######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000552 #META# 000.BookURI :: #9999.Modern.Source #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: محمد رضا (المتوفى: 1369هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1369 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: عثمان بن عفان ذو النورين #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التراجم والطبقات #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000552 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-552 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/552 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة المؤلف. # PageV01P009 # - الحمد لله رب العالمين، وأحكم الحاكمين، والصلاة والسلام على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # أما بعد، فقد شاء الله سبحانه وتعالى أن أثابر على ما بدأت به من وضع كتب ~~في التاريخ الإسلامي خدمة للمسلمين في جميع أقطار الأرض. # وها أنذا أتقدم إلى الباحثين والقارئين من أبناء اللغة العربية بالكتاب ~~الرابع من سلسلة التاريخ الإسلامي في حياة "عثمان بن عفان" - رضي الله عنه ~~- وخلافته. وهو ثالث الخلفاء الراشدين، وبذلك سددت فراغا وأكملت نقصا إذ ~~كان الناس إلى الآن لا يجدون كتابا قائما بذاته لكل خليفة، يتناول ترجمته ~~وما جرى من الحوادث في عهده، حتى إن علماء الإفرنج مع اجتهادهم في التأليف ~~نراهم قد حذوا حذو مؤلفي المسلمين فلم يفردوا لكل خليفة كتابا. فللأستاذ ~~"موير" كتاب: تاريخ الخلافة الإسلامية، وللأستاذ "واشنجتون [واشنطون] ~~إيرفنج" كتاب: محمد وخلفائه، وكلاهما في مجلد واحد، وهكذا غيرهما من ~~المؤلفين. # ولا شك أن هذا نقص يجب تداركه، على أنه لا يغيب عنا أن نذكر أن العلامة ~~رفيق بك العظم قد تدارك الأمر فجعل لكل خليفة جزءا من كتابه: أشهر مشاهير ~~الإسلام، ولم أعثر إلا على الأجزاء الأربعة الأولى إلى عثمان. # ثم لا نجد غير كتب التاريخ العامة كالطبري وهو ثقة، وابن الأثير، وابن ~~خلدون وهو مختصر، اختصره من الطبري غالبا. وحوليات البرنس كيتاني الذي ترجم ~~النصوص العربية إلى اللغة الإيطالية. والكتب العربية في الخلفاء الراشدين ~~ما هي إلا سير. ثم كتب التراجم: كأسد الغابة والإصابة، وطبقات ابن سعد، ~~والاستيعاب، والكمال، والتهذيب الخ، وهي تكاد تكون متشابهة إنما بعضها مطول ~~وبعضها مختصر وقد نقل عنها المستشرقون في تأليف دائرة المعارف الإسلامية، ~~فلم يزيدوا عليها إلا تعليقات من عندهم ترمي إلى التشكيك من غير تحقيق كما ~~ذكرناه في كتابنا هذا في وفاة العباس بن عبد المطلب، واستسقاء عمر بن ~~الخطاب به في حياته. # أما كتاب تاريخ الأمم الإسلامية للمرحوم محمد الخضري بك، فهو مختصر ألقاه ~~محاضرات في الجامعة المصرية القديمة، وكان فيها محتاطا أشد الاحتياط، فلم ms001 ~~يزج بنفسه في التفاصيل ومناقشة مختلف الروايات، فلا يجد فيه مريد التوسع ~~بغيته. هذا ويجب أن يكون ### | [ص: 10] # المؤرخ في زماننا مجيدا للغة أجنبية على الأقل، ولا يكفي أن يترجم له. ~~ففي عهد الخلفاء مثلا يتحتم الإطلاع على ما كتبه الإفرنج في تاريخ سقوط ~~الدولة الرومانية وتاريخ مصر، والرجوع إلى دوائر المعارف، فمؤرخو العرب ~~مثلا يذكرون المقوقس كأنه كان حيا عندما فتح عمرو بن العاص الإسكندرية ~~للمرة الثانية مع أنه كان قد مات الخ. # أما الواقدي: فقد قرأت شيئا مما كتبه عن فتوح إفريقية فرأيت العجب ~~العجاب، فهي قصص لا يصح اعتبارها تاريخا، ولا حاجة بي إلى ضرب الأمثال خشية ~~الإطالة. # ولنعد إلى عثمان - رضي الله عنه - فنقول: إن اختياره قد تم بتفويض أرباب ~~الشورى إلى عبد الرحمن بن عوف أمر اختيار أحد الرجلين: علي، أو عثمان، بعد ~~أن تنازل هو عن ترشيح نفسه لعدم رغبته في الخلافة وكان صهر عثمان، وكان ~~أغلب المسلمين يريدون تولية عثمان بعد عمر. # فقد كان عمر شديدا لا يحابي أحدا، ولا يخاف أحدا، ولا يتهاون، ولا يلين ~~مع حرصه على إجراء العدل، وكانوا يرهبونه ويحسبون حسابه، وكان شديدا حتى ~~على نفسه، متقشفا كارها للترف والتنعم في المأكل والملبس. # أما عثمان فقد كان لينا حليما، رحيما، يصل أهله، شديد الحياء، لا يميل ~~إلى العنف. فكان انتخابه كما قيل: رد فعل لخلافة من قبله. ولما كان علي ~~شديدا لم يريدوا توليته. # قال الأستاذ رفيق بك العظم: "والذي أعتقده أن قريشا وإن كانت لا تريد ~~استخلاف علي لأسباب سيأتي بيانها إلا أن الخلافة من أبي بكر إلى عثمان تمت ~~على ترتيب طبيعي بحكم الحاجة، وعلى وفق المعروف يومئذ للمسلمين، والثابت ~~عندهم من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم التي تشير إلى مثل هذا الترتيب ~~في المقام والدرجة التي وضع كلا منهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعلي نفسه يعرف ذلك ويعترف به" اه (1) . # لكن هل كان ذلك ملحوظا في اختيار عثمان؟ لا أظن ذلك، ولم ms002 يكن ولم يكن ~~يلحظه عمر بن الخطاب حين اختار أهل الشورى. # وقد خاف بنو أمية سيادة بني هاشم فنجحوا في اختيار عثمان، وكانت شخصية ~~عثمان فوق ذلك شخصية محبوبة ومحترمة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحبه، ويقربه، ويلاطفه لحسن أخلاقه، فزوجه ابنتيه، فهذه أسباب هيأت لعثمان ~~تسلم الخلافة ### | [ص: 11] # لما ولي عثمان - رضي الله عنه - الخلافة قضى الشطر الأول منها وهو أحب ~~إلى الناس من عمر للينه ورأفته، وقد امتلأت الأيدي من المغانم. # إن الفتنة التي أدت إلى قتل عثمان - والتي سنعنى بتفصيلها في كتابنا هذا ~~- قد أدت إلى نتائج وخيمة. أدت إلى انقسام المسلمين، وسفك الدماء، والتحزب، ~~والتشيع، وتفرقة الكلمة بعد قتله - رضي الله عنه - واقتتلوا للأخذ بثأره ~~حتى قتل من المسلمون تسعون ألفا!!. # إن للفتنة أسبابا ذكرها المؤرخون وأصدق المصادر التي بين أيدينا تاريخ ~~ابن جرير الطبري. وقد كانت بين كبار الصحابة وعثمان - رضي الله عنه - ~~محادثات ومباحثات طويلة وعديدة ومشاورات بشأن الفتنة ونشأتها، وأسبابها، ~~فإنه - رضي الله عنه - ما ترك أحدا يوثق به ويعول على رأيه إلا استشاره. ~~وقد أدلى إليه كل برأيه. # وهنا يجدر بي أن أبين موقف المؤرخ ومسؤوليته فأقول: # المؤرخ يستطيع أن يستعرض الحوادث أن يستنتج منها ما يبني حكمه عليه ~~كالقاضي النزيه، وليس من شأنه أن يلتمس المعاذير ويميل كل الميل مع قوم دون ~~آخرين. فإن من عد السيئات حسنات، والأغلاط في حكم الصواب جريا وراء إحساسه ~~وعواطفه، أو خشية الرأي العام، أو البيئة، أو لإشباع شهوة في نفسه، أو ~~للتظاهر بالعلم، أو الصلاح لا يعد في نظرنا مؤرخا، بل متحيزا، أو مغرضا. ~~وقد تصدى قوم لتدوين سير بعض السلف فنزهوهم عن جميع الهفوات معتبرين ذلك ~~تعبدا، وصلاحا، ونسكا، غاضين الطرف عن الحوادث المؤلمة التي ترتبت عليها. ~~وهذا فضلا عن كونه مخالفا مخالفة صريحة للتاريخ ولآراء المعاصرين من السلف ~~الصالح الذين هم أعرف من غيرهم بالدين وأصوله، بأساليب الحكم في زمانهم، ~~وأسباب السخط العام، فإنه مضيع للفائدة المرجوة من التاريخ وما ms003 فيه من عبر ~~يعتبر بها الخلف. # ومن المؤرخين من يتصدى للطعن، واللعن، وتشويه الحقائق، وتسوئة للمحاسن ~~بدافع التعصب لرأي، أو لكي يعد من أرباب العقول الراجحة. وهؤلاء ينفثون ~~سمومهم ولا يدركون مغبة ما تخطه أقلامهم الجامحة من إفك وبهتان. # وإني أرجو أن أكون قد خدمت الحقيقة والتاريخ ببحثي في سيرة عثمان - رضي ~~الله عنه -، وقدمت لأهل هذا العصر والعصور المقبلة درسا يستفيدون منه في ~~أمور دينهم ودنياهم. PageV01P009 ### | [الكتاب] # PageV01P011 ### | الفصل الأول: حياة عثمان (1) بن عفان رضي الله عنه. # PageV01P011 # (47 ق. ه - 35 ه / 576 م - 656 م) ### | [ص: 15] # هو عثمان بن (2) عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فهو ~~قرشي أموي يجتمع هو والنبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف، وهو ثالث ~~الخلفاء الراشدين. # ولد بالطائف بعد الفيل بست سنين على الصحيح (سنة 576 م) . # وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وأم أروى ~~البيضاء بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وسلم (3) . PageV01P011 # - كنيته (1) : ### | [ص: 17] # يكنى بأبي عبد الله وأبي عمرو، كني أولا بابنه عبد الله ابن زوجته رقية ~~بنت النبي صلى الله عليه وسلم. توفي عبد الله سنة أربع من الهجرة بالغا من ~~العمر ست سنين. # ويقال لعثمان - رضي الله عنه -: (ذو النورين) لأنه تزوج رقية، وأم كلثوم، ~~ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره (2) . ~~PageV01P017 # - أولاده وأزواجه (1) : # -1- عبد الله بن رقية. # -2- عبد الله الأصغر، وأمه فاختة بنت غزوان بن جابر. # -3- عمرو، وأمه أم عمرو بنت جندب. # -4- خالد، وأمه أم عمرو بنت جندب. # -5- أبان، وأمه أم عمرو بنت جندب. # -6- عمر، وأمه أم عمرو بنت جندب. # -7- مريم وأمها أم عمرو بنت جندب. # -8- الوليد، وأمه فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس. # -9- سعيد، وأمه فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس. # -10- أم سعيد وأمها فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس. # -11- عبد الملك وأمه أم البنين بنت عيينة بن حصن بن حذيفة. # -12- عائشة، وأمها رملة بنت ms004 شيبة بن ربيعة. # -13- أم أبان، وأمها رملة بنت شيبة بن ربيعة. # -14- أم عمرو وأمها رملة بنت شيبة بن ربيعة. # -15- مريم، وأمها نائلة بنت الفرافصة ابن الأحوص. # -16- أم البنين وأمها أم ولد وهي التي كانت عند عبد الله بن يزيد بن أبي ~~سفيان ### | [ص: 18] # فأولاده ستة عشر: تسعة ذكور، وسبع إناث، وزوجاته تسع، ولم تذكر هنا أم ~~كلثوم لأنها لم تعقب، وقتل عثمان وعنده رملة، ونائلة، وأم البنين، وفاختة، ~~غير أنه طلق أم البنين وهو محصور. PageV01P017 # - زوجته رقية: # رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمها خديجة، وكان رسول الله قد ~~زوجها من عتبة بن أبي لهب، وزوج أختها أم كلثوم عتيبة بن أبي لهب، فلما ~~نزلت: {تبت} [المسد: 1] قال لهما أبو لهب وأمهما - أم جميل بنت حرب بن أمية ~~- {حمالة الحطب} : فارقا ابنتي محمد، ففارقاهما قبل أن يدخلا بهما كرامة من ~~الله تعالى لهما، وهوانا لابني أبي لهب، فتزوج عثمان بن عفان رقية بمكة، ~~وهاجرت معه إلى الحبشة، وولدت له هناك ولدا فسماه: "عبد الله"، وكان عثمان ~~يكنى به (1) ، فبلغ الغلام ست سنين، فنقر عينه ديك، فورم وجهه، ومرض، ومات. ~~وكان موته سنة أربع، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل أبوه ~~عثمان حفرته. ورقية أكبر من أم كلثوم. ولما سار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى بدر كانت ابنته رقية مريضة، فتخلف عليها عثمان بأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فتوفيت يوم وصول زيد بن حارثة (2) مبشرا بظفر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالمشركين (3) . وكانت قد أصابتها الحصبة فماتت بها. ~~PageV01P018 # - زوجته أم كلثوم: ### | [ص: 19] # بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمها خديجة، وهي أصغر من أختها رقية، ~~زوجها النبي صلى الله عليه وسلم من عثمان بعد وفاة رقية، وكان نكاحه إياها ~~في ربيع الأول من سنة ثلاث، وبنى بها في جمادى الآخرة من السنة، ولم تلد ~~منه ولدا، وتوفيت سنة تسع وصلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل ~~في قبرها ms005 علي، والفضل (1) ، وأسامة بن زيد (2) . وقيل: إن أبا طلحة ~~الأنصاري استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن ينزل معهم، فأذن له. ~~وقال: "لو أن لنا ثالثة لزوجنا عثمان بها". # وروى سعيد بن ### | [ص: 20] # المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عثمان بعد وفاة رقية مهموما ~~لهفانا. فقال له: "ما لي أراك مهموما"؟ فقال: يا رسول الله وهل دخل على أحد ~~ما دخل علي ماتت ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كانت عندي وانقطع ~~ظهري، وانقطع الصهر بيني وبينك. فبينما هو يحاوره إذ قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "هذا جبريل عليه السلام يأمرني عن الله عز وجل أن أزوجك أختها ~~أم كلثوم على مثل صداقها، وعلى مثل عشرتها (3) " فزوجه إياها. PageV01P019 # - صفته (1) : # كان عثمان جميلا وكان ربعة - لا بالقصير ولا بالطويل -، حسن الوجه، رقيق ~~البشرة كبير اللحية، أسمر اللون، كثير الشعر، ضخم الكراديس (2) ، بعيد ما ~~بين المنكبين، له جمة (3) أسفل من أذنيه، جذل الساقين، طويل الذراعين، شعره ~~قد كسا ذراعيه. أقنى (بين القنا) ، بوجهه نكتات جدري، وكان يصفر لحيته ويشد ~~أسنانه بالذهب (4) . # وكان - رضي الله عنه - أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير ~~وشر، وكان رجال قريش يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمور لعلمه، وتجاربه، ~~وحسن مجالسته، وكان شديد الحياء، ومن كبار التجار. # أخبر سعيد بن العاص أن عائشة - رضي الله عنها - وعثمان حدثاه: أن أبا بكر ~~استأذن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة فأذن ~~له وهو كذلك، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف. ثم استأذن عمر فأذن له، وهو على ~~تلك الحال، فقضى إليه حاجته، ثم انصرف. ثم استأذن عليه عثمان فجلس وقال ~~لعائشة: "اجمعي عليك ثيابك" فقضى إليه حاجته، ثم انصرف. قالت عائشة: يا ~~رسول الله لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان! قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال لا ~~يبلغ ms006 إلي حاجته" (5) . ### | [ص: 21] # وقال الليث: قال جماعة من الناس: "ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة" (6) ~~. # لا يوقظ نائما من أهله إلا أن يجده يقظان فيدعوه فيناوله وضوءه، وكان ~~يصوم الدهر (7) ، ويلي وضوء الليل بنفسه. فقيل له: لو أمرت بعض الخدم ~~فكفوك، فقال: لا، الليل لهم يستريحون فيه. وكان لين العريكة، كثير الإحسان ~~والحلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أصدق أمتي حياء عثمان" (8) . ~~وهو أحد الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وقال ~~عن نفسه قبل قتله: "والله ما زنيت في جاهلية وإسلام قط". PageV01P020 # - لباسه: # رئي وهو على بغلة عليه ثوبان أصفران له غديرتان، ورئي وهو يبني الزوراء ~~(1) على بغلة شهباء مصفرا لحيته، وخطب وعليه خميصة (2) سوداء وهو مخضوب ~~بحناء، ولبس ملاءة صفراء وثوبين ممصرين، وبردا يمانيا ثمنه مائة درهم، ~~وتختم في اليسار، وكان ينام في المسجد متوسدا رداءه. PageV01P021 # - إسلامه (1) : # أسلم عثمان رضي الله عنه في أول الإسلام قبل دخول رسول الله دار الأرقم، ~~وكانت سنه قد تجاوزت الثلاثين، دعاه أبو بكر إلى الإسلام فأسلم، ولما عرض ~~أبو بكر عليه الإسلام قال له: ويحك يا عثمان والله إنك لرجل حازم ما يخفى ~~عليك الحق من الباطل، هذه الأوثان التي يعبدها قومك، أليست حجارة صماء لا ~~تسمع، ولا تبصر، ولا تضر، ولا تنفع؟ فقال: بلى، والله إنها كذلك، قال أبو ~~بكر: هذا محمد بن عبد الله قد بعثه الله برسالته إلى جميع خلقه، فهل لك أن ~~تأتيه وتسمع منه؟ فقال: نعم. # وفي الحال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا عثمان أجب الله إلى ~~جنته فإني رسول الله إليك وإلى ### | [ص: 22] # جميع خلقه". قال: فوالله ما ملكت حين سمعت قوله أن أسلمت، وشهدت أن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمد رسول عبده ورسوله، ثم لم ألبث أن ~~تزوجت رقية. وكان يقال: أحسن زوجين رآهما إنسان، رقية وعثمان. كان زواج ~~عثمان لرقية بعد النبوة لا قبلها، كما ذكر السيوطي (2) ذلك ms007 خطأ. # وفي طبقات ابن سعد: قال عثمان: يا رسول الله قدمت حديثا من الشام، فلما ~~كنا بين معان والزرقاء فنحن كالنيام إذا مناد ينادينا: أيها النيام هبوا ~~فإن أحمد قد خرج بمكة فقدمنا فسمعنا بك. # وفي إسلام عثمان تقول خالته سعدى: # هدى الله عثمان الصفي بقوله ... فأرشده والله يهدي إلى الحق # فبايع بالرأي السديد محمدا ... وكان ابن أروى لا يصد عن الحق # وأنكحه المبعوث إحدى بناته ... فكان كبدر مازج الشمس في الأفق # فداؤك يا ابن الهاشميين مهجتي ... فأنت أمين الله أرسلت في الخلق # لما أسلم عثمان أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطا وقال: ~~أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث! والله لا أخليك أبدا حتى تدع ما أنت عليه ~~من هذا الدين. فقال: والله لا أدعه أبدا. فلما رأى الحكم صلابته في دينه ~~تركه (3) . # وفي غداة اليوم الذي أسلم فيه عثمان جاء أبو بكر بعثمان بن مظعون (4) ~~وأبي عبيدة بن ### | [ص: 23] # الجراح (5) ، وعبد الرحمن بن عوف (6) ، وأبي مسلمة بن عبد الأسد، والأرقم ~~بن أبي الأرقم، فأسلموا وكانوا مع من اجتمع مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثمانية وثلاثين رجلا. # وأسلمت أخت عثمان آمنة بنت عفان، وأسلم أخوته لأمه الوليد وخالد وعمارة، ~~أسلموا يوم الفتح، وأم كلثوم، وبنو عقبة بن أبي معيط ابن عمرو بن أمية أمهم ~~كلهم أروى، ذكر ذلك الدارقطني في كتاب الأخوة، وذكر أن أم كلثوم من ~~المهاجرات الأول، يقال: إنها أول قرشية بايعت النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأنكحها زيد بن حارثة، ثم خلقه عليها عبد الرحمن بن عوف ثم تزوجها الزبير ~~بن العوام (7) . PageV01P021 # - هجرته (1) : ### | [ص: 24] # هاجر عثمان إلى أرض الحبشة فارا بدينه مع زوجته رقية بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فكان أول مهاجر إليها، ثم تابعه سائر المهاجرين إلى أرض ~~الحبشة، ثم هاجر الهجرة الثانية إلى المدينة. عن أنس قال: أول من هاجر إلى ~~الحبشة عثمان، وخرجت معه ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) ، فأبطأ ~~على رسول الله ms008 صلى الله عليه وسلم خبرهما، فجعل يتوكف الخبر فقدمت امرأة من ~~قريش من أرض الحبشة فسألها، فقالت: رأيتها، فقال: "على أي حال رأيتها؟ " ~~قالت: رأيتها وقد حملها على حمار من هذه الدواب وهو يسوقها، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "صحبهما الله، إن كان عثمان لأول من هاجر إلى الله عز وجل ~~بعد لوط" (3) . PageV01P024 # - تبشيره بالجنة (1) : # كان عثمان رضي الله عنه أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالجنة. # عن أبي موسى الأشعري (2) ، قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حديقة بني فلان والباب علينا ### | [ص: 25] # مغلق إذ استفتح رجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الله بن قيس، ~~قم فافتح له الباب وبشره بالجنة" فقمت، ففتحت الباب فإذا أنا بأبي بكر ~~الصديق فأخبرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله ودخل ~~وقعد، ثم أغلقت الباب فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ينكت بعود في الأرض ~~فاستفتح آخر فقال: يا عبد الله بن قيس قم فافتح له الباب وبشره بالجنة، ~~فقمت، ففتحت، فإذا أنا بعمر بن الخطاب فأخبرته بما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فحمد الله ودخل، فسلم وقعد، وأغلقت الباب فجعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم ينكت بذلك العود في الأرض إذ استفتح الثالث الباب فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "يا عبد الله بن قيس، قم فافتح الباب له وبشره بالجنة على بلوى ~~تكون" (3) ، فقمت، ففتحت الباب، فإذا أنا بعثمان بن عفان، فأخبرته بما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "الله المستعان وعليه التكلان"، ثم دخل، ~~فسلم وقعد. # وقال صلى الله عليه وسلم: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في ~~الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن ~~عوف في الجنة، وسعد في الجنة، والآخر لو شئت سميته" (4) ، ثم سمى نفسه. # وعن سعيد بن زيد أن رجلا قال له: أحببت عليا حبا لم أحبه شيئا قط. قال: ms009 ~~"أحسنت، ### | [ص: 26] # أحببت رجلا من أهل الجنة". قال: وأبغضت عثمان بغضا لم أبغضه شيئا قط، ~~قال: "أسأت، أبغضت رجلا من أهل الحنة"، ثم أنشأ يحدث قال: بينما رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على حراء ومعه أبو بكر وعمر، وعثمان وعلي، وطلحة ~~والزبير قال: "اثبت حراء ما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" (5) . # وعن أنس قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم أحدا ومعه أبو بكر وعمر ~~وعثمان فرجف الجبل فقال: "اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" (6) . # وعن حسان بن عطية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غفر الله لك ~~يا عثمان ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما هو كائن إلى يوم ~~القيامة" (7) . PageV01P024 # - تخلفه عن بيعة الرضوان (1) : # في الحديبية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ليبعثه إلى ~~مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا على ~~نفسي، وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها ~~وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني، عثمان بن عفان، فدعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش ~~يخبرهم أنه لم يأت لحربهم وأنه إنما جاء زائرا لهذا البيت ومعظما لحرمته. # فخرج عثمان إلى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص (2) حين دخل مكة أو قبل ~~أن يدخلها، ### | [ص: 27] # فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان (3) وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى ~~يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ~~والمسلمين أن عثمان بن عفان قد قتل، وقيل: إنه دخل مكة ومعه ms010 عشرة من ~~الصحابة بإذن رسول الله ليزوروا أهاليهم ولم يذكروا أسمائهم، وقيل: إن ~~قريشا احتبست عثمان عندها ثلاثة أيام، وأشاع الناس أنهم قتلوه هو والعشرة ~~الذين معه. وعلى كل حال أبطأ عثمان رضي الله عنه عن الرجوع فقلق عليه ~~المسلمون، فلما بلغ ذلك الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا نبرح ~~حتى نناجز القوم" (4) . # ولما لم يكن قتل عثمان رضي الله عنه محققا، بل كان بالإشاعة بايع النبي ~~صلى الله عليه وسلم عنه على تقدير حياته. وفي ذلك إشارة منه إلى أن عثمان ~~لم يقتل، وإنما بايع القوم أخذا بثأر عثمان جريا على ظاهر الإشاعة تثبيتا ~~وتقوية لأولئك القوم، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى وقال: "اللهم هذه عن ~~عثمان في حاجتك وحاجة رسولك". # قال تعالى يذكر هذه البيعة: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة} [الفتح: 18] ، وبعد أن جاء عثمان رضي الله عنه بايع بنفسه. ~~PageV01P026 # - تخلفه عن غزوة بدر (1) : ### | [ص: 28] # تزوج عثمان رضي الله عنه رقية بنت رسول الله بعد النبوة، وتوفيت عنده في ~~أيام غزوة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وكان تأخره عن بدر ~~لتمريضها بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء البشير بنصر المؤمنين ~~يوم دفنوها بالمدينة، وضرب رسول الله لعثمان بسهمه وأجره في بدر فكان كمن ~~شهدها، أي أنه معدود من البدريين. PageV01P027 # - اختصاصه بكتابة الوحي: # عن فاطمة بنت عبد الرحمن عن أمها أنها سألت عائشة وأرسلها عمها فقال: إن ~~أحد بنيك يقرئك السلام ويسألك عن عثمان بن عفان فإن الناس قد شتموه فقالت: ~~لعن الله من لعنه، فوالله لقد كان عند نبي الله صلى الله عليه وسلم وأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لمسند ظهره إلي، وأن جبريل ليوحي إليه ~~القرآن، وأنه ليقول له: اكتب يا عثيم فما كان الله لينزل تلك المنزلة إلا ~~كريما على الله ورسوله. أخرجه أحمد وأخرجه الحاكم وقال: "قالت: لعن الله من ~~لعنه، لا أحسبها قالت: إلا ثلاث مرات، لقد رأيت ms011 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو مسند فخذه إلى عثمان، وإني لأمسح العرق عن جبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأن الوحي لينزل عليه وأنه ليقول: اكتب يا عثيم، فوالله ما ~~كان الله لينزل عبدا من نبيه تلك المنزلة إلا كان عليه كريما". # وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس ~~جلس أبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعثمان بين يديه، وكان كاتب سر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # PageV01P028 # - كراماته (1) : # عن نافع: أن جهجاها الغفاري تناول عصا عثمان وكسرها على ركبته فأخذته ~~الأكلة (2) في رجله، وعن أبي قلابة، قال: كنت في رفقة بالشام سمعت صوت رجل ~~يقول: يا ويلاه النار، وإذا رجل مقطوع اليدين والرجلين من الحقوين، أعمى ~~العينين، منكبا لوجهه، فسألته عن حاله فقال: إني قد كنت ممن دخل على عثمان ~~الدار، فلما دنوت منه صرخت زوجته فلطمتها فقال: "ما لك قطع الله يديك ~~ورجليك وأعمى عينيك وأدخلك النار! "، فأخذتني رعدة عظيمة وخرجت هاربا ~~فأصابني ما ترى ولم يبقى من دعائه إلا النار، قال: فقلت له بعدا لك وسحقا، ~~أخرجهما ### | [ص: 29] # الملأ في سيرته، وعن مالك أنه قال: كان عثمان مر بحش كوكب (3) فقال: إنه ~~سيدفن هنا رجل صالح فكان أول من دفن فيه. PageV01P028 # - تجهيزه جيش العسرة (1) : # يقال لغزوة تبوك غزوة العسرة، مأخوذة من قوله تعالى: {الذين اتبعوه في ~~ساعة العسرة} [التوبة: 117] . # ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج وأعلمهم المكان الذي ~~يريد ليتأهبوا لذلك، وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب يستنفرهم وأمر الناس ~~بالصدقة، وحثهم على النفقة والحملان، فجاءوا بصدقات كثيرة، فكان أول من جاء ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فجاء بماله كله 40. 4000 درهم فقال له صلى ~~الله عليه وسلم: "هل أبقيت لأهلك شيئا؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله. وجاء ~~عمر رضي الله عنه بنصف ماله فسأله: "هل أبقيت لهم شيئا؟ " (2) قال: نعم، ~~نصف مالي. وجاء عبد الرحمن بن عوف رضي ms012 الله عنه بمائتي أوقية، وتصدق عاصم ~~بن عدي (3) بسبعين وسقا من تمر، وجهز عثمان رضي الله عنه ثلث الجيش جهزهم ~~بتسعمائة وخمسين بعيرا وبخمسين فرسا. قال ابن إسحاق: أنفق عثمان رضي الله ~~عنه في ذلك الجيش نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. وقيل: جاء عثمان رضي الله ~~عنه بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجر رسول الله فقبلها ~~في حجر وهو يقول: "ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم". وقال رسول الله: "من جهز ~~جيش العسرة فله الجنة" (4) . PageV01P029 # - حفره بئر رومة (1) : # واشترى بئر رومة من اليهود بعشرين ألف درهم، وسبلها للمسلمين. كان رسول ~~الله قد قال: "من حفر بئر رومة فله الجنة" (2) ### | [ص: 30] # وهذه البئر في عقيق المدينة: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"نعم القليب قليب المزني"، وهي التي اشتراها عثمان بن عفان فتصدق بها. وروي ~~عن موسى بن طلحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نعم الحفير ~~حفير المزني" - يعني رومة -، فلما سمع عثمان ذلك ابتاع نصفها بمائة بكرة ~~وتصدق بها على المسلمين فجعل الناس يستقون منها. فلما رأى صاحبها أنه امتنع ~~منه ما كان يصيب منها باعها من عثمان بشيء يسير فتصدق بها كلها. ~~PageV01P029 # - علمه وقراءته القرآن (1) : # كان عثمان أعلم الصحابة بالمناسك، وبعده ابن عمر. # وكان يحيي الليل، فيختم القرآن في ركعة، قالت امرأة عثمان حين قتل: لقد ~~قتلتموه وإنه ليحيي الليل كله بالقرآن في ركعة، وعن عطاء ابن أبي رباح: "إن ~~عثمان بن عفان صلى بالناس، ثم قام خلف المقام، فجمع كتاب الله في ركعة كانت ~~وتره فسميت بالبتيراء"، وكان يضرب المثل به في التلاوة، أما عمر بن الخطاب ~~فكان يضرب المثل به في قوة الهيبة، وعلي بن أبي طالب في القضاء. ~~PageV01P030 # - زيادته في المسجد النبوي (1) (سنة 29 ه/ 650 م) : # كان المسجد النبوي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيا باللبن ~~وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا وزاد ms013 فيه عمرا ~~وبناه على بنائه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد وأعاد ~~عمده خشبا، ثم غيره عثمان، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة ~~المنقوشة والفضة، وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج، وجعل أبوابه على ~~ما كانت أيام عمر ستة أبواب. # وروى يحيى عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: لما ولي عثمان بن عفان سنة ~~أربع وعشرين، كلمه الناس أن يزيد في مسجدهم، وشكوا إليه ضيقه يوم الجمعة، ~~حتى إنهم ليصلون في الرحاب. فشاور فيه عثمان أهل الرأي من أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فأجمعوا على أن يهدمه ### | [ص: 31] # ويزيد فيه، فصلى الظهر بالناس، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم ~~قال: "أيها الناس إني أردت أن أهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأزيد فيه وأشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من بنى ~~مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة" (2) ، وقد كان لي فيه سلف، وإمام سبقني ~~وتقدمني عمر بن الخطاب، كان قد زاد فيه وبناه، وقد شاورت أهل الرأي من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجمعوا على هدمه وبنائه وتوسيعه"، ~~فحسن الناس يومئذ ذلك ودعوا له، فأصبح، فدعا العمال وباشر ذلك بنفسه، وكان ~~رجلا يصوم الدهر ويصلي الليل، وكان لا يخرج من المسجد، وأمر بالفضة ~~المنخولة تعمل ببطن نخل، وكان أول عمله في شهر ربيع الأول من سنة 29 ه، ~~وفرغ منه حين دخلت السنة لهلال المحرم سنة 30 فكان عمله عشرة أشهر. # قال الحافظ ابن حجر: كان بناء عثمان للمسجد سنة ثلاثين على المشهور. ~~وقيل: في آخر سنة من خلافته. # وروى يحيى عن أفلح بن حميد عن أبيه قال: لما أراد عثمان أن يكلم الناس ~~على المنبر ويشاورهم قال له مروان بن الحكم (3) : فداك أبي وأمي، هذا أمر ~~خير لو فعلته ولم تذكر لهم، ### | [ص: 32] # فقال: وبحك، إني أكره أن يروا أني أستبد عليهم بالأمور، قال مروان: فهل ~~رأيت عمر ms014 حين بناه وزاد فيه ذكر لهم؟ قال: اسكت إن عمر اشتد عليهم فخافوه ~~حتى لو أدخلهم في جحر ضب دخلوا، وإني لنت لهم، حتى أصبحت أخشاهم. قال مروان ~~بن الحكم: فداك أبي وأمي لا يسمع هذا منك فيجترأ عليك. # وقد جعل عثمان طول المسجد مائة وستين ذراعا وعرضه مائة وخمسين. ~~PageV01P030 # - زيادته في المسجد الحرام (1) (سنة 26 ه/ 647 م) : # كان المسجد الحرام فناء حول الكعبة، وفناء للطائفين، ولم يكن له على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر رضي الله عنه جدار يحيط به، وكانت ~~الدور محدقة به، وبين الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية، فلما استخلف عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه، وكثر الناس وسع المسجد واشترى دورا وهدمها وزادها ~~فيه واتخذ للمسجد جدارا قصيرا دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه، وكان ~~عمر رضي الله عنه أول من اتخذ الجدار للمسجد الحرام. # فلما استخلف عثمان رضي الله عنه ابتاع منازل ووسعه بها أيضا، وبنى المسجد ~~الحرام، والأروقة، فكان عثمان رضي الله عنه أول من اتخذ للمسجد الأروقة (2) ~~. وكانت كسوة الكعبة في الجاهلية الأنطاع (3) والمغافر، فكساها رسول الله ~~الثياب اليمانية، ثم كساها عمر وعثمان القباطي (4) . PageV01P032 # - تحويل الساحل من الشعيبة إلى جدة: # في سنة 26 ه كلم أهل مكة عثمان رضي الله عنه أن يحول الساحل من الشعيبة، ~~وهي ساحل مكة قديما في الجاهلية إلى ساحلها اليوم وهي جدة لقربها من مكة. ~~فخرج عثمان إلى جدة ورأى موضعها، وأمر بتحويل الساحل إليها ودخل البحر ### | [ص: 33] # واغتسل فيه وقال: إنه مبارك، وقال لمن معه: ادخلوا البحر للاغتسال، ولا ~~يدخل أحد إلا بمئزر، ثم خرج من جدة على طريق عسفان إلى المدينة، وترك الناس ~~ساحل الشعيبة في ذلك الزمان واستمرت جدة بندرا إلى الآن لمكة المشرفة. # PageV01P032 # - أكل عثمان اللين من الطعام: # عن عمرو بن أمية الضمري، قال: إن قريشا كان من أسن منهم مولعا بأكل ~~الخزيرة (1) ، وإني كنت أتعشى مع عثمان خزيرا من طبخ من أجود ما رأيت قط، ~~فيها بطون ms015 الغنم وأدمها اللبن والسمن، فقال عثمان: كيف ترى الطعام؟ فقلت: ~~هذا أطيب ما أكلت قط، فقال: يرحم الله ابن الخطاب، أكلت معه هذه الخزيرة ~~قط؟ قلت: نعم، فكادت اللقمة تفرث (2) بين يدي حين أهوي بها إلى فمي وليس ~~فيها لحم، وكان أدمها السمن، ولا لبن فيها، فقال عثمان: صدقت، إن عمر رضي ~~الله عنه أتعب والله من تبع أثره، وأنه كان يطلب بثنيه عن هذه الأمور ظلفا ~~(3) . أما والله ما أكله من مال المسلمين ولكني أكله من مالي، أنت تعلم أني ~~كنت أكثر قريش مالا وأجدهم في التجارة، ولم أزل آكل من الطعام ما لان منه ~~وقد بلغت سنا، فأحب الطعام إلي ألينه ولا أعلم لأحد علي في ذلك تبعة. # وعن عبد الله بن عامر قال: كنت أفطر مع عثمان في شهر رمضان، فكان يأتينا ~~بطعام هو ألين من طعام عمر، قد رأيت على مائدة عثمان الدرمك (4) وصغار ~~الضأن كل ليلة وما رأيت عمر قط أكل من الدقيق منخولا، ولا أكل من الغنم إلا ~~مسانها. فقلت لعثمان في ذلك، فقال: يرحم الله عمر ومن يطيق ما كان عمر ~~يطيق!. PageV01P033 # - كرمه رضي الله عنه: # كان لعثمان على طلحة خمسون ألفا، فخرج عثمان يوما إلى المسجد فقال له ~~طلحة: قد تهيأ مالك فاقبضه. قال: هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك. # PageV01P033 # - بعض أحكامه: ### | [ص: 34] # استخف رجل بالعباس بن عبد المطلب، فضربه عثمان، فاستحسن منه ذلك وقال: ~~أيفخم رسول الله عمه وأرخص في الاستخفاف به، لقد خالف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من فعل ذلك ورضي به. # وحدث بين الناس النشو (1) ، فأرسل عثمان يطوف عليهم فمنعهم من ذلك، ثم ~~اشتد ذلك فأفشى الحدود ونبأ ذلك عثمان، وشكاه إلى الناس، فاجتمعوا على أن ~~يجلدوا في التنفيذ فأخذ نفر منهم وجلدوا. # وبلغ عثمان أن ابن ذي الحبكة النهدي يعالج نيرنجا (2) قال محمد بن سلمة: ~~إنما هو نيرنج، فأرسل إلى الوليد بن عقبة ليسأله عن ذلك فإن أقر به أوجعه، ~~فدعا به، فسأله، ms016 فقال: إنما هو رفق وأمر يعجب منه، فأمر، فعزر، وأخبر الناس ~~خبره وقرأ عليهم كتاب عثمان: "إنه قد جد بكم فعليكم بالجد وإياكم والهزال". ~~فكان الناس عليه وتعجبوا من عثمان على وقوف مثل خبره فغضب، فنفر في الذين ~~نفروا. PageV01P034 # - فراسته: # دخل رجل على عثمان فقال له عثمان: يدخل علي أحدكم والزنا في عينيه، فقال ~~الرجل: أوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال: لا، ولكن فراسة ~~صادقة. # PageV01P034 # - أوليات عثمان (1) : # هو أول من رزق المؤذنين، وأول من ارتج عليه في الخطبة، وأول من قدم ~~الخطبة في العيد على الصلاة، وأول من فوض إلى الناس إخراج زكاتهم، وأول من ~~ولي الخلافة في حياة أمه، وأول من اتخذ صاحب شرطة، وأول من هاجر بأهله من ~~هذه الأمة، وأول من جمع الناس على حرف واحد في القراءة، وأول من زاد النداء ~~الثالث يوم الجمعة على الزوراء، وأول من نخل له الدقيق، وأول من أقطع ~~القطائع، وأول من حمى الحمى لنعم الصدقة. PageV01P034 # - حجه رضي الله عنه (1) : ### | [ص: 35] # حج عثمان بالناس سنوات خلافته كلها إلا آخر حجة، وحج بأزواج النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما كان يصنع عمر. PageV01P034 # - قتله (1) : # قتل عثمان يوم الجمعة 18 ذي الحجة سنة 35 من الهجرة (يونيه سنة 656 م) ~~بعد العصر، وكان يومئذ صائما. قال ابن إسحاق: قتل عثمان على رأس إحدى عشرة ~~سنة وأحد عشر شهرا، واثنين وعشرين يوما من مقتل عمر بن الخطاب، وعلى رأس ~~خمس وعشرين من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم. PageV01P035 # - دفنه (1) : # دفن في حش كوكب وقد كان اشتراه ووسع به البقيع، ليلة السبت بين المغرب ~~والعشاء فصلى عليه جبير بن مطعم (2) وخلفه حكيم بن حزام (3) ، وأبو جهم بن ### | [ص: 36] # حذيفة (4) ، وسيأتي تفصيل قتله ودفنه في آخر هذا الكتاب إن شاء الله. ~~PageV01P035 # - ما خلف عثمان: # كان لعثمان عند خازنه يوم قتل 30. 500. 000 درهم ومن الدنانير 100. 50 أي ~~ما يزيد عن 800. 000 جنيه فانتهبت وذهبت، وترك 1000 بعير بالربذة. وترك ~~صدقات بها براديس وخيبر ووادي ms017 القرى قيمة 10. 000. 000 دينار. # PageV01P036 # - صدقاته: # عن ابن عباس قال: قحط الناس في زمان أبي بكر. فقال أبو بكر: لا تمسون حتى ~~يفرج الله عنكم. فلما كان من الغد جاء البشير إليه قال: لقد قدمت لعثمان ~~ألف راحلة برا وطعاما قال: فغدا التجار على عثمان، فقرعوا عليه الباب، فخرج ~~إليهم وعليه ملاءة قد خالف بين طرفيها على عاتقه. فقال لهم: ما تريدون؟ ~~قالوا: قد بلغنا أنه قدم لك ألف راحلة برا وطعاما. بعنا حتى نوسع به على ~~فقراء المدينة، فقال لهم عثمان: ادخلوا، فدخلوا، فإذا ألف وقر قد صدت في ~~دار عثمان فقال لهم: كم تربحوني على شرائي من الشام؟ قالوا: العشرة اثني ~~عشر. قال: قد زادوني. قالوا: العشرة أربعة عشر. قال: قد زادوني. قالوا: ~~العشرة خمسة عشر. قال: قد زادوني قالوا: من زادك ونحن تجار المدينة؟ قال: ~~زادوني بكل درهم عشرة. هل عندكم زيادة؟ قالوا: لا. قال: فأشهدكم معشر ~~التجار أنها صدقة على فقراء المدينة. # PageV01P036 # - خوفه: ### | [ص: 37] # كان لعثمان عبد فقال له: إني كنت عركت أذنك فاقتص مني، فأخذ بأذنه ثم قال ~~عثمان: اشدد، يا حبذا قصاص في الدنيا لا قصاص في الآخرة. وروي عنه أنه قال: ~~"لو أني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي لاخترت أن أكون رمادا ~~قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير". # PageV01P037 # - ثناء علي عليه: # قال علي رضي الله عنه: كان عثمان أوصلنا للرحم وأتقانا للرب. وقال رضي ~~الله عنه: أنا وطلحة والزبير وعثمان كما قال الله تعالى: {ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين} [الحجر: 47] . وسأله سائل عن عثمان ~~بعد قتله فقال له: إن عثمان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا ~~وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، والله يحب المحسنين. # PageV01P037 # - الأحاديث الواردة في فضله: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # -1- "اللهم إني رضيت عن عثمان فارض عنه". # -2- "غفر الله لك يا عثمان ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما ~~هو كائن إلى يوم القيامة". # -3- "عثمان أحيا أمتي وأكرمها". ms018 # -4- "عثمان في الجنة". # -5- "عثمان حيي تستحي منه الملائكة". # -6- عثمان رفيقي معي في الجنة". # -7- "عثمان وليي في الدنيا والآخرة". # -8- "رحمك الله يا عثمان ما أصبت من الدنيا، ولا أصابت منك". # -9- "يا عثمان إنك ستبلى بعدي فلا تقاتلن". # PageV01P037 # - عثمان وأبو عبيدة: # اختصم عثمان وأبو عبيدة عامر بن الجراح، فقال أبو عبيدة: يا عثمان تخرج ~~علي في الكلام وأنا أفضل منك بثلاث. فقال عثمان: وما هن؟ قال: الأولى إني ~~كنت يوم البيعة حاضرا وأنت غائب، والثانية شهدت بدرا ولم تشهده، والثالثة ~~كنت ممن ثبت يوم أحد ولم تثبت ### | [ص: 38] # أنت. فقال عثمان: صدقت، أما يوم البيعة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعثني في حاجة ومد يده عني، وقال: هذه يد عثمان بن عفان وكانت يده الشريفة ~~خيرا من يدي. وأما يوم بدر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلفني على ~~المدينة، ولم يمكنني مخالفته، وكانت ابنته رقية مريضة واشتغلت بخدمتها حتى ~~ماتت ودفنتها. وأما انهزامي يوم أحد فإن الله عفا عني وأضاف فعلي إلى ~~الشيطان. فقال تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم ~~الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} [آل عمران: ~~155] فخصمه عثمان وغلبه. # PageV01P037 ### | الفصل الثاني: خلافة عثمان بن عفان (1) رضي الله عنه (24 ه/ 644 م) . # PageV01P038 # - عثمان قبل الخلافة (2) : # كان عثمان رضي الله عنه تاجرا غنيا، جميل الصورة. وقد بادر إلى الإسلام ~~بناء على دعوة أبي بكر الصديق فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية ~~وهاجر بها إلى الحبشة، ثم زوجه أم كلثوم بعد وفاتها. وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يثق به ويحبه ويكرمه لحيائه، ودماثة أخلاقه، وحسن عشرته، ~~وما كان يبذله من المال لنصرة المسلمين، وبشره بالجنة كأبي بكر وعمر وعلي ~~وبقية العشرة، وأخبره بأنه سيموت شهيدا. # وكان أحد كتاب الوحي، لكن لم يكن له في الغزوات حظ كغيره من الصحابة مثل ~~أبي بكر، وعمر، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وجعفر، وطلحة، وخالد بن الوليد، ~~وغيرهم، ms019 فلم يرق دما، ولم يبارز أحدا، ولم يخرج أميرا على جيش في إحدى ~~السرايا، ولم يثبت في غزوة أحد مع رسول الله، واستخلفه رسول الله على ~~المدينة في غزوته إلى ذات الرقاع وإلى غطفان، وكان محبوبا من قريش، وكان ~~حليما، رقيق العواطف، كثير الإحسان. وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو عنه راض به، وروى عن رسول الله مائة وستة وأربعين حديثا، وكانت العلاقة ~~بيننا وبين أبي يكر وعمر وعلي على أحسن ما يرام، ولم يكن من الخطباء حتى ~~إنه قد ارتج عليه في أول خطبة خطبها، وكان أعلم الصحابة بالمناسك، حافظا ~~للقرآن، ولم يكن متقشفا مثل عمر بل كان يأكل اللين من الطعام. # هذه صفة عثمان رضي الله عنه قبل الخلافة (3) . PageV01P041 # - خلافة عثمان رضي الله عنه (سنة 24 ه/ 644 م) : ### | [ص: 42] # كانت مبايعة عثمان يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة 23 ه، واستقبل ~~الخلافة في المحرم سنة 24 ه، وقيل لهذه السنة عام الرعاف (1) ، لأنه كثر ~~فيها الرعاف (2) في الناس، ولي عثمان الخلافة وعمره 68 عاما ميلاديا، أو 70 ~~عاما هجريا، أي أنه كان في سن الشيخوخة (3) ، وقد كان عمر رضي الله عنه ~~يخشى أن يميل الخليفة بعده إلى أقاربه، ويحابيهم، ويحرم ذوي الكفايات فتسوء ~~الحال، فقال لعلي: إن وليت من أمر المؤمنين شيئا فلا تحملن بني عبد المطلب ~~على رقاب الناس. وقال لعثمان: يا عثمان إن وليت من أمر المسلمين شيئا فلا ~~تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس. وكذلك قال لعبد الرحمن بن عوف: فإن كنت ~~على شيء من أمر الناس يا عبد الرحمن فلا تحمل ذوي قرابتك على رقاب الناس. # أما أبو بكر رضي الله عنه فإنه قال لما اختار عمر للخلافة: "أترضون بمن ~~أستخلف عليكم فإني والله ما ألوت من جهد الرأي ولا وليت ذا قرابة، وإني قد ~~استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوه" (4) . # ثم إن عمر احتاط فأوصى الخليفة بعده بأن يبقى عماله سنة وليس في وسعه أن ms020 ~~يفعل أكثر من ذلك، ولندع ذلك الآن إلى فرصة أخرى. # لما بويع عثمان خرج إلى الناس وأراد أن يخطبهم فأرتج عليه، ثم قال بعد أن ~~حمد الله وأثنى عليه: # "أيها الناس إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطبة ~~على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلمنا الله" لكنه خطبهم خطبة أخرى ذكرها ~~الطبري (5) فقال: ### | [ص: 43] # "إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه ~~فلقد أتيتم صبحتهم أو مسيتم. ألا وإن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور. اعتبروا بمن مضى. ثم جدوا ولا ~~تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم. أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها ~~وعمروها ومتعوا بها طويلا؟ ألم تلفظهم؟ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، ~~واطلبوا الآخرة فإن الله قد ضرب لها مثلا والذي هو خير فقال: {واضرب لهم ~~مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض تذروه ~~الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا} إلى قوله أملا [الكهف: 45] وهذه خطبة ~~كما يراها القارئ في الزهد واحتقار الدنيا وعدم الركون إليها. # وأول ما فعل عثمان رضي الله عنه بعد البيعة، أنه جلس في جانب المسجد ودعا ~~عبيد الله بن عمر بن الخطاب (6) ، وكان قد قتل جماعة من الذين تسببوا في ~~قتل أبيه وشاور الأنصار في أمره وأشار علي بقتله. فقال عمرو بن العاص: لا ~~يقتل عمر بالأمس، ويقتل ابنه اليوم. فجعلها عثمان دية واحتملها وقال: أنا ~~وليه. # وكان زياد بن لبيد البياضي الأنصاري إذا رأى عبيد الله يقول: # ألا يا عبيد الله ما لك مهرب ... ولا ملجأ من ابن أروى ولا خفر # أصبت دما والله في غير حله ... حراما وقتل الهرمزان له خطر # على غير شيء غير أن قال قائل ... أتتهمون الهرمزان على عمر # فقال سفيه والحوادث جمة ... نعم أتهمه قد أشار وقد أمر # وكان سلاح العبد في جوف بيته ... يقلبها والأمر بالأمر يعتبر # كان الهرمزان (7) من قواد الفرس، وقد أسره المسلمون بتستر ms021 وأرسلوه إلى ~~المدينة في خلافة عمر بن الخطاب، فلما رأى عمر سأل: أين حرسه وحجابه؟ ~~قالوا: ليس له حارس ولا حاجب، ولا كاتب، ولا ديوان فقال: "ينبغي له أن يكون ~~نبيا"، ثم أسلم وفرض له عمر ألفين وأنزله بالمدينة. وقيل: إن السكين التي ~~قتل بها عمر رؤيت قبل قتله عند الهرمزان فلما بلغ عبيد ### | [ص: 44] # الله بن عمر ذلك ذهب إليه وقتله، فهذا هو الهرمزان المذكور في شعر زياد ~~بن لبيد. فشكا عبيد الله إلى عثمان زياد بن لبيد فنهى عثمان زيادا فقال في ~~عثمان: # أبا عمرو عبيد الله رهن ... فلا تشكك بقتل الهرمزان # أتعفو إذ عفوت بغير حق ... فما لك بالذي تحكي يدان # فدعا عثمان زيادا فنهاه وشذ به. PageV01P041 # - ولاية سعد بن أبي وقاص (1) الكوفة (2) (سنة 25 ه/ 646 م) : # كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه عزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة، وولى ~~مكانه المغيرة بن شعبة (3) ، وقد اتهم سعد بأنه لا يحسن الصلاة، وأن الصيد ~~يلهيه ولا يقسم بالسوية، ### | [ص: 45] # ولا يعدل في القضية. لكنها تهم لم تثبت، قد أذاعها بعض حساده، فأوصى عمر ~~رضي الله عنه الخليفة من بعده أن يستعمل سعدا وقال: "إني لم أعزله عن سوء ~~ولا خيانة". فكان أول عامل بعث به عثمان على الكوفة سعد، وعزل المغيرة الذي ~~كان يومئذ بالمدينة. وروى الواقدي أن عمر أوصى أن يقر عماله سنة، فلما ولي ~~عثمان أقر المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة، ثم عزله واستعمل سعد بن أبي ~~وقاص، ثم عزله واستعمل الوليد بن عقبة (4) . قال الطبري (5) : فإن كان ما ~~رواه الواقدي من ذلك فولاية سعد الكوفة من قبل عثمان كانت سنة 25 ه. ~~PageV01P044 ### | الفصل الثالث: كتب عثمان بن عفان رضي الله عنه. # PageV01P045 # - كتب عثمان (1) : PageV01P049 # - عزل سعد بن أبى وقاص عن الكوفة وتولية الوليد بن عقبة (1) : # لم تطل ولاية سعد على الكوفة فعزله عثمان وولى بعده الوليد بن عقبة ~~والسبب في عزل سعد هو أنه استقرض من عبد الله بن مسعود (2) من بيت ms022 المال ~~مالا فأقرضه، فلما تقاضاه لم يتيسر ### | [ص: 51] # عليه فارتفع بينهما الكلام حتى استعان عبد الله بأناس على استخراج المال، ~~واستعان سعد بأناس على استنظاره فاقتربوا وبعضهم يلوم بعضا. يلوم هؤلاء ~~سعدا ويلوم هؤلاء عبد الله. # عن قيس بن أبي حازم قال: كنت جالسا عند سعد وعنده ابن أخيه هاشم بن عتبة ~~(3) فأتى ابن مسعود سعدا فقال له: أد المال الذي قبلك. فقال له سعد: ما ~~أراك إلا ستلقى شرا. هل أنت إلا ابن مسعود عبد من هذيل؟! فقال: أجل والله ~~إني لابن مسعود وإنك لابن حمينة. فقال هاشم: إنكما لصاحبا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ينظر إليكما. فطرح سعد عودا كان في يده وكان رجلا فيه حدة ~~ورفع يديه. وقال: اللهم رب السماوات والأرض. فقال عبد الله: ويلك قل خيرا ~~ولا تلعن. فقال سعد عند ذلك: أما والله لولا اتقاء الله لدعوت عليك دعوة لا ~~تخطئك. فولى عبد الله سريعا حتى خرج، وكان سعد بن أبي وقاص مجاب الدعوة. # غضب عثمان رضي الله عنه على سعد وعلى ابن مسعود بسبب هذه المشادة فعزل ~~سعدا ولم يعزل ابن مسعود، بل أقره واستعمل الوليد بن عقبة، وكان عاملا لعمر ~~على ربيعة بالجزيرة، فقدم الكوفة، فلم يتخذ لداره بابا حتى خرج من الكوفة. # ولعل القارئ يعجب لماذا أقر عثمان ابن مسعود ولم يعزله؟ فنقول إن عبد ~~الله بن ### | [ص: 52] # مسعود لما كان غلاما كان يرعى أغنام عقبة بن أبي معيط (4) ، وكان إسلامه ~~قديما، وهو أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ~~راع لعقبة بن أبي معيط - والد الوليد - أي أنه من أتباع بني أمية، وكان عمر ~~رضي الله عنه بعثه إلى الكوفة معلما ووزيرا، ثم إن ابن مسعود لم يكن واليا ~~حتى يعزله عثمان رضي الله عنه، بل كان وزيرا للمالية. # أما الوليد الذي خلف سعدا فهو أموي، أخو عثمان لأمه، أسلم يوم الفتح، ولا ~~خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن أن قوله عز وجل: ms023 {إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا} [الحجرات: 6] نزلت في الوليد بن عقبة وذلك أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعثه مصدقا إلى بني المصطلق فعاد وأخبر عنهم أنهم ارتدوا ومنعوا ~~الصدقة، وذلك أنهم خرجوا إليه يتلقونه فهابهم، فانصرف عنهم، فبعث إليهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد (5) فأخبروه أنهم متمسكون ~~بالإسلام ونزلت: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} ~~[الحجرات: 6] ### | [ص: 53] # لما قدم الوليد على سعد قال له: والله ما أدري أكست (6) بعدنا أم حمقنا ~~بعدك؟! فقال: "لا تجز عن أبي إسحاق فإنما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه ~~آخرون". فقال سعد: "أراكم والله ستجعلونه ملكا". وكان الوليد من رجال قريش ~~ظرفا وحلما وشجاعة وأدبا، وكان من الشعراء المطبوعين. # قال الطبري (7) : فقدم الوليد في السنة الثانية من إمارة عثمان، وقد كان ~~سعد عمل عليها سنة وبعض أخرى فقدم الكوفة، وكان أحب الناس في الناس وأرفقهم ~~بهم، فكان كذلك خمس سنين وليس على داره باب. # وحدثنا أبو فرج الأصفهاني في الجزء الخامس من الأغاني عن سبب تولية ~~الوليد الكوفة فقال: # لم يكن يجلس مع عثمان رضي الله عنه على سريره إلا العباس ابن عبد المطلب ~~وأبو سفيان بن حرب والحكم بن العاص والوليد بن عقبة، فأقبل الوليد يوما ~~فجلس، ثم أقبل الحكم. فلما رآه عثمان زحل (8) له عن مجلسه فلما قام الحكم ~~قال له الوليد: والله يا أمير المؤمنين، لقد تلجلج في صدري بيتان قلتهما ~~حين رأيتك آثرت عمك على ابن أمك. فقال له عثمان رضي الله تعالى عنه: إنه ~~شيخ قريش، فما البيتان اللذان قلتهما؟ قال: قلت: # رأيت لعم المرء زلفى قرابة ... دون أخيه حادثا لم يكن قدما # فأملت عمرا أن يشب وخالدا ... لكي يدعواني يوم مزحمة عما # يعني عمرا وخالدا ابني عثمان. فرق له عثمان وقال له: قد وليتك العراق - ~~يعني الكوفة - اه. ولا يصدق إنسان يعرف مكانة عثمان رضي الله عنه أنه ولى ~~الوليد الكوفة بعد أن أنشده هذين البيتين إرضاء له. PageV01P050 # - نقض أهل ms024 الإسكندرية الصلح (1) (سنة 25 ه/ أواخر سنة 645 م) : # جاء في دائرة المعارف البريطانية أنه بعد استيلاء العرب على الإسكندرية ~~بقليل، انتهز ### | [ص: 54] # الروم فرصة تغيب عمرو بن العاص (2) وارتحال جزء كبير من جيشه. فاستولوا ~~على الإسكندرية. فلما بلغ عمرو بن العاص ذلك عاد سريعا واستولى على ~~المدينة، وهذا يوافق ما جاء في ابن الأثير. # كان استيلاء الرومان على الإسكندرية في أوائل سنة 25 ه وأواخر سنة 645 م ~~وكان عمرو بن العاص استخلف على الإسكندرية عبد الله ابن حذافة (3) . قال ~~الأستاذ بتلر: "وعلى كل حال فمن المؤكد أنه قد عزل قبل نزول الجيش الروماني ~~إلى البر، وأن خلفه لم يكن كفأ فترك وسائل الدفاع في حالة ضعف شديد". # أما رواية الطبري (4) فتفيد أن عمرو بن العاص كان قد استدعي إلى مكة، ~~فلما ذاعت أخبار الثورة في الإسكندرية صدرت الأوامر إليه بتولي القيادة. # وجاء في تاريخ كامبردج للقرون الوسطى (5) ما يؤيد استدعاء عمرو بن العاص ~~بعد عزله وتولية عبد الله. # كاتب الروم قسطنطين بن هرقل (6) - وكان الملك يومئذ - يخبرونه بقلة من ~~عندهم من ### | [ص: 55] # المسلمين - وكانوا ألف جندي - وبما هم فيه من الذلة وأداء الجزية، فبعث ~~رجلا من أصحابه يقال له: "أمنويل Emanuel The Eunuch" في ثلاثمائة مركب ~~مشحونة بالمقاتلة - ولم يكن للمسلمين أسطول كالأسطول الروماني. وقد رست هذه ~~المراكب في ميناء الإسكندرية بلا إنذار، فقتل حرس الإسكندرية من المسلمين - ~~ويبلغون ألفا - ولم ينج منهم إلا القليل. ولم يقتصر الجيش الروماني على ~~الاستيلاء عليها، بل توغلوا في البلاد والقرى المجاورة في أرض الدلتا ~~واستولوا على الغلال والأموال بلا حساب، وعاملوا الأهالي معاملة الأعداء ~~المحاربين. # كان العنصر الروماني في الإسكندرية هو السائد، ويرى الأستاذ بتلر أن ~~الجيش الروماني لو استمر في زحفه إلى الفسطاط بدلا من ضياع الوقت في بلاد ~~الدلتا، لكان في وسعه التغلب على عبد الله بن أبي سرح (7) وإعادة حصن ~~بابليون، ولكنهم لم يقدموا على ذلك وبذا مكنوا عمرو بن العاص من إعادة ~~مركزه وتنظيم جيشه اه. # سار ms025 عمرو في خمسة عشر ألفا، والتقى بالجيش الروماني الذي يفوقه عددا ب ~~"نقيوس"، فالتحمت بينهم الحرب، فاقتتلوا قتالا شديدا، وأصيب جواد عمرو بن ~~العاص بسهم فنزل واضطر أن يحارب على قدميه، وانتهى الأمر بانهزام جيش ~~"أمنويل" وفراره نحو الإسكندرية في حالة ارتباك عظيم، فتحصنوا بها، فقاتلهم ~~عمرو أشد قتال، ونصب المجانيق فأخذت جدرها، وألح بالحرب حتى دخلها بالسيف ~~عنوة، وقتل أمنويل وهدم المسلمون جدار الإسكندرية، وكان عمرو نذر لئن فتحها ~~ليفعلن ذلك. ووضع عمرو على أرض الإسكندرية الخراج، وعلى أهلها الجزية، ~~وبذلك استولى العرب للمرة الثانية. ويقول الأستاذ بتلر: "إن ذلك كان صيف ~~سنة 646 م" ### | [ص: 56] # روى البلاذري عن يزيد بن أبي حبيب (8) قال: "كان عثمان عزل عمرو بن العاص ~~عن مصر وجعل عليها عبد الله بن سعد، فلما نزلت الروم الإسكندرية سأل أهل ~~مصر عثمان أن يقر عمرا حتى يفرغ من قتال الروم، لأن له معرفة بالحرب رهيبة ~~في أنفس العدو حتى هزم الخ". # وقد أخطأ مؤرخو العرب فقالوا: إن المقوقس كان حيا في هذه الغزوة والحقيقة ~~أنه كان قد مات منذ زمن طويل، كما قرر الأستاذ بتلر، وقد أدرك البلاذري خطأ ~~وجود المقوقس في ذلك الوقت فقال ما نصه: # "وروي أن المقوقس اعتزل أهل الإسكندرية حين نقضوا فأقره عمرو ومن معه على ~~أمرهم الأول، وروي أيضا أنه كان قد مات قبل الغزاة". # والحقيقة أن بنيامين كان بطريركا وزعيما للوطنيين المصريين فظن المؤرخون ~~أنه المقوقس، وهذا خلط في الحوادث والتواريخ، وقد كانت وفاة المقوقس في 21 ~~مارس سنة 642 م (9) على ما جاء في تاريخ كامبردج للقرون الوسطى. أما ~~الأستاذ بتلر فيؤرخ وفاته 14 يوليه سنة 642 م. ولم يكن البطريرك بنيامين ~~موجودا في الإسكندرية عند دخول الروم، ويظن أنه هرب، لكنه على كل حال بقي ~~مواليا للعرب، ولم ينقض صلحهم، بل الذي نقضه الروم. # كانت نتيجة نقض الإسكندرية الصلح أن استولى عليها العرب مرة ثانية، ~~وقتلوا الروم، ولم يكن هناك سبب واضح لنقض معاهدة الصلح، فما فعله ms026 ~~الإمبراطور كان مخالفا للقوانين الحربية، كما قال الأستاذ بتلر، ولا يوجد ~~ما يبرره فلا غرو إذا عامل العرب الثائرين بالشدة، ثم إن عمرا بعد أن أخضع ~~الثوار في الإسكندرية ذهب لإخضاع المدن التي ثارت في الدلتا. ولما تم له ~~ذلك أرسل الأسرى إلى المدينة فأعادهم عثمان رضي الله عنه. # وكان الروم لما خرجوا من الإسكندرية قد أخذوا أموال أهل تلك القرى من ~~وافقهم ومن خالفهم، فلما ظفر بهم المسلمون جاء أهل القرى الذين خالفوهم ~~فقالوا لعمرو بن العاص: إن الروم أخذوا دوابنا وأموالنا، ولم نخالف نحن ~~عليكم، وكنا على الطاعة. فرد عليهم ما عرفوا من أموالهم بعد إقامة البينة ~~هذا ما ذكره ابن الأثير وأشار إليه الأستاذ بتلر معترفا بفضل المبادئ التي ### | [ص: 57] # سار عليها عمرو في إدارة حكومته وبشرف طبيعته، وكان أهل هذه القرى ~~المذكورة الذين تظلموا لعمرو من الروم أقباطا. PageV01P053 # - غزو أرمينية وآذربيجان (1) (سنة 25 ه/ 646 م) : # قلنا إن الوليد بن عقبة تولى مكان سعد بن أبي وقاص في الكوفة فعزل عتبة ~~بن فرقد عن آذربيجان، وكان أميرا عليها لعمر بن الخطاب. وروى الطبري أنه ~~كان بالري وآذربيجان 10,000 مقاتل من أهل الكوفة 6000 بآذربيجان، و 4000 ~~بالري، وكان بالكوفة 40. 000. فنقض أهل أرمينية وآذربيجان الصلح بعد أن عزل ~~الوليد عتبة ابن فرقد فغزاهم الوليد. # فدعا سلمان بن ربيعة الباهلي (2) ، فبعثه أمامه مقدمة له، وخرج الوليد في ~~جيش وهو يريد التوغل في أرض أرمينية فمضى حتى دخل آذربيجان. # وبعث عبد الله بن شبيل بن عوف الأحمسي في 4000 فأغار على أهل موقان ~~والببر والطيلسان ورجع إلى الوليد. # ثم صالح الوليد أهل آذربيجان على 800. 000 درهم، وذلك هو الصلح الذي ~~كانوا صالحوا ### | [ص: 58] # عليه حذيفة بن اليمان (3) سنة 22 ه بعد موقعة نهاوند بسنة، ثم إنهم ~~حبسوها عند وفاة عمر. فلما هزمهم الوليد وصالحهم قبض منها المال وبث فيمن ~~حولهم من الأعداء الغارات. # ولما عاد عبد الله بن شبيل من غارته بعث سلمان بن ربيعة الباهلي إلى ~~أرمينية في ms027 12000، فهزمهم (4) . PageV01P057 # - معاوية بن أبي سفيان (1) يطلب المدد (2) : # بعد أن عاد الوليد بن عقبة من الغزو أتاه كتاب عثمان رضي الله عنه هذا ~~نصه ### | [ص: 59] # "أما بعد فإن معاوية بن أبي سفيان كتب إلي يخبرني أن الروم قد أجلبت على ~~المسلمين بجموع عظيمة، وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة، فإذا أتاك ~~كتابي هذا فابعث رجلا ممن ترضى نجدته وبأسه وشجاعته وإسلامه في ثمانية آلاف ~~أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إليهم من المكان الذي يأتيك فيه رسولي والسلام". # يرى القارئ من ذلك أن أهالي البلاد التي دخلت في حوزة الإسلام انتهزوا ~~فرصة وفاة عمر رضي الله عنه لمحاربة المسلمين فنقض أهل الإسكندرية الصلح، ~~لكن عمرو بن العاص هزمهم، ونقض كذلك أهل أرمينية وآذربيجان صلحهم فهزمهم ~~الوليد، والآن نجد معاوية بالشام يطلب المدد، لأن الروم جمعوا جيوشهم ~~وأجلبوا على المسلمين. # وبعد أن وصل إلى الوليد كتاب الخليفة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ~~وقال: # "أما بعد، أيها الناس فإن الله قد أبلى المسلمين في هذا الوجه بلاء حسنا، ~~رد عليهم بلادهم التي كفرت، وفتح بلادا لم تكن افتتحت، وردهم سالمين غانمين ~~مأجورين، فالحمد لله رب العالمين. وقد كتب أمير المؤمنين يأمرني أن أندب ~~منكم ما بين العشرة الآلاف إلى الثمانية الآلاف. تمدون إخوانكم من أهل ~~الشام فإنهم قد جاشت عليهم الروم وفي ذلك الأجر العظيم، والفضل المبين ~~فانتدبوا رحمكم الله مع سلمان بن ربيعة الباهلي". # فانتدب الناس وخرج ثمانية آلاف رجل من أهل الكوفة فمضوا حتى دخلوا مع أهل ~~الشام أرض الروم وعلى جند أهل الشام حبيب بن مسلمة بن خالد الفهري (3) وعلى ~~جند أهل الكوفة سلمان بن ربيعة فصد المسلمون هجوم الروم، فأصاب الناس ما ~~شاءوا من سبي وغنائم، وافتتحوا حصونا كثيرة، وساروا منتصرين حتى بلغوا آسيا ~~الصغرى مجتازين أرمينية فوصلوا طبرستان ### | [ص: 60] # واتصلوا بزملائهم على الشاطئ الشرقي لبحر قزوين، واتجهوا نحو الشمال إلى ~~أن وصلوا تفليس والبحر الأسود. فهذا نصر عظيم وتوسع في الفتح سريع لا نظير ms028 ~~له في تاريخ العالم. PageV01P058 # - عزل عمرو بن العاص عن مصر (1) وفتح أفريقية (سنة 26 ه/ 647 م) : # لما ولي عثمان أقر عمرو بن العاص على عمله، وكان لا يعزل أحدا إلا عن ~~شكاة، أو استعفاء من غير شكاة، ثم عزل عمرو بن العاص عن خراج مصر، واستعمل ~~عليه عبد الله بن سعد بن أبي سرح أمير الصعيد في زمن عمر بن الخطاب. # كان عمرو بن العاص صاحب السلطة في مصر زمن عمر رضي الله عنه، فكان قائد ~~الجيش، وصاحب الخراج، لكن عمر كان يستبطئ عمرا في جمع الخراج، ويستقل ما ~~يجبيه من مصر. ومما كتبه له في هذا الشأن: "وأعجب ما عجبت أنها - أي مصر - ~~لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحط ولا جدب". لكن ~~يلاحظ أن عمرو بن العاص ألغى كثيرا من الضرائب التي كانت تجبى في عهد ~~الدولة الرومانية، وكانت سبب شكوى المصريين وتألمهم من الحكم الروماني. # وعلى كل حال لم يفكر عمر بن الخطاب في نزع الخراج من عمرو وقصره على ~~الحرب مع تشدده عليه في جباية الخراج. فلما ولي عثمان رأى إسناد الخراج إلى ~~عبد الله بن سعد أبي سرح (2) وكان أخا عثمان من الرضاعة (أرضعت أمه عثمان) ~~، فكتب عبد الله إلى عثمان يقول: إن عمرا كسر علي الخراج، وكتب عمرو يقول: ~~إن عبد الله قد كسر علي مكيدة الحرب، فعزل عثمان عمرا واستقدمه واستعمل ~~بدله عبد الله على حرب مصر وخراجها، أي أنه أعطاه السلطة التي كانت مخولة ~~لعمرو من قبل، فقدم عمرو مغضبا، فدخل على عثمان وعليه جبة محشوة فقال: ما ~~حشو جبتك؟ قال: عمرو، فقال عثمان: قد علمت أن حشوها عمرو ولم أرد هذا، إنما ~~سألتك أقطن هو أم غيره؟ ثم بعث عبد الله بن سعد إلى عثمان بمال من مصر قد ~~حشد فيه، فدخل عمرو على عثمان فقال عثمان: يا عمرو هل تعلم أن تلك اللقاح ~~(3) درت بعدك؟ فقال عمرو: إن فصالها هلكت. يريد عثمان أن ms029 مصر قد كثر خراجها ~~على يد عبد الله بن سعد، فقال له عمرو: إن فصالها هلكت أي أن أولاد اللقاح ~~قد هلكت بحرمانها من اللبن، يريد أن في ذلك إرهاقا لأهالي مصر وتحميلهم ما ~~لا يطاق ### | [ص: 61] # وهذه الزيادة التي أخذها عبد الله، إنما هي على الجماجم فإنه أخذ عن كل ~~رأس دينارا خراجا عن الخراج فحصل لأهل مصر بسبب ذلك الضرر الشامل. وكانت ~~هذه أول شدة وقعت لأهل مصر في مبتدأ الإسلام، ويقال: إن عبد الله جبى خراج ~~مصر في تلك السنة 14. 000. 000 دينارا بعد أن كان 12. 000. 000 زمن عمرو بن ~~العاص، وهذا ما دعا عثمان رضي الله عنه إلى توجيه اللوم إلى عمرو، فكان ~~جوابه ما ذكر. # كان عبد الله من جند مصر، وكان قد أمره عثمان بغزو أفريقية سنة خمس ~~وعشرين وقال له عثمان: إن فتح الله عليك فلك من الفيء خمس الخمس نفلا. وأمر ~~عبد الله بن نافع بن عبد القيس وعبد الله بن نافع بن الحارث (4) على جند ~~وسرحهما، وأمرهما بالاجتماع مع عبد الله بن سعد صاحب أفريقية، ثم يقيم عبد ~~الله في عمله، فخرجوا حتى قطعوا أرض مصر، وكان من بين الجيش الذي أرسله ~~عثمان جماعة من أعيان الصحابة منهم: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن ~~العاص، وابن جعفر، والحسن، والحسين، فسار بهم عبد الله بن سعد إلى أن وصلوا ~~برقة فلقيهم عقبة بن نافع (5) فيمن معه من المسلمين، وساروا إلى طرابلس ~~الغرب في جيش عدده ### | [ص: 62] # 40. 000 فنهبوا من عندها من الروم، وسار نحو شمال أفريقية وبث السرايا في ~~كل ناحية، وكان ملكهم اسمه جرجير (Greaorius) وملكه من طرابلس إلى طنجة (6) ~~فلما بلغه خبر المسلمين، تجهز وجمع العساكر وأهالي البلاد من قبائل البربر ~~غير المدربين على القتال فبلغ عسكره 120. 000، والتقى هو والمسلمون في مكان ~~بينه وبين سبيطلة يوم وليلة، وهذه المدينة كانت في ذلك الوقت دار الملك ~~(Sujetula) ، بينها وبين القيروان سبعون ميلا، وكان بها حصن قوي، فأقاموا ~~هناك يقتتلون كل يوم. ms030 وراسله عبد الله بن سعد يدعوه إلى الإسلام، أو الجزية ~~فامتنع منهما وتكبر عن قبول أحدهما. وقيل: كان عدد جيش المسلمين 20. 000 ~~وانقطع خبر المسلمين عن عثمان فسير عبد الله بن الزبير (7) في جماعة إليهم ~~ليأتيه بأخبارهم. فسار مجدا ووصل إليهم، وأقام، ولما وصل كثر الصياح ~~والتكبير في المسلمين، فسأل جرجير عن الخبر! فقيل: قد أتاهم عسكر ففت ذلك ~~في عضده. ورأى عبد الله بن الزبير قتال المسلمين كل يوم من الصباح إلى ~~الظهر فإذا أذن بالظهر عاد كل فريق إلى خيامه وشهد القتال من الغد فلم ير ~~ابن أبي سرح معهم، فسأل عنه، فقيل: إنه ### | [ص: 63] # سمع منادي جرجير يقول: من قتل عبد الله بن سعد، فله مائة ألف دينار ~~وأزوجه ابنتي، وهو يخاف. فحضر عنده (في خيمته) وقال له: تأمر مناديا ينادي ~~من أتاني برأس جرجير نفلته مائة ألف، وزوجته ابنتك، واستعملته على بلاده، ~~ففعل ذلك، فصار جرجير يخاف أشد من عبد الله. # ثم إن عبد الله بن الزبير قال لعبد الله بن سعد: إن أمرنا يطول مع هؤلاء ~~وهم في أمداد متصلة وبلادهم لهم، ونحن منقطعون عن المسلمين وبلادهم، وقد ~~رأيت أن نترك غدا جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم متأهبين ونقاتل ~~نحن الروم في باقي العسكر إلى أن يضجروا أو يملوا، فإذا رجعوا إلى خيامهم ~~ورجع المسلمون ركب من كان في الخيام من المسلمين ولم يشهدوا القتال وهم ~~مستريحون، ونقصدهم على غرة، فلعل الله ينصرنا عليهم. فأحضر جماعة من أعيان ~~الصحابة واستشارهم، فوافقوه على ذلك، فلما كان الغد فعل عبد الله ما اتفقوا ~~عليه، وأقام جميع شجعان المسلمين في خيامهم وخيولهم عندهم مسرجة، ومضى ~~الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر قتالا شديدا. فلما أذن بالظهر هم الروم ~~بالانصراف على العادة فلم يمكنهم ابن الزبير وألح عليهم بالقتال حتى ~~أتعبهم، ثم عاد عنهم هو والمسلمون فكل من الطرفين ألقى سلاحه ووقع تعبا ~~فعند ذلك أخذ عبد الله بن الزبير من كان مستريحا من شجعان المسلمين وقصد ~~الروم، ms031 فلم يشعروا بهم حتى خالطوهم وحملوا عليهم حملة رجل واحد وكبروا فلم ~~يتمكن الروم من لبس السلاح حتى غشيهم المسلمون. PageV01P060 # - قتل جرجير وانهزام الروم (1) # انتصر المسلمون بفضل الخطة التي دبرها عبد الله بن الزبير، لأن الجيشين ~~اعتادا القتال إلى الظهر وطرح السلاح والركون إلى الراحة بعد العناء من ~~القتال، ثم استئناف الحرب في اليوم التالي وهكذا. ولو بقي الحال على هذا ~~المنوال لطال أمد القتال بلا جدوى لكن عبد الله رأى أن يحارب بنصف الجيش في ~~الصباح والنصف الآخر بعد الظهر حتى لا يتمكن العدو من الراحة كما ألف. # وعبد الله بن الزبير بن العوام أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات ~~النطاقين - وهو أول ### | [ص: 64] # مولود في الإسلام بعد الهجرة - فحنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمرة ~~لاكها في فيه، ثم حنكه بها، فكان ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم أول شيء ~~دخل جوفه، وسماه عبد الله، وكان صواما قواما، طويل الصلاة، عظيم الشجاعة. ~~وقد أخطأ جيبون في كتابه: "سقوط الدولة الرومانية" فتوهم أن الذي انتصر في ~~هذه الموقعة هو الزبير نفسه الذي تسلق حصن بابليون، والصواب أنه عبد الله ~~بن الزبير، كما ذكره ابن الأثير وابن خلدون. # انهزم الروم وقتل منهم خلق كثير وقتل جرجير. قتله ابن الزبير وأخذت ابنته ~~سبية وكانت تحارب مع أبيها وهي موصوفة بالجمال وتحسن ركوب الخيل وتجيد ~~الرمي. وحاصر المدينة عبد الله بن سعد حتى فتحها ووجد فيها من الأموال شيئا ~~كثيرا، وكان سهم الفارس 3000 دينار وسهم الراجل ألفا، وقد دام القتال خمسة ~~عشر شهرا. # ولما فتح عبد الله مدينة سبيطلة بث جيوشه في البلاد، فبلغت قفصة (2) ~~فسبوا وغنموا، وسير عسكره إلى حصن الأجم، وقد احتمى به أهل تلك البلاد ~~فحاصره، وفتحه بالأمان، فصالحه أهل أفريقية على 2. 500. 000 دينار (3) . ~~ونفل عبد الله بن الزبير ابنة الملك، وأرسل إلى عثمان البشارة، وكان مقام ~~عبد الله بن سعد سنة وثلاثة أشهر وذلك سنة 27 ه، وحمل الخمس إلى المدينة ~~فاشتراه مروان بن ms032 الحكم بمبلغ 500. 000 دينار فوضعها عنه عثمان، وكان هذا ~~مما أخذ عليه (4) . # ومروان بن الحكم هو ابن عم عثمان، وكان مع أبيه بالطائف حتى استخلف عثمان ~~فردهما، واستكتب عثمان مروان وضمه إليه. # وفي ذلك بقول عبد الرحمن الكندي: # سأحلف بالله جهد اليمي ... ن (اليمين) ما ترك الله أمرا سدى # ولكن خلقت لنا فتنة ... لكي نبتلي بك أو تبتلي # دعوت اللعين فأدنيته ... خلافا لسنة من قد مضى # وأعطيت مروان خمس العبا ... د (العباد) ظلما لهم وحميت الحمى # كان بيع خمس الغنائم لمروان (5) مما أخذ على عثمان رضي الله عنه: ### | [ص: 65] # أولا: لأن مروان ابن عمه. # ثانيا: لأنه لا يعلم على أي أساس قدر الخمس بهذا المبلغ فقد يساوي أضعاف ~~ذلك. # ثالثا: لأن عثمان هو الذي دفع المبلغ. # رابعا: لأنه لم تجر سنة رسول الله وأبي بكر وعمر ببيع الغنائم لا إلى ~~غريب، ولا إلى قريب، بل كانت توزع على المسلمين في الحال. أما ابن الزبير ~~فإنه رجع إلى عثمان بالبشارة بفتح أفريقية ومعه ابنة جرجير. وقيل: بل وقعت ~~لرجل آخر من الأنصار. PageV01P063 # - فتح قبرص (1) (سنة 28 ه/ 649 م) : # قبرص (2) من أكبر جزائر البحر الأبيض المتوسط في أقصى شرقيه، وهي جزيرة ~~جبلية بها سلسلتان من الجبال. يشتغل أهلها بالزراعة وأرضها خصبة جدا، وكانت ~~تابعة للإمبراطورية الرومانية. كان فتح قبرص على يد معاوية سنة 28 ه غزاها ~~في هذه السنة، وغزاها معه جماعة من الصحابة، فيهم أبو ذر (3) ، ### | [ص: 66] # وعبادة بن الصامت (4) ، ومعه زوجته أم حرام (5) ، وأبو الدرداء (6) ، ~~وشداد بن أوس (7) . واستعمل عليهم عبد الله بن قيس الحارثي (8) . وكان ~~معاوية قد ألح على عمر بن الخطاب في غزو ### | [ص: 67] # البحر لقرب الروم من حمص. وقال: إن قرية من قرى حمص ليسمع أهلها نباح ~~كلابهم وصياح دجاجهم. فكتب عمر إلى عمرو بن العاص: صف لي البحر وراكبه. ~~فكتب إليه عمرو بن العاص: # "إني رأيت خلقا كبيرا يركبه خلق صغير ليس إلا السماء والماء. إن ركد خرق ~~القلوب وإن تحرك أزاغ العقول. يزاد فيه ms033 اليقين قلة. والشك كثرة. وهم فيه ~~كدود على عود إن مال غرق وإن اعتدل برق" (9) . # فلما قرأ الكتاب عمر كتب إلى معاوية: # "والذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق لا أحمل فيه مسلما أبدا، وقد ~~بلغني أن بحر الشام يشرف على أطول شيء من الأرض فيستأذن الله في كل يوم ~~وليلة أن يغرق الأرض!! فكيف أحمل الجنود على هذا الكافر بالله، لمسلم أحب ~~إلي مما حوت الروم وإياك أن تعرض إلي فقد علمت ما لقي العلاء مني" (10) . # إن هذا الكتاب غريب فإنه يدل على أن العرب كانوا يخشون البحر، وقد حسبه ~~عمر خطرا يهدد الأرض بالغرق كل يوم وليلة واعتبره كافرا. وعلى كل حال كان ~~عمر رضي الله عنه يكره أن يجازف بالمسلمين في البحر. # فلما كان زمن عثمان رضي الله عنه كتب إليه معاوية يستأذنه في غزو البحر ~~وألح عليه في ذلك. وأخيرا أجابه عثمان. ولكنه احتاط فلم يجعل التجنيد ~~إجباريا بل جعله اختياريا حيث قال: # "لا تنتخب الناس ولا تقرع بينهم. خيرهم، فمن اختار الغزو طائعا فاحمله ~~وأعنه". وبهذه نراه أجاب معاوية من جهة، ومن جهة أخرى لم يجازف بإرسال ~~المسلمين، فجعل التجنيد ### | [ص: 68] # اختياريا حتى إذا ما هزموا لم يكن ملوما، والظاهر أنه كان لا يزال متأثرا ~~برأي عمر من حيث تخوفه من البحر. فأول أسطول جهزه المسلمون كان لغزو قبرص ~~سنة 28 ه تحت قيادة عبد الله بن قيس، وسار إليها عبد الله بن سعد من مصر ~~بسفن أقلعت من الإسكندرية فاجتمعوا غليها فصالحهم أهلها على جزية 7000 ~~دينار كل سنة (11) يؤدون إلى الروم مثلها ولا منعة لهم على المسلمين ممن ~~أرادهم من سواهم، وعلى أن يكونوا عونا للمسلمين على عدوهم ويكون طريق الغزو ~~للمسلمين عليهم. وعلى ذلك أخذت قبرص بسهولة فقد كانت الحامية المسيحية فيها ~~ضعيفة. وقيل: إن عبد الله بن قيس غزا في البحر خمسين غزوة بين شاتية ~~وصائفة، ولم يغرق فيه أحد، ثم إنه قتل عندما كان مشتغلا بكشف مرفأ في ~~الروم، ms034 إذ خرج في قارب طليعة، فانتهى إلى المرفأ من أرض الروم، فعرفوه ~~وقتلوه، ذلك في آخر زمان عبد الله بن قيس الحارثي. # وفي هذه الغزوة ماتت أم حرم بيت ملحان الأنصارية زوجة عبادة بن الصامت. ~~ألقتها بغلتها بجزيرة قبرص فاندقت عنقها فماتت تصديقا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمها ويزورها في بيتها ويقيل ~~عندها، وأخبرها أنها شهيدة. ففي ذات يوم نام في بيتها فاستيقظ وهو يضحك ~~وقال: "عرض علي ناس من أمتي يركبون ظهر البحر الأخضر كالملوك على الأسرة". ~~فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. قال: "إنك منهم". ثم نام ~~فاستيقظ وهو يضحك فقالت: يا رسول الله ما يضحكك؟! قال: "عرض علي ناس من ~~أمتي يركبون ظهر البحر الأخضر كالملوك على الأسرة". قالت: يا رسول الله ادع ~~الله أن يجعلني منهم. قال: أنت من الأولين" (12) . فتزوجها عبادة بن الصامت ~~فأخرجها معه، فلما جاز البحر ركبت دابة فصرعتها فقتلتها وقد دفنت رحمها ~~الله في قبرص. # وفي هذه السنة 28 ه تزوج عثمان نائلة ابنة الفرافصة، وكانت نصرانية ~~فأسلمت قبل أن يدخل بها (13) . وسيأتي لها ذكر عند مقتل عثمان رضي الله ~~عنه. وفيها بنى عثمان داره بالمدينة المسماة بالزوراء وفرغ منها. ~~PageV01P065 # - عزل أبي موسى الأشعري عن البصرة وتولية عبد الله بن عامر (1) (سنة 29 ~~ه/ 650 م) ### | [ص: 70] # عزل عثمان رضي الله عنه في سنة 29 ه أبا موسى الأشعري عن البصرة لثلاث ~~سنين مضت من خلافته. وولى عبد الله بن عامر بن كريز (2) وهو ابن خاله (3) . # وكان سبب عزل أبي موسى أن أهل ايذج (4) ، والأكراد كفروا، فنادى أبو موسى ~~في الناس وحضهم وندبهم، وذكر من فضل الجهاد في الرجلة (5) حتى حمل نفر على ~~دوابهم وأجمعوا على أن يخرجوا رجالا (6) . وقال آخرون: لا والله لا نعجل ~~بشيء حتى ننظر ما يصنع، فإن أشبه قوله فعله فعلنا كما يقول، فلما خرج أخرج ~~ثقله (7) من قصره على أربعين بغلا، فتعلقوا بعنانه وقالوا: احملنا ms035 على بعض ~~هذه الفضول وارغب في المشي كما رغبتنا، فضرب القوم بسوطه، فتركوا دابته ~~فمضى، وأتوا عثمان فاستعفوه منه، وقالوا: ما كل ما نعلم نحب أن نقوله ~~فأبدلنا نه. فقال: من تحبون؟ فقالوا: غيلان بن خرشة، في كل أحد عوض من هذا ~~العبد الذي قد أكل أرضا وأحيا أمر الجاهلية فينا. أما منكم خسيس فترفعوه! ~~أما منكم فقير فتجبروه! يا معشر قريش حتى ### | [ص: 71] # يأكل هذا الشيخ الأشعري هذه البلاد؟ فانتبه لها عثمان فعزل أبا موسى وولى ~~عبد الله بن عامر، فلما سمع أبو موسى قال: يأتيكم غلام عمر، خراج، ولاج، ~~كريم الجدات، والخالات، والعمات، يجمع له الجندان، وكان عمر عبد الله خمسا ~~وعشرين سنة، وجمع له جند أبي موسى، وجند عثمان بن أبي العاص الثقفي (8) من ~~عمان والبحرين، واستعمل على خراسان عمير بن عثمان بن سعد (9) ، وعلى سجستان ~~عبد الله بن عمير الليثي وهو من ثعلبة، فأثخن فيها إلى كابل، وأثخن عمير في ~~خراسان حتى بلغ فرغانة لم يدع دونها كورة إلا أصلحها، وبعث إلى مكران عبيد ~~الله بن معمر (10) ، فأثخن فيها حتى بلغ النهر، وبعث إلى كرمان عبد الرحمن ~~بن ### | [ص: 72] # عبيس، وبعث إلى الأهواز وفارس نفرا، ثم عزل عبد الله بن عمير، واستعمل ~~عبد الله بن عامر فأقره عليها سنة، ثم عزله واستعمل عاصم بن عمرو (11) وعزل ~~عبد الرحمن بن عبيس وأعاد عدي بن سهيل بن عدي (12) ، وصرف عبيد الله بن ~~معمر إلى فارس، واستعمل مكانه عمير بن عثمان، واستعمل على خراسان أمير (13) ~~بن أحمر اليشكري، واستعمل على سجستان سنة أربع عمران بن الفضيل البرجمي، ~~ومات عاصم بن عمرو بكرمان (14) . PageV01P068 # - عثمان رضي الله عنه يصلي بمنى صلاة المقيم (1) (سنة 29 ه/ 650 م) : # صلى عثمان بالناس بمنى أربعا، فأتى آت عبد الرحمن بن عوف فقال: هل لك في ~~أخيك؟ قد صلى بالناس أربعا. فصلى عبد الرحمن بأصحابه ركعتين، ثم خرج حتى ~~دخل على عثمان فقال له: ألم تصل في هذا المكان مع رسول الله صلى الله عليه ms036 ~~وسلم ركعتين؟ قال: بلى. قال: أفلم تصل مع أبي بكر ركعتين؟ قال: بلى. قال: ~~أفلم تصل مع عمر ركعتين؟ قال: بلى. قال: ألم تصل صدرا من خلافتك ركعتين؟ ~~قال: بلى. ثم قال: فاسمع مني يا أبا محمد، إني أخبرت أن بعض من حج ### | [ص: 73] # من أهل اليمن وجفاة الناس قد قالوا في عامنا الماضي: إن الصلاة للمقيم ~~ركعتان، هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين وقد اتخذت بمكة أهلا فرأيت أن أصلي ~~أربعا لخوف ما أخاف على الناس، وأخرى قد اتخذت بها زوجة ولي بالطائف مال، ~~فربما أطلعته فأقمت بعد الصدر. فقال عبد الرحمن بن عوف: ما من هذا شيء لك ~~فيه عذر. أما قولك: اتخذت أهلا فزوجتك في المدينة تخرج بها إن شئت، وتقدم ~~بها إذا شئت إنما تسكن بسكناك. وأما قولك: ولي مال بالطائف، فإن بينك وبين ~~الطائف مسيرة ثلاث ليال، وأنت لست من أهل الطائف. وأما قولك: يرجع من حج من ~~أهل اليمن وغيرهم فيقولون هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين وهو مقيم، فقد كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي والناس يومئذ الإسلام فيهم ~~قليل، ثم أبو بكر مثل ذلك، ثم عمر. فضرب الإسلام بجرانه فصلى بهم عمر حتى ~~مات ركعتين. فقال عثمان: هذا رأي رأيته. PageV01P072 # - موقعة الصواري (1) (سنة 31 ه/ 652 م) : # بعد ثلاث سنين من سقوط قبرص في يد المسلمين خرج الروم في جمع لم يجتمع ~~مثله لهم قط منذ كان الإسلام فخرجوا في أسطول مؤلف من 500 سفينة، وقيل ~~أكثر. وتحدوا المسلمين وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي جهز كل ~~سفينة في مصر، وكانت مراكب المسلمين مائتي مركب ونيفا، واختار جيشا من ~~الشجعان، فأمن الفريقان بعضهم بعضا حتى قرنوا بين سفن المسلمين والروم بين ~~صواريها، وكانت الريح هبت فرست السفن على الشاطئ، وربط المسلمون السفن ~~بعضها إلى ببعض بالقرب من الإسكندرية، واشتبك القتال بين الفريقين ووثب ~~الرجال على الرجال يتضاربان بالسيوف على السفن حتى رجعت الدماء إلى الساحل ~~تضربها الأمواج ms037 وطرحت الأمواج جثث الرجال فقتل من المسلمين بشر كثير وقتل ~~من الروم عدد كثير أيضا، وصبروا يومئذ صبرا لم يصبروا مثله في موطن قط. وفي ~~النهاية عجز الروم عن مقاومة المسلمين لشجاعتهم وحسن بلائهم، وانهزموا، وفر ~~قائدهم إلى سرقوسة (Syracause) وهي أكبر مدينة بجزيرة صقلية (2) (Scile) . ~~PageV01P073 # - من هو قائد الروم في موقعة الصواري (1) ؟ ### | [ص: 74] # جاء في تاريخ الطبري وصف معركة الصواري وذكر قائد الروم كما يلي (2) : # "فلقوا جموع الروم في خمسمائة أو ستمائة فيها القسطنطين بن هرقل فقال: ~~أشيروا علي. قالوا: ننظر الليلة، فباتوا يضربون بالنواقيس، وبات المسلمون ~~يصلون ويدعون الله، ثم أصبحوا وقد أجمع القسطنطين أن يقاتل، فقربوا سفنهم، ~~وقرب المسلمون، فربطوا بعضها إلى بعض، وصف عبد الله بن سعد المسلمين على ~~نواحي السفن، وجعل يأمرهم بقراءة القرآن، ويأمرهم بالصبر، ووثب الروم في ~~سفن المسلمين على صفوفهم حتى نقضوها فكانوا يقاتلون على غير صفوف. فاقتتلوا ~~قتالا شديدا. ثم إن الله نصر المؤمنين فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم ينج من ~~الروم إلا الشريد". # فأنت ترى أن اسم القائد الروماني في موقعة الصواري كما ذكره الطبري (3) ~~"القسطنطين بن هرقل"، وذكره ابن الأثير (4) في تاريخه بدون أداة تعريف ~~"قسطنطين". واكتفى الأستاذ موير (5) في كتابه (الخلافة ص 206 طبعة سنة ~~1924) بقوله: # "إن قائد الروم أبحر إلى سرقوسة، وهنالك غضب عليه أهلها لانهزامه وعجلوا ~~بقتله في حمامه" وكتب في الهامش: إن كنستانس الثاني - بناء على رأي تيوفان ~~- هو الذي قتل بهذه الكيفية. وقال الأستاذ واشنجتون [واشنطون] ايرفنج (6) : ~~"إن الإمبراطور فر بالمراكب". والحقيقة أن قائد الروم في ### | [ص: 75] # موقعة الصواري هو كنستانس الثاني الذي ذكره مؤرخو العرب باسم قسطنطين، ~~وكان هذا الإمبراطور يلقب ب: "هرقل" وسمي عند تتويجه ب: "قسطنطين"، إلا أن ~~تيوفان يسميه "كنستانس" وهو معروف بكنستانس الثاني واسمه الرسمي "قسطنطين" ~~فهو بالضبط كنستانس الثاني ابن قسطنطين الثالث ابن هرقل، وكان موله سنة 630 ~~م. وذكرت دائرة المعارف البريطانية في الطبعة الأخيرة: "أنه قتل في الحمام ~~من غير أن تذكر أسباب قتله". # وجاء في ms038 المقريزي: # "فبعث الله عليهم ريحا فغرقتهم إلا قسطنطين، فإنه نجا بمركبه، فألقته ~~الريح بصقلية. فسألوه عن أمره، فأخبرهم. فقالوا: شتتت النصرانية، وأفنيت ~~رجالها. ولو دخلت العرب علينا لم نجد من يردهم. فقال: خرجنا مقتدرين ~~فأصابنا هذا. فصنعوا له الحمام ودخلوا عليه. فقال: ويلكم يذهب رجالكم ~~وتقتلون ملككم! قالوا: كأنه غرق معهم، ثم قتلوه، وخلوا من كان معه في ~~المركب. # وفي هذه السنة - 31 ه - غزا عبد الله غزوة الأساود حتى بلغ دنقلة. ~~PageV01P073 # - بدء الطعن على عثمان رضي الله عنه (1) : # أقام عبد الله بن سعد بذات الصواري بعد الهزيمة أياما، ورجع فكان أول ما ~~تكلم به "محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن (2) أبي بكر (3) " في أمر عثمان في ~~هذه الغزوة، وأظهروا عيبه، ### | [ص: 76] # وما غير وما خالف به أبا بكر وعمر، ويقولان: إنه استعمل عبد الله بن سعد ~~رجلا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أباح دمه، ونزل القرآن بكفره، ~~وأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما وأدخلهم. ونزع أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. واستعمل سعيد بن العاص (4) وابن عامر. فبلغ ذلك عبد ~~الله بن سعد فقال: ألا تركبا معنا؟ فركبا في مركب ما معهما إلا القبط، ~~فلقوا العدو، فكانا أقل المسلمين نكاية وقتالا، فقيل لهما في ذلك، فقالا: ~~كيف نقاتل مع عبد الله بن سعد، استعمله عثمان وعثمان فعل كذا وكذا؟ فأرسل ~~إليهما عبد الله ينهاهما، ويتهددهما، ففسد الناس بقولهما، وتكلموا ما لم ~~يكونوا ينطقون به. # وروي أن محمد بن أبي حذيفة جعل يقول للرجل: أما والله لقد تركنا خلفنا ~~الجهاد حقا، فيقول الرجل: وأي جهاد، فيقول: عثمان بن عفان فعل كذا وكذا. ~~واستحل كلاهما دم عثمان. # ولد محمد بن أبي حذيفة بأرض الحبشة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو ابن خال معاوية بن أبي سفيان أخذه عثمان بن عفان عنده بعد أن قتل أبوه ~~حذيفة فكفله إلى أن كبر، ثم سار إلى مصر فصار من أشد الناس تأليبا على ~~عثمان ### | [ص: ms039 77] # وأما محمد بن أبي بكر فقد ولد في حجة الوداع بذي الحليفة لخمس بقين من ذي ~~العقدة، والذي دعا محمد بن أبي حذيفة إلى الخروج على عثمان أنه كان يتيما ~~في حجر عثمان، فسأله عثمان العمل حين ولي، فقال: يا بني لو كنت رضى، ثم ~~سألتني العمل لاستعملتك، ولكن لست هناك. قال: فأذن لي فلأخرج فلأطلب ما ~~يقوتني. قال: اذهب حيث شئت، وجهزه من عنده، وحمله وأعطاه، فلما وقع إلى مصر ~~كان فيمن تغير عليه أن منعه الولاية. # ثم إن الذي دعا محمد بن أبي بكر إلى الطعن في عثمان أن محمدا كانت عليه ~~دالة، فلزمه حق، فأخذه عثمان من ظهره ولم يدهن فاجتمع هذا إلى هذا فصار ~~مذمما بعد أن كان محمدا. PageV01P075 # - عزل الوليد بن عقبة عن الكوفة (1) : # كان للكوفة شأن عظيم، وتأثير في مجرى الحوادث في ذلك الوقت، وقد أخذ ~~أهلها يتذمرون ويتحزبون، ويثيرون الفتن على الولاة، فلم تطل ولاية المغيرة ~~على الكوفة (2) ، فعزله عثمان، وولى مكانه سعد بن أبي وقاص، عملا بوصية ~~عمر، إلى أن حدث الخلاف بينه وبين ابن مسعود، الذي كان على بيت المال (3) ، ~~فغضب عثمان على سعد، فعزله، وولى مكانه الوليد بن عقبة، وهو أخو عثمان ~~لأمه. وكان شجاعا، لكنه كان متهما بشرب الخمر، ثم إن أبا عقبة بن أبي معيط ~~كان من أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المستهزئين به، ~~ولما أسر في غزوة بدر وقدم للقتل نادى: يا معشر قريش ما لي أقتل بينكم ~~صبرا؟! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "بكفرك واجترائك على الله ~~ورسوله" (4) ، وعقبة (5) هو الذي وضع سلا الجزور على ظهر النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو ساجد. فهناك مجال واسع للطعن على ولاية الوليد بن عقبة: # أولا: لأنه ابن عقبة بن أبي معيط المعروف بعدائه لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # ثانيا: لأنه هو الذي ذكر في القرآن بقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا} [الحجرات: 6] . # ثالثا: لأنه كان متهما بشرب الخمر ### | [ص: ms040 78] # رابعا: لأن المسلمين يعلمون قرابته لعثمان، وقد كان من الصحابة من هو أحق ~~منه بهذا المركز، ولا سيما سعد الذي كانت له مواقف مشهورة في حرب الفرس، ~~ومع ذلك كان الوليد محبوبا، وقام بغزوات عدة ظهرت فيها شجاعته، لكن أهل ~~الكوفة حملوا عليه حملة شديدة. وقد بقي خمس سنين وليس لداره باب. ثم إن ~~شبانا من أهل الكوفة نقبوا على ابن الحيسمان الخزاعي وكاثروه فنذر بهم (6) ~~. وخرج عليهم بالسيف وصرخ، فأشرف عليهم أبو شريح الخزاعي وكان قد انتقل من ~~المدينة إلى الكوفة للقرب من الجهاد. فصاح بهم أبو شريح فلم يلتفتوا إليه ~~وقتلوا ابن الحيسمان وأخذهم الناس وفيهم زهير بن جندب الأزدي ومورع بن أبي ~~مورع الأسدي وشبيل ابن أبي الأزدي وغيرهم فشهد عليهم أبو شريح وابنه فكتب ~~فيهم الوليد إلى عثمان بقتلهم فقتلهم على باب القصر، في الرحبة. ولهذا أخذ ~~في القسامة (7) بقول ولي المقتول عن ملأ من الناس ليكف الناس عن القتل. # وكان أبو زبيد الطائي الشاعر في الجاهلية والإسلام في بني تغلب وكانوا ~~أخواله فجحدوه دينا له، فأخذ له الوليد حقه إذا كان عاملا عليهم فشكر أبو ~~زبيد ذلك له وانقطع إليه، وغشيه بالمدينة والكوفة، وكان نصرانيا، فأسلم عند ~~الوليد. وكان معروفا بشرب الخمر، فأنزله دارا لعقيل بن أبي طالب على باب ~~المسجد فاستوهبها منه زبيد فوهبها له، فكان ذلك أول الطعن على الوليد ~~بالكوفة، لأن أبا زبيد كان يخرج من منزله حتى يشق الجامع إلى الوليد فيسمر ~~عنده، ويشرب معه، ويخرج فيشق المسجد، وهو سكران. فلذلك نبهم عليه. فبينما ~~هو عنده أتى آت أبا زينب، وأبا مورع، وجندبا، وكانوا يتربصون للوليد منذ ~~قتل أبناءهم، ويضعون له العيون للإيقاع به، فقال لهم: إن الوليد وأبا زبيد ~~يشربان الخمر، فثاروا وأخذوا معهم نفرا من أهل الكوفة، فاقتحموا عليه، فلم ~~يروه، فأقبلوا يتلاومون، وسبهم الناس، وكتم الوليد ذلك عن عثمان. وجاء جندب ~~ورهط معه إلى ابن مسعود فقالوا له: إن الوليد معتكف على الخمر وأذاعوا ذلك. ~~فقال ابن مسعود: ms041 "من استتر عنا لم نتبع عورته". فعاتبه الوليد على قوله حتى ~~تغاضبا، ثم أتى الوليد بساحر، فأرسل إلى ابن مسعود يسأله عن حده، واعترف ~~الساحر عند ابن مسعود، وكان يخيل إلى الناس أنه يدخل في دبر الحمار، ويخرج ~~في فيه، فأمره ابن مسعود بقتله. فلما ### | [ص: 79] # أراد الوليد قتله أقبل الناس ومعهم جندب بن كعب، فضرب الساحر، فقتله، ~~فحبسه الوليد، وكتب إلى عثمان فيه، فأمره بإطلاقه وتأديبه، فغضب لجندب ~~أصحابه، وخرجوا إلى عثمان يستعفون من الوليد، فردهم خائبين، فلما رجعوا ~~أتاهم كل موتور، فاجتمعوا معهم على رأيهم، ودخل أبو زينب وأبو مورع وغيرهم ~~على الوليد، فتحدثوا عنده، فنام، فأخذا خاتمه وسارا إلى المدينة. واستيقظ ~~الوليد فلم ير خاتمه، فسأل نساءه عن ذلك فأخبرنه أن آخر من بقي عنده رجلان ~~صفتهما كذا وكذا فاتهمهما وقال: هما أبو زينب وأبو مورع، وأرسل يطلبهما فلم ~~يوجدا. فقدما على عثمان ومعهما غيرهما، وأخبراه أنه شرب الخمر. فأرسل إلى ~~الوليد فقدم المدينة ودعا بهما عثمان. فقال: أتشهدان أنكما رأيتماه يشرب. ~~فقالا: لا. قال: فكيف؟ قالا: اعتصرناها من لحيته، وهو يقيء الخمر. فأمر ~~سعيد بن العاص فجلده. فأورث ذلك عداوة بين أهليهما. وقيل: إن الذي جلده عبد ~~الله بن جعفر بن أبي طالب جلده أربعين جلدة وهو الصحيح، لأن عليا أمر ابنه ~~الحسن أن يجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها (8) ، فأمر عبد الله ~~بن جعفر فجلده أربعين، فقال علي: أمسك. جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة. وهذا أحب إلي. # وقيل: إن الوليد قد سكر وصلى الصبح بأهل الكوفة أربعا، ثم التفت إليهم ~~وقال: أزيدكم؟ (9) فقال ابن مسعود: "ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم". ~~وشهدوا عليه عند عثمان، فأمر عليا بجلده، فأمر علي جعفرا فجلده. # وروي أنه لما أحضر عثمان رضي الله عنه الوليد في شرب الخمر حضر الحطيئة، ~~فاستأذن على عثمان وعنده بنو أمية متوافرون، فطمعوا أن يلتمس للوليد عذرا ~~فقال (10) : # شهد الحطيئة يوم ms042 يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر # خلعوا عنانك إذ جريت ولو ... تركوا عنانك لم تزل تجري # ورأوا شمائل ماجد أنف ... يعطي على الميسور والعسر # فنزعت مكذوبا عليك ولم ... تنزع إلى طمع ولا فقر # فسروا بذلك وظنوا أنه قد قام بعذره. فقال رجل من بني عجل يرد على ~~الحطيئة: # نادى وقد تمت صلاتهم ... أأزيديكم - ثملا - وما يدري ### | [ص: 80] # فأبوا أبا وهب ولو فعلوا ... وصلت صلاتهم إلى العشر # فوجم القوم وأطرقوا. فأمر به عثمان رضي الله تعالى عنه فحد. # شهد على الوليد أبو زينب، وأبو مورع، وجندب، وسعد بن مالك الأشعري، ولم ~~يشهد عليه إلا يمان. "أي أن كل من شهد عليه من اليمن". # جلد الوليد في المدينة أمام أقارب عثمان، أمام بني أمية، أمام علي بن أبي ~~طالب وأولاده وأنصاره، وهذه فضيحة شنيعة: # أولا: لأنه كان واليا على الكوفة والخمر محرمة في الشريعة الإسلامية، ~~ويحد شاربها، والوالي هو الذي يقيم الحدود، فيجب عليه أن يكون قدوة للناس ~~في الصلاح والتقوى وإتباع الكتاب والسنة. # ثانيا: لأنه أخو الخليفة الذي ولاه مكان سعد بن أبي وقاص، فاختيار عثمان ~~للوليد لم يكن موفقا. فما كل ذي قرابة يصلح للحكم، ومن خلق الناس أنهم ~~يتربصون وقوع الخطأ ممن يعين لقرابته لأولي الأمر، فإذا هفا هفوة، أو أذنب ~~طعنوا عليه، وعددوا مثالبه، وطعنوا على من ولاه. وقد قيل: إن عثمان رضي ~~الله عنه كان واقعا تحت تأثير أقاربه وبني أمية، وكان يثق بهم. أما أبو بكر ~~وعمر رضي الله عنهما، فقد كانا يتجنبان المحاباة ولا يراعيان غير المصلحة ~~العامة. ولم ير عثمان بدا من جلد الوليد بعد أن شهدوا عليه إقامة للحدود. # وفي الطبري: كان الناس في الوليد فرقتين، العامة معه والخاصة عليه. فما ~~زال عليهم من ذلك الخشوع حتى كانت صفين، فولى معاوية، فجعلوا يقولون عيب ~~عثمان بالباطل، فقال لهم علي عليه السلام: "إنكم وما تعيرون به عثمان ~~كالطاعن نفسه ليقتل ردفه، ما ذنب عثمان في رجل ضربه بقوله وعزله عن عمله. ~~وما ذنب عثمان ms043 فيما صنع عن أمرنا؟ " (11) . # وعن نافع بن جبير قال: قال عثمان رضي الله عنه: إذا جلد الرجل الحر ثم ~~ظهرت توبته جازت شهادته. # وقيل: كان الوليد أدخل الناس على الناس خيرا - حتى جعل يقسم للولائد ~~والعبيد، ولقد تفجع عليه الأحرار والمماليك، كان يسمع الولائد - وعليهن ~~الحداد - يقلن: # يا ويلتا قد عزل الوليد ... وجاءنا مجوعا سعيد # ينقص في الصاع ولا يزيد ... فجوع الإماء والعبيد PageV01P077 # - تولية سعيد بن العاص الكوفة (1) (سنة 30 ه/ 651 م) : ### | [ص: 81] # هو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، الأموي، وجده ~~هو المعروف بأبي أحيحة. وأم سعيد هي أم كلثوم بنت عمرو بن عبد الله بن أبي ~~قيس. ولد عام الهجرة. وقيل: بل ولد سنة إحدى. وقتل أبوه العاص يوم بدر ~~كافرا، قتله علي بن أبي طالب. وكان سعيد من أشراف قريش وأجوادهم وفصحائهم، ~~وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان رضي الله عنه. وكان كثير الجود والسخاء، ~~إذا سأله سائل وليس عنده ما يعطيه كتب به دينا إلى وقت ميسرته. وكان يجمع ~~إخوانه كل جمعة يوما فيصنع لهم الطعام، ويخلع عليهم، ويرسل إليهم بالجوائز، ~~ويبعث إلى عيلاتهم بالبر الكثير، وكان يبعث مولى له إلى المسجد بالكوفة في ~~كل ليلة جمعة ومعه الصرر فيها الدنانير، فيضعها بين يدي المصلين، فكثر ~~المصلون بالمسجد بالكوفة في كل ليلة جمعة، إلا أنه كان عظيم الكبر. وإن ~~عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص، لأنه كان أشبههم لهجة برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # توفي سعيد سنة 59 ه، ولما حضرته الوفاة قال لبنيه: "أيكم يقبل وصيتي؟ قال ~~ابنه الأكبر: أنا يا أبت. قال: إن فيها وفاء ديني. قال: وما دينك؟ قال: ~~ثمانون ألف دينار. قال: وفيما أخذتها؟ قال: يا بني في كريم سددت خلته. وفي ~~رجل جاءني ودمه ينزوي في وجهه من الحياء، فبدأته بحاجته قبل أن يسألنيها". ~~وكان سعيد قد ربي في حجر عثمان، فلما فتح الشام قدمه فأقام مع معاوية. فذكر ~~عمر يوما ms044 قريشا، فسأل عنه، فأخبر أنه بالشام فاستقدمه، فقدم عليه. فقال له: ~~بلغني عنك بلاء وصلاح، فازدد يزدك الله خيرا، وقال له: هل لك زوجة؟ قال: ~~لا. وجاء عمر بنات سفيان بن عوف ومعهن أمهن فقالت أمهن: هلك رجالنا، وإذا ~~هلك الرجال ضاع النساء فضعهن في أكفائهن، فزوج سعيدا إحداهن، وزوج عبد ~~الرحمن بن عوف الأخرى، وأتاه بنات مسعود بن نعيم النهشلي فقلن له: قد هلك ~~رجالنا وبقي الصبيان فضعنا في أكفائنا. فزوج سعيدا إحداهن، وجبير بن مطعم ~~الأخرى، وكانت عمومته ذوي بلاء في الإسلام وسابقة فلم يمت عمر حتى كان سعيد ~~من رجال قريش. فلما استعمله عثمان سار حتى أتى الكوفة أميرا ورجع ومعه ~~الأشتر، وأبو خشة الغفاري، وجندب بن عبد الله، وأبو مصعب بن جثامة، وكانوا ~~ممن شخص مع الوليد يعيبونه فصاروا عليه. # ولما وصل سعيد الكوفة صعد المنبر (2) فحمد الله وأثنى عليه ثم ### | [ص: 82] # قال (3) : "والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد بدا إذا أمرت ~~أن آتمر، إلا أن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها ووالله لأضربن وجهها حتى ~~أقمعها أو تعييني، وإني لرائد نفسي اليوم". # ثم نزل وسأل عن أهل الكوفة فعرف حال أهلها. وهذه الخطبة إنذار لأهل ~~الكوفة بأنه سيستعمل الشدة معهم. PageV01P080 # - كتاب سعيد إلى عثمان (1) : # ثم كتب سعيد إلى الخليفة كتابا قال فيه: # "إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات السابقة، ~~والغالب على تلك البلاد روادف قدمت وأعراب لحقت، حتى لا ينظر إلى ذي شرف ~~وبلاء من نابتتها ولا نازلتها". # فكتب عثمان إليه: # "أما بعد، ففضل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن ~~من نزلها بسببهم تبعا لهم، إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به ~~وقام به هؤلاء، واحفظ لكل منزلته، وأعطهم جميعا بقسطهم من الحق. فإن ~~المعرفة بالناس بها يصاب العدل". # فأرسل سعيد إلى وجوه الناس من أهل الأيام والقادسية فقال: "أنتم وجوه من ~~وراءكم. والوجه ينبئ عن الجسد فأبلغونا حاجة ذي الحاجة، وخلة ms045 ذي الخلة، ~~وأدخلوا معهم من يحتمل من اللواحق والروادف". # كثر القيل والقال وقال بعض شعراء الكوفة يندد بسعيد وكثرة التبديل في ~~الولاة: # فررت من الوليد إلى سعيد ... كأهل الحجر إذ جزعوا فباروا # بلينا من قريش كل عام ... أمير محدث أو مستشار # لنا نار نخوفها فنخشى ... وليس لهم فلا يخشون نار # ثم إن سعيد جعل القراء في سمره، ففشت القالة في أهل الكوفة، فكتب سعيد ~~إلى عثمان بذلك، فجمع الناس وأخبرهم بما كتب إليه فقالوا له: أصبت لا ~~تطمعهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس بأهل لها لم ~~يحتملها وأفسدها، فقال عثمان: ### | [ص: 83] # "يا أهل المدينة استعدوا واستمسكوا. فقد دبت إليكم الفتن، وإني والله ~~لأستخلصن لكم الذي لكم حتى أنقله إليكم، إن رأيتم حتى يأتي من شهد مع أهل ~~العراق سهمه فيقيم معه في بلاده، فقالوا: كيف تنقل إلينا سهمنا من الأرضين؟ ~~فقال: ببيعها ممن شاء بما كان له بالحجاز واليمن وغيرها من البلاد ففرحوا ~~وفتح الله لهم أمرا لم يكن في حسابهم، وفعلوا ذلك واشتراه رجال من كل قبيلة ~~وجار لهم عن تراض منهم ومن الناس وإقرار بالحقوق. PageV01P082 # - غزوة طبرستان (1) (سنة 30 ه/ 651 م) : # نبذة عن تاريخها وتسميتها: # تعرف طبرستان باسم مازندران أيضا، وهي ولاية من ولايات إيران قديما، ~~وموقعها إلى الجنوب الشرقي من بحر طبرستان، وهو بحر الخزر أو بحر قزوين، ~~يحدها من الغرب كيلان، أو الجيلان، ومن الجنوب العراق العجمي وخراسان ~~البرز. ومن الشرق خراسان أيضا، ومن نواحيها أستراباذ، وهي إلى الشرق، ~~وقاعدتها دنباوند أو ديماقند. # وجاء في كتب العرب أن معنى طبرستان موضع الأطبار فهي مؤلفة من لفظتين ~~"طبر"، وهي تعريب تبر الفارسية اسم لنوع من الفؤوس، وإستان معناها الموضع، ~~أو الناحية. سميت بذلك لكثرة ما فيها من الأطبار (2) . # قال القزويني في استعمارها وتسميتها: إن بعض الأكاسرة اجتمع في جيشه جناة ~~كثيرون، فقال وزيره: نأمر بهم إلى بعض البلاد ليعمروها، فإن عمروها كان ~~العمران لك، وإن تلفوا برئت من دمهم، واختار ms046 أرض طبرستان، وهي يومئذ جبال ~~وأشجار، فأرادوا قطع الأشجار، وطلبوا فؤوسا، والفأس بالعجمية "تبر" فكثرت ~~بها الفؤوس، فقالوا: "طبرستان". # ويؤيد ذلك ياقوت في كلامه عن أهلها - إن أهل تلك الجبال كثيرو الحروب، ~~وأكثر أسلحتهم بل كلها الأطبار، حتى إنك قل أن ترى صعلوكا، أو غنيا، إلا ~~وبيده الطبر، صغيرهم وكبيرهم. PageV01P083 # - غزوها: # وللعرب في طبرستان وقائع مشهورة، فاستولوا عليها، وكانت جزءا من مملكتهم. ~~وأول من ### | [ص: 84] # قصدها سويد بن مقرن، أرسله أخوه نعيم بأمر عمر، فسار سويد نحو قومس ~~فأخذها سلما، ثم دخل جرجان، وقيل: صالحه الأصبهند - صاحب طبرستان. # ثم غزاها سعيد بن العاص. خرج عبد الله بن عامر من البصرة يريد خراسان ~~فسبق سعيدا، ونزل أبرشهر، وبلغ نزول أبرشهر سعيدا، فنزل سعيد قومس (1) وهي ~~صلح، صالحهم حذيفة بعد نهاوند فأتى جرجان، فصالحوه على 2. 000. 000 ثم أتى ~~طمية (2) وهي كلها من طبرستان متاخمة جرجان. وهي مدينة على ساحل البحر، وهي ~~في تخوم جرجان، فقاتله أهلها حتى صلى صلاة الخوف. فقال لحذيفة: كيف صلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأخبره. فصلى بها سعيد صلاة الخوف وهم ~~يقتتلون. وضرب يومئذ سعيد رجلا من المشركين على حبل عاتقه فخرج السيف من ~~تحت مرفقه، وحاصرهم فسألوا الأمان فأعطاهم، على أن لا يقتل منهم رجلا ~~واحدا. ففتحوا الحصن فقتلهم جميعا إلا رجلا واحدا وحوى ما كان في الحصن. # وفتح سعيد بن العاص نامية، وهي ليست بمدينة بل صحارى، ثم قفل إلى الكوفة ~~فمدحه كعب بن جعيل فقال: # فنعم الفتى إذ جال جيلان دونه ... وإذ هبطوا من دستبى ثم أبهرا # تعلم سعيد الخير أن مطيتي ... إذا هبطت أشفقت من أن تعقرا # كأنك يوم الشعب ليث خفية ... تحرد من ليث العرين وأصحرا # تسوس الذي ما ساس قبلك واحد ... ثمانين ألفا دارعين وحسرا # ولما صالح سعيد أهل جرجان كانوا يجبون أحيانا مائة ألف، وأحيانا مائتي ~~ألف، وأحيانا ثلاثمائة ألف، وكانوا ربما أعطوا ذلك وربما منعوه، ثم امتنعوا ~~وكفروا. PageV01P083 # - سقوط خاتم رسول الله (1) من إصبع عثمان (2) (سنة 30 ه/ ms047 651 م) : # لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الأعاجم كتبا يدعوهم ~~إلى الله عز وجل وقال له رجل: يا رسول الله إنهم لا يقبلون كتابا إلا ~~مختوما. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعمل له خاتم من فضة، ### | [ص: 85] # فجعله في إصبعه، وكان نقشه ثلاثة أسطر "محمد" سطر، و "رسول" سطر، و ~~"الله" سطر. والأسطر الثلاثة تقرأ من أسفل إلى فوق، محمد آخر الأسطر، ورسول ~~في الوسط، والله فوق، وكانت الكتابة مقلوبة لتكون على الاستواء إذا ختم به، ~~فكان ذلك الخاتم في يده صلى الله عليه وسلم، ولما استخلف أبو بكر ختم به. ~~ثم ولي عمر بن الخطاب فجعل يتختم به، ثم ولي من بعده عثمان فتختم به ست ~~سنين فحفر بئرا بالمدينة شربا للمسلمين (3) ، وهي على ميلين من المدينة، ~~وكانت قليلة الماء، فجاء عثمان ذات يوم فقعد على رأس البئر فجعل يعبث ~~بالخاتم، فسقط من يده في البئر فطلبوه فيها، ونزحوا ما فيها من الماء، فلم ~~يعثروا عليه، فجعل فيه مالا عظيما لمن جاء به، واغتم لذلك غما شديدا، فلما ~~بئس منه صنع خاتما آخر على مثاله ونقشه، فبقي في إصبعه حتى قتل، ثم ضاع هذا ~~الخاتم ولم يعلم من أخذه. وقد تشاءم المسلمون لضياع خاتم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقالوا: إن عثمان لما مال عن سيرة من كان قبله كان أول ما ~~عوقب به ذهاب خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من يده. # قال أحمد بن يحيى بن جابر: نسبت إلى أريس رجل من المدينة من اليهود ~~وعليها مال لعثمان بن عفان. والأريس في لغة أهل الشام الفلاح وهو الأكار، ~~وجمعه أريسون وأرارسة وأرارس. وفي الأصل جمع أريس بتشديد الراء. ~~PageV01P084 # - تسيير أبي ذر الغفاري إلى الربذة (1) (سنة 30 ه/ 651 م) : # أبو ذر الغفاري: وهو جندب بن جنادة - على المشهور - وكان من كبار الصحابة ~~وفضلائهم، قديم الإسلام. # لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ms048 قال لأخيه: اركب إلى ~~هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من ~~السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني، فانطلق الأخ حتى قدم وسمع من قوله، ثم ~~رجع إلى أبي ذر، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وسمعت منه كلاما ما ~~هو بالشعر. فقال: ما شفيتني مما أردت، فتزود وحمل قربة فيها ماء حتى قدم ~~مكة فأتى المسجد، فالتمس النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعرفه، وكره أن ~~يسأل عنه، فانتظر ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع من قوله ~~وأسلم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى ~~يأتيك أمري" (2) . قال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى ~~أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله"، فقاموا إليه، فضربوه حتى أضجعوه، وأتى ### | [ص: 86] # العباس فأكب عليه، وقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنه طريق ~~تجاركم إلى الشام، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها فضربوه وثاروا عليه، ~~فأكب العباس إليه. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم". ~~كان أبو ذر بالشام في خلافة عثمان، وكان معاوية عاملا عليها، فلما ورد ابن ~~السوداء (3) الشام لقي أبا ذر فقال: يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية يقول: ~~"المال مال الله ألا إن كل شيء لله"، كأنه يريد يحتجنه (4) دون الناس ويمحو ~~اسم المسلمين (5) فأتاه أبو ذر. فقال: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين ~~مال الله؟ قال: يرحمك الله يا أبا ذر ألسنا عباد الله، والمال ماله، والخلق ~~خلقه، والأمر أمره؟ قال: فلا تقله. قال: فإني لا أقول إنه ليس لله، ولكن ~~سأقول مال المسلمين. وأتى ابن السوداء أبا الدرداء، فقال له: من أنت، أظنك ~~والله يهوديا. فأتى عبادة بن الصامت فتعلق به معاوية. فقال: هذا والله الذي ~~بعث عليك أبا ذر. وقام أبو ذر بالشام وجعل يقول: # "يا معشر الأغنياء ms049 وأسواء الفقراء. بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم" (6) ### | [ص: 87] # فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الأغنياء، وحتى شكا ~~الأغنياء ما يلقون من الناس. # حرض أبو ذر بذلك الفقراء وفهمهم أن لهم حقوقا لدى الأغنياء، وأن الذين ~~يكنزون المال لهم في الآخرة عذاب أليم فهو بذلك يدعو إلى نوع من التكافل. ~~وقد تخوف الأغنياء من ثورة الفقراء، ومطالبتهم بالمال، لذلك شكوا إلى ~~معاوية. فكتب معاوية إلى عثمان أن أبا ذر قد أعضل بي (7) ، وقد كان من أمره ~~كيت وكيت. # فكتب إليه عثمان: "إن الفتنة قد أخرجت خطمها (8) وعينيها، فلم يبق إلا أن ~~تثب فلا تنكأ القرح، وجهز أبا ذر إلي، وابعث معه دليلا وزوده، وارفق به، ~~وكفكف الناس ونفسك ما استطعت، فإنما تمسك ما استمسكت" الطبري (9) . # وجاء في ابن الأثير (10) : إن الأغنياء لما شكوا إلى معاوية ما يلقون من ~~الفقراء، أرسل إلى أبي ذر بألف دينار في جنح الليل، فأنفقها - على الفقراء ~~-، فلما صلى معاوية الصبح، دعا رسوله الذي أرسله إليه، فقال: اذهب إلى أبي ~~ذر فقل له أنقذ جسدي من عذاب معاوية، فإنه أرسلني إلى غيرك، وإني أخطأت بك، ~~ففعل ذلك. فقال له أبو ذر: يا بني قل له والله ما أصبح عندنا من دنانيرك ~~دينارا، ولكن أخرنا ثلاثة أيام حتى نجمعها. فلما رأى معاوية أن فعله يصدق ~~قوله كتب إلى عثمان الخ. # فلما قدم أبو ذر المدينة، ورأى المجالس في أصل سلع (11) ، قال: بشر أهل ~~المدينة بغارة شعواء وحرب مذكار. ودخل على عثمان فقال: يا أبا ذر ما لأهل ~~الشام يشكون ### | [ص: 88] # ذربك (12) ؟ فأخبره أنه لا ينبغي أن يقال مال الله، ولا ينبغي للأغنياء ~~أن يقتنوا مالا. فقال: يا أبا ذر علي أن أفضي ما علي، وآخذ ما على الرعية، ~~ولا أجبرهم على الزهد، وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد. قال: فتأذن لي ~~في الخروج، فإن المدينة ليست لي بدار. فقال: أو تستبدل بها إلا ms050 شرا منها. ~~قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج منها إذا بلغ البناء ~~سلعا. قال: فانفذ لما أمرك به، فخرج حتى نزل الربذة (13) ، فحط بها منزلا، ~~وأقطعه عثمان صرمة من الإبل (14) ، وأعطاه مملوكين، وكان أبو ذر يتعاهد ~~المدينة حتى لا يعود أعرابيا، وكان يحب الوحدة والخلوة، فدخل على عثمان ~~وعنده كعب الأحبار فقال لعثمان: لا ترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا ~~المعروف، وقد ينبغي للمؤدي الزكاة أن لا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران ~~والإخوان ويصل القرابات. فقال كعب: من أدى الفريضة فقد قضى. فرفع أبو ذر ~~محجنه (15) ، فضربه، فشجه، فاستوهبه عثمان، فوهبه له وقال: يا أبا ذر اتق ~~الله واكفف يدك ولسانك. الطبري (16) . # ولما نزل أبو ذر الربذة أقيمت الصرة وعليها رجل يلي الصدقة فقال: تقدم يا ~~أبا ذر. فقال: لا، تقدم أنت فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: ~~"اسمع وأطع وإن كان من رقيق الصدقة"، وكان أسود يقال له: مجاشع. # وذكر الطبري رواية عن محمد بن سيرين قال: خرج أبو ذر إلى الربذة من قبل ~~نفسه لما رأى عثمان لا ينزع له (17) الخ. # ثم قال الطبري (18) بعد أن أورد قصة أبي ذر وإقامته بالربذة: وأما ~~الآخرون فإنهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة وأمورا شنيعة كرهت ذكرها. # وقال اليعقوبي في تاريخه: ### | [ص: 89] # "وبلغ عثمان أن أبا ذر يقعد في مسجد رسول الله، ويجتمع إليه ناس، فيحدث ~~بما فيه الطعن عليه، وأنه وقف بباب المسجد فقال: "أيها الناس من عرفني فقد ~~عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، أنا جندب بن جنادة الربذي {إن ~~الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من ~~بعض والله سميع عليم} [آل عمران: 33- 34] . محمد الصفوة من نوح. فالأول من ~~إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، والعترة الهادية من محمد. إنه شرف شريفهم، ~~واستحقوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة، وكالكعبة المستورة، أو ~~كالقبة المنصوبة، أو كالشمس الضاحية، أو كالقمر الساري، أو كالنجوم ms051 ~~الهادية، أو كالشجرة الزيتونية، أضاء زيتها، وبورك زبدها. ومحمد وارث علم ~~آدم، وما فضلت به النبيون، وعلي بن أبي طالب وصي محمد ووارث علمه. أيتها ~~الأمة المتحيرة بعد نبيها، أما لو قدمتم من قدم الله، وأخرتم من أخر الله، ~~وأقررتم الولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لأكلتم من فوق رؤوسكم، ومن تحت ~~أقدامكم، ولما عال ولى الله، ولا طاش سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان ~~في حكم الله، إلا وجدتم علم ذلك عندهم من كتاب الله وسنة نبيه. فأما إذا ~~فعلتم فذوقوا وبال أمركم {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: ~~227] . وبلغ عثمان أيضا أن أبا ذر يقع فيه ويذكر ما غير وبدل من سنن رسول ~~الله وسنن أبي بكر وعمر فسيره إلى الشام إلى معاوية. وكان يجلس في المسجد ~~فيقول كما كان يقول، ويجتمع إليه الناس حتى كثر من يجتمع إليه ويسمع منه. ~~وكان يقف على باب دمشق إذا صلى صلاة الصبح فيقول: جاءت القطار تحمل النار. ~~لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، ولعن الله الناهين عن المنكر ~~الآتين له. وكتب معاوية إلى عثمان: إنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر، ~~فكتب إليه أن احمله على قتب بعير بغير وطاء. أنك تقول سمعت رسول الله يقول: ~~إذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد الله دولا وعباد الله خولا ودين ~~الله دغلا (19) . فقال: نعم، سمعت رسول الله يقول ذلك. فقال لهم: أسمعتم ~~رسول الله يقول ذلك؟ فبعث إلي علي بن أبي طالب فأتاه فقال: يا أبا الحسن ~~أسمعت رسول الله يقول ما حكاه أبو ذر؟ وقص عليه الخبر. فقال: نعم. قال: ~~وكيف تشهد؟ قال: يقول رسول الله: "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا ~~لهجة أصدق من أبي ذر" (20) . فلم يقم بالمدينة حتى أرسل إليه عثمان والله ~~لتخرجن عنها. قال: أتخرجني من حرم رسول الله؟ قال: نعم، أنفك راغم. قال: ~~فإلى مكة؟ قال: لا. قال: فإلى البصرة؟ قال: لا. قال: فإلى الكوفة؟ قال: لا. ~~ولكن إلى الربذة ms052 التي خرجت منها حتى تموت بها. يا مروان أخرجه ولا تدع أحدا ~~يكلمه حتى يخرج. فأخرجه على جمل ومعه امرأته وابنته، فخرج وعلي والحسن ~~والحسين ### | [ص: 90] # وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر ينظرون. فلما رأى أبو ذر عليا، قام إليه ~~فقبل يده ثم بكى وقال: إني إذا رأيتك ورأيت ولدك ذكرت قول رسول الله فلم ~~أصبر حتى أبكي فذهب علي يكلمه. فقال له مروان: إن أمير المؤمنين قد نهى أن ~~يكلمه أحد. فرفع علي السوط فضرب وجه ناقة مروان وقال: تنح نحاك الله إلى ~~النار. ثم شيعه، فكلمه بكلام يطول شرحه، وتكلم كل رجل من القوم، وانصرفوا، ~~وانصرف مروان إلى عثمان فجرى بينه وبين علي في هذا بعض الوحشة وتلاحيا ~~كلاما. فلم يزل أبو ذر بالربذة حتى توفي". # هذا ما ذكره اليعقوبي في تاريخه خاصا بأبي ذر وتسييره إلى الربذة من غير ~~أن يسنده إلى أحد من الرواة كدأب الطبري في رواياته، وقد اتفق الطبري وابن ~~الأثير وابن خلدون على أن عثمان رضي الله عنه أذن لأبي ذر بالخروج إلى ~~الربذة، بناء على طلبه، لأنه لم يطق الإقامة بالمدينة، لكن عبارة اليعقوبي ~~صريحة في أنه نفاه. وإنا نستبعد أن ينفي عثمان رضي الله عنه أبا ذر، لأن ~~أبا ذر صحابي محترم مشهور بالزهد والصلاح والتشدد في الدين، وله مكانة ~~عالية في نفوس المسلمين، ومما يدل على أن حكاية اليعقوبي مكذوبة ما ذكره من ~~أن عثمان قال لمعاوية: "احمله على قتب بعير بغير وطاء" فقدم إلى المدينة ~~وقد ذهب لحم فخذيه. # فعثمان رضي الله عنه لا يأمر بإرهاق صحابي كبير كأبي ذر كما هو معروف عنه ~~من الحلم والرأفة. فيكون ما ذكره الطبري من أنه رضي الله عنه كتب إلى ~~معاوية - وجهز أبا ذر وزوده وأرفق به - هو الصواب، لأنه يطابق ما جبل عليه ~~عثمان رضي الله عنه من الرفق واحترام كبار الصحابة. # وفي طبقات ابن سعد رواية عن عبد الله بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر في ~~رهط ms053 من غفار على عثمان بن عفان من الباب الذي لا يدخل عليه منه وتخوفنا ~~عثمان عليه، فانتهى إليه فسلم عليه، ثم ما بدأه بشيء إلا قال: أحسبتني منهم ~~يا أمير المؤمنين والله ما أنا منهم ولا أدركهم. لو أمرتني أن آخذ بعرقوتي ~~قتب لأخذت بهما متى أمرت، ثم استأذنه إلى الربذة فقال: نعم نأذن لك، ونأمر ~~لك بنعم من نعم الصدقة، فتصيب من رسلها. فنادى أبو ذر: دونكم معاشر قريش ~~دنياكم فاعذموها لا حاجة لنا فيها. # ومما يدل على مكانة أبي ذر ما رواه عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق ~~من أبي ذر" (21) . # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أظلت الخضراء ~~ولا أقلت الغبراء على ذي ### | [ص: 91] # لهجة أصدق من أبي ذر. من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى ~~أبي ذر (22) . PageV01P085 # - أمر المصاحف (1) (سنة 30 ه/ 651 م) # لما عاد حذيفة بن اليمان من غزو الباب قال لسعيد بن العاص: لقد رأيت في ~~سفرتي هذه أمرا لئن ترك الناس ليختلفن في القرآن، ثم لا يقومون عليه أبدا، ~~قال: وما ذاك؟ قال: رأيت أناسا من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خير من قراءة ~~غيرهم، وأنهم أخذوا القرآن عن المقداد. ورأيت أهل دمشق يقولون: إن قراءتهم ~~خير من قراءة غيرهم، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك، وأنهم قرؤوا على ابن ~~مسعود. وأهل البصرة يقولون مثل ذلك، وأنهم قرؤوا على أبي موسى، ويسمون ~~مصحفه "لباب القلوب". # فلما وصلوا إلى الكوفة أخبر حذيفة بن اليمان بذلك، وحذرهم ما يخاف، ~~فوافقه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثير من التابعين، وقال له ~~أصحاب ابن مسعود: ما تنكر؟ ألسنا نقرؤه على قراءة ابن مسعود؟ فغضب حذيفة ~~ومن وافقه وقالوا: إنما أنتم أعراب فاسكتوا فإنكم على خطأ. وقال حذيفة: ~~والله لئن عشت لآتين أمير المؤمنين، ولأشيرن عليه أن يحول بين ms054 الناس وبين ~~ذلك، فأغلظ له ابن مسعود، فغضب سعيد وقام، وتفرق الناس، وغضب حذيفة، وسار ~~إلى عثمان، فأخبره بالذي رأى وقال: أنا النذير العريان فأدركوا الأمة. وفي ~~البخاري رواية عن حذيفة أنه قال لعثمان: "أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف ~~اليهود والنصارى". وكان حذيفة يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وآذربيجان مع ~~أهل العراق. # جمع عثمان رضي الله عنه الصحابة وأخبرهم الخبر، فأعظموه ورأوا جميعا ما ~~رأى حذيفة. فأرسل إلى حفصة بنت عمر زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك. وكانت هذه الصحف هي ~~التي كتبت في أيام أبي بكر، فإن القتل لما كثر في الصحابة يوم اليمامة قال ~~عمر لأبي بكر: إن القتل قد كثر واستحر بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخشى ~~أن يستحر القتل بالقراء، فيذهب من القرآن كثير. وإني أرى أن تأمر بجمعه، ~~فأمر أبو بكر زيد بن ثابت، فجمعه من الرقاع والعسب (2) ، وصدور الرجال. ~~فكانت الصحف عند أبي بكر، ثم عند عمر، فلما توفي عمر أخذتها حفصة فكانت ~~عندها، فأرسل عثمان إليها وأخذها منها، وأمر زيد بن ثابت (3) ، ### | [ص: 92] # وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (4) ~~، فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان: إذا اختلفتم فاكتبوها بلسان قريش، فإنه ~~إنما نزل بلسانهم، ففعلوا. فلما نسخوا الصحف ردها عثمان إلى حفصة، وأرسل ~~إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وحرق ما سوى ذلك، وأمر أن يعتمدوا عليها ~~ويدعوا ما سواها، فكل الناس عرف فضل هذا العمل إلا ما كان من أهل الكوفة، ~~فإن المصحف لما قدم عليهم فرح به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحاب ~~عبد الله ومن وافقهم امتنعوا عن ذلك وعابوا الناس، فقام فيهم ابن مسعود ~~وقال: ولا كل ذلك فإنكم والله سبقتم سابقينا فأربعوا على ظلعكم (5) . ولما ~~قدم على الكوفة قام إليه رجل فعاب عثمان بجمع الناس على المصحف، فصاح وقال: ~~اسكت فعن ملأ منا فعل ذلك فلو وليت منه ms055 ما ولي عثمان لسلكت سبيله (6) ### | [ص: 93] # قال زيد: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت ~~الأنصاري - {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب: 32]- ~~فألحقناها في سورتها في المصحف. # واختلف في عدد المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق. قال السيوطي في ~~الإتقان: والمشهور أنها خمسة. وقال ابن أبي داود من طريق سمعت أبي حاتم ~~السجستاني يقول: كتب سبعة مصاحف فأرسل إلى مكة وإلى الشام، وإلى اليمن، ~~وإلى البحرين، وإلى البصرة، وإلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدا. واختلف في ~~ترتيب السور هل هو توقيفي أو باجتهاد الصحابة؟ قال الكرماني في البرهان: ~~ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب. وقال ~~مالك: ترتيب السور باجتهاد الصحابة. وقال السيوطي في الإتقان: والذي ينشرح ~~له الصدر ما ذهب إليه البيهقي وهو أن جميع السور ترتيبها توقيفي إلا براءة ~~والأنفال. PageV01P091 # - مقتل يزدجرد بن شهريار (1) (سنة 31 ه/ 651 م) : # كان يزدجرد بن شهريار بن كسرى ملك فارس قد تولى في خلافة عمر بن الخطاب ~~سنة 14 ه، وهو الذي جمع جيشا تحت قيادة رستم لمحاربة المسلمين، فانهزم جيشه ~~ففر إلى خراسان. ولم يزل المسلمون يتبعونه ويقفون أثره من مدينة إلى مدينة، ~~وهو يهرب حتى بيته جماعة من الترك فقتلوه سنة 31 ه. وقد اختلف في سبب قتله: ~~قال ابن إسحاق: هرب يزدجرد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مرو فسأل مرزبانها ~~مالا، فمنعه، فخافوا على أنفسهم، فأرسلوا إلى الترك يستنصرونهم عليه، ~~فأتوه، فبيتوه، فقتلوا أصحابه، وهرب يزدجرد حتى أتى منزل رجل ينقر الأرحاء ~~على شط المرغاب (2) فأوى إليه ليلا فلما نام قتله. وزاد بعضهم أن النقار ~~أخذ متاعه وجواهره وألقى جسده في المرغاب، وأصبح أهل مرو فاتبعوا أثره حتى ~~خفي عليهم عند منزل النقار، فأخذوه، فأقر لهم بقتله، وأخرج متاعه، فقتلوا ~~النقار وأهل بيته، وأخذوا متاعه ومتاع يزدجرد وأخرجوه من المرغاب، فجعلوه ~~في ms056 تابوت من خشب. وقال بعضهم: إنهم حملوه إلى إصطخر فدفن بها في أول سنة 31 ~~ه. وهو آخر ملوك الفرس، وصفا الملك بعده للعرب. وكان عمره عندما قتل 34 ~~سنة. PageV01P093 # - فتح خراسان (1) (سنة 34 ه/ 652 م) : ### | [ص: 95] # لما قتل عمر بن الخطاب نقض أهل خراسان وغدروا، فلما استخلف عثمان بن عفان ~~ولى عبد الله بن عامر بن كريز البصرة في سنة 28. ويقال 29، وهو ابن 25 سنة، ~~وهو ابن خال عثمان بن عفان، ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وكان كريما، ميمون النقيبة (2) ، فافتتح من أهل فارس ما افتتح، ثم غزا ~~خراسان، واستخلف على البصرة زياد بن أبي سفيان (3) ، وسار إلى كرمان (4) ~~فاستعمل عليها مجاشع بن مسعود السلمي، وأمره بمحاربة أهلها، وكانوا قد ~~نكثوا، واستعمل على سجستان (5) الربيع بن زياد الحارثي، وكانوا أيضا قد ~~نقضوا الصلح، وسار ابن عامر إلى نيسابور، وجعل على مقدمته الأحنف بن قيس ~~(6) ، فأتى الطبسين، وهما حصنان، وهما بابا ### | [ص: 96] # خراسان، فصالحه أهلها على 600. 000 درهم، وسار إلى قهستان، فلقيه أهلها، ~~وقاتلهم حتى ألجأهم إلى حصنهم. وبعث ابن عامر سرية إلى رستاق زام من أعمال ~~نيسابور، ففتحه عنوة، وفتح باخرز (7) ، من أعمال نيسابور أيضا، وفتح جوين ~~(8) ، وسبى سبيا، ووجه ابن عامر الأسود بن كلثوم العدوي من عدي الرباب، ~~وكان ناسكا، إلى بيهق من أعمال نيسابور، فدخل حيطان البلد من ثلمة كانت ~~فيها، ودخلت معه طائفة من المسلمين، فأخذ العدو عليهم تلك الثلمة، فقاتل ~~الأسود حتى قتل هو، وطائفة ممن معه. وقام بأمر المسلمين بعده أخوه أدهم بن ~~كلثوم فظفر، وفتح بيهق (9) ، وكان الأسود يدعو إلى الله أن يحشره من بطون ~~السباع والطير، فلم يواره أخوه، ودفن من استشهد من أصحابه. وفتح ابن عامر ~~بشت (10) من نيسابور وأشبنذ ورخ وزاره وخواف وأسفرائن وأرغيان (11) من ~~نيسابور، ثم أتى أبرشهر وهي مدينة نيسابور، فحصر أهلها أشهرا، وكان على كل ~~ربع منها رجل موكل به، وطلب صاحب ربع من تلك الأرباع الأمان على أن يدخل ~~المسلمين المدينة، ms057 فأعطاه وأدخلهم إياها ليلا، ففتحوا الباب، وتحصن ~~مرزبانها في القهندز (12) ، ومعه جماعة. وطلب الأمان على أن يصالحه عن جميع ~~نيسابور على وظيفة يؤديها، فصالحه على ألف ألف درهم، وولي نيسابور حين ~~فتحها قيس بن الهيثم السلمي (13) ، ووجه ابن عامر عبد الله بن خازم السلمي ~~(14) إلى حمراندر من ### | [ص: 97] # نسا (15) ، وهو رستاق قرية ففتحه، وأتاه صاحب نسا فصالحه على 300. 000 ~~درهم. ويقال: على احتمال الأرض من الخراج على أن لا يقتل أحدا ولا يسبيه. ~~وقدم بهمنة عظيم أبيورد (16) على ابن عامر فصالحه على 400. 000 درهم، ويقال ~~وجه إليها ابن عامر عبد الله بن خازم فصالح أهلها على 400. 000 درهم، ووجه ~~عبد الله بن عامر عبد الله بن خازم إلى سرخس (17) فقاتلهم، ثم طلب زاذويه ~~مرزبانها الصلح على تأمين مائة رجل، وأن يدفع إليه النساء، فصارت ابنته في ~~سهم خازم، واتخذها وسماها ميساء، وغلب ابن خازم على أرض سرخس، ويقال: إنه ~~صالحه على أن يؤمن مائة نفس فسمى له المائة، ولم يسم نفسه فقتله ودخل سرخس ~~عنوة، ووجه ابن خازم من سرخس يزيد بن سالم مولى شريك بن الأعور إلى كيف ~~وبينة ففتحهما. وأتى كنازتك مرزبان طوس ابن عامر فصالحه على طوس على 600. ~~000، ووجه ابن عامر جيشا إلى هراة عليه أوس ابن ثعلبة ويقال: خليد بن عبد ~~الله الحنفي، فبلغ عظيم هراة ذلك فشخص إلى ابن عامر، وصالحه على هراة ~~وبادغيس وبوشنج غير طاغون وباغون فإنه فتحهما عنوة، وكتب له ابن عامر: "بسم ~~الله الرحمن الرحيم. هذا ما أمر به عبد الله بن عامر عظيم بوشنج وبادغيس. ~~أمره بتقوى الله ومناصحة المسلمين وإصلاح ما تحت يديه من الأرضين، وصالحه ~~على هراة. سهلها وجبلها على أن يؤدي من الجزية ما صالحه عليه، وأن يقسم ذلك ~~على الأرضين عدلا بينهم، فمن منع ما عليه فلا عهد له ولا ذمة. وكتب ربيع بن ~~نهشل وجثم بن عامر" (18) . # وأرسل مرزبان مرو الشاهجان يسأل الصلح، فوجه ابن عامر إلى مرو حاتم بن ~~النعمان الباهلي، فصالحه على ألف ms058 ألف ومائتي ألف درهم. وكان في صلحهم أن ~~يوسعوا للمسلمين في منازلهم وأن عليهم قسمة المال، وليس على المسلمين إلا ~~قبض ذلك. وكانت مرو صلحا كلها ### | [ص: 98] # إلا قرية منها يقال لها: السنج، فإنها أخذت عنوة. ووجه عبد الله ابن عامر ~~الأحنف، وهو حصن من مرو الروذ وله رستاق عظيم يعرف برستاق الأحنف، ويدعى ~~بشق الجرد. فحصر أهله، فصالحوه على 300,000. فقال الأحنف: أصالحكم على أن ~~يدخل رجل منا القصر فيؤذن فيه ويقيم فيكم حتى أنصرف، فرضوا، وكان الصلح عن ~~جميع الرستاق، ومضى الأحنف إلى مرو الروذ، فحصر أهلها، وقاتلوه قتالا ~~شديدا، فهزمهم المسلمون، فاضطروهم إلى حصنهم، وكان المرزبان من ولد باذام ~~صاحب اليمن أو ذا قرابة له، فكتب إلى الأحنف أنه دعاني إلى الصلح إسلام ~~باذام، فصالحه على 600. 000. ووجه الأحنف الأقرع بن حابس التميمي (19) في ~~خيل، وقال: "يا بني تميم تحابوا وتباذلوا تعتدل أموركم، وابدأوا بجهاد ~~بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم، ولا تغلوا يسلم لكم جهادكم". فسار الأقرع، ~~فلقي العدو بالجوزجان (20) فكانت في المسلمين جولة ثم كروا فهزموهم، وفتحوا ~~الجوزجان عنوة. # وفتح الأحنف الطالقان صلحا، وفتح الفارياب، ثم سار الأحنف إلى بلخ، وهي ~~مدينة طخارا فصالحهم أهلها على 400. 000، فاستعمل على بلخ أرسيد بن ~~المتشمس، ثم سار إلى خوارزم، وهي من سقي النهر جميعا ومدينتها شرقية فلم ~~يقدر عليها فانصرف إلى بلخ وقد جبى أرسيد صلحها. # قال أبو عبيدة: فتح ابن عامر ما دون النهر، فلما بلغ أهل ما وراء النهر ~~أمره طلبوا إليه أن يصالحهم ففعل. فيقال: إنه عبر النهر حتى أتى جميع ~~مواضعه. وقيل بل أتوه وصالحوه، وبعث من قبض ذلك، فأتته الدواب، والوصفاء، ~~والوصائف، والحرير، والثياب. ثم إنه أحرم شكرا لله. # ولما تم لابن عامر هذا الفتح قال له الناس: ما فتح لأحد ما فتح عليك، ~~فارس وكرمان وسجستان وخراسان. فقال: لا جرم لأجعلن شكري لله على ذلك أن ~~أخرج محرما من موقفي ### | [ص: 99] # هذا فأحرم بعمرة من نيسابور. وقدم على عثمان واستخلف على خراسان قيس بن ms059 ~~الهيثم. # جميع هذه المدن والقرى التي مر ذكرها هي بخراسان. ولما كانت فارسية فقد ~~يستغربها القارئ ويصعب عليه النطق بها، وقد اضطررت إلى ذكرها، لأن المسلمين ~~فتحوها تحت قيادة عبد الله بن عامر، وفتح أغلبها صلحا، لأنهم لم يستطيعوا ~~مقاومة المسلمين، وقد قتل يزدجرد آخر ملوك الفرس. PageV01P093 # - فتح إصطخر (1) : # إصطخر: كورة وبلدة في بلاد فارس، وبها كثير من المدن والقرى، أشهرها ~~البيضاء ومائتين ونيريز وأبرقوه ويزد وغيرها. وبها كانت خزائن الملوك قبل ~~الإسلام. قيل: وفي جبالها معدن الحديد. وفي دارا بجرد إحدى قراها معدن ~~الزئبق. وفي إصطخر وضع هيستاسب كتاب زرادشت نبي المجوس لما كانت في عظمتها. # وعلى ثلاثة أو أربعة فراسخ من ميان تجد آثار مدينة إصطخر الشهيرة في قديم ~~الزمان باسم برسبوليس وهي مدينة قديمة كانت سابقا دار سلطنة بلاد فارس. # لما جاء الإسلام كان أول من غزا بلاد فارس العلاء بن الحضرمي (2) في ~~خلافة عمر سنة 17 هجرية. سار بجيوشه بحرا وخرجوا بإصطخر فقاتلهم أهلها ~~قتالا شديدا فانجلى القتال عن هزيمة أهل إصطخر. ثم دخل أبو موسى الأشعري ~~بلاد فارس في نفس السنة، ودفع لواء إصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفي ~~لما فرق الألوية على رجاله فلم يتيسر الفتح إلا سنة 18 ه، وقيل بعد ذلك. ~~قال ابن الأثير (3) : وقصد عثمان بن أبي العاص الثقفي إصطخر فالتقى هو ~~وأهلها بجور ### | [ص: 100] # فاقتتلوا، وانهزم الفرس وفتح المسلمون جور، ثم إصطخر وقتلوا الكثير، وفر ~~بعضهم فدعا عثمان إلى الذمة والجزية، فأجابه الهربذ إليها فتراجعوا، وكان ~~عثمان قد جمع الغنائم فبعث بخمسها إلى عمر، وقسم الباقي في الناس. # ثم عصت إصطخر فعاد إليها عثمان سنة 27 ه، وفتحها ثانية. ثم انتفض الفرس ~~فواقعهم عبيد الله بن معمر على باب إصطخر سنة 29 ه فقتل وانهزم المسلمون، ~~فبلغ الخبر عبد الله بن عامر فسار إليهم والتقوا بإصطخر، فانهزم الفرس، ~~وقتل منهم كثيرون، وفتحت إصطخر عنوة. وأتى دارا بجرد وقد غدر أهلها ففتحها، ~~وصار إلى جور، فانتفضت إصطخر فلم يرجع إليها ms060 إلا بعد أن فتح جور ففتحها ~~أيضا عنوة بعد أن حاصرها واشتد القتال عليها ورماها بالمناجيق، وقتل من ~~أهلها خلق كثير، وأفنى أكثر أهل البيوتات ووجوه الأساودة كانوا قد لجأوا ~~إليها، والذي استخلفه على إصطخر شريك بن الأعور الحارثي فبنى مسجدها. # قال البلاذري في فتوح البلدان: # "لما فرغ عبد الله بن عامر من فتح جور، كر على أهل إصطخر وفتحها عنوة بعد ~~قتال شديد، ورمى بالمناجيق، وقتل بها من الأعاجم 40. 000" الخ. PageV01P099 # - فتح كرمان (1) : # لما سار ابن عامر إلى فارس وجه مجاشع بن مسعود السلمي (2) إلى كرمان (3) ~~وكان أهلها قد نكثوا وغدروا، ففتح بيمنت عنوة، واستبقى أهلها وأعطاهم ~~أمانا، وبنى قصرا يعرف بقصر مجاشع. وفتح بروخروة، وأتى الشيرجان وهي مدينة ~~كرمان، وأقام عليها أياما يسيرة، وأهلها متحصنون، وقد خرجت لهم خيل فقاتلهم ~~ففتحها عنوة، ثم إن كثيرا من أهلها جلوا عنها وفتح ### | [ص: 101] # جيرفت (4) عنوة، وسار في كرمان فدوخ أهلها وأتى القفص وتجمع له بهرمور ~~خلق كثير من الأعاجم فقاتلهم فظفر بهم وظهر عليهم. وهرب كثير من أهل كرمان ~~فركبوا البحر، ولحق بعضهم بمكران، وأتى بعضهم سجستان، فأقطعت العرب منازلهم ~~وأراضيهم فعمروها وأدوا العشر فيها، واحتفروا القنوات في مواضع منها. ~~PageV01P100 # - فتح سجستان وكابل (1) : # فتحت سجستان في أيام عمر بن الخطاب، ثم إن أهلها نقضوا عهدهم. فلما توجه ~~ابن عامر إلى خراسان سير إليها من كرمان الربيع بن زياد الحارثي (2) ، فأتى ~~حصن زالق فأغار على أهله في يوم مهرجان فأخذ دهقانه فافتدى نفسه بأن ركز ~~عنزة، ثم غمرها ذهبا وفضة، وصالح الدهقان على حقن دمه وصالحه على صلح أهل ~~فارس، ثم أتى قرية يقال لها كركويه (3) على خمسة أميال من زالق فصالحوه على ~~غير قتال، ثم أتى زالق وأخذ الأدلاء منها إلى زرنج (4) ، وسار حتى نزل ~~الهندمند، وأتى زوشت وهي من زرنج على ثلثي ميل فخرج إليه أهلها فقاتلوه ~~قتالا شديدا، وأصيب رجال من المسلمين، ثم كر المسلمون وهزموهم حتى اضطروهم ~~إلى المدينة بعد أن قتلوا منهم مقتلة عظيمة (5) ، ثم أتى الربيع ms061 ناشروذ (6) ~~قرية فقاتل أهلها وظفر بهم، ثم مضى إلى شرواذ (7) قرية فغلب عليها، ثم حاصر ~~مدينة زرنج بعد أن قاتل أهلها، فبعث إليه أبرويز مرزبانها يستأمنه ليصالحه، ~~فأمر بجسد من أجساد القتلى، فوضع له، فجلس عليه واتكأ على آخر، وأجلس ~~أصحابه على أجساد القتلى مثله. وكان الربيع آدم أفوه طويلا. ### | [ص: 102] # فلما رآه المرزبان هاله فصالحه على ألف وصيف مع كل وصيف (8) جام من ذهب، ~~ودخل المسلمون المدينة، ثم أتى سناروذ (9) وهو واد فعبره وأتى القريتين، ~~وهناك مربط فرس رستم (10) فقاتله أهلها فظفر بهم، ثم عاد إلى زرنج وأقام ~~بها سنتين، ثم أتى ابن عامر واستخلف بها رجلا من بني الحارث بن كعب فأخرجوه ~~وأغلقوها. وكانت ولاية الربيع سنتين ونصفا، وسبى في ولايته هذه 40. 000 ~~رأس، وكان كاتبه الحسن البصري (11) ، ثم ولى ابن عامر عبد الرحمن بن سمرة ~~بن حبيب بن عبد شمس (12) سجستان، فأتى زرنج فحصر مرزبانها في قصره في ### | [ص: 103] # يوم عيد لهم فصالحه على ألفي ألف درهم، وألفي وصيف. وغلب ابن سمرة على ما ~~بين زرنج وكش (13) من ناحية الهند، وغلب من ناحية طريق الرخج (14) على ما ~~بينه وبين بلاد الداور (15) ، فلما انتهى إلى بلاد الداور حصرهم في جبل ~~الزور (16) ، ثم صالحهم، فكانت عدة من معه من المسلمين 8000 فأصاب كل رجل ~~منهم 4000 ودخل على الزور وهو صنم من ذهب عيناه ياقوتتان فقطع يده وأخذ ~~الياقوتتين، ثم قال للمرزبان: دونك الذهب والجوهر، وإنما أردت أن أعلمك أنه ~~لا يضر ولا ينفع. وفتح كابل وزابلستان. وأتى عبد الرحمن زرنج فأقام بها حتى ~~اضطرب أمر عثمان، فاستخلف عليها أمير بن أحمر اليشكري، وانصرف من سجستان، ~~فأخرج أهلها أمير بن أحمر وامتنعوا. PageV01P101 # - وفاة أبي سفيان (1) (سنة 31 ه/ 652 م) : # أبو سفيان صخر بن حرب وهو والد يزيد ومعاوية، ولد قبل الفيل بعشر سنين، ~~وكان من أشراف قريش. وكان تاجرا يجهز التجار بماله وأموال قريش إلى الشام ~~وغيرها من أرض العجم، وكان يخرج أحيانا بنفسه، وكانت إليه راية الرؤساء ms062 ~~التي تسمى العقاب. وإذا حميت الحرب اجتمعت قريش فوضعتها بيد الرئيس. وقيل ~~كان أفضل قريش رأيا في الجاهلية ثلاثة: عتبة، وأبو جهل، وأبو سفيان، فلما ~~أتى الإسلام أدبر في الرأي. وهو الذي قاد قريشا كلها يوم أحد، ولم يقدها ~~قبل ذلك رجل واحد إلا يوم ذاك فكيف قادها المطلب!. وكان أبو سفيان صديق ~~العباس، وأسلم ليلة الفتح، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غنائمها ~~مائة بعير وأربعين أوقية، وأعطى ابنيه يزيد ومعاوية كل واحد مثله. وشهد ~~الطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ففقئت عينه يومئذ، وفقئت الأخرى ~~يوم اليرموك. وشهد اليرموك تحت راية ابنه يزيد يقاتل ويقول: "يا نصر الله ~~اقترب"، وكان يقف على الكراديس يقص ويقول: "الله، الله، إنكم دارة العرب ~~وأنصار الإسلام. وإنهم دارة الروم وأنصار ### | [ص: 104] # المشركين. اللهم هذا يوم من أيامك. اللهم أنزل نصرك على عبادك". # وروي أنه لما أسلم ورأى المسلمين وكثرتهم قال للعباس: "لقد أصبح ملك ابن ~~أخيك عظيما" فقال له العباس: "إنها النبوة". قال: "فنعم". وكان من المؤلفة ~~قلوبهم وحسن إسلامه. # توفي سنة 31 ه، وصلى عليه عثمان، وكان عمره 88 سنة. PageV01P103 # - غزوة بلنجرد (1) (سنة 32 ه/ 653 م) : # بلنجرد: مدينة الخزر خلف باب الأبواب. # ذكرنا في كتاب "الفاروق عمر بن الخطاب" أن عبد الرحمن بن ربيعة (2) زحف ~~بجيشه (يريد بلنجرد) (3) فخافهم الترك في أول الأمر وقالوا: إن هؤلاء أي ~~العرب ملائكة لا يعمل فيهم السلاح. فاتفق أن تركيا اختفى في غيضة (4) ورشق ~~مسلما بسهم فقتله. فنادى في قومه أن هؤلاء يموتون، كما تموتون، فلا ~~تخافوهم. فاجترأوا عليهم، وأوقعوا بهم حتى استشهد عبد الرحمن بن ربيعة، ~~وأخذ الراية أخوه، ولم يزل يقاتل حتى أمكنه دفن أخيه بنواحي بلنجرد، ورجع ~~بقية المسلمين على طريق جيلان. # وفي سنة 32 ه انتصرت الخزر والترك على المسلمين، وسببه أن الغزوات لما ~~تتابعت عليهم تذامروا (5) وقالوا: كنا لا يقرن بنا أحد حتى جاءت هذه الأمة ~~"العربية" فصرنا لا نقوم لها. # لما قتل عبد الرحمن ms063 بن ربيعة وانهزم المسلمون افترقوا فرقتين فرقة نحو ~~الباب، فلقوا سلمان بن ربيعة أخا عبد الرحمن، كان قد سيره سعيد بن العاص ~~مددا للمسلمين بأمر عثمان، فلما لقوه نجوا معه. وفرقة نحو جيلان وجرجان، ~~فيهم سلمان الفارسي (6) وأبو ### | [ص: 105] # هريرة (7) ، وكان في ذلك العسكر يزيد بن معاوية النخعي (8) ، وعلقمة بن ~~قيس (9) ، ومعضد ### | [ص: 106] # الشيباني، وأبو مفرز التميمي في خباء واحد، وخالد بن ربيعة، والحلحان ابن ~~دري، والقرثع في خباء، فكانوا متجاورين في ذلك العسكر. وكان القرثع يقول: ~~ما أحسن لمع الدماء على الثياب. وكان عمرو بن عتبة يقول لقباء عليه أبيض: ~~ما أحسن حمرة الدماء على بياضك، ورأى يزيد بن معاوية في منامه أن غزالا جيء ~~به لم ير أحسن منه فلف في ملحفة، ثم دفن في قبر لم ير أحسن منه، عليه أربعة ~~نفر قعودا، فلما استيقظ واقتتل الناس رمي بحجر فهشم رأسه فمات فكأنما زين ~~ثوبه بالدماء وليس بتلطيخ، فدفن في قبر على الصورة التي رأى. وقال معضد ~~لعلقمة: أعرني بردك أعصب به رأسي، ففعل، فأتى برج بلنجرد الذي أصيب فيه ~~يزيد فرماهم فقتل منهم. وأتاه حجر عرادة (10) ففضخ هامته فأخذه أصحابه، ~~فدفنوه إلى جنب يزيد، وأخذ علقمة البرد فكان يغسله، فلا يخرج أثر الدم منه. ~~وكان يشهد فيه الجمعة، ويقول: يحملني على هذا أن دم معضد فيه. وأصاب عمرو ~~بن عتبة جراحة فرأى قباءه كما اشتهى ثم قتل، وأما القرثع فإنه قاتل حتى خرق ~~بالحراب. فبلغ الخبر بذلك إلى عثمان فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، انتكث ~~أهل الكوفة. اللهم تب عليهم وأقبل بهم. # وكان عثمان قد كتب إلى سعيد بن العاص أن ينفذ سلمان إلى الباب للغزو ~~فسيره، فلقي المهزومين على ما تقدم، فنجاهم الله به. فلما أصيب عبد الرحمن ~~استعمل سلمان بن ربيعة على الباب واستعمل على الغزو بأهل الكوفة حذيفة بن ~~اليمان وأمدهم عثمان بأهل الشام. عليهم حبيب بن مسلمة فتأمر عليه سلمان ~~وأبى حبيب حتى قال أهل الشام: لقد هممنا بضرب سلمان. فقال ms064 الكوفيون: إذن، ~~والله نضرب حبيبا ونحبسه، وإن أبيتم كثرت القتلى فينا وفيكم (11) ، وأراد ~~حبيب أن يتأمر على صاحب الباب كما يتأمر أمير الجيش إذا جاء من الكوفة، ~~فكان ذلك أول ### | [ص: 107] # خلاف وقع بين أهل الكوفة، وغزا حذيفة ثلاث غزوات، فقتل عثمان في الثالثة، ~~ولقيهم مقتل عثمان. فقال حذيفة بن اليمان: "اللهم العن قتلته وشتامه، اللهم ~~إنا كنا نعاتبه ويعاتبنا فاتخذوا ذلك سلما إلى الفتنة، اللهم لا تمتهم إلا ~~بالسيوف". PageV01P104 # - خروج الترك مع ملكهم قارن (1) (سنة 32 ه/ 653 م) : # خرجت جموع من الترك من ناحية خراسان في 40. 000 عليهم قارن من ملوكهم، ~~فانتهى إلى الطبسين واجتمع له أهل باذغيس وهراة وقهستان، وكان على خراسان ~~يومئذ ابن الهيثم السلمي استخلفه عليها ابن عامر عند خروجه إلى مكة محرما، ~~فدوخ جهتها، وكان معه ابن عمه عبد الله بن خازم فقال لابن عامر: اكتب لي ~~على خراسان عهدا إذا خرج منها قيس ففعل. فلما أقبلت جموع الترك قال قيس ~~لابن خازم: ما ترى؟ قال: أرى أن تخرج من البلاد، فإن عهد ابن عامر عندي ~~بولايتها، فترك منازعته وذهب إلى ابن عامر. وقيل: أشار عليه أن يخرج إلى ~~ابن عامر يستمده، فلما خرج أشهر عهد ابن عامر له بالولاية عند مغيب قيس، ~~وسار ابن خازم للقاء الترك في أربعة آلاف، وأمر الناس فحملوا الودك (2) ، ~~فلما قرب من قارن أمر الناس أن يربط كل رجل منهم على زج رمحه خرقة، أو ~~قطنا، ثم يكثروا دهنه، ثم سار حتى أمسى فقدم مقدمته ستمائة، ثم أتبعهم، ~~وأمر الناس فأشعلوا النار في أطراف الرماح، فانتهت مقدمته إلى معسكر قارن ~~نصف الليل، فناوشوهم وهاج الناس على دهش، وكانوا آمنين من البيات، ودنا ابن ~~خازم منهم فرأوا النيران يمنة وميسرة تتقدم وتتأخر، وتنخفض وترتفع، فهالهم ~~ذلك، ومقدمة ابن خازم يقاتلونهم، ثم غشيهم ابن خازم وأكثروا القتل في ~~المشركين، وقتل ملكهم قارن فانهزم المشركون واتبعهم المسلمون يقتلونهم كيف ~~شاءوا وأصابوا سبيا كثيرا وكتب ابن خازم بالفتح إلى ابن عامر فرضي ms065 وأقره ~~على خراسان. # هذه الخدعة الحربية التي ابتدعها ابن خازم بإشعال أطراف الرماح ومداهمة ~~العدو ليلا هي أول خدعة سمعنا بها في التاريخ الإسلامي، وقد فزع العدو ~~لرؤيتها وهالهم الأمر، وبذلك انتصر المسلمون على الأتراك في هذه الموقعة. ~~PageV01P107 ### | الفصل الرابع: وفاة كبار الصحابة. # PageV01P107 # توفي بين سنة 32 ه وسنة 34 ه عدد من كبار الصحابة رضوان الله عليهم، ~~فرأيت أن أقدم للقراء نبذة عن تاريخ كل منهم لأنهم توافوا في حياة عثمان ~~رضي الله عنه. أما أبو ذر فقد سبق أن ذكرت سيرته عند تسييره إلى الربذة. # PageV01P111 # - وفاة أبي ذر الغفاري (1) (سنة 32 ه/ 653 م) : # لما حضرت أبا ذر الوفاة في سنة ثمان في ذي الحجة من إمارة عثمان قال ~~لابنته: # "استشرفي يا بنية، فانظري هل ترين أحدا؟ قالت: لا. قال: فما جاءت ساعتي ~~بعد. ثم أمرها فذبحت شاة، ثم طبختها. ثم قال: إذا جاءك الذين يدفنونني ~~فقولي لهم إن أبا ذر يقسم عليكم أن لا تركبوا حتى تأكلوا. فلما نضجت قدرها، ~~قال لها: انظري هل ترين أحدا؟ قالت: نعم، هؤلاء ركب مقبلون. قال: استقبلي ~~بي الكعبة. ففعلت وقال: "بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم) . ثم خرجت ابنته فتلقتهم وقالت: رحمكم الله اشهدوا أبا ذر فادفنوه ~~قالوا: وأين هو؟ فأشارت إليه وقد مات. قالوا: ونعمة عين، لقد أكرمنا الله ~~بذلك. وإذا ركب من أهل الكوفة فيهم ابن مسعود فمالوا إليه وابن مسعود يبكي ~~ويقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم "يموت وحده ويبعث وحده". # فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه. فلما أرادوا أن يرتحلوا قالت: إن أبا ~~ذر يقرأ عليكم السلام وأقسم عليكم أن لا تركبوا حتى تأكلوا. ففعلوا، ~~وحملوهم حتى أقدموهم مكة، ونعوه إلى عثمان، فضم ابنته إلى عياله وقال: يرحم ~~الله أبا ذر ويغفر لرافع بن خديج (2) سكوته. وفي رواية أخرى أنه قال: يرحم ~~الله أبا ذر ويغفر له نزوله الربذة. PageV01P111 # - وفاة عبد الرحمن بن عوف (1) (سنة 32 ه/ 653 م) : ### | [ص: ms066 112] # وفي هذه السنة توفي عبد الرحمن بن عوف، وأمه الشفاء بنت عوف. ولد بعد ~~الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار ~~الأرقم. وكان أحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام. وأحد الخمسة الذين ~~أسلموا على يد أبي بكر. وكان من المهاجرين الأولين. هاجر إلى الحبشة، وإلى ~~المدينة، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع كما ~~ذكر في كتاب "محمد رسول الله"، وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وبعثه رسول الله إلى دومة الجندل، وعممه بيده وسدلها بين ~~كتفيه وقال: إن فتح الله عليك فتزوج ابنة ملكهم، أو قال شريفهم، وكان ~~الأصبغ بن ثعلبة بن ضمضم الكلبي شريفهم فتزوج ابنته تماضر بنت الأصبغ فولدت ~~له أبا سلمة بن عبد الرحمن، وكان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد ~~الستة أصحاب لهم: الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب الخلافة فيهم. # وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه في سفره. وجرح يوم أحد إحدى ~~وعشرين جراحة في رجله فكان يعرج منها. وسقطت ثنيتاه فكان أهتم. وكان كثير ~~الإنفاق في سيبل الله عز وجل. أعتق في يوم ثلاثين عبدا. # ولما آخى رسول الله بينه وبين سعد بن الربيع (2) قال له سعد: إن لي مالا ~~فهو بيني وبينك شطران. ولي امرأتان فانظر أيتهما أحببت حتى أخالعها فإذا ~~حلت فتزوجها. فقال: لا حاجة لي في أهلك ومالك، بارك الله لك في أهلك ومالك، ~~دلوني على السوق "لأنه كان من كبار التجار" فاشترى، وباع، وربح. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عبد الرحمن بن عوف أمين في السماء أمين ~~في الأرض" (3) . # ولما توفي عمر رضي الله عنه قال عبد الرحمن بن عوف لأصحاب الشورى الذين ~~جعلوا عمر الخلافة فيهم: من يخرج نفسه منها ويختار للمسلمين؟ فلم يجيبوه ~~إلى ذلك. فقال: أنا أخرج نفسي من الخلافة، وأختار للمسلمين. فأجابوه إلى ~~ذلك، وأخذ مواثيقهم عليه فاختار عثمان فبايعه - كما ذكرنا في كتابنا ~~الفاروق ms067 ### | [ص: 113] # وكان عظيم التجارة مجدودا فيها. كثير المال. قيل: إنه دخل على أم سلمة ~~فقال: يا أمة قد خفت أن تهلكني كثرة مالي. قالت: يا بني أنفق. # ولما كثر ماله قدم له ذات يوم راحلة تحمل البر، وتحمل الدقيق والطعام، ~~فلما دخلت المدينة سمع لأهل المدينة رجة، فقالت عائشة: ما هذه الرجة؟ فقيل ~~لها عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف، سبعمائة بعير تحمل البر والدقيق. فقالت ~~عائشة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنة ~~حبوا" (4) . فلما بلغ ذلك عبد الرحمن قال: يا أمة إني أشهدك أنها بأحمالها ~~وأحلاسها وأقتابها في سبيل الله عز وجل. # وتصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشطر ~~ماله. أربعة آلاف. ثم تصدق بأربعين ألفا. ثم تصدق بأربعين ألف دينار. ثم ~~حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل الله. ~~وكان عامة ماله من التجارة. # فهل يقتدي به في زماننا هذا كبار الأغنياء الذين يكنزون الذهب والفضة، ~~والأوراق المالية، ويمتلكون الضياع الواسعة، والعمارات الشاهقة، فيبذلون ~~جزءا منها في سبيل الله، وإعانة الفقراء الذين ضاقت مذاهبهم، وساءت حالهم، ~~ولا يجدون لهم معينا؟ اللهم لقد فسد الزمان. وفسدت القلوب، وزاد الجشع ~~والطمع. وانمحت عاطفة الخير وصار كل إنسان لا يفكر إلا في نفسه ولذاته ~~وشهواته. لذلك اتسعت مسافة الخلف بين الأغنياء والفقراء، وحقد كل على أخيه ~~في الإنسانية، وكثرت حوادث التعدي، وشعر الفقير بالحيف، ونقم على النظم ~~الحالية، وتفككت روابط الأسر والصداقة، وفشا الربا. وهذه حالة محزنة، لطف ~~الله بعباده. # كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد ~~الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها!. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: "دعوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما ~~أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" (5) . وهذا إنما كان بينهما لما سير رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد ms068 إلى بني جذيمة بعد فتح مكة فقتل فيهم ~~خالد خطأ. فودى رسول الله صلى الله عليه وسلم القتلى وأعطاهم ثمن ما أخذ ~~منهم، وكان بنو جذيمة قد قتلوا في الجاهلية ### | [ص: 114] # عوف بن عوف والد عبد الرحمن بن عوف وقتلوا الفاكه بن المغيرة عم خالد. ~~فقال له عبد الرحمن: إنما قتلتهم لأنهم قتلوا عمك. وقال له خالد: إنما ~~قتلوا أباك وأغلظ في القول. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال. # توفي عبد الرحمن سنة 32 ه وهو ابن 75 سنة، وأوصى بخمسين ألف دينار في ~~سبيل الله. وأوصى لمن بقي ممن شهد بدرا لكل 400 دينار، وكانوا مائة ~~فأخذوها، وأخذ عثمان فيمن أخذ وأوصى بألف فرس في سبيل الله. # ولما مات قال علي بن أبي طالب: اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها وسبقت ~~رنقها (6) . # وكان سعد بن أبي وقاص فيمن حمل جنازته وهو يقول: واجبلاه وخلف مالا عظيما ~~من ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت يدي الرجال منه. وترك ألف بعير ومائة فرس ~~وثلاثة آلاف شاة ترعى بالبقيع. # وترك أربع نسوة. أخرجت امرأة من إرثها بثمانين ألفا يعني صولحت وكان ~~طويلا أبيض مشربا بحمرة. حسن الوجه. رقيق البشرة. أهدب الأشفار. أقنى. له ~~جمة. ضخم الكفين. غليظ الأصابع (علامة الغنى) . لا يغير لحيته ولا رأسه. ~~PageV01P111 # - وفاة العباس بن عبد المطلب (1) (سنة 32 ه/ 653 م) : # توفي في هذه السنة أيضا العباس بن عبد المطلب كما ذكره الطبري (2) وهو عم ~~رسول ### | [ص: 115] # الله صلى الله عليه وسلم وصنو أبيه. يكنى أبا الفضل بابنه الفضل، وأمه ~~نتيلة بنت خباب، وهي أول عربية كست البيت الحرير والديباج وأصناف الكسوة. ~~وسببه أن العباس ضاع وهو صغير فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت فوجدته، ففعلت. ~~وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين. وقيل: بثلاث سنين. # وكان العباس في الجاهلية رئيسا في قريش. وإليه كانت عمارة المسجد الحرام، ~~والسقاية في الجاهلية. أما السقاية فمعروفة. وأما عمارة المسجد الحرام فإنه ~~كان لا يدع أحدا ms069 يسب في المسجد الحرام، ولا يقول فيه هجرا لا يستطيعون لذلك ~~امتناعا. لأن ملأ قريش كانوا قد اجتمعوا وتعاقدوا على ذلك. فكانوا له ~~أعوانا عليه. # وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة لما بايعه الأنصار ~~ليشدد له العقد، وكان حينئذ مشركا. وكان ممن خرج مع المشركين يوم بدر ~~مكرها. وأسر يومئذ فيمن أسر. وكان قد شد وثاقه فسهر النبي صلى الله عليه ~~وسلم تلك الليلة ولم ينم، فقال له بعض أصحابه: ما يسهرك يا نبي الله؟ فقال: ~~"أسهر لأنين العباس". فقام رجل من القوم فأرخى وثاقه. فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "ما لي لا أسمع أنين العباس؟ " فقال الرجل: أنا أرخيت من ~~وثاقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فافعل ذلك بالأسرى كلهم" (3) . ~~(وهذا هو العدل) وفدى يوم بدر نفسه، وابني أخويه: عقيل بن أبي طالب (4) ~~ونوفل بن الحارث (5) ### | [ص: 116] # ثم هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشهد معه فتح مكة وانقطعت الهجرة ~~وشهد حنينا، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انهزم الناس بحنين. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظمه ويكرمه بعد إسلامه وكان وصولا ~~لأرحام قريش. محسنا إليهم. ذا رأي سديد، وعقل غزير. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني، ~~فإنما عم الرجل صنو أبيه" (6) . # وعن العباس قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: علمني يا رسول ~~الله شيئا أدعو به. فقال: "يا عباس، يا عم رسول الله، سل الله العافية في ~~الدنيا والآخرة" (7) . # واستسقى عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما عام الرمادة لما اشتد ~~القحط، فسقاهم الله تعالى به، وأخصبت الأرض، فقال عمر: هذا والله الوسيلة ~~إلى الله والمكان منه. لكن دائرة المعارف الإسلامية قالت (8) : إن هذه ~~القصة خرافة وضعها العباسيون. وهذا تعنت وتشكيك. لأن حسان بن ثابت (9) ذكر ~~استسقاء عمر بالعباس في شعره. فلو كان ذلك خرافة لما ذكره حسان ### | [ص: 117] # بالمرة. ولا يخفى أن ms070 حسان قال ذلك الشعر زمن عمر بن الخطاب وإليك قوله: # سأل الإمام وقد تتابع جدبنا ... فسقى الغمام بغرة العباس # عم النبي وصنو والده الذي ... ورث النبي بذاك دون الناس # أحيا الإله به البلاد فأصبحت ... مخضرة الأجناب بعد الياس # وعن أنس بن مالك. أنهم كانوا إذا قحطوا على عهد عمر خرج بالعباس فاستسقى ~~به وقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا عليه السلام إذا قحطنا فتسقينا، ~~وإنا نتوسل إليك بعم نبينا عليه السلام فاسقنا". # وعن موسى بن عمر قال: أصاب الناس قحط، فخرج عمر ابن الخطاب فأخذ يستسقي ~~بيد العباس، فاستقبل به القبلة. فقال: "هذا عم نبيك عليه السلام جئنا نتوسل ~~به إليك فاسقنا، فما رجعوا حتى سقوا. # وعن عبد الرحمن بن حاطب، عن أبيه قال: رأيت عمر آخذا بيد العباس فقام به ~~فقال: اللهم إنا نستشفع بعم رسولك صلى الله عليه وسلم إليك (10) . # فليست قصة الاستسقاء خرافة كما زعمت دائرة المعارف الإسلامية فقد رواها ~~جمع من الصحابة. # ولما سقى الناس طفقوا يتمسحون بالعباس ويقولون هنيئا لك ساقي الحرمين. ~~وكان الصحابة يعرفون للعباس فضله، ويقدمونه، ويشاورونه، ويأخذون برأيه، ~~وكان له من الولد عشرة ذكور سوى الإناث. # توفي العباس بالمدينة، وصلى عليه عثمان، ودفن بالبقيع، وهو ابن ثمان ~~وثمانين سنة. وكان طويلا، جميلا، أبيض. PageV01P114 # - وفاة عبد الله بن مسعود (1) # وممن توفي في هذه السنة عبد الله بن مسعود بن غافل، وأمه أم عبد بنت ~~عبدود بن سوداء. أسلمت أيضا وهاجرت. فهو صحابي ابن صحابية. أسلم قديما قبل ~~عمر بن الخطاب حين أسلم سعيد بن زيد (2) وزوجته فاطمة بنت الخطاب (3) ### | [ص: 118] # قال ابن مسعود يذكر سبب إسلامه: # "كنت غلاما يافعا في غنم لعقبة بن أبي معيط أرعاها، فأتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومعه أبو بكر. فقال: "يا غلام هل معك من لبن؟ " فقلت: نعم، ولكني ~~مؤتمن. فقال: "ائتني بشاة لم ينز عليها الفحل". فأتيته بعناق أو جذعة. ~~فاعتقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يمسح الضرع ويدعو حتى أنزلت، ~~فأتاه أبو ms071 بكر بصحفة، فاحتلب فيها. ثم قال لأبي بكر: "اشرب". فشرب أبو بكر، ~~ثم شرب النبي صلى الله عليه وسلم بعده. ثم قال للضرع: "أقلص". فقلص، فعاد ~~كما كان. ثم أتيته فقلت: يا رسول الله علمني من هذا الكلام أو من هذا ~~القرآن. فمسح رأسي وقال: "إنك غلام معلم" (4) . قال: فلقد أخذت منه سبعين ~~سورة ما نازعني فيها بشر". # وهو أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: والله ما سمعت ~~قريش هذا القرآن يجهر لها به قط!. فمن رجل يسمعهم؟ فقال عبد الله بن مسعود: ~~أنا. فقالوا: إنا نخشاهم عليك. إنما نريد رجلا له عشيرة تمنعه من القوم إن ~~أرادوه. فقال: دعوني فإن الله سيمنعني. فغدا عبد الله حتى أتى المقام في ~~الضحى وقريش في أنديتها، فقال رافعا صوته: (بسم الله الرحمن الرحيم الرحمن ~~{الرحمن علم القرآن} [الرحمن: 1 2] ) فاستقبلها، فقرأ بها، فتأملوا. فجعلوا ~~يقولون: ما يقول ابن أم عبد!؟ ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد ~~فقاموا، فجعلوا يضربون في وجهه. وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن ~~يبلغ. ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا بوجهه. فقالوا: هذا الذي خشينا عليك. ~~فقال: ما كان أعداء الله قط أهون علي منهم الآن. ولئن شئتم غاديتهم بمثلها ~~غدا. قالوا: حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون. # ولما أسلم عبد الله أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وكان يخدمه ~~فكان يدخل عليه ويلبسه نعله، ويمشي معه وأمامه ويستره إذا اغتسل، ويوقظه ~~إذا نام. # وهاجر الهجرتين جميعا إلى الحبشة، وإلى المدينة، وصلى إلى القبلتين، وشهد ~~بدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وشهد اليرموك بعد النبي صلى الله عليه وسلم ### | [ص: 119] # وهو الذي أجهز على أبي جهل، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالجنة. وسيره عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الكوفة وكتب إلى أهلها: ms072 "إني ~~قد بعثت عمار بن ياسر أميرا، وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما من ~~النجباء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل بدر فاقتدوا بهما، ~~وأطيعوا، واسمعوا قولهما. وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي". وليس بعد ذلك ~~ثناء وتقدير. # ولما مرض عبد الله عاده عثمان بن عفان فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: ~~فما تشتهي؟ قال: رحمة الله. قال: ألا آمر لك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني. ~~قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه. قال: يكون لبناتك. قال: أتخشى ~~على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة، إني سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه ~~فاقة أبدا" (5) . # وفي أسد الغابة وتهذيب اللغات والأسماء أنه توفي سنة 32 ه. وكان عمره يوم ~~توفي بضعا وستين سنة. # وكان يعرف بصاحب سواد رسول الله (6) ، وسواكه ونعله. وكان عبد الله يلبس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم نعليه، ثم يمشي أمامه بالعصا، حتى إذا أتى ~~مجلسه نزع نعليه فأدخلهما في ذراعيه وأعطاه العصا، فإذا أراد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يقوم ألبسه نعليه، ثم مشى بالعصا أمامه حتى يدخل الحجرة ~~قبل رسول الله. وكان يصوم الاثنين والخميس. وكان رجلا نحيفا قصيرا. دقيق ~~الساقين. وكان من كبار الصحابة، وساداتهم، وفقهائهم، ومقدميهم في القرآن، ~~والفقه، والفتوى، وأصحاب الخلق، والأتباع في العلم. مات بالمدينة، ودفن ~~بالبقيع عند قبر عثمان بن مظعون كما أوصى وهو ابن بضع وستين سنة. وقيل: إنه ~~ترك تسعين ألف درهم. PageV01P117 # - وفاة عبد الله بن زيد بن عبد ربه (1) الذي أري الأذان (سنة 32 ه/ 653 ~~م) : # شهد عبد الله العقبة، وبدرا، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وهو الذي أري الأذان في النوم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلالا أن يؤذن على ما رآه عبد الله. وكانت رؤياه في السنة الأولى بعد ما ~~بنى رسول الله مسجده ms073 ### | [ص: 120] # قال عبد الله: لما أصبحنا أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ~~بالرؤيا فقال: "هذه رؤيا حق. فقم مع بلال فإنه أندى صوتا منك، فألق عليه ما ~~قيل لك وليناد بذلك"، فلما سمع عمر بن الخطاب نداء بلال بالصلاة خرج إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجر رداءه وهو يقول: يا رسول الله، والذي ~~بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"فلله الحمد فذاك أثبت" (2) . PageV01P119 # - وفاة أبي الدرداء الأنصاري (1) (سنة 32 ه/ 653 م) : # اسمه عويمر بن مالك، وقيل اسمه عامر بن مالك، وعويمر لقب. تأخر إسلامه ~~قليلا. كان آخر أهل داره إسلاما، وحسن إسلامه، وكان فقيها، عاقلا، حكيما. ~~آخى رسول الله بينه وبين سلمان الفارسي. وقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "عويمر حكيم أمتي" (2) . شهد ما بعد أحد من المشاهد. # مر أبو الدرداء يوما على رجل أصاب ذنبا وكانوا يسبونه. فقال: أرأيتم لو ~~وجدتموه في قليب (3) ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى. قال: فلا تسبوا ~~أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم. قالوا: أفلا تبغضه. قال: إنما أبغض عمله ~~فإذا تركه فهو أخي. # ولما نزل به الموت بكى فقالت له أم الدرداء: وأنت تبكي يا صاحب رسول ~~الله؟ قال: نعم. وما لي لا أبكي ولا أدري علام أهجم من ذنوبي. ودعا ابنه ~~بلالا فقال: ويحك يا بلال، اعمل للساعة، اعمل لمثل مصرع أبيك، واذكر به ~~مصرعك وساعتك فكأن قد. ثم قبض. # وكان أبو الدرداء مقرئ أهل دمشق وقاضيهم. يهابه معاوية، ويتأدب معه. ~~PageV01P120 # - وفاة المقداد بن الأسود الكندي (1) (سنة 32 ه/ 654 م) : ### | [ص: 121] # هو قديم الإسلام من السابقين وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم عاد إلى مكة فلم ~~يقدر على الهجرة إلى المدينة لما هاجر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. # عن ابن إسحاق قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر ~~الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا غيرهم فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الناس ms074 فقال أبو بكر فأحسن. وقال عمر فأحسن. ثم قام المقداد فقال: يا رسول ~~الله امض لما أمرت به فنحن معك. والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل ~~لموسى: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: "اذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق نبيا لو سرت بنا إلى برك ~~الغماد (2) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خيرا ودعا له. قيل: لم يكن ببدر صاحب فرس غير المقداد، وشهد ~~المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وشهد فتح مصر. # وكانت وفاته بالمدينة، ومات بأرض له بالجرف، وحمل إلى المدينة، ودفن ~~بالبقيع، وأوصى إلى الزبير بن العوام، وصلى عليه عثمان رضي الله عنه. # وكان عمره سبعين سنة، وكان رجلا ضخما، طويلا، آدم، ذا بطن، كثير شعر ~~الرأس، يصفر لحيته، وهي حسنة، وليست بالعظيمة ولا بالخفيفة، أعين، مقرون ~~الحاجبين، أقنى. # وبعد أن توفي المقداد جعل عثمان يثني عليه فقال الزبير: # لا ألفينك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي PageV01P120 # - وفاة أبي طلحة الأنصاري (1) (سنة 34 ه/ 655 م) : ### | [ص: 122] # اسمه زيد بن سهل الأنصاري النجاري (2) ، شهد بدرا، وآخى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح، شهد المشاهد كلها مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وكان من الرماة المذكورين من الصحابة، وهو من ~~الشجعان، وله يوم أحد مقام مشهود. كان بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بنفسه يرمي بين يديه ويتطاول بصدره ليقي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~ويقول: "نحري دون نحرك ونفسي دون نفسك". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "صوت أبي طلحة في الجيش خير من مائة رجل" (3) . وقتل يوم حنين عشرين ~~رجلا وأخذ أسلابهم. وكان أكثر الأنصار مالا. # توفي بالمدينة وهو ابن سبعين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان. وكان لا يخصب ~~وكان آدم مربوعا. PageV01P121 # - وفاة عبادة بن الصامت الأنصاري (1) (سنة 34 ه/ 655 ms075 م) : # اسمه غنم بن عوف (2) . شهد العقبة الأولى والثانية. وآخى رسول الله بينه ~~وبين أبي مرثد الغنوي (3) . وشهد بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. واستعمله رسول ### | [ص: 123] # الله على بعض الصدقات وقال له: "اتق الله. لا تأتي يوم القيامة ببعير ~~تحمله له رغاء أو شاة لها ثؤاج" (4) . قال: "فوالذي بعثك بالحق لا أعمل على ~~اثنين". وهو من الذين جمعوا القرآن زمن رسول الله. وكان عبادة يعلم أهل ~~الصفة القرآن. ولما فتح المسلمون الشام أرسله عمر بن الخطاب، وأرسل معه ~~معاذ بن جبل (5) وأبا الدرداء، ليعلموا الناس القرآن بالشام ويفقهوهم في ~~الدين. وأقام عبادة بحمص، وأقام أبو الدرداء بدمشق، ومضى معاذ إلى فلسطين، ~~ثم صار عبادة بعد إلى فلسطين. وكان معاوية خالفه في شيء أنكره عبادة فأغلظ ~~له معاوية في القول فقال عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبدا ورحل إلى ~~المدينة. فقال عمر: ما أقدمك؟ فأخبره، فقال: ارجع إلى مكانك لا يفتح الله ~~أرضا لست فيها أنت ولا أمثالك. وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه. # وبايع عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يخاف في الله لومة ~~لائم. فقام في الشام خطيبا فقال: # "يا أيها الناس. إنكم قد أحدثتم بيوعا لا أدري ما هي. ألا إن الفضة ~~بالفضة وزنا بوزن، تبرها وعينها. والذهب بالذهب وزنا بوزن تبره وعينه. ألا ~~ولا بأس ببيع الذهب بالفضة يدا بيد والفضة أكثر ولا يصلح نسيئة. ألا وإن ~~الحنطة بالحنطة مديا بمدى. والشعير بالشعير مديا بمدي (6) . ألا ولا بأس ~~ببيع الحنطة بالشعير والشعير أكثرهما يدا بيد، ولا يصلح نسيئة، والتمر ~~بالتمر مديا بمدي، والملح بالملح مديا بمدي، ومن زاد أو ازداد فقد أربى". # وعبادة أحد النقباء. بدري كبير، وكان طويلا جسيما جميلا من كبار زاد ~~العلماء. توفي بالرملة. وقيل: توفي ببيت المقدس وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. ~~PageV01P122 ### | الفصل الخامس: الفتنة. # PageV01P123 # - تسيير أهل الفتنة في العراق إلى معاوية في الشام (1) : # اختار سعيد بن العاص والي الكوفة بعد ms076 الوليد بن عقبة وجوه الناس، وأهل ~~القادسية، وقراء أهل البصرة دخلته إذا خلا، فأما إذا جلس الناس فإنه يدخل ~~عليه كل أحد. فجلس للناس يوما فدخلوا عليه فبينا هم جلوس يتحدثون قال خنيس ~~بن فلان الأسدي: ما أجود طلحة بن عبيد الله! (2) . فقال سعيد بن العاص::إن ~~من له مثل النشاستج (3) لحقيق أن يكون جوادا. والله لو أن لي مثله لأعاشكم ~~الله عيشا رغدا" ### | [ص: 128] # فقال عبد الرحمن بن خنيس، وهو حدث: والله لوددت أن هذا الملطاط (4) لك ~~يعني ما كان لكسرى على جانب الفرات الذي يلي الكوفة. # قالوا: فض الله فاك. والله لقد هممنا بك. فقال خنيس: غلام فلا تجاوزوه. ~~فقالوا: يتمنى له من سوادنا. قال: ويتمنى لكم أضعافه. قالوا: لا يتمنى لنا ~~ولا له. قال: ما هذا بكم. قالوا: أنت والله أمرته بها. # فثار إليه الأشتر، وابن ذي الحبكة، وجندب، وصعصعة، وابن الكواء، وكميل، ~~وعمير بن ضابئ فأخذوه. فذهب أبوه ليمنع عنه، فضربوهما حتى غشي عليهما، وجعل ~~سعد يناشدهم ويأبون، حتى قضوا منهما وطرا. # فسمعت بذلك بنو أسد فجاءوا وفيهم طليحة (5) ، فأحاطوا بالقصر، وركبت ~~القبائل، فعادوا بسعيد، فخرج سعيد إلى الناس فقال: أيها الناس. قوم تنازعوا ~~وتهاووا وقد رزق الله العافية. ثم قعدوا وعادوا في حديثهم وتراجعوا. وأفاق ~~الرجلان فقال: أبكما حياة؟ قالا: قتلتنا غاشيتك (6) قال: لا يغشوني والله ~~أبدا فاحفظا علي ألسنتكما ولا تجرئا علي الناس، ففعلا (7) . # ولما انقطع أولئك النفر من ذلك، قعدوا في بيوتهم وأقبلوا على الإذاعة حتى ~~لامه أهل ### | [ص: 129] # الكوفة في أمرهم. فقال: هذا أميركم وقد نهاني أن أحرك شيئا فمن أراد أن ~~يحرك شيئا فليحركه، إن هؤلاء النفر لما قعدوا في بيوتهم تكلموا في حق ~~الخليفة عثمان وشتموه. # وقيل: بل كان السبب في ذلك أنه كان يسمر (8) عند سعيد بن العاص وجوه أهل ~~الكوفة منهم مالك بن كعب والأسود بن يزيد (9) ، وعلقمة بن قيس، ومالك ~~الأشتر (10) وغيرهم. فقال سعيد: إنما هذا السواد بستان قريش فقال الأشتر: ~~أتزعم أن السواد الذي أفاءه الله علينا ms077 بأسيافنا بستان لك ولقومك، وتكلم ~~القوم معه. فقال عبد الرحمن الأسدي وكان على شرطة سعيد -: أتردون على ~~الأمير مقالته؟ وأغلظ عليهم. فقال الأشتر: من ههنا؟ لا يفوتنكم الرجل، ~~فوثبوا عليه، فوطأوه وطأ شديدا حتى غشي عليه. ثم جروه برجله فنضح بماء ~~فأفاق. فقال: قتلتني من انتخبت. فقال: والله لا يسمر عندي أحد أبدا فجعلوا ~~يجلسون في مجالسهم يشتمون عثمان وسعيدا. واجتمع إليهم الناس حتى كثروا، ~~فكتب سعيد وأشراف أهل الكوفة إلى عثمان في إخراجهم. # ومن هنا يتضح أن الفتنة قد بلغت عندئذ حدا عظيما في الكوفة فضعف مركز ~~الوالي، ولم ### | [ص: 130] # يقدر أن يؤدبهم، حتى اجترأوا أن يضربوا من رد عليهم ضربا مبرحا من غير أن ~~يستطيع أن يبدي حراكا ولما منع الاجتماع أخذوا يشتمونه ويشتمون الخليفة. # كتب أشراف أهل الكوفة إلى عثمان في إخراجهم فكتب: إذا اجتمع ملؤكم على ~~ذلك فألحقوهم بمعاوية. وكتب عثمان إلى معاوية: "إن أهل الكوفة قد أخرجوا ~~إليك نفرا خلقوا للفتنة فرعهم وقم عليهم فإن آنست منهم رشدا فاقبل منهم، ~~وإن أعيوك فاردد عليهم". # فلما قدموا على معاوية رحب بهم، وأنزلهم كنيسة تسمى "مريم"، وأجرى عليهم ~~بأمر عثمان ما كان يجري عليهم بالعراق، وجعل يتغدى ويتعشى معهم فقال لهم ~~يوما: # "إنكم قوم من العرب، لكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفا، وغلبتم ~~الأمم، وحويتم مراتبهم ومواريثهم. وقد بلغني أنكم نقمتم قريشا، وإن قريشا ~~لو لم تكن عدتم أذلة كما كنتم، إن أئمتكم لكم إلى اليوم جنة فلا تسدوا عن ~~جنتكم. وإن أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجور ويحتملون منكم المؤونة. ~~والله لتنتهن أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، لم ~~تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد موتكم". # فقال رجل من القوم، وهو صعصعة: # "أما ما ذكرت من قريش، فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية ~~فتخوفنا. وأما ما ذكرت من الجنة فإن الجنة إذا اخترقت خلص إلينا". # فقال معاوية: "عرفتكم الآن. علمت أن الذي أغراكم على هذا ms078 قلة العقول، ~~وأنت خطيب القوم ولا أرى لك عقلا، أعظم عليك أمر الإسلام، وأذكرك به ~~وتذكرني الجاهلية، وقد وعظتك، وتزعم لما يجنك أنه يخترق إليك ولا ينسب ما ~~يخترق إلى الجنة. أخزى الله أقواما أعظموا أمركم ورفعوا إلى خليفتكم افقهوا ~~ولا أظنكم تفقهون. إن قريشا لم تعز في جاهلية ولا إسلام إلا بالله عز وجل، ~~لم تكن بأكثر العرب ولا أشدهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحسابا، ومحضهم أنسابا ~~وأعظمهم أخطارا وأكملهم مروءة، ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس يأكل بعضهم ~~بعضا إلا بالله الذي لا يستذل من أعز، ولا يوضع من رفع، فبوأهم حرما آمنا ~~يتخطف الناس من حولهم. هل تعرفون عربا أو عجما أو سودا أو حمرا إلا قد ~~أصابهم الدهر في بلدهم وحرمتهم بدولة إلا ما كان من قريش فإنه لم يردهم أحد ~~من الناس بكيد إلا جعل الله خده الأسفل حتى أراد الله أن ينتقذ من أكرم ~~واتبع دينه من هوان الدنيا وسوء مرد الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثم ~~ارتضى له أصحابا فكان خيارهم قريشا، ثم بني هذا الملك عليهم وجعل هذه ~~الخلافة فيهم. ولا يصلح ذلك إلا عليهم، فكان الله يحوطهم في الجاهلية وهم ~~على كفرهم بالله، أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه، وقد حاطهم في الجاهلية من ~~الملوك الذين كانوا يدينونكم. أف لك ولأصحابك. ولو أن ### | [ص: 131] # متكلما غيرك تكلم، ولكنك ابتدأت. فأما أنت يا صعصعة فإن قريتك شر قرى ~~عربية، وأنتها نبتا، وأعمقها واديا، وأعرفها بالشر، وألأمها جيرانا. لم ~~يسكنها شريف قط، ولا وضيع إلا سب بها وكانت عليه هجنة (11) ثم كانوا أقبح ~~العرب ألقابا، وألأمهم أصهارا، نزاع الأمم، وأنتم جيران الخط وفعلة فارس ~~حتى أصابتكم دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، ونكبتك دعوته، وأنت نزيع شطير ~~في عمان لم تسكن البحرين، فتشركهم في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. فأنت ~~شر قومك حتى إذا أبرزك الإسلام وخلطك بالناس وحملك على الأمم التي كانت ~~عليك، أقبلت تبغي دين الله عوجا وتنزع إلى اللامة والذلة ولا ms079 يضع ذلك ~~قريشا، ولن يضرهم ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم. إن الشيطان عنكم غير غافل. ~~قد عرفكم بالشر من بين أمتكم فأغرى بكم الناس، وهو صارعكم، لقد علم أنه لا ~~يستطيع أن يرد بكم قضاء قضاه الله ولا أمرا أراده الله، ولا تدركون بالشر ~~أمرا إلا فتح عليكم شرا منه وأخزى". # أرسل هؤلاء النفر الذين أحدثوا الشغب واللغط في الكوفة، وعابوا على سعيد ~~بن العاص وعثمان إلى معاوية بالشام. وفي نظرنا أن سبب هذه الفتنة كما أورده ~~الطبري وابن الأثير (12) تافه لا يدعو إلى كل ما حدث. فقد ذكر أن عبد ~~الرحمن بن خنيس وهو شاب قال: "والله لوددت أن هذا الملطاط لك" يعني لسعيد ~~أي ما كان لكسرى على جانب الفرات. فهذا الذي أثار ثائرتهم. شاب يتمنى أن ~~تكون لسعيد بن العاص هذه الناحية من الفرات حتى يجود بمثل ما كان يجود به ~~طلحة بن عبيد الله. وقد كان سعيد كما ذكرنا في ترجمته كريما يقيم الولائم، ~~ويتصدق على المصلين. غاظ هؤلاء القوم الذين كانوا يحضرون مجلس سعيد، وكان ~~يخصهم بسمره أن يتمنى هذا الشاب ذلك. ولو أنه مجرد تمن ومع هذا تعدوا عليه ~~وضربوه وضربوا أباه. وقد توسل إليهم الوالي بجلالة قدره أن يتركوهما فلم ~~يفد فأشبعوهما ضربا. وكل ما قدر عليه سعيد أنه منع أن يتسامروا عنده بعد ~~ذلك. # وذكر سبب غير ذلك وهو قول سعيد: "إنما هذا السواد بستان قريش". فأغلظوا ~~عليه القول، فغضب صاحب شرطته (13) ولامهم على ما كان منهم، فأوسعوه ضربا ~~حتى غشي عليه. فلا بد أن هؤلاء الذين قربهم سعيد كانوا يحقدون عليه ~~ويتحينون الفرص للانتقام منه، لكنه حسب حسابهم، ولم يعاقبهم بنفسه على ~~تهورهم واعتدائهم ومخالفتهم أمره خشية اتساع الخرق واشتداد الفتنة، فكتب ~~إلى الخليفة في شأنهم وفوض إليه الأمر. فلما ذهبوا إلى معاوية وهو كما ### | [ص: 132] # نعلم قوي في حكومته، ماهر في سياسته، وجدوا أنفسهم بمعزل عن أعوانهم، ~~فأراد أن يكبح جماحهم ويوقفهم عند حدهم ويظهر لهم حقيقة أمرهم وماضيهم ms080 ~~وحاضرهم بخطبته البليغة التي نشرناها. فوصفهم بقلة العقول وحقر من اتبعهم ~~وعظمهم، لأنهم لا يستحقون التعظيم، وذلك فضل قريش في الجاهلية والإسلام على ~~سائر القبائل العربية وفضل الإسلام عليهم، ثم وجه الخطاب إلى صعصعة، فقال: ~~إن قريته شر القرى إلى آخر ما قال حتى أفرغ ما في جعبته، وأروى غلته من غير ~~خوف ولا وجل، ثم بالغ في الاحتقار بهم فإن قام بعد أن ألقى خطبته وتركهم ~~فتقاصرت إليهم أنفسهم. فلما كان بعد ذلك أتاهم فقال: "إني أذنت لكم فاذهبوا ~~حيث شئتم لا ينفع الله بكم أحدا أبدا ولا يضره. ولا أنتم برجال منفعة ولا ~~مضرة، فإن أرتم النجاة فالزموا جماعتكم ولا يبطرنكم الإنعام، فإن البطر لا ~~يعتري الخيار اذهبوا حيث شئتم فسأكتب إلى أمير المؤمنين فيكم". # فلما خرجوا دعاهم وقال لهم: # "إني معيد عليكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معصوما فولاني ~~وأدخلني في أمره، ثم استخلف أبو بكر فولاني. ثم استخلف عمر فولاني. ثم ~~استخلف عثمان فولاني. فلم يولني أحد إلا وهو عني راض". # وإنما طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعمال أهل الجزاء من المسلمين ~~والغنى، وأن الله ذو سطوات ونقمات يمكر بمن مكر به، فلا تتعرضوا للأمر ~~وأنتم تعلمون من أنفسكم غير ما تظهرون، فإن الله غير تارككم حتى يختبركم، ~~ويبدي للناس سرائركم، وقد قال عز وجل: {الم. أحسب الناس أن يتركوا أن ~~يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} [العنكبوت: 1، 2] . # وكتب معاوية إلى عثمان: # "إنه قدم علي أقوام ليست لهم عقول ولا أديان، أضجرهم العدل، لا يريدون ~~الله بشيء ولا يتكلمون بحجة. إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة، والله ~~مبتليهم ومختبرهم. ثم فاضحهم وليسوا بالذين ينكون أحدا إلا مع غيرهم، فإنه ~~سعيد ومن قبله عنهم فإنهم ليسوا الأكثر من شغب أو تكبر". # وخرج القوم من دمشق فقالوا: لا ترجعوا إلى الكوفة فإنهم يشتمون بكم ~~وميلوا بنا إلى الجزيرة ودعوا العراق والشام فأووا إلى الجزيرة وسمع بهم ~~عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وكان معاوية ms081 قد ولاه حمص وولى عامل الجزيرة ~~حران والرقة فدعا بهم فقال: "يا آلة الشيطان لا مرحبا بكم ولا أهلا، قد رجع ~~الشيطان محسورا وأنتم بعد نشاط، خسر الله عبد الرحمن إن لم يؤدبكم حتى ~~يحسركم، يا معشر من لا أدري أعرب أم عجم لكي لا تقولوا لي ما يبلغني أنكم ~~تقولون ### | [ص: 133] # لمعاوية: أنا ابن خالد بن الوليد. أنا ابن من عجمته العاجمات. أنا ابن ~~فاقئ الردة. والله لئن بلغني يا صعصعة بن ذل أن أحدا ممن دق أنفك، ثم أمصك ~~لأطيرن بك طيرة بعيدة المهوى". # فأقامهم أشهرا كلما ركب أمشاهم، فإذا مر به صعصعة قال: "يا ابن الحطيئة ~~(14) أعلمت أن من لم يصلحه الخير أصلحه الشر. ما لك لا تقول كما كان يبلغني ~~أنك تقول لسعيد ومعاوية! ". # فيقولون: نتوب إلى الله أقلنا أقالك الله. فما زالوا به حتى قال: تاب ~~الله عليكم وسرح الأشتر إلى عثمان وقال لهم: ما شئتم، إن شئتم فاخرجوا، وإن ~~شئتم فأقيموا. # وخرج الأشتر فأتى عثمان بالتوبة والندم والنزوع عنه، وعن أصحابه فقال: ~~سلمكم الله. وقدم سعيد بن العاص فقال عثمان للأشتر: احلل حيث شئت. فقال مع ~~عبد الرحمن بن خالد، وذكر من فضله فقال: ذلك إليكم، فرجع إلى عبد الرحمن. # قد كان عبد الرحمن بن خالد أشد عليهم من معاوية، وقد تابوا على يديه. # وفي الطبري رواية أخرى، وهي أن معاوية بعد أن ألقى عليهم الخطبة السابقة ~~عاد وقال لهم (15) : # "إني والله ما آمركم بشيء إلا قد بدأت فيه بنفسي وأهل بيتي وخاصتي، وقد ~~عرفت قريش أن أبا سفيان كان أكرمها وابن أكرمها، إلا ما جعل الله لنبيه نبي ~~الرحمة صلى الله عليه وسلم. فإن الله انتخبه وأكرمه، فلم يخلق في أحد من ~~الأخلاق الصالحة شيئا إلا أصفاه الله بأكرمها وأحسنها. ولم يخلق من الأخلاق ~~السيئة شيئا في أحد إلا أكرمه الله عنها ونزهه. وإني لا أطن أن أبا سفيان ~~لو ولد الناس لم يلد إلا حازما". # وهنا نرى أن معاوية أطرى نفسه فقال ms082 صعصعة: # "كذبت وقد ولدهم خير من أبي سفيان، من خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، ~~وأمر الملائكة فسجدوا له فكان فيهم البر والفاجر والأحمق والكيس". # فخرج معاوية تلك الليلة من عندهم، ثم أتاهم القابلة فتحدث عندهم طويلا ثم ~~قال: # "أيها القوم ردوا علي خيرا، أو اسكتوا، وتفكروا وانظروا فيما ينفعكم ~~وينفع أهليكم، وينفع عشائركم، وينفع جماعة المؤمنين فاطلبوه تعيشوا ونعش ~~بكم" ### | [ص: 134] # فقال صعصعة: "لست بأهل ذلك ولا كرامة لك أن تطاع في معصية الله". # فقال معاوية: "أوليس ما ابتدأتكم به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعته وطاعة ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن تعتصموا بحبله جميعا ولا تفرقوا". # قالوا: "بل أمرت بالفرقة وخلاف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم". # قال: "فإني آمركم الآن إن كنت فعلت فأتوب إلى الله وآمركم بتقواه وطاعته ~~وطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولزوم الجماعة، وكراهة الفرقة، وأن توقروا ~~أئمتكم وتدلوهم على كل حسن ما قدرتم، وتعظوهم في لين ولطف في شيء إن كان ~~منهم". # فقال صعصعة: "فإنا نأمرك أن تعتزل عملك، فإن في المسلمين من هو أحق به ~~منك". # فقال: "من هو؟ ". # قال: "من كان أبوه أحسن قدما من أبيك، وهو بنفسه أحسن قدما منك في ~~الإسلام". # فقال معاوية: "والله إن لي في الإسلام قدما ولغيري كان أحسن قدما مني، ~~ولكنه ليس في زماني أحد أقوى على ما أنا فيه مني. ولقد رأى ذلك عمر بن ~~الخطاب. فلو كان غيري أقوى مني لم يكن لي عند عمر هوادة ولا لغيري. ولم ~~أحدث من الحدث ما ينبغي لي أن أعتزل عملي. ولو رأى ذلك أمير المؤمنين ~~وجماعة المسلمين لكتب إلي بخط يده فاعتزلت عمله، ولو قضى الله أن يفعل ذلك ~~لرجوت أن لا يعزم له على ذلك إلا وهو خير. فمهلا فإن في ذلك وأشباهه ما ~~يتمنى الشيطان ويأمر. ولعمري لو كانت الأمور تقضي على رأيكم وأمانيكم ما ~~استقامت الأمور لأهل الإسلام يوما ولا ليلة. ولكن الله يقضيها ويدبرها وهو ~~بالغ أمره. ms083 فعاودوا الخير وقولوه". # فقالوا: "لست لذلك أهلا" ### | .... # فقال: "أما والله إن لله لسطوات ونقمات، وإني لخائف عليكم أن تتابعوا في ~~مطاوعة الشيطان حتى تحلكم مطاوعة الشيطان ومعصية الرحمن دار الهوان من نقم ~~الله في عاجل الأمر والخزي الدائم في الآجل". # فوثبوا عليه فأخذوا برأسه ولحيته فقال: # "مه، إن هذه ليست بأرض الكوفة. والله لو رأى أهل الشام ما صنعتم بي وأنا ~~إمامهم ما ملكت أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم. فلعمري إن صنيعكم ليشبه بعضه ~~بعضا، ثم قام من عندهم فقال: "والله لا أدخل عليكم ما بقيت" (16) ### | [ص: 135] # ثم كتب إلى عثمان: # "بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله عثمان أمير المؤمنين، من معاوية بن ~~أبي سفيان. أما بعد يا أمير المؤمنين، فإنك بعثت إلي أقواما يتكلمون بألسنة ~~الشياطين وما يملون عليهم، ويأتون الناس، زعموا من قبل القرآن فيشبهون على ~~الناس وليس كل الناس يعلم ما يريدون، وإنما يريدون فرقة، ويقربون فتنة. # قد أثقلهم الإسلام وأضجرهم، وتمكنت رقي الشيطان من قلوبهم. فقد أفسدوا ~~كثيرا من الناس ممن كانوا بين ظهرانيهم من أهل الكوفة ولست آمن إن أقاموا ~~وسط أهل الشام أن يغروهم بسحرهم وفجورهم فارددهم إلى مصرهم فلتكن دارهم في ~~مصرهم الذي جم فيه نفاقهم والسلام". # فكتب إليه عثمان يأمره أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة فردهم إليه. ~~فلم يكونوا إلا أطلق ألسنة منهم حين رجعوا. وكتب سعيد إلى عثمان يضج منهم. ~~فكتب عثمان إلى سعيد أن سيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.، وكان ~~أميرا على حمص. وكتب إلى الأشتر وأصحابه: # "أما بعد، فإني قد سيرتكم إلى حمص، فإذا أتاكم كتابي هذا فاخرجوا إليها ~~فإنكم لستم تألون الإسلام وأهله شرا والسلام". # فلما قرأ الأشتر الكتاب قال: "اللهم أسوأنا نظرا للرعية وأعملنا فيهم ~~بالمعصية، فعجل له النقمة". فكتب بذلك سعيد إلى عثمان. # وسار الأشتر وأصحابه إلى حمص فأنزلهم عبد الرحمن بن خالد الساحل وأجرى ~~لهم رزقا. # لقد تطاول هؤلاء على معاوية وأمروه أن يتخلى عن مركزه لأن من المسلمين من ms084 ~~هو أصلح منه، كما تطاولوا على سعيد من قبل وطعنوا على عثمان. وهم وإن كانوا ~~من أشراف أهل العراق إلا أنهم أهل فتنة. # وقد تسامح معهم معاوية كما تسامح معهم سعيد. ومن هذا يتبين مقدار الحرية ~~التي كانت ممنوحة للرعية في ذلك الوقت فلم يؤخذوا ويحاكموا على أقوالهم ~~ومطاعنهم إنما اكتفى بتسييرهم من بلد إلى آخر وأجرى عليهم عبد الرحمن بن ~~خالد رزقا. PageV01P127 # - خلو الكوفة من الرؤساء (1) : ### | [ص: 136] # أذن معاوية لأهل الفتنة الذين أمر عثمان بتسييرهم إلى الشام أن يذهبوا ~~أنى شاءوا، فتحدثوا فيما بينهم فقالوا: إن العراق والشام ليسا لنا بدار ~~فعليكم بالجزيرة فأتوها اختيارا، فغدا عليهم عبد الرحمن بن خالد فسامهم ~~الشدة كما ذكرناه وتابعوه وتابوا، وسرح الأشتر إلى عثمان فدعا به وقال: ~~اذهب حيث شئت. فقال: أرجع إلى عبد الرحمن، فرجع. # ووفد سعيد بن العاص إلى عثمان سنة إحدى عشرة من خلافة عثمان. وكان سعيد ~~قد ولي قبل مخرجه إلى عثمان بسنة وبعض أخرى: # -1- الأشعث بن قيس (2) : أذربيجان. # -2- سعيد بن قيس (3) : الري. # -3- النسير العجلي (4) : همذان. ### | [ص: 137] # -4- السائب بن الأقرع: أصبهان. # -5- مالك بن حبيب: ماه. # -6- حكيم بن سلام الخزامي: الموصل. # -7- جرير بن عبد الله: قرقيسيا. # -8- سلمان بن ربيعة: الباب. # -9- عتيبة بن النهاس: حلوان. # -10- القعقاع بن عمرو (5) : جعله على الحرب. # هؤلاء عشرة من الكبار أرسلوا إلى جهات متعددة. ولو أنهم بقوا بالكوفة ~~لكان لهم تأثير في منع ما عساه أن يحدث من الشغب والفتنة، ولكن سعيد بن ~~العاص لم يكن يتوقع انتشار الفتنة فأرسلهم إلى هذه المراكز لأغراض حربية. ~~وبذلك خلت الكوفة من الرؤساء. PageV01P135 # - عزل سعيد بن العاص (1) وتولية أبي موسى الأشعري: # خرج يزيد بن قيس وهو يريد خلع عثمان، ومعه الذين كان يكاتبهم ابن السوداء ~~(2) فقال القعقاع بن عمرو: إنما نستعفي من سعيد: فقال يزيد: أما هذا فنعم، ~~وكاتب المسيرين (3) ### | [ص: 138] # ليقدموا عليه. فسار الأشتر والذين عند عبد الرحمن بن خالد فسبقهم الأشتر ~~فلم يفجأ الناس إلا والأشتر على باب المسجد مسجد الكوفة يقول: جئتكم من عند ~~أمير ms085 المؤمنين عثمان وتركت سعيدا يريد علي نقصان نسائكم على مائة درهم ورد ~~أولي البلاء منكم إلى ألفين ويزعم أن فيئكم بستان قريش فاستخف الناس. وجعل ~~أهل الرأي ينهونهم فلا يسمع منهم. # فخرج يزيد وأمر مناديا ينادي: من شاء أن يلحق بيزيد لرد سعيد فليفعل، ~~فبقي أشرافهم وحلماؤهم في المسجد، وعمرو بن حريث (4) يومئذ خليفة سعيد، ~~فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وأمرهم بالاستماع والطاعة. فقال له ~~القعقاع: "أترد السيل عن أدراجه؟ هيهات، لا والله لا يسكن الغوغاء إلا ~~المشرفية، ويوشك أن تنتضي ويعجون هجيج العيدان، ويتمنون ما هم فيه اليوم ~~فلا يرده الله عليهم أبدا فاصبر". قال: أصبر، وتحول إلى منزله. # وخرج يزيد بن قيس، فنزل الجرعة وهي قريب من القادسية ومعه الأشتر فوصل ~~إليهم سعيد بن العاص. فقالوا: لا حاجة لنا بك. قال: إنما يكفيكم أن تبعثوا ~~إلى أمير المؤمنين رجلا وإلي رجلا. وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل واحد. # وجاء في الطبري نص الخطبة التي ألقاها عليهم عمرو بن حريث نائب سعيد وهي ~~كما يلي (5) : # "اذكروا نعمة الله عليكم إذا كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا، بعد أن كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها. فلا تعودوا في شر ~~قد استنقذكم منه الله عز وجل. أبعد الإسلام وهديه وسنته لا تعرفون حقا ~~وتصيبون بابه! ". # ولما انصرف عنهم سعيد أحسوا بمولى لهم على بعير قد حسر. فقال: والله ما ~~كان ينبغي لسعيد أن يرجع فقتله الأشتر، ومضى سعيد حتى قدم على عثمان فأخبره ~~بما فعلوا وأنهم يريدون البدل. وأنهم يختارون أبا موسى. قال: "أثبتنا أبا ~~موسى عليهم ووالله لا نجعل لأحد عذرا ولا نترك لهم حجة، ولنصبرن كما أمرنا ~~حتى نبلغ ما يريدون". # وقد أراد عثمان بخلع سعيد وتنصيب أبي موسى أن تهدأ الفتنة ولا يكون لأحد ~~بعد ذلك عذر أو شكوى. وكتب إليهم: ### | [ص: 139] # "أما بعد، فقد أمرت عليكم من اخترتم وأعفيتكم من سعيد، ووالله لأقرضنكم ~~عرضي ولأبذلن لكم صبري ولأستصلحنكم بجهدي فلا تدعوا ms086 شيئا أحببتموه لا يعصى ~~الله فيه إلا سألتموه، ولا شيئا كرهتموه لا يعصى الله فيه إلا استعفيتم ~~منه. أنزل فيه عندما أحببتم حتى لا يكون لكم على الله حجة كما أمرنا حتى ~~تبلغوا ما تريدون". # ورجع من الأمراء من قرب عمله من الكوفة فرجع جرير من قرقيسياء. وعتيبة من ~~حلوان. # وقام أبو موسى الأشعري فتكلم بالكوفة فقال: # "أيها الناس لا تنفروا في مثل هذا ولا تعودوا لمثله. ألزموا جماعتكم ~~الطاعة وإياكم والعجلة. فأجابوه إلى ذلك. وقالوا: فصل بنا، قال لا. إلا على ~~السمع والطاعة لعثمان بن عفان. قالوا: السمع والطاعة لعثمان. PageV01P137 # - رسول أهل الكوفة إلى عثمان (1) : # اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان وما صنع فاجتمع رأيهم على أن ~~يبعثوا إليه رجلا يكلمه ويخبره بأحداثه فأرسلوا إليه عامر بن عبد الله ~~التميمي، وهو الذي يدعى عامر بن عبد قيس فدخل عليه فقال: إن ناسا من ~~المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما، فاتق الله ~~عز وجل، وتب إليه، وانزع عنها. # فقال عثمان: انظروا إلى هذا، فإن الناس يزعمون أنه قارئ، ثم هو يجيء ~~فيكلمني في المحقرات، فوالله ما يدري أين الله. قال عامر: أنا لا أدري أين ~~الله؟ قال: نعم، والله ما تدري أين الله. قال عامر: بلى والله إني لأدري أن ~~الله بالمرصاد لك. PageV01P139 # - عثمان يجمع أهل الرأي ليشاورهم في الأمر (1) : # أرسل عثمان إلى معاوية بن أبي سفيان، وإلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ~~وإلى سعيد بن العاص، وإلى عمرو بن العاص، وإلى عبد الله بن عامر فجمعهم ~~ليشاورهم في أمره وما طلب إليه وما بلغه عنهم، فلما اجتمعوا عنده قال لهم: ### | [ص: 140] # "إن لكل امرئ وزراء ونصحاء، وإنكم وزرائي ونصحائي، وأهل ثقتي، ولقد صنع ~~الناس ما قد رأيتم وطلبوا إلي أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون ~~إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا علي". # فقال له عبد الله بن عامر: "رأيي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد ~~يشغلهم عنك وأن ms087 تجمهرهم في المغازي حتى يذلوا لك فلا يكون همة أحدهم إلا ~~نفسه، وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه". # فقال عثمان: (إن هذا الرأي لولا ما فيه) خشي عثمان أن ينفذ رأي ابن عامر ~~الذي يقضي بقطع دابر قادة الفتنة للخلاص من شرهم ودسائسهم. # ثم أقبل عثمان على معاوية فقال: ما رأيك؟ # قال: "أرى لك يا أمير المؤمنين أن ترد عمالك على الكفاية لما قبلهم وأنا ~~ضامن لك قبلي". # ثم أقبل على عبد الله بن سعد فقال: ما رأيك؟ # قال: "أرى يا أمير المؤمنين أن الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف ~~عليهم قلوبهم". # ثم أقبل على عمرو بن العاص فقال له: ما رأيك؟. # قال: "أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعدل، فإن أبيت فاعتزم ~~أن تعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزما وامض قدما". # فرأى عمرو أن عثمان لا يعدل فطلب إليه أن يعتزل أو يعدل ولا يتردد فقال ~~عثمان: # "ما لك قمل فروك. أهذا الجد منك؟ ". # فسكت عمرو حتى إذا تفرقوا قال: "لا والله يا أمير المؤمنين لأنت أعز علي ~~من ذلك. ولكني قد علمت أن سيبلغ الناس قول كل رجل منا، فأردت أن يبلغهم ~~قولي فيثقوا بي، فأقود إليك خيرا أو أدفع عنك شرا". # لكن كلام عمرو هذا من شأنه أن يزيد نار الفتنة والنقمة على عثمان ~~اشتعالا، لأنه قال بصريح العبارة : "فاعتزم أن تعدل". ومعنى هذا أنه لا ~~يعدل، فكيف يستطيع عمرو بعد ذلك أن يقود إلى عثمان خيرا أو يدفع عنه شرا؟!. ~~ومعلوم أن عمرا كان ساخطا على الخليفة، لأنه عزله عن ولاية مصر بعد أن ~~فتحها. ولما أحس عمرو بأنه كدر عثمان بقوله أمام هؤلاء النفر أراد أن ~~يسترضيه على حدة فقال ما قال ### | [ص: 141] # رد عثمان بعد ذلك عماله على أعمالهم وأمرهم بالتضييق على من قبلهم ~~وأمرهما بتجمير الناس في البعوث، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا ~~إليه. PageV01P139 # - علي بن أبي طالب يحادث عثمان في أمر الفتنة (1) : # لما كانت سنة ms088 34 ه كتب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض ~~أن أقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد، وكثر الناس على عثمان، ~~ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون ~~ويسمعون ليس فيهم أحد ينهى، ولا يذب إلا زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي، ~~وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، فاجتمع الناس وكلموا علي بن أبي طالب، فدخل ~~على عثمان فقال: # "الناس ورائي وقد كلموني فيك. والله ما أدري ما أقول لك. وما أعرف شيئا ~~تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه. إنك لتعلم ما نعلم. ما سبقناك إلى شيء ~~فنخبرك عنه ولا خلونا بشيء فنبلغكه وما خصصنا بأمر دونك وقد رأيت وسمعت ~~وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونلت صهره، وما ابن أبي قحافة بأولى ~~بعمل الخير منك ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك. وإنك أقرب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رحما. ولقد نلت من صهر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما لم ينالا. ولا سبقناك إلى شيء. فالله الله في نفسك فإنك والله ~~ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل، وإن الطريق لواضح بين، وإن أعلام الدين ~~لقائمة. تعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدي وهدى ~~فأقام سنة معلومة وأمات بدعة متروكة. فوالله إن كلا لبين، وإن السنن لقائمة ~~لها أعلام، وإن البدع لقائمة لها أعلام، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ~~ضل وضل به فأمات سنة معلومة وأحيا بدعة متروكة. وإني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا ~~عاذر فيلقى في جهنم، فيدور فيها كما تدور الرحى، ثم يرتطم في غمرة جهنم" ~~(2) . وإني أحذرك الله وأحذرك سطوته ونقماته فإن عذابه شديد أليم، وأحذرك ~~أن تكون إمام هذه الأمة المقتول، فإن يقال يقتل في هذه الأمة إمام فيفتح ~~عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة وتلبس ms089 أمورها عليها، ويتركهم شيعا فلا ~~يبصرون لحق لعلو الباطل، يموجون فيها موجا ويمرحون مرحا". # فقال عثمان: (3) "قد والله علمت ليقولن الذي قلت. أما والله لو كنت مكاني ~~ما عنفتك ولا ### | [ص: 142] # أسلمتك ولا عبت عليك، ولا جئت منكرا إن وصلت رحما، وسددت خلة، وآويت ~~ضائعا، ووليت شبيها بمن كان عمر يولي. أنشدك الله يا علي هل تعلم أن ~~المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال: نعم. قال: فتعلم أن عمر ولاه؟ قال: نعم. ~~قال: فلم تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته. قال علي: سأخبرك، إن ~~عمر بن الخطاب كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه إن بلغه عنه حرف جلبه ثم ~~بلغ به أقصى الغاية وأنت لا تفعل. ضعفت ورفقت على أقربائك. قال عثمان: هم ~~أقرباؤك أيضا. فقال علي: لعمري إن رحمهم مني لقريبة، ولكن الفضل في غيرها. ~~قال عثمان: هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها؟ فقد وليته. فقال علي: ~~أنشدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه. قال: ~~نعم. قال علي: فإن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت تعلمها. فيقول للناس هذا ~~أمر عثمان فيبلغك ولا تغير على معاوية. # ثم خرج علي من عند عثمان، وخرج عثمان على أثره، فجلس على المنبر فقال: ~~PageV01P141 # - خطبة عثمان في المسجد (1) : # "أما بعد، فإن لكل شيء آفة، ولكل أمر عاهة، وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه ~~النعمة: عيابون، طعانون، يرونكم ما تحبون ويسرون ما تكرهون يقولون لكم ~~ويقولون، أمثال النعام يتبعون أول ناعق. أحب مواردها إليها البعيد لا ~~يشربون إلا نغصا ولا يردون إلا عكرا، لا (2) يقوم لهم رائد وقد أعيتهم ~~الأمور، وتعذرت عليهم المكاسب. ألا فقد والله عبتم علي بما أقررتم لابن ~~الخطاب بمثله ولكنه وطئكم برجله؟ وضربكم بيده وقمعكم بلسانه فدنتم له على ~~ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم وأوطأت لكم كففي [؟؟] ، وكففت يدي ولساني ~~عنكم، فاجترأتم علي. أما والله لأنا أعز نفرا وأقرب ناصرا وأكثرا عددا ~~وأقمن إن قلت هلم. ms090 أتي إلي. ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولا، ~~وكشرت لكم عن نابي. وأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه، ومنطقا لم أنطق به، ~~فكفوا عليكم ألسنتكم، وطعنكم، وعيبكم على ولاتكم، فإني قد كففت عنكم من لو ~~كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا، ألا فما تفقدون من حقكم. ~~والله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من قبلي. ومن لم تكونوا تختلفون عليه ~~فضل فضل من مال. فما لي لا أصنع في الفضل ما أريد. فلم كنت إماما" (3) ### | [ص: 143] # فقام مروان بن الحكم فقال: إن شئتم حكمنا والله بيننا وبينكم السيف. نحن ~~والله وأنتم كما قال الشاعر: # فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم ... معارسكم تبنون في دمن الثرى # فقال عثمان: اسكت لا سكت. دعني وأصحابي. ما منطقك في هذا؟ ألم أتقدم إليك ~~ألا تنطق؟ فسكت مروان ونزل عثمان. # قال عثمان لعلي: إنه عين من عينهم عمر بن الخطاب، ومع ذلك لم يؤاخذه أحد. ~~فعين المغيرة ومعاوية، فكان رد علي أن عمر كان لا يتسامح مع من ولاه إذا ~~ارتكب شيئا، وأن عثمان يعامل أقاربه بالرفق ولا يعاقبهم. هذا ملخص ما دار ~~بينهما -. أما الخطبة التي ألقاها عثمان فلم يكن لها تأثير في تهدئة ~~الفتنة، بل اشتد قوله على الناس وعظم وزاد تألبهم عليه. ويلاحظ أن مروان ~~يتداخل ويهدد الناس بالحرب بالرغم من أن عثمان كان قد أمره بلزوم الصمت. ~~PageV01P142 # - كيف بدأ السخط على عثمان (1) وكيف تدرجت الفتنة؟: # ذكرنا في كتابنا "عمر بن الخطاب" أن عمرو بن العاص هو الذي أشار عليه ~~بفتح مصر، فتردد ثم جهزه بجيش، ثم صار يمده من آن لآخر حسب الضرورة إلى أن ~~تمكن عمرو من غزو مصر وضمها إلى الخلافة العربية. فإليه يرجع الفضل في ~~فتحها. وكان عمر رضي الله عنه يستبطئ عمرا في جباية الخراج، ويستقل ما ~~يجبيه منها، وقد كاتبه في ذلك إلا أن عمرا لم يشأ إرهاق المصريين، فوضع ~~عنهم كثيرا من الضرائب التي أثقلت كواهلهم، وكانت موضع شكواهم من الحكم ms091 ~~الروماني. ومات عمر وعلى مصر عمرو بن العاص وعلى قضائها خارجة بن حذافة (2) ~~. فلما ولي عثمان أقرهما سنتين، وقيل: أكثر، ثم عزل عمرا واستعمل عبد الله ~~بن سعد بن أبي سرح أخا عثمان من الرضاعة، فكان سببا في سخط عمرو على عثمان، ~~فأخذ يطعن عليه سرا وعلانية. وهذا أمر طبيعي ### | [ص: 144] # أولا: لأن عمرا كان يرى أنه صاحب الفضل في فتح مصر، وأنه لم يرتكب وزرا ~~يستحق عليه العزل (3) . # ثانيا: لأن الذي خلفه هو عبد الله بن سعد وسيرته معلومة للصحابة فهو الذي ~~ارتد مشركا زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أذاع أنه كان يصرف رسول ~~الله حيث أراد عندما كان يملي عليه القرآن فكان يملي عليه "عزيز حكيم" ~~فيقول: أو "عليم حكيم" فيقول: نعم. كل صواب. فلما كان يوم فتح مكة أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بقتله، فتشفع له عثمان. تحدث الناس في سيرة الوالي ~~الجديد على مصر واستاء كثير من هذا التعيين، ووجد عمرو سلاحا للطعن على ~~عثمان. # وروى الواقدي أنه لما نزع عثمان عمرو بن العاص من مصر غضب عمرو غضبا ~~شديدا وحقد على عثمان. وقد أراد عثمان أن يظهر لعمرو أن عبد الله بن سعد جد ~~واجتهد، وحصل من مصر أكثر مما كان يحصله عمرو. فلما بعث عبد الله بن سعد ~~إلى عثمان بمال من مصر قال: يا عمرو، هل تعلم أن تلك اللقاح درت بعدك؟ فقال ~~عمرو: وإن فصالها هلكت. # لم ينقطع عمرو عن الطعن على عثمان، ومع ذلك نرى عثمان يستشيره في جملة من ~~استشارهم في أمر الفتنة، فأظهر له أنه لا يزال ساخطا عليه ودعاه إلى ~~الاعتزال ورماه بالجور، وهو الوحيد الذي دعاه إلى الاعتزال من بين من ~~استشارهم إذ قال له: "أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعتزل، ~~فإن أبيت فاعتزم عزما وامض قدما" ولا عبرة بما قاله له بعد انصراف القوم ~~"لا والله يا أمير المؤمنين لأنت أعز علي من ذلك الخ". # وقد عاب ms092 على عثمان محمد بن أبي حذيفة بعد غزوة الصواري وقال: لقد تركنا ~~خلفنا الجهاد، فيقول الرجل: وأي جهاد! فيقول: عثمان بن عفان فعل كذا وكذا ~~حتى أفسد على الناس فقدموا بلدهم. وقد أفسدهم وأظهروا من القول ما لم ~~يكونوا ينطقون به واشترك مع محمد بن حذيفة في الطعن على عثمان محمد بن أبي ~~بكر، واستحلا دمه وقالا: استعمل عبد الله بن سعد، رجلا كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أباح دمه ونزل القرآن بكفره، واستعمل سعيد بن العاص وعبد ~~الله بن عامر، وهو ابن خال عثمان، فانتشرت هذه المطاعن في مصر وغيرها. # أما في الكوفة فإن عثمان عزل سعد بن أبي وقاص لما حدث بينه وبين ابن ~~مسعود من المشادة التي تقدم ذكرها وكان ابن مسعود على بيت المال لكنه لم ~~يعزله، بل أقره وسعد بن أبي وقاص كما نعلم من سيرته أحد المبشرين بالجنة ~~وأحد الستة الذين رشحهم عمر بن ### | [ص: 145] # الخطاب للخلافة، وأول من أراق دما في سبيل الله وكان يقال له: "فارس ~~الإسلام". واستعمله عمر على الجيوش التي بعثها إلى بلاد الفرس، وكان أمير ~~الجيش الذي هزم الفرس بالقادسية وبجلولاء وفتح المدائن، وولاه عمر العراق. ~~هذا هو سعد بن أبي وقاص الذي عزله عثمان عن الكوفة فمن هو الذي ولاه خلفا ~~له؟ لقد ولى الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه وهو الذي نزل في حقه قوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} . [الحجرات: 6] . # نعم، إن الوليد كان شاعرا شجاعا، وكان أحب إلى الناس وأرفقهم بهم لكنهم ~~مع ذلك طعنوا عليه لقرابته من عثمان واتهموه بشرب الخمر فأقام عليه الخليفة ~~الحد، وعزله وولى سعيد بن العاص مكانه، وهو أموي من أشراف قريش، قتل أبوه ~~العاص يوم بدر كافرا قتله علي ابن أبي طالب لكن الفتنة لم تخمد بل اشتدت، ~~فتطاول عليه نفر من أشراف الكوفة، وضربوا أحد أتباعه ضربا مبرحا، فسيرهم ~~إلى الشام بأمر عثمان، وكان بينهم وبين معاوية ما كان مما ذكرناه ms093 في موضعه ~~ولما عادوا أخيرا بثوا الفتنة وطلبوا عزل سعيد، فأجاب عثمان لطلبهم لئلا ~~يكون لهم حجة عليه وولى أبا موسى الأشعري كما أرادوا. # غير أن الفتنة كان قد استفحل خطبها واندلع لهيبها، فكاتب أصحاب رسول الله ~~بعضهم بعضا وكذبوا عليا رضي الله عنه وكان غير راض عن تصرفات عثمان، ~~ومحاباته لأقاربه. وبالطبع كان لعلي أتباع يرون رأيه فدخل عليه وذكر له أنه ~~يجل قدره لصحبته لرسول الله وما نال من صهره. وذكره بحديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم في شأن الإمام الجائر، لكن عثمان كان يرى أنه ولى من ولاهم عمر ~~ومع ذلك لم يجرؤ أحد أن يعتب عليه، فرد عليه علي أن عمر كان شديدا لا ~~يتسامح مع أحد إذا هفا، أو أخطأ. ومعاوية يفعل ما يشاء باسم عثمان الذي ضعف ~~ورق على أقاربه، ثم صعد عثمان إلى المنبر وخطب خطبته التي نشرناها، فاشتد ~~سخط الناس عليه لعدم تحوله عن خطته وانتحال المعاذير لنفسه وتهديدهم ~~باستعمال الشدة معهم. # وقد حدث في سنة 30 ه أن سقط خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من إصبع ~~عثمان في بئر أريس، ثم ضاع، فتشاءم المسلمون لضياع هذا الخاتم وقالوا: إن ~~عثمان لما مال عن سيرة من كان قبله كان أول ما عوقب به ذهاب خاتم رسول الله ~~من يده. وهذا الحادث من سوء حظ عثمان. وفي السنة نفسها قام أبو ذر الغفاري ~~الصحابي المعروف بزهده ونسكه في وجه معاوية، وعاب عليه جمع المال وقال: "يا ~~معشر الأغنياء وأسواء الفقراء بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله بمكاو من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم". # فلما ثار الفقراء على الأغنياء شكا الأغنياء إلى معاوية ما يلقون من ~~الناس، فخشي معاوية الفتنة، وكتب إلى عثمان بما فعله أبو ذر، فاستدعاه إلى ~~المدينة، فاختار أبو ذر الخروج إلى ### | [ص: 146] # الربذة، وأقام بها إلى أن مات. وادعى بعضهم أن عثمان نفاه، وكان الذي حرض ~~أبا ذر على القيام في وجه معاوية ms094 ابن السوداء الذي يدعى عبد الله بن سبأ. ~~PageV01P143 # - عبد الله بن سبأ (1) ودعايته ضد عثمان: # كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء أمه سوداء. أسلم زمن عثمان، ثم ~~تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز، ثم بالبصرة، ثم ~~الكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى ~~أتى مصر فقال لهم: العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع ويكذب أن محمدا يرجع فوضع ~~لهم الرجعة - رجعة محمد رسول الله آخر الزمان - فقبلت منه (2) ، ثم قال لهم ~~بعد ذلك: إنه كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يجز وصية ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير ~~حق. وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانهضوا في هذا الأمر، فحركوه، ~~وابدأوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~تستميلوا الناس. وادعوهم إلى هذا الأمر. وبث دعاته، وكاتب من استفسد في ~~الأمصار وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ~~ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون ~~فيقرؤه أولئك في أمصارهم، وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة ~~وأوسعوا الأرض إذاعة، وهم يريدون غير ما يظهرون، ويسرون غير ما يبدون فيقول ~~أهل كل مصر: إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء إلا أهل المدينة فإنهم جاءهم ~~ذلك عن جميع الأمصار فقالوا: إنا لفي عافية مما فيه الناس. # وإنا لا ندري السبب الذي حمل ابن السوداء على نشر هذه الدعاية ضد عثمان ~~وتحزبه لعلي بن أبي طالب، وإن الإنسان ليعجب من ارتحال هذا الرجل من مصر ~~إلى مصر، واحتماله المشقات، واختلاقه المذاهب وحض الناس على بث الدعوة إلا ~~إذا كان قد أراد بذلك هدم الإسلام وحدوث الفتن والثورات، ولو أن عثمان ~~استعمل الشدة مع ### | [ص: 147] # أمثال عبد الله بن ms095 سبأ، وأدبهم لما اجترأوا على بث بذور الفتن، لكنه لان ~~لهم فلم يخشوا بأسه. PageV01P146 # - إرسال مندوبين إلى الأمصار لاستطلاع الأخبار (1) : # أتى الناس عثمان فقالوا: يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس الذي يأتينا؟ ~~فقال: ما جاءني إلا السلامة، وأنتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا علي (2) ~~. قالوا: نشير عليك أن تبعث رجالا ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك ~~بأخبارهم، فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أسامة بن زيد إلى ~~البصرة، وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام، ~~وفرق رجالا سواهم، فرجعوا جميعا قبل عمار. فقالوا: ما أنكرنا شيئا أيها ~~الناس، ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم. # تأخر عمار حتى ظنوا أنه قد اغتيل فوصل كتاب من عبد الله بن أبي سرح يذكر ~~أن عمارا قد استماله قومه، وانقطعوا إليه منهم عبد الله ابن السوداء وخالد ~~بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر فثبطوا عمارا عن المسير إلى ~~المدينة. # فكتب عثمان إلى أهل الأمصار: # "إني آخذ العمال بموافاتي كل موسم وقد سلطت الأمة منذ وليت على الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يرفع علي شيء ولا على أحد من عمالي إلا ~~أعطيته، وليس لي ولعيالي حق قبل الرعية إلا وهو متروك لهم، وقد رفع إلي أهل ~~المدينة أن أقواما يشتمون ويضربون، فمن ادعى شيئا من ذلك فليواف الموسم ~~يأخذ حقه حيث كان مني أو عمالي. أو تصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين". # فلما قرئ هذا الكتاب في الأمصار بكى الناس ودعوا لعثمان وقالوا: إن الأمة ~~لتتمخض بشر. PageV01P147 # - عثمان يستشير عمال الأمصار (1) # لم يطمئن عثمان إلى الأخبار التي تلقاها ممن بعثهم فأرسل إلى عمال ~~الأمصار فقدموا في الموسم وهم: ### | [ص: 148] # -1- عبد الله بن عامر. # -2- وعبد الله بن سعد. # -3- ومعاوية. وأدخل معهم في المشورة سعيد بن العاص وعمرو بن العاص. فلما ~~اجتمعوا عنده قال: # "ويحكم ما هذه الشكاية وما هذه الإذاعة؟ إني والله لخائف أن تكونوا ~~مصدوقا عليكم وما يعصب هذا إلا بي". # فقالوا له: ألم ms096 تبعث؟ ألم يرجع إليك الخبر عن القوم؟ ألم يرجع رسلك ولم ~~يشافههم أحد بشيء؟ لا والله ما صدقوا ولا بروا. ولا نعم لهذا الأمر أصلا ~~وما كنت لتأخذ به أحدا فيقيمك على شيء. وما هي إلا إذاعة لا يحل الأخذ بها ~~ولا الانتهاء إليها. # قال: فأشيروا علي. فقال سعيد بن العاص: "هذا أمر مصنوع يصنع في السر ~~فيلقى به غير ذي المعرفة فيخبر به فيتحدث به في مجالسهم". # قال: فما دواء ذلك؟. # قال: طلب هؤلاء القوم، ثم قتل هؤلاء الذين يخرج هذا من عندهم. وقال عبد ~~الله بن سعد: خذ من الناس الذي عليهم إذا أعطيتهم الذي لهم. فإنه خير من أن ~~تدعهم. # وقال معاوية: قد وليتني فوليت قوما لا يأتيك عنهم إلا الخير والرجلان ~~أعلم بناحيتهما. # قال: فما الرأي؟. # قال: حسن الأدب. # قال: فما ترى يا عمرو؟. # قال: أرى أنك قد لنت لهم وتراخيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى ~~أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين، إن الشدة ~~تنبغي لمن لا يألو الناس شرا، واللين لمن يخلف الناس بالنصح، وقد فرشتهما ~~جميعا. فقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال: # "كل ما أشرتم به علي قد سمعت. ولكل أمر باب يؤتى منه، إن هذا الأمر الذي ~~يخاف على هذه الأمة كائن، وإن بابه الذي يغلق عليه فيكفكف به اللين ~~والمؤاتاة والمتابعة إلا في حدود الله تعالى ذكره التي لا يستطيع أحد أن ~~يبادي بعيب أحدها، فإن سده شيء فرفق، فذاك ليفتحن، وليست لأحد علي حجة حق، ~~وقد علم الله أني لم آل الناس خيرا ولا نفسي، ووالله إن رحى الفتنة لدائرة ~~فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها، كفكفوا الناس وهبوا لهم حقوقهم واغتفروا ~~لهم، وإذا تعوطيت حقوق الله، فلا تدهنوا فيها". # وهذا لم يبلغنا ماذا فعل عثمان في أمر عمار الذي أرسل إلى مصر ولم يعد. ~~وكتب بشأنه ### | [ص: 149] # عبد الله بن أبي سرح أن قوما استمالوه وانقطعوا إليه، وذكرهم بالاسم. إن ms097 ~~في عدم عودة عمار وانقطاعه إلى من استمالوه دليلا على اشتداد الفتنة في ~~مصر، وكان الواجب يقضي استدعاء عمار بأي وسيلة، وسؤاله عن الحالة في مصر ~~وماذا قالوا له؟ ولماذا لم يعد كغيره؟ إلى غير ذلك، فإذا ثبت أن هناك ~~مؤامرة ودسيسة، وعرف من هم رؤساء الفتنة حقق معهم، وعندئذ يجازي كل بما ~~يستحق. أما تركهم ينقلون أحاديث السوء ويذيعون الفتنة، ويحرضون على الجهاد، ~~ويبيحون دم الخليفة فذلك مما يزيد الفتنة. # ثم إن عثمان رضي الله عنه كان أعطى عبد الله بن خالد بن أسيد خمسين ألفا، ~~وأعطى مروان خمسة عشر ألفا فرد ذلك منهما منعا للقيل والقال. PageV01P147 # - معاوية يدعو عثمان إلى الشام (1) : # كان معاوية قد قال لعثمان غداة ودعه وخرج (2) : # "يا أمير المؤمنين انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك ~~به. فإن أهل الشام على الأمر لم يزالوا". # فقال: "لا أبيع جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء، وإن كان فيه قطع ~~خيط عنقي". # فقال معاوية: "فأبعث إليك جندا منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة ~~إن نابت المدينة، أو إياك". # قال: "لا أضيق على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم". # فقال: "والله لتغتلن أو لتغزين". # قال: "حسبي الله ونعم الوكيل". PageV01P149 # - عثمان يرد على منتقديه (1) : # أرسل عثمان إلى الكوفيين والبصريين الذين وفدوا المدينة بدعوى أنهم ~~يريدون أن يسألوا عثمان عن أشياء، ثم يرجعون ويزعمون أنهم قرروه بها، فلم ~~يخرج منها ولم يتب، ثم يخرجون كأنهم حجاج، وعندئذ يحيطون به ويخلعونه، فإن ~~أبى قتلوه. فلما بلغ عثمان عزمهم هذا ضحك وقال: اللهم سلم هؤلاء فإنك إن لم ~~تسلمهم شقوا. ونادى: الصلاة جامعة وهم عندهم في أصل ### | [ص: 150] # المنبر فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحاطوا به فحمد ~~الله وأثنى عليه فقالوا جميعا: اقتلهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "من دعا إلى نفسه، أو إلى أحد وعلى الناس إمام، فعليه لعنة الله ~~فاقتلوه" وقال عمر بن الخطاب رضي ms098 الله عنه: لا أحل لكم إلا ما قتلتموه وأنا ~~شريككم، فقال عثمان: بل نعفو ونقبل ونبصرهم بجهدنا، ولا نحاد أحدا حتى يركب ~~حدا أو يبدي كفرا. إن هؤلاء ذكروا أمورا قد علموا منها مثل الذي علمتم إلا ~~أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليوجبوها علي عند من لا يعلم، وقالوا: أتم ~~الصلاة في السفر، وكانت لا تتم. إلا وإني قدمت بلدا فيه أهلي فأتممت لهذين ~~الأمرين. أو كذلك؟ قالوا: اللهم نعم. وقالوا: وحميت حمى، وإني والله ما ~~حميت حمى حمى، قبلي، والله ما حموا شيئا لأحد، ما حموا إلا ما غلب عليه أهل ~~المدينة، ثم لم يمنعوا من رعيه أحدا، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها ~~لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، ثم ما منعوا ولا نحوا منها أحدا ~~إلا من ساق درهما. وما لي من بعير غير راحلتي. وما لي ثاغية ولا راغية (2) ~~، وإني قد وليت وإني أكثر العرب بعيرا وشاة فما لي اليوم شاة ولا بعير غير ~~بعيرين لحجي. أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم. # وقالوا: كان القرآن كتبا فتركتها إلا واحدا. ألا وإن القرآن واحد جاء من ~~عند واحد. وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء، أكذلك؟ قالوا: نعم. وسألوه أن ~~يقتلهم. وقالوا: إني رددت الحكم (3) وقد سيره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، والحكم مكي سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف، ثم ~~رده رسول الله صلى الله عليه وسلم. فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيره، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم رده، أكذلك؟ قالوا: نعم. # وقالوا: استعملت الأحداث، ولم أستعمل إلا مجتمعا محتملا مرضيا. وهؤلاء ~~أهل عملهم فسلوهم عنه وهؤلاء أهل بلده. ولقد ولى من قبلي أحدث منهم وقيل في ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أشد مما قيل لي في استعماله أسامة، ~~أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم. يعيبون للناس ما لا يفسرون. # وقالوا: إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله عليه، وإني إنما نفلته الخمس ~~ما أفاء الله عليه من الخمس، فكان مائة ms099 ألف وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر وعمر ~~رضي الله عنهما، فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك فرددته عليهم وليس ذاك لهم. ~~أكذلك؟ قالوا: نعم ### | [ص: 151] # وقالوا: إني أحب أهل بيتي وأعطيهم. فأما حبي فإنه لم يمل معهم على جور. ~~بل أحمل الحقوق عليهم. وأما إعطاؤهم فإني ما أعطيهم من مالي ولا أستحل ~~أموال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة ~~الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما، وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي وفني ~~عمري وودعت الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا! وإني والله ما حملت على ~~مصر من الأمصار فضلا فيجوز ذلك لمن قاله. ولقد رددته عليهم وما قدم علي إلا ~~الأخماس ولا يحل لي منها شيء فولى المسلمون وضعها في أهلها دوني ولا يتلفت ~~من مال الله بفلس فما فوقه، وما أتبلغ منه ما آكل إلا من مالي. # وقالوا: أعطيت الأرض رجالا. وإن هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون ~~والأنصار أيام افتتحت، فمن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله، ومن ~~رجع إلى أهله لم يذهب ذلك ما حوى الله له. فنظرت في الذي يصيبهم مما أفاء ~~الله عليهم فبعته لهم بأمرهم من رجال أهل عقار ببلاد العرب، فنقلت إليهم ~~نصيبهم فهو في أيديهم دوني". # ثم تركهم عثمان، فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم. PageV01P149 # - حصر عثمان (1) (شوال سنة 35 ه/ 656 م) : # كان بمصر محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة يحرضان على عثمان، فلما ~~خرج المصريون خرج فيهم عبد الرحمن بن عديس البلوي (2) في خمسمائة (3) فكان ~~أمير الجيش القادم من مصر لحصر عثمان، وفيهم كنانة بن بشر الليثي، وسودان ~~بن حمران السكوني وقتيرة بن فلان السكوبي، وعليهم جميعا الغافقي بن حرس ~~العكي وخرج أهل الكوفة وفيهم زيد بن صوحان العبد، والأشتر النخعي، وزياد بن ~~النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم العامري وهم في عدد أهل مصر. وخرج أهل ms100 ~~البصرة فيهم حكيم بن جبلة العبدي (4) ، وذريح بن عباد، ### | [ص: 152] # وبشر بن شريح القيسي، وابن المحرش، وهم بعدد أهل مصر وأميرهم حرقوص بن ~~زهير السعدي (5) . # خرج هؤلاء كالحجاج، وذكر الطبري (6) أن ابن السوداء خرج من خرج من أهل ~~مصر. # أما أهل مصر فإنهم كانوا يشتهون "عليا". وأما أهل البصرة فإنهم كانوا ~~يشتهون "طلحة". وأما أهل الكوفة كانوا يشتهون "الزبير"، فلما كانوا من ~~المدينة على ثلاث، تقدم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خشب، وناس من أهل ~~الكوفة فنزلوا الأعوص، وجاءهم ناس من أهل مصر، وتركوا عامتهم بذي المروة، ~~ومشى فيما بين مصر وأهل البصرة زياد بن النضر وعبد الله بن الأصم وقالا: لا ~~تعجلوا ولا تعجلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فإنه بلغنا أنهم عسكروا ~~لنا. فوالله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلوا قتالنا، ولم يعلموا ~~علمنا، فهم إذا علموا علمنا أشد وإن أمرنا هذا لباطل. وإن لم يستحلوا ~~قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلا لنرجعن إليكم بالخبر. قالوا: اذهبا، فدخل ~~الرجلان، فلقيا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعليا، وطلحة، والزبير. ~~وقالا: إنما نأتم هذا البيت ونستعفي هذا الوالي من بعض عمالنا ما جئنا إلا ~~لذلك، واستأذناهم للناس بالدخول، فكلهم أبى ونهى، وقال: بيض ما يفرخن، ~~فرجعا إليهم فاجتمع نفر من أهل مصر فأتوا عليا، ومن أهل البصرة نفر فأتوا ~~طلحة، ومن أهل الكوفة نفر فأتوا الزبير. وقال كل فريق منهم: بايعوا صاحبنا ~~وإلا كدناهم وفرقنا جماعتهم، ثم كررنا عليهم نبغتهم فأتى المصريون عليا وهو ~~في عسكر عند أحجار الزيت متقلدا سيفه، وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن ~~اجتمعوا إليه، فسلموا عليه وعرضوا عليه، فصاح بهم وطردهم وقال: # "لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة، وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان ~~محمد صلى الله عليه وسلم" فانصرفوا عنه. # وجيش ذي المروة هم المصريون. أما جيش ذي خشب فهم أهل البصرة. وأما جيش ~~الأعوص فهم أهل الكوفة. وهذه أماكن بالقرب من المدينة ### | [ص: 153] # وأتى البصريون طلحة، وهو في جماعة ms101 أخرى إلى جنب علي وقد أرسل ابنه إلى ~~عثمان، فسلم البصريون عليه وعرضوا عليه، فصاح بهم وطردهم وقال لهم مثل ذلك. # وأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى، وقد سرح ابنه عبد الله إلى ~~عثمان، فسلموا عليه وعرضوا عليه، فصاح بهم وطردهم وقال لهم مثل ذلك. # فرجعوا وتفرقوا عن ذي المروة وذي خشب والأعوص إلى عسكرهم ليتفرق أهل ~~المدينة، ثم رجعوا إليهم، فلما بلغوا عسكرهم تفرق أهل المدينة، فرجعوا بهم ~~فلم يشعر أهل المدينة إلا والتكبير في نواحيها ونزلوها وأحاطوا بعثمان. ~~وقالوا من كف يده فهو آمن. # وصلى عثمان بالناس أياما ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحدا من كلام ~~فأتاهم الناس فكلموهم وفيهم علي. فقال: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن ~~رأيكم؟ فقالوا: أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا. وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ~~ذلك. وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك. وقال الكوفيون والبصريون: نحن ~~ننصر إخواننا ونمنعهم جميعا كأنما كانوا على ميعاد. # فقال لهم علي: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بملقى أهل مصر؟ ~~وقد سرتم مراحل، ثم طويتم نحونا هذا الأمر. والله إنه أمر أبرم بالمدينة. ~~قالوا: فضعوه على ما شئتم، ولا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا وهو في ذلك ~~يصلي بهم، وهم يصلون خلفه، ويغشى من شاء عثمان وهم في عينه أدق من التراب، ~~وكانوا لا يمنعون أحدا من الكلام، وكانوا يمنعون الناس من الاجتماع. # يلاحظ أن الذين خرجوا لحصر عثمان من الأمصار الثلاثة: مصر والكوفة ~~والبصرة يتراوح عددهم بين 1500 و 3000 على أكثر تقدير. فهو ليس جيشا يصعب ~~على أهل المدينة صده. نقول ذلك وليس لدينا إحصاء عن سكان المدينة في ذلك ~~الوقت نستطيع به أن نعرف منه قدرتها على الدفاع عن الخليفة. كما أننا لم ~~نقف على أمر من عثمان إلى أهل المدينة بالاستعداد للدفاع عنه ورد هؤلاء ~~المهاجمين. غير أنا وجدنا نص كتابه الذي أرسله إلى الأمصار يستنجدهم فيه، ~~وهو الذي سننشره، ويلاحظ كذلك أن الشاميين لم يرسلوا جيشا كغيرهم من ms102 ~~الأمصار لحصر عثمان، وذلك راجع إلى ما كان من تأثير معاوية في تلك البلاد. ~~PageV01P151 # - كتاب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدهم (1) : ### | [ص: 155] # "بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإن الله عز وجل بعث محمدا بالحق ~~بشيرا ونذيرا فبلغ عن الله ما أمر به، ثم مضى وقد قضى الذي عليه، وخلف فينا ~~كتابه، فيه حلاله وحرامه، وبين الأمور التي قدر، فأمضاها على ما أحب ~~العباد، وكرهوا فكان الخليفة أبو بكر رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه، ثم ~~أدخلت في الشورى على غير علم ولا مسألة عن ملأ من الأمة، ثم أجمع أهل ~~الشورى على ملأ منهم ومن الناس على غير طلب مني ولا محبة. فعملت فيهم ما ~~يعرفون ولا ينكرون، تابعا غير مستتبع، متبعا غير مبتدع، مقديا غير متكلف، ~~فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا ~~ترة فيما مضى إلا إمضاء الكتاب. فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره بغير حجة ولا ~~عذر، فعابوا علي أشياء مما كانوا يرغبون، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا ~~يصلح غيرها، فصبرت لهم نفسي، وكففتها عنهم منذ سنين، وأنا أرى وأسمع، ~~فازدادوا على الله عز وجل جرأة حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وحرمه، وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب، فهم كالأحزاب ~~أيام الأحزاب، أو من غزانا بأحد إلا ما يظهرون، فمن قدر على اللحاق بنا ~~فليلحق". يستنجد عثمان بهذا الكتاب أهل الأمصار، ويحثهم للمنع عنه ويعرفهم ~~ما الناس فيه. PageV01P153 # - قدوم عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان (1) : # لما تكلم الناس بخلع عثمان، وفد عبد الله على عثمان سنة 35 ه واستخلف على ~~مصر عقبة بن عامر الجهني، وقيل: بل استخلف السائب ابن هشام العامري فظهر ~~عليه محمد بن أبي حذيفة بن عتبة الأموي، فأزال عنها السائب وتأمر على مصر، ~~فرجع عبد الله بن أبي سرح، فمنعه محمد بن أبي حذيفة من دخول الفسطاط فمضى ~~إلى عسقلان، فأقام بها حتى قتل عثمان، وقيل: بل أقام بالرملة حتى ms103 مات فارا ~~من الفتنة، فتوفي ولم يبايع لعلي ولا لمعاوية، وكانت وفاته سنة 37 ه. ~~PageV01P155 # - خطبة معاوية: # ذكروا أن ابن عباس قال: خرجت إلى المسجد فإني لجالس فيه مع علي حين صليت ~~العصر، إذ جاء رسول عثمان يدعو عليا. فقال علي: نعم. فلما أن ولى الرسول ### | [ص: 156] # أقبل علي فقال: لم تراه دعاني؟ فقلت له: دعاك ليكلمك. فقال: انطلق معي. ~~فأقبلت فإذا طلحة والزبير وسعد وأناس من المهاجرين، فجلسنا، فإذا عثمان ~~عليه ثوبان أبيضان. فسكت القوم ونظر بعضهم إلى بعض فحمد الله عثمان ثم قال: # "أما بعد، فإن ابن عمي معاوية هذا قد كان غائبا عنكم وعما نلتم مني وما ~~عاتبتكم عليه وعاتبتموني. وقد سألني أن يكلمكم وأن يكلمه من أراد". فقال ~~سعد بن أبي وقاص: وما عسى أن يقال لمعاوية أو يقول إلا ما قلت أو قيل لك! ~~فقال: على ذلكم، تكلم يا معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # "أما بعد، يا معشر المهاجرين وبقية الشورى فإياكم أعني، وإياكم أريد فمن ~~أجابني بشيء فمنكم واحد، فإني لم أرد غيركم. توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فبايع الناس أحد المهاجرين التسعة، ثم دفنوا نبيهم فأصبحوا سالما ~~أمرهم كأن نبيهم بين أظهرهم. فلما أيس الرجل من نفسه بايع رجلا من بعده أحد ~~المهاجرين، فلما احتضر ذلك الرجل شك في واحد أن يختاره، فجعلها في ستة نفر ~~بقية المهاجرين فأخذوا رجلا منهم لا يألون عن الخير فيه فبايعوه وهم ينظرون ~~إلى الذي هو كائن من بعده لا يشكون ولا يمترون. مهلا مهلا أيها المهاجرون. ~~فإن وراءكم من إن دفعتموه اليوم اندفع عنكم، ومن إن فعلتم الذي أنتم فاعلوه ~~دفعكم بأشد من ركنكم وأعد من جمعكم، ثم استن عليكم بسنتكم، ورأى أن دم ~~الباقي ليس بممتنع بعد دم الماضي. فسددوا وارفقوا لا يغلبكم على أمركم من ~~حدتكم". # فقال علي بن أبي طالب: "كأنك تريد نفسك يا ابن اللخناء لست هنالك". # فقال معاوية: مهلا عن بنت عمك. فإنها ليست بشر نسائك. يا ms104 معشر المهاجرين ~~وولاة هذا الأمر. ولاكم الله إياه فأنتم أهله. وهذان البلدان مكة والمدينة ~~مأوى الحق ومنتهاه. وإنما ينظر التابعون إلى السابقين والبلدان إلى ~~البلدين، فإن استقاموا استقاموا وأيم الله الذي لا إله إلا هو لئن صفقت ~~إحدى اليدين على الأخرى لا يقوم السابقون للتابعين ولا البلدان للبلدين ~~وليسلبن أمركم، ولينقلن الملك من بين أظهركم. وما أنتم في الناس إلا ~~كالشامة السوداء في الثور الأبيض. فإني رأيتكم نشبتم في الطعن على خليفتكم ~~وبطرتم معيشتكم وسفهتم أحلامكم. وما كل نصيحة مقبولة. والصبر على بعض ~~المكروه خير من تحمله كله". # ثم خرج القوم وأمسك عثمان ابن عباس، فقال له: "يا ابن عمي ويا ابن خالتي. ~~فإنه لم يبلغني عنك في أمر شيء أحبه ولا أكرهه علي ولا لي. وقد علمت أنك ~~رأيت بعض ما رأى الناس فمنعك عقلك وحلمك من أن تظهر ما أظهروا، وقد أحببت ~~أن تعلمني رأيك فيما بيني وبينك فأعتذر". # PageV01P155 # - رأي ابن عباس: ### | [ص: 157] # قال ابن عباس فقلت: # "يا أمير المؤمنين، إنك قد ابتليتني بعد العافية، وأدخلتني في الضيق بعد ~~السعة. ووالله إن رأيي لك أن يجل سنك ويعرف قدرك وسابقتك. ووالله لوددت أنك ~~لم تفعل ما فعلت مما ترك الخليفتان قبلك. فإن كان شيئا تركاه لما رأيا أنه ~~ليس لهما، علمت أنه ليس لك كما لم يكن لهما وإن كان ذلك لهما فتركاه خيفة ~~أن ينال منهما مثل الذي نيل منك تركته لما تركاه له ولم يكونا أحق بإكرام ~~أنفسهما منك بإكرام نفسك". # قال: فما منعك أن تشير علي بهما قبل أن أفعل ما فعلت؟ قال: وعلمي أنك ~~تفعل ذلك قبل أن تفعل. قال: فهب لي صمتا حتى ترى رأيي. # PageV01P157 # - حملة معاوية على المهاجرين: # لما خرج ابن عباس قال عثمان لمعاوية: # "ما ترى، فإن المهاجرين قد استعجلوا القدر ولا يد لهم مما في أنفسهم؟. # فقال معاوية: الرأي أن تأذن لي فأضرب أعناق هؤلاء القوم. # قال: من؟. # قال: علي، وطلحة، والزبير. # قال عثمان: سبحان الله، أقتل أصحاب رسول الله ms105 بلا حدث أحدثوه ولا ذنب ~~ركبوه!. # قال معاوية: فإن لم تقتلهم فإنهم سيقتلونك. # قال عثمان: لا أكون أول من خلف رسول الله في أمته بإهراق الدماء. # قال معاوية: فاختر مني إحدى ثلاث خصال. # قال عثمان: وما هي؟. # قال معاوية: أرتب لك ههنا أربعة آلاف فارس من خيل أهل الشام يكونون لك ~~رداء وبين يديك يدا. # قال عثمان: أرزقهم من أين؟. # قال معاوية: من بيت المال. # قال عثمان: أرزق أربعة آلاف من الجند من بيت مال المسلمين لحرز دمي لا ~~فعلت هذا!. # قال: فثانية. # قال: وما هي؟ # قال: فرقهم عنك فلا يجتمع منهم اثنان في مصر واحد، واضرب عليهم البعوث ~~والندب حتى يكون دبر بعير أحدهم أهم عليه من صلاته. # قال عثمان: سبحان الله. شيوخ المهاجرين، وكبار أصحاب رسول الله، وبقية ~~الشورى، أخرجهم من ديارهم وأفرق بينهم وبين أهلهم وأبنائهم؟ لا أفعل هذا ### | [ص: 158] # قال معاوية: فثالثة. # قال: وما هي؟ اجعل لي الأمر الطلب بدمك إن قتلت. # قال عثمان: نعم. هذه لك إن قتلت فلا يطل دمي (1) . # هذا ما جرى من المناقشة بين معاوية وعثمان ولم يوافقه عثمان على التنكيل ~~بالمهاجرين بالقتل أو النفي، إنما وافقه على المطالبة بدمه، فلما قتل عثمان ~~طالب معاوية عليا بدم عثمان رضي الله عنه وحاربه. # إن هذه الآراء التي أبداها معاوية لعثمان رضي الله عنه بشأن التنكيل ~~بالمهاجرين قد وجدناها مسطورة في كتاب "الإمامة والسياسة" لابن قتيبة لكنا ~~لا نصدق أن معاوية أشار بقتل علي وطلحة والزبير أو نفيهم وقد بحثنا عن هذا ~~الخبر في الطبري فلم نجد له أثرا. # أما كتاب الإمامة والسياسة المشار إليه فمشكوك في صحة نسبته إلى ابن ~~قتيبة. ويرجح الأستاذ "ده غوي" أن هذا المصنف كتبه رجل مصري أو مغربي في ~~حياة ابن قتيبة. PageV01P157 # - خروج أهل الأمصار لنجدة عثمان # بعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهري. وبعث عبد الله بن سعد معاوية ابن حديج، ~~وخرج من الكوفة القعقاع بن عمرو، وقام بالكوفة نفر يحضون على إعانة أهل ~~المدينة منهم: عقبة بن ms106 عامر، وعبد الله بن أبي أوفى، وحنظلة الكاتب وغيرهم ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ومن التابعين: مسروق والأسود وشريح ~~وعبد الله بن حكيم وغيرهم. وقام بالبصرة عمران بن حصين وأنس بن مالك وهشام ~~بن عامر وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين كعب بن سوار وهرم بن حيان ~~وغيرهما. وقام بالشام جماعة من الصحابة والتابعين وكذلك بمصر. أما جيش ~~الشام فقد تأخر، فلما بلغهم خبر مقتل الخليفة عند منتصف الطريق بين الشام ~~والمدينة قفلوا راجعين. وقيل: إن معاوية تعمد تأخير المدد. # PageV01P158 # - خطبة عثمان ورجمه بالحصباء (1) : # ولما جاءت الجمعة التي على أثر نزول المصريين المدينة خرج عثمان فصلى ~~بالناس، ثم قام على المنبر فقال: # "يا هؤلاء العدى: الله الله، فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون ~~على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فامحوا الخطايا بالصواب فإن الله عز وجل ~~لا يمحو السيئ إلا بالحسن". ### | [ص: 159] # فقام محمد بن مسلمة فقال: أشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة (من جيش البصرة) ~~فأقعده. فقام زيد بن ثابت فأقعده محمد ابن أبي قتيرة. وثار القوم بأجمعهم، ~~فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتى صرع على المنبر مغشيا ~~عليه، فاحتمل، فأدخل داره، واستقل نفر من أهل المدينة مع عثمان منهم سعد بن ~~مالك، والحسن بن علي، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، فأرسل إليهم عثمان يعزم ~~عليهم بالانصراف فانصرفوا. # وأقبل علي وطلحة والزبير فدخلوا على عثمان بعودته من صرعته، ويشكون بثهم، ~~ثم رجعوا إلى منازلهم. # وصلى عثمان بالناس بعد ما نزل به في المسجد ثلاثين يوما، ثم منعوه ~~الصلاة، وصلى بالناس أميرهم الغافقي، وتفرق أهل المدينة في حيطانهم، ~~وألزموا بيوتهم، لا يجلس أحد ولا يخرج إلا بسيفه يمتنع به، وكان الحصار ~~أربعين يوما ومن تعرض لهم وضعوا فيه السلاح. # وقيل: إن عثمان رضي الله عنه خطب الناس وقال لهم: # "إنهم قد أسرعوا الفتنة، واستطالوا عمري، والله لئن فارقتهم ليتمنون أن ~~عمري كان عليهم مكان كل يوم سنة، يرون من قدماء المسفوكة والإحن والأثرة ~~الظاهرة ms107 والأحكام المغيرة". PageV01P158 # - زيارة عثمان لعلي في بيته ورجوع المصريين (1) : # جاء عثمان إلى علي فدخل عليه بيته فقال له: يا ابن عم، إن قرابتي قريبة ~~ولي عليك حق عظيم، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي، ولك عند الناس ~~قدر، وهم يسمعون منك، وأحب أن تركب إليهم فتردهم عني، فإن في دخولهم علي ~~توهينا لأمري وجراءة علي. # فقال علي: على أي شيء أردهم عنك؟. # قال: على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي. # فقال علي: إني قد كلمتك مرة بعد أخرى فكل ذلك تخرج وتقول، ثم ترجع عنه، ~~وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبد الله بن سعد. فإنك أطعتهم ~~وعصيتني. # قال عثمان: فأنا أعصيهم وأطيعك. # فأمر علي الناس، فركب ومعه من المهاجرين والأنصار ثلاثون رجلا فيهم سعيد ~~بن زيد، وأبو جهم العدوي وجبير بن مطعم (2) ، وحكيم بن حزام، ومروان، وسعيد ~~بن العاص، وعبد ### | [ص: 160] # الرحمن بن عتاب بن أسيد. ومن الأنصار أبو أسيد الساعدي وأبو حميد، وزيد ~~بن ثابت، وحسان بن ثابت وكعب بن مالك (3) ، ومن العرب نيار بن مكرز (4) ، ~~فأتوا المصريين بذي خشب فكلموهم، وكان الذي يكلمهم عليا ومحمد بن مسلمة. ~~فسمعوا كلامهما ورجعوا إلى مصر. # فقال ابن عديس لمحمد بن سلمة: أتوصينا بحاجة؟ قال: نعم. تتقي الله وترد ~~من قبلك عن إمامهم، فإنه قد وعدنا أن يرجع وينزع. قال ابن عديس: أفعل إن ~~شاء الله. # ورجع علي ومن معه إلى المدينة فدخل على عثمان فأخبره برجوعهم وكلمه بما ~~في نفسه وخرج من عنده. فمكث عثمان ذلك اليوم وجاءه مروان، بكر الغد. فقال ~~له: تكلم وأعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا، وأن ما بلغهم عن إمامهم كان ~~باطلا قبل أن يجيء الناس إليك من أمصارهم، ويأتيك ما لا تستطيع دفعه. ففعل ~~عثمان. فلما خطب الناس قال له عمرو بن العاص: اتق الله يا عثمان فإنك قد ~~ركبت أمورا وركبناها معك فتب إلى الله نتب. فناداه عثمان: وإنك هنا يا ابن ~~النابغة قملت والله جبتك ms108 منذ عزلتك عن العمل. فنودي من ناحية أخرى: تب إلى ~~الله. فرفع يديه واستقبل القبلة وقال: "اللهم إني أول تائب". # وخرج عمرو بن العاص إلى فلسطين. وكان يقول: والله إني كنت لألقى الراعي ~~فأحرضه على عثمان. PageV01P159 # - توبة عثمان (1) : ### | [ص: 161] # تاب عثمان بناء على طلب عمرو بن العاص، وقيل: إن عليا جاء عثمان بعد ~~انصراف المصريين فقال له: تكلم كلاما يسمعه الناس منك ويشهدون عليه ويشهد ~~الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة. فإن البلاد قد تمخضت عليك فلا آمن ~~ركبا آخرين يقدمون من الكوفة فتقول: يا علي اركب إليهم، ولا أقدر أن أركب ~~إليهم، ولا أسمع عذرا، ويقدم ركب آخرون من البصرة فتقول: يا علي اركب ~~إليهم، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك، واستخففت بحقك. فخرج عثمان فخطب ~~الخطبة التي نزع فيها وأعطى الناس من نفسه التوبة، فحمد الله وأثنى عليه ~~بما هو أهله ثم قال: # "أما بعد، أيها الناس فوالله ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله، وما جئت ~~شيئا إلا وأنا أعرفه، ولكني منتني نفسي وكذبتني وضل عني رشدي. ولقد سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من زل فليتب ومن أخطأ فليتب ولا ~~يتمادى في الهلكة (2) . إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريف فأنا أول ~~من اتعظ. أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه. فمثلي نزع وتاب. فإذا نزلت ~~فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم لئن ردني الحق عبدا لأستنن بسنة العبد، ~~ولأذلن ذل العبد ولأكونن كالمرقوق (3) إن ملك صبر، وإن عتق شكر، وما عن ~~الله مذهب إلا إليه فلا يعجزن منكم خياركم أن يدنوا إلي لئن أبت يميني ~~لتتابعني شمالي". # فرق الناس له يومئذ، وبكى من بكى منهم، وقام إليه سعيد بن زيد فقال: يا ~~أمير المؤمنين ليس بواصل لك من ليس معك. الله الله في نفسك فأتمم على ما ~~قلت. # أورد الطبري (4) هذه الخطبة بنصها، وأتى على ملخصها ابن الأثير (5) وقد ~~تاب فيها أمام الناس واستغفر الله. PageV01P161 # - مروان يفسد توبة عثمان (1) : # كان عثمان ms109 رضي الله عنه مستسلما لمروان ولأقاربه، وهذا ما لاحظه علي رضي ~~الله عنه، ### | [ص: 162] # فكان لهم تأثير شديد فيه. فلما تاب هذه التوبة وخطب تلك الخطبة التي رقت ~~لها قلوب الناس ودخل بيته، دخل عليه مروان وقيل: إنه وجد مروان وسعيدا ~~ونفرا من بني أمية ولم يكونوا شهدوا الخطبة، (لكن لا بد أنهم سمعوا بها إن ~~لم يكونوا شهدوها) ، فلما جلس قال مروان: يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت؟ ~~فقالت نائلة ابنة الفرافصة، امرأة عثمان -: لا، بل اصمت. فإنهم والله ~~قاتلوه ومؤثموه. إنه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها. فأقبل عليها ~~مروان فقال: ما أنت وذاك، فوالله لقد مات أبوك وما يحسن يتوضأ. فقالت له: ~~مهلا يا مروان عن ذكر الآباء، تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه، وإن أباك لا ~~يستطيع أن يدفع عنه. أما والله لولا أنه عمه، وأنه يناله غمه أخبرتك عنه ما ~~لن أكذب عليه. فأعرض عنها مروان. # ثم قال: يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت؟ قال: بل تكلم. فقال مروان: بأبي ~~أنت وأمي والله لوددت أن مقاتلتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع فكنت أول من رضي ~~بها وأعلن عليها. ولكنك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطبيين (2) وخلف السيل ~~الزبى (3) ، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل. والله لإقامة على خطيئة ~~تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوف عليها، وإنك إن شئت تقربت بالتوبة، ولم ~~تقرر بالخطيئة وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس. # فقال عثمان: فاخرج إليهم فكلمهم فإني أستحي أن أكلمهم. فخرج مروان إلى ~~الباب والناس يركب بعضهم بعضا. فقال: "ما شأنكم قد اجتمعتم كأنكم قد جئتم ~~لنهب. شاهت الوجوه. كل إنسان آخذ بإذن صاحبه إلا من أريد. جئتم تريدون أن ~~تنزعوا ملكنا من أيدينا. اخرجوا عنا لئن رميتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا ~~يسركم ولا تحمدوا غب رأيكم. ارجعوا إلى منازلكم، فإنا والله ما نحن مغلوبين ~~على ما في أيدينا". # فرجع الناس وخرج بعضهم حتى أتى عليا فأخبره الخبر. ms110 فجاء علي رضي الله عنه ~~مغضبا حتى دخل على عثمان. فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك ~~عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به والله ما مروان بذي رأي ~~في دينه ولا نفسه. وأيم الله إني لأراه سيوردك، ثم لا يصدرك. وما أنا بعائد ~~بعد مقامي هذا لمعاتبتك. أذهبت شرفك وغلبت على أمرك. PageV01P161 # - نائلة زوجة عثمان تنصحه وتحذره مروان (1) : ### | [ص: 163] # لما خرج علي دخلت عليه نائلة زوجته، وقالت: أتكلم أو أسكت؟ فقال: تكلمي. ~~فقالت: سمعت قول علي لك، وأنه ليس يعاودك، وقد أطعت مروان يقودك حيث شاء. ~~قال: فما أصنع؟. قالت: تتقي الله وحده لا شريك له، وتتبع سنة صاحبيك من ~~قبلك، فإنك متى أطعت مروان قتلك. ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا ~~محبة، وإنما تركك الناس لمكان مروان. فأرسل إلى علي فاستصلحه فإن له قرابة ~~منك فهو لا يعصيك. فأرسل إلى علي فأبى أن يأتيه وقال: قد أعلمته أني لست ~~بعائد. # فبلغ مروان مقالة نائلة فيه، فجاء إلى عثمان فجلس بين يديه. فقال: أتكلم ~~أو أسكت؟ فقال: تكلم. فقال: إن بنت الفرافصة. فقال عثمان: لا تذكرنها بحرف ~~فأسود (2) وجهك، فهي والله أنصح لي منك. فكف مروان. PageV01P162 # - ما خشيه مروان من توبة عثمان: # لقد تاب عثمان عما فعله باستشارة مروان وأمثاله من بني أمية، لأن عليا ~~أراد منه أن يذيع التوبة حتى ينصرف الأعداء عنه ولا يعودوا إلى التألب ~~عليه. فلما تاب رضي الناس عنه. ونعتقد أن عثمان لو ترك وشأنه من غير تدخل ~~هؤلاء المستشارين من أقاربه، لما فعل شيئا مما استوجب سخط الناس عليه. ~~لكنهم ما كانوا يتركونه يتصرف في الأمور. كانوا يملون عليه إرادتهم ~~ويصرفونه حيث شاءوا، وكان لا يخالفهم لما ركب في طبعه من اللين ورقة الجانب ~~للأقارب ولكبر سنه. # فلما استاء الناس منه وضايقوه وكلمه علي الذي استنجد به لردهم عنه، تاب ~~وأذاع توبته على الملأ حتى بكى من سمعه، إلا أن هذه التوبة أسخطت ms111 مروان ~~وأقارب عثمان، لأن فيها رجوعا عن الخطة التي اتبعها فيما مضى، إذ التوبة ~~تقضي عليه أن ينظر في شكاوى الناس فيولي من يصلح بغض الطرف عن القرابة، كما ~~كان يفعل أبو بكر وعمر. وهذا ما خشيه مروان. ويدل على ذلك قوله للناس بعد ~~خطبة عثمان: (تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا) . # هذا ما كان يخشاه مروان. أما حياة عثمان الذي أغدق عليهم النعم، تلك ~~الحياة التي كانت مهددة، فلم تكن تهمه، لأن مشورته هي التي بغضت الناس في ~~عثمان. انصرف الناس راضين ### | [ص: 164] # وقالوا: قد تاب الرجل، وما كاد علي يطمئن ويظن أنه قد أطاعه، حتى خرج ~~عليهم مروان وهدم هذه السياسة الحميدة فغضب علي غضبا شديدا وغضب الناس. # وكان الأجدر بعثمان والحالة هذه أن يدع التردد بعد أن تبين له الحق ~~والصواب ويمنع مروان من الكلام بما يخالف توبته، ويعلن تمسكه بما قال حتى ~~لا يقال: إن مروان يصرفه ويتحكم فيه، وأن ما يبرمه ويقرره الخليفة ينقضه ~~مروان. # PageV01P163 # - غضب علي رضي الله عنه (1) : # أتى عثمان إلى علي بمنزله ليلا فقال له: إني غير عائد وإني فاعل. فقال له ~~علي: بعد ما تكلمت على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطيت من نفسك، ~~ثم دخلت بيتك فخرج مروان إلى الناس يشتمهم على بابك ويؤذيهم. فخرج عثمان من ~~عنده وهو يقول: خذلتني وجرأت الناس علي. فقال علي: والله إني لأكثر الناس ~~ذبا عنك، ولكني كلما جئت بشيء أظنه لك رضا جاء مروان بأخرى فسمعت قوله ~~وتركت قولي ولم يعد علي يعمل كما كان يعمل (2) . PageV01P164 # - الجرأة على عثمان (1) : # قيل: إن إبلا من إبل الصدقة قدم بها على عثمان فوهبها لبعض بني الحكم، ~~فبلغ ذلك عبد الرحمن ببن عوف فأرسل إلى المسور بن مخرمة (2) وإلى عبد ~~الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، فأخذها فقسمها عبد الرحمن في الناس وعثمان ~~في الدار ولا بد أن هذه الحادثة التي رواها الطبري وابن الأثير كانت قبل ~~سنة 35 ه، لأن عبد الرحمن بن عوف ms112 توفي في سنة 32 ه. # وقيل: كان أول من اجترأ على عثمان بالقول جبلة بن عمرو الساعدي، مر به ~~عثمان وهو ### | [ص: 165] # في نادي قومه وبيده جامعة (3) ، فسلم، فرد القوم. فقال جبلة: لم تردون ~~على رجل فعل كذا وكذا. ثم قال لعثمان: والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك، ~~أو لتتركن بطانتك هذه الخبيثة: مروان وابن عامر وابن سعد. منهم من نزل ~~القرآن بذمه وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه. فاجترأ الناس عليه. # وقد تقدم قول عمرو بن العاص له في خطبته. قيل: وخطب يوما وبيده عصا كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يخطبون عليها فأخذها جهجهاه ~~الغفاري من يده وكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها فبقي الجرح ~~حتى أصابته الأكلة في ركبته. PageV01P164 # - طلب المهلة ثلاثة أيام (1) : # عاد المصريون إلى عثمان وكتبوا له: # "بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فاعلم أن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم، فالله الله، ثم الله الله فإنك على دنيا فاستتم إليها ~~معها آخرة، ولا تنس نصيبك من الآخرة فلا تسوغ لك الدنيا. واعلم إنا والله، ~~لله نغضب وفي الله نرضى. وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى يأتينا توبة ~~مصرحة، أو ضلالة مجلحة مبلجة. فهذه مقالتنا لك وقضيتنا إليك والله عذيرنا ~~منك والسلام". # وكتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة ويحتجون ويقسمون له بالله ~~لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من حق الله. فلما خاف ~~القتل شاور نصحاءه وأهل بيته. فقال لهم: قد صنع القوم ما قد رأيتم فما ~~المخرج؟. فأشاروا عليه أن يرسل إلى علي بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردهم ~~عنه ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه أمداده، لأنه كان كتب إلى معاوية ~~كتابا قال له فيه: "فابعث إلي من قبلك من مقاتلة أهل الشام". # فقال عثمان: إن القوم لن يقبلوا التعليل، وقد كان مني في قدمتهم الأولى ~~ما كان، فمتى أعطهم ذلك يسألوني الوفاء به. # فقال ms113 مروان بن الحكم: يا أمير المؤمنين مقاربتهم حتى تقوى طاولوك. فإنما ~~بغوا عليك فأرسل إلى علي فلما جاء قال: يا أبا الحسن إنه قد كان من الناس ~~ما قد رأيت، وكان مني ما قد علمت، ولست آمنهم على قتلي فارددهم عني، فإن ~~لهم الله عز وجل أن أعتبهم من كل ما يكرهون، وأن أعطيهم الحق من نفسي ومن ~~غيري، وإن كان في ذلك سفك دمي ### | [ص: 166] # فقال له علي: الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك. وإني لأرى أقواما لا ~~يرضون إلا بالرضى وقد أعطيتهم في قدمتهم عهدا من الله لترجعن عن جميع ما ~~نقموا فرددتهم عنك، ثم لم تف لهم بشيء من ذلك، فلا تغرني هذه المرة من شيء، ~~فإني معطيهم عليك الحق. قال: نعم فأعطهم، فوالله لأوفين لهم. فخرج علي إلى ~~الناس فقال: # "أيها الناس إنكم إنما طلبتم الحق فقد أعطيتموه. إن عثمان قد زعم أنه ~~منصفكم من نفسه ومن غيره وراجع عن جميع ما تكرهون. فاقبلوا منه ووكدوا ~~عليه". # قال الناس: قد قبلنا فاستوثق منه، فإنا والله لا نرضى بقول دون فعل. فقال ~~لهم علي: ذلك لكم. ثم دخل عليه فأخبره الخبر. فقال عثمان: اضرب بيني وبينهم ~~أجلا يكون لي فيه مهلة فإني لا أقدر على رد ما كرهوا في يوم واحد. قال له ~~علي: ما حضر بالمدينة فلا أجل له. وما غاب فأجله وصول أمرك. قال: نعم، ولكن ~~أجلني فيما بالمدينة ثلاثة أيام (2) . قال علي: نعم. فخرج إلى الناس ~~فأخبرهم بذلك، وكتب بينهم وبين عثمان كتابا أجله فيه ثلاثا على أن يرد كل ~~مظلمة، ويعزل كل عامل كرهوه. ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ الله على ~~أحد من خلقه من عهد وميثاق وأشهد عليه أناسا من وجوه المهاجرين والأنصار. ~~فكف المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه. # هذه الرواية تدل على أن عثمان إنما طلب المهلة حتى يأتيه المدد، وفي ~~الطبري (3) عدا ذلك أنه كان يستعد للقتال بالسلاح وقد كان ms114 اتخذ جندا عظيما ~~من رقيق الخمس. PageV01P165 # - كتاب عثمان إلى عامله بمصر (1) بقتل محمد بن أبي بكر: # جاء المصريون يشكون من ابن أبي سرح، فكتب إليه عثمان كتابا يتهدده فيه، ~~فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، وضرب بعض من أتاه من قبل ~~عثمان من أهل مصر فقتله، فخرج من أهل مصر جماعة فنزلوا المسجد وشكوا إلى ~~الصحابة في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح بهم فقال طلحة بن عبيد الله، ~~فكلم عثمان بكلام شديد وأرسلت عائشة رضي الله عنها إليه فقالت: تقدم إليك ~~أصحاب رسول الله وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت، فهذا قد قتل منهم رجلا ~~فأنصفهم من عاملك، ودخل عليه علي بن أبي طالب فقال: إنما يسألونك رجلا مكان ~~رجل وقد ادعوا قبله دما، فاعزله عنهم، واقض بينهم فإن وجب عليه حق فأنصفهم ~~منه. فقال لهم: اختاروا ### | [ص: 167] # رجلا أوليه عليكم مكانه، فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر. فقالوا: ~~استعمل علينا محمد بن أبي بكر فكتب عهده وولاه. # ويقال: إن بعض أهل المدينة من مبغضي عثمان حرض مروان بن الحكم أن يكتب عن ~~لسانه كتابا إلى والي مصر بقتل محمد ورفاقه وأرسلوا الكتاب مع غلام لعثمان. ~~فسار الغلام على بعير يسرع في مشيه. فلما خرج من المدينة وبلغهم سألوه عن ~~وجهته، فقال: أنا غلام أمير المؤمنين. قالوا: أمعك كتاب؟. قال: لا. ففتشوه، ~~فوجدوا الكتاب في أنبوبة من الرصاص، ففتحوه، فإذا فيه: "إذا أتاك محمد بن ~~أبي بكر وفلان وفلان فاحتل في قتلهم، وأبطل كتابه، وقر على عملك حتى يأتيك ~~رأيي في ذلك إن شاء الله تعالى". # فلما قرأ محمد الكتاب رجع إلى المدينة مع من معه والغلام، ودخل على عثمان ~~ومعه علي بن أبي طالب. فقال علي: هذا الغلام غلامك؟. قال: نعم، والبعير ~~بعيرك؟ قال: نعم. قال: فأنت كتبت هذا الكتاب؟. قال: لا والله ما كتبت هذا ~~الكتاب، ولا أمرت به، ولا علم لي به. قال علي: والخاتم خاتمك؟. قال: نعم. ~~قال: فكيف يخرج ms115 غلامك ببعيرك بكتاب عليه خاتمك ولا تعلم؟. فحلف أنه لا يعلم ~~شيئا من ذلك. فقال علي: لا يحلف عثمان إلا صادقا فهو بريء من هذا الأمر. ~~ولكنهم عرفوا أن الخط خط كاتبه مروان بن الحكم، وكان عنده في الدار فسألوه ~~أن يدفعه إليهم فأبى خوفا عليه أن يقتل. فطلب إليه المصريون أن يخلع نفسه ~~فأبى، فارتفعت الأصوات. فقام علي وأخرج المصريين وخرج معهم، ثم رجع ~~المصريون، وانضم إليهم أشياعهم، فحاصروه في داره ومنعوه الماء. # وجاء في الطبري (2) أنهم وجدوا في الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم. أما ~~بعد، فإذا قدم عليك عبد الرحمن بن عديس فاجلده مائة جلدة، واحلق رأسه ~~ولحيته، وأطل حبسه حتى يأتيك أمري، وعمرو بن الحمق فافعل به مثل، وسودان بن ~~حمران مثل ذلك، وعروة بن النباع الليثي مثل ذلك". # فلما كلمه المصريون في ذلك قال: # "والله ما كتبت، ولا أمرت، ولا شوورت، ولا علمت". فقال المصريون: فمن ~~كتبه؟. قال: لا أدري. قال: أفيجترأ عليك فيبعث غلامك، وجمل من صدقات ~~المسلمين، وينقش على خاتمك، ويكتب إلى عاملك بهذه الأمور العظام وأنت لا ~~تعلم؟! قالوا: فليس مثلك بولي. اخلع نفسك من هذا الأمر كما خلعك الله منه، ~~قال: لا أخلع قيمصا ألبسنيه الله عز وجل (3) ### | [ص: 168] # وعلى كل حال أنكر عثمان علمه بالكتاب، وتبرأ منه، وحلف أنه لا يعلم شيئا ~~عنه، ولا بد أنه صادق، وأن الكتاب مفتعل. PageV01P166 # - اتهام علي بتزوير الكتاب رواية غريبة!! # جاء في دائرة المعارف الإسلامية، النسخة الإنجليزية (1) ، "إن البلاذري ~~روى دون غيره من المؤرخين أن عثمان اتهم عليا بتزوير الكتاب، وهذا ما ظنه ~~كيتاني في حولياته (2) من غير أن يطلع على رواية البلاذري". # لم يتمكن كيتاني من الإطلاع على رواية البلاذري، لأنها مذكورة في كتاب ~~"أنساب الأشراف" الذي لا يزال تحت الطبع ببيت المقدس، وقد عثرت على الجزء ~~الحادي عشر منه بمكتبة الجامعة المصرية، وهو مطبوع على الحجر بمدينة غريفز ~~ولد سنة 1883، وليس فيه ذكر لهذه الرواية، لأن هذا الجزء يبدأ بذكر مصعب بن ~~الزبير ms116 في أيام عبد الملك. # إن دائرة المعارف الإسلامية لم تبد رأيها في توجيه هذه التهمة إلى علي، ~~بل أوردت ذلك كي يعلم أن هناك رواية أخرى غير ما أجمع عليه المؤرخون من ~~اتهام مروان. وأن كيتاني تبادر إلى ظنه أن عثمان اتهم عليا فطابق ظنه هذا ~~رواية البلاذري التي نأسف لعدم تمكننا من الإطلاع عليها مثل كيتاني. وكان ~~الأجدر بدائرة المعارف أن لا تترك المسألة معلقة هكذا من غير أن نناقشها ~~ونشير إلى عدم صحة هذه الرواية وبعدها عن الصواب. # وإنا نقول: إنه لم يدر بخلد عثمان أن يتهم عليا، ولا يمكن أن يدور بخلده ~~ذلك، لأن الغلام الذي خرج يحمل الكتاب لتوصيله إلى والي مصر هو غلام عثمان، ~~والبعير بعيره، والخاتم خاتمه، وهذا الخاتم لا يتوصل إليه علي، بل يتوصل ~~إليه مروان كاتب عثمان، ومستشاره، وملازمه في داره. أضف إلى ذلك أنهم عرفوا ~~أن الخط خط مروان هذا من جهة. ومن جهة أخرى ### | [ص: 169] # فإنه لا حظ لعلي في تزوير الكتاب، فإنه إذا لم يضبط ووصل إلى يد الوالي ~~نفذ أمر عثمان القاضي بإعدام محمد بن أبي بكر، أو إعدام غيره ممن قدموا ~~المدينة وعادوا إلى مصر، أو تعذيبهم وهم ليسوا أعداء لعلي، بل من محبيه، ~~وعلى عكس ذلك كان مروان، فإن من مصلحته القضاء على محمد بن أبي بكر، أو ~~غيره من المتآمرين على الخليفة المعارضين لحكم ابن أبي سرح. PageV01P168 # - اشتداد الحصار (1) : # لما اشتد الحصار على عثمان رضي الله عنه أرسل إلى علي، وطلحة، والزبير، ~~فحضروا فأشرف عليهم فقال: # "يا أيها الناس. اجلسوا فجلسوا يا أهل المدينة أستودعكم الله وأسأله أن ~~يحسن عليكم الخلافة من بعدي. أنشدكم الله هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند ~~مصاب عمر أن يختار لكم ويجمعكم على خيركم. أتقولون: إن الله لم يستجب لكم ~~وهنتم عليه، وأنتم أهل حقه. أم تقولون: هان على الله دينه فلم يبال من ولى، ~~والدين لم يتفرق أهله يومئذ، أم تقولون: لم يكن أخذ عن مشورة إنما كان ~~لمكابرة ms117 فوكل الله الأمة إذا عصته ولم يشاوروا في الإمامة، أم تقولون: إن ~~الله لم يعلم عاقبة أمري. وأنشدكم بالله أتعلمون لي من سابقة خير وقدم خير ~~قدمه الله لي يحق على كل من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها، فمهلا لا تقتلوني ~~فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصانه، أو كفر بعد إيمانه، أو قتل ~~نفسا بغير حق. فإنكم إذا قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ثم لم يرفع الله ~~عنكم الاختلاف أبدا" (2) . # قالوا: أما ما ذكرت من استخارة الناس بعد عمر، ثم ولوك فإن كل ما صنع ~~الله خيرة، ولكن الله جعلك بلية ابتلى بها عباده. وأما ما ذكرت من قدمك ~~وسلفك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كنت كذلك، وكنت أهلا للولاية، ~~ولكن أحدثت ما علمته، ولا نترك إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عاما قابلا. ~~وأما قولك إنه لا يحل إلا قتل ثلاثة، فإنا نجد في كتاب الله قتل غير ~~الثلاثة الذين سميت: قتل من سعى في الأرض فسادا، وقتل من بغى، ثم قاتل على ~~بغيه، وقتل من حال دون شيء من الحق ومنعه وقاتل دونه، وقد بغيت ومنعت وحلت ~~دونه وكابرت عليه، ولم تقد من نفسك من ظلمت، وقد تمسكت بالإمارة علينا. فإن ~~زعمت أنك لم تكابرنا عليها فإن الذين قاموا دونك ومنعوك منا إنما يقاتلون ~~لتمسكك بالإمارة، فلو خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال معك. # فسكت عثمان، ولزم الدار، وأمر أهل المدينة بالرجوع، وأقسم عليهم فرجعوا ~~إلا ### | [ص: 170] # الحسن بن علي، وابن عباس، ومحمد بن طلحة، وعبد الله بن الزبير، وأشباها ~~لهم، واجتمع إليهم أناس كثير. # لم يرد عليهم عثمان، بل سكت. فهل اقتنع بأقوالهم وحججهم؟ إنه لو اقتنع ~~لتنازل عن الخلافة. فإذا لم يقتنع. فلماذا لم يقرع الحجة بالحجة؟. لكنه على ~~كل حال أصر على عدم التنازل كما أصر على التمسك بسياسته، فلم يعزل أحدا ممن ~~كرهوه، ولم يجب مطالبهم التي كان قد علم بها من قبل، فلا بد أنه كان يرى ms118 ~~أنهم مخطئون فيما يطلبون. PageV01P169 # - المحاصرون يمنعون عنه الماء (1) : # كانت مدة الحصار أربعين يوما (2) ، أو ما يقرب من ذلك، فلما مضت ثمان ~~عشرة ليلة قدم ركبان من الأمصار فأخبروا بخير من تهيأ إليهم من الجنود ~~وشجعوا الناس، فعندئذ حالوا بين الناس وبين عثمان ومنعوه كل شيء حتى الماء، ~~فأرسل عثمان إلى علي سرا، وإلى طلحة، والزبير، وأزواج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إنهم قد منعوني حتى الماء، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا الماء ~~فافعلوا" (3) . # فكان أولهم إجابة علي وأم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء علي ~~في الغلس (4) فقال: # "يا أيها الناس، إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين، ولا أمر الكافرين ~~فلا تقطعوا عن هذا الرجل الماء ولا المادة، فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم ~~وتسقي". # فقالوا: لا والله ولا نعمة عين. فرمى بعمامته في الدار بأني قد نهضت ~~ورجعت، وجاءت أم حبيبة على بغلة لها مشتملة على إداوة. فضربوا وجه بغلتها ~~فقالت: إن وصايا بني أمية عند هذا الرجل. فأحببت أن أسأله عنها لئلا تهلك ~~أموال الأيتام والأرامل. فقالوا: كاذبة، وقطعوا حبل البغلة بالسيف، فنفرت ~~وكادت تسقط عنها، فتلقاها الناس، فأخذوها وذهبوا بها إلى بيتها. # وتجهزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة واستتبعت أخاها، فأبى، فقالت: # "أم والله لئن استطعت أن يحرمهم الله ما يحاولون لأفعلن" (5) . وجاء ~~حنظلة الكاتب حتى ### | [ص: 171] # قام على محمد بن أبي بكر فقال: يا محمد، تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعها، ~~وتدعوك ذؤبان العرب إلى ما لا يحل فتتبعهم؟!. فقال: ما أنت وذاك يا ابن ~~التميمية؟. فقال: يا ابن الخثعمية إن هذا الأمر إن صار إلى التغلب غلبتك ~~عليه بنو عبد مناف وانصرف وهو يقول: # عجبت لما يخوض الناس فيه ... يرومون الخلافة أن تزولا # ولو زالت لزال الخير عنهم ... ولاقوا بعدها ذلا ذليلا # وكانوا كاليهود أو النصارى (6) ... سواء كلهم ضلوا السبيلا # ولحق بالكوفة. وخرجت عائشة وهي ممتلئة غيظا على أهل مصر وجاءها مروان بن ~~الحكم فقال: يا أم المؤمنين، لو أقمت كان أجدر أن ms119 يراقبوا هذا الرجل. ~~فقالت: أتريد أن يصنعوا بي كما صنع بأم حبيبة. ثم لا أجد من يمنعني لا ~~والله ولا أعير ولا أدري إلى ما يسلم أمر هؤلاء. # وبلغ طلحة والزبير ما لقي علي، وأم حبيبة، فلزموا بيوتهم، وبقي عثمان ~~يسقيه آل حزم في الغفلات. عليهم الرقباء. فأشرف عثمان على الناس فاستدعى ~~ابن عباس، فأمره أن يحج بالناس وكان ممن لزم الباب. فقال: جهاد هؤلاء أحب ~~علي من الحج، فأقسم عليه فانطلق. PageV01P170 # - حج ابن عباس بالناس وكتاب عثمان إلى أهل مكة (1) (سنة 35 ه/ 656 م) : # قال عثمان رضي الله عنه وهو محصور: يا ابن عباس، اذهب إلى خالد بن العاص ~~(2) وهو بمكة فقل له: يقرأ عليك أمير المؤمنين السلام ويقول لك: إني محصور ~~منذ كذا وكذا يوما لا أشرب إلا من الأجاج (3) ، وقد منعت بئرا اشتريتها من ~~صلب مالي رومه، فإنما يشربها الناس ولا أشرب منها شيئا، ولا آكل إلا مما في ~~بيتي، منعت أن آكل مما في السوق شيئا، وأنا محصور كما ترى، فأمره، وقل له ~~فليحج بالناس وليس بفاعل. فإن أبى فاحجج أنت بالناس. قال ابن عباس: فقدمت ~~الحج في العشر، فجئت خالد بن العاص فقلت له ما قال لي عثمان. فقال لي: هل ~~لي طاقة بعداوة من ترى، وهذا الأمر لا يقضى إلا إليه يعني عليا وأنت أحق أن ~~تحمل له ذلك، فحججت بالناس. ثم قفلت في آخر الشهر فقدمت المدينة، وإذا ~~عثمان قد قتل، وإذا الناس يتواثبون على رقبة علي بن أبي طالب، فلما رآني ~~علي ترك الناس وأقبل علي فانتجاني فقال: ما ### | [ص: 172] # ترى فيما وقع، فإنه قد وقع أمر عظيم كما ترى لا طاقة لأحد به. فقلت: أرى ~~أنه لا بد للناس منك اليوم فأرى أنه لا يبايع اليوم أحد إلا اتهم بدم هذا ~~الرجل. فأبى إلا أن يبايع فاتهم بدمه. # لما خرج ابن عباس يريد الحج مر بعائشة رضي الله عنها في الصلصل بنواحي ~~المدينة على سبعة أميال منها فقالت: يا ابن ms120 عباس، أنشدك الله فإنك قد أعطيت ~~لسانا إزعيلا (4) أن تخذل عن هذا الرجل، وأن تشكك فيه الناس فقد بانت لهم ~~بصائرهم وأنهجت، ورفعت لهم المنار، وتحلبوا من البلدان لأمر قد جم. وقد ~~رأيت طلحة ابن عبيد الله قد اتخذ على بيوت الأموال والخزائن مفاتيح فإن يل ~~يسر بسيرة ابن عمه أبي بكر رضي الله عنه. # فأجابها ابن عباس: يا أمة لو حدث بالرجل حدث ما فزع الناس إلا إلى صاحبنا ~~يعني عليا فقال: إيها عنك إني لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك. # هذا يبين لنا موقف عائشة ورأيها، فإنها أرادت من ابن عباس أن يقوم ~~بالدعوة ضد عثمان في مكة، وأن يشكك الناس فيه، وكانت تريد أن يتولى الخلافة ~~بعد عثمان طلحة بن عبيد الله، لا علي. وطلحة أسلم بدعوة أبي بكر الصديق، ~~وقد أبلى يوم أحد بلاء عظيما، ووقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، ~~واتقى عنه النبل حتى شلت إصبعه، وضرب ضربة على رأسه، وحمل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على ظهره حتى صعد معه الصخرة، وكان شديدا على عثمان، وقتل ~~يوم الجمل، وكان شهد ذلك اليوم محاربا لعلي بن أبي طالب. وقال طلحة يوم ~~الجمل: # ندمت ندامة الكسعي لما ... شربت رضى بني جرم برغمي # اللهم خذ لعثمان حتى يرضى. # وقد كان أهل البصرة يريدون طلحة، كما كان أهل مصر يريدون عليا. أما أهل ~~الكوفة فكانوا يشتهون الزبير. # فعائشة كانت تريد طلحة، ولا ترغب في علي رضي الله عنه، ويرجع السبب في ~~نفورها منه إلى حديث الإفك (5) فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~استشار عليا في شأن عائشة قبل أن ينزل الوحي ببراءتها قال: "يا رسول الله ~~لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير". PageV01P171 # - كتاب عثمان إلى أهل مكة (1) : # كتب عثمان كتابا إلى أهل مكة يسألهم أن يأخذوا له بالحق ممن حصروه، ~~وأعطاه لابن ### | [ص: 173] # عباس. قال ابن عباس: فقرأت هذا الكتاب عليهم قبل التروية (2) بمكة بيوم ~~ثم قدمت المدينة. # وهذا نص الكتاب كما نسخه ms121 عبد المجيد بن سهيل بن عكرمة (3) : # "بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين ~~والمسلمين. سلام عليكم. فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو. أما بعد، ~~فإني أذكركم بالله عز وجل الذي أنعم عليكم، وعلمكم الإسلام، وهداكم من ~~الضلالة، وأنقذكم من الكفر، وأراكم البينات، وأوسع عليكم من الرزق، ونصركم ~~على العدو، وأسبغ عليكم نعمته. فإن الله عز وجل يقول وقوله الحق: {وإن ~~تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} [إبراهيم: 34] وقال عز ~~وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعا} إلى قوله {لهم عذاب عظيم} [آل عمران: ~~102- 105] وقال وقوله الحق: {يا أيها الذين آمنوا} إلى قوله {واذكروا نعمة ~~الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} [المائدة: 6- 7] ~~وقال وقوله الحق: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ} إلى قوله {فضلا ~~من الله ونعمة والله عليم حكيم} [الحجرات: 6- 8] وقوله عز وجل: {إن الذين ~~يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} إلى قوله {ولهم عذاب أليم} [آل ~~عمران: 77] وقال وقوله الحق: {فاتقوا الله ما استطعتم} إلى قوله {فأولئك هم ~~المفلحون} [التغابن: 16] وقال وقوله الحق: {ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها} إلى قوله {ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} ~~[النحل: 91- 96] وقال وقوله الحق: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم} إلى قوله {وأحسن تأويلا} [النساء: 59] وقال وقوله الحق: {وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات} إلى قوله {ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم ~~الفاسقون} [النور: 55] وقال وقوله الحق: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون ~~الله} إلى قوله {فسيؤتيه أجرا عظيما} [الفتح: 10] . # أما بعد، فإن الله عز وجل رضي لكم السمع والطاعة والجماعة، وحذركم ~~المعصية والفرقة والاختلاف، ونبأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، وتقدم إليكم ~~فيه ليكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة الله عز وجل واحذروا ~~عذابه، فإنكم لن تجدوا أمة هلكت إلا من بعد أن تختلف إلا أن يكون لها ms122 رأس ~~يجمعها، ومتى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعا وسلط عليكم عدوكم ~~ويستحل بعضكم حرم بعض، ومتى يفعل ذلك لا يقم لله سبحانه دين، وتكونوا شيعا، ~~وقد قال الله عز وجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ### | [ص: 174] # ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} [الأنعام: 159] وإني أوصيكم بما أوصاكم ~~الله، وأحذركم عذابه، فإن شعيبا صلى الله عليه وسلم قال لقومه: {ويا قوم لا ~~يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح} إلى قوله {رحيم ودود} [هود: ~~89- 90] (4) . # أما بعد، فإن أقواما ممن كان يقول في هذا الحديث، أظهروا للناس إنما ~~يدعون إلى كتاب الله عز وجل والحق، ولا يريدون الدنيا ولا المنازعة فيها. ~~فلما عرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى، منهم آخذ للحق ونازع عنه حين ~~يعطاه، ومنهم تارك للحق ونازل عنه في الأمر يريد أن يبتزه بغير الحق. طال ~~عليهم عمري، وراث عليهم أملهم إلا مرة فاستعجلوا القدر، وقد كتبوا إليكم ~~أنهم قد رجعوا بالذي أعطيتهم، ولا أعلم أني تركت من الذي عاهدتهم عليه شيئا ~~كانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود فقلت: أقيموها على من علمتم تعداها. ~~أقيموها على من ظلمكم من قريب أو بعيد قالوا: كتاب الله يتلى. فقلت: فليتله ~~من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل الله في الكتاب، وقالوا: المحروم يرزق ~~والمال يوفى ليستن فيه السنة الحسنة ولا يعتدى في الخمس، ولا في الصدقة، ~~ويؤمر ذو القوة والأمانة، وترد مظالم الناس إلى أهلها فرضيت بذلك واصطبرت ~~له وجئت نسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كلمتهن فقلت: ما تأمرنني؟. ~~فقلن: تؤمر عمرو بن العاص وعبد الله بن قيس، وتدع معاوية، فإنما أمره أمير ~~قبلك فإنه مصلح لأرضه راض به جنده، واردد عمرا فإن جنده راضون به وأمره ~~فليصلح أرضه فكل ذلك فعلت. وأنه اعتدي علي بعد ذلك وعدا على الحق. # كتبت إليكم وأصحابي الذين زعموا في الأمر استعجلوا القدر ms123 ومنعوا مني ~~الصلاة وحالوا بيني وبين الصلاة وابتزوا مما قدروا عليه بالمدينة كتبت ~~إليكم كتابي هذا وهم يخبرونني إحدى ثلاث: إما يقيدونني بكل رجل أصبته خطأ ~~أو صوابا غير متروك منه شيء، وإما أعتزل الأمر فيؤمرون آخر غيري، وإما ~~يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من الذي جعل الله ~~سبحانه لي عليهم من السمع والطاعة، أما إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي ~~خلفاء تخطئ وتصيب فلم يستقد من أحد منهم، وقد علمت إنما يريدون نفسي. وأما ~~أن أتبرأ من الإمارة فإن يكلبوني أحب إلي من أن أتبرأ من عمل الله عز وجل ~~وخلافته. # وأما قولكم يرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من طاعتي فلست ~~عليكم بوكيل، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة. ولكن أتوها ~~طائعين يبتغون مرضاة الله عز وجل، وإصلاح ذات البين. ومن يكن منكم إنما ~~يبتغي الدنيا فليس بنائل منها إلا ما كتب الله عز وجل، ومن يكن إنما يريد ~~وجه الله والدار الآخرة وصلاح الأمة وابتغاء مرضاة الله عز وجل والسنة ### | [ص: 175] # الحسنة التي استن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتان من بعده ~~رضي الله عنهما فإنما يجزي بذلكم الله. وليس بيدي جزاؤكم ولو أعطيتكم ~~الدنيا كلها لم يكن في ذلك ثمن لدينكم ولم يغن عنكم شيئا. فاتقوا الله ~~واحتسبوا ما عنده فمن يرضى بالنكث منكم فإني لا أرضاه له ولا يرضى الله ~~سبحانه أن تنكثوا عهده. وأما الذي يخبرونني فإنما كله النزع والتأمير فملكت ~~نفسي ومن معي ونظرت حكم الله وتغيير النعمة من الله سبحانه وتعالى وكرهت ~~سنة السوء وشقاق الأمة وسفك الدماء فإني أنشدكم بالله والإسلام ألا تأخذوا ~~إلا الحق وتعطوه مني، وترك البغي على أهله وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم ~~الله عز وجل، فإني أنشدكم الله سبحانه وتعالى الذي جعل عليكم العهد ~~والمؤازرة في أمر الله فإن الله سبحانه قال وقوله الحق: {وأوفوا بالعهد إن ~~العهد كان مسئولا} [الإسراء: 34] فإن هذه معذرة إلى الله ولعلكم تذكرون. ms124 # أما بعد، فإني لا أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ~~ربي غفور رحيم. وإن عاقبت أقواما فما أبتغي بذلك إلا الخير، وإني أتوب إلى ~~الله عز وجل من كل عمل عملته وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب إلا هو. إن رحمة ~~ربي وسعت كل شيء إنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضالون، وإنه يقبل ~~التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون. وأنا أسأل الله عز وجل ~~أن يغفر لي ولكم وأن يؤلف قلوب هذه الأمة على الخير ويكره إليها الفسق. # والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها المؤمنون والمسلمون. # هذا كتاب طويل كتبه عثمان رضي الله عنه، وقرأه ابن عباس على أهل مكة في ~~موسم الحج. وقد استشهد بكثير من آيات القرآن الكريم لأنه كان يحفظ القرآن، ~~ويكثر من تلاوته ويتعبد به. وهذه الآيات التي استشهد بها كان غرضه من ~~إيرادها حض المؤمنين على طاعة الله والاعتصام بحبله، والتخويف من عذاب الله ~~وعاقبة نقض الأيمان بعد توكيدها، ووجوب طاعة الله والرسول وأولي الأمر ~~ولزوم الجماعة والتحذير من الاختلاف والتفريق. # ثم أمر بإقامة الحدود ورد المظالم وشكا إليهم ما يلقاه من الحصر ومنع ~~الماء والزاد عنه وقال: إنه لا يعتزل ولا يتخلى عن واجبه، ولم يكره أحدا ~~على اختياره خليفة، بل اختاروه طائعين، وذكر أنه تجنب سفك الدماء والشقاق. ~~ثم تاب إلى الله واستغفره ولم يبرئ نفسه، فإن النفس أمارة بالسوء وسأل الله ~~أن يؤلف بين قلوب الأمة. # إلا أن هذا الكتاب لم يأت بالغرض الذي رمى إليه عثمان من تحريره وتلاوته، ~~لأن المحاصرين كانوا قد شددوا عليه الحصار فإن ابن عباس لما عاد إلى ~~المدينة بعد تأدية فريضة الحج وجد عثمان قد قتل. PageV01P172 ### | الفصل السادس: قتل عثمان "- ونبذ من أخباره -" # (35 ه/ 656 م) . # PageV01P175 # - قتل عثمان (1) يوم الجمعة 8 من ذي الحجة سنة 35 ه. # قال ابن عديس لأصحابه: لا تتركوا أحدا يدخل على عثمان ولا يخرج من عنده. ~~وأصر المصريون على قتله. ms125 وقصدوا الباب فمنعهم الحسن، وابن الزبير، ومحمد بن ~~طلحة، ومروان، وسعيد بن العاص، ومن معهم من أبناء الصحابة. واجتلدوا (2) ، ~~فزجرهم عثمان وقال: أنتم في حل من نصرتي، فأبوا، ففتح الباب لمنعهم. فلما ~~خرج ورآه المصريون رجعوا فركبهم هؤلاء، وأقسم عثمان على أصحابه ليدخلن، ~~فدخلوا، فأغلق الباب دون المصريين. # فقام رجل من أسلم يقال له نيار بن عياض وكان من الصحابة، فنادى عثمان، ~~فبينا هو يناشده أن يعتزلهم إذ رماه كثير بن الصلب الكندي بسهم فقتله. ~~فقالوا لعثمان عند ذلك: ادفع إلينا قاتله لنقتله به. قال: لم أكن لأقتل ~~رجلا نصرني وأنتم تريدون قتلي. فلما رأوا ذلك ثاروا إلى الباب، فلم يمنعهم ~~أحد منه، والباب مغلق، لا يقدرون على الدخول منه، فجاءوا بنار، فأحرقوه. ~~وثار أهل الدار وعثمان يصلي قد افتتح {طه} ، فما شغله ما سمع ما يخطئ وما ~~يتتعتع حتى أتى عليها. فلما فرغ جلس إلى المصحف يقرأ فيه وقرأ: {الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل} [آل عمران: 173] فقال لمن عنده بالدار: إن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد عهد إلي عهدا فأنا صابر عليه. ولم يحرقوا الباب إلا وهم ~~يطلبون ما هو أعظم منه. # اقتحم الناس الدار من الدورة التي حولها حتى ملؤوها ولا يشعر الذين ~~بالباب ممن وقفوا ### | [ص: 180] # للدفاع. وأقبلت القبائل على أبنائهم فذهبوا بهم إذ غلبوا على أميرهم ~~وندبوا رجلا لقتله، فانتدب له رجل فدخل عليه البيت فقال: "اخلعها وندعك". # فقال: "ويحك، والله ما كشفت امرأة في جاهلية ولا إسلام، ولا تغنيت ولا ~~تمنيت ولا وضعت يميني على عورتي منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ولست خالعا قميصا كسانيه الله عز وجل، وأنا على مكاني حتى يكرم الله أهل ~~السعادة ويهين أهل الشقاء". # فخرج وقالوا: ما صنعت؟ فقال: علقنا والله، والله ما ينجينا من الناس إلا ~~قتله، وما يحل لنا قتله. # فأدخلوا عليه رجلا من بني ليث. فقال: ممن الرجل؟ فقال: ليثي. ms126 فقال: لست ~~بصاحبي. قال: وكيف؟ فقال: ألست الذي دعا لك النبي صلى الله عليه وسلم في ~~نفر أن تحفظوا يوم كذا وكذا؟ قال: بلى. قال: فلن تضيع، فرجع وفارق القوم. # فأدخلوا عليه رجلا من قريش، فقال: يا عثمان إني قاتلك؟. قال: كلا يا فلان ~~لا تقتلني. قال: وكيف؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لك يوم ~~كذا وكذا، فلن تقارف دما حراما. فاستغفر ورجع وفارق أصحابه. # فأقبل عبد الله بن سلام (3) حتى قام على الباب ينهاهم عن قتله وقال: # "يا قوم، لا تسلوا سيف الله بينكم. فوالله إن سللتموه لا تغمدوه، ويلكم ~~إن سلطانكم اليوم يقوم بالدرة، فإن قتلتموه لا يقوم إلا بالسيف. ويلكم إن ~~مدينتكم محفوفة بملائكة الله. والله لئن قتلتموه لتتركنها" (4) . # فقالوا: يا ابن اليهودية، وما أنت وهذا فرجع عنهم. # وروي عن عبد الله بن عمير عن ابن أخي عبد الله بن سلام قال: # لما أريد قتل عثمان رضي الله عنه جاء عبد الله بن سلام فقال له عثمان: ما ~~جاء بك؟ قال: جئت في نصرك. قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني فإنك خارج خير ~~إلي منك داخل. فخرج عبد الله إلى الناس فقال: # "أيها الناس، إنه كان اسمي في الجاهلية فلانا، فسماني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عبد الله، ونزلت في ### | [ص: 181] # آيات من كتاب الله عز وجل. ونزل في: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ~~فآمن واستكبرتم} [الأحقاف: 10] ونزل في: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ~~ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43] . إن لله سيفا مغمودا، وإن الملائكة قد ~~جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالله ~~الله في هذا الرجل إن تقتلوه لتطردن جيرانكم الملائكة، وليسلن سيف الله ~~المغمود فيكم، فلا يغمد إلى يوم القيامة، قالوا: اقتلوا اليهودي. # فانظر الفرق الشاسع بين عبد الله بن سلام الذي تطوع للدفاع عن عثمان وبين ~~عبد الله بن سبأ الذي كان يحرض الناس على قتله. فإن كليهما كان ms127 يهوديا ~~وأسلم. # وكان آخر من دخل عليه ممن رجع إلى القوم محمد بن أبي بكر. فقال له عثمان: # "ويلك على الله تغضب؟ هل لي إليك جرم إلا حق أخذته منك؟ ورجع. # فلما خرج محمد بن أبي بكر وعرفوا انكساره، ثار قتيرة وسودان بن حمران ~~والغافقي لعنهم الله فضربه الغافقي بحديدة معه، وضرب المصحف برجله، فاستدار ~~المصحف فاستقر بين يديه، وسالت عليه الدماء. وجاء سودان بن حمران ليضربه، ~~فانكبت عليه زوجة عثمان نائلة، واتقت السيف بيدها، فتغمدها ونفح أصابعها. ~~فأطن أصابع يدها، فغمز أوراكها، وقال: إنها لكبيرة العجيزة. وضرب عثمان ~~فقتله، ودخل غلمة لعثمان مع القوم لينصروه، وقد كان عثمان أعتق من كف منهم، ~~فلما رأوا سودان قد ضربه أهوى له بعضهم، فضرب عنقه، فقتله، ووثب قتيرة على ~~الغلام فقتله، وانتهبوا ما في البيت، وأخرجوا من فيه، ثم أغلقوه على ثلاثة ~~قتلى (5) . # فلما خرجوا إلى الدار وثب غلام لعثمان آخر على قتيرة فقتله، ودار القوم ~~فأخذوا ما وجدوا حتى تناولوا ما على النساء، وأخذ رجل ملاءة نائلة، والرجل ~~يدعى كلثوم بن تجيب، فتنحت نائلة. فقال: ويح أمك من عجيزة ما أتمك، وبصر به ~~غلام لعثمان فقتله، وقتل، وتنادى القوم أبصر رجل من صاحبه وتنادوا في ~~الدار: أدركوا بيت المال لا تسبقوا إليه، وسمع أصحاب بيت المال أصواتهم، ~~وليس فيه إلا غرارتان. فقالوا: النجاء، فإن القوم إنما يحاولون الدنيا، ~~فهربوا، وأتوا بيت المال، فانتهبوه، وماج الناس فيه، فالتانئ يسترجع ويبكي، ~~والطارئ يفرح، وندم القوم. # وكان الزبير قد خرج من المدينة، فأقام على طريق مكة لئلا يشهد مقتله. ~~فلما أتاه الخبر بمقتل عثمان وهو بحيث هو قال: # "إنا لله وإنا إليه راجعون، رحم الله عثمان وانتصر له". وأتى الخبر طلحة ~~فقال: "رحم الله عثمان وانتصر له وللإسلام". وقيل له: إن القوم نادمون. ~~فقال: تبا لهم، وقرأ: {فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون} [يس: 50] ### | [ص: 182] # وأتي علي فقيل: قتل عثمان فقال: "رحم الله عثمان وخلف علينا بخير". وقيل: ~~ندم القوم فقرأ: {كمثل الشيطان ms128 إذ قال للإنسان اكفر ### | .... # } [الحشر: 16] . الآية. # وطلب سعد فإذا هو في حائطه وقد قال: لا أشهد قتله. فلما جاء قتله، قال: ~~فررنا من المدينة فدنينا وقرأ: {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [الكهف: 104] ، اللهم أندمهم ثم خذهم (6) . # وفي رواية أخرى (7) : # إن محمد بن أبي بكر تسور على عثمان من دار عمرو بن حزم، ومعه كنانة بن ~~بشر بن عتاب، وسودان بن حمران، وعمرو بن الحمق، فوجدوا عثمان عند امرأته ~~نائلة، وهو يقرأ في المصحف {سورة البقرة} فتقدمهم محمد بن أبي بكر، فأخذ ~~بلحية عثمان فقال: # قد أخزاك الله يا نعثل (8) . # فقال عثمان: لست بنعثل، ولكن عبد الله وأمير المؤمنين. فقال محمد: ما ~~أغنى عنك معاوية وفلان وفلان. فقال عثمان: يا ابن أخي دع عنك لحيتي فما كان ~~أبوك ليقبض على ما قبضت عليه. فقال محمد: ما أريد بك أشد من قبضي على ~~لحيتك. فقال عثمان: أستنصر الله عليك وأستعين به. ثم طعن جبينه بمشقص (9) ~~في يده. ورفع كنانة بن بشر بن عتاب مشاقص كانت في يده فوجأ بها (10) في أصل ~~أذن عثمان، فمضت حتى دخلت في حلقه، ثم علاه بالسيف حتى قتله. وقيل: ضرب ~~كنانة بن بشر جبينه ومقدم رأسه بعمود، فخر لجنبه. وضربه سودان بن حمران ~~المرادي بعد ما خر لجنبه فقتله. وأما عمرو ابن الحمق (11) فوثب على عثمان ~~فجلس على صدره وبه رمق فطعنه تسع طعنات وقال: أما ثلاث منهن فإني طعنتهن ~~لله. وأما ست فإني طعنت إياهن لما كان في صدري عليه ### | [ص: 183] # وعن جدة الزبير بن عبد الله قالت (12) : # لما ضربه المشاقص قال عثمان: "بسم الله توكلت على الله"، وإذا الدم يسيل ~~على اللحية يقطر والمصحف بين يديه فاتكأ على شقه الأيسر وهو يقول: "سبحان ~~الله العظيم" وهو في ذلك يقرأ المصحف والدم يسيل على المصحف حتى وقف الدم ~~عند قوله تعالى: {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} [البقرة: 137] . وأطبق ~~المصحف وضربوه جميعا ضربة واحدة. فضربوه والله بأبي وهو يحيي الليل في ms129 ~~ركعة، ويصل الرحم، ويطعم الملهوف، ويحمل الكل، فرحمه الله". # وعن الزهري قال (13) : # قتل عثمان عند صلاة العصر، وشد عبد لعثمان أسود على كنانة بن بشر فقتله. ~~وشد سودان على العبد فقتله. ودخلت الغوغاء دار عثمان فصاح إنسان منهم: أيحل ~~دم عثمان ولا يحل ماله؟ فانتهبوا متاعه. فقامت نائلة فقالت: لصوص ورب ~~الكعبة! يا أعداء الله ما ركبتم من دم عثمان أعظم. أما والله لقد قتلتموه ~~صواما قواما يقرأ القرآن في ركعة. ثم خرج الناس من دار عثمان فأغلق بابه ~~على ثلاثة قتلى: # -1- عثمان. # -2- وعبد عثمان الأسود. # -3- كنانة بن بشر. # وقد اختلف الرواة في حكاية محمد بن أبي بكر فذكر بعضهم أنه طعن جبين ~~عثمان بمشقص كان في يده. وقيل: إن عثمان لما أمسك محمد لحيته قال له عثمان: ~~أستنصر الله عليك وأستعين به فتركه. وابن الأثير يرجح أنه تركه ولم يضربه. # وذكر ابن الأثير (14) أنهم أرادوا قطع رأسه فوقعت نائلة عليه وأم البنين، ~~فصحن وضربن الوجوه. فقال ابن عديس: اتركوه. وأقبل عمير بن ضابئ فوثب عليه ~~وكسر ضلعا من أضلاعه وقال: سجنت أبي حتى مات في السجن. # وبلغ الخبر عليا وطلحة والزبير وسعدا فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر حتى ~~دخلوا على عثمان فقال علي لابنيه: كيف يقتل أمير المؤمنين وأنتما على ~~الباب، ورفع يده فلطم الحسن، وضرب الحسين على صدره. وشتم محمد بن طلحة وعبد ~~الله بن الزبير، وخرج وهو غضبان ### | [ص: 184] # حتى أتى منزله فجاء الناس يهرعون إليه يريدون مبايعته فقال: "والله إني ~~لأستحي أن أبايع قوما قتلوا عثمان، وإني لأستحي من الله تعالى أن أبايع ~~وعثمان لم يدفن". فافترقوا، وتمت البيعة له. PageV01P179 # - مروان ودفاعه عن عثمان (1) # لما ألقى الناس النيران في أبواب دار عثمان فاحترق بعضها قال: ما احترق ~~الباب إلا لما هو أعظم منه. لا يحركن رجل منكم يده. فوالله لو كنت أقصاكم ~~لتخطوكم حتى يقتلوني. ولو كنت أدناكم ما جاوزوني إلى غيري وإني لصابر كما ~~عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصرعن مصرعي الذي ms130 كتب الله عز وجل ~~لي. # فقال مروان: والله لا تقتل وأنا أسمع الصوت. ثم خرج بالسيف على الباب ~~يتمثل بهذا الشعر: # قد علمت ذات القرون الميل ... والكف والأنامل الطفول # أبي أروع أول الرعيل ... بغارة مثل قطا الشليل # ثم صاح: من يبارز وقد رفع أسفل درعه فجعله في منطقته، فوثب إليه ابن ~~النباع، فضربه على رقبته من خلفه، فأثبته حتى سقط، فما ينبض منه عرق، فأدخل ~~بيت فاطمة ابنة أوس جدة إبراهيم بن العدي وكانت أرضعت مروان، وأرضعت له. ~~وفي رواية أن فاطمة وثبت على عبيد بن رفاع الذي أراد أن يجهز عليه بعد ضربة ~~ابن النباع وقالت: إن كنت إنما تريد قتل الرجل فقد قتل، وإن كنت تريد أن ~~تلعب بلحمه فهذا قبيح. فكف عنه. فما زالوا يشكرونها لها فاستعملوا ابنها ~~إبراهيم بعد. PageV01P184 # - فظاعة الجرم!! # لم يتوقع أحد من الصحابة أن يقتل عثمان. أما الحسن والحسين ومن معهما فقد ~~كانوا يحرسون بابه، ولكن القتلة تسوروا عليه من دار مجاورة لداره. لقد ~~قتلوه قتلة شنيعة ترتعد منها الفرائص، ومثلوا به وهو يتلو القرآن، وكانت ~~تلاوة القرآن نوعا من العبادة، فضربه بعضهم بحديدة، وبعضهم ضربه بمشقص، ~~وطعنه آخر بتسع طعنات، وكسر الآخر ضلعا من أضلاعه. ولم يكتفوا بذلك بل ~~تعدوا على امرأته المخلصة بالسيف وببذيء الكلام، وأرادوا قطع رأسه بعد أن ~~فارق الحياة، ونهبوا أمتعة المنزل وما في بيت المال، ومنعوا عنه الماء ~~أثناء الحصار حتى ### | [ص: 185] # غضب علي وهالته قسوتهم، فقال لهم: "أيها الناس إن الذي تفعلون لا يشبه ~~أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين فلا تقطعوا عن هذا الرجل الماء ولا المادة ~~فإن الروم وفارس لتأسر فتطعم وتسقي". # لا أحد يبرز قتل عثمان والتمثيل به. ولم يجترئ عليه أحد من كبار الصحابة ~~حتى المخالفين له في الرأي، لأنهم كانوا يجلونه، ويوقرونه، لمكانه من رسول ~~الله، وأياديه البيضاء في سبيل الإسلام، وحسن أخلاقه، وعواطفه، وسائر ~~فضائله التي لا ينكرها أحد. # لا شك أن هؤلاء القتلة مجرمون، غلاظ الأكباد، قساة القلوب. فلم يراعوا ms131 ~~حرمة صحبته للرسول، وصهره، ومنزلته في الإسلام، وخدماته الجليلة، وبذل ~~الأموال الطائلة لنصرته ورفعته، ولم يخجلوا من التهجم على رجل فاضل قال عنه ~~رسول الله: "إن الملائكة تستحي منه" (1) . رجل سهل، لين، كريم، كف يده، ~~ونهى عن سفك دم المسلمين، وهو محاصر أشد الحصار، مهدد بالقتل، وكان مثال ~~الصالحين، والقراء للقرآن، وعاش محببا للناس لا يميل إلى الشدة والعنف، لقد ~~فتكوا به وهو قابع في بيته، يتعبد بتلاوة القرآن، ونهى أصحابه حتى عن ~~الدفاع عنه. فأي قلب لا يتفطر، وأي دمع لا ينهمر، وأي فؤاد لا يذوب كمدا ~~وأسى على قتل الخليفة الصالح من غير أن يرتكب إثما يوجب القتل. # إن الذي جنى على عثمان وبغضه في الناس هم كما قلنا وقال غيرنا من كبار ~~المؤرخين المحققين أقاربه الذين كان يحسن إليهم، فإنهم كانوا مستشاري سوء، ~~ولم يكن لهم رأي صائب ونظر بعيد، وكانوا مع ذلك يصرفونه حسب أغراضهم ~~وأهوائهم لا حسب ما تقضي به مصلحة المسلمين عامة. وقد ظل عثمان كما قبل ست ~~سنوات في بدء حكمه وهو أحب الناس إلى الناس. فلو أنه ترك وشأنه يدبر الأمور ~~بطبيعته الخيرة الهادئة التي لا تميل إلى الشدة والقسوة والتعدي، وبلطفه ~~وأدبه وإحسانه وبما اشتهر عنه أيام الرسول لما شكا منه شاك، بل لكان عهده ~~عهد خير وسلام. لكن أقاربه قد تمكن منهم حب الذات والجشع، فانتهزوا فرصة ~~خلافته، واستغلوا صفة حميدة فيه ألا وهي صلة الرحم، فكانوا يأتونه من هذه ~~الجهة لينالوا مأربهم من ولاية وثراء واستئثار بالحكم، وقد تحكموا فيه زمن ~~شيخوخته فلم يقو على مقاومتهم وخلافهم. فكان ما كان من سفك دمه وبث بذور ~~الفتن والشقاق. # قال جيبون في كتاب سقوط الإمبراطورية الرومانية: "إن عثمان اختار فخدع، ~~ووثق فغدر، وصار من كان موضع ثقته عديم الفائدة وعدوا لحكومته، وانقلب ~~إحسانه جورا وتذمرا". PageV01P184 # - قتلة عثمان وخاذلوه: ### | [ص: 186] # أجمع أهل السنة على أن عثمان كان إماما على شرط الاستقامة إلى أن قتل. ~~وأجمعوا على أن قاتليه قتلوه ظلما، فإن كان ms132 فيهم من استحل دمه فقد كفر. ومن ~~تعمد قتله من غير استحلال كان فاسقا غير كافر. والذين هجموا عليه واشتركوا ~~في دمه معروفون بقطع بفسقهم، منهم محمد بن أبي بكر، ورفاعة بن رافع، ~~والحجاج بن غزنة، وعبد الرحمن بن خصل الجمحي، وكنانة بن بشر النخعي، وسندان ~~بن حمران المرادي، وبسرة بن رهم، ومحمد بن أبي حذيفة، وابن عتيبة، وعمرو بن ~~الحمق الخزاعي. # وأما الذين قعدوا عن نصرة عثمان فهم فريقان: فريق كانوا معه في الدار ~~فدفعوا عنه كالحسن بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، والمغيرة بن ~~الأخنس، وسعيد بن العاص، وسائر من كان في الدار من موالي عثمان، إلى أن ~~أقسم عليهم بترك القتال وقال لغلمانه: "من وضع السلاح فهو حر". فهؤلاء أهل ~~طاعة وبر وإحسان. والفريق الثاني من القعدة عن نصرته فريقان: فريق أرادوا ~~نصرة عثمان فنهاهم عثمان عنها، كعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وأسامة ~~بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن سلام. فهؤلاء معذورون لأنهم قعدوا ~~عنه بأمره. والفريق الثاني: قوم من السوقة أعانوا الهاجمين فشاركوهم في ~~الفسق والله حسبهم. # ودليلنا على براءة عثمان مما قذف به ورود الروايات الصحيحة بشهادة الرسول ~~له صلى الله عليه وسلم بالجنة عند تجهيز جيش العسرة، وما روي من أنه يدخل ~~الجنة بلا حساب، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن. وقد روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صعد جبل حراء، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فقال: "اسكن حراء فما ~~عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" (1) . وفي هذا دليل على أن عثمان قتل شهيدا، ~~ودليل صحة إمامته إجماع الأمة بعد عمر أن الإمامة لواحد من أهل الشورى ~~وكانوا ستة، فاجتمع خمسة عليه فحصل إجماع الأمة على إمامته (2) . ~~PageV01P185 # - كتاب نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية: # كتبت نائلة بنت الفرافصة زوجة عثمان رضي الله عنه إلى معاوية كتابا مع ~~النعمان بن بشير وبعثت إليه بقميص عثمان مخضبا بالدماء. وهذا هو نص كتابها: # من نائلة بنت الفرافصة إلى ms133 معاوية بن أبي سفيان ### | [ص: 187] # "أما بعد، فإني أدعوكم إلى الله الذي أنعم عليكم وعلمكم الإسلام وهداكم ~~من الضلالة. وأنقذكم من الكفر. ونصركم على العدو. وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ~~وباطنة. وأنشدكم الله وأذكركم حقه وحق خليفته أن تنصروه بعزم الله عليكم ~~فإنه قال: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} [الحجرات: 9] ~~فإن أمير المؤمنين بغي عليه، ولو لم يكن لعثمان عليكم إلا حق الولاية لحق ~~على كل مسلم يرجو إمامته أن ينصره، فكيف وقد علمتم قدمه في الإسلام، وحسن ~~بلائه، وأنه أجاب الله وصدق كتابه، واتبع رسوله، والله أعلم به، إذ انتخبه ~~فأعطاه شرف الدنيا وشرف الآخرة! وإني أقص عليكم خبره. إني شاهدة أمره كله. ~~إن أهل المدينة حصروه في داره، وحرسوه ليلهم ونهارهم، قياما على أبوابه ~~بالسلاح يمنعونه من كل شيء قدروا عليه حتى منعوه الماء، فمكث هو ومن معه ~~خمسين ليلة وأهل مصر قد أسندوا أمرهم إلى محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر ~~وطلحة والزبير فأمروهم بقتله. وكان معهم من القبائل خزاعة وسعد بن بكر ~~وهذيل وطوائف من جهينة ومزينة وأنباط يثرب. فهؤلاء كانوا أشد الناس عليه. ~~ثم إنه حصر، فرشق بالنبل، فجرح ممن كان في الدار ثلاثة نفر. فأتاه الناس ~~يصرخون إليه ليأذن لهم في القتال فنهاهم وأمرهم أن يردوا إليهم نبلهم ~~فردوها عليهم. فما زادهم ذلك في القتل إلا جرأة وفي الأمر إلا إغراقا ~~فحرقوا باب الدار. ثم جاء نفر من أصحابه فقالوا: إن ناسا يريدون أن يأخذوا ~~من الناس بالعدل فاخرج إلى المسجد يأتوك فانطلق فجلس فيه ساعة وأسلحة القوم ~~مطلة عليه من كل ناحية. فقال: ما أرى اليوم أحدا يعدل. فدخل الدار وكان ~~معهم نفر ليس على عامتهم سلاح. فلبس درعه وقال لأصحابه: لولا أنتم ما لبست ~~اليوم درعي. فوثب عليه القوم فكلمهم ابن الزبير وأخذ عليهم ميثاقا في صحيفة ~~بعث بها إلى عثمان. عليكم عهد الله وميثاقه أن لا ms134 تقربوه بسوء حتى تكلموه ~~وتخرجوا. فوضع السلاح، ودخل عليه القوم يقدمهم محمد بن أبي بكر. فأخذ ~~بلحيته ودعوا باللقب. فقال: أنا عبد الله وخليفته عثمان فضربوه على رأسه ~~ثلاث ضربات، وطعنوه في صدره ثلاث طعنات وضربوه على مقدم العين فوق الأنف ~~ضربة أسرعت في العظم، فسقطت عليه، قد أثخنوه وبه حياة، وهم يريدون أن ~~يقطعوا رأسه فيذهبوا به فأتتني ابنة شيبة بن ربيعة فألقت بنفسها معي فوطئنا ~~وطئا شديدا عرينا من حلينا وحرمة أمير المؤمنين أعظم. فقتلوا أمير المؤمنين ~~في بيته مقهورا على فراشه. وقد أرسلت إليكم بثوبه عليه دمه فإنه والله إن ~~كان أثم من قتله فما سلم من خذله. فانظروا أين أنتم من الله، وأنا أشتكي كل ~~ما مسنا إلى الله عز وجل وأستصرخ بصالحي عباده. فرحم الله عثمان ولعن قتلته ~~وصرعهم في الدنيا مصارع الخزي والمذلة وشفى منهم الصدور". # فحلف رجال من أهل الشام أن لا يمسوا غسلا حتى يقتلوا عليا أو تفنى ~~أرواحهم. # وهذا كتاب طويل ذكرت فيه زوجة عثمان تفاصيل قتله بعد أن فجعت بفقده، ~~لكنها لم ### | [ص: 188] # تذكر أسماء من باشروا القتل. وقد كانت نائلة من أخلص المخلصين لزوجها، ~~ودافعت عنه بقدر طاقتها، وعرضت نفسها للقتل. وهكذا فليكن الوفاء والإخلاص. ~~وقد حرضت معاوية والمسلمين بهذا الكتاب على الأخذ بالثأر. # PageV01P186 # - موقف علي رضي الله عنه إزاء قتل عثمان: # كان علي رضي الله عنه أحد الستة الذين رشحهم عمر بن الخطاب للخلافة بعده. ~~وقد بايع عبد الرحمن بن عوف عثمان بناء على ما اجتمع إليه من رأي أصحاب ~~رسول الله وأمراء الأجناد وأشراف الناس. # فقال عمار: إن أردت ألا يختلف المسلمون فبايع عليا. فقال المقداد ابن ~~الأسود: صدق عمار، إن بايعت عليا قلنا سمعنا وأطعنا. وقال ابن أبي سرح: إن ~~أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان. فقال عبد الله بن أبي ربيعة: صدق، إن ~~بايعت عثمان قلنا سمعنا وأطعنا. فشتم عمار ابن أبي سرح وقال: ومتى كنت تنصح ~~المسلمين. # وأخيرا بايع عثمان فاستاء علي وقال: ms135 حبوته حبو دهر. ليس هذا أول يوم ~~تظاهرتم فيه علينا يعني بني أمية فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. ~~والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك. والله كل يوم هو في شأن. # فقال عبد الرحمن: يا علي، لا تجعل على نفسك سبيلا فإني نظرت وشاورت ~~الناس، فإذا هم لا يعدلون بعثمان. فخرج علي وهو يقول: سيبلغ الكتاب أجله. # بايع عبد الرحمن عثمان لأنه كما قال نظر وشاور وهو مع ذلك صهر عثمان، ~~وكان لعلي رجال يؤيدونه، لكنه سكت بعد ذلك وأطاع. وكان عثمان يعرف قدره ~~ويقدر رأيه غير أنه تركه ولم يقلده ولاية ما، فلما اشتدت الفتنة لجأ إليه ~~يستشيره ويستنجد به ليرد عنه عادية الأعداء فبذل له من النصح أخلصه فلم ~~يعمل بنصحه لتسلط حاشيته ومستشاريه عليه وقد كانوا يبغضونه في علي خشية أن ~~يطيعه فيفسد عليهم سياستهم وتدابيرهم. # لم يكن علي يتحامل على عثمان بل كان يجله لقد قال له وهو يحدثه في أمر ~~الفتنة: # "والله ما أدري ما أقول لك، وما أعرف شيئا تجهله، ولا أدلك على أمر لا ~~تعرفه. إنك لتعلم ما نعلم. ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء ~~فنبلغكه، وما خصصنا بأمر دونك. وقد رأيت وسمعت صحبت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ونلت صهره الخ". # ثم أظهر له علي موضع ضعفه وسبب شكوى الناس فقال: # "ضعفت، ورفقت على أقربائك". وقال: "إن معاوية يقطع الأمور دونك، وأنت ~~تعلمها فيقول للناس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغير على معاوية" ### | [ص: 189] # ولما ذهب عثمان إلى علي في بيته يسأله أن يرد المصريين عنه قال له: "قد ~~كلمتك مرة بعد أخرى فكل ذلك تخرج وتقول، ثم ترجع عنه وهذا من فعل مروان ~~وابن عامر ومعاوية وعبد الله بن سعد. فإنك أطعتهم وعصيتني". فقال عثمان: ~~فأنا أعصيهم وأطيعك. فركب علي ورد عنه المصريين. # ولما خطب عثمان وتاب، ثم خرج مروان وشتم الناس وأفسد عليه توبته غضب علي ~~وحق له أن يغضب نصحته زوجته نائلة ms136 أن يستصلحه. # ثم طلب عثمان المهلة ثلاثة أيام وأكد لعلي أنه يعطيهم الحق من نفسه ومن ~~غيره. فخرج فأخبرهم بذلك، وكتب بينهم وبين عثمان كتابا أجله فيه ثلاثا على ~~أن يرد كل مظلمة ويعزل كل عامل كرهوه. فكف المسلمون عنه، ورجعوا، إلا أنه ~~كان قد طلب الأجل انتظارا للمدد من الأمصار حتى إذا قدموا وأنس القوة ~~حاربهم، كما أوحى إليه مروان بن الحكم. وما كان علي يدري شيئا من ذلك بل ~~كان يحسب أنه إنما طلب الأجل ليتسنى له إجابتهم إلى ما يريدون في هذه ~~المدة، لأنه قال له: "اضرب بيني وبينهم أجلا يكون فيه مهلة فإني لا أقدر ~~على رد ما كرهوا في يوم واحد". ومضت الأيام الثلاثة ولم يغير شيئا. وعدا ~~ذلك أمر علي ابنه وأبناء الصحابة أن يحرسوا باب عثمان، فماذا يصنع علي بعد ~~ذلك؟. وماذا كان في طاقته؟. # وعن شداد بن أوس قال: لما اشتد الحصار بعثمان يوم الدار أشرف على الناس ~~فقال: يا عباد الله. قال: فرأيت علي بن أبي طالب خارجا من منزله معتما ~~بعمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقلدا سيفه. أمامه الحسن وعبد الله ~~بن عمر في نفر من المهاجرين والأنصار حتى حملوا على الناس وفرقوهم، ثم ~~دخلوا على عثمان فقال له علي: السلام عليك يا أمير المؤمنين إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لم يلحق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل المدبر وإني لا أرى ~~القوم إلا قاتليك فمرنا فلنقاتل. فقال عثمان: أنشد الله رجلا رأى لله حقا ~~وأقر أن لي عليه حقا أن يهريق في سببي ملء محجمة من دم أو يهريق دمه في. ~~فأعاد علي عليه القول، فأجابه بمثل ما أجابه، ثم دخل المسجد وحضرت الصلاة ~~فقالوا: يا أبا الحسن تقدم فصل بالناس فقال: لا أصلي بكم والإمام محصور، ~~ولكن أصلي وحدي، فصلى وحده وانصرف إلى منزله الخ. # وأخذ علي يبحث عن قتلة عثمان فسأل امرأته فقالت: لا أدري، إلا أن دخل ~~عليه محمد بن أبي بكر ومعه ms137 رجلان لا أعرفهما فدعا محمدا وسأله، قال والله ~~لم تكذب دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكر لي أبي فقمت عنه وأنا تائب لله. # وجميع الروايات تثبت براءة علي رضي الله عنه من دم عثمان. # PageV01P188 # - رؤيا عثمان (1) : ### | [ص: 190] # عن عبد الله بن سلام أنه قال: # أتيت عثمان وهو محصور أسلم عليه فقال: مرحبا بأخي مرحبا بأخي. أفلا أحدثك ~~ما رأيت الليلة في المنام؟ فقال: بلى. قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في هذه الخوخة (2) وإذا خوخة في البيت. فقال: أحصروك؟ فقلت: نعم. ~~فقال: عطشوك؟ فقلت: نعم. فأدلى لي دلوا من ماء فشربت حتى رويت فإني لأجد ~~بردا بين كتفي وبين بدني. إن شئت نصرت عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا. قال: ~~فاخترت أن أفطر عندهم. قال: فقتل عثمان في ذلك اليوم. # وعن مسلم عن أبي سعيد مولى عثمان، أن عثمان أعتق عشرين مملوكا، ودعا ~~بسراويل، فشدها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام. قال: إني رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم البارحة وأبا بكر وعمر فقالوا لي: صبرا، فإنك تفطر ~~عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه. # عن ابن عمر أن عثمان أصبح يحدث الناس. قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في المنام. قال: يا عثمان أفطر عندنا غدا فأصبح صائما وقتل من يومه. ~~واختلاف الروايات محمول على تكرار الرؤيا فكانت مرة نهارا ومرة ليلا. ~~PageV01P190 # - وصيته: # عن العلاء بن الفضل عن أمه. قال: لما قتل عثمان فتشوا خزائنه فوجدوا فيها ~~صندوقا مقفلا ففتحوه فوجدوا فيه ورقة مكتوبا فيها: # "هذه وصية عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم. عثمان بن عفان يشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الله ~~يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه. إن الله لا يخلف الميعاد. عليها يحيى ~~وعليها يموت. وعليها يبعث إن شاء الله". # PageV01P190 # - آخر خطبة لعثمان رضي الله عنه (1) : # ذكر الطبري آخر خطبة خطبها عثمان رضي الله عنه في جماعة: # "إن ms138 الله عز وجل إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها ~~لتركنوا إليها. إن الدنيا تفنى والآخرة تبقى. فلا تبطرنكم الفانية ولا ~~تشغلنكم عن الباقية فآثروا ما يبقى على ### | [ص: 191] # ما يفنى. فإن الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله. اتقوا الله عز وجل فإن ~~تقواه جنة من بأسه ووسيلة عنده. # واحذروا من الله الغير والزموا جماعتكم ولا تصيروا أحزابا {واذكروا نعمت ~~الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل ~~عمران: 103] . PageV01P190 # - دفن عثمان رضي الله عنه (1) : # قيل: بقي عثمان ثلاثة أيام لم يدفن، ثم إن حكيم بن حزام وجبير بن مطعم، ~~كلما عليا في أن يأذن في دفنه، فقعدوا له في الطريق بالحجارة، وخرج به ناس ~~يسير من أهله وغيرهم، وفيهم الزبير والحسن وأبو جهم بن حذيفة ومروان بين ~~المغرب والعشاء، فأتوا به حائطا من حيطان المدينة يسمى حش كوكب (2) . وهو ~~خارج البقيع فصلى عليه جبير بن مطعم، وخلفه حكيم بن حزام، وأبو جهم بن ~~حذيفة، ونيار بن مكرم الأسلمي، وجاء ناس من الأنصار ليمنعوا من الصلاة ~~عليه، ثم تركوهم خوفا من الفتنة. # وعن الربيع بن مالك بن أبي عامر، عن أبيه قال: كنت أحد حملة عثمان بن ~~عفان حين توفي حملناه على باب، وإن رأسه يقرع الباب لإسراعنا به، وإن بنا ~~من الخوف لأمرا عظيما، حتى واريناه في قبره في حش كوكب. # وأرسل علي إلى من أراد أن يرجم سريره ممن جلس على الطريق لما سمع بهم ~~فمنعهم عنه. # ونزل في قبره، بيان وأبو جهم وحبيب، وقيل: شهد جنازته علي وطلحة وزيد بن ~~ثابت، وكعب بن مالك، وعامة من أصحابه. # وعن الحسن قال: شهدت عثمان بن عفان دفن في ثيابه بدمائه، وفي البخاري أنه ~~لم يغسل. PageV01P191 # - مدة حياته (1) : # كانت مدة حياة عثمان على المشهور 82 سنة. قال الواقدي: لا خلاف عندنا أنه ~~قتل وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وهو قول أبي اليقظان. PageV01P191 # - خطبة علي عليه السلام عند بيعته بعد مقتل عثمان رضي الله عنه (1) : ### | [ص: 192] # "أيها ms139 الناس، كتاب الله وسنة نبيكم، لا يدع مدع إلا على نفسه. شغل الجنة ~~والنار أمامه. ساع نجا. وطالب يرجو. ومقصر في النار، ثلاثة واثنان: ملك طار ~~بجناحيه، ونبي أخذ الله بيديه، لا سادس. هلك من اقتحم. وردي من هوى. ~~واليمين والشمال مضلة، الوسطى الجادة: منهج عليه باق: الكتاب وآثار النبوة. ~~إن الله أدب هذه الأمة بأدبين: السوط والسيف، فلا هوادة فيهما عند الإمام. ~~فاستتروا ببيوتكم، وأصلحوا ذات بينكم، والتوبة من ورائكم من أبدى صفحته ~~للحق هلك. قد كانت أمور ملتم علي فيها ميلة لم تكونوا عندي محمودين ولا ~~مصيبين. والله أن لو أشاء أن أقول لقلت. عفا الله عما سلف. انظروا، فإن ~~أنكرتم فأنكروا وإن عرفتم فارووا. حق وباطل ولكل أهل، والله لئن أمر الباطل ~~لقديما فعل. ولئن أمر الحق لرب ولعل. ما أدبر شيء فأقبل". PageV01P191 # - عمال عثمان سنة وفاته (1) : # قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه وعماله على الأمصار كما يلي: # -1- عبد الله بن الحضرمي على مكة. # -2- القاسم بن ربيعة الثقفي على الطائف. # -3- يعلى بن منية على صنعاء. # -4- عبد الله بن ربيعة على الجند. # -5- عبد الله بن عامر على البصرة، خرج منها ولو يول عليها عثمان. # -6- سعيد بن العاص على الكوفة. # -7- عبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر. # -8- معاوية بن أبي سفيان على الشام. # -9- عبد الرحمن بن خالد بن الوليد على حمص. # -10- حبيب بن مسلمة على قنسرين. # -11- أبو الأعور بن سفيان على الأردن. # -12- علقمة بن حكيم الكناني على فلسطين. # -13- عبد الله بن قيس الفزاري على البحرين. # -14- أبو الدرداء على القضاء ### | [ص: 193] # -15- جرير بن عبد الله على قرقيسياء. # -16- الأشعث بن قيس على أذربيجان. # -17- عتيبة بن النهاس على حلوان. # -18- مالك بن حبيب على ماه. # -19- النسير على همذان. # -20- سعيد بن قيس على الري. # -21- السائب بن الأقرع على أصبهان. # -22- حبيش على ماسبذان. # -23- عقبة بن عمرو على بيت المال. # -24- زيد بن ثابت على قضاء عثمان. PageV01P192 # - فتوح المسلمين في خلافة عثمان: # حكم عثمان رضي الله عنه اثني عشر عاما وكانت خلافته فتحا وفوزا ms140 للمسلمين ~~امتدت سطوتهم إلى بلاد النوبة في مصر واتصلت بحدود الهند حتى ضربت النقود ~~الإسلامية على ما قيل بهراة، وأنشؤوا الأساطيل بعد أن لم يكن لهم سفينة ~~واحدة في البحر وغزوا الجزر، وحاربوا في البحر، وزادت هيبتهم في نفوس الدول ~~الأخرى، ولا سيما الروم، وفتح المسلمون شمالي أفريقية، وقتلوا آخر ملك ~~للفرس وغزوا الترك، وواصلوا الفتوح حتى القوقاز مجتازين الفيافي والقفار ~~والجبال، واستولوا على جزيرة قبرس ورودس، واستأذن معاوية بفتح القسطنطينية ~~فأذن له فسار إليها ورجع عنها بعد أن حاصرها مدة. # تمت كل هذه الفتوح العظيمة بسرعة مدهشة لم يعهدها التاريخ من قبل بالرغم ~~من الفتن الداخلية والنقمة على عثمان، وبالرغم من لين الخليفة وشدة حياته، ~~لأن المسلمين كانوا يجاهدون في سبيل الله بقوة إيمانهم وقد ذاقوا حلاوة ~~الفتح والنصر والغنائم، فلم يكن يعوقهم عن الفتح عائق. وقد قامت هذه الفتوح ~~على يد الولاة الذين ولاهم عثمان أمثال الوليد وسعيد بن العاص وعبد الله بن ~~عامر وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ومعاوية. فلا غرو إذا قلنا إن عهد عثمان ~~كان عهد فوز للمسلمين كانت هذه الفتوح العظيمة سببا في اتساع الدنيا على ~~الصحابة. فكثرت الأموال حتى كان الفرس يشترى بمائة ألف، وحتى كان البستان ~~يباع بالمدينة بأربعمائة ألف درهم، وكانت المدينة عامرة كثيرة الخيرات ~~والأموال والناس يجبى إليها خراج الممالك وهي دار الأمان، وقبة الإسلام، ~~فبطر لناس بكثرة الأموال والخيل والنعم وفتحوا أقاليم الدنيا واطمأنوا ~~وتفرغوا. ثم أخذوا ينقمون على خليفتهم. # PageV01P193 ### | الفصل السابع: آراء ومواقف في مقتل عثمان رضي الله عنه. # PageV01P193 # - رأي الأستاذ فريد وجدي في مقتل عثمان: # نورد هنا ما كتبه الأستاذ فريد وجدي في دائرة المعارف خاصا بمقتل عثمان: # "إن الناظر في حادثة عثمان على ما أحاطها به المؤرخون من عبارات التضليل ~~الباعث عليه ضعف النقد، يعدها أمرا جليلا، وهي في حقيقتها أمر طبيعي، كانت ~~نتيجتها لازمة لمقدمات سابقة. ونحن لا نود أن نقول بأن عثمان رضي الله عنه ~~استحق أن يقتل. ولكنا نقول: إنه استحق ms141 أن يعزل، ولكن الشكل الفذ الذي كانت ~~عليه الحكومة إذ ذاك لم يسمح إلا بحدوث هذه النتيجة المحزنة المريعة. # عثمان استحق أن يعزل لجملة أسباب: # أولا - لضياع هيبة الخلافة في عهده، فإنه كان يجترئ رجل مثل "جهجاه" على ~~كسر العصا التي كان يتوكأ عليها، وهو على المنبر، فلم يقو على معاقبته بما ~~يستحق، أو بمؤاخذته بحيث لا يجترئ بمثلها. # وقد تبين من تاريخ حياته أنه كان يصعد المنبر فيتوب مما فعل، ويستغفر ~~الله، ثم يعود سيرته الأولى من الخضوع لرأي فتية بني أمية. وفي توبته إقرار ~~بأنه أخطأ، ثم في عودته دليل محسوس على خضوعه للمؤثرين عليه، وكفى بهذا ~~مسقطا لهيبة الخلافة، وهي الوظيفة التي كانت تعتبر تالية لمقام النبوة. # ثانيا - لوقوعه تحت تأثير قرابته، من أمثال عبد الله بن أبي سرح، وعمرو ~~بن العاص (1) ، وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم، ومعاوية بن أبي سفيان، ~~وغيرهم، وهم إما من الطلقاء الذين من رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ~~بالعفو عند فتح مكة بعد أن كان تاريخهم في مكافحة الدعوة الإسلامية أقبح ~~تاريخ. وإما من الفتيان الذين لا حريجة لهم في الدين، ولا صفة لهم بين ~~المؤمنين ### | [ص: 198] # ثالثا - لحرمانه المجتمع الإسلامي من مكونيه الأولين أمثال علي بن أبي ~~طالب، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب الأنصاري، وعبد الله بن ~~عمر، وغيرهم من كبار الصحابة، واعتماده على فتيان بني أمية. فكان يرسل إلى ~~الولايات الكبرى كمصر وسورية والعراقين والفرس من أولئك الفتية ممن لا ~~يحسنون قيادة، ولا يعرفون سيادة. ويترك أمثال أولئك الكاملين عاطلين بلا ~~عمل، وهم مكونو المجتمع الإسلامي وأرواحه التي أقامته من المجتمعات ~~البشرية. # هذه الأمور الثلاثة وحدها كانت كافية لإهلاك المجتمع الإسلامي وحل الوحدة ~~الدينية، وهي وحدها كانت كافية لجمع المسلمين على خلع ذلك الخليفة، ولكن ~~شكل تلك الحكومة لم يكن يسمح لهم بخلعه، فحدثت الحادثة التي انتهت بقتله. # كان عثمان يستطيع أن يتلافى الوقوع في شر هذه الحوادث بتولية أمثال علي ~~وطلحة والزبير الولايات ms142 الكبيرة. فإن هؤلاء النفر كان لهم من المقام ~~الرفيع، والسوابق الجليلة، والحب في نفوس الناس ما كان يقيم الكافة على ~~الطريق السوي، ويوجد للمجتمع الإسلامي روحه المدبر، ولكن عثمان كان تحت ~~تأثير مثل عبد الله بن سعد بن أبي سرح المطعون في دينه، ومروان بن الحكم ~~المكروه من الناس وغيرهما من الغلمان والأحداث دون أولئك الصحابة الأكرمين ~~الذين استعان بهم النبي صلى الله عليه وسلم نفسه في تكوين الأمة، واستعان ~~بهم أبو بكر وعمر في تقويم معرج الشؤون. فكيف لا تنحرف عنه الأمة؟. وكيف لا ~~تسقط مهابة الخلافة؟. وكيف لا يجترئ الناس عليه!. # إن قتل عثمان رضي الله عنه على حسن سوابقه وفضله في إقامة الدين، وبذله ~~نفسه وماله في مساعدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعد من الأمور ~~المريعة. ولكن الثائرين طلبوا إليه أن يخلع نفسه فأبى فحاصروه ليحملوه على ~~ذلك فأصر على الإباء. فدخلوا عليه وهددوه بالقتل فلم يزدد إلا إباء فاستهدف ~~نفسه بذلك لما حدث. # هذا رأينا ولكن إخواننا المؤلفين الأولين كانوا يذهبون في تعظيم الأشخاص ~~مذهبا لا يلائم نص الدين نفسه، فاستنكروا حادثة عثمان استنكارا لم يفعله ~~معاصروه أنفسهم". PageV01P197 # - رأي رفيق بك العظم: # كتب الأستاذ رفيق بك العظم المؤرخ الشهير في ترجمته حياة عثمان بن عفان ~~كلمة في هؤلاء الناقمين على عثمان وفي أهمية تاريخ الصحابة، ما يأتي: # "إن من يطالع هذا الخبر من أسراء الاستبداد وأليفي الاستعباد يعجب من ~~جرأة القوم وتجاوزهم حدود الحشمة مع وجود الصحابة، وأعجب منه عندهم أن ~~يتجاوز عن القوم لا ينالهم ### | [ص: 199] # أدنى عقاب على ما فعلوه سوى التوبيخ، إذ لو حدث من غيرهم ما حدث منهم في ~~حكومة أخرى غير الحكومة الإسلامية يومئذ لما كان جزاؤهم إلا القتل أو قضاء ~~الحياة في أعماق السجون. ولكن شأن العرب وشأن الإسلام وحكومته يومئذ لا ~~يضاهيه شأن الأمم الأخرى وحكوماتها. إذ العرب قد اعتادوا بأصل الفطرة حرية ~~الفكر والقول. وشرائع الإسلام لم تكن مصادمة لتلك الفطرة، بل هي معينة لها، ~~داعية ms143 لتهذيبها وارتقائها. فالقرآن يأمر المسلمين عامة بقول الحق، وأن ~~يقوموا بالقسط ويشهدوا بالحق ولو على أنفسهم، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن ~~المنكر. وفي هذا كله ما يجيز لهم الانتقاد على الأمراء والعمال ويطلق لهم ~~العنان فيما اعتادته فطرتهم من حرية القول، بشرط أن لا يترتب على قولهم حد ~~من الحدود الشرعية كالقذف وكل ما يمس بالشرف والعرض ويدعو إلى إقامة الحد، ~~أو أية عقوبة من عقوبات التعزير. لهذا قام هؤلاء الناس وغيرهم في الأمصار ~~الإسلامية يظهرون الطعن على عثمان وعماله باسم الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، وليس من يجرؤ على معاقبتهم، أو الضرب على أيديهم من العمال، لأنه ~~حق من الحقوق التي خولتها لهم الفطرة والشرع. ولم يظهر عليهم النكير إلا ~~بعد أن ترتب على عملهم حق من حقوق الله في قتل عثمان رحمه الله ورضي الله ~~عنه. وهذا عين ما يشاهد الآن في الممالك الأوربية ذات الحكومات الشورية من ~~إطلاق ألسنة الانتقاد على الحكومات ومناقشة أهل الشورى للوزراء في كل جليل ~~وحقير. وكثيرا ما يلجئون الوزراء إلى اعتزال مناصبهم إذا رأوا منهم ما ~~يستدعي ذلك، فيعتزلونها صاغرين. وشأنهم هذا شأن المسلمين في ذلك العهد مع ~~أمرائهم كما رأيت. وترى العبرة في عثمان رضي الله عنه وعماله ونهوض الأمة ~~لمؤاخذته على أمور هي ولا نكران للحق أقل مما يأتيه أصغر عامل من عمال ~~الدول المطلقة في هذا العصر وفي كل عصر. ومع هذا فقد أفضى الأمر إلى طرد ~~عماله من الأمصار، ثم إجلاب الناس عليه بالخيل والرجل من كل مصر وقتله بين ~~ظهراني إخوانه من المهاجرين والأنصار. فليت شعري كيف نسي المسلمون تاريخ ~~هذه النشأة التي نشأ عليها أسلافهم وأهملوا أمور شريعتهم التي عمل بها ~~مؤسسو دولتهم فاستخذوا بعد ذلك للأمراء واستسلموا للقضاء حتى صاروا أسراء ~~الاستبداد، وتعبدهم الملوك في كل الأنحاء، وسامتهم الدول الحاكمة عليهم من ~~إسلامية ومسيحية دروب الخسف. وأذاقتهم أنواع الهوان. وأين تلك الروح البارة ~~والنفس العالية التي كانت تأبى الضيم وتغضب للحق فترى أن الموت والحياة ~~سيان ms144 في سبيل الذود عن حقوقها والاحتفاظ بحريتها. # لا جرم أن الأمة الإسلامية قد أنست ذلك لأمرين: # الأول: عدم العناية بوضع قواعد الشورى على الأصول الثابتة منذ نشوء ~~الدولة كما سبق بيان هذا في صدر هذا الجزء. # والثاني: تحريم العلماء بإيعاز الأمراء الخوض في تاريخ الخلفاء ### | [ص: 200] # الراشدين (1) وأخبار الصدر الأول التي كلها حياة. كلها عبر. حرية. وليس ~~في كل ما كان بين الصحابة من الأمور العظام، والفتن الجسام، ما يدعو دينا ~~أو أدبا إلى اجتناب الخوض في أخبارهم والنظر في تاريخهم تعظيما لهم ~~واحتراما لجنابهم، وتسليما بسلامة مقاصدهم كما يذهب إليه خدام الأمراء من ~~بعض العلماء. إذ لو كان في أخبارهم ما يمنع من الخوض فيها دينا، أو أدبا ~~لاستلزم أنها أعمال تحط من منزلتهم وتقلل من احترامهم. وهذا باطل بالبداهة. # والحقيقة هي أن هذا التحريم لم يكن إلا بإيعاز الأمراء الجبارين والزعماء ~~المستبدين. لأن تاريخ الصدر الأول وأخبار الصحابة كلها تدل على حياة منبثة ~~في صدور القوم ومقاصد عالية تعلي شأن أولئك الرجال، ووالله ليس في تاريخ من ~~تواريخ الأمم في بدء نشأتها وإبان ظهورها ما في تاريخ الخلفاء الراشدين. ~~ووقائع الصحابة من الحوادث التي ترمي كلها إلى غرض الحرية وتمحيص الحق مما ~~قل أن يكون في أمة حديثة النشأة ودولة جديدة التكوين. أما أن فريقا منهم ~~أخطأ وفريقا أصاب. وفريقا بغى وفريقا بغي عليه. فهذا الحكم إنما هو تابع ~~للمقاصد والمقاصد كانت كلها متجهة إلى تمحيص الحق والرغائب العالية. فمن ~~العبث أن يحكم بخطأ فريق ما دام يعتقد أنه على صواب. ومثاله هؤلاء المحرضون ~~على عثمان، فإنا مع اعتقادنا أن عثمان رضي الله عنه خير من كثير غيره ممن ~~أتى بعده من الخلفاء. ومع علمنا أنه لم يأت من حب النفس أو الأثرة بجزء مما ~~يأتيه حتى أشهر من اشتهر بالعدل من الخلفاء الأمويين أو العباسيين، أو ~~غيرهم فإن أولئك الثائرين على عماله الناقمين منه مهما كان الدافع لهم إلى ~~ذلك العمل فإن غايتهم التي يقصدون إليها بحسب ms145 الظاهر هي العدل بين الناس ~~بعدم الاستئثار بمصالح المسلمين ومنافع الأمة كما تعودوا ذلك من الخليفتين ~~السابقتين، وإن كانت سيرتهما في الخلافة وسياسة الملك فوق المستطاع لمن ~~عداهما. لهذا لم يستطع أن يمد إليهم العمال بسوء فهم إذا أوخذوا فإنما ~~يؤاخذون من جهة أنهم كانوا يطلبون من عثمان فوق ما يستطاع بالنسبة إليه. ~~وأنهم غلوا في ذم سيرته تذرعا لمحو الصبغة الأموية من الدولة غلوا يلامون ~~عليه ما دام ذلك الغلو لغرض آخر يرمون إليه. # وأما قتلته فإنهم أخزاهم الله ليسوا بمؤاخذين وحسب بل هم ملعونون على ~~لسان كبار الصحابة كحذيفة بن اليمان وأضرابه، وهو مسؤولون عن عملهم دون ~~غيرهم. وقد جنوا على الأمة في مستقبلها جناية كبرى كما سنشير إليه بعد إن ~~شاء الله ### | [ص: 201] # إذا تقرر هذا، فاعلم أن أخبار الصحابة إنما حرم بعضهم الخوض فيها، لأنها ~~أخبار قوم ملئت صدورهم بالحياة ونفوسهم بالعزة. وهم بالضرورة قدوة الأمة، ~~والمنادون منذ نشأت الدولة بصوت العدل والحرية والحق. فوقوف الناس على ~~أخبارهم والأخذ والرد فيما حدث بينهم يحيي في القلوب روح الحرية، ويبعث على ~~استظهار عامة الناس للحجة التي يصادمون بها آلات الاستبداد من الخلفاء ~~والملوك الذين حولوا الخلافة إلى الملك العضوض، وأمعنوا في التمكن من رقاب ~~الناس. ولهذا ولما كثر خوض الناس في أخبار الصحابة أرادوا إلهاءهم عنها ~~بحجة حرمة الخوض فيها، فأوعزوا إلى الوضاع والقصاصين بوضع أخبار المغازي، ~~وقصة عنترة، وأشباهها في أعصر مختلفة لا تعلم بالتحقيق، إلا إذا صح نسبة ~~أكثر تلك الكتب إلى الواقدي والأصمعي، فإنها تكون في عصر العباسيين وذلك ~~ليتلهى بها العامة عن التاريخ الصحيح الذي يبعث في النفوس روح الجرأة على ~~قول الحق والتشبه بسلف الأمة ورجالها، ورافعي دعامة دولتها في مناهضة أرباب ~~العتو والجبروت ومحبي الاستبداد وآلهة الملك. هذا ما أراه في هذا الباب ~~والله أعلم بالصواب". PageV01P198 # - المدافعون عن عثمان: # قد أبدينا رأينا في سياسة عثمان رضي الله عنه، وذكرنا في مواطن شتى أسباب ~~الفتنة، وما استوجب غضب الناس عليه وقتئذ، كما ms146 أننا ذكرنا رده على منتقديه، ~~لكنه رضي الله عنه عاد فتاب في خطبة له، وإن كان لم يغير سياسته بسبب تسلط ~~أقاربه عليه، غير أن بعض المؤلفين تعرضوا لأسباب النقمة وفندوها واحدة ~~واحدة، ومعنى ذلك أن الأمة الإسلامية في ذلك الوقت وقد أجمعت تقريبا عدا ~~أقاربه على نقد خطته السياسية كانوا على خطأ، مع العلم بأن كبار الصحابة ~~كانوا لا يرون رأيه وينقدون سياسته ونصحوا مرارا بالإقلاع عنها، فالدفاع ~~عنه وتبرئته من كل خطأ أدى إلى هذه الكارثة التي أعقبتها كوارث مناقض لرأي ~~الصحابة ولتوبته الأخيرة. وليس يتضح الحق بمثل هذا الدفاع، وقد نقل الأستاذ ~~فريد وجدي بعض ما كتبه أبو بكر محمد بن يحيى الأشعري في كتابه "التمهيد ~~والبيان في مقتل الشهيد عثمان" دفاعا عنه فليراجعه من أراد التفصيل والكتاب ~~موجود بدار الكتب المصرية. # ولا يفوتنا في هذا المقام أن نأتي على ذكر مثال مما رد به أبو جعفر أحمد، ~~الشهير بالمحب الطبري، صاحب كتاب "الرياض النضرة في مناقب العشرة" قال: # الأول: ما نقموا عليه من عزله جمعا من الصحابة، منهم أبو موسى عزله عن ~~البصرة وولاها عبد الله بن عامر. ومنهم عمرو بن العاص عزله عن مصر وولاها ~~عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولحق بالمشركين، فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه بعد الفتح إلى ### | [ص: 202] # أن أخذ له عثمان الأمان، ثم أسلم. ومنهم عمار بن ياسر عزله عن الكوفة، ~~ومنهم المغيرة بن شعبة عزله عن الكوفة أيضا، ومنهم عبد الله بن مسعود عزله ~~عن الكوفة أيضا وأشخصه إلى المدينة. # الجواب: أما القضية الأولى وهي عزل من عزله من الصحابة فإليك التفصيل: ~~أما أبو موسى فكان عذره في عزله أوضح من أن يذكر فإنه لو لم يعزله اضطربت ~~البصرة والكوفة وأعمالهما للاختلاف الواقع بين جند البلدين. وقصته: أنه كتب ~~إلى عمر في أيامه يسأله المدد فأمده بجند الكوفة، فأمرهم أبو موسى قبل ~~قدومهم عليه برامهرمز فذهبوا إليها ms147 وفتحوها، وسبوا نساءها وذراريها، فحمدهم ~~على ذلك، وكره نسبة الفتح إلى جند الكوفة دون جند البصرة فقال لهم: إني كنت ~~أعطيتهم الأمان وأجلتهم ستة أشهر فردوا عليهم، فوقع الخلاف في ذلك بين ~~الجندين وكتبوا إلى عمر فكتب عمر إلى صلحاء جند أبي موسى، مثل البراء ~~وحذيفة وعمران بن حصين وأنس بن مالك وسعيد بن عمرو الأنصاري وأمثالهم ~~وأمرهم أن يستحلفوا أبا موسى، فإن حلف أنه أعطاهم الأمان وأجلهم ردوا عليهم ~~فاستحلفوه فحلف ورد السبي عليهم وانتظر لهم أجلهم وبقي الجند حانقين على ~~أبي موسى، ثم رفع على أبي موسى إلى عمر وقيل له: لو أعطاهم الأمان لعلم ~~ذلك، فأشخصه عمر وسأله عن يمينه فقال: ما حلفت إلا على حق. قال: فلم أمرت ~~الجند حتى فعلوا ما فعلوا وقد وكلنا أمرك في يمينك إلى الله تعالى، فارجع ~~إلى عملك. فليس نجد الآن من يقوم مقامك، ولعلنا إن وجدنا من يكفينا عملك ~~وليناه. فلما مضى عمر لسبيله وولى عثمان شكا جند البصرة شح أبي موسى، وشكا ~~جند الكوفة ما نقموا عليه، فخشي عثمان ممالأة الفريقين على أبي موسى فعزله ~~عن البصرة، وولاها أكرم الفتيان عبد الله بن عامر بن كريز وكان من سادات ~~قريش وهو الذي سقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ريقه حين حمل إليه طفلا ~~في مهده. # وأما عمرو بن العاص فإنما عزله، لأن أهل مصر أكثروا شكايته، وكان عمر قبل ~~ذلك عزله لشيء بلغه عنه، ثم لما ظهرت توبته رده، كذلك عزله عثمان لشكاية ~~رعيته، كيف والرافضة يزعمون أن عمرا كان منافقا في الإسلام، وعلى زعمهم فقد ~~أصاب عثمان في عزله، فكيف يعترضون على عثمان بما هو مصيب فيه عندهم؟. # وأما تولية عبد الله فمن حسن النظر عنده، لأنه تاب وأصلح عمله، وكانت له ~~فيما ولاه آثار محمودة، فإنه فتح من تلك النواحي طائفة كبيرة حتى انتهى في ~~إغارته إلى الجزائر التي في بحر بلاد الغرب وحصل في فتوحه ألف ألف دينار ~~وخمسمائة ألف دينار سوى ما غنمه ms148 من صنوف الأموال، وبعث بالخمس منها إلى ~~عثمان، وفرق الباقي في جنده، وكان في جنده جماعة من الصحابة ومن أولادهم، ~~كعقبة بن عامر الجهني، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمرو بن العاص ~~قاتلوا تحت رايته، وأدوا طاعته، ووجدوه أقدر على سياسة الأمر من عمرو بن ### | [ص: 203] # العاص، ثم أبان عن حسن رأي في نفسه عند وقوع الفتنة فإنه حين قتل عثمان ~~اعتزل الفريقين، ولم يشهد مشهدا، ولم يقاتل أحدا بعد قتال المشركين. # وأما عمار بن ياسر فأخطؤوا في ظن عزله، فإنه لم يعزله وإنما عزله عمر. ~~كان أهل الكوفة قد شكوه، فقال عمر: من يعذرني من أهل الكوفة، إن استعملت ~~عليهم تقيا استضعفوه، وإن استعملت عليهم قويا فجروه، ثم عزله وولى المغيرة ~~بن شعبة، فلما ولي عثمان شكوا المغيرة إليه، وذكروا أنه ارتشى في بعض ~~أموره، فلما رأى ما وقر عندهم منه استصوب عزله عنهم، ولو كانوا مفترين ~~عليه. والعجب من هؤلاء الرافضة كيف ينقمون على عثمان عزل المغيرة وهم ~~يكفرون المغيرة على أنا نقول: ما زال ولاة الأمر قبله وبعده يعزلون من ~~أعمالهم من رأوا عزله ويولون من رأوا توليته بحسب ما تقتضيه أنظارهم. عزل ~~عمر خالد بن الوليد عن الشام وولى أبا عبيدة، وعزل عمارا عن الكوفة وولاها ~~المغيرة بن شعبة، وعزل علي قيس بن سعد عن مصر وولاها الأشتر النخعي. ألا ~~ترى إلى معاوية وكان مما ولى عمر لما ضبط الجزيرة وفتح البلاد إلى حدود ~~الروم وفتح جزيرة قبرس وغنم منها مائة ألف رأس سوى ما غنم من البياض وأصناف ~~المال وحمدت سيرته وسراياه أقره على ولايته. # وأما ابن مسعود فسيأتي الاعتذار عنه فيما بعد. # هذا جواب المحب الطبري معتذرا عن عثمان في المسألة الأولى التي ذكرها. ~~ونحن نقول: إن الخليفة له أن يعزل من شاء من الولاة ممن يرتكبون وزرا، أو ~~يشك في سيرتهم، ويعين من يثق بهم، لكنهم نقموا على عثمان أنه كان يراعي ~~أقاربه، ويخصهم بالولاية، ويتسامح معهم. وإن الفتنة لم ms149 تنشأ عن شكوى خاصة ~~بل عن عدة أمور كانت في مجموعها سببا في السخط العام. فعبد الله بن عامر ~~الذي ولاه عثمان البصرة مكان أبي موسى كان ابن خاله، وكان عمره خمسا وعشرين ~~عاما وقتئذ مع اعترافنا بفتوحه وشجاعته، وولى مصر عبد الله بن سعد ابن أبي ~~سرح وهو أخوه من الرضاعة، وكان كاتب الوحي، ثم ارتد مشركا، وأهدر رسول الله ~~دمه إلى أن أخذ عثمان له الأمان. نعم إنه فتح شمال إفريقية لكن عمرا ~~المعزول عن ولاية مصر، والذي له الفضل في فتحها قد أغضبه أن يعزل فوجد ~~مجالا للطعن على الوالي الجديد من هاتين الناحيتين وغيرهما، وظل ناقما ~~طاعنا على عثمان إلى النهاية، ولا يخفى أن عمرا كان داهية في وسعه توسيع ~~دائرة الفتنة. # أما عبد الله بن مسعود الذي عزله عثمان عن الكوفة، فقد كان سيره عمر بن ~~الخطاب إلى الكوفة وكتب إلى أهلها: # "إني قد بعثت عمار بن ياسر أميرا، وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا، وهما ~~من النجباء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل بدر فاقتدوا بهما ~~وأطيعوا واسمعوا قولهما، ### | [ص: 204] # وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي". # فهذه هي شهادة عمر في عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود. وعمر لا يحابي ~~أحدا ولا يقول غير الحق. فعزل عبد الله بن مسعود أحدث استياء لما له من ~~العلم والفضل وعن زيد بن وهب قال: لما بعث عثمان إلى عبد الله بن مسعود ~~يأمره بالقدوم عليه بالمدينة وكان بالكوفة اجتمع الناس عليه فقالوا: أقم ~~ونحن معك نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه. فقال عبد الله: إن له علي حق ~~الطاعة، وإنها ستكون أمور وفتن فلا أحب أن أكون أول من فتحها، فرد الناس ~~وخرج إليه. # قال المحب الطبري: # "الثاني: ما ادعوا عليه من الإسراف في بيت المال وذلك بأمور منها أن ~~الحكم بن العاص لما رده من الطائف إلى المدينة، وقد كان طرده النبي صلى ~~الله عليه وسلم وصله من بيت المال ms150 بمائة ألف درهم وجعل لابنه الحارث سوق ~~المدينة يأخذ منها عشور ما يباع فيها. ومنها أنه وهب لمروان خمس أفريقية. ~~ومنها أن عبد الله بن خالد بن أسد بن أبي العاص بن أمية قدم عليه فوصله ~~بثلاثمائة ألف درهم. ومنها ما رواه أبو موسى قال: كنت إذا أتيت عمر بالمال ~~والحلية من الذهب والفضة، لم يلبث أن يقسم بين المسلمين حتى لا يبقى منه ~~شيء. فلما ولي عثمان أتيت به فكان يبعث به إلى نسائه وبناته. فلما رأيت ذلك ~~أرسلت دمعي وبكيت. فقال لي: ما يبكيك؟ فذكرت له صنيعه وصنيع عمر. فقال: رحم ~~الله عمر كان حسنة وأنا حسنة ولكل ما اكتسب. قال أبو موسى: إن عمر كان ينزع ~~الدرهم الفرد من الصبي من أولاده فيرده في مال الله ويقسمه بين المسلمين، ~~فأراك قد أعطيت إحدى بناتك مجمرا (1) من الذهب مكللا باللؤلؤ والياقوت، ~~وأعطيت الأخرى درتين لا يعرف كم قيمتهما. فقال: إن عمر عمل برأيه ولا يألو ~~عن الخير، وأنا أعمل برأيي ولا آلو عن الخير. وقد أوصاني الله تعالى بذوي ~~قراباتي، وأنا مستوص بهم وأبر برهم. ومنها ما قالوا إنه أنفق أكثر بيت ~~المال في ضياعه ودوره التي اتخذها لنفسه ولأولاده. وكان عبد الله بن أرقم ~~ومعيقيب على بيت المال في زمن عمر فلما رأيا ذلك استعفيا فعزلهما، وولاه ~~زيد بن ثابت وجعل المفاتيح بيده. فقال له يوما: قد فضل في بيت المال فضلة ~~خذها لك، فأخذها زيد فكانت أكثر من مائة ألف درهم". # "وأما القصة الثانية فهو ما ادعوه من إسرافه في بيت المال فأكثر ما نقلوه ~~عنه مفترى عليه ومختلق وما صح منه فعذره فيه واضح. وأما رده الحكم إلى ~~المدينة فقد ذكر رضي الله عنه أنه كان استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~رده إلى المدينة فوعده بذلك. فلما ولى أبو بكر سأله عثمان ذلك فقال: كيف ~~أرده إليها وقد نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له عثمان ذلك. ~~فقال له: إني لم ms151 أسمعه يقول لك ذلك، ولم ### | [ص: 205] # تكن مع عثمان بينة على ذلك، فلما ولي عمر سأله ذلك فأبى، ولم يريا الحكم ~~بقول الواحد، فلما ولى قضى بعلمه، وهو قول أكثر الفقهاء، وهو مذهب عثمان، ~~وهذا بعد أن تاب الحكم عما كان طرده لأجله، وإعانة التائب مما تحمد. # وأما صلته من بيت المال بمائة ألف، فلم تصح، وإنما الذي صح أنه زوج ابنه ~~من ابنة الحارث بن الحكم، وبذل لها من مال نفسه مائة ألف درهم، وكان رضي ~~الله عنه ذا ثروة في الجاهلية والإسلام، وكذلك زوج ابنته أم أبان من ابن ~~مروان بن الحكم، وجهزها من خاص ماله بمائة ألف لا من بيت المال، وهذه صلة ~~رحم يحمد عليها. # وأما طعنهم على عثمان أنه وهب خمس أفريقية من مروان بن الحكم فهو غلط ~~منهم، وإنما المشهور في القضية أن عثمان كان جهز ابن أبي سرح أميرا على ~~آلاف من الجند، وحضر القتال بأفريقية. فلما غنم المسلمون أخرج ابن أبي سرح ~~الخمس من الذهب وهو خمسمائة ألف دينار فأنفذها إلى عثمان، وبقي من الخمس ~~أصناف من الأثاث والمواشي مما يشق حمله إلى المدينة فاشتراها مروان منه ~~بمائة ألف درهم، نقد أكثرها وبقيت منها بقية، ووصل عثمان مبشرا بفتح ~~أفريقية وكانت قلوب المسلمين مشغولة خائفة أن يصيب المسلمين من أفريقية ~~نكبة، فوهب له عثمان ما بقي عليه جزاء ببشارته، وللإمام أن يصل المبشرين من ~~بيت المال بما رأى على قدر مراتب البشارة. # وأما ذكره من صلته عبد الله بن خالد بن أسد بثلاثمائة ألف درهم فإن أهل ~~مصر عاتبوه على ذلك لما حاصروه، فأجابهم بأنه استقرض له من ذلك من بيت ~~المال، وكان يحتسب لبيت المال ذلك من نفسه حتى وفاه. # وأما دعواهم أنه جعل للحارث بن الحكم سوق المدينة يأخذ عشور ما يباع فيه ~~فغير صحيح. وإنما جعل إليه سوق المدينة ليراعي أمر المثاقيل والموازين ~~فتسلط يومين أو ثلاثة على باعة النوى واشتراه لنفسه، فلما رفع ذلك إلى ~~عثمان أنكر عليه ms152 وعزله وقال لأهل المدينة: إني لم آمره بذلك. ولا عتب على ~~السلطان في جور بعض العمال إذا استدرك بعد علمه. وقد روي أنه جعل على سوق ~~المدينة وجعل له كل يوم درهمين وقال لأهل المدينة: إذا رأيتموه سرق شيئا ~~فخذوه منه وهذا غاية الإنصاف. # وأما قصة أبو موسى فلا يصح شيئا منها. فإنه رواه ابن إسحاق عمن حدثه عن ~~أبي موسى ولا يصح الاستدلال برواية المجهول. وكيف يصح ذلك وأبو موسى ما ولى ~~لعثمان عملا إلا في آخر السنة التي قتل فيها ولم يرجع إليه، فإنه لما عزله ~~عن البصرة بعبد الله بن عامر لم يتول شيئا من أعماله إلا إرسال أهل الكوفة ~~إليه في السنة التي قتل فيها أن يوليه الكوفة فولاه إياها ولم يرجع إليه. ~~ثم يقال للخوارج والروافض إنكم تكفرون أبا موسى. فلا حجة في دعوى بعضهم على ~~بعض ### | [ص: 206] # وأما عزل ابن الأرقم ومعيقيب عن ولاية بيت المال، فإنهما أسنا وضعفا عن ~~القيام بحفظ بيت المال. وقد روي أن عثمان لما عزلهما خطب الناس وقال: "ألا ~~إن عبد الله بن الأرقم لم يزل على جرايتكم زمن أبي بكر وعمر إلى اليوم وأنه ~~كبر وضعف وقد ولينا عمله زيد بن ثابت". # وما نسبوه إليه من صرف مال بيت المال في عمارة دوره وضياعه المختصة، ~~فبهتان افتروه عليه. وكيف وهو من أكثر الصحابة مالا؟. وكيف يمكن ذلك بين ~~أظهر الصحابة مع أنه الموصوف بكثرة الحياء، إذ أن الملائكة تستحي منه لفرط ~~حيائه. # أعاذنا الله من فرطات الجهل وموبقات الهوى آمين آمين. # وقولهم: إنه دفع إليه ما فضل من بيت المال افتراء واختلاق بل الصحيح أنه ~~أمر بتفرقة المال على أصحابه ففضل في بيت المال ألف درهم فأمره بإنفاقها ~~فيما يراه أصلح المسلمين، فأنفقها زيد على عمارة مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعد ما زاد عثمان في المسجد زيادة كبيرة وكل واحد منهما مشكور ~~محمود على فعله. # وإنا نقول: إن المحب الطبري بدأ دفاعه من هذه المسألة ms153 بقوله: إن أكثر ما ~~ادعوه من إسرافه في بيت المال فأكثر ما نقلوه عنه مفترى عليه ومختلق، وما ~~صح عنه فعذره فيه واضح اه. ولم يقل: إن كل ما نقل مفترى عليه ومختلق. وكان ~~عمر رضي الله عنه لا يدع شيئا حتى يوزعه على المسلمين في الحال. وقد ذكرنا ~~في كتاب "الفاروق عمر ابن الخطاب" أن أبا موسى الأشعري أهدى لامرأة عمر رضي ~~الله عنه طنفسة (2) قدرها ذراع وشبر، فدخل عليها عمر فرآها فقال: أنى لك ~~هذه؟ فقالت: أهداها لي أبو موسى الأشعري. فأخذها، فضرب بها رأسها حتى نغض ~~رأسها. ثم قال: علي بأبي موسى الأشعري وأتعبوه. فأتي به قد أتعب وهو يقول: ~~"لا تعجل علي أمير المؤمنين". فقال عمر: "ما يحملك على أن تهدي لنسائي"؟ ثم ~~أخذها عمر فضرب بها فوق رأسه وقال: "خذها فلا حاجة لنا فيها". إن عمر رفض ~~هذه الهدية البسيطة، وهي لا تساوي شيئا اجتنابا لكل شبهة حتى لا تسقط هيبته ~~وتسوء سمعته، وقد قيل: من وضع نفسه مواضع التهم فلا يلومن من أساء الظن به. # ونحن نود أن يكون ما قيل عن عثمان من التصرف في مال بيت المال غير صحيح. # وقد كان عبد الله بن الأرقم على بيت المال زمن عمر، ثم ولاه عثمان بيت ~~المال وأجازه بثلاثين ألفا فأبى أن يقبلها وقال: عملت لله وإنما أجري على ~~الله. وكان عمر يقول: ما رأيت أخشى لله تعالى من عبد الله بن الأرقم. وجاء ~~في أسد الغابة أنه استعفى عثمان من ذلك فأعفاه من غير أن يذكر السبب. على ~~أن استعفاء عبد الله بن الأرقم مع ما عرف عنه من أمانة، واستعفاء معيقيب ~~أمر فيه نظر. فهل كان كلاهما لا يصلح لبيت المال لكبر سنه؟ ### | [ص: 207] # ومما أخذ على عثمان أنه لما حمل إليه خمس غنائم أفريقية اشتراه مروان بن ~~الحكم بمبلغ 500. 000 دينار فوضعها عند عثمان بدلا من أن يفرق الخمس على ~~المسلمين جريا على سنة صاحبيه في توزيع الغنائم. # وإنا نكتفي بهذا ms154 القدر ففيما ذكرناه الكفاية، ونكرر أننا نجل قدر عثمان ~~وأنه ذهب ضحية أقاربه الذين تسلطوا عليه وكلفوه ما لا يطيق. PageV01P201 # - رأي الأستاذ المرحوم محمد الخضري بك ومناقشته: # كتب الأستاذ محمد الخضري بك (1) : # "وكل ما نقموه عليه يعني على عثمان أمر لا حرج على الإمام فعلها، منها ~~توليته أقاربه وليس في هذا أدنى عيب، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولى ~~عليا وهو ابن عمه. ولو كانت تولية القريب عيبا لنهى عنها عليه السلام ولم ~~يفعلها. ومع ذلك فالإسلام سوى بين الناس لا قريب عنده ولا بعيد. فالأمر ~~موكول لرأي الإمام الذي ألقيت إليه مقاليد الأمة، فإن ولى من حاد عن الدين ~~شكونا إليه، فإن لم يقبل صبرنا كما أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~لأن شق عصا الجماعة من مصائب الأمم التي تسرع إليها الخراب وليس في الشرع ~~ما يبيح خلع الإمام إلا كفره الصراح". # هذا هو رأي الأستاذ الخضري بك رحمه الله في كتابه المشار إليه فهو ممن ~~يبررون عمل عثمان ويرون أنه اتبع الشرع والسنة. وإنا نقول: إن تولية عثمان ~~أقاربه أحدثت سخطا عاما، وأخذ السخط يتسع على مر الأيام، وكان في وسعه تجنب ~~ذلك، لكنه رضي الله عنه كان يتوب ويعد بعزلهم، ثم لا يفعل شيئا. إن عثمان ~~إذا كان يريد مساعدة أهله وأقاربه برا بهم، فقد كان هناك وسائل غير توليتهم ~~الأمصار الكبيرة التي يشترط فيمن يتولاها الكفاية وحسن السمعة ونقاء ~~الماضي، وكان كثير من الصحابة كما قدمنا حائزين لهذه الصفات والمؤهلات، ومع ~~ذلك ضرب عنهم صفحا ولم يسند هذه المراكز وقد قيل: من الحكمة وضع الأشياء في ~~مواضعها. فلما ولى أقاربه اعترض الناس بطبيعة الحال وامتعضوا ورموه بأنه لم ~~يراع المصلحة العامة، بل راعى أقاربه وقدمهم في الوظائف الكبيرة على من هم ~~أهل لذلك ممن يجلهم ويحترمهم الجمهور، وكان بين هؤلاء الأقارب المتهم في ~~دينه وتقواه. ثم إنه عزل من سبق له الفضل في الفتح لإحلال القريب محله. # وإذا كان الإسلام سوى ms155 بين الناس لا قريب عنده ولا بعيد فكان الواجب إذن ~~يقضي على الخليفة باختيار من يصلح لا إيثار القريب لقرابته بغض الطرف عن ~~المصلحة العامة التي هي فوق كل مصلحة ### | [ص: 208] # نعم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه عن تولية القريب لكن على أن ~~يكون هذا القريب شخصا ممتازا حكيما. وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإنه باعتراف جميع المؤرخين من عرب وعجم لم يخطئ في تولية أحد ~~القيادة، أو الحكم، فكان عارفا بأقدار الرجال. وكان عمر رضي الله عنه إذا ~~تبين له أنه لم يوفق في تولية أحد وظهر فيما بعد ضعفه، أو عجزه، أو ارتكب ~~أمرا شائنا عزله في الحال وولى غيره، كي تنتظم الأمور ويقام العدل وتهاب ~~الرعية الوالي. لكن عثمان رضي الله عنه بالرغم من سخط الناس من ولاته ~~واعتراض كبار الصحابة المشهورين بأصالة الرأي وبعد النظر والتقوى ظل متمسكا ~~بهم إلى النهاية حتى قتل، ولم يعزل غير سعيد بن العاص بعد أن بلغت الفتنة ~~أشدها في الكوفة. # كاتب الناس بعضهم بعضا في الأمصار، وتبادلوا الرسائل التي تطعن على عثمان ~~وعلى ولاة عثمان، وأخيرا قامت الثورة، وكان جمهور المسلمين قسمين: ثائرا ~~يريد عزل الخليفة، فإن لم يعتزل يقتل، وقسما غير راض عن سياسته، ويود أن ~~يعتزل حسما للنزاع وقمعا للفتنة، لكنه التزم الحياد ولم يبق في صف عثمان ~~غير أهله وأقاربه، حتى قيل: إن عبد الرحمن بن عوف وهو صهره ندم على اختياره ~~خليفة، بل وزاد على ذلك أنه نقض بعض ما عمله عثمان. فقد جاء في الطبري أن ~~إبلا من إبل الصدقة جيء بها على عثمان فوهبها لبعض ولد الحكم ابن أبي العاص ~~فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فأخذها وقسمها بين الناس وعثمان في داره. وعلى ~~ذلك كان السواد الأعظم في ذلك إما ناقما عليه أو غير راض عن خطئه، ولولا ~~ذلك لوجد عثمان من يدافع عنه ويصد عنه غارة طائفة خرجت عليه، ولفدوه ~~بأرواحهم بل لما نهض ms156 من كل مصر جيش يطالب بخلعه. نعم إن عبد الله بن سبأ ~~كان عاملا قويا في نشر الفتنة، لكن عبد الله هذا لم يقدم على نشر دعايته ~~الواسعة النطاق إلا لما علم أن الناس يستمعون له، وأن النفوس مستعدة لقبول ~~كلامه. ولو تصورنا أن عثمان لم يكن يعلم اتجاه الرأي العام ضده لكان معذورا ~~لكن حصره أربعين أو خمسين يوما لا يؤيد ذلك، بل الثابت أنه أيقن أخيرا ~~بخطورة الحال لما طال الحصر وأحرقوا بابه وألقوا النار في منزله ومنعوا عنه ~~الماء. إلا أن قتله كان جرما شنيعا وخطبا مريعا، فإن القتلة قد استعجلوا ~~القدر وكان قد بلغ سن الشيخوخة وضعفت قواه، وعلى كل حال لم يبرر أحد قتله، ~~بل عده عقلاء الأمة نكبة عليها وفاتحة للخلاف والانقسام. # وقال الخضري بك (2) : # "فقد كانوا يعيبون معاوية، وهذا لم يوجده عثمان، بل ولاه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وولاه أبو بكر، وولاه عمر، ولم نر من العمال من استمر ~~موثوقا به من عمر في حياته كلها إلا أفرادا قلائل منهم ### | [ص: 209] # معاوية بن أبي سفيان، فقد كان واليا من أول حياة عمر إلى آخرها، وكانت ~~الشام أعدل ولايات المسلمين وأهدأها". # وإنا نجد الجواب على ذلك في رد علي رضي الله عنه حين قال له عثمان: "هل ~~تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها؟. فقد وليته". فأجابه علي: "أنشدك ~~الله! هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه؟ قال: نعم. ~~قال علي: فإن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت تعلمها، فيقول للناس: هذا أمر ~~عثمان فيبلغك، ولا تغير على معاوية". فسكت ولم يجب. # فمعاوية ما كان يستطيع أن يقطع أمرا وينسبه إلى الخليفة في زمن عمر، لأنه ~~كان يخشاه، كما كان يخشى غلام عمر، لكنه في زمن عثمان كان يفعل ما يشاء ~~لاطمئنانه إليه، فإن اعترض عليه معترض ادعى أن ذلك بأمر الخليفة، وكان ~~عثمان إذا بلغه ذلك لم يؤاخذه. فالقول بأن معاوية ولاه عمر وأقره طول حياته ms157 ~~لا يبرر أعمال معاوية زمن عثمان. PageV01P207 # - ما رثي به عثمان من الأشعار (1) : # قال حسان بن ثابت (2) شاعر النبي صلى الله عليه وسلم يمدح عثمان ويبكيه ~~ويهجو قاتله: # أتركتم غزو الدروب وراءكم ... وغزوتمونا عند قبر محمد # فلبئس هدى المسلمين هديتم ... ولبئس أمر الفاجر المتعمد # أن تقدموا نجعل قرى سرواتكم ... حول المدينة كل لين مذود (3) # أو تدبروا فلبئس ما سافرتم ... ولمثل أمر أميركم لم يرشد # وكأن أصحاب النبي عشية ... بدن تذبح عند باب المسجد # أبكي أبا عمرو لحسن بلائه ... أمسى مقيما (4) في بقيع الغرقد # وقال (5) : # إن تمس دار ابن أروى منه خاوية (6) ... باب صريع وباب محرق خرب (7) ### | [ص: 210] # قد يصادف باغي الخير حاجته ... فيها ويهوى إليها الذكر والحسب # يا أيها الناس أبدوا ذات أنفسكم ... لا يستوي الصدق عند الله والكذب # قوموا بحق مليك الناس تعترفوا ... بغارة عصب من خلفها عصب # فيهم خبيث شهاب الموت يقدمهم ... مستلئما قد بدا في وجهه الغضب # وقال أيضا (8) : # من سره الموت صرفا لا مزاج له ... فليأت مأسدة في دار عثمانا # مستشعري حلق الماذي قد شفعت ... قبل المخاطم بيض زان أبدانا # صبرا فدى لكم أمي وما ولدت ... قد ينفع الصبر في المكروه أحيانا # فقد (9) رضينا بأهل الشأم نافرة ... وبالأمير وبالإخوان إخوانا # إني لمنهم وإن غابوا وإن شهدوا ... ما دمت حيا وما سميت حسانا # لتسمعن وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا # يا ليت شعري وليت الطير تخبرني ... ما كان شأن علي وابن عفانا # وقال كعب بن مالك الأنصاري: # يا للرجال للبك المخطوف ... ولدمعك المترقرق المنزوف # ويح لأمر قد أتاني رائع ... هد الجبال فانقضت برجوف # قتل الخليفة كان أمرا مفظعا ... قامت لذاك بلية التخويف # قتل الإمام له النجوم خواضع ... والشمس بازغة له بكسوف # يا لهف نفسي إذ تولوا غدوة ... بالنعش فوق عوائق وكتوف # ولوا وأدلوا في الضريح أخاهم ... ماذا أجن ضريحه المسقوف # من نائل أو سؤدد وحمالة ... سبقت له في الناس أو معروف # كم من يتيم كان يجبر عظمه ... أمسى بمنزله الضياع يطوف # ما زال يقبلهم ويرأب ظلمهم ms158 ... حتى سمعت برنة التلهيف # أمسى مقيما بالبقيع وأصبحوا ... متفرقين قد أجمعوا بخفوف # النار موعدهم بقتل إمامهم ... عثمان ظهرا في التلاد عفيف # جمع الحمالة بعد حلم راجح ... والخير فيه مبين معروف ### | [ص: 211] # يا كعب لا تنفك تبكي مالكا ... ما دمت حيا في البلاد تطوف # فأبكي أبا عمرو عتيقا واصلا ... ولواءهم إذ كان غير سخيف # وليبكه عند الحفاظ معظم ... والخيل بين مقانب وصفوف # قتلوك يا عثمان غير مدنس ... قتلا لعمرك واقفا بسقيف # وقال أيضا: # فكف يديه ثم أغلق بابه ... وأيقن أن الله ليس بغافل # وقال لأهل الدار لا تقتلوهم ... عفا الله عن كل امرئ لم يقتل # فكيف رأيت الله صب عليهم ال ... عداوة (العداوة) والبغضاء بعد التواصل # وكيف رأيت الخير أدبر بعده ... عن الناس إدبار الرياح الحوافل # وقال الحباب بن يزيد المجاشعي عم الفرزدق: # لعمر أبيك فلا تجزعن ... لقد ذهب الخير إلا قليلا # لقد سفه الناس في دينهم ... وخلى ابن عفان شرا طويلا # أعاذل كل امرئ هالك ... فسيروا إلى الله سيرا جميلا # وقال القاسم بن أمية بن أبي الصلت: # لعمري لبئس الذبح ضحيتم به ... وخنتم رسول الله في قتل صاحبه # وقالت زينب بنت العوام: # وعطشتم عثمان في جوف داره ... شربتم كشرب الهيم شرب حميم # فكيف بنا أم كيف بالنوم بعد ما ... أصيب ابن أروى وابن أم حكيم # وقالت ليلى الأخيلية: # قتل ابن عفان الإمام ... وضاع أمر المسلمينا # وتشتتت سبل الرشا ... د لصادرين وواردينا # فانهض معاوي نهضة ... تشفي بها الداء الدفينا # وقال أيمن بن خزيمة: # ضحوا بعثمان في الشهر الحرام ضحى ... وأي ذبح حرام ويحهم ذبحوا ### | [ص: 212] # وأي سنة كفر سن أولهم ... وباب شر على سلطانهم فتحوا # ماذا أرادوا أضل الله سعيهم ... بسفك ذاك الدم الزاكي الذي سفحوا # وقال الوليد بن عقبة: # ألا من لليل لا تغور كواكبه ... إذا لاح نجم لاح نجم يراقبه # بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم ... ولا تهبوه لا تحل مناهبه # بني هاشم لا تعجلوا بإقادة ... سواء علينا قاتلوه وسالبه # فقد يجبر العظم الكسير وينبري ... لذي الحق يوما حقه ms159 فيطالبه # وإنا وإياكم وما كان منكم ... كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعبه # بني هاشم كيف التعاقد بيننا ... وعند علي سيفه وجرائبه # لعمرك ما أنسى ابن أروى وقتله ... وهل ينسين الماء ما عاش شاربه # همو قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه # وإني لمجتاب إليكم بجحفل ... يصم السميع جرسه وجلائبه # وقال الوليد يرثي عثمان ويحرض معاوية على الأخذ بثأره: # والله ما هند بأمك إن مضى النه ... ار (النهار) ولم يثأر بعثمان ثائر # أيقتل عبد القوم سيد أهله ... ولم يقتلوه ليت أمك عاقر # وإنا متى نقتلهم لا يقد بهم ... مقيد فقد دارت عليك الدوائر # وقال أيمن بن خريم بن فاتك الأسدي وكان عثمانيا: # تعاقد الذابحو عثمان ضاحية ... فأي ذبح حرام ويحهم ذبحوا # ضحوا بعثمان في الشهر الحرام ولم ... يخشوا على مطمح الكفر الذي طمحوا ~~PageV01P209 # - خطبة ابنته عائشة بعد قتله: # قالت بعد أن حمدت الله وأثنت عليه: # يا ثارات عثمان إنا لله وإنا إليه راجعون. أفنيت نفسه. وطل دمه في حرم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنع من دفنه. اللهم ولو يشاء لامتنع ووجد ~~من الله عز وجل حاكما. ومن المسلمين ناصرا. ومن المهاجرين شاهدا. حتى يفيء ~~إلى الحق من سدر عنه أو تطيح هامات وتفرى غلاصم. وتخاض دماء، ولكن استوحش ~~مما أنستم به. واستوخم ### | [ص: 213] # ما استمرأتموه. يا من استحل حرم الله ورسوله واستباح حماه. لقد كره عثمان ~~ما أقدمتم عليه. ولقد نقمتم عليه أقل مما أتيتم إليه. فراجع فلم تراجعوه. ~~واستقال فلم تقيلوه. # رحمة الله عليك يا أبتاه احتسبت نفسك. وصبرت لأمر ربك حتى لحقت به. ~~وهؤلاء الآن قد ظهر منهم تراوض الباطل، وإذكاء الشنآن، وكوامن الأحقاد، ~~وإدراك الإحن والأوتار. وبذلك وشيكا كان كيدهم، وتبغيهم، وسعى بعضهم ببعض. ~~فما أقالوا عائرا. ولا استعتبوا مذنبا، حتى اتخذوا ذلك سببا إلى سفك ~~الدماء. وإباحة الحمى. وجعلوا سبيلا إلى البأساء والعنت. فهل أعلنت كلمتكم ~~وظهرت حسكتكم إذ ابن الخطاب قائم على رؤوسكم. مائل في عرصاتكم يرعد ويبرق ~~بإرعابكم. يقمعكم غير حذر ms160 من تراجعكم الأماني بينكم وهلا نقمتم عليه عودا ~~وبدءا، إذ ملك ويملك عليكم من ليس منكم بالخلق اللين والجسم الفصيل. يسعى ~~عليكم وينصب لكم. لا تنكرون ذلك منه خوفا من سطوته وحذرا من شدته. وأن يهتف ~~مقسورا أو يصرخ بكم معذورا. إن قال صدقتم قالته. وإن سأل بذلتم سألته، يحكم ~~في رقابكم وأموالكم كأنكم عجائز صلع وإماء قصع، فبدأ مفلتا لابن أبي قحافة ~~بإرث نبيكم على بعد رحمه، وضيق يده، وقلة عدده. فوقى الله شرها، زعم لله ~~دره ما أعرفه ما صنع أو لم يخصم الأنصار بقيس، ثم حكم بالطاعة لمولى أبي ~~حذافة، يتمايل بكم يمينا وشمالا. قد خطب عقولكم، واستمهر وجلكم، ممتحنا ~~لكم، ومعترفا أخطاركم، وهل تسمو هممكم إلى منازعة. ولولا تيك لكان قسمه ~~خسيسا، وسميه تعيسا. لكن بدأ بالرأي، وثنى بالقضاء، وثلث بالشورى، ثم غدا ~~سامرا مسلطا درته على عاتقه، فتطأطأتم له تطأطؤ الحقة. ووليتموه أدباركم ~~حتى علا أكتافكم. فلم يزل ينعق بكم في كل مرتع، ويشدد منكم على كل مخنق، ~~ويتورط بالحوباء. عرفتم أو نكرتم لا تألمون ولا تستنطقون. حتى إذا عاد ~~الأمر فيكم، ولكم، وإليكم، في مونقة من العيش عرقها وشيج، وفرعها عميم، ~~وظلها ظليل. تتناولون من كثب ثمارها أنى شئتم رغدا، وجلبت عليكم عشار الأرض ~~دررا، واستمرأتم أكلكم من فوقكم ومن تحت أرجلكم من خصب غدق وامق شرق. ~~تنامون في الخفض، وتستلينون الدعة. ومقتم زبرجة الدنيا وحرجتها. واستحليتم ~~غضارتها ونضرتها. وظننتم أن ذلك سيأتيكم من كثب عفوا. ويتحلب عليكم رسلا، ~~فانتضيتم سيوفكم، وكسرتم جفونكم. وقد أبى الله أن تشام سيوف جردت بغيا ~~وظلما، ونسبتم قول الله عز وجل: {إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر ~~جزوعا. وإذا مسه الخير منوعا} [المعارج: 19 21] فلا يهنئكم الظفر. ولا ~~يستوطن بكم الظلم إلا على رجلين، ولا ترن القوس إلا على سيتين، فأثبتوا على ~~الغرز أرجلكم، فقد ضللتم هداكم في المتيهة الخرقاء، كما أضل أدحية الحل. ~~وسيعلم كيف تكون إذا كان الناس عباديد. وقد نازعتكم الرجال، واعترضت عليكم ~~الأمور، ms161 وساورتكم الحروب بالليوث، وقارعتكم الأيام بالجيوش، وحمى عليكم ~~الوطيس. فيوما تدعون من لا يجيب ويوما تجيبون من لا يدعو. وقد بسط باسطكم ~~كلتا يديه يرى ### | [ص: 214] # أنهما في سبيل الله، فيد مقبوضة وأخرى مقصورة، والرؤوس تنزو عن الطلي ~~والكواهل، كما ينقف التنوم. فما أبعد نصر الله من الظالمين، وأستغفر الله ~~مع المستغفرين. # PageV01P212 # - خطبة زوجته نائلة بنت الفرافصة: # قالت بعد أن حمدت الله وأثنت عليه: # عثمان ذو النورين قتل مظلوما بينكم بعد الاعتذار وإن أعطاكم العتبى. ~~معاشر المؤمنين وأهل الملة لا تستنكروا مقامي. ولا تستكثروا كلامي، فإني ~~حرى عبرى. رزئت جليلا. وتذوقت ثكلا من عثمان بن عفان. ثالث الأركان من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفضل، عند تراجع الناس في الشورى ~~يوم الإرشاد. فكان الطيب المرتضى المختار، حتى لم يتقدمه متقدم، ولم يشك في ~~فضله متأثم. ألقوا إليه الأزمة، وخلوه والأمة حين عرفوا له حقه، وحمدوا ~~مذهبه وصدقه. فكان واحدهم غير مدافع وخيرتهم غير منازع. لا ينكر له حسن ~~الغناء ولا عنه سماح النعماء. إذ وصل أجنحة المسلمين حين نهضوا إلى رؤوس ~~أئمة الكفر حيث ركضوا فقلدوه الأمور. إذ لم يكن فيهم له نظير، فسلك بهم ~~سبيل الهدى. وبالنبي وصاحبيه اقتدى. مخسئا للشيطان إلى مداحره. مقصيا ~~للعدوان إلى مزاجره. تنقشع منه الطواغيت، وتزايل عنه المصاليت. حتى امتد له ~~الدين. واتصل له السبيل المستقيم. ولحق الكفر بالأطراف، قليل الآلاف ~~والأحلاف. فتركه حين لا خير في الإسلام في افتتاح البلاد. ولا رأي لأهله في ~~تجهيز البعوث. فأقام يمدكم بالرأي. ويمنعكم بالأدنى. يصفح عن مسيئكم في ~~إساءته. ويقبل من محسنكم بإحسانه. ويكافئكم بماله. ضعيف الانتصار منكم. قوي ~~المعونة لكم. فاستلنتم عريكته حين منحكم محبته، وأجرركم أرسانكم. آمنا ~~جرأتكم وعدوانكم. فأراكموه الحق إخوانا. وأراكموه الباطل شيطانا في عقب ~~سيرة من رأيتموه فظا. وعددتموه غليظا. فهدكم منه بالقمع. وطاعتكم إياه على ~~الجدع. يعاملكم الحسبة. ويتخونكم بالضر. وكان الله أعلم بآدابكم ومصالحكم. ~~فلله هو كان قد نظر في ضمائركم، وعرف إعلانكم وسرائركم. فحين فقدكم ms162 سطوته ~~وأمنتم بطشه، رأيتم أن الطرق قد انشعبت لكم. والسبل قد اتصلت بكم. ظننتم أن ~~الله يصلح عمل المفسدين. فعدوتم عدوة الأعداء. وشددتم شدة السفهاء على ~~التقي النقي، الخفيف بكتاب الله عز وجل لسانا. الثقيل عند الله ميزانا. ~~فسفكتم دمه. وانتهكتم حرمه. واستحللتم منه الحرم الأربع: حرمة الإسلام، ~~وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، وحرمة البلد الحرام. فليعلمن الذين ~~سعوا في أمره، ودبوا في قتله، ومنعونا من دفنه. اللهم إنه بئس للظالمين ~~بدلا، وأنهم شر مكانا، وأضعف جندا. لتتعبدنكم الشبهات. ولتفرقن بكم ~~الطرقات. ولتفرقن بكم الطرقات، ولتذكرن بعدها عثمان. ولا عثمان. وكيف ### | [ص: 215] # يسخط الله من بعده. وأين كنتم لعثمان ذي النورين منفس الكرب. زوج ابنتي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحب المربد ورومة. هيهات والله ما مثله ~~بموجود. ولا مثل فعله بمعدود. يا هؤلاء إنكم في فتنة عمياء، صماء، طباق ~~السماء. ممتدة الجران. شوهاء العيان في كثير من الأمر. قد توزع كل ذي حق ~~حقه. ويئس من كل خير خير أهله. فلهوات الشر فاغرة، وأنياب السوء كاشرة، ~~وعيون الباطل خزر، وأهلوه شزر، ولئن نكرتم أمر عثمان، وبشعتم الدعة لتنكرن ~~غير ذلك من غيره، حين لا ينفعكم عتاب، ولا يسمع منكم استعتاب. PageV01P214 ms163