######OpenITI# #META# URI: 1369IsmacilSidqi.Mudhakkirati.Hindawi52646842 #META# Tags: biographies #META# ID: 52646842 #META# Title: مذكراتي #META# AuthorID: 62791971 #META# Author: إسماعيل صدقي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إلى القارئ‏ # نشأتي الأولى‏ # في الوظائف الحكومية‏ # السودان بين الإنجليز والخديو عباس‏ # اشتراكي في الجهاد الوطني‏ # لماذا اختلفت مع الوفد في باريس؟‏ # كيف وضعنا تصريح 28 فبراير؟‏ # لماذا حللنا مجلس نواب سنة 1925؟‏ # سعد ... عدلي ... ثروت ... كما عرفتهم‏ # كيف توليت الوزارة سنة 1930؟‏ # دستور سنة 1930‏ # عيوب في دستور سنة 1923‏ # الملك فؤاد كما عرفته‏ # تنازل الخديوي عباس عن العرش‏ # طلقت الحزبية ...‏ # مفاوضاتي سنة 1946‏ # أولى مقابلاتي للورد ستانسجيت‏ # الجلاء قبل المفاوضات‏ # أثر الروس والمحافظين في المفاوضات‏ # أميركا تدخل في الخلاف‏ # لجنة الدفاع المشترك‏ # بين الوفدين المصري والبريطاني‏ # الباب المفتوح ...‏ # أطماع الإنجليز في السودان‏ # الحزبية تعرقل سير المفاوضات‏ # استئناف المفاوضات‏ # المسائل الكبرى في المفاوضات‏ # مفاوضاتي في لندن‏ # معاهدة صدقي - بيفن‏ # وحدة الوادي في المفاوضات‏ # ردي على المعارضين‏ # ختام المفاوضات‏ # بحث مقارن‏ # إلى القارئ‏ # نشأتي الأولى‏ # في الوظائف الحكومية‏ # السودان بين الإنجليز والخديو عباس‏ # اشتراكي في الجهاد الوطني‏ # لماذا اختلفت مع الوفد في باريس؟‏ # كيف وضعنا تصريح 28 فبراير؟‏ # لماذا حللنا مجلس نواب سنة 1925؟‏ # سعد ... عدلي ... ثروت ... كما عرفتهم‏ # كيف توليت الوزارة سنة 1930؟‏ # دستور سنة 1930‏ # عيوب في دستور سنة 1923‏ # الملك فؤاد كما عرفته‏ # تنازل الخديوي عباس عن العرش‏ # طلقت الحزبية ...‏ # مفاوضاتي سنة 1946‏ # أولى مقابلاتي للورد ستانسجيت‏ # الجلاء قبل المفاوضات‏ # أثر الروس والمحافظين في المفاوضات‏ # أميركا تدخل في الخلاف‏ # لجنة الدفاع المشترك‏ # بين الوفدين المصري والبريطاني‏ # الباب المفتوح ...‏ # أطماع الإنجليز في السودان‏ # الحزبية تعرقل سير المفاوضات‏ # استئناف المفاوضات‏ # المسائل الكبرى في المفاوضات‏ # مفاوضاتي في لندن‏ # معاهدة صدقي - بيفن‏ # وحدة الوادي في المفاوضات‏ # ردي على المعارضين‏ # ختام المفاوضات‏ # بحث مقارن‏ # | مذكراتي # | مذكراتي # تأليف # إسماعيل صدقي # | إلى القارئ # عندما طلب مني «المصور» نشر هذه المذكرات لم أكن دونت منها شيئا؛ لأني لم أهتم بنفسي طول ~~حياتي، ولم أفكر في أن أدون مذكرات لي، أو - على الأصح - لم يكن لدي من الوقت فسحة لأن ~~أكتب عن نفسي، أو أجمع صورا لصباي وشبابي وكهولتي، وما اشتركت فيه من أحداث على نحو ما ~~يفعل البعض، إلا ما سجلته لي الصحف؛ لأن هدفي ms001 في الحياة أن أعمل في الميادين العامة، وأن ~~أؤدي واجبي، وأصرف نشاطي فيما ينفع وفيما يعود بالخير على المجموع؛ ولهذا طويت خمسين عاما ~~في هذه الميادين دون أن أجلس إلى مكتبي لأكتب عن حياتي، وأشغل الناس بشخصي. # لكن حياتي العامة هي مادة من حياة الأمة التي خدمتها طيلة هذه السنين ... وقد يكون في تدوين ~~حوادثها ما يساعد المؤرخ الذي يريد تحقيق تاريخ مصر الحديث، ويكشف اللثام عن أسرارها؛ لأني ~~اشتركت في الكثير من الأحداث الكبرى، وفي مراحل التطور المصري منذ فجر القرن العشرين إلى ~~اليوم ... وقد اعتاد رجال الغرب أن يدونوا مذكراتهم، واعتبروها فرضا على الجيل الحاضر ~~للأجيال المقبلة، وجزءا متمما لتاريخ الأمة ... ولذلك استجبت لدعوة «المصور»، وبدأت أملي ~~هذه المذكرات بقدر ما تسمح به الذاكرة، وأنا جد حريص على تدوين الحقائق. # إسماعيل صدقي # | نشأتي الأولى # ولدت في 15 يونيو سنة 1875 بالإسكندرية في عهد الخديو إسماعيل، فأنا الآن في الخامسة ~~والسبعين من عمري، وقد مرت هذه السنون بحوادثها الكثيرة، سريعة شأن كل زمان، على نحو ما قال ~~المرحوم أحمد شوقي بك: # إن سبعين تقضت # لم تكن غير ثوان # هي كاللحظة إن قي # ست إلى عمر الزمان! # وكان إسماعيل صديق باشا المفتش، ووزير الخديو إسماعيل وقت ولادتي، في أوج مجده وسلطانه، ~~فسماني والدي باسمه، كما هي عادة الناس حين يسمون أبناءهم بأسماء العظماء والوزراء ~~المشهورين، وهو اسم يجمع بين اسمي الخديو، ووزيره المعروف ... # وحدث بعد ذلك بقليل أن غضب ولي الأمر على وزيره، كما غضب هارون الرشيد على جعفر البرمكي، ~~وعبثت به الأيام، ووقعت الواقعة، وذهب ولم يعرف إلى أين ذهب، فخشي والدي أن يكون في اسمي ~~وقتئذ ما يشعر بولائه للوزير المنكوب، فأسرع بتحويره من «إسماعيل صديق» إلى «إسماعيل ~~صدقي»! # ومن ذلك العهد عرفت بهذا الاسم. # والدي ... ووالدتي # نشأت في بيت مصري، بل في بيت من صميم الريف المصري، اشتغل منذ أواسط القرن التاسع عشر ~~بالحكم وسياسة الدولة، وكان أفراده على حظ من العلم والتعليم والثروة والجاه، فكان ~~والدي ms002 «أحمد شكري باشا» من كبار رجال الحكومة في عهد الخديو إسماعيل والخديو توفيق، ~~وكانت والدتي «فاطمة هانم» كريمة محمد سيد أحمد باشا رئيس ديوان الأمير محمد سعيد باشا ~~ابن الأمير محمد علي باشا الكبير. # وقد درس والدي في مدرسة القلعة، وتلقى فيها علم الإدارة الملكية «الحقوق»، ثم انتخب ~~للسفر إلى فرنسا في أول بعثة أرسلها الأمير سعيد باشا للتخصص في العلوم السياسية، وكان ~~عدد أعضاء هذه البعثة واحدا وعشرين تلميذا، ومن زملائه فيها محمد راتب باشا سردار ~~الجيش المصري المشهور في عهد الخديو إسماعيل، والقائد أحمد راشد حسني باشا ويوسف ~~النبراوي باشا. # وهو من بلدة الغريب التابعة لمركز زفتى، ولما أتم دروسه في فرنسا عاد إلى مصر سنة ~~1861 والتحق بخدمة الحكومة، وتقلب في وظائفها إلى أن أصبح محافظا للقاهرة، فوكيلا ~~لوزارة الداخلية، ومن الوظائف التي تقلدها «مدير إدارة عموم السودان وملحقاته» أيام ~~الثورة المهدية. وكانت هذه الوظيفة موجودة حتى ذلك الحين، وقد تقلد منصب مدير أسيوط، ~~وأحيل إلى المعاش وهو وكيل للداخلية، وظل به عشر سنوات، ثم أدركته الوفاة سنة ~~1895. # سعيد باشا يعتقل جدي! # كان جدي محمد سيد أحمد باشا «أبو والدتي» وابن عم أبي من أصحاب المكانة والحظوة عند ~~الأمير سعيد باشا، وكان يجيد اللغة العربية إلى جانب إجادته التركية، ويعتمد عليه سعيد ~~باشا في تحرير رسائله الرسمية والخاصة، وكان يسكن قصرا فخما بشبرا، وعنده من الخدم ~~والحشم الكثيرون، وأذكر أني رأيت في طفولتي بهذا القصر ثلاثين جارية سوداء، وثلاثين ~~جارية بيضاء، عدا الطهاة والخدم الآخرين، بعضهم ممن يسمونهم المماليك وهم من أصل ~~شركسي. # وكان الأمير سعيد باشا يؤثر جدي بالكثير من عطفه ورعايته، فأثار ذلك كوامن الحقد ~~والحسد في نفوس بعض رجال الحاشية. وكان الأمير مع طيبة قلبه، وميله للخير ضعيف الإرادة، ~~كثير التقلب والتردد، ينصاع إلى آراء مخالطيه، سريع التأثر بما يسمعه، سريع الغضب، قريب ~~الرضا ... وحدث أن وشى عنده أحدهم بجدي، فغضب عليه ذات يوم، وهو لم يعرف لماذا غضب، ولكنه ~~يعرف أنه فوجئ بالقبض ms003 عليه واعتقاله في قلعة أبي قير بلا تحقيق، فمكث معتقلا بها تسعة ~~أشهر، حتى أشفق عليه أصدقاؤه ومريدوه، وظنوا أن الأمير لكثرة مشاغله قد نسيه في معتقله، ~~فأوعزوا إلى نجليه الصغيرين: «أمين والد عباس سيد أحمد باشا»، ومحمود، بأن ينتظرا سمو ~~الأمير عند خروجه من القصر، ويرتميا على قدميه ضارعين له بأن يفرج عن أبيهما. # وذات يوم خرج سموه من قصر رأس التين، وحوله رجال الحاشية، فتقدم الصبيان، وارتميا على ~~قدميه يقبلانهما، ويتلمسان العفو عن أبيهما المعتقل، فسأل سعيد باشا عن أمرهما فقيل له: ~~إنهما نجلا محمد سيد أحمد بك «باشا»، فاستدرت حالة الصبيين عطفه، فأمر توا بالإفراج ~~عنه! # بركة غطاس # كان جدي جالسا في القلعة لا يدري شيئا مما حدث وقد بلغ به اليأس مبلغه، وإنه لكذلك ~~إذا برسل الأمير يأتون إليه ويطرقون معتقله، فأوجس منهم خيفة، ولكنهم ما لبثوا أن بشروه ~~بعفو الأمير، وأمروه بأن يذهب لمقابلته بقصر رأس التين. # خرج سيد أحمد باشا مغتبطا بهذا العطف الكريم، وذهب لتقديم الشكر لسمو الأمير، فقابله ~~سموه مقابلة حسنة، وشمله برعايته، ومنحه «حجة» تتضمن تبرع سموه له بضيعة من أملاكه ~~الخاصة بمديرية البحيرة مساحتها تسعمائة فدان في «بركة غطاس»؛ أي عن كل شهر قضاه في ~~المعتقل «مائة فدان» ...! وهذه الضيعة هي التي أقضي فيها بعض أوقات راحتي إلى الآن ~~...! # وبمناسبة «بركة غطاس» أذكر أنني قرأت في مذكرات نابليون أنه عند مغادرته لمصر في ~~نهاية الحملة الفرنسية بات فيها تلك الليلة، التي سبقت يوم إقلاعه من البلاد المصرية ~~إلى فرنسا. # دخولي مدرسة الحقوق # كانت الثقافة الفرنسية هي أولى الثقافات الأجنبية التي يقبل عليها الناس في ذلك ~~الحين، ولما كان والدي قد أتم دراسته في فرنسا، وتثقف بثقافتها، فكان طبيعيا أن يختار ~~لنجله هذه الثقافة، فأرسلني في السادسة من عمري إلى مدرسة الفرير، فكان لها الفضل في ~~إتقاني للغة الفرنسية، وقد مكثت بها حتى حصلت منها على «البكالوريا» سنة 1889. # ولما لم تكن المدارس الأجنبية تعنى بدراسة العربية يومئذ عنايتها بها في الوقت ms004 ~~الحاضر، فقد كنت أشعر بقصوري في هذه اللغة أثناء وجودي بها، حتى إذا انتقلت منها إلى ~~مدرسة الحقوق بدأت عنايتي بإتقان اللغة العربية، خصوصا وقد كان من أساتذتي بعض فطاحل ~~هذه اللغة وآدابها أمثال المرحومين حفني بك ناصف، وسلطان محمد بك. # وعلى ذكر التحاقي بمدرسة الحقوق، أذكر هنا فضلا للمرحوم علي مبارك باشا ناظر ~~المعارف، فقد كانت سني وقت حصولي على «البكالوريا» لا تتجاوز الرابعة عشرة، وكانت السن ~~القانونية للملتحقين بالسنة الأولى في هذه المدرسة لا تقل عن الخامسة عشرة، فكان ~~القانون يقضي بحرماني من دخولها حتى أبلغ هذه السن، فلما اتصل ذلك بناظر المعارف أذن ~~باستثنائي من هذه القاعدة، وأصدر أمرا خاصا بقبولي في هذه المدرسة. # مع مصطفى كامل # دخلت مدرسة الحقوق، وكان من زملائي في «الفصل» محمد توفيق نسيم وأحمد لطفي السيد، ومن ~~زملائي في المدرسة مصطفى كامل، وعبد الخالق ثروت. # وكنت وتوفيق نسيم طول سني الدراسة نتناوب الأولية في الامتحانات، فسنة أكون الأول وهو ~~الثاني، وأخرى بالعكس، حتى كان امتحان ليسانس الحقوق سنة 1894 فظفرت بالأولية، وكان ~~ترتيبه الثاني. # وقد اشتغلت بالصحافة أثناء دراستي بهذه المدرسة، فحررت مع مصطفى كامل في مجلة ~~«المدرسة» التي أنشأناها، ثم أنشأت مع لطفي السيد مجلة «الشرائع»، وهي مجلة قانونية ~~فكنت أحرر فيها فصولا في القانون والاقتصاد، وكنت ميالا بطبعي إلى المسائل ~~الاقتصادية. # الهتاف بالدستور # وأذكر أنني وأنا بالسنة الثالثة بالحقوق اشتركت مع مصطفى كامل في تنظيم مظاهرة للطلبة ~~للمطالبة بمنح البلاد الدستور، فاجتمعنا أثناء مرور الخديو عباس حلمي أمام المدرسة، ~~وكانت وقتئذ في بنائها بشارع عبد العزيز، فحييناه، وهتفنا منادين بالدستور فلم يغضب ~~الخديو لهذه المظاهرة، ولا لهذا الهتاف، بل ابتسم ورد التحية، واعتبر ذلك تشجيعا ~~خفيا من سموه للطلبة، وللحركة الوطنية التي كان يرعاها. # وقد كان الخديو عباس في ذلك الحين شابا ميالا لتشجيع الشباب، وقد طبع على تشجيع ~~الحركة الوطنية؛ ولذلك لم يكن غريبا أن يبتسم، وألا يغضب، بل على العكس كان يرى في ~~تقوية الحركة الوطنية تقوية لعرشه، ms005 وتدعيما لسلطته الشرعية، إذ كان الهدف هو جلاء ~~المحتلين عن مصر، وحصولها على حريتها واستقلالها. # وكذلك نشأنا ونحن طلبة نشعر بأن واجبنا الأول حب وطننا وخدمة بلادنا، وحب الوطن يكون ~~بشيئين: (1) أن نتمسك بحقوقه ونسعى للحصول عليها. (2) وأن نعمل لتحصيل العلم لنكون ~~جديرين بالاستقلال، بل لنصل بالعلم إلى الاستقلال الحقيقي. # | في الوظائف الحكومية # تخرجت في مدرسة الحقوق سنة 1894، ومع أني كنت أول فرقتي فقد عينت في وظيفة كاتب بالنيابة ~~بمرتب خمسة جنيهات! # وكان النائب العمومي في ذلك العهد مسيو لوجريل، وكان وكيله مصريا معروفا بوطنيته وسمو ~~أخلاقه يدعى حسن عاصم بك «باشا»، فمكثت بهذه الوظيفة زمن التمرين، ولم أستنكف من ممارستي ~~لوظيفة صغيرة يمارسها من هم أقل مني تعليما وثقافة، بل كانت لي تجربة من تجارب الحياة التي ~~لا بد منها. # وكان صديقي وزميلي عبد الخالق ثروت الذي كان يسبقني بسنة قد عين سكرتيرا للجنة المراقبة ~~القضائية، وسكرتيرا للمستشار القضائي، وكان مرتبه 15 جنيها، فنقلت بمساعدته إلى هذه ~~اللجنة بمرتب «ثمانية جنيهات»، فقضيت في هذه الوظيفة سنتين لم يزد مرتبي فيهما شيئا، ولم ~~أتبرم بالحياة على الرغم من أن هذا المرتب لم يكن يكفيني. ثم عينت في بلدة إيتاي البارود ~~في وظيفة مساعد نيابة بعشرة جنيهات، وكنت أسكن منزلا بسيطا أعيش فيه عيشة متواضعة، مع ~~ثلاثة غيري من خريجي الحقوق أحدهم صديقي الأستاذ عزيز بك خانكي، ونقلت منها إلى طنطا، ثم ~~إلى المحلة، ثم عدت إلى طنطا. # كانت هذه التنقلات في هذه البلاد الريفية بلا ترقية، وبمرتب لم يزد عن عشرة جنيهات خلال ~~أربع سنوات. ومع ذلك لم أضق بنفسي معتمدا على الله وعلى انتهاز الفرص! # من 10 جنيهات إلى 30 جنيها # وذات يوم كنت واقفا في محطة طنطا، فسمعت صوت محمد سعيد بك «دولة سعيد باشا رئيس ~~الوزارة فيما بعد» يناديني، وكان وقتئذ رئيس نيابة الإسكندرية، وعضوا في مجلس البلدية ~~بهذه المدينة بحكم وظيفته، فعرض علي أن أنقل معه بالإسكندرية في وظيفتي التي أشغلها ~~بطنطا، فوافقت، ونقلت في وظيفة ms006 «مساعد نيابة» وبمرتبي وهو عشرة جنيهات. # وبينما كنت أقوم بعملي يوما قرأت إعلانا في الجرائد أن وظيفة سكرتير إداري مجلس ~~بلدية الإسكندرية، ورئيس قسم القضايا فيها معروضة لمسابقة بعد عشرة أيام، ومرتب هذه ~~الوظيفة ثلاثون جنيها في الشهر، فتقدمت إلى هذه المسابقة، وكان سني وقتئذ 23 عاما، ~~وقد تقدم فيها أكثر من خمسين شخصا أكثرهم من المحامين الأجانب، وكان موضوع المسابقة ~~الكتابة باللغة الفرنسية فيما يأتي: «هل الأفضل أن تكون مواصلات المدينة في يد الحكومة ~~أم في يد شركة أهلية؟!» # فكتبت في هذا الموضوع بإسهاب، ورجحت أفضلية الإدارة الأهلية؛ لأنها تؤدي إلى إتقان ~~العمل والشعور بالمسئولية، وبينت أيضا وجهة النظر الخاصة بإدارة الحكومة كما فصلت كلتا ~~النظريتين. # وفي اليوم التالي لهذه المسابقة سمعت أن اللجنة أعجبت بكتابتي، وأوصت بتعييني في ~~الوظيفة، وبذلك ارتفع مرتبي من عشرة جنيهات إلى ثلاثين جنيها ...! # مقتل بطرس غالي باشا # مكثت في هذه الوظيفة عشر سنوات عينت خلالها سكرتيرا عاما للبلدية يحل محل المدير ~~عند غيابه، وقد كانت مدة وظيفتي كسكرتير لمجلس البلدية مدة أفادتني الشيء الكثير ~~وساعدتني على شق طريقي بعد ذلك، فما البلدية إلا حكومة مصغرة تشمل كل فروع الإدارة التي ~~لها نظائر في الحكومة، وكانت سنة 1908 فاختير محمد سعيد باشا وزيرا للداخلية في وزارة ~~بطرس غالي باشا، وكان سعد زغلول وزيرا للمعارف في هذه الوزارة، وحسين رشدي وزيرا ~~للحقانية، وإسماعيل سري باشا للأشغال والحربية، وفخري باشا للمالية، وبطرس باشا للرياسة ~~والخارجية. # كانت سني وقتئذ 33 عاما، وكان محمد سعيد باشا يوليني ثقته وصداقته، فأنشأ في ~~الداخلية منصب سكرتير عام الوزارة، ونقلني إليه، وأسند إلي اختصاصات الوكيل، وبذلك ~~أصبحت رئيسا لكبار الإنجليز التابعين للداخلية كمدير السجون، ومدير مصلحة الصحة ~~والبلديات، وكان لهذه الوزارة مجالس منها المجلس الأعلى للبلديات، وكان ينعقد تحت ~~رياستي، فكبر على هؤلاء الإنجليز أن يحضروا جلسات المجلس على هذا الوضع بعد أن كنت ~~مرءوسا لبعضهم، فلما حان موعد الجلسة الأولى بعثوا بوكلائهم لحضورها، وأدركت ما يرمون ~~إليه، فأجلت الجلسة لهذا ms007 السبب، وحددت موعدا آخر وبعثت إلى كل منهم بخطاب لحضور الجلسة ~~القادمة . # وكان مستشار الداخلية وقتئذ رجلا يدعى «مستر شتى»، وكان من عقلاء الإنجليز، يحب ~~صداقة المصريين، ويميل إلى تشجيعهم، ويرى في هذه السياسة مصلحة لإنجلترا، فاجتمعت به، ~~وأخبرته بما حدث وهددت بالاستقالة إن لم يحضر هؤلاء الموظفون جلسة المجلس القادمة التي ~~حددتها، فاهتم الرجل بالأمر، وبعث إليهم ولامهم على ما فعلوا، ومن ذلك اليوم لم يتخلفوا ~~عن حضور الجلسات. # قضيت سنتين في هذه الوظيفة، وفي 20 فبراير سنة 1910 كنت جالسا ظهرا بمكتبي، فأخطرت ~~بمقتل رئيس الوزارة بطرس غالي باشا على سلم وزارة الخارجية بمبنى وزارة ~~الحقانية. # أشفقت من خطر هذا النبأ، ووقع عندي موقعا سيئا، وأسرعت إلى مكان الحادث، فوجدت ~~الرئيس منطرحا في فناء الوزارة، وحوله حسين رشدي باشا وعبد الخالق ثروت باشا النائب ~~العام، وأحمد فتحي زغلول وكيل الحقانية. ووجدت إبراهيم الورداني، وقد قبض عليه، واستدعي ~~الدكتور سعد الخادم، فأخذ يسعف الجريح وكان في النزع الأخير، فحمل إلى مستشفى الدكتور ~~ملتون. # ويلخص الحادث في أن بطرس باشا اعتاد أن يخرج من النظارة في الساعة الواحدة بعد ~~الظهر، فخرج في ذلك اليوم، وكان يصحبه حسين رشدي باشا، وثروت باشا وفتحي زغلول باشا، ثم ~~فارقهم عند السلم الخارجي، وعندما هم بركوب العربة دنا منه الورداني متظاهرا بأنه يريد ~~أن يرفع إليه عريضة، وأطلق عليه رصاصتين، وما كاد يلتفت حتى أطلق عليه أربع رصاصات، ~~فسقط مضرجا بدمائه بجوار عربته، وحمل إلى داخل الوزارة. # وكان محمد سعيد ناظر الداخلية «وزير الداخلية» قد ركب قطار الظهر إلى الإسكندرية؛ ~~ليقضي راحته الأسبوعية، فاتصلت توا بمحمد محب باشا مدير الغربية إذ ذاك، وطلبت إليه ~~أن يبلغه بالحادث عند وصوله إلى طنطا ليعود إلى القاهرة فورا ... ففعل. # وقد عز على الخديو عباس أن يقتل رئيس وزرائه، لما كان يتمتع به من ثقته ومحبته، وذهب ~~إلى المستشفى يستفسر عن حالته، ودخل عليه في غرفته وقبله في وجهه والدموع تملأ عينيه، ~~وكان المصاب قد تنبه قليلا، فجعل ms008 يقول: العفو يا أفندينا ... متشكر ... العفو يا أفندينا ... ~~متشكر ...! # وأجريت له عملية جراحية، ولكن لم تأت الساعة الثامنة مساء حتى قضى نحبه ... # وزارة محمد سعيد # جلست في تلك الليلة - ليلة وفاة رئيس النظار - مع محمد سعيد باشا في منزله، فقال لي: ~~والله طارت الوزارة يا إسماعيل ...! # فقلت له: بالعكس ... فإنني أتنبأ بأنك رئيس النظار المقبل ... # وقد حدث في اليوم التالي ما تنبأت به، فعهد إليه الخديو عباس تأليف الوزارة الجديدة، ~~فكان هو للرياسة والخارجية والداخلية، وأحمد حشمت باشا للحقانية، ويوسف سابا باشا ~~للمالية، وإسماعيل سري باشا للأشغال والحربية، وخرج سعد زغلول باشا وفخري باشا من ~~الوزارة. # وعين نجيب غالي نجل بطرس باشا وكيلا للخارجية، وأنعم عليه بالباشوية، وعينت أنا ~~وكيلا للداخلية، وأنعم علي بالباشوية أيضا، وألغيت وظيفة السكرتير العام لهذه ~~النظارة. # كتشنر وخطابه أمام الخديو # كان السير الدون غورست في ذلك الحين معتمدا لبريطانيا في مصر، وقد ساءت صحته في ~~أواخر عهده، فتوفي يوم 13 يوليو سنة 1911، وجاءتنا الأنباء على إثر وفاته بتعيين اللورد ~~كتشنر في مصر خلفا له، وكان وقتئذ في لندن، فأثار تعيينه قلقا في الدوائر السياسية ~~والوطنية؛ لأنه كان رجلا عسكريا، جاف الطبع، ويميل إلى التدخل في شئون مصر ~~الداخلية. # وقبل حضوره إلى مصر في سفينة حربية أرسلت الوكالة البريطانية صورة من الخطاب الذي كان ~~ينوي إلقاءه أمام الخديو، وإذا به يشتمل على معان تفيد رغبته في التدخل في صميم شئون ~~مصر. # كان هذا الخطاب غريبا ومحرجا للخديو وللوزارة، فدعا محمد سعيد باشا رئيس الوزارة ~~حسين رشدي باشا وسعد زغلول باشا في منزله برمل الإسكندرية؛ للتشاور فيما يكتب للرد على ~~المعتمد البريطاني، ثم استدعاني سعيد باشا فذهبت إليه، وأخذنا نتشاور في الأمر لمعالجة ~~الموقف بطريقة لا تضر مصلحة البلاد، ولا تحملها فوق ما حملت من أعباء الاحتلال وسياسة ~~المحتلين ... وكلفني سعيد باشا بكتابة الرد، فوضعته بالفرنسية، وكان هذا الرد هو الذي ~~ألقاه الخديو، واشتمل على كل ما اقتضته الحال من بيان لموقف مصر فيما يختص بمحافظتها ~~على ms009 كيانها الداخلي. # كتشنر يهدد الخديو بالعزل # على الرغم من رفضنا لتدخل اللورد كتشنر، وخطابه الذي ألقاه أمام الخديو، فإنه كان لا ~~يأبه بذلك، وكان يتدخل في شئون مصر الداخلية، وقد كان تدخله مقصودا لمحاربة الخديو ~~وتوطيد سياسة الاحتلال، وأذكر أنه على إثر تعيينه كتبت جريدة المورننج بوست تقول: # إن اللورد كتشنر قد عين في هذا المنصب؛ لأنه من أعظم الذين وضعوا أساس مركزنا ~~في مصر، واشتغل في عمل عظماء رجال الإدارة الذين كانوا قبله ... إن مهمة اللورد ~~كتشنر أن يعيد النظام، وأن ينشر التمدن مع محو الارتباك، وإيجاد حكومة جديدة ~~... # والحقيقة أن الرجل كان ينزع إلى الإصلاح، ولكنه يتخذ الإصلاح وسيلة لتدعيم الاحتلال، ~~ونشر النفوذ البريطاني في البلاد. # وكانت الأوقاف الأهلية وقتئذ تابعة لديوان يدعى «ديوان الأوقاف»، ولم تكن «نظارة» لها ~~ناظر مسئول، بل كانت تابعة للخديو رأسا، وكان كتشنر قد علم بشراء الأوقاف أرض المطاعنة ~~من ملك الخديو بمبلغ ستين ألف جنيه، وقيل إذ ذاك: إن هذه الصفقة فيها غبن، وفيها محاباة ~~للخديو، فاهتم بالأمر، ولما كانت المسألة دينية شرعية، فقد سعى كتشنر لدى الباب العالي ~~بمساعدة الأمير سعيد حليم الصدر الأعظم في ذلك الحين، حتى حصل على موافقته، وموافقة شيخ ~~الإسلام، وكان هذا الأمير معروفا بعدائه للخديو ... وكانت وزارة الخارجية البريطانية قد ~~تركت لكتشنر حرية التصرف في الموقف، فبعث برأيه إلى رئيس النظار في تحويل ديوان الأوقاف ~~إلى نظارة، فلما بلغ الخديو ما بعث به المعتمد البريطاني، قال: هذه مسألة دينية، لا يحق ~~لكتشنر ولا لحكومته التدخل فيها. # فكان رد كتشنر: إذا كان الخديو لا يريد الموافقة، فأنا أسلم العرش للأمير سعيد حليم ~~الصدر الأعظم ...! # واستدعاني اللورد كتشنر لمقابلته في دار الوكالة البريطانية؛ بسبب غياب محمد سعيد ~~باشا في ذلك اليوم بالإسكندرية، فذهبت إليه، فما كدت أدخل غرفته، حتى وجدت القائد العام ~~لجيوش الاحتلال في مصر خارجا من عنده، فقال لي كتشنر: «هل تدري لماذا كان القائد ~~عندي؟!» فسكت، وأدركت ما يعنيه من أن ذلك من أجل توقف ms010 الخديو في الأمر ومعارضته لإنشاء ~~النظارة المطلوبة ... # ولما عدت من عنده أخبرت سعيد باشا بما حدث، ودارت المخاطبات بين مصر واستانبول بوساطة ~~سعيد باشا، وحسين رشدي باشا، وانتهى الأمر بتحويلها إلى «نظارة أوقاف» في نوفمبر سنة ~~1913، واختير أحمد حشمت باشا أول ناظر للأوقاف، ومحمد شفيق باشا وكيلا لها، وألف لها ~~مجلس أعلى، وعدلت الوزارة فاختير أحمد حلمي للمعارف، وسعيد ذو الفقار للمالية، ومحمد ~~محب باشا للزراعة. # كيف عينت وزيرا لأول مرة # كانت السياسة البريطانية ترمي إلى فصل مصر عن تركيا، لا حبا في المصريين، بل خدمة ~~للسياسة الاستعمارية وتدعيما لسياسة الاحتلال. # لذلك عمل اللورد كتشنر على توسيع اختصاص مجلس شورى القوانين، وإعداد قانون نظامي جديد ~~يحل محل النظام القديم الذي وضع سنة 1883. # وقد صدر القانون الجديد سنة 1913، وهو يقضي بإنشاء جمعية تشريعية تحل محل مجلس ~~الشورى، وتأليف مجلس في كل مديرية، واختير مظلوم باشا رئيسا لهذه الجمعية، وعدلي يكن ~~باشا وكيلا معينا، وسعد زغلول باشا وكيلا منتخبا. # وفي 22 ديسمبر من تلك السنة افتتح الخديو عباس الجمعية بخطاب ألقاه بنفسه! # وفي 5 فبراير سنة 1914 سقطت وزارة سعيد باشا، وكان الخديو قد غضب عليه بسبب سكة حديد ~~مريوط التي كانت ملكا لسموه، والتي باعها سعيد باشا للحكومة المصرية بمبلغ «390 ألف ~~جنيه» فقط ... وكان الخديو يعتبر هذه الصفقة غير مربحة، وقد اتهمه بأنه كان يسير تبعا ~~لمشورة كتشنر، ولا يحفل برأيه. وكانت الحكومة الإيطالية قد عرضت على سموه أن تشتريها ~~بمبلغ أكبر من هذا المبلغ، لولا موقف سعيد باشا واللورد كتشنر. # وقد تولى النظارة بعده حسين رشدي باشا، فاختارني ناظرا للزراعة، فأنشأت بها المجلس ~~الفني الأعلى، وكان الخلاف بين الخديو عباس، واللورد كتشنر قد بلغ مداه، وهدده عدة مرات ~~بإقصائه عن العرش، وضيق الخناق عليه، حتى كانت الحرب العالمية الأولى، فكانت الفرصة ~~سانحة للحكومة البريطانية لإعلان عزله، وأرسلت إليه في إستانبول تمنعه من الحضور إلى ~~مصر. # | السودان بين الإنجليز والخديو عباس # تحدثت عن مقتل بطرس غالي باشا رئيس النظار سنة ms011 1910، وكيف كانت مكانته عند الخديو عباس ~~حتى إنه بكى لمصرعه، وذهب بنفسه إلى المستشفى لزيارته وقبله في وجهه وهو يعاني سكرات ~~الموت. # والحق أن بطرس باشا لم يكن خائنا لبلاده، كما يصوره حادث مقتله، أو على الأقل في اعتقاد ~~قاتله، فقد كان - رحمه الله - مخلصا لوطنه محبا لحرية بلاده، وكانت له مواقف في الوزارة ~~تدل على مبلغ إيمانه بحقوق أمته، ورغبته في خلاصها من الأجنبي. # ولو لم يكن بهذه الصفة لما حاز ثقة الخديو عباس، الذي كان يشجع الحركة الوطنية والعاملين ~~لها، ويتمنى أن يكون على رأس أمة حرة مستقلة لا يسومها الاحتلال الهوان، ولا يهدده المحتلون ~~بالخلع عن أريكة البلاد بين حين وآخر ...! # كانت السياسة الإنجليزية تهدف من زمن بعيد إلى التدخل في شئون السودان، والاشتراك في ~~حكمه، أو على الأصح التفرد بحكمه دون مصر، فعلى أثر انتهاء الحملة السودانية التي أقحم ~~الإنجليز أنفسهم فيها مع الجيش المصري، وكان على المصريين العبء الأعظم من تضحيات في الأنفس ~~والأموال، كما كان الحال دائما، إذ لا يمكن أن ننسى أن الجيش المصري قد أبيد في حوادث ~~الدراويش، وهو تحت إمرة قواد من البريطانيين لم يحسنوا تصريف الأمور - وعلى أثر انتهاء تلك ~~الحملة سافر اللورد كرومر سنة 1898 إلى السودان، وخطب في ~~«أم درمان» وفي «الخرطوم» خطبتين وضحت فيهما أغراض الحكومة البريطانية - تلك الأغراض، التي ~~تضمنتها فيما بعد «اتفاقية السودان»، فقد قال اللورد كرومر: # إني أعد نفسي سعيدا بمقابلتي لكم لأهنئكم على الخلاص من استبداد حكومة الدراويش، ~~بفضل ما أظهره السردار كتشنر وضباطه من الحذق في تدبير القتال، وما برهنت عليه ~~الجنود البريطانية والمصرية من الشهامة والثبات. # وقد شاهدتم العلمين الإنجليزي والمصري يخفقان على هذا المكان، وفي هذا إشارة إلى ~~أنكم ستحكمون في المستقبل بملكة إنجلترا وخديو مصر. # والنائب الوحيد في السودان عن الحكومتين البريطانية والمصرية، سيكون سعادة ~~السردار الذي أودعت فيه جلالة الملكة وسمو الخديو تمام ثقتهما. # واعلموا أن البلاد السودانية لا تستمد أحكامها من القاهرة ولا من لندن، بل إن ms012 ~~السردار وحده هو الذي سيقوم بالعدل فيما بينكم، فلا يجب التعويل على أحد غيره، ولست ~~أشك في أنه يحقق أمانيكم ، ويحقق لكم كل ما ترجون. # هذا ما قاله اللورد كرومر قبل اتفاقية السودان بعام، وكان لهذه التصريحات الخطيرة وقع ~~شديد في جميع الأوساط المصرية، وأحدثت دهشة عند الخديو وسائر الوطنيين والمسئولين عن مصير ~~مصر والسودان. # اتفاقية السودان # ظهرت آثار تلك التصريحات في مشروع اتفاقية السودان فيما بعد، وكانت إنجلترا في ذلك ~~الحين أقوى دولة في العالم، وهي الدولة الوحيدة وقتئذ في توجيه السياسة العالمية، ~~والتحكم في مصير الأمم، ولم تكن المبادئ الحديثة التي نسمعها الآن قد خرجت إلى الوجود، ~~وكان احتلالها لمصر ما زال له سلطانه وخطره، وكان المعتمد البريطاني له السلطة الفعلية ~~في البلاد، وكان يتدخل في الكثير من الشئون، كما كان المستشار المالي الإنجليزي يحضر ~~جلسات مجلس النظار. # وكانت تركيا صاحبة السيادة في ذلك الزمان في دور الاحتضار، وكانت سيادتها اسمية وكان ~~نفوذ إنجلترا على ضفاف البسفور يماثل نفوذها على ضفاف النيل، فكان من الطبيعي أن تطمع ~~بريطانيا في مصر، وأن تجرؤ على التصرف في أقدارها إن طوعا، وإن كرها ... ولذلك كانت ~~اتفاقية السودان بمثابة إملاء من الغاصب القاهر على المغصوب العاجز، ومن القوي الجبار ~~على الضعيف المكبل. # وحدث أن زار اللورد كرومر الخديو عباس بعد رحلته في السودان، وبعد تلك التصريحات ~~الخطيرة التي ألقاها على أهاليه، فأشار في حديثه معه إلى أن اللورد سالسبوري وزير ~~الخارجية البريطانية بعث إليه بمشروع اتفاق إنجليزي مصري يختص بالسودان، وأنه سلم نسخة ~~منه لوزير الخارجية المصرية بطرس غالي باشا. # ومع أن عقد اتفاق سياسي مع مصر على هذا الوجه فيه اعتداء على السيادة التركية، إلا أن ~~الإنجليز لم يأبهوا بها؛ لأنها كانت اسمية، وكانت صاحبة هذه السيادة واهنة القوى ضعيفة ~~الشأن أمام الإنجليز الأقوياء. # وكان مشروع هذه الاتفاقية قد جاء من لندن مكتوبا مهيأ للتنفيذ، واستطاعت بريطانيا في ~~هذه الظروف أن تجبر مصر على قبوله بحذافيره، وأن يضطر مجلس النظار إلى ms013 قبوله سنة ~~1899. # ومن الغريب أن الإنجليز بعد عقد هذه الاتفاقية، التي حصلوا فيها على إقحامهم في حكم ~~السودان، قد طالبوا مصر بأن تدفع لهم نفقات الجنود الإنجليزية في الحملة السودانية، وقد ~~دفعتها مصر مرغمة ...! # ذكرت كل ما تقدم للتاريخ؛ لأني لم أكن إذ ذاك قد بدأت حياتي العامة، ولكني إذا ما ~~ذكرت ذلك، وذكرت اتفاقية السودان، أشعر بأن سعيي الأخير لبعث سيادة مصر على السودان، ~~وجعلها وحدة كاملة تحت التاج المصري - مما كان قاب قوسين أو أدنى - هو سعي يشرفني، إذا ~~ما قارن القارئ ما كنا فيه في ذلك الحين بما كنا سنفوز به في مفاوضاتي الأخيرة ~~...! # اتصالي بالملك فؤاد # كانت سياسة الإنجليز في مصر ترمي إلى محاربة التعليم، وبخاصة التعليم العالي؛ لأنه ~~ينير البصائر، ويدفع المصريين إلى محاربة الاحتلال والتمسك بالحرية والاستقلال. # ولهذا عندما نجح مشروع إنشاء الجامعة المصرية الأهلية سنة 1906، لم يصادف هوى في ~~نفوسهم، وقام اللورد كرومر يحاربه، ويدعو إلى إنشاء الكتاتيب، وينادي بأن الأمة في حاجة ~~إلى التعليم الأولي قبل التعليم العالي، ولكن القائمين بهذا المشروع لم يعبئوا بذلك، ~~وساروا في طريقهم، بل إنهم استفادوا من الدعوة إلى نشر التعليم الأولي. # وقد تألف مجلس إدارة الجامعة الأهلية، وكنت أحد أعضائه، وكان من زملائي فيه المرحومون ~~عبد الخالق ثروت باشا، ومحمد علوي باشا، وإسماعيل حسنين باشا ومرقس حنا باشا، وعلي بهجت ~~بك وغيرهم. # وأجمع اختيارنا لرياسة الجامعة على «الأمير» أحمد فؤاد «الملك فؤاد الأول»، وقد صادف ~~ذلك ارتياحا عاما، لما عرف به من تشجيع المشروعات العلمية والعمرانية، وكان له ~~الفضل في نجاح الجامعة المصرية قبل أن تضم إلى الحكومة، ثم بعد أن ضمت، وأصبحت بجهوده ~~المشكورة من أكبر الجامعات، ومن جهتي الشخصية يسرني أن أقول: إنه كان أول اتصال لي ~~بالمرحوم الملك فؤاد، هذا الاتصال الذي نما، وكان له أثره العظيم فيما بعد. # سياسة الخديو عباس # تولى الخديو عباس أريكة مصر وهو شاب، وكان ولا شك وطنيا صميما، ولكن بعض نواحي ~~سياسته وتصرفاته أتاحت للإنجليز زيادة التدخل ms014 في شئون مصر. # وقد رأيت كيف أنه مكن اللورد كتشنر من التدخل في الأوقاف، حتى تحولت من ديوان إلى ~~وزارة ، وكيف أدى به السعي وراء المادة في مسألة سكة حديد مريوط إلى أزمة بينه وبين ~~الإنجليز ... وقد كانت الإشاعات عن تقرب الخديو من الألمان، ومساعدته للطليان وتشجيعه ~~للحركات المعادية للإنجليز، وجمع الطوائف حوله، مما أخافهم منه، وكان له أثره بعد ذلك ~~في إقصائه عن العرش. # وكان مما نبه الإنجليز إلى الخديو عباس، وزاد في حذرهم منه تلك الرحلة التي قام بها ~~في الوجه البحري سنة 1914، وكنت وقتئذ ناظرا «وزيرا» للزراعة في وزارة رشدي باشا. فقد ~~أعدت هذه الرحلة إعدادا ضخما، ووضع لها برنامج حافل بالاستقبالات والمظاهرات في ~~كثير من المدن، وتقرر أن يتناوب النظار «الوزراء»، ورئيسهم مرافقة الخديو، وقسمت ~~الرحلة إلى مناطق، وكان من نصيبي أن أكون في معيته من إيتاي البارود إلى الإسكندرية ~~وكنت وقتئذ أتمتع بثقته، بل بعطفه. # وحدث قبيل هذه الرحلة أن عرض مشروع قانون الجمعيات التعاونية الزراعية على الجمعية ~~التشريعية، وكان فريق من الأعضاء على رأسهم المرحوم سعد زغلول باشا معارضين في هذا المشروع، وكانت وجهة الخلاف في تقرير رقابة الحكومة على الجمعيات التعاونية، فذهبت ~~للدفاع عن رأي الحكومة في وجوب رقابتها على هذه الجمعيات، كما هو الشأن في البلاد ~~الأخرى، واستطعت أن أفوز بموافقة الأغلبية. # كان هذا الفوز مما اغتبطت به كثيرا لاعتقادي بفائدته للمصلحة العامة؛ ولأن الرأي ~~العام كان قد اهتم الاهتمام كله للموضوع، وقد ظهرت آثار هذا الاغتباط على وجهي عند ~~مقابلتي للخديو في إيتاي البارود، فسألني سموه عن سبب انشراحي واغتباطي، فأجبت: ذلك يا ~~أفندينا؛ لأن حكومتكم قد فازت اليوم بمطلبها فيما يتعلق برقابتها على الجمعيات ~~التعاونية. # وكنت أنتظر من سموه أن يبتهج بهذا الفوز، وأن يهنئ وزيره على نجاحه، ولكنه كان على ~~العكس من ذلك، ما كدت أتم عبارتي حتى عبس في وجهي، وقال: وماذا فعل سعد زغلول؟ # وسكت ... وأدركت من ذلك أنه كان عالما بما بيتته المعارضة في هذا الموضوع، ms015 وقد بقي ~~عابسا فترة من الزمان ...! # أغا خان وعرش مصر # سافر الخديو عباس إلى استانبول في صيف ذلك العام، وقبل أن تقوم الحرب العالمية بقليل، ~~وسافرت إلى فيشى، وصادف أن كان معي سعد زغلول باشا ~~ومصطفى فهمي باشا وكثيرون غيرهما، وأعلنت الحرب الكبرى وقتئذ، فبعث الخديو يستدعيني من ~~فيشى إلى استانبول، فلم أستطع السفر إليه في هذه الظروف، وتوقعت أن الإنجليز سوف ~~ينتهزون فرصة قيام الحرب لإقصائه عن عرش مصر، وقد صح بعد ذلك ما توقعته، فمنعوه من ~~العودة ثم أعلنوا خلعه، وكان أغا خان قد حضر لمصر في ذلك الحين، فأشيع أنه هو المرشح ~~لعرش البلاد، وأن الإنجليز سيختارونه ملكا عليها ولكن هذه الإشاعة لم يكن لها نصيب من ~~الصحة، واختير السلطان حسين كامل، وأعلنت الحماية على مصر، على نحو ما هو معروف. # الرقي الصناعي # وكان المرحوم حسين رشدي باشا صديقا لي، وقد زاملته في الوزارة في المدة التي توليت ~~فيها وزارة الزراعة، ثم وزارة الأوقاف. فلما استقلت منها أثناء الحرب وصرت بعيدا عن ~~قيود الحكومة أراد أن يستفيد من تجاربي، فاختارني رئيسا للجنة التجارة والصناعة، وكان ~~الغرض منها ترقية الشئون الاقتصادية وفي مقدمتها الصناعة؛ لأن مصر في ذلك الحين كانت ~~مكتفية بثروتها الزراعية، وقد قامت هذه اللجنة بمهمتها على الرغم من أن الإنجليز كانوا ~~يضعون في سبيلها العقبات، وقد وضعت تقريرا هاما عن الصناعة والتجارة في مصر، والنظام ~~الذي يجب أن يقوم لإحياء الصناعات المصرية وترقيتها، وكان هذا التقرير هو الدستور الذي ~~قامت عليه مصلحة التجارة والصناعة، ثم وزارة التجارة والصناعة فيما بعد. # وقد تضمن نظاما جديدا للضريبة الجمركية جعلها ~~على صورة تحمي الصناعات المصرية من المنافسة الأجنبية، وكانت هذه الحماية هي أساس الرقي ~~الباهر الذي وصلت إليه هذه الصناعات؛ حتى أصبحت الثروة الصناعية في مصر ذات مكانة لا ~~تقل في أهميتها عن مكانة الثروة الزراعية، وقد كانت مصر إلى ذلك الحين بلدا زراعيا ~~فقط. # محمد سيد أحمد باشا جد إسماعيل صدقي باشا لوالدته، ورئيس ديوان ~~الأمير محمد ms016 سعيد. # أحمد شكري باشا والد إسماعيل صدقي باشا ... كان وكيلا لوزارة الداخلية ~~في عهدي إسماعيل وتوفيق. # إسماعيل صدقي باشا في سن العشرين ... حينما كان في وظيفة مساعد نيابة ~~في بلدة إيتاي البارود. # صدقي باشا بين طلبة السنة الثانية من مدرسة الحقوق، الجالسون من ~~اليسار: محمد توفيق نسيم، فمحمد زكي، فأحمد لطفي السيد، فمحمد بيومي، ~~فمحمد عبد الهادي الجندي ... والواقفون من اليسار: محمود الطوير، فمحمد ~~فهمي، فإسماعيل صدقي، فبيومي محمد، فتوفيق حقي، فإسماعيل ~~الحكيم. # إسماعيل صدقي باشا في سنة 1894 حين نال ليسانس الحقوق، وقد وقف بين ~~بعض زملائه، وهم الواقفون من اليسار إلى اليمين: محمود عبد الغفار، ~~فإسماعيل صدقي، فمحمد عبد الهادي الجندي، فمحمود الطوير، فمحمد بيومي ... ~~والجالسون من اليسار: أحمد لطفي السيد، فمحمد زكي، فتوفيق حقي. # | اشتراكي في الجهاد الوطني # وقفت رحى الحرب العالمية الأولى سنة 1918، وخمدت نيرانها بعد أن اشتعلت أربع سنوات دكت ~~فيها عامر المدن والقرى، وأهلكت ملايين الأنفس، وأذيعت مبادئ ولسون الأربعة عشر - تلك ~~المبادئ الحرة، التي تنص على أن كل أمة مهما صغرت لها الحق في اختيار مصيرها، وتقرير الحكم ~~الذي ترضاه بمحض إرادتها وحريتها. # لبثت مصر في انتظار تطبيق هذه المبادئ عليها بعد أن زالت غمة الحرب، ورفرف السلام على ~~العالم، وكانت قد قامت بمساعداتها العظيمة للحلفاء في خلال الحرب، ومنيت بسببهم بمتاعب ~~شتى. وعلى الرغم من اعتراف الإنجليز بهذه المساعدات، فإنهم لم يفوا بوعودهم لها، ولم تتغير ~~الحال. # كنت وقتئذ خارج الحكم أشتغل بالاقتصاد العام، فوجدت من واجبي نحو وطني في هذه الظروف أن ~~أتقدم لخدمته، وأسعى مع الساعين للحصول على حقوقه، فبدأت بوضع مذكرة ضافية باللغة الفرنسية ~~بلغت ستين صفحة، ضمنتها مطالب مصر من إنجلترا، وعززتها بالوثائق والمستندات ... وكان الوفد ~~المصري وقتئذ في دور التأليف، وحدث أنني كنت في الإسكندرية مع دولة محمد سعيد باشا، ~~فاجتمعنا بالأمير عمر طوسون، وفكرنا فيما يجب أن يعمل، ورأينا من جهتنا أن نقوم بواجب ~~الجهاد، فاتصل بالمرحوم سعد زغلول باشا ما اعتزمناه، فبعث إلينا، واجتمعنا به ms017 في فندق شبرد ~~بالقاهرة، وتم الاتفاق على أن نتعاون معا في الوفد المصري. # أصبحت منذ ذلك الحين عضوا في الوفد، فقدمت إليه المذكرة الفرنسية، فناقشها ووافق عليها، ~~وكانت هذه المذكرة بعد شيء من التنقيح في بعض نواحيها، وتلخيصها هي التي قدمها الوفد المصري ~~بعدئذ إلى مؤتمر الصلح بفرساي. # لا بد من قارعة # كانت أعمالنا في مبدأ الحركة الوطنية مقصورة على تحرير الاحتجاجات والبيانات، وكان ~~الشعور الوطني متحفزا، ولكن لم تكن هناك أية حركة منا تلفت أنظار العالم، ففي إحدى ~~جلسات الوفد قلت لإخواني: إني أشعر أن مساعينا الحالية لا نتيجة لها ما لم يصحبها شيء ~~يلفت الأنظار ... # فقال سعد باشا: وماذا تعني ...؟ # قال لطفي السيد: يعني أن تقوم في البلاد قارعة! # فقال سعد بلهجته المعهودة التي كان يقلب فيها القاف كافا: كارعة ... ماذا؟ # قلت: أعتقد يا باشا أننا لا نصل إلى حقوقنا بالكلام ... # فسكت - رحمه الله ... وحدث في نفس اليوم أننا كنا مدعوين إلى حفلة خيرية بالأوبرا ~~الملكية، وكنا وسائر أعضاء الوفد في تلك الأيام نتغدى معه على مائدته يوميا، وكان ~~معاشرا أنيسا لطيفا، وكان عطفه علينا كبيرا، وفي المساء ذهبنا معا إلى الأوبرا، ~~وما كدنا نهل عليها، وندخل بابها حتى دوت أرجاؤها بالهتاف والتصفيق، واستقبلنا ~~استقبالا باهرا دهش منه سعد باشا، وقال لي في المقصورة التي كنت فيها معه: بارك الله ~~في هذه الأمة ... حقا يا إسماعيل ... لا بد من قارعة ...! # ومن هذه الليلة بدأت الثورة الوطنية. # إنذار بريطاني! # كانت وزارة دولة حسين رشدي باشا في الحكم، وقد طلبت التصريح لنا بالسفر لمؤتمر الصلح ~~فلم يوافق الإنجليز، ورأت الوزارة أن تستقيل لهذا السبب، وظل الوفد يحاول السماح له ~~بالسفر، فلم يظفر بنتيجة، وتضامن مع الوفد المصري جميع الوزراء السابقين، وسائر الرجال ~~ذوي الكفاية لإدارة البلاد، وامتنعوا عن الاشتراك في تأليف أية وزارة، وبقيت البلاد بلا ~~حكومة مدة من الزمان، وكان لثروت باشا في ذلك موقف رائع، وإن لم يكن موقفه ~~الأوحد. # وقد كانت مصر وقتئذ تحت الأحكام العسكرية، فاستدعانا ms018 - نحن رجال الوفد المصري - ~~القائد العام للقوات البريطانية بفندق سافوي يوم 6 مارس سنة 1919، وكان هذا الفندق في ~~المكان الذي تقوم فيه عمارة بهلر في شارع قصر النيل، وألقى علينا البلاغ التالي بالإنجليزية: # علمت أنكم تضعون مسألة الحماية موضع المناقشة، وأنكم تقيمون العقبات في سير ~~الحكومة المصرية تحت الحماية بالسعي في منع تأليف الوزارة. # وحيث إن البلاد تحت الأحكام العسكرية، لهذا يلزمني أن أنذركم أن أي عمل منكم، ~~يرمي إلى عرقلة سير الإدارة يجعلكم عرضة للمعاملة الشديدة بموجب هذه ~~الأحكام. # وبعد أن أتم جنابه تلاوة هذا البلاغ هم سعد زغلول باشا بمناقشته، فصاح: ~~لا مناقشة # No discussion ~~. # وتركنا، وانصرف ... # انصرفنا من «سافوي» وعدنا مع سعد إلى منزله، وحررنا برقية إلى «رئيس الحكومة ~~البريطانية» ردا على هذا الإنذار جاء فيها: # تعلمون أن وزارة رشدي باشا لما علقت سحب استقالتها على سفر الوفد قبلت ~~استقالتها نهائيا، وليس لذلك معنى إلا الحيلولة بيننا وبين عرض قضيتنا على ~~مؤتمر السلام، وقد نتج من هذه السياسة أن أعظم رجال مصر أهلية لإدارة البلاد في ~~هذه الأيام قد رفضوا تأليف وزارة تعارض مشيئة الأمة، التي أجمعت على طلب ~~الاستقلال. # فالنتيجة الطبيعية لذلك أن تقع مسئولية بقاء البلاد بلا حكومة على الذين ~~وضعوا هؤلاء في مركز حرج أمام ضمائرهم وأمتهم، غير أن السلطة العسكرية عمدت إلى ~~تحميلنا مسئولية امتناع المرشحين للوزارة عن قبولها، وقد أنذرتنا السلطة اليوم، ~~وتوعدتنا بأشد العقاب العسكري، وهي لا تجهل أننا نطلب لبلادنا الاستقلال التام، ~~ونرى الحماية غير مشروعة، كما تعلم بالضرورة أننا قد أخذنا على عاتقنا واجبا ~~وطنيا لا نتأخر عن أدائه بالطرق المشروعة مهما كلفنا ذلك! # وحسبنا أن نذكر لكم هذا التصرف الجائر، الذي يجلب سخط العالم المتمدين حتى ~~تفكروا في حل هذه الأزمة بسفر الوفد، فيرتاح بال الشعب! # الاعتقال في مالطة # اتخذت السلطة العسكرية البريطانية في مصر من رفع هذه البرقية إلى رئيس حكومة لندن ~~مبررا لاستعمال القوة، وظنت أنها بذلك ترهب المصريين، وتزعزع عقيدتهم في عدالة قضيتهم ~~... # وفي يوم ms019 8 مارس سنة 1919 كنت أجلس إلى مكتبي في غرفة مجاورة لمكتب سعد زغلول بمنزله، ~~وكنت مشغولا بالكتابة، فجاءني خادم الدار ينبئني بحضور ضابط إنجليزي، فأبلغت سعد باشا، ~~ثم قابلت الضابط فسألني عن اسمي، ثم سأل عن سعد باشا فأوصلته إليه، ثم سرت إلى مكتبي، ~~وأسررت إلى جورج أفندي دوماني بجمع الأوراق وإخفائها. # وكان الضابط قد طلب من سعد باشا أن يركب عربة عسكرية، ثم دعاني إلى ركوب عربة أخرى، ~~وذهب بنا إلى ثكنة قصر النيل، وفي الوقت نفسه كانوا قد قبضوا على محمد محمود باشا، وحمد ~~الباسل باشا، وخصصوا لكل منا غرفة. # أمضينا ليلتنا في هذه الثكنة، وفي الصباح طلبوا منا أن نستحضر من منازلنا ما يلزم ~~لبضعة أشهر من أمتعة وملابس، وسمحوا لكل منا باصطحاب خادم ... وأركبونا سيارات عسكرية ~~نقلتنا إلى المحطة، حيث كانت عربة خاصة في انتظارنا، فسار بنا القطار إلى الناحية ~~الشرقية. # التدريب على الغرق # لم نكن نعلم أين يكون منفانا، فلما وصلنا إلى الإسماعيلية، واتجه بنا القطار نحو ~~بورسعيد تنفسنا الصعداء؛ لأننا كنا نخشى أن يذهبوا بنا إلى الهند أو جزر الأوقيانوس أو ~~جنوب أفريقا، ثم أركبونا الباخرة «كاليدونيا» فسارت بنا حتى اجتازت تمثال ديلسبس، ~~ودخلت البحر الأبيض ... وفي هذه الأثناء صعد إلينا الضابط المكلف بحراستنا، وأفهمنا أن ~~وجهتنا «مالطة». # سارت بنا الباخرة، وفي الساعة التي اجتزنا فيها المياه المصرية قيل لنا: إن البحر ~~الأبيض المتوسط مملوء بالألغام التي بثها الألمان لبواخر الحلفاء، كما قيل لنا: إنه يجب ~~أن نكون دائما على استعداد؛ لكي ننجو بأنفسنا في حالة حدوث انفجار، وأخذوا يدربوننا مع ~~الجنود على طرق النجاة، فكانوا يعطون كلا منا طوقا من الفلين، ويرشدونه إلى مكانه في ~~قارب النجاة المعين لنزوله في حالة حدوث انفجار في الباخرة، ثم يمثلون لنا رواية الغرق ~~بجميع أدوارها. # مرت رحلة البحر في أمان ... ووصلنا إلى مالطة، فنقلنا إلى حصن عسكري ... # وقد كانت حياتنا في هذه الجزيرة محوطة بالاحترام والتكريم، وقد سمحوا لنا بالرياضة ~~والقراءة، وأعطونا نوعا من الحرية ms020 لم يكن لغيرنا من المعتقلين، واخترنا لنا طاهيا ~~ألمانيا يدعى «ماربورج» كان له مطعم معروف بالقاهرة، واعتقل خلال الحرب مع غيره من ~~الألمان، ولم نكن ندري ما حدث في مصر بعد خروجنا منها، ولكن في آخر الأمر وبعد اشتداد ~~الحال علمنا بها من بعض التلغرافات، التي كانت تنتشر في مالطة فتفاءلنا بما سيكون إليه ~~المصير. # الإفراج عنا # رأت إنجلترا أن لا سبيل إلى الاستمرار في هذه السياسة، التي نتج عنها قيام ثورة خطيرة ~~في البلاد، فعدلت عنها، وأعلنت الإفراج عنا يوم 7 أبريل سنة 1919 ... وكنا وقتئذ جالسين ~~نحن الأربعة في معتقلنا نتجاذب أطراف الحديث، فدخل علينا ضابط بريطاني، وقال لنا: # استعدوا للسفر غدا، فقد أطلق سراحكم، وسمح لكم بالذهاب إلى باريس. # اغتبطنا بهذه البشرى أيما اغتباط، وحزمنا أمتعتنا ... وكم كانت دهشتنا حينما صعدنا ~~الباخرة، فوجدنا إخواننا من أعضاء الوفد المصري الذين خلفناهم وراءنا في مصر موجودين ~~على ظهر الباخرة، ومتأهبين لاصطحابنا إلى باريس، فتعانقنا وسافرنا لعرض قضيتنا على ~~مؤتمر الصلح. # | لماذا اختلفت مع الوفد في باريس؟ # ذهبنا إلى باريس بعد الإفراج عنا من معتقلنا في مالطة في 7 أبريل سنة 1919؛ لنشترك في ~~مؤتمر السلام، وقد قدمنا طلبا إليه فرفضه، وقد استقبلنا هذا المؤتمر بنشر بيان جاء فيه أنه ~~من ضمن ما سيفرض على ألمانيا اعترافها بالحماية البريطانية على مصر، وكان استقبال غير كريم ~~أشعرنا لأول وهلة بنذير الفشل. # ومن غريب ما يذكر هنا أن سعد باشا رئيس الوفد المصري ذهب عند وصولنا بنفسه إلى مقر كل ~~عضو من أعضاء هذا المؤتمر، وترك له بطاقة باسمه، فلم يجيبوا على هذه المجاملة ما عدا واحدا ~~منهم هو السنيور أورلاندو، رئيس الحكومة الإيطالية وقتئذ. # ومع أن خطة هؤلاء المؤتمرين كانت تجاهلنا، فإن ذلك لم يمنعنا من تقديم المذكرة الفرنسية، ~~التي تحدثت عنها في المقال السابق، والتي تتضمن عدالة مطالبنا. # وقد اتجهت خطتنا على أثر ذلك إلى نشر الدعاية الواسعة النطاق، سواء أكان ذلك عن طريق ~~الصحف أم عن طريق التعرف إلى رجال ms021 السياسة حتى من غير أعضاء المؤتمر، وكان لي في ذلك دور ذو ~~شأن رشحتني له معرفتي بباريس وإجادتي للغة الفرنسية، وكثرة اتصالي بالغربيين ومعرفتي ~~للكثيرين منهم. # وفي ذلك الحين كانت الصحافة في فرنسا مقيدة بتعليمات وزارة الخارجية الفرنسية أو - بعبارة ~~أصح - بتعليمات وزارة الخارجية البريطانية. # وقد تذكرت هذا الوضع بمناسبة ما صادفه دولة محمود فهمي النقراشي باشا ووفده في ~~نيويورك! # ولذلك لما كتبت وقتئذ مقالا في جريدة الطان الفرنسية، التي هي لسان حال وزارة الخارجية ~~الفرنسية اعتبر ذلك فوزا عظيما، وعلمت من بعض الفرنسيين، الذين هنأوني على المقال أنه ~~أحدث أثرا بالغا في أروقة مؤتمر السلام. # ومكثت في باريس أعمل في الوفد المصري برياسة سعد باشا، إلى أن وجدت آرائي في تصريف الأمور ~~تخالف آراء بعض أعضائه؛ لأني كنت وما زلت لا أميل إلى تحكيم العواطف، بل إن خطتي على الدوام ~~تتجه نحو الواقع المفيد، وترمي إلى الوصول إلى النتائج، فانفصلت عن الوفد، وعدت إلى مصر، ~~وتبعني بعض أعضائه. # قيل وقتئذ إنني فصلت من الوفد ولم أستقل، ونسبوا إلي أنني ذهبت إلى لندن، واتفقت مع بعض ~~الساسة الإنجليز، والواقع أن ذلك لم يحصل، بدليل أنه على أثر عودتي إلى القاهرة، واشتراكي ~~بلا تردد في الحركة الوطنية، بعث إلي القائد العام لجيش الاحتلال، وألزمني بأن أسافر إلى ~~إحدى ضياعي بعيدا عن القاهرة، بحيث تكون إقامتي في إحدى القرى التي تبعد عن أية مدينة بما ~~لا يقل عن ستة كيلومترات، فاخترت الإقامة في بلدي (الغريب)، وبقيت معتقلا بها إلى أن طلب ~~عدلي باشا من اللورد ملنر حينما جاء في لجنة التحقيق، الإفراج عني ... وقد أذعت في هذه ~~الأثناء تكذيبا لما نسبه البعض، قلت فيه: # إن الخبر الذي من مقتضاه أنني ذهبت إلى لندن، وقابلت فيه السر رونالد جراهام ~~مكذوب، فضلا عن كوني لم أكن عضوا في اللجنة الفرعية، التي كان الوفد قد رأى ~~إيفادها إلى لندن بناء على طلب الرئيس. # وأما الخبر القائل: بأنني طلبت المفاوضة مع إنجلترا على أساس الاستقلال الداخلي، ms022 ~~وطرقت أبوابا كان الوفد يرى عدم طرقها، وأن لدى معالي الرئيس مستندات قوية تثبت ~~ذلك فقول غير صحيح، وإني أنتظر نشر هذه المستندات بطمأنينة. # مفاوضات عدلي - كرزون # في 16 مارس سنة 1921 تألفت وزارة عدلي يكن باشا الأولى، وكانت أول وزارة سياسية منذ ~~استقالة وزارة رشدي باشا الرابعة سنة 1919، وقد اختير عدلي باشا رئيسا، وحسين رشدي ~~باشا نائبا للرئيس، وعبد الخالق ثروت باشا وزيرا للداخلية، واخترت أنا وزيرا ~~للمالية، وجعفر ولي باشا وزيرا للمعارف، وأحمد مدحت يكن باشا وزيرا للأوقاف، ومحمد ~~شفيق باشا وزيرا للأشغال والحربية والبحرية، وأحمد زيور باشا وزيرا للمواصلات، وعبد ~~الفتاح يحيى باشا وزيرا للحقانية، ونجيب بطرس غالي باشا وزيرا للزراعة. # وأهم ما جاء في برنامج هذه الوزارة أنها «ستقوم بتحديد العلاقات الجديدة بين مصر ~~وبريطانيا للوصول إلى اتفاق يحقق استقلال مصر.» # قوبل تأليف هذه الوزارة من سعد باشا وأعضاء الوفد وسائر أفراد الأمة بالتأييد، وعاد ~~اتحاد الأمة إلى ما كان عليه، وعاد سعد وإخوانه من باريس، واستقبل استقبالا وطنيا ~~حافلا لا نظير له، وأخذت الوزارة في الاستعداد لمفاوضة الإنجليز، وذلك بتأليف وفد رسمي ~~برياسة رئيس الحكومة وعضوية زعماء الأمة. # الخلاف على الرياسة! # وهنا كان الخلاف بين الوزارة وسعد باشا، فقد طلب سعد أولا؛ أن تكون رياسة الوفد ~~المفاوض له، وأن تكون أغلبية هذا الوفد من فريقه. # وكان ردنا على سعد باشا وقتئذ في هاتين المسألتين، أن التقاليد السياسية في جميع ~~البلاد لا تسمح بحال من الأحوال أن يكون رئيس الحكومة مرءوسا في هيئة تتفاوض مع حكومة ~~أخرى، فضلا عن أن التصرف في المفاوضات ليس من حق الرئيس بل من حق الهيئة. # وأما من جهة أغلبية الوفد، فإن المسألة ليست تحقيق أغلبية لجانب على جانب آخر؛ لأننا ~~نمضي في المفاوضات لتقرير مستقبل مصر متفقين على خطة واحدة متشبعين بمبدأ واحد، وما دام ~~الأمر كذلك فمن السهل الاتفاق على الأشخاص، الذين تتألف منهم هيئة المفاوضات. # ولكن سعد باشا لم يقتنع بهذا الرأي، واختلفنا معا، وانقسمت الأمة بعد اتحادها، ms023 وقد ~~كانت تكسب من هذا الاتحاد الكثير، والكثير جدا ... # مضت الوزارة في خطتها، وتألف وفد المفاوضة مع اللورد كرزون، وكان مقسما إلى عدة ~~لجان: ~~(1) # اللجنة السياسية برياسة عدلي باشا وعضوية: حسين رشدي باشا، وإسماعيل ~~صدقي، ومحمد شفيق باشا، وطلعت باشا، ويوسف سليمان باشا. ~~(2) # اللجنة المالية برياسة إسماعيل صدقي، وعضوية: محمد أبو الفتوح باشا، ~~وفؤاد سلطان بك، ويوسف نحاس بك. ~~(3) # اللجنة القضائية برياسة حسين رشدي باشا، وعضوية: طلعت باشا، ويوسف سليمان ~~باشا، وعبد الحميد بدوي بك، وعبد الحميد مصطفى بك، وأحمد أمين بك، ومحمد ~~محمود خليل بك، وتوفيق دوس بك. ~~(4) # اللجنة الحربية، وقوامها: محمود عزمي باشا، ومحمود حلمي بك. ~~(5) # اللجنة الهندسية برياسة محمد شفيق باشا، وأعضاؤها: عبد المجيد عمر بك ~~ومحمود سامي بك، ومحمود فايد بك، وسكرتيرها عبد القوي أفندي أحمد. # لماذا قطعنا المفاوضة؟ # سافر هذا الوفد الرسمي المصري إلى لندن، وجرت المفاوضات بينه وبين اللورد كرزون أربعة ~~أشهر ... وبعد هذه المفاوضات الطويلة خرج علينا الإنجليز بمشروع لا يحقق مطالب مصر، ولا ~~يحل المسألة المصرية، فرفضناه وقطعنا المفاوضة، وكان ردنا عليه في 15 نوفمبر سنة 1921 ~~بما يتلخص في الوثيقة المشرفة الآتية: ~~«اطلع الوفد الرسمي المصري على المشروع الذي سلمه اللورد كرزون إلى رئيس الوفد بتاريخ ~~10 نوفمبر سنة 1921، ولقد رأى أن هذا المشروع تضمن فيما يتعلق بأكثر المسائل، التي ~~تناولتها مناقشاتنا والمذكرات التي تبادلناها منذ أربعة أشهر؛ نفس النصوص والصيغ التي ~~عرضت علينا عند بدء المفاوضات ولم نقبلها حينئذ. # فعن المسألة العسكرية، وهي ذات أهمية كبرى، استبقى المشروع الحل الذي قاومناه أشد ~~المقاومة، ولم يقتصر على ذلك بل توسع في مرماه بما جعله أشد وطأة. # أما مسألة العلاقات الخارجية، وهي المسألة الوحيدة التي عدلت فيها الصيغة الأولى، ~~التي كانت وزارة الخارجية البريطانية قد وضعتها، وذلك بقبول مبدأ التمثيل، فإن المشروع ~~قد أحاط الحق الذي اعترف لنا به بقيود كثيرة أصبح معها بمثابة حق وهمي، إذ لا يتصور أن ~~تتوافر الحرية لوزير الخارجية المصرية إذا كان ملزما بنص صريح بأن يبقى ms024 على اتصال وثيق ~~بالمندوب السامي، فإن ذلك معناه أن يكون خاضعا لمراقبة مباشرة في إدارة الأمور ~~الخارجية ... ومن جهة أخرى، فإن تأجيل مسألة الامتيازات دعانا إلى الاعتقاد بأنه لم تبق ~~حاجة إلى النص عليها في المعاهدة. # وأما فيما يتعلق بالمندوبين «القومسيرين» المالي والقضائي، وبتدخلهما في إدارة الشئون ~~الداخلية كلها باسم حماية المصالح الأجنبية تدخلا قد يصل إلى شل سلطة الحكومة ~~والبرلمان، فإننا لا نريد هنا أن نكرر ما سبق لنا إبداؤه من الاعتراضات في ~~مذكراتنا. # أما مسألة السودان التي لم يكن قد تناولها البحث، فلا بد من توجيه النظر إلى أن ~~النصوص الخاصة بها لا يمكن التسليم بها من جانبنا بتاتا، فإن هذه النصوص لا تكفل لمصر ~~التمتع بما لها على تلك البلاد من حق السيادة الذي لا نزاع فيه، وحق السيطرة على مياه ~~النيل. ~~... وإن روح المسالمة التي سادت مناقشاتنا كانت تسمح لنا بالتفاؤل بنجاح المفاوضات، ~~ولكن المشروع الذي أمامنا لم يحقق الأمل في الوصول إلى اتفاق يحقق أماني مصر ~~الوطنية.» # هذا هو ملخص الوثيقة التي رددنا بها على مشروع كرزون، وهي إحدى الوثائق المشرفة التي ~~تترجم عن موقفنا في هذه المفاوضات، وتنفي كل ما يقال عنا من أننا كنا نمالئ الإنجليز ~~...! # وربما يكون الطريف أن أذكر هنا المقارنة بين نوعين من الاستقبال الوطني؛ أحدهما خصصنا ~~به من جانب طلبة البعثات المصرية في لندن أثناء هذه المفاوضات، والثاني استقبال الجالية ~~الأيرلندية للوفد الأيرلندي، الذي كان يتفاوض في نفس الوقت مع لويد جورج على مصير ~~أيرلندا، فقد كان استقبال هؤلاء الطلبة المصريين لنا استقبالا سيئا، بينما كان ~~استقبال الأيرلنديين لديفاليرا وصحبه الذين رأيناه بعد أيام في شارع وايت هول، ~~استقبالا وطنيا مشجعا، فقد اكتظ هذا الشارع والشوارع المجاورة له بجماهير من ~~الجالية الأيرلندية نساء ورجالا، كانوا راكعين على ركبهم في خشوع يتلون الدعوات ~~والصلوات بنغمات عالية لنجاح ديفاليرا، ولإفهام لويد جورج ما يعلقه الأيرلنديون على ~~مطالب أيرلندا، ولم تكن مطالبنا نحن إلا تلك التي اتفق عليها في مصر، ولكن هؤلاء ms025 ~~الأيرلنديين كانوا - على خلاف ما في مصر - يعنون بالمبادئ لا بالأشخاص! # | كيف وضعنا تصريح 28 فبراير؟ # استقالت وزارة عدلي باشا بعد عودتنا من لندن على أثر فشل المفاوضات مع كرزون، وبقيت ~~البلاد مدة بلا وزارة ، ورأى اللورد اللنبي المندوب السامي وقتئذ أن لا بد من تغيير السياسة ~~البريطانية في مصر، التي تقوم على العنف، واغتصاب حقوق البلاد، ونزع إلى سياسة المسالمة ~~والتفاهم، واتصل بعدلي باشا وثروت باشا وبي هذا الاتجاه الجديد، واجتمعنا نحن الثلاثة ~~وتشاورنا في الأمر، ثم حدثت مقابلات بيننا وبين اللورد اللنبي ووجدنا منه استعدادا طيبا ~~لوضع مشروع يمكن أن يكون أساسا للمفاوضات المقبلة، ولاتفاق مقبل بيننا وبين الإنجليز دون ~~أن يقيد مصر بشيء. # وأخفى سعادته عن الموظفين الإنجليز في مصر ما يدور بيننا وبينه؛ لعلمه أنهم يعارضون في كل ~~سياسة ترمي إلى إضعاف النفوذ البريطاني في مصر؛ لأنها خطر على وظائفهم، ولكنه وجد ضالته في ~~ثلاثة منهم كانوا محل ثقته، واستطاع أن يستعين بمشورتهم وهم: السير موريس شلدن أيموس مستشار ~~الحقانية، والسير رجنلد باترسون مستشار المالية، والجنرال كلايتن مستشار الداخلية. # وبعد ما كفل سعادته مساعدة هؤلاء الثلاثة اتجه إلى البحث عن عقلاء كبار الأوروبيين، الذين ~~يستطيع أن يعتمد عليهم في تأييد سياسته؛ لأنه كان موقنا أن كل عمل يعمله في مصر لا يكلل ~~بالنجاح الذي يبغيه إلا إذا رضي عنه الأوروبيون من أصحاب المصالح، فبدأ جنابه بالبارون ~~«فرمن فان دي بوش»، الذي كان نائبا عموميا بالمحاكم المختلطة يومئذ، فدعاه إلى زيارته، ~~وأفضى إليه برغبته في السياسة الجديدة التي يود انتهاجها في مصر، فوافقه البارون فرمن، ~~وارتاح اللورد إلى هذه الموافقة، وكان البارون فرمن يتمتع بثقة «السلطان فؤاد» ~~وصداقته. # ودارت المحادثات بيننا نحن الاثنين: «ثروت، وصدقي» من جهة، وبين اللورد اللنبي، وإذا ما ~~قلت «ثروت وصدقي» فإني أقول: إننا كنا على اتصال بعدلي باشا وإرشاد منه في كل الأدوار، وقد ~~وضعنا مشروع تصريح 28 فبراير، وتوليت تحرير هذا المشروع باللغة الفرنسية. # وقد اتفقنا مع اللورد اللنبي على أن ms026 يقدمه إلى حكومته، وأن تصرح به على أن يكون هذا ~~التصريح من جانب إنجلترا وحدها، حتى إذا ما تفاهمنا بعد ذلك على أوضاع جديدة تحقق أهداف ~~البلد تماما، دخلنا عليها أحرارا غير مقيدين. # وأهم ما جاء في هذا المشروع: ~~(1) # إعلان رفع الحماية عن مصر، والاعتراف باستقلالها، وما يترتب عليه من نتائج ~~دولية وداخلية. ~~(2) # إلغاء الأحكام العرفية التي أعلنت في نوفمبر سنة 1914. # كل هذا مع احتفاظ إنجلترا بتأمين المواصلات البريطانية، والدفاع عن مصر من كل اعتداء ~~خارجي، وحماية الأجانب، ومسألة السودان، وذلك إلى حين يتسنى إبرام اتفاقية بين مصر وإنجلترا ~~... # وفي أوائل يناير سنة 1922 سافر اللورد اللنبي إلى لندن، وبرفقته المستشارون الإنجليز ~~الثلاثة لإقناع حكومتهم بهذه الخطوة، وقد صادف سعي اللنبي مقاومة في أروقة رياسة الحكومة ~~البريطانية ووزارة الخارجية، وبعد تباطؤ وتردد وافقت الحكومة البريطانية على إعلانه في 28 ~~فبراير من تلك السنة، ثم قدمته إلى مجلس العموم، فناقشته. وفي يوم 15 مارس سنة 1922 أعلن ~~استقلال مصر، الذي ترتب عليه أن أصبح السلطان فؤاد ملكا ... # التآمر على حياة ثروت # لما سافر اللورد اللنبي إلى لندن مع المستشارين الإنجليز لعرض مشروع تصريح 28 فبراير، ~~كنا نترقب أخبار لندن؛ لنطمئن على هذا المشروع، الذي نود له النجاح، وذات ليلة، كنت ~~جالسا في نادي محمد علي ليلا، فخاطبني بالتليفون ثروت باشا، وطلب مني أن أحضر إليه، ~~فقلت له: ليس عندي عربة، فإما أن تحضر أنت أو ترسل إلي بعربتك، فقال: إن عربتي غير ~~موجودة معي، ولا بد من حضورك لأمر هام، فخرجت من النادي، وركبت عربة أجرة، ووصلت إليه، ~~فأنبأني بأن الوزير المفوض وهو وكيل اللنبي جاءه بآخر الأنباء، وهي تتلخص في أن اللورد ~~اللنبي انتهى تقريبا إلى اليأس من النجاح في مهمته، وأنه حتى هذه الساعة لم يستطع ~~مقابلة لويد جورج ... وطلب مني أن أذهب إلى سراي عابدين لإبلاغ ذلك لعظمة السلطان فؤاد، ~~فقلت له: «بل اذهب أنت؛ لأنك أقدم مني وأنت المقدم» فرفض، فأصررت، وأصر هو على ذهابي ~~إلى عابدين، ms027 ولم أكن أعلم شيئا، وقال: سأخبرك فيما بعد بشيء من التفصيل يتعلق بما نحن ~~فيه، وأخبرني أن العربة التي وصلت بها ستحملني إلى عابدين؛ لأنه أمر ببقائها. # وصلت إلى عابدين، والتمست مقابلة عظمة «السلطان» فؤاد فسمح لي بها حالا، وأخبرته ما ~~أبلغني إياه ثروت باشا فقال لي: «لعل الحكومة البريطانية استكثرت المطالب التي تطلبونها ~~...!» # وخرجت من عنده، وعدت إلى ثروت باشا، فعلمت أنه في الوقت الذي كنت أقابل فيه السلطان ~~قبض البوليس على جماعة كانت تريد اغتيال ثروت باشا عند كوبري قصر النيل حينما يمر ~~بعربته، وقد اتصل به نبأ هذه المؤامرة؛ ولذلك طلبني إليه، ولم يرسل عربته، وبعثني إلى ~~«عابدين» دون أن يذهب هو لهذا السبب مطمئنا إلى أن الجناة لا يرشدهم إلى القيام ~~بتنفيذ مؤامرتهم، إلا معرفتهم لشكل عربة ثروت باشا ...! # اشتراكي في وزارة ثروت # كان لي الشرف أن أكون أحد واضعي تصريح 28 فبراير، ثم كان لي الشرف أن أكون عضوا في ~~وزارة ثروت باشا، التي أعلنت استقلال مصر، بعد إعلان هذا التصريح بخمسة عشر ~~يوما. # فقد صدر أمر عظمة السلطان إلى المرحوم عبد الخالق ثروت باشا بتأليف الوزارة في أول ~~مارس من تلك السنة، فتألفت برياسته، ومن حضرات الآتية أسماؤهم: ~~«إسماعيل صدقي باشا «وزيرا للمالية»، وإبراهيم فتحي باشا «وزيرا للحربية ~~والبحرية» وجعفر ولي باشا «وزيرا للأوقاف»، ومصطفى ماهر باشا «وزيرا ~~للمعارف»، ومحمد شكري باشا «وزيرا للزراعة» ومصطفى فتحي باشا «وزيرا ~~للحقانية» وحسين واصف باشا «وزيرا للأشغال» وواصف سميكة باشا «وزيرا ~~للمواصلات» ... وكان الأساس الذي قبلنا عليه الوزارة في ذلك الحين هو تصريح 28 ~~فبراير، الذي أحدث في الحالة السياسية تغييرا كليا.» # ومما يجب أن يسجل للتاريخ أن جميع المحبين لمصلحة البلاد قد وقع منهم هذا التصريح ~~موقعا حسنا، إذ اجتازت مصر بمقتضاه طورا جديدا من أطوار حياتها السياسية، وقطعت ~~مرحلة من مراحل جهادها الوطني كان لها أثرها، ودلت الحوادث فيما بعد على أن هذا التصريح ~~ساعد مصر على دخول المفاوضات، وأتاح للوزارة أن تبدأ عهدا جديدا، ms028 وأن تضع لنفسها ~~دستورا على أحدث المبادئ الدستورية، وأن تتصرف في شئونها كدولة مستقلة ذات ~~سيادة. # لجنة الدستور # ومع أننا قمنا بما قمنا به في هذا السبيل من خدمة وطنية دفعت المسألة المصرية مرحلة ~~إلى الأمام، فإن وزارة ثروت باشا لقيت نقدا من خصومها السياسيين، على أنها لم تكترث ~~بنقد الناقدين، ولا معارضة المعارضين، فسارت في طريقها، وأخذت تدعو ذوي الكفايات من ~~جميع الهيئات للاشتراك في وضع الدستور، فأبى فريق المعارضة تلبية الدعوة، فمضت الوزارة ~~في خطتها، واختارت لجنة من الوزراء السابقين، ومن رجال العلم والقانون، والرؤساء ~~الروحانيين والأعيان، وكان رئيس هذه اللجنة حسين رشدي باشا ونائب الرئيس أحمد حشمت ~~باشا. # وعلى الرغم من مكانة أعضاء هذه اللجنة، فقد سمتها المعارضة «لجنة الأشقياء»، وكانوا ~~يرون أن يتولى وضع الدستور «جمعية وطنية» تنتخب لهذا الغرض. # وهنا أحب أن أقول: إن فكرة الجمعية الوطنية لم نأخذ بها؛ لأن البلاد التي وضعت ~~دساتيرها جمعية مثل هذه الجمعية كانت في ظروف استثنائية زالت فيها السلطة الشرعية، وحلت ~~محلها سلطة مؤقتة على نحو ما حدث في الثورة الفرنسية، وقد جرى العرف في مصر على أن تصدر ~~القوانين من ولي الأمر وحده، سواء أكان ذلك في إنشاء مجلس الوزراء، وهو أول حجر في وضع ~~النظام الديمقراطي في مصر أم فيما تلا ذلك من النظم ... على أن بلادا كثيرة كاليابان، ~~وإيطاليا، والبرتغال، والنمسا وضعت دساتيرها بالطرق العادية، ولم تضعها جمعيات ~~وطنية. # أعمال وزارة ثروت # بقيت وزارة ثروت باشا حتى انتهت لجنة الدستور من وضعه، وكانت هذه اللجنة قد وضعت في ~~نص الدستور مادة بتلقيب جلالة الملك «ملك مصر والسودان»، فقامت قيامة الإنجليز، وقالت ~~صحفهم: بأن مسألة السودان من المسائل المحتفظ بها للمفاوضة المقبلة بين الحكومتين ~~المصرية والبريطانية، ولكننا كنا نرى رأي اللجنة، وأرسلت الوزارة مشروع الدستور، كما هو ~~إلى اللجنة التشريعية ولما تعبأ بأية معارضة، واستمرت في حمل أعبائها بشجاعة. # وتتلخص أعمالها فيما يأتي: ~~(1) # ألغت الحماية، وأعلنت أن مصر دولة مستقلة ذات سيادة. ~~(2) # ألفت لجنة الدستور، وتم ms029 في عهدها وضعه وإحالته إلى اللجنة التشريعية. ~~(3) # نجحت في وضع أساس إدارة البلاد بوساطة حكومتها الوطنية دون غيرها. ~~(4) # ألغت وظائف المستشارين الإنجليز في وزارات الحكومة، ولم تستبق منهم إلا ~~مستشاري المالية، والحقانية، مع قصر مهمتهما على إبداء الرأي والمشورة. ~~(5) # أبطلت ما جرى عليه العمل من حضور المستشار المالي جلسات مجلس ~~الوزراء. ~~(6) # أخذت في إحلال المصريين محل الأجانب في وظائف الحكومة، وأرسلت بعثات ~~لأوروبا للتخصص. ~~(7) # أصبح الموظفون الأجانب تابعين لسلطة الوزير المصري دون سواه. ~~(8) # وضعت قانون الإجراءات العسكرية، التي اشترط إلغاء الأحكام العسكرية. # ولو أن وزارة ثروت باشا أتيح لها أن تبقى مدة أطول في الحكم لأنتجت أكثر من هذا ~~الإنتاج، مع جلاله وعظمته في تلك الظروف العصيبة. # ومما يؤسف له أن البلاد في ذلك الحين قد سممت بدعايات ضد تصريح 28 فبراير كانت من ~~أهم ما سبب استقالتها، وتذكرني هذه الدعايات بمثلها مما جرى بعد إمضاء المشروع الأخير ~~المسمى «مشروع صدقي - بيفن». # وقد استقالت وزارة ثروت في 29 نوفمبر سنة 1922، وتركت لخلفها تراثا سياسيا مجيدا ~~... # | لماذا حللنا مجلس نواب سنة 1925؟ # استقالت وزارة عبد الخالق باشا، التي كنت أحد أعضائها في نوفمبر سنة 1922 ... وكانت هذه ~~الوزارة هي التي ألغت الحماية، وأعلنت استقلال مصر، وألفت لجنة الدستور، وتم في عهدها وضعه، ~~وأحالته إلى اللجنة التشريعية، ونجحت في صيانته أثناء وجودها من أن تعبث به العناصر ~~الرجعية، التي كانت ممثلة في بعض رجال السياسة والمستوزرين ...! # وكان همنا نحن الثلاثة - عدلي، وثروت، وأنا - بعد استقالة هذه الوزارة أن يصان الدستور من ~~أي عبث، وأن يصدر سريعا، وألا تنجح تلك العناصر في الحيلولة دون إصداره، أو تعمل لتأخيره ~~أو تعديله، بحيث تضعف فيه الصبغة الديمقراطية ... وكان الإنجليز وقتئذ متفاهمين معنا على ~~الدستور، إذ كان كل خوفهم من الطابع الاستبدادي للحكم ... ولم يكن بيننا وبينهم خلاف إلا على ~~المادة الخاصة بلقب «ملك مصر والسودان»؛ لأنهم كانوا يرون أن مسألة السودان من المسائل ~~المحتفظ بها في تصريح 28 فبراير. # وفي هذا الوقت بذلت جهود في سبيل ms030 جمع كلمة الأمة للقضاء على المساعي الرجعية، التي كانت ~~ترمي إلى تأخير إصدار الدستور، وعلى الرغم من أن هذه الجهود لم تصل إلى تحقيق جميع أغراضها، ~~إلا أنها أوجدت تفاهما عاما بين جميع الهيئات على محاربة الرجعيين والقضاء على ~~محاولاتهم! # كيف سقطت في الانتخابات؟ # وقد نجحت مساعينا في الوصول إلى إصدار الدستور سنة 1923، ثم أعلنت الانتخابات لبرلمان ~~سنة 1924 فرشحت نفسي لمجلس النواب في دائرة سندا بسط، التي تتبعها بلدتي «الغريب»، وإذ ~~ذاك نشأت فكرة الأغلبية الساحقة برياسة سعد زغلول باشا، فرشح الوفد أمامي الأستاذ نجيب ~~الغرابلي «نجيب الغرابلي باشا»، وعلى الرغم من كونه رجلا فاضلا فإنه لم يكن ابن ~~الدائرة، ولم يكن معروفا بها. # وكنت أعتقد أنني سأنجح في دائرتي؛ لأن جهودي في خدمة بلادي، وماضي في الجهاد ~~واشتراكي في الفوز باستقلال مصر بتصريح 28 فبراير، كان كل ذلك مما يضمن النجاح. ولكن ~~شخصية سعد زغلول في ذلك الحين كانت شخصية جبارة، وفي الوقت نفسه جذابة غمرت البلاد ~~بقوتها، وشدة تأثيرها، واجتاحت أمامها كل شيء، وأصبح الاعتقاد فيها يشبه الاعتقاد ~~بالأنبياء، فلم أفز في الانتخابات إلا بأقل من ثلث الأصوات، وسقطت أمام منافسي الوفدي ~~غير المعروف إذ ذاك لأهل الدائرة ...! # ومن هنا أستطيع أن أقول: إن الانتخابات لم تكن حرة ... ولا أقصد من ذلك أنه كان هناك ~~ضغط إداري استعمل ضدي، بل أعني أنه كان هناك ضغط نفساني أوجدته شخصية سعد زغلول ~~القوية، وهو والضغط الإداري سواء، في بلد لم تصل بعد إلى درجة النضوج السياسي، ولم ~~تتكون فيها الروح الدستورية. # وربما يسأل سائل هذا السؤال: لماذا لم أعين في مجلس الشيوخ ما دمت قد سقطت في ~~انتخابات النواب؟ وجوابي عن هذا السؤال هو: أنه لو حدث ذلك وعينت في الشيوخ بعد سقوطي ~~في النواب لحمل هذا التعيين على أنه تحد للرأي العام ... ثم لا تنس أنه كان هناك فريق ~~رجعي ذو نفوذ، لا يحب أولئك الذين كانوا السبب في قيام الدستور ...! # في وزارة زيور باشا # على الرغم من ms031 سقوطي في الانتخابات، وعدم اشتراكي في البرلمان، أنا والذين حصلوا على ~~الاستقلال والدستور، فإنني كنت مرتاحا لهذه المرحلة الأولى التي فازت بها البلاد ... وقد ~~لزمت وقتئذ الحياد، فلم أشترك في أي نشاط سياسي طوال مدة قيام وزارة المغفور له سعد ~~زغلول باشا في الحكم، حتى وقعت كارثة مقتل السردار - وأقول «كارثة» - لأنها كادت تعصف ~~باستقلال البلاد، وتضيع علينا ما كسبناه؛ ولهذا حين دعيت للاشتراك في وزارة زيور باشا، ~~التي خلفت وزارة سعد لم أتردد في القبول؛ لأني شعرت أن من واجبي في هذه الظروف أن أساهم ~~في إنقاذ البلاد من ورطتها، وأن أعمل على صيانة استقلالها. # وقد توليت في تلك الوزارة شئون وزارة الداخلية، وكانت مسئوليتها عظيمة بعد تلك ~~الكارثة، وفي إبان الاضطرابات الشديدة، وكان همي أن يعود الأمن إلى نصابه، كما كان من ~~أول واجباتي أن أعنى بالقبض على قتلة السردار؛ لأنه لو لم نفعل، أو لو قصرنا في ذلك، ~~لازدادت الحالة سوءا بيننا وبين الإنجليز ... خصوصا وقد نص عليه الإنذار البريطاني ~~الموجه لسعد باشا، فضلا عن أنه كانت هناك أيد أجنبية تعمل لهدم الاستقلال، وضياع حقوق ~~مصر والسودان. # حفظت لمصر سودانها! # وقد كان الإنجليز يريدون أن يتخذوا من مقتل السردار ذريعة لفصل السودان عن مصر فصلا ~~تاما، وقد تضمن إنذارهم لحكومة سعد باشا «صدور الأمر في خلال 24 ساعة بإرجاع جميع ~~الضباط المصريين، ووحدات الجيش المصري من السودان، وتحويل الوحدات السودانية التابعة ~~للجيش المصري إلى قوة مسلحة سودانية، تكون خاضعة ووالية للحكومة السودانية وحدها، وتحت ~~قيادة الحاكم العام العليا، وباسمه تصدر البراءات للضباط!» # ورأى زيور باشا أن يوكل إلي وقتئذ بعض المهام خصوصا «السودان»، وكان الإنجليز ~~يريدون أن يتمادوا في فصله عن مصر، علاوة على ما فعلوا من طرد الجيش المصري، وقطع ~~علاقاتنا العسكرية به، والاستقلال بإدارة شئونه، فلم يبق لنا من العلاقات معه إلا تلك ~~العلاقة المالية الخاصة بمبلغ العجز في ميزانية السودان، الذي تدفعه مصر سنويا، ~~ومفروض أن ميزانية السودان شيء مقرر لمصلحة إخواننا السودانيين، فأراد ms032 الإنجليز قطع هذه ~~العلاقة أيضا حتى لا تصبح لمصر أية صلة به، ولا أية حجة لها للتدخل في شئونه! # خفت من عاقبة هذا العمل الذي ينظر إليه في ظاهره كأنه لمصلحة مصر، وهو في الواقع حجة ~~عليها، ومضر بمستقبل مصالحها وحقوقها في هذا القطر، فعملت على بقاء هذا المبلغ الذي ~~تدفعه مصر للسودان، والذي لا يؤثر في ميزانيتها تأثيرا يذكر، وقد نجحت في ذلك، ~~واعتبرته فوزا لمصر ولو أنه نظر إلى هذه المسألة من الآخرين بالنظرة الحزبية، التي ~~تقلب الحق باطلا، والباطل حقا ...! # مصر والري في السودان # وكان الإنجليز في إنذارهم البريطاني قد طلبوا فيما يختص بالسودان توسيع مساحة ~~الأطيان، التي تزرع في الجزيرة من ثلاثمائة ألف فدان إلى مقدار غير محدود تبعا لما ~~تقتضيه الحاجة ...! # فردت وزارة سعد باشا قبل استقالتها على هذا الطلب بأنه سابق لأوانه؛ لأنه طبقا ~~للتصريحات المتكررة يجب أن تحل هذه المسألة باتفاق الطرفين، وقد بعث المندوب السامي ~~اللورد اللنبي إلى الوزارة في نفس اليوم بمذكرة ينبئها بأنه قد أرسل إلى حكومة السودان، ~~بأنها أصبحت مطلقة الحرية في زيادة المساحة، التي تروى في الجزيرة إلى مقدار غير محدود ~~...! # وقد كانت مهمتي التي وكلها إلي زيور باشا صعبة، وكانت مسألة السودان شائكة، وكلما ~~خرجنا من صعوبات وضعوا أمامنا صعوبات أخرى، ولكنني استطعت في تلك الظروف العصيبة أن ~~أحصل على تأكيد من الحكومة البريطانية بأنها لا تنوي مطلقا الافتئات على ما لمصر من ~~حقوق تاريخية وطبيعية في مياه النيل، وبعث اللورد اللنبي إلى الوزارة بخطاب رسمي يعترف ~~بهذه الحقوق، ويقول فيه: # على أن الحكومة البريطانية إثباتا لحسن نيتها، مستعدة لإصدار تعليمات إلى ~~حكومة السودان بألا تنفذ ما سبق إرساله إليها من التعليمات، فيما يتعلق بتوسيع ~~نطاق ري الجزيرة توسعا لا حد له، على أن تؤلف لجنة خبراء من المستر كانتر ~~كريمر رئيسا، وقد وقع الاختيار عليه باتفاق الحكومتين، والمستر ر. م. ماك ~~جريجور مندوب بريطانيا المعين من قبل حكومة حضرة صاحب الجلالة، ومن عبد الحميد ~~سليمان باشا ms033 مندوب مصر المعين من الحكومة المصرية ... # وقد اجتمعت اللجنة باتفاق الحكومتين في 15 فبراير سنة 1925 للدرس، واقتراح القواعد ~~التي يمكن إجراء الري بمقتضاها ... # والنتيجة من كل ذلك أن حقوق مصر في مياه النيل تم بشأنها اتفاق حفظ لمصر كل هذه ~~الحقوق، ووقع في ذلك معاهدة هي القائمة حتى الآن. # لماذا حللنا مجلس النواب سنة 1925؟ # لا أنكر أننا في وزارة زيور باشا قد أقدمنا على إجراءات جريئة أملتها علينا الظروف ~~العصيبة في ذلك الحين، وشجعنا عليها خوفنا على استقلال البلاد من أن يعصف به عاصف، أو ~~تنتهز الفرصة - فرصة الاضطرابات - لهدمه، وكنا نرغب بكل إخلاص أن ندخل في دور من ~~الهدوء، وتحسين العلاقات بيننا وبين الدولة المحتلة. # وكان الوفد يعتبر في ذلك الحين عدوا متحديا لهذه الدولة خصوصا بعد مقتل السردار، ~~الذي اتهم فيه بعض المنتسبين إلى الوفد؛ لذلك أقدمنا على تعديل قانون الانتخابات، وعلى ~~الرغم من ذلك، فقد كانت شخصية سعد كما قلت شخصية جبارة غمرت البلاد، ففاز الوفد في هذه ~~الانتخابات بالأغلبية، ولو أنها لم تكن ذات خطر، ولما انعقد مجلس النواب وأجريت ~~انتخابات الرياسة فاز سعد زغلول بمائة وثلاثة وعشرين صوتا ضد عبد الخالق ثروت باشا، ~~الذي فاز بخمسة وثمانين صوتا، فرأينا أن هذه النتيجة في المجلس ستدفعنا إلى سياسة ~~بعيدة عن أن تحقق الهدوء، الذي كنا ننشده في ذلك الحين. # لهذا أقدمنا على حل هذا المجلس رعاية للمصلحة الوطنية العليا؛ ولكي نعيد العلاقات ~~الحسنة إلى نصابها حتى نصل بالبلاد إلى ما ننشده لها من خير في جو هادئ يسوده التفاهم، ~~وعدم العنف. # ومن ذلك يتبين أن هذا الإجراء لم يكن إنجليزيا، بل كان إجراء من الجانب المصري ~~فقط. # واحة جغبوب # الخديو عباس خارجا من سراي الحاكم العام للسودان، حين زيارته ~~للسودان 1902. # صورة تاريخية تجمع بين الزعماء الأربعة: سعد زغلول باشا، وإلى يساره ~~إسماعيل صدقي باشا، فمحمد محمود باشا، وحمد الباسل باشا ... وهم معتقلون ~~في جزيرة مالطة في فجر الحركة الوطنية. # أعضاء الوفد المصري أثناء وجودهم في ms034 باريس، ويرى سعد زغلول باشا، وقد ~~جلس إلى يساره محمد علي علوبة باشا، فمحمد الباسل باشا، فسينوت حنا بك ~~... والواقفون - في الصف الأول - من اليمين: مصطفى النحاس باشا، فإسماعيل ~~صدقي باشا، فحافظ عفيفي باشا، فعلي رمضان بك، فمحمد محمود باشا، فعبد ~~اللطيف المكباتي بك، فأحمد لطفي السيد باشا، فجورج خياط بك، فعلي ~~شعراوي باشا. # في أواخر سنة 1925 جرت بيننا وبين الطليان مفاوضة لإنهاء مسألة الحدود الغربية والبت ~~في أمر واحة جغبوب، فتألفت من الجانب المصري لجنة برياستي، وتألفت لجنة من الجانب ~~الإيطالي برياسة المركيز نجروتو كامبيازو، وقد توقفت المفاوضات غير مرة بسبب اختلاف ~~وجهتي نظر الفريقين ... وبعد خروجي بالاستقالة من وزارة زيور باشا، رأت الحكومة أن أمضي ~~في مفاوضاتي الخاصة بالحدود ما بين إيطاليا ومصر؛ لأني كنت قد ألممت بأطرافها، بل ذهبت ~~إلى إيطاليا لمقابلة موسوليني بشأنها، فكانت النتيجة في آخر الأمر أن جرى الاتفاق، الذي ~~صورته السياسة الحزبية بصورة سوداء كعادتها. # كان هم مصر في هذا الاتفاق أن تحصل على خليج السلوم، وعلى الهضبة التي تعلو السلوم، ~~والمنطقة التي حولها إلى بلدة بردية غربا، وكان الإيطاليون قد احتلوا هذا المكان الذي ~~يشرف على هذه المدينة المصرية، فكانت هذه المنطقة هي التي تهم مصر؛ لأنها تشرف على ~~أراضيها؛ ولأنها هي الطريق الذي يستطيع أي غاصب أن يدخل منه البلاد المصرية من جهة ~~الغرب، أما الطليان فقد كان يهمهم أن يحتفظوا بواحة جغبوب، التي بها ضريح للسنوسيين ~~تنبعث منه حسب اعتقادهم تعاليم ضد سياستهم، وحكمهم في طرابلس تخلق لهم المشكلات، وهذه ~~الواحة لا تزيد مساحتها عن عشرة أفدنة، وكان من حججنا في ملكية مصر لها أن إنجلترا ~~نفسها اعترفت في مدة الحرب العالمية الأولى بملكيتها لمصر في معاهدة شاليوت، التي ~~عقدتها مع السنوسيين. # أما حجة الطليان فهي أنهم ورثة الأتراك في ولاية طرابلس، وواحة جغبوب داخلة ضمن هذه ~~الولاية، وأنه بينما كان السنوسيون يدينون بالولاء للدولة العلية كان الولاة الأتراك ~~يعدونها ضمن أعمال طرابلس، بل إن بعض الكتب الجغرافية المقررة ms035 في مدارس وزارة المعارف ~~المصرية وضعت جغبوب في خريطة طرابلس، وتلك الكتب راجعتها لجنة من هذه الوزارة واعتمدتها ~~... ولست أريد الخوض في تفاصيل هذه المفاوضات لطولها، واحتدام مناقشاتها، ولكن المهم في ~~النتيجة، فقد كانت هذه الواحة غير ذات أهمية من الوجهة العسكرية، ولكن الأهمية كلها في ~~الشمال، وفي المنطقة المشرفة على السلوم. # وقد نجحنا في الحصول عليها من الطليان، الذين كانوا يحتفظون بها حتى ذلك الحين، وقد ~~برهنت الحرب العالمية الأخيرة على أهميتها العسكرية، وعلى صدق نظريتنا في هذا الاتفاق، ~~ولو أنه نظر إليه في حينه بالنظرة الحزبية التي تعكس الأوضاع. # صداقتي لسعد باشا # لم تستمر وزارة زيور باشا طويلا، فقد استقالت في 7 يونيو سنة 1926، وكنت قد بعثت ~~باستقالتي منها قبل ذلك، وأنا في مصيفي بفيشى على أثر الخلاف الذي وقع بين نائب رئيسها ~~يحيى إبراهيم باشا، وعبد العزيز فهمي باشا بسبب كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وكان من ~~أهم العوامل في استقالتها قيام الائتلاف بين الوفد برياسة سعد زغلول، والأحرار ~~الدستوريين برياسة عدلي باشا، وقد أسفر هذا الائتلاف عن قيام برلمان سنة 1926، وكنت أحد ~~أعضائه، وعهد إلي برياسة اللجنة المالية فيه، فبذلت مجهودا نال تقدير رئيس المجلس سعد ~~زغلول باشا وأعضائه، حتى إنه - رحمه الله - شرفني بأن نزل من كرسي الرئاسة إلى منصة ~~الخطابة، ووقف يمتدح هذا المجهود طويلا. # والواقع أن زمالتي بالمرحوم سعد باشا في مجلس النواب، وفي فجر الحركة الوطنية وأثناء ~~اعتقالنا في مالطة كانت تمتاز بالصداقة وحسن التقدير، وكما كنت أعترف بشخصيته العظيمة، ~~كان يشرفني دائما بعطفه وتقديره، ولما سافر للاصطياف في مسجد وصيف، وكانت «محادثات ~~ثروت باشا-تشمبرلين» قائمة، كان يبعث إلي دائما للتشاور فيما يصله من أنباء هذه ~~المحادثات، وإذا ما انقطعت عنه الأنباء سألني عنها نظرا لعلاقاتي الخاصة بثروت باشا، ~~وكنت وقتئذ في بلدي «الغريب» المتاخمة لمسجد وصيف، فكان يصر على أن أزوره يوميا، وإذا ~~ما تأخرت عنه دعاني بالتليفون. # وقد توفي - رحمه الله - ونحن أصدقاء، يغمرني بتقديره، وأضمر له كل حب وإعجاب، وأحتفظ ms036 ~~له حتى الآن بأجمل الذكريات. # | سعد ... عدلي ... ثروت ... كما عرفتهم # انتهيت في الكلمة السابقة إلى سنة 1927، وأهم حادث فيها كان فقد البلاد لزعيمها العظيم ~~سعد زغلول، وقد مر بك كيف كان اتصالي به، وصداقتي له، كما مرت بك زمالتي للمرحومين عدلي يكن ~~باشا وثروت باشا وصداقتي لهما، واشتراكي معهما في الحكم والمفاوضات، وتصريح 28 فبراير، ولعل ~~من المفيد للجيل الحاضر، وقد وصلت إلى هذه المرحلة من الذكريات أن أقول كلمة في كل من هؤلاء ~~العظماء الثلاثة. # سعد زغلول # كان سعد زغلول عندما عرفته أكبر مني سنا، وأعلى مركزا، فكانت علاقتي به في بادئ ~~الأمر علاقة صغير بكبير، فقد كنت في أوائل حياتي مساعدا للنيابة بينما كان هو مستشارا ~~في الاستئناف، ثم اتصلت به في الحركة الوطنية ورافقته في الأسر، بل تمتعت بتقديره وعرفت ~~من صفاته ما يعرفه الصديق عن صديقه، فشهدت فيه من كرم النفس ولطف الشمائل، والترفع عن ~~الصغائر ما جعله محل احترام أصدقائه، وحبهم له وتعلقهم به، هذا إلى شخصيته القوية، ~~وزعامته الوطنية التي كانت تسيطر على الجميع. # كان سعد زعيما وطنيا بكل ما تؤديه هذه الكلمة من المعاني؛ ولو أن كلمة «زعيم» لا ~~تمنع أنه كان سياسيا قديرا، وقائدا ماهرا في أوقات الشدائد، وربانا بارعا صارع ~~الأنواء والأمواج، وواجه الأخطار، فلم تؤثر في عزيمته، ولم تزعزع من جبروت نفسه ~~وإرادته. # وكانت شجاعته وبلاغته وسعة إطلاعه، وكثرة تجاربه مما هيأ له التأثير العميق بين ~~الجماهير، فاشتد حبها له، وإعجابها به، وانقيادها لكل ما يبديه من رأي، وإصغاؤها لكل ما ~~يهتف به من قول، فامتلك الأفئدة والنفوس، وبقي طول حياته الزعيم الأكبر. # صحيح أنني اختلفت معه، وصحيح أنه كان للرجل أخطاء - ومن ذا الذي لا يخطئ - وصحيح أنه ~~كانت فيه عيوب، ولكنها كما يقول الفرنسيون، العيوب التي تلازم الصفات الكبيرة، وقد قيل ~~عني في باريس ما دعاه إلى تصديق عبارات ألقاها إليه بعض الواشين، ولكن عندما تلاقينا ~~ووقف على الحقيقة لم نلبث أن تفاهمنا، ولم يكن بيني وبينه في ms037 بعض المواقف إلا ما يكون ~~بين رجلين مختلفين في الرأي لمصلحة بلدهما، فكنت أجله كل الإجلال، وكان يشملني بتقديره، ~~حتى إذا زالت أسباب الخلاف عاد اتصالنا وتعاوننا معا، وقد بقي الاحترام والإجلال من ~~جانبي، والعطف والتقدير من جانبه حتى توفي - رحمه الله - وكانت أخريات أيامه تمتاز فيما ~~يختص بشخصي بعطف شامل، بل بمحبة فائقة ، فإذا ذكرته تمثلت أمامي مواهبه العظيمة التي ~~فقدناها وخسرتها مصر من كل الوجوه. # عدلي يكن # شرفني عدلي باشا بصداقته ومحبته، وكان كسعد باشا يكبرني سنا ومركزا، وقد كان ~~وكيلا معينا للجمعية التشريعية، وكان سعد وكيلا منتخبا، وكان رئيسا للوزارة التي ~~فاوضت اللورد كرزون، وكنت وزيرا في تلك الوزارة، ومع أنه رجل تعلم تعليم أولاد الذوات ~~في القرن التاسع عشر، ولم يكن يحمل شهادات عالية، ولكنه عاش طويلا في فرنسا، ومرت به ~~تجارب كثيرة، وخالط كبار القوم، وكان في مبدأ حياته سكرتيرا لنوبار باشا رئيس الوزارة ~~المصرية في عهد الخديوين، وتقلب في عدة مناصب مما أتاح له أن يشهد حوادث عدة، ويستفيد ~~منها في سداد الرأي وقوة الحكم وبعد النظر. # كان عدلي باشا سياسيا حكيما، بل هو في رأيي من أكبر رجال السياسة، وكان على الرغم ~~من ترفعه ومظهره الذي لا يدل على عزم وهمة، صاحب إرادة قوية، وهمة عالية ... وكانت صفته ~~الكبرى اتزانه وصحة حكمه على الأشياء؛ لأنه كان كثير التفكير يوازن بين كل الاعتبارات ~~إذا شرع في اتخاذ قرار في أي موضوع. # وقد امتاز عدلي - رحمه الله - بالترفع عن الخصومات الحزبية الرخيصة، ومع أنه ترأس ~~حزبا، فلم يكن رجلا حزبيا بل كان رجلا قوميا عاما، ولم تدفعه حزبيته في يوم من ~~الأيام إلى مخاصمة أحد، أو إلى الدخول في جدال شخصي، هذا إلى نزاهته، وقدرته الكبيرة ~~على التوجيه والإرشاد، وكان يؤثر العمل المفيد الهادئ بعيدا عن التأثر بالعواطف، أو ~~الاندفاع مع أهواء الجماهير، ولم تكن وطنيته تسمح بالتفريط في أي حق من حقوق بلاده، وقد ~~رأيت كيف كان موقفه من مفاوضاته مع اللورد كرزون، وكيف ms038 رفضها وطلق الوزارة بإباء ~~وشمم. # عبد الخالق ثروت # أما المرحوم ثروت باشا، فماذا أقول فيه، وقد كان زميلا وصديقا لي منذ الصبا، ومنذ ~~كنا تلميذين في مدرسة الحقوق؟! كان يسبقني بسنتين، وقد عشنا صديقين ورفيقين طول الحياة، ~~وكان شعلة متوقدة من الذكاء والنبوغ، ولا أذكر أنني رأيت شخصا في ذكائه وألمعيته، وقد ~~أتاحت له ثقافته العالية وسعة اطلاعه أن يكون على جانب عظيم من الإلمام باللغات العربية ~~والفرنسية والإنجليزية، وأن يكون كاتبا بليغا، ومشرعا قانونيا من الطبقة الأولى، ~~ودستوريا من الطراز الأول. # ولي أن أقول اليوم: إنه لما قبلت الحكم في سنة 1930، كان قد سبق لي التفاهم معه قبل ~~وفاته في شأن تعديل الدستور، حتى نتفادى ما يسمح به هذا الدستور من طغيان الأكثريات على ~~الأقليات، وقد وافقني على ذلك، وأعتقد أنه لو كان حيا في ذلك الحين لكان أميل إلى ~~التعديل منه إلى الإجراء، الذي قامت به وزارة محمد محمود باشا من وقف الدستور والحياة ~~النيابية لعدة سنوات. # وكان ثروت باشا إلى علمه وفضله جم التواضع، راغبا عن المظاهر، وكان من طبقة أولئك ~~الرجال ذوي الكرامة الذين لا يسعون وراء الحكم، بل إن الحكم هو الذي يبحث عنهم ويسعى ~~إليهم ... # وكانت وطنيته صافية صريحة لا شائبة فيها، بل كان متعصبا في وطنيته، وفي التمسك بحقوق ~~أمته ودستور بلاده، وقد لاقت وزارته الأولى نهايتها في نوفمبر سنة 1922 بسبب موقفه ~~الوطني الحازم أمام العناصر الرجعية، التي كانت تحاول الكيد للدستور، وكادت وزارته ~~الثانية تستقيل بسبب أزمة المفتش العام الإنجليزي للجيش المصري وإصرار ثروت باشا على ~~موقفه من إلغاء منصب هذا المفتش، حتى إن المرحوم سعد زغلول باشا - وكان وقتئذ رئيسا ~~لمجلس النواب أيام الائتلاف - طلب مني أن أسعى لديه بما لي من صداقة معه ليخفف من ~~غلوائه في هذا الظرف الدقيق. # ولصديقي المرحوم ثروت باشا من المواقف الوطنية الأخرى ما يشهد بحرصه الشديد على مصلحة ~~بلاده، وتضحياته في سبيل خدمتها، وأذكر أنه رفض رياسة الوزارة حين عرضت عليه في فجر ms039 ~~الثورة الوطنية سنة 1919 بعد استقالة رشدي باشا؛ لعدم سماح الإنجليز للوفد المصري ~~بالسفر إلى مؤتمر الصلح، وذلك على الرغم من صغر سنه، وعلى الرغم مما لهذا المركز من ~~مقام عظيم، وبخاصة في نظر الشباب مما كان محل إعجاب سعد باشا في ذلك الحين. # أزمة المفتش العام # ولا بد لي من أن أقول كلمة عن أزمة المفتش العام لعلاقتها بثروت باشا، وبتصريح ~~28 فبراير الذي كان لي شرف الاشتراك فيه، فقد حدث أن لجنة الحربية في مجلس النواب ~~اقترحت عند نظرها لميزانية الجيش إلغاء منصب السردار سبنكس باشا؛ لتنافيه مع مسئولية ~~الوزير أمام البرلمان، وتحسين أسلحة الجيش وأدواته، وترقية التعليم في المدرسة الحربية، ~~واقترح بعض أعضائها تعديل قانون مجلس الجيش، بحيث لا يكون سبنكس باشا عضوا فيه على ~~مثال مجلس الجيش الإنجليزي، فاتصل نبأ هذه الاقتراحات بدار المندوب السامي، وكان وقتئذ ~~اللورد جورج لويد، فاعتبر ذلك تحديا لسلطة بريطانيا الحربية في مصر، وحظي بمقابلة ~~جلالة الملك فؤاد، وتبودلت بينه وبين ثروت باشا المقابلات، ثم قدم مذكرة إلى الحكومة ~~المصرية يشرح فيها وجهة النظر البريطانية، وتتلخص هذه المذكرة في أن أحد تحفظات تصريح ~~28 فبراير، الذي منع تدخل أية دولة أجنبية في شئون مصر يجعل لإنجلترا حق الإشراف على ~~الجيش المصري، ورد ثروت باشا بأنه كان من الذين اشتغلوا في جميع أدوار تصريح 28 فبراير، ~~ولم ترد مسألة الجيش البتة في أي نص منه، ولا في أية مفاوضة من مفاوضاته؛ ولهذا السبب ~~ترى الحكومة المصرية أن هذه المسألة من المسائل الخاصة بها. فلم ترتح بريطانيا إلى هذا ~~الرد، ولم يتزحزح ثروت باشا عن موقفه، فأرسلت بريطانيا ثلاث بوارج إلى المياه المصرية ~~بقصد التهديد، والحقيقة أن هذه المظاهرة البحرية لم تكن تنطوي على شيء من الكياسة ~~السياسية! # وقد ألقى السير أوستن تشمبرلن وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم تصريحا عن ~~مسألة الجيش المصري في ذلك الحين، فرأيت من واجبي أن أوجه إلى رئيس الحكومة المصرية ~~سؤالا في هذا الشأن، وفي شأن البوارج ms040 الإنجليزية، ولا أفشي سرا إذا ما قلت الآن إنه ~~سؤال متفق عليه مع ثروت باشا، وقد قلت فيه: «... إني أشعر بأن الشعب المصري - وقد أظهر ~~بلسان ممثليه المرة بعد المرة شدة رغبته في دوام حسن التفاهم مع الدولة الإنجليزية - ~~يتولاه الألم كله؛ إذ يرى أن حرصه على ذلك التفاهم قد قوبل من الحكومة البريطانية بذلك ~~الإجراء، الذي لم تجر العادة به إلا بين المتخاصمين. # وأما بيان وزير الخارجية البريطانية، فلا يخفف من وقعه غير الشعور بأنه لم تصل إليه ~~بعد كل الحقائق، التي يمكن أن يبني عليها حكم صحيح ... والذي زاد من ألم كل مصري في ~~الآونة الحاضرة، ما جاء في بيان وزير الخارجية من أن إرسال البوارج الحربية قد بني على ~~ما اعتقدوه من أن هناك مجهودات، ومساع تبذل لإثارة اضطراب سياسي، يعرض أرواح ~~الأجانب ومصالحهم لأكبر الخطر ... # وإذا كان في هذه المأساة - كما هو الشأن في أكثر النوازل - ما يبعث على بعض التسلية، ~~فقد يكون فيما صرح به وزير الخارجية البريطانية من الرغبة في أن تسوى المشكلة الحاضرة ~~بطريقة ودية، تصون مصالح الحكومتين ... وإني إذا وجهت اليوم سؤالي إلى دولة رئيس الوزراء ~~بشأن ما تنويه الحكومة تلقاء الحوادث الحاضرة، فإني لا أشك لحظة في أن الموقف الذي ~~ستتخذه حكومتنا الدستورية، سيكون كما عودتنا موقف حزم وحكمة يتجلى فيه التصميم الأكيد ~~على المحافظة على مصالح البلاد.» # وقد رد ثروت باشا على ذلك ردا سياسيا حكيما، ثم أعقبت هذه الأزمة زيارة جلالة ~~الملك لإنجلترا، فكان من شأن هذه الزيارة أن تبددت السحب، التي ظهرت في جو العلاقات ~~المصرية الإنجليزية، وساعدت ثروت باشا على الدخول في محادثات شخصية مع السير أوستن ~~تشمبرلن للوصول إلى اتفاق يصلح أساسا لمفاوضات رسمية؛ لتسوية المسألة المصرية من جميع ~~الوجوه، وقد أدت هذه المحادثات إلى ما سمي «مشروع ثروت-تشمبرلن»، وكان رأيي فيه وقتئذ ~~أنه خطوة إلى الأمام بعد تصريح 28 فبراير، وكانت السيطرة الإنجليزية ما زالت مهيمنة على ~~البلاد، والإنجليز هم أصحاب الحل والعقد، ولم تكن ms041 المسألة المصرية - في هذا الوضع - ~~بالتي تحل طفرة واحدة، بل بتفاهم يتلوه تفاهم ... # وكانت سياسة ثروت باشا ستؤدي إلى أفول نجم اللورد جورج لويد - وقد كان نجمه ساطعا - ~~ولكن مع الأسف فقد كانت السياسة الحزبية له بالمرصاد! # | كيف توليت الوزارة سنة 1930؟ # وقفت بكم في الكلمة السابقة عند استقالة المرحوم عبد الخالق ثروت باشا؛ بسبب فشل مشروع ~~ثروت-تشمبرلن، وقد كان من أهم أسباب هذا الفشل موقف أصدقائه الأحرار الدستوريين منه ~~وخذلانهم له، حتى لقد عقدوا في ذلك مؤتمرهم الإداري كما هي العادة، وقد خلفه في الوزارة ~~الائتلافية مصطفى النحاس باشا، ولكن وزارته لم تعمر غير أربعة أشهر وتسعة أيام، وأقيلت في ~~أزمة قانون محاكمة الوزراء. # صدقي لا محمد محمود # كانت الرغبة متجهة إلى اختياري لتأليف الوزارة على أثر إقالة النحاس باشا في يوليو ~~سنة 1928، وخوطبت في ذلك خطابا شبه رسمي، وتهيأت لتأليفها، بل وضعت أسماء الوزراء ~~الذين وقع عليهم اختياري ليتعاونوا معي، وكان المندوب السامي البريطاني في ذلك الحين هو ~~اللورد جورج لويد، وكان من الطبيعي أن يكون أميل إلى شخص تربى في إنجلترا كمحمد محمود ~~باشا بتأثير البيئة العلمية الواحدة، والمدرسة الإنجليزية الواحدة، وقد أدت المشاورات ~~العليا إلى اختيار محمد محمود باشا لتأليف الوزارة. # وفي مساء 26 يوليو من تلك السنة، بينما كنت منتظرا في بيتي الدعوة إلى القصر خوطبت ~~بالتليفون بالقرار الجديد. # جاءت وزارة محمد محمود باشا، وكان هدفها أن تقضي على الأوتوقراطية البرلمانية، التي ~~أتاحها دستور سنة 1923 بطغيان الأكثرية على الأقلية، فاستقر الرأي عندها على أن تؤجل ~~الحياة النيابية، وتوقف الدستور ثلاث سنوات قابلة للتجديد، فأصبحت البلاد بذلك تحكم ~~حكما غير برلماني. ~~••• # لم تعمر وزارة محمد محمود باشا طويلا، فقد استقالت في أكتوبر سنة 1929، وخلفتها ~~وزارة المرحوم عدلي يكن باشا الثالثة، وكانت وزارة انتقال أعقبتها وزارة النحاس باشا، ~~ولكن هذه الوزارة لم تلبث غير خمسة أشهر و18 يوما، واستقالت في يونيو سنة 1930 على أثر ~~عدم نجاحها في مفاوضات هندرسون. # شروطي لتأليف الوزارة # كان اللورد جورج لويد ms042 قد نقل إلى إنجلترا، وحل محله في مصر سير برسي لورين، وكان ~~المندوب السامي الجديد يختلف عن سلفه بأنه سياسي ممتاز بالمرونة ... وفي اليوم الذي ~~استقالت فيه وزارة النحاس باشا قابلني زكي الإبراشي باشا في نادي محمد علي، ونقل لي ~~رغبة الملك فؤاد في دعوتي لتأليف الوزارة الجديدة، فرجوته أن يبلغ جلالته ما يأتي: # إنني أفخر بثقة جلالته بي، ولكني أود أن أخبره أنه إذا تم اختياري لهذا ~~المركز الخطير، فستكون سياستي أن أمحو الماضي بما له وما عليه، وأن أنظم الحياة ~~النيابية تنظيما جديدا يتفق ورأيي في الدستور واستقرار الحكم. # فنقل زكي الإبراشي باشا ذلك إلى جلالة الملك، ثم عاد فأبلغني ارتياح جلالته إلى هذه ~~السياسة، وتم تعييني لتأليف الوزارة، فأخذت في اختيار زملائي، وخاطبت بعض أصدقائي من ~~المستقلين والأحرار الدستوريين، وحزب الاتحاد، وكنت أنتظر من الأحرار الدستوريين أن ~~يتعاونوا معي، فرفض محمد محمود باشا، فذهبت إليه أنا وعلي ماهر باشا، وتحدثت معه في ~~ذلك، وأفضيت إليه بأنني جئت لنفس الغرض الذي ألف هو وزارته من أجله سنة 1928 مع اختلاف ~~في الطريقة والأسلوب، وعاهدته أمام بعض زملائنا على أن أترك الحكم بعد أداء رسالتي، ~~وتحقيق هذا الغرض، وقلت له بالنص: # إني عابر سبيل، ومتى انتهت مهمتي في القضاء على الفوضى تخليت عن ~~الوزارة. # فأصر محمد محمود على موقفه، وأبى أن يتعاون معي، فسمحت لنفسي أن أتجه إلى بعض رجاله، ~~فانضم إلي منهم حافظ عفيفي باشا مستقلا عن الأحزاب، وتألفت وزارتي في 19 يونيو سنة ~~1930 مني للرياسة والداخلية والمالية، ومن حضرات الآتية أسماؤهم: «محمد توفيق رفعت باشا ~~للحربية والبحرية» و«عبد الفتاح يحيى باشا للحقانية» و«حافظ حسن باشا للأشغال والزراعة» ~~و«علي ماهر باشا للمعارف العمومية» و«محمد حلمي عيسى باشا للأوقاف» و«حافظ عفيفي باشا ~~للخارجية». # بيني وبين سير برسي لورين # وبعد أن اخترت زملائي استأذنتهم، وتركتهم في منزلي ريثما أقابل المندوب السامي ~~البريطاني سير برسي لورين، للتحدث معه في بعض الشئون السياسية، وقد أبلغته في هذه ~~المقابلة نبأ تكليفي بتأليف ms043 الوزارة، ولم يكن حتى هذه الساعة قد وصله هذا النبأ، فقال ~~سعادته: إنني لا أعلم شيئا قبل الآن عن هذا التكليف، ولكني أرى أنك أتيت في وقت غير ~~مناسب! # فقلت له: ولماذا؟ # فأجاب: لأنني أمضيت نحو شهر في مفاوضة زعماء الأغلبية لوضع مشروع اتفاق بين مصر ~~وبريطانيا، وكان أملي أن نجد المخرج للوصول إلى اتفاق. # فقلت له: إنني مكلف من الملك بتأليف الوزارة، وقد ساهمت في تصريح 28 فبراير، بل إني ~~أحد واضعيه، وقد سبق لي أن كنت المفاوض الثاني مع عدلي باشا سنة 1921، وفي الإمكان أن ~~أستأنف معكم المفاوضات التي انقطع حبلها ... # قال: ما دام الملك فؤاد قد كلفكم بتأليف الوزارة، فلا اعتراض لي على ذلك! # وخرجت من دار المندوب السامي إلى حيث زملائي في منزلي، وكنت قد تغيبت عنهم مدة طويلة ~~حتى قلقوا، ولما عدت أخبرتهم بما حدث. # المعارضة وتأجيل البرلمان # كان لا بد لي لأمهد للنظام الجديد الذي جئت لإنشائه أن أؤجل البرلمان، فأجلته شهرا ~~كما يسمح بذلك الدستور، وكان من المنتظر أن يقابل هذا الإجراء بمعارضة شديدة من جانب ~~الأغلبية المسيطرة على المجلسين في ذلك الحين، ولم أكن أنتظر أن تكون هذه المعارضة تشبه ~~حربا أهلية مبعثها كراسي الحكم، ولكن حدثت للأسف حوادث مؤلمة، سواء في مصر أو في ~~الإسكندرية أو بعض مدن الريف، ولم يكن للحكومة حيلة فيها إلا المحافظة على النظام، ومنع ~~العابثين من الإخلال بالأمن، وتحدي القوانين، وعلى الرغم مما كان يدبره البعض من أعمال ~~لا تتفق ومصلحة البلاد، فقد استطعت وقتئذ أن أحافظ على هيبة الحكومة، وأن أقضي على ~~الاضطراب. # موقفي من الإنجليز # ومع أن الاضطرابات التي حدثت في أوائل هذا العهد كانت فرصة سانحة لبعض المغرضين للحط ~~من كفاية الحكومة المصرية، والعمل على الاستفادة منها بتحريض بريطانيا على التدخل بحجة ~~حماية أرواح الأجانب وأموالهم، فقد استطعت أن أعالج الموقف بما حفظ للبلاد حقها ~~وكرامتها، وأذكر في ذلك أنه في خلال هذه الاضطرابات بعث المستر بيلي رئيس الاتحاد ~~البريطاني في مصر خطابا ms044 إلى المستر رمزي ماكدونالد، رئيس الوزارة البريطانية يندد فيه ~~بسياسة اللين مع مصر، ويشير إلى أن هذه السياسة قد أفقدت بريطانيا هيبتها بين المصريين، ~~ويطالب بقفل باب المفاوضات، وبتعين مجلس استشاري لتقوية مركز المندوب السامي ~~البريطاني. # وقد أعقب ذلك أن سأل المستر بلدوين زعيم المحافظين المستر ماكدونالد في 16 يوليو ~~بمجلس العموم، عما إذا كان لديه تصريح يلقيه عن الحالة في مصر ، فألقى تصريحا جاء فيه: # لما ظهرت بوادر الأزمة الدستورية الحالية في مصر أرسلت حكومة صاحب الجلالة ~~تعليماتها إلى المندوب السامي، أن يراعي في خطته الحياد الدقيق التام، وإن كانت ~~قد تركت له الحرية - دون الخروج عن هذا الموقف - أن يذكر الفريقين بالجو الطيب، ~~الذي انتهت فيه مفاوضات المعاهدة. # وقبل أن تصل إلى لندن الأنباء، التي يؤسف لها عن حوادث الإسكندرية كانت ~~التعليمات قد أرسلت إلى المندوب السامي؛ لكي يبين بصريح العبارة أن حكومة ~~جلالته لا تنوي أن تتخذ أداة ما للاعتداء على الدستور المصري، وعلى ذلك لا يمكن ~~أن يكون لها ضلع في تغيير قانون الانتخاب. # ونظرا للحوادث التي وقعت أمس أرسلت التعليمات إلى المندوب السامي؛ ليبلغ ~~دولة صدقي باشا أننا لا بد أن نعده مسئولا عن حماية أرواح الأجانب وممتلكاتهم ~~في مصر، وقد كلف السير برسي لورين أيضا بأن يبلغ النحاس باشا أنه يجب أن تحل ~~مشاكل مصر الداخلية، دون أن تتعرض أرواح الأجانب للخطر، وأننا نعده كذلك ~~مسئولا مع الحكومة ...! # ردي على التبليغ # عجبت لهذا التصريح من رئيس وزارة مسئول، وزاد عجبي لهذا التبليغ الذي أرسلته إلى ~~الحكومة البريطانية عن طريق المندوب السامي، وأشركت فيه النحاس باشا في المسئولية مع ~~أنه بعيد عن الحكم، فأسرعت بالرد على هذا التبليغ بما أسجل للتاريخ خلاصته فيما يلي: # ترى الحكومة المصرية في التبليغ الذي تفضلتم بإرساله إلي، أن الموقف الذي ~~اتخذته الحكومة البريطانية أخيرا لا يكاد يتفق مع تصريحاتها المتكررة، بأنها ~~ستراعي بالنسبة لمسائل مصر الداخلية، مقتضيات الحياد الدقيق، فإن ذلك التبليغ ~~في الحين الذي يشير فيه إلى تصريح ms045 28 فبراير، ويراه مانعا كل تدخل في مسألة ~~داخلية محضة كالمسألة الدستورية يعقب بأن الحكومة لا تنوي أن تكون أداة ~~للاعتداء على الدستور، وقد يكون لإعلان نية الحكومة البريطانية محل لو أن ~~الحكومة المصرية التمست معونتها في تنفيذ ذلك الغرض، ولكنها لم تفعل وما كان ~~لها ومصر دولة مستقلة أن تفعل ذلك. # فذلك الإعلان من جانب الحكومة البريطانية لا يمكن أن يؤول إلا على أنه تدخل ~~بمعنى معين في تلك الشئون الداخلية، التي لم ينكر تصريح 28 فبراير نفسه حق مصر ~~المطلق في التصرف فيها. # وقد ذكرت لسعادتكم - وأتشرف بأن أعيد ما ذكرت - بأن المحافظة على أرواح ~~الأجانب في مصر، وعلى طمأنينتهم ومصالحهم كانت منذ الساعة الأولى في صدر ما ~~عنيت به وزارتي من الشاغل ... وتلقاء شعوري بواجب حمايتهم، وثقتي بما أملك من ~~الوسائل، لم تحدثني نفسي لحظة بأن أتخلى عن المسئوليات التي أشار إليها تبليغ ~~الحكومة البريطانية، وإن لم يكن من شأن ذلك التبليغ أن يسهل علي أداء مهمة ~~اعتزمت على أي حال القيام بها إلى النهاية ... # ولم يبق إلا أن أرجو سعادتكم أن تعربوا للحكومة البريطانية عما تراه الحكومة ~~المصرية في عبارة التبليغ، التي تشير إلى مسئولية غيرها، فإنها وإن كانت لم ~~يهمها طبعا إلا الحرص على المحافظة على أرواح الأجانب وأموالهم قد تحمل على ~~أنها غض من سلطان الحكومة القائمة، وتشكيك في انفرادها بالمسئولية، وهي وحدها ~~التي تسأل عن حالة البلاد، وتخاطب في هذا الشأن، فيجر ذلك إلى غير ما قصد إليه ~~من تلك الإشارة مما قد يعيق من قوة التدابير التي تقضي بها إعادة ~~النظام. # وقد كان لهذا الرد شأن كبير جدا في إنجلترا، بل في العالم كله حتى قالت الصحف ~~الإنجليزية: إن الحكومة البريطانية قد لطمت لطمة تحس بصداها الولايات البريطانية من ~~لندن لغاية هونج كونغ، وقد أمرت إذ ذاك بعودة البوارج التي كانت أرسلتها للتهديد من وسط ~~الطريق ... ولكن تأثيرها في مصر - بالأسف - كان أن المعارضة اتهمت هذا الرد القوي بأنه لا ~~يمكن إلا ms046 أن يكون متفقا عليه مع الإنجليز، وكانوا منذ سنوات قليلة قد قالوا عن تصريح ~~28 فبراير إنه تسميم للآبار. # | دستور سنة 1930 # لما نقل إلى المرحوم زكي الإبراشي باشا رغبة المغفور له جلالة الملك فؤاد في اختياري ~~لتأليف الوزارة سنة 1930، رجوته أن يبلغ جلالته أنه إذا تم ذلك، فستكون سياستي أن أمحو ~~الماضي بما له وما عليه، وأن أنظم الحياة النيابية والدستورية تنظيما جديدا يتفق ورأيي في ~~الدستور، واستقرار الحكم والقضاء على الفوضى، والسعي الجدي للإصلاح القومي ... وقد وافق جلالة ~~الملك فؤاد على هذه السياسة، بل إنه كان راغبا فيها بعد ما مرت تجارب سبع سنوات كاملة، دون ~~أن تتقدم البلاد خطوة إلى الأمام، بل لعلها تأخرت إلى الخلف ... # ولذلك ما كدت أنتهي من تأليف الوزارة حتى أخذت أفكر فيما يجب أن يعمل لعلاج الحالة ~~الحاضرة، ولم أرغب في القيام بإجراء غير دستوري - على نحو ما فعل صديقي المرحوم محمد محمود ~~باشا من وقف الدستور، وتأجيل البرلمان ثلاث سنوات قابلة للتجديد - بل رأيت أن أسلك طريق ~~التعديل، الذي رسمه دستور سنة 1923، حتى لا أحرم البلاد من الحياة الدستورية. # لماذا أبدلت دستورا بدستور؟ # ولعل مما يهم الجيل الحاضر أن أبين له لماذا نقحت دستور سنة 1923، أو بعبارة أخرى ~~لماذا استبدلت به دستورا جديدا؟ # وضع الدستور المصري سنة 1923 منقطع الصلة بالماضي، فإنه على وجه العموم، وفيما عدا ما ~~أحتفظ به من الانتخاب بدرجتين، ليس بينه وبين نظام الجمعية التشريعية، أو ما سبقه من ~~نظام مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية سبب أو نسب. # وضع هذا الدستور على نظام الدستور البلجيكي، مستعيرا من غيره من الدساتير الحديثة ~~أحكاما مختلفة من هنا وهناك، فكان من ذلك كله مجموعة يصح بحق أن تعتبر صورة صادقة، لما ~~بلغته الديموقراطية في أوروبا في العصر الحديث ... ويعلم المطلع على تاريخ الدساتير ~~الأوروبية أن هذه الصورة الأخيرة لم يبلغها طفرة واحدة أي بلد من البلاد، التي نشأ ~~وترعرع فيها النظام النيابي، وأن الدساتير وضعت في كل بلد وفق أحوالها ms047 المعاصرة لها، ~~وأن التطورات الاقتصادية والاجتماعية بعد أن تبلغ مداها يكون لها أثرها في تعديل تلك ~~الدساتير، تعديلا يجيء تارة بطريق قلب الدستور وتغييره، وطورا بالطرق التي رسمها ~~الدستور نفسه. # ومن يستقرئ أخبار وضع الدساتير لن تفوته ملاحظة، أن كثيرا من واضعي الدساتير الحديثة ~~يعمدون إلى الانتفاع بخبرة الغير في الأمور الدستورية، دون مراعاة ما بين بلد وبلد من ~~الفوارق في الخلق، والطباع والنظم الاجتماعية. ويظنون خطأ أن آخر الأوضاع خيرها ~~إطلاقا، كما أن أحدث المخترعات أكملها، أو أن ما نجح في بلد لا بد ناجح في غيره من ~~البلاد، ويرون أن النقل عن الغير أقل كلفة وأهون نصبا، إذ كان البحث والاستقراء فيما ~~يناسب ويلابس حال كل بلد أمرا صعب المسلك طويل الشقة. # مصر ليست أوروبا # ولا شك في أن الأحوال الاجتماعية والاقتصادية العامة في مصر، خصوصا من حيث التعليم ~~ونوع الثروة العامة وتوزيعها، لا تشبه في كثير أحوال البلاد، التي نقل عنها الدستور ~~المصري سنة 1923، ولا يجهل أحد أن هذا الدستور وضع في وقت بلغ فيه الخلاف بين المشتغلين ~~بالمسائل العامة، والمشايعين لهم حد الفتنة؛ ولهذا كان من الواجب أن يفرق بين دساتير ~~البلاد، التي عالجت النظام النيابي دهرا طويلا وبين ما يوضع لنا، بقدر ما يقتضيه ~~اختلاف الشبه بين أحوالنا وأحوالها، كما كان من الواجب أن يجعل الدستور، بحيث لا تعلق ~~به آثار الفتنة التي ولد في جوها. # ليس يعنينا، بل يعني التاريخ وحده، أن نعرف ماذا كانت هذه الغاية الأخيرة مما كان ~~يمكن أن يحققها الذين وضعوا الدستور، وإنما الذي يعنينا أن نقرره هو أن دستور سنة 1923 ~~لم يحقق في تلك السنين ما عقد عليه من الآمال من أنه خير ما تمتعت، وتتمتع به البلاد ~~من صور الحكم وأكفلها بإقرار النظام والسلام، وتوجيه الأمور العامة إلى خير الغايات، ~~على يد الصالحين لذلك، القادرين عليه. # أوتوقراطية الوفد البرلمانية! # والدليل على ما تقدم أنه منذ جرت الانتخابات لأول مرة استعملت في سبيل النجاح فيها ~~طرق لم تألفها ms048 البلاد، ودعايات بعيدة عن أن تكون مقبولة في شرعة الدساتير، وأخرج كثير ~~من أحكام قانون الانتخاب عن غرضه، وعن وضعه الأصلي، كما حدث ذلك في أحكام تزكية ~~المرشحين، واستغل تاريخ النهضة لمصلحة فريق أحسن ذلك النوع من الاستغلال، فجاءت نتيجة ~~الانتخابات، سواء في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب، موافقة لشهوات ذلك الفريق في الظفر ~~بالغلبة، وقد تم له الظفر بحيث لم يترك مكانا لمعارضة قيمة، وفات الظافرون أنهم خالفوا ~~بذلك مصلحتهم الحقيقية، كما خالفوا لب النظام البرلماني وجوهره، وأسست من ذلك اليوم في ~~مصر «أوتوقراطية جديدة في صورة برلمانية»! # وأرادت تلك الأوتوقراطية أن تستديم لنفسها سلطانا أوتيته بفضل تلك الطوارئ العارضة، ~~فكان أول ما اتجه إليه نظرها تحويل الانتخاب ذي الدرجتين إلى انتخاب مباشر، موهمة أن ~~هذا النوع من الانتخاب هو خير نظام أخرج للناس! # وفي الحق أنه لا يمكن أن يوصف نظام من أنظمة الحكم بأنه خير الأنظمة، فليس في طبيعة ~~أي نظام أن يكون صالحا لكل زمان ومكان ما دامت الأمم، بل الأمة الواحدة على توالي ~~العصور هي ما نعرف من الاختلاف طباعا وعادات وأسباب حياة، حتى لقد قال بحق أحد ~~الحكماء: «جرت سنة الاجتماع وطبائع الشعوب بأن الأنظمة مهما تبلغ من الكمال ليست في ~~الواقع إلا حسابا وتقديرا، مرماه ونتيجته تفضيل أخف الضررين»! # والانتخاب المباشر إن شاع العمل به ليس في نظر محبذيه أنفسهم أكثر من صورة من صور ~~الحكم، أفضى إليها تطور الأحوال الاجتماعية في أوروبا، وجعل منها ضرورة حاضرة من ضرورات ~~النظام النيابي فيها، ومع ذلك فأهل الرأي في أمره على خلاف، وكثير ممن كتبوا في أزمة ~~الأنظمة البرلمانية يؤثرون عليه نظام الانتخاب ذي الدرجتين، ويقولون: إنه «كالمرشح ~~يعطيك ماء أشد نقاء وصفاء دون أن يغير ينبوعه.» # الأوتوقراطية في الحكم # لا أراني مسرفا إذا قلت إن فريق الأوتوقراطية كان قد جرب عدة مرات في الحكم، فأبدى ~~فيها عجزا، وأوشك أن يلحق في كل مرة بالبلاد وسمعتها ضررا بليغا ... ذلك أنه لم يسلك ~~في الحكم ms049 السبيل المستقيم، فقد شغل باستدامة أسباب النفوذ والسلطان لنفسه، وبتوفير ~~وجوه المنافع لأنصاره والثأر من خصومه، عما يقتضيه الحكم من توفر على النظر في حاجات ~~البلاد وضروب الإصلاح، وتضحية في سبيل إسعاد البلاد ورقيها. # ولا شك في أن داء البلاد الوبيل كان في ذلك الحين طغيان فئة اتخذت من الدعاية، التي ~~تنشرها بين الناخبين والنواب جميعا سببا ممدودا للحكم والتحكم، فإن هي أقصيت عن ~~الحكم حاولت استثارة عطف الجماهير بدعوى اضطهادها لدفاعها تارة عن استقلال البلاد، ثم ~~عن الدستور تارة أخرى! فهي في سبيل مصلحتها الخاصة كانت تصرف البلاد عن سبيل الخير، ~~وتشغلها عن حل مشاكلها وإصلاح شئونها. # لذلك رأيت أن مصلحة البلاد الكبرى تفرض على القائمين على أقدارها أن يمحوا الماضي بما ~~له وما عليه، وأن يصدر دستور جديد تستفتح به صفحة جديدة في تاريخها الحديث ... وإذا كانت ~~الضرورات ألجأتني إلى انتهاج هذه السبيل، فالتاريخ العام للحياة النيابية حافل بمثل هذه ~~الظاهرة، ظاهرة إبدال دستور بدستور ... # رئيس الديوان والدستور الجديد # كان رئيس الديوان الملكي في ذلك الحين المرحوم محمد توفيق نسيم باشا، فلما رفعت إلى ~~جلالة الملك فؤاد مشروع الدستور الجديد، وضع نسيم باشا مذكرة ضمنها عدة ملاحظات على بعض ~~مواده، وعارض في إصدارها على الصورة التي اقترحتها، ولكن الملك فؤاد لم يوافقه على هذه ~~الملاحظات، وكان يميل إلى استقرار الحكم، وقد عز عليه أن يرى بلاده واقفة حيث هي يضيع ~~العجز مصالحها، وتقطع الحزبية الجامحة أوصالها، ويهمل العمل فيها للإصلاح، ولا تجد من ~~يتولى شئونها بعزم وحزم ونزاهة، للسير بها إلى الأمام، في حين نرى الأمم الأخرى - حتى ~~الأمم التي هي أقل شأنا من مصر - تتسابق في معالجة مشاكلها، وتجد في السير للرقي ~~والمجد؛ ولذلك ارتاح جلالته لهذا الدستور وشجعني عليه، فمضيت فيه، واستطعت في خلال ~~الفترة التي حكمت فيها بعد صدور الدستور الجديد أن أقوم بأعمال هامة في الإصلاح العام، ~~ما زالت آثارها باقية حتى الآن، سواء في نواحي الإصلاح الزراعي كمشروعات الصرف والري، ~~وتعلية خزان أسوان، ms050 أو في الإصلاح العمراني كإقامة الجسور، وتجميل المدن، وإنشاء طريق ~~الكورنيش بالإسكندرية، أو في الإصلاح الاقتصادي كمعالجة الأزمة الاقتصادية، والعمل ~~لتخفيف وطأتها في مصر بعدة تدابير لا تزال باقية آثارها ... ولا يخفى أن الأزمة التي كانت ~~قائمة لم تكن مصرية فحسب، بل كانت أزمة عالمية لم يشهد العالم مثلها، فعملت على الأخذ ~~بيد السكان فقراء وموسرين ممن كان أثر هذه الأزمة واقعا عليهم أكثر من غيرهم وهم ~~المزارعون ، فعملت على إبعاد أيدي المرابين عنهم، فأقرضتهم وجعلتهم يتخطون الأزمة بسلام ~~... وهنا يصح أن أذكر بنك التسليف الزراعي الذي أنشأته، وكان رحمة بالفلاح المصري، ونقمة ~~على المرابين وأكثرهم من الأجانب، وقد دام أثره الطيب الصالح حتى وقتنا الحاضر ... # حزب الشعب # أنا من الذين لا يميلون إلى الحزبية، ولا يحبون التقيد بالأحزاب؛ ولذلك لم أنضم طول ~~حياتي السياسية قبل سنة 1930 إلى حزب ولم أؤلف حزبا، وقد تألف حزب الأحرار الدستوريين ~~برياسة عدلي يكن باشا، واشترك فيه زميلي ثروت باشا، وكلاهما كان صديقا حميما لي، ومع ~~ذلك لم أنضم إليهما، ولم أشترك يوما في عضوية هذا الحزب. # ولكن بعد تأليفي للوزارة، ووضع دستور سنة 1930، وإعلان الانتخابات لقيام برلمان جديد ~~في ظل هذا الدستور رأيت أن لا بد للوزارة من استنادها إلى أغلبية برلمانية، وقد كنت ~~أؤمل أن يؤيدني حزب الأحرار الدستوريين، كما أيدني حزب الاتحاد؛ نظرا لصداقتي لأعضائه ~~الذين شعروا بأني سلكت الطريق القويم، ومما يؤسف له أن المسائل الشخصية لعبت في ذلك ~~دورها الممقوت، ولم يعمل حساب لما قلته بإخلاص عندما توليت الحكم وهو: «إني عابر ~~سبيل»! # ومن العجيب، أن الباقين من الأحرار الدستوريين ائتلفوا مع الوفد - وكانوا قد عانوا ~~منه ما عانوه بحجة أنني اعتديت على دستور سنة 1923 - وفاتهم أنهم هم الذين أجلوا الحياة ~~النيابية، وأوقفوا الدستور ثلاث سنوات قابلة للتجديد، وحكموا البلاد أربعة عشر شهرا ~~حكما؛ وصفوه هم بأنه حكم ديكتاتوري! # لذلك رأيت في تلك الظروف أن أؤلف «حزب الشعب»، ورؤي في أول الأمر أن يسمى «حزب ~~الإصلاح»، وقد ms051 انضم إليه عدد من أعضاء حزب الأحرار الدستوريين وحزب الاتحاد ~~والمستقلين. # وقد ظفر هذا الحزب بالأغلبية في الانتخابات، وبقي مؤيدا لي طول بقائي في الحكم، على ~~أنه عندما استقلت من الوزارة، وعهد بها إلى دولة عبد الفتاح يحيى باشا تخليت عن رياسته، ~~ثم استقلت من عضويته، ورأيت أن أعود إلى طريقتي في البعد عن الحزبية والأحزاب. # | عيوب في دستور سنة 1923 # تحدثت فيما سبق عن العيوب العامة لدستور سنة 1923، وعن الأوتوقراطية البرلمانية والحكومية ~~التي نشأت عنه، ووجهت البلاد توجيها خاصا، صرفها عن خدمة المصلحة العامة والاهتمام بحل ~~مشاكلها، وترقية شئونها إلى خدمة المصالح الحزبية، والالتفاف حول الأشخاص، ونشر النفوذ ~~والسلطان بين الناخبين مما دعاني إلى تنقيحه، وإخراجه في شكل جديد. # وهنا أحدث القراء عما يوجد في هذا الدستور من عيوب خاصة أعانت على استفحال هذا الداء، ~~وماذا خلا منه مما يعين على مكافحته، ليمكن تعديله أو إضافته دون المساس بأصوله ~~الثابتة. # كثرة عدد النواب # جاء دستور سنة 1923 بعدد لأعضاء مجلس النواب أكثر مما تقتضيه ضرورات الحكم، وحالة ~~البلاد الحاضرة، فقد جعل التمثيل بنسبة نائب إلى ستين ألفا من الأهالي، فكان عدد ~~النواب 214 نائبا قبل سنة 1927، فلما ظهرت نتيجة الإحصاء الذي أجري في ذلك العام أصبح ~~ذلك العدد 235 نائبا، ولا يزال ذلك العدد يزداد بتلك النسبة على اطراد كل عشر سنوات ~~حتى أربى الآن على ثلاثمائة. # وقد كان عدد أعضاء مجلس شورى القوانين 30، وعدد أعضاء الجمعية التشريعية 38، فما شكا ~~أحد من الأخيرة قلة أو ضآلة، والمعروف في علوم الاجتماع والمشاهد في المجالس الكبيرة ~~العدد أنه كلما ازداد العدد كانت المناقشات أقل جدوى، واستقلال الرأي ونضوجه أضعف ~~سببا، وقد حددت لجنة الدستور هذا العدد احتذاء لمثال بعض الدول الأجنبية. # على أن الاستكثار من عدد النواب في تلك الدول يلحظ فيه رقى التربية السياسية، وتعدد ~~المصالح واختلافها؛ لكي يكون للآراء المتباينة، والمصالح المختلفة ممثل ينطق ~~بلسانها. # وقد وجد «فريق الأوتوقراطية» في هذا العدد الكبير أداة مستحبة لاستهواء الأنصار أو ~~إرضائهم، ms052 وطريقا معبدا لاستدامة نفوذه وسلطانه بما نشأ بينه وبين هؤلاء الأنصار من ~~الاتفاق والتعاون: هم يؤيدونه بالاستسلام له في المجلس، وهو يجزيهم على ذلك تعضيدا، ~~ومنافع أخرى تجعلهم أكثر حرصا على الاحتفاظ به، وتفانيا في الدفاع عنه، بل لم يكفه ~~هذا العدد الكبير، فزاد من عدد أعضاء مجالس المديريات زيادة لا تقضي بها ضرورة، ولا ~~تبررها مصلحة جعلت من أعضاء هذه المجالس ضعفي عدد النواب. # تحسين مستوى النواب # وليس من شك في أنه مع غلبة الشبه في نواحي الحياة المصرية، وقلة وجوه الاختلاف ودرجة ~~التربية السياسية، يكفي عدد أقل من ذلك العدد بكثير لقضاء كل حاجات التمثيل في مجلس ~~النواب، بل إن هذا العدد الأقل الذي سينتخب عن دوائر أوسع يكون بطبيعة الحال أرفع ~~مستوى، وأكثر جدارة من متوسط النواب. # والأمثل في هذا الشأن أن يكون العدد ثابتا، بحيث لا تعرض له الزيادة كلما زاد عدد ~~الأهالي بحسب ما يثبته الإحصاء كل عشر سنوات، إذ زيادة عدد الأعضاء على وجه الاطراد ~~تسبب الارتباك في العمل، وليست في ذلك ضرورة إذا روعي بقدر الإمكان في توزيع عدد ~~الأعضاء على دوائر الانتخاب، تساويها في عدد السكان. # وبما أن ازدياد عدد السكان يحصل على وجه العموم بنسبة واحدة في كل دائرة، فالتمثيل ~~يظل بذلك عادلا لاطراد التساوي فيه. # على أن المألوف أيضا في أغلب البلاد الدستورية كإنجلترا، وفرنسا، والولايات المتحدة، ~~أن للنواب عددا ثابتا يوزع على أقسامها الإدارية لا يتغير بتغير عدد السكان، بل لقد ~~عرف عن بعضها تفاوت ظاهر بين الدوائر المختلفة، من حيث ذلك العدد - وهذا التفاوت الذي ~~كثيرا ما يكون نتيجة العمران اللازم عن رقي الصناعة، واتساع نطاقها، هو وحده الذي يدعو ~~إلى إعادة النظر في التوزيع بين فترات طويلة. # ولهذا رأيت أن أحدد عدد أعضاء مجلس النواب في دستور سنة 1930، بحيث لا يزيد عن 150 ~~نائبا، وقد وزع هذا العدد على المديريات والمحافظات بمقتضى قانون حدد الدوائر ~~الانتخابية في ذلك الحين. # الانتخاب المباشر وذو الدرجتين # كانت لجنة الدستور سنة ms053 1923 قد جعلت طريقة الانتخاب على درجتين، وصدر بذلك قانون، ~~فلما تولى الوفد الحكم حول هذا الانتخاب ذا الدرجتين إلى انتخاب مباشر، بدعوى أنه حق ~~طبيعي وأصدق للتعبير عن رغبة الأمة. # والصحيح أن الانتخاب وظيفة، لا حق يتمتع به الكافة على السواء، وأنه لذلك يجب أن تكون ~~لدى الناخب الكفاية اللازمة لما يناط به من حسن الاختيار. # وما نحتاج إلى دليل على أن هيئة الناخبين في مصر تعوزها أسباب التربية السياسية، التي ~~تمكن الناخب من الحكم في قضايا السياسة، ومشاكل الحكم؛ ليؤثر من يراه أدنى إلى قلبه ~~وفهمه. # وليس من يجهل أن مصر بلد زراعية، وفيما عدا المجاميع التي تسكن المحافظات، وعواصم ~~المديريات والمراكز، والتي لا تبلغ ربع عدد السكان، فإن أساس الحياة العامة، والخلية ~~الأولى في عمليات الانتخاب هي القرية، ومعظم القرى يتراوح سكانها بين حوالي الألف ~~وأربعة الآلاف، وعلى القرية وطبائع سكانها يبنى الحكم ويجري القياس، ولو أن أهل القرية ~~سئلوا أن يختاروا من بينهم من يثقون بذمتهم لكانوا خليقين بأن يحسنوا الاختيار؛ لأن ما ~~يقتضيه ذلك من معرفة الخلق والمقدرة موفور الأسباب في هذا المجتمع الضيق، لكنهم لو ~~سئلوا أن يتجاوزوا أفق القرية، لاختيار رجل يتحدث عنهم، وعن أمثالهم ممن يكون مجموعهم ~~دائرة انتخابية «ستين ألفا» أو نحو «مائة ألف» لأعوزتهم المعرفة المباشرة بلا شك ... فلم ~~يبق إذن إلا أن يعتمدوا على العلم بشيء مما يتجادل فيه المرشحون، وعلى الإلمام بطرف من ~~ماضي أحزابهم، ومبادئها ونزعاتها والتميز بينها. # فهل يستطيع ذلك سواد الناخبين في مصر؟! # مثل هذا يكون مستطاعا لو أنه يتصل بأسباب حياة الناخب اليومية، أو لو أنه شيء يرتجل ~~ولا حاجة فيه إلى إعداد وتربية، ومن أجل ذلك كان الانتخاب ذو الدرجتين أدعى إلى التعبير ~~السليم بين المرشحين، فإن من شأنه أن ينتج أفضل أهل القرية وأكثرهم غشيانا للمدن، ~~ومعرفة بالرجال، وبالتالي أقربهم إلى العلم بالشئون العامة. # ونلخص ما تقدم في كلمتين: أن الانتخاب المباشر يجعل الفلاح ينتخب نائبا لا يعرفه ~~...! # عيوب مجلس الشيوخ # وما ms054 يقال في عدد أعضاء مجلس النواب من حيث الثبات، وطريقة الانتخاب يقال في مجلس ~~الشيوخ؛ ولهذا نص دستور سنة 1930 على أن عدد الشيوخ يكون ثابتا لا يتجاوز المائة، وعلى ~~أن انتخاب المنتخبين يكون على درجتين. # الجزء الأول ... والجزء الأخير من مسودة تصريح 28 فبراير بخط إسماعيل ~~صدقي باشا. # أعضاء لجنة الدستور يتوسطهم حسين رشدي باشا رئيس اللجنة. # بقيت مسألة التعيين والانتخاب، ونسبة كل منهما للآخر، فقد روعي في مجلس الشيوخ أن ~~يكون بعض أعضائه معينين، والبعض الآخر منتخبين، غير أن دستور سنة 1923 آثر الانتخاب ~~بالعدد الأكبر، فجعل له ثلاثة أخماس الأعضاء، وترك لتعيين الملك الخمسين. # وقد كان وما يزال أخص ما يعاب على الأنظمة النيابية أنها جعلت السياسة صناعة يحترفها، ~~ويحذقها عدد غير قليل. # وإذا كان ذلك مما لا يستطاع تجنبه للحاجة إلى أمثالهم في تكوين صفوف الأحزاب، فإنه ~~مما يقوم الأداة السياسية للبلاد أن يكون إلى جانب هؤلاء أشخاص يستطيعون بمكانتهم ~~الاجتماعية، أو بسابق خدماتهم أن يكونوا مستقلين عن الأحزاب كل الاستقلال أو بعضه، كما ~~يستطيعون بما اجتمع لهم من علم أو تجربة في الصناعات، والأعمال التي زاولوها أن يدخلوا ~~في الحياة السياسية آراء ناضجة، ومشاعر ونزعات خلت من النعرة الحزبية. # ولكن كثيرا من هؤلاء يأبون أن يخوضوا معامع الانتخاب؛ صونا لكرامتهم عن المنازعات ~~والمناضلات؛ لذلك تفتح لهم في كثير من البلاد أبواب مجلس الشيوخ، وسواء أكان الدخول فيه ~~بطريق التعيين أو بطريق الانتخاب، فإنه لإبعاد مزاحمة طوائف محترفي السياسة، رأيت أن ~~يشترط فيمن يدخله شروط خاصة من الوظائف أو الأعمال، أو الصناعات أو الثروة، وزدت في ~~الدستور نسبة المعينين في هذا المجلس من خمسيه إلى ثلاثة أخماسه، فأصبحت نسبة المعينين ~~من الشيوخ أكثر من المنتخبين، حتى لا تحرم البلاد من خدمات عدد من رجالها ~~الأكفاء. # لا أريد أن أخوض في عيوب دستور سنة 1923، التي دلت تجارب السنوات الماضية على وجوب ~~إصلاحها، وحملتني على تنقيحه دون المساس بأصوله الثابتة، ولكني أشير هنا إلى أنه ما ~~كادت تبدو ms055 الرغبة في إصلاح الدستور، وما كاد دستور سنة 1930 يظهر للوجود حتى شن الوفد ~~على هذا الإصلاح حملات شعواء! وكان طبيعيا أن يشن الوفد هذه الحملات؛ لأنه وجد في ~~الدستور الجديد حدا من سلطانه الحزبي والبرلماني، ولكن لم يكن من الطبيعي في ذلك ~~الحين أن يقف الأحرار الدستوريون من الدستور الجديد موقف المعارضة، فقد كانوا يشكون كما ~~يشكو سائر العقلاء والمحبين لمصلحة البلاد من الطغيان الحزبي، وكانوا يبحثون كما أبحث ~~عن طرق العلاج، وقد هدى التفكير إلى صنفين من العلاج لا مندوحة من اختيار أحدهما إذا ~~أريد المخرج؛ الأول: علاج يقضي بإلغاء الحياة النيابية إلغاء تاما، أو تعطيلها إلى ~~أجل غير مسمى، حتى تجري الأمور في مجاريها الطبيعية، ويلتفت رجال السياسة إلى مصالح ~~البلاد، ويتعهدوها بالخدمة الخالصة. # إسماعيل صدقي باشا، وعبد الخالق ثروت باشا بطلا تصريح 28 فبراير سنة ~~1922. # وأما الثاني، فعلاج يراد به تلمس أرفق الوسائل لإصلاح ما ظهر من عيوب النظم النيابية ~~في مصر، إصلاحا يتم في هوادة وفق ناموس التطور، وتنعدم منه كل أسباب الشكوى، وتستقر به ~~الأمور. # كان علينا أن نختار أحد هذين العلاجين، وكانت أمامنا تجربة الأحرار الدستوريين، وهم ~~الذين فضلوا العلاج الأول، وطبقوه سنة 1928، ولكنه كان علاجا قاسيا، وظالما في الوقت ~~نفسه؛ لأنه أشبه شيء بعملية البتر التي لا يجوز الالتجاء إليها إلا عند الضرورة القصوى، ~~حين لا تكون هناك مندوحة عنها. # ولذلك اخترت أنا العلاج الثاني، وهدفي إنقاذ الوطن من سوء المصير، وكان موقف الأحرار ~~الدستوريين من هذا العلاج من أعجب المواقف! # | الملك فؤاد كما عرفته # عرفت المرحوم الملك فؤاد أميرا، وسلطانا، وملكا ... فعرفت فيه صفات الإمارة والقيادة، ~~والعظمة، والملك، وعرفت فيه حبه للعلم، وإيمانه برسالته في تقدم الأمم، وتعشقه للرقي ~~والحضارة، وتشجيعه للعلماء، وميله للتعرف بكبار النابهين من رجال العلم والسياسة. # وقد كان أول اتصالي به - كما بينت في كلمة سابقة - حينما اخترناه رئيسا للجامعة المصرية ~~الأهلية بعيد تأسيسها في سنة 1906، وهو يومئذ أمير معروف بهذه الشمائل الغراء التي أكسبته ~~تقدير العلماء، ms056 واحترام رجال السياسة في مصر والخارج، ذلك الاحترام الذي هيأ له مركزا ~~ممتازا في الأندية السياسية في أوروبا، وجعله من الأمراء المعدودين الذين تتجه إليهم ~~الأنظار إذا ما أريد لبلد أن يتبوأ عرشها ملك، حتى في البلاد الأوروبية؛ أي إن منزلة الأمير ~~فؤاد ومواهبه كانت تسمو على منزلة الأمراء العاديين ... ولكن الله أراد ألا يكون عرشه غريبا ~~عن بلده، بل عرش مصر. # ومن حسن الطالع أنه لما مات السلطان حسين كامل تنحى نجله الأمير كمال الدين حسين عن ~~العرش، على الرغم من إلحاح الإنجليز عليه بتبوئه، فانتقل إلى فؤاد، وكان ذلك من فضل الله ~~عليه؛ لأن مواهبه كلها لم تكن معروفة، ومن فضل الله على مصر؛ لأنه - رحمه الله - نهض بها في ~~طريق الحضارة نهضة مباركة موفقة، وكان يميل إلى تقليد والده المرحوم الخديو إسماعيل في هذه ~~الناحية المفيدة، التي تجعل بلاده في الطليعة، متجنبا ما وقع فيه غيره من أخطاء أو ~~عيوب. # ويشرفني أن أعود بالذكريات إلى هذا الحادث السعيد - حادث تولي الأمير فؤاد عرش مصر بعد ~~وفاة السلطان حسين - فقد كان مقيما بمحطة جليمونوبلو برمل الإسكندرية في ذلك الحين، وكنت ~~أقطن أنا بمنزلي بمحطة قريبة، وكنا نتقابل على الدوام للحديث في مختلف الشئون ... وذات يوم، ~~وقد انتهيت من الغداء، دق جرس التليفون، وإذا بالمتكلم «الأمير»، وإذا به يقول: أود أن ~~أراك. # فقلت: في أي وقت تريدون؟ # قال: الآن ... أريدك لمسألة هامة! # فخرجت مسرعا إليه فاستقبلني بمكتبه المكتظ بالكتب النفسية قديمة وحديثة، فقد كان مولعا ~~بالكتب والقراءة ... وقال لي: يا إسماعيل باشا ... أنا طلبت اليوم في القاهرة ... وأردت أن تكون ~~أنت أول من أنبئه هذا النبأ ... # قلت: لعله خير يا أفندينا ...! # قال: إنه على أثر وفاة أخي السلطان حسين يراد عرض العرش علي ... فما رأيك؟ # فقلت له: إن صفاتك العظيمة ومواهبك الممتازة تجعل اختيارك لهذا المركز خيرا لمصر، ونعمة ~~لأهلها ... ويسرني أن أكون أول من يهنئك، وأسأل الله أن يكون عهدك عهد يمن وبركة على ~~البلاد. # فقال: ألا تريد ms057 أن تسافر معي الآن؟ # قلت: أرجو أن تؤخر هذا للوقت الذي ترى فيه أن لوجودي بعض الفائدة! وقد حصل، وطلبني بعد ~~ذلك بأيام، وكان عطفه علي عطفا لا أنساه. # ملك أنموذجي! # تولى فؤاد الأول الأريكة المصرية في ظروف دقيقة، فكان عليه أن يحافظ على تراث آبائه، ~~وكان عليه أن يوطد دعائم العرش، ويذلل الصعوبات، ويحل مشاكل الأمة المصرية الرازحة ~~وقتئذ تحت نير الحماية والاحتلال، الذي امتد إلى عهده خمسة وثلاثين عاما. # تولى فؤاد الأول هذه الأريكة والحرب العالمية الأولى ما زالت قائمة، ثم كانت ~~الاضطرابات في مصر وفي بعض أنحاء العالم، ولم تكن هناك أمة تعرف مصيرها أو تتكهن بما ~~تأتي به الأيام، فاضطلع - رحمه الله - بمهام الحكم والسلطان في ذلك الوقت العصيب، وقبض ~~بيد حكيمة على أزمة البلاد، وساعدته مواهبه الفطرية، وثقافته الواسعة المتنوعة في قيادة ~~أمته قيادة حازمة في كل ناحية من نواحي نهضتها السياسية والعلمية والعمرانية. # وكانت المسألة المصرية أهم ما يشغل جلالته، وكان موقفه فيها موقف القائد المرشد الذي ~~يوجه توجيها صالحا، ويؤثر الروية وانتهاز الفرص لتحقيق مطالب الأمة، وقد انتفعت أنا ~~وثروت باشا بإرشاداته وحسن توجيهاته السديدة في تصريح 28 فبراير سنة 1922، الذي كان ~~متتبعا لأدواره منذ بدأ حتى انتهى. # وقد مرت به أزمات كثيرة، فكان يلقاها على الدوام بصبر وثبات، ونفس قوية لا تعرف اليأس ~~والملل، وكان أحسن مثل في التفاؤل والأمل بالمستقبل، غير أنه كان كثير التأثر لما يصيب ~~بلده من متاعب، وكان يضيق بمواقف رجال السياسة المصريين إذا ما آنس منهم الجنوح إلى ~~الاشتغال بمجد الأشخاص بلا فائدة لمصر، وكذلك عندما كان يرى أحقاد البعض تسيطر على ~~موقفه من المسائل الكبرى. # وأذكر بهذه المناسبة أن ولاية العرش لم تكن مما يحرص عليه لخدمة نفسه أو لمنفعة ~~شخصية، حتى إنه مكث مدة في سراي البستان التي كان يقيم بها أيام إمارته، وقبل أن يصبح ~~سلطانا وملكا، ولم يكن ينتقل إلى عابدين إلا للأعمال الرسمية، وكنت أتحدث إليه في ~~ذلك، فكان يقول: إنني أحب ms058 أن أبقى حيث أنا حتى إذا لم أنجح في خدمة بلادي تخليت عن ~~العرش! # الملك فؤاد وكرامة العرش # وكان الملك فؤاد وطنيا صميما متعصبا لوطنه ولمصريته، مع أنه عاش طويلا في ~~الخارج، وأعجب بحضارة البلاد الغربية، ولكن إعجابه كان مقصورا على رغبته في الإفادة من ~~حضارة الغرب بما يدفع مصر خطوات في طريق الرقي والنجاح. # وكان إلى سماحة نفسه ونزاهته وتواضعه الكبير، عظيم الترفع عن الصغائر، حريصا على ~~المحافظة على كرامته وكرامة العرش؛ لأنه كان يرى العرش رمزا لعظمة الأمة ومجدها، فكان ~~ينأى به عن أن يمسه شيء من قريب أو بعيد خصوصا في بلد شرقي. # وكان الحكم في نظره ينبغي أن يبنى على العلم والعرفان، وقد عنى منذ كان أميرا بتقدم ~~مصر العلمي، ووقف جهوده على ترقية الحياة العقلية للأمة، ولما تولى العرش اهتم بالجامعة ~~المصرية - التي كان رئيسها والعامل الأول لرقيها - فيما اهتم به من جلائل الأعمال، ~~ونقلها إلى الحكومة وأصبحت من كبريات الجامعات، كما اهتم بالجمعيات العلمية، فأحيا ~~الجمعية الجغرافية وجدد نشاطها، وتأسست من جديد جمعية الاقتصاد السياسي والإحصاء ~~والتشريع، وأنشأ معهد الأحياء المائية، وأنشأ متحف فؤاد الصحي، ومعهد البحوث الصحراوية، ~~وأمر - رحمه الله - بإنشاء مجلس الأبحاث، الذي تم تأليفه بعد وفاته، وأسندت إلي ~~رئاسته بأمر من نجله الملك فارق الأول. # وأذكر أنه دعاني لزيارة المتحف الزراعي ببودابست عاصمة المجر، وهو أعظم متحف من نوعه ~~في العالم، وأحب أن يكون في مصر متحف على مثاله، فصدعت بأمره، وزرت هذا المتحف، ولما ~~عدت عملت على تحقيق رغبة جلالته بإنشاء متحف فؤاد الزراعي على غرار هذا المتحف ~~العظيم. # وقد كان للملك فؤاد من الأثر العمراني ما نهضت به الحياة الاقتصادية والعمرانية في ~~مصر، فقد اهتم جلالته برقي الصناعة والزراعة، فأنشئت في عهده: وزارة التجارة والصناعة ~~لمساعدة المنتجين، وتشجيع الصناع والأخذ بيدهم؛ لتبلغ الصناعات الوطنية المكانة، التي ~~بلغتها صناعات الأمم الراقية، وقد تألف في عهده وبإرشاده الاتحاد المصري للصناعات، ~~وتأسيس بنك التسليف الزراعي، وكان هذا البنك رحمة للمزارعين المصريين، وتقدمت ms059 أنواع ~~الزراعات المصرية في عهد الملك فؤاد، وتألفت الجمعيات التعاونية، إلى غير ذلك مما كان ~~له أكبر الأثر في التقدم الاجتماعي والاقتصادي بمصر. # كل وقته للعمل # وكان الملك فؤاد عجيب الأطوار، إلى حد أنه لما تولى الحكم، كان كأنه تسلم رسالة من ~~المولى - سبحانه وتعالى - بأن يكون نعمة على البلد، فكان كل وقته مكرسا للعمل ... وربما ~~كان غريبا لبعض الناس أن الملك فؤاد كان يعلم من أعمال الحكومة ما لا يعلمه الوزراء ~~أنفسهم، وكنا نحن الوزراء نذهب للاجتماع معه، ونحن نعلم أنه قد درس المسائل التي ~~سنتناقش فيها دراسة ضافية، وزاد على ما قدم له من مذكرات، وبيانات بمراجع وأبحاث من ~~عنده. # وكم يرتاح من هو في سني في الوقت الحاضر، إذ يرى أكبر هم لمليكنا المحبوب فاروق أن ~~يقتدي بوالده، ويحب - لو استطاع - أن يعمل كما كان يعمل سلفه العظيم. # | تنازل الخديوي عباس عن العرش # لعل من محاسن الاتفاق أني كنت أول من هنأ الملك فؤاد بالعرش سنة 1917، وأول من عمل لتوطيد ~~عرشه بالاتفاق مع الخديو السابق عباس حلمي الثاني على التنازل عن عرش مصر سنة 1931. # وقد مر بك في الكلمة السابقة، كيف أنبأني جلالته بنبأ عرض العرش عليه بعد وفاة السلطان ~~حسين كامل، وكيف هنأته لهذا النبأ السعيد. واليوم أتحدث عن اتفاقي مع الخديو عباس على ~~التنازل عن عرش مصر لجلالة عمه الملك فؤاد ... # حق لا ينازع! # كان الخديو عباس قد سافر إلى الآستانة في صيف سنة 1914، فلما قامت الحرب العالمية ~~الأولى وأراد العودة إلى مصر، انتهز الإنجليز فرصة قيام تلك الحرب، ومنعوه من العودة ~~إلى بلاده بحجة انضمامه إلى أعدائهم، ثم أعلنوا خلعه في 19 ديسمبر سنة 1914، فآل الحكم ~~إلى السلطان حسين كامل باعتباره أكبر أمراء الأسرة العلوية، عملا بفرمان سلطان تركيا ~~الذي صدر في مايو سنة 1841، والذي ينص على أن ولاية مصر تنتقل لأكبر أولاد محمد علي ~~باشا الذكور وأولاد أولاده. # ولكن الخديو عباس لم يعترف بهذا الخلع؛ لأنه لم يصدر من سلطان تركيا؛ ولأن ذلك ms060 ~~الفرمان قد ألغي بفرمان سنة 1866، الذي حصل عليه الخديو إسماعيل باشا من السلطان، وينص ~~على أن ولاية مصر تكون لأكبر أنجال الوالي طبقة بعد طبقة، وقد تولى والده الخديو توفيق ~~باشا بهذا الفرمان، كما تولى هو العرش بمقتضاه، فهو صاحب الحق الذي لا ينازع! # وقد أعلن استقلال مصر في 15 مارس سنة 1922، واعترفت بريطانيا بأحمد فؤاد الأول ملكا ~~على مصر، كما اعترفت بولاية العهد «للأمير فاروق»، ووضع الملك فؤاد نظاما لتوارث عرش ~~المملكة المصرية، وصدر به أمر ملكي، ولم يكن الخديو قد تنازل من جهته عن حقه، ولم يعترف ~~بهذا النظام، فكان من المهم تسوية هذه المسألة تسوية نهائية حتى لا تبقى معلقة إلى ما ~~شاء الله. # ولما توليت الحكم سنة 1930 كانت هذه المسألة من أهم ما شغلني، وقد عاصرت الخديو عباس، ~~وعملت معه في شبابي إلى أن أصبحت وزيرا للزراعة في عهده، ودامت علاقتي به حتى بعد خلعه ~~أثناء زياراتي لأوروبا، وكان كثير المودة والعطف علي، كما عاصرت الملك فؤاد وتعاونت معه ~~في شبابي وكهولتي، وتمتعت بصداقته وثقته، وكنت أعرف تقدير الخديو عباس لعمه الملك فؤاد ~~وحبه له وإعجابه به، كما كنت أشعر باهتمام جلالته بحل هذه المسألة، ورغبته في وضع حد ~~نهائي لها يمحو ما صنعته الظروف من غشاوة بينه وبين ابن أخيه. # سر على بركة الله! # وبينما كنت أفكر في هذا الموضوع اتفق أن وصل إلى مصر من سويسرا عبد الله البشري بك، ~~سكرتير الخديو عباس موفدا من سموه لمقابلتي، وكان ذلك في يناير سنة 1931، فاجتمعت به ~~في منزلي، وأفضى إلي بأن سمو الخديو قد آنس ضجرا من هذه الحال، وأنه يود أن يزيل ما ~~بينه وبين عمه من خلاف على العرش، وأنه يعرب عن صادق إخلاصه، ويود له التوفيق في خدمة ~~مصر، كما يود أن يتم ذلك على يد صديق له مثلك. # وارتحت أنا لهذا العرض، بل تفاءلت وحمدت الله عليه، ورجوته أن يوفقني فيه لخدمة مليكي ~~وعرش بلادي. # وبعد الاجتماع استأذنت جلالة الملك، وقابلته، ms061 ووضعت بين يدي جلالته ما حمله رسول ~~الخديو، فابتهج به، وقال لي: «سر على بركة الله ...» # مجلس الوزراء لا يعلم! # وتعددت المقابلات بيني وبين البشري بك، ولم يكن أحد يعلم بها في مصر - بعد جلالة ~~الملك فؤاد - غيرنا نحن الاثنين، وروعي الكتمان الشديد، حتى إن مجلس الوزراء لم يكن ~~يعلم بهذه المفاوضات، وكنت أجتمع به في منزلي. # وفي 10 فبراير سنة 1931 سافر البشري بك لمقابلة الخديو، وكان سموه في تونس، ثم تركها ~~إلى الجزائر، فلحق به، ومكث معه بضعة أيام عرض عليه فيها تفاصيل ما جرى بيني وبينه، ثم ~~عاد إلى مصر في أول مارس مزودا بتعليمات سموه، واستأنف البحث معي وأبلغني أن الخديو ~~عباس قبل مبدئيا التنازل، فأخذت أضع معه نصوص الاتفاق، وكنت قد طلبت إلى عبد الحميد ~~بدوي باشا أن يضع الصيغ النهائية، ففعل إلى أن انتهينا منها، ثم اتفقت معه على أن توفد ~~الحكومة المصرية مندوبين لها لمقابلة سموه وإنجاز الاتفاق، وذلك في موعد يخبرني به ~~تلغرافيا بعد مقابلته للخديو بسويسرا. # وفي 26 مارس سافر البشري بك، ثم وصلني منه تلغراف يقول فيه: إن سمو الخديو سيكون ~~بلوزان في 15 أبريل، فانتدبت سعادة أمين أنيس باشا المستشار الملكي في ذلك الحين، ~~والأستاذ بتسي بك المحامي، كوفد من قبل الحكومة المصرية، وصحبهما يوسف جلاد بك (باشا) ~~رئيس الإدارة الإفرنجية بسراي عابدين ... وجرت المقابلات مع الخديو السابق في فندق سافوي ~~تارة، وفي فندق لوزان بالاس تارة أخرى، وكان سموه يقصد إلى لوزان يوميا بسيارته ~~للإشراف على الاتفاق، إذ كان مقيما في ديفون، حتى تم وضع الصيغ النهائية، وأمضى سموه ~~الوثيقة في 6 مايو سنة 1931. # وأبلغني الوفد نبأ التوقيع تلغرافيا، فأبلغته لجلالة الملك، وكان اليوم الثاني من ~~عيد الأضحى المبارك، فاجتمع مجلس الوزراء برياسة الملك فؤاد في قصر القبة العامر، ~~وأفضيت إلى زملائي بهذا النبأ، وأعلناه رسميا في البلاد. # وثيقة التنازل # لم يكن في هذا الاتفاق أية مساومة، وقد قبل الخديو عباس التنازل عن العرش بدافع ~~الوطنية، والحب لعمه ms062 ولأسرته التي خدمها 23 عاما، ورضي عن طيب خاطر أن يتخلى عن حقه ~~بدون قيد ولا شرط؛ لأن الجالس على العرش هو أكبر أنجال محمد علي باشا الكبير، كما أنه ~~أكبر أنجال الخديو إسماعيل، ولم تدفع الحكومة المصرية تعويضا، ولكن رؤي أن تصان كرامة ~~الخديو في أوروبا وكرامة البلاد التي كان يتولى عرشها، فتقرر أن تدفع الحكومة له ~~سنويا مبلغ ثلاثين ألف جنيه لا تنسحب على الماضي، ولا يصرف منها شيء لأحد من ورثته ~~بعد الوفاة، ولم يكن هذا ثمنا للتنازل، ولا امتيازا على غيره من ذوي العروش المخلوعة، ~~أما وثيقة التنازل، فهذا نصها: # إني موقن بأني خدمت بلادي بأمانة وإخلاص، وأني كرست لها مدى ثلاث وعشرين سنة ~~- بالرغم من دقة الظروف - كل قواي وخير أيام حياتي. # وقد تتبعت عن كثب ما أحرزته البلاد، وما لا زالت تحرزه من أسباب التقدم في ~~جميع النواحي. # وإني مغتبط بما أراه من خطاها الثابتة في سبيل توثيق استقلالها، والتوفيق بين ~~نظامها السياسي، وبين حاجاتها وأمانيها. # ورغبة مني في تحديد موقفي حيال نظام مصر السياسي، وتأكيد إخلاصي نحو ذات ~~ملكها المعظم، فإني أعلن اتباعي للدستور المقرر بالأمر الملكي رقم 70 لسنة ~~1930، وأصرح بأني سأتوخى في جميع الظروف خطة مطابقة للنظام المقرر لقوانين ~~البلاد. # وعلى وجه الخصوص أعلن احترامي للأمر الملكي الصادر في 13 أبريل سنة 1922، ~~بوضع نظام لتوارث عرش المملكة المصرية، والقانون نمرة 28 سنة 1922 الخاص بإقرار ~~تصفية أملاكي، وهما جزءان لا يتجزءان من الدستور المصري، وقانون التضمينات نمرة ~~25 سنة 1923، وأعلن اتباعي لها جميعا. # ولما كنت أقر لحضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول بن إسماعيل بأنه ملك مصر ~~الشرعي، فإني أعلن بهذا تنازلي عن كل دعوى على عرش مصر، كما أعلن تنازلي عن كل ~~مطالبة ناشئة عن أني كنت خديويا لمصر أيا كان وجهها، سواء عن الماضي أم عن ~~المستقبل. # ومع تأكيد ولائي المطلق الدائم لجلالة الملك فؤاد الأول أعرب لجلالته عن صادق ~~إخلاصي، وأتوجه إلى الله بصالح الدعوات ليحوط جلالته والأمير ms063 فاروق ولي عهد ~~المملكة بعين عنايته، ليزيد في إسعاد مصر في حاضرها ومستقبلها. # وقد رفعت هذه الوثيقة إلى جلالة الملك فؤاد بعد عودة مندوبي الحكومة من سويسرا، مع ~~خطاب شخصي من الخديو إلى جلالته، فسر جلالته بهذه النتيجة، وأراد أن يعرب عن تقديره ~~لشخصي الضعيف بالإنعام على المرحومة السيدة حرمي بالوشاح الأكبر من نيشان الكمال، ولما ~~ذهبت لرفع آيات الشكر لهذا الإنعام السامي، وعلم بوجودها في الحرملك انتقل - رحمه الله ~~- إليها، وقال لها: «إن زوجك قد حاز كل أوسمة الدولة، وقد فكرت أن أقدم لك وسام الكمال ~~ليكون المكافأة، التي أستطيع أن أقدمها إليه في شخصك .» # خطاب من الخديو # وعلى أثر هذا الاتفاق وصلني خطاب من سمو الخديو قال فيه: ~~... نشكر دولتكم عظيم الشكر ... وبمناسبة انتهاء المفاوضات، وإمضاء العقد نخبر ~~دولتكم برضانا وارتياحنا، ونرجو لدولتكم دوام التوفيق في كل ما قمتم وتقومون به ~~من صالح العمل الكثير لسعادة مصر سياسيا، واقتصاديا وإداريا، بما عرف عن ~~دولتكم من القدرة والكفاية، وما اشتهرتم به من الحكمة، وأصالة الرأي وحبكم ~~للبلاد. # ونخص بالذكر علاجكم الحكيم لإنقاذ مصر من هذه الأزمة العالمية الطاحنة، ~~وتخفيف وطأتها على مصر العزيزة، وتثبيت ماليتها، كذلك إصداركم للدستور الجديد ~~الذي نرجو أن تمنح البلاد في ظله طمأنينة وحياة كلها تقدم ورخاء، حتى تصل بحسن ~~سعيكم، وسعي المخلصين من أبنائها، إلى ما تصبو إليه من إتمام استقلالها وتوثيق ~~مجدها ... # عباس حلمي # وقد كان هذا الخطاب مكتوبا بخط يده؛ رحمه الله رحمة واسعة. # | طلقت الحزبية ... # لم أكن أريد أن أؤلف حزبا، أو أصبح رئيسا لحزب يوما من الأيام؛ لأني لا أميل إلى ~~الحزبية، وليس من طبيعتي التشيع لشخص من الأشخاص، ولو كان شخصي، أو لفكرة من الأفكار إلا ~~إذا كنت مؤمنا بها إيمانا مطلقا عن كل غرض أو قيد من القيود ... ولكن ظروف الحكم والحياة ~~الدستورية اضطرتني إلى تأليف «حزب الشعب»؛ لأستند إلى تأييده بعدما تخلى عني جانب ذو شأن من ~~حزب الأحرار، وانضم إلى الوفد لمعارضتي، ومحاربة دستور سنة 1930، حتى ms064 إذا تركت الحكم، ~~وسايرت التيار الحزبي بعض الوقت، لمست أن لا فائدة من اتصالي بحزب معين، واستقلت استقالة ~~مسببة بينت فيها أن الحزبية في مصر ليست من النوع الذي يتحقق منه للبلاد نفع؛ لأنها عندنا ~~ذات صفة شخصية؛ أي إنها تتصل بالأشخاص لا بالمبادئ، وذلك شأنها في البلاد التي لم تنضج فيها ~~الحياة النيابية، ولم تستقر فيها مبادئ الحكم الديموقراطي، حيث يجتمع الناس حول أشخاص لا ~~حول مبادئ ... وقد كانت هذه هي حال بلاد اليونان في زمن مضى، بل لقد وصلت هذه البلاد في ذلك ~~الاتجاه إلى أن كانت تسمى الأحزاب بأسماء رؤسائها. # والواقع أننا في مصر لا نختلف عن ذلك في شيء، فالأحزاب عندنا أفراد جمعتهم وحدة حال، أو ~~صداقة، أو ذكريات مشتركة، أو أقسام من أحزاب انفصلت عن حزبها الأول لاختلاف في بعض وجهات ~~النظر، فكونوا من الأحزاب أحزابا، ولست أدري لهذا كله من فائدة غير تلك التي تهيئ ~~للمتحزبين أسباب الحكم ...! وأنت إذا استعرضت جميع الأحزاب المصرية، واستطلعت اتجاهاتها ~~العامة، لم تفز بأي فارق بينها ... وإذا كان لي أن أبذل نصحا، فهو أن تعمل الأحزاب على وضع ~~برامجها، وأن تعرض هذه البرامج على البلاد؛ لتتكون حول الأحزاب جمهرة مريديها العاملين على ~~نصرتها ... وهناك من شئون الحكم مسائل كثيرة لا بد أن يفهم الحكام اتجاه البلاد نحوها، فإننا ~~في مصر لم تتكون لنا حتى الآن فكرة عامة تتعلق بكنه ما نريده من الاستقلال ... هل هو استقلال ~~مجرد عن الاتصال بالغير؛ أي ضيق في مراميه، أم استقلال مبني على التعاون مع باقي الدول، ولم ~~نكون رأيا في سياستنا الخارجية بعد ما انقسم العالم إلى كتلتين شرقية وغربية، ولم نحدد ~~موقفنا من كل منهما، أو نقرر أي الكتلتين هي الأصلح للانضمام إليها لصيانة استقلالنا، ~~وتحقيق أهدافنا ... لم نفعل ذلك ... بل لم نكون خطة صالحة في القضايا الاجتماعية، وهي ذات خطر ~~كبير في الوقت الحاضر، ولا في القضايا المالية والاقتصادية وسياسة التعليم، تلك القضايا ~~التي هي مثار الأبحاث الدقيقة في البلاد ms065 الأخرى، وإنما الذي نراه من حكامنا هو الارتجال، ~~كلما عرض لهم شيء من هذه المسائل! # وأملى كله في الهيئة البرلمانية أن يتكون لها من المران، ومن الشعور بالواجب ما يدفعها ~~إلى نهج جديد تسير فيه على غرار البلاد الأخرى، التي نرى نتائج بحوثها ومساعيها الطيبة نحو ~~رقي البلاد، وإسعاد الشعب. # مقابلتي لموسوليني! # أشرت في كلمة سابقة إلى مقابلتي لموسوليني بروما سنة 1925 وأنا وزير، وقد قابلت هذا ~~الزعيم السابق مرة ثانية في أغسطس سنة 1932، وأنا رئيس للوزارة، وكانت المقابلة الأولى ~~غير رسمية، أما الثانية فقد كانت مقابلة رسمية في قصر البندقية، وحينما دخلت عليه ~~استقبلني من أول الغرفة، وأخذ يتحدث معي حديثا شعرت منه بأن الرجل شديد المقت للنظم ~~النيابية التي تحول - في رأيه - دون رقي البلاد، بسبب ما ينجم عنها من خلافات شخصية بين ~~المشتغلين بالسياسة ... والذي لفت نظري في شكله عيناه اللتان كان ينبعث منهما بريق عظيم، ~~وتكاد نظراتهما تخترق الحجب ... وقد بادلني الزيارة في المفوضية المصرية، وقدم لي بيده ~~باسم ملك إيطاليا أرفع وسام إيطالي. # وقد استمر حديثنا طويلا، وأذكر أن اشتغاله بالإصلاح كان شديدا إلى درجة أنه سألني ~~عن الطريق، الذي سرت فيه بين نابلي وروما، وهل كان معبدا، فأخبرته أنه عظيم عدا مخارج ~~مدينة نابلي، فإنها تشعر بقلق بسيط، فأجاب: أتعشم أن تعود في اصطيافك من نفس الطريق، ~~فتجده معبدا ... وقد كان! # وهنا كلمني عن تقدم إيطاليا وقوتها، والرقي في كافة نواحي الحياة السياسية والقومية، ~~فسألته: ولكن هل استطعت أن ترقى بأخلاق الإيطاليين إلى ما تتوق أنت إليه؟ ... فقال لي: ~~إني أعني بتربية الشبيبة، وهي التي ستكون إيطاليا الجديدة ... وإني أعتقد أن الشبيبة ~~الإيطالية الآن لا تقل في قوة الأخلاق، وفي العلم عن الشبيبة الألمانية ...! # ولكن موسوليني على ما يظهر كان واهما حينما قال لي هذا الكلام، ولم يكن قد قدر ~~استعداد أهل بلاده للرقي الأخلاقي ... وهذا هو سر الانقلاب، وسر الفشل الذريع في مشروعاته ~~السياسية والحربية! # الصحافة أقوى سلاح حوربت به! # إن الصحافة قوة ms066 تستطيع أن تبني، وتستطيع أن تهدم، واستطاعتها في الهدم أشد منها في ~~البناء، خصوصا في بلد لم ينضج بعد النضوج الكافي ولم يتعود التفكير الذاتي. ولو أنه ~~كان جواري صحافة مؤيدة قوية لما استطاع خصومي أن ينجحوا في محاربة دستور سنة 1930، ذلك ~~الدستور الذي بينت كيف وضع بعناية وروية ودقة، والذي كان من أرقى دساتير العالم، وأقلها ~~عيوبا بالنسبة لدستور سنة 1923، بل إنه كان خاليا من تلك العيوب التي عانتها البلاد ~~في الماضي، وتعانيها الآن! ولكن خصومي استطاعوا أن يحاربوني بأقوى سلاح، وهو «الصحافة»، ~~وقد كانت لهم صحافة ذات دعايات حزبية تنشرها في البلاد، وكانت حرة من كل قيد، فأمكنها ~~أن تشوه أغراض هذا الدستور الجديد، ومبادئه الحقة، ووجدت من قرائها من يصدق هذه ~~الدعايات، أو من يجاريها تحت أهواء السياسة، وأقدار الظروف. # تدخل الإبراشي باشا! # وعلى الرغم من هذه الحرب الشعواء، التي كانت تشنها الصحافة، ويشنها خصومي فإني لم ~~أعبأ بذلك أثناء توليتي للحكم؛ لأنها كانت حربا حزبية أو قل إنها شخصية لا تهدف إلى ~~المصلحة العامة، بل تهدف إلى مصلحة شخص أو حزب معين، ولو أنها كانت لوجه الوطن ولمصلحة ~~البلاد العليا بعيدة عن الشهوة لما أخذت هذه الصفة التي كانت تتسم بها طول مدة وجودي في ~~الحكم ... على أنني مكثت ثلاث سنوات أعمل لخدمة بلادي، ومليكي وبنظام الحكم الجديد، وكنت ~~رئيسا للوزارة ووزيرا للمالية، ووزيرا للداخلية، وقد حملت أعباء السياسة والإدارة، ~~وشغلت نفسي ليلا ونهارا غير مدخر وسعا في القيام بواجباتي، وغير مشفق على صحتي حتى ~~مرضت، واعتكفت في مينا هوس. # وهنا برز المرحوم زكي الإبراشي باشا، وأخذ يبث نفوذه، ويتدخل في شئون الحكم والسياسة ~~... وسافرت إلى أوروبا للاستشفاء، فزاد نفوذ الإبراشي باشا واتسع نطاقه، ولما عدت من ~~أوروبا، وجدت الحال لا تطاق فاعتزمت الاستقالة، ولكني لما قابلت جلالة الملك فؤاد إذ ~~ذاك رأيت من عطفه ورعايته ما جعلني أعدل عن الاستقالة. # على أنه لم تمض إلا فترة قصيرة، حتى كانت أزمة تعيين المرحوم حسن صبري باشا ms067 وزيرا ~~في وزارتي، فقد رؤي أنه يعين وزيرا للمالية، ورأيت أن يعين في وزارة المواصلات أو في ~~وزارة أخرى، على أن يعين حافظ عفيفي باشا وزيرا للمالية، فلم يصادف ذلك قبولا، فرأيت ~~عندئذ أن أتخلى عن الحكم في 4 يناير سنة 1933، بعد أن أديت واجبي لوطني بالطريقة، ~~وبالسياسة التي كنت أراهما خيرا للبلاد. # | مفاوضاتي سنة 1946 # في منتصف فبراير سنة 1946 دعيت لتولي الوزارة بعد أن استقال منها دولة محمود فهمي ~~النقراشي باشا، وقد ترددت كثيرا قبل القبول؛ لتقدم سني من جهة؛ ولأن النظام الحزبي - وهو ~~وليد النظام البرلماني - كان في رأيي مما يصرف أداة الحكم عن كليات الأمور إلى جزئياتها، ~~وذلك بسبب اشتغال الأحزاب بما يهم كيانها قبل اشتغالها بمصلحة المجموع ... على أن حبي لبلدي ~~دفعني آخر الأمر إلى القبول لاعتبارين: أولهما أنني كنت أتوق إلى المساهمة في محاربة ~~الأعداء الثلاثة التي حالت دون تقدم بلادنا العزيزة، وقضت على نشاط الطبقات الفقيرة، ~~وبالأخص في أوساط الريف ... وأقصد: الجهل، والفقر، والمرض، والثاني أن همي أن أرى بلادي قد ~~استفادت من نتائج الحرب - وقد ساهمنا في كسبها بشتى الجهود - فنصل إلى تحقيق أهدافنا ~~القومية بمفاوضة الدولة المحتلة فيما هو معلق بيننا من شئون. # وقد كان المتتبعون لمناقشاتي لخطاب العرش في مجلس النواب أثناء كنت عضوا به، يرون أن أهم ~~غرض لي منها هو دعوة الحكومة إلى العمل لحل المسألة المصرية، إذ كان هذا أوانها لتحقيق ~~أهداف البلاد في الجلاء، ووحدة وادي النيل ... وتذكرون أني لما كنت في حيفا مستشفيا، وحلت ~~الوزارة الاشتراكية في إنجلترا محل وزارة المحافظين بعثت ببرقية طويلة لرئيس مجلس النواب ~~(أظنها لم تعرض على المجلس، وقد نشرت في الصحف) نبهت فيها إلى الفرصة السانحة بحلول قوم ~~مشهود لهم بحب الحرية، بدل قوم ربوا على حب الاستعمار للبدء في حل القضية المصرية ... # لما تقدم من الاعتبارات كان قبولي للحكم فرصة للوصول إلى أغراض طالما نشدتها، وهي تحقيق ~~أهداف البلاد السياسية، والعمل لتحسين حال الطبقات الفقيرة، موطنا النفس على أن ms068 أتركه في ~~اليوم الذي أشعر فيه بأن مهمتي قد صادفها النجاح - فليس من داع إذ ذاك لبقائي - أو منيت ~~بالخذلان، فأصبح من حق البلاد أن يعمل لها من هو أكثر استعدادا مني ... ومن أجل ذلك، ومع ~~المحافظة على التقاليد، طلبت المعاونة من غير رجال الأحزاب من أنست فيهم القدرة على ~~الإنتاج، وقد قاموا برسالتهم خير قيام. # والآن أشعر بأني لم أقصر في أداء الرسالة ... أما من ناحية الإصلاح الاجتماعي، فقد وضعت ~~الوزارة التي ألفتها أسسه ولم يبق إلا البناء، وأما من ناحية تحقيق الأهداف القومية، فنظرة ~~منصفة إلى «المشروع» الذي أمضى مني ومن وزير خارجية إنجلترا، تدل على أن مصر كانت قاب قوسين ~~من مطالبها، وسيتبين ذلك مما يأتي من فصول وتفاصيل. # محادثات تمهيدية # ألفت وزارتي في 16 فبراير سنة 1946، ووضعت في رأس مهمتها السعي لتحقيق الأهداف ~~الوطنية، وأشرت في الكتاب الذي رفعته لجلالة الملك، إلى تأليف الوفد المصري الذي يقوم ~~بمفاوضة بريطانيا العظمى مفاوضة حرة طليقة من كل قيد، تحقيقا لإرادة الأمة التي ~~أعلنتها إعلانا. # وقد تألف هذا الوفد في 8 مارس، أي: بعد تأليف الوزارة بثمانية عشر يوما، برياستي ~~وعضوية حضرات: محمد شريف صبري باشا، وعلي ماهر باشا، ومحمد حسين هيكل باشا، وعبد الفتاح ~~يحيى باشا، وحسين سري باشا، ومحمود فهمي النقراشي باشا، وأحمد لطفي السيد باشا، وعلي ~~الشمسي باشا، ومكرم عبيد باشا، وحافظ عفيفي باشا، وإبراهيم عبد الهادي باشا. # وانفردت في أول الأمر بمحادثة السفير البريطاني في منزلي تارة، أو في منزل أحد ~~الأصدقاء لكلينا، أو في السفارة البريطانية أو في رياسة مجلس الوزراء؛ لأن المحادثات ~~كانت تمهيدية للمفاوضات، وكان من شأنها إعداد العدة، وتقريب مسافة الخلف على المبادئ ~~الرئيسية ... والسفير البريطاني سير رونالد كامبل، صديق قديم، يرجع عهدي به إلى وقت ~~اشتغاله وزيرا بدار المندوب السامي حين كنت رئيسا للوزارة في الفترة بين سنة 1930 ~~و1933، فقد تحدثنا كصديقين في اجتماعاتنا الخاصة، ولم يكن وفد المفاوضات البريطاني قد ~~تألف بعد ... # ومضت ثلاثة أسابيع، ولم تؤلف بريطانيا ms069 وفدها للمفاوضات المصرية، وقلق الرأي العام من ~~جراء هذا الانتظار، فلما كان يوم السبت 30 مارس سنة 1946 حضر السفير البريطاني لرياسة ~~مجلس الوزراء في زيارة رسمية، فانتهزت هذه الفرصة، وسألته: «متى تبدأ رسميا في ~~مفاوضاتنا؟» # قال: «وعدتكم يوم مقابلتنا أول مرة أنني سأتصل فورا بمستر بيفن لأسأله، وقد اتصلت به ~~فعلا، ولكن - مع الأسف - لم تصل إلي حتى الآن تعليمات منه، وعند ورود هذه التعليمات ~~سأحيطكم علما بها حالا ...» ثم قال: «وعلمت أن عمرو باشا تكلم مع مستر بيفن في شأن ~~المفاوضين البريطانيين، وأن هذا كان بناء على طلب منك ...» # فقلت: «أجل كنت أريد أن أحدثك في هذا الموضوع، ولكنك سبقتني إليه، ولعلك تذكر أني قلت ~~لك في مقابلتنا الخاصة إن مسألة المفاوضين من الجانب البريطاني ما زالت «غامضة» علي، ~~وكان يحسن أن أتبينها تماما؛ لأن التأخير في ذلك من شأنه أن يخلق في مصر جوا لا يتفق ~~مع مصلحة المفاوضة، إذ هي كما لا يخفى يجب أن تجري في جو تسوده الطمأنينة لا في جو تحيط ~~به الريب والظنون ... وآسف أن أقول لك إن ريبا وظنونا قد نبتت، وبدأت في الظهور بالنسبة ~~لمسألة المفاوضين من الجانب البريطاني، وأنت تعلم أن مصر قد عينت هيئة المفاوضين، ~~واستعدت للمفاوضة من مدة كانت تكفي لأن يظهر من جانبكم مثل هذا الاهتمام، الذي ظهر من ~~جانبنا»، فقال: «الواقع أن المفاوضين، أو بعبارة أخرى الخبراء العسكريين، وكانوا قد ~~عينوا أو وقع عليهم الاختيار، ولكن حديثك الماضي معي أفهمني أنك لا تريد أن تثار ~~المسألة العسكرية قبل المسألة السياسية، التي لها المقام الأول، وهذا قد غير الوضع ~~بالنسبة للترتيبات التي كنا قد أعددناها، وهي تتلخص في أن يكون معاوني من العسكريين ... ~~ولهذا رأيت أنه يحسن أن أتبع طريقة سنة 1936، وهي أن يكون معاوني من كبار موظفي ~~السفارة.» # فقلت: «اسمح لي أن أكلمك بصراحة في هذا الموضوع، أنه إذا عرف أن معاونيك الرسميين في ~~المسائل السياسية هم موظفو السفارة، فلن يكون لذلك أثر طيب في ms070 الرأي العام في مصر، وذلك ~~لاعتبارات ثلاثة: # الأول: # أن الشعور بعدم الارتياح ينتشر لا محالة من جراء هذا التصرف؛ لأن مصر ~~جمعت خير رجالها لهذه المفاوضة، وكان أحدهم وصيا على العرش، وكثير ~~منهم رؤساء حكومات سابقة؛ وقد فعلنا ذلك لأننا نعلق على نتائج هذه ~~المفاوضات أعظم الأهمية، فمن غير المعقول أن يواجه الفريق المصري وهو ~~مكون على هذه الصورة؛ بموظفين من السفارة! # الثاني: # أن الناس في مصر يعتقدون، ولا ينسون أن السياسة التي اتبعت في العهد ~~الأخير لا سيما في زمن الحرب (وهي سياسة لم تترك في نفوسهم أثرا ~~طيبا)، قد اشترك في وضعها وتنفيذها رجال السفارة، الذين تريدهم ~~معاونيك السياسيين ... # إني أعرفهم شخصيا وأقدرهم، ولكن هذه العقيدة سائدة عنهم في نفوس ~~المصريين، ومن الصعب جدا إزالتها؛ فضلا عن أني كنت قد سمعت من عمرو ~~باشا أنه سيكون معكم في المفاوضة رجال من ذوي الخبرة والعلم بشئون ~~الشرق، وأذكر أنه ذكر لي أن مستر هاو وكيل وزارة الخارجية لشئون الشرق ~~الأوسط، قد فكر في تعيينه مفاوضا معكم؛ ولهذا أرجو أن تعيدوا النظر في ~~الموضوع كله حتى تسهل مهمتي. # الثالث: # أنه لا تجوز المقارنة بين مفاوضات سنة 1936، والمفاوضات التي تجري في ~~سنة 1946 ... ذلك لأن الأولى كانت تجري على أسس مباحثات، ومشروعات ~~اعتبرناها خطوة، أو مرحلة في طريق الاستقلال، لا الاستقلال نفسه، أما ~~اليوم فنحن في نهاية المراحل، ولهذه المفاوضات نتائج حاسمة، ومن أجل ~~ذلك يحسن جدا أن يعطيها الجانب البريطاني الاهتمام الذي يتفق ~~وطبيعتها وخطر آثارها، كما أعطيناها نحن من جانبنا.» # ثم قلت: «هل تريد أن أتصل عن طريق عمرو باشا بمستر بيفن؟ أم يكفي أني أدليت إليك بهذه ~~الاعتبارات كلها؛ لتعمل من جانبك على علاج الأمور، ووضعها في نصابها الصحيح؟» # قال السفير: «الواقع أن مستر بيفن غير مسئول عن الوضع الحالي للأمور، بل أنا المسئول ~~عنه؛ لأن التعليمات التي أعطيت لي كانت تقضي بأن يكون إلى جانبي عدد من كبار العسكريين، ~~فلما فهمت منك أنك تحب أن يكون معي ms071 سياسيون في المفاوضة، ورأيت عندي موظفين يعاونونني ~~في السفارة، ويفهمون تماما المسألة المصرية، فكرت فيهم، أما وقد بينت لي وجهة نظرك ~~والاعتبارات التي تلابس الموقف، فإني سأتصل بمستر بيفن وأحيطه علما بالتفاصيل، وأتلقى ~~منه تعليماته الجديدة التي سأبلغها إليك»، فقلت: «حسن، وأرجو ألا يتأخر ورود هذه ~~التعليمات، إني في الواقع أرتاح إلى المفاوضة معك وحدك، ولكني أفضل أن يرسل إليك من ~~وزارة الخارجية البريطانية من يمثل الناحية السياسية، ويتفق وأهمية المفاوضة.» # قال: «سيكون هذا ما أعرضه.» # قلت: «ورجائي أن يكون الرد سريعا؛ لأنك تعلم أن وقتا طويلا قد ضاع في ~~الانتظار.» # فقال: «أرجو هذا، ولكن هل ترى أن كبيرا واحدا من وزارة الخارجية يكفي.» # قلت: «لا بأس عندي ...» # هذا ما جرى بيني وبين السفير البريطاني في 30 مارس، وقد فهم سعادته من هذا الحديث أن ~~الحكومة البريطانية لا يمكن أن تثبت لمصر احترامها إياها، إلا إذا عينت فورا وفدا ~~كبير الشأن لمفاوضة وفدها المصري، وإلا إذا أظهرت لها عنايتها واهتمامها، وحسن نواياها ~~في الوصول إلى حل المسألة المصرية حلا عادلا. # اقتراحات بريطانية قبل المفاوضات # توجهت في صباح يوم 2 أبريل سنة 1946 إلى السفارة البريطانية لأرد الزيارة للسفير ~~البريطاني، فبادرني سعادته بأن لديه خبرا سارا، ذلك أنني كنت أبديت له في زيارته ~~الأخيرة لي، الامتعاض الذي سببه عدم تعيين المفاوضين البريطانيين، فلما اقترح أن يكون ~~المفاوضون السياسيون من موظفي السفارة اعترضت على ذلك، فقام بمساع لدى مستر بيفن في ~~هذا الشأن، واستطاع أن يخبرني أن مستر بيفن سيلقي هذا المساء في مجلس العموم تصريحا ~~يعلن فيه تعيين المفاوضين البريطانيين، وأنه سيحتفظ لنفسه برياسة الوفد البريطاني، غير ~~أنه سيعتذر في الوقت الحاضر بسبب الحالة السياسية، وسينتهز مستر بيفن أقرب فرصة للحضور ~~بنفسه إلى مصر. # أما المفاوضون الآخرون فعلمت أنهم سيكونون حضرات: لورد ستانسجيت وزير الطيران، وسير ~~رونالد كامبل، وسير كيناهان كورنواليس السفير السابق، والمتولي الشئون الاقتصادية للشرق ~~الأوسط، ومستر رونالد أوفرتون مدير إدارة الشرق الأوسط بالسفارة، والأميرال تينانت ~~القائد العام لأسطول ms072 الشرق الأوسط، والجنرال باجت القائد العام لجيش الشرق الأوسط، ~~وماريشال الطيران ميدهرست، وربما زيد عليهم الجنرال جاكوب من هيئة أركان الحرب العامة ~~(وقد ضم فعلا إلى الوفد واشترك فيه.) # وأضاف السفير أن التعليمات التي وصلته تقضي عليه بالاتصال برئيس الحكومة المصرية، على ~~أن يكون ذلك شخصيا بحتا في الوقت الحاضر، وأن يرمي إلى الغرض الآتي بيانه: # درست المسألة المصرية في لندن من جميع وجوهها كما سيشرحه لي الآن، ويرغب مستر ~~بيفن في أن يبين له السفير رأيي في الاقتراحات البريطانية؛ لأنه يريد ألا يتصل ~~الوفد البريطاني بالوفد الرسمي المصري قبل أن يعرف شيئا عن وجهة النظر ~~المصرية، مما قد يؤدي إلى صعوبات لا مخرج منها؛ لذلك عني السفير بناء على ~~تعليمات لندن بأن يبين لي وجهة النظر البريطانية، راجيا الوقوف على رأيي ~~التمهيدي في هذا الموضوع بدون ارتباط أحد الطرفين، على أن تدرس هذه المسائل ~~بصفة رسمية فيما بعد. # وها هو ذا منقولا حرفيا على وجه التقريب البيان، الذي أدلى به السفير إذ كان يرجع ~~إلى مذكرات مكتوبة: # إن الحكومة البريطانية لا تفكر في اتفاق ثنائي يرمي إلى استخدام قواعد في ~~الأراضي المصرية للدفاع عن الإمبراطورية البريطانية، أو لمواجهة اعتداء يقع على ~~مصر فقط، بل هي تفكر في تدابير مشتركة على أساس سلامة جميع الدول، التي لها ~~مصالح حيوية في الشرق الأوسط، وبخاصة بلادينا. # فسألته: «هل تدخل البلاد العربية في منطوق كلمة «الدول» التي ذكرها، فأجاب: «هو ~~كذلك»، ثم استمر السفير في بيانه، فقال: # إن بريطانيا العظمى مستعدة لبحث مسألة العلاقات بين البلادين من الوجهة ~~الاستراتيجية بطريقة جديدة، من شأنها إلغاء معاهدة سنة 1936؛ ليحل محلها اتفاق ~~أوسع في نطاق هيئة الأمم المتحدة. # والغرض المحدد الذي ترمي إليه بريطانيا العظمى في كل اتفاق من هذا القبيل ~~سيكون موضوع مفاوضات عملية، وقد يكون ضروريا إيجاد الفرصة لدول الشرق الأوسط ~~الأخرى؛ للانضمام إلى هذا الاتفاق الذي يرمي إلى المحافظة على السلامة. # وهذا الاتفاق يقضي بالطبع أن ترابط القوات البريطانية في جهات تمكنها من ms073 ~~مراقبة كل تهديد بالاعتداء على الشرق الأوسط، وهذا يعني - في رأي الحكومة ~~البريطانية - أنه يجب في أيام السلم العادية، إبقاء قاعدة تكون نواة لقوة ~~عسكرية في منطقة الشرق الأوسط، فينبغي الوصول إلى وسيلة من شأنها تحقيق هذا ~~الوضع، أو حل المشكلة دون مساس بسيادة مصر أو بكرامتها القومية. # وقد درست الحكومة البريطانية بعناية خاصة هذه المسألة؛ لأن لها أهمية أساسية ~~من الوجهة الاستراتيجية لسلامة مصر والشرق الأوسط؛ ولأن الحكومة البريطانية ~~ترغب في إجابة مصر إلى تعديل معاهدة سنة 1936 بدون إبطاء. # ولذلك تقترح الحكومة البريطانية سحب الوحدات، والمنشآت العسكرية والبحرية ~~والجوية من القاهرة والإسكندرية. # وبعد دراسة عميقة للموضوع، واستشارة الرؤساء العسكريين للأسلحة الثلاثة، رأت ~~الحكومة البريطانية أنه لا يمكن صد أي اعتداء موجه إلى الشرق الأوسط دون وجود ~~قاعدة مناسبة في جوار قناة السويس مما يقتضي إبقاء منشأة عسكرية في منطقة ~~القناة لتكون نواة، ويتوقف تحقيق هذا الغرض إلى درجة كبرى على مصر ~~نفسها. # لذلك فإن الحكومة البريطانية شديدة الرغبة في الوقوف على رأي رئيس الحكومة ~~المصرية شخصيا قبل البدء في المفاوضات الرسمية. # وهناك حل يجوز اقتراحه على رئيس الوزارة المصرية، من شأنه أن تؤجر مصر ~~لبريطانيا العظمى قطعة من الأرض في منطقة قناة السويس، تبقى تحت السيادة ~~المصرية بموجب اتفاق يوضع على غرار الاتفاق، الذي خول الولايات المتحدة قواعد ~~في النصف الغربي من الكرة الأرضية، مثل القواعد القائمة في جزائر برمودا، ~~ونيوفوندلاند. # ومن الممكن أيضا الوصول إلى اتفاق إقليمي على اعتبار إبقاء القاعدة ~~البريطانية؛ بناء على طلب مشترك من دول الشرق الأوسط صاحبة الشأن. # ثم قال السفير: إن هذه الحلول ليست سوى اقتراحات من الجانب البريطاني، وإذا كانت لي ~~اقتراحات في هذا الشأن، فإن الحكومة البريطانية يسرها الوقوف عليها، وأكد السفير أن ~~الجانب البريطاني لا يرمي إلى تقييد رئيس الحكومة المصرية بأي قيد، من الآن، بل يرى أن ~~مصلحة الطرفين الكبرى هي الوصول إلى تفاهم مشترك في هذا الشأن قبل بدء المفاوضات ~~الرسمية. # وسألني السفير إذا كان في استطاعتي ms074 أن أفضي إليه برأي في الحال، إذ إنه من المهم ~~البدء في العمل في أقرب وقت ممكن ... فأجبته بأن أهمية بيانه لا تسمح لي بأن أبدي له رأيي ~~في الحال، وتدعوني للرد عليه كتابة؛ لأن الموضوع يتناول اقتراحات في صلب المفاوضات، ~~وهذا لا يمنعني من القول الآن: إن اعتزام الجانب البريطاني احترام سيادة مصر وكرامتها ~~من شأنه أن يساعد على إيجاد حلول، تتفق ومطالبنا القومية، بالرغم من صعوبة التوفيق بين ~~هذا الاعتزام والاقتراحات الآنفة الذكر. # واتفقت مع السفير على أن أوافيه بإجابة شخصية حين يزورني في رياسة مجلس الوزراء يوم ~~الإثنين المقبل؛ لنتبادل وجهات النظر، وقال السفير: «إن هذا الحديث شخصي بحت»، فأجبته ~~بأني سأعتبره كذلك إلا فيما يختص بشخصين يجب إطلاعهما عليه، وهما: جلالة مليكي الذي يجب ~~أن يكون على علم به، ووزير الخارجية المصرية الذي له الحق في أن يكون أول من يحاط به ~~علما، والذي يجب علي استطلاع رأيه. # ردي على المقترحات البريطانية # وزارني السير رونالد كامبل يوم 4 أبريل سنة 1946، فسلمته مذكرة تحوي ردي على اقتراحات ~~الحكومة البريطانية، التي أفضى بها سعادته إلي في الحديث السابق ... # وتتضمن هذه المذكرة الرد على مسألتين هامتين: الأولى مسألة بقاء قوات عسكرية بريطانية ~~في منطقة القنال بطريق منحها قواعد داخل حدودها، أو بطريق تأجيرها جزءا من أراضيها ~~لهذا الغرض. # لم تعمر وزارة زيور باشا التي قامت على أنقاض الوزارة الشعبية ~~الأولى، فقد اتفقت الأحزاب المصرية، وهذه هي الحفلة الكبرى التي أقيمت ~~لتدعيم أركان الائتلاف، وقد تصدرها سعد زغلول باشا، وإلى يمينه عدلي ~~باشا، وإلى يساره ثروت باشا، ففتح الله بركات باشا، فإسماعيل صدقي ~~باشا. # وزارة أحمد زيور باشا أثناء اجتماعها سنة 1925 ويرى إسماعيل صدقي ~~باشا إلى يمين رئيس الوزراء. # وزارة إسماعيل صدقي باشا بعد تعديلها سنة 1930 ... وقد ظهر من اليمين ~~إلى اليسار: إبراهيم فهمي كريم باشا وزير الأشغال، وحلمي عيسى باشا ~~وزير الأوقاف، وعلي ماهر باشا وزير المعارف، وعبد الفتاح يحيى باشا ~~وزير الحقانية، وإسماعيل صدقي باشا رئيس ms075 الوزراء، وتوفيق رفعت باشا ~~وزير الحربية، وحافظ حسن باشا وزير الزراعة، وتوفيق دوس باشا وزير ~~المواصلات، ومراد سيد أحمد باشا. # والمسألة الثانية هي ما تناولته الاقتراحات البريطانية من الرغبة في إشراك بعض بلاد ~~الشرق الأوسط، التي يهمها أمر الدفاع عن هذه المنطقة في معاهدة جديدة تكون أوسع مدى من ~~اتفاق ثنائي تعقده بريطانيا ومصر وحدهما. # ويتلخص الرد عن المسألة الأولى فيما يأتي: ~~«مهما كان الوصف القانوني الذي يمكن أن يسبغ على بقاء قوات أجنبية في أوقات السلم في ~~مصر، فإن مجرد وجودها على هذه الحالة هو رمز للسيطرة مباشرة أو غير مباشرة، على أن تلك ~~النظريات القديمة التي كان التسليم بها في الماضي أمرا عسيرا قد أصبحت اليوم مما لا ~~يمكن التسامح فيه، بعد حرب كان من أغراضها الرئيسية ضمان حرية الشعوب. # ولا يمكن أن يتصور المرء وجود اتفاق يحقق رغبات الشعب المصري، ثم يسجل هذا الاتفاق في ~~صورة ما بقاء قوات أجنبية في الأراضي المصرية! # نعم إنه مما لا شك فيه أن الحكومة البريطانية قد منحت الولايات المتحدة الأميركية ~~قواعد حربية في جزر نائية عن أرض الوطن الأصلي (الجزر البريطانية)، ولكن لو أن اتفاقا ~~من هذا القبيل المبرم بين هاتين الدولتين العظيمتين عقد بين مصر وبريطانيا، وشمل جزءا ~~من أرض الوطن، لكان له مدى ومعنى مختلفان كل الاختلاف! # ثم إن مبدأ الأمن المشترك الذي قررته هيئة الأمم المتحدة لا يشمل تدابير عسكرية ~~وقائية، كأن ترابط قوة عسكرية أجنبية في أرض دولة أخرى في وقت السلم ... فإن على كل دولة ~~أن تحقق الأمن في أرضها بواسطة قواتها الوطنية المسلحة ... # ثم إن اتفاقية سنة 1888 تنسجم تماما مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، فيجب احترامها ~~وتطبيقها من جديد ضمن حدود هذا الميثاق تحت إشراف مجلس الأمن ... على أن مصر سوف لا تقصر ~~في أن تتخذ بنفسها كافة وسائل الدفاع الضرورية عن قناة السويس، متى استردت حريتها ~~التامة، وذلك بأن تهيئ لقواتها العسكرية النمو الذي يدعو إليه مركزها ...» # أما المسألة الثانية، وهي الخاصة ms076 باتفاق يشمل مصر وبعض بلاد الشرق الأوسط، فيتلخص ردي ~~عليها في تلك المذكرة بأن رأى الجانب المصري كان منصبا دائما على عقد اتفاق ثنائي ~~بين بريطانيا ومصر، وإني أفضل هذه الطريقة على الطريقة المعروضة الآن التي تتضمن اشتراك ~~بعض دول الشرق الأوسط في المحالفة البريطانية المصرية، وإني شخصيا لا أؤيد فكرة إنشاء ~~اتفاقات تشمل تعهدات سياسية وعسكرية بين مصر، وبلاد جامعة الدول العربية، فإن هذه ~~الجامعة إنما أنشئت في الواقع على أساس رابطة الأخوة بين أعضائها، الناتجة من التشابه ~~في الجنس واللغة والتاريخ المشترك، وموقع البلاد الجغرافي، وهذه الأخوة تعفي الدول ~~المذكورة من الالتزام بأن تبرم بينها معاهدات سياسية أو عسكرية معينة. # وإني أرى - ولو أن مصر تتمتع في هذه الجامعة بنفوذ خاص، ومركز أدبي ممتاز - أن يتعين ~~عليها أن تعمل مستقلة عن غيرها من هذه الدول الصديقة؛ لتسوية علاقاتها مع بريطانيا ~~العظمى، وذلك لاعتبارات لا محل للتحدث عنها الآن ... وأن العلاقات بين بريطانيا العظمى ~~ومصر إذا استقرت على قواعد سليمة ومرضية، فإن نفوذ مصر في الشرق الأوسط سيعمل في هذه ~~الحالة بكيفية من شأنها أن تجلب لبريطانيا، بل للدول العربية نفسها كثيرا من المنافع ~~والمزايا. # هذا وقد أعربت في هذه المذكرة عن أن الجانب المصري يرى أن تكون العلاقات بين مصر ~~وبريطانيا في حالة، تسمح بتحقيق تحالف بين البلدين يكون ~~مشبعا بروح الصداقة المتبادلة، وأنه لا يمكن تحقيق ~~هذا التحالف إلا بعقد معاهدة جديدة على نمط المعاهدات، التي أبرمت منذ سنة 1941 بين دول ~~مختلفة، وأن تشمل هذه المعاهدة التزاما من الطرفين بأن يقدم كل منهما للآخر في حالة ~~نشوب حرب لم يثرها أحدهما كل تعضيد حربي وغيره، وذلك إلى أن تنشأ الوسائل التي يقررها ~~مجلس الأمن من أجل المحافظة على السلام. # ورأيت أن تتفق السلطات العسكرية في كلا البلدين على كيفية تبادل هذا التعضيد، وتلك ~~المساعدة، وعلى ذلك يجب أن تهيأ في أوقات السلم وسيلة لتحقيق التعاون بين هيئتي أركان ~~حرب الدولتين، وأن مصر لم تغفل عما لبريطانيا ms077 من خبرة في هذا الشأن، وما لها من وسائل ~~لتنفيذه، ولكن يجب أن يكون مفهوما أن هذا الاستعداد لن يؤدي بأية حال إلى مرابطة قوات ~~أجنبية في الأراضي المصرية في أوقات السلم، بل بالعكس «يجب أن يشمل الاتفاق الجديد ~~نصا يتضمن انتهاء الموقف الحالي، وذلك بجلاء القوات البريطانية جلاء تاما عن ~~مصر.» # هذه هي خلاصة المذكرة التي قدمتها إلى السفير البريطاني ردا على اقتراحات الحكومة ~~البريطانية قبل البدء في المفاوضات، وقد فهم السفير أن لا أمل في اتفاق مع مصر إذا لم ~~يكن أساسه الجلاء التام برا وبحرا وجوا، في غير احتفاظ على أرض مصر بأية قوة ~~بريطانية مدنية كانت أم عسكرية ... # | أولى مقابلاتي للورد ستانسجيت # 18 أبريل سنة 1946 # تحدثت في المقال الماضي عن تأليف الوفد البريطاني ، وكيف نقل لي سعادة السفير نبأ ~~تأليفه على أثر اعتراضي على تأخيره نحو ثلاثة أسابيع عن تأليف وفد المفاوضة المصري ... ~~وفي 15 أبريل حضر الوفد البريطاني بالطائرة، وقد تخلف رئيسه مستر بيفن وزير الخارجية ~~البريطانية لمشاغله الدولية الأخرى، وأناب عنه اللورد ستانسجيت. # وبعد يومين من حضور هذا الوفد زارني بمنزلي بالزيتون اللورد ستانسجيت والسير رونالد ~~كامبل، فقلت لهما: «أحييكما في بلد صديق، ومنزل صديق»، فشكرا هذه العبارة. # ثم قلت للورد: «أسمع عنك منذ سنة 1919 بعد الحرب الماضية، حينما كنت وسعد زغلول وباقي ~~أعضاء الوفد المصري بباريس نسعى للاستقلال، وربما يدهشك أننا إذ ذاك وضعنا بعض آمالنا ~~فيك إذ كنت تخطب في مجلس العموم مدافعا عن مصر، وعن مبادئ الحرية»، فقال: «نعم حصل أن ~~كنت مدافعا عن حق الشعوب، وكنت قد زرت مصر إذ ذاك محاربا.» # فقلت له: «إذن، فأنت تفهم كيف كنا نعلق بك الآمال، والآن لست مناط آمال فحسب، بل أنت ~~مناط حقائق بتوليك المفاوضة.» # فتأثر لهذه الجملة، وشكر ... وهنا سلمته وسلمت السفير مذكرة كنت أعددتها في 25 مارس ~~باسم الوفد الرسمي المصري قبل اضطلاعه بأعباء المفاوضات، تتضمن وجهة النظر المصرية في ~~معاهدة سنة 1936، وفي الوضع السياسي للمسألة المصرية بالنسبة ms078 لميثاق هيئة الأمم ~~المتحدة، وما يوجبه هذا الميثاق من وضع حد للحالة الحاضرة بسحب القوات البريطانية من ~~مصر سحبا نهائيا كاملا ... وقلت للورد: «لقد سبق لي أن أخبرت السفير بأني سوف أقدم ~~هذه المذكرة، فها هي ما دمت قد حضرت للمفاوضة الرسمية.» # ثم استأنفت الحديث قائلا: «لقد تبادلت مع السفير مذكرات أخرى، بل لقد حدثته في أول ~~مقابلة بيننا عن الوضع الإنساني والنفسي للمسألة المصرية، أما المذكرة الحالية، فهي عن ~~الوضع القانوني والسياسي لمطالب مصر، وقد سبق للسفير أن عرض علي وجهة نظر حكومتكم مما ~~دونه في مذكرة رددت عليها بمذكرة أخرى، وقال لي السفير: أن رد الفعل الذي نتج من مذكرتي ~~ستفضون به أنتم إلي ... وها أنا ذا في الانتظار.» # فقال اللورد ستانسجيت: «هي فرصة أتيحت لي؛ لكي أعبر لكم عن تقديرنا، فقد اطلعت على ~~تلك المذكرة، وأدركت الروح الطيبة التي تملي عليكم شعوركم.» # ثم قال اللورد: «وكيف ترون أن يكون ترتيب عملنا وطريقته؟» # قلت: «كنت أود أن أعرف أولا رد الفعل الذي نجم عن مذكرتي الأولى، وهو ما لا أزال ~~أنتظره ... والآن وقد أصبح لديكم مذكرتان لا مذكرة واحدة، كنت أحب قبل أن ندخل في الدور ~~الرسمي من المفاوضات أن أظفر منكم برأي فيها، وقد سبق للسفير أن قال لي: إن حكومتكم تود ~~لو أن أعمالنا لا تؤدي إلى مأزق - وهذا حق - ومن أجل ذلك أطلب إليكم حديثا خاصا، ~~نتفاهم في غضونه عما إذا كان مبدأ المفاوضة يحقق أو لا يحقق هدف مصر الأساسي وهو: ~~الجلاء.» # فقال اللورد: «إني أرى أن ذلك من حقك، وإني مستعد لهذا الحديث، ويبدو لي من الروح ~~السائدة أننا سنتفق.» # فقلت: «إذن فلنحدد الوقت، والوقت رهن بك إن كنت مستعجلا أو غير مستعجل»، فقال: «أنا ~~لست بمستعجل، وليس عندي من المشاغل إلا القضية المصرية.» # قلت: «هذا هو أيضا شأني، فإنني كرست جهودي كلها لهذه القضية، وأملي معقود بنجاحها في ~~مفاوضة ودية معكم، فلا شك أن رفع الأمر إلى جمعية الأمم فيه تحقيق لأهداف ms079 مصر.» # وهنا تفاهمنا على أن يكون الاجتماع بعد يومي الأحد والإثنين؛ لأنهما من أيام الأعياد، ~~واتفقنا على أن يكون الاجتماع يوم الثلاثاء المقبل، وقلت له: «ومع هذا فإني مستعد ~~للتكلم معك في أي وقت قبل ذلك؛ لأني لا أريد أن أطيل الوقت الذي يسبق الإفضاء بحقيقة ~~المركز، والموقف لزملائي أعضاء الوفد الرسمي.» # وهنا كرر اللورد ستانسجيت أن المسألة في نظره هينة؛ لأننا إذا كنا متفاهمين على ~~النقطة الآتية، وهي: «أن نكون صديقين متحالفين»، فلم يبق إلا كيف يؤدي كل منا واجباته، ~~وتصبح المسألة مسألة خبراء يبدون آراءهم في كيف يؤدى واجب الدفاع من جانبنا. # فقلت له: «إن المسألة ليست فقط مسألة دفاع، بل مسألة صداقة، والصداقة إذا أردتموها من ~~جانب مصر، لن تكون إلا مع احترام كرامة مصر، وقد أجمع المصريون على أن احترام كرامتهم ~~لن يكون إلا إذا جلت القوات الأجنبية جلاء تاما من أرضهم!» # فقال: «نعم، نعم، أنا أفهم ذلك»، وقال للسفير بجواره: «ألا تفهم ذلك مثلي؟» فهز ~~السفير رأسه، ولم يجاوب! # فقلت للورد مشيرا إلى صحن بجانبي به # Marrons glacés ~~: ~~«لا بد أن هذا الجسم ينقل من هنا حيث هو إلى مكان خارج هذه الغرفة!» إشارة إلى ضرورة ~~إزالة الأثر المادي للاحتلال. # فقال اللورد ضاحكا: «خذ بالك، فإن الصحن به حلوى، ولا أظن أنك تنظر إلى الاحتلال ~~كأنه صحن حلوى!» # وضحكنا جميعا ... وكانت هذه العبارة مثارا لبعض المرح، ثم عدنا إلى عبارته إذ تكلم عن ~~الخبراء، فقلت: إن لخبرائك أن يبحثوا عن وسائل ضمان الدفاع، ولكن يجب أيضا من جانبكم ~~وأنتم السياسيون أن تتنبهوا إلى أن المسألة ليست مسألة دفاع فقط، بل مسألة تفاهم ~~وصداقة، فإذا كانت وسيلة الدفاع في نظركم بقاء قوة أجنبية، فقد تظفرون بالدفاع، ولا ~~تظفرون بالصداقة. ~~«يجب أن يفهم الخبراء ذلك، حتى لا يرتبوا وسائلهم على أي وضع من أوضاع ~~الاحتلال.» # فقال اللورد: «فهمتك جيدا، وإن خبراءنا هم من جنود الزمن الحديث، الذين يدركون كل ~~الحقائق إلى جانب حقائقهم.» # وهنا أسهبت فيما سبق ms080 أن نبهت إليه السفير من أنه كما لبريطانيا أن تتبين واجباتها، ~~فإن لمصر أن تتبينها أيضا، ومصر قد وطدت العزم على أن تؤدي واجب الدفاع عن نفسها في ~~نطاق هيئة الأمم المتحدة، وسوف تقوم بهذا الواجب إذا لم تتعثر كما كان الشأن في الماضي ~~في سياسة لا تستند إلى الحقائق. # وقلت له أيضا: «إن مصر دلتكم على حسن نياتها في الحرب الماضية ...» فقاطع اللورد وقال: ~~«إنكم قمتم بنصيبكم أحسن قيام.» # واستأنفت عبارتي قائلا: «إن من دلائل حسن نيتنا أننا كنا نستطيع - وهذا رأي الكثيرين ~~- أن نتحلل من كل الواجبات نحوكم، ونكتفي بالواجبات التي فرضتها علينا وعليكم جمعية ~~الأمم المتحدة، ولكن المسئولين في بلادنا يرون أن نحتفظ بصداقة بريطانيا وحلفها، وأن ~~نجعل منها احتياطا للمستقبل، خصوصا وأن بيننا من الأواصر ما يجعل كل حلف بين دولتينا ~~مؤديا لنفع محقق.» # فأبدى اللورد ارتياحه للروح، التي أملت رغبة المصريين في الاستمرار في التحالف مع ~~إنجلترا، وقال: «إن روحا كهذه سوف تؤدي إلى الخير ...» # منطقة القنال # رغب اللورد ستانسجيت والسفير البريطاني في مقابلتي من جديد، وهي رغبة أبديت باسميهما ~~تليفونيا مساء الأمس بعد أن قابلاني في اليوم نفسه. # زارني الاثنان في الساعة الحادية عشرة من صباح 19 أبريل زيارة خاصة بمنزلي بالزيتون، ~~ودامت المقابلة حتى الساعة الثانية عشرة والثلث، وتناول السفير الكلام قائلا: «قد جاء ~~في مذكرتك المؤرخة 4 أبريل أن مصر إذ تطلب الجلاء التام، لا تغفل عن أن المحالفة التي ~~تقوم بينها وبين إنجلترا تستدعي في وقت السلم أن يكون هناك تفاهم بين أركان حرب ~~الدولتين في الوسائل، التي تضمن أن يكون الدفاع محققا تماما لأغراضه»، ثم قال: «وقد ~~زدت على ذلك أن مصر ستحرص على الاستفادة من خبرة بريطانيا، ومن وسائلها الكبرى ...» ثم ~~أضاف السفير: «ولقد كانت هذه الجملة محل بحثنا عسكريين وسياسيين، وبذلنا الجهد حتى نوفق ~~بين آرائكم الشخصية، وما تقتضيه واجبات الدفاع بالنسبة لنا ... ومن أجل ذلك أعددنا ~~المذكرة التي أسلمها الآن لكم، والتي نرجو أن تقرأها الآن (وهي ms081 مذكرة من صفحتين مكتوبة ~~بالإنجليزية)، وقد قرأنا نحن الثلاثة المذكرة في اجتماعنا، وكانت محل بحثنا الشفوي، ~~ومحل أخذ ورد من كل منا، وتتلخص هذه المذكرة البريطانية فيما يأتي: ~~«إن الغرض الذي تسعى إليه بريطانيا في معاهدة التحالف الجديدة هي توطيد الصداقة، التي ~~نشأت بين البلدين منذ أمد بعيد ... وإنه لمن الممكن أن يهدد أمن مصر، ومجموعة الأمم ~~البريطانية تهديدا حيويا بهجوم يشن على منطقة الشرق الأوسط، وهذا ما تبين بشكل نهائي ~~خلال حربين ... وأن الأمم الصغيرة مهما دافعت عن نفسها بصلابة، لا تتاح لها فرصة في الحرب ~~الحديثة ضد دولة معتدية قوية ما لم يكن في مكنتها أن تتلقى عونا كاملا ومباشرا، لا ~~بد أن تعد له العدة في وقت السلم، من دولة ذات قوة حربية واقتصادية فعالة بالقياس إلى ~~الدولة المعتدية؛ ولذلك ينبغي أن تتحقق مصر من معونة مباشرة أمام تهديد خطير. # وأن الوفد البريطاني في سبيل الوصول إلى هذا الغرض سيتقدم باقتراحات تقوم على القواعد ~~الآتية: ~~(1) # ستسحب كافة القوات البريطانية البحرية المقاتلة، وكافة القوات المحاربة ~~التابعة للجيش البريطاني من مصر كلية، وسينفذ هذا الانسحاب وفق برنامج، ~~وستسحب كافة أسراب سلاح الطيران الملكي البريطاني، ولو أنه يقترح بقاء عدد ~~قليل من أسراب الطائرات المقاتلة في منطقة القناة؛ للتعاون مع سلاح الطيران ~~الملكي المصري في إعداد دفاع جوي. ~~(2) # ينبغي أن ينص في المعاهدة على تقديم المعونة المشتركة، وأن تتعهد الحكومة ~~المصرية بإيجاد التسهيلات لقاعدة إدارية متحالفة ... ~~(3) # سيكون من الجوهري وجود مركز قيادة متحالفة؛ لتنسيق تدابير الأمن في كافة ~~أنحاء الشرق الأوسط، ويقترح أن يكون مركز هذه القيادة في منطقة القناة، وأن ~~تقدم الحكومة المصرية لقوات الحكومة البريطانية تسهيلات للمرور في هذه ~~المنطقة كلما دعت الحاجة.» # تلك هي خلاصة المذكرة البريطانية، التي قدمها اللورد ستانسجيت والسفير البريطاني، ~~فقلت لهما: «يلوح لي أن الإجراءات التي تشير إليها هذه المذكرة يمكن أن تنفذ خارج مصر، ~~وعندكم حول البلاد المصرية أراض وبلاد، إما تحت حكمكم أو تستطيعون بنفوذكم أن ترتبوا ~~فيها مثل هذه الإجراءات، ms082 فهل لم تفكروا في ذلك؟» # قال السفير: «يعتبر العسكريون عندنا أن النقطة التي يجب أن تكون عصب الدفاع هي منطقة ~~القنال، وهذا رأى خبرائنا، وهو رأي تقره الحكومة البريطانية.» # قلت: «أليست فلسطين، وهي في حدود منطقة القناة تصلح للأغراض التي تتوخونها؟ وبينما ~~هذه الأغراض ستكون بطبيعة الحال في نطاق ضيق إذا ما نفذت في أراضينا، فإنها ستكون في ~~نطاق واسع في بلد تسيطرون عليه كفلسطين.» # قال السفير: «يرى الخبراء أن الغرض ليس حماية القناة نفسها بقدر اعتبارهم منطقة ~~القناة من الناحية الاستراتيجية، كمنطقة صالحة لتركيز الدفاع كله.» # وقال اللورد ستانسجيت: «إن نقطة القناة هي الوحيدة التي تحكم الشمال والجنوب، ولها ~~منافذ على البحرين.» # قلت: «لا أفهم، وقد عبرتم عن نقطة الطيران بأنها معدة لإيواء عدد قليل من الطائرات ~~المقاتلة، أن يكون هذا العدد هو الذي يدفع الاعتداء، بل لا بد من أن يأتي العدد الأكبر ~~من الطائرات، التي تتولى الدفاع عن مطاراتكم الأخرى الموجودة في غير مصر.» # قال السفير: «الغرض هو أن طائراتنا الأخرى تجد المكان اللائق عند حضورها ~~لاستقبالها.» # قلت: «أليست مطاراتنا المصرية - ونحن حلفاء - ستستقبل طائراتكم القادمة في حالة ~~الحرب، وهذه المطارات ستعد بالاتفاق معكم، وبآراء متبادلة بين أركان حرب الدولتين؟ فما ~~الفائدة من هذا الوضع الذي لا يفهم منه إلا الرغبة في أن تكون لكم قواعد عسكرية في ~~الأراضي المصرية؟ يضاف إلى ذلك أنكم تتكلمون أيضا عن قاعدة تسمونها «قاعدة إدارية ~~للحليفتين»، وتشمل هذه القاعدة التي تسمونها «إدارية» مطارات، وإشارات، واستعدادات ~~رادار، ودورا للصناعة ... إلخ ولو أنكم تقولون: إن هذه القاعدة الإدارية ستغذى بالخبراء، ~~فإن لها كل صفات القاعدة العسكرية، خصوصا وأنتم تتكلمون أيضا عن استعدادات لبعض ~~التسهيلات الحربية.» # وهنا قال السفير واللورد: «الحقيقة أن خبراءنا العسكريين حريصون الحرص كله على أنه في ~~حالة وقوع الحرب، تجد القوى البريطانية استعدادا قائما لاستقبالها وتلقيها، وهذا حاصل ~~الآن في نطاق واسع، ونود أن يكون مفهوما أن هذا ليس احتلالا، بل هو استعداد تقوم به ~~الحليفتان يقتضيه الموقف الحربي الذي ms083 يمكن أن يكون كبير الخطر.» # قلت: «إني لا أرى فرقا يذكر بين مذكرة اليوم ومذكرة السفير السابقة، وإن كانت مذكرة ~~اليوم ذات صبغة فنية تدعوني إلى استشارة الخبراء المصريين، ومهما يكن من أمر أحاديثنا ~~التي سميت خاصة، فإنني الآن في اضطرار لمكاشفة خبرائنا.» # قال السفير واللورد: «إننا نفهم ذلك تماما، على أن نظل نحن وأنت في النطاق الخاص ~~للأحاديث.» # قلت: «إن هذا الطابع «الخاص» للأحاديث لا أستطيع استبقاءه طويلا، وأنا في حاجة ~~لمكاشفة زملائي.» # قال السفير: «نحن نرجو أن تؤخر هذه المكاشفة حتى يكون لنا معك حديث آخر.» # قلت: «إذن ستتلقون مني ردا يوم الأحد أو الإثنين بعد استشارة الخبراء؛ حتى لا أؤخر ~~كثيرا مكاشفة الزملاء.» # وهنا انتقلت من الحديث الفني العسكري إلى الوضع السياسي، وقلت لهما: «أنتم لا تدركون ~~تماما - على ما يظهر لي - الوضع السياسي في البلاد، وكيف يتأثر تأثرا خطرا وخطيرا ~~بالتصميم على أوضاع هي مهما صورتموها، وحاولتم صبغها بصبغة تظنونها مقبولة، فهي ~~الاحتلال بعينه، بل الاحتلال الذي لا لزوم له! إن البلاد الآن في حالة غليان فكري، وإذا ~~كان هذا الغليان لم ينتقل بعد إلى حالة من العنف، فالفضل في ذلك للإجراءات والتدابير ~~التي تقوم بها الحكومة. ~~«نعم إن بالبلاد الآن هيئات متعددة متنوعة، وكلها في حالة تحفز، ومن هذه الهيئات ما ~~هو سياسي، ومنها ما هو لطوائف صاخبة، كالطلبة، والعمال، ومنها هيئات متعددة اشتراكية ~~واجتماعية من أولئك الراغبين في تحسين أحوال الطوائف الفقيرة، ومنها الهيئات السرية ~~للشيوعيين وغير الشيوعيين - كل هذا ينذر بانفجار إذا لم تجب مطالب البلاد، وإني لمندهش ~~كيف لا تزالون تصرون على أوضاع أرى شخصيا أنها أوضاع لا لزوم لها، بينما في استطاعة ~~مصر أن تقوم بواجبها من ناحية الدفاع في أحسن ما يمكن من الأوضاع؟!» # وكان هذا نهاية الحديث، وقد تأثر اللورد ستانسجيت، والسفير من وصفي للحالة الفكرية ~~التي عليها مصر الآن. # 22 أبريل سنة 1946 # ذهبت إلى قصر الزعفران في منتصف الساعة الحادية عشرة صباحا - وأذكر أنه كان يوم شم ms084 ~~النسيم - فوجدت السفير واللورد في انتظاري، وبعد تبادل التحيات سلمتهما مذكرة الخبراء ~~المصريين العسكريين ومذكرتي السياسية، وكلتاهما بتاريخ 21 أبريل، وقد أمضيا وقتا في ~~قراءة المذكرتين، وهما قاطعتان في رفض جميع المقترحات البريطانية التي اشتملت عليها ~~مذكرة 19 أبريل، وكان عجيبا أنه على الرغم من جنوحي إلى بعض الشدة في عبارات المذكرة ~~السياسية لم يحاولا مناقشتها، بل اكتفى اللورد بأن اعترض على ما جاء بمذكرة الخبراء ~~المصريين خاصا بفرقة الطيران، فقال: «إن اقتراحنا وجود هذا الفرقة بالأراضي المصرية ~~هو؛ لأن مجيئها من مسافات بعيدة قد يرهقها، ويوهن قوتها قبل أن تنزل إلى الميدان»، ~~فقلت: «إن خبراءنا لا يقصدون إلا أن تبقى هذه الطائرات في طريق الغزو؛ لتعترض سبيل ~~الطائرات المعادية إلى مصر.» # فقال اللورد: «ولكن طائرات الغزو قد تحضر إليكم من مكان ليس ببعيد، فهم يتحدثون الآن ~~عن إنشاء قاعدة لروسيا بالدردنيل، وهي البقعة التي تستطيع روسيا أن تشرف منها على البحر ~~المتوسط.» # فقلت: «إن مطالب روسيا بحسب ما يلوح لي إطلاق حرية المضايق، وليس إنشاء سيطرة عليها ~~تعطى لدولة من الدول، وهذا هو موقفها على ما يقولون بالنسبة للقناة، ولا شك عندي أن ~~تركيا - فوق معارضتكم ومعارضة الولايات المتحدة - لا تقبل أن تكون لروسيا قاعدة حربية ~~على الدردنيل، وسياسة روسيا قائمة على الإيهام والتهويش، لا على التنفيذ ~~والعنف!» # وبعد ذلك انتقل الحديث إلى موضوع القاعدة التي يسمونها «إدارية»، وكان المتحدث في ~~الغالب هو السفير، فقال: «إنه ظاهر من حديثك أول أمس، ومن مذكرتك الحالية، أنكم لا ~~تزالون تعتقدون أن لإنجلترا بعض النوايا غير الواضحة، وأنها قد تعتدي على سيادتكم، ~~والواقع أننا لا نقصد إلا إلى شيء واحد هو: «تأمين مصر ضد الغزو، واخترنا لذلك كل حل ~~بعيد عن فكرة التشبث بفكرة الاحتلال، وها أنتم ترون أن لب التدابير يرجع إلى شئون فنية، ~~واحتياطات بعيدة عن أن تمثل السيطرة في شيء.» # قلت: «إذن أنتم لا تتشبثون بفرقة الطيران، وهي مظهر احتلال بحت.» # قال: «نحن نتكلم الآن عن القاعدة الإدارية ...» # قلت: ms085 «إن القاعدة تشتمل على ضباط وجنود تابعين للقوى البريطانية، فهي إذن من عناصر ~~الاحتلال العسكري!» # فقال: «إذن هل يرضيك ألا يظهروا ببزتهم العسكرية، وأن يرتدوا الملابس ~~المدنية؟» # فقلت: «ليس الغرض أن يكونوا متنكرين إذا كانت حقيقة أمرهم أنهم عسكريون!» # فقال: «هل يرضيك أن يتحولوا في الواقع مدنيين؟!» # قلت: «إن المسألة هي مسألة السلطة التي يتبعونها، فإذا كانت السلطة مصرية جاز النظر ~~في الموضوع، أما إذا كانت سلطة بريطانية، فلا نكون قد تقدمنا كثيرا، فإن في ذلك اعتداء ~~على سيادتنا، إن مثل المطالب التي بدت اليوم تحول دون تحقيق الجلاء الشامل، واشتمال ~~المعاهدة على نصه المطلق.» # قال اللورد ستانسجيت: «هذا صحيح، ونحن لا نريد أن نمس سيادتكم.» # فشكرته، وقلت: «أرجو أن تصوروا لي الوضع الجديد إذا ما سلمتم بالعدول عن فرقة ~~الطيران.» # فقال السفير: «قد نجاريكم لنثبت لكم أن ليس لدينا من مقاصد موجهة ضد استقلالكم ~~وسيادتكم، ومن الممكن حصر الموضوع في كلمة: خبراء.» # فقلت: قد نقبل بعض خبراء بريطانيين إذا كانوا في خدمة الحكومة المصرية، شأنهم شأن ~~باقي من عندنا من هذا الصنف، على ألا يبقوا في هذه الخدمة إلا الزمن الذي يتفق الطرفان ~~على أن الحاجة ماسة فيه إليهم، وأن يكون من العمال المصريين من يدرب معهم للحلول محلهم، ~~إلخ. وليكن في علم اللورد والسفير أن مصر تعتزم إقامة المصانع الحربية، وقد نحتاج ~~لخبرائكم، فليست الشقة بعيدة بيننا، وسأفكر في كل ذلك.» # فقال اللورد: «ونحن أيضا قد نحتاج إلى المراجعة، وقد تأخذ بعض أيام.» # قلت: «وأنا أيضا في حاجة لمراجعة زملائي.» # قال اللورد: «إني أرجو ألا تجعل لحديثنا اليوم إلا وجها واحدا، هو رغبة الجانب ~~البريطاني في احترام سيادة مصر عند عرض أي حل من الحلول ...!» # وانتهى الحديث عند ذلك، وقد دام ساعة ونصف الساعة. # وقد فاتني أن أذكر أنه في أثناء الحديث قلت: إن مثل المطالب التي بدت اليوم لا تحول ~~دون تحقيق الجلاء الشامل، واشتمال المعاهدة على نصه المطلق، على أن تكون التدابير ~~والاشتراطات من الجانبين محل ms086 مكاتبات تدور بين ممثلي الدولتين؛ لأنها ترتيبات مؤقتة لا ~~تمس الموضوع الأساسي. # | الجلاء قبل المفاوضات # إذا تحدثت عن نجاحي في حمل الحكومة البريطانية على إصدار بيان قبل المفاوضات، تعرض فيه ~~موافقتها على الجلاء التام برا وبحرا وجوا عن الأراضي المصرية، فلست أريد أن أفاخر ~~بجهودي، أو أمن على بلادي بأني أول من ظفر بذلك من الحكومة البريطانية، وأن مبدأ «لا ~~مفاوضة إلا بعد الجلاء» قد وافق عليه القوم لا على أنه شرط لا مناص من قبوله؛ بل لأنه ~~النتيجة الحتمية للاعتبارات، والضرورات السياسية والعسكرية التي كنا بصدد معالجتها. # والواقع أن محادثاتي مع السفير البريطاني واللورد ستانسجيت، كانت تهدف على الدوام إلى ~~ذلك، وقد صارحتهما منذ اللحظة الأولى بأنه لا أمل في اتفاق، أو محالفة مع مصر إذا لم يكن ~~أساسها الجلاء التام برا وبحرا وجوا، في غير احتفاظ على أرض مصر أو مياهها أو هوائها ~~بأية بقية من بقايا القوات البرية أو البحرية أو الجوية مهما ضؤلت، وبأي مظهر ظهرت، وبأي ~~لباس بدت ... وقلت في محادثاتي معهما في 22 أبريل: «إن مثل المطالب التي بدت اليوم لا تحول ~~دون تحقيق الجلاء الشامل، واشتمال المعاهدة على نصه المطلق، على أن تكون التدابير ~~والاشتراطات من الجانبين محل مكاتبات تدور بين ممثلي الدولتين؛ لأنها ترتيبات مؤقتة.» ~~(1) 30 أبريل سنة 1946 # وفي صباح ذلك اليوم زارني برياسة مجلس الوزراء اللورد ستانسجيت، والسفير البريطاني، ~~وبدأ السفير حديثه قائلا: # نحن مشبعون بواجبات المحالفة، ومع أنها تقتضي تحملنا أعباء؛ فإننا جئناكم ~~اليوم لنقبل إخلاء القوات البريطانية، لأرض مصر كلها. # وقد قبلنا ذلك لثقتنا بأن الحكومة المصرية ستؤدي واجبها من ناحيتها، فتقيم ~~الاستعدادات اللازمة للدفاع عن أرض مصر. ويسر الحكومة البريطانية أن تقدم هذا ~~العرض، وهي تعتمد عليكم من أجل القيام بالإجراءات التي جاء ذكرها في مذكرة ~~الضباط المصريين، كما تعتمد عليكم في تسهيل تقبل الخبراء، وفقا للمشروع الذي ~~كان محل حديثنا في الجلسة الماضية. # وإنه ليحتاج الحال لبعض الوقت لإتمام عملية الجلاء؛ لأنها مرهونة بالاستطاعة ~~المادية ... هذا ms087 من جهة، ومن جهة أخرى لم يعد ما يسمح بالاعتماد على أماكن في مصر ~~لنقل جيوشنا الموجودة في المدن ما دام الجلاء سيكون تاما، ويلزم لنا وقت ~~لإعداد أماكن خارج أراضيكم لإيواء قواتنا، ونحن نقدر أن للجلاء مرحلتين: ~~المرحلة الأولى، هي النقل من المدن ومن الدلتا، والمرحلة الثانية، هي نقل باقي ~~القوات، وباقي ما عندنا من استعدادات هائلة موجودة بالقطر المصري. ~~(2) مذكرة بريطانية # وهنا سلمني اللورد ستانسجيت مذكرة مكتوبة باللغة الإنجليزية، وهي رد من الجانب ~~البريطاني على مذكرتي، ومذكرة العسكريين المصريين، كما أن فيها التأييد من جانب حكومة ~~لندن لما اشتمل عليه حديث يوم 22 أبريل. # فاستأذنت في أن أطلع على المذكرة حتى أستفيد من وجودهما، إذا ما عنت لي بعض الأسئلة ... ~~وقلت: «أود أن أعرف هل هذه المذكرة معدة لهيئة المفاوضات باعتبار أنها للدخول في ~~المفاوضة الرسمية؟» # فأجاب اللورد: «إنها معدة لذلك »، فسألت عن الغرض مما هو مذكور في الفقرة الرابعة من ~~أنه: «لكي يتسنى لبريطانيا العظمى أن تساعد مصر في الاضطلاع بهذه التبعة، تقترح حكومة ~~جلالة الملك وضع تدابير للتشاور الوثيق بين الحكومتين، وبين أركان حرب الدولتين، وأن ~~تقوم بريطانيا لتقديم ما تدعو إليه الضرورة من المعونة الفنية لمصر على أساس يتفق عليه ~~الطرفان؟!» وقلت: «إن المسألة هنا لا تخرج عن أنها مسألة عسكرية»، فأجاب السفير: «قد لا ~~يصل العسكريون إلى تفاهم، وإذ ذاك لا بد من تفاهم الحكومتين، وقد يكون الأفق ملبدا، ~~وتحتاج الحكومتان إلى تفاهم فيما يجب أن تعملا.» # فقلت: «إني أفهم الوضع الأول، ولكن لي اعتراضا على الوضع الثاني، وسيجيء ذكره ...» ثم ~~قلت: «اسمحوا لي أن أعترض الاعتراض كله على الزمن الذي اقترحتموه للجلاء، وهو خمس سنوات ~~فإنه لا يمكن أن يقبله أحد في مصر، وسيعترض عليه المفاوضون المصريون كل الاعتراض ... كنت ~~أفهم أن تقولوا إنكم ستعملون على تقصير أمد الجلاء، وتربطونه بالضرورات ~~المعقولة.» # فقال اللورد: «إن الزمن الذي طلبناه هو الزمن الأقصى، وقد يكون أقل، ومع ذلك فإن ~~المذكرة تبين أسباب احتياجنا لهذه المدة، ms088 وعلى كل حال ستكون هذه المسألة موضع تفاهم ~~بيننا وبينكم.» # فسألته: «إنكم تتكلمون عن مساعدة من جانب الحكومة المصرية في شئون الجلاء، فماذا ~~تقصدون؟» # فقال اللورد بعد تردد: «ربما كان الغرض هو المساعدة في النقل.» # فسألت: «المفهوم من مدة الجلاء أن تحديدها مترتب على الاستطاعة، ولكن أرى في المذكرة ~~أنكم استعملتم كلمة # events ~~، فهل لي أن أفهم أنه قد تؤثر ~~الحوادث السياسية في موعد الجلاء ...؟ إذا كان الأمر كذلك، فأقول إنه لا يمكن قبول تأثر ~~المدة بالحوادث السياسية، وقد يحدث أن يطرأ على هذه الحوادث ما يجعلكم تحتجون بها لطلب ~~البقاء وفقا لخطر ترونه، وهذا لا يمكن قبوله، فإن تقدير هذا الخطر يفتح بابا واسعا ~~للأخذ والرد.» # فقال اللورد: «إنها مسألة حسن نية ...» فأجبت «لا يمكن متى اتفقنا على موعد أن يكون ~~هناك مجال لطلب تغييره؛ بسبب أن أحوال العالم تقتضي ذلك، وأرى ألا تبنى مدة الجلاء إلا ~~على ما يحتاج إليه من الوقت ماديا.» # فأجاب اللورد: «إني أقبل هذا الوضع ...» ~~«قلت: أعود إلى مسألة السنوات الخمس، فألاحظ أن إخلاء المدن والدلتا، مسألة أشهر لا ~~سنوات، في حين أن إخلاءكم لمنطقة القناة قد يسهله إسراعنا في إقامة المنشئات والقواعد ~~اللازمة للدفاع.» # فقال السفير: «إنها من المسائل التي أود أن يتفاهم فيها العسكريون من ~~الجانبين.» # وهنا سأل اللورد: «ما هو برنامجكم بشأن الاجتماعات منذ الآن؟» # فأجبت: «إني سأدعو زملائي للاجتماع غدا، وعليهم هم أن يقرروا متى تجتمع ~~الهيئتان.» # فقال اللورد: «إن هيئة المفاوضات البريطانية مستعدة للاجتماع بالهيئة المصرية كذلك، ~~فإن العسكريين البريطانيين مستعدون لمقابلة مندوبيكم العسكريين.» # فقلت: «إن كل هذا يرجع إلى اجتماعنا غدا نحن المصريين، وقد يمتد اجتماعنا إلى يوم ~~آخر، أما العسكريون، فقد يرى المفاوضون المصريون أن يكون اجتماعهم بزملائهم البريطانيين ~~بحضور هيئة المفاوضة المصرية.» ~~(3) رد هيئة المفاوضة # 1 مايو سنة 1946 # اجتمعت بزملائي المفاوضين المصريين، وأفضيت إليهم بكل ما جرى من أحاديث، وأطلعتهم ~~على إلهام من المذكرات ومنها المذكرة البريطانية الأخيرة، وقد دام العرض زهاء ~~ساعتين حظيت في ms089 نهايتها بحسن تقدير الزملاء وتهنئتهم، وقد اتفقت كلمتنا على الرد ~~عليها بمذكرة قدمت باسم الهيئة إلى الوفد البريطاني في 7 مايو، تتلخص في النقط الآتية: # يشاطر الوفد المصري الوفد البريطاني رأيه في أن المعاهدة الجديدة يجب ~~أن تكون اتفاقا على تبادل المعونة ضمن نطاق هيئة الأمم ~~المتحدة. # ويجب أن تكون المعاهدة اتفاقا بين دولتين متساويتين تساويا تاما ~~في السيادة. # إن المعاهدة الجديدة هي للتعاون المشترك ضد كل اعتداء مسلح، إلى أن ~~يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لصون السلام والأمن الدولي. # يتعين أن تتجنب المعاهدة كل نص يمكن أن يؤول بأنه يدل على نية ~~بريطانيا في التدخل في شئون مصر. # تتكفل مصر وحدها بقواعد إدارية تشمل مطارات ومنشآت؛ للدفاع البري ~~والجوي والبحري. # يوافق الوفد المصري على قيام تعاون وثيق بين هيئتي أركان حرب ~~الدولتين، بشرط ألا تتضمن المعاهدة أية إشارة إلى استخدام الحكومة ~~لخبراء، أو فنيين في الشئون العسكرية من البريطانيين. # أن مدة السنوات الخمس لسحب القوات البريطانية - وإن اعتبرت حدا ~~أقصى - هي مدة أطول كثيرا مما يجب، ويمكن أن يتم الجلاء في مدى عام ~~واحد. # يوافق الوفد المصري على أن تبذل السلطات المصرية كل ما في وسعها ~~لمعاونة السلطات البريطانية في نقل القوات البريطانية عند جلائها، وعلى ~~تكليف الخبراء العسكريين في الوفدين إعداد برنامج لتصفية الهيئة ~~الإدارية في مصر، وسحب القوات البريطانية. ~~(4) تصريح الجلاء # وفي 7 مايو سنة 1946 اجتمعت باللورد ستانسجيت والسفير البريطاني، وسلمتهما المذكرة ~~المصرية، وجرى حديث بيننا عن موعد المفاوضات، فأبلغتهما استعداد الهيئة المصرية لافتتاح ~~المفاوضات الرسمية في يوم 9 مايو، فأبلغاني أن الوفد البريطاني يوافق على هذا الموعد، ~~ثم أطلعاني على البيان البريطاني عن الجلاء، الذي كلفا بإعلانه من الحكومة البريطانية ~~بعد موافقتي. # 8 مايو سنة 1946 # وفي صبيحة هذا اليوم أذاعت السفارة البريطانية في الصحف ما يأتي: # قرر الوفد البريطاني للمفاوضات بموافقة دولة إسماعيل صدقي باشا أن يصدر ~~بيانا عن السياسة البريطانية في هذه المفاوضات، التي كثرت التكهنات حولها ~~في الآونة الأخيرة، وفيما يلي نص ms090 البيان: ~~«إن السياسة المقررة لحكومة صاحب الجلالة في المملكة المتحدة (بريطانيا)، ~~هي توطيد محالفتها مع مصر على أساس المساواة بين أمتين تجمع بينهما مصالح ~~مشتركة. # وعملا بهذه السياسة بدأت المفاوضات في جو من المودة وحسن النية، فعرضت ~~الحكومة البريطانية أن تسحب جميع قواتها البحرية والبرية والجوية من ~~الأراضي المصرية، وأن يتقرر بالمفاوضات تحديد مراحل جلائها، والموعد الذي ~~يتم فيه والتدابير التي تتخذها الحكومة المصرية لتحقيق التعاون في حالة ~~الحرب، أو خطر حرب وشيك الوقوع طبقا للمحالفة.» # هذا هو البيان الذي صرحت به الحكومة البريطانية على لسان وفدها، وهو أول بيان من ~~نوعه، ويدلك على أهميته وخطره أنه لم يقابل من حزب المحافظين البريطانيين، وعلى ~~رأسهم مستر تشرشل بالارتياح، وأذكر أنه وقف في مجلس العموم معترضا عليه كل ~~الاعتراض عندما ألقاه مستر آتلي، فقد نهض في اهتمام قائلا: «إن هذا البيان خطير ~~الشأن، وهو من أخطر ما ألقي في هذا المجلس من بيانات ... إذ يعرض على مصر سحب جميع ~~قواتنا البرية والبحرية والجوية من أراضيها، عند الشروع في المفاوضات معها ... وإني ~~أرى من الواجب أن أسجل في هذه اللحظة أنها لم تستشر أحدا في هذه البلاد بأية طريقة ~~كانت، وإني شخصيا لم أعرف هذا القرار إلا قبل تلاوته بنصف ساعة ... إنها خطة وضعتها ~~الحكومة من تلقاء نفسها، فيجب أن تقع المسئولية عليها، ومن جهة أخرى يبدو لي أن ~~المعارضة ترى من الواجب عليها الإشارة إلى خطورة الحالة. # إن ذلك العمل العظيم الذي قمنا به في تلك البلاد خلال ستين سنة من الدبلوماسية ~~والإدارة، قد ألقي به في كثير من الخزي والهوس!» ~~••• # هذا بعض ما قوبل به هذا البيان من المعارضة البريطانية، وهو يدلك على أهميته، ~~وعلى أنه بالنسبة لمصر كان فاتحة سعيدة ومباركة للمفاوضات. # | أثر الروس والمحافظين في المفاوضات # قبل افتتاح المفاوضات ببضعة أيام وصلت إلي رسالة بالشفرة من عمرو باشا سفير مصر بلندن، ~~جاء فيها: «طلب إلى مستر بيفن أن أقابله في الحادية عشرة من صباح اليوم (19 أبريل) بوزارة ms091 ~~الخارجية، وابتدرني قائلا إنه أتى من الريف خصيصا ليتحدث إلي، وأعرب عن رغبته الجدية في ~~أن تبدأ المحادثات في القاهرة بداية حسنة، ويرى في هذا ما يبرر دعوته إياي من الريف في يوم ~~عطلة عامة، فأجبته قائلا: «إني وأنا في بكهام كنت على استعداد للمساعدة بكل ما في وسعي ...» ~~وعندئذ بدأ بيفن يتحدث عن الصعاب الجمة التي تواجهه، وأقلها على سبيل المثال مؤتمر باريس ~~(مؤتمر وزراء الخارجية) الذي سيعقد قريبا، ثم مجلس الأمم المتحدة، إلى الأعباء الأخرى التي ~~يضطلع بها، ثم قال: إنه لا يرغب أن يخفي قلقه من جراء مسلك روسيا مما شهدناه في الأسابيع ~~القليلة الأخيرة، وما يمكن أن يلخص في الكلمات الآتية «شراهة الروس في احتكار البترول، ~~وحرصهم على السيطرة». وأسر إلى مستر بيفن قائلا: إن سفير تركيا زاره أمس، وأعرب له عن ~~القلق العظيم الذي يساور تركيا أيضا في هذا الشأن: وهذا نص ما طلب إلى مستر بيفن أن أنقله ~~إلى الحكومة المصرية: # يقول وزير الخارجية البريطانية إنه يحرص على أن تبدأ المفاوضات في جو صالح من ~~الصداقة، ويرى أنه يجب أن تبحث علاقاتنا في المستقبل على أساس أننا ندان ~~مستقلان، وفي هذا الجو يجب أن تدرس صداقاتنا المستقبلة التي نرجو أن تتناول ~~مسألتين؛ الأولى: التحالف، والثانية: التعاون المشترك للمحافظة على الأمن في الشرق ~~الأوسط ... # ثم قال: # وإن لنا حقوقا بمقتضى معاهدة سنة 1936 قد ننزل عنها إزاء التدبير الواسع المدى ~~الذي وصفته آنفا، والذي يتعين أن تشتمل عليه المعاهدة الجديدة، فإذا كان لنا أن نعمل معا ~~في نظام أوسع نطاقا للشرق الأوسط كان من الضروري أن يكون لنا مركز نستطيع به أن ننفذ هذا ~~التدبير، وأن نحافظ عليه ... وهذا المركز يشترط فيه أن يكون في أكثر الأمكنة ملاءمة للقيام ~~بالتزاماتنا المشتركة في شئون الدفاع. # ووزير الخارجية شديد الاهتمام بأن يسود منذ البداية جو من الود المكين، بين وفدين ~~متساويين مهما تقم في سبيلهما من العقبات الوقتية، وإنه ليدرك أن أية صعوبة قد تنشأ في ~~أثناء ms092 المحادثة بسبب طرف آخر، يحاول الاصطياد في الماء العكر، فإنها تستغل فورا؛ ولذلك فإن ~~من مصلحتنا أن نتجنب بأي ثمن حدوث مثل ذلك في الوقت الحاضر ... # وهنا انتهت كلمات مستر بيفن، وقد أخبرته أني سررت لإثارته هذه النقطة؛ لأنه من جانب ~~الحكومة المصرية قد فعلنا كل ما في وسعنا لخلق علاقة ودية، وتهيئة جو صالح مما أكد لي ~~أهميته، بيد أني بعد أن قرأت في الصحف الإنجليزية التصريح، الذي يدعو إلى الذهول - ذلك ~~التصريح المعزو إلى الحاكم العام للسودان - لا أستطيع أن أرى أن مثل هذه الملاحظات، التي ~~أبداها أشخاص مسئولون أو نسبت إليهم، من شأنها خلق الأثر المطلوب الذي يرغب مستر بيفن في ~~وجوده. # فرد مستر بيفن قائلا: إنه لم تصدر منه للحاكم العام تعليمات بأن يفضي بهذا التصريح، الذي ~~لم يحط به علما، ثم استدعى فورا مستر «هاو» وكيل الخارجية المساعد، الذي أعرب بدوره عن ~~جهله التام بهذا التصريح ... وطلب مستر بيفن من «هاو» أن يحقق في هذا الأمر، وأن يأمر كل من ~~يعنيهم هذا الشأن أن يلتزموا الصمت، وإن كان هناك داع لأي تصريح، فإن مستر بيفن وحده هو ~~الذي سيدلي به. # هذا هو نص رسالة عمرو باشا، وما تضمنته من آراء ورغبات لوزير الخارجية البريطانية؛ كي ~~تسير المفاوضات في جو صالح للوصول إلى اتفاق مرض بين مصر وبريطانيا كأمتين متساويتين، لهما ~~مصالح مشتركة. # أما تصريح حاكم السودان العام المشار إليه، فهو الذي أدلى به في 17 أبريل سنة 1946 عند ~~افتتاح المجلس الاستشاري، ويتلخص في «أن الحكومة السودانية معنية بإقامة الحكم الذاتي في ~~السودان بقصد الوصول إلى الاستقلال، وأنها ألفت لجنة من الموظفين البريطانيين والسودانيين ~~لبحث مشروعات السودنة، وأن هذه الحكومة تهدف إلى سودان حر مستقل يستطيع أن يحدد بنفسه نوع ~~علاقاته مع بريطانيا ومصر، وأنه واثق من أن فترة عشرين سنة تكفي السودانيين؛ للوصول إلى ذلك ~~بمعاونة عدد من الخبراء من غير السودانيين.» # ذلك تصريح الحاكم العام ونحن على أبواب المفاوضات، وقد رددت عليه في ms093 حينه بأن الحكومة ~~المصرية لا تتقيد به، وأنه لا يعبر عن رأي مصر في مسألة السودان، وقد نفاه مستر بيفن كما ~~رأيت في رسالة عمرو باشا، وأكد أنه يجهله ولا يعبر عن رأيه. # على أن هذا التصريح إن هو إلا المعبر الصادق عن حقيقة السياسة، التي كان حكام السودان من ~~البريطانيين يعملون على اتباعها؛ أي سياسة الفصل بين البلدين، وقد ظهرت آثارها في شتى ~~المناسبات، وأخيرا عند ظهور نتائج مفاوضات «صدقي - بيفن»، إذ طالبوا بحق السودان في ~~الاستقلال عن مصر، مما كان محل الأخذ والرد الذي انتهى بضياع آثار الاتفاق. # المفاوضات الرسمية # اتفق الوفدان المصري والبريطاني على أن تفتتح المفاوضات الرسمية في الساعة الثانية ~~عشرة ظهر يوم الخميس 9 مايو سنة 1946، وكنت مع اللورد ستانسجيت والسفير البريطاني قد ~~قطعنا شوطا كبيرا في المحادثات التمهيدية، التي أشار بها مستر بيفن لذليل بعض ~~الصعوبات. وقد كان للبيان الذي أعلنه الوفد البريطاني قبل المفاوضات عن الجلاء التام - ~~ونشر في الفصل الماضي «بالمصور» - أبلغ الأثر في تهيئة جو صالح، وافتتاح سعيد. # وفي الموعد المحدد من ذلك اليوم التاريخي - يوم افتتاح المفاوضات - اجتمع الوفدان في ~~وزارة الخارجية المصرية، وألقيت كلمة الوفد المصري التي أسجلها هنا للتاريخ وللأهمية في ~~هذه المذكرات: # عزيزي اللورد، سادتي # لي الشرف العظيم - كرئيس للحكومة ولوفد المفاوضات المصري - أن أرحب بكم ~~بيننا، وهو شرف سيكون من أغلى وأبقى ما أعتز به في حياتي العملية ~~الطويلة. # وإنه لمن حظي الكبير بصفتي المفاوض المصري الأول، أنني خلال محادثاتي ~~التمهيدية مع الممثلين الممتازين للبلد العظيم صديقنا وحليفنا؛ وجدت في متناول ~~يدي تلك الأفكار الجديدة، التي ولدتها الحرب الأخيرة، والتي كفلت قدسيتها الروح ~~الجديدة المنبعثة في الشعوب، أعني بذلك المبدأ المسلم به من العالم أجمع من ~~أن يكون كل شعب سيدا في بلده، وأن حق الأفراد والشعوب على السواء في الحرية ~~ينبغي أن يوضع في الكفالة الاجتماعية لمجموعة الأمم، وقد قربت الحرب من ~~أقدارها، ونسقت غاياتها. # وتحت لواء هذا الاتفاق في المبادئ استطاع ممثلو مصر، والمملكة ms094 المتحدة في ~~محادثاتهم الأولى أن يتقابلوا في ميدان، يجب أن يتحقق فيه الاتفاق بغير كبير ~~عناء، ولقد قبلت حكومة المملكة المتحدة فعلا، كما أعلن ذلك في البيان الذي ~~نشره الوفد البريطاني أن تسحب من الأراضي المصرية جميع قواتها البحرية والبرية ~~والجوية، وصرحت فوق هذا أن سياستها ترمي إلى أن تبرم مع مصر محالفة على غرار ~~المحالفات، التي تعقد بين أمتين متساويتين لهما مصالح مشتركة. # وإنه لأمر يتعلق بكم أيها السادة أن تشيدوا بناءكم فوق هذه الأسس، وإني لكبير ~~الأمل في أن نتيجة محادثاتكم، إذ تحدوكم - سواء أكنتم من هذا الجانب أم ذلك - ~~الرغبة الصادقة في أن تعملوا على إكمال استقلال وطننا العزيز، ذلك الاستقلال ~~الذي يعد احترامه الكامل شرطا أساسيا لصداقة دائمة مثمرة. # وأود أن أقول لزملائي المصريين قبل أن أختتم هذه الكلمة: إنهم سيجدون في ~~صديقي لورد ستانسجيت وسير رونالد كامبل - اللذين كان لي شرف الاشتراك معهما في ~~مناقشات طويلة شاقة - إدراكا يمتاز بالوضوح، وتقدير الحقائق لموقف كل من ~~البلدين ومصالحهما، وإني لعلى ثقة من أننا واصلون بذلك إلى أسعد ~~النتائج. # وعلى أثر إلقائي هذه الكلمة، وقف اللورد ستانسجيت، وألقى كلمة الوفد البريطاني، فقال: # إني مدين بالشكر لدولتكم على حفاوتكم الودية بنا في هذا الاجتماع الرسمي ~~الأول لوفدي المفاوضات الإنجليزي والمصري، وأود أن أنتهز هذه الفرصة لأعبر عن ~~امتناني أنا وزملائي، الذين حضروا معي من بريطانيا لما قوبلنا به في كل مكان من ~~حفاوة لا حد لها وحسن ضيافة، وذلك منذ وصولنا إلى بلادكم من أربعة ~~أسابيع. # ولقد كنت على الدوام أفخر بأن أعد نفسي كما أنا الآن الصديق الوفي لمصر ... ~~وأنه ليشرفني أن أترأس الوفد البريطاني في هذه المحادثات الهامة، التي هي بلا ~~شك مؤذنة بعهد جديد من الاستقرار والتناسق في العلاقات البريطانية المصرية، ~~وإنه لمن دواعي الفخر أن نستطيع بحث هذه المسائل العظيمة مع وفد ممتاز رفيع ~~القدر كوفدكم. # ولا شك أننا جميعا نأسف على أن المستر بيفن لا يستطيع أن يكون في هذه الآونة ~~بيننا ليأخذ ms095 مكانه على رأس الوفد البريطاني، ولكنكم تقدرون ما يقع على عاتقه من ~~مسئوليات جسيمة أخرى في لندن وباريس. # إن المحادثات غير الرسمية التي تبادلناها وإياكم؛ تمهيدا لهذا الاجتماع ~~الرسمي الأول كانت كما ذكرتم دولتكم يسودها الود وحسن التفاهم، وكان هذا مصدر ~~غبطة كبرى للحكومة البريطانية ... # وقد أعلنا على الملأ اقتراحنا للحكومة المصرية أن نسحب من الأراضي المصرية ~~جميع القوات البحرية والبرية والجوية البريطانية. # يبقى علينا أن نصفي الماضي، وذلك بأن نضع برنامجا لهذا الانسحاب، وأن نتفق ~~على الترتيبات اللازمة لجعل استمرار تحالفنا مثمرا - وهذا بالنسبة للمستقبل ~~أمر ذو أهمية قصوى. # وإني لعلى ثقة بأن هذه الأمور يمكن حلها، بل إني واثق من أنها ستحل بما يرضي ~~الطرفين، وأن روابط الصداقة والمصلحة المشتركة الوثيقة التي تربط بلادينا ستبقى ~~وتزداد قوة في السنوات المقبلة، وذلك على أساس معاهدة جديدة قوامها هذه ~~المحادثات، وإننا لندعم اليوم حلفا عسكريا جلب لنا النصر باتحاد صادق بين ~~قلوبنا. # مشروع بريطاني أولي # بدأنا مفاوضاتنا في هذا الجو الصالح الذي كان يسوده التفاهم، وقطعت المفاوضات شوطا ~~بعيدا، ولعل أكبر دليل على تقدمها استدعاء مستر «بيكيت» الخبير البريطاني المتخصص في ~~كتابة المعاهدات لوضع النصوص القانونية ... وقد سارت المباحثات سيرا حسنا، فاقتنع الوفد ~~الإنجليزي والحكومة الإنجليزية بالعدول عن مطالبهما بشأن قاعدة حربية دائمة في مصر، ~~وعدلوا عن إنشاء مطارات في الأراضي المصرية، وعن أن يحتفظوا بالإسكندرية كقاعدة حربية، ~~ودارت محادثات في مسألة السودان، وفي مدة المحالفة وفي مركز السفير البريطاني، كان ~~الطرفان يلتقيان في هذه المسائل. # ثم وضع الوفد المصري مشروعا للمعاهدة الجديدة في 19 مايو، سيأتي نصه في آخر هذا ~~المقال ... وقد درسه الوفد البريطاني ثم رفضه، وعلمت أن هذا المشروع كان في نظره كأنه ~~وثيقة تسليم بلا قيد ولا شرط! ولم يمض يوم حتى رد الإنجليز بمشروع بريطاني لا يختلف ~~كثيرا عن معاهدة سنة 1936 ... وكنا قد بعثنا لهم قبل ذلك في 25 مارس بمذكرة ضافية، ~~أبنا فيها وجهة نظر المصريين في تلك المعاهدة بعد الأحداث، التي تعاقبت ms096 في خلال عشر ~~سنوات ماضية، وقلبت الأوضاع الدولية رأسا على عقب من الناحيتين السياسية والعسكرية، ~~وقد أمضيت في ظروف طواها الزمن، ولم يبق سليما من أحكامها إلا مبدأ التحالف كما حددته ~~المادة الرابعة. # إسماعيل صدقي باشا يرأس أحد اجتماعات حزب الشعب الذي ألفه أثناء ~~وزارته الأولي، وقد جلس إلي يمينه إبراهيم فهمي كريم باشا، وعبد الله ~~الملوم باشا، وظهر خلفهما أحمد كامل باشا، وعبد الرحمن البيلي، ومن ~~حولهم لفيف من أعضاء الحزب. # إسماعيل صدقي باشا في طريقه إلي قبر الجندي المجهول في مدينة روما ~~بعد زيارته للسنيور موسوليني. # جلالة الملك فاروق يتوسط وفد المفاوضة سنة 1946 ... وقد وقف يمين ~~جلالته إسماعيل صدقي باشا ومحمود فهمي النقراشي باشا، ومحمد حسين هيكل ~~باشا وإلى يسار جلالته شريف صبري باشا، وحسين سري باشا، وأحمد لطفي ~~السيد باشا، ومكرم عبيد باشا، وعبد الفتاح يحيى باشا، وعلي الشمسي ~~باشا. # ويتفق هذا المشروع البريطاني الجديد ومعاهدة سنة 1936 في كثير من المسائل ~~منها: ~~(1) # أن تلتزم مصر بأن تضع تحت تصرف بريطانيا جميع التسهيلات والمساعدات، التي ~~في وسعها في حالة خطر حرب داهم، أو قيام حالة دولية مفاجئة يخشى ~~خطرها. ~~(2) # وأن يكون للقوات البريطانية في هذه الحالة المشار إليها كامل الحرية في ~~دخول مصر والتنقل فيها، وأن تستخدم الموانئ والطرق والسكك الحديدية ~~المصرية، وسائر وسائل المواصلات والاتصالات السلكية واللاسلكية. ~~(3) # وأن تتخذ الحكومة المصرية جميع الإجراءات الإدارية والتشريعية، بما في ~~ذلك إعلان الأحكام العرفية. ~~(4) # يقوم جلالة ملك مصر في وقت السلم بإنشاء وصيانة منشآت معينة، تكون ضرورية ~~لخدمة قوات الحكومة البريطانية والحكومة المصرية. # وينص المشروع البريطاني فضلا عن ذلك على أن تتسلم مصر الثكنات والمنشآت العسكرية، ~~ولكن بشرط أن تبقى الأسلحة والمهمات التي ترى بريطانيا الاحتفاظ بها من أجل الطوارئ ~~للمملكة المتحدة (إنجلترا)، وتتعهد مصر بالمحافظة عليها، بحيث تكون دائما في حالة ~~جيدة، وبأن تفتح أبواب ثكناتها لخبراء إنجليز ترسلهم بريطانيا في أي وقت لاختبار هذه ~~الأسلحة، والمهمات التي تعين مصر موظفين بريطانيين للمحافظة عليها؛ ولتدريب المصريين ~~على ms097 استعمالها. # وقد كانت معاهدة سنة 1936 مقصودا بها حماية قناة السويس باعتبارها جزءا لا يتجزأ من ~~مصر، وهو في نفس الوقت طريق عالمي للمواصلات بين الأجزاء المختلفة للإمبراطورية ~~البريطانية ... ولكن المشروع البريطاني رأى أن يكون التحالف في نطاق أوسع، فقد أشار إلى ~~ضرورة استتباب السلام في البلاد المجاورة لمصر والشرق الأوسط، بمعنى فهم منه الجانب ~~المصري أن المرغوب فيه هو إيجاد قاعدة في مصر تتولى فيها بريطانيا وقت العدوان حماية ~~مصر والبلاد المجاورة، والشرق الأوسط. # ويستنتج من النص الإنجليزي أن أي عدوان يحدث في الشرق الأوسط - أي في إيران وفي تركيا ~~أو حدود العراق أو غير ذلك - يجعل مصر تتحول أوتوماتيكيا إلى قاعدة حربية، ويكون من ~~حق الحكومة البريطانية المطالبة بإعلان الأحكام العرفية، وإصدار التشريعات الاستثنائية ~~لحماية ظهر قوات الحلفاء. ~~••• # وكانت مدة المحالفة في المشروع الذي قدمه الوفد المصري 15 عاما، ولكن وجهة النظر ~~الإنجليزية في بادئ الأمر كانت متجهة لأن تكون أبدية، ثم جاءت هذه المدة في المشروع ~~البريطاني 25 سنة من تاريخ بدء سريانها، وتظل بعد ذلك سارية إلى أن ينقضي عام على إعلان ~~أحد الطرفين المتعاقدين للآخر بإنهائها بالطرق الدبلوماسية. # وقف المفاوضات # لم تلتق إذن وجهتا النظر المصرية والبريطانية في هذه المسائل المشار إليها في ~~المشروع البريطاني الجديد، وتأكد لي ولزملائي أعضاء الوفد المصري بعد الاطلاع على هذا ~~المشروع أن قبولنا له رجوع إلى الوراء، وتسليم ضمني ببقاء معاهدة سنة 1936، ولما أصر ~~الجانب البريطاني على موقفه، وتمسكه بكل صغيرة وكبيرة في مشروعه، أبلغت لورد ستانسجيت ~~استحالة قبول المسائل الواردة في هذا المشروع، فوعدني باستشارة مستر بيفن، واتفقت معه ~~على إصدار البيان الآتي يوم 23 مايو سنة 1946: # إن تبادل الآراء بين الوفدين قد أظهر أن هناك بعض المسائل، التي رأى الوفد ~~البريطاني ضرورة الرجوع فيها إلى المستر بيفن ... ويتطلب هذا بعض الوقت. # وجدت من ذلك أن هناك تغيرا في روح المفاوضات، سواء تلك التي تجري هنا أم التي تجري ~~في إنجلترا بين مستر بيفن وعمرو باشا، وأظهرت المرارة ms098 التي شملتني من هذه الأوضاع، ~~ولاحظت منها الضغط الواقع على وزارة الخارجية البريطانية من رجال السياسة القديمة فيها، ~~وفهمت أنه لن يستطيع الفوز بمساعدتي للوصول إلى النهاية، إلا إذا كانت هذه الروح تتقلص، ~~والحق أن اللورد ستانسجيت في كل هذا كان يقوم بدور الوسيط المملوء بالعطف، وحسن الرغبة ~~في الوصول إلى نتائج طيبة ... # ونحن إذا كنا بعد ذلك قد عدنا إلى المفاوضات، فلم يكن ذلك اعتمادا على ألفاظ بلا ~~تعبيرات، بل بناء على التأكيد بأن هذه الروح لا بد أن يقضى عليها، غير أن مما يؤسف له ~~أنها لم تزل باقية، وأنها كانت تظهر من وقت لآخر في تصرفات وزارة الخارجية البريطانية، ~~ولم يكن يكسر من حدتها إلا وجود مستر بيفن في هذه الوزارة؛ وهي تلك الروح، التي أوجدت ~~المصاعب أيضا بعد إمضائي مع مستر بيفن الوثيقة المعروفة، ثم هي التي ترتب عليها فيما ~~بعد قطع المفاوضات! # حزب المحافظين والمفاوضات # وقد كان من الصعوبات التي عانتها المفاوضات المصرية البريطانية موقف المحافظين منها، ~~وقد كشفوا عن كوامن نياتهم نحو مصر باعتراضهم على مسلك حكومة العمال، إذ كانوا وما ~~يزالون دعاة معاهدة سنة 1936؛ تلك المعاهدة التي كان لها ما يبررها عند توقيعها؛ لأنها ~~وليدة حالة سياسية وأخطار حربية تهدد مصر كما تهدد الإمبراطورية البريطانية، فكان ~~مستساغا أن تتخذ بسبب تلك الحالة ضمانات، ولكن المحافظين وهم يعلمون علم اليقين أن ~~الخطر الناجم عن المحور قد زال إلى غير رجعة، ما زالوا يعملون على الاحتفاظ بمعاهدة سنة ~~1936، إن لم تكن بنصها فبروحها، لا يبغون عنها حولا؛ لأنهم رأوا فيها إلى جانب الأغراض ~~الحربية ما يحقق السيطرة على مصر، والتدخل في شئونها، وهم مسوقون بنزعاتهم الاستعمارية ~~المشهورة. # وليس منا من يجهل نيات بعض المحافظين، وآية ذلك موقف مستر تشرشل ومستر أيدن من ~~إنحائهما باللائمة على حكومة العمال، كلما ورد على ألسنة رجالها ذكر «الجلاء»، ولديهما ~~أنه كان يجب أن يكتفي بالجلاء عن المدن المصرية الكبرى فقط؛ حتى لا يتألم المصريون ~~لرؤية الجنود المتغلغلين في أوساطهم، ms099 فهما وأمثالهما من رجال العهد القديم يظنون أن مصر ~~تنظر إلى الأمور نظرة سطحية لا تدرك المعنويات! وقد قال مستر أيدن في خطاب له: إنه لم ~~يسمع من محدثيه عند زيارته لمصر في غضون الحرب أية عبارة تشير إلى أن المعاهدة المبرمة ~~سنة 1936، تسيء إلى كرامة المصريين بأية حال، بل كان المصريون يعربون له عن ارتياحهم ~~إلى هذه المعاهدة! فيا ليت شعري من هم أولئك المصريون، الذين أظهروا للمستر أيدن ~~ارتياحهم للمعاهدة القائمة، التي إذا صح أنها لم تكن محل السخط أثناء الحرب، فإن ~~المصريين ما كانوا لينظروا إليها إلا على أنها خطوة تتلوها خطوات في سبيل الاستقلال، ~~حتى إذا ما وضعت الحرب أوزارها هبوا للمطالبة بأهدافهم كاملة، معتمدين بعد الله على ~~حقهم الواضح وحجتهم القوية. # وإني لأربأ بوطنية القوم في بلدنا أن يكون من بين أولئك المحبذين لآثار معاهدة سنة ~~1936، نفس السادة الذين قاموا في وجه «معاهدة صدقي - بيفن» لأنهم رأوها أقل من أن تحقق ~~المثل العليا لما كانوا يبتغون لمصر ... # وبينما مستر أيدن يصرح بما صرح به، إذا بمستر تشرشل يشيع الريب والظنون في مقدرتنا ~~على التمسك بتعهداتنا، وهو الذي طالما امتدح لمصر موقفها الرائع في مساعدتها ~~الحلفاء! # والواقع أن المحافظين لا يريدون جلاء؛ لأن في الجلاء فقدانا لأداة السيطرة، وبسط ~~السيادة، وهم لا يعنون بصداقة المصريين إلا بالقدر الذي لا يمس نفوذهم. وهم في سبيل ~~محاربة قضية مصر يستعملون من العبارات ما هو غاية في الغلو والتطرف، إذ يقولون عن رغبة ~~العمال في التعاقد مع مصر إن من شأن هذا التعاقد تعريض المصالح البريطانية ~~للدمار! # أمل لم ينقطع # وعلى الرغم من حملة حزب المحافظين على وزير الخارجية البريطانية مستر بيفن، واعتراضهم ~~على مسلكه، نراه يقف في مجلس العموم يصرح بأن من حق مصر، ومن حق بريطانيا معها في ~~الحالة الجديدة التي أعقبت الحرب أن تصلا إلى حل سليم عادل، وأنه ليس من المألوف أن ~~يكون الدفاع تبعة تلقى على كاهل دولة واحدة، بل الدفاع من حق الأمم ms100 متفاهمة متعاونة، ~~وقد أصبح هذا إيمان الجميع، وليس من المألوف في العلاقات الدولية أن تبقى قوات أجنبية ~~في بلاد شعوب أخرى، ويقول: «إن الأساليب المؤسسة على مثل ذلك قد أصبحت عتيقة بالية، ~~وأنه يكون طيبا إذا استطاع أعضاء مجلس العموم تحقيق ذلك ... وأن مهمة رؤساء أركان الحرب ~~أن ينفذوا ما تقرره الحكومة، وأن هناك بعض خلاف في الرأي، ولكن على الوزارة البريطانية ~~أن تزن الأسباب بميزان البحث والتمحيص، ويجب عليها أن تتخذ القرارات السياسية، وأن تقبل ~~التبعة الناجمة عنها.» ولقد كانت هذه العبارات التي أدلى بها مستر بيفن تنطوي على ~~الشجاعة، وقد بعثت في نفسي التفاؤل والأمل وقتذاك؛ أولا: لأن الشقة بيننا وبين ~~البريطانيين قد ضاقت بسبب تفاهمنا في أكثر المسائل التي يعالجها الطرفان ... وثانيا: لأن ~~روح حكومة العمال، وروح مستر بيفن بصفة خاصة، هي روح كنت أعتقد أنها ستؤدي في نهاية ~~الأمر، ومهما طال جدلنا إلى الوصول إلى الغرض الذي يتوق كل منا إلى تحقيقه. # وقد صرح مستر بيفن في مناقشة له بمجلس العموم: «إن بريطانيا في سياستها بالشرق الأوسط ~~كان عليها أن تختار إما القوة، وإما الصداقة، وإنها اختارت الصداقة.» # لذلك لم أقطع الأمل حين وقفت المفاوضات؛ لأنها لم تنقطع، ولأن هذه الروح كانت ما تزال ~~سائدة، ولأنه مهما كانت رغبة العمال في التخلص من مهاجمة المحافظين لهم في مجلس العموم، ~~فلن يصلوا إلى درجة نقض تعهداتهم والإخلال بمبادئهم؛ ولهذا لم تلبث أن استؤنفت ~~المفاوضات فيما بعد. # المشروع المصري # وهذا هو نص المشروع المصري الذي رفضه الوفد البريطاني، وجاء ذكره في هذا الفصل من المذكرات: # المادة الأولى: # في حالة الاعتداء المسلح الموجه ضد بريطانيا العظمى في البلاد ~~المتاخمة لمصر، تتعهد هذه الأخيرة أن تبذل لها كل تأييد عسكري وغيره، ~~وكل المعونة التي في وسعها، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير ~~اللازمة للمحافظة على السلم والأمن الدولتين. # وفي حالة ما إذا تعرضت مصر لاعتداء مسلح تتعهد بريطانيا العظمى بأن ~~تبذل لها كل تأييد عسكري وغيره، وكل المعونة التي ms101 في وسعها، وذلك إلى ~~أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة للمحافظة على السلم والأمن ~~الدوليين. # وإذا كان الاعتداء الموجه ضد بريطانيا العظمى لم يقع في البلاد ~~المتاخمة لمصر، فإن الطرفين الساميين المتعاقدين يتشاوران في الحال؛ ~~للنظر في القيام بأي عمل مشترك، يريان أنه لازم للمحافظة على ~~السلم. # نص آخر للمادة الأولى: # في حالة الاعتداء المسلح الموجه ضد بريطانيا العظمى في البلاد ~~المتاخمة لمصر، يتشاور الطرفان الساميان المتعاقدان في الحال للنظر في ~~القيام بأي عمل مشترك، يريان أنه لازم للمحافظة على السلم. # وفي حالة ما إذا تعرضت مصر لاعتداء مسلح تتعهد بريطانيا العظمى أن ~~تبذل لها كل تأييد عسكري وغيره، وكل المعونة التي في وسعها، وذلك إلى ~~أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة؛ للمحافظة على السلم والأمن ~~الدوليين. # المادة الثانية: # يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان أن لا يبرما تحالفا، أو يشتركا ~~في أي حلف موجه ضد أحدهما. # المادة الثالثة: # لا يخل أي حكم من أحكام المعاهدة الحالية بالحقوق والالتزامات ~~المترتبة، أو التي يمكن أن تترتب لأحد الطرفين الساميين المتعاقدين ~~بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة، ولا أن يفسر أو يطبق على نحو لا يتفق مع ~~أغراض ومبادئ الأمم المتحدة. # المادة الرابعة: # اتفق الطرفان الساميان المتعاقدان على أن أي خلاف ينشأ بينهما بصدد ~~تطبيق أحكام المعاهدة الحالية، أو تفسيرها، ولا يتسنى لهما حله ~~بمفاوضات مباشرة يسوى وفقا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة. # المادة الخامسة: # تلغي المعاهدة الحالية كل الاتفاقات القائمة، أو غيرها من الوثائق ~~التي تتعارض مع أحكامها. # المادة السادسة: # مدة المعاهدة الحالية هي خمس عشرة سنة من تاريخ تبادل التصديق عليها، ~~فإذا لم ير أحد الطرفين الساميين المتعاقدين تجديدها، وأعلن الطرف ~~الآخر بذلك قبل انقضاء تلك المدة باثني عشر شهرا على الأقل، تعتبر ~~مجددة تجديدا ضمنيا لمدة خمس سنوات وهلم جرا. # المادة السابعة: # يصدق على المعاهدة الحالية، التي تعتبر نصوصها الإنجليزية والعربية ~~على السواء أصلا لها، وتتبادل وثائق التصديق في أقرب وقت ممكن، ويبدأ ~~تنفيذها مباشرة عقب تبادل وثائق التصديق عليها. # وتسجل المعاهدة الحالية في ms102 سكرتيرة هيئة الأمم المتحدة. # وإقرارا بما تقدم، وقع المفوضون السابق ذكرهم هذه المعاهدة، ووضعوا أختامهم عليها. # بروتوكول # يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان بالدخول فورا في مفاوضات؛ لتقرير نظام الحكم في ~~السودان، وذلك في نطاق مصالح الأهالي السودانيين، وعلى أساس وحدة وادي النيل تحت تاج ~~مصر. # | أميركا تدخل في الخلاف # انتهينا في الفصل الماضي إلى أن المفاوضات - وإن لم تكن قد قطعت رسميا - إلا أنها كانت ~~في حكم الموقوفة، وقبل الدخول في تفصيل ما جرى من المسائل بعد ذلك تحسن الإشارة إلى الروح، ~~التي أملت على الوفد المصري النص الذي ترتب عليه وقف المفاوضات، فإن هذا النص لم يأت ~~بسهولة، إذ كان هناك خلاف بين أعضاء هذا الوفد في وجهة النظر إلى نوع المساعدة، التي تقدمها ~~مصر لبريطانيا الحليفة، فقد كان بعض حضرات الأعضاء يرى أن مصر لا يطلب منها في هذه ~~المحالفة القيام بإجراء عسكري من جانبها في مساعدة إنجلترا، بل تكون المساعدة مقصورة - كما ~~كانت في الحرب الماضية - على مساعدات لا تعرض كيان البلاد، ولا أرواح سكانها للخطر، ولولا ~~أن اللجنة السياسية في عهد المرحوم أحمد ماهر باشا كانت قد قررت بإجماع الآراء أنه لا بد من ~~بقاء مصر حليفة لدولة كبرى، على الرغم من وجود هيئة الأمم المتحدة، لكان البعض - ولو أنه ~~قليل العدد جدا - أميل إلى عدم الارتباط، والاكتفاء بالمفاوضة من أجل الجلاء، وسيادة مصر ~~على السودان ووحدتهما ... على أنه في نهاية الأمر تغلب الفريق القائل - كما كان منتظرا - بأن ~~المحالفة تقضي صونا لكرامة مصر بظهورها في مظهر الند لإنجلترا، لا بمظهر التابع، ومن أجل ~~ذلك يجب أن تتحمل جانبا من الأعباء العسكرية، وقد رأى هذا الفريق وهو أغلبية الوفد المصري ~~الساحقة، حلا وسطا هو أن تكون مساعدة مصر لبريطانيا مقصورة في وقت الحرب على وقوع ~~الاعتداء على البلاد المتاخمة لمصر، ويبرر ذلك أن البلاد المصرية تكون في هذه الحالة قد ~~تعرضت للخطر ... # وهذا النص هو الذي بقي حتى آخر المفاوضات، وقبله الوفد البريطاني. # محالفة دفاعية # وأحب هنا ms103 أن أشير إلى أن المحالفة، التي كنا نتفاوض فيها كانت من الوجهة العسكرية ~~«دفاعية»، وليست «هجومية» كما شاء البعض أن يصفها، ولم يكن من شأنها دفع جيوش مصر إلى ~~غير الأقطار المتاخمة، لا كما قيل وقتئذ من أن هذه الجيوش قد يطلب منها أن تدافع عن ~~إنجلترا نفسها، أو عن مستعمراتها وتشتت في أقطار الأرض، وهي في حدود ميثاق الأمم ~~المتحدة، ولم تتجاوز حدوده، ومدى الالتزام فيها مقصور على التعاون لدفع الاعتداء عن ~~مصر، أو عن البلاد المتاخمة لها إذا اشتركت إنجلترا في حرب دفاعية عن هذه البلاد، وجلي ~~أن المقصود بالبلاد المتاخمة لمصر في نص مشروع المعاهدة، إنما هي فلسطين وشرق الأردن ~~وليبيا، ومركز إنجلترا في فلسطين، وشرق الأردن معروف باعتبار ما كان الأمر عليه في ذلك ~~الحين، أما ليبيا فقد كانت على الاعتبار السابق في الوضع الدولي بمنجاة من الحروب ~~العدوانية. # وهنا أقرر أن الإنجليز لم يتعرضوا لموضوع مدى التدخل العسكري لمصر، أثناء حرب تشهر ~~على إنجلترا، كما هو الوضع في معاهدة سنة 1936، ولكن هيئة المفاوضة رأت بحق أن هذا ~~الوضع يجعل من مصر منطقة نفوذ بريطاني، وينفي فيما بين الدولتين فكرة التكافؤ والتعادل، ~~الأمر الذي يقدح في استقلال البلاد، ويظهرها في مظهر البلاد الواقعة تحت نفوذ الغير، ~~فتمسكت بأن تكون لمعاونة مصر دائرة تنتهي في حدود الأقطار المتاخمة، مما يتفق مع قدرتها ~~الحالية كدولة مستقلة، فضلا عن أن مصر يسرها، ولا شك، أن يتاح لها الدفاع عن أقطار ~~شقيقة داخلة في الوحدة العربية، ومن المفاوضين الفضلاء من ذهب إلى إشراك البلاد العربية ~~جميعا في نطاق هذا الدفاع. # على أن هدفنا على الدوام من محالفة بريطانيا هو أن تكون محالفة الند للند، والعمل ~~لهذه المحالفة إنما هو أساس السياسة المصرية، منذ كانت المفاوضات مع بريطانيا في أعقاب ~~حرب سنة 1914، وقد استمر كذلك حتى أخذت به الهيئة السياسية في مداولاتها، وأخذ به وفد ~~المفاوضات الرسمي ... ولعلكم تذكرون أن مجلس الشيوخ تناول هذه المسألة بجلسة 27 مايو سنة ~~1946، وناقش الحكومة ms104 في اجتماع سري، فوضحت الحكومة سياستها، وهي عقد معاهدة ومحالفة مع ~~بريطانيا على أساس الجلاء التام، على أن تعقبها مباشرة المفاوضة بشأن السودان، فأصدر ~~المجلس القرار الآتي: # بعد سماع البيان الذي ألقاه دولة رئيس الحكومة، والمناقشات التي دارت حوله، ~~يوافق المجلس على تقرير لجنة الخارجية بما تضمنه من تأييد المفاوضين المصريين، ~~وتقرير سلامة موقفهم، والاطمئنان إلى ما قاموا به؛ لتحقيق إرادة الأمة وتمسكهم ~~بالجلاء التام ووحدة وادي النيل. # تدخل أميركا في الخلاف # لما توقفت المفاوضات بين مصر وبريطانيا؛ بسبب مشروع المعاهدة الأولي الذي قدمه الوفد ~~البريطاني إلى الوفد المصري في 19 مايو، وكان مشبعا بروح معاهدة سنة 1936 - كما بينا ~~في الفصل السابق - طلب سعادة وزير أميركا في مصر مقابلة جلالة الملك، ولكن هذه المقابلة ~~تعذرت في ذلك الوقت؛ بسبب غياب جلالته وعلمت من الوزير أنه يحمل رسالة من الرئيس ترومان ~~عن طريق وزير الخارجية الأميركية؛ ليبلغها إلى جلالة الملك فاروق ... وقد بعث إلى سعادة ~~الوزير الأميركي المفوض بهذه الرسالة؛ لأرفعها إلى جلالته ... وهذا هو نص تلك الرسالة ~~التي أسمح لنفسي بالإفضاء بها، إذ قد سبق للجرائد أن خاضت في أمرها، ومن المصلحة ~~للبلدين أن تعلم على حقيقتها: # عزيزي رئيس الوزراء # تلقيت أمس رسالة سرية شخصية من وزير الخارجية المستر جيمس بيرنز، يطلب إلي ~~أن ألتمس مقابلة صاحب الجلالة الملك، وأن أفضي إلى جلالته بطريقة غير رسمية ~~باهتمام حكومة الولايات المتحدة بكافة مسائل الدفاع عن الشرق الأوسط، وأمن ~~البلاد العربية. أما وقد تعذر لجلالته استقبالي نظرا لضيق الوقت وسفره، فقد ~~أنبأني القصر أن جلالة الملك يرحب بأن أفضي برسالتي إليه كتابة. # ورغب وزير الخارجية إلي في أن أبلغ جلالته أنه نظرا للصداقة، التي تشعر بها ~~حكومتي نحو مصر وبريطانيا العظمى، واهتمامها البالغ برفاهية كل شعوب الشرق ~~الأوسط، فهي تتابع عن كثب تقدم المفاوضات بين بريطانيا ومصر، وأن حكومتي وهي ~~تعبر عن رغبتها في نجاح هذه المفاوضات، تأمل أنه ما زال ممكنا أن تنتهي بطريقة ~~تكفل لمصر الضمانات المرضية لسيادتها التامة، ms105 دون أن تخاطر في سبيل ذلك بالقضاء ~~على أمن الشرق الأوسط، أو تضعف الدفاع عن هذه المنطقة ضد اعتداء محتمل ~~الوقوع. # هذا وقد أبلغتني حكومتي في هذا الشأن أن أوضح بجلاء أن الولايات المتحدة، ~~تعتبر أمن الشرق الأوسط كله مسألة ذات أهمية أساسية بالنسبة لأمنها ~~خاصة. # وفي الختام كلفت أن أنهي لدولتكم أن حكومتي مقتنعة بأن الحكومة البريطانية ~~الحالية، ترغب رغبة صادقة في الوصول إلى حل لمسألة أمن الشرق الأوسط حلا، ~~يمكن البلاد الواقعة في تلك المنطقة من التمتع باستقلال غير مقيد؛ استقلال لا ~~يفضي في نفس الوقت إلى خلق موقف، من شأنه أن يشجع وقوع اعتداء من ~~الخارج. # وإني أرجو دولتكم أن ترفعوا إلى جلالته في أنشاص بطريق الاستعجال، المعلومات ~~التي احتوتها رسالتي هذه، وهي في واقع الأمر ما تلقيته من وزير ~~الخارجية. # ردي على وزير الخارجية الأمريكية # هذه هي الرسالة التي بعث بها وزير أميركا المفوض في 27 مايو سنة 1946؛ لأرفع مضمونها ~~إلى جلالة الملك، وهي تنم عن تأييد إنجلترا في موقفها حيال المسألة المصرية، وتشددها في ~~المفاوضات خوفا من الخطر الروسي على الشرق الأوسط، وقد رددت على رسالة وزير أميركا ~~برسالة أسجل نصها فيما يأتي: # إن الرسالة التي سلمها سعادة وزير الولايات المتحدة إلى رئيس الوزراء لرفعها ~~إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، قد لقيت كل العناية من قبل العرش والحكومة ~~... # وليس مبعث الاهتمام الذي تثيره هذه الرسالة أنها تتعلق بمفاوضات ذات أهمية ~~حيوية لمصر فحسب؛ بل لأن الأمر يتعلق أيضا بتوسط الولايات المتحدة، ومصر تعلق ~~عليها دائما أكبر الآمال، لما عرف عنها من البعد عن الأنانية والسمو في أغراض ~~سياستها الخارجية ... # وجدير بهذا الاهتمام أن يكون الرد وليد إدراك الوقائع - كما هي - إدراكا ~~سليما خالصا - إذ تحرص مصر على المبادرة إلى «تطمين» حكومة الولايات المتحدة ~~على حقيقة نواياها. # فمصر - باعتبارها من بلاد الشرق الأوسط - تشارك الولايات المتحدة ما تبديه من ~~الاهتمام بأمر تلك المنطقة، ولكن مصر تود أن توضح أن حرصها على هذا الأمر، ~~مرتبط لديها بضرورة ms106 استعادة حرياتها كاملة غير منقوصة. # وهي تدرك دائما أنه يجدر ألا يغيب عن النظر تلك الضمانات المترتبة على ~~معاهدة سنة 1936 مع بريطانيا العظمى، ولكنها تسارع إلى التصريح بأن هذه ~~الضمانات لن يكون من شأنها، إلا أن تزداد ثباتا لو استند التحالف المراد عقده ~~مع بريطانيا العظمى على أساس من الثقة والصداقة، ولا يتوافر هذا إلا باحترام ~~استقلال مصر. # وبهذا الشرط وحده - وهو شرط مستمد أيضا من أحكام ميثاق الأمم المتحدة، وكانت ~~مصر في طليعة الدول التي انضمت إليه - يتسنى لمصر أن تساهم مساهمة جدية في ~~توطيد السلم العالمي ... وهي ستعمل ذلك بفضل مواردها الخاصة، وشعورها العميق ~~بواجباتها الجديدة، التي تقع على عاتقها كدولة مستقلة. # وأن تجاهل هذه الحالة والتسويف في علاجها لمما يخلق جوا من القلق - إن لم ~~نقل جوا من التوتر - فيه إضرار بالغرض المنشود، ألا وهو تهيئة الانسجام ~~والتفاهم المتبادل اللازمين لاستقرار السلم في الشرق الأوسط استقرارا ~~نهائيا. # وإن مصر تتقبل بارتياح تلك الفرصة المتاحة لها، فتطلب من حكومة الولايات ~~المتحدة أن تضم جهودها القوية إلى كافة الجهود الأخرى المبذولة؛ لتهيئة ذلك ~~الانسجام. # هذا هو ردي على الرسالة الأميركية ... # وقد أبرقت إلى وزيرنا بأميركا؛ ليعرف وجهة نظري؛ وليقابل المسئولين في وزارة الخارجية ~~الأميركية، ويتعرف آراءهم في الموقف، فجاءتني منه برقية تتضمن حديثه في هذا الشأن مع ~~رجال تلك الوزارة يقول فيها: # رغبت في تعرف مدى مشاركة حكومة الولايات المتحدة للحكومة البريطانية في ~~مطالبها من مصر، فتحادثت طويلا مع المسئولين عن السياسة في الشرق الأوسط في ~~وزارة الخارجية الأميركية، فبدأت بقولي: إنني آسف لتعضيد الحكومة الأميركية ~~للمطالب البريطانية، مما ساعد على إيجاد المصاعب الحالية في سبيل المفاوضات، ~~فردت الدوائر الرسمية على قول هذا محتجة بقولها إن موقف الحكومة الأميركية في ~~هذا الشأن معروف، ولا يتعدى ما ورد في الرسالة التي بعث بها رئيس الجمهورية إلى ~~رئيس مجلس وزراء مصر، عن طريق وزير أميركا - ومؤداها أن أميركا تهتم بأن يسود ~~الأمن في هذه المنطقة ... فلما قلت إن هذه الرسالة ms107 غامضة، وهي تشجع الإنجليز على ~~التشدد مع ترك المسألة المصرية من غير حل، وبالتالي، فإن السلم في هذه المنطقة ~~يظل مهددا، أجابتني الدوائر الرسمية بأن هذا لم يكن الغرض الذي ترمي إليه من ~~الرسالة، وأضافت أن هذا الاعتقاد لو كان قائما في ذهني، فإنها لا تتوانى عن ~~إيضاح موقفها مرة أخرى للإنجليز - ولا يخامرني الشك في أنها ستفعل. # وبطبيعة الحال تناولت أحاديثي مسألة الخطر الروسي، فأفضى إلي من حادثتهم ~~باعتقادهم أن النفوذ الروسي سيجد في مصر مرعى خصيبا؛ نظرا للفوارق الهائلة ~~بين طبقتي الشعب فيها، فقلت: إن الحكومة آخذة في معالجة هذه الحالة بمعاضدة ~~حضرة صاحب الجلالة الملك، ولكن السبب فيها راجع إلى عامل خارجي أكثر خطورة، ~~أعني الضغط الواقع من إنجلترا - ذلك الضغط الذي قد يؤدي بمرور الزمن إلى حمل ~~بعض العناصر، على مصافحة اليد الممدودة إليها؛ ولهذا ينبغي للديمقراطيات أن تكف ~~عن هذا الضغط، وأن تسعى وراء كسب صداقة شعوب الشرق الأوسط، فإن هذه الشعوب لا ~~ترحب بشيء ترحيبها بأن ترى الصداقة بينها متبادلة. # وعلاوة على ذلك، فبالرغم من المجهودات المستمرة التي بذلتها الحكومات المصرية ~~المتعاقبة للنهوض بالشعب، فإن كل عنايتها وعناية بقية الأحزاب السياسية كانت ~~منصرفة إلى مقاومة السيطرة الأجنبية، وإنني واثق أنه متى زال هذا العامل ~~الخارجي، فإن الإصلاحات الداخلية التي يرجوها الجميع ستتحقق، وستسير بخطى ~~سريعة. # لقد أكدت لهذه الدوائر مرة أخرى استعداد مصر للمناقشة في مسألة القواعد ~~الاستراتيجية اللازمة للدفاع المشترك في حدود ميثاق هيئة الأمم المتحدة، غير ~~أنه لا يمكنها بحال أن تمنح امتيازا خاصا لدولة بمفردها كبريطانيا ~~العظمى. # من هذه البرقية، والخطاب الذي سبقها يتبين مدى ما كان يعلقه القوم في أميركا على نجاح ~~المفاوضات المصرية البريطانية، وكيف كانوا - على ما يظهر - مقتنعين بالنظرية ~~الإنجليزية، التي تضمنها مشروع المعاهدة البريطاني الذي رفضه الوفد المصري، وكان رفضه ~~سببا في وقف المفاوضات، وهو المشروع الذي يحقق السيطرة على مصر، ويحولها إلى منطقة ~~لإنجلترا وأميركا، وحلفائهما في زمن الحرب. # | لجنة الدفاع المشترك # لما توقفت المفاوضات ms108 المصرية البريطانية، كان واجب الفريقين أن يعملا على تذليل الصعوبات ~~لإعادتها واستئنافها؛ لأن من مصلحة بريطانيا ومصر الوصول إلى حل، وإقامة علاقتهما في ~~المستقبل على أساس من الثقة والتفاهم ... ولقد كنت على اتصال دائم بسفيرنا في لندن وسفير ~~إنجلترا في مصر، وحدثت عدة اتصالات بيني وبين هذا الأخير، كان الغرض منها التغلب على ~~العقبات القائمة. ولم يمض وقت حتى ظهرت في الأفق رغبة قوية في الاقتراب من آمال مصر، فيما ~~يتعلق باشتمال المعاهدة على ما يضمن سيادتها القومية، والابتعاد عن أي تدخل أو سيطرة من ~~جانب إنجلترا ... ومع تسليم الجانب الإنجليزي بأن ما تنتويه مصر هو أن تضع قواها في المستوى ~~اللائق بها، كحليفة لإنجلترا، فإنهم أبدوا تخوفا من أن هناك فترة من الوقت قد تطول بعد ~~إمضاء المعاهدة - وهي الفترة التي لم تكن مصر قد استعدت فيها استعدادا حربيا كافيا، ~~يلائم الوضع الدولي الجديد المبني على استقلالها من جهة، وعلى إخلائها من الجيش البريطاني ~~من جهة أخرى - وعبروا عن هذه الفترة بكلمة فراغ # vacuum # على ~~لسان بيفن وغيره من رجالهم ... # وبعد أخذ ورد طويلين، وعودة الإنجليز إلى المبدأ الذي كنت قد سلمت به، وهو مبدأ التشاور ~~بين الرؤساء العسكريين في كلا البلدين، اقترحوا النظام الموجود فعلا بين إنجلترا وكندا ~~المرتبطين بمعاهدة عسكرية - وهو نظام «لجنة الدفاع المشترك». # وفي يوم الثلاثاء 18 يونيو سنة 1946، قابلني السفير البريطاني سير رونالد كامبل، ومعه ~~مستر بوكر، وقدما إلي هذا الاقتراح، وأبلغاني أنه إذا وافق الجانب المصري على مبدأ إنشاء ~~هذه اللجنة، فإن اللورد ستانسجيت سيحضر إلى مصر ثانية، وتستأنف المفاوضات. # وقد عرضت هذا الاقتراح على زملائي، فوافقوا عليه من حيث المبدأ بشبه إجماع، وعاد ~~ستانسجيت، واستؤنفت المفاوضات، وأخذ الوفدان المصري والبريطاني يتناقشان في ~~التفاصيل. # لجنة الدفاع المشترك # على أثر عودة اللورد ستانسجيت قدم الوفد البريطاني مذكرة بالمقترحات الجديدة. # وهي تتناول تعديل المواد الرابعة والخامسة والسادسة من مشروع المعاهدة البريطاني ~~السابق، الذي رفضه الوفد المصري وتوقفت من أجله المفاوضات، وقد تضمنت في وضعها الجديد ms109 ~~ما يأتي: # المادة الرابعة: ~~(وهي الخاصة بلجنة الدفاع المشترك) يكون واجبا مشتركا على الطرفين ~~الساميين المتعاقدين أن يكفلا سلامتهما المشتركة، وأن يدافعا فعلا عن ~~أراضيهما، وأن يحميا مواصلاتهما، ولكفالة التعاون والمساعدة المتبادلة ~~بين الطرفين الساميين المتعاقدين، ومساهمة كل منهما في الواجب المشترك ~~وافق حضرة صاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى، وحضرة صاحب الجلالة ملك ~~مصر على إنشاء «لجنة للدفاع»، تؤلف من السلطات العسكرية المختصة ~~للطرفين الساميين المتعاقدين، يعاونهما الممثلون الآخرون الذين ترى ~~الحكومتان تعيينهم. # وتكون اختصاصات اللجنة: ~~(1) # تنسيق التدابير التي تكفل من كل الوجوه الدفاع المشترك ~~عنهما في مصر والأراضي المجاورة بما في ذلك حماية ~~مواصلاتهما المشتركة. ~~(2) # دراسة المسائل البرية والبحرية والجوية، وما يتصل بها من ~~مسائل الموظفين والعتاد، وإعداد الخطط التي ينظر فيها ~~الطرفان الساميان المتعاقدان. # وتجتمع اللجنة - كلما احتاج الأمر - للاضطلاع بهذه الاختصاصات ~~المنصوص عليها؛ ولمواصلة استعراض الموقف الدولي، وتتشاور بقصد إسداء ~~النصح للحكومتين، وتوصيتهما بما تقومان به من العمل المناسب في كل ~~الحالات التي تهدد سلامة الشرق الأوسط، بما في ذلك كافة الأراضي ~~المتاخمة لمصر. # المادة الخامسة: ~~(وهي الخاصة بالتعرض لخطر الحرب) مع مراعاة أحكام ميثاق الأمم ~~المتحدة، اتفق الطرفان الساميان المتعاقدان على أن تتخذ قواتهما ~~المسلحة - في حالة حرب يشتبك فيها أحدهما، ويكون من شأنها تعريض ~~سلامتهما للخطر في الشرق الأوسط، بما في ذلك الأراضي المجاورة لمصر - ~~التدابير اللازمة بالتعاون الوثيق بينهما لأغراض المساعدة المتبادلة، ~~وحالما يتولى مجلس الأمن للأمم المتحدة العمل الواجب اتخاذه للمحافظة ~~على السلم والأمن الدوليين، أو إعادتهما إلى نصابهما، فإن التدابير ~~التي اتخذتها القوات المسلحة للطرفين الساميين المتعاقدين يجري تنسيقها ~~مع العمل الذي يقوم به مجلس الأمن. # المادة السادسة: ~~(الخاصة بالتسهيلات اللازمة) من المتفق عليه أن الطريقة التي يقوم ~~بها أحد الطرفين الساميين المتعاقدين المساعدة للطرف الآخر، وعلى الأخص ~~الأوضاع الفنية للتعاون المشار إليه في المادة السابقة، والخطوات التي ~~يجب اتخاذها لتمكين قوات الطرفين الساميين من أن تكون في مركز تستطيع ~~فيه مقاومة الاعتداء بطريقة فعالة، بما في ذلك القيام بالتسهيلات ~~اللازمة، وهي ms110 من الأمور التي تسوى بالاتفاق بين السلطات العسكرية ~~المختصة في حكومتي المملكة المتحدة ومصر. # النظرية البريطانية في اللجنة المشتركة # هذه هي المقترحات البريطانية الجديدة التي تقدم بها الوفد البريطاني عند استئناف ~~المفاوضات، وأهم ما فيها الاقتراح الخاص بلجنة الدفاع المشترك، وقد أرفق هذا الوفد ~~اقتراحاته بمذكرة ضافية يشرح فيها نظرية الإنجليز في هذه اللجنة، وتتلخص فيما يأتي: # تقضي كل محالفة لتبادل المساعدة التزام العمل لمصلحة طرف المعاهدة، الذي ~~يقع عليه الاعتداء أو يشتبك في حرب، وذلك بقيام الحكومتين بعمل مشترك، ~~وبتآزر قواتهما المسلحة بمجرد نشوب الحرب. # يجب التمهيد للدفاع المشترك منذ وقت السلم، بل إن قيام الجيش الوطني وحده ~~بالدفاع عن أراضي الدولة، سيستلزم استعدادا طويلا ومستمرا، فيجب على ~~هيئة أركان الحرب وضع الخطط الاستراتيجية لتوزيع القوات، وتحديد ~~المواقع. # الجيش الحليف مدد، يأتي بصفته هذه ويقاتل على أرض ليست أرضه، فينبغي ~~لهيئة أركان حربه أن تألف معالم البلد والترتيبات التي اتخذها الجيش ~~الوطني، ويجب أن تحدد بدقة من قبل بزمن طويل مواقع الجيشين اللذين ~~سيتعاونان في الحرب. # ويفقد العمل المشترك بين دولتين كثيرا من جدواه إذا لم توضع هذه ~~الترتيبات، ولا ينازع أحد اليوم في أن من أسباب هزيمة الجيوش البريطانية ~~الفرنسية في بلجيكا وهولاندا في مايو 1940، انعدام الاستعداد الحربي اللازم ~~لتلك الحملة، واضطرار قيادة الحلفاء إلى ارتجال وسائل تعاونهما مع الجيوش ~~البلجيكية والهولاندية في أراض لم يسبق لهما دراستها ... وكذلك في سنة 1941 ~~أدى انعدام التنسيق التمهيدي بين القوات المتحالفة، والجيش اليوجوسلافي إلى ~~تعذر اعتماد هذا الجيش على إمداد الحلفاء. # أنشئت اللجنة المشتركة للدفاع بين الولايات المتحدة وكندا سنة 1940، مع ~~أنه لم تكن هناك بينهما معاهدة أو اتفاق مساعدة، إذ كانت كندا مشتركة في ~~الحرب والولايات المتحدة في ذلك الوقت على الحياد، فلم تتردد الأخيرة في أن ~~تنشئ هذه اللجنة المشتركة للدفاع، بقصد تنسيق التدابير العسكرية الواجب على ~~البلدين اتخاذها تأمينا لدفاعهما المشترك. # من باب أولى إذا ارتبطت دولتان بمعاهدة صريحة أصبح من المستساغ التمهيد ~~للعمل المشترك، إذ تقضي ms111 المعاهدة بالتزام كل من الطرفين بمؤازرة الآخر في ~~حالة الحرب. # أظهرت الحرب العالمية الأولى أهمية تنسيق العمل بين هيئات أركان الحرب، ~~وكذلك بين الإدارات المدنية التي لها علاقة بالعمليات الحربية مثل مسائل ~~النقل وصنع الذخيرة والتموين ... إلخ. # إن مشروع المعاهدة بين فرنسا وبريطانيا سنة 1922، قد احتفظ بالنص المعهود ~~قديما، والذي يقضي في مادته الثانية بأن «يظل التفاهم قائما دواما بين ~~هيئتي أركان الحرب للطرفين الساميين، بقصد أن يكفل للتدابير السابقة أن ~~تكون فعالة إذا ما دعت الحالة إليها.» # إن جمهوريات أميركا الجنوبية (ما عدا الأرجنتين) قررت في سنة 1942 - أي ~~بعد الاعتداء الياباني ببضعة أسابيع - أن تنشئ فورا لجنة مشتركة للدفاع عن ~~جامعة الدول الأميركية، يوكل إليها دراسة التدابير اللازمة للدفاع عن ~~القارة الأميركية، وتقديم توصياتها إلى حكومات هذه الدول. # حولت اللجنة الأميركية الكندية بعد الحرب إلى هيئة دفاع بمقتضى اتفاق بين ~~البلدين. # قررت الولايات المتحدة والدول الأميركية الأخرى - بعد أن علمتها التجارب ~~- ألا تعود إلى ارتكاب خطأ عدم الاستعداد للقيام بعمل مشترك في وقت الحرب؛ ~~ولهذا قدم مشروع قانون إلى مجلس النواب في الولايات المتحدة في 6 مايو سنة ~~1946 عنوانه «قانون التعاون العسكري بين الدول الأميركية»؛ بقصد عقد ~~اتفاقات بين هذه الدول وبين الدول الأميركية الأخرى. # أصبحت اللجنة المشتركة للدفاع في القارة الأميركية هي الهيئة الرئيسية؛ ~~للتمهيد لعمل مشترك في زمن الحرب ولتنفيذه، كما أصبح نظام اللجان المشتركة ~~سائدا إلا في هذه القارة. # إن ميثاق سان فرنسيسكو الذي هو بمثابة حلف واسع النطاق بين كافة الأمم ~~المتحدة لمكافحة الاعتداء، قد أنشأ هيئة دائمة للدفاع موطدة ~~الدعائم. # ملاحظات الوفد المصري # وقد لاحظ الوفد المصري على المقترحات البريطانية السابقة ما يمكن إجماله فيما يأتي: # تقرر المادة الخامسة مبدأ التآزر في وقت الحرب، بينما تقرر المادة ~~الرابعة إنشاء لجنة مشتركة للدفاع، وهذه اللجنة ليست في الواقع إلا وسيلة ~~لتحقيق التآزر، فيجب أن تأتي هذه المادة بعد المادة الخامسة. # تثير المادة الخامسة الاعتراض بأنه بمقتضى الدستور المصري يقع حق ~~الاقتراح في معظم ms112 التدابير، وحمل تبعاتها على عاتق الحكومة دون غيرها؛ ~~ولهذا لا تستطيع أن تنزل عن سلطانها في ذلك إلى هيئة عسكرية. # طبقا لميثاق هيئة الأمم المتحدة لا يكون هناك محل للمساعدة إلا في حالة ~~الحرب الدفاعية؛ ولهذا يجب أن تستبدل «حالة حرب يشتبك فيها إحداهما» بصيغة ~~أخرى تتناول الحالة، التي تتعرض فيها مصر وبريطانيا في البلاد المتاخمة ~~لمصر لاعتداء مسلح. # إن وجود المادة 4 و6 جنبا إلى جنب في معاهدة واحدة تكرار واضح، من شأنه ~~أن يخلق لبسا في الإجراء الواجب اتباعه. # في حالة اللجنة المشتركة بين الولايات المتحدة وكندا، ولجنة دفاع الدول ~~الأميركية، لا توجد هيئة أخرى، ولا منهاج آخر يماثلان ما تنص عليه المادة ~~السادسة. # لا تبين المادة الرابعة بوضوح أن دور اللجنة المشتركة للدفاع، هو أن تقدم ~~مقترحات للحكومتين اللتين تملكان سلطة البت فيها، فإن ذلك هو المبدأ الذي ~~تقوم عليه اللجنة المشتركة للدفاع بين الولايات المتحدة وكندا، ولجنة دفاع ~~الدول الأميركية. # كما أن الاختصاصات المنصوص عليها في المادة الرابعة هي اختصاصات سياسية، ~~لا يمكن أن تملكها هيئة عسكرية؛ ولهذا يجب أن ينص بالتحديد على أن اللجنة ~~فيما يتعلق بهذه الاختصاصات الاستثنائية، لا تجتمع إلا بناء عن دعوة ~~الحكومتين. # وقد تحادثت مع اللورد ستانسجيت والسفير البريطاني طويلا في هذه الملاحظات، وجرت بيني ~~وبينهما عدة مقابلات استطعنا فيها أن نحدد اختصاصات لجنة الدفاع المشترك تحديدا يحقق ~~وجهة النظر المصرية، سواء فيما يتعلق بالناحية العسكرية أم السياسية، بحيث قررنا بوضوح ~~شكل تأليفها، وما تتناوله من مسائل عسكرية، أما المسائل السياسية فليس من حقها، بل هي ~~من حق الحكومتين المصرية والبريطانية، إلا إذا دعتها هاتان الحكومتان إلى ذلك، ولكن ليس ~~لها أن تبحث الموقف السياسي البحت، بل تبحث الآثار العسكرية المترتبة عليه. # وعلى ذلك اتفق الجانب المصري والبريطاني، وبعث الوفد البريطاني إلينا بمذكرة عن تأليف ~~اللجنة واختصاصاتها، نصت على ما يأتي: # وتتألف اللجنة المشتركة من شعبتين: الأولى مصرية، والثانية بريطانية، ~~والشعبتان متساويتان في عدد الأعضاء، وأغلبهم من العسكريين؛ ولكنه نظرا لأن ms113 ~~المسائل العسكرية تتضمن أيضا مسائل فنية تدخل في عمل الإدارات المدنية، فقد ضم ~~إلى اللجنة أعضاء مدنيون تختارهم الحكومتان لمساعدة السلطات العسكرية. # وأول اختصاصات اللجنة هو دراسة المسائل المتعلقة بالدفاع المتبادل للطرفين ~~المتعاقدين في البر والبحر والجو، وما يتصل بذلك من مسائل العتاد والعمال، ~~وبصفة خاصة الأوضاع الفنية لتعاونهما، والتدابير الواجب اتخاذها لكي يتاح ~~للقوات المسلحة للطرفين أن تكون قادرة بالفعل على مقاومة الاعتداء. # ويجب أن تسفر هذه الدراسة - إذا أردنا أن تكون لها ثمرة ما - عن نتائج واقعية ~~عملية ترفع إلى الحكومتين، ويجب من جهة أخرى أن يراعى في وضع الخطط والآثار ~~الاستراتيجية، لحوادث سياسية معينة، كما إذا لاح أن دولة أخرى قد يقع منها ~~العدوان، أو إذا زادت قوات هذه الدولة زيادة مفاجئة بسبب عقدها لمعاهدات تحالف ~~جديدة، فإن هذه الحوادث قد يكون من شأنها أن تحمل اللجنة المشتركة على تعديل ~~الخطط التي تكون قد وضعتها؛ لتجعلها مطابقة للأوضاع الجديدة. # ولهذا تجتمع اللجنة لتبحث - إذا اقتضت الحال - الآثار العسكرية للموقف ~~الدولي، وكل الحوادث التي قد تهدد الأمن في الشرق الأوسط، وتقدم التوصيات ~~المناسبة في هذا الشأن. # ولكن ليس للجنة أن تجتمع من تلقاء نفسها، إذ إن ذلك يتضمن ناحية سياسية هي من ~~حق الحكومات وحدها؛ ولهذا فلن تبحث اللجنة هذه المسائل إلا بناء على دعوة من ~~الحكومتين ... وعلاوة على ذلك فلن يكون لها أن تبحث الموقف السياسي البحت، وإنما ~~تبحث الآثار العسكرية المترتبة عليه. # وليس للجنة في أية حال سلطة إصدار قرارات، فإن هي إلا هيئة فنية بحتة ~~استشارية، أما الحكومتان فهما اللتان تحتفظان بموجب سيادتهما بحق اتخاذ ~~القرارات فيما يتعلق بالمسائل التي درستها اللجنة. # والطريقة التي ستجري بها العمل عادة كما يأتي: بعد أن تدرس اللجنة مسألة ~~معينة تثبت النتائج التي انتهت إلى الاتفاق عليها، وتقوم كل من الشعبتين بعد ~~ذلك برفع هذه القرارات إلى حكومتها فإذا أقرتها الحكومتان؛ فإنهما تتبادلان ~~مذكرات أو خطابات تثبت تصديقها عليها كما قد يحدث أن تشرع الحكومتان ذاتهما في ~~دراسة جديدة ms114 للمسألة، وأن ترفضا وتعدلا مقترحات اللجنة المشتركة. # والحالة الوحيدة التي يمكن فيها أن يوضع أي قرار موضع التنفيذ، هي الحالة ~~التي يتحقق فيها الاتفاق التام بين الحكومتين بمقتضى مذكرات أو خطابات متبادلة، ~~ومعنى هذا أنه لا يترتب على إنشاء اللجنة المشتركة - لا قانونا ولا فعلا - أي ~~تعد على اختصاصات الحكومتين. # وبالتالي ليس فيها مساس باستقلال الدولتين المتعاقدتين. # لجنة الدفاع ... والحماية # يرى القارئ من اختصاصات لجنة الدفاع المشترك السالفة الذكر أنها لجنة استشارية بحتة، ~~وليست لجنة لبسط الحماية البريطانية على مصر، كما أراد المغرضون في ذلك الوقت أن ~~يشوهوها أمام الرأي العام، وهم يتجاهلون أن جلاء القوات البريطانية عن مصر سيتم برا ~~وبحرا وجوا، وأن مصر ستسترد بذلك كامل حقوقها في السيادة والاستقلال دون أية شائبة ~~تشوب هذه الحقوق، وإذن فلن تكون علاقة إنجلترا بمصر بعد ذلك إلا كعلاقة غيرها من الدول. ~~وما اللجنة المشتركة سوى لجنة - كما رأيت - يتساوى فيها عدد المصريين والإنجليز، سواء ~~منهم العسكريون أم المدنيون، وهي استشارية محضة كما قلنا، لكل من الدولتين أن تقبل ~~مشورتها أو ترفضها أو تعدلها، وما المحالفة بين مصر وبريطانيا بما فيها اللجنة المشتركة ~~إلا وثيقة خاضعة لنظام هيئة الأمم المتحدة، ولمجلس أركان حرب هذه الهيئة بمجرد أن يتم ~~تشكيله أن يراجع أعمالها، ويوجه خطأها فيما يطابق ميثاق الهيئة. # فإذا ذكرت كل ذلك كان من حقي أن أقول لأولئك الذين سمموا في ذلك الوقت جو هذه البلاد، ~~بزعم أن قبول هذه اللجنة هو قبول للحماية البريطانية: إنهم ألصقوا ببلادهم أشنع التهم، ~~فهو توهموا أو أرادوا أن يوهموا أن ما يقوله الجانب البريطاني في هذه اللجنة سيقبله ~~الجانب المصري لا محالة، كما توهموا أن توصيات اللجنة - رغم أنها استشارية - ستكون ~~ملزمة لأية حكومة مصرية؛ لأن إنجلترا قوية ومصر ضعيفة، وهذا محض اتهام صادر عن هوى شخصي ~~دفع به إلى تمني قطع المفاوضة، أملا في إحراج مركز الوزارة. # على أن هذا الإيهام أو الوهم صادر عن ضعف في الإيمان باستطاعة مصر المحافظة على حقها ms115 ~~تاما في الاستقلال، ورميها بشبه مركب ~~النقص # Inferiority complex ~~، كلما واجه المصري ممثلا إنجليزيا في أي عمل من الأعمال، أو ~~كلما واجهت مصالح مصر مصالح إنجلترا في أي ميدان من الميادين. # وأذكر أنه قد زارني يوما مستر «لاجورديا» محافظ نيويورك، ورئيس الشعبة الأميركية ~~للجنة الدفاع المشترك بين أميركا وكندا، وسألته عن شعوره وشعور الكنديين من ناحية وجوب ~~المساواة بين الفريقين في أعمال اللجنة المشتركة، فقال لي بالنص: # أنت تسألني عن هذا وربما كان من حقي أن أقول لك إن الجانب الكندي في هذه ~~اللجنة - وهو الذي يمثل الجانب الضعيف - أشد مطالبة وأكثر تصميما فيها ووصولا ~~إلى غايته من الجانب الأميركي صاحب الحول والطول! # | بين الوفدين المصري والبريطاني # بمدينة الإسكندرية، وفي قصر أنطونيادس، كانت المناقشات والمباحثات في الشئون التي اختلفنا ~~عليها نحن والإنجليز، وإليكم مقتطفا من خطاب خاص بعثت به في 25 يوليو سنة 1946 إلى إحدى ~~الجهات العليا؛ لتبيان الوضع الذي كنا فيه وهو كما يأتي: # قد جرى حديث بالأمس بيننا وبين اللورد والسفير دام ثلاث ساعات، يؤسفني أن أقول: ~~إنه لم يؤد إلى تفاهم في أي موضوع، وقد تبين لي: (1) أن القوم هنا مرتبطون بتعليمات ~~من لندن لا يستطيعون الخروج من نطاقها حتى بالوعد بإعادة النظر ... (2) أن فكرة جعل ~~أو استمرار مصر قاعدة عسكرية لا تزال هي السائدة ... (3) إنهم لا يزالون بعيدين عن ~~الاعتراف لمصر بمركز ولو معنوي في السودان ... (4) إنهم بعد مفاوضات دامت أربعة أشهر ~~لم يدركوا العقلية المصرية في أية ناحية من نواحيها، وقد قالوا في نهاية الأمر إن ~~تعليماتهم بشأن السودان لم تكن نهائية، ويستمدونها من لندن، وتلقاء ذلك كله رتبت ~~الكلام مع عمرو باشا اليوم الساعة الواحدة؛ لأنبهه تليفونيا إلى أن البقاء في ~~المركز الذي نحن فيه أي: (1) امتداد التزامات مصر الحربية إلى أكثر من البلاد ~~المتاخمة ... (2) تعريض مصر لعودة الجيوش البريطانية في حالات الخطر بالشرق الأوسط ... ~~(3) التلكؤ في الجلاء فيما عدا الجلاء عن المدينتين الكبيرتين، وهو ليس بجلاء، بل ~~انتقال من مكان إلى آخر ms116 في داخل القطر المصري ... (4) السعي إلى أن تجري المفاوضة في ~~مسألة السودان بغير تحفظ من جانبنا في شأن السيادة، كل ذلك لا يؤدي إلى تفاهم جدي ~~في أمر التحالف، وسأطلب من عمرو باشا ردا سريعا ممن بيده تصريف الأمور، ويلوح أن ~~القوم المفاوضين هنا يتجاهلون أن هناك جامعة للأمم لا يسلم ميثاقها بسيطرة من جانب ~~على جانب. # بلاغ مصري للجانب البريطاني # وفي منتصف الساعة الثانية عشرة من صبيحة يوم الإثنين 29 يوليو سنة 1946، قصدت إلى ~~سراي أنطونيادس وفاء لموعد سابق لمقابلة لورد ستانسجيت والسفير البريطاني، فقلت لهما: ~~إنني حضرت لإبلاغهما قرار هيئة المفاوضات المصرية بشأن المقترحات البريطانية الأخيرة، ~~وكنت قد أعددت ذلك كتابة فتلوته عليهما، وهذا نصه: # أعتقد أنني من أخلص المصريين مناصرة للاتفاق بين إنجلترا ومصر، وكنت آمل كذلك ~~أن أكون في طليعة العاملين في بناء هذا الاتفاق. # ولهذا يشق علي أن أبلغكم أن الوفد المصري للمفاوضات في اجتماعه الأخير، قد ~~قرر بإجماع الآراء اتخاذ موقف مضاد للموقف الأخير، الذي اتخذه الوفد البريطاني، ~~وقرار الوفد المصري ينصب على ما يأتي: (1) المادة الثانية من مشروع المعاهدة ~~المقدم من الوفد البريطاني الخاصة بالبلاد المجاورة وخطر الحرب ... (2) البيان ~~الشفوي الخاص ببرنامج الجلاء ... (3) عدم وجود أية دلالة طيبة في شأن المبادئ ~~الأساسية، التي طلبتها مصر للمفاوضات الخاصة بالسودان. # هذا وستقدم إليكم في خلال بضعة أيام مذكرة تشرح الأسباب، التي استند إليها ~~الوفد المصري في إصدار قراره هذا. # وأضيف من جهتي شخصيا أنني لعلمي بما تكنونه من عواطف التقدير والود لمصر ~~وقضيتها؛ تلك القضية التي لا نزاع في عدالتها، آمل أن دراسة جديدة منكم للموقف ~~ستؤدي بكم إلى الأخذ بوجهة نظرنا. # فلما فرغت من تلاوة هذا البلاغ ظهر عليهما ما خيل إلي أنه شعور من تنسم الخلاص من ~~مكروه كان يتوقعه، ثم قال السفير: # إنني آسف لمرض مستر بيفن في وقت كان يرجى فيه تعجيل السير بالأمور والرجوع ~~إليه، ومما زاد في أسفي أن مستر بيفن كان ينوي أن يحضر إلى مصر، والمفاوضات قد ms117 ~~آذنت نهايتها أو في طريقها إلى التمام. # ثم انتقل السفير إلى الكلام في موضوع زيارتي يومئذ، فتساءل: «ألم يكن للمعاني ~~والاعتبارات التي ذكرناها؛ لتعديل المادة الثانية أي أثر في نفوس المفاوضين المصريين؟ ~~إن كل غرضنا محصور في جعل هذه المعاهدة ذات قيمة فعالة # effective ~~، والمحالفة لا تكون كذلك إلا بالصورة التي عرضناها بها، ولا شك ~~أنكم تدركون تماما أن الحروب الحديثة تستلزم السرعة الفائقة.» # قاعة الذكريات بمنزل إسماعيل صدقي باشا التي شهدت جانبا كبيرا من ~~المفاوضات. # هيئة المفاوضين المصريين في أحد الاجتماعات التي عقدت في قصر ~~أنطونيادس لدرس الاقتراحات التي تقدم بها الجانب البريطاني. # فقلت: «يا سعادة السفير هذه مسائل قتلناها بحثا فيما مضى، وكلام أطلنا فيه في فرص ~~سابقة، وأوضحت لكم أن المادة بالصيغة التي تقترحونها لا يمكن إلا أن ترفض بالإجماع؛ ~~لأنها من جهة تكاد تعود بنا إلى موضوع خطر الحرب الذي لا يمكن الموافقة عليه، ولأنها من ~~جهة أخرى تدفعنا نحو الحالة الأتوماتيكية التي هي دائما في تفكيركم على ما يظهر، والتي ~~من شأنها أن يمتنع أي تشاور بين الطرفين؛ ولأنها من جهة ثالثة تزيد من أعباء الالتزامات ~~المفروضة على مصر بمقتضى المعاهدة، وكل هذا غير مقبول، وقد يكون من شأنه أن يمهد السبيل ~~لدخول القوات البريطانية مصر مرة أخرى.» # هنا حاول اللورد ستانسجيت والسفير البريطاني أن يبينا حسن نيتهما وأغراضهما السلمية ~~إزاء مصر. وقال السفير «إنه رغبة منهما في إثبات ذلك قد وضعا صيغا جديدة للمادة ~~الثانية التي هي محور المعاهدة، ولعل في إحداها ما يجمع بين الطرفين في منتصف الطريق.» ~~وأطلعاني على الصيغ الثلاث، وهي صيغ متشابهة ترجع في الحقيقة إلى الأولى منها وهي كما يأتي: # مع مراعاة أحكام ميثاق الأمم المتحدة دائما اتفق الطرفان الساميان ~~المتعاقدان، على أنه في حالة حرب يشتبك فيها أحدهما، وتعرض للخطر سلامتهما في ~~مصر أو الأراضي المجاورة، يتخذان بالتعاون الوثيق بينهما الإجراء الذي قد يسلم ~~بضرورته، وذلك حتى يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لإعادة السلم إلى ~~نصابه. # وقد قلت ms118 لهما بعد اطلاعي على هذه الصيغ: إني لا أرى فروقا تستحق الذكر؛ لأن أهدافها ~~كلها واحدة، فقال اللورد ستانسجيت: «إنني أفكر في نص يبعد كل فكرة خاصة بخطر الحرب، ~~وحتى لا تنصب المادة الثانية إلا على حالة الحرب الفعلية ...» فشكرته على هذا التفكير، ~~فإنه دليل الرغبة في تحسين الموقف. # الجلاء والسودان # ثم انتقل الكلام بعد ذلك إلى مسألة الجلاء، فقال اللورد ستانسجيت: «وما هي اعتراضاتكم ~~على تفصيلات الجلاء؟» # فقلت: «إن هذا الذي تعرضونه هو جلاء معاهدة سنة 1936، وليس الجلاء المطلوب اليوم، ~~إنكم تنقلون قواتكم من الداخل إلى منطقة قناة السويس، فليس هذا جلاء، وإنما هو انتقال ~~من أرض مصرية إلى أرض مصرية أخرى!» # فقال: «إن هذه مراحل الجلاء، وماذا يرضيكم في مسألة مدة الجلاء؟» # قلت: «إني أصارحك القول: إن هيئة المفاوضات قد تلقت بالرفض والامتعاض اقتراحكم ~~المتضمن خمس سنوات لتنفيذ الجلاء، ولم أخف عليكم رأيي في ذلك قبل عرضه على هيئة ~~المفاوضات المصرية، صدقني إننا قد وصلنا إلى آخر ما يمكن عرضه أو قبوله، أما خمس سنوات ~~فهي فترة لا يمكن أن يقبلها مصري، إننا نعلم أن جلاء المحاربين لا يستغرق زمنا طويلا، ~~ونحن لا نستعجلكم استعجال الأعداء، بل استعجال الأصدقاء، ولعل في سنة ونصف، أو سنتين ~~على أكثر تقدير، الفترة المعقولة لإتمام الجلاء الكامل على مهل، فلسنا نضع السنج في ~~ظهوركم حتى تخرجوا على عجل، بل أنتم تخرجون كما قلت على مهل خروجا كريما لا يترك ~~وراءه مرارة.» # فلم يرد على ذلك ستانسجيت ولا السفير، بل أطرقا في صمت. # ثم فاتحتهما في مسألة السودان، فقال اللورد ستانسجيت: أنه قرأ كل ما كتب عن السودان ~~في المفاوضات والمعاهدات الماضية أو مشروعات المعاهدات، فلم يجد في إحداها كلاما كهذا ~~الذي يقترحه الجانب المصري الآن. # فقلت له: «لم تكن المفاوضات الماضية حاسمة في اتجاهاتها ولا في موضوعاتها، ونحن الآن ~~نريد أن نفرغ من كل المشاكل على وجه يرضي، إن حق السيادة المصرية على السودان حق قديم ~~اعترفتم به أنفسكم فيما مضى، ونحن ms119 نطلب التسليم بهذه السيادة، ونعتبرها في أقصى درجات ~~الأهمية، وبدونها لا تتم المعاهدة.» # فقال ستانسجيت: «إن معاهدة سنة 1936 جاء فيها أن ليس في نصوصها أي مساس بمسألة ~~السيادة على السودان، فلماذا لا نلجأ لنص كهذا الآن؟» # فقلت: «وما معنى تفادي البت في هذه المسألة؟ وما الغرض من تركها معلقة؟ إننا نريد أن ~~تكون مفاوضات نهائية.» # فقال: «ألم نتفق على أنه بعد إمضاء المعاهدة المصرية الإنجليزية تجري مباحث بشأن ~~الحالة في السودان؟! فما معنى التعجل في أمرها الآن؟» # قلت: «هذه مسألة بدهية لا نزاع فيها، ولسنا نحن الذين نتعجل البت في أمور السودان، ~~وإنما رجالكم في السودان هم الذين يتعجلون رسم الخطط، ووضع سياسة المستقبل للسودان، مما ~~اضطرني إلى الكتابة إلى الحاكم العام لافتا نظره إلى ما في ذلك من مخالفات، كما كتبت ~~بذلك إلى السفير.» # قال اللورد ستانسجيت: «إن المسألة هي هل يحسن البت من الآن في مبدأ خاص بالسودان، أو ~~يحسن ترك البت مؤقتا إلى ما بعد إتمام المباحثات المتفق عليها، وهذا هو الوضع ~~الصحيح!» # فقلت: «إني آسف أن أصارحكم بأن المصريين قد فقدوا الثقة في نياتكم بشأن السودان، إن ~~بين مصر والسودان أواصر كثيرة، ليس إلى فصمها من سبيل.» # وهنا أبديت أمنيتي في أن تتاح لي الفرصة قريبا لمقابلة مستر بيفن في مصر، أو في لندن ~~إذا كانت مشاغله لا تمكنه من الحضور إلى هذه البلاد، فضحك اللورد ستانسجيت. # وقال: «ولكن الحكومة البريطانية لا تستطيع أن تقدم لكم قصر أنطونيادس في ~~لندن!» # فقلت مبتسما: «لا حاجة إلى ذلك، ونحن نعرف كرمكم من قديم.» # بين عمرو باشا ومستر بيفن # أسلفت أنني اتصلت تليفونيا بسفيرنا في لندن سعادة عبد الفتاح عمرو باشا، وطلبت إليه ~~أن يقابل من بيدهم تصريف الأمور، ويكاشفهم بالحرج الذي نجم عن موقف الوفد البريطاني ~~الأخير في المفاوضات، ويبعث إلينا برد سريع. # وقد جرت بعد ذلك محادثات عدة بين عمرو باشا، ورجال وزارة الخارجية الإنجليزية أثناء ~~مرض مستر بيفن، وكان مستر أتلي يتولى الشئون الخارجية، فلما ms120 قابله عمرو باشا وجده ~~محنقا على الحالة التي وصلت إليها المفاوضات مع مصر، ولم يخف عمرو باشا أن مجلس ~~الوزراء البريطاني مصمم على ألا يتراجع عن مشروعه الأخير، الذي قدمه ستانسجيت والسفير ~~البريطاني، وقال عمرو باشا في رسالته التي بعث بها إلينا، إن النية كانت منصرفة إلى قطع ~~المفاوضات مع مصر، وقد تجلى ذلك على ألسنة موظفي وزارة الخارجية، فلما وجد عمرو باشا ~~هذه الروح، رأى من المصلحة أن يسعى لمقابلة مستر بيفن وهو معتكف لمرضه، وقد استعان في ~~ذلك بعلاقاته الشخصية الطيبة معه، وقد قال له مستر بيفن: «أنت ترى أن مجلس الوزراء ~~البريطاني، وفي طليعتهم مستر أتلي قد أصبحوا الآن ضدي في مسألة مصر، وكذلك العسكريون، ~~ولولا أنني رجل قد اختمرت في رأسه فكرة أعمل لتحقيقها لما كان هناك مندوحة من قطع ~~المفاوضات، وترك هذه المسألة، ولكني أرى أنه من مصلحة مصر وإنجلترا معا أن يقوم بينهما ~~تفاهم؛ ولذلك أرجوك أن تتصل بصدقي باشا، وتبلغه هذا الحديث، ورجائي أن تكون رسول سلام ~~وتوفيق، وإلا ضاع كل شيء.» # فلما قال له عمرو باشا: إن الجانب المصري مصمم على ما قدمه وأبداه، قال: «إن التصميم ~~لا معنى له ولا جدوى فيه، والمسائل الكبرى لا تعالج بهذه الروح ولا على هذا الشكل ...» ثم ~~قال: إنه قد بلغه أن مستر أتلي ذكر أن سنوات الجلاء يمكن إنقاصها من خمس سنوات إلى ~~أربع! # وفي زيارة ثانية من عمرو باشا لمستر بيفن وجد عنده أحد محاميي وزارة الخارجية ~~البريطانية - ولم يكن مستر بيكيت - فتحادث الثلاثة في شئون المفاوضات، التي انحصرت الآن ~~في المادة الثانية فيما يتعلق بالمعاهدة ذاتها، وتفاهموا على النص الآتي لهذه المادة: # اتفق الطرفان الساميان المتعاقدان في حالة ما إذا أصبحت مصر، أو البلاد ~~المتاخمة لها محل اعتداء مسلح - على أن يقوما بالتعاون الوثيق فيما بينهما ~~بالعمل الذي تتبين ضرورته، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة ~~لإعادة السلم إلى نصابه. # واتفق الطرفان الساميان المتعاقدان في حالة تهديد سلامة أية دولة ms121 مجاورة ~~لمصر، على أن يتشاورا بقصد القيام بالعمل الذي تتبين ضرورته، وذلك حتى يتخذ ~~مجلس الأمن التدابير اللازمة لإعادة السلم إلى نصابه. # ثم قال عمرو باشا إن مستر بيفن صرح له بأن هذه الصيغة هي النتيجة المباشرة لمساعيه ~~التي يقصد بها التقريب ما أمكن بين وجهات النظر المصرية البريطانية، وكان من شأن هذه ~~الرغبة الصادقة إبقاء النص الخاص بالبلاد المتاخمة. # وفيما يختص بالبلاد المجاورة إذا تعرضت لخطر الحرب تكون العلاقة بين الحليفتين مقصورة ~~على التشاور، وهذا التشاور لا ينطوي على التزامات جبرية، ولا يترتب عليها دخول الجيوش ~~البريطانية مصر في غير حالات الاعتداء عليها. # ثلاث سنوات # وقال مستر بيفن عن مدة الجلاء: إنه سيأخذ على عاتقه أن تكون ثلاث سنوات لا خمسا - ~~كما طلب أول الأمر - ولا أربعا - كما قال مستر أتلي، وهنا قال لعمرو باشا: «لا تظن أن الغرض من هذا كله كسب سنة، إن المسألة أهم من ذلك كثيرا، إننا في ~~الواقع نجتاز مرحلة دقيقة يتهددنا فيها الخطر الروسي تهديدا شديدا، والمسألة ~~حياة أو موت لنا ولكم، فليس من مصلحة مصر مطلقا في هذه المرحلة أن تكون خالية ~~من الجيوش التي تدافع عنها وعن أنفسنا، وهذا ما قصدت إليه حين قلت: إننا لا ~~نستطيع أن نترك وراءنا فراغا # vacuum ~~»، ثم قال: ~~«إنني سمعت أنكم تريدون الذهاب إلى مجلس الأمن، ولا مانع عندي إن اخترتم هذا ~~الطريق، ولا أشعر بالحرج مطلقا أن أذهب بهذه القضية إلى هذا المجلس، فإن عندي ~~حججا قوية أستطيع الإدلاء بها. # أما فيما يختص بالسودان، فإني أصارحك بأن مجلس الوزراء البريطاني لا يستطيع ~~مطلقا الموافقة على النص الذي تريده مصر، وللجانب المصري أن يطلب ما يشاء، وأن ~~يعلن ما يشاء، ولكن ليس له أن يصر على أن نسلم مقدما بما يريده وما ~~يعلنه. # وأرجو أن تقول كل هذا لصدقي باشا، وتؤكد له أن هذه المسائل الثلاث تمثل وحدة ~~لا يجوز قبول بعضها ورفض البعض الآخر، وأن هذا آخر ما عندنا.» # وهنا انتهى الحديث بين عمرو ms122 باشا ومستر بيفن ... # | الباب المفتوح ... # لا شك أن الفكرة التي حدت بي إلى أن أتصل بمستر بيفن وزير الخارجية البريطانية عن طريق ~~سعادة عمرو باشا سفيرنا بلندن، كانت فكرة موفقة، فإن الأحاديث التي جرت بينهما كانت لها ~~نتائج طيبة، بل إنها أدخلت على الموقف تحسينات لا شك فيها. # فقد حدث أن المستر بيفن نزل على الرغبة البادية من الجانب المصري، في إبدال عبارة «البلاد ~~المجاورة» في المادة الثانية من مشروع المعاهدة بعبارة «البلاد المتاخمة»، وبذلك يكون ~~للمحالفة عمل إيجابي في حالة واحدة فقط هي الاعتداء المسلح على مصر مع خطر الحرب ... وقد أخذ ~~مستر بيفن على عاتقه أن يخفض مدة الجلاء إلى ثلاث سنوات، بعد أن كان الإنجليز يرون أن تكون ~~خمس سنوات أو أربعا على الأقل. # أما فيما يتعلق بالسودان فقد ظل الموقف كما كان، بمعنى أن لمصر أن تطلب ما تشاء، وأن تعلن ~~ما تشاء دون أن تسلم إنجلترا مقدما، أو ترتبط بما تريده مصر أو تعلنه. # إذن أصبح الموقف بحيث يسمح بشيء من التفاؤل فيما عدا موضوع السودان ... وإذ كان الجانب ~~الإنجليزي يربط الصيغ بعضها ببعض، كان من الصعوبة بمكان أن ننتهي إلى حل يصل بالمفاوضات إلى ~~بر السلامة. ~~••• # ويجدر بي قبل أن ننتقل إلى موضوع ما جرى بمصر بين الوفدين، أن أنوه مع كثير من الارتياح ~~بما كان لجهود سفيرنا بلندن سعادة عمرو باشا من أثر طيب يرجع إلى لباقته، ومعرفته لدقائق ~~العقلية الإنجليزية، وبالأخص ما له من نفوذ في الوسط البريطاني، وما كسبه من صداقة السياسي ~~القدير مستر بيفن. # وإن ذكرت هنا آثار جهود عمرو باشا، فلي أن أستبق الحوادث، فأذكر أيضا ما كان له من شأن ~~وأثر كبير فيما أدت إليه مفاوضات «صدقي - بيفن» بعد ذلك بنحو شهرين. ~~••• # أما ما جرى في مصر حينذاك، فقد احتدمت المناقشات في الوفد المصري على الأوضاع الجديدة، ~~وكان هذا الوفد قد مل طول الأخذ والرد، اللذين كانا المظهر البارز في هذه المفاوضات. # لقد سئم الوفد المصري ما كان ms123 يشعر به من ناحية الإنجليز من رغبة في ابتكار الصيغ، التي ~~ربما أدت إلى وقوع مصر، من حيث لا تشعر فيما تحرص على أن تكون بمنأى عنه - وهو وجود البلاد ~~في وضع يترتب عليه عودة الجيوش الإنجليزية إليها، بعد جلائها عنها لأقل الأسباب أو لأسباب ~~وهمية ... فكانت لذلك المراشقة بالصيغ والمذكرات، وكانت الصيغة الأخيرة لمشروع المعاهدة، التي ~~رأى الوفد المصري التمسك بها هي ما يأتي بعد الديباجة: # المادة الأولى: # ينتهي العمل بمعاهدة التحالف الموقع عليها في لندن في 26 أغسطس سنة 1936، ~~وكذلك المحضر المتفق عليه والمذكرة والاتفاق الموقع عليه، والمذكرات ~~والاتفاق الموقع عليه في 26 أغسطس سنة 1936 بشأن الإعفاء والميزات المرفقة ~~بها، وذلك بمجرد سريان المعاهدة الحالية. # المادة الثانية: # في حالة ما إذا تعرضت مصر لاعتداء مسلح، أو في حالة وقوع اعتداء مسلح ضد ~~بريطانيا العظمى في البلاد المتاخمة لمصر، يتشاور الطرفان الساميان ~~المتعاقدان فورا لأجل اتخاذ أي عمل مشترك يسلم بضرورته، وذلك حتى يتخذ ~~مجلس الأمن التدابير اللازمة لإعادة السلم إلى نصابه. # المادة الثالثة: # رغبة في كفالة التعاون والمساعدة المتبادلين بين الطرفين الساميين ~~المتعاقدين؛ ولكي يتاح بصفة خاصة تنسيق التدابير الواجب اتخاذها للدفاع ~~المشترك عنهما، اتفق الطرفان الساميان المتعاقدان على إنشاء لجنة مشتركة ~~للدفاع مؤلفة من السلطات العسكرية المختصة في الحكومتين، يساعدها الممثلون ~~الآخرون الذين تعينهم الحكومتان. # ويكون اختصاص اللجنة أن تدرس - بقصد أن تقترح على الحكومتين التدابير ~~الواجب اتخاذها - المسائل الخاصة بالدفاع المشترك للطرفين الساميين ~~المتعاقدين في البر والبحر والجو، يتصل بذلك من مسائل العتاد والرجال، ~~وبصفة خاصة الأوضاع الفنية لتعاونهما والتدابير الواجب اتخاذها؛ لكي يتاح ~~للقوات المسلحة للطرفين الساميين المتعاقدين أن تكون قادرة بالفعل على ~~مقاومة الاعتداء. # وتجتمع اللجنة كلما دعت الضرورة إلى قيامها بهذه المهام، وتجتمع أيضا ~~بناء على دعوة الحكومتين لتبحث - إذا اقتضى الحال - الآثار العسكرية للموقف ~~الدولي، وخاصة كل الحوادث التي قد تهدد الأمن في الشرق الأوسط، وتقدم ~~للحكومتين التوصيات المناسبة في هذا الشأن. # المادة الرابعة: # يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان بأن لا يبرما ms124 تحالفا، أو يشتركا في ~~أي حلف موجه ضد إحداهما. # المادة الخامسة: # ليس في أحكام هذه المعاهدة ما يمكن أن يمس بأية حال من الأحوال الحقوق ~~والالتزامات المترتبة، أو التي قد تترتب لأحد الطرفين الساميين المتعاقدين، ~~أو عليه بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة. # المادة السادسة: # اتفق الطرفان الساميان المتعاقدان على أن أي خلاف ينشأ بينهما بصدد تطبيق ~~المعاهدة الحالية، أو تفسيرها، ولا يتسنى لهما حله بمفاوضات مباشرة يسوى ~~طبقا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة. # المادة السابعة: # يصدق على المعاهدة الحالية، ويتبادل التصديق عليها في القاهرة في أقرب ~~وقت، ويبدأ بتنفيذها من تاريخ تبادل التصديق عليها، وتبقى المعاهدة الحالية ~~سارية لمدة عشرين عاما من تاريخ بدء سريانها، وتظل بعد ذلك سارية إلى أن ~~ينقضي عام على إعلان أحد الطرفين الساميين المتعاقدين للآخر، بإنهائها ~~بالطرق الدبلوماسية. # بروتوكول خاص بالسودان # يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان بالدخول فورا في مفاوضات؛ بقصد تحديد نظام الحكم ~~في السودان في نطاق مصالح الأهالي السودانيين على أساس وحدة وادي النيل تحت تاج ~~مصر. # هذه هي صيغة المشروع المصري للمعاهدة، وقد أرفقت بمذكرة ضافية لا محل لإيرادها هنا، ~~فإن النصوص تدل على أغراضها وأهدافها، ولكن الجانب البريطاني لم يوافق عليها، فاجتمع ~~الوفد المصري للمفاوضات، وانتهى إلى إصدار قرار بالإجماع، كلفني بتسليمه إلى لورد ~~ستانسجيت والسفير البريطاني، وهذا نصه: # لا يسع الوفد المصري إلا أن يعبر عن أسفه؛ لأن المفاوضات التي بدأها آملا في ~~الوصول إلى حل يرضي البلدين، قد وصلت إلى نقطة لا يمكن معها إلا أن يستمسك ~~بالمشروعات، التي تضمنتها النصوص الأخيرة في مشروعه المصري الذي سلم للوفد ~~البريطاني. # حديث 21 أغسطس # على أثر هذا الموقف - موقف المعارضة من الجانب البريطاني للمشروع المصري، وتمسك الوفد ~~المصري بهذا المشروع - ذهبت إلى قصر أنطونيادس، حيث قابلت لورد ستانسجيت والسفير ~~البريطاني في الساعة الحادية عشرة صباحا يوم 21 أغسطس، وسلمتهما قرار الهيئة المصرية ~~للمفاوضات، ثم أردفت تسليم القرار بعبارة شفهية هي ما يأتي: # يا صاحبي السعادة # أود أن أضيف بضع كلمات إلى المذكرة الشفهية التي ms125 قدمتها إليكما: «إن الحكومة ~~التي أتشرف برياستها، وكذلك هيئة المفاوضات المصرية - وإني لواثق مما أقول - ~~يتملكهما الشعور بمصلحة مصر في دعم علاقات الصداقة التي تربط بين بلدينا، إلى ~~حد أنهما لا يعتبران القرار الخاص بالمرحلة الحالية للمفاوضات، والذي أبلغتكم ~~إياه الآن، بمثابة قطع لها. # وإني لمقتنع كذلك بأن البلد العظيم، الذي تمثلونه يعلق على المحافظة على ~~العلاقات الطيبة بيننا من الأهمية، ما يسوغ لي أن أنتظر منكم أن تقدروا على ضوء ~~هذه الاعتبارات نفسها النقطة التي وصلنا إليها في المحادثات الحالية، كما ~~قدرناها. # وإني لأرجوكم أن تقدروا في هذا الصدد أنه نظرا للعبارات الحاسمة، التي ~~استعملها الجانب البريطاني في بياناته الأخيرة؛ ونظرا لأن نقطا أساسية من ~~مطالبنا قد قوبلت، خلافا لما كنا ننتظر، مقابلة لم تقم وزنا لما لها من صبغة ~~شرعية، أقول: إنه نظرا إلى كل ذلك أرجو أن تقدروا أنه لم يكن لنا بد من انتهاج ~~المسلك الذي أوضحته لكما. # ولهذا فإني أنتظر من جانب حكومتكم أنها، بعد إعادة النظر في الموقف، سنجد ~~وسيلة للاعتراف بالحقوق الشرعية لهذا الشعب الذي يحرص على صداقتكم، وستجدون ~~دائما من الجانب المصري رغبة حارة في أن يبحث معكم الحلول، التي تؤدي إلى ~~نتيجة تعاون على إنماء العلاقات بيننا نموا مطردا. # عن مدة الجلاء # ووجه لي اللورد الحديث قائلا: إنه استمع إلى عبارتي بكل عناية، ويود لو يستطيع أن ~~يفهم مني - وقد تضمن قرار الهيئة المصرية التمسك بمذكرة أول أغسطس، وما صاحبها من صيغ ~~للمواد - ما هو الحال بالنسبة لمسألة الجلاء التي لم يرد عنها نص من الجانب المصري ... ~~فقلت له: «نعم لم يتضمن ما أرسل لكم صيغة لمدة الجلاء، ولكننا قلنا في المذكرة: إننا ~~نرى أن مدة الجلاء يجب ألا تزيد على سنة ...» فقال: «إنكم قلتم لي أول أمس حيث قابلتكم: ~~إن مشروع المستر بيفن في مادته الثانية يتضمن أخطاء، فهل لي أن أفهم أين هذه ~~الأخطاء؟» # فقلت: «هذا واضح؛ لأن المادة الثانية التي صيغت أخيرا لم يرد فيها ذكر إنجلترا، ~~بينما ms126 كنا على اتفاق من قبل على أن الدفاع المصري عن البلاد المتاخمة يكون حيث تشتبك ~~إنجلترا في حرب بها، وقد أهمل ذلك في الصيغة الجديدة، وأنتم تعرفون أن مصر لا علاقة لها ~~من الوجهة السياسية في هذه المعاهدة إلا بإنجلترا، وهي لا تستطيع التدخل إلا حيث تهاجم ~~حليفتها، فالتعبير الجديد يخالف القواعد المرعية، فأنا لا أدافع عن فلسطين مثلا؛ إلا ~~لأن حليفتي قد اشتبكت في حرب دفاعية، وقد سبق لكم أن أقررتم هذا المبدأ، بل هناك صيغ ~~منكم تتضمنه.» # فلم يبد اعتراض من اللورد، ولا من السفير على هذه الملاحظة. # ثم انتقل اللورد إلى الفقرة الثانية من المادة الثانية، وقال: «ولكن أليس للفقرة ~~الثانية من المادة الثانية محلها؟» فقلت: «إن الفقرة الثانية تتعلق بخطر الحرب على ~~البلاد المجاورة، وخطر الحرب هذا ليس محله المادة الثانية التي تركز فيها الغرض الأساسي ~~للمحالفة في حالة الحرب، والفقرة الجديدة أولى بها أن تكون في المادة الثالثة، التي ~~تكلمت عن اللجنة المشتركة واختصاصاتها، وتكلمت أيضا عن تتبع أحوال الشرق، ومراقبة هذه ~~الأحوال عن كثب، ومن أخطار الحرب المحتملة وما يتخذ بشأنها من مشاورات قد يعقبها ~~إجراءات ... وإذا كان الأمر كذلك فلا معنى لأن يجيء ذكر خطر الحرب في مكانين من المعاهدة ~~مختلفين، ويلاحظ أن المادة الثالثة المذكورة قد أعدت لأمر البحوث والاستعدادات، وليس ~~لذكر أغراض المعاهدة، فالفقرة الثانية التي تقترحون إضافتها للمادة الثانية يغني عنها ~~ما هو وارد فعلا في المادة الثالثة.» # فسألني اللورد: «وماذا يضيركم من تكرار ذكر الخطر في مادتين مختلفتين كل منهما لها ~~غرضها، وأنتم تعرفون شدة حرصنا على أن نكون محتاطين للطوارئ، ساهرين على القيام ~~بالتزاماتنا؟ وإذا كانت المادة الثانية هي مركز المعاهدة، فإنه تبدو لكم أهمية النص على ~~هذا الخطر في تلك المادة ...» فقلت: «هو هذا التركيز الذي يخلق عندنا القلق والهواجس، ~~التي لمستها في كل الدوائر، فإن اهتمامكم بخطر الحرب قد يؤدي إلى متاعب لمصر، نعم إن ~~هناك مشاورة، ولكن المشاورة بين القوي والضعيف تثير عند المصري دائما ms127 فكرة استعمال ~~الضغط من جانبكم، أضف إلى ذلك أن الالتزامات الناتجة من حرب فعلية من السهل الإشارة ~~إليها؛ لأن الحرب عمل واقعي واضح الأثر، أما خطر الحرب فقد يكون وليد الوهم، وقد يستعمل ~~للضغط، وقد يستعمل في كل وقت ... إنك قد تقول مثلا بناء على مقال متحمس في جريدة ~~«برافدا»، وإذاعة متطرفة من راديو موسكو: إن الخطر قائم، فندخل في مناقشات لا نهاية ~~لها، ويلتمس رجالكم كل الأسباب للتدليل على أن هناك ما يدعو لاتخاذ إجراءات، وهذا ما ~~يخشاه جميع المصريين كل الخشية.» # فقال لورد ستانسجيت: «نعم إني أدرك هذا الوضع وأفهم أن الصياغة الحالية ربما تدعوكم ~~إلى شيء من الحيطة، ولكني أود أن تفهموا موقف مستر بيفن، ومستر بيفن لا يقف من المسألة ~~المصرية إلا موقف العطف وسلامة النية ...» ثم انتقل إلى مسألة الجلاء قائلا: «وهل تقفون ~~أنتم مثل هذا الموقف في أمر مدة الجلاء، وظاهر من قرار الهيئة أنها تطالب بسنة فقط؟» ~~فقلت: «أظنك تذكر أننا بعد معاودة البحث في أمر المدة اللازمة للجلاء كنت قد قلت لك، ~~وقلت للسفير: إنني أعتقد أن الجانب المصري لا يعارض في أن تكون المدة سنتين.» وقال ~~السفير: «بل إني أذكر أنك ذهبت إلى سنتين ونصف»، فقلت: «لا، لم أقل هذا، وربما اختلط ~~عليك الأمر، على أني أظن أن طلب المستر بيفن بشأن مدة الجلاء، لا يثير مثل باقي مطالبه ~~اعتراضا في قوة اعتراضنا على المطلبين الآخرين.» # عن مسألة السودان # وهنا قال لورد ستانسجيت: «هل تسمح أن نتكلم عن السودان؟ وهل اطلعت هيئة المفاوضة على ~~النص الذي قدمته إليكم؟» فقلت: «لقد اطلعت هيئة المفاوضة على النص، ووصفته بأنه كتب ~~بمهارة، على أننا لم نناقش المادة في مشتملاتها إذ اصطدمنا برفضها لمطلب السيادة، وهذا ~~في نظرنا من أقدس المطالب.» # فقال اللورد وأيده السفير: «إن موقف إنجلترا موقف مبني على الحرص على مصالح ~~السودانيين وحقوقهم، وليس من حقنا أن نقبل مقدما ما يمكن أن يصطدم بمطالبهم.» فقلت: ~~«أشك أولا في أن مسألة السيادة المصرية ms128 ستثير اعتراضا جديا عند فريق ذي شأن من ~~السودانيين، بل إني أعتقد بالعكس أن الفريق المثقف من السودانيين يرغب في أن يكون ~~السودانيون من رعايا ملك مصر ... وأريد أن تفهما أن هذا المطلب المصري هو تقريبا جل ما ~~نحرص عليه من حق في السودان، وهو حق معنوي قومي، وما عدا ذلك فليس لنا من المطالب في ~~السودان إلا تلك الأغراض التي يتطلبها الجوار وجريان النيل وسط أراضي البلدين، وبعض ~~الشئون الاقتصادية والثقافية والجنسية. # نحن لا نريد من السودانيين كسبا ماديا، لا نطمع في أن يكون لنا موظفون مصريون ~~بالسودان، بل نود أن نرى قريبا اليوم الذي يتولى فيه السودانيون أمر أنفسهم ... فإذا ما ~~ناقشتم أمر هذه السيادة الممثلة في التاج، فماذا بقي لنا من هذا السودان؟ وإذا ما ~~اعترضتم على السيادة، فكأنكم اعترضتم على كل شيء بما فيه هذا الوضع الذي يترجم عن وحدة ~~وادي النيل ... فإذا ما فكرتم مليا في هذا أنتظر أن تكون نتيجة التفكير التسليم بما ~~نطلب، وهو أيضا في مصلحة السودانيين الذين لا يمكن أن يتمنى لهم صديق أن يكونوا بلا ~~وطن، وأنا أعرف أنهم يغتبطون بانتسابهم للوطن المصري مع الاحتفاظ بكيانهم الخاص، وبكامل ~~حقوقهم في إدارة شئونهم .» # فقال لورد ستانسجيت: «إني قرأت الكثير عن السودان، وصحيح قد جاءت عبارة السيادة على ~~لسان بعض ساستنا مثل لورد كرومر، ولكن هناك في هذا الموضوع أخذ ورد طويل، وهناك أيضا ~~أن العنوان الذي اتخذ لملك السودان، وهو الذي تسمى به الخديو إسماعيل لم يعد ينطبق على ~~الواقع الآن، فهناك بلاد خرجت من السودان وبلاد أدخلت فيه، وهناك اعتداءات وقعت على ~~السودان، وصدقني لو أننا لم نكن إلى جانبكم منذ سنة 1898 لكان السودان طعمة سائغة ~~للفرنسيين، الذين كم حاولوا مد إمبراطوريتهم إلى هذه النواحي ونحن لهم بالمرصاد ~~...» # فقلت: «كل هذا كلام طيب، ولكن الأمر بالنسبة لنا أمر كرامة وأمر عاطفة، والمصريون في ~~هذا الموضوع شديدو التمسك بما يعتبرونه وضعا مقدسا»، فقال: «كم أنا أخشى هذا التمسك! ~~وكم أود ms129 أن تعالج هذه المسألة معالجة عملية، أساسها مصلحة السودانيين فقط، مع ابتعادنا ~~نحن الاثنين عما يوجب التنازع، ونحن وأنتم مطالبون بأن نرعى مصلحة هذا الشعب السوداني ~~الموكول أمره إلينا نحن الاثنين»، فقلت: «إني أخاطبك وقد فهمت أنك قرأت الكثير عن ~~السودان، وتبينت حقيقة وضعه، وهذا الذي يطمعني أن أرى فيكم من يساعد على تحقيق غرض ~~المصريين، وهو كما قلت لك غرض بعيد عن المادة، وعن الكسب وعن الأطماع الذاتية.» # الباب المفتوح # وإلى هنا انتهى الحديث، وفيه اختصار كبير ولو أن الحديث كما هو مدون يتضمن كل المعاني ~~التي تبادلناها ... وهنا قلت: «إني أبنت في مستهل كلامي أن قرار هيئة المفاوضة المصرية ~~ليس مما يدعو إلى القطع # rupture ~~، وأؤمل أن يكون هذا ~~رأيكما.» # قال اللورد: «إني أول الراغبين في استمرار المفاوضة للوصول إلى تحقيق الغرض الذي ~~قصدناه نحن الاثنين، ولكن كيف يكون الباب مفتوحا، وقد أوصدتموه بعبارتكم ~~القاطعة؟» # فقلت: «إنه ما دام لكلينا غرض أساسي واحد، فلا يمكن إلا أن يتضافر جهدنا مهما اعترض ~~سبيلنا من العقبات لتحقيقه، وأنا من جهتي كرئيس للحكومة المصرية أصرح لكما أن مصر تتوق ~~إلى معاهدة مع إنجلترا، وقد فهمت أنكم تهدفون مثلي إلى هذه الغاية، فلا أدرك كيف لا ~~ننتهي إلى النتائج المرجوة ما دامت الرغبتان متقابلتين؟» # فقال اللورد والسفير: «لقد علمتم أن مستر بيفن فرض علينا أن نعرض عليكم مقترحاته ~~باعتبار أنها الرأي النهائي للحكومة البريطانية، بل ذهبنا إلى أن نوضح لكم أن ~~الاقتراحات المذكورة تمثل وحدة غير قابلة للتجزئة، ونحن نشعر بأننا لا نستطيع التكلم عن ~~إمكان المضي في المفاوضات، بعد أن لم تقبلوا مقترحات مستر بيفن، وبهذا يصبح التسليم منا ~~بأن الباب مفتوح مختلف مع حقيقة الحال.» # فقلت: «هذا صحيح ولكنه لم يمنع من أن استوضحتموني أشياء كثيرة أجبتكم عنها، وبما أن ~~ردودي هذه قد تثير لدى مستر بيفن رغبة في المضي في المناقشة، فأظن أنه من غير المستساغ ~~أن تعتبروا باب المفاوضات غير مفتوح، فتحرموا مستر بيفن وحكومتكم من تبادلنا الرأي ms130 في ~~المسائل التي جرى عليها الخلاف.» # فقال اللورد: «ولكن ألا ترى أننا إذا نشرنا اليوم أن قراركم سيبلغ للمستر بيفن، وله ~~أن يرد بالموافقة أو عدمها؛ ألا ترى أن في ذلك الكفاية؟» # فقلت: «إنكم تهتمون الآن بمسألة شكلية، بينما أنظر لمصلحة بلادي وأثر قطع المفاوضات ~~مع إنجلترا في الطبقات الكثيرة من أهلها، وبينهم صاحب الغرض، وبينهم المشاغب، وبينهم ~~طوائف كثيرة من الأشخاص يتمنون قطع المفاوضات، وما دمتما تتمنيان اطراد التفاهم بين ~~بلدينا وجب أن تعملا معي على تسهيل هذا التفاهم، بعدم إعطاء حجة جديدة لمن يرمونكم بسوء ~~النية نحو مصر.» # وهنا جرى حديث طويل ظهر لي من ثناياه حرص المفاوضين البريطانيين على انتظار تعليمات، ~~وتخوفهما من خروجهما على ما قد يكون للندن من رأي مخالف فيما إذا قبلا ما جرى، كأنه لم ~~يترتب عليه قطع المفاوضة. # وانتهى الحال بعد المناقشة إلى قبول هذا البيان الذي عرضته عليهما، وتناقشنا أيضا ~~فيه طويلا، وانتهينا منه إلى الصيغة الآتية: # إن مجلس الوزراء ورئيس الوفد المصري للمفاوضات قد سلم إلى لورد ستانسجيت وسير ~~رونالد كامبل القرار، الذي اتخذه الوفد المذكور في العشرين من شهر أغسطس سنة ~~1946، وهذا نصه: ~~«إن هيئة المفاوضات المصرية لا ترى في البيانات والصيغ، التي جاءتها ~~من الجانب البريطاني ما يحملها على تعديل موقفها، وهي بناء على ذلك ~~تتمسك بمذكرتها المقدمة في أول أغسطس، وما صاحبها من النصوص. # وقد دارت محادثة ذات طابع عام بين المفاوضين الثلاثة، انتهوا بها إلى ~~اعتبار أن الباب ما يزال مفتوحا لتبادل جديد في الآراء؛ بقصد الوصول ~~إلى نتيجة ملائمة لمصالح البلدين.» # وقد انتهت المقابلة حيث كانت الساعة الواحدة والدقيقة الخامسة والأربعين بعد ~~الظهر. # | أطماع الإنجليز في السودان # تحدثت في الفصل الماضي عن بعض ما جرى بيني وبين اللورد ستانسجيت والسفير البريطاني من ~~حديث حول مسألة السودان، وقد بدا من الإنجليز أنهم يقفون فيها موقف المعارضة الشديدة لسيادة ~~مصر على هذه البلاد، وأود هنا أن أتحدث عن النظرية الإنجليزية في السودان، وكيف رددنا ~~عليها. # إن نقطة ms131 الابتداء في النظرية الإنجليزية هي أنه لما أصبح المهدي في سنة 1884 مسيطرا على ~~أراضي السودان، واضطرت الجيوش المصرية إلى مغادرته، انتقلت حقوق السيادة التي كانت لمصر إلى ~~المهدي ... وهناك رواية أخرى لهذه النظرية، وهي أنه لما كان المهدي ثائرا، ولم يعترف به؛ ~~فإنه لم يرث حقوق الخديوي، ولكن كان من نتيجة مغادرة السلطات العسكرية والمدنية المصرية ~~لتلك البلاد، أن أصبح السودان «مالا لا مالك له.» # ويقول الإنجليز: إن غزو السودان أو إعادة غزوه لم يكن ممكنا إلا بفضل بريطانيا العظمى، ~~ويلاحظون ما يأتي: ~~(1) # إن بريطانيا قد أعادت تنظيم الجيش المصري، وزودته بأنظمة بريطانيا حولته إلى ~~قوة أصبح في مقدورها أن تهزم المهدي. ~~(2) # إن الوحدات البريطانية اشتركت فعلا في حملة السودان. ~~(3) # إن البريطانيين هم الذين أعادوا تنظيم المالية المصرية، وأتاحوا للخزانة ~~المصرية أن تتحمل مصاريف الحملة الموجهة ضد المهدي. ~~(4) # إنه لو لم تكن إنجلترا قد تدخلت لكانت فرنسا قد استولت على فاشودة، وعلى جنوب ~~السودان، (وقد أشار اللورد ستانسجيت إلى ذلك في حديث له معي.) # والواقع أن مصر صاحبة السيادة كانت في ذلك الحين مغلوبة على أمرها باحتلال بريطانيا ~~عسكريا منذ سنة 1882، ولم يكن لبريطانيا قبل هذا الاحتلال أي اتصال بالسودان، وهي لم ~~تتدخل في الشئون السودانية، ولم تشترك في إعادة فتح السودان؛ إلا لأن هذا الإقليم جزء من ~~مصر؛ ولأن «إنجلترا - كما صرح بذلك سير إدوارد جراي في البرلمان البريطاني في 28 مارس سنة ~~1895 - تشغل مركزا خاصا هو مركز القيم للذود عن مصالح مصر.» # على أن بريطانيا لم تنازع قط في سيادة مصر على السودان، سواء قبل حملة السودان أو في ~~خلالها أو بعدها، وعلى العكس أيدت هذه السيادة تجاه الدول الأجنبية، وحين وقعت حادثة فاشودة ~~كتب «كتشنر» نفسه إلى «الكولونل مارشان» قائد الحملة الفرنسية يقول: إنه «تلقى تعليمات ~~لإعادة السيادة المصرية على مديرية فاشودة»، وأنه «يحتج على ما وقع من رفع العلم الفرنسي ~~على ممتلكات سمو الخديو»، وبعد ذلك أبلغ كتشنر القائد الفرنسي ما يأتي: «اعتبارا من ms132 اليوم ~~استعادت مصر رسميا ولاية الحكم على هذه المنطقة؛ فاشودة.» # أما اتفاقيتا 19 يناير و10 يوليو سنة 1899، فلم تتناولا إلا موضوعا واحدا هو تنظيم ~~الإدارة في السودان، وهما لم يمسا حق مصر في السيادة، وأن التنازل عن جزء من هذا الحق لا ~~يمكن أن يقع إلا بموجب وثيقة خاصة وقاطعة، ولا يمكن أن يستفاد هذا التنازل من نصوص كنصوص ~~اتفاقيتي سنة 1899 لا تتعرض للسيادة، بل للنظام الإداري في السودان. ~~••• # وقد كانت تسوية مسألة السودان في مفاوضات سنة 1930 بين الحكومتين المصرية والبريطانية، هي ~~المسألة التي قامت بشأنها أكثر المناقشات حدة وأهمية، وهي التي أدت إلى قطع المفاوضات، على ~~أن مسألة سيادة مصر على السودان لم تكن من العقبات التي قامت في سبيل الاتفاق، بل الأمر على ~~العكس من ذلك ... فقد تضمن المشروع الأول للمعاهدة الذي قدمه الوفد المصري يوم 3 أبريل سنة ~~1930 مادة هي المادة 13 نصها كالآتي: # إلى أن تحل مسألة السودان بمفاوضات مقبلة، ومع الاحتفاظ بجميع الحقوق، يباشر ~~الطرفان المتعاقدان إدارة السودان بالاشتراك بينهما اشتراكا فعليا # الكتاب الأخضر - الطبعة العربية صفحة 28 # وقد أثار هذا النص اعتراضات من قبل الوفد البريطاني، الذي كان يريد النص على ما يؤيد ~~اتفاقيتي سنة 1899 والنظام الناشئ عنهما، كما عارض الوفد البريطاني من ناحية أخرى في منح ~~مصر نصيبا فعليا في إدارة السودان، فقدم الوفد المصري في 14 أبريل سنة 1930 نصا جديدا ~~للمادة 13 هو: # مع الاحتفاظ بحرية عقد اتفاق في مفاوضات مقبلة لتعديل اتفاقيتي سنة 1899، وحل ~~مسألة السودان، وبدون إخلال بحق سيادة مصر على السودان، يتفق الطرفان المتعاقدان ~~على أن يكون مركز السودان هو المركز الناشئ من اتفاقيتي سنة 1899 ~~المذكورتين. # وقد وردت الملاحظة الآتية بعد في الكتاب الأخضر بعد هذا النص (ص84 من الطبعة ~~العربية). # ملاحظة: فيما يتعلق بالمادة 13، وهي الخاصة بمسألة السودان قبل الفريق المصري أن ~~يشير إلى اتفاقيتي سنة 1899، بعد أن طلب مستر هندرسون من دولة النحاس باشا في حديث ~~خاص أن يقبل ذكر اتفاقيتي ms133 سنة 1899 في المادة الخاصة بالسودان؛ تسهيلا لمهمته أمام ~~مجلس العموم، حتى يستطيع أن يدافع عن طلب الاشتراك الفعلي في الإدارة، بأنه تطبيق ~~لأحكام هاتين الاتفاقيتين، فقبل دولة النحاس باشا منه ذلك على شرط النص أيضا على ~~حق السيادة المصرية الكاملة على السودان، فلم يعارض مستر هندرسون في ذلك. # وفي الجلسة العاشرة (14 و15 أبريل سنة 1930) اقترح الوفد البريطاني النص الآتي: # مع الاحتفاظ بحرية عقد اتفاقات جديدة في المستقبل؛ لتعديل اتفاقيتي سنة 1899 يتفق ~~الطرفان المتعاقدان على أنه بغير إخلال بحقوق مصر ومصالحها المادية، يكون مركز ~~السودان هو المركز الناشئ من اتفاقيتي سنة 1899 المذكورتين، وبناء على ذلك يظل ~~الحاكم العام يباشر بالنيابة عن الطرفين المتعاقدين السلطات التي خولتها إياه ~~الاتفاقيتان المشار إليهما»، فقبل الفريق المصري هذه الإضافة على أن يقبل الفريق ~~البريطاني في نفس الوقت المذكرة الآتي نصها: ~~«المفهوم بتطبيق المادة 13 أن حقوق سيادة مصر على السودان تظل سليمة من ~~غير نص، وأن الفريقين المتعاقدين يباشران إدارة السودان بالاشتراك بينهما ~~اشتراكا فعليا ... # وبناء عليه يعين وكيل مصري للحاكم العام، وموظفون مصريون للتعاون مع ~~الموظفين البريطانيين في إدارة السودان، وتعود الجنود المصرية إلى السودان ~~بعد التصديق على المعاهدة، ولا يوضع أي قيد على المصريين فيما يتعلق ~~بالهجرة، والتملك والمتاجرة»، (الكتاب الأخضر صفحة 90.) # والمسألة الوحيدة في هذه المذكرة التي لم تثر جدلا هي المسألة المتعلقة بحق مصر في ~~السيادة، فإن باقي أحكام المذكرة قد أثارت معارضة قوية من جانب الوفد البريطاني، ودارت في ~~الجلسات التالية مناقشات طويلة حولها، وكذلك حول الاقتراح المصري بالدخول في محادثات خلال ~~السنة، التي يصدق فيها على المعاهدة، من أجل تنفيذ اتفاقيتي سنة 1899 وتطبيقهما. # أما عبارة «بغير إخلال بحقوق مصر ومصالحها المادية»، فلم تكن - على العكس من ذلك - محل ~~مناقشة، وأضيفت في جميع النصوص التالية التي قدمت من الوفدين، كما تضمنها النص الذي قبله ~~كل من الطرفين في النهاية، وقد رفض مجلس الوزراء البريطاني هذا النص، ولكنه أعلن بأن ~~معارضته تنصب فقط على التعهد بالدخول ms134 في محادثات ودية في بحر سنة؛ بشأن تطبيق اتفاقيتي سنة ~~1899، ويتبين من ذلك أن مجلس الوزراء البريطاني قد قبل الصيغة المتضمنة لحقوق مصر. # وزيادة على ذلك فإن قطع المفاوضات كان نتيجة لعدم الاتفاق على النقط الثلاث ~~الآتية: ~~(1) # الدخول في محادثات ودية بشأن تطبيق اتفاقيتي سنة 1899. ~~(2) # رجوع كتيبة مصرية إلى السودان. ~~(3) # إلغاء القيود المفروضة على المصريين في السودان، فيما يتعلق بالهجرة والتملك ~~والمهاجرة. # ولم ترد مسألة سيادة مصر، التي لم يعد الجانب البريطاني يعارض فيها، بين النقط الثلاث ~~التي تعذر الاتفاق عليها، كما لم تكن سببا لقطع المفاوضات. ~~••• # وموقف الحكومة البريطانية في سنة 1930 يطابق موقف الحكومات السابقة لها، وخاصة تلك ~~الحكومات التي كانت قائمة وقت إعادة فتح السودان، وعقد اتفاقيتي سنة 1899. # لم تنازع بريطانيا في سيادة مصر على السودان سواء قبل حملة السودان، أو في خلالها أو ~~بعدها، وعلى العكس فإنها قد أيدت هذه السيادة تجاه الدول الأجنبية، وصرحت دائما بأنها لا ~~تعمل في السودان إلا لإعادة سلطة الخديو ... ويكفي أن نشير في هذه المناسبة إلى الخطابات التي ~~كتبها كتشنر إلى الكولونيل مارشان وقت حادث فاشودة، يخطره فيها أنه تلقى تعليمات لإعادة ~~السيادة المصرية على مديرية فاشودة، وأن مصر قد استعادت رسميا ولاية الحكم على هذا ~~الإقليم. # ولم يكن لبريطانيا العظمى قبل احتلال مصر عسكريا في سنة 1882 أي اتصال بالسودان، وهي لم ~~تتدخل في إعادة فتحه؛ إلا لأنها - كما صرح بذلك سير إدوارد جراي في البرلمان البريطاني في ~~28 مارس سنة 1895 - تشغل مركزا خاصا، هو مركز القيم للذود عن مصالح مصر، فلم يكن في ~~وسعها إذن - والحالة هذه - أن تتذرع بالمساعدة التي بذلتها لمصر في هذه الظروف؛ لتجردها من ~~جزء من سيادتها على الأقاليم التي عاونتها على فتحها من جديد. وزيادة على ذلك لم يكن من ~~المستطاع - طبقا لفرماني التولية في سنتي 1879 - التنازل عن جزء من هذه السيادة إلا بترخيص ~~من الحكومة العثمانية. # بل على العكس فقد طالبت بريطانيا العظمى بأن تمنح نصيبا في الميدان الإداري؛ مكافأة ms135 لها ~~على اشتراكها في حملة السودان. # ولم تتناول اتفاقيتا سنة 1899 إلا موضوعا واحدا هو تنظيم الإدارة في السودان، وهما لم ~~يمسا حق مصر في السيادة ... # ولا شك في أن ديباجة اتفاقية سنة 1899 تبين الحقوق التي اكتسبتها الحكومة البريطانية ~~بمقتضى حق الفتح، ولكن الذي طالبت به بريطانيا العظمى بمقتضى هذه الحقوق هو «الاشتراك في ~~التسوية الحالية، وفي وضع النظام الإداري والتشريعي المذكور موضع التنفيذ والنهوض ~~بها.» # وفوق ذلك فإن لورد كرومر، وهو من أقدر سياسي بريطاني وصاحب الشأن الأول فيما يتعلق ~~بالموضوع الذي نعالجه، هو الذي يمكنه أن يوضح مدى اتفاقيتي سنة 1899، إذ إنهما كانتا من ~~وضعه، فقد كتب في تقريره سنة 1901 ما يأتي: ألاحظ في تقرير المجلس التشريعي عن ميزانية هذا ~~العام أن المجلس يوافق على المصروفات المخصصة للسودان؛ بناء على أنه يعتبر السودان جزءا لا ~~يتجزأ من مصر ... وهذا الرأي صحيح في جوهره ... وإني أنتهز هذه الفرصة؛ لأبين أن الاتفاقية ~~المبرمة سنة 1899 لم يقصد بوضعها الانتقاص من حقوق مصر الشرعية. # ومما أحتج به مرارا رفع العلم البريطاني إلى جانب العلم المصري في السودان، باعتبار أن ~~في هذا مظهرا شاهدا على وجود البريطانيين في السودان، ولكن لورد كرومر ذاته تولى تفسير ~~ذلك وتحديد مداه، فقد أوضح في تقريره عن سنة 1903 أنه سئل أحيانا: «لماذا لا تتحمل الخزانة ~~البريطانية جزءا من مصاريف الإدارة في السودان، ما دام العلم البريطاني يخفق عليه إلى جانب ~~العلم المصري؟» وقد ذكر أن الجواب على هذا السؤال سهل؛ لأن اتفاقية سنة 1899 قد وضعت ~~للسودان نظاما سياسيا خاصا؛ لغرض مقصود هو تخليص السودان، ومن ثم تخليص مصر أيضا ~~بصفتها حاكمة هذا الإقليم، من كل هذه الأنظمة الدولية المتعبة التي زادت تعقيد الإدارة ~~المصرية»، ثم أضاف إلى ذلك: «ولولا هذا الاعتبار لما كان هنا ما يدعو، من وجهة النظر ~~البريطانية البحتة، إلى أن يكون العلم البريطاني مرفوعا في الخرطوم، شأنها في ذلك شأن ~~أسوان أو طنطا.» # فليس رفع العلم البريطاني في السودان ms136 إلا نتيجة لإقامة نظام إداري مصري - إنجليزي منفصل ~~عن نظام مصر، وليس علامة على اشتراك في السيادة، فإن هذا الاشتراك ما كان ليتوفر لبريطانيا ~~إلا بمقتضى وثيقة دولية صريحة. # وهكذا فإنه منذ حملة السودان إلى وقت مفاوضات معاهدة التحالف، لم تنازع بريطانيا في ~~انفراد مصر بحق السيادة على السودان، وفي معاهدة سنة 1936 ذاتها تركت هذه المسألة لمباحثات ~~تجري مستقبلا. # واليوم، وقد عزمت مصر وبريطانيا العظمى على السير معا في طريق جديد واضح، أصبح من غير ~~المستطاع تجنب بحث هذا الموضوع، كما لا يجوز الاحتجاج بمصالح السودانيين لتأجيل الاعتراف ~~بسيادة مصر، إذ الواقع أن مشروع البروتوكول المقدم من الوفد البريطاني يقدر أنه: «لن يكون ~~السودانيون أحرارا في تقرير علاقاتهم المستقبلة مع الطرفين الساميين المتعاقدين، إلا حين ~~يصبحون قادرين على القيام بإدارة شئونهم.» وفي هذا اعتراف بأن الشعب السوداني غير قادر في ~~هذه اللحظة الراهنة على تقرير مصيره، فهو إذن غير قادر على رفض سيادة قائمة منذ سنين ~~عديدة. # فليس في ذكر السيادة المصرية في بروتوكول المعاهدة مساس بأي حق يتمتع به الشعب السوداني ~~في الوقت الحاضر، فلن يتسنى له اتخاذ موقف بمحض اختياره بالنسبة لهذه السيادة إلا في مستقبل ~~الأيام، حينما تتوفر له الأهلية الكافية. ~~••• # هذا هو تلخيص لموقف الجانب المصري أثناء المناقشات التي جرت مع الجانب البريطاني بشأن ~~مصير السودان. # وهو تلخيص متخذ مما دار في بحوث شفهية، وفي مذكرات تبودلت بين الطرفين على أنه ليس كل ما ~~عرض من الجانب المصري، بل إن هناك مناقشات أخرى سيأتي الكلام عنها بشأن بروتوكول السودان، ~~وهي ضمن ما جرى عليه الحديث بيني وبين مستر بوكر وزير بريطانيا بمصر، في الوقت الذي سافر ~~فيه السفير بالإجازة إلى إنجلترا مما سيرد ذكره في حينه، كما أن أقوالا أخرى تتعلق بموقفنا ~~من السودان جرت أثناء المفاوضات مع مستر بيفن نفسه، مما سيرد ذكرها عند التحدث عن محادثات ~~لندن، ومعروف أن هذه المحادثات الأخيرة كان كلها متعلقا بالسودان، ومسألة السيادة التي لم ~~يقبل الإنجليز في ms137 الآونة الحاضرة أن يعترفوا بها كما سبق لهم الاعتراف. # | الحزبية تعرقل سير المفاوضات # أوردنا نص البيان الذي كلفني الوفد المصري للمفاوضات بإبلاغه للجانب البريطاني، وفيه يصر ~~الوفد على وجهة نظره، ويتمسك بمذكرته المقدمة في أول أغسطس، وما صاحبها من نصوص سبق نشرها. ~~وقلنا: إنه بعد المناقشة والأخذ والرد بيني وبين رئيس الوفد البريطاني والسير رونالد كامبل، ~~انتهينا إلى صيغة أعلنا بمقتضاها أن الباب لا يزال مفتوحا لتبادل جديد في الآراء بقصد ~~الوصول إلى نتيجة ملائمة لمصالح البلدين ... وقد كان مفهوما - وهذا على الأقل من الناحية ~~الرسمية - أن عقدة العقد هي مسألة السودان، وبالأخص مسألة «السيادة» عليه، التي بدأ ~~الإنجليز ينازعون حق مصر الصريح فيها، على أنه قد تبين في غضون المناقشات الحادة التي تميز ~~بها الدور الأخير من المفاوضات في النطاق المصري أن عوامل جديدة سيطرت على الموقف، بعضها ~~يرجع إلى تحول في وجهة النظر العامة تلقاء أغراض المعاهدة، وبعضها إلى تيارات بدأت خفية - ~~أو على الأقل غير واضحة - ثم أصبحت سافرة وأكثرها من صنع المؤثرات السياسية والحزبية، التي ~~وجدت في مناقشات المعاهدة ومداولاتها المضنية، مرعى خصيبا تتغذى فيه المساعي والأطماع ذات ~~الطابع الداخلي المحض ... ومن أسف أنها امتدت إلى دائرة المفاوضة نفسها، وهي التي كان يجب ألا ~~تتطاول إلى حرمها المساعي والتدبيرات. # محاولة جديدة لتعكير الجو # وقد غدا أمر المحالفة مع بريطانيا ممقوتا لدى فريق من الرأي العام، الذي صوروا له ~~هذه المحالفة في صورة قيد جديد تكبل به مصر، فترزح تحت نيره كما كان الحال في الزمن ~~الغابر، وأصبح هذا الفريق يعتقد أنه بشيء من الضغط، ومن معاملة إنجلترا بالشدة والحزم ~~نتخلص من المحالفة والتزاماتها، ونتخلص تبعا لذلك من لجنة الدفاع ومن مخاوفها ~~وأخطارها، ونفرض نحن على إنجلترا الجلاء التام الناجز، ونضطرها اضطرارا إلى ترك ~~السودان، وإلى الاعتراف بحقوقنا على هذا القطر من غير منازع ومن غير مقابل! # وإذا سألت: «كيف يكون الاعتراف من جانب بريطانيا وحدها، ونحن في حل من كل شيء؟» ~~قالوا: حسبنا قوة الحق والعدل ms138 التي لا تقف في سبيلها قوة مهما عظم بطشها واشتد خطرها ... ~~وقالوا أيضا: «ما لنا ولإنجلترا وعندنا حلفاؤنا الطبيعيون من العرب الذين تربطنا بهم ~~الأواصر المتينة، والذين يهبون لنجدتنا متى حزب الأمر، وأحدقت بنا الأخطار ...!» # وكان كل ذلك - مع الأسف - وليد الأوهام والأفكار غير الناضجة، وبالأخص وليد سياسة ~~المزايدة، التي كان الساسة يعملون لها ألف حساب، وهي السياسة التي طالما أفسدت على مصر ~~ثمار جهودها وخيبت آمالها ... # وقد كان لبيان الوفد المصري بالاعتراض على كل محالفة مع إنجلترا الأثر الكبير في ~~أذهان قوم تولاهم الملل والسأم، كما سبق لنا القول ... وهنا رأيت من حسن التصرف وضعا ~~للأمور في نصابها الصحيح، أن أرفع استقالة الوزارة إلى السدة الملكية، ذاكرا في كتابي ~~«أني قد مضيت وزملائي في القيام بمهمة المفاوضات، وقطعنا شوطا كبيرا منها، ولم تبق ~~إلا مرحلة كنت وما زلت كبير الرجاء أن نجتازها في نجاح وتوفيق، غير أن متاعب داخلية قد ~~نبتت، وتفاقم أمرها بغير مبرر له وزن، وأصبح من العسير علي أن أستمر في الاضطلاع بالعبء ~~الجسيم في وجه هذه المتاعب؟ وقد رأيت أن أفتح الطريق لغيري، وأن أضع الأمر بين يديكم ~~(مخاطبا جلالة الملك) لتتصرفوا فيه بحكمتكم السامية؛ وليستطيع من يخلفني أن يعالج ~~البقية الباقية من شئون المفاوضات، بما يحقق للبلاد ما رجوناه لها من استقلال وحرية في ~~ظل الكرامة القومية.» # على أن هذه الاستقالة لم تقبل ووجه إلى النطق السامي في أول أكتوبر سنة 1946، بأن ~~استمر في العمل على «تحقيق أهداف البلاد الوطنية التي هي أعز أمانينا.» # التفاؤل # ويحسن هنا أن أشير إلى أسباب التفاؤل، التي حدت بي إلى المضي في المفاوضات وقتذاك رغم ~~ما أحاط بها من متاعب، وما تولى القوم في مصر من ملل وسأم، ورغم محاولات العاملين على ~~إفساد الجو السياسي بمصر بتغليب عناصر المزايدة، والتطرف على عناصر الحكمة والاعتدال ~~... # وقد كنت متفائلا؛ لأن المصاعب ليس معناها الفشل والإخفاق، بل قد توائم التفاؤل وقد ~~تعالج، ويستعان عليها به ... ومن الذي كان يتصور من العقلاء ms139 أن قضية كبيرة الشأن كالقضية ~~المصرية تنتهي في كلمات، أو في تبادل المذكرات، أو تحل بضيق الصدر وقلة الصبر من أحد ~~الجانبين المتفاوضين أو من كليهما، ومع ذلك فقد كانت ثلاثة أرباع المسائل، التي ~~تناولتها المفاوضة بين مصر وبريطانيا قد انتهت إلى التفاهم التام، بل وضعت لها الصيغ ~~الملائمة، فصار مفروغا منها. # مسألة السيادة ... ووحدة الوادي # أما مسألة السودان، فهي التي أشعرت بوادرها بما تنطوي عليه من اختلاف بين وجهتي النظر ~~واستعصاء الحل، غير أنني كنت كبير الأمل في أن الجانب المصري سوف يوفق إلى إقناع الجانب ~~البريطاني، بأننا لا نطلب جديدا غير موجود، وإنما نطلب الاعتراف بحقوق قائمة لا شك ~~فيها مستندة إلى مظاهرها القانونية والفعلية، فإن السيادة على وادي النيل ووحدة ذلك ~~الوادي الممثلتين في التاج المصري، حقيقتان ملموستان برغم محاولة الحكام البريطانيين، ~~وبالأخص المحليون منهم تجاهلهما، أو الغض من شأنهما. # لم يكن مطلب مصر في مسألة السودان مستندا إلى نزعة استعمارية، أو ميل إلى سيطرة ~~يتولاها المصريون على شعب يعتبرونه شعبا شقيقا عزيزا على قلوبهم، وإنما يقصد ~~المصريون أن يحفظوا لأهل السودان عهد الأخوة الكاملة الشاملة، المؤسسة على ما أوجدته ~~الطبيعة من التعاطف والتحاب بين الأخ الكبير والأخ الصغير. # فإذا ما تبين الإنجليز هذه الحقائق كان الرجاء عظيما في ألا يتشبثوا بما يتجافى ~~والأوضاع السليمة فيما يتعلق بالسودان، خصوصا وقد صار واضحا استمساك المصريين بهذه ~~الأوضاع الأساسية، التي لا يستطيعون التغاضي عنها بأية حال في حين أنهم في استمساكهم ~~هذا منزهون عن مظنة الشهوة والغرض. # أعضاء الوفد البريطاني في المفاوضات يتوسطهم لورد ستانسجيت، وإلى ~~يمينه السير رونالد كامبل السفير البريطاني، وإلى يساره المستشاران ~~العسكريان. # إسماعيل صدقي باشا رئيس المفاوضين المصريين، وإلى يمينه لورد ~~ستانسجيت، رئيس وفد المفاوضين الإنجليز في جلسة هادئة بسراي الزعفران، ~~عقب النقاش الذي دار بشأن مسألة السودان. # اختلى إسماعيل صدقي باشا بالسير رونالد كامبل السفير البريطاني ~~طويلا في برج العرب ... وهو هنا يتحدث إلى السفير عن الإصلاحات التي ~~أدخلت على منطقة برج العرب خلال ms140 فترة الاستراحة من المفاوضات. # التحالف قائم ... ولا بد منه # أما رغبتنا في التحالف معهم، فلم نكن بحاجة إلى التدليل عليها، كما أنه لم تكن بنا من ~~حاجة للبحث عن أمة كبيرة تساعدها وتساعدنا عند وقوع الخطر ... فإن بيننا وبين بريطانيا ~~العظمى حلفا قائما فعلا ظهر أثره في أثناء الحرب الأخيرة، وجنى الإنجليز من مزاياه ~~بقدر ما جنى المصريون، فلم نكن ذوي مصلحة في النكول عن حلف الإنجليز، فتستفيد من ذلك ~~دولة أخرى. # وقد أقرت مصر وجهة النظر هذه، جاعلة شرطها الأساسي في تجديد العهد مع بريطانيا العظمى ~~ضرورة استقلال البلاد استقلالا صحيحا لا شائبة فيه، مظهره الجلاء التام، مستمسكة ~~بأمنية غالية أخرى وهي حل مسألة السودان، والانتهاء من الوضع الشاذ الخاص به، وذلك على ~~أساس وحدة الوادي في رعاية تامة لرفاهية الشعب السوداني الشقيق. # | استئناف المفاوضات # في الفترة التي أعقبت بقاء الوزارة في مركزها مؤيدة برضى المليك وثقة البرلمان، وفي الوقت ~~الذي كان شعوري برغبة غالبية هيئة المفاوضة في الوصول إلى إتمام الاتفاق مع إنجلترا، لا ~~يزال قويا برغم المصاعب التي جاءت من الناحية البريطانية، التي كانت متأثرة بنزعة ~~استعمارية قديمة، تركزت بنوع خاص في مسألة السودان، ورغم متاعبنا الداخلية والمعارضة ~~الجامحة التي ما كان يغمض لها جفن أثناء هذه المفاوضات، فكرت طويلا فيما يجب أن تكون ~~خطواتي المقبلة في سبيل تنفيذ البرنامج الوزاري بشأن أهداف البلاد ... وكان رئيس هيئة ~~المفاوضة البريطانية والسفير البريطاني قد غادرا البلاد، مما كان يتوقع معه أن تمضي فترة ~~طويلة تعمل في غضونها جميع القوى المتضافرة على إفشال مساعي التفاهم والتوفيق. # وقد هداني التفكير أولا إلى أنه من الخير أن نعدل عن الرأي السائد في الناحيتين ~~البريطانية والمصرية، ومؤداه أن تكون تسوية مشكلة السودان على مرحلتين: الأولى يتقرر فيها ~~المبدأ والثانية تشمل التحقيق، الذي يقوم به الجانبان للتفاهم على الأوضاع التي تهيئ ~~للسودان أكبر قسط من الرفاهية والرقي ... وقد رأيت أن تكون المفاوضة الحالية مؤدية إلى إنهاء ~~مسألة السودان دفعة واحدة، حتى لا تتعثر علاقاتنا ms141 مع الدولة البريطانية من جديد في أخذ ورد ~~قد يودي بكل المصالح المشتركة، سواء ما كان منها متعلقا بالسودان، أو ما كان خاصا بمصر ~~نفسها ... وقد يتحقق هذا الغرض بتضمين الاتفاق الخطوط الأساسية، والمبادئ التي تسمح للدولتين ~~المصرية والإنجليزية عن طريق حكومتيهما، بمباشرة مهمتهما في هدوء وانسجام، مستعينين بشعور ~~واحد هو وضع خبرتهما ومقدرتهما في خدمة السودان، حتى يأتي الزمن الذي تريان فيه أن تسليم ~~مقاليد الحكم لأهله أصبح واجبا محتوما ... # وقد أدركت أن الدقة التي تحيط بأمور السودان، واختلاف وجهات النظر بين كل من تصدوا ~~لمعالجة هذه الأمور، يقتضيان حصر المناقشة بين الجهتين اللتين تستطيعان توجيه النتائج إلى ~~نهاية حاسمة؛ ولذلك نبتت عندي فكرة مقابلة مستر بيفن شخصيا، وهو - على ما فهمت - لم يكن ~~قد أحاط تماما بأغراض مصر وبموقف مصر، ولم يكن قد اطمأن من ناحية نوايانا نحو هذا الإقليم ~~ومركز إنجلترا منه، وكانت المسألة بحسب تقديري، لا تعدو أن تكون عند مستر بيفن مسألة ثقة، ~~واطمئنان على مصالح رئيسية لإنجلترا، لا على أوضاع لا تهم السياسة العليا. # وإذ قابلت المستر بوكر الوزير المفوض النائب عن السفير البريطاني عند عودتي من مصيف ~~الإسكندرية شافهته في أمر هذه المقابلة، فسألني عما إذا كنت قد حددت موضوعات الحديث مع مستر ~~بيفن، فأخبرته أن الفكرة لم تختمر بعد، ولكنها مبنية على الرغبة في استعراض موضوعات الخلاف ~~لعلنا نجد الحلول اللائقة والمريحة لضمائرنا جميعا ... ولم أخف على مستر بوكر أن مسألة ~~السودان - ولو أنها شغلي الشاغل - ليست هي كل ما يثير هواجسي، فإن نصوص المعاهدة نفسها ~~تحتاج لبعض التنقيح والتنوير مع السعي لإزالة الشبهات. # وإذا استعلم مني بعد أيام (ولعله أمضاها في مخابرات مع لندن)، عما إذا كنت أنتوي استئناف ~~السعي في أمر الاعتراف بحق مصر في السيادة، أفهمته «أن هذا التسليم من ناحيتكم هو الغرض ~~الأساسي لهذا السعي»، فقال: «إن هناك صعوبة كبرى تقف في سبيل الاعتراف بالسيادة، وهي تعهدنا ~~للسودانيين بأننا سوف نعمل على منحهم الاستقلال.» # فقلت: «إنه تعهد ينصب ms142 على ما يأتي من الزمان وقد يكون طويلا، ومع ذلك فمصر لا تعترض على ~~تحقيق رغائب الشعوب، التي تصبو للاستقلال متى آن أوانه ... على أنني - محافظة على شعور ~~إخواننا السودانيين - لا أرى ما يمنع من أن تتمثل السيادة في التاج المشترك للبلدين وهو تاج ~~مصر.» # ولقد كانت أحاديثي مع مستر بوكر أحاديث خاصة غير ذات صفة رسمية؛ ولذلك فإنها لم تدون في ~~مذكرات أو محاضر، فلا يمكن أن يتمسك بها أحد الطرفين على الآخر. # وقد قابلني مستر بوكر بعد ذلك بأيام أخرى، وقال لي: إن الحكومة البريطانية ترحب بقدومي مع ~~من أريد من الزملاء، وأنها ترجو أن أقبل ضيافتها. # وهكذا قررت بعد استئذان جلالة الملك، وبرضى تام من جلالته، وبعد أن عرضت الأمر على أعضاء ~~هيئة المفاوضة الذين رحب أكثرهم بالفكرة، وعلى حضرات الوزراء الذين وافقوني كل الموافقة على ~~ما كنت أنتويه من سعي جديد في سبيل القضية المصرية، أقوم به مع وزير خارجيتنا (معالي) ~~إبراهيم عبد الهادي باشا، قررت أن أسافر وزميلي إلى لندن على طائرة خاصة أقلتنا إلى ~~إنجلترا، وكان معنا بعض هيئة السكرتيرية المصرية والصحفيين ... # أما استقبالنا فقد أحاطته الحكومة البريطانية بالشيء الكثير من مظاهر التكريم ~~والاحترام. ~~••• # ويجدر بي قبل الانتقال إلى مجريات المفاوضة أن أنوه هنا بالروح العالية التي كان المستر ~~بيفن، ذلك الرجل العصامي القدير، حريصا على أن تكون السائدة في المناقشة، وقد حرص جنابه ~~على إثارة الشعور - بل العقيدة - لدينا بأننا وإياه أنداد متساوون ، على الرغم من أننا كنا ~~طلاب حق لا سبيل لنا إلى انتزاعه بغير طريق الإقناع، ومن أيد طالما أحسسنا بشدة بأسها وبقوة ~~وسائلها! # وإنه ليؤسفني أن كانت مفاوضاتنا مع الوزير البريطاني ومع أعوانه، ومنهم لورد ستانسجيت ~~وسير رونالد كامبل قد أدت إذ ذاك إلى إقلاق كبير في راحتهم؛ لأن حالتي الصحية منذ اليوم ~~التالي لوصولي لإنجلترا أدت إلى تجشم الجميع الكثير من التعب في مداومة الانتقال من «هوايت ~~هول» إلى محل الضيافة، وقد تركت في نفسي مجاملتهم الكريمة لممثل مصر؛ ms143 الكثير من ~~الأثر. # ولا بد لي أيضا من التنويه بمظاهر الإكرام، التي قابلنا بها مستر آتلي رئيس وزارة ~~إنجلترا في مقر رئاسة الحكومة بداوننج ستريت، وهي مظاهر زاد في روعتها أن كان الاستقبال في ~~ذلك المكان التاريخي المشهور، الذي شهد أهم أحداث إنجلترا السياسية ... وزاد في معانيها حرص ~~رئيس الحكومة على دعوة أكبر رجالات الدولة البريطانية إلى مائدة الغداء ليشاركوه في تكريم ~~ممثلي مصر. # ولا يسعني قبل الانتقال إلى موضوع المفاوضة وإلى نتائجها الطيبة، إلا الإشادة بصفات عمرو ~~باشا، كرجل وكسفير ... وقد بدا لي سعادته كعنوان حي للهمة ولحسن التصرف، كما قدم من الخدمات ~~لقضية مصر ما يستحق معه كل ثناء وكل تقدير. # وإذا نسيت فهل أنسى أن زميلي إبراهيم عبد الهادي باشا رئيس حكومتنا الحالي، أثبت في ~~مناسبة المفاوضات التي جرت بلندن أن رجل الثورة يستطيع متى آن أوان جني ثمراتها أن يكون ~~السياسي الحازم الدقيق، وأن يفسح أمام ناظريه الأفق، فلا يستوقفه التافه من الأمر ويعطل ~~جهوده، ولا يلهيه الخيال الكاذب عن الواقع المحسوس. # | المسائل الكبرى في المفاوضات # في فصل سابق أشرت إلى أحاديثي مع المستر بوكر نائب السفير البريطاني، التي انتهت إلى ~~اعتزامي السفر إلى إنجلترا، بعد أن أخبرني جنابه رسميا بما يفيد ارتياح المستر بيفن إلى ~~لقائي ... ويجدر بي هنا وأنا أتحدث عن المباحثات، التي جرت بلندن أن أشير إلى الفوارق الكبيرة ~~بين مفاوضة ومفاوضة ... فبينما كنا بمصر، وجو التحفظ والحذر يحيط بنا من كل جانب ، وبينما كانت ~~كل صغيرة وكبيرة من الشئون، التي كنا نعالجها في المفاوضة مدعاة لأخذ ورد طويلين بين ~~القاهرة ولندن إلى درجة إثارة القلق والسأم - بل التشاؤم من ناحية مصير المفاوضات - جئنا ~~إلى لندن، وإذا الجو الذي صادفنا يتحول إلى الصفاء بعد التلبد، وإذا الصراحة تحل حيث كانت ~~الريب والوساوس. # ولا غرو، فإن مستر بيفن من الطراز الجديد للسياسيين، الذين لا يضيعون الوقت في اللف ~~والمداورة، ويهجمون على الموضوع مزودين بالحجة إذا ما أسعفتهم الحجة، فإذا شعروا بضعف ~~موقفهم انتقلوا إلى ms144 موضوع آخر ريثما يعاودون البحث والتفكير في الموضوع الأول، أو يسلمون ~~بوجهة نظر الطرف الآخر في غير تردد طويل أو «مناكفة» ... وكنت أشعر برغبة الوزير في الانتهاء ~~السريع؛ لا لأن السرعة في ديدنه؛ بل لأن تزاحم القضايا العالمية كان يقتضي ذلك ... أضف إلى ما ~~تقدم أن الرجل كان مرتبطا بموعد يحل بعد أيام قلائل في واشنجتون للمباحثة في بعض الشئون ~~الهامة، التي رأى أن يعالجها بنفسه مع الساسة الأميركيين. # وقد وضحت نزعة مستر بيفن، إذ قال في أول جلسة لنا معه - بعد عبارات الترحيب والاستفسار عن ~~الكيفية التي نرى أن تدار بها المناقشات - إنه يعمل دائما وفقا لنظريته المعروفة، وهي ~~«وضع أوراق اللعب مكشوفة على المائدة، فإن ذلك أسهل وأدنى إلى تحقيق الأغراض.» # وفي الواقع أن محادثات لندن لم تدم طويلا، فهي لم تستغرق أكثر من ثمانية أيام، عقدنا ~~فيها خمس جلسات، يضاف إليها بضع جلسات عقدها الخبراء أو هيئة التحرير، وحضرها من الجانب ~~المصري إبراهيم عبد الهادي باشا، وعمرو باشا، وحسن سعيد بك مستشار السفارة، والأستاذ حنا ~~سابا سكرتير هيئة المفاوضة، ويدعوني واجب الإنصاف أن أنوه بالروح الطيبة، التي سادت جميع ~~المناقشات سواء السياسية أو الفنية، وأن أشير إلى المساعدات القيمة التي قدمها وكيل ~~الخارجية «مستر هاو» الذي كان يبدو أنه المعاون الأول لمستر بيفن في شئون هذه المفاوضات ... ~~و«مستر هاو» هذا هو الذي أصبح بعد ذلك «سير روبرت هاو» حاكم عام السودان. # كبرى المسائل التي تناولها البحث # ولقد تناول البحث في أحاديثنا على صورة خاصة مسألة السودان، التي كان لها النصيب ~~الأوفى في المداولات، كما كان تحديد أغراض المعاهدة ولجنة الدفاع المشتركة ومسألة ~~الجلاء من أهم ما دار بشأنه البحث ... وأستطيع أن أقرر هنا أن للجانب المصري أن يفخر ~~بنجاح محقق واضح في كل هذه القضايا المتشعبة النواحي التي تعرض لمعالجتها، وإن نظرة ~~منصفة لمشروع المعاهدة، الذي اتفق عليه الرأي بلندن كفيلة بتأييد ما ذهب إليه أولو ~~الرأي، من أن «مشروع لندن» حقق من التحسين في الصيغ، التي ms145 انتهت إليها هيئة المفاوضة ~~المصرية بالقاهرة ما جعله أفضل وأدنى إلى تحقيق الأهداف القومية من كل مشروع سواه ... # مسألة السودان # وإذ تحدثنا عن السودان أظهر مستر بيفن دهشته للاهتمام البالغ الذي يبديه الجانب ~~المصري بشأن هذا الإقليم! فكان ردي عليه أن عدم الاهتمام هو الذي يدعو إلى الدهشة ... ~~أليست مصر كما كتب «هيرودتس» من أكثر من ألفي سنة هي «هبة النيل»؟ أليست مصر هي التي ~~رأت من مصلحتها الحيوية، ومن مقومات كيانها أن تضع يدها على السودان منذ ثلاثة آلاف سنة ~~في عهد تحتمس الثالث، بينما كانت شقيقته الملكة «هتشبسوت» قد استولت على السودان ~~الشرقي، وغزت بلاد الصومال؟ # ولقد أدرك مستر بيفن في آخر الأمر أن سيادة مصر لا تحتمل الشك ولا الجدل، وقد سبق ~~لغيره من الساسة البريطانيين - وأخصهم لورد كرومر - الاعتراف بها، غير أنني إذ لاحظت أن ~~القوم سيستغلون مطالبتنا بالسيادة لإظهار مصر في صورة المستعمر الطامع، أوضحت أن مصر لا ~~تقصد منها غير استظهار الوضع، الذي يسمح لها بتقديم جميع صنوف المعاونة، التي ينتظرها ~~الشقيق الأصغر من شقيقه الكبير ذي الحول والخبرة الممتزجين بالعطف والحب. وقد تتمثل هذه ~~المعاني وما يلازمها من تبعات في كلمة «الوحدة تحت تاج مصر المشترك»، وهو الرمز الذي ~~يسعد السودان أن يعيش في ظله ... # ولقد طالت مناقشاتنا في أمر السودان، وتبادلنا بشأنه المذكرات، وعاد مستر بيفن إلى ما ~~كان مستر بوكر وزيره بمصر قد أشار إليه من «وعود»، يقولون إن إنجلترا بذلتها للسودانيين ~~بشأن استقلال بلادهم، متى حانت الساعة وجاء الوقت. وكان ردي أن البلد التواقة إلى ~~الاستقلال - كما كانت مصر دائما - ليست هي التي تقوم في وجهه، وتضع في سبيله العراقيل، ~~غير أن هذا الاستقلال ليس محله معاهدة تبرم بين مصر وإنجلترا، بل ستمنحه مصر يوما ما ~~لشقيقتها الصغرى متى تفاهمنا على أن وقته قد حان، ومتى اتفقنا على الأوضاع التي تحقق ~~مصالح الطرفين. # وقد انتهينا في آخر الأمر مع الجانب الإنجليزي، الذي سلم بوجهة نظرنا على الصيغ ~~الأخيرة بشأن السودان، ms146 وكان بحثا احتاج إلى شيء كثير من التشدد المقترن بسلامة ~~التقدير، ومن الإيمان بالحق، حتى إن الفراغ من وضع صيغة البروتوكول السوداني لم يتم إلا ~~في الساعة التاسعة والربع من ليلة 25 أكتوبر سنة 1946؛ أي قبل إمضاء مشروع المعاهدة ~~بفترة يسيرة. # وما كنت لأتصور وقد فزت باعتراف الجانب البريطاني بوحدة الوادي تحت تاج مصر، أن تقوم ~~في وجه هذه النتيجة الباهرة الصعاب من كل فج، والاعتراض من كل ناحية، وإني إذ أفهم رد ~~الفعل في الناحية البريطانية، وفي بعض الأوساط السودانية الواقعة تحت تأثير الفريق ~~الاستعماري من موظفي حكومة السودان، لا أفهم كيف يكون الحل الذي وصلنا إليه محل ~~الانتقاد - بل محل المقاومة - في بعض الأوساط المصرية! # وقد بلغ سروري لبلوغ هذه النتيجة إلى الدرجة، التي دفعتني للاتصال ليلا بالقصر ~~الملكي بالإسكندرية؛ لإبلاغه بأن تاج مصر قد ازدان بدرة جديدة، وأن ملك مصر قد عاد إلى ~~الحدود التي رسمتها الطبيعة وسجلها التاريخ! # وأستميح القارئ بمناسبة التكلم عن التاريخ أن أقول له: كم أنا آسف إذ أغفلت في ذلك ~~الحين مستندا له قيمته بشأن إثبات حقوقنا في السودان؛ وذلك جهلا مني إذ ذاك بوجوده! ~~فقد أرشدني الإخصائيون منذ أسبوعين فقط أثناء زيارة جديدة قمت بها لذلك الأثر الرائع ~~المعلن عما بلغته مصر من عظمة ومن مجد وما أحرزته من إتقان في الفن، وأقصد به أثر ~~الكرنك - أقول إنهم أرشدوني إلى واجهة المعبد الخاص بتحتمس الثالث في داخل المعبد ~~الكبير، وإذا بالنقوش التي تعلو الواجهة المذكورة تمثل الملك الفاتح، ومن حوله الرموز ~~التي تشير إلى فتوحاته، وإذا جانب كبير من هذه الرموز يتعلق بالمقاطعات السودانية، التي ~~ضمت في عهده إلى الإمبراطورية المصرية، وهي تمتد في الجنوب إلى خط الاستواء! # أليس هذا المستند الذي يرجع إلى بضعة آلاف من السنوات، مما لم تفز به دولة أخرى غير ~~مصر في صدد الدفاع عن حقها أمام شره الطامعين؟! # أغراض المعاهدة # كانت المادة الثانية من مشروع المعاهدة، وهي المتعلقة بالأغراض التي توخاها الطرفان ~~من ربط بعضهما ms147 ببعض لدرء العدوان، محل بحث مستفيض في لندن، أدى بحمد الله إلى تحقيق ~~وجهة النظر المصرية، وحصر التدخل البريطاني في أضيق الحدود، وقصر المعاونة المصرية على ~~ما هو لازم لمصلحة مصر صونا لحقوقها هي وذودا عن حدودها ... # ويذكر القارئ أن الجانب البريطاني كان يلح قبل ذهابنا إلى لندن في قبول مصر لنظرية ~~التدخل متى وجدت حالة الخطر، ولاحت نوايا المعتدين ... وكان هذا الجانب يلح أيضا في مد ~~التزامات مصر إلى حالة الاعتداء على البلاد «المجاورة»، لا على البلاد «المتاخمة» ... أما ~~الجانب المصري، فقد كان همه الأول عدم تعريض البلاد لعودة الجيوش البريطانية بعد ~~جلائها؛ تذرعا بأسباب قد تكون من نسج الخيال، أو بناء على أوهام تقوم في أذهان ~~البريطانيين نتيجة لانقلابات سياسية، أو نزاع دولي لا يمت إلى مصر بسبب. كذلك كان ~~الجانب المصري شديد الرغبة في حصر التزاماته ضمن الحدود، التي رسمها ميثاق الأمم ~~المتحدة، بمعنى أن لا تتعدى المحالفة العسكرية مع إنجلترا الزمن الذي تصبح فيه جامعة ~~الأمم قادرة على درء العدوان بوسائلها الخاصة. وأخيرا كان الجانب المصري يرمي بشدة إلى ~~ضرورة إجراء مشاورات بين الحليفتين، قبل أن تتحرك جيوشهما؛ وذلك تمكينا لمصر من أن ~~تقترح، أو تعمل على إيجاد الحلول التي تباعد بينها وبين المخاطر التي تجرها الحروب ~~... # وقد نجحنا في حمل البريطانيين على قبول جميع رغائبنا هذه، وأصبحت المادة الثانية من ~~مشروع المعاهدة، بحيث جنبت مصر مواطن الأخطار جميعا، وحصرت التزاماتها في أضيق الحدود، ~~بل مكنت من تحديد الصيغ تحديدا أدخل التحسين على مركز مصر، ما سيأتي الكلام عنه متى ~~انتقلنا إلى موضوع المناقشات، التي جرت بمصر بعد عودتنا من رحلة لندن. # وسنتحدث في المقال القادم عن «لجنة الدفاع المشتركة» و«موعد الجلاء»، ثم نأتي بعد ذلك ~~على نصوص مشروع المعاهدة، كما صيغت بلندن وعلى ملابساتها. # | مفاوضاتي في لندن # لجنة الدفاع المشترك # كان لا بد لنا من بذل الجهود المستطاعة؛ لإبعاد ما رسخ في ذهن الكثيرين من أن هذه ~~اللجنة قد يؤدي وجودها إلى شبه سيطرة، يستمدها ms148 مندوبو الدولة البريطانية من قوة دولتهم ~~وعظم وسائلها، فترهق مصر بالمطالب من طريق الضغط على المصريين من أعضاء اللجنة، وهم أقل ~~خبرة من زملائهم البريطانيين، وأبعد عن إدراك الملابسات السياسية والحربية ... وقد خشي ~~الوفد المصري للمفاوضات أثر اشتغال اللجنة بدراسة الأحوال القائمة في البلاد القريبة من ~~مصر ومبلغ الخطر منها على السلام؛ مما قد يجرنا من حيث لا نشعر في مشكلات قد تؤدي إلى ~~الوقوع في المصاعب والمخاطر. # أدرك الجانب البريطاني بغير عناء كبير أن من حسن السياسة العمل على إزالة الوساوس ~~القائمة في نفوس المصريين من هذه الناحية، فقبل المفاوضون الإنجليز ما عرضناه من النص ~~الصريح على الصفة الاستشارية للجنة، وقبلوا ما هو أهم من ذلك، وأعني به عدم تعرض اللجنة ~~«لبحث الأثر المترتب على الحالة الدولية»، إلا إذا طلبت الحكومتان منها ذلك وقدمتا لها ~~المعلومات التي تعين على هذا البحث ... وواضح من مثل هذا القيد أنه لم يبق مجال لأن تتعرض ~~اللجنة لاقتراحات، أو لأن تشير بتدابير لا يكون مصدرها الحكومات نفسها. فإذا ما وثقنا ~~أنها لن تعمل عملا أو تدبيرا أيان كان خطره، إلا إذا كان بوحي من حكومة مصر ~~وبموافقتها، امتنع كل داع للريبة من ناحية تصرفات اللجنة، التي يصبح عملها مقصورا على ~~البحث الفني، واختصاصها بعيدا عن صفة التنفيذ. # وسنتكلم فيما بعد؛ أي عندما ندخل في تفاصيل الاعتراضات التي واجهتها بمصر لدى عرض ~~الصيغة الخاصة باللجنة المشتركة، عن قيمة هذه الاعتراضات وما قدمناه من أدلة على قلة ~~أثرها، ويكفي أن أشير إلى أن هذه اللجنة - وقد أنشئ في كثير من البلاد التي ارتبطت ~~بمحالفات عسكرية نتيجة لاتفاقات إقليمية - قد بلغت بها قوة هذه الارتباطات درجة روعي ~~معها إنشاء إدارات مخصوصة خارجة عن نطاق الدولة، وتعيين قواد أجانب يقيمون في أحد ~~البلاد الداخلة في الحلف مزودين باختصاصات ما كنا لنقبل مثلها أو شبيها بها ولو من ~~بعيد! # الجلاء ... وموعده # لم يأت مستر بيفن بجديد فيما يتعلق بتقريب موعد الجلاء، واكتفى بأن يستدر العطف على ~~الجندي البريطاني، ms149 الذي لا يزال بعد متاعب الحرب الضروس التي عانى أخطارها واكتوى ~~بنارها يقيم بالخيام في فيافي مصر وصحاريها، بينما قد استحق الراحة التي تؤهله لها ~~خدماته للإنسانية ولمصر بنوع خاص، وما تأخير سنة عن الموعد الذي يظهر أن مصر قد تقبله ~~اتباعا لرأي الخبراء بالشيء الكثير؛ وهو لذلك يطلب أن يكون موعد الجلاء التام نهاية ~~سنة 1950، إذ بذلك يمكن كسب الوقت الكافي لإقامة الأبنية اللازمة بالبلاد، التي تنتقل ~~إليها الجنود بعد جلائها عن مصر ... # ويقول المستر بيفن: إن تأخير الجلاء لا ينبغي أن يعتبره المصريون مرهقا لهم وجارحا ~~لشعورهم، بل إن له لنتائج تعود على مصر وعلى بلاد العالم التواقة للسلام بأعظم الفوائد، ~~فقد يغري «الفراغ» الذي يحدثه الجلاء العاجل دولا عرفت بالعدوان، وباقتناص فرص السيطرة ~~على العالم، فيستخدمه في قضاء الغايات التي جعلتها من أهدافها ... ولا شك أن كسب سنة في ~~سبيل بقاء القوة، التي يعمل لها الخصوم ألف حساب لن يكون إلا في مصلحة السلام ... # وقد تحدثنا كثيرا في هذه المسألة، وذكرنا ما لها من تأثير في إحساس المصريين، الذين ~~انتظروا طويلا الوفاء بالوعود التي بذلت لهم، فإذا دبت الشكوك من جديد في نفوسهم نحو ~~حق استعداد البريطانيين للجلاء العاجل، أضعنا الكثير من الثقة التي ننشدها، باعتبارها ~~الدعامة القوية التي تستند عليها المعاهدة ... وقد انتهينا في آخر الأمر إلى تحديد يوم ~~أول سبتمبر سنة 1949؛ لإتمام عمليات الجلاء الشامل جوا وبحرا وبرا، وأظنني في حل ~~الآن من أن أقول: إن غالبية خبرائنا العسكريين ما كانوا ليقدروا لنهو الجلاء مدة أقل من ~~تلك التي قبلناها بلندن، وكان رئيسهم قد أبدى في ذلك رأيا قاطعا ... وإنه لمما يدعو ~~للأسف أن اليوم الذي أسطر فيه هذا الكلام لم يبق بينه وبين الموعد المتفق عليه للجلاء ~~غير بضعة أشهر، وإني لأسائل نفسي: هل أصبحت الظروف السياسية والعسكرية السائدة على ~~الموقف، مما يؤمل معه إنجاز الجلاء في الموعد الذي فزنا بتحديده؟ # بيفن يقنع زملاءه # هذه هي المسائل التي دارت من أجلها مباحثات لندن، وهناك ms150 طائفة من المسائل الثانوية ~~التي اتفقنا عليها أيضا، كما أن من المسائل ما أرجأنا بحثه؛ لأن موضوعاتها مما لا ~~يحتاج لتدوين عاجل، بينما هي لا تؤثر على شروط المعاهدة. # وإذ جاءت الساعة التاسعة والربع مساء من يوم 25 أكتوبر سنة 1946، وكنا مجتمعين بغرفة ~~الاستقبال المخصصة لنا بفندق «كلاردج» تلا المستر بيفن الوثيقة، التي اقترح أن تكون ~~مرافقة لمشروع المعاهدة، وقال: إنه كان قد وعد صدقي باشا بأن يؤيد «بحرارة» هذا المشروع ~~لدى مجلس الوزراء، ومضى قائلا: إنه ليكفي صدقي باشا أن يعلم أن جهوده - أي جهود مستر ~~بيفن - ستبذل في سبيل إقرار المجلس للمشروع المعروض، فإذا لم يفز بهذا الإقرار استقال ~~من منصبه ... هذا هو الذي قاله مستر بيفن أمام جميع الحاضرين، على أنه اختلى بي بعد ذلك، ~~وأسر إلي بأنه قد أطلع مجلس الوزراء فعلا على المشروع، فوافق عليه بصفة غير ~~رسمية. # وقد عملت صور للمشروع، وأمضيت بالأحرف الأولى من أسماء مستر بيفن ولورد ستانسجيت ~~وإبراهيم عبد الهادي باشا وسير رونالد كمبل، واسمي ... وفيما يلي نص مشروع المعاهدة التي ~~أطلق عليها اسم «معاهدة صدقي - بيفن.» # | معاهدة صدقي - بيفن # هذا هو النص الرسمي لمشروع المعاهدة، الذي وضع في لندن باللغتين الفرنسية والإنجليزية، ~~ووقعته بالحروف الأولى من اسمي مع المستر أرنست بيفن، الذي وقعه بالحروف الأولى هو وبقية ~~ممثلي الجانبين المصري والبريطاني، وقد ترجمت النص بنفسي، وأعتبر هذه الترجمة هي النص ~~الرسمي الصحيح دون سواه: # صاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى وأيرلندة والممتلكات البريطانية وراء البحار ~~وإمبراطور الهند. # وصاحب الجلالة ملك مصر. # مدفوعين برغبتهما الخالصة في تمكين علاقات الصداقة، وحسن التفاهم فيما بينهما، ~~وتأسيس هذه العلاقات على أسس أدعى لتقوية هذه الصداقة. # وراغبين في عقد معاهدة مساعدة متبادلة؛ هدفها تدعيم ما بينهما من روابط المودة، ~~والعمل - بوساطة تبادل المعاونة والمساعدة - على تقوية النصيب، الذي يستطيع كل ~~منهما الاضطلاع به في سبيل حفظ السلام، وصيانة الأمن الدولي، طبقا لميثاق هيئة ~~الأمم المتحدة. # فقد عينا المذكورين بعد: ... بصفة كونهم مفاوضين عنهما. # المادة الأولى: # ينتهي ms151 العمل بمعاهدة التحالف الموقع عليها بلندن في 26 أغسطس سنة ~~1936، والمذكرة المقبولة الملحقة بها، وكذلك المذكرات والاتفاق ~~المؤرخة في 26 أغسطس سنة 1936 بخصوص الإعفاءات والمزايا، الملحقة ~~أيضا بهذه المعاهدة. # المادة الثانية: # اتفق الطرفان الساميان المتعاقدان على أنه في حالة ما إذا أصبحت ~~مصر محل اعتداء مسلح، أو في حالة ما إذا اشتبكت المملكة المتحدة في ~~حرب كنتيجة لوقوع اعتداء مسلح على البلاد المتاخمة لمصر، فإنهما ~~يتخذان بالتعاون الوثيق، وبعد المشاورة؛ أي إجراء تتبين ضرورته، ~~ريثما يتخذ مجلس الأمن الوسائل اللازمة لإعادة السلم. # المادة الثالثة: # تحقيقا للتعاون وتبادل المساعدة بين الطرفين الساميين ~~المتعاقدين، وتمكينا من تنسيق التدابير التي تتخذ لدفاعهما ~~المشترك، تنسيقا فعالا، قد اتفقا على تكوين لجنة دفاع مشتركة من ~~السلطات الحربية المختصة لدى الحكومتين، يعاونها من ترى الحكومتان ~~ضمه إليها من المندوبين. # وهذه اللجنة هي أداة استشارية مهمتها أن تدرس - لكي تقدم ~~اقتراحاتها إلى الحكومتين عما توصي به من الإجراءات - المسائل ~~الخاصة بالدفاع المشترك عن الطرفين الساميين المتعاقدين في البر ~~والبحر والجو، بما في ذلك مسائل العتاد والرجال المتعلقة بها، ~~وخصوصا ما يتعلق من الشروط الفنية بتعاون الفريقين، والتدابير ~~التي تتمكن بها قواتهما المسلحة، بصفة فعالة، من مقاومة ~~الاعتداء. # وتجتمع هذه اللجنة كلما اتضحت ضرورة ذلك لمزاولة مأموريتها، وعند ~~الاقتضاء تدرس اللجنة أيضا - بناء على دعوة الحكومتين، وعلى أساس ~~المعلومات المقدمة من كلتيهما - العواقب العسكرية للحالة الدولية، ~~وبخاصة أية حوادث من شأنهما تهديد الأمن في الشرق الأوسط، وتقدم في ~~هذا الصدد إلى الحكومتين التوصيات الملائمة، ويكون على الحكومتين ~~في حالة وقوع حوادث مهددة لأمن أي بلد من البلدان المجاورة لمصر؛ ~~أن تتشاورا لكي تتخذا بالاتفاق بينهما أية إجراءات قد ترى ~~ضرورتها. # المادة الرابعة: # يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان بأن لا يعقدا محالفة ما، ولا ~~يندمجا في حلف قائم، تكون أغراضهما مضادة لمصالح أحدهما. # المادة الخامسة: # لا يجوز أن أي شرط من شروط هذه المعاهدة يحدث تأثيرا، بأية ~~صورة كانت، في الحقوق والالتزامات المترتبة أو التي قد تترتب، ~~لواحد أو ms152 الآخر من الطرفين الساميين المتعاقدين، على ميثاق هيئة ~~الأمم المتحدة. # المادة السادسة: # اتفق الطرفان الساميان المتعاقدان على أنه - مع عدم المساس بما ~~صار إعلانه من كليهما؛ تطبيقا للفقرة 2 من المادة 36 من نظام ~~محكمة العدل الدولية - كل خلاف على تطبيق، أو تفسير نصوص هذه ~~المعاهدة يكون قد تعذر عليهما حله بمفاوضات تجرى بينهما، يصفى ~~طبقا لنصوص هيئة الأمم المتحدة. # المادة السابعة: # يجب التصديق على هذه المعاهدة (التي يعتبر نصاها الإنجليزي ~~والعربي رسميين)، وتتبادل وثائق التصديق في القاهرة في أقرب وقت ~~مستطاع، وتدخل المعاهدة في دور التنفيذ من تاريخ تبادل هذه ~~الوثائق، وتبقى هذه المعاهدة نافذة المفعول لمدة عشرين عاما من ~~تاريخ دخولها في دور التنفيذ، كما أنها تستمر بعد ذلك نافذة ~~المفعول إلى أن تنقضي مدة عام، بعد أن يعلن عدم تجديدها من أحد ~~الطرفين الساميين المتعاقدين إلى الطرف الآخر بالطرق ~~الدبلوماسية. # وتأييدا لما تقدم ... # بروتوكول خاص بالسودان # إن السياسة التي يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان باتباعها في السودان، في نطاق ~~الوحدة بين مصر والسودان تحت تاج مشترك هو تاج مصر، سيكون هدفها الأساسي رفاهية ~~السودانيين، وتقدم مصالحهم وتهيئتهم تهيئة مجدة للحكم القانوني، ومزاولة ما يترتب عليه ~~من حق اختيار نظام الحكم في السودان مستقبلا. # وانتظارا لأن يستطيع الطرفان الساميان المتعاقدان بالاتفاق بينهما، وبعد استشارة ~~السودانيين تحقيق الهدف الأخير يحتفظ بمعاهدة سنة 1899، كما أن المادة 11 من معاهدة سنة ~~1936 وملحقاتها، والفقرتين 14 و16 من المذكرة المرفقة بالمعاهدة المذكورة تبقى نافذة ~~المفعول، دون اعتبار لحكم المادة الأولى من هذه المعاهدة. # بروتوكول خاص بالجلاء # اتفق الطرفان الساميان المتعاقدان على أن الجلاء التام عن الأراضي المصرية (مصر) ~~بوساطة القوات البريطانية، يجب أن يكون قد تم في أول سبتمبر سنة 1949. # وأن مدينتي القاهرة والإسكندرية والدلتا يجب أن تكون قد أخليت قبل 31 مارس، سنة 1947، ~~وأن يستمر في إخلاء باقي الأراضي المصرية، غير منقطعة أثناء المدة المنتهية بالتاريخ ~~المقرر في الفقرة الأولى. # وتستمر نصوص اتفاقية 26 أغسطس سنة 1936 الخاصة بالإعفاءات والمزايا نافذة، بصفة ms153 ~~انتقالية، لصالح القوات البريطانية أثناء سحبها من مصر، وكل تعديل للاتفاقية البادي ~~ذكرها تتضح ضرورته لداعي لزوم إخلاء الدلتا والمدينتين، قبل 31 مارس سنة 1947 يصير ~~تقريره باتفاق جديد تحصل المفاوضة فيه بين الحكومتين قبل ذلك التاريخ. # قد اتفق على أن المستندات المرفقة طيه لم توضع إلا على سبيل المراجعة، على أنه من ~~المقرر أنه في حالة ما إذا لم يدخل عليها من جانب الحكومة المصرية أي تعديل بعد عرضها ~~عليها رسميا، فإن المستر بيفن سيوصي الحكومة البريطانية بقبولها. # ملحقات ~~(1) # مشروع معاهدة إنجليزية مصرية. ~~(2) # مشروع بروتوكول خاص بالسودان. ~~(3) # مشروع بروتوكول خاص بالجلاء. # وضعت الحروف الأولى الآتية على هذا المستند: ~~(أ. س.) أي: دولة إسماعيل صدقي باشا. ~~(أ. ب.) أي: سعادة المستر آرنست بيفن. ~~(س.) أي: اللورد ستانسجيت. ~~(ه.) أي: معالي إبراهيم عبد الهادي باشا. ~~(ر. ك.) أي: سعادة السير رونالد كامبل. # | وحدة الوادي في المفاوضات # في الجلسة قبل الأخيرة لمفاوضات لندن وجه لي مستر بيفن السؤال الآتي: «ماذا تنوون في أمر ~~اللقب الذي يتخذه ملك مصر، متى اتفق على تمثيل وحدة الوادي في تاج مشترك؟ وهل يكون هو اللقب ~~القديم الذي كان قد اتخذه لنفسه الخديو «إسماعيل»؟ فأجبته أن ذلك اللقب الذي اعترفت به إذ ~~ذاك الدولة العثمانية، وهو «خديو» مصر وصاحب # souverain # بلاد ~~النوبة والدارفور، وكردفان والسنار ... قد لا يتفق في تفاصيله مع بعض الأوضاع الحالية؛ ولذلك ~~فإن النية تتجه إلى أن يكون اللقب «ملك مصر والسودان» وكفى ... وقد وضح أن مستر بيفن لم يكن ~~له على هذا اللقب اعتراض، فقد قبل النص الذي يشير إلى ذلك ببروتوكول السودان، وهو نص التاج ~~المشترك الموحد. # وقد بدا لبعض البريطانيين غريبا - حتى للرسميين منهم - أن يصدر مني بعد عودتي لمصر ما ~~يفيد أنني وصلت إلى تحقيق الوحدة ممثلة في التاج ... ويقيني أن مغادرتي للندن فور انتهائي من ~~المحادثات، ومن التوقيع على المشروع، ومغادرة مستر بيفن في الوقت نفسه للعاصمة البريطانية ~~شاخصا إلى واشنجتون، كأن من شأنهما إفساح المجالات لشتى الدسائس، التي ms154 كان الغرض منها تصوير ~~بريطانيا، سواء للبريطانيين غير الملمين بحقيقة الأغراض التي توخيناها نحن المفاوضين، أو ~~لفريق السودانيين الواقعين تحت تأثير دعاة الاستعمار من موظفي حكومة السودان، في صورة ~~الناقض للعهد، الجانح إلى خدمة الأطماع المصرية على حساب آمال «السودان»! # والواقع أن شيئا من ذلك لم يكن ليهدف إليه أحد من طرفي المتفاوضين، وقد سبق لي أن أوضحت ~~ذلك بما لا يدع مجالا للبس ولا للريبة، فمحاضر المفاوضة ناطقة بأن مصر التواقة بفطرتها ~~للاستقلال، لن تقف دون تحقيق الاستقلال لغيرها، وبالأخص إذا كان هذا الغير هو الشعب الشقيق، ~~وإذا كان موعده هو متى آن أوانه، وبلغت الأمة السودانية الشأو الذي تنشده وننشده ~~لها. # إذن لم يكن هناك ما يدعو للصيحة وللضجة اللتين رددهما المغرضون، سواء بالخرطوم أو بلندن، ~~لما علموا بتحقيق الوحدة بين القطرين، وقد فهم مني مستر بيفن مما هو مدون في مضابط جلسات ~~المفاوضة؛ أن مصر لن تعارض في استقلال السودان، على أن يتفق الجانبان على أن موعده قد حان، ~~وأن هناك تفاهما وتوافقا على الأغراض والمصالح المشتركة بين القطرين، ولعمري ما كان لمستر ~~بيفن أن يقبل النص الذي عرضه الجانب المصري - وهو نص واضح الأغراض مستكمل المرامي - ما كان ~~ليقبله، ومسألة السودان هي النقطة الشائكة في محادثاتنا، النقطة التي تركزت فيها آراء بعض ~~الدوائر البريطانية، فرفعوها إلى مصاف العقائد، ولكننا حرصنا - نحن المصريين - على أن تكون ~~الصيغة، وما تؤدي إليه من معان صيغة بريئة محققة لكل الأهداف المشروعة، ومرضية قبل كل شيء ~~لإخواننا السودانيين، فلما أيقن ذلك مستر بيفن - وهو الرجل الذي يوازن بين كل الاعتبارات ~~غير عابئ بما يلقاه من عنت أو سوء إدراك حتى من مواطنيه - نزل على الرغبة المصرية، التي لا ~~تتعارض مع أية مصلحة يسلم بها الحق ويقتضيها العدل. ~~••• # لقد وصلت ومن معي إلى مطار ألماظة عائدين من لندن، وكانت حالتي الصحية من السوء، بحيث ~~تسلم أمري الأطباء على الفور، ولم أتمكن من الاتصال إلا قليلا بأعضاء هيئة المفاوضة ~~المصرية، بل وبالرأي العام ms155 ممثلا في طبقاته المستنيرة. # على أنني منذ غادرت مصر، وقبل ذلك بوقت ليس بالقصير، أدركت أن هناك من العوامل السافرة ~~والخفية ما كان لا بد من أن يفعل فعله ويحدث أثره، فالمعارضة بالمرصاد، وقد غذاها طول الأخذ ~~والرد، وشجعها ما كان قد عرف من اتجاهات بعض حضرات المفاوضين ... # يد شيوعية تلعب في الخفاء # وإذا ذكرت العوامل الخفية فلا بد، للحقيقة وللتاريخ، أن أذكر هنا أن مساعي إحدى الدول ~~الشيوعية الكبرى، اتجهت بكل قوتها وبكل وسائلها، إلى إفشال كل محاولة للتقرب بين مصر ~~وإنجلترا ... وقد نجحت هذه الدولة على الخصوص في إقناع الكثيرين منا، بأن قضية مصر ليس ~~لها من حل إلا على يد مجلس الأمن ومنظمة الأمم المتحدة، وأنها كفيلة (أي: هذه الدولة) ~~بتوجيه هذه الهيئات إلى ما يحقق أغراض مصر، دون تمكين لإنجلترا من أن تنفرد بمصر فتطلق ~~لمطامعها العنان، وتستأثر بمزايا الحلف الذي سوف يمتد - بحسب تقديرها - إلى الشرق ~~الأدنى جميعا! # وعلى الرغم من أن أنباء المفاوضة كانت قد سبقتني إلى مصر، وعرف منها المطلعون على ~~الحقائق، بل وغير المطلعين أنها مرضية بوجه عام، فقد فهمت أنني لن ألقى تأييدا يتفق مع ~~ما حصلنا عليه من نتائج، ووضح ذلك من تغيير آراء أولئك الذين كانوا إلى العهد الأخير ~~متحمسين للمعاهدة، حتى قبل أن يدخل عليها ذلك التحسين الملموس، وكانت حجة البعض أن ~~الرأي العام لم يعد يطيق المحالفة، وما تستتبعه من التزامات، وليس يرغب إلا في تحقيق ~~الجلاء والاعتراف بسيادة مصر على السودان، وما على إنجلترا إلا أن تحزم أمتعتها، وتخلي ~~المكان بغير إمهال! # وعبثا كنت تحاول مع أولئك المعارضين المستنيرين منهم وغير المستنيرين، أن تعود بهم ~~إلى الرأي الإجماعي الذي صدر به قرار الهيئة السياسية في عهد المرحوم أحمد ماهر باشا، ~~من أنه لا بد لمصر من أن يكون لها حليف ذو بأس، وذلك إلى أن يقوى ساعد جامعة الأمم ~~الجديدة وينتظم حالها، فقد كان هذا القول يرتطم بدعوى نفور الرأي العام من كل اتفاق ~~يظنون دائما ms156 أن الضغط الأجنبي كامن من خلفه! # خيبة أمل # ولقد رجوت إذ ذاك زميلي إبراهيم عبد الهادي باشا أن ينوب عني في إطلاع أعضاء هيئة ~~المفاوضة المصرية، على ما وصلنا إليه من نتائج، فتفضل وقام بهذه المهمة، ولما عاد إلي ~~وأنا على فراش المرض لحظت في عباراته ما يدل على شيء من خيبة الأمل! # ولما سمح لي الطبيب بأن أتصل بالهيئة دون أن أبرح منزلي، تبين لي من أول اجتماع أن ~~الزملاء في غالبيتهم كانوا حريصين لا على استظهار مزايا المعاهدة الجديدة، ولكن على ~~التنقيب وراء كل ما يمكن أن يكون محلا للنقد ... وهكذا كانت مناقشات هيئة المفاوضة ~~مظهرا من المظاهر المخيبة لآمال جميع التواقين إلى تصفية ما بين مصر وإنجلترا، من ~~مشكلات طال أمد حلها ... فلما وصلنا إلى هذا الحل وحققنا الأمنيتين الغاليتين العزيزتين - ~~الجلاء ووحدة الوادي - اصطدمنا بالعراقيل وبالاعتراضات، وكلها غير ذات وزن يذكر أمام ~~جدية النتائج، التي وصلنا إليها وقوتها مما سنقيم عليه الدليل، وقد أصبحنا في حالة من ~~أغرب ما يمكن أن يصادف بلدا يسعى إلى تحقيق أهدافه ... حالة تقوم على مرأى من الخصوم، ~~ومن الأصدقاء على السواء، والكل في حيرة من أمرنا: يفيق المستعمرون من الإنجليز، ~~فيتبينون أن مصر أفادت فوق ما كان ينتظر أن تفيد من سخاء ساستهم، بينما يعمل البعض منا ~~على تصوير مكاسبنا البارزة الواضحة في الصورة، التي تثير الريب وتبلبل أفكار المواطنين، ~~فينتهي الحال بأن يكون الفائز، لا نحن - وقد كلل سعينا بالنجاح - ولكن المستعمر الذي ~~كانت قد أفزعته مساعينا الناجحة، وما كان ليقدر أن يأتيه الفرج والخلاص من ناحيتنا نحن ~~لا من ناحيته. # | ردي على المعارضين # تحدثنا في الفصل السابق عن معارضة غالبية هيئة المفاوضة لمشروع المعاهدة المبرمة في لندن، ~~وقلنا: إن هذه المعارضة لم تكن مبنية على أسباب لها وزن يذكر، ووعدنا بإقامة الدليل على ~~سلامة موقفنا، وعلى ما قلناه من أن ما عدنا به من لندن يعتبر تحسينا ذا شأن حتى على مشروع ~~الهيئة، الذي اعتبر بالإجماع المشروع الذي ms157 لا يمكن قبول ما هو أدنى منه ... ويقتضينا الإنصاف ~~- وقد نشرنا فيما مضى المشروع الذي أقررناه أنا ومستر بيفن في 25 أكتوبر سنة 1946 - أن نورد ~~هنا نص البيان، الذي نشرته غالبية هيئة المفاوضة المصرية، في 26 نوفمبر سنة 1946، وقد تضمن ~~الأسباب التي دعت هذه الغالبية إلى عدم الموافقة على المشروع الجديد: ~~(1) # بتاريخ 17 سبتمبر سنة 1946 تقدم الجانب البريطاني بمشروع اتفاق نص في ~~الفقرة الثانية من المادة الثانية منه على أنه «في حالة تهديد سلامة أية ~~دولة من الدول المجاورة لمصر، اتفق الطرفان الساميان على أن يتشاورا معا؛ ~~لأجل القيام بالعمل الذي تتبين ضرورته، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن ~~التدابير اللازمة لإعادة السلم إلى نصابه.» # ولكن الهيئة رفضته في مذكرتها الإجماعية، التي أقرتها بجلسة 23 سبتمبر ~~سنة 1946 لما تبين لها من أن الارتباط به قد يؤدي إلى اتخاذ مصر قاعدة ~~لأعمال حربية، وما يستتبع ذلك من احتمال عودة القوات البريطانية إلى احتلال ~~أراضيها، فضلا عن أن عبارة «تهديد السلامة» عبارة مطاطة تحتمل تأويلات ~~متباينة. # وبمراجعة مشروع «بيفن - صدقي» يتبين أن هذا النص، وإن كان قد حذف من ~~المادة الثانية إلا أنه أضيف بما يحقق كل معناه، ويكاد يتفق مع حرفه، إلى ~~المادة الثالثة. # ولم يكن من المستطاع أن نقبل ما سبق أن تقرر رفضه بالإجماع، ولا أن نجيز ~~نصا يجر البلاد إلى الاشتراك في اتخاذ تدابير غير محددة، قد يكون منها ~~تعكير صفو العلاقات الودية بين مصر ودولة أخرى، أو تسليم مرافقنا أو بعضها ~~إلى السلطات العسكرية البريطانية، مما يؤدي - كما سبق القول - إلى اتخاذ ~~مصر قاعدة لأعمال حربية . # أما إبدال كلمة «عمل» بكلمة «تدابير»، فإنه لا يغير من الموقف شيئا؛ لأن ~~من التدابير ما قد ينتهي إلى أعمال عدائية أو ذات نتائج خطيرة. ~~(2) # أما عن مطلبي الأمة الأساسيين: الجلاء ووحدة وادي النيل، فقد وقع إجماع ~~الهيئة - فيما يختص بالجلاء - على أن تقدير ثلاث سنوات أجلا لإتمامه تقدير ~~مبالغ فيه، وأن الجلاء مستطاع في أقل من هذا ms158 الأجل بكثير من الناحية ~~المادية، وخاصة إذا لوحظ أن العمليات الحربية توقفت توقفا تاما منذ أكثر ~~من سنة، وكان من المفروض أن تبدأ القوات البريطانية، التي جلبت بسبب الحرب ~~في الجلاء عن المدن والأراضي المصرية، عقب توقف العمليات الحربية مباشرة، ~~لا سيما وأن معاهدة سنة 1936 نفسها لم تجز لهم إلا البقاء في منطقة محدودة، ~~وبقوات محدودة العدد لا تزيد على عشرة آلاف جندي وأربعمائة طائرة. # الجلسة الأولى بين وفد المفاوضين المصريين والبريطانيين، ~~وقد وقف اللورد ستانسجيت يلقي خطابه وإلى يمينه السفير ~~البريطاني - سير رونالد كامبل. # وصل إسماعيل صدقي باشا إلى لندن في 17 أكتوبر سنة 1946 ~~لاستئناف المفاوضات مع مستر أرنست بيفن - وزير الخارجية ~~البريطانية - وقد وقفا في انتظار مستر كليمنت اتلي رئيس ~~الوزارة. ~~(3) # وقد كان البروتوكول الخاص بالسودان، طبقا للنص الذي اقترحته الهيئة ~~يتضمن تعهد الطرفين «بالدخول فورا في مفاوضات بقصد تحديد نظام الحكم في ~~السودان في نطاق مصالح الأهالي السودانيين، على أساس وحدة وادي النيل تحت ~~تاج مصر.» # وجاء النص في مشروع الاتفاق الأخير بأن «السياسة، التي يتعهد الطرفان ~~باتباعها في السودان في نطاق وحدة مصر والسودان، تحت تاج مصر المشترك ستكون ~~أهدافها الأساسية تحقيق رفاهية السودانيين، وتنمية مصالحهم وإعدادهم ~~إعدادا فعليا للحكم الذاتي، وتبعا لذلك ممارسة حق اختيار النظام ~~المستقبل للسودان، وأنه إلى أن يتسنى للطرفين بالاتفاق بينهما تحقيق هذا ~~الهدف، بعد التشاور مع السودانيين تظل اتفاقية سنة 1899 سارية، وكذلك ~~المادة 11 من معاهدة سنة 1936 مع ملحقها، والفقرات من 14 إلى 16 من المحضر ~~المتفق عليه المرافق للمعاهدة المذكورة نافذا.» # ومن المقارنة بين النصين يتبين: # أولا: # أنه بينما يشير مشروع - بيفن صدقي - في الفقرة الأولى إلى ~~السياسة، التي يتعهد الطرفان باتباعها في السودان في نطاق وحدة مصر ~~والسودان تحت تاج مصر، فإن الفقرات التي تلتها تجرد الوحدة من كل ~~خصائصها. # ثانيا: # يحتفظ النص المشار إليه بالحالة الراهنة في السودان، دون أن يعد ~~بإجراء أية مفاوضات لتعديلها بما يتفق مع الاعتراف بوحدة البلدين ~~تحت تاج ms159 مصر. # ثالثا: # أن النص على تخويل السودان حق اختيار نظامه المستقبل يمهد السبيل ~~لفصل السودان عن مصر، ويلزمنا منذ الآن بقبول مبدأ الفصل، وفي ذلك ~~هدم حتى للوحدة الاسمية في ذاتها، فإذا قورن ذلك بما هو جار فعلا ~~في السودان الآن تبينت خطورة النتائج المترتبة على هذا ~~النص. # ولا عبرة بما جاء في المذكرة التفسيرية، التي أعدها دولة صدقي باشا من أن كل ~~تعديل يطرأ على نظام الحكم في السودان إنما يكون في نطاق الوحدة، فإنه فضلا عن أن ~~عبارة النص جلية في هذا الصدد، فإن تفسير دولة صدقي باشا تفسير من جانب واحد غير ~~ملزم للطرف البريطاني. # وغني عن البيان أن حرصنا على تحقيق وحدة وادي النيل وحدة فعلية لا ينطوي على أية ~~نية من نوايا التوسع أو الاستعمار، ولكنه حرص جاء محققا لما تجلى من رغبة شعب وادي ~~النيل، في تأليف وحدة تؤكدها الروابط التاريخية والجغرافية والاقتصادية والروحية، ~~ولا تتعارض مع رغبة المصريين والسودانيين معا في إقرار الحكم الذاتي للسودان، بل ~~تساعد عليه. # لهذه الأسباب رفضنا المشروع بوضعه الجديد، ورأينا إصدار هذا البيان الموجز؛ ~~توضيحا للموقف الذي آثرناه قياما بواجبنا، وتأدية للأمانة الموكولة إلينا. # شريف صبري - علي ماهر - عبد الفتاح يحيى - حسين سري - علي الشمسي - أحمد ~~لطفي السيد - مكرم عبيد # وقد كان للبيان الذي أعلنه حضرات أعضاء الغالبية من المفاوضين المصريين أهميته وخطورته، ~~وكان له بطبيعة الحال أثر ذو شأن على الرأي العام، وإن لم يمتد هذا الأثر إلى البرلمان ... ~~وننشر اليوم البحث المقارن الذي وضعناه في مختلف المشروعات، وأخصها مشروع هيئة المفاوضة ~~ومشروع لندن. # | ختام المفاوضات # تضمن الفصل السابق نص البيان الذي وضعته غالبية هيئة المفاوضة المصرية ، التي رأت رفض ~~المشروع الذي عدنا به من لندن في وضعه الجديد، ولم يكن هذا البيان محل بحث ومداولة في ~~الهيئة، التي كان مزمعا عقدها من جديد، لعرض البيانات التفصيلية والردود التي كنا نؤمل ~~معها إقناع الهيئة بسلامة موقفنا، وبصواب الآراء التي انتهينا إليها، واتفاقها لا مع مصلحة ~~البلاد فحسب، ms160 بل مع التوجيهات العامة والمفصلة، التي كانت الهيئة قد أشارت بها، فوصلنا مع ~~الجانب البريطاني إلى ما هو أفضل منها، مما بيناه فيما سبق بالتفصيل، وكنا قد وضعنا من أجل ~~ذلك بحثا مقارنا نشره «المصور» لم نترك فيه نصا ولا اعتراضا إلا وسلطنا عليه أنوار ~~الحقيقة والواقع، وفندنا فيه ما جاء على لسان بعض أعضاء الهيئة من اعتراض ... على أن البحث ~~المذكور - وقد وضع الآن تحت نظر الكافة - لم يفز بأية عناية من جانب غالبية الهيئة، التي ~~أصرت على موقفها إلى الدرجة التي رأت معها تجنب كل مداولة جديدة، والإصرار على الرفض بغير ~~ما بحث ولا مناقشة. # وقد أدت هذه الحالة الواضحة الشذوذ إلى استصدار مرسوم بحل الوفد الرسمي للمفاوضات، بني ~~على أن أغلبية هذه الهيئة أعلنت جهارا رأيها في المفاوضات الجارية، وبذلك أصبحت مهمتها غير ~~ذات موضوع ... ولما كان المتفق عليه مع الجانب البريطاني هو عرض المشروع على مجلس وزرائهم، ~~فقد أبلغنا عمرو باشا تلغرافيا أن مجلس الوزراء، الذي عرض عليه المشروع لدى عودتنا من ~~لندن فأقره، قد أعاد النظر فيه تفصيلا بجلسة خاصة، فأيد قراره الأول بإجماع آراء أعضائه، ~~ولم يكتف المجلس بذلك بل رأى - على أثر بعض استجوابات تقدمت بمجلس النواب - أن يكون مشروع ~~المعاهدة محل بحث هذه الهيئة في جلسة سرية، تطلب فيها الحكومة منحها الثقة اللازمة للمضي في ~~تحديد العلاقات المصرية البريطانية تحديدا يتفق وأهداف البلاد. # وقد عقدت جلسة مجلس النواب في اليوم التالي لقرار مجلس الوزراء، ووضعت تحت أنظاره جميع ~~البيانات الخاصة بالموضوع بما فيها اعتراضات غالبية هيئة المفاوضة، وردودنا عليها، فنالت ~~الحكومة الثقة بغالبية 159 صوتا مع امتناع ثلاثة أصوات، وتخلف 55 نائبا، اعترضوا على سرية ~~الجلسة، فانسحبوا من المجلس ولم يشتركوا في المداولات. # ومما هو جدير بالذكر أن المغفور له «النقراشي باشا» - وقد كان عضوا في هيئة المفاوضة ~~المنحلة - قد تولى في هذه الجلسة الدفاع عن المشروع، مبينا في بلاغة وفي يقين، النواحي ~~العديدة التي جعلت منه مشروعا متفقا مع مصلحة البلاد ms161 كل الاتفاق، وقد كان لبيان رئيس ~~الحزب السعدي الأثر الكبير في توجيه رأي النواب، نحو الثقة بالحكومة والموافقة على ~~تصرفها. # الدفاع المشترك ... وحلف الأطلنطي # وغني عن البيان، أن مسائل السودان وشروط المحالفة، والأوضاع الجديدة لهيئة الدفاع ~~المشترك التي أقامت الكثيرين وأقعدتهم، فجعلوا منها التكأة التي حاولوا بها تأليب الرأي ~~العام على المعاهدة ... كان كل ذلك مثارا للكثير من الأخذ والرد، اللذين انتهينا باقتناع ~~النواب بصلاحية المشروع بكامل نصوصه، بل بالترحيب به. # وعلى ذكر المحالفة والدفاع المشترك، لعله يكون من الخير، ومن الإنصاف في الوقت ذاته، ~~لواضعي مشروع المعاهدة المصرية البريطانية، الإشارة إلى تأييد الرأي الذي أجمعت عليه ~~دول الغرب في الآونة الأخيرة، ممثلا في نصوص «حلف الأطلنطي»، الذي عقد أخيرا بين دول ~~عدة، ومرده إلى ضرورة التحالف بين الدول ذات المصالح المتماثلة؛ للدفاع عن الكيان ~~المشترك، وعن المبادئ التي رأت هذه الدول ضرورة الاستمساك بها ... وقد بني حلف الأطلنطي ~~أول ما بني على ضرورة إنشاء مجالس الدفاع المشتركة، التي جعل من المهام الموكولة إليها ~~- كما كان الحال في المشروع المصري البريطاني - تنسيق أدوات الدفاع، وتتبع أمور التسليح ~~وتقويته؛ صونا لتراث الإنسانية، ومحافظة على الحريات، ولم يقل أحد أن إيجاد أمثال هذه ~~الهيئات مؤد إلى سيطرة بعض الدول على بعض، بل قد شعر الجميع أن الوضع الجديد كفيل ~~باحترام جميع الحقوق، ومؤد إلى نشر الطمأنينة، وتجنيب الإنسانية شر الحروب ~~والخصومات. # لماذا فشل المشروع؟ # وقد كان المنتظر بعد أن أقر الجانب المصري مشروع المعاهدة، أن يتوج بالتصديق الرسمي ~~من الطرفين، ولكن عين الاستعمار كانت ساهرة، والدسائس التي أشرنا إليها فيما سبق - ~~ومقرها دوائر حكومة السودان من ناحية، وبعض دوائر وزارة الخارجية البريطانية من ناحية ~~أخرى - كانت تعمل عملها، فتمخض كل ذلك عن مذكرة سلمت إلينا في 6 ديسمبر سنة 1946، ~~رددنا عليها بمذكرة في اليوم التالي لورودها، وفي هذه المذكرة التي نختتم بها بيان ~~الأوضاع الأخيرة للموقف المصري في عهد الوزارة، التي كنت متشرفا برئاستها، جميع ما ~~يحتاج إليه كل راغب في تتبع ms162 الحوادث والمرامي؛ ليبدي في أمر المفاوضات الأخيرة بين مصر ~~وبريطانيا حكما صحيحا عادلا. # وفيما يلي ترجمة المذكرة التي وضعناها في هذا الصدد، ورأينا بعد وضعها التخلي عن ~~الحكم، سواء لحالة صحية استبدت بنا؛ أو لأننا رأينا، أن الأولى بتولي الحكم في مثل ~~الظروف التي صادفتنا يومئذ من يكون أقدر منا على الاستعانة بالرأي العام ممثلا في ~~الأحزاب صاحبة الأغلبية. # مذكرتي الأخيرة للحكومة البريطانية # تعقيبا على مذكرة صاحب الجلالة البريطانية، التي سلمت في 6 ديسمبر سنة 1946 إلى ~~سعادة سفير مصر في بريطانيا العظمى، تتشرف الحكومة الملكية المصرية بأن ترد فيما يلي ~~على مختلف المسائل التي عولجت في المذكرة المشار إليها. # فيما يتعلق بالسودان، يتضح من مشروع الخطاب الذي أعده مستر بيفن، ومن التصريحات التي ~~قد يدلي بها في مجلس العموم، أن بروتوكول السودان سينص على منح السودانيين من الآن حق ~~المطالبة بالاستقلال التام؛ أي بعبارة أخرى حق الانفصال التام عن مصر ... لكن المفاوضين ~~المصريين لم يوافقوا - ولم يكن في وسعهم أن يوافقوا - على أن يكون النص الذي تعترف ~~بريطانيا العظمى بموجبه بوحدة مصر والسودان تحت تاج واحد، هو التاج المصري، متضمنا في ~~آن واحد التخلي عن هذه السيادة بمنح السودانيين حق المطالبة بالاستقلال والانفصال عن ~~مصر. # وقد حدث فعلا أن اقترح المفاوضون البريطانيون مشروعا لبروتوكول، ذكر فيه حق ~~السودانيين في أن يعلنوا استقلالهم، ولكن المفاوضين المصريين رفضوا هذا النص، وأقر ~~الفريق البريطاني هذا الرفض. # بل إن النص النهائي للبروتوكول لم يقصد به غير الحكم الذاتي، فضلا عن أنه حرص على ~~تحديد حق السودانيين في اختيار نظام السودان المقبل، فوصفه بأنه حق ناتج عن «قدرة الشعب ~~على إدارة نفسه» أي لا يتعدى الإدارة الذاتية الداخلية، ولا يعني مطلقا الانفصال ~~سياسيا عن مصر. # وزيادة عما تقدم، فإن سياسة الطرفين الساميين المتعاقدين في السودان، يجب أن تطبق في ~~نطاق وحدة مصر والسودان تحت التاج المصري، وهذا يستبعد اعتراف مصر وبريطانيا العظمى بحق ~~السودانيين في قطع العلاقات، التي تربطهم بمصر وتاج مصر قطعا تاما. ms163 # وعلى هذا، فلا يسع الحكومة الملكية المصرية إلا أن تبدي دهشتها من تفسير الحكومة ~~البريطانية لنصوص البروتوكول، تفسيرا يفقد هذا البروتوكول كل معنى وكل مفعول. # والحكومة الملكية المصرية حريصة على أن توضح مرة أخرى، أن سيادة مصر على السودان ~~قائمة من الوجهتين التاريخية والشرعية، بصرف النظر عن اعتراف بريطانيا العظمى بهذه ~~السيادة، فهي ليست حادثا جديدا من شأنه تعديل النظام الذي يخضع له السودانيون، بل هي ~~تسجيل لحالة قائمة ليس في وسع أية هيئة دولية أن تعترض عليها. # وقد يحدث في المستقبل أن يؤثر السودانيون الاستقلال على الاتحاد مع مصر، ففي هذه ~~الحالة ستتخذ مصر القرار، الذي تمليه عليها الروابط الأخوية التي تربط مصر ~~بالسودان. # غير أن الاستقلال مسألة قومية تهم فقط الشعب الذي يطلب الاستقلال، والدولة التي تمنحه ~~أو تعترف به، وليس من شأن أية دولة، حتى ولو كان لها حق الاشتراك في إدارة الشعب الذي ~~يهمه الأمر، أن تتدخل فتطلب باسم هذا الشعب استقلالا لا يملك الشعب بعد قدرة للمطالبة ~~به. # وفضلا عن هذا، فإن التخلي عن السيادة المصرية على السودان، لمدة غير محدودة في ~~المستقبل لا يصح تسجيله في بروتوكول ملحق بمعاهدة تحالف ثنائية، تعقد لمدة عشرين ~~سنة. # فلهذا لا يسع الحكومة الملكية المصرية - بهذا الصدد - أن توافق على تفسير الحكومة ~~البريطانية لبروتوكول السودان، سواء في التصريحات التي قد يدلي بها مستر بيفن في ~~البرلمان، أو في مشروع الخطاب الذي عرضه على الحكومة الملكية. ~~••• # وطلب مستر بيفن أن يكون مفهوما بصورة قاطعة أن نظام الحكم الحاضر في السودان سيظل ~~محترما ... وقد وافق المفاوضون المصريون في لندن على أن النظام الإداري، الذي نصت عليه ~~اتفاقية 1899، وعدلته معاهدة 1936 سيظل نافذا، غير أن الموافقة على استمرار نظام إداري ~~معين، لا تعني مطلقا أن هذا النظام يجب أن يظل نافذا في المستقبل بدون أي تعديل، بل ~~بالعكس، فإن البروتوكول نفسه ينص على أن يكون الهدف الجوهري لسياسة الطرفين الساميين ~~المتعاقدين، ورفاهية السودانيين، وإنماء مصالحهم، وإعدادهم باطراد للحكم الذاتي، ومن ثم ms164 ~~لممارسة ما ينتج عنه من حق اختيار النظام القادم للسودان. # فمن واجب الحكومة المصرية إذن أن تتأكد من أن الإدارة الحالية تسير وفقا للتوجيهات، ~~التي رسمها البروتوكول، فالنظام الإداري القائم الآن ليس نهائيا غير قابل للتعديل - ~~بل بالعكس - فإنه يجب أن يتطور لبلوغ الهدف الذي حدده الطرفان الساميان المتعاقدان ... ~~ولتحقيق هذا التطور، يحق لمصر، ويجب عليها أن تبدي الملاحظات والاقتراحات التي تراها ~~لازمة، كما أنه لا بد لها من الاطلاع اطلاعا تاما ومستمرا على التدابير، التي ~~تتخذها الإدارة الحاضرة في السودان؛ لتنفيذ السياسة التي تعهد الطرفان الساميان ~~المتعاقدان على تطبيقها في السودان ... # فتفسير البروتوكول على النحو الذي يبدو أن الطرف البريطاني يريد التمسك به، يكون ~~معناه تجريد نص البروتوكول الخاص بالسودان، والسياسة التي تعهد بها الطرفان الساميان ~~المتعاقدان، من مفعولهما بتاتا. ~~••• # ويحوي مشروع الخطاب أيضا الاعتراف لبريطانيا العظمى بحق تأمين الدفاع عن السودان، ~~بوساطة القوات المسلحة والتسهيلات التي قد تطلبها ... ويبدو من هذا النص أن مهمة الدفاع ~~عن السودان تقع على عاتق بريطانيا العظمى وحدها، في حين أن لمصر حقا على الأقل ~~متساويا مع حق بريطانيا العظمى في هذا الصدد ... فعلى مصر إذن أن تقول أيضا كلمتها في ~~المسائل المتعلقة بالدفاع عن السودان؛ لأنه جزء من الدفاع عن مصر نفسها، وفي المسائل ~~المتعلقة بالقوات البريطانية التي قد توجد في السودان، إذ إن مصر نفسها قد تضطر إلى ~~إرسال قوات مصرية إليه ... فهذه المسائل يجب أن تكون في الوقت المناسب موضوعا للبحث من ~~جانب مصر وبريطانيا العظمى، خصوصا وأن وجود قوات بريطانية الآن في السودان لم يكن موضع ~~اعتراض من جانب مصر. ~~••• # ومشروع الخطاب يمس أيضا مسألتين أخريين، الأولى: حق المرور أو «الترانزيت» لبريطانيا ~~العظمى في مصر ، وحق تحليق الطائرات البريطانية في جو مصر خلال مدة الجلاء، ثم حق تحليق ~~الطائرات بعد الجلاء ... والثانية: بقاء الالتزامات المالية الناتجة عن تطبيق معاهدة 1936 ~~بعد إلغاء هذه المعاهدة. # وقد تم الاتفاق في لندن على أن تكون مسألة تحليق الطائرات، بعد الجلاء موضع مناقشة ms165 ~~تجرى بعد التوقيع على المعاهدة للوصول إلى اتفاق بهذا الصدد، أما تصفية الحقوق ~~والالتزامات المالية الخاصة بالطرفين، فإنه لا يمكن إجراؤها إلا بعد أن توضع المعاهدة ~~الجديدة موضع التنفيذ، فضلا عن أن هذه التصفية تتطلب اتفاقا بين الحكومتين. # وقد رفض المفاوضون المصريون في محادثات لندن الاقتراح البريطاني الرامي إلى حل هذه ~~المسائل بموجب رسائل تلحق بالمعاهدة، فإن الطرف المصري لم يشأ أن يكرر الإجراء، الذي ~~اتبع في معاهدة 1936، باعتبار أن معاهدة التحالف المثالية بين بلدين يعترف كل منهما ~~بسيادة الآخر واستقلاله، لا يمكن أن تكون غير اتفاق بسيط واضح، وإذا اقتضت هذه المعاهدة ~~إضافة ملاحق عديدة مفصلة، فمعنى هذا أنها تحوي بنودا غير عادية لا تنسجم مع معاهدة ~~تحالف مثالية. # وقد رفض المفاوضون المصريون - وهم في هذا محقون - أنه إذا نشأت في المستقبل مسائل ~~تقتضي اتفاقا تكميليا، فالمفهوم أن تدرس الحكومتان تلك المسائل في وقتها، بغية ~~الوصول إلى حلها بتفاهم متبادل. # لهذا كله، لا يسع الحكومة الملكية المصرية أن تقبل اقتراح مستر بيفن بالتوقيع على ~~مشروع الخطاب الذي أعده. ~~••• # أما فيما يتعلق باستقلال السودان، وباستمرار النظام الإداري الحاضر فيه، فإن الحكومة ~~الملكية المصرية لا يسعها أيضا قبول تفسير الجانب البريطاني، كما هو موضح في مشروع ~~الخطاب، أو في ملخص للتصريحات التي قد يدلي بها مستر بيفن في مجلس العموم. # وتحرص الحكومة الملكية على أن توضح من ناحية أخرى، أن مقدمة النصوص التي وقع عليها ~~بالحروف الأولى في لندن، تقضي بأن تعرض هذه النصوص على الحكومة المصرية، حتى إذا ما ~~وافقت عليها عمد مستر بيفن إلى توصية الحكومة البريطانية بإعطاء موافقتها أيضا. # وقد نفذ الجانب المصري هذا الشرط، ولم يوافق على النصوص مجلس الوزراء فحسب، بل إن ~~مجلس النواب أيضا قد وافق على السياسة التي أثبتتها الحكومة، فكان يجب أن تكون هذه ~~النصوص وموافقة الحكومتين عليها، بمثابة المرحلة الختامية للمفاوضات ... غير أنه يبدو ~~الآن أن الحكومة البريطانية تريد إعادة فتح المفاوضات، وإدخالها في مرحلة جديدة لا يرغب ~~المفاوضون المصريون الاشتراك فيها؛ ms166 لأن الحكومة المصرية لا يسعها إلا أن تتمسك بالنصوص ~~التي وافقت عليها، والتي أقرها مستر بيفن. # ولا يخامر الحكومة الملكية المصرية شك في أن الاعتبارات الموضحة فيما تقدم، ستحمل ~~مستر بيفن على أن يعرض على مجلس الوزراء البريطاني النصوص، التي وضعت في لندن ووقعت ~~بالحروف الأولى، بدون أي تعديل أو إضافة، وأن الاعتبارات المشار إليها ستحمل الحكومة ~~البريطانية من ناحيتها على الموافقة على النصوص، التي سبق للحكومة المصرية أن وافقت ~~عليها. # 7 ديسمبر 1946 # | بحث مقارن # في مختلف مشروعات المعاهدة # المادة الثانية ~~(1) # تقتضي الصيغة الجديدة للمادة الثانية التي تضمنت «أنه في حالة اشتباك ~~المملكة المتحدة في حرب بسبب اعتداء على البلاد المتاخمة لمصر» توافر ثلاثة ~~شروط مجتمعة؛ لكي تشتبك مصر في حرب، وهذه الشروط هي: ~~(أ) # أن يكون هناك اعتداء مسلح، فخرج بذلك اشتراك في حرب ~~هجومية. ~~(ب) # وأن يقع هذا الاعتداء على إحدى البلاد المتاخمة لمصر. ~~(ج) # وإن يجر فعلا هذا الاعتداء، بريطانيا إلى حرب ضد البلد ~~المعتدي، فإذا وقع اعتداء على بلد متاخم، ورأت بريطانيا العظمى ~~عدم التدخل عسكريا، رغبة منها في حصر النزاع محليا مثلا، ~~بقيت مصر على الحياد، وكذلك الشأن إذا هوجمت القوات البريطانية ~~في بلد متاخم بوساطة قوات هذا البلد أو سكانه، فإنه لا يترتب ~~على ذلك أي التزام على مصر؛ لأن الاعتداء لم يقع على البلد ~~نفسه. # وهذه الصيغة التي تمتاز على الصيغة الأولى تحقق الرغبات، ~~التي أبدتها هيئة المفاوضات المصرية. ~~(2) # أن فكرة تبادل المشاورة مقدما قبل اتخاذ أي عمل جاءت في المادة الثانية ~~الجديدة مطابقة، من حيث المدلول للصيغة الأصلية للمادة، كما ارتأتها هيئة ~~المفاوضات، وإن اختلفت عنها في الصياغة. # على أن هناك تعديلا أدخل على العبارة الأخيرة من المادة يعد كسبا ~~جديدا، ذلك أن المتعاقدين وأن يكونا قد التزما بمقتضى النص الجديد بأن ~~يقوما - بالتعاون الوثيق بينهما - بالعمل الذي يريانه ضروريا، إلا أن هذا ~~العمل لم يوصف بأنه «عمل مشترك»، إذ حذفت هذه العبارة الأخيرة التي كانت ~~واردة في المادة الأصلية، وقد ms167 كان التعاون بين المتعاقدين يتناول، فضلا عن ~~الاستعداد للعمل العمل نفسه بحكم أنه كان لزاما أن يكون «عملا مشتركا»، ~~أما بحسب الصيغة الجديدة، فإنه من الجائز أن ينتهي القرار مثلا إلى أن ~~تعمل كل من القوات المصرية والبريطانية منفردة عن الأخرى، ولأهداف وأغراض ~~مختلفة، أو أن يتم الاتفاق على أن العمليات الحربية خارج مصر تقوم بها ~~القوات البريطانية وحدها، بينما تبقى القوات المصرية داخل الحدود المصرية؛ ~~للدفاع عن المراكز الاستراتيجية أو المحافظة عليها. # ومن الجائز أيضا؛ نظرا لتفوق بريطانيا العظمى في القوات الجوية ~~والبحرية أن تتولى هي العمليات البحرية والجوية، بينما يقوم الجيش المصري ~~بالعمليات البرية. # والنتائج المترتبة على هذا التعديل تقضي بها طبائع الأشياء؛ نظرا لما ~~بين البلدين من عدم التناسب في القوات؛ ولضرورة أن يكون اشتراك مصر في ~~العمليات الحربية في حدود مقدرتها العسكرية والاقتصادية والمالية. وما دام ~~أنه ليس بلازم أن يكون القيام بالعمل الواجب «عملا مشتركا»، فسيكون لمصر ~~حرية أوسع في الدفاع عن أراضيها؛ ولذلك أثره في أبحاث اللجنة المشتركة ما ~~دام أن للجيش المصري من الآن أن يعمل مستقلا عن القوات البريطانية، مع ~~بقائه في اتصال وثيق معها طبقا للخطط الموضوعة بالاتفاق بينهما. # المادة الثالثة ~~(1) # أضيفت إلى الفقرة الثالثة الجديدة «أن اللجنة هيئة استشارية»، وأهمية هذه ~~العبارة من الوضوح، بحيث لا تحتاج إلى تعليق إذ إنها تقرر بإعلان صريح، ~~وبصورة لا تقبل الجدال أن هذه اللجنة مجرد هيئة استشارية، وهذا الطابع ~~الاستشاري لعمل اللجنة منصرف إلى أحكام المادة بأكملها بما فيها العبارة، ~~التي أضيفت أخيرا إلى الفقرة الثالثة؛ لأنه يتناول مجموع اختصاصات اللجنة ~~المشتركة، وسيكون أساسا لتحديدها، فالواقع أنه إذا قام خلاف حول مدى ~~السلطة المخولة للجنة، أو إذا حاولت الحكومة البريطانية بطريق الضغط إقرار ~~وجهة نظرها بوساطة اللجنة، فإن النص صراحة على أن اللجنة هيئة استشارية ~~يمكن مصر من أن تعترض بصورة فعالة، على الادعاءات التي يخشى البعض وقوعها ~~من الجانب البريطاني. ~~(2) # أضيفت إلى الفقرة الثالثة من المادة الأصلية، بعد عبارة «بناء على دعوة ms168 ~~الحكومتين» عبارة «وعلى أساس البيانات المقدمة منهما»، وهذه العبارة ~~الأخيرة تحد من سلطة اللجنة، وتمكن مصر من أن تعين المسألة التي يراد طرحها ~~على اللجنة، وأن تحدد مداها وأن تبدي وجهة نظرها فيها قبل عرضها على ~~اللجنة. # وقد استبدلت عبارة # Le cas echeant # بعبارة # Si besoin en est ~~؛ إظهارا لأن اللجنة ~~لا تباشر اختصاصاتها المنصوص عليها في الفقرة الثالثة إلا عند ~~الحاجة. ~~(3) # إن الإضافة التي أدخلت في لندن على الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة، لا ~~تزيد في اختصاصات اللجنة، فقد كان النص الأصلي يجيز لها التقدم بالتوصيات ~~المناسبة، بعد درس أي حادث من شأنه أن يهدد الأمن في الشرق الأوسط، وهذه ~~عبارة عامة تشمل طبعا البلاد المجاورة لمصر. # على أنه لما كان الخطر الذي يهدد البلاد المجاورة أقرب إلى مصر وأكثر ~~تهديدا لها، فقد نصت المادة الجديدة على أنه بعد أن تقدم اللجنة توصياتها ~~تقوم الحكومتان بتبادل الرأي فيما بينهما، بقصد اتخاذ جميع التدابير التي ~~يرى ضرورة اتخاذها. # وهذه البلاد المجاورة هي البلاد العربية، التي ارتبطت مصر معها بميثاق الوحدة ~~العربية، وتقضي المادة السادسة من هذا الميثاق بأنه في حالة وقوع أي اعتداء ضد إحدى ~~الدول الأعضاء، فإن الدولة المعتدى عليها، أو المهددة بالاعتداء يكون لها الحق في أن ~~تطلب انعقاد المجلس فورا، وبأن للمجلس أن يحدد بالإجماع التدابير التي يراها ضرورية ~~لرد الاعتداء. # وتكاد تكون هذه الحالة هي الحالة المنصوص عليها في الفقرة الثالثة المشار إليها؛ لأن ~~كلتيهما تتناول في الواقع حالة تهديد موجه لبلد عربي، ولما كانت بريطانيا العظمى حليفة ~~للعراق وشرق الأردن، فإنه من الطبيعي أن يقتضي هذا التهديد مشاورات بينها وبين ~~حليفتيها، وذلك بخلاف ما قد يدور بين البلاد العربية من مشاورات لنفس الغرض، ولقد أثارت ~~عبارة «بقصد اتخاذ ...» مخاوف أحد أعضاء هيئة المفاوضة؛ ظنا منه أن هذه العبارة لا تقرر ~~وجوب التشاور فحسب، ولكنها تقرر كذلك في جميع الحالات وجوب اتخاذ تدابير عقب هذه ~~المشاورة، على أن عبارة «بقصد اتخاذ تدابير» إنما تحدد موضوع المشاورة، ms169 والغرض منها، ~~ولكنها لا تعني أن هناك تدابير يجب حتما اتخاذها على أثر هذه المشاورات، فقد تنتهي ~~المشارة إلى أنه من المستحسن عدم اتخاذ أي تدبير. وهذا ما قد يحدث إذا ما اجتمع مفوضون ~~بقصد إعادة النظر في معاهدة أو إبرام اتفاق أو عند عقد مؤتمر دولي بقصد تسوية مسألة ~~معينة، فقد ينتهي الأمر بسبب عدم الاتفاق في الرأي إلى عدم إعادة النظر في المعاهدة أو ~~عدم إبرامها أو أن تبقى المسألة المطروحة للنظر بغير حل، فالقول إذن بأن المشاورة تقتضي ~~حتما وبصفة آلية اتخاذ التدابير، يتنافى مع فكرة التشاور التي تقوم على حرية ~~التقدير. # يضاف إلى ذلك أن نص الفقرة الثالثة صريح في هذا الخصوص، إذ إنه ينص صراحة على أن هذه ~~التدابير يجب اتخاذها «بالاتفاق بينهما، فيتعين إذن أن يكون هناك قبول صريح من جانب ~~الحكومة المصرية؛ لكي يكون القرار صحيحا؛ ولكي يمكن تنفيذ أي تدبير، هذا فضلا عن أن ~~التدبير يجب أن يكون معترفا بضرورته، الأمر الذي من شأنه أن يترك للحكومة المصرية حرية ~~التقدير المطلقة، وأن يسمح لها برفض كل توصية أو اقتراح متذرعة في ذلك بأنها لا ترى وجه ~~الضرورة فيه.» # وهكذا يكون للحكومة المصرية في جميع مراحل الإجراءات المشار إليها في الفقرة الأخيرة ~~من المادة الثالثة، الحق في أن ترفض بمقتضى هذا النص السير في طريق يحاول الجانب ~~البريطاني أن يدفعها فيه. # فمن المتعين أولا أن يكون توجيه الدعوى للجنة المشتركة من الحكومتين معا، ويجب أن ~~يكون بحث اللجنة على أساس البيانات المقدمة منهما، وإذن لا تملك الحكومة البريطانية ~~وحدها أن تطلب إلى اللجنة درس إحدى المسائل، أو تقديم توصيات في الحالة المنصوص عليها ~~في المادة الثالثة. # وفضلا عن ذلك فإن اللجنة عندما تطرح عليها مسألة معينة، لا تستطيع أن تقدم بشأنها ~~توصية للحكومتين، إلا باتفاق رأي المندوبين المصريين والبريطانيين، ولما كان البلدان ~~ممثلين في اللجنة على قدم المساواة، ولكل منهما حقوق متساوية، فليس هناك أغلبية تستطيع ~~إملاء إرادتها على أقلية، فإن لم يتفق ms170 مندوبو الدولتين فلا تكون هناك توصيات تقدمها ~~اللجنة إلى الحكومتين، وفي اللجنة المشتركة بين كندا والولايات المتحدة، والتي أخذت ~~عنها فكرة اللجنة المصرية البريطانية يكون ممثلو هذين البلدين في اللجنة فريقين ~~مستقلين، أحدهما كندي والآخر أميركي، وتتعين موافقة هذين الفريقين؛ حتى يمكن التقدم ~~بتوصية للحكومتين. ولكل من الحكومتين الموافقة على التوصيات أو مطالبة الحكومة الأخرى ~~بتعديلات أو رفض التوصية، وهكذا لا يمكن وضع التوصية موضع التنفيذ إلا في الحالة التي ~~تتفق فيها الحكومتان عن طريق تبادل مذكرات في هذا الخصوص. # وستوضع فيما بعد لائحة داخلية للجنة المشتركة المصرية والبريطانية، ولما كانت موافقة ~~الحكومة المصرية على هذه اللائحة لازمة فإن من حقها أن تطالب عند ذاك بتطبيق القواعد ~~المتقدم ذكرها، إذ إن اللجنة الأميركية الكندية هي التي يجب بطبيعة الحال اتخاذها ~~نموذجا للسير عليها. # لقد أثيرت المخاوف من أن الفقرة الجديدة للمادة الثانية، يمكن أن تتخذها الحكومة ~~البريطانية ذريعة لإعادة قواتها إلى البلاد المصرية في حالة تهديد الأمن في بلد مجاور ~~لمصر. # وقد بينا فيما تقدم أنه في هذه الحالة الخاصة، كما في الحالات الأخرى التي يراد فيها ~~إنفاذ تدبير معين، يجوز لمصر في أثناء المشاورة أن ترفض الاقتراح، وأن تعارض في ~~تنفيذه. # وفي هذا الخصوص يلاحظ إلى جانب ما تقدم أن المادة الثانية إنما تتكلم عن عمل # Action ~~، بينما المادة الثالثة تتكلم عن تدابير # Mesures ~~، ويفرق ميثاق الأمم المتحدة في الفصل الخاص بما ~~يتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم «تفرقة كاملة بين العمل من جهة والتدابير من جهة ~~أخرى»، فالعمل المنصوص عليه في المادة 42 يشير بنوع خاص إلى استعمال القوات المسلحة، ~~ويجوز أن يشمل العمل المظاهرات والحصر وغيرها من العمليات التي تنفذ بوساطة هذه القوات ~~العسكرية، أما كلمة التدابير فإنها على العكس يراد بها طريقة تدخل مجلس الأمن في ~~المرحلة الأولى، ولا تنطوي على استعمال القوة المسلحة، وتدخل فيها محاولة التوفيق ~~والتوسع والتدخل الودي لتسوية الخلاف، ثم فيما بعد قطع العلاقات الاقتصادية والمواصلات ~~من أي نوع قطعا كليا ms171 أو جزئيا، وكذلك قطع العلاقات الدبلوماسية، «تراجع المواد 39 ~~و40 و41 من الميثاق.» # وقد كانت المقترحات البريطانية تتضمن في المادة الثالثة كلمة «العمل»، ولكني رفضت أن ~~يكون هناك ارتباط ما بين فكرة «العمل» وفكرة «تهديد الأمن»؛ ولذلك اعترضت في محادثاتي ~~مع مستر بيفن على هذا النص، واقترحت أن تستبدل به كلمة «تدبير» ملاحظا أن الأمر يتعلق ~~بتدابير ذات صبغة سياسية واقتصادية، وقد أقر مستر بيفن وجهة النظر هذه، وقبل النص ~~المعدل وفقا لاقتراحي. # وأخيرا فإن اتفاقا كالاتفاق المصري البريطاني يدخل في رأي هيئة الأمم المتحدة في ~~عداد الاتفاقات الإقليمية، وبهذا الوصف يكون لمجلس الأمن الإشراف على كل عمل تم، أو ~~يراد اتخاذه طبقا لاتفاقات إقليمية «مادة 54»، كما أنه لا يجوز اتخاذ أي عمل من أعمال ~~القمع تنفيذا لمثل هذه الاتفاقات، بدون إذن مجلس الأمن «مادة 53». # وفي هذا ضمان إضافي لمصر تأمن معه احتمال حصول ضغط من جانب الحكومة البريطانية؛ ~~لحملها على قبول تدابير لا ترضاها كدخول قوات بريطانية أرض مصر في حالة التهديد بوقوع ~~حرب. # فإذا حدث بعد الجلاء أن أعادت بريطانيا العظمى قواتها إلى الأراضي المصرية على غير ~~إرادة مصر، فإنها بذلك تكون معتدية على القانون الدولي اعتداء، لا يقل خطورة ولا جرأة ~~عن اعتدائها على بلد، ليس بينها وبينه أية معاهدة، فقد يكون لها في هذه الحالة الأخيرة ~~أن تدفع بعدم وجود روابط، وأن الضرورة ألجأتها إلى الانفراد في العمل لتحقيق الدفاع عن ~~نفسها، بيد أن تصرفها على هذا الوجه مع قيام الاتفاق المصري البريطاني يعتبر خروجا على ~~صريح النصوص التي وقعتها، الأمر الذي يمكن مصر أولا من إعلان أن اتفاق المساعدة ~~المتبادلة يعتبر لاغيا وكأن لم يكن، وثانيا من أن تطلب إلى مجلس الأمن أن يتدخل على ~~أساس انتهاك حرمة تعهدات صريحة. # المادة السادسة # سبق أن قبلت الحكومة المصرية في سنة 1939 أسوة بأغلب البلاد الأخرى المعاملة بمقتضى ~~المادة 36، فقرة 2 من نظام محكمة العدل الدولية، كما قبلت الاختصاص الإلزامي لتلك ~~المحكمة في فض الخلافات ذات الطابع ms172 القانوني، الوارد ذكرها في هذه المادة. # ولما كانت بريطانيا العظمى قد قبلت هي الأخرى هذا الشرط، فلا يكون ثمة مانع من ~~الإشارة إلى ذلك في المعاهدة، ما دام أن هذا لا يضيف التزاما جديدا إلى النصوص، التي ~~سبق أن قبلتهما هيئة المفاوضات المصرية. # بروتوكول خاص بالسودان # يتضمن البروتوكول أولا إعلان وحدة مصر والسودان تحت التاج المصري، وهذه هي المرة ~~الأولى التي تعترف فيها بريطانيا العظمى اعترافا قاطعا صريحا في وثيقة دولية، بسيادة ~~مصر على السودان، وهذا الاعتراف من شأنه أن يضع حدا نهائيا للسياسة، التي تتبعها ~~بريطانيا العظمى أو ممثلوها في السودان؛ لكي تضمن لنفسها جزءا من السيادة على السودان ~~بطرق مختلفة، كتسميته في الوثائق الرسمية بالممتلكات الإنجليزية المصرية المشتركة # Condominium angol-égyptien ~~، تلك التسمية التي تفرض ~~وجودة سيادة مشتركة. وقد أوجدت هذه السياسة فكرة خاطئة في الخارج عن حقوق مصر في ~~السودان، حتى بين ممثلي الحكومات ورجال الفقه، نذكر منهم على سبيل المثال الفقيه ~~المعروف فوشيل # Fauchille # في كتابه المعنون «القانون ~~الدولي العام» فقد ذكر السودان تحت باب عنوانه # Copropriété, ~~condominium, Co-impérium ~~، وهو يتكلم عن السيادة المشتركة بين مصر ~~وبريطانيا العظمى على السودان. # ولهذا البروتوكول مزية كبرى، وهو أنه سيجعل سيادة مصر وحدها على السودان في نظر جميع ~~الدول أمرا لا جدال فيه، وقد يكون لذلك في المستقبل أهمية كبرى فيما لو طرحت يوما ~~أمام هيئة الأمم المتحدة، مسألة ما تتعلق بالسودان. # غير أن إعلان هذه السيادة لقي اعتراضا أساسه ما ورد في البروتوكول خاصا بالسياسة، ~~التي سيتبعها المتعاقدان في السودان، والتي نص على أن يكون هدفها الأساسي رفاهية ~~السودانيين، وإعدادهم الفعلي للحكم الذاتي، ومباشرة الحقوق المترتبة على ذلك، وهي ~~اختيار نظام الحكم في السودان في المستقبل. # ولكي يمكن تفهم مدلول هذا النص يتعين أولا تحديد المعنى المقصود بالحكم الذاتي # self-government ~~، وهذه العبارة بحسب القانون ~~الدولي لا تعتبر معادلة لكلمة «الاستقلال » ولا لعبارة «حق السيادة»، وقد استعمل ميثاق ~~الأمم المتحدة عبارة «الحكم الذاتي» في الباب الخاص بنظام الوصاية الدولي، وذلك ms173 عندما ~~تكلم عن التقدم المطرد لسكان البلاد الخاضعة للوصاية، الأمر الذي عبرت عنه المادة 76 من ~~الميثاق المذكور بالنص الآتي: # Their progressive development towards self-government or ~~independence. # وترجمته بالفرنسية كالآتي: # Leur évolution progressive vers la capacité â s’administrer ~~eux-mêmes ou l’indépendance. # وعلى هذا لا تفيد عبارة # Self-government # إلا ~~الحكم الذاتي الإداري # Autonomie administrative # وذلك بحسب ما انتهى إليه التفسير الرسمي الأخير الصادر عن أكبر هيئة مختصة، وهو ~~التفسير الذي أقرته مصر وبريطانيا العظمى، ومعهما جميع الدول الموقعة على ميثاق ~~الأمم المتحدة، وهذا الحكم الذاتي الإداري يختلف عن الاستقلال # Indépendance # الذي عرفه الفقهاء بأنه ~~السيادة ~~الداخلية # La souveraineté intérieure ~~. # على أن هذه المسألة لم تثر أي اعتراض في محادثاتنا بلندن، فقد فرق كل من الطرفين ~~المصري والبريطاني بين الحكم الذاتي وبين الاستقلال. # لقد بينت في وضوح في مناسبات متعددة أننا نرغب في أن يتولى السودانيون إدارة شئونهم ~~بأنفسهم، وأنه ليس في ذلك ما يتنافى مع ما لمصر من حق السيادة على السودان. # ولكن مما كان يشغل بال مستر بيفن على الخصوص، احتمال أن يطالب السودانيون بالاستقلال، ~~فقد كان يرى في بدء المحادثات أن عليه التزامات قبل السودانيين، ولا يستطيع أن يربطهم ~~بمصر برباط لا تفصم عراه؛ لذلك كان يرى أن يدخل في المعاهدة نصا يتضمن تأكيدات ~~للسودانيين عن مسألة الاستقلال، وقد نص في أحد المشروعات المقدمة من الجانب البريطاني ~~على أن أحكام البروتوكول، لا تمنع السودانيين من أن يختاروا في المستقبل نظاما يتضمن ~~استقلال بلادهم استقلالا تاما، وفقا لأحكام ميثاق الأطلنطي، ولكنني حذفت هذا النص ~~ورفضت رفضا باتا أن ترد في البروتوكول أية إشارة تفيد التنازل، ولو بطريق الفرض عن ~~سيادة مصر على السودان. # لقد بينت لمستر بيفن أنه لا يتصور أن يطالب السودانيون يوما بانفصالهم عن مصر، وأن ~~هذا على كل حال مجرد فرض قد لا يقع إلا في المستقبل البعيد، بينما الاتفاق بين مصر ~~وبريطانيا العظمى محدد له مدة عشرين سنة، بانتهائها يسترد كل بلد حريته، كما أوضحت له ms174 ~~من جهة أخرى أنه إذا أثيرت هذه المسألة، فإن مصر على استعداد لحلها مع السودان بروح ~~تسوده الصداقة الكاملة طبقا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة. # غير أن مستر بيفن مع استبعاده فكرة الاستقلال، والتنازل فيما بعد عن السيادة المصرية، ~~كان يريد أن يعطي السودانيين تأكيدات عن مصيرهم؛ لذلك أصر على أن يضمن البروتوكول إشارة ~~عن النظام المقبل للسودان. # إن كلمة نظام # Statut # ليس لها تعريف قانوني يحددها ~~كعبارة # Self-government # بل هي كلمة عامة تتسع لشتى ~~التفسيرات تبعا للمناسبة التي تستعمل فيها، وتلافيا للعيوب التي قد تنشأ عن عدم وجود ~~تعريف لكلمة نظام # Statut ~~، انتهى الجانب المصري بعد بحث ~~مختلف الصيغ إلى اختيار الصيغة الواردة في البروتوكول، وهي الصيغة التي وافق المستر ~~بيفن في نهاية الأمر على قبولها، وهذه الصيغة ترتب على الحكم الذاتي الحق للسودانيين في ~~أن يختاروا نظام الحكم في المستقبل، وإذن فإن هذا النص لا يمنح السودانيين بادئ الأمر ~~الحكم الذاتي، ثم يمنحهم فيما بعد شيئا يخرج عن نطاق الحكم الذاتي، وهو حق اختيار نظام ~~سياسي دولي قد يتضمن الانفصال عن مصر، بل على العكس إن هذا النص يبين بجلاء أن حق ~~اختيار نظام الحكم في المستقبل، إنما يأتي كنتيجة تبعية لتطبيق الحكم الذاتي، ولما كان ~~الحكم الذاتي لا يعدو أن يكون استقلالا إداريا، فإن النظام المقبل لا يمكن أن يتجاوز ~~الحدود المرسومة للاستقلال الذاتي، ولا يمكن أن يكون سوى مجرد نظام إداري أو استقلال ~~داخلي. # هذا إلى جانب أنه إذا أريد الادعاء بأن نظام الحكم ~~المقبل # Statut futur # المنصوص عليه في البروتوكول هو نظام سياسي دولي، فإن في ذلك ما ~~يتعارض مع صريح نصوص البروتوكول نفسه، فإن البروتوكول يوضح أن سياسة الحكومتين ~~المتعاقدتين، ستجرى في نطاق وحدة مصر والسودان تحت تاج واحد هو التاج المصري، وإذن تكون ~~هذه السياسة خاضعة لمبدأ سيادة مصر، وعلى ذلك لا يمكن أن تتضمن هذه السياسة تدابير ~~تتعدى حدود السيادة أو تخرج عن نطاق وحدة البلدين تحت تاج واحد، وفي ذلك ما ينفي ms175 حق ~~الانفصال أو حق مطالبة السودانيين بقطع رابطة السيادة التي لمصر عليهم . # وزيادة على ما تقدم، فإن الفقرة الثانية من البروتوكول تضمنت أن نظام الحكم المقبل ~~سيتقرر باتفاق المتعاقدين بعد استشارة السودانيين، فإذا كان حق اختيار نظام الحكم في ~~السودان المتفرع عن الحكم الذاتي يشمل حق السودانيين في الانفصال عن مصر، فإنه من ~~الواضح أن نظام الاستقلال التام إذا ما اختاره السودانيون، يجب أن يتم بدون تدخل مصر لا ~~أن يكون بموافقة الطرفين المتعاقدين، بمجرد استشارة السودانيين. # ومهما يكن وجه التفسير الذي يراد أن يعطى للنصوص الحالية، فإن سيادة مصر على السودان ~~لا يمكن أن تزول إلا بمقتضى تنازل صريح يصدر من مصر في المستقبل، وذلك إما عقب ثورة ~~يقوم بها الشعب السوداني، أو انفصال بالقوة فترضخ له مصر، وإما بتنازل اختياري، وذلك في ~~حالة التسليم جدلا بأن للسودانيين حق إعلان رغبتهم في الاستقلال على ما في ذلك من ~~الخروج على أحكام البروتوكول. # فالواقع أنه ليس للسودانيين بمقتضى نص البروتوكول حق المطالبة بالانفصال. # يضاف إلى هذا أن النص على التنازل عن سيادة مصر، أو إنهاء هذه السيادة ولو بالنسبة ~~للمستقبل، ليس مما يجوز درجه في بروتوكول من هذا القبيل يلحق بمعاهدة ثنائية. # إن إحداث مثل هذا التغيير الخطير في علاقة مصر بالسودان، لا يمكن أن يتم إلا بإعلان ~~صريح ورسمي يعلن أولا للشعب السوداني ويجوز قبوله ثم يعلن بعد ذلك إلى جميع الأمم ~~المتحدة؛ لأن سيادة مصر قائمة قبل المعاهدة وذلك بالنسبة لجميع الدول. وقد تضمن ~~البروتوكول موافقة بريطانيا العظمى على هذا الوضع فيما يتعلق بها، فهو لم ينشئ هذه ~~السيادة. # والواقع أن البروتوكول نفسه فيما تضمنته الفقرة الأولى منه، يفرض على بريطانيا العظمى ~~تغيير النظام الحالي؛ وذلك لا لمصلحة مصر بل لمصلحة السودانيين؛ وإذا كان سيادة مصر لها ~~صفة الدوام، فإن النظام الإداري الحالي على عكس ذلك له طابع وقتي، ما دام أنه يجب أن ~~يتدرج إلى الحكم الذاتي؛ أي استبعاد العناصر غير السودانية تدريجا. # وقد نص البروتوكول علاوة ms176 على ذلك، على أن التغيير في النظام الحالي يقتضي اشتراك مصر ~~وبريطانيا العظمى والسودانيين أنفسهم. # وبذلك تكون مصر قد اكتسبت حق الاشتراك في إعداد الإصلاحات الواجب إدخالها على نظام ~~الحكم في السودان، وعليها من الآن أن تدرس، وأن تقترح التعديلات التي تراها ضرورية ~~لتحقيق السياسة التي تعهدت مصر وبريطانيا العظمى بأن تنتهجاها، وسيكون لها أيضا، قبل ~~إقرار التعديلات المتقدم ذكرها الحق في أن تبحث، وأن تتحقق مما إذا كان النظام المقرر ~~باتفاق سنة 1899 يحقق بصورة كافية رفاهية السودانيين، وهي من الأغراض التي يهدف إليها ~~المتعاقدان، ومما إذا كان هذا النظام يصلح أساسا يقام عليه الحكم الذاتي. # وستتمكن مصر بما لها من حق التدخل والإشراف من أن تحمي مصالح السودانيين، وأن تعمل ~~على تحسين حالهم. وبفضل هذا الحق من جهة، وتحللها من جهة أخرى من الاحتلال والنفوذ ~~البريطانيين سيكون في استطاعتها أن تسترد، ولو بعضا على الأقل من سلطانها ونفوذها في ~~السودان؛ لأنها ستباشر نشاطها في ميدان أهم في نظر السودانيين من الإدارة العادية، ~~باعتبار أنه سيكون هدفه تحقيق الآمال القومية السودانية، وتسوية مستقبل السودان تسوية ~~دائمة. # لقد اعترض على البروتوكول أنه جاء خلوا من الإشارة إلى المفاوضات المقبلة، ولكن هذا ~~الاعتراض مردود عليه بأن البروتوكول، بعد أن اعترف بوحدة مصر والسودان تحت التاج المصري ~~قد حدد السياسة المقبلة التي يلتزم المتعاقدان بانتهاجها، وما كادت المحادثات لترمي إلى ~~أغراض أخرى، سوى تحديد تلك السياسة. # ومؤدى هذه السياسة منح السودانيين الحكم الذاتي، وتحديد نظام الحكم المقبل في ~~السودان، غير أن هذا الأمر لا يمكن تحقيقه تفصيلا في الحال، بل يقتضي دراسات ومباحثات ~~طويلة، إذ الأمر يتعلق بتطور مطرد يستغرق سنوات، وتنفيذ هذه السياسة التي سجل ~~البروتوكول أغراضها نهائيا عمل يحتاج تحقيقه إلى وقت طويل بالاتفاق بين الحكومتين، ~~وهو يستلزم تبادل وجهات النظر بينهما ومناقشات، وإعداد البرامج فضلا عن الدخول في ~~مفاوضات قد يكون لها طابع شبه دائم في خلال السنوات القادمة. # وفي أثناء المحادثات التي جرت في لندن، أعرب المستر بيفن ms177 عن ميله لإنشاء لجنة مشتركة ~~دائمة للسودان، تقوم بدراسة وسائل النهوض بالسودانيين. # ويصعب من الآن معرفة أفضل وسيلة تستطيع بها مصر التدخل في الشئون السودانية، قد يكون ~~في مصلحتها القيام بدراسات في السودان، إما منفردة أو بالاشتراك مع البريطانيين، وقد ~~تفضل أن يكون لها في الخرطوم ممثل سام دائم أو مكتب دائم، وأخيرا قد يكون من الأفضل ~~لها أن تعمل عن طريق اللجنة المشتركة التي اقترح المستر بيفن إنشاءها، ومهما يكن الأمر، ~~فقد يكون من سبق الحوادث بالنسبة لمصر أن ترتبط من الآن في هذا الخصوص. # ويتعلق بالحكومات المصرية القادمة أن تباشر في يقظة وبالوسائل التي تراها أكثر ~~ملاءمة، الحقوق التي تم الاعتراف بها لمصر، ومراقبة النظام الحالي والمساهمة في إعداد ~~نظام الحكم المقبل في السودان. ms178