######OpenITI# #META# URI: 1370NabawiyyaMusa.MutalacaCarabiyya.Hindawi75352027 #META# Tags: literature #META# ID: 75352027 #META# Title: المطالعة العربية: لمدارس البنات #META# AuthorID: 46025269 #META# Author: نبوية موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # المطالعة العربية‏ # المطالعة العربية‏ # | المطالعة العربية # | المطالعة العربية # | لمدارس البنات # تأليف # نبوية موسى # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى جميع الأنبياء ~~والمرسلين «وبعد»؛ فإن الأطفال يتعلمون اللغات بمجرد تعودهم سماعها، فإذا تعودوا ~~سماع الكلام الصحيح ثبت ذلك في أذهانهم، وبعد عليهم النطق بالخطأ، وإن لم يتعلموا ~~شيئا من القواعد؛ لما في طبيعتهم من قوة الاستعداد للتقليد. # ولما كان الغرض من تعليم اللغة العربية أو غيرها من اللغات إنما هو تعليم الطفل كيف ~~يعبر عن مكنون صدره، بعبارة صحيحة فصيحة، وجب أن نورد عليه العبارات الراقية الجيدة ~~المعنى والأسلوب، خالية من الحشو والتطويل، يتخللها الآراء الصائبة، فنكون قد خططنا ~~للطفل طريقا يتبعها في سيره، ومددناه بأفكار يعمل قريحته في فهمها، والوقوف على ~~حقيقتها، ثم ادخارها في ذاكرته، حتى إذا بلغ أشده عبر عن حاجته بما اعتاده من ~~جودة الإنشاء، وسداد الرأي «وكل امرئ جار على ما تعودا». # هذا، ولا أرى بأسا باستعمال بعض التشبيهات القريبة؛ فإنها وإن عجز الطفل عن الإتيان ~~بمثلها تمثل له الشيء المعنوي بمثال محسوس يمكنه تصوره، وهي مع ذلك تقوي تخيله، وتنبهه ~~إلى الأشياء المتشابهة، ولا بد له من قراءة بعض موضوعات في الوصف؛ ليتعلم كيف يصف ~~لسانه ما يراه عيانه. # وإني لا أرى بأيدي التلميذات الآن كتبا تفي بهذا الغرض، مع لفتهن إلى ما يجب ~~عليهن من محاسن الآداب، ومكارم الأخلاق، ولما كنت فتاة أشعر بما تشعر به الفتيات، ~~وأعرف من أين يتأثرن، وما يحرك عواطفهن، ألفت هذا الكتاب لتلميذات السنتين الثالثة ~~والرابعة من المدارس الابتدائية للبنات، وجعلته حاثا على الآداب في أسلوب لا يظهر فيه ~~أمر ولا نهي؛ لأن الإنسان إذا أمر بشيء فربما ثقل عليه عمله، أو نهي عن شيء تاقت ~~نفسه إليه، كما قيل: «وحب شيء إلى الإنسان ما منعا». # لذلك شرحت الأمر الحسن ومدحته، وبينت الشيء القبيح وذممته، وتركت الفتاة تختار ~~لنفسها ما شاءت، وعضدت آرائي ببعض حكايات تاريخية، فيها شيء من أخلاق ms01 العرب وآدابهم ~~وأشعارهم حتى تقف التلميذة على شيء من عاداتهم المحمودة، فتحترمهم وتحب لغتهم، وتنظر ~~إليها بعين غير التي ينظر بها بعض التلاميذ الآن، ولم أقصد فيه إلى النصائح المشهورة، ~~التي يسهل على كل أحد الاهتداء إليها مثل: «لتجلس التلميذة أمام معلمها أو والدها بغاية ~~الأدب». # بل رأيت أن التلميذة متى انتهت إلى السنة الثالثة عرفت آداب الجلوس والمشي، ونظافة ~~الأيدي وغير ذلك من الآداب الظاهرة التي لا تتعدى باب المدرسة، أو حضرة أبيها، لكنها ~~يعوزها أن تحلي نفسها بالفضيلة، فتسعى وراءها، وتعلم أن لها في العالم أهمية عظيمة، وأن ~~عليها عملا جليلا يجب إتقانه، فتعرف قدرها، وتترفع عن كل ما ينقصها أو يمس ~~شرفها. # وقد وصفت أرض مصر وقارنتها بالبلاد الأخرى، وأظهرت فضلها وجودة تربتها وغير ذلك، مما ~~يجعل التلميذة تفتخر ببلادها، فتحبها، وتعرف أنها نفيسة فتحرص عليها. # وقد عرضت كثيرا من موضوعاته على تلميذات السنة الثالثة فوجدتها تناسب ~~مداركهن. # نبوية موسى # | المطالعة العربية # (1) من لم ترفعه الفضيلة وضعته الرذيلة # إن الفضائل أخلاق كريمة، يحمد المرء على الاتصاف بها، مثل: الاجتهاد، والعلم، ~~والوفاء، والصدق، والأمانة، والعدل، والتواضع، والصبر، والحزم، وكتمان السر، والقناعة، ~~والإقدام على فعل الخير، وضد ذلك الرذائل والنقائص مثل: الكسل، والجهل، والغدر، والكذب، ~~والخيانة، والظلم، والكبر، والجزع، والطيش، وإفشاء السر، والشره، والإحجام عن فعل ~~الخير. # وعلى قدر فضل الإنسان يكون حظه في الحياة الدنيا والآخرة، فإذا اتصف بالفضائل كان ~~جديرا أن يرتفع بعد الضعة، ويسعد بعد الشقاء، ويغنى بعد الفقر، وإلا وضعته الرذيلة، ~~ولو ارتفعت أجداده وجعلته سبة عليهم ووصمة في تاريخهم. # ومن نظر في التاريخ علم كيف ترفع المرء فضيلته. هؤلاء الخلفاء الراشدون - رضي الله ~~تعالى عنهم - ارتقوا بالفضائل، فعاشوا مسودين، وماتوا مأسوفا عليهم، بعد أن خلفوا من ~~الأثر الحميد ما زين كتب التاريخ، أسسوا الملك على دعائم العدل والحكمة، فأصلحوا ~~الفاسد، ومنعوا الجور، وأدوا أعمالهم بالحزم والنشاط، فأصابوا حاجتهم، وسادوا معاصريهم ~~من ملوك البلاد، وكانوا قدوة حسنة لمن بعدهم. # ولا فرق في التحلي بالفضل بين ms02 الرجل والمرأة؛ إذ إن كلا منهما يحتاج إلى الفضل ~~احتياج العيون إلى الضوء، وتكاد المرأة تكون أشد احتياجا إلى ذلك من الرجل؛ لما تقوم ~~به من تعهد الأطفال ومخالطتهم من ابتداء نشأتهم وما يتعودونه من طباعها في تلك ~~المخالطة، وقد تكون هذه الطباع عادة لهم إذا كبروا؛ لتمكنها من نفوسهم الخالية. # وما من عصر خلا إلا واشتهرت فيه النساء بما اشتهر به الرجال، فقد اشتهرت نساء العرب ~~بالوفاء والشجاعة والفصاحة، كما اشتهر ذلك عن رجالهن، ومنهن الخنساء، فقد اشتهرت بالشعر ~~حتى فاقت الرجال فيه، والجيداء قد اشتهرت بالفروسية وقوة الساعد، والسيدة عائشة بنت أبي ~~بكر - رضي الله تعالى عنهما؛ فقد كانت أحب أزواج النبي إليه؛ لما اتصفت به من الفضل ~~وكمال الأدب، وكانت الرجال تقصدها بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # لتسألها في العلم فتفتيهم ~~فيه من وراء حجاب، وكان لها ذوق جميل في انتقاد الشعر والكلام العربي، وكانت ذات حزم ~~وثبات وصبر، لا تهولها المصائب. # ويحكى أنها قامت على قبر أبيها يوم وفاته فخطبت وبينت حسن أفعاله وطاعته لله - ~~سبحانه وتعالى - ولم يبد عليها جزع، بل كانت صابرة على ما ابتليت به، وكانت مع ذلك على ~~جانب عظيم من الشجاعة والإقدام، فقد حضرت وقعة الجمل بنفسها؛ ولذلك اشتهرت أكثر من سائر ~~أزواج النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وخلد ذكرها في كتب التاريخ. ~~(2) الصدق # الصدق إظهار الأمور على حقيقتها بالقول والعمل، فهو يفيد الإنسان علما صحيحا ~~بالأشياء المحيطة به، ونعمت الفائدة؛ فإذا اعتاد الإنسان الصدق عرف به فأفاد الناس ~~بصدقه، واستفاد منهم؛ لاعتمادهم عليه في القول والعمل، ونفيهم عنه سمة الكذب ~~المهينة. # وإن عرف الإنسان بالكذب لم يكد # يصدق في شيء وإن كان صادقا # هذا فضلا عن ارتكاب الكذوب الآثام لتقوله على الناس ما لم يقولوا، وظلمه لهم فيما ~~عساه أن يصيبهم بسبب كذبه، وهو مع ذلك يخسر حسن سمعته بين الناس، ويضطرب إذا ظهر كذبه، ~~ويتعب نفسه في اختلاق الأقاويل؛ ليستر عيب كذبه بكذبه، ولو صدق لكفى الناس ms03 شره، وأراح ~~نفسه. ~~(3) المتظاهرة بالقناعة # يحكى أن فتاة كانت تتظاهر بالقناعة والرضا بالقليل وعدم الاكتراث بالمآكل، وكانت ~~مع ذلك تدخل مخزن الأكل سرا فتبحث فيه عما يطيب لها من المآكل، وتأكل جهد استطاعتها ~~حتى إذا شعرت والدتها بتناقص الأشياء وسألتها عن ذلك أنكرته كل الإنكار، فلم يكن ~~لوالدتها بد إذ ذاك إلا اتهام الخدم ولومهم، وأخذ بعض أجورهم، والفتاة مع كل ذلك ~~مطمئنة القلب، لا يعنفها ضميرها على سوء فعلها، ولا تتحرك في قلبها عاطفة الرحمة على ~~هؤلاء المساكين البرآء، فتحيرت والدتها في أمرها، وأرادت أن تقف على الحقيقة؛ فأحضرت ~~إناء جميلا من أواني المربى، محكم الغطاء، ووضعت فيه نحلا وغطته، ووضعتها بدل ~~المربى. # فلما جاءت الفتاة على عادتها عمدت إلى هذا المحل فوقع بصرها على الإناء، فأعجبها ~~شكله، وأرادت أن تعرف ما فيه، فأخذته وانتحت ناحية وفتحته، فخرجت عليها النحل تلسعها، ~~فصاحت واستغاثت، وجاءت والدتها والخدم وهي على تلك الحال، فلم يرث لها أحد، بل قالت ~~والدتها: قد كنت تهربين من الخيانة إلى الكذب، وكلاهما شر، وقد نصبت هذا الشرك لأوقع ~~فيه الجاني، فكنت أنت الواقعة، وقد ظهرت خيانتك، ولم يعد ينفعك كذبك، ولا يغتر الناس ~~بريائك، ولقد صدق من قال: # ثوب الرياء يشف عما تحته # فإذا اكتسيت به فإنك عاري # فخجلت الفتاة، وأظهرت الأسف، وعزمت على التوبة، وفرح الخدم بوقوع المسيء في شر ~~أعماله. ~~(4) الأمانة # الأمانة محافظة المرء على حقوق غيره، كما يحافظ على حقوق نفسه، بل أشد، فهي قوام ~~العدل، وأصل التقوى، ودليل على كرم النفس وعدم حب الذات الذي هو أصل كل شر وفساد، ~~فلولاه ما استأثر الغني بماله دون الفقير، ولا قتل الفقير الغني طمعا في ماله، ولا ~~كان الناس إلا كأخوة يساعد بعضهم بعضا، فتصفو قلوبهم، وتتيسر أمورهم، وتنجح ~~مساعيهم. # والصدق والأمانة خلتان إذا كانتا في واحد وثق به الناس وأمنوه على أموالهم وأسرارهم ~~وأرواحهم، فيكثر رزقه، وتحسن حاله، ويكتسب الشرف، وحسن الثناء. ~~(5) الفقير الأمين # يحكى أن أحد الفضلاء غدر به الدهر، واستحالت حاله ms04 ، وافتقر بعد الغنى، فتقطعت به ~~الأسباب، واضطر إلى بيع ملابسه لضيق ذات يده، فأعطى أحد الدلالين ثوبا، وقال له: بعه، ~~وبين للمشتري هذا العيب الذي فيه، وأراه خرقا في الثوب، فمضى الدلال وجاء في آخر ~~النهار، فدفع إلى الرجل ثمن الثوب، وقال: بعته لرجل أعجمي غريب بهذه الدنانير. قال ~~الرجل: وهل أريته العيب؟ قال: لا، وإني نسيت. قال: لا جزاك الله خيرا، فقد غششت ~~المشتري، وأخذت الدنانير ظلما، فامض معي إليه، فذهبا وقصدا مكان الأعجمي فلم يجداه، ~~وسألا عنه، فقيل لهما: إنه رحل إلى مكة مع قافلة الحجاج، فلم تطمئن نفس صاحب الثوب بأخذ ~~هذا المال ظلما مع ما به من الفاقة، بل عرف صفة الأعجمي من الدلال، واكترى دابة ولحق ~~القافلة وسأل عن الأعجمي، فدله الناس عليه، فقال له: إن الثوب الذي اشتريته من ~~الدلال فلان بكذا وكذا فيه عيب فهاته وخذ ذهبك. فقام الأعجمي وأخرج الثوب وطاف على ~~العيب حتى وجده، فلما رآه عجب من أمانة الرجل وصدقه وشرف نفسه مع ما به من الفاقة، ~~وقال: يا هذا، أخرج ذهبي حتى أراه، وكان الذهب مغشوشا، ولم يعلم ذلك البائع؛ لأنه لم ~~ينظر إليه ولم ينتقده، فلما أخرج الذهب أخذه الأعجمي ورمى به إلى الأرض، وقال: إني قد ~~كنت غششتك واشتريت منك هذا الثوب بذهب زائف طمعا مني في المال، أما الآن وقد ظهرت ~~أمانتك وأبنت بفعلك عن فضلك، فقد اشتريت منك هذا الثوب على عيبه بمثل هذا الذهب، وأعطاه ~~بمقدار الذهب المغشوش ذهبا جيدا، فأخذه الرجل ورجع ظافرا بالمال والشرف. ~~(6) الاجتهاد والتقوى أصل سعادة الدارين # إن سعادة الآخرة مرتبطة بأعمال الإنسان في هذه الحياة الدنيا، فإذا سعى في إصلاح ~~دنياه وهو يخشى الله - سبحانه وتعالى - صلحت بذلك آخرته، واكتسب مالا يستعين به على ~~طاعة الله، فالمثري العاقل إذا أحسن التصرف قام بما يقربه من الله - سبحانه وتعالى - ~~فأعان الضعيف، وأعطى المعوز، وبنى المساجد والمستشفيات والملاجئ. # أما الفقير فيقوم الفقر بينه وبين ما يريد من عمل الخيرات التي تتوقف ms05 على المال كما ~~قال الشاعر: # لحا الله دهرا خصني بخصاصة # فأقعدني عما سعى فيه أمثالي # تنوب صديقي نائبات زمانه # فتمنعني من رفده قلة المال # فوا أسفا من مكرمات أرومها # فينهضني عزمي ويقعدني حالي # هذا إذا كان الفقير ورعا تقيا شريف النفس، وإلا دفعته الحاجة إلى ارتكاب المآثم ~~فتسوء آخرته بفساد دنياه. # فعلى العاقل أن يسعى وراء المنفعة جهد استطاعته طالبا إصلاح دنياه طلب المخلد ~~فيها الآمن من زوالها، وهو مع ذلك يخشى الله - سبحانه وتعالى - ويعمل بما يرضيه عمل ~~الخائف من عقابه، المترقب قرب لقائه، حتى لا يسيئ التصرف فيما أصاب من نعيم الدنيا، ~~فيطغى فيها، ويكون حظه منها الحرمان من رحمة ربه - والعياذ بالله، بل يقوم بواجب دنياه ~~وآخرته فيعيش سعيدا محمودا، ويفوز في الآخرة برضا الله - سبحانه وتعالى. ~~(7) الزائر المتعجب # زار أحد الفضلاء غنيا من أغنياء أمريكا، فرآه في قصر منيف قد أحاطت به حديقة ~~غناء، فيها من الأزهار والثمار ما يأخذ بالأبصار، وعلى القصر من الأبهة والرواء ما ~~يجعل الإنسان يظنه لأحد الملوك، فأخذ الزائر العجب من اتساع ثروة الرجل وكثرة خدمه ~~وحشمه، وما في قصره من النفائس، وجعلا يتحدثان إلى أن انتهيا إلى وسط القصر، وإذا هما ~~بكوخ صغير يظهر عليه الفقر وسوء الحال، فبهت الزائر عند رؤيته، وظهرت عليه علامات ~~التعجب، فالتفت إليه رب المنزل مبتسما وقال له: لعلك قد راعتك رؤية مثل هذا الكوخ وسط ~~قصري؟ قال: نعم، قد حيرني ذلك. قال: لا تعجب؛ فإن هذا الكوخ هو منبع هذه الثروة ~~العظيمة التي أدهشتك، فهو المنزل الذي ولد فيه جدي، وهو مؤسس هذه الثروة، ورافع هذه ~~الأسرة بعد الضعة، ولد في هذا الكوخ، وترعرع فيه، ولكنه جد وأعمل الفكرة، وساعده الحظ ~~والاستقامة، فنال ما ترى، ولم يشأ أن ينسى منشأه، فبنى قصره حول هذا الكوخ، وجعل يزوره ~~كلما استطاع ذلك حتى لا ينسى حالته القديمة، ولا يترك الاجتهاد والاستقامة اللذين كانا ~~سببا في إصلاح حاله، فيحمد الله - سبحانه وتعالى - الذي هداه إلى سواء السبيل ms06 ، ويشكر ~~له ذلك بطاعته لأوامره، وإني أحفظ هذا الكوخ أثرا حميدا لهذا المجتهد التقي، حتى لا ~~أترك خطته، ولا أسلك غير سبيله، فإني أخشى أن مالا جمعه العلم والحزم يبدده الجهل ~~والطيش. فعجب الزائر وتمثل بقول القائل: # العلم يرفع بيتا لا عماد له # والجهل يخفض بيت العز والشرف ~~(8) وفاء امرأة بوعدها # لما تولى الخلافة المأمون بن هارون الرشيد خرج عليه عمه إبراهيم بن المهدي، فجهز ~~المأمون جيشا قهر به إبراهيم، ففر مستخفيا، وجعل المأمون لمن دله عليه ألف دينار، ~~فبينما إبراهيم سائر ذات يوم إذ بصر به جندي فعرفه، فنادى هذا والله طلبة أمير ~~المؤمنين، وتعلق بأثوابه، فخاف إبراهيم على نفسه ودفع الجندي دفعة قوية ألقته عن ~~ظهر جواده، فشج رأسه، وتركه ملقى على الأرض، وقد اهتم الناس بأمره، وأسرع في ~~سيره حتى دخل زقاقا، فوجد في صدره دارا مفتوحة فدخلها مسرعا، وإذا هو بامرأة يلوح ~~عليها الوقار والسكينة، فقالت: ما حاجتك؟ قال: إني امرؤ خائف على دمي، وقد لجأت إليكم ~~واستجرت بكم. قالت: على الرحب والسعة، ادخل فأنت آمن، ثم أدخلته في مقصورة وأغلقت ~~عليه الباب. # ولم يكد يهدأ روعه حتى سمع ضجة بالباب، فنظر فإذا الجندي قد دخل الدار ومعه جم ~~غفير من الناس، وهو لا يقوى على المشي لشدة ما أصابه، وقد عصب رأسه بعصابة، فاستلقى ~~على فراشه، وكان إبراهيم بحيث يراهم ولا يرونه، فأيقن بالهلاك، وقال: لا حول ولا قوة ~~إلا بالله؛ لقد ساقني حتفي إلى هذه الدار، فلا مفر من أمر الله. # فلما خرج الناس إلى حال سبيلهم، جعل الجندي يتأوه، ويقول: لقد بصرت بالغنى ثم ~~أفلت مني، فأخذت المرأة تلاطفه وتخفف مصابه حتى نام، ثم قامت إلى إبراهيم وقالت: أظنك ~~صاحب القصة؟ قال: نعم، أنا هو. قالت: لا بأس عليك، فقد أجرتك ولا سبيل إلى نقض العهد، ~~فانج الآن بنفسك. فخرج من عندها وهو يعجب من عقلها ووفائها وعدم طمعها في المال، مع ما ~~علمت من وعد أمير المؤمنين. # فلما انكشف أمره للمأمون، وعفا ms07 عنه، قال له: أخبرني بما رأيت أيام استخفائك؟ ~~فحدثه حديث المرأة، فأعجب المأمون وفاؤها، وأمر بإحضارها، وكافأها على ~~إحسانها. ~~(9) التربية المنزلية # إن الإنسان في سن طفولته كغصن كرم لين، يميل حيث وجهته، وتلتف فروعه على ما يجده ~~هناك من الأشجار أو الأعمدة القريبة منه، ويصعب بعد ذلك تخليصه مما علق به، وربما تلف ~~إن حاول صاحبه ذلك. # فإذا نشأ الإنسان في أسرة كريمة تعوده التحلي بمكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، وتقوم ~~بتربيته مربية فاضلة، تسلك به سبل السداد، وتجعل سيره على صراط الدين القويم، وتقوم ~~ما اعوج من أخلاقه، وتصلح ما فسد من طباعه، شب وهو يرتاح للفضيلة، لما ألفه منها، ~~وينفر عن الرذيلة لعدم تعوده إياها، وصادفت تلك التربية نفسا خالية، فثبتت فيها، ~~وصحيفة بيضاء فارتسمت عليها، وتعذر بعد ذلك محوها، فهو ينشأ على ما تعوده صغيرا، ~~وتصير الفضائل طبعا له، لا تكلف فيها حتى إذا ترعرع وذهب إلى المدرسة لم يكن للمعلمين ~~هم إلا تعليمه، وكان طوع بنانهم فيما يرشدونه إليه من الخير، فلا يلبث أن يصير إنسانا ~~كاملا ينفع نفسه وغيره، والفضل في ذلك للتربية المنزلية. # أما إذا نشأ في أسرة سيئة الأخلاق، فلا يلبث أن تسري في نفسه الخالية تلك الأخلاق ~~فتتمكن منها، ويصعب عليه تركها، فيشق على المعلمين إرشاده إلى الخير أو تعليمه ما ~~أرادوا، فيكبر على الجهل والشر، ويحرم نعيم الدنيا والآخرة. # فلا غرو أن عظم شأن هؤلاء الأمهات في نظر البصير، ووجب الالتفات إلى تهذيبهن ~~وتعليمهن؛ لما يترتب على أعمالهن وأخلاقهن من صلاح مستقبل أولادهن، أو فساده؛ لسبقهن ~~المعلمين إلى غرس العادات في نفوس الأطفال، وقد قيل: # قد ينفع الأدب الأطفال في صغر # وليس ينفع عند الشيبة الأدب # إن الغصون إذا قومتها اعتدلت # ولن تلين ولو قومتها الخشب # وقال آخر: # عود بنيك اعتناق الفضل في الصغر # كيما تقر بهم عيناك في الكبر # فإنما مثل الآداب تجمعها # في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر # هي الكنوز التي تنمو ذخائرها # ولا يخاف عليها حادث الغير ~~(10) السارق والجمل ms08 # يحكى أن لصا سرق بعيرا، وأراد الهرب به ليلا، فشعر به صاحب البعير، وتبعه في ~~جماعة من قومه، فلما رأى السارق أن القوم كادوا يدركونه أراد أن ينحيهم عنه، فأطلق فيهم ~~سهما من كنانته، فأصاب صاحب البعير فسقط ميتا، وأسرع القوم إلى اللص فأدركوه وقبضوا ~~عليه، وأرسلوه إلى الحاكم، فزج به في السجن مكبلا بالحديد، ثم صدر الأمر بإعدامه حتى ~~إذا كان يوم الإعدام طلب اللص أن يرى والدته؛ ليفي بعض ما لها عليه من الشكر، فأجيب إلى ~~ما طلب، ولما حضرت قال لها: إن لي عندك حاجة أرجو قضاءها. قالت: كل حاجة لك عندي مقضية. ~~قال: ائذني لي أن أقبل لسانك. قالت: وما يعجبك في ذلك. قال: أردت أن أقبل لسانا طالما ~~أسمعني الخير. فأخرجت المرأة لسانها، فمال عليه بحدة أسنانه فقطعه، فلامه من حضر، ~~وقالوا: أجناية وعقوقا بحقوق الوالدة؟! قال الرجل: لو تعلمون الحقيقة لعذرتموني. ~~قالوا: وما ذاك؟ # قال: كنت طفلا آوي إليها، فاعتدت منها سوء الخلق والكذب، وحب الباطل والطمع في أموال ~~الناس، حتى إذا بلغت السادسة من عمري سرقت بيضة من بيت جارنا وأتيت بها والدتي، فسرت ~~بذلك وهشت له، وقبلتني بين عيني، فشجعتني على السرقة بفعلها هذا، وما زالت سرقتي ~~تكبر كلما ترعرعت حتى صارت جملا، ووقعت بسببها في هذه الجناية، ولو زجرتني عند سرقة ~~البيضة لما اعتدت السرقة صغيرا، ولا شقيت بها كبيرا، فوالدتي سبب وجودي في هذه الحياة ~~الدنيا، وهي أيضا سبب شقائي فيها، وخروجي منها جانيا كما ترون، أساق إلى النار ~~وبئس المصير. # قال الحاضرون: صدق الرجل فيما قال، فإن أما هذه حالها تسوق بنيها إلى الهلاك وهم ~~لا يشعرون. ~~(11) السمعة # ينشأ الإنسان ونفسه منطوية على غرائز خلقت فيه أو ورثها عن آبائه وطباع اكتسبها، ~~إما بالتعليم أو بالاقتداء بمن خالطهم في سن طفوليته، حتى إذا بلغ أشده ثبتت تلك ~~الطباع في نفسه، فهو يعمل بما يميل إليه من خير أو شر، فإذا كان مجدا في عمله، ~~قائما بالقسط، شريف النفس، عالي ms09 الهمة، بعيد النظر، حازم الرأي، صادقا في أقواله ~~وأعماله، محبا لإصلاح الناس، حريصا على نفعهم، أمينا على أموالهم وأسرارهم، مقداما ~~في الشدائد، اشتهر بذلك عند الناس، فتوجهت إليه أنظارهم، ونطقت بمدحه ألسنتهم، وحسنت به ~~ثقتهم، فيلقون إليه بمقاليد الأمور، واثقين بصدقه وأمانته، وحسن تصرفه، فإن كان تاجرا ~~راجت تجارته، أو صانعا أقبل الناس على عمله، أو موظفا قلده رؤساؤه أهم الأعمال، ~~فينسب إليه كل خير، وينزه عن كل شر، فنعم رأس المال السمعة الحسنة. # أما إذا اتصف المرء بالرذائل، فلا يلبث أن يشتهر بها عند الناس. # ومهما تكن عند امرئ من خليقة # وإن خالها تخفى على الناس تعلم # فيبتعدون عنه ابتعاد الصحيح عن ذي آفة، فلا يلتفتون إليه، ولا يعاملونه، فتكسد سوق ~~تجارته، وتتعطل أعماله ويسوء مآله. # لذلك وجب أن نهذب أخلاق الأطفال منذ نشأتهم حتى لا تسوء سمعتهم، فيتحاماهم الناس، ~~وتضيق أرزاقهم، وتغلق في وجوههم أبواب المطالب. ~~(12) حاتم وضيفه # اشتهر حاتم الطائي، أحد سادات العرب بالجود والكرم، حتى قيل: إنه ربما كان يطعم ~~الضيوف جميع زاده مع كثرته، ويبيت على الطوى مسرورا بما فعل من الإحسان، فشاع ذكره ~~بين العرب، وضربوا بجوده المثل. # ويحكى أن أعرابيا ضافه ليلة، فلم يخرج إليه، ولم يكرمه، بل أرسل إليه بعض عبيده ~~بقليل من الطعام، فبات الأعرابي متكدرا، وفي الغد ركب دابته وخرج من الخباء مغضبا، ~~فتلثم حاتم وتبع الأعرابي واستوقفه وقال له: أين كنت الليلة يا أعرابي؟ قال: كنت ضيف ~~حاتم طيئ. قال: فكيف كان مبيتك؟ قال: على أحسن حال، فقد نحر لي بعيرا وحياني وأكرمني ~~كل الإكرام. فابتسم حاتم وقال: يا هذا، أنا حاتم، فما حملك على الكذب؟ قال: شهرتك ~~بالجود بين العرب، فقد خفت إن قلت غير هذا أن أكذب فيه، فقلت ما قلت خشية أن ~~ينسب إلي الكذب. فضحك حاتم ورده إلى الخباء، ونحر له بعيرا، وأكرم مثواه، وقال: ما ~~فعلت ذلك أمس إلا مزاحا. ~~(13) مكانة الفتاة وكيفية تربيتها تربية صحيحة نافعة # قد فرض الله - سبحانه وتعالى - على الفتاة ms10 من العبادات وغيرها مثل ما فرض على الفتى، ~~ولم يكلفه بأكثر منها إلا قليلا، وهذا مما يدل على أن لها نصيبا وافرا من العمل في ~~هذه الحياة الدنيا، وأن لها عقلا وذكاء، ولولا ذلك ما شرفها الله بتوجيه أوامره ~~ونواهيه إليها، فصلاح العالم إنما يتوقف على سعي الرجل والمرأة، فلو فسدت أخلاق أحدهما ~~فسدت بسببها أمور كثيرة، وإنما اختص كل منهما بعمل حتى لا يكون هناك اختلال في أداء ~~الأعمال، وهكذا أمر الله في جميع الأشياء الأخرى، فقد جعل لكل عضو من الجسم عملا ~~مخصوصا به لا يؤديه غيره، ولا يمكننا أن نفضل القلب على الرئتين مثلا لاحتياج الإنسان ~~إلى كل منهما، ولو تلف أحدهما؛ لتعطلت أعمال الآخر، ومات الإنسان، كذلك الرجل والمرأة؛ ~~لا يصلح أحدهما إلا بصلاح الآخر. # ولما كان الأطفال الصغار يلجئون إلى الأم؛ لتعلقهم بها، واحتياجهم إليها، وجب أن تقوم ~~هي بتربيتهم، وتعهد المنزل، ويقوم الرجل بالسعي وراء اكتساب الرزق، وكلا العملين لا غنى ~~عنه، فيجب أن تهذب أخلاقهما، وتطهر أنفسهما، حتى يستقيم أمرهما، ولا سبيل إلى ذلك إلا ~~بالدين الذي يحث على الفضيلة، وينهى عن الرذيلة، فإذا تمسك كل منهما بدينه كملت أخلاقه، ~~وقام بأعماله حق القيام. # وكما أن الفتى يتعلم العلوم لتتربى مداركه، ويكتسب بها عقلا يرشده إلى تحسين أعماله، ~~واختراع أسهل الطرق وأنفعها في تأديتها، كذلك الفتاة يجب أن تتعلم حتى يقوى تصورها، ~~وتهتدي إلى تحسين حالها، فإن عملها يحتاج إلى الحكمة والروية، فإنها تكون رئيسة منزل ~~تدير حركته، فلا بد لها أن تعرف كيف توزع الأعمال على خدمها، وترشدهن إلى إتقان ~~أعمالهن، وتحسن التصرف فيما لديها، وهي مسئولة عن صحة الأطفال وأخلاقهم، فلا بد أن ~~تعرف طبائعهم وحالة أجسامهم؛ لتتبع على علم ما ينفع صحتهم، ويؤثر في طباعهم، وإلا ~~أضرت بهم من حيث أرادت أن تنفعهم. # ومنها يطلب حفظ الأشياء والاقتصاد فيها، فلا بد لها أن تعرف طبيعة هذه الأشياء، ~~وتأثير الأجواء فيها، ومقدار فائدتها للغذاء حتى تجيد ادخارها سالمة، وتحسن الانتخاب ~~فيما ms11 ادخرت. # ويلزمها إبداء رأيها فيما يصلح أحوال المنزل، وبيان ما ينشأ عن ذلك من المنافع؛ لهذا ~~وجب أن تتعلم الإنشاء وحسن المحاورة حتى تقدر أن تعبر عما في نفسها بعبارة ترضي ~~السامع وتقنعه، فكثيرا ما ينشأ الشقاق عن سوء التفاهم بين المتخاطبين أو عدم دراية ~~المتكلم بمواقع كلامه من القلوب، وجهله بآداب المحادثة، وكثيرا ما يحول الإنسان آخر ~~عن اعتقاده بكلام حسن لين، فلا يشعر السامع أن المتكلم يعارضه في الرأي فيميل إليه ~~بارتياح تام، وبذلك يسود الوئام في الأسرة. # فالفتاة في كل ذلك تحتاج إلى تعلم علوم كثيرة، هذا فضلا عن شدة احتياجها إلى درس ~~التربية والأخلاق، درسا تاما، ولا يمكنها كل هذا إلا إذا تمكنت من لغتها، وعرفت ~~معانيها وأساليبها، حتى تقف على ما دون بها من هذه العلوم، وتفهمه فهما جيدا، ~~وتعمل فكرتها في الانتفاع بما علمت منه. # وبالجملة، فكل علم اشتغلت به الفتاة أفادها، فإن لم يرتبط بعملها مباشرة فهو يقوي ~~إدراكها، ويسدد رأيها، ويعدها لإصلاح أعمالها، وإن لم تشعر، وليكن نصب عينيها في كل ~~ذلك العناية بتدبير المنزل، فهو أول واجباتها المعاشية. # ولا يمنعها كل علمها من خفض جناح الذل لمن فضلهم الله عليها، ولتحترس من تقليد ~~الرجال في خشونة الألفاظ أو تكون عديمة الحياء أو قليلته، ظنا أنها تبلغ بذلك كمالات ~~الرجال، غير عالمة أن الشيء إنما يحسن في محله، وأن الغراب إذا حسد البلبل على حسن صوته ~~وتغنى ليضاهيه كره الناس سماعه ورجموه بالحجارة؛ لينأى عنهم، وأن الفتاة لا يتم كمالها ~~إلا بالتحلي بصفات النساء الممدوحة، مثل الحياء وغض الطرف، وحسن الألفاظ، ولين ~~الجانب. # هذا، ولا يحسن أن تقتصر الفتاة على ما يؤهلها لإدارة المنزل فقط، بل يلزم أن يكون لها ~~إلمام تام ببعض الفنون التي يسهل على السيدات القيام بها، ومشاركة الرجال فيها، مثل علم ~~الطب والتعليم والخياطة، فربما احتاجت في المستقبل إلى اكتساب ما تقتات به. # والدهر ذو دول بالناس ينتقل # فالعلم جمال ما دامت غنية عنه وحفظ من الفاقة إن ms12 احتاجت إليه، هذا فضلا عن أن اشتغال ~~الفتاة بهذه الفنون يفيد غيرها من السيدات فائدة أدبية عظيمة، وخير الناس أكثرهم ~~نفعا. ~~(14) الفتاة والدجاج # يحكى أن رجلا أرسل ابنته إلى المدرسة، ولم تكد تعرف مبادئ القراءة والكتابة، حتى ~~أخرجها منها، واكتفى بما تعلمت، ظنا أنها بلغت من العلوم درجة يمكنها معها إعمال ~~الفكر فيما ينفعها. # أما الفتاة، فلما رأت أنها تعرف ما لا تعرفه والدتها الجاهلة من قراءة وكتابة الرسائل ~~أعجبت بنفسها، وظنت أنها بلغت من العلوم شأوا بعيدا لا تتنازل معه إلى النظر في تدبير ~~المنزل، وظلت في معزل عن ذلك، تأنف أن ينسب إليها معرفة شيء منه، كأن العلم بذلك عار ~~ونقيصة، ولبثت على ذلك سنين حتى توفيت والدتها، وصارت هي رئيسة المنزل، فاستعملت الغلظة ~~وسوء الخلق مع خدمها حتى اضطرتهن إلى ترك منزلها، وطلب الرزق من غيره. # واتفق أن زار والدها بعض أصدقائه، ولم يكن في المنزل إلا الفتاة وخادمة لها صغيرة، ~~لا تحسن صنع شيء من الأطعمة، فضاق الرجل ذرعا بذلك وقال لابنته: لو أمكنك أن تصنعي لنا ~~ولو طعاما بسيطا لا يحتاج إلى التأنق لكفانا ذلك شر الاحتياج إلى المآكل المصنوعة ~~في السوق، مع عدم ثقتنا بنظافة صانعيها، وانتخابهم أحسن الأشياء لصنعها، وقد أحضرت لك ~~بعض دجاجات، فما عليك إلا أن تنظفيها جيدا وتصنعي لنا بمرقها ثريدا. قالت الفتاة: لا ~~بأس بذلك، وسأريك نشاطي في العمل كما رأيته في العلم، فسر الرجل بذلك وقامت الفتاة ~~لصنع الطعام. # حتى إذا كان وقت الغداء، ووضعت المائدة، قال الرجل لضيوفه: لا يخفى عليكم أن ابنتي ~~صرفت كل زمنها في العلم، ولم تلتفت إلى تدبير المنزل؛ لعدم اكتراثها به، وقد تركت ~~الخادمات منزلنا حديثا، وأملي أن أحضر غيرهن. لذلك اضطررنا أن نصنع لكم ثريدا، وهو ~~طعام سهل الهضم مغذ، مع ثقتنا بنظافته لما أعهده في ابنتي من النشاط والتيقظ. قال ~~الضيوف: نعم الطعام صنعتم، ولم يستتموا حديثهم حتى أحضر الخادم الطعام، فابتدروا ~~يأكلون، ومد صاحب المنزل يده إلى دجاجة وقطعها ms13 ليقدمها لضيوفه، وما كاد يفعل ذلك حتى ~~فاحت رائحة كريهة، وتبين للحاضرين أن الفتاة لم تخرج أمعاء الدجاج قبل طبخه، فاشمأزت ~~نفوسهم، وندموا على تناول بعض لقيمات من الثريد. # قال أحدهم، وكان فطنا لبيبا: قد زعمت يا صاحبي أن فتاتك قد صرفت كل وقتها في ~~العلوم، وأراها جاهلة حتى بالأشياء البديهية، ولو أعملت الفكرة لعلمت أنه لا بد للدجاجة ~~من أمعاء تحتوي على فضلات غذائها، وإلا فأين يذهب غذاء الدجاجة، فغلطة فتاتك غلطة ~~جاهلة، لا تدري شيئا، حتى ولا في تكوين جسمها، وهو أقرب إليها من مضيق جبل طارق وغيره، ~~ولو تعلمت العلم الصحيح، واستضاء عقلها بالمعارف لأفلحت في كل ما قامت به من الأعمال، ~~ولعرفت أنفع الأشياء إليها، فاهتمت به، فالعلم نور يهدي صاحبه إلى معرفة الحقائق، وهو ~~جمال أينما كان، فلا تنسب إليه ما وقعت فيه ابنتك من خيبة الجهل، وأتم تعليمها، فربما ~~ترى منها ما يسرك، فإن ما تعلمته مبادئ أولية لا يراد منها إلا وصول الإنسان إلى غاية ~~محمودة، أما أنت فقد جعلت ذلك نهايتها فأخرجتها من العلم والعمل، فلا هي تعلمت فاستفادت ~~كيف تستنتج من الأمر الواحد أمورا، ولا هي بقيت في المنزل فتعلمت ما عرفته والدتها ~~بالتجربة والتلقين من أسلافها. # فخجل الرجل، وانصرف الضيوف يلعنون الجهل وعاقبته. ~~(15) جمال الفتاة أدبها # إن الفتاة تبدى حالة الصغر # كزهرة أينعت مجهولة الخبر # فإن تغذت بماء العلم نبعتها # أهدت إلى الكون طيب العنبر العطر # وزينت روضة الآداب يانعة # وأخرجت ثمرا من أحسن الثمر # وإن يفتها التحلي وهي في صغر # بالعلم ذاقت عذاب الجهل في الكبر # فلا يغر فتاة حسن منظرها # ليس التفاضل بين الناس بالصور # ما الفضل إلا لمن طابت شمائلها # وألهمت في صباها دقة النظر # فقلدت بحلي العلم لبتها # وكحلت ناظريها فيه بالسهر # وزانها حسن ألفاظ إذا نثرت # على ترائبها أبهى من الدرر # وظل يرشدها العلم الذي علمت # فكل أعمالها نفع بلا ضرر ~~(16) ملكة تخدم نفسها # اعتصبت الخادمات في قصر ملك أسبانيا، فأضربن عن العمل، وتركن القصر ms14 ، فاهتم الملك ~~لذلك، أما الملكة فلم يهلها ما رأت، بل قالت: لا يهيم الملك بمثل هذا، وليعلم أن عملا ~~تقوم به جماعة من الجاهلات لا يصعب على مثلي القيام به، ثم قامت فجهزت طعاما كان على ~~قلب الملك أشهى من كل طعام غيره، لا لأن الملكة صنعته، ولكن لإتقان صنعته، ولذة طعمه، ~~فإن الملكة لم يمنعها كل ما تعلمت من العلوم الراقية من تعلم تدبير المنزل، فأعملت ~~فكرتها فيه، وساعدها اتساع عقلها بالمعارف على إتقان ما أرادات منه، فنالت العلم ~~والعمل. # ولما رأت الخادمات أن الملكة قد استغنت عنهن بمعرفتها، عرفن قدرها، وعدن صاغرات ~~خاضعات لأمرها، وكن من ذلك اليوم يجتهدن في تحسين ما يصنعن وإتقانه، علما منهن أن ~~سيدتهن لها دراية تامة بكل ما يصنعن، فهي تعرف هفواتهن فيه وتنتقدها، فكن على حذر ~~من ذلك. ~~(17) المعلم والمتعلم # إن الأطفال يحتاجون إلى تربية نفوسهم احتياجهم إلى تربية عقولهم؛ إذ بدون التربيتين ~~لا يقوم الإنسان بما وجب عليه، ولا يكون لأعماله نظام يعرف. # وإن المعلم خير مثال يقتدي بأعماله وأخلاقه المتعلمون، فضلا عن تربيته عقولهم بما ~~يلقيه من العلوم النافعة، فإذا تحلى بمحاسن الآداب، واتصف بالكمال فقد سار بتلاميذه في ~~سبل السداد، ونهج بهم منهج النجاح، يأمرهم بالفضيلة، وينهاهم عن الرذيلة، فيشبون أناسا ~~عقلاء أفاضل، يكبتون العدو، ويسرون الصديق. # لذلك وجبت طاعته واحترامه على المتعلمين، فينقادون له، ويصغون إليه، حتى إذا أشكل ~~عليهم الأمر، ولم يمكنهم فهم ما يلقيه تلطفوا في السؤال عما أرادوا، غير معاندين ولا ~~مسلمين، فإن عنادهم جحود لنعمته، وعدم مروءة؛ إذ إن المعاند يأتي بأدلة فاسدة، يحاول ~~بها ستر الحقيقة، وهو يعلم بطلانها، فهو مخادع كاذب، أما المسلم فهو إما جبان لا ~~يقوى على المجاهرة بما لديه، وإما غبي لا يفهم ما يلقى عليه، فهو يتبع آراء المعلم ~~على غير علم بها. # هذا، ويجب أن يعرف المتعلم لمعلمه حق ماله عليه من الفضل، فيخفض له جناح الذل، ويخضع ~~لسلطانه، ولا يقاوم غضبه، وإن كان محقا في جداله ms15 ؛ لأن من المروءة معرفة الفضل لأهله، ~~ووقوف المرء عند حده، فلا يتكبر على من هو أرفع منه قدرا، بل يعظمه ويحترمه، لا سيما ~~من له الفضل عليه، مثل الوالدين والمعلمين، هذا فضلا عن أن خضوع التلميذ لأستاذه يقربه ~~منه، ويستميله إليه، فيبذل له مكنون صدره، ويتحفه بذخائر علمه، فيرقى سلم النجاح، وتخضع ~~له الآمال. ~~(18) الكسائي عند الرشيد # كان الكسائي يؤدب الأمين والمأمون ابني هارون الرشيد، فأراد يوما النهوض من عندهما، ~~فابتدرا إلى نعله؛ ليقدماها له، فتنازعا أيهما يقدمها له، ثم اصطلحا على أن يقدم كل ~~واحد منهما فردا منها، فلما رفع الخبر إلى الرشيد وجه إلى الكسائي، فلما دخل عليه ~~قال له: من أعز الناس؟ قال: لا أعلم أعز من أمير المؤمنين. قال: بلى، إن أعز ~~الناس من إذا نهض تقاتل على تقديم نعله له وليا عهد المسلمين حتى يرضى كل منهما أن ~~يقدم له فردا منها. فأخذ الكسائي يعتذر حاسبا أنه أخطأ. # فقال الرشيد: لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوما وعتبا، ولألزمتك ذنبا، وما وضع ما ~~فعلا من شرفهما، بل رفع من قدرهما، وبين عن جوهرهما، ولقد تبينت مخيلة الفراسة ~~بفعلهما، فليس يكبر المرء وإن كان كبيرا عن ثلاث: تواضعه لسلطانه، ولوالديه، ولمعلمه، ~~ثم قال: وقد عوضتهما مما فعلا عشرين ألف دينار، ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك ~~لهما. ~~(19) إصلاح العلم في أمريكا # كان يسكن أمريكا في الزمن الغابر الجنس الأحمر، وهم قوم متوحشون، كانوا يأوون إلى ~~الجبال والغابات، ويأكلون من الحشائش البرية، أو من لحوم الحيوانات التي كانوا ~~يفترسونها، ثم يستترون بجلودها، فكانوا عرضة لهجوم الوحوش عليهم، ونهبها نفوسهم، وكانوا ~~لا يستغرقون في نومهم لشدة تخوفهم من تلك الوحوش حتى كانت آذانهم تتحرك وتتجه جهة ~~الصوت؛ لكثرة تتبعهم الأصوات، حذرا من وثوب السباع عليهم، وقد أعماهم الجهل عن التمتع ~~بخيرات بلادهم، مع ما كان فيها من المعادن النفيسة، كالذهب والفضة وغيرهما. # حتى إذا دخل الأسبانيون أرضهم بعد اكتشافها، وجدوا بها من الكنوز والذخائر ما بهرهم، ~~وكانوا يستعملون ms16 الأمريكيين في نقلها إلى سفنهم كما تستعمل الحيوانات في حمل الأثقال، ~~ذلك لجهل الأمريكيين، واتساع عقول الأسبانيين بالعلوم والمعارف. # ومن ثم دخل العلم أمريكا فما زالت تترقى حتى أصبحت من أحسن البلاد عمارة وتجارة ~~وحضارة، وأصبح نساؤها من أفضل النساء علما ونشاطا في العمل حتى شاركن الرجال في كثير ~~من الأعمال، وأحسن القيام بها، فمنهن الكاتبات البارعات، والمهندسات، والمحاميات، ~~وغير ذلك. # ويحكى أن المهندس الذي شرع في عمل قنطرة بين نيويورك وبركلين مات قبل تتميم عمله، ~~فحلت محله امرأته، وأتمت عمله على أحسن ما يرام من الإتقان، فنعم الذخر العلم؛ به يتقدم ~~المتأخر، ويسود الوضيع، وتنال الآمال، وتصلح الأحوال. ~~(20) وفاء السموءل # اشتهر العرب بكثير من الفضائل، من ذلك: الشجاعة والحلم والجود والوفاء بالعهد وحفظ ~~الجوار، فكانوا يبذلون كل نفيس في سبيل الوفاء بما عاهدوا الناس عليه، ويقون جارهم ~~بأموالهم وأنفسهم، ويفتخرون بذلك، ويعيرون من نكث عهده، أو خذل جاره. # وممن اشتهر منهم بالوفاء السموءل، وكان يسكن حصنا منيعا فوق جبل لا يستطيع العدو ~~الهجوم عليه، فكان هذا الحصن مأوى الخائفين، فلما قتل أبو امرئ القيس، وطرد امرؤ ~~القيس الشاعر المشهور من ملك أبيه أخذ معه مائة درع وسلاحا، وأودعها السموءل، وعاهده ~~على أن لا يسلمها لأحد غيره. # فسمع عدو امرئ القيس بها، وجاء ليأخذها منه، فأبى السموءل، وتحصن بحصنه، وكان له ~~ابن خارج الحصن، فأخذه العدو وناداه: إما أن تسلم لي الأدراع، وإما قتلت ابنك. فأبى ~~السموءل أن يسلم الأدراع، وقال: إنك إن قتلت ابني فعندي من يخلفه، ولا عار في قتله، فقد ~~عاش كريما ومات كريما، أما نقض العهد فلا سبيل إليه لما يعقبه من العار. فضرب العدو ~~وسط الغلام بالسيف فقطعه وأبوه يراه وانصرف، ومنع السموءل الأدراع إلى أن مات فضرب به ~~المثل في الوفاء بالعهد. # ومن كلام السموءل في الفخر قوله: # إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه # فكل رداء يرتديه جميل # وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها # فليس إلى حسن الثناء سبيل # تعيرنا أنا قليل ms17 عديدنا # فقلت لها إن الكرام قليل # وما قل من كانت بقاياه مثلنا # شباب تسامى للعلا وكهول # وما ضرنا أنا قليل وجارنا # عزيز وجار الأكثرين ذليل # إذا سيد منا خلا قام سيد # قئول لما قال الكرام فعول # وما أخمدت نار لنا دون طارق # ولا ذمنا في النازلين نزيل ~~(21) الدين المعاملة # إن الإنسان في جميع أطواره لا مندوحة له من مخالطة أناس يأنس بهم في وقت فراغه، ~~ويستعين بآرائهم في بعض أعماله؛ لذلك وجب أن يحب المرء معاشريه، ويخلص لهم ويحسن ~~معاملتهم؛ ليعيش مستريح البال، لا يعوقه عن إصلاح أمره الاشتغال بالشقاق والمنازعة، فإن ~~حسن الأخلاق لا يكلفه شيئا، بل يكسبه أشياء؛ لأنه يستميل قلوب الناس إليه، ويدعوهم إلى ~~مساعدته، ويكفيه شر التعرض لهم وإيذائهم بحدة لسانه، فقد يفعل اللسان من الضرر ما لا ~~يفعله الحسام، فيتفق الناس على معاداة صاحبه، ويغضب عليه الله - سبحانه وتعالى. # فنعم عون المرء حسن أخلاقه، فهو وصف جميل يدعو إلى الاتحاد والتعاضد، وهو ضروري ~~لاسيما للفتاة التي ربما أصبحت بين أسرة لم تعرف من بها من السيدات من قبل، ولا ما ~~عاداتهن التي نشأن عليها، فإن لم تعرف كيف تعامل الأهل بل الناس جميعا كانت سبب تفرق ~~الأسرة، واختلاف كلمتها، فتضعف رابطتها وتتفرق آحادها، ويستظهر عليها العدو، وتعجز عن ~~إصلاح شئونها، والقوة في الاتحاد، كما قال أكثم بن صيفي: # تأبى القداح إذا اجتمعن تكسرا # وإذا افترقن تكسرت آحادا # لذلك ينبغي أن تتعود الفتاة حسن الأخلاق منذ نشأتها، فتتعلم طفلة كيف تحسن معاملة ~~إخوتها، أو من معها في المنزل من الأطفال، فلا تؤثر نفسها عليهم، ولا تتسبب في كدرهم ~~حتى إذا ترعرعت وذهبت إلى المدرسة تعلمت كيف تحسن معاملة التلميذات وترضيهن جميعا على ~~اختلاف مشاربهن، فتستميلهن إليها، وتأنس بهن، وتستفيد من رأيهن وعلمهن حتى إذا بلغت ~~أشدها كان ذلك عادة لها، فتكون سرور الأسرة التي توجد فيها؛ بها يأنسون، ومن آرائها ~~يستمدون، فتريحهم من متاعب النزاع، وتقوي رابطة اتحادهم؛ فيتفرغون للإصلاح والتعاون ~~عليه، ويساعدهم اتحادهم على الاقتصاد ms18 في النفقات. # فإن الأخوة مثلا إذا جمعهم منزل واحد ومائدة واحدة ينفقون في أمر غذائهم ومسكنهم أقل ~~مما ينفقون، لو كانوا متفرقين، فيستبقون من الدراهم ما يستعينون به على إصلاح شئونهم، ~~وحسن تربية أبنائهم، وتكسب هي ثناء الناس عليها، ورضا الله - سبحانه وتعالى - ~~عنها. ~~(22) عبد الله بن الزبير ومعاوية رضي الله عنهما # كان لعبد الله بن الزبير أرض له فيها عبيد يعملون، وإلى جانبها أرض لأمير المؤمنين ~~معاوية بن أبي سفيان، وفيها أيضا عبيد يعملون له، فدخل عبيد معاوية في أرض عبد الله، ~~فكتب كتابا إلى معاوية يقول فيه: # أما بعد؛ يا معاوية فإن عبيدك قد دخلوا في أرضي، فانههم عن ذلك، وإلا كان ~~لي ولك شأن، والسلام. # فلما وقف معاوية على كتابه رماه إلى ولده يزيد، فلما قرأه قال له معاوية: يا بني ما ~~ترى؟ قال: أرى أن تبعث إليه جيشا يكون أوله عنده وآخره عندك؛ يأتونك برأسه. قال: بل ~~غير ذلك خير منه يا بني، ثم أخذ ورقة وكتب فيها إلى عبد الله يقول: # أما بعد؛ فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، وساءني ما ساءه، ~~والدنيا بأسرها هينة عندي في جانب رضاه، وقد نزلت عن أرضي لك، فضمها إلى أرضك ~~بما فيها من العبيد والأموال، والسلام. # فلما وقف عبد الله على كتابه، كتب إليه: # قد وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، ولا أعدمه الرأي الذي أحله ~~من قريش هذا المحل، والسلام. # ولما وقف معاوية على كتاب عبد الله رماه إلى ابنه يزيد، فلما قرأه تهلل وجهه وأسفر، ~~فقال له أبوه: يا بني من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب، فإذا ~~ابتليت بشيء من هذه الأدواء فداوه بمثل هذا الدواء. ~~(23) بلاد مصر # إن مصر بلاد عريقة الحضارة، قد اشتهر قدماؤها بالصناعة، وشهد لهم بذلك ما خلفوه من ~~غريب الآثار، ومن أعظمها الأهرام التي أبلت الدهر، وهي في عنفوان الشباب حتى اتفق الناس ~~على أنها أشهر الآثار القديمة ms19 . ذلك لإتقان صنعتها، ومتانة بنائها، وعظيم منظرها الهائل ~~الذي يأخذ بالقلوب قبل الأبصار، ومن جميل آثار مصر؛ قصر أنس الوجود، وأعمدة رمسيس، ~~ومعبد الكرنك، وقبور بني حسن، وقبور العجل أبيس. # وهي مع ذلك بلاد معتدلة الجو، رائقة السماء، قد مر فيها النيل فأكسب أرضها خصبا، ~~وحسن تربتها، فكانت بلادا زراعية كثيرة الخيرات، فأهلها يتمتعون بما منحهم الله - ~~سبحانه وتعالى - من تلك الهبة الجليلة التي طالما حسدهم عليها جميع الأمم، ولو أحسنوا ~~التصرف لكانوا من أسعد الناس حظا؛ لكثرة مزروعاتهم، واتساع ثروتهم، ووفرة ~~أموالهم. ~~(24) النيل في مصر # إذا ما النيل حط بنا الرحالا # وفاض على شواطئه وسالا # وأهدى مصر جلبابا موشى # بفضته فألبسها جمالا # أرادت أن تباريه فغطت # بسندس نبتها تلك الرمالا # وأبدت درها المكنون حتى # يطيب الضيف في الأحياء حالا # وماس الغصن من طرب وأوما # بشكر النيل إذ بذل الزلالا # فنخرج من بطون الأرض تبرا # ونأكل طيبا حسنا حلالا # ولا نخشى من الأيام قحطا # ولا عسرا يكلفنا السؤالا # ولا برد يضر المرء فيها # ولا حر إذا ما الظل زالا # فنعم الأرض ما أحسنت فيها # ولم تطع الغواية والضلالا ~~(25) متتبع الآثار # أراد أحد المصريين السفر إلى باريس يمتع الطرف بما فيها من الآثار والمناظر، فصادف في ~~طريقه فرنسيا عائدا من مصر إلى بلده، فأنس كل منهما بصاحبه، وأخذا يتحدثان، فقال ~~الفرنسي: أين تذهب؟ قال: إلى باريس. قال: ألك حاجة هناك؟ قال: لا، ولكني أردت أن أرى ما ~~فيها من الآثار، وقد علمت أن هذا يزيد الإنسان علما بتاريخ هذه البلاد، وما كان عليه ~~أهلها من الحضارة والعلوم. # قال الفرنسي، وقد أعجب بقول المصري وأقبل عليه: لقد صدقت؛ ولهذا الغرض كنت في مصر، ~~وإنها لفوق ما سمعت من وصفها، وقد تمتعت بكثير من مناظرها الجميلة، وأعجبني متحف الآثار ~~العربية، ولكني أسفت لعدم معرفة اللغة العربية وقراءة شيء مما كتب على بعض هذه الآثار، ~~فهل تحفظ شيئا من ذلك؟ قال المصري: إني لم أر هذا المتحف. # فظهرت علامات التعجب على وجه الفرنسي، ولكنه ms20 تمالك عنه، ودخل في الحديث ثانية، وأخذ ~~يطنب في مدح مصر وما فيها من الآثار، ويذكر مشاهدته لكثير منها، إلى أن ساقه الحديث إلى ~~ذكر الأهرام، فجعل يعجب من صنعها وعظيم مشهدها، ويسأل المصري عما يرى في ذلك، فاضطرب ~~المصري ولم يكن يخال أن يكون لأرضه هذا التأثير في النفوس، ثم قال: إني لم أر الأهرام؛ ~~لعدم اهتمامي بها، ولكنك عظمت ذلك في نفسي، وسأزورها بعد عودتي. # فضحك الفرنسي متهكما به، وصرف وجهه عنه، قائلا: إنك لا تدري شيئا من آثار بلادك، ~~وأراك توغل في البلاد الأخرى؛ لتعرف من آثارها ما لم تعرفه جدودك، فماذا يكون حالك إن ~~سألك أهل باريس أن تصف بعض الآثار الشهيرة في بلادك، وما مثلك إلا كمن يترك الدر تحت ~~أقدامه لا يعبأ به، ويذهب في طلب الصدف جهلا منه بقيمة كل. # اذهب أيها المغرور فاعرف آثار بلادك، ثم اطلب معرفة غيرها، نعم إن الإنسان لا تكمل ~~أخلاقه وآدابه وتحسن تجربته إلا إذا خالط أجناس الناس على اختلاف أحوالهم ومشاربهم، ~~فيكتسب منهم علما وتجربة، ولكنه إذا أراد أن يعرف آثارهم وعاداتهم ليستفيد منها فليبدأ ~~بمعرفة آثار بلاده وعاداتها؛ ليقارن بين هذا وذاك، وإلا كانت سياحته مجرد أسفار لا يهمه ~~فيها إلا حسن المناظر، وتنميق الألوان، وهو في معزل عما تشير إليه هذه المناظر من ~~الأسرار الغامضة. # فخجل المصري، وكر راجعا إلى بلاده، معولا أن يدرس أحوالها درسا جيدا. ~~(26) وصف حالة المعيشة في مصر # ينقسم المصريون إلى قسمين متباينين في المعيشة؛ أهل القرى والمدنيين، أما القرويون: ~~فإن منبع ثروتهم الزراعة، وهم في الغالب مستقيمو الأحوال، ولنسائهم من العمل نصيب وافر، ~~وكل الأشياء متوفرة لديهم من خيرات أرضهم حتى إن الحازم منهم الذي لم يقتد بأشرار ~~المدنيين في أحواله ولم يترك سنة آبائه لا يحتاج إلى شراء شيء من غير متحصلات أرضه، إلا ~~خشب البناء، وبعض أثاث المنزل، كالفرش والأواني، وربما كان أغلب أواني الفقراء من ~~الفخار المصنوع من طين أرضهم. # فيزرع الفلاح في أرضه ما يحتاج ms21 إليه من الغذاء والكسوة، كالقمح والذرة والفول والقطن ~~والكتان والتيل، ويهتم باقتناء المواشي وبعض الطيور، فيعيش من لحومها وألبانها، ويلبس ~~من صوفها، وبعد فراغه من زرع أرضه يشتغل بحراستها، وغزل القطن أو الصوف؛ لعمل ~~ملابسه. # أما المرأة فتقوم بأعمال منزلها أحسن قيام، فتحسن التدبير، وتساعد الرجل في بعض ~~الأعمال، وتستخرج السمن والجبن، وفي الغالب أنها تأتي بالماء من الترع على رأسها، وتمشي ~~به معتدلة مسرعة في خطواتها، يظهر عليها النشاط والاستقامة، وتشتغل في أوقات الفراغ ~~بغزل الكتان لنسج ملابسها، إلا أنها لجهلها لا تحسن تعهد الأطفال والاعتناء بنظافتهم، ~~فهي تعرضهم للمرض خصوصا مرض العيون، ولكنها تجتهد في عمل ما تقدر عليه، فلا يضطر ~~الفلاح إلى شراء شيء إلا ما ندر، وهو مع ذلك يبيع القطن والحبوب الزائدة عن ~~حاجته. # أما فقراؤهم فلا يعرفون من العسر إلا اسمه؛ لأنهم يشتغلون أيام الزرع والحصاد عند ~~أصحاب الأراضي، ويأخذون أجورا كافية لسد عوزهم طول السنة، زيادة عن أكلهم، وأخذ ما ~~أرادوا من الخضر وغيرها من الأشياء التي لا قيمة لها عند الفلاح لكثرتها، وعند الفراغ ~~من الأعمال لا يحرمهم الأغنياء من أخذ ما تيسر من الخضر والبقول للطبخ، ولا يمنعهم أحد ~~من تسريح ماشيتهم التي يتعيشون منها على الجسور ورعيها الكلأ. # وبالجملة، فإن فلاحي المصريين في رغد عيش وظل ظليل ما أحسنوا التصرف، واجتنبوا تقليد ~~المدنيين التقليد الأعمى، وهم مع ذلك في تمتع مطلق؛ ليس لأحد عليهم سيطرة في جميع ~~أحوالهم المباحة، وفيهم من مكارم الأخلاق حب المساواة بين الناس، غنيهم وفقيرهم، وترك ~~التملق حتى إن الفقير يدعو الغني باسمه، لا يزيد عليه كما يدعوه الغني، ولا يهتمون بحسن ~~الزي وزخرفة الملابس، ويمقتون المسرف، ولا يتظاهرون إلا بالفضائل محتقرين الفجور وأهله، ~~كيف كانت حالهم، ولهم حرص شديد على اتحاد كلمة الأسرة، وعدم تشتيت شملها، وربما ساعدهم ~~ذلك على تحسين حالهم، والاقتصاد في نفقاتهم، ولنسائهم من الاستقامة والصبر على مكابدة ~~المشاق، والقدرة على مساعدة الرجال، والقناعة بما لديهن ما هو جدير بحسن الثناء. # هذه ms22 حالهم على العموم، ولا شك أن بعضهم قد تبع خطوات الأشرار، فأنفق ماله سدى وساءت ~~حاله. # أما المدنيون: فتختلف أحوال معيشتهم باختلاف منابع رزقهم، فمنهم التجار، والموظفون، ~~والصناع، والعملة، وأغلب أشيائهم تأتي من الخارج، حتى إن الفقراء منهم يستبدلون # 1 # شراء الدقيق الآتي من البلاد الأجنبية بشراء القمح لقلة ثمنه. # أما أغنياؤهم: فأغلبهم يفضل شراء الأشياء المصنوعة، كالملابس وغيرها على صنعها في ~~المنزل، حتى إنهم فضلوا شراء الخبز من المخابز على تجهيزه في المنزل، وهذا لكسل النساء، ~~وتركهن أعمال المنازل في أيدي الخادمات يتصرفن فيها ما شئن؛ ولذلك كان شراء الخبز على ~~علاته أقل نفقة من القمح؛ لعدم تمكن الخادمات من سرقة الخبز، كما يسرقن القمح والدقيق؛ ~~لأن الخبز يأتي كل يوم على قدر الحاجة. # وقد اعتادت نساؤهم الكسل، ونمن على فراش الراحة، فلم يهمهن إلا تحسين زيهن، ~~والتغالي في الترف، حتى فضلن زينتهن على جميع ما عداها، فما يسعى الرجل في جمعه تجتهد ~~المرأة في تشتيته وإنفاقه على مطالبها التافهة، فيضطر الرجل إذ ذاك إلى كثرة الكد ~~والتعب، وتزداد هي من التبرج والزينة، غير مبالية بما يقاسيه الرجل من المشاق، فتترك ~~منزلها في أيدي الخادمات يبددن الأشياء ويتلفن أخلاق الأبناء؛ لكثرة المخالطة، وتخرج في ~~زيارتها من منزل إلى آخر. # هذا، ولا أنكر أن بعضهن يعتنين بمنازلهن والقيام بنظافة الأطفال وحسن تربيتهم، وهن ~~مع ذلك يساعدن الرجال في التدبير، ويدخرن بعض المال لتعليم أبنائهن، ويستبقين بعضه ~~أمانا من الفقر، حتى إذا مات الرجل أو أصابه أمر وجد الأطفال من المال ما يسد عوزهم، ~~ويقوم بتربيتهم. # ولولا سوء التصرف لكان المصريون من أسعد سكان المعمورة حالا؛ لتوفر أسباب المعيشة، ~~واعتدال الجو الذي يساعد الإنسان على قضاء حاجاته، فيمكن الفقير أن يعيش في مصر سعيدا ~~لا يعرف للجوع ألما، ويتقي شر البرد بقليل من الملابس، كما تقيه الأشجار حر الشمس، فلا ~~يحتاج إلى كثرة النفقة كغيره من سكان البلاد الباردة، كالروسيا وغيرها، الذين ربما ~~ماتوا من البرد والجوع، وهو مع ذلك مستريح ms23 من شدة حر الشمس الذي يمنع الإنسان من ~~العمل، ويضطره إلى الراحة والكسل، كما يقاسي ذلك سكان المنطقة الحارة، فهو في هناء ورغد ~~عيش. ~~(27) القروية وجرتها # أرادت فتاة مدنية من أهل الثروة أن تستريض، فتردت بأنفس حللها، وتزينت بحليها، وخرجت ~~تخطر في جماعة من خدمها، وقصدوا قرية قريبة منهم، حتى إذا وصلوها وقفت الفتاة على شاطئ ~~نهر، تنعم النظر في جمال ما صنعته القدرة الإلهية، وقد أعجبها انحدار سبائك الماء ~~الفضية بين تلك المروج الزبرجدية، وراقها اهتزاز الغصون وتمايل الأشجار التي كانت كأنها ~~تشير بأكف أوراقها الخضراء قائلة لمن أضر بهم الإعياء: # إلي إلي تستريحوا من العنا # فظلي من حر السماء ظليل # وتحت غصوني يكتسي الجسم صحة # لأن نسيمي رق فهو عليل # وبينما هي تسرح الطرف بين تلك الحقول والغدران، إذ بصرت بفتاة قروية تملأ جرتها من ~~النهر، وقد زان جمالها الطبيعي بشاشة وجهها، واعتدال صحتها، فأخذت الفتاة تردد الطرف في ~~محاسنها، وتود لو تكلمها لتعرف بعض عاداتها، وما زالت كذلك إلى أن ملأت القروية جرتها، ~~والتفتت يمينا وشمالا لترى أحدا تستعين به على حمل الجرة، فلم تجد، فجثت على ~~ركبتيها، ورفعت الجرة على رأسها، وقامت بها تمشي معتدلة القامة مسرعة الخطوات. # فدنت منها المدنية وحيتها وسألتها: كيف استطاعت أن تحمل تلك الجرة مع ثقلها، ولم ~~تستعن على ذلك بأحد؟ قالت القروية: قد اعتدت ذلك، فسهل علي عمله، فأبدت المدنية أسفها ~~على حالة الفتاة، وقالت: أظن أن أباك فقير يضطرك إلى هذا. قالت القروية: كلا يا سيدتي، ~~فإن أبي متوسط الثروة، وعندنا خير كثير. قالت المدنية: هذا والله هو الظلم؛ كيف يكون ~~والدك غنيا وأنت تقومين بمثل هذا العمل الشاق؟! # فابتسمت القروية وقالت: لا ظلم في ذلك يا صاحبتي، فإن لكل إنسان عملا في هذه الحياة ~~الدنيا، وإن لأبي نفسه أعمالا كثيرة، فكيف يتركني بلا عمل، أوليس لك عمل تقومين به؟ ~~قالت: حاشا لله، فإن عندنا من الخدم ما يكفيني شر هذا. قالت القروية: أوليس لأبيك عمل ~~أو صناعة؟ قالت: ms24 بلى ، إنه رئيس قلم في بعض الدواوين. قالت: وهل يتحمل في ذلك مشقة؟ ~~قالت: نعم، فقد يسهر أحيانا إلى جزء من الليل في تتميم عمله. # فصاحت القروية: هذا والله هو الظلم لا ذاك، أيقوم والدك بمثل ذلك العمل الشاق ~~وتتركين بلا عمل، ولو زهيدا، تظهرين به مقدار شكرك له، وعنايته بك، وقيامه بشئونك! ~~قالت المدنية: تلك سنتنا، ولا باس بها، وإني آسف على سوء حالكن أيتها القرويات. قالت ~~القروية: لو تعلمين الحقيقة لأسفت على حالكن أكثر مما تأسفين علينا؛ لأننا عددنا أنفسنا ~~من جنس الإنسان، فشاركنا الرجال في العمل، ولم نكن عالة على غيرنا، فضميرنا مرتاح ~~لعلمنا أننا نقوم بأعمال نستحق عليها ما ينالنا من مال أهلنا، وقد اعتدنا تحمل المشاق، ~~والصبر عليها، والرضا بما لدينا، ومساعدة الرجال في الاقتصاد في المعيشة. # أما أنتن فقد تركتن العمل، فكنتن عالة على الرجال، يقومون بشئونكن بلا مقابل منكن ~~على ذلكن، وبهذا وضعتن أنفسكن موضع الحيوانات التي تقتنى للزينة، وقد تغاليتن في زينة ~~أجسامكن إلى حد صرتن معه تماثيل تضحين في سبيل ذلكن الكمال والصحة، حتى أصبح الإنسان ~~ينظر إليكن فيعجب، ويسمع عنكن فيأسف، قدود مائسة، وأفكار يابسة، أجسام حالية، وعقول ~~عاطلة، فأنتن أصل الفساد، تبددن الأموال، وتهلكن الرجال، قد جبلت نفوسكن على الطمع وحب ~~الاستئثار بالمنافع دون غيركن ممن تخالطن، فلستن تبالين بما ينالهم بسبب تغاليكن في ~~الترف، وبئست الخصال. # وإني على ما أقاسيه من هذا العمل لأسعد منك حالا، وأنعم بالا، وقد كفتني هذه ~~الملابس البسيطة شر ما تجدينه من ملابسك المزخرفة من الضيق، فلست أجد منها ما تجدين من ~~هذا الدرع «الكرسه» الذي ضغط على أضلاعك فآلمك وغير لون وجهك، وهذه الأحذية الضيقة التي ~~فضلا عن ضغطها على الأقدام قد ارتفعت من الخلف فدفعتك إلى الأمام حتى تكادي تسقطين في ~~مشيتك، وناهيك بتأثير ذلك في صحتك، وما مثلك في هذه الملابس الطويلة التي تجر وراءك ~~فتلتقط من الأقذار ما شاءت مع فراغك من العمل إلا كمثل طاووس يربيه الإنسان ليسر ms25 ~~بمنظره ، فإن بقي كان تسلية، وإن فقد فلا حاجة إليه. # فخجلت المدنية وانصرفت عنها، وقد خفف ذلك من كبريائها. ~~(28) اللغة العربية # اللغة العربية أغزر اللغات مادة، وأجودها معنى، وأحسنها أسلوبا، وأرقها عبارة، ~~وأشدها تأثيرا في النفوس، وأكثرها فائدة، وأقلها لغوا، قد اعتنى أهلها بتهذيبها ~~وتنقيحها، فكانوا يعدون لذلك الأسواق، فيها يقول كل خطيب أو شاعر ما خطر بباله، ~~وينتقد كلامه الحاضرون من أهل الخبرة والدراية، حتى إذا استحسنوا قوله أثنوا عليه، ~~وحفظوا شيئا مما قال، فيسير ذكره بين قبائل العرب، ويفتخرون به وبقوله. # لذلك اجتهدوا في لغتهم، وأودعوا فيها من الحكم والتشبيهات ما شهدت لهم به كتب ~~التاريخ، حتى قال بعض نبهاء الغربيين: إن جو بلاد العرب الرائق واتساع سهولهم ساعدهم ~~على تصور ما لا يتصوره غيرهم من الناس. # وقد تقدمت العرب في الصدر الأول من الإسلام في كثير من العلوم ودونوها بلغتهم، ~~وانتشروا في البلاد الأخرى حتى دخلوا أسبانيا، فأسسوا بها دور العلم، وعنهم أخذ ~~الغربيون كثيرا من العلوم الحديثة، مثل علم الكيمياء والطبيعة والجبر والأرقام ~~الحسابية وغيرها. ~~(29) بعض الشاعرات # الخنساء # قد اشتهر كثير من نساء العرب بالشعر وحدة الخاطر، ومنهن الخنساء، وقد كانت من أعظم ~~شعراء الجاهلية، وكان تحضر أسواق العرب وتنشد شعرها كغيرها من الرجال، فاشتهرت بين ~~العرب، واستحسن الناس شعرها، وفضلوها على كثير من شعراء عصرها، ومن ذلك قولها: # كل ابن أنثى بريب الدهر مرجوم # وكل بيت طويل العمد مهدوم # لا سوقة منهم يبقى ولا ملك # ممن تملكه الأعراب والروم # وقد حضرت الإسلام وحسن إسلامها، ويحكى أنها عرضت شيئا من شعرها على النابغة ~~الذبياني رئيس الموسم فقال لها: لولا سبقك هذا الأعمى «يعني الأعشى» لفضلتك على شعراء ~~هذا الموسم، وكان إلى جانبه حسان بن ثابت الأنصاري - رضي الله تعالى عنه - فغضب لذلك، ~~وقال: أنا أشعر منك ومنها، فالتفت إليها النابغة وقال: أجيبيه يا خنساء. فأجابته ~~فأسكتته. # ليلى الأخيلية # اشتهرت ليلى الأخيلية بالشعر وحدة الخاطر في عهد بني أمية، فكان يعظمها الملوك ~~والحكام إذا دخلت عليهم، ومن ms26 شعرها قولها: # لعمرك ما في الموت عار على الفتى # إذا لم تصبه في الحياة المعاير # وكل شباب أو جديد إلى بلى # وكل امرئ يوما إلى الله صائر # ودخلت يوما على الحجاج أمير الكوفة، فأنشدته قولها: # إذا نزل الحجاج أرضا مريضة # تتبع أقصى دائها فشفاها # شفاها من الداء العضال الذي بها # غلام إذا هز القناة سقاها # سقاها دماء المارقين وعلها # إذا جمحت يوما وخيف أذاها # فقال الحجاج: والله ما وصفني شاعر بأحسن من هذا، ثم قال: يا غلام خذها فاقطع لسانها ~~واكفنا شرها، فخرج بها الغلام وأراد قطع لسانها، قالت: ويحك إنما أراد أن تقطع لساني ~~بالصلة، فردني إليه. فأعادها إليه، فضحك الحجاج، وأعجبه ذكاؤها، وأمر لها بصلة ~~جزيلة. # عائشة تيمور # اهتمت عائشة هانم التيمورية باللغة العربية حتى نبغت فيها، ولم يقعدها غناها عن الكد ~~في جمع دررها، فاشتهرت بين المصريات بالشعر والأدب، ومن ذلك قولها: # بيد العفاف أصون عز حجابي # وبعصمتي أسمو على أترابي # وبفكرة نقادة وقريحة # وقادة قد كملت آدابي # ولقد نظمت الشعر شيمة معشر # قبلي ذوات الخدر والأحساب # وجعلت مرآتي جبين دفاتري # وجعلت من نقش المداد خضابي # ما ضرني أدبي وحسن تعلمي # إلا بكوني زهرة الألباب # ما عاقني حجلى عن العليا ولا # سدل الخمار بلمتي ونقابي ~~(30) بعض عادات المصريات # إن لكل أمة خرافات وعادات مذمومة، نشأت فيها زمن جهالتها، ثم بقيت لاصقة بها بعد ذلك، ~~وتكون غالبا في جهلائها، فمن عادات المصريات المذمومة: النواح والصياح في المآتم، ~~فيلطمن وجوههن ويولولن ويلبسن الحداد مع أن هذا مخالف للأدب، وكل دين سماوي، وهن مع ~~ذلك يتغالين فيه حتى يكاد الإنسان يظن أنهن قد أصبن في عقولهن، ولا أدري ما فائدة ~~هذا التعب والجزع، وهو لا يبعث ميتهن، بل يزيدهن هما وألما، ويشغلهن عن إصلاح ~~حالهن، فربما يشغل إحداهن البكاء وشدة الجزع عن النظر في شئون أطفالها أو من يجب ~~عليها ملاحظتهم، فتتلف صحتهم وأخلاقهم، هي لاهية عنهم بما تبديه من الحزن والجزع، وهذا ~~دليل على عدم نظرها في العواقب، وجهلها ms27 بالأمور ؛ لأنها ببكائها على من مضى تهلك من بقي ~~معها، ولو علمت الحقيقة لتسلت عن الحزن بالجد والعمل، والسعي وراء ما يصلح ~~أحوالها. # ومن العجيب أن المعزيات يبعثن صاحبة المصاب على كثرة الحزن والجزع، ويهولن لها ~~الخطب، حتى إن إحداهن ربما دخلت من باب المنزل صارخة مولولة كأنها هي المصابة، فتثير ~~أحزان أقارب الميت وتزيدهن جزعا وهما، وكان الأولى بها أن تخفف مصابهن، وتذكرهن ~~بمن مضى من البشر، ومن أصيب من الناس؛ ليسهل عليهن الأمر، ويتركن الحزن. # وإننا نأمل أن ينجع التعليم بالفتيات فيقتدين بالرجال في الصبر، ومصادمة النوائب بقلب ~~ساكن، وجنان ثابت، وهن ينظرن أن كثيرا من الرجال قد يفقدون أعز الناس عليهم فلا ~~يبدون جزعا ولا تململا، لا يزالون ساكني الجأش صابرين في السراء والضراء. # ومن عادات المصريات: التغالي في زخرفة الملابس وتطريزها، وانتخاب الألوان الزاهية ~~التي تزول بمجرد ملامستها للبدن أو تعرضها للهواء، حتى إذا زالت هذه الألوان اضطررن إلى ~~ترك الملابس وصنع غيرها، مع كثرة ثمنها وقصر أجلها، فهن يصرفن في ذلك مالا طائلا ~~كان الأولى صرفه فيما ينفع، كتعليم أبنائهن أو إصلاح مستقبلهن. # ولا يؤخذ من ذلك أن تهمل الفتاة في نظام ملابسها، أو تلبس من الثياب ما لا يليق ~~بمقامها ويحفظ احترامها، بل يراد به أن تنتخب المنسوجات المتينة، والألوان الثابتة، مع ~~بساطتها وحسن شكلها، فتظهر للناس حسن انتخابها وسداد رأيها. # ومن عادات بعضهن: كثرة الخروج والتبرج، وترك المنزل في أيدي الخادمات، يعبثن ما شئن، ~~يبددن الأشياء، ويتلفن أخلاق الأبناء؛ لكثرة المخالطة، وربة المنزل لاهية في زيارتها من ~~بيت إلى آخر، وهذا يعد خيانة وعدم وفاء؛ لأن الفتاة التي ترى أن الرجل يصرف نفيس أوقاته ~~في جمع المال لراحتها كيف لا تبذل هي الجهد في حفظه وصرفه فيما يفيد الأسرة، وهو لا ~~يكلفها كبير تعب ولا مشقة. # ومن أقبح عادات المصريات غير المتعلمات: الزار، وهو دليل على جهل من تعتقده، وميلها ~~للأوهام والخرافات؛ لأنها تعتقد دائما أن فتاة تدخل في جسمها العفاريت فتتحرك بحركات ms28 ~~لا تقصدها، وتتكلم بأصوات شتى زاعمة أن لكل صوت منها عفريتا مخصوصا، وكيف يحترم ~~الإنسان فتاة قد استهوتها الشياطين، وهن مع ذلك يفتخرن به، ويصرفن فيه أموالهن، وكل ~~عاقل يعلم أن من ادعته كاذبة في دعواها ناقصة الإدراك. # وقد يكون الزار حجر عثرة في شفاء كثير من هؤلاء المدعيات؛ لابتعادهن عن طلب الطبيب ~~زعما أن صاحبهن الجني يغضبه شرب الأدوية، أو اتكالا على أنه يشفيهن بلا دواء، فيشتد ~~مرضهن ويتعذر شفاؤهن، ويمتن قتيلات جهلهن وسوء تصرفهن. ~~(31) الصديقتان # أرادت إحدى المصريات أن تذهب إلى وليمة الزار، فقابلت في طريقها صديقة لها من ~~الغربيات، كانت تلميذة معها في المدرسة، ففرحت الغربية بمقابلتها، ومالت إليها، وكانت ~~ممن تربين في مصر، وتمكن من اللغة العربية، وعرفن عادات المصريات، فتذكرت الفتاتان ~~أيام الطفولية وما صرفتاه معا من لذيذ الأوقات، وأخذتا تتحدثان، وكانت المصرية لابسة ~~ثيابا رقيقة لا تستر من جسمها إلا القليل، وقد تردت فوقها بملاءة جميلة تشف عما ~~تحتها حتى لم تستر منه شيئا، وعلى وجهها نقاب رق حتى كاد يخفى، فقالت الغربية، مبتسمة: ~~وددت يا صديقتي أن أعرف ما فائدة هذه الملاءة، وهذا النقاب؟ قالت: بذلك أمرنا الدين، ~~قالت الغربية: في أي آية أمرك الله بلبس هذه الملاءة، وقد جاء في القرآن الكريم في حق ~~المؤمنات: # ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها # أما أنت فقد أبديت كل زينتك، وإن على ملاءتك هذه من الزينة، ما هو ~~جدير بجذب الأنظار إليك، فأي كتاب اتبعت؟ قالت المصرية - وقد أخجلها ذلك: دعينا من هذا ~~فتلك عادة قد نشأنا عليها، ولندخل في حديث غيره، قالت الغربية: فأين تذهبين؟ قالت: أذهب ~~إلى وليمة الزار، قالت الغربية: أوتعتقدين ذلك؟ قالت: نعم، ولقد صرت من أهله، قالت ~~الغربية: ألك صاحب من الجن؟ قالت: نعم، فصاحت الغربية: بئست التربية، لقد ذهبت تربيتك ~~المدرسية أدراج الرياح، وركنت إلى أوهام والدتك، فبئس ما علمتك أمك، قالت المصرية: أو ~~عندك ريب في ذلك؟ قالت: كيف لا، وهو لا يطابق العقل السليم؛ إذ من ms29 أي باب تدخل الجن ~~أجسامكن فتحرككن بتلك الحركات المضحكة، وكيف تستولي على ألسنتكن فتتكلمن بما لم ~~تردن، ولم لا تستولي الشياطين علينا معاشر الغربيات ألسنا نساء مثلكن، أم هل تخشانا ~~الجن؟! قالت المصرية: إن الجن لا تخشاكن، ولكنها لا تصحب إلا الأجسام الطاهرة، أما ~~أنتن فلا طهارة لكن، فضحكت الغربية وقالت: لا خير في طهارة يتبعها جنون، وهل تظنين أن ~~كل الجن طاهرون يحبون الطاهر، أليس فيهم خبيث يحب النجس، ويستهوي عقولنا كما استهوى ~~طاهرهم عقولكن، وإني لآنف أن أكون صديقة لفتاة مثلك قد استهوتها الشياطين، فصارت أضحوكة ~~بين الناس. # ولقد ساءت آدابكن فاخترعتن الطرق في صرف الأموال، واعتدتن الكذب وهو أقبح الخصال، ~~ولولاه لما زعمتن هذا الزعم الباطل، وقد استولت على عقولكن زعيمة الزار، فجعلت تحسن ~~لكن القبيح، وتريكن أن الجن أعجبها جمالكن ونظافتكن، فمالت إليكن، وهذا مما يملك ~~عقولكن الصغيرة فتستسلمن لها، وتبذلن المال في مرضاتها، فهي تأخذه مسرورة متهكمة بضعف ~~عقولكن الصغيرة، فيالها من خيبة عظيمة، وضياع مال في اكتساب عار. # ولقد خرجتن عن حدود دينكن في تلك الولائم، فقد جاء في قرآنكن الكريم: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير # وأنتن مع ذلك تشربن الدماء زعما أن صاحبكن الجني يفعله، فكيف ~~تهملن حتى في أمر الدين؟ ومن لا دين لها فلا صون لها ولا عفاف. # فأطرقت المصرية إلى الأرض لحظة، ثم قالت: لقد صدقت، وقد فاتني هذا كله مع تمسكي بأمر ~~الدين، ولكن الجهل أعمى بصيرتي، وسأقلع عن خطتي هذه، وأصلح من شأني إن شاء الله - تعالى ~~- ليكون للعلم نفع في النفوس. ~~(32) الصبر يخفف المصائب ويدني الآمال # الصبر كف النفس عن القلق والشكوى عند حلول مكروه، وهو من أهم الفضائل؛ إذ يجعل ~~الإنسان ثابتا لا يتململ، فيسليه عن الهم، ويخفف ألم مصيبته، ويدني منه بعيد الأمل كما ~~قيل: # لا تيأسن وإن طالت مطالبة # إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا # أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته # ومدمن القرع للأبواب أن يلجا # والصبر من أحسن صفات النساء؛ لأن الفتاة ms30 إذا كانت صابرة لا تجزع خففت مصاب من معها، ~~وشجعتهم على العمل، وترك الحزن. # أما إذا اتصفت بالجزع - كما هي عادة غير المتربيات - فإنها تضاعف هم من معها، وتذكرهم ~~بالحزن كلما تسلوا عنه، فتكون منبع الحزن والكدر، إذا عزت إنسانا زادته حسرة ببكائها ~~وتهويلها المصاب، وإن أصيبت أقلقت راحة معاشريها بجزعها وكثرة شكواها، فيسأم الإنسان ~~مجالستها، ويود بعدها، وهي مع ذلك تعلم بنيها الخوف والجبن، وتصعب عليهم الأمر ~~السهل، فإن حاولوا فراقها طلبا للفائدة وسعيا وراء الخير قامت تحول بينهم وبين ما ~~أرادوا باكية شاكية، تعدد لهم المصائب، والأهوال الوهمية مما لا يجزم المرء بوقوعه، ~~فتحط من هممهم، وتخيب آمالهم غير عالمة أنه: # لا يبلغ المجد من لم يركب الخطرا # ولا ينال العلا من قدم الحذرا # ومن أراد العلا عفوا بلا تعب # قضى ولم يقض من أيامه الوطرا # وكانت نساء اليونان أيام سطوتهم من أحسن النساء صبرا وجلدا، فكن يشجعن الرجال إذا ~~خرجوا للحرب حتى كانت الأم تقول لولدها: اخرج، ولا ترجع إلا حاملا مجنك هذا أو محمولا ~~عليه، أي لا ترجع إلا ظافرا حاملا سلاحك أو قتيلا محمولا، فكان رجالهن شجعانا لا ~~تهولهم المصائب، ولذلك سادت الأمة اليونانية في عصرهم. ~~(33) صبر الخنساء # يحكى أن الخنساء الشاعرة المشهورة والصحابية الجليلة حضرت الحرب ومعها أولادها ~~الأربعة، فباتت تشجعهم، وتحضهم على الإقدام في ساحة القتال والخوض وسط المعمعة ابتغاء ~~وجه الله في جهاد العدو حتى إذا بدا الصباح شيعتهم بصبر وثبات، وقد امتثلوا أمرها، ~~فقاتلوا قتال الأبطال، وأبلوا بلاء حسنا حتى قتلوا جميعا، وجاءها الخبر، فحمدت الله ~~- سبحانه وتعالى - وسألته أن يجزيهم خيرا في الآخرة، ولم تجزع مع عظم المصاب، وسمع عمر ~~بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - بذلك، وكان الخليفة وقتئذ، فأجرى عليها أرزاق ~~أولادها الأربعة إلى أن ماتت، رحمها الله ورضي عنها. # والخنساء هذه اشتهرت أيام الجاهلية بشدة الجزع على أخويها صخر ومعاوية، وكثرة بكائها ~~عليهما، ورثائها لهما، ومن ذلك قولها: # ألا يا صخر إن أبكيت عيني # فقد أضحكتني زمنا ms31 طويلا # بكيتك في نساء معولات # وكنت أحق من أبدى العويلا # دفعت بك الخطوب وأنت حي # فمن ذا يدفع الخطب الجليلا # إذا قبح البكاء على قتيل # رأيت بكاءك الحسن الجميلا # فلما جاء الإسلام وتأدبت بآدابه، عودت نفسها الصبر والثبات: # وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى # فإن أطعمت تاقت وإلا تسلت ~~(34) عدل علي بن أبي طالب «كرم الله وجهه» # كان في بيت مال علي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين - رضوان الله عليهم أجمعين - ~~عقد لؤلؤ قد أصابه يوم البصرة، فسمعت به ابنته، فأرسلت إلى خازن أبيها وكاتبه على بن ~~أبي رافع، وسألته أن يعيرها هذا العقد لتتجمل به يوم الأضحى، فاشترط عليها أن تأخذه على ~~أنه عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيام، فقبلت منه ذلك، وأخذت العقد فتزينت به، ورآها ~~أبوها، فعرف العقد، وقال لها: من أين لك هذا؟ قالت: استعرته من ابن أبي رافع خازن بيت ~~مال أمير المؤمنين لأتزين به في العيد ثم أرده، فبعث إلى ابن أبي رافع من وقته، فلما ~~مثل بين يديه، قال له: أتخون المسلمين يا ابن أبي رافع؟! قال: معاذ الله يا أمير ~~المؤمنين أن أخون المسلمين؟ قال: كيف أعرت ابنتي العقد الذي في بيت مال المسلمين بغير ~~إذني ورضاهم؟! قال الخازن: يا أمير المؤمنين إنها ابنتك، وسألتني أن أعيرها العقد تتزين ~~به، فأعرتها إياه عارية مضمونة مردودة، قال: رده من يومك، وإياك أن تعود لمثل هذا ~~العمل فتنالك عقوبتي، ثم قال: ويل لابنتي لو كانت أخذت العقد على أنه ليس عارية مردودة ~~لكانت أول هاشمية قطعت يدها في سرقة، فأخذ الخازن العقد، وبلغت مقالة علي ابنته، فقالت ~~له: يا أمير المؤمنين، أنا ابنتك وفلذة كبدك، فمن أحق بلبس هذا العقد مني؟ فقال لها: يا ~~ابنة ابن أبي طالب لا تذهبي بنفسك عن الحق، أكل نساء المهاجرين والأنصار يتزين في مثل ~~هذا العيد بمثل هذا العقد؟ ~~(35) لا إصلاح بغير علم # دخلت أختان في إحدى المدارس، وما زالتا بها إلى أن نقلتا إلى السنة الرابعة، ms32 وكانت ~~الكبيرة مجتهدة في حفظ دروسها ملتفتة إليها، أما الصغيرة: فكانت غير مكترثة بالعلوم، ~~وما زال كسلها يزداد إلى أن تركت حفظ الدروس بالكلية، ونبذت العلم ظهريا، وصرفت كل ~~ذكائها في اللعب، واختراع المضحكات، فساء ذلك أختها، وأرادت أن تنصحها فجعلت تترقب لذلك ~~الفرص. # وبينما الفتاة الصغيرة مشتغلة باللعب ذات يوم إذ اقتربت منها أختها، وقالت لها: إن ~~علينا اليوم أن نحفظ أبواب الفعل الثلاثي، فهل لك أن تحفظي معي؟ قالت الصغيرة: لا ~~تعنيني وأبيك أبواب الفعل ولا نوافذه، فاتركيني ونفسي، فلست أبالي من أي باب ~~آتي: # وإن تكسري للفعل عينا فإنني # كسرت ذراع الفعل قهرا وأنفه # وإن كان معتلا فلست طبيبة # دعيه عسى أن يلتقي اليوم حتفه # قالت الكبيرة: لعلك أردت أن تذاكري الحساب، قالت: إني أعرف أن أحصي ما أصرفه، ولا ~~حاجة لي بغيره، ولا يهمني شيء إذا ربح التاجر خمسة في المائة أو خسر عشرة، ولست آمل أن ~~أكون تاجرة ما حييت، فلا حاجة لي بما لا يعنيني، قالت الكبيرة: إذن فلنذاكر تقويم ~~البلدان فهو علم جميل مسل، قالت: وهل يهمني ذلك، وما ضرني إن صب النيل في البحر ~~الأبيض أو الأسود، وما ينفعني إن رسمت البحر المتوسط أو المتطرف، وليس من عملي التوغل ~~في البلاد، قالت الكبيرة: لعلك تريدين التاريخ فهو علم سهل مسل، قالت الصغيرة: لقد ~~علمت أني لا أحب سماع الدروس، فلا تصدعي آذاني بسماع شيء منها، قالت: فما رأيك إذا ~~قالت إني فتاة لا يطلب مني إلا البقاء في المنزل وتدبير شئونه، فلست أتعب نفسي فيما لا ~~يتعلق بعملي هذا. # فابتسمت الكبيرة عن غيظ وقالت: إن من يسمع كلامك هذا لأول مرة يظنك محقة فيه حتى إذا ~~تروى ودقق البحث علم أنك مخطئة، فإن كل علم تدرسينه من هذه العلوم يقوي إدراكك، ويسدد ~~رأيك، فيؤهلك لأداء عملك، وإن لم يتعلق به مباشرة، فإنك تصيرين ربة منزل تديرين شئونه، ~~وتتوقف عليك وفرة ثروته، وحفظ صحة من به، وهو عمل جليل يحتاج إلى الحكمة والروية ms33 ~~والمعرفة ، تحتاجين فيه إلى قراءة بعض الكتب والمجلات النافعة التي تساعدك على أداء ~~أعمالك، فإن لم تتعلمي اللغات وقواعدها وأساليبها، فربما فهمت من تلك الكتب غير ~~المقصود، فأخطأت المرمى، وأسأت من حيث أردت أن تحسني، لا سيما أن درس اللغة العربية ~~والشغف بقراءة أساليبها الرقيقة يقويان ذكاءك ويهذبان ألفاظك، فتحسن محاضرتك، ويطيب ~~الحديث معك. # أما درس الحساب: فهو يقوي تصورك، ويساعدك على معرفة النفقات، والاقتصاد فيها إن دعت ~~الحاجة إلى ذلك، ولا يخفى عليك أن الإنسان مهما تقدم في هذا العلم فهو عرضة للخطأ فيه، ~~فيلزم الالتفات إليه بوجه خاص، وهو مع ذلك يعودك التيقظ والاحتراس في أعمالك؛ لما يترتب ~~على الهفوة الصغيرة فيه من كبير التعب، وهو أيضا يقوي تصورك، ويسدد رأيك؛ لما ~~يستلزمه من إعمال الفكر. # أما تقويم البلدان: فهو يعرفك اختلاف الأجواء وتأثيرها في النفوس والأشياء، فتستعينين ~~بذلك على إصلاح منزلك، وكيفية ادخار الأشياء فيه حتى لا تتلف، هذا فضلا عن أنه يساعدك ~~على فهم ما تقرئينه من الحوادث وتصور حصولها. # وتعرفين من التاريخ أخبار الأمم السالفة وما تركوه من الأثر وأسباب تقدم بعض الناس ~~وانحطاط الآخرين، فتعلمين من ذلك عواقب الأمور، وتتبعين ما ينفعك، وتجتنبين ما يضرك على ~~علم منك بعاقبته، ويعلمك الرسم تحسين المنظر وحسن الترتيب، وهو أليق بك؛ لما تقومين به ~~من ترتيب أثاث المنزل. # هذا فضلا عن أن اشتغالك بهذه العلوم يمحو صدأ الجهل عن عقلك، فتعرفين النافع من ~~الضار، وهو يكفيك شر ضياع الوقت سدى في اللعب أو فيما عساه أن يتلف أخلاقك، ونجاحك في ~~العلم يدل على ذكائك واستحقاقك للقيام بعملك الجليل، وهو أمان لك من الفاقة إن احتجت ~~إليه، وإن استغنيت عنه فهو حلية لك، وبهاء به تهذب ألفاظك، وتحسن مجالستك، ولو كان كل ~~إنسان إنما يتعلم ما يتعلق بعمله مباشرة لترك التلاميذ كثيرا من دروسهم لعدم تعلقها ~~بعملهم. # هؤلاء أطباء أرضنا كانوا تلاميذ يدرسون ما ندرس الآن من علوم اللغات، وتقويم البلدان، ~~والتاريخ وغير ذلك، فهل كان يرجو التلميذ ms34 منهم أن يبرئ مريضا بما يحفظه من أسماء ~~الجبال، والبحار، أو يصرف أمامه فعلا فيخف ألمه، أو يكلمه بلغة أجنبية فيثوب إليه ~~رشده؟ كلا، إنما يتعلم التلميذ تلك العلوم؛ ليتسع نطاق عقله، ويمكنه القيام بعمله، حتى ~~إذا نال شهادة الدراسة الابتدائية دخل المدارس الثانوية؛ ليزداد علما بما يتعلق بعمله، ~~وما لا يرتبط به مباشرة من نحو، وصرف، وإنشاء، وآداب اللغة العربية، وحفظ كلام الشعراء ~~الماضين، وسيرهم، وغير ذلك مما لا تعلمين، فما علاقة ذلك بعلم الطب؟ وهل كان ذلك إلا ~~لتقوى مدارك الطلبة؛ ويمكنهم فهم دروسهم، ثم قيام الطالب بأعماله قيام رجل استنار عقله ~~بالمعارف، وعرف في صغره ما لم تعرفه الشيوخ بالتجارب، وكذلك الجندي وغيره من موظفي ~~الحكومات لا يقتصرون على ما يتعلق بأعمالهم. # فأنت إن اقتصرت على ما تعرفين وهي مبادئ أولية لم تكد تثبت في ذهنك، فلا تلبث أن ~~تذهب، وتصيرين جاهلة كغيرك ممن لم يدخلن المدارس، ولم يتعلمن شيئا، فبئس المنزل منزل ~~تقوم بشئونه جاهلة مثلك، فهي تسبب خرابه من حيث لا تشعر. # قالت الصغيرة: لقد علمت من كلامك ضد ما كنت أعتقد، وعرفت خطئي فيه، فهل لك أن ~~تساعديني على المذاكرة؛ لأتلافى ما كاد يفسده الطيش، قالت: كيف لا أبذل في ذلك النفس ~~والنفيس، وإنما جعل الإنسان في هذه الحياة الدنيا ليفيد بني جنسه ويستفيد منهم، وأنت ~~أقرب الناس إلي وأولاهم بمساعدتي لك. ~~(36) حلم معن ابن زائدة # لما تولى معن بن زائدة إمارة العراق، وكان قد اشتهر بالحلم والكرم، أتاه أعرابي يختبر ~~حلمه، فدخل عليه دون أن يؤذن له، فلما مثل بين يديه قال له: # أتذكر إذ لحافك جلد شاة # وإذ نعلاك من جلد البعير # قال معن: نعم، أذكر ذلك ولا أنساه، قال الأعرابي: # فسبحان الذي أعطاك ملكا # وعلمك الجلوس على السرير # قال معن: سبحانه على كل حال، قال الأعرابي: # فلست مسلما ما عشت دهرا # على معن بتسليم الأمير # قال معن: إن السلام سنة يا أخا العرب، تأتي به كيف شئت، قال الأعرابي: # سأرحل عن ms35 بلاد أنت فيها # ولو جار الزمان على الفقير # قال معن: إن أقمت فينا فمرحبا بك، وإن رحلت عنا فمصحوب السلامة، قال ~~الأعرابي: # فجد لي يا ابن ناقصة بشيء # فإني قد عزمت على المسير # قال معن: يا غلام أعطه ألف دينار، فأخذها الأعرابي، وقال: # قليل ما أتيت به وإني # لأطمع منك بالمال الكثير # قال معن: يا غلام أعطه ألف دينار أخرى، فأخذها الأعرابي وقال: # سألت الله أن يبقيك ذخرا # فما لك في البرية من نظير # قال معن لغلامه: أعطه ألف دينار أخرى، فأخذها الأعرابي، وقال: أيها الأمير، إنما جئت ~~مختبرا حلمك لما بلغني عنه، فلقد جمع الله فيك من الحلم ما لو قسم على أهل الأرض ~~لكفاهم، قال معن: يا غلام كم أعطيته على نظمه؟ قال: ثلاثة آلاف دينار، قال: أعطه على ~~نثره مثلها، فأخذها الأعرابي، وذهب في طريقه شاكرا. ~~(37) مراعاة الصحة والنظافة # خلق الله - سبحانه وتعالى - الإنسان، وجعل لكل عضو من أعضائه عملا يقوم بأدائه، فإذا ~~تلف أي عضو منها عجز الإنسان عن إتقان عمله، وأصبح يعلل النفس بالآمال، يرقبها بقلب ~~مشغوف بها، وباع قصير عن إدراكها، لا سيما إذا كان العضو المصاب مما له التأثير في غيره ~~كالمعدة التي إذا اعتلت مرض لها الجسم كله، وأصبح الإنسان منغصا بأنواع السقام غارقا ~~في بحار الأوهام، وربما حرم بذلك لذة التمتع بالفكر الذي شرفه الله به على سائر ~~المخلوقات؛ لأن الأعصاب كلها مرتبط بعضها ببعض، فمتى اعتلت القوى الجسمية تبعها بعض ~~الاعتلال في القوى العقلية، ويظهر ذلك جليا فيمن اشتد مرض أجسامهم ففقدوا عقولهم أو ~~كادوا، والغالب أن العقل الحكيم في الجسم السليم. # لذلك وجب أن يهتم الإنسان بصحته التي هي من أهم الأسباب في تمتعه بالحياة الدنيا، ~~فينظم أوقات عمله ورياضته، فلا ينهك قواه في العمل بلا رياضة، ولا يضيع زمنه كله في ~~اللعب والبطالة؛ بل يتوسط في أمره، ويكون كما قال الشاعر: # وللجد أوقات وللهزل مثلها # ولكن أوقاتي إلى الجد أقرب # ولما كان الغذاء من أهم الأشياء لحياة الإنسان، ms36 وجب أن يهتم الإنسان بأمر غذائه، ~~ويجعله في أوقات معلومة حتى تعتاد المعدة هضم الأغذية في تلك الأوقات، فلا يتأخر ميعاد ~~الغذاء فيفقد تشهي الأكل، ولا يقرب بين مواعيد الغذاء؛ لئلا تتراكم المواد على ~~المعدة، وتعجز عن هضمها. # هذا، وإن أغلب الأمراض إنما تنشأ عن عدم النظافة؛ ولذلك كان من أهم أسباب الصحة: ~~الاعتناء بنظافة المأكل والمشرب والملبس والمسكن. # وإذا كان كل إنسان يأوي إلى منزله ليستريح من عناء العمل، ويخرج النفس من سجن الفكر ~~إلى رياض الراحة وجب أن يكون المنزل نظيفا نقي الهواء مرتب الأثاث حتى يسر المرء ~~بتسريح النظر بين أرجائه، ويصح جسمه باستنشاق هوائه العليل فيقوى على العمل، فلو بذلت ~~ربة المنزل الجهد في تنظيفه وتنظيمه مراعية صحة من به وراحتهم غير متكلة على أحد في ذلك ~~لوجد رب المنزل لذة في البقاء فيه، وشغله حسنه عن الخروج إلى الخارج، وصرف دراهمه سدى، ~~وشبت الأطفال أقوياء على العمل يقومون بواجب دنياهم ودينهم. # لذلك كان من الحزم أن تجتهد الفتاة في معرفة ما يساعدها على مراعاة صحة الأطفال، ~~وتدبير المنزل مثل قراءة المجلات الطبية وبعض الكتب في تدبير المنزل، تاركة كل ما ~~يشغلها عن إتقان عملها من كثرة الخروج، والتغالي في الزينة، وتغيير لون وجهها الطبيعي ~~بأشياء تصرف فيها دراهمها، وتضيع في صنعها نفيس وقتها، وهي مع ذلك لا تلبث أن تذهب، ~~ويشتهر للناس أمرها وميلها للكذب، حتى في تغيير خلقتها الطبيعية. ~~(38) عدو عاقل خير من صديق جاهل # إن الإنسان يصادق الإخوان ليكونوا ابتهاجا عند الفراغ، وعضدا في الأعمال، وعونا ~~على المصائب، فإذا صاحب أناسا عقلاء فقد أصاب حاجته من طيب حديثهم، وسداد آرائهم، وحسن ~~وفائهم، وإن أخطأ المرمى ومنح وده صديقا جاهلا فقد سرح آماله «بواد غير ذي زرع» ~~ولم يكتسب من صداقته غير الكدر، وسوء المعاملة؛ لأن هذا الصديق يضره من حيث أراد أن ~~ينفعه فيمضي العمر بين عتاب ممل وخطأ مستمر وغضب ورضا، فتكون العداوة خيرا من هذه ~~الصداقة الفاسدة التي أقل ضررها ضياع ms37 الوقت سدى في محادثة غر جاهل لا يفقه حديثا، ~~ومحاورة غبي بليد لا يدري مواقع كلامه من قلوب سامعيه. # هذا فضلا عن أنه ربما تسري فيه أخلاق صديقه فيكتسب من مصادقته الحمق والدناءة، وينسب ~~إليه الجهل لمصاحبته، ويعزى له سوء فعله، وإن كان بريئا منه: # والمرء منسوب إلى القرين # فعلى الإنسان أن ينتخب أصدقاءه من عقلاء الناس، وفضلائهم؛ ليكسبوه الفخر، ويعلموه ~~الفضل، وإلا كان عدمهم خيرا من وجودهم، وربما أصاب الصديق من شرهم أكثر مما يصيبه من ~~شر أعدائه؛ لأن المرء واثق بأصدقائه لا يداخله ريب منهم، ولا يحذر سطوتهم، فهو غرض ~~لسهام خطئهم، وربما هجم عليه صديقه بنبال جهله، فأصاب مقتله، وهو لاه عنه غير مستعد ~~لحربه فيشقى بصحبته، أما الأعداء: فهو على يقظة من غدرهم، فلا يمكنهم اغتياله بغتة، وهو ~~مع ذلك يكتسب من عداوتهم التيقظ ومعرفة عيوبه، فيتخلى عن كثير من الرذائل إذا كان ~~عاقلا، ويتحلى بالفضائل؛ ليسلم من ملامهم، فتظهر فضيلته، وتشتد شوكته، وتقوى حجته كما ~~قال الشاعر: # عداي لهم فضل علي ومنة # فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا # هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها # وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا # وإذا اختار المرء أصدقاء عقلاء فضلاء دل ذلك على حسن اختياره وفضله؛ لأن المرء يميل ~~إلى مماثله: # وشبه الشيء منجذب إليه # ويجب عليه إذن أن يحرص على مودتهم ويغض النظر عن ~~هفواتهم: # ومن يتتبع جاهدا كل عثرة # يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب ~~(39) العقل في الغربة وطن والجهل في الوطن غربة # إن العاقل إذا حل بأرض اختبر أهلها وعرف أهواءهم وأخلاقهم ومجاري رزقهم، فيعرف خزائن ~~خيرها، ويطلبها من وجوهها، ويجاري القوم في أعمالهم، ويتخلق ببعض أخلاقهم، فيميل إلى ما ~~تميل إليه نفوسهم، ويبتعد عما ينفرون منه، فيقبلون عليه، ويرغبون في معاملته، وبذلك ~~يمكنه التمتع بخيرات بلادهم ومزاحمتهم عليها بحسن تلطفه ودهائه، فهو إذ ذاك كأنه في ~~بلاده؛ لقربه من نفوس القوم، وتمتعه بخيرات البلاد التي ربما حرم منها بعض أهلها؛ ~~لجهلهم، وسوء تصرفهم. # هؤلاء العرب في الصدر الأول من ms38 الإسلام دخلوا بلاد الأندلس، وهي قاحلة، فجعلوها جنة ~~بجدهم وسداد رأيهم، فانتفعوا من خيراتها بما عجز عن استخراجه أهلها، وأسسوا دعائم ~~الملك، وأقاموا معالم العلم في جميع أنحائها، فدامت عامرة بحكمة ملوكها وعزمهم، حتى إذا ~~استولى عليهم الغرور وحب الترف، وتركوا الأخذ بالحزم، وغلب عليهم الجهل اضمحلت قوتهم ~~وذهب ملكهم كأن لم يكن، فهذه مملكة أسسها العقل والحزم، وهدمها الجهل والعجز. # أما الجاهل فهو في وطنه بعيد عن آراء أهله وأخلاقهم وأهوائهم؛ جاهل بمنابع رزقهم، ~~محروم من خيرات بلاده، ذليل بين قومه، خامل لا يعرفه إلا القليل فهو كالغريب لعدم ~~انتفاعه بخيرات البلاد وبعده عن أحوال أهلها، ولو كان عاقلا لوجد في الغربة عزا وغنى ~~بإعمال الفكرة فيما يفيده، وبلغ آماله، فبئس الداء الجهل، ونعم الدواء العقل. ~~(40) وصف نزول المطر في قرى مصر # إن نزول المطر في القاهرة مما يشوه جمال منظرها، ويجعل الإنسان يكره الخروج من ~~بيته؛ ولذلك كنت أحسب المطر من الأشياء الممقوته، وأعجب من اهتمام العرب به، وتغاليهم ~~في مدحه حتى شبهوا به النوال، ولم أقدر هذه النعمة حق قدرها حتى نظرت نزول المطر في ~~القرى، فإذا هو من أجمل المناظر وأحسنها، فأخذ منظره بمجامع قلبي، وراقتني نضرته، ومالت ~~إليه نفسي التي لم يكد يعجبها شيء من زخارف هذه الحياة، فكان هذا اليوم عندي من أفضل ~~الأيام. # نزلنا من القطار وقد نفدت بدر السماء من دارهم الماء، فانقطع نزول المطر بعد أن كسا ~~الأرض رداء كافوريا، وغسل الأشجار من التراب، فظهرت حلتها الزبرجدية في أبهى مناظرها، ~~فأخذت الغصون تميل طربا بحسنها، وكأنها تشير إلى السماء شكرا لها على ما أهدته إليها ~~من كنوزها النفيسة، وعمت السكينة جميع الأنحاء، وسكن الغبار، واختفت الطيور في أوكارها، ~~فصرنا لا نسمع إلا خرير المياه، واهتزاز الغصون، ووقع حوافر مطايانا التي كانت تثير من ~~عنبر تلك الأرض ما قد تعطر بماء السماء، فما أبهى تمايل النبات على هذا الثرى الذي ابتل ~~بالمطر، فصار كافورا أصفر، ونفحت عليه الأزهار من شذاها، ففاق المسك ms39 ريحا ، فكأن الأرض ~~بساط سنجابي مزركش بأنواع الجواهر من زبرجد الغصون، وياقوت الأزهار ودرها، وقد خيم ~~الضباب، واختفى كوكب السماء، فرفعت نجوم الأرض رءوسها؛ لتراه من تحت السحاب. # وما زالت تسير بنا الركاب بين رياض وغدران، كأن ماءها سبائك الفضة حتى انتهينا إلى ~~حيث قصدنا، وبودي لو زاد طول الطريق أضعاف ما كان عليه حتى أتمتع بمرأى تلك المناظر ~~الطبيعية، التي تعجز عنها يد الصناعة، وتشهد لخالقها بالتفرد والقدرة على جميع ما أراد، ~~وتذكرت إذ ذاك حال العرب، وفرط ولوعهم بهذا المطر، بل الرحمة التي أنزلها الله - سبحانه ~~وتعالى - على خلقه، فعلمت أنهم لم يفوا بحق مدحها مع بلاغتهم وحسن بيانهم. ~~(41) من سره زمن ساءته أزمان # كان لأحد الأغنياء ابنة واحدة قد رباها على الترف والدلال، فكانت مخيرة في جميع ~~أعمالها، ليس لأحد عليها سيطرة؛ لذلك شبت لا تعرف شيئا إلا الانغماس في الملاهي، حتى ~~إذا بلغت الثامنة عشرة من العمر حلت بأبيها بعض مصائب ذهبت بأكثر ماله، فمات حزنا ~~وأسفا على أثر ذلك، ولم تلبث والدتها أن تبعته، وتركت الفتاة فريدة في الدنيا، ليس لها ~~من يرشدها سواء السبيل. # فما زالت لاهية عن الزمان مشغولة باللهو واللعب، غير شاعرة بعاقبة إسرافها وتفانيها ~~في الغرور، تلبس من الملابس أغلاها، وتأكل من المآكل أشهاها، حتى نفد ما بقي معها من ~~مال أبيها، واحتاجت إلى اكتساب ما تقتات به، ولما كانت لا تعرف حرفة تعيش بها، اضطرت ~~إلى خدمة الناس. # واتفق أن إحدى جاراتها المثريات علمت وليمة عظيمة، حضر إليها كثير من الفتيات، وحضرت ~~هذه الفتاة الوليمة لمساعدة الخدم، حتى إذا انتهى عملها جلست ناحية تنظر إلى من حضر من ~~المثريات، وزخرفة ملابسهن المختلفة، فتذكرت إذ ذاك حالتها القديمة، وأطرقت إلى الأرض ~~برهة تفكر فيما آل إليه أمرها، فانحدرت الدموع من آماقها، وجعلت تلوم نفسها على ما ~~ضيعته من نفيس وقتها فيما لا يفيد، وبينما هي كذلك إذ دخلت سيدة يحيط بها كثير من الخدم ~~وعليها من الحلي والحلل ما يدل على ms40 اتساع ثروتها وعظيم شأنها، فقامت لاستقبالها ~~الحاضرات، وأجلسنها في محل يليق بمقامها الرفيع، ونظرت الفتاة إلى القادمة، وإذا هي ~~فتاة كانت تلميذة معها في المدرسة، وكان أبوها من فقراء الباعة لا يمتلك شيئا إلا ~~رداءه وصندوق بضاعته الحقيرة، فعجبت من ذلك، وأخذت تردد طرفها فيها؛ لتتحقق من معرفتها، ~~ولاحت من السيدة التفاتة، فرأت الفتاة وعرفتها، ولكنها تجاهلت حتى اشتغلت عنها الحاضرات ~~بشيء آخر. # ثم قامت مظهرة أنها قد سئمت الجلوس، وتود أن تتمشى قليلا، ودنت من الفتاة، وقالت ~~لها: ألست فلانة ابنة ذلك الرجل الغني، قالت: بلى أنا هي، قالت: ما فعل بك الدهر، قالت: ~~فعل ما ترين، فقد غدر بي فلم يترك لي أهلا ولا مالا، قالت: هكذا الدهر يخفض ويرفع، ~~ولطالما نصحتك فلم تسمعي نصيحتي، وكنت تسخرين مني ومن اجتهادي في العلوم، وطالما أكرهت ~~النفس على ما لا تحب حتى بلغت الآن ما أهوى، أما أنت فقد تبعت هوى النفس حتى وقعت ~~فيما تكرهين، قالت الفقيرة: إنك تشمتين بي على أني وإن كنت في تلك الحال فقد علم الناس ~~أني أرفع منك بيتا، ولي من الفخر بأجدادي ما ليس لك. # قالت الغنية وقد انحنت عليها ورقت لها: لم أقصد بك شماتة أيتها الصديقة، ولكني أردت ~~أن أنصحك، أما قولك إنك أفضل مني عنصرا، فلا فخر لك في ذلك؛ لأن المرء أقرب إلى نفسه ~~منه إلى أجداده، فإن فخرت علي بما أسسه أجدادك من المجد فلي أن أفخر بما أسسته أنا، ~~ولتعلمي، أنك هدمت ما بناه جدودك، أما أنا فقد بنيت لي من المجد والشرف ما عجز أبي عن ~~الوصول إليه، وهناك بون بعيد بين الهادم والباني، فمن أحق منا بالفخر؟! # فأطرقت الفتاة إلى الأرض ساعة، ثم قالت: نعم، قد هدمت بجهلي ما بناه أبي وجدي، فبئس ~~الخلف أنا، وقد جازاني الدهر على سوء فعلي، وكفى بفعله تأديبا، فاتركيني ونفسي يا رعاك ~~الله، وانصرفت عنها وقد اغرورقت عيناها بالدموع، فاستوقفتها ~~الغنية قائلة لها: لم لا تحبين البقاء معي، لعلك ms41 ~~تظنين أن سينالك مني ما نالني منك أيام فقري من الإهانة والسخرية، وحاشا لله أن أفعل ~~ذلك بعدما شرفني به الله - سبحانه وتعالى - من العلم، وستجدين في صديقة حميمة تساعدك ~~على مصائب الدهر؛ لأريك الفرق بين الجاهل والمتعلم، وربما قدرت أن أعيد إليك بعض مجدك ~~السالف، فدهشت الفتاة لذلك، وقالت: أوفاعلة أنت ما تقولين، فقد والله سئمت الخدمة ولم ~~أعتد ذلك من قبل؟ قالت: نعم سآخذك معي ترأسين منزلي إن شئت، فشكرت الفتاة لتلك المحسنة ~~عظيم إحسانها، وقبلت منها ذلك، وأنشدت تقول في مدحها: # لك الفخر فاجني في سرور وغبطة # ثمار اجتهاد آن وقت جناها # حملت على النفس الأبية ضيمها # فنالت على بعد المرام مناها # سلكت سبيل المكرمات وأومأت # يمينك تهدي من أراد هداها # وقدت زمام الغانيات إلى العلا # كفى النفس فخرا بالكمال كفاها ms42