######OpenITI# #META# URI: 1370CabdCazizFahmi.HurufLatiniyya.Hindawi17907319 #META# Tags: linguistics #META# ID: 17907319 #META# Title: الحروف اللاتينية لكتابة العربية #META# AuthorID: 64050857 #META# Author: عبد العزيز فهمي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إلى القارئ‏ # القسم الأول‏ # المطلب الأول‏ # المطلب الثاني‏ # المطلب الثالث‏ # القسم الثاني‏ # اقتراح اتخاذ الحروف اللاتينية لرسم الكتابة العربية‏ # ملاحق‏ # إلى القارئ‏ # القسم الأول‏ # المطلب الأول‏ # المطلب الثاني‏ # المطلب الثالث‏ # القسم الثاني‏ # اقتراح اتخاذ الحروف اللاتينية لرسم الكتابة العربية‏ # ملاحق‏ # | الحروف اللاتينية لكتابة العربية # | الحروف اللاتينية لكتابة العربية # تأليف # عبد العزيز فهمي # | إلى القارئ # هذا الكتيب قسمان، في أولهما ثلاثة مطالب؛ في المطلب الأول أقدم لك بيانا لما جرى ~~بالمجمع اللغوي في مسألة رسم الكتابة، وكيف اقترحت لها الحروف اللاتينية، وكيف أني في ~~كلامي على صعوبات العربية ونسبتها إلى غيرها من اللغات ونسبة أهلها إلى غيرهم من الأمم، قد ~~نهجت طريقة الوصف الواقعي الصادق القاسي، دون الوصف العاطفي الكاذب الرقيق. وأقدم لك في ~~المطلب الثاني تفصيلا لجميع ما وصل لعلمي من الاعتراضات على اقتراحي، ثم ردي على كل ~~منها. وفي المطلب الثالث أضع تحت نظرك نماذج لخير الطرق التي اقترحت لتعديل الرسم مع ~~استبقاء الحروف العربية. # وقد جعلت المطلب الأول إحدى عشرة فقرة متتابعة بحسب ما به من الفكرات الرئيسية المختلفة. ~~أما المطلب الثاني فيقع في فقرة واحدة؛ هي فقرة 12، تحتها أدرجت الاعتراضات بالترتيب ~~العددي من الأول إلى الثالث والعشرين. وجعلت المطلب الثالث فقرة واحدة أيضا هي رقم 13. ~~وكل أرقام الفقرات الثلاث عشرة المذكورة مطبوعة في هذا الكتيب بالحجم الكبير. # أما القسم الثاني فإنه صورة حرفية لبيان اقتراحي الذي قدمته لمؤتمر المجمع، وكان قد طبع ~~بالمطبعة الأميرية ونفدت نسخه. فأنا أعيد طبعه الآن كما هو مع ما كان يتلوه من النماذج، ولم ~~أزد عليه إلا بضعة بيانات وضعتها عند تمثيل هذا الكتيب للطبع، وقد جعلتها هوامش في ذيل ~~صحائف المتن حتى لا تختلط بأصله. # وترى فيما بعد فهرسا حاويا لرءوس مسائل القسم الأول بمطالبه الثلاثة على الترتيب ~~المتقدم. # وأسترعي نظرك: # أولا: # إلى أن هذا الكتيب تم إعداده للطبع، وقدم للمطبعة فعلا في أواخر يونيو سنة 1944، وأخذت هي في عملها في غضون شهر يوليو. وحينئذ كانت الاعتراضات اثنين ~~وعشرين فقط، غير ms001 أني وجدت مجلة «الثقافة» نشرت تباعا في أعدادها الصادرة في 18 ~~و25 يوليو وأول أغسطس سنة 1944 اعتراضا آخر لحضرة الأستاذ يوسف العش من دمشق، ~~فرأيت الرد عليه هو أيضا. وبما أن المطبعة كانت قد أتمت نهائيا تهيئة جميع ~~الاعتراضات المدرجة بالمطلب الثاني من القسم الأول للطبع، وتجاوزتها فعلا إلى ~~المطلب الثالث فهيأت بعضه تهيئة ابتدائية؛ فقد وجهت نظرها كيما تحتاط لإدراج ~~ردي على اعتراض حضرة الأستاذ المومأ إليه عقب الاعتراضات الأخرى، وقد فعلت. ~~فتكون الاعتراضات ثلاثة وعشرين لا اثنين وعشرين فقط، كما أشير إليه في صلب ~~الكتيب في صدر المطلب الثاني المذكور. # ثانيا: # إلى أني لم يكن من نيتي أن أطبع - بهذا الكتيب - سوى الاعتراض الثاني ~~والعشرين الذي نشرته «المجلة» البغدادية، أما سائر الاعتراضات الأخرى فكنت ~~معولا على إيداعها - هي وتعقيباتي عليها - إدارة المجمع ليطلع عليها حضرات ~~أعضائه ومن يريدون من حضرات المعترضين؛ لأني بطبعي أكره مساجلة الناس والأخذ ~~والرد معهم بطريق النشر العلني. لكن بعض المهتمين بهذه المشكلة ألحوا في وجوب ~~طبع جميع الاعتراضات والتعقيبات؛ لما في هذا من تجلية الأمر للجمهور وتمكينه من ~~تقدير الآراء وإبداء ما قد يكون لديه من أسباب الموافقة أو المخالفة، مما هو ~~مدعاة للتمحيص الذي قد يؤدي إلى الاستقرار على شيء بعينه. وقد توارد علي هذا ~~الإلحاح من كل جانب، فقبلت وقدمت الكتيب للطبع مع كل تلك الاعتراضات والردود ~~كما تقدم. على أني حرصت على عدم ذكر اسم أحد من المعترضين سوى حضرتي الفاضلين ~~صاحبي الاعتراضين الأخيرين؛ وأولهما من العراق والثاني من دمشق. وقد رميت بهذا ~~التجهيل إلى التهوين من وقع ما يكون في ردودي من بعض العبارات القاسية. # ثالثا: # إلى أني في الفهرس لم أشر إلا إلى ما في الاعتراضات من النقط الأساسية، ~~وأما تعقيباتي فلم ألخص شيئا من نقاطها، بل تركت للقارئ أن يطلع على أصلها ~~ذاته إن أراد. # هذا، ومن الناس من يتساءلون كيف يمر بخاطري - وأنا ممن يعتزون بقوميتهم وبلغتهم ~~العربية - أن أستبدل الحروف اللاتينية بالحروف العربية لرسم ms002 الكتابة؟ لهؤلاء المتسائلين كل ~~العذر، لكني أعرف أيضا كيف أفهم واجبي وأؤديه في أي وضع أكون. تركت العمل وعولت على قضاء ~~ما بقي من زمني بقريتي، هادئا بعيدا عن المغامرات والمساجلات والمناصبات في أي منحى من ~~مناحي الحياة العامة، لكن لشقوتي لم يذرني القدر أهدأ، بل فوجئت في عزلتي - فيما فوجئت ~~به - بتعييني عضوا بمجمعنا اللغوي. ترددت بين القبول والرفض، في القبول مشقة، وفي رفض ~~المقدور عليه في ظن الناس ما يشبه فرار الجبان، وفكرة الجبن شر ما تضيق به نفسي. قبلت على ~~مضة معللا النفس بأن الأمر خدمة للعربية بمعهد هادئ بين نخبة من خيرة علمائنا وأدبائنا ~~الأفاضل، إن قصرت في مجاراتهم كان لي من رجاحة عقولهم ورحابة صدورهم وكرم أخلاقهم ما يسع ~~قصوري أو تقصيري، ولا يشعرني بشيء من قلة غنائي. وأول ما عنيت به بداهة معرفة واجب عضو هذا ~~المجمع اللغوي. قرأت في مرسوم تأليفه أن من لب مهمته المحافظة على سلامة العربية، وأن يحقق ~~ما يصدره وزير المعارف لهذا الغرض من القرارات، ثم قرأت في لائحته أن عليه النظر في تيسير ~~الكتابة العربية. وفي قرار لوزير المعارف: أن عليه أن يبحث أمر تيسير هذه الكتابة تيسيرا ~~يقي ألسنة قرائها من اللحن والخطأ، فواجب المجمع في هذا الصدد معين بالنصوص الصريحة، وأنا ~~من ضمن أعضاء لجنة الأصول المكلفة تأدية هذا الواجب ضمن ما عليها من التكليفات. واجبي إذن ~~بين؛ هو المحافظة على الفصحى، وجعل قارئ ما هو مكتوب بها لا يلحن في قراءته ولا يخطئ. وإذ ~~قبلت عضوية المجمع فإما أن أؤدي هذا الواجب بحسب ما أراه، وإما أن أفارق. ولا سبيل في رأيي ~~لتأديته حق التأدية إلا باتخاذ الحروف اللاتينية وفيها حروف الحركات، لا إطلاقا، بل على ~~وجه خاص رأيته. أما «الشكل» الكلي أو الجزئي أو حروف أو ذنبات توضع للحركات في غضون الرسم ~~العربي، فقد فكرت فيها كثيرا ولم أجد شيئا منها صالحا. # فتأدية الواجب هي التي أمرت بخاطري اتخاذ الحروف اللاتينية ودفعتني إلى اقتراحها، ms003 ~~فليعلمه المتسائلون. ثم ليعلموا أن الكتابة الراهنة إنما تصلح لتصوير العامية فقط، فإن ~~استطاعوا أن يجعلوا أولي الأمر يقررون اتخاذ هذه العامية لغة رسمية للبلاد، ويعدلون ~~اختصاص المجمع اللغوي، فعندها أستبصر لنفسي، وهيهات أن يستطيعوا شيئا من هذا، ~~هيهات! # ولا يفوتني هنا التنويه بذكر رجلين من ذوي الجد والرأي الناضج؛ الأستاذ شوقي أمين من ~~موظفي المجمع، ومحمود عمر رئيس الكتاب بمحكمة النقض والإبرام. أمليت ثانيهما ما وضعته من ~~المسودات، وتكفل بتبييضه وإعداده للطبع، ولقد نبهني - في بعض المواضع - إلى قصور العبارة ~~عن أداء المعنى المقصود، فأصلحت ما نبهني إليه مغتبطا بسلامة نظره كل الاغتباط. أما أولهما ~~الأستاذ شوقي، فقد تولى عني تصحيح تجارب (بروفات) المطبعة، ولقد وجدته من المتحرجين، بل ~~المتحنثين Puritains # المتأثمين في مفردات اللغة، لا يطيق ~~أن يرى لفظا لم تجمع كل المعاجم عليه أو على وجه استعماله. وإليك ما استعملت من الألفاظ ~~فلم يرضه: «احتاس، يساوي (بحذف المفعول)، غبآء، تندر، نضوج، عديدون (بمعنى متعددين)، ~~نبوءة، تأكد الرجل من كذا، مران، معدن (بمعنى منجم) كشارة.» لم يرض، بل رأى أن أستبدل بها ~~على الترتيب: «انحاس، يساوي كذا (بذكر المفعول)، غباوة، تنادر، نضاج أو نضج، متعددون، ~~تكهن، تأكد للرجل كذا، مرانة، منجم، قطوب.» ومع اعتقادي بأن ما استعملته من الألفاظ سائغ ~~لا تأباه أقيسة العربية ولا ذوق كتابها، غير أني - إعجابا بتحرجه - قبلت تغيير بعضها بما ~~أشار به أو بغير ما أشار. إنما هناك مسألة لم أستطع زحزحته فيها عن رأيه: في الجمل ~~الاقترانية؛ وهي ما يكون حدث إحداها واقعا في الزمن نفسه الواقع فيه حدث الأخرى؛ مثل: ~~«زيد كان يقرأ في الوقت الذي فيه عمرو كان يأكل.» لا أرى أي مانع في العربية من أن يقال: ~~«كان زيد يقرأ بينما كان عمرو يأكل.» كما يقال: «بينما كان عمرو يأكل كان زيد يقرأ.» # غاية الأمر أن استعمال إحدى العبارتين يكون تبعا لما يهتم بالإخبار عنه من فاعليهما، ~~لكن سيدنا شوقي يمنع التعبير الأول بتاتا، ويرى أن «بينما» لها الصدارة ms004 كحروف الاستفهام ~~وأسمائه، وأن التعبير الثاني هو وحده الصحيح، ويقول: إن هذا منبه عليه في كتب النحاة، وإن ~~من يريد استعمال التعبير الأول فعليه أن يستبدل بكلمة «بينما» كلمتي «على حين» أو «في حين» ~~مثلا؛ فيقول: «كان زيد يقرأ في حين عمرو كان يأكل.» ولقد حاولت إقناعه بأن في العبارة ~~جملتين، وأن «بينما» لها الصدارة في الجملة الثانية التي هي فيها، وأني لم أنزلها عن ~~صدارتها، وأن هذا لا تأباه أساليب العربية على الرغم مما يحتج به من أقوال النحاة. ولكنه ~~توقف وتأبى وكاد يغوث، فاحتراما لفضيلة ثباته على ما يعتقده الصواب المتعين، ~~وإشفاقا عليه من التغويث، قد حرمت على نفسي استعمال «بينما» واستعضت عنها بكلمتي «على حين» ~~أو «في حين»، وهما على كل حال عربيتان صحيحتان كل الصحة، ومطروقتان في الاستعمال، فلحضرته كل ~~إعجاب به وكل شكر له واحترام. # عبد العزيز فهمي # 15 أغسطس سنة 1944 # | القسم الأول # | المطلب الأول # 1 # آمنت بالعقل ورضيت منه بالحاصل، وجريت وأجريت في السبيل التي هدى، والحلبة التي ~~اختار. وفيما أنا آخذ بسنته إذا به يرطمني في تلك المسألة الوحلة؛ مسألة رسم ~~الكتابة العربية، التي شقي بها الأوائل واحتاس فيها الأواخر. أدليت فيها برأيي الذي ~~كونته على هدى هذا العقل، وهو حاضري ومجري قلمي ومحرك لساني، فإذا هو كان يخدعني، ~~وإذا هو ختال! # ألم تر كيف أني ما كدت أنطق بهذا الرأي حتى هبت من صفوف الخاصة والعامة، ممن ~~يساوي ومن لا يساوي، جماهير هائجة هيجان جماعات الدبر وأرجال الجراد، تعول ~~وتولول صاخبة مستصرخة من يعديها على مرتكب هذا الحنث العظيم؟ # بل إن سيدا من أغزر الناس علما، وأكثرهم عملا، وأقومهم تدينا، بل حتى هذا ~~السيد المتزن الكريم قد انساق مع التيار فظن الظنون فجمح قلمه، فأباتني، من رحمة له ~~وإشفاق عليه، غير موسد. # ماذا عساني إذن أن أقول أمام تلك الهبات والصيحات والمرازءات؟ أقول ... أقول ... ~~أظن أني مخطئ! # أما سمعت ووعيت منذ الصغر قولهم: «ألسنة الخلق أقلام الحق»؟ # هاك ألسنة الجماهير من ms005 مخاليق الله تقول إني مخطئ. # إذن أنا مخطئ حقا، بهذا يقضي القياس الذي شرعه أرستطاليس، عابد النجوم ~~اللعين. # لكن أظن أني غير مخطئ! # ألم يبلغك أن الجماهير لا عقل لها؟ أولم تقرأ عن «بيكون» فيلسوف الإنجليز أنه ~~قال: «أخس ضروب الرياء مصانعة الدهماء»؟ أولم تقرأ ما أثر عن ذلك البطل الخطيب ~~اليوناني من أنه إذا صفق له الجمهور وهو يخطب، التفت إلى من حوله قائلا: «ترى أي ~~خطأ فرط مني؟» بل ما لي وللماضي البعيد؟ أولم تسمع من بعض الأحياء أن رجلا من خيرة ~~أساتذة العربية هوسته السياسة فكلف بالمظاهرات، وبينما جمهور أرباب الحناجر ~~يزفه عالي الهتاف، إذا بأحد الظرفاء يندس صائحا بكلمة حسنة الرنين قبيحة المدلول، ~~فاستطاب الجمهور رنينها وطفق يرددها، وامتثل المزفوف الذي يفهم معناها، بعد أن لم ~~يغن عنه صوته الذي بح من المعارضة ولكن أذابته حماسة الغوغاء؟ # وإذن فأظنني لم أخطئ ما دامت تلك الجماهير من مخلوقات الله لم تصفق، بل تلقتني ~~بالصفير، بهذا يقضى أيضا قياسا لمولانا أرستطاليس العظيم. # مخطئ؟ غير مخطئ؟ « # That is the question # هذه هي ~~المسألة.» # وإنها لأحجية أعقد من ذنب الضب، ومشكلة غبراء عسراء بالغة في الاعتياص! فمن لي ~~بحلها وإنقاذي مما يساورني، في صحة رأيي أو فساده، من الشك الأليم؟ رحماك اللهم! ~~إذا كنت تدرك الأبصار فإنك سبحانك لا تدركك الأبصار، وقد حكمت بانقطاع وحيك بعد ~~نبيك الكريم، فإلى من تكلني؟ إنه ليس أمامي في هذه الدنيا من أهل العلم الذين ~~نصبوا أنفسهم للفتوى في مثل هذه البلوى إلا اثنان لا ثالث لهما؛ العقل والهوى. أما ~~العقل فقد استضعفني واستوطأ حائطي فتسورها علي، ثم دلف نحوي وتزلف وداهن وألقى في ~~روعي أنك خلقته من نور، فأنست به واصطفيته لنفسي، ثم هش وبش وتطامن وهز ذنبه ~~متملقا، وأوهمني أنك أمرت الشيطان فقبض قبضة من حمأة آسنة منتنة، فخلقت منها ~~الهوى والزئبق والحرباء، وأنك أودعت فيها خصائصها فاستبد الهوى بأخويه فكان ~~جماع تلك الخصائص، فهو أثير طيار طياش، همزة لمزة، هراج هباج، ms006 لا حد ~~لأفاعيله في الزمان ولا في المكان. وهو إذا تجسم كان زئبقا زلجا زلقا لا تمسكه ~~اليد ولا تضبطه البنان، ولو أبصره مبصر لما ظفرت عيناه بطائل؛ لأنه حرباءة خنثى ~~مشكل هلوك، تقلبت عبثا بين البعولة، ولما استيأست ارتدت عن مذهب أمها، وصبأت إلى ~~عبادة الشمس، فعوقبت بالتهاويل في إهابها، فيها كل لون وليس لها لون. # هذا الكلام المعسول الطريف الظريف كره إلي الهوى، فلن أستفتيه أبدا ما ~~حييت. # لم يبق لي بعد من أهل الفتيا إلا العقل، وها أنا ذا أرى أن ما قسمت لي منه فركنت ~~إليه وصحبني كريما راضيا مرضيا، قد غرر بي في الساعة الأخيرة من صحبته التي ~~امتد أجلها. # أرى هذا، وأرى ما أودعته منه في الناس قد أفلس، وقلت قيمته وكسد سومه، وأن ~~التقول والتأفك والزور والبهتان، وهي من بنات الهوى، أصبحت هي الصائح المحكي، ~~وليس لغيرها صوت ولا همس ولا صدى. # عفوك اللهم! أإلى هذا العقل المفلس الذي أضحى هو والهوى سيين في قرن، بل الذي ~~طعنه الهوى في النوادي والمجتمعات فأسال دمه، وأقصاه عن مقعده ذات اليمين إلى مزجرة ~~مستوبلة مستحقرة ذات الشمال، بل الذي تبلد واستخذى وسفه نفسه فحجر عليه المحتسب، ~~وقتر عليه رزقه فهزل وبدت من هزاله كلاه، فسامه من شكوله كل مفلس؟ أإلى مثله ~~تشاء إرادتك أن تكلني لحل معمى تلك الأحجية، وتقرير خطئي من صوابي؟! لا. لا. لا! ~~إنك لأعدل من أن تريد بي هذا الشر المستطير، وأحكم من أن تكلفني توجيه وجهي في ~~الاستفتاء والاستقدار والاستبصار إلى الجامدين من مفلسة العقول. ~~••• # رب إنه لا عصمة إلا لك وحدك، وأما مثلي من بني الإنسان فقد كتبت عليه ~~النسيان، والحوادث تنسي، والموقف كيوم الساعة، ترى الناس سكارى وما هم بسكارى. إني ~~نسيت، لكني ذكرت الآن! ذكرت أني ظلمت نفسي بما أثمت عقلي، فأستغفرك مما رميته به من ~~تهمة التغرير بي في هذا الرأي الذي أقام قيامة الفارغين. أشهدك أنه لم يأل جهدا ~~من قبل في تبصيري بهذه القيامة ms007 الهوجاء، فاغفر لي ما فرطت في جنبه، فإنك أنت ~~العفو الغفور . ~~••• # ها إني أشعر باستجابة استغفاري، وها قد صرح المحض عن الزبد، وبان الصبح لذي ~~عينين - كما قال بعض المتقولين - وانجاب عن البصر الغطاء، وانقشعت سحابة ذلك الشك ~~الأليم، واطمأننت إلى أني لم أخطئ، بل إني بفضل الله جد مصيب. # فإليك عني ودعني من عبدة الأوهام، واستمع لما أقص عليك من نبأ المشكلة القائمة، ~~مشكلة رسم الكتابة العربية التي يدور عليها الكلام، ويكثر فيها الملام، وتطيش ~~الأحلام. # 2 # إني رجل من أهل العربية، نشأت في حجرها ومارستها إلى الشيخوخة، وسأمارسها ما ~~دام في الأجل انفساح. وليست ممارسة العربية بالأمر الهين؛ فقد شقيت أنا وغيري بها ~~شقاء مرا: ~~(1) # لأن طول العهد ما بيننا وبين أهلها العرب الأولين نكر معالمها وعمى سبلها. ~~كان هؤلاء الأولون يتفاهمون بها وينطقون عباراتها نطقا صحيحا بالسجية، والسجية لا ~~كلفة فيها ولا عناء ولا استكراه؛ لأنها عادة ينطبع عليها اللسان، كسجيتك في النطق ~~بلهجتك العامية سواء بسواء. لو كنت شاهدهم - عصر النبوة، ومن قبل عصر النبوة - لرأيت ~~الفصحى تتدفق من أفواههم زاكية زاهرة باهرة، معتدلة القوام، سليمة من الآفات، لا ~~يجدون في أنفسهم ضيقا بها ولا حرجا، ولا يحتاجون في تقويمها لمتون ولا لشروح ~~وحواش وحواشي حواش، ولا يلجئون لابن من أبناء مالك أو عقيل، ولا لأشموني، ولا ~~صبان. ~~(2) # ولأن قواعد نحو الفصحى وصرفها بالغة في الصعوبة والتعقد والعسر والارتباك، ترغمك ~~الآن على الرجوع إلى تلك المتون والشروح، والتعرف إلى أولئك العلماء ~~الأجلاء. ~~(3) # ولأنها - كما وصلت إلينا - ليست لغة واحدة يخف حملها، بل هي جملة لهجات جمعها ~~أوائل المسلمين وكدسوا في المعاجم مفرداتها جميعا، وشواهدها جميعا، فألقوا على ~~كواهلنا في المدارسة والاصطناع أضعافا مضاعفة من الأوقار والأوزار والأحمال ~~الثقال، وزادونا في الدرس والتحصيل عناء وشقاء وبلاء، وبغوا علينا، من حيث ~~يشعرون أو لا يشعرون، وظلمونا ظلما عظيما، وجعلوا من بالعدوة القصوى من النظارة ~~والمراقبين يتفرجون بنا ويبتسمون لقوة صبرنا على احتمال تلك المكاره والأوزار؛ إذ ~~يرون أنفسهم ms008 قد خفت عليهم مئونة لغاتهم، فهم يحلقون فوق رءوسنا في جو السماء ، ~~ويروننا كالبراذين الدبرة المجرحة نجر حمل لغتنا ومن ورائنا سائق غليظ يسومنا ~~صعود الجبل، وليس لنا من منجد ولا مغيث. ~~(4) # ولأن خير متعلميها - من شبان وشيوخ بلا استثناء - يتعذر على الواحد منهم أن يقرأ ~~أمامك صحيفة واحدة من أي كتاب، أو نهرا واحدا من أية جريدة؛ قراءة متتابعة متصلة ~~الأجزاء، من غير أن يلحن لحنا فاحشا أو غير فاحش، أو على الأقل من غير أن يتوقف ~~ويقطع أوصال العبارات. وهو في قراءته مشغول أبدا بتحديد البصر وإعمال الفكر ~~تحسسا لمعنى ما يقرأ، قبل أن يقرأ؛ حتى يستطيع أن يقرأ. وتراه في تلك الحال ~~كالمجذوب المتوجد، أو المكروب المتجلد، جاحظ العينين تارة، أخزرهما أو أحوصهما تارة ~~أخرى، مضروب اللسان باللعثمة والغمغمة والفأفأة وغيرها من ضروب الارتتاج. # إن كنت من الذين يقتنعون بالدليل وينصاعون لموجبه؛ فالدليل في متناول يدك، ~~إنك تعرفه من نفسك في قراءتك حين تتعمد النطق العربي الصحيح، وتعرفه في قراءة غيرك ~~من خريج جامعة، أو أستاذ في جامعة، أو عضو في مجمع لغوي، وتعرفه على الأخص فيما تسمع ~~من الخطب الارتجالية أو من الخطب المتلوة أو المذاعة، ما لم يكن صاحبها قد شكلها ~~أو شكلوها له وكررها في خلوته مرارا من قبل؛ حتى لا يلحن فيها لحنا شائنا يزري ~~بمكانته لدى جمهور السامعين. # أما إن كنت من الذين لا ينصاعون للدليل، فأنت متعنت مدع فارغ، ونفسي على الرغم ~~منك كبيرة، وهي أكرم علي من أن أجشمها خطاب المدعين الفارغين. # 3 # لكن هذه اللغة العربية على ما بها من الصعوبات الجسام، هي في جوهر حقيقتها من ~~أقوم اللغات، بل لا أبعد إذا قلت إنها - من كثير من الوجوه - أقوم اللغات. # ولا تصدق أن المجمع اللغوي أو غير المجمع اللغوي يستطيع أن يمس شيئا ذا قيمة من ~~مفرداتها أو من أصول قواعدها في نحوها وصرفها. ولو فرض - ما لم يقع للآن - أنه عالج ~~شيئا من هذا - كما هو مكلف ms009 به في أمر تشكيله - فلن يكون ذلك إلا علاجا في القشر ~~دون اللب ، وتهذيبا في الظاهر دون الباطن، وتشذيبا في الشوى دون مساس بجوهر ~~الهيكل. ومن تراوده نفسه بالنفوذ إلى اللب فليس منا؛ لأنه يفسد ذاتية اللغة، ~~ويحرمنا من تفهم ما تركه الأولون في المناحي الأدبية من التحف والآثار. # 4 # إنما لهذه اللغة الجميلة آفة خبيثة هي رسم كتابتها. إن هذا الرسم، على ما في ~~مظهره الآن من جمال، لهو علة العلل، وأس الداء، ورأس البلاء. إنه سرطان أزمن فشوه ~~منظر العربية وغشى جمالها، ونفر منها الولي القريب والخاطب الغريب. وإذ أقول ~~«سرطان» فإني أعني ما أقول؛ لأنه كالسرطان حسا ومعنى. اصرف النظر عما هو معروف ~~للجميع، وما أشرت إليه في أصل بياني من مساوئ هذا الرسم، وانظر هل تجد في رسم أية ~~لغة من لغات أمم الحضارة أن هيكلا واحدا يحوي في تجاويفه أربع كلمات أو ثلاثا أو ~~حتى اثنتين، كما يحوي - في الرسم العربي - هيكل «علمتنيه» أربع كلمات، وهيكل ~~«علمته» ثلاثا، وهيكل «علمت» اثنتين؟ ألا ترى أن تلك الهياكل العربية هي أشكال ~~سرطانية، وأن فعلها في من يريد قراءتها غير مشكولة بدقة هو فعل السرطان ~~المخيف؟ # 5 # لقد لاحظ المسلمون في الصدر الأول ما نلاحظه الآن من أن هذا الرسم مصيبة على ~~العربية؛ لأنه مضلل لا يشخصها ولا يقي من تصحيفها وتغيير أصل المراد بعباراتها، ~~فعالجوا الأمر أولا بالنقط، ولما وجدوا النقط وحده لا يغني عمدوا إلى تكملة العلاج ~~«بالشكل»، وجعلوا الشكلات مجرد نقطات بمداد أحمر، كما جعلوا الهمزات نقطات بمداد ~~أصفر، فكان الكاتب مضطرا إلى استعمال ثلاثة ألوان من المداد، أسود وأحمر وأصفر. ~~ثم خرجوا من هذا التكلف المضني إلى اتخاذ الشكلات بحسب ما هي عليه اليوم، مرسومة ~~بالمداد المرسومة به الكلمات. كما جعلوا للهمزة علامتها الخاصة ورسموها بهذا ~~المداد. ولا زال أهل العربية إلى اليوم - بعد ألف وثلاثمائة وثلاث وستين سنة من ~~الهجرة - يختلفون في كتابة الهمزة وفي كتابة الألف المقصورة وغيرها، ولا زال بين ~~رسم ms010 القرآن وبين رسم غيره من المكتوبات بون غير قريب، ولا زالت مصيبة الرسم قائمة ~~لم يحلها «الشكل» الذي أفلس بإجماع العارفين، ولا زالت هذه المصيبة مانعة من إمكان ~~قراءة العربية قراءة صحيحة موحدة الأداء لدى جميع القارئين. # 6 # ولقد اهتم المجمع اللغوي من زيادة عن خمس سنوات بأمر هذا الرسم القاصر المضلل، ~~كما اهتمت به الحكومة، واشتغلت ببحث مشكلته لجنة عمادها حضرة الأستاذ الكبير ~~والمربي القدير علي الجارم بك، وقد انتهى حضرته أول مرة بأن قدم للجنة الأصول ~~بالمجمع (بجلسة 24 أبريل سنة 1941) مشروعه الخاص بتيسير الكتابة، مصحوبا بتقرير قال ~~فيه عن مساوئ الرسم الحالي ما يأتي حرفيا بغباره: # وبقي علينا أن ننقذ قراء العربية من اللحن الشائن والخطأ المعيب، وأن نجعل لغتنا ~~الشريفة في صف مع جميع اللغات الحية التي لا تحتاج في قراءتها صحيحة إلا أن تترجم ~~الأصوات عن رسوم الحروف. # وفي الحق، إن القراءة أصبحت عندنا عملا علميا دقيقا كثير التعقيد والتركيب، ~~وصارت فنا من الفنون أو عبئا من الأعباء، وإن شئت أن تقول إنها أصبحت لغزا من ~~الألغاز فقل. إنك لا تستطيع القراءة العربية على وجهها إلا إذا كنت لغويا صرفيا ~~نحويا معا، فإن لم تكن كل هؤلاء جميعا عجزت عن أن تكون قارئا أو شبه ~~قارئ. # فإن قالوا إن الشكل يسد هذه الحاجة ويذلل تلك الصعوبة. قلنا إن الشكل لا ينقذ من ~~الخطأ، بل إنه قد يكون مدعاة للخطأ! وكيف تستطيع العين أن تدرك الحروف وما تحتها ~~وما فوقها في آن واحد مع الضبط والدقة، ثم تنقله إلى أعصاب المخ فتنقله هذه إلى ~~أعصاب اللسان سليما صحيحا؟ لقد جربنا في مدارسنا أن التلاميذ يخطئون في قراءة ~~المشكول خطأهم في قراءة غير المشكول. جربنا أن الطالب المثقف لا يستطيع قراءة ~~القرآن الكريم وهو مشكول على أدق ما يكون الشكل وأحكم ما يكون الضبط. ثم إن الشكل ~~كثيرا ما ينقل عن مواضعه عند الطبع، فتنقل حركة المفتوح إلى المضموم، وتنقل الحركة ~~من حرف يجب شكله إلى حرف ms011 لا يتطلب لضبطه شكلا. وأخرى أن الشكل عمل شاق جدا في ~~الطباعة يحتاج إلى دقة وإلى زمن وإلى أجر مضاعف؛ لذلك قل من الكتب المشكول، ورأى ~~أصحاب الصحف والمجلات أن الشكل صعوبة مادية لا تذلل. # تلك شهادة خبير تعدل ألف شهادة من غيره. كان من كبار مفتشي اللغة العربية، ~~وكان وكيل دار العلوم ومربي كثير فيها وفي غيرها من أساتذة العربية. هاكه يقول - ~~وصاحب الدار أدرى بما فيها: إن قراءة العربية برسمها الحالي أصبحت لغزا من ~~الألغاز، وإن قارئها إن لم يكن لغويا نحويا صرفيا في آن لعجز أن يكون قارئا ~~أو شبه قارئ. وإن الشكل مجلبة للخطأ لا تستطيع الأعضاء الموكلة بالنطق الاهتداء به. ~~وإن تلاميذ المدارس يخطئون في قراءة المشكول خطأهم في قراءة غير المشكول، وإن ~~الطالب المثقف لا يستطيع قراءة القرآن وهو مشكول على أدق ما يكون. وليس بعد شهادة ~~هذا الخبير قول لقائل، إلا من كانوا يحلون الأمر عاما ويحرمونه عاما، ومثل هؤلاء ~~لا قيمة لهم بين الرجال. # على أن حضرة الجارم بك قد لبث من بعد يكد ويستعين بالاختصاصيين في فني الخط ~~والطباعة؛ رجاء تحسين مشروعه هذا الذي قال إنه ييسر الرسم ويقي من اللحن في ~~القراءة. ولما عدت للعمل بالمجمع بعد غيبة طويلة بسبب المرض، وجدت هذا المشروع قد أعيد ~~عرضه في صيغته النهائية على لجنة الأصول التي أنا من أعضائها، وكان ذلك في منتصف ~~شهر نوفمبر سنة 1943. فلم أوافق أنا ولا غيري عليه، بل نقدته نقدا قاسيا، ثم أخذت ~~أفكر في هذه المصيبة التي حيرت الأولين والآخرين، وفي طريقة لإطلاق العربية من ~~عقالها حرة كريمة كما ولدتها أمها وكما نشأها آباؤها الأولون، أولئك الذين يلوح ~~أن فقدانهم الدربة والمرانة أقعدهم عن اصطناع ثوب لها مقيس على قدها، فحشروها في ~~قماط ومخنقة مما لا يتخذ إلا للرضع من الأطفال، فجنوا عليها جناية كبرى؛ إذ ضغطوا ~~أعضاءها وكبتوها عن النمو وبلوغ ما هي ميسرة له من الكمال. # 7 # فكرت جديا في الأمر، وقلبته على كل ms012 وجوهه، فاتجه فكري إلى النظر في اتخاذ ~~الحروف اللاتينية لرسم العربية، فنظرت واستيقنت أن لا محيص من هذا الاتخاذ، إنقاذا ~~للعربية من مساوئ رسمها التي نعرفها جميعا والتي أشار إليها حضرة الجارم بك بكل ~~صراحة وجلاء في تقريره المذكور آنفا. # وفي الجلسة الثانية أو الثالثة من جلسات مؤتمر المجمع الذي افتتح في 15 يناير ~~سنة 1944 تكلمت في هذه المسألة الأساسية التي لا يدانيها في أهميتها شيء مما يشتغل ~~به المجمع ومؤتمره، فاقترحت لحلها ما انتهى إليه رأيي من وجوب اتخاذ تلك الحروف ~~اللاتينية، حتى تضبط كلمات اللغة وتسهل قراءتها على الكافة - مثقفين وغير مثقفين، ~~شيوخا أو شبانا أو أطفالا، عربا أو عجما - قراءة صحيحة موحدة الأداء في ألسن ~~الجميع. فطلب إلي المؤتمر تقديم اقتراحي هذا بالكتابة، فكتبته وتلوته بجلستي 24 ~~و31 من يناير المذكور، فرأى المؤتمر طبعه وتوزيعه على حضرات الأعضاء كيما يستطيعوا ~~المناقشة فيه. وقد كان. # 8 # كان لا بد لي في تفصيل هذا الاقتراح من وصف حال العربية وبيان صعوباتها، ~~ونسبتها، من حيث تلك الصعوبات إلى اللغات الأخرى، وبيان حال أهلها المتحملين بها، ~~ونسبتهم في الرقي أو التأخر إلى غيرهم من الأمم. وكان لا بد في هذا الوصف والبيان ~~من تقرير الواقع فعلا، وكان لا بد في تقريره تقريرا صادقا من أن أجرد نفسي ~~تجريدا تاما من التأثر بشيء من الميول والعواطف، تلك الصوارف والمشوشات التي ~~أشار الحكماء - معلمو الإنسانية - بوجوب التجرد منها كلما أريد تقرير الواقع في أي ~~شأن من الشئون، أو الأخذ في تعرف حقيقة من الحقائق المقدورة معرفتها للإنسان. جردت ~~نفسي فعلا من كل مؤثر عاطفي، وتناولت الأمر كما لو كنت أجنبيا عن العربية وأهلها ~~لا حق لها ولا لهم عندي ولا مجاملة بيننا ولا ولاء. فخرج الوصف في الفقرات الثماني ~~الأولى - التي ستقرؤها - وصفا بالغا في التصوير الواقعي # Trés réaliste ~~، لا يماري في صدقه أقل مثقف يعرف الفرق بين الوصف ~~الواقعي الواجب في مثل هذا البحث وبين الوصف العاطفي # Idéaliste # الذي يرفضه أئمة ms013 الإنسانية؛ لأنه ~~هذر لا غناء فيه. كما خرج ذلك الوصف من أقسى ما يكون في النعي على حال العربية وحال ~~أهلها من خياليين وغير خياليين. # فمما أوردت فيه من الحقائق الواقعية الأربع الآتية التي يغض بعض قومنا بصرهم ~~دون رؤيتها كما تخفي النعامة رأسها بين رجليها، حاسبة في غباوتها أنها بهذا التواري ~~المضحك تحمي نفسها من سهام الصائدين: # أولا: # قلت: «إن المستشرقين من الأمم المختلفة ليعجبون منا، نحن الضعاف ~~الذين يطأطئون كواهلهم أمام تمثال اللغة لحمل أوزار ألف وخمسمائة سنة ~~مضت.» # وهذا تقرير صادق لا يحتمل المماراة؛ فإن المعروف عن اللغة العربية ~~أنها مضى عليها - على أقل تقدير - ألف وخمسمائة سنة وهي على حالها في ~~مفرداتها ونحوها وصرفها. وقل أن توجد لغة بقيت على حال واحدة مثل هذا ~~الزمن الطويل؛ إذ اللغات في تطور مستمر يعرفه من ألقى البال وهو شهيد. ~~وكلما تقادم العهد ازداد التطور وأصبح قديم اللغة عبئا ووزرا ينقض ~~ظهر المحدثين؛ لبعد ما بينها وبين ما نشأ فيهم واعتادوه من مختلف ~~اللهجات. ومن يقل عن الأوزار والأثقال إنها أوزار وأثقال فقوله حق لا ~~ريب فيه، ومن يراقب إبهاظ هذه الأوزار كواهل حامليها وير صبرهم عليها ~~وتعبدهم لصنمها صاغرين، فهو إن يعجب فعجبه طبيعي لا تصنع فيه. # ثانيا: # قلت: «إن العربية قد سرى قانون التطور في مفاصلها وحتتها في عدة ~~بلاد بآسية وأفريقية إلى لهجات يخطئها الحصر، وإنه لم يخطر ببال أي بلد ~~من تلك البلاد المنفصلة سياسيا أن يتخذ من لهجة أهله لغة قائمة ~~بذاتها لها نحوها وصرفها كيما يسهل عليهم أمور الحياة.» # والواقع الذي لا شك فيه هو هو الذي قررت، مهما يهرف الفارغون الذين ~~لا يميزون بين تقرير الواقع وبين إرادة شيء مما لهذا التقرير من ~~المفهومات. # ثالثا: # قلت: «إن أهل العربية مستكرهون على تعرف فصحاها؛ كيما تصح كتابتهم ~~وقراءتهم.» وهذا الاستكراه صحيح مطابق للواقع المحسوس، وهو كما قلت ~~وأقول: «ظلم وبغي؛ لأنه تكليف للناس بما لا يطيقون.» # ومن أظرف الأشياء أن أستاذا كبيرا من ms014 أساتذة العربية، ممن يبتغون ~~الإعلان عن أنفسهم أنهم من حماة العربية - كما أعلن موسوليني وغير ~~موسوليني أنهم حماة الإسلام - هذا الأستاذ العظيم قابلني مصادفة ~~فسألني: «كيف تقول إننا مستكرهون على تعرف الفصحى؟» سألني متصورا أني ~~كبعض من يعرفهم ممن يكتمون الحق وهم يعلمون. فقلت لغبطته ببساطة تفك ~~قطوب تزمته: «يا سيدي، إنها ليست لغة الحارة، وإنك لو لم تكن أكرهت ~~عليها وتعلمتها بعرك أذنيك وبالنبوت لما وصلت إلى مركزك. ولو أن ~~تلاميذك لا يتعلمونها طوعا أو كرها فإنهم لا يظفرون بالشهادات ولا ~~يجدون لهم مرتزقا في الحياة، بل يقضونها أذلاء متعطلين.» # رابعا: # قلت: «إن اللغة العربية ليست لغة واحدة لقوم بعينهم، بل هي مجموع ~~لهجات أهل جزيرة العرب، أودعت المعاجم لتكون كلها هي العربية، ويكون ~~مجموعها حجة على من ينتسب للعربية. وإن هذه اللهجات قد ماج بعضها في ~~بعض فانعجنت واختلطت، وإن أية منها لو أمكن فصلها لكانت دراستها أشق ~~على دارسها من تعلم جملة لغات حية تيسر عليه سبيل الحياة. وإن من الظلم ~~إلزام المصريين وغير المصريين بتعرف كل تلك اللهجات كيما تصح كتابتهم ~~وقراءتهم.» # قلت هذا وهو الحق الواقع؛ فإن العربية - كما يدرك كل خبير بها - خضم يحتشد في ~~عبابه جملة بحور، وراكبه لا يأمن فيه الغرق. وإذا ادعى العكس أحد من القصار ~~المتطاولين فليتقدم للامتحان، وعنده يكرم أو يهان. وواضح أن من تلزمه ركوب هذا ~~الخضم الطامي فقد ظلمته ظلما مبينا. ~~••• # بهذه الصراحة الواجبة على المتصدي للبحث وللوصف الواقعي الصحيح، ممن تقتضيه مهمته ~~نبذ الشعر والخيال، وأن يسمي الوردة وردة والشوكة المدمية المؤلمة شوكة، بهذه ~~الصراحة وتلك القسوة التي لا محاباة فيها لعاطفة ولا مجاملة لآصرة ولا لولاء مكسوب ~~أو موروث، نقدت العربية وبينت أن الطرق إليها متشعبة وكلها أشواك وعقبات، وأن تعلم ~~أية لغة من اللغات الحية، بل تعلم عدة منها، أيسر وأهون من تعلم أية لهجة من تلك ~~اللهجات العربية الأولى. # 9 # على أني إذ رأيت مما يلائم طبعي ويعلي نفسي أمام نفسي، ويرضي نفسي ms015 عن نفسي أن ~~أجهر بالحق في مواطن الحق غير هياب ولا وكل، وقد صدعت به فعلا عريان مكشوفا ~~لاشية عليه ولا قترة تغشيه دون متوسميه؛ إذ رأيت وصدعت، فإنه لم يغب عني أن ~~كثيرا من قومنا خياليون سطحيون لا يفرقون - عند التقدير - بين ما في الواقع وما في ~~الخيال، بل يخلطون بينهما ويقيسون ما يسمعون وما يشهدون من الأقوال والأفعال بقياس ~~عقليتهم هم وما في أدمغتهم هم من ألوان التوهمات والتخيلات. ولقد خفت فعلا من ~~ضلالات هذه العقلية على الحق وعلى أربابها، خشيت أن بعضهم إذ يرون هذه الصراحة في ~~الوصف والقسوة فيه، والتنويه بسهولة اللغات الأجنبية، بالإضافة إلى ما في العربية من ~~الصعوبات الجسام - والصراحة واد لم يسيموا من قبل فيه حتى يألفوه - ربما تحكمت ~~فيهم تلك العقلية المختلطة المخلطة وطوحت بهم - خطأ وجهلا - إلى مهاوي التظنن ~~وسوء التأويل، فتوهموا في غباوتهم أني أكره العربية وأبتغي حذفها من الوجود ~~والاستعاضة عنها بغيرها من تلك اللغات. # من أجل هذا سارعت (في الفقرة التاسعة) بالإشارة إلى ما قد يقوم من هذا التظنن ~~الذميم، ووصفت مقترفيه بالبلادة واستنزلت عليهم غضب الله، في عبارة هي أشد ما في ~~العربية من عبارات الزجر والقمع والاستبراء. قلت - كما ستقرؤه - بالحرف الواحد: ~~«لعل البعض يتساءل: ما بال هذا الرجل ينحي هكذا باللائمة على العربية ويصعب من ~~أمرها؟ ألعله يريد نبذها والاستعاضة عنها بلغة أجنبية من اللغات الحية؟» ثم أردفت ~~هذا التساؤل بالإجابة الآتية: «حاش لله! وبعدا لهذا الظن البليد كما بعدت ثمود! ~~وشقحا له وحجرا محجورا!» # ثم استطردت فبينت موقفي من الفصحى وموقفها مني. وأخذت من بعد في تقديم علل ~~جنوحي إلى اتخاذ الحروف اللاتينية، وبينت طريقتي فيها، وفاضلت بينها وبين غيرها، ثم ~~فصلت مزاياها، وأقمت أثناء البحث كل ما قدرت أن يرد من الشبه والاعتراضات ورددت ~~عليها. ولم أحجم عن مجابهة كل بما تحسسته لديه من وجه اعتراض، وكل هذا في عبارات ~~عربية صريحة لا مداورة فيها ولا التواء. # 10 # وسواء أكنت من النافرين من ms016 اتخاذ الحروف اللاتينية أم كنت من غير النافرين، فإني ~~أنصح لك أن تقرأ بيان اقتراحي الذي طبعته لك مع هذا بنصه الحرفي، # 1 # وأن تجشم نفسك الصبر على القراءة في تؤدة وإمعان، مهما يكن الفارغون قد ~~أوهموك بأنه من الضلالات. إن لك ولي فائدة في الأخذ بنصيحتي. أما فائدتك فإنك قد ~~تكسب منه لعقلك ولخلقك الشيء الكثير، وليس لعاقل أن يأبى الاستفادة لعقله ولخلقه. ~~والمسلم - على الخصوص - مكلف بطلب العلم ولو بالصين، وكل أهلها يوم هذا التكليف ~~وثنيون، بل إن جامعاتنا أصبحت تدرس فيها الفلسفة، وأئمتها من جبابرة العقول ~~المارقين، بل ليست هذه أول شردة للمسلمين؛ فإن كثيرا من رجال الصدر الأول لجئوا من ~~قبل إلى الحكمة والفلسفة يغترفونهما من فيض عقول اليونانيين الملاعين. # وأما فائدتي فأن تتحقق أنت والمتصلون بك أن الناس إزاء هذا الاقتراح ثلاثة ~~أفرقاء؛ فريق من الإمعات سماعون للكذب، لا يقرءون وإنما تصف ألسنتهم السوء تقليدا ~~ورجما بالغيب. وفريق ثان يقرءون ولا يفهمون؛ لأن التفكير في موضوع اقتراحي يسمو ~~على مستوى عقولهم، ولغة البيان أيضا فوق طاقتهم، لكن الواحد منهم إذا سئل عما قرأ ~~حمله سوء خلقه وقلة بضاعته أن يدعي لنفسه ما ليس لها؛ فهو يزعم أنه فهم ما قرأ. ثم ~~إذا سئل عما فهم لجأ إلى ما هو أوجز وأكثر انفهاما وقبولا عند العوام؛ إنه يقول: ~~كل الحاصل من هذه الثرثة واللت والعجن أن صاحبها يريد أن ينبذ لغة القرآن. وإن ~~استحيا شيئا ما قال: إنه يريد تغيير كتابة اللغة العربية، وأن يجعلها ككتابة يني ~~وكرالمبو وكيرياكو من جرسونات قهاوي الأروام. أما الفريق الثالث فإنه يقرأ ويفهم، ~~ولكن صدره يتطاحن فيه عاملان: عامل الإنصاف، وعامل ضرورات العيش أو إرضاء شهوة من ~~شهوات الأمارة بالسوء. ومتى قضت ضرورات العيش أو شهوات النفس خرس عامل الإنصاف ~~قليلا ثم عبس وبسر، ثم ولى مدبرا وتوارى. وهذا الفريق شر الثلاثة؛ لأنه يتناول ~~العبارة فيعمد منها إلى ما ينفعه ويصد عما يضره، فهو ينتقر ويختزل ويمسخ ويشوه، ثم ~~يبني ms017 على هذا الانتقار والاختزال والمسخ والتشويه ما شاء من شوامخ الأباطيل ويبيعها ~~للناس. وهو في كل ذلك على بينة من إجرامه وشنيع إصراره، لا شيء يردعه من عقل أو من ~~ضمير؛ إذ عامل الإنصاف حين ولى عنه قد مرض ومات وانقبر. ومهما يكن أهل هذا الفريق ~~قد قرءوا «أن الحرة تجوع ولا تأكل بثدييها.» بل مهما يكن الله أنذرهم بأنه إنما ~~يملي لهم ليزدادوا إثما، فإنهم لا يأبهون لذلك التبكيت ولا لهذا النذير. ألم ~~يقرءوا أن الله إنما «يضع الموازين القسط ليوم القيامة» لا لما قبل يوم القيامة؟ ~~أولم يسمعوا أن الحساب لن يكون إلا في الآخرة، وأن رحمة ربك وسعت كل شيء؟ أولم ~~يحفظوا في كتب الهجاء أن عصفورا في اليد خير من كركي في جو السماء؟ وإذن فلينتهزوا ~~شهود العاجلة وليسعوا لها سعيها وهم مجرمون، وليرفسوا تلك الآجلة التي كلها عليهم ~~هم وغم وبلاء مبين. وكل هذه المحادة لله وللضمير، إنما يأتونها - على ما ترى - ~~اجترارا لغنم حقير، أو إرضاء لشهوة من خسيس الشهوات. ألست معي في أنهم شر الثلاثة؟ ~~ألا إن ابن حواء عيبة أعاجيب! # 11 # ذكرت في بياني صعوبات العربية، ونعيت على سوء رسمها الحاضر، وعلى زيادة الطريقة ~~الجارمية لهذا السوء. وتعهدت بأن أكافئ جهد استطاعتي من يصل إلى طريقة لكتابة ~~العربية بالحروف العربية ذاتها كتابة فيها يؤدي الحرف بذاته صورته الصوتية أداء ~~صادقا (العبارة الأخيرة من فقرة 58). # 2 # وبينت (في فقرة 68) أنه يحزنني اطراح الحروف العربية والاستعاضة عنها ~~بالحروف اللاتينية، وأن ضرورة المحافظة على كيان العربية هي التي تضطرني لهذا ~~الاقتراح البغيض. # وعباراتي في تينك الفقرتين مكتوبة بالعربية لا بالصينية ولا بالهيروغليفية، ~~ومفهومها أن الحروف ليست بذاتها محلا للحب ولا للكره، وإنما هي تستحسن إذا وفت ~~بالغرض منها فيحتفظ بها، وتستقبح إذا قصرت عن هذا الوفاء وعجزت كل حيلة عن علاج ~~قصورها فتطرح وترمى في سلة المهملات. # | المطلب الثاني # 12 # قام على رأيي كثير من الاعتراضات وصل إلى علمي منها اثنان وعشرون سأذكرها لك فيما ms018 ~~يلي، مردفا كلا منها بردي عليه. وقد صغت هذه الاعتراضات صياغة عربية تحريت فيها ~~دقة التعبير عن مراد بعض المعترضين الذين قصر لسانهم أو قلمهم عن الإبانة بوضوح. ~~وإذا لاحظت في ردودي شيئا من التكرار، فعلته أولا: أن كل اعتراض كنت أدون ~~ردي عليه بمجرد وصوله إلى علمي. وثانيا: أن هذه الاعتراضات متداخل بعضها في البعض، ~~وقد حرصت على أن يكون كل رد مواجها لكل اعتراض، وأن يكون مستقلا برأسه، حتى يسهل ~~على كل معرفة جوابي عليه. # الأول: # قيل إني أريد نبذ العربية ذاتها، أو أن أستبدل لهجة عامية بالفصحى. # قال هذا من القوم كبار وصغار، وهو كما ترى اختلاق صبياني سخيف. # الثاني: # قيل إن الحروف اللاتينية لا تؤدي كل ما في العربية من النغمات، فهي تحيل ~~الحاء هاء، والصاد سينا، والضاد دالا ... إلخ. # وموردو هذا الاعتراض إما أنهم لم يقرءوا بياني ولم يعرفوا كيف لاحظت هذا ~~الذي يعترضون به، وكيف عالجته، فهم معذورون. وما عليهم سوى أن يقرءوا البيان، ~~فإنهم يجدون (في الفقرات من 28 إلى 39) ما يسقط اعتراضهم ويردهم من هذه الناحية ~~مطمئنين. وإما أنهم قرءوا ولكنهم متعنتون، والمتعنت مراء شغاب لا يستأهل ~~الخطاب. # الثالث: # يقولون إن اتخاذ الحروف اللاتينية يقطع بين الخلف والسلف، ويحرم الخلف من ~~الانتفاع بآثار السلف في العلوم والفنون والآداب. # وهذا الاعتراض قد استثرته أنا نفسي في فقرة 25 من البيان، وهو اعتراض ~~جدي وجيه، لكنه كالطبل يطن وجوفه خلاء. إن علاجه مالي بحت، وكل ما كانت ~~ديته المال فهو من الهنات الهينات، مليون من الجنيهات أو مليونان على الأكثر ~~أو ثلاثة ملايين مع شدة الإسراف في التقدير، تصرفها الحكومة لا دفعة واحدة في سنة ~~واحدة، بل على التوالي في بضع سنين، فتطبع لك كل أمهات معاجم اللغة، وكل المهم ~~من كتب الآداب منظومها ومنثورها، وكل المهم من كتب العلوم والفنون إن كان عندنا ~~منها مهم. والإغضاء عن هذا العلاج المالي الميسور، ثم اللجوء إلى تصعيب الأمر ~~والتخويف من عواقبه، لا يراه العاقل إلا ms019 ضربا من التعاجز والتباكي لمجرد ~~الإيهام واستبقاء اللغة المسكينة تتكمش في ثوبها الخلق الذي كله تنكير وتبهيم ~~وإضلال. # واجه الحقائق، ولا تصدق الخالين الذين يخيلون إليك الحبة قبة. ارجع ~~إلى كليات العلوم والطب والصيدلة والهندسة والزراعة والحقوق، وهي عندنا معاهد ~~العلم الصحيح الذي عليه الاعتماد في إنهاض البلاد، ثم ارجع إلى مدارس الصنائع ~~والفنون، وإلى معاهد الفنون الجميلة من موسيقى ونقش وتصوير. ارجع إليها وسل ~~أساتذتها المصريين، فإنهم جميعا ينبئونك أن الدراسة في كلياتهم ومعاهدهم قائمة ~~على علم الأوروبيين وفن الأوروبيين وكتب الأوروبيين، وأن خيارهم إنما هم أولئك ~~الذين بعثتهم الحكومة لأوروبا وأمريكا فدرسوا هناك صنوف العلوم والفنون، ثم ~~عادوا يعلمونها المصريين. كما يقولون لك إننا - نحن العرب - إذا كنا في زمن ~~حضارتنا عالجنا شيئا من المسائل العلمية، مما فضلنا فيه معترف به من العدو قبل ~~الصديق، فإن ذلك إنما كان قدرا جزئيا ضئيلا لا يسمن الآن ولا يغني بالإضافة ~~إلى ما وصل إليه الأوروبيون، وإن أي كتاب عربي علمي قديم إذا اقتناه أحدنا الآن، ~~وقلما يقتنيه أحد؛ فإن ذلك لا يكون إلا لمجرد الموازنة بين العلم في طفولته ~~وبينه في دور الاكتمال. هذا ما تسمعه من أولئك الأساتذة العلماء، منه تعرف أننا ~~الآن في العلم والفن عيال على الأوروبيين لا على أسلافنا الأولين. كما تدرك أن ~~بعضهم إذا كان يلذ جمع المشرقيات العربية من قديم الكتب وقطع الفنون، فإن سواد ~~الأمة لا حاجة بهم إلى مثل هذه اللذاذات، بل يكفيهم أن تحفظ لهم في دور الكتب ~~والآثار الحكومية العامة يراجعها منهم من قد تصبوا أنفسهم للاشتغال بتاريخ ~~مسألة من مسائل العلوم والفنون. وإن وجد بينهم من يريدون أن يجهدوا في هذا ~~السبيل كما يجهد الأجانب من المستشرقين، فليجهدوا؛ فالبيئة بيئتهم، واللغة ~~العربية لغتهم، ودور الكتب والآثار أقرب إليهم منها إلى أولئك ~~المستشرقين. # إذن لا تسمع لمن يفتنك بقالة الانقطاع عن آثار السلف في العلوم والفنون؛ فإن ~~تلك الآثار أصبحت - بالقياس إلى ما عند الأوروبيين - سرابا موهما إذا جئته لم ms020 ~~تجده شيئا، ووجدت الحقيقة المرة تصدمك وتردك خائرا إلى الصواب. # إن لم يعجبك قولي ولم ترد الرجوع إلى أساتذة الكليات ومعاهد الصنائع ~~والفنون كيما تثق بأننا حقا في العلم والفن عيال على الأجانب، فارجع ولو إلى ~~الصحيفة الأخيرة من ذلك التقرير الجامع الذي وضعه الهلالي باشا وزير المعارف ~~وقدمه للبرلمان. وإن لم ترد فارجع إلى ما قالته اللجنة المالية بمجلس النواب في ~~تقريرها الخاص بميزانية هذا العام، ترها تشير على الحكومة بمواصلة إرسال ~~البعثات إلى أوروبا لتحصيل العلوم التي تنقصنا، وعلى الأخص لتعلم الصنائع ~~والفنون. ولو أن الأمر كان كقالة القائلين لنصحت بإرسال البعوث إلى دور الكتب ~~والآثار بمصر لتلقي العلم والفن فيها عن مؤلفات السلف وما تركوا من مصنوعات، ~~ولكان ذلك أخصر الطرق وأيسرها نفقة، وأكثرها سالكين. فاسمع كلامي أو لا تسمعه، ~~وأعف نفسك أو لا تعفها، لكن أعفني أنا من كلام غير المسئولين. # الرابع: # يقولون كيف لا تحترم رسم القرآن؟ # أنا أحترم القرآن لأنه كتاب الله وأساس الدين ومفخرة العربية. # ولكني لست مأمورا ديانة باحترام رسم القرآن: (1) لأن الله لم ينزل به من ~~سلطان، ولم يفرض علينا التعبد له برسم القرآن. و(2) لأنه إذا كان بعض الحمقى ~~تورطوا فادعوا أن رسم كتابة اللغات جميعها - لا رسم العربية فقط ولا رسم القرآن ~~فقط - هو توقيفي علمه الله آدم، فسوى آدم أحرف كل لغة وطبخها كالآجر، ولما ~~هبط إلى الأرض وأتى الطوفان فبعد انحسار مائه وجد أهل كل جهة حروف لغتهم حاضرة ~~لديهم فاستعملوها، إذا كان ذلك البعض تورط في هذا الزعم؛ فإنه - كما ترى - زعم ~~كله بلاهة وتخريف واختلاق، ما كان لعاقل أن يعيره أدنى التفات. و(3) لأنه إذا ~~كان بعض متهوسي الصوفية وبعض المبتدعة قد زعموا أن الحروف والأصوات قديمة، ~~وأنها إذا رسم بها كلام الله أصبحت هي قديمة كقدم كلام الله، فإن عقلاء السنيين ~~قاوموا هذه الفرية ونعوا على أصحابها جهلهم المطبق، وقرروا الحق من أن رسم ~~القرآن، كرسم كل كتابة أخرى، إنما هو من اختراع الإنسان؛ ms021 أي إنه حادث لا قديم، ~~ومهما يكتب به القرآن فلن يزال حادثا لا قديما. و(4) لأن صورة هذا الرسم ~~كانت في عهد عثمان بن عفان وكتب مصاحفه بها إنما كانت صورة بدائية سقيمة قاصرة # 1 # خيف من سخافتها وقصورها أن تضلل المسلمين في قراءة القرآن، فسارع ~~الخليفة عبد الملك بن مروان إلى كشف هذه الغمة، وتولى الحجاج بن يوسف عامله في ~~العراق تنقيط القرآن؛ منعا لالتباس بعض حروف كلماته ببعض، وباشر له التنقيط ~~جماعة من خيرة الحفاظ. ولما لوحظ مع الزمن أن النقط إذا كان يضبط الحروف ويمنع ~~تبديل حرف منها بحرف يماثله في الهيكل، فإنه - كما أسلفت - لا يضبط صورة أداء ~~الحرف من ناحية الحركات والسكون، ولا يمنع التصحيف من هذا الباب، فقد فكر ~~المسلمون في أن كشف هذه الغمة يكون بشكل حروف كلمات القرآن، فشكلوه أولا ~~بالنقط بمداد مخالف، ثم عدلوا إلى شكله بالطريقة الجارية الآن. ولو أن رسم ~~القرآن الذي كتبت به صحف النبي # صلى الله عليه وسلم # والذي نقل بذاته في مصاحف ~~عثمان بن عفان كانت له أدنى قدسية، لما جرأ ابن مروان ولا الحجاج ولا أحد ممن ~~بعدهما - كبر أو صغر - على أن يمس هذا الرسم أدنى مساس. و(5) لأن الكتابة ~~العربية التي اتخذها عثمان بن عفان لرسم القرآن كان جمهور المسلمين يقولون إنها ~~مستمدة من خط الجزم الكوفي، ويظنون أن الكوفي مستمد من المسند الحميري خط أهل اليمن. # 2 # وما زالوا على هذا الفهم حتى جاء المستشرقون الأوروبيون في القرن ~~التاسع عشر - أي بعد زيادة عن ألف ومائتي سنة من الهجرة - وبحثوا ونقبوا بحثا ~~لا عاطفيا خياليا، بل علميا واقعيا، استنطقوا فيه الجوامد وهي لا تكذب؛ ~~لأنها ليست لها لسان كلسان الإنسان تذبذبه بالإفك والبهتان، استنطقوها ثم بينوا ~~لنا، نحن أهل العربية الساهين، أن النقوش دلتهم على أن كتابتنا أصلها نبطي. كما ~~علمونا - بفضل بحوثهم التاريخية - أن النبط كانوا قوما أشداء من العرب ~~العاربة، منازلهم القسم الشمالي من الجزيرة جنوبي الشام وفلسطين، وأنه كان ms022 لهم ~~مملكة قامت من سنة 169 قبل المسيح إلى سنة 106 من بعده، ثم استولى عليها ~~الرومان وأزالوها، وأن عاصمة ملكهم جهة الشمال «سلع» وكان اسمها عند قدماء ~~المؤرخين من الفرنجة «بطرا Petra ~~»؛ أي الصخرة، وعاصمتهم الجنوبية كانت تسمى ~~«الحجر»، وهي المعروفة الآن باسم مدائن صالح على خط سكة حديد الحجاز، وأن ~~هؤلاء النبطيين كانوا يعبدون اللات والعزى ومناة وهبل، وأنه للاتصال المستمر ~~بينهم وبين أهل الحجاز نقل الحجازيون عنهم رسم كتابتهم، بل وعبادة آلهتهم. هذا ~~هو الثابت للآن والمأخوذ به في جامعة فؤاد الأول. # 3 # وسواء كان رسم العربية الذي رسم به القرآن منقولا عن النبطيين من شمال ~~الجزيرة؛ كما قال المستشرقون المتأخرون، أو عن اليمنيين من جنوبها؛ كما قال ~~المتقدمون، فإنه في الحالتين رسم وثني بلا نزاع. بل اللغة العربية نفسها التي ~~نزل بها القرآن لم ينشئها القرآن، بل هي كانت لسان قريش وغيرهم من قبائل العرب، ~~وقد كانوا جميعا وثنيين، إلا عددا نزرا من أهل الكتاب. فهي لغة هؤلاء ~~الوثنيين، وقد نزل بها القرآن، وما كان يمكن أن ينزل إلا بها؛ فإن الله تعالى ~~يقول: # وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ~~. # إذا كان هذا هو الحق، وكان الله يقول: # والله لا يستحيي من الحق ~~، ويقول: # أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى ~~، ثم يردف ~~هذا بالنعي على المنصرفين عن حكم العقل فيقول: # فما لكم كيف تحكمون ~~، يقول هذا إيذانا لنا بأن الحق وحده هو الواجب الاحترام، وأنه ~~وحده الذي لا يستحى من الجهر به، وبأن الباطل ممقوت وعباده مأفونون سيئو الحكم ~~والتقدير. إذا كان هذا هو الحق فإني، احتراما للحق، واحتراما للقرآن، وعملا ~~بوصايا القرآن، أقرر بأني لست مكلفا باحترام رسم القرآن، ولست ألغي عقلي لمجرد ~~أن بعض الناس أو كلهم يريدون إلغاء عقولهم، ولا يميزون بين القرآن العظيم، كلام ~~الله القديم، وبين رسمه السخيف الذي هو من وضع الوثنيين القاصرين. # افهم عني هذا. وما يهمني أن ترى ms023 رأيي أو لا تراه؛ فإن الله يقول: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ~~. # شكل 1: صورة النقش الذي عثر عليه المرحوم حسن ~~أفندي الهواري [منقولة عن كتاب أصل الخط العربي للأستاذ خليل يحيى نامق]. # وهذه قراءته مفصولا بين كل سطر وما بعده بخط: # بسم الله الرحمن الرحيم هذا القبر ~~--- # لعبد الرحمن بن جبير (أو جبر، أو جبار، ~~أو خير) الحجازي (أو الحجري) اللهم اغفر له ~~--- # وأدخله في رحمة منك وآتنا معه ~~--- # استغفر له إذا قرأ(ت) هذا الكتب (الكتاب) ~~--- # وقل آمين وكتب هذا ~~--- # الكتب ~~(الكتاب) في حمدى (جمادى) الأ ~~--- # خر من سنت (سنة) إحدى و ~~--- # ثلثين ~~(ثلاثين). # الخامس: # يقولون كيف تريد أن ترسم القرآن؟ وكيف تخالف الدين بمخالفتك إجماع ~~المسلمين؟ بل إن أحدهم أرسل لي صورة برقية بعث بها لجلالة الملك يطلب إليه ~~حماية الدين من هذا الشر المبين. # أما كيف أريد أن أرسم القرآن، فإنك لا شك علمت أن أسعد يوم في حياتي هو ~~اليوم الذي أرى فيه كتاب الله مرسوما رسما يضبط بذاته كيفية أداء كلماته ~~بلسان العالم والجاهل والمسلم وغير المسلم والعربي والأعجمي، أداء صحيحا لا ~~يحتمل لحنا ولا تصحيفا. علمت هذا وعلمت أن الحروف اللاتينية بما فيها من ~~حروف الحركات وما يضاف إليها من حروفنا العربية ذات النغمات التي لا تؤديها ~~الحروف اللاتينية هي وحدها إلى الآن - في رأيي - التي توصل إلى تحقيق هذه ~~الأمنية. وإذ كان أول ما يهمني هو المحافظة على سلامة أداء القرآن فرأيي ~~بالبداهة إنما هو رسم القرآن بهذه الحروف اللاتينية وما أضيف إليها من العربية، ~~وإني أعالنك بهذا مطمئن الضمير، مراقبا الله وحده فيما أقول وما أعالن ~~به. # يهب الهبابون صائحين قائلين إن هذا حرام؛ لمخالفته إجماع المسلمين الذين ~~تواضعوا من عهد النبي الكريم على رسم القرآن بالحروف العربية. وأقل ما يجاب به ~~هؤلاء الهبابون أن المسلمين في عهد عبد الملك قد خرقوا إجماع من قبلهم إلى عهد ~~النبي؛ فوضعوا النقطات التي لم تكن في صحف النبي ولا في ms024 مصاحف عثمان بن عفان. ~~ثم خرقوه بعد عبد الملك بن مروان؛ فوضعوا الشكل بطريقة ثم بأخرى. ولست أعترض ~~عليهم في خرق الإجماع ثلاث مرات؛ فإنهم إنما أرادوا الإصلاح ما استطاعوا. ~~والإجماع الفاسد لا حجة فيه على أحد من المسلمين ، وأنا أيضا أريد الإصلاح ما ~~أستطيع، فأبدل الحروف اللاتينية من الحروف العربية وأكفي المسلمين سوء رسم ~~العربية الذي يشكو منه الناس أجمعون، والذي قال عنه الجارم بك، ما موجزه: «إن ~~هذا الرسم أصبح فنا من الفنون، بل لغزا من الألغاز، وإنك إن لم تكن لغويا ~~نحويا صرفيا معا لما كنت قارئا ولا شبه قارئ، وإن الشكل لا يقي من اللحن ~~والخطأ، وإنه جرب في المدارس أن الطالب المثقف لا يستطيع قراءة القرآن مع أنه ~~مشكول على أدق ما يكون.» # وإذا كانت الحروف العربية وثنية منقولة مباشرة عن الوثنيين فإن اللاتينية ~~إنما أنقلها الآن عن النصارى وهم أهل كتاب أقرب من الوثنيين إلينا نحن ~~المسلمين. بل إن المتفق عليه أن حروف الكتابة عند جميع أمم أوروبا مأخوذة عن ~~اليونانيين الذين أخذوا حروفهم عن الفنيقيين، وأن جميع الكتابات السامية ~~والآرامية وفروعها التي منها العربي النبطي أصلها أيضا مأخوذة من الفنيقيين، ~~فاتخاذ الحروف اللاتينية لرسم العربية ليس فيه إلا مجرد استرداد لعاريتنا نحن ~~الشرقيين بعد أن هذبها العقل اليوناني وأشاعها في بلاد أوروبا. # على أن الاعتراض بمسألة «الإجماع» هو تكأة العاجزين، وهم أناس مقلدون غلف ~~العقول، إذا صرعهم الحق لملموا أشلاءهم وهرولوا لاجئين إلى قدس الدين، بل إلى ~~لفظ الدين، يرمون عن قوسه، ويتخذونه مجنا يتقون به ما للحق من طعنات مصميات. ~~والدين في قداسته - كما يعرف رجاله المحترمون - لا شأن له برسم كتابة العربية، ~~وحروف لفظ الدين (ألف، لام، دال، ياء، نون) أوهى من أن يكون لها أي أثر في هذا ~~السبيل، لكنهم في كل حركة وسكنة هكذا يفعلون، ترهيبا للبسطاء وإيهاما وخداعا ~~باسم الدين، والله يشهد إنهم لكاذبون. # اعلم أن الدليلين؛ أي المصدرين الأساسيين الوحيدين في الشرع الإسلامي، هما ~~كتاب الله والصحيح ms025 من سنة نبيه الكريم لا غير. وأن هذين المصدرين لما لم يكونا ~~شاملين بالتفصيل لكل أحكام العبادات ولكل الأحكام الأخرى التي تطبق عند طروء ما ~~يطرأ على المسلمين من الأحداث، وما يقوم بينهم من أقضية المعاملات؛ فقد اضطر ~~المسلمون أن يرجعوا إلى الكتاب وصحيح السنة كيما يستنبطوا منهما تفصيل الأحكام ~~في تلك الشئون. ولما كانت الحوادث دائمة التقلب والتجدد، وكان معظم تقريرات ذينك ~~المصدرين واردا في حوادث وأقضية بخصوصها، اضطر المسلمون أن يقيسوا الحوادث ~~والأقضية بأشباهها ونظائرها مما تناوله الكتاب والسنة، وأن يطبقوا عليها ما ~~قرراه من الأحكام في تلك النظائر والأشباه؛ ومن أجل هذا جعلوا القياس من ~~المصادر المعتبرة في الشريعة. وهذا أمر تدعو إليه الضرورة وتأمر به البداهة ~~العقلية تحقيقا لمصلحة الاجتماع. ثم نظروا فوجدوا أن أحوالا قائمة أو تقوم في ~~الناس - وعلى الأخص فيما فتحه المسلمون من الأمصار - من عادات في آداب السلوك، ~~وفي كيفية تناول وسائل الحياة والاستمتاع بها، ومن اصطلاحات ومواضعات وعرف في ~~المعاملات، لم يأمر بها كتاب ولا سنة، ولم يمنع منها كتاب ولا سنة، فأوجبوا ~~بقاء تلك الأحوال - ما هو قائم منها وما يقوم - على ما هي عليه، واعتبارها ~~أصلا يصار إليه إذا حدث بسبب حال منها نزاع. وسموا علة هذا الاعتبار ~~«الإجماع»، وجعلوه من أدلة التشريع الإسلامي ومصادره. وكان هذا الجعل أمرا ~~لازما تدعو إليه أيضا ضرورات الاجتماع، لكن هذا «الإجماع» الذي عبر العلماء ~~عن قوته بكليات من القول المحكم الوجيز؛ كقاعدة «العادة محكمة»، وقاعدة ~~«المعروف عرفا كالمشروط شرطا»، وقاعدة «القديم على قدمه»، هذا الإجماع لا ~~يجوز ألبتة أن يعطل مصلحة من مصالح المسلمين، بل إنه إذا كشفت ظروف الأحوال عن ~~ضرره بالمجموع، وكان في اطراحه والاستبدال به خير للمسلمين، فإن واجب الحاكم ~~الشرعي أن يأمر باطراحه والاستعاضة عنه من الأنظمة والأحكام بما يحقق مصلحة ~~الاجتماع. وإلى هذا الواجب أشاروا أيضا بقواعد منها «الضروريات تبيح ~~المحظورات»، و«درء المفاسد أولى من جلب المصالح»، و«الضرر يزال». # هذا هو مركز «الإجماع» الذي يقولون عنه عند ms026 المسلمين. وإذ كانت طريقتي في رسم ~~العربية ورسم القرآن الكريم تزيل الضرر وتحقق مصلحة المسلمين تمام التحقيق، ~~فأعفني من زيادة الكلام في وهانة هذا الاعتراض. # على أن العربية ستبقى بفضل الله دائما هي العربية، فإذا كان بعض رجال ~~الدين المحترمين يجدون - كما قد يلوح لي - على أنفسهم غضاضة ما أو مشقة ما من ~~ترك القديم، فليبق لهم رسم القرآن وصحيح الحديث على ما هو عليه الآن - كما قلت ~~في بعض المواقف - وليكتبا لجماهير الناس بالرسم الجديد. بهذه المثابة يبقى ~~القرآن وصحيح الحديث مقروءين قراءة صحيحة من جميع الناس، محفوظين عند جميع ~~الناس. وإن لدينا الآن بالمعاهد الدينية كثيرا من العلماء وآلافا من الطلبة، ~~وهؤلاء إذا بقي لهم رسم العربية كما هو، واستمروا في قراءة كتبهم برسمها ~~الحاضر، فإنهم سيكونون أيضا في طليعة قراء العربية بالرسم الجديد؛ إذ يكفيهم ~~معرفة حروف الهجاء الجديدة وحروف الحركات الثلاث حتى يستطيعوا القراءة بلا أدنى ~~عناء. وإذا قدر لمشروعي النجاح، وهو ما أعتقد أن سيكون عاجلا أو آجلا، فلعل ~~لنا فائدة في بقاء حضراتهم على استعمال الرسم الحاضر، هي أن يؤدوا لنا في ~~المستقبل عمل المستشرقين، ويحلوا لنا رموز ما لم يطبع بالرسم الجديد من قديم ~~الكتب والمؤلفات. بل لعل ما نحن فيه يكون فرصة ساقها الله لحضرات علمائنا ~~الأجلاء وهو ينظر إليهم هل يهتبلونها فيشمروا عن ساعد الجد لتنقية كتب الحديث ~~الشريف مما وضعه ودسه علينا الزنادقة والخوارج والقصاصون والسذج من الصالحين ~~وهواة الإسرائيليات والمتزلفون لذوي السلطان؛ وذلك حتى لا يكتب بالرسم الجديد ~~وينشر للجماهير من الأحاديث إلا ما صحته لا شك فيها ولا ارتياب؟ لعلها تكون ~~فرصة هيأتها يد القدر، فهل هم منتهزوها ففاعلون، كيما ينالوا ثواب الدنيا وحسن ~~ثواب الآخرة، وهو ثواب ضمنه الله للعاملين المحسنين؟ # السادس: # كتب بعضهم يقول: إذا اتخذت الحروف اللاتينية لكتابة العربية وبقي القرآن ~~والحديث بالحروف العربية فمن يقرؤهما في المستقبل؟ ألا تكون الكتابة العربية ~~حينئذ بمنزلة الكتابات التي اندرست كالقبطية القديمة (هو يعني كتابة قدماء ~~المصريين) وغيرها؟ ms027 # كلا يا سيدي، ها أنت ذا ترى فيما أسلفت ما يطمئنك على بقاء القرآن والحديث ~~مكتوبين بالرسم الحالي، فلن يندرس هذا الرسم، بل سيكون له دائما من رجال الدين ~~وطلبة المعاهد الدينية من يقرءونه ويحافظون عليه. # على أنه لا يغيب عن سيدي أن اختراع الطباعة والفوتوغرافيا والفونوجراف ~~كدس في عدد عظيم من دور الكتب بمشارق الأرض ومغاربها أكداسا من الكتب ~~العربية، قديمها وحديثها، مطبوعها ومصورها، كما كدس أقراصا تشخص جرس ما ~~للحروف العربية من النغمات. وليس تكديس ذلك في البلاد الأجنبية لهوا من أهلها ~~ولعبا، بل إن هناك من العلماء من يعكفون على قراءتها للوقوف على ما بها، لا ~~لاستفادة فلسفة أو علم أو فن أو أدب هم في حاجة إليه، بل للوقوف على تاريخ ~~الفلسفة والعلوم والفنون والآداب ومراحلها التي تكون قطعتها من قبل في بلاد ~~العربية، ثم للوقوف على كيفية النطق بالعربية الفصيحة، بل وعلى كيفية النطق ~~بلهجاتها العامية في مختلف البيئات. فإذا كان هؤلاء العلماء المستشرقون يقرءون ~~هذا الرسم ويحددون جرس العربية وهي غير لغتهم، كما قرءوا من قبل لغة قدماء ~~المصريين البائدة وإن لم يصلوا لتحديد جرسها لانقراض الناطقين بها، أفتظن أننا ~~نعدم، واللغة لغتنا، أن يقوم من بيننا الكثيرون يعملون عمل المستشرقين، حتى لو ~~فرضنا أن المعاهد الدينية عندنا لا تحافظ على الرسم القديم؟ إنك يا سيدي جد ~~متشائم، ولكنك تخلق لنفسك هذا التشاؤم بالصناعة لتخلق الاستشكال. أما أنا فجد ~~متفائل. وكل يعمل على شاكلته، وربك أعلم بأينا هو الأقرب للعربية رحما، ~~وأينا هو الأهدى إليها سبيلا. ولو كان في علم الله تعالى أن تشاؤمك حق، وأن ~~تفاؤلي وحسن ظني بقومنا باطل، لوجب أن أواري أنا وكل قومنا انحطاطنا عن أعين ~~الناس، وأن ندفن رءوسنا في الطين. # السابع: # يقولون إن رسم الحروف من مشخصات القومية، فكيف نعدم هذا المشخص؟ # وهذا اعتراض غريب. الحق الذي لا ريب فيه أن مشخصات كل أمة في يوم الناس ~~هذا، اثنان لا ثالث لهما: وحدة الوطن الإقليمية والسياسية ووحدة اللغة. ms028 أما ~~وحدة رسم الكتابة فلا يقول أحد إنها من مشخصات الأمم، لا هي ولا وحدة الزي، كلا ~~ولا وحدة الدين. إن الفرنسيين والإنجليز والأمريكان والطليان والأسبان والبلج ~~وغيرهم، كلهم يتخذون حروفا واحدة لرسم كتابتهم، وكلهم يتخذون زيا واحدا ~~للباسهم من الرءوس إلى الأقدام، وكلهم نصارى على دين المسيح، ولم يقل أحد إنهم ~~جميعا أولو قومية واحدة، أو إنهم جميعا أمة واحدة يشخصها الزي أو رسم الكتابة ~~أو تشخصها وحدة الدين. وكذلك الإيرانيون والجاويون لا يقول أحد الآن إنهم هم ~~والعرب أمة واحدة لمجرد أنهم يشتركون معهم في رسم الكتابة، وأنهم كسواد العرب ~~يدينون بالإسلام. بل إن كلا من تلك الأمم إنما يشخصها استقلالها سياسيا ~~بأرض وطنها ثم وحدة لغتها فحسب. وها أنت ذا ترى الحرب قائمة على قدم وساق بين ~~أمم كلهم مسيحيون ومتشابهون في رسم الكتابة وفي الأزياء. فلا تسمع لكلام ~~المهوشين الذين يوهمونك بالباطل لمصلحة مزاعمهم التي يناقضها الواقع المحسوس في ~~كل بلاد الله. # الثامن: # من أطرف الاعتراضات أن أحدهم أرسل لي بالبريد تذكرة مفتوحة يقول فيها ما ~~حاصله، بما يقرب من لغته ويبرز فكرته: «أما كفانا أن الساعة بعد ما كانت ~~بالعربي عملوها بالإفرنجي، وأن الأشهر بعد ما كانت بالعربي عملوها بالإفرنجي، ~~ولم يبق لنا إلا الكتابة بالعربي، فحتى هذه البقية الباقية تريد أن تفرنجها؟ يا ~~شيخ فضك من التخريف.» # قد تسخر من هذا الرجل وتقول إنه عامي ساذج، أو إنه من قبيل أولاد النكتة ~~من المصريين الذين قال أحدهم تنادرا باقتراحي: «بقى خرجنا من الفرعونية وقعنا ~~في اللاتينية؟» وقال آخر عند ما بلغه قولي إن اقتراحي من مزاياه أن يعمم ~~العربية: «هو لا يعممها بل يبرنطها.» لا تسخر من مرسل تلك التذكرة المفتوحة؛ ~~فإني أراه خيرا من جميع المعترضين؛ ذلك بأن الساعات إذ اتخذت ابتداء من ~~الزوال وساعته كانت تبتدئ من الغروب، فقد اختلط عليه حساب أذان المغرب، ثم ~~معرفة باقي أوقات الصلاة، ومدفع الزوال لا يفيده علما بها. وإذ كان هو ~~فراشا أو ساعيا أو ms029 كاتبا صغيرا في مصلحة يصرف له راتبه بحساب الشهر ~~الإفرنجي، فكثيرا ما يفاجئه أهل منزله بطلعة رجب، وليلة نصف شعبان، وليلة ~~عاشوراء، مما يقتضي نفقات يسهو المسكين عن الاحتياط لها أول الشهر يوم ~~«القبضية»، وفي ذلك حرج عليه. وإذا تغيرت الحروف العربية كان تغيرها عليه ~~مصيبة ثالثة؛ لأنه لا يستطيع أن يقرأ حساب الخباز والخضري والجزار. أقل ما في ~~اعتراض الرجل أن له أسبابا يبينها ليدفع عن نفسه بلوى الحروف اللاتينية. ولكن ~~ما ظنك بمن يعترضون لوجه الشيطان، ويخيلون إليك مع هذا أنهم باعتراضهم إنما ~~يبتغون وجه الله والمحافظة على دين الإسلام؟ # التاسع: # يقولون إن رسم الكتابة العربية مستعمل لكتابة لغات إيران والهند والملايو ~~«جاوه وسومطره وغيرهما»، فكلها تابعة للعرب في هذا الشأن، وإن المسلمين هناك، ~~وعددهم لا يحصى، يكتبون ويقرءون القرآن والحديث بهذا الرسم العربي، فكيف تريد ~~حرمانهم من هذه المزية وحرمان العرب من هذا الشرف الكبير؟ # سبحان الله! لئن كانت لغات تلك البلاد مبتلاة بمثل ما العربية مبتلاة به ~~في حركات كلماتها، فالأخلق بالمعترض أن يقلب سؤاله فيقول: كيف أن العرب - وهم ~~إخوان أهل تلك البلاد في الدين - قد رزءوهم بمصيبة الرسم العربي السخيف، ووضعوا ~~غله في عنق لغاتهم، وجعلوهم عليهم بلسان الحال من الساخطين؟ # حقا إن أهل تلك البلاد يكتبون لغتهم بالرسم العربي، ويكتبون به القرآن، ~~ولكن هل تظن أن عامتهم أو خاصتهم يفهمون شيئا من القرآن؟ كلا، بل يلوح لي أنه ~~إذا وجد فيهم من يتعلم العربية ويكتبها ويقرؤها، فكما يوجد من المستشرقين من ~~يتعلمها لا أكثر، وإذا طبعت هناك كتب عربية فكما تطبع في أكسفورد وليدن وليبزج ~~لا أكثر. # قدم لي أحد من عادوا من حج هذا العام كتيبا مطبوعا سنة 1933 في مدينة لاهور ~~بالبنغال، به بعض سور من القرآن وبعض أدعية مكتوبة بالرسم العربي، ولكن كل سطر ~~منها تحته ترجمته بلغة تلك البلاد. مما يدل أولا: على أن القرآن مترجم من ~~العربية إلى لغة هؤلاء المسلمين من عهد بعيد. وثانيا: على أنهم إنما ms030 ينطقون ~~بكلمات القرآن كما تنطق الببغاء بدون أن يدركوا لها معنى إلا ما تؤديه لهم ~~الترجمة المكتوبة تحتها. ومن ناحية أخرى إذا تأملت في مقدمة هذا الكتيب، وفي ~~طريقة إشارته إلى بعض سور القرآن، ثم في طريقة كتابته للقرآن نفسه، لعلمت ~~أولا: أنهم في لغتهم يحرفون أسماء السور؛ فيقولون: «سورة فتح. رحمان. واقعة. ~~ملك. مزمل. نبأ. إخلاص» بحذف أل التعريفية. وثانيا: أنهم يكتبون هيكل كلمات ~~القرآن على أصله النبطي القديم، فيكتبون الكلمات الآتية من سورة الرحمن هكذا: ~~«ينتصرن. يكذبن. جنتن. عينن. تجرين. زوجن. قاصرت. مدهامتن. عينن. نضاختن. ذي ~~الجلل» بحذف حرف الألف من موضعها في كل من هذه الكلمات، والاكتفاء بألف صغيرة ~~فوق الحرف الممدود. وفي هذا دلالة حسية على أن واضعي رسم المصاحف المتداولة ~~بيننا الآن، إذا وضعوا الألفات مواضعها في كل تلك الكلمات فقد خالفوا رسم ~~الهنود المطابق هيكله للرسم العربي الأصلي، وأنهم هم والهنود كانوا من قبل ~~خرقوا الإجماع أيضا بوضع الألف الصغيرة فوق الحرف الممدود، مما لم يكن له ~~سابقة في مصاحف عثمان بن عفان. ومن هذه الناحية ترى أن الإجماع على أصل الرسم ~~الذي لم تكن فيه ألف ولا إشارة لألف قد خرقه المسلمون، مرة أولى بإشارة الألف؛ ~~أي تلك الألف الصغيرة التي بقي الهنود ملازمين لها. ومرة ثانية في بلاد العربية ~~التي وضعت في مصاحفها حرف الألف داخل هيكل الكلمات، مستبقية أيضا تلك الألف ~~الصغيرة فوق الحرف الممدود، في بعض الكلمات، وغير مستبقية لها في البعض الآخر. ~~مما يزيدك علما بأن رسم المصحف لا قدسية له، ولا يحتج فيه بأي إجماع. # أما كون اتخاذ الحروف اللاتينية يحرم العرب هذا الشرف العظيم فقلب حال ~~كذلك؛ لأن من يرمي الناس بداهية لا يحوز لنفسه بفعلته شرفا بحال. # العاشر: # يقولون إن تحسين حال العربية لا يكون من طريق تيسير رسم كتابتها، وإنما ~~يكون من طريق تقريب أصولها وقواعدها؛ لأن الاتجاه لتيسير الرسم معناه نقل العبء ~~من القارئ إلى الكاتب. وبيان هذا: أن القارئ إذا تيسر الرسم فهو ms031 ينطق بما يقع ~~عليه بصره نطقا مضبوطا في ذاته مطابقا للرسم. وقد تكون العبارة التي يقرؤها ~~غير مضبوطة في ذاتها بحسب أصول اللغة وقواعدها، فيعتاد القارئ قراءة ما هو غير ~~مضبوط عربية من العبارات التي قد تسجل بالطباعة فيستديم ضررها. وأن هذا ~~الضرر لا يمتنع إلا إذا أوجبنا على الكاتب أن يتعلم أصول اللغة وقواعدها، حتى ~~لا يكتب إلا صحيحا، وحتى لا يقرأ الناس إلا الصحيح. وبهذا يئول تيسير الكتابة ~~إلى نقل العبء من القارئ إلى الكاتب. # مهما يكن بياني لهذا الاعتراض معقدا فإنه على كل حال اعتراض خارج عن ~~الموضوع. وما أشبهنا - إزاءه - بالباحثين عن طرفي الحلقة المفرغة، تقوم الساعة ~~علينا قبل أن نهتدي إلى المطلوب! إن مسألة البحث في أصول اللغة وتيسير قواعد ~~نحوها وصرفها، تلك التي يقول المعترضون إنها هي العلاج الشافي لأدواء العربية، ~~هي مسألة أخرى قائمة بذاتها، وهي مطروحة فعلا على المجمع اللغوي، يرود مداخلها ~~ومخارجها، ويحاول ما وسعت قدرته تمهيد ما يقبل منها التمهيد. أما ما نحن بسبيله ~~الآن فهو مسألة تيسير رسم الكتابة العربية، وعلة البحث فيها استقلالا هي ما ~~لاحظه الناضل من محبي العربية والمنضول، والفاضل والمفضول، والرائحون والغادون، ~~والقدماء والمحدثون، وطوب الأرض ونجوم السماء، من أن خليل مطران والجارم ~~والعقاد والأسمر وهيكل وطه حسين وأحمد أمين وأحمد حسن الزيات والمازني ونظراءهم ~~من الشعراء والأدباء، وإلى جانبهم أساتذة العربية بالمدارس، وأنطون الجميل ~~وفكري أباظه وزكي عبد القادر والشناوي والسوادي ورصفاؤهم من رجال الصحف ~~والمجلات، أولاء جميعا يجهدون ويكدون ويخرجون لنا من قصائد الشعر وكتب الأدب ~~وكتب التعليم والمقالات المختلفة في السياسة والاجتماع، ما كله محرر على أدق ما ~~يكون من المطابقة لأصول العربية وقواعد نحوها وصرفها، وما كله مرسوم على خير ما ~~يكون رسم الكتابة العربي الحالي. ومع هذا فإن قراء تلك الأشعار والكتب ~~والمقالات لا يستطيعون قراءتها على الوجه الذي أراده واضعوها المتمكنون في ~~اللغة وقواعدها، بل هم يخطئون في قراءتها خطأ شنيعا يخرج بالعبارات عن أصل ~~معناها المراد؛ وذلك لأن ms032 رسم الكتابة في ذاته قابل - بسبب عدم وجود حروف ~~الحركات أو «الشكل» الذي أفلس - لأن ينطق به، رغم أنف أولئك الكاتبين الفحول، ~~على جملة وجوه، منها الصحيح وأكثرها خاطئ معيب. ومن أجل هذا مست الضرورة - ~~قديما وحديثا - لبحث هذا الرسم ذاته. وكل الكلام الآن دائر عليه دون سواه، ~~بقصد معالجته وجعله متمحضا لوجه واحد من الأداء؛ بحيث إذا رسمه الشعراء ~~والأدباء والكتاب المذكورون وغير المذكورين من أساطين العربية، المعصومة ~~أقلامهم من الأغلاط، على صورة يتعمدونها ولا يريدون سواها، قرأه القارئ حتما ~~جزما كما أرادوا. وإذن فما محل هذا الاعتراض؟ وما معنى تسجيل الأغلاط واستدامة ~~الأغلاط؟ # لنفرض - هنيهة - أننا جارينا حضرات المعارضين، فأخرسنا ألسنتنا عن الجهر ~~بالشكوى من سوء رسم العربية، وأمسكنا عن البحث في أمر إصلاحه، وصرفنا كل همنا في ~~مسألة تسهيل أصول اللغة وتبسيط قواعد نحوها وصرفها، ثم لنفرض أيضا المستحيل؛ ~~نفرض أن هذا الاتجاه لم يبق أحدا من الناس إلا وقد رفعه إلى صف من ذكرنا من ~~كبار الشعراء والكتاب، أفلا يرى المعارضون أن سوء الأداء وكثرة التصحيفات ~~وشنيع الأغلاط لن تنقطع ما دام رسم الكتابة باقيا كما هو، وأن الضرورة ستلجئنا ~~إلى ما نحن فيه من الصراخ والمطالبة بالبحث فيما نبحث فيه الآن من إصلاحه؟ أفلا ~~يرون حقا أننا بمثل هذا الاعتراض نضيع الوقت في اللف والدوران والبحث عن طرفي ~~الحلقة، واغلين في البعد عن محجة السداد؟ # تعمدت الإسهاب في الرد مجاملة لحضرات المعترضين، وإلا فإنهم لو كانوا من ~~أعضاء المجمع اللغوي لعرفوا أن اعتراضهم وردي هذا المسهب كلاهما عبث لا خير ~~فيه. إن لائحة المجمع تجبهما؛ نصها صريح في أن عليه البحث في تيسير رسم ~~الكتابة العربية. ووزير المعارف عهد إليه بهذه المهمة بقرار منه خاص، وهو مكلف ~~نظاميا بتنفيذ قرارات الوزير. ومورد النص لا مساغ للاجتهاد فيه. # الحادي عشر: # يقولون كيف تستعمل حروف الحركات، وهي في اللغات الأجنبية متعددة ومتعددة ~~الاتجاهات في النطق، وبعضها - مع أنه هو هو - قد يحرك الحرف حركتين ~~مختلفتين؟ # ومن يقرأ ms033 في اقتراحي مسألة الحركات العربية والحروف الثلاثة المختارة لها ~~(فقرة 41 إلى 43)، يجد أن هذا الاعتراض مستحيل وروده عليه. # الثاني عشر: # يقولون إن في اللغات الأجنبية أفعالا شاذة، وفي رسمها حروفا صامتة لا ~~ينطق بها. فالإنجليزية - مثلا - فيها جملة من تلك الأفعال الشاذة، وفي كثير من ~~كلماتها حروف مثل # gh # لا ينطق بها، ولم يتأذ ~~الإنجليز برسم لغتهم ولا بما فيها من الشذوذ في تصريف الأفعال. # وهذا كلام لا يصح بحال أن يقال، فإن الأفعال الشاذة في الإنجليزية ~~والكلمات التي فيها حروف لا ينطق بها مثل # gh # في ~~كلمة # night # وما أشبهها، أو ينطق بها كنغمة # f # كما في كلمة # rough # وغيرها، إذا أحصيتها جميعا ~~وجدتها قد لا تتجاوز أربعمائة فعل وكلمة، أو خمسمائة مع المبالغة في التقدير. وكل ~~الطلبة المصريين - دع أهلها الإنجليز - يعرفونها ولا يخطئون في نطق رسمها. لكن ~~تعالى إلى العربية، إن فيها كما يقولون نحو (80000) ثمانين ألف أصل، بخلاف ~~المشتق مما يمكن منه الاشتقاق، فإذا جعلنا لكل من هذه الأصول خمسة مشتقات في ~~المتوسطة أو أربعة أو حتى ثلاثة فقط، لحصل عندنا (240000) مائتان وأربعون ألف ~~كلمة، كلها مركبة من أصوات جوهرية لا تعرف حركات حروفها بذات رسمها. ولشتان ~~ما بين خمسمائة كلمة في الإنجليزية وبين هذه الآلاف المؤلفة في العربية! فأية ~~قيمة إذن لمثل هذا الاعتراض؟ # الثالث عشر: # يقولون إن الكتابة العربية اختزالية فهي اقتصادية؛ إذ الصحيفة الواحدة ~~منها إذا كتبت بالحروف اللاتينية ملأت كلماتها صفحتين أو ثلاثا، بل قد سمعت ~~نقلا عن أحد كبار الأذكياء أنه قال: إن بعض الفرنسيين حاول الانتفاع بمثل هذه ~~الميزة الاختزالية، فوجد أن عبارة # Hélène a eu des ~~bébés ~~(هيلانة رزقت أطفالا) يمكن كتابتها هكذا: # hlnaudbb ~~. # فأما فكرة الاختزال والاقتصاد فمردود عليها في بياني (فقرة 23). وأما ~~عبارة «هيلانة» فمن الأحاجي التي كثيرا ما ينشر مثلها في الصحف الإفرنجية ~~لتسلية الناس. ولا شك عندي أن حاكيها أراد بها الإشارة إلى أن رسم لغتنا كرسم ~~تلك الأحاجي المعميات، وهو في إشارته من ms034 الصادقين. ويخيل إلي أنه من الحذاق ~~المتصونين الذين يربئون بأنفسهم عن زيادة التصريح وما تسحبه زيادة التصريح على ~~صاحبها من ألسنة حداد. لكنا نحن عن إشارته ساهون. # الرابع عشر: # يقولون إن الفتحة كثيرة في الألفاظ العربية، وإن حروف المد، الواو والألف ~~والياء، يجذب الحرف منها ما قبله فيحركه بحركة تناسبه ، فلا يبقى من بعد في ~~الكلمات سوى الضم والكسر والتشديد والتنوين والسكون، وإن أقل الأقدار من ~~الشكلات يكفي للدلالة على هذا متى خيف اللبس. بل إن للعربية في تصاريفها صيغا ~~قياسية معروفة اعتادها الناس، فهم ينطقون بها نطقا صحيحا مشكولة كانت أو غير ~~مشكولة. ثم يقولون بناء على هذا كله إنه لا لزوم لا لإيصال الشكلات بالحروف، ~~ولا لتغيير الحروف ذاتها بحروف لاتينية توضع في غضونها حروف الحركات. # لكن القائلين بهذا يسهون سهوا تاما عن أن هذه الطريقة لا تفيد البادئين ~~في التعليم ولا أنصاف المتعلمين ولا الأجانب عن العربية، بل ولا المتعلمين تمام ~~التعليم من أهل العربية أنفسهم. إنها تقتضي أن يكون القارئ عارفا من قبل ~~بمفردات اللغة وبعلمي الصرف والنحو. ألم يقل الجارم بك: «إنك إن لم تكن لغويا ~~نحويا صرفيا معا لعجزت عن أن تكون قارئا أو شبه قارئ»؟ أولم يقل: «إن ~~الشاب المثقف يخطئ في قراءة المشكول خطأه في غير المشكول، وإنه يخطئ في قراءة ~~القرآن مع كونه مشكولا على أدق ما يكون الشكل»؟ وإذن فهذا الاعتراض - أو ~~بالأحرى هذا المذهب - غير موصل للغرض الذي نسعى إليه. # الخامس عشر: # وردني بالبريد عدد من جريدة لم أتشرف من قبل بمعرفتها، لسبب بسيط خاص بي، ~~هو أني غير مغرم بقراءة الجرائد، وبحسبي جريدة واحدة أقرأ فيها، لا كل الأخبار، ~~بل بعض المفيد من الأخبار. ولسببين آخرين خاصين بها هي، أولهما أني لما فضضت ~~غلافها قرأت أنها جريدة أسبوعية، ولكني وجدت تاريخها ربيع الآخر سنة 1363 بلا ~~تعيين يوم من الشهر ولا أسبوع، فأدركت أنها من الجرائد التي تظهر مرة وتختفي ~~أخرى بحسب التساهيل، وثانيهما ما قرأت فيها من ms035 أنها جريدة دينية إسلامية، وأنا ~~مكتف بما يسر الله لي من ديني، وموقن بأن لا مزيد عليه عند كائن من كان من ~~المسلمين. وهو سبب يصرفني عن إضاعة درهم واحد في شراء مثلها حتى لو كانت غير ~~مغمورة بل كانت ذائعة بين المصريين وغير المصريين. # قرأت في تلك الجريدة مقالا أشار إليه مرسلها، فسررت سرورا بالغا لعثوري ~~على إنسان يكتب العربية نقية سليمة من كل عيب، مهما يكن الاسم المجهول الموضوع ~~في ذيل المقال دالا على الذات الكاتبة، أو يكن لفظا مستعارا من أحد ~~المسخرين. وليس يرين على سروري ما رأيت في المقال من بعض العبارات النابية؛ ~~لأني أعرف أن لكل كاتب نبوات قد يندم على فروطها. كما لا يقلل من سروري أن صاحب ~~الجريدة - مع تفضله بإيصالها إلى منزلي - توهم أني لن أقرأ ذلك المقال، فكتب في ~~الفهرس الذي على الغلاف ما يفيد أن المقال هو بحث في فوائد اقتراحي؛ إغراء لي ~~بقراءته، كأنه في سهوه وتكليف نفسه مشقة الاحتيال يريد أن يعلمني ما أعلمه من ~~أن الحيل الشرعية جائزة في عرف بعض المسلمين، وأنه لا مانع من أن يستعملها ~~المسلم، وعلى الأخص متى كان صاحب صحيفة دينية تائها في حب الله، غارقا في بحر ~~الحقيقة مع أهل الباطن من الأقطاب الموكلين بتدبير أمور الكون! أليس مثله يوحى ~~إليه في غيبوبته أن من واجبه ديانة أن يحتال على الناس حتى يبلغهم أن الأخلاق ~~الدينية شيء، وأنه وهو القطب الرباني المكلف بالتبليغ شيء آخر بعيد عنها بعد ~~أهل النار من أهل الجنة؟ أوليس أنه يقذف في قلبه أن يقول للناس إن آية صدقه في ~~هذه الرسالة واضحة للصغير والكبير، والأكمه والبصير، هي أن الأخلاق معنى والقطب ~~الرسول مادة، وأنه شتان ما بين المعاني الذهنية وكتل الماديات المرئيات؟ ولا ~~يقلل أيضا من سروري أنه يطعن في اقتراحي بكل ما وسعه، فيقول إنه سقط مستحيل ~~التنفيذ؛ لأنه يضيع على الموجودين والمستقبلين الانتفاع بثقافة الماضين، ويزيد ~~أعباء الطابعين، ويكلف من النفقات ما يخطئه ms036 عد العادين وحساب الحاسبين. ولا ~~يقلل منه أنه يشيد بالرسم الحالي ويخلق من سخافته جلالا، بل يذهب إلى حد ~~الدعوى بأنه سيتحقق فيه تنبؤ بعض المتكهنين من أنه سيكون خط كتابة كل ~~العالمين، إلى ما يزعم وما يوهم به من هذا القبيل. بل ولا ينقص سروري أن تدينه ~~نفخه فزين إليه أن يقول إني استلهمت بعض اقتراحي من فيض مكارمه النورانية، كأن ~~للمغمور الذي يتجر بالدين فضلة علم أو أثارة فهم تسقط من بين أسنانه إلى أيدي ~~اللاقطين. كل هذا لا يذهب بسروري من بلاغة المقال؛ لأني - من ناحية - فاهم أنه ~~لو لم يطعن ولم يسهب ورسالته دينية، لأوهمته نفسه أو لتوهم قارئوه - إن كان له ~~قارئ - أنه لم يؤدها على ما يرام. ولأني - من ناحية أخرى - رأيت أن له غرضا ~~أساسيا يسعى إليه، هو تسويء كل القوانين الوضعية القائمة الآن في البلاد، ~~والرجوع إلى ما بناه الفقهاء الأكرمون من صرح الشريعة الغراء. وهو غرض مهم في ~~ذاته، ومن شأنه أن يدفع إلى الإشادة بما ترك الإمام الليث بن سعد وباقي السلف ~~الصالح من الآثار، كما يدفع إلى النعي على كل حادث يتوهم منه المساس بتلك ~~المخلفات. # وأؤكد أيضا للقطب الرباني طابع المقال أن ما كتبوه له فدونه من أن ~~«مثلي في قصور الأسباب التي عللت بها بعض نقط اقتراحي كمثل الزنجي يخرج من ~~مجاهل إفريقية فيبدي رأيه فيما لا علم له به من شئون المتحضرين.» # 4 # ثم ما دونه أيضا من أن «النتيجة النهائية للأخذ باقتراحي هي إضعاف ~~الإسلام.» أؤكد للقطب أن كل هذا التورط في التجريح لا يمنع سروري بأسلوب مقاله ~~الرشيق، بل إنه يزيد فيه بما يجعلني أبتسم لسهوه عن أن الوعول لا تئوب من نطح ~~الصخرة إلا بكسر قرونها، وأن جرح العجماء - إن جرحت - جبار. ومن أجل هذا فإني ~~أحلله من كل إثم يجول في خاطره أنه ارتكبه بوصف أنه قطب مسلم يحرر أو يطبع ~~صحيفة تدفع عن دين الإسلام وأخلاق الإسلام، بل أستغفر له الله، ms037 بل أقول له ~~استمر أنت ومن يكتب لك هنيئا مريئا غير داء مخامر. # ولكني مع تحليله من إثم ما قال وما قد يقول مما يتعلق بي، لا أملك التجاوز ~~له عما تعدى فيه إلى غيري من كرام الناس تعديا كله صغار واستفال. من هم يا ~~حضرة الطابع أولئك المشايعون الذين يعبثون بمحاضر الجلسات؟ وإلام ترمي بموازنتك ~~بين المتقدمين من أعضاء المجمع وبين المتأخرين؟ وهل أتاك عن المتأخرين أنهم ~~يغمطون فضل المتقدمين الأولين؟ وماذا يقذي بصرك ويرمده من رجال القانون ومن ~~الأطباء والمهندسين؟ اربع على ظلعك، واشتغل ببضاعة أخرى في تجارتك بالدين. ~~واعلم أن كل هذا من جانبك تورط من أشنع التورطات، وأن اسمه بالعربية الدس ~~والفتنة والإيقاع. وهنا فقط أعلمك أن مقالك لا يستأهل إلا الإحراق. وما يهم ~~أحدا أعربي هو أم أعجمي، فاحفظه في مخلاتك إن شئت وكله هنيئا أو غير هنيء، ~~فقد زهدت فيه الناس، كله أنت وحدك، فإن خضراء الدمن لا تخطب، والعسل في ~~محجمة الحجام يعاف. # على أن آثام هذا الطابع لا تصرفني عن واجبي، بل هي تحفزني إلى المضي ~~قدما فيه، إني أريد أن أهمس في أذنه، أو بالأحرى في أذن من كتب له المقال، ~~بملاحظتين بسيطتين خاصتين بالغرض الأساسي الذي يسعى إليه، وإن لم يلق باله ~~إليهما كان عمله عبثا في عبث، وتجارته بالدين خسارا في خسار. # الأولى: # أن الدين لله. أما سياسة الإنسان فللإنسان، وما لله ثابت لا يتغير؛ ~~لأن الله حي قيوم أبدي يستحيل عليه التغير. أما ما للإنسان فكالإنسان، يتغير ~~ويتبدل ويحول ويزول بفعل الزمان والمكان والأحداث. وإذا كان أحد لا يستطيع في ~~الإسلام أن يمس العقائد وفرائض العبادات، فإن الحاكم في الإسلام عليه - بهذا ~~القيد - أن يسوس الناس عاملا على ما يحقق مصالحهم بحسب الزمان والمكان ~~ومقتضيات الظروف والأحوال، مؤسسا عمله على الحق، حائطا له بسياج من العدل ~~الذي بدونه لا تنتظم أمور العباد. فهل يرى حضرة الطابع أو الكاتب في القوانين ~~الموجودة الآن، من مدنية وتجارية وجنائية ومالية وإدارية، ms038 ومن نظم للهيئات ~~المكلفة بتطبيقها وللهيئات التشريعية العليا المختصة بسنها وإصدارها. هل يرى ~~في تلك النظم والقوانين ما يخالف شيئا من عقائد المسلمين أو يعطل فرضا من ~~فروض الدين؟ أولا ينظر ويسمع هو ومن لف لفه، إن كان لهم أعين يبصرون بها أو ~~آذان يسمعون بها، أن في الدولة المصرية من تلك النظم هيئة اسمها وزارة الأوقاف ~~قائمة بتعمير مساجد الله وإقامة شعائر الدين في بيوت الله؟ وهل يحسب أن فقهاءنا ~~الأكرمين، لو كان الله مد في أجلهم إلى اليوم، كانوا يأخذون في سياستنا بغير ~~الموجود الآن من القوانين التي تتطور بالاستمرار تبعا لأحوال الناس، بل ~~وللظروف العالمية جمعاء، وهي في كل أدوار تطورها تحت ضمانة أهل الشورى والحل ~~والعقد من نواب البلاد، ومن فوق نواب البلاد؟ إني أقرأ ضميرك من بعيد، إنك لا ~~تستطيع الجواب؛ لأنك إن أجبت سلبا كذبت على السلف الصالح علنا. وإن وافقتني ~~فوت على نفسك غرضك من إصدار صحيفتك فأجهزت عليها وقبرتها وضاعت عليك تجارتك ~~بالدين. غاية ما يحملك الوهم على اللجوء إليه لتدعي لنفسك شبهة في مخالفتي، تلك ~~المخبثة التي نبه إليها قبلك كثير من رجالنا المحترمين. أقصى ما عندك أن تشير ~~إلى بعض المسائل الأخلاقية، وأن تقول إنها مخالفة لآداب الدين. أنا معك إن كنت ~~أنت منها بريا. ولكن لبث قليلا! إن قسيسي النصارى لما خرجوا عن حدود ~~دينهم الذي هو في أصله دين الله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لما خرجوا ~~وبطشوا بالعباد وعذبوهم باسم الدين، وأحرقوا بعض العلماء باسم الدين، لا لجريرة ~~سوى أنهم شغلوا عقولهم فاهتدوا إلى بعض قوانين الله وسننه في هذا الوجود، لما ~~طغى القساوسة إلى هذا الحد، ضجت منهم شعوبهم، وما زالت تكافح حتى وصلت إلى ~~الضرب على يدهم، واستصدرت دساتير تقررت فيها حرية الرأي وحرية العقيدة وغيرهما ~~من الحريات؛ وذلك كيلا يكون للقساوسة ولا لغيرهم عليهم من سبيل. ولقد جاء ~~الدستور المصري مقررا تلك المبادئ الديموقراطية السليمة فيما قرر من الأحكام. ~~لبث قليلا لأعلمك أن الحكومة ms039 المصرية تعمل ما في وسعها للقضاء على كل ما ~~يدور بخلدك من مسائل البغاء والميسر والخمور والإغراق في نزوات السفور، مما ~~تعتده أنت مروجا لتجارتك، وتتمنى على الله في سرك أن يديمه حتى لا تنهار حيطان ~~متجرك فيخرس لسانك. ولكن ما وسيلة الحكومة لاجتثاث تلك المنكرات، وعلى الأخص ما ~~يرتكب منها في الخفاء مما يعلم الله من هم المرتكبوها أأنا أم أنت أم غيرنا من ~~محترفي الدين وغير المحترفين؟ ما وسيلتها وفي البلد كثير من غير المسلمين من ~~أجانب ومصريين؟ أنت تدرك العوائق كما أدركها، وفيها تلك الحريات التي قررها ~~الدستور، ولكنك تريد تأدية رسالتك ولو بالقول العقيم. # لا معدى لك يا سيدي في كل ما همست به في أذنك الآن عن إحدى اثنتين: إما أن ~~تطلب أنت وأضرابك إلغاء الدستور وما قرره من الحريات، وما وكله من أمور التشريع ~~إلى نواب البلاد، الذين إذا كانوا عارفين بأحوالها وما يلزم لها من القوانين، ~~فإن أغلبهم لم يدرسوا الشريعة الإسلامية لا كالسلف ولا كالخلف من الفقهاء، بل ~~فيهم كثير ممن لا يدينون بالإسلام. إما أن تطلب هذا فأقوم في وجهك أنا وغيري ~~من المصريين المسلمين وغير المسلمين، وإما أن تسكت وتقول ليس في الإمكان خير من ~~الكائن الآن. وأنصحك بأن هذا هو الأجدر بك وبأمثالك في هذا القرن ~~العشرين. # نسيت أن في نفسك تكأة لك أخرى غير تلك المنكرات؛ مسألة التعامل بالفوائد. ~~ولكني أرى صوتك فيها خافتا، إما لأنك تتعامل بها فعلا وأنك إذا استعطيت ~~فمعطيك مسلم تقي ورعه من دن ورعك، لا يعطيك إلا سرا. ثم هو يشفق دائما ~~عليك؛ لأنكما أخوان في الدين، فلا يزيد عن خمس عشرة لكل مائة مما يناولك من ~~القروض، وكلاكما من آخذ ومعط يتقي غضب الله بما يتقن من طرق الاحتيال عليه. إما ~~لهذا خفوت صوتك، وإما لأنك - وأنت سيد الفهماء - قد أدركت أن للمعاملات العالمية ~~تيارا يموج بهذه المسألة وأضرابها، وأنك إن لم تقصر ما تراه حكم الإسلام فيها ~~على خاصة نفسك - إن ms040 شئت أن تتوب وأن تكون من المتحرجين - فإن أحدا لن يستمع ~~إليك. ولو أن مصر لم تعمل بقاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» بل طاشت فأخذت بما ~~قد تأتي به أنت ومن يكتب لك من هذا القبيل، لقاطعها العالم، ولما استطاعت ~~الاقتراض لشراء محاصيل أهاليها ولتحويل ديون الأجانب التي عليها، ولأغلقت ~~البنوك أبوابها، ولانحطت الزراعة ووقفت الصناعة وتعطلت التجارة، وانهدمت مصلحة ~~الجمارك على رأس من فيها من الموظفين، وكنت أنت ومصر معا من الهالكين. ولعلك ~~تحفظ قوله تعالى: # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~، وتخاف هذا المآل. لكن من يدري؟ لعل رسالتك تضطرك إلى نبذ قول الله وراء ظهرك، والمخاطرة ~~بمصر وحكومة مصر وبرلمان مصر، وأن تنعق بهذا المحال لمجرد الإيهام بأنك تخدم ~~الدين. # الثانية: # حط من غلوائك، وتعلم مني أننا الآن عيال على الأوروبيين، لا في خصوص ~~العلوم والفنون فحسب، بل كذلك في أمور التشريعات والقوانين. وإن ثقل عليك قولي، ~~فسل رجال كلية الحقوق وكلية التجارة، وأقلام قضايا الحكومة التي تجهز مشروعات ~~القوانين، وسل كل من بالمحاكم الأهلية والمختلطة من القضاة المصريين، ومن يشتغل ~~لديها من المحامين المصريين. سلهم يأتوك جميعا بالخبر اليقين. ومن أجل هذا، ~~مضافا إليه طريقتك العوجاء في خدمة الدين، يؤسفني أني - حتى لو كنت قويا في ~~صحتي - لن أجيب رغبتك في الرجوع لسلفنا الصالح في أمر القوانين. # إنك يا سيدي كما وقفت على أبواب المجمع اللغوي لاستراق السمع، لا بد أنك إذ ~~أقصاك أهل العلم عن محلتهم قد وقفت لهم أيضا على الأبواب ومن وراء الحجرات ~~فالتقطت ذات مرة قولهم: «إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.» وإذا كنت - على ما ~~أظن - لم تتصل، أنت ولا من يكتب لك، بقوانين الأوروبيين، ولم تدرس شيئا من ~~قوانين الأوروبيين، فهل ترى لنفسك حقا في الموازنة بين عمل سلفنا الصالح وعمل ~~الأوروبيين؟ لو سمحت لي بأن أدلك على الحق الواقع لما أحجمت عن إفادتك، بل ~~سماحك ليس في العير عندي ولا في النفير. اعلم معلما، أن العقول التي كشفت ~~لك عن ms041 عجائب الكهرباء، وفجرت لجارك ينابيع النور في كل زاوية من أركان بيته ~~العامر، وأغنته عن المسارج والقناديل وهم المسارج والقناديل، وهيأت للناس ~~التلغراف السلكي واللاسلكي، وكشفت لك عن خواص الراديو فجعلت سمعك الضعيف يدرك ~~ما يحدث بأقصى بقعة في الكرة الأرضية من الأصوات، كما كشفت لك عن معجزات ~~الطيران الذي طبق عليك وعلي وعلى جميع الناس أرجاء السماء؛ هذه العقول ~~الجبارة لها أخ من أبويها يشتغل إلى جانبها بمسائل القانون، ويسمو في بيئته إلى ~~ما يسمو إليه إخوته الآخرون، ولكنك لا تراه؛ لأن نظرك قصير، وكلما حاول أن ~~يشخص ليراه ردعته عن التطفل على الناس وعن الاشتغال بما لا يعنيه؛ لأنك متدين ~~غيبوبي، باطني، إذا خرجت من قشرتك وتجسست في غير حيك كشفت عن عجزك وسقطت ~~إلى الحضيض. أرجو أن تحفظ هذا الدرس الذي لن تجد غيري من الصرحاء يقدمه لك ~~مجانا لوجه الله. أرجو أن تحفظه وأن تقول لنفسك: كفي عن التهويل. # ثم لتعلم يا سيدي أن ما أقول لك لا يمس أدنى مساس بقدر سلفنا الصالحين. ~~إني أعرف لهم فضلهم العظيم أكثر مما تعرف أنت وأضرابك، وأعرف أن العقل الإنساني ~~لم يرق في أية بيئة إلا على سنة التدرج، وباستفادة اللاحقين من عمل ~~السابقين. # ارجع إلى عمل الصالحين السابقين يفدك في العبادات والمعتقدات؛ لأنها لا ~~تتغير بمر السنين. أما أحوال الاجتماع وسياسة الاجتماع وقوانين الاجتماع، ~~فاتركنا أنت وغيرك نساير فيها أمم الأرض، ما دام قوامنا فيها - على كره منك ~~- يحترمون الدين ولا يخلون بشيء من أمور الدين. # أنا وأنت مقتنعان بأن عملك وعمل كثير من أضرابك دنيوي واه لا شأن له ~~بالدين؛ لأني أفهم الدين، ولأنك أنت ترى بعيني رأسك أن جهات التشريع عندنا ~~تشتغل في دائرة غير دائرة الدين. # لا تبتئس من الحق المر! وإذا هاجك الحق فأصررت على الادعاء بأن لعملك قيمة ~~أخرى غير الارتزاق من تجارة الدين، واستمررت تزعم أن فيه خدمة للدين، وأن لك به ~~قصرا في الجنة بجوار الصالحين، فابتئس ما شئت، وخادع ms042 أنت والكاتب لك ما مد ~~الله لكما في الغي، وحسابي وحسابكما سنلاقيه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ... ~~ويومئذ سأسمعكما مصطرخين ترددان: # ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل # فأعرف أي المخلوقات أنتما. وعليك وعلى هذا ~~الكاتب لك السلام، إن اتبعتما الهدى وسلكتما سبيل المؤمنين. # السادس عشر: # يقولون: إن رسم العربية الحالي له فائدة عظمى؛ فإن إيجازه وتعقده يقتضيان ~~إعمال الفكر في استبانة الوجه الصحيح من أوجه أدائه. وفي إعمال الفكر ما يشحذ ~~القريحة ويدربها على حل المشكلات. # أرأيت غفلة أشد من هذه؟ # إن اللغة وسيلة للتفاهم بين الناس، والتفاهم وسيلة لإدارك المعلومات، وإدراك ~~المعلومات وسيلة لتكييف سلوك المرء في الحياة أو للسير في طريق كشف المجهول من ~~حقائق هذا الوجود، وكشف هذه الحقائق وسيلة لتسخيرها لمصلحة الإنسان. إذا علمت ~~هذا أدركت أن اللغة أولى درجات سلم الوسائل والغايات، وأنها دون ما فوقها ~~وسيلة بحتة لا يقصدها عاقل لذاتها. ولو أنك تعلمت العربية أو الصينية وحبستها ~~في مخك لا تخاطب بها أحدا ولا يخاطبك بها أحد، ولا تكتب بها لأحد ولا يكتب لك ~~بها أحد، لكنت في تعلمها عابثا مسرفا على نفسك بل مختل الشعور. إذا فهمت هذا ~~أيضا فاعلم أن للغة خادمين رابضين تحت رجلي السلم بدون مسعاتهما لا يظهر لها ~~أثر في الوجود، هما اللسان ورسم الكتابة، فإذا انعقد اللسان كان أخرس، وإذا ~~تعقدت الكتابة كانت كمثله خرساء. وخرس اللسان طبيعي أو مرضي، وخرس الرسم صناعي ~~جهلي. فاعتراض حضرتك الذي وقفتك الآن على ما في مطاويه معناه أن مخاطبة الخرس ~~من أجل وسائل التربية والتثقيف، وإضاعة العمر فيها تشحذ القرائح وتمرن على حل ~~المشكلات! أنت يا سيدي في السنة الأولى من الإلزامي، وستستمر راسبا فيها حتى ~~تموت، على حين غيرك جاز المراحل وأصبح أستاذا في كلية العلوم، فاستر وجهك، وصن ~~لسانك عن مثل هذا الهراء. # السابع عشر: # قلت في بيان اقتراحي إن مشقات العربية «تحملني على الاعتقاد بأنها من ~~أسباب تأخر الشرقيين.» فهب المتحمسون صائحين: كيف تقوله والحال ms043 أن تأخر ~~الشرقيين له أسباب أخرى ليس منها صعوبات العربية ومشقاتها؟ كيف تقوله واللغة ~~تابعة لقوة أهلها تزدهر إبان قوتهم وتضعف إبان اضمحلالهم؟ كانت العربية مزدهرة ~~في صدر الإسلام ثم انحطت حين اضمحلت بلاد العربية بما انتابها من الأحداث ~~وبانحراف أهلها من مقررات الدين. # هذا اعتراض «دون كيشوت # Don Quichotte ~~» ~~يضرب بسيفه الخشبي في أطباق الهواء ليمزق الهواء. إني أتكلم عن حال العربية ~~الآن، بعد نيف وألف سنة من صدر الإسلام، وهم يتحدونني بصدر الإسلام! إني أتكلم ~~عن حالها في عصر الناس الحاضر وما تغلغل في بلاد العربية من الأجانب ومن لغات ~~الأجانب، وما قام في مصر وفلسطين ولبنان والشام والعراق وتونس والجزائر وطنجة ~~ومراكش وباقي بلاد العربية من معاهد تنشر فيها الفرنسية والإنجليزية وغيرهما من ~~لغات أمم الحضارة السهلة المأخذ، البعيد رسمها عن التعقد والارتباك. إني أنظر ~~إلى الطبيب والصيدلي والكيمائي وخريج كلية العلوم الذي لا يستطيع أن يتقن ~~الفصحى، وعربيته هو لا تؤاتيه في تعليم الناس ما يجول بخاطره من الأفكار، فيميت ~~فكرته ويحرم منها مواطنيه، وإن نشرها فبلغة أجنبية لا يفهمها سواد المواطنين. ~~وإذا كانت جماهير الأمم إنما تتقدم الآن أو تتأخر بمقدار ما ينشر فيهم وما ~~يفهمونه من مسائل العلوم، فلا شك أن مشقات العربية من أسباب تأخر الشرقيين، بل ~~إني إزاء هذا الاعتراض التهريجي لا أحجم عن القول بأنها أهم أسباب تأخر ~~الشرقيين. تتناحر ألمانيا والروسيا وإنجلترا وأمريكا لتنفذ في العالم إرادة ~~أيتها تستقل بالغلبة، وكل واحدة منها تعتمد في قوتها على العلم دون سواه. وسفير ~~العلم اللغة منطوقة أو مكتوبة، وليس له سواها من سفير، فإذا تعقدت وارتبكت ~~اضمحل العلم في أهلها فاضمحلوا وتأخروا بلا نزاع. # على أني قد أمسك عن مناقشة هؤلاء المتحمسين، فلا أقول لهم إن ازدهار ~~العربية في صدر الإسلام إنما كان لقرب أبنائها من آبائهم الأولين. # 5 # ولا أقول لهم إن المجمع اللغوي أمامه كثير من الاصطلاحات العلمية ~~يحاول ترجمتها إلى العربية فلا يستطيع؛ لأن مدلولاتها حديثة الوجود، غريبة عن ms044 ~~العرب قبل الإسلام وبعد الإسلام، فيضطر إلى تعريبها بلفظها الأجنبي وإخراجها في ~~ثوب من الرسم العربي، فتجيء متنكرة المعالم لا يفهم أصلها ولا فصلها أحد من ~~سواد الجماهير. ولا أقول لهم كفوا عن الاحتجاج بمقررات الدين؛ فإن حالنا ~~اليوم في الدين خير من حال أغلبية من أتى بعد الخلفاء الراشدين من المسلمين ~~الأولين. قد أمسك عن مثل هذا، وآخذ قولهم قضية مسلمة، ثم أسألهم: متى يا ترى ~~تفيء القوة من غيبتها وتتبوأ بلاد العربية حتى يرجع إلى العربية ما كان لها في ~~الصدر الأول من الازدهار؟ أنبئوني عما قرأتموه في النجوم عن هذا الموعد ~~المرقوب. ألعل لكم من الخليج الفارسي إلى مراكش، ومن حضرموت إلى حلب، جيوشا ~~جرارة، ومدافع هدارة، ومراكب بر سيارة، وسفنا مخارة، تقرب لكم يوم القوة ~~ويوم ازدهار اللغة الموعود، ولكنكم تخبئونها تحت جناح القدر، فلا أرى لها ~~أثرا، ولا أحس لها ركزا، ولا أسمع عنها خبرا من الأخبار؟! # واجهوا الحقائق، سهلوا صعاب الفصحى فإنه ليس لنا عنها محيص، سهلوا قبل كل ~~شيء رسم كتابتها المعقد السخيف، حرروها منه، تفهمكم وتفهموها، ووفروا وقتكم ~~لتفتيش مخابئها؛ فلعل فيها ما قد ينفعكم في الحال والمآل. واحتفظوا بقرائحكم ~~تشحذوها في علم نافع وغرض مفيد. واعلموا أن الغيب لله إن شاء استجاب لنا فرفعنا ~~مما نحن فيه، وإن شاء لم يستجب. فاعملوا ليومكم الذي أنتم فيه كما يعمل ~~العقلاء. ادخروا منه لغدكم، فإن قواكم الله - كما هو رجاؤنا - كنتم على ~~استعداد للاستمتاع بقوتكم، وإن كانت الأخرى - لا قدر الله - رحتم مؤدين ~~واجبكم كراما مأجورين. لا تتحككوا كذبا ورياء بمقررات الدين؛ فوقت هذا قد ~~فات. ولا تتطوحوا في الحماسيات الصبيانية باسم الآباء؛ فزمنها قد مات، وشر ~~البرية من تمحك باطلا بالدين، وأكل خبزه خداعا باسم الدين، وأعجز الناس من ~~استنام على ذكرى الآباء ومجادة الأجداد. # الثامن عشر: # يقولون ما حاصله: عد عما تذكر من صعوبات العربية وسوء رسمها، واعلم أن ~~العربية اليوم في دور النهوض، وأن العامية تقترب من الفصحى؛ وذلك بفضل ms045 الجرائد ~~ومؤلفات الأدباء، وبفضل الخطباء في المجامع وفي المذياع، وفضل المحامين في دور ~~القضاء، وأنه لن يمضي إلا قليل حتى تزول الأمية ويصبح الناس جميعا يقرءون ~~ويفهمون الكتب والجرائد والمجلات، وحتى لا يكون بين العامية والفصحى إلا قاب ~~قوسين أو أدنى. # هذا الاعتراض خارج أيضا عن الموضوع، ومن الأسف أن أراني مضطرا للتكرير. ~~الموضوع الذي نحن بصدده هو تيسير رسم الكتابة العربية «بحيث يؤدي كل حرف من كل ~~كلمة صورته الصوتية أداء صادقا واقيا من الغلط واللحن الشنيع وغير الشنيع.» ~~فهل زوال الأمية وفهم الكتب والجرائد واقتراب العامية من الفصحى يؤدي هذا ~~المقصود؟ ألم أقل لك إن خريجي الجامعة ومن فوقهم لا يستطيع الواحد منهم أن يقرأ ~~صحيفة من كتاب أو نهرا من جريدة دون أن يخطئ في العربية خطأ فاحشا. وإن رسم ~~الكتابة العربية أصبح - كما قال الجارم بك - لغزا من الألغاز. وهل زوال الأمية ~~وما عطف عليه، فيه قوة سحرية تفك هذا اللغز وتضع على الحروف ما تستحقه من ~~الحركات؟ دعنا إذن من هذا الاعتراض المفارق للموضوع. # التاسع عشر: # يقولون: إذا فرضنا أن ما تنشره الطباعة من كتب الأدب ومن الجرائد والمجلات ~~يستطيع ناشروه إخراجه وفق أصول العربية وقواعدها، فما الرأي في الكتابة ~~بالوزارات والمصالح والمحاكم وبمحاضر الجلسات؟ إن ضبطها يستلزم أن يكون محرروها ~~من الموظفين ملمين بتلك القواعد والأصول، وأن يرجعوا إلى المعاجم كلما أشكل ~~عليهم وزن اسم أو وزن فعل من الأفعال، وإلا فإن كتابتهم بالأحرف اللاتينية التي ~~تضبط النطق ولا تحتمل إلا وجها واحدا من الأداء، تخرج كلها خاطئة في العربية ~~مضللة للقارئين. ثم يقولون إن الأولى إذن الاحتفاظ بالرسم الحالي الذي يحتمل ~~الصحيح من الأداء وغير الصحيح؛ تخفيفا على هؤلاء الموظفين. # اعلم يا حضرة المعترض: أولا: أن كتاب الوزارات والمصالح هم الآن ممن ~~قطعوا مراحل التعليم إلى التوجيهي أو إلى الثقافة على الأقل. وكثير من رؤسائهم ~~هم فوقهم في المؤهلات، فغالبا ما تكون الفصحى سهلة عليهم لا يحتاجون فيها ~~لمراجعات. على أنك تعلم أن ms046 الكتاب لا يخرج من وزارة أو مصلحة إلا بعد تسويد ~~وتبييض وتدخين لفافة من التبغ وتناول قدح من القهوة، وتقديم واجبات المجاملة أو ~~المداورة أو التجبيه للزائرين، مما يؤذي العمل وقد يؤذيك. فإذا فرض أن الرئيس ~~أو المرءوس كان غير عارف وزن كلمة من الكلمات، فأي تعطيل يضيرك أو يضيره في ~~تعرف وزنها من المعجم ، وهو إن عرفه مرة أغناه إلى آخر الحياة؟ أوليس صرفه ~~دقيقتين في هذا الأمر المفيد أجدى عليه وعليك وعلى العمل من صرفه معظم الوقت في ~~تلك الملهيات والمعوقات؟ ثانيا: إن أقصى ما تلاحظه على كتاب المحاكم أنهم ~~يكتبون محاضرهم بفصحى مشوشة أو بالعامية. ومن الذي قال لك إن واجب كاتب الجلسة ~~أن يصحح ما يسمعه من المرافعات، وأن يفسد عامية المحامي أو الخصم أو الشاهد ~~بردها إلى الفصحى؟ ليستمر كتاب الجلسات وكتاب محاضر البوليس على تدوين ما ~~يسمعون من الفصيحة أو نصف الفصيحة أو العامية الصرفة بلا أدنى تعديل، فإن هذا ~~واجبهم لما فيه من ضبط للمعاني التي أرادها المحامون والخصوم والشهود، والتعديل ~~في ألفاظ هؤلاء غالبا ما يكون إفسادا وتشويشا للمعاني التي يقصدون. ها أنت ~~ذا قد رأيت أن كل تلك الأوراق التي تشير إليها لا يضيق بها كاتبوها ولا يرجعون ~~لمعاجم ولا لاستفتاءات. ثم لتعلم أن جميعها أوراق خاصة لا يقرؤها إلا ذوو الشأن ~~فيها، ولا يطبع منها شيء ولا ينشر في الناس. وإذن فسواء أكانت عباراتها عربية ~~فصيحة أم كانت عامية بحتة، فإن أحدا لا يتعلم منها شيئا ولا يضره من أخطائها ~~العربية شيء. فاعتراضك يا سيدي ضرب في غير مضرب، ونفخ في غير نار. # العشرون: # أخبرني يوما أحد محرري «المصور» أن هناك طعونا يوجهها بعضهم على اقتراحي ~~قائلين: «بمخالفته لدين الإسلام.» وسألني رأيي فقلت له: «إني لا أعير مثل هذا ~~الهراء أدنى التفات، فإنه أهون علي من الغبار الذي يصيب ردائي أو حذائي، فما ~~بالك أنت تهتم به؟» ألح المحرر كيما أبين له وجه عدم اكتراثي لمثل هذه ~~الأباطيل، ولكونه إنسانا ms047 أديبا ظريفا فقد بينته له في شيء من التفصيل، ووصفت ~~له هؤلاء الفارغين بما يستحقون. # علمت من بعد أن فلانا ابن فلان نشر في بعض المجلات المحترمة اعتراضا على ~~اقتراحي. ولكون الأب كان في بيئته من الرجال المعدودين، فقد استحضرت المجلة ~~واطلعت على الاعتراض، فرأيت الكاتب عمد إلى تلك العبارة من حديثي فرواها وحدها، ~~ثم بنى عليها من التجريح ما شاء، وأهون التجريح أنه يقول لي ما حاصله: «إنا ~~عرفناك قاضيا تسمع كل قول تقصيا للحق وتثبيتا للعدل، فماذا أصابك؟ وما هذه ~~الكبرياء وذلك العجب الذي جعلك اليوم لا تستمع لمن يوجه إليك الكلام؟» # هذا المعترض أحس أن المقام الذي أفضيت فيه بتلك العبارة هو مما يجب على كل ~~مسلم يحترم نفسه ويحترم دينه أن يظهر فيه أقصى ما يمكن من الكبرياء. أحس فهرب ~~من توضيح المقام، كما أغمض بصره عما بينته للمحرر في صلب الحديث من تعليل ~~موقفي إزاء الجاهلين. وكل ما أورده هو قوله إن تلك العبارة نشرت «بالمصور» في ~~حديث لي خاص «بالإسلام والحروف العربية» ولم يزد. إنه اختزل عمدا للتبهيم ~~وليستحل أمام الناس الإسهاب في التجريح؛ لأنه لو اصطنع الأمانة في النقل وذكر ~~موضوع سؤال المحرر على حقيقته، كما هو مذكور أمام حدقتيه في ديباجة الحديث ~~لاستحيا من نفسه؛ لأنه رجل مسلم، ولو أنه لم يكنه بل كان نصرانيا أو يهوديا ~~أو مجوسيا لما أطاق أن يطعن عليه أحد في دينه، ولكان أقل جزاء عنده للطاعنين ~~الأخذ بالتلابيب، فإذا تضاءل هذا الجزء، ونزل إلى مجرد تشبيه وقع الطعن بوقع ~~الغبار على الحذاء، فهذا أقصى درجات التسامح في الاثئار، وهذا التسامح كان ~~هو الأحرى بأن يعاب. على أن حضرة المعترض إذا كان لم يستح من نفسه فهلا استحى ~~من طيف أبيه أو من عقلاء المسلمين الذين يرون من الواجب على المسلم أن يكون ~~كبير النفس مترفعا عن خطاب كل جاهل يزعم أن في تغيير حروف الكتابة على أية ~~صورة مسا بالدين؟ إذ حتى بقطع النظر عما بينته ms048 في صلب الحديث، فإن المعترض - ~~وكل مسلم - يعلم علما ضروريا أن رسم الكتابة لو كان له أية علاقة بالدين ~~لكان النبي أول الكاتبين القارئين، ولما وصفه الله بالأمي في القرآن ~~الكريم، ولما لبث هو في مكة سنين عدة بعد الرسالة يتحدى المشركين بقوله تعالى: # وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون ~~. # تلك شردة من المعترض الذي يلوح لي أنه ككثير من الشباب يشتهي تجريح من هو ~~أكبر منه سنا، حاسبا أن ذاتيته تعلو بهذا التجريح. وقد وجد الباب للتجريح ~~مفتوحا على مصراعيه فولج، وليس له ولشردته عندي إلا تلقيهما بتلك الكبرياء ~~وذلك الترفع والعجب اللذين إليهما أشار. لكني أطمئنه أنها ليست كبرياء حقد، بل ~~كبرياء رثاء، فزمن جواز الاضطغان ولى ولم يبق في الأجل غير ذماء، خير ما ينفق ~~فيه التبسم لما في الناس من شذات وشردات وشطات. # ترك المعترض هذه الناحية وتكلم في الموضوع ولكن: ~~(1) # ليس صحيحا أني في اقتراحي استبقيت كل الحروف العربية المنقوطة كما توهم ~~عبارة حضرته، بل الصحيح أن تلك الحروف خمسة عشر لم أستبق منها إلا خمسة فقط ~~لا نظير لنغماتها في الحروف اللاتينية، وهي «ج، خ، ض، ظ، غ»، والإفرنج يؤدون ~~نغماتها بتراكيب كل منها مكون من حرفين ~~( # dj, ch, dh, dz, gh ~~) فكنت مترددا بين أمرين: ~~اتخاذ تلك التراكيب مع ما فيها من ضرر مضاعفة الحروف وضرر عدم أداء النغمات ~~العربية بالدقة، أو استبقاء تلك الحروف العربية التي تؤدى نغماتها بكل دقة ولا ~~ضرر فيها سوى كونها منقوطة كل بنقطة واحدة فقط لا بثلاث ولا باثنتين. رجحت ~~فوجدت استبقاء الحروف العربية حرصا على الاختصار ودقة أداء النغمات. ~~(2) # يقول حضرة المعترض ما حاصله: أننا لو عمدنا إلى مادة عربية كفعل ثلاثي ~~مجرد وأردنا تصريفه هو ومزيداته في صور التصريف المختلفة من ماض ومضارع وأمر، ~~واستخرجنا مشتقاته المتعددة وألحقنا به وبمشتقاته في الصور المختلفة ما يضاف ~~إلى الزوائد والضمائر بحسب ضروب الاستعمالات، أو لو عمدنا إلى اسم من الأسماء ms049 ~~وقلبناه في أحواله المتعددة من إفراد وتثنية وجمع وإضافة لبعض الضمائر، ~~وأعطيناه في صوره المختلفة ما يستحقه من حركات الإعراب أو ما ينوب منابها، يقول ~~إذا عمدنا إلى ذلك، ثم رسمنا الكلمات بالحروف اللاتينية لتنكرت مادة الفعل ~~ومادة الاسم، ولما عرف لأيتهما أصل. وإنه هو جرب هذا فعلا فاستغلقت عليه أصول ~~الكلمات، بخلاف رسمها العربي؛ فإنه يكشف دائما عن هذا الأصل فلا يضل عن معرفته ~~أحد، ويقول إن هذا ضرر جسيم لا توازنه تلك المنفعة الضئيلة التي قد تستفاد من ~~صحة الأداء بسبب حروف الحركات، وإن الشكل عندنا حاضر لم يفلس، كما هو مزعوم، ~~وإنه يؤدي لنا ما تؤديه حروف الحركات. # كنت أنتظر أن يقول حضرة المعترض إن الحروف اللاتينية، وفيها حروف الحركات، ~~تزيد في رسم الكلمة فتضاعفه، فأقول له هذا حق صحيح، ولكن أحق منه وأصح أن ~~«الشكل» الذي أفلس فعلا بإجماع العارفين المؤيد رأيهم بالواقع المحسوس؛ هذا ~~«الشكل» يضاعف أيضا عملية الرسم العربي ويشوشها، ويوقع فيها الارتباك. كنت ~~أنتظر هذا فأجيبه بما أقول الآن. ولكن الذي ما كنت أنتظره ولا أستطيع أن أفهمه ~~مطلقا ما يدعيه من أن الحروف اللاتينية تعمي أصل الكلمة وتجعله مستغلقا. إن ~~الأمر على عكس ما يقول؛ فإن الكلمة لن يكون فيها شيء زائد على أصل مادتها وما ~~تتصرف إليه أو يلحق بها سوى حروف الحركات الثلاثة، وهي ظاهرة متميزة برسمها ~~الخاص، لا تشتبه بحروف أصل المادة ولا بحروف صيغها التي تتقلب فيها؛ لأنها ~~عبارة عن «الشكل» مدرجا بطريقة منتظمة مأمونة في تجاويف هيكل الكلمات، فمتى ~~أسقطتها من الحساب # 6 # كانت كل الحروف الباقية في المجردات والمزيدات والمشتقات - على ~~اختلاف صورها - هي نفس الحروف العربية مرسومة بشكل آخر، بلا زيادة في عددها ~~ولا نقصان، ولا تغيير في نغماتها ولا تبديل. وهذا أمر بديهي واضح لا يليق أن ~~يكون موضع جدال؛ لأن الواحد والواحد لا يكونان ثلاثة بحال. # أضف إلى هذا أن الحروف الباقية هي - كمثل حروف الحركات - لا يمكن مطلقا في ~~الرسم اللاتيني أن ms050 تضلل القارئ في المطبوعات، ويبعد أن تضلله في غير الرديء ~~جدا من المخطوطات؛ وذلك لأنها - في كل ما عدا هذا الرديء - تلازم هيكلا واحدا ~~لا يتغير، بخلاف الحروف العربية، فإن هياكلها تتغير في جميع المطبوعات ~~والمخطوطات؛ إذ هي في جميعها تكون على عدة أشكال بحسب مواضعها في الكلمات. ~~ففكرة الضلال عن معرفة أصل الكلمة موردها الرسم السرطاني العربي، وفيما عدا ما ~~ذكرت لا ترد على الرسم اللاتيني، وعلى الأخص المطبوع منه، بحال. # وفوق هذا فإني أشرت في اقتراحي إلى وجوب كتابة الأسماء والضمائر والأفعال ~~والحروف منفصلا بعضها عن بعض بقدر الإمكان. وبهذه المثابة متى تخلصت الكلمات ~~من التصاق جملة منها في هيكل واحد، كان ذلك أنفى لفكرة الضلال في معرفة ~~أصولها. # إذن فالاعتراض من هذه الناحية أيضا واه، وأساس وهيه تحكم العادة على ما هو ~~ظاهر. وكل نظر أمه العادة فهو أبدا خداع. # من أعجب ما يكون أن حضرة المعترض يغمض عن أن حروف الحركات اللاتينية لا ~~شأن لها بباقي الحروف في الكلمة من أصل وزوائد صرفية، وعن أن الشكل أفلس ~~إفلاسا ذريعا صرخ منه المختصون وهم أساتذة العربية بالمدارس، وأولهم الجارم ~~بك الذي كان من كبار مفتشي العربية بالمدارس ثم وكيلا لدار العلوم، ويغمض عن ~~أن سوء رسم العربية صرخ منه وزيران للمعارف كاتبان أديبان؛ هما بهي الدين بركات ~~باشا ومحمد حسين هيكل باشا، وعن أنه تقرر رسميا في لائحة المجمع اللغوي أن من ~~مهمته النظر في أمر تيسير الكتابة العربية؛ بحيث يستطيع الناس قراءتها بلا لحن ~~ولا غلط، وعن أن هذا التقرير لم يكن ليقع لو أن «الشكل» أدى وظيفته ولم يفلس، ~~يغمض عن كل هذا ويقصر تشبثه على أمر كان غيره من رجال العربية أخلق منه ~~بالاقتصار عليه. إنه يقول ما حاصله: # العيب لا يرجع إلى رسم الكتابة، بل إلى جهل القارئ بأصول العربية وقواعدها، ~~ولو أنه كان عارفا بهذه الأصول والقواعد لما أخطأ في قراءة الرسم العربي بل ~~لأداه أداء صحيحا. # حضرته بهذا الاعتراض - الذي سبقه ms051 به غيره - يذكرنا بما كنا نسمعه من أن ~~أعرابيا من الأقحاح في الزمن الأول أراد مسلم تلقينه سورة تبت يدا ~~أبي لهب وتب فلما قال الملقن: تبت يدا مقطعا الجملة حتى يسهل ~~على الأعرابي تلقنها، أبى الأعرابي إلا أن يقول: «تبت يدان.» فلما وصل الملقن ~~المضاف بالمضاف إليه تابعه الأعرابي قائلا: نعم هكذا يكون الكلام. # حضرة المعترض لم يبلغه أن بيننا وبين أمثال ذلك الأعرابي أكثر من ألف سنة. ~~ولم يبلغه أن الحال تغير لدرجة اضطرت وزارة المعارف وكل رجال التعليم ومنشئ ~~المجمع اللغوي إلى أن يجعلوا من أهم أغراضهم تيسير رسم الكتابة العربية. ليت ~~أهلنا جميعا كانوا كذلك الأعرابي! أو ليت في الاستطاعة تعليمهم أصول العربية ~~وقواعدها حتى يبلغوا درجته، أو على الأقل درجة حضرة المعترض! نذر علي يا سيدي ~~أني في ذلك اليوم أقدم شمعة للسيد البدوي، ومثلها للست الباتعة، وأخرى لسيدنا ~~الحسين! ولكن يظهر أني لن أغرم شيئا لهؤلاء الأولياء؛ فإنهم - رضي الله عنهم ~~وعنك - لا يملكون لي في هذا السبيل نفعا ولا ضرا، ولا تقديما ولا تأخيرا. ~~أنت يا سيدي تحلم، الموضوع الجاري فيه الكلام هذه الأيام، هو موضوع تيسير رسم ~~الكتابة العربية، لا تيسير أصول اللغة وقواعدها، فكل كلامك الذي أجهدت نفسك ~~فيه، وتوهمت أنه مفيد، هو خارج عن الموضوع وذاهبة به الريح. # في غضون الاعتراض شردات ثانوية من لواحق ما لخصته لك قبل ورددت عليه، وإني ~~أسامح حضرة المعترض في تجاوزه الحد فيها، وأرجو له من الله الغفران ~~والتوفيق. # الحادي والعشرون: # أهم ما شغل مؤتمر المجمع في دورة هذا العام النظر في علاج لنقص الرسم ~~العربي، ولقد تزاحم لديه مذاهب ثلاثة تستبق جميعا لهذه الغاية. أحدها يرى ~~أربابه، وهم كثيرون، سد هذا النقص الطبيعي برداء من جلد القنفد الشائك أو من ~~سلخ الأخطبوط، يلصق بالغراء على بشرة المريض فتبرأ علته بإذن الله. والعقل ~~والحس يقضيان بألا شيء من جلود القنافد ولا سلوخ الأخطبوطات بناجع؛ لأن المرض ~~راجع إلى أصل الخلقة الحسية، فكل لزقة تتصل ms052 بها لا تكون إلا من قبيل زيادة ~~التشويه ومعالجة الداء بشر من الداء. والثاني يرى أن العلاج حاضر وهو «الشكل» ~~المعروف الآن، ويقول أربابه إن هذا الشكل إذا كان مشوشا للكلمات عند ~~استيفائه على كل الحروف، فإن القليل منه، الضروري لإزالة اللبس، كاف لشفاء ~~العليل. والثالث مذهب هائج ثائر يغير الخلقة ذاتها، ويتخذ للرسم مثلا أجنبيا ~~بعيدا عن المثال العربي بعدا تاما؛ وذلك في صورة اليأس المطلق من العثور ~~على علاج له من جنسه. # امتعض الناس من المذهب الأول، وسكنوا شيئا من السكون للمذهب الثاني، وثاروا ~~على المذهب الثالث. أما المؤتمر فقد ارفض بدون أن يبت برأي في الموضوع، وفي ~~غضون ذلك حدث ما أوجب اضطراب المتسابقين في الميدان فاختلط الحابل ~~بالنابل. # وعقب ارفضاض المؤتمر تفضلت كلية الآداب بجامعة فؤاد فاحتفلت بأعضائه غير ~~المصريين تقديرا لمساعيهم في خدمة العربية. وبعد الاحتفال بزمن وجيز علمت أن ~~أحد حضرات الأساتذة بالكلية سيلقي محاضرة في الخط العربي وعيوبه ومزاياه. ~~فشاقني الاستماع إليه؛ إيقانا بأن الكلية وأساتذتها خير من يشخصون الداء ~~ويصفون الدواء. وإذ أقعدتني رقة الصحة عن الاستماع للمحاضرة فلقد ألححت على ~~إدارة المجمع في الحصول على صورة منها فلم تظفر، وقيل إنها ستنشر في مجلة ~~الثقافة، فاستبشرت وقلت في نفسي كأن المحاضر لا يريد إخراجها للناس بعبلها ~~وغبارها، بل يريد أن يكمل منها الناقص ويصلح المائل. وإنها ستخرج تحفة من تحف ~~الفن، وآية من آيات التشخيص والعلاج، تحق الحق وتبطل الباطل، وتكون فيصلا يقطع ~~قول كل لدود. # انتظرت بفارغ الصبر إتمام نشر تلك المحاضرة التي استغرق نشرها شهرا ~~كاملا. بيد أني كلما قرأت جزءا قلت لعل فيما بعده ما يغني ويقني. فلما تمت ~~الأجزاء نشرا أردت تحصيل ما فيها فصفرت يدي؛ إذ كل الذي وجدته كلام طويل عريض ~~متصيد من هنا ومن هناك، على غرار ما أقوله أنا وغيري من الاختصاصيين، بل كأني ~~خرجت من التلاوة وفي ذهني أنها تقوم على أساسين راجع كلاهما إلى التقديرات ~~الشخصية التي مبعثها شغف المرء بنفسه ms053 وبصناعته وبعادته، وعلى الأخص حبه ~~الإخلاد إلى الراحة ونيل حسن الأحدوثة بمتابعة ميول الجماهير؛ إذ النقط ~~الأساسية ينحرف التعبير فيها يمنة ويسرة بلا مقتض ظاهر سوى ما يحسه القارئ من ~~تلك الدوافع الشخصية. وإليك البيان: # الأجزاء الثلاثة الأولى خاصة: # أولا: # ببيان ما قام منذ القدم من الضرورات الماسة لوضع رسم خارجي لما ~~يقوم بالخواطر من المعاني المختلفة، ثم لتقييد ألفاظ اللغات . ~~آمنا وصدقنا، لا لأن الجاحظ أو غير الجاحظ قاله، بل لأن هذه ~~ضرورة ماسة واقعة يدركها كل إنسان، سواء أرادها الجاحظ وغيره أو لم ~~يريدوها، لاحظوها فدونوها أم لم يلاحظوها ولم يدونوها. وليس ~~هؤلاء المفكرون إلا مجرد مسجلين للواقع المقضي بالضرورة. وهذا ~~التسجيل أستطيعه أنا وأنت وكل عالم متمكن وكل ناقص التعليم. غاية ~~الأمر أن الجاحظ وقليلا غيره من رجال العربية كانوا أدق منا ~~ملاحظة، وأشمل إحصاء، وأكمل استقصاء، وأنور فكرا، وأسلس ~~قلما. # ثانيا: # بتقرير أن الرسم العربي أصله نبطي، وهو تقرير يستطيعه كل إنسان ~~يعرف أية لغة أجنبية فيطلع على معجم من معاجمها المطولة أو على ~~موسوعة من موسوعاتها، ويستطيعه أي قارئ للعربية فقط إذا اطلع على ~~رسالة «أصل الخط العربي» للأستاذ خليل يحيى نامق، من علماء الكلية؛ ~~فقد أورد فيها أن الخط العربي من وضع النبطيين، وبين من هم أولئك ~~النبطيون وما تاريخهم، وذكر بالتفصيل أدلة نسبة الخط العربي إليهم. ~~ولكنه في رسالته هذه التي نشرت في سنة 1935 كان حكيما منصفا، ~~أعطى كل ذي حق حقه، ولم يترك الأمر غفلا سبهللا يضلل القارئ، ~~فيجعله يظن أنه هو أو غيره من أساتذة كلية الآداب بجامعة فؤاد هم ~~الذين كشفوا هذه الحقيقة. كلا بل إنه عزاها لكاشفيها، وهم ~~المستشرقون من الفرنسيين والإنجليز والألمان، وسماهم ~~بأسمائهم. # ثالثا: # بتقرير أن الرسم العربي منتشر في بلاد واسعة من قارتي أفريقية ~~وآسية، وأن العرب والفرس والترك حسنوه وزينوه حتى صار فنا من ~~أروع الفنون الجميلة. وهذا التقرير معروف الموضوع عند الجميع، وقد ~~ردده كثيرون من قبل، فهو هنا مجرد حشو وتزيد لا ms054 غناء فيه. # انتقل المحاضر بعد هذا إلى فكرة أخرى قريبة من وادي ما نحن فيه، فقال ما ~~حاصله: «إن الكتابة المثلى هي التي لا تدل بالحرف منها على أكثر من صوت، ولا ~~تضع للصوت الواحد أكثر من حرف.» ثم نقل عن دوائر المعارف البريطانية أن أستاذا ~~كتب فيها يقول: «إن الكتابة المثلى هي التي يكون فيها الحرف الواحد مؤديا ~~صوتا واحدا، والصوت الواحد متأديا بحرف واحد، وإنه لا كتابة تبلغ المثل الذي ~~نطمح إليه، وإن كانت فلا تستمر طويلا؛ لأن أصوات معظم اللغات في تغير مستمر، ~~ولا سيما الحركات، وإنه لهذا لم يستطع ضبط ألفاظ اللغات الميتة ولا الصيغ ~~المهجورة من اللغات الحية.» # ينقل المحاضر تلك العبارة ثم يقول إنها إذا صدقت فيما يتعلق باللغات ~~الأوروبية ونحوها، فإنها تقابل بالريبة فيما يتعلق بالعربية. ثم يترك استدراكه ~~هذا المتعلق بالعربية مجملا صامتا، مع أن هذه النقطة هي لب لباب الموضوع ~~الدائر فيه الكلام. # إن حضرة المحاضر إن كان يعني الكتابة العربية مشكولة بالدقة بالشكل المعروف ~~كتشكيل القرآن، فكلامه حق لا جدال فيه. أما إن كان يعني الكتابة العربية مرسلة ~~من غير شكل أو بشكل ناقص، فكلامه هو الذي يقابل بكل ارتياب؛ ذلك بأن تلك ~~العبارة المروية عن دائرة المعارف البريطانية قد قيدها واضعها بقوله: «ولا سيما ~~الحركات»، فمراده - إذا صدق ظني - أن كل نغمة صوتية يجب أن تكون محركة في ~~الاتجاهات المختلفة من ضم وفتح وكسر وإمالات متنوعة؛ أي إن الكتابة المثلى ما ~~تكون رسومها دالة في آن واحد على نغماتها وعلى اتجاهات نغماتها؛ أي على ~~حركاتها. # والظاهر أن المحاضر إذ وجد استدراكه لا يتمشى على إطلاقه، بل هو استدراك غير ~~صحيح فيما يتعلق بالرسم العربي الخالي عن الشكل أو المشكول شكلا ناقصا؛ ~~لفقدان دليل الحركات فقدانا كليا في الحالة الأولى، ولقصوره في الثانية؛ إذ ~~وجد استدراكه مختلا هذا الاختلال؛ فقد أتى به دعوى مجملة ممسكا عن البيان في ~~هذا الموقف المقتضي للبيان، ومكتفيا في معرض الاعتذار عن التهرب من البيان، ms055 ~~بقوله عقب ذلك الاستدراك: «وليس هذا من صميم موضوعنا»! كأن للموضوع صميما آخر ~~غير هذا الصميم. أخشى أن يقال إن حضرته إذ أمسك عن الكلام في هذا الموضوع وطفر ~~إلى الكلام عن اللغات الأجنبية، فإنما يكون أراد الاعتماد في تسويغ عباراته لا ~~على التأثير المنطقي، بل على التأثير الخطابي ليس غير. والأدلة الخطابية ليست هي ~~التي تنتظر من العلماء. # ترك المحاضر البيان - كما ترى، مع شدة الحاجة إلى البيان - ثم طفر في أقل من ~~لمح البصر - كالذي عنده علم من الكتاب - طفر من مصر إلى أوروبة فأخذ يذكر - ~~تهوينا لسوء رسم العربية - أن اللغات الأجنبية كالفرنسية والإنجليزية فيها ~~كثير من حروف جوهرية تترك غير منطوق بها، وفيها حروف حركات كثيرة توجه الكلمات ~~توجيهات مختلفة، بل فيها حروف جوهرية ينطق بالحرف منها على نغمتين مختلفتين، ~~وضرب لهذا بعض الأمثال. ثم قال إن أولادنا الذين يتعلمون الإنجليزية مضطرون ~~لحفظ الكلمات الشاذة التي لا يجري فيها النطق على أصل القياس. # وكل هذا الذي يقوله حضرة المحاضر قد سبقه غيره من الفضلاء به وبأمثاله من ~~قبل، وقد بينت وجه الخطأ فيه. # 7 # وهنا أوضح أنا بالإجمال ما لم يرد حضرة المحاضر الإقرار به وإيضاحه ~~لا بالتفصيل ولا بالإجمال. ألفت نظره ونظر غيره: # أولا: # إلى أن الكلام هو في رسم لغتنا العربية الذي ضقنا به وأحسسنا ~~بضرورة إصلاحه، فإذا كان في رسم الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما ~~عيوب يصبر أهلها عليها ولا يتجهون لإصلاحها، فليس لأحد حق في أن ~~يقول لنا كفوا عن إصلاح شأنكم؛ لأن لكم أسوة بأهل تلك اللغات. ~~وهل سمعت أن أناسا تبلغ بهم الجرأة لأن يقولوا للمريض لا تطلب ~~العلاج ومت بدائك ما دام كثير ممن هم مرضى مثلك يموتون بدائهم ولا ~~يطلبون له العلاج؟ لكن حضرة المحاضر يعطي نفسه هذا الحق الجريء ~~الذي لم يمنحه له الله، ولم تخوله إياه بيئة العلم التي يعمل فيها، ~~بل ولا ورقة الدكتوراه التي بيده، بل ولا يسيغه العقل الإنساني ~~الساذج البسيط. # وثانيا: # إلى ms056 أن أولادنا إذا استطاعوا حفظ شواذ الإنجليزية أو الفرنسية، ~~فمن المستحيل عليهم حفظ شواذ العربية؛ لأن كل كلماتها طلاسم شواذ؛ ~~لعدم وجود حروف الحركات التي يشير حضرته في صدر عبارته إلى أن ~~الكتابة المثلى هي ما تدل عليها فيما تدل. فكلام حضرة المحاضر ~~متخاذل ينقض أوله آخره. # إن الذي كنت أنا وغيري ننتظره من العلماء، إنما هو دقة العلماء، وألا ~~يلجئوا إلى الأدلة الخطابية التي لا قيمة لها، بل يتركونها لي أنا وغيري من غير ~~العلماء. # ومن أطرف ما رأيته من الأدلة الخطابية أن حضرة المحاضر بعد ما تقدم مما لا ~~فائدة فيه، قال ما حاصله: «ولكن العربية إذا أمليت شيئا منها على إنسان كاتب ~~فإن هذا الإنسان يكتبها تماما بدون أن يخطئ، اللهم إلا فيما يتعلق بالمختلف ~~عليه من رسم الهمزة ووضع الألف بعد واو الجماعة ونحو هذا. بل إذا أمليت هذا ~~الإنسان شيئا من الفارسية أو التركية - المرسومتين بالرسم العربي - فإنه يكاد ~~يكتبه كتابة مضبوطة وإن لم يفهم معنى كلمات تينك اللغتين.» ثم أتبع هذا بقوله: ~~«إننا إذا كنا سمعنا استنكارا للألف بعد واو الجماعة، أو نزاعا في واو عمرو، ~~فإن الرسم الأوروبي بقي مصونا من استنكارنا بالدول والأساطيل والطائرات ~~والهيبة والفتنة اللتين تأخذاننا من كل جانب.» # مرحى! مرحى! هنا خلع العلم ثوبه وارتدى ثوبا سداه الوطنية اللفظية، ولحمته ~~أناشيد أرباب الحناجر. # إن حضرة المحاضر في هذه القطعة ينسى نفسه تماما، إنه لا يكتفي بالمرور مر ~~الكرام، أو مر السحاب الجهام على الموضوع المنتظر منه الكلام فيه، بل هو يقلب ~~هذا الموضوع رأسا على عقب، بل يطرده من الميدان طردا. إن أحدا لم يشك لحضرة ~~المحاضر ولا لغير حضرة المحاضر من أن الكاتب بالعربية لا يستطيع أن يكتب ما ~~يسمعه، ما شكا أحد هذا إليه قط؛ لأن أحدا - حتى ولا «عطية» كاتب الزراعة الجهول ~~- لا يكاد يخطئ في رص حروف النغمات بعضها تلو بعض على الترتيب الذي يسمعه، ما دام ~~هو عارفا من قبل أن نغمات الباء والجيم ms057 والحاء والعين مثلا ترسم هكذا «ب، ج، ~~ح، ع»، وأنها في هيكل الكلمات ترسم هكذا ~~، فمتى سمع ~~بالعربية أو بغير العربية كلمة فيها جملة نغمات متعاقبة كتبها حتما بهذه ~~الحروف متتالية؟ ويستحيل أن يخطئ في رص الحروف بعضها تلو بعض إلا إذا كان في ~~أذنه وقر، أو كان ساهيا أو معتوها. لكن هذا ليس مورد المسألة، بل موردها أن ~~هذا السامع الذي يستحيل أن يخطئ في كتابة ما يسمع، هذا السامع متى كتب كان رسم ~~كتابته رسما مشتركا يؤدي غرض المملي فلا يلاحظ عليه شيئا، ويؤدي في الوقت ~~نفسه أغراضا أخرى بعيدة عن غرض المملي؛ بحيث إذا أتى قارئ من بعد فتناول ~~الكتابة وهو يجهل أصل غرض المملي، ألفى هذه الكتابة مجرد حروف مشخصة لنغمات ~~جوهرية متلاصقة، وألفى كل حرف منها قابلا لثلاث حركات مختلفة وقابلا فوقها ~~للسكون، فلا يدري أية الحركات يعطيها للحرف منها ولا إن كان الواجب هو التسكين، ~~بل إنه يتعثر في هذا ويخلط ويصحف بقدر ما تحتمله الحروف من التصحيف. هذا هو ~~مورد المسألة، وهو المحظور الواقع فيه كل الناس، وهو المشكو منه، وهو الذي تسعى ~~الحكومة ومجمع اللغة ورجال العربية في كل الأصقاع للعثور على دواء له غير ~~«الشكل» الذي اتفق على إفلاسه كل المختصين. # أرأيت إذن كيف أن حضرة المحاضر عمد إلى الموضوع فجرجره وقذف به من حالق، ~~وتصيد موضوعا آخر ما شكا منه أحد إليه وما انتظر أحد منه الكلام فيه؟ # أخشى أن يقال إن حضرته إذ نبذ الموضوع الذي عليه الكلام، وأضاع وقته ووقت ~~الناس سدى في موضوع آخر لا يختلف فيه اثنان، فإنه إنما فعل لغرض واحد؛ هو أن ~~يرشح لكلمات: «الدول والأساطيل والطائرات والهيبة والفتنة اللتين تأخذاننا من ~~كل جانب». وهنا ليسمح لي حضرته أن أقول له إن تلك الكلمات الدالة على التحسر ~~القومي هي - كما أسلفت - من أناشيد الوطنية اللفظية، ولها منشدون كثيرون من غير ~~رجال العلم، كما أن لها مواضع أخرى غير هذا الموضع تقال فيه. # بل لعلي ms058 واهم فيما أخشاه على الأستاذ من إمكان حمل عباراته على معنى ~~تعمده مسابقة أرباب الحناجر في حلبة الوطنية اللفظية. ولعل كثيرا من الناس ~~لا يرون - فيما أخشى التأول فيه - إلا مجرد عرض عام مشترك بين أقواله وأقوال ~~الجماهير. والعرض العام شعاع منتشر، أو ظل شائع لا دلالة فيه على حقائق ~~الأشياء، ولا قيم القائلين الفاعلين. وهل كل بيضاء من الأشياء شحمة، وكل أبيض ~~من الآدميين عالم؟ وهل كل سوداء من الأشياء فحمة، وكل أسود من الآدميين جاهل؟ ~~إذن فلعلي واهم حقا. ولعل الصحيح أن الأستاذ قد رأى بنافذ بصيرته أن ~~«التوقر» من أظهر شيم القساوسة وغيرهم من خدمة الدين، وأنه أنفس حلية ~~للعلماء المعلمين، فاستشعره وارتداه وتقنع به. وما رآه وما فعله من هذا ~~كله حق وحسن بلا مراء، غير أن لي في هذا المقام كلمة أعوذ بالله من أن يظن ~~الأستاذ الجليل أني أوجهها إليه، إنها كلمة سنحت، ومن المفيد لي - وأنا نساء ~~- أن أقيدها حتى لا يفر معناها من ذاكرتي. على أن القلم والمداد والقرطاس، كل ~~أولئك ملك يدي، وانتفاع المرء بما يملك حلال في الشرع والقانون، فلأقيد تلك ~~السانحة، وما علي أن يتظنى الأستاذ أنه المعني بها، مغفلا تصريحي بأنها غير ~~موجهة إليه. # إن «التوقر» لفظ مقول بالتشكيك، يتسع مدى اصطناعه، ويضيق بالإرادة. والأستاذ ~~- على ما يبدو - قد عمل على أن يبلغ من اصطناعه الغاية، وقد بلغها فعلا ومرن ~~عليها، فهو عندي وعند غيري رجل متوقر متصون، له في القلوب - على رياضة نفسه ~~في هذه السبيل الوعرة - كل تبجيل واحترام، لكن غير الأستاذ - لا الأستاذ نفسه، ~~أستغفر الله العظيم - يسهو عن أن الإفراط في التوقر يحور إلى ما يسمى ~~«التزمت» في عرف أمثالي من البسطاء، والتزمت - أجارك الله - متى أخذ بخناق ~~الرجل نكر خلقه. إنه يورثه الاقعنساس فيبدو مقعر الظهر، محدب الصدر، منتفخ ~~الأوداج، محتقن الوجه، بارز الحدقتين، في الأوج هامته وفي الحضيض همته. إن لم ~~يكن كالمعلق بحبل المشنقة، فهو على الأقل «ضابط صف معلم بأورطة ms059 الأساس»، ~~يمشي متشامخا مدلا بكفايته بين أنفار القرعة المستجدين. # هكذا يفعل التزمت بصاحبه، ثم هو يخرجه في تصرفاته عن المعايير المألوفة بين ~~الناس، يجعله متى أراد إخراج الكلمة من فيه رطلا خرجت على الرغم منه قنطارا، ~~وإذا أرسل صوته يمينا التوى فذهب شمالا، وإذا بصق أمامه على استواء نكص ~~البصاق إلى الوراء، هو يخرجه من فيه فيرتد لمآقيه فيعميه. وفي هذه الآثار ~~المتعاكسات حكمة لله بالغة لا ندرك نحن الآدميين كنهها. # ليس هذا فحسب، إن الله إذا ابتلى العبد بالتزمت كان بلوى لها ما ~~وراءها. # إنه محنة يسلطها الله عليه فتلد الوسوسة، فتئوف عباداته فتعطلها، فيدخله ~~النار. لا تدهش، وارقب قولي تره منطقيا عليه ميسم شركة «أرستطاليس إخوان» لا ~~زيف فيه ولا تزوير. # أليس أن هذا «المتزمت» إذا أراد الوضوء أسرف فاستنشق عشرا، وغسل اليدين إلى ~~الإبطين - لا المرفقين - عشرا، ومسح برأسه عشرا، فنفد الماء قبل أن يتم ~~التطهر، فتعكر دمه فاحتد وسب، ثم طفق يصيح طالبا فضلة ماء، ولكن البئر ~~انكسرت محالتها، أو الدلو انقطع رشاؤها، والنهر بعيد، وفي هرولته نحوه أصابته ~~شوكة في رجله، فاشتغل بإخراجها، ففات وقت الصلاة، فعاد إلى داره عرجان أسفا، ~~ولازمها أسبوعا مستعينا عجائز الحارة على إخراج ما انكسر من الشوكة وسكن في ~~اللحم، وعلى تضميد الجرح الناغر الأليم؟ وفي هذا الأسبوع لا توضأ ولا صلى ولا ~~حيي؟! # على أنه إذا سهل الله عليه فاستعد بالوضوء قبل دخول الوقت، وحضر الجماعة ~~وأهل الإمام بتكبيرة الإحرام، وتبعه الناس في يسر وبساطة، فإنك تراه قد ~~خيل إليه «التزمت» أن كل تكبيرات المصلين ليست كما ينبغي؛ لقصورهم عن درجة ~~الكمال في استشعار النية، وتقصيرهم عن مشاهير الحفاظ في تجويد مخارج حروف ~~التكبير. خيل إليه التزمت هذا النقص، فطفق هو يعالج التكبير كما يراه ينبغي، ~~فعذب نفسه في استشعار النية وفي التجويد، وشوش على المصلين، واستمر في ~~إيذائهم حتى سلم الإمام، وفاتت صلاة الجماعة قبل أن يفرغ مما ينبغي. ثم هو إذ ~~أتعب نفسه وأضناها فيما ينبغي للتكبيرة ms060 الأولى، فإن ما أتى بعدها من أوضاع ~~الصلاة يؤديه لا كما ينبغي ولا كما لا ينبغي، بل كما يتفق أن يكون؛ لأن المتعب ~~القلب والعقل لا يطمع منه في تحقيق ولا تدقيق. # ثم إذا دخل رمضان قدم هذا «المتزمت» ساعة جيبه ساعة قبل الإمساك، من باب ~~الاحتياط، ثم أخرها ساعة قبل الغروب، من باب الاحتياط والتمكين. فعذب نفسه ~~في كل يوم من رمضان ساعتين لم يكتب الله الحرمان فيهما عليه. # ثم إذا أراد الزكاة أطف قدح البر استيفاء واحتياطا، واتقى بكفيه سقوط ~~حبة القمة وما وليها، لكن حبة القمة وأخواتها تعصي أمره وتطيع قانون الجذب ~~فتسقط، فيلتقطها ويعيدها للقمة، فيسقط غيرها، فيلتقطها في عجلة ولهفة، فيختل ~~الوضع فتسقط حبات كثيرة، فيزيد في لهفة الالتقاط ويزيد سقوط الحبات. ولا يزال ~~في هذه المشغلة حتى تتألب عليه عصافير الدار وحمامها ودجاجها، فيطردها، فتعاند، ~~فيجري وراءها، فينكفئ القدح ويتبعثر الحب، ولا يلبث حتى يكون كله في حوصلات ~~الطيور والدجاج. فيسب ويلعن الزمان والمكان، وربما شرد الغضب بعقله فلعن ~~الزكاة ويوم الزكاة فكفر بالله عدوا فاستحق النار. وربما حمله الغيظ على خنق ~~بعض الدجاج فمات فطيسا لا يأكله إلا الكلاب والهررة، فكلف زوجته رمي الميتة ~~على الكومة، فتأبت لغيظها منه، فاعتركا، فطلقها، وخرب البيت، فخسر الدنيا كما ~~خسر الآخرة. # ثم هو إذا قدره الله فحج ركبه التزمت عند رمي الجمار، لا يريد أن يرميها ~~إلا إذا رأى الشيطان بعيني رأسه حتى يستيقن أنه مصيبه. لكنه لا يرى الشيطان، ~~فيغضب، وربما اتهم عينيه بأنهما هما اللتان لا تطاوعانه في رؤية الشيطان، فرجم ~~نفسه فانشج رأسه فمات. ولعل موته هناك خير له؛ لأنه نال الاندفان في الأماكن ~~الطاهرة. ولعله خير لأهله؛ لأنه كفاهم مؤنة تلقيه عند القدوم بالطبل والمزمار ~~وهو متزمت لا يفك كشارته لا طبل ولا مزمار. # أرأيت إذن أن المتقعرين المتزمتين يستحقون النار أحياء وهم من أهلها ~~أمواتا؟! # بعد ذلك يورد المحاضر أنه سمع أن عالما اسمه القزويني كان بباريس، وكان ~~عمال البريد يختلفون ms061 معه على ما يرد إليه من الرسائل، أله هي أم لغيره؟ (وذلك - ~~كما يبدو - لأن الحروف اللاتينية كانت تتخالف في تعيين اسمه والدلالة عليه). ثم ~~يذكر أنه وردت إلى أحد عمداء كلية الآداب السابقين دعوة من بعض الجماعات لتوحيد ~~الكتابة بين أمم الأرض، فاتفق هو والعميد على إبلاغ الداعين أن يبدءوا هم ~~أنفسهم بتوحيد كتابة لغاتهم، ومن بعد ينظر في الأمر. # فأما حكاية القزويني، فحضرة المحاضر يعلم أن مثل هذا الاسم إذا تخالفت الحروف ~~اللاتينية في ضبط لفظه ولم تدل عليه بحروف بعينها ثابتة لا تتغير من كاتب ~~لكاتب، فإن هذا ليس آتيا من عدم دلالة حروف اللغة الأجنبية على الأصيل من ~~كلماتها، بل مصدره لوكة اللسان التي تختلف من أهل لغة لأهل لغة أخرى. ألم يقل ~~العرب في «ألفونس: الأذفونش» وفي «جريناد: غرناطة» وفي «مدريد: مجريط»؟ وبقطع ~~النظر عن هذا التحريف الآتي من تخالف لوكات اللسان، فإن كلمة «القزويني» هي - ~~عند قراءة العربي لها مكتوبة بالحروف العربية - محل لتخالف أكثر من تخالف ~~أوضاعها إذا كتبت بالحروف اللاتينية. أليس العربي الذي يجهل من قبل أن هناك ~~شيئا اسمه «قزوين»، وأن هذا الاسم منسوب إليه، أليس أنه إذا أراد قراءته صحف ~~القاف فثلث حركتها، ثم فتح الزاي أو سكنها أو شددها، فنتج من هذه التصحيفات ~~عدد عظيم من الأوضاع لا أريد أن أعني نفسي بإحصائها، بل أترك هذا الإحصاء ~~لحضرة المحاضر؟ ومع هذا فإني لا أفهم ما رواه المحاضر من أن هذا الأستاذ ~~القزويني قد اضطر لتسجيل اسمه حتى لا يخطئ عمال البريد في إيصال مراسلاته إليه، ~~لا أفهم على أي وجه كان هذا التسجيل، والكلام في رجل مقيم في باريس لا تأتيه ~~رسائله معنونة بالعربية بل بالأحرف اللاتينية؟ أي شيء يكون هذا القزويني سجله؟ ~~أنا طبعا أصدق حضرة المحاضر. وعدم فهمي لا يقتضي عدم تصديقي، فكم من أمور هي ~~حقيقية في ذاتها وعدم إدراكنا لها لا يمنعنا من أن نصدقها اعتمادا على ما نعرف ~~من صدق المبلغين، فأنا أصدق أن ms062 القزويني سجل شيئا وإن كنت لا أدري ما ~~هو. # وأما مسألة الدعوة لتوحيد الكتابة، فإني لو كنت مكانه ومكان حضرة العميد ~~السابق لما فعلت غير ما فعلا؛ لأن الرأي في مثل هذه الجماعات يكون للأغلبية، ~~فلا أدري إلى أي طريق أنا أساق. وعلى فرض استصحاب الحرية مع مثل هذه الجماعات ~~فإني واثق من قبل أن زمني ضائع؛ لأن في لغتي العربية نغمات لا مثيل لها عند ~~غيرنا من الأمم. # وعلى كل حال فالكلام عن القزويني وعن تلك الدعوة كله حشو لا فائدة ~~فيه. # بعد هذا قال إن الخليل بن أحمد هو الذي وضع «الشكل»، وقد اختار له حروفا ~~من حروف الهجاء العربية. # وهذا خبر يجعلنا نترحم على الخليل بن أحمد لغيرته على العربية واجتهاده ~~وسعه في كشف غمة رسمها القاصر. أما فوق هذا فلا أهمية له فيما نحن فيه؛ لأن ~~الكل مجمعون على إفلاس الشكل سواء أكان واضعه الخليل بن أحمد أم كان عفريتا من ~~جن سليمان. # يذكر حضرته من بعد أن الكلمات العربية ثلاثية الأصول تتفجر أصولها ~~بالمشتقات، بخلاف اللغات الأخرى كالفرنسية والتركية، فإن أصولها ثابتة لا تتغير ~~بالاشتقاق منها. ثم يروي عن بعض المستشرقين إعجابهم بهذه الثلاثية وأنها تشبه ~~مثل أفلاطون. ولست أدري ما أهمية هذا فيما نحن فيه؟ بل لست أدرك كيف يجعل ~~حضرته المقتضي مانعا على خلاف المقبول عند الناس! إن الفرنسية والتركية ~~وغيرهما إذا كانت أصولها ثابتة باقية على حالها مهما أخذ منها من المشتقات، ~~فهذا الثبات أقرب إلى أن يكون من الدواعي لعدم تحميلها بحروف الحركات أو ~~بعلامات الحركات. لكن الفرنسيين - على الرغم من هذا الثبات - يستعملون في غضون ~~أصولهم حروف الحركات، والأتراك - كما يقول حضرته - كانوا أيضا من قبل اتخاذهم ~~الحروف اللاتينية قد استعملوا الحروف اللينة في غضون أصول كلماتهم المرسومة ~~بالعربية لضبط ما لحروف هذه الأصول من الحركات. أفما كانت العربية - وأصولها ~~تتفجر بالاشتقاق وتتغير به أوضاعها - هي الأولى والأحق بحروف الحركات لضبط ~~أوضاعها المختلفة؟ وعلى كل حال فإن الكلام في هذا ms063 الصدد هو - كما ترى - من قبيل ~~الأدلة الخطابية المتخاذلة التي إذا عصرتها لم تجدها شيئا ولم تدرك لها أية ~~فائدة فيما نحن فيه. # على أن حضرة المحاضر في هذا المقام قد خرج أيضا - فيما يختص بالأتراك - عن ~~الموضوع الاجتماعي إلى الميدان السياسي، فشكك في الدافع لهم على اتخاذ الحروف ~~اللاتينية ما داموا هم - من قبل ذلك بسنين - كانوا قد استعملوا الحروف العربية ~~اللينة وغيرها في بنية كلماتهم - حتى المستعارة من العربية - للدلالة على ما لها ~~من الحركات. إن أقل ما كانت تجب مراعاته في هذا الصدد أن الترك أعلم بمصلحتهم ~~من المحاضر ومني ومن غيرنا من الناس، وأنه ليس لأحد من غير رجال السياسة أن ~~يتدخل في البواعث التي حملتهم على تغيير حروف كتابتهم، وأن قصارى مهمة رجال ~~العلم إنما هي مجرد تسجيل الواقع وعدم التورط - تصريحا أو تلميحا - فيما قد ~~يكون من البواعث السياسية الدافعة إلى التغيير. # أما القطعة الأخيرة من المحاضرة فهي في الموضوع حقيقة، ولكن واضعها لم ~~يخترع فيها جديدا، بل هو يرى الأخذ بالمذهب الثاني؛ وهو استبقاء الحروف العربية ~~كما هي، واستعمال الشكل على الطريقة الجارية الآن، ولكن لا كله، بل بالقدر ~~اللازم منه لإزالة اللبس وتمكين القارئ من ضبط النطق الصحيح للكلمات. ومهما يكن ~~هذا ترديدا لرأي سبق عرضه على المؤتمر، فإنه على كل حال كلام داخل في الموضوع ~~وصالح كل الصلاحية لأن يكون محلا للتقدير. على أنه كان في وسع حضرة ~~المحاضر أن يقتصر على التنويه بهذه الفكرة، وأن لا يتعب نفسه في حواش كثيرة ~~خارجة عن الموضوع، وأن لا يعنيها بالاستشهاد بالمستشرقين وغير المستشرقين؛ ~~فإن المسألة مسألة بحث مادي واقعي لا تفيد فيها الشهادات اللفظية ولا ~~التخيلات الذهنية، بل كلامه هو وحده يغنيه ويغنينا عن مثل تلك الشهادات. # ومن أبلغ ما رأيته انطباقا على آداب البحث والمناظرة قول الأستاذ العظيم ~~في الصفحة الأخيرة من بيانه الراقي: «إن كان منا من يرى تاريخنا عارا، وماضينا ~~سبة، ويرى الخير في أن نقطع كل ما يصلنا ms064 بهذا التاريخ، ونستعير تاريخا أو نعيش ~~بغير تاريخ، فله أن يدعو إلى نبذ خطنا فيما ننبذ من تراث الأعصار والأجيال.» ~~الله حي!! نحن في جامعة فؤاد، وفي كلية الآداب، وفي معهد اللغات الشرقية، وفي ~~غرفة رئيس المعهد، وأمام كرسيه العالي المنيف. أعلينا قوائمه ليفيض علينا نورا ~~للعقول وتهذيبا للأخلاق. فهل هذا كل ما أقدره الله عليه؟! لعلها فلتة بدرت، ~~ولعله مراجع نفسه فمحاسبها على ما كان. أما أنا فلا أحاسبه؛ لأنها فلتة تجل في ~~نظري عن كل حساب، فلأفرض أني لم أقرأها ولأغط وجهها الدميم بالزفت والقطران، ثم ~~لأستغفر له الله. # ومن أطرف ما يكون أن حضرة الأستاذ المحاضر اختتم مقاله الطويل بعبارة ~~ينقلها مذعورا عن أديب شرقي يصفه بأنه مغرم بحب مصر، هي: «إن مصر لو همت ~~باتخاذ الحروف اللاتينية لقاطعناها.» بخ بخ! # يا سيدي المحاضر، إني لا زلت - ولن أزال - أراك رجل علم، ورجل العلم لا ينظر ~~إلا إلى الحق في ذاته، ولا يعير التفاتا إلى الفلتات الحماسيات الإيهاميات ~~الكاذبات. إن الدونكيشوتية معنى قائم في الوجود، وسيستمر له عباد يتراءون ~~عاكفين على محرابه حتى تقوم الساعة، فخفض عليك ولا تنذعر، ومص ليمونة من ~~البنزهير، أو حط في بطنك بطيخة صيفية، والبطيخ كثير الآن في الأسواق! وإذا ~~هالك غلاء الأسعار فإني مستعد أن أقدم لك البنزهير والبطيخ، وأنا ومصر ~~المستفيدان؛ لأنها رشوة أقدمها لك حتى لا تنشر من عالي كرسيك بين شبابنا ~~المثقفين مثل ما فهت به من تلك العبارات التهريجيات النابيات المحزنات. # الثاني والعشرون: # لاحظ المفكرون أن العربية الفصحى أصبحت بالنسبة للأجيال الحاضرة حملا ~~ثقيلا، لتشعب مفرداتها وتعقد قواعد نحوها وصرفها، ولسوء رسم كتابتها، وأجمعوا ~~- في مصر على الأقل - على ضرورة تسهيل تلك القواعد وتيسير ذلك الرسم المضلل. ~~ومن أهم ما اشتغل به المجمع اللغوي في دورته التي انتهت في فبراير الماضي مسألة ~~الرسم. والمطلوب فيها أن يكون كل حرف في الكلمة مؤديا بذاته صورته الصوتية ~~أداء صادقا؛ أي يكون التلفظ به المدلول عليه بذات رسمه مبرزا في ms065 آن واحد ~~لنغمته، من جهة، ولاتجاه حركته من ضم وفتح وكسر، أو لسكونه أو تشديده أو ~~تنوينه، من جهة أخرى؛ وذلك لتوحيد كيفية القراءة ولعصمة ألسن القارئين كبارا ~~وصغارا، متعلمين أو أنصاف متعلمين، عربا أو عجما، من اللحن والأغلاط. # وإذ كان كبار الاختصاصيين المشرفين على تعليم العربية بمدارس الحكومة ~~المصرية قد نعوا مر النعي على طريقة «الشكل»، وأكدوا عدم فائدتها في هذا ~~الغرض ؛ مستندين إلى مشاهداتهم واختباراتهم للطلبة بمراتب التعليم المختلفة، ~~وإلى الواقع المحسوس الذي يدركه كل إنسان من كلفة هذا «الشكل» ومن سوء أثره، ~~ومن إهماله فعلا في المخطوطات جميعا، وفي شتى المطبوعات - إلا ما ندر - إذ ~~كان هذا فقد تشخص حرج الحال للعيان، وأصبح من الضروري للنطق باللغة على وجهها ~~المقصود، أن ينظر في طريقة أخرى غير الشكل لتعيين حركات الحروف في ~~الكلمات. # اقترح غيري ما اقترح، واقترحت أنا اتخاذ الحروف اللاتينية لرسم العربية. ~~واعترض علي معترضون كثيرون، أهم ما في اعتراضاتهم أمران يستوقفان النظر حقيقة ~~هما: الخصوصية الاختزالية في الرسم العربي العاري عن الشكل، وآفة القطع بين ~~حديثنا والقديم في الرسم اللاتيني. وهما أمران أثرتهما - أو على التحقيق ~~استثرتهما - في اقتراحي، وقلت فيهما ما قلت، صحيحا مقنعا كان قولي أو غير ~~صحيح ولا مقنع. # وإذ كان كلا الأمرين ماديا يدركه بحاسة البصر كل مطلع بلا حاجة في تصور ~~ماهيته لشيء من الأقوال الشارحة ولا من الأقيسة المنطقية؛ إذ كان هذا فقد ~~امتلأت بهما الاعتراضات. لكن ماذا عسى أن يقول المعترضون؟ إن اقتصروا على إثارة ~~ذينك الأمرين من دون أن يقدموا بين أيدي اعتراضاتهم أسبابا طريفة تدعمها دعما ~~ينصاع له العقل، كانت اعتراضاتهم كابية أو بائخة، ما داموا هم لا يرددون إلا ~~اعتراضي على نفسي، وما دام موضوع الاعتراض ماديا يستوي في إدراكه والإدلاء به ~~العالم والجاهل، وهم لا يحبون أن يظهروا في الناس مظهر البائخين، أيسكتون إذن؟ ~~كلا، إنها فرصة للكلام إذا فاتت فقد لا تعود. إذن فليطيعوا أمر أحلامهم ~~وليتكلموا، ولكن لا بما يهوى الجد والرجولة، ms066 بل بما تهوى أنفسهم، وأنفسهم ~~صغيرة تطمح لا للإفادة والاستفادة، بل للتعالي الرخيص. وهم لا مادة عندهم حتى ~~ولا للتعالي الرخيص، فليمضوا إذن في التعالي الخسيس؛ التطاول من قصر. وهكذا ~~مضى كل المعترضين إلا قليلا ممن عصم الله. عمد بعضهم إلى الدين فتكلموا باسمه، ~~كأنما وكل الله إليهم أمر عباده. ورأى بعضهم خير طريق يرفعهم إلى ذروة المجد هو ~~اصطناع الكلام الغليظ، معتمدين على أن العوام كثيرا ما يفيضون على الشغابين ~~صفة الفتوة المبيحة للافتخار، والحقيقة في نظرهم بالتجلة والإكبار. وفات ~~المساكين أن هذه المرقاة لا ترفع ذواتهم إلا لتنقلب فتهوي بهم في مكان ~~سحيق. # وبينا أنا أفكر فيما انتاب بعض الناس من التحلل الخلقي إذا بأحد موظفي ~~المجمع يناولني عددا صادرا في 7 آيار سنة 1944 من صحيفة اسمها «المجلة» تصدر ~~في بغداد. قرأت فيها أن صاحبها استفتى قومه في شأن ما ينبغي اتخاذه من أنواع ~~الحروف لرسم العربية. ثم دون ردا أتى إليه من «معالي السيد كامل الجادرجي». ~~قرأت هذا الرد فألفيت واضعه يعترض اعتراضا شديدا على ما اقترحته من اتخاذ ~~الحروف اللاتينية لرسم العربية. وعلى الرغم من هذا قد وقع في نفسي لهذا المعترض ~~من التقدير والاحترام ما لم يقع قبل لمعترض ولا لموافق؛ ذلك أني لمست في كل سطر ~~من أسطر اعتراضه دليل الفطنة وسعة الاطلاع، وعلى الأخص سيما الكيس وكمال ~~الرجولة. # هذا الرجل المتزن يقوم مقاله على الفكرات الآتية: ~~(1) # إن خصوصية الرسم العربي أنه اختزالي، ومن مصلحة أهل العربية الاحتفاظ به؛ لأن ~~العالم الذي يسير في أموره الآن بما يشبه سرعة الكهرباء محتاج في تثبيت أفكاره ~~إلى أخصر رسم وأوجزه؛ ولذلك اخترع الكتابة الاختزالية، ولكن رسومها مبهمة معقدة ~~صعبة التعليم والتحصيل والتفسير، في حين أن رسمنا العربي الاختزالي بوضعه، ~~والقابل لزيادة اختزاله عما هو عليه، هو رسم واضح المعالم، يستطيع ممارس العربية ~~قراءة ما هو مكتوب به من زيادة عن ألف سنة إلى اليوم. ~~(2) # إن رسمنا العربي إذا كان لا يقبل وضع حروف أو إشارات ms067 للحركات ملتصقة بهيكل ~~الكلمات، فإن ضرر ذلك منحصر في خفاء حركة الحروف وحركة الإعراب على القارئ. ~~وهذا ضرر يساويه - بل يربي عليه - ضرر ضبط الحركات بإشاراتها أو بأحرفها، ~~وخصوصا بالرسم اللاتيني؛ لأن هذا الضبط يستدعي أن يكون الكاتب ملما إلماما ~~تاما بالفصحى حتى لا يخطئ في الكتابة فيشوش أوضاع اللغة، ويسري هذا الخطأ ~~والتشويش من بعد إلى القارئين. ~~(3) # إن الأولى في العلاج - والحال ما ذكر - إنما هو النظر في تيسير قواعد نحو ~~اللغة وصرفها لتهوين أمرها على الناس. وهو يقرر في وضوح وجلاء أن تلك القواعد ~~أصبحت وزرا وحملا ثقيلا على الأجيال الحاضرة، بل على ممارسيها الاختصاصيين ~~أنفسهم. ثم هو لا يقف عند مجرد القول، بل يذكر أمثلة مما يرى إمكان ورود ~~الإصلاح عليه؛ يذكر أن لا لزوم للتذكير والتأنيث في ألفاظ العدد، ولا لزوم لجر ~~الممنوع من الصرف بالفتحة، ولا لنصب جمع المؤنث السالم بالكسرة، ولا لعدم إعمال ~~حرف الجر في المبني من الظروف، وأن توحد حركة عين المضارع في جميع الأحوال. # 8 # ويرى أن لا محل، عندما يكون الفعل مؤخرا عن الفاعل؛ لأن تكون الجملة مركبة ~~من مبتدأ وجملة هي الخبر، بل يكون التركيب جملة واحدة مركبة من فعل وفاعل أو ~~مسند إليه ومسند. وهو لا يستبد برأيه، بل يكل الأمر في ذلك جميعه للمختصين، ~~على أنه غير متردد في الاعتراف بأن مثل هذا التيسير يفقد الناس سجية حاصلة لهم ~~الآن في التلفظ بالكلام العربي. ولكنه يقول إن السجية عادة وإلف، وإن الزمن ~~كفيل بطبع الناس على مثل ما يرى من هذه الوجوه الإصلاحية التي يقول إنها تسهل ~~اللغة من غير مس بجوهرها. ~~(4) # لا نغير رسم كتابتنا إلا إذا أجمعت أمم العالم على رسم واحد لكتابة كل ~~اللغات، فعندها يكون لا محيص لنا عن متابعتها. # كل ذلك يورده صاحب المقال في عبارات مفصلة سهلة متزنة يأخذ بعضها في الاتساق ~~بيد البعض، لا تشم فيها رائحة الشغب ولا نية الاستعلاء الكاذب ولا الاتجاه ~~لتطاول القصار، بل تتنسم منها إرادة ms068 الإصلاح ليس غير، وتتحقق فيها الرجولة التي ~~تدفعك إلى إكبار الواضع. # والآن هل يسمح لي هذا الرجل النزيه التفكير أن أفضي بملاحظاتي على ما خط ~~من قيم البيان؟ إن سمح قلت له في إخلاص يمازجه الاحترام: # يا سيدي العزيز! إن فكرة اختزال الرسم العربي وضرورة عدم مسه، وفكرة السعي ~~لعلاج العربية من طريق واحدة هي طريق تبسيط قواعدها، هاتين الفكرتين اللتين ~~يقوم عليهما بيانك الشائق قد سبق أن أثارهما قومنا - كما أسلفت - ورددت عليهما ~~بالمقدار الذي يستأهله كلام مثيريهما. وصببت ردي - في الأغلب - على مسألة الرسم ~~وحدها دون مسألة تبسيط القواعد؛ لأن مسألة الرسم هي الجاري فيها الكلام الآن، ~~وهي التي قدمت بشأنها اقتراحي الخاص بالحروف اللاتينية. أما مسألة تبسيط ~~القواعد فأنا وغيري متفقون عليها، ولم يقم في أصل مبدئها أي خلاف، بل الخلاف هو ~~في كيفية هذا التبسيط، وعلى أي وجه يكون. # وإنه مهما يكن الدليل الأقوى الذي تمسكت به في ردودي بشأن تيسير الرسم العربي ~~هو إجماع رجالنا الرسميين وغير الرسميين على وجوب تيسيره، وتكليف مجمعنا اللغوي ~~به في اللائحة التي يجري عليها في أعماله، مهما يكن من قيام هذا الدليل على ~~وجوب تيسير رسم الكتابة، ومهما يكن له من قوة، فإني - تلقاء بيانك المتزن - ~~أصرف النظر عنه، وأفرض عدم قيامه فعلا، وأنظر للمسألة على اعتبار أنها وليدة ~~اليوم. فماذا أرى في بيانك؟ # أراك تقرر أن رسمنا اختزالي لا يحتمل وضع حروف الحركات ولا إشارات الحركات ~~في غضون هياكله. ثم تنصح باستبقائه كما هو، وعدم محاولة وضع شيء من تلك الحروف ~~والإشارات في غضونه، لا تاليا للحروف متصلا بها ولا خارجا منفصلا عنها؛ لأن ~~هذا يخل بخاصته الاختزالية، ومنفعة هذه الخاصة - في نظرك - أكثر من إثم ~~التصحيف، بل تذهب إلى أن الحرج يزداد باتخاذ تلك الحروف والحركات. # الظاهر يا سيدي أننا غير متفقين اتفاقا واضحا على الغرض الذي نسعى إليه، ~~فلنتفق عليه ابتداء، ثم ليتكلم كلانا بعد بما شاء. أنا أريد المحافظة على ~~العربية الفصحى، وأنت تريدها كذلك، ms069 فلنحدد بالنص الصريح ما هي تلك الفصحى التي ~~نريدها جميعا. أما أنا فلا أرى مثالا للفصحى غير القرآن الثابت نصه بالتواتر؛ ~~فلغته هي وحدها المعنية لي عندما أذكر الفصحى. وأحدد أكثر فأقول: إن لغته ~~المعنية لي هي ما تكون الأقيس والأسهل من وجوه قراءاته؛ فقراءة «إن هذين ~~لساحران» هي المعنية لي دون # إن هذان لساحران # مثلا. وإني لمقتنع كل ~~الاقتناع بأن لغة القرآن هذه التي أعنيها هي أوضح وأسمح وأيسر من كل النصوص ~~العربية التي ترامت لنا من أقوال الجاهليين وشبه الجاهليين. بل إنها؛ من حيث ~~جمال اتساقها وسهولة فهمها ويسر جريانها على الألسن، هي المثال المعجز للسهل ~~الممتنع، وإذا كان فيها شيء من الغريب فقدر ضئيل. ومع هذا فقد أصبح - لكثرة ~~التكرار في المناسبات المختلفة - مألوفا عند الناس يفهمونه في الجملة، وقليل ~~من العناية يكفي كيما يفهموه على وجه التأصيل والتعيين. هذا هو رأيي محددا، ~~فهل لسيدي خلاف في هذا؟ إن كان له خلاف أمسكت عن الاسترسال في القول. ولكني ما ~~أظن أن له خلافا؛ فإن تلك الفطنة وذلك الكيس لا أتصور من جانب صاحبهما أي ~~خلاف في هذا التنصيص والتحديد. وإذن فلنعتبر أن هذا هو وحده الغرض المتفق ~~عليه. # تفهم عبارات السيد أنه يرى أن رسم كتابة اللغات إطلاقا - في يوم الناس ~~هذا - يجب أن يكون اختزاليا، وأن العربية سبقتها جميعا بالفوز بنعمة ~~الاختزال. وواضح أن الذي حدا بالسيد لهذا التقرير ما يراه من لجوء أهل اللغات ~~الأخرى إلى اختراع الاختزال # Sténographie ~~. ~~لكني أنا يا سيدي أرى في هذا الخصوص غير رأيك. أرى أن الرسم صورة حسية منظورة ~~للألفاظ المنطوقة أو للتراكيب اللغوية المعبرة عن المعاني الجائلة بالخاطر. أو ~~هو ترجمان يعبر عن تلك الألفاظ والخواطر في صمت وسكون، ومن صفاته أنه لا يتعب ~~سمعك، بل يتجه مباشرة من بصرك إلى عقلك فيصب فيه ما هو مكلف بترجمته من الألفاظ ~~والمعاني، وإذا استنطقته واستلفظته أبى أن يتقدم عليك، بل وكل إلى لسانك أنت ~~أمر اللفظ والبيان. # أنت إذن ms070 بالخيار، إن وقفت عند اعتبار الرسم صورة، فالعقل لا يسكن إلا ~~إلى الصورة المطابقة لمصورها. هبك نظرت صورة إنسان لم يخرجها المصور على ما ~~خلقها الله، بل جعلها بعين واحدة أو أذن واحدة، أو جعل فمها في قفاها، وأنفها ~~في قمة رأسها، أفتسكن نفسك إليها؟ من المؤكد لا. كذلك صورة اللغة، إن لم ~~تستوف لوحتها بيان الفاعل وبيان المفعول وبيان المتضايفين معلما كل ~~منها بعلامته التي تخيرها له واضع اللغة، أو لم تستوف في صيغ الأفعال ~~علامات البناء للمعلوم والبناء للمجهول وما إلى هذا من العلامات المقررة في ~~أصل الوضع للمعاني المختلفة، كانت لوحة بتراء مشوهة تنكر العين رؤيتها وترفض ~~النفس السكون إليها في الدلالات اللغوية. # أما إن اعتبرت الرسم ترجمانا فإني أرجوك أن تسمع لي: هبك منيت ~~بترجمان يرص لك نغمات من نغمات أحرف الهجاء متتابعة بدون حركات، ويتمتم لك ~~ملفظها تمتمة أنفية، ويكل إليك تقليده في الملفظ، فهل تفهم منه شيئا أو ~~تستطيع محاكاة تمتمته؟ لا شك أنك إن ملكت شعورك ولم تخنقه فإنك على الأقل تصفعه ~~على قفاه وتطرده من خدمتك. وهنا أبادر إلى القول بأن هذا الترجمان الأبكم ~~مستحيل الوجود؛ لأن بين النغمات والحركات تلازما وتضامنا في مكنة الانبعاث. ~~فالنغمات لا تظهر بدون الحركات، والحركات لا تظهر إلا معتمدة على النغمات. ~~فك الآن عروة من عصام كنانتك يخرج لك منها ترجمان من صنف أرقى نوعا ما، هو ~~الصنف الجارية عادتنا الآن باستخدامه. رقي هذا الترجمان الثاني ينحصر في ~~شيء واحد، سلامته من العي والحصر. إنه يبصرك مقدما بمبلغ مساعيه في ~~خدمتك حتى لا تتأذى في العاقبة وتحنق وترجع عليه باللائمة. إنه يقول لك: أنا ~~رسام ماهر أرسم نغمات كل ما تنطق به أنت والناس من الألفاظ، وكل ما يدور ~~بخاطرك من المعاني، مما هو معد لأن تنطق به فعلا أنت وغيرك من الناس، ولكن ~~قرطاسي ضيق الرقعة، ووقتي أثمن من أن أضيعه في وضع علامات الحركة لحروف ~~الألفاظ، تلك العلامات المعدة للتفريق بين المعاني المختلفة المستعملة ms071 فيها ~~الألفاظ، فأنا لا أسرف في القرطاس، ولا أبذر في الوقت، ولا أضع لك تلك ~~العلامات، بل أكتفي بأن أنطق بتلك الألفاظ مرة واحدة أثناء الرسم على وجهها ~~الذي تريده، مستعيرا لسانك أنت أثناء النطق. وما علي من بعد أن تنسى أنت أو ~~أولادك أو غيركم وتخلطوا وتقلبوا الأوضاع المقصودة لي رأسا على عقب بنطقكم ~~المخالف لنطقي عند الرسم، اعتمادا منكم على أن ما تأتون به من التخليط لا يخلو ~~في غالب الأحوال من أن يكون له معنى بحسب قوانين العربية، وإن كان معنى يبعد عن ~~أصل المراد عند الرسم بعد ما بين القطبين. هذا التبصير يشوقك ويعجبك، بل ~~يملقك بادئ الرأي؛ لأنه يصادف هوى في فؤادك. إذ القرطاس في واقع الأمر ~~قرطاسك، والوقت وقتك، والنفس الإنسانية مجبولة على الضن بما تملك، وعلى ~~الاستنامة لكواذب الأحلام التي تهيئ لها القدرة على حياطة ما تبني من قصور ~~الماديات والمعنويات، وعلى صيانتها من عوادي الدهر. أنت إذن تقبل التبصير وتشكر ~~للترجمان صراحته. ويتم الرسم على هذا الوجه، والارتياح مالئ جوانب نفسك. ولكن! ~~... لكن الواقع في كثير من الأحوال أن هذا الترجمان الراقي لا يمتاز عن ذلك ~~الأبكم الذي غضبت عليه، إن رسمه الذي سرك إذا ما صار في غيبتك إلى أولادك أو ~~عشيرتك الأقربين فربما نطقوه بخلاف ما أردت وأراد لك الترجمان، وربما وقعت ~~بينهم العداوة والشحناء، وأصبحوا أحلاسا لمكاتب المحامين ولدور القضاء؛ لأن ~~لكتابك وجهين محتملين، أحدهما يعطي والآخر يمنع. ومن يرى الإعطاء يلح، ومن ~~يرى المنع يمسك، فيقوم العراك. أما إذا وقع مثل هذا الكتاب لغير هؤلاء ممن لا ~~يهمهم الاحتفاظ بسمعة الكاتب، فإنهم - فوق هلهلتهم إياه في القراءة وتقويلهم ~~صاحبه ما لم يقل - لا يتورعون عن تشريح عقله وعن البحث في شرائحه عن نيات ~~يزعمونها له تتفق وما صدق عليه تصحيفهم. وقد ينتهي بهم البحث إلى تكفيره والحكم ~~بأنه من أهل النار؛ لأنهم لما تناولوا بعض جمله المكتوبة نصبوا لفظ الجلالة ~~فجعلوه مفعولا، ورفعوا لفظ إبليس فجعلوه فاعلا، وسياق ms072 العبارة قاض بشرف مكانة ~~الفاعل وحقارة مكانة المفعول. ومن هنا يأتي التكفير، والناس إلى الشر أسرع. ~~ومهما يحاول هذا الكاتب الإدلاء للناس بالنطق الصحيح، والاستعاذة بالله من ~~الترجمان الذي اشترط عليه عدم تقييد الحروف بحركاتها، ومهما يقل لهم إن جلة ~~المسلمين في كل بقاع الأرض يطيعون هذا الترجمان ويقبلون شروطه، مهما يقل أو ~~يفعل للتخلص من استحقاق النار، فما هو بناج عند الناس في هذه الحياة الدنيا من ~~حكم النار. # أرأيت إذن أي شر جلبه سوء الرسم على المرء في ولده وفي دينه؟ وإنه في نظري ~~ليستأهل؛ لأنه قصر في حق اللغة فجعلها ألعوبة في أيدي المصحفين. # كأنك تقول ما لنا وللصورة والترجمان وزيادة الفيهقة في بيان الآثار ~~اللازمة عن تعوير الصورة وتحريف عبارة الترجمان؟ تقول هذا وتلومني على الإسهاب ~~في معنى واضح، وبسيط لدرجة التفاهة. لا تقل ولا تلم؛ فإن البديهيات العقلية أشد ~~التصورات بساطة ووضوحا، والتعبير عنها يقع موقعا أتفه من التفاهة. ومع هذا ~~فإنها أساس سلوك الناس في الحياة، وعليها عمارة الكون. إن بداهة ضوء الطريق ~~ووضوح معالمه إذا كانت الشمس طالعة، هي التي تدفع بالإنسان إلى السير فيه سعيا ~~وراء الرزق، وبداهة الإظلام إذا كانت الشمس غائبة، هي التي تحجبه في بيته ~~وتمنعه عن المسير خشية الارتطام في حفرة، أو تلجئه إلى اتخاذ مصباح كيما يستطيع ~~الكتابة والقراءة أو تناول ما يريده من الأشياء. # على أني أعفيك من هذه البسائط التي تحسبها تافهة. أتنكر أن الأحداث ~~التاريخية من أدل الدلائل على اتجاه عقول بني الإنسان في هذه الحياة؟ انظر ~~أحداث التاريخ في الشأن الذي نحن فيه بخصوصه، شأن رسم الكتابة. إن المصريين ~~بدءوه تصويريا يعبر عن الفكرة بالصورة، لكنهم ما لبثوا أن ضاقوا ذرعا؛ لأن ~~مفردات اللغة ليست مقصورة على أسماء الذوات التي لها صور تدرك بالحس، بل فيها ~~أيضا كثير من أسماء المعاني؛ كالعلم والجهل والعدل والرحمة والشفقة والطيش ~~والشجاعة والجبن وما ماثل ذلك. وبعض هذه المعاني إذا أمكن الاحتيال عليه ~~بالتصوير التقريبي، فإن بعضها ms073 الآخر يستعصي على التصوير. وهم في معاملاتهم ~~وأحوال مدنيتهم يريدون الإبانة والإفصاح، فضرورة الإبانة حفزتهم إلى الكتابة ~~المقطعية، وهي تشخيص الألفاظ اللغوية نفسها بصور ذوات، أوائل أسمائها من ~~مقاطع اللفظ المراد تصويره. فكان اللفظ ترسم له عدة صور بمقدار تعدد مقاطعه، ~~فينطقون المقاطع الأولى من مسميات الصور، فيكون مجموعها هو اللفظ المروم. أو ليس ~~أنهم ضاقوا أيضا بهذه الطريقة؛ لأنها لا تسعفهم بالبيان والإيضاح، ولأن السواد ~~الأعظم لا يستطيعها، فأعملوا فكرهم، فتوصلوا لوضع رموز خاصة، كل منها يعبر عن ~~نغمة من النغمات الدائرة في الألفاظ، فكان هذا مبدأ الهجاء المعروف؟ أوليس أن ~~الفنيقيين أتوا من بعد فاستفادوا من عمل المصريين، فوضعوا أحرفا للهجاء ~~مستوفاة، وعنهم أخذ اليونان وأهل آسية؟ أوليست كل تلك التطورات تدلك على اتجاه ~~العقل الإنساني في رسم الكتابة إلى البيان والإفصاح وإلى التيسير في البيان ~~والإفصاح؟ فمن صور لا يستطيعها إلا بعض المتخصصين، وهي في ذاتها يتعذر أن تؤدي ~~كل المعاني اللغوية، إلى هجاء مقطعي يستلزم التصوير الذي لا يقدر عليه إلا ~~المتخصصون أيضا، إلى حروف نغمات تؤدي نغمات الكلمة، وهي إن قصرت عن بيان ~~حركتها فإنها - على كل حال - أوسع في البيان مدى، وأقل مؤنة على سواد الجماهير؟ ~~ثم انظر ماذا دونه التاريخ من بعد؛ إنه يذكر لنا أن الحروف الفنيقية كانت لا ~~تؤدي إلا نغمات متراصة خالية من الحركات، وأن اليونان لما أخذوها ضاقوا بها ~~فأدخلوا في الكلمات حروف الحركات، فاستطاع الناس أن يقرءوا اللغة قراءة صحيحة ~~مطابقة للملفوظ به من الكلام. أوليس التاريخ يروي لنا أيضا أن إدخال حروف ~~الحركات كان فتحا جديدا وفخرا خالدا للعقل اليوناني؟ أوليس أن أهل أوروبا ~~إطلاقا نقلوا عن اليونان حروف الكتابة، وفيها حروف الحركات؟ حتى الأمم الآتية ~~إليها من آسية ولم يكن في رسم لغتهم حروف حركات. وإذن فاتجاه العقل الإنساني في ~~أطواره التاريخية المعروفة دال على أنه متطلع بالاستمرار في أمر الكتابة إلى ~~الإيضاح والتبيين والمطابقة بين ملفوظ اللغة ومكتوبها. ولم يثبت قط في التاريخ ~~ميله في ms074 الكتابة إلى التعمية والتجهيل. # لنترك هذا الكلام العام، ولنحصر القول في الرسم العربي بوجه خاص. فهل يرى ~~السيد أن اتجاه الأقدمين فيه كان إلى الاختزال؟ كلا، ثم كلا. إن العرب ضاقوا ~~أشد الضيق برسمهم الاختزالي السخيف، وهذا معنى متسع يجيش بالصدر، وليس في الناس ~~أحق منك ومن أهل العراق بسماعه، ولا أقدر منكم على فهم ظاهره وخافيه، والاقتناع ~~بأنه حق لا ريب فيه. # أليست دجلتكم تتحدر من جبال أرمينية؟ أولستم أعلم الناس بأنه وقت فتح ذلكم ~~الإقليم تخالف جنود المسلمين في قراءة القرآن وكاد بعضهم يكفر البعض، وأن ~~عثمان بن عفان لما بلغه الخبر خشي سوء العاقبة فسارع إلى جمع القرآن وإرسال ~~نسخه للأمصار؛ لتكون هي الثبت الذي يرجع إليه، وقد جعلها في كل جهة تحت ~~مراقبة الحفاظ المتدينين المأمونين، الذين عليهم المعول في رواية هذا المصدر ~~الأساسي للدين؟ تلك حادثة أولى يدونها التاريخ. فقل لي ما مبعث هذا التخالف؟ هل ~~النعرة فيمن حضر الفتح من قبائل العرب حملت كل قبيل على أن يخترع قرآنا، ~~وتعصب كل قبيل لقرآنهم، فكان التخالف وكانت المشادة ووشك التكفير؟ قطعا لا، ~~أنزل القرآن نفسه متغاير الآيات بعينها، في السورة الواحدة بعينها، متخاذل ~~المعاني في تلك الآيات؟ قطعا لا أيضا. إذن لم يبق من مبعث للشر إلا سبب واحد؛ ~~هو سوء رسم العربية. لقد كان القراء قليلين، والكتاب أقل من القليل، والرقاع ~~أندر من الندرة. فأيما قبيلة ظفرت بصحيفة مكتوب فيها سورة أو بضع آيات من ~~سورة، حرصت عليها، وتعبدت بتلاوتها على الوجه الذي استطاعت أن تقرأها عليه. ~~وإذ كان رسم الكتابة إذ ذاك أشد اختزالا مما هو الآن؛ لتجرده من النقط ~~والألفات الممدودة، وكان الكتاب بدائيين لا يستطيعون ضبط الكتابة - حتى برسمها ~~القاصر السخيف - إذ كان هذا فإن باب الخطأ والتصحيف كان مفتوحا على مصراعيه. ~~ويكفي أن يكون للألفاظ - بعد تصحيفها - معان تتلاءم قليلا أو كثيرا، حتى يمضي ~~القارئ في قراءته ويتعصب لها. # أرأيت إذن يا سيدي مبلغ الضرر الذي نشأ في أول الإسلام ms075 عن سوء الرسم ووجازته ~~وقابليته للتصحيف؟ فهل لا زلت مصرا على رأيك من مزية اختزال رسمنا العربي ~~وكونه قابلا لزيادة الاختزال؟ إن كنت لا زلت على هذا فالأمر - في حماية الفصحى ~~- لله. # على أن عثمان إذا كان له عند الله وعلى المسلمين يد بجمعه القرآن، فإن ~~عمله لم ينحسم به الشر من أساسه، كل ما كان أنه كفى المسلمين شر جهل الكاتبين ~~الذين لم يحسنوا كتابة ما لديهم من الصحف حتى على قاعدة الرسم العربي السخيف، ~~ثم شر من كانت لديهم صحف كتبوها في أوقات متباعدة وفرص متفرقة، فأتت بطبيعة ~~الحال غير وافية أو غير مراعى فيها ما للقرآن من ترتيب في السور والآيات. أما ~~منبع الشر الحقيقي، وهو رسم العربية القابل لكل تصحيف، فبقي على ما كان عليه، ~~ولم يعالج بشيء أكثر من إيكال الأمر في كل مصر إلى الحفاظ المتدينين ~~الصالحين. وهو في ذاته علاج واهن ضئيل، ألا ترى أن المسلمين استمروا ضائقين ~~خائفين من التصحيف، وأنه لم يمض إلا قليل حتى قام الحجاج بن يوسف - وكان عندكم ~~بالعراق عاملا لعبد الملك بن مروان - فعمل على تنقيط الحروف في كلمات القرآن؟ ~~وهذه حادثة ثانية يرويها التاريخ. ولم يبعث عليها مزية اختزالية رسم القرآن، بل ~~الباعث هو ضرر هذه الاختزالية الموقعة للناس في الضلال، وضرورة الإيضاح ~~والتبيين. # لم يمض بعد إلا قليل حتى كانت التجاريب المتعبة التي قام بها السلف، ~~ومنهم الخليل بن أحمد، قد انتهت بوضع الشكل توضيحا لرسم حركات الحروف في كلمات ~~القرآن وغير القرآن. وهذه حادثة ثالثة يرويها التاريخ، وليس لها من مبعث سوى ~~ضيق الناس بانبهام طريقة النطق بكلمات القرآن وغير القرآن، ووجوب توضيح هذه ~~الطريقة منعا من الوقوع في خطر التصحيف. # يدلنا الواقع في كتب السلف من العلماء على شدة تغيظهم من رسم الكتابة، ~~وعدم اعتمادهم، لا على التنقيط الذي أتى به الحجاج، ولا على الشكل الذي اخترعه ~~من بعده، مهما يكن هذا الشكل قد حسنه من أتوا بعد مخترعيه. نجد أولئك ~~السلف يضبطون ms076 الألفاظ في كتبهم بألفاظ مثلها. فيقولون: بالثاء المثلثة الفوقية، ~~بالجيم الموحدة التحتية، بالضم، بالكسر، وزان قمر، وزان سحاب ... إلخ. وهو من ~~جانبهم عمل زائد يأتون به حتى لا تجني سخافة الرسم ووجازته على ما يكتبون. وهذه ~~حادثة رابعة كلية شائعة في كتب الأقدمين. # فالتاريخ يدلنا على أن الاتجاه في العربية بخصوصها إنما كان نحو التخلص من ~~اختزال رسمها وقصوره. # إنك يا سيدي إذا استطعت أن تعدني متزيدا بما تبسطت في الكلام على ~~الصورة والترجمان، فإنك لا تستطيع بحال أن تخرج من ربقة التاريخ ودلالة حوادثه؛ ~~فإني لست أنا الخالق للتاريخ، وليس لي ولا لك سيطرة على حوادثه، بل كلانا منفعل ~~بها مساير لتيارها، ومن لا يعترف منا بقوة هذا التيار جرفه وأقصاه. فأرجوك أنت ~~وقومك أن تتدبروا ما أقول، ولعل زيادة التأمل توفقكم إلى الإقرار بوجوب تعديل ~~رسم كتابتنا العربية على الوجه المفصح المبين. وما يهمني أن يكون الإفصاح ~~باللاتينية أو الوقواقية، كل ما أريده الإفصاح لا شيئا غير الإفصاح. غاية ~~الأمر أن نظري الضعيف استقر بعد التأمل الطويل على أن الحروف اللاتينية هي ~~وحدها وسيلة النجاح، ولا زلت منتظرا من يدلني - بحق - على وجه خطئي في هذا ~~النظر الغريب. # على أني لا بد لي هنا من تقرير حقيقة يثبتها الاستقراء؛ وهي أن أهل اللغة ~~كلما كانوا عليها أحنى وأحرص وإلى الاضطلاع بها أنشط، كانت صيحتهم لتقويم رسم ~~كتابتها أعظم. هكذا كان الحال أيام عثمان بن عفان، وأيام عبد الملك بن مروان، ~~والحجاج بن يوسف، وأيام الخليل بن أحمد، وأيام من بعدهم من العلماء الذين اشتد ~~حرصهم على العربية فكانوا يضبطون ألفاظها بالألفاظ. وهكذا الحال الآن ودبيب ~~النهضة اللغوية العربية يدب في بيئتنا المصرية وفي بيئتكم وسائر البيئات ~~العربية الأخرى. والعلة في هذا - وما أظنها تخفى عليك - هي أن أهل اللغة متى ~~تنبهوا لخدمة لغتهم وإعزازها، وأخذت ملكتها تسيطر على ألسنتهم، أرهفت هذه ~~الملكة حسهم وجعلتهم لا يطيقون عبث من يهدر قواعدها ولا يراعي حقوقها عند قراءة ~~شيء من نصوصها، ms077 بل هم يتأذون ويتألبون صارخين طالبين توضيح معالم رسمها حتى ~~يسقط عذر القارئ، ويزول مصدر اللحن الذي يؤذي لغتهم العزيزة عليهم كما يؤذي ~~أسماعهم. وهذه العلة النفسانية تدور مع معلولها وجودا وعدما؛ ألا ترى أنه ~~إبان الركود اللغوي، التابع للركود العقلي، قل أن يفكر أحد في اللغة، ولا في ~~صونها أو عدم صونها من اللحن والأخطاء؟ # إذا تقررت هذه الحقيقة، واعتقدتها وانفعلت بما تعتقد، سقط حتما ما ~~ارتأيته في مقالك الجميل من أن رسمنا الحالي ينبغي أن لا يمس مهما يكن مضللا، ~~ومن أن العلاج الوحيد للعربية لا يخرج عن تبسيط قواعدها؛ سقط لأنك ترمي بتبسيط ~~القواعد إلى تقريب الفصحى للناس وتحبيبها إليهم، وحملهم على التمرس بها. وها أنت ~~ذا ترى - مما أسلفت - أنهم كلما كانوا بها أعلم كانوا على سلامتها في الألسن ~~أحرص، وإلى التأذي من العابث بها أوحى وأسرع، وإلى الصياح بطلب إفصاح رسمها ~~أثور وأقوم. # على أنك يا سيدي في رأيك هذا الثنائي الطبيعة؛ بقاء الرسم لاختزاليته ~~وتبسيط القواعد لنشر راية الفصحى؛ كمن يبني بيد ويكسر بالأخرى آلة البناء. ~~إنه لا يغيب عن سيدي أن محبي العربية مهما عملوا فلن يستطيعوا مغالبة قانون ~~التطور إلا إلى حد محدود. إنهم لا يستطيعون القضاء على اللهجات العامية في كل ~~بلاد العربية، بل كل الذي أطمع فيه أنا وأنت وغيرنا إنما هو بقاء لغة القرآن ~~حية يمارسها من الناس أكبر عدد مستطاع. لكن هذا العدد مهما يكبر، فإنه قد لا ~~يبلغ خمسة أو عشرة في المئة من مجموع أهل العربية، أما تسعة أعشار الناس ~~فسيقيمون على لهجاتهم العامية على الرغم من مساعيك ومساعي ومساعي غيرنا. وأنت ~~يا سيدي لا يفوتك أن الشأن في اللغات كالشأن في سلع التجارة، رخيصها يطرد ~~غاليها؛ فالعوام بلهجاتهم الرخيصة سيبقون سابقين للخواص بفصحاهم النفيسة، ~~وسيعينهم دائما أنهم أكثر عددا. وسيضطر الخواص دائما إلى مخاطبة العوام ~~بلهجات العوام. أما العوام فلن يستطيعوا مخاطبة الخواص بلغة الخواص. ونتيجة هذا ~~أن سيكون دائما بين رخيص اللغة وثمينها عموم ms078 وخصوص مطلق، كل رجل من الخاصة ~~يتكلم العامية، أما رجل العامة فلا يتكلم إلا العامية، وهذا وضع له أثره وله ~~قوته في مناهضة جهود من يعملون على إحياء الفصحى. هذه القوة المعاكسة لا بد من ~~الاستعانة عليها بشيء ذي أثر. أنت تقول القواعد، ولكن القواعد نظرية، والنظري ~~وحده لا يفيد. هبك طبعت للناس كل كتب النحويين من عهد سيبويه إلى الآن، وهبك ~~بسطتها وسهلت مواردها ثم عرضتها عليهم، فهل تظن أن أحدا يقرؤها؟ لا تظن. ~~إنما هي تبور في أيدي الوراقين؛ ذلك أن السواد الأعظم من الجماهير لا يهتم ~~بالأمور النظرية ولا بما تمثل لقواعدك من: ضرب زيد عمرا، أو أكلت السمكة ~~حتى رأسها. لأنها أمثلة تجريدية كاذبة لا حقيقة لها ولا غناء فيها، إنما هذا ~~السواد يهتم للأخبار الطارئة والحوادث الجديدة والأقاصيص المسلية؛ فهو يتمنى أن ~~لو استطاع قراءة الجرائد والمجلات والقصص الروائية حتى يعرف أخبار بلده وأخبار ~~العالم الخارجي، ويرطب مزاج نفسه المكدودة. هذه العاطفة هي التي عليك أن ~~تستغلها، وهي وحدها مناط الاستغلال. اجعل الصحف والمجلات وكتب الروايات ~~والأقاصيص مكتوبة كتابة سهلة الانفهام مستوفاة الحركات والسكنات الأصولية، لا ~~يتعثر فرد في قراءتها، ولا يشذ فرد في هذه القراءة عن فرد، اجعلها كذلك تكن هي ~~أداتك العملية في البناء؛ يقرؤها المثقفون والعوام مدفوعين جميعا بغريزة حب ~~الاستطلاع والاستجمام، متخيرا كل منهم ما يوافق هواه ودرجة عقليته. ومتى طال ~~بهم الزمن وقراءتهم صحيحة الأداء، تمكنت عند المثقفين نظريات القواعد، وأصبحت ~~الفصحى قريبة من أن تكون لهم سجية، وتحسنت حال العوام واقتربوا من أن يفهموا ~~الخواص إذا خاطبوهم بالفصحى، وربما نشط بعضهم فعالج من أمر الفصحى وقواعدها ~~النظرية ما يعالجه المثقفون. وهذا الوضع هو أقصى ما يصح لمثلك ومثلي أن نطمع ~~فيه، فإن اتسع وارتفع بالزمن فبها، وإلا فالطفرة عليك وعلي - اعتمادا على ~~مجرد القواعد النظرية - هي من المحالات وكواذب الآمال. # أنت في هذا المقام تخشى زيادة الضرر لو استكمل الرسم آلات الحركات، لكن ~~اسمح لي أن أقول لعلك واهم. ms079 إن مؤلفي الكتب الأدبية ومديري الجرائد والمجلات في ~~يومنا الحاضر هم في الصف الأول من مجيدي العربية. وكلما طال الزمن كانوا فيها ~~أرقى وأكمل. هؤلاء الكملة هم الذين يطبعون للناس ما يقرؤه الناس، وهم لا يطبعون ~~- كما نشاهد - إلا الصحيح عربية كل الصحيح. فأنت يا سيدي تخاف بلا موجب. إن من ~~القواعد الحكيمة أن اليقين لا يزول بالشك. ومن اليقين أن وضع حروف أو علامات ~~للحركات مفيد من وجهين؛ إبراز معاني الألفاظ في العبارات، وتعويد الناس صحة ~~الأداء. هذا اليقين المفيد تريد أنت إزالته بما يحتمل وقوعه من الفساد اللغوي ~~لو أن الكاتب كان غير ملم إلماما تاما باللغة وقواعدها. إن هذا من جانبك ~~مجرد افتراض، وهو افتراض لا أسلم لك به تسليما مطلقا؛ لأنه إذا كان صحيحا في ~~الذهن فهو لا يمكن - في الواقع - أن يصح على إطلاقه، ولا أن يدوم على إطلاقه. ~~إنه إذا خرج من الذهن إلى ميدان الواقع أكل بعضه بعضا فتهافت. إن الجريدة إذا ~~كثرت فيها الأغلاط لأي سبب كان، سقطت في نظر الناس وكسدت، فاضمحلت وماتت، ~~ومثلها الكتاب. ويتأكد تهافتهما وموتهما إذا تيقن القراء أن أصحابهما هم من ~~الدرجة الواطئة في علم العربية، على أن الحق في هذا الداء الذي تبني عليه ~~افتراضك أنه داء لا شأن له بالكتاب. وعلاجه لا يصح أن يكون بإزالة اليقين ~~الجوهري المفيد، بل يكون بالبحث عن علته والقضاء عليها. وأنت إذا بحثت تأكد لك ~~أن واضعي الكتب ومحرري الجرائد ليسوا هم الذين يخطئون في الأوضاع العربية كما ~~تفترض، إنما المخطئون هم عمال المطابع صفافو الحروف. سل صاحب المجلة التي نشرت ~~ردك يقل لك إنه يصحح التجربة (البروفة) الأولى، ثم يعود فيصحح الثانية، ثم ~~يعود فيصحح الثالثة، حتى ينفد صبره ويحل ميعاد إخراج الصحيفة فيخرجها آسفا على ~~ما أبقاه الصفافون فيها من الأغلاط. # على أني يعز علي أن تمر المسألة من غير أن أقول كلمة لإنصاف الصفافين، ~~وهي كلمة سبق لي الجهر مرارا بها، إنهم عمال معذورون، يجهد العامل ms080 منهم أضعاف ~~أضعاف ما يجهد زميله في البيئات الأجنبية. ولا ينال من الرزق إلا دون الدون. ~~للحرف الواحد عنده هياكل أربعة، وله هيكل واحد عند ذلك الزميل، فرأسه تدوخ من ~~كثرة التلفت لصناديق الحروف، والدائخ عرضة للأخطاء حتى ولو كان بالغا في فقه ~~اللغة درجة المحررين. فما تراه في الصحف أو الكتب من الأغلاط، وما تراه في ~~كتبنا جميعها من الصحائف المتعددة التي توضع بعد الطبع لتصحيح ما سرى فيها من ~~الأخطاء، كل ذلك سببه لا المحررون بل الصفافون المعذورون. والعلة الأولى لخطأ ~~الصفافين هي تلك العاهة المستديمة الملازمة للرسم العربي، والتي تشتد عقابيلها ~~إذا أضيف إليها شيء من «الشكلات»؛ لأن صناديق الرموز تزداد، والدوار يزداد، ~~والأخطاء تزداد. وهذه الحقيقة هي من جملة الدوافع التي دفعتني لاقتراح الحروف ~~اللاتينية لرسم العربية. وأنا يا سيدي إذا كنت أعيد تقريرها الآن فلمجرد إنصاف ~~الصفافين، بعد أن برأت المحررين، ثم للتبصير بحرج المركز الذي نحن فيه، لعل ~~لكم بالعراق رأيا يخرجنا جميعا من هذا السوء. # إلى هنا أظنني بينت: # أولا: # أن طبائع الأشياء ذاتها قاضية في رسم اللغة أن تكون صورته كاملة ~~مستوفية كل ما يدل على نغمات الألفاظ وعلى حركات هذه النغمات، وإلا ~~كانت صورة بتراء تؤدي إلى كثير من الشرور. # ثانيا: # أن ميول الإنسان متجهة في رسم اللغات إلى الإفصاح والبيان، كما ~~تدل على هذا حوادث التاريخ. # ثالثا: # أن جميع أمم الحضارة تعد اختراع اليونان لحروف الحركات تقدما ~~عظيما، وكلها تستعملها إلى الآن بعد أن نقلتها فيما نقلتها عنهم ~~من الحروف. # رابعا: # أن ميل أهل العربية بخصوصهم اتجه دائما نحو تكميل رسمهم ~~الاختزالي بما تتمايز به الحروف، وبما يفصح عن حركاتها في ~~الكلمات. # خامسا: # أن تكميل الرسم بما يضبط عبارات اللغة ويمكن من قراءتها على ~~الوجه الصحيح المطابق لأوضاعها المقررة، يزيد التطلع إليه ~~والمطالبة به كلما رقيت اللغة واعتز بها الناس في بيئة من البيئات. ~~وأن هذه من الظواهر الاجتماعية التي لا تتخلف. # سادسا: # أن من أثر هذا التكميل توفير وقت ms081 القارئين، وإعانة المثقفين على ~~أن يثبتوا بالعمل ما يتلقون من نظريات القواعد، وعلى حصولهم ~~بالمرانة مع الزمن على سجية الفصحى، ثم تقريب العوام بقدر الإمكان ~~من لهجة الخواص. وهذا أقصى ما نطمع جميعا فيه. # والنتيجة من كل هذا أن إصلاح رسمنا العربي القاصر وجعله وافيا ببيان حركات ~~الحروف في الكلمات ليس في عصرنا الحاضر - عصر تنبهنا للعربية واعتزازنا بها - ~~زخرفا ولا تقليدا اعتباطيا، بل هي ضرورة من الضرورات نحن مدفوعون إليها ~~دفعا نفسانيا لا يقاوم ولا يصادر، ولا تستطيع أن تقف في سبيله أية عقبة من ~~العقبات، ما دمنا جادين في حماية الفصحى لا هازلين. # يزيد في قوة هذه الضرورة، بل يجليها ويبرزها للعيان، أن العربية - على ~~ما أعلم - وعلى ما أشرت إليه في مقالك القيم، هي بين لغات العالم أقوم لغة ~~معربة. وأضيف إلى هذا أنها لغة دقيقة التصريف محكمته. ولازم هاتين الخصوصيتين ~~ما تراه فيها من المرونة. قدم الفعل على الفاعل، أو الفاعل على الفعل، وأخر ~~المفعول عنهما، أو قدمه عليهما. كل هذا تستطيعه في العربية ولا تستطيعه في ~~غيرها؛ لأن المعول في العربية، لا على مكان اللفظ ومرتبته في الجملة، بل على ~~حركات الإعراب، فهي وحدها التي تدلك على وظائف الألفاظ في الجمل. إنك في ~~العربية تقول: «قام زيد - زيد قام - ضربت زيدا - زيدا ضربت.» وقل أن تقول مثله ~~في لغة أخرى. كما أن حركات الحروف هي التي تبين لك صيغة اللفظ ومعناه، بل إن ~~مجرد اختلاف حركة الحرف بعينه تقلب الفعل من متعد محتاج لمفعول إلى لازم مكتف ~~بفاعله. إنك تقول: «ضرب - ضرب - مضرب - مضرب - ضارب - ضارب - ضربة - ~~ضربة - دهش - دهش ... وهكذا.» ولكل من هذه الألفاظ المتماثلة الهياكل معناه ~~الخاص، لا يميزه إلا الحركة. وأنت لو تصفحت أي كتاب من كتب نحو العربية ~~لألفيت معظم ما به كلاما على المرفوعات والمنصوبات، وعلى نواصب المضارع ~~وجوازمه، وعلى الجر وعوامله، وباقي ما به كلاما على المبنيات المحرومة من ~~الحركة أو من تعددها. فالحركات قوام اللغة العربية وعماد أبنيتها، ms082 أو هي على ~~التحقيق روح العربية، على حين أن نغمات الحروف ليست إلا جسمها، وكل جسم بلا روح ~~فهو ميت. إن من الأوضاع المنكرة أن يعنى ناس بالجسم الميت الصامت دون الروح ~~النابضة الناطقة، لكنا نحن نفعل هذا في لغتنا، نرسم جسمها الميت ونترك الحركات ~~التي هي روحها مع قدرتنا على رسمها، نرسم جسمها وحده ونتركه جثة هامدة على ~~قوارع الطرق يستنطقه المارة كيما يعرفوا هويته ويردوه إلى أهله، فلا ينطق؛ ~~لأن الميت لا ينطق، فيحارون ويفرضون الفروض ويحزرون الأحازير حول مسقط رأسه. ~~وإذ كان لا بد لهم أن ينتهوا حتى يخلو الطريق، فإنهم يقفون عند احتمال من ~~الاحتمالات. هو نصراني فليسلم لقسس النصارى، أو هو مسلم فليدفن في مقابر ~~المسلمين، أو لا مسلم ولا نصراني ولا يهودي، بل هو من أولاد الجان، وعندئذ ~~يتركونه خائفين من إبليس ومن أولاده الشياطين. هكذا الشأن في لغتنا ورسمها، لا ~~تقرأ كتابا من كتبها الأدبية إلا يصادفك فيه مرات قول مؤلفه أو شارحه: «إن ~~كان هذا اللفظ بالكسرة، كان المعنى كذا، وإن كان بالفتحة كان المعنى كذا.» وإذا ~~وجد المؤلف أن المعنى ركيك على كلا الفرضين، فر من الموضوع قائلا: «والله ~~أعلم.» كما فر أولئك السابلة من جثث الشياطين. # إن حسبت أن هذا التمثيل مبالغ فيه، مع أني أسوقه مدعوما بالدليل الذي لا ~~يستطيع أحد له إنكارا، فإني - ابتغاء مرضاتك - أضع بين يديك تمثيلا آخر. إن ~~الذهب والحديد والنحاس إذا كان لها وزن عند خروجها من مناجمها فليس لها جسم ~~معين، والوزن وحده والجسم المبهم الأقطار لا يأبه لهما الإنسان؛ لأن الحجر ~~والطين، من أي محجر أو مرقد، لهما أيضا وزنهما، ولهما أجسامهما المبهمة ~~الأقطار. لكن تلك المعادن يكون منها، من الذهب الدينار والدملج والسوار والخاتم ~~والخلخال، ومن النحاس أدوات الطهي ودقيق الأنابيب، ومن الحديد آلات الزراعة ~~والمصانع والسيوف وأسنة الرماح. وأنت إذا أردت الحصول على شيء منها فإنك لا ~~تقول للصائغ: أعطني رطل ذهب، ولا للنحاس: أعطني رطل نحاس، ولا للحداد: أعطني ms083 ~~رطل حديد؛ لأنه يهزأ بما تقول. لكنك تحدد فتقول: دملجا ذهبا، أو إبريق ~~نحاس، أو سيفا من الحديد الصلب، فأنت مضطر بطبيعة الأشياء إلى تحديد صورة ~~المعدن الذي تريد. ولكنك في رسم العربية لا تحدد شيئا، إنك تعمد إلى منجمها، ~~وهو الأبجدية، فتقتطع منها الوزنة التي تريد، وتتركها على القرطاس جسما هامدا ~~منكر الأبعاد، هيولي بلا صورة. والصورة، كما رأيت في تلك المعادن، هي وحدها ~~المميزة بين الأجسام، بل إن فعلك في العربية أشنع؛ لأن السيف إذا انفل فلن ~~يزال له شبا يقطع الضريبة ويؤدي الغرض. أما رسم اللغة إذا اختل فقد ينقل ~~المرء من العراق إلى اليابان، وهو يريد بلاد الأمريكان، بل قد ينقله من حضرموت ~~إلى جهنم الحمراء من حيث لا يحتسب. أرأيت إذن أنا نسير في رسم لغتنا على نهج ~~يرفضه العقل وترفضه طبيعة الأشياء، وكله مخاطر في مخاطر؟ إذن لا بد لنا من أن ~~نستوفي صورته استيفاء مفصحا مبينا بأية طريقة من الطرق، على شرط ألا نزيد في ~~وطأة عاهته المستديمة التي وضعته أمه مصابا بها، بل نخفف من شدتها إن لم نستطع ~~أن نشفيه منها تمام الشفاء، وإن لم يعجبك قولي فأؤكد لك أنه يعجبني أنا، ولا ~~حجة علي في نفارك، لك دينك ولي دين. # لست أنكر أن المتعلمين - بل أنصاف المتعلمين، بل أرباع المتعلمين - ~~يقرءون الآن الجرائد والروايات، ويفهمون ما فيها. ولكني أنكر أنهم يقرءونها ~~باللسان الذي خلقه الله للنطق والإفصاح. إنهم إنما يقرءون بحاسة البصر دون ~~اللسان، إنهم تعودوا أن الصورة الفلانية تدل على المعنى الفلاني، فهم ينظرون في ~~الصحيفة فيفهمون دلالات الصور التي اعتادوها، لكن إذا اضطروا لسبب من الأسباب ~~إلى أن يعملوا اللسان، نطقوا بهذه الصور كما ينطقون بها في لهجتهم العامية ~~المفسدة لحركات حروف الكلمات والخالية عن حركات الإعراب؛ لأن تلك الصور مجردة ~~عما يرشد إلى شيء من تلك الحركات. وهذا الوضع الناشئ عن قصور رسم الكتابة لا ~~يقدم الفصحى قيد شعرة، بل هو يؤخرها درجات. ومن لوازمه أن تبقى ms084 الفصحى أبد ~~الأبيد منكرة المعالم، مختلة الأوضاع في لفظ اللسان. وهو شذوذ لا نظير له عند ~~أكثر من عدانا من خلق الله. # أفهم أن ترتأي جعل رسمنا الحاضر لقراءة العوام، وأن تعدله لقراءة ~~الخواص، فيكون قولك منطقيا يدعمه أن نقل لغة العوام إلى لغة الخواص جد عسير. ~~ولكن الذي لا أفهمه أن ترتأي تعميم الفصحى مع استبقاء الرسم الحالي الذي لا ~~يتفق إلا مع لهجة العوام. # أما ما أشرت إليه من أن الإفرنج اخترعوا الكتابة الاختزالية توفيرا ~~لوقتهم الثمين، وانتزاعك من هذا الإجراء دليلا لاستبقاء رسمنا العربي على ما ~~هو عليه، فإن هذا من جانبك إقحام لموضوع على موضوع. # إن العقل الإنساني اليوم في طور من أطوار التنبه والاستيقاظ، تكثر فيه دور ~~العلم ومخترعات العلم والمحاضرات التي تنشر العلم، كما تكثر فيه الأنظمة ~~السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها من مستلزمات الحضارة. وهذا من لوازمه ~~تطلع الناس إلى أخبار كل تلك البيئات، فهم يتلهفون على معرفة ما يقال في ~~المجالس النيابية أو في المحاضرات العلمية وغير العلمية. وبريد الأخبار الصحف، ~~فهي تتبارى في هذا المضمار، كل صحيفة تحاول سبق غيرها في نشر مهم الأخبار، وفي ~~أن يكون النشر كاملا، يحفزها إلى المحاولة أن حظها من ميل القراء ومن مالهم ~~إنما يكون بمقدار سبقها إلى النشر وإلى توخي الكمال فيه. فإذا شهد محررو الصحف ~~جلسة من مجلس العموم البريطاني أو من مجلس النواب الفرنسي مثلا، كان أسرعهم ~~يدا في الكتابة هو الذي تفوز صحيفته بالسبق إلى النشر المستتبع للربح المادي ~~وذيوع الصيت. لكن المحرر مهما يكن سريع حركات الأصابع فإنه لا يستطيع أن يكتب ~~كل ما يقول الخطيب. وإذا كانت المجالس لا تخرج مضابط جلساتها إلا مستوفاة أو ~~قريبة من الاستيفاء، فليس موظف واحد هو الذي يكتب، بل ثلة من الموظفين يتضافرون ~~على كتابة كل خطبة أثناء إلقائها، وما يفوت البعض يكون في الأغلب لم يفت البعض ~~الآخر. ثم هم من بعد يراجعون ويضاهئون فتتكامل لهم الخطب كما قيلت أو تكاد. ~~وهذا هو ms085 الجاري عندنا الآن بمصر، لكن الصحف لا تستطيع أن ترسل عدة من المحررين ~~لحضور كل مجلس أو لشهود كل محاضرة هامة في أحد النوادي أو في إحدى الجمعيات. ~~فمست الضرورة إلى إيجاد وسيلة يختصر بها رسم الكتابة، حتى يستطيع المحرر ~~الواحد متابعة الخطيب وضبط عباراته، فبحث الباحثون فاخترعوا الكتابة ~~الاختزالية، فاستعملها محررو الصحف، بل موظفو المجالس النيابية أيضا، هي مجرد ~~إشارات بسيطة تدل على كلمات أو مقاطع كلمات. والظاهر - كما تقول - أنه لا يمكن ~~إتقانها ولا الركون إليها. والواقع المعلوم أيضا أنها لا تعرض على الجماهير، ~~ويستحيل أن يلزم بها الجماهير. إنها شبه مفكرة وقتية، حياتها ساعة من نهار أو ~~من ليل. لا تعيش إلا ريثما ينقلها المحرر لصحيفته أو الموظف إلى مضبطته بالرسم ~~المعتاد ثم تطوى أو تمزق. والرسم المعتاد عندهم هو رسم لغتهم مستوفيا أصوله ~~المقررة لديهم. ولم يحدث إلى الآن أن أمة من تلك الأمم المتحضرة عدلت عن رسمها ~~المعتاد واتخذت رموز الاختزال لرسم كتابتها، بل كل صحفها وكتبها ومخطوطاتها هي ~~برسمها ذلك المعتاد. فأنت يا سيدي إذ ترى لنا الاحتفاظ برسمنا الاختزالي لمجرد ~~أن الإفرنج اخترعوا الاختزال، لا تراعي في رأيك هذا تماثل الأوضاع، إنك تسقط من ~~حسابك أن لهم رسما معتادا مستوفيا مفهما، وأنهم لا زالوا ثابتين عليه. ~~أما نحن فمحرومون من هذا الرسم المفهم. وتحذف من حسابك أن اختزالهم وضع ~~استثنائي لا يتناوله إلا نزر يسير من مخبري الصحف وأمثالهم، وأنه وضع مؤقت قصير ~~العمر يموت بطبعه بمجرد نقله إلى الرسم المفهوم المعتاد، ولا شأن له ألبتة ~~بالجماهير؛ فاستدلالك في مقالك القيم بحكاية الاختزال # Sténographie # هو - كما قدمت - إقحام ~~لموضوع على موضوع ولا استدلال لك فيه. أفهم أن تقول إن علينا أن نعدل رسمنا ~~الحاضر ليكون مفهما محققا لصحة الأداء كما هو الواجب، ومتى كان لنا بعد ~~هذا التعديل رسم مستوف، اتخذناه في مخطوطاتنا ومطبوعاتنا العادية، ثم عمدنا إلى ~~الرسم الحاضر فاختزلناه أكثر مما هو واتخذناه هو لاختزالنا السريع. أفهم هذا، ~~وقد أوافقك عليه ms086 إن استطعت أن تحققه، أما أن تستبقي رسمنا الحاضر المضلل وتحتج ~~بما اخترع الإفرنج من الاختزال، فاسمح لي أن أقول إنه مجرد كلام عائم لا يخرجنا ~~من الضيق الذي نحن فيه. وإذ أقول لك: «قد أوافقك عليه إن استطعت أن تحققه» فإني ~~لست عليك ولا على الحق بمفتات. إن المجمع قد تواردت إليه اقتراحات كثيرة ~~لتيسير الرسم العربي، أمثلها أحد عشر ترى صور نماذجها من بعد، وكلها رفضتها ~~اللجنة المختصة، وغير باق تحت النظر سوى مشروع حضرة الجارم بك. # أما ما تراه من ضرورة تبسيط قواعد العربية فهذا موضوع قائم برأسه اشتغلت ~~به وزارة المعارف المصرية وعينت له لجنة من كبار أساتذة العربية بمدارسها ~~وبكلية الآداب بجامعة فؤاد. واشتغل به بعض أساتذة هذه الكلية وبعض المعلمين ~~بمدارس الحكومة شغلا انفراديا. ولا زال موضوع عملهم قيد الفحص لدى اللجنة ~~المختصة بالمجمع. ومن المأمول أن يتقرر فيه بعض الشيء ويعرض على المؤتمر في ~~دورته المقبلة ليتصرف بما يراه. ولا أستطيع أن أبدي لك رأيي في الطريقة التي ~~تريدها لتبسيط القواعد، فإن مسألة القواعد ليست كرسم الكتابة خارجة عن جوهر ~~اللغة، بل هي مسألة دقيقة جدا لرجوعها إلى ما يتعلق بلب اللغة وجوهرها. وكل ~~ما أستطيعه هو أن أعدك أني بعد انتهاء أشهر الصيف وعودة مجلس المجمع إلى ~~الانعقاد، سأعمل على عرض فكرتك عليه منقولة بالحرف الواحد عن «المجلة». ومن ~~الجائز كثيرا أن يحيلها المجلس على اللجنة المختصة المذكورة لبحثها مع غيرها ~~مما هو محال عليها في هذا الشأن من الاقتراحات. # وإني يا سيدي لأشكر لك جزيل الشكر ما أظهرت من الغيرة على لغتنا العربية، وما ~~حاججت بكل فطنة ورجولة ونزاهة واتزان. # الثالث والعشرون: # إلى حضرة الأستاذ يوسف العش: # شد الله في ميدان الأدب أزرك، وأكثر من أمثالك الغير على العربية، ~~المنقبين في مراقدها لإيقاظها من غفوتها، ووقاك في عملك الزلل، وجنبك فيه ~~العثار. تحية يعجلني إليها ما استفتحت به مقالك المنشور في مجلة «الثقافة» من ~~تلك العبارة المنصفة التي تقنع مخالفيك باستقامة ms087 ضميرك، وتشعرهم الأمنة وعدم ~~التثريب عليهم في محاجتك، مهما يفيضوا في التقرير والإيضاح. # أما بعد، فإنك في المشكلة القائم فيها الخلاف، قد استصرخت علي «العلم» ~~و«الفن»، وأشرت إلى أنك لن تستنصر إلا بهما، ولن تعول في محاجتك إلا ~~عليهما، حتى إذا ما قضيا علي كان قضاؤهما حاسما لا تعقيب لي ولا لغيري ~~عليه. # إنك بهذا التحكيم قد أزعجتني حقا؛ فإني متى ذكر «العلم» ضممت إلي ما اتسع ~~من ثيابي، وتكمشت وتراجعت أمام هذا اللفظ الرهيب، محسا كأني حصاة ملح تذوب؛ ~~ذلك أني عالجت شيئا من العلم في منحي ليس هو مراد العلم الصحيح، بل هو شيء ~~قريب من واديه. وكلما أوغلت ازددت يقينا بعجزي وإيمانا بقوله تعالى: # وما ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا # فأنا يا سيدي لا أخشى أحدا في هذا ~~الوجود إلا العلم والعلماء، ولا أدين بعد عزة واجب الوجود إلا بعزة العلم ~~والعلماء، ولا أنصاع وألقي سلاحي إلا أمام كلمة العلم والعلماء. إذا علمت هذه ~~الحقيقة أدركت أني - عقب تلاوة عبارتك تلك - هلعت وظللت خائفا أترقب، وكدت ~~أقضم الجزء الأول من مقالك قضما، وألتهمه التهاما. ثم انتظرت أسبوعا مشفقا ~~قلقا حتى ظهر الثاني، وأسبوعا آخر على مثل الشوك حتى ظهر الثالث. بحثت ~~ثلاثتها وفحصتها وفليتها، وأكلتها وشربتها؛ لعلي أشعر في شيء منها بأثر للعلم ~~الذي أشرت إليه، في المشكلة القائم فيها الخلاف، فأستكين وأخضع صاغرا، ولكني ~~مع الدهشة الشديدة، أو الاستفاقة الباسمة، لم أجد لهذا العلم في أيها أثرا، لا ~~مرهفا قاطعا ولا مثلوما غير قاطع، فخرجت موقنا بأن حبك للعربية، وامتلاء ~~عواطفك بجمال رسمها الحالي، وخوفك انقطاع الصلة بين حديثنا والقديم، كل تلك ~~الطبائع المحمودة في ذاتها قد استجمعت لك على أشد ما تكون، فحرفت نظرك، فخلت ~~قيام علم حيث لا علم. وأنا وغيري يصدق علينا دائما قولهم: «حبك الشيء ~~...» # إي وربي، إنه ليلوح لي أنك لولا تحكم تلك الطبائع الجميلة فيك لقررت بكل ~~بساطة أن الكلام ما دام في رسم الكتابة وضرورة تصوير نغمات الألفاظ واتجاهاتها ms088 ~~- على ما ينطق به أهلها - تصويرا دقيقا، يستعان فيه إما بإشارات «الشكل» ~~المعروفة أو غيرها، وإما بحروف للحركات، لاتينية أو غير لاتينية، فإن العلم لا ~~دخل له في شيء من هذا، بل إن جرجرته إلى مثل هذا الميدان تنزله من عرشه وتسقط ~~هيبته. # أنت وأنا نذهب إلى السوق لنشتري سريرا لطفل، أو كرسيا لمريض كسيح، أو ~~ثوبا لرجل أو لسيدة، فلو أنا - في أي ما أردنا من هذا - توقفنا حتى يقول ~~العلم والعلماء، لضاقت علينا الأرض بما رحبت، ولكفرنا بالعلم والعلماء. إنما ~~نحن في كل هذا نعتمد على البديهيات الحاصلة لنا بغريزتنا الإنسانية، وبما تكيفت ~~وتربت به ملكة الحكم عندنا من المشاهدات والمقارنات. فنحن لا نتخير للطفل إلا ~~سريرا صغيرا يكون على قدر مدته، ويستحيل علينا - عادة - أن نختار له شيئا ~~من أسرة الكبار. والكرسي ما دام لكسيح فإننا لا نختاره إلا مما يجري على ~~عجلات، ويكون مناسبا لقد المريض وقعدته وضجعته، موفيا براحة جسمه. والثوب لا ~~نتخيره إلا مما اعتاد الرجال لبسه إن كان لرجل، وإلا فمما اعتادته النساء. وكل ~~هذه أمور لا شأن للعلم بها، بل هي من الضروريات المسلمات. # لست أعارضك ألبتة في أن «للفن» دخلا في هذه الأشياء؛ فإنها جميعا تتفاضل ~~بجودة صنعها وعدم جودته، وجودة الصنع ورداءته من متعلقات «الفن»، وعلى حسبهما ~~تغلو تلك الأشياء أو ترخص عند التقويم. أما «العلم» فميدانه ميدان آخر، إنه ~~ينقب عن المجهول من الحقائق فيكشفه ويضع له ما يصل إليه من القوانين الكلية ~~المجردة. ومشكلتنا إن رجعت إلى شيء فلا ترجع إلا لمجرد الفن التنفيذي. والفن إن ~~لم يرض السمع والبصر وباقي الجوارح، وميول النفس وفضيلة الإتقان ويلائمها، كان ~~فنا رديئا. # على أني، مع احترامي لشخصك وتقديري لعملك ولكمال إخلاصك فيه، مناقش ~~عباراتك في ذلك الجزء الأول، كما سأناقش أقوالك فيما بعده. # إنك بعد أن استرهبتني بتحكيم دلائل العلم، بدأت الكلام في الموضوع، فحصرته ~~إجمالا في أربع مسائل؛ الأولى: النظر في الحروف اللاتينية هل هي صالحة كل ~~الصلاح؟ والثانية: ms089 إن لم تكن كذلك، فهل هي أصلح من الحروف العربية؟ والثالثة: إنه لا بد من النظر فيها (أي العربية) هل تصلح بطرائقها لتأدية الحركات؟ ~~والرابعة: هل في الإمكان درء نقص الحركات دون الالتجاء إلى الحروف ~~اللاتينية؟ # فعن المسألة الأولى تفضلت فقلت: # أولا: # إننا، نحن الشرقيين المفرطين في ~~الإعجاب بوسائل الغرب، إذا نظرنا في صلاح الحروف اللاتينية بذاتها وبأصلها، فقد ~~يخيل إلينا أن هذا الصلاح أمر لا يقبل الجدل. # وثانيا: # لكن الحروف اللاتيني يأبى إلا أن يقر بضعفه. وهنا أوردت تأييدا ~~لنظرك أقوالا لبعض الاختصاصيين من الأوروبيين ينعون فيها عوار حروفهم لتعقد ~~أشكالها وعدم وضوحها وصعوبة قراءتها، ويقولون: «إن الساعة أزفت لقطع الصلة فيها ~~مع الماضي.» ثم استدركت على هذا بقول لأحد هؤلاء الاختصاصيين يهيب بقومه «أن لا ~~يغرقوا في الاعتراض على خطهم اللاتيني، وفي طلب الابتعاد عنه.» # وثالثا: # إن تلك الحروف لو كانت - مع تعقد شكلها وإتعابها النظر - تؤدي ~~الأصوات كما يجب أن تؤدى، فتعوض بحسن التأدية ما تضيعه برداءة شكلها، لهان. ~~ولكنه ليس من الصحيح أنها تقوم بهذا الغرض كما يظن، بل إن أهلها عابوا قصورها ~~في هذا الصدد أيضا، وحاولوا أن يستبدلوا بها حروفا أخرى، فتشعبت بهم المسالك، ~~ولم يستقر رأيهم على شيء. # ذلك حاصل ما أوردت في المسألة الأولى. وإليك ردي أجريته على ترتيب قولك فقرة ~~فقرة: # أولا: ~~(1) ما أظنك جادا حق الجد في حكمك على الشرقيين بإفراطهم في ~~الإعجاب بوسائل الغرب، ذلك الحكم العام المطلق الذي لا مثنوية ~~فيه. ولعل هذه الفكرة نتيجة استقراء لأحوال أناس تعرفهم أنت يا ~~سيدي، ولكنه استقراء ناقص. وأنت - كما توسمته فيك - من خير من ~~يعرفون أن التعميم لا يجوز إلا بعد الاستقراء التام. أما الناقص ~~فحرام على فاعله التعميم، إنك لو قرأت للأستاذ محمد أديب العامري ~~العماني مقاله «تطور الأساليب الفكرية»، المنشورة في «الثقافة» ~~بالصحائف السابقة مباشرة للجزء الأول من اعتراضك المجود، لكنت من ~~سابق تحصيلك وواسع إحاطتك على ذكر، ولوافقتني فيما أقول. ~~(2) على أني لست أتعرض لحكمك هذا إلا ms090 تذكيرا بمقررات العلم ~~الذي تجهد أنت - بحق - في إكباره واللجوء في الشدة إليه. أما فيما ~~يتعلق بشخصي فإنه حكم لا يمسني في كثير ولا قليل؛ لأن خطئي وحده - ~~لا خطأ الناس - هو الذي يحيق بي أثره وتلزمني مغبته، وفوق هذا فقد ~~جاملتني بما أوردت في صدر بيانك من أن المساجلة فيما نحن فيه إنما ~~«هي نضال شريف» يسعى فيه كل فريق لتحقيق الخير لأهل العربية. فهذه ~~المجاملة - التي لا أشك في أنك تقصد معنى عبارتها على وجه الحقيقة ~~التي لا مجاز فيها ولا منفذ للتأويل، والتي شكرتك وأكرر لك الشكر ~~عليها - تخرجني من هذا الحكم الذي تسرعت فيه بالتعميم المسور ~~بأمتن الأسوار، وتبيح لي الاقتناع بأنه ليس سوى «سبقة» من سبقات ~~القلم الذي كثيرا ما يفجأ القلب بالشرود؛ لأنه شظية من حديد لا ~~عقل لها. ~~(3) على أنه إذا راقك أن تعرف دخيلة أمري كيما تستعين بها ~~مستقبلا في استقراءاتك، فاعلم - وفقك الله وإياي - أني داخل في ~~تعميمك، ولكن بقيد له من حديد، كريشتك الحديد، قيد مبهم أصم أكمه، ~~لا يسمع ولا يبصر، ولا تستطيع أنت ولا غيرك له فكا، ولا لي من ~~أزمته فكاكا. أو أني - على الأصح - خارج عن التعميم بهذا القيد ~~المصمت المكباح، ذلك هو قيد العقل. فما يراه عقلي من مناحي الغرب ~~حسنا فإني صائر إليه جهدي، ما دام لا يمس كرامتي وكرامة قومي. وما ~~يراه منها قبيحا فإني أخسؤه عني ما وسعت طاقتي. # ثانيا: ~~(1) ليكن الحرف اللاتيني معيبا في شكله وعدم وضوحه وصعوبة ~~قراءته، ولتكن أقوال الأوروبيين متضاربة في هذا الصدد - كما رويت - ~~أو غير متضاربة، فأين هو العلم أو دلائل العلم الموصلة لإدراك ما ~~به من هذه العيوب؟ إن الحرف رسم اصطلاحي يدرك بالنظر، فإن كان ~~مرتبك الصورة غير واضحها، فنظر مستعمليه كاف وحده للفصل في هذا ~~الخصوص. والنظر حاسة مشتركة بين جميع القارئين، علماء مبرزين أو ~~أناسا عاديين غير مثقفين. وإذن فلتستبعد من هذه المناقشة عبارة ~~«دلائل العلم» ولتمحها بالقلم العريض؛ فإن إقحامها هنا ms091 تجاوز وظلم ~~عظيم. # أليس كل ما في الأمر أن المشتغلين من الفرنجة بهذا الموضوع ~~راقبوا الواقع فدونوه وشكوا منه وسعوا في إزالة ضرره، ولكن - كما ~~تقول - لم يصلوا للآن إلى وضع مرض يقع عليه الإجماع؟ ومن ذا الذي ~~يزعم أن تقرير الواقع والشكوى منه يسمى «علما» أو «دلائل علم»؟ ~~إننا في مصر نشكو من زمن طويل من قصور رسم العربية، ونسعى في إزالة ~~ضرره. فأي هو العلم أو دلائل العلم في تقرير هذا الواقع عندنا ~~وفي الشكوى منه؟ لو ادعينا في مصر شيئا من هذا لكان إيهاما ~~باطلا، ومجازفة كبرى تعمي معنى العلم وتضلل فيه الناس. لو ~~ادعينا لكانت مكاتب الضابطة (البوليس) والنيابة العامة، وأقلام ~~كتاب المحاكم، مملوءة بالعلم ودلائل العلم؛ لأنها غاصة ببلاغات ~~وعرائض دعاوى تقرر الواقع - أو ما هو مزعوم أنه الواقع - وتشكو منه ~~لذوي السلطان! ~~(2) إن استدلالك مع خروج كل عناصره عن وادي العلم، ورجوعه إلى ~~استطاعة كل القارئين من الأوروبيين، قد جعلتك أمانتك في النقل تأتي ~~فيه بالرأي وبضده - تلك الأمانة التي أوقن بها، ولا أجد أقل داع أو ~~ثمرة للمراجعة فيها - وأنت عليم بأن لقارئيك الحق في أن يأخذوا ~~بظاهر قولك فيردوه عليك، وليس لك أن تكلفهم الترجيح. وكيف ~~يستطيعونه، وأولئك العلماء الأوروبيون أنفسهم - مع علمهم طبعا ~~بالدليل التفصيلي لمن يدعي ولمن يمنع - لم يستطيعوا للآن - كما ~~تقول - الاتفاق على ترجيح شيء بعينه من جهة حسن شكل حروفهم ~~ووضوحها، أو قبحه وتعقدها؟ ~~(3) وأرجو سيدي أن يلاحظ أني هنا لا أبدي رأيي الشخصي، بل كل ~~الذي أريد توضيحه هو أنك في هذه النقطة لم تثبت شيئا، لا بدلائل ~~العلم التي تستنصرها وتسترهبني بها، ولا بغير دلائل العلم. كل الذي ~~أثبته ينحصر في رواية عن بعض الأوروبيين أنهم ضجوا بالشكوى من ~~تعقد شكل حروفهم وصعوبة قراءتها، وأن البعض امتعض من هذه ~~الشكوى. ~~(4) على أني أترك هذه النقطة مؤقتا وسأعود إليها بعد حين، إنما ~~أرجو أن تسمح لي هنا بإبداء فكرة، إذا كانت ليست في الموضوع ~~تماما، فإنها ms092 متصلة به شديد الاتصال: # إن العلة لتلك الشكوى - على ما أفهمه أنا، ولا أظنه لا يخفى عليك ~~- هي أنهم في علمهم وفنهم - لا في كثير من عاداتهم وأخلاقهم ~~وأكاذيبهم في مناحي سياستهم وتغريراتهم فيها بالناس - قد بلغوا ~~درجة عالية من الشعور بكل دقيق وجليل من الشئون التي تيسر لهم سبل ~~الحياة والاستمتاع بها، مما أحسدهم أنا وأنت عليه، ولا أستطيع أنا ~~ولا أنت ادعاءه لأنفسنا في الوقت الحاضر. فإحساسهم اليوم بتعقد ~~حروفهم من جهة شكلها، إنما هو وليد ذلك الرقي في الشعور. والفكر ~~الإنساني حول ولاد، لا يقف عند حد في الطماح، بل يحكم على ~~نفسه بنقص وسائله كلما رقي وتقدمت به الأحوال. ألسنا نحن العرب - ~~عقب ظهور الإسلام وإبان ازدهار حضارته - ضججنا من رسم كتابتنا ~~فأصلحناه بطرق مختلفة من الشكل، ومن قبل الشكل بالتنقيط؟ وهذا ~~المعنى، معنى طموح الإنسان أو تنقله من وضع في وسائله إلى وضع آخر ~~أكثر ملاءمة له وصلاحية، هو العلة لكل ضجيج وتغيير أو جنوح ~~للتغيير. ولازم هذا المعنى الراجع إلى الطبيعة البشرية، أن الكمال ~~في الأعمال الإنسانية مستحيل، أو كما قال المهدي العباسي: # لا شيء في هذه الدنيا يحاط ~~به # إلا إحاطة منقوص ~~بمنقوص # وليلاحظ أن كل ما سبق راجع إلى شكل الحروف اللاتينية لا إلى ~~نغماتها الآتي عنها الكلام. # ثالثا: ~~(1) تقول إن تلك الحروف اللاتينية مع عوار شكلها فإنها لا تؤدي ~~لمن يستعملونها ما لألفاظ لغاتهم من الأصوات؛ أي من النغمات ~~واتجاهاتها. وقولك هذا في جملته حق لا ريب فيه ولا جدال. ولا حاجة ~~في تعرف صوابه لشيء من العلم ولا دلائله؛ إذ كل ملم بمبادئ لغتين ~~أو أكثر من اللغات الأوروبية يدركه تمام الإدراك. ~~(2) والعلة في عدم وفاء حروفهم بذلك الغرض الهام أنها - كما لا يغيب عن سيدي ~~- بحسب أصلها القديم كانت متخذة لرسم لغة واحدة بعينها، لكنها صارت بالزمان ~~متخذة لرسم لغات متعددة، حتى من اللغات البعيدة الأصل عن اللاتينية أو اليونانية. # 9 # فهذه اللغات إذا اشتركت في النغمات السهلة المخرج ms093 كنغمة الألف ~~الممدودة والباء والتاء والدال والراء والزاي الخفيفة والسين والشين المفشوشة ~~والفاء والكاف والميم والنون والهاء والواو والياء والهمزة العارضة عند ~~الابتداء بمتحرك، فإن كلا منها - فيما عدا مثل هذا السهل المشترك - لها نغمات ~~خاصة بها، كنغمتي الذال والثاء في الإنجليزية، والخاء في الألمانية، والشين ~~المكزوزة التي ينطق بها كمزيج من تاء وشين في الإنجليزية والطليانية، وكنغمة ~~«نيه # gn ~~» في الفرنسية. وهذه النغمات الخاصة ~~وأمثالها تؤدى بمركبات اصطلاحية يختلف النطق بها بين لغة وأخرى، ولا ~~يستطيع أداءها إلا ابن اللغة أو متعلمها. بل إن نغمة الشين المفشوشة السهلة ~~تؤدى هي أيضا في الفرنسية والطليانية والألمانية بمركبات اصطلاحية مختلفة. ~~ونغمة الواو تؤدى في الإنجليزية بحرف وفي الفرنسية بمركب. والحرف الواحد بعينه ~~قد تختلف نغمته من لغة لأخرى؛ كحرف # j # الذي ~~يؤدي في الفرنسية نغمة جيم غير معطشة، وفي الألمانية والطليانية نغمة ياء. وبعض ~~الحروف لا ينطق به أو قد ينطق به على خلاف أصل القياس؛ فحرفا # gh # في الإنجليزية مثلا قد يهملان في ~~النطق، وقد يؤديان نغمة الفاء. # هذا القصور في تأدية النغمات بحروف مفردة، وهذا التخالف فيها، واضح في رسم ~~تلك اللغات. ثم هو واضح وضوحا تاما في أحرف الحركات التي توجه النغمات ~~التوجيه الذي تقتضيه ألفاظ كل لغة. فهناك الضم والفتح والكسر، مع المد في كل، ~~ثم الإمالات بدرجات مختلفة، مع تخالف الحروف بعينها في الحركة الواحدة بين بعض ~~اللغات وبعض، بل في اللغة الواحدة بعينها. # تلك حقائق لا شك فيها، ولكني أدركها أنا وأنت وغيرنا بلا حاجة لدلائل العلم ~~التي تقحمها هنا. ثم هي راجعة، لا إلى الأشكال والصور من حيث حسن تخطيطها ~~ووضوحه أو قبحه وخفاؤه، بل إلى صميم الدلالة على نغمات اللغات وجوهر جرسها، ~~واتجاهاته المختلفة. ~~(3) ولعل هذه الحقائق هي التي تقلق بال الاختصاصيين الأوروبيين، بل قد لا ~~أرتاب في أنها - دون الصور والأشكال - هي الدافع الأول لمن ينعون منهم رسم ~~كتابتهم ويطلبون تحسينه. أما الصور فهي دافع ثانوي قليل الأهمية؛ لأنها ليست في ~~الصميم. ms094 وأهم ما فيها تلك المركبات الحرفية التي يدرك النظر المجرد الإسراف ~~فيها، بلا حاجة للعلم ولا لدلائله. # وهذا الدافع الأول الذي أقول عنه لا يحتاج في إدراك صدقه وأوليته لشيء ~~من العلم، بل يكفي فيه أن نتذكر أن الحضارة في العصر الحاضر، وفي القرون ~~الثلاثة الماضية، تركزت في الأمم التي تكتب بالأحرف اللاتينية، واستقر العلم في ~~ربوعها. والعلم نور يعشو إلى ضوئه كل سار، بل إن سناه ثقاب نفاذ، يدرك ~~الساري والمضحي أينما كانا، ويتحبب إليهما ويبهرهما بجماله. وتلك الأمم # 10 # تعيش كلها متجاورة الديار في صعيد واحد، أو هي مخلقة أصلا في ~~صعيد واحد؛ فالتواصل العلمي بينها على أشده، ولغاتها هي الوسيلة، فإن تخالفت ~~رموز كتاباتها، أو ارتبكت بتركبها أو بتعددها للنغمة الواحدة أو بأداء الرمز ~~الواحد منها عدة نغمات، كان ذلك قذى في أعين طالبيها من مستفيدي العلم ومفيديه، ~~وشوكا في الطريق يزيد مشقتهم في تحصيلها ويعوقهم عن التقارض والاستكمال. # 11 ~~(4) على أني مع تقريري - بشيء من التفصيل - لهذه الحقيقة التي أشرت إليها، ~~وتقريري لعلتها بحسب ما أفهم، فإني أسارع إلى لفت نظر سيدي إلى أن أهل كل لغة ~~من تلك اللغات الأوروبية هم - بفضل حروف الحركة - لا يخطئون - عند القراءة - ~~النطق بالمكتوب من عبارات لغتهم وفقا لما يلفظونه في الكلام غير المكتوب. ~~فالألمان والطليان - مثلا - لا يمكن أن يخطئوا؛ لأن النغمات عندهم مقررة ~~وجارية دائما على قياس معلوم. وليس عندهم - على ما أعلم - حروف نغمات، أو ~~مركبات نغمية لا ينطبق بها. والفرنسيون - مثلا - إذا كان عندهم حروف نغمات لا ~~ينطق بها، أو مركبات حرفية تؤدي نغمات خاصة، فإن لها أيضا قواعد كلية معينة، ~~متى عرفها الطفل - أو غير الطفل - استحال عليه أن ينطق على خلاف موجبها. ~~والإنجليزية إذا كان فيها مركبات للنغمات، فمعظمها داخل تحت قاعدة كلية مثل # sh, ch ~~. والمركبات التي لا ينطق بها، أو ~~ينطق بها أحيانا بنغمة بعيدة عن جزءي المركب - مثل # gh # التي قد تهمل وقد ينطق بها فاء، ومثل # th # التي تؤدي ms095 حينا نغمة الثاء وحينا ~~نغمة الذال - هي في الأغلب محصورة، سهل على ابن اللغة أو متعلمها حفظها ~~وتذكرها. ومثلها حروف الحركات، وما توجهه حروف النغمة الجوهرية من التوجيهات المختلفة. # 12 ~~(5) إذا كان هذا هو الواقع - وأنت يا سيدي تعرفه بلا ريب - فأظن أن من لوازمه ~~أن تسلم معي بأننا في رسم لغتنا مظلومون ظلما مبينا؛ لأن في العربية (80000) ~~ثمانين ألف أصل - كما يقولون - كلها حروف نغمات جوهرية خالية عما يوجهها من ~~حروف للحركات. وقابلة - هي وما قد يشتق منها - لمختلف التصحيفات. ومستحيل على ~~أي متعلم منا - كما كررت هذا مرارا، وكما تعرفه أنت وغيرك - أن ينطق بها لأول ~~وهلة على الوجه المراد أصلا لكاتبها الفصيح، مهما تكن رسوم حروفها مكتوبة بقلم ~~الثلث العريض وواضحة كل الوضوح. بل كثيرا ما يستغلق عليه النطق بها على الوجه ~~الصحيح، استغلاقا ميئسا لا رجاء فيه. # عن المسألة الثانية تقول: # أولا: ~~«إن شكل الحروف العربية أبسط من شكل ~~اللاتينية.» وتأتي بأشكال حروف النغمات المشتركة بين العربية واللاتينية ~~فتجرى بينها مقارنة تريد الاستدلال بها على أن شكل العربية أبسط. # ثانيا: # تقول: «ولا تعجب من هذا؛ فليس مجرد اتفاق، إنما بساطة الصورة في الخط ~~العربي أمر مقصود.» وتورد أن أهل الصناعة قالوا: «إن أصل جميع هذه الحروف الخط ~~المستقيم الذي هو قطر الدائرة، والخط المقوس الذي هو بعض الدائرة ...» وتوضح أنت ~~عبارتهم فتقول: «إنهم ابتدءوا بأبسط الأشكال الذي هو الخط المستقيم، ثم نوعوه ~~بنسبة متناسبة متقاربة، فاستخرجوا منه ومن القوس كل الحروف بمقادير وصور ~~قليلة.» ثم تروي عن القلقشندي أنه قال: «وفرقوا بين بعض الحروف بالنقطات وقصدوا ~~بذلك تقليل الصور للاختصار؛ لأن ذلك أخف من أن يجعل لكل حرف صورة فتكثر الصور.» ~~وأنه قال: «ترجع صور الحروف إلى خمس صورة؛ وهي: الألف والجيم والراء والنون ~~والميم.» # ثالثا: # تقول: «إنه يظهر أنهم عنوا ببساطة الحروف فعمدوا إلى تخفيف ~~الصور؛ لأن كثرة الصور داعية لتداخل ~~الحروف، مما يؤدي إلى التعقيد، وهو ما وقع بالحروف اللاتينية التي تعقدت أشكالها ~~وصورها، ms096 فاختلف بعضها عن بعض اختلافا بينا.» # رابعا: # تقول ما حاصله أن الإنسان عند القراءة يميز الألفاظ بصورها الكلية لا ~~بأجزائها وحروفها، وتستدل لهذا بقول أحد العلماء الأوروبيين: «لقد علمنا من ~~تحليل القراءة في آلة «التاشيستوسقوب» أننا في الواقع نعتمد في القراءة ~~السريعة على إدراك صورة الكلمة في مجموعها.» ثم بقول عالمين آخرين يذكران هذا ~~ويقولان: «إن عرض الحروف وارتفاعها لهما أهمية عظمى في معرفتها حين القراءة.» ~~ثم ترتب على هذا ما حاصله أن صور الألفاظ المكتوبة بالعربية أوضح وأسهل في ~~الإدراك؛ وذلك لكثرة ما يعلو من حروفها عن السطر وما يسفل، وأنها - بتعبير علمي ~~(كذا) - تعطي لكل كلمة شخصية خاصة حتى تبدو شكلا لا شبيه له. ثم تضيف أن ~~التجربة بين كتابتين من مقياس واحد في صحيفة واحدة، إحداهما باللاتينية والأخرى ~~بالعربية، دالة على أن القارئ إذا ابتعد عنهما خفيت اللاتينية أولا، وبقيت ~~العربية واضحة مشرقة. # خامسا: # تقول من بعد ما حاصله أن خمسة وثلاثين في المائة من طلبة المدارس ~~العالية في فرنسا قصيرو النظر؛ بسبب انكبابهم على قراءة الحروف اللاتينية، وأن ~~تعقد الحروف وعدم وضوحها يصد النفس عن القراءة، وأنه من أجل هذا يحاول الإفرنج ~~إصلاحها. # سادسا: # تنتهي من كل ذلك إلى أن أصلح ما يؤدي النغمات العربية إنما هو الحروف ~~العربية. # وإلى سيدي ردي على ما أثاره في هذه المسألة الثانية، جاريا أيضا على ترتيب ~~أجزائها. # أولا: ~~(1) إن السيد قارن بين ستة عشر حرفا مفردا من اللاتينية، وبين ما ~~يقول إنه مقابلها في العربية، وهاكها: # b # t # g # h # z # s # f # k # q # i # n # ب # ت # ج # ح # ز # س # ف # ق # ك # ل # ن # ولقد يرى غير السيد بكل إخلاص، أن الأحد عشر حرفا اللاتينية إن لم تكن أبسط ~~من التي جعلها السيد مقابلة لها في العربية، فليست أقل منها بساطة، متى لوحظت ~~المستقيمات والمنحنيات في كل، ووجود النقط في العربية دون اللاتينية. ثم إن ~~مما لم يذكره من حروف النغمات المشتركة حرف # y # اللاتيني ms097 ومقابله في العربية «ي»، وقد لا يشك الرائي أن اللاتيني أبسط. ومما لا ~~مقابل له في العربية حروف: # v, p, i, c ~~، وهي ~~أيضا في غاية البساطة. وهذه المقارنات يستطيعها كل قارئ عربي يعرف لغة ~~أوروبية، غير محتاج في حكمه لشيء من العلم ولا دلائله. ~~(2) ولقد يخيل إلي أن السيد سها إذ اتخذ حروف الطباعة المفردة أساسا ~~للمقارنة، ولو أنه اعتمد على الحروف العربية، حالة في بنية الكلمات وقارنها ~~باللاتينية، حالة في بنيتها، لما خالفه أحد في أن العربية أوجز وأبسط. لكن لا ~~أيسر ولا أوضح، لا في المطبوعات ولا في المخطوطات؛ لأن الشكل المفرد لغالبها ~~يأخذ ثلاثة أشكال أخرى، بخلاف اللاتينية التي تبقى هي هي على الدوام ~~والاستمرار. والعقل يقضي بأن الحرف الباقي أبدا على حال واحدة أوضح من المتقلب ~~بين أربعة أشكال. ومن أراد التحقق بالتجربة فلا حاجة به إلى العلم ولا إلى ~~العلماء، بل ليذهب إلى صفافي الحروف بالمطابع العربية، ليعلم أنهم من هذه ~~الناحية كثيرو الأخطاء، بل ليسأل أي أوروبي يتعلم العربية، حتى يعلم أن من ~~الصعوبات التي يكابدها تعرف أشكال الحروف حالة في بنية الكلمات؛ وذلك لتعدد ~~صور الواحد منها - دع خفاء حركاتها مما هو عليه مصيبة أشق وأفظع - بخلاف العربي ~~الذي يتعلم لغة أوروبية، فإنه لا يخطئ مطلقا في معرفة أي حرف في كلماتها لتوحد ~~شكلها وبقائه على حال واحدة على الدوام. بل ليسأل أي معلم من معلمي الأطفال ~~ليستيقن أن من أشق ما يكون على الطفل انتقاله بعد تعلمه الحروف المفردة، إلى ~~طور تعلم الحروف متصلا بعضها ببعض في الكلمات. # ثانيا: # تقول: إن بساطة صور الحروف في الخط العربي ليست مجرد اتفاق، بل هي ~~أمر مقصود. # وهذه قضية إن كان السيد يريد بها أن البساطة مقصودة عند وضع الأولين للخط ~~العربي (كما هو ظاهر عبارته)، فإني أرجوه المعذرة إذا قلت له: كيف تسمح لنفسك ~~أن تقررها؟ هل كنت حاضر النبطيين حوالي ميلاد المسيح فأخذت عنهم أن من نيتهم ~~وضع رسم للغتهم العربية، ومن ms098 مقصودهم أن يكون بسيطا؟ وإن كانت أقوال القلقشندي ~~وغير القلقشندي من كتاب العربية قد ورد فيها ما يفيد هذا، فاعتمدت في تلك القضية ~~عليه، فإني أرجوك أن تعفي نفسك من أقوال المتقدمين والمتأخرين من كتاب العربية ~~في هذا الخصوص. إنهم ما كانوا يعرفون من هو واضع الخط العربي، بل تخبطوا في ~~الافتراضات والاستنتاجات تخبطا شديدا؛ فمن قائل إنه توقيفي من عهد آدم، ومن ~~قائل إن واضعه نبي الله إدريس، وقائل إنه متلقى عن كاتب الوحي لنبي الله هود. ~~ومن قائل إن أصله مقتطع من المسند الحميري. وما هم إلا المستشرقون من الإفرنج، ~~بحثوا ونقبوا في القرن التاسع عشر الماضي فقط، ثم دلونا على أن الخط العربي من ~~وضع النبطيين، اشتقوه من الآرامية، وسرى منهم إلى أهل الحجاز وغيرهم من عرب ~~الجاهلية. وهذا - كما قلت في موضع آخر - هو المعتمد الآن في جامعة فؤاد ~~الأول. # وإذا اطلعت على كتاب أصل الخط العربي للأستاذ خليل يحيى نامق (من علماء كلية ~~الآداب بهذه الجامعة)، لعلمت أن ما نقلته عن القلقشندي وهو: «إنهم فرقوا بين ~~بعض الحروف بالنقط، وقصدوا بذلك تقليل الصور للاختصار؛ لأن ذلك أخف من أن يجعل ~~لكل حرف صورة فتكثر الصور». ذلك القول الموهم أن الواضعين الأولين للخط العربي ~~هم الذين فعلوا هذا، إنما هو قول بعيد عن الصواب - إن كان مرادا به هذا ~~المعنى المتوهم من لفظه - لأن الذي أثبته أولئك المستشرقون، اعتمادا على ~~النقوش الحسية، ودونه الأستاذ نامق، هو أن النبطيين لم يضعوا شيئا من النقط ~~في حروف الكتابة، لا هم ولا من سرى إليهم خطهم من عرب الجاهلية. وكيف تعتبره ~~صوابا وتبني عليه قضيتك تلك، مع استفاضة العلم عند المسلمين كافة، بأن صحف ~~النبي التي دونت بها آيات القرآن، لم يكن في شيء منها أي نقط للحروف، ومثلها ~~في عدم النقط مصاحف عثمان بن عفان التي نسخها من تلك الصحف وبعث بها للأقطار ~~الإسلامية، وأن تنقيط القرآن لم يحدث إلا على يد الحجاج بن يوسف في خلافة عبد ms099 ~~الملك بن مروان؟ فالعرب الأولون - من نبطيين وجاهليين - لم يكن عندهم إلا حرف ~~واحد للباء والتاء والثاء والنون، وحرف واحد للجيم والحاء والخاء، وواحد للدال ~~والذال، وواحد للراء والزاي، وواحد للسين والشين، وواحد للصاد والضاد، وواحد ~~للطاء والظاء، وواحد للعين والغين. وإذا سألتني كيف كانوا يفرقون بين الحروف ~~المشتركة عند القراءة؟ فالجواب ميسور عتيد: إنهم كانوا يفرقون بينها كما كان ~~أصحاب النبي وكل المسلمين من بعده يفرقون بينها في القرآن مدة ثمانين سنة من ~~تاريخ الهجرة إلى خلافة عبد الملك بن مروان. # على أن وجه الاعتراض بكيف كان يحصل التفريق بين الحروف هو - بالإضافة إلى مدة ~~الإسلام - أشد وأقوى أضعافا منه بالإضافة إلى ما قبل الإسلام؛ لأنه شتان ما ~~بين الزمنين وبين الحضارتين وبين ضرورتي التفريق. مهما كان النبطيون قوما ~~أشداء، ومهما كانت لهم مملكة قامت من سنة 169 قبل المسيح في الجزء الشمالي من ~~جزيرة العرب جنوبي فلسطين والشام، واستمرت إلى أن أزالها الرومان في سنة 106 ~~بعد المسيح، ومهما كانوا - كما يقول مؤرخو الفرنجة - قد أغاروا على الشام ~~واستولوا على دمشق عاصمتها، مهما يكن من حالهم هذا، فإنهم لم يكونوا كاليونان ~~أو الرومان أو الفرس أو المصريين، أهل علم أو صناعة راقية حتى يغروا ~~بالكتابة فيتقنوها ويتخذوا لها أدواتها. ومهما يكونوا قد تحضروا بعد التبدي، ~~فإن تحضرهم لا بد كان كتحضر قريش في مكة، والأوس والخزرج في المدينة. وهم ومن ~~سرى إليهم خطهم من أهل الحجاز هؤلاء وغيرهم من الجاهليين مهما كانوا في جملتهم ~~أشداء أباة ضيم، فإنهم كانوا في جملتهم أيضا نقلة تجارة أو أصحاب إبل وشاء، ~~رحلا نزلا، يجذبهم الغيث ويشردهم الجدب. وكان أدبهم ينحصر في المفاخرة ~~بالأنساب، والتغني بما قام بينهم قديما وحديثا من وقائع القتال وصنوف الغارات، ~~وبفضائل الشجاعة والكرم وإجارة اللائذين المستجيرين، وفي وصف الظواهر الطبيعية ~~من سحاب وبرق ورعد وأمطار، وما نزلوه أو غادروه من منازل وديار، وفي التشبيب ~~والنسيب، وفي وصف أسفارهم ومطاياهم، وما شاكل هذا. وخير هذا الأدب جوامع الكلم ms100 ~~الخوالد التي تحمل الحكم والأمثال، مما هو نتاج التجاريب وزبدة فلسفة ~~الحياة. وإذ كانت كتابتهم بدائية صرفة، وكانت الرقاع الصالحة لا وجود لها، بل ~~كانت صحفهم - على ما يلوح - هي الحجارة الرقيقة وعظام أكتاف الحيوان وسعف النخل ~~وقطع الخزف أو الجلد (كما كانت في مبدأ الإسلام)، وهي جميعا من شر الرقاع؛ إذ ~~كان ذلك فقد أهملت تلك الكتابة طبعا وقل اهتمامهم بتكميل نواقصها وتحسينها، ~~واضطروا لتخليد آثارهم وعواطفهم في تلك المناحي إلى اتخاذ أيسر طريق لهذا ~~الغرض: الشعر. والشعر غناء موزون، عذب مألوف، يحلو تكراره فيسهل وعيه ~~واستذكاره. كان شعرهم يفي لهم بتلك الأغراض، ويغنيهم عن الكتابة والتدوين، وعن ~~تعنية أنفسهم بتكميل صور حروف النغمات التي سرت إليهم من النبطيين أبناء جنسهم، ~~وإزالة اشتراك كثير منها بين جملة من هذه النغمات. ولقد استمروا هكذا حتى أتى ~~الإسلام فجرى على خطتهم شوطا طويلا، مع اختلاف العهدين والحضارتين - كما ~~أسلفت - ومع فتح فارس والشام ومصر وغيرها، واتساع رقعة ما دخل تحت حكمه من ~~البلاد. # وإذا سألتني: كيف كان النبطيون يدونون أعمالهم وقت قيام مملكتهم واستيلائهم ~~على دمشق؟ فالجواب أيضا ميسور عتيد؛ كانوا يدونونها حتما بالرومية (اليونانية ~~أو الرومانية) كما كانت دواوين المسلمين إلى عهد عبد الملك بن مروان يكتب فيها ~~بالفارسية والرومية والقبطية. # وإذن فإني أرجوك يا سيدي أن تعدل عن قضيتك تلك، سواء أكانت من عندياتك أم كنت ~~انتزعتها مما رويته عن القلقشندي، أو من أقوال اطلعت أنت عليها لغيره من ~~العلماء. ~~(3) أما إن كانت تلك القضية هي - على الرغم من ظاهر عبارتك وظاهر العبارة ~~التي نقلتها عن القلقشندي - مجرد تقرير انتزعته من الواقع الآن في الخط العربي، ~~أو انتزعه القلقشندي من الواقع فيه في عهده، فأنت وكل كاتب يقظ، بل حتى مثلي في ~~قلة يقظته، كلنا نستطيع بمجرد مشاهدة الخط العربي الراهن، أن نقول إن حروفه ~~المفردة مكونة من خطوط مستقيمات طويلات أو قصيرات، ومن أقواس منحنيات، تتناسب ~~مع المستقيمات، وإن كثيرا من حروفه متشابهات، تميزها النقطات، ومواضع النقطات، ~~وأعداد ms101 النقطات. فإدخال القلقشندي وأهل الصناعة لا يزيد في وزن هذا التقدير ولا ~~ينقص منه. بل قد يظن أن الغرض منه إيهام أن الرأي تؤيده «دلائل العلم» وليس في ~~المسألة للعلم أي أثر كما ترى. # على أنك يا سيدي لو ألقيت مثل هذه النظرة على الحروف اللاتينية التي قارنت ~~بينها وبين العربية، لما وجدتها أيضا إلا مكونة من مستقيمات طويلات أو قصيرات، ~~ومن أقواس منحنيات تتناسب كل التناسب مع المستقيمات؛ فهي والعربية في الحال ~~الراهنة سائرتان على نظام واحد في التكوين. والفرق بينها وبين العربية عدم وجود ~~المتشابهات المحتاجات للنقطات المميزات. # ثالثا: ~~(1) وإذا كنت ~~أنت يا سيدي ، اعتمادا على القلقشندي أو غيره، تعتبر أن ~~التشابه مزية، وأن التفريق بالنقط مزية، ثم ترسل عبارتك في هذا الصدد موهمة ~~أنهما مزيتان مقصودتان لواضعي الخط الأولين، لتبسيط الأشكال والتخفيف منها، ~~وتعتبر كما قد أفهمه من عبارتك بطريق التخمين، أن الحروف اللاتينية أتت معقدة ~~الأشكال لفقدها هاتين المزيتين، إذا كان هذا هو رأيك واعتبارك، حتى ولو كان ~~قولك راجعا لا للواضعين الأولين من النبطيين والجاهليين، بل إلى مركز الخط ~~العربي في عهد القلقشندي أو في يوم الناس هذا، أقول إذا كان هذا رأيك واعتبارك، ~~فيفتح الله بيني وبينك. ~~(2) واسمح لي يا سيدي أن أقدم لك اعتذاري عما أقوله من أني لم أفهم إلا بطريق ~~التخمين أنك تعتبر أن الحروف اللاتينية أتت معقدة لفقدها هاتين المزيتين. عذري ~~الذي أقدمه لك هو نص عبارتك في هذا الصدد؛ فأنا أضعه أمام نظرك لتعيد أنت ~~قراءته: «إنه يظهر أنهم عنوا ببساطة الحروف فعمدوا إلى تخفيف الصور؛ لأن كثرة ~~الصور داعية لتداخل الحروف، مما يؤدي إلى التعقيد، وهو ما وقع بالحروف اللاتينية ~~التي تعقدت أشكالها وصورها، فاختلف بعضها عن بعض اختلافا بينا.» # إنه بقطع النظر عن أنك، في قولك أنت وفيما ترويه عن القلقشندي، لا تريح ~~القارئ ببيان الاسم الظاهر، بل تستعمل ضمير جمع الغائبين، الذي إذا كان ظاهر ~~عبارتكما مفهما أنه راجع إلى واضعي الخط العربي من أهل الجاهلية ms102 الأولى، فإنه ~~قد يفهم - ولو من بعيد - أنه راجع إلى مركز الخط العربي في الوقت الحاضر أو ~~في وقت القلقشندي. وهذا ضرب من التبهيم لا يجوز إتيانه ممن يحتج بالعلم ~~ودلائله؛ لأن العلم لا يحتمل التبهيم، لا من قريب ولا من بعيد، بقطع النظر عن ~~هذا، فهل تستطيع يا سيدي أن تفهمني معنى قولك: «إن كثرة الصور داعية لتداخل ~~الحروف مما يؤدي إلى التعقيد؟» أنت يا سيدي في صدد الكلام على صور الحروف ~~المفردة وأشكالها، وصدر جملتك الذي تقول فيه إنه يظهر أنهم عنوا ببساطة الحروف ~~دال حتما على أنك تعني بلفظ «الحروف»، صور الحروف، ولا تعني بها النغمات؛ لأن ~~النغمات يستحيل تبسيطها. والصور هي هي الأشكال، وهي هي الحروف على هذا المعنى ~~الذي تحدد في صدر عبارتك تلك. وإذن يكون قولك: «إن كثرة الصور داعية لتداخل ~~الحروف مما يؤدي إلى التعقيد.» يساوي بالضبط «إن كثرة الحروف داعية إلى تداخل ~~الحروف.» فاحكم أنت هل لهذا القول معنى؟ وكيف يصح في العقل أن كثرة أشكال ~~الحروف تدعو إلى تداخلها؟ وما معنى هذا التداخل؟ إن كان أحد يفهم هذا فما ~~أغباني! وأخرى، هل يدرك أحد معنى لقولك: «وهو ما وقع بالحروف اللاتينية التي ~~تعقدت صورها وأشكالها فاختلف بعضها عن بعض اختلافا بينا؟» إلام ترمي بأن ~~الحروف اللاتينية اختلف بعضها عن بعض اختلافا بينا؟ وهل اختلاف أشكال ~~الحروف الدالة على النغمات المختلفة أو على حركاتها، هو في نظرك أو نظر أي ~~إنسان عيب ونقص؟ وكيف يصح هذا في العقل؟ إذا صح فما أغباني أيضا! ثم، كيف تسمي ~~اختلاف صور الحروف تعقدا في أشكالها؟ كيف والعقل يقضي بأن الأشكال والصور إنما ~~هي رسوم وتخطيطات، إن لم يتميز بعضها عن بعض بالمغايرة بينها، اشتبهت واشتركت ~~ولم يتمحض كل منها للغرض المراد تخصيصه به؟ وإذا كانت المغايرة بين صور الحروف ~~واجبة، فلماذا تسميها «تعقدا» وتعدل عن اسمها وهو «المغايرة»؟ وما مرادك هنا ~~بكلمة «التعقد»؟ هل تعني معناها جادا؟ وهل سيدي، وهو يتقن الفرنسية - كما ~~يؤخذ من ms103 استشهاداته في مقاله المحترم - لم يحفظ حروف هجائها اللاتينية، وهي ستة ~~وعشرون لا غير، بما فيها من حروف الحركات، بل وجد اختلافها قد عقدها فعز عليه ~~حفظها؟ إني أفهم أن كلمة التعقد تستعمل لو كنا في معرض استبدال الحروف الصينية ~~أو اليابانية أو المصرية القديمة بالحروف العربية. إذن لجاز أن يقال إنها ~~جميعا معقدة؛ لكثرة الذنبات فيها والتعرجات والتلافيف وصور الحيوانات ~~والجمادات، وإن الذهن لا يحيط بتثنياتها وتعرجاتها إلا بعد المرانة وطول ~~الإجهاد. أما في اللاتينية فلا، ثم لا، ثم لا. وفوق ما أسلفت، أفلا ترى يا ~~سيدي أن بين جزءي عبارتك تناقضا واضحا؟ في جزئها الأول جعلت كثرة الصور ~~داعية إلى تداخلها. وليس للتداخل معنى - كما قد أفهم - إلا الامتزاج والاختلاط. ~~وفي جزئها الثاني جعلت التداخل داعيا إلى التعقد، والتعقد داعيا إلى اختلاف ~~الحروف اختلافا بينا، والاختلاف البين ضد بين للتداخل ~~والاختلاط. # وإذا كانت عبارة السيد كلها اضطرابا وتناقضا واستغلاقا - كما يرى - فلماذا ~~يرزؤني بها؟ أيكون سيدي وهو يعلم أن لا جد فيها قد استضعفني فهجم علي ~~بالقول المشوش إيهاما لي بأنه من «العلم» «ودلائل العلم» التي يقصر عقلي عن ~~التطاول إليها؟ لكني أقول له إني سمعت في زماني أن واجب العلماء أن يعلموا ~~الضعاف أمثالي، لا أن يستغلوا ضعفهم فيخرسوهم بسلاح الإيهام، وإلا فقد حبط عمل ~~هؤلاء العلماء عند الناس، وضاع أجرهم عند الله. ~~(3) إن العقل ليقضي - كما أقول - بوجوب اختصاص كل نغمة بحرف ذي هيكل معين يدل ~~عليه. أما الاعتماد في التمييز على مجرد النقطات فإنه من أشد الآفات. خذ أي ~~كتاب عربي مطبوع ودقق النظر قليلا تجد أن شكل النقطة الواحدة وشكل النقطتين، ~~أو شكل النقطتين وشكل الثلاث، كثيرا ما تختلط وتتشابه، إما لخطأ العامل، ~~وإما لميوعة المداد أو سخافة الورق. فتختلط في غضون الكلمات، النون بالتاء، ~~والتاء بالثاء، والفاء بالقاف، والباء بالياء. ولولا تعود القراء من أبناء ~~اللغة لتعثروا في القراءة والفهم غالب الأحيان. أما المخطوطات فأنت عليم بأن ~~العمدة فيها على فطنة أبناء اللغة ms104 من القراء؛ إذ النقطات كثيرا ما يقع الإهمال ~~في إثباتها أو في أعدادها أو مواضعها، وهي آفة يضج منها كثير من الناس. # 13 # فاللاتينية تفضل العربية من هذه الناحية بلا نزاع. وأرجو سيدي أن ~~لا يحتج بالإيجاز والاختصار؛ فإن الرسم ثوب للنغمة يقصد منه الإعلام بها. وكل ~~إعلام تعرضه للتغيير والتشويه فهو في نظر العقل من الآفات. ~~(4) ولقد حرت يا سيدي بين من يعترضون علي مستنصرين بالعلم ودلائله، ولا ~~أدري أيهم أشايع وأيا منهم أباعد. أنت يا سيدي تقول بتينك المزيتين، وبحيازة ~~الرسم العربي لهما، لكن أستاذا بكلية الآداب عندنا - استشهدت أنت - على بعض ~~نقط اعتراضك بقول له ضمن اعتراض من جانبه نشرته «الثقافة» أيضا، قد فرط منه ما ~~يدل على أنه لا يوافقك في هذا الصدد. إنك لو أعدت النظر على مقاله لوجدته يقول ~~- ما مفهومه - إن الكتابة المثلى هي ما يكون فيها لكل صوت حرف خاص يدل عليه دلالة ~~واضحة، ويروي عن دائرة المعارف البريطانية ما يؤيد قوله. فإلى أيكما أنحاز؟ ~~أإليك أم إلى أستاذنا الجامعي؟ إني لا أنحاز إلا لما يقضي به العقل. والعقل - ~~كما أسلفت - يهدي إلى وجوب الانحياز في هذه النقطة - لا إلى سيدي؛ لأن رأيه في ~~غاية الخطر - بل إلى أستاذ جامعتنا، ولكن في هذه النقطة وحدها وبخصوصها من جملة ~~ما قال. # رابعا: ~~(1) لست أنازع سيدي في أن من يقرأ بالسرعة كتابة أية لغة من اللغات؛ ~~فإن معوله الأول هو على ما ارتسم من قبل في ذهنه من الصورة الكلية لكل كلمة ~~يقرؤها، لا على كل حرف حرف من الكلمة. ولسنا محتاجين في إدراك هذا لا إلى آلة ~~التاشيستوسقوب ولا غيرها، ما دام دليل ذلك يتكرر عمليا أمامنا كل يوم. إنك ~~تقرأ خطابا من أحد الإخوان قراءة سريعة، فتفهمه ولا تلاحظ في لغته شيئا من ~~العيوب، فإذا قرأه غيرك، أو أعدت أنت قراءته بشيء من البطء، وجدتما فيه كثيرا ~~من الأغلاط. بل أكثر ما يلاحظ هذا في تصحيح المطبوعات، يقرأ المصحح التجربة ~~(البروفة) مرة ms105 فلا تقع عينه إلا على بعض ما فيها من التحريفات، مع أن المصححين ~~لا يسرعون إلا قليلا. فإن صححت التحريفات ثم قرأها ثانية عثر فيها على ~~أغلاط أخرى لم يرها في التصحيح الأول. وما ذلك إلا لأن المسرع في القراءة لا ~~يقرأ الكلمة حرفا حرفا، بل يقرؤها كصورة كلية اعتاد فهم مدلول رسمها، ~~فالمسألة في هذا لا تحتاج لا للعلم ولا لتجاريب العلماء. ~~(2) مع تقريري لهذا ألفت نظر سيدي إلى أن ما يقوله في واد ونحن في واد؛ إن ~~تلك القراءة المجموعية التي يشير إليها، هي قراءة السر في سرعة قليلة أو ~~كثيرة، لا قراءة الجهر في سرعة أو بطء. ونحن لسنا بسبيل قراءة السر، بل بسبيل ~~قراءة العلانية. موضوعنا رجل يلفظ بالعربية لفظا ذا صوت وجرس، نريد أن يكون ~~لفظه المسمع جاريا وفق أصول العربية وقواعدها؛ يرفع المرفوع، وينصب المنصوب، ~~ويجر المجرور ويجزم المجزوم ولا يلحن في شيء من هذا. أما القراءة السرية فلا ~~شأن لنا بها، وليست من موضوعنا. إن القارئين من مثقفين وغير مثقفين، جميعهم ~~يقرءون ويفهمون ما يقرءون إلا ما كان فوق طاقتهم من مسائل العلم والفن والأدب، ~~ولكن إذا كلفتهم النطق والإسماع سكنوا أواخر الكلمات وحركوا حروفها وفقا ~~للهجتهم العامية، وهي لهجة مفهمة، بل أشد في الإفهام بين الجميع من الفصيحة ~~التي لا يستطيعونها ولا تلوكها ألسنة المثقفين منهم إلا في النادر ~~القليل. # أرأيت إذن يا سيدي أنك هنا تخرج من الموضوع معتمدا على بلاغة عبارتك وما ~~تستنصره من التاشيستوسقوب ومن أقوال العلماء؟ # إن التاشيستوسقوب (أو التاكيستوسكوب) لفظ أجنبي مديد البناء، لا يدرك معناه ~~من لا يعرف إلا العربية، بل لا يدركه من يعرف الفرنسية وغيرها ولا يكون من ~~الاختصاصيين. إن قارئه من هؤلاء وهؤلاء لا يناله منه إلا الانذعار والاستهوال، ~~ولا سيما من لا يعرف غير العربية؛ لأنهم علموه أن زيادة المبنى تدل على زيادة ~~المعنى، فالشقنداف عنده أوسع معنى من الشقدف ومن الشقداف. والتاشيستوسقوب أزيد ~~من الشقنداف حروفا، فهو لا يراه إلا غولا ms106 من أضخم الغيلان. أفلم يكن في وسع ~~سيدي أن يتجاوز عن ذكره حتى لا يرعب الناس؟ ~~(3) أما ما تفيض فيه يا سيدي من أن الكتابة العربية، بما فيها من كثرة ~~الأعمدة المرتفعات عن أصل كتلة السطر، تبقى - عند الابتعاد عنها - ظاهرة ~~يتبينها النظر، بعد اختفاء الكتابة اللاتينية التي من مقاسها، فإنه - مهما ~~يكن صحيحا - لا فائدة فيه. اللهم إلا إذا أثبت لي أن دقة الحروف اللاتينية ~~واستخفاءها على النظر قد منعا أهلها من مزاولة العلم والفن والأدب، ومن بلوغهم ~~في جميعها أرقى الدرجات. وأنت لا تستطيع إثبات ذلك، فقولك إذن لا طائل من ~~ورائه. # خامسا: # تقول: كلا إن فائدة ذلك حفظ النظر من الضعف؛ فإن خمسة وثلاثين في ~~المائة من طلبة المدارس العالية بفرنسا مصابون بقصر النظر؛ لانكبابهم على مطالعة ~~كتبهم غير الواضحة الحروف. كما أن العلماء قالوا: إن عدم وضوح الحروف يصد عن ~~القراءة. هذا حاصل كلامك. فاسمع - غير مأمور - كلامي: # لئن كان الطلبة الفرنسيون أصيبوا بقصر النظر، فلا بد أن يكون أمثالهم في جميع ~~البلاد التي تكتب باللاتينية قد أصيبوا به كذلك. وأنا يا سيدي لا أرى - أنا ولا ~~غيري من المصريين - أثرا لهذا عندنا. # في مصر بنوك متعددة، وشركات كبرى كثيرة، ومدارس للأجانب، تزاول أعمالها ~~باللغات الأوروبية، وفيها كليات العلوم والهندسة والطب بفروعه جارية فيها ~~الدراسة بالإنجليزية المكتوبة بالحروف اللاتينية. ولم نحس أن عمال تلك البنوك ~~والشركات وتلاميذ تلك المدارس وطلبة تلك الكليات مصابون في نظرهم، دون غيرهم من ~~الناس، أو أكثر من غيرهم من الناس، بالقصر ولا بغيره من الآفات. كما أن الإفرنج ~~من جميع الأمم التي تكتب بالأحرف اللاتينية لم تصد تلك الحروف أنفس علمائهم ~~وأدبائهم عن الدأب في التحصيل، ولم تمنع طلبتهم بعد أن يخرجوا من مدارسهم ~~العالية، من أن ينقضوا هم وأبناء جلدتهم علينا كالبزاة والعقبان، حداد ~~المخالب، أصحاء الأحداق، ولا من أن يخوضوا غمار المعارك الدموية في البر والبحر ~~والجو، أقوياء القلوب مسلمة أعينهم وأبدانهم من العلات. أفسحر هذا؟ أم أنهم ~~من ms107 غير طينتنا البشرية؟ أم أن هذا المحذور الذي تضخم من شأنه هو أمر واه لا ~~يؤخر الأمم العاملة في شيء؟ أظنك قد لا تمانع في أن الفرض الأخير هو الصحيح، ~~وفي أن حبك للرسم العربي وامتلاء مزاجك به، هو الذي يدفعك إلى التغالي في تسويء ~~الرسم اللاتيني، وإلى القول بأنه يرمد الأعين ويصد النفوس عن التحصيل، ~~مخالفا في هذا ما أشاهده من آثاره في أهله، أنا وأنت وغيرنا من الناس. # ليت طلبتنا في الشرق يرمدون كطلبة الغرب، ونفوسنا في الشرق تنصد عن القراءة ~~كأمم الغرب، إذا كان ذلك الرمد وهذا الانصداد يحلاننا المحل الذي يتبوءه ~~الأوروبيون من العلم والفن وصحة العيون وسلامة الأبدان! # سادسا: # أما ما تنتهي إليه من القول بأن الحروف العربية أصلح الحروف لتأدية ~~ما للغتنا من النغمات، فإن بعض مدلول قولك هذا يا سيدي حق لا ريب فيه. وهو ما ~~رجع إلى النغمات الخصيصة بالعربية. وإني ما عارضت في هذا قط. # 14 # أما البعض الآخر الراجع إلى النغمات المشتركة بين العربية وبين ~~غيرها كالباء والتاء والدال والسين وما أشبهها، فإن الأحرف اللاتينية لا تقل عن ~~العربية صلاحية في تأديتها. # على أن كلامك هذا في واد وما نحن بسبيله في آخر. إن الكتابة سواء كانت ~~بالحروف العربية أو بالحروف اللاتينية، داخلا فيها من العربية ما يؤدي نغماتنا ~~الخاصة، أو من غير العربية ما قد يبتدع للدلالة على هذه النغمات الخاصة، فإن ~~رص حروف النغمات في كل هذه الأحوال غير متبوعة بحروف الحركات، أو بعلامات ~~الحركات، هو الضرر البليغ الذي نحن بسبيل الشكوى منه، ما دامت الحركات هي روح ~~العربية وملاكها، وما دام أنه بدونها لا يمكن نطق معظم حروف النغمات ولا معرفة ~~معاني الألفاظ. # عن المسألة الثالثة، بدأت بإيراد اعتراض من يقول إن الأحرف اللاتينية ~~بإدخالها صورا مستقلة للحركات (الفتح والضم والكسر) تخدم العربية خدمة تتضاءل ~~أمامها كل الانتقادات الفنية عليها؛ لأنها تجعلنا نقرأ كما نكتب ونكتب كما ~~نقرأ، وتقضي على الأمية المتفشية فينا. ثم قلت إنك لا ms108 تستخف بهذا الاعتراض، ~~ولكنك تراه محاولة خاطئة سيئة النتيجة، وأنك تستنصر لقولك هذا بالتاريخ وعلم ~~اللغات. ثم أتيت ببيان مسهب حاصله: # أولا: # أن العلماء قالوا إن اللغات السامية أساسها المصدر، ومنه تخرج ~~مشتقات للدلالة على الأفعال والأسماء. وإن هذا المصدر لا يتكون إلا ~~من حروف نغمات جوهرية # Consonnes # تؤازرها حروف المد # voyelles # وحروف العلة # semi-voyelles ~~(وتعني بها - على ما أظن - الواو والياء). # ثانيا: # أن الحركات لا يؤبه لها في هذا التكون؛ لأنها ليست حروفا، بل هي ~~وصف أو عرض للحروف. وهنا أوردت أقوال النحويين بخصوص الحركة، ~~وتضاربهم فيما إذا كانت عند النطق تسبق الحرف أو تقارنه أو تتلوه، ~~ثم أخذت في بيان توجه به تضارب النحويين. # ثالثا: # ذكرت أن أحد علماء السريان اخترع سبعة حروف للحركات وحاول ~~إدخالها في الكتابة السريانية وإذاعتها في قومه، ففشلت هذه البدعة ~~بعد موته، وأن المندعيين (الصابئين) وضعوا في رسم كتابتهم حروفا ~~للحركات، وأن عملهم هذا إذا كان لم يفشل - بل عده علماء اللغات ~~تقدما - فإنه نتج عنه عدم إمكان تمييز حروف المد من حروف الحركات، ~~فاختلطت المدات بالحركات، كما قاله العالم المستشرق نولدكه وأسف ~~له. # رابعا: # ذكرت أن إدخال حروف الحركات اللاتينية بالرسم العربي يؤدي - ~~بالزمن - إلى اعتبارها حروف مد فتفسد أقيسة اللغة وتفسد أوزان ~~الشعر. وأن التلقين لا يغني في مثل هذا الموضوع؛ لفساد القاعدة في ~~أساسها، وقابليتها لمثل هذا التشويه، وأن اللغتين السودانية ~~والتركية قد كتبتا بالأحرف اللاتينية فتشوه النطق بهما عن أصلهما، ~~كما هو ثابت من أقوال من سمعوهما في القديم وفي الحديث، وأن كل هذه ~~المحذورات لا بد أنها صارفة للمعارضين عن رأيهم. # خامسا: # تقول إنك ستوافي المعارضين بما يرضي رغبتهم في جعل الكتابة ~~العربية، تدل على الحركات في أصل الكلمة، مما ينقطع به دابر ~~الإشكال. # وإلى سيدي ردي: # أولا: ~~(1) إن علماء اللغات السامية لم يقولوا عن العربية إن أساسها ~~المصدر - كما تروي - فحسب، بل قد سمعت من معترض آخر قبل سيدي ما يفيد أنها كباقي اللغات السامية ثلاثية الأصول، ms109 بل قد حسب ذلك المعترض أننا في ~~حلقة ذكر صوفية فترقى إلى مقام شعري خيالي باطني، فروى أن بعض ~~المستشرقين قال إن هذه الثلاثية تشبه مثل أفلاطون! # ولو أن السيد اطلع على البحث الطريف الذي وضعه حضرة القس ا. س. ~~مرمرجي الدومنكي بالقدس، وبعث به لمجمعنا اللغوي من بضعة أشهر، ~~لوجد أن حضرته وهو - كما يظهر - من خيرة المشتغلين بالعربية، يقول ~~إن أصل الكلمات العربية ثنائي لا ثلاثي، وأن الرجوع لهذا الأصل ~~يهدينا إلى معاني كثير من الألفاظ التي نعتبرها اليوم من الأضداد. ~~كما أن معلما بمدارسنا قدم للمجمع بحثا يثبت فيه أن الفعل ~~الماضي - لا المصدر - هو أساس الاشتقاق. # على أن العقل المجرد - يا سيدي - لا يمنع غلبة الظن بأن الإنسان ~~الأول لم ينطق أولا بالمصادر ولا بالأفعال، بل إنه يكون شاهد في ~~الغابة أسدا أو نمرا أو ثعبانا، فصرخ ونطق بلفظ جعله اسما يدل ~~عليه. والعربي الأول والأعجمي الأول كلاهما كالإنسان الأول في ~~الطباع والأحاسيس. فتكون الأسماء إذن سابقة للمصادر وما يشتق منها ~~من الأفعال والأسماء، على خلاف ما تروي. ~~(2) ولو أن اليونانيين عقب أخذهم حروف الهجاء من الفنيقيين لم ~~يضعوا حروفا للحركات، بل استمرت كتابتهم إلى اليوم لا تشمل إلا ~~حروف نغمات بغير حروف حركات، فلربما رأيت غالب المستشرقين يقولون ~~إن اليونانية خلقها أهلها غير محتمل رسمها لحروف الحركات. # ولو أن النبطيين عند وضع رسم العربية أدرجوا هم أو الجاهليون ~~الأولون في غضون الكلمات حروفا أو زوائد خاصة للدلالة على ~~الحركات، لأخذناها عنهم قضية مسلمة، ولما خطر في بالنا ولا في ~~بال المستشرقين أن خلقتها الأولى غير محتملة لحروف الحركات. لكنهم ~~لم يضعوا، بل احتذوا حذو جيرانهم من السريانيين والصابئين الذين ~~تذكرهم. وهذا من جميعهم نقص فاحش يحاولون سده في كل الأزمان، بما ~~في الإمكان. غير أن الأقدمية والآثار السالفة والعادات المتأصلة ~~لها حكمها القوي الذي يدفع إلى الصبر على كل منقوص مع الاقتناع ~~بأنه منقوص. فأرجو سيدي أن لا يتعلق كثيرا بتقديرات المستشرفين ~~فيما هو قابل ms110 عقلا للأخذ والرد من الشئون. ولا تلمني فأنت نفسك ~~قلت فيما بعد: إن إدخال حروف للحركات في كتابة الصابئين عده ~~العلماء تقديما. ولا تعجل بالاعتراض فسترى كلامي على تلك النقطة ~~وعلى ما قيل من أن المدات في تلك اللغة اختلطت بالحركات ~~القصيرات. # ثانيا: ~~(1) أما قولك في الحركة إنه لا يؤبه لها في رسم العربية، فلا شك ~~أنه من جانبك تقرير للموجود في الواقع. أما إذا كنت تريد به عدم ~~أهمية رسمها، فإني أنكره عليك أشد الإنكار. ليكن الأصل في الكلمات ~~العربية المصادر لا الأفعال الماضية، ولتكن ثلاثية الأصول كما ~~يقولون، أو ثنائيتها كما يقول حضرة القس مرمرجي، ليكن من هذا ما ~~يكون، فإن حروف النغمات الجوهرية الصامتة # Consonnes # مهما يكن لبعضها ~~من جرس صفيري يستثمر بعض الزمن؛ كالزاي والسين والشين وغيرها، ~~فإنها جميعا يستحيل أن تفهم شيئا بدون الحركات. وليكن فيها ~~حروف المد: الألف والواو والياء؛ فإن هذه لا تؤدي لك سوى مقطع ~~مفتوح ممدود أو مضموم ممدود أو مكسور ممدود. ومثل هذه المقاطع ليست ~~هي كلمات العربية، بل قد تكون حكاية لأصوات بعض الحيوانات أو ~~الجمادات؛ فالحركات - كما قدمت - هي روح العربية وملاكها، وإذا ~~حذفتها من الرسم كان ذرب اللسان عند النطق كالأخرس سواء ~~بسواء. ~~(2) وليس في كل ما أوردته عن الحركة وسبقها للحرف أو مقارنتها ~~أو تلوها له أقل فائدة في موضوعنا، لتكن الحركة من ذلك ما ~~تكون، فإنها هي هي ذلك الشيء الذي لا يجهله أحد من القارئين، بل ~~كلهم يعرفونه بالضرورة. # كذلك لا يوصلنا لشيء ما تقوله قبل ذلك من أن الحركة صفة للحرف ~~وليست حرفا. لا يوصل؛ لأن أحدا لم يدع، ولا يمكن أن يدعي أن ~~الحركة حرف نغمة. وإذا كنت أجهدت نفسك بلا مقتض في توجيه المتضارب ~~من أقوال النحويين، كما أجهدتها أيضا في الاستشهاد هنا بمن قالوا ~~إنها عرض، وبمن قالوا إنها صفة، استنصارا وترهيبا بالعلماء ~~وأقوال العلماء في غير ما موضع لهذا الاستنصار والترهيب، فاعلم يا ~~سيدي أني قد أعرف تكميل ما ms111 أوردته منقوصا في هذا الصدد، أستطيع أن ~~أقول: إن الحركة عرض ملازم للحرف بالقوة أو بالفعل. والعرض ~~الملازم خاصة منطقية كالضحك للإنسان، والخاصة المنطقية تدخل في ~~التعريفات فيكون التعريف بها رسما لا حدا. فإذا قلت إن الحرف ~~الجوهري في الألفاظ العربية (هو نغمة من نغماتها قابلة للحركات)، ~~إذا قلت هذا، وهو صحيح كل الصحة، فقد عرفت الحرف الجوهري # Consonnes ~~، على أني قد ~~أترقى في البيان فأدعي أن الحركة جزء من ماهية الحرف، وأعرف ~~الحرف في العربية بأنه «نغمة خاصة يلفظ بها في الكلمات العربية على ~~وجه خاص.» وهنا أصبحت الحركة فصلا منطقيا وجزءا من ماهية ~~الحرف، فإذا أردت أن تدل، في ألفاظ الكلام ، على هذا الحرف العربي، ~~بالخط، وجب عليك حتما أن تجعل الهيكل الدال معينا عرضه ~~الملازم له الظاهر عليه بالفعل (على التعريف الأول)، أو الوجه ~~الخاص المنطوق به (على التعريف الثاني). على أن كل هذا الكلام من ~~جانبي ومن جانبك - خطأ كان أو صوابا - هو حشو وتزيد لا ضرورة له ~~ولا بلاغ فيه. والحقيقة الوحيدة التي ينبغي أن تكون أساسا لما نحن ~~فيه، هي أن رسم اللغات من اختراع الإنسان؛ فهو يغيره وينوعه كما ~~يشاء، لا فرق في هذا بين العربية وغيرها. وأنت إذا استبقيت الحروف ~~العربية كما هي، ووضعت لها حروفا خاصة للحركات أو زوائد خاصة ~~للحركات، أو اتخذت لها أي رسم من رسوم اللغات الأجنبية يبين ~~نغماتها وحركاتها، فإنها لا تعصيك فيما تريد من هذا. وهل التركية ~~والفارسية والجاوية والهندية عصت عندما ألزمت رسم العربية؟ أو ~~لغات أوروبا عصت عندما ألزمت رسم اليونانية؟ كل كلام في هذا ~~الموضوع ميسور الإكثار منه لكل إنسان، ولكنه لا يفيد. فأرجو أن لا ~~تسترهبني بما تسميه دلائل العلم، ولا بالإكثار من التقريرات ~~الشبيهة بتقريرات العلماء مع خروجها عن الموضوع وعدم فائدتها ~~فيه. # ثالثا: ~~(1) أما قول سيدي: «إن أحد علماء السريان وضع سبع صور للحركات ~~وأدخلها في هياكل الكلمات، ولكن عمله فشل بعد موته.» فإني لا أدري ~~كيف جعل هذا العالم ms112 شكل ما اخترعه من تلك الحروف. إنها إذا كانت، ~~بالإضافة إلى السريانية (التي لا أعرفها) من قبيل ما تقدم لمجمعنا ~~اللغوي من الاقتراحات بشأن رسم العربية - مما ترى نماذج كثير منها ~~مرسومة في آخر المطلب الثالث من هذا الكتيب - فإنه عمل كان خليقا ~~بالإخفاق والزوال. أما إن كان عمل هذا العالم جيدا متقنا مفيدا، ~~فمستحيل أن يكون سبب إخفاقه متانته وفائدته، بل يكون السبب صعوبة ~~إرضاء عواطف الناس وشهوات الناس. وعلى إمكان صحة هذا التقدير فليس ~~لسيدي أن يحتج هنا بحبوط ما يكون أتاه هذا العالم من العمل المتين ~~المفيد. ~~(2) تقول إن الصابئين وإن كانوا أدخلوا حروف الحركات في رسم ~~كتابتهم، وكان العلماء عدوا عملهم هذا تقدما، لكن العالم نولدكه ~~قال إنه أدى إلى عدم تمييز المدات من خفيف الحركات. إني أيضا لا ~~أعرف لغة الصابئين (المندعيين). وكذلك لا أعرف كيف هيئوا لها حروف ~~الحركات، لكني ألفت نظر سيدي إلى ما روى مما يفيد أن عملهم أخذ ~~قومهم به وأنهم مستمرون عليه، ومن أن العلماء اعتبروه تقدما. ~~هؤلاء العلماء لا بد أنك تعني بهم المستشرقين المشتغلين باللغات ~~السامية. وإذا لاحظت هذا علمت أن أقوال أولئك العلماء الذين ~~تستنصر بهم لتقرير أن ألفاظ اللغة العربية - وهي من اللغات السامية ~~- تأبى - بأصل رسمها، أو بأصل تكونها، أو بأصل خلقتها (كما تشاء) ~~- وضع حروف فيها للحركات، إنما هو تقرير للواقع في رسمها ليس غير. ~~وأنه لا يمنعك مانع من أن ترسم نغمات ألفاظها بأي رسم آخر تريد، ~~ولا أن تضع لها من حروف الحركات التي تناسبها ما تختار. أما ما ~~رواه السيد عن العالم نولدكه، فأغلب ظني أن نقده لا يكون آتيا إلا ~~من سوء رسم ما أدخلوه من حروف الحركات. وإنك إذا راجعت نماذج ما ~~قدم لمجمعنا من الاقتراحات لوجدت من بينها ما لو اتخذ لوقع الخلط ~~حتما بين الحركات القصيرة وبين المدات (انظر نموذج رقم 2 في [المطلب الثالث، 13]). # رابعا: # أما قول سيدي إن إدخال حروف الحركات اللاتينية في الرسم العربي ms113 ~~يئول بالزمن إلى اعتبارها حروف مد فتفسد أقيسة اللغة وأوزان الشعر، ~~وأن التلقين لا يغني؛ لأن القاعدة فاسدة الأساس ... إلخ إلخ. # قولك هذا يا سيدي من أغرب ما يكون. إن اللغات المرسومة بالحروف اللاتينية ~~متعددة، وحروف الحركات فيها كثيرة جدا، وأغلبها شائع في جميعها، كما أن ~~أغلبها يختلف توجيهه النغمة في لغة عنه في الأخريات. ونحن للآن لم نسمع ~~إنجليزيا ينطق في لغته حرف # u # أو # e # كما ينطق بهما الفرنسي أو الألماني أو ~~الطلياني، كل في لغته. ولم نر أن تعدد تلك الحروف مع تجاور ديار تلك الأمم ~~خلط لغاتها بعضها ببعض، فجعل ما ينطق به في بعضها كفتحة أو ضمة أو كسرة خفيفة ~~قد غرر بأهله، أو أعدى الجيران فنطقوا به ممدودا، فأفسدوا لغتهم وما لشعرهم ~~من الأوزان. أظن أن قول سيدي في هذا الصدد هو الفاسد، وأنه مجرد تهويل. فأرجو ~~إعفائي من مثله، ومما تقول من أن اللاتينية قد كتبت بها السودانية والتركية ~~فأفسدتهما. # إذا كان أحد كبار السودانيين قد أخبرك بهذا - كما تقول - فلا بد أنه وقفك على ~~جلية الخبر. ولا بد أنه أعلمك ما وقع وما هو واقع الآن في السودان القريب من ~~خط الاستواء في مناطق تسكنها قبائل الدنكا، والشلوك، والنوير، والنيام نيام، ~~وغيرها، وكلها قبائل همجية لا تتكلم العربية، بل لكل منها رطانته الخاصة ~~التي لا قيمة لها في الوجود. تلك القبائل قد تسلل بينها المبشرون - كما سمعت ~~أخيرا - وأرادوا ضبط رطانتهم بالكتابة ليتعلموها هم ويعلموهم كتابتها، فضبطوها ~~بالأحرف اللاتينية، فتشوه النطق بها طبعا؛ لأن هذه الأحرف وحدها لا يمكن أن ~~تؤدي النغمات الخاصة بتلك الرطانات. والقسس المبشرون أنفسهم لا يستطيعون تصريف ~~ألسنتهم بها، فهم يكتبونها بالاجتهاد. ولا يهمهم أن تتشوه أو لا تتشوه؛ لأنها ~~لا قيمة لها في ذاتها على أية حال. ولئن صح ما سمعته أنا من هذا - وقد لا يبعد ~~أن يكون صحيحا - فأين ما نحن فيه من عمل المبشرين ذاك؟ وكيف يسمح سيدي أن ~~يدخل هزل العمل في جده، ms114 فيحتج بتلك الرطانات؟ # أما التركية فأرجوك أن تسمع أهلها - لا الناقمين ولا المشردين - لتعلم كيف ~~أفادوا من تعديل رسم لغتهم أكبر الفوائد، وأن نطق لغتهم لا زال هو هو على ما ~~كان عليه. وهل كان الرجل التركي في عهد الرسم العربي يستطيع أن ينطق النغمات ~~الخاصة بالعربية؟ ألم يكن ينطق الثاء سينا، والجيم المعطشة تارة مفشوشة وأخرى ~~مكزوزة كأنها تاء وشين، وينطق الحاء هاء، والذال والضاد زايا، والطاء تاء، ~~والظاء زايا مفخمة فقط، والعين ألفا، والقاف كافا؟ فنطقهم لا زال هو هو. ~~يتحكمون بلوكتهم القومية في الحروف اللاتينية كما كانوا يتحكمون بها في ~~العربية. فدعنا من الكلام الغير المفيد. # خامسا: # إنك في صدر مقالك جعلت المسائل التي عولت على الكلام فيها أربعا، ~~وقلت إن رابعتها هي: «هل في الإمكان درك نقص الحركات دون التجاء إلى الحروف ~~اللاتينية؟» فاستبشرت أنا خيرا وقلت لنفسي: عل خروج الفصحى لبر السلامة يكون ~~وقته قد حان. لكنك لم تتناول في أقوالك التي نشرت في ثلاثة أعداد من «الثقافة» ~~آخرها الصادر في أول أغسطس سنة 1944 إلا المسائل الثلاث الأولى التي أوردت ~~فيما تقدم كلامك فيها ورددت عليه. أما المسألة الرابعة، وهي ملاذ العائذين، ~~وهدف الأهداف، وغاية الغايات، ومحط الرحال، فإنك أنزلت رحلك في الصحراء قبل ~~أن تبلغنا محلها وتمتعنا بسنا محياها. إنك حين صرت منها على كثب أمسكت عن ~~الكلام، وعللتنا بوعد مجرد لم تسم لإنجازه أجلا. قلت إنك «ستوافي المعارضين ~~بما يرضي رغبتهم في جعل الكتابة العربية تدل على الحركات في أصل الكلمة بما ~~يقطع دابر الإشكال.» حرام عليك ما أقساك! إنك بهذا حسبتنا كمونا إن فاته ~~السقي أغنته المواعيد، بل تركتنا كمن يقف به المصعد بين طبقتين، لا إلى ~~العليا وصل، ولا إلى السفلى يعرف كيف النزول. فهو خافق القلب مضطرب الحشا، ~~حتى يشاء الله فيقيض له من ينقذه. أفيكون الأمر يا سيدي أنك أجهدت نفسك في ~~كلام طويل مديد لمجرد استرهابي بالعلم والعلماء؛ حيث لا علم - كما بينته لك - ~~ولا قيمة فيما ms115 نحن فيه لما تنقل من أقوال العلماء؟ ولماذا تسترهبي بغير الحق، ~~وأنا - مع احترامي الكلي لك ولغيرك - لم يسبق لي التشرف بمعرفة شخصك الكريم، ~~ولا جرت بيننا معاملة مما يوغر الصدور ويبعث على الترهيب؟ ألعلك لا تكون أنت ~~مختارا في نشر كلامك، بل تكون ملهما فيه من بعض الأجلاء، وتكون في ذلك كبعض ~~المعترضين علي من المصريين؟! قل لملهميك إنهم مخطئون، فإني أعرف فضلهم وسمو ~~مكانتهم في أهلهم وعلو كعبهم في الآداب، ولا أكن لهم إلا كل احترام وإجلال. ~~ومهما يكن من الأمر، فإني يا سيدي باق في انتظار إنجازك وعدك. وفي اليوم الذي ~~يهديك الله إلى العثور على طريقة - غير الشكل وغير تلك الطرق التي ترى نماذجها ~~هنا - تجعل كتابة الفصحى مستوفية ما ييسر لكل فرد من أية الطبقات أن ينطق بها ~~على الوجه الصحيح، بلا لحن ولا خطأ ولا توقف أو إعمال فكر، بل كما ينطق الأجانب ~~بالمكتوب من لغاتهم، في ذلك اليوم يا سيدي تراني على الفور ممزقا اقتراحي، ~~دافنا أشلاءه في الأرض السابعة تهجينا له واستقباحا، ورافعا عملك إلى ~~السماء السابعة إكراما له وتمداحا. وكل رجائي منك أن يكون إنجاز وعدك على هذا ~~الوجه في يوم قريب. # والسلام على السيد ورحمة الله وبركاته. # | المطلب الثالث # 13 # لما اتصل بعلم الجمهور أن المجمع اللغوي يبحث في أمر تيسير الكتابة العربية، ~~قدم بعض من اهتموا بالأمر اقتراحات مشفوعة بنماذج تبين صورتها التطبيقية. ولما ~~عرضت على اللجنة المختصة أهملتها جميعا، ما عدا اقتراحا لحضرة الأستاذ علي الجارم ~~بك، فإنها استبقته ريثما يدخل عليه ما يرى من التحسين، بعد رجوعه إلى الاختصاصيين ~~في فني الرسم والطباعة. ثم انتهى الأمر بتقديمه لمؤتمر المجمع في الدورة الماضية ~~التي انفضت في آخر فبراير سنة 1944. والمؤتمر قرر إرجاء البت فيه لدورته المقبلة، ~~آملا أن يتقدم الجمهور باقتراحات أخرى فتتخير اللجنة أمثلها وتعرضها على المجلس ثم ~~عليه للتصرف. # ولقد قدم لإدارة المجمع فعلا من يناير سنة 1944 إلى أواخر مايو سنة 1944 ~~اثنان وعشرون اقتراحا، ms116 ضم إليها اقتراح من سنة 1943 لم يكن عرض على اللجنة. من ~~هذه الاقتراحات اثنان، خاص أحدهما بطريقة لنقط الحروف، والآخر بطريقة لفصلها في ~~الطباعة، فهما لا يتلاقيان مع الغرض المراد تحقيقه. أما باقي الاقتراحات فخيرها أحد ~~عشر اقتراحا تجد فيما بعد صور نماذجها. وكل تلك الاقتراحات - خيرها وشرها - رفضته ~~اللجنة رفضا باتا، ولم تر فيه ما يصلح لعرضه على مجلس المجمع أو على ~~مؤتمره. # وقد طبعنا ما طبعنا من النماذج هنا ليقوم لدى الجمهور عذر اللجنة في رفضها. وهاك ~~تلك النماذج من رقم 1 إلى رقم 11 مع أسماء حضرات مقترحيها المحترمين الذين لهم فضل ~~إنفاق ما استطاعوا من جهد ومال ابتغاء مرضاة العربية، والذين إذا غمط الناس فضلهم ~~فإن لهم عند الله أحسن الجزاء. # بعض النماذج التي وضعها أصحاب الاقتراحات المختلفة لتيسير الكتابة العربية: ~~(1) # حضرة يوسف الحطاب أفندي، بديوان المحاسبة: ~~(أ) # هاك صور الحروف الهجائية التي يقترحها: ~~(ب) # هاك تصويرة لكلمة «العقل» بحسب اقتراحه: ~~(2) # حضرة أميل إبراهيم فهوم أفندي، بكلية الحقوق: # هاك نموذج اقتراحه: ~~(3) # حضرة الأستاذ عبد المتعال الصعيدي، المدرس بكلية اللغة العربية ~~بالأزهر: # إليك نموذج اقتراحه: ~~(4) # حضرة الأستاذ خالد عبد المجيد الشباسي، المدرس بمدرسة دمنهور ~~الصناعية: # دونك نموذج آخر اقتراح له: ~~(5) # حضرة الأستاذ عبد المنعم شرارة، المدرس المنتدب بوزارة المعارف: # ها هو ذا نموذج طريقته: ~~(6) # حضرة الأستاذ سليمان محمد سليمان، المدرس بمدرسة التجارة بالجيزة: # هذا نموذج ~~اقتراحه: ~~(7) # حضرة حسين أفندي منصور، بالمجمع اللغوي: # هاك نموذج اقتراحه: ~~(8) # حضرة محمد شيت الحياوي، من الموصل بالعراق: # إليك نموذج اقتراحه: ~~(9) # حضرة الأستاذ عبد الحميد إبراهيم، بوزارة الزراعة: # دونك نموذج اقتراحه: ~~(10) # حضرة الدكتور علي شافعي المتعافي، بالمستشفى الأميري بببا: # هذا نموذج اقتراحه: ~~(11) # حضرة الأستاذ علي كنعان، مدير مصلحة مياه طرابلس - لبنان: # إليك نموذج اقتراحه: # | القسم الثاني # | اقتراح اتخاذ الحروف اللاتينية لرسم الكتابة العربية # [قدمه حضرة صاحب المعالي عبد العزيز فهمي باشا، عضو المجمع إلى المؤتمر في جلستي 24 ~~و31 يناير سنة 1944] # 1 # كلمة أولى # لا شك عندي أن حضرات المستشرقين، من بريطانيين ms117 وفرنسيين وإيطاليين وألمان ~~وأمريكيين، يعجبون منا نحن الضعاف الذين يطأطئون كواهلهم أمام تمثال اللغة، لحمل ~~أوزار ألف وخمسمائة سنة مضت. إنهم رجال عظماء انقطعوا للعلم والبحث في اللغات ~~الشرقية القديمة - بائدها وقائمها - لا لأنهم يريدون أن يستعملوا لغتنا العربية أو ~~غيرها من تلك اللغات الشرقية فيما بينهم، أو اتخاذها وسيلة للتفاهم بين أقوامهم، بل ~~لأنهم في الحقيقة مؤرخون، مهمتهم النبش في الحفريات اللغوية القديمة، فهم ينبشون ~~آثار الفراعنة لتعرف لغتهم الهيروجليفية، وينبشون آثار الأشوريين والكلدانيين ~~واليمنيين، كيما يعثروا على نص منقوش في الحجارة، يستدلون منه على لغة كل قوم. ثم ~~هم يقارنون ويضاهئون كيما يخرجوا من المقارنة ومضاهأة القديم بالقديم، وتطبيق ~~القديم والحاضر بعضهما على بعض، بنتيجة يقررونها تفيد الناس العلم بماضي كل لغة ~~وما طرأ عليها من التطور حتى وصلت إلى أهلها في عهدهم الحاضر، كما تفيد غالبا ~~العلم بما طرأ على كل أمة من ناحية رقي حضارتها وتدهورها. وللمستشرقين لذة خاصة في ~~هذا النبش والبحث والاستقصاء، لكن عملهم هذا شيء وإمساك أية لغة بخناق أهلها دهرا ~~طويلا شيء آخر. # حياة اللغات وتطورها # كلنا أصبح يعلم علما ضروريا أن اللغة كائن كالكائنات الحية، ينمو ويهرم ~~ويموت، مخلفا من بعده ذرية لغوية متشعبة الأفراد، هي أيضا في تطور مستمر. ولم ~~يستطع قوم للآن أن يغالبوا هذه الظاهرة الطبيعية؛ فإن التطور يكبح شراسة من ~~غالبه. # كان قدماء المصريين أعز أمة، فذهبت ريحهم وذهبت معهم لغتهم، وربما خلفها في ~~اللغة القبطية - التي ماتت هي الأخرى إلا في بطون الأوراق - لهجة بعيدة عنها بعدا ~~شاسعا، ولم يستطع أحد من سلالة المصريين القدماء أن يخلد لغة هؤلاء ~~الأجداد. # وكانت اليونانية القديمة لغة شعر وحكمة، فلما اشتد التبلبل في ألسنة أهلها اضطروا ~~- على الرغم منهم - أن يتخذوا من عاميتهم لهجة جعلوا لها قواعد نحو وصرف، وهي التي ~~يتكلمونها ويكتبون بها اليوم. # وكانت اللاتينية لغة الإمبراطورية الرومانية، فأتى عليها التطور، فاشتقت منها ~~الإيطالية والفرنسية والإسبانية وغيرها، وأصبح لكل لغة منها قواعدها الخاصة. # وقل مثل هذا عن ms118 الألمانية القديمة وما تفرع منها. # وكل لغة من تلك اللغات الذراري هي كل يوم في تطور، غير أن العلماء يراقبون هذا ~~التطور ويجارون الناس على ما آلت إليه اللغة في بيئتهم، حتى يوحدوا بين لغة ~~الكلام ولغة الكتابة جهد الاستطاعة. # اللغة العربية # لكن حال اللغة العربية حال غريبة، بل أغرب من الغريبة؛ لأنها مع سريان التطور في مفاصلها وتحتيتها في عدة بلاد من آسية وأفريقية إلى لهجات لا يعلم ~~عددها إلا الله، لم يدر بخلد أية سلطة في أي بلد من تلك البلاد المنفصلة سياسيا ~~أن يجعل من لهجة أهله لغة قائمة بذاتها، لها نحوها وصرفها، وتكون هي المستعملة في ~~الكلام الملفوظ، وفي الكتابة معا؛ تيسيرا على الناس، كما فعل الفرنسيون ~~والإيطاليون والإسبان، أو كما فعل اليونان. لم يعالج أي بلد هذا التيسير، وبقي أهل ~~اللغة العربية من أتعس خلق الله في الحياة. # إن أهل اللغة العربية مستكرهون على أن تكون العربية الفصحى هي لغة الكتابة ~~عند الجميع، وأن يجعلوا على قلوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا، وأن يردعوا عقولهم عن ~~التأثر بقانون التطور الحتمي الآخذ مجراه بالضرورة - رغم أنوفهم - في لهجات ~~الجماهير، تلك اللهجات التي تتفرع فروعا لا حد لها ولا حصر، والتي تتسع كل يوم ~~مسافة الخلف بينها وبين الفصيحة جدة جداتها اتساعا بعيدا. # هذا الاستكراه الذي يوجب على الناس تعلم العربية الفصحى كيما تصح قراءتهم ~~وكتابتهم، هو في ذاته محنة حائقة بأهل العربية، إنه طغيان وبغي؛ لأنه تكليف للناس ~~بما فوق طاقتهم. # ولقد كنا نصبر على هذه المحنة لو أن تلك العربية الفصحى كانت سهلة المنال كبعض ~~اللغات الأجنبية الحية، لكن تناولها من أشق ما يكون، وكلنا مؤمن بهذا، ولكن ~~الذكرى تنفع المؤمنين، فلنذكر ببعض هذه المشقة: # بعض صعوبات العربية ~~(أ) # إن الأفعال فيها مجرد ومزيد، ولئن كان المزيد سهل التصريف، فإن المجرد وهو ~~الثلاثي له ستة أوزان، وليس في أي فعل منها علامة مميزة تدل على الوزن التابع هو ~~له، وليس لهذا التمييز من دلالات سوى قواعد ms119 معقدة لا تسمن في غالب الأحيان ولا ~~تغني؛ ففعل «ظفر» مثلا لا يعرف القارئ إن كان ماضيه مكسور العين أو مفتوحها أو ~~مضمومها، ولا إن كان مضارعه مفتوح العين أو مكسورها أو مضمومها، بل عليه أن ينجم ~~ويخمن، أو يرجع لمعاجم اللغة. ومثل «ظفر» عدد كثير من الأفعال الثلاثية. ~~(ب) # إن الفعل الثلاثي الواحد قد يتبع أوزانا مختلفة، فيكون في الماضي مفتوح ~~العين أو مكسورها مثل بقى بقي، ويكون مضمومها أو مكسورها مثل بعد وبعد، بهت ~~وبهت، بل يكون صحيحا بالحركات الثلاث مثل بغض وبغض وبغض؛ أي صار بغيضا، ومثل ~~أنس وأنس وأنس، ضد توحش. وقد يكون الفعل مفتوح العين في الماضي مكسورها أو ~~مضمومها في المضارع، مثل بطش يبطش أو يبطش بكسر الطاء أو ضمها ، وقد يكون مكسور ~~عين المضارع أو مفتوحها مثل بات يبات ويبيت. وفي هذا التغاير في الماضي أو المضارع ~~في الفعل الواحد بعينه منتهى الحرج. وهو حرج يدعو ابن اللغة - وبالأولى دعيها - ~~أن يفر منها راضيا من الغنيمة بالإياب. ~~(ج) # أثقل من هذا أن الفعل الواحد له جملة مصادر، مما لا شبيه له في أية لغة من ~~لغات الخلق، وهذا وقر آخر يقصم ظهر متعلم العربية، فمثلا «بات» و«بغى» لأولهما ~~ثلاثة مصادر: بيتا وبياتا وبيتوتة، ولثانيهما خمسة: بغاء، بغيا، بغى، بغية، ~~بغية، وذلك عدا المصدرين الميميين للأول «مباتا» أو «مبيتا»، والمصدر الميمي ~~«مبغى» للثاني. بل يجوز أن يكون للفعل الواحد تسعة مصادر؛ مثل فعل لبث، فإن مصادره: ~~لبثا، لبثا، لبثا، لباثا، لباثا، لباثة، لباثة، لبثانا، لبيثة، ~~عدا المصدر الميمي «ملبث». ~~(د) # إن الأفعال فوق كونها تبنى للمعلوم أو للمجهول، فإن فيها الصحيح وفيها ~~المعتل، ونظرية الإعلال والإبدال من أشق ما يكون في العربية. ~~(ه) # إنه بقطع النظر عن الحروف وعن الأفعال، فإن الأسماء منها معرب ومبني. وإذا ~~كان المبني من الأسماء عددا ضئيلا لا صعوبة فيه فإن المعرب يكاد يشمل كل مفردات ~~اللغة (فوق المصادر وما اشتق منها من الصفات ونحوها)، وهذا المعرب تتغير أواخر ms120 ~~كلماته بتغير العوامل الداخلة عليها. وهي صعوبة لا توجد في معظم اللغات ~~الحية. ~~(و) # فوق هذا فإن الأسماء منها المصروف ومنها الممنوع من الصرف، ومنها ما هو مقصور ~~أو منقوص، ولكل طريقة إعراب خاصة. ~~(ز) # وأثقل من هذا أن الجموع متعددة في العربية؛ فمن جمع مذكر سالم إلى ملحق به، ~~إلى جمع مؤنث سالم إلى ملحق به، إلى جمع تكسير للقلة، إلى جمع للكثرة، إلى جمع جمع. ~~ولئن كان الخطب في جمعي المذكر والمؤنث السالمين هينا، فإن جمع التكسير متعدد ~~الصيغ، ومتعدد للكلمة الواحدة؛ بحيث إن دراسته لا وقاية لرأس الإنسان فيها من ~~الدوار. ~~(ح) # إن أسماء المعاني والذوات يتشكل اللفظ الواحد منها جملة أشكال، فمثلا كلمة ~~آلاء (أي نعم) كالوارد في القرآن الشريف # فبأي آلاء ربكما تكذبان # مفردها إلى، إلى، ألى. ولو سألت أي متعلم عنها - ممن عدا ~~الاختصاصيين - لما عرف لهذا الجمع مفردا، بله أن يعرف أن مفرده متعدد على تلك ~~الصور. وأنثى الأسد - مثلا - هي: لبأة، لباءة، لبؤة، لبوة، لبوة، ~~لبوة، لبة، لباة، لب. فهذه تسعة أسماء من أصل واحد لحيوان بعينه. ودراسة ~~هذه التغيرات مصيبة على المتعلم، بل إن كلمة «اسم» قال بعضهم إن فيها عشر لغات: ~~اسم، سم، سما، كل منها مثلثة الأول، فهذه تسع، ثم سماة تكملها عشرا. لكن البعض ~~لم يقنع فجعلها ثماني عشرة لغة، منها العشر المذكورة وتضاف إليها ثمان أخرى. # تلك الأشواك والعقبات، وهذا التعدد، تريك الواقع من أن هذه اللغة العربية ليست ~~لغة واحدة لقوم بعينهم، بل إنها مجموع كل لهجات الأعراب البادين في جزيرة العرب من ~~أكثر من ألف وأربعمائة سنة، جمعها علماء اللغة وأودعوها المعاجم، وجعلوها حجة على كل ~~من يريد الانتساب للغة العربية، ولا يعلم إلا الله كم لهجة كانت! أفليس من الظلم ~~البين إلزام المصريين وغير المصريين من متكلمي اللهجات العربية الحديثة بمعالجة ~~التعرف بتلك اللهجات القديمة التي ماج بعضها في بعض فانعجنت، ولو فرض المستحيل ~~وأمكن عزل أية واحدة منها، لكانت دراستها - بسبب قدمها - أشق ms121 من تعلم عدة لغات ~~أجنبية حية، كل منها يعين الإنسان في عمره القصير على مسايرة العالم في هذه الحياة ~~الدنيا؟ # في كل سنة نسمع صيحة مدوية يصخ البعض بها معلمي العربية بالمدارس، متهما ~~إياهم بالقصور أو التقصير في تلقين التلاميذ. والحق الذي لا مرية فيه أن هؤلاء ~~المعلمين المساكين برآء من هذه التهمة براءة الذئب من دم ابن يعقوب، فإن العيب إنما ~~هو عيب اللغة التي ليس لها في مفرداتها وقواعدها أول يعرف ولا آخر يوصف، والتي لها ~~في الأداء جرس ولوكة لسان يضربان صماخ أذن الطفل لبعد ما بينهما وبين لهجة أمه، ~~فينفر منها ومن المعلم نفور الطير روعته، والظبي باغته. # جرب في بيتك أن تخاطب أحد الأطفال باسم الإشارة «هذا» بدل «ده» فإنه لا يفهمك، بل ~~يظنك قد طاف بعقلك مس من الجنون، فأصبحت تهذي وتتعوج في الكلام، ثم تراه ولى ~~مدبرا يحاول تقليدك لمضاحكة أمه، وسائر من يلقى من الأطفال، بهذيانك! # هذا الطفل إذا وكلته إلى معلم، فكم من الزمن يلزمه بين محايلة ومخايلة، ومحاسنة ~~ومخاشنة، ومعاسرة ومياسرة، حتى يعود حنجرته ولسانه صحة الأداء؟ وكم يلزمه من ~~الزمن حتى يعرفه أنواع الفعل وتصاريفه ومشتقاته؟ وكم يلزمه حتى يعلمه مرفوعات ~~الأسماء ومنصوباتها، ويعرفه فعل التعجب وأفعال المدح والذم وأفعال المقاربة، وغير ~~هذا مما يطول شرحه ولا ينتهي امتداده؟ كل هذا فوق ما يلزمه من الزمن لتحفيظه كثيرا ~~من مفردات اللغة التي تعين على الإنشاء إعانة لا تقوم بها مفردات لهجة التلميذ ~~العامية؟ وبعد هذا لا تزال تلك الصيحة الظالمة تخرق كل سنة صماخ آذان المعلمين ~~المساكين؟! مع أن أولئك الصائحين يعلمون هم وغيرهم أن الإنسان يدرس هذه العربية ~~الفصحى ويمارسها حتى يبلغ أرذل العمر، وإذا حاسبته لم تجده حصل منها شيئا ~~مذكورا، إلا من أعان ربك، وقليل ما هم. # تبرؤ وشكوى # لعل البعض يتساءل: ما بال هذا الرجل ينحي هكذا باللائمة على العربية ويصعب ~~من أمرها؟ ألعله يريد نبذها والاستعاضة عنها بلغة أجنبية من اللغات الحية؟ حاش لله! ms122 ~~وبعدا لهذا الظن البليد كما بعدت ثمود! وشقحا له، وحجرا محجورا! # إن حصاني الأعرج ليغنيني عن سيارة جاري، وناقتي البازل المسنة لأحب إلي من ~~طائرته وأهدى سبيلا. # إنما هي نفثة مصدور اعتاد رؤية حصانه وناقته فأغرم بهما، والعادة محكمة، وهي ~~من أمهات الغرائز. اعتدت ممارسة العربية وهي حصاني وناقتي، فتعرفت فيها جمالا ~~رائعا مستورا تحت تلك الأشواك والعقبات الجسام، فهي شهد دونه إبر النحل. وهذه ~~العربية إذا كانت نهكتها كثرة النسل فإنها أيضا نهكتها كمثلي كثرة الأدواء. ~~كلانا مريض، وكل مريض للمريض نسيب. كلانا يشكو حاله، ولعل أصدق ما يعبر عن شكواها ~~قول عنترة: # فارتاع من وقع القنا بلبانه # وشكا إلي بعبرة ~~وتحمحم # لو كان يدري ما المحاورة اشتكى # ولكان لو علم ~~الكلام مكلمي # ولعل أصدق ما يعبر عن وقوع المكروه بنا معا - حتى كدنا مع شدة الإلف نفترق - ~~قول الأعرابي: # هوى ناقتي خلفي وقدامي الهوى # وإني وإياها ~~لمختلفان # ولئن كنت استوفيت معظم العمر، وأصبحت - كسنة الله - على وشك إجابة داعي الحق، فإنه ~~ليحزنني أن أترك تلك الحسناء الأبية الحيية التي تواري جمالها في أقصى زاوية ~~معتمة من خدرها، متلففة في أثخن الأبراد - ليحزنني مفارقتها يرثها أهلي وأهل العربية ~~على ما بها من الضعف والانزواء. وأخشى ما أخشاه أن يمل من بعدنا طول مرضها وتحجبها ~~واستعصائها، فيملكهم القنوط فيهملوها ويعتاضوا عنها لغة أجنبية من اللغات الحية ~~التي يعمل ذووها على نشرها في الشرق جهد استطاعتهم، لأسباب لا تخفى على أي بصير. ~~أخشى هذا، وأخشى أن تموت عربيتنا الحسناء، وألا يدركها هذا المجمع ولا عشرون ~~مجمعا من مثله. # الرسم أهم أسباب مرض العربية # لئن كان قانون التطور وصعوبة الأوضاع والقواعد هما وحدهما اللذان رانا على ~~جمال العربية فباعدا بينها وبين أهلها وطلابها، وأنهما وحدهما هما اللذان يعملان في ~~هدم كيانها، فإنها - مع الأسف الشديد - تكون آيلة للزوال لا محالة، على الرغم مما ~~فيها من قوة الحيوية الذاتية؛ إذ هذه الحيوية لن تستطيع مغالبة قانون التطور وصعوبة ~~الأوضاع والقواعد إلا إلى حين. ms123 # لكن الواقع - لحسن الحظ - أن السبب الحقيقي الذي هو الفاعل الأول في مرض هذه ~~اللغة الجميلة وانزوائها في كسر بيتها، إنما هو استبداد أهلها وإكراههم إياها على ~~الظهور في ثوب غير مقيس عليها، وصورة مبهمة مشكلة لا تجلي من جمالها شيئا؛ ~~أريد رسم كتابتها. # إن رسم الكتابة العربية هو الكارثة الحائقة بنا في لغتنا، إنه أكبر عون ~~لقانون التطور، وللإحساس بما فيها من الصعوبات، وللالتفات عما يزينها من ~~جمال. # إنه رسم لا يتيسر معه قراءتها قراءة مسترسلة مضبوطة حتى لخير المتعلمين؛ وذلك ~~لخلوه من حروف الحركات. # لقد عالج أسلافنا الاستعاضة عن حروف الحركات بالشكلات، للفتح والضم والكسر ~~والسكون والمد والشد والتنوين، ولكن ظهر في العمل أن هذه الوسيلة لا فائدة فيها، بل ~~هي مجلبة لكثير من الأضرار؛ لأن الشكلة المنفصلة عن الحرف كثيرا ما تقع على حرف ~~قبله أو بعده؛ لعدم ضبط يد الكاتب الأصلي أو الناسخ أو الطابع، فيرتبك الفهم للخطأ ~~في استعمال وسيلة النطق الصحيح. ولذلك جرى الناس في الكتابة العادية، وفي الصحف وكتب ~~الأدب، وكافة الأعمال بالدوائر الحكومية على إهمال الشكل، فأصبح لا يوجد في غير ~~القرآن الكريم ومعاجم اللغة إلا نادرا. # وأنت عليم بأن عدم وجود علامات الحركات ولا حروف الحركات يجعل الكلمة مركبة ~~من حروف أصوات جوهرية، لا تعرف حركاتها بادئ الرأي فيصحفها القارئ غير المتمرن، على ~~جميع أوضاع الحركات التي تحتملها الحروف. أما المتمرن فإنه يعرض نفسه لحلول عينيه؛ ~~إذ هو لا يقع بصره على الكلمة إلا وهو يجيله فيما بعدها من الكلمات حتى يعرف معنى ~~تلك الكلمة، أهي اسم أو حرف أو فعل، وما وظيفتها في الجملة، وماذا تستحقه من البناء ~~أو حركات الإعراب. # وهذه المشقة تحملني على الاعتقاد بأن اللغة العربية من أسباب تأخر الشرقيين؛ لأن ~~قواعدها عسيرة، ورسمها مضلل. فمن تحدث في نفسه فكرة مفيدة للناس ويحب نشرها فيهم ~~بالكتابة أو الخطابة، يأخذه خوف انتقاد عبارته فيكتم فكرته في نفسه ويميتها، أو هو ~~ينشرها بلغة من اللغات الأجنبية التي أصبحت عند ms124 كثير من الشرقيين أيسر عليهم من ~~لغتهم العربية. # إنا - أعضاء هذا المؤتمر وكثيرا من أمثالنا، أو ممن يفوقوننا - قد لا نحس ~~بسخف هذا الرسم لتعودنا إياه، ولكن اكتب لرجل من الإنجليز حرفي # H ~~S # وكلفه نطق الكلمة التي قد يشخصانها، فإنه يقول لك إنهما لا ~~يشخصان شيئا، بل قد يكونان من رموز علم الجبر أو علم الكيمياء. فإن استدرجته ~~ورجوته أن يفكر فيما يدلان عليه من المعنى لو أضيف إليهما بعض حروف الحركات، ~~فخمن ثم قال لك إنهما يمثلان كلمة # Has ~~، فإن قلت ~~له كلا، ففكر ثم قال لك لعلها كلمة # His ~~، فإن ~~قلت له كلا، إنهما يشخصان كلمة # House ~~، فهذا ~~الإنجليزي إن كان مؤدبا ولاك ظهره استحماقا لك وانصرف صامتا، وإن كان غير مؤدب ~~- وهذا نادر - قال لك # God damn ~~، وربما ناولك ضربة ~~على فيك بجمع يده # Box ~~. ومثل الإنجليزي الأمريكاني ~~والفرنساوي والألماني وغيرهم من الأمم التي تستعمل حروف الحركة في كتابة ~~لغتها. # لكن مصر وبابل هما موطن السحر القديم، ومهبط هاروت وماروت، وهما وكل الشرق موطن ~~الإلهام والإشراقات الباطنية! # ولقد يخيل إلي أن سلفنا - من طالح قبل الإسلام، وصالح من بعده - قد اعتمد ~~على هاتين الخصيصتين، فأرسل رسم الكتابة العربية هكذا طلاسم مستغلقة مبهمة، واكلا ~~أمر الناس في فكها إلى السحر، وما ينقذف في القلوب من الإلهامات والإشراقات. وإلا ~~فقل لي بربك: إذا كنت أوشكت مع الإنجليزي الثاني أن تتقاتلا وترفعا أمركما إلى ~~الشرطة وإلى القضاء، أفلا تجد أن أمثال # hs # متكرر ~~أمامك في كل لحظة، وبدل أن تتقاتل أنت وغيرك فإنك تقاتل نفسك وتضنيها؟! # خذ أبسط كلمة مثل «قد»، إنها تصور لك حرف التحقيق، وتصور لك قامة الإنسان ~~«قد»، وتصور لك فعلا ماضيا «قد» بمعنى قطع، وماضيا مبنيا للمجهول ~~«قد» أي قطع، وفعل أمر بمعنى اقطع «قد»، وهي صيغة مشتركة في النطق مع المبني ~~للمجهول، وفعل أمر آخر «قد». ولا أدري كم مدلولا آخر تصوره أو لا ~~تصوره! # ألا إن المشاهدات دالة على أن جميع الأمم التي ms125 تستعمل حروف الحركة في ~~كتابتها هي الأمم الراقية علميا وصناعيا، هم أهل أوروبا وأمريكا إطلاقا. لا ~~تحتج باليابان؛ فإنهم في علمهم وصناعتهم لم يقتصروا على لغتهم المزعنفة الرسم ~~الكتابي، بل إني سمعت أنهم من زمن مديد أنشئوا في بلادهم عدة جامعات تدرس ~~بالإنجليزية على النظام الإنجليزي، وبالألمانية على النظام النمساوي. فعلماؤهم ~~وطلبتهم الجامعيون الكثيرون يعرفون الإنجليزية والألمانية، وقد يعرفون غيرهما من ~~لغات أوروبا. # أما الأمم التي لا حروف حركات عندها كالصين وإيران والترك (قبل الآن) والعرب، ~~فكلها من الأمم المتأخرة علميا وصناعيا. ولا تستشكل بالإسرائيليين، ولغتهم ~~العبرانية هي كالعربية، لا حروف حركات فيها، لا تستشكل فإن الإسرائيليين متفرقون ~~في كل البلاد الراقية، عارفون بلغاتها! فهم قوم عالميون. وإني وإن كنت لا أعرف ~~شيئا في العبرانية إلا أني سألت سيادة الحاخام الأكبر الموجود بيننا بالمجمع ، ~~فعلمت منه أمرين: «أولهما» أن حروف كل كلمة تكتب منفصلة لا متصلا بعضها ببعض. ~~و«ثانيهما» أن أواخر الكلمات تلزم دائما حالة واحدة ولا تتغير بتغير العوامل ~~الداخلة عليها. وهما أمران في غاية الأهمية؛ لأن أولهما يوحد شكل الحروف ويمنع ~~اللبس الناشئ عن التصاقها. وثانيهما - على الأخص - يعفي أهل تلك اللغة من مصيبة ~~الإعراب وضرورة تغيير الحرف الأخير من الكلمة تبعا لوظيفتها في الكلام. # وجوب تغيير رسم الكتابة العربية # إذن فأول واجب على أهل اللغة العربية هو أن يبحثوا عن الطريقة التي تيسر لهم ~~كتابة هذه اللغة على وجه لا تحتمل فيه الكلمة إلا صورة واحدة من صور الأداء. ولقد ~~علمت أن تشكيل الكلمات ضار، فلا بد من التفكر في طريقة أخرى تؤدي هذا ~~المراد. # خطر بفكر أحد زملائنا أن يعالج المسألة لا من جهة الرسم، بل من جهة الإعراب؛ ~~وذلك بحذف حركاته وتسكين أواخر الكلمات. وكان من السهل إجابته إلى فكرته؛ لأن ~~موضوعها ليس غريبا عن أصل العربية، بل هو يوافق بعض لهجاتها القديمة. وقد قرئت ~~آية: # ويضيق صدري ولا ينطلق لساني # مثلا، من القرآن الشريف هكذا: ~~«ويضيق صدري ولا ينطلق لساني» بتسكين القاف في الكلمتين، ms126 غير أن الذي يمنع قبول ~~هذه الفكرة أنها إذا تحققت عملا أخلت إخلالا كليا بكل ما وصل إلينا من شعر ~~الجاهلية وشعر المسلمين وغير المسلمين إلى اليوم؛ لأنك إذا فكرت مثلا في تسكين ~~كلمات البيت الأول من بيتي عنترة السابقين، وجعلته «فارتاع من وقع القنا بلبانه، ~~وشكا إلي بعبرة وتحمحم» لأخللت بوزنه حتما وصيرته كلاما منثورا عاديا لا ~~رونق له ولا روعة. ومن جهة أخرى فإن هذا العلاج إذا كان يزيل صعوبة الإعراب، فإنه ~~لا يفيد شيئا في الصعوبة الآتية من تغير الصيغ والصور للكلمة الواحدة. فقد رأيت ~~أن لفظ «قد» له صور مختلفة، ومهما سكنت آخره فلا يفيدك ذلك شيئا في بيان تلك الصور ~~المختلفة وفهم مدلولها، وأظن أن حضرة الفاضل صاحب الفكرة لاحظ ما عليها من هذه ~~الاعتراضات فلم يقدم بها اقتراحا للمجمع. # إن مجلس المجمع - لآخر مرة - أحال على لجنة الأصول اقتراحا قدم له خاصا ~~بتيسير كتابة العربية، وتلك اللجنة ندبت من بينها من يفحصون هذا الاقتراح، فاشتغل ~~حضرة زميلنا الأستاذ علي بك الجارم بهذا الموضوع شغلا متواصلا يستحق كل حمد ~~وثناء، ثم قدم للجنة تقريرا، أساس الفكرة فيه استبقاء رسم الكلمات العربية كما هو ~~بحروفه المعروفة، وأن تكمل الحروف ذاتها في الكلمة التي هي منها بزوائد تدل على ~~الكسر والضم والسكون والتنوين البسيط، وأن يلصق بالشدة المنونة حركاتها الثلاث، ~~على أن كل حرف لا تزاد فيه علامة يعتبر مفتوحا، وفي التقرير استثناءات لبعض ~~الأحوال. # اطلعت اللجنة على هذا التقرير فقدمت لها ملاحظاتي عليه شفهيا، ثم بالكتابة. ~~كما قدم حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ إبراهيم حمروش ملاحظاته عليه كتابة. ومجمل هذه ~~الملاحظات أن الرسم الذي فكر فيه الأستاذ الجارم بك يزعنف الرسم الحالي ويزيده ~~ارتباكا، ويوقع في اللبس متى قورن ببعض طرق الكتابة الحالية. وأنه من الصعب تعويد ~~التلاميذ إياه؛ لأنه فضلا عن ارتباكه، فإن من قواعده ما يتوقف على معرفة بعض قواعد ~~الصرف ابتداء. وقد وعد الأستاذ بأن يدرس تلك الملاحظات مع بعض الاختصاصيين في فن ~~الطباعة ms127 ويبدي للجنة رأيه الأخير، وكان ذلك قبيل عقد المؤتمر فلم يسعه تقديم ~~تقريره طبعا. # 2 # على أنه لا محل لدرس هذه الملاحظات مع اختصاصيين أو غير اختصاصيين، فإن الناس في ~~كتابتهم يستعملون الخط الرقعي عادة، على اختلاف بينهم في الجودة والقبح، وهذه ~~المخطوطات الرقعية لا بد - طبعا - أن تتمشى عليها القواعد الجديدة، فلا يفيدهم عمل ~~الاختصاصي في الطباعة فائدة ما. # لقد فكرت في هذا الموضوع من زمن طويل، فلم يهدني التفكير إلا إلى طريقة ~~واحدة؛ هي اتخاذ الحروف اللاتينية وما فيها من حروف الحركات بدل حروفنا العربية كما ~~فعلت تركيا. # أخطر هذا في بالي أني عقب أن أمر المرحوم مصطفى كمال باستبدال الحروف اللاتينية ~~بالحروف العربية التي كانت مستعملة في كتابة اللغة التركية، لاقيت أحد نظار المدارس ~~الابتدائية بالأناضول، فسألته عما يكون أحدثه هذا الانقلاب في التعليم عندهم، ~~فأخبرني أن اتخاذ الحروف اللاتينية وما فيها من حروف الحركات قد امتعض منه الأهالي ~~في بادئ الأمر، ومنعوا أطفالهم من الذهاب إلى المدارس، فتلطف الأساتذة بهم مبينين ~~لهم مزية هذا المشروع، ثم تدخلت الحكومة وابتدأ تعليم الأطفال اللغة مرسومة كلماتها ~~بتلك الحروف، فكانت دهشة الأساتذة ودهشة الأهالي كبيرة؛ إذ وصل الطفل في شهرين أو ~~ثلاثة إلى قراءة أي متن مكتوب بها قراءة صحيحة، وإن كان لا يفهم بعض المتون لأنها ~~علمية أو فنية، لما ينضج عقله لإدراك معناها. وذلك من بعد أن كان الطفل عندهم ~~يستغرق سنين في قراءة التركية مكتوبة بالحروف العربية ويصحفها بكل ضروب التصحيف على ~~مثال ما هو حاصل عند أهل العربية من أطفال ورجال. # بقيت هذه الفكرة تشغل بالي إلى أن عرض - من نحو شهرين - أمر تيسير الكتابة ~~على لجنة الأصول بالمجمع، وإذ كنت من أعضائها فقد أحببت أن أعرف ماذا عسى أن تكون ~~تجربة تركيا في الست عشرة سنة الماضية، قد أظهرت من مساوئ هذه الطريقة أو من ~~محاسنها؛ لأن النظر شيء والتجربة شيء آخر. فعمدت إلى المفوضية التركية، وهي آمن ~~مورد يستقى منه الخبر، عمدت إليها ms128 على غير سابق معرفة بأحد فيها، فأنست بلقاء ~~سعادة الوزير وحضرة السكرتير الأول واستطلعت طلعهما معا، فقال سعادة الوزير بحضور ~~السكرتير ما حاصله: «أن طريقة الرسم الجديد قد أفادت أهل تركيا فائدة عظمى؛ إذ أصبح ~~الطفل بعد قليل جدا من الزمن يستطيع قراءة أي كتاب قراءة صحيحة لا تحريف فيها وإن ~~لم يفهمه. وأنه بفضل هذا الانقلاب قد زالت الأمية في تركيا تماما، أو كادت. وغاية ~~الأمر أن الكتابة بالحروف العربية كانت كتابة اختزالية فيها اقتصاد في العمل وفي ~~الوقت، أما الكتابة الجديدة فإنها، بسبب حروف الحركات وأشكال الحروف الأخرى، تستغرق ~~عملا أكثر ووقتا أزيد.» ثم قال: «إن الضرر الحقيقي الذي شاهدناه هو أن الطريقة ~~الجديدة قطعت الصلة بين الجيل الجديد وبين مخلفات السلف في العلوم والآداب ~~والفنون.» # فقلت لسعادته أولا: «إن الطريقة التي أزالت الأمية في تركيا أو كادت، لا أهمية ~~ألبتة لأن يكون فيها شيء من بطء في العمل أو تراخ في الوقت.» فأمن على ~~قولي. # والواقع في هذا الصدد أن الأمور بمقاصدها، وأن كل تدقيق أو إتقان يستلزم ~~بالبداهة العقلية من المدقق ومن المتقن عملا أزيد ووقتا أطول؛ فإن العالم المدقق ~~والصانع المتقن يشتغل كلاهما أكثر من غير المدقق ومن غير المتقن، ويستغرق كلاهما ~~زمنا أطول. ولا يستطيع أحد أن يزعم أن في التدقيق والإتقان محلا للملاحظة، لمجرد ~~كونهما غير اقتصاديين في الفعل ولا في الزمن. على أن في الحق أن الكلمة إذا خلا ~~رسمها عن علامات الحركة، من شكل أو حروف حركة، كان - كما أشرت إليه آنفا - رسما ~~أبتر لا يشخص لفظها أمام العين تشخيصا استقلاليا مانعا من صدقه على كلمة أخرى. ~~وهذا في ذاته نقص شنيع. ولو كان للكلمة أن تنطق لصاحت كحصان عنترة، متوجعة مطالبة ~~بحقها من وجوب تصويرها للناس في صورتها الكاملة وإبرازها في ثوبها المقيس عليها، لا ~~في صورة بتراء وثوب أقصر من قدها. فإذا كان في الرسم العربي اختزال فإن فيه ذلك ~~الأذى البالغ الذي عمل رجل تركيا المرحوم مصطفى كمال ms129 على توقيه، وقد توقاه ~~فعلا، فاستفادت تركيا تحديد طريقة أداء اللفظ وسرعة زوال الأمية، وهما فائدتان غاية ~~في الأهمية والجلال، يحسدها عليهما العدو ويغبطها الصديق. على أن كل أمم أوروبا ~~وأمريكا - وهي أرقى الأمم المتحضرة في العالم - لم يخطر ببال فرد من أفرادها أن ~~حروف الحركات معوقة لرسم لغاتها، وأن من اللازم حذفها اقتصادا في الوقت وفي ~~الزمن. # ولا يفوتني في هذا الصدد أن أشير إلى عبارة قالها لي أحد زملائنا الأفاضل؛ هي ~~أن الحروف اللاتينية لم تضبط طريقة أداء كل المخارج في الألفاظ التركية. وهذا ~~اعتراض صحيح، أساسه واضح؛ وهو أن الأتراك لم يضعوا لكل نغمة الحرف الصحيح الدال ~~عليها ويأخذوه، سواء من العربية أو الفارسية أو غيرهما. # 3 # أما الضرر الحقيقي الذي أشار إليه سعادة الوزير فقد قلت له: «إنه ضرر حقا، ~~ولكنه موقوت، وعلاجه من أيسر ما يكون؛ هو إنفاق مبلغ من المال لطبع أمهات المعاجم ~~اللغوية، وأمهات كتب العلم والأدب والفنون بالرسم الجديد، وإن بيد حكومتكم التعجيل ~~بالإنفاق فيقصر عمر هذا الضرر، أو التأخر في الإنفاق فيطول عمره.» فقال: «هذا صحيح، ~~ولكنا شغلنا عنه مؤقتا بأمر آخر، وهو تنقية اللغة التركية مما فيها من الألفاظ ~~العربية والفارسية، والبحث عن ألفاظ قديمة من لغتنا الطورانية لاستبدالها بها. وهذا ~~المشروع قد فشلنا فيه نهائيا؛ فإنا إذا كنا قد عثرنا فعلا على كثير من الألفاظ ~~الطورانية القديمة تقوم في دلالتها مقام الألفاظ التي أردنا الاستغناء عنها، إلا أن ~~الجمهور أبى استعمالها لغرابتها عنده، ولزم الألفاظ العربية والفارسية التي ~~اعتادها، ولا وسيلة لإكراه الجمهور في ألفاظ اللغة وأساليبها على ما لا ~~يريد.» # اعتذار واستئناس # قد يقول النابهون فيكم - وكلكم نابهون - قد يقولون أسرفت فأوجز، وبين ~~طريقتك التي ما سمعنا بها في آبائنا الأولين، واقصص علينا كيف نفعل وفي العربية ~~نغمات أصوات لا تؤديها تلك الحروف اللاتينية التي تريدنا عليها، وقد قلت فيما قلت ~~إنها لم تف بمطالب كل النغمات الصوتية في التركية؟ # حلمكم أيها الرجال! إني لم أسرف، ولكني حقا ms130 أمللتكم وكدت أذهب بصبركم. ~~وعلة هذا الملل - كما يدركه من كان في مركزي أمامكم - أن لكل تجديد غضة، وفي كل ~~خارج عن المألوف غضاضة، وإنما تنجع المقالة في المرء إذا صادفت هوى في الفؤاد. على ~~أني لولا ثقتي بأن مهمتكم هنا هي الإصلاح ما استطعتم، وأنكم في سبيله أحرار الضمائر، ~~متسلبون من كل تعصب لعادة أو تمسك بقديم، متى وضح لكم وجه المصلحة في الجديد، لولا ~~هذه الثقة وأني آوي من سماحتكم إلى ركن شديد، لما عنيت نفسي قط بعرض فكرتي ~~عليكم. # هاكم طريقتي، منها تعلمون أن تلك العقبات التي تشيرون إليها إنما هي عقبات وهمية، ~~وأن ما قد يعترض من هنات بسيطة هو مذلل تمام التذليل. # بيان الطريقة # إن في اللغة العربية ثلاث عشرة نغمة صوت جوهرية، كلها خاصة بها إلا ما ندر، ~~وكل منها يؤديه حرف هجائي مفرد، ولا تؤدي حروف الهجاء اللاتينية المفردة شيئا ~~منها، وهي نغمات: «الهمزة، الثاء، الجيم، الحاء، الخاء، الذال، الصاد، الضاد، الطاء، الظاء، العين، ~~الغين، القاف». # أما حرف الهمزة فإنه إنما ينطق به عرضا في اللغات اللاتينية الحروف، في أول ~~كل كلمة مبدوءة بحرف من حروف الحركة، وهو عرض ملازم؛ لأن حرف الحركة إنما يشخص نبرة ~~هوائية مطلقة خالية عن التركز والانضباط؛ فهي من قبيل النفس الخارج من الرئتين لا ~~تكيفه الأحبال الصوتية، ولا أعضاء الفم والحلق التي تضبط مخارج النغمات الصوتية ~~الجوهرية وتميز أنواعها. ولذلك لا تجد عندهم حرفا خاصا يشخص هذه الهمزة ~~العرضية. على أنه لا يهمنا أن تكون الهمزة عندهم عرضا ملازما، أو فصلا منطقيا ~~هو جزء من ماهية حرف الحركة، يجعله حرفا جوهريا متى ابتدأت به الكلمة. لا يهمنا ~~هذا فيما نحن بسبيله أصلا. لكن الهمزة في العربية حرف جوهري أصيل، تجب - مبدئيا ~~- كتابته برسمه الخاص، سواء أكان ملفوظا به في أول الكلمة أم كان ملفوظا به في ~~وسطها أو في آخرها، إلا ما سيتلى بعد. # وفي اللغة الإنجليزية نغمتا «الثاء والذال» ولكن الإنجليز يؤدونهما بمركب ~~مزجي مدغم مكون ms131 من حرفي # th ~~. وهذا الوضع مشترك ~~لفظي يعين السماع كلا من نغمتيه. # وفي الألمانية نغمة «الخاء» ولكن الألمان يدلون عليها أيضا بمركب مزجي مدغم ~~مكون من حرفي # ch ~~. ~~(وأذكر الألمانية لأن كثيرا من أهلها اضطروا لاستعمال الحروف اللاتينية في ~~مخطوطاتهم ومطبوعاتهم بدل حروفهم الغوطية المتكسرة المتعثكلة # 4 # التي تمرض العين وتوقع في التيه والضلال. ولن يمضي طويل زمن حتى يفعل ~~قانون بقاء الأصلح فعله فيطرحون كتابتهم الغوطية برمتها وتصبح في خبر كان.) # وفي كل اللغات اللاتينية الحروف توجد نغمة «الشين» ولكن ليس هناك حرف مفرد ~~يدل عليها، بل الفرنسيون والإيطاليون والإنجليز والألمان يؤديها كل منهم بتركيب ~~مزجي خاص به من بين التراكيب الآتية: # ch # ci # sh # sch # والذي عن لي - بعد طول التفكير - أن الهمزة والجيم والحاء والخاء والصاد ~~والضاد والطاء والظاء والعين والغين، هذه الأحرف العشرة يجب أن تؤدى بذات رسمها ~~العربي. ومن المصادفات أن هذا الرسم يتمشى مع رسم الحروف اللاتينية ويتسق معها كل ~~الاتساق؛ لأنها إذا رسمت كالعربية كانت كما تراه في الملحق رقم 1. # أما الثاء فيستعمل لها حرف # t # اللاتيني، ~~ويكون في رأسه شرطتان متصالبتان مع عموده بدل شرطة واحدة (انظر الملحق رقم 1). # وأما الذال فيستعمل لها حرف الدال # d # مع وضع ~~شرطة أفقية فوقه، أو يستعمل لها حرف # d # المعقوف ~~العمود، وأفضل ذا الشرطة؛ فإن المخطوطات يسهل فيها دائما استعمال الدال # d # معقوفة، فلو استعملنا هذه المعقوفة للذال ~~فلا يؤمن التباس الذال بالدال. # وأما الشين فيستعمل لها حرف # s # مع شرطة ~~أفقية فوقه. # وأما القاف فيلاحظ أن من الحروف اللاتينية ثلاثة هي: # q, c, ~~k ~~. أولها # k # متمحض في جميع ~~استعمالاته لنغمة الكاف. وثانيها # c # يستعمل لهذه ~~النغمة في بعض الصور، ويستعمل في صور أخرى لنغمة السين عند الفرنسيين والإنجليز ~~والألمان، أو لنغمة الشين عند الإيطاليين، فهو مشترك بين نغمتين أو ثلاث. وثالثها # q # لا يستعمل في أية لغة من تلك اللغات إلا ~~مصحوبا بحرف # u ~~، وهو وهذا الحرف يستعملان دائما ~~في نغمة الكاف فقط ms132 عند الفرنسيين، أما عند الإنجليز فيدلان معا على نغمة كاف ساكنة ~~تتبعها نغمة واو، وعند الألمان على كاف ساكنة تتبعها نغمة # v ~~؛ أي واو تنطبق فيها الشفتان مبسوطتين ~~قليلا، وتنفذ بينهما - آتية من الداخل - نبرة هوائية قوية فتفرقهما، كما إذا ~~حاولت أن تنطق بالواو والفاء في آن واحد. # وأرى أن يستعمل حرف # k # عندنا؛ للدلالة على الكاف، ~~وأن يستعمل حرف # q # منفردا؛ للدلالة على القاف، ~~وذلك كالمستعمل الآن في مصلحة المساحة المصرية. أما حرف # c # فيترك استعماله كحرف من حروف الهجاء ~~العربية الأصلية. ولقد فكرت في استعماله عندنا لنغمة الشين؛ بما أنه يستعمل لها عند ~~الإيطاليين متبوعا بحرف # i ~~، إلا أني وجدت ~~استعماله لتلك النغمة لا يخلو من اللبس كما سترى. # وأستلفت النظر إلى أن نغمة حرف الجيم عندنا معطشة في الفصحى، وهي نغمة قد ~~يقرب من تأديتها من بين الأحرف اللاتينية حرف # j # عند الفرنسيين والإنجليز دائما، كما يؤديها حرف # g # في بعض الصور، وفي صورة أخرى لا يؤدي حرف # g # هذا إلا نغمة صامتة كنغمة القاف التي ~~يقلبها أهل الوجه القبلي عندنا جيما صامتة. # فمن الخير استبعاد هذين الحرفين معا؛ أولا لأن نغمة الجيم عندنا هي في الحقيقة ~~نغمة # dj ~~. وثانيا لأن حرف # g # رأسه وجزء من ساقه تشتبه بحرف # q # الذي اخترناه للقاف، فاستبعاده يقي من ~~اللبس. ثم لنستبق حرف ج العربي كما أسلفنا. # وأما حرف الواو فقد اخترت له حرف # w ~~، كما ~~ينطق به الإنجليز دون الفرنسيين والألمان؛ إذ هؤلاء يعتبرونه # v # مكررة أو مفردة. # ترتيب أحرف الهجاء # يكون ترتيب حروف الهجاء على ما هو عليه عندنا الآن تماما وبأسمائها العربية ~~من الألف إلى الياء. مع ملاحظة أن الألف هو في الحقيقة صوت مد؛ أي حرف حركة مستطيلة ~~النبرة تنتهي نبرته بالسكون؛ ولهذا يجب أن توضع فوقه علامة مميزة تفيد هذا المعنى ~~كالعلامة القربوسية (ˆ) الفرنسية، أو مجرد شرطة أفقية فوقه وهو الأولى، ثم يستمر ~~الترتيب على حاله إلى حرف «لا» الذي يجب استبعاده ووضع حرف ms133 الهمزة مكانه، فتبقى ~~حروف النغمات الصوتية الجوهرية عندنا ثمانية وعشرين، وتبقى عدة حروف الهجاء تسعة ~~وعشرين كما هي الآن ببقاء حرف الحركة الممدود، وهو الألف ضمنها، وإن كان لا يمثل ~~نغمة صوتية جوهرية إلا عرضا كما سيأتي: # بعد هذه التسعة والعشرين حرفا العربية الأساسية توضع للحركة حروف ثلاثة من ~~بين حروف الحركة اللاتينية هي: # a # خالية من الشرطة ~~للفتحة، و # u # للضمة، ~~و # e # أو # i # للكسرة. # وبما أن الحركات في الفصحى المعتبرة الآن في كل البلاد العربية هي حركات ~~خالصة موزونة مقدرة الوقت وكيفية الأداء، لا إمالة فيها ولا إشمام، فيلزم أن حرف # a # المختار للفتحة يؤدى كما ينطق به ~~الفرنسيون في مثل كلمة Parachute ~~، وأن حرف # u # المختار للضمة ينطق به كما في الألمانية ~~والإيطالية دون الإنجليزية والفرنسية؛ أي كما ينطق الفرنسيون حرفي # ou ~~، وأن حرف # e # إذا اختير للكسرة يؤدى كما ينطق به ~~مفردا في الإنجليزية. على أنه لا لزوم لمثل هذا التمثيل؛ فإن مقادير الحركات تلقن ~~للمبتدئين في التعليم تلقينا، وأي رسم - عربيا كان أو غير عربي - لا يفيد فيها ~~شيئا بدون تلقين . # ومن يختار للكسرة حرف # e # دون حرف # i # الذي يظن أنه المتعين؛ فالسبب عنده أن من ~~الخير أن تكون حروف الهجاء مجردة من النقط وغيره من العلامات جهد الاستطاعة، وأن ~~يكون لكل نغمة أو حركة هيكل خاص مفرد قائم بذاته متصل الأجزاء لا ينسحب على غيرها ~~من النغمات والحركات. إذ كثرة النقط والعلامات الإضافية تربك الرسم كثيرا. وبما أن ~~حرف # i # منقوط والكسرة كثيرة في الكلمات، والنقطة ~~لا يؤمن انحدارها إلى غيره، فاستعماله رابك موقع في اللبس. وإذا اتخذ بغير نقط ~~التبس الأمر في الكلمات التي يجاورها فيها حرف أساسي فيه جرة تشبهه. وإن كثيرا من ~~الناس يهملون في كتابتهم نقط الحروف، وكثيرا منهم يكتبون حرف اللام بعمود بسيط خال ~~من العقفة هكذا # l ~~، وفي هاتين الصورتين يكون ~~المحظور نفسه واقعا. أما حرف # e # فإن أكثر ما ~~يشتبه به هو حرف # c ~~، وهذا ms134 الحرف الأخير ممنوع ~~بتاتا من أن يكون ضمن الحروف الهجائية. # لكن الغير يرون وجوب اتخاذ حرف # i # كما ينطق به ~~الفرنسيون للكسرة؛ لأنه يشخص مثل حركتها فعلا في معظم اللغات، وإني أرى معهم أن ~~يكون حرف # i # للكسرة. # حروف الهجاء جميعها وحروف الحركة # وخلاصة ما تقدم أن رسم حروف الهجاء التسعة والعشرين يكون كما هو في الملحق ~~رقم 1. # ورسم حروف الحركة هكذا: # كسرة # ضمة # فتحة # i # u # a # أما السكون فلا محل لوضع أية علامة له # 5 # لأن المقاطع التي تعتبر في الكتابة والقراءة وتعليمها وتعلمها - على ~~خلاف الأسباب الثقيلة والأوتاد المعتبرة في تقطيعات العروض - هي على صور ثلاث؛ فإما: ~~(1) أن يكون المقطع منها حرفا متحركا واحدا كما في فعل (ضرب) المبني للمجهول ~~المفرد؛ فإن فيه ثلاثة مقاطع كتابية هي: «ض - ر - ب» و(2) إما أن يكون حرفا ~~متحركا يتلوه حرف ساكن واحد مثل كلمة «مضرب»؛ فإن فيها ثلاثة مقاطع هي: «مض، ر، ~~بن» منها المقطعان الأول والأخير كل منهما مكون من حرف متحرك يليه حرف ساكن واحد. ~~و(3) إما أن يكون المقطع حرفا متحركا يتلوه حرفان ساكنان أو ثلاثة أحرف ساكنة، ~~مثل «مآء، علم، كريم، حاف - فين، بار » مع ملاحظة أن الألف الممدودة ساكنة ~~بأصل وضعها. # وقليل من التأمل يكفي لإدراك أن هذه الصورة الثالثة لا تتحقق إلا في ~~حالتين: # إحداهما: # حالة المقطع الأخير من كلمة موقوف عليها متى كان قبل حرفها الأخير ~~الموقوف عليه «ألف» أو «واو» أو «ياء» ممدودة، أو حرف نغمة مفرد غير متحرك مسبوق أو ~~غير مسبوق بحرف مد من هذه الأحرف الثلاثة؛ وذلك كما في الأمثلة السابقة، وفي مثل ~~المقطع الأخير أيضا من كلمات: ~~«كبار، يعملون، يؤمنون، يمر، يفر، فار.» # وثانيتهما: # أن يكون المقطع في أول الكلمة، أو في وسطها متى كان مركبا من حرف ~~متحرك بألف ممدودة بعدها مباشرة حرف نغمة مشدد؛ أي مضعف، نغمته الأولى تالية ~~مباشرة لسكون الألف؛ وذلك مثل مقطعي كلمتي «حافين، ضالين» ومثل المقطع الثاني ~~من كلمة «مشاحين» ومن ms135 كلمة «يوادون». # مع ملاحظة أن حرف «الألف» إذا كان بأصل وضعه هو حرف مد كما أسلفنا فإن حرفي ~~«الياء» و«الواو» ليسا بأصل وضعهما - كما يبدو لي - من حروف المد؛ إذ هما لا يمدان ~~شيئا في مثل: «أين، لولا، مين، أود» وهكذا. غاية الأمر أن «الياء» إذا وقعت بعد ~~حرف مكسور و«الواو» إذا وقعت بعد حرف مضموم فإن سكونهما يثقل النطق به فيسهل بمد ~~«الياء» لحركة الحرف المكسور الذي قبلها و«الواو» لحركة الحرف المضموم الذي قبلها. ~~ولن يزال اللافظ بهما في هاتين الصورتين مستصحبا نغمة الياء أو الواو في كل ~~المدة، ولا زالت الياء والواو ساكنتين لأن كل مد ينتهي حتما بالسكون. # 6 # مفاد هذا أن حرفي النغمة كلما تجاورا، سواء أكانا من نغمة واحدة، كالحرف ~~المشدد الذي هو حرفان مدغمان، أم كانا من نغمتين مختلفتين، فإن أولهما يكون ~~ساكنا حتما، ويكون من جهة أخرى، وحده أو مع ما يسبقه من حروف المد - «ألفا» أو ~~«واوا» أو «ياء» - جزءا متمما للمقطع المبتدئ بالحرف المتحرك الذي قبله أو قبل ~~حرف المد السابق عليه. أما ثاني حرفي النغمة المتجاورين فيكون متحركا حتما إلا في ~~حالة الوقف عليه، ذلك الوقف الذي قد يحدث معه أن يكون المقطع الأخير من الكلمة ~~منتهيا بثلاث سكنات؛ كما في كلمتي «مواد، بار». # ومع وضوح هذه القاعدة التي لا تلتبس معها معرفة الحرف الساكن، فلا محل لوضع علامة ~~خاصة للسكون. # وأما الشد فلا لزوم لوضع علامة له، بل يجب تضعيف الحرف المشدد. # 7 # وأما التنوين فإنه دائما يلي حرف حركة، وأبسط الأمور في تشخيصه هو إتباع حرف ~~الحركة هذا بحرف نون صغيرة أمام حرف الحركة من أعلى. ويجوز أيضا أن يرسم التنوين ~~بعلاماته العربية المعروفة، # 8 # فتوضع علامة الضم أو الفتح أمام الحرف المتحرك كذلك، وعلامة الكسر ~~أسفله. # بعض ملاحظات ~~(أ) # ما دامت ~~الألف هي وأحرف الحركة الثلاثة # i, u, a # إذا ~~وقع حرف منها في أول الكلمة أو كان منفردا فلا يمكن ~~النطق به إلا بالاعتماد على همزة ms136 جبرية تسبقه، فأرى أن الهمزة إذا وقعت في أول ~~الكلمة ممدودة كانت أو مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة بدون مد، فإنه لا لزوم مطلقا ~~لرسمها، بل يكتفى بالألف أو بحرف الحركة. ويستوي في هذا أن تكون الكلمة اسما أو ~~فعلا أو حرفا. وعلى ذلك فكلمات: «آمين، أمر، أوتي، إقبال» وحرف الشرط «إن» ~~وأمثال هذا، وأداة التعريف «أل» متى كانت همزتها همزة قطع ترسم كما في الملحق «رقم ~~2». ~~(ب) # همزة الوصل في «أل» وكل همزة وصل أخرى تسبق اسما أو فعلا يرمز لها بعلامة ~~شولة مثل الشولة الفرنسية # virgule ~~(’) توضع مكان ~~الهمزة عالية نوعا عن سطر الكتابة المليء؛ كيلا يلتبس بها الترقيم. فأداة التعريف ~~«أل» وكلمات: اسم، اكتب، استقم، انتقل. التي تسقط همزتها في القراءة المسترسلة ~~وتصير همزة وصل، ترسم كما في الملحق رقم 2. # بحيث إذا دخلت أداة التعريف في هذه الحالة على اسم أوله همزة وصل أيضا، فلا بد ~~من وضع الشولة بالشكل المذكور نفسه قبلها ثم بعدها؛ فعبارة «بالاستقامة» تكتب هكذا # bi’l’stiqâmati ~~(كما في الملحق). ~~(ج) # حرفا الواو # w # والياء # y # هما - على خلاف حرف الألف - حرفان جوهريان يشخص ~~كل منهما نغمة صوتية جوهرية كما سبقت الإشارة إليه. وإذن فلا يجوز استعمالهما ~~مطلقا لتحريك الحرف الذي قبلهما بالضم أو الكسر أو المد بذاتهما، بل يجب أن توضع ~~قبلهما علامة ضم الحرف أو كسره. فكلمة سرور مثلا وحرف الجر «في»، وكلمة «هي» ضمير ~~المؤنثة الغائبة إذا وقف عليه، وكلمة «نيل» تكتب جميعها كما في الملحق. ~~(د) # ما عدا ما تقدم فإن كافة حروف المعاني تكتب كاملة الحروف الهجائية بحسب أصل ~~وضعها اللغوي تماما، مع كتابة حرفي «إلى» و«على» بصيغتي إلى، على (كما في ~~الملحق)، وهي الصيغة الوضعية التي يأخذانها عند دخولهما على الضمائر. ~~(ه) # وكل ما يصح التجوز فيه هو أن تلاميذ المدارس متى عرفوا أنواع حروف المعاني ~~من عاطفة وجارة ونافية وغير ذلك، فهناك يمكن حذف الحركة من واو العطف وواو المعية، ~~ومن فاء العطف وفاء السببية، ومن باء ms137 الجر وكاف التشبيه والجر، والاكتفاء بالرمز ~~لهذه الحروف بحرف هجائي واحد # w, f, b, k # لأن كلا منها كلمة مركبة من حرف متحرك واحد ملازم دائما لحركة واحدة. ~~ ومتى جرت العادة برسمها كذلك عرفت فلا يقع فيها لبس. # 9 # أما واو القسم ولام الجر فتجب كتابة أولاهما كاملة # wa # تمييزا لها عن العاطفة وعن التي للمعية، ~~وكتابة ثانيتهما بحسب صيغتها أيضا # li, La ~~؛ لأنها ~~تكون تارة مكسورة وأخرى مفتوحة، فلا يؤمن اللبس إن رمز لها بحرف لام # l # فقط غير متبوع بحرف الحركة # i # أو # a ~~. ~~(و) # وكذلك تكتب الأسماء والضمائر والأفعال بكافة حروفها، ولا يسقط منها شيء مما ~~يسقط في درج الكلام. ~~(ز) # والغرض من كتابة الحروف والأسماء الظاهرة والضمائر والأفعال بكافة حروفها أن ~~تعرف على حقيقتها؛ إذ لو حذف منها ما يسقط بالدرج لسقط ضمير المتكلم وضمير الغائبين ~~والمخاطبين في مثل: «جاء أبي اليوم، اكتبوا اليوم، واسمعا الكلام، اسمعوا الكلام، ~~لا تقولوا الباطل» وهكذا، وفي هذا منتهى العبث والتضليل. # وصحيح الأمر أن سقوط بعض الحروف في درج الكلام إذا كان حاصلا في العربية فهو ~~حاصل أيضا في غيرها من اللغات. والمعول فيه لا على اختزال الرسم، بل على ضرورات ~~النطق وعلى التلقين. ويتبع هذا أحوال الحروف الشمسية والقمرية؛ فإن المعول فيها ~~أيضا على التلقين ، ولا ينبغي مس لام التعريف أو أول حرف في الكلمة الشمسية الحرف ~~الأول بشيء. ~~(ح) # كافة الحروف والأسماء الظاهرة والضمائر والأفعال تكتب منفصلا بعضها عن بعض ~~بقدر الإمكان، فلا يتصل منها بالفعل الماضي سوى ضمير المثنى الغائب «ضربا» و«ضربتا» ~~وضمير جمع الغائبين المذكر «ضربوا»، أما المضارع فيتصل به ضمير المخاطبة «تضربين» ~~وضمير المثنى مطلقا «يضربان، تضربان» وضمير جمع الذكور مطلقا «يضربون، تضربون». ~~أما نون جمع الإناث «يضربن، تضربن» فلا تتصل لأنها مقطع واحد من حرف متحرك واحد، ~~وتمكن كتابته والنطق به منفصلا، ومثله ضمير الغائبات في الماضي «ضربن». ~~(ط) # كافة أسماء الذوات والمعاني يكون حرفها الأول من النوع الكبير؛ وذلك فقط في ~~كتب الهجاء ms138 والتمرين التي توضع للأطفال. أما باقي أنواع الاسم من ضمير ومصدر مفيد ~~للحدث وصفة وما أشبه، وكذلك كل الأفعال وحروف المعاني فيكون كل حروف رسمها من نوع ~~أصغر، ما عدا الكلمة التي تقع في أول الجملة المنفصلة عما قبلها فصلا تاما، فإن ~~الحرف الأول من رسمها يكون كبيرا بقطع النظر عن كونها اسما أو فعلا أو حرف ~~معنى. # أما بعد المرحلة الأولية من مراحل التعليم فلا يكتب في الجمل بحرف كبير سوى ~~الحرف الأول من العلم ومن المسند إليه؛ أي الفاعل أو المبتدأ، ومن أول كلمة في ~~الجملة. # حروف إضافية # في اللاتينية أربعة حروف ليس لنغمتها مقابل في العربية الفصحى، وهي # g, j, p, v ~~، ثم حرف # c # الذي تركناه. وفيها حرف نغمة وهو # x ~~، ونغمته وإن كان يؤديها في العربية الكاف ~~والسين، إلا أنه يجب الاحتفاظ به على هيئته اللاتينية والتعرف به هو والخمسة ~~السابقة؛ وذلك لأن هناك أعلاما أجنبية ومصطلحات علمية وغيرها مما نعربه، فإذا لم ~~نكتب العلم والمصطلح بأصل نغماته وهيئته الإجمالية تنكر علينا وعلى أربابه ~~الأصليين. # وفيها كذلك حروف حركة غير ما اخترنا، وهي كثيرة جدا لا محل لتفصيلها هنا. # 10 # المقارنة بين هذه الطريقة وطريقة تيسير الكتابة مع التزام الأحرف ~~العربية # إن طريقة حضرة الجارم بك تقتضي أن تكتب عبارة: «خير البر ما تعهد به المرء ~~نفسه ، وخير بر النفس أن تربأ بها عن مواقف الاعتذار.» وكذلك مثل بيت أبي ~~تمام: # السيف أصدق إنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد ~~واللعب # على الهيئة التي تراها في الملحق رقم 3. # يكفي أن يطلع الإنسان على هذا التيسير حتى يستعسره ويغمض بصره من دونه. وقد ~~قلت لسيدي الجارم بك شفهيا يوم أن عرض مشروعه على اللجنة في الشهر الماضي: إن هذا ~~الرسم مشوه لجمال الرسم الراهن، فقال: إنا لا نبحث عن الجمال، ولكنا نبحث عن ~~«المنفعة». لكني أؤكد لكم أني أربأ بنفسي وأفر بها عن كل منفعة تأتيني من هذا الرسم ~~الذي لا يلبث أن يذهب بما ms139 في قوة احتمالي وجلدي من بقية. ولقد أشرت إلى هذا المعنى ~~في تقريري الذي قدمته للجنة في هذا الصدد؛ إذ قلت: «إن تلك الزوائد الواردة في هذا ~~الرسم ترد البصر حسيرا لتشويهها جمال الرسم الأصلي؛ إذ هي تبدو كالزعانف في الجسم ~~السوي، أو كالعجر والعقد في جذوع الأشجار المهملة التثقيف، وإني لا أوافق عليه ~~مطلقا.» ولقد اطلعت أول من أمس بعد انصرافي من جلسة المؤتمر على تقرير يرد به ~~الأستاذ الجارم على ملاحظاتي، فإذا هو يردد قوله الشفهي السابق مستبدلا كلمة ~~«الصحة» بكلمة «المنفعة»، ولست أرى أني استفدت من هذه الكلمة شيئا غير نقيضها وهو ~~المرض. # وأقول لكم الآن: إن المسلمين إذا كانوا من مبدأ أمرهم نظروا إلى فن النقش ~~والتصوير بعين الكراهة لأنه يذكر بأصنام الكعبة التي نعى عليها نبينا محمد عليه ~~الصلاة والسلام، فإنهم وجهوا ملكتهم الفنية في مجرى آخر هو مجرى فن العمارة ~~وتزويقها، وعلى الخصوص إلى فن الكتابة، فنبذوا خط الجزم وهو الخط الكوفي الأصلي ~~البدائي العسر القراءة، وصبوا خيالهم الفني في الخط العربي المستعمل الآن بأنواعه ~~من ثلثي ونسخي وفارسي ورقعي وغير ذلك، مما تجدون نماذجه مجموعة في آخر معجم ~~«المنجد» الحاضر بين يديكم. وكل نوع من هذه الأنواع له جماله الخاص الفاتن كما ~~ترون. # والناس لا يعيشون بالعقل فقط، بل العواطف والخيال الفني لهما قسط عظيم في تهوين ~~الحياة وتيسيرها على الإنسان، فإذا كنت أقول إن تلك الطريقة ترد بصري حسيرا فإني ~~متفق مع نفسي وشعوري، ولا أريد حقيقة أن أقبلها مهما يكن فيها من تحقيق منفعة أو ~~صحة أداء. # على أنه ما هي تلك المنفعة أو الصحة التي سمعت ذكرها؟ أهي تجعل الناس يقرءون ~~العربية قراءة مضبوطة؟ كلا، ثم كلا. إنها - كما ترون مما رسمته لكم بحسبها - موقعة ~~في اللبس الشديد؛ إذ تلك الزوائد تشتبه الكسرة منها بالميم أو الهاء الساقطة. أو ~~كما قال الأستاذ الشيخ حمروش في رده الذي وزع علينا أيضا ضمن ما وزع أول من أمس: ~~إنها تشتبه بالياء في ms140 إحدى طرق الرسم العربي، وإن الضمة فيها تشتبه بالدال، خصوصا ~~إذا كانت في آخر الكلمة. ويشتبه التنوين المضموم بالهاء الأخيرة في بعض طرق الرسم، ~~كما قال الأستاذ الشيخ حمروش أيضا. وتشتبه الواو الساكنة بالفاء والمضمومة بالقاف، ~~وهكذا مما ترون أمامكم من ملاحظاتي وملاحظات الأستاذ الشيخ حمروش. # كلنا يعلم أن الكتابة إما مخطوطة باليد، وإما حاصلة بآلات الطباعة. فلئن كان ~~المشروع مقترحا فيه من جهة الطباعة أن تسبك قوالب خاصة لهذه الحركات والسكنات ~~والشدات والتنوينات توضع في مواطنها إلى جانب الحروف منفصلة قائمة بذاتها، لئن ~~كان هذا، فإن الذي يكتب بيده لا يضع هذه العلامات منفصلة، بل حركة يده المستمرة هي ~~التي تؤديها فتصلها حتما بالحروف فتخرج الكتابة الخطية فضلا عن تشويهها مرتبكة ~~معقدة داعية إلى اللبس والاختلاط. # ثم إذا كان ما يلاحظ على طريقة الحروف اللاتينية أنها غير اقتصادية في الوقت ~~ولا في العمل، فإن طريقة هذا المشروع بما فيه من الزوائد تربو كثيرا على ما يزيد ~~في العمل والوقت إذا استعملت الحروف اللاتينية. # ومن جهة أخرى فإننا جميعا نشكو من الطباعة ومن التصحيف الذي يجري فيها فيحرف ~~الكلمات ويشوش المعنى على القارئ. لكنا لو فكرنا قليلا لوجدنا أن العلة الأساسية ~~لهذا التصحيف إنما هي ملل عامل الطباعة عندنا من صعوبة عمله؛ إذ بينما قوالب الحروف ~~اللاتينية لا تزيد على (25 أو 26) خمسة وعشرين أو ستة وعشرين، وهو عدد حروف ~~أبجديتها، فإن حروف الهجاء العربية فيها ثلاثة وعشرون حرفا، لكل واحد منها قوالب ~~أربعة بحسب ما يكون منفردا، أو في أول الكلمة، أو في وسطها، أو في آخرها، فهذه ~~(92) اثنان وتسعون قالبا. ثم الستة الباقية وهي الألف والدال والذال والراء والزاي ~~والواو لكل منها قالبان بحسب ما يكون متصلا بغيره أو منفردا. فهذه اثنا عشر ~~قالبا بها تكون جملة قوالب الهجاء العربي (104) مائة قالب وأربعة قوالب؛ أي أربعة ~~أمثال قوالب اللاتينية. فتعدد القوالب يكسر قلب العامل، ويورثه السآمة والملل، ~~فيخاطر بفضيلة الإتقان ويهرب منها؛ لأن وقته في العمل محسوب عليه، ms141 وتردده بين ~~صناديق القوالب المختلفة للحرف الواحد يوقعه حتما في الخطأ ووجع الدماغ. لكن ~~المشروع يلزم عاملنا فوق هذه المشقة بمشقة أخرى؛ هي أن يرجع أيضا لصناديق الضمة ~~والكسرة والسكون والتنوين البسيط والتنوين المشدد مضموما ومفتوحا ~~ومكسورا! # كل ذلك إذا فرضنا أن مراد المشروع هو استبقاء قوالب الحروف العربية بحسب ما هي ~~عليه اليوم، في عددها وهيكلها الموجودين الآن، وأن تلك الزيادات إنما تأتي مجاورة ~~لها غير متصلة بها. أما إذا فرضنا أن المراد هو أن تعمل في قوالب الحروف فجوات ~~تتلبس بها هذه الشكلات، أو فرضنا أن المراد أن تكون بعض تلك الزوائد جزءا أصليا ~~من بنية الحروف، إذا فرضنا ذلك فإن المصيبة على عامل المطبعة تكون أدهى ~~وأمر. # لئن كان كل كتاب من كتبنا الأدبية أو العلمية التي تطبع الآن ينتهي بصحيفتين، أو ~~أكثر لبيان ما وقع في الطبع من الخطأ وبيان صوابه؛ فإن زيادة العمل التي أتى بها ~~المشروع ستضاعف الأغلاط والتصويبات. # هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الحروف اللاتينية إذا كانت تقطع بين الجديد ~~والقديم، كما أشار إليه حضرة الأستاذ الجارم بك في رده الكتابي علينا، فإن طريقته ~~تقطع بينهما أيضا؛ لأن من يتعودها لا يستطيع أن يقرأ رسم الكتابة الحالي. على أني ~~كنت أود من صميم قلبي أن توجد طريقة لتيسير الكتابة العربية مع استبقاء حروفها ~~الحالية ، ولا زلت أتمنى هذا، ولكني لم أظفر، وأتخيل أني لن أظفر بتحقيق هذه الأمنية ~~المحببة لنفسي ولأنفس أهلي وأهل العربية. ومن يحقق لي هذه الأمنية - وهي جعل كل حرف ~~في الكلمة يدل بذاته على صورته الصوتية دلالة صادقة - فإني أعده وعدا حقا ~~بمكافأته جهد استطاعتي على أحسن وجه يكافأ به فاعل هذا الخير العميم. # مزايا استعمال الحروف اللاتينية ~~(أ) # مزية طريقتنا على طرق اللغات الأخرى أن الحروف الهجائية بحسب ما وضعناها ~~لا تخل بشيء من نغمات الحروف العربية، بل هي تبرزها جميعا بلا استثناء، وكل نغمة ~~منها يشخصها كما هو الحال الآن حرف واحد لا يشترك غيره ms142 معه في أدائها، خلافا ~~للحاصل في بعض النغمات التي يستعمل الإنجليز والفرنسيون والألمانيون والإيطاليون ~~مركبا حرفيا لإبرازها. ثم هي لأدائها جميع نغمات العربية تفضل الطريقة التركية ~~التي لا تؤدي الحروف المتخذة لها كل ما في اللغة التركية من نغمات اللسان التركي ~~الأصلي، ولا من نغمات بعض حروف النغمات التي كانت مستعارة من العربية ~~وغيرها. ~~(ب) # أن حروف الهجاء العربية الموجودة الآن عدتها ثمانية وعشرون حرفا بعد استبعاد ~~اللام ألف (لا) التي لا تؤدي نغمة خاصة. من هذه الثمانية والعشرين حرفا ثلاثة عشر ~~فقط غير منقوطة، أما الخمسة عشر الباقية - وهي أكثر من النصف - فكلها منقوطة؛ منها ~~ما له نقطة واحدة من تحته أو من فوقه، ومنها ما له نقطتان من تحته أو من فوقه، وما ~~له ثلاث نقط من فوقه. # أما الحروف المقترحة فعدتها تسعة وعشرون حرفا، منها عشرون غير منقوطة، أما ~~التسعة الباقية فمنها خمسة حروف فقط هي المنقوطة، وهي «ج، خ، ض، ظ، غ»، وكلها مأخوذة ~~من العربية، ولكن كلا منها ليس له إلا نقطة واحدة من فوقه ما عدا الجيم، أما ~~الأربعة الأخرى فقد أضيف للأصل اللاتيني لكل منها شرطة أفقية لتحديد النغمة التي ~~اتخذ لها، كما أن حروف الحركة ليس منقوطا منها سوى # i # المتخذ للكسرة. # وبما أن كثرة النقطات واختلاف أعدادها ومواضعها هي، كالشكل، من الأسباب المشوشة ~~للرسم، المضللة للقارئ، الموقعة في ضروب من الخطأ والتصحيف؛ فلا شك أن طريقة الحروف ~~اللاتينية التي لا يكثر فيها النقط ولا تختلف أعداده ولا جهات مواضعه، بل ينزل إلى ~~وحدته الصغرى وتقل مواضعه وتتوحد جهتها (ما عدا الجيم) - لا شك أن لها فائدة كبرى ~~من هذه الناحية التي تعم فيها بلوى الرسم العربي وتكثر منه الشكوى، وعلى الأخص في ~~المخطوطات. ~~(ج) # أن اتخاذ حروف الحركة يضبط كيفية أداء الكلمة ويحصر هذا الأداء في وجه واحد ~~بعينه لا يحتمل شكا ولا اشتراكا، فأوزان الأفعال المجردة والمزيدة والماضي منها ~~والمضارع والمبني للمعلوم والمبني للمجهول وأوزان الاسم، والممنوع من الصرف، وحركات ms143 ~~البناء وحركات الإعراب جميعها؛ من فتح وضم وكسر وسكون وشد وتنوين بسيط وتنوين مشدد، ~~ومواطن الشد في الأسماء والأفعال والحروف، كل ذلك يؤديه رسم الكلمة بذاته على ذلك ~~الوجه المعين الموحد بدون احتياج لشكلات أو زيادات أو أية وسيلة أخرى. وهذا منتهى ~~ما يتمناه كل محب للعربية. ~~(د) # أن الحروف اللاتينية ترسم في المطبوعات كل بأصل هيكله المعين له، وتوضع في ~~الكلمة الواحدة متجاورة فقط لا متصلا بعضها ببعض ولا مجنيا على أصل هيكلها ~~باتصال متعدد الهيئات، كما هو الشأن في الرسم الحالي. ثم هي في المخطوطات اليدوية ~~ترسم كذلك غير متصلة إلا بذنباتها الطرفية مع بقاء جوهر هيكلها سليما محفوظا من ~~كل تغيير مضلل. هذا الرسم البسيط المدرجة في غضونه حروف الحركات، فيه ما لا غاية ~~بعده من تسهيل القراءة الصحيحة على الكافة. وحسب معلمي الأطفال أن يفهموهم نظرية ~~المقاطع - وهي بسيطة كما أسلفنا - حتى يستطيع الطفل أن يقرأ أي مطبوع بعد نحو شهرين ~~أو ثلاثة فقط، كما دلت عليه التجربة في تركيا، وكما هو مشاهد كل يوم في أولادنا ~~الذين يتعلمون لغة أجنبية في مدارس الحكومة أو غيرها. فإنهم بعد زمن وجيز جدا ~~يستطيعون قراءة أي نص مطبوع منها قراءة مضبوطة لا تحتمل شكا ولا تصحيفا. بينما ~~هم قبل ابتدائهم تعلم اللغة الأجنبية، أو في الوقت نفسه الذي ابتدءوا فيه تعلمها، ~~يكونون قد حوول تعليمهم العربية، لكنهم مع الجد في تعلمها وزيادة ساعات الحصص ~~المقررة لها، يقضي الواحد منهم كل سني الدراسة من أولي وابتدائي وثانوي وعال أو ~~جامعي، ويخرج بعد هذا الزمن الطويل العريض غير مستطيع - بسبب سوء الرسم - قراءة أي ~~نص مطبوع - بله المخطوط - من لغته العربية قراءة صحيحة. وهي خصوصية جهل لا تتحقق في ~~أمة من الأمم المجاورة لأوروبا إلا في أهل العربية، حتى ليصح أن يعرف الواحد منهم ~~- أنا أو غيري ممن ليسوا هنا - بأنه «كائن عريض الأظفار، كاتب، قارئ، جاهل قراءة ما ~~يكتب هو وما يكتب له قراءة صحيحة!» يا للخسار، ويا للعار ms144 والشنار! # وبعد هذا يتهمون المعلمين بالقصور أو التقصير، ويفرضون لهذا المجمع اللغوي قوة ~~سحرية لم يهبها له الله ولم يكسبها أحد من أعضائه بعمله، فيطلبون إليه تحسين شأن ~~العربية! كيف يكون هذا التحسين والوسيلة الأساسية إليه خائبة كما ترى؟! ~~(ه) # أن طريقتنا التي توجب كتابة كل كلمة قائمة بذاتها من أسماء ظاهرة وضمائر ~~وصفات وظروف وحروف، وعدم وصل كلمة بأخرى إلا عند التعذر كما سبق البيان، وأن يكون ~~رسم كل كلمة مستوفيا صورته اللغوية الوضعية، وأن يكتب الحرف الأول من الأسماء ~~وحدها بخط كبير (في كتب الهجاء والتمرين للأطفال فقط)، هذه الطريقة فيها كل تسهيل ~~للتعليم والتعلم؛ إذ المبتدئ بمجرد نظرة يلقيها على النص المكتوب يدرك الاسم ويدرك ~~الضمير ويدرك الظرف ويدرك كل حروف المعاني التي اعتادها، فتضيق الدائرة التي يبحث ~~فيها عن الفعل وعن المصادر والصفات، وهي فائدة لا تخفى على أحد. ~~(و) # إن المعلمين ليخدعون أنفسهم عندما يصححون ورقة الإنشاء الذي هو أهم ما يقصد ~~من التعليم، ذلك بأن التلاميذ لا يستعملون الشكل، بل يكتبون الكلمة محتملة لأوجه ~~مختلفة من الأداء؛ فالمعلم يقرؤها على الوجه الصحيح، فيظن أن التلميذ كتبها على هذا ~~الوجه، وغالبا ما يكون هذا غير موافق للواقع من نية التلميذ. فإذا كتب التلميذ فعل ~~«ظفر يظفر» من غير شكل فإن المعلم يقرأه على هذا الوجه الصحيح (المشكول هنا)، ولو ~~أنه سأل التلميذ قراءته فغالبا ما يقرؤه «ظفر يظفر أو يظفر» على هذا الوجه غير ~~الصحيح. لكن الأستاذ لا يسأل أحدا من تلامذته قراءة ورقة الإنشاء. وهذا كتم للدم ~~على القبح. أما لو أن كتابة التلميذ كانت بالحروف اللاتينية لما انخدع المعلم ولما ~~بقي التلميذ قارا على خطئه. ~~(ز) # بل كما يخدع التلميذ معلمه - بقصد أو بغير قصد - فإن رسم العربية الحالي ييسر ~~لكثير من الكتاب أن يعيشوا بجهلهم على حساب سلامة نية القراء؛ فبعض من يضعون ~~مقالات ويرسلونها - مثلا - إلى الأستاذ أنطون الجميل بك لنشرها في جريدة الأهرام ~~التي يديرها، إذا هم كتبوا فعل «ظفر» ms145 ماضيا أو مضارعا كما كتبه التلميذ، فإن ~~حضرة أنطون بك يقرؤه صحيحا كما يقرؤه المعلم، ويظن أن نية محرر الرسالة عند ~~الكتابة إنما هي تعمد الوجه الصحيح. فيستمر محرر الرسالة على جهله لأن المدير في ~~الغالب لا يراه ولا يلاحظ له على رسالته شيئا. لكن لو أن الكتابة هي بالحروف ~~اللاتينية لألقى كل كاتب باله لما يكتب؛ لأن خطأه يكون بارزا يلحظه مدير الجريدة ~~وغيره عند القراءة ويقدر درجة علمه بالأوضاع العربية أو جهله بها. وإلقاء البال ~~مفيد جدا في تعويد الكتاب أوضاع الفصحى ومفيد في تعميمها. ~~(ح) # أن الطفل متى انتهى في زمن وجيز - بسبب الحروف اللاتينية - إلى صحة القراءة، ~~توافر له الزمن ولو للعب وتنمية جسمه. ومتى شب وقراءته صحيحة استفرغ مجهوده للعلم ~~دون سواه. وهذه مزية كبرى. ~~(ط) # أن هذا الطفل متى تعود من صغره صحة النطق بالألفاظ العربية أصبحت هذه الصحة ~~عادة له في كتابته وقراءته، وامحت من خلايا مخه الأوضاع الخاطئة، وأصبح ينكر كل ~~خطأ منها ويعده شذوذا. وهذه من أكبر المزايا المرقية للعربية والداعية ~~لتعميمها. ~~(ي) # أن بلاد العربية بسبب موقعها الجغرافي وكونها الممر الطبيعي بين الشرق ~~والغرب، وزيادة طرق المواصلات العالمية، وعدم إمكان إغلاق حدودها أبدا دون ~~الأجانب، لا بد لأهلها من تعلم لغة من اللغات الأجنبية الحية حتى يسايروا غيرهم من ~~الأمم وينقلوا عنهم ما عندهم من العلوم والفنون والصناعات التي تيسر سبيل الحياة. ~~وهذه حقيقة أدركتها مصر وغيرها، فلا تخلو بلد منها من تعليم لغة أجنبية كالإنجليزية ~~أو الفرنسية، بل وكالإيطالية والألمانية وغيرها - على التوزيع - في معظم مدارسها. ~~فالطفل الذي يتعلم العربية على الطريقة التي نقترحها يسهل عليه جدا سرعة تعلم أية ~~لغة من تلك اللغات الحية؛ وذلك بسبب توحيد أشكال الحروف بينها وبين العربية، وعدم ~~وجود ثنائية # 11 # في هذه الحروف وفي طريقة الكتابة تتعب الطفل وتوقعه في الارتباك، كما ~~نشاهد جميعا في أطفالنا الذين يتعلمون لغة أجنبية مع العربية في آن. ~~(ك) # طريقة الحروف اللاتينية تسهل قراءة الأعلام الأجنبية ms146 والكلمات المعربة، ~~ومنها الاصطلاحات العلمية وهي كثيرة، وتسهل على الأخص ما كان من تلك الكلمات ~~والمصطلحات فيه جزء من أصل يوناني أو لاتيني؛ إذ هي تعين على فهم معناها فهما ~~صحيحا بفهم ذلك الجزء اليوناني أو اللاتيني القديم. وهذه ميزة من أكبر الميزات؛ ~~فكلنا يعلم أن كتابة تلك الأعلام والمصطلحات بالرسم العربي تنكر المعنى وتشوه طريقة ~~أداء الأصل بحسب ما يؤديه به أهله المنقول هو عنهم. ~~(ل) # من مزايا هذه الطريقة أنها تسهل على الأجانب تعلم العربية، وقد تمنعهم من ~~تشويه أعلامنا وتنكيرها علينا، نحن أهل العربية، كما شوهوا أسماء: محمد وابن سينا ~~وابن رشد والقاهرة مثلا، فجعلوها «مهمت، أفيسين، أفيرويس، كيرو أو كير.» ولا شك ~~أن للعربية ولأهلها مصلحة كبرى في نشرها بين الأجانب، كما أن لها ولهم مزية كبرى في ~~عدم تشويه أسماء رجالها العظام وتنكيرها هي والأعلام الجغرافية وغيرها، لدرجة أن ~~قارئها منا بلغتهم لا يفهم غالبا حقيقة علمنا المشوه. ~~(م) # أن بعض النغمات الخاصة بالعربية ما دام لها حرف مفرد واحد فالإنجليزية ~~والفرنسية والألمانية وغيرها، لا بد أن يفكر أهلها يوما ما في اتخاذ حروفنا ~~المفردة بدل مركباتهم المزجية، فيستعملوا حرف # t ~~(وعليه شرطة ثانية) وحرف «خ» بدل # Kh. Ch. Th. ~~. ويستعملوا «ح، ع» فيما ينقلونه ~~عن العربية بدل استعمالهم حرفي # a, h # اللذين لا ~~يؤديان النغمة. وفي هذا تسهيل علينا لفهم ما يقصدون. ~~(ن) # أن طريقة الحروف اللاتينية تسهل الطباعة تسهيلا كليا علينا وعلى غيرنا ممن ~~يطبعون شيئا من نصوصنا العربية، ففيها اقتصاد عظيم في العمل وفي الزمن، ثم في ~~النفقات أيضا لاشتراك معظم الحروف بيننا وبين غيرنا. ~~(س) # أنها تطمئن مؤلفي الكتب الأدبية وتؤمنهم مما يتقون من تصحيف الطابعين ~~والقارئين، وتوفر عليهم ما نجده في كتبهم من قولهم - تحديدا لنغمة حروف الكلمات ~~وحركاتها: «بالنون، بالتاء المثناة، بالثاء المثلثة، بالباء الموحدة، بالقاف ~~المثناة.» وقولهم في ضبط كلمة «وضم» مثلا: «بفتح الواو، تتلوها ضاد موحدة الفوقية ~~وزان قمر.» وهكذا من التوصيفات التي تشغل بالهم وتزيد عملهم ms147 وتضيع وقتهم، والتي لا ~~نجد لها مثيلا في أي كتاب أدبي أجنبي نقرؤه. ~~(ع) # أنها تعفي كتبنا الأدبية والعلمية من الدلالة الإشارية لعبارة «جل من لا ~~يسهو.» أي من معرة الأخطاء الكثيرة والتصويبات التي لا يخلو منها آخر؛ أي كتاب عربي. ~~وتعفينا من تصوير مصحح الكتاب لملله وحرق نابه على الطابعين؛ إذ يقول بعد صحف الخطأ ~~والصواب: «وهناك بعض أخطاء مطبعية لا تخفى على القارئ.» والواقع أن الذي هناك لا ~~بعض أخطاء، بل جمهرة من الأغلاط يخشى صاحب الكتاب أو مصححه أن يلح على الطابع في ~~تصحيحها فلا يلقى منه إلا المهاترة والإعنات. # خلاصة # ها قد علمتم أضرار الرسم الحالي، وأنه هو علة العلل في صعوبة لغتنا العربية، ~~وأنه هو المنفر منها والمانع من جريان الألسن بها، ورأيتم ضرر رسمها المقترح ~~بالأحرف العربية المستعملة الآن مع وصلها بجميع الشكلات، ما عدا الفتحة، وقليلا من ~~غيرها في صور استثنائية قليلة، وأن هذا الرسم، فوق كونه قاطعا أيضا بين الحديث ~~وبين القديم من آثار السلف، سواء في المطبوعات والمخطوطات، فإنه دميم الديباجة، ~~ظاهر التعسير، بعيد عن التيسير. # علمتم ورأيتم هذا وذاكم، ورأيتم طريقة الحروف اللاتينية التي أقترحها، وعلمتم ~~أنها الوسيلة الوحيدة المتعينة لتجلية لغتنا الفصحى في جلالها وجمالها على الوجه ~~الواحد المتعين من أوجه النطق بكلماتها، وأن هذا متى تحقق اعتادها الناس من أول ~~تنشئتهم بدور التعليم، وامتنعت الاشتراكات اللفظية والمداورات والتصحيفات المتفشية ، ~~وسهلت أعمال الطباعة في المطابع أو بالآلات الكاتبة، وأن هذا هو خير ما ييسر الفصحى ~~ويعممها في بلاد العربية ويستميل لها من يريد من الأجانب. وفي اعتقادي أن هذا خير ~~ما يخدم به مجمعكم لغتنا الجميلة الأبية، المستعصية على طلابها، وأن كل الأبحاث ~~الأخرى التي يشتغل بها هي دون هذا في الأهمية بمراحل. # كلمة أخيرة # إني أتحسس أنكم، وإن كنتم متبينين صحة اقتراحي، وأنه هو الطريقة الوحيدة التي ~~تخدم بها العربية وأبناؤها، إلا أنكم تقفون أمامه متهيبين أن ينسب لكم الأخذ ~~به. # أتحسس هذا مما أراه الآن فيكم من ms148 الإمساك عن الاعتراف بصدق شيء من المزايا ~~التي بينتها، هذا الإمساك الذي ليس في نظري سوى محاكاة لمن ينكر ضوء الشمس وهي ~~طالعة، أتحسسه وأتحسس علته أيضا عند الحاضرين منكم والغائبين. # فأما أحدكم حضرة الأستاذ الجارم بك، ذلكم الرجل اللغوي النحوي الأديب الشاعر ~~العالم الذي لا يكل من العمل ولا يمل، فعلة انكماشه أن «كل فتاة بأبيها ~~معجبة!» # وأما حضرة الأستاذ جب، ذلكم المستشرق العلامة الكبير الذي تحفز في الجلسة ~~الماضية لإيصاد الباب دفعة واحدة في وجه اقتراحي، فإنه رجل من أهل التدقيق والتمقيق ~~والتحقيق، ورسم الكتابة إذا تغير انهارت الأرض واختفى موضوع عمله، وأنس من نفسه عدم ~~الرضا؛ لأن مشاقه أصبحت هينة. والرجل العظيم لا يرضى عن نفسه إلا إذا حملها أشد ~~المشاق، و«على قدر أهل العزم تأتي العزائم.» # وأما رجلنا النابغة الدكتور طه بك حسين فإنه من خير عشاق العربية. وهو ~~شخصيا يود أن لو استطاع تعليمها للناس وتفقيههم فيها في يوم واحد وليلة. لكنه ~~بإغراقه في تمني هذا المستحيل أصبح - كما أشرت إليه في بعض الجلسات السابقة - لا ~~يمل المحاردة والمناكفة بسببها كلما طاف به طيفها، فقارن بين حالها وحال ما يتقنه ~~من لغة أجنبية حديثة أو قديمة. حتى لقد أصبحت هذه المناكفة بسبب العربية ديدنا له، ~~ومن أخص لوازمه البادية للناس أجمعين. فلكأني به يريد استبقاء الرسم الحالي كيما ~~يبقي الفرصة سانحة لمحاردة معلمي العربية بالمدارس في كل سنة وإسماعهم من قبل رجال ~~وزارة المعارف وغيرهم تلك العبارة التي توجه لهم بقصد استنهاضهم من أنهم قاصرون أو ~~مقصرون، ولو اتخذت الحروف اللاتينية لضاعت عليه تلك الفرصة المحببة إلى نفسه ~~المتوثبة. لكني أعود فأقول إنه متى جد الجد زأر وحارد نفسه، وأبى أن يجعل عقله مطية ~~لهواه. # وأما أستاذنا صديقي لطفي باشا السيد، فإن له في الأشياء والأحداث نظرة تعلو ~~نظرتي ونظرة غيري. إنه رجل حكيم، تحمله فلسفته على اعتبار كل ما في هذا الوجود ~~مستغلقا، وأن النافع والضار إنما هما وصفان لحقيقتين اعتباريتين، أو على الأكثر ms149 ~~نسبيتين، وأن الحقيقة الحق عنقاء مغرب لا يعلمها إلا واجب الوجود. أما ابن آدم فلا ~~يستطيع بعقله المحدود إدراك كنهها، بل إن شأنه في الحياة إنما هو محاولة تعليل ما ~~يزعم أنه الحق، وإن كان هذا الحق الذي يزعم بعيدا عن حقيقة الحق بعد الأرض عن ~~السماء! # ومن أجل هذا نسمع أستاذنا لطفي باشا كثيرا ما يردد قول شيخ المعرة جليس ~~الدكتور طه بك وأنيسه: # إنما نحن في ضلال وتعل # يل فإن كنت ذا يقين فهاته # ومن أجل هذا فسيان عنده أن تبقى حروف العربية كما هي أو تستبدل بها الحروف ~~اللاتينية أو الصينية. # أما باقي إخواننا الأجلاء - وهم في الطليعة من علمائنا وأدبائنا وشعرائنا - ~~فعلة إمساك أغلبهم الخوف من قيام قيامة الناس - لا قيامة الحق - عليهم لو مسوا ~~القديم. وكأني بهم يحبون ألا يذكروا من القواعد المعروفة إلا قاعدة «بقاء القديم ~~على قدمه.» وعلى الأخص الأستاذ الشيخ المغربي الذي تحفز هو أيضا في الجلسة الماضية ~~للحيلولة دون استيفاء بياني. لكني أصارحهم بما يعلمون ويهملون، أصارحهم بقاعدة ~~«الضرر يزال»، وقاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، وقاعدة «درء المفاسد أولى من جلب ~~المصالح» وأصارح الأستاذ المغربي بما تكرر وروده في القرآن الشريف من النعي على من ~~يقولون: # إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~... ~~وأستغفر الله من أن أريد بالإشارة إلى الآيات الكريمة مثل المقام الذي نزلت فيه، ~~وإنما ما ذكرت هو خير عبارة عربية أقتبسها للتعبير عن مرادي. ثم أصارحه بأن رسم ~~العربية الحالي لم ينزل الله به من سلطان. # أصارح بهذا ثم أسترعي سمعكم إلى أن قصور رسم الكتابة العربية يحز في صدور أهل ~~العربية من زمن طويل. ولو أعدتم الاطلاع على محاضر الجلسات التي وزعت عليكم من نحو ~~عشرة أيام لرأيتم بمحضر جلسة 8 فبراير سنة 1941 أن نادي دار العلوم - وكل رجاله من ~~معلمي العربية - قد اهتم من عهد بعيد بشيء بسيط من مسألة تيسير الكتابة العربية ولم ~~يسفر اهتمامه عن نتيجة. ثم رأيتم أن هذه المسألة عرضت على مؤتمر المجمع ms150 في دورة سنة ~~38-39 أي من نحو خمس سنوات. وأن المؤتمر عين لبحثها لجنة مشكلة من حضرات الأساتذة ~~المحترمين: الجارم بك، وإبراهيم حمروش، والخضر حسين، وعبد القادر المغربي. وأنه ~~بجلسة 2 فبراير سنة 1941 تجدد اقتراح النظر فيها، بل إن وزارة المعارف أصدرت قرارا ~~في 6 فبراير سنة 1941 عهدت فيه إلى المجمع بحثها كيما تصبح الكتابة بحيث «لا يتعرض ~~قارئها للخطأ واللحن.» وطلبت إلى المجمع أن يفيدها بنتيجة بحثه لغاية سنة 1941، ولكن ~~لم يستطع أحد إجابة وزارة المعارف بشيء، على أن البحث استمر. وبعد كل هذا الزمن ~~الطويل لم نظفر إلا بذلك المشروع الذي قدمه حضرة الأستاذ الجارم بك بعد الكد والجد ~~والاستعانة بثقة من الثقات الاختصاصيين في فني الخط العربي والطباعة. ولئن كنت ~~اعترضت على ذلكم المشروع، إلا أني عندما يأتي دور النظر فيه سأبين لحضراتكم عيوبه ~~تفصيلا ثم بالكتابة أيضا إذا شئتم. # 12 # على أني إذ أصارحكم بما قدمت، فإني في قرارة نفسي أشكو إلى الله وحده بثي ~~وحزني من أن تلجئني ظروف العربية إلى اقتراح العدول عن رسمها إلى رسم أجنبي لا نحن ~~منه ولا هو منا. إنها مرارة أتجرعها وأطلب إليكم أن تتجرعوها، وهذا علينا جميعا ~~كثير جدا وجد أليم. غير أن المسألة مسألة حياة للعربية أو إزمان مرض، ثم موت يعجل ~~به ما يبدو من الأمم القوية من العمل المتواصل على تبسيط لغتها لنشرها بين أمم ~~الشرق الضعيف. وعملها هذا إذا كان - كما هو الواقع - من الضرورات الحيوية لنا ~~سياسيا واجتماعيا، فإن ثمنه - بالبداهة العقلية - تراخينا في خدمة لغتنا، فإنه ~~ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. واللغات كالسلع ينفق منها البسيط الرخيص ويكسد ~~الغالي المتين. وليس بنافع في علاج لغتنا أن يقترح حضرة الأستاذ كرد علي بك - عقب ~~مقاله التاريخي الضافي الذي تلاه على المؤتمر بالجلسة الماضية - إيجاب تعليم ~~العربية تعليما عمليا بالتخفيف من قواعدها وبمضاعفة العناية - في المدارس - ~~بتعويد الأطفال صحة النطق بها «أي سجية» كما كان ينطق الجاهليون، أو أهل ms151 صدر ~~الإسلام. إنه اقتراح نظري ظريف، ولكن ما السبيل إلى تحقيقه مع تعقد الرسم ~~الحالي؟ # لقد فكرت كثيرا في إمكان تعديل الرسم العربي بصورة تؤاتي الناس في صحة النطق ~~بالكلمات، فعجزت بعد طول التفكير، ويئست من إمكان تحقيق هذه الأمنية إلا «بالشكل» ~~المتعذر في المخطوطات والجالب للضرر في المطبوعات، ورأيت أن لا سبيل سوى اتخاذ ~~الحروف اللاتينية وما فيها من حروف الحركات، فاعتقدت بضرورتها. والضرورات - كما ~~أسلفت - تبيح المحظورات. # ألا إن الأفراد بائدون، كل في ميقات يوم معلوم. أما النوع فباق إلى يوم ~~يبعثون. ألا وإن أمم العربية أمامها في الوجود دهور ودهور لا يحصيها إلا ربك واجب ~~الوجود الذي لا يعلم الغيب إلا هو. # ألا وإن الأحياء الذين يبغون استبقاء ما ألفوا، لو أرخوا أوكية صدورهم ~~وخلوا بين دخائل أنفسهم وبين ألسنتهم، لنطقت هذه الألسن فشهدت عليهم أنهم إنما ~~يحافظون لا على اللغة العربية، بل على ما في قماطرهم من ذخائر مؤلفات، كلفتهم هم ~~وأسلافهم الهيل والهيلمان، وأن هذه الكتب بعينها لو وجدوها - بين غمضة عين ~~وانتباهتها - قد رسمت لهم بأي رسم جديد ضابط لصحة أداء كلماتها، واق من شر التصحيف ~~ومرارة التأويل، لهللوا وخروا لله سجدا على ما أفاء عليهم من هذا الفضل العظيم ~~الذي وضع عنهم وطأة الإنفاق، وكفاهم شر الإملاق، وأن المسألة عندهم ~~إنما هي مسألة ~~مالية بحتة لا شأن لها باللغة التي يفيدها الرسم الجديد بما ييسر من صعوبتها. ثم ~~لاستطردت فقالت - مترجمة عن باطنهم - إن كثيرا منهم أثرون، مبدؤهم: «أحيني اليوم ~~وأمتني غدا!» # ألا إن باطنهم هذا الذي تشهد به ألسنتهم لو أطلقوها من عقالها، إنما هو وهم وخطأ ~~بعيد! ليعش منهم من كتب الله له أن يعيش عمر نوح، ليعش ما شاء عاكفا على خزائن ~~كتبه وليقرأها بذاتها إلى أن يموت، فإن أحدا لن يصادرها ولن يحرمه تسريح عينيه ~~وتقريحهما فيها، ولن يسلبه ملكة قراءتها، ولكن ليشفق على العربية وعلى بنيه ~~وذراريه، وعلى أمته وبلاد العربية جميعا! وهذه الشفقة لا تكلفه في حياته ms152 شروى ~~نقير. وهو إذا مات فقد فات وانقطع عمله من الدنيا. وربما غفر الله ذنبه بدعوة صالحة ~~يفيض بها قلب واحد ممن أراحهم الله من سوء رسم العربية! # ألا إني أحب العربية حبا جما، وأحب وطني وأرجو الخير له ولسائر بلاد ~~العربية، وقد بدا لي أن ما أعرضه حق تدفع إليه الضرورة، فماذا أنتم فاعلون؟ # لئن كنتم لاحظتم أني صريح في القول لا ألف ولا أداور، فإني أيضا ألاحظ هذا ~~كمثلكم وعلى غراركم. # وليت شعري ما مبعث هذا الذي نلاحظه معا؟ أهو ضعف من جانبي في أدب السلوك؟ أم هو ~~استحياء من الحق ألا آخذ بيده في مأزق يصطرع فيه مع الباطل؟ أم هو ضعف أمام نفسي ~~التي تزعم لي أنها أكبر مني سنا وأسد رأيا، فتشمس علي وتتأبى أن أجشمها ~~شيئا من المصانعة في الحق أو المداورة فيه؟ لا أدري! # ولكن الذي أدريه يقينا هو أني أؤمن بالله وحده وأكفر بآلهة التاريخ المعبودة ~~من دونه. فسيان عندي ما تبرم تلك الآلهة في مغاور تزييفها من القالات والأساطير ~~وما تنقض، وما تسجل في ألواحها الهبائية وما تمحو. ولكأن هذا هو مبعث ما ~~لاحظتموه. # والآن فالخيرة لكم، إن شركتموني في وجهة نظري فذاكم، وإلا فبحسب نفسي رضا أني ~~صدعت في قومي بكلمة أراها حقا. # والله يهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم ~~. # 13 # عبد العزيز فهمي # | ملاحق # ملحق رقم 1: بيان أحرف الهجاء العربية مرسومة بالأحرف اللاتينية وما لزم من العربية مع ~~أسمائها # ملحق رقم 2: طريقة رسم بعض الأمثلة الواردة بالاقتراح ~~(أ) # أنواع مقاطع الكلمات: (1) متحرك واحد. و(2) متحرك وساكن. و(3) متحرك وساكنان. ~~و(4) متحرك وثلاثة سواكن. وقد وضع تحت كل مقطع رقم نوعه إن كان من النوع الأول، أو ~~الثاني، أو الثالث، أو الرابع (فقرة 46): ~~(ب) # الهمزة في أول الكلمة ممدودة أو غير ممدودة (فقرة 49): ~~(ج) # همزة الوصل في درج الكلام (فقرة 49): ~~(د) # وجوب وضع حرف حركة الضمة أو الكسرة قبل الواو أو الياء الممدودتين (فقرة 49): # ملحوظة: في التنوين يمكن أن يستغنى ms153 عن حرف الحركة والنون بوضع علاماته العربية ~~الضمتين والفتحتين فوق الحرف المنون متى كان مفردا، أو فوق الحرف الثاني من ~~المشدد، وبوضع الكسرة تحت المفرد أو الثاني من المشدد، فكلمات: بكر، بكرا، بكر، ~~وبر، برا، بر. ترسم هكذا: # ملحق رقم 3: مقارنة الطريقة المقترحة بطريقة تيسير الكتابة مع الاحتفاظ بالحروف ~~العربية # هاك عبارة ثم بيت شعر مرسومين بالطريقة الحالية، ثم بطريقة التيسير مع الاحتفاظ ~~بالحروف العربية، ثم بطريقة الحروف اللاتينية. ~~(1) خير البر ما تعهد به المرء نفسه وخير بر ~~النفس أن تربأ بها عن مواقف الاعتذار الاعتذار. # السيف أصدق إنباء من الكتب # في حده الحد بين الجد واللعب ~~(2) ~~(3) ms154