######OpenITI# #META# URI: 1369FarajSulaymanFuad.ShuhadaCilmWaGhurba.Hindawi71316295 #META# Tags: history :: literature #META# ID: 71316295 #META# Title: ذكرى شهداء العلم والغربة #META# AuthorID: 49517486 #META# Author: فرج سليمان فؤاد #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كتاب ذكرى شهداء العلم والغربة‏ # تمهيد‏ # تواريخ حياة الشهداء‏ # بعد وقوع الفاجعة‏ # عناية الوفد المصري بالشهداء‏ # قصائد مشاهير الشعراء في رثاء الشهداء‏ # كلمات الكتاب في رثاء الشهداء‏ # كتاب ذكرى شهداء العلم والغربة‏ # تمهيد‏ # تواريخ حياة الشهداء‏ # بعد وقوع الفاجعة‏ # عناية الوفد المصري بالشهداء‏ # قصائد مشاهير الشعراء في رثاء الشهداء‏ # كلمات الكتاب في رثاء الشهداء‏ # | ذكرى شهداء العلم والغربة # | ذكرى شهداء العلم والغربة # تأليف # فرج سليمان فؤاد # | كتاب ذكرى شهداء العلم والغربة # | أول كتاب من نوعه # ما كدنا ننشر كلمتنا في الصحف العربية عن كتابنا شهداء العلم والغربة، حتى ورد إلينا من سائر ~~جهات المدن والأقاليم ومن طلبة العلم في أوروبا الخطابات العديدة، التي تشف عن الإخلاص والحب ~~لهؤلاء الشهداء، وتعرب عما تكنه قلوبهم من الأسى والحزن لفقد إخوانهم، الذين استشهدوا في سبيل ~~العلم بصدمة القطار بين حدود إيطاليا والنمسا عند بلدة «مونتبا». وكل هذه الرسائل ملأى بتحبيذ ~~عملنا تنشيطا لنا لقيامنا بوضع هذا الأثر الخالد لشهداء العلم الذين استشهدوا في ~~سبيله. # وإن ما يراه القارئ الكريم هنا من كد القريحة، وسهر الليل، وما كابدناه في هذا السبيل لا ~~نعده في نظرنا شيئا مذكورا بجانب واجب خدمة الوطن المفدى، عملا بالمبدأ الشريف «لا شكر على ~~واجب ولا ثناء على إخلاص»، ما دام غرض العامل الجهاد في سبيل حب الوطن. وإنا نعتذر لحضراتهم لعدم ~~نشر رسائلهم الخاصة بالثناء علينا، تقديسا للمبدأ الذي اتخذناه لأنفسنا دستورا، ونكتفي بذكر ~~كلمتين لفاضلين من محبي الأدب على سبيل التحبيذ لهذا العمل والتشجيع الأدبي. # فقد أرسل إلينا حضرة الأستاذ الشيخ أحمد عبد الماجد، المدرس بمدرسة معلمات الإسكندرية، في 23 ~~مايو 1920 خطابا صدره بهذه الأبيات: # يا جامعا شيم العليا وحافظها # أشبهت في جمعها الفتح بن خاقان # فذاك جامعها في أرض أندلس # وأنت تجمعها في أرض هامان # جاءت (قلائده) في الدهر واضحة # كأنها البدر في حسن وتبيان ~~«والكنز» أنفس قدرا من قلائده # فكم به جوهر يهدى وعقيان ~~«كنز ثمين» لنا قد صاغه «فرج» # الوارث الفضل فينا عن «سليمان» ms001 # حاشاي أجعل في مكنونه خرزا # أو أن أشين لآليه بمرجان # وبعث إلينا حضرة الأستاذ الشيخ علي إبراهيم عيد الجيزاوي من خريجي الأزهر الشريف والتاجر بقنا ~~بتاريخ 31 مايو سنة 1920: # أجل قمت ترعى الواجبات وليتها # فرائض فرد بل فرائض أمة # فحزت فخارا أنت أولى الورى به # وأنت خليق بالعلا والمبرة # وكيف وهذي مصر تهديك شكرها # وذا نيلها الميمون يثني بهمة # يقولان حقا إنه «فرج» لنا # أمنا به دهرنا كل نكبة # جزيت عن الشبان خيرا ولا رأى # فؤادك مكروها فدم في مسرة # ومنه أيضا: # بلغت مكانا فوق ما يتصور # وأنت وايم الله لا شك أجدر # وجددت ذكرى سالفي عظمائنا # ومن هم على قيد الحياة يعمروا # وضعت لنا «كنزا ثمينا» نجله # ويحفظ في طي القلوب ويؤثر # وبرهنت للأقوام أنك حاذق # وأن بمصر ناهضين يوقروا # علوا وتساموا في الحياة وجاهدوا # وحلوا محل النيرات فنوروا # وما هي إلا بكرة أو عشية # تمر بنا حتى نسود ونكبر # | تمهيد # تمر بالأمم فترات من سبات عميق، لا تلبث بعدها أن تهز أعصابها يقظة عامة، تملأ جسمها نشاطا ~~وحياة، وتدفع بها في سبيل الرقي. فهذه أمة اليابان المجيدة نهضت بعد طول خمودها، واشتعلت جذوة ~~همة أبنائها بلهب من حرارة الوطنية الصادقة، فأدهشت العالم باستعدادها وقوتها ومنافستها التجارية، ~~وغيرت فراسة الغرب في أمم الشرق. ولم يبعث فيها تلك الهمة وينفخ في جسدها تلك الروح غير رجل من ~~رجالها العقلاء وحكيم من حكمائها النبهاء هو الإمبراطور موتسهيتو، الذي لو أتيح لكل أمة من أمم ~~الشرق رجل مثله لكان العالم على غير ما هو عليه اليوم. # وفي خلال القرون يبعث الله الأمم أمة فأمة، كما بعث بولونيا من رمسها وأسلمها تاجها ~~وصولجانها، فقامت وهي فتية وحديثة العهد بإعادة التكوين تريد أن تقهر حكومة سوفيت روسيا، وما ذلك ~~إلا بدافع ما في نفوس أبنائها من الوطنية الصادقة والإخلاص المحض لبلادهم المحبوبة. # ومن الأمم التي أراد الله لها النهوض في القرن العشرين أمتنا المصرية، فقد اندفعت في سبيل ~~نهضتها الحديثة، تترنم بأناشيد الحياة، وتتطلع ms002 إلى تراث آبائها وأجدادها بروح ملؤها الإقدام ~~والهمة. ولم تجد عدة لجهادها السلمي في سبيل حياتها خيرا من انتجاع موارد العلم الصحيح، وإرسال ~~البعثات تلو البعثات تترى إلى منابعها في أوروبا، متتبعة في ذلك سنة منهض مصر العظيم المغفور ~~له محمد علي باشا الكبير، الذي أزهرت رياض التعليم في عصره، وأينعت ثمارها بفضل يقظته وإقدامه، ~~وبذله بسخاء على الإرساليات التي كان يوجهها إلى الغرب، وبفضل التعليم الإجباري المجاني الذي كان ~~يساق إليه أبناء مصر من كل فج فيقبسون من نوره ليرشد بلادهم إلى طريق الحياة. وقد أثمرت ~~مجهوداته تلك فكانت القوة والمنعة، والثروة التي لا تزال مصر راتعة في بحبوحتها إلى اليوم، ~~وصارت في أيامه غنية بمصنوعاتها ومواردها. ولم يكن يعوزها شيء سوى أن تبعث بالطلبة ليرتشفوا من ~~منهل كل فن وعلم، حتى إذا ما عادوا سلمت إليهم مقاليد الأمور، فكانوا من أشد العوامل على رقي ~~الأمة. # وكنت ترى في البلاد كل شيء يسير في طريق النمو، فكان لمصر مدارس تفيض أنوار علومها، ومعامل ~~تخرج منسوجاتها وعدة جيشها، وأسطولا يصون شواطئها، وجيشا يحمي ذمارها، فكان في البلاد حاجتها من ~~الأطباء والمهندسين والمشرعين، بيد أن صعوبة المواصلات في ذلك العهد كانت سببا لعدم استمتاع سائر ~~أنحاء القطر بما تتمتع به القاهرة والإسكندرية. وكان للوجه القبلي نصيب ضئيل من التعليم، ولم يكن ~~يفد على القاهرة منه غير بعض الطلبة الذين كانوا يقبلون على المراكب النيلية إلى الأزهر الشريف ~~للتزود من العلوم الدينية التي كان قاصرا عليها. # وظلت الحالة العلمية في البلاد تسير ببطء بعد عهد المغفور له إسماعيل باشا الخديو، الذي أسس ~~مدرسة الأنجال التي كان التعليم فيها وقفا على أبناء الذوات والأعيان، ولم يكن لأبناء الفقراء ~~غير الحسرة على حرمانهم من ذلك المورد العذب. # وانحطت حالة التعليم بعد ذلك انحطاطا مريعا لولا أن عني بعض الذوات بإرسال أبنائهم إلى ~~أوروبا، وتضاعف الاهتمام بذلك حوالي عام 1908، ومنذ ذاك الوقت أخذت أنوار النهضة العلمية الحديثة ~~تشع في أنحاء البلاد، وأخذ أعيان الريفيين يبعثون ms003 بأبنائهم، وينفقون في سبيل تعليمهم بسخاء حتى ~~أصبحت البلاد ملأى بحملة الإجازات العلمية والدبلومات الدالة على النبوغ والتفوق. وكان أبناء ~~مصر في بلاد الغرب مثال الذكاء والنشاط والاستعداد الفطري، حتى حازوا عاطر ثناء أساتذة كليات ~~أوروبا وجامعاتها. وها هم اليوم أبناؤنا الذين عادوا إلينا يؤدون لمصر أجل الخدمات، ويبثون في ~~نفوس ناشئتها روح النهوض والعلم الصحيح. # إن للشرق من تاريخه القديم ومجده الذائع الذي لم يقو الحدثان على إخفاء معالمه، ما يجعل أهله ~~يرفعون برءوسهم تيها وإعجابا، وأبناء مصر أولى الشرقيين بذلك. وتاريخ مصر مفعم بصفحات الفخر، ~~وحسبنا أن يكون آباؤنا القدماء أصحاب اليد الطولى على العلم، وحسب بلادنا أن تكون منهلا عذبا ~~للواردين. وهذه عملية تحنيط جثث الموتى تشهد بذلك، فقد عجز علماء الغرب عن الوقوف على حقيقتها بعد ~~إجهاد القرائح وكدها، مع تعرفهم ببعض مواد كثيرة من عناصر التحنيط. وهذا الهرم الأكبر يدل على ~~تقدمهم في فن البناء، وما يستلزمه من العلوم الفلكية والهندسية، لأن وضعه يدل على المهارة ~~الفائقة، وعلى سعة العلم وبلوغ العقل المصري مبلغا عظيما من التفوق والإحكام. # وهناك أيضا غير الهرم قصر «لابيرانتا» بالفيوم والكرنك بالأقصر وقصر أنس الوجود والعاديات ~~والجعل الدقيقة الصنع التي تملأ دار الآثار في مصر وفي أوروبا، وكلها تدل على مدنية أجدادنا ~~وحضارتهم. # ولم يكن ذلك فقط، بل كان للمصريين من الفتوحات وقهر الأمم ما يدل على قوة جيوشهم، وحسن ~~عنايتهم بتنظيمها وتدريبها وإعداد عدتها، ولا ننسى الأساطيل المصرية التي كانت تخوض في أيامهم ~~عباب بحر الروم وقد وصلت في عهد رعمسيس الأكبر إلى المحيط الهندي. # وكانت مصر في عهدها القديم ينبوع حكمة وفلسفة، استقى منها فلاسفة اليونان وحكماؤهم، وأطلق ~~عليهم بذلك - وبغير إنصاف - آباء الفلسفة ومعلموها الأولون، وكان أساتذتهم المصريون أحق منهم بذلك ~~وأجدر. # وكانت المرأة المصرية أيضا موضع احترام الرجال، وكانت حائزة لجميع حقوقها، وقد تولت الأمر ~~وتربعت على دست الحكم، وكان لها النهي والأمر. ومما يدل على رقيها المدهش أن أحد علماء العاديات ~~في إنجلترا حمل إحدى ms004 الموميات إلى لوندرا من مصر، ولما فض تابوتها واطلع على أوراق البردي ~~الموضوعة مع جثتها وقرأها عرف من تاريخ حياتها أنها كانت من أعضاء نقابة «صناع الفطير». ومن هذا ~~يتبين لنا أن المصريين سبقوا الغربيين في تأسيس النقابات وفي تقديس مركز المرأة في الهيئة ~~الاجتماعية، وغير ذلك مما لم يصل علمنا إليه. # فنحن إزاء نهضتنا اليوم لتحصيل العلم إنما نعيد سيرة آبائنا الأولين، وسنرد مجدنا القديم الذي ~~طويت صحائفه وكاد يودي به تأخرنا وتقاعدنا، وتركنا حبل شئون الحياة على غاربها. # وليس يخفى فضل العلم في إحياء الأمم وجعلها موضعا للاحترام والتبجيل، وقد وجهت الحرب الحديثة ~~نظر المصريين إلى تلك المخترعات العلمية المدهشة والأساليب الفنية العجيبة التي أظهرها الغربيون، ~~ومنها تلك الطائرات التي كانت تحلق في الأجواء وتروع الطير في السماء، والغائصات التي كانت تسبح ~~في جوف الماء فتفر منها الأسماك، والمفرقعات التي كانت تخر منها الجبال، والمدافع الضخمة ~~والدبابات التي كانت تأتي على الحصون، والتلغراف والتليفون اللاسلكي الذي أدهش العالم بنقله ~~الأصوات، والكهرباء التي تضيء بمجرد إدارة زرها، وحاكي الصدى، والسيارات، وغير ذلك من مدهشات ~~القرن العشرين. وقد عرف المصريون بذلك فضل العلم فالتمسوا حياتهم من طريقه، ووجهوا بأبنائهم ~~لموارده الصافية. فهم إن طلبوه اليوم فإنما يطلبون ما كان ميزة لأجدادهم من قبل، وكل من سار على ~~الدرب وصل. ~~(1) الهجرة في سبيل العلم # قال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «اطلبوا العلم ولو بالصين»، وقد حث بذلك على الجهاد والهجرة في سبيل ~~العلم، ولم يكن في ذلك الوقت أبعد من الصين على طالبها، فكانت غاية مرحلة أهل الدنيا، وذلك ~~لجلال العلم وتفرده بخلق حياة الأمم ورفع قيود الجهالة عنها. # وقد كانت المرأة المصرية فيما مضى من أيامنا الأخيرة جاهلة لا تعرف للعلم قيمة ولا معنى، ~~فكانت تضن بفلذة كبدها على أن يحمل مشقة الهجرة في سبيل العلم ليعود إليها حيا بعد موته، ~~وعالما بعد جهله، ونبيها بعد خموله، وقد كان يسرها أن يلبث بجانبها عالة على أهله وأمته من ~~أن يرتحل ms005 عنها ليعود إليها عالما كبيرا. وكانت المرأة لها العذر في ذلك، لأن الظلام الذي كان ~~مخيما على عقلها كان يحجب عنها نور الحياة، ولا تستطيع أن تصدر حكما على شيء لم تره بعينها. ~~ومن نشأ في الظلام ألفه وأصبح لا يفرق بينه وبين النور، وحسبك بالخفاش مثلا. # أما اليوم فقد تنبهت المرأة وعرفت قيمة العلم، وملأ قلبها حب الوطن بفضل هذه النهضة ~~الحديثة، فأصبحت تشارك الرجل في رأيه وجهاده وأمانيه القومية، وتبحث بنفسها وراء الطريقة التي ~~توصلها إلى توجيه ولدها إلى الغرب ليتعلم ويعود فيكون رجلا نافعا لبلاده وأمته. وأصبحت ترى ~~أكثر المصريات يعلمن أولادهن في المنازل، ويرضعنهم ثدي العلم والمعرفة، وينبهن قلوبهم ~~الصغيرة، ويفتحن آذانهم لمعانيه الجميلة، ويوجهن بنفوسهم للهجرة في سبيله، ولذلك أخذت الأمة ~~تصعد سلم الرقي ببركة تعليم المرأة، وبفضل معرفة الأمة قيمة العلم وأثره الجليل في حياة ~~الشعوب ومنعتها. # والآن أصبح الرجل والمرأة سواء في سبيل تعليم الأبناء وتثقيف عقولهم، ليكونوا أساسا ~~لتشييد مستقبل بلادهم وثمرة لذيذة تجنيها مصر من غرس يدها المباركة. وما دامت المرأة تعمل من ~~ناحيتها والرجل يعمل من ناحيته، فلا تعجب إذا رأيت البلد تزدهر بشبابها والحياة تنمو بأرجائها، ~~فإن البلاد جسم والشباب روحه، والعلم غذاء تلك الروح. ~~(2) الجهاد العلمي # من دلائل نهضتنا الحديثة المباركة شغف الشبان بطلب العلم واهتمامهم بأمر مستقبلهم. والأمة ~~التي تقدر شبيبتها العلم قدره وتجاهد في سبيله إنما هي أمة تشيد مستقبلها على أساس لا ينهار ~~بناؤه. # ولقد أخذ الشباب المصري يهاجر من وطنه في الأيام الأخيرة مجاهدا في سبيل العلم، مستسهلا ~~المصاعب، هازئا بالمتاعب، منبثا في أنحاء العالم، ضاربا بكل سهم في كل علم وفن وصناعة، ~~مبرهنا على أهلية الأمة للحياة الحرة وعلى حبها للتقدم. وفي كل عاصمة من عواصم أوروبا وأمريكا ~~وفي كل بلدة اشتهرت بشيء من العلم أو الصناعة أو الفنون تجد شابا مصريا مشمرا عن ساعد الجد ~~منكبا على الدرس والتنقيب والبحث منصرفا بكليته للتحصيل، حتى تكاد تخاله جنديا في ميدان ~~القتال ولا سلاح ms006 في يده غير القلم، ولا ذخيرة غير المداد والرغبة، ولا عدو غير الجهالة، ولا ~~غاية غير العلم، والعلم باب لكل غاية شريفة، وعدة للحصول على كل أمل مفقود، والأمم التي لا تعرف ~~قيمة العلم لا تعرف قيمة الحياة. ونصيحتي الخالصة لأمتي المحبوبة، أمة الأمس المجيد واليوم ~~السعيد والغد المنشود، أن تجعل كل وجهتها في سبيل العلم وأن تجعل للصنائع المفقودة والفنون ~~العالية نصيبا من جهادها العلمي، حتى تستكمل عدة نهوضها من كل ناحية فلا يشوبها نقص ولا ~~يعتورها ضعف، وأن تجعل للآداب العالية والأخلاق الراقية نصيبا من العناية وحسن الالتفات، وأن ~~يضاعف المجاهدون في سبيل العلم من شبابنا الحي الحريص على وقته جهودهم حتى لا تفوتهم ثانية من ~~وقتهم الذهبي. وأما من لها واستكان إلى حظ نفسه فالأمة براء منه وحسبه الله في وقته الذي يضيع ~~وزمنه الذي ينفق وعمره الذي يذهب سدى، ولله در أمية ابن الوردي حيث يقول: # حبك الأوطان عجز ظاهر # فاغترب تلق عن الأهل بدل # فبمكث الماء يبقى آسنا # وسرى البدر به البدر اكتمل # في ازدياد العلم إرغام العدا # وجمال العلم إصلاح العمل # فاهجر النوم وحصله فمن # يعرف المطلوب يحقر ما بذل ~~(3) سفر شهداء العلم والغربة # رأى شباب مصر بعد أن خمدت نار الحرب العامة أن بلاد الألمان مورد للعلم لا ينضب معينه ~~فأزمعوا الرحلة إليها، ووصلت القافلة الأولى منهم بسلامة الله ثم بعثت بالرسائل تترى لتدل الأمة ~~المصرية على قيمة العلم هنالك، فاستبق الشبان لانتجاع تلك الموارد الصافيات وأخذوا يزمون ~~حقائب الهجرة، وهمت القافلة الثانية بالإبحار من الثغر الإسكندري في منتصف مارس سنة 1920 مزودة ~~بالدعوات الصالحات من قلوب الآباء والأمهات وقد باركها الوطن المفدى. وأقلعت الباخرة «حلوان» ~~تحمل أمانة مصر وفلذات أكبادها، والبحر إجلالا لهم في سكون إلا موجات تداعب الباخرة وهي تسير ~~باسم الله مجريها ومرساها، حتى وصلت مدينة تريستا، ونزلت قافلة العلم إلى الساحل واستقلت القطار ~~بعد منتصف ليل الجمعة 26 مارس قاصدة فينا. وقد اجتمع الطلبة المصريون في مركبة واحدة كانت ms007 قد ~~أعدت لهم خصيصا وهي الثالثة في القطار، وكانت على رءوسهم الطرابيش، وعددهم نحو الثلاثين ~~طالبا. وكان الجو صافيا والنسيم منعشا، ولم يكن يسمع في سكون ذلك الليل غير أحاديث سمرهم ~~الشهية، وغير جيشان الآمال الكبار في صدورهم الفتية، ونفوسهم القوية، وكان النسيم يحمل تلك ~~الأصوات ليهديها تحية عاطرة إلى مصر العزيزة. # ولما انبلج الصبح أخذ القطار ينساب بين الجبال الخضراء والمزارع البهيجة، والوديان ~~المعشبة، والعيون المتدفقة، والطيور المغردة. وكانت قافلة مصر تكاد تتخذ من شغفها بالعلم ~~أجنحة لتصل إلى بغيتها منه، لتعود إلى وطنها كما يعود الجندي الظافر من ميدان القتال، ~~ولكن: # ما كل ما يتمنى المرء يدركه # تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ~~(4) الفاجعة الأليمة # بين تلك الآمال الواسعة وأحلام الشباب الجميلة حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد وقفت حركة ~~القاطرة عند الساعة السابعة وهي تصعد مرتفعا من الجبل لتجتاز معبرا، ثم ارتجت رجة عنيفة ~~انقبضت لها النفوس، ووقفت القلوب في الحناجر، وما هي إلا دقيقة حتى كان القضاء قد نفذ الإرادة ~~الأزلية، ووقعت الفاجعة الأليمة، فسقطت الأمتعة التي كانت مكدسة فوق أرفف المركبة على رءوس ~~الطلبة وأكتافهم وهشمت عظامهم ورضت أجسامهم الغضة وأذهلتهم حتى عن أنفسهم، وانطبقت جدران ~~المركبة وخر سقفها، فأخذوا يستنجدون وما من منجد. وما كان آلم للنفوس من أب صحب ابنه في تلك ~~الرحلة وقد حال القضاء بينهما، ولكن الأب استطاع وهو يجود بنفسه الأخير أن يخاطب ولده «عبد ~~الحميد العبد» مشجعا ببضع كليمات شدت عزمه وفتحت له منفذا إلى الحياة، وقد ذهب «إبراهيم ~~العبد» إلى رحمة ربه موقنا بسلامة ولده. وأخذ الطلبة يتبادلون كلمات التشجيع وأغمى على البعض ~~وفاضت أرواح البعض، وكانت ساعة أشد هولا من سائر الساعات. # عند ذلك أقبل الناس فأخذوا يزيلون بقايا المركبة، ويخرجون الجثث التي كانت من ساعة مملوءة ~~بالأمل والحياة، وهي بين ميت لا رجاء فيه وجريح يرجى شفاؤه، ومن سلم أكثر ممن أصيبت فيه ~~مصر، وكان عدد المستشهدين اثني عشر طالبا، عوض الله مصر فيهم خيرا! ms008 # وقد كتب «عبد الحميد العبد »، أحد الذين قدرت لهم النجاة، يصف أسباب الفاجعة فقال: «كان ~~قطارنا خارجا من نفق صعدا، يجتاز جسرا (كوبريا) على (نهر فيلا)، ولا بد له بعد اجتيازه ~~من الدخول في نفق آخر، والمسافة تبعد نحو كيلو مترين من محطة (مونتبا)، فلم يكد القطار يعبر ~~الجسر حتى صدم مركبتي بضاعة محملتين خشبا وكانتا قد انحدرتا من محطة (مونتبا) وخرجتا من ~~النفق بقوة الانحدار. ولا تزال مسألة انحدارهما من المحطة سرا مجهولا، ويظنون أن لصوصا ~~كانوا يحاولون سرقة ما فيهما من الخشب، والله أعلم. ولو حصل التصادم على الكوبري قبل أن تعبر ~~القاطرة لما قوي على احتمال الصدمة، وكان انقلب وتدهور إلى أسفل الوادي، وارتفاع هذا الكوبري ~~خمسون مترا. ومن غريب الصدف أن المركبتين السابقتين لمركبتنا لم تصابا بضرر يذكر، وأن ~~المسافرين الذين كانوا فيهما نجوا من الموت، ومع أن مركبتنا جاءت بعدهما فقد كان نصيبها أن ~~تتداعى جدرانها وينحط ما فيها على المسافرين، فيقضي على نصفهم تقريبا.» # هذا هو ملخص الفاجعة. ولا شك في أن مصاب مصر في هؤلاء الشهداء كان نكبة عظيمة، لأن الجهاد ~~في سبيل العلم أفضل وأشرف من الجهاد في سبيل الحرب، ولأن الذي يجاهد في مقاومة عدو داخلي أعظم ~~ممن يجاهد في مقاومة عدو خارجي، والجهل أشد فتكا بنفوس الأمم من كل عدو خارجي، ولا يمكن دفع ~~العدو الخارجي إلا بمجاهدة العدو الداخلي أولا. ولذلك ما كادت تحمل الأسلاك البرقية خبر ~~الفاجعة حتى عم الحزن وشاع الأسى، وانقلبت مسرة النفوس آلاما موجعة، وأخذ الناس يعزون بعضهم ~~البعض، ولبس الشباب شارات الحداد. وسنأتي على وصف ما قامت به الأمة الإيطالية المجيدة من العطف ~~والمواساة التي تذكرها لها مصر أبد الدهر. ~~(5) مناجاة الشهداء # للأمم الناهضة كما للأفراد مفاجآت من الألم تتخلل لذة الأمل، تنزلها بها الأيام لتختبر ~~صدق عزيمة أبنائها وتقف على مبلغ إرادتهم، وما في طوقهم من الشجاعة الأدبية والقوة النفسية، ~~ومقدار جلدهم على الصبر في مكافحة الحوادث الطارئة، وفي تلك التجربة يكون برهان ms009 الأمة على ~~مكانتها من العلم والرقي وموضعها من الحياة والأخلاق. # وتنزل النكبة بالأمة فتهز أعصابها هزا عنيفا، تكاد تنفطر له المرائر جزعا، وتنشق له ~~الأكباد هلعا، وتطير منه النفوس حسرة، وتمزق القلوب لوعة. ولكن الأمة الحية الناهضة ~~الصادقة في جهادها لن يكون هذا مظهرها مهما اشتد الأمر، وإلا لكانت مثلا يضرب للضعف والوهن، ~~وإنما تلقى المصائب بصبر وأناة يهونانها، وتعمل جهدها لتتخذ من النازلة قوة، ومن الفاجعة ~~حياة، وتستمد منها ما يعينها على المضي في سبيلها بشجاعة وثبات بين إعجاب الأمم وإكبار ~~الشعوب. # وقد قضت المشيئة الإلهية أن تصاب مصر في رهط من فلذات أكبادها وجماعة من طلاب الحياة لها، ~~تستقبلهم وهي تحمل شارات الحداد، وقد ملأ الأسى نواحيها، وارتدى شبابها السواد، وانطلق الحزن ~~الصامت فما وجد بسمة في ثغر إلا وأطفأ نورها، خشوعا لجلال الفاجعة وألمها، وهيبة للإرادة ~~الإلهية التي قدرت لمصر أن تصاب، وأشفقت بها فألهمتها من الرزانة ما يكفل لها الصبر ~~الجميل. # أي أبناءنا الشهداء # لقد رفعتم مكانتنا أحياء وأمواتا، وجعلتم الأمم تبادلنا عاطفة الإخاء، وأكسبتمونا ~~مودتها. # إنكم ذهبتم تحملون باقات الآمال الناضرة فأذبلها القدر في أيديكم. # إن الموت أطفأ بكم اثني عشر كوكبا كانت سماء مستقبل مصر أحوج ما يكون إليهم، ولكنه أطلع في ~~الأمة الناهضة بموتهم ألوفا، وزادها بفجيعتها فيهم إقداما وقوة ... # أي أبناءنا الشهداء # إنكم كنتم تريدون الحياة فلقيتم الموت، وكنتم تريدون للوطن الخير فأراد الله أن يحقق صدق ~~نواياكم، فجعل لمصر الخير في حياتكم وموتكم. # لولاكم أيها الشهداء ما عرفنا مكانتنا من قلوب أمة الطليان المجيدة، لولاكم ما خرج أبناء ~~تلك الأمة زرافات ووحدانا، نساء ورجالا، إلى ساحة أودين وهم يحملون أعلامنا وأعلامهم، ~~ويمشون بباقات الزهر الجني ليشيعوا جنازتكم إكراما لمصر. # لولاكم ما وقف خطباء الطليان يذكرون مجد مصر ويترنمون بكرم مصر ويعزون مصر فيكم. # لولاكم ما فاضت أعمدة صحفهم بأنهر الإخلاص المحض، ولا حملت فضليات سيداتهم وأوانسهم الأزاهر ~~تهديها لجرحانا، عربونا للصداقة المتبادلة التي تربط قلوب الأمتين، وإن كانت هذه شرقية وتلك ms010 ~~غربية. # لولاكم ما رأى العالم تلك الشجاعة الأدبية النادرة التي أظهرها إخوانكم الذين أبوا أن ~~يتخلفوا عن الهجرة بعد الفاجعة، وأبى عليهم إقدامهم إلا أن اخترقوا الطريق نفسه حبا في العلم ~~والوطن، ولسان حالهم ينشد: # سأبذل في سبيل العلم جهدي # ولا أخشى منازلة الليالي # فإما والثرى وأصيب مجدا # وإما والثريا والمعالي # وقد سمح الآباء لأبنائهم وهم حبات قلوبهم وأشطر أرواحهم، أن يسافروا وكلهم اعتقاد وإيمان ~~بأن سلامة الوطن فوق سلامة النفس والمال والولد. # أي فخر يحمله آباؤكم وأمهاتكم أيها الشهداء اليوم، وهم يرون الأمة على بكرة أبيها من أمير ~~ووزير وكبير وصغير تشاركهم الأسى، وتعقد الموكب الرهيب، الموكب العلمي التاريخي، الموكب الذي ~~يشترك فيه الشعب لتمجيد ذكرى شهدائه؟ # يا ليت لي ولدا بينكم أيها الشهداء! # طوبى للذين يموتون في سبيل العلم والوطن، فيحملون هكذا إلى مضاجعهم الأخيرة! # إن تاريخ مصر الحديث سيكون فيه صفحة من النور تحمل اثني عشر اسما لكواكب هوت من عالم ~~الفناء لتتألق في عالم الخلود، وتلك هي أسماؤكم يا شهداء العلم. # فعزاء أيتها الأمة الناهضة في أبنائك البررة الشجعان المجاهدين الذين كانوا يحبونك ويخلصون ~~لك، وفي سبيل حياتك تحملوا آلام الغربة، ومشقة الهجرة ومضاضة الفراق. وفي سبيلك استشهدوا، ~~ليشهدوا الأمم على حياتك النامية وعزيمتك الماضية. # أما أنتم أيها الشهداء، فقد أديتم الواجب، ولن ينقص من جهادكم مباغتة الأجل، وكفاكم فخرا ~~وإكبارا أنكم هاجرتم في سبيل العلم والوطن وقلوبكم مملوءة بالأمال لأمتكم والمحبة ~~لوطنكم. # ناموا مطمئنين تحت ظلال الرحمة، فقد عدتم للأرض التي بارك الله فيها، الأرض التي تستريح ~~فيها جنوبكم. ولتشهد أرواحكم على أننا لن نخلف ما عاهدتمونا عليه من متابعة السير بثبات وإقدام ~~حتى تنتهي مرحلة الغرس ويأتي يوم الحصاد. # فناموا مطمئنين بجوار الله لتحيوا هناك حياتكم الروحية. # طوبى لشهداء العلم والوطن! ~~(6) الرابطة القومية # يضمنا وطن تدنو بنا لغة # يظلنا علم بالحق نرعاه # شهد العالم في تاريخ النهضة المصرية مشهدا رائعا من الارتباط القومي الذي جمع عنصري الأمة ~~ومزج قلبيهما بعد سحابة صيف من التنافر ms011 أزجتها الأغراض السيئة، فما لبثت أن انقشعت من سماء ~~مصر وعادت إلى القلوب موداتها. ولن ينخدع الشعب بالسراب مرة أخرى، لأنه عرف أن حياته في ~~ارتباطه، وقوته في اتحاده، ونصرته في اجتماع كلمته، فكان كذلك وكانت آية نهضة مصر وشعار الحياة ~~فيها. # وشاء الله أن تبعث هذه الأمة فتمكن الاتحاد من قلوب أبنائها، وجعله عقيدة راسخة إلى ~~الأبد ورابطة لا يفصمها غير الموت، ورجع الأخ إلى أخيه ليبقي بيت أبيهما النيل وأمهما مصر ~~عامرا. # والدين دين الله في ملكوته # والنيل للأقباط والإسلام # علم الشعب أن الدين عقيدة روحية، وأن الدين المعاملة، وأن الله لم يخلق الأديان لتفرق بين ~~الناس، وأن المسجد معبد لله، وأن الكنيسة معبد لله، وأن الوطن للجميع؛ فاتخذوا دين عيسى ودين ~~محمد عقيدة خاصة بالأفراد، وجعلوا دين الوطن عقيدة يشترك فيها الجميع ... ودين المسجد والكنيسة ~~يحض على الفضائل وعلى الحب وعلى المساواة وعلى نبذ الرذيلة وعلى الإخلاص في عبادة الله وعلى ~~معاملة الناس بالمعروف وعدم الاعتداء على حقوقهم. # ودين الوطن يدعو للعلم والعمل والشهامة والإقدام والاتحاد والنصيحة والاقتصاد والدفاع عن ~~الشرف وحب الخير للوطن والعمل لرفع شأنه وتشييد مجده. ولقد ظهرت رابطة الشعب يوم تشييع جنازة ~~الشهداء، فاشترك أبناء الوطن الواحد في المصاب العام، وسارت المواكب تتدفق لا يميز فيها بين ~~الأخ وأخيه غير علم خاص يدل عليه. ولم يكن أشد أثرا في النفوس من مظهر الشيوخ والقساوسة، وقد ~~ساروا مندمجين في بعضهما البعض، يرمزان للوحدة الوطنية والرابطة القومية كأنهما رقعة ~~الشطرنج. # الصورة الرمزية للرابطة القومية # وفي هذه الصورة الرمزية لمقابر الشهداء تجد رمز الاتحاد في الحياة وفي الموت، فإنك تجد ~~المسجد مجاورا للكنيسة وتجد مقابر الشهداء الاثني عشر من مسلمين وأقباط ماثلة أمامك وعليها ~~الألواح بأسمائهم وقد هبط ملك من السماء ليضع باقة من الزهر على تلك المقابر، وهي رمز للرحمة ~~الإلهية الشاملة التي اختص الله بها عباده الشهداء. # وسيجد القارئ بين دفتي هذا الكتاب وصف مواكب الشهداء في الإسكندرية ومصر وطنطا ودمنهور ~~وميت غمر، وصورهم، ms012 ولمعة من تاريخ حياة كل منهم، وما أقيم لرثائهم من الحفلات، وما كتبته ~~عنهم الصحف، وما نظمه في فاجعتهم الشعراء، ونثره الكتاب؛ لتكون هذه الصحائف بمثابة ~~ذكرى خالدة لجهاد مصر العلمي. # التمثال الرمزي لنهضة مصر لحضرة الأستاذ الفني الحفار الشهير ذائع الصيت محمود مختار ~~أفندي # التمثال الرمزي لنهضة مصر. # وإنه ليبهج نفوسنا أن تكون أيامنا أيام نهضة قوية، وأيام إحياء لمفاخر أجدادنا وآثارهم ~~الفنية الخالدة، وهذا الأستاذ النابغة المتفنن محمود مختار أفندي قد حفر لأبي الهول تمثالا ~~جعله رمزا خالدا لهذه النهضة المصرية المباركة، فراقنا أن نزين به صفحات الكتاب وأن نضم ~~إليه صورة حفارنا النابغة وأن نضيف إليه الأهرام ليكون رمزا تاما لمفاخر مصر القديمة ~~ومفاخر مصر الحديثة. والله المسئول أن يكلل مساعينا لخدمة وطننا المحبوب بالنجاح، وأن يرزقنا ~~الإخلاص وييسر لنا ما تعسر من أمورنا، إنه سميع مجيب. # فرج سليمان فؤاد # بمصر ~~(7) حضرة صاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون: رئيس شرف حفلة تشييع جنازة شهداء العلم والغربة ~~بالإسكندرية # حضرة صاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون باشا. # أكلما ناب خطب قيل «يا عمر» # كأنما «عمر» من جنده القدر # وكل خطب دجا يبدو له «عمر» # كأنه الشمس للآفاق والقمر # البدو تسأله والمدن تأمله # فيرتوي من يديه البدو والحضر # لو كان في زمن القرآن إذ نزلت # آياته أنزلت في مدحه السور # فلا عدمنا هبات منه واكفة # لم يسقنا مثلها من كفه المطر # إبراهيم سليمان # أحد علماء معهد الإسكندرية ~~••• # عندما طير البرق خبر الكارثة الأليمة المحزنة التي استشهد فيها اثنا عشر طالبا ~~مصريا، قامت نخبة من أفاضل الأمة المصرية العاملين وقررت تشكيل لجنة لتشييع جنازة شهداء العلم ~~والغربة في مدينة الإسكندرية، تحت رعاية صاحب السمو الجليل عمر طوسون باشا، وبرئاسة حضرة صاحب ~~السعادة المفضال والشيخ الوقور أحمد يحيى باشا، وحضرة صاحب السعادة المفضال محمود باشا الديب ~~وكيلا، وبعضوية حضرات أصحاب السعادة والعزة الأماجد عبد الله باشا الغرياني، ومحمد بك فهمي ~~الناضوري، وعبد العزيز بك الحديني، ومحمد بك الكلزه، والسيد بك مرسي، ومصطفى ms013 بك الخادم، ورمضان ~~بك يوسف ، وإبراهيم بك سيد أحمد، والدكتور أحمد عبد السلام، وسليمان أفندي أنطون، وعبد الحليم ~~أفندي جميعي، وأحمد بك زكي، والدكتور ظيفل بك حسن، وفهمي بك غانم، وسعيد بك طليمات، وصادق أفندي ~~أبو هيف؛ لأجل تنظيم وتنسيق جنازة شهداء العلم والغربة الطلبة المصريين المتوفين في حادثة ~~صدمة قطار سكة الحديد بين حدود إيطاليا والنمسا ببلدة «مونتبا». فإزاء هذه الهمم العالية ~~والأريحية لا يسعنا إلا أن نسدي حضرات أعضاء لجنة الإسكندرية الشكر الجم والثناء العظيم، ~~وخصوصا صاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون، وحضرة صاحب السعادة الشيخ الوقور أحمد يحيى باشا. ~~وسنذكر تشييع الجنازة وما قامت به هذه اللجنة المباركة بالتفصيل. # واعترافا بما لصاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون من الأيادي البيضاء والمنن الغراء ~~والمآثر الفيحاء على سكان وادي النيل؛ قد أتينا على لمحة من تاريخ حياته المجيد. # فذلكة تاريخية للأمير # لا نقصد من هذه اللمحة مدح الأمير فهو غني بصيته الذائع وشهرته الواسعة عن المدح ~~والإطراء، ولكن اعترافا بشيم الأمير وشمائله العالية نكتب ترجمته للأمة والبلاد ليكون لها من ~~تاريخ حياته الحافل بجلائل الأعمال نبراس يضيء لها طريق المجد الصحيح ومحبة الخير للخير. وفي ~~اعتقادنا أن ترجمة الأمير أكبر درس للذين يرون في مجد الحسب والنسب كل الفخر، وفي المال ~~الموروث عن الآباء والأجداد غنى عن كل منقبة تكسبهم مجدا جديدا وذكرا حميدا. # بسطنا هذه المقدمة ليعرف الأمير قصدنا من ترجمته، وأننا لم نعد ما في نفسه، ولم نتجاوز ~~غرضه، وليكون القارئ على بصيرة من الغاية التي حدت بنا إلى ذكر هذه السيرة الشريفة. # مولد الأمير # ولد الأمير عمر بن طوسون بن سعيد بن محمد علي الكبير بالإسكندرية في 8 سبتمبر سنة ~~1872م، وتوفي والده وهو في السنة الرابعة من عمره فكفلته جدته لأبيه خير كفالة، وعنيت ~~بتربيته هو وإخوته أجل عناية، فنبت نباتا حسنا وشب على الكمال خلقا وخلقا. ودرس ~~مبادئ العلوم على أساتذة قصر والده إلى أن بلغ الحلم، فنزح إلى سويسرا ودرس فيها دراسة ~~مستفيضة. ms014 ولما تخرج تاقت نفسه إلى السياحة، فرحل إلى إنجلترا وفرنسا باحثا مدققا، معتبرا ~~بما هنالك من تقدم اجتماعي وعلمي وصناعي وزراعي، ثم قفل إلى الديار المصرية حاملا بين جنبيه ~~همة عالية ونفسا ذكية، وقلبا ألمعيا، وأدبا عبقريا. وهو يجيد اللغة التركية، ~~والعربية، والفرنسية، والإنجليزية، قراءة وكتابة، ويشارك في مختلف العلوم مشاركة تدل على ~~سمو مداركه، وسعة معارفه، وقد نال من الرتب والوسامات المصرية أسماها وأعلاها. واقترن بإحدى ~~كريمات الأمير حسن باشا ابن الخديو إسماعيل، فرزقه الله منها النجباء والنجيبات من البنين ~~والبنات، وسعادتهم بتثقيفه وتعليمه لهم تتفق مع سعادة طالعهم وتبشر بأنهم سيطلعون نجوم سماء ~~ويسطعون كواكب علاء. # وللأمير ولع بالفروسية وكل ما يؤدي إليها، فلذلك كانت دائما جميع أندية الرياضة في ~~البلاد ملحوظة بجميل رعايته، كمضامير السباق في الديار المصرية فهو رئيسها منذ أمد بعيد، ومن ~~أكبر المنشطين لها، كما له ولع قديم بالصيد والقنص جعله من أمهر الرماة. واكتسب الأمير ~~من وراء هذا الميل الغريزي فيه صحة ونشاطا، ينطقان بفوائد الرياضة بأفصح لسان، فهي لا تدخل ~~في باب اللهو كما يظن عامة الشرقيين، بل هي إلى الجد أقرب لعودها على الصحة بأجل الفوائد، ~~والصحة ملاك الحياة، وعليها ينبني العلم والعمل، وما يعمله الصحيح في يوم لا يقدر عليه السقيم ~~في أيام، كما أن العقل السليم في الجسم السليم. # ومنذ بلغ أشده جعل نصب عينيه أن يقبض يوما ما على زمام دائرته ويدير شئونها بنفسه، ~~فانكب على التمرن وكان من وقت لآخر يطوف مزارعه الواسعة، وينعم النظر في كتب الفلاحة، ~~ويعنى بالوقوف على أسرارها وأصولها العملية، كما يعنى إذا رجع إلى ديوان دائرته بالشئون ~~الإدارية والمالية، ولما كملت أهليته تولى أمره بنفسه، وقد أصبح الآن ممن يشار إليهم بالبنان ~~في سعة الاطلاع على العلوم الزراعية والمعاملات المالية. # وعهدت إلى إدارته بعد دائرتان من أكبر الدوائر، وهما دائرة الأمير حسن باشا وزوجه ~~الأميرة خديجة هانم، ودائرة الأمير محمد إبراهيم، فتبرع بإدارة شئونهما غيرة منه على مصالح ~~المستحقين فيهما من أبناء ms015 أسرته الكريمة، وأبى أن يأخذ على ذلك أجرا، وطالما كلفه الطواف على ~~مزارع الدائرتين ورعاية مصالحهما مالا، فتأبى نفسه الكريمة إلا أن يكون على حسابه الخاص، فهو ~~يضحي بالكثير من وقته وماله في سبيل منافع بعض أعضاء أسرته شأنه في محبة الخير وإسداء ~~النصيحة إلى القريب والبعيد. وقد بلغت الدوائر الثلاث بحسن إدارته أفضل المبالغ، وغدا مركزها ~~المالي ثابتا على أقوى الدعائم، ونهضت بها عزيمته نهضة جعلتها في مقام رفيع. # ومن وقف على حياة الأمير عجب أشد العجب من انكبابه على العمل دون سآمة أو ملل، فهو مع ~~أعمال الدوائر العظيمة لا ينقطع عن القراءة والدرس في مكتبته الحافلة بالنفائس، وله غرام ~~باقتناء كتب التاريخ والوقوف على آثار الأقدمين، ولا يخلو الكثير من أيامه من النظر في شأن ~~هام أو دعوة لاكتتاب أو رياسة جمعية، كما لا يخلو شهر من سفره إلى ضياعه مرة أو أكثر، وقد ~~يبقى في الأرياف أسبوعا لمشارفة الأعمال الجارية في أراضيه وأراضي الدائرتين الموكولتين ~~إليه. # والأمير بعيد بفطرته السليمة وتربيته القويمة عما يغضب الله، وهو يكره الخمر ويكره ~~شاربيها، ويعاقب من يعلم أنه يشربها من موظفيه أشد العقاب. ويجل الإسلام وأوامره، وإيمانه ~~بالله عظيم، واعتقاده فيه راسخ. يعجبه من الناس الصدق والإخلاص ويقربهم إليه أكثر مما يقربهم ~~جاههم ومناصبهم، ومحبته للمصريين تعدل محبتهم له، وهم في نظره سواء لا فرق بين مسلمهم ~~ومسيحيهم. وكثير من موظفي دوائره من الأقباط، وبينهم من بلغوا مراكز سامية وتولوا المناصب ~~العالية عنده، وفيهم سوريون وأجانب. وهو شرقي في أمياله، ويعتبر أن أكبر جزاء له من الأمة ~~المصرية على التفاته السامي نحوها وعنايته التي يظهرها في ظروف مختلفة لصالحها؛ هو ذلك الحب ~~الخالص الذي يتجلى لسموه في غدوه ورواحه، وعند كل فرصة تمكنها من إظهار ما تكنه لشخصه ~~المحبوب. وفي أيام المظاهرات الوطنية الكبرى كان يقف الجمع المحتشد تحت شرفات دائرته هاتفا ~~له داعيا، ولا ينصرف حتى يطل سموه ويحييهم، وكذلك حالهم معه في كل مشهد واحتفال. # بعض مآثر الأمير ms016 ومبراته # لا ينتظر القارئ أننا نحصي مبرات الأمير وأعماله العظيمة في هذه العجالة، وإنما سبيلنا في ~~ذلك أن نلمع إلى بعضها إلماعا ونذكر ما حضرنا منها، ليقاس عليه ما غاب عنا، فكرمه الواسع ~~لا تحضرنا عبارة تفي بالإفصاح عنه؛ فالحرب الطرابلسية إنما كانت مادتها ماله، ولو لم يسعفها ~~بمعونته وجاهه ومبرته لما أمكن أهلها الدفاع عن حوزتهم بضعة أشهر، وكذلك حرب البلقان التي شبت ~~نارها على أثر حرب طرابلس، فقد أقر فيها عين الدولة والملة، ورأس لجنة الإعانة في مصر فلبته ~~الأمة والتفت حوله، وألف اللجان في المديريات والبلدان، وكان يستندي الأكف بنفسه ~~ويخطب الخطب الرنانة في المشاهد الحفلة بالأمراء والأعيان فيجري النضار بين يديه سيلا ~~متدفقا وهو يبعث به إلى الدولة تباعا. # ولقد عرفت الدولة العثمانية مواقفه العظيمة لها في مواطن كثيرة خصوصا في هاتين النازلتين ~~وفي جمعية الهلال الأحمر، وأرادت أن تكافئه بالوسامات والرتب بل والولايات فأبى شاكرا وقال ~~إني لم أفعل غير الواجب وليس على الواجب جزاء. # هذه اللمحة قطرة من بحر جوده الفياض. وقد جئنا على ترجمة سموه بتفصيل واف كاف وما قيل ~~في سموه من القصائد الرنانة والخطب الغراء في كتابنا «الكنز الثمين لعظماء المصريين»، لأننا ~~توجنا الجزء الثاني من هذا الكتاب بتاريخ حياته العاطر أدامه الله مدى الدهر عضدا للشعب ~~المصري الكريم. # بقيت لنا كنزا ثمينا وعزة # تباهي بها أجيالنا بعد أجيال ~~(8) ترجمة حضرة صاحب السعادة الوقور أحمد يحيى باشا # رئيس حفلة تشييع الجنازة بالإسكندرية لشهداء العلم والغربة # صاحب السعادة أحمد يحيى باشا من أعيان الإسكندرية. # عظماء الرجال هم الأمثلة الحية لمعاني الإنسانية. # فالشجاعة، والحكمة، والتؤدة، والسداد في الرأي، والنبوغ في العمل، والتفاني في خدمة الوطن، ~~وحب الخير لأبناء أمته؛ كل هذه المعاني الإنسانية وهذه المعاني السامية قد نراها مكبرة مجسمة ~~حتى نكاد نبصرها بالعين ونلمسها باليد في عظماء الرجال. # تلك المعاني الشريفة وتلك الصفات الباهرة تتجلى في شخص حضرة صاحب السعادة الجليل أحمد يحيى ~~باشا، رئيس حفلة تشييع جنازة شهداء العلم والغربة بمدينة ms017 الإسكندرية. فحياة مثله من عظماء الأمة ~~يجب أن تكون أمثلة صالحة لكل من يريد أن يعبر سبل الحياة بنجاح. واعترافا بفضل هؤلاء الرجال ~~نعطر صفحات هذا الكتاب بلمحة من تواريخهم بالإيجاز حسب ما يناسب المقام، ومن أراد أن يقف على ~~جلائل أعمالهم فعليه أن يتصفحها في كتابنا «الكنز الثمين لعظماء المصريين»، بالجزء الثاني الذي ~~سيظهر إن شاء الله قريبا في عالم المطبوعات. # مولده # ولد شيخ الوطنية الجليل أحمد يحيى باشا في يوم الجمعة 5 محرم سنة 1260ه، من والدين ~~شريفين مشهورين بالمجد الأثيل والأصل النبيل والعز المنيع في مدينة الإسكندرية. وهو ابن السيد ~~محمد يحيى ابن الحاج مصطفى يحيى الذي كان قاضيا بمحكمة الإسكندرية الشرعية، ومعروف بحسن ~~استقامته وجميل نزاهته. وقد ورث الفضل عن أسلافه أبا عن جد، وكانوا جميعا من حملة الشريعة ~~السمحاء، مشهورين بالتقوى والصلاح والأخلاق الفاضلة والشمائل الغراء. # وكان المرحوم والده باشمهندسا للترسانة أيام المغفور له «محمد علي باشا الكبير»، وهو من ~~تلاميذ الإرسالية الأولى التي كان بعث بها محمد علي إلى أوروبا، والتي كانت مؤلفة من خمسة من ~~أبناء وجهاء القطر، اثنين من الإسكندرية أحدهما السيد محمد يحيى، وثلاثة من القاهرة. وكان ~~والد صاحب الترجمة قد لقنه اللغة الطليانية فضلا عن العلوم الابتدائية، فساعده ذلك على ~~سرعة تعلم اللغة الفرنسوية في فرنسا، حيث كان نصيبه تلقي العلوم البحرية بها في مدينة ~~«طولون»، فلما عاد إلى وطنه - كما تعود الوديعة لصاحبها سالمة - ألحق بالترسانة، ولم يزل ~~يرقى فيها حتى بلغ درجة باشمهندس في الترسانة، فلما انتقل المرحوم «محمد علي باشا» إلى ~~رحمة الله وتغيرت حالة الترسانة تركها واشتغل بالتجارة. # حياته الدراسية # تلقى صاحب الترجمة أحمد يحيى باشا العلوم الأولية بمكتب الشيخ محمد أبي النصر ~~بالإسكندرية، وحفظ على شيخه المذكور القرآن بتمامه وجوده تجويدا حسنا، وأتقن علم الحساب. ~~فلما بلغ الثانية عشرة من عمره اشتغل مع المرحوم والده في محل تجارته فأتقن علم الحساب ~~التجاري، واستنجبه والده ففتح له محلا تجاريا في سنة 1275ه لتجارة الأجواخ والحرائر ~~والأصواف ms018 وما شاكل ذلك. ولم يمض على اشتغاله بمحل تجارة والده سوى تسع سنوات وتوفي والده، ~~فانفصل صاحب الترجمة عن إخوته وانفرد بمحل تجارته على حدة. # شهرته التجارية # ولما اشتغل بإدارة محل تجارته على حدة كثرت أعماله واتسعت دائرة علاقاته، وعرف بين ~~الناس بالاستقامة والنشاط والمقدرة والكفاءة. ونبغ في سائر فروع الحياة العملية، لأن الله قد ~~من عليه بعقل راجح وجنان ثابت حتى وثقت به دوائر الحكومة، فكان ينتدب لعضوية المجالس ~~بالمحاكم المختلطة والمجالس الحسبية ومراجعة عوائد الأملاك ونحوها مع استمراره على مباشرة ~~أشغاله التجارية الواسعة. وما زال كذلك حتى اعتزل التجارة وتفرغ لأملاكه الواسعة بالمدينة، ~~ولكنه استمر مثابرا على مباشرة الشئون العمومية، فنال فيها ثقة مواطنيه لما له من الخبرة ~~وقوة العارضة والمقدرة على خدمة مواطنيه بما يذكره له التاريخ أمد الدهر. وقد انتخب عضوا ~~بمجلس بلدي الإسكندرية، ومجلس شورى القوانين، وانتخب رئيسا لجمعية العروة الوثقى خلفا ~~لصاحب الدولة محمد سعيد باشا. واعتنى كل الاعتناء بتربية نجليه الكريمين حضرتي صاحبي ~~السعادة أمين يحيى باشا وعبد الفتاح يحيى باشا وكيل وزارة الحقانية، وهذه أكبر خدمة للأمة ~~التي يقوم سعادتهما بخدمتها وينسجان على منوال أبيهما في عمل الخير والمعروف، و«من شابه أباه ~~فما ظلم». # وقد يرى القارئ الكريم هذه الأعمال بالتفصيل في الجزء الثاني من كتابنا «الكنز الثمين ~~لعظماء المصريين»، وهذه لمحة وجيزة ذكرناها للأمة من تاريخ حياته المجيد. # اهتمامه بحفلة تشييع جنازة شهداء العلم والغربة # وقد اهتم حضرة صاحب الترجمة بتنسيق وترتيب حفلة تشييع جنازة شهداء العلم والغربة في مدينة ~~الإسكندرية اهتماما عظيما، حتى كان يخيل للإنسان أن المدينة وشوارعها ومنازلها لابسة ~~ثوب الحداد على أولئك الشهداء الأطهار البررة. وسار الموكب بين التجلة والاحترام كأن على ~~رءوس المشيعين الطير، وذلك بفضل همة صاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون باشا وصاحب الترجمة ~~وحضرات أعضاء لجنة الاحتفال. وسترى تفصيل تشييع هذه الجنازة في غير هذا المكان. # | تواريخ حياة الشهداء # لقد كانت حياة الشهداء كأعمار الزهر أو كالفجر البهيج، وكانوا كالأنجم التي لاحت في ms019 سمائها، ~~وما هي إلا أن تلألأت فأضاءت ما حولها فهوت في ظلمات الأبدية. وقد جاء أولئك الشهداء إلى العالم ~~ليعطروا نواحيه بتلك الأيام القلائل التي أقاموها بيننا ثم استردتهم السماء وتركت أجسادهم في ~~ثرى مصر لتعطر بهم موقف الحشر في يوم البعث العظيم. # المرحوم أحمد طلعت أسعد من القاهرة. # بيد أن تلك الأعمار القصيرة لا تخلو من حسنة تذكر فتؤثر من ناحية الاجتهاد في تحصيل الدرس ~~ومن ناحية مكارم الأخلاق، ولهذا نسوق هنا لمعة من تاريخ كل من شهدائنا ليكون مثلا صالحا لمن ~~يطلع عليه من الشباب المصري المبارك، وليكون أيضا تذكارا خالدا لأبنائنا الذاهبين. ~~(1) ترجمة أحمد طلعت أسعد ~~(1-1) مولده # ولد الشاب الذكي المرحوم أحمد طلعت أسعد بمدينة الزقازيق في 11 أغسطس سنة 1902م، وهو ~~نجل المرحوم محمد بك أسعد الذي كان مأمورا بالدائرة السنية. وتوفي والده وهو في سن ~~الحادية عشرة، فتكفل بتربيته حضرة عمه صاحب العزة القائمقام أحمد بك أسعد وتبناه هو وإخوته ~~الثلاثة، وكان الفقيد أكبرهم سنا وأشغفهم بطلب العلم والتطلع إلى الآمال الكبيرة، وتوسم ~~مربيه فيه النجابة فلم يقصر في الإنفاق عليه والعناية بتربيته وتهذيبه. ~~(1-2) دراسته # عندما بلغ الفقيد السن التي تؤهله لتلقي مبادئ الدراسة أدخله والده في سلك تلاميذ المدرسة ~~المحمدية الأميرية، فكان مثال الفطنة والنجابة والنشاط، وقد لبث بها حتى حاز شهادة الدراسة ~~الابتدائية. ثم التحق بمدرسة الإلهامية الثانوية، فكان موضع إعجاب أساتذتها واحترامهم، وكانوا ~~يظهرون له شيئا من العطف ويتنبئون له بالمستقبل الزاهر. وكان على جانب عظيم من الأخلاق ~~الطيبة والآداب العائلية العالية، وكان شفوقا بأشقائه شديد الإقبال عليهم بما يملأ نفوسهم ~~مسرة. وكان كل همه أن يكون ذا مركز في الهيئة الاجتماعية يمكنه من خدمة وطنه ومن العناية ~~بإخوته. # وبعد امتحانه في شهادة الكفاءة رغب في الالتحاق بمدرسة المحاسبة والتجارة المتوسطة، ولم ~~يتح له نشاطه إتمام دراسته بها لأنه كان يتوق من العلم إلى ما ينقع غلته ويشفي نفسه ~~الطموح بالمجد الشغوف بالعلاء التواقة إلى موارد العلم العذبة فانضم إلى ms020 الطلبة المسافرين إلى ~~عاصمة الألمان للدراسة، ولم يسعفه الأجل فاستشهد قبل أن يصل إلى بغيته ولم يكن يبلغ من العمر ~~أكثر من سبعة عشر ربيعا، وقد ترك إخوته يندبون شبابه، ومربيه يندب نجابته وذكاءه، ووطنه يندب ~~مستقبله ويبكي منه شابا لو عاش لكان رجلا نافعا ووطنيا مخلصا، فرحمه الله رحمة واسعة ~~وأنزله منازل الأبرار الأتقياء وعوض إخوته ومربيه فيه خيرا! ~~(2) ترجمة علي حسن البكري ~~(2-1) مولده # ولد شهيد الهمة والإقدام فقيد الشبيبة المصرية علي حسن البكري في اليوم السابع والعشرين ~~من شهر يوليو سنة 1899 بمدينة دمياط، وهو نجل صاحب العزة الوجيه حسن بك البكري نجل المرحوم ~~نعمان بك البكري سر تجار مدينة دمياط. ونشأ في مهد العز والرفاهية، متحليا بالآداب العائلية ~~العالية والأخلاق الفاضلة اللائقة بشرف بيته الكريم ونسبه الطاهر. ~~(2-2) دراسته # شب الفقيد على حب الدرس والمذاكرة، وما كاد يبلغ السابعة من سني حياته حتى أدخله والده ~~مدرسة الكتبي الأولية ثم مدرسة دمياط الأميرية، فكان لا يألو جهدا في مسابقة إخوانه والتفوق ~~عليهم في الترتيب المدرسي حتى نال شهادة الدراسة الابتدائية سنة 1914م وكان في أوائل ~~الناجحين. ثم سافر إلى الإسكندرية فالتحق بالمدرسة العباسية الثانوية، ثم انتقل طلاب تلك ~~المدرسة أيام الحرب العامة بأمر وزارة المعارف إلى مدرسة طنطا الثانوية ومنها حصل على شهادة ~~الكفاءة سنة 1916م، ولبث مستمرا على إتمام دراسته بها حتى حاز شهادة الدراسة الثانوية عام ~~1919م. وكان يميل إلى تلقي علم الطب ليخفف ويلات الإنسانية، ولكنه لم يوفق للالتحاق بمدرسة ~~الطب المصرية للحالة الاستثنائية المتبعة في قبول الطلاب فيها، ولذلك عول على دخول مدرسة ~~الهندسة مخالفا بذلك ميله الطبيعي لدراسة العلوم الطبية. # المرحوم علي حسن أفندي البكري من دمياط. # ولما سهل الله طريق السفر إلى بلاد أوروبا عاود الفقيد غرامه بدراسة الطب، واهتاجه ~~للهجرة إلى ربوع العلم في بلاد الألمان تهافت الطلبة على السفر وعرض عليه الاشتغال بالتجارة ~~ولكنه أصر على طلب العلم فلم يسع والده إلا تحقيق رغباته وإعداد ما يلزم لرحلته من ms021 مال ~~ومتاع. # وقد أصيب - رحمه الله - بمرض عضال قبل سفره بأيام قلائل، فخشي أن يتشبث والده بمنعه عن ~~السفر ويتخذ من مرضه ذريعة لذلك، فتصنع العافية وجالد مرضه بصبر يدل على صدق عزيمته وقوة ~~إرادته، ولم يعلم بمرضه غير طبيبه الذي كان يعوده ويقوم بمداواته. # وسافر الفقيد مودعا من أهله وأصدقائه، واستقل الباخرة حلوان ميما تريستا، وما كاد يصل ~~نبأ وصوله وتنتهي الألسن من حمد الله على سلامته حتى جاء خبر النعي الذي أصم الآذان وروع ~~القلوب وأذهل النفوس. # وما كاد يذاع الخبر في القاهرة حتى أقيم المأتم في منزل والده الأسيف بالمنيرة، ~~وتوافد عظماء البلد إلى تعزيته. وجاء صاحب العزة محمود بك رسمي محافظ دمياط، وعدد كبير من ~~أعيانها ووجهائها خصيصا لتقديم مراسم التعزية، وأنابت لجنة الوفد المركزية الأستاذ محمد بك ~~يوسف المحامي لتخفيف وقع المصيبة على نفس ذلك الوالد المحزون. ~~(2-3) حفلة تأبين الفقيد بمدينة دمياط # رأى أهالي مدينة دمياط تخفيفا لمصاب عائلة الفقيد وقياما بحق مواطنهم عليهم أن يقيموا ~~حفلة رثاء عامة له برئاسة سعادة المحافظ، وحددوا لذلك يوم الجمعة 10 أبريل سنة 1920م بمسجد ~~الأستاذ البدري، وما كاد يوافي الموعد المضروب حتى غص المسجد بأعيان البلد وكبار موظفيها ~~وتجارها، وكان في مقدمتهم سعادة المحافظ وسعادة عبد السلام بك العلايلي عضو الجمعية ~~التشريعية، وفضيلة القاضي الشرعي وغيرهم، وكانت صورة الفقيد مكبرة وموضوعة في صدر ~~المكان. # وافتتحت الحفلة بتلاوة آي الذكر الحكيم، وكان الجميع كأن على رءوسهم الطير من الخشوع ~~لجلال الحزن ورهبة الموت. ثم نهض الطالب الذكي محمد أفندي إسماعيل خفاجي، فألقى كلمة أفاض ~~فيها القول على همة أولئك الشبان وإقدامهم ومحبتهم للعلم، وترحم عليهم. ثم تلاه الأستاذ ~~محمد بك يوسف المحامي والعضو بلجنة الوفد المركزية، فارتجل خطابا مؤثرا أبن فيه الفقيد ~~وأظهر فداحة مصاب مصر في أبنائها الشهداء. وقام بعده الأديب عزيز أفندي يوسف فنسج على منواله، ~~ثم تلاه الكاتب الشاعر الأديب عباس أفندي شوشة فألقى هذه الخطبة الشائقة: # مراثي الشعراء والكتاب في حفلة تأبين المرحوم ms022 علي حسن بكري # ما للسماء أراها الآن قائمة # كما عهدت وما للأرض لم تمد ~~«ليت شعري، ألم يأتهما ذلك النبأ العظيم الذي أدمى المقل وأذاب المهج، ذلك النبأ ~~الذي صدع الأفئدة، وفتت الأكباد ومزق المرائر، ذلك النبأ الذي اهتزت له أركان العالم، ~~وضجت له الأفلاك في الأفلاك، نبأ كواكب مصر المنثرة، ونجومها المنكدرة، وبدورها الآفلة في ~~ليالي التمام، نبأ ذلك الجيش العرمرم الذي تجمع من زهر شباب الكنانة الناضر ليفتح لها ~~مغاليق العلوم. تجمع أولئك الأبطال ولا أغالي إذا عددتهم جيشا جرارا، فإني أعد كل فرد ~~منهم أمة بأسرها في شخص. اجتمعوا وقائدهم الحزم، وعدتهم العزم، وذخيرتهم حب بلادهم، ثم ~~ساروا ووجهتهم أمور ثلاثة: تحصيل العلم، وخدمة بلادهم بما يحصلون منه، ثم تخليد ذكر يحيون ~~به إلى الأبد، والذكر عمر لو علمت طويل! ولكن جيش المنية ربض لهم في سبيلهم، ثم أخذهم على ~~غرة، وهنا انعكست أمامهم الآية، فبلغوا الغاية الأخيرة التي ينشدونها قبل الغاية الأولى ~~التي خرجوا من أجلها، بلغوا ما كانوا يرجون لأنفسهم من الذكر الخالد وآيات الإعظام التي ~~أصبحت منقوشة في صفحات كل فؤاد، ينقلها الخلف عن السلف ما دامت السموات والأرض. ولم يبلغوا ~~ما أرادوا من نقل دار العلوم إلى بلادهم وتحليتها بها، فقضوا وفي أنفسهم من ذلك لوعة، ~~وخلفوا مصرهم وفي قلبها عليهم ألف حسرة، قضوا وهم في ميدان الجهاد بعيدين عن أهليهم، بعيدين ~~عن أبيهم النيل وأمهم مصر التي حبتهم وأحبوها حتى كانوا يطلبون لها الحياة وهم يجودون ~~بالنفس الأخير! بالله ماذا كان على المنية لو أمهلتكم أيها الشهداء، حتى تبلغوا أربكم وتبلغ ~~مصر بكم أربها؟! ولكن هكذا قضي لكم وقضاء الله إذا جاء لا يرد، ولا يؤخر الله نفسا ~~إذا جاء أجلها، ففي ذمة الله شبابكم الغض ونفوسكم الكريمة. # وإني إذا عزيت عنكم الأمة جمعاء أرى من واجبي في موقفي هذا أن أخص أبا علي، مع بقية ~~الدمياطيين، بتعزية مفردة عن ذلك الشاب الكريم النبعة، الوسيم الطلعة، العريق النسب، ~~الوافر الأدب، الطيب الأعراق، ms023 الرضي الأخلاق، المرحوم «علي حسن البكري»، وإن كانت الرزيئة ~~ليست خاصة بهم، والفاجعة غير قاصرة عليهم، بل هي مصيبة الأمة قد أصابت كل قلب فيها وليس ~~لنا إلا الصبر وملاقاة الخطوب بقلوب من الصخر، ولا تزدنا الكارثات إلا مضيا في سبيلنا ~~لتحقيق مآربنا، ولا نضع أعمارنا إلا فيما خلقنا له من العمل الصالح. # ثم أعقبها بهذه القصيدة العصماء: # أرى الأعمار ما طالت قصارا # وغول الدهر إما قر ثارا # وما من مهجة إلا ستسقى # كئوس الموت خلا أو عقارا # فلا يغررك يوم مر صفوا # فقد يوليك في غده تبارا # فما طير علا إلا تردى # ولا نجم بدا إلا توارى # وما يدري امرؤ أيان يلقى # منيته أليلا أم نهارا # وشيخا سوف يقضي أم فتيا # وفي حلب سيدفن أم بخارى # سلوا الغرباء يوم عدت عليهم # عوادي الدهر غدرا واقتسارا # أأنذرهم بمصرعهم نذير # وهل علموا لمهلكهم أمارا # لعمري كلكم سيقول كلا # ولو علموه ما هجروا الديارا # ولا أزجوا على الأمواه فلكا # ولا ركبوا على أرض قطارا # ولكن هم إلى العلياء هموا # وما أمنوا من الدهر العثارا # وكم قوم بنور العلم ساروا # وبتنا في جهالتنا حيارى # فخل الجهل يا ابن النيل إني # رأيت رضاك بالجهل انتحارا # ولا تركن إلى خدع الأماني # فقد كان الركون لهن عارا # وعهدي بابن هذا النيل فذا # إذا ما رام أمرا لا يجارى # وأن بنيه نحو المجد جدوا # وراجي المجد لا يخشى الخطارا # فجابوا للعلا هذي الفيافي # وخاضوا للعلا تلك الغمارا # فخانهم جدود الحظ فيما # رجوه وعوجلوا زغبا صغارا # وصدتهم عن القصد الليالي # فلم يلقوا بها إلا بوارا # لحاك الله يا صرف الليالي # فقد خيبت آمالا كبارا # أيا ركبا ديار العلم حجوا # فما حجا قضوه ولا اعتمارا # ويا تجر العلوم وعاشقيها # أربحا قد لقيتم أم خسارا؟ # لعمر أبي لقد نلتم فخارا # وذكرا فوق هام النجم سارا # وأنتم في المآقي قد نزلتم # وخليتم منازلنا قفارا # وفيكم خانت الأيام مصرا # ولم تحفظ لها فيكم ذمارا # فحال النيل بعدكم أجاجا # وها جناته عادت صحارى ms024 # ولم نملك عن البلوى عزاء # ولم نسطع على الخطب اصطبارا # وكم حاولت بعدكم التأسي # وأنى ذاك؟ إن العزم خارا # وكم ترجو بي الأيام سوءا # كأن لدي للأيام ثارا # وإني بين أجفاني وقلبي # غرقت بلجة وصليت نارا # وتعشى إن دجا الليل العشايا # وكدت ببلوتي أعشى نهارا # وما لي غير دعوى الله ربي # طوال الدهر طوعا واختيارا # يعوض مصر عنكم كل خير # فقد كنتم من الدنيا خيارا # ثم قام فضيلة قاضي دمياط الشرعي فألقى كلمة كانت بلسما للقلوب الكليمة الموجعة، ونهض ~~الأديب حامد أفندي الشيال فارتجل خطابا ناجى فيه أرواح الشهداء ورثى فيه صديقه البكري رثاء ~~الوفي الأمين على المودة. # وقام المرحوم الأستاذ الشيخ محمد محمد منيعم فألقى هذه القصيدة التي تفيض دموعا، وتسيل ~~حزنا: # خطوا لهم بين الكواكب مضجعا # فالقلب بات من الكوارث مترعا # خرجوا جميعا والمنية في المنى # فرمى الردى في جمعهم فتصدعا # راحوا وأنصار البلاد تزفهم # وأتوا تزفهم الملائك خشعا # ركبوا السفينة فازدهت بجمالهم # واليوم يغشاها الجلال مروعا # ظمئوا إلى ورد المعارف والعلا # فغدوا على ورد المنية شرعا # هجروا بلادهم إلى الأرض التي # يبغون حكمتها فكانت مصرعا # عهدي بهم أسد الصدام فما لهم # صدموا فكانوا للمنية مرتعا؟! # ويح الكنانة ما أشد خطوبها # وأجل حادثها الأليم وأفظعا! # ويح الكنانة ما دهى أقمارها # حتى هوت والأفق بات مفزعا؟! # ويح الكنانة ما دهى أزهارها # حتى ذوت فنعى الشبيبة من نعى؟! # خطب أجل عدا على فتيانها # فغدا بهم أمل الحياة مضيعا # خرجوا يرجون العلا وجلالها # فدعاهمو رب العلا فيمن دعا # ما خلت قبل اليوم قبرا ضيقا # يحوي الكرامة والشهامة أجمعا # يا معشر الشهداء حيوا فتية # سبقوا إلى الحسنى وسنوا المهيعا # يا معشر الشهداء خلد ذكركم # والموت لا ينفك فينا مشرعا # وتبعه الأستاذ الشيخ إبراهيم منصف فألقى هذه القصيدة: # أعزي رفاقي وأنعي الشبابا # وأطلب صبرا يوازي المصابا # مصاب شديد أثار الأسى # بكل فؤاد وأزكى اللهابا # فلا كان يوم أتانا به الن # عي ويا ليت ذا القول خابا! # تحقق صوت النعي وراح الش # باب اغتيالا ms025 ومات اغترابا # ففي رحمة الله قوم تآخوا # حياة وفي الموت كانوا صحابا # ضحية نيل العلوم قضوا # فأبكوا العلوم وأدموا الكتابا # وكانوا يرجون نيل المعالي # لخدمة قطر يخاف اغتصابا # بدمياط كانت لهم طلعة # تفوق الشموس وتعلو الشهابا # وكانوا كإخوانهم عدة # إذا ما العدو رآهم لذابا ~~«أودين» # 1 # عتابا وهل يجدي نفعا # ملالك إذ ما أردت العتابا # نفضت يديك ولم ترع وفدا # كريما ببرلين يبغي الذهابا # أقام الحمام له فيك بهوا # فسيحا وأرخى عليه حجابا # ومن لم ينله الردى فيك أضحى # عليلا طريحا يقاس العذابا # أجبت «أودين» رجاء البلاد # فبدلت حلو المعيشة صابا؟ # ولكن ثناء لأهليك يهوى # على حسن عطف أتوه احتسابا # بني مصر لا تجزعوا وابتغوا # نوال العلوم تحوزوا الثوابا # إلهي نرجو شفاء العليل # ورحمة قوم تولوا شبابا # وقام حضرة محمد أفندي الأسمر وتلا القصيدة الآتية: # أذاب القلوب وأدمى العيو # ن وأبكى الأسود مصاب جلل # وعز العزاء وضاق الفضا # ء بنار الصدور ودمع المقل # شباب مضى فقضى نحبه # غريبا قتيلا كبير الأمل # أفي كل يوم لنا حادث # من الغرب تهتز منه القلل # صبرنا على سلبه في الحمى # فمد يديه لسلب الأجل # رويدك يا غرب رفقا بنا # حنانيك أنا الرجال الأول # فجعت الكنانة في خيرها # وخير البلاد شباب العمل # وأوديت بالموت أولادها # فأمست تئن وتشكو الثكل # همو سافروا طالبين العلا # إلى أمهم فدهتها العلل # وراموا الثريا لهم مسكنا # فراحوا وكل بقبر نزل # وهم جردوا سيف آرائهم # ولكن أبى الله إلا الفلل # نودعهم حينما سافروا # وداعا يضم المنى والوجل # أحلوان # 2 # عندك آمالنا # وفوقك ذخر البلاد انتقل # أحلوان كوني ذلولا لهم # تنالي من العز ما لم ينل # أحلوان سيري بهم مغربا # وحسبك من قلبهم ما اشتعل # وإلا فحسبك من فكرهم # توقد جمر ففيه البلل # وإن شئت عندك أنفاسهم # تثور كفيزوف لما افتعل # وشقي عباب الخضم بهم # وإياك إياك بعض الزلل # سيهديك منهم بجنح الدجى # وجوه كضوء بأعلى الجبل # فطارت بغير جناح لها # على الماء بين الجوى والجذل # وسرعان ما غاب جثمانها # ففي ذمة ms026 الله يا من رحل # فما هي إلا ليال مضت # وخطب المنون عليهم هطل # نجوا من غوائل موج البحا # ر فكان الحمام لهم في عجل # وماتوا وهم فوق ميدانهم # فكل شهيد وكل بطل # رعى الله منهم يراعا مضى # ولم يمض منه انزعاج الأسل # إذا سار يوما على طرسه # رأيت الهلال ببرج الحمل # تصرفه راحة وبها # أغاظ الثريا وأبكى زحل # وما راعنا غير أم رء # وم تشق الفؤاد بشق الحلل # تنادي وتنشد بدرا هوى # دهاه الخسوف فهل من حيل؟ # تكاد تجن لفقد ابنها # أيدري الحمام بما قد فعل؟ # وما كوكب صار من مشرق # إلى مغرب الأرض إلا أفل # وكم قمر تم ريعانه # أتاه المحاق غداة اكتمل # فضجت لهم مصر جمعاؤها # وشاب الصغير فكيف اكتهل؟ # فبين صراخ وبين أن # ين وبين لهيب ودمع همل ~~••• # أحلوان جئت بشباننا # وكانوا صروحا فعادوا طلل # قفلت بهم جثثا نوما # فأين النشاط وأين الجذل؟ # وأين نداؤهم في البلا # د إلى أن رأينا العدو اختبل # ثوى كل ذلك تحت الثرى # وذلك كنز عزيز المثل # دمياط # محمد الأسمر # وتلاهم الكثيرون من الخطباء. وختمت الحفلة بتلاوة القرآن الكريم، وانصرف الحاضرون ~~يستمطرون شآبيب الرحمة على شهداء العلم ويسألون الله أن يلهم والد فقيد دمياط جميل ~~الصبر. ~~(2-4) الاحتفال بتشييع جنازة الفقيد في مدينة دمياط # كان يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شهر أبريل سنة 1920 يوما مشهودا بدمياط، لم تر ~~مثله مع كثرة ما مر بها من الحوادث أيام الحروب الصليبية وغيرها، فقد وصلت الجثة إلى محطتها ~~الساعة الواحدة بعد الظهر وحملت إلى مكان الاستراحة، وكان النعش مجللا بأكاليل الزهر ~~التي وضعت عليه عند تشييع الجثث بالإسكندرية، وكان مغطى بالعلم المصري، وموسوما بشارات ~~الحداد. # وكانت مدينة دمياط في ذلك اليوم مغلقة الحوانيت، والأعلام المنكسة مرفوعة في كل مكان، ~~وما وافت الساعة الثالثة بعد الظهر حتى احتشدت الجماهير حول منزل عبد الله بك البكري الذي ~~تبتدئ منه الجنازة، وعند الساعة الرابعة كان تابوت الجثة قد نقل إلى الشاطئ الثاني من ~~النيل، وتحرك الموكب الرهيب ms027 في صمت عميق لم تكن تسمع خلاله غير نغمات الموسيقى المحزنة وزفرات ~~المشيعين. وكان نظام الموكب يسير على هذا الترتيب: الموسيقى - عساكر البوليس - جنود خفر ~~السواحل - الخفراء - موسيقى دمياط - تلميذات مدرستي دمياط الأميرية والراهبات - تلاميذ ~~المدرسة الأميرية - نعش الفقيد محمولا على الأعناق ومحاطا بالسواري - والد الفقيد وعائلته - ~~طلبة العلم - رجال الدين والرؤساء الروحانيون - سعادة المحافظ نائبا عن عظمة السلطان - كبار ~~الموظفين - عضو الجمعية التشريعية - عضو لجنة الوفد بدمياط - وفد الإسكندرية - رؤساء المصالح ~~- أعضاء المجلس البلدي - رجال القضاء والمحامون - الأطباء - نظار المدارس ومعلموها - الأعيان ~~والتجار - النقابات بأعلامها. وكان الزحام بالغا حده والطرقات غاصة بالنساء ~~والرجال. # وسار المشهد على هذا الترتيب: من منزل عبد الله بك مخترقا شارع البحر - شارع الخمس - ~~شارع مدرسة البنات - الشارع الأعظم - شارع الحدادين - شارع سوق الجبنة - شارع القرافة، ومنه ~~إلى مقبرة عائلة الفقيد. وكان هناك سرادق فخم معد لاستقبال المشيعين فانعطفوا عليه، وهناك ~~وقف الأستاذ محمد بك يوسف المحامي فأبن الفقيد وشكر المشيعين بالنيابة عن أسرته واختص منهم ~~وفد الإسكندرية. # ثم وقف شاعر دمياط الأستاذ علي أفندي علي العزبي فألقى هذه القصيدة العصماء فاستمطر ~~الدموع وأبكى العيون، وهي: # أصاب الكنانة خطب جلل # أذاب الكبود وأجرى المقل # إرادة محتكم قاهر # وما شاء رب البرايا فعل # ومهما احتملنا من النائبات # فخطب الشبيبة لا يحتمل # بدور خبت عند إشراقها # زهور ذوت في ربيع الأجل # وحزم توثب حتى كبا # وعزم تحفز حتى قتل # غواش توالت بلون الدجى # على الشعب مطبقة كالظلل # قضاء يهب وذل يدب # ونار تشب وسيف يسل # وتؤوي السجون الأمين الأعز # وتحوي العروش الخئون الأذل # ومهما فللنا جيوش العدا # ثباتا فجيش الردى لا يفل # فيا لهف نفسي على أنفس # أغار عليها الردى في عجل # ويا لهف نفسي على أوجه # تخطفها الهول بين الجبل # فهذا تردى وعن مصره # لدى غمرات الردى ما غفل # وهذا يردد جرحي أليم # ولكن متى قيل مصر اندمل # هنا جثة وهنا أنة # لها احمر وجه الثرى من خجل ~~••• # بدور الكنانة إن الدجى # يروع العيون إذا ما ms028 انسدل # حجبتم فأقبل ذاك الظلام # يهيج الأسى ويهيج العلل # أضل العقول الأسى أم هدى # وجار علينا القضا أم عدل # تغربتمو في طلاب العلوم # وما العلم إلا دليل العمل # رحلتم وقمتم بأكبادنا # فقلب أقام وجسم رحل # ولج بكم أمل للعلا # فكان الردى من مطايا الأمل # ورب فتى نائم كالحسام # ورب فتى قائم كالطلل # وحتف الضراغم بين الوهاد # وحتف الكواعب بين الكلل # هنيئا لكم بالحياة التي # بها اعتز شعبكم واحتفل # كأني به سار في موكب # يضم الملايين يوم استقل # فخارا بكم وبما نلتمو # من الدرجات التي لم تنل # فمجدكمو للنجوم اعتلى # وذكركم بالخلود اتصل # هنيئا فأبطالهم أصبحوا # بأقدامكم يضربون المثل # وبدلتمو بحياة العلوم # حياة الخلود ونعم البدل # وهذي الحياة جزاء النشاط # وموت الشعور جزاء الكسل # وتلك الكرامة عقبى المجد # وتلك الشهادة عقبى البطل ~~••• # فيا كوكبا لاح في أفقه # وما كاد يشرق حتى أفل # قرارا برمسك جم النعيم # وللرمس خير من المعتقل # كأني بقبرك من نوره # ملاك بحسن الشهيد اشتمل # كأني به وجنة أو جبين # تحييه أفواهنا بالقبل # أنار الطروس رثاء دجى # وأعلى الرءوس قضاء نزل # وما ذاك شعر تكلفته # ولكنه مدمع مرتجل ~~«علي» وأنت الجميل الخلال # ومن لبس الحسن خير الحلل # عليك جرى حسرة «مدمع» # تلهب في الجفن حتى اشتعل # ودمياط ثكلى لما نابها # وقد رزئت في الأبر الأجل # شباب تجمل بالصالحات # شباب وقاه الإله الزلل ~~••• # ويا فتية النيل إن الأسى # مغبته خور أو ملل # ألا تبصرون حياة الكرامة # فاضت شعورا وسالت جذل؟ # فلا تتمادوا بأشجانكم # مع النائحات فأنتم أجل # ولا تهنوا فالأماني دنت # ولا تيئسوا فالليالي دول # ولا تعبئوا بانقلاب الزمان # أجد بأحداثه أم هزل # وسيروا على رشد للأمام # فلم يبق في الشوط إلا الأقل # وقولوا إذا ما أهابوا بكم # أجل يا دعاة المعالي أجل # وتلاه الأستاذ محمد أفندي حسين العرارجي المحامي الشهير بإسكندرية، فألقى كلمة استرعت ~~الأسماع وهونت آلام النفوس، وكفكفت دموع العيون. # وقام بعده الأستاذ الشيخ عبد الحميد النحاس فاختتم الاحتفال بخطبة أثرت في السامعين وكانت ~~خير تعزية لآل ms029 الفقيد. # ثم انصرف المشيعون من القرافة الساعة السابعة مساء وهم يعزون بعضهم البعض في هذه الكارثة ~~العامة. # وقد أرسل والد الفقيد تلغرافين أحدهما لحضرة صاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون باشا ~~رئيس لجنة الاحتفال بالإسكندرية، هذا نصه: # بلسان الوطن المحبوب نرفع إلى سموكم شعائر الامتنان على عنايتكم الشريفة بتشييع جنائز ~~الشهداء، ونسأل الله أن يبقيكم ذخرا للوطن وبنيه. # والد أحد الشهداء # حسن بكري # والثاني لصاحب السعادة الشيخ الوقور محمود باشا سليمان رئيس لجنة الوفد المركزية، وهذا نصه: # أقدم آيات الحمد للوفد المصري ومعالي رئيسه في شخصكم الكريم على شعور التضامن الشريف ~~والاهتمام للوطن وبنيه باستحضار جثث شهداء العلم وتشييع جنائزهم. لا زلتم نصراء مصر ~~للمصريين. # والد أحد الشهداء # حسن بكري ~~(3) ترجمة حسين أحمد چلبي ~~(3-1) مولده # المرحوم حسين أفندي أحمد چلبي من القاهرة. # ولد شهيد العلم وفقيد الوطن المرحوم حسين أحمد چلبي عام 1899 ميلادية بحارة درب ~~القزازين بقسم الجمالية بالقاهرة، وهو نجل السيد أحمد چلبي الكبير تاجر الحرير بالتربيعة ~~وكبير العائلة. والسيد أحمد شديد العناية بتربية أنجاله وتهذيبهم في الصغر وبث روح الفضيلة ~~والمروءة في نفوسهم وتعويدهم على تأدية الفرائض الدينية حتى يشبوا صالحين، لاعتقاده بأن تقوى ~~الله أساس نجاح الإنسان في هذه الحياة الدنيا، لأن الإنسان إذا اتقى الله في جميع أعماله يكون ~~موفقا لعمل الخير دائما، ومن كان موفقا للخير والسعي في صالح العباد يصيب النجاح في ~~حياته. ~~(3-2) دراسته # لما بلغ الفقيد السابعة من عمره ألحقه والده بمدرسة خان جعفر التحضيرية ليتلقى مبادئ ~~الكتابة والقراءة ولبث فيها ثلاث سنوات، ثم أدخله مدرسة القربية الأميرية فنال منها شهادة ~~الدراسة الابتدائية وهو في سن الرابعة عشرة. # وفي هذه السنة من عمره أدخله والده بالقسم الداخلي بمدرسة رأس التين الثانوية ~~بالإسكندرية، وكان وجوده في ذلك القسم مدعاة لاجتهاده وانصرافه إلى المذاكرة. وقدم في امتحان ~~شهادة الكفاءة فحصل عليها، ثم استمر في تحضيره لامتحان الشهادة الثانوية وقدم لدخوله فحالت ~~بينه وبين تأديته اضطرابات شهر مارس سنة 1919م المعروفة وفصل من ms030 المدرسة بأسبابها. # وكان المرحوم حسين على صغر سنه عالي الهمة متين الإرادة، وكان يجيد الكتابة والرسم بيده ~~اليسرى كما يجيدها بيده اليمنى، وكان مستمسكا بأوامر الدين مستقيما في سيره وسيرته كريما ~~في خلقه محبا لوطنه. # ولهذا لم يثن عزمه عن طلب العلم فصله من المدرسة، فأظهر لوالده رغبته في السفر إلى ~~أوروبا لمواصلة الدراسة فلم يجد الوالد بدا من تلبية طلبه، وأعد الفقيد عدة السفر إلى بلاد ~~الألمان مع المهاجرين إليها في طلب العلم، فساقه القدر لما أصابه في حادثة التصادم وقضي على ~~آماله الواسعة معه. وقد شيعت جنازته بالقاهرة وحمل إلى مدفن العائلة أمام ضريح الأستاذ ~~المنوفي بجوار العفيفي بقرافة المجاورين ودفن به. وقد توافد العظماء والوجهاء والتجار ~~لتعزية والده الحزين وأشقائه حضرة صاحب العزة إبراهيم بك أحمد چلبي القاضي بالمحاكم الأهلية، ~~وحضرات محمد أفندي عبد السلام چلبي بهندسة وزارة الأوقاف، وعلي أفندي أحمد چلبي الطالب ~~بالمدرسة الحربية؛ فقابلوا عطف الأمة بالشكر والامتنان. # فرحم الله الفقيد العزيز وألهم أسرته الصبر الجميل! ~~(3-3) شكر أسرة الفقيد لمن واسوها # وقد كتب السيد أحمد چلبي والد الشهيد وأشقاؤه يشكرون الأمة لمشاركتها إياهم في مصابهم، ~~رافعين أكف الضراعة إلى الله - تعالى - أن يبارك في أبناء الأمة ليعوضوا عليها هذه الخسارة. ~~كما أنهم يقدمون للشعب الإيطالي العظيم مزيد الشكر لاهتمامه بأمر الشهداء وتشييع جنازتهم، ~~ويقدمون للوفد المصري آيات الشكر لما بذله من العناية بنقل رفات الشهداء، ويسألون المولى ~~القدير أن يبارك في رجاله ويكلل أعمالهم بالنجاح. ~~(4) ترجمة شفيق سعيد ~~(4-1) مولده # المرحوم شفيق أفندي سعيد من صهرجت الكبرى. # ولد الشاب التقي النقي مثال الجد والاستقامة المرحوم شفيق سعيد ببلدة صهرجت الكبرى في ~~اليوم السابع من شهر ديسمبر سنة 1895م، وهو نجل المرحوم شيخ العرب سعيد محمد من كبار عائلة ~~شريف المشهورة بتلك الناحية، وعميدها الكاتب الشاعر صاحب العزة عبد الله بك شريف العضو بمجلس ~~مديرية الدقهلية والمعروف بوطنيته وهمته العالية. # 3 # نشأ الفقيد من بيت عريق في النسب، شريف الحسب. وكان على صغر سنه ms031 مثلا من أمثلة الفطنة ~~والأخلاق الحميدة والوداعة، ورأى والده ذكاءه وحبه للاستطلاع والوقوف على حقيقة كل شيء يمر ~~ببصره فأدرك ميله للتعليم فبعث به إلى القاهرة. ~~(4-2) دراسته # ودخل الفقيد مدرسة القربية الأميرية فأكبر آية ذكائه معلموها، ومكث بها حتى نال الشهادة ~~الابتدائية، ثم التحق بالمدرسة السعيدية الثانوية ففاز على زملائه في جميع الفصول حتى حصل على ~~شهادتي الكفاءة والبكالوريا. # وكان الفقيد ميالا للرياضيات، وحل ما فيها من المعضلات، فالتحق بمدرسة الهندسة السلطانية ~~فكان موضع تجلة أساتذتها واحترامهم الفائق، ثم دفعه شغفه بارتضاع أفاويق العلم الصحيح إلى ~~الانضمام للقافلة العلمية المهاجرة إلى بلاد الألمان، فشمر عن ساعد الجد والعزيمة مغتربا عن ~~زوجه وولده الوحيد محمد الذي كان يبلغ من العمر حينذاك نصف العام، وسافر - رحمه الله - ~~مودعا من عائلته الكريمة، مزودا بإكبارها لهمته وإعجابها بإقدامه. وأقلعت الباخرة حلوان ~~بتلك القافلة، وكان أولئك الشبان المصريون موضع إكرام المسافرين وتبجيلهم، وكانوا يملئون ~~الباخرة حياة وسمرا، بل كانوا كالحمائم في الحنين إلى عشها وكأنهم بمظهرهم هذا كانوا يودعون ~~الحياة ويقضون ما بقي من أيامهم في التزود من انشراح الصدر وترك حبل الأقدار على ~~غاربها. # وما هي إلا أيام كانت عائلة الفقيد فيها تتلهف على أخباره وتترسم آثاره حتى جاءها نبأ ~~وصوله سالما إلى «تريستا»، وما كادت تحمد الله على سلامته وتحمل أجنحة النسيم تحياتها إليه ~~حتى جاء الخبر المفجع، فانقلب سرورها حزنا وضحكها بكاء، وتوافد أهل البلاد المجاورة على ~~صهرجت لتعزية أشقائه وعائلته الأسيفة لفقد فرع من تلك الدوحة العظيمة. # ومما يؤثر عن الفقيد أنه كان لا يتعاطى المسكر، ولا يميل إلى سفاسف الأمور، وكان لا يترك ~~فرائضه الدينية، وكان يعطف على الفقراء والمساكين ويمدهم بما يوفقه الله إليه. ~~(4-3) الاحتفال بجنازة الفقيد # نقلت جثة الفقيد بعد احتفال الإسكندرية إلى بنها، فاحتفل بتشييعها احتفالا مهيبا ~~في موكب كبير يتقدمه رجال الطرق الصوفية حاملين أعلامهم، فالموسيقى، فالجنود ركبانا ومشاة، ~~فطلبة مدارس بنها الذين عطلوا الدراسة للاحتفال بأخيهم الراحل، فنعش الفقيد ملفوفا في علم ~~مصري، ms032 فجمهور من كبار الموظفين والأعيان يتقدمهم سعادة المدير نائبا عن عظمة السلطان، ~~فالعلماء الأعلام، فالآباء الروحيون، فكثير من المشيعين من وطنيين وأجانب. وظل الموكب سائرا ~~على هذا الترتيب مخترقا شوارع المدينة - وكانت حوانيتها مغلقة والأعلام منكسة عليها - حتى ~~وصل إلى محطة الدلتا فنقلت الجثة إلى مركبة ألحقت بقطار سافر إلى صهرجت، ورافقها كثيرون ~~من المشيعين. ~~(4-4) الاحتفال بصهرجت الكبرى # ما كاد يصل القطار المقل لجثة الفقيد إلى صهرجت حتى كانت الألوف قد اجتمعت هناك من العمد ~~والأعيان، ولما حان موعد تشييع الجنازة إلى مقرها الأخير عقد موكب كبير يتقدمه موسيقى كوم ~~النور، والعلماء، والقسس، والموظفون، وتلاميذ مدارس ميت غمر وصهرجت، ونعش الفقيد محمولا ~~على الأعناق يتبعه أعيان البلدة والعمد، حتى ووري التراب مأسوفا على شبابه وحرمان الوطن من ~~ثمرة اجتهاده. # وكان الشيخ الوقور صاحب السعادة محمود باشا سليمان قد أوفد صاحب العزة محمود بك عبد النبي ~~العضو بمجلس مديرية الدقهلية وأحد أعضاء لجنة الوفد المصري إلى ناحية صهرجت الكبرى مقر عائلة ~~المرحوم، فاستقبله صاحب العزة عبد الله بك شريف وحضرات إخوة الفقيد وجميع أصهاره وأقاربه، ~~فأبلغهم حضرته أنه موفد بالنيابة عن الوفد المصري لتعزيتهم. ثم تلا عليهم آيات بينات ومأساة ~~بليغة مرسلة من ذلك الأب الرحيم والشيخ الجليل، فكانت على نفوسهم المجروحة وأفئدتهم الموجعة ~~مرهما شافيا، فأثلجت الصدور ونفثت عنهم لوعات تلك النازلة التي لولا وقوعها موزعة على ~~جميع طبقات الأمة لعز احتمالها. # فرحم الله الفقيد رحمة واسعة، وألهم عائلته الصبر الجميل! ~~(4-5) حفلة تأبين الفقيد بصهرجت الكبرى # لم تكد جثة الشهيد توارى في ثرى مسقط رأسه «صهرجت الكبرى» وما كادت تخفت زفرات النادبين ~~وحسرات الباكين، حتى وقف الأستاذ الفاضل الشيخ بكري هندي بين الجموع المحتشدة فألقى كلمة ~~مؤثرة استجمع فيها ما يسر الله له من الرثاء والتعزية، فكانت بردا وسلاما على القلوب ~~المشتعلة بنار الحزن. # ثم تلاه الأديب الفاضل السعيد أفندي حبيب، من نجباء طلبة المدارس الثانوية بالقاهرة، ~~فألقى هذه الكلمة الطيبة التي أسالت الدموع وحركت الشجون، قال: # أي ms033 شفيق، يا كوكبا هوى من سمائه، كيف تنتهي بك نفسك الوثابة إلى تلك الحفرة الضيقة ~~بعد أن ضاقت بك مصر على سعتها؟ أأنت راض يا شفيق أم أرغمتك المنون فاستسلمت فنمت؟ إلى ~~حد نومك، إلى ميقات أودعت روحك . # أي شفيق، أيقنعك افتراش الغبراء والتحاف الصخور؟ إيه، لو كانت المنون تقبل الفداء لما ~~نمت نومتك! # وارحمتاه عليك يا شفيق، وارحمتاه على شبابك الذي ذوى قبل ينعه وقبل أن تنضج ~~ثمراته. # واعزاء لزوجك التي ثكلتك، ولأمك التي فقدتك، ولأهلك وذويك! واعزاء لصحبك! واعزاء ~~لنا جميعا! # أي شفيق، إن المصاب جلل والفاجعة عظيمة، فلا عتب إن رأيتنا واجمين! أي شفيق، يا شهيد ~~همتك وضحية عزيمتك، يا رسول حزننا الأبدي، ونذير تفجعنا اللانهائي. # أي خطب دهى أسرتك؟ وأي مصاب جاء زوجك؟ وأي يتم لحق طفلك؟ # وارحمتاه يا شفيق! وامصيبتاه! واحر قلباه! # يا شفيق، لو كانت الدموع تكفي للتعبير عن حزننا لهمرناها انهمارا ولسكبناها أنهارا ~~ولكنها دون حزننا، فلترفرف علينا روحك العالية لترى منا المفجوع الباكي، لترى تلك القلوب ~~الدامية والأفئدة المكلومة، لترى زملاءك قد جاءوك ليذرفوا العبرات على قبرك تفجعا عليك ~~وعلى شبابك وإيذانا لفقدهم إياك، وهل فقدوا غير أخ ذكي ورفيق محبوب طاحت بروحه الأيام ~~فأوردته المنون في بلاد غير بلاده، في بلاد غير مصر، في بلاد غير وادي النيل، ~~فوافجعتاه؟! # أي طفل شفيق، أولا تتشوق إلى أبيك؟ أتأمل أن تراه مرة أخرى؟ يفجعني أن تكون ~~حرمت أباك، يفجعني أنك لا تراه إلى الأبد، يفجعني أنك ستعيش بلا أب، يفجعني أنك ستبقى ~~يتيما! فلتبك ما أردت، وها نحن نبكي معك بكاء مرا. # أي طفل شفيق، يا من حرمت لذة الحنان الأبوي، يا من أصبت في أعز ما لديك وإن كنت ~~لم تقدر للحياة قدرا بعد، يا من فقدت والدا هو كل ما تقر به عينك في هذه الحياة ~~المظلمة، فرحمة لوالدك أيها الطفل، وفي ذمة الله أبوك وفي وديعته. # ثم جلس ونهض بعد ذلك فألقى قصيدة بليغة تسيل أسى وتفجعا نظم شقيقه الشاعر ms034 ~~الوجداني الرقيق الشيخ عبد الله حبيب الطالب بالقسم العالي بالأزهر الشريف، وهي من الشعر ~~النائح الذي ينبعث من أعماق النفس فيهز العواطف ويؤثر في القلوب. وهذه هي القصيدة: # في ذمة الآمال والعزمات # زين الشباب وآية الآيات # يا زهر مصر عدت عليه يدا الردى # ويداه قاسية على الزهرات # الموت يهتصر الغصون ولم تكد # تنمو وتثمر ناضج الثمرات # يعدو القضاء على الشباب وإنه # بين الخلائق نافذ الرميات # وتراه ينزل كالصواعق من عل # فيصيب أعلى قمة الهضبات # ساقتهم الأقدار يلقون القضا # في «مونتبا» مشئومة الطلعات # نالوا المنية في احتمال تصادم # كتصادم الآمال بالعقبات # لهفي عليهم في ربيع شبابهم # راحوا ضحية مسرع الهمات # صاحوا «بملنر» والبخار يقلهم ~~«فلتحي مصر» شريفة الغايات # هتفوا لمصر ولم يغادر ذكرها # فمهم وهم في سكرة النزعات # فليكتب التاريخ فضل جهادهم # سفرا قويما ناصع الصفحات # سالت نفوس بني الكنانة حسرة # ولشد ما سالت من الحسرات! # فليبك طير في الحدائق لم يعد # يشتم منها عاطر النفحات # وليحك سجع الحزن في نغماته # فالحزن أضحى أطيب النغمات # والنيل فليعبث به برح الأسى # والزهر فليغمض عن النظرات # والأرض فلتلبس شعار حدادها # والنور فليرجع إلى الظلمات # حزنا على غصن الشباب وقد ذوى # وأسى على أزهاره النضرات ~~••• # سقيا لقبرك يا «شفيق» يجوده # منا جميعا صيب العبرات # يروي ذووك اليوم أطباق الثرى # بالدمع ري السحب للروضات # يا راحلا عن نيل مصر وقلبه # متعطش منه إلى قطرات # أسلمت روحك للجهاد وديعة # يا ليتها كانت إلى ميقات # ووثبت في طلب المعارف وثبة # جاءت برغمك آخر الوثبات # ورجع المشيعون من المقبرة إلى دار عائلة الفقيد حيث أعد سرادق فخم، وهناك تليت آيات ~~الكتاب الحكيم فكانت شفاء لما في الصدور وكانت رحمة من السماء نزلت على القلوب فسلكت بها ~~سبيل الصبر والرضا بما قضاه الله وسبق في علمه. # ووقف أحد طلبة مدرسة رأس التين بالإسكندرية فألقى كلمة شاملة، ضمنها حكمة سامية كانت ~~من خير ما يعزى به المحزونون. # ثم وقف أحد الأساتذة خطيبا ونائبا عن لجنة تشييع الجنازات بالإسكندرية، فألقى عبارة ms035 ~~مؤثرة قوبلت بالثناء الطيب. # ثم تلاه الأديب الفاضل محمد أفندي شريف ابن عم الفقيد، ونجل حضرة صاحب العزة الشاعر ~~الفصيح عبد الله بك شريف، وألقى قصيدة عصماء من نظم والده الجليل أثرت في النفوس تأثيرا ~~بليغا. قال عبد الله بك أمد الله في حياته: # أفيقوا وإن جل المصاب أفيقوا # وصونوا عيونا للدماء تريق # وحيوا ضحايا العلم بل شهداءه # بأحسن ما يهدى لهم ويليق # وقولوا هنيئا للذي وهب العلا # نفوسا إلى نيل الرجاء تتوق # إذا استمرءوا للعلم مر جهاده # سيعذب يوما مره ويروق # فما منهم إلا فتى عزماته # هي السيف إلا أنه ممشوق # وراحوا بأمر الله لا شيء عاصم # لعمري ألا إن القضاء يسوق # فإن هالنا من ذا المصاب فراقهم # فللصبر للآسي أخ ورفيق # وإن كان سهم الرزء جاء مفوقا # ففي ذمة العلياء ذا التفويق # تمنوا لو ان الغرب ضم تراثنا # فقلنا لهم للشرق فيه حقوق # تكرمهم في مصر ترب وتغلهم # عناصر منها جسمهم مخلوق # بدور وأقمار تعم بنورها # سواء لها التغريب والتشريق # ألا فلتغب في ذمة الله أنجم # أضاء لها قبل الغروب شروق # كأن غراب البين يوم اغترابهم # دنا وله فوق الغصون نعيق # فيا لهف نفسي والمصائب جمة # ألا كان في غير الشباب يحيق # أهلة أهل بل وفلذة أكبد # يحن لذكراهم دم وعروق # ومنبت غرس فرعه وأصوله # كريمان كل ثابت وعريق # مضى مؤثر الروح الكريم وناهضا # إلى العلم لا يلويه عنه طريق # وراح بعون الله يدفعه الرجا # وآب نصوح صاحب وشقيق # ولم يأبه العقل الرجيح بنصحهم # وقال أنصح طائش ومذيق # تساءل قلب الأم يوم مصابه # وزوجته الثكلى: «أمات شفيق؟» # وأرسلن دمعا لا يثوب إلى هدى # وقد قال ناع إنه لحقيق # وقمن إلى قبر غداة يضمه # ومرغن خدا ثم كان شهيق # وقلن أهذا القبر يؤويه إنه # على تلكم الآمال سوف يضيق # أيا زهرة القطر المصاب فؤاده # على الطائر المشئوم وهو طليق # أراق ل «أوديني» جمال بهائها # ودان لها المنسوق والمنشوق # فنالت يداها ما ينال بخبرة # وحسن اختيار يانع ووريق # ففي ذمة ms036 الله الكريم مصابهم # بسهم ولكن ليس فيه مروق # ألا إن هذا الخطب رزء لأمة # وإنك بالصبر الجميل خليق # ثم شكر للمشيعين مشاركتهم لعائلة الفقيد في مصابه الذي هو مصاب الأمة وختم موقف التأبين ~~بذلك، وانصرف المشيعون يترحمون على الشهداء الأعزاء أسكنهم الله فسيح جناته وعوض مصر فيهم ~~خيرا. ~~(4-6) شكر أسرة الفقيد لمن واسوها # رفع حضرة عبد الله بك شريف وأشقاء المرحوم شفيق سعيد تلغرافا إلى صاحب السمو الأمير عمر ~~طوسون رئيس لجنة الاحتفال بالإسكندرية، هذا نصه: # بلسان الشكر والواجب المقدس نرفع إلى سموكم واجب الامتنان على عنايتكم بتشييع جنازة ~~الشهداء، ونسأل العناية الصمدانية أن تكلأ سموكم ذخرا للوطن وبنيه. # وقد بعثوا تلغرافا لسعادة محمود باشا سليمان رئيس لجنة الوفد المركزية، ونصه: # نقدم آيات الشكر للوفد المصري ومعالي رئيسه في شخصكم العظيم، للاهتمام باستحضار جثث ~~شهداء العلم وتشييع جنائزهم. لا زلتم نصراء الأمة المصرية. # عم وأشقاء الشهيد شفيق سعيد ~~(5) ترجمة محمد إبراهيم زويل ~~(5-1) مولده # ولد الفتى النبيل فقيد الهمة محمد إبراهيم زويل بمدينة دمنهور قاعدة مديرية البحيرة عام ~~1893م من أبوين سريين، وكان لا يعيش لأمه أولاد فعاهدت الله إذا رزقها مولودا أن ترتحل به ~~عن مدينة دمنهور، ولما وضعت الفقيد برت بعهدها، فحملته إلى قرية بسيون بمديرية الغربية ~~ولبثت بها حتى شب وترعرع ونمت عضلات جسده وأصبح يدرك ما حوله من الأشياء، وأحس من نفسه على ~~صغر سنه بهاجس يجيش في صدره إلى تحصيل العلم فكاشف والدته بما في نفسه، ولم يكن بالقرية مدرسة ~~تلحقه بها، وهي مع محبتها له وعنايتها به لم تجد بدا من العودة به إلى دمنهور، وألحقته ~~بإحدى المدارس الأولية، وأكبرت في نفسه هذه الأماني الشريفة. ~~(5-2) دراسته # أدرك الفقيد مبادئ القراءة والكتابة والرياضة، والتحق بمدرسة التعاون الإنساني بدمنهور ~~عام 1909م وحصل على شهادة الدراسة الابتدائية سنة 1912 ميلادية. # وفي تلك السنة انتظم في سلك طلبة مدرسة المساعي المشكورة الثانوية بشبين الكوم ونال منها ~~شهادة الكفاءة. # ثم جاء إلى القاهرة وتخير المدرسة الإعدادية لإتمام ms037 دراسته وذلك عام 1915م، وحصل على ~~شهادة الدراسة الثانوية عام 1916م. وكان في سائر أيام دراسته آية من آيات الذكاء المصري ~~والنشاط الخليق بهمم الشباب. # المرحوم محمد إبراهيم زويل من دمنهور. # وفي عام 1917م التحق بمدرسة الحقوق السلطانية ومكث بها ثلاث سنوات، ثم أجمع أمره بعد ذلك ~~على الهجرة إلى عاصمة الألمان لإتمام دراسته بها مع المهاجرين من شباب مصر ليرتشف العلم من ~~مناهله، حتى وقف به الأجل دون مرحلة همته. # وكان رحمه الله على جانب من رقة الأخلاق ووفرة الذكاء وطلاقة المحيا، وكان شغوفا بالأدب ~~حسن الأسلوب في الكتابة، إذا أسمعك حديثا اجتذبك لسماعه بطلاوة تحديثه. وكان محبوبا من ~~عشيرته محترما من أصدقائه لا يميل إلى الهذر في القول، ولا يألف إلا من يحب المروءة ويترفع ~~عن الدنايا، ولو أن الأجل أمهله لكان أدى لوطنه أجل الخدمات، ولكن هكذا قضى الله ولا مرد ~~لحكمه له الأمر وإليه ترجعون. # ولما طير البرق خبر وفاته أقيمت ليالي المأتم ببندر دمنهور، وفي الليلة الثانية منها ~~ألقى حضرة عبد المعطي أفندي إبراهيم حجاج، الموظف بمصلحة المواني والمنائر بالإسكندرية، هذه ~~الكلمة البليغة المؤثرة: # ولو قبل مبكاها بكيت «مرارة» # لكنت شفيت النفس قبل ~~التندم # ولكن بكت قبلي فهيج بي البكا # بكاها فقلت الفضل ~~للمتقدم # أيها الفقيد الشهيد # هاجرت في سبيل العلم والوطن، ولم يثنك عن المهاجرة رجاء والدتك الثكلى التي أنت كل ~~أملها في هذا الوجود، ولم يقعدك توسلها وضراعتها إليك، وتلهفها عليك، وتوجعها لبعدك، ~~وتفجعها لفقدك، بل ولا دموعها التي كانت تفيض منها أسى نفسها، وتتطاير لهب أنفاسها، ومن ~~ورائكما وطنك يهيب بك أن سافر في طلب العلم الصحيح وعد به تنشره علينا، وقل هذه بضاعتنا ~~ردت إلينا. # فأصخت للوطن السمع ولبيت نداءه، علما منك بأن حبه فوق كل حب، وأن في إسعاده إسعاد ~~الكل، ولم ترحم كبر والدتك وشيخوختها ولسان حالك يقول: # ذريني أنل ما لا ينال من العلا # فصعب العلا في الصعب ~~والسهل في السهل # تريدين إدراك المعالي رخيصة # ولا بد دون ms038 الشهد من إبر ~~النحل # سافرت أنت ورفاقك وقد ودعتم منا أجمل وداع يليق بهممكم وشممكم ونفوسكم ~~الوثابة للمجد الطماحة إلى الجهاد لنصرة الوطن المفدى، وداعا يليق بتلك القلوب ~~المملوءة عزما وحزما وهمة وذمة، وأملا وعملا، لأنكم ضربتم لنا في هجرتكم هذه مثلا ~~بليغا في الإقدام وتضحية النفس والنفيس في سبيل الوطن العزيز، وفي أنكم لم يرضكم من ~~العلوم القشور ومن المعارف مصة الوشل، بل أردتم أن تردوها عذبة من منابعها صفوا من ~~مناهلها لا يشوبها شائب أو يكدرها مكدر. # سافرت أنت ورفاقك وقد ضربتم لنا مثلا في الوطنية غاليا، وأرسلتم في الخافقين صوتها ~~داويا عاليا، لا، بل ضربتم للأمم الغربية مثلا ناطقا بأن المصري رجل جد وعمل يعرف ~~معنى الحياة ويدرك سر الرقي وأنه خليق بنيل ما تصبو له نفسه من الأماني القومية ~~الشهية. # سافرت وسافروا، وما هي إلا عشية أو ضحاها حتى دوت أسلاك البرق النبأ المشئوم فاهتزت ~~له البلاد من أقصاها إلى أقصاها جزعا وارتجفت هلعا، فعلمنا أن قد حم القضاء وخاب ~~الرجاء وجل العزاء، وأن قد جاءت المنية من طريق الأمنية، علمنا أن قد دكت هضبة من ~~هضبات العلم وقوض صرح من صروحه الشاهقة، وهوت الأهلة من هالتها المستقلة، وهصرت ~~الأزاهير من روضها النضير، علمنا هنالك أن قد أخذت السبل عليكم وسدت الفجاج دونكم، ~~فاحتكم فيكم الحين واشتفى منكم البين. ولو أنصفت حوادث الأيام لتركت هذا السرب محلقا ~~في فضاء العلم الفسيح، فلا تذعر آمنه أو تثير مساكنه، ولكن هي الأيام ملأى بالعبر من باب ~~المبتدأ حتى الخبر. # ومكلف الأيام ضد طباعها # متطلب في الماء جذوة ~~نار # طبعت على كدر وأنت تريدها # صفوا من الأقذاء ~~والأقدار # فإيه أيها الشهداء! لقد أفدتم وطنكم في حياتكم فائدة جلى، وأي فائدة أجل من فتحكم ~~باب تحصيل العلوم الصحيحة للنشء على مصراعيه؟ ذلكم الباب الذي ما كان يلجه إلا القليل ~~من الشبيبة المصرية من لا يتجاوزون أصابع اليدين عدا، بل أي فائدة أعظم من كونكم خلقتم ~~لنا عهدا جديدا عهد المهاجرة ms039 في سبيل العلم؟ وهاهم المئات في أثر المئات من شبيبتنا ~~الناهضة يقتفون أثركم ويؤمون البلاد الغربية طلبا للعلوم الحية، ولم تثنهم فداحة هذا ~~المصاب أو ما يلقونه من كثرة الصعاب. وإن من يفتح مغلقات القلوب بنور التأديب والتهذيب ~~لهو أجل خطرا وأبقى ذكرا وأثرا ممن يخضع الرقاب بحد السيوف. # وأفدتم وطنكم باستشهادكم فائدة أتم وأعم، وهاهي مصر وقد خفق قلبها للمرة الرابعة ~~لفجيعتكم، فكان يومكم يوما مشهودا تجلى فيه الحزن عميقا والأسى شديدا، فالأكباد حرى ~~والأعين عبرى، والنفوس سكرى، والحزن تترى، شفعا ووترا. وحق على مصر وقد فقدت هذه ~~الشمائل الزهر والأخلاق الغر أن تشق جيب الصبر وتجعل النار حشو الصدر. # الله أكبر! سيذكر التاريخ لكم هذا اليوم بكل تجلة «والذكر للإنسان عمر ثان»، وسيبقى ~~ذكركم خالدا ما دامت الأرض أرضا والسماء سماء: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~ بل أحياء ~~. وفي هذا العزاء كل العزاء حتى أصبح كل والد أو والدة (على ~~الخصوص) فقدت فلذة كبدها في هذا الحادث المؤلم تقول قول الخنساء لما بلغها استشهاد بنيها ~~الأربعة يوم القادسية بعد تحريضها لهم على القتال: «الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو ~~ربي أن يجمعني معهم في مستقر رحمته.» # أخلق أيها السادة بأمة هذا مبلغ عطفها على أبنائها الشهداء الأعزاء أن تتبوأ المنزلة ~~اللائقة بها وبمجدها بين أمم العالم جمعاء قريبا إن شاء الله. # وأخلق بمديرية هذا مبلغ احتفالها بشهيدها العزيز أن تكون في مقدمة المديريات قياما ~~بكل واجب وطني مقدس ونهضة شريفة. # فسلام على شهدائنا الأبرار الأطهار يوم عدا عليهم الموت فهصر غصن هذا الشباب، ووارى ~~بدورهم التراب. وسلام عليهم يوم عادت جثثهم إلى هذا الوطن الأسيف، فسطرت له أحرف ~~الفخار في أوبتها كما سطرت له في غربتها. ~~(5-3) لجنة الاحتفال بدمنهور # تشكلت لجنة بمدينة دمنهور للاحتفال بتشييع جنازة شهيد العلم المرحوم محمد إبراهيم زويل، ~~برئاسة حضرة صاحب العزة الوجيه كامل بك الحرفة وعضوية حضرات أصحاب العزة محمد بك بلبع ومحمد ~~بك الوكيل وأحمد بك غزال وعلي ms040 بك نجاتي وإبراهيم بك مظهر والشيخ عبد الله الكاتب والشيخ مرسي ~~بلبع وأحمد أفندي الوكيل والشيخ سليمان بلبع ومحمد أفندي رفعت الزرقا. وقد اجتمعت يوم الخميس ~~22 أبريل سنة 1920م وقررت الاحتفال بتشييع الجنازة وانتخاب لجنة فرعية لترتيب الموكب مؤلفة ~~من حضرات علي بك نجاتي وسعد أفندي الأنصاري وحليم أفندي فهمي وأحمد أفندي عبد النبي، فقامت ~~بما عهد إليها خير قيام. # وفي يوم وصول الجثة إلى دمنهور كان في استقبالها جمع كبير من الوجوه والأعيان وكبار ~~التجار يتقدمهم صاحب السعادة مدير البحيرة، وما وافى موعد تشييع الجنازة حتى غصت ساحة ~~المحطة بألوف المشيعين، وسار الموكب يحفه الوقار والجلال على النظام الآتي: فرقة الكشافة من ~~راكبي الدراجات والبيادة - الموسيقى - مدارس الزراعة والصناعة والأقباط والتعاون والمعلمين - ~~نعش الفقيد مجلل بالرياحين ومحاط بالفرسان - العلماء الأعلام - الآباء الروحيون - أعضاء لجنة ~~الاحتفال - أعضاء الهيئات النيابية - موظفو مصالح الحكومة يتقدمهم سعادة المدير نائبا عن ~~عظمة السلطان - رجال القضاء والنيابة - المحافل الماسونية - الأعيان والتجار - موظفو المصالح ~~الأهلية - أعضاء نقابات العمال بأعلامهم - جمهور المشيعين. وما زال الموكب سائرا على هذا ~~الترتيب مخترقا شوارع المدينة حتى وصل إلى مدفن عائلة الفقيد فأنزلت الجثة إلى مضجعها ~~الأبدي. # وكانت لجنة الاحتفال قد انتخبت لجنة لتأبين الفقيد مؤلفة من حضرات محمد بك بلبع وسعد ~~أفندي الأنصاري والأستاذ الشيخ محمد العصار وأحمد أفندي عبد النبي، فقاموا بتأبين الفقيد ~~وذكروا تلك الفاجعة بأسف شديد على شباب مصر الذي ذهب ضحية القضاء والقدر، في الوقت الذي تحتاج ~~فيه مصر إلى الألوف من النوابغ المحبين للعلم أمثال هؤلاء الشهداء، وقد تلاهم كثيرون من ~~الشعراء والأدباء يوم حفلة التأبين فعددوا مآثر الفقيد وشرحوا ما كان عليه من مكارم الأخلاق ~~وشريف المبادئ. # ومن القصائد التي ألقيت يوم التأبين هذه القصيدة وهي لحضرة الشاعر الأديب «عبد الجواد ~~أفندي محجوب مكايد»، وهي: # ما للأنام إلى الخلود سبيل # ما دام يفتك بالورى عزريل # نحيا فنسعى ثم نقضي نحبنا # طرا وما غير التراب مقيل # والعمر مهما طال إن قارنته # بمديد دهرك تافه ms041 وضئيل # سيان أرذله وأقصره إذا # حم القضاء وليس منه بديل # والموت مدركنا وإن طال المدى # هو للحياة مخادن وزميل # لا فرق بين مودع بفراشه # أهلا وآخر للخطوب قتيل ~~••• # يا آل «حاضرة البحيرة» هل نمى # نبأ لكم في وقعه تخبيل؟ # عن نشء مصر النابهين وقد قضوا # صرعى العلوم ولم يبل غليل # تركوا بلادهم يرومون العلا # بهوى يرد الطرف وهو كليل # ركبوا البحار وهم محط رجائنا # ودواء داء القطر وهو دخيل # وصلوا إلى «نپلي» وكلهم كما # نرجو بخير والدعاء كفيل # من هذه أخذوا جواز رحيلهم # بعد العناء وللقضا تعديل # جاءوا إلى «تريست» باليمن الذي # كنا نود وودنا تضليل # لم ندر ما خبأت لهم أقدارهم # والدهر بالإخبار عنه بخيل # تركوا «ترستا» بعد ما عرجوا بها # حتى إذا انفضوا وآن رحيل # قام القطار بهم لموضع حتفهم # فكأنه لهم إليه دليل # قصدوا «أديني» والقلوب خوافق # وعليهم ستر الممات سديل # لم يعلموا مذ زايلوا أوطانهم # أن المنية فوقهم إكليل # كمنت لهم في القاطرات بسيرهم # وبدا لهم سيف الحمام صقيل # حل التصادم بالقطار وما دوى # إلا وخطب النازحين وبيل # خروا لرجات الفجيعة كلهم # صرعى بصقع ليس فيه خليل # فتناثر العقد الذي حباته # أكباد أهل بالدماء تسيل # ما بين قتلى أخمدت أنفاسهم # ضربات موت ما لها تأجيل # وفريق جرحى مدرجين على الثرى # متململين وفي الصدور أليل # مزجوا دماءهم لمصر بدمعهم # ودماؤهم علم هناك جليل # فنجومه جرحاهم وهلاله # منهم شهيد للعلوم قتيل ~~••• # ما كاد يأتينا نعي رفاتهم # إلا وماج القطر ثم النيل # وتحرك الأهرام من فرط الأسى # عز العزاء وما إليه سبيل # من كل عين عبرة مهراقة # فالقطر دمع طافح وعويل # ولهي لأم قد أصاب وحيدها # رامي السهام فعيشها تنكيل # وأب قد ابيضت لشدة حزنه # عيناه لا صبر يعين جميل # يتناوبان الدمع وهو إذا عصى # ذابت قلوب وجدهن وبيل # فذوت لها الأجسام من عظم الجوى # هيهات تبقى والفؤاد عليل # فتصبروا آل الفقيد وجالدوا # وقع الكوارث فالثواب جزيل # قد أخضع الأيام أجداد لكم # حيث الزمان مسالم وذليل # واليوم قام الدهر ms042 يثأر عالما # أن ابن مصر لمرغميه سليل # والحرب في الدنيا سجال فاصبروا # فالله للعبد الصبور وكيل # يا راحلين عن الدنا لا عن رضا # حتى يرد المجد وهو أثيل # لعبت بكم أيدي الفنا فهويتمو # خلف الفريد فرزءنا لجليل # والطود إن عبثت به أيدي الردى # مالت له الأجزاء حيث تميل # ناموا جميعا ناعمين برمسكم # فسحائب الرضوان سوف تنيل # لكم بجنات الخلود أريكة # فوق الأرائك والجهاد ينيل # ولتعلموا أنا سلكنا نهجكم # فسبيلكم هي للمنى قنديل # نسعى لتحقيق المرام بهمة # شماء ليس لها هناك مثيل # والله حسب الطامحين إلى العلا # فإذا قضوا هو بالجزاء كفيل # وتلاه حضرة الشاعر المجيد محمود أفندي محمد حسن وألقى هذه القصيدة: # طعنت بأسياف المنايا الحوم # فتيان مصر يد القضاء المبرم # وسطا الحمام على بواكير النهى # فهووا أغر على أغر معلم # ولوى القضاء بهم فما من عاصم # أويعصمون من القضا المتحتم؟ # للمرء أيام تمر وتنقضي # ويغيب بعد بجوف أغبر أقتم # فإذا بلغت النجم أو جزت السها # أو كنت مختبئا بغابة ضيغم # مد الردى لك حيث كنت يمينه # فرمتك بالسهم المصيب المكلم # أيد المنون أما كفاك تعاديا # أفأنت رهن إشارة الزمن العمي # أوكلما أوحى إليك أن اقدمي # أقدمت لا تلوين إقدام الكمي # وقطعت أوصال الأماني والمنى # ووصلت مقطوع البكاء الأركم # وشرعت ترمين «الكنانة» بالأذى # وأخذت تلقي بالمصاب الأعظم # ونصبت أشراك القوارع فانبرت # تصطاد كل أغر أروع أكرم؟ ~~••• # هلعت لهذا الخطب «مصر» وأعولت # وهراق مدمعها عصارة عندم # عكفت على الأحزان لا تلوي على # شيء يناقضها ولم تتبرم # فاقت «خناسا» يوم مصرع «صخرها» # أوحت إلى الأشجان ويك ألا اقدمي # نادت على الأطيار في وكناتها # سأعلمنك اليوم كيف ترنمي # وعلا الضجيج بها وأصبح «نيلها» # يجري بمنهمر مشوب بالدم # وانهار جانبها وزلزل ركنها # وارتج واديها لهذا المأتم # واندكت «الأهرام» وهي كما ترى # مر السنون بها ولم تتهدم # والناس مقذى العيون وسادر # حزنا وآخر قد أكب على الضم # غلب البكاء عليهمو فدموعهم # تجري بتيار الأتى المفعم # متصاعدو الزفرات أنقض ظهرهم # هول المصاب وحمل هذا المغرم # سالت ms043 نفوسهم أسى وتواصلت # أنفاسهم جزعا بوجد مضرم # حنقوا على «أودين» إذا خطفت بها # أيدي المنون أسود مصر الجثم ~~••• ~~«أودين» لولا أن أسيت لما بنا # لسألت ربي الله أن تتحطمي ~~«أودين» لي في من قضوا بك صاحب # طلق المحيا ذو فم متبسم # عف الرداء أغر أروع ذو حجى # يتجشم الأخطار غير مذمم # لا يركب الأهوال إلا عامدا # جعد متى يلق المخاوف يقدم # صب بجامات المعارف كلما # أسقيته جاما يقول أنا ظمي # وإذا النفوس صبت إلى نيل العلا # لم يرضها إلا مكان الأنجم # ما زال يسعى لارتشاف كئوسها # حتى تخطى البحر ليس بمحجم # خاض المخاوف والمخاوف جمة # وتقحم الأهوال مبتسم الفم # وتحمل الأخطار أروع ماجدا # طمعا لعمرك في الأماني الحوم # بينا يجد السير موصول الخطا # لا بالملول ولا الفتى المتبرم # إذ صاحت الأقدار سارع يا ردى # وبأمر ربك في «محمد» احكم # فمضى ولم يبلغ مناه ولا قضى # وطرا ولم يرجع لنا بالمغنم ~~••• # يا هاجر الأوطان في طلب العلا # أمسى حمامك بالقوارع مؤلمي # لبست «دمنهور» عليك حدادها # وتسربلت قطع الغمام المظلم # قال النعي لها كميك قد قضى # فأصمها قول النعي قضى الكمي # مشت الشجون بها وحطمها الأسى # وتبدلت أفراحها بالمأتم # وتململت جزعا وزاد أنينها # وتجرعت لنواك مر العلقم # لا تستنيم إلى العزاء وكلما # وردت قرارة مبكيات ترتمي # ولو انها تدري بأنك تفتدي # لفدتك بالأغلى الذي لم يسنم # أو أن هذا الموت يدفع بالقنا # أنحت عليه بكل ماض مخزم # لكنها الأقدار ليس بنافع # فيها الفداء ولا سنان الهزم # فاذهب وقد خاب الرجاء وإنما # لك ضاعف الديان أجرك فاغنم ~~«يا مصر» قدك ترفقي وتجلدي # واستسلمي لله ربك تسلمي # لا تجزعي أبدا ففيك فطاحل # غر لهم يعزى الفخار وينتمي # إن تفقدي (اثني عشر) ليثا هاصرا # فلكم ملايين بغابك جثم ~~(يا بن الفراعنة) اسع جهدك واقتحم # سبل العلاء سلمت أم لم تسلم # وتجشم الأخطار في نيل العلا # ما الفوز إلا للفتى المتجشم # عبثا تقول أخاف يدركني الردى # الموت قدر في الكتاب المحكم # جد المسير إذا أردت ولا ms044 تني # واضرب برجلك في الطريق الأقوم # وخذ السبيل موفقا نحو العلا # تنل الأماني الكبار وتغنم ~~(يا واحد الغر) الذين استشهدوا # نم جار ربك واغتبط وتنعم # هذي الفرادس أزلفت لك فازدلف # وسعت إليك الحور فاسع وسلم # وألقى الأستاذ الشيخ «كامل قطب النعيم» هذه القصيدة: # رويدك يا نائبات الليالي # فكل بنارك في مصر صالي # رميت «فريدا» بسهم المنايا # فمات وما ذاق كأس المنال # وعدت وما فيك من رحمة # تخونين منا خيار الرجال # كأن العلا وترتك قديما # فأصميت أهل النهى والمعالي # بدور هوت من سماء العلا # هوت فتعكر صفو الليالي # رأوا غاية للعلا عشقوها # فهاموا جميعا بشد الرحال # فساروا إليها وما فيهمو # نفوس بريب الزمان تبالي # كذلك من رام نيل العلا # يروح ويغدو لها لا يبالي # فبعد المعالي أذل بعاد # ووصل المعالي ألذ وصال # رأى الدهر همتهم فانبرى # وأصمى قلوبهم بالنبال # فسهم الكنانة في الحرب عود # وسهم الزمان «قطار إيطالي» # فصال عليهم بوجه عبوس # وناضلهم بالردى غير آل # فصاح غراب المنايا بهم # فباتوا هناك جسوما بوالي # وقد أنزلتهم يد الدهر من # ظهور العلا لبطون الرمال # كذلك دأب الزمان فآنا # تكون بحال وآنا بحال # فمن يشتهي أن يدوم بحال # فقد رام جهلا وقوع المحال # فما إن ترى العين خطبا كهذا # ولا قد رأت في العصور الخوالي # فيا شؤم يوم أصيبوا به # ويا بؤس شعب وصحب وآل # ولو أن خطبهم كان وقفا # عليهم قوينا على الاحتمال # ولكن فقدنا بفقدانهم # جليل المزايا وجم الخصال # فقدنا ذكاء وعلما ونبلا # ومجدا يطاول شم الجبال # فلن يطرق البشر قلبا لنا # ولن يخطر الصفو منا ببال # لقد طير الخطب منا عقولا # وأوقعها في شباك الخبال # وأوحش ربع العلا بعد أنس # وعطل جيدا لها كان حالي # لهيب القلوب غدا في ازدياد # ودمع العيون غدا في انهمال # وأضحى بنا اليأس حرا طليقا # وأمسى الرجاء رهين اعتقال # فلا تعجبوا عندما صافحتهم # يد للعلا أن غدوا للزوال # فإن المحاق يصيب البدور # فتخفى ويسلم وجه الهلال # عزاء وصبرا بني مصر إنا # جميعا نعزى بفقد الرجال ms045 # على العلم كانوا أتم دليل # وللمجد كانوا أجل مثال # وكانوا لهام العلا خير تاج # فلله تاج العلا والكمال # وهيهات يجدي الأسى بعدهم # كأني بجدواه عين المحال # إذا الموت أردى حبيبك أمسى # قريب المكان بعيد المنال # وإن زرته خلته صامتا # إذا ما نطقت فغير مبالي # فسقيا ورعيا لذاك الشباب # طويل الرقاد عيي المقال # ويا رحمة الله جودي على # قبور الشباب طوال الليالي # ويا رب أسكنهمو روضة # تباركها غاديات النوال # ووفقهم للصواب إذا ما # دعوتهمو فأتوا للسؤال # فمنك تشام بروق العطايا # ومنك يؤمل حسن المآل # ذكرنا ترجمة المرحوم محمد إبراهيم زويل. وهنا نثبت كلمة لحضرة إبراهيم أفندي حقي صديقه ~~وزميله في الدراسة، جاء فيها على حياته الدراسية ببيان أوفى مما ذكرناه فأثبتناها لما فيها من ~~الفائدة لطلاب العلم والدرس العالي في النشاط والإقدام، لأن التحاق المرحوم زويل بالمدارس يعد ~~خارقا للنظام المدرسي الآن، لأنه ابتدأ بتاريخ حياته الدراسية وهو ابن أربع عشرة سنة، وسيرى ~~القارئ الكريم ذلك مفصلا في هذه الكلمة. # قال صديقه حقي # لعلي أحق أصدقاء المرحوم زويل بترجمته، إذ كنت ألصق الأصدقاء به وأكثرهم صحبة له، ~~وربما كنت أعزهم عنده وأقربهم إليه. # وحياة زويل في ذاتها وإن كانت حياة قصيرة عادية ملئت بظروف قد تعرض لكثير من الشبان، ~~إلا أنها مع ذلك لا تخلو من كثير من الأمور التي تسترعي نظر الباحث المدقق، والتي إن كان ~~القدر هيأ له العظمة لجعلها المترجم له من أول أسباب عظمته ونبوغه. # ولكن لا مندوحة لنا عن ذكرها هنا لا على أنها من علامات النبوغ أو أمارات العظمة، ولكن ~~على أنها أمور عادية بسيطة ميزت حياته بشكل خاص، وكان لها على نفسه بعض الأثر. # فزويل مثلا كان من أولاد التجار، ولكنه لم ينشأ نشأتهم ولم يقم في محل تجارة أبيه كما ~~أراده على ذلك، بل كان يحث أباه على إرساله للمدرسة للتعلم إذ وجدت في نفسه رغبة شديدة إلى ~~العلم، وكان يرى «أولاد المدرسة» بكتبهم كل يوم فكان يغار منهم، وتشدد في طلب إرساله ms046 إلى ~~المدرسة حتى يمكنه أن يقرأ كإخوانه الصبيان. # وكان له ما أراد، وأرسله والده إلى المدرسة الابتدائية بدمنهور وهو في الرابعة عشرة من ~~عمره وهي سن يتخرج الطلبة فيها من المدارس الابتدائية، فلم يكن كبر سنه على أقرانه في الفرقة ~~من دواعي كراهته للمدرسة، بل كان باعثا في نفسه روح الجد والدرس حتى يفوز عليهم. # ولم يمكث بالمدرسة إلا قليلا حتى توفي أبوه إلى رحمة الله. ووفاة الآباء يعقبها في كثير ~~من الأحيان تلف في الولد وفساد في تربيته لشعور الطفل بأنه أصبح مطلق العنان، فكان في ~~استطاعة زويل أن يهرب من المدرسة ولا يقيم في محل أبيه وأن تسوء أخلاقه ولكن شيئا من ذلك لم ~~يكن، بل استمر في مدرسته بجد مضاعف. # ثم انقضى دور الدراسة الابتدائية وهو في الثامنة عشرة من عمره، فلم يجد مدرسة ثانوية ~~أميرية تقبله لكبر سنه، فلم يثنه ذلك عن التعليم، وقصد مدرسة المساعي المشكورة بشبين ~~الكوم يتمم فيها دراسته الثانوية، ثم تركها إلى الإلهامية حيث تعارفنا وأخذ منها البكالوريا، ~~وكان في القسم الأدبي وكان ذلك سنة 1917 ميلادية. # ثم دخل مدرسة الحقوق السلطانية، وكان جميع الطلبة في القسم الأدبي يرون أن أقصى سعادتهم ~~التوصل إلى مدرسة الحقوق، وكان زويل يرسمها في خياله صورة كبيرة ويرى فيها أوسع ~~الآمال. # ولعل من أكبر عيوبنا التهافت على مدرسة الحقوق هذا التهافت الشديد، فكل طالب من القسم ~~الأدبي لا تجول بخاطره غير الحقوق ولا يذهب به الأمل إلى أبعد من الدخول في مدرسة الحقوق، حتى ~~إذا لم يستطع الدخول فيها حسب نفسه بائسا سيئ الحظ، بل صغرت نفسه في عينه وهدمت آماله ~~وقضى أيامه في غيرها من المدارس العليا مضطرا غير مدفوع بدافع من نفسه. # على أن زويل كان من أولئك «السعداء» الذين ضمتهم جدران مدرسة الحقوق لتحقق لهم آمالهم ~~الواسعة وأحلامهم الذهبية، ولكنه ما لبث أن صغرت في عينه المدرسة إذ كان يتخيلها شيئا عظيما ~~هائلا فلم يجدها كما توهم، ورأى الصعوبات التي تصادف الطلبة والمتخرجين، ms047 وأدرك أن شهرة ~~الحقوق هذه شهرة كاذبة وراء أوهام محضة، وأنها لا تمتاز عن غيرها من المدارس العليا بشيء، ~~وبالجملة فإنه تغير في أفكاره كثيرا وأصبحت المدرسة لا تعجبه. # وكان زويل - رحمه الله - من أشد الناس اعتناء بصحته وأكثرهم خوفا على حياته، إذ كان ~~ضعيف البنية، كثير الوهم، وزاده وهما أن بعض الأطباء ألقى إليه أن به مرض القلب فأصبح يحاذر ~~على نفسه كثيرا، ولذا كان يراعي القواعد الصحية في أكله وشربه ونومه ورياضته ومقدار درسه، ~~وكان لا يدخن ولا يشرب القهوة، ولا يجاري إخوانه الطلبة في شيء مما يفعلون، بل كان يبتعد ~~عنهم، من أجل ذلك كان قليل الدرس وجاء الامتحان فرسب فيه، ولكن ساءه أن من الطلبة من كان أضعف ~~منه في درسه ونجح وكان يمكن أن ينجح هو أيضا لو ساعده المدرسون. # وشعر بعد هذا الرسوب بشيء من الخيبة في الحياة، وهكذا هدم ما كان يشيده من الآمال في ~~مدرسة الحقوق، ولكنه لم ينكص على عقبيه بل تحمل صابرا ورجع إلى فرقته من جديد وإن كان هذا من ~~أكبر دواعي الألم للطالب. # وهنا أصبحت حياته سلسلة من اليأس لم يكن يدري بها أحد لأنه لم يكن يبوح بما يؤلمه إلا ~~نادرا، ومكث بالمدرسة حتى جاءت اضطرابات مارس الماضي فعطلت الدراسة، وهكذا رأى أن ثلاث ~~سنين من عمره قد ضاعت هباء لم يستفد منها بشيء. # ثم فتح الطريق إلى ألمانيا فتهافت عليه الطلبة، وربما كان معظمهم يائسا من التعليم في ~~مصر يأس الفقيد زويل، فهجروا بلادهم يقصدون ألمانيا بالرغم مما يعترضهم في الطريق من ~~عقبات. # ولم يكن زويل متسرعا بل لم يكن يقوم بعمل إلا بعد تفكير ودرس طويلين، ولذا لبث ينتظر ~~أخبار رفقائه الذين سبقوه حتى إذا استوثق منها عزم على السفر وتوكل على الله، وكان يريد دراسة ~~الاقتصاد السياسي والعلوم المالية. # وكذلك سافر تلك السفرة الطويلة، ولعله بذلك كان أسعد حظا من الأحياء. # وبذلك انتهت حياته القصيرة كالوردة تذبل ولما ينقض الربيع، وكالشمس تكسف ولما ينتصف ms048 ~~النهار! # وهكذا تنتهي ترجمته ولا مندوحة لي عن القول إن الفقيد كان لطيف العشرة حلو الحديث، وكان ~~له أفكار وآراء صائبة في كثير من الأحيان، وكان يشاهد به بعض التطرف في آرائه. # لعلي قمت الآن بواجبي من ترجمته التي عاهدت نفسي على كتابتها ذكرى له بعد وفاته رحمه ~~الله. # ومما يذكر بالشكر والثناء همة حضرات أعضاء لجنة احتفال تشييع جنازة فقيد العلم المرحوم ~~محمد أفندي إبراهيم زويل، التي كان يرأسها حضرة صاحب العزة الوجيه كامل بك الحرفة وبقية حضرات ~~أعضائها الذين أتينا على ذكر أسمائهم تحت عنوان «لجنة الاحتفال بدمنهور»، وحضرات الخطباء ~~والشعراء والوجهاء والأعيان وأصحاب الحيثيات في مديرية البحيرة. وإنا نحيي فيهم هذه الهمة ~~العالية والأريحية الشماء لما قاموا به نحو الفقيد، أثابهم الله الأجر والثواب وشكر لهم ~~سعيهم! ~~(6) ترجمة عبد الوهاب أحمد سبع ~~(6-1) مولده # ولد شهيد العلم والغربة الشاب النبيل عبد الوهاب أحمد سبع في 10 يوليو سنة 1896 بقرية ~~«نوسا الغيط» من أعمال مركز أجا دقهلية، وهو نجل المرحوم الشيخ أحمد البدوي سبع أحد أعيان تلك ~~الناحية ووجهائها. # وشب الفقيد في وسط يقدس الفضيلة ويحترم المعتقدات والتعاليم الدينية، فكان طول حياته ~~تقيا نقيا، محافظا على أوقات الصلوات مستمسكا بالصوم، مبتعدا عن الملاهي الفارغة ~~والشهوات الدنيئة ... وكان كريم الأخلاق طيب القلب، سليم الطوية، حسن النية، وكان محبوبا في ~~عائلته ومحترما بين أصدقائه وزملائه في الدراسة. ~~(6-2) دراسته # دخل الفقيد مكتب القرية وهو في سن الرابعة من عمره فتلقى مبادئ القراءة والكتابة، وأتم ~~حفظ القرآن الكريم وهو في سن الثامنة، وتجلت لوالده في وجهه أسارير النجابة ومخايل الفطنة ~~فوجه به إلى القاهرة صحبة أخيه الشيخ عرفان أحمد البدوي سبع الطالب بالأزهر الشريف ليلحقه ~~بإحدى مدارسها، فأدخله مدرسة القربية الأميرية، ولبث يتعلم بها حتى حصل على شهادة الدراسة ~~الابتدائية ثم دخل المدرسة الإلهامية الثانوية ونال منها شهادة الكفاءة، ثم انتقل إلى المدرسة ~~الإعدادية الثانوية وحاز امتحان الشهادة الثانوية «البكالوريا»، ولم يتخلف مدة دراسته في فصل ~~من الفصول لاجتهاده وانصرافه ms049 إلى الدرس بكليته وحرصه على وقته الثمين، وكان لا يميل للعب ولا ~~يحب الهذر ولا يماشي إخوان السوء، ولم يسمع منه أحد طول حياته كلمة تمس إحساسه أو تزري ~~بكرامته، وكان يرى أن خير وقت للطالب وخير ما يسر نفسه هو الوقت الذي يصرفه منكبا على ~~مكتبه منهمكا في تقليب صفحات كتابه يذاكر درسه ويحاسب على ثواني حياته بنفسه ... ومن هذه ~~الأخلاق والمبادئ كان سر تقدم الفقيد ونجاحه في حياته الدراسية. # المرحوم عبد الوهاب أحمد سبع من «نوسا الغيط» مركز أجا دقهلية. # ولم يقف به الحد عند حصوله على الشهادة الثانوية، بل التحق بمدرسة المعلمين السلطانية ~~العليا ولبث بها سنتين، وفي أثناء ذلك رأى أن يدرس علم الحقوق لأنه كان ميالا للأعمال الحرة، ~~وقد استشار بعض أصدقائه فأقروه على ذلك. والتحق بإحدى الوظائف بوزارة الزراعة في يناير سنة ~~1920م ليتمكن من دخول مدرسة الحقوق الفرنسوية الليلية. # ولكنه رأى كثيرين من إخوانه ورفقته يتأهبون للسفر إلى بلاد الألمان لإتمام دراستهم بها، ~~فوجد الفرصة سانحة لتحقيق أمانيه العلمية، وأعد أداة السفر ورزم حقائبه، ولكنه في ساعة ~~سفره لاحظ أهله عليه الانقباض وأخذ يظهر تردده في السفر ورغبته في تأجيله كأنه كان يقرأ ~~صحائف الغيب بوجدانه الخفي، ولكنه حبا في العلم تشجع واطرح تلك الخيالات الوهمية وعاد ~~طلق المحيا وودع أهله وارتحل. # ودخل أخوه مكتبه بعد سفره فوجد ورقة مخطوطا فيها هذه الكلمات: # الوداع يا إخوتي! الوداع أيتها الحياة! الوداع يا مصر، يا أيتها البلاد العزيزة! ففيك ~~نشأت، وعلى أديمك درجت، ومن خيراتك اغتذيت، ومن نيلك العذب استقيت، وبسمائك استظللت، ~~ومن هوائك استنشقت، فواجبي إذن أن أضحي بحياتي في سبيل حياتك ووجودي في سبيل وجودك، ولا ~~حياة إلا بحريتك يا مصر. # وبعد ذلك ورد خطاب على عائلته منه يبشرها بسلامة وصوله إلى تريستا ... ثم مضت فترة قصيرة ~~بعد ذلك وخفق فؤاد مصر كلها لذلك الخبر المشئوم خبر الفاجعة الأليمة، وصمت صوت ذلك الشباب ~~وطارت نفوسهم شعاعا! فرحم الله تلك الآمال التي كانت تملك ms050 تلك القلوب الطاهرة! # وانتدبت لجنة الوفد المركزية حضرة صاحب العزة محمود بك عبد النبي لتعزية أسرة الفقيد ب ~~«نوسا الغيط» مركز أجا دقهلية، وبلغهم تعزية سعادة رئيس وأعضاء اللجنة المركزية للوفد المصري ~~فكانت بلسما شافيا لجرحهم البليغ، وشكروا له حسن سعيه ورفعوا لعزته آيات الشكر لتبليغها إلى ~~سعادة رئيس وأعضاء اللجنة المركزية لما أبدوه نحو الشهداء . أمد الله في حياتهم وكلل سعيهم ~~بالنجاح! ~~(7) ترجمة محمود عبد الرحمن سليم ~~(7-1) مولده # المرحوم محمود عبد الرحمن سليم من مركز أجا دقهلية. # ولد شهيد العلم والذكاء المرحوم محمود عبد الرحمن سليم بقرية ميت بزو وكفر عثمان سليمان ~~من أعمال مركز أجا دقهلية في 25 سبتمبر سنة 1896م، وهو نجل حضرة الوجيه عبد الرحمن أفندي ~~عثمان سليم من أعيان مركز أجا. وقد نشأ في أحضان والديه فشب دمث الأخلاق طيب السريرة ~~شغوفا بالفضيلة، وتلقى مبادئ الكتابة والقراءة بقريته، ثم رأى والده ميله للعلم فأرسله وهو ~~في الثامنة من عمره إلى القاهرة للدراسة في مدارسها. ~~(7-2) دراسته # التحق الفقيد الشاب عام 1905م بمدرسة الحسينية التابعة للأوقاف السلطانية بجوار المسجد ~~الحسيني فلبث فيها سنة كاملة، ثم دخل مدرسة محمد علي الأميرية ومكث بها حتى حصل على الشهادة ~~الابتدائية عام 1911م. # وفي تلك السنة انتظم في سلك طلبة المدرسة الخديوية فحصل على شهادة الكفاءة عام 1913م وعلى ~~الشهادة الثانوية عام 1915م، وتاقت نفسه إلى دراسة العلوم الهندسية وكان شديد الشغف بها، وقد ~~تجلى ميله إليها أثناء دراسته بالقسم الثانوي فنشط للالتحاق بمدرسة الهندسة ولكنه لم يستطع ~~نيل بغيته من ذلك لإخفاقه في الكشف الطبي بمناسبة ضعف إحدى باصرتيه. # ولكن ذلك لم يحل بينه وبين متابعة الدراسة، فالتحق بمدرسة المعلمين السلطانية ومكث بها ~~عامين صرف كل مجهوده أثناءهما في تحصيل العلوم الطبيعية تمهيدا لسفره إلى أوروبا لتتميم ~~الدراسة بكلياتها، ولكن قيام الحرب العامة خلال ذلك وقطع سبيل السفر على قصاد أوروبا أوقفه ~~عن الهجرة إليها في سبيل العلم. # وترك الفقيد مدرسة المعلمين وانصرف إلى دراسة اللغة الإفرنسية ليهيئ ms051 نفسه لدخول مدرسة ~~الحقوق الفرنسوية، وقد تمكن في وقت قصير من تعلمها ومن الانتساب إلى تلك المدرسة. # ثم أشار عليه بعض صحابته بالتوظف مع متابعة الدرس ففعل والتحق بالقسم الميكانيكي بوزارة ~~الأشغال في يوليه سنة 1919م، وكان في مدة توظفه القصيرة مثال الاستقامة والنشاط في ~~العمل. # ولما وضعت الحرب أوزارها وأصبح الارتحال إلى أوروبا ميسورا عاد لنفسه شغفه الأول ~~بالهجرة، فأعد عدته لتلقي العلوم الميكانيكية بإحدى الكليات الألمانية، وبرح وطنه العزيز مع ~~زملائه على الباخرة حلوان، فقطع عليه الطريق القدر المحتوم وعاد إلى الوطن مع العائدين ~~المبكيين، ونقل إلى بلدته في احتفال كبير لم يشهد له مثيل في تلك الناحية، حيث دفن ~~بمدافن عائلته الكريمة مبكيا على شبابه، مشكورا جهاده العلمي وهمته العالية، أسكنه الله ~~فسيح جناته! # وعند مواراته التراب وقف الشيخ محمد الهندي فألقى هذه الكلمة في رثاء الفقيد: # كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر # فليس لعين لم يفض ماؤها عذر # إن القلوب لتتفطر أسفا عليك يا فقيد الأدب ويا شهيد العلم، أي عين لا تبكيك وأي نفس لا ~~تندبك وأي قلم لا يرثيك؟ إنك يا محمود أذبت قلوبنا حسرات عليك وأشعلت أفئدتنا بنيران ~~الحزن. # أبكي فيك الفضيلة والمروءة، وأرثي الحياء والشمم، وقد كنت أرجو أن تطول حياتك، ويتحقق ~~أملك، فواأسفا على شبابك الغض وأخلاقك الطاهرة! # فقدناه والآمال ترجو بقاءه # وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر # لقد كنت أيها الفقيد العزيز مثال الفطنة، وعنوان الذكاء، وصرفت كل مجهودك في تحصيل العلوم ~~حبا في أمتك وبلادك، واستهنت بالمصاعب، وهاجرت لتفوز بثواب المهاجرين في سبيل العلم، ولتوفي ~~لمصر حقوقها عليك، ولتحقق آمالها فيك، وتحملت مشقة المهاجرة، وبعد الشقة، وفراق الأهل والوطن ~~لتعود رجلا تنفع مصر، فما أبرك بمصرك يا محمود! # لقد ودعناك وكنا نرجي أن يكون وداعنا لك ودادا لا تنقطع حباله ولا يطول أمده، وارتحلت ~~وقلوب والديك تخفق يوم وداعك حنانا، وتزودك بالدعوات الصالحات وترجي لك مستقبلا سعيدا ~~وحياة طيبة، ولكن شاء القدر أن يكون وداعك أبديا ولقاؤك في هذا العالم مستحيلا، ms052 فواأسفاه ~~لأيام تقضت وساعات سلفت! وما أبعد الصبر عنا! وما أضعف قلوبنا عن احتمال الخطب، وما أكبر ~~مصابها فيك! تغمدك الله برحمته، وألهمنا ووالديك من الصبر على فقدك ما يخفف آلام الحزن وفداحة ~~المصاب! # لم يبق في قوس التصبر منزع # كلا ولا في طيب عيش مطمع # هذا هو الخطب العظيم المفزع # هذا هو الرزء الجسيم الموجع # خطب جزعنا منه عند نزوله # حق على كل الخلائق تجزع # خطب به الأكباد ذابت لوعة # وجرت كمنهل الغيوث الأدمع # أنى لنا تصفو موارد عيشنا # وفواجع الأيام دوما تفجع # والخطب سيف سل في كف الردى # وقلوبنا غمد له والأضلع # إن لم تروعنا خطوب نفوسنا # فبخطب من نصبو إليه نروع # محمود روح للفصاحة والحجا # المنشئ الفطن الخطيب المصقع # قد كان ذا قلب كطود راسخ # لكوارث الأيام لا يتزعزع # إنا نعزي بعضنا بمصابه # إذ كان آمال الجميع ونهرع # إنا نشارك بعضنا في حزننا # إذ كان روح حياتنا ونودع # إن لم تحاك النيل منا أدمع # لم توفه حق البكاء الأدمع # سكنت مودته القلوب ولم يزل # لوداده فيها المكان الأرفع # لما نعاه البرق في أوطانه # لم تبق عين بالبكا لا تدمع # أسفي على بدر هوى من أفقه # ونراه يدفن في التراب ويودع # فعلى ضريح فقيدنا طول المدى # غيث الرضا من ربه لا يقطع # فسلام عليك يا محمود يوم ولدت، ويوم درست، ويوم هاجرت، ويوم مت، ويوم تبعث ~~حيا. # نم هادئا في أرض مصر فإنها أحسن أرض على أبنائها البررة الشهداء، ولتسبح روحك في الخلود ~~ما تشاء. وإنا لفقدك لمحزونون، ولموتك آسفون. ~~(7-3) شكر أسرة الفقيد لمن واسوها # كتب حضرة عبد الرحمن أفندي سليم بمركز أجا دقهلية كلمة يقول فيها بأنه يقدم الشكر الخاص ~~لرئيس الوفد ورئيس اللجنة المركزية وجميع الأعضاء لما أبدوه من حسن الرعاية وجميل المؤازرة ~~والمجاملة بإيفادهم حضرة صاحب العزة محمود بك عبد النبي أحد الأعضاء لأداء التعزية. ~~(7-4) احتفال المنصورة # لم تكن المنصورة أقل استعدادا من غيرها للاحتفال بجنازة الشهيدين المرحومين عبد الوهاب ~~أحمد سبع ومحمود ms053 عبد الرحمن سليم، فما كاد ينتصف نهار الأربعاء 29 أبريل سنة 1920م حتى احتشد ~~سكان مدينة المنصورة على اختلاف درجاتهم وتباين جنسياتهم في ميدان المحطة، وقد نكست ~~الأعلام في سائر أنحاء المدينة موسومة بشارات الحداد، وارتسمت سمات الحزن على وجوه الشعب فلا ~~تكاد ترى رجلا أو شابا حتى تدرك لأول وهلة أن المدينة في حزن عام، وكان الكل خاشع الطرف، ~~مرسل الدمع. وابتدأ سير موكب الجنازة بثلة من فرسان البوليس، فطلبة مدارس المنصورة على ~~اختلافها من علمية وصناعية، فمدرسة المعلمين، وكانت كل مدرسة تحمل علمها وباقات من الأزهار ~~وصور الشهداء، ثم نقابة التجار، فالحراس منكسي السلاح، فموسيقى المجلس البلدي تعزف بأنغامها، ~~فالجنود المشاة، فبعض الطلبة يحملون أكاليل الزهر، فنعشي الفقيدين يحملهما الخفراء وكانا ~~ملفوفين في علمين مصريين ومجللين بالأزهار الغضة، وعلى كل منهما اسم صاحبه، وخلفهما أصحاب ~~الفضيلة العلماء، فالآباء الروحيون، فقناصل الدول، فرجال القضاء والنيابة، فالأساتذة ~~المحامون، فالأطباء، فالمهندسون، فرجال الماسون، فموظفو الحكومة، فحضرة صاحب السعادة مدير ~~الدقهلية نائبا عن عظمة السلطان، فالأعيان، فالتجار، فطوائف العمال، فالنقابات على اختلافها ~~من زراعية وصناعية وتجارية. وسار الموكب على هذا النظام بين الألوف المصطفة عن جانبي الطريق ~~مخترقا شارع إسماعيل فشارع عبد القادر فشارع الجبانة، وبلغ محطة الدلتا في منتصف الساعة ~~الثانية بعد الظهر حيث وضعت الجثتان في مركبة خاصة ألحقت بالقطار، وسافر جم غفير من ~~المشيعين ومندوبون من لجنة الوفد المركزية لتعزية عائلة الفقيدين ب «نوسا الغيط» مركز أجا ~~بلدة عبد الوهاب أحمد سبع، ثم توجهوا لميت بزو وكفر عثمان سليمان بلدة محمود عبد الرحمن سليم، ~~فرحمهما الله رحمة واسعة. ~~(7-5) كلمة # حضرة مندوب لجنة تشييع جنازة الشهداء المركزية بالإسكندرية التي ألقاها الأستاذ الشيخ عبد ~~الفتاح محمد الذي كان مرافقا لنقل جثث شهداء مديرية المنصورةوهذا نصها: # أيها السادة، بصفتي منتدبا من أهالي مدينة الإسكندرية وفضيلة زميلي المحترم الشيخ ~~عبد السلام العسكري من علماء المعهد والمدرسين به لمرافقة تلكم الجثة جثة الفقيد إلى هنا ~~حيث تقيم أسرته الكريمة، للقيام بواجب التعزية؛ أقف ms054 أمامكم في هذه الساعة الرهيبة أرثي ~~رأسا من الرءوس العاملة لخير البلاد، وأندب فتيان العلم الذين هاجروا لنصرة أمة رأوها ~~تئن من الجهل، فأبوا إلا أن يعيشوا سعداء بالعلم وتعيش هذه الأمة سعيدة في كنفهم بفضل ~~مجهودهم العظيم. # في ذمة الله شبابا ناهضا، في رحمته أفكارا نقية، في جواره نفوسا أبية، عالية، ~~في جنته أرواحا غالية. # ليس المصاب أيها السادة مصاب عائلة أو أسر معدودة، وإنما المصاب مصاب الأمة جمعاء ، ~~مصابها في شبابها الناهض، مصابها في كنزها الثمين، مصابها في ساعدها القوي، مصابها في ~~سلاحها القاطع الذي أعدته للزمن، وادخرته للدفاع عن الحق ونصرته، لذلك ترى في كل بيت من ~~بيوتات مصر مأتما قائما ودعوات منها له ورحمات متتالية، حتى لقد تنازع فيهم الشرق ~~والغرب: # لقد قام بين الغرب والشرق مأتم # عليهم فمن ذا بالعزاء ~~نخاطبه؟ # لا تندبوا الشهداء أيها السادة، بل اذكروهم بكل أنواع الحفاوة والتبجيل والإعظام، ~~فالتاريخ فاتح صفحاته لتمجيدهم والأمة ذاكرة لهم حسن هذا الصنيع ومقدمة لهم هذه المخاطرة، ~~اذكروا هذه التضحية والمبدأ الذي من أجله كانت هذه التضحية تخف الزفرات عن قلوبكم وتزاح ~~العبرات عن عيونكم، ونحن إن بكيناهم اليوم فإنما نبكي الأمل الذي أملناه فيهم والرجاء ~~الذي رجوناه من هجرتهم. إيه يا مصر! ما أتعس حظك! وما أنحس طالعك! أوكلما نبت فيك نبت ~~فأينع وأثمر وأخذ للعمل في سعادتك والسير بك إلى حيث مصاف الأمم الحية والشعوب الناهضة ~~سلط الدهر عليه سهامه ليطفئ نوره وليسكت صوته؟! تعيسة أنت يا مصر، فما كان أحوجك إلى هذا ~~الشباب الغض الذي ذهب ضحية حبك وهنائك. # هاجروك ليسعدوك وقالوا # حسبنا الله في علاك ~~تعالى # إن العمل لسعادة البلاد ورفعتها أيها السادة بالاتحاد، وها قد تعانق الهلال والصليب ~~وأصبحنا قاب قوسين أو أدنى إلى السعادة، وقد رأيتم جهاد الشهداء في العلم فكان مثالا ~~صحيحا وعاملا قويا وشعارا لا يبلى، فسيروا في طريقهم المحمود واحذروا التفريق. وأنتم ~~أيها الشهداء ناموا آمنين مطمئنين فلكم الذكر العاطر في الدنيا. ~~(والذكر للإنسان عمر ثان.) ms055 # والأجر في الآخرة، وإنا إن شاء الله على هديكم ~~لسائرون. ~~(8) ترجمة رمضان محمود هداية ~~(8-1) مولده # ولد شهيد العلم والشباب المرحوم رمضان محمود هداية يوم 6 يناير سنة 1900، وهو نجل الوجيه ~~السيد محمود هداية من أعيان مدينة طنطا. وكان رحمه الله في طفولته قوي الذاكرة رقيق العاطفة ~~ميالا للجد والنشاط، ورأى والده استعداده لتلقي العلم فعني به عناية خاصة وجعله موضع ~~التفاته. ~~(8-2) دراسته # دخل الفقيد مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية بطنطا، فكان همه المذاكرة ومسابقة إخوانه في ~~الدرس والتفوق عليهم بالأخلاق والآداب، وما زال يتنقل من فصل إلى آخر حتى حاز شهادة الدراسة ~~الابتدائية وكان في أوائل الناجحين. # وألحقه والده بمدرسة طنطا الثانوية فكان موضع إعجاب أساتذته لفرط ذكائه وشدة شغفه ~~بالانكباب على الدرس وارتشاف مناهل التعليم برغبة شديدة وإرادة قوية، وقد نال منها شهادتي ~~الكفاءة ثم البكالوريا. # ثم استطلع والده رأيه في المدرسة العالية التي يريد الالتحاق بها، فتخير مدرسة الهندسة ~~لشغفه بالرياضيات، وهي من دلائل الذكاء وسعة العقل، ولكنه لم يلبث بها غير سنة واحدة لأن ~~أبواب السفر إلى بلاد الألمان كانت قد تفتحت، فرأى أن يرتحل إليها لدراسة العلوم التجارية ~~والاقتصادية ويعود ليشتغل بالأعمال الحرة، وسافر على بركة الله مع المسافرين من الشبان وكان ~~الأمل يرفرف فوق رأسه بجناحيه ووالده يتمنى له كبار المنى لثقته بنشاطه وحبه للعلم، ولكنه لقي ~~حتفه في الطريق بين من باغتهم الأجل من شباب مصر، فعاد محمولا على الأعناق. واحتفل بمشهده ~~بمدينة طنطا مع المرحوم إبراهيم أفندي العبد كما ذكر في غير هذا المكان، ودفن بمقبرة ~~عائلته بطنطا، فرحمة عليه رحمة واسعة. # المرحوم رمضان أفندي محمود هداية من طنطا. ~~(8-3) دمعة على صديق شهيد # أي صديقي رمضان، رحلت عني إلى ديار نائية لطلب العلم فوافتك منيتك قبل أن تحقق أمنيتك، ~~فواها للأيام! لشد ما تفرق بين الإخوان. # أرثيك الساعة يا صديقي ولا أملك لنفسي إلا عبرة تترقرق بين عيني ونفثة تضطرم حنقا على ~~المنايا «التي تفقد على كفها الجواهر تختار منها الجياد.» ms056 # أرثيك الساعة يا صديقي وما كان يجول بخاطري أن أكتب عنك راثيا، بل كان غاية أربي أن أصوغ ~~لك عبارات التكريم احتفاء بمقدمك حاملا إجازة العلم ومؤديا لوطنك المفدى واجبك بصدق ~~وإخلاص. # يا طالما سمعتك تتغنى بآمالك الجسام، وتتوق إلى العمل حرا مستقلا وتبغض التوظف في ~~الحكومة لئلا يسيطر عليك مسيطر، ولقد كانت آخر كلماتك لي أن اعمل لتكون محاميا حتى إذا ما ~~أتيت بعد حين متمما دراستي يكون بعضنا لبعض ظهيرا. # أجل أيها الصديق الداعي إلى الخير سأعمل ما في وسعي لأحيا حياة حرة فتلك هي غايتي في ~~حياتي، وأكبر أمنية تطمح إليها نفسي. سأذكر كلمتك يا صديقي ما حييت، وعندما تشرق علي شمس ~~ذلك اليوم الذي أعمل فيه حرا أحمل إليك الزهر الجميل وأنثره على جدثك الطاهر أسفا ~~وحسرة على فقدك في غضارة الشباب وغضاضة الإهاب. # لقد كنت في حياتك خير مثال يحتذى: كنت زكي الفؤاد، طيب القلب، متوقد العزم، صادق الرغبة ~~في العمل، لطيف المعشر، حريصا على وقتك، ولكن الدهر لم يكن حريصا عليك فوافاك الأجل المحتوم ~~في غربتك وأنت أكثر ما تكون شوقا إلى اغتراف العلم من أعذب مناهله. # ألا ليت المنون التي عاجلتك وأنت في زهرة العمر وريعان الشباب أمهلتك حتى تدرك أمنيتك ~~التي طالما جاشت في صدرك واختمرت في فؤادك، فارتحلت عن مصر مودعا الأهل والسكن والصحاب ~~والوطن في سبيل تلك الغاية الشريفة، غير أنه بما يحيط بها من مصاعب ومتاعب لحق عليك قول ~~القائل: «رب أمنية جلبت أسى ومنية». # لقد كان الاحتفال بجنازتك أنت وإخوانك الشهداء رهيبا، لبست فيه الأمة عليكم شعائر الحداد ~~واشترك فيه رجالها والنساء، وشبابها والشيوخ، وكان دليلا ناطقا على حيويتها وتطلعها إلى ~~الحياة الراقية. وإن مصرعكم لأكبر مشجع لإخوانكم على انتهاج طريقكم بعد أن رأوا ما رأوا من ~~فرط عناية الأمة بواجبها حيال إحياء ذكرى شهدائها الذين تمزقت جسومهم وتحطمت أشلاؤهم في سبيل ~~المجد الخالد والأمل البعيد، مجد الوطن الذي يحيا بأبنائه البررة المخلصين له الحب. نعم إن ~~مصرعكم ms057 لأسطع برهان على رغبة المصري في الحياة العلمية الصحيحة وركوبه متن الأخطار لإحراز ~~المجد والفخر. # لقد طير البرق نبأ مصرعكم إلى جميع أنحاء العالم المتحضر، فكان له في وطنكم رنة حزن ~~مؤلمة اخترقت البلاد من أقصاها إلى أقصاها، كيف لا ومصابكم مصاب أليم ورزؤكم رزء جسيم؟ ولكن ~~الذي خفف أحزاننا وآلامنا هو ذلك الأثر الخالد الذي خلفتموه بعدكم وسمع عنه العالم أجمع، ~~ألا وهو استشهادكم غرباء في سبيل العلم، ولولا ذلك لنال منا الأسى كل منال. # فيا أيها الشهداء الراحلون في مثل أعمار المنى، إذا اجتمعتم في روضة من رياض الجنة أو ~~تلاقيتم تحت ظلال شجرة من أشجارها ادعوا لنا ربكم يمدنا بروح من عنده في سبيل إنجاح قضيتنا ~~ويهيئ لنا من أمرنا رشدا. # لقد اختارك الله يا رمضان لجواره وقدر لك أن تموت شهيدا، فتركت دار الفناء دار اللؤم ~~والخسة والدناءة، وتركتنا على أسوأ ما يترك الصديق، وما هي إلا قلوبنا يضنيها الحزن ويقلقها ~~الأسى. # في ذمة الله روحك الطاهرة، وفي جوار إخوانك الذين أنعم الله عليهم من الصديقين والشهداء ~~والصالحين، هنالك تنعم بالجنة التي أعدها الله لعباده المتقين. # سلام عليك في الشهداء، سلام عليك في البررة الأتقياء، وسلام عليك يوم ولدت ويوم مت ويوم ~~تبعث حيا. # حضرة الفاضل المحترم مدير تحرير الكنز الثمين لعظماء المصريين # تحية وسلاما، وبعد: فأرسل لحضرتكم طيه الكلمة التي كتبتها بمناسبة وفاة صديقي ~~المرحوم «محمد رمضان هداية» في حادثة أودين؛ رجاء نشرها في تاريخ حياة شهداء العلم ~~والوطن. # وإني أشكركم كل الشكر على تلك الهمة الشماء التي بذلتموها في إصدار الكنز الثمين الذي ~~ملأ فراغا مهما في عالم الأدب أهمله الكتاب وراءهم ظهريا مع أنه من دواعي تقدم ~~الأمم ونهوضها، لأنه المسبب لازدياد عدد عظمائها وكبار رجالاتها. # ولقد كتبت منذ حين كلمة على صفحات السفور أستنهض فيها همم الكتاب للقيام بإنشاء لجنة ~~خصيصة للقيام بعمل تراجم لعظماء مصر، وبينت لهم أهمية هذا العمل الذي أغفله الكثيرون ~~مستعينا على ذلك بقلمي الضعيف الذي لا أملك ms058 سواه، فما تحرك ساكنهم. واليوم وقد وجدت ~~فردا من أفراد الشعب المصري الراقي يقوم وحده بهذا العمل الجليل خير قيام على ما فيه من ~~المصاعب فحق علي أن أبذل ما في وسعي للإشادة بعمله، والتنويه بفضله، وتعداد مآثره ~~وتنبيه الأذهان إلى أهمية حياة العظماء التي هي السراج المنير الذي يهدي الناس في ظلمات ~~الحياة. إنك بعملك هذا العظيم قد حققت أملا من آمالي طالما تاقت نفسي إلى تحقيقه. إن شدة ~~إعجابي بعملكم وبقلمكم الذي ينطق عن علم غزير وفكر ثاقب وأناة وروية، هذا فضلا عن ~~الأسلوب الرائع الذي تكتبون به؛ ليدعوني إلى أن أفخر بكم، وأرجو لكم مستقبلا سعيدا ~~ونجاحا عظيما في عملكم بفضل معونة مصر الناهضة التواقة إلى المجد المتطلعة إلى الحياة ~~الراقية. وقد كان بودي أن أحضر لأراكم شخصيا وأقدم لكم خالص شكري وسروري من عملكم، ولكن ~~بما أني مشغول الآن فقد فضلت أن أرسل لكم كتابي بما أن الحظ لم يسعدني بوصول ركابي إليكم. ~~وسأحضر إليكم إن شاء الله في أوائل يوليو سنة 1920 لأنتهز فرصة اشتراكي في الكنز الثمين ~~ولأقدم لحضرتكم من المساعدات الأدبية ما يكون في مقدور شخصي الضعيف. والسلام عليكم ورحمة ~~الله. # علي بدر # موظف بوزارة المعارف العمومية # القاهرة في 13 يونيه سنة 1920م # لما احتفل ناظر مدرسة القرشية التابعة لمجلس مديرية الغربية بتأبين الشهداء ودعا لذلك ~~أدباء وموظفي وأعيان القرشية وميت يزيد، ألقى القصيدة الآتية بعد افتتاحه حفلة التأبين، وتلاه ~~الأدباء والتلاميذ بما أبكى العيون وفطر القلوب على أولئك الشهداء، شهداء العلم ~~والغربة: # يا أماني مصر والدنيا عبر # كيف عدتم؟ أنجاح أو ظفر؟ # كيف عدتم؟ غفر الله لكم # أأصيب القوم في الزخر الأغر؟ # وأريع النيل في أبنائه # أجفاف النيل # 4 # من وقع الخبر # وذبول الزرع من فرط الأسى # لشباب غاله سهم القدر؟ # جف ماء النيل مما انتابه # هل يريق الدمع (مكفوف البصر)؟ ~~••• # أصبحت آمال مصر نكبة # وكتابا نكست فيه صور # أيها الأقوام عزوا بعضكم # في ضحايا العلم ركاب الخطر # في بدور شاءت العليا ms059 لهم # أن يجوسوا الغرب نيلا للوطر # فتولوا وأمانينا بهم # باسمات للرجاء المنتظر # وإذا بالبرق ينعاهم بما # قد دها الآمال في عرض السفر ~~«صدمة في الغرب أمسى وقعها # في ربوع الشرق مشئوم الأثر» # عاجل الأقمار موت كامن # في حديد وبخار وشرر # ومشى المقدور في داراتهم ~~«فتهاووا قمرا بعد قمر» # وإذا حم القضا في نازل # راح لا يمنع مقدورا حذر ~~••• # في سبيل الله والعليا وفي # ذمة الأوطان أبناء غرر # في سبيل المجد ما شاء الوفا # لبلاد ساءها صرف الغير # في سبيل النيل در ناضر # كان عقدا للمعالي فانتثر ~~••• # إن نعت برلين بالأمس «فتى» # 5 # فلأودين نعت «اثني عشر» # أن تصوني أرض أودين دما # كان للعرفان فيهم مدخر # فلتكوني كعبة المصري إن # حج غرب العلم يوما واعتمر # فيك أودين براهين على # أن مصر للمعالي لم تذر # أوصدوا الأبواب فيها فانبروا # للمعالي نفرا بعد نفر # إن شعبا يطلب العلم ولو # ناله في نيله كل كدر # لهو شعب ناهض ترجى له # عن قريب صولة بين البشر ~~••• # ليس يخشى الموت منا فتية # في سبيل العلم حتى لو ظهر # ليس في الصدمة يأتيك الردى # إنه يأتي كلمح بالبصر # إنه يأتي إذا العمر انقضى # كنت في برج مشيد أم حفر # قد شكرنا الله في أرزائنا # وكذاك الله يجزي من شكر # القرشية # سعيد أبو الذهب # وقال هذه الكلمة التي ألقاها أحد تلاميذه: # سائلوا العلياء عن أولادها # أين راحوا فسرى فيها الألم؟ # إنها تبكي شبابا ناضرا # قد ذوى أزهاره خطب ألم # خففي يا مصر عنا واعلمي # أنهم ماتوا ضحايا للهمم # واذكري أنا شكرنا ربنا # في مصاب وقعه رج الهرم ~~••• # فاحزني يا مصر حزنا شاملا # ما انتهى المحزون إلا وابتسم # ستكوني أمة مرفوعة ال # أقدار حالا دائما بين الأمم ~~(8-4) الحفلة الأولى بالجامع الأحمدي بطنطا لرثاء الطلبة # كانت يوم الجمعة 22 مارس سنة 1920 (على ما أتذكر) في الجامع الأحمدي، وقد حضر جم غفير من ~~كبار علماء الجامع حوالي الساعة الخامسة مساء يتقدمهم فضيلة الأستاذ الشيخ مرسي طبل شيخ ~~علماء المالكية، ms060 فوقف فضيلته وصلى صلاة الجنازة على أرواح الشهداء، وبعد الصلاة حضر فضيلة ~~الأستاذ الشيخ الظواهري شيخ الجامع ومعه السيد حسين القصبي. وافتتحت الحفلة بالقرآن الكريم، ~~ثم وقف فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الجليل أحمد أحد علماء الجامع وألقى كلمات أبكت الحاضرين، ثم ~~تلاه حضرة زكي أفندي قدسي واعظ الكنيسة القبطية بكلمات موجزة كان لها تأثير عظيم في نفوس ~~السامعين، ثم تلاه الشيخ محمد عبد السميع بزجل نشر في غير هذا المكان ومطلعه: # الحي يسعى في الطلب # والغيب وراه مليان عجب # والدهر دا ما عليه عتب # مين اللي يعتب ع الزمان # وتلاه كثير من الخطباء والأدباء، وختمت الحفلة كما فتحت بتلاوة القرآن الشريف. ~~(8-5) الحفلة الثانية في الجامع الأحمدي # كانت في 12 أبريل سنة 1920 عقب حضور جثث الشهداء وقد أقامتها لجنة الوفد المركزية في ~~طنطا، وكان ذلك في الساعة الثامنة مساء، وقد حضرها سعادة مدير الغربية نائبا عن عظمة مولانا ~~السلطان (المدير سعادة حافظ باشا حسن)، وقد أمها كثير من المدعوين من العلماء والقضاة ~~والأطباء والمحامين وأعيان البلاد والطلبة، وكان رئيس الحفلة حضرة الدكتور حسن بك كامل، ~~وسكرتيرها حضرة أحمد بك الشيخ. فوقف الدكتور وافتتح الحفلة بكلمات موجزة كان لها وقع حسن، ثم ~~تلاه حضرة أحمد بك الشيخ بخطابة نالت الاستحسان، ثم تلاه الأستاذ نجيب أفندي الغرابلي بقصيدة ~~فيحاء، ثم تلميذتان من مدرسة ميرزا العجمي فألقتا قصيدة واحدة تحاورتا في أبياتها، ثم ~~تلاهما الأستاذ الشيخ محمد الخشن المدرس بمدرسة الأقباط بقصيدة جليلة، وهنا شغب الناس ~~بسعادة أحمد بك الشيخ لأنهم لاحظوا عليه تقديما وتأخيرا في مناداة الخطباء فخرج وخرج بعض ~~الناس ومنهم الدكتور حسن بك كامل وسعادة مدير الغربية وشيخ الجامع ولكن الحفلة لم ترفض ~~بعد، واستمر الخطباء واحدا بعد واحد إلى أن ألقى الشيخ عبد السميع هذا زجلا نشر في غير هذا ~~المكان، ومطلعه: # يا مصر مال دهرك عايب # حكم عليك وحكمه جار # وسهمه فيك كان صايب # والأمر للمولى الجبار # ثم انتهت الحفلة بسلام. ~~(8-6) رثاء الطلبة في حفلة العلماء ms061 بالجامع الأحمدي بطنطا # زجل # الحي يسعى في الطلب # والغيب وراه مليان عجب # والدهر دا ما عليه عتب # مين اللي يعتب ع الزمان ~~••• # والموت على كل العباد # مكتوب ولا فيه حد حاد # والآخرة للدنيا معاد # وكل شيء فيها بيان ~~••• # وكل واحد له أجل # محدود ولكن له أمل # لولا الأمل ما كان عمل # واللي انكتب في علمه كان ~~••• # العمر مكتوب في الكتاب # والعبد عنه في احتجاب # وكل يوم بحسب حساب # وهو ميت من زمان ~~••• # واللي يموت في غربته # زي اللي مات على فرشته # واللي تجي له منيته # زي اللي مات وسط الميدان ~~••• # لكن بقى اللي يموت غريب # ولا عنده أهل ولا حبيب # الحزن يبقى عليه لهيب # ويقطع القلب الملان ~~••• # علشان كدا تلقى الدموع # والنار تفتت في الضلوع # على اللي ماتوا من الجموع # شبان لهم في القطر شان ~~••• # شدوا الرحيل وخدوا اللزوم # واتوجهوا لطلب العلوم # أما القدر عمال يحوم # خلى الأجل قرب وحان ~~••• # حصل التصادم في القطار # وقع وقام فيه البخار # دا شي خلى العقل طار # يا منصفين فين الأمان؟ ~~••• # في ذمة الله الكريم # يا زهرة النيل العظيم # ما حد في الدنيا مقيم # ولا حد خد فيها مكان ~~••• # والصبر أحسن للشباب # فيه الكرامة والثواب # وكل شيء عند الحساب # يظهر ويبقى في الميزان ~~••• # ويبقى مولانا اللطيف # ياخذ الحقوق م اللي يحيف # ما فيش قوي ولا فيه ضعيف # ولا فيه شجاع ولا فيه جبان ~~••• # يا مصر ما للدهر مال # وكل يوم ينهب رجال # كأنه شاف نهبك حلال # يا مصر ما للدهر خان؟ ~~••• # في كل يوم فيك خبر # قاسي يفتت في الحجر # يا مصر دا القلب انكسر # امتى بقى يئون الأوان # محمد عبد السميع # مدرس بمدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية بطنطا # وله أيضا: رثاء في الشهداء # المذهب # يا مصر مال دهرك عايب # حكم عليك وحكمه جار # وسهمه فيك كان صايب # والدهر من طبعه غدار # دور # حكم عليك في أنجالك # خطفهم الموت الخطاف # كانوا حمايتك إن جالك # من الأمم خصم وخطاف # كانوا حصونك ورجالك # وهمهم حب الإنصاف # والدنيا ms062 دي مالهاش صاحب # والدهر بين الناس دوار # المذهب # قاموا وسافروا على أوروبا # للعلم في بلاد الألمان # جاهم قضاهم في الغربه # وهم في بلاد الطليان # وجا الخبر ع النيل ضربة # ملا البلاد هم وأحزان # واللي كتب أمره غالب # والموت على العالم سيار # المذهب # حصل تصادم بيقولوا # والعلم عند الله وحده # والعمر ما حد يطولو # لأن له مقدار عنده # واللي حداه أهل تعولو # في موته يبقى خفيف عنده # أما اللي مات ولا فيش صاحب # الدمع يبقى عليه تيار # المذهب # العلم فيه عز الأوطان # وسعدها الباهي الباهر # واللي يموت في العلم كمان # في الغربة دا ميت طاهر # ويبقى فيه رحمة ورضوان # وذكره بين الناس ظاهر # زي اللي ميت بيحارب # ويبقى في الشهدا الأبرار # المذهب # يا اللي سافرتم للتهذيب # وكان بكم نيلنا مشروح # دي مصر صبحت في تعذيب # كل البلاد تبكي وتنوح # ودفنكم في الأرض غريب # هي البحار في الأرض تروح؟ # دا دفنكم في العين واجب # علشان ما تبقولها تذكار # المذهب # النيل عليهم صار محزون # والعين بتبكي دم صبيب # والقلب بالأحزان مشحون # والكبد فيه حرقة ولهيب # لو كنا ندري اللي حيكون # ما كنش ضاع من مصر حبيب # أما القضا لما يطالب # ما تمنعوش أبدا أحذار # المذهب # لو كنا شفنا الموت يفدوه # ما كنش واحد منهم مات # ما كنش حد يقول دفنوه # ونكسو ف مصر الرايات # وقالوا بالأرواح ضمنوه # ما كنش يبقى في الأموات # لكن دا الموت الغاصب # مالوش فدا ولا لوش أعذار # المذهب # في ذمة الله العلام # يا كبد مصر المكويه # في الجنة في عز وإكرام # في عيشة حرة مرضيه # مع «مصطفى» بطل الأهرام # و«فريد» شهيد الحريه # اللي قضى زمنه غايب # بعيد عن الأوطان والدار # المذهب # بالله يا قبر الأبطال # رحب بأولاد الأمة # غابوا ولكن الغيب طال # فيك الجهاد ويا الهمة # فيك المروءة والأعمال # فيك الشجاعة والذمة # فيك المحرر والكاتب # فيك النباهة والأفكار # المذهب # يا قبر بالقلب نحييك # والقلب بالأحزان مليان # وكلنا بالروح نفديك # نفدي الفضيلة والإيمان # ومصر ويا النيل تهديك # كل الكرامة والإحسان ms063 # دنيا غرورة وكون ذاهب # والملك لله الجبار ~~(8-7) نص الخطبة # التي ألقاها حضرة أحمد بك الشيخ عضو مجلس مديرية الغربية (بمدينة طنطا في ~~الجامع الأحمدي، في حفلة تأبين طلبة العلم الذين استشهدوا بإيطاليا في حادثة القطار ~~المشئومة) # ما لجرحي إذا شكوت شفاء # ضقت ذرعا فأين أين الدواء؟ # كل يوم لنا من الدهر خطب # ينطوي الكرب تحته والبلاء # غير أن الخطوب ذات اختلاف # ذاك سهل وذا يضيق عنه الفضاء # أيها السادة # باسم مديرية الغربية التي تحملت نصيبها في هذه الفاجعة العظمى أقدم للأمة المصرية في شخص ~~لجنة الاحتفال أجمل التعازي على هذه المصيبة الفادحة، متوسلا إلى ذي العزة والجبروت أن ~~يجعلها خاتمة مصائب مصر وأن يمن عليها بتفريج كربتها وتحقيق أمانيها. # وأقدم جزيل الشكر المنبعث من أعماق القلوب إلى وفدنا المفدى تلقاء عنايته برفات أبنائنا ~~وحملها من الغرب إلى وطن يحن إليها حنين الثكلى. # أعزي الأمة المصرية في شباب ناهض ارتحل عنها للجهاد فيما يرقيها وينهض بها من وهدتها، ~~ذلك الشباب الذي ودعناه عند السفر وأتبعناه النظر وكل منا يردد قول القائل: # أيها الركب الميمم أرضنا # أقر من بعض السلام لبعض # إن جسمي كما علمت بأرض # وفؤادي ومالكيه بأرض # قدر البين بيننا فافترقنا # وطوى البين عن جفوني غمض # أيها السادة # إن موقفنا رهيب والباعث عليه جليل عظيم، فاعذروني إذا أقعدني فرط حزني عن الإفاضة فيه، ~~فإن موقفا كهذا إذا لم تلق فيه عصا التسيار إلى جبروت القاهر فوق عباده والقادر على إنفاذ ~~مراده، فقد يطيش السهم وتزل القدم. # أيها السادة # إن خطبا وإن كان في أحوالنا الحاضرة عظيما فإن مصابنا في أبنائنا أعظم، ولئن قابلنا ~~الحوادث التي مرت بنا بصبر وجلد، فإن هذه الكارثة قد أرهبت عنا الصبر وأدهت منا الجلد ~~وأهاجت منا مكامن الأسى. # فإذا ما وقفنا هذا الموقف فإنما نبكي أملا خيمت عليه سجف الأقدار فأخفته عن الأنظار، ~~وعبثت به عوامل القضاء فأصبح في عالم الفناء، ولا راد لقضاء الله. # أيها السادة # اجتمعنا الآن لتأبين الشهداء، وما كل من ms064 مات من الشهداء. اجتمعنا لنؤبن بررة الأبناء ~~وذخر الآباء، اجتمعنا لنرثي من دعاهم داعي الوطن فلبوا النداء، وراحوا ليشيدوا للعلم أمتن ~~بناء. # اجتمعنا لنبكي من تقاذفتهم الأعاصير والأنواء، فماتوا واأسفاه في طريقهم غرباء، وكأني بهم ~~وقد فاضت أرواحهم إلى السماء وهم يرددون بين اليأس والرجاء: «نحن لك يا مصر الفداء.» # أيها السادة # نعى البرق إلينا أبناءنا فأسال بذلك الدماء المتجمدة على جراح أكبادنا، وأضرم بين جوانحنا ~~من الوجد والأسى ما الله عالم به. # ومما زادنا لوعة وحسرة أنهم ماتوا على قارعة الطريق، ولا من رحيم ولا شفيق، اللهم إلا ~~رحمة الله التي وسعت كل شيء، وعطف الشعب الإيطالي الذي خفف كثيرا من آلامنا وأحزاننا. # ذلك العطف الداعي إلى توثيق عرى المودة والارتباط بين الشعبين، فالشعب المصري يقدم للشعب ~~الإيطالي جزيل تحياته مصحوبة بعظيم ممنونيته ووافر شكره، ويحفظ له في أعماق قلبه جميل الذكر ~~وطيب الأثر. # لقد مر بنا من الحوادث والكوارث ما يدك شوامخ الجبال ويفتت رواسي الأطواد، ومع هذا قد ~~اتخذنا من الصبر قوة ومن الجلد عزيمة ومن الاتحاد والتضافر سلاحا أمتنا به اليأس، ~~ونرجو أن نتغلب به دائما على كوارث الدهر فإنه لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس. # فهل بعد ذلك يمكن أن يقف بنا ذلك الخطب عند حد اليأس أو يقعد بنا عن متابعة السير في ~~طريقنا المعهودة ...؟ كلا، فإن دماءنا وأرواحنا وفلذات أكبادنا كلها فداء للوطن. # ولن يفتدى الوطن إلا إذا اغترف أبناؤه العلم من مناهله، وهي مع الأسف نائية لا تدرك ~~إلا بالتضحية واستسهال المصاعب، وحاشا أن ما حصل يوهن عزائم أبنائنا، ويقعد بهم عن السفر في ~~طلب العلم والمخاطرة لأجله. # فإن شباننا وزهرة مستقبلنا الذين توجوا بلادهم بالأكاليل الفخار يعتقدون ولا شك أن ~~الأقدار وإن كانت لا محالة نافذة ... إلا أن الآجال موقوتة محدودة، ولكل أجل كتاب. # أيها السادة # قد جعل الله لكل شيء سببا، والأسباب ترجع إلى مسبباتها، وقد كان سبب استشهاد شهدائنا ~~سفرهم، وما الذي بعثهم على ذلك السفر؟ # بعثهم ms065 إليه أيها السادة أن بلادهم مع الأسف لا تزال - ونحن في القرن العشرين - خالية من ~~المدارس الجامعة والكليات الناجعة والصناعات النافعة، ولو كان بها ذلك كغيرها أو شيء منه لما ~~تجشم أبناؤنا مشاق السفر وركبوا متن الخطر. # فبالله عليكم هل رأيتم أو قرأتم أو سمعتم أن قطرا من أقطار المسكونة لا يزال عالة على ~~غيره، وعلى الخصوص في التربية والتعليم اللذين هما أساس حياة الأمم؟ هذا ما لا أظن أن ~~يكون. # ولكن لا، لا، أستغفر الله! فإن مصر المنكودة الحظ - على خصب تربتها وعذوبة نيلها ووفرة ~~أموالها وضخامة ميزانيتها وكثرة سكانها - لا تزال وحدها فقيرة في مدارسها، ناقصة في ~~تربيتها، تضطرها الحاجة إلى المخاطرة بأبنائها فتقذف بهم إلى الخارج لارتشاف العلوم من ~~مناهلها العذبة، وقد كانت المصيبة نتيجة ذلك السفر. # فهل لهذا الحال يا سادتي من آخر؟ # أيها السادة # يؤسفني ويؤسفكم، ويؤلمني ويؤلمكم، بل ويدمي قلبي وقلوبكم أن مصر المحبة لأبنائها الغنية ~~بشبانها كانت هي على الرغم منها سببا في فقد اثني عشر كوكبا من كواكبها ... وقد كانت تعدهم ~~للاستضاءة بنورهم بعد أن يتمموا علومهم، فمصر هي المسئولة عن هذا الخطب الجسيم. # إننا بتهاوننا في أمورنا ورضائنا بما أوجب تأخرنا وانحطاطنا كنا سبب هلاك أبنائنا! ~~فمسئولية الحادث واقعة علينا ونحن عنه إذن مسئولون. # أيها السادة # إن العلم واحد في كل مكان كذلك العقل، فلماذا لم نحصل على قسطنا من العلم؟ # يتهموننا بالجمود والتقصير، ولو عدلوا لعرفوا أننا لم نقصر في طلب العلم، وإنما قد ~~حرمنا أسبابه ووسائله، ورغما عن هذا الحرمان دفعنا حبنا للكمال اقتداء بأجدادنا العظام ~~أن نهاجر في طلبه ونخاطر بأرواحنا للحصول عليه، وأكبر برهان لدينا أن العطاش من شبابنا حينما ~~لم يجدوا في بلادهم من موارد العلم ما يشفي غلتهم ويروي ظمأهم، ولوا وجوههم شطر بلد ~~أينع فيه غراس العلم نازحين عن بلد متعطش إلى موارد العرفان أطفأت مصابيحه يد الرغبة في ~~تأخره وإذلاله ودوام استعباده، وكل منهم آمل أن يعود إليه سراجا وهاجا يستضاء بنوره، ~~ولكن ms066 قدر فكان ولا راد لما أراده الله. # ولئن أطفئت تلك المصابيح قبل أن يتم نورها، فإن انطفاءها يشعل في طيات القلوب نارا تثأر ~~للعلم. # أيها السادة # يجب على العاقل أن يتعظ بالحوادث ويستفيد منها، وخير ما يجب أن نعود به من موقفنا هذا بعد ~~الاستسلام لله على قضائه وقدره، هو عامل الثأر للعلم ولن يثأر للعلم إلا بالعمل على محو ~~الجهالة، ولا تمحى الجهالة إلا ببذل المال والتضحية وحمل النفس على الترحيب بالخطر في سبيل ~~إنقاذ البلاد من الجهل، فعلى الآباء بذل أموالهم لإيجاد المعاهد الكافية للعلم في بلادهم كما ~~هو الحال عند غيرهم، وعلى الأبناء أن يندفعوا في تيار تحصيله مهما أوذوا في سبيله ليتوجوا ~~بأكاليل الفخار، أو تنقش أسماؤهم بعد موتهم في سبيل إنقاذ بلادهم من الجهل على قلوب أفراد ~~أمتهم بحروف لا تقوى على محوها يد الزمان. # أيها السادة # حقا إن مصر بلاد العجائب، فإن الشمس لا تكاد تشرق فيها إلا على جديد من الحوادث ~~والكوارث، وكأني بالأيام وقد آلت على نفسها أن تعطينا في كل وقت درسا جديدا لا ننساه ما ~~دب فينا دبيب الحياة. # وإننا وإن لم نجن على الأيام ما يدعو إلى ذلك الانتقام، فإننا قد مكثنا غارقين في بحار ~~الغفلة أعواما مخدرين ب «مورفين» التواكل والتخاذل سنين وأياما! # فهل لنا بعد ذلك أيها السادة أن نهب من غفلتنا ونعمل ما يطفئ غلتنا ونسعى لعمل ما ~~يرقي بلادنا ويحررها من ربقة الجهل؟ ذلك ما أرجو أن يكون إن شاء الله تعالى. # أيها السادة # ليس هذا بالصعب علينا بل إنه في قدرتنا وفي طاقتنا الحصول عليه بفضل اتحادنا ووئامنا وسر ~~تضامننا وتضافرنا، وبهذا نحيا حياة المسعدين ونعيش عيشة الأحرار المستقلين. # ففي ذمة الله - أيها السادة - تلك النفوس الطاهرة التي جنينا عليها باستسلامنا ~~وتواكلنا. # وفي وديعة الله تلك الآمال الكبار التي أضعناها. # وفي رحمة الله تلك الكواكب التي واريناها. وإنا لله وإنا إليه لراجعون. ~~(9) ترجمة إبراهيم أفندي السيد العبد # المرحوم إبراهيم أفندي السيد العبد من شبرا ms067 النملة. # إن مسئولية المؤرخ خطيرة الشأن عظيمة الأهمية، إذ يدعوه واجبه التاريخي دائما إلى البحث ~~والتنقيب وراء الحقائق والتثبت منها لأنها دستور يقتفي أثره أبناء هذا العصر والأجيال المقبلة. ~~وبما أننا قد تصدينا لوضع تواريخ شهداء العلم والغربة وبذلنا كل مجهودنا في الحصول على تراجمهم ~~من أسرهم وأصدقائهم بطريق النشر في الصحف السيارة وبكافة الوسائل الأخرى، ولسوء الحظ بذلنا ~~قصارى الجهد في الحصول على ترجمة المرحوم إبراهيم أفندي السيد العبد فلم نوفق لذلك، وقد أرسلنا ~~خطابا في 15 يوليو سنة 1920 إلى حضرة سليمان بك العبد أحد أفراد هذه الأسرة الشهيرة بشبرا ~~النملة، وأردفناه بخطاب ثان تاريخه 27 يونيو سنة 1920 وكذا خطاب ثالث في 14 سبتمبر سنة 1920، ~~وأفهمناه ضرورة إرسال التفاصيل الخاصة بفقيدهم وبينا له أمرنا من هذا الكتاب دون أن نكلفه ~~بدرهم ولا دينار؛ فأبى علينا الرد، وقد تسرب إلى ذهننا أن ابنه أكبر عامل على تخليد مآثر والده ~~فبعثنا إليه بخطاب تاريخه 19 أغسطس سنة 1920، فلم يتكرم بالرد ولو على سبيل المجاملة في الأمور ~~التحريرية؛ ولما رأينا أنه لا مندوحة من أن نذكر كلمة عن المرحوم إبراهيم أفندي العبد وإن كان ~~ابنه وذوو قرابته أبوا علينا ذلك فنقول: # ولد المرحوم إبراهيم أفندي السيد العبد في بلدة شبرا النملة، ومات في حادثة القطار التي ~~استشهد فيها مع طلبة العلم، وكان مرافقا لابنه عبد الحميد أفندي العبد لإدخاله إحدى كليات ~~ألمانيا، وكان أشد تأثيرا على النفس أن المرحوم إبراهيم العبد قد حال القضاء بينه وبين ابنه، ~~ولكن الأب استطاع وهو يجود بنفسه الأخير أن يخاطب ولده مشجعا ببضع كلمات شدت عزمه وفتحت له ~~منفذا إلى الحياة، وقد ذهب إلى رحمة ربه موقنا بسلامة ولده فمات عن إحدى وخمسين سنة. أخبرنا ~~بعض محدثينا عنه أنه من عائلة عريقة قضى عمره في الاشتغال بالأمور التجارية والزراعية بجد ~~واجتهاد، وفي هذه السفرة الأبدية كان يرغب أن يجلب بضائع للتجارة حتى يسد حاجات مواطنيه، وكان ~~نقي السيرة طاهر السريرة. رحمه الله وأسكنه جنة ms068 الخلد! # وقد عثرنا على هذا التلغراف منشورا في إحدى الجرائد وهو مهمل من الإمضاءات، وهذا نصه: # إلى رئيس لجنة الوفد المركزية: حسن عزائكم وعطف معالي الرئيس المحبوب وحضرات أعضاء ~~الوفد خفف كثيرا من أحزاننا بوفاة المرحوم إبراهيم أفندي العبد. أبقاكم الله ذخرا ~~للأوطان، وكلل جهادكم الشريف بالنصر والنجاح. ~~(9-1) احتفال طنطا بجنازة المرحومين إبراهيم أفندي العبد ورمضان أفندي هداية # أصبح ظل الأحزان مخيما على مدينة طنطا، فالوجوه عابسة والدموع تترقرق في العيون والقلوب ~~مكلومة والزفرات تتصاعد من صدور يمزقها الأسى بتلك الكارثة. # وقد رفعت الأعلام منكسة في كل مكان مجللة بالسواد، وكان الأهالي ينتظرون بالخشوع ~~ساعة الاحتفال بتشييع جثتي المرحومين إبراهيم أفندي العبد ورمضان أفندي هداية، ففي منتصف ~~الساعة الرابعة كان كل فريق من المشيعين في المكان الذي أعدته له لجنة الاحتفال. # وفي الساعة الرابعة أقبل سعادة مدير الغربية مندوبا من قبل مولانا عظمة السلطان، وبدأ ~~سير الجنازة من المحطة على الترتيب الآتي: موسيقى الملجأ العباسي - قوة من البوليس البياة - ~~فرقة الكشافة - موسيقى علي أفندي حسن - طلبة الجامع الأحمدي والمعهد العلمي - مدرسة المعلمين ~~الأولية - طلبة المدارس الثانوية، فالمدارس الابتدائية، فمدرسة الفرير، فالاتحاد الإسرائيلي، ~~فموسيقى حافظ أفندي يوسف، فمدرسة البنات، فحملة المباخر والزهور، فنعش الفقيدين ملفوفين ~~بالأعلام المصرية يحملهما فريق من طلبة مدرسة طنطا الثانوية، ويتبعهما أهل الفقيدين، ~~فالعلماء، فالرؤساء الروحانيون، فرئيس وأعضاء لجنة الوفد بطنطا، فالقضاة، فالمحامون والأطباء ~~ونظار المدارس والمدرسون والمهندسون ورجال الصحف، فوفد من الإسكندرية، فالجاليات الأجنبية ~~ومنها الجمعية الخيرية الإيطالية التي قدمت إكليلا من الزهور لوضعه على القبر، فموظفو ~~الحكومة، فالأعيان، فرئيس وأعضاء الغرفة التجارية، فالتجار، فنقابات العمال على اختلافها. ~~وسارت الجنازة من المحطة إلى شارع المديرية، فالبورصة، فالخان، فالسكة الجديدة، وهناك أقيمت ~~صلاة الجنازة في الجامع الأحمدي. وبعدها انفصل فريق من المشيعين لمرافقة جثة المرحوم إبراهيم ~~أفندي العبد إلى بلدته شبرا النملة، يتقدمهم عبد الحليم بك ناشد مندوبا من عظمة السلطان ~~وحضرتا نجيب بك الغرابلي وأحمد بك الشيخ منتدبين عن لجنة الوفد المركزية. # ثم استمرت الجنازة ms069 من السكة الجديدة إلى شارع الصاغة فالجبانة حيث واروا جثة رمضان ~~أفندي هداية التراب. وكان الموكب يسير بتمام النظام تحف به المهابة والإجلال، والمشيعون ~~مطرقون احتراما لجلال الموقف الرهيب. # وقد أقيمت حفلة تأبين في منتصف الساعة التاسعة مساء 10 شعبان سنة 1838 بالجامع الأحمدي، ~~حيث خطب الدكتور حسن بك كامل ونجيب بك الغرابلي وأحمد بك الشيخ وإبراهيم بك جلال القاضي ومحمد ~~أفندي عبد الرازق والشيخ علي عبد الحليم من الإسكندرية وآخرون، وقد أثبتنا لحضراتهم في غير ~~هذا المكان بعض مراثيهم. تغمد الله الشهداء بالرحمة والرضوان، وألهم الأمة المصرية الصبر ~~والسلوان! ~~(10) حياة المرحوم فريد فتحي رزق الله بقلم صديقه الحميم حبيب أفندي غبريال ~~(10-1) حياته الدراسية # ولد الفقيد في بلدة «الشيخ زين الدين» من مركز طهطا. # ولما بلغ فريد أشده دخل مدرسة الأقباط بطهطا إلى أن صار في الحادية عشرة من عمره، وما زال ~~منكبا على الدرس حتى حصل على شهادة الدراسة الابتدائية من المدرسة الإنجيلية بطهطا عام ~~1914، ثم التحق بمدرسة الأقباط الكبرى بالقاهرة واستمر فيها حتى حصل منها على شهادة الكفاءة. ~~وبعد ذلك التحق بالمدرسة السعيدية، وكان أثناء وجوده بها يشكو دائما ألم الصداع لذلك حال ضعف ~~صحته دون نجاحه في البكالوريا سنة 1918، فأعاد الكرة سنة 1919 ولكنه لم يتقدم للامتحان لأنه ~~كان قد عقد النية على السفر. ~~(10-2) عزمه على السفر # وفي سنة 1919 كثرت الاضطرابات بين الطلبة وتعطل العمل في كثير من المدارس، فعزم فريد على ~~السفر إلى الخارج لتتميم دراسته، فحالت والدته دون ما كانت نفسه طامحة فيه، فكانت كلما ذكر ~~أمامها رغبته في الهجرة لنيل العلم تقابل ذلك بالبكاء والنحيب، ولا غبار عليها في ذلك فلم يكن ~~لها بعل يهتم بأمرها ولا ولد ثان تطيب به نفسها. وهنا تجلت في فريد روح وطنية سامية، روح يندر ~~وجودها اللهم إلا في نفر قليل من الشبان، كتب إلى أحد أصدقائه يقول: «أنا بين عاملين، كلما ~~ذكرت أمام والدتي أنني سأسافر للخارج تمرض وتذوب حزنا فتكاد تثني عزمي وتثبط ms070 همتي، وإذا بي ~~في النزع الأخير أسمع صوت أمي العزيزة مصر تناديني إلى الواجب فأمتلئ أملا وحياة وقوة ~~ونشاطا. وعندي أن والدتي لو قضت حسرة على وفاتي وقضيت أنا حزنا عليها لطابت نفسي أن نقدم ~~أرواحنا عن طيب خاطر تضحية للواجب نحو الوطن، فهل رأيت أو سمعت قبل اليوم عن ابن أمين رضع من ~~ثديين تتنازعه العوامل كما تتنازعن؟» # المرحوم فريد أفندي فتحي رزق الله من طهطا. # ثم طلب مني ذات يوم أن أصحبه إلى منزل أحد المرسلين الأمريكان لنستعلم منه عن أنظمة ~~الدراسة بأمريكا وتكاليف المعيشة فيها، ولما لم يكن صديقنا على شيء من المعلومات اللازمة ~~أرشدنا على الفور إلى جناب الدكتور جورج ف. فريمين القائم بأعمال الجمعية الزراعية السلطانية، ~~فأكرم الرجل وفادتنا وحبذ الفكرة من فريد وأثنى ثناء مستطيبا على نصحه العالي ولا ~~سيما لأنه هو بنفسه قد سبق فريدا في تعشق هذا الفن الجميل. ثم أخذ الرجل على عاتقه مخابرة ~~جامعة # Guscoa # في الموضوع، وهذه الجامعة موجودة بولاية أريزونا ~~في جنوب ولايات أمريكا المتحدة، فلبت الجامعة بسرعة طلب الدكتور وأرسلت إلى فريد مجلدا ضخما ~~شاملا لجميع البيانات اللازمة فيما يختص بأنظمة الدراسة المختلفة وتكاليف المعيشة من مأكل ~~وملبس ومسكن. فلما اطلع عليه مال بكليته إلى الجامعة وصبت نفسه إليها، وكان يفضلها على غيرها ~~لفكرتين جوهريتين: # الأولى: # أن هذه الجهة من أمريكا هي بلاد زراعية محضة مشهورة بمحاصيلها القطنية والقمحية ~~وما شاكل، ذلك لهذا أنشئت فيها الجامعة المذكورة. وكان فن الزراعة في المدرسة الأولى ~~من فروع الدراسة بها، ويوجه إليه اهتمام خاص من الحكومة والشعب على السواء. # والثانية: # أن تشابه مناخ تلك الولاية بمناخ مصر يجعل طرق الزراعة في كلتيهما متقاربة إن لم ~~تكن متماثلة تمام التماثل. # لهذين السببين صمم فريد على السفر إلى أمريكا ليتلقى هذا الفن الجميل الذي كان مولعا به ~~ولع محب الطبيعة بالزهور والرياحين والخضرة وما شابه ذلك. # وهنا قامت معضلة أخرى في وجه فريد، فقد ارتفعت قيمة الدولار إلى درجة مدهشة حتى بلغت ms071 ~~حينذاك اثنين وثلاثين غرشا صاغا للريال الواحد، ثم تضاعفت أجور السفر، فماذا يعمل فريد أمام ~~إيراده الصغير المحدود؟ مع كل ذلك لم يحفل فريد ولم ينكص إلى الوراء، إذ قد حزم الأمل بين ~~جنبيه حزاما حاميا. # لقد بذل فريد جهدا فوق طاقة شاب أن يقوم به منفردا في الحصول على تصريح للسفر حتى حصل ~~عليه بعد جهاد ثلاثة شهور تقريبا. ~~(10-3) النقطة الفاصلة # في حياة كل إنسان نقطة فاصلة، نقطة الاختيار العظيم، ما أحرج الإنسان في ذلك الحين! وما ~~أشد كربته في أفكاره وخيالاته! ففي ذلك الظرف العصيب ساعة أو دقيقة أو لحظة ... عليه أن يقول ~~قوله النهائي وينطق بكلمته الفاصلة . # وبعد، فإلى القوة أو إلى الضعف، إلى السعادة أو إلى الشقاء، إلى الحياة أو إلى الموت، ~~إنها لأزمة خطيرة يقف فيها الإنسان - مهما كان مقامه - مبهوتا حائرا لا يدري إلى الشرق يتجه ~~أم إلى الغرب، أإلى الشمال أم إلى الجنوب؟ # غير أن تلك القوة الصمدانية التي تخترق الظلمات وتنظر من وراء السحاب، التي ترقب أعمال ~~الناس وتسبر العالم بين أزلية من محبة ونار، تلك القوة عينها هي التي تحرك هذا المخلوق ~~الحقير إلى حيث قضائها المحترم وأمرها غير المردود، فما لفظ امرؤ إلا مشيئتها ولا قال إلا ~~إرادتها ولا امتثل إلا لأمرها، وهذا ما جرى لفريد. ~~(10-4) تحول عزمه عن السفر إلى أمريكا # دعوته قبل سفره بثلاثة أيام لسماع محاضرة ألقاها محمود بك عزمي المحامي عن الديمقراطية، ~~خرج فريد من تلك المحاضرة بحالة نفسية جديدة ظننتها في بادئ الأمر ترددا وضعفا فإذا هي وحي ~~أوحي إليه، لست أدري أمن ملك كريم أم من شيطان رجيم أن يحول دفة مسيره إلى ألمانيا لا إلى ~~أمريكا، وقد عزه على ذلك رخص المعيشة في الأولى الذي كانت تذيعه بعض الجرائد حينذاك بشكل ~~بديع خلاب، وكذلك تدفق الشبان في ذاك الحين على ألمانيا تدفقا هائلا. # جميل كل هذا يا فريد، كله نافع ومحبوب، علم واقتصاد، ولكن لم تكن هذه فكرتك الأولى فما ~~الذي ms072 طرأ على نفسيتك في اليومين الأخيرين قبل سفرك؟ وأية قوة كانت هي القاضية على عزمك ~~الأسبق؟ لم يكن ذلك لأن هنا انتصارا ووفرا وهنالك إسراف وتبذير، لم يكن ذلك لأن هنا إخوانا ~~كثيرين وأصدقاء عديدين وهنالك لا شريك ولا رفيق، لم يكن ذلك لأن هذه قريبة دانية وتلك بعيدة ~~نائية، كلا، لم يكن شيء من ذلك، بل هو حظك التعس يدعوك إلى حتفك ونهايتك المرة تناديك إلى يوم ~~نحسك. ~~(10-5) وفاته # هكذا كان، وسافر فريد مع إخوانه على ظهر الباخرة حلوان في اليوم الثامن والعشرين من شهر ~~يناير سنة 1920، ولم يمض على سفرهم بضعة أيام حتى جاءنا البرق بذا الخبر المشئوم، وإذا باسم ~~فريد بين قائمة القتلى، فواحر قلباه. ~~(10-6) أخلاقه # الاستقلال الفكري: كان فريد على شيء كثير من الاستقلال الفكري وحرية الضمير مع رجاحة في ~~العقل لا يشوبها طيش الشباب، ولعل منشأ ذلك يرجع إلى وفاة والده، فلم يكن لأحد أن يسيره في ~~شيء بل كان هو محتذى في كل أعماله، فحصل بين التجربة الانفرادية والخبرة الاستقلالية على ما ~~أزكى عقله وفؤاده وأحكم خطواته في كل أعماله، ظهر أثر ذلك في حياته المدرسية فكان يتخذ لنفسه ~~من المدارس والأصحاب ما يروق في نظره، وطالما كانت نفسه تتألم من نظام التعليم بالمدارس التي ~~وجد فيها من حيث التضييق على حرية الطلبة، وكان يعتقد أن أولي الشأن يتعمدون تربية الناشئة ~~على الاحترام الأعمى لرؤسائهم بوضع نظام الطوابير وتحريك الطلبة تحريكا ميكانيكيا في الدرس ~~والأكل على غير جدوى وبغير إرادتهم وبإكراههم على تأدية التحية لهم في المدرسة وفي الطرقات، ~~فكان فريد يكره ذلك ويظهر من العصيان والغطرسة ما حدا ببعض المدرسين أن يتهمه بالكبر. # كان يكره الأنظمة القهرية ويمقت التوظف في دوائر الحكومة جهد استطاعته. وكثيرا ما كنا ~~نتريض معا في حقول الجيزة، فكان يعجب بالطبيعة والزهور والنبات أيما إعجاب ويحسد الفلاح ~~على حريته وهو في الغيط طليقا حرا، ولذاك صمم على دراسة فن الزراعة إتماما لبغيته. # الإخلاص في المعاشرة # كان فريد ms073 مخلصا في معاشرته، فإذا أحب صديقا مال إليه بكل جوارحه وأخلص له في سره ~~وعلانيته، ليس للتجمل أو الرياء منفذ إلى صدره، وسرعان ما كان يسلم لروحه وفؤاده بغير تكلف ~~لكل من طلب وده فكان يحب كل معارفه على السواء والكل به وله، ذلك لما طبع عليه فريد من ~~الدعة وظريف الشمائل. # الثقة بالذات # كان فريد شديد الثقة بنفسه، ولكنه رغم وقوفه برجاحة عقله كان لا يستنكف من المشورة في ~~كل أموره سعيا وراء نجاحه. علم أن صديقا له موظفا بوزارة الحربية نقل إلى بحر الغزال ~~في جنوب غرب السودان على مسيرة خمسة وأربعين يوما من مصر، فبعث إليه يحضه على الامتناع عن ~~السفر ، فأجابه أن الذي حبب إليه السفر إلى تلك الجهات النائية هو أن مرتبه سيبلغ الضعف ~~تقريبا، فوقعت هذه الفكرة عند فريد موقع السخرية والاستهزاء، وكتب إليه يقول: «لو كانت ~~ثقتك بنفسك شديدة لعرفت أنك لن تعدم حيلة في كسب أضعاف مرتبك أنى شئت.» # الاقتصاد # كان فريد يحب الاقتصاد ويضع الشيء في موضعه، ولم يعقه ميله للاقتصاد عن القيام ~~بالواجب، حتى لتخاله في كثير من المواقف كريما في البذل عن سخاء وطيب خاطر. ~~(10-7) مرثية ألقاها على قبر فريد حضرة صديقه الحميم الكاتب ~~الأديب حبيب أفندي غبريال # أي فريد، ها قد جئنا لنزورك وأنت في مرقدك الهادئ فاستيقظ يا فريد من نومك لتحيي إخوانك ~~القادمين إليك، قم وامدد إلينا يديك الطاهرتين فقد حق علينا أن نقبلهما بحرارة ولهف. ~~ولكن لا، لا، فكن في مكانك بعيدا عنا ولتبق روحك في ذلك المقام العلوي، فما كان للطهارة أن ~~تمس الدنس، وما كان للنور أن يقترب من الظلام. أي إخواني، في ليلة البارحة بينما الناس في ~~سبات عميق طلبت فريدا، ولكن واأسفاه طلبته فما وجدته! # قالوا لي لقد خرج إلى الحقول، هنالك وجدت الوردة تبسم للنسيم والزنبقة تقبل شعاع ~~الشمس، أما هو فقد طلبته فما وجدته. # قلت في نفسي لعل فريدا يتفيأ ظلال الأشجار التي على ضفة الغدير، فأسرعت إلى ms074 هناك وكلي ~~أمل في لقياه وبنفسي حنين إليه كحنين الأخ إلى أخيه، هنالك سمعت هفيف الريح وسمعت خرير ~~المياه، وسمعت هدير الطيور تغني شجنا. # يالله! كأنني أسمع صوتا ظافرا فوق الجبال، قافزا فوق التلال، هابطا إلى الوديان، وإذا ~~بالصوت الذي كنت أسمعه قد اختفى، واستحالت الحركة إلى سكون عميق. فتشت على فريد وقلبي منكسر ~~ونفسي ملآنة حزنا، ولكن واحزناه طلبته فما وجدته! # يا ربي أين ذهب فريد؟ ومن يعرف أين هو؟ وإذا بصوت خافت يرد علي قائلا: أيتها النفس ~~المضطربة، اسألي الأمل فهو يعرف أين مستقر الحبيب، اسألي السفينة التي تمخر العباب كالسهم، ~~اسألي الجبل الذي يطل بعظمة واستكبار، اسألي الطبيعة القاسية المتسلطة على الأرواح ، اسألي ذلك ~~السهل التعس حيث سقط حبيبك مع إخوته التعساء حيث صعدت روحه الطاهرة ترفرف كالحمامة إلى ~~ربها. # أيتها السفينة القادمة من شواطئ إيطاليا تحملين في جوفك رفات صديقنا المحبوب، أسرعي به ~~إلينا، إلى هنا، إلى وطنه الذي كان يحن إليه، إلى بيت أمه وأبيه، إلى إخوته النائحين عليه. ~~أطفئي أنوارك أيتها السفينة، قفي أيتها السحب، واهدئي أيتها الرياح، واسكني أيتها الطبيعة ~~ورافقي فريدا في سكونه، في نومه، في راحته. # ما لك يا فريد؟! تجفل كلما دنوت منك! ماذا جنيت حتى تقابلني بهذا الجفاء؟! لقد ناديتك حتى ~~بح صوتي فلم لا تبدي جوابا؟ ألا تسمع زفيري؟ ألا تخترق مسمعك الطاهر كلمات جزعي؟ ألا تصل ~~إلى قلبك الناصع نبضات نفسي ...؟ لقد كسرت قلبي يا فريد ببعدك عني، حتى لقد سقط رأسي إلى التراب ~~وتبللت عيني بالدموع، واحترق قلبي بلهب اللوعة. # أين أنت الآن؟ أين يدك الطاهرة لأمسك بها وأدنيها إلى صدري؟ أين وجهك الصبوح الذي يتألق ~~فيه نور القمر؟ أين ثغرك الباسم الذي يشبه وردة دائمة الفرح أبدية الانشراح؟ أين عيناك ~~البراقتان اللتان يتألف منهما نور الحياء الخالص وقوة الشباب؟ أين منطقك العذب الذي يقطر ~~شهدا؟ أين قلبك الناصع كالثلج اللامع كالبلور الصافي كشعاع الشمس؟ أين روحك الطاهرة ~~المشبهة بدعة الملائكة وطهارة أبناء السماء؟ أين ذهب ms075 يا فريد كل هذا؟ أهو في جوف الأرض ~~يخبئه عن نواظرنا التراب؟ كلا، ثم كلا، فحاشا للكمال أن يدفن! وحاشا للطهارة أن تقبر! إن ~~مكانك لفي أسمى طبقات السماء وكأنك بين يدي ربك الذي أحبك أكثر منا فأخذك صغيرا ليقربك إليه ~~ويدنيك إلى عرشه، فسلام عليك حيث أنت الآن، وسلام على روحك الجميلة. # إن جسمك الغصن، وعودك الرطب، فهنا يا فريد في هذه البقعة الضيقة، في هذا المكان الموحش، ~~حيث لا يسمع صوت سوى صوت هفيف الريح ممتزجا بترنيمة الحزن والأسى ترددها بعض العصافير التي ~~ترفرف بأجنحتها فوق ضريحك المقدس. هنا حيث لا شريك ولا أنيس ولا حبيب ولا جليس، هنا حيث يسود ~~السكون الدائم فيملأ النفس هيبة وجلالا، ويخيم ظل الموت فتجمد منه العواطف رهبة ~~وخشوعا. # هنا في وسط هذه الأضرحة الصامتة نودع يا فريد رفاتك الطاهرة، نودع وردة الصباح اليانعة، ~~نودع أملا عاليا ونفسا كبيرة. # أملا؟! آه ما أحلى الأمل وما أمره! # فهو زهرة الربيع التي تنعش النفس وتملؤها رحبا، وفي الآخر تذبل ويذهب عنها ~~جمالها. # هو تلك القوة الروحانية التي تبعث في الإنسان روح العزيمة والصبر والمثابرة ثم تتركه في ~~منتصف الطريق. # هو ذلك السراب الذي يغري الإنسان على تحمل مشاق الأسفار بحرا وبرا وتجشم المخاطر ~~بردا وحرا ومواجهة الكارثات والمصاعب، وإذا به عنصر منحل في ذاته لا يروي غليلا. # هو ذلك الجمال الشعري الذي يغمر النفس حينا ثم يتركها تحت رحمة وحدتها وعذابها. # هو ذلك الظل الذي يبتعد دائما عن النور ويهرول مسرعا إلى أم الظلمة. نعم، هو الحياة، بل ~~هو الموت. # ذلك هو الأمل يا إخواني، الذي من أجله ينام فريد نوما هادئا. # أي أخي، البارحة تركتنا حزينا باكيا يخفق قلبك مع منديلك لفراق بلادك ووطنك المحبوب. ~~البارحة كتبت إلي وما أحلى كلماتك وأعذب روحك! إن كل الجمال الذي رأيته في سفرك والمناظر ~~البديعة التي تمتعت بها في طريقك إلى حتفك، كل ذلك لم ينسك فراق إخوانك ولم يخفف آلامك في ~~غربتك، فما هذه الحلاوة ms076 يا فريد التي تقطر من فمك العذب؟! وما هذا الحياء الذي يتألق فوق ~~جبينك؟! # أي صحبي، وقوفا أمام هذه الحقيقة المرة، خشوعا أمام هذا المنظر القاسي، وهل من منظر أشد ~~على النفس وأكثر إيلاما للعواطف من ضياع شاب صغير ونافع ومحبوب؟! نعم، صغير، فما ترى غرض ~~الموت من فعلته القاسية؟! ونافع، فما ترى قصد الإله في إصدار هذا الحكم الرهيب؟! ومحبوب، فما ~~عسى أن تكون هذه التصاريف الشديدة؟! # لقد ذهب فريدنا بين من ذهبوا، لقد راح ضحية الأمل العالي فخلف لنا الألم المستديم، ليت ~~تلك الساعة لم تكن التي جاءنا فيها ذلك النبأ المشئوم! وأنت أيها السهل الذي سقط عليك فقيدنا ~~وإخوته الأبرياء، ليذهب عنك الجمال، ولينقطع عنك الظل والمطر، إذ عليك هلك هذا البريء، وفوق ~~بطاحك تناثر جسمه الغض كما تتناثر أوراق الأشجار أمام ريح الخريف القاسية. # إننا نحزن ونبكي ذلك لأننا نحب، أليس تأثر العواطف هو مقياس المحبة؟ أوليس روح ذلك ~~التأثر هي دليل على روح تلك المحبة وجوهرها؟ وهل يسكب دمع إلا لعزيز؟ إذن فلتتمسك المحبة ~~بالحزن وليقبل كل منهما الآخر لئلا يهلك الاثنان معا. # يا قلبي، لقد فقدت شيئا، نعم، فقدت شيئا عزيزا، فقدت سرورا كان لك في سنيك الغابرة، ~~خسارة فادحة لا يعوضها سوى الدموع، ولا يخفف تأثيرها سوى البكاء. # أيها المنزل الذي كان يقطنه فريد، ما لك مكتئبا حالكا؟! لقد تعودت أن أقف أمام بابك ~~نابض القلب مهتز العواطف منتظرا تلك اليد اللطيفة التي لن أعود أمسك بها بعد اليوم. آه! ما ~~أشقاني وما أكبر تعاستي! لقد تركني النوم ورغب النعاس عن عشرتي، وكمجرم أثيم أراني أهرب كل ~~ليلة إلى مخدعي لأحزن على جرمي وأستغفر ربي. # أين ذلك النور الذي كان يتلألأ فيك أيها البيت التعس؟ ما لي لا أرى بك سوى ظلام دامس؟! ~~لقد انطفأ النور، لقد ولى القمر، لقد اشتد الحلك، وخلت الغرفة التي تعودنا بالجلوس فيها ~~معا من السرور والانشراح. # خروجا يا نفس من هذه البقعة المؤلمة، خروجا من هذا المكان ms077 المشبع بالشقاء، إلى الشوارع، ~~إلى القرى، إلى الفضا، الفضاء الفسيح حيث كنا نقضي الساعات الطوال فوق الحشائش الخضراء وتحت ~~ظلال الأشجار الباسقة، هذه أيضا مظلمة. غير أنني في نورك الروحاني يا فريد رأيت بين الزهور ~~وردة ناصعة البياض تلمع في وسط الحلك، فاقتربت منها واقتطفتها من عودها، ووضعتها فوق صدري ~~وأدنيتها من مصدر حياتي لتمتص الحياة من قلبي ومن روحي. # ها هي يا فريد، لقد جئت بها إليك لأضعها فوق ضريحك، فإذا ما استطاعت النمو نمت وأزهرت، ~~وإذا ما ذبلت فما أسعدها! لأنها فوق رأسك تذبل وبالقرب منك تموت. # الحمامة تطير في الفضاء، تغني وتفرح لتبلغ السماء خيرا وتملأ الفضاء سرورا، كذلك روحي ~~إنها لتحلق كل ليلة في الفضاء إلى العالم غير المنظور، تاركة وراءها هذا الغشاء المحتقر ~~الفاني هذا الجسم الترابي على قنة الجبال فوق متن البحار على أجنحة الرياح إلى السحابة، ~~هنالك تناجيك نفسي وفي النهاية تعود روحي من حيث أتت مهرولة بسرعة إلى غشائها المحتقر، فتجده ~~هادئا هدوء جسمك الآن منتظرا عودتها إليه. # أي فريد، لقد سرنا في الحياة معا أياما وشهورا وسنين في حالة طبيعية لا يتخللها سوى ~~الأخذ والرد الهادئين، ولكم تماسكت أيدينا! غير أننا ما كنا نشعر بروح هذا التماسك، ولكم ~~تناقشنا في أبحاث كثيرة! غير أننا ما كنا لنرى في خلال ذلك الجدل وتلك المناقشة ما يستلفت ~~النظر إلى وجود ذلك السر الكامن في كل لفظ من الألفاظ ورأي من الآراء وحجة من الحجج، لقد ~~تعاملنا طويلا غير أننا ما كنا لنرى في خلال هذا التعامل ونحن في أوقاتنا الساكنة الهادئة ~~شيئا مما هو وراء المادة. # كنا نلهو ونلعب متوجة أعمالنا بسرور وانشراح، وإذا بالموت رابط في طريقنا يترصد مجيئنا ~~ظل الموت الرهيب الذي تخافه كل الخلائق، لقد قطع بسيفه الصارم حبل الحياة الذي كان يربطنا، ~~وحملك يا فريد بعيدا عني حيث لا أستطيع أن أراك أو أن أتبع سبيلك، غير أنني لاحق بك يوما ما ~~لأن ظل الموت ينتظرني في الظلام كما ms078 كان ينتظر روحك الطاهرة. ~~••• # أفريد، على قبرك سطع القمر، بالليل سطع نوره الفضي على ضريحك، وإذا بشعاعه المصافي يتألق ~~فوق صورتك الجميلة، ويقبل فمك العذب، ويحل بين ذراعيك الطاهرتين. وبينا أنا يا فريد في مضجعي ~~مرتبك الفكر قلق الفؤاد مجروح الحشا، إذا بنور القمر هذا يطل من شباك غرفتي حتى تحقق من ~~وجودي، وعرف أنني وحيد منفرد فطرح بين يدي رسالة منك، رسالة صديق إلى صديقه، رسالة طاهرة ~~من محب سام إلى شقي بائس مكتوبة بحروف من نور على ورق فضي، ففضضتها بلهف وكدت ألتهم ~~كلماتها التهاما، قرأتها مثنى وثلاث ورباع، قرأتها والدموع ملء محاجري والحزن قابض على قلبي، ~~قرأتها وسأقرؤها إلى أن نتراسل، الأرواح مع الأرواح، وينطفئ نور هذا القمر المنظور وتصير ~~الملائكة النورانية هي الرسل بيني وبينك، بل إلى أن لا تكون في حاجة إلى التراسل بشعاع ~~القمر. ~~••• # يا إخواني، أنا لا ألوم الموت لأنه حمل الفضيلة من الأرض واختطف الطهارة من بيننا، ~~فللفضيلة والطهارة مناقب دائما خضراء وقد ترك فريد كثيرا من فضائله وطهارته. إنني لا ألوم ~~الموت لأنه فرق بيننا وبين من نحب فلن نعود بعد اليوم أن نتحدث مع شخصه المنظور. نعم، لا ~~يمكن أن نراه، ولكن من يستطيع أن يمنع مناجاة الروح للروح وهما يعيشان في فضاء لا بعد فيه؟ ~~فتعالي أيتها الروح المنبسطة في الفضاء، اقتربي مني واقرعي باب قلبي وادخلي إلى نفسي لعلك ~~تشعرين بالحنين الذي يعجز اللفظ عن تعبيره لأنه حنين السماء إلى السماء. # آه! ما أطهر القلب وأنقى العواطف التي تتمتع ساعة واحدة بمناجاة محب فارق الحياة، حين ~~تنتقل النفس إلى عالم الخيال، إلى العالم الأعلى، إلى حيث الطهارة والصفاء! # إخواني، إن فريدنا لم يمت، فهو حي في قلبي وقلب كل واحد من إخوانه. نعم، هو حي في نفوسهم ~~بما كان له من التأثير الهادئ والخلق الحسن، وهل يموت من كان حيا في القلوب؟ كلا، لن ~~يموت. # فهو إذن حي، وسيحيا فينا إلى أن ننتقل إليه، وهنالك نحيا جميعا تحت ms079 أجنحة إله واحد، هو ~~إله الحب الذي يجمع الأحباب بعد شتاتهم. # نعم، إن فريدنا سيحيا، فإن الذكرى أشبه شيء بالورد تغيب حينا، حتى إذا ذهب الشتاء ببرده ~~القارس ومر الخريف بزمهريره وجاءت أوقات الربيع الصافية حينئذ تزهر الوردة من جديد ويفوح ~~عبيرها العاطر، فذكرى صديقنا الراحل ستبقى دائما أبدا زاهرة زاهية دون أن يعتريها أي ~~ذبول. # أي صديقي البعيد عني كثيرا على قرب ضريحك مني، إنني لن أراك بعد اليوم، فقط أراك يا فريد ~~في خيالي، أراك في الحقول تداعب الورد في أكمامه، أراك في جوف الليل بين النجوم والكواكب، ~~أراك مع رؤية القمر وأسمع صوتك مع تغريد العصفور، أراك بين الأحباب تلاعبهم وتداعبهم بدعة ~~الملائكة وطهارة سكان السماء. # أيها الشهيد الكريم، عليك سلام الله وأنت في مضجعك الهادئ. # والآن وقد واريناك لرمسك وأودعناك لحدك فأمام ضريحك نقف بخشوع وهيبة برءوس منكسة وقلوب ~~منكسرة كليمة. نعم، نضع فوقك بعض الزهور ولكن سرعان يا فريد ما تذبل هذه الزهور ويذهب عنها ~~رونقها وجمالها كما ذبلت حياتك الغضة وتوارى شبابك اليانع. # أي صديقي الراحل، لو أن رأسي ماء وعيني ينبوع دموع إذن لبكيتك نهاري وليلي وليس من ~~يلومني فلم يجمد دمعي قط على حبيب، سوف يذهب الحزن والأسى ولكن المحبة باقية ومعها وبها يستمر ~~هذا الخيال الباقي لي. # الشباب يذهب قبل أوانه والهلال ينزوي قبل إبداره، وما ذلك إلا ليكمل في ظل الإله ~~العظيم. # ذلك الإله الواحد الذي يقيم في النور وإليه تتجه كل الخليقة. # فكن في انتظارنا يا فريد ونحن متجهون إليك، كن في انتظارنا أيها الشقيق المحبوب، كن في ~~انتظارنا أيها الراحل الكريم، كن في انتظارنا أيها الخل الوفي. # والآن، الوداع الوداع يا من ملكت الأفئدة، وقد سدت سويداء الضمائر، الوداع أيها الشهم ~~الصادق والصديق الحميم، الوداع الوداع إلى أن نلتقي. ~~(11) ترجمة المرحوم رزق يعقوب ~~(11-1) مولده # ولد الشاب الذكي شهيد الهمة المرحوم رزق يعقوب بمدينة دمياط في شهر أغسطس سنة 1896 ~~ميلادية من أبوين كريمين، وكان والده موظفا بها، ms080 وكان شديد العناية بتربية أولاده وتهذيبهم. ~~وما كاد الفقيد يبلغ الخامسة من عمره حتى أدخله مدرسة الأقباط فتلقى بها مبادئ القراءة ~~والكتابة، ثم نقل والده إلى بور سعيد وهناك ابتدأ دور دراسة الفقيد. # المرحوم رزق أفندي يعقوب من دمياط. ~~(11-2) دراسته # دخل الفقيد مدرسة الأقباط ببور سعيد ومكث بها عامين، ثم عاد والده فنقل إلى دمياط، ~~وراقه أن يلحق الفقيد بمدرستها الأميرية ثم مدرسة أسوان فمدرسة عابدين الأميرية بالقاهرة حيث ~~نال منها الشهادة الابتدائية. ولم تمنعه كثرة التنقل من مدرسة لأخرى من النشاط والتقدم فكان ~~أول فرقته طول مدة دراسته. # انتهت دراسته الابتدائية فأدخله والده مدرسة رأس التين الثانوية، لأن مدارس القاهرة كانت ~~قد غصت بالطلاب، فجد واجتهد مثابرا على الدرس ليل نهار لا يعرف للعب طريقا، فأمضى الأربع ~~سنوات بلا توان ولا تأخير حتى البكالوريا، ولكن المرض حال دون مرامه في السنة الأخيرة فعاقه ~~عن الامتحان، فانتقل إلى المدرسة الخديوية وأمضى بها السنة الأخيرة وحاز منها شهادة ~~البكالوريا في القسم العلمي عام 1917. # وبعد نجاحه وجه نظره لدراسة الطب إلا أن ترتيبه لم يساعده فالتحق بمدرسة الطب البيطري ~~فأمضى بها السنة الأولى والثانية، وبعدها قامت نهضتنا الأخيرة فكان جنديا باسلا وفي مقدمة ~~الصفوف، بل وطنيا غيورا دفعه حب بلاده لأن يضحي بعلومه مقدما الواجب المقدس على العلم، ~~فجاهد جهاد الأبطال في ميادين القتال، قدم نفسه للخدمة فكان خير من اؤتمن عليها، ولم يفتر عن ~~هذا الواجب دقيقة واحدة، وتحول كل همه أن يرى مصر نالت استقلالها. # ولما فتحت أبواب السفر إلى أوروبا طلب من والده السفر مع إخوانه، مقنعا إياه بالفائدة ~~العظمى التي يجنيها ليجمع بين طب الحيوان والإنسان حاثا إخوانه على الاقتداء به، وصوب ~~أمله إلى تلقن الطب البشري ليخدم بلاده خدمة حقيقية بل الإنسانية جمعاء. إلا أن القدر كان ~~يجري وراءه ويخبئ له ما لم يكن في الحسبان، فلاقى منيته وهو على أبواب الجهاد فاستشهد بأودين ~~وفاضت روحه الزكية إلى بارئ النسمات، وغمض الموت أجفانه وأسكت صوته وأوقف ms081 قلبه الخفاق إلى ~~العلا والأمل الواسع والحياة المنشودة قبل أن يخطو فيها خطوات واسعة، وقضى كما تقضي الوردة ~~داخل الكمام قبل أن ترى ضوء النهار وحرارة الشمس بل ذوى هلالا في أيامه الأولى. # كان - رحمه الله - طيب القلب، شابا مملوءا صحة ونشاطا، وغيورا، محبا لإخوانه، ~~كريم الأخلاق، متفانيا في حب بلاده، عالي الشعور رقيق الإحساس يتألم لمصائب الغير. وكفى أن ~~نذكر له تلك الحادثة التي رفعته في نظر إخوانه إلى السماك الأعلى، ففي يوم حضور قرياقص ~~أفندي ميخائيل قبض على أخيه متري أفندي وشاب آخر في القاهرة يدعى أحمد أفندي صبري، فحكمت ~~المحكمة العسكرية بحبسه شهرا أو بغرامة عشرة جنيهات، فأبت عليه نفسه أن يرى أخاه حرا ~~طليقا وذاك سجينا متألما لخلو يده من المال، فقام بين إخوانه حاثا إياهم على التبرع وقد ~~توج الاكتتاب بكل ما يملك ومر على دور الحكومة جامعا من أولي الإحسان ما تجود به أنفسهم، ~~وفي أيام قلائل جمع المال اللازم وأخرج الشاب من السجن، وكان لم يكن له به أدنى معرفة سوى أنه ~~وطني مثله. # فيحزننا أيها الصديق المحبوب والراحل الكريم أن نذكرك اليوم باكين متأسفين، وإننا بفقدك ~~فقدنا قمرا كنا نود أن نستعين به على عبور هذه الأيام المظلمة ودرعا ندافع بها إذا حلت ~~المصائب. وليكن في موتك أيها الصديق مثالا حيا على الجهاد والعمل وقوة العزيمة والدأب وراء ~~إعلاء شأن هذه الأمة الأسيفة، التي كتب عليها سوء الطالع أن ترى في كل يوم من معاكسة الدهر ~~حادثا جديدا. # فإذا حق لنا البكاء فإننا نبكي منك النجابة والفتوة، نبكي فيك ذلك الإقدام الذي صوبك ~~نحو طلب العلم وبلوغ الكمال، ونندب فيك كد نفسك وطموحها إلى المجد الأدبي غير مبال بما قد ~~يعرض لك، ونبكي فيك الأخلاق والشعور الحي والفضيلة وكرم الأخلاق. # مات رزق وكان يود أن يعيش ليرى ثمرة أتعابه، كان يود أن يعيش ليخدم أمته وبلاده، كان يود ~~أن يعيش حتى يرى أعلام الحرية ترفرف على هذه الدار، كان يود أن يعيش ms082 ليكون إنسانا عاملا في ~~الحياة، ولكن شاء القدر أن يموت رزق فلا مرد لقضائه. # سلام عليكم أيها الشهداء الأبطال. # سلام عليكم من أمة ثكلتكم قبل أن تجني من ثماركم، وفقدتكم في ساعة محنتها ... أسكنكم ~~الله فسيح جناته وأسبغ عليكم واسع رحمته، وبعث في قلوب أهلكم وإخوانكم الصبر والعزاء، وألهم ~~الأمة جميعها الثبات والسلوى على هذا المصاب، إنه سميع مجيب. ~~(12) ترجمة المرحوم عبد الحليم حلمي ~~(12-1) مولده # ولد فقيد النشاط والجهاد العلمي الشهيد المرحوم عبد الحليم أفندي حلمي بقرية قطاوية من ~~أعمال أبو حماد شرقية سنة 1898 ميلادية. وهو نجل حضرة الوجيه الحاج محمود حلمي من أعيان ~~قطاوية ومن وجوه مديرية الشرقية ومن الرجال الذين يحبذون كثرة الإنفاق على أبنائهم وتربيتهم ~~تربية عصرية صحيحة ويفضلون أن يورثوا أبناءهم علما وأدبا، وله نجل غير الفقيد بألمانيا ~~هو الدكتور علي علوي أفندي من أذكياء الشبان المصريين ومن نجباء أبناء مصر في أوروبا الذين ~~يتسابقون في طلب العلم ليكونوا أمثلة عالية لأبناء وطنهم وليرفعوا قدر الوطن وقدر الأمة ~~المصرية بين الأوطان والأمم. ~~(12-2) دراسة الفقيد # التحق الفقيد بمدرسة محمد علي الابتدائية بالقاهرة بعد إلمامه بمبادئ الكتابة والقراءة في ~~قريته وأتم بها دروسه الأولية، وعندما حصل على شهادة الدراسة الابتدائية سافر إلى الإسكندرية ~~وانتظم في سلك طلبة المدرسة العباسية ولبث بها عامين، ثم رأى أن يدخل مدرسة طنطا الثانوية ~~ويتمم دراسته بها فسمح له والده بذلك لأنه كان يثق بذكائه ونشاطه تمام الثقة، فترك له حق تخير ~~المدرسة التي يراها ملائمة له. # وقد أفرغ الفقيد جهده وحصل على الشهادة الثانوية ثم راقه أن يلتحق بمدرسة الطب لأنه كان ~~في المئة الأولى من حائزي شهادة البكالوريا، وقد مكث بهذه المدرسة عاما كاملا متمشيا مع ~~ميوله ومحبته للبحث والدرس. # المرحوم عبد الحليم أفندي حلمي من قطاوية من أعمال أبو حماد شرقية. # ولما رأى قوافل الطلبة تشد الرحال إلى مهد العلوم الحديثة والاكتشافات الطبية ~~بألمانيا، سأل والده أن يأذن له بالسفر ليكون مع شقيقه هناك فوافقه الوالد على ms083 رغبته وسافر مع ~~إخوانه الطلبة المرتحلين، وهناك على الحدود الإيطالية النمسوية لقي حتفه في حادثة القطار وكان ~~عمره اثنتين وعشرين سنة فحمل إلى مصر وطنه العزيز، وبعد تشييع جنازته في الإسكندرية نقل ~~إلى قريته حيث دفن بها باحتفال لم يسبق له مثيل، وقد توافد العمد وكبار الموظفين والأعيان ~~لتعزية والده، وزاره مندوب من الوفد المصري ومندوب من الحزب الوطني لتعزيته في ذلك المصاب ~~الفادح. # فرحم الله الفقيد رحمة واسعة وألهم عائلته الصبر والسلوان. # وقد رثاه ضمن إخوانه الشهداء صديقهم الحميم حضرة الكاتب الأديب هارون أفندي مصطفى، طالب ~~طب بجامعة برمنجهام بإنجلترا، بهذه الكلمة المؤثرة: # إلى أصدقائي الراحلين # عبد الحليم أفندي حلمي، وعلي أفندي حسن بكري، وشفيق أفندي سعيد ... أي إخواني: # عاجلتكم المنون وأنتم في ريعان الشباب فذوى غصنكم وذهبت نضارة حياتكم فكنتم ~~كالهلال. # عجل الخسوف عليه قبل أوانه # فمحاه قبل مظنة ~~الإبدار # لقد مضينا شطرا عظيما من حياتنا المدرسية سويا فكنتم مثال الجد والعمل، ولقد ألف الله ~~بين قلوبنا فأصبحتم مثال الإخلاص والوفاء لصديقكم الذي خلفتموه للحزن والأسى. # تركتكم في مصر على أن تلحقوني لتتميم دراستكم ولكن أراد الله غير ذلك، فداهمتكم المنون ~~وكان أمر الله مقضيا. # لطالما تمنيت أن أراكم في غربتكم مجاهدين للحصول على أمانيكم بعزيمة ماضية وبجدكم ~~المعهود، ولطالما تمنيت أن أراكم وأنتم مثال ذكاء الشرق في هذه البلاد النائية. # ولطالما تمنيت أن أراكم بدورا ساطعة في سماء وادي النيل لترفعوا من شأن بلادنا العزيزة، ~~ولكن: # الموت نقاد على كفه # جواهر يختار منها ~~الجياد # فكان لخبر استشهادكم وقع عظيم على فؤادي الحزين. وإني لأسلو بنفسي في ديار غربتي بين كل ~~آونة فيعيد التاريخ على الذاكرة أنباء الماضي فأحني رأسي إجلالا لتلكم الأرواح الطاهرة التي ~~تحوم حولي لتسمع أنات قلبي الحزين. # فسلام عليكم يا رفاق الصبا ممن يتمنى أن لو كان لكم الفدى. # سلام عليكم من مخلص يسأل الله أن يجمعه بكم في جنات النعيم. # | بعد وقوع الفاجعة # أسهبنا في كيفية وقوع الفاجعة الأليمة في مقدمة الكتاب. ونأتي ms084 هنا على ما حدث بعد وقوعها، فقد ~~تابع من سلم من الطلبة طريقه إلى عاصمة الألمان إلا القليل منهم تخلفوا للعناية بأمر المنكوبين، ~~ولما وصل الخبر إلى مسامع الطلبة المصريين في ألمانيا والنمسا وإيطاليا انتدبوا جماعة منهم ~~للقيام بما يدعوهم إليه الواجب الوطني المقدس نحو مواطنيهم، وحملت الجثث إلى أودين وحمل إلى ~~مستشفاها الجرحى وعددهم تسعة، وهم حضرات الأفندية محمود محمد التونسي وتقرر له علاج أربعين ~~يوما، وأحمد نبيه عشرين يوما، وحسن إبراهيم خمسة وعشرين يوما، وعبد الرازق عنايات ثلاثين ~~يوما، ونصر حسن ستين يوما، وحامد عبد الرحمن يوسف عشرة أيام، ومحمد توفيق عثمان عشرين يوما، ~~وعبد الحميد حامد ثابت عشرين يوما، وعاصم محمد صقر عشرين يوما. وكان حضرة صاحب العزة عبد الحميد ~~بك سعيد قد خف إلى مكان الحادث وبذل جهده في خدمة أبناء وطنه وأبدى همة تذكر له بالشكر والثناء ~~الجميل. # وقد أثر هذا الحادث في أمة الفنون الجميلة، الأمة الطليانية أمة العواطف وصديقة مصر، تأثيرا ~~لا أبالغ إذا قلت إنه لا يقل عن تأثيره في المصريين أنفسهم، وقد أفاضت صحفهم في وصفه وفي تعزية ~~الأمة المصرية في أبنائها الأعزاء. # ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل كانت السيدات والأوانس الإيطاليات يبكين الشهداء كأنهم ~~إخوانهن وأبناؤهن، وكانت تدفعهن عواطفهن الشريفة ومشاعرهن الجميلة فيجملن الأزاهر الغضة وأنواع ~~الحلوى والتحف النفيسة ويفدن على المستشفى فيواسين الجرحى ويقمن مقام الأمهات في تخفيف آلامهم، ~~فلله ما أرق هذا الشعور وما أسمى هذه العواطف! # ولقد أجريت عملية التحنيط للجثث وأبقيت في مكان خاص بها لتحمل إلى وطنها مصر فترقد ~~في مضاجعها التي تطمئن فيها جنوبها وترتاح إليها أجسادها. # | عناية الوفد المصري بالشهداء # رأى حضرات الأماثل أعضاء الوفد في باريس أن المصاب مصاب الأمة بأسرها، فقررت أن تنقل الشهداء ~~على نفقتها إلى مصر، وأوفدت صاحب العزة عبد اللطيف بك المكباتي خصيصا إلى إيطاليا، وبادر صاحب ~~المعالي رئيس الوفد سعد باشا زغلول فأرسل تلغرافات التعزية إلى الأمة فكان لها وقع جميل وكان لعمل ~~الوفد استحسان ms085 عام، وأرسل صاحب المعالي سعد باشا هذا التلغراف لسعادة محمود سليمان باشا رئيس ~~اللجنة المركزية للوفد المصري يعزي به الأمة: # إن الحادثة الفاجعة التي وقعت في محطة مونتبا من أعمال إيطاليا تلك الحادثة التي توفي ~~فيها اثنا عشر من أبنائنا الأعزاء قد آلمت أفئدتنا وأحزنت نفوسنا، فنرجو أن تقدموا تعازينا ~~لأسراتهم ولجميع مواطنينا، وتعربوا عن آلامنا ومشاركتنا للجميع في الحزن على هذا المصاب، فإن ~~فقدان هؤلاء الشبان الذين كانوا مسافرين لإتمام دراستهم ليكونوا أنفع لوطنهم وأمتهم يعد ~~خسارة كبرى للبلاد # سعد زغلول # وأرسل سعادة الشيخ الوقور محمود باشا سليمان رئيس لجنة الوفد المركزية إلى أسر شهدائنا الخطاب ~~الآتي نصه: # مصاب مصر باستشهاد اثني عشر نجيبا من صفوة شبابها عظيم، ولكن أعظم منه ثواب الصبر وما ~~أحرزوا للوطن بموتتهم تلك من الفخر. لقد اغترب هؤلاء الشهداء في تحصيل العلم على أن يرجعوا ~~بعد ذلك إلى مصر مفخرة لها شاملة وقرة لها عاملة، فإذا كان القدر قد أعجلهم عن الحياة ~~التي تمنتها لهم بلادهم فقد ماتوا موتة سجلت لهم ذكرا عاليا ولها فخرا باقيا. # حضرة صاحب المعالي سعد زغلول باشا رئيس الوفد ~~المصري. # وإن القائمين بالدفاع في القضية الكبرى لأوفى إخوانهم نصيبا من الحزن على أولئك الأعزاء ~~الذين كانوا يرون فيهم مددا لهم وذخرا لوطنهم. فتقبلوا تعزيتنا عن نجلكم المرحوم وعن إخوانه ~~الشهداء جميعا، والله المسئول أن يعوض البلاد منهم خيرا ويفرغ على القلوب المحزونة صبرا، ~~وأن يتغمدهم برحمته ورضوانه. # الإمضاء # محمود سليمان # وقد ذكرنا برقيات أسر الشهداء التي بعثوا بها إلى سعادته في تراجم مستشهديهم. # ولم يكتف معالي الرئيس بذلك فقد أرسل تلغرافا يوم أول أبريل إلى اللجنة المركزية بالقاهرة ~~يقول فيه: # ولقد خابرنا سفير إيطاليا في باريس في مسألة حادثة التصادم فوعدنا أن يعنى بالمصابين ~~عناية خاصة. وقد أرسل لنا مكباتي بك أسماء الموتى، وعدد الجرحى 9 وحالتهم حسنة. ونحن ~~مشتغلون بأمر نقل الجثث إلى مصر على نفقات الوفد وسنحيطكم علما بما يتم. # وقد اجتمع المكباتي بك وعبد الحميد سعيد ms086 بك ومن معهم من المصريين وحصلوا على التصريح لهم بنقل ~~الجثث، وقدم لهم محافظ أودين ورجال الحكومة الإيطالية غاية ما يمكن من المساعدات والتسهيلات التي ~~يسرت عليهم مهمتهم العظيمة. ~~(1) الاحتفال بنقل الشهداء # كان يوم 15 أبريل مشهودا في أودين، فقد اجتمع كل سكانها وطلبتها لتشييع جنازة الشهداء، ~~وحملوا أكاليل الزهر فجللوا بها التوابيت، وعقدوا موكبا رهيبا كان يتقدمه القومنداتوري ~~جيوزب ماري محافظ أودين والدكتور ألسندرو باجاردي الضابط الطبي التابع للحكومة وغيرهما من ~~الصحفيين الإيطاليين ومن أعيان أودين. وسار الأهالي والموظفون والطلبة يحملون أعلامهم، وكان ~~بينهم كثير من فضليات السيدات، وكانت النعوش محمولة على أكتاف الطلبة المصريين والأعيان من أهل ~~الشهداء الذين سافروا إلى إيطاليا. ومشى الموكب على هذا النظام حتى وصل محطة السكة الحديدية، ~~وهناك فاضت العواطف فتبادلها الطلبة المصريون والإيطاليون. ووقف أحد كبار المصريين فألقى خطابا ~~نفيسا مؤثرا شكر فيه الأمة الإيطالية وحكومتها على ما أظهرتا من العطف نحو المصريين، فقوبل ~~خطابه بهتاف عظيم لإيطاليا ومصر. وسار القطار يحمل الشهداء إلى برندزي فوصلها يوم 16 أبريل، ~~ووضعت الجثث هناك حتى جاءت الباخرة حلوان فحملتها يوم الجمعة 23 منه إلى مصر وهى منكسة العلم ~~حدادا عليهم. ~~(2) الأمة أثناء ذلك # لقد كان حزن الأمة على أشد ما يكون، وقد لبس الطلبة شارات الحداد وأوقفت المدارس الدراسة ~~بضع دقائق حدادا عليهم، وأقامت حفلات التأبين في جميع أنحاء القطر ورفعت الأعلام منكسة، وأرسل ~~الطلبة المصريون تلغرافات التعزية للأمة، ومن ذلك ما جاء من الطلبة المصريين بمنشستر: # نشعر من أعماق قلوبنا بخسارة فقد إخواننا الطلبة في حادثة السكة الحديدية بإيطاليا، ~~ونشاطر الأمة حزنها، ونقدم عزاءنا القلبي إلى أهل المتوفين. # وأرسل النادي المصري بلندن ما يأتي: # لندن في 29 أبريل # يعرب النادي المصري بلندن عن حزنه الشديد على الإخوان الاثني عشر الذين قتلوا في سبيل ~~العلم والوطن، يقدم عزاء خالصا إلى أسراتهم. # النادي المصري بلندن # وأرسلت الجمعية المصرية بباريس مثل ذلك. وبالجملة فقد كان حزن المصريين في بلادهم وفي ~~الخارج بالغا حده. ~~(3) لجنة الاحتفال بالإسكندرية ms087 # تألفت لجنة بالإسكندرية من حضرات أصحاب السعادة والعزة أحمد يحيى باشا رئيسا، ومحمود باشا ~~الديب وكيلا، وعبد الله باشا الغرياني، ومحمد بك فهمي الناضوري، وعبد العزيز بك الحديني، ومحمد ~~بك الكلزه، والسيد بك مرسي، ومصطفى بك الخادم، ورمضان بك يوسف، وإبراهيم بك سيد أحمد، والدكتور ~~أحمد عبد السلام، وسليمان أفندي أنطون، وعبد الحليم أفندي جميعي، وأحمد بك زكي، والدكتور ظيفل ~~بك حسن، وفهمي بك غانم، وسعيد بك طليمات، وصادق أفندي أبو هيف أعضاء، برعاية صاحب السمو الأمير ~~الجليل عمر طوسون باشا، وقررت إعداد الاحتفال بتشييع جنازة الشهداء على الترتيب الذي يجيء في ~~وصف الجنازة. # وصول الباخرة إلى الإسكندرية # وصلت الباخرة حلوان التي تقل جثث الشهداء إلى ميناء الإسكندرية عند الساعة السادسة من ~~صبيحة يوم الثلاثاء 27 أبريل ، ورست الساعة السابعة والدقيقة 50، فأنزلت منها الجثث ووضعت ~~في مسجد الشيالين بالجمرك، وكان موجودا في ذلك الوقت أعضاء لجنة الوفد المركزية يتقدمهم ~~أصحاب السعادة والعزة إبراهيم باشا سعيد وعبد الخالق باشا مدكور وفتح الله باشا بركات وواصف ~~بك غالي وعبد الستار بك الباسل وعلي بك حفني محمود ونجيب بك الغرابلي وأمين بك إسماعيل ومحمود ~~بك عبد النبي وحسنين بك عبد الغفار وعلوي بك الجزار، وأعضاء لجنة الاحتفال بالإسكندرية، ~~يتقدمهم أحمد يحيى باشا ومحمود الديب باشا وعبد الله الغرياني باشا ومصطفى الخادم بك، ثم ~~كتب على كل تابوت اسم صاحبه ولف بالعلم المصري. # وقد كانت لجنة الوفد قد انتدبت اثني عشر عضوا برئاسة صاحب السعادة الشيخ الوقور إبراهيم ~~باشا سعيد للاشتراك في تشييع الجنازة، وانتدب الأب بولص غبريال عن رجال الدين، وانتدبت ~~اللجنة الإدارية للحزب الوطني صاحب العزة عبد اللطيف بك الصوفاني، وانتدب حضرة الكاتب ~~الفاضل السيد أفندي علي صاحب جريدة النظام لتمثيل الصحافة، وانتدب معالي وزير المعارف حضرات ~~أصحاب العزة علي بك حافظ ناظر المدرسة العباسية، ومحمد بك السيد ناظر مدرسة رأس التين، وهدايت ~~بك ناظر مدرسة محرم بك، وعلي بك الكيلاني مفتش التعليم الأولي؛ ليمثلوا الوزارة، وأرسلت كل ~~مديرية وكل مدرسة من ms088 يمثلها في الاحتفال، وكذلك فعلت النقابات، واحتجبت صحف الإسكندرية يومئذ ~~على اختلافها، وأغلقت البنوك والمحلات التجارية الكبرى وجميع حوانيت المدينة، ورفعت ~~الأعلام منكسة موسومة بشارة الحداد لا فرق في ذلك بين وطني وأجنبي، فقد أظهر إخواننا ~~الأجانب منتهى ما يكون من المودة والحب للمصريين باشتراكهم في الموكب وفي الحزن العام الذي ~~كان يبدأ في كل ناحية من نواحي مدينة الإسكندرية. # وقررت مصلحة المواني انتداب 100 من حراسها للاشتراك في الاحتفال، وأرسلت مصلحة خفر ~~السواحل 100 من رجالها ليتناوبوا جميعا حمل النعوش، وقد سعى ألوف من الأهالي للحصول على ~~مقاعد، وهذه أول مرة أجر الإسكندريون شرفات منازلهم للمشاهدين. # نائب عظمة السلطان في الإسكندرية # وقد أناب حضرة صاحب العظمة مولانا السلطان فؤاد الأول عنه حضرة صاحب السعادة الجليل حسن ~~عبد الرازق باشا محافظ الإسكندرية ليسير في تشييع الجنازة، فاهتم كثيرا في تنسيق النظام بما ~~يذكر لسعادته بمداد الشكر والثناء، وقد نفذ رغائب صاحب العظمة السلطان أدام الله ~~ملكه. # تلغراف نائب الملك # وفي صباح هذا اليوم ورد تلغراف من فخامة اللورد اللنبي على صاحب السمو الأمير عمر طوسون، ~~يقول فيه: # حضرة صاحب السمو الأمير عمر طوسون # بمناسبة تشييع جنائز الشبان المصريين الذين قضوا نحبهم في مصاب «بنتبا» أقدم خالص ~~شعوري، وقد انتدبت الضابط القائد بالإسكندرية لينوب عني في حفلة الجنازة. # الموكب الرهيب بالإسكندرية # ما وافت الساعة الثالثة ونصف حتى تحرك الموكب الرهيب، وكان البوليس يحافظ على النظام في ~~الطرق التي يمر بها الموكب، وكان الزحام شديدا جدا. # وسار الموكب على النظام الآتي بين نغمات الموسيقى المحزنة وبين الأعلام المرفوعة والشارات ~~المحمولة الموسومة بشارات الحداد مبتدئا بموسيقى البوليس - فموسيقى الأمير عمر طوسون - ~~فموسيقى الكشافة - ففرق الكشافة - فنعشا الشهيدين رزق يعقوب وفريد فتحي رزق الله يتقدمهما ~~الشمامسة ورجال الإكليروس الموقرون - فنعوش بقية الشهداء - فطلبة المدارس والمعاهد الدينية ~~على اختلافها - والعلماء الأعلام - فالرؤساء الروحيون - فحضرة صاحب السمو الأمير الجليل عمر ~~طوسون باشا، وحضرة صاحب السعادة حسن باشا عبد الرازق محافظ الإسكندرية نائبا عن عظمة ~~السلطان، وجناب ms089 قائد القوات البريطانية في الإسكندرية نائبا عن فخامة نائب الملك - فرئيس ~~وأعضاء لجنة الاحتفال - وأعضاء لجنة الوفد المركزية بالقاهرة - وأعضاء بلدية الإسكندرية ~~ورؤساء المصالح - فرجال القضاء - فرجال المحاماة - فالأطباء - فالمهندسون - فالصحفيون - ~~فالجاليات الأجنبية - فالمحافل الماسونية - فوفود البلاد - فأعيان الإسكندرية - فالتجار - ~~فنظار المدارس ومعلموها - فموظفو المصالح - فرؤساء وأعضاء مجالس إدارات الجمعيات الخيرية - ~~فالنقابات على اختلافها، وبقية المشيعين. وظل الموكب سائرا على هذا الترتيب مخترقا باب ~~الكراسة - فشارع السكة الجديدة - فشارع سوق الكانتو - فشارع فرنسا - فميدان محمد علي - فشارع ~~شريف باشا - فشارع محطة مصر، ثم محطة مصر، وهناك وضعت التوابيت في القطار، وألقى سعادة ~~المحافظ الجملة الآتية بصفته نائبا عن عظمة السلطان موجها بها إلى صاحب السمو الأمير عمر طوسون: # يا سمو الأمير، إني بالنيابة عن عظمة السلطان الذي أنابني عنه للاشتراك في تشييع ~~الجنازات أبلغكم عظيم أحزاني، وأقدم التعزية بالنسبة لهذه الكارثة الكبرى. ونرجو الله أن ~~يعوض الأمة خيرا، إنه سميع مجيب. # فأجاب سمو الأمير: # يا سعادة المحافظ، أرجو أن تبلغ تشكراتي لعظمة السلطان. وإني أرجو الله أن يجعل هذا ~~المصاب آخر أحزان الأمة المصرية، وأن يجعل أيامها المقبلة أيام سرور، وأن يبلغها ما ~~تتمناه في القريب العاجل إن شاء الله. # وبعد ذلك قصد أعضاء اللجنة المركزية للوفد المنتدبين لتشييع الجنازة بالإسكندرية إلى سراي ~~صاحب السمو الأمير الجليل عمر طوسون باشا، وصاحب السعادة أحمد يحيى باشا يشكر لجنة الإسكندرية ~~على عنايتها بأمر الاحتفال. # وأرسل سعادة محافظ الإسكندرية للمجلس البلدي ومصالح الحكومة الرئيسية شكره على اشتراكها ~~في جنازة شهداء العلم وسير رؤسائها في ذلك الموكب العظيم وطلب إلى الصحف نشر ما يلي: # محافظ الإسكندرية يشكر الجاليات الأجنبية في الثغر على ما أبدته من جميل العطف على ~~الأمة المصرية في المصاب الذي نزل بها في اثني عشر طالبا من زهرة شبيبتها، كما يشكر لفرق ~~الكشافة وطلبة المدارس وطلبة المعاهد والطوائف المختلفة ما أخذته على نفسها من حفظ النظام ~~والترتيب في موكب الجنازة. # ومما يستحق الذكر الإعجاب من مميزات هذا الاحتفال، فإنه مع شدة ms090 الازدحام ومع اشتراك نحو ~~المئتين وخمسين ألفا فيه فإنه لم يحدث حادث مكدر وانصرفت الجماهير في سكون، مع أن مثل هذا ~~الازدحام لا يخلو من الحوادث. وأرسل الحزب الوطني الوفود إلى بلدان الشهداء لتعزية عائلاتهم، ~~فأوفد إلى دمياط بعض الأفاضل برئاسة الأستاذ محمد أفندي حسين العرارجي المحامي، وإلى طنطا ~~وفدا برئاسة فضيلة الشيخ علي عبد العليم أحد علماء المعهد السكندري، وإلى دمنهور حضرتي السيد ~~علي المغازي العضو بمجلس مديرية البحيرة، وأحمد أفندي الصوفاني، وإلى نوسا الغيط بمركز أجا ~~وفدا برئاسة حضرة الأستاذ الشيخ عبد السلام العسكري أحد علماء معهد الإسكندرية. # قطار الشهداء # وقف قطار الشهداء بدمنهور حيث أنزلت جثة الشهيد محمد إبراهيم زويل، وأنزلت جثة ~~المرحومين إبراهيم أفندي العبد ورمضان أفندي هدايت في طنطا، وأنزلت جثتا عبد الوهاب أفندي ~~أحمد سبع ومحمود أفندي عبد الرحمن سليم بها ليحملها إلى المنصورة، وأنزلت جثة المرحوم شفيق ~~أفندي سعيد ببنها، وتابع القطار سيره إلى القاهرة حيث وصلها بعد منتصف ليلة الأربعاء 28 ~~أبريل، وأنزلت الجثث منه استعدادا لاحتفال القاهرة العظيم. ~~(4) اليوم المشهود # احتفال العاصمة بجنازة الشهداء # لم تشهد العاصمة المصرية يوما أشد روعة وجلالا من يوم الأربعاء 29 أبريل سنة 1920، فما ~~كاد ينتصف النهار حتى أغلقت المتاجر والحوانيت والبنوك ورفعت الأعلام منكسة على الدور، ~~وهرع سكان العاصمة إلى باب الحديد لتشييع جنازة الأربعة الشهداء، وخرجت فرق الكشافة وتلاميذ ~~المدارس وطلابها وأعضاء النقابات والجمعيات ميممة مكان الاحتفال، وكانت لجنة الوفد المركزية قد ~~أعدت رسما كروكيا متقنا بينت فيه موضع انتظار كل جماعة في فناء المحطة لجلوس العظماء وكبار ~~المشيعين، وقد صف مائتا مقعد ولم تكن كافية. وكان في داخل المحطة من الأمراء: صاحب السمو ~~الأمير يوسف كمال والأمير إسماعيل داود، وصاحب الدولة الوزير حسين رشدي باشا، وأصحاب المعالي ~~الوزراء عبد الخالق ثروت باشا وإسماعيل صدقي باشا وإبراهيم فتحي باشا وجعفر ولي باشا وأحمد حشمت ~~باشا ويوسف سابا باشا، وأصحاب السعادة محمد شكري باشا وإسماعيل حسنين باشا، وعدد كبير من الضباط ~~العظام، وسعادة الشيخ الوقور ms091 محمود سليمان باشا، والشيخ الجليل إبراهيم باشا سعيد، وأمين سامي ~~باشا، ومرقص بك حنا، وواصف بك بطرس غالي، وعبد الخالق مدكور باشا، واللواء عبد الرحيم فهمي ~~باشا، والأستاذ محجوب بك ثابت، وعبد الستار بك الباسل، ومصطفى بك النحاس، ومحمد بك محمود، وعلي ~~بك لهيطة، وفخري بك عبد النور، وعبد الرحمن بك فهمي سكرتير لجنة الوفد المركزية والقائم بتنظيم ~~الموكب، وعلي بك فهمي كامل وكيل الحزب الوطني، والدكتور إسماعيل بك صدقي، ومحمد بك زكي علي ~~المحامي. # وكان من العلماء: حضرة صاحب الفضيلة الشيخ محمد بخيت مفتي الديار المصرية وهيئة كبار ~~العلماء، وصاحب السعادة السيد عبد الحميد البكري ومعه مشايخ الطرق، ووكيل البطريركية ومعه كبار ~~القسس، وثلاثة من رجال الدين الإسرائيليين، وثلاثة من الإكليروس الأرمن، ومعهم وفد يحمل إكليلا ~~من الزهر، ورؤساء مدارس الفرير، ونائب معتمد فرنسا، ونائب معتمد إيطاليا، ومعتمد الحكومة ~~الهاشمية. وكان صاحب المعالي محافظ العاصمة محمود فخري باشا، وزير المالية اليوم، وجناب رسل بك ~~حكمدار البوليس يبذلان الجهد في سبيل راحة جمهور المشيعين. # وكان صاحب السعادة حسن باشا عبد الرازق محافظ الإسكندرية قد حضر لتشييع الجنازة في القاهرة، ~~وكان يحيط به وفد مؤلف من حضرات أصحاب العزة عبد السلام بك رجب ومحمد بك سراج وفهمي بك الناضوري ~~وسالم بك الفروني وبشير بك توتونجي ومصطفى بك جميل برتو ومحمد بك بدير ورمضان بك يونس وعمر ~~أفندي المراكشي، وغيرهم من أعيان الإسكندرية وكبار تجارها. # نائب عظمة السلطان في العاصمة # وقد أناب حضرة صاحب العظمة مولانا السلطان فؤاد الأول عنه حضرة صاحب السعادة المفضال ~~الفريق شحاتة كامل باشا كبير الياوران في القصر السلطاني للسير في تشييع الجنازة، فاهتم ~~اهتماما عظيما في تنسيق النظام بما يذكر لسعادته بالشكر والثناء، وقد نفذ رغبة صاحب ~~العظمة السلطان في تأدية ما يلزم نحو أولئك الشهداء، كلأ الله عرش عظمته بعين العناية ~~الصمدانية. # مندوب فخامة اللورد اللنبي # وقد أناب فخامة اللورد اللنبي الكابتن موريس ليكون مندوبا من قبله في احتفال تشييع ~~الجنازة بالقاهرة. # وأوفد جناب الجنرال كونجريف ms092 قائد القوات البريطانية بالعاصمة ضابطين من كبار الضباط ~~ليمثلاه، وكان بين الحاضرين من الموظفين البريطانيين جناب الجنرال كلايتون باشا مستشار وزارة ~~الداخلية، والمستر باترسون مستشار وزارة المعارف العمومية، والجنرال هربرت باشا قومندان قسم ~~المحروسة، والمستر أنتوني مدير عموم مصلحة الأملاك الأميرية، وجناب المستر جريج المدير العام ~~للخارجية المصرية، والمستر براون المراقب العام بوزارة المعارف. # وما وافت الساعة الثانية بعد الظهر حتى خرجت العاصمة رجالا ونساء وشبانا تستقبل جثث ~~أربعة من أبنائها، وتحيي في هذه الأربع أرواح شهدائها. # أجل لقد كانت العاصمة ماثلة في ذلك الموكب الرهيب المبكي الذي يقصر عنه الوصف ولا يبلغ ~~مداه الطرف، وكان هذا الموكب من روعته وفخامته وجلالته فوق ما يتمثله الخيال. وقد تعذر السير ~~ووقفت حركة المدينة من كل ناحية إلا في طريق مرور الموكب، ولم أر العاصمة أشد بكاء وحزنا ~~من ذلك اليوم. # وكان طريق المشهد من باب الحديد إلى القلعة مزدحما بحيث لا تجد موضعا للوقوف، وكانت ~~شرفات المنازل ملأى بالعقائل اللواتي لم يستطعن مشاركة رجالهن وإخوانهن فوقفن في الشرفات ~~مرتديات ملابس الحداد، وقد سالت دموعهن وتصاعدت زفراتهن، وكان إخواننا النزلاء قد نكسوا ~~أعلامهم على طول الطريق مشاركة لنا في مصيبتنا العامة. # وفي الساعة الرابعة تحرك الموكب من محطة العاصمة تتقدمه موسيقى الأحداث عازفة ألحانا ~~محزنة، وكان أفرادها يلبسون ثيابا سماوية اللون، ففرق الكشافة السلطانية تتقدمها موسيقاها ~~وعلمها منكس، فكشافة مدرسة السعادة، ففرقة الكشافة الإلهامية، فكشافة المدرسة الخيرية ~~الإيرانية، فكشافة وادي النيل، فالكشافة الأهلية، فكشافة مدارس التوفيق، ففرقة كشافة ~~المستقبل، فكشافة الجمالية، فكشافة الأرمن، فمتطوعو جمعية الإسعاف، وكانت كل فرقة تحمل علمها ~~الخاص. # ويلي هؤلاء طلبة مدرسة البوليس، فطلبة المدرسة الحربية، ففريق من الجالية الإيطالية ~~وهيئتها الرسمية والعلم الإيطالي، وقد قابل الجمهور المصري صنيعهم بالشكر والامتنان، وتلاهم ~~طلبة المدرسة الخديوية، فالتوفيقية، فالسعدية، فالعباسية، فالإعدادية الثانوية والابتدائية، ~~فمدرسة وادي النيل، فالرشاد، فالهياتم، فالأقباط الكبرى، فمدارس الجمعية الخيرية الإسلامية، ~~فالمدرسة الخيرية الإيرانية، فكلية مصطفى كامل، فمدرسة ثمرة التوفيق، فالكلية الأهلية، ~~فالاتحاد الوطني، فالمدرسة السلطانية، فالمدرسة ms093 الأهلية المصرية، فمدرسة باب الحديد الثانوية، ~~فمدرسة الفنون الجميلة، فورشة مصر الصناعية الأميرية، فورشة الصنائع الإلهامية، فالطلبة ~~المصريون في المدرسة الفرنسوية الليلية، فطلبة مدرسة الأمريكان الثانوية، فمدرسة صدق الوفاء، ~~فالمدرسة الناصرية فمدرسة العقادين، فمدرسة عابدين، فالمدرسة المحمدية الأميرية، فمدرسة ~~الجيزة، فمدرسة الفنون والزخارف المصرية، فأعضاء نادي خريجي مدرسة المحاسبة والتجارة ~~المتوسطة، فطلبة مدرسة المحاسبة والتجارة المتوسطة، فطلبة مدرسة مشتهر الزراعية، فطلبة الأزهر ~~الشريف، فالمدرسة الإكليريكية القبطية، فمدرسة إليانس الإسرائيلية، فمدرسة المعلمين الأولية ~~في القاهرة، فمدرسة المعلمين التابعة لمجلس مديرية الجيزة، فوفد من طلبة مدرسة بني سويف، ~~فطلبة مدرسة دار العلوم، فمدرسة القضاء الشرعي، فمدرسة الفنون والصنائع السلطانية الأميرية، ~~فطلبة مدرسة التجارة العليا وخريجوها، فطلبة مدرسة الهندسة، فالحقوق، فطلبة الحقوق في الجامعة ~~المصرية، فطلبة مدرسة الحقوق الفرنسية، فمدرسة الزراعة العليا، فمدرسة المعلمين العليا، ~~فمدرسة الطب السلطانية. وكانت كل مدرسة تحمل علمها منكسا وصور الشهداء وباقات الزهر. # وتلا الطلبة أعضاء المحفل الوطني المصري الأكبر، وكان يتقدمهم حضرة صاحب العطوفة الأستاذ ~~الأعظم إدريس راغب بك وأمامه حامل علم الماسون، فموظفو وزارة المعارف العمومية، فوفد من ~~الجيزة تصحبه الموسيقى تعزف بنغماتها المحزنة، فموظفو التلغراف المصري، فأعضاء نادي النسر ~~الذهبي، فنادي المتحف الفني، فنادي موظفي البريد، فموظفو وزارة الحربية، فنادي المعارف، فوفود ~~من الجمعيات اللبنانية يحملون علم لبنان الجديد وهو أبيض في وسطه شجرة خضراء تمثل أرز ~~لبنان، فجمعية اتحاد الشبان المسيحيين، ويليهم أعضاء نادي النجم الأبيض، فتلميذات جمعية ~~المرأة الجديدة، فالآباء القساوسة، فموسيقى ملجأ الأيتام التابع لوزارة الأوقاف، فطلبة الطب ~~البيطري. ويلي هذه الجموع كلها نعشا المرحومين أحمد طلعت ورزق يعقوب، فنعشا المرحومين فريد ~~رزق الله وحسين چلبي ملفوفين في الراية المصرية، وأمامهما أكاليل لطيفة بيضاء محمولة على أيدي ~~كثيرين من الرجال، فالمشيعون من العظماء والكبراء والأعيان والتجار يتقدمهم حضرة صاحب السعادة ~~الفريق شحاتة كامل باشا كبير الياوران في القصر السلطاني موفدا من قبل عظمة السلطان، فمندوب ~~من فخامة نائب الملك، فمندوب من قائد القوات البريطانية في القطر المصري، وآخر من سمو الأمير ~~عبد ms094 الله أحد أنجال ملك الحجاز، فحضرة صاحب السعادة محمد شكري باشا نائبا عن وزارة الحقانية، ~~فحضرة صاحب السعادة إسماعيل حسنين باشا نائبا عن وزارة المعارف العمومية، فحضرات أصحاب ~~الدولة والمعالي والسعادة حسين رشدي باشا وجعفر ولي باشا وإسماعيل صدقي باشا وعبد الخالق ثروت ~~باشا وأحمد حشمت باشا ويوسف سابا باشا، والجنرال السير جيلبرت كلايتون، والمستر رجنالد بترسون ~~مستشار وزارة المعارف العمومية، ومحمود فخري باشا، فالشيخ الجليل محمود سليمان باشا رئيس لجنة ~~الوفد المركزية محوطا بأعضاء لجنته الأماثل، فآخرون ممن لا تحضرنا أسماؤهم. # ويلي هذا الجمع العظيم كله موظفو وزارة المالية، فموظفو مصلحة الأملاك، فموظفو نزع ~~الملكية، فموظفو المطبعة الأميرية، فأعضاء نقابة الحلاقين، فموظفو مصلحة الورش الأميرية، ~~فأعضاء نقابة عمال الصنائع اليدوية، فموظفو مصلحة السكك الحديدية، فموظفو وزارة الزراعة، ~~فموظفو مصلحة الصحة ، فتجار الصاغة والجوهرية، فأعضاء جمعية تضامن العمال، فأعضاء نقابة عمال ~~النسيج وملحقاته، فأعضاء سائر النقابات الأخرى، ومن جملتهم أعضاء نقابة الترام في القاهرة ~~ومصر الجديدة، فأرتال من السيارات والمركبات مجللة بالرايات المطوقة بشارات الحداد تقل ~~كرائم العقائل والأوانس الوطنيات، فثلة من فرسان البوليس جعلت ساقة للموكب لتمنع إطباق ~~العامة عليه. # وقد سار الموكب على هذا النظام المؤثر وكان يموج بالمشيعين موجا حتى تكاد تحسب الجماهير ~~بحرا زخارا وتوابيت الشهداء سفنا عائمة فوقه، وكان الموكب يتحرك كأنه كتلة واحدة لشدة ~~التزاحم، وكنت لا تسمع غير أصوات النائحات من كل ناحية، وقد أغمي على بعض السيدات من ~~التأثر. # واخترق الموكب عند سيره من محطة القاهرة ميدان باب الحديد، فشارع نوبار، فشارع كامل، ~~فميدان الأوبرا، فشارع محمد علي، فجامع قيسون حيث أقيمت الصلاة على المرحومين أحمد طلعت ~~وحسين چلبي. ثم انقسم الموكب إلى أربعة أقسام، الأول سار بالمرحوم رزق يعقوب مخترقا الحلمية ~~الجديدة، فدرب الجماميز، فالسيدة زينب، فمصر القديمة إلى دير مار مينا بفم الخليج، وكان ~~يرافقه الأستاذ محجوب بك ثابت موفدا من لجنة الاحتفال. # والثاني سار بالمرحوم فريد رزق الله إلى دير أنبا رويس بالمحمدي مخترقا شارع الخيامية، ~~فالسكرية، فالغورية، فأمير ms095 الجيوش، فالحسنية، فشارع النزهة، فشارع عباس، وكان يرافقه معالي ~~جعفر باشا ولي وعلي بك إسماعيل موفدين من اللجنة. # والثالث سار بالمرحوم أحمد طلعت مخترقا شارع محمد علي، فميدان القلعة، فشارع الإمام، ~~وكان يرافقه علي بك لهيطة ومصطفى بك النحاس. # والرابع ذهب إلى قرافة المجاورين، وكان يرافقه سعادة محمد عبد الخالق مدكور باشا. # وقد لوحظ أثناء مرور الجنازة في ميدان الأوبرا أنها استغرقت نحو ثلاث ساعات تعطل في ~~أثنائها سير قطر الترام في القاهرة والضواحي. # وورد على إدارات الصحف ألوف من الرسائل التلغرافية والبريدية والمراثي، وقد كانت تألفت ~~لجنة لإقامة حفلة تأبين بدار الأوبرا برعاية حضرة صاحب السمو الأمير عمر طوسون باشا، مؤلفة ~~من حضرات أصحاب السعادة والعزة محمود سليمان باشا وإبراهيم سعيد باشا وعبد الخالق مدكور باشا ~~وأمين سامي باشا وعبد الرحمن فهمي بك وواصف غالي بك وعبد الستار الباسل بك والدكتور حافظ ~~عفيفي بك وأمين الرافعي بك وداود أفندي بركات. # ولما دنا موعد الاحتفال أوقفت لأمر لا نعلمه، بيد أن الأمة أقامت حفلات التأبين في سائر ~~مدن القطر وفي مدارس القاهرة العالية والثانوية وفي المجتمعات العامة، وسيرد تفصيل ذلك في ~~موضعه. ~~(5) عدد مشيعي الجنازة # قدر بعض الذين شهدوا جنازة الشهداء معنا أن عدد المشيعين يبلغ أربعمائة ألف نسمة، وقد كانوا ~~لا يقلون عن ذلك. # ففي ذمة الله أيها الشهداء! لقد كان مصابنا فيكم عظيما وخطبنا جسيما، ولكن الأمة التي ~~اعتادت أن تتحمل الكوارث بصبر وثبات ستتحمل هذه أيضا وإن ضاق بها ذرع الصبر وغالبها الدمع ~~والجزع. ففي ذمة الله أيها الشهداء الأعزاء. ~~(6) احتفال مدينة قنا بتأبين الشهداء # في مساء السبت 8 مايو 1920 الساعة 8 مساء اجتمع مئات من أعيان قنا وأدبائها وموظفيها في ~~المسجد «العتيق» بناء على دعوة من جمعية «الشبيبة الوطنية» بقنا، وكان المسجد مجللا بالزهور ~~والرياحين، والأعلام على شرفاته منكسة، وكانت منصة الخطابة محاطة بالزهور وشارات الحداد، وكان ~~علم الاتحاد الذي يجمع بين الهلال والصليب يرفرف عليها ويملأ قلوب المجتمعين من العنصرين أملا ~~وحياة في المستقبل ms096 رغم هذا الموقف الرهيب، وكان بجوار منصة الخطابة صورة جامعة للشهداء عليها ~~إطار من الزهر والريحان. # وافتتحت الحفلة عند الساعة الثامنة ونصف بتلاوة آيات الذكر الحكيم وكان الخشوع باديا ~~والأسف مخيما والحزن عاما والسكوت عميقا. # وما كاد المقرئ يختم تلاوته حتى وقف الأديب محمد أفندي محمود سكرتير مجلس مديرية قنا، وكان ~~قد انتخب رئيسا للحفلة، فارتجل كلمة الافتتاح. ثم دعا الأستاذ الشيخ علي إسماعيل الإدفاوي ~~فألقى كلمة ألم فيها بذكر مجد مصر القديم والآمال التي تحوم حول الشهداء ورفقائهم المحروسين ~~بعناية الله في إحياء معالمه التي درست وآثاره التي عفت، وألقى كلمة مؤثرة في تأبين ~~الشهداء. ثم دعا بعده الأستاذ الشاعر الشيخ علي إبراهيم عيد الجيزاوي من خريجي الأزهر الشريف ~~وكبار التجار بالوجه القبلي، فألقى هذه القصيدة التي أسالت الدموع وحركت الشجون، وقد ضمن الشطر ~~الأخير منها تاريخا محكما لوفاة الشهداء وجعله مطلع القصيدة وختامها فجاءت محبوكة الطرفين، ~~وهي: # طويتم محبين للمكرمات # فيا لك من أنفس عاليات # هوى عقد آمالنا وتوارت # دراريه في الترب منتثرات # أفي كل يوم لمصر خطوب # تفتت أكبادها الداميات # دهتها الحوادث من كل فج # وجاءت بكلكلها مسرعات # أبادت بصرح بنته ورامت # رجوع معالمها الدارسات # فقد قام نخبة أبنائها # إلى الغرب يستبقوا في الحياة # ولبوا النداء نداء المعالي # وما علموه نداء الممات # نفوس عوالي كنوز غوالي # مثال الكمال وخير نبات # فما وصلوا الغرب حتى دهاهم # هصور من الأسد الضاريات # ومنها: # ألا لا رعى الله يوما عبوسا # تولى بأفلاكنا النيرات # مصاب بأودين حل فأدمى # فؤاد الكنانة بالزفرات # وقد عم في الكائنات أساه # فصرن يغردن بالحسرات # ألا فاذكروا أهل روما ومن تا # بعوهم فيا لهم من أساة! # أجلوا بني النيل أي جلال # وفاضت محاجرهم عبرات # ويوم سروا خاشعين سكوتا # على مهل ناثري الزهرات # فلست ترى غير قلب خفوق # ولؤلؤ دمع من الباكيات # لك الشكر طليان يا خير شعب # عرفناكم قبل أي ثقات # ومنها: # ويا شهداء غرام المعالي # مآثركم لم تزل باقيات # فردوا الجنان بأعلى الفرا # ديس واسمعوا على هامة ms097 الشرفات # وإن جاءكم مصطفى فريد # لكي يسألاكم عن الأمنيات # فقولوا تركناهم ساهرين # على وشك ذللوا العقبات # عليكم من النيل ألف سلام # ومن مصر مستمطر الدعوات # ولا زال يهمي عليكم إلهي # بمنته صيب الرحمات # إذا ما نعي المجد وهو يؤرخ # طويتم محبين للمكرمات # سنة 1238 ~~[طويتم = 465، محبين = 112، للمكرمات = 761] # ثم نهض بعده الأستاذ الشاعر الشيخ مصطفى محمد المملوك المدرس بمدرسة ولي العهد بقنا ومن ~~خريجي مدرسة دار العلوم فوقف وألقى قصيدة غراء، مطلعها: # تبكي البلاد شبابا كان يحميها # يا ليته ما نأى عن ثغر واديها # ومنها: # ما للخطوب غدت دوما تعاكسنا # فهل إلى مصر قد ألقت مراسيها؟ # واثكل مصر على ما كان فقدهم # يهد ركنا حصينا من معاليها! # فغض يا دهر طرفا عن شبيبتها # أكنت من حزبها أم من أعاديها # وجد يا شعب فيما بت تنشده # لعل مصرك تحظى من أمانيها # واصبر على الدهر لا تظهر له جزعا # فهي المقادير تجري في مجاريها # ثم تلاه الأديب مصطفى أفندي عبد الرحمن الطالب بمدرسة الهندسة السلطانية، فألقى كلمة ~~استرعت الأسماع وصعدت الزفرات، ووقف بعده الشيخ محمد المحرزي المدرس بمدرسة الأمريكان فارتجل ~~كلمة أبان فيها مآثر أولئك الشهداء وشجاعتهم الأدبية وإقدامهم النادر وهم في سن الشباب. # ومن ثم وقف حضرة رئيس الحفلة فشكر الخطباء والحاضرين على اشتراكهم في تأبين الشهداء واستمطر ~~لهم الرحمة من سماء الرضوان، وختمت الحفلة بتلاوة آي الذكر الحكيم، وكانت الجمعية المحتفلة قد ~~أعدت الصدقات فوزعتها للفقراء صدقة على أرواح الشهداء، وانفض المحتفلون بسلام. # وكان الأستاذ الفاضل الشيخ عبد الحليم متولي الطالب بالقسم العالي بالأزهر الشريف قد أعد ~~قصيدة غراء لتلقى في الحفلة، مطلعها: # يا مصر أدمى القلب موت بنيك # من هاجروا يا مصر حبا فيك ~~(7) احتفال كوم حمادة بتأبين الشهداء # في اليوم الأول من حمل شهداء العلم إلى أرض الوطن أقام أعيان مركز كوم حمادة سرادقا فخما، ~~صفت فيه المقاعد ووضع فيه منبر للخطابة وذلك احتفالا بتأبين شهداء العلم والوطن الذين ~~كانت مصيبتهم من المصائب العامة التي يشترك فيها الناس على ms098 اختلاف مراتبهم وتباين ~~مشاربهم. # وما وافت الساعة المحددة للحفلة حتى أم السرادق نحو الثلاثة آلاف نسمة يتقدمهم العمد ~~والأعيان ومعلمو المدارس لتخليد ذكرى أولئك الشبان المجاهدين الذين كانوا يؤمنون بعظمة بلادهم ~~الخالدة ويعملون لمجدها ورفعتها وتشييد صرح مستقبلها على دعامة قوية من العلم والعرفان لا ~~تزعزعها الحوادث ولا تهدها عواصف الأيام. # ومن ثم تعاقب الخطباء في اعتلاء منبر الخطابة وإلقاء كلمات الرثاء، وكان في مقدمتهم الشاعر ~~البحيري محمد عبد الهادي عمار الذي كان في وفد كوم حمادة الذي سافر مع الأعيان والوجهاء لتشييع ~~جنازة الشهداء في الإسكندرية، فقد وقف وألقى هذه الكلمة النثرية المؤثرة: # أيها السادة # ما اجتمعنا في هذا اليوم إلا لنحتفل بذكرى شبان مخلصين ضحوا بشبابهم الغالي في سبيل ~~العلم وخدمة الوطن. # نحتفل بأنجم كانت تتلألأ في سماء العلم فأفلت، وزهور أذبلها القضاء في رياض ~~مصر. # نحتفل بذكرى شباب فارق هذه الحياة الدنيا ولو استمهله القدر لكان عدة لهذه البلاد ~~المنكودة الحظ، وما كان أحوج الأمة لذلك الذكاء في ساعاتها الرهيبة وأوقاتها العصيبة وهي ~~تطالب بحقها في الحياة ونصيبها من الحرية والاستقلال التام! # نحتفل بمثال الشباب الناهض، والذكاء المشتعل، والهمة الوثابة، والحياة النامية. # نحتفل اليوم بذكرى غصون شباب عصفت بها يد الدهر فتقصفت. نحتفل بذكرى من فارقونا لورود ~~مناهل العلم العذبة، واقتطاف ثمراته الجنية من رياضه الحافلة، ليعودوا حاملين لبلادهم الشرف ~~والرفعة وليبعثوا مجدها الوطني الذي أورثهم إياه السلف الصالح والأجداد الأمجاد، فقطع ~~القضاء عليهم الطريق وأوردهم موارد الحتوف وأرغم الأنوف، واأسفاه! # نحتفل اليوم بإحياء ذكرى الشهداء بعد أن احتفلت بهم الأمة الطليانية في بلادها وفاء ~~منها لمصر وعطفا على أبناء مصر، فما أكرم تلك الأمة وأوفى ذلك الشعب! # ولقد كان للوفد المصري، مثال الجهاد الوطني الصحيح، اليد الطولى في حمل رفاتهم إلى مصر ~~على نفقته والعناية بهم تخفيفا لمصاب الأمة فيهم، وتعزية لقلوب آبائهم المرزوءة، وما قام ~~الوفد إلا بالواجب الوطني المقدس. # نحتفل بإحياء ذكرهم وهم الشهداء الذين سيدخلون الجنة بغير حساب لأنهم هاجروا في سبيل ~~العلم ms099 والوطن، وأراد بارئ النسمات أن يسكنهم جواره فأخذهم إليه، ونعم الجوار جوار الله! ~~«وإنا لله وإنا إليه راجعون»! # ألا رحم الله هذا الشباب الغض، هذه النفوس العالية التي تركت الأهل والأصدقاء وهي في ~~مقتبل العمر للسعي وراء رفعة الوطن. # ثم أنشد قصيدته العصماء، منها: # يا قادمين إلى مصر وما وهنوا # في خدمة لا ولا ضلوا ولا أفنوا # إنا بكيناكمو يا فتية عرفوا # حق البلاد وفيكم يأسف الوطن # قضيتمو شهداء العلم فانقشعت # عنكم سحابة دهر كله محن # ضللت عقلي إذ وافى النعي بكم # يسري بعقول رجال العلم قد محنوا # وسايرتني هموم لو أبوح بها # إذن لحارت لها من قولي الفطن # يا ويح برق لقد وافى بنعيكمو # من نعيه هاج في أحشائنا الشجن # يا ليتني قطعت أسلاكه إربا # أو حل فيها الأسى أو أسكن الحزن! # وقد تلاه حضرة الأستاذ الأديب والشاعر المجيد الشيخ محمد علي خطاب، وألقى هذه ~~الأبيات: # قضوا نحبا وما نالوا مراما # ب «أودين» وما وجدوا سلاما # وولوا في سبيل العلم صرعى # وأمسوا في الثرى قوما كراما # أرادوا خدمة الأوطان حبا # برفعتها فأسكنهم رغاما # وقد ركبوا البحار وجاوزوها # أولي بأس شديد لن يراما # ولما أن نجوا منها ليوثا # توخوا بر أوروبا عظاما # هنالك سامهم سيف المنايا # وما وجدوا بقطرهما قواما ~~(8) حفلة التأبين الكبرى لشهداء العلم والوطن بدار المرحوم ~~الأستاذ إسماعيل بك عاصم # رأت السيدة فاطمة هانم حرم الأستاذ المرحوم إسماعيل بك عاصم أن المصاب في شهداء العلم مصاب ~~الأمة بأجمعها، فوزعت رقاع الدعوى على شريفات العقائل وكريمات الأسر وأعدت لهن بهو دارها، ~~فصفت فيها المقاعد وأقامت منصة للخطابة أقيم بجانبها العلم المصري المحبوب منكسا وموسوما ~~بشارة الحداد، وكان في صدر البهو صورة الشهداء الاثني عشر في إطار واحد مكللا بالزهور. # ووقفت اثنتا عشرة تلميذة من تلميذات مدرسة البنات في ناحية من المكان بملابسهن البيضاء ~~وأوشحتهن السوداء، فكن كالحمائم المطوقة وكن يزدن الحفلة جلالا والمكان رهبة ~~وخشوعا. # وما وافت الساعة المضروبة لافتتاح الحفلة حتى غص المكان بالفضليات من عقيلات وزراء مصر ms100 ~~وكبرائها وأديباتها وخطيباتها حتى ضاقت بهن الدار على رحبها، وكن لابسات ثياب الحداد، وكان ~~الحزن يعلو وجوههن المشرقة بنور الأمل بمستقبل بلادهن فيزدن جلالا على وقارهن ووقارا على ~~جلالهن، وكانت ربة الدار تقابل المدعوات ويقابلنها بكلمات التعزية. وبعد افتتاح الحفلة بآي ~~الذكر الحكيم قامت حضرة السيدة فاطمة هانم عاصم وألقت هذه الكلمة: # إليكم أقدم رثائي يا أنجما هوت من سماء العلم، وإلى أرواحكم الطاهرة أوجه مقالي يا ~~حبات القلوب، إليكم أبث حزني يا عقدا من الجوهر انتثرت حباته ثم فقدت بين طيات الوجود، ~~وكانت أمكم مصر توشك أن تتحلى به. وعليكم أسكب الدمع الغزير يا باقة من الزهر جمعت من ~~مصر، وكنا نود أن نستنشق شذاها العطر ولكن حال الدهر بين ما نريد، فهناك في بلاد الغربة مع ~~جميل رونقها هصرت كما يهصر الحديد، هناك في بلاد الغربة تدرجوا بالدماء، هناك بعيدا عن ~~أمهم مصر ماتوا غرباء شهداء، فإليك يا مصر نقدم العزاء. ومعكن يا نساء الشرق يحق البكاء، ~~ابكين هذه الوجوه النضرة، انتحبن على هذا الشباب الغض، ذهبوا متضافرين وكلنا آمال برجوعهم ~~سالمين فائزين، وكلهم آمال بانضمامهم إلى رجال العلم العاملين، فإذا بنا وبهم وقد خيب الدهر ~~آمالنا وآمالهم، فتبا لك يا دهر! هلا رحمت شبابهم! هلا أشفقت على آبائهم! وهلا ~~ترأفت بقلوب أمهاتهم! لا هذا ولا ذاك، فتبا لك من غادر خئون! القلوب تتوجع والعيون تدمع ~~وإنا لفقدهم لمحزونون، أقمار هوت وآمال اضمحلت وعلوم قبرت وشباب هصر وأنوار أطفئت ~~ولم يبق منها غير هذه الرسوم التي لا تجيب، اضمحلت منهم الآمال فيا له من يأس ~~قتال! # إني أرى صورهم أمامي فهل يسمعون كلامي؟! نعم، نعم، فأرواحهم بيننا ممتزجة بأرواحنا، ~~فمهلا، مهلا يا روحي يا أليفة الأحزان على من فقدت، لا تسترسلي في أحزانك وأفيقي. # اللهم إني أتوسل إليك أن تلقي علي الصبر لأتحمل بلاء الموت! الموت، الموت، ويالهول ~~الموت! ما أصعبه! كم مزق من قلوب وأدمى من مقل! # سيداتي، أراني قد استرسلت في أحزاني لدرجة أني شاعرة كأني ms101 الحزن المجسم بينكن الآن، هذا ~~مع علمي وعلم حضراتكن أن الحزن لا طائل تحته، بل الواجب علينا أن لا نسترسل في أحزاننا ~~مخافة أن تهبط عزائم شبابنا، ولنجعل نصب أعيننا قول الشاعر: # إذا مات منا سيد قام سيد # قئول بما يرضي الكرام ~~فعول # وإني يا حضرات السيدات، مع احترامي لشعوركن السامي وتقديركن الأعمال الجليلة حق قدرها ~~يسرني أن المرأة الشرقية قد قاربت أن تستعيد سابق مجدها ورفعتها، إذ كانت في ذاك العهد لها ~~القدح المعلى والكلمة النافذة والفكرة الراجحة بين مصاف الرجال، فبتعاضدنا هذا مع مساعدة ~~رجالنا العاملين أريد أن أقترح اقتراحا هو عندي أجل وأسمى من كل ما عمل لأبنائنا ~~الشهداء، وهو أنني أريد أن تقوم هيئة موقرة من رجال وسيدات لجمع مبلغ من المال يكفي لإرسال ~~اثني عشر طالبا يتلقون العلم حتى النهاية ليكونوا شموسا لنا في المستقبل عوضا عن أقمارنا ~~التي غربت، ونكون في نظر جميع الأمم الغربية قد قمنا بأحسن تذكار لتخليد ذكرى شهدائنا. # هذا وإني أستميحكم العذر يا أيتها الأرواح الطاهرة الزكية إذا أنا قصرت في رثائكم الآن، ~~فهناك في دار البقاء في جنة الخلد في فردوس النعيم سيقوم لكم رب هذا البيت بما هو أجل وأعظم ~~كعادته في تكريم النابغين، فكم له من أياد بيضاء! ولكنه راح ورحتم فسبحان من له ~~البقاء! # ثم دعت بعد ذلك الخطيبات لإلقاء كلماتهن، فقامت الآنسة لبيبة حسن المدرسة بمدرسة عباس، ~~وألقت هذه المرثية الشائقة المؤثرة: # سيداتي # والموت نقاد على كفه # جواهر يختار منها ~~الجياد # لقد اندمل فؤاد العلم، وتصدعت جوانب مصر، وتزعزعت أركان الأهرام، وأزعجت رفات الفراعنة ~~من أهوال زلزال الصاعقة، ثم انفجرت براكين الأحزان فتطايرت قذائفها على آل وادي النيل، ~~وأصابت نفوسهم حتى عم الخطب وساد الأسى. ابك يا مصر، واسكبي عبراتك على فتية قضت من أجل ~~رفعتك وهنائك. قيل إنك لا تزالين في مهد حضارتك، ولم تأخذي من العلم القسط الذي يؤهلك لأن ~~تقفي في صف الأمم الراقية، فعز ذلك على أبنائك فغادروك ليعودوا إليك رجالا ms102 عاملين يصدون ~~عنك تلك الغربة ويخرجون بك من ركن انزوائك، ذهبوا وكل آمالهم أن سوف يعودون إليك فيرونك ~~مفككة من أصفاد الرق وأغلال الاستعباد، ذهبوا وهم يتزودون منك بالهتاف لاسمك وحياتك ~~وحريتك، ذهبوا بصدور تهيم بحب العلم وقلوب تضيئها شعلة الذكاء المصري الوهاجة، ولكن ~~عاجلهم القضاء فقضى على تلك الآمال وأطفأ تلك الشعلة حتى أظلمت في وجهك! فما أعظم بلواك يا ~~مصر! # كان من بين أولئك أيتها السيدات من قضت السلطة بحرمانهم من التعلم في معاهدهم دون جرم ~~لهم في ذلك سوى أنها رأت منهم هياما بحب ذلك الوطن وتفانيا في حب العلم الذي يستعيدون به ~~مجد آبائهم المؤثل، ولكن ترى ماذا كانت نتيجة الحرمان؟ لم يثن ذلك من عزمهم شيئا، بل ~~زادهم تعلقا بأذيال العلا فغادروا بلادهم إلى غيرها، ولكن أبى القدر إلا أن يفجع مصر فيهم ~~وهم من أعز أبنائها، ففي ذمة الله ذلك الشباب الغض، وألف سلام على تلك الأرواح العالية، ~~وأنت يا مصر فخففي عنك قليلا لأنك وإن كنت ثكلتيهم فقد عدوا من صفوة أبنائك، فهم لم ~~يستشهدوا حتى سجلوا لك ولهم مفخرة عظمى وأنزلوا علينا آية نتعلم منها الشهامة والعزم ~~والإقدام ورخص النفوس أمام خدمتك. # وأنتم يا آل العلم، فاستمطروا الرحمات على أولئك الشهداء. وأنت يا ماء النيل، فانزل ~~بردا وسلاما على ثراهم. وأنت يا خير الراحمين، أغدق عليهم رحماتك ورضوانك، وهب مصر الثكلى ~~عزاء وصبرا واجعل لها خير العوض في أبنائها العاملين! # ثم وقفت الآنسة بسيمة محمد خريجة المدرسة السنية، فألقت كلمتها هذه: # سيداتي # تلك المصيبة أنست ما تقدمها # وما لها مع طول الدهر ~~نسيان # المصاب عميم، والخطب جلل، مصاب تتصدع له المسامع، وترتج منه الأضالع، مصاب أذاب الدموع ~~الجامدة، وألهب الهموم الخامدة، مصاب زلزل الأرض وأقرح الأكباد. # إيه يا مصر! ما للقضاء في أمرك يتحكم، ومن شبابه يتهكم؟! لا يخشى الدهر زفراتنا الحارة ~~وأنيننا المحزن فيكف عن التمثيل بنا: هذا صريع ظلم وعدوان، وذلك صريع وطنية وأمان، أو ضحية ~~أمنية وآمال. # أي مصر، ms103 لقد أصبحت بعد الترف والمدنية والرفعة مسرحا للنوازل والكارثات، آجال المصلحين ~~فيك قصيرة، وأرواح العاملين لحياتك مخطوفة، ولم يبق لنا بعد هؤلاء إلا ذكراهم والتأسي ~~لفقدانهم، وتلك والله أكبر بلية أودت براحة أمة تعمل لغاية هي من أجل الغايات وأخطرها، ~~فصبرا صبرا على هذا الرزء! # سيداتي # ما هذا الاجتماع اليوم إلا مأساة تندب فيها نساء النيل شبابا قضى في سبيل العلم، قضى ~~في سبيل أشرف غاية وأجمل مقصد، قضى في سبيل نصرة الأوطان بعيدا عن الأهل والديار. ففي ذمة ~~الله أرواح فارقت ربها إلى النعيم وخلفت بعدها في النفوس آلاما تستقر نارها ولا تنطفئ ~~أبدا وفي القلوب جروحا لا تندمل، خلفت نفوسا كانت قد علقت آمالها على هذا الشباب ~~الناضر في نصرة الأوطان وعز البلاد: # هيهات أن يأتي الزمان بمثلهم # إن الزمان بمثلهم ~~لبخيل # في ذمة الله أرواح خلصت من هذه الحياة وهي في ميدان الجهاد، فأقبلت على العالم الباقي ~~تقية طاهرة تسمع وهي مقبلة أصوات المنادين: # يا أيتها النفس المطمئنة * ~~ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في ~~عبادي * وادخلي جنتي ~~. # ثم قامت بعدها حضرة الآنسة الفاضلة ثريا علي العموري، فألقت مرثاة مؤثرة نقتطف منها ما يأتي: # أيتها السيدات # لقد فجعنا فاجعة كبرى بموت هؤلاء الشبان الذين اغتربوا عن وطنهم في سبيل العلم لكي ~~يعيدوا بعد ذلك مجده القديم وعزه التالد، ولكن الموت لم يمهلهم بل كان لهم بالمرصاد ~~فاختطفهم من بين تلك الحياة التي تمنتها لهم بلادهم وماتوا موتة سجلت لهم ذكرا عاليا ~~وفخرا باقيا. # فيا عيون أمطري دما، ويا قلوب تفطري حزنا وأسى على هؤلاء الشهداء الذين لم تمهلهم ~~أيدي القضاء بل أنشبت فيهم أظفارها قبل أن يبلغوا مأربا أو ينالوا ~~مطلبا. # فذهبوا وفي القلوب من أجلهم حسرات مترددة وزفرات متصعدة، وفي مثل هذا الخطب قد عظم ~~الأمر. # ونهضت الدكتورة الأديبة أمينة محمد فألقت هذه الكلمة الطيبة: # أيتها السيدات الفضليات # ما كاد وادي النيل الخصب ينبت زهرات غضة كانت حلية لجيده حتى جنت يد المقادير جمال ~~تلك الأزاهير، ms104 وأصبح ما كان من قبل بهجة وادي النيل مبعث الحزن ومصدر الأسى، كانت تلك ~~الزهرات تتطلب ماء من العلم ومنهلا من العرفان، فوجدت في ذلك الماء ظمأها، وفي المنهل ~~العذب موتها الزؤام. ماتت وهي تسعى وراء حياتها وحياة بلادها، وكيف لا يكون ذلك كذلك ~~والحياة ليست إلا ما يجنيه الإنسان من العلم وما يعلمه في سبيل الإصلاح والخير وفائدة سائر ~~البشر؟ # وأزاهر شرقت بما تحيا به # فذوت وأورق شوكها ~~بفؤادي # كانت مصر تهم بأن تكفكف دمعها الذي سال من أجل المصائب التي دهمتها قديما ولكن ~~سرورها لم يتم، إذ إن الفجر الجديد [الذي] بدأ ينتشر منه نور الأمل انطفأ فجأة وجلله ~~الظلام الدامس. مات الذين كانوا ضحكة في فم مصر الحزينة وأملا مشرقا في ظلام اليأس، مات ~~شبانها النجباء وقبلهم مات كامل في ريعان شبابه وفريد بعيدا عن أوطانه وغيرهما، لقد قيل ~~إن قلب مصر لم ينبض إلا من جراء حادثتين: موت مصطفى كامل وكارثة دنشواي، أما اليوم فقد نبض ~~قلب مصر للمرة الثالثة، إذ دهمها الموت في أعز شيء لديها، دهمها في خيرة أولادها وخلاصة ~~نجبائها. تجتاز مصر التعسة اليوم عقبة سياسية كئودا، وهي في حاجة إلى جميع أولادها وكل ~~قواتها لتحمل في سبيل نيل آمالها المنشودة، ولكن القدر لم يشأ أن يتركها تدأب وتجاهد وإنما ~~جعل يخطف منها عاملا بعد عامل ويطفئ أملا بعد أمل كأنه يريد أن يصرفها عن عزمها، ولكن ~~هيهات ذلك! فإن كل جثة تذهب في سبيل إعلاء شأن مصر لا تزيد المصريين إلا تمسكا بمطالبهم ~~واعترافا في سبيل نيل مأربها. إن كل جثة من جثث أولئك الشهداء ستظل تذكارا لكل مصري، ~~تذكار المجاهدة في سبيل سعادة مصر والمصريين، وهيهات أن يغفل مصري عن واجبه ما دام يجد من ~~أولئك الشهداء مذكرا ومنبها. إن المصري لا يحقر شهداءه أو يضيع ما بناه أولئك المجاهدون ~~بدمائهم الزكية الطاهرة. وإنني أطلب من الله أن يلهم مصر والمصريين جميل الصبر عن هذا ~~المصاب الجلل. # وألقت السيدة فردوس بالعباسية ms105 كلمة مؤثرة نقتطف منها ما يأتي: # أيتها السيدات المحترمات # علوت منصة الخطابة قبل الآن ولكن شعورا استفزني وعاطفة حدت بي أن أقوم بينكن خطيبة ~~لأعبر عما امتلأ به فؤادي من الأسى والحزن على شهداء العلم. سيداتي العزيزات: كنت أتمنى أن ~~يهبني سبحانه وتعالى ملكة الشعر ويلهمني قريحة وقادة في النثر حتى أوفي هذا المقام حقه ~~من رثاء هؤلاء الأبطال الذين ذهبوا ضحية العلم واستشهدوا في سبيل المدنية ~~والارتقاء. # نعم، إني أتكلم الآن بقلب منفطر يكاد يتمزق، وفؤاد كليم يكاد يلتهب حزنا وولها على ~~هؤلاء البواسل الذين قضوا نحبهم في سبيل العلم المجيد. نعم؛ كنت أود أن أسطر بدمي بدل دمعي ~~مرثية لهؤلاء الشجعان الذين قصفت يد المنون غصن شبابهم الرطب قبل أن يرتشفوا من منهل العلم ~~الراقي الذي فدوه بأنفسهم فطوبى لهم! نعم، همدت أجسامهم ولكن أرواحهم لا تزال ترفرف فوق ~~رءوسنا وتسري مبادئهم مندمجة في دمائنا، فوالله إن أثرهم لخالد وذكرهم باق. # سيداتي، إني لعاجزة عن أن أوفي هؤلاء الأبطال ما لهم من الحق في الرثاء، فإني ما قمت ~~إلا لأظهر ما اشتدت به عواطفي نحو شهداء الغربة والعلم، فما يقع من التقصير في إيفائهم حقهم ~~من التمجيد والتكريم فمعذرة، حيث إني لست أوسع علما منكن وأكثر دراية في هذا المجال. وها ~~إني أكرر عبارات الأسى والحزن على أبنائنا، ولتحي ذكراهم منطبعة على قلوبنا إلى ~~الأبد. # حكم المنية في البرية جاري # ما هذه الدنيا بدار ~~قرار # بينا يرى الإنسان فيها مخبرا # حتى يرى خبرا من ~~الأخبار # وقامت بعدها الآنسة الأديبة منضورة علي، وألقت هذه المرثاة: # أيتها السيدات، إن فاجعتنا بموت هؤلاء الشهداء عظيمة جدا لا يحتملها قلب مصري شرب من ~~ماء النيل أو تغذى من ثمار مصر، فقد بكت السماء بدموعها الحارة وشجت الطيور بنغماتها ~~المحزنة، فأهاجت ما في القلب من الأسى وحركت ما في المهجة من الشجن. # أيها السيدات، جرت العادة بأن الدهر إذا داهم قوما داهمهم بخطب واحد يمكن احتماله، أما ~~مصر فكان حظها من الدهر أن ms106 داهمها بخطوب متعددة وأرزاء مختلفة، ففي كل يوم فاجعة جديدة ~~ورزء أعظم مما قبل: رمانا الدهر أولا بموت المرحوم محمد بك فريد فحزنا عليه كثيرا، ~~ولكن ما وضعناه من الأمل في غيره من الأبطال العاملين خفف عن القلب كثيرا، ورمانا ثانيا ~~بموت المرحوم إسماعيل بك عاصم هذا الرجل الوطني الغيور، فأقتم الجو في أعيننا وزادت ~~همومنا وعظمت نكبتنا. هذا كله ولم يغفل عنا لحظة واحدة يدعنا نفرج فيها همنا وكربنا، فقد ~~رمانا بموت هؤلاء الشهداء الذين هاجروا من بلادهم ليستقوا العلم من مناهله ويعيدوا للوطن ما ~~كان له من المجد القديم وكأنما الموت كان لهم بالمرصاد، فغفر الله لهم وأسكنهم الجنة وألهم ~~أهلهم الصبر والعزاء، إنه سميع قريب. # | قصائد مشاهير الشعراء في رثاء الشهداء # رثاء أمير الشعراء أحمد شوقي بك # ألا في سبيل الله ذاك الدم الغالي # وللمجد ما أبقى من المثل العالي # وبعض المنايا همة من ورائها # حياة لأقوام ودنيا لأجيال # أعيني جودا بالدموع على دم # كريم المصفى من شباب وآمال # تناهت به الأحداث من غربة النوى # إلى حادث من غربة الدهر قتال # جرى أرجوانيا كميتا مشعشعا # بأبيض من غسل الملائك سلسال # ولاذ بقضبان الحديد شهيده # فعادت رفيفا من عيون وإظلال # سلام عليه في الحياة وهامدا # وفي العصر الخالي وفي العالم التالي ~~••• # خليلي قوما في ربى الغرب واسقيا # رياحين هام في التراب وأوصال # من الناعمات الراويات من الصبا # ذوت بين حل في البلاد وترحال # نعاها لنا الناعي فمال على أب # هلوع وأم ب «الكنانة» مثقال # طوى الغرب نحو الشرق يعدو مليكه # بمضطرب في البر والبحر مرقال # يسر إلى النفس الأسى غير هامس # ويلقي على القلب الشجا غير قوال # سرى فنعاهم للديار أهلة # فمن هالة عطل ومن منزل خال # سماء الحمى بالشاطئين وأرضه # مناحة أقمار ومأتم أشبال ~~••• # وأدهام تدري الريح أن قد أعاذها # بساطا ولكن من حديد وأثقال # يريك جياد السبق في الحضر كلما # رمى بذراعيه وبالمرجل الغالي # يقل من الفتيان أشبال غابة # غداة على الأخطار ركاب أهوال # ثنته العوادي ms107 دون «أودين» فانثنى # بآخر من دهم المقادير ذيال # قد اعتنقا تحت الدخان كما التقى # كميان في داج من النقع منجال # فسبحان من يرمي الحديد وبأسه # على ناعم غض من الزهر منهال # ومن يأخذ السارين بالفجر طالعا # طلوع المنايا من ثنيات آجال # ومن يجعل الأسفار للناس همه # إلى سفر ينوونه غير قفال ~~••• # فيا ناقليهم لو تركتم رفاتهم # أقام يتيما في وصاية الآل # وبين غريبا لدي وكافور مضجع # لنزاع أمصار على الحق نزال # فهل عطفتكم رنة الأهل والحمى # وضجة أتراب عليهم وأمثال؟ # لئن فات مصرا أن يموتوا بأرضها # لقد ظفروا بالبعث من تربها الغالي # وما شغلتهم عن هواها قيامة # إذا اعتل رهن المحبسين بأشغال # حملتم من الغرب الشموس لمشرق # تلقى شفاها مظلما كاسف البال # عواثر لم تبلغ صباها ولم تنل # مداها ولم توصل ضحاها بآصال # يطاف بهم نعشا فنعشا كأنهم # مصاحف لم يعل المصلي على التالي # توابيت في الأعناق تترى زكية # كتابوت موسى في مناكب إسرال # ملففة في حلة شفقية # هلالية من راية النيل تمثال # أظل جلال العلم والموت وفدها # فلم تلق إلا في خشوع وإجلال # تفارق دارا من غرور وباطل # إلى منزل من جيرة الحق محلال # فيا جلبة رفت على البحر حلية # وهزت بها «حلوان» أعطاف مختال # جرت بين إيماض العواصم بالضحى # وبين ابتسام الثغر بالموكب الحالي # كثيرة باغي السبق لم ير مثلها # على عهد إسماعيل ذي الطول والنال # لك الله! هذا الخطب في الوهم لم يقع # وتلك المنايا لم يكن على بال # بلى كل ذي نفس أخو الموت وابنه # وإن جر أذيال الحداثة والخال # وليس عجيبا أن يموت أخو الصبا # ولكن عجيب عيشه عيشة السالي # وكل شباب أو مشيب رهينة # بمعترض من حادث الدهر مغتال # وما الشيب من خيل العلا فاركب الصبا # إلى المجد تركب متن أقدر جوال # يسن الشباب البأس والجود للفتى # إذا الشيب سن البخل بالنفس والمال # ويا نشأ النيل الكريم عزاءكم # ولا تذكروا الأقدار إلا بإجمال # فهذا هو الحق الذي لا يرده # تأفف قال أو تلطف محتال ms108 # عليكم لواء العلم فالفوز تحته # وليس إذا الأعلام خانت بخذال # إذا مال صف فاخلفوه بآخر # وصول مساع لا ملوم ولا آل # ولا يصلح الفتيان لا علم عندهم # ولا يحرزون السبق أنصاف جهال # وليس لهم زاد إذا ما تزودا # بيانا جزاف الكيل كالحشف البالي # إذا جزع الفتيان من وقع حادث # فمن لجليل الأمر أو معضل الحال؟ # ولولا معان في الفدا لم تعانه # نفوس الحواريين أو مهج الآل # فغنوا بهاتيك المصارع بينكم # ترنم أبطال بأيام أبطال # ألستم بني القوم الذين تكبروا # على الضروبات السبع في الأبد الخالي # رددتم إلى فرعون جدا وربما # رجعتم لعم في القبائل أو خال # قصيدة شاعر مصر الكبير محمد بك حافظ إبراهيم # علمونا الصبر تطفئ ما استعر # إنما الأجر لمفجوع صبر # صدمة في الغرب أمسى وقعها # في ربوع الشرق مشئوم الأثر # زلزلت في أرض مصر أنفسا # لم يزلزلها قرار المؤتمر # ما اصطدام النجم بالنجم على # ساكن الأرض بأدهى وأمر # قطف الموت بواكير النهى # فجنى أجمل طاقات الزهر # وعدا الموت على أقمارنا # فتهاووا قمرا بعد قمر # في سبيل النيل والعلم وفي # ذمة الله قضى الاثنا عشر # أي بدور الشرق ماذا نابكم # في مسار الغرب من صرف الغير؟ # نبأ قطع أوصال المنى # وأصم السمع منا والبصر # كم بمصر زفرة من حرها # كنس الأعفر والطير وكر! # كم أب أسوان دام قلبه # مستطير اللب مفقود الظهر # ساهم الوجه لما حل به # سادر النظرة من وقع الخبر # كم بها والدة والهة # عضها الثكل بنار فعقر! # ذات نوح تحت أذيال الدجى # علم الأشجان سكان الشجر # تسأل الأطيار عن مؤنسها # كلما صفق طير واصطخر # تسأل الأنجم عن واحدها # كلما غور نجم أو ظهر # تهب العمر لمن ينبئها # أنه أفلت من كف القدر # ويح مصر كل يوم حادث # وبلاء ما لها منه حفر! # هان ما تلقاه إلا خطبها # في تراث من بنيها مدخر # قد ظلمتم مجدهم في نقلهم # إنما نقلتهم إحدى الكبر # فسواء في تراب الشرق أم # في تراب الغرب كان المستقر # أأبيتم أن نرى يوم ms109 لنا # في ربوع العلم شبرا فنسر؟ # أضننتم أن تقيموا بينهم # شاهدا منا لكتاب السير # ومزارا كلما يممه # ناشئ حيا ثراه وادكر # ودليلا لابن مصر كلما # قام في الغرب بمصر فافتخر؟ # كم ملأت لنا في أرضهم # صورة معجزة بين الصور! # فمن رمز العصور قد خلت # أشرق العلم عليها وازدهر # فاجعلوا أقواسنا اليوم بها # خير رمز لرجاء منتظر ~~••• # أمة الطليان خففت الأسى # بصنيع من أياديك الغرر # جمعت كفاك عقدا زاهيا # من بيننا فوق واديك انتثر # وسعى كل امرئ مفضل # بادي الأحزان مخفوض النظر # وبكت أفلاذكم أفلاذنا # بدموع روضت تلك الحفر # وصنعتم أحسن الله لكم # فوق ما يصنعه الخل الأبر # قد بكينا لكم من رحمة # يوم «مسينا» فأرخصنا الدرر # فحفظتم وشكرتم صنعنا # وبنو الرومان أولى من شكر ~~••• # أي عناوين العلا أشبهتموا # بسملات الله توجن السور # أي شباب النيل لا تقعد بكم # عن خطير المجد أخطار السفر # إن من يعشق أسباب العلا # يطرح الإحجام عنه والحذر # فاطلبوا العلم ولو جشمكم # فوق ما تحمل أطواق البشر # نحن في عهد جهاد قائم # بين موت وحياة لا تقر # ورثاهم حضرة الشاعر المعروف عبد الحليم المصري بهذه القصيدة: # أفيك مجن يا قلوب من الردى # ومنك لنفس يا عيون وفاء؟ # سلام على من طالعوا الموت فجأة # ولما ينوه بالمنية داء # فيا باقة من زهر مصر تضوعت # نثرت على الوادي فأتت هباء # وبقيا ورود فاح من جانب الربى # عبيران منها فطنة وذكاء # نودعكم لم ندر أن سيضيفكم # من الله قبل الأصدقاء قضاء # ولو علمته الأمهات لشفعت # عيونا فأجدى قبل ذاك بكاء # أفي حين نرجو من نواحيكمو المنى # يقولون من ترجونهم شهداء # ونصبح نرجوكم عظاما بواليا # كما ترتجى ورد النمير ظماء؟ # بنا لو حملناها لنطرح دونها # من الدمع ما لم تدخره سماء # كنانة آمال نريش سهامها # هوين وما أدى السهام مضاء # يصوبها الرامون منهم مسيئة # لأغراضهم والله ليس يشاء # تفديكمو عنا العيون بضوئها # وهيهات منكم أعين وضياء # وإنكم عن مصر لم تتغربوا # ونحن بمصر بعدكم غرباء # عرائس ساحات خضبتم أكفها # فهل ms110 من رأى الحناء وهي دماء؟ # ترف خزاماها علينا كأنما # يرف على وجه العليل شفاء # أفوق الثرى يأس لنا ومنية # وتحت الثرى عيش لنا ورجاء؟ # فيا مصر كم ذا روعتك مصيبة # لها بالخطوب التاليات دواء! # ألا ركب إلا وهو فيك جنازة # ولا شعر إلا وهو فيك رثاء # ولا رعد إلا وهو فيك صواعق # ولا صبح إلا وهو فيك مساء؟ # صبرنا على ما يجزع الصخر دونه # وأكبر ظني أننا كرماء # وعدنا لحكم الله طوعا لذاته # وعلما بأن الحب فيه بلاء # وحيث يكون العمر كانت منية # وحيث يكون الحي كان فناء # فلا تقنطوا من رحمة الله خيفة # فموت الفتى والخوف منه سواء # ولا تأخذونا بالقصور فإنها # كوارث تعيي دونها الشعراء # إلى مشيعي الشهداء بالقاهرة # ورثاهم حضرة الشاعر الأديب سيد يوسف أفندي (المدرس) بقوله: # انثروا الدمع وسيروا خشعا # واحملوا تلك الشموس الأربعا # واغرسوا في الترب أزهارا لنا # ما أحيلاها شذا ما أبدعا! # وأودعوا الآمال في تابوتها # إن في التابوت شعبا مودعا # وأنصتوا للموت في تجواله # فجلال الموت في أن نسمعا # خبت الأضواء جمعا عندما # ضمت الأرض نجوما طلعا # واكفهر الجو في أرجائنا # يالهول اليوم يوم الأربعا # رب إن الشعب باك موجع # فاستجب رب إذا الشعب دعا # وأنل مصر حياة حرة # وكفى تضحية من فجعا # يشترى العلم بمال وهنا # بنفوس قد أبت أن تهجعا # فليقم في مصر تذكار لهم # إنهم ساروا إلى الخلد معا # ورثاهم حضرة الشاعر البليغ الشيخ أحمد الزين بقوله: # أكذا الزمان بأهله يتقلب # والمرء يحسن ظنه فيكذب؟ # والنفس تخدعها الأماني ضلة # ويروقها ذاك البريق الخلب # ما أكذب الإنسان يخدع نفسه # ويعاتب الزمن الذي لا يعتب! # ويرى مصارع أهله وصحابه # عن جانبيه وإنه لمعقب! # عجبا! أأمزح بالحياة وطولها # وأرى حمامي كل يوم يقرب؟! # ويطيب لي عيشي وأتراب الصبا # نهلوا بكأس للردى لا تعذب؟ # شوقا إلى الكأس التي شربوا بها # والموت إن غر الوفاء محبب # وإذا تنكرت الحياة ولم تجد # حلا تطيب به فموتك أطيب # عشرون من بعد اثنتين لبثتها # وودت لو أني صريع ms111 يندب # أأعيش في قوم يقر عيونهم # والأرض مخصبة وداد يجدب؟ # لا أخصبت أرض ولا نزل الحيا # في معشر أخلاقهم لا تخصب # الشمس تشرق بالضياء عليهم # وتسوءها أخلاقهم فتغيب # وتعود ثانية وتحسب أنهم # صلحوا فتكذبها الظنون فتغرب # والزهر يضحك ساخرا مما يرى # فالبشر منه لو علمت تقطب # وتراه يذبل حين تقطفه يد # تمسي وتصبح بالمآثم تخضب # وصموا القرود بأنها أصل لهم # والقرد مما قال «درون» يغضب # ماذا أؤمل في حياة صفوها # كدر يجرعه الجهول فيطرب؟ # ليس الذي عرف الحياة معذبا # لكن من طلب الصفاء معذب # رد العزاء فهذه آمالنا # يطوي صحائفها الزمان القلب # كم مدمع كالسحب ترسل فيضه # أم وزفرات يصعدها أب! # قد ودعا أنس الحياة وطيبها # بوداع بدرهما وضعضع منكب # ذكراه في جنح الظلام تعلة # فجرت شئونهما دما يتصبب # يتساءلان أآب من أسفاره # أم عاقه عنا قضاء أغلب؟ # يتجاذبان عليه أطراف الأسى # أما ألم خياله المتأوب؟ # من لي بقلبي كي أقطعه أسى # لكواكب أخفا سناها المعزب؟ # ولو أن أفئدة الأنام تكون لي # أمست عليهم لوعة تتشعب # راموا الحياة وإنها [لأمينة] # ليست لغير الموت فيها توهب # كانوا لمصر سراجها إن أظلمت # فقد استطال بها عليهم غيهب # وسهامها أمسى يسدد سهمه # صرف الزمان إليهم ويصوب # هجروا ديارهم فهل ضاقت بهم # أرض بها حمد السرى المتغرب? # أنآهمو طلب العلوم فعلموا # سرا من الأسرار عنا يحجب # لا تيأسوا إنا إذا ما كوكب # منا خبا جلى الغياهب كوكب # ورثاهم الأديب الفاضل الشيخ أحمد عبد الماجد المدرس بمدرسة المعلمات بالإسكندرية بهذه ~~القصيدة: # يا موت حسبك قد قطعت أكبادي # بين الممالك لا في النيل والوادي # للعلم كان رحيلهم فما لك لا # تميز بين ذوي غي وإرشاد؟ # هلا رحمت شبابهم وغربتهم # أم لست ترحم ذا نأي وإبعاد؟ # صدمتهم فتزلزلت لصدمتهم # أرض الكنانة من سهل وأطواد # بكى المقطم والأهرام نائحة # والنيل بينهما يرثي لأولاد # بكت مدارسنا فقدان زهرتها # وعادها ألم من حزنها البادي # دمع العلوم على طلابها انسجما # يا دمعة العين دومي ذات إمداد # وكوني سحبا في الجو سائرة ms112 # فوق الجنائز تروي هام روادي # سقيا لكم شهداء العلم والوطن # ورحمة لضحايا السائق العادي # لولا مفاجأة المنون ما قصرت # تلك العزائم عن إحراز إسعاد # ومن يهاجر إلى العليا ليحرزها # ومات فيها تولى أجره الهادي # لئن بعدتم فما نأت فضائلكم # عنا فلا يشمتن بالموت حسادي # إن الفضائل ملك لا زوال له # فاحفظ عهودك من غدر وإفساد # لا شيء أثبت من حق يعززه # حفظ العهود وإيفاء لميعاد ~~••• # يا مصر قد وقذتك النائبات فلا # تبغي المنام فهذا وقت إجهاد # دعى المنام فقد مستك قارعة # واسعى لترقية التعليم في الوادي # لو كان في قطرنا التعليم أجمعه # ما مات في صدمة سباق آماد # إن الحوادث للإنسان موقظة # هيهات أن ندع التعليم كالعادي # خطب وفجع بمصر كل آونة # صبرا لهذا البلاء الرائح الغادي # يا ملهم الصبر إن الصبر حاجتنا # فامنن بصبرك وارحم أنة الوادي # يا مسبل الستر خلي الستر منسبلا # على كنانتك الثكلى لأمجاد # ورثاهم حضرة الشاعر الأخلاقي عباس محمود العقاد بقصيدة منها: # خير الوفود وأكرم الركبان # هذا الوداع أم اللقاء الثاني؟ # عدتم فهل شفي الغليل بعودكم # بعد الفراق وقرت العيان؟ # وتجمع الشمل الشتيت فهل دنا # ما كان في «أودين» ليس بدان؟ # والهفة القطان إن مآبكم # غير المآب لوصلة القطان # ورثاهم عبد القادر أفندي المازني بقصيدة مطلعها: # بستان آمالنا لقد ذبلت # فيك زهور من آنق الزهر # ومنها: # قد مالت الشمس صوب مغربها # في برد حسن في الأفق مستطر # همت بتوديعنا وقد لبست # أفواف زين لها ومفتخر # تنأى الهوينى كأن عالمنا # معهد لداتها لدى الصغر # وأي جمع لنا متى انحدرت # يخطو على دق طبلة القدر؟ # ورثاهم حضرة أحمد رامي أفندي الشاعر المعروف بقصيدة، منها: # أيها الراحلون في طلب # العلم ولا عودة ليوم المعاد # قد صبرنا على النوى وارتقبنا # فرحة للقاء بعد البعاد # فإذا بالوداع كان إلى المو # ت كأن كنتم على ميعاد # ورثاهم حضرة الأستاذ الفاضل الشيخ مهدي أحمدي خليل بقصيدة، منها: # أمل تعثر في رجاء خائب # في فتية درجوا كأمس الذاهب # هي صدمة ب «أودين» كانت ms113 إنما # آلامها في صدر مصر الواجب # والهفتاه على الدم الزاكي جرى # فسقى أديم الأرض سقي سحائب! # للترب تستبق الدماء غزيرة # فاعجب لماء وارد للشارب! # ورثاهم الشاعر الوجداني محمود أفندي رمزي نظيم بهذه القصيدة: # يا بدورا تغيبت قبل تم # ونجوما من أفقها قد تهاوت # وغصونا قد هزها المجلد للعلم # ولكن تقصفت حين مالت # رحلت تطلب المعالي ولكنه # وقف الموت في الطريق فماتت # إيه رفقا بأنفس هي لولا # أنها عدت لمصر لسالت # وعزاء شبيبة النيل منهم # أي حال تحت السماء ما استحالت؟ # إن أردتم أن تملئوا أنفس المو # تى حياة وإن تكن قد زالت # دولة النيل شيدوها فما من # دولة شادها الشباب فدالت # ورثاهم محمد أفندي توفيق خاكي بهذه القصيدة: # دمع عيني من دماء اندفعا # لغصون أخجلت غض النقا # وفروع أصلها دوح العلا # بسواها ما اتخذنا مرتقى # بيد الأقدار غدرا هصرت # يالغصن كان فيها مورقا # لبثت في قطرها راشقة # من مياه العلم ما قد أغدقا # بارحته آمة تلك الربى # كي تزيد الزهر منها رونقا # ما لها قد حطمت من صدمة # في سبيل العلم قبل الملتقى؟ # يا له من نبأ قد شيبت # حادثات الدهر فيه مفرقا! # يا قطارا لو مشى متئدا # بشباب القطر هل كان الشقا؟ # قد أضاع الأمس منا أملا # ودماء طاهرات دفقا # لا «أدين» القطر يا ذا أبدا # إن سهما للقضا قد أرشقا # إن هذا الخطب خطب فادح # كل رأس من صداه أطرقا # دك طود الصبر منه دكة # خر موسى الرشد منها صعقا # لو قضى بالخطب شخص واحد # لتأسى القطر عما أحدقا # لو حبا فرط البكا عودتهم # غرق الجثمان منا غرقا # أيهذا لا تخل إن الذي # قد ألم الوهن منه لحقا # نحن قوم قد صدقنا عزمة # لا يرى اليأس إلينا طرقا # إن تكن منا نجوم أفلت # فهلال العلم فينا أشرقا # في جنان الخلد يا من قد قضوا # وديار الصالحين الملتقى # ضمد الله جراحا للأولى # قد نجوا في عمرهم طال البقا # ونما من جدهم نبت العلا # لنراه للذرى منبثقا # | كلمات الكتاب في ms114 رثاء الشهداء # كلمة الكاتب القدير الأستاذ الشيخ عبد العزيز جاويش نزيل برلين. # دمعة محزون # لقد كان للنبأ الذي هبط بنا في يوم الاثنين 29 مارس من التأثير ما لا يكاد يستطيع القلم ~~وصفه، فوجئنا بنبأ تلك الصدمة الكبرى التي فقدت بها بلادنا العزيزة اثني عشر من خيرة ~~شبابها. # فجاءتنا بذلك الشركات التلغرافية دون تفصيل ولا إيضاح، فأبكت منا العيون وخلعت القلوب ~~لولا بقية من الصبر ألقاها الله علينا، فأمكنتنا من التفكر فيما عسى أن نستطيع عمله في سبيل ~~إسعاف الجرحى وتدبير أمر من فقدنا من الشهداء، ولقد استطاع بعض الإخوان الحصول على الإذن ~~بالسفر إلى فينا لاطلاعهم على الخبر في بكرة ذلك اليوم. أما كاتب هذه السطور فقد كنت في أحد ~~المستشفيات لأشهد عملية جراحية بسيطة لبعض إخواني من الطلبة، فلم أعد إلى منزلي حتى كانت ~~الساعة الثانية من ظهر ذلك اليوم، إذ كانت سائر المصالح معطلة فلم يسعني سوى الصبر إلى ~~الغد، وهنالك استأنفت اتخاذ التدابير اللازمة للسفر، تلك التدابير التي استغرقت الصباح برمته، ~~وكنا نظن أنا واثنان معي أن التدابير قد تمت، ولكن حينما كنا بدار قنصل الشيكوسلوفاكية رأينا ~~من الأسباب ما اضطرنا إلى إرجاء السفر إلى اليوم التالي؛ لا سيما وأنه لم يكن ثمة إكسبريس ~~للسفر في ذلك اليوم، فلم يسعنا سوى الانتظار الذي قضت به الضرورة، ولكن هون علينا الأمر ~~وصول إخواننا الذين سبقونا إلى فينا، ثم ما علمنا من أن ما معنا من البسابورتات لا يبيح لنا ~~الدخول في الحدود الإيطالية، ولكننا في اليوم الثالث سعينا في إنجاز المساعي اللازمة للسفر ~~إلى فينا، وبينا نحن نفكر بعيد الظهر في أمر القطار والتأهب للرحيل إذ بشابين وفدا إلي ~~وإذا هما من جملة البعثة التي نزلت بها تلك الفاجعة الموجعة، فأخذا يقصان علي الحادثة ~~الفظيعة، فأخبراني بما كان من إعادة الجرحى وهم ثمانية نفر إلى تريستا ودفن الاثني عشر ~~الشهداء في مكان الحادثة، بعد أن أخذت صورهم الفتوغرافية وعلمت مضاجعهم هنالك بأرقام، ~~وأن الباقين الناجين من تلك ms115 الحادثة قد قدموا بالفعل فينا وقرروا أن يقدموا برلين زمرة ~~زمرة، فكان هذان الزائران أول الفئات القادمة. # نعم قصا علي من أمر تلك الكارثة ما ضاعف آلامي وأحزاني لا سيما بعد إذ علمت أن ~~ضحايانا بالأمس كانوا خيرة البعثات العلمية التي أمت هذه البلاد بعد الحرب. لم يستطع هذان ~~الزائران أن يزوداني إذ ذاك بسائر الأسماء والنعوت، ولكن الزمرة التي قدمت بالأمس (3 أبريل ~~الجاري)، وكانت تتألف من ثلاثة، وفدت إلى منزلي بعيد الظهر من ذلك اليوم فعلمت منها أسماء ~~الشهداء والجرحى وتفاصيل الكارثة التي قصها علي أحدهم وكان في نفس العربة التي تحطمت ~~تقريبا، وقد اتصل بي الآن تلغراف من الوفد الذي ذهب إلى مكان الحادثة يفيد أن الجرحى في حالة ~~حسنة، وأن الشهداء اتخذت لهم الوسائل التحنيطية لإرسالهم بعد إلى وطنهم الحزين. # وهنا أتقدم إلى وطني العزيز بالتعزية في طائفة من خيرة شبابه وأبر أبنائه لم يهجروه في ~~لعب ولا لهو ولم يفارقوه في قلى ولا جفاء، ولكن وقفوا حياتهم على خدمته وأرواحهم على تفديته ~~وسائر مواهبهم على نصرته، فما فارقوه إلا في سبيله ولا حرموا أعينهم الاكتحال بمنظره إلا ~~ليتزودوا له بالأعمال الصالحة والفنون النافعة، ثم ينقلبوا إليه ليكونوا حماة استقلاله ودعائم ~~مجده وزينة شعبه. فرحم الله تلك الأرواح الطاهرة رحمته بالشهداء الأبرار والمجاهدين ~~الأخيار. # أما أنتم آباء أولئك الشهداء وذوي قرابتهم، فحسبكم عزاء فيما أصابكم فيهم أن القطر برمته ~~ألم كما ألمتم وانتحب كما انتحبتم، فكارثتهم ليست مصاب الاثني عشر بيتا التي نبتوا فيها ~~وشبوا بين جدرانها ثم برزوا للأمة بما زودتهم من نبيل شيمها ومكارم أخلاقها، ولكنه مصاب ~~أربعة عشر مليونا من البشر يتألف منهم جسم أمتنا العزيزة ومصاب وادي النيل الذي يرتقب من ~~بنيه النجباء من سيأخذ بيديه إلى ساحل السلامة وينتشله من الأرزاء التي لا يزال يخوض ~~غمارها. فصبر جميل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # برلين في 3 أبريل # عبد العزيز ~~جاويش ~~(1) أي شهداء مصر، لحضرة الكاتب البليغ صادق أفندي ms116 عنبر المحرر بجريدة الأخبار # على تلك الآمال التي حالت آلاما، وتلك الأماني التي عدت عليها المنايا. # على تلك الأهلة التي هوت في غير هالتها ثم حملت إلى دارتها. # على أولئك الذين حيوا بموتهم ذلك حياة لا يلم عليها فناء ولا يلحقها عفاء. # على أولئك الذين رمت بهم همتهم وراء آمالهم ثم لج بهم العثار. # على أولئك الذين رحل كل منهم عن مصر وقد احتواها قلبه الآمل ثم أدخلوا إليها ليحويهم قلبها ~~الثاكل. # على أولئك الذين خرجوا من ديارهم يتدفقون منى ونضرة وشبابا، وأبى القدر إلا أن يعودوا ~~إليها أجساما هامدة وفكرا على الدهر خالدة. # على أولئك الذين أعجلتهم مناياهم من أمانيهم فقضوا نحبهم من قبل أن يقضوا من العلا أربهم ~~تحية مصر وسلامها. # أي شهداء مصر، لقد رحلتم عن دياركم لا قالين ولا سالين، ولكن نزعة إلى ورود العلم صفوا من ~~كل شائبة صوبت بكم إلى تلك الديار فانبعثتم أعلى ما كنتم همة وأوفى ما عهدتم للمجد ذمة، فلم ~~تكادوا تقطعون المرحلة الأولى حتى ملك عليكم السبيل منزل الكواكب في غير داراتها ومحيلها عن ~~قراراتها، فلما نعاكم النعاة إلى مصر نعوا إلى كل نفس جميل صبرها. # لقد كان خطبكم خطب هذا الوطن الذي إليه تعتزون وكنتم به تعتزون، فإنكم ما رحلتم عنه ~~إلا لأجله ولا فصلتم عنه إلا لوصله، وإن أرواحكم المطلة من عليين لترى مصر اليوم وقد ~~استحالت مأتما وتشهد هذا الوادي عليه سواده وتجتلي للنيل وقد أظله حداده جزعا عليكم وإشفاقا ~~مما حل بكم. # أي شهداء مصر، لقد خلعتم عليها شبابكم، ولعل طيفها كان آخر ما مر بمخيلاتكم واسمها كان آخر ~~ما لفظته أفواهكم، وربما كان آخر خفقات قلوبكم خفقة التعلق بها والتوجع لها، فحري بها اليوم ~~وقد عاقها القدر أن تقيم لكم المواكب أحياء أن تقيم عليكم المآتم شهداء. # لقد بكتكم بلادكم إذ دخلتموها لا كما خرجتم منها، فقد زايلتموها وأنتم لها ذخر ورجعتم إليها ~~وأنتم لها فخر، ولعزيز عليها أن تهب بكم فلا تجيبون لها نداء ms117 وتدعوكم فلا تسمعون لها ~~نداء. # فسلام عليكم يوم رحلتم عن بلادكم، وسلام عليكم يوم عدا عليكم القضاء فأذبل منكم الزهر الجني ~~وأذوى الأمل الفتي، وسلام عليكم يوم بلغت جثتكم هذا الوطن الأسيف، والله المسئول أن يتغمدكم ~~برحماته ويفرغ على قلوب المحزونين فيكم صبرا جميلا. ~~(2) ضحايا الغربة # اهتزت القلوب جزعا وانهمرت العبرات حزنا لذلك النبأ المروع الذي مات فيه عدد من الطلبة ~~المصريين النازحين إلى أوروبا طلبا للعلم وجرح فيه آخرون. ولا شك أن خسارة الأمة بفقد أبنائها ~~مما يستوجب الحزن الشديد والأسف العام، فإنها لم تفقد بهم أفرادا منها وأعضاء عاملين من ~~مجموعها فقط، بل فقدت ما كانت ترجوه من الخير على أيديهم، فقدت تلك الكنوز العلمية الغالية التي ~~تطوعوا لنقلها إلى وطنهم، فقدت من أبنائها فريقا لم يعبأ بما يتجشمه من المشاق لتحقيق أمنية هي ~~أشرف ما تتوق إليه النفوس وأمجد ما يضحى في سبيله بكل عزيز. # على أبناء كل أمة واجبة مقدسة منها ما تضحي من أجله النفوس بلا تردد، فإنك إذا نظرت إلى ~~الملايين من الشبان الذين ضحوا بحياتهم في الحروب القديمة والحديثة لرأيتهم يهرعون إلى ميادين ~~القتال ويقابلون الموت بصدر رحب قياما بواجبهم في الدفاع عن كيانهم أو انتصارا لمبادئ عالية ~~مقدسة تقضي محبة الإنسانية وحمايتها بالدفاع عنها، ولئن عم الحزن الأوطان التي ينتمي إليها ~~أولئك المجاهدون ففخرها بشممهم وشهامتهم مخلد على ممر الأيام. ولئن ألقينا بنظرة على سطح ~~الكرة الأرضية رأينا الملايين من أبناء كل أمة منتشرين على وجهها بعيدين عن أوطانهم وأسراتهم، ~~إما لعودة بمال أو بعلم، أو لتوطيد سلطان دولتهم في الأنحاء المختلفة من العالم، وكم يموت منهم ~~في كل يوم بحادث أو بغير حادث! # وكم من ألوف من الناس غرقت بهم البواخر! وكم ألوف منهم تحطمت بهم الطيارات! وكم من ألوف ~~فتكت بهم الحميات في مجاهل أفريقيا؟ وكم من الألوف لاقوا حتفهم في الاكتشافات العلمية ~~والجغرافية! وكم وكم! كل ذلك لم يثن عزم مواطنيهم عن الدأب على تحقيق الغرض الأسمى، فإن ~~الموت ms118 نتيجة طبيعية للحياة: # ومن لم يمت بالسيف مات بغيره # تنوعت الأسباب والموت واحد # فلو كان للقضاء والقدر حساب في نظر الأمم الراقية لما رأينا أحدا من أبنائها خارج موطنه، ~~بل لما رأيناه خارج بيته، وهيهات أن يمنع ذلك من وقوعه! # سافر ذلك الفريق من الأمة في طلب العلم، وأنعم به من مطلب! فكان من المقدور أن يقع ذلك ~~الحادث غير المنتظر الذي فقد بعضهم أرواحهم فيه. حادث محزن تنفطر له القلوب ويعم الأسف الأمة ~~بأسرها من أجله، ولكنه ليس بالحادث الفريد في بابه ولا بالذي يقل من عزم شبابنا على ورود مناهل ~~العلم ويضعف في شجاعتهم، ولا هو بالذي يثير في نفوس الأباء والأمهات عواطف الحنو الأبوي ~~فيقيم منها حاجزا بين أبنائهم وبين أن يكونوا رجالا نافعين لوطنهم وللدنيا ولأنفسهم، بل هم ~~أولى بأن يتخذوا منه محركا إلى سد النقص الذي طرأ على ذلك الصف المجاهد في سبيل أشرف الغايات ~~وأقدسها. # ولا شك أن الأمة ستعمل واجبها حيال الذين ماتوا في سبيل خدمتها بتكريمهم وتخليد ذكراهم، وهي ~~وإن كانت ستبكيهم فهم فخر لها ولآبائهم الذين أنجبوا رجالا صادفتهم المنية في طريقهم إلى العلم ~~والعلا. # متألم ~~(3) جلال الموت وذكراه، لسيد أفندي علي رئيس تحرير النظام # كنت أود أن أيمم إلى الإسكندرية لأحيي شهداءنا الأعزاء يوم عودتهم إلى بلادهم مزودين بالعدة ~~التي أرادوا أن يستعدوا بها ويعتمدوا عليها في كفاحهم بمعترك الحياة وجهادهم لخير أمة تعشقوا ~~مجدها وسعادة وطن هاموا بحريته وسؤدده. # ولكن أراد القدر المحتوم - ولا راد لإرادته القاسية - أن أقصد ذلك الثغر في يوم عبوس ~~مكفهر لبس فيه ثوب الحداد لأودع زهرة كنا نرجو أن نراها في القريب يانعة من شباب مصر ~~الزاهر، ولأسكب فوق تربة الشهداء الطاهرة دمعة حرى هي كل ما يستطيع قلب الصدوع أمام الموت ~~القاهر. # حقا إن رزءنا فيهم عظيم وخسارتنا بفقدهم جسيمة، فهم النبت الصالح الذي كنا نرجو أن يصبح ~~دوحة تتفيأ الأمة ظلالها الوارفة ويجتني ثمارها الطيبة، ولولا جلال الموت وذكراه لما رضينا من ms119 ~~وداعهم إلا بمطاورتهم في منزلهم الأخير عند رب كريم رحيم. # أما ومصر في عنفوان نهضتها وشرخ شبابها تنشد الحياة الخالدة وتدعو أبناءها إلى التفاني في ~~شخصها العظيم الجليل، فإنا نكفكف الدمع ونمسك العبرات لنقف حيال الخطب الجسيم موقف من يقدر أثره ~~في تاريخ مصر الحديث القدر اللائق لسمو نهضتها ونيل مراميها. ولم يضن المصريون بشيء في جهادهم ~~بحريتهم واستقلالهم، فأثبتوا في مبدأ حركتهم الوطنية استهانتهم بأنفسهم لتحيا بلادهم، وقد جاء ~~الحادث المؤلم أخيرا فشهد لهم بالرغبة في العلم الصحيح ليكون لهم منه العدة التي تكفل لوطنهم ~~بلوغ آماله وتحقيق أمانيه. # والأمة التي يصبو أبناؤها إلى حريتها فيفدونها بالأرواح، ويتشوق شبابها إلى العلم فيحجون ~~إلى مناهله العذبة على بعد مزارها إنما تكون أمة قد بلغت من الرقي النفساني مبلغا ينأى بها عن ~~مواطن الضعف والمذلة. # فإن ودع المصريون اليوم شهداءهم محزونين متوجعين فإنهم يستقبلون لبلادهم عهدا جديدا يبشر ~~بحسن المآل ودنو الآمال. ~~(4) لتحيا ذكرى شهداء العلم، لحضرة الكاتب الأديب محمود رمزي نظيم أفندي # يا شبابا قد كان للنيل يرجى # كيف لاقيت في الطريق المنية؟ # خبرونا بربكم عن بنينا # كيف سالت تلك الدماء الزكية؟ # أيها المغمضون عنا المآقي # قد رزئنا بكم أشد الرزية # قد عرجتم إلى السماء وكانت # ترتجيكم حياتنا العلمية # إلى رسل العلم، إلى الشهداء الذين فاضت أرواحهم الزكية، وأغمض الموت جفونهم، وأسكت أصواتهم، ~~وأوقف دقات قلوبهم التي كانت تخفق على الآمال الواسعة، والمجد المنشود، والحياة العالية. # إلى الذين سالت دماؤهم بالقضاء والقدر، إلى الذين ناموا إلى الأبد، وضاقت عن سعة نفوسهم ~~الأرض فالتمسوا سعة في السماء. # إلى الأنجم الزاهرة التي هوت من عليائها، وأفلت بعد بزوغها، إلى إخواننا الذين باغتهم ~~الردى في اتقاد الصبا وشرخ الشباب، تقدم مصر المرزوءة المنتحبة المتشحة بأثواب الحداد تحية ~~ملفوفة بالزفرات الحرى، والحسرات المنبعثة من فؤادها المشتعل. فيا رجاء مصر، ويا أملها، ويا ~~رسلها الذين أوفدتهم لطلب العلم من بلاد النور والحياة، إنا ليحزننا أن ترجعوا إلينا قبل أن ~~تشتفي نفوسكم المتعطشة، يحزننا أن نستقبلكم ms120 باكين متحسرين مرزوئين، وأن لا تقابلونا باسمين، وقد ~~أطفئ نور الحياة من ثغوركم البسامة وعيونكم التي كانت تنبعث منها أشعة الذكاء. # يحزننا أن نستقبلكم بأثواب الحداد وأن نحدثكم فلا تنطقون ونناجيكم فلا تجيبون. # فسلام على تلك النفوس التي راحت تنشد المجد، وخرجت إلى العلم كما يخرج الجندي الباسل ~~فاستشهدت في الميدان، ألا وإن الجندي الذي يخرج إلى الكفاح لا يبالي قتل أم جرح أم انتصر، ~~سلام على الأرواح التي فاضت في هجرتها إلى العلم فراحت شهيدة. # سلام على الخلود في شباب مصر، ألا واعلموا أن القدر لا يحول بيننا وبين إرسال الرسل تلو ~~بعضها إلى الغاية التي كنتم تسعون لها حبا في وطنكم المحبوب، فلتطمئن نفوسكم، ولترتاح جنوبكم ~~في مضاجعها، فمصر لا تنام بعد يقظتها. ناموا أيها الشهداء بورك في جهادكم الشريف وموتكم ~~المجيد، أنتم شهداء العلم فلتحي ذكراكم إلى الأبد: # إن مات منا شباب يوم هجرتهم # فمجدنا بالشباب الحي مرتهن # يا عائدين رفاتا قبل أن يصلوا # إلى المنى كيف لا يبكيكم الوطن؟ # اليوم عدتم ولم نعدد لمقدمكم # إلا دموعا دعاها الوجد والشجن # وحظنا كان حزنا يوم عودتكم # وكان حظكم الأزهار والكفن # محمود رمزي نظيم ~~(5) كلمة للأديب حسن أفندي أحمد الصعيدي طالب هندسة ببرلين # إنا لا نقدر - وايم الحق - أن نصف ما أصاب قلوب المصريين أجمع النازلين في أوروبا الوسطى ~~ولا مقدار حزنهم لما أصاب إخوانهم الطلبة النازحين من القطر المصري لبرلين لتلقي العلوم في أشهر ~~جامعاتها، ولا مقدار العواطف الشريفة التي أظهروها في وقت الشدة والضيق، فإن كل ذلك نتركه ~~للتاريخ يسجله في صفحاته الخالدة لرجال المستقبل العاملين. # وردت رسالة برقية من فينا تاريخها 26 مارس تنعي شقيقا لأحد إخواننا الطلبة توفي في حادثة ~~غير عادية في السكك الحديدية وهو في طريقه إلى فينا. فكان لهذا النعى وقع شديد مؤلم في نفوس ~~الطلبة جميعا وظهرت على وجوههم أمارات الحزن والأسى لهذا المصاب العظيم، فشاطروا صديقهم أحزانه ~~وخففوا آلامه التي لا اندمال لها ولا برء بعدها، وليت القدر أمهلنا حتى ms121 نستفيق من أحزاننا ~~وتندمل جراحنا، ولكن أسرع في نعي اثني عشر طالبا من الطلبة المصريين وهم في طريقهم إلى فينا، ~~فلم نتمالك أنفسنا من البكاء لهول المصاب وفداحة الرزء، ولكن شددنا العزائم وظهرنا بمظهر ~~الرجال، فأسرع كل من رئيس الجمعية المصرية ببرلين الدكتور العناني ووكيلها الدكتور الشربيني ~~وسكرتيرها حسن أفندي إسماعيل بالسفر من برلين مساء إلى ويانه للقيام بما تقتضيه المروءة ~~والشهامة المصرية في أمثال هذه الحوادث، فودعناهم بعيون تذرف الدمع على شباب مصر الناهض وقلوب ~~مفعمة أسى وحسرات على هذه الأرواح الطاهرة والنفوس الزكية التي راحت ضحية العلم، في سبيل ~~مستقبل مصر أرواحهم وفي جنة الخلد مثواهم، رحمهم الله جميعا وأمطر أجداثهم شآبيب الرحمة ~~والرضوان. # والآن نتقدم بالعزاء لمصر الأسيفة لضياع اثني عشر رجلا يعملون لمستقبلها قضوا ولم يتمموا ~~أعمالهم، وكذا العزاء الجميل لشباب مصر الناهض وأهل الشهداء وذويهم. # أموت بعيدا عن دياري وعن أهلي # فمن يا ترى يبكي حوالي من أجلي؟ # أموت بعيدا في ربوع شبيبتي # ولا صاحب عندي يمرض أو يسلي؟ # سيقتادني حتفي إلى الموت صاغرا # ويقطع عن دنياي سيف الردى حبلي # هذا لسان حال إخواننا الشهداء، طيب الله ثراهم وجعل الفردوس مثواهم! وإنا لله وإنا إليه ~~راجعون. ~~(6) كلمة رثاء، لحضرة الكاتب الفاضل والأديب المعروف بسيم شكري أفندي # نزول كما زال آباؤنا # ويبقى الزمان على ما ترى # نهار يمر وليل يكر # ونجم يغور ونجم يرى # أبو العلاء المعري # لا كان فجر يوم نعى فيه الناعي اثني عشر شابا من شبابنا الناهض لفظوا مع الشهادتين كلمتي ~~«نموت لتحيا مصر الفتية». # لا كان يوم عبوس قمطرير داهمهم فيه المنون وداهمت أفئدتنا المكلومة. # لا كان يوم غربت فيه عنا آمالنا وأمانينا فيهم. لقد اتحدتم في الموت كما اتحدتم في الحياة ~~فتلقيتم تلك الصدمة المروعة متكاتفين ومبدؤكم الاتحاد فعلمتمونا هذا الدرس حين صدمت قلوبنا ~~الكسيرة بهذا النبأ فاتحدنا في العزاء وفي البكاء. # تصدع المقطم وزلزل الزلزال وخرجت ربات الخدور نائحات باكيات، وقد خرجتم للجهاد في ميدان ~~الحياة، وحملتم معكم آمال أمة ms122 رءوم وجئتم تسعون على آلة حدباء جريمة القدر المحتوم، جئتم ~~تتهادون جنبا لجنب وقد توسدتم الثرى على مبدأ «الاتحاد»، لا كانت تلك الساعة التي رأيناكم فيها ~~تشيعون إلى المقابر. # أودعناكم الثرى وأودعنا معكم أمانينا، وذهبنا إلى النيل لنقسم أنا لا نحيد عن طلب العلم في ~~مطارح الغربة، مهما لاقينا من صروف القدر وعاديات الحادثات، فإذا بالنيل يرغي ويزبد وقد ~~توشح بسواد الليل البهيم ثم انساب في جريانه كمن به جنة، يرتطم بصخره حتى إذا ما كل ~~مشى هادئا مشية البائس المفئود. # أمطر الله قبوركم شآبيب الرحمة وعوض الآل والأمة الصبر والعزاء. ~~(7) كلمة لحضرة أبادير أفندي بقطر # يقولون إن أودين بلد إيطالي وقلبي يقول إن أودين بلد مصري، فإن فيه اثني عشر مليونا من ~~قلوب أبناء أبي الهول. # فتشت عن أودين على ضفاف النيل فما وجدتها، والآن أنا أفتش عن أودين في ربوع إيطاليا «أين ~~أودين؟ أين أودين؟» # هذه هي أودين فاركعي يا قدمي، اركعي خشوعا وإجلالا، واركعي لأنني لا أستطيع الوقوف على ~~مقربة من هذا المكان مصرع شهدائنا. هناك سالت قطرات دمائهم الصافية، واحسرتاه! وهناك سمعت الريح ~~يهمس في أذني أبي الهول أنه في تلك الساعة الرهيبة المشئومة سمع صوتا ملأ الفضا وما كاد يتضاءل ~~حتى سمع الصدى يردده قائلا: سلام على مصر، قلوبنا فداء لمصر. ms123