جبل القمر من عشرة عيون، خمسة تجتمع ~~في بطيحة وخمسة في بطيحة؛ أي مكان منبطح من الأرض، ثم يجتمع بعد ذلك الماءان، وذكر صورة ~~جبل القمر، وأنه مقدس وعلى رأسه شراريف «شرفات عالية».» # حكى ذلك عنه الشيخ العلامة شهاب الدين بن عماد رحمه الله تعالى في جزئه الذي جمعه في ~~النيل، وهو جزء لطيف جدا، وحكى فيه عن المسعودي أنه قال في كتابه «مروج الذهب»: «وأصل ~~النيل ومنبعه من تحت جبل القمر، ومبدأ ظهوره من اثني عشر عينا، وجبل القمر خلف خط ~~الاستواء، يعني الذي يستوي فيه الليل والنهار، وأضيف إلى القمر؛ لأنه يظهر تأثيره فيه عند ~~زيادته ونقصانه، بسبب النور والظلمة والبدو والمحاق.» # قال المسعودي: «فتنصب تلك المياه الخارجة من الاثني عشر عينا إلى بحيرتين هناك.» وهو معنى ~~كلام صاحب الأقاليم في بطيحة. # قال: «ثم يجتمع الماء منها جاريا، فيمر برمال هناك وجبال، ثم يخترق أرض السودان مما يلي ~~بلاد الزنج، فينبع منه خليج ينتهي إلى بحر الزنج.» # 6 # انتهى ما أردته منه. # وممن قال بأنه ينبع من جبال القمر السرج الكندي، كما نقله عنه ابن عماد في جزئه المذكور، ~~فظهر بذلك أن أكثر المؤرخين على هذا القول، كما أشار إليه صاحب الأصل بقوله فيما تقدم: ~~«ذكر غير واحد من المؤرخين.» # وقال صاحب السكردان: «وفي أصل النيل أقوال للناس، حتى ذهب بعضهم إلى أن مجراه من جبال ~~الثلج، وهو بجبل «ق»، وأنه يخرق البحر الأخضر # 7 # بقدرة الله تعالى، ويمر على معادن الذهب والياقوت والزمرد والمرجان، فيسير ما ~~شاء الله إلى أن يأتي بحيرة الزنج.» # قال الحاكي لهذا القول: ولولا ذلك، يعني دخوله في البحر الملح وما يختلط به منه، لما كان ~~يستطاع أن يشرب منه لشدة حلاوته. # وقال قوم: مبدؤه من خلف خط الاستواء بإحدى عشرة درجة. وقال قوم: مبدؤه من جبال القمر، ~~وأنه ينبع من اثني عشر عينا. انتهى ما ms16 أردته منه. # وقال ابن عماد في جزئه المذكور: «وذكر بعضهم أن سائر مياه الأرض وأنهارها يخرج أصلها من ~~تحت الصخرة # 8 # بالأرض المقدسة، والعلم عند الله تعالى.» انتهى. ولم يبين قائل ذلك، وقد بينه في ~~موضع آخر من جزئه المذكور، فقال: «وذكر الثعالبي في قصص الأنبياء أن جميع مياه الأرض يخرج أصلها من تحت الصخرة. ~~انتهى.» ويدخل في إطلاق هذا القول النيل وغيره. # وذكر ابن عماد في جزئه المذكور، عند كلامه في الاستدلال على أفضلية النيل على غيره من ~~الأنهار، أن النيل يخوض في البحر الملح ولا يختلط به، بل يجري تحته متميزا عنه، كالزيت مع ~~الماء، قال: «ولهذا يظهر لركاب البحر في بعض النواحي فيستقون منه للشرب، وذلك في أماكن ~~معروفة.» انتهى. # ورأيت في مناقب إمامنا الإمام الأعظم والحبر المحترم الشافعي رضي الله عنه لأبي القاسم ~~بن غانم المقدسي حكاية عنه، تدل على أن النيل يمر ببلاد الهند، وسيأتي كلامه في الفصل ~~الثاني إن شاء الله تعالى، والله أعلم. # وكان ابن طولون قد سأل شيخا كبيرا من علماء القبط، عمره مائة وثلاثون سنة، عن أشياء في ~~أحوال مصر: أين منتهى النيل في أعلاه؟ فقال: البحيرة التي لا يدرك طولها وعرضها، وهي نحو ~~الأرض التي الليل فيها والنهار متساويان طول الدهر، وهي تحت الموضع الذي يسمى عند المنجمين ~~الفلك المستقيم. قال: وما ذكرت فمعروف غير منكور. قلت: قد اختصر صاحب الأصل هذه الحكاية، ~~وقد نقلها الشهاب بن عماد في جزئه المذكور عن المسعودي، فقال: # قال المسعودي: وكان أحمد بن طولون في سنة نيف وستين ومائتين بلغه أن رجلا بأعلى مصر من ~~الصعيد له ثلاثون ومائة سنة من الأقباط، ممن يشار إليهم بالعلم، وأنه علامة بمصر ~~وأرضها في برها وبحرها وأجنادها وأجناد ملكها، وأنه ممن سافر الأرض وتوسط ~~الممالك، وشاهد الأمم في أنواع البيضان والسودان، وأنه ذو معرفة بأنواع هيئات ~~الأفلاك وأحكامها، فبعث إليه أحمد وأخلى له نفسه ليالي وأياما كثيرة، يسمع كلامه ~~وإيراده وجواباته، فكان فيما سأله عن طول الأحباش ms17 على النيل وممالكهم، قال: لقيت من ~~ملوكهم ستين ملكا في ممالك مختلفة، كل منهم ينازع من يليه من الملوك، وبلادهم حارة ~~يابسة. قال: فما منتهى النيل في أعلاه؟ فقال: البحيرة. إلى آخر ما ذكره عنه صاحب ~~الأصل، والله أعلم. # وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد الأسواني، في كتاب أخبار النوبة من أخبار النيل: «وما ~~شاهدت منه ومن تشعبه وتقسيمه على سبعة أبحر، من بدء علوه واجتماعه ببلدة مقره وتعطفه ~~تعطفا عجيبا قبلي مدينتهم وافتراشه، وأنه يجري بحري دنقلة حتى يكون ما بين شرقيه وغربيه ~~نحو أربعين فرسخا، ويتضايق بعد ذلك حتى يكون عرضه دون الخمسين ذراعا، وتكون الجنادل ~~معترضة في غير موضع منه حتى يكون انصبابه في بابين أو ثلاثة أبواب.» # قال: «وقلعة أصفون أول الجنادل الثلاثة، وهي أشد الجنادل صعوبة؛ لأن فيها جبلا معترضا من ~~الشرق إلى الغرب في النيل، والماء ينصب من ثلاثة أبواب، وربما يرجع إلى بابين عند انحداره ~~شديد الخرير عجيب المنظر، لاندفاق الماء من علو الجبل، وقبليه مرسى حجارة في النقل نحو ~~ثلاثة أبرد إلى قرية تعوق بيسير، وهي آخر قرى ميرس وأول بلاد مقره.» # قال أبو محمد عبد الله بن محمد الأسواني في كتاب أخبار النوبة، عند ذكر ناحية يقرن ما نصه: # وما رأيت على النيل ناحية أوسع منها، وقدرت أن سعة النيل فيها من المشرق إلى ~~المغرب مسيرة خمس مراحل، # 9 # الجزاير تقطعه والأنهار منه تجري بينها على أراض منخفضة وقرى وعمائر ~~حسنة. انتهى. # قلت: وطريق الجمع بين هذا وبين ما تقدم نقله عن صاحب خزانة التاريخ أن عرضه مختلف بحسب ~~بلاد النوبة أيضا، ففي بعضها كما قاله صاحب خزانة التاريخ، أعني ثلاثة أميال فما دونها، ~~وفي بعضها كما قاله الأسواني، أعني خمس مراحل، وهذا جمع حسن، ولا مانع من ذلك؛ لأن سبيله ~~المشاهدة، والله أعلم. # قالوا: ومن وراء مخرج النيل الظلمة. # 10 # قال أبو الخطاب: وخلف الظلمة ضياء، فسبحان العليم القدير. وفي تاريخ ملوك مصر أن الوليد # 11 # أحد ملوك مصر ms18 من العمالقة، كان يعبد القمر، وهو أول من تسمى فرعون، وأقام بمصر ~~مدة، ثم عن له أن ينظر مخرج النيل ويعرف من بتلك الناحية من الأمم، فأقام ثلاث سنين ~~يستعد لذلك، ثم جمع جميع ما يحتاج إليه، واستخلف على مصر عونا، وتوجه، فمر على أمم ~~السودان، ومر في طريقه على أرض الذهب، # 12 # وفيها أمة عظيمة ينبت الذهب في تلك الأرض كالقضبان، ثم سار حتى بلغ البطيحة ~~التي ينصب فيها ماء النيل من الأنهار التي تخرج من جبل القمر وراء القصر الذي عمله هرمس، # 13 # وصعد على جبل القمر وراء البحر الزفتي الأسود، ورأى النيل يجري عليه كالأنهار ~~الرقاق، وأتاه من ذلك البحر روائح منتنة هلك بسببها كثير من أصحابه، وذكروا أنهم لم يروا ~~هناك شمسا ولا قمرا إلا نورا أحمر مثل نور الشمس، ثم توجه راجعا إلى مصر وأقام بها ~~مدة، ثم ركب يوما إلى الصيد فظفر به أسد فقتله، ودفن في بعض الأهرام، وملك بعده ~~الريان؛ وهو فرعون يوسف عليه السلام. # قال الشيخ عماد الدين بن كثير في تاريخه الكبير: «وأما ما يذكره بعضهم من أن منبع النيل من ~~مكان مرتفع اطلع عليه بعض الناس، فرأى هناك هولا عظيما وجواري حسانا وأشياء غريبة، وأن ~~الذي اطلع على هذا لم يمكنه الكلام بعد هذا، فهو من خرافات المؤرخين وهذيانات ~~الأفاكين.» # قلت: هذا الذي قاله الحافظ ابن كثير رحمه الله، لعله أشار به إلى ما حكاه ابن زولاق في ~~تاريخه عن بعض خلفاء مصر، أنه أمر قوما بالمسير إلى حيث يجري النيل، فساروا حتى انتهوا إلى ~~جبل عال، والماء ينزل من أعلاه، له دوي وهدير لا يكاد يسمع أحدهم صاحبه، ثم إن أحدهم تسبب ~~في الصعود إلى أعلى الجبل؛ لينظر ما وراء ذلك، فلما وصل إلى أعلاه رقص وصفق وضحك، ثم مضى ~~في الجبل ولم يعد، ولم يعلم أصحابه ما شأنه، ثم إن رجلا منهم صعد؛ لينظر ففعل مثل الأول ~~فطلع ثالث، وقال: اربطوا في وسطي حبلا، فإذا أنا وصلت ms19 إلى ما وصلا إليه، ثم فعلت ذلك ~~فاجذبوني حتى لا أبرح من موضعي، ففعلوا ذلك، فلما صار في أعلى الجبل فعل كفعلهم فجذبوه ~~إليهم، فقيل إنه خرس فلم يرد جوابا، فمات من ساعته، فرجع القوم ولم يعلموا غير ذلك. ~~انتهى. # قال: وقلعة أصفون أول الجنادل الثلاثة، وهي أشد الجنادل صعوبة؛ لأن فيها جبلا معترضا من ~~الشرق إلى الغرب في النيل، والماء ينصب من ثلاثة أبواب، وربما يرجع إلى بابين عند ~~انحساره، شديد الخرير عجيب المنظر لاندفاق الماء عليه من علو الجبل، وقبليه فرش حجارة في ~~النيل نحو ثلاثة أبرد إلى قرية تعرف بيسير، وهي آخر قرى مرسين وأول بلاد مقره. # قال: وأما هذه الأنهار التي مادة النيل منها، والبحث عن ابتدائها والسؤال عن أوائلها، فقد ~~أكثرت السؤال عنها من قوم عن قوم، فما وجدت مخبرا يقول إنه وقف على نهاية جميع ~~الأنهار، والذي انتهى إليه علم من عرفني عن آخرين إلى خراب، وأنه يأتي في وقت الزيادة في ~~هذه الأنهار آلة المراكب وأبواب وغير ذلك، فيدل ذلك على عمارة بعد الخراب. # وقال الوطواط الكتبي في كتاب مباهج الفكر: «إن طول مسافته ثلاثة آلاف فرسخ ونيف.» وقيل: إنه ~~يجري في الخراب أربعة أشهر، وفي بلاد السودان شهرين، وفي بلاد الإسلام شهرا. قلت: هذا ~~القول موافق لما جزم به ابن زولاق في تاريخه. # وذكر صاحب درر التيجان أن من ابتدائه إلى انتهائه اثنين وأربعين درجة وثلثي درجة، كل ~~درجة ستون ميلا، فيكون طوله ثمانية آلاف وستمائة وأربعة وعشرين ميلا وثلثي ميل، على الفصل ~~والاستواء، وله تعويجات شرقا وغربا فيطول ويزيد على ما ذكرناه. وقال صاحب نزهة المشتاق في ~~اختراق الآفاق: «وبين طرفي النيل مما ثبت في الكتب خمسة آلاف وستمائة ميل وثلاثون ~~ميلا.» # وذكر صاحب خزانة التاريخ أن «طوله أربعة آلاف وخمسمائة وخمسة وسبعون ميلا، وعرضه في بلاد ~~الحبشة والنوبة ثلاثة أميال فما دونها، وعرضه ببلد مصر ثلثا ميل، ليس يشبهه نهر من الأنهار.» ~~وفي تاريخ ابن زولاق: «ليس في الدنيا نهر ms20 أطول مدى من النيل؛ يسير مسيرة شهر في بلاد ~~الإسلام وشهرين في بلاد النوبة، وأربعة أشهر في الخراب حيث لا عمارة، إلى أن يخرج من جبال ~~القمر خلف خط الاستواء.» قلت: ما حكاه صاحب الأصل في تاريخ ابن زولاق ادعى أبو قبيل الإجماع ~~عليه، ولفظه كما حكاه ابن عماد في جزئه المذكور ما نصه: «وأجمع أهل العلم على أنه ليس في ~~الدنيا نهر أطول مدى من النيل؛ يسير مسيرة شهر في الإسلام ...» إلى آخر ما تقدم ذكره، وزاد ~~فقال: «وليس في الدنيا نهر يصب في بحر الروم والصين غير نيل مصر.» انتهى والله أعلم. # | أسماء النيل من النصوص المصرية القديمة # كان قدماء المصريين يعتقدون أن النيل الذي تروى منه الأقاليم القبلية نيلا خاصا، ~~وأطلقوا عليه «حعب رسيت»، ويقولون إنه لولاه لما استطاع النيل المخصص لري الوجه البحري ~~إيفاء الحاجة لأقاليمه، وحددوا النيل القبلي «كاعتقادهم» بأنه يبتدئ من جزيرة أسوان، والنيل ~~الخاص بالوجه البحري دعوه «حعب محيت»، وقالوا: إن ابتداءه من منطقة الدلتا المعروفة قديما ~~باسم بابيلون التابعة لإقليم هليوبوليس، وقد نقش في معبد بيلاق النص الآتي: «إن نيل الوجه ~~القبلي أبو الآلهة الخارج من مغارته «جزيرة أسوان»، ونيل الوجه البحري الخارج من ~~خزانته.» # ولما قدم لمصر هيردوت؛ لمباحثه عن النيل، وحادث في شأنه الكهنة الصاويين حاولوا إقناعه ~~بعقيدتهم هذه، ولكن أظهرت المباحث الجغرافية والحديثة أنها لا تطابق الصواب. # وكانوا يرسمون نيل الوجه البحري على شكل رجل في ريعان الشباب، ضخم الجسم ثقيل الكتفين ~~كبير الثديين، متشح برداء عليه أثمار النيل في بلاد الوجه القبلي ولونها أزرق، ويرسمون ~~تمثال النيل للوجه القبلي على شكل رجل متشح برداء فوقه أثمار النيل الممثلة ببلاد الوجه ~~البحري، ولونها أحمر. # وكانوا يطلقون على النيل أسماء كثيرة، جعلوا منها اسما مقدسا له وهو حعبي، ونقش على حجر ~~كانوب المحفوظ الآن بالمتحف المصري في القاعة حرف # T # تحت رقم ~~980، وتحته العبارة الآتية: «إن النيل حعبي نقص نقصا عظيما في عهد الملك بطليموس.» # والعامة كانوا يطلقون عليه اسم ms21 آيور، وقال بروكش باشا في قاموسه الجغرافي: إن كلمة آيور ~~هذه مشتقة من كلمة «أور» المنقوشة على مسلة إسكندر ذي القرنين ، وجاءت في اللغة القبطية ~~باللفظ ذاته يور # Your ~~؛ أي النهر، وترجمت التوراة في عهد ~~أحد الملوك البطالسة، وذكر في سفر الخروج اسم النيل بلفظ آيور، الذي يشبه في النطق الاسم ~~المصري القديم، وقد ورد اسم نيل الوجه البحري بلفظ «وعر». # وقال بروكش باشا: إن كلمة «وعر» معناها باللغة المصرية القديمة المياه الغزيرة في وقت ~~الفيضان، وقال لباج رينوف: إنه ورد النيل باسم عرتي، وإن هذا الاسم يشبه كثيرا الفعل «أر» ~~الذي معناه باللغة المصرية القديمة صعد. # وبعضهم أعطى للنيل من الجانب الغربي للقاهرة اسم «أيوما» أي اليم-البحر، وورد هذا الاسم ~~في قصة شهيرة «تدعى قصة الأخوين»، مكتوبة باللغة المصرية القديمة، وفيها كثيرا ما أطلق على ~~النيل هذا الاسم «اسم البحر» حتى اليوم. # واسمه الأصلي مجهول، وقيل: إنه مأخوذ من اللغة اليونانية التي نقلنها من الشعوب الأجنبية، ~~كالفنيقيين وقبائل ليبيا وآسيا الصغرى. # ولما بطلت عبادة النيل زال اسمه المقدس «حعبي»، وأطلقوا عليه لفظ البحر أو النهر، وجاء في ~~قرار ممفيس المنقوش بالديموطيقية «لغة الشعب» أن النيل كان فيضانه منخفضا في السنة الثامنة ~~من حكم الملك بطليموس أبيفان، وذكر فيه النيل بالديموطيقية بلفظ «إل» أي النهر. # وجاء في ورقة بردية تتضمن علوم المعبودين فتاح وتحوت تسمية النيل بهذا اللفظ أيضا، وورد ~~في مسلة منقوشة بالخط الفارسي أن دارييس أمر بحفر قناة من النيل وعبر عن اسمه بالفارسية ~~«ب-أر-ع ا» P-ir-àa ~~، فالباء أداة التعريف للمذكر المفرد ~~بالهيروغليفية و«أر» يطابق «إل» بالديموطيقية # II-ir ~~، ومعناه ~~النهر، و«ع ا» ومعناه كبير؛ أي النهر الكبير؛ أي النيل، ووردت الباء أداة للتعريف للمذكر ~~المفرد في كلمة «يوم»؛ أي بحر فصارت «بيوم»، والباء تقلب فاء فصارت «فيوم»؛ أي مدينة الفيوم، ~~ومعناها البحر، وكذلك التاء فإنها أداة التعريف للمؤنث المفرد في كلمة «مير» التي معناها ~~فيضان النيل، وبالقبطية ميرة فصارت بالعربية العامية «دميرة»؛ أي فيضان النيل. # وذكر في قصة ms22 ستنا المكتوبة بالديموطيقية اسم النيل «ن-إل» ومعناه النهر، فالنون أداة ~~التعريف للجمع المذكر و«إل» معناه النهر. # ويلاحظ أن اسم النيل عند قدماء المصريين يدعى «أر» أو «إل»، واشتق منه الديموطيقي بلفظ ~~«إل» وكذلك القبطية، ولكن هؤلاء استعملوا الكلمة الديموطيقية «ن-إل-و»، فالنون أداة التعريف ~~للجمع المذكر كما تقدم، و«إل» معناه النهر و«و» علامة للجمع، ومن كلمة نيلو اشتقت الكلمة ~~اليونانية # Neilos ~~، أما الصاد في «نيلوص» فيطابق الحرف ~~السادس عشر من الأبجدية اليونانية. # وليلاحظ القارئ النظرية الآتية القديمة العهد الغريبة في كلمة نيلوص # Neilos ~~، التي ربما كانت من اختراع اليونان أنفسهم، وأن ~~عدد أيام السنة المصرية 365، ومن الغريب إذا حسبنا كل حرف من كلمة نيلوص بحساب الجمل ~~اليوناني، صار مجموعها الكلي 365، وهو مجموع أيام السنة المصرية، وإليك جدولا يتضمن هذا ~~الحساب: # حروف نيلوص # Neilos # حسب ~~الأبجدية اليونانية. # عدد الجمل # المجموع # 365 # 50 # N # 365 − 50 الباقي 315 # 5 # E # 315 − 5 الباقي 310 # 10 # T # 310 − 10 الباقي 300 # 30 # L # 300 − 30 الباقي 270 # 70 # O # 270 − 70 الباقي 200 # 200 # S # إن مجموع الأعداد المذكورة 365 «5 + 6 + 3 = 14»، وهذا العدد هو الحرف الرابع عشر من ~~الأبجدية؛ أي النون، والعدد الجملي 50 كما تقدم. # وهنا للنقد مجال؛ إذ من المبادئ المتبعة أن الكلمة تشتق من مأخذ واحد، فكيف يكون اسم ~~نيلوص مأخوذا من اللغة السامية العبرية «نهر»، ومن اللغة المصرية القديمة «ن-إل-و»، أو من ~~اسم مخترع مركب من الأعداد 365، ومن السهل معرفة نتيجة شيء واحد وإن كانت أسبابه كثيرة، ~~فمن الممكن أن يكون اليونان قد سمعوا من الساميين لفظة نهر عن النيل، وتعلموا من المصريين ~~أن فروع النيل التي تمر بالدلتا تسمى «ن-إل-و»؛ أي الأنهر، ولكن من الصعب فهم أسباب كلمة ~~نيلوص، وهو 365 الموافق تماما لعدد أيام السنة المصرية. # وقيل: إن لفظ النيل كلمة عربية مشتقة من نال، فإن النيل نوال من السماء، وإن الهنود نقلوا ~~اسم النيل إلى بلادهم ومنها النيلة «الصبغة» كما نقله قبلهم العجم والعرب إلى ms23 ~~لغاتهم. # وجاء في تأليف الفيلسوف أراتوستين # Aratosthène # 1 # أن أحد الملوك كان يسمى نيلوص، ومن اسمه أخذ اسم النيل. # وقال بلين المؤرخ الروماني: إن النيل يخرج من بحيرة تدعى نيلوص؛ وأعطى هذا الاسم للنيل ~~نفسه. # فيتضح مما تقدم أن كلمة نيل لم تجتمع آراء المؤرخين على حقيقة مأخذها ، بل تشعبت الآراء كما ~~علمت، والذي أراه أن الأقرب هو أن النيل أخذ من لفظة نيلوص اليونانية المأخوذة من الكلمة ~~الديموطيقية «ن-إل-و» أي الأنهر كما تقدم. # | سيحور # لم يكن سيحور اسما للنيل كله عند قدماء المصريين كأتور وغيره، بل كان اسما لجزء منه، وهو ~~الجزء الواقع في الإقليم الرابع عشر بالوجه البحري الذي كانت قاعدته مدينة ذور، كما يستفاد ~~ذلك مما وجد منقوشا على جدران معبد إدفو باللغة المصرية القديمة، فقد نصت هذه النقوش على ~~أن هذا الاسم «شيحور» كان علما على جزء من أجزاء النيل، في الإقليم الرابع عشر بالوجه ~~البحري، ثم توسعوا في استعماله فأطلقوه على النيل كله، من باب إطلاق الجزء على الكل كما ~~يسميه علماء البلاغة «بالمجاز المرسل»، ولهذا الإطلاق نظائر في جميع اللغات. # ويؤيد هذا أن شيحور «بالشين المعجمة» كلمة مصرية قديمة مركبة من كلمتين؛ الأولى «شي» ~~ومعناها بحيرة، والثانية «حور» ومعناها المعبود، وكان يطلق عليه حور أو هور أو حورس أو ~~هورس، وهو إله هذا الإقليم الرابع عشر بالوجه البحري المذكور، وكان رمزا للشمس التي هي ~~أكبر الآلهة عندهم، فمعنى شيحور إذن؛ بحيرة حور؛ أي بحيرة الإله المسمى بهذا الاسم. # ومما ورد في رواية مصرية قديمة «أن النيل يبتدئ من جزيرة أسوان، ويمتد إلى شيحور»، فيؤخذ ~~من ذلك أن شيحور هو الجزء الأخير من النيل، ويمكننا أن نقول أيضا: إن شيحور آخر الحدود ~~المصرية القديمة. # ثم لما أتى الإسرائيليون أرض مصر في عهد الأسرة التاسعة عشرة، واختلطوا بالمصريين سرت ~~إليهم كلمات كثيرة من اللغة المصرية القديمة وامتزجت بلغتهم العبرية، ولذلك وردت بمعنى أسود ~~وأطلقوها على النيل؛ للدلالة على مياهه المكدرة «بفتح الدال المشددة»، وطميه «الطينة ~~السوداء» ms24 الذي يتركه وقت فيضانه. # وجاءت أيضا كلمة شيحور في التوراة في سفري أرميا وأشعيا، ويفهم من كلامهما أن المراد ~~بها النيل أو جزء منه. # وقد نطق بها «الزبور»، فإنه جاء فيه أنه «لما أراد سيدنا داود نقل تابوت العهد إلى ~~مدينة أورشليم جمع الإسرائيليين المقيمين في البلاد، من شيحور الواقعة في الجنوب حتى «أماث» ~~الواقعة في الشمال.» ويفهم من عبارة الزبور أن شيحور كانت الحد الفاصل بين الأراضي ~~المصرية وأملاك بني إسرائيل. # وفي سنة 283ق.م ترجمت التوراة من العبرية إلى اليونانية بأمر بطليموس فيلادلف، وسميت ~~الترجمة السبعينية؛ لأن الذين ترجموه كانوا سبعين حبرا من أحبار بني إسرائيل، ثم ترجمت ~~بعدئذ إلى اللاتينية ودعيت «فلجات»؛ أي العامة # Vulgate ~~، ~~فترجمت لفظة شيحور بلفظ النيل، إذن فهم الأقدمون أن كلمة شيحور هي نفس كلمة ~~النيل. ~~••• # ولا بأس من أن نثبت هنا خلاصة بحث جديد، هو آخر ما اطلعنا عليه في نوعه للعلامة الجليل ~~المرحوم أحمد باشا كمال، أمين المتحف المصري سابقا، في رسالة أفردها بالبحث عن أسماء النيل ~~واشتقاق التسمية فقال: # إلى الآن لم يهتد أحد من الأثريين إلى اسم النيل بالتحقيق، بل وجدوه في العربية ~~واليونانية، فقال: إنه مأخوذ من اللغة الفنيقية أو الأشورية إلى نحو ذلك، ووقف ~~بحثهم إلى هذا الحد فخرجه «جروف» بطريقة لا تنطبق على الحقيقة لما فيها من ~~التكلف، ولكن هناك لفظ مصري دال على النيل؛ لأنه ذكر في الجدول الشامل لأسماء ~~هذا النهر المبارك المنقوش على الآثار، ونقله بروكش في قاموسه الجغرافي (فراجعه في ~~الصحيفة 1408)، وهذا اللفظ هو «ننو ونينو»، ورد أيضا في قاموس اللغة للأثري ~~المذكور (جزء 3 الصحيفة 779 وجزء 4 الصحيفة 678)، وذكر كثيرا في النصوص المصرية، ~~ونونه الأخيرة تقلب في العربية لاما إذا أريد مقارنته بالنيل، كما سترى في الأمثلة ~~الآتية من انقلاب النون المصرية إلى اللام في العربية: # ن: # حرف نفي في المصرية، ويقابلها في العربية والعبرية لا. # نن: # معناه الليل بقلب النونين لامين «وخلفه إشارة السماء مزينة ~~بالنجوم.» # نن، ننو: # الاء اللائي ms25 اسم إشارة في اللغتين. # نز: # لوز شجر معروف. # نت: # التي، الذي؛ «لأن التاء تقلب ذالا» اسم موصول في اللغتين. # نبن، ننبن: # لبنى، وهي شجرة الميعة أي المصطكى. # نخب: # لقب وألقاب، إلخ. # إذا علمنا ذلك جاز لنا أن نقول: إن «ننو» أو «نينو» هو النيل؛ لأن هذا التخريج لا يخرج ~~الكلمة عن المعنى الذي وردت به في اللغة المصرية؛ إذ قد ذكر في ورقة هريس ~~(Harris I, 48, 9) # نص معناه: قربان الأعياد الكبيرة لمبدء ~~«ننو»؛ أي: القرابين التي كانت تقدم للنيل في مبدأ الفيضان، في نقوش دندرة عبارة معناها ~~(Demt Hist. Ins. 29) ~~: دمهم مثل «ننو»؛ أي مثل النيل، ~~وجاء أيضا في صحيفة 256 من قاموس بروكش الجغرافي هذا النص: جبلا «ننو»؛ أي: الجبلين ~~المحيطين بالنيل عند الشلال الأول، «وننو» تطلق أيضا في اللغة على جدول القسم العاشر في ~~الوجه البحري، (راجع كتاب الجغرافية بروكش بصحيفة 15 و252، والجزء الثالث منه الصحيفة ~~29.) # أما اسم النيل المقدس فهو «حعب» و«حعبي»، والباء في المصرية تأتي لتضعيف الحرف ~~الأخير. # واعلم أن «الحاء» و«النون» و«الراء» تسقط في بعض الكلمات المصرية، وهذا أمر معلوم عند ~~الأثريين، فمثلا كلمة «أمن حتب» اسم من أسماء ملوك مصر ذكر في اليونانية باسم: «أمنوفيس»، ~~فإن فاء الكلمة تحذف منه في أول إلى العربية، فهو يقابل طاب يطيب طيبة، والصفة منه طيب ~~وطيبة إلخ. # فكلمة «حعب» تقابل إذن؛ في العربية «عب» (البحر عبابا: ارتفع وكثر موجه)، وعبت: مياه ~~متفرقة، «وعباب» معظم السيل وارتفاعه وكثرته، وقيل: موجه. # واليعبوب: (قال أهل اللغة: إن الياء فيه زائدة) النهر الشديد الجريان والجدول الكثير ~~الماء، ف «حعب»؛ أي «اليعبوب»: اسم متداول كثيرا في اللغة، وذكر في مدحة النيل التي كتبها ~~ماسبرو وترجمها في كتاب قصص العوام المصرية، وإليك مطلع هذه المدحة عن ترجمتي لا ترجمة ماسبرو: # تعظمت أيها اليعبوب، تنزهت أيها اليعبوب «حرف النداء محذوف كما يأتي ذلك في ~~العربية» البارز في هذه الأرض، السائر لعيشة مصر مسيرك كمين ليلا ونهارا، مسيرك ~~ممدوح؛ لأنه يروي الحقول التي أوجدتها ms26 الشمس ليعيش جميع الحيوانات، ويروي الصحراء ~~البعيدة عن الماء، نداه هو السماء «أي مياهه من المطر؛ لأن هوى السماء هو ما يهوي ~~منها في الماء؛ أي المطر»، فالأرض تروم وتتقرب بالحب «أي تجود بالمحصول» ~~إلخ. # أما أسماء النيل الواردة في الجدول المنقوش على الآثار فهي اثنان وخمسون اسما، استعملت ~~إما بوجه الحقيقة أو بوجه المجاز لعلاقات معلومة عند أهل اللغة قديما. # | فيضان النيل وأسبابه عند قدماء المصريين # كان فيضان النيل الدوري أمرا هاما لسعادة مصر، وأيقظ أنظار أولي الأمر إليه فجدوا في ~~وسائل تحسينه، وإن هذا الفيضان الطبيعي الذي يفسره العلم الحديث بكل سهولة، كان في عقيدة ~~قدماء المصريين دليلا ساطعا على أنه لا يتم إلا بمعونة وقدرة إلهية. # المعبودة إزيس والأصل بالمتحف المصري. # قال بوزانياس المؤرخ اليوناني الجغرافي المولود في القرن الثاني ق.م: إن المصريين اعتبروا ~~النيل في بدء فيضانه مجموعة من دموع المعبودة إزيس التي تبكي زوجها أزوريس، وقال لاباج ~~رينوف: يحتمل أن يكون هذا تقليدا قديما؛ لأن إزيس وأختها نفتيس تسميان في كتاب الموتى ~~بالنادبتين، وجاء في نصوص أخرى كثيرة أن مجرى النيل منسوب لإزيس أو لمعبود آخر مثل سوتيس ~~الشبيه بإزيس. # ومن الغريب أن جميع سكان مصر لا يزالون على اعتقادهم القديم، بأن يوم 11 من شهر بئونة، ~~الموافق 17 يونيو تنزل فيه نقطة، فتسبب فيضان النيل، ولا زالت تعرف إلى الآن بليلة ~~النقطة. # والجدير بالذكر هو معرفة أسباب الفيضان الواقع بأمر إلهي كما يعتقدون. # المعبودة نفتيس، والأصل بالمتحف المصري. # ينتظر المصريون أشهر الفيضان بلهف وشغف، فإن تأخر قليلا بسبب غير متوقع، فزعت القلوب ~~وخافوا من الدمار، وتكسد الأعمال، وتنتشر الأوبئة، وتفتك بالناس فتكا ذريعا، ويعقب ذلك ~~اضطراب في الأحوال، وتنضب ينابيع الثروة، وتتوالى العداوات والمشاحنات بين الناس، وقد ~~يستبيحون الاعتداء على بعضهم، وحينما يأتي الفيضان تسكن تلك المخاوف وترتفع الشرور، ويستقبل ~~الناس أسباب سعادتهم ووسائل رزقهم بالنشاط والبشاشة، فيقبلون على المستلزمات الزراعية، ~~ويعم الفرح القلوب إلى درجة تقل معها نسبة الوفيات في البلاد عن اعتيادها ms27 في الأيام ~~الأخرى، وتقام للفيضان مظاهر الاحتفاء كأكبر الأعياد، ويظهر أن الفيضان يقترن بزمن ظهور ~~نجمة الشعرى المعروفة بالشعرى اليمانية في السماء، وقد جاء في نقوش معبد دندرة أن سوتيس ~~الإله يجلب الفيضان، وأنه يشبه إزيس أم حورس التي تفيض من دموعها ماء النيل، وكان بمدينة ~~أسوان معبد خاص لعبادة إزيس سوتيس احتراما لذلك. # ووجد في بعض نصوص مصرية قديمة أن النيل يبتدئ فيضانه في أول السنة المصرية، ويعرف بدؤه ~~بظهور النجمة سوتيس في فصل الصيف في السنة المصرية القديمة. # وورد في ورقة هريس السحرية البردية أن ظهور النجمة المذكورة يوافق ابتداء الفيضان، واتفق ~~جميع المؤرخين على ذلك، وقال هيردوت وديودور الصقلي وبلين أن النيل يبتدئ في زمن انقلاب ~~الشمس في الصيف. # واستدام جهل قدماء المصريين بأسباب الفيضان مع اعتقادهم بأنه من دموع إزيس، وظنوه ناشئا ~~عن الرياح الشمالية، ولكن ديودور الصقلي خالفهم في ذلك، وأبدى أن أمطارا كثيرة تنزل في كل ~~السنين ابتداء من الصيف حتى يتعادل الليل والنهار في فصل الخريف، ومن المعقول جدا أن ~~ينخفض النيل في الشتاء ويزداد في الصيف من تهاطل الأمطار التي تهبط عليه، فهي التي تأتي ~~دائما إلى مصر من إثيوبيا، فتملأ في الصيف مجرى النهر، وهذه النظرية صحيحة، وهي أصدق ~~المعلومات عن السبب الوحيد في فيضان النيل الذي هو مصدر الحياة لمصر وقاطنيها. # تتراوح مدة الفيضان بين تسعين يوما أو مائة «على رأي قدماء المصريين والأقباط»، ويبتدئ ~~الفيض رويدا إلى يوم 20 سبتمبر، وهو أقصى مدته، وتتغير مياه النيل أثناء زيادته، فتكون ~~خضراء في الأوائل حينما تقذف الزيادة من مجاريها المياه الراكدة في مستنقعات بحر الغزال ~~ونحوه، ثم تصير حمراء قاتمة مغبرة حينما تنزل من سطوح جبال الحبشة الرمضاء، ومنها تنحدر إلى ~~النيل الأخضر والنيل الأحمر اللذين أشبها ساكني تلك الجهات المجاورة، وهذه التغييرات لم ~~تمنع ماء النيل من صلاحيته للشرب، وقد جاء في أمثال العرب «على سبيل المبالغة» أن من شرب ~~من ماء النيل مرة يشتاق أن يشرب منه أبدا، وبالغوا ms28 من قديم في شهرته وخواصه، حتى زعموا أنه ~~يبعث الأموات في الدار الآخرة، وذكر في كتاب الموتى أن من أكبر مشتهيات الميت الشرب من ~~المياه الباردة الآتية من نهر الجنة الذي كان يشبه النيل. # واعتاد قدماء المصريين كما اعتاد أبناء هذا العصر اعتبار النيل المورد الأول لحياتهم ~~وأرزاقهم، فيحتفلون بالفيضان ومستوى الزيادة احتفالات سنوية، فإذا تأخر فيضانه امتلأت ~~المعابد بمن يؤدون الصلوات والتضرع، ويقدمون الضحايا ابتهالا للآلهة في أن يجود النيل ~~عليهم بفيضه المعتاد، فإذا أبطأ ولم يستجب دعاؤهم، توجهوا إلى فرعون ليضرع معهم في طلب ~~الزيادة، فيسمع النيل أمر أبيه فيأتي فتعم الأفراح، ويأخذ القوم في الاطمئنان على معايشهم ~~ورخائهم. # النصوص المصرية القديمة الخاصة بالفيضان قليلة، وما ورد منها لم يؤيد قصة سيدنا يوسف عليه ~~السلام. # وقد ورد في شاهد حجري ترجمه بروكش باشا أنه وقعت بمصر مجاعة دامت سبع سنين، ولم يمكن ~~الجزم بأنها هي السبع سنوات الواردة في نص التوراة أو غيرها، وإليك ترجمتها: # يقول الملك لرجال بلاطه: أنا الملك حزين على عرشي، وقلبي مفعم بالكآبة لتأخر ~~النيل عن فيضه المعتاد سبع سنوات، فأصبحت ثمرات الأرض نادرة، وجفت الخضرة، واستحال ~~كل شيء على وجه الأرض، إني أفكر كثيرا فيما مضى، وأتضرع معكم إلى إمحتب بن ~~فتاح الذاهب إلى منبع النيل؛ ليمنحنا جميعا الشفاعة والإغاثة بفيضه ~~سريعا. # وورد في حجر كانوب المحفوظ بالمتحف المصري تحت رقم 980 بقاعة حرف # T # بالطبقة السفلى، أنه ~~في عهد الملك بطليموس إفرجت الأول سنة 238ق.م اشتد انخفاض النيل وحدثت بذلك الأهوال ~~والمجاعة. # وقال الفيلسوف سنيك: إن النيل لم يفض سنتين؛ أولاهما في السنة العاشرة في حكم الملكة ~~كليوبطرة، ويؤكد لنا كليماك أن النيل سبق أن تخلف فيضانه عن عادته تسع سنين لما قتل ~~بطليموس بومباوس الروماني Pompée # الشهير، حتى قال رجاله: إن ~~النيل لم يفض غضبا لارتكاب هذه الجناية في أرضه. # وقد يتجاوز النيل في زيادته الحد المعتاد، وأحيانا تبلغ الزيادة إلى درجة الخطر فتكون ~~البلاد تحت نطاق الحصار، وتتهدم مبانيها وتفسد ms29 مدخراتها الزراعية، وتتعطل المواصلات، ويلجأ ~~المستطيعون إلى النجاة بأرواحهم آبقين إلى الأراضي العالية، أو حواجز الجبال إن كانوا ~~قريبين منها. # وفي أنشودة النيل عن تأخره بعض السنين، ما يثبت أن تأخير فيضانه كما يضر بالآدمي ~~والحاصلات الزراعية المدخرة، يؤذي البهائم أيضا؛ لأنها لا تجد ما تعودت الاقتيات به من ~~الحشائش ونحوها التي كانت تجوب الأودية في طلبها قبل أن يغمرها الفيضان ويقطع عليها ~~السبيل. # ووجد باللغة المصرية القديمة في جدران فناء معبد أمنحتب الثالث بالأقصر أنه حصل ~~فيضان زائد في عهد الأسرة 22، فامتنع الناس عن حفلات المعبد، وخربت الأرض وما فيها، ولم ~~توقفنا الآثار على شيء من هذا القبيل في العصر الفرعوني، ولم يذكر لنا شيئا مؤرخو اليونان ~~والرومان، بل أجمعوا على مدح جمال مصر في أزمنة فيضانها المعتادة، وأن به يتغير منظر البلاد ~~ويتلطف ميزان الحرارة في الجو. # وقال سنيك الفيلسوف: «ما أبدع منظر مصر وقت فيضان نيلها على الأودية والحقول!» وقال ~~هيردوت: «إن مصر تصير بحرا في ذاك الوقت، وإن النيل إذا بلغ ارتفاعه 15 أو 16 ذراعا اعتبر ~~الفيضان مباركا.» وأيدت هذه الأقوال المعلومات المستفادة من الأوراق البردية، والنقوش ~~الموجودة على الحجارة الأثرية. # نيل مدينة تانيس. تمثالان يمثلان نيل الوجه القبلي ونيل الوجه البحري، وهما يحملان أثمار ~~النيل من الأسماك والطيور المائية وزهرة اللوطس، ويقدمانها هدية لملك ~~مصر. والأصل بالمتحف المصري بالطبقة السفلى بالطرقة # J # رقم 508. # ومتى انتهى الفيضان، أو كما يعبر قدماء المصريين في لغتهم: لما تخرج الأرض من الماء، يباشر ~~الفلاح الزراعة، فتغطي الخضرة وجه الأرض، وتصبح على سعتها بساطا سندسيا يبهر النواظر ~~ويروق الألباب. # وإذا بلغت زيادة النيل أكثر من ذلك تعطلت مواعيد الزراعة، وإلى هذا أشار مارييت باشا في ~~قوله: إن مصر كما تهتز بالجزع إذا تأخر الفيضان، فكذلك يعمها الضرر إذا كان فيضانه زائدا ~~عن الحالة المألوفة، ولهذا فحياتها تتوقف على اعتداله في مجيئه بآونة الحاجة إليه وعدم ~~زيادة فيضه عن قدر هذه الحاجة. # | التنبؤات المصرية القديمة الخاصة بالنيل # ورقة أنسطاسي البردية ms30 أو سفر أبوور المتنبي المصري القديم منذ 4000 سنة # بلغت العناية بأمر النيل في مصر اجتراء كثير من المتصدرين للبحث والعلوم على تنبؤات كثيرة ~~فيما يختص بزيادته ونقصانه، وما يعتري الأمة في أدوار القحط من الانزعاج والألم والانكماش، ~~وكان من تصدر عنهم هذه التنبؤات يجهرون بها بين يدي الفراعنة في وقتهم، ويتلقاها الناس ~~بتشوق شديد، وحرص مستمر لمقارنة الحوادث وتطبيقها عند وقوع شيء منها بما يكون منافيا أو ~~مؤيدا لهذه الأقاويل، ومن ذلك ورقة أنسطاسي البردية التي توجد في متحف لندن تحت رقم 344، ~~اشتهرت بورقة أنسطاسي؛ لأنه هو الذي اكتشفها في مدينة ممفيس بالقرب من سقارة، وابتاعها ~~منه متحف لندن سنة 1828 مكتوبة بالهيراطيقية من وجهيها، ويرجع عهدها إلى عهد الأسرة 12 أو ~~19. # ومما اشتملت عليه أقوال ذلك المتنبي: «إنه سيأتي على مصر دور تقل فيه مياه النيل، ويتبع ~~ذلك كساد الأحوال، وتنتشر الأوبئة وحوادث الثورات وإراقة الدماء، ويتغلب الصعاليك على ~~الأعاظم، وتتعدد الحروب الداخلية، ويتوالى الانقلاب، وتسود بعض العناصر المنحطة، وتنفرد ~~بالسيطرة، ونهب الأموال من ساداتها، وتكثر نساءهم من التجمل بنفائس العقود والقلائد، وتحل ~~التعاسة ببعض الطبقات الراقية حتى يعوذها طلب القوت، وتكثر الدخلاء حتى في العلماء، ~~وتنتهك أماكن العبادة، وتعطل الشعائر، فالويل كل الويل لمن يجعل في عصره أقل إمكان ~~لوقوع أقل شيء من هذه الشرور. # ثم تنتهي تلك الدورة المؤلمة ويسود السلام، ويعود النيل إلى فيضه المعتاد، وتسترد الأرض ~~بهجتها، وتعود إلى النفوس مكانتها على يد من يسخرهم الله لسعادة الإنسان.» # ومن هذه الأساطير وأمثالها يعلم أن عظماء الفراعنة وأيمة الباحثين كانوا يعلقون كل شيء ~~في مستقبل البلاد على فيض النيل وانخفاضه، ويرتبون نتائج الخير على بركات الفيضان، ~~ويتشاءمون بكل حوادث الشر في السنوات التي يكون فيض النيل فيها بطيئا أو منخفضا، ولا ننكر ~~أن حياة مصر قديما وحديثا تتفاوت في الرخاء والنعم بقدر ما يغمرها به نيلها المبارك، ~~أدامه الله لها مستفيضا بالخيرات والسعادة، ووفق رجالها العاملين إلى الصالح العام في كل ~~أدوارهم الكريمة. # | أعمال ملوك ms31 الأسرة 12 في النيل # اشترك الفراعنة مع الشعب في عقائده نحو النيل، وفي الاهتمام بكل شئونه كواجب فطري تألفوه ~~بالتوارث، ثم رأى الممتازون منهم بقوة الفطنة وحب الاستطلاع والتشوق في زيادة المزايا ~~العمرانية التوسع في المباحث، فابتدءوا بانتداب المتضلعين في العلوم الفنية، فأرسل بعضهم ~~مهندسين للشلالات لحصر الارتفاعات التي وصل إليها النيل في مدد الفيضان، ليقيموا بنسبتها ~~الجسور، ويشيدوا الخزانات، وبإتمام هذه الإصلاحات النظامية سميت مصر قديما الأرض المرواة ~~أو المتصلبة بالقنوات، أو الأرض السوداء، ولا غرو في ذلك؛ لأن مصر أرض زراعية، والزراعة هي ~~الوسيلة للثروة، وحياة الزراعة تستلزم العناية بالمياه في الإيراد والصرف كيلا يضيع جزء ~~منها في أراض مهملة، ولا تحرم الأراضي الزراعية الخصبة من كفاية المياه لريها وإنماء ~~مزارعها، وعرف قدماء المصريين أن مياه النيل المتدفقة بالفيضان تنقل كل عام كميات من الطمي ~~النقي، الذي يمنح الأرض زيادة في الخصوبة وجودة في الزراعة، فاجتهدوا في توصيل هذه المياه ~~بمحتوياتها إلى الجهات القاصية، لتأخذ حظها مما تجود عليها به طبيعة الفيض، فالعناية ~~بموازنة المياه في الاستجلاب والصرف ليست من الوسائل الحديثة، أو من مبتكرات الأجيال ~~الأخيرة كما يدعي الزاعمون، بل إنها من مجهودات الأفكار المتوالية في عهد الفراعنة، فامتازت ~~الأرض بكثرة الإنبات وتعدد المحاصيل ووفرة الثمرات منها بأسباب ترجع إلى توفر المياه، وإلى ~~فاعلية الشمس وحرارتها، واعتدال العنصر الأرضي، حتى إن الحبة الواحدة قد تبلغ في الإنبات ~~إلى مائة حبة، فكانت مصر أمام بقية الممالك أشبه بخزائن حاصلات لكثير من الممالك، وكانت ~~تعد كمستودع الأرزاق للعالم الروماني مثل بلاد توميدي. # وقد جاء في التوراة أن أبانا إسحاق أرسل ابنه لمدينة ممفيس لاستجلاب القمح، وكان الفيضان ~~الدوري يخفف عن الفلاح معالجة أرضه فتجود عليه بالحبوب والحاصلات الوافرة، وهو لا يتكبد ~~إلا تخطيطا بسيطا في مواسم التقاوي، وانتقاء أنواعها؛ ليجني من حسن نقاوتها وتوفر مياه ~~الري لديه خيرات وافرة. # ووضعوا في تلك العصور الماضية اللوائح والقوانين المشجعة على التحسين الزراعي، ومكافأة ~~المجتهدين مكافأة مالية ليقتدي بهم الغير، وكانت الأراضي ms32 تقسم بين المزارعين بنسبة أفراد ~~العائلات وخبرتهم الزراعية إذا كانت مساحة الأرض على سعة تمكن من كل ذلك، ومد الجداول ~~وإنشاء المجاري ونحوها رغبة في تعميم الفائدة، وتسهيلا على الزراع فيما تشتد حاجتهم ~~إليه. # وكان كل عصر من الفراعنة يفتخر بما أحدثه من أنواع التحسينات، ولا يصرفه الاهتمام بما ~~أحدثه عن دوام العناية بما استجيد منها في عهد أسلافه رغبة في تخليد المنفعة لذويها، وإبقاء ~~الذكر الحسن لمن أدى للبلاد عملا مشكورا؛ لأن الجسور ونحوها إن لم يتعهدها ولاة ~~الأمور بالعناية والإصلاح والقنوات والمجاري، وإن لم يتخذ نحوها الترميم والتطهير كل سنة في ~~الوقت المناسب له يترتب على تركها انحطاط درجة الأرض من الخصوبة إلى الجدب، وتتحول حالة ~~الملاك من السعادة إلى الشقاء. # وقد عثرنا على نص رقيم حكومي صدر في عهد الملك سنوسرت الثالث يأمر بترميم قناة، وهذا ~~نصه (دلالة على ما سبقت إشارتنا إليه): «في السنة الثانية من حكم ملك الوجهين البحري ~~والقبلي الملك سنوسرت، الحي الإرادة الدائم الذكر، أمر بإنشاء قناة جديدة طولها مائة وخمسون ~~ذراعا وعرضها عشرون ذراعا وعمقها خمس عشرة ذراعا.» # ووجد منقوشا على شاهد أقيم للملك تحوتمس الأول: «إنه في السنة الثالثة من حكمه، وفي ~~اليوم 22 من الشهر الأول من فصل الحصاد، أمر الملك المعظم بحفر هذه القناة، شكرا لمعونة ~~الرب الأعلى، وإسدائه بالنعمة على شعبه بمناسبة فوزه بالنصر والفوز على بلاد كوش.» # وفي عهد تحوتمس الثالث أنشئت قناة أخرى بعد ما أن ملأتها الحجارة، وفي هذا المرسوم نص ~~بإلزام من يزاولون مهنة الصيد في جزيرة أسوان بتطهيرها سنويا؛ لأنهم هم الذين بترددهم ~~عليها لأعمال الصيد بالزوارق وغيرها يتسببون في انهيار ميول الجسور تساقط الحجارة حولها حسب ~~مستلزمات مهنتهم، فمن العدل أنهم كما يغنمون الأرباح بالصيد منها يتكبدون بعض الإجراءات ~~الواجبة لتطهيرها وصيانتها حتى لا تنطمس مجاريها ولا يتعطل الانتفاع بها. # وقد وضعت في عهدهم القوانين الشديدة بالعقوبات الرادعة، والجزاءات الزاجرة لمنع الناس عن ~~إحداث أي ضرر بمجاري المياه وطرق المواصلات، وعدم مس ms33 الأعمال الزراعية والمحاصيل أيضا بأي ~~ضرر أو تلف؛ لأنها في واقع الأمر أعدت لمنفعة المجتمع العمراني، وليس قيام الأفراد بالخدمة ~~والزراعة فيما يكون تحت ملكيتهم إلا من أنواع التعاون الضمني؛ لأن كل فرد يؤدي خدمة شخصية ~~ترتبط بالمنافع العامة يعتبر خادما للمجتمع، وإن لم يقصد هو في عمله هذه الملاحظة. # وقد وجد في نصوص الكتاب المقدس في كتاب الموتى ما يؤيد هذا الاهتمام الحكومي الذي تتناقله ~~الأجيال: «إني لم أقطع قناة في ممرها، ولم أخالف نظام الري، ولم أتلف الأراضي ~~الزراعية.» # وقد وجدت نقوش في قبور الأمراء بأسيوط تدل على الأعمال التي تمت لإصلاحات النيل في عهد ~~الأسرة الهراقلوبولتية، وفي هذه النقوش إشارة إلى أن الملك خيتي الأول يفتخر باستيلائه على ~~المياه وحسن التصرف فيها كيفما شاء، ولم تكن في الوجه القبلي إلا أراض منحطة، فاهتم بحفر ~~قناة كبيرة في الأراضي الشراقي، وأقام لها أبوابا، وغير مجرى المياه القبلية، فوصلت إلى ~~حد لم تبلغه المياه قبلها، ومكن حدود القناة، فارتوت منها بلاد كثيرة، وجعلت الهضاب ~~المرتفعة بحيرات، وصار النيل يغمر الجزائر، وأصبحت الأراضي الجدباء ذات خصب ورغد، وكل ~~الأراضي التي كانت في الماضي محرومة من الري النيلي، فأهلها ينسبون الفضل في سعادة حالهم ~~وصفاء عيشهم إلى الملك سيتي الأول الذي حفر قناة تم بها الاتصال من فرع النيل الثاني إلى ~~بوباستيس بالبحيرات المرة ووادي طيبة، وأهم القنوات التي تمر بقرب قبطوس ذكرت في قصة ساتني ~~خماييس. # وكان البحر اليوسفي في الحقيقة فرعا للنيل في الجهة الغربية يبتدئ من أسيوط وينتهي إلى ~~الدلتا. # وقد أتم الملك نخاو الثاني ابن الملك بسامتيك مشروعات كثيرة في الري، ووضع مشروعا ~~جليلا لإنشاء قناة تصل البحرين، ولكن هذا المشروع لم يتم في أيامه، والذي وفق لإنجازه هو ~~الملك دارييس الفارسي، وقد نقش اسمه في شاهد شالوف بالفارسية، ونصه كالآتي: «أمرت بحفر هذه ~~القناة تبتدئ بالنيل من مصر إلى البحر الأحمر.» # وذكر هيردوت أن الفمين البولبستيكي والبيكوليكي لم يكونا طبيعيين، ولا بد أن تكون يد ~~الإنسان ms34 العاملة في العمران قد خطتهما، فإن الفراعنة أنشئوا قنوات كثيرة للبلاد ليسهل على ~~أهلها الانتفاع بالمياه الوافرة لري الأراضي وكافة الاحتياجات البشرية، واقتفى اليونان ~~والرومان آثار الفراعنة في إصلاحات الري، وكانوا يعتنون بتطهير الترع من رواسب الرمال ~~والحجارة، وأول من افترض على الأهالي القيام بهذه التطهيرات هو أكتاف أغسطت # Octave Auguste ~~، وكان يراعي تقسيم الأعمال بينهم ~~بمراعاة قرب أهالي كل جهة من القسم الذي يكلفون بتطهيره. # وفي الأوراق البردية ومن بينها ورقتا باريز وبرلين أن الملوك بطليموس فيلادلف وإفرجت ~~الثاني إبيفان وتراجان وجستنيان كانوا يعتنون سنويا بتطهير الترع وتقوية الجسور، ويكلفون ~~مراقبين فنيين بدوام المرور عليها، وإيضاح ما يحتاج علاجا، فيبادر لاتخاذه ولو قبل ~~المواعيد المعتادة في الميزانيات السنوية وجداولها. # وروي أنه في السنة الثانية (سنة 198ق.م) من حكم الملك إفرجت الثاني بلغت شدة الفيضان ~~درجة قصوى، أغرقت كثيرا من الأودية والصحاري، فقام الملك بنفسه للإشراف على الأعمال ~~المتخذة لتخفيف المضار والعناية بتقوية جسور النيل وسياج الترع وتجديد المصارف بين ~~المسافات، حتى أوقف طغيان المياه، واطمأن باله بنجاة البلاد من الخطر. # | زيادة النيل ونقصانه وأطواره في عهد العرب1 # نقلا عن كتاب «تقويم النيل» لحضرة العلامة الجليل أمين باشا سامي. # التاريخ # م # ه # 769 # 152 # وصل النيل في نهاية الفيضان إلى 12 ذراعا و16 أصبعا # 891 # 278 # غار نيل مصر ولم يبق منه شيء، فغلت الأسعار بسبب ذلك # 863 # 249 # غلق النيل 16 ذراعا # 944 # 333 # وصل النيل إلى 14 ذراعا و16 أصبعا # 953 # 342 # قصر النيل فوقع البلاء والغلاء # 962 # 351 # وصل النيل إلى 15 ذراعا وهبط # 963 # 352 # وصل النيل إلى 15 ذراعا و4 أصابع وهبط سريعا فوقع الغلاء تسع سنين ~~متوالية # 964 # 353 # وصل النيل إلى 15 ذراعا وأصبعين # 965 # 354 # وصل النيل إلى 16 ذراعا ولم يغلقها وهبط سريعا # 966 # 355 # وصل النيل إلى 14 ذراعا وأصابع وهبط سريعا # 967 # 356 # وصل النيل إلى 12 ذراعا وأصبعا فاستمر الغلاء إلى سنة 360، فلما دخلت سنة ~~361 حصل الوفاء ms35 وأخصبت الأرض وتحسنت الأسعار # 972 # 361 # أوفى النيل الوفاء التام وأخصبت الأراضي بالزرع # 997 # 387 # قصر النيل عن الوفاء فوقع الغلاء # 1005 # 395 # وصلت الزيادة إلى 16 ذراعا وأصابع فروى بعض الأراضي # 1006 # 397 # وصلت الزيادة إلى 13 ذراعا فاستسقى الناس مرتين # 1007 # 398 # وصلت الزيادة إلى 14 ذراعا وهبط سريعا فوقع الغلاء # 1008 # 399 # فتح الخليج في 15 توت والماء على 16 ذراعا ثم نقص فوقع الغلاء بمصر # 1031 # 422 # نقص ماء النيل ثم زاد بعد أوانه بأربعة أشهر # 1052 # 444 # قصر النيل عن الزيادة ووقع الغلاء بمصر # 1055 # 457 # قصر النيل عن الزيادة ووقع الغلاء بمصر # 1056 # 448 # انقطع ماء النيل فعم الوباء والقحط # 1059 # 451 # وقع الغلاء العظيم بمصر واستمر سبع سنين يزيد في الأول إلى 12 ذراعا ثم ~~ينقص، وكانت القاعدة 3 أذرع و11 أصبعا # 1068 # 460 # نقص النيل في هذه السنة والتي بعدها فكان الغلاء العظيم الذي لم يسمع بمثله ~~من عهد يوسف، واشتد القحط والوباء سبع سنين # 1073 # 466 # وكان مقدار النيل 16 ذراعا وأصبعا # 1077 # 470 # فتح الخليج يوم 17 مسرى والماء على 15 ذراعا و12 أصبعا ونقص في 13 ~~بابه # 1078 # 471 # فتح الخليج يوم 27 مسرى والماء على 15 ذراعا و18 أصبعا # 1079 # 472 # فتح الخليج يوم 20 مسرى والماء على 15 ذراعا و19 أصبعا # 1080 # 473 # فتح الخليج يوم 5 توت والماء على 15 ذراعا و15 أصبعا # 1081 # 474 # فتح الخليج يوم 25 مسرى والماء على 15 ذراعا و18 أصبعا # 1082 # 475 # بلغ الماء في 25 توت 14 ذراعا، ولكن كانت نهاية الفيضان في هذه السنة 15 ~~ذراعا و10 أصابع # 1083 # 476 # فتح الخليج في 2 النسيء ونقص في 9 بابه # 1084 # 477 # فتح الخليج في 24 مسرى والماء على 15 ذراعا و12 أصبعا # 1087 # 480 # نقص في 4 بابه # 1088 # 481 # هلك الزرع والغلات والمخازن من كثرة الماء # 1191 # 484 # انتهت الزيادة إلى 11 ذراعا وأصبعا ثم هبط سريعا ms36 # 1123 # 517 # انتهت الزيادة إلى 16 ذراعا ثم هبط ووقع الغلاء بمصر # 1124 # 518 # كان الوفاء على 16 ذراعا و11 أصبعا ثم نقص ولم يثبت فوقع الغلاء # 1149 # 544 # كان النيل عاليا # 1164 # 559 # عظمت زيادة النيل وبلغ 18 ذراعا و13 أصبعا فسقطت الجدران وغرقت البساتين ~~وفارت الآبار # 1176 # 572 # فتح الخليج في 20 رمضان # 1180 # 576 # بلغت الزيادة # ذراعا # 1181 # 577 # هبط النيل بدرجة لم يعهد حصولها إلا مرة واحدة في دولة الفاطميين، واشتد ~~الوباء ومات نحو ثلاثة أرباع أهل البلاد، وكان وفاء النيل في 16 مسرى من ~~هذه السنة # 1181 # 577 # فتح الخليج في 4 ربيع الثاني والماء على 16 ذراعا و15 أصبعا، وقال الناس: ~~سنة سبع افترست أسباب الحياة # 1182 # 578 # بلغت الزيادة 18 ذراعا و13 أصبعا، وهذا الحد كان يسمى وقتها اللجة ~~الكبرى، فسقطت الجدران وغرقت البساتين # 1183 # 579 # عظمت زيادة النيل. والجزء الثامن من المذكرات نقلا عن المقريزي في الخطط، ~~وهذا من النوادر الغريبة التي لم يسمع بمثلها قط # 1184 # 580 # بلغت الزيادة 16 ذراعا إلا ثلاثة أصابع ووقف فكسر السد ووقع الغلاء ~~بمصر # 1191 # 587 # لم يزد النيل إلا زيادة يسيرة وهبط من غير وفاء فوقع الغلاء وعدمت الأقوات ~~من مصر، واستمر الحال على ذلك ثلاث سنين متوالية، فمات من شدة الغلاء ~~الثلث # 1200 # 596 # كسر الخليج والماء على 13 ذراعا إلا ثلاثة أصابع وشرقت الأراضي وعم ~~الغلاء والبلاء # 1201 # 597 # توقف النيل عن الزيادة في هذه السنة لغاية 6 توت، ولم يبلغ إلا 15 ذراعا ~~و16 أصبعا وهبط من يومه، فحدث بمصر حوادث من جهة القحط والفناء والموت ~~والمهاجرة ما لم يسبق لها مثيل في القحوط السابقة. وقال العماد الكاتب في ~~وصف حوادث هذه السنة: اشتد الغلاء وامتد البلاء وتحدثت المجاعة وتفرقت ~~الجماعة وهلك القوي فكيف الضعيف! # 1203 # 599 # زاد النيل زيادة كثيرة ورخصت الأسعار # 1230 # 627 # جاء في ابن إياس أن النيل بلغ 16 ذراعا و3 أصابع، ولم يثبت فوقع الغلاء ~~وكان ms37 في قاع النيل ذراعين # 1231 # 628 # بلغ النيل بعد توقف كبير 16 ذراعا و3 أصابع، وكان غلاء شديد ووصل القمح ~~خمسة دنانير، وجاء في ابن إياس أن نهاية الفيضان كان 16 ذراعا فقط # 1232 # 629 # بلغت الزيادة 18 ذراعا و6 أصابع، وطال مكثه إلى آخر هاتور فخاف الناس عدم ~~هبوطه # 1240 # 637 # ولم يقع مثله # 1263 # 661 # شح النيل ولم يثبت فوقع الغلاء # 1273 # 672 # أوفى النيل أول أيام النسيء # 1294 # 693 # بلغ النيل 15 ذراعا و3 أصابع، ولم يثبت فوقع الغلاء # 1295 # 694 # بلغت زيادة النيل 16 ذراعا و17 أصبعا ثم هبط وحصل بديار مصر غلاء شديد. # 1297 # 696 # بلغت زيادة النيل إلى أول توت 15 ذراعا و18 أصبعا ثم نقص ولم يوف # 1298 # 697 # أوفى بعد توقف # 1299 # 699 ~~«حسن المحاضرة وكوكب الروضة» # 1303 # 702 # قال ابن أبي حجلة: قد زاد النيل حتى غرق البلاد ووقع البلاء وعم ~~البلاء # 1304 # 704 # أوفى بعد توقف وانتهت الزيادة إلى 15 ذراعا و17 أصبعا فشرقت البلاد ووقع ~~الغلاء # 1305 # 705 ~~«حسن المحاضرة» # 1309 # 709 # توقف النيل واستسقى الناس فلم يسقوا وانتهت زيادته في 27 توت إلى 15 ذراعا ~~و17 أصبعا فشرقت البلاد ووقع الغلاء، وفي 17 بابه نقص جملة واحدة # 1313 # 713 ~~«ابن إياس وكوكب الروضة» # 1317 # 717 # وكان الماء على # وجاء في كوكب الروضة أن فتح الخليج كان ثاني يوم من ~~النقص، ثم زاد زيادة عظيمة # 1321 # 721 ~~«النجوم الزاهرة» # 1322 # 722 ~~«النجوم الزاهرة» # 1325 # 725 ~~«النجوم الزاهرة» # 1327 # 727 # قال ابن المتوج: إن النيل بلغ 16 ذراعا و3 أصابع بعد توقف عظيم، ووصل ~~القمح خمسة دنانير «الإردب»، وذكر المقريزي أنه بلغ 13 ذراعا و13 أصبعا، ~~وأن مقدار التحاريق كان ذراعين # 1329 # 729 # كانت زيادة النيل 18 ذراعا و6 أصابع، وتأخر نزوله حتى خاف الناس عدم ~~هبوطه # 1331 # 731 # جاء في كنز الدرر أن الوفاء كان في 20 مسرى، وفتح الخليج في يومها والماء ~~على 16 ذراعا # 1335 # 736 ~~«النجوم ms38 الزاهرة» # 1337 # 738 ~~«النجوم الزاهرة» # 1338 # 739 # بلغت الزيادة 16 ذراعا و10 أصابع ثم هبط سريعا فشرقت الأرض ، ووقع الغلاء، ~~وذكر كوكب الروضة أصابع # 1339 # 740 # تأخر النيل في بلوغه درجة الفيضان # 1343 # 744 # بلغ النيل 20 ذراعا و15 أصبعا فغرقت البساتين وانقطعت الطرق والجسور. # 1346 # 747 # كان التحاريق شديدا مع أن صاحب النجوم قال: إن التحاريق كان 5 أذرع # 1348 # 749 # كان التحاريق شديدا مع أن صاحب النجوم قال: إن التحاريق كان 4 أذرع و20 ~~أصبعا # 1350 # 751 # بلغ النيل 17 ذراعا وهبط في 5 توت فشرقت بلاد كثيرة ووقع الغلاء وتوالى ~~الشراقي ثلاث سنين فشق الأمر على الناس # 1351 # 752 # سنة شراق # 1352 # 753 # سنة شراق # 1359 # 760 # ثبت إلى أول هاتور فدعا الناس بهبوطه وبلغ 19 ذراعا و4 أصابع # 1360 # 761 # قال المقريزي: كان النيل مما يتعجب منه؛ فإن القاعدة كانت 12 ذراعا، وبلغ ~~19 ذراعا و9 أصابع، وأبطل النداء عليه حتى بلغ 24 ذراعا وخرب عدة مساكن ~~وثبت إلى آخر بابه فدعوا الله بهبوطه # 1363 # 764 # توقف النيل ولم يوف إلا في 3 توت، وبلغ 17 ذراعا و4 أصابع، ثم هبط سريعا ~~ووقع الغلاء # 1371 # 773 # طال مكث النيل فدعوا لله بهبوطه، واستمر في ثبات إلى آخر هاتور، وفات أوان ~~الزراعة، وجاء في كوكب الروضة أنه كان 20 ذراعا وأصابع، وفي النجوم الزاهرة ~~18 ذراعا و4 أصابع # 1373 # 775 # توقف النيل عن الزيادة وكسر السد بعد النيروز بنقص 5 أصابع عن الوفاء، ثم ~~هبط من يومه فاضطربت الأحوال # 1382 # 784 # كان النيل عاليا واستمر حتى دعا الناس بهبوطه، قال المقريزي: انتهت زيادة ~~النيل إلى 20 ذراعا و3 أصابع فعد ذلك طوفانا. وكتب الصاحب فخر الدين عبد ~~الرحمن بن عبد الرزاق بن مكانس إلى البدر اليشتكي رسالة في ذلك قال في ~~مطلعها: رب اجعلنا في هذا الطوفان من الآمنين، وسلام على نوح في ~~العالمين # 1383 # 785 # مع علو النيل مكث طويلا فغرقت مواضع وتهدمت دور، وذكر ابن ms39 إياس مقدار ~~النيل وهو 20 ذراعا و5 أصابع # 1389 # 791 # انتهت الزيادة إلى 19 ذراعا و18 أصبعا، وثبت إلى تاسع بابه فعد ذلك من ~~النوادر # 1391 # 793 # ثبت إلى آخر بابه فكان طوفانا، وقال كوكب الروضة: رابع باب، وقال: إن ~~الوفاء كان في ثالث مسرى وانتهت الزيادة إلى 19 ذراعا و20 أصبعا # 1395 # 797 # بلغ 19 ذراعا و8 أصابع وثبت إلى رابع بابه فكان طوفانا # 1397 # 799 ~~«الجزء الثامن من المذكرات» # 1403 # 806 # توقف النيل وكسر السد في أول توت مع نقص أربع أصابع على الوفاء ، ووقع ~~الغلاء، وجاء في النجوم الزاهرة أن النيل أوفى خامس توت # 1404 # 807 # احترق النيل احتراقا شديدا # 1405 # 808 ~~«الجزء الثامن من المذكرات» # 1409 # 812 # أوفى النيل وفتح الخليج في أول يوم من مسرى، وقال ابن إياس: إنه بلغ 22 ~~ذراعا وأصبعا، وثبت إلى نصف هاتور فحصل للناس بسبب ذلك الضرر الزائد، ~~وغرق أكثر البلاد، وقال المقريزي: إن الوفاء كان في 29 أبيب # 1412 # 815 ~~«ابن إياس» # 1413 # 816 ~~«ابن إياس» # 1415 # 818 ~~«ابن إياس» # 1416 # 819 ~~«ابن إياس» # 1420 # 823 # توقف النيل عن الزيادة واستقى الناس، وجاء في ابن إياس أنه أوفى، وكان نيلا ~~شحيحا ولم يثبت روي نصف البلاد ووقع الشراقي والغلاء # 1421 # 824 # وبلغت الزيادة 18 ذراعا و20 أصبعا # 1422 # 825 # انتهت الزيادة إلى 20 ذراعا وأصبعا، وثبت إلى نصف هاتور فحصل ضرر عظيم من ~~عدم هبوطه وتعذر الزرع لفوات أوانه، وجاء في كوكب الروضة أن الوفاء كان في ~~29 أبيب # 1423 # 826 ~~«ابن إياس» # 1424 # 827 ~~«ابن إياس» # 1425 # 828 ~~«ابن إياس» # 1426 # 830 # انتهت الزيادة إلى 17 ذراعا وأصبعين ثم نقص بعد ذلك ولم يثبت فشرقت البلاد ~~ووقع الغلاء # 1427 # 831 ~~«ابن إياس» # 1428 # 832 # وهبط سريعا فشرق غالب البلاد ووقع الغلاء # 1429 # 833 ~~«ابن إياس» # 1430 # 834 # وجاء في كوكب الروضة أنه أوفى في 29 أبيب # 1433 # 837 # أوفى النيل في هذه السنة مرتين # 1439 # 843 # بلغ النيل ms40 20 ذراعا و10 أصابع # 1440 # 844 # بلغ النيل 20 ذراعا و31 أصبعا # 1441 # 845 # إن النيل زاد زيادة مفرطة في رابع بئونة فغرقت الأمكنة وحصل الضرر ووصل ~~النيل في غير أوانه 19 ذراعا و20 أصبعا، واستمرت الزيادة عمالة حتى أوفى ~~في 27 أبيب # 1449 # 853 # توقف النيل عن الوفاء أياما # 1450 # 854 # خس النيل وكسر الخليج، وقد بقي ثمانية أصابع من الوفاء وحصل غلاء شديد، وجاء ~~في كوكب الروضة: لم يوف النيل وكسر الخليج وباق على الوفاء أصبع فهبط ~~وشرقت الأراضي ووقع الغلاء # 1462 # 866 # أوفى بعد توقف واستسقاء # 1466 # 871 # أوفى بعد توقف واستسقاء: أن الوفاء كان في غاية ذي الحجة سنة 870 الموافق ~~20 مسرى، وكل التقاويم أجمعت على أن 20 مسرى يطابق غرة المحرم سنة ~~871 # 1468 # 873 # أوفى بعد توقف وهبط سريعا أثناء توت وتزايد الغلاء # 1477 # 882 # فتح السد أول يوم من مسرى، وانتهت الزيادة إلى 20 ذراعا و21 أصبعا في ~~أواخر بابه فغرقت الأراضي والطرق # 1478 # 883 # وجاء في كوكب الروضة أن الوفاء كان في 29 أبيب # 1479 # 884 # وفتح السد في غاية أبيب # 1484 # 889 # انتهت الزيادة إلى 19 ذراعا و33 أصبعا وهبط بسرعة في أواخر مسرى فاشتد ~~الغلاء # 1485 # 890 # انتهت الزيادة إلى 17 ذراعا فاشتد الغلاء # 1489 # 894 # وفي كوكب الروضة الوفاء في 5 مسرى، وكسر السد في 6 منه # 1491 # 896 # الموافق ليلة عيد الفطر وكسر السد ثاني شوال # 1492 # 897 # وسارت بالبشرى في البلاد رسائل # 1496 # 902 # أوفى بعد توقف وفتح الخليج يوم 28 فكان الوفاء متأخرا نحو 20 يوما ولم ~~يعم سوى أيام، ثم هبط سريعا فشرقت الأراضي وارتفعت الأسعار # 1498 # 904 # أوفى النيل في هذه السنة مرتين الأولى في 29 مسرى والثانية في 20 الحجة، ~~واستمر النيل في الثانية في ثبات إلى أواخر بابه # 1500 # 906 # وانتهت الزيادة في 19 ذراعا و17 أصبعا وثبت إلى نصف بابه # 1501 # 907 # فتح السد في 9 مسرى # 1502 # 908 # وانتهت ms41 الزيادة إلى 18 ذراعا و21 أصبعا وكان نيلا شحيحا # 1503 # 909 # وانتهت الزيادة إلى 18 ذراعا و13 أصبعا، وثبت إلى عشرين توت # 1505 # 911 # انتهت الزيادة إلى 19 ذراعا وأصبعين وهبط سريعا # 1507 # 913 # وثبت على 19 ذراعا و5 أصابع إلى عشرين بابه # 1508 # 914 # وانتهت الزيادة إلى 18 ذراعا و22 أصبعا وثبت إلى آخر بابه # 1509 # 915 # وانتهت الزيادة إلى 17 ذراعا و21 أصبعا وثبت إلى آخر توت # 1510 # 916 # وثبت على 19 ذراعا و9 أصابع إلى 17 توت # 1511 # 917 # وفتح السد في اليوم الذي يليه وانتهت الزيادة إلى 20 ذراعا وأصبعا # 1512 # 918 # وانتهت الزيادة إلى 19 ذراعا و4 أصابع # 1514 # 920 # وفتح السد في سادس مسرى # 1515 # 921 # وثبت على 20 ذراعا و16 أصبعا في أوائل هاتور وحصل به غاية النفع وفتح ~~السد في 6 مسرى # 1516 # 922 # وثبت على # ذراعا # 1571 # 979 # سنة خصب حيث زاد النيل فيها زيادة كثيرة # 1622 # 1031 # زاد النيل زيادة عظيمة قريبا من 23 ذراعا، ثم بعد نزوله زاد زيادة أخرى ~~عظيمة وتلف بعض الزرع واستمر الخليج يجري بالقاهرة فوق 100 يوم، وحصل بسبب ~~ذلك غلاء عظيم # 1641 # 1051 # بلغت الزيادة 15 ذراعا وهبط فوقع الغلاء والقحط # 1694 # 1106 # قصر النيل وهبط بسرعة فشرقت الأراضي ووقع الغلاء # 1704 # 1116 # توقف النيل فاستسقوا وزاد في 11 توت حتى بلغ 17 ذراعا، فروى بعض البلاد ~~وهبط سريعا فاشتد الغلاء # 1722 # 1134 # قصر النيل في هذه السنة وغلت الأسعار في السنة التي بعدها # 1778 # 1192 # زاد النيل زيادة مفرطة حتى انقطعت الطرقات واستمر إلى آخر توت # 1783 # 1197 # قصر النيل وهبط قبل الصليب بسرعة فشرقت البلاد القبلية والبحرية، وغلت ~~الأسعار حتى بلغ سعر القمح 10 ريالات «الإردب »، واشتد جوع الفقراء # 1784 # 1198 # قصر النيل فكانت شدة الغلاء كالسنة التي قبلها # 1792 # 1206 # في المحرم من هذه السنة هبط النيل مرة واحدة فشرقت الأراضي ولم يرو منها ~~إلا القليل فاشتد الغلاء # 1792 # 1207 # هبط ms42 النيل قبل الصليب بعشرة أيام، وذلك بعد الوفاء الذي حصل في السنة التي ~~قبلها، وكان ناقصا عن ميعاد الري نحو ذراعين، فقلت الأسعار حتى بلغ ثمن ~~الإردب من القمح 18 ريالا، وأكلت الناس الميتة من الخيل والحمير ~~والأطفال # 1793 # 1208 # بلغ النيل الزيادة المتوسطة وثبت إلى أول بابه وشمل الماء غالب الأراضي ~~بسبب التفات الناس إلى سد المجاري وحفر الترع وإصلاح الجسور # 1799 # 1214 # فتح الخليج يوم 24 أغسطس # 1800 # 1215 # فتح الخليج في 17 أغسطس وزاد النيل زيادة مفرطة حتى غرقت البلاد وتقطعت ~~الطرق ومكث زائدا إلى آخر توت # 1802 # 1217 # وكسر السد في 7 منه # 1803 # 1218 # وكسر الخليج صبحها وهو على 17 ذراعا ونقص ماء النيل في أيام النسيء نقصا ~~فاحشا، وانحدر من على الأرض فعلت الأسعار وقامت الناس شدائد # 1804 # 1219 # أوفى النيل 17 ذراعا وكسر الخليج في صبح يوم السبت # 1806 # 1221 # فتح الخليج يوم الخميس 9 مسرى، ويقال إنه فتح قبل الوفاء # 1807 # 1222 # فتح الخليج يوم السبت 7 مسرى، وكان ضعيفا وهاف الزرع # 1808 # 1223 # ما وفى النيل إلا بعد أن استقى الناس # 1809 # 1224 # أوفى وزاد زيادة مفرطة وتلف بعلوه الدراوي والأقصاب بالوجه القبلي والأرز ~~والقطن # 1810 # 1225 # أوفى النيل بعد توقف طال زمنه واستسقى الناس في رابع شعبان، ثم زاد النيل ~~وثبت إلى آخر توت واطمأن الناس # 1811 # 1226 # وفتح الخليج ثامن مسرى # 1815 # 1230 # ولم يحصل وفاء في آخر أبيب إلا مرة واحدة في سنة 1283، وبينها وبين هذه ~~السنة سنة 47 # 1816 # 1231 # وفتح السد في 5 منه # 1817 # 1232 # جاء النيل مبكرا في نصف بئونة # 1818 # 1233 # كانت زيادة النيل مفرطة لم يسمع بمثلها، وأغرق كثيرا من الزروع الصيفية، ~~وانهدم بسببه قرى كثيرة وغرق كثير من الناس والحيوان، وعلا الماء على جزيرة ~~الروضة حتى صارت السفن تسير فوقها # 1819 # 1234 # كانت زيادة النيل مفرطة أكثر من العام الماضي واستمر عاليا إلى منتصف ~~هاتور حتى فات أوان الزراعة # 1820 # 1235 ms43 # فتح السد رابع مسرى، وكانت زيادة النيل مفرطة وأغرقت الزرع والأماكن # 1821 # 1236 # لم يستتم النيل أذرع الوفاء إلى 18 مسرى حتى ضجر الناس وضج الفلاحون # 1847 # 1263 # وقد بلغ النيل 16 ذراعا و7 أصابع، وكانت نهاية النيل 23 ذراعا ~~وأصبعين # 1848 # 1264 # وكان الماء على 16 ذراعا وكانت نهاية الفيضان 24 ذراعا و6 أصابع # 1873 # 1290 # وكان الماء على 15 ذراعا و8 أصابع، وفي اليوم الذي بعده 16 ذراعا و8 ~~أصابع، وكانت نهاية الفيضان 20 ذراعا و13 أصبعا، وهبط مبكرا # 1874 # 1291 # وكان الماء على 15 ذراعا و16 أصبعا، وفي اليوم الذي بعده 16 ذراعا و13 ~~أصبعا، وبلغ في نهاية الفيضان 26 ذراعا و13 أصبعا، وحصل غرق تسبب عنه ~~كسر قنطرة الشرقاوية، وقطع السكة الحديدية التي هي بين بولاق الدكرور ~~والمنيا، واستمر الماء 115 يوما، ولولا العناية التي بذلت من الحكومة ~~وسنها قوانين صارمة لنشأ عن الغرق مضرات لا يمكن حصرها، وقد جمع الأجانب ~~مبالغ بقصد عمل تمثال للمغفور له الخديوي إسماعيل باشا، في مقابلة العناية ~~التي بذلها، ولكنه فضل إنشاء مدرسة مجانية أنشئت في الإسكندرية بدلا من ~~إقامة التمثال، وهي باقية للآن # 1875 # 1292 # والماء على 15 ذراعا و16 أصبعا وهو أزيد من الوفاء بثلاثة عشر قيراطا، ~~وكانت نهاية الفيضان 23 ذراعا و22 أصبعا # 1876 # 1293 # والماء على 15 ذراعا و6 أصابع وهو أزيد من الوفاء بثلاثة قراريط، وكانت ~~نهاية الفيضان 22 ذراعا و23 أصبعا # 1877 # 1294 # والماء على 15 ذراعا و3 أصابع وهو المقدار المقرر للوفاء، ولم يبلغ النيل ~~إلا 17 ذراعا و3 أصابع، وهبط سريعا فحصل شراق ترتب عليه ترك نصف مال ~~الوجه البحري ومعظم مال الوجه القبلي حتى بلغ قيمة المتروك من المال ~~1120000 جنيه عن 1300000 فدان، وقد بلغ ثمن الإردب القمح ثلاثة جنيهات، ~~والذرة جنيهين، وأكل بعضهم الحشائش لسد الرمق، ومات بعضهم وكثرت وقائع القتل ~~والسلب والنهب # 1878 # 1295 # والماء على 15 ذراعا و5 أصابع وهو أزيد من الوفاء بقيراطين، وكانت نهاية ~~الفيضان ms44 26 ذراعا و6 أصابع، ومكث الماء في علو 104 أيام # 1879 # 1296 # والماء على 15 ذراعا و6 أصابع وهو أزيد من المقدار المقرر للوفاء بثلاثة ~~قراريط، وكانت نهاية الفيضان 24 ذراعا و11 أصبعا # 1880 # 1297 # والماء على 15 ذراعا و6 أصابع، وهو أزيد من الوفاء بثلاثة قراريط، وكانت ~~نهاية الفيضان 21 ذراعا و17 أصبعا وهبط سريعا حيث لم يمكث سوى 59 ~~يوما # 1881 # 1298 # والماء على 15 ذراعا و4 أصابع، وهو أزيد من الوفاء بقيراط واحد، وكانت ~~نهاية الفيضان 21 ذراعا و9 أصابع، ولم يمكث سوى 59 يوما # 1883 # 1300 # والماء على 15 ذراعا و22 أصبعا، وفي اليوم الذي بعده 17 ذراعا و3 أصابع، ~~وكانت نهاية الفيضان 24 ذراعا وأصبعا # 1884 # 1301 # وكان الماء على 15 ذراعا و12 أصبعا، وفي اليوم الذي بعده 16 ذراعا و17 ~~أصبعا، وكانت نهاية الفيضان 22 ذراعا و11 أصبعا # 1885 # 1302 # وكان الماء على 15 ذراعا و3 أصابع، وهو المقدار المقرر للوفاء، واحتفل ~~بجبر الخليج في غاية أبيب الموافق 15 أغسطس سنة 1885، والنيل يومها 17 ذراعا ~~و18 أصبعا، وكانت نهاية الفيضان 22 ذراعا و18 أصبعا # 1886 # 1303 # والماء على 15 ذراعا و13 أصبعا، وكان في اليوم الذي يليه 16 ذراعا و10 ~~أصابع، وقطع الخليج في 17 أغسطس سنة 1886، والماء على 18 ذراعا و16 ~~أصبعا، وبلغ في النهاية 22 ذراعا و7 أصابع # 1887 # 1304 # والماء على 15 ذراعا و16 أصبعا، بزيادة 13 قيراطا عن الوفاء، وجبر ~~الخليج أول مسرى سنة 1603، والماء على 15 ذراعا و19 أصبعا، وكانت نهاية ~~الفيضان 18 ذراعا و14 أصبعا ولم يصل لهذا المقدار إلا في فترة صغيرة ~~فتخلف كثير من الأراضي بدون ري بلغ مقدارها 279600 فدان، ودفع مالها ~~البالغ قدره 342537 جنيها، فقرر مجلس النظار في 10 نوفمبر سنة 1888 قيام ~~نظارة الاشتغال بإجراء تخفيف ويلات الشراقي، وبلغها ذلك في 19 نوفمبر من ~~تلك السنة # 1889 # 1306 # والماء على 15 ذراعا و9 أصابع، وكان في اليوم الذي يليه 16 ذراعا، وقطع ms45 ~~الخليج في 6 مسرى سنة 1605، وكانت نهاية الفيضان 22 ذراعا و21 ~~أصبعا # 1890 # 1307 # والماء على 15 ذراعا و4 أصابع، وهو أزيد من الوفاء بقيراط، وجبر الخليج في ~~3 مسرى والماء على 15 ذراعا و23 أصبعا، وكانت نهاية الفيضان 23 ذراعا ~~و14 أصبعا # 1308 # خلت سنة 1308 من وفاء النيل # 1891 # 1309 # والماء على 15 ذراعا و11 أصبعا، وكان في اليوم الذي يليه 16 ذراعا و5 ~~أصابع، وقطع الخليج في 9 مسرى سنة 1607، والماء على 17 ذراعا و12 أصبعا، ~~وكانت نهاية الفيضان 22 ذراعا و20 أصبعا، وتخلف 7830 فدانا بدون ري ورفع ~~مالها وقدره 6522 جنيها # 1892 # 1310 # والماء على 15 ذراعا و8 أصابع، وهو أزيد بخمس قراريط عن الوفاء، وجبر ~~الخليج في 3 مسرى والماء على 15 ذراعا و22 أصبعا، وكانت نهاية الفيضان 25 ~~ذراعا وأصبعين # 1893 # 1311 # والماء على 15 ذراعا و5 أصابع، وهو أزيد بقيراطين عن الوفاء، وجبر الخليج ~~في 7 مسرى سنة 1609، والماء على 16 ذراعا و17 أصبعا، وكانت نهاية الفيضان ~~22 ذراعا و19 أصبعا، وتخلف 7059 فدانا بدون ري ورفع مالها وقدره 6369 ~~جنيها # 1894 # 1312 # والماء على 15 ذراعا وأصبعا، وكان في اليوم الذي يليه 16 ذراعا، وجبر ~~الخليج في 7 مسرى سنة 1610، والماء على 18 ذراعا و7 أصابع، وبلغ في ~~النهاية 24 ذراعا و21 أصبعا # 1895 # 1313 # والماء على 15 ذراعا و8 أصابع، وهو أزيد من الوفاء بخمسة قراريط، وكانت ~~نهاية الفيضان 23 ذراعا و22 أصبعا # 1896 # 1314 # والماء على 15 ذراعا و7 أصابع، وهو أزيد 3 قراريط عن الوفاء، وكانت نهاية ~~الفيضان 23 ذراعا و14 أصبعا # 1897 # 1315 # والماء على 15 ذراعا و6 أصابع، وفتح الخليج في 18 أغسطس سنة 1897، وكانت ~~نهاية الفيضان 19 ذراعا و20 أصبعا، وهبط مبكرا وتخلف 11199 فدانا بدون ~~ري ورفع مالها وقدره 8774 جنيها # 1898 # 1316 # والماء على 15 ذراعا و5 أصابع، وكان في اليوم الذي يليه 17 ذراعا، وجبر ~~الخليج في 10 مسرى والماء على 19 ms46 ذراعا و16 أصبعا، وكانت نهاية الفيضان ~~23 ذراعا و10 أصابع، وتخلف 9728 فدانا بدون ري ورفع مالها وقدره 8560 ~~جنيها # 1899 # 1317 # والماء على 15 ذراعا و3 أصابع، وهو المقدار المقرر للوفاء، وكانت نهاية ~~الفيضان 16 ذراعا فقط، ومع كونه منحطا فإن أيام الفيضان لم تزد عن 75 ~~يوما # 1900 # 1318 # والماء على 15 ذراعا و12 أصبعا، وكان في اليوم الذي يليه 16 ذراعا و14 ~~أصبعا، وكان جبر الخليج في 15 أغسطس سنة 1900، والماء على 18 ذراعا و8 ~~أصابع، وكانت نهاية الفيضان 20 ذراعا و14 أصبعا، وتخلف 11828 فدانا بدون ~~ري ورفع مالها من ميزانية السنة التي بعدها وقدره 8589 جنيها # 1901 # 1319 # والماء على 15 ذراعا و7 أصابع، وهو أزيد بأربعة قراريط عن الوفاء، وكانت ~~نهاية الفيضان 21 ذراعا و8 أصابع، وكان نيلا قليلا، وتخلف 7453 فدانا ~~بدون ري ورفع مالها من ميزانية السنة التي بعدها وقدره 5775 جنيها # 1902 # 1320 # والماء على 15 ذراعا و4 أصابع، وهو أزيد من الوفاء بقيراط واحد، وكانت ~~نهاية الفيضان 18 ذراعا و12 أصبعا، وتخلف بسبب انحطاط النيل نحو 119372 ~~فدانا بدون ري ورفع مالها وقدره 108024 جنيها من ميزانية السنة التي ~~بعدها # 1903 # 1321 # والماء على 15 ذراعا و6 أصابع، وهو أزيد من الوفاء بثلاثة قراريط، واحتفل ~~بوفاء النيل في 27 أغسطس والماء على 18 ذراعا و18 أصبعا، وكانت نهاية ~~الفيضان 22 ذراعا و9 أصابع # 1904 # 1322 # والماء على 15 ذراعا و4 أصابع، وهو زائد قيراطا عن الوفاء، واحتفل بالوفاء ~~في 27 أغسطس والماء على 18 ذراعا و8 أصابع، وكانت نهاية الفيضان 19 ذراعا ~~وأصبعين، وانصرف مبكرا ولم يرو من الوجه القبلي ما روى إلا بسبب إقفال ~~قناطر أسيوط التي تم إنشاؤها سنتها # 1905 # 1323 # والماء على 15 ذراعا و9 أصابع، وفيه 6 أصابع زيادة عن الوفاء، فيه احتفل ~~بالوفاء، وكانت نهاية الفيضان 19 ذراعا أصبعين، وكان الأمر كالعام ~~الماضي # 1906 # 1324 # والماء على 15 ذراعا و4 أصابع، وفيه قيراط زيادة عن ms47 الوفاء، واحتفل في 25 ~~أغسطس بالوفاء، وكانت نهاية الفيضان 22 ذراعا و8 أصابع # 1907 # 1325 # والماء على 15 ذراعا و4 أصابع، وفيه قيراط زيادة عن الوفاء، واحتفل ~~بالوفاء في اليوم الذي قبله، وكانت نهاية الفيضان 18 ذراعا و12 أصبعا، ~~ومع كون النيل منحطا انصرف مبكرا # 1908 # 1326 # والماء على 15 ذراعا و7 أصابع، وهو أزيد من الوفاء بأربعة قراريط، واحتفل ~~بالوفاء في 22 أغسطس، وكانت نهاية الفيضان 24 ذراعا و4 أصابع # 1909 # 1327 # والماء على 15 ذراعا و3 أصابع، وهو المقدار المقرر للوفاء، واحتفل بوفاء ~~النيل في 21 أغسطس، وكانت نهاية الفيضان 23 ذراعا و16 أصبعا # 1910 # 1328 # والماء على 15 ذراعا و9 أصابع، وفيه 6 قراريط زيادة عن الوفاء، واحتفل ~~بالوفاء في 25 أغسطس، وكانت نهاية الفيضان 23 ذراعا و10 أصابع # 1911 # 1329 # والماء على 15 ذراعا و4 أصابع، وفيه قيراط زيادة عن الوفاء، واحتفل ~~بالوفاء في 23 أغسطس، وكانت نهاية الفيضان 22 ذراعا و4 أصابع # 1912 # 1330 # والماء على 15 ذراعا و7 أصابع، وهو أزيد بأربعة قراريط عن الوفاء، واحتفل ~~بالوفاء في 19 أغسطس، وكانت نهاية الفيضان 20 ذراعا و8 أصابع # 1913 # 1331 # والماء على 15 ذراعا و3 أصابع، وهو المقدار المقرر للوفاء، ولكن احتفل ~~بوفاء النيل في هذه السنة في 4 سبتمبر، والماء على 14 ذراعا و13 قيراطا، ~~ووقع على محضر الوفاء حضرات أصحاب السعادة حسين باشا واصف مفتش ري الجيزة، ~~وأمين بك واصف مدير الجيزة حينذاك بأن هذا المقدار وإن كان أقل من 15 ~~ذراعا و3 أصابع إلا أنه بالنسبة للنظامات الحديثة يكفي للوفاء، وكانت ~~نهاية الفيضان في هذه السنة 15 ذراعا و6 أصابع، وأنه لولا إتمام تعلية ~~الخزان في تلك السنة ما تيسر ري ما روي من أراضي القطر مطلقا # 1914 # 1332 # والماء على 15 ذراعا و3 أصابع، وهو المقدار المقرر للوفاء، واحتفل بوفاء ~~النيل في 27 أغسطس سنة 1914، وكانت منتهى الزيادة 21 ذراعا و10 ~~أصابع # تمثال للنيل على شكل إنسان محفوظ اليوم في حدائق ms48 التويليري ~~بباريز # Le Nil personnifié Statue du jardin des ~~Tuileries ~~. # | نتائج زيادة النيل ونقصانه في عهد العرب # لما فقدت مصر استقلالها قبل ألفي سنة تهاون ولاة الأمور الأجانب في شئون البلاد، حتى ~~أهملوا نظام الري وتعطلت زراعة الأرض، ونضبت موارد المعيشة على الناس، فهاجروا وهجروا ~~البلاد فصارت بعدهم أطلالا بالية وآثارا خاوية، وأصبح كثير من الجهات حفرا ومستنقعات، ~~ولو كان في هذه العصور حكومة وطنية تهتم بالمصالح الحيوية لما تمادت على هذا الإهمال الذي ~~أوقع البلاد في مهاوي الدمار والخراب. # وكانت زيادة النيل في هذه العصور تهاجم المدن والقرى فتدمرها لعدم إقامة الجسور واختلال ~~نظام الري الذي عليه مدار الحياة، ومن طبيعة الحكومة الوطنية أن تحافظ على نظامها المرتبط ~~بحياة الأمة، ولكن من سوء حظ مصر أن توالت عليها إذ ذاك حكومات أجنبية مختلفة لم تهتم ~~بمصلحة البلاد، ولا بنظام شئونها كما هي العادة قديما وحديثا في كل زمان ومكان. # وإذا نظرت إلى البلاد وجدتها # تشقى كما تشقى العباد وتسعد # ومن المأثور عن نابليون بونابرت قوله: «من علامة حسن الإدارة في البلاد أن ترى نظام الري ~~معتدلا، والترع مطهرة والفيضان منتفعا به في كل مكان، وإن علامة ضعف الحكومة واختلال ~~شئونها أن ترى الترع معطلة؛ لعدم تطهيرها، والجسور مهدمة، ونظام الري فاسدا وقوانين توزيع ~~المياه جائرة.» # كم تحكمت في مصر حكومات أجنبية أثقلت عواتق الرعية بالضرائب الباهظة والغرامات الفادحة، ~~فكنت ترى أفراد الهيئة الحاكمة من الوالي إلى الجندي البسيط لا هم للجميع إلا جمع المال ~~وإحراز الثروة، وأوقعوا النهب والسلب في المصريين وأذلوهم وأذاقوهم الأمرين حتى سئموا ~~الحياة واضطروا للثورات السياسية. # وكان عبد اللطيف البغدادي # 1 # طبيبا ابن طبيب، زار مصر سنة 597ه وذكر ما حصل بها من البؤس والشقاء من جراء ~~زيادة فيضان النيل في أرض مصر، فقال في كتابه «مختصر أخبار مصر»: # إن نيل مصر يمد وقت نضوب مياه الأرض، وذلك في شمس السرطان والأسد والسنبلة، ~~فيعلو على الأرض ويقيم أياما، فإذا نزل عنها حرثت وزرعت ثم يكثر ms49 الندا في الليل ~~جدا، وبه يتغذى الزرع إلى أن يستحصد، ونهاية ما تدعو إليه الحاجة من الزيادة ~~ثماني عشرة ذراعا فإن زاد على ذلك فإنه يروي أمكنة مستعلية. # وروى لنا ما رآه بعينه من الفظائع التي وقعت في مصر سنة 597: دخلت سنة سبع مفترسة أسباب ~~الحياة، وقد يئس الناس من زيادة النيل وارتفعت الأسعار وأقحطت البلاد، وشمل أهلها البلاء ~~وهرجوا من خوف الجوع، وانضوى أهلي السواد كالريف إلى أمهات البلاد، وانجلى كثير منهم إلى ~~الشأم والمغرب والحجاز واليمن، وتفرقوا في البلاد أيادي سبا ومزقوا كل ممزق، ودخل إلى ~~القاهرة ومصر منهم خلق عظيم، واشتد بهم الجوع ووقع فيهم الموت، وعند نزول الشمس بالحمل ~~وبرد الهواء ووقع المرض والموت واشتد بالفقراء الجوع حتى أكلوا الميتات والجيف والكلاب ~~والبعر والأرواث، ثم تعدوا ذلك إلى أن أكلوا صغار بني آدم، فكثيرا ما يعثر عليهم ومعهم ~~صغار مشويون أو مطبوخون فيأمر صاحب الشرطة بإحراق الفاعل لذلك والآكل. # ورأيت صغيرا مشويا في قفة، وقد أحضر إلى دار الوالي ومعه رجل وامرأة زعم الناس أنهما ~~أبواه فأمر بإحراقهما. # ووجد في رمضان بمصر رجل وقد جردت عظامه من اللحم، فأكل وبقي قفصا كما يفعل الطباخون ~~بالغنم، ومثل هذا أعوز جالينوس مشاهدته؛ ولذلك تطلبه بكل حيلة وكذلك كل من آثر الاطلاع على علم التشريح، وحينما نشم ~~الفقراء في أكل بني آدم كان الناس يتناقلون أخبارهم ويفيضون في ذلك استفظاعا لأمره وتعجبا ~~من نذوره. # ثم اشتد إليه اضطرارهم بحيث اتخذوه معيشة ومطيبة ومدخرا، وتفننوا فيه وفشا عنهم، ووجد ~~بكل مكان من ديار مصر، فسقط حينئذ التعجب والاستشناع واستهجن الكلام فيه والسماع له، ولقد ~~رأيت امرأة مثحجة يسحبها الرعاع في السوق، وقد ظفر معها بصغير مشوي تأكل منه، وأهل السوق ~~ذاهلون عنها ومقبلون على شئونهم، لم أر فيهم من يعجب لذلك أو ينكره، فعاد تعجبي منهم أشد، ~~وما ذلك إلا لكثرة تكرره على إحساسهم، حتى صار في حكم المألوف الذي لا يستحق أن يتعجب ~~منه. # ورأيت قبل ذلك بيومين صبيا ms50 نحو الرهاق مشويا، وقد أخذ به شابان أمرا بقتله وشيه وأكل ~~بعضه. وفي بعض الليالي بعد صلاة المغرب كان مع جارية فطيم تلاعبه لبعض المياسير، فبينما هو ~~إلى جانبها انتهزت غفلتها عنه صعلوكة، فبقرت بطنه وجعلت تأكل منه نيا. وحكت لي عدة نساء ~~أنه يتوثب عليهن لاقتناص أولادهن ويحامين عنهم بجهدهن. # ورأيت مع امرأة فطيما لحيما فاستحسنته وأوصيتها بحفظه، فحكت لي أنها بينا تمشي على ~~الخليج انقض عليها رجل جاف ينازعها ولدها، فترامت على الولد نحو الأرض حتى أدركها فارس ~~وطرده عنها، وزعمت أنه كان يهم بكل عضو يظهر منه أن يأكله، وأن الولد بقي مدة مريضا لشدة ~~تجاذبه بين المرأة والمفترس. # وتجد أطفال الفقراء وصبيانهم ممن لم يبق له كفيل ولا حارس، منبثين في جميع أقطار البلاد ~~وأزقة الدروب كالجراد المنتشر، ورجال الفقراء ونساؤهم يتصيدون هؤلاء الصغار ويتغذون بهم، ~~وإنما يعثر عليهم في الندرة وإذا لم يحسنوا التحفظ. # وأكثر ما كان يقع من ذلك مع النساء، وما أظن العلة فيه إلا أن النساء أقل حيلة من الرجال، ~~وأضعف عن التباعد والاستتار، ولقد أحرق بمصر خاصة في أيام يسيرة ثلاثون امرأة كل منهن تقر ~~أنها أكلت جماعة، فرأيت امرأة قد أحضرت إلى الوالي وفي عنقها طفل مشوي فضربت أكثر من 200 ~~سوط على أن تقر فلا تحير جوابا، بل تجدها قد انخلعت عن الطباع البشرية، ثم سحبت فماتت على ~~مكان. # وإذا أحرق آكل أصبح وقد صار مأكولا؛ لأنه يعود شواء ويستغنى عن طبخه. # ثم نشأ فيهم أكل بعضهم بعضا حتى تفانى أكثرهم، ودخل في ذلك جماعة من المياسير والمساتير ~~منهم من يفعله حاجة ومنهم من يفعله استطابة. # وحكى لنا رجل أنه كان له صديق أدقع في هذه النازلة، فدعاه صديقه هذا إلى منزله ليأكل ~~عنده على ما جرت به عادتهما قبل، فلما دخل منزله وجد عنده جماعة عليهم رثاثة الفقر، وبين ~~أيديهم طبيخ كبير اللحم وليس معه خبز، فرابه ذلك وطلب المرحاض، فصادف عنده خزانة مشحونة ~~برمم الآدمي، وباللحم الطري، ms51 فارتاع وخرج فارا. وظهر من هؤلاء الخبثاء من يتصيد الناس ~~بأصناف الحبايل، ويجتلبونهم إلى مكانهم بأنواع المخاتل، وقد جرى ذلك لثلاثة من الأطباء: أما ~~أحدهم فإن أباه خرج فلم يرجع، وأما الآخر فإن امرأة أعطته درهمين على أن يصحبها إلى مريضها، ~~فلما توغلت به مضايق الطرق استراب وامتنع عنها وشنع عليها، فتركت درهميها وانسلت، وأما ~~الثالث فإن رجلا استصحبه إلى مريضه في الشارع يزعمه وجعل في أثناء الطريق يصدف «بالكسر»، ~~ويقول: اليوم يغتنم الثواب ويتضاعف الأجر، ولمثل هذا فليعمل العاملون، ثم كثر حتى ارتاب منه ~~الطبيب، ومع ذلك فحسن الظن يغلبه وقوة الطبع تجذبه، حتى أدخل دارا خربة فزاد استشعاره ~~وتوقف في الدرج. # وسبق الرجل فاستفتح فخرج إليه رفيقه يقول له: هل مع إبطائك حصل صيد ينفع، فخرج الطبيب لما ~~سمع ذلك، وألقى نفسه إلى إصطبل من طاقة صادفها لسعادته، فقام إليه صاحب الإصطبل يسأل عن ~~قضيته، فأخفاها عنه خوفا منه أيضا، فقال له: قد علمت حالك، فإن أهل هذا المنزل يذبحون ~~الناس بالختل. # ووجد بأطفيح عند عطار عدة خوابي ملأى بلحم الآدمي وعليه الماء والملح، فسألوه عن علة ~~اتخاذه والاستكثار منه فقال: خفت إذا دام الجدب أن يهزل الناس. # وكان جماعة من الفقراء قد آووا إلى جزيرة وتستروا ببيوت طين يتصيدون فيها الناس، ففطن لهم ~~وطلب قتلهم فهربوا، ووجد في بيوتهم من عظام بني آدم شيء كثير، وخبرني الثقة أن الذي وجد في ~~بيوتهم أربعمائة جمجمة. # ومما شاع وسمع من لفظ الوالي، أن امرأة أتته سافرة مذعورة، تذكر أنها قابلة وأن قوما ~~استدعوها وقدموا لها صحنا فيه مكباج محكم الصنعة مكمل التوابل فألفته كثير اللحم مباينا ~~للحم المعهود، فتقززت منه ثم وجدت خلوة ببنت صغيرة فسألتها عن اللحم فقالت: إن فلانة ~~السمينة دخلت لتزورها فذبحها أبي وها هي معلقة إربا، فقامت القابلة إلى الخزانة فوجدتها ~~أنابير لحم، فلما قصت على الوالي القصة، أرسل معها من هجم الدار وأخذ من فيها، وهرب صاحب ~~المنزل ثم صانع عن نفسه في خفية ms52 بثلاثمائة دينار ليحقن بذلك دمه. # ومن غريب ما حدث من ذلك أن امرأة من نساء الأجناد ذات مال ويسار كانت حاملا، وزوجها غائب ~~في الخدمة، وكان يجاورها صعاليك فشمت عندهم رائحة طبيخ فطلبت منه، كما من عادة الحبالى، ~~فألفته لذيذا فاستزادتهم فزعموا أنه نفد، فسألتهم عن كيفية عمله فأسروا إليها أنه لحم بني ~~آدم، فواطأتهم على أن يتصيدوا لها الصغار وتجزل لهم العطاء، فلما تكرر ذلك منها وضريت وغلبت ~~عليها الطباع السبعية ، وشى بها جواريها خوفا منها، فهجم عليها فوجد عندها من اللحم ~~والعظام ما يشهد بصحة ذلك فحبست مقيدة وأرجئ قتلها احتراما لزوجها وإبقاء على الولد في ~~جوفها. # ولو أخذنا نقص كل ما نرى ونسمع لوقعنا في التهمة أو في الهذر، وجميع ما حكيناه مما ~~شاهدناه لم نتقصده ولا تتبعنا مظانه، وإنما هو شيء صدفناه اتفاقا، بل كثيرا ما كنت أفر ~~من رؤيته لبشاعة منظره. # وأما من يتحين ذلك بدار الوالي فإنه يجد منه أصنافا تحضر مع آناء الليل والنهار، وقد ~~يوجد في قدر واحدة اثنان وثلاثة وأكثر، ووجد في بعض الأيام قدر فيها عشر أيد كما تطبخ ~~أكارع الغنم، ووجد مرة أخرى قدر كبيرة وفيها رأس كبيرة وبعض الأطراف مطبوخا بقمح وأصناف من ~~هذا الجنس تفوت الإحصاء. # وكان عند جامع ابن طولون قوم يتخطفون الناس، ووقع في حبالتهم شيخ كتبي بدين ممن يبتاعون ~~الكتب، فأفلت بجريعة الذقن. # وكذلك بعض أقوام من جامع مصر وقع في حبالة قوم آخرين بالقرافة، فتداركه الناس فخلص من ~~الوهق وله حصاص، وأما من خرج عن أهله فلم يرجع إليهم فخلق كثير. # وحكى لي من أثق به أنه اجتاز على امرأة بخربة، وبين يديها ميت قد انتفخ وتفجر، وهي تأكل ~~من أفخاذه، فأنكر عليها، فزعمت أنه زوجها، وكثيرا ما يدعي الآكل أن المأكول ولده أو زوجه ~~أو نحو ذلك، ورؤي مع عجوز صغير تأكله فاعتذرت بأن قالت: إنما هو ولد ابنتي وليس بأجنبي مني، ~~ولأن آكله أنا خير من أن يأكله غيري. وأشباه هذا ms53 كثير جدا حتى إنك لا تجد أحدا في ديار ~~مصر إلا وقد رأى شيئا من ذلك، حتى أرباب الزوايا والنساء في خدورهن. # ومما شاع أيضا نبش القبور وأكل الموتى، وبيع لحومهم، وهذه البلية التي شرحناها وجدت في ~~جميع بلاد مصر، ليس فيها بلد إلا وقد أكل فيه الناس أكلا ذريعا، من أسوان وقوص والفيوم ~~والمحلة والإسكندرية ودمياط وسائر النواحي. # وخبرني بعض أصحابي، وهو تاجر مأمون حين ورد من الإسكندرية بكثرة ما عاين بها من ذلك، ~~وأعجب ما حكى لي أنه عاين رءوس خمسة صغار مطبوخة في قدر واحدة بالتوابل الجيدة. وهذا المقدار ~~في هذا الاقتصاص كان، فإني وإن كنت قد أسهبت أعتقد أني قد قصرت، وأما القتل والفتك في ~~النواحي فكثير فاش في كل فج، ولا سيما طريقي الفيوم والإسكندرية، وقد كان بطريق الفيوم ناس ~~في مراكب يرخصون الأجرة على الركاب، فإذا توسطوا بهم الطرق ذبحوهم وتساهموا أسلابهم، وظفر ~~الوالي منهم بجماعة فمثل بهم، وأقر بعضهم عندما أوجع ضربا أن الذي خصه دون رفقائه ستة ~~آلاف دينار. وأما موت الفقراء هزالا وجوعا فأمر لا يحيط علمه إلا الله سبحانه وتعالى، ~~وإنما نذكر منه كالأنموذج يستدل به اللبيب على فظاعة الأمر. # فالذي شاهدنا بمصر والقاهرة وما يليهما أن الماشي أين كان لا يزال يقع قدمه أو بصره على ~~ميت، أو من هو في السياق أو على جمع كثير بهذه الحال، وكان يرفع من القاهرة خاصة إلى ~~الميضاة كل يوم ما بين مائة إلى 500. # وأما مصر فليس لموتاها عدد، ويرمون ولا يوارون، وأما من عجزوا عن رميهم فبقوا في الأسواق، ~~وبين البيوت والدكاكين وفيها، والميت منهم قد تقطع وإلى جانبه الشواء والخباز ونحوه. # وأما الضواحي والقرى فإنه هلك أهلها قاطبة إلى ما شاء الله، وبعضهم انجلى عنها، اللهم ~~إلا الأمهات والقرى الكبار كقوص والأشمونين والمحلة ونحو ذلك، ومع هذا أيضا فلم يبق فيها ~~إلا تحلة القسم، وإن المسافر ليمر بالبلدة فلا يجد فها نافخ ضرمة، ويجد البيوت مفتحة ~~وأهلها موتى متقابلين بعضهم ms54 قد ورم وبعضهم طري، وربما وجد في البيت أثاثه وليس له من ~~يأخذه. # حدثني ذلك غير واحد كل منهم حكى ما يعضد به قول الآخر، قال أحدهم: دخلنا مدينة فلم نجد ~~فيها حيوانا في الأرض ولا في السماء، فتخللنا البيوت فألفينا أهلها كما قال الله عز وجل: # جعلناهم حصيدا خامدين ~~، فنجد ساكن كل دار موتى ~~فيها الرجل وزوجه وأولاده، قال: ثم انتقلنا إلى بلد آخر ذكر لنا أنه كان فيه أربعمائة دكان ~~للحياكة، فوجدناها كالتي قبلها في الخراب، وإن الحايك في بير حياكته ميت وأهله موتى حوله، ~~فحضر لي قول الله تعالى: # إن كانت إلا صيحة واحدة ~~فإذا هم خامدون ~~، قال: ثم انتقلنا إلى بلد آخر فوجدناه كالذي قبله ليس ~~به أنيس وهو مشحون بموتى أهله. قال: واحتجنا إلى الإقامة به لأجل الزراعة، فاستأجرنا من ~~ينقل الموتى مما حولنا إلى النيل، كل عشرة بدرهم. قال: ولكن قد بدلت البلاد بالذئاب والضباع ~~ترتع في لحوم أهلها. # ومن عجيب ما شاهدت أني كنت يوما مشرفا على النيل مع جماعة، فاجتاز علينا في نحو ساعة ~~نحو عشرة موتى كأنهم القرب المنفوخة، هذا من غير أن نتقصد رؤيتهم ولا أحطنا بعرض البحر، ~~وفي غد ذلك اليوم ركبنا سفينة فرأينا أشلاء الموتى في الخليج وسائر الشطوط، كما شبهها ابن ~~حجر بأنابيش الفصل، وخبرت عن صياد بفرضة تنيس أنه مر به في بعض نهار أربعمائة غريق يقذف ~~بهم النيل إلى البحر الملح. # وأما طريق الشأم فقد تواترت الأخبار أنها صارت مزرعة لبني آدم، بل محصدة، وأنها عادت مأدبة ~~بلحومهم للطير والسباع، وأن كلابهم التي صحبتهم من منجلاهم هي التي تأكل فيهم. # وأول من هلك في هذا الطريق أهل الحوف، عندما انتجعوا إلى الشأم وانتشروا في هذه المسافة ~~مع طولها كالجراد المحسوس، ولم تزل تتواصل هلكاهم إلى الآن، وانتهى انتجاعهم إلى الموصل ~~وبغداد وخرسان، وإلى بلاد الروم والمغرب واليمن، ومزقوا في البلاد كل ممزق. # وكثيرا ما كانت المرأة تملص من صبيتها في الزحام، فيتضورون حتى يموتوا. # وأما ms55 بيع الأحرار فشاع وذاع عند من لا يراقب الله حتى تباع الجارية الحسناء بدراهم ~~معدودة، وعرض علي جاريتان مراهقتان بدينار واحد، ورأيت مرة أخرى جاريتين إحداهما بكر ~~ينادى عليهما بأحد عشر درهما. # وسألتني امرأة أن أشتري ابنتها، وكانت جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم، فعرفتها أن ذلك ~~حرام، فقالت: خذها هدية، وكثيرا ما يترامى النساء والولدان الذين فيهم صباحة على الناس بأن ~~يشتروهم أو يبيعوهم، وقد استحل ذلك خلق عظيم، ووصل سبيهم إلى العراق وأعماق خراسان. # وباشرنا لبعض الرؤساء زراعة فأرسل من يقوم بها، ثم بعث يسأل عنهم فجاء الخبر بموتهم أجمعين، ~~فأرسل عوضهم فمات أكثرهم هكذا مرات في عدة جهات. # وسمعنا من الثقات عن الإسكندرية أن الإمام صلى يوم الجمعة على سبعمائة جنازة، وأن تركة ~~واحدة انتقلت في مدة شهر إلى أربعة عشر وارثا. # ومن عجيب الكائنات في هذه المدة، أنه ولد مولود أبيض الشعر ورأيته. # وأما خراب البلاد والقرى وخلو المساكن والدكاكين فهو مما يلزم هذه الجملة التي قصصناها، ~~وناهيك أن القرية التي كانت تشتمل على زها عشرة آلاف نسمة تمر عليها فتراها دمنة، وربما ~~وجد فيها نفر وربما لم يوجد، وأما مصر فخلا معظمها، وأما بيوت الخليج وزقاق البركة وحلب ~~والمقس وما تاخم ذلك فلم يبق فيها بيت مسكون أصلا، بعدما كان كل قطر منها قدر مدينة في ~~زحمة من الناس، حتى إن الرباع والمساكن والدكاكين التي في سرة القاهرة وخيارها أكثرها خال ~~خراب. # ولم يبق لأهل المدينة وقود في تنانيرهم وأفرانهم وبيوتهم إلا خشب السقوف والأبواب ~~والزروب، ومما يقضي منه العجب أن جماعة من الذين ما زالوا محدودين سعدوا في دنياهم هذه ~~السنة، فمنهم من أثرى بسبب متجرة من القمح، ومنهم من أثرى بسبب مال انتقل إليه بالإرث، ~~ومنهم من حسنت حاله لا بسبب معروف، فتبارك من بيده القبض والبسط، ولكل مخلوق من عنايته ~~قسط. # وأما خير النيل في هذه السنة فإنه احترق في برمودة احتراقا كثيرا، وصار المقياس في أرض ~~جرز، وانحسر الماء عنه نحو الجيزة، ms56 وظهر في وسطه جزيرة عظيمة طويلة ومقطعات أبنية، وتغير ~~الماء في ريحه وطعمه، ثم تزايد التغير ثم انكشف أمره عن خضرة طحلبية، كلما تطاول الأيام ~~ظهرت وكثرت كالتي ظهرت في أبيب من السنة الحالية، ولم تزل الخضرة تتزايد إلى آخر شعبان، ثم ~~تناقصت إلى أن ذهبت وبقي في الماء أجزاء نباتية منبثة فقط، وطاب طعمه وريحه، ثم أخذ في ~~رمضان ينمو وتقوى جريته إلى اليوم السادس عشر منه، فقاس فيه ابن أبي الرداد قاع البركة فكان ~~ذراعين، وأخذ في زيادة ضعيفة أضعف من السنة الخالية، ولم يزل في زيادة ضعيفة إلى ثامن ذي ~~القعدة، وهو السابع عشر من مسرى، فزاد أصبعا ثم وقف ثلاثة أيام، فأيقن الناس بالبلا ~~واستسلموا للهلكة، ثم أخذ في زيادات قوية أكثرها ذراع إلى ثالث ذي الحجة، وهو السادس من ~~توت، فبلغ خمس عشرة ذراعا وست عشرة أصبعا، ثم انحط من يومه وانهزم على فوره، ومس بعض ~~البلاد تحلة القسم فكأنما زارها طيف خياله في الحلم. # وإنما انتفع به ما كان في البلاد مطمأنا فأروى المنخفضات كالغربية ونحوها، غير أن القرى ~~خالية عن فلاح أو حراث أصلا فهم كما قال الله تعالى: # فأصبحوا ~~لا يرى إلا مساكنهم ~~، وإنما أرباب الجدات يجمعون شذاذهم ويلتقطون ~~أفرادهم، وقد عز الحراث والبقر جدا حتى بيع الثور الواحد بسبعين دينارا، والهزيل بدون ~~ذلك. # وكثير من البلاد ينحسر عنها الماء بغير حقه ولغير وقته؛ إذ ليس بها من يمسك الماء ويحبسه ~~فيها فتبور لذلك مع ريها، وكثير مما روي يبور لعجز أهله عن تقاويه والقيام عليه، وكثير مما ~~زرع أكلته الدودة، وكثير مما سلم منها أضوى وعطب، ونهاية سعر القمح في هذه السنة خمسة ~~دنانير للإردب، والفول والشعير بأربعة دنانير، وأما بقوص والإسكندرية فبلغ ستة ~~دنانير. # ومن الله سبحانه برجوع الفرج وهو المتيح للخير بمنه وجوده. # وفي حوادث سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، دخلت هذه السنة والأحوال التي شرحناها في السنة ~~الخالية على ذلك النظام إلى زها نصفها، فتناقص موت الفقراء لقلتهم لا ms57 لارتفاع السبب ~~الموجب. # وحكي أنه كان في مصر تسعمائة منسج للحصر، فلم يبق إلا خمسة عشر منسجا، وقس على هذا سائر ~~ما جرت العادة أن يكون في المدينة من باعة وخبازين وعطارين وأساكفة وخياطين وغير ذلك من ~~الأصناف، فإنه لم يبق من كل صنف من هؤلاء إلا نحو ما بقي من الحصيرين أو أقل من ذلك. # وأما الدجاج فعدم رأسا، لولا أنه جلب منه شيء من الشأم، وحكي لي أن رجلا مصريا شارف ~~الفقر، فألهم أن اشترى من الشأم دجاجا بستين دينارا، وباعها بالقاهرة على القماطين بنحو ~~ثمانيمائة دينار، ولما وجد البيض بيع بيضة بدرهم ثم بيضتان ثم ثلاثا ثم أربع واستمر على ~~ذلك، وأما الفراريج فبيع الفروج بمائة درهم، ولبث برهة يباع الفروج بدينار فصاعدا. # والذي دخل تحت الإحصاء من الموتى ممن كفن، وجرى له اسم في الديوان وضمته الميضاة في مدة ~~اثنين وعشرين شهرا أولها شوال في سنة ست وتسعين، إلى رجب في سنة ثمان وتسعين، مائة ألف نفس ~~وأحد عشر ألفا إلا آحادا، وهذا مع كثرته نزر في جنب الذين هلكوا في دورهم وفي أطراف ~~المدينة وأصول الحيطان، وجميع ذلك نزر في جنب من هلك بمصر وما تاخمها، وجميع ذلك نزر في جنب ~~من أكل في البلدين، وجميع ذلك نزر جدا في جنب من هلك وأكل في سائر البلاد والنواحي ~~والطرقات، وخاصة طريق الشأم فإنه لم يرد أحد من ناحيته فسألته عن الطرق إلا ذكر أنها ~~مزرعة بالأشلا والرمم، وهكذا ما سلكته منها، ثم إنه وقع بالفيوم والغربية ودمياط ~~والإسكندرية موت عظيم ووباء شديد، ولا سيما عند وقت الزراعة، فيموت على المحراث الواحد عدة ~~فلاحين، حكي لنا أن الذين بذروا غير الذين حرثوا كذلك الذين حصدوا. # وباشرنا لبعض الرؤساء زراعة فأرسل من يقوم بها، ثم بعث يسأل عنهم فجاء الخبر بموتهم أجمعين، ~~فأرسل عوضهم فمات أكثرهم، هكذا مرات في عدة جهات. # وأعجب من جميع ما اقتصصناه أن الناس، مع ترادف هذه الآيات، عاكفون على أصنام شهواتهم لا ms58 ~~يرعوون، مغمسون في بحر ضلالاتهم، كأنهم هم المستثنون، فمن ذلك اتخاذهم بيع الأحرار متجرا ~~ومكتسبا، ومنه عهارهم بهؤلاء النسوة، حتى إن منهم من يزعم أنه افتض خمسين بكرا، ومنهم ~~من يقول سبعين. # وسمعنا من الثقات عن الإسكندرية أن الإمام صلى يوم الجمعة على سبعمائة جنازة، وأن تركة ~~واحدة انتقلت في مدة شهر إلى أربعة عشر وارثا، إلخ. # رسم مجرى النيل حسب خريطة بطليموس المحفوظة بدير جبل أوتوس منقول من كتاب ~~عنوانه: # The Nile question # وضع السر # Hurry Johstone ~~. # | مصبات النيل: حسب عقيدة القدماء # لإحصاء هذه الجداول خطأ غير مقصود، وإن تناوله الناقلون خلفا عن سلف منذ العصور الأولى، ~~وخلاصة القول أن مصبات النيل «أي جداوله» سبع، وممن سرى إلى رواياتهم الخطأ في إحصائها ~~الفيلسوف الشهير سنيك. # وقد قال المؤرخون القدماء أن مصبات النيل سبع، ويظهر أن مصباته الأصلية اثنان، وهما ~~الفرعان اللذان ينقسمان تحت مدينة القاهرة، ومنهما تفرع باقي المصبات في عهد الفراعنة، ~~توصلا لإرواء المسافات الكبيرة التي كانت محرومة من الري والزرع، وباقتضاء العمران توسعوا ~~في الاستفادة من هذه الفروع، فتدفقت منها الخيرات على العباد والبلاد، وشكروا الأيدي ~~العاملة التي قامت بهذه المشروعات النافعة، والمصبان الطبيعيان المذكوران هما الكانوبي # Canopique # في الجهة الغربية، والبلوزي Pelissiane # في الجهة الشرقية. # وقال هيردوت في كتابه الثاني الفصل 17 في القرن الرابع ق.م: «إن مصبات النيل من الجهة ~~الشرقية إلى الجهة الغربية من جهة البحر خمس، وهي: البلوزي Pelusiane # والصعيدي # Saitique # والمنديزي # Mendésique # والسبنيتي # Sebennytique # والكانوبي # Canopique ~~.» # وقال سترابون في كتابه 17 الفصل الأول في القرن الأول ق.م: «إن مصبات النيل من الشرق إلى ~~الغرب سبع وهي: البليزي والتانيتي # Tanitique # والمنديزي # Mendésique ~~، والفاتنيتي Phatnitique ~~، والسبنيتي # Sebennytique ~~، ~~والبلبيتي # Bolbitique # والكانوبي.» # وقال ابن الحكم من علماء القرن الثالث للهجرة: «إن مصبات النيل سبع، ولم يتفق مع العلماء ~~إلا في العدد فقط، وهي: (1) بنها. (2) الفيوم. (3) ممفيس. (4) سردوس. (5) دمياط. (6) سخا. (7) ~~إسكندرية.» # | مقاييس النيل في عهد الفراعنة # أوجد الفراعنة مقاييس نظامية في كثير من المناطق؛ للرجوع إليها في ms59 موازنة المياه وتوزيعها ~~بين الأقاليم توزيعا ثابتا يفي بحالتها الطبيعية، وبنوا هذه المقاييس على نسبة اختبارية ~~في فصول السنة كلها، لتكون هذه المقاييس ميزانا صحيحا، حتى إذا طرأت بعض العوارض في منطقة ~~أمكنهم حصر ميزانيات الماء فيها، فلا يحدث من انحدارها القهري إخلال بالنظام يؤذي المناطق ~~المجاورة، وهذه الاختبارات تدل على حذق وفطنة. # قال سترابون في كتابه بالفصل 17 العدد 1: «كان لدى قدماء المصريين مفتشون فنيون يجيبون ~~الناس والحكام عن كل الملاحظات التي تطلب منهم بتواريخ بدء الفيضان ونسبته؛ لأن لديهم ~~علامات ثابتة «أي المقاييس» يرجعون إليها في معرفة ذلك قبل أوان الفيضان، وأنه يوجد بمدينة ~~بيلاق مقياس يشبه مقياس مدينة ممفيس، والمقياس المبني من الحجر على شاطئ النيل هو عبارة عن ~~بئر تتوازن فيه درجة المياه ارتفاعا وانخفاضا على مقدار مياه النهر، وقد نقشوا في جوانب ~~البئر إشارات تدل على درجات الفيضان في كل عام.» وقد أيدت الاكتشافات الأخيرة رأي هذا ~~المؤرخ، وعثر علماء البعثة المصرية على مقياس مدينة بيلاق، وزاره جومار قبل ترميمه، وقال في ~~وصفه ما يأتي: «يتألف هذا المقياس من سطح مربع، ومنه ينزل بسلم إلى 85 درجة، وينقسم سطحه إلى ~~ثلاثة أجزاء، وفيه باب يفتح إلى النيل لا يمكن النظر إليه إلا وقت انخفاض المياه، وجدرانه ~~المتطرفة مبنية بقطع أفقية من الحجر الجرانيت، وقد صالت يد القدم على النقوش الهيروغليفية، ~~ولم يبق من الآثار اليونانية فيه إلا النذر القليل.» # قال هليودور: «كان في مدينة سيين مقياس للنيل دقيق في الصنع والمزية الفنية في أوائل ~~استعمارهم لمصر، فأقاموا فيها المعاقل والحصون لتحفظ الحدود الملاصقة لبلاد الحبش.» وإلى هذا ~~يرجع رأي من قال: إن مقياس مدينة سيين هو المقياس الذي كان في مدينة بيلاق؛ لأن موقعيهما ~~متقاربان جدا، ويسري إلى الظن الخطأ في الرواية أو نسبة كل مدينة منهما إلى اشتمالها على ~~مقياس خاص لها. # ويوجد بين الآثار المحفوظة في المتحف البريطاني نصوص هيروغليفية، تثبت أن الملك سنوسرت ~~الثالث صنع في السنة الثامنة من حكمه بعض إصلاحات ms60 في مقياس بيلاق خلاصتها: «في السنة ~~الثامنة من الشهر الثالث من فصل الفيضان، في عهد ملك الوجهين البحري والقبلي سنوسرت الثالث ~~المحبوب من ساتيت «معبودة مدينة بيلاق» الخالد الذكر، قد أمر وزيره أمني بعمل باب من مباني ~~مقياس بيلاق ...» إلخ. # وقد ذكر مقياس النيل في كتاب الموتى، يقول الميت: «أيتها الدار كراو التي يقابلها النيل ~~في أعلا تاتو، حيث يقاس النيل في ممره.»، ويقول الميت أيضا في الفصل 110 من كتاب الموتى: ~~«قد وصلت إلى إقليم كبير وقت الفيضان»، ويتضح من هذه النصوص الدينية أن الميت يقصد مقياس ~~النيل، ويعد نفسه سعيدا لكونه قاس الفيضان الذي يجعل مصر مخصبة بمحض الهبة ~~الإلهية. # ونشر بروكش باشا نقوشا يرجع تاريخها إلى عصر البطالسة، خاصة بمقياس النيل الكائن في ~~مدينة بيلاق، ونصها: «متى خرج النيل في وقته من منبعك يكون ارتفاعك في بيلاق 24 ذراعا.» ~~ووجد العالم جورج داريسي في مدينة هابو مقياسا للنيل كمقياس بيلاق، ومنقوشا فيه اسم ~~نقتانيبو الأول أحد ملوك الأسرة التاسعة والعشرين، ولم توجد معلومات يستنتج منها دراجات ~~الفيضان في هذا المكان. # وقد اندرست بمرور الزمن مقاييس أخرى كانت في مناطق عديدة، بل كان بقرب كل معبد في مدينة ~~على النيل مقياس خاص بها، يستفيد به أهل الجهات في معرفة درجات الفيضان في أوائله ~~ونهايته. # وقد قال ديودور الصقلي: إن مدينة ممفيس كان بها مقياس شهير، وأثبت بشأنه العبارة الآتية: # لما كانت مسألة الفيضان الشغل الشاغل عند الملوك المصريين اعتنوا في بناء مقاييس ~~له، ومن جملتها مقياس مدينة ممفيس، وبواسطته كانوا يعرفون درجات الفيضان بالضبط. # وقال سترابون: إن مقياس النيل الذي في مدينة بيلاق بني على نسق مقياس مدينة ~~ممفيس. # وقال بروكش باشا العالم الأثري: إنه كان في مدينة ديوبوليس مقياس خاص بها. وكان الفيضان ~~يصل في مدينة بيلاق إلى 28 ذراعا، وكان مستوى الفيضان سبعة أذرع في مدينة ديوسبوليس. ووصف ~~المؤرخ بلين آبارا وجد فيها درجات مقسمة خاصة بمقاييس النيل بطريقة مختصرة لأهل البلاد ~~الموجودة بها. # وقد عثر ms61 سنة 1894 على جدار أثري منقوش فيه احتفال بفيضان النيل، بالعبارة الآتية ~~ترجمتها: «في السنة 10 في الشهر الثاني من فصل الصيف جاء النيل ذاخرا.» واكتشف المسيو جورج ~~لجران نقوشا على رصيف الكرنك، تبين الجهات التي ابتدأ فيها الفيضان من السنة السادسة من ~~حكم الملك ششنق الأول، إلى السنة 19 من عهد الملك بسامتيك. وقال سترابون الجغرافي اليوناني ~~أنه رأى نقوشا تثبت تعيين مفتشين فنيين، كانوا يراقبون زيادة النيل ونقصانه في المقاييس، ~~وربما كان هؤلاء الأشخاص هم الكتبة المذكورون في شاهد حجري محفوظ بمتحف ليد، يرجع تاريخه ~~إلى الأسرة 12، ومنقوش عليه هذا اللقب باللغة المصرية القديمة: «الكاتب المنوط بمقياس ~~الفيضان ...» إلخ. # | ذكر مقاييس النيل وزيادته في عهد العرب # قال ابن عبد الحكم: أول من قاس النيل بمصر يوسف عليه السلام، ووضع مقياسا بمنف، ثم وضعت العجوز ~~دلوكة ابنة زبا، وهي صاحبة حائط العجوز، مقياسا بأنصنا، وهو صغير الذرع ومقياسا بإخميم، ~~ووضع عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان وهو صغير، ووضع أسامة بن زيد التنوخي في خلافة ~~الوليد مقياسا بالجزيرة وهو أكبرها، قال يحيى بن بكير: أدركت القياس يقيس في مقياس منف، ~~ويدخل بزيادته إلى الفسطاط. # وقال القضاعي: كان أول من قاس النيل بمصر يوسف عليه السلام، وبنى مقياسا بمنف، وهو أول مقياس ~~صنعه عليه السلام. وقيل: إن النيل كان يقاس بأرض علوة إلى أن بني مقياس منف، وإن القبط كانت تقيس ~~عليه إلى أن بطل، ومن بعده دلوكة العجوز بنت مقياسا بأنصنا وهو صغير الذراع، ومقياسا ~~آخر بإخميم وهي التي بنت الحائط المحيط بمصر، وقيل: إنهم كانوا يقيسون الماء قبل أن يوضع ~~المقياس بالرصاصة، فلم يزل المقياس فيما مضى قبل الفتح بقيسارية الأكسية ومعالمه هناك، ~~إلى أن ابتنى المسلمون بين الحصن والبحر أبنيتهم الباقية الآن، وكان للروم أيضا مقياس ~~بالقصر خلف الباب يمنة في مدخله في داخل الزقاق، أثره قائم إلى اليوم، وقد بني عليه وحوله، ~~ثم بنى عمرو بن العاص عند فتحه مصر مقياسا بأسوان، ثم بنى بموضع يقال ms62 له: دندرة، ثم بني ~~في أيام معاوية مقياس بأنصنا، فلم يزل يقاس عليه إلى أن بنى عبد العزيز بن مروان مقياسا ~~بحلوان وكانت منزله، وكان هذا المقياس صغير الذراع، فأما المقياس القديم الذي بني في ~~الجزيرة فالذي وضعه أسامة بن زيد، وقيل: إنه كسر فيه ألفي أوقية، وهو الذي بنى بيت المال ~~بمصر، ثم كتب أسامة بن زيد التنوخي عامل خراج مصر لسليمان بن عبد الملك ببطلانه، فكتب ~~إليه سليمان بأن يبني مقياسا في الجزيرة فبناه في سنة سبع وتسعين، ثم بنى المتوكل فيها ~~مقياسا في أول سنة سبع وأربعين ومائتين في ولاية يزيد بن عبد الله التركي على مصر، وهو ~~المقياس الكبير المعروف بالجديد، وأمر بأن يعزل النصارى عن قياسه، فجعل يزيد بن عبد الله ~~على المقياس أبا الرداد المعلم، واسمه عبد الله بن عبد السلام بن عبد الله بن الرداد ~~المؤذن، كان يقول العمي: أصله من البصرة، قدم مصر وحدث بها، وجعل على قياس النيل، وأجرى ~~عليه سليمان بن وهب صاحب خراج مصر يومئذ دنانير في كل شهر، فلم يزل القياس من ذلك الوقت في ~~يد أبي الرداد وولده إلى اليوم، وتوفي أبو الرداد سنة ست وستين ومائتين، ثم ركب أحمد ~~بن طولون سنة تسع وخمسين ومائتين، ومعه أبو أيوب صاحب خراجه وبكار بن قتيبة القاضي، فنظر إلى ~~المقياس، وأمر بإصلاحه وقدر له ألف دينار، فعمر وبنى الخازن في الصناعة مقياسا وأثره ~~باق لا يعتمد عليه. # وقال يزيد بن أبي حبيب: إن موسى عليه السلام دعا على آل فرعون، فحبس الله عنهم النيل حتى أرادوا ~~الجلاء، فطلبوا إلى موسى أن يدعو الله، فدعا الله رجاء أن يؤمنوا، وذلك في ليلة الصليب، ~~فأصبحوا وقد أجراه الله في تلك الساعة ست عشرة ذراعا، فاستجاب الله لعمر بن الخطاب كما ~~استجاب لنبيه موسى عليه السلام. # قال القضاعي: ووجدت في رسالة منسوبة إلى الحسن بن محمد بن عبد المنعم، قال: لما فتحت ~~العرب مصر عرف عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما ms63 يلقى أهلها من الغلاء عند وقوف النيل عن ~~حده، في مقياس لهم، فضلا عن تقاصره، وأن فرض الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار، ويدعو الاحتكار ~~إلى تصاعد الأسعار لغير قحط، فكتب عمر إلى عمرو يسأله عن شرح الحال، فأجابه: إني وجدت ما ~~تروى به مصر حتى لا يقحط أهلها أربع عشرة ذراعا، والحد الذي يروى منه سائرها حتى يفضل عن ~~حاجتهم، ويبقى عندهم قوت سنة أخرى، ست عشرة ذراعا، والنهايتان المخوفتان في الزيادة ~~والنقصان، وهما الظمأ والاستبحار اثنتا عشرة ذراعا في النقصان، وثماني عشرة ذراعا في ~~الزيادة، هذا؛ والبلد في ذلك الوقت محفور الأنهار معقود الجسور عندما تسلموه من القبط، ~~وخميرة العمارة فيه، فاستشار عمر أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه في ذلك، فأمره أن يكتب ~~إليه أن يبني مقياسا، وأن ينقص ذراعين على اثنتي عشرة ذراعا، وأن يقر ما بعدها على ~~الأصل، وأن ينقص في كل ذراع بعد الست عشرة ذراعا أصبعين، ففعل ذلك وبناه بحلوان، فاجتمع له ~~بذلك كل ما أراد من حل الإرجاف وزوال ما منه كان يخاف، بأن جعل الاثنتي عشرة ذراعا أربع ~~عشرة؛ لأن كل ذراع أربع وعشرون أصبعا، فجعلها ثمانيا وعشرين من أولها إلى الاثنتي عشرة ~~ذراعا، يكون مبلغ الزيادة على الاثنتي عشرة ثمانيا وأربعين أصبعا، وهي الذراعان، وجعل ~~الأربع عشرة ست عشرة، والست عشرة ثماني عشرة، والثماني عشرة عشرين. # قال القضاعي: وفي هذا الباب نظر في وقتنا لزيادة فساد الأنهار وانتفاض الأحوال، وشاهد ~~ذلك أن المقاييس القديمة الصعيدية من أولها إلى آخرها أربعة وعشرون أصبعا كل ذراع، ~~والمقاييس الإسلامية على ما ذكر منها المقياس الذي بناه أسامة بن زيد التنوخي بالجزيرة، ~~وهو الذي هدمه الماء، وبنى المأمون آخر بأسفل الأرض بالبشرودات، وبنى المتوكل آخر بالجزيرة، ~~وهو الذي يقاس عليه الماء الآن، وقد تقدم ذكره. # قال ابن عفير عن القبط المتقدمين: إذا كان الماء في اثني عشر يوما في مسرى اثنتي عشرة ~~ذراعا فهي سنة ماء، وإلا فالماء ناقص، وإذا تم ست عشرة ذراعا قبل النوروز ms64 فالماء يتم، ~~فاعلم ذلك. # وقال أبو الصلت: وأما النيل وينبوعه فهو من وراء خط الاستواء من جبل هناك يعرف بجبل ~~القمر، فإنه يبتدئ بالتزيد في شهر أبيب، والمصريون يقولون: إذا دخل أبيب كان للماء ~~دبيب، وعند ابتدائه في التزيد يتغير جميع كيفياته ويفسد، والسبب في ذلك مروره بنقائع مياه ~~آجنة، فيجتلبها معه إلى غير ذلك مما يحتمله، فإذا بلغ الماء خمس عشرة ذراعا وزادت السادسة ~~عشر أصبعا واحدا كسر الخليج، ولكسره يوم معدود ومقام مشهود ومجتمع غاص يحضره العام ~~والخاص، فإذا كسر فتحت الترع وهي فوهات الخلجان، ففاض الماء وساح وغمر القيعان والبطاح، ~~وانضم الناس إلى أعالي مساكنهم من الضياع والمنازل، وهي على آكام وربى لا ينتهي الماء ~~إليها، ولا يتسلط السيل عليها، فتعود أرض مصر بأسرها عند ذلك بحرا غامر الماء بين جبليها ~~ريثما يبلغ الحد المحدود في مشيئة الله عز وجل له، وأكثر ذلك يحوم حول ثماني عشرة ~~ذراعا، ثم يأخذ عائدا في صبه إلى مجرى النيل ومسربه، فينضب أولا فيما كان من الأرض ~~عاليا ويصير فيما كان منها متطأمنا فيترك كل قرارة كالدرهم، ويغادر كل تلعة كالبرد ~~المسهم. # وقال القاضي أبو الحسن علي بن محمد الماوردي في كتاب الأحكام السلطانية: وأما الذراع ~~السوداء فهي أطول من ذراع الدور بأصبع وثلثي أصبع، وأول من وضعها أمير المؤمنين هارون ~~الرشيد، قدرها بذراع خادم أسود كان على رأسه قائما، وهي التي تتعامل الناس بها في ذراع ~~البز والتجارة والأبنية وقياس نيل مصر، والمقياس عمود رخام أبيض مثمن في موضع ينحصر فيه ~~الماء عند انسيابه إليه، وهذا العمود مفصل على اثنين وعشرين ذراعا كل ذراع مفصل على ~~أربعة وعشرين قسما متساوية، تعرف بالأصابع، ما عدا الاثنتي عشرة ذراعا الأولى فإنها ~~مفصلة على ثمانية وعشرين أصبعا كل ذراع. # رسم عمود المقياس مأخوذ من كتاب عنوانه: # The Nile Gauge ~~at Roda. # وضع قاسم بك. # | المقياس بناء على تحقيقات مهندسي العصر الحالي # إن مقياس الروضة هو عبارة عن عمود من الحجر، مقسم إلى أذرع ms65 وقراريط، موضوع بوسط بئر مربعة ~~من البناء، طول ضلعها نحو الأربعة أمتار، وهو مقام بالنهاية الجنوبية لجزيرة الروضة تجاه ~~مصر القديمة. # أما بناء هذا المقياس فكان في سنة 861م، كما قرره المستر ولكوكس في كتابه: «الري المصري»، ~~وقد وضع الفرنسيون حين دخولهم لهذه البلاد في سنة 1798، واحتلالهم إياها سنتي 1799 و1800، ~~وخروجهم منها في سنة 1801، تاجا مزخرفا فوق عمود المقياس محفور عليه # La ~~République Française ~~، «أي الجمهورية الفرنساوية، السنة التاسعة من ~~تأسيس الجمهورية»، ولكن بعد مبارحة الفرنسيين قد أسقط هذا التاج في البئر، ووضع بدله قاويس ~~من خشب القرو الثقيل فوق العمود، ثبت من طرفيه بحائطي البئر، هذا ويظهر من فحص وضع القاويس ~~المذكور بالنسبة لقمة عمود المقياس أن هذا العمود لا بد وأن يكون هبط بمقدار 0,19 في خلال ~~القرن الماضي. # ومما يشاهد في هذا المقياس أن التقاسيم المنقوشة على عموده ليست ظاهرة جليا، أما مقادير ~~الأذرع فهي واحدة بطول العمود كله، إنما الأرصاد اليومية تجري لحد الذراع الثانية عشرة فقط ~~على العمود، وما تجاوز ذلك يرصد على تقاسيم أخرى على مدرج من الحجر، بداخل البئر، وليس ~~ارتفاع درج هذا المدرج مقسما تقسيما متساويا، بل إن الأذرع التي تحت 16 ذراعا تساوي ~~الواحدة منها 0,54 من المتر تقريبا، والتي بين 16 ذراعا و22 ذراعا تساوي الواحدة منها ~~0,027 من المتر تقريبا، أو نصف ذراع ثم ما فوق 22 ذراعا فطول الذراع الواحدة 0,54 من ~~المتر. # وقد أوضح المغفور له الكولونيل روس سبب هذا التقسيم حيث قال: إنه حينما بني المقياس ~~بالروضة كان المعتاد فتح جميع ترع الري عند بلوغ تسوية مياه النيل 16 ذراعا بهذا القياس، ~~وكان يعقب فتح الترع ضرورة تحويل جانب عظيم من مياه النهر لها، ولهذا السبب كان يقدر أن ~~زيادة ذراع واحدة بأسوان يقابلها نصف ذراع فقط بالروضة، وكان يستمر على هذا التقدير حتى ~~تبلغ الزيادة بالروضة 22 ذراعا؛ أي لحد تمام ملء الحيضان وسد أفمام الترع، وبعد ذلك كان ~~يقدر أن كل زيادة تحدث ms66 بأسوان كانت تأتي بتمامها لمقياس الروضة، ولهذا كانت أرصاد المقياس ~~بالأذرع الكاملة بعد تجاوز تسوية مياه النيل 22 ذراعا. # أما في أيامنا هذه فنظرا لكون مياه النيل لا تمر بترع الحياض بمقدار كاف، إلا عند ~~بلوغ تسويتها بمقياس الروضة 19 ذراعا، فلا فائدة من اختلاف أطوال الأذرع، بل ربما أوجب ~~الالتباس. # ومما يحسن إيراده هنا أن لا فائدة من دلالات مقياس الروضة في فصلي الشتاء والصيف؛ لأن ~~الرد الناتج من الحجر على القناطر الخيرية أثناء هذين الفصلين يجعلها غير دالة على حالة ~~مياه النيل بالتمام. # 1 # هذا؛ وفي سنة 1886م قد وضع السير وليم جارستن، لما كان مفتشا لري القسم الأول، مقياسا ~~آخر مقسما بالأمتار داخل بئر المقياس الأصلي، وجاء رصده يوميا من ذاك الحين مع المقياس ~~الأصلي. # ومما عساه يكون فيه فائدة للعموم العلم بأنه لم تعمل مباحث لحد الآن للعلم بالنهاية ~~السفلى لتقاسيم المقياس، وإنما قد ربطت بواسطة الميزانية هذه التقاسيم بسطح البحر المالح ~~الأبيض المتوسط، فوجد أن منسوب 6 أذرع هو 12,0525 فوق سطحه، هذا وكان في عزم السير وليم ~~جارستن عندما وضع المقياس المتري أن يزيل القاويس الموضوع فوق عمود المقياس الذراعي، ويرد ~~التاج الذي كان صنعه الفرنسيون إلى محله الأصلي. # ورسم مقياس الروضة صفحة 87 ينبئنا بما كان عليه من يوم إنشائه إلى الآن، وعلى الزيادة ~~التي استلزم الحال وضعها فوق عمود المقياس مقسمة على مثال تقسيمه الأصلي، وعليه وعليها ~~التقسيم المتري الحديث المنوه عنه بهذا. # | الضرائب المصرية القديمة # وجد منقوشا على معبد أدفو ديباجة كأنها على لسان النيل تقدم أقاليم مصر إلى المعبود ~~حورس الكبير إله أدفو بما معناه: «جئت إليك أيها المعبود العظيم أستعرض تحت بركاتك جميع ~~الأشياء والمحاصيل والمباني والمعاهد، وخدمة الأماكن المقدسة القائمين بواجباتهم الدينية، ~~معربين بمظاهر أفراحهم المتنوعة وأعيادهم المستديمة، اعترافا بأن النيل الذي يستمد فيضه من ~~المعبود المحترم أدى واجبه في إرواء الأرض وإنتاج النبات، فهو وكل ما يستفيد بمنافعه تجود ~~به الأرض على الزراع أثر من بركات هباتك، ms67 فتقبل هداياه؛ لأن فيض النيل هو المساعد على ~~استبقاء الحياة للأجسام، وبواسطته يستطيع العباد تقديم هداياهم وقرباناتهم إلى الآلهة، ~~وبتوالي فيضه تتضاعف عنايتهم بإقامة الأفراح وتأدية الشعائر المألوفة، شكرا لهذه النعم، ~~وبقبولك هديته تنبث في الشعب الشجاعة والحركة الطيبة، فإليك نضرع في هذا الاحتفال، وبك ~~نتمنى دوام الفيض بالبركات.» ومن هذا المأخذ يتضح أن رخاء البلاد لا يكون إلا بتوفر المياه، ~~وموازنتها هي الأساس الأول في ترتيب المنافع واقتسامها بين الشعوب، وتقدير المكافأة من ~~الشعب الخاضع للهيئة الحاكمة المسيطرة بالنظامات على النيل والتجارة وتعليم الشعب والدفاع ~~عن البلاد، ومن هذا أيضا أرشدنا التاريخ إلى أن الضرائب تفرض على الأراضي الزراعية بنسبة ~~درجتها في الخصوبة ووفرة المحاصيل؛ لأن بالضرائب تستطيع الحكومات تنظيم الشئون العامة جهد ~~استطاعتها، وتبذل عنايتها في ترقية الأحوال باقتضاء العصور وتطورات الأدوار ~~العمرانية . # وقد كان التعامل في السابق جاريا عن تبادل العروض التجارية، والمحاصيل بنسبة اصطلاحية، ~~ألفوا قبولها فيما بينهم باعتبار أن الإردب القمح يعادل كذا من الأقمشة، ويعادل كذا من باقي ~~المطعومات وأدوات المباني ونحوها. # فكان الفلاح يدفع للصيارف مقادير من المحاصيل على نسبة زراعته، وصاحب الأغنام يؤدي ~~عددا منها بنسبة عدد أغنامه وهكذا. # وكان بعض الملوك يجعل، علاوة على تقدير الضرائب بأنواعها بالأسلوب السالف ذكره، قيام بعض ~~القرى والمدائن بتموين طوائف من المستخدمين الذين يكلفون بتنفيذ نظامات الري، والمحافظة على ~~الترع والجسور، وتطهير الجداول ومؤاساة الذين يؤسرون في الحروب، بما يحتاجونه من الطعام إلى ~~أن يتوفر لديهم من كسب أيديهم ما يكفي باحتياجاتهم. # والقرى التي كانت لا تستطيع النفقات لأولئك الموظفين كانوا يكلفون أفرادا منها بما يناسب ~~أحوالهم من هذه الأعمال، وجاء في التوراة أن فرعون كان يسخر قبائل بني إسرائيل في هذه ~~الشئون. # وكان عدد المكلفين لتحصيل الخراج كثيرا جدا، والقصد من كثرتهم تسهيل الحصول على ما ~~يمكن في أيدي المزارعين؛ ليسهل على المحصلين توريد ما جمعوه إلى الأماكن الحكومية التابعة ~~لها مناطقهم بأيسر مستطاع، باعتبار أن الكميات التي تجبى يجب عرضها للمعاملات التجارية، حتى ms68 ~~لا تزدحم بها المخازن الحكومية، ويترتب على تراكمها تعرض البعض منها إلى التلف، أو أن يؤدي ~~ذلك إلى شبه احتكار في المطعومات ونحوها، فكانت وجهة الملوك في هذا الوقت سعة الرأفة ~~بالطبقات الفقيرة، وأن من صالح هذه الطبقات تسهيل السبيل أمامها في موارد الارتزاق وأوجه ~~الكسب. # وكان عمال الخراج يدعون باللغة المصرية القديمة «ونو»، وفي عهد الدولة الحديثة «سنو»، ~~وبالقبطية «سون»؛ أي جابي خراج المزارعين، وكان تقدير الخراج بعد مقياس النيل، ويتم تحصيله ~~قبل تمام الفيضان؛ إذ كانوا بحلوله يمتنعون عن تحصيل الضرائب، وكانت أعمال الجباية وتحديد ~~مقادير الضرائب غاية في الدقة، ولهذا يلتجئ الجباة إلى استعمال وسائل للإخضاع في دفع ما ~~عليهم، وكان بعض المزارعين يتذمر من الضرائب كلما تجدد ربطها عاما بعد آخر؛ لأنه يظن نفسه ~~مغبونا في التقدير بادئ بدء، وعندما يتأكد أن التقدير جاء طبق ما وصلت إليه التجديدات ~~الفنية بعد مقياس النيل يذعن للأداء، وقد جاء في بعض الأوراق البردية مثل ورقة أنسطاسي ~~وساليير أن بعض محصلي الأموال كانوا إذا أعياهم الأمر لجئوا إلى ضرب الأشخاص بالعصي، أو ~~تغطيسهم في الماء إلى أن يدفع المماطل ما يكون متأخرا عليه. # وكان تحت أيدي هؤلاء الكتبة المكلفين بجبايات الضرائب وتحصيلها مستخدمون كثيرون بألقاب ~~متنوعة، فمنهم من يلقب المكلف بمون الفم، ومنهم من يلقب برؤساء الشون أو المخازن، وفي ~~التوراة ما يؤيد ذلك، لا سيما في قصة سيدنا يوسف عليه السلام. # وكان للمعبود خراج آخر فوق خراج الحكومة، علاوة على ما كانوا يخصصونه من الغنائم والأسلاب ~~الحربية، وهذا خلاف الهدايا التي كان يقدمها الشعب لخدمة المعابد، وكان الكاهن يلقب عندهم ~~رئيس شون آمون ووكيل خزانته. # وكان الشعب المصري يدفع العشر للمعبود، ومن المؤرخين من كان يظن أن أداء هذا العشر من ~~مخترعات الشعب الإسرائيلي، ولكن اتضح أنه كان موجودا في مصر من الزمن القديم. # وقد اكتشف حديثا شاهد للملك نقتانيبو الثاني، ووجد منقوشا فيه أن الملك بسبب انتصاره ~~على غريمه في جهات الدلتا وهب لوالدته المعبودة نيت رفع ms69 عوائد المكوس التي كانت تدخل خزانته ~~من هذه البلاد. # وكان من عاداتهم إذا جاء الفيضان ناقصا أن يخفض من قيمة الخراج مقدارا يعادل نقص الفيضان، ~~ويؤيد ذلك ما وجد في بعض النقوش لأموني أمير الإقليم «مح» في عهد الملك سنوسرت، بما معناه: ~~«لما كان النيل مرتفعا والمحاصيل جيدة لدرجة ساعدت في ثروة المزارعين، لم أفرض عليهم ضرائب ~~جديدة ليكونوا على الدوام في فرح وشكر.» وهذه الجملة تثبت أنه عند نقص الفيضان يراعى ~~تخفيض الضرائب بقدر هذا النقص، ولا يجوز تقرير ضرائب جديدة. # ووجدت في نقوش أخرى لأمراء أسيوط في عهد الملك خيتي الأول عبارات عن تاريخه بالمعنى ~~الآتي: يفتخر الملك خيتي الأول بأنه أغنى المزارع وساعده على الرفاهية، حتى جعله يقتات ~~بالقمح بدلا من الذرة الذي كان القوت الغالب لعموم المزارعين في تلك الأدوار. # وكانت طريقة الجباية مرتبة على أشهر المحاصيل؛ لأن الخراج كان يؤخذ من أجودها، ووجد في ~~بعض النقوش على قبر أمتن الذي كان معاصرا لأحد ملوك الأسرة 6 ما يؤيد هذه القاعدة، وسريان ~~العمل بها إلى عصر الأسرة 24. # وفي عصر البطالسة والرومان كان الملك يشرف على لجان تقرير الخراج التي تؤلف في كل ولاية ~~لتقدير قيمة الأراضي ومحصولاتها، ووضع الخراج لها بدرجة تطابق حالتها، ويقصد الملوك بهذا ~~الإشراف منع التحيز والمجاملة من أعضاء اللجان لوجهاء الأقاليم في التقدير ورفع الحيف عن ~~الفقراء فيما يقدر عليهم. # وقد عثر سابقا على رسوم نحاسية بها نقوش، مضمونها أن فيضان النيل في السنين 131 و144 ~~و153 كان حسنا جدا. # | المكوس المصرية القديمة على المراكب # من المكوس التي كانت مفروضة قديما في الديار المصرية ضرائب على الملاحة، فيفرض على السفن ~~عند مرورها في مناطق معينة أداء مقدار معين على نسبة ما تحمله كل سفينة عند اجتيازها الممر ~~المقرر له الرسم. # مركب شراعية مصرية قديمة، والأصل بالمتحف المصري بالطبقة العليا بالقاعة # D ~~. # ويوجد في متحف اللوفر قطع حجرية منقوش بها بيان بنقطة محدودة في مدينة سيين، تؤدي المراكب ~~عندها رسوما مقررة قبل اجتيازها ms70 القنطرة، فكانت القناطر تقفل في ممر الأنهر والترع، ولا ~~يصرح لها بعبورها إلا بعد أداء الضرائب ومنحها تصريحات المرور. # وكانت مدينة بيلاق مرسى لأساطيل النيل، وتوجد أيضا قطع حجرية أخرى محفوظة بمتحف اللوفر ~~تحت رقم 26، فيها نقوش صريحة بأن المراكب تدفع قبل مرورها مقدارا من الفضة أو المواشي أو ~~الأشياء المصنوعة أو حبوبا، أو ما يفي بمئونة العمال في تلك القنطرة مدة 29 يوما. # | أموال خراج أراضي مصر في عهد العرب # ذكر أخبار أموال خراج أراضي مصر، وذلك على سبيل الاختصار، قال ابن عبد الحكم: إن أموال ~~الديار المصرية في زمننا هذا تنقسم إلى قسمين؛ أحدهما يقال له خراجي، والآخر يقال له هلالي، ~~فالمال الخراجي ما يؤخذ من الأراضي التي تزرع حبوبا أو نخلا أو ما تزرع من أصناف ~~الزراعات أو غير ذلك، فهذا يسمى خراجيا، وأما المال الذي يسمى هلاليا فقد أحدثه جماعة ~~من ولاة السوء شيئا بعد شيء حتى وصل ذلك في الإسلام، فكان أول من أحدث الأموال التي هي من وجوه ~~المظالم بمصر أحمد بن محمد بن مدبر لما ولي أمر خراج مصر بعد خمسين ومائتين، فإنه كان من ~~دهاة الناس، ومن شياطين الإنس، فابتدع في مصر بدعا كثيرة، فصارت مستمرة من بعده إلى الآن، ~~فحجر على النطرون وكان مباحا، وقرر على الكلا الذي ترعاه البهائم مالا وسماه المراعي، ~~وقرر على الأسماك التي تصاد من البحر مالا وسماه المصايد، وكانت مباحا من عند الله ~~للصيادين، وأحدث من أبواب هذه المظالم أشياء كثيرة، فانقسم مال مصر من يومئذ إلى خراجي ~~وهلالي، فلما ولي الأمير أحمد بن طولون أبطل هذه المظالم التي أحدثها أحمد بن محمد بن مدبر، ~~وكتب بإسقاطها في جميع أعمال الديار المصرية، وكانت نحوا من مائة ألف دينار في كل سنة. # فلما كانت الدولة التي يقال لها الفاطمية أعادوا جميع ما أبطله الأمير أحمد بن طولون من ~~المظالم والمكوس، فلما ولي الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب أمر بإسقاط تلك المكوس من ~~أعمال الديار المصرية ms71 كلها، وكتب بذلك مرسوما بخط القاضي الفاضل، فلما ولي ابنه الملك ~~العزيز عثمان أعاد تلك المكوس التي أبطلها أبوه صلاح الدين، فلما ابتدأت دولة الأتراك وولي ~~الملك المعز أيبك التركماني وانقرضت دولة بني أيوب جدد عدة مكوسات وضمانات، وأخذ أموال ~~التجار، فلما ولي الملك المظفر قطز جدد عدة مظالم عند خروجه إلى هولاكو، وصادر الناس وأخذ ~~على الأملاك والأراضي والنخيل والرءوس من ذكر وأنثى، وأحدث من هذه الأنواع أشياء كثيرة من ~~أبواب المظالم، حتى بلغت هذه المصادر نحو ستمائة ألف دينار، فلما ولي الملك الظاهر بيبرس ~~البندقداري أبطل جميع ما كان أحدثه المظفر قطز من أبواب المظالم، كما تقدم ذكر ذلك، فلما ~~ولي الظاهر برقوق أبطل من المظالم أشياء كثيرة، مما كان يؤخذ على القمح والشعير والفول، وما ~~كان يؤخذ على الدبش والحلفا بباب النصر، وأبطل الأبقار التي كانت ترمى على الناس بالوجه ~~البحري عند فراغ الجسور، وأبطل من هذا النمط شيئا كثيرا، فلما ولي الملك الناصر فرج بن ~~برقوق زاد في الظلم وتجديد المكوس بواسطة جمال الدين يوسف الإستادار، وهو الذي جدد المكوس ~~على بيع السمك البوري فغلا سعره بالقاهرة وقل وجوده. # | خراج مصر في الإسلام # قال ابن وصيف شاه: جبى خراج مصر في الإسلام عمرو بن العاص لما فتحها فكان اثني عشر ألف ~~ألف دينار، ثم جبى عبد الله بن أبي سراح في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه خراج مصر أربعة ~~عشر ألف ألف دينار، فقال الإمام عثمان لعمرو بن العاص يا أبا عبد الله درت اللقحة بعدك، ~~فقال له عمرو بن العاص: نعم، درت ولكن أجاعت أولادها، وهذا الذي جباه عبد الله بن أبي ~~السرح، إنما أخذه على الجماجم والرءوس خاصة دون الخراج، ثم من بعد ذلك انحط خراج مصر حتى ~~جباها أسامة بن زيد عامل مصر في خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان الأموي اثني عشر ألف ~~ألف دينار. # فلما ولي الأمير أحمد بن طولون على مصر وجدها خرابا، وقد انحط خراجها حتى ms72 بقي ثمانمائة ~~ألف دينار، فلا زال يجهد في عمارتها وإصلاح جسورها وقناطرها حتى بلغ خراج مصر في أيامه ~~أربعة آلاف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار، وجباها ابنه خماوريه ألف ألف دينار مع وجود ~~الرخا، حتى قيل: بيع في أيامه كل عشرة أرادب قمح بدينار، فبلغ خراج مصر في أيام الأمير محمد ~~بن طغج الإخشيدي ألف ألف دينار، فلما قلد جوهر القائد من الغرب في أيام الخليفة المعز ~~الفاطمي جبا خراج مصر في أيام الفاطميين ألف ألف ومائتي ألف دينار، وذلك في سنة ثمان وخمسين ~~وثلاثمائة، وجباها في أيام الحاكم بأمر الله ثلاثة آلاف ألف دينار وأربعمائة ألف دينار، ~~وذلك في سنة ستين وثلاثمائة. قال المسعودي: آخر ما اعتبر في أحوال أراضي مصر فوجد حرثها ~~ستون يوما، ومساحة أرضها مائة ألف ألف وثمانون ألف ألف فدان، وأنه لا يتم خراجها حتى يكون ~~فيها أربعمائة ألف وثمانون ألف حراث يلزمون العمل دائما، فإذا أقيم بها ما ذكرنا تمت ~~عمارتها وكمل خراجها، وآخر ما كان بها مائة ألف وعشرون ألف مزارع، فكان بها في الصعيد ~~الأعلى سبعون ألفا من مزارعين، وفي أسفل الأرض خمسون ألفا من مزارعين، وقد تغيرت أرض مصر ~~الآن تغييرا فاحشا في جميع ما كان بها من الأحوال القديمة، واختلت اختلالا فاضحا، فلذلك ~~قل خراجها وضعف حال جندها. # | رأي العلماء في بحيرة مريس # لما كان يتوقعه أمنمحعت الثالث أحد ملوك الأسرة الثانية عشرة من المضار التي يحدثها ~~طغيان الفيضان، أو تترتب على نقصان الفيضان عن مناسيبه، أتم مشروعا عظيما، وذلك بأنه رأى ~~غربي مصر واحة أراضيها زراعية «بإقليم الفيوم» ممتدة في الصحراء، وتتصل ببرزخ في ناحية ~~يرويها النيل، وفي وسط هذه الواحة يمتد سهل فسيح فيه أرض واسعة منخفضة، تمثل واديا فيه ~~بحيرة طبيعية «المعروفة الآن ببحيرة قارون»، وطولها أكثر من ثلاثين ميلا، فنفذ مشروعه ~~الجليل بإنشاء بحيرة تتصل إلى هذا الفضاء، ومساحتها تضاهي 10000000 متر مربع لتدخر ~~فيها المياه، فيستفيد منها الإقليم إذا جاء النيل شحيحا، والجانب الأيسر لها ms73 يمتد إلى البحر ~~الأبيض المتوسط، فينحدر إلى هذه البحيرة كل ما يزيد عن الحاجة في زمن الفيضان، وما تضيق به ~~هذه المساحة ينصرف إلى بركة قارون بواسطة ترعة أعدت لذلك. # فاشتهرت هذه البحيرة وأجل مشروعها عظماء الرجال الهندسيين، وتدعى الآن بحيرة مريس، ~~وكلمة مريس معناها باللغة المصرية القديمة بحيرة، ولما رأى هيردوت هذه البحيرة أطنب في ~~وصفها، بالفوائد الجمة الناتجة عنها، وقال: إنها كانت تبعد عن النيل مسافة سبعة أيام، وكان ~~عمقها خمسين باعا. # وافترض علماء الآثار نظريات كثيرة عنها، وقال المهندس لينان الذي كان من رجال الري ~~المعدودين في عصر الخديوي إسماعيل باشا: إن بحيرة مريس هي شرقي إقليم سلسلة جبال ليبيا في ~~جهة بجيج، بهبجور ذات التلول الممتدة قبلي حوض الغرق، وقد وافق ليبسيس العالم الأثري ~~الألماني على هذا الرأي، ولكن العالم ماسبرو لم يؤيده، وأيدت مذهبه فيها أبحاث مصلحة الري ~~الحديثة، وقال: لا أظن وجودا لهذه البحيرة، وقد يكون المؤرخ هيردوت لما زار مصر كان ~~مروره بتلك الجهة في زمن الفيض الذي تكون المياه فيه متدفقة في حياض البلاد كلها، ويظنها ~~الناظر بحرا واحدا، وتخيل الحواجز بين حياض البلاد ضفة لبحيرة دائمة، فكتب عنها ما وسعه ~~ظنه بدون بحث ولا تحري عن الحقيقة، ولكن إذا كانت هذه البحيرة أحدثت كما وصفها الرواة، ~~فإنها تكون من أعظم المفاخر للعقول البشرية، ومن أكبر الآثار لأعاظم الملوك في عمران البلاد ~~وخصبها. # وإلى المباهاة والاعتراف بمزايا هذه البحيرة تكلم كثير من علماء الغرب في فوائدها، وأنها ~~بما يترتب عليها من المنافع في توازن الري والقيام بإرواء البلاد المجاورة عند نقص الفيضان ~~تعد أعظم شأنا في الفخر لعظماء الملوك ممن حصروا أعمالهم على تشييد الأهرامات ونحوها؛ ~~لأن الأهرامات تدل على عظمة وسطوة فقط، ولكن إنشاء البحيرات وتمهيد السبل لإصلاحات الري ~~أكبر فائدة وأحق بالشكران؛ لما يترتب عليها من منفعة بني الإنسان. # | أعياد النيل عند قدماء المصريين # عرف من الآثار التي استكشفت أن المصريين كانوا يقيمون للنيل احتفالات تشبه الأعياد، ولم ~~يذكر المؤرخون ms74 عنها إلا شيئا قليلا، فمن ذلك ما قاله «بلين» المؤرخ الشهير: «إن ~~المصريين في عصره كانوا يقدمون الغذاء للتماسيح ويلبسونها بعض الثياب في وقت الفيضان ~~ويلقونها في النيل فتبدو ألوان الثياب الناصعة في منظر بهيج يروق الناظرين.» # والذي لا شك فيه أن كل الاحتفالات الخاصة بالمهرجانات التي تقام لفيضان النيل سنويا ~~كانت بمنزلة فريضة دينية يحترمها الناس كاحترامهم للنيل، وكان رؤساء النيل يقيمون لها ~~الزينات المعتادة للأعياد العامة. # وجاء أيضا ما نصه: «يستقبل الشعب المصري بالفرح والسرور ظهور مياه السلسلة المقدسة ~~فابتهاج النفوس. وفرحها بمجيء النيل أمر طبيعي، ويجب أن يعد فيضانه في مقدمة الأعياد التي ~~بحلولها يهنئ المصريون بعضهم بعضا.» # وجاء في أنشودة النيل المكتوبة في ورقة أنسطاسي البردية ما نصه: «أيها الفيضان المبارك، ~~قدمت لك القرابين والذبائح، وأقيمت لك الأعياد العظيمة، وذبحت لك الطيور، واقتنصت ~~لتحيتك الغزلان من الجبال، وأعدت لك النار الطاهرة، وقدم لك البخور والنعم السماوية ~~والعجول والثيران، فتقبلها هدية شكر واعتراف بفضلك.» # وجاء ذكر أعياد النيل في مائدة للقرابين محفوظة في متحف فلورانس، ويرجع تاريخها إلى ~~ملوك الأسر الثلاث الأولى. # وقال ماسبرو في هذا الموضوع: «عندما يصل الماء المقدس إلى جدران مدينة «سين» يقدم ~~الكهنة أو الحاكم أو أحد نوابه ثورا أو بطا، ويلقيه في الماء في حرز من البردي مختوم ~~عليه، ويكتب في الحرز الأمر الملكي الخاص بنظام الفيضان، ومتى ترأس الملك نفس هذا الاحتفال ~~نقشوا في الصحراء وسجلوا هذا الحادث تذكارا تاريخيا، وإذا تغيب الملك عن الاحتفال ناب ~~عنه الكهنة باحتفال عظيم، حاملين تمثال المعبود سائرين به على ضفاف النيل والجسور مرتلين ~~الأناشيد.» # من المستندات الرسمية الباقية عندنا الآن شواهد السلاسل الثلاث، ويرجع تاريخها إلى عهد ~~الملوك رعمسيس الثاني، ومنفتاح ابنه، ورعمسيس الثالث، وهي تنقسم إلى جملة أجزاء، فبعد مقدمة ~~رعمسيس الثاني تقرأ أنشودة النيل وخطاب الملك بالتهليل للمعبود، ثم القرار الذي يحدد تاريخ ~~الأعياد، ويلحق به كشف القرابين، وملخص ترجمته كالآتي: # في السنة الأولى والشهر الثالث من فصل الحصاد، واليوم العاشر في ms75 عهد المنير الشمس ~~الملك القادر المحبوب من الحق، صاحب التيجان حاكم مصر المنتصر على البلاد الجبلية، ~~حورس الذهبي المديد العمر المبارك، ملك الوجهين البحري والقبلي، رعمسيس المحبوب من ~~آمون أبو الآلهة، الذي يمنحهم الحياة والبقاء والقوة كالشمس إلى الأبد، فليحي الإله ~~الطيب النيل الذي يحيي النفوس بجوهره والثروة بثمراته، أنت أيها الوحيد الذي تظهر ~~من نفسك ولا يعرف أحد ما تحويه، والكل يفرح بظهورك من مخبئك، فيك تربى الأسماك ~~العديدة، ومنك تفيض الخيرات على مصر، فأنت خلقت لأجلنا، ويسر بك الناس، والمعبود ~~«نون» متى قدم له القرابين أهالي البلاد، واتحدوا معه في فرح التحية بقدوم النيل ~~المضيء، فخيراته على البلاد تستفيض من صنع يديه وتتدفق ببركاته. # وقد أمر الملك بتقديم القرابين لأبيه آمون رع ملك الآلهة مرتين في السنة؛ في زمن ~~مياه السلسلة المقدسة وفي مكانه المكرم الذي لم تكن قبله مياه ، حياة وسلام ~~وقوة. # فتقدم القرابين في اليوم الأول من شهر سايت، وفي الخامس عشر من شهر توت، وفي ~~الثالث من فصل الفيضان والخامس من شهر أبيب كضريبة سنوية. # ويلقى في النيل عجل أبيض وثلاث إوزات وهدايا ثمينة (لا بنت عذراء كما يزعمون)، ثم ~~الكتاب الشامل لتفصيلات المهرجان، وأنواع الهدايا للإله آمون رع ملك الآلهة ورب ~~مدينة طيبة. # ومهما اختلف المؤرخون في تواريخ أعياد النيل ونماذج احتفالاتها فلا تخرج عباراتهم عن قول ~~واحد، وهو بذل جهدهم في مظاهر الأفراح عند مبادئ الفيضان، وإلى ذلك أشار العالم الأثري «دي ~~روجيه»؛ إذ قال: «في اليوم الخامس عشر من شهر توت جاء فيضان النيل في سلسلة، وفي 15 أبيب ~~صعد النيل فقدمت القرابين والهدايا للمعبود «حعبي»، وفي ذاك اليوم كانوا يلقون له ميثاقا ~~مكتوبا من ديوان الملك، فيقبل النيل هذا العهد ولا يتخلف عن وعوده فيمنح مواهبه أرض عبيده ~~المؤمنين.» # وفي نتيجة «مدينة هابو» تاريخ أعياد يحتفلون بها، ويظهر أن قدماء المصريين كانوا يحتفلون ~~في يوم 30 من شهر كيحك بعيد الصليب، قال «بروكش باشا»: إنهم كانوا يحتفلون بهذا العيد في ~~جملة ms76 مدائن مثل أدفو ودندرة وإسنا. # وكانوا يجعلون لمقياس النيل عيدا خاصا، فيحمل مقياس النيل في معبد سيرابيس. # وروى «سنيك» الفيلسوف الروماني أن المصريين في عهد الرومان كانوا يلقون في نهر بيلاق ~~القرابين، ويلقي الحكام بعدها هداياهم من الذهب وأنواع الحلي. # ولا زال تقليد الاحتفال بأعياد النيل باقيا إلى يومنا هذا، ولا نعثر على نص مصري يؤيد ما ~~نسب إلى قدماء المصريين عن تقديمهم ذبيحة بشرية في حفلة فيضان، أو لأجل أن يجود النيل على ~~البلاد بفيضه السنوي. # ويظهر أن منشأ هذه الخرافة قصة رواها «بلوتارك»، المؤرخ اليوناني وتناقلها عنه غيره من ~~قومه، ومن الرومان ومن العرب؛ إذ قال: «اعتمادا على وحي أجيبتوس ملك مصر قدم ابنته قربانا ~~للنيل ليخفف غضب الآلهة، وأنه بعد فقد ابنته ألقى بنفسه في النيل.» # فهذا القول هو أصل الاعتقاد بتقديم فتاة عذراء قربانا للنيل المعبود كل سنة، ويكفي أن ~~البداهة الذوقية تكذب هذا الزعم، بعد العلم الراسخ بما كان للمصريين من القدح المعلى في ~~المدنية ورقة الشعور وسمو العواطف حتى مع الحيوانات العجم، فبالأولى تشمئز سجيتهم عن إلقاء ~~فلذة كبد من أكبادهم في مجرى المياه المتلاطم الأمواج، التي لا تبقي شيئا من إرهاق النفوس ~~واختطاف الأرواح من أجسادها، ولم يكن هناك أقل نسبة عقلية بين اقتراف هذا الجرم وانخداع ~~النيل بارتكابه. # أما ذكر عروس النيل بلفظة «ربيت» المشار إليها في ورقة «هريس البردية»، فيكفي في إثبات ~~أنه خرافة وخطأ أن لفظة «ربيت» هو علم على أحد أشكال النيل المؤنثة، وليس علما على عروس ~~كانت تلقى في النيل كما زعم بعض المؤرخين، والقول باستمرار العادة بالهدايا الذهبية ~~والطيور والحيوانات لا ضرر منه، وغاية ما يلتمس به العذر هو التفاؤل بأن يكون الفيضان ~~سخيا على مجموع الخلائق يجود بأهم ما تشتاقه النفوس. # | في العصور الوسطى # استمر المصريون على ما ألفوه من عادات الأعياد ورسوم الحفلات، ولم يغيروا حفاوتهم بها مع ~~ما طرأ على ترتيباتها من التفاوت في الرونق، والأوضاع ومظاهر الزينة، فهي كانت عرفية ~~ووراثية وقومية ودينية ms77 إلى أن جاء الفتح الإسلامي بمصر، فمحا كثيرا من العادات، ولا تزال ~~بعض آثارها باقية إلى يومنا هذا، وفي كثير من المتاحف بالمدائن الشهيرة بعض بقاياها الدالة ~~على ما كان للنيل من المكانة في النفوس، والنيل من حيث هو منبع الفيض والخيرات يبقى بمكانته ~~العمرانية في أرفع مراتب التجلة والاحترام، فهو كما تقدم كأنه انتزع من مساحات الصحراء ~~كميات وافرة كانت مجدبة، فألبسها حلة الرغد والسخاء، وجعل القاطنين بها أغنياء بعد الفقر، ~~وذوي سعة ويسار بعد أن كانوا في حضيض الفاقة والضنك. # ولا زال الاحتفال بمهرجان النيل متبعا في نوعيته إلى الآن، فكأن المصريين في محافظتهم ~~على تقاليد آبائهم افترضوا على حكامهم احترام تقاليدهم وعقيدتهم في النيل المقدس. # وكان من عقيدتهم في عهد الفراعنة أن دمعة المعبودة إزيس تنزل في النيل وتسبب فيضانه، ~~فبقيت هذه العقيدة إلى العصر المسيحي، وظن الأقباط أن النيل يفيض بنقطة إلهية تنزل من ~~السماء، ونجد في النتيجة السنوية القبطية أنه قبل انقلاب الشمس في الصيف بأربعة أيام؛ أي في ~~اليوم الحادي عشر من شهر بئونة يحتفل بعيد ليلة النقطة السماوية، التي تطهر الهواء وترفع ~~الطاعون عن الأرض، ويقول البعض: إن جبرائيل رئيس الملائكة يصلي قبل ذلك بثلاثة أيام ويدعو ~~حتى تفيض مياه النيل، فيسجد ويتوسل إلى ربه بأن يفيض النيل وينزل إلى الأرض المطر والندى، ~~ويحمل في يديه سيفا لطرد الشيطان، وإليه فيما يقولون يرجع فضل نزول النقطة الإلهية. # فالأقباط حافظوا على تقليدهم القديم حتى أتت النصرانية، وجعلوا يوم نزول النقطة عيدا، ~~وقد جاء في بعض النصوص ذكر النقطة السماوية وليلة موج الدموع، وأن قصة قتال جبرائيل رئيس ~~الملائكة للشيطان تشبه كثيرا قصة حورس المنتقم لأبيه من ست، وأبيه أزوريس رمز الأرض ~~السوداء المخصبة، وست رمز الصحراء المجدبة. # ومتى حان وقت نزول النقطة يتوالى الفيضان، ويرتفع إلى درجته المعلومة، ومن العادات ~~المألوفة إلى اليوم أن بعض الناس اتخذوا المناداة للتبشير بمبادئ الفيضان في أوائله سببا ~~للارتزاق، بما يسديه إليهم الناس عند هذه البشرى، فيهنئ بعضهم ms78 بعضا بحلول موسم النيل، ~~كالتهاني المألوفة في الأعياد السنوية. # ثم يأتي عيد زواج النيل والاحتفال بقطع الخليج، والقول بزواج النيل مبني على تلك القصة ~~الخرافية، قصة إلقاء فتاة في النيل، تلك الفتاة التي استبدل بها إلى عهد قريب تمثال من ~~الخشب يحلى بملابس ويزين بالقصب ونحوه، وأما الاحتفال بالنيل وإلقاء النقود ونحوها في ~~مجراه فهذا على سبيل التفاؤل كما تقدم، ومن التماثيل الموجودة في متحف اللوفر تمثال رمزي ~~يمثل النسر من صنع مدينة الإسكندرية، وهو يشبه أحد تماثيل النيل المحفوظة إلى الآن بمتحف ~~الفاتيكان في رومة. # | في العصور الحديثة # نقل المقريزي في خططه عن ابن الحكم # 1 # من أخبار مصر أنه في سنة 23 بعد الهجرة، لما افتتحها عمرو بن العاص جاء إليه ~~الأقباط وقالوا: إن للنيل سنة لا يجري إلا بها، قال: وما هي؟ فقالوا: إذا خلت اثنتا ~~عشرة ليلة من شهر بئونة من الشهور القبطية عمدنا إلى جارية بكر مليحة نأخذها من أبويها ~~غصبا، ونجعل عليها الحلي والحلل، ثم نلقيها في بحر النيل في مكان معلوم عندنا، فلما سمع ~~كلامهم قال: هذا لا يكون في الإسلام أبدا، فأقام أهل مصر أربعة أشهر بئونة وأبيب ومسرى ~~وتوت لم يزد فيها النيل لا كثيرا ولا قليلا، ولما رأوا ذلك هموا بالجلاء عنها، ولما رأى ~~عمرو بن العاص منهم ذلك، كتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما وصل إليه ~~ذلك الكتاب وعلم ما فيه كتب بطاقة وأرسلها إلى عمرو بن العاص، وأمره أن يلقيها في نهر ~~النيل، فلما وصلت إليه تلك البطاقة فتحها فإذا مكتوب فيها: # بسم الله الرحمن الرحيم # من عمر بن الخطاب إلى نيل مصر المبارك، أما بعد، فإن كنت تجري من قبلك فلا ~~تجر، وإن كان الله تعالى هو الذي يجريك فنسأل الله تعالى أن يجريك. # فلما وقف عمرو بن العاص رضي الله عنه على ما في البطاقة ألقاها في بحر النيل قبل عيد ~~الصليب بيوم واحد، وعيد الصليب يكون في السابع عشر من ms79 شهر توت، فأجرى الله تعالى النيل في ~~تلك الليلة ست عشرة ذراعا في دفعة واحدة. # وروى بعض السائحين بمصر في القرنين السابع عشر والثامن عشر بعد الميلاد أن المصريين ~~استبدلوا بالفتاة البكر عروسا من الخشب يلقونها في النيل، وهذه الآثار باقية من العهد ~~القديم، وإليك وصف الاحتفال: # يتألف الموكب من حاكم البلد وطوائف عديدة من الأقباط والعلماء والأعيان ورجال ~~الدين والبطرك، وفريق من رجال الإكليروس، وتتبعهم الموسيقى وخلفها الجماهير يصفقون ~~ويترنمون بالأناشيد، ثم يلقون العروس في النيل وقت فتح الخليج. # ثم اتبع الأقباط عادة أخرى في الاحتفال في عيد الشهداء الواقع في بشنس، فكانوا يلقون في ~~النيل أصبع أحد أجدادهم موضوعا في علبة كما رواه المقريزي، وذكر أن السلطان قلاوون حاكم ~~مصر أبطل هذه العادة سنة 702ه. # ولما أتى بونابرت مصر ترأس حفلة النيل باعتباره أكبر حاكم للبلاد. ولا يزال المصريون ~~يحتفلون بوفاء النيل، ويقيمون الأفراح في كل الجهات احتفالا به، فيكون بالرونق والزينات ~~عيدا مشهودا. # وروى المؤرخون اليونانيون أنه كان لكل إقليم من الأقاليم المصرية القديمة آلهة خاصة، ~~إلا أن جميع القدماء أجمعوا على تقديم فرائض خاصة للنيل، وكان لفيضانه العجيب احتفال سنوي ~~كعيد يبتهج به جميع أفراد الشعب. # وكان من عقائد القدماء أن لكل شيء روحا وحياة وإرادة وشخصية سامية من هبات المعبود ~~الأعلى، وأن النيل يشفي من الأمراض، وأن الأقباط والمسلمين، وإن كانوا أبطلوا الاعتقاد ~~بألوهية النيل، لكنهم لا يزالون يصفونه بقولهم النيل المبارك، وفي زمن فيضانه كان البطرك ~~يذهب إلى النيل مصحوبا بحاشيته إلى مصر العتيقة، ويلقي في النيل صليبا من الفضة، وكان ~~الترك يحتفلون به رسميا، ومتى انتهى الاحتفال كانت الجماهير تلقي في النيل الحبوب والثمار ~~والسكر والخبز والدراهم، ويغتسل الأطفال في مياه النيل، وبعض الناس يغتسلون أيضا بأول ماء ~~يمر في الخليج طلبا للشفاء وإزالة العقم. # وكان من المتبع قبل اليوم المحدد لجعله يوم وفاء النيل أن يضعوا في مصر العتيقة تمثالين ~~كبيرين عليهما أنوار مركبة على منصة من الخشب مسندة على مراكب، وهذان ms80 التمثالان يمثلان ~~رجلا وامرأة ويسميان العروسين. # وكان من عادتهم صنع عروس أخرى من الطين ويلقونها في النيل يوم الفيضان. # وقال هيردوت: «إن المصريين كانوا يكرهون ذبح الحيوانات، فمعقول جدا أن يترفعوا عن ~~إزهاق الأرواح التي قيل: إنهم يقدمونها كقربان وضحية طلبا لوفاء النيل.» # وليلاحظ أن كل أمة يدخل عليها دين جديد ينشر عنها خرافات كثيرة، وإذا تأملنا رواية ابن ~~الحكم والناقلين عنه كالمقريزي وغيره، يتضح لنا أنها خرافة مخترعة، نعم، إن ابن الحكم نقل ~~هذه الرواية عن اليونان، كما نقل غيره أكاذيب أخرى في كتاب عنوانه «الأنهار»، نسبوه إلى ~~«بلوارك»، ودونوا به أن أحد ملوك مصر لما أبطأ فيضان النيل في بعض السنين ألقى ابنته فيه ~~بأمر الآلهة، واشتهر في الروايات أن الاحتفال يمثل «زواج النيل الذي هو أزوريس بأرض مصر ~~التي تمثل إزيس»، فالمرجع في كل الروايات إلى تصور خيالي ليس إلا. # | رسوم النيل في الآثار المصرية # قد اطلع القارئ على تفصيلات وافية، تبين أن حياة الشعب المصري تتوقف على تحسين أحوال الري ~~وانتظامه؛ ليكون من فيض النيل الخير الشامل، وإغداق الثروة ورواج الأحوال التجارية، وقد نقش ~~اسم النيل في جميع المعابد دلالة على أن القدماء كانوا يعتبرونه إلها يمنح الحياة ~~والسعادة، وجاء في الفصل 146 من كتاب الموتى «أن الآلهة تشترك في إسداء نعمه»، ونقشوه في ~~بعض المعابد كتمثال إنسان واقف يحمل القرابين ويهبها بسخاء لجميع الخلائق من إنسان ~~وحيوان. # وفي كثير من الأمكنة ترى رسوم الاحتفالات بوفاء النيل، لا سيما في معابد أدفو ودندرة، ~~وهناك ترى النيل مارا بأدراج السلم، خارجا من ناووسه كما يخرج كل سنة من مجراه؛ لزينة ~~الدنيا وخصب الأودية وتدبيج وجه الأرض بالنباتات المتنوعة التي تستفيد منها الناس الغذاء ~~والحاصلات المتنوعة ويقتنون الثروة، فكأن أرض مصر مستودعات للنفائس الكونية بأنواعها، تجوز ~~منها على كل البقاع بما تحتاجه. # وهناك أيضا رسم آخر يمثل النيل خارجا من سلم «كما يخرج من مجراه»؛ ليملأ الأرض بالحبوب ~~معبرا عن إعطاء الآلهة الحياة والهناء؛ لأن من نباتات النيل ms81 تتقدم حياة الحيوانات والإنسان ~~والطيور، إلخ. # وكأن النيل يخاطب البلاد بلسان حاله، بأنه مصدر رخائها وينبوع حياتها، وأنه يجود بخيراته ~~على كل من تقلهم أي أرض سرى إليها فيضه، فيمنحها نعما مزيدة وخيرات متجددة، ويؤدي ~~للآلهة المحترمة كل شعائر الإجلال والتقديس. # فالنيل بهذا الاعتبار من المعبودات الثانوية، بدليل أنهم كانوا يرسمونه دائما في المعابد ~~بالجزء الأسفل، وأنه كخادم يهيئ جميع الأشياء الجيدة والقرابين التي يقدمها للأرض ومن ~~عليها. # ووجد في تمثال محفوظ بالمتحف البريطاني بالجزء المصري نقوش تمثل الملك ششنق، وحوله ~~العبارة الآتية: «يقول حعبي: النيل ابن الآلهة ومصدر النمو الذي يفيض على الوجهين القبلي ~~والبحري بخيراته المتدفقة فتسعد بها الحياة، وتنكشف الشدائد، وتنصب منه المياه على الجبلين ~~والحوضين كيف يشاء، ويعود متى أراد بعد أن يملأ المدائن والقرى بالمؤن والحاصلات ~~الزراعية.» # فكأن هذه النقوش تصف مزايا النيل التي امتاز بها واديه في الخصب والرخاء، وجعلته مصداق قول ~~القائلين بأن النيل أبو الآلهة والبشر، وإذا كانت جميع الكائنات تستمد حياتها من مصدر إلهي، ~~فالنيل هو أكبر المظاهر الباهرة لهذا المصدر الأسمى. # رسم النيلين؛ نيل الوجه البحري «إلى اليمين»، ونيل الوجه القبلي «إلى ~~اليسار»، وهما يحملان علامة الاتحاد وعليهما اسم مليكنا المعظم فؤاد الأول ~~باللغتين المصرية القديمة والعربية. # | أنشودة النيل لقدماء المصريين # من لوازم الفطرة الراقية ابتكار الأناشيد في المناسبات التي ترتاح النفوس فيها إلى ~~الترنم بما يستطاب لأجلها، افتخارا واستلذاذا واستبقاء لحسن الأحدوثة، فيتداول الناس ~~الأناشيد كلما تجددت الذكرى للاحتفالات، والنيل عند قدماء المصريين قد اختصوه بما ألفوا من ~~مظاهر الأفراح ودلائل المسرات عند فيضانه ومواسم أعياده، وقد خصوه بأناشيد رائعة تعرب عن ~~شدة شعورهم، ومن بينها الأنشودة التي نمقها في عصره الشاعر المصري القديم، ووجدت مكتوبة في ~~لوحتين على الورق البردي، معروفتين بورقتي ساليير وأنسطاسي، وهما من مجموعة الأوراق البردية ~~المحتفظ بها إلى الآن في المتحف البريطاني، وترجمها العالمان الأثريان الشهيران ماسبرو ~~وجبس، وهما اللذان نقلاها من الشعر المصري القديم، وترجمتها إلى العربية نظما من ~~الرجز: # 1 # نسدي إلى ms82 النيل سلاما عاطرا # لأنه قد جاءنا مباكرا # اليوم عيد النيل في بشراه # فكلنا تسرنا لقياه # النيل يحيي فيضه بلاده # وهي له تلازم العباده # منظره يروق للأبصار # وسره معجزة الأفكار # النيل يأتينا من الظلمات # ليملأ الأكوان بالخيرات # يروي نداه أنضر الحدائق # وينبت الأرزاق للخلائق # كأنه يأتي من السماء # ليمنح الحياة للأحياء # يحيي موات الأرض في النواحي # كأنه من عاملي فتاح # يجود بالخير «لسب» محسنا # كما «لنبرا» قد أقر الأعينا # 2 # النيل رب السمك المحبوب # يأتي به من عالم ~~الغيوب # ويخصب النبات في الغيطان # والزهر والريحان في ~~البستان # ينبت قمحا وشعيرا جيدا # ولن يصد النيل عنه ~~أحدا # بالنيل ينجو من شقاء الدهر # كل فقير من أهالي ~~مصر # في نعمة النيل لهذا الوادي # سعادة الحكام ~~والأفراد # والبطء في الفيض يضر الخلقا # ويغضب الرب الرحيم ~~حقا # 3 # فيوضه تأتيه من أتوم # فنجتني من خيره ~~المقسوم # وتنتفي أوهام كل خائف # بالنيل فهو مصدر ~~اللطائف # 4 # كأنك الخالق للأشياء # ومانح الضعاف ~~بالنعماء # ومن نداك نمنح القربانا # فلا نخاف بعده ~~هوانا # كل غني منك يرجو نعمته # ويمنح المحتاج منها ~~رحمته # فأنت للغني والفقير # ملجأ كل الخير ~~والتيسير # 5 # أنت رئيس سفن الحياة # تسري بها لساحل ~~النجاة # أسرار مجراك علينا خفيت # لكن مزاياك لدينا ~~عظمت # فلست محتاجا إلى قربان # ولست تخشى خدع ~~الإنسان # 6 # ولست محتاجا إلى مكان # فأنت رب الفيض ~~والإحسان # يلقاك بالتصفيق عند اللقيا # مستبشرين كل من في ~~الدنيا # فأنت تحيي مهجة الظمآن # وحارس الملوك ~~والتيجان # 7 # منك المعونات على الدوام # مقرونة بالحمد ~~والإعظام # وأمرك المطاع في البلدان # تقبله النفوس ~~بالإذعان # وتملأ القلوب حبا صادقا # وتجعل الكون بشكر ~~ناطقا # أولاد «سبك» منك في أفراح # وأهل «نيق» بك في ~~انشراح # كأنما دائرة الموجود # أمام مجراك من ~~الجنود # يغني العباد عن شقاء الجهد # فيضك إذ يأتي بكل ~~رغد # 8 # يضيء منك الماء حين يبدو # بعد الظلام وهو ما ~~تود # لم تتخذ فيما ترى أعوانا # ولم تدع لحاكم ~~سلطانا # فأنت روح الكل في الوجود # أنعم بفيض النيل من ~~مقصود ms83 # 9 # تأتي وتمضي طبق ما تريد # وكم تطيع ربها ~~العبيد # وكل ثوب من هموم ماضية # تنزعه بشرى التلاقي ~~الزاهية # فأنت للسقام نعم البلسم # ومنك للجميع تصفو ~~الأنعم # تجيب بالفيض رجاء الأمة # وتصطفيها بعميم ~~الرحمة # يحوي ثراك أنفس المعادن # فتكثر الأموال في ~~الخزائن # لكن بالقمح حياة الناس # وليس بالأموال في ~~القرطاس # 10 # في عيدك الصغار والكبار # تطربها الطبول ~~والمزمار # ويستطاب الأنس والسرور # ويتباهى بالصفا ~~الجمهور # فأنت حقا زينة البلاد # ومصدر الخيرات ~~والإسعاد # 11 # وكلما جئت إلى العواصم # أسديت فيها أعظم ~~المغانم # فيفرح الغني والفقير # إن لم يعق فيوضك ~~التأخير # وهكذا مسرة الأقوام # يحبونها في سائر ~~الأعوام # 12 # نهدي إليك الطيب والعجولا # وكل قربان نرى ~~مقبولا # ونوقد النيران والبخورا # ونملأ الدنيا بها ~~سرورا # تخرج من «بتيو» وتأتي طيبه # كمستهام زائر ~~حبيبه # وكل ما يحويه سر النيل # لم نكتشف منه سوى ~~القليل # 13 # مصر تعد النيل ربا ساميا # فاجعل لنا بالفيض حظا ~~ناميا # واجعل بني النيل على سواهم # يرقون شأنا رغم من ~~عاداهم # آمين ، آمين، آمين # وكان قدماء المصريين باعتيادهم الترنم بهذه الأنشودة، يعتنون بتوقيعها على أوضاع ~~الآلات الموسيقية؛ ليكون لوقعها في النفوس طرب النشوة الموسيقية والانشراح القولي، ولا ~~زلنا إلى العصر الحالي نتلقى من عوام المنادين الذين يطوفون وحولهم الغلمان في الأزقة ~~والحواري ما هو بلا شك صدى متتابع، من ترديد هذه النغمات أيام الفيضان. # ومن أولئك المنادين من يقتصر فيما يلقيه على غلمانه بأناشيد مختصرة ونغمات مقتضبة، ~~ومنهم من يجعل كلماته على نسق السجع المرصع الذي طرأ عليه التحريف العامي في النطق ~~والتلحين، بما لا يخرج في معناه عن القول الآتي: إنك أيها النيل المبارك صاحب القوة ~~العظيمة، ومنك تتدفق الكنوز وتفيض الخيرات على أرض مصر، بارك الله في فيضانك وأدامك ~~متدفقا بالخير والبركة على البلاد والأودية والبساتين والمزارع، يشكر نعماءك الإنس ~~والحيوان والطيور في أوكارها، والحيتان في أغوارها. # فإذا كانت عبادة النيل بصفته إلها، كما كان يمجده به قدماء المصريين في حفلاتهم ~~ومعابدهم، فمقابلته بالتحية والبشاشة والفرح والسرور عند مبادئ ms84 أشهر فيضانه آثار باقية ~~من العواطف القومية لدى الأمة المصرية، بصرف النظر عن اختلاف المعتقدات والتطورات ~~العصرية. # | الشعر العربي في مدح النيل # علم القراء أن النيل من أجل المواهب الإلهية على هذه البلاد، وأن هذه الهبة الأبدية لم ~~تستطع أيدي التغلب الدولي بخسه حقه من الكرامة والاحترام، فهو ينبوع الحياة للأرض ومن ~~عليها، فمع تعاقب الدول في الاستعمار والتملك، بقي النيل متساميا على كل قوة، يمنح البلاد ~~من الرخاء والسعادة ما يشجعها على معاصرة الجبابرة، ومكافحة طوارئ الدهور، حتى إن اليونان ~~والرومان لم يجحدوا ما للنيل من القوة الفعالة في المزايا العمرانية التي اختصت بها تربة ~~الأراضي المصرية، وأتى العرب بعدهم فأجادوا وأبدعوا في وصف النيل والتحدث بمواهبه، وتقديرا ~~لما أبرزوه من آيات البلاغة في هذا المضمار، نثبت المقتطفات من قصائد مطولة تناقلتها ~~التواريخ العربية، كالمقريزي وغيره ومنها قوله: # كأن النيل ذو فهم ولب # لما يبدو لعين الناس ~~منه # فيأتي حين حاجتهم إليه # ويمضي حين يستغنون ~~عنه # قال المسعودي في تاريخه : قال بعض الشعراء يصف مصر: # مصر ومصر شأنها عجيب # ونيلها يجري به ~~الجنوب # قيل في مصر عدة قصائد ومقطعات في كل سنة، منها ما قاله الشيخ صلاح الدين خليل بن أيبك ~~الصفدي: # لم لا أهيم بمصر # وأرتضيها وأعشق # وما ترى العين أحلى # من مائها إن تدفق # وفي المعنى للشيخ زين الدين عمر بن الوردي: # ديار مصر هي الدنيا وساكنها # هم الأنام فقابلها ~~بتقبيل # يا من يباهي ببغداد ودجلتها # مصر مقدمة والشرح ~~للنيل # وأبدع منه ما قيل في المعنى أيضا لابن سلام: # لعمرك ما مصر بمصر وإنما # هي الجنة العليا لمن ~~يتذكر # وأولادها الولدان من نسل آدم # وروضتها الفردوس والنيل ~~كوثر # وللقاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري في المعنى: # ما مثل مصر في زمان ربيعها # بصفاء ماء واعتدال نسيم # أقسمت ما تحوي البلاد نظيرها # لما نظرت إلى جمال وسيم # لمصر فضل باهر # لعيشها الرغد النضر # في كل سفح تلتقي # ماء الحياة والخضر # ولابن الصايغ الحنفي في المعنى وأجاد: ms85 # أرض بمصر فتلك أرض # من كل فن بها فنون # ونيلها العذب ذاك بحر # ما نظرت مثله العيون # وغيره في المعنى: # النيل قال وقوله # إذ قال مل مسامعي # في غيظ من طلب العلا # عم البلاد منافعي # وعيونهم بعد الوفا # أقلعتها بأصابعي # وللشريف العقيلي في المعنى: # أحن إلى الفسطاط شوقا وإنني # لأدعو لها أن لا يحل بها القطر # وهل في الحيا من حاجة لحياتها # وفي كل قطر من جوانبها نهر # تبدت عروسا والمقطم تاجها # ومن نيلها عقد كما انتظم الدر # ولولا خشية الإطالة لذكرنا من هذا نبذا كثيرة، ومن أراد الإكثار من ذلك فليراجع تاريخ ~~«حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور»، فقد ذكر من ذلك عدة مقطعات عند وفاء النيل في كل سنة ~~من كتاب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، تأليف جمال الدين أبي المحاسن يوسف ابن ~~المرحوم تغري بردي الأتابكي. # | عبادة النيل # المعبود أزوريس هو النيل - النيل السمائي والنيل المائي - النيل على شكل إنسان # معلوم أن قدماء المصريين كانوا على جانب عظيم من التعلق بمعتقداتهم الدينية، وكانوا ~~يجعلون لكل شيء عظيم النفع إلها خاصا يقدمون إليه عبادتهم في أوقات يحددونها؛ لما اشتهر ~~عندهم من خواص هذا الشيء، فكانوا يقيمون للنيل العبادات المتعددة في أوائل الفيضان، وفي عيد ~~الصليب وغيره مما مر بنا إيضاحه. # وقد استعمل المؤرخون اليونان والرومان حد التطرف ومنتهى الغلو فيما تكلموا به عن معتقدات ~~وعبادات المصريين، مع كونهم لم يعرفوا لغة البلاد الحقيقة التي تمكنهم من الوصول إلى سر هذه ~~العقائد والعبادات، ونشروا في مؤلفاتهم افتراء شنيعا على المصريين وقالوا: إن عبادتهم ~~كانت قاصرة على الأصنام، حتى قال بوسييه في كتابه «خطاب في التاريخ العالمي، الجزء الثالث»: ~~«كان كل شيء إلها في مصر ما عدا الله تعالى.» ولا ينبغي أن تأخذنا الدهشة لهذا الافتراء ~~الصادر عن جهالة قائليه، فإن الزائر للمتحف عندما يشاهد الآثار الموجودة، ويرى تماثيل ~~الآلهة ونحوها يعتقد أن لتلك الطائفة في معتقداتها أسرارا باهرة وآدابا سامية، فما كانوا ~~يعظمون آلهتهم وملوكهم إلا لاعتقادهم فيها ms86 الوسيلة والزلفى لدى الله، الذي هو الإله ~~الأكبر الذي تدين الكائنات لعظمة قدرته. # ولم يكن اشتغال الشعب المصري بالإبداع في الرموز والتصاوير إلا من باب التوسع في ~~الفراسة الذهنية، والتفنن الذوقي في انتفاء ما يعتقدون به نوال القربى لدى هذه الآلهة ~~الثانوية. # وقد قال إكليمندس الإسكندري الذي جاء مصر في عصور الاضمحلال لديانة القدماء الحقيقية: ~~إنهم كانوا يصورون آلهتهم بمنظر وحش يتمرغ على بساط من أرجوان، وإنهم كانوا يقدمون للنيل في ~~مواسم الفيضان ونحوه عبادة خاصة باعتبار أنه المصدر الأقوى لحياتهم الزراعية ~~والعمرانية. # وقد عثر على حجر يرجع تاريخه إلى الأسرة الرابعة، منسوب لابنة الملك خوفو تكلمت فيه عن ~~عبادة المصريين للنيل، ولم تعلم لنا منه الأماكن التي كانت معدة لهذا التعبد، وذكرت ~~عبادته في مدينة ممفيس. # وكان بيت النيل «ولعله منبعه» يدعى في المدن الأخرى باللغة المصرية القديمة «باحعبي»، ~~وأشهر هذه المدن تسمى «هاحعبي»؛ أي قصر النيل، وعلم مما اكتشف أخيرا على حجر من ~~السرابيوم أن هذه المدينة هي مدينة هليوبوليس. # ووجد منقوشا على مائدة للقرابين محفوظة اليوم في متحف فلورانس، ويرجع تاريخها إلى الأسرة ~~الثالثة عبارات ببيان الاحتفالات الدينية التي يقيمها المصريون إكراما للنيل المبارك، وأن ~~عبادته يرجع تاريخها إلى العصور الأولى، وكان عند قدماء المصريين معدودا من الآلهة ~~الثانوية. # والحقيقة أن القيام بالعبادات للنيل كان عاما بأنحاء القطر، ولم يكن مختصا بجهة دون ~~أخرى، وفقط كانت بعض البلاد تمتاز بفخامة معابدها ومبانيها، ونقشوا فيها احتفالات النيل مثل ~~معابد الكرنك وأدفو ودندرة ومدينة هابو. # وكان النيل يمثل في هذه المعابد على شكل إله طبيعي، ويعبدونه باعتقادهم فيه الأقدمية ~~والدهرية. # وكانوا يمثلونه بصفته إلها مقدسا «حعبي»، ويلقبونه إله الخصب والأب المربي، على شكل رجل ~~في ربعان الشباب ممتلئ سمنا ونشاطا، كرجل مترف غني من العظماء، يعلق على تمثاله حليا في ~~الصدر يشبه ثدي المرأة، وبطنه مطوية من الشحم، وفخذاه ثابتتان مدورتان أشبه منظر بالغادة ~~الحسناء، ونقشت فوقه هذه الكلمات باللغة المصرية القديمة: «عنخ، أوزا، سنب»، ومعناها الحياة ~~والصحة والقوة. ms87 وهكذا كان المصريون يمثلون رسم رجالهم الأغنياء العظماء. # ومن تماثيل النيل ما هو مختلف اللون؛ فبعضها أحمر وبعضها أزرق يحمل على رأسه النباتين ~~البردي واللوطس، رمزا إلى الوجهين القبلي والبحري، وبعض هذه التماثيل مرسوم على جدارن معبد ~~سيتي الأول بأبيدوس ومعابد أدفو ودندرة؛ لأن عبادة النيل كانت منتشرة في جميع الأقاليم كما ~~تقدم. # وترى بالمتحف المصري بالطبقة السفلى الغربية تمثالين لنيل الوجه القبلي ولنيل الوجه ~~البحري، حاملين الأسماك والطيور والأزهار؛ ليقدماها هدية للملك، وكثيرا ما يمثل النيل في كتاب ~~الموتى بصفته الرمزية، وقد نقش على صفحة سلسلة أن النيل هو أبو الآلهة، وأنه خرج من ~~نفسه. # ومن الغريب أن قدماء المصريين شيدوا معابد كثيرة لآلهتهم، ولم يقيموا معبدا للنيل، بل ~~نقرأ اسمه منقوشا على جدران المعابد وقواعد المسلات، وكان له فيها رجال يتخصصون ~~لخدمته. # وروى هيردوت أنه كان من عاداتهم انتشال جثة من يموت غريقا أو يبتلعه تمساح ودفنها ~~بالإكرام والتعظيم. # وكانوا يعتقدون أن النيل المؤله يقيم في جزيرة بيجا، وأن خزانته «منبعه» موجود هناك، ~~وكانوا يعتقدون أنه آت من نون، وهو الفضاء الأول الموجود، وإنما ليس له ابتداء، وأن الإله ~~حعبي يتحد مع إزيس في ضمانة البقاء الأبدي له، ولهذا اعتادوا أن يجعلوا اليد اليسرى لمن ~~يموت في ست لفائف، ويرسمون عليها اسم النيل والمعبودة إزيس، وفي بعض المدارس اللاهوتية أن ~~النيل «حعبي باتحاده مع إزيس زوجة المعبود أزوريس» هو الفيضان الذي يخصب أرض مصر. # واعتقد قدماء المصريين أن الدار الآخرة تشبه الحياة الدنيا، وأنه يوجد بها نيل كنيل مصر، ~~واعتقدوا أن جنتهم واد منحصر بين جبلين يفصلهما نهر تمر فيه سفينة الشمس، وأن مياهه تمر ~~من الغرب إلى الشمال حتى منتصف المسافة، وتنزل في المجرى ذاته من الشمال إلى الغرب، وأن ~~إزيس بكت زوجها أزوريس في هذا النهر، ولما نزلت فيه مدامعها تفجرت مياهه وسببت هذا الفيضان ~~الأرضي، وكانت المياه السماوية تحوط الجنة، والشمس تطوف حول مجرى هذه المياه التي تغطي هذه ~~الدنيا تماما وتفصلها عن السماء. # ومتى ms88 اختفت الشمس في الأفق تمر سفينتها في المياه السماوية، وأن سفينة الشمس تمر بالليل ~~في وادي الأموات، ودعوا النيل الشهير «الجندي»، وأن الأموات في الدار الآخرة تمر في سفينة ~~الإله رع. # ومن هذا يتبين للقارئ أنه لم يكن عندهم سوى نيلين؛ النيل السماوي، والنيل الأرضي، وهو نيل ~~مصر. # | آلهة الأنهر - ثالوث بيلاق - العجل أبيس وسيرابيس - قصص خرافية عن النيل - ما أشيع عن النيل # كما اعتقد المصريون في النيل مزايا الألوهية، ولقبوه أنه أبو الآلهة، وأنه الإله حعبي، ~~كانت لهم أيضا آلهة أخرى لأنهار كثيرة ورءوسها على أشكال أكباش وآلهة الشلال وثالوث ~~بيلاق. # فمنها أزوريس إله مندس، وخونسو إله الشلال، و«حرشافيتو» إله مدينة هيراكليوبوليس ~~الكبرى، وكل منهم هيأ قسما من النيل في دائرة المنطقة المسماة باسمه لتستمد بمعوناته ~~وفيوضاته حظها من الخصب والرخاء. # قال هيردوت: كان أهالي مندس يكرمون كثيرا جنس المعز، وإذا ماتت واحدة من فصيلتها ~~أقاموا لها حدادا في كل إقليم، ولفظة مندس كلمة مصرية قديمة معناها تيس، وكان مرشافيتو ~~معبود هيراكليوبوليس الكبرى ومعبود النيل أيضا، وثالوث بيلاق هو خونسو وأتوكيت وساتيت، ~~وخونسو كلمة مصرية قديمة معناها رئيس البنائين، وأتوكيت معناها الحاضنة، وساتيت معناها ~~رامية السهام. # وثالوث بيلاق يرجع تاريخه إلى أقدم العصور، وكان خنوم أحد الآلهة المعبودين في ذلك ~~الإقليم يرسم في جهة برأس كبش وفي غيرها برأس آدمي، واسمه القديم توم، وفي عصر البطالسة ~~صاروا ينطقونه بلفظ خنوم ومعناه جمع. # فتاح إله مدينة ممفيس محنط الجسم، والأصل بالمتحف المصري. # وقد شبهوا فتاح إله مدينة ممفيس بالنيل، وأنه يشبه أزوريس في كونه كالشمس الليلية، وأنه ~~الإله الأول. # والعجل أبيس من آلهة النيل أيضا، وقال رولين: قد أذاعوا عن العجل أبيس أنه يجمع بين ~~الحيوانات، وشيدوا له المعابد وكانوا يقدمون له فروض الإكرام، فإذا مات يحزن له جميع ~~المصريين ويقيمون المآتم، ثم يبحثون عمن يختارون بديلا منه بعلامات خاصة، ويميزونه بغرة ~~بيضاء في جبهته على شكل الهلال، وعلى ظهره رسم صقر وعلى لسانه رسم جعل «جعران»، فمتى عثروا ~~على ms89 من تتوفر فيه هذه الصفات انتخبوه، وبدلت أتراحهم أفراحا. # العجل أبيس، الأصل بالمتحف المصري. # وقال بلوتارك: إن العجل أبيس هو الصورة الحية لأزوريس، ولا يتجاوز عمره 25 سنة، فمتى بلغ ~~هذا السن أماتوه وألقوه في النيل بكل إجلال واحترام، ودفنوه في السرابيوم، وبموته يصبح ~~أزوريس، وكلمة سرابيوم مأخوذة من اسم «أسر حعبي» الذي حرفه اليونان إلى لفظة ~~سيرابيس. # وترجع عبادة العجل «أبيس» إلى أقدم العصور التاريخية، وقد ذكرت في شاهد لابنة الملك خوفو ~~من الأسرة الرابعة، وكانت عبادته أكثر انتشارا في عهد الأسر الثلاثة الأولى، لا سيما في ~~عهد البطالسة، وقد وصف إكليمندس الإسكندري والقديس أغسطينوس جمال هذا الإله، وقالا: إنهم ~~شيدوا له معبدا فخما اشتهر بمعبد السرابيوم، الذي كان إحدى عجائب الإسكندرية في عهد ~~البطالسة. # وجميع الرسوم والتماثيل تمثل لعقولنا مقدار عظمتهم العصرية، وعنايتهم بأن تبقى آثارهم مدى ~~الأجيال، تتنبأ عنها الشعوب متمدحة بعظمة النيل وإعظامهم له؛ لأن كل دولة احتلت مصر سواء ~~في العصور القديمة أو الحديثة تعترف بما للنيل من الأيادي البيضاء الخالدة في أعناق كل من ~~شملتهم سعة واديهم المبارك. # | ذكر شيء من فضائل النيل # قال المقريزي: أخرج مسلم من حديث أنس رضي الله عنه، في حديث المعراج، أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «ثم رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان ~~الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار؛ نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما ~~هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات.» # وقد ذكر اسم النيل في التوراة «يور»: «تخرج من النيل البقرات التي رآها فرعون في الحلم.» ~~(سفر التكوين، الفصل 41، الأعداد 1-3)، «أمر فرعون أن يلقى في النيل أبناء العبرانيين ~~الذكور.» (سفر الخروج 1-122)، «ألقي موسى في النيل في سبت من الخيزران والتقطته ابنة ~~فرعون.» (سفر الخروج، الفصل الثاني، الأعداد 3-6)، «أخذ ماء من النيل وألقاها في الأرض ~~فتحولت إلى دم.» (سفر الخروج، الفصل الرابع، العدد التاسع)، «أخرج موسى من ms90 النيل الضفادع ~~التي أتلفت أراضي مصر.» (سفر الخروج، الفصل الثامن، الأعداد 5-13.) # وذكر الأنبياء اسم النيل في كتاب العهد القديم، (أشعيا الفصل 11 العدد 6)، «مياه النيل ~~مياه البحر»، ويصف أرميا مجرى النيل في (الفصل 46 الأعداد 7-8)، وقال ناعوم في (الفصل الثالث، ~~العدد الثامن): «كان هذا البحر سوا لمدينة طيبة ...» إلخ، وفي التوراة: «وخلق فردوسا في عدن، ~~وجعل الإنسان فيه، وأخرج منه نهران فقسمهما أربعة أجزاء فجيحون المحيط بأرض حويلا وسيحون ~~المحيط بأرض كوش، وهو نيل مصر، ودجلة الآخذ إلى العراق والفرات.» وروى ابن عبد الحكم عن عبد ~~الله بن عمرو رضي الله عنه أنه قال: «نيل مصر سيد الأنهار، سخر الله له كل نهر من المشرق ~~والمغرب، فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده فأمدته الأنهار بمائها، ~~وفجر الله الأرض عيونا، فإذا انتهت جريته إلى ما أراد الله عز وجل أوحى إلى كل ماء أن ~~يرجع إلى عنصره.» # وعن يزيد بن أبي حبيب أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سأل كعب الأحبار: «هل تجد لهذا ~~النيل في كتاب الله خبرا؟» قال: «أي والذي فلق البحر لموسى، إني لأجده في كتاب الله أن الله ~~يوحي إليه في كل عام مرتين، يوحي عند جريته أن الله يأمرك أن تجري فيجري ما كتب الله له، ثم ~~يوحي إليه بعد ذلك يا نيل غر حميدا.» # وعن كعب الأحبار رضي الله عنه أنه قال: «أربعة أنهار من الجنة، وضعها الله في الدنيا، ~~فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان ~~نهر اللبن في الجنة.» # وقال المسعودي: «نهر النيل من سادات الأنهار، وأشراف البحار؛ لأنه يخرج من الجنة على ما ~~ورد به خبر الشريعة.» # وقد قالت العرب: إن النيل إذا زاد غاضت له الأنهار والأعين والآبار، وإذا غاض زادت، ~~فزيادته من غيضها، وغيضه من زيادتها. وليس في أنهار الدنيا نهر يسمى بحرا غير نيل مصر ~~لكبره واستبحاره. # وقال ابن قتيبة ms91 في كتابه غريب الحديث: وفي حديثه عليه السلام: «نهران مؤمنان ونهران كافران؛ أما ~~المؤمنان فالنيل والفرات، وأما الكافران فدجلة ونهر بلخ.» إنما جعل النيل والفرات مؤمنين على ~~التشبيه؛ لأنهما يفيضان على الأرض ويسقيان الحرث والشجر بلا تعب في ذلك ولا مئونة، وجعل ~~دجلة ونهر بلخ كافرين؛ لأنهما لا يفيضان على الأرض ولا يسقيان شيئا إلا قليلا، وذلك ~~القليل بتعب ومئونة، فهذان في الخير والنفع كالمؤمنين، وهذان في قلة الخير والنفع كالكافرين. ms92