######OpenITI# #META# URI: 1370NabawiyyaMusa.TarikhiBiQalami.Hindawi26479535 #META# Tags: biographies #META# ID: 26479535 #META# Title: تاريخي بقلمي #META# AuthorID: 46025269 #META# Author: نبوية موسى #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # طفولتي‏ # كيف تذوقت الأدب العربي قبل أن أعرف ~~القراءة والكتابة؟!‏ # كيف تعلمت القراءة؟‏ # خرافات وأوهام‏ # كيف دخلت المدرسة السنية؟‏ # الشيخ حمزة فتح الله وكيف أثار الطالبات ~~علي؟‏ # الشيخة رمانة‏ # شاب ريفي‏ # طرائف‏ # نهضة تعليم البنات في مصر‏ # نزق الشباب‏ # عزة النفس تنقلب جبنا‏ # الغش في الامتحانات‏ # دروس التربية العملية‏ # حبي الشديد للحرية‏ # نهاية الدراسة بالمدرسة السنية‏ # سفوري‏ # دخولي البكالوريا‏ # أثر حصولي على البكالوريا ومذهبي في ~~الزواج‏ # إحلال النساء محل الرجال في الوظائف ونتائجه السيئة على شخصي ~~الضعيف‏ # صاحبة الجلالة الصحافة وأثرها علي ~~سابقا‏ # نفعني الصدق مرة واحدة في حياتي‏ # عزة النفس تقضي علي دائما‏ # تدريسي اللغة العربية للمعلمات الإنجليزيات‏ # الحرية وهل لها مسمى؟‏ # حنبليتي في البعد عن الرجال‏ # قوة الشباب وغروره‏ # كيف كنت في أول عملي بالفيوم؟‏ # حياتي العملية‏ # المعلمة الإنجليزية‏ # نقل المدير‏ # ابتداء المتاعب‏ # تعييني ناظرة لمدرسة معلمات المنصورة‏ # في المنصورة‏ # مناهج التعليم ومناورات وزارة المعارف للإشراف على مجالس المديريات ~~في الماضي‏ # غضب يمحو غضبا‏ # إصلاح مدرسة المنصورة أخلاقيا ومخاوفي ~~التي كنت أخشاها بعد إطلاق يدي في المدرسة‏ # ذكريات حديثة‏ # مكائد‏ # سعيد ذو الفقار باشا‏ # مكيدة‏ # نكبة‏ # رضاء بعد الغضب‏ # انتقام‏ # سوء حظ وعناد‏ # إنشاء وتعمير‏ # القوة فوق الحق‏ # وظيفة وكيلة‏ # الدعاية الوطنية‏ # تهمة كاذبة‏ # إيقاف الاضطهاد إلى تحسين الفرص‏ # سوء حظ‏ # زيادة عدو إلى قائمة أعدائي‏ # ضابطة فرنسية‏ # مناوآت‏ # استمرار المناورات‏ # تحريض مستمر‏ # مناورات‏ # إضراب إجباري‏ # إرهاق واستفزاز‏ # زيارة ملكية‏ # نتائج الزيارة الملكية‏ # كيف كانت خطتي في التدريس؟‏ # عملي بالوزارة‏ # إنشاء مدرسة ترقية الفتاة‏ # أول متاعبي في المدارس الحرة‏ # إخراج السكان من المنزل‏ # مناورات‏ # خديعة‏ # مقدمة‏ # طفولتي‏ # كيف تذوقت الأدب العربي قبل أن أعرف ~~القراءة والكتابة؟!‏ # كيف تعلمت القراءة؟‏ # خرافات وأوهام‏ # كيف دخلت المدرسة السنية؟‏ # الشيخ حمزة فتح الله وكيف أثار الطالبات ~~علي؟‏ # الشيخة رمانة‏ # شاب ريفي‏ # طرائف‏ # نهضة تعليم البنات في مصر‏ # نزق الشباب‏ # عزة النفس تنقلب جبنا‏ # الغش في الامتحانات‏ # دروس التربية العملية‏ # حبي الشديد للحرية‏ # نهاية الدراسة بالمدرسة السنية‏ # سفوري‏ # دخولي البكالوريا‏ # أثر حصولي ms001 على البكالوريا ومذهبي في ~~الزواج‏ # إحلال النساء محل الرجال في الوظائف ونتائجه السيئة على شخصي ~~الضعيف‏ # صاحبة الجلالة الصحافة وأثرها علي ~~سابقا‏ # نفعني الصدق مرة واحدة في حياتي‏ # عزة النفس تقضي علي دائما‏ # تدريسي اللغة العربية للمعلمات الإنجليزيات‏ # الحرية وهل لها مسمى؟‏ # حنبليتي في البعد عن الرجال‏ # قوة الشباب وغروره‏ # كيف كنت في أول عملي بالفيوم؟‏ # حياتي العملية‏ # المعلمة الإنجليزية‏ # نقل المدير‏ # ابتداء المتاعب‏ # تعييني ناظرة لمدرسة معلمات المنصورة‏ # في المنصورة‏ # مناهج التعليم ومناورات وزارة المعارف للإشراف على مجالس المديريات ~~في الماضي‏ # غضب يمحو غضبا‏ # إصلاح مدرسة المنصورة أخلاقيا ومخاوفي ~~التي كنت أخشاها بعد إطلاق يدي في المدرسة‏ # ذكريات حديثة‏ # مكائد‏ # سعيد ذو الفقار باشا‏ # مكيدة‏ # نكبة‏ # رضاء بعد الغضب‏ # انتقام‏ # سوء حظ وعناد‏ # إنشاء وتعمير‏ # القوة فوق الحق‏ # وظيفة وكيلة‏ # الدعاية الوطنية‏ # تهمة كاذبة‏ # إيقاف الاضطهاد إلى تحسين الفرص‏ # سوء حظ‏ # زيادة عدو إلى قائمة أعدائي‏ # ضابطة فرنسية‏ # مناوآت‏ # استمرار المناورات‏ # تحريض مستمر‏ # مناورات‏ # إضراب إجباري‏ # إرهاق واستفزاز‏ # زيارة ملكية‏ # نتائج الزيارة الملكية‏ # كيف كانت خطتي في التدريس؟‏ # عملي بالوزارة‏ # إنشاء مدرسة ترقية الفتاة‏ # أول متاعبي في المدارس الحرة‏ # إخراج السكان من المنزل‏ # مناورات‏ # خديعة‏ # | تاريخي بقلمي # | تاريخي بقلمي # تأليف # نبوية موسى # | مقدمة # أنشأت مجلتي «الفتاة» في أكتوبر سنة 1937، وأخذت أكتب فيها بعض ~~ذكرياتي فأقبل الناس عليها، وطلب مني كثيرون أن أدونها في كتاب، ~~وتلبية لهذا الطلب قمت بسرد ذكرياتي حسب تاريخ حدوثها في حياتي؛ ~~فأصبحت بذلك تاريخا مفصلا لما تكبدته من مشاق، وما شعرت به أحيانا ~~من اغتباط، إن كان في ذلك التاريخ معنى للاغتباط. # وهو تحليل نفسي لفتاة قضت عمرها في جهاد مستمر، وهي نفسها لا تعرف ~~إلى الآن أكان سبب هذا الجهاد والنضال المستمر خطأ صدر منها أم هو خطأ ~~المقادير، لهذا أروي تاريخي بالتفصيل، وأترك للقارئ الكريم بعد هذا ~~الحكم لي أو علي، وسأتحرى الصدق فيما أكتبه؛ ليبني القارئ رأيه على ~~حقيقة واضحة لديه. # | طفولتي # كان والدي ضابطا في الجيش المصري برتبة «يوزباشي»، وكان الضابط ms002 ~~المصري لا يصل إلى تلك الرتبة إلا بعد جهد عظيم؛ لأن رتب الجيش الكبيرة ~~كانت كلها في يد الأتراك والشركس قبل الثورة العرابية، وكان ضباط الجيش ~~يحالون إلى الاستيداع نصف مدة العمل أو أكثر، فكان والدي إذا أحيل إلى ~~الاستيداع ذهب إلى بلدتنا في الريف، وهي بلدة صغيرة في مديرية ~~القليوبية، وكان له بها منزل ريفي كبير جدا، كما كان له بضعة فدادين؛ ~~فكان يكلف خدمه زرعها، حتى إذا طلب للعمل أجر الأطيان، وعاد إلى ~~مقر عمله؛ فكان لهذا أكثر الضباط خدما. # وسافر والدي إلى السودان قبل أن أولد، ولم يعد، وقد ولدت بعد سفره ~~بشهرين، وهكذا نشأت يتيمة، فلم أر والدي إلا في المنام، ورتب لنا ~~مبلغ من معاشه يقوم بحاجتنا أنا ووالدتي والمرحوم شقيقي، وقد سكنت ~~والدتي القاهرة لوجود أخي بالمدارس، ولكنها كانت تذهب أثناء الصيف ~~عندما ينتهي شقيقي من دراسته إلى بلدتنا، فنقضي إجازة الصيف في ذلك ~~المنزل الريفي، وكنت أسر بتلك الإجازة، وأعمل فيها أعمالا كثيرة؛ ~~إذ كان يلتف حولي كثير من أطفال جيراننا في تلك القرية، وكنت أكلفهم ~~العمل معي، فأضرب طوبا صغيرا، وأبني به أفرانا صغيرة، كنا نسوي فيها ~~بعد ذلك ما نصنعه من الطوب، ثم نبني به منازل صغيرة كانت على ما أعتقد ~~غاية في الإتقان، وكان في منزلنا الريفي بئر نأخذ منها الماء اللازم ~~لبناء تلك المنازل، ونحيطها بالحدائق، ولعلها لم تكن غناء لأننا كنا ~~نزرع فيها بعض النباتات فقط كالفول والذرة. # وهكذا كنت أقضي إجازة الصيف لا أعرف للراحة طعما، وكلما انتهيت من ~~منزل بدأت في بناء غيره، وعمل ماشية له كالجاموس والبقر والحمير ~~والخيول والجمال، وكنت أعنى بتمثيلها تمثيلا يقرب من الحقيقة على ~~قدر طاقتي، وكان يعجب بها كثيرون ممن يرونها لقربها من الحقيقة؛ حتى إن ~~الأفران التي كنا نبنيها كانت تحمى، ويظهر في جوفها اللهب كالأفران ~~الحقيقية تماما، وكنت أخبز فيها الخبز الصغير الذي كنت أصنعه أحيانا، ~~ولم أكن مع صغر سني أبرح ذلك المنزل لاشتغالي بتلك الأعمال، ومراقبة ms003 ~~مرءوسي من أطفال القرية، ومن المدهش العجيب أني كنت آمر هؤلاء ~~الأطفال فيطيعون، وأنهاهم فيستمعون، وكنا نقضي اليوم في عمل متواصل ~~كأننا نقوم باكتساب قوتنا، وكأني رئيستهم الفعلية. # كنت آمر هؤلاء الأطفال فيطيعون. # وكنت إذا انتهيت من ذلك، وتعب الأطفال الذين يعملون معي ابتدأت أخيط ~~ملابس عروستي، وأعمل للجمال والخيول سروجا من القماش المزين البديع، ~~وهكذا كنت أقضي إجازة الصيف، حتى إذا انتهت تركت ما عنيت بعمله من ~~المنازل والتماثيل، وانتقلت بعروستي وقطتي الصغيرة إلى القاهرة، وكنت ~~مشهورة بحب القطط والعناية بها؛ حتى إني كنت أكسوها ملابس مزخرفة ~~بشتى الزخرف، وكنت أقوم أنا بخياطتها وزخرفتها، وكانت تلك القطط ~~والعروسة هي عملي الوحيد في القاهرة، ولم يكن معي من الأطفال من ~~يساعدني على ما أقوم به من الأعمال إلا خادمة صغيرة في مثل سني، كنت ~~أختلسها اختلاسا من والدتي، وكنت أميل إلى مجالسة شقيقي عند حضوره من ~~المدرسة، وكان يكبرني بنحو 10 سنوات؛ فكنت أستمع لما يقرؤه من القصص، ~~وأجتهد في فهمها، وكثيرا ما كنت أحفظ ما يحفظه هو من المحفوظات، أما ~~أثناء النهار فكنت أقضيه كما قدمت في خياطة ملابس القطط والعروسة، ثم ~~تدرجت من ذلك إلى خياطة ملابسي على آلة الخياطة. # | كيف تذوقت الأدب العربي قبل أن أعرف ~~القراءة والكتابة؟! # كنت في سن السادسة لما كان ~~شقيقي في سن السادسة عشرة، وكان طالبا في المدارس الثانوية، وقد ألف ~~مجالستي، فكان يقرأ لي في كتب الأدب القديمة كالأغاني وغيره، وكنت ~~أصغي إليه باهتمام حتى تعودت فهمها، وكان إذا حاول حفظ قصيدة كلفته ~~المدرسة حفظها، حفظتها معه، ولا يخفى أن موهبة الحفظ قوية عند صغار ~~الأطفال؛ فهم لا يجدون فيها صعوبة؛ ولهذا كنت كثيرا ما أحفظ القصيدة ~~بمجرد استماعي له وهو يقرؤها قبل أن يحفظها هو، وكان يسره ذلك ~~فيسمعها لي، ويطلب مني أن أسمعها له، وهكذا تمت بيننا الصداقة ~~والألفة، واستطعت أنا أن أتذوق الأدب العربي قبل أن أعرف الألف من ~~الباء. # وكنت أصغي إليه باهتمام. # | كيف تعلمت القراءة؟ # انتهى ms004 شقيقي من دراسته الثانوية، ودخل المدرسة الحربية الداخلية، ~~فبعد عني، وعز علي الأمر، وشعرت بالوحدة بعده، وتشوقت للقراءة حتى ~~إذا عاد يوم الخميس من مدرسته توسلت إليه أن يعلمني مبادئ القراءة ~~ففعل، ولم أكد أتعلم الحروف الهجائية وحركاتها حتى بدأت أعالج ~~القراءة بنفسي، وكنت قد حفظت مع شقيقي بعض قصائد من كتاب «مجاني ~~الأدب»، فلما عاد أخي أحد أيام الخميس رجوته أن يدلني على مكان إحدى ~~تلك القصائد من كتاب «مجاني الأدب»، ثم أخذت أقرؤها في بحر ذلك ~~الأسبوع، حتى إذا عاد في الأسبوع التالي أطلعته على مبلغ قراءتي لتلك ~~القصيدة، ولما كنت قد حفظتها عن ظهر قلب قبل أن أقرأها فقد كنت أتعلم ~~منها القراءة، وهكذا قضيت تلك السنة الدراسية في قراءة القصائد التي ~~سبق أن حفظتها، وكنت أعتقد أني لا أستطيع أن أقرأ غيرها. # وحدث في ذات يوم أني ذهبت لزيارة إحدى قريباتي فوجدت في منزلها ~~كتابا صغيرا كتب عليه «قصة حسن الصائغ البصري»، وكم كان سروري عظيما ~~عندما استطعت قراءة ذلك العنوان، وقد اكتشفت في تلك اللحظة أني أستطيع ~~أن أقرأ الكلمات التي لم تشكل والتي لم أحفظها من قبل، فسررت بذلك ~~وطلبت من قريبتي أن تعيرني ذلك الكتاب فلم تمانع، وكانت قراءة ذلك ~~الكتاب عملي مدة الأسبوع، حتى إذا عاد أخي من مدرسته أطلعته على ما ~~استطعت قراءته، وأخذت من ذلك اليوم أقرأ كثيرا من الكتب والروايات؛ ~~فقرأت كتاب ألف ليلة وليلة جميعه، وقصة عنترة بن شداد بأكملها، كما ~~قرأت كثيرا من الروايات الأخرى، لا أطلب من ذلك سوى التسلية، ومع هذا ~~كنت أصل الليل بالنهار في قراءتها، ثم ملت بعد هذا إلى الكتابة محاكية ~~ما قرأته. # لقد قرأت أشعار عمر بن أبي ربيعة، وأبي نواس، ومجنون ليلى، وغيرهم، ~~وكلهم يتغزلون ويتشببون بالنساء، وأخيرا قرأت ديوان المرحومة عائشة ~~هانم التيمورية، وكان فيه كثير من الغزل، واعتقدت لسذاجتي إذ ذاك أن ~~الغزل سهل، وأن الإنسان يستطيع أن يقول في الغزل ما لا يستطيع أن يقوله ~~في أي ms005 موضوع آخر؛ إذن يجب أن أقول الشعر في الغزل، وما دمت لا أشعر ~~بالحب فكيف أتغزل أو أتشبب؟ وأخيرا اهتديت إلى حل، وهو أن أكتب قصصا ~~لأقول فيها الشعر الغزلي على لسان غيري، وكتبت أول قصة في كراسة صغيرة، ~~وكان فيها الأبيات الآتية: # أحالت عن العهد الذي كنت أعهده # وموعدنا بالأمس خابت مقاصده # حبيبة قلبي لا تميل لعاذل # فإن عذولي قد دهتني مكايده # وزوري فتى في هواك متيما # عليلا ليشكو ما يلاقي لعائده # ولا أدري لم نصبت متيما وعليلا، وأنا في ذلك الوقت لا أعرف شيئا ~~من أصول النحو؟ كما يرى القارئ الكريم من ذلك البيت الأخير أني لم أكن ~~أعرف حروف الجر؛ ولهذا رفعت عائدا تبعا لقافية الأبيات مع أنه ~~مجرور. # وحدث أن دخل علي شقيقي ومعه مصطفى أفندي عبد الرازق ابن عم والدتي، ~~وفي يدي تلك الكراسة فأخذها، وقرأ الأبيات، ثم ألقى بها إلى الأرض ~~مرسلا ضحكة حلوة عالية، وهو يقول في دعابة وسخرية: «ما لك ~~والكتابة؟! إن هذه اللام لا تجر عربة فقط، بل تجر حمارا أيضا.» ~~ودهشت لما يقوله أخي لأني لم أفهمه، وخجلت من تهكمه على كتابتي، وتناول ~~الكراسة مصطفى أفندي عبد الرازق، وقرأ ما فيها، وقال لي في شيء كثير من ~~التشجيع: «لا يهمك كلامه، واعلمي أنك إن تعلمت فلن يستطيع أحد منا أن ~~يجاريك في الكتابة.» فقلت في خجل وأسف: وما هي اللام التي يذكرها أخي؟ ~~قال: سأرسل لك الجزء الأول من النحو لتتعلمي منه تلك القواعد. وفي ~~اليوم التالي جاءني ذلك الجزء فأخذت أقرؤه وأطبقه على ما أطالع من ~~الروايات والأقاصيص، وقد اتجه فكري في ذلك الوقت إلى تحقيق ما قاله ذلك ~~القريب والالتفات إلى التعليم، وترك قراءة كتب القصص والروايات. # وفي تلك السنة ذهبنا في إجازة الصيف إلى بلدتنا فأخذت معي مصحفا، ~~وجعلت أحفظ بعض سوره، وكنت أختار سور القصص كسورة يوسف ومريم، وكنت ~~أفهمها فهما جيدا، ولكن أحد جيراننا - وكان طالبا في الأزهر - قال ~~لي: إنه من الكفر أن أقرأ ms006 القرآن وحدي، فقلت: لم يكون كفرا وأنا لا ~~ألحن فيه؟ وقرأت أمامه بعض الآيات فوافق على أني أقرؤها صحيحة، ولكنه ~~قال: إنه يجب أن أحذر كل الحذر من أن أحاول فهم معناها وإلا عد ذلك ~~كفرا؛ لأنه هو نفسه لا يحاول فهم سورة إلا إذا تلقى تفسيرها على ~~أستاذه في الأزهر، فقلت له: ولكني أفهمها جيدا حسب ما أعتقد. قال: إن ~~ما تعتقدينه شيء والحقيقة شيء آخر. وأردت أن أعرف المعنى الذي تعلمه هو ~~في الأزهر، وأقسمت له إن أفادني أن أمدحه بقصيدة، وإن لم يفعل فلا بد ~~من ذمه بقصيدة أخرى، وسألته عن معنى الآية: # يا ~~أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا ~~نكتل وإنا له لحافظون ~~، وقد كنت أفهم معنى ~~تلك الآية على حقيقتها، فقال لي هو: إن أخاهم اسمه نكتل. وهنا سخرت ~~منه، وقلت له: إن الكفر هو ما تعلمته أنت عن أستاذك. وكتبت له قصيدة ~~الذم كما أوعدته، وكان اسمه محمدا أبا نصرة، ولست أتذكر شيئا من تلك ~~القصيدة إلا البيتين الآتيين: # أمحمد سموك خابت ظنونهم # لو أنصفوك لكنت تدعى باقل # لقبت بالنصرة وفعلك ضدها # فلتعلم الأقوام أنك متخاذل # | خرافات وأوهام # تأثير السرور في الصحة # مرضت بعد هذا، وكان المرض غريبا حقا؛ لأني كنت أستيقظ من النوم ~~صارخة دون أن أشعر بذلك الصراخ، حتى إذا شعرت بحالتي أحسست كأن إبرا ~~تغرس في كفي، وكان هذا - ولا شك - هو سبب الصراخ، وكنت لا أبقي ~~طعاما في جوفي، وحاول الأطباء علاجي في غير جدوى. # وعز على والدتي الأمر، وهالها بالطبع مرضي؛ لأني أولا ابنتها ~~الوحيدة، وثانيا ستفقد بفقدي المعاش المقرر لي؛ لهذا هلعت كل الهلع، ~~وأشار عليها بعض صديقاتها بأن تعمل لي حفلة زار، فصممت على ذلك، وكانت ~~قد باعت منزلا صغيرا لنا بمبلغ مائتي جنيه، وأرادت أن تشتري بها ~~منزلا آخر، فلما مرضت لم تبخل علي بالمبلغ، واستعدت لعمل حفلة ~~الزار، وأحضرت كثيرا من «مصاغ» الزار المعروف؛ كخلخال من الفضة، ~~وأحجبة، وغير ذلك، إلا أني لم أسر ms007 لذلك المصاغ الغريب، ولم أعره أي ~~التفات، وزارتنا في ذلك الوقت إحدى الدلالات، ومعها قرط ثمين من ~~الماس تبلغ قيمته مائة جنيه، ولكنها كانت تعرضه بخمسين جنيها، ~~فتشبثت بشراء ذلك القرط، ولم تر والدتي بدا من إرضائي ~~فاشترته لي، وكان ذلك في اليوم الذي تمت فيه معدات الزار. وقد سررت ~~بالقرط سرورا عظيما، أعاد إلي صحتي، وقامت شيخة الزار بإعداد ~~الكرسي، ووضعت عليه صينية ملئت برءوس السكر والمكسرات، وزبادي اللبن، ~~وغير ذلك من المأكولات. سررت بكل هذا، وكان أخي ومصطفى أفندي عبد ~~الرازق يحذران من أن أعمل ما تعمله السيدات من ذلك الرقص المستهجن، فلم ~~أفعل، ولكني بعد تلك الحفلة شفيت تماما، ولعل مرضي كان عصبيا فشفاه ~~السرور والابتهاج. # وسرت والدتي بشفائي بعد اليأس، ورأت أن ما بقي معها من ثمن المنزل ~~لا يكفي لشراء أي عقار، فاشترت لي به حليا مختلفة من الذهب كأساور ~~وقلادات وغيرها. # دفعني السرور بذلك الحلي الجديد أن ألبسه وأذهب لأزور إحدى قريباتي، ~~وقد كنت في ذلك الوقت لا أتجاوز الثامنة من العمر، وكان منظري لا شك ~~مضحكا؛ لأني ألبس من المصاغ ما تلبسه الآنسات الرشيدات، وأنا لا أزال ~~طفلة، وقابلتني في الطريق امرأتان من الرعاع فأقبلتا علي، وقالت لي ~~إحداهما: ألست ابنة السيدة فلانة؟ فقلت: نعم أنا هي. قالت: لقد كلفتني ~~أمك أن أصنع لك عروسة كبيرة بحجمك، فتعالي معي لأعطيها لك. ورابني ~~كلامها فقلت لها: وكيف أستطيع حمل عروسة في حجمي أنا؟ # فدهشت المرأة وقالت: تعالي معي لأحضرها لك، وأحملها أنا، وأذهب بها ~~إلى والدتك. قلت: لا داعي إلى ذهابي معك، وما دامت والدتي هي التي ~~كلفتك صنع تلك العروسة فعليك أن تذهبي إليها بها، وستحتفظ بها والدتي ~~لي. ودهشت المرأتان لهذا الجواب العجيب من طفلة، ومالت إحداهما على ~~الأخرى هامسة في أذنها: «تكونش دي ست وانسخطت؟!» # أتممت زيارتي، ثم عدت إلى والدتي فأخبرتها الخبر، وقلت لها على مقدار ~~شكي في المرأتين، فقالت: لقد صدق ظنك لأني لم أكلف أحدا عمل عروسة، ~~ولعلهما ms008 أرادتا أن تسلباك حليك. # كان هذا الحلي موضع غرابة في الأسرة بأكملها، فقال عم والدتي إن ~~والدتي لا تعرف التربية، وإن ابنها هذا الوحيد سيتلف من تلك التربية، ~~وينشأ ممن يجمعون أعقاب السجاير، أما البنت فلن تفلح بعد ذلك الحلي ~~«والدلع»، وستنشأ على أسوأ سلوك، قال ذلك عم والدتي، وأنا في الثامنة ~~من عمري، وقد أثبتت الأيام خطأه؛ فقد كد أخي وعمل مع هذا الترف الذي ~~كان يعيش فيه وملاينة والدتي له ولي، كد ودأب حتى كان من الأوائل في ~~امتحان شهادة الحقوق؛ لأنه ترك المدرسة الحربية والتحق بالحقوق لأسباب ~~صحية، وعين مساعدا للنيابة في شهر نجاحه؛ إذ كانت الحكومة تعين ~~الأوائل بالترتيب، أما أنا فلم أكد أبلغ الثالثة عشرة من عمري حتى ~~ازدريت لبس الحلي فوضعته في علبة، ولم ألبسه حتى الآن، إذ دخلت في تلك ~~السن المدرسة السنية، ولم أر من اللياقة أن ألبس شيئا من هذا، ~~والظاهر أنني اكتفيت بما تمتعت به من اللبس والدلع من نشأتي إلى سن ~~الثالثة عشرة، ولم أعد بعد ذلك أشتاق لشيء منه. # ولعل حريتنا في صغرنا هي التي قوت من إرادتنا، وجعلتنا؛ أي أنا وأخي ~~نبتعد عن اللهو، ونكد ونعمل فيما نريد، وهذه على ما أعتقد هي التربية ~~الاستقلالية التي نص عليها علماء التربية، ولم تقم بها والدتي لعلم بما ~~ستجنيه منها، ولكن دفعها الجهل والخوف علينا إلى معاملتنا تلك المعاملة ~~اللينة. # وبهذا نشأنا على الصدق، وقوة الإرادة، ولكن هذه التربية لا تصلح في ~~البلاد المستعمرة التي اعتاد أهلها الاستعباد، فأصبح الرئيس يحتقر ~~مرءوسه، ويهينه لسبب وبلا سبب؛ فإذا رفض هذه الإهانة كان عليه أن يحتمل ~~الذل والفقر والطرد، وهذا هو نفس ما صادفني في حياتي؛ فقد فشلت فشلا ~~تاما، وسبب ذلك الفشل هو تلك التربية التي اعتدت منها أن لا أحتمل ~~الضيم مهما كان ضئيلا. # وكانت والدتي بعد هذا إذا مرضت ألحت علي في أن أعمل الزار؛ لأنه ~~تأكد لديها أن لي صاحبا من الجن، وأنني عندما أرضيته، وعملت الزار ms009 ~~شفيت ، وهي تجهل أنني شفيت من تأثير السرور بما اشترت لي من الحلي، وأني ~~بعد أن كبرت أصبحت لا أسر بتلك السخافات، بل إن أسباب مرضي كانت في ~~الغالب لكدري من أشياء أهمها قلة المال، ولو أني أطعتها، وعملت حفلة ~~زار لخسرت من النقود ما يضاعف مرضي، وهكذا استمرت هي على اعتقادها، ~~وظللت أنا على نكراني وجحودي لجميل ذلك الزار. # | كيف دخلت المدرسة السنية؟ # اتجهت إلى التعليم كما قدمت، ولم أكتف بمطالعة القرآن وحفظه، بل ~~أردت أن أتعلم تعليما صحيحا في المدرسة السنية، وعلمت من أخي أني إذا ~~أردت دخول السنة الثالثة، وجب علي أن أعرف مقرر الحساب للسنة ~~الثانية، وهو جمع وطرح وضرب وقسمة الأعداد الصحيحة والكسور الاعتيادية، ~~وكان سني في ذلك الوقت 13 عاما، فطلبت من والدتي أن تعين لي معلما، ~~واستشارت عمها فقال لها جملتهم المأثورة: «علموهن الغزل ولا تعلموهن ~~الخط.» وهكذا رفضت والدتي أن تعين لي معلما، ورفضت أيضا أن تعلمني ~~الغزل؛ إذ إني أجهله حتى الآن. # ساءني ذلك والتجأت إلى أخي، ولكنه في ذلك الوقت كان مشغولا عني ~~بمدرسته، فأحضر لي كتاب الحساب المقرر على السنة الثانية، وكان فيه ~~لحسن الحظ شرح تلك القواعد، فتعلمت منه الأربع قواعد الأصلية للأعداد ~~الصحيحة والكسور الاعتيادية أيضا، ولا أنكر أني وجدت شيئا من الصعوبة ~~في فهم عمليات الكسور الاعتيادية من الكتاب، ولكني تغلبت عليها، وحاولت ~~في الوقت ذاته أن أتعلم ألف باء اللغة الإنجليزية مستعينة بالوقت ~~القليل الذي كنت أختلسه من أخي متحملة تمنعه وسخريته مني، وأخيرا ~~عولت أن ألتحق بالمدرسة السنية، ولما كاشفت والدتي برغبتي، قامت ~~لذلك وقعدت، واعتبرته خروجا على قواعد الأدب والحياء، ومروقا من ~~التربية والدين، وأخذت تقص الحكاية على أقاربها كأنها أحدوثة، وكان ~~يساعدها على ذلك كل من سمع بتلك الرغبة الجامحة، صممت هي على الرفض، ~~وصممت على تنفيذ رغبتي مهما بلغ الأمر، ولكني رأيت أن أخفي عنها تلك ~~الرغبة مؤقتا، وأن أحاول الالتحاق بالمدرسة السنية دون أن أخبرها ~~بذلك، فإذا نجحت وقبلتني المدرسة ms010 كان لي ولها شأن، تكتمت الأمر وعولت ~~على تنفيذه سرا، فسرقت ختم والدتي، وذهبت إلى المدرسة السنية، وكتبت ~~استمارة التحاقي بها، وختمتها بختم والدتي، ولا أنكر أن خطي في تلك ~~الاستمارة كان مضطربا رديئا؛ لأني لم أعتد الكتابة، ولم أحسن إمساك ~~القلم، وعجب سكرتير المدرسة السنية والمعلمون من جرأة تلك الفتاة التي ~~جاءت لتقدم لنفسها، ولكي أحملهم على قبول طلبي جعلته بمصروفات، وكان ~~أغلب طالبات السنية في ذلك الوقت يتعلمن بالمجاني؛ لعدم إقبال الأهالي ~~إذ ذاك على تعليم البنات؛ ولهذا ظننت أن طلبا تقوم صاحبته بدفع ~~المصروفات جدير بأن لا يرد. # دخلت الامتحان، وما كان أشده وأقساه على فتاة في سن 13 عاما لم تر ~~نظام المدارس، ولم تحسن إمساك القلم؛ فكان القلم يلعب بي بدلا من أن ~~ألعب أنا به؛ فكم لوثت ورقة، وكسرت قلما في ذلك الامتحان، فكانت ~~ورقتي في اللغة العربية كلاما عربيا صحيحا، وخطا لا يختلف كثيرا ~~عن خطوط الأطفال، وقد تعجب المعلمون من رداءة الخط وجودة الإنشاء؛ ~~إنشاء لا تستطيعه طالبة في المدارس الثانوية، وخط لا تكتبه تلميذة في ~~السنة الأولى الابتدائية. # دخلت امتحان الحساب، وكان واضعه الشيخ أحمد التوني، وكان يشمل ثلاث ~~مسائل عقلية لا تحتاج إلى العمل، ومسألة واحدة عملية فيها عملية ضرب ~~طويلة. # أراد الأستاذ بذلك أن يعجز تلك الطالبة المستجدة بهذه المسائل ~~العقلية، ثم أعطاها مسألة واحدة هي التي ظن أنها تستطيع حلها، وكان ~~الأمر على عكس ما ظنه الأستاذ، فقد كنت قوية في حل المسائل العقلية، ~~وكنت مع ذلك ضعيفة في العمليات، لم أحفظ جدول الضرب بعد، ولما كانت ~~المسائل العقلية لا تحتاج إلا إلى عمل بسيط لا يتجاوز الرقم الواحد؛ ~~فقد ابتدأت بالثلاث مسائل العقلية فحللتها، ثم أخذت بعد ذلك أغالب ~~عملية الضرب لأتغلب عليها فتفوز علي وتقهرني. # وجاء الأستاذ، وكنت وحدي في الغرفة لأنه لم يتقدم إلى امتحان السنة ~~الثالثة سواي، جاء الأستاذ وألقى نظرة على الورقة فدهش إذ كان حلي ~~للمسائل الثلاث صحيحا، فقال باسما: «لقد كان ms011 الامتحان سهلا؟» قلت : ~~نعم، ولكني أطلب المساعدة في عملية الضرب هذه. فدهش الأستاذ وقال: ~~«الخبر إيه؟ هل أنت من الفلاسفة؟» قلت: كلا، ولكنني لم أحفظ جدول ~~الضرب. فضحك الأستاذ، وقال: «يكفيك حل ثلاث مسائل.» # أما امتحان اللغة الإنجليزية، فقد كان إملاء سهلا جدا، ومع ذلك ~~فقد أخطأت في نصف كلماته، وخشيت أن لا أقبل بالمدرسة فاتصلت بالمعلمين، ~~ورجوتهم أن يقبلوني مؤكدة لهم أني سأدفع المصروفات؛ لاعتقادي أني ~~سأنجح في النهاية، فإن فشلت فأنا التي سأخسر لا المدرسة، وضحك المعلمون ~~من التماسي هذا، وصمموا على قبولي بالرغم من ضعفي في اللغة الإنجليزية ~~ورداءة خطي. # سررت سرورا عظيما عندما علمت بقبولي في المدرسة السنية، وكنت أحتفظ ~~بالقسط الأول من المصروفات في جيبي فدفعتها، وهي 250 قرشا؛ لأن ~~التلميذة الخارجية كانت تدفع 750 قرشا سنويا، وتتناول الغداء ~~بالمدرسة، والداخلية 15 جنيها. # ولعل القارئ يسأل من أين جئت بالنقود، والواقع أني بعت سوارا من ~~الذهب بخمسة جنيهات؛ إذ أصبحت في ذلك الوقت أحتقر الحلي. # ذهبت إلى المنزل، وأنا أكاد أطير من الفرح، فأخبرت والدتي بالتحاقي ~~بالمدرسة السنية، قالت: إذا فعلت فلا علاقة لي بك. قلت: لقد فعلت، ولا ~~شك في ذلك، وأنا ذاهبة لا محالة، فإن تشبثت بالرفض وعدم القبول؛ فسأدخل ~~المدرسة الداخلية، وفي معاشي ما يقوم بذلك. قالت: أحق ما تقولين؟ قلت: ~~نعم، حق لا ريب فيه، وسأذهب إليها يوم السبت. قالت: إذن، فلا تدخليها ~~داخلية، وكوني خارجية. قلت: حسنا. وفي يوم الجمعة زارني شقيقي فقال ~~لي: تأكدي إن دخلت السنية فلن أعرفك. فابتسمت قائلة: لقد نقص إذن من ~~أقربائي واحد، ولا ضير في ذلك. فغضب أخي وانصرف، وفي يوم السبت ذهبت ~~إلى السنية فكان خجل وكان حياء، وكان اضطراب لحالة لم آلفها؛ فقد كنت ~~قبل ذلك في المنزل، فلم أر من الرجال إلا أخي، أما اليوم فقد رأيت ~~كثيرا من المعلمين والخدم؛ ولهذا كنت أنتقد أية حركة تبدو من أي معلم، ~~بل وأية كلمة تنبو عن موضعها، وكنت أقيس حركاتي وسكناتي بالمللي؛ ms012 حتى ~~لا تخرج عن معنى الأدب والكمال الذي تعودته في منزلي تحت إشراف والدتي ~~وملاحظات أخي الكثيرة القاسية. # | الشيخ حمزة فتح الله وكيف أثار الطالبات ~~علي؟ # كنت غريبة في المدرسة السنية كما قدمت، ولم أمكث فيها أكثر من ثلاثة ~~أيام حتى زارنا الشيخ حمزة فتح الله، ومع أني كنت قد دخلت في السنة ~~الرابعة عشرة من عمري، فإني لم أكن أكبر سنا عن تلميذات السنة ~~الثالثة إذ ذاك، بل كنت مثل كثير منهن وأصغر من بعضهن، ولما كنت قصيرة ~~القامة فقد جلست في الصف الأول من الفصل، ودخل الشيخ حمزة فتح الله، ~~وكان لسوء الحظ أن كانت وقفته إلى جانبي، فطلب مني أن أقرأ فقرأت، ~~وسر الأستاذ سرورا عظيما؛ لأني كما قدمت كنت أقرأ قراءة صحيحة ~~مع أنني كنت أكتب خطا رديئا لا كرداءة الخطوط العادية، بل خط فتاة ~~لم تعتد الكتابة؛ أي خط طفلة لا تعرف كيف تكتب. # سر الأستاذ من قراءتي، وأعجب بها أيما إعجاب، ثم طلب من غيري أن ~~تقرأ، وهاله ما بيني وبينها من الفرق العظيم فغضب، وأمرها بالجلوس، ~~وقال إنها متأخرة جدا بالنسبة للتلميذة الأولى، ثم سأل غيرها فكان ~~غضبه أشد، وهكذا ثار الأستاذ، وسأل المعلم عن سبب ضعف التلميذات إلى ~~هذا الحد، وهنا مال عليه المعلم، وقال همسا: هؤلاء هن طالبات السنة ~~الثالثة، وهن لا يستطعن أن يقرأن أحسن من هذا، أما تلك التلميذة التي ~~قرأت في الأول، فهي جديدة لم تدخل المدرسة إلا هذا العام، وهي على ما ~~يظهر أقوى منهن بكثير، وهنا نظر الشيخ حمزة فتح الله، وقال: أرجو يا ~~ابنتي أن تساعدي زميلاتك على حسن القراءة والصرف، وكل البنات يرغين ~~ويزبدن لهذا الحادث العظيم في نظرهن؛ إذ كيف يطلب المفتش من تلميذة ~~مثلهن أن تعلمهن، وهي فضلا عن هذا غريبة عن المدرسة، وليست من ~~تلميذاتها، وهذا ما اعتبرته التلميذات عارا لا يمحى. # وما كادت الحصة تنتهي حتى خرجن إلى الفناء، وشكون أمرهن إلى باقي ~~تلميذات المدرسة، وكان في المدرسة طالبة عرفت ms013 بالصراحة كما عرفت ~~بالشجاعة والإقدام؛ فكانت بطلة المدرسة أو بلطجيتها، وكانت إذا مرت ~~بتلميذتين تتشاجران قضت بينهما بالعدل، وضربت الظالمة، أو أنبتها مع ~~أنها كانت لا تزال في السنة الثانية، فذهبت التلميذات إليها، وشكون لها ~~ما فعله المفتش، فجاءت ووقفت أمامي، وكنت جالسة فارتعدت فرائصي خوفا، ~~وأيقنت أني مضروبة لا محالة، وقالت لي بلهجة الغضب والتأنيب: كيف ~~تسمحين لنفسك أن تعلمي زميلاتك وهن أقدم منك في المدرسة؟ فنظرت إليها ~~في هدوء، وقلت لها: وهل قمت بتعليمهن، أو طلبت إليهن ذلك؟ وما ذنبي أنا ~~إذا سمح الشيخ حمزة فتح الله لنفسه أن يقول ذلك السخف الذي لا يعنيني ~~أمره؟ فنظرت إلي في شيء من التردد، ثم قالت: صدقت! ليس هذا بخطئك. ~~وانصرفت من عندي، ويظهر أنها وبخت تلميذات السنة الثالثة على ثورتهن ~~ضدي فهدأن، ولكنهن أطلقن علي لقب زوجة الشيخ حمزة فتح الله. # وكنت لا أعرف كلمة في اللغة الإنجليزية، وكنت أجلس في الفصل هادئة ~~لا أكاد أتحرك، وكانت بعض المعلمات الإنجليزيات يعتقدن أن التلميذة ~~الهادئة جدا خاملة العقل لا تفهم شيئا، ولو أن معلمتنا في ذلك الوقت ~~اعتقدت هذا لقضي علي بعدم النجاح، ولكن هذه المعلمة كانت على عكس ~~زميلاتها في هذا التفكير، فتخيلت أني أذكى فتاة في المدرسة، وأخذت ~~تساعدني بكل ما تستطيع، فكانت تأمر التلميذات أن يترجمن لي كل ما تقوله ~~رغما عنهن، ورأيت أنهن يقمن بمناورات ضدي في حصة اللغة الإنجليزية، ~~فأردت أن أردهن إلى الصواب فأخذت أضايقهن في حصة اللغة العربية، فكنت ~~أهزأ بمن تخطئ، وأصحح لها خطأها، فتتألم وتغضب، فيغضب عليها المعلم ~~ويعاقبها، وهكذا ضايقتهن مضايقة عظيمة، فجئن إلي وطلبن أن تضع ~~الحرب بيننا أوزارها، قلت حسنا إذا كنتن على استعداد لمساعدتي في حصص ~~اللغة الإنجليزية، فقبلن مني ذلك الشرط، واتفقنا من ذلك اليوم على أن ~~أساعدهن في اللغة العربية ولو بسكوتي، ويساعدنني هن في اللغة ~~الإنجليزية بترجمة ما لا أفهم، وهكذا انتظمت حالي بذلك الصلح قليلا، ~~ولكنه كلفني كثيرا إذ كان أغلبهن يطلبن مني ms014 أن أملي عليهن موضوع ~~الإنشاء الذي يكلفهن المعلم كتابته، وعلى هذا كنت أكتب موضوع الإنشاء ~~أربع أو خمس مرات حسب الطلب، فكنت أملي على كل من طلبت مني ذلك موضوعا ~~يغاير في ألفاظه وأفكاره موضوع الأخرى حتى لا يظن المعلم أن إحداهن ~~نقلت من الأخرى. # وفي نظير ذلك كن يترجمن لي كل ما تقوله المعلمة الإنجليزية، وكنا ~~لسوء الحظ نتلقى علوم الجغرافية والتدبير المنزلي والأحياء باللغة ~~الإنجليزية التي لم أكن أعرف منها شيئا؛ فكنت أجد صعوبة عظيمة في ~~فهم تلك العلوم، ولكن المعلمة كانت تشجعني كل التشجيع؛ ولهذا استطعت أن ~~أتغلب على تلك الصعوبات. # وحدث في يوم أن كانت تشرح لنا المدرسة جغرافية مصر الطبيعية على ~~الخريطة، وكانت الأطالس أمامنا، والظاهر أن الخريطة كانت ضيقة لا تمثل ~~مكان واحة سيوة، وقالت المعلمة للتلميذات أن ينظرن جيدا إلى الأطلس، ~~وكانت الواحة موجودة عليه، وأن يشرن إلى مكانها على الخريطة، وقامت ~~التلميذات الواحدة بعد الأخرى تشير إلى الموضع الذي كانت تظنه موضع ~~واحة سيوة، ولما كانت التلميذات متجهات إلى وضع واحة سيوة على الخريطة ~~مع أن محلها نفسه لم يكن موجودا على تلك الخريطة، فقد أخطأن جميعهن، ~~وطلبت المعلمة منهن ترجمة السؤال لي، فذهبت لأشير إلى مكان الواحة، ~~فوضعت الإشارة على الحائط لا على الخريطة، وظنت التلميذات ذلك غباء ~~مني، فضحكن ضحكات عالية ملؤها الشماتة، ونظرت إليهن المعلمة في ~~دهشة حتى إذا انتهين من الضحك أخبرتهن ببرود الإنجليز المعروف أنهن قد ~~أخطأن، ولم يعرف مكان واحة سيوة بالضبط إلا تلك التلميذة التي سخرن ~~منها، وكانت دهشتهن عظيمة لذلك، وابتدأن من ذلك اليوم يملن لي ~~ويحترمنني. # كنت غريبة عن المدرسة السنية، بعيدة عن كل نظمها، وكنت أنتقد ما ~~يلقى علينا وأحتقره إذا كان لا فائدة منه؛ لهذا لم تعجبني قواعد الصرف؛ ~~فكنت أسخر منها، ولا أرى أية فائدة في أن أعرف أن سار أصلها «سير»، وأن ~~كان أصلها «كون»، وغير ذلك من العلل الصرفية؛ لأني كنت أرى أني أعرف أن ~~أفهم وأقرأ، وأن ms015 أكتب ما يفهم قبل أن أتعلم تلك القواعد التي لا معنى ~~لها، وأعطانا المعلم يوما امتحانا في الصرف، وبدلا من أن أجيب عليه ~~كتبت له في الكراسة الأبيات التالية: # دهتني صروف الصرف لا در دره # ولا خير في فعل إذا رمت صرفه # كما أنه يخشى الزمان وصرفه # أرى الفعل موهوبا لدي وصرفه # فإن تكسروا للفعل عينا فإنني # كسرت ذراع الفعل عمدا وأنفه # وإن كان معتلا فلست طبيبة # دعوه دعوه عله يلقى حتفه # وبالطبع قد منحني ذلك الأستاذ في ذلك الامتحان صفرا بأكمله دون أن ~~يبخل علي بشيء منه. # وأمرنا الأستاذ يوما أن نحفظ حروف المعاني المكتوبة في كتاب النحو ~~بترتيبها عن ظهر قلب، فلم يعجبني أن أتعب نفسي في هذا السخف الذي لا ~~معنى له، وعندما طلب مني المعلم في اليوم التالي أن أسمع ما حفظت قلت ~~له: إني نظمتها شعرا. قال: هاتي. فقلت الأبيات الآتية: # أشكو إليك حروفا في تعلمها # حلت بقلبي من تكرارها العلل ~~«إذن وإذما» فما كررتها أبدا # إلا بدت أدمعي كالسيل تنهمل # ولا ذكرت «بلى والكاف ثم جلل» # إلا وخاب لدى تذكارها الأمل ~~«جير وحتى وحاشا» بت أقرؤها # حتى ثنى همتي عن حفظها الملل # علي بذلك لا ألقى العقاب ولا # عن ساحة الكرم المأمول أنتقل # فقال المعلم، ومكافأة لك على هذا الاجتهاد سأعطيك صفرا؛ فقد مللت ~~أن أكتب لك في كل شيء عشرة، وهذه فرصة أغير فيها العشرة إلى صفر ~~تشجيعا لك على قول الشعر، وهكذا كنت لا آخذ في اللغة العربية درجة ~~إلا الدرجة النهائية أو صفرا. # | الشيخة رمانة # كانت السنة الثالثة أصعب سني دراستي؛ لأني كنت غريبة عن نظم المدارس ~~وترتيباتها، ومع هذا فقد نجحت، وكنت الأولى في امتحان النقل إلى السنة ~~الرابعة، وكان عدد طالبات السنة الرابعة على ما أتذكر 6 طالبات، ~~وامتحنا امتحان الشهادة الابتدائية في مدرسة عباس؛ لأن المدرسة السنية ~~كانت في بناء قديم غير بنائها الحالي، وكان على مقربة من بنائها ~~المعروف الآن؛ فقد كان في حارة صغيرة في شارع ms016 المبتديان. # وتشاء القدرة الإلهية أن يكون امتحان الحساب في ذلك العام، وهو عام ~~1903 أصعب امتحانات الحساب التي رأيتها حتى الآن؛ ولهذا رسب في الحساب ~~فقط 60٪ من عدد المتقدمين لذلك الامتحان، خرجنا من امتحان الحساب، وكل ~~الطالبات يبكين، وكان من بين طالبات المدرسة السنية طالبة عرفت بالطيش ~~وعدم تقدير الأمور، فخرجت تضحك، وتتظاهر بالنجاح؛ فكانت جميع الطالبات ~~باكيات، وهذه الطالبة ضاحكة ساخرة، أما أنا فكنت على الحياد لا بكاء ~~ولا سرور، فدنت مني ضابطة مدرسة عباس، وقالت: أراك لست كزميلاتك في ~~البكاء، ولا تشاطرين تلك الزميلة الأخرى سرورها واغتباطها، فما شأنك؟ ~~قلت: أظن أني ناجحة فلا معنى للبكاء، أما السرور والابتهاج فليس من ~~المروءة أن أضحك، وزميلاتي باكيات. قالت: وهل أنت واثقة من نجاحك؟ ~~قلت: نعم. قالت: لا تغتري فقد رسبت أولى طالباتنا في العام الماضي. ~~قلت: لا بد يا سيدتي أنها كانت ضعيفة في الحساب. قالت: نعم! هي كذلك. ~~قلت: الحساب لا صاحب له؛ فقد تكون التلميذة مجتهدة في كل شيء؛ تذاكر ~~مذاكرة جيدة، فتتقدم على زميلاتها، ولكنها ينقصها الذكاء فلا تستطيع ~~النجاح في الحساب، أما أنا فمحال أن أرسب وأنا أولى الفصل في أغلب ~~المواد وفي الحساب أيضا. قالت: إذن سنرى. # انتهى الامتحان، وخرجت التلميذات، وأغلبهن واثقات من عدم النجاح، ولا ~~أدري كيف تأثرت بآرائهن، فساورتني الشكوك في نجاحي بعد أن كنت متأكدة ~~منه، وكانت والدتي شديدة الثقة في منجمة تدعى الشيخة رمانة، وكانت تقول ~~إن كلامها لا ينزل الأرض حسب تعبيرها هي، وكان أخي - رحمه الله - على ~~عكس رأيها، وهو الذي كنت أسير مع آرائه، فأردت أن أشرح لوالدتي بطريقة ~~عملية أن هذه المنجمة لا تستطيع معرفة الماضي لا المستقبل، فطلبت أن ~~أذهب معها إلى تلك المنجمة لأعرف منها الغيب في مستقبلي القريب، وهو ~~النجاح في امتحان الشهادة الابتدائية، فغيرت ملابسي ولبست ملاءة ~~وبرقعا أسود، وذهبت إليها مع والدتي فوجدت حولها عددا كبيرا من ~~النساء يغلب على ظني أنهن يساعدنها على كشف مستقبل الزبائن، وإن كن ~~يتظاهرن ms017 بأنهن جميعهن زائرات جئن للكشف عن مستقبلهن. # جلست على مقربة من الشيخة، وتقدم منها امرأتان، وأعطت الشيخة إحداهما ~~منديلها لتكشف عن مستقبلها، فقالت لها في لهجة الطفلة العابثة ~~المترددة: «مش واوه؟» وهي جملة ترسلها بين التأكيد والاستفهام. فقالت ~~الزائرة: لا يا سيدتي مش واوه. فقالت الشيخة: «أنا قلت مش واوه» قالت ~~ذلك بلهجة التأكيد، ثم قالت بلهجتها الأولى: «مش حاجة ضايعة؟» فقالت ~~الزائرة: نعم يا سيدتي شيء مسروق. قالت الشيخة: «أنا أقول حاجة ضايعة.» ~~ثم عادت إلى ترددها تقول: «مش ذهب؟» قالت الزائرة: يا ليتها كانت ~~ذهبا. ومعلوم أن الماس أغلى من الذهب؛ ولهذا قالت الشيخة بلهجة ~~التأكيد: «أنا أقول ألماظة.» فنظرت المرأة إلى زميلتها، وقالت في ~~سذاجة: لقد عرفت الشيء المسروق. وتشجعت المنجمة، وقالت: سرقها شخص يأكل ~~معك. وبالطبع لا يخلو الحال من أن يكون مع كل سيدة بعض أشخاص يأكلون ~~معها، إما من الخدم، أو من الأقارب، ولكن المرأة لسذاجتها تأكدت أن ~~الشيخة قد عرفت ذلك بعلمها، فقالت لزميلتها بصوت مسموع: لا يأكل معي ~~إلا نفيسة. وزادت جرأة الشيخة، فقالت: إن نفيسة هي السارقة. وهنا قالت ~~المرأة في دهشة: لقد عرفت المنجمة حتى اسم السارقة. فتركت المكان، وهي ~~تعتقد أن المنجمة قد عرفت كل شيء حتى اسم السارقة، ونسيت أنها هي التي ~~ذكرت اسم نفيسة بصوت سمعته المنجمة كما سمعته أنا، وقد كنت أكثر بعدا ~~منها عن المنجمة، وهنا علمت كيف تعمل السذاجة والجهل لصالح هؤلاء ~~المنجمات. # المرحوم موسى محمد بك قاضي محكمة دسوق سابقا «وهو ~~شقيقي». # تقدمت إلى الشيخة بعد هذه الزائرة، فقالت لي جملتها المعروفة: «مش ~~واوه؟ مش حاجة ضايعة؟» وأنا أجيبها بالنفي، ثم قالت لي بعد هذا: «مش ~~زواج؟» وخشيت إن أنا وافقتها على هذا لأظهر لوالدتي جهلها أن تظن ~~والدتي أني قد أضمرت في نفسي أن أسأل الشيخة عن الزواج، وقد كنت أود أن ~~تعلم والدتي بجلاء كذب تلك المنجمة، فالتفت إلى والدتي، وقلت لها في ~~شيء من الدهشة: زواج؟ طيب ما أنا متزوجة! ms018 وانتهزت المنجمة تلك الفرصة ~~وأسرعت قائلة: أنا أعرف أنك متزوجة، وسأرد لك زوجك. فنظرت إلى والدتي ~~قائلة: هيا بنا إلى المنزل ننتظر الزوج عند قدومه إلينا. قلت ذلك ~~وانتصبت واقفة، وقامت والدتي معي، فتعالت أصوات النساء اللائي يحطن ~~بالمنجمة قائلات: حذار أيتها الفتاة من أن تسخري بالشيخة وإلا أصابك ~~ضرر بليغ. قلت: وماذا فعلت؟ إني سأذهب مسرعة إلى المنزل لأنتظر زوجي ~~ما دامت الشيخة سترده إلي كما وعدت. وخرجت أنا ووالدتي بعد أن تغير ~~اعتقادها في الشيخة؛ لأنها رأت كيف ظنتني متزوجة، وأنا لا أزال ~~فتاة. # ظهرت نتيجة الامتحان، ولم ينجح من المدرسة السنية إلا أنا وطالبة ~~أخرى اسمها عائشة صبحي تنتمي إلى أسرة مجيدة، وهي الآن حرم حضرة صاحب ~~السعادة إسماعيل باشا رمزي، وكنت أنا الأولى بالنسبة للبنات، وكانت هي ~~بعدي وبيني وبينها عدد من البنين، ولست أتذكر ترتيبنا بالضبط. # ومن مدهشات الأحلام أني حلمت قبل ظهور هذه النتيجة بأني أسير في طريق ~~بلدتنا الريفية بسرعة، وأني دخلت منزلنا في الريف، ونظرت ورائي فرأيت ~~زميلتي صاحبة العصمة حرم إسماعيل باشا رمزي آتية من بعيد فقلت لها: ~~لقد تأخرت يا عائشة. قالت: لا بأس، فلم يمر أحد من التلميذات سوانا. ~~وهكذا ظهرت النتيجة، فلم يمر أحد سوانا. # وعلى ذكر زميلتي صاحبة العصمة حرم إسماعيل باشا رمزي أقول إنها من ~~فضليات المصريات، ومن أولياتهن علما وأخلاقا وذكاء، وإن كان اسمها ~~لم يظهر كثيرا في المجتمعات، ولعل ذلك ناشئ من تمسكها بالعادات ~~الشرقية، فقد خرجت من أسرة كريمة، ودخلت أسرة مثلها في الكرم من أسر ~~المصريين؛ لهذا ظلت بعيدة عن المجتمعات، لم يذكر اسمها في السياسة ~~إلا مرة واحدة إذ خطبت أمام حضرة صاحب الرفعة النحاس باشا بعد خروجه ~~من الوزارة في عيد 13 نوفمبر 1938، وهكذا تخفي منازل الأسر العريقة ~~دررا لو ظهرت في المجتمع لأضاءته بذكائها الحاد المتوقد، وأكسبته ~~بهاء وروعة. # | شاب ريفي # نجحت في الشهادة الابتدائية في يونيه سنة 1903 كما قدمت، ولم ينجح في ~~البلاد المصرية كلها غيري في ms019 ذلك العام إلا ثلاث فتيات، وأنا رابعتهن؛ ~~تلميذتان من المدرسة السنية، واثنتان من مدرسة عباس، ولا غرابة بعد هذا ~~أن يقوم شبان قريتنا وأن يقعدوا ابتهاجا بهذا النبأ، وتقديرا لتلك ~~العبقرية في نظرهم إذ ذاك؛ أي العبقرية التي استطاعت بها فتاة من ~~قريتهم أن تنجح في الشهادة الابتدائية، مع أن الناس الآن لا يعلقون ~~أهمية ما لمن ينجحن في الشهادات العالية، فسبحان مغير الأحول، كنت في ~~القرية حسب عادتي عندما ظهرت نتيجة الابتدائية، فتوافد الناس على دارنا ~~أفواجا للتهنئة، وإظهار إعجابهم بذلك النبوغ النادر كما كانوا يسمونه، ~~وعلى أثر ذلك أرسل إلي أحد مشايخ القرية كريمته، وهي في نفس سني ~~لتتعلم من معاشرتي المدنية، وظلت عندي مدة شهر كنا نخيط معا بعض ~~الملابس، وفي أحد الأيام جاءتني «ناعسة»، وهو اسم تلك الفتاة، وعلى ~~وجهها شيء من علامات القلق، وما كادت تخلو بي حتى قدمت إلي خطابا من ~~أخيها، يقول لي فيه إنه أحبني دون أن يراني، كما يحب الناس الجنة دون ~~أن يروها. # ساءتني جرأة هذه الفتاة، وهالني استهتار أخيها بالآداب في تلك القرية ~~الصغيرة التي رأس مال أهلها الدين والكمال، وخشيت إن أنا أطلعت شقيقي ~~على الخطاب أن يغضب لهذا، وأن يضرب ذلك الشاب، ويصبح ذكري أحدوثة بين ~~أهل القرية جميعا، فكظمت غيظي من الفتاة وأخيها، ومزقت الخطاب إربا ~~إربا حتى لا يستطيع أحد قراءته، ووضعته في الظرف، ولم يكن الظرف ~~معنونا، وأعطيته لها، وقلت لها: لقد ساءني جدا أن يرسل أخوك هذا ~~الخطاب، وأن تكوني أيتها الصديقة الرسول؛ ولهذا أرجوك أن تذهبي الآن ~~وأن تخبريه بأني لا أعرف شيئا عن الحب، وأني أحتقر كل من يعرفه، كما ~~أرجو أن لا تعودي إلى دارنا مرة أخرى. # خرجت الفتاة تتعثر في أذيال الخجل والأسف، وهي لا تكاد تقوى على جر ~~قدميها، ومضت أيام ولم تعد «ناعسة» إلى دارنا، فسأل أخي ووالدتي عن ~~السبب، فقلت لهما: لقد تم تمدينها، ولم تعد في حاجة إلي. وفي ذات يوم ~~جاءني أخي، وقال لي ms020 في شيء من الحدة: كيف عرفك فلان؟ وذكر اسم ذلك ~~الشاب، وخشيت في تلك اللحظة أن يكون ذلك الشاب قد أغضبه رفضي لصداقته ~~فاختلق علي من الأكاذيب ما يغضب أخي، ولكني تمهلت، وقلت لأخي: ومن ~~أين عرفت أنه يعرفني؟ قال: لقد كنت أمس في فرح فلان، وكان هذا الشاب ~~يجلس أمامي، ولكنه لم يشعر بوجودي، وسمعته يتحدث مع بعض شبان القرية، ~~فقال أحدهم إن فتيات المدن فاسدات الأخلاق ماجنات، وهنا انبرى له ذلك ~~الشاب يكذبه ويقول: إن كريمة موسى أفندي محمد، وهي من فتيات المدن، ومن ~~أولى الناجحات في الابتدائية هذا العام على جانب عظيم من الأخلاق ~~والكمال. فقال له ذلك الشاب المنتقد: وما يدريك فقد تكون كباقي فتيات ~~المدن ماجنة فاسدة، ولكنا لا نعرف من أمرها شيئا؟ فقال أخو ناعسة: ~~لقد خبرتها بنفسي، وأعلم أنها أكثر النساء عصمة واستقامة. وهنا ~~تبسمت، وقلت لأخي: وهل كلامه هذا يدل على أنه يعرفني؟ قال: لقد قال إنه ~~خبر ذلك بنفسه. قلت: هذا تعبير يدل على تأكده مما يقول، وهل نسيت أن ~~ناعسة أخته بقيت معي مدة تخالطني وأخالطها، وعرفت من أخلاقي ما لا ~~يعرفه غيرها؟ وأظن أن هذا ما أراده أخوها بقوله إنه خبر ذلك بنفسه، ولم ~~يشأ أن يذكر اسم أخته. فزالت آثار الغضب عن ملامح أخي، وقال: «صدقت، ~~لقد نسيت مسألة ناعسة.» # وهكذا كان ذلك الشاب الريفي مثال الشمم والصدق، مع أن غيره من رجال ~~المدن الفاسدين ينتقمون أشد الانتقام ممن تتمسك بأهداب الفضيلة، وتخيب ~~مطامعهم الفاسدة فيما أرادوه منها، نعم يتفننون في الانتقام من الفتاة ~~لا لسبب سوى أنها امتنعت عن إجابة مطالبهم فيدبرون لها كل وسائل الكيد، ~~ويدفعهم الغيظ إلى تسويء سمعتها ووصفها بما هي بريئة منه، لا لسبب ~~سوى حقدهم عليها لتمسكها بالفضيلة والعصمة. # أما القرويون فيمجدون الفضيلة، ولا يسمحون لأحد أن يفخر بالرذيلة ~~والفساد من سكر وعربدة وغيرها كما يفعل المدنيون، ومن يفعل ذلك منهم ~~فإنما يعرض نفسه لسخط أهل القرية عامة، واحتقارهم له وبعدهم عنه، ms021 فلا ~~تسمع من القرويين عادة من يروي لك في شيء من الفخر والزهو رواية سكره ~~وعربدته، وهو لو فعل ذلك لما أصغى أحد إليه، ولما كان جوابه على ما ~~يقوله إلا الضرب، وهكذا لا تجد الفضيلة أنصارا إلا في وسط الريف ~~الساذج البريء. # | طرائف # قبل أن أترك مرحلة تعليمي الابتدائي أذكر بعض المفارقات الكثيرة التي ~~كانت تحصل في تلك المرحلة. # فقد دخلت كما قدمت المدرسة السنية في السنة الثالثة الابتدائية، وكان ~~ذلك في سنة 1901، وكانت المرحومة ملك حفني ناصف في السنة الثانية من ~~معلمات السنية؛ أي كان بيني وبينها فرق دراسة ثلاث سنوات، وكانت ~~المرحومة مشهورة بجودة الإنشاء في اللغة العربية، وهي موهبة ورثتها عن ~~المرحوم والدها حفني بك ناصف؛ فلما دخلت أنا اتجهت أفكار المعلمين إلى ~~الموازنة بيني وبينها، وأخيرا قر رأيهم على أن يعطي معلم السنة ~~الثالثة الابتدائية نفس موضوع الإنشاء الذي يعطيه معلم السنة الثانية ~~من قسم المعلمات، وتم هذا، وعرض الموضوعان على مدرسي اللغة العربية في ~~القسمين الابتدائي والثانوي، فمال أغلبهم إلى تفضيل موضوعي، وقالت ~~الأقلية إن الموضوعين متساويان في الجودة، وأغضب ذلك المرحومة ملك، ~~وكانت طيبة القلب، وقد نمت بيني وبينها صداقة؛ فكانت تميل إلى مجالستي، ~~فجاءتني بعد هذه الموازنة تشكو إلي سوء تقدير المعلمين في وقع موازنة ~~كهذه بين تلميذة في السنة الثالثة الابتدائية، وطالبة في السنة الثانية ~~من قسم المعلمات، وقالت إنها تظن أن اهتمامهم بي؛ لأني في السنة ~~الثالثة الابتدائية يجعلهم يقدرون إنشائي فوق ما يستحق، وأنها تريد أن ~~تعرض الأمر على والدها، وطلبت مني أن أكتب قصيدة في مدح الخديوي، وأن ~~تكتب هي أخرى، وأن تعرض القصيدتين على والدها ففعلت وفعلت، ثم جاءتني ~~بعد ذلك على وجهها علامة عدم الرضا، وقالت: لقد انضم والدي إلى رأيهم، ~~ويظهر أنك محظوظة. فقلت لها مازحة: ولكني عرضت القصيدتين على أخي، ~~ففضل قصيدتك، وبهذا أصبحنا خالصتين، واحدة بواحدة. ~~وفي السنة الرابعة قالت هي قصيدة ~~مدح في الخديوي، وقلت أنا أخرى، ولكنها لم تعرض قصيدتها علي، ms022 بل فوجئت ~~بها على صفحات المؤيد، وأعجبني بيت فيها أيما إعجاب، وكنت خارجية، ~~وكانت المرحومة داخلية، فلما رأيتها في الصباح قرأت لها البيت فقالت: ~~لمن هذا؟ قلت: عجبا، ألا تعرفين؟ قالت: لا. قلت: إنه من قصيدتك ~~المنشورة اليوم في المؤيد. قالت: لعل والدي وضعه. ومن هذا علمت أن ~~المرحوم حفني بك كان يساعدها فيما تكتب أثناء دراستها. # المرحومة ملك حفني ناصف. # وحدث مرة أن السيدة فيكتوريا عوض - الآن مدام هنري بك بدير مدير ~~مخازن وزارة الصحة، وكان زميلة المرحومة ملك - شكت إلي من أن ~~المعلمين أخذوا فكرة ثابتة عن تفوق المرحومة عليها في الإنشاء، فمهما ~~اجتهدت ومهما كتبت فهم يضعون لها درجة أقل من درجة المرحومة ملك حفني، ~~وأنها لهذا تريد أن أكتب لها أنا موضوعا لترى هل يقدره المعلم، ويرفع ~~درجته عن درجة موضوع زميلتها، فأجبتها إلى ما طلبت، فلما قرأ المعلم ~~الموضوع سألها بعض أسئلة تتعلق ببعض المراجع التي قرأت فيها عندما ~~أرادت أن تكتب ذلك الموضوع، فلم تعرف؛ لأنها لم تكن كتبت ولا قرأت، ~~وهنا اتضح أنه كتب لها، فجاءتني ضاحكة، وقالت لقد ضبطت السرقة، ولم ~~نفلح فيما أردنا. # السيدة فيكتوريا عوض. # وأخذت طالبات قسم المعلمات يطلبن مني أن أكتب لهن مواضيع الإنشاء، ~~وضايقني هذا فأقسمت أن لا أصرف وقتا من أوقات فراغي في إملاء إنشاء ~~لطالبة مهما كانت، وأنهن إذا أردن مني ذلك، فعلى التي تريد أن أملي ~~عليها الإنشاء أن تقف على باب المرحاض عندما أكون أنا داخله، وهناك ~~أستطيع أن أملي عليها دون أن يضيع من وقت فراغي شيئا، وهكذا تم ~~الاتفاق؛ فقل بالطبع عدد طالبات المواضيع؛ إذ لم أكن أستطيع أن أملي ~~أكثر من موضوع في اليوم، وعلى طالبته أن تقف تلك الوقفة التي لا يرغبها ~~أحد. # ومن طريف ما حدث أن طالبة كانت متأخرة جدا في اللغة العربية، ~~فأمليتها موضوع إنشاء كلفها به المعلم، فلما صحح الإنشاء معلم الفصل ~~دهش لتقدمها في الإنشاء، ومدحها على هذا التقدم السريع، وهنا تعالت ~~الضحكات من ms023 جوانب الفصل، وسدت كل طالبة أنفها، بينما كان المعلم يقرأ ~~موضوع هذه الطالبة؛ لأنهن اعتقدن أنني أنا صاحبة الموضوع لا هي، وعندما ~~سألهن المعلم عن سبب سد الأنوف، قالوا: إننا واثقات أن هذا الموضوع ~~إنما خرج من مرحاض! وحاول المعلم أن يفهم ما أردن، فاستعصى عليه الأمر، ~~وأصرت الطالبات على أن رائحة الموضوع كريهة بالرغم من أنه هو لا يشم ~~شيئا. # وكان لي في ذلك العهد شهرة في حل المسائل الحسابية العقلية بسرعة ~~مدهشة، وكانت مدرسة الحساب في قسم المعلمات معلمة إنجليزية، وكان فصلا ~~السنة الثالثة الابتدائية والثانية معلمات متقابلين في فناء صغير، وفي ~~ذات يوم خرجت من فصلي عندما انتهت الدراسة، فنادتني المرحومة ملك حفني ~~من فصلها، فلما ذهبت إليها عرضت علي مسألة فحللتها على السبورة، ~~وكتبت الجواب فدهشت الطالبات، وأسرعت إحداهن وراء معلمة الحساب التي ~~كانت قد خرجت من الفصل، وردتها إليه ثانيا، وأظهرت المعلمة دهشتها، ~~وكل ذلك وأنا لا أكاد أعرف سبب هذه الدهشة، وأخيرا قالت لي المرحومة ~~ملك: إن معلمة الحساب صرفت الحصة بأكملها في حل المسألة، ولم تستطع ~~أن تأتي بالجواب المدون في كتاب الحساب، وأخيرا أكدت لهن أن الجواب ~~المكتوب في كتاب الحساب خطأ. فلما أتيت أنا الجواب المذكور في كتاب ~~الحساب دهشت الطالبات، ونادين المعلمة ليظهرن لها الخطأ الذي ذهبت ~~إليه، وهكذا حللن المسألة بالطريقة التي كتبتها لهن على السبورة، ومن ~~ذلك اليوم زادت مشاغلي، إذ كنت أحل لقسم المعلمات كل مسألة تستعصي ~~عليهن. # | نهضة تعليم البنات في مصر # في يونيه سنة 1901 نجح في الشهادة الابتدائية لأول مرة ثلاث تلميذات ~~هن السيدات: المرحومة ملك حفني ناصف، وفيكتوريا عوض - الآن مدام هنري ~~بك بدير مدير مخازن وزارة الصحة - وألجرابلنتر، وفي أكتوبر سنة 1901 ~~فتح قسم المعلمات في السنية، ودخل فيه هؤلاء الثلاث في السنة الأولى، ~~وفي يونيه سنة 1903 نجح في امتحان دبلوم معلمات السنية لأول مرة أيضا ~~طالبتان؛ هما المرحومة السيدة ملك حفني ناصف، والسيدة الفاضلة فيكتوريا ~~عوض، أما الثالثة فرسبت في ms024 الامتحان، وفي أكتوبر سنة 1903 عين كل من ~~المرحومة السيدة ملك حفني ناصف والسيدة فيكتوريا عوض معلمة بالمدرسة ~~السنية. # المرحومة الآنسة نور الهدى عبد الله. # وفي نفس هذا التاريخ دخلت أنا السنة الأولى من قسم معلمات السنية أي ~~في أكتوبر سنة 1903، وكان قسم المعلمات يشمل ثلاث سنوات الأولى ~~والثانية والثالثة، ومجموع تلميذات هذه السنوات الثلاث كان بالتحديد 14 ~~طالبة، بالسنة الثالثة أربع طالبات هن السيدات: ألجرابلنتر التي رسبت ~~في أول امتحان لدبلوم معلمات السنية، وآسيا عبد الفتاح - الآن حرم محمد ~~بك حمدي مرتضى وكيل مديرية المنوفية - وتوحيدة صبحي - الآن حرم حضرة ~~صاحب العزة محمد بك شفيع - وعائشة الشيمي. وبالسنة الثانية خمس طالبات ~~هن المرحومتان السيدة فاطمة عمر شقيقة عبد العزيز باشا فهمي، وحرم ~~عبد المجيد باشا عمر، والمرحومة السيدة نور الهدى عبد الله، والسيدات ~~زينب بهجت، وزينب فؤاد، وهانم صالح. أما السنة الأولى فكان بها خمس ~~طالبات أيضا؛ هن السيدات: عائشة صبحي - الآن حرم إسماعيل باشا رمزي - ~~وبهية حسونة، ونور حسن، وأديل دياب، ونبوية موسى، على أنه لم ينجح في ~~دبلوم معلمات السنية من هؤلاء الطالبات الأربع عشرة إلا ثمان فقط؛ ~~اثنتان نجحتا في سنة 1904، وهما السيدتان آسيا عبد الفتاح، وتوحيدة ~~صبحي، على أن الأخيرة منهما لم تعمل في التعليم، واثنتان في سنة 1905 ~~هما السيدتان نور الهدى عبد الله، وزينب بهجت، والأخيرة منهما لم تعمل ~~في التعليم أيضا، وفي سنة 1906 نجح جميع طالبات السنة الأولى اللائي ~~ذكرتهن الآن ما عدا السيدة عائشة صبحي مع أنها كانت من المتقدمات؛ إذ ~~كانت الثانية دائما، ولكنها تركت المدرسة في نهاية السنة الثانية، وقد ~~كانت أمهر طالبات السنية في اللغة الإنجليزية، حتى إنها كانت تكتب في ~~الإنشاء الإنجليزي ما يزيد عن أربع صفحات فلا تخطئ فيها مرة ~~واحدة. # ومن العجيب أن هذا الفصل الذي كنت أنا إحدى طالباته نجح كله في دبلوم ~~معلمات السنية، واشتغل كله أيضا بالتعليم ما عدا السيدة عائشة صبحي ~~كما قدمت، وفي الصفحة التالية صورة تاريخية لجميع طالبات ms025 قسم المعلمات ~~بالمدرسة السنية، ومعهن ثلاث معلمات إنجليزيات إحداهن مس كارتر، وهي ~~الآن كبيرة مفتشات اللغة الإنجليزية بوزارة المعارف، وقد خدمت تعليم ~~البنات في مصر 38 سنة، خدمته بإخلاص ونشاط قلما يوجدان في غيرها، ~~فتقدم طريقة التعليم باللغة الإنجليزية يعود إلى جهودها الجبارة ~~وإخلاصها النادر، ومس كارتر تكاد تتوقد ذكاء وعبقرية، وهي كتلة نشاط ~~إلى الآن لم تكل قواها، ولم تتضعضع عزيمتها، بل هي الآن بنفسها مس ~~كارتر الشابة التي كانت تدهش طالباتها باجتهادها ونشاطها ~~النادرين. # هذا هو مجمل بسيط لنهضة تعليم البنات في مصر، ولست أتغالى إذا قلت إن ~~قسم المعلمات في المدرسة السنية في ذلك الحين كان أقوى بكثير في اللغة ~~الإنجليزية على الخصوص من الحاصلين على شهادة كلية الآداب، أو المعلمين ~~العليا الآن، وكان ذلك يرجع لنشاط مس كارتر ودقتها في العمل. # لقد خرجت المرحومة فاطمة عمر من المدرسة السنية في سنة 1904 دون أن ~~تتم دراستها لأسباب ربما شرحتها فيما بعد، وقد تركت التعليم وتزوجت ~~ورزقت أطفالا انشغلت بحبهم انشغالا عجيبا مدهشا، وكان المظنون بعد ~~هذا كله أن تنسى كل شيء عن التعليم، ولكنها كانت مع هذا تتكلم باللغة ~~الإنجليزية كإحدى بناتها، وتكتب باللغة العربية بأسلوب أدق وأرقى من ~~أسلوب النابهين من طلبة التخصص في اللغة العربية بالأزهر الشريف أو ~~طلبة دار العلوم العليا، وكذلك السيدة عائشة صبحي، أو حضرة صاحبة ~~العصمة حرم إسماعيل باشا رمزي؛ فهي تجيد اللغتين الإنجليزية والعربية ~~إجادة يدهش لها من سمعها تتكلم اللغة الإنجليزية، أو قرأ ما تكتبه ~~باللغة العربية هذا مع عنايتها التامة بأبنائها ومنزلها. # صورة طالبات قسم «معلمات السنية في أكتوبر سنة ~~1903». الجالسات من اليمين إلى اليسار: مس كارتر، ~~والسيدات: توحيدة صبحي، نبوية موسى، ألجرابلنتر، بهية ~~حسونة، زينب بهجت. الصف الثاني من اليمين إلى اليسار: ~~مس هاني برن، السيدات: المرحومة نور الهدى عبد الله، ~~عائشة الشيمي، زينب فؤاد، فاطمة عمر، نور حسن، مس ~~ليتش. الصف الثالث من اليمين إلى اليسار: السيدات: ~~عائشة صبحي، آسيا عبد الفتاح، هانم صالح، أديل ms026 ~~دياب. # ومن لطائف ما أتذكره أن المعلمات الإنجليزيات كن يخالطننا مخالطة ~~الند للند، ويلعبن معنا، وكنا مع احترامنا وحبنا لهن نترجم أسماءهن على ~~سبيل الفكاهة والتسلية، وكان لأغلبهن أسماء لها معناها؛ فكنا نقول عن ~~مس كارتر مثلا الست عربجي، وعن مس هاني برن مدموزيل عسل محروق، ومس ~~ليتش الآنسة دودة، ومس بورد السيدة لوح، وكان سرورنا بمخالطة المعلمات ~~الإنجليزيات عظيما خصوصا عندما كنا نمزح معهن فلا يغضبهن ذلك المزاح، ~~فكنا ننادي مس بورد عن بعد يا سيدة لوح، وكانت تعرف أن هذا اسمها فتضحك ~~ونضحك، ومن هذه المخالطة اكتسبنا قوة في اللغة الإنجليزية يندر أن ~~توجد في طلبة العصر الحالي، وكانت الوزارة هي التي تقوم بامتحانات ~~النقل في المدرسة السنية؛ ولهذا كانت كل معلمة تجتهد في تقوية ~~تلميذاتها في المادة التي تدرسها خشية أن يظهر ضعفها في التدريس أمام ~~الوزارة في آخر العام. # وكانت الوزارة تعنى بامتحاننا عناية تامة فتمتحننا تحريريا ~~وشفويا، ويقوم بذلك الامتحان أكبر رجال الوزارة مقاما ~~وسنا. # وكان من مفتشي وزارة المعارف المستر بويد كاربنتر، فجاء ليمتحننا في ~~اللغة الإنجليزية شفويا، وكنت قد سمعت باسمه فأخذ يناقشني في أفكار ~~المصريين، فقال إنهم يهتمون بالتعليم، ويهملون الصناعة، وأردت أن أنتصر ~~لبلدي فقلت: إنهم على حق يا سيدي، فإنه لا صناعة بلا تعليم، والعلم هو ~~الذي يرقى بالصناعات، أما صناعة الجهلاء فلا قيمة لها. قال: ولكن ~~المصريين يحتقرون الصناعة وأربابها. قلت: إنهم على حق ما دام أرباب ~~الصناعة الآن جهلاء، ألست ترى يا سيدي أنه من العار أن تكون الفتاة ~~ابنة نجار مثلا؟ قلت ذلك، وضغطت على كلمة نجار، ومعناها بالإنجليزية ~~كاربنتر، وهو اسم المفتش، ضغطت على الكلمة في شيء من الدعابة، وفهم ~~المفتش أني أريد التلميح باسمه فضحك، وقال: أشكرك، ثم أعطاني الدرجة ~~النهائية. # وكان الشيخ شريف، وهو من أكبر مفتشي اللغة العربية في ذلك الوقت ~~يمتحننا في اللغة العربية شفويا، وكان رجلا شديدا في امتحانه، لا ~~يكف عن الأسئلة إلا إذا عجزت الطالبة عن الإجابة، ولما كان ms027 أول اسمي ~~نونا فقد كان يوضع في آخر كشف الامتحانات، وأخذ الأستاذ يناقش زميلاتي ~~الواحدة بعد الأخرى، ولا ينتهي من امتحان إحداهن إلا عجزت، وأجابته ~~بجملة «لا أعرف»، وجاء دوري فأخذ يناقشني وأجيبه، ويظهر أنه ضايقه هذا، ~~وأراد أن يحملني على الاعتراف بعدم المعرفة، وكان في يده صحيفة المؤيد ~~لصاحبها السيد علي يوسف باشا، وبها أربعة أبيات للمرحوم إسماعيل باشا ~~صبري، ولم أكن قرأت تلك الصحيفة، وكانت الأبيات حديثة لم تدون في كتب ~~الأدب، ومع هذا فقد قرأها لي الأستاذ، ثم سألني عن قائلها، وكانت ~~أسئلته ببطء وبنغمة مخصوصة، فقال ما نصه: «أنت. تعرفي. مين. اللي. قال. ~~هذه الأبيات؟» وعرفت غرضه، فتحاملت عليه وأجبته بنفس نغمته وترتيبه، ~~فقلت: «أنا. مش. ضروري. أعرف مين. اللي. قال. هذه الأبيات.» # وما كاد الأستاذ يسمع هذا التهكم حتى رفع رأسه، وشعر بخطئه في السؤال ~~فنظر إلي وقال: متشكر، ثم وضع لي الدرجة النهائية. # المرحومة السيدة فاطمة عمر شقيقة عبد العزيز باشا ~~فهمي. # وعلى ذكر هذه الامتحان أقول إننا كنا في الشهادة الابتدائية نحسن ~~التخاطب باللغة الإنجليزية أكثر من طلبة البكالوريا الآن، وأذكر أنه في ~~امتحان الابتدائية كان يمتحنني في اللغة الإنجليزية رجل وسيدة، فقال لي ~~الرجل: ما اسم السيدة التي تخيط ملابسك؟ ولم أتذكر كلمة خياطة في ذلك ~~الوقت، وأردت أن أشغله بإجابة أخرى حتى أتذكر الكلمة، فقلت له: إني أنا ~~التي أخيط ملابسي. قال: وماذا نسميك إذن؟ قلت: وهل تستطيع أن تسميني ~~إلا تلميذة سواء في ذلك أأخطت ملابسي أم لم أخطها؟ قال: افرضي أنك ~~ترسلين ملابسك لسيدة لخياطتها فما اسمها؟ قلت: إن هذا الفرض يحتاج إلى ~~المال الذي ليس معي شيء منه؛ ولهذا لا أستطيع أن أفرضه. واغتاظت السيدة ~~من تلاعبي هذا، وقالت لي بحدة: إنها هي ترسل ملابسها إلى سيدة ~~لخياطتها، فما اسم هذه السيدة؟ وهنا تذكرت الكلمة فضحكت ضحكة الظافر، ~~وقلتها لها، على أن كلام السيدة كان فيه ما ذكرني بالكلمة المطلوبة، ~~وأراد الرجل أن يداعبني، أو يضايقني بعض الشيء ms028 فقال: أتحسنين الغناء؟ ~~قلت: كلا. قال: هل تعرفين الرقص؟ قلت: لا. قال: فهل تلعبين على ~~البيانو؟ وساءني أن تكون إجابتي كلها بالنفي، وهي كلمة لا تدل على ~~مقدرة الطالبة في اللغة الإنجليزية فقلت له: لا تسألني هذه الأسئلة، ~~فإني لم أخلق لمثل هذه الحياة. قال: فبماذا تتسلين إذن؟ قلت: أحل بعض ~~المسائل الحسابية. فضحك الرجل، وقال: مخلوق عجيب! # وفي اليوم التالي كان امتحان الحساب، وكان فيه مسألة عقلية صعبة لم ~~تحلها تلميذة واحدة في اللجنة، فجاءني المفتش، وكان مراقبا في الحساب، ~~وطلب مني أن أريه نتيجة تلك المسألة، فلما رآها قال: صدقت فيما قلته ~~أمس من حبك للحساب. # | نزق الشباب # كان بقسم المعلمات كما قدمت 14 طالبة، ولم يكن في مصر قاطبة من نال ~~الشهادة الابتدائية إلا هؤلاء الطالبات الأربع عشرة، وكانت الضابطات ~~اللائي يقمن بمباشرة نظام المدرسة لم ينلن شهادات، فكانت الطالبات ~~يتكبرن عليهن؛ لأنهن يعتقدن أنهن أعلم من ضابطاتهن، وأن بأيديهن ~~برهانا قاطعا على صدق هذا الرأي ألا وهو الشهادة الابتدائية التي لم ~~ينلها أحد غيرهن. # وحدث أن عاقبت إحدى الضابطات طالبة من هؤلاء الفطاحل، فقام قسم ~~المعلمات لذلك وقعد وأرغى وأزبد، وشمخ بأنفه واستكبر، وقر رأي الطالبات ~~جميعهن على الاحتجاج على ذلك العمل الذي لا يليق بكرامة فتاة نالت ~~الشهادة الابتدائية، وكانت السيدة آسيا عبد الفتاح، أو صاحبة العصمة ~~حرم محمد بك حمدي مرتضى أولى السنة الثالثة؛ أي أولى قسم المعلمات ~~فكتبت احتجاجا، وطلبت من جميع الطالبات إمضاءه والذهاب معها إلى ~~الناظرة لتقديم ذلك الاحتجاج، وكنت أنا في السنة الأولى من قسم ~~المعلمات، ولكني سخرت من ذلك العمل، ورفضت أن أنضم إليهن في مثل هذا ~~الاحتجاج السخيف، وقلت إنه لا بد للمدرسة من ضابطات يحافظن على النظام، ~~وما دام ليس في مصر من يحمل الابتدائية فلا بد من وجود ضابطات لا ~~يحملنها، ولا بد من وجوب احترامهن ليستطعن القيام بعملهن، وعارضتني ~~الطالبات في آرائي هذه، وقلن إنهن لا يحتجن إلى من يشرف على نظامهن؛ ~~لأنهن حاصلات على ms029 الشهادة، ولأن المشرفات جاهلات، وصممت على رأيي، ~~وأخيرا ذهبت الطالبات إلى السيدة ملك حفني، وشكون إليها عصياني، ~~وعدم تضامني معهن في احتجاجهن فطلبت مني أن لا أخالف الإجماع، وأن أنزل ~~على رأي الأكثرية من زميلاتي، فقلت لها: إني أقبل ذلك على شرط أن يتعهد ~~هؤلاء الزميلات بالوقوف في وجه الناظرة إن هي غضبت من ذلك الاحتجاج، ~~وعاقبتنا جميعا. فقبلت هذا الشرط، وتعهدت الطالبات بأنهن يتركن ~~المدرسة إن أوقعت الناظرة بهن عقابا لهذا الاحتجاج. # وهكذا ذهبنا جميعا نقدم الاحتجاج إلى حضرة الناظرة، وكان اسمها مس ~~جون ستون، أو «حنا حجر» كما كنا نترجمه، وما كاد يقع نظرها علينا حتى ~~غضبت، وأمرتنا بالانصراف فانصرفنا، واستدعت الأولى، وهي السيدة آسيا ~~عبد الفتاح، وأخبرتها أننا جميعا معاقبات، وأنه يجب علينا أن نلزم ~~حجرة النوم من الساعة الرابعة بعد الظهر، وأن تكتب كل منا الجملة ~~الآتية، وتعلقها على سريرها، وهي «يجب على الطالبات إطاعة الضابطات»، ~~وجاءتنا السيدة آسيا بالورق والدواة تطلب منا الكتابة، وتبلغنا العقاب، ~~وثارت ثائرتي، ورفضت أن أكتب، وطلبت من السيدة ملك حفني أن تبر بوعدها ~~لي، فأرغمت الطالبات على مخالفة ذلك الأمر والذهاب إلى الناظرة ~~للاحتجاج عليه، وارتدت كل منا ملابسها، وذهبنا إلى الناظرة لنخبرها ~~بأننا لا نستطيع تنفيذ هذا العقاب، وأننا مصممات على ترك المدرسة إذا ~~هي صممت على عقابها هذا. # دخلنا مكتب الناظرة فاستقبلتنا بشدتها، وسألتنا ماذا نريد؟ فلم يستطع ~~أحد أن يجيبها، وكررت السؤال مرارا، وقابلنا ذلك السؤال بالصمت مرارا ~~أيضا، وخشيت أنا أن تأمرنا بالخروج، وتضاعف لنا العقاب فقلت لها: لقد ~~جئنا نخبرك أننا لا نستحق هذا العقاب؛ لأننا لم نفعل شيئا، وإن كنا قد ~~احتججنا على عقاب زميلة لنا، فما كان يستوجب ذلك عقابنا، بل كان عليك ~~أن تشرحي لنا أننا مخطئات، وأن للضابطات حق عقاب تلك الزميلة، ولو ~~أنك فعلت هذا لخرجنا من عندك راضيات، أما الآن فنحن لا نقبل البقاء في ~~مدرسة نعاقب فيها بلا ذنب، ولا جريرة. وساء الناظرة أن أتكلم أنا مع ~~أني ms030 من السنة الأولى، وما كان لمثلي أن يتكلم، ومعه طالبات السنة ~~الثالثة اللائي هن أحق مني بالكلام؛ ولهذا ظنت أني أنا التي دفعت ~~الطالبات إلى هذا الاحتجاج، وأرادت أن تنهي المسألة فقالت: وإذا عفوت ~~عنكن، فهل تعدنني أنكن لا تعدن إلى مثل هذا الطيش؟ قلت: لك ذلك. قالت: ~~لا بأس! فاذهبن إلى شأنكن. # تحملت الناظرة مني منذ ذلك اليوم، وأرادت أن تنتقم مني منفردة، وبعد ~~ذلك الحادث بأسبوع مرضت معلمة الجغرافية، فحلت محلها الناظرة في ~~إعطائنا حصة الجغرافية فدخلت الفصل، وأمرتنا بإخراج الأطالس وكتب ~~الجغرافية، وكنت أنا آخر من أخرجت كتابها، فقالت لي بلهجة التأنيب: ~~أبشرك بأنك سترسبين في آخر العام. فقلت: وأنا أؤكد لك أن هذه البشرى ~~غير صحيحة، ومحال أن أرسب، وأنا أولى هذه الفرقة. قالت: أتعارضينني ~~فيما أقول؟ قلت: ولم لا؟ وهل من المنطق أن أرسب أنا! لا لسبب سوى أني ~~تأخرت ثانية أو ثانيتين في إخراج كتابي؟ قالت: أرجوك أن تتركي الفصل ~~الآن، وتذهبي إلى عنبر نومك، وأن لا تعودي إلى الفصل إلا إذا اعتذرت ~~إلي. فتركت الفصل غاضبة وذهبت إلى عنبر النوم وبقيت به يومين دون أن ~~أعتذر إليها، وكنت أقضي كل وقتي في المطالعة، ويئست هي من اعتذاري، ~~وجاءتني في عنبر النوم متظاهرة أنها نسيت وجودي فيه، وأظهرت دهشتها ~~عند رؤيتي، ثم سلمت علي فقمت لها، وسلمت عليها، وجلست على السرير، ~~وأمرتني بالجلوس إلى جانبها، وقالت: لم لم تعتذري إلي الآن؟ قلت: ~~لم أفعل ما يوجب الاعتذار، فإني على يقين أني لن أرسب، وهذا ما قلته ~~لك فهل في ذلك من بأس؟ وهل تمنع الفتاة من أن تقول ما تعتقد ما دام ~~ليس فيه ما يضر بغيرها؟ قالت: لقد صدقت، وإني أعتبر ذلك منك اعتذارا، ~~فهيا إلى فصلك. وسرت معها، وهي ممسكة بيدي إلى أن وصلنا إلى باب الفصل ~~فدخلته. # وقد ترك هذا الحادث وسابقه في نفسها أثرا عظيما، وأرادت أن تنتقم ~~مني، فكتبت إلى الوزارة تقريرا تقول فيه إن نبوية موسى متأخرة جدا ms031 ~~خصوصا في اللغتين العربية والإنجليزية والحساب، أما اللغة الإنجليزية ~~فقد كنت متأخرة فيها، ولكني لا أدري لم اختارت هاتين المادتين اللتين ~~اشتهرت أنا بالتفوق فيهما، ولعلها أرادت بذلك أن تترك في نفس المفتشين ~~أني ضعيفة في اللغتين، فإذا خجلت، أو تلعثمت في إحداهما وقت الامتحان ~~الشفوي كان ذلك باعثا لهم إلى عدم إنجاحي في الامتحان الشفوي. # وكان مكتب الناظرة في الفناء، وشاء الحظ أن أعثر على ورقة تطير في ~~الفناء بقرب باب الناظرة، وإذا بها مسودة ذلك التقرير، وقد دهشت عند ~~قراءتها، وكاد اليأس يقضي علي لولا أني اعتزمت المثابرة والجد، ~~وضاعفت جهودي في اللغة الإنجليزية لأكذب ما ادعته في تقريرها؛ فاجتهدت ~~في ذلك العام اجتهادا لم أقم به من قبل، وأجرت هي امتحان ثلاثة الشهور ~~الأولى فكنت الأولى، وساءها ذلك فجاءت تؤنب الفصل جميعه، وتقول إن هذا ~~الفصل أبلد فصل في المدرسة مع العلم أن فصل السنة الأولى كما قدمت كان ~~هو الفصل الوحيد الذي لم يرسب منه أحد؛ إذ نجح في امتحان الدبلوم من ~~السنة الثالثة طالبتان من أربع، ومن السنة الثانية طالبتان من خمس، أما ~~من فصل السنة الأولى فقد تخرج منه أربع معلمات من خمس طالبات، أو ~~بعبارة أخرى من أربع طالبات؛ لأن الطالبة الخامسة، وهي من المتقدمات لم ~~ترسب، ولكنها تركت المدرسة، ومع هذا فقد زعمت الناظرة أن فصل السنة ~~الأولى هو أبلد الفصول الثلاثة بدليل أن الأولى فيه لم تتغير مع أن ~~الأولى في باقي الفصول تتغير من امتحان لآخر، وكانت تريد بذلك الكلام ~~دفع زميلاتي إلى العمل حتى لا أكون أنا الأولى في امتحان ثلاثة الشهور ~~الثانية. # وفي امتحان ثلاثة الشهور الثانية أرادت أن تزحزحني عن مكاني، وعلمت ~~أنها لا تستطيع شيئا في تغيير الدرجات التحريرية، فعمدت إلى الامتحان ~~العملي للتربية؛ أي فن التعليم فحضرته بنفسها، ووضعت هي الدرجات ~~فأعطتني 40 درجة من 100، وأعطت لكل من زميلاتي فوق التسعين، وبهذا ~~اعتقدت أن هذا الفرق العظيم في درجات التربية العملية سينزل بي عن ~~مكانتي، ms032 ودفعني اضطهادها هذا إلى مضاعفة جهودي في الامتحان التحريري، ~~وظهرت النتيجة، وجاءت لتقرأها علينا، وقبل أن تبتدئ في القراءة قالت: ~~إني آسفة أشد الأسف. فكملت لها جملتها بسرعة قائلة: لأن نبوية موسى ~~لا تزال الأولى. فنظرت إلي، وقالت: نعم هو ذلك ما آسف له، وما أوبخ ~~زميلاتك عليه؛ لأنهن لو اجتهدن لما استطعت أنت المحافظة على مكانتك في ~~كل امتحان. # دخلنا امتحان النقل بعد هذا، وقد قام به المفتشون، وكنت أولى فرقتي، ~~وأرسلت الوزارة تقريرا إلى المدرسة تقول فيه: لقد برهنت الطالبة نبوية ~~موسى على أنها أولى قسم المعلمات جميعه في أغلب المواد خصوصا في ~~اللغتين العربية والإنجليزية والحساب، وكان هذا ردا خالصا على تقرير ~~الناظرة. # | عزة النفس تنقلب جبنا # ذكرت في ذكرياتي السابقة كيف كانت مظاهرة الطالبات ضد الضابطة التي ~~عاقبت إحداهن سببا في خلق عداء بيني وبين الناظرة لم يكن لي ذنب فيه، ~~وكأن هذا الدرس لم يفدني كثيرا، فلم ألبث أن وقعت في خطأ غيره. # اعتاد معلم اللغة العربية أن يتركنا واقفات عند بدء حصته، فلا يأمرنا ~~بالجلوس إلا بعد خمس دقائق أو ست، وفي أثناء ذلك يكون هو مشغولا ~~بالكتابة في كراسة تحضيره، ويظهر لي أن الرجل لم يكن يعد درسه في كراسة ~~التحضير قبل دخوله الفصل، فهو يتركنا واقفات إلى أن ينتهي من إعداد ~~درسه حتى إذا دخلت الناظرة عليه لا تلاحظ أننا جالسات، بينما يكتب هو ~~مذكرة الدرس أمامنا. # ساء ذلك زميلاتي؛ لأنهن اعتبرنه إهانة لا مبرر لها خصوصا لطالبات ~~حصلن على الشهادة الابتدائية في الوقت الذي كانت فيه تلك الشهادة في ~~نظر الناس أعلى من الدبلومات. # ساءهن ذلك، وشكون إلي أمرهن، وطلبن مني أن أكلم المعلم في ذلك؛ ~~لأنهن لا يستطعن أن يعاتبنه خشية أن يثور عليهن، أما أنا فلي عنده ~~مكانة خاصة أستطيع معها عتابه، هذا ما قالته زميلاتي، وإن كنت أنا ~~شخصيا لم أقرهن عليه، كما أني لم أكن متألمة من وقوفي 5 دقائق، ~~ولكنهن ألححن علي في الطلب، فقبلت منهن ms033 ذلك، وقلت لهن سآمركن بالجلوس ~~عند دخوله فأطعنني، وإذا أمركن بالوقوف، فإياكن أن تفعلن ذلك. # دخلنا الفصل على هذا الاتفاق، ودخل المعلم فقمنا له، ثم جلس ليكتب في ~~كراسة تحضيره حسب عادته، فأمرت أنا زميلاتي بالجلوس بصوت مسموع وجلست ~~معهن، وتنبه هو لذلك فغضب، وأمرنا في حدة بالوقوف، فوقفت الطالبات ~~وبقيت أنا جالسة، فأمرهن بالجلوس وأمرني بالوقوف فلم أقف، وقلت: إني لم ~~أفعل ما يستحق العقاب، وإن الطالبات لم يكن معاقبات، وليس للمعلم أن ~~يعاقب الطالبات بلا ذنب ولا جريرة؛ ولهذا اعتبرت أن مجرد انشغاله ~~بالكتابة هو الذي منعه من أن يأمرهن بالجلوس، وبما أني أولى هذه الفرقة ~~فقد رأيت من واجبي أن آمر التلميذات بالجلوس بالنيابة عنه، فلا داعي ~~إذن للغضب مما فعلت؛ ولهذا لا أرى معنى لعقابي بالوقوف. # غضب المعلم لذلك، ولكنه كظم غيظه وسكت، وتجنبني بعد ذلك فلم يكلمني ~~إطلاقا، ولم يسألني، ولم يكن ذلك مما يغضبني، بل كنت أسر من أن أستمع ~~إلى المعلم، وهو يناقش الطالبات دون أن أدخل أنا في ذلك النقاش. # لهذا مضى علي بعض الوقت دون أن يكلمني، ودون أن أتألم من ذلك ~~الحرمان، وكانت زميلتي عائشة صبحي تجلس إلى جانبي، وكانت مؤدبة خجولة ~~على جانب عظيم من الآداب الشرقية شديدة الحياء مع ذكائها، وتوقد ~~قريحتها، فكان إذا سألها نظر إليها، فتخجلها نظراته إلى حد يجعلها ~~ترتبك فتردد الكلمة «يا أختي» في شيء من الحيرة والتردد، وزاد ذلك منها ~~مرة إلى حد ضايقني، فقلت لها: ما هذا هل تريدين أن نحفظ منك هذه ~~الكلمة؟! أرجوك إذا كنت تعرفين الجواب أن تدلي به وإلا فاجلسي. # وهنا قال المعلم لعائشة: أرأيت أنك لم تعجبي نبوية؟ وساءني ذلك منه ~~فقلت له: كلا إني راضية عنها كل الرضاء، وأنت الذي لا تعجبني لا هي. ~~وساءه ذلك، ولكنه لم يستطع أن يعمل شيئا، واشتد الجفاء بيني وبينه، ~~وسأل زميلتي في يوم آخر عن وزن الفعل آثر، وارتبكت كعادتها، فهمست ~~إليها قائلة إنه على وزن أفعل، وقالت هي ms034 الكلمة بعدي، فقال لها المعلم ~~في شيء من الغضب: لقد كذبت أنت، ومن قالت لك هذا. فقلت له: وهل إذا كان ~~ما قلته خطأ يعد ذلك كذبا أم مجرد خطأ؟ قال: إن الكذب أن يقول الإنسان ~~ما ليس بصحيح، فهو كذب. قلت: كلا إن الكذب أن يقول الإنسان شيئا غير ~~صحيح، وهو يعلم عدم صحته، أما إذا كان لا يعلم ذلك فهو مخطئ. وأصر ~~المعلم على رأيه فقلت له: وهل إذا اتضح أن هذا الفعل ليس على وزن فاعل، ~~كما تعتقد حضرتك يكون ذلك كذبا من جانبك؟ قال: نعم. قلت: إذن هو ليس ~~على وزن فاعل بدليل أن مضارعه يؤثر، وقد جاء في القرآن # بل تؤثرون الحياة الدنيا ~~، ولو ~~أن ذلك الفعل على وزن فاعل لكان مضارعه يؤاثر، فخجل المعلم، ولم يستطع ~~جوابا. # وتصادف أن زارنا في تلك المدة الشيخ حمزة فتح الله، وقرأ موضوعا ~~إنشائيا لإحدى زميلاتي فوجد فيه كلمة «كون» بدلا من كان، فأخذ يعنف ~~الزميلة، ويسألها من أين أتت بذلك الفعل «كون»، وأخيرا تدخلت في ~~الموضوع أنا وقلت له جاءت به من كلام معلمنا، فهو لا يزال طول الوقت ~~يقول لنا إن «كان» أصلها «كون»، ولا بأس أن تذكر هي الأصل وتترك الفرع ~~ما دام المعلم لم يعلمنا شيئا غير هذا، فضحك الشيخ حمزة فتح الله، ~~وخجل المعلم، ورأى أن خصامه لي لا ينجم عنه إلا تلك المواقف الحرجة ~~التي يقفها من وقت إلى آخر، فأراد أن يصالحني، وكان بالمدرسة معلم آخر ~~هو الشيخ أحمد إبراهيم بك، وكيل مدرسة الحقوق الآن، وكنت أحترمه لفضله ~~ووقاره، فطلب منه أن يصالحني ففعل، وانتهت تلك المشكلة التي أوقعني ~~فيها غدر زميلاتي وخروجهن عن العهود التي اتفقن عليها معي، ومن بعد هذه ~~الحادثة لم أتفق معهن على شيء مهما طلبن مني ذلك. # وعلى ذكر الشيخ أحمد إبراهيم بك أقول إني كنت أحترمه احتراما يدفعني ~~إلى طاعته مهما كانت الظروف، وقد درس لنا اللغة العربية في السنتين ~~الثانية والثالثة، فتصادف يوما أن ms035 أعطانا موضوعا إنشائيا على فوائد ~~الصوم، وقال لنا: إن من فوائده تحسين الصحة. فعارضته أنا في ذلك، وقلت: ~~إني أومن بكل فوائده الأدبية والدينية، أما أن نصوم لتصح أجسامنا، فهو ~~ما لا أستطيع أن أومن به؛ لأن الغربيين - وهم قوم مسيحيون - لا يصومون ~~رمضان، ومع ذلك فهم أصح أجساما منا، ولو أن الصيام كان للصحة لجاز لنا ~~أن نمتنع عن الطعام في أوقات معقولة؛ أي نأكل في الصباح، ثم في المساء، ~~أما أن نمتنع عن الأكل النهار كله مهما طال ولا نأكل إلا في الليل فأمر ~~لا أظنه يفيد الصحة في شيء، وأصر الأستاذ على رأيه، وأصررت أنا على ~~رأيي، وضايقه ذلك مني لأمرين؛ أولهما: أنه كان رجلا فاضلا يريد أن ~~يغرس في نفوس طالباته أصول الدين وفضائله، وثانيهما: أن المدرسة كانت ~~لا تسمح لنا بتلقي الدرس على أستاذ إلا بحضور مشرفة، وكانت تلك المشرفة ~~أجنبية، وظن الأستاذ أنها تفهم اللغة العربية، فساءه أن تسمع مني أن ~~المسيحيين أصح منا أجساما، وأن صيام رمضان قد يؤثر في صحتنا فغضب، ~~وقال لي: ألكلمة يقولها أجنبي تزعزع عقيدتك في دينك؟ ورأيت أن الرجل ~~على حق في شدة ميله إلى تهذيب طالباته، فلم يغضبني غضبه، بل اجتهدت في ~~إرضائه، وإن كنت لم أغير رأيي فيما ذهبت إليه من عدم فائدة الصوم ~~الصحية، وأخيرا اصطلحنا، وأظنه لا يزال يذكر تلك الحادثة إلى الآن، ~~على أن الأمر الذي أغضبه، وهو تخيله أن تلك المشرفة كانت تفهم ما نقول ~~كان غير صحيح؛ لأنها كانت سيدة يونانية لا تعرف كلمة واحدة من ~~اللغة العربية، وكان جلوسها معنا لا قيمة له من الوجهة الأدبية ~~الصحيحة؛ إذ كان يستطيع المعلم أن يقول لنا ما يشاء، وأن نجيبه نحن بما ~~نشاء دون أن تفهم تلك المشرفة شيئا مما نقول، فوجودها كان كالعدم ~~خصوصا وأنها كانت تتسلى أثناء وجودها معنا بالتطريز؛ فكانت تنهمك فيه ~~انهماكا يمنعها أن ترى شيئا مما نفعل، ~~فكانت تلك المشرفة تجلس معنا كحجر ~~أصم لا تسمع ولا ms036 ترى، وكان جلوسها لا فائدة منه إلا أنه كان يغضب ذلك ~~الأستاذ الفاضل ويؤلمه أشد الإيلام؛ لأنه كان يعتبر ذلك عدم ثقة به، ~~وقد كان - وهو الحريص على الأخلاق والآداب في كل حركاته وسكناته، وفي ~~كل كلمة تخرج من فمه - مثال النزاهة والكمال في كل شيء، ولم يكن بالطبع ~~يحتاج إلى إشراف أحد عليه. # | الغش في الامتحانات # كنت أكره الغش في الامتحانات فلم أحاوله، ولم أساعد طالبة أخرى عليه ~~مهما كانت الظروف، وكانت الامتحانات في المدرسة السنية تعمل في صالة ~~متسعة جدا يجلس فيها طالبات قسم المعلمات وتلميذات القسم الابتدائي، ~~فكانوا يرتبون تلميذة من قسم المعلمات، وعلى يمينها تلميذة من السنة ~~الأولى الابتدائية، وعلى يسارها أخرى من السنة الثالثة الابتدائية، ~~وأمامها إحدى تلميذات السنة الثانية الابتدائية مثلا، وخلفها تلميذة ~~من السنة الرابعة الابتدائية، وهكذا، فكانت طالبات قسم المعلمات يساعدن ~~تلميذات القسم الابتدائي إذا هن طلبن المساعدة، أما أنا فلم أكن أساعد ~~واحدة منهن إطلاقا؛ فكانت التلميذة التي يقضي عليها سوء الحظ بأن ~~تجلس إلى جانبي تخرج أول يوم ساخطة متذمرة تشكو حالها لكل من يصادفها ~~قائلة: أمري إلى الله في هذا الامتحان، فقد جلست إلى جانب أبلة ~~نبوية. # كنت كما قدمت أكره الغش، وكنا نتلقى الحساب على معلمة إنجليزية لم ~~تكن تشرح لنا المسائل، بل كان يبدو لي أنها هي نفسها لا تفهمها، فكانت ~~تكتب المسألة على السبورة، ثم تطلب منا حلها، فإذا عجزت الطالبات عن ~~ذلك قامت هي بكتابة الحل على السبورة دون شرح أو مناقشة، فتنقله ~~الطالبات حرفا بحرف دون أن يفهمن منه شيئا، ومن الغريب أنها لم تكن ~~تختار إلا المسائل العقلية الصعبة جدا، وعلى ذلك لم تستفد الطالبات ~~منها شيئا في ذلك العام. # واعتادت المعلمة أن تعطينا يوم السبت من كل أسبوع 10 مسائل في كراسة ~~خاصة تحوي حوالي 96 صفحة لنحلها كواجب منزلي، ثم تأخذ منا هذه الكراسة ~~يوم الخميس، وتردها إلينا مصححة يوم السبت، وهكذا. # ولما كانت الطالبات لا يفهمن في تلك المادة شيئا، ms037 وكنت أنا ميالة ~~إلى ذلك النوع من المسائل؛ فقد كن ينتظرن حتى أنتهي أنا من حلها، ثم ~~ينقلن ذلك الحل مني دون أن يعرفن عنه شيئا، وكنت في العادة أنتهي من ~~حل تلك المسائل في مساء السبت نفسه لشدة ميلي إليها، فكان لديهن من ~~الوقت ما يكفي لنقلها على مهل. # كانت زميلتي السيدة عائشة صبحي قد تركت المدرسة السنية في نهاية ~~السنة الثانية، ونقلنا إلى السنة الثالثة، ولم تكن هي معي فضايقني ذلك؛ ~~لأني كنت أتنافس معها لذكائها واجتهادها، فلما خرجت لم أعد أجد في بقية ~~الزميلات من أهتم بمنافستها، فشعرت بشيء من الملل والسآمة، ونظرت إلى ~~زميلاتي في شيء من السخرية، وأردت أن أنصحهن حتى يمتنعن عن نقل الحساب، ~~فقلت لهن إني مستعدة أن أشرح لهن تلك المسائل حتى يستطعن حلها فيستفدن ~~بدلا من أن ينقشنها دون فهم أو معرفة. ساء زميلاتي ذلك القول مني، ~~وشعرن بسخريتي بهن فثرن علي، وقلن إنهن لا ينقلن مني، وإني مغرورة ~~بنفسي، وهذا ما يدفعني إلى اتهامهن بذلك، قلت: حسنا! فسأحل هذه ~~المسائل، وإني أحذركن أن تمسها إحداكن وإلا فعلت بكن ما لا تحمد عقباه. ~~فقلن: ستعلمين أننا لا ننقل منك شيئا، وعليك إن ضبطت إحدانا متلبسة ~~بجريمتها أن تفعلي بها ما تريدين. # أردت أن أوقعهن في شرك لا يستطعن التخلص منه، وأن أسجل عليهن الغش ~~بطريقة عملية صحيحة، فحللت المسائل بشكل غريب مدهش لا يتصوره عقل؛ إذ ~~كنت أنظر في المسألة دون أن أقرأها، ثم أضرب أي عدد وقع نظري عليه في ~~عدد آخر أي أضع بينهما علامة الضرب، وأضع حاصل ضرب من خيالي، وقد يكون ~~أصغر من أحد العددين، أو أقسم عددا على الآخر، فيكون خارج القسمة أكبر ~~من المقسوم نفسه، وهكذا وضعت في تلك الحلول من التخريف والسخف ما لا ~~يقره عقل، وبعد أن انتهيت من ذلك، وضعت الكراسة في قمطر كان معدا ~~لذلك في نهاية الفصل، وحذرت زميلاتي من أن يمسسن الكراس، وتغافلت في ~~الأيام التالية، وكنت أخرج من ms038 الفصل كثيرا وقت المذاكرة لأعطيهن فرصة ~~الغش، وما جاء يوم الأربعاء إلا وقد نقل جميعهن تلك الحلول الجنونية ~~السخيفة، وفي مساء الأربعاء أخذت الكراسة ، وانتزعت منها الأوراق التي ~~كتبت فيها تلك الحلول، وحللت المسائل حلا صحيحا مقبولا، وحرصت أن ~~لا أترك الكراسة في الفصل بعد هذا حتى أضطر من لم تكن نقلت في الماضي ~~أن تنقل من كراسة زميلة أخرى سبقتها إلى ذلك النقل، وفي يوم الخميس ~~سلمنا الكراسات إلى المعلمة. # دخلت المعلمة الفصل يوم السبت عابسة مضطربة؛ لأنها غضبت من تلك ~~الحلول التي لا يبررها عقل، وعجبت كيف تتفق عليها جميع الطالبات مع ~~بعدها عن المعقول، دخلت عابسة ونظرت إلينا في حدة وقد وقفنا لتحيتها، ~~فلم تحينا بل أشارت إلي بالجلوس، وأمرت باقي الزميلات بالاستمرار في ~~الوقوف، وأخذت تسألهن عن معنى هذا السخف الذي اتفقن عليه في كراساتهن، ~~ودهشت الزميلات لجلوسي، وتعجبن كيف لا تلومني مثلهن، وقد نقلن ذلك ~~السخف الذي تسميه المعلمة من كراستي، فكان المنظر مضحكا غريبا؛ إذ ~~تسألهن المعلمة فلا يجبنها، بل ينظرن إلي ويقلن لي باللغة العربية ما ~~معنى هذا، وقد نقلنا ذلك الحل من كراستك أنت؟ قلت: كيف ذلك وقد ادعيتن ~~أنكن لا تنقلن مني؟ زاد غضب المعلمة، وعجبت كيف لا يجيبها أحد، وكيف ~~ينصرفن عنها إلي؟ وكلما سألتهن كلمنني باللغة العربية، كانت هي في ~~واد والطالبات في واد آخر، فلم ينظرن إليها ولم يعبأن بغضبها، بل كان ~~كل اهتمامهن أن يطلبن مني شرح ذلك اللغز، وأخيرا سألتني المعلمة عن ~~السبب في التفاتهن إلي وتكلمهن معي، فشرحت لها القصة، فعاقبت جميع ~~الزميلات، ولعل القارئ يظن أن كلمة جميع هذه تدل حقيقة على جمع مع ~~أنها لا تفيد إلا ثلاث طالبات؛ لأنه لم يكن بفصلنا إلا أربع طالبات ~~فقط، وأنا رابعتهن - ليس ذلك من سورة الكهف. # كانت معلمة الحساب تعلمنا دروس التربية العلمية والعملية، كان علينا ~~في ذلك اليوم أن نلقي دروسا في الحساب على طالبات القسم الابتدائي، ~~وكانت هي تنتقدنا في إلقاء تلك الدروس ms039 كلما تمت دروسنا، وجئنا لنسمع ~~الانتقاد، قالت: من الغريب أن أخلاق المعلمة تؤثر دائما على طالباتها، ~~وقد مررت عليكن أثناء الدرس اليوم فوجدت أن كل التلميذات يغششن في ~~الحساب إلا تلميذات نبوية، وهي الطالبة الوحيدة التي لم تغش، وهكذا ~~تأثرت تلميذاتها بها. # | دروس التربية العملية # كنا نتعلم التربية العلمية والعملية على معلمة إنجليزية؛ فكانت تشرف ~~حتى على دروسنا باللغة العربية، وكنا نحضر تلك الدروس باللغة ~~الإنجليزية نفسها؛ فكنا إذا أردنا أن نلقي درسا على «كان وأخواتها» ~~مثلا كتبنا # Can & sisters # هكذا ~~كنا نترجم الاصطلاحات اللغوية ترجمة حرفية مضحكة، وكانت المعلمة في ~~الغالب لا تقدر الدرس إلا بما تراه من نشاط التلميذات وطاعتهن ~~لأوامرنا؛ ولهذا كانت زميلاتي إذا أردن إلقاء درس في فصل من الفصول ~~أطلعن تلميذات ذلك الفصل على الدرس المراد إلقاؤه، واتفقن معهن على ~~كيفية الإجابة، ورجونهن أن يتظاهرن في مبدأ الدرس بعدم الفهم حتى إذا ~~شرحته لهن المعلمة تظاهرن بفهمه. # أما أنا فقد كنت أعد ذلك الاتفاق غشا وتدليسا لا يجوز لطالبة ~~تتدرب على طرق التعليم؛ أي تعد نفسها أن تكون معلمة أن تأتيه؛ ولهذا ~~لم أكن أطلع تلميذات المدرسة الابتدائية على أي درس أريد إلقاءه ~~عليهن. # وقد أغضبت تلك الخطة تلميذات المدرسة الابتدائية خصوصا السنة ~~الرابعة، وقد كان الفرق بيننا وبينهن في العمر لا يتجاوز السنتين أو ~~الثلاث على الأكثر؛ فكن يعتبرن خروجي عن المألوف مع زميلاتي تكبرا ~~عليهن، فيقابلنه بكل عناد وعداء، ومع هذا فقد كنت أستطيع حفظ النظام في ~~التدريس أكثر مما تستطيعه زميلاتي. # كان الضرب ممنوعا؛ ولهذا كنت إذا تغيظت من تلميذة في فصلي أضغط على ~~ذراعها ضغطا يؤلمها، وبينما كنت واقفة في طابور الساعة العاشرة، وكان ~~علي في ذلك الوقت أن ألقي درس حساب على السنة الثالثة الابتدائية ~~... # بينما كنت واقفة في ذلك الطابور، وإذا بي أسمع ضجة في طابور السنة ~~الثالثة الابتدائية، وأراهن يطلبن دبابيس صغيرة من زميلاتهن في الفصول ~~الأخرى، فكانت الواحدة منهن تقول لغيرها: أعطني دبوسا صغيرا أرده ~~إليك بعد ms040 درس أبلتي نبوية موسى. # ولفتني هذا إلى أن هناك مؤامرة بين تلميذات السنة الثالثة تدبر ~~لدرسي، فوجهت عنايتي لأقف على مدى تلك المؤامرة، وأخيرا عرفت أن ~~التلميذات يضعن في أكمام ملابسهن فوق العضد تلك الدبابيس حتى إذا ضغطت ~~على ذراع إحداهن بيدي في الدرس دخلت الدبابيس فيها، وتعجبت من ذلك ~~السخف؛ لأن الدبابيس في تلك الحالة قد تدخل في العضد لا في يدي أنا، ~~وعرفت التلميذات اللائي فعلن ذلك بالذات، وكن لا يتجاوزن الخمس، فلما ~~دخلت الدرس ناديتهن وعرفتهن خطأ ما ذهبن إليه، وكيف أن تلك الدبابيس قد ~~تفتك بعضلات عضدهن أكثر مما تفتك بعضلات كفي، وهددتهن بالعقاب إذا هن ~~عدن إلى مثل هذا العمل الطائش، فخجلن ونزعن الدبابيس من ~~ملابسهن. # وجاء امتحان آخر السنة، وكنت قد اخترت درسا في اللغة العربية للسنة ~~الرابعة، وأرادت التلميذات أن ينتقمن مني فتوصلن إلى سرقة مذكرة درسي ~~بمساعدة إحدى زميلاتي، وكنت قد أعددت الدرس إعدادا طيبا باللغة ~~العربية، فأعددت بعض الأسئلة التي كنت أظن أن تجيب بها التلميذات، ولما ~~دخلت الدرس أمام المفتش الممتحن - وكان المرحوم الشيخ شريف - كانت ~~التلميذات تجيبني على أسئلتي بنفس الإجابات المكتوبة في مذكرة التحضير، ~~وعلى حسب ترتيبها في تلك المذكرة. # وساءني ذلك لأنه يدل في ظاهره على أني أطلعت التلميذات على درسي قبل ~~إلقائه فخجلت وتوقفت عن التدريس برهة، فقال لي الشيخ شريف: ما الذي ~~يمنعك عن إلقاء الدرس، وأنت كما نعلم قوية في اللغة العربية؟ قلت: يلوح ~~لي أن التلميذات يعرفن درسي من قبل. قال: لا غرابة في ذلك فنحن في آخر ~~العام، وقد ذاكرت التلميذات جميع الدروس استعدادا للامتحان. قلت: ~~ولكنهن يعرفن الأجوبة التي حضرتها في مذكرة درسي بالذات. قال: وهل ~~يضيرك ذلك؟ قلت: نعم؛ لأنه يظهر لي أنهن اطلعن على تلك المذكرة بحيلة ~~شيطانية. قال: لا بأس، فاستمري في درسك. وأتممت الدرس، وأنا في أشد ما ~~يكون من الألم. # أردت السنة التالية أن أحتاط، فلا يعلم بدرسي أحد، فأخفيت مذكرة ~~الدرس الذي كنت مكلفة إلقاءه ms041 في امتحان النقل، وكان درسا على الفرق ~~بين الحجم والوزن في السنة الرابعة، وهو درس يحتاج إلى حسن إلقاء، وحسن ~~استنتاج، وقد علمت أن التلميذات سيتعنتن معي ويتظاهرن بعدم الفهم مهما ~~شرحت، أو يكابرن فيما أريد شرحه، وقد حصل ما توقعته، فكلما عرضت شيئا ~~على الفصل لأستنتج منه أن الحجم يمكن معرفته بالنظر، أما الوزن فلا بد ~~من حمل الشيء حتى يستطيع الإنسان معرفة وزنه، كن يكابرن ويقلن إنهن ~~يعرفن وزن الشيء بالعين، فإذا عرضت عليهن قطعة من الخشب كبيرة الحجم، ~~وأخرى من الحديد تصغر عنها كثيرا، وسألتهن عن أيهما أثقل من الأخرى ~~أجبنني أن قطعة الحديد أثقل، وإذا أردت أن أستنتج منهن أنهن عرفن ذلك ~~الثقل أو الوزن؛ لأنهن سبق أن حملن الحديد والخشب، وعرفن وزن كل منهما، ~~أنكرن ذلك علي، وقلن إنهن يعرفن وزن الأشياء بمجرد النظر، وهذا ما كنت ~~قد توقعته من قبل، وأخيرا أخرجت لهن بيضتين إحداهما تكبر عن الأخرى ~~قليلا، ولكن العين تستطيع معرفة حجم الكبيرة منهما، وسألتهن أي ~~البيضتين أثقل وزنا من الأخرى، وظنت التلميذات أني ظننت أنهن لا يفرقن ~~بين حجم البيضتين، فأشرن إلى البيضة التي كانت في يميني، وقلن إنها ~~أثقل من الأخرى، قلت لهن أنتم تعلمن ذلك؛ لأن حجم البيضة التي في يميني ~~أكبر من حجم الأخرى التي في يساري، فأنكرن علي ذلك، وقلن إن عيونهن ~~تعرف الوزن، وبعد أن أكدت عليهن في أن يقلن صراحة أي البيضتين أثقل، ~~وأجمع رأيهن على أن البيضة التي في اليمين أثقل من البيضة التي في ~~اليسار، وضعت البيضتين في كفتي ميزان، وهنا دهش الجميع حتى المفتش؛ لأن ~~البيضة الكبيرة ارتفعت وهبطت البيضة الصغيرة مما يدل على أنها أثقل ~~منها. # واضطرت التلميذات في تلك الحالة أن تعترفن أن النظر لا يمكن أن يعرف ~~الوزن، وأمرت إحداهن بحمل البيضتين، وهنا عرفت الخفيفة من الثقيلة ~~بمجرد اليد، واتضح للجميع أني قد أفرغت ما في قلب البيضة الكبيرة بثقب ~~صغير لم يره أحد، وهكذا استطعت أن آخذ درجة ms042 حسنة في إلقاء ذلك الدرس ~~بالرغم من عناد التلميذات ومكابرتهن، ومن ذلك اليوم استطعت أن أحفظ ~~النظام، وأخضع تلميذات السنة الرابعة دون أن أتفق معهن على درسي من قبل ~~إلقائه كما كانت تفعل ذلك زميلاتي. # | حبي الشديد للحرية # كنت أحب الحرية والاستقلال في العمل إلى حد جعلني أكره أن أقوم ~~بالرياضة البدنية؛ لأني كنت مضطرة فيها أن أخضع لما يلقى علي من ~~الأوامر دون فكر أو مناقشة؛ ولهذا كنت أسخر من تلك الأوامر، ولا أنتظم ~~في اللعب مع باقي زميلاتي؛ فكنت آتي من الأعمال والأقوال ما يضحك جميع ~~الزميلات فيضطرب النظام، وتضطر معلمة الرياضة البدنية إلى إخراجي من ~~اللعب، وهذا كل ما كنت أتطلبه، وبتلك الحيل استطعت أن أفلت من تلقي ~~دروس الرياضة البدنية حتى إذا اضطرتني المعلمة يوما إلى اللعب أجبرتها ~~على إخراجي بشتى الوسائل، فإذا قالت الذراع اليمين رفع، رفعت يساري، ~~وأنا أقول ليس في المسألة تكليف، وما دام الغرض هو تحريك الأعضاء فلا ~~فرق عندي بين اليمين واليسار، وإذا قالت مسير على أطراف الأصابع، قلت ~~كلا لا بد من البرطشة، وهكذا من الأعمال والألفاظ التي كانت تضحك جميع ~~الطالبات فتضطر المعلمة إلى إخراجي من بينهن. # وكانت المدرسة السنية تصرف لنا الملابس والأحذية، ولما كانت قدمي ~~صغيرتين بحيث لا تزيد عن قدمي طفلة في العاشرة من عمرها، فلم أكن أجد ~~من الأحذية ما يلائمها، فكنت آخذ حذاء واسعا لا أستطيع معه المشي على ~~أطراف أصابعي في الرياضة البدنية، وهو ما كنت أريده، وقد علمت الناظرة ~~بمناوراتي في دروس الرياضة وتهكمي عليها، فحضرت بنفسها درس الرياضة ~~البدنية لترغمني على اتباع الأوامر، ولما رفضت السير على أطراف أصابعي ~~طلبت مني أن أطيع الأوامر، فقلت لها: إن حذائي لا يمكنني من ذلك لكبر ~~حجمه. قالت: لا بد من الطاعة. قلت: إذن أنا لست بمسئولة عن نتائج تلك ~~الطاعة. ورفعت إحدى قدمي، وضربت فردة حذاء بالأخرى، فطارت فردة الحذاء ~~من رجلي حتى سقطت على صدر الناظرة تقريبا، وكانت لا تزال مزررة، ~~وغضبت ms043 الناظرة، ولكنها لما شاهدت فردة الحذاء مزررة، وإنها مع ذلك ~~خرجت من قدمي علمت أني كنت على حق في عدم إمكاني السير على أطراف ~~أصابعي لسعة ذلك الحذاء، واضطرت الناظرة عندئذ أن تبرح المكان دون أن ~~تقول لي شيئا، ولكنها فكرت بعد ذلك في الانتقام مني، فطلبت أن أقوم ~~أمامها بإعطاء درس الرياضة البدنية لزميلاتي، ولما كنت لا أحضر دروس ~~الرياضة البدنية، فقد كان من المستحيل أن أقوم بإعطاء ذلك الدرس؛ ولهذا ~~وقفت متحيرة، وما كاد يقع نظر زميلاتي علي وأنا أحتل محل معلمة ~~الرياضة البدنية حتى أرسلن ضحكاتهن العالية من كل جهة، بينما وقفت أنا ~~صامتة لا أبدي حراكا، فطلبت مني الناظرة أن أبدأ الدرس، وشددت في ~~الطلب، وكانت كلما طلبت ذلك علت ضحكات زميلاتي، وأخيرا قلت لهن إنهن ~~معاقبات لضحكهن، وهنا أمرتهن بالوقوف بدون حركة، وقد زاد ذلك في ضحكهن، ~~ولكن الناظرة شددت علي مع ذلك أن ألقي عليهن الدرس، وأردت أن أسخر ~~بها وبهن، فقلت بصوت ثابت رزين: اليدان والرجلان رفع. واحد اثنين. وهنا ~~لم تتمالك الناظرة، ومعلمة الرياضة البدنية من الضحك، وتبعها الطالبات ~~فتركتني وتركتهن، وذهبت وهي تكاد تموت من كثرة الضحك، ومن ذلك اليوم ~~تركتني وشأني. # وكانت ناظرة المدرسة تمنع الطالبات من شراء الفاكهة، وكان يعز علي ~~ذلك كثيرا؛ لأن غذائي كان أكثره من الفاكهة، فكنت أجد صعوبة عظيمة ~~في حرماني منها؛ لهذا كنت أشتريها رغم الأوامر الصادرة لجميع الخدم ~~بعدم شراء الفاكهة للطالبات، فكنت أرشي الخدم لأحملهم على مخالفة أوامر ~~الناظرة، وفي أحد الأيام بينما كنت أسير بعد الساعة الرابعة، وقد وضعت ~~في حجري عددا عظيما من البرتقال، أريد أن أضعه في دولابي بعد أن ~~أخذته من الخادمة التي اشترته لي، وكان اسمها نبوية إذ فاجأتني ~~الناظرة، وصرخت في وجهي قائلة: ما هذا؟ أفزعني صوتها، فسقط البرتقال ~~من حجري، وانتشر على الأرض، ووقفت وسطه مندهشة، ونظرت إلي الناظرة ~~في غضب، وأعادت قولها: ما هذا؟ # عدت إلى صوابي، واستجمعت قواي، وقلت في ثبات وحزم: إنه ms044 برتقال كما ~~ترين. قالت: وكيف خالفت أوامر المدرسة واشتريت الفاكهة؟ فقلت: لأنها ~~أوامر تخالف المعقول، بل تخالف الواجب، فإن المدرسة يجب أن تحافظ على ~~صحة الطالبات ، ولقد سمعتك أمس تقولين إنك تأكلين كل يوم في الصباح ~~برتقالة، وإنك تجدين في ذلك صحة، فهل يجوز لك بعد هذا أن تحرمي ~~الطالبات مما تتمتعين به وتحافظين به على صحتك؟! قالت: ولكن هذا ~~البرتقال كثير جدا! قلت: لو أنك سمحت لنا بشراء الفاكهة دون عقاب ~~لاكتفيت بشراء برتقالة أو برتقالتين في اليوم، أما وأنت تمنعين الخدم ~~من شراء الفاكهة لنا فإني مضطرة أن أرشيهم بالنقود لشراء ذلك البرتقال، ~~وليس من المعقول أن أكلفهم مخالفة أمرك كل يوم، فأنا أطلب منهم شراء ما ~~يكفيني شهرا، أو ما يقارب الشهر. # فكرت الناظرة قليلا ثم قالت: ومن الذي اشترى لك هذا البرتقال؟ قلت: ~~إني لا أسمح لنفسي بذكر اسمه. قالت: ولكني آمرك. قلت: كلا، لك أن ~~تعاقبيني إن شئت، أما غيري فلا سبيل لك عليه، ولست أبوح باسمه مهما ~~كانت الظروف. ورأت أنه لا فائدة من الأخذ والرد معي فتركتني، وأحضرت ~~ضابطة المدرسة، وكانت سيدة نمساوية، وطلبت منها أن تسأل الخدم، وتبحث ~~عمن اشترى ذلك البرتقال لتفصله من المدرسة، وما زالت الضابطة تسأل، ~~وتتجسس حتى عرفت الفراشة المسكينة التي اشترت ذلك البرتقال، وأرادت ~~أن تقدمها للناظرة، وما كاد يصلني الخبر حتى جن جنوني، وأشفقت أن ~~تفصل تلك المسكينة بسببي فأسرعت إلى الضابطة، وكانت تخشاني وتحبني في ~~آن واحد، فقلت لها: أرجوك أن لا تخبري الناظرة باسم الفراشة ~~المسكينة، وسأذهب أنا إلى حضرة الناظرة، وأطلب منها معافاتك من البحث ~~عن شارية البرتقال من الآن. قالت: حسنا فسأقبل ذلك إن فعلت. وفي الحال ~~دخلت على الناظرة، وأنا متأثرة لا أستطيع حبس دموعي، فقلت لها في شيء ~~من الحدة والتأثر: إني لا أستطيع أن أمكث في المدرسة ولا ساعة واحدة ~~إلا إذا منعت الضابطة عن البحث عن الخادمة أو الخادم الذي اشترى لي ~~البرتقال؛ لأن الضابطة تضايق الخدم جميعا، ms045 وكلهم يدعون علي؛ لأنني ~~أنا سبب تلك المضايقة، فإما أن تأمري بالكف عن ذلك البحث، وإما أن ~~تسمحي لي الآن بترك المدرسة. ورأتني مصممة على ما أقول فسكتت قليلا، ~~ثم قالت: أتعدينني أنك لا تكلفين الخدم مرة أخرى شراء الفاكهة؟ قلت: ~~نعم أفعل ذلك. قالت: قد اتفقنا. قلت: ولكني لا أبرح تلك الغرفة حتى ~~تأمري الضابطة أمامي بعدم البحث عن الخادم الذي اشترى البرتقال. فأحضرت ~~الضابطة وأمرتها بما طلبت، وخرجت معي من غرفة الناظرة وهي تضحك وتربت ~~على كتفي قائلة: لقد نفعت بجرأتك تلك المسكينة التي كادت تفصل ~~بسببك. # | نهاية الدراسة بالمدرسة السنية # كان احتجاج الطالبات على الضابطة التي عاقبت إحداهن سببا في أن تحقد ~~علي ناظرة المدرسة ظنا منها أنني أنا التي أثرتهن ضد المدرسة، ثم ~~زاد الموقف تحرجا بيني وبينها يوم أرادت عقابي، وطلبت مني الاعتذار ~~فرفضت، وشاء سوء الحظ بعد هذا أن تحقد علي إحدى زميلاتي لتقدمي في ~~اللغة العربية، فتدس لي، مع أنها لم تكن معي في فصل واحد. # نعم شاء سوء الحظ أن تتهمني تلك الزميلة بالوطنية، وأن تحقد علي ~~ناظرة المدرسة الإنجليزية لهذا الاتهام الباطل؛ لأني في ذلك الوقت لم ~~أكن أهتم إلا بالدراسة، وكنت أعتقد أن الإنسان ينفع وطنه بالتقدم في ~~العلم لا بالمشاكسات. # وترتب على ذلك أن ناظرة المدرسة كانت تكرهني كراهة شديدة، ولولا ~~حسن الحظ في أنها اصطدمت بالمرحومة السيدة فاطمة عمر، وكان ذلك ~~الاصطدام سببا في خروج المرحومة، وكانت أولى الفرقة التي كانت قبلي ~~بسنة واحدة، لولا ذلك لسعت الناظرة في الإخراج، ولكن عدد الطالبات في ~~ذلك الوقت كان قليلا كما قدمت، وكانت هي سببا في إخراج أولى السنة ~~الثانية، وقد لفتت نظرها الوزارة لهذا الأمر فخشيت إن هي فصلتني، أو ~~اضطرتني إلى الخروج أن لا توافقها الوزارة على ذلك؛ ولذلك تحملتني ~~سنتين على مضض وضغينة، فلما نقلت إلى السنة الثالثة بلغ الأمر بيننا ~~أشده، فكانت تتعمد إيلامي في كل صغيرة أو كبيرة، وكان لا بد من إخراجي، ~~أو تركي ms046 المدرسة لشدة تعنتها لولا أن زميلتي السيدة الفاضلة عائشة صبحي ~~تركت المدرسة في نهاية السنة الثانية، وكانت ثانية الفصل، ولم يعد في ~~فصلي بعد ذا إلا ثلاث أنا رابعتهن، وقد خشيت الناظرة إن هي طلبت ~~إخراجي، أو اضطهدتني إلى حد يضطرني إلى الخروج أن لا توافقها الوزارة ~~على ذلك العمل، فكانت تؤلمني حتى إذا صممت على ترك المدرسة عادت تلين ~~وترجو. # وفي ذات يوم قالت لي كلمة جارحة آلمتني كل الإيلام، وكان ذلك عند ~~خروجي من آخر حصة من حصص الصباح، تألمت إلى حد تدفقت معه دموعي سيولا، ~~وتأثرت تأثرا جعل حرارتي ترتفع إلى 39 درجة، وبدلا من أن أذهب إلى ~~الغذاء ذهبت إلى مستشفى المدرسة، وكان به في ذلك الوقت طبيب المدرسة ~~المرحوم الدكتور علوي باشا، وقد أخفيت دموعي أمامه، وتظاهرت أن المسألة ~~مرض فجائي؛ وذلك لأني كنت في شبابي أتعالى عن الشكوى، أما في كهولتي ~~اليوم فقد أصبحت لا أجد في بث شكواي من الغضاضة ما كنت أجده قبل ذلك؛ ~~لهذا كتمت شكواي من حضرة الناظرة، وكشف علي الطبيب كمريضة فصرح لي ~~بإجازة خمسة عشر يوما، وما كاد خبر الإجازة يصل إلى حضرة الناظرة، وقد ~~ارتديت ملابسي، وعولت أن أذهب إلى منزلي ولا أعود، ما كاد يصلها ذلك ~~الأمر حتى هرعت إلى الطبيب، وهي ترغي وتزبد، وتقول: كيف تصرح لها ~~بالإجازة وهي ليست بمريضة؟ وقد أدت كل حصص الصباح وهي في غاية الصحة، ~~وكل الأمر أنها غضبت مني فتصنعت المرض. فقال لها الطبيب: إن حرارتها يا ~~سيدتي 39 درجة بل تزيد على ذلك قليلا، وما علمت بمريض يتصنع المرض ~~فترتفع حرارته. قالت: لعل هذا سبب غضبها؟ قال: وإذا كان غضبها منك قد ~~رفع حرارتها إلى درجة 39، فهل يجوز لي أن أبقيها معك لترتفع حرارتها ~~إلى درجة الموت إذا أنت أغضبتها مرة أخرى؟ # صمم الطبيب على إعطائي الإجازة، وذهبت جهود الناظرة سدى، وخشيت إن ~~أنا خرجت في حالة غضبي هذه أن لا أعود، فأتت إلي في غرفة الانتظار ~~حيث ms047 كنت أنتظر الإجازة بالخروج، وقبلتني قبلة حارة تدل على شغفها بي ~~إلى حد الغرام، وقالت إنها لا تمانع في أن أخرج، لكن لا بد من أن أخرج ~~مسرورة لا غاضبة، وحتمت أن أستريح، وأن آكل قبل خروجي، وما كاد يتم ~~هذا حتى هبطت حرارتي، الأمر الذي أدهشني كل الدهشة، وهنا تأكدت أن ~~للغضب أو السرور أثرا عظيما في صحتي، ولقد سبق أني ذكرت أني لما سررت ~~في طفولتي شفيت من مرضي. # أحضرت لي الناظرة في غرفة الانتظار قليلا من الطعام، وشيئا من ~~الفاكهة، وجلست تواسيني، وتطلب مني أن لا أتغيب كل تلك المدة التي ~~صرح لي بها، وكان ذلك يوم أربعاء فوعدتها بالطاعة، وخرجت بعد أن ~~قبلتني ثانية وثالثة، وعدت يوم السبت، ومن ذلك اليوم جعلت تتحاشى ~~إيلامي، لكنها كانت تتمنى لي من صميم قلبها أن لا أنجح، على أنها كانت ~~تعلم حق العلم أن أملها في عدم نجاحي ضائع لا محالة. # كنت أكن للناظرة ما كانت تكنه لي، وفي يوم دخلت علينا في ~~المذاكرة فحركت حقدي، وما كادت تخرج حتى ابتدأت أكتب في كناشة الأعمال ~~الأبيات الآتية: # حلوا فراح الحزم وارتحل الحجا # وانهد جاه العلم والآراء # حملوا على جيش الفضيلة فانثنوا # متسربلين بحلة حمراء # هذا دم الإنصاف فوق ثيابهم # يبدي فظائعهم لعين الرائي # نيران حقدي أضمرتها قلوبهم # فتسربلوا من لونها برداء # ما دام أهل النار تحجب روضنا # عنا فأين معالم السراء # إن يدعوا الإنصاف أو ينسب لهم # فوفاء عرقوب وبخل الطائي # كتبت ذلك في كناشة الأعمال بالقلم الرصاص، وما كنت كما قدمت أهتم ~~بالسياسة، ولا أود خروج الإنجليز من مصر، ولكن هو الغيظ من الناظرة ~~جعلني أصب جام غضبي على أبناء جنسها، شاء التجسس أن تسرق هذه الكناشة ~~بحيلة لا أعرفها إلى الآن، وأن تعطى للناظرة، وأن ترشد إلى مكان ~~الأبيات، وجن جنونها، ووجدت دليلا على اشتغالي بالسياسة التي علم الله ~~أني ما اشتغلت بها، فأرسلت الكناشة إلى وزارة المعارف تطلب عقابي، ~~وجاءني مفتش يحقق معي فيما كتبت، فقلت: ms048 هل يعاقب الإنسان عما يجول ~~بباله وخاطره؟ قال: كلا، ولكن ليس لأي إنسان أن يحرض على الثورة ضد ~~الحكومة القائمة. قلت: وكيف حرضت عليها أنا؟ قال: بتلك الأبيات . قلت: ~~إن تلك الأبيات كتبت في كراسة لا يقرؤها غيري، ولست متغالية، إني أنا ~~شخصيا لم أقرأها منذ كتبتها، فكيف تعد ذلك تحريضا وهو لم يطلع عليه ~~أحد؟ إني يا سيدي حرة في أن أكره أو أحب دون عقاب، فإذا حرضت بطرق ~~علنية كان لكم أن تعملوا معي ما تشاءون، أما ما يخالج ضميري، وما يجول ~~في خاطري فلا سبيل لكم إليه، على أن تلك الناظرة يجب أن تعاقب هي إذ ~~كانت السبب في إظهار تلك الأبيات التي لولا عملها هي لما اطلع عيها ~~أحد. وأتم المفتش التحقيق، وعرضه على المغفور له سعد باشا زغلول، فأعجب ~~برأيي أيما عجب، وقال: حقيقة ليس لنا على قلوب الناس رقابة، وهي لم ~~تكتب ولم تنشر، ولا تعد هذه الكراسة إلا خيالا يجول في خاطرها، وأمر ~~بحفظ الأوراق، وتمت السنة النهائية بحالة يعلمها الله، على أني لم أهن ~~فيها برغم ما كانت تكنه لي الناظرة من العداء المكين. # ولم يكن المستر دانلوب من رأي الناظرة، بل كان يعطف علي ويقر وزير ~~المعارف على رأيه فيما فعل. # تمت السنة ونجحت، وكنت الأولى بتفوق عظيم طبعا، وشاكر نفسه يقرئني ~~السلام، وأنا أتقبله بكل سرور. # وكان الواجب أن أعين في المدرسة السنية نفسها، ولكن حضرة الناظرة ~~قالت إنها لا تسمح لمكان واحد يضمني ويضمها اللهم إلا القبر، ولما كانت ~~وزارة المعارف لا تدير القبور، فقد عينتني بمدرسة عباس ~~الأميرية. # | سفوري # أردت السفور، فلم أكتب فيه مع أني قرأت كتب المرحوم قاسم بك أمين، ~~وأعجبت بها، ولكن العادات لا تغير بالقول، وإذا حاول شخص تغيير قومه ~~بأقوال منمقة قام عليه القوم، واتهموه بما ليس فيه، وهكذا قام المصريون ~~على المرحوم قاسم بك أمين، واتهموه بكل شيء، وقالوا إنه إنما يريد ~~السفور إشباعا لرغبته في المجون والعربدة. # ولو أني قمت فناديت ms049 بما نادى به لاتهمت بما اتهم، بل أمر منه؛ ~~لهذا عولت على أن أدعو إلى السفور بالعمل لا بالقول، وقد كان ملبسي لا ~~يجعل محلا للشك في استقامتي وتمسكي بالفضيلة الشرقية، فكشف وجهي وكفي ~~كان مطابقا لما جاء في السنة والكتاب؛ ولهذا لم يستطع أحد أن يمس ~~سمعتي بسوء. # ومن العجيب أنهم كانوا يسمونني حجابية متطرفة، ولا أدري لم كانت ~~تلك التسمية وأنا سافرة الوجه، إنهم يظنون السفور مجونا وفجورا، ولم ~~يكن ملبسي يساعدهم على أن ينسبوا إلي ذلك، بل كانوا يعتقدون أني أكثر ~~الشرقيات محافظة على الآداب الإسلامية؛ ولهذا لم يقل أحد عني شيئا مع ~~أني كنت المصرية الوحيدة التي أسفرت. # ألفت كتاب المرأة والعمل، وتكلمت فيه عن جميع عادات المصريات، ولكني ~~لم أفرد فيه بابا للسفور والحجاب، بل قلت في مقدمته إني لا أتناول ~~السفور والحجاب في كتابي؛ لأني لا أرى حجابا فأبحث فيه، فقرويات مصر ~~سافرات، أما المدنيات فعلى وجههن نقاب أبيض شفاف لا يستر من وجوههن إلا ~~الحياء، وهو يزيدهن جمالا وبهجة؛ إذ يزيد الوجه بياضا على بياضه ~~الصناعي، أما الخدود فتظهر تحت النقاب ورديتين يجللهما الندى؛ لهذا لا ~~معنى للكلام في شيء غير موجود، وسيهتدي الناس فيما بعد إلى حقيقة ~~الأمر، قلت ذلك ليفهمه من يعقل فقط، ومن يعقل من الناس لا ينتقد ~~السفور، أما أغبياء القوم فلم يفهموا من كلامي شيئا، وهذا ما انتظرته ~~فقد ظلوا يقولون عني إني حجابية متطرفة. # ومن غريب ما حدث أني أقمت عندما فتحت مدرستي «ترقية الفتاة» ~~بالإسكندرية حفلة مدرسية، كنت أستقبل فيها الزائرين سافرة الوجه، ~~وأسلم عليهم وأحييهم، وأجلسهم في أماكنهم، وكان بالحفلة مندوب لجريدة ~~وفدية يقدر ما لقاسم بك من فضل وعبقرية، وقد أعجبه أن يكون في تلك ~~الحفلة ما يدل على أن غرس قاسم قد أثمر، وأن تلك الحفلة كانت أول ~~ثماره؛ لهذا طلب الرجل أن يلقي كلمة، وسمحت له بها، فقام يمتدح ~~قاسما، ويثني على همته، وذكائه وعبقريته، وفي الأسبوع التالي لتلك ~~الحفلة قرأت في ms050 إحدى المجلات الأسبوعية انتقادا مرا على ما قاله ذلك ~~الكاتب، فقد قالت إنه خرج عن حدود الأدب واللياقة في مدرسة بنات هي ~~أولى بالأدب ونشر الفضيلة، ثم قالت المجلة: «إنها تعجب كل العجب كيف ~~تصرح السيدة نبوية موسى الحجابية المتطرفة لهذا الكاتب المجوني بالكلام ~~في حفلتها!» # قرأت ذلك ودهشت له، فقد كان مندوب تلك المجلة حاضرا في الحفلة، ~~ورآني وأنا أستقبل الناس سافرة، ومع ذلك يسميني حجابية متطرفة؛ لأني ~~في نظره لم أكن ماجنة ولا متبرجة، عجبت من هذا المنطق، فرأيت أنه من ~~العبث أن أناقش عقليات كهذه، إذن لا بد أن أخاطب أمثال هؤلاء بما ~~يستطيعون أن يفهموه، فكتبت إليه أقول: # إني لست مسئولة إلا عما تقوله إحدى تلميذاتي، أو ما أقوله ~~أنا شخصيا، أما كلام غيري فيسأل عنه قائله، فإن الإنسان لا ~~يسأل إلا عما يقوله هو أو يكتبه، أما أن يأتيه زائر فيطلب ~~الكلمة فيصرح له بها وهو لا يعلمها، فلا شأن له هو بما قال ذلك ~~الزائر. # ومع أن هذا القول لا يدل على أني أخالف الخطيب فيما قاله، فقد اتخذته ~~تلك المجلة دليلا ساطعا على تمسكي الشديد بالحجاب. # فقالت في العدد التالي: # لقد صدقت السيدة نبوية موسى حسن ظننا فيها، وعابت على الخطيب ~~ما قاله، ونحن نشكر لها تمسكها بالعادات الشرقية، ومن أهمها ~~الحجاب. # وهكذا وفرت على نفسي ما كان سينالني من فحش القول إن أنا كتبت في ~~الحجاب، ودعوت إلى السفور، ولكني مع ذلك أعطيت تلميذاتي مثالا صادقا ~~للسفور الذي أريده، وهو ظهور المرأة سافرة، ولكن في منظر يدل على ~~حشمتها ووقارها؛ فهي تخرج لعملها سافرة حتى لا يعوقها الحجاب عن حسن ~~تأدية ذلك العمل، ولكنها تظهر في ملبسها بمظهر الجد؛ فلا زينة ولا ~~تبرج، والوجه كما خلقه الله لا فتنة فيه، وإذا كان الله قد صنع فيه ~~شيئا من الفتنة فلا شأن لنا فيما صنع، وكان على البشر أن يعودوا إلى ~~الخالق، على أن القرآن لم يأمرنا بالحجاب، بل أمرنا بالابتعاد عن ~~الزينة، ms051 فقال سبحانه وتعالى: # وقل ~~للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن ~~فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها وليضربن بخمرهن على ~~جيوبهن ~~. # فأمر الله بستر الصدر لا بستر الوجه ، وهو موضع الحلي في ~~الجاهلية. # وقد أمر الدين الإسلامي المرأة أمرا صريحا بكشف وجهها في ثلاثة ~~أمور: الحج والخطبة والشهادة، ولم يأمرها صراحة بستره مطلقا، فلا ~~معنى إذن لستر الوجه، وفيه مضايقة كبيرة لمن يردن هذا العمل. # قابلني في إدارة الأهرام يوما أحد الكتاب الذين كانوا يكثرون ~~الكتابة في مسألة الحجاب والحض عليه، وجعل يناقشني في آرائه، وكان ~~يعتقد كل الاعتقاد أني متفقة معه، ولكنه دهش لما قلت له: «إنك يا سيدي ~~من القرى، وأمك وأختك وبنت عمك يخرجن بزيي هذا؛ أي بخمار لا يغطي إلا ~~الرأس والصدر، فما هو الحجاب الذي تدعو المدنيات إليه؟ أتدعوهن إلى ذلك ~~النقاب الشفاف الذي يزيد صبغة الوجوه ظهورا وبهاء؟» قال: كلا لا أريد ~~ذلك. قلت: أنت إذن تدعو إلى حجاب مجهول لم يره أحد؟ قال: نعم أريد أن ~~تضع المرأة فوق رأسها غطاء كثيفا يستر وجهها كله، وفيه ثقبان لتنظر ~~منهما. قلت: يا سبحان الله! وماذا تفعل المسكينة إذا اضطرت للعمل؟ قال: ~~يجب أن تضحي بكل شيء في سبيل منع الفتنة، فإن في وجهها فتنة. قلت: إنك ~~يا سيدي تدعي أن الرجال أكثر عقلا وحكمة من النساء، وإذا كانت النساء ~~لا يفتن بوجوهكم أنتم وفيكم الجميل ولا شك، فكيف تفتنون أنتم ~~بوجوههن، وأنتم أكثر عقلا وإدراكا، لقد كان الواجب أن تتقنعوا أنتم، ~~وأن تسفر النساء ما دام فيكم من العقل ما يمنعكم من الفتنة، أما هن فلا ~~عقل لهن ولا إدراك. # آلمه هذا القول مني، وأراد أن يؤلمني، فقال: إذا كانت النساء في ~~خلقتك فلا بأس من السفور. وظن بذلك أنه أغاظني، فقلت له ضاحكة: يا شيخ ~~انطق، وهذا ما أريده، النساء في شكلي يسفرن، والرجال في جمالك يجب أن ~~يتقنعوا؛ أي إنك من تضع من الغد على وجهك شوالا فيه ثقبان، وسأهنئك ~~بتلك النتيجة. ms052 # وحدث أن قابلتني إحدى السيدات في الترام، فقالت لي في دهشة: أمسيحية ~~أنت؟ قلت: كلا إني مسلمة. قالت: وكيف تكشفين عن وجهك؟ فنظرت إليها ~~ضاحكة وقلت: وهل سترت أنت وجهك بذلك النقاب الشفاف؟ إني أرى ملامحك ~~واضحة حتى إني أستطيع أن أعد أسنانك المذهبة، وليت الأمر اقتصر عند ~~هذا الحد فكشفت عن وجهك فقط كما أكشف أنا، بل لقد تجاوزت يا سيدتي الحد ~~وكشفت عن صدرك إلى آخره، فأنا أرى في صدرك ما لا يجوز لي أن أراه، كما ~~أرى ذراعيك إلى نهايتهما، أما أنت فلا ترين إلا وجهي فما معنى انتقادك ~~إذن؟! # عجبت المرأة من جوابي هذا، وقالت: لقد صدقت! فأنا أقرب إلى النصارى ~~منك. # وهكذا أيدت السفور عمليا لا بالقول، وكنت أعلم أن في التعليم ما ~~يفي بالغرض الذي أريده دون نقاش أو مجادلة، ولقد صدق ما كنت أتوهمه، ~~وأسفرت نساء مصر الآن حتى أصبح الرجال يطعنون على عقلية المحجبات، نعم ~~تم ما كنت أرجوه، ولكن على شكل لم أكن أريده، فقد صحب ذلك السفور تبرج ~~معيب كنت أربأ بفاضلات المصريات عن أن يتدهورن إليه خصوصا ~~المتعلمات منهن، ولكن ما يدرينا! فلعلها مرحلة انتقال، ننتقل منها إلى ~~السفور الكامل المحتشم. # | دخولي البكالوريا # تعينت كما قدمت معلمة بمدرسة عباس الأميرية بمرتب ستة جنيهات، بينما ~~كان مرتب خريجي المعلمين العليا من الرجال اثني عشر جنيها شهريا، ~~فساءني أن تعاملنا الحكومة ونحن نعمل معاملة الوراثة؛ أي نصف الرجل، لا ~~أنكر أن الوراثة قد تكون على حق؛ لأنها ليست من مجهود أحد، أما أن تعمل ~~الفتاة ما يعمله الرجل، ثم تتناول نصف مرتبه فهذا ما لا يعقل؛ لهذا ~~ثارت ثائرتي. # لقد كنت أدرس كما يدرس الفتى، ولم يكن للحكومة مدارس ثانوية كثيرة، ~~فكنا جميعا ندرس للمدارس الابتدائية، فلماذا تميزه الوزارة عني لا ~~بجنيه ولا بجنيهين بل بضعف مرتبي؟! لقد كنت أعمل جاهدة في أن تساوى ~~المرأة بالرجل في الوظائف، وفي كل شيء، وكان رأيي كما قدمت أن أصل إلى ~~تقرير ما أريده ms053 بالعمل لا بالقول؛ فقد قررت السفور لا بمقالات منمقة ~~وآراء شيقة، بل بخروجي سافرة، إذن لم لا أقرر المساواة بين الفتاة ~~والفتى في التوظف لا بشيق المقالات ولكن بالعمل الذي لا يقبل الجدال؛ ~~ولهذا طلبت من الوزارة أن تسوي بيننا وبين الرجال في المرتب، فأجابتني ~~الوزارة بأني وزميلاتي لم ننل شهادة البكالوريا، وإن كنا قد تعلمنا ~~من فنون التربية والتهذيب ما تعلمه طلبة مدارس المعلمين العليا ~~حرفيا، ولكنا مع ذلك تنقصنا الثقافة العامة؛ ولهذا لا يمكن مساواتنا ~~بهم، قلت لقد تعلمت من طرق التربية ما لم يتعلمه الرجال، وإذا كان ما ~~ينقصني عنهم هو مرحلة الثقافة العامة؛ أي نيل شهادة البكالوريا فإني ~~سأدخلها وسأنجح فيها حتى لا أترك لوزارة المعارف عذرا في عدم مساواتي ~~بالرجال. # اطلعت من ذلك اليوم على منهج البكالوريا، وملأت استمارة دخول امتحان ~~البكالوريا في الميعاد الذي حددته وزارة المعارف، وأرسلتها إلى ~~الوزارة، فضج رجال الوزارة لهذا الحادث، وكان حديثهم في روحاتهم ~~وغدواتهم، واستعظموا على فتاة لم تتعلم في مدرسة ثانوية أن تدخل ~~الامتحان، وهي لم تستعد له، فجاءني المستر دانلوب في مدرسة عباس وبيده ~~استمارة التحاقي بالامتحان، قدمها إلي وهو يضحك، وقال: يبدو لي أنك ~~لم تقرئي منهج البكالوريا، ولو أنك قرأت ذلك المنهج لما أقدمت على ~~إرسال طلبك هذا. قلت: كلا لقد قرأته، وكدت أنتهي من دراسته. قال: إنك ~~واهمة فاستمعي لنصحي، واسحبي هذا الطلب، ولا ترسليه مرة أخرى، اللهم ~~إلا إذا وعدتني بأنك ستنجحين. قلت: وهل وعدك أحد ممن تقدموا لهذا ~~الامتحان بنجاحه فيه قبل دخوله؟ قال: ولكنك تلميذتي، ويهمني أمرك. قلت: ~~إن الكل تلاميذك يا سيدي، ولا بد أن يهمك أمرهم بمقدار ما يهمك أمري. ~~قال: إذن فاعلمي بأنك إذا رسبت فستنحط منزلتك في نظري. قلت: إني - ~~والحمد لله - فوق الخادمات مباشرة، ولا تستطيع أنت ولا غيرك أن ~~تعتبرني خادمة؛ أي إني أقف اليوم على الأرض، وليس في وسعك أن تحفر تحت ~~أقدامي، فمكانتي في التوظف لا تحتمل النقصان. قال: إنك عنيدة، ولكني ms054 ~~أكرر لك النصح في أن تسحبي طلبك هذا وأن لا ترسليه إلى الوزارة. ثم خرج ~~دون أن يترك لي وقتا للإجابة على ما قال، وما كاد يصل إلى الوزارة حتى ~~كان طلبي في إثره. # ضجت الوزارة كلها، واعتبروا ذلك حادث العام، ولم يعد في الطلبة ~~المتقدمين إلى البكالوريا حديث إلا أن لهم زميلة من الجنس اللطيف، وقد ~~كانوا يجهلون تلك الزميلة طبعا، فأخذوا ينقلون عنها ما يشاءون، ~~فاعتبروها من أجمل ذلك الجنس وألطفه، وأنها ما تقدمت إلى ذلك الامتحان ~~إلا لتظهر دلالها وجمالها، وجاء وقت الامتحان، وأعدت لي الوزارة ~~لجنة خاصة في المدرسة السنية، أما باقي الطلبة فكانوا يمتحنون في ~~لجان في بناء الوزارة بدرب الجماميز، وهو البناء الذي لا يزال إلى الآن ~~مشغولا بمخازن الوزارة. # وكنت آخذ ترام السنية من مدرسة عباس فيمر بي على السنية، ومنها إلى ~~درب الجماميز، فكان الطلبة القاطنون في السبتية وفيما يجاورها يركبون ~~معي في نفس الترام، ولم يكن في الترام ديوان خاص بالسيدات، وكان ~~المرحوم شقيقي يصحبني في ذهابي وإيابي، فكنا نجلس في آخر عربة حتى لا ~~تتجه أنظار الطلبة إلي، وكانت أحاديثهم تنصب على أم رأسي، فمنهم من ~~أقسم على ضربها عند فشلها وسقوطها في الامتحان، وكانوا يقولون إن ~~سقوطها محتم لا شك فيه، وما دخلت الامتحان إلا لتبدي جمالها وتبرجها، ~~كل ذلك وهم لم يعيروني أي التفات؛ لأني لم أكن الشخصية التي كانوا ~~يتخيلونها؛ إذ كانوا يتخيلون فتاة لعوبا متبرجة، أما تلك التي كانت ~~تجلس في آخر الترام فقد كانت فتاة محتشمة، لم يكن يشك أحد في أنها لا ~~تعرف القراءة، وكان أخي إذا سمع حديثهم عني تبسم ونظر إلي، فكنت ~~أحترس أن لا أجيب على ابتسامته بمثلها، وكنت أجتهد في أن أنزل من ~~الترام قبل المدرسة السنية بمحطة، وأدخلها من بابها الخلفي؛ لأني كنت ~~أعلم أن كثيرا من الطلبة يتجمهرون أمام بابها لرؤيتي، وهذا ما كنت ~~أفعله عند الخروج. # أما اللجنة التي كانت تراقبني أثناء الامتحان؛ فقد كانت لجنة ~~كاملة؛ ms055 أي مكونة من ثلاثة أشخاص فرنسي وإنجليزيتين؛ إحداهما ناظرة ~~مدرسة السنية؛ أي صديقتي المعروفة! فكانت كلما دخلت الامتحان وخرجت منه ~~تحييني بعبارات التأنيب أو السخرية، كقولها إنك مغرورة ، ولا شك أنك ~~سترسبين، أو ما الذي حملك على التقديم، وتكليفنا إعداد لجنة خاصة لك؟ ~~وقد كنت أجيبها على تحياتها هذه بابتسامات تشف عما في قلبي لحضرتها من ~~الحب المكين، وكانت الغرفة التي أمتحن فيها واسعة جدا؛ إذ كانت ~~معدة لامتحان طالبات السنية بأجمعهن، وكنت أجلس في وسطها، وكان هذا ~~يبعدني عن صديقتي الناظرة بمسافة تجعلني لا أتمتع برؤية وجهها رؤية ~~دقيقة، وكان المراقب الفرنسي رجل لطيف، فكان إذا مر بي أشار بيده إلى ~~تعليمات كانت على رأس ورقة الامتحان، وهي: «لا تلتفت يمينا ولا ~~شمالا، ولا تشر إلى أحد ممن بجانبك أية إشارة.» كان يشير إلى تلك ~~التعليمات قائلا: يجب عليك تنفيذها. وهو بالطبع كان يعلم أنها منفذة ~~بطبيعة الحال؛ لأنه لم يكن بجانبي أحد. # وكانت تعليمات الامتحان تقضي أن لا نحضر معنا من أدوات الكتابة ~~شيئا، فكانت تعطى لي الريشة التي أكتب بها، وحدث في امتحان الهندسة أن ~~كان سن الريشة مكسورا فلم أستطع الرسم بها، وصرت كلما رفعت يدي، حضرت ~~إلي صديقتي ناظرة السنية، ورفضت رفضا باتا أن تعطيني ريشة غير ~~الريشة التي أمامي، وضقت ذرعا بتصرفها هذا، فتظاهرت بالكتابة، ~~وبالامتناع عن طلب ريشة جديدة، ثم قمت فجأة أسير بسرعة نحو المراقب ~~الفرنسي، فما كادت تلحق بي إلا ونحن الاثنتان أمامه فعرضت عليه الريشة، ~~وطلبت منه تغييرها فوافقني على هذا الطلب، ولكنها عارضته، وبقيت معه في ~~جدال ونقاش نحو ربع الساعة، وأخيرا انتصر الرجل، وأتاني بريشة ~~جديدة. # وآخر أيام الامتحان جاءني مستر دانلوب، فقال لي: أتظنين أنك ناجحة؟ ~~قلت: نعم، أظن ذلك. قال: حسنا! صدق الله ظنك. وخرج، وهنا تناولتني ~~الناظرة، وأخذت تعتب علي كيف أجيبه بالإيجاب، وماذا يكون موقفي إذا ~~أنا رسبت، فقلت لها: إني لم أدع النبوة ولا الإخبار بما في الغيب، وكل ~~ما قلت له إني ms056 أظن أني ناجحة، ولا عيب علي إذا كان ظني هذا غير صادق، ~~فكثيرا ما يظن الإنسان غير ما يحدث، ولا حرج عليه فيما يظن. # ظهرت النتيجة، وكنت من بين الناجحين، وترتيبي على ما أعتقد 43 من ~~مائتين، وكان لهذا النبأ وقع حسن بين موظفي وزارة المعارف، وبين زملائي ~~الطلبة، وكان ذلك سنة 1907، ولم يكن لي بالطبع زميلات، ولم تنجح مصرية ~~في امتحان البكالوريا إلا في سنة 1928؛ لهذا كان النبأ عظيما، فنشرته ~~الصحف بعناوين ضخمة ببنط كبير مثل «أول ناجحة من المصريات في ~~البكالوريا» أو «مصرية تفوز بنيل شهادة البكالوريا»، أو «تفوق ~~المصريات»، ولو أني إذ ذاك فتحت فرنسا لما كان لاسمي رنة أشد مما كان ~~له على إثر نيل تلك الشهادة العظيمة؛ أي شهادة البكالوريا. # اهتم المصححون بهذا النبأ، ويظهر أنهم خشوا أن يظن أحد أن نبوية هذا ~~رجل، فأرادوا أن يضعوا على هذا الاسم عنوانا يمنع الشبهة، فكتبوا ~~«الست نبوية»، وأرسلوا إلى مدرسة عباس تلغرافا يهنئون الناظرة بنجاح ~~معلمتها، كما أرسلوا إلى صديقتي العتيدة ناظرة المدرسة السنية تلغرافا ~~يهنئونها بنجاح إحدى طالباتها، وهنا نسيت مس جونسون الحقد القديم، ~~ويظهر أنها عطفت علي، وكنا في ذلك الوقت لا ندخل الامتحان الشفوي إلا ~~إذا نجحنا في التحريري. # ظهرت نتيجة التحريري، وجئت للامتحان الشفوي في المدرسة السنية أيضا، ~~وما كاد يقع نظر الناظرة علي حتى ضمتني إلى صدرها، وقبلتني قبلات ~~عديدة، وشكرتني لأني رفعت رأسها عاليا. # أما المفتشون الذين جاءوا لامتحاني الشفوي فقد أحضروا لي معهم هدية ~~ثمينة من الكتب الفرنسية، وكنت واثقة بالطبع أني سأنجح في الامتحان ~~الشفوي؛ إذ ليس من المعقول أن تتقدم طالبة واحدة في هذا الامتحان، ~~وتنجح في التحريري، ثم يذهب الذوق بالممتحنين إلى إسقاطها في الشفوي؛ ~~لهذا كنت واثقة كل الوثوق من نجاحي في الشفوي. # كنت قد تعلمت اللغة الفرنسية في المنزل ومن الكتب، وكنت أعرف كيف ~~أقرأ، ولكني لم أكن متأكدة أني أفهم تلك اللغة إذا خوطبت بها؛ ولهذا ~~دخلت باسمة، وقد أعددت هذا الابتسام لأجيب ms057 عليه بكلمات قد حفظتها، ~~وكانت اللغة الفرنسية إضافية لا أساسية. # وتم ما أردته، وسألني الممتحن عن سبب ضحكي، فقلت له في شيء من ~~الدعابة: إني أضحك؛ لأني أعلم أنك لا تعلم إلا الفرنسية التي لا أعرف ~~أنا شيئا منها؛ ولهذا أضحك على كيفية تخاطبنا. قلت ذلك بالفرنسية ~~طبعا، وقد سر الرجل بهذا، وحادثني محادثة استطعت فهمها، وأعطاني ~~درجة لم أكن أحلم بالحصول عليها. # أما في اللغة العربية، فلم ينس المرحوم الشيخ حمزة فتح الله أن ~~يتحفني بأسئلته الممتازة إذ ذاك كوزن «أكون»، وهو كما لا يخفى على سيدي ~~القارئ «كن»، فنقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها فتحرك بالضم، وحذفت ~~الواو لالتقاء الساكنين أي النون والواو، ثم حذفت همزة الوصل لعدم ~~الحاجة إليها؛ إذ جيء بها للتوصل إلى الساكن في الأفعال الأخرى كاعلم ~~وانصت، أما هنا فقد تحرك أول الفعل فلا حاجة إلى همزة الوصل. # وعذرا أيها القارئ إذا ألقينا عليك درسا من نماذج دروس العربي ~~الماضية. # | أثر حصولي على البكالوريا ومذهبي في ~~الزواج # قدمت فيما مضى كيف حصلت على البكالوريا مع البنين، وكيف كان لهذا ~~النبأ دوي اخترق البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وقامت له الصحف وقعدت، ~~فكنت إذا كتبت مقالة إلى صحيفة نشرتها لي في الصدر تحت عناوين كبيرة، ~~وما كاد يمضي على ذلك شهر حتى وصلني خطاب من مأمور في السودان مرسل إلى ~~نبوية موسى بالمدرسة السنية، مع أن نبوية موسى كانت معلمة في مدرسة ~~عباس للبنات، ولكن هذا المأمور لا يعرف عن نبوية موسى شيئا سوى أنها ~~نجحت في البكالوريا؛ ولهذا استنتج أن تكون تلميذة في المدرسة ~~السنية. # وصلني الخطاب، وكان الرجل أديبا لبقا في كتابته، وقد قال في خطابه ~~إنه رجل مؤدب، وإنه لم يخاطبني ليخرج عن حدود الآداب الشرقية، ولكنه ~~يريد أن يتزوجني، وهو لا يعرف عنوان ولي أمري، ولا من هو؛ لهذا اضطر أن ~~يكتب إلي؛ لأن كتاباتي قريبة جدا من نفسه، ورجاني أن أدله على ولي ~~أمري ليخاطبه في أمر الزواج. # أعجبني أدب ms058 الرجل واستقامته، وراقني أسلوبه العالي في الكتابة، ولو ~~أني كنت أميل إلى الزواج لما تأخرت في قبول ما طلب، ولكني وأنا أكره ~~الزواج، وأعتبره قذارة، وقد صممت أن لا ألوث نفسي بتلك القذارة، فلا ~~مندوحة لي عن رفض طلبه. # عرضت الخطاب على المرحوم شقيقي، وطلبت منه أن يكتب إليه بالرفض، وأن ~~يتلطف فلا يؤلم الرجل، وقد اقترحت عليه أن يقول له: إنك لو رأيت أختي ~~لما تقدمت إليها لأنها دميمة الخلقة، ولا أظنك تقبلها؛ ولهذا أرجوك أن ~~تتقبل تحياتي، وأن تعدل عما انتويته، وسأكون صديقك إلى الأبد، ومع أن ~~ذلك الكلام لم يكن من رأي أخي فقد كتبه مضطرا. # وبعد ثلاثة أيام أو أربعة على الأكثر وصل أخي خطاب من الخطيب يقول ~~فيه إنه لا يعبأ بالشكل، وإنه يحب روحي لقربها من روحه، وسيحب صاحبة ~~تلك المقالات التي قرأها مهما كان شكلها، بل سيحلو له أن يراها، قرأ ~~أخي الخطاب، وقال: الآن لا عذر لك؛ فالرجل يقبلك على أي شكل أنت ~~عليه، وأنا بصفتي ولي أمرك أريد أن تتزوجي ذلك الرجل. وطال بيننا ~~الشجار والأخذ والرد إلى حد كاد أن يخاطبني معه بغير الكلام لولا أن ~~تلك لم تكن عادته، وفي ذلك الوقت دخل قريب والدتي مصطفى أفندي عبد ~~الرازق، وسأله عن خبر هذا النزاع، قال أخي: إنها ترفض الزواج من رجل ~~سبق أن كتبت له أنا شبه وعد. قلت: ولكنك غير محق في وعدك هذا، والرجل ~~الذي تقترح زواجي به يتناول 24 جنيها شهريا، وأنا كما تعلم لا أحب ~~الزواج، فإذا قبلت قذاراته كان يجب أن يغريني المركز الجديد الذي سأكون ~~فيه بعد ذلك الزواج، ومرتبي الآن 12 جنيها، فإذا شئت أن تبقى حالتي ~~المالية كما هي، وجب أن يكون مرتب ذلك الزوج 48 جنيها؛ 12 جنيها لي، ~~و12 جنيها له، و24 جنيها للأولاد، فكيف أقبل أنا الزواج على بغضي له، ~~ثم أقبل معه انخفاض مستوى معيشتي، وهذا ما لا يعقل؟ # انتصر لي مصطفى أفندي، وقال: لقد صدقت. قال ms059 أخي: ومعنى هذا أنها لن ~~تتزوج، ومن ذا الذي يقبل زواجها، ومرتبه يبلغ ذلك المقدار الذي تطمع هي ~~فيه؟ قلت: وهذا كل ما أريده أن تقف طلباتي هذه حجر عثرة في سبيل ~~الزواج. # اضطر أخي أن ينزل على إرادتنا؛ أي إرادتي وإرادة مصطفى أفندي، ولكنه ~~كان مكرها، قال: إذن سأكتب للرجل، ويجوز أن الله أراد له الخير بذلك ~~الرفض. أمسك القلم وأخذ يقرأ ما يكتبه بصوت عال، قال: تحية وسلاما ~~وعذرا أيها الصديق إذا أنا أخبرتك في خطابي السابق بدمامة خلقة شقيقتي ~~فقط، ولكني نسيت أن أقول لك إنها فوق ذلك قليلة الأدب متكبرة متغطرسة، ~~لا يطيق الإنسان أن يعاشرها يوما واحدا، وأنا كصديق أنصحك أن لا ~~تعاودني في أمرها، ولا أخفي عليك أنها تتكبر على أمثالي وأمثالك، فلا ~~تذكرها لي مرة أخرى. # أخذ يقرأ ذلك الخطاب بصوت عال ليغيظني، ولكني كنت أضحك مقهقهة، ~~وأقول: إن هذا خير ما يكتب في مثل هذا الموقف، وكان الرجل قد أرسل مع ~~الخطاب هدية فرددناها إليه. # وفي سنة 1914 كنت ناظرة لمدرسة معلمات المنصورة، فجاءني رجل بخطاب ~~كتبه إلي ذلك المأمور يرجوني فيه أن أقبل ابنة ذلك الرجل بالمدرسة ~~الابتدائية مجانا، وقال في خطابه إنه تزوج، وإنه رزق أولادا، وإنه ~~مسرور جدا بأسرته الجديدة، وكأنه يريد أن يقول لي على رأي مثلنا ~~العام «بركة يا جامع اللي جت منك.» # عرفت من هذا أن الرجل لا يزال متألما من الحادثة، وكنت أخجل أن أذكر ~~مسألة خطبة أو زواج أمام رجل، فنظرت إلى قريبه الذي أتى بذلك الخطاب، ~~وقلت له: هل تعلم من أين يعرفني قريبك هذا؟ قال: نعم إني أعرف القصة. ~~قلت: أرجوك أن تخبره أني لم أرفضه احتقارا لشأنه، أو لأي عيب فيه، ولو ~~أني كنت أنتوي الزواج لما تزوجت بأفضل منه، ولكني لاعتبارات شخصية أرفض ~~هذا الزواج، ولكي أشرح لك موقفي أقول إني لو كنت قد قبلت ما عرضه علي ~~لكنت الآن تحت أمره أطلب منه الرضا والعطف، أما الآن بعد رفضي ms060 فهو الذي ~~يطلب مني أن أعطف عليه وعلى أقاربه، وأنا لأجل خاطره سأدخل ابنتك ~~بالمجانية في مدرستي، ولو أني كنت أخاطب الرجال لكتبت إليه الرد على ~~خطابه هذا، ولكني آليت أن لا أفعل، فأرجوك أن ترد عليه أنت، وأن تخبره ~~بما قلته لك. # لقد بنيت رفضي على رأي اعتمدته منذ طفولتي، وهو ألا أتزوج؛ لأني على ~~ما أتذكر لم أكن طفلة بالمعنى الصحيح، أجهل ما يحيط بي، ولكني كنت ~~أعلم ما بين الرجل والمرأة مع أنه لم يكن في منزلنا رجل، ولكن يظهر لي ~~أن الأمر غريزة طبيعية، أو أني كنت أعلم بالإشارة، أو بما أراه من ~~الحيوانات، كنت أعلم ذلك تمام العلم، وأرى أنه قذارة خصوصا نصيب ~~المرأة فيه، فكنت أنفر منه، وربما ترجع مسألة خروجي من المنزل في سن ~~الثالثة عشرة، والتحاقي بالمدرسة إلى كرهي لهذا الأمر؛ لأني لو بقيت ~~بلا عمل لما استطعت أن أبقى أيضا بلا زواج، وليس لي من الأملاك ما ~~يقوم بسد حاجتي؛ لهذا انصرفت عن الزواج بتاتا، ثم شاء الله أن تزداد ~~فكرتي رسوخا ووضوحا، فسمعت رجلا يتشاجر مع امرأة على قارعة الطريق، ~~ويقول لها ما معناه: امرأة مثلك أقضي في جوفها حاجتي تتجرأ أن تكلمني ~~بما تقولين؟ شرحت لي تلك الكلمة ما هناك، وكرهت أن يقف مني رجل ذلك ~~الموقف القذر المريع؛ لهذا كنت أكره أن أسمع الزواج في شبابي، أما بعد ~~أن كبرت فقد أصبح مجرد هذا الاقتراح سبة لا يشتمني أحد بأقبح ~~منها. # وعلى ذكر تلك الخطوبة أقول: إني خطبت بعد ذلك مرتين، سأذكرهما هنا ~~على سبيل ذكر أشياء وقعت لي في حياتي. # كانت تلك الخطوبة الأولى في سنة 1907 كما قدمت، وفي سنة 1913 كنت ~~ناظرة لمدرسة معلمات المنصورة، وكنت ألقي محاضرات في الجامعة المصرية، ~~كانت تكتب في جميع الصحف، فوصلني خطاب من أحد المهندسين يقول فيه: إنه ~~معجب بمقالاتي، وإنه يطلب من الله أن يكثر من أمثالي في الأمة ~~المصرية. # لم يكن الرجل في طبقة الخطيب الأول من ms061 الكتابة، فلم يقع كلامه من ~~قلبي موقعا حسنا على أنه لم يقل شيئا صراحا، بل أكثر في مدحي، وقد ~~أرسل لي في طي خطابه صورة فوتوغرافية له. # وقد فهمت من تلك الصورة ما كان يرمي إليه في طيات كلامه، وشاء الله ~~أن يكون شقيقي ضيفا عندي في ذلك اليوم، ففضضت الخطاب، وبعد أن قرأته ~~قذفت به شقيقي في ضحك، وقلت له: لو لم يكن هذا الرجل مؤدبا في الكلام ~~لعاقبته بإرسال صورتي إليه، أما وهو مؤدب فلا معنى إذن لذلك العقاب. ~~وقع الخطاب والصورة على أرض الغرفة، ولم أعرهما بعد ذلك أية التفاتة ~~حتى إني نسيت اسم الرجل، أو قل إني لم أقرأ إمضاءه. # وبعد أيام من ذلك الحادث جاءني البواب يقول لي إن محمد أفندي حافظ ~~يطلب مقابلتي، وكان لي خال بهذا الاسم فظننت أنه خالي أتى من القاهرة ~~ليراني في المنصورة، فقلت للبواب أن يدخله بسرعة، وقمت له ضاحكة ~~لأقابل ذلك الخال، وما كدت أراه حتى استولت علي الدهشة؛ لأني عرفت ~~أنه صاحب الصورة التي أرسلت طي الخطاب السابق، وعلى كل حال فقد اضطررت ~~أن أحييه، وأن أجلس معه. # عرفت بالطبع ما جاء به، وما يريد أن يطلبه، وأردت أن أمنعه من ذلك ~~فقلت له: لقد وصلني خطابك، وليس لي أي انتقاد عليه؛ لأنك كنت فيه ~~مؤدبا، وإني مستعدة أن أساعدك في كل ما تطلبه مني إذا كنت تريد إدخال ~~بناتك بالمجانية في مدرستي هذه، وسأساعدك بكل ما أستطيع. # احتار الرجل في أمره، وقال متلعثما: ولكني لا أسرة لي، وقد جئت ~~اليوم من أجل ذلك. فقاطعته قائلة: اسمع يا بني لقد صممت منذ كنت في ~~سنك على أن لا أتزوج، فإذا كنت أنت اليوم لم تتزوج فأنصحك أن لا تفعل. ~~فدهش الرجل من تلك المفاجأة، وقد كان أكبر مني سنا؛ أي كان في سن ~~المرحوم أخي. # فلم تدخل عليه الحيلة، وقال: لست بابنك أولا، وثانيا اسمحي لي أن ~~أسألك لم صممت على عدم الزواج؟ ضايقتني تلك الجرأة منه، ms062 وقلت له: إنك ~~لم ترني إلا اليوم، ومع ذلك تسألني عن أمر هو من أخص خصائصي، وما كان ~~لك ولا لغيرك أن يتدخل فيه، مع هذا فسأشبع حب الاستطلاع في غريزتك، ~~وأقول لك إني قد صممت على عدم الزواج؛ لأني لا أحب الرجال، ولا أحب أن ~~أنحط في معيشتي، بل لو أني تزوجت وأنا اليوم أتناول مرتبا قدره 24 ~~جنيها كان يجب علي أن لا أقبل إلا رجلا مرتبه 96 جنيها؛ 24 جنيها ~~لي، و24 جنيها له، و48 جنيها للأطفال، ومثل هذا الرجل ما أظنه يطلب ~~الزواج مني. قال الرجل: وما المانع من أن تتزوجي وأنت في وظيفتك؟ قلت: ~~عفوا يا سيدي، فقد قلت لك إني أكره الرجال، فما معنى أن أقبل القرب من ~~رجل وأنا لا أزال أعمل، وما فائدة ذلك الرجل؟ وما قيمته في حياتي؟ قلت ~~ذلك وانتصبت واقفة، واعتذرت إليه بأن لدي درسا سألقيه الآن، وأن في ~~استطاعته أن يمكث مع معلمي مدرستي في غرفتهم إذا شاء. # فخرج الرجل من عندي لا أدري مودعا بماذا، ولكني استدعيت البواب في ~~الحال، وقلت له: إذا جاءك هذا الرجل مرة أخرى قل له إني غير موجودة، ~~وإياك أن تدخله عندي مرة ثانية، أو تطلب مني حتى السماح له. وبعد ~~أيام جاءني خطاب منه يقول لي فيه: بالرغم من أنك تدعين أنك أكبر مني ~~سنا، وأنك لا أمل للرجال فيك لدمامتك، فإني شخصيا أرى فيك غير ذلك. ~~قرأت الخطاب ومزقته، وقلت: سبحان الله! من أخذ رأيه في هذه الأمور، وما ~~الذي يهمني من رأيه في؟ إن رأيي فيه، وفي كل رجل أن لا أتزوج، ولا ~~ثاني لهذا الرأي عندي. # هذه هي الخطوبة الثانية، أما الثالثة فقد دلت - والحمد لله - على ~~أننا نحن السيدات كالعبيد، كلما كبرنا رخص ثمننا. # كنت ناظرة مدرسة المعلمات بالإسكندرية في سنة 1919 على ما أتذكر؛ أي ~~بعد الحادثة الثانية بست سنوات، فوصلني خطاب قد كتب فيه كاتبه ما يربو ~~على 7 صفحات. أخذت أقرأ «ويلت الرجل ويعجن ms063 كما يقولون»، ويصف لي حاله ~~وعمره ومرتبه، وهو - والحمد لله - ستة جنيهات، وهو أيضا كمساري على ما ~~أظن في السكة الحديد، حسبت وهو يشرح لي هذا أنه يشكو لي ضيق حاله، وأنه ~~يطلب مني المعونة كما كان الكثيرون يفعلون ذلك، ولكن كم كانت دهشتي ~~شديدة عندما قال في خطابه: «إني إذا حادثت رجلا دقيقة أو دقيقتين ~~أتجرأ على الكلام معه، وأنا الآن قد كتبت لك ما يزيد على ست صفحات، ~~وإذن أصارحك برأيي بكل شجاعة وجرأة، وهو أني أريد الزواج منك، ولا أريد ~~أن أرجع لأهلك في هذا الموضوع؛ لأني أسير على تعاليم المدنية الحديثة.» ~~عجبت حقيقة من تلك الجرأة، ومن ذلك المنطق المعتل الخاطئ، كيف يجرؤ ~~علي بذلك الكلام لا لسبب سوى أنه كتب لي ست صفحات، هل كنت أنا حاضرة ~~عند كتابة ذلك حتى يعد سكوتي على تلك الكتابة مبررا لجرأته علي؟ ~~حقا إنه منطق عجيب، خصوصا وقد حدد لي 24 ساعة إبداء رأيي في ~~الموضوع. # كنت في ذلك الوقت لا أرفض الزواج فحسب، بل أعد طلب الزواج ممن كانت ~~في سني جريمة أو إهانة تلحق بي لا يغسلها إلا الدم، غضبت لهذا، وأردت ~~أن أنتقم منه، وفكرت في حيلة لذلك الانتقام، وقلت أرسل إليه خطابا مع ~~خادمي أقول فيه إني قبلت ما عرضه علي، وإذا قبل هذا أرسلته إلى منزل ~~أحد أقاربي، فأعقد خطبته على امرأة غسالة كانت بالمدرسة، واسمها فاطمة، ~~ولا بأس فنبوية تكتب في شهادة الميلاد فاطمة النبوية، حتى إذا تمت ~~الحيلة، ودخل على صاحبته، عرفته مقدار مدنيته الحديثة من طلب ~~الزواج من امرأة لم يرها، وهنأته بالزيجة الخيرة المباركة. # دققت الجرس للساعي فحضر، ووقف بعد أن كتبت جواب الرضا، وأردت أن ~~أسلمه إليه، ولكن عز على نفسي أن يذهب الساعي إليه بذلك الجواب فيفهم ~~منه أني قبلت الزواج منه، وهي سبة لست أرضى أن يظنها خادمي، ولو ربع ~~ساعة، فترددت في الأمر، ثم نظرت إلى الساعي، وقلت له: اخرج. # وقد انتقمت لا منه، بل ms064 من خطابه فمزقته إربا، واكتفيت بهذا. # وهكذا أنا - والحمد لله - لا أنتقم من ضعيف. # | إحلال النساء محل الرجال في الوظائف ونتائجه السيئة على شخصي ~~الضعيف # كانت كل أمنيتي من دخول امتحان البكالوريا أن أكون كالرجال في درجات ~~الوظائف، وقد كان، فقد أعطتني الوزارة مرتبا قدره 12 جنيها كخريجي ~~مدرسة المعلمين العليا. # ولهذه المناسبة الطريفة أقول إن مرتب خريجي دار العلوم العليا في ذلك ~~الوقت كان ستة جنيهات فقط، وكان مرتبي ضعف مرتب المعلم من دار العلوم، ~~وقد شاء الله أن تنسى وزارة المعارف قراراتها القديمة، وأن تعتبرني ~~الآن من معلمات السنية، ويظهر أن للكبر أثرا، وعلى هذا الاعتبار ~~المعكوس الذي لا أفهم معناه كانت تعطيني الوزارة - بارك الله فيها - ~~إعانة شهرية مقدارها أربعة جنيهات، وسبحان مغير الأحوال، والظاهر أن ~~ما نقصه خريجو دار العلوم من المعلومات في عصرهم الحالي زادوا به ~~مالا، ولله في خلقه شئون. # كانت الوزارة في ذلك الوقت تريد إحلال الآنسات محل الرجال في وظائف ~~التعليم بمدارس البنات، ورفض المرحوم الشيخ حمزة فتح الله أن يسمح ~~لفتاة بتدريس اللغة العربية التي كان هو زعيمها حتى إذا تخرجن سمح لي ~~بذلك. # قام رجال دار العلوم وقعدوا لذلك النبأ الغريب في نظرهم، وساءهم ~~جدا أن تدرس فتاة اللغة العربية للسنة الرابعة، وهم أصحاب امتياز تلك ~~اللغة، وكانوا في ذلك الوقت لا يسمحون لأحد أن يسمح لنفسه بما احتكروه ~~لأنفسهم من تدريس اللغة العربية مهما كانت الظروف، ومن هنا أخذ اسم ~~نبوية موسى يظهر لا بالذكرى الحميدة - والحمد لله - ولكن بالذكرى ~~السيئة، فسموني هادمة بيوت الرجال، وقاطعة أرزاقهم، وغير ذلك من ~~الألقاب التي أسبغوها علي، وكانوا يتحينون الفرص للإيقاع بي، فكنت إذا ~~درست أخذوا يسترقون السمع، ويدونون ما أقوله وما أعطيه لتلميذاتي ~~فينتقدونه، ويذهبون إلى الناظرة فيبالغون في ذلك الانتقاد، ولكنها كانت ~~تعرض عنهم في السنة الأولى من مباشرتي العمل. # كنت في ذلك الوقت أكتب في صحيفة يومية اسمها «مصر الفتاة» تحت اسم ~~مستعار اتخذته لنفسي، وهو «ضمير حر في ms065 جسم رقيق»، وقد أردت بكلمة رقيق ~~المعنيين؛ رقيق أي نحيف دقيق، وقد كان هذا من صفاتي، ورقيق أي مستعبد، ~~وقد كان هذا - ولا شك - من صفة كل مصري يباشر التعليم. # ذهب معلمو اللغة العربية إلى الناظرة، وأحضروا لها عددا وافرا من ~~نسخ «مصر الفتاة»، وأطلعوها على المقالات ، وادعوا أني إنما أنتقد فيها ~~السياسة الإنجليزية، وبذا استطاعوا أن يصلوا إلى قلبها بعد أن كان ~~مغلقا في وجوههم. # أصغت الناظرة إليهم أخيرا، فقلبت لي ظهر المجن، فأرادت في ~~أول الأمر أن تنتقم مني بتوصيل انتقاداتهم إلى الوزارة، فدعتني إلى ~~مكتبها، وكان إلى جانبها أحد معلمي اللغة العربية بالمدرسة؛ أي مدرسة ~~عباس الأميرية، وقالت لي: إن الأستاذ غير راض عن طريقة تدريسك، فأرجو ~~أن تستمعي إلى نصائحه، وأن تعملي بها. قالت لي ذلك باللغة الإنجليزية، ~~وكأنه كان بينها وبين الأستاذ اتفاق من قبل، فاندفع هو يسمعني نصائحه ~~الغالية، فقلت لها بالإنجليزية أيضا غير عابئة بما كان يقوله الأستاذ: ~~إني لا أعمل برأي أحد هنا إلا برأيك أنت ناظرة المدرسة، وأنت لا ~~تستطيعين أن تعطيني آراءك في تدريس اللغة العربية؛ لأنك - والحمد لله - ~~تلميذتي في تلك اللغة، فأنا أدرسها لك، وقد كانت الحكومة انتدبتني ~~لتدريس اللغة العربية للمعلمات الإنجليزيات؛ لأني أستطيع تفهيمهن اللغة ~~العربية أكثر من الشيوخ؛ إذ أشرح لهن ما يصعب عليهن من العبارات باللغة ~~الإنجليزية، أما الشيوخ فكانوا لجهلهم اللغة الإنجليزية يستعملون ~~الأيدي والأرجل في تفسير العبارات الغامضة، وهم - والحمد لله - لا ~~يحسنون الإشارة. # قلت لها ذلك والأستاذ لا يزال مندفعا في إرشاداته دون أن أستمع ~~إليه، وأخيرا عز علي أن أتركه يكلم نفسه فالتفت إليه، وقلت له: لا ~~تتعب نفسك لأنني أنا غير راضية عن طرق تعليمك للغة العربية بمقدار عدم ~~رضائك عن طرقي، وقد أكون على حق، وقد تكون أنت على باطل، ولا بد أن ~~يكون بيني وبينك حكم يفهم تلك اللغة، أما هذه الناظرة فلا يمكن أن تكون ~~ذلك الحكم، وهي تجهلها تماما. # قلت ذلك، ثم ترجمته للناظرة فساءها ms066 ذلك، وقالت: إذن ماذا أصنع في ~~إرشادك؟ قلت: لهؤلاء المعلمين أن يكتبوا تقريرا بالإرشادات التي ~~يريدونها، وسأرد عليهم أنا، ويرفع تقريرهم وتقريري إلى الوزارة، فتتخذ ~~الوزارة ما ترى بشأن التقريرين. # طلبت الناظرة من المعلمين ذلك فرفضوا كتابة التقرير؛ لأنهم في ذلك ~~الوقت لا يحسنون فن الإنشاء، وكل معلوماتهم في اللغة العربية كانت ~~تنحصر في نبوغهم في الإبدال والإعلال؛ فهم يعرفون أن سار أصلها «سير»، ~~ولكنهم لا يعرفون الفرق بين سار، وصار، وثار؛ ولهذا لم يستطع أحد منهم ~~أن يتقدم بكتابة ذلك التقرير، وأرادت الناظرة إحراجي، والحق مع القوة ~~لا مع المعول، فطلبت مني أن أكتب أنا التقرير، فقلت: يا سيدتي إني لم ~~أنتقد طرق هؤلاء الرجال، ولا يهمني ذلك الانتقاد، فكيف أكتب تقريرا في ~~حالة لم أنتقدها، ولم أطلب تغييرها، وهي طريقة تدريسهم، وإن كانت في ~~نظري عقيمة. قالت: دعك من تلك الفلسفة، وأمامك أمران لا ثالث لهما؛ ~~فإما أن تكتبي التقرير، وإما أن تتبعي إرشادات المعلمين. # اضطررت أن أكتب التقرير، وأمري لله، وكان تقريرا موفقا؛ فقد شرحت ~~فيه تلك الطريقة التي كان يستعملها أساتذة اللغة العربية، فلا يهتمون ~~بالإنشاء ولا بفهم العبارات، بل يهتمون بأمور لا قيمة لها من أبواب ~~الصرف التي لم أشعر إلى الآن أن لها فائدة فيما كتبته وما سأكتبه؛ أي ~~إنها لا تفيد التلميذ أية فائدة في فن الإنشاء، بل هي علل خلو من كل ~~شيء حتى من المنطق الصحيح؛ فقد كان التلميذ يجهل معاني الكلمات فلا ~~يعرف معانيها، ولكن الأستاذ يعلمه أصولها؛ أي أجدادها القدماء؛ فيقول ~~له إن كاد أصلها كيد، وهو نفسه لا يفهم الفرق بين كاد وقاد، ولا كيف ~~تستعمل الكلمتان، وهو يعرف أصلهما قبل أن يعرفهما. # هذا فضلا عن أن المنطق الذي يذكر في تلك العلل منطق سخيف لا يستقيم ~~له معنى؛ فيشرح الأستاذ أن «قاض» استثقلت فيها الضمة على الياء فحذفت ~~الضمة، والتقى ساكنان التنوين والياء فحذفت الياء للتخلص من التقاء ~~الساكنين، على أن «نبي» لم تستثقل فيها الضمة على ms067 الياء وبقيت كما هي، ~~وفي هذا الكلام خطأ منطقي؛ إذ يفهم منه أن كل ياء تستثقل عليها الضمة ~~مع أن الضمة هنا لم تستثقل إلا لانتقال النطق من كسر إلى ضم، وقد لا ~~يكون ذلك السبب؛ فكثيرا ما تجدنا قد انتقلنا في نطقنا من كسر إلى ضم ، ~~ولا ضير في ذلك كيوجد، وغير ذلك. # فتلك العلل النحوية لم تكن تستقيم مع المنطق حتى يتعلم منها التلميذ ~~حسن التعليل، ولم تكن تفيده كثيرا في الكتابة، وكان يكفي أن يشرح ~~المعلم الأسماء الناقصة، ثم يقول للتلاميذ في بساطة إن ياءها تحذف في ~~حالتي الرفع والجر، وتبقى في حالة النصب، ولا داعي إلى ذلك الخطأ ~~المنطقي المرذول في تعليل ما ليس له تعليل. # ومن تلك العلل قولهم: نظرت إلى كتابي، كتاب مجرور بإلى وعلامة جره ~~كسرة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة ~~المناسبة. سلسلة من أخطاء منطقية لا يفهمها - والحمد لله - إلا أولئك ~~الشيوخ؛ فحركة المناسبة التي يقولون إنها منعت ظهور الحركة الأصلية هي ~~الكسرة، وهي ليست حركة مناسبة في الواقع؛ فكثيرا ما تسبق الياء بحرف ~~مفتوح كهيئة؛ فلا معنى إذن لحركة المناسبة هذه؛ أي مناسبة الياء على ~~أننا نقول كتابي محمد بفتح الباء، ونترك المناسبة، وأمرها ~~لله. # هذا الخطأ الأول، أما الخطأ الثاني فكيف بربك تنوب الكسرة عن ~~الكسرة؛ لأن حركة هذا الاسم هي الكسرة إذ هو مجرور بإلى، وحركة ~~المناسبة هي الكسرة، فهل يستطيع إنسان يعقل أن يقول إن الكسرة تمنع ~~الكسرة عن الظهور لتظهر هي؟! # ومن هذا نعلم أن قولهم منع من ظهورها - أي الكسرة - اشتغال المحل ~~بحركة المناسبة غير معقول بالمرة، وما قال أحد إن إنسانا يشتغل ~~بالصلاة عن الصلاة، فكيف اشتغل ذلك المحل بالكسرة عن الكسرة؟! # إنهم لو أصابوا لقالوا إن ياء المتكلم المضافة إلى الأسماء تسبق ~~دائما بالكسر، هكذا نطقت العرب تلك اللغة، ولا معنى لإيراد علل غير ~~منطقية. # كذلك شرحت في ذلك التقرير قولهم نقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها ms068 ~~فتحركت الواو بحسب الأصل، وانفتح ما قبلها بحسب الآن فقلبت ألفا ~~كاستطال، وتعجبت في تقريري هذا كيف تكون الحركة الواحدة على الواو ~~حركتين تتحرك بها الواو بحسب الأصل، كما يتحرك الساكن قبلها بحسب الآن، ~~وهل إذا كان مع الإنسان ألف جنيه وسرقها لص يجوز له أن يشتري منزلا ~~بحسب الأصل كما يشتري اللص بها منزلا بحسب الآن؟ أليس ذلك هو السخف ~~كله؟! # هكذا انتقدت طرق مدرسي اللغة العربية، وطلبت أن يعنى المدرسون ~~بالمعاني والأساليب، واستعمال الكلمات في مواضعها بدلا من صرف الوقت ~~في شرح تلك العلل السخيفة، وكان ناظر المعارف في ذلك الوقت المغفور له ~~سعد باشا زغلول، وما كاد يطلع على التقرير حتى سر به سرورا عظيما، ~~وطبعه ووزعه على مدارس البنات، ومعه خطاب دوري يقول فيه: # جاء هذا التقرير من السيدة نبوية موسى - وقد كنا في ذلك ~~الوقت لا نقول آنسة - فنرسله إليكم رجاء اتباعه في ~~مدرستكم. # وزع هذا التقرير على جميع مدارس البنات، ومن ضمنها مدرسة عباس التي ~~كنت موظفة بها، وقد دهشت الناظرة، وجن جنونها عند اطلاعها عليه، ~~فأحضرتني وقالت: ما هذا؟! لقد كان هؤلاء يدرسون قبل أن تولدي أنت، فكيف ~~تصححين لهم طرقهم؟ قلت: لا غرابة في ذلك يا سيدتي؛ فقد درست أنا بهذه ~~المدرسة في العام الماضي، وكانت نتائجي في التدريس محمودة، وكنت أنت ~~راضية عني، وها هو رضاؤك في هذا العام قد انقلب سخطا؛ أي إنني لما ~~درست عاما جهلت ما كنت أدرسه في العام الأول، فلم أستطع إرضاءك بقدر ~~ما أرضيتك في أول تدريسي، إذا قست ذلك علمت أنهم الآن لا يعرفون شيئا ~~ما دام الإنسان في عام واحد ينقص كل هذا النقص؛ أي يرجع إلى الوراء، ~~فما بالك بهم وقد درسوا ما يزيد عن عشرين عاما؟! قالت: هكذا أنت لا ~~تصلحين إلا في الفلسفة. # اضطرت الناظرة أن تؤجل الحرب التي بيني وبينها مؤقتا، وتتظاهر ~~بالرضاء عني، ولكنها كانت تسر لي ضد ما كانت تظهر. # | صاحبة الجلالة الصحافة وأثرها علي ~~سابقا # اضطرت ms069 ناظرة مدرسة عباس الأميرية أن تجعل بيني وبينها هدنة، وفي ~~النفس ما فيها، ولكنها ما لبثت أن ثارت؛ إذ ذكر لها المعلمون أني لا ~~أزال أكتب في «مصر الفتاة»، وأن كتابتي ضد الإنجليز، وعلم الله ما كان ~~في كتابتي شيء من ذلك، وما كانت إلا نقدا بريئا على أساليب التعليم ~~في المدارس، طلبت منهم إحضار نسخ عديدة من «مصر الفتاة» التي تحتوي على ~~تلك المقالات، ولا أدري كيف استطاعوا أن يحضروا لها ما يربو على ~~الثلاثين مقالا، وقد أشروا بالمداد الأحمر على كل مقال، واستدعتني ~~حضرة الناظرة فدخلت عليها، وإذا أمامها تلك الأعداد من مجلة «مصر ~~الفتاة»، وقد طويت طيا يظهر موضع مقالاتي، ثم قالت لي وقد أشارت إلى ~~تلك الأعداد: هل تكتبين في هذه الصحيفة؟ قلت: لا حق لك يا سيدتي في ~~سؤالي عن هذا، وكل ما لك هو أن تفتشي عن عملي المدرسي وأن تنتقديه، وقد ~~علمت مما سبق أنك أنت شخصيا لا تستطيعين ذلك، وأن إخواننا المشايخ ~~لا حق لهم فيه. قالت: ولكن الوزارة تحرم على الموظفين الكتابة في ~~الصحف. قلت: الوزارة هي إذن التي تسألني عن ذلك، أما أنت فلا شأن لك ~~فيه. # قالت: إذن سأذهب إلى الوزارة، وسأريك نتيجة أعمالك. قلت: لا ~~بأس. # اختطفت نسخة من النسخ التي كانت أمامها، وذهبت بها إلى الوزارة، ثم ~~عادت من الوزارة، وقد هدأت ثائرتها، وأصبحت صديقة من جديد، فاستدعتني ~~وقالت لي في ابتسامة: ما الذي كتبته في تلك المقالة التي ذهبت بها أنا ~~اليوم إلى الوزارة؟ قلت: وهل أعرف أنا شيئا مما تقولين؟ قالت: لقد ~~أخذت نسخة من هذه النسخ - أي من نسخ الصحيفة التي كانت لا تزال ~~مكدسة على مكتبها - وذهبت بها إلى سعد باشا زغلول، وما كاد يقرؤها ~~حتى أشرقت أسارير وجهه، وسر بها سرورا عظيما، وقال إنه يتمنى لو ~~أنك أرسلت إليه بتلك المقالات قبل إرسالها إلى الصحف ليصححها لك، قلت: ~~إذا جننت في القريب العاجل، فسأفعل ذلك يا سيدتي. فقالت: ما وجه ~~الجنون؟ قلت: ms070 وهل يكون جنون أكثر من أن معلمة في إحدى المدارس تنتظر من ~~وزير المعارف أن يصحح لها ما تكتبه قبل إرساله إلى الصحف؟! قالت: لو ~~كنت مكانك لفعلت ذلك. قلت: ولو كنت أنا مكانك لما طلبت من معلمتي هذا. ~~قالت: إنك لا تتركين فلسفتك. # مضى على ذلك يومان، وفي اليوم الثالث حضر سكرتير المغفور له محمد ~~باشا سعيد في عربة الباشا، ومعه خطاب من وزارة المعارف يصرح لي فيه ~~بالتدريس لبنات محمد باشا سعيد، فعجبت من التصريح، وكيف عرفني محمد ~~باشا سعيد؟ ومن أين؟ أردت أن أتوقف عن الذهاب في تلك العربة، ولكن ~~الناظرة أصرت على أن أذهب؛ لأن الوزارة خاطبتها بالتليفون، وأمرتها ~~بإرسالي، فخرجت وأنا مندهشة، فحياني سكرتير محمد باشا سعيد، وكان في ~~ذلك الوقت رئيسا للوزراء، وطلب مني أن أركب إلى جانبه لنذهب إلى منزل ~~الباشا للتدريس لبناته. # قلت: وما السبب في وقوع اختيار الباشا علي؟ قال وقد أشار إلى نسخة ~~من صحيفة «مصر الفتاة» كانت في يده: إن الباشا اطلع على هذا المقال، ~~وقال لسعد باشا إنه ما دام في مصر معلمات يجدن اللغة العربية إلى هذا ~~الحد، فهو لا يرضى أن يعلم بناته رجال. وكان في ذلك - ولا شك - قطع رزق ~~لرجال دار العلوم أيضا، فقلت له: ولكني لست أنا بكاتبة ذلك المقال، ~~فإذا كان قد وقع الاختيار علي على زعم أني كاتبته فأرجوك أن تعيدني ~~إلى المدرسة. قال: لسنا بصدد التحقيق معك يا سيدة، وقد جئت بأمر من ~~وزير المعارف لتدرسي لبنات رئيس الوزراء. قلت: على شرط أني لست كاتبة ~~هذا المقال. قال: لا بأس فقد قبلنا هذا الشرط. # ثم أخذ يسرد لي الأسباب التي كنت أجهلها فيما وقع بين الناظرة ووزير ~~المعارف، وتصفحت المقال فرأيت لدهشتي أنه كان مدحا لسعد باشا زغلول، ~~فقد اختارت الناظرة نسخة، وكان المقال بها لحسن الحظ مدحا لسعد باشا ~~زغلول، قلت فيه: إنه مع نبوغ وزير المعارف وعلو كعبه في العلوم، وإنه ~~خير مصري لذلك المركز، فهو مع ذلك ms071 لا يستطيع إصلاح المدارس؛ لأن ~~المدارس لا تصلح إلا بمن فيها، وهكذا كان في المقال مدح مستطاب للوزير، ~~ونقد مر على نظم التعليم خصوصا تعليم اللغة العربية. # أعجب المغفور له سعد باشا زغلول بالمقال طبعا؛ لأنه مدح فيه، وقال ~~للناظرة بعد أن قرأه: هل أنت واثقة أن هذا من كتابتها؟ قالت: نعم، ~~تمام الثقة. قال: بشرك الله بالخير إذا كان في مدارسنا الآن مثل هذه ~~الكاتبة. قالت: ولكن الكتابة في الصحف محرمة على الموظفين. قال: نعم، ~~ولكني لا آخذها بالشك، ولا أعاقبها على الكتابة في الصحف إلا إذا جاءني ~~منها إمضاء صريح بأنها هي التي تكتب تلك المقالات. ولهذا جاءت الناظرة ~~تطلب مني أن أكتب بإمضائي للوزير ليصححه، وكنت على حق إذ رفضت ذلك، وقد ~~أعجب سعد باشا زغلول بالمقال فأخذه، وذهب به إلى سعيد باشا، وأخبره أن ~~كاتبة ذلك المقال هي نبوية موسى إحدى خريجات المدرسة السنية، وسر سعيد ~~باشا لهذا النبأ، وطلب أن تدرس تلك الكاتبة لبناته اللغة ~~العربية. # ذهبت إلى منزل المغفور له محمد باشا سعيد فقابلني في غرفة الاستقبال، ~~وكان واقفا يتأهب للخروج، وبعد أن حياني قال لي: أعجبتني آراؤك في ~~المقال الذي أطلعني عليه سعد زغلول باشا. قلت: ولكنه ليس من كتابتي. ~~قال: لقد وقع اختياري عليك مدرسة لبناتي، فلا معنى للتنحي، وقد ~~أخبرني سعد باشا أيضا أنك أول معلمة عينت لتدريس اللغة العربية. قلت: ~~ولكن الرجال غير راضين عن تدريسي. قال: لا بأس! أما أنا فإني راض. وقد ~~كنت في ذلك أحاول أن لا أدرس في المنازل؛ لأني كنت أعدها سبة، ثم ~~قال: ستعطين بناتي هنا أربعة دروس في الأسبوع، وقد جعلت مرتبك عن هذا ~~سبعة جنيهات. قال ذلك وتركني وخرج دون أن ينتظر مني جوابا، وجاءتني ~~بعد ذلك السيدة حرمه، وهي من فضليات نساء مصر كمالا واستقامة مع جمال ~~طبيعي فتان، فقدمت لي بناتها، وكن ثلاثا؛ حضرة صاحبة العصمة زينب هانم ~~والدة حضرة صاحبة الجلالة الملكة فريال، وحضرة صاحبة العصمة ناهد هانم ~~حرم ms072 معالي حسين سري باشا، وشقيقتهما الثالثة بديعة هانم، وقد توفيت إلى ~~رحمة الله. # كنت غير راضية عن هذا الدرس؛ لأني كنت أعده سبة، وكنت أخشى أن ~~التلميذة التي أدرس لها في المنزل قد لا تمنحني من الاحترام ما يجب ~~لمعلمة تدرس في المدارس، خصوصا وهؤلاء الثلاث بنات أعلى رأس في مصر إذ ~~ذاك، وقد خشيت أن يعتبرنني من بعض الحاشية، ولكني وجدت من أدبهن وحسن ~~معاملتهن ما غير رأيي، وحببني في التدريس لهن؛ أدب رائع، ووجوه بريئة ~~مشرقة سطع فيها دم الحياة الطبيعية لا الدم الصناعي، فكان النظر إليهن ~~والبقاء معهن متعة، كان يجب أن أدفع أنا عنها عشرين جنيها شهريا ~~على أقل تقدير، لا أن آخذ سبعة جنيهات، فالصفقة إذن كانت رابحة، وقد ~~أرادت الناظرة أن تضر بي فنقمتني، وهكذا كنت بحسب ما تلوكه الألسن من ~~الإشاعات، كالعفريت الذي إذا ضرب ولم تصبه أصبح ماردا - كما يقول عامة ~~الناس خصوصا الفلاحين منهم. # كانت المدرسة والناظرة نفسها تخشاني بعد هذا؛ لأني اتصلت بوزير ~~المعارف على زعمهم، بل وبمن هو أعلى منه. # أما معلمو اللغة العربية فقد زاد سخطهم إذ علموا أني لم أحل محلهم في ~~المدارس فحسب، بل حللت محلهم في منازل العظماء من رجال مصر، فلا بدع أن ~~سميت في نظرهم قاطعة الأرزاق، ومن هنا أصبحت أكره البقاء في وزارة ~~المعارف، وقد كنت بغريزتي الطبيعية ميالة إلى العمل الحر، فكنت تجد ~~بين أوراقي وأنا لا أزال طالبة في معلمات السنية رسما بديعا للمدرسة ~~التي كنت أنوي فتحها على حسابي يوم أتخرج؛ ولهذا كنت - حسب تعبير علي ~~ماهر باشا الأخير - أحفظ استقالتي في جيبي، وأرحب بالظروف التي تدفعني ~~إليها. # | نفعني الصدق مرة واحدة في حياتي # تعينت - كما قدمت - يوم تخرجت من المدرسة السنية معلمة بمدرسة عباس ~~بمرتب 6 جنيهات شهريا، وكنت في ذلك الوقت أتقاضى معاشا عن المرحوم ~~والدي، ولم يكن يشترط فينا نحن البنات التوظف أو عدمه، بل كانت الشهادة ~~التي تصدر إلى الرزنامة كل 3 شهور يقول فيها ms073 كاتبوها: إنها لم تتزوج ~~ولم تمت، ولم تخرج عن دائرة الحكومة المصرية، ومع أني توظفت فقد كانت ~~شروط الشهادة كلها متوفرة في، ولكني ظننت أنه لا يجوز لي أن أستولي على ~~مرتبين من الحكومة في وقت واحد، فأخذت سركي معاشي، وذهبت إلى الكاتب ~~الذي كنت أستلم منه المعاش، وسألته عما إذا كان يجوز لي أخذ هذا المعاش ~~بعد تعييني معلمة في وزارة المعارف، واستيلائي على مرتبها؟ فقال لي: ~~لا يجوز لك هذا. ولكنه أظهر العطف علي، ورأى أني لو أخفيت هذا لاستطعت ~~أن أتمتع بالمرتبين، فقال لي في شيء من الرأفة والعطف: قدمي إلي ~~خطابا بأنك ستتزوجين وأنا أعطيك مكافأة هي مقدار معاشك مدة 3 سنوات. ~~قلت: ولكني لا أريد الزواج. قال: لست آمرك بالزواج، ولكني أقول لك ~~اكتبي لي خطابا، ولدينا أوامر من الحكومة نفسها تحتم أن لا نتحرى عن ~~هذا، فإذا جاءتني فتاة تسكن بجواري، وأخبرتني أنها ستتزوج، وأنا أعلم ~~حقيقة العلم كذب ما تقول، فإني أصرف لها المكافأة؛ لأنها تصبح بعد ذلك ~~لا حق لها في المعاش، فاكتبي هذا الخطاب اليوم، وبعد أسبوعين أسلم لك ~~المبلغ. قلت: ولكني لا أستطيع أن أكتب أني سأتزوج، لأني لن أتزوج. ~~فاحتد الرجل، وأخذ مني السركي، وهو يقول: «هي الكلمة حتقرصك؟ إن شاء ~~الله ما اتزوجتي.» # ضاع مني إذن بهذا الصدق الحنبلي مبلغ معاشي لمدة 3 سنوات، ولكني لم ~~آسف عليه. # خرجت بعد ذلك من وزارة المعارف كما يشهد التاريخ، وأرادوا نكاية بي ~~أن يحرموني حتى من المعاش، فبقيت بلا معاش ثماني سنوات، وبعد أن خرجت ~~بثلاث سنوات جئت الرزنامة أستلم معاش والدتي، وفي دعابة قصصت على كاتب ~~المعاشات هناك حكايتي مع ذلك الكاتب القديم؛ أي زميله السابق يوم سلمته ~~سركي معاشي، وعجب الرجل من تلك الحكاية المدهشة، وظن أن بها رتوشا، أو ~~أنها بعيدة عن الحقيقة فقال لي: إذا كان هذا صحيحا، فإني أستطيع أن ~~أرد لك معاشك بعد ما لا يزيد عن غمضة عين فاكتبي الطلب الآن. وكان وزير ms074 ~~المالية في ذلك الوقت صاحب الرفعة علي باشا ماهر، وخشيت أن يقف في ~~الموضوع فقلت: وهل يعرض هذا على معالي الوزير؟ قال: لا، إن هذا روتين، ~~فأنت لم تتزوجي إلى الآن، ولست بموظفة، ولا من أرباب المعاشات، فلا بد ~~من رد معاشك. فأطعته وكتبت له الطلب، وأنا واقفة أمامه، ورجوته أن ~~يتتبع سيره، وبعد أسبوع جئت أسأل عن طلبي فقيل لي إنه في مكتب الوكيل، ~~وكان الوكيل في ذلك الوقت المرحوم أحمد باشا عبد الوهاب، وكان يعرف ما ~~بيني وبين رفعة ماهر باشا، ويظهر أنه خشي أن يوافق عليه فيلومه الوزير ~~فكتب على الطلب: «موافق، ويعرض على معالي الوزير.» ولما ذهبت إلى ~~المكتب أستعلم عن سير طلبي قيل لي أن أسأل عنه في مكتب معالي الوزير، ~~قلت: إذن أرسل إلى هناك؟ قالوا: نعم. # قلت: لا أخرجه الله من ذلك المكتب بتاتا. ثم ذهبت إلى صاحبي الكاتب ~~الذي أمرني بتقديم الطلب، وقلت له إن الطلب قد أرسل إلى مكتب معالي ~~الوزير، ولا أظنه خارجا إلى يوم الحشر فأرجوك إن بلغك شيء عنه أن ~~تخبرني بما يتم فيه، وبعد أسبوع واحد خاطبني ذلك الرجل تليفونيا، ~~وقال لي أن أحضر إلى الرزنامة لاستلام السركي، فذهبت لاستلام السركي ~~معاشي عن والدي بعد أن خدمت الحكومة عشرين عاما، وقضى الظلم أن أخرج ~~منها بلا معاش، وكان في ذلك الوقت قد مضى على خروجي من وزارة المعارف 3 ~~سنوات، وكانت الوزارة تناوئني فلم تسمح لي بمكافأتي، ولا بأجرة منزلي ~~الذي كان هو كل ما أمتلك في هذه الدنيا؛ ولهذا كنت في أشد حالات الضيق ~~المالي، وإن كان الناس والحمد لله يعلمون عني في ذلك الوقت غير ~~الحقيقة. # صرف لي في ذلك الأسبوع نفسه جملة المتجمد من معاشي عن والدي من يوم ~~أن خرجت من الحكومة أي منذ 3 سنوات، فاستلمت المبلغ الذي كان الرجل قد ~~عرض علي استلامه بالكذب ... استلمته بالحق، وفي وقت كنت في أشد الحاجة ~~إليه، وهكذا نفعني الصدق في حياتي مرة بعد أن ms075 أذاقني المر ~~مرارا. # وعلى ذكر المعاش أقول إنه بعد استلامي المعاش بشهور أرسلت إلي ~~وزارة المالية إذنا بمبلغ المكافأة على اعتبار أن لا حق لي في المعاش، ~~فأخذت المبلغ، وكتبت إلى المالية خطابا أقول لها فيه: إني استلمت ~~الإذن الذي أرسلته إلي على اعتبار أنه من معاشي تحت الحساب؛ إذ مضى ~~علي الآن أكثر من 3 سنوات لم أستلم معاشي الشهري، وكان ذلك المبلغ ~~الذي استلمته يساوي معاشي لمدة 8 سنوات، وقد أخذته وصرفته على التعليم ~~الذي ابتلاني الله بحبه، وكنت أخشى بعد هذا إذا سوي معاشي أن يطلب ~~إلي رد المكافأة، ولم يكن معي منها شيء، وكنت أرسل إلى المالية كل ~~عام خطابا أطالبها فيه بصرف معاشي حتى لا يضيع حقي في المعاش، ولكني ~~لم أكن أسعى وراء ذلك الخطاب لأنفذه خشية أن يطلب مني رد المكافأة إذا ~~سوي المعاش، وظلت المسألة معلقة إلى أن تولى وزارة المالية حضرة صاحب ~~الدولة إسماعيل صدقي باشا، وكان بيني وبين ذلك الرجل العظيم صداقة إذ ~~كنت أدرس لبناته، فكنت مطمئنة على معاشي ما دام تحت يده، ولشد ما كانت ~~دهشتي إذ علمت أن لجنة المالية قد تشكلت برياسته، وقضت بحرماني من ~~المعاش؛ لأن المحكمة حكمت لي بتعويض مالي مقداره 5500 جنيه، وهو منطق ~~غريب من لجنة المالية؛ لأن المحكمة التي حكمت بذلك المبلغ قالت في ~~حيثيات الحكم: إني ظلمت بإحالتي على المعاش؛ ولهذا قضت بتعويضي بذلك ~~المبلغ عن ذلك الظلم، وإذا كانت المحكمة تعتبر أني ظلمت مع بقاء معاشي، ~~فلست أدري - وايم الحق - كيف تحكم اللجنة بحرماني حتى من المعاش ~~لكي يصبح الظلم ظلمين، ولكن هل يستطيع أحد أن يقول للقوي إنك على خطأ؟! ~~أو إن ما فعلته ظلم؟! وقد ذهبت إلى دولة صدقي باشا أكلمه في الأمر في ~~منزله فأظهر شيئا من الأسف، ولكنه لم يفعل شيئا، وأخيرا ذهبت إليه ~~في مكتبه فلم أستطع مقابلته، وقال لي سكرتيره الخاص: لا تيأسي فقد يرجع ~~دولة الباشا عن رأيه إذا استعنت بمن يفهمه ms076 الحقيقة. قلت: إنه يعرف من ~~أمري ما لم يعلمه غيره، فمن الذي ألجأ إليه ليفهمه ما هو فاهم؟ # نعم إن صدقي باشا قد حدد عمر وزارته بعشر سنوات، ولكن من يعلم ماذا ~~يأتي به الغيب؟ وإذا ظل في الحكم عشر سنوات كما يظن فسأتحملها، وسأطالب ~~بحقي بعد ذلك. # وشاء الله أن يخرج صدقي باشا من الحكم مباشرة، وأن يتولى وزارة ~~المالية بعده حضرة صاحب الدولة حسن صبري باشا، والرجل كما يعلم الناس ~~جميعا شديد صلب في الحق، فقابلت حضرة صاحبة العصمة حرمه، وكنت أعرفها ~~من المدرسة السنية، فلم تشأ عصمتها أن تسمع مني شكايتي، بل قالت لي في ~~جرأتها المعروفة: لقد علمت من زيارتك لي أنك تطلبين شيئا من زوجي، ~~فحددت لك موعدا لمقابلته غدا قبل أن أراك، وقلت له: إنك على حق فيما ~~تطلبين لما أعرفه من صفاتك أثناء التلمذة، وطلبت منه أن يساعدك بكل ما ~~يستطيع، وهو على استعداد فاذهبي إليه، ولا داعي لشرح شكواك. # أكبرت فيها تلك الهمة، وذهبت إلى دولته في اليوم التالي فأنهى ~~المسألة في أسبوع واحد، وكان ذلك في آخر عام 1933 أي بعد خروجي من ~~الوزارة بثماني سنوات تقريبا، وقبل أن يسلم إلي السركي حصل ما كنت ~~أتوقعه فطلب مني رئيس الرزنامة رد المكافأة، وقال لي بهذا التعبير: ~~«إيدك على المكافأة التي أخذتها.» قلت: «لا يا سيدي! إيدك أنت على صرف ~~معاشي عن هذا الشهر؛ لأنه لم يبق من المكافأة شيء إذا حسبت حقي في ~~المعاش عن كل تلك المدة.» وكان قولي هذا صحيحا؛ فقد اتضح أن لي عندهم ~~بضعة قروش، فكان إذن من صالحي أن أتأخر كل تلك المدة عن صرف المعاش، ~~وإلا اضطررت إلى رد المكافأة التي لم يكن في الإمكان ردها بحال من ~~الأحوال. # استلمت سركي معاشي، واضطررت أن أسلم سركي معاشي عن والدي، وقد كان ~~أثرا طيبا أحب الاحتفاظ به، ولكني سلمته مرغمة. # | عزة النفس تقضي علي دائما # كنت من صغر سني ضعيفة النظر، ولولا قلة المتعلمات في ذلك ms077 الوقت لما ~~تمكنت من دخول المدرسة السنية، ولا صرح لي بأن أكون معلمة؛ لأن كتب ~~التربية تقضي بأن يكون المعلم - حسب وصفهم - ملء المسامع والأفواه ~~والمقل؛ أي أن يكون عظيما في شكله، حاد الحواس حتى يستطيع أن يضبط ~~نظام التلاميذ، وقد كنت أنا على العكس من ذلك قصيرة القامة، نحيلة ~~الجسم، ضعيفة البصر، وإن كان منظر عيني لم يكن يدل على شيء من ذلك ~~الضعف، بل كان من يراهما يحسبهما من أحسن العيون. # على أن التجارب العملية أثبتت كذب ما يذهب إليه علماء التربية، فقد ~~كنت على صغر حجمي وضعف بصري، أستطيع حفظ النظام إلى حد بعيد لا ينافسني ~~فيه معلم آخر، وهكذا نحمد الله على قلة المتعلمين والمتعلمات في ذلك ~~العهد، ولولا تلك القلة لما استطعت أنا أن أعمل في معاهد التعليم ~~شيئا. # نجحت في دبلوم معلمات السنية، وعملت كما قدمت معلمة، وبعد مضي سنتين ~~أرادت الوزارة تثبيتي فأحالتني على الكشف الطبي، وكان القائم بذلك ~~الدكتور فيشر، فدهش عندما رأى ضعف نظري، وحتم علي أن ألبس النظارات، ~~وكانت بالطبع النظارات ثقيلة جدا، وقد تألمت في أول لبسها لثقلها، ~~وكان قد أمرني أن أعود إليه بعد أن ألبسها أسبوعا، فعدت وقلت له: إني ~~لا أستطيع الاستمرار على لبس تلك النظارات الثقيلة، فنظر إلي، وكأنه ~~أنف أن يرد علي الجواب، ثم التفت إلى مساعده، وقال له: فهم هذه ~~أنه يجب عليها لبس تلك النظارة. وساءني احتقاره فتألمت، ونظرت إلى ~~مساعده قائلة: دع صاحبك هذا يفهم أني لن ألبسها. وكان المساعد لم يبدأ ~~كلامه، ثم ألقيت بالنظارات أمامهما، وخرجت مسرعة. # وكتب الدكتور فيشر بعد ذلك تقريره فقال فيه إني سأفقد الإبصار بعد ~~سنتين على الأكثر، وإن عيوني لا تتحمل قراءة ثلاثة كتب، وإنه لا يوصي ~~مطلقا بتثبيتي. وبلغني هذا، فكتبت للوزارة أقول إني لا أستطيع العمل ~~في الحكومة إلا مثبتة، وإنهم إذا لم يثبتوني، وجب عليهم أن يعتبروا ~~خطابي هذا استقالة، وقامت الوزارة وقعدت لذلك النبأ؛ إذ لم يكن قد ~~توظف في ms078 خدمة الحكومة من معلمات السنية إلا خمس معلمات قبل تخرجي، ~~وثلاث زميلاتي، وكانت الوزارة في حاجة شديدة إلى معلمات لكثرة ~~المعلمين، وقلة المعلمات. # فأكثرت الوزارة من إرسال المفتشين للتفتيش علي، والتبين من كفاءتي ~~العلمية، ومقدرتي على حسن النظام، وقد أثبتت تقاريرهم أنني أحسن ~~المعلمات نظاما وتدريسا، وقد مللت من كثرة المفتشين، وقضت علي عزة ~~النفس أن أباشر التدريس واقفة لا أجلس مطلقا؛ حتى لا أضطر إلى ~~القيام إجلالا لدخول مفتش على كثرة هؤلاء المفتشين، وأخيرا زارني ~~مستر دانلوب مستشار وزارة المعارف بنفسه، ولم أكن أعرفه شخصيا، وكنت ~~قد تضايقت من كثرة المفتشين، وعولت على أن لا أعبأ بأحد منهم. # فلما دخل علي مستر دانلوب، وناظرة المدرسة، وكنت بالطبع واقفة ~~أدرس أمرت التلميذات بالوقوف، ثم بالجلوس، وسرت في درسي دون أن ألتفت ~~إليه، وتناول هو كراسة التحضير، وكان بها جملة من الأوراق الصغيرة؛ إذ ~~كنت أؤلف كتابا للمطالعة، وقد تركت أصول ذلك الكتاب في دفتر التحضير، ~~فتناثرت الأوراق على الأرض تحت أقدام الطالبات، ومال هو لالتقاطها، ~~وأرادت بعض التلميذات أن تساعده في ذلك، فأمرتهن بالكف عن هذا ~~والالتفات إلى الدرس، وتركته يلتقط الأوراق بنفسه، وسرت في درسي دون أن ~~تلتفت إليه التلميذات، فأعجبته قوة روحي في حفظ النظام، والتقط جميع ~~الأوراق بنفسه، ووضعها في الكراسة كما كانت، ثم وضعها على منضدة ~~المدرس. # كل ذلك وأنا لم ألتفت إليه، ولم أحسب حسابا لوجوده، وكانت السنة ~~التي أدرس فيها الرابعة الابتدائية، وكنت أقرأ معهن قطعة إملاء أمليتها ~~عليهن أمس، وأخذت منها موضوعا للمطالعة، وكانت إحدى التلميذات متغيبة ~~في درس الإملاء أمس، ولم يكن أمامها كراسة، بل كانت تستمع لما يقال، ~~وظن مستر دانلوب أني لم أرها، فقال لي: ألا ترين في فصلك هذا مخالفة ~~لنظم التدريس؟ فقلت: أتقصد هذه التلميذة الجالسة في آخر الحجرة التي ~~ليس أمامها كراسة؟ وكان الرجل يظن أني لضعف نظري لا أرى ذلك فدهش، ~~وقال: نعم. # قلت: إننا نطالع في كراسة الإملاء التي أمليتها أمس عليهن، وقد كانت ~~تلك ms079 التلميذة متغيبة، فالإملاء ليست مكتوبة في كراستها؛ ولهذا لم ~~آمرها بإخراجها. قال: أوليس من حسن النظام الظاهري أن تخرج تلك ~~التلميذة كراستها، وإن لم يكن الإملاء مكتوبا فيها؟ قلت: كلا، أنا لا ~~يهمني الظاهر، وإنما يهمني النظام الحقيقي وفائدة التلميذات، فإن تلك ~~التلميذة لو أخرجت كراسة ليس فيها الإملاء، ونظرت إليها لشغلها ذلك عن ~~تفهم درسنا اليوم ؛ إذ هي تنظر إلى غير ما نقرأ نحن فيه، أما إذا جلست ~~بدون كراسة فإنها مضطرة أن تصغي إلى ما يقرأ. قال: صدقت. ثم قال: ~~وما درسك اليوم؟ قلت: مطالعة. قال: إن الوزارة قررت أن تطالعي في كتاب ~~الفوائد الفكرية من صفحة كذا إلى صفحة كذا، وأنت اليوم تخالفين هذا، ~~وتطالعين مع تلميذاتك في شيء لم تقرره الوزارة. قلت: لقد فهمت من هذا ~~القرار الذي قررته الوزارة أنها تريد أن تحدد لي كمية ما يجب أن تقرأه ~~التلميذات لا أن تضطرني إلى قراءة كتاب لا يفسد ذوق التلميذات في اللغة ~~العربية فحسب، بل يفسد ذوقي أنا الأخرى. فنظر إلي وقال: ومن أين أتيت ~~بتلك الإملاء؟ قلت: لقد وضعتها أنا خصيصا؛ لأني في صدد تأليف كتاب ~~مطالعة لهن، فأنا أملي عليهن أصول كتابي. قال: وهل أنت واثقة من أنك لم ~~تخطئي في تلك الأصول؟ قلت: لقد عينتني الوزارة هنا لأدرس اللغة ~~العربية، ومعنى هذا أني أعلم الطالبات المطالعة والإنشاء، فإن كنت أنا ~~نفسي لا أحسن ذلك كان الخطأ واقعا على الوزارة التي عينتني؛ لأنها ~~عينت معلمة تجهل اللغة لتدرس تلك اللغة، أما أنا فإني أقوم بواجبي ~~كمعلمة تعرف تلك اللغة، فإذا اتضح للوزارة غير ذلك كان لها أن ~~تفصلني. # قال: ترجمي لي تلك القطعة. فترجمتها، وسر منها، ثم قال: ومن أين ~~جئت بتلك الأفكار؟ قلت: لقد قرأت كثيرا، ولكني لا أذكر بالذات أني ~~نقلتها من كتاب خاص. قال: إذن كل ما تملينه على الطالبات، وكل ما ~~تطالعينه معهن من إنشائك؟ قلت: نعم. قال: ولم لا تقرئين في كتاب ~~الفوائد الفكرية؟ قلت: لأنه لا يعجبني. ms080 قال: وهل أنت أفضل من عبد الله ~~باشا فكري؟ قلت: كلا ولكنه مات، ولو بقي إلى الآن لغير كتابه حسب تغير ~~الزمان، فأنا أفضل منه من تلك الوجهة؛ إذ أنا لا أزال باقية أعرف ~~تغيرات الدهر، وقد مضى هو، هذا فضلا عن أنه رجل قد لا يعرف ما تحتاج ~~إليه السيدات، أما أنا ففتاة أعرف ما تحتاج إليه الفتيات، خصوصا وأني ~~أعاصرهن الآن. قال: ألا تجدين صعوبة في التدريس لضعف بصرك؟ قلت: لا ~~أجد من ذلك شيئا؛ لأني كما ترى أستطيع أن أطالع، كما أستطيع أن أرى ~~آخر تلميذة في الفصل، ولا يطلب من المعلمة إصابة المرمى الدقيق، كما ~~يطلب من الضباط والعساكر. قال: صدقت، ولكنك تجيدين حفظ النظام إلى ~~درجة بعيدة، فكيف تجيدين هذا مع ضعف نظرك؟ قلت: إني أحفظ النظام بمخي ~~لا ببصري، ويكفي أن ترى مني الطالبات عينين سليمتين إذا رفعتهما في ~~طالبة ارتعدت، وظنت أني لا أرى وجهها فقط، بل أرى دخيلة نفسها، وهذا ~~على ما أظن كاف في حفظ النظام. قال: صدقت. # ثم التفت إلى الناظرة، وقال: الحق أني لم أناقش معلمة ولا معلما في ~~منطق هذه المعلمة. قالت: صدقت يا مستر دانلوب؛ فهي دائما قوية ~~المحاورة. وهنا عرفت أنا أن مخاطبي الذي كلمته بجفاء هو القابض على ~~زمام الأمور في وزارة المعارف، وكدت أرتجف لولا رباطة جأش ربيت عليها، ~~وذهب مستر دانلوب بعد ذلك إلى وزارة المعارف، وقال: لو قيل لي إن نبوية ~~موسى عمياء لا ترى ضوءا لثبتها. ثم أراد بعد هذا أن يغير من تقرير ~~الدكتور فيشر الذي تركت له نظاراتي بعد أن دفعت فيها ثلاثة جنيهات، ~~فطلب من مسز ألجود أن تكون الوسيطة بيني وبين الدكتور فيشر لتعديل ~~تقريره، وجاءتني مسز ألجود، وقالت: أريد أن تذهبي مرة أخرى إلى ~~الدكتور فيشر. فقلت: لست بفاعلة، ولو أدى ذلك إلى فصلي. قالت: ولكني لم ~~أسئ إليك، وأنا صديقتك، وسأذهب معك، وأمنعه من أن يكلمك. قلت: إذا ~~كان الأمر كذلك فلا بأس. # ذهبنا إلى ms081 الدكتور فيشر فأخذ يلاطفني، ويقول لي: يظهر أن الوزارة ليس ~~عندها غيرك، وما دام الأمر كذلك فنحن نقبل نظرك على العين والرأس. ثم ~~أصلح من تقريره، وكتب تقريرا مناسبا، وثبت بقرار من مجلس ~~الوزراء. # وعلى ذكر الدكتور فيشر أقول إني في سنة 1914 أي بعد أن مضى على تلك ~~الحادثة خمس سنوات أردت أن آخذ رأيه في مسألة بصري، فذهبت إليه في ~~عيادته كإحدى المريضات، فلما نظر إلي، وكان هو الذي يكتب في دفتره ~~أسماء المرضى رأيته يكتب اسمي دون أن يسألني، فعرفت أنه لا يزال ~~يذكرني، فقلت له: ما رأيك؟ هل سأفقد البصر قريبا؟ فضحك، وقد تذكر ~~تقريره الذي قال فيه إني سأفقد بصري بعد سنتين، وكان قد مضى على ذلك ~~التقرير خمس سنوات، ثم قال: لا خوف على بصرك الآن، فإنه على ما يظهر لي ~~يتحسن، وهكذا الغيظ يغير حتى التقارير الطبية التي يجب أن تكون ~~ثابتة. # | تدريسي اللغة العربية للمعلمات الإنجليزيات # سمح لي المرحوم الشيخ حمزة فتح الله بتدريس اللغة العربية، فانتهز ~~المعلمات الإنجليزيات هذه الفرصة، وطلبن من الوزارة أن تكلفني تدريس ~~اللغة العربية لهن؛ لأنهن بالطبع يستطعن التفاهم معي لمعرفتي اللغة ~~الإنجليزية، أما المشايخ فقد كان تخاطبهن معهم بالإشارة، وربما أدت تلك ~~الإشارات إلى عكس المعنى المطلوب، وكان هذا سببا في أن أعرف من عادات ~~الإنجليزيات الشيء الكثير، والإنجليز يعملون لأمتهم الدعاية الكافية ~~التي تجعل الأمم الأخرى تثق بهم ثقة عظيمة. # عرفت ذلك من ميول تلميذاتي الإنجليزيات، وإن كن فيما مضى معلماتي، ~~فلم أشأ أن أجاريهن فيه، فكن أثناء درس المحادثة إذا طلبن مني أن أروي ~~لهن خرافة مصرية، طلبت منهن أن يسردن لي خرافة إنجليزية لأشرح لهن ~~أنا خرافة مصرية على طرازها، فكن في أول الأمر يرفضن ذكر خرافات ~~إنجليزية مدعيات أن إنجلترا لا خرافة فيها، ولكنهن اضطررن أمام إصراري ~~على أن كل بلد لا تخلو من الخرافات، واستشهادي ببعض ما كنت أقرؤه من ~~الكتب الإنجليزية ... اضطررن أن يروين لي خرافات إنجليزية، وأروي لهن ~~خرافات ms082 مصرية مثلها. # عرفت الإنجليزيات أني أدافع عن عادات بلادي، ولا أرمي أهلها بسوء، ~~فأقلعن عن تجريح المصريين أمامي، ووافقنني على رأيي من أن كل الشعوب لا ~~تخلو من أخيار، كما لا تخلو من أشرار، وأن الله لم يخلق أمة من ~~ملائكة، وأخرى من شياطين، وفي ذلك تقرير لحقيقة أومن بها كل ~~الإيمان. # أقامت المعلمات الإنجليزيات حفلة شاي دعت إليها بعض المصريات، وكنت ~~بالطبع من بين هؤلاء المصريات، وأخذنا نتحدث أثناء تناول الشاي في ~~مختلف الشئون، وفجأة عرضت إحدى المصريات إلى ذكر بعض المومسات، وسألت ~~إنجليزية عن مرادف كلمة مومس باللغة الإنجليزية، فدهشت الإنجليزية ~~لذلك، وقالت: إن تلك المرأة غير موجودة في إنجلترا، وما دام المسمى لا ~~وجود له، فليس له بالطبع اسم في قواميس اللغة. ودهشت المصريات لذلك ~~وأخذن يسألن أسئلة مختلفة عن الحالة في إنجلترا، وانبرت إنجليزية ~~غيورة على بلادها تصف لهن إنجلترا بأنها بلاد الخير والعلم، ولا أثر ~~للشر فيها، واندفعت في ذلك اندفاعا نسيت معه الحقيقة، فأخذت تزعم أنه ~~ليس في إنجلترا كذوب ولا غشاش ولا لص ولا محتال، وأخذت المصريات تقول ~~إن مصر ليس فيها من يصدق أو من يفي بوعده، وإن كل المصريين خونة لا أثر ~~للفضيلة فيهم، وساءتني تلك الدعاية الكاذبة التي تقوم بها زميلاتي ضد ~~بلادهن، ولكني سكت إلى أن هدأت العاصفة، ثم التفت إلى تلك الإنجليزية ~~المتحمسة، وسألتها ببساطة: هل في إنجلترا محاكم وسجون؟ فدهشت وقالت: ~~إنه لسؤال عجيب! ويظهر أنها ظنت في الغباء، فقلت لها: لا عجب يا ~~سيدتي من سؤالي هذا، فإني لم أتشرف بزيارة إنجلترا. قالت: لا بأس، ~~وأخذت تصف لي سجون لندن واتساعها، وتنسيق غرفها، وهنا أظهرت الدهشة، ~~وقلت في شيء من السخرية: وهل بنيت هذه السجون يا سيدتي لتكون مأوى ~~المصريين عند ذهابهم لتمضية الصيف في إنجلترا، ما دام ليس في الإنجليز ~~كذاب، ولا غشاش، ولا قاتل، ولا شرير؟! # ارتج على السيدة الإنجليزية فلم تحر جوابا، وكانت غريبة لا ~~تعرفني، أما المعلمات الإنجليزيات اللائي خبرنني وعرفن حواري، ms083 فقد نظرت ~~كل منهن إلى فنجان الشاي الذي تشربه، واشتغلت به عن الرد علي، وقوى ذلك ~~من عزيمتي، فقلت للسيدة التي كانت تناقشني: لا شك يا سيدتي أن هذه ~~السجون مملوءة بالإنجليز أنفسهم، وهنا لا يخرج كلامك عن أحد أمرين؛ ~~فإما أن يكون كلامك لا صحة فيه ولا حقيقة له، وإما أن تكوني صادقة، ~~وليس في إنجلترا لا لص ولا شرير، وهنا تكون النكبة الكبرى؛ لأن قضاة ~~الإنجليز يكونون بسجنهم هؤلاء الناس الأبرياء ظالمين، ومصر إذا كان ~~فيها من الدهماء اللص أو الكذوب، فإن قضاتها قد اشتهروا بالعدل ~~والنزاهة، فلا ظلم في قضاء مصر، ولا إحراج، أفلا ترين بعد هذا أن مصر ~~أفضل من إنجلترا؟ # فسكتت، ولم تستطع الإجابة، وتشاغل عني باقي الإنجليزيات، ثم التفت ~~إلى المصريات، وقلت لهن: لقد علمتن من ذلك النقاش أن تلك السيدة ~~الإنجليزية كانت تكذب لصالح بلادها، وهي تشكر على ذلك، أما أنتن ~~فيسوءني جدا أن أقول إنكن كذبتن كذبا واضحا في ادعائكن أن مصر ليس ~~فيها وفي أو صادق، وليتكن اقترفتن جريمة الكذب هذه لصالحكن، أو لصالح ~~بلادكن، بل لسوء حظ مصر أنكن تقترفن جريمة الكذب للدعاية ضد بلادكن، ~~تلك البلاد المسكينة التي أنجبت نارا تحترق بها، على أنكن في ذلك ~~الادعاء قد أسأتن إلى أنفسكن؛ لأنكن وأنتن تعترفن صراحة، وأمام ~~زميلاتنا الإنجليزيات أنه ليس في مصر صادق ولا أمين، قد سجلتن على ~~أنفسكن وصمة عار الكذب والخيانة؛ لأنكن لسوء الحظ مصريات ينطبق عليكن ~~ما ينطبق على جميع المصريين. # | الحرية وهل لها مسمى؟ # كنت شغوفة بلفظ الحرية، وكنت أحسب أن لها مسمى حتى علمني الدهر أن ~~الحرية والعدل اسمان وهميان لا حقيقة لهما، دفعني حبي لتلك الحرية ~~الموهومة أن أطلب الخروج من خدمة الحكومة لأكون ناظرة للمدرسة ~~المحمدية في الفيوم التي أنشأها مجلس المديرية في ذلك الوقت، وكنت ~~أعتقد كل الاعتقاد أن العمل في تلك المدرسة عمل حر لا تدخل لأحد ~~فيه. # وكان أن ذكر المغفور له سعد باشا اسمي أمام حضرة صاحب الرفعة ms084 محمد ~~باشا محمود، وروى له رواية المقالة، وكيف اختارني محمد باشا سعيد ~~معلمة لبناته. # كان محمد باشا محمود في ذلك الوقت قد أنشأ المدرسة المحمدية في ~~الفيوم، وعين لها ناظرة إنجليزية، ولكنه اختلف معها فتركت المدرسة ~~لخلاف اعتبرت فيه أن المصريين لا يفهمون النظافة؛ لأنها طلبت من مجلس ~~المديرية أن يرصف فناء المدرسة بالأسفلت على اتساعه، فلم يجد المجلس في ~~ماليته ما يقوم بذلك، وتضايقت الناظرة لعدم تنفيذ هذا المشروع؛ لأن ~~الفناء كان أثناء المطر يملأ بالوحول، فتحمله أرجل الطالبات إلى فصول ~~الدراسة، فلما رفض المجلس طلبها تركته، وأخذ المدير؛ أي محمد باشا ~~محمود يبحث عن ناظرة أخرى، وما كاد يسمع باسمي حتى أخذ عنواني من وزارة ~~المعارف، وكتب إلي لأقابله في منزله بشارع الفلكي، وهناك اتفقنا على ~~أن أذهب معه إلى الفيوم لكتابة عقد التوظف مع المجلس ذاته. # وراقني طلبه هذا، وسررت له كل السرور؛ لأني شعرت أني سأنال الحرية ~~المرغوبة بعيدا عن الحكومة، وقد فاتني في ذلك الوقت أن أعرف أن مجالس ~~المديريات هي أيضا جزء من الحكومة، وفي اليوم التالي سافرت معه في ~~قطار واحد، وكنا في عطلة الصيف، وما كاد القطار يصل إلى الفيوم، وينزل ~~منه حضرة المدير؛ أي رفعة محمد باشا محمود حتى أخذ العساكر يدفعون ~~الناس ليفسحوا له الطريق، وكانت ضجة، وكان زحام اصطدم فيه كل الناس حتى ~~أنا التي حضرت مع سعادة المدير نفسه. # هالني ذلك السلطان العظيم للمدير، الشيء الذي لم أعهده في عاصمة ~~البلاد القاهرة، فمحافظها يسير دون ضجة ولا جلبة، أما المدير في ~~المديريات فكأنه ملك، وذكرتني تلك الحادثة بحكاية رويت لي عن فلاحة رأت ~~زحاما على محطة السكة الحديد في بلدها، فسألت: علام ذلك الزحام؟ فقيل ~~لها إنه الخديوي يشرف البلد قالت: «يا سلام والزيطة دي كلها علشان ~~الخديوي، والله أنا باحسبه المدير.» وهكذا عرفت في ذلك اليوم من هو ذلك ~~المدير العظيم. # استقل عربته، وتبعته في عربة أجرة إلى المديرية، وهناك في ساحة ~~المديرية ما كدنا نصل حتى ms085 قابله العساكر بتلك التحية العسكرية ~~المعروفة، وقد صرخ فيهم رئيسهم: «كركون سلاح!» وتبع تلك الصرخة ضجة ~~عظيمة من بنادق العسكر أفزعتني، ولم أكن رأيتها قبل ذلك، وتبعت المدير ~~إلى غرفته، وأنا أكاد أرتعد خوفا، فطلب أحد الكتبة، وأمره بإعداد ~~العقد فنظرت إليه، وقلت له: مع من؟ قال: معك. قلت: أتعاقد أنا معك؟ ~~أعوذ بالله! لقد اعتدت أن لا أخشى رئيسا، وقد شتمت رئيستي قبل أن أحضر ~~معك، وإذا أنا ناقشتك فماذا يكون حالي، وأنت هنا ملك يخشاك كل الناس، ~~وتحت أمرك عسكر أزعجتني تحيتهم لك؟ فأنا لا أقبل العمل معك، ولن ~~أستطيعه. قال: ولكني سأعاملك بالحسنى. قلت: إنك إن قلت لي كلمة في ~~المستقبل فسأقول لك عشرا. قال: ولكن هل تستطيعين إدارة المدرسة بنجاح؟ ~~قلت: نعم. قال: لا بأس، فلن أقول لك تلك الكلمة. # وعلى ذلك اتفقنا، وأمضيت العقد، وعدت إلى القاهرة فقدمت استقالتي من ~~وزارة المعارف، وكان المغفور له سعد باشا زغلول وزير المعارف في ذلك ~~الوقت قد سافر إلى أوروبا لتمضية الصيف، وحل محله صاحب الدولة رئيس ~~الوزراء محمد باشا سعيد الذي كنت أدرس لبناته في ذلك الوقت، فلما عرضت ~~عليه الاستقالة رفض قبولها، وقابلني في منزله، فقال لي: لا بد من أن ~~تسحبي استقالتك. قلت: لن أفعل! قال: هذا أمري. قلت: لقد أعطيت كلمة ~~شرف. قال: سآمر المدير بتمزيق العقد - لأنه كان في ذلك الوقت وزيرا ~~للداخلية - قلت: ولكني أعطيت كلمة شرف، ولا قيمة للعقد بجانبها. قال: ~~فهل تقدرين كلمتك أكثر من تقديرك لكلمتي؟ قلت: كلمتي تنفذ علي؛ لأني ~~قلتها. قال: ولكني سأكون ضدك إن فعلت. قلت: لا بأس فلن نتقابل بعد ~~اليوم. قال: سبحان الله إنك لعنيدة، وهلا تزالين على تصميمك بعد أن ~~علمت أن هذا يغضبني؟ قلت: نعم؛ لأنه يرضيني. قال: إذن أحمد الله إذ لم ~~تطل مدتك في تعليم بناتي لأنك عنيدة، وأخشى أن تسري تلك الخلة منك ~~إليهن. قلت: إذن قد عملت ما يرضيك في تعاقدي بالفيوم. فألقى بسبعة ~~جنيهات مرتب الشهر الآتي، ms086 وقال: هذا مرتبك، وشاوري نفسك لعلك تهتدين. ~~قلت: لقد صممت. فخرج من باب وخرجت من الثاني. # وهكذا بدأت عملي في الفيوم مغضوبا علي من رئيس الوزراء، ووزير ~~الداخلية الذي هو ولا شك رئيس المدير، وإن كان لا يؤبه به في المديرية ~~بمقدار ما يؤبه بالمدير مرءوسه. # | حنبليتي في البعد عن الرجال # رفض وزير الداخلية بالنيابة ~~قبول الاستقالة، وتركته كما قدمت، وذهبت إلى رفعة محمد باشا محمود ~~فوجدته متمسكا كل التمسك بتنفيذ العقد الذي كتبته معه، وهنا احترت في ~~أمري ماذا أفعل؟ وقال لي محمد باشا إنه سيتوسط لدى الوزارة في قبول ~~استقالتي، وطالت مدة انتظاري خطاب قبول الاستقالة من وزارة المعارف، ~~وكنت لذلك في أشد الحرج والضيق؛ هذا يطالبني بتنفيذ العقد، والوزارة ~~تصر على عدم قبول الاستقالة، وكنت أزور المرحومة باحثة في البادية، ~~وكان حضرة الشيخ المحترم زوجها يقرأ ما أكتبه في «الجريدة»، ويقارنه ~~بما تكتبه هي، وكان يفضل كتابتي، ولو على سبيل إحراج زوجته ومعاندتها، ~~ويظهر أنها تضايقت من ذلك، وأرادت أن يقابلني هو بالذات، ولعلها قصدت ~~بذلك أن تريه أني وإن كنت أساويها في الكتابة إلا أني لا أساويها في ~~الجمال، فعرضت علي أن أقابل عبد الستار بك الباسل، ولكني لعلمي بشدة ~~غيرة النساء على أزواجهن رفضت رفضا باتا أن أقابله؛ ولهذا كنت إذا ~~ذهبت إليها احتطت أن لا يراني حتى ولا من ثقب الباب، فكنت أجلس دائما ~~بجانب الباب المغلق في الحجرة حتى إذا نظر أحد منه فلا يراني. # وكان ذلك يضايقها، وربما كان يضايق أيضا عبد الستار بك، وذهبت ~~إليها، وأنا في حيرتي هذه فسألتني عن كيفية خروجي من ذلك المأزق، قلت: ~~لقد فكرت فلم أجد لي مخرجا من هذا إلا أن أتزوج، وهذا العذر الشرعي ~~يمنع الطرفين من التمسك بي، ولكني كما تعلمين لا أحب الزواج؛ ولهذا ~~عولت أن أتزوج بشخص أكون واثقة من أنه سيطلقني في ليلة العرس. قالت: ~~وكيف يتم لك ذلك؟ قلت: نعم! لقد سمعت إحدى سمسارات الزواج تقول: إن ~~رجلا طلب ms087 منها أن تبحث له عن زوجة لا يشترط فيها إلا الجمال فقط؛ فهو ~~لا يشترط علما، ولا مالا، ولا يهمه إلا أن تكون زوجته ملكة الجمال في ~~الدنيا. فإذا تم لي الأمر، ورضيت تلك السمسارة أن تخدع الزوج فإني لا ~~أقابله إلا ليلة الزواج بالطبع، وهناك أرتدي ملابسي هذه التي ترينها ~~أنت، ويدخل الرجل وهو ينتظر أن يرى ملكة الجمال في العالم، وإذا به ~~يراني كما ترينني الآن، فهل تظنين أنه يتمالك نفسه من أن يضربني أو ~~ينتحر، وهنا نقضي ليلة العرس في القسم، ويكون قد تم لي ما أردت فأتخلص ~~من الوظيفة والزواج معا. # كنت أقول ذلك، وكان عبد الستار بك الباسل يسمعه من الغرفة المجاورة، ~~ومن هنا ثبتت في رأسه فكرة أني بشعة الخلقة إلى حد يجعل ذلك الزوج ~~ينتحر في ليلة العرس، فلما ذهبت إلى الفيوم، وكان عضوا في مجلس ~~المديرية كان أول ما فعله هو زيارة المدرسة ليراني، وعاد إلى زوجته ~~فقال: إنها ليست من الدمامة بالمقدار الذي كنت أتصوره. وبديهيا أن ~~هذا لا يدل على المدح، ولكنه يدل على أنه كان قد أخذ عن صورتي فكرة ~~غير واقعية فظنني غولا، أو ما شاكل ذلك من الحيوانات، فلما رآني لا ~~أزال من الجنس البشري الذي لا غرابة في خلقته قال ذلك لزوجته، ولكن ~~الزوجة وخصوصا الزوجة الفاضلة المستقيمة المتعلمة كالمرحومة ملك ~~شديدة الغيرة على زوجها الذي لا تعرف من الرجال غيره؛ ولهذا حركتها تلك ~~الكلمة، وصممت عندما ذهبت إلى الفيوم إلا أن تضيفني في قصر الباسل، ~~واضطررت إلى إجابة طلبها لما بيننا من صداقة، ولكني ذهبت محتاطة، ~~فأخذت والدتي معي حتى لا أترك لعبد الستار بك سبيلا إلى مجالستنا في ~~منزله، وجاء طبعا ليحييني، ورأى والدتي وقد سترت وجهها، ولكنه جلس، ~~وهي عادة العرب في إكرام الضيوف والمبالغة في ذلك الإكرام، ولكني ~~تضايقت؛ لأني عندما دخلت المنزل قالت لي المرحومة إنك أجمل من ذي قبل، ~~وهي تريد أن تقول: أقل دمامة من ذي قبل. قلت: وما ms088 الذي تغير في؟ ~~أترين أني غيرت شيئا من خلقتي الطبيعية؟ قالت: كلا! ولكنك تبدين في ~~نظري مقبولة. تبين لي من تلك الكلمة أنها توجس مني خيفة؛ ولهذا أردت ~~أن لا يمكث زوجها معنا فتوضأت وصليت، وإن كانت تلك ليست بعادتي في كل ~~الأيام، فلما دخل وأراد أن يسلم علي باليد اعتذرت حتى لا ينقض وضوئي ~~فجلس، وقد شعر بشيء من الجفاء، وهذا كل ما أردته، وأخذت المرحومة، ~~وكانت على ما يظهر لي مغرمة به، أخذت تحادثه، وتقول له: ألست في حبي ~~على رأي امرئ القيس حيث يقول: # أغرك مني أن حبك قاتلي # وأنك مهما تأمري القلب يفعل # قال: فلنسأل نبوية عن رأيها في معنى ذلك البيت. فقلت محتدة: أنا لا ~~أسأل في معنى الأبيات الغرامية وفي شكلي ولبسي وكلامي ما يمنع أي رجل ~~من أن يسألني ذلك السؤال، فإن هو تجاهل كل ذلك فليس له إلا الضرب. ودهش ~~الباسل وقال: لا شك أنكما من النساء. وخرج، وكان هذا كل ما أريد، وقد ~~ساءني أن يظهر على المرحومة شيء من الغيرة من فتاة لا تعرف الرجال، ~~فأقسمت أن لا أبيت في ذلك المنزل إلا إذا دخلت أنا وهي في غرفة ~~وأغلقناها من الداخل، وأخذت تستعطف فأرفض، وأقول إن كلامك شككني في ~~طهارة هذا البيت. # أليس للرجال بعد هذا أيها القارئ أن يكرهوني، أو يصفوني بالجنون، وهل ~~يلامون إذا فعلوا ذلك؟! # انتهت الليلة على خير ما يرام، أو على أسوئه، وفي الصباح استقللت ~~أول قطار يترك قصر الباسل إلى الفيوم، وظللت صديقة للمرحومة؛ لأني كنت ~~أحبها كثيرا، ولكني لم أدخل منزلها بعد هذا لا لأني كنت أشك في طهارة ~~زوجها، ولكن لأني لم أكن أريد أن يكون اسمي بأية حال موضعا ~~للشبهة. # وتصادف أن دخلت منزل المرحوم ~~أحمد باشا الباسل لأزور زوجته، فرأتني المرحومة هناك، وقالت: إن عبد ~~الستار بك مع الرجال، وأريد أن أدعوه لمقابلتك. قلت: ولكني يا سيدتي لا ~~أريد مقابلته. قالت: اسمعي يا نبوية! إني أنا أريد أن أراه، ms089 ولعلي ~~اتخذتك حجة. فضحكت وقلت: لا أدري لم تريدين ذلك، وليس في وجهه ما ~~يعجب. وكانت شقيقة الباسل موجودة، وقد نفذت المرحومة غرضها قبل أن ~~تقوله لي، وإذا به قد حضر، وبادرته شقيقته بقولها: إنها تقول عنك إنك ~~دميم. قلت: لا بأس، وهذا لا يعيبه يكفي أنه نبيل كريم. وحييت الجميع، ~~وخرجت في الحال بالرغم من إلحاح المرحومة باحثة البادية في ~~استبقائي. # أعود إلى حيرتي قبل الوظيفة، فأقول إني كنت في أشد الحيرة حقا، كنت ~~أفكر كثيرا في كيف أتخلص من طرفي النزاع، وكان لي صديقة فقالت لي إنها ~~تعرف منجما ماهرا يخبرني عن المستقبل، ولم أكن أعتقد في المنجمين ~~إلا أني وجدت من التسلية أن أذهب إليه، ولو على سبيل تمضية الوقت ~~والخروج من الحيرة، ولو دقائق، ويظهر أن صديقتي تلك كانت سمسارة لذلك ~~المنجم، فأخبرته عن حالتي قبل ذهابي إليه، فلما ذهبت رأيت شابا يظهر ~~عليه أنه تلميذ صغير، وقد التفت حوله عدد عظيم من السيدات، وقيل لي إنه ~~إنما يبحث مستقبلهن بالدور على حسب مجيئهن، وكنت بالطبع الأخيرة وجلست، ~~وإذا به ينتهي من سيدتين، فيما لا يقل عن ثلث ساعة، وعلى هذا حسبت ~~انتهاءه من جميع من كن قبلي فرأيت أنه لا يقل عن ست ساعات فقمت واقفة، ~~وقلت بصوت مسموع: لقد جئت لأسري عن نفسي لا أن أتضايق، وبقائي هنا ست ~~ساعات أنتظر ذلك الشاب الصغير ليروي لي مستقبلا هو أجهل الناس به ~~مضيعة لوقتي، فإلى اللقاء. # وسمع الشيخ الصغير ذلك فقال: سأقدم النظر في مستقبلك على جميع ~~الحاضرات فادني مني. واضطرتني صديقتي إلى الدنو منه لأكشف عن ~~مستقبلي، وإذا به يقول: إنك في وظيفة حكومية، وتريدين الخروج منها إلى ~~عمل آخر، وستخسرين كثيرا في ذلك العمل. ودهشت كيف عرف هذه الحقيقة، ~~وكادت عقيدتي أن تتزعزع، واسترسل هو في كلامه، وكأنه أراد أن ينتقم ~~مني، فقال لي: إنك ستمرضين وستفقدين بصرك. وكأنه كان ينافس الدكتور ~~فيشر في ذلك، وكان يريد أن ينبئني بما يسوءني من جميع ms090 الوجوه، وأخيرا ~~قال لي: إنك ستتزوجين من رجل يأخذ جميع مالك. وهنا تنبهت إلى كذبه، وقد ~~كنت مصممة على أن لا أتزوج، فكيف إذن يتغير ذلك التصميم إلى الزواج لا ~~من رجل ثري أطمع أنا في ماله، بل من رجل يأخذ هو مالي، وهذا بالطبع ~~يستحيل علي ما دمت في عقلي، وهنا قلت له: أرجو أن تكشف لي عن أمر ~~واحد، هل سأبقى صحيحة العقل أم أجن في يوم من الأيام؟ قال: لا، ~~سيظل عقلك سليما. قلت: أنت إذن كاذب كل الكذب؛ لأنه من غير المعقول أن ~~أحتفظ بعقلي الذي يرشدني الآن، وأتزوج برجل يأخذ مالي، إنك يا هذا ~~كاذب. وقمت وتركت المكان. # قبلت استقالتي بعد ذلك. # وابتدأت عملي في المدرسة المحمدية بالفيوم، وكنت مسرورة بذلك العمل ~~الجديد، فغيرت فيها تقريبا كل شيء، ويوم استلامها حضر معي المدير نفسه ~~فدخل معي الفصول، وأخذ يقول لي هذا هو فصل السنة الأولى، وهذا هو فصل ~~السنة الثانية، وغير ذلك؛ لأنه كان مهتما بالمدرسة أشد الاهتمام، ~~ويعلم عنها كل شيء، وزارني بعد ذلك بثلاثة أيام، فاقترح أن أضع يافطة ~~باسم كل فصل على بابه، ولم أكن أنا أهتم بمثل تلك الصغائر؛ لأن المدرسة ~~لم تكن من الاتساع وتشابه النواحي، بحيث يخطئ الإنسان غرفاتها، بل كانت ~~مدرسة صغيرة، لا يدخلها بالطبع إلا المعلمون الذين يعرفون مكان كل ~~فصل، أما الزائرون فكانوا يذهبون معي إن شاءوا زيارتها فأدلهم على كل ~~فصل؛ ولهذا تهاونت فلم أنفذ أمر المدير، وبعد أسبوع جاءني، وطلب زيارة ~~الفصول، فلما وصلنا إلى باب الفصل الأول، وكان السنة الأولى، أخذ ينظر ~~إلى أعلى الباب ليقرأ اليافطة التي وضعت، فلما لم يجدها قال لي: ما هذا ~~الفصل؟ قلت له: السنة الأولى. ثم ذهبنا إلى السنة الثانية، وأراد أن ~~يفعل نفس ما فعله في السنة الأولى، فقلت له: لا تنظر إلى أعلى! فإني لم ~~أضع يفطا، أما السؤال الثاني وهو ما هذا الفصل فأنت تعلم أنه السنة ~~الثانية، وأنت الذي عرفتني تلك الفصول منذ ms091 أسبوعين، وأظن أنك لم تنس ~~بعد، فضحك، ولم يقل شيئا. # | قوة الشباب وغروره # وهكذا كنت في مدرسة الفيوم أعمل بجد ونشاط، ولا أخشى رئيسا؛ لأني ~~اشترطت عليه قبل تعييني أن لا يتدخل في شئوني؛ أي في شئون المدرسة التي ~~يرأسها هو، وقد عمل الرجل بما تعهد لي به، وكان المدير كما قدمت الحاكم ~~المطلق الذي يخشاه جميع الأعيان والموظفين. # وحدث أنه بينما كان يتحدث في أحد مجالسه مع مفتش صحة المديرية أن قال ~~له في سياق الحديث إنه يود أن تعرف ناظرة المدرسة المحمدية أني أنشأت ~~في المدينة منتزها تعزف فيه موسيقى البلدية عصر كل يوم، فلعلها تتريض ~~هي وتلميذاتها فيه. # رأى مفتش الصحة أن ينفذ رغبة المدير في ذلك حبا في إرضائه والتقرب ~~منه فجاءني، وقال لي: إن سعادة المدير يأمرك أن تذهبي مع بعض تلميذاتك ~~إلى منتزه بلدية الفيوم لسماع الموسيقى هناك. جرحني هذا الأمر، أو ~~بعبارة أخرى حرك غرور الشباب في نفسي، فقلت له: قل لسعادة المدير إني ~~لست بمربية أبنائه الخاصة، ولا هؤلاء التلميذات ببناته حتى يكون له حق ~~إرسالنا إلى المنتزه متى شاء، وإن هؤلاء التلميذات لهن آباء، ولآبائهن ~~الحق في إرسالهن إلى المنتزه، أو منعهن من ذلك حسب ما يقدر هؤلاء ~~الآباء. # دهش مفتش الصحة لهذا القول، وقال: كيف أبلغ ذلك لسعادة المدير؟ قلت: ~~يا سيدي! إنك إنما تبلغه الحق الذي لا شك فيه، وما أنت في ذلك إلا ~~رسول. وذهب الرجل إلى المدير يقص عليه القصة فاستاء المدير لتصرفه، ~~وقال له: إني لم أطلب منك أن تأمرها بالذهاب إلى ذلك المنتزه، ولكني ~~قلت لك أن تخبرها به علها تريد هي ذلك، فأرجوك أن تذهب إليها في ~~الحال، وأن تشرح لها ما أخطأت أنت في شرحه. فدهش مفتش الصحة لاستسلام ~~المدير لتصرفي الشاذ، ثم جاءني، وهو يبتسم فقال: عذرا يا سيدتي! فقد ~~أخطأت فيما أبلغتك إياه، فالمدير لا يأمرك، ولكنه أراد أن يخبرك أن في ~~مدينة الفيوم منتزها تعزف فيه الموسيقى عصر كل يوم، ms092 فإن رأيت من ~~المستحسن الذهاب إليه، فلك هذا. قلت: حسنا سأستشير آباء التلميذات في ~~ذلك. # كان أهل الفيوم ينفرون من تعليم البنات، ويعتقدون أن المتعلمة لا ~~أخلاق لها، وأنها تخرج على العادات الشرقية، وعلى أخلاق الدين ~~الإسلامي، فلما رأوني أشد تمسكا بالعادات الشرقية من نسائهم الجاهلات ~~ظنوا في الجهل؛ ولهذا اضطررت أن أزين غرفة مكتبي بشهاداتي ليعلموا أني ~~قد بلغت من التعليم قسطا، وتعمدت أن أناقش كل من زارني منهم ليعلم من ~~مناقشتي مقدار ثقافتي، وهكذا انتقلت في تلك الفترة من حالة إلى ضدها، ~~فبعد أن كنت لا أتكلم في المجالس إلا قليلا، أخذت أكثر من الكلام ~~والمناقشة كلما قابلت أولياء أمور التلميذات. # وكان يدير المدرسة قبل تعييني فيها ناظرات سوريات، ثم ناظرة ~~إنجليزية، وكان بالمدرسة معلم قديم يقوم بمقابلة أولياء أمور التلميذات ~~بدلا من الناظرة، وكان لهذا يسوئ سمعة الناظرة، كما يريد طمعا في ~~أن يحل هو محلها، وكان أهل الفيوم يصدقونه في ذلك؛ لأنهم لم يروا ~~الناظرة، ولما تعينت عرض علي خدمته في مقابلة أولياء أمور التلميذات ~~بدلا عني، فقلت له: كلا لست أقبل أن يقوم بعملي غيري، فإما أن أكون ~~ناظرة بالمعنى الصحيح؛ أعمل كل ما يعمله الناظر، أو أن أتخلى عن ذلك ~~المركز لمن يستطيع القيام به. # قابلت أهالي الفيوم فأعجبهم زيي واستقامتي، ووضعوا ثقتهم في ~~المدرسة، وكانوا قبل ذلك لا يريدون إدخال بناتهم فيها؛ فكان المدير ~~يزورهم، ويرجوهم أن يرسلوا بناتهم إليها، وكان الرجل منهم إذا أراد أن ~~يرضي المدير أرسل إلى المدرسة طفلة قد لا تتجاوز السادسة من عمرها حتى ~~إذا بلغت السابعة أو الثامنة حجبها بالمنزل خشية على أخلاقها؛ ولهذا ~~قلت لسعادة المدير: أرجوك أن لا تطلب من أحد من الأعيان إدخال كريمته، ~~فإن كل مبتذل ممقوت مكروه. قال: وكيف نستطيع جمع التلميذات؟ قلت: اترك ~~هذا لي، وسأعمل ما أستطيع. فكان الرجل من أهل الفيوم إذا جاءني ليدخل ~~طفلته الصغيرة أناقشه، وأحبب إليه تعليم البنات، وأظهر له أن التعليم ~~يزيد الفتاة عفة واستقامة، ms093 وأن العلم خير أينما حل، فكان يضطر إلى ~~تصديقي لما كان يعاينه من زيي الكامل مع صغر سني، ومن كلامي الذي كان ~~يشبهه بكلام الرجال، فكان يأتيني في اليوم الثاني بثلاث كريمات كان قد ~~قرر حجزهن بالمنزل. # وهكذا دخلت المدرسة، وعدد تلميذاتها لا يزيد عن الثمانين، فما كدت ~~أمكث فيها أربعة شهور حتى زاد عددهن على المائتين، وقد سر المدير بذلك ~~سرورا عظيما، وأخذ يحسن معاملتي، وينفذ لي كل ما أريد. # وكنت في كل فرصة أجتهد أن أظهر لآباء التلميذات شدة حرصي على الأخلاق ~~ليزدادوا ثقة بالمدرسة، وحدث أن أساءت تلميذة أدبها فطردتها، وجاءني ~~والدها يسألني أن أعفو عنها، وأن أقبلها، وأنا أرفض وأتعزز، ودخل في ~~تلك اللحظة سعادة المدير فدهش لهذا التغير العظيم في أخلاق أهالي ~~الفيوم، وطلب منه الرجل أن يساعده في رد كريمته إلى المدرسة، فقال ~~المدير مبتسما: لقد أخذت علي عهدا أن لا أتدخل في شئونها، فأنا لا ~~أستطيع شيئا غير أن أضم صوتي إلى صوتك علها تقبل ذلك. وهنا قبلت رجاء ~~المدير، وأعدت التلميذة إلى المدرسة بعد أن أخذت على أبيها عهدا بشدة ~~الرقابة عليها، فشكر الرجل المدير، وحياه، وانصرف، وما كاد يخرج حتى ~~نظر إلي المدير قائلا: إني لا أكاد أصدق ما أرى من ذلك التغير ~~العظيم؛ فمن زهد الآباء في المدرسة إلى رغبة فيها، رغبة ملحة ينفذونها ~~بالتوسل والرجاء! قلت: نعم، فإنه كلما ازداد عرض الشيء على الناس كلما ~~ازدادوا زهدا فيه، «وأحب شيء إلى الإنسان ما منع.» قال: صدقت. # | كيف كنت في أول عملي بالفيوم؟ # كنت حديثة عهد بالحياة وأحوالها، ولم أكن أعرف من أعيان المصريين إلا ~~أسماءهم، وكنت أتصور أن كلمة باشا إنما تعطى لأكثر الناس تعليما ~~وذكاء. # وأخذ المدير يتحدث بالمدرسة، وما صارت إليه من الرقي في مدة قيامي ~~بأعمالها، وإذا قال المدير أنصت جميع الأعيان؛ ولهذا اهتم الأعيان ~~بالمدرسة، وأرادوا أن يشاهدوا ناظرتها، وأبلغني سعادة المدير أن فلانا ~~باشا عين أعيان الفيوم سيزور مدرستي في يوم كذا الساعة كذا ms094 أيضا، ~~واهتممت بالأمر، وكنت أعد نفسي للجمل التي سأقولها أمام سعادته، أو ~~لأجوبة الأسئلة التي سيلقيها علي. # وجاء هذا العين، وإذا به يتكلم لا بلهجة والدتي فحسب، بل بأحط من ~~آرائها، وهنا احترمت والدتي على عدم تعليمها، وقلت لقد وضعها ذكاؤها في ~~مكانة من اللباقة تفوق أمثال هؤلاء الأعيان، وضايقني ما عرفته من جمود ~~ذلك العين، وكان مما ناقشني فيه أنه بصفته عضوا في مجلس المديرية، ومن ~~الأعضاء البارزين لا الغائرين في الجدار، بهذه الصفة لا يريد سعادته أن ~~يعين المجلس معلما للغة العربية من الشبان المتعلمين، بل يريد أن يعين ~~لي مقرئ مدافن المرحوم والده لا لسبب سوى أنه رجل كبير السن موثوق في ~~أمانته، فقلت له: إذا كان كل ما نبغيه هو سن ذلك المعلم، وشدة ثقتنا من ~~أنه لا يخشى منه على أخلاق الطالبات، وإذا كان هذا هو كل ما نطلبه من ~~معلم يعلم اللغة العربية التي هي أهم فروع التعليم، فحسبنا أن نكتفي ~~ببواب المدرسة؛ لأن فيه تلك الشروط متوفرة جدا، فهو رجل مسن، ومتزوج، ~~وكامل في أخلاقه. # واحتار الباشا في الإجابة على ما قلت له، ثم قاسني بنظره من أعلى إلى ~~أسفل، ومن أسفل إلى أعلى، وفكر في الموضوع مليا، ثم قال لي: إنك ~~عنيدة. لأن أمله في تعيين المقرئ قد تبخر وطار، وقد كان واثقا من ~~تعيينه بعد أن قدر كبر سنه واستقامته، أما العلم فلا ضرورة إليه ما دام ~~هذا سيكون معلما للبنات. # كان ذلك الباشا قد قدم اقتراحا إلى مجلس المديرية بتعيين ذلك ~~المقرئ، ولكن حديثي معه خيب الأمل في نجاح ذلك الاقتراح، ثم قابلت ~~المدير بعد ذلك، وحادثته في المسألة، وطلبت منه سرعة تعيين شاب صالح من ~~المتعلمين الجدد، وشرحت له بجلاء أن الشاب الصالح أفضل من شيخ لا صلاح ~~فيه، وأن الصفات السيئة في الإنسان تزداد وضوحا كلما كبر، وهذا بديهي؛ ~~فالإنسان كلما كبر ضعف عقله، فلا بأس بعد ذلك أن تقوى شهواته، والرجل ~~الذي يولع بالنساء شابا يولع بهن ms095 أضعاف ذلك وهو شيخ؛ لأنه أصبح ضعيف ~~الإرادة، ضعيف العقل، تتغلب عليه شهواته، وربما دفعه اعتقاد الناس في ~~شيخوخته إلى الاسترسال في غوايته، وهو في مأمن من أن يتعقب خطواته أحد، ~~وختمت محاضرتي هذه بطلب السرعة في تعيين ذلك المعلم، وفعلا عين ~~للمدرسة معلم كامل من الشبان المتخرجين في ذلك الوقت. # وأخذ سعادة الباشا مكانه في الصف الأول من أعدائي المحترمين، وما عسى ~~أن يقول عن تلك التي عارضته فيما أراد من التعيين في مجلس المديرية، ~~وهو يعتبره من ضمن عزبه الطويلة العريضة؟ إنه لا يستطيع أن يقول عن ~~أخلاقها بالنسبة للكمال شيئا؛ لأن هذا كان مشاهدا معروفا في أنحاء ~~الفيوم، إذن فليسلك طريقا آخر إلى ذم تلك التي خيبت آماله فيما أراد، ~~فيقول إنها عنيدة، وإنها تكاد تقابل من يزورها لا بكلمة الترحاب، بل ~~بالضرب دونما سبب، فهي تضرب هذا، وتشتم ذاك، ولا تأبه بكرامة أحد، ولا ~~تحترم الأعيان لما لهم من الحول والطول في المديرية، وغير ذلك. # ولقد بارك الله في مجهود ذلك الباشا من تلك الناحية، ووجد من يساعده، ~~ويفهم الناس شدة أخلاق تلك الناظرة، فإنها تحاسب الرجل الذي يزورها على ~~أية كلمة يظهر فيها لين أو مجاملة، وهي كما كانوا يقولون كالأسد ~~المفترس لا تسمح لأحد أن يرفع رأسه في مجلسها. # ولو أن هؤلاء رأوني اليوم لعرفوا أني جبنت، كما أراده السن، فلم أعد ~~أنا ذلك الأسد بل أصبحت أجبن من أرنب، ولا أدري هل هم بعد ذلك راضون ~~عني؟ وإذا كانت شجاعتي هي التي كانت تغضبهم في الماضي فهل يروقهم الآن ~~جبني؟ # سؤال أريد أن يجيبني عليه كل من عاملني الآن وفي الماضي. # | حياتي العملية # عرفت مما علمته عن أخبار غيري من ناظرات المدارس بالفيوم أن فكرة ~~الناس سيئة في كل متعلمة، وأنهم يعتقدون أن العلم والكمال لا يتفقان، ~~فبذلت كل همي لأخرج من رءوسهم ذلك الزعم الفاسد؛ فكنت أحاسب من يقابلني ~~من الرجال على كل حركة من حركاتهم، وعلى كل لفظ أسمعه منهم، كنت ms096 أنا ~~نفسي أحتقر الشهوات وأصحابها، وأقول إن الرجل الذي يتغلب هواه على عقله ~~حيوان لا قيمة له، وإن المرء ومستقبله مرهون بمقدار ما يستطيعه من تجنب ~~الشهوات والميل إلى الكمال الأخلاقي. # لهذا كنت لا أسمح لرجل بكلمة تنبو عن موضعها، وتصادف أني كتبت إلى ~~المجلس بإصلاح مباني المدرسة، فأرسل إلي مهندسه، فقمت لأريه التلف في ~~أثاثات المدرسة، وأطلب منه إصلاحها، وما كاد يرى يدي، وهي تشير إلى ذلك ~~الأثاث المتهدم حتى قال في دهشة: يا سلام إيدك صغيرة قوي! وكنت في ذلك ~~الوقت ألبس جلبابا واسعا، بكم واسع طويل، فكانت تظهر راحتي منه صغيرة ~~جدا بالطبع، هالتني تلك الجرأة منه، وأنكرت عليه أن يخرج عن الكلام ~~في العمل إلى الكلام في أوصاف من تكلمه، ونظرت إليه في شيء من الحدة، ~~وقلت له: شيء بايخ! فخجل الرجل، قال: هل خرجت عن الأدب؟ وهل في كلمتي ~~هذه ما يريب؟ قلت: إنها على الأقل لا محل لها؛ لأني أنا أعرف مقدار حجم ~~يدي قبل أن أراك فلا معنى أن تخبرني بأنها صغيرة، وقد تكون أنت على غير ~~حق في تقدير صغرها؛ لأني أنا أعرفها أكثر مما تعرفها أنت، وهل تجد من ~~الحكمة أو من اللياقة أن أقول لك الآن إن الشمس طالعة، وأنت ترى ذلك ~~بعينيك؟ لقد كنت أود أن كلامنا لا يخرج عن العمل، ولا يمس الشخصيات، ~~فأنت في نظري مخطئ. قال: إني أعتذر، وإن كنت أعترف أني لم أخطئ. على ~~أنه لم يكن يقدر الظروف فإني لو سمحت له بتلك الكلمة لما ضمنت في ~~المستقبل أن يطري جزءا من أجزاء جسمي، فيقول لي مثلا إن عينيك ~~جميلتان، وإن يدك لطيفة، وغير ذلك من الأوصاف التي لم أكن أسمح لأحد أن ~~يذكرها. # على أنه استطرد بعد ذلك فقال: إني إلى الآن لا أعرف ما الذي أغضبك من ~~كلمة بريئة كهذه؟ قلت: لم أغضب من الكلمة بالذات، ولكن ساءني أنكم أي ~~الرجال لا تعرفون كيف تخاطبون النساء، ولا بدع في ذلك فإنكم لم ms097 تخاطبوا ~~قبل اليوم إلا نساءكم، وعلي إذن أن أعلمكم مخاطبة النساء أثناء العمل، ~~فإنها يجب أن تتصرف كلها إلى ذلك العمل، وأن لا تخرج عن مواضعه وإلا ~~كانت عرضة لسوء الظن. # خرج الرجل من عندي، وهو في غاية الخجل، وفي اليوم التالي زارتني ~~امرأته، فأكدت لي أن زوجها رجل شريف لا يعرف مداعبة النساء، وأني قد ~~أسأت الظن فيه بلا مبرر، وكان الرجل قد خشي أن أشكوه، فأرسل من يشفع له ~~عندي، فقلت لها: لم أتهمه بشيء من هذا يا سيدتي، ولم يكن أمامه امرأة ~~حتى أظن أنه داعبها، المسألة مسألة أن هؤلاء الرجال لا يعرفون بعد ~~معاملة النساء، وقد أردت أن أرشده إلى كيفية تلك المعاملة، أما أنا فلا ~~أخشى على نفسي من رجل، وليس في منظري ما يدعو إلى ريبة، واطمأنت المرأة ~~على زوجها، وعلمت أني لن أشكوه إلى سعادة المدير فقبلتني بالإكراه ~~وشكرتني، وانصرفت. # كنت كما قدمت أريد أن أفهم الرجال ثقافة المرأة الجديدة وكمالها مع ~~تلك الثقافة؛ فكنت أتحدث إليهم طويلا في المواضيع العلمية، عسى أن ~~أستميلهم إلى إرسال بناتهم إلى المدرسة، وتصادف أن زارني فاضل من فضلاء ~~هؤلاء الرجال، فأعجب بحديثي أيما إعجاب، وذهب يرويه لزوجته، ويمتدحني ~~أمامها، وسارت الغيرة في نفس الزوجة المسكينة، وظنت أن زوجها قابل ~~فتاة لعوبا لعبت برشده، فأرادت أن ترى تلك الفتاة بنفسها، ولم يغمض ~~لها جفن تلك الليلة، وفي الصباح زارتني مع صديقة لها يظهر عليها الذكاء ~~والفطنة، فلما رأت لبسي، وما يبدو عليه من حشمة واستقامة، سرت بذلك ~~سرورا عظيما، وعلمت أن زوجها إنما أعجب بالحديث لا بالغرام، ثم أظهرت ~~شدة اغتباطها لملاقاتي، وقالت إنها هي الأخرى قد أحبتني، وإنها ترى في ~~خير مثال للفتاة المتعلمة، ومالت على زميلتها فهمست في أذني قائلة: ~~لقد أسهرتها الغيرة ليلة أمس فلم تنم، وستنام الليلة ملء ~~جفنيها. # وكان آباء التلميذات في ذلك الوقت يزورون المدرسة كثيرا لرؤية تلك ~~الناظرة الجديدة التي خالفت مبدأ الناظرات، فأخذت تقابل بنفسها الرجال، ~~ومن من الناس ms098 لا يحب أن يرى فتاة نالت البكالوريا في زمن لم تنل ~~فيه معظم النساء شهادات البتة؟ كنت إذن حديث القوم في سمرهم، خصوصا ~~وأن من سبقني من الناظرات كن كلهن أجنبيات، ولم تر الفيوم قبل ذلك ~~العهد ناظرة مصرية غيري، فلا بدع إذن أن أصبحت أعجوبة، وكان بجوار ~~المدرسة مدرسة للراهبات كانت آهلة بالفتيات لشدة إقبال الأهالي على ~~الأجانب كما هي عادتنا ولا فخر. ولم يمض علي في تلك المدرسة أربعة ~~شهور حتى كادت مدرسة الراهبات تغلق أبوابها لكثرة إقبال الأهالي على ~~مدرستي، ولا عجب فقد كنت فاكهة جديدة، أما الآن وقد كثر عدد ~~المتعلمات، وأصبحت نبوية موسى كغيرها من المصريين لا تستطيع أن تؤثر في ~~أفكار المصريين، أو تحملهم على احترام الأعمال المصرية والإعجاب ~~بها. # ورحمة الله على الماضي. # | المعلمة الإنجليزية # أردت إصلاح المدرسة المحمدية بالفيوم إصلاحا عمليا صحيحا؛ لأني ~~وجدتها في حاجة شديدة إلى ذلك الإصلاح، ومما يضحك أني يوم توليت ~~إدارتها، ومررت على الفصول، وجدت شيخا من إخواننا سادة دار العلوم ~~يدرس التدبير المنزلي، وقد وقع في «حيص بيص» كما يقال في كيف يكسر ~~البيض الذي لم يعتد الرجل تكسيره، ولم تعتد التلميذات أيضا ذلك، فكن ~~يعجزن عن أن يكسرن بيضة دون أن يتلفن صفارها. # اضطررت هنا أن أعالج الحالة، وأن أكسر البيض للتلميذات لأعلمهن كيفية ~~كسرها، وأن أقضي على تلك الفوضى بإخراج ذلك المعلم من تدريس التدبير ~~المنزلي، وإعطائه دروسا في اللغة العربية بدل ذلك. وأعطيت دروس ~~التدبير المنزلي لمعلمة لأنها أليق به مهما كان جهلها بتلك المادة، ولو ~~في ظاهر الحالة، وساء المعلم ذلك؛ لأنه كان يتمتع، ولو بتذوق الأطعمة، ~~وكان هذا القرار قد حرمه من ذلك التمتع، ساءه ذلك، ولكني لم أصطدم به، ~~ولم يصطدم بي لأني أخذت أحسن معاملته وأتجنبه. # انتهيت من ذلك الإصلاح، وفكرت في تعليم اللغة الإنجليزية، وكانت تقوم ~~بتدريسها معلمة سورية لا تكاد تعرف منها إلا بضع كلمات، وأردت أن أبحث ~~عن معلمة أخرى من السوريات تستطيع أن تفهم اللغة ms099 التي تدرسها، فأعلنت ~~في الصحف، ووصلني رسائل شتى من سوريات مختلفات، ولم تكتب لي إحداهن من ~~سوء الحظ باللغة الإنجليزية، بل كانت جميعهن يكتبن باللغة العربية إذا ~~صح أن يقال إن لغتهن تلك كانت عربية، رأيت إذن أن أقابل هؤلاء المعلمات ~~قبل أن أختار من بينهن واحدة خشية أن تكون كالمعلمة التي بالمدرسة لا ~~تستطيع التفاهم بتلك اللغة التي تدرسها، فزرت أغلبهن في منازلهن، وعلمت ~~أنهن لا يفضلن معلمتي في شيء، ويظهر لي أن كل سورية في ذلك الوقت كانت ~~تدعي العلم بأية لغة ما دامت تعرف ألف باء تلك اللغة، ومما أذكره أني ~~زرت إحداهن، وسألتها هل تعرف اللغة الإنجليزية جيدا؟ قالت: أعرف سبع ~~لغات. قلت: أسأل فقط عن اللغة الإنجليزية. قالت: أعرفها تماما. ورأيت ~~أن أختبرها فأخذت أتحدث معها بالإنجليزية، وأخذت تجيبني بنعم أشكرك، ~~وضايقتني تلك الإجابة؛ لأني لم أفهم منها إذا كانت واثقة تفهم ما تقول ~~أم هي تحفظ هاتين الكلمتين فتنطق بهما عندما أخاطبها دون أي ~~فهم. # وأردت أن أختبر ذلك بنفسي، فقلت لها: إن كل شيء بالمدرسة جميل إلا ~~أني أنا شخصيا اعتدت أن أضرب المعلمات أمام الصفوف بعصاتي، وكنت أظن ~~أنها ستدهش لهذا الكلام إذا هي فهمته، ولكنها وهي لا تفهم شيئا في ~~اللغة الإنجليزية التي تريد تدريسها لم تظهر أية دهشة لهذا الخبر ~~المضحك، بل أجابتني، نعم أشكرك. لقد صدق ظني إذن في أنها لا تفهم ~~شيئا، وهنا قلت لها: وأنا أيضا أشكرك، وتركت المكان. # عولت بعد ذلك أن أعين إنجليزية لتدريس اللغة الإنجليزية، فذهبت ~~إلى كونوت هاوس لأبحث عن معلمة إنجليزية هناك، فلم تقبل إحداهن السفر ~~إلى الفيوم، واعتذرت إلي رئيسة المنزل، ولكني عند خروجي تبعتني سيدة ~~إنجليزية كانت تجلس منفردة في ناحية من الصالة، وقالت لي: إني أنا ~~أقبل ذلك العرض، ولكني لا أريد أن يعرض كلامي هذا على الرئيسة؛ لأنها ~~تكرهني بعض الشيء، وكل عيبي في نظرها أن في أذني شيئا بسيطا من ~~الصمم، قلت: ولكنك تسمعين. قالت: نعم، ولكني ms100 لست حادة السمع كباقي ~~الإنجليزيات. قلت: لا بأس فليس هذا بالعيب العظيم. قالت: أعطني إذن ~~عنوان المدرسة، وسأكون عندك بعد يومين. وفي الميعاد المحدد، وصلتني ~~منها برقية فانتظرتها في محطة الفيوم، وحضرت بها إلى المدرسة، وأنا في ~~أشد ما يكون من الغبطة والسرور حيث نجحت في إصلاح تعليم اللغة ~~الإنجليزية بعد أن كان مهملا، أكلت معها طعام العشاء ، وجهزت لها ~~غرفة، وبعد شيء من السمر قامت كل منا إلى غرفة نومها. # ومن المدهشات أني في تلك الليلة حلمت أن تلك السيدة قد جنت، ووقفت ~~وبيدها سكين تتهدد ابنة أخي، وقد كانت تلميذة داخلية بالمدرسة، ~~فاستيقظت من النوم مرعوبة أرتجف من هول ما رأيت، ولكني لم أعر ذلك ~~أي التفات، بل ظننته أضغاث أحلام، وقصصت لها الحلم، ونحن على مائدة ~~الإفطار، فظهر عليها الغضب والامتعاض، وقالت: ليس ذلك بحلم، ولكنك إنما ~~اتصلت ببعض أعدائي. وهنا جاءني شيء من الشك؛ لأني كنت أظنها ستضحك من ~~ذلك الحلم، وتعتبره نوعا من التسلية، أما وقد أغضبها فقد ترك ذلك في ~~نفسي أثرا، ولكني كظمت غيظي، وأكدت لها أن المسألة لا تعدو حلما، ~~وبعد أربعة أيام من تاريخ وصولها إلى المدرسة، وقفت على باب غرفتها في ~~الساعة السابعة مساء، وهي ترغي وتزبد، وتريد أن تضرب ابنة أخي بسكين ~~أخذتها من المطبخ مدعية أنها قد أساءت الأدب، وهنا ظهرت عليها علامات ~~الجنون الحقيقي، وأخذت أهدئ من غضبها في غير جدوى، وفي الصباح أخذت ~~تذهب وتجيء دون أن تدرس، ثم دخلت غرفتي مرارا لتقول لي بصريح العبارة ~~إنها لا تستطيع التدريس، وإنها تريد أن أعطيها مرتب ستة شهور لتذهب إلى ~~حالها، وإلا ارتكبت في المدرسة جناية أكون أنا المسئولة عنها، ولم يكن ~~في استطاعتي إعطاؤها ذلك المبلغ، ولم أشأ أن أعرض الأمر على المدير ~~خشية أن يسفهني فيما فعلت فأخذت أسير وراءها أينما سارت حتى لا ترتكب ~~ما تهدد به من تلك الجناية، ولم يكن في الإمكان أن يقبض البوليس على ~~سيدة إنجليزية، والإنجليز في ذلك الوقت ms101 هم أسياد البلاد، إذن كان علي ~~أن أتحمل تصرفاتها، وأن أعالجها بما أستطيع من صبر وحيلة. # وفي صباح يوم دخلت إلى مكتبي، وأنا أكتب شيئا، ولعله جدول الدراسة، ~~فقالت لي: ماذا تكتبين؟ قلت: أكتب خطابا. قالت: لمن؟ قالت ذلك بخوف ~~وارتباك، ولاحظت ذلك عليها، فقلت: لقنصل إنجلترا. قالت: لماذا؟ قلت: ~~لأشكوك إليه. قالت: أوأنت فاعلة؟ قلت: نعم لا شك في ذلك. فخرجت من ~~مكتبي مسرعة، وعادت ومعها حمال حمل حقائبها وخرجت، ولكنها لم تترك ~~غرفة نومها مفتوحة، بل أغلقتها، وأخذت مفتاحها معها. # وصارحت المدير في ذلك الوقت بالحقيقة، فقال إنه لا يرى أن نتقدم لفتح ~~تلك الغرفة من غير استئذان السفارة البريطانية، وهنا ذهبت إلى السفارة ~~البريطانية، وشرحت لهم الحقيقة، فقال لي موظف السفارة الذي قابلني بعد ~~أن قابل السفير: لا حرج عليك في فتح الباب، والسفير جاد في البحث عنها. ~~وظهر لي أنها معروفة لدى السفارة، وبعد أربعة أيام، وصلني خطاب من ~~بورسعيد فيه مفتاح الغرفة، ويظهر أنها خشيت مغبة بحث السفير عنها، ~~فسافرت من بورسعيد إلى إنجلترا. # وهكذا فوجئت بالصعب العسير في أول عمل توليته. # | نقل المدير # كان قيام الفتيات بالأعمال العلمية كإدارة المدارس أمرا جديدا ~~وغريبا خصوصا في نظر الفيوميين؛ ولهذا كانوا يسيئون سمعة كل من تولت ~~رئاسة مدرسة البنات، وكنت أنا على تمام العلم بذلك، فكنت أخاف كل الخوف ~~على سمعتي، خصوصا وفي المدرسة كما قدمت معلم كان يقوم بأعمال الناظرة ~~قبل تعييني، وكان يعتبر نفسه أحق بتلك الوظيفة من أية فتاة، وأن أية ~~ناظرة تأتي إنما اغتصبت منه تلك الوظيفة اغتصابا لا بعلمها ولا ~~بكفايتها، وإنما بجنسيتها، وهو لا يؤمن بذلك، بل يعتقد أن الرجال أولى ~~من النساء بتلك الوظائف، وجئت أنا فحرمته من القيام بعمل الناظرة، ~~فأصبح لديه لبغضي سببان لا سبب واحد. # كذلك كان كما قدمت بالمدرسة معلم من دار العلوم يدرس التدبير ~~المنزلي، وقد منعته من ذلك التدريس من يوم تعييني، ولا شك أنه كان ~~يتذوق ما يطبخ، وإخواننا من دار العلوم ms102 وأمثالهم من الأزهريين يقدرون ~~الأطعمة تقديرا لا يفوقه شيء، وإذن فقد أصبح هو الآخر ضدي، ولكني كنت ~~ألاين الاثنين، وأعطف عليهما، وأحترس منهما، وكنت لا أقبل على سمعتي ~~أية ريبة حتى لا أجعل لهما ولا لغيرهما سبيلا إلى الخوض في عرضي؛ ~~ولهذا كتبت على باب المدرسة: «لا تقابل الناظرة أحدا من الرجال قبل ~~الساعة الثامنة صباحا، ولا بعد الرابعة بعد الظهر.» أي إني لا أقابل ~~الرجال إلا في أوقات العمل المعينة للدراسة، والمدرسة في ذلك الوقت ~~تكون مكتظة بالمعلمين والمعلمات والتلميذات أيضا، فلا شبهة علي في ~~أن أقابل أحدا، وكان حضرة صاحب الرفعة محمد باشا محمود يقرني على كل ~~ما أفعله، ولا يتدخل في أعمالي. # وفجأة انقضى عهده، ونقل محافظا لبورسعيد، وخلفه غيره، وعز على ~~المدير الجديد أن يكون للناظرة - وهي مرءوسة له - أوامر ونواه، فكان ~~أول ما فعله أن أرسل إلي سكرتير مجلس المديرية الساعة السابعة مساء ~~فرفضت طبعا مقابلته، وقلت للبواب يخبره أني لا أقابل الرجال إلا في ~~وقت العمل، وأني الآن منفردة في المدرسة، فلا يجوز أن يدخل عندي رجل ~~مهما كانت الأسباب، وقال السكرتير: إنه مرسل من قبل سعادة المدير. قلت: ~~ولو. # في صباح اليوم التالي ذهبت إلى المدير لأعتذر إليه عن رفضي، وأشرح له ~~الأسباب فقلت له: إني لا أزال فتاة صغيرة، وأقيم في المدرسة وحدي، ~~ودخول الرجال علي وأنا منفردة يعرض شرفي للقيل والقال. قال: ولكنه ~~مرسل من قبلي. قلت: إن الناس لا يعلمون تلك الرسالة، وهم فقط يرون ~~رجلا يدخل في منزل تقيم فيه فتاة وحدها، على أنك أنت شخصيا لا ~~تستطيع أن تضمن سلوك مرءوسيك، فهبني فتاة فاسدة الأخلاق، وافرض أن ~~ذلك السكرتير على شاكلتي، فمن الذي يضمن لك حسن مسلكنا، ونحن على ~~انفراد بعيدين عن كل العيون؟ أليس من الأفضل أن ترسله أثناء النهار حتى ~~لا نكون نحن الاثنين في خلوة؟ قال: ولكنه يعمل النهار في المجلس. قلت: ~~إن عمله معي قليل لا فائدة فيه، وقد قمت بأعمالي في المدرسة الآن ms103 سبعة ~~شهور دون أن يعمل معي سكرتير من المجلس والأعمال على ما يرام، وإذا كان ~~ولا بد من حضوره إلي فلا بأس من أن يخلى من عمله، ولو نصف ساعة. قال: ~~ولكن هذا أمري. قلت: إنك تأمر في كل شيء، اللهم إلا فيما يتعلق بشرفي ~~شخصيا، فلا أقبل فيه أمرا ولا نهيا، إني إنما جئت لأعمل في ~~الدراسة ، وأثناء الدراسة، لا أن أعمل الليل والنهار. # وخرجت من عنده، وقد تأثر هو بعض الشيء، وأراد أن ينفذ طلبه بالقوة، ~~فأرسل إلي السكرتير بعد بضعة أيام لا في الساعة السابعة فحسب، بل في ~~التاسعة مساء، ورفضت طبعا دخوله إلى المدرسة، وتشبث هو، وقال: إن هذا ~~أمر المدير، وإنه لا بد داخل. فقلت للبواب أن يخبره أنه إن دخل ~~فسأستدعي النيابة العمومية، فخاف وانصرف. # وبعد أيام من تلك الحادثة زارني المدير في مكتبي، وكان يضع في عروة ~~سترته وردة حمراء، وجلس جلسة لم أستحسنها منه، جلس تلك الجلسة على ~~مكتبي بحيث التصق بي، فاضطررت أن أقف، وأن أقول له في شيء من الحدة: ~~إني لو أعلم أن المديرين يتغيرون بتلك السرعة، لما أقدمت على قبول تلك ~~الوظيفة، قال: وهل يعين في وظيفة المدير جندي؟ قلت: إني يا سيدي لا ~~أخاف الشدة، ولكني إنما أشكو اللين. قال في شيء من الفكاهة: لم أسمع ~~بأحد يشكو اللين غيرك. ثم طلب أن يرى المدرسة فخرجت معه، وكلانا مغضب، ~~وتصادف أن صادفنا فراش يحمل على رأسه سبورة، وفي يده جردل، وكاد ~~يصدمني بسبورته، فقلت في شيء من الغضب: «اوعى كده أنت راخر، أنت حتاخد ~~وشي.» فقال المدير: إن هنا من هو أولى منه بذلك. فلم أتمالك نفسي، وقلت ~~له: نعم لا أشك في أنك أولى منه بحمل تلك السبورة والجردل أيضا. ~~وتراشقنا بعد هذا بالألفاظ، ثم خرج مغضبا يهدد بقوته وسلطانه. # ويظهر أن المدير شكا أمره إلى ناظر المدرسة الأميرية، وكان عضوا في ~~اللجنة التي تدير المدرسة المحمدية التابعة لمجلس المديرية، وهي التي ~~أديرها أنا، وأوحى إليه ms104 أن يقوم هو بدلا عنه بالمناورة، وكان بالمدرسة ~~معلمة تقطن في بيت ذلك الناظر، وكان حول اسمها واسمه إشاعة متداولة ~~فقلت لها يوما: إني أعلم يا سيدتي أنك فتاة فاضلة، وأن الناظر لا يقل ~~عنك في الفضل، ولكن ما دام الناس يتكلمون في حقكما، أفليس من صالح ~~التعليم أن تبتعدي عن منزله حفظا لسمعتك وكرامتك؟ ويظهر أنها أخبرت ~~الناظر بذلك. # وبعد يوم جاءني الناظر نفسه فجلس في مكتبي، وأخذ يقول لي: إنه يعتبر ~~تلك المعلمة كقريبة له، وإنه يتولى أمرها بنفسه، وإن زوجته تغار منها، ~~وهو لا يدري ماذا يفعل. قلت: إن الزوجة يجب أن تكون لها الحرية في ~~المنزل، وإذا كانت زوجتك لا تريد تلك المعلمة وجب أن تخرج هذه من ~~المنزل. قال: وأين تلبث؟ قلت: حيث تريد هي. قال: ولكني أغار عليها ~~أيضا، ولا أتركها تبيت في أي منزل كان. قلت: هل يرضيك أن تبيت في منزل ~~أخي؟ وكان أخي في ذلك الوقت وكيل نيابة في الفيوم، قال: إن ما بيني ~~وبين زوجتي من النزاع يصير بين أخيك وزوجته. قلت: إنه يتحمل من أجلي. ~~قال: ولكني لا أقبل ذلك. قلت: وماذا تريد إذن؟ قال: ما المانع في أن ~~تبيت معك هنا في المدرسة؟ وأن تتنازلي عن أوامرك فأزوركما في المساء في ~~أي وقت أردت، وأن تعتبريني قريبك كما تعتبرني هي كوالدها؟ قلت: إن ~~والدي يا سيدي قد مات، وليس لي من الأقارب إلا أخ واحد يقيم معنا في ~~الفيوم، ولست أستطيع أن أختلق لي أقارب جددا، ولا أسمح لرجل أن يدخل ~~تلك المدرسة مساء مهما كانت الظروف، فإن أردت أن تقيم تلك المعلمة ~~معي، فلا بأس على شرط أن لا يزورها أحد. قال: إنني عضو في مجلس ~~المديرية، وإن المدير يضع سلطة تلك المدرسة في يدي، وستندمين على ~~استبدادك هذا. قلت: لا أندم على شيء، فإذا خرجت من ذلك المكان بشرفي ~~كان هذا كل ما أرجوه. # عز علي أن يكون اشتغالي بالتعليم سببا في أن يفسد الرجال أخلاقي، ms105 ~~وأنكرت على رجال التعليم كناظر تلك المدرسة أن يقوموا بمثل تلك الأعمال ~~الدنيئة، فلم أتمالك من أن أقول له: إنك سافل وضيع لا شرف لك، ولا ~~كرامة، وفي أثناء ذلك دخل أخي علينا، وسمع تلك الألفاظ، ورآني في حدة، ~~وقد اغرورقت عيناي بالدموع، وما كدت أرى أخي حتى ذهلت، وخشيت أن يعلم ~~الأمر فلا يبقيني في الوظيفة بعد أن يقتل ذلك الوغد، وكان أخي أقوى منه ~~جسما، فسكت، وخاف الآخر مغبة ذلك فسكت هو أيضا، وجعل أخي يردد سؤاله: ~~ماذا جرى؟ ولا يجيبه أحد منا؛ أنا لأني في حيرة أرجو أن أخفي الأمر ~~عليه، والآخر لأنه خائف من أن أقول أنا الحقيقة فيكيل أخي له الضرب ~~كيلا، وقد لا يخرج من عندي سالما. # وأخيرا تداركت الأمر، وقلت له: لا شيء، إن هذا الرجل يتدخل في ~~أعمالي المدرسية. قال: أولهذا التدخل يجوز لك أن تقولي له إنك سافل ~~منحط لا شرف لك، ولا كرامة؟ قلت: قد أكون مخطئة، ولكن هكذا دفعني ~~الغيظ؛ لأنه قال لي افرضيني قريبك، وأنت تعلم أني لا أحب قرابة الرجال. ~~وأنقذت تلك الجملة ناظر المدرسة، فقال: هذا كل ما قلته لها. ولم يعلم ~~أخي أن عرض القرابة كان عرضا أراد به أن تكون علاقتي معه كعلاقة ~~المعلمة الأخرى؛ أي علاقة الريبة والشك، فقال: لا تغضب يا أخي، وسأكون ~~أنا قريبك. قلت: إذا كنت تريد أن تكون قريبه فلتكن تلك القرابة بعيدة ~~عني. # وأخذ أخي الرجل من يده، وأراد أن يخرج به، ولم يخجل صاحبنا من موقفه ~~بل قال لي أمام أخي مرة أخرى: اعلمي أن سلطة المدرسة في يدي، ~~وستندمين. قلت: لقد قلت لك إني لا أندم، وسأخرج من هذه المدرسة شريفة ~~أضع قدمي على رأس كل سافل منكم. وعجب أخي من هذا التعبير، وساورته ~~الشكوك فخرج به، ثم عاد إلي وقال: اصدقيني ما الخبر؟ قلت: الخبر كما ~~أخبرتك. قال: ولكن كلامكما الأخير يدل على أن المسألة تتعلق بالشرف. ~~قلت: أوتظن أن هناك رجلا ينظر إلي نظرة ms106 الريبة؟! ليس في من ~~الجمال يا أخي ما يغري، وهل عندك شك أني كنت ضده؟ قال: لا شك عندي في ~~ذلك. قلت: إذن فلم أخفي أمره؟ فانصرف أخي. # ولقد فكرت إذ ذاك في الأمر فعلمت أن أخي لو عرف الحقيقة لانهال عليه ~~ضربا، ووصل الأمر إلى القضاء، وهناك يقول الناس دخل عليها أخوها، ~~ومعها ناظر المدرسة فضربه ضربا مبرحا، ولا شك أن هذا يعطي الناس ~~فكرة أن ذلك الناظر كان يداعبني برضى مني؛ لهذا أخفيت الأمر عن أخي ~~كل الإخفاء. # وفي اليوم التالي جاءني الناظر فدخل مكتبي دون أن يحييني، وبعد أن ~~جلس قال: أتعلمين لم جئت؟ قلت: لا أعلم الغيب. قال: إنما جئت لأعلم ~~هل لا تزالين مصرة على رأيك بالأمس؟ وكأن إخفاء الأمر عن أخي جعله يظن ~~أني رضيت بما عرض، أو أني على الأقل أتردد في قبوله، قلت: أوتعلم أنت ~~لم أذنت لك اليوم بالدخول؟ قال: إني أدخل بالرغم ~~منك. قلت: كلا إنك من اليوم لن تدخل ~~هذا المكتب، وإني أمنعك بكل قوة، وما أذنت لك اليوم إلا لأني ظننت أنك ~~كنت سكرانا البارحة، وأنك جئت لتعتذر عن خطئك، أما وأنت مصر عليه، ~~فلا أسمح لك بدخول المدرسة مرة أخرى، ولا يهمني ما يترتب على ذلك، فإن ~~شرفي فوق كل شيء. قال: إذن سترين. وخرج مسرعا. # | ابتداء المتاعب # إني أروي الآن مسائل مضت منذ نيف وثلاثين سنة على حسب ما أتذكر، ~~ولست أدعي أني كنت على حق في كل ما فعلته، ولست أنكر أني كنت على جانب ~~عظيم من الشدة في تقدير الرجال، وربما كان ذلك ناشئا من أني قرأت ~~روايات غرامية كثيرة، كان فيها الرجال أبطال الخيانة والغدر بالنسبة ~~للنساء فنظرت إليهم جميعا بتلك العين؛ ولهذا كنت أحاسبهم على أية كلمة ~~تبدر من أفواههم في غير رحمة ولا شفقة، وقد مر بنا أني حاسبت المهندس ~~على كلمة بدرت منه لا تدل على سوء نية أو شيء، ولكني كنت أود أن أعلم ~~الرجال مخاطبة النساء بعد أن ms107 ظهرت النساء في ميدان العمل فجأة، وأمام ~~رجال لم يعتادوا معاملتهن؛ لهذا قسوت على المهندس إذ قال إن يدي صغيرة، ~~كما قسوت على المدير يوم استعمل نكتة قد يكون الغرض منها استعمال ~~النكتة فحسب، وهو ما ينبغ فيه المصريون، وكما قسوت أيضا على ناظر ~~المدرسة يوم عطف على المعلمة، وقد خلقت لي تلك الشدة في المعاملة ~~أعداء أقوياء ، أولهما المدير، وثانيهما ناظر المدرسة الأميرية، ~~وبيدهما كل الأمر في إدارة مدرسة البنات. # واشتهرت في مدينة الفيوم إذ ذلك بالشدة ولا فخر، وكان لسوء حظي أن ~~زارني المرحوم حافظ بك إبراهيم، فقال لي: إنه لا يوافق على ظهور النساء ~~في العمل سافرات. وكنت إذ ذاك أكشف وجهي، فقلت له: إن المرأة إذا عملت ~~وجب أن تظهر بطبيعتها كما خلقها الله، وليس في ذلك شيء. قال: إن فيه ~~إغراء. قلت: إنك متغال يا سيدي، فنحن المصريات ليس في خلقتنا ~~الطبيعية إذا ظهرت كما هي ما يغري الرجال، وما دامت الفتاة منا تظهر ~~أمام الرجال دون تبرج، أو تغيير في خلقتها الطبيعية فلا خوف من إغرائهم ~~بها. قال: أوتظنين أنه ليس في وجهك الطبيعي ما يغري؟ ~~إن فيه شيئا من علامات الجمال. ~~أراد المرحوم بذلك أن يعلم مدى أفكاري، وأن يجرب في قول شوقي: ~~«خدعوها بقولهم حسناء.» وقصد بما أراده علامة سوداء في وجهي، فقلت له ~~في شدة: والله لولا مكانتك الأدبية لطردتك الآن. قال: ولم؟ هل أسأت ~~أدبي في شيء؟ قلت: كلا! ولكنك في نظري أخطأت؛ لأنك دققت في وجهي حتى ~~رأيت ما أسميه أنا تشويها، فادعيت أنه من محاسن الجمال. قال: هل في ~~رؤيتي لوجهك خطأ؟ ألم تري أنت وجهي أيضا؟ قلت: نعم! رأيت رجلا لا ~~أقل ولا أكثر، ولم أدقق في تقاطيع وجهك مثل ما دققت أنت. قال: إذن ~~السلام عليك، وأشهد أنه يجوز لفتاة فقط في مصر أن تكشف وجهها، أما باقي ~~الفتيات فلا. ثم تركني ومضى، ولم ير من المدرسة إلا وجهي مع أنه كان ~~يقصد زيارتها. # ولم أعبأ ms108 بكل تلك الشهرة التي زادها المرحوم حافظ بك، بل كتبت إلى ~~المجلس أطلب فصل تلك المعلمة من مدرسة البنات، فازداد حقد سعادة المدير ~~والناظر علي، وعمدا إلى مضايقتي بشتى الطرق، وأخيرا ثبت لدي أني لا ~~أستطيع العمل معهما، فأردت أن أستقيل بطريقة تحفظ لي كرامتي بعض الشيء، ~~وقد كنت متعاقدة مع مجلس المديرية لمدة 3 سنوات، لم أعمل منها إلا ~~سبعة شهور ونصف، وكان في العقد شرط ينص على أني إذا أردت ترك المدرسة، ~~وجب علي أن أخطر المجلس في شهر مايو؛ أي قبل انتهاء الدراسة؛ ليستعد ~~لتعيين ناظرة غيري عند ابتداء الدراسة، وأردت أن أعامل المجلس بالذمة ~~والشرف، وأن أستقيل في الميعاد المحدد لاستقالتي، فكتبت أقول: إذا لم ~~تفصل تلك المعلمة من العمل، فإني لا أستطيع البقاء في المدرسة؛ ولهذا ~~أخطر المجلس باستقالتي، وإخلاء طرفي من المدرسة ابتداء من آخر سبتمبر ~~المقبل، وقد أردت بذلك أن أنهي سنتي المدرسية، وأقوم بامتحانات النقل، ~~وأسلم المجلس المدرسة في حالة مرضية في آخر سبتمبر، ولا شك أن شهور ~~الإجازة من حق الناظرة التي عملت ابتداء من أول أكتوبر إلى آخر مايو، ~~وكنا في ذلك الوقت في يوم 20 مايو. # وما كادت تلك الاستقالة تصل إلى سعادة المدير حتى حركه الحقد ~~للانتقام مني، فعقد جلسة لمجلس المديرية بصفة مستعجلة عرض عليهم فيها ~~استقالتي، ولما كان الأعضاء جميعهم يعلمون الإشاعات التي تدور حول تلك ~~المعلمة، فقد صمموا على فصلها، وقرروا ذلك في جدول الأعمال قبل النظر ~~في استقالتي، وبعد فصلها نظروا في استقالتي، وكان المنطق يقضي أن لا ~~يكون هناك استقالة؛ لأني طلبت فصل المعلمة، وقلت إني إذا لم ينفذ هذا ~~الشرط اعتبر مستقيلة، وما دامت المعلمة قد فصلت فقد أجبت إلى طلبي، ~~ولا معنى إذن للاستقالة، ولكنها الضغائن تفعل في النفوس ما تشاء؛ ولهذا ~~تشدد الأعضاء في فصل المعلمة، ونفذ أمرهم، ثم تشدد المدير بعد هذا في ~~قبول استقالتي كما كان يسميها. # ولقد كانت الحالة طبيعية بعض الشيء حتى في قبول الاستقالة، لو ms109 لم ~~يتوجها سعادة المدير بأعمال استبدادية بحتة؛ فقد حضر إلى المدرسة ~~بنفسه في يوم تلك الجلسة الساعة الثالثة بعد الظهر، وأمر التلميذات ~~بالخروج من المدرسة، وأنهى السنة الدراسية بدون امتحان، وسلمني بيده ~~قبول الاستقالة فشق علي الأمر إذ إن المسألة أصبحت طردا فظيعا، فقد ~~طردت التلميذات طردا تحمل كل منهن كتبها في حجر ميدعتها، وخرجن ~~باكيات، وكان على حسب أمر المدير أن أخرج في الحال، ومعنى هذا أني ~~طردت طردا؛ ولهذا رفعت أمري إلى القضاء. # وكان أخذ ورد وإشاعات تتداولها الناس، ورأى المدير أنه أخطأ في هذا، ~~وأن عمله هذا يعد فسخا للعقد لا قبولا للاستقالة، وأراد أن يصالحني، ~~وكنت قد تركت المدرسة، ومكثت في منزل أخي بالفيوم، ومن غريب الأحلام ~~أيضا أني حلمت أن سعادة المدير دخل علي يحاول أن يصلحني، وأن يعتذر ~~إلي، وقمت أروي ذلك الحلم في الصباح لأخي، فقال: لعلك تريدين ذلك، ~~ولكن كم كانت دهشته عظيمة ساعة تحقق هذا الحلم؛ إذ حضر إلينا في ~~الساعة الرابعة بعد الظهر مأمور مركز سنورس، وطلب مقابلتي فقابلته مع ~~أخي، فقال لي إنه يهتم بأمري كثيرا؛ لأني خدمت الفيوم بإخلاص، وعلمت ~~بناته هو شخصيا، وأنه لذلك جاء من سنورس ليعرض على سعادة المدير ~~الصلح على شرط أن يعطيني ثلاثمائة جنيه، وعلمت من ذلك طبعا أن ~~المدير قد طلب منه تلك الوساطة، فقلت له: إني أعلم أن سعادة المدير ~~شديد في عمله، فكيف تجرأت أن تترك مركز عملك في سنورس لتطلب منه هذا ~~الطلب الذي لا يقبله؟ وماذا يكون حالك إذا هو لم يرفض طلبك فحسب، بل ~~عاقبك وأنبك على تركك عملك؟ قال: ولكني واثق أنه لن يفعل ذلك، وأنه ~~سيقبل عرضي. وكان مع المأمور عمدة سنورس أيضا فأخذ ينظر إلي ~~مندهشا، وقال المأمور: أؤكد لك أنه سيقبل هذا العرض، وسيضمن حضرة ~~العمدة قبوله هذا. قلت: أعوذ بالله إني أعرف من سعادة المدير ما لا ~~تعرفان، وأؤكد لكما أنه لن يقبل هذا العرض. وقلق العمدة في جلسته، وقال ~~محتدا: «يعني ms110 لازم نقول لك إنه هو بعثنا؟» قلت: نعم أريد ذلك، وأريد ~~أن أقول لك إني لا أقبله. وهنا حيا الاثنان، وخرجا. # ويظهر أن سعادة المدير عرض الأمر على سعادة أحمد باشا لطفي السيد، ~~وكان على ما أظن من معارفه، وكان لطفي باشا يعرفني؛ لأني كنت أول فتاة ~~ذهبت إلى سعادته - وهو مدير للجريدة - تعرض عليه نشر مقالاتها، فقابلني ~~بأدبه المعروف ، وأعجب بمقالاتي، ونشر لي كثيرا منها في جريدته، ومن ثم ~~نشأت بيننا معرفة، وكنت أرى فيه رجلا لا كالرجال في أخلاقهم، بل رجلا ~~كامل الآداب موفور الكمال، محترسا في كل لفظة يقولها أمام أية فتاة، ~~فلم أستطع أن أطبق عليه ما قرأته في الروايات والكتب من آداب غيره من ~~الرجال؛ ولهذا كنت أعتبره رجلا فذا لا مثيل له في الرجال، وكنت لهذا ~~أحترمه احتراما عظيما. # عرض الأمر على سعادته، وطلب سعادة المدير منه المساعدة فاستلم ~~المبلغ، وأمضى عليه، ثم حضر إلي، وقال لي: لقد ادعيت أني وكيلك ~~الشرعي، فاستلمت لك هذا المبلغ، وتم بيني وبين المدير الصلح على أني ~~وكيلك الذي لا مرد لكلامي، فإذا كذبتني في ذلك فعليك إذن رفع الدعوى ~~علي لا على المدير. وكان رفعي الدعوى عليه من رابع المستحيلات، وهكذا ~~انتهت المسألة. # | تعييني ناظرة لمدرسة معلمات المنصورة # تركت الفيوم بعد انتهاء مشكلتي، وبعد أن أصبحت أكره العمل الحر الذي ~~ذقت ثمرته، وعلمت منه أن مجالس المديريات قسم من الأعمال الحكومية، ~~لكنه قسم تعمه الفوضى أكثر من غيره؛ فالمدير فيه الحاكم بأمره يعمل ما ~~يشاء، ويتبع أعضاء مجلس المديرية إشارته، فهو لا يأمر فيطاع، بل هو ~~يوحي من بعيد فيطاع إيحاؤه، ويشير الإشارة المبهمة فتنفذ إشارته، ~~والرجل الذي يأمر مسئول عن أمره قد يخشى الخروج فيه عن حد الصواب، أما ~~الرجل الذي يوحي من بعيد، فهو في مأمن من عاقبة ما يوحي به، والمسئولية ~~واقعة لا محالة على عاتق أعضاء مجلس المديرية، وهم الموحى إليهم الذين ~~يتنافسون في تنفيذ هذا الإيحاء دون أن يفكروا في عواقبه؛ فالمدير ms111 في ~~مجلس المديرية مستبد أو ديكتاتور، ولكنه مع ذلك غير مسئول عن أعماله ~~كباقي الديكتاتوريين، فهو إذن أشد الديكتاتوريين تعسفا، ولا غرابة بعد ~~هذا أن عمت أعماله، وساءت عواقبها؛ لهذا أصبحت أكره الأعمال الحكومية، ~~وفي مقدمتها مجالس المديريات. # وشاء الحظ أو سوءه أن يفتح مجلس مديرية الدقهلية مدرسة معلمات ~~المنصورة، وأن يطلب لها ناظرة من حاملات دبلوم السنية اللائي كن في ~~ذلك الوقت أندر وجودا من العنقاء والخل الوفي، وكان حضرة صاحب السعادة ~~لطفي باشا السيد عضوا في ذلك المجلس، ولم يكن بالطبع من الأعضاء الذين ~~يوحى إليهم، بل كان هو العضو الوحيد الذي يصح أن يوحي إلى غيره لا أن ~~يتلقى الإيحاء، وعرض سعادته على المجلس تعييني ناظرة لتلك المدرسة، ~~وكان مدير المديرية في ذلك الوقت المرحوم محمد باشا شكري، وكان صديقا ~~حميما لحضرة صاحب السعادة لطفي باشا السيد، كما كان فاضلا متضلعا في ~~العلوم؛ ولهذا قبل ذلك العرض من سعادة لطفي باشا السيد، واتفق معه على ~~تعييني ناظرة لمدرسة معلمات المنصورة، وأخبرني حضرة صاحب السعادة لطفي ~~باشا السيد بذلك، وحدد لي يوما للسفر إلى المنصورة، واقترح أن أبيت في ~~منزل سعادته في برقين، وفي الصباح أذهب إلى المنصورة حتى لا أضطر إلى ~~المبيت في أحد الفنادق، وهي عادة لم تكن مألوفة بين المصريات، فرحبت ~~بفكرة سعادته، وشكرت له ذلك، وذهبت إلى برقين، وإذا بعربة المغفور له ~~والده تنتظرني عند المحطة، فأخذتني إلى منزلهم العامر في برقين. # دخلت المنزل مغتبطة فقابلتني شقيقتاه، وزوجة والده بالترحيب كما هي ~~عادة ذلك المنزل لكل طارق، جلست مع الشقيقتين، وكان المنزل ينفذ الحجاب ~~بالدقة، فلا يدخل أحد من الرجال إلى محل الحريم، وعلمت أن هؤلاء ~~الفضليات من نساء برقين لم يقابلن رجلا غريبا، ولم يتحدثن إلى رجل ~~أجنبي عنهن، وهنا هالني الأمر، وتساءلت في نفسي ماذا يكون رأيهن في ~~مبيتي في منزلهن، وتحدثي مع شقيقهن؟ ألا يبدو ذلك غريبا شاذا في نظر ~~هؤلاء الفضليات؟ ولا يبعد بعد ذلك أن تحتقرنني لخروجي عن الفضائل ms112 التي ~~اعتدنها، فكرت في ذلك فمادت بي الأرض، وخشيت على سمعتي السوء، ولم أدر ~~ماذا أصنع، وأردت أن أتجنب مقابلة حضرة صاحب السعادة لطفي باشا السيد ~~حتى لا أظهر أمامهن بالخروج على فضائلهن المتبعة، فطلبت ماء لأتوضأ، ~~وتوضيت وصليت، وجلست تائهة أفكر فيما عسى أن يقال عني، وحضر صاحب ~~السعادة لطفي باشا السيد ليرحب بي قياما بواجب الضيافة، وهو المعروف ~~بكرمه وسخائه المتناهي فقمت له، ولما أراد أن يسلم علي باليد اعتذرت ~~إليه خشية أن ينقض وضوئي فجلس بعيدا عني، وكنت أجلس على ديوان كبير ~~وضع بجانب نافذة تطل على جرن البلد، واندهش لطفي باشا إذ رآني على غير ~~عادتي صامتة لا أتكلم، ويبدو على محياي أني سابحة في بحر من الأفكار ~~والهواجس، فقال: هل أنت خائفة من تلك النافذة؟ وأشار إلى النافذة التي ~~كانت خلفي، قلت: كلا، ولكني أفكر في كيفية مبيتي في هذه الليلة، وهل ~~سأبيت مع شقيقتيك في هذه الغرفة، وهل لها مفتاح لنغلق الباب علينا؟ ~~ونظر الفيلسوف إلي في شيء من الدهشة والسخرية، وقال: إذن أنت تخافين ~~من الباب لا من النافذة؟ فقلت: نعم. فضحك، وقال: السلام عليك، سأقابلك ~~غدا في المنصورة في غرفة سعادة المدير. وتركني وانصرف. # أما أنا فقد فرحت بالنتيجة التي وصلت إليها، وإن كان قد ساءني أن ~~أظهر أمام ذلك الفيلسوف الفاضل النزيه بمظهر الارتياب، ولكن هي الظروف ~~فإن الفتاة يجب أن تصون سمعتها من أن يتسرب إليها أي شك، أو تظهر أمام ~~غيرها من فضليات الفتيات بمظهر لم يألفنه من قبل فتكون مضغة في ~~الأفواه، والناس لا يعلمون إلا المشاهد والملموس أمامهم. # وفي اعتقادي أن المعلمة على الخصوص يجب أن تكون مثال الأدب والنزاهة ~~والشرف إلى أبعد حد من حدود الكمال مهما كلفها ذلك لتكون قدوة صالحة ~~أمام تلميذاتها، فإن أضافت إلى نزاهتها الظاهرية البادية نزاهة ~~السريرة، وما وراء الغيب، فقد برهنت على أنها جديرة بمهنة التعليم ~~والتهذيب، وإلا فلا كان تعليم، ولا تتوجه القدوة الحسنة من جانب ~~المعلمات. # خرجت في ms113 الصباح دون أن أقابل صاحب السعادة لطفي باشا السيد كما أراد ~~هو ذلك، وتقابلنا في غرفة المغفور له محمد باشا شكري، وبعد كتابة العقد ~~بيني وبين المجلس لمدة خمس سنوات، دعاني المغفور له لتناول الطعام مع ~~حضرة صاحبة العصمة حرمه، وكان المغفور له وقورا، قليل الكلام، يميل ~~إلى الجد أكثر منه إلى الهزل حتى في أحاديثه. # ذهبت إلى المنزل فقابلتني السيدة الجليلة حرمه بالترحيب، وجلسنا ~~نتسامر، وإذا بي أقابل سيدة لا كسيدات ذلك العصر، بل سيدة متعلمة ~~سامية الأفكار، تدير منزلها بالحكمة والروية، وكان المغفور له على ~~تضلعه في العلم يخشى جانبها، ويجلها كل الإجلال. # جلسنا نتحادث، فقامت بيننا من اللحظة الأولى صداقة متينة، فأخذنا ~~نتسامر ونضحك، وقد أنست كل منا بالأخرى، وحضر المغفور له في وقاره ~~وسكينته، وكان قلبي قد اطمأن إلى حرمه المصون، فعدت لا أخفي شيئا إذا ~~أنا تبسطت أو ضحكت، وهنا نظرت إلى سعادته في شيء من الدعابة، وقلت: لا ~~تؤاخذني إذا أنا نسيت في خطابك الآن أن أذكر كلمة سعادتك؛ لأني لم ~~أعتد خطاب العظماء، فأنا «أكره «سعادتك» من كل قلبي»، أريد بذلك ~~الكلمة لا شخص المدير. # واضطر سعادة المدير أن يضحك، وأن يقول: «أرجو أن لا تذكري تلك الكلمة ~~ما دامت تعلمك كراهتي.» وهكذا توطدت بيني وبين صاحبة العصمة حرمه أواصر ~~الصداقة من أول مقابلة، وقد حرصت كل منا على تلك الصداقة إلى ~~اليوم. # وابتدأت عملي في مدرسة معلمات المنصورة بإعداد المدرسة وشراء أثاثها، ~~وترتيب كل ما يصلح لها قبل أن تفتح، وكان المغفور له شكري باشا لا يرد ~~لي كلمة، وإذا فعل أو أراد أن يفعل كان في منزله من يرغمه على تنفيذ ~~ما أريد، خصوصا وقد رأت صاحبة العصمة حرمه أني لا أطلب إلا الصالح ~~لتلك المدرسة التي يراد افتتاحها، وفتحت المدرسة أبوابها، وقد اقترحت ~~أن تفتح إلى جانبها مدرسة ابتدائية، ففتحت المدرستان في وقت واحد، ~~وأقبل أعيان المنصورة على المدرسة الابتدائية إقبالا مدهشا حتى كان ~~فيها جميع بنات أعيان البلاد المجاورة، ms114 ومن بينهن شقيقة صاحب السعادة ~~لطفي باشا السيد نفسه. # | في المنصورة # لم أستفد من حوادث الفيوم شيئا، ولعل طيش الشباب قد غطى على كل ما ~~يجب أن أستفيده من تلك الحوادث، فخرجت من الفيوم كما دخلتها، وقد صممت ~~عزمي على أن أكون المثال الكامل لتلميذاتي في العصمة والكمال، لا أقول ~~كما يقول غيري، إني أكتفي بما أعلمه عن نفسي من الكمال، بل أقول لا بد ~~أن يعلم الناس كل هذا، كتبت على باب المدرسة أوامري السابقة، ومن أهمها ~~«ممنوع دخول الرجال إلا ابتداء من الساعة الثامنة صباحا إلى الساعة ~~الرابعة بعد الظهر»؛ أي أثناء العمل فقط. # وكنت لا أضع كغيري في مدخل مكتبي «برافان»، بل كنت أشدد على خادمي ~~الخصوصي أن يكون على مقربة مني إذا دخل مكتبي ضيف أي رجل، وأن يدخل - ~~أي الخادم - علي بلا استئذان، كنت أقول له ذلك لا لأني خائفة من ~~الضيوف، ولكني كنت أعلم أن الخدم هم الذين يذيعون أسرار المنازل، وأن ~~الخادم - وهو يرى ناظرته تخالف العادة المتبعة عند سيدات الشرق من عدم ~~مقابلة الرجال - قد يسيء الظن فيها إلى حد بعيد، فأردت أن أغلق أمامه ~~باب سوء الظن، وأجعله يشعر أني لا أخلو برجل؛ لأني قد أمرته أن يكون ~~على مقربة مني بحيث يراني ويسمعني؛ أي يسمع ما يدور بيني وبين ضيفي من ~~الحوار. # وكنت إذا أردت أن أكتب إلى ناظر المدرسة الأميرية، أو أحد موظفي مجلس ~~المديرية خطابا أستفهم فيه عن شيء، أو أطلب شيئا أرسلت الخطاب مع ~~خادمي مفتوحا حتى لا أترك له سبيلا إلى الظن والتخمين، فيقول: هؤلاء ~~المتعلمات يكاتبن الرجال لغايات أخرى. بل كنت أريه الخطاب، وأخبره ~~مضمونه، وأضعه أمامه في المظروف، وأتركه مفتوحا، وأسلمه إليه ليكون ~~مطمئنا إلى أن المسألة لا تتعدى العمل، ولعل الزمن نفسه كان يتطلب مني ~~ذلك الحرص؛ فقد كان اللوم موجها إلى المتعلمات، وكثيرا ما كانت الصحف ~~تحمل عليهن، وكان الجهلاء من الناس لا حديث لهم إلا الطعن في التعليم، ~~وتشويه سمعة المتعلمات. ms115 # فكان علي والحالة هذه أن أبرهن لجميع هؤلاء أنهم مخطئون، وأن ~~التعليم لا يفسد صالحا، كما أنه لا يصلح فاسدا، اللهم إلا ~~قليلا. # وكان لحسن حظي أن وثق الناس بي، وتحدثوا عني بالخير، ودفع هذا بعض ~~أعيان المنصورة إلى زيارة المدرسة ليروا تلك التي سمعوا عنها كثيرا، ~~ولكن شاء سوء الحظ أن تكون زيارتهم بعد الساعة الرابعة، وأن لا يسمح ~~لهم البواب بذلك؛ لأن الناظرة تقيم وحدها في المنزل، ولا تسمح لأحد من ~~الرجال بزيارتها إلا أثناء العمل. # عز عليهم الأمر، وقد كان بعضهم من أعضاء مجلس المديرية، وهم لذلك ~~يعتبرون أنفسهم أصحاب تلك المدرسة، لا يجوز لأحد أن يرد لهم رأيا، أو ~~يناقشهم الحساب فيها. # عادوا من المدرسة غاضبين، وشكوا أمرهم إلى سعادة المدير، وكان كما ~~قدمت فاضلا محبا للعلم، وكان يود أن تنجح المدرسة التي أسسها هو، ~~وأن يثق الناس بالناظرة التي عينها، وكان يسره أن يسمع دائما فيها ~~مدحا لا قدحا، فهدأ من ثائرتهم، وأفهمهم أني على حق فيما فعلت؛ لأني ~~على كل حال فتاة صغيرة السن، ولا يجوز لي أن اختلط بالرجال في غير ~~أوقات العمل. # فعل ذلك، ثم أرسل إلي، وقص علي القصة، وقال: لقد صممت أن أصدر ~~أمري بأن لا يزورك أحد إلا بعد أن يأخذ إذني في زيارتك. قلت: أنا لا ~~أعطيك هذا الحق، ولست أنت بقريبي، ولا بولي أمري حتى تسمح بزيارتي أو ~~تمنعها، ولقد صممت أن لا يكون لرجل علي سلطان، ولو أردت ذلك لاتبعت ~~الطريقة المشروعة، ومكانتك مني كمكانة كل فرد في المنصورة، فأنت رجل ~~أجنبي عني، وإذا كان يعيب المرأة أن ترى الرجل الأجنبي كانت رؤيتي لك ~~عارا لا أقبله، أما إذا كان كما أعتقد أن المرأة لا يعيبها أن تقابل ~~الرجال ما دامت متمسكة بالفضيلة والكمال فلا بأس إذن من أن أقابلك، ~~وأن أقابل غيرك، أما أن تتحكم أنت في أموري الشخصية فهو ما لا ~~أقبله. # قال: لقد أردت أن أمنع عنك لوم الناس، فأقول لهم إني أنا ms116 الذي أمنعها ~~من مقابلتكم، فلا يكون عليك مسئولية في عدم مقابلتهم، فلا يغضبون منك، ~~ولا يغضبون مني. قلت: إني شخص كامل يجب أن أكون مسئولة عما أفعل، ولا ~~يهمني أن يغضب علي شخص أو أشخاص ما دمت على حق فيما فعلت، وأنا أود ~~أن أتحلى بالفضيلة مختارة لا مضطرة، والسجين المقيد لا يوصف بالأمانة، ~~إنما يوصف بها من يستطيع السرقة ولم يفعل؛ ولهذا أريد أن أمتنع عن ~~الرجال إذا شئت أنا ذلك لا إذا شاء ذلك غيري. قال: جازاك الله! أنت ~~تستحقين ما وصفوك به من الغلظة والشدة. قلت: ولا بأس في ذلك. # زارني بعد ذلك الرجال في أثناء العمل فسرتهم مقابلتي، وأعجبهم حواري، ~~وأثنوا على المدرسة ثناء حسنا، وانتهت المسألة بميل كل أعيان ~~المنصورة إلي ودفاعهم عني، وكان أعضاء مجلس المديرية يدعون دائما ~~أنهم أولو الأمر في مدارس المجلس، وكنت كثيرا ما أردهم إلى الصواب ~~فيما يدعون، وتصادف أن زارني أحد هؤلاء الأعضاء فأحسنت مقابلته، ورحبت ~~به كعادتي المألوفة إذ ذاك لكل طارق، وأمرت الخادم أن يحضر القهوة، ~~وكان مع العضو ضيف آخر، وغابت القهوة فأظهر عضو المجلس غضبه وتألمه ~~لتأخر القهوة عن الميعاد، كأنه أراد أن يظهر للضيف الآخر مقدار سلطته ~~على المدرسة وناظرتها وخدمها، فقلت له ضاحكة: أوتظن أن فراشي ~~سيحضرها؟ قال: ولم لا؟ قلت: لا يا سيدي إنك مخطئ، إني أعمل هنا ~~ناظرة لمدرسة، يهمني إتقان أعمالها المدرسية، وبيني وبين خدمي اتفاق ~~أنه إذا كانت مراحيض المدرسة مثلا لم تنظف فعليهم أن ينظفوها قبل أن ~~يحضروا لي قهوة، أو غيرها من تلك الكماليات، وليس هذا يا سيدي بمندرة ~~دوارك، يجب أن يكون الخدم فيها على أتم استعداد لمقابلة الضيوف، بل هذه ~~مدرسة يجب أن يكون خدمها على استعداد للقيام بأعمالهم المدرسية من ~~نظافة وغيرها. # فلم يستطع العضو إلا أن يغض الطرف عن كلامه، وأن ينسحب بانتظام لا ~~كانسحاب الطليان بغير انتظام. # | مناهج التعليم ومناورات وزارة المعارف للإشراف على مجالس المديريات ~~في الماضي # كانت وزارة المعارف كثيرا ms117 ما تعطي السلطة لرجال لم يهبهم الله من ~~الخبرة ما ينالون به التوفيق في أعمالهم، فإذا فتحت مدارس جديدة دبروا ~~لها من المناهج ما لا يستطيع الإنسان أن يسير به عمليا في طريق ~~النجاح، وكانت مدارس المعلمات في ذلك الوقت جديدة، وقد وضع لها منهج ~~خاص، فكان فيه العجب العجاب. # لم تكن الطالبات تتعلم قواعد النحو في المدارس الأولية، بل كانت تدخل ~~مدارس المعلمات، وهي لا تعرف شيئا من قواعد النحو في اللغة العربية، ~~وكان المنهج يقضي أن يعطى لهن في السنة الأولى مرفوعات الأسماء ~~والأفعال والممنوع من الصرف، ولا أدري كيف تيسر لواضع المنهج أن يعلم ~~الممنوع من الصرف لطالبات لم يتعلمن المجرورات، يقول لهن المعلم: إن ~~الاسم الممنوع من الصرف يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة. وهن لا ~~يعرفن متى يجر الاسم، وتخصيص إعطائهن المرفوعات فقط دون المنصوبات، كان ~~أيضا مضحكا لأنهن كن يتعلمن خبر إن دون أن يعرفن اسمها، كما يتعلمن ~~اسم كان دون أن يعرفن خبرها، وهو تعليم ناقص مختل؛ لأني إذا أعطيت ~~التلميذة جملة فيها كان أو إن، وجب أن تعرف أن اسم الأول مرفوع وخبرها ~~منصوب، واسم الثانية منصوب وخبرها مرفوع، لا أن تعرف شطرا من كل جملة، ~~وعلى ذلك يكون التعليم آليا عبارة عن حفظ لا يستند إلى شيء عملي ~~مفهوم. # أما في الحساب، فكان منهج السنة الأولى إعادة الأربع قواعد الأصلية، ~~ثم تجنيس الكسور الاعتيادية، ومهما فكر الإنسان ودقق لا يستطيع أن يفهم ~~عقلية واضع ذلك المنهج؛ أولا لأن الكسور العشرية أسهل من الاعتيادية، ~~وكان يجب البدء بها لأنها تسير حسب سير الأعداد الصحيحة خطوة بخطوة، ~~مع ملاحظة أين توضع الشرطة العشرية، أما الكسور الاعتيادية، فلها قواعد ~~تخالف الأعداد الصحيحة بالمرة، ولو جاز لنا أن نعلمها قبل أن نعلم ~~الكسور العشرية لما جاز لنا إطلاقا أن نبتدئ فيها بالجمع والطرح؛ بل ~~يجب أن نبتدئ بالضرب والقسمة لسهولتهما، ثم نعلم بعد ذلك الجمع والطرح، ~~وما دام الإنسان لا يستطيع أن يجمع ربعا ونصفا ما ms118 لم يجنس كسرين، ~~فنحن عند الجمع نضطر إلى عملية التجنيس اضطرارا، أما أن يعطى التجنيس ~~فقط دون جمع ولا طرح، فهو ما لم أفهمه إذ ذاك، ولم أفهمه بعد ~~ذلك. # ولهذا سار التعليم في مدرستي حسب تفكيري أنا لا حسب المنهج؛ فكانت ~~التلميذات في السنة الأولى في اللغة العربية يطبقن في كتاب المطالعة ~~على جميع القواعد الكثيرة الورود، وهو ما ابتدأت مصر تفكر فيه والحمد ~~لله الآن، أما في الحساب فقد كنت أعلمهن الكسور العشرية لأثبت قواعد ~~الأعداد الصحيحة من جمع وطرح وضرب وقسمة، ثم أعلمهن بعد ذلك ضرب الكسور ~~الاعتيادية وقسمتها، ثم جمعها وطرحها، وبعد أن أجمع ربعا وربعين، أضطر ~~اضطرارا إلى تعليمهن طريقة التجنيس. # وكان مفتشو الوزارة إذا دخلوا مدرسة معلمات المنصورة لا يكتبون عنها ~~شيئا في سيرها في طرق التعليم، وإنما يوازن الواحد منهم بين منهج ~~الوزارة والمنهج الذي تسير عليه المدرسة دون تفكير، ثم يشرح كيف تخالف ~~هذه المدرسة منهج الوزارة. # ولم أكن أعبأ كثيرا بتلك التقارير التي لا شيء فيها جديد علي؛ لأنني ~~كنت أعلم - والحمد لله - الفرق بين منهجي ومنهج الوزارة، وكان من ضمن ~~ما كنت أخالف الوزارة فيه من النظم أني كنت أعطي طالباتي خمس حصص في ~~الصباح، وحصتين فقط في المساء، وبذلك كن يخرجن للغذاء في الساعة ~~الثانية عشرة والنصف، بينما تخرج مدارس الحكومة في الساعة الحادية عشرة ~~والنصف، الوقت الذي لم يعتد بيت من البيوت الغذاء فيه، وكانت ~~طالباتي تعود إلى المدرسة الساعة الثانية بعد الظهر، بينما كانت تلاميذ ~~المدارس الأميرية يعودون الساعة الواحدة؛ أي في زمن لا يستطيع معه ~~التلميذ هضم الأكل والاستعداد لقبول الدرس، وكان هذا من أظهر مخالفاتي ~~لنظم وزارة المعارف. ~~«ومن العجيب أن الوزارة منذ عامين أو ثلاثة قد اتبعته في مدارسها ~~الثانوية»، وظللنا على هذا حتى دخلت مدرستي امتحان الكفاءة للمعلمات ~~الذي تقوم به الوزارة نفسها، وإذا بها الأولى على جميع المدارس، وقد ~~تفوقت خصوصا في اللغة العربية والحساب، وهنا قامت الوزارة وقعدت، وأخذ ~~الناس يوازنون ms119 بين مدرسة معلمات المنصورة التي تديرها مصرية، ومعلمات ~~بولاق القديمة التي تديرها إنجليزية، وشق ذلك بالطبع على الوزارة، ~~فأخذت تفكر في نبوية موسى لأول مرة، وليتها ما فكرت. # اتجه الفكر على ما يظهر في الوزارة إلى عدم إبقائي في تلك الوظيفة ~~مهما كلفهم ذلك، ولكن المدير كان كما قدمت رجلا فاضلا، فلم يعبأ بما ~~كانت تفرضه عليه الوزارة من السخافات . # غضب مفتشو الوزارة لتفوق معلمات المنصورة على غيرها رغم سيرها على ~~طريقة تخالف طريقة الوزارة، وأرادوا أن يحرضوا مستر دانلوب مستشار ~~المعارف ضدي، وتصادف لسوء حظي أن أساء التصرف أحد مفتشي الوزارة في ~~مدارس البنين، فمس كرامة مجلس المديرية، وغضب سعادة المدير لذلك، وكان ~~رجلا أبي النفس، فقرر أن لا يدخل أحد مفتشي وزارة المعارف مدارسه، ~~وكانت مجالس المديريات في ذلك الوقت مستقلة كل الاستقلال عن وزارة ~~المعارف، ونقل هذا الخبر إلى مستر دانلوب مشوها محرفا، فقيل له: إن ~~نبوية موسى لصداقتها لحضرة صاحبة العصمة حرم المدير قد أثارته ضد وزارة ~~المعارف، وهي تريد أن لا يكون للإنجليز يد في مجالس المديريات، وهي ~~لذلك تعلم طالبات المعلمات اللغة الإنجليزية حتى لا تحتاج إلى تعيين ~~إنجليزية في المدرسة الابتدائية لتعليم اللغة. # وغضب مستر دانلوب لهذا التحدي، ولكن الرجل كان عمليا، فأراد أن ~~يحضر بنفسه ليعلم مدى تلك القصة، وكان قد ابتدأ أن يتفق مبدئيا مع ~~مستشار الداخلية أن يكون له الإشراف على مدارس مجالس المديريات، وفجأة ~~ومن غير علم مني، ولا من المدير، زارني جناب المستر دانلوب، وكان يظهر ~~على محياه الغضب، وما كدت أراه حتى قمت وحييته ورحبت به وأهلت، ولكنه ~~قابل تحيتي وترحيبي بشيء من التجهم، وقال بشيء من الغلظة: أريد أن أرى ~~فصول المدرسة. قلت: أهلا وسهلا، تفضل. ودخلت معه المدرسة، وزار ~~الفصول فسر منها، وابتدأ يظهر ارتياحه، ثم قال لي: ألم يرسل المدير إلى ~~مدارسكم أمرا بعدم إدخال مفتشي وزارة المعارف إليها؟ قلت: نعم، لقد ~~كان ذلك. قال: فما السبب الذي حمله على هذا؟ قلت: لا علم ms120 لي به. قال: ~~وكيف إذن أدخلتني فصول المدرسة ما دام المدير يمنعك من هذا؟ فقلت: إني ~~أعرفك تمام المعرفة، ولم أدخلك كمفتش من وزارة المعارف، بل أدخلتك ~~كصديق لي أنا، ولناظرة المدرسة أن تدخل من تشاء من أصدقائها على شرط أن ~~لا يكون في دخوله ما يخالف الآداب، وأنت مستشار المعارف أي رجل معروف ~~في الأوساط العلمية، ولا بأس من دخولك مدرستي شاء المدير أم لم يشأ. ~~قال: وهل هذا سيكون اعتذارك إليه؟ قلت: نعم. فخف غضبه بعض الشيء، ثم ~~ذهب إلى المدير، فعرفه هذا أن مسألة منع مفتشي وزارة المعارف لم يكن ~~لها اتصال بي بتاتا، ولكن الرجل ما زال في شك من أمري خصوصا بعد أن ~~قيل له بجانب هذا إني أنافس الناظرة الإنجليزية، وإني قد تفوقت عليها، ~~وأنا أفخر بذلك. # وانتهت هذه الحركة بأن أشرفت وزارة المعارف على مدارس مجالس ~~المديريات، وذلك بأمر جناب مستشار الداخلية الذي لا يستطيع المدير ~~مخالفته. # | غضب يمحو غضبا # كانت صلتي بحضرة صاحبة العصمة حرم المغفور له محمد باشا شكري مدير ~~الدقهلية في ذلك الوقت قوية متينة كما قدمت؛ فكنت أزورها دون تكليف، ~~وأدخل عليها بدون استئذان، ولكني مع هذا كنت أحتاط لسمعتي، فلا أرفع ~~التكليف في منزل المدير إلا إذا كان هو غائبا عنه، وقد عرف خدم المنزل ~~مكانتي من صداقة سيدتهم؛ فكانوا يرحبون بي عندما أزور المنزل، وحدث أني ~~ذهبت إلى منزل المدير، ومعي كالعادة ساعي المدرسة، وعندما نزلت من ~~العربة التي أقلتني إليه، سألت البواب عن السيدة، فقال لي بسذاجة: إنها ~~خرجت يا سيدتي، ولكن سعادة المدير يجلس وحده في السلاملك فتفضلي ~~بالدخول عنده. وساءتني هذه الكلمة البسيطة إذ إنها قد تشعر ساعي ~~المدرسة أني اعتدت أن أزور المدير في منزله منفردا عند غياب ~~زوجته. # ساءتني تلك الكلمة البسيطة؛ لأن الناس في ذلك الوقت كانوا يسيئون ~~الظن بجميع المتعلمات، شأن عامة الناس بكل جديد، غضبت من بواب المدير ~~غضبا كاد يدفعني أن أخاطبه بغير الكلام لو أن ذلك كان ms121 من عادتي، وقلت ~~له في حدة متناهية: ومن الذي سألك عن المدير أيها الحمار؟ وهل من عادتي ~~أنا أني أزوره، أو أسأل عنه؟ الحق أنك غبي بليد. قلت ذلك وعدت مسرعة ~~إلى العربة التي أقلتني إلى منزلي في الحال، وسمع سعادة المغفور له تلك ~~الألفاظ، فساءه أن يبدو من ألفاظي الشك في سمعته، وهو الأبي ~~المعصوم، فغضب وأخذ يقول إن نبوية قد خرجت عن حدود الأدب في ألفاظها، ~~وشاء حسن الحظ أن تعود السيدة حرمه، وهو يعتب علي، ويستنكر ما قلته ~~فساءها أن يشتمني كما زعمت، واشتبكت معه في نقاش عنيف كاد يؤدي إلى ما ~~لا تحمد عقباه، وأخذت تقول له: إنك غربتني عن بلادي، وأنت مع هذا تكره ~~كل صديقة تدخل بيتي، وتخفف من ألم غربتي، وإني ألاحظ على نبوية أنها ~~تشعر بكراهتك لها إلى درجة أنها تترك المنزل عندما تعود أنت إليه. اشتد ~~بينهما الجدل والخصام، وكانت هي الغالبة شأن كل السيدات، وطلب هو الصلح ~~فلم يفلح، فأراد أن يوسطني في الأمر فاستدعاني تليفونيا بعد أن ~~أخبرني أن السيدة قد عادت، فحضرت في الحال، فوجدته يقطع بهو المنزل ~~ذهابا وجيئة، وهو في حالة غضب، فلما وقع بصره علي أشار إلى الغرفة ~~التي كانت تجلس فيها حرمه، وقال: انظري كيف كنت سببا فيما بيني ~~وبينها من خلاف. فلم أجبه، ولكني دخلت عليها مسرعة، وما كادت تراني ~~حتى زاد غضبها وقالت: إنه أراد أن يبلغك هذه القصة حتى ينفرك من ~~زيارتي. قلت: كلا يا سيدتي، إني إنما أحضر هنا لزيارتك لا لزيارته، ولا ~~يهمني أغضب هو علي أم رضي، ولكن اسمحي لي أن أقول لك إنك ظالمة في ~~غضبك منه؛ لأنه شتمني داخل منزله بعد أن أسأت أنا إليه على مسمع من ~~الخدم، وعلى قارعة الطريق، إني أنا المخطئة لا هو. فزال غضبها من ~~كلامي، وتم بينهما الصلح. # كانت هذه الحادثة سببا في إفلاتي من عقاب محقق أراده جناب المستر ~~دانلوب مستشار وزارة المعارف، وهكذا أراد الله أن يكون السوء ms122 سببا في ~~الخير؛ فقد كتبت مقالة في إحدى الصحف أنتقد فيها بعض أخطاء الرؤساء، ~~وكنت أقصد الرؤساء المصريين طبعا، ولكن أحد خصومي أفهم دار المندوب ~~السامي أن المقصود بالرؤساء في تلك المقالة هم الإنجليز، واتصلت دار ~~المندوب السامي بجناب المرحوم المستر دانلوب، وطلبت منه أن يطلب فصلي ~~من وظيفتي بما له من إشراف على مدارس مجالس المديريات، وأسرع المستر ~~دانلوب إلى تلبية ذلك الطلب عندما عرف أن سببه هو طعني على الإنجليز، ~~فزاد ذلك ما كان في نفسه من الشك في منافستي للإنجليز، وكراهيتي لهم، ~~وحضر خصيصا إلى المنصورة يطلب من المغفور له محمد باشا شكري تنفيذ تلك ~~المهمة؛ أي فصلي في الحال، وكان ذلك بعد الحادثة التي ذكرتها بيوم ~~واحد، فحار في أمره، وتأكد أن حضرة صاحبة العصمة حرمه لا يمكن أن تصدق ~~تلك الرواية، بل إنها ستتأكد من أن الفصل إنما بني على غضبه مني، وأن ~~الحادث سيكون وقعه شديدا على نفسها خصوصا إذا اتهمته هو شخصيا ~~بتدبيره. # احتار الرجل في أمره، وفكر في حضرة صاحب الرفعة محمد باشا محمود ~~لقربه من صداقة الإنجليز، واستطاعته التفاهم معهم، وكان في ذلك الوقت ~~محافظا للقنال، فسافر في الحال إليه، وطلب منه أن يبحث في دار المندوب ~~السامي عن سبب غضب الإنجليز علي لعله يجد حلا لذلك، وذهب صاحب ~~الرفعة محمد باشا محمود فعرض عليه المقال، فترجمه لهم ترجمة حقيقية، ~~وأفهمهم أن المقصود بذلك المقال رئيس مصري، فكتبت دار المندوب السامي ~~إلى المستر دانلوب تقول له إن الترجمة خطأ، وإنه لا معنى لتنفيذ ~~العقاب، وفي الحال خاطب المستر دانلوب شكري باشا تليفونيا، وطلب منه ~~أن يصرف النظر عن مسألة الفصل، وما كاد المغفور له يعلم هذا حتى قص ~~القصة على حرمه بعد أن أخفاها عنها كل تلك المدة، ومن غرائب الأحلام ~~أني حلمت أن إنجليزيا لا أعرفه دنا مني وقبلني، فساءني ذلك منه، ~~واعتبرته إهانة عظيمة، أخذت أبكي وأنتحب من أجلها، وأخيرا اعتذر ~~إلي الإنجليزي قائلا إنه أخطأ، وما كان يريدني ms123 بذلك، فزال ألمي عند ~~اعتذاره، وشعرت بشيء عظيم من الراحة، وفي اليوم التالي زرت صديقتي حرم ~~المدير فرويت لها الحلم، وقلت: إني أخشى أن تنزل بي كارثة، ثم تزول، ~~ولست أدري ما نوع الكارثة. قالت: لا تخشي شيئا، فإن الكارثة قد وقعت ~~وقد زالت، ثم قصت علي قصة المستر دانلوب، وما فعله المغفور له زوجها ~~لإنقاذي. # وهكذا شعرت نفسي بشيء لم أكن أعلمه، ولعل للأحلام علاقة بما تشعر به ~~الروح الداخلية للإنسان من إحساس غامض؛ فهي قد تشعر بما يحيط بها، ~~بينما يجهله الإنسان نفسه في يقظته، ويخيل إلي أن الإنسان قد يرى في ~~أحلامه الأشياء التي حدثت بالفعل وعرفها غيره؛ لأن الروح قد تشعر بما ~~يحيط بها من الحوادث التي وقعت فعلا، أما الغيب أي الحوادث التي لم ~~تقع، ولم يعلمها أحد فأستبعد أن يراها الإنسان في أحلامه، وإن كنت أنا ~~شخصيا قد حلمت مرة حلما خشيت أن يفسر بوفاة المرحوم شقيقي، وقد كان ~~ما خشيته وتحقق الحلم بعد أربع سنوات، ولست أدري أكان ذلك لحبي الشديد ~~له، وخوفي عليه فحلمت ذلك الحلم، ثم شاءت الصدف السيئة أن يتحقق؟ أم أن ~~هناك أسبابا أخرى لمثل تلك الأحلام قد نجهلها الآن، وقد يكشف العلم في ~~المستقبل عن حقيقتها؟ على أني أعترف أن جميع الأحلام التي رأيتها ~~وتحققت، كانت كلها وقائع صحيحة حدثت وعرفها غيري يوم رأيتها أنا في ~~منامي، اللهم إلا هذا الحلم الوحيد الذي رأيت فيه المرحوم شقيقي يهوي ~~إلى حفرة عميقة، فيحدث صوتا مفجعا عظيما أيقظني من نومي وأنا أردد ~~كلمة «أخي»، وبعد ذلك بأربع سنوات ذقت تلك الفاجعة، ولكني لم أتكلم بل ~~تحدثت دموعي كثيرا فأنابت عن الكلام، وهي - وايم الحق - أبلغ ما ~~يقال. # | إصلاح مدرسة المنصورة أخلاقيا ومخاوفي ~~التي كنت أخشاها بعد إطلاق يدي في المدرسة # أقنع حضرة صاحب الرفعة محمد باشا محمود الإنجليز - كما قدمت - ~~ببراءتي مما اتهمت به، ووثق حضرة صاحب السعادة المغفور له مدير ~~الدقهلية بأعمالي، فأطلق يدي في إدارة المدرسة حتى كان ms124 لا يعارض لي ~~أمرا، فالتفت إلى إصلاح المدرسة من الوجهة الأخلاقية، فاتجهت بنوع خاص ~~إلى مسلك المعلمات؛ لأنهن قدوة التلميذات، وكان بالمدرسة معلمة من ~~المدرسة السنية قد نالت شهادتها بعدي بثلاث سنوات فقط، وقد كانت زميلتي ~~في بعض سني الدراسة، ولكن ما تعلمته من العلوم لم يكن لينير لها السبيل ~~في حياتها الشخصية؛ لأنها على ما يظهر اقتصرت على علوم المدرسة، وهي لا ~~تتناول شيئا من أخلاق الرجال ومشاكلهم مع السيدات مثلا، أما أنا فقد ~~كنت على العكس من ذلك، قد استفدت فائدة عظيمة من قراءتي كثيرا من ~~المجلات والقصص الغرامية التي كانت تمثل لي أخلاق الرجال وحيلهم في سلب ~~النساء الشرف والمال معا. # لهذا كنت يقظة، أكاد أعرف ما يكنه الرجل من وراء تملقه فتاة من ~~الفتيات، وكان لتلك المعلمة ابن عم كان يظهر لها الولوع بها إلى درجة ~~بعيدة، وكان في الوقت ذاته يريد أن يولعها هي به ليسلبها ما كانت ~~تتقاضاه من مرتبها؛ فكان يرسل لها كثيرا من الخطابات، ويطلب في كل ~~خطاب يكتبه أن تكثر هي من الكتابة إليه، ويلومها على عدم تغزلها به، ~~وإظهارها حبه وغرامه في كتاباتها، فكان بذلك يريد أن يعلمها كيف تولع ~~به، وعرفت من خلال كلامه في تلك الخطابات أنه لا يكن لها حبا، ~~وأنه إنما يريد أن يستغل ما يتظاهر به من الحب لمصلحته الشخصية ليسلبها ~~ما استطاع أن يسلبها من المال، وكانت المسكينة تحرم نفسها من ضروريات ~~الحياة، وترسل إليه مرتبها كاملا تقريبا. # نصحت لها بعبارات مبهمة فلم تفهم قصدي، ولم يزدها كلامي إلا تعلقا ~~بابن عمها، وغراما به، وأخيرا أرسل إليها خطابا يقول لها فيه إنه ~~سيحضر إلى المنصورة في يوم الجمعة ليقضي معها يوما مفعما بالمغامرات ~~الغرامية بين الحقول والمياه، وساءني أن يتم ذلك؛ لأن المنصورة بلد ~~صغير لا يخفى على سكانه شيء مما يدور فيه، فلم أسلمها ذلك الخطاب، ولم ~~أخبرها به، ولكني في الساعة المضروبة لحضوره جلست في مكتبي، وقلت ~~للبواب إذا جاءك رجل يسأل ms125 عن فلانة فقل له إن ناظرة المدرسة تنصحك بترك ~~المنصورة حالا وإلا قبض عليك، فكان كلام البواب مفاجأة مفزعة للرجل، ~~أسرع بعدها إلى القطار الذي أقله إلى القاهرة، وسافرت المعلمة بعد ذلك ~~إلى القاهرة فعرفت ما تم له، وساءها الأمر، فجاءتني غاضبة تلومني على ~~ما حدث، فهدأت من غضبها، ونصحت لها أن تتروى في الأمر، وأن لا تأتمن ~~ابن عمها هذا كثيرا؛ لأنه يظهر لي أنه خائن محتال، وعارضت طبعا، فقلت ~~لها: إذا كان ينوي الزواج منك فما الذي يؤخره إلى اليوم؟ وهل عندك مانع ~~من أن يتم عقد الزواج الآن؟ قالت: لا مانع عندي، ولكنه هو يتعلل بعلل ~~قد لا أفهمها. قلت: إذن هو محتال كاذب، وإني أمنعك بتاتا أن تكاتبيه، ~~أو تستلمي منه خطابات ما لم يعقد عليك، وما دمت أنت لا مانع عندك فيجب ~~أن يسرع هو إلى تنفيذ ذلك لتكوني واثقة من حسن نيته. # وبعد يومين جاءني خطاب منه يقول لي إنه لا يجوز لي مطلقا التدخل ~~بينه وبين زوجته المستقبلة، وإن له أن يكاتبها، وأن يتنزه معها ما شاء، ~~وشاء له الهوى، فأرسلت أقول له إني قد فهمت من جملة خطاباته أنه لص ~~محتال، وأنه لا ينوي الزواج بها، بل هو يستغل تظاهره بالحب ليسلبها ~~المال، وأنه في نظري أسفل الرجال قاطبة؛ لأنه لم يختر فريسة له ~~يسلبها العرض والمال إلا ابنة عمه التي كان يجب عليه أن يدافع عن ~~شرفها، وأن يحمي ذلك الشرف بكل ما يستطيع، لا أن يكون هو أول من يفسد ~~أخلاقها، وإني لهذا لا أصرح له ولا لها بالمكاتبة إلا إذا أسرع إلى عقد ~~العقد، وأصبحت زوجته الشرعية، ومن غير هذا لا يمكنني أن أسمح له بشيء ~~من ذلك الحب الدنيء المتصنع. # وانقطعت جواباته بالطبع عنها، فلم تطق صبرا، وسافرت إلى القاهرة ~~في عطلة الأسبوع، واضطر هو إذ ذاك أن يعقد عليها، وقال لها بعد انتهاء ~~العقد: عليك أن تشكري ناظرتك؛ لأن خطابها إلي هو السبب فيما تم ~~اليوم، وثارت ms126 ثائرتها كيف تكتب له الناظرة، وهل وقعت هي في غرامه ~~أيضا؟ فقال لها ضاحكا: «غرام إيه يا شيخه دي لعنت أبويه!» # تم عقد الزواج، وتركت المدرسة في آخر السنة، ولكن ابن عمها ما لبث أن ~~أظهر لها غايته الحقيقية، وهو أنه لا يميل إليها، ولا يريدها زوجة له ~~خصوصا بعد أن أصبحت ولا مرتب لها؛ أي بعد أن غاض منبع النقود الذي كان ~~يغريه بالتقرب منها، فطلقها دون أن يدخل بها، وهكذا ظهرت غايته واضحة ~~جلية، وعرفت هي أني كنت على حق فيما نطقت لها به. # وبعد هذه الحادثة استقامت معلمات المدرسة، ولو في ظاهرهن، وصح ما كنت ~~أريده من ظهورهن بمظهر الكمال والحشمة ليكن قدوة صالحة لطالباتهن، ~~وكانت كلمتي نافذة لا مرد لها، فاستقامت شئون التعليم في المدرسة، ~~ودخلت تلميذات المدرسة امتحان شهادة كفاءة المعلمات فتفوقت مدرسة ~~المنصورة على جميع مدارس المعلمات الأولية، ومن بينها مدرسة معلمات ~~بولاق، وأخذ الناس يتناقشون في المفاضلة بين الناظرة المصرية ~~والإنجليزية؛ لأن ناظرة مدرسة بولاق كانت إنجليزية، وكان الناس قبل ~~ذلك يعتقدون بأن المصريات لا يصلحن بتاتا لنظارة المدارس، وأثبتت لهم ~~تلك الحادثة عكس ما كانوا يتوهمون؛ فأخذوا يفضلون الناظرة المصرية على ~~الإنجليزية، وفي ذلك فتح باب ما كان ليلجه أحد في الماضي، وهو تعيين ~~ناظرات مصريات لجميع المدارس، وكان الإنسان في ذلك الوقت لا يستطيع أن ~~يجاهر بفكرة تعيين ناظرات مصريات، وإلا تعرض لخطرين معا؛ أولهما - وهو ~~صحيح - غضب السلطات الإنجليزية عليه ووقوفها في وجهه، وثانيهما: معارضة ~~السامعين لما يقول، ودحضهم أقواله وبراهينه بكل ما يستطيعون، ويظهر أن ~~أعدائي اتخذوا من ذلك سلاحا يحاربونني به فيما أريده من الإصلاح ~~اعتقادا منهم أن الإنجليز سيساعدونهم على كل ما يريدون، ولكن المستر ~~دانلوب كان على العكس من ذلك لا يزال يعطف علي، تبين لي في ذلك الحين ~~حرج مركزي، وعرفت عدوا قويا يسعى ورائي، ويجتهد في أن يعين مديرا ~~للدقهلية حتى يستطيع الانتقام مني، وكنت أعتقد اعتقادا لا يخالطه شك ~~في أنه سينجح فيما ms127 يريد، وأن بقائي كناظرة لا يمكن أن يدوم، وأني سأضطر ~~إلى تركي هذا العمل غضبت أم رضيت، قبلت أم رفضت، فقدمت في مدرسة الحقوق ~~منتسبة، وكان أن نجحت في جميع السنوات إلى أن أصبحت في السنة الرابعة، ~~وكان من المؤكد أن أنجح لو أني استطعت دخول ذلك الامتحان، وقبل ~~الامتحان بشهر أرسل إلي المستر دانلوب أحد المفتشين الإنجليز ليطلب ~~مني عدم دخول ذلك الامتحان، صارحته بمخاوفي وقلت إني لن أبقى كثيرا في ~~وظيفة ناظرة؛ ولذلك فأنا أتلمس بتلك الشهادة التي أريد أن أنالها عملا ~~آخر في الحياة، فاستدعاني المرحوم المستر دانلوب، وأظهر لي كل عطف، ~~وقال لي إنه مسئول عن بقائي ناظرة دون أن يتعرض لي أحد، ولما كاشفته ~~بأن هذا العدو سيكون مديرا للمنصورة في أقرب وقت، قال: إنها أوهام ~~فتيات لا تنطوي على حقيقة. فقلت له: هب أنها تحققت فماذا يكون موقفي أو ~~موقفك؟ قال: سأحميك بكل ما أستطيع. قلت: يكفيني هذا الوعد الصريح. ~~وامتنعت عن دخول الامتحان لأني كنت أعتقد أن المرحوم المستر دانلوب إذا ~~قال فعل. # | ذكريات حديثة # عفوا أيها القارئ! فسأخرج بك من ذكرياتي القديمة الغريبة التي تكاد ~~تكون ضمن القصص إلى ذكريات حديثة لا تقل عنها غرابة، ولعلها تهمك ~~لقربها من الزمن الذي نعيش فيه. # قضى علي سوء الحظ أن أكون ناظرة لمدرسة حرة كما يدعون، أو لمدرسة ~~مستعبدة كما أسميها أنا، وقامت إيطاليا - لا عفا الله عنها - فهاجمت ~~مصر بطائراتها فخاف الناس، وذلك قبل أن تنتصر إنجلترا، وتخلصهم من ذلك ~~الخوف، خشيت كما خشي كل ناظر من عدم استمرار المدارس في عملها، وكان ~~خوفي مضاعفا؛ لأن الناس في مصر يعتبرون تعليم البنات كماليا لا ~~ضرورة له، فهم إذا قامت الحرب رأوا أن المنزل خير مكان يأوي الفرد؛ ~~لهذا خشيت ألا أتمكن من الإنفاق على مدارسي، وصممت على أن أغلقها خوفا ~~من أن تفلس، ولا شك أن المدارس الأهلية إذا استدانت، واستدانت، خرج ~~منها صاحبها لا بملابسه كما يقولون، ولكن بعد أن يبيعها. # ولهذا ms128 عرضت الأمر على معلمي مدارسي، وصارحتهم بنيتي في إغلاق المدارس ~~فعارضوا في ذلك، فطلبت منهم أن تخفض مرتباتهم في ذلك الظرف فقط إلى ~~الحد الذي أستطيع معه السداد، واتفقت مع أساتذة دار العلوم على مرتب ~~أساسه 10,5 جنيهات شهريا بدلا من 12 جنيها فتعاقدوا على هذا، ورضوا ~~به مختارين، ولكني ذهبت يوما إلى الوزارة، وإذا بي أصادف فرقة ~~بأكملها من تلاميذ المدارس الحرة جاءت لتحتج على صاحب المدرسة، وسألتهم ~~ما سبب هذا الاحتجاج قالوا: لقد أساء صاحب المدرسة إلى أستاذنا. وهنا ~~نظرت، وإذا بالفرقة تحيط بها فرقة أخرى من أساتذة دار العلوم، يظهر ~~أنهم هم الذين قادوها إلى الوزارة، فنظرت إلى التلاميذ، وقلت: أساءكم ~~معاملة صاحب المدرسة لأستاذكم الذي هو من دار العلوم؟ قالوا: نعم. قلت: ~~أوكان عاجزا عن أن يأخذ بثأره بدلا من أن ينيب عنه «كبشة» صبية كما ~~يقولون؟ # تألمت من أن يقوم معلمو دار العلوم بإفساد المدارس الحرة إلى هذا ~~الحد، وأردت أن أنتصر لهذا التعليم الذي ضحيت من أجله، أنبت زعيمهم؛ أي ~~زعيم الدار، على هذا التصرف الذي من شأنه أن يعلم التلاميذ كيف يتمردون ~~لا على ناظر المدرسة فحسب، بل وعلى معلميها أيضا، وغضب زعيم الدار لما ~~أبديته أنا من النقد، وأراد أن ينتقم لنفسه ولجماعة دار العلوم، وفجأة ~~ومن غير انتظار جاءني أحد أساتذة دار العلوم يوم الخميس 26 ديسمبر يقول ~~إنه لا يقبل التعاقد الذي اتفق عليه معي في أول أكتوبر، وهددني ~~بالاستقالة، ولكني أفهمته أنه رجل، وأنه يجب أن ينفذ كل ما تعاقد به ~~على أني لا أعارض في استقالته إذا شاء، وفي يوم السبت 28 منه خاطبني ~~زعيم الدار فجأة أيضا، ومن غير انتظار، وقال لي في لهجة الآمر ~~الناهي: نحن لا نقبل تلك الفوضى، ولا تسمح الجماعة بأن يأخذ أحد ~~أفرادها أقل من الحد الأدنى، وهو لا يريد طبعا بالجماعة أهل منزله كما ~~اعتاد الناس، ولكنه يريد جماعة دار العلوم، قلت: ولكننا اتفقنا، ووافق ~~معالي وزير المعارف على ذلك الاتفاق. ms129 فقال لي شيئا لم أفهمه، ولعله ~~أراد ما يشابه هذا البيت: # وكنا إذا الجبار صعر خده # مشينا إليه بالسيوف نعاتبه # فلم يهمني شأنه وشأن الجبار، ولكن كان يهمني تصرفه نحوي على أنه ~~والحق يقال لم يدعني أفكر في ذلك كثيرا ولا قليلا، بل قال في لهجة ~~الآمر: عليك الآن أن تستدعي فلانا - وذكر بعظمة اسم ذلك المعلم - وأن ~~تعتذري إليه في الحال، وأن تسترضيه وإلا ثارت عليك جماعة الدار. وهنا ~~أترك للقارئ أن يرد على صاحبنا بالإنابة عني إذا كان ثمة رد، وأن ~~يتصور حرج مركز نظار المدارس الأهلية أمام ذلك السلطان القوي الذي ~~أصبحت معه الجماعة لا تخشى كبيرا ولا صغيرا حتى ولا الجبار، ولا ~~يهمها في التعليم شيء إلا أن تجاب مطالبها، ومطالبها هي جمع المال من ~~كل الوجوه وبجميع الوسائل، لم أجبه أيها القارئ، ولا أدري ما الذي ~~سيكون من أمري، وإنا لله وإنا إليه راجعون. # فهل من سبيل أيها الرأي العام إلى إرضاء جماعة دار العلوم؟ # مكافأة سنية لمن يدلني على ذلك. # وهل نستطيع نحن أن نتوسل إلى الجبار الذي لا تهتم به دار العلوم ~~لينقذنا من ظلمهم؟ # لقد استطاع حضرة صاحب السعادة النقراشي باشا في يوم من الأيام أن ~~يسكت تلك الحناجر، وأن تخضع له، وخصم لزعيم الدار في ذلك الوقت 15 ~~يوما، ووزيرها الحالي ليس بأقل حزما ولا عدلا من ذلك الوزير، فلعله ~~ينظر في الأمر، ويفهمهم بجلاء أنه ليس هو الذي يعاتب بتلك ~~الوسائل. # | مكائد # لم يمض على ذلك زمن حتى تحقق ما كنت أخشى، وعين أحد رجال وزارة ~~المعارف مديرا للتعليم في مديرية الغربية، وكان صديقا حميما لخصمي ~~العنيد، وكان فوق ذلك محبا للسلطة والنفوذ، جبارا على مرءوسيه، ولم ~~أكن أخضع في حياتي لجبار، وقد نقل في ذلك الوقت المغفور له محمد باشا ~~شكري، وحل محله صاحب المعالي سعيد باشا ذو الفقار؛ فكان خير خلف لخير ~~سلف، وأراد مدير التعليم أن يظهر سلطته؛ فأرسل إلى المدرسة خطابا كتب ~~في أوله بعض أسماء ms130 مدرسين، وفي مقدمتهم اسمي الكريم، ثم طلب في الخطاب ~~أن أرسل لهؤلاء الموظفين شهادة الجنسية وحسن السير والسلوك، وساءني ~~بالطبع أن يتجاهل مدير التعليم الجديد أني عينت في المجلس منذ ثلاث ~~سنوات، وأن المجلس كان راضيا عني كل تلك المدة، وأنه إذا طلب مني ~~شهادة حسن سير وسلوك، كان على المجلس نفسه أن يكتبها لي بعد أن خدمته ~~كل تلك المدة بإخلاص واستقامة. # ساءني ذلك التجاهل منه، وجاء كاتب المدرسة ليعرض علي الخطاب فأخذته ~~منه، ونظرت إليه نظرة استخفاف بأمر ذلك الخطاب، ووضعته في درج مكتبي، ~~فسألني الكاتب: ألا تريدين حضرتك أن تجيبي عليه؟ قلت: كلا، لا إجابة لي ~~على ذلك. ومضى أسبوع ثم آخر، وأتحفنا مدير التعليم بعدة نسخ من ذلك ~~الخطاب يرسل إحداها تلو الأخرى، ولا أجيب عليها. # ثم زار المدرسة المدير الجديد؛ أي صاحب المعالي سعيد ذو الفقار باشا، ~~ومعه مدير التعليم طبعا، وبعد أن تفقد المدير المدرسة، وسر منها ~~سرورا عظيما، قال لي: إن هناك فكرة بين الأعضاء بإلغاء تلك المدرسة. ~~قلت: إنها فكرة خاطئة؛ لأن مجلس المديرية لا يدير مدارس تستحق الذكر ~~إلا مدرسة المعلمات هذه، وبضع مدارس ابتدائية لا قيمة لها، ثم المدارس ~~الأولية القليلة. # والمجلس مع ذلك قد ضخم موظفي إدارته، ورفع مرتباتهم بلا مبرر، فإذا ~~أراد الاقتصاد في المال فما عليه إلا أن يقتصد في مرتبات هؤلاء ~~الموظفين، وفي عددهم أيضا، فإن هذه الإدارة الكبيرة تدير بضع مدارس لا ~~قيمة لها، وما سمعنا أن قاطرة بخارية عظيمة يؤتى بها لتجر وراءها ~~قاربا، لا هناك ولا هنا، وإلا كان ذلك خطلا في الرأي وإسرافا في ~~المال، فإذا أراد سعادة المدير الاقتصاد فما عليه إلا أن يحذف نصف ~~موظفي إدارة المجلس. # قال مدير التعليم: ولكنهم قليلون لا يستطيعون القيام بعملهم إلا بكل ~~مشقة. قلت: لقد كتب إلي هؤلاء الموظفون عشرة خطابات في صوغ لا معنى ~~له ولا فائدة منه، ولو أن لديهم ما يشغلهم لما تعلقوا بتلك السفاسف. ~~قال: وما هو ذلك الموضوع؟ قلت: ms131 طلبتم مني في تلك الخطابات الكثيرة ~~المتعددة أن أرسل إليكم شهادة تثبت جنسيتي، وأخرى تثبت حسن سيري ~~وسلوكي، مع العلم بأني موظفة في ذلك المجلس منذ ثلاث سنوات، ولو طلب ~~أحد شهادة تثبت حسن سيري وسلوكي لكان على المجلس نفسه أن يكتبها لي حسب ~~ما خبره عني في تلك السنوات الثلاثة، فأنتم تعملون ما لا فائدة منه، ~~ولا مؤاخذة يا سعادة البك إذا قلت إن مرتبك الضخم لا يتحمله هذا المجلس ~~بمورده الضئيل، على أنه لا خسارة في الأمر إذا ردك المجلس إلى الوزارة ~~التي انتدبت منها. # وقد تفضل أنت العودة إلى عملك في الحكومة فتستفيد ويستفيد المجلس ~~معك؛ لأنك هنا لا عمل لك إلا الأشياء التي لا تؤخر ولا تقدم، وإلا فما ~~معنى أن تطلب شهادة جنسيتي بتلك الخطابات الكثيرة، ولا يشك الناظر في ~~وجهي في مصريتي لحظة؟ # قال: هذا ما يقتضيه النظام. قلت: وهل قدمت أنت إلى المجلس بجنسيتك؟ ~~قال: إني كنت موظفا بوزارة المعارف، ولي فيها ملف خدمة. قلت: وهل فاتك ~~أنني مثلك تماما في ذلك، وملف خدمتي موجود بالوزارة؟ أم حسبت يا سيدي ~~أنهم أحضروني هنا من وكالة البلح؟! ثم نظرت إلى معالي سعيد ذو الفقار ~~باشا، وقلت: لا شك يا سيدي أنك تقتنع بمصريتي تماما، وأنت تنظر إلى ~~وجهي هذا الأسمر دون شهادة، أما سعادة البك مدير التعليم فهو أشبه ~~بالإنجليز منه إلى المصريين؛ فهو بعد أن يقدم لك شهادات بمصريته سيتركك ~~وأنت في حيرة من أمر جنسيته هذه. وضحك معالي سعيد ذو الفقار، وقال: ~~إنها لعلى حق فيما تقول، وسأؤيد هذه المدرسة بكل ما أستطيع. وسكت مدير ~~التعليم على مضض. # وفي اليوم التالي من تلك الزيارة جاءني من المجلس نسخة من الخطاب ~~السابق إرساله لي بعد أن شطب منه اسمي، فقدم الكاتب الخطاب وهو يضحك ~~لأنه لاحظ أن اسمي غير موجود بين الموظفين الذين يطلب منهم شهادة ~~الجنسية، وحسن السير والسلوك. # وهنا نظرت إلى الكاتب، وقلت له: اطلب من هؤلاء الموظفين الشهادات ~~المطلوبة منهم ms132 بكل سرعة، وأرسلها في الحال إلى المجلس. # كان هذا الحادث سببا في أن يتحمل مني مدير التعليم، وإن كان هو ~~الساعي إلى الشر لأنه هو الذي كان يحرض أعضاء المجلس على فكرة إلغاء ~~المدرسة، ويمنيهم بالخير إذا فعلوا ذلك؛ لأن خصمي العنيد كان يسعى في ~~النقل إلى المنصورة، وكان متأكدا من نجاحه، وهكذا صارح مدير التعليم ~~أعضاء المجلس بتلك الفكرة، وقال لهم: إن المدير المقبل سيسر لفكرة ~~إلغاء هذه المدرسة. وعلى ذلك انتشرت الفكرة، ووصلت إلى المدير كما ~~قدمت، وكان علي أن أدافع عنها بكل ما أستطيع. # لهذا اجتهدت أن أفهم المدير؛ أي «ذو الفقار باشا» أنه يستطيع ~~الاقتصاد من موظفي المجلس لا من إلغاء المدرسة. # وحدث بعد ذلك أن زار المدرسة المرحوم حفني بك ناصف المشرف على اللغة ~~العربية، وكان لمدير التعليم كتاب مطالعة تقرؤه تلميذات في سني المدرسة ~~الابتدائية، وقرأت البنت أمام حفني حديثا للساعة عن نفسها، فقالت: ها ~~أنا ذا، فطلب المرحوم حفني بك من التلميذة أن تعيد الجملة وتصححها، ~~فقرأتها مرة وثانية وثالثة، وسألني حفني بك عن هذا الخطأ المتكرر، ~~فقلت: إن التلميذة تقرأ صحيحا؛ لأن هذا هو المكتوب في كتاب المطالعة، ~~وإن كان الواجب أن تقول «ها أنا ذي». # قال: إذن الكتاب مخطئ. قلت: نعم، قال: ولم لا تصححينه؟ وكان مدير ~~التعليم موجودا معه، فقلت في ابتسامة: لو فعلت ذلك لطردت من البلد؛ ~~لأن المؤلف هو سعادة المدير. # انتهت تلك الزيارة، وتركت في نفس مدير التعليم أثرا لا يمحى، فزار ~~المدرسة في اليوم التالي، وحضر درس المطالعة في هذا الفصل، وقرأت ~~تلميذة في نفس الكتاب: «لقد رمد الثعبان» قرأتها بكسر الميم، فاحتد ~~المدير على المعلم، واشتد في إهانته وقال إنه يعلم التلميذات الخطأ، ~~وإن رمد معناها عمي، وأما رمد فمعناها هلك، وهي المقصودة. # استأت لإهانة المعلم أمام تلميذاته، وأردت أن أهدئ من حدة المدير ~~فملت إليه في همس وطلبت منه أن نترك الفصل معا ليسترد هذا المسكين ~~هيبته، أو على الأقل يستطيع أن يقف على ms133 قدميه؛ لأنه كان يرتعد خوفا ~~أمام تهديدات المدير، ولكنه رفض في صوت عال، وقال إنه لا يسمح بمثل ~~هذا الخطأ، فملت عليه ثانية، وقلت له بنفس صوته: لا بأس يا سيدي فإن ~~الإنسان غير معصوم من الخطأ، وقد أخطأت أنت بالأمس تحريريا، فاسمح له ~~أن يخطئ اليوم شفويا، واحدة بواحدة، وهنا اضطر أن يخجل، وأن يترك ~~الفصل معي، وهكذا استحكمت حلقة الخلاف بيني وبينه. # | سعيد ذو الفقار باشا # زرت مدير التعليم بعد هذا، وكان - كما قدمت - شديدا سيئ المعاملة ~~لمرءوسيه، ولكنه قابلني ببشاشة وترحاب لما رآه من عطف مدير المديرية ~~علي، وما كدت أجلس في مكتبه حتى استأذن عليه أحد النظار؛ أي نظار ~~المدارس التابعة للمجلس، فدخل الرجل في شيء من الخجل والتهيب، فلم يقم ~~له المدير، ولم يمد له يده، فاضطر أن يحييه برفع اليد؛ أي تحية عسكرية، ~~وقال مدير التعليم بشدة: ما الذي جاء بك؟ وماذا تريد؟ قال: جئت لتشملني ~~بعطفك. فقال: ماذا تعني بهذا الكلام؟ إني أود أن أخلق منكم رجالا لا ~~يميلون إلى الملق، فاذهب من حيث أتيت ما دام ليس لديك مطلب تقدمه. فحيا ~~الرجل تحية عسكرية أخرى، وأراد أن ينصرف وهو يترك المكان بظهره حتى ~~لا يدير ظهره لسعادة المدير، وهنا احتد المدير، وقال: أريد أن أخلق ~~منكم رجالا يحترمون أنفسهم، ولا يفعلون ما تفعل. وخرج الرجل وهو يدعو ~~له بطول العمر. # وساءني هذا؛ لأني زميلة ذلك الذي أهين، ولعل المدير ما فعل ذلك إلا ~~ليظهر لي مقدار بطشه وسلطانه على النظار زملائي؛ ولهذا تألمت، وقلت له ~~وأنا أضحك ضحكة عصبية ملؤها الغيظ والغضب: أرجوك يا سيدي إذا أردت أن ~~تقابل أحد نظارك هؤلاء أن تعلمني قبل ذلك لأتمكن قبل مقابلتك لهم لا من ~~ترك غرفتك فحسب، بل من ترك المنصورة بأكملها، حتى لا أشعر بما تم في ~~تلك المقابلة العنيفة التي لا تخلق من مرءوسيك رجالا كما تقول، بل ~~تخلق منهم عبيدا أرقاء لا يصلحون في نظري للتعليم والتهذيب؛ لأنهم في ~~نظري لا ms134 كرامة لهم ولا إرادة، وأول ما يطلب من المعلم أو الناظر هو قوة ~~الإرادة والمحافظة على الكرامة، وهؤلاء التعساء الذين قضى عليهم سوء ~~الحظ أن ترأسهم ولو عاما واحدا لا يصلحون بعد ذلك لوظائف التدريس أو ~~إدارة المدارس. واضطر مدير التعليم أن يضحك ضحكة صفراء كما يقولون، ~~وأن يقول: إني أعامل كل مرءوس بما يتناسب وأخلاقه. # وكان لحسن حظي أن عطف علي حضرة صاحب المعالي سعيد باشا ذو الفقار، ~~وهو مدير المديرية في ذلك الوقت، وأراد أن يساعدني بكل ما يستطيع، فلم ~~يكن يستطيع أحد أن يعاديني معاداة صريحة حتى ولا مدير التعليم خوفا ~~من معاليه، وأوغر مدير التعليم صدور أعضاء المجلس، وطلب منهم أن يلحوا ~~في طلب إلغاء المدرسة تنفيذا لإرادة المدير المقبل، واسترسلوا في ~~طلبهم هذا، وجاهروا بالعداوة نحو المدرسة، وأقامت المدرسة حفلتها ~~السنوية، وأردت أن أنتقم من هؤلاء الأعضاء في تلك الحفلة، فألفت ~~مفاخرة بين طفلتين إحداهما ابنة رجل متعلم، ولكنه متوسط الحال، ~~والأخرى ابنة رجل جاهل من أعيان البلاد، فأخذت كل منهما تفخر بوالدها، ~~وتغلبت ابنة المتعلم على ابنة الجاهل، وكان مما قالته لزميلتها: إن فخر ~~والدي في رقي معارفه وكمال مداركه، أما أنت فلم يرتق والدك إلا ~~بالطين - أي الفدادين - أما هو مجردا من طينه فلا قيمة له ولا ~~احترام. # ساء أعضاء المجلس تلك الجرأة، واعتبروها إهانة لهم، وطلبوا عقد ~~المجلس بصفة مستعجلة ليطلبوا فصل ناظرة المدرسة، وعلم المدير بما ~~أرادوه، وكان ذكيا لبقا اعتاد معاشرة الملوك، والخروج من المآذق، ~~فعقد المجلس، وبعد أن سمع مرافعتهم وإلحاحهم في طلب فصلي، قال لهم: إنه ~~هو الآخر مستاء مني لتلك الجرأة، ولكنه هو المسكين فيهم إذ هو الذي ~~قضي عليه بمعاملة الناظرات، وهو محافظ على سمعته لا يستطيع أن يتعاون ~~مع ناظرة ماجنة، أو مستهترة، وإنه يطلب منهم قبل الفصل أن يبحثوا عن ~~ناظرة أخرى، فإذا استطاعوا الوصول إلى ناظرة تماثل نبوية موسى في ~~كمالها وحشمتها فلا مانع عنده من رفت نبوية لتحل تلك محلها. # أما أن ms135 يعين مكان نبوية ناظرة ماجنة مستهترة فهو ما لا يرضاه لشرفه، ~~بل يفضل أن تشتمه الناظرة عن أن يتعامل مع فتاة سيئة الأخلاق لا يستطيع ~~ردها إلى الكمال والفضائل ... # وهنا عرف الأعضاء أن المدير لا يريد تغيير الناظرة، وأن مدير التعليم ~~حينما زين لهم تلك الفكرة أراد أن يوقع بينهم وبين المدير، فعادوا إلى ~~صوابهم، وأمنوا على كلامه، وانتهت الجلسة بأن أرسل خطاب شكر على ~~محافظتي على الأخلاق والآداب. # هكذا كان حضرة صاحب المعالي ~~سعيد باشا ذو الفقار حريصا كل الحرص على سمعته، لا يسمح مطلقا أن ~~يمسها شيء من الشك أو الريبة، ومما أذكره لمعاليه أن السيدة لبيبة ~~هاشم، وكانت صاحبة مجلة في ذلك الوقت جاءت لمقابلته فرفض مقابلتها، ~~وزارتني لأتوسط بينها وبين المدير في تحقيق رغبتها، فكلمته تليفونيا، ~~ورجوته أن يقابلها فقال: هل هي صغيرة السن؟ قلت: نعم هي في مثل سني، أو ~~أكبر قليلا. قال: أرجو أن تعافيني من تلك المقابلة. قلت: أحمد الله ~~الذي خلق لي وجها يمكنني من مقابلتك صباح مساء دون أن ترفض أو تتردد. ~~وكان لشدة حرصه على العادات الشرقية لا يقابلني أنا نفسي إذا زرت ~~منزله، بل تقابلني السيدة حرمه وكريماته، وكانت عاداته في منزله عادات ~~الشرقيين المحافظين، فلا يسمح لحرمه المصون بأن تصحبه في أية جهة، ولم ~~يرها أحد من المنصورة عموما، بل كانت تأتي من القاهرة وتذهب إليها ~~دون أن يشعر أحد بمجيئها أو ذهابها، وكان معاليه قوي الشكيمة في منزله، ~~حسن المعاملة في وقت واحد، لا يسمح لخادمة أن تدنو منه، بل كانت تقوم ~~حرمه بكل طلباته الخصوصية، فكان مثال الكمال في منزله، وفي ~~عمله. # وقلت له يوما: إني أعتقد يا باشا أنك الرجل الوحيد المعصوم، وكأن ~~الله قد خلقك لا تعرف الفساد. فضحك مستهزئا، وقال: نعم يا نبوية، أنا ~~لا أعرفه لا في منزلي ولا في عملي، وهي جملة حكيمة لو نفذها الرجال ~~لأفادوا البلاد، وأفادوا العمل، فالرجل خارج عمله حر فيما يريد، ~~والعصمة لله وحده، وما انتقدت ms136 في حياتي الرجال لشيء من تصرفاتهم ~~الشخصية، ولكني كنت أنتقد تصرفاتهم أعمالهم الحكومية التي ما تناولوا ~~مرتباتهم إلا لإصلاحها، ولو أنهم أهملوا ذلك الإصلاح الذي ينقدون له ~~لخفت المصيبة، لكن كثيرا منهم يقوم هو بإفساد الأخلاق في تلك الأعمال ~~الموكلة إليه، وهو شر الفساد والمحن. # | مكيدة # كرر مدير التعليم تدبيره ثم فشل؛ لأن سعادة المدير تمسك بأن لا جدال ~~مع فتاة كاملة، ورأى هو أن مسألة الكمال والحشمة حالت بينه وبين ~~الانتقام مني، وجعلت المجلس يكتب لي جواب شكر بدلا من أن يفصلني فكان ~~همه - ولا شك - أن يجد في هذا الكمال نقصا ليطلع عليه المدير، وكنت لا ~~أظهر أمام أحد بشيء من الحلي مهما كان نوعه، ولكني - ككل شابة أو فتاة ~~- أميل أن أظهر أمام زائراتي من السيدات أني أمتلك مثلها أو أكثر؛ ~~ولهذا كنت إذا زارتني سيدات أريهم حليي التي مر بنا ذكرها، ومن بينها ~~ذلك القرط، ولم يكن غرضي من ذلك التجمل بل كان الظهور بالغنى. # وفي يوم من أيام الجمعة زارتني بعض السيدات، ولبست حليي كعادتي معهن، ~~ثم انصرفن، ونزلت بعد ذلك أرتب مكتبي، وأنا لا أزال متجملة بذلك ~~القرط، وفجأة أخبرني البواب بأن سعادة مدير التعليم قد شرف، فأمرته ~~بإدخاله، ثم تذكرت القرط فانتزعته، ووضعته في سلة الورق التي على مكتبي ~~تحت الورق الموجود في السلة. # ودخل هو وسألني في بعض أشياء، فدخلت المدرسة لأستقصي عنها، وعدت ~~وحياني بعد ذلك وخرج، ولعدم اكتراثي بمسألة الحلي لم أفطن إلى أن القرط ~~قد فقد من مكانه؛ لأني لم أبحث عنه، ولم أتلمسه، وبعد ذلك الحادث ~~بثلاثة أيام خاطبني مدير التعليم تليفونيا، وقال لي: لقد ظننتك فصلت ~~الخدم جميعهم. قلت: ولم ذلك؟ قال: ألم تفقدي شيئا ثمينا؟ فتذكرت ~~القرط، ووضعت يدي في السلة لأخرجه من مكانه فلم أجده، فعلمت أنه أخذه، ~~قلت: إنك إذن آخذه. قال: أولم تعرفي ذلك إلى الآن؟ # قلت: نعم؛ لأني لا أهتم بتلك الأشياء، ولم أتذكر أني وضعته هنا إلا ~~بعد أن كلمتني أنت ms137 الآن. ومر على ذلك وقت ولم يحضر هو القرط، ولم ~~أطالبه به، وفي يوم من الأيام كنت مسافرة، وكان سعادة المدير مسافرا ~~إلى القاهرة أيضا، وظهرت في العربة التي كان هو بها أي في ديوان ~~الحريم الذي كان إلى جانبي في الدرجة الأولى، ورآني مدير التعليم، ~~وكأنه انتهز تلك الفرصة ليظهر للمدير أني كباقي النساء حتى ينتزع منه ~~فكرة الكمال التي علقت بذهنه، ولا أدري كيف كان ممسكا بالقرط في تلك ~~اللحظة فأخرجه وقال لي: تفضلي قرطك، ليعلم الناس أنك كباقي النساء لك ~~من الحلي ما لهن. قلت: إنك يا سيدي أنت ولا غيرك من الرجال لم ترني ~~ألبسه، أما وجود حلي ثمين عندي فهو كوجود أي مبلغ من المال عند أي رجل ~~من الرجال، ولو لم تجده أنت في سلة الورق لما علمت أن لي قرطا كهذا، ~~على أني أؤكد لك أني لا أحتفظ به كأداة للتجمل، بل أحتفظ به كمال مدخر، ~~وكأثر من آثار الماضي. وكان لسوء حظ مدير التعليم أن سعادة المدير لم ~~يأبه شيئا من التفاتته، فلم تترك تلك الحادثة أثرا ما في نفس ~~سعادته غير اعتقاده في، بل زاد احترامه لي، واهتمامه بأمري. # وهكذا فشل مدير التعليم في محاولة الإيقاع بي مرة أخرى. # | نكبة # معلمات المنصورة بين الإنشاء بإجماع الآراء والإلغاء بإجماع ~~الآراء # كنت أقوم في مدة حضرة صاحب المعالي سعيد باشا ذو الفقار بأعمالي بهمة ~~ونشاط لما كنت أراه من عطفه وتشجيعه، فلم يكن أقل عطفا من سلفه، بل ~~كان أشد تمسكا بالكمال وتشجيعا على المضي فيه شدة القدر القاسي أن ~~ينقل حضرة صاحب المعالي سعيد باشا ذو الفقار، وأن يحل محله من قضى حظي ~~العاثر أن يكون خصمي الدائم العنيد، وما كاد قرار النقل يشاع حتى ذهبت ~~إلى المرحوم المستر دانلوب، وذكرته بوعده السابق، وقلت له: لقد حصل ما ~~كنت أخشاه، ونقل إلي خصمي الأول. # قال: قد علمت ذلك فلا تخافي، وسأقوم بما تعهدت به. وأرسل إليه يقول ~~إن أي ضرر يلحق بي ms138 سيعتبره مستشار المعارف موجها لشخصه هو، فلم يستطع ~~المدير أن يقوم بعمل عدائي، ولكنه زار المدرسة في نفس الأسبوع الذي نقل ~~فيه إلى المنصورة، وكان في نظراته وابتساماته ما يدل على التشفي، وما ~~كاد يلقي نظرة علي حتى حياني بابتسامة صفراء قبل أن يمد يده ~~بالتحية، ثم قال وهو يتردد في تحيته: لعلك مسرورة من مركزك الحالي، ~~قلت: نعم مسرورة وسأظل كذلك. # وهكذا زار المدرسة وخرج، وقد حركت تلك الزيارة كوامن قلبينا، وجاءني ~~في اليوم الثاني لزيارته مدير التعليم، فقال لي: لقد ودعت المدير ~~السابق بقصيدة مدح، أفليس من المستحسن أو الواجب أن تستقبلي المدير ~~الحالي بمثل تلك القصيدة؟ قلت: إنه لم يترك لي وقتا لذلك، بل زارني ~~مفاجأة، ولم يكن في مقابلته ما يشجعني على مدحه، ولو أنه حاول نسيان ~~ما مضى في أعماله المستقبلة لوجدت من نفسي بعد ذلك رضا بمدحه والثناء ~~عليه، أما الآن فماذا أقول وقد افترقنا في الماضي على أسوأ حال، ~~واجتمعنا أمس وكل منا على حالته الماضية؟ قال: لا بد أن تحاولي كتابة ~~الموضوع، وسأزورك غدا لأخذ ما يجود به خيالك، ولم يخلف وعده، بل ~~جاءني في الغد فوجد على مكتبي القصيدة التالية: # يا دهر كم تعدو وكم تتقلب # وتفل عزم العاملين وتتعب # إن كان ما تبغيه ذلي فالذي # تبغيه لا يرضاه شهم طيب # حالي كما جربتها من شدة # ما صدني عنها العدو الأغلب # ما فل عزمي حادث فيما مضى # بل زادني علما بما يتعقب # ما ازداد دهري في التعنت والأذى # إلا بلغت من العلا ما يصعب # وما كنت من أهل التنعم والحلي # كيما أخاف من الزمان وأرهب # ما لذ لي يوما طعام طيب # أو نالني مال أقول سيذهب # حالي كأهل الفقر فيما كابدوا # من ملبس أتعبت فيه وأتعبوا # أهوى التقشف ما استطعت فإن مضى # مال أفرقه فماذا أندب # الرزق في الدنيا كثير واسع # عين تفيض به وأخرى تنضب # ما الخوف إلا أن يقال تقهقرت # جبنا ولما يأت ما تتطلب # غرسي أخاف عليه من ms139 وقع الردى # بعد الكمال وذاك غرس طيب # غرس سهرت الليل في تقويمه # حتى نما فله أبش وأغضب # جاهدت لا أبغي الثراء وإنما # فخر البلاد وعزها ما أطلب # وقرأ سعادة المدير القصيدة وأخذها معه، ولقد عبرت فيها عن مخاوفي؛ ~~لأني لم أكن أخشى شيئا إلا هدم مدرسة معلمات المنصورة التي بذلت فيها ~~مجهودا جبارا؛ فكانت في امتحان الكفاءة أولى مدارس المعلمات في القطر ~~مع حداثتها على أن تنبئ عما كان في الواقع صحيحا؛ فإن المدير خشي إن ~~هو أضرني أنا شخصيا أن يبطش به مستشار المعارف، فقر قراره على أن ~~يلغي مدرسة المعلمات، وقد كانت ميزانية مدرسة المعلمات هي التي كان ~~يصرف منها على المدرسة الابتدائية، وكان قانون مجالس المديريات يقضي ~~بأن تصرف ثلاثة أرباع مالها على التعليم الأولي، والربع الباقي على ~~الابتدائي والثانوي والصناعي؛ لهذا كانت ميزانية مدرسة المعلمات كبيرة ~~تكفيها كما تكفي المدرسة الابتدائية التي كانت تقيم معها في منزل واحد، ~~فإذا ألغيت مدرسة المعلمات عجزت المدرسة الابتدائية عن القيام ~~بنفقاتها، ولن يستطيع المجلس أن يصرف لي مرتبي من ميزانية المدرسة ~~الابتدائية، وقد كان 26 جنيها شهريا؛ لهذا رأى المدير أن يلغي أعضاء ~~المجلس مدرسة المعلمات ليضعني أنا والمستشار أمام الأمر الواقع، وعذره ~~لدى المستشار واضح جلي؛ لأن أعضاء المجلس هم الذين سيلغون المدرسة بما ~~لهم من الحول والصول، وليس للمدير يد فيما سيفعلون. # وهكذا أخذ المدير يدبر الأمر خفية، أما أنا فقد كنت على يقين مما ~~سيفعله لا لأني أعلم بشيء من الحقيقة، ولكني كنت أستنتج ما يدور ~~بخلده من الممكنات؛ لأني كنت أعلم تمام العلم أنه لا بد من أن ينتقم ~~مني، ولا سبيل إلى ذلك الانتقام إلا بتلك الحيلة، فأخذت أستطلع ~~الأخبار، وأتحدث إلى بعض أعضاء المجلس في فكرة إلغاء مدرسة المعلمات، ~~فكان يقول بعضهم بدهشة واستغراب: ومن أخبرك بهذا؟! وقد علمت من تلك ~~الأسئلة أن إلغاء المدرسة أمر لا مفر منه، وأنهم يعدون له العدة في ~~الخفاء، وفي إحدى الليالي حلمت أن النار شبت في ms140 إحدى غرف مدرسة ~~المعلمات، فعرفت أن النكبة قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى، فذهبت إلى ~~مستشار المعارف، وأخبرته بما تم عليه عزم المدير من إلغاء مدرسة ~~المعلمات إكراما لي، فاستبعد الرجل الأمر، وقال إنه محال أن يضرب ~~التعليم تلك الضربة لينتقم مني، وإني إنما أتخيل ما لا يمكن حصوله، ~~قلت: هب أن خيالي تحقق فماذا يكون موقفك بعد أن يلغي المجلس مدرسة ~~المعلمات بإجماع الآراء؟ قال : سألغي القرار يوم صدوره. # فذهبت إلى مدير التعليم، وسألته عن إلغاء مدرسة المعلمات، فقال: ~~أساحرة أنت تعلمين بسحرك الغيب؟ قلت: نعم، ولكن سحري لا يمكنني من ~~معرفة اليوم الذي ستطير فيه مدرسة المعلمات. قال: قد لا تنتظرين ~~كثيرا، وما دام خيالك خصبا إلى هذا الحد، فلم لا تتخيلين أنها تلغى ~~غدا؟! وعرفت عن مزاحه هذا أن المدرسة ستلغى قريبا، وأنه يريد إخفاء ~~حقيقة ما قال بشيء من المزاح، قلت: ومتى يعقد مجلس المديرية؟ قال: إنه ~~سيعقد يوم كذا في الأسبوع المقبل، فتأكدت أن المدرسة ستلغى في ذلك ~~اليوم. # وفي يوم انعقاد المجلس خاطبت مدير التعليم تليفونيا قبل دخوله ~~الجلسة، وسألته عما سيتم في تلك الجلسة بشأن مدرسة المعلمات قال: لك ~~أن تتخيلي ما تشائين، أما أنا فليس عندي ما أقوله. قلت: حسنا إنك لا ~~تريد أن تتكلم إلا بعد أن أكون أنا أمام الأمر الواقع. قال: لا شأن لي ~~بخيالك وتنبؤاتك. وما كاد يخرج من الجلسة حتى اتصلت به تليفونيا، ~~وسألته عما تم بشأن مدرسة المعلمات، فقال بصوت الظافر: لقد ألغيت ~~بإجماع الآراء. فاتصلت في الحال بمستشار المعارف تليفونيا، وأخبرته ~~الخبر، واستنجزت وعده، قال: إن هذا كلام فارغ لا أصدقه. قلت: ما عليك ~~إلا أن تتصل بمدير التعليم, فاتصل به في الحال، وعرف حقيقة الخبر، وما ~~كاد يعرفها حتى أرغى وأزبد، وقال لمدير التعليم: إنها سخافة يجب أن ~~يدفع ثمنها مجلس المديرية، ولم يمض نصف ساعة حتى اتصل مستشار الداخلية ~~الإنجليزي بالمدير نفسه، وطلب منه أن يرسل قرار إلغاء مدرسة المعلمات ~~مع مخصوص إلى ms141 الداخلية، وأرسل القرار في الحال، ثم عاد إلى المجلس في ~~اليوم التالي وعليه إشارة وزير الداخلية بإلغاء ذلك القرار. # وهكذا ألغيت مدرسة المعلمات بإجماع الآراء، ثم عادت إلى الوجود في ~~اليوم التالي، ومن طرائف التاريخ أن الذي اقترح إلغاءها ليرضي المدير ~~الحالي هو نفس العضو الذي كان يقترح إصلاحها في مدة المغفور له محمد ~~باشا شكري، وكان ذلك ليرضيه أيضا، فأنشئت مدرسة المعلمات بناء على ~~اقتراح ذلك العضو، وموافقة أعضاء المجلس بإجماع الآراء؛ فلما تغير ~~المدير ألغيت باقتراح ذلك العضو أيضا وموافقة جميع الأعضاء بإجماع ~~الآراء، وهم هم أنفسهم أصحاب القرار الأول وأصحاب القرار الأخير، ولله ~~في خلقه شئون! # | رضاء بعد الغضب # أعيدت المدرسة، ولكن إلغاءها ترك في نفسي أثرا لم يمكني التغلب ~~عليه، كنت غير مطمئنة من عملي مع ذلك المدير، متأكدة كل التأكيد أنه ~~سيبطش بي متى استطاع ذلك، والمدير لا شك يستطيع أن يعمل ما يريد؛ ولهذه ~~المناسبة «السيئة» تذكرت المدة التي قضيتها مع المغفور له صاحب الرفعة ~~محمد باشا محمود، وكيف كان - رحمه الله - عادلا لا يهمه إلا العمل، ~~وقد سمعت في ذلك الوقت أنه نقل إلى البحيرة، فعملت أبياتا من الشعر ~~أعدد فيها مفاخره، وما كدت أخلص من هذا حتى حادثتني حضرة صاحبة العصمة ~~حرم المدير الحالي تليفونيا، وأخبرتني أنها تريد زيارتي فأهلت ورحبت، ~~وكان ذلك لأن الداخلية حتمت على هذا المدير أن يصالحني، وهو يعلم أني ~~كنت في أشد الغضب والألم، فأراد أن يمهد لنفسه السبيل بزيارة صاحبة ~~العصمة حرمه، وفي المساء زارتني السيدة المصونة حرمه، فاستقبلتها لدى ~~الباب استقبالا يليق بمقامها؛ لأنها كانت سيدة جليلة، وهي في الوقت ~~نفسه حرم مدير المديرية، وسرت باستقبالي ثم ودعتها بما استقبلت به من ~~الحفاوة والإجلال، وفي اليوم التالي أخبرني مدير التعليم أنه آت ~~لزيارتي هو وسعادة مدير المديرية، فتذكرت الأبيات التي عملتها في مدح ~~المغفور له صاحب الرفعة محمد محمود باشا، ووضعتها على مكتبي بعد أن ~~كتبتها بخط جميل، وهي الأبيات الآتية: # عهدناك يا ابن الأكرمين ms142 محمدا # تشيد بالعزم الثناء المخلدا # عهدناك مقداما عهدناك واحدا # تعد بالآلاف إذا الفضل عددا # فإن نلت باستحقاقك المجد والعلا # قد كنت قبل اليوم شهما مسودا # لك البيت من أعلى البيوت مكانة # وقد كنت من عهد الطفولة سيدا # فإن هنأتك القوم إذ نلت منصبا # فإني أهني منصبا نال مفردا # دمنهور هذا يوم مجدك فأبشري # وتيهي على كل العواصم إذ غدا # ولو أن هذا الدهر جاد بمثله # علينا لشاد المجد فينا وجددا # حسدناك إذ نلت المراد وضيعت # صروف الليالي جل آمالنا سدى # وفي آخر الأبيات كما يرى القارئ شيء من التلميح بأسفي واستيائي لنقل ~~ذلك المدير إلى الدقهلية، ونقل المغفور له محمد باشا محمود إلى دمنهور، ~~وكنت أود العكس. # أخيرا جاء الميعاد الذي حدده سعادة المدير لزيارتي، فلم أسمح ~~بالدخول إلا بعد أن انتظر على الباب نصف ساعة، ثم صعد إلى مكتبي، ومعه ~~مدير التعليم فوجدني جالسة على مقعد ضخم كبير، وليس بالغرفة مقعد ~~مثله، بل بها كراسي خيزران من العادية، وقد هيأ لي طيش الشباب إذ ذاك ~~أن أفعل هذا لأهينه، وأجلسه على كرسي عادي في الوقت الذي أتربع فيه أنا ~~على كرسي ضخم، فلما دخل لم أعبأ بدخوله، ولم أقم لاستقباله فحيا وجلس، ~~ولم أرد عليه تحيته، فقال: ما لك غاضبة لا تردين؟! قلت: وما شأنك ~~بغضبي؟ قال: أنا رئيس تلك المدرسة. قلت: وما شأنك أنت بي يا حضرة ~~الرئيس ولست بقريبي ولا صلة لي بك، وما الذي يهمك من غضبي؟ قال: لقد ~~جئت لأزور المدرسة. قلت: ولكنك مع هذا تعلم أني لا أريد أن أراك ولا ~~أستقبلك. فأخذ يلين في لهجة، ويقول: لقد استقبلت زوجتي أمس استقبالا ~~حسنا. قلت: وما الخطأ الذي فعلته تلك السيدة حتى أستقبلها بغير ذلك؟ ~~ولم تكن عضوا معكم في المجلس، ولم تدبر شيئا. قال: ولكنها زوجتي ولها ~~ما لي من الكرامة. قلت: نعم، إن لها كل كرامة تستحقها زوجة مدير، وليس ~~لها في نظري من الأخطاء ما يجور إلى أن أحرمها من تلك الكرامة، ms143 ومن ذلك ~~الاحترام الواجب لزوجة مدير. # قال: وماذا أنت فاعلة الآن، وقد جئت لزيارتك، وأريد أن أرى المدرسة؟ ~~قلت: لك أن تراها كما تريد، أما أنا فلا أسير معك. قال: وكيف تحل ~~المشكلة إذن؟ قلت: لا مشكلة يا سيدي؛ لأني «ح اجيب لك نايبة تاخدك ~~تزورك المدرسة». قال بغضب: ما هذا الكلام؟ قلت: وماذا فيه؟ إني سآتيك ~~بنائبة عني أنا لتأخذك لزيارة المدرسة، فهل في ذلك ما يغضبك؟ قال: إنك ~~تقسين علي في معاملتك، أفتظنين أني لم أعامل ناظرة غيرك؟! قلت: كلا! ~~أعلم أنك عاملت غيري من الناظرات كما أعلم أن تلك المقابلة لا تزال ~~مدونة في محاضرة البوليس. قال: لقد كانت مسألة تافهة أثارها بعض ~~مجانين الأهالي بالفيوم. قلت: إن في المنصورة أمثال هؤلاء المجانين، ~~ولو أني عاملتك معاملتها لوصلنا إلى ما وصلتما إليه بالفيوم. قال: دعيك ~~من الماضي، ولننظر إلى المستقبل، وسأرضيك بقدر ما أستطيع. قلت: لا أظن ~~أنك ترضيني مختارا، وإنك إن أرضيتني اليوم فستنتهز فرصة إغضابي غدا ~~إذا استطعتها، ورأيي أن يحترس كل منا من الآخر، وأن لا أقابلك ولا ~~تقابلني إلا للضرورة، ويفعل الله بنا ما يريد. # قال: أعاهدك ألا أسيء إليك بعد هذا. قلت: أرجو أن تكون في هذه المرة ~~صادق الوعد. لكنه ما لبث بعد هذا أن ضايقني مضايقة عظيمة فذهبت إلى ~~مكتبه، وكان عنده بعض الأعيان، فقلت له: من العقل أن لا يعمل الإنسان ~~عملا إلا وله من غاية تفيده شخصيا، ولا أدري ما هي الغاية التي ~~تتلمسها سعادتك من مضايقتي والإساءة إلي؟ إنك إن انتصرت علي بعد ذلك ~~فلن يعجب بك أحد، أو يصفق لك استحسانا، بل يقولون جرب قوته ضد فتاة، ~~وإذا أنا انتصرت عليك كان الويل والخجل لك، فما الذي يحملك على هذا؟ ~~قال: إني لا أضايقك. قلت: ولكني أنا شخصيا أشعر بتلك المضايقة. قال: ~~لعلك من رواد الزار، ولعل عليك عفريتا يكرهني. قال ذلك بشيء من ~~السخرية أمام الأعيان ليظهر أني امرأة كباقي النساء الجاهلات، فابتسمت، ~~وقلت له ms144 في نفس سخريته: يجوز يا باشا أن يكون علي عفريت، ولكن ما ~~رأيك لو أن هذا الأمر قد ثبت جليا لأصبحت أنت شيخة الزار؛ لأن عفريتي ~~لا يظهر إلا على يديك، أو بعبارة أخرى لا يتحرك إلا إذا زمرت له أنت ~~وطبلت. فضحك الأعيان، وخجل سعادته. # | انتقام # أخذ المدير ينتقم مني، وأخذت أنا الأخرى أبحث في وسائل لأنتقم بها ~~لنفسي؛ فكانت من أهم وسائله إفهام الإنجليز أني وطنية محبوبة، وأني ~~أكره الإنجليز، وأعمل ضدهم، ولم أكن أتجه إلى وجهة نظره هذه؛ لأني كنت ~~أجهل ما يدس لي عند الإنجليز. # وكان امتحان الكفاءة للمعلمات، وامتحان الابتدائية يقامان في مدرستي، ~~وكان يسبق الامتحانين امتحان عملي للتدبير المنزلي، وكنا نخلي محال ~~المطبخ والمائدة وغيرهما لإجراء الامتحان العملي للتدبير المنزلي، ~~وكانت هذه الأشياء في أعلى دور من المدرسة، وكنت أعلم شدة ميل المدير ~~إلى التدخل في كل شيء يتعلق بالسيدات، فعلمت من هذا أنه سيدخل الامتحان ~~العملي، وأردت أن أقطع عليه الطريق فيما يريد، فكتبت إلى المستر دانلوب ~~خطابا أقول له فيه: إن وزارة المعارف هي المسئولة عن نظام الامتحانات، ~~وعن المخالفات للآداب التي يجوز أن تقع فيها ما دامت هي القائمة بتلك ~~الامتحانات العامة، وإني أعلم أن المدير شديد الرغبة في أن يتدخل في كل ~~شيء، وأنه سيحضر حتما لامتحان العملي، والطالبات في ذلك الامتحان ~~يلبسن ملابس قصيرة تكشف عن سيقانهن كما تكشف عن سواعدهن، بل إن أكمامهن ~~ترفع إلى ما فوق الساعد، وإن دخول رجل بينهن وهن على تلك الحالة يخالف ~~الآداب الشرقية الواجب رعايتها في البلاد، والتي يجب عليك أنت أن تحافظ ~~عليها، فإذا دخل المدير لجنة الامتحان العملي كنت أنت هدفا للوم الذي ~~سينصب على تلك التصرفات المستهجنة في نظر الناس. # وصله الخطاب، واهتم به، ونبه ~~على رئيسة اللجنة أن تغلق عليها باب الدور الذي سيقوم فيه الامتحان، ~~وأن لا تسمح لرجل بالدخول مهما كانت درجته، وكانت رئيسة اللجنة سيدة ~~إنجليزية، فحضرت، وكان أول ما طلبته أن يعمل لباب الدور ms145 رتاج، ودخلت ~~وأغلقته عليها وعلى الطالبات، وطردت جميع الخادمات فنزلن إلى الدور ~~الأرضي، وجلسن فيه، وكان جلوسهن خلف الباب الخارجي أي أمام مكتبي، ~~وتحقق ما تخيلته، وحضر المدير، وطرق الباب، وكنت قد أمرت الخادمات أن ~~لا يفتحن للمدير الباب إلا بعد أن يستأذن مني، وطرق المدير الباب بشدة، ~~وقال للخادمة: افتحي أنا المدير. وذهبت إحداهن تستأذن مني، وتضايق ~~المدير، وطرق الباب مرة أخرى ثم ثالثة، والخادمة تجيب بأنها لا تستطيع ~~أن تفتح الباب إلا بعد أن تأذن الناظرة، وأن إحدى زميلاتها ذهبت ~~لتستحضر ذلك الإذن، واشتد المدير في لهجته، وقال: أنا مدير البلد. ~~وقالت الخادمة: وأنا مالي يا سيدي. # وأخيرا قالت له: لا تغضب، وسأذهب أنا بنفسي. وجاءتني الخادمة ~~الثانية فأمرتها أن تحضر لي كوبا من الماء قبل أن تفتح له الباب، ~~وكانت هذه بالطبع كل الوسائل التي أستطيع أن أنتقم بها لنفسي. # فتحت الخادمة الباب بعد أن وقف ~~خارجه نصف ساعة ودخل، وكنت واقفة على باب مكتبي، وقد أمرت الخادمات أن ~~لا يرشدنه إلى شيء، ومن ترشده سترفت في الحال، ودخل المدير ووقف ~~أمامهن، وقال لأقربهن منه: أين لجنة الامتحان؟ قالت: لجنة؟ لجنة إيه ~~يا سيدي، ودي تبقى إيه؟ قال: ألم تحضر هنا سيدة أجنبية، فأين هي؟ قالت: ~~سيدة أجنبية! واش عرفني أنا؟ وسأل الثانية فلم تفده بأكثر من هذا، ~~فتركهن وذهب، وبدلا من أن يصعد إلى السلم الموصل إلى الدور الأعلى ذهب ~~إلى الجهة الثانية التي مر بها المراحيض، وبعد أن زارها بالطبع عاد إلى ~~مكانه الأول، وسأل السؤال الأول بشدة، وقلت أنا للخادمة التي كان ~~يخاطبها في أول الأمر: خذي ده يا فلانة - مشيرة إلى المدير - وديه ~~اللجنة، وهنا عرفت الخادمة معنى كلمة اللجنة التي كانت تتجاهلها، وذهبت ~~أمامه وتبعها، وهو في غضب، فلما وصل إلى الدور الثالث طرق الباب ففتحت ~~له رئيسة اللجنة بنفسها لترى من الطارق، وقالت: من أنت؟ قال: أنا ~~المدير. قالت: إني آسفة لأني لا أستطيع الخروج إليك ولا إدخالك عندي. ~~وأغلقت الباب، ms146 ونظرت الخادمة إليه في شيء من الدهشة، وقد ذهل هو وخجل ~~من موقفه، فقالت له: يا عيني يا سيدي طردتك؟! ولم يجب هو بشيء، ولكنه ~~أسرع بالنزول قفزا، فكان يقفز كل ثلاث درجات دفعة واحدة، ومر ~~بالخادمات اللائي كن بالفناء والخادمة تجري وراءه، ولما خرج هو يجري، ~~وفتح الباب الخارجي، وكان جمهور من الناس مجتمعا عند الباب في انتظار ~~بناتهم فسمعوا الخادمة، وهي تقول: مسكين والنبي ، صعب علي لما طردته. ~~فظن الناس أن التي طردته هي نبوية موسى، وانتشر الخبر في مدينة ~~المنصورة، وأخذ الناس يتساءلون كيف استطاعت أن تطرده وأن تبقى؟ وكثرت ~~الحكايات والأقاويل، وكلها تنصب على موقف المدير المخجل من ناظرة ~~المدرسة الظافرة المنتصرة. # | سوء حظ وعناد # اشتد العناد بيني وبين المدير فأخذ يفهم الإنجليز أني أعمل ضدهم، ~~وتصادف أن قام سمو الخديوي في آخر عهده سنة 1914 برحلة إلى الأقاليم، ~~وجاء إلى المنصورة، وكان المدير بالطبع الذي يرتب نظام الاحتفال ~~باستقباله وتوديعه، وعلمت أنه لا ينوي أن يشرف الخديوي مدرستي لما كان ~~بيني وبينه، كما علمت أن سمو الخديوي كان سيشرف بيت الطاهري بك، وهو ~~قريب من المدرسة، وكان بيني وبين سيدة البيت صداقة، وكانت الغرفة التي ~~سيشرفها الخديوي لها بابان أحدهما على طرقة ضيقة توصل إلى الحرم، ~~والآخر الباب الخارجي الذي أعد لاستقبال سموه، فطلبت من السيدة أن تسمح ~~لي أن أقف وراء ذلك الباب الداخلي لأشاهد الخديوي من ثقب مفتاح الباب، ~~فأجابت الطلب، وما كدت أظفر بذلك حتى ذهبت إلى ذلك الباب، وأغلقته ~~بالمفتاح، وأخذت مفتاحه معي، ثم أحضرت تلميذة صغيرة بارعة الجمال لا ~~يتجاوز سنها السادسة، وأعددت لها قصيدة مدح في سمو الخديوي، وعنيت ~~بتحفيظها تلك القصيدة، وإجادة إلقائها عناية تامة، وكنت أفعل ذلك ~~سرا لا يعلم به أحد، وقد اشتريت لهذه التلميذة فستانا أبيض يناسب ~~بياضها الرائق، وربطت شعرها بشريط أزرق يناسب لون عينيها، ووضعت على ~~صدرها وشاحا كتب عليه مدرسة المعلمات بالمنصورة، مع أن التلميذة لم ~~تكن من مدرسة المعلمات بالطبع، ولكني ms147 أردت أن أذكر الجمهور بمدرسة ~~المعلمات التي ألغاها المجلس بإجماع الآراء تحت ضغط المدير، ثم أعيدت ~~إلى الوجود في اليوم الثاني، فكان اسمها عارا على المدير وسلطته؛ ~~لأنها بقيت رغم إرادته. # كتبت القصيدة على قطعة حرير زرقاء بلون السماء، ثم أحطتها بإطار من ~~أزهار البنفسج الجميلة اللطيفة رسمت بالبوية، ولم يكن النقش بالبوية ~~على القماش معروفا في ذلك الحين، فكانت تحفة رائعة، ثم كسوت بها ~~«مخدة» حشيت بريش النعام، ولم أعمل «مخدة» واحدة، بل عملت مخدتين من ~~صنف واحد؛ لأني كنت أعلم أن المدير سيحرض علي مفتش الداخلية الإنجليزي، ~~ويدعي له أني شتمته أمام الناس؛ لأن القصيدة كان بها تعريض به، أخذت ~~المخدة الأخرى، وأهديتها إلى زوجة مفتش الداخلية، فسرت بها سرورا ~~عظيما، وعرضتها على المفتش أمامي، فقلت له في بساطة: إن المكتوب على ~~تلك المخدة قصيدة عملتها مدحا في الخديوي، ورجائي أن تقرأها، وأن تقول ~~لي انتقادك عليها؛ لأني أريد أن أرسلها له. وكان الرجل من الإنجليز ~~الذين يعدون أنفسهم شرقيين يجيدون اللغة العربية فقرأها، وقال إنها ~~عظيمة، وبناء على هذا أخذت موافقته على هذا التعريض بالمدير. # وعندما شرف سمو الخديوي الغرفة المعدة له في منزل الطاهري بك كنت أنا ~~على الباب الخلفي، وما كاد سموه يأخذ مجلسه حتى فتحت الباب، ودفعت ~~بالتلميذة أمامه، وقد قدمت لسموه المخدة فأخذها، وسر بها كثيرا ~~وقبلها، وقال إنها أحسن هدية قدمت إليه في تلك الرحلة، وظن الحاضرون أن ~~مهمة الفتاة قد انتهت، ولكنها ما لبثت أن تقدمت إلى الخديوي تلقي ~~القصيدة بإلقاء جيد، وإشارات حية قد يعجز عنها الممثل الكفء، فأخذت ~~تشير إلى الخديوي، ثم تشير إلى المدير، فيما كان يخصه من التعريض، وتلك ~~الأبيات التالية: # قد طار نومك والحوادث حوم # ورماك بالأهوال ليل مظلم # أبليت جسما كاد يخفى رقة # وقضى عليه # الدهر فيما ~~يجرم # أتعبت قلبا كان محمود العلا # فغدا لجور زمانه يتألم # تبغين تعليم البنات ونشره # ويلح دهرك في # العناد ~~ويظلم # تبني ليهدم كل ما شيدته # من ذلك البنيان # وهو ms148 ~~الأرقم # وكانت تشير إلى المدير في الكلمات التي تحتها خط في هذه الأبيات ~~لتظهر للخديوي أن المدير هو المقصود بالذات في كلمات الدهر والزمان، ~~ولتؤكد معنى ما ذهبت إليه قالت: # مولاي إن الدهر # عبدك ~~فانهه # عما يخبي للكرام ويكتم # وأشارت إلى المدير عند قولها «الدهر عبدك»، فأصبحت الإشارة ثابتة لا ~~شك فيها. # وأخذ الخديوي يعجب بإلقاء التلميذة، ويمتدحها، ووقف المدير متحيرا ~~في أمره، لا يدري ماذا يفعل كتمثال من الزعفران لا يكاد يتحرك، وأخذ ~~الأعيان يتبادلون الابتسامات لتلك الجرأة المدهشة من فتاة تشتم المدير ~~أمام الزائر العظيم، ثم مضت التلميذة في إلقاء القصيدة، فقالت: # ما ضر أهل الشرق إلا أنهم # تركوا النساء وراءهم وتقدموا # فانحطت # الأبناء # بالأم التي # جهلوا مكانتها العلية فيهم # جهلت بأحوال الحياة فأوقعت # أبناءها في شر ما تتوهم # قد عودوها الجبن من عهد الصبا # فتعلم # الأبناء # ذاك وعلموا # وتسارعوا للعار في أعمالهم # والفسق والبهتان إن يتكلموا # وأخذت تشير إلى المدير فيما تحته خط، وهو بالطبع مع الإشارة يعد ~~سبا علنيا، وأدت الفتاة مأموريتها، ثم عادت أدراجها. # وكانت قصيدة ناظرة مدرسة المعلمات والفتاة الصغيرة التي شتمت المدير ~~أمام سمو الخديوي سمر الناس في ليلتهم. # وفي صباح الغد ذهب الناس لتوديع سمو الخديوي على المحطة، وأخذت ~~تلميذات المدرسة الابتدائية التي كنت أديرها، وذهبت لأودعه، وكنت قد ~~طبعت خمسة آلاف نسخة من القصيدة، وذاع ذكر القصيدة بين الناس، وما ~~كادوا يروننا على إفريز المحطة حتى أخذوا يسألوننا عنها، وكان جميع ~~أعيان المنصورة هناك لتوديع سمو الخديوي، فوزعت عليهم نسخ القصيدة بعد ~~أن شرحت لهم في الليلة الماضية، فكنت ترى أصدقاء المدير إذا وقعت في ~~يدهم نسخة من القصيدة ذهبوا إليه ليطلعوه عليها، أما عامة الناس فكانوا ~~يغتبطون بقراءتها، ويتلذذون بإلقاء بعض الأسئلة على معلمي المدرسة، ~~فيسأل أحدهم أحد معلمينا: «من هو الأرقم يا أستاذ؟» فيقول المعلم: ~~«الدهر يا أخي!» # ويظهر لي أنه حصل سوء تفاهم بين المدير وسمو الخديوي، ولا أدري إذا ~~كان للقصيدة شأن في هذا أم لا، ولكن ms149 المشاهد الذي رآه الناس أن سمو ~~الخديوي لم يأخذه معه في صالونه، مع أن العادة تقضي أن يركب المدير مع ~~سموه إلى آخر حدود مديريته، ووقف صالون سمو الخديوي في مكان بعيد عن ~~إفريز المحطة، فاضطر المدير أن ينزل، وأن يتخطى قضبان السكة الحديد إلى ~~المكان الذي وقف فيه الصالون فزلت قدمه وسقط بين القضبان ثم ~~قام. # وبعد أن سار القطار بالخديوي جاءني المدير ومعه وكيل المديرية ~~والحكمدار، فحياني باليد وضغط على يدي قائلا: إن سمو الخديوي سر ~~منك سرورا عظيما. وهو يريد بذلك أن يهددني بالانتقام مني لما فعلته، ~~وأردت أن أجيبه على تهديده بمثله، فقلت في لهجة المستفهم، وفي ابتسامة ~~فاترة: «ومين اللي قال لك إنه سر مني؟ ده ما خدكش وياه في الصالون، ~~ولقد أسفت كثيرا لسقوطك على قضبان الحديد، وأرجو أن لا يكون قد أصابك ~~ضرر منه.» # وأردت بذلك أن أقول له: لا يهمني تهديدك، ويكفيني مذلتك اليوم، وكان ~~جوابي بشكل مضحك حقا حتى أغرق وكيل المديرية والحكمدار في ~~الضحك. # ولم أستطع في ذلك اليوم أن أستقل العربة التي أقلتني إلى المحطة إلا ~~بعد ساعتين، وذلك لازدحام الناس لرؤية تلك الناظرة التي استطاعت أن ~~تشتم المدير أمام جميع الأعيان. # ويقول المدير نفسه لأحد إخوانه: إنه خرج من المحطة مسرعا إلى منزل ~~مفتش الداخلية ليشكوني إليه، فلما دخل غرفة الاستقبال، وجد المخدة ~~بالقصيدة على أحسن مقعد في الغرفة، فكاد يشل لأنه عرف أنه لا يستطيع أن ~~يطعن في القصيدة بعد أن رآها مفتش الداخلية، وهو مستشرق، وفي اليوم ~~التالي أرسل إلي مفتش الداخلية، ولما دخلت عليه قال: أكان من اللياقة ~~أن تشتمي المدير أمام سمو الخديوي والمودعين؟ قلت: من قال لك ذلك، وكيف ~~شتمته؟ قال: بقصيدتك. قلت: ألم أقدمها إليك من قبل؟ وآخذ رأيك فيها ~~فلم لم تقل لي إن فيها سبابا أو شتائم؟ قال: إنه لم يظهر لي ذلك. ~~قلت: فإذا كان لم يظهر لك وأنت مفتش اللغة العربية أكثر من المدير، ومن ~~كثير من الأعيان ms150 الذين حضروا لتوديع الخديوي، فكيف يظهر لهم هم السباب ~~الذي لم يظهر لك. فسكت وترك الأمر. # ومن ذلك اليوم أوغر المدير صدور الإنجليز ضدي؛ إذ حاول أن يفهمهم أني ~~من شيعة الخديوي بعد أن سافر سموه إلى تركيا سفرته الأخيرة، ومع أن ~~قصيدتي لم يكن يراد بها مدح الخديوي بمقدار ما كان يراد بها ذم المدير، ~~وهكذا تلتبس الحقائق أمام دس المدير. # | إنشاء وتعمير # كنت في مدة المغفور له محمد باشا شكري قد اقترحت أن يبني مجلس ~~المديرية بناء مدرسة المعلمات والمدرسة الابتدائية، واختير لها فدانان ~~من الأرض، وأخذ في عمل تصميم البناء، وأراد مدير التعليم أن يقوم ~~بعمله، ولكني رفضت تصميمه، وقمت بعمل التصميم، وساعدني المدير على ~~تنفيذه بعد أخذ ورد دام طويلا، وأخيرا قام بالتصميم مهندس إنجليزي ~~كنت أشرف أنا على عمله، وبعد أن تم التصميم، واعتمده المجلس، قدر ~~المهندس نفقاته بمبلغ 24 ألف جنيه، وعرض على الداخلية، فرفضت أن تصرح ~~بهذا المبلغ الكبير لبناء مدرسة للبنات، وطلبت أن لا تزيد النفقات عن ~~16 ألف جنيه. # هنا وقع المجلس في حيرة، وسر مدير التعليم ذلك؛ لأنه انتهزه فرصة ~~ليقدم تصميمه هو، وعارضت أنا في ذلك، وقلت: إن في استطاعتي أن أرفع بعض ~~أجزاء هذا البناء، فتكون نفقات الجزء الباقي منه لا تزيد عن 16 ألف ~~جنيه. وصرح لي المدير بذلك، وشطبت على محال المطبخ والتدبير المنزلي، ~~ومغسلة، وغرفة المائدة، ومطبخ المائدة نفسه، وتركت الفصول فقط، وقوم ~~المهندس البناء بعد ذلك، فقدر نفقاته بمبلغ 16 ألف جنيه، ووافقت ~~الداخلية، وابتدأ المقاول في حفر الأساس، وزارنا المرحوم المستر دانلوب ~~ليتفقد البناء الجديد، وقبل أن يذهب إليه مر على المدرسة القديمة هو ~~ومدير التعليم فطاف المدرسة، ودخل المطبخ، فقال: إن المطبخ ضيق جدا. ~~وكان المدير في ذلك الوقت عدوي فقال مدير التعليم في شيء من الاعتزاز ~~بنفسه: إن المطبخ هو الشيء الوحيد الذي لا أشرف عليه أنا. قلت: عفوا ~~يا سيدي، وهل إذا أشرفت عليه تستطيع أن تعمل شيئا في مثل ms151 هذا المنزل ~~الضيق، فهل كنت تخلق حجرة واسعة للمطبخ أم كنت تستطيع أن تزحزح جدران ~~هذا المطبخ ليتسع؟ على أنك أشرفت على ما أعتقد على البناء الجديد، فهل ~~احتطت لمطبخه؟ قال: نعم. قلت: كلا يا سيدي، فسيرى جناب المستشار اليوم ~~أن البناء ليس فيه مطبخ للتدبير، ولا للمدرسة، ولا غرفة للمائدة أيضا، ~~ولا شيء من الملحقات الضرورية للتدبير المنزلي. فدهش المستشار، وقال: ~~أصحيح هذا؟! وكان مدير التعليم قد تظاهر أمامه بأنه هو صاحب تصميم ~~البناء، فلما قلت ذلك أسقط في يده، وقال لي همسا: لقد غششتني، ~~وذهبنا إلى البناء الجديد، وأطلعت المستشار على أساساته، وبينت له ~~المواضع التي يجب أن تبنى فيها غرفة المائدة، ومحال التدبير جميعه، ~~فوبخ مدير التعليم على هذا التقصير في البناء، وذهب إلى الداخلية في ~~الحال فصرحت بزيادة 8000 جنيه لعمل تلك الملحقات، وأعيد البناء إلى ~~أصله الحقيقي، ونجحت في لعبتي، وقد تم البناء في مدة المدير المشاغب، ~~ونقلت المدرسة إليه، وما كدت أقيم في البناء الجديد أسبوعا حتى زار ~~المدرسة عظيم من عظماء وزارة المعارف كان أقرب الناس إلى جناب المستر ~~دانلوب، وتظاهر أنه جاء لزيارة المدارس الأميرية، وأنه أراد أن يزورني ~~شخصيا، وبعد أن زار المدرسة قال لي: إن عملك مجيد، وإنك أفضل من ~~ناظرات المدارس الأميرية، وإن بقاءك في مجلس المديرية على كراهية ~~المدير لك خسارة عظيمة على مستقبلك، وإن ما رأيته من أعمالك اليوم ~~يجعلني أود مساعدتك بتعيينك وكيلة لمدرسة معلمات بولاق. قلت: ولكنك ~~تعلم يا سيدي أني أتقاضى هنا 26 جنيها، وأن القانون المالي لا يجيز أن ~~أعين بالوزارة بذلك المرتب. قال: إنك تجهلين مقدارك يا سيدتي؛ فناظرة ~~مثلك مجدة يجب أن يعمل لها كل استثناء ممكن، ولا يتأخر مجلس الوزراء أن ~~يساعدك بذلك متى شرح له مكانتك جناب المستشار. # كان ذلك الباشا يخاطبني مخاطبة الثعلب للغراب لغرض في نفسه، ولم أكن ~~أفطن لغرضه فقلت له: وهل تظن أن مثل ذلك الاستثناء ميسور؟ وهل يعنى ~~مجلس الوزراء في الحالة الحاضرة - وقد ms152 كنا في سنة 1914 - مع اضطرابها ~~بتعيين فتاة مثلي في مدرسة قد أخذت بناءها السلطة العسكرية؛ فهي الآن ~~في حكم العدم، وما الذي يهم مجلس الوزراء من تعيين وكيلة لمدرسة مغلقة؟ ~~قال: صدقت! قد لا تتم تلك الأمنية، ومع ذلك فلم لا تجربين؟ ولا يكلفك ~~ذلك إلا كتابة الطلب، وسأحفظ طلبك عندي، فلا يعلم به أحد إلا إذا وافق ~~عليه مجلس الوزراء. فكتبت له طلبا أقول فيه إني أرغب أن أكون وكيلة ~~لمدرسة بولاق بمرتب شهري قدره 26 جنيها على شرط أن أكون مثبتة، وأن ~~يكون لي خادمة خصوصية، وأعطيته الطلب وأنا أعلم أنه كلام لا قيمة له؛ ~~لأن تحديد المرتب عقبة عظيمة، وشرط التثبيت عقبة ثانية؛ لأن نظري كما ~~قدمت كان ضعيفا لا يسمح بتثبيتي، فلا بد لمجلس الوزراء أن يثبتني بصفة ~~استثنائية، وأن يقرر مرتبي بصفة استثنائية أيضا، «وخبطتين في الرأس ~~توجع»، على أني كنت أجهل أن في الأمر دسيسة سياسية؛ ولهذا أعطيته الطلب ~~وأنا واثقة أنه لن يجاب. # وما كانت أشد دهشتي إذ خاطبني الباشا في اليوم التالي تليفونيا، ~~وهنأني بوظيفتي الجديدة، قلت بدهشة: ومتى اجتمع مجلس الوزراء لتعييني؟ ~~قال: إنه لم يجتمع، ولكن الوزراء وافقوا على التعيين متفرقين. قلت: ~~عجبا! وما الدافع لهم إلى كل تلك السرعة والمدرسة التي عينت بها مغلقة ~~فلا حاجة إلى تعيين وكيلة لها أو ناظرة. قال: لقد تم هذا والسلام. ~~فقلت: إني أرفض هذه الوظيفة؛ لأن في طياتها أمرا خفيا لا أفهمه. ~~قال: على كل حال لا بد من حضورك حالا لمقابلة جناب المستشار؛ فهو وحده ~~يستطيع أن يشرح لك الحالة. # قابلت جنابه في اليوم التالي، وأنا مصممة على رفض التعيين، وقال لي ~~إنه يدهش لرفضي بعد أن عينني في وظيفة لم تعين فيها مصرية من قبل، ~~وبمرتب لم تتناوله غيري من المصريات. قلت: نعم هذا صحيح، ولكن سرعة ~~تعييني على ما فيه من العقبات، وعلى عدم وجود المدرسة التي عينت فيها ~~تدل على أن في الأمر شيئا خفيا، وماذا عسى ms153 أن يكون هذا الشيء إلا ~~اتهامي بالاشتغال بالسياسة ضد الإنجليز، وإذا كان هذا صحيحا، فكيف ~~أستطيع أن أعاشر سيدة إنجليزية بصفتها ناظرة، وأنا وكيلة لها لا شك ~~عندي أنها سيدة فاضلة محترمة، وقد كانت في الماضي معلمتي، ولكنني لو ~~كنت محلها لما استطعت أن أعاشر تلك الوكيلة بعد أن قلبت لي ولأمتي ~~ظهر المجن في أحرج المراكز. قلت له ذلك استنتاجا بما عساه أن ~~يكون، وقد كان هو الحقيقة بعينها؛ فقد أفهموا جناب المستشار أني ناظرة ~~محبوبة من جميع الأهالي، وأني أعمل ضد الإنجليز في الخفاء، وأن بقائي ~~في المنصورة قد يقلب أهاليها ضد الإنجليز عن بكرة أبيهم، وزاد هذا ~~الاعتقاد رسوخا في نفس المستشار ما ذكرته له، إذ ظن أني لاشتغالي ~~بالسياسة ضد الإنجليز قد شعرت بما بلغه عني، فزاد تشبثه بتعييني وكيلة ~~مهما كانت الظروف، ولو بالقوة، خصوصا وأن ناظرة مدرسة السنية كانت قد ~~بلغت الستين من العمر، وفصلت لبلوغها السن القانوني، ولم تكن تستطيع ~~السفر إلى بلادها لتحرج الحالة الدولية، فأرادوا أن يجدوا لها عملا ~~خارج الحكومة ريثما تضع الحرب أوزارها، وخصوصا أنه لم يقرر لها معاش ~~لدخولها الخدمة في سن كبيرة، ولو أني كنت أعلم تلك الحالة لوافقت من ~~أول الأمر على التعيين خدمة لتلك التي كانت ناظرة لي يوما ما، ولكني ~~كنت أجهل ذلك، واعتقدت أن المسألة سياسية بحتة، وخشيت أن تساء ~~معاملتي. # | القوة فوق الحق # تشبث جناب المستشار بتعييني وكيلة مهما كلفه ذلك؛ ولهذا قال إنه لا ~~بد من قبول وظيفة وكيلة؛ لأني أنا نفسي التي طلبتها، ولكني اشترطت أن ~~أكون مثبتة، قال: لا مانع، وسأرسلك الآن إلى القومسيون الطبي. فقلت: ~~لقد عرض نظري على القومسيون الطبي منذ خمس سنوات، فلم يوافق على ~~تثبيتي، وثبتني مجلس الوزراء بصفة استثنائية، فهل تظن جنابك أن نظري ~~زاد قوة بعد عملي خمس سنوات أم تراه قد زاد ضعفا على ضعفه القديم؟ ~~قال: إنك ستذهبين الآن إلى القومسيون مع جناب مسز ألجود، وله أن يقرر ~~ما يريد. ثم ms154 استدعى مسز ألجود في الحال، وأرسلني معها فاستقبلني ثلاثة ~~من الإنجليز، وكان القومسيون يشكل عادة من رئيس إنجليزي، وعضوين ~~مصريين، فخالف في تلك المرة عادته، وزادني ذلك نفورا على نفوري الأول، ~~وأشار الرئيس إلى العلامة الأولى، وسألني عن مكان فتحتها، فقلت له في ~~شيء من الغضب: هل تظن أنني أراك أنت شخصيا؟ قال: عجبا! ألا ترينني؟ ~~قلت: نعم. قال: فاذهبي اليوم، وسأكشف عليك في يوم آخر. # فخرجت من الغرفة وتأخرت مسز ألجود معه برهة، ثم لحقت بي، وأعادتني ~~إلى المستشار الذي ما كاد يراني حتى هب مسلما علي وهو يبتسم ~~قائلا: أهنئك بالنجاح في الكشف الطبي. قلت: وهل نجحت، وأنا لم أر ~~الرجل نفسه؟ قال: نعم! وقد عينت وكيلة لمدرسة بولاق أيضا، وأمامك ~~أسبوع واحد تستعدين فيه لتسلم مركزك الجديد. عدت إلى المنصورة، وقد ~~علمت أني غير باقية فيها، فدعوت سيدات المنصورة إلى اجتماع ودعتهن فيه، ~~وألقيت عليهن خطابا يتضمن كثيرا من الطعن على المدير بصفة غير ~~مباشرة، ومن ذلك أني قلت: «يتهمونني أيتها السيدات بكراهيتي الشديدة ~~للرجال، فناشدتكن الله ألا دافعتن عني عند رجالكن، فإني لا أكره من ~~الرجال إلا الدنيء السافل.» # ولما كانت كراهيتي للمدير مشهورة عند جميع الناس، فقد كان هو ~~المقصود بالدنيء السافل، وقد طبعت تلك الخطبة ووزعتها في مدينة ~~المنصورة، فأخذ المدير نسخة منها، وذهب بها إلى المستر دانلوب ليشكو ~~من سوء تصرفي، فلما ترجمت الخطبة للمستشار لم يجد فيها ما يوجب لومي؛ ~~لأن الطعن لم يكن صريحا، بل كان يفهم بالقرائن، وقد قال جنابه: لا ~~لوم على نبوية في أن تقول: إنها تكره الدنيء السافل، ولا يمكن معاقبتها ~~على ذلك؛ لأني أنا نفسي أكره كل دنيء سافل. # وبعد مضي أسبوع رفضت قبول وظيفة وكيلة لبولاق، كما رفضت مبارحة ~~مدرستي، فأرغى جناب المستشار وأزبد، وأحاط المدرسة فرقة من الجنود ~~الإنجليز منعت دخول أي شخص إليها، وصرحت لجميع من فيها بالخروج حتى لم ~~يبق في المدرسة غيري، وقال المدير إنه مستعد أن يخرجني منها إذا كتبت ms155 ~~قبولا صريحا وظيفة وكيلة لبولاق على أن يصحبني بعض رجاله ليسلمني إلى ~~المستشار باليد، وعز علي الأمر فلم أقبل، وقضيت في سجني ثلاث ليال، ~~غضب المستشار لذلك كل الغضب، وأراد أن يتخلص مني، فكتب لمستر ورنوك ~~خطابا رسميا يقول له فيه إنني جننت، وإن هذا جنون وراثي بدليل أن ~~أخي عرض عليه قبل ذلك مصابا بذلك، وقد بنى المستشار ذلك الوهم على ~~حقيقة وهمية لا علاقة لها بالحقيقة؛ وذلك لأن المرحوم شقيقي كان قد ~~أصيب بحمى التيفود، وهو في سن السابعة عشرة، فلما شفي من الحمى كان ~~يهرف قليلا كعادة كل مصاب بها، وكان يتقاضى معاشا عن والدي يقطع عنه ~~في سن الثامنة عشرة، ولجهل والدتي ظنت أن المعاش يمكن استبقاؤه إذا ~~ثبتت إصابة شقيقي بالذهول، فقدمت طلبا بذلك، وعرض الطلب على المستر ~~ورنوك، وهو مدير مستشفى المجاذيب، وكشف على المرحوم، فقرر أنه سليم ~~معافى، فلما تضايق المستشار مني تقدم إليه أحد أقاربي بتلك الحكاية ~~تملقا منه للقوة الغاشمة، وشاء الله أن لا يجاريهم المستر ورنوك فيما ~~أرادوا، فكتب إلى المستشار يقول: إن ذلك الشخص عرض عليه منذ عشرين ~~عاما، وقررت أنه سليم معافى، وأنه لا يستطيع القبض علي بعلة الجنون ~~ما لم أستكتب تقريرا مطولا يستطيع أن يحكم منه، ولو على تهوري، فأرسل ~~إلي المستشار مفتشا يطلب مني أن أكتب بالتفصيل كيف رفضت الوظيفة بعد ~~أن طلبتها بنفسي، فكتبت إليه تقريرا أقول فيه: إني طلبت الوظيفة ~~باعتبار أنها وظيفة تليق بي، وكنت أعتبر نيلي لها حظا سعيدا، ولكني ~~لما رأيت أنهم عينوني فيها بمجلس وزراء في لحظات معدودة، وبسرعة لم ~~يعهدها أحد، خصوصا وأنه لم يكن هناك داع لتلك السرعة؛ لأن المدرسة ~~التي عينت بها كانت معطلة عن العمل، وقد احتلت بناءها السلطات ~~العسكرية، علمت أن في الأمر شيئا خفيا لا أعرفه، وزادني يقينا فيما ~~اعتقدت أن القومسيون الطبي الذي تشكل من ثلاثة من الإنجليز مفروض فيهم ~~جميعا النزاهة قد أقروا صلاحيتي للعمل دون أن أرى شيئا. # علمت من ms156 ذلك كله أني متهمة بالسياسة، وتعييني وكيلة لناظرة إنجليزية ~~بعد هذا الاتهام يجعل تلك الناظرة ضدي، وعلى ذلك يكون بقائي معها لا ~~كوكيلة وناظرة بل كسجان ومسجون، فهي لا تأتمنني في شيء بل ستراقب ~~حركاتي وسكناتي مراقبة شديدة تجعلها تتوهم الشك يقينا، وتقلب ~~الحقائق رأسا على عقب، ولست ألومها في ذلك، أو أنسب إليها الشر، بل ~~وهي معلمتي أعرف عنها الكثير من الخير، ولكني لو كنت مكانها لفعلت ما ~~تفعل مع تلميذة تمردت علي وعلى أمتي، وقلبت لي ظهر المجن في ~~أشد المراكز حروجة؛ ولهذه الأسباب رفضت الوظيفة. # عرض هذا التقرير على المستر ورنوك فأعطاني الحق كله، وقال إني لم ~~أخطئ في شيء، وإن الخطأ واقع على الوزارة نفسها، وإنه يهون عليه أن ~~يقبض على المستر دانلوب نفسه من أن يمسني بسوء، قال ذلك للمستر دانلوب ~~تليفونيا، فصارحه الآخر بأني ضد الإنجليز، وأنه يجب القبض علي لهذا ~~السبب، قال المستر ورنوك: وما الذي يمنعك أن تقبض عليها سياسيا وقد ~~قبضتم على كثير من المصريين؟ قال دانلوب: إنها ذكية جدا وقادرة في ~~أعمالها، ومحتاطة كل الاحتياط. قال ورنوك: إذن لا شأن لي بها. ثم كتب ~~إلى الوزارة خطابا رسميا يقول فيه: # ردا على خطابكم والإشارة التليفونية التي سبقته أفيدكم ~~أنه لا يمكن التدليل على جنون تلك السيدة ما دامت كما تقولون ~~أنتم ذكية جدا، وقادرة فيما تقوم به من الأعمال، ومحتاطة كل ~~الاحتياط. # وهنا ثارت ثائرة المستشار، ولم يجد أمامه من الحيلة إلا الالتجاء إلى ~~المرحوم أخي، وكان المرحوم في ذلك الوقت قاضيا جزئيا بقنا، فخاطبه ~~مستشار الداخلية تليفونيا، وهو في الجلسة فطلب منه رفع الجلسة ~~والحضور إليه في القاهرة حالا، ولما وصل المرحوم إلى القاهرة، وجد ~~ساعي المستشار ينتظره على المحطة بسيارة المستشار الخصوصية، فسار به في ~~الحال إلى جناب المستشار، وبعد أن حياه، وشرب معه الشاي، طلب منه أن ~~يقابل مستشار المعارف، وأن يقضي له ما يريد، وذهب أخي بسيارة مستشار ~~الداخلية إلى مستشار المعارف في منزله، فقابله أحسن ms157 مقابلة، ورجاه أن ~~يرجوني في قبول الوظيفة، فوعده خيرا، وقضى ليلته بالقاهرة، وفي الصباح ~~المبكر سافر إلى المنصورة فوصل إليها قبل الظهر، وكانت التعليمات ~~بوصوله قد سبقته، فأدى له الجنود الواقفون بباب المدرسة التحية، ~~وأفسحوا له فدخل، وطلب مني أن أصحبه إلى مستشار المعارف، فلما رفضت قال ~~لي: إن الظروف حرجة، وإني أنا شخصيا أسخر بالحياة لأنه ليس لي أولاد، ~~أما هو فلا بد أن يفكر في أولاده، وإني بعنادي هذا سأحرج مركزه كل ~~الإحراج . # فلم أستطع أمام هذا أن أتردد، بل ذهبت معه، وفي صباح اليوم الثاني ~~أخذني بنفسه إلى غرفة المستر دانلوب، وهناك أمضيت على خطاب قيامي ~~بالعمل كوكيلة لمدرسة بولاق، واعتمد تعييني في ذلك اليوم، وكان مجلس ~~الوزراء قد عينني وكيلة لمدرسة بولاق في يوم 27 نوفمبر سنة 1914، وفي ~~يوم 4 ديسمبر كتب مستشار المعارف المستر دانلوب بالقبض علي، وفي يوم 10 ~~ديسمبر تم تعييني، وتسلمت العمل كما يزعمون، فليعجب القارئ من ذلك ~~التناقض إذ تعينني الوزارة وكيلة بمدرستها في يوم 27 نوفمبر، ثم تطلب ~~القبض علي بعد ذلك بأسبوع، ثم تعينني نهائيا عندها بعد ذلك الطلب ~~بأربعة أيام، والجنون فنون كما يقولون. # | وظيفة وكيلة # أمضيت خطاب قيامي بالعمل بصفة وكيلة لمدرسة بولاق بمكتب المستشار كما ~~قدمت، وقمت بالعمل إذا كان هناك قيام به في منزلي؛ لأن المدرسة كانت ~~مغلقة، وكانت السلطة العسكرية قد استولت على بنائها، وفي تلك الأثناء ~~تولى السلطان حسين عرش مصر فهدأت الأمور، وطالب عظمته الحكومة بفتح ~~المدارس، فأخلت السلطة بناء مدرسة المعلمات ببولاق، وفتحت المدرسة ~~أبوابها في أكتوبر سنة 1915، وعملت وكيلة تحت يد ناظرة إنجليزية كنت ~~أعرفها من قبل؛ لأنها كانت معلمتي، وكنت أقدر أخلاقها كثيرا، ولكني ~~شعرت عندما عملت معها بشيء من الجفاء ما كنت آلفه منها من قبل؛ وذلك ~~لأنها كانت تعتقد أني ضد الإنجليز، والظاهر أن للإنجليز خطأ جوهريا ~~في تصديق كل ما ينقل إليهم من الإشاعات والتمسك به، وعدم تصديق ما ~~يخالفه مهما كان خطأ الإشاعة الأولى، وبعدها ms158 عن الحقيقة، والشخص الذي ~~اتهم بمناوأة الإنجليز إذا هو أكد لهم أنه مظلوم، وأن ما سمع عنه ~~مجرد افتراء، فهم لا يتحولون عن اعتقادهم الأول، بل ربما نظروا إليه ~~بعين الاحتقار إذ يعدونه جبانا كاذبا؛ فلهذا كنت مضطرة على الرغم ~~مني أن لا أدافع أمام تلك الناظرة عن نفسي، وأن لا أدلل لها عن براءتي ~~خشية أن تتهمني بالجبن والكذب، فكنت أعاملها بالحذر والصمت كما كانت هي ~~أيضا تعاملني بشيء من الملاينة الظاهرة ينطوي تحتها شيء من الخوف خشية ~~أن أناوئها. # أردت أن أنصرف إلى العمل لأبرهن بعملي على حسن نيتي، والحق إني كنت - ~~ولا أزال - أحب التعليم حبا يشغلني عن كل شيء سواه حتى النظر في ~~السياسة؛ لأني كنت أعتقد أن الإنسان يخدم بلاده بالمهنة التي يتقنها ~~والتي يجب أن يتفرغ لها، أما هي فكانت تريد أن تصرفني عن العمل في ~~المدرسة بكل ما تستطيع، وحصل أني اطلعت على كراسات الطالبات في اللغة ~~العربية، فوجدت فيها أخطاء كثيرة أصلحتها بالقلم الأزرق، وعز على ~~المعلمين المشايخ أن تصلح أخطاءهم فتاة من مدرسة السنية، فشكوا أمرهم ~~إلى كبير في الوزارة، وشجعهم على ذلك ما كانوا يرونه من شدة حذر ~~الناظرة مني، وطلب ذلك الكبير منهم الحضور فحضروا إلى مكتبه، ومعهم ~~كراسات الطالبات التي أصلحت أنا أخطاءها، وعرض الأمر على المستشار، ~~وكان الرجل دقيقا في عمله عادلا في تصرفاته، فسألهم عما كتبته أنا ~~بالقلم الأزرق، وهل هو خطأ أم صواب؟ فقالوا: إنه صواب. وهناك ثارت ~~ثائرته، وقال: «أتشكون إلي من أن فتاة من السنية وجدت لكم أخطاء، ~~أنتم المشايخ أعلام اللغة العربية فأصلحتها؟ وهل كان من صالح التعليم ~~أن تتركها؟ الحق إن شكواكم غريبة مضحكة، وإن خير ما يمكنني أن أقوله ~~لكم هو أن تخرجوا من مكتبي دون أن ينالكم عقاب.» # وهكذا باءوا بالفشل من شكواهم، ولكن حضرة الناظرة طلبت مني بعد ذلك ~~أن أترك الأمور تجري في مجراها الطبيعي، وأن لا أتدخل في عمل أحد من ~~المدرسة، ومن ثم ابتدأ بيني ms159 وبينها شيء من العداء والجفاء، وكانت غرفتي ~~إلى جانب غرفتها، فكنت أنتقد بعض أعمالها، وكانت المعلمات في ذلك الوقت ~~ككل مصري يتهمن المصري بالكذب وكل العيوب، ويبرئن الإنجليز من كل عيب ~~مهما صغر، وأردت أن أشرح لهن الخطأ فيما ذهبن إليه، فقلت لهن: إنكن ~~تعتقدن أن الإنجليز لا يكذبون، وفي استطاعتي أن أبرهن لكن عمليا أنهم ~~ككل الشعوب منهم الصادق والكاذب والأمين والخائن، وهذه ناظرة إنجليزية ~~الأصل، وستقابل اليوم بعض المعلمات لتعينهن في مجالس المديريات، وربما ~~استطعت أن أثبت لكن كذبها مما تقوله لهؤلاء المعلمات، وكان أول من ~~دخلت عند الناظرة آنسة طلبتها هي لتعينها ناظرة في مدارس مجالس ~~المديريات، فقالت لها: «إن هناك مدرستين فتحتهما مجالس المديريات ~~إحداهما مدرسة شبين الكوم والأخرى مدرسة طنطا، فاكتبي إلي تطلبين ~~وظيفة ناظرة في مجالس المديريات لأعينك في إحدى المدرستين.» قالت ~~الفتاة: «ولكني لا أريد مدرسة شبين الكوم، بل أريد مدرسة طنطا.» قالت: ~~«لا بأس، ولكن يجب عليك في الطلب أن لا تعيني المدرسة التي تريدينها، ~~وسأعينك في طنطا كما تريدين.» وخرجت الفتاة من غرفتها إلى غرفتي، وقصت ~~علي قصتها أمام بقية المعلمات، فقلت لهن: إن هنا كذبا لا أستطيع ~~إثباته الآن؛ لأن مدرسة طنطا بنيت بناء حسنا لتديرها ناظرة إنجليزية ~~لا مصرية، وستعين الفتاة في مدرسة شبين الكوم. # وجاءت بعد هذه ناظرة بنها، فطلبت من الناظرة أن تعينها في مدرسة شبين ~~الكوم؛ لأنها غير مستريحة في بنها، فقالت الناظرة في دهشة: «وهل ستفتح ~~مدرسة في شبين الكوم؟ إني لم أسمع بذلك.» وعندما قصت ناظرة مدرسة بنها ~~حكايتها تبين للمعلمات أول كذبة كذبتها الناظرة الإنجليزية، وجاء ~~بعد ناظرة بنها فتاتان تريدان التوظف بوظيفة معلمتين في مدرسة طنطا، ~~فسألتا الناظرة عمن ستعين ناظرة لمدرسة طنطا، ولكي يرضياها قالتا لها ~~إنهما لا يقبلان العمل تحت رياسة مصرية، فقالت لهما: لا تخشيا شيئا ~~فناظرة طنطا ستكون بالتأكيد إنجليزية. وهنا ظهرت الكذبة الثانية، ~~وهكذا أثبت لهن ما يزيد عن عشر كذبات في يوم واحد، وقد دهشت المعلمات ms160 ~~لاعتقادهن الراسخ أن الإنجليز لا يعرفون الكذب، ولكنهن خضعن للحقيقة ~~الواقعة. # وبمناسبة هذا أقول إني قد علمت هذه الناظرة الإنجليزية اللغة ~~العربية، فلما دخلت الامتحان تفوقت على زملائها الإنجليز في تلك اللغة، ~~فعينت لسوء حظي مفتشة للغة العربية، وجاءتني في المنصورة عندما كنت ~~ناظرة لمدرسة معلمات المنصورة لتمتحن طالبات مدرستي في التربية ~~العملية؛ أي تنتقدهن في إلقاء دروسهن باللغة العربية على الطالبات، ~~وكان معها على ما أتذكر خالد بك حسنين، فعلمت أن مثل هذا الامتحان لا ~~يسفر عن حقيقة لجهلها هي باللغة العربية؛ ولأنها الكل في الكل فيه قلت ~~لها مازحة: إني مستعدة أن أحضر لك فنجانا عظيما من القهوة على شرط ~~أن تتعهدي لي بعدم رسوب الطالبات في تلك المادة. فقالت: لا، لا أذوق ~~قهوتك. وقامت فعملت هي وخالد بك في الامتحان مدة ساعتين، ثم جاءت ~~لتستريح في مكتبي فقلت: ألا تزالين تصرين على عدم قبول شرطي، وشرب ~~القهوة؟ قالت: لا، كلا. أما خالد بك فقال لي: لقد طار مخي من التعب ~~فأرجو إحضار القهوة، وإني مستعد لأن يرسب من الطالبات حتى الأوليات. ثم ~~أعطتني كشفا، وقالت: إنه يجب علي أن أضع للطالبات درجاتهن في أعمال ~~السنة من 30. فقلت لها: إني أعلم أن أوليات الطالبات سيرسبن في ~~امتحانك، وإذن سأعطي هؤلاء الأوليات 60 من 30. فقالت بحدة: لا تفعلي! ~~فإن هذا غير مصرح به. وضايقني تجاهلها المزاح إلى هذا الحد، فقلت لها: ~~ألا تمزحون في بلادكم؟! فقالت: كلا، نحن لا نقول الكذب حتى ولا في ~~المزاح. مع أنها - كما رأى القارئ - قالت ذلك الكذب في الجد ~~الصحيح. # | الدعاية الوطنية # من أحسن خصال الإنجليز، ومن أهم الأسباب التي تكلل أعمالهم بالنجاح ~~دعايتهم المستمرة لبلادهم، فهم يحدثونك عن مفاخر أبناء وطنهم، كما كان ~~يتغنى الشاعر العربي القديم بذكرى عنترة بن شداد، أو الزير سالم، أو ~~غيرهما من أبطال التاريخ، وهم في سبيل ذلك قد ينسون الحقيقة، ويصل ~~كلامهم إلى حد الخرافات، يتغنى الإنجليزي بمفاخر قومه بحماسة نادرة ~~فيثبت ذلك في نفسه، ويعتقد ms161 اعتقادا صحيحا أن أبناء جنسه خير البشر، ~~وأفضلهم على الإطلاق، وهو لذلك لا يدخل من المصانع أو المتاجر إلا ما ~~كان إنجليزي الأصل فتروج تجارتهم، ويحملون غيرهم من الأمم على احترام ~~أمتهم والثقة بها، وترى تلك الظاهرة الحسنة في كل شخص أو هيئة أو جماعة ~~منهم؛ فهم يوحون إلى الناس جميعا باحترامهم والثقة بأعمالهم، وينفون ~~العيب عنهم مهما ظهر. # كنت أعرف ذلك منهم، وأريد أن أقتدي بهم في إعلاء اسم أمتي، وكانت ~~ناظرتي الإنجليزية تود أن تفهمني غير ما أريد ، وكان بالمدرسة حوالي 35 ~~معلمة مصرية ومعلمة واحدة إنجليزية، فكانت كلما أخطأت إحدى المعلمات ~~المصريات، قالت لي: هكذا المصريون لا يفلحون في عمل. فإذا عارضتها في ~~ذلك قالت: لا تقيسي على نفسك فأنت مستثناة. وكنت أجيبها أني مصرية ~~صميمة، وأن لون بشرتي وشكل وجهي الفرعوني يدلان على أني من صميم مصر، ~~ومحال أن أستثنى من بناتها، وأنها هي تحكم على المصريات حكما قاسيا ~~لا مبرر له، مع أنهن كالإنجليزيات في كفايتهن، ومحال أن يعصم شخص من ~~الخطأ، فكانت تعارض بشدة في ذلك، وأخيرا قلت لها: إن بالمدرسة 35 ~~معلمة مصرية ومعلمة واحدة إنجليزية، وبناء عليه يجب أن نجد 35 خطأ ~~من المصريات يقابله خطأ واحد من الإنجليزية، وإني سأحصي أخطاء ~~الفريقين. قالت: محال أن تجدي للإنجليزية خطأ. قلت: سنكون أمام الأمر ~~الواقع في المستقبل القريب. وكانت تلك السيدة الإنجليزية تدرس ~~12 حصة أسبوعيا فقط في التدبير المنزلي؛ ليكون عندها من الوقت ما ~~يكفي لإرشاد معلمات التدبير اللاتي كانت كل منهن تدرس 24 حصة في ~~الأسبوع، وكانت تلك السيدة تستغل سيطرتها عليهن، فتوزع دروسها عليهن ~~فلا هي ترشدهن، ولا تقوم بتدريس دروسها نفسها. # وفي أحد الأيام تغيبت إحدى معلمات التدبير المنزلي، فأمرتني الناظرة ~~أن أوزع دروسها ففعلت، ولكني لم أوزع درس السيدة الإنجليزية التي كانت ~~تقوم بتدريسه تلك المعلمة بصفة غير رسمية، وعندما ابتدأ ذلك الدرس أتيت ~~إلى الناظرة، وأخبرتها أن الفرقة الفلانية ليس بها معلمة، قالت: لعلك ~~لم توزعي دروس ms162 المعلمة الغائبة. قلت: كلا قد فعلت، وهذا الدرس مخصص ~~للسيدة الإنجليزية. قالت: وأين هي؟ قلت: إنها في غرفتها تشرب الشاي مع ~~ضيف لها. قالت: محال أن تترك درسها. قلت: إنها يا سيدتي لا تدخله ~~بتاتا، بل هي تتركه للمعلمة الغائبة. قالت: إني لا أسمح لك بذلك ~~القول. قلت: إن الحقيقة لا تقبل الجدل. فقامت وهي تكاد تتميز غيظا، ~~وذهبت إلى غرفة المعلمة الإنجليزية، وأمرتها بالحضور إلى الدرس، وكانت ~~تلك المعلمة الإنجليزية تدرس درس التربية العملية في التدبير المنزلي، ~~ونظرا لأن الطالبات يعلمن أنها لا تصحح مذكرات دروسهن التي يلقينها ~~أمامها؛ لأنها لا تفهمها، بل تضع عليها الدرجة حيثما اتفق، أخذن يهملن ~~إعداد مذكراتهن، وبعد يومين من الحادثة الأولى كانت إحدى طالباتها ~~تدرس درس «يخني» للسنة الرابعة من المدرسة الملحقة، وكان ذلك في ~~الحصة الأولى صباحا، فلم تعد مذكرة درسها، بل أخذت كراسة إحدى ~~طالباتي، وكانت قد أعدت بها درسا للسنة الثانية في مبادئ جدول الضرب، ~~وقد أرادت الطالبة بأخذ تلك الكراسة أن توهم المعلمة الإنجليزية بأنها ~~أعدت مذكرتها، وأنها أخطأت فأحضرت كراسة أخرى بدلا من كراستها، ~~وينتهي الأمر عند هذا الحد، ولكن المعلمة ما كاد يقع بصرها على مذكرة ~~طالبتي التي كانت قد أعدتها بنظام وإتقان حتى وضعت عليها الدرجة ~~النهائية وأمضت، ولما دخلت طالبتي لإلقاء درسها أمامي رأيت إمضاء ~~المعلمة الإنجليزية والدرجة في نهاية المذكرة، فسألت الطالبة عن السبب ~~في وضع تلك الإمضاء، فأخبرتني بما حدث، فذهبت إلى الناظرة، وبيدي ~~الكراسة، وقلت لها: ما رأيك في معلمة تضع إمضاءها والدرجة على كراسة لم ~~تقرأها؟ قالت: ليس ذلك بغريب على المصريات. قلت: وما رأيك إذا كانت ~~إنجليزية؟ قالت: محال أن يصدر هذا من إنجليزية. فأطلعتها على الدرس ~~فرجعت، ثم قالت: لعلها قرأته، ولكنها لم تفهمه جيدا. قلت: إن السيدة ~~التي تقرأ السنة الثانية على أنها الرابعة، وتقرأ كلمة «حساب» على أنها ~~«طبيخ»، ثم تقرأ كلمة جدول الضرب على أنها «يخني» لا يجوز لنا أن نعتبر ~~أنها قرأت شيئا، بل هي ms163 وضعت الدرجة جزافا دون أن تعرف في المذكرة ~~شيئا. فقالت الناظرة بحدة: أرجو أن لا تناقشيني في أخطاء تلك السيدة ~~مرة أخرى. قلت: لست بفاعلة، ويكفي أني أظهرت لك أن الإنجليزيات أكثر ~~من المصريات أخطاء. ولم تعد بعد ذلك إلى الطعن في المصريات ~~أمامي. # وكان بالمدرسة ضابطة تعرف اللغة الإنجليزية، وتشاطر الناظرة رأيها في ~~الطعن على المصريات؛ ولهذا كانت الناظرة تحابيها، وترفع من درجتها، ~~واعتمادا على ثقة الناظرة بها وميلها إليها أرادت أن تتعالى علي ~~متناسية أني وكيلة المدرسة، وأنها إحدى الضابطات، ومررت بعنابر النوم ~~يوما فوجدت أن بعض الأسرة بها وسائد مربعة فوق وسادتها الأصلية، ~~وبعضها ليس به تلك الوسائد، وأن الطالبات تشاجرت على تلك الوسائد ~~الزائدة، فكل منهن تريد أن يكون لها وسادة مربعة، وهكذا كانت تلك ~~الوسائد منبع شقاق وخصام، فأردت أن أمنع ذلك الشقاق بوضع جميع الوسائد ~~المربعة في عنبر واحد هو عنبر نوم السنة الثالثة، وهي أعلى سني ~~المدرسة، فأمرت الخادمات بنقل جميع الوسائد الزائدة إلى ذلك العنبر، ~~وعز على الضابطة التي أشرت إليها أن لا آخذ رأيها في ذلك، فنقلت ~~الخبر إلى الناظرة وزادته فظاعة بأن قالت لها: إن الوكيلة تعمل ما ~~تريد دون أن تعبأ برأي الناظرة أو تستشيرها. وكانت ضابطة الخدم سيدة ~~فرنسية، فأمرتها الناظرة أن تنقل الوسائد من عنبر السنة الثالثة، ~~وتوزعها على العنابر الأخرى كما كانت، ونفذت الضابطة ما أمرت به ~~الناظرة، وما كدت أرى ذلك حتى ارتديت ملابسي وتأهبت للخروج دون أن أقول ~~للناظرة شيئا، ورأتني وأنا مارة بباب غرفتها في طريقي إلى خارج ~~المدرسة، فنادتني فلم أجبها، فتبعتني وأوقفتني، وسألتني عن سبب خروجي، ~~فقلت: لا أستطيع أن أؤدي عملي كما يجب، أو أقوم بالمسئولية الملقاة على ~~عاتقي عندما أنوب عن الناظرة في غيابها بصفتي وكيلة للمدرسة، ما دامت ~~إحدى الضابطات تهزأ بأوامري وتمحوها كلما أرادت ذلك، ورأت الناظرة أنها ~~أخطأت، فقالت: ولكني أخذت الوسائد من عنبر السنة الثالثة لأنجدها ثم ~~أعيدها إليه. قلت: حسنا، أما أنا فسأبقى في ms164 منزلي إلى أن تعود الوسائد ~~إلى حيث وضعتها، ثم سلمت عليها وانصرفت، وذهبت إلى المرحوم الدكتور ~~طلعت لآخذ إجازة مرضية، ورأى الدكتور أن حرارتي 39 درجة، فقال: إني ~~أعتقد أنك لست بمريضة بالرغم من ارتفاع حرارتك، ولعلك مغضبة أو مجهدة، ~~وعلى كل حال، فأنت تستحقين إجازة للراحة من ذلك الإجهاد، وسمح لي ~~بإجازة 15 يوما، فعدت إلى المدرسة لأسلم الإجازة، وآخذ ملابسي، وما ~~كادت الناظرة تراني حتى تبعتني إلى غرفتي، وقالت: ألا تزالين مغضبة؟ ~~قلت: لا يغضبني شيء، ولكني لا أستطيع البقاء في تلك المدرسة إلا إذا ~~نفذت أوامري. قالت: لقد أحضرت المنجد، وستكون الوسائد في محلها غدا. ~~قلت: لا بأس يا سيدتي، وسأكون بالمدرسة غدا إن شاء الله. ومررت ~~بالضابطة الفرنسية التي رأت كيف غيرت الناظرة أمرها الأول، والتي ~~كانت تتألم بعض الشيء من قوة نفوذ الضابطة الأخرى، فقالت لي: أهنئك ~~بفوزك الباهر، وها نحن نعمل بسرعة في تنجيد الوسائد ووضعها في مكانها ~~الذي أمرت أنت أن توضع به. وهكذا عادت الوسائد إلى مكانها في اليوم ~~التالي، كما عدت أنا إلى عملي، وفي النفوس ما فيها. # | تهمة كاذبة # كان لسوء حظي في ذلك الوقت أن انتشرت إشاعة تشير إلى أن الإنجليز ~~ضدي، مع أني لم أكن أشتغل بالسياسة إطلاقا، بل لم أكن - علم الله - ~~أكره الإنجليز، ولكن هكذا شاء أعدائي أن يفهموا الإنجليز غير ~~الحقيقة، والإنجليزي إذا فهم شيئا، واستقر في رأسه لا يتنازل عنه مهما ~~كانت الظروف، ومهما ظهرت له الحقائق، فهم في ذلك يتمثلون بقول ~~الشاعر: # ما الحب إلا للحبيب الأول # فالرأي الأول له عندهم المكانة ~~الأولى مهما كان خاطئا، وكل ما عداه خطأ لا يأبهون به. # لهذا كان مركزي حرجا، وأخذ كثير من الموظفين يتحينون الفرص لإسقاطي ~~بعضهم لكراهتهم لي، وهم قليلون، والبعض الآخر مجاملة للإنجليز جريا ~~وراء تلك الإشاعة الكاذبة، وفي ذلك الوقت تولى المغفور له السلطان حسين ~~الحكم، وأخذ يزور المدارس، وكان عظمته عصبي المزاج جريئا يقول ما ~~يريد، فكان المستر دانلوب مستشار المعارف ms165 يخشاه. # فلما جاء دور مدرسة معلمات بولاق، وحدد موعد زيارة عظمة السلطان ~~لها، أخذ المستر دانلوب بنفسه يتردد على المدرسة ليتأكد من أن كل ما ~~فيها يرضي عظمة السلطان، وقد زار الفصول جميعها، فلما دخل فصلي، وكنت ~~أدرس «التربية العلمية»، رأى في سواد ملبسي ما يثبت علي تهمة عدم ~~رضائي بالحكم الحاضر، وقد كنت في شبابي المعلمة الوحيدة التي ترتدي ~~ملابس سوداء، وكنت أفعل ذلك محافظة على الحشمة والكمال، فقال لي: يجب ~~أن تغيري ملابسك هذه. قلت: وما السبب الذي يدعوني إلى ذلك؟ قال: إن ~~حضرة صاحب العظمة السلطان سيتأكد من ملابسك هذه أنك ضد الحكومة ~~الحاضرة، وأنك تشايعين الخديوي السابق. قلت: لم أتصل عمري بسمو الخديوي ~~ولا بحاشيته، وقد كنت ألبس ملابسي السوداء وسموه في الحكم. قال: ولكن ~~عظمة السلطان لا يعلم ذلك. قلت: ولكن جنابك تعلمه، وأظن أن من الواجب ~~أن تطلعه على الحقيقة. قال: ليس هذا من شأني، ولكني أقول لك إنك إذا ~~لم تغيري ملابسك فلا تلومن إلا نفسك، وسينفيك السلطان إلى مالطة، ولا ~~يستطيع أحد أن يعارضه في ذلك. قلت: أأنفى لأني ألبس ملابسي التي ~~اعتدت أن ألبسها طول حياتي؟ قال: نعم سيكون ذلك، وأنت وحدك المسئولة ~~عنه. قلت: لست آسفة يا مستر دانلوب، فإن بلدا تنفي الناس لا لسبب سوى ~~أنهم يلبسون ملابسهم لا يأسف الإنسان على الخروج منها لا إلى مالطة ~~فحسب، بل إلى جهنم إن شاء الله؛ لأني لا أظن أن في جهنم يعاقب الناس ~~على ملابسهم. # قال: إذن أنت تصرين على لبس ملابسك هذه أمام عظمة السلطان؟ قلت: نعم، ~~وأمنعك منعا باتا أن تحدثني في أشياء شخصية لا علاقة لها بالعمل، ~~فأنتم الإنجليز تعرفون مقدار الحرية الشخصية، ولا تسمحون لأحد أن ينتقد ~~شخصيات غيره؛ ولهذا فإن لك أن تنتقد أعمالي، أما ملابسي فلست أسمح لك ~~بالكلام فيها. قال: إذن هذا حد بيننا، ولست مسئولا عما يصيبك، بل أنت ~~المسئولة شخصيا عن تصرفاتك. # قلت: إني شخص كامل يا مستر دانلوب، وكل شخص ms166 بالطبع مسئول عن تصرفاته. ~~فتركني وخرج، وقد كادت الدموع تتساقط من عيني لولا مسكة من الجلد ~~كانت تمنعني من أن أظهر ما يشمت الأعداء بي. # وتجلدي للشامتين أريهم # أني لريب الدهر لا أتضعضع # بقيت طيلة يومي غارقة في أفكار لا حد لها ولا نهاية. # وفي اليوم التالي زار المدرسة المرحوم الشيخ شريف المفتش بوزارة ~~المعارف، ودخل مكتبي فلم يحيني مع أنه كان يعرفني أيام كنت ناظرة ~~لمدرسة المنصورة، وكان يحييني تحية طيبة، ولكنه لما بلغه أن الإنجليز ~~ضدي، أو أني أنا ضد الإنجليز كيفما يريد القارئ، فقد أخذ يتجنى علي، ~~ولم يحيني، ولم يكفه ذلك بل قال لي بصوت ملؤه التأنيب: لم لم ~~تحييني عند دخولي؟ فنظرت إليه مندهشة، وقلت له: إنك أنت القادم، وكان ~~الواجب عليك أن تحييني. قال: ألم يبلغك أني آت لعمل «البروفة» لزيارة ~~عظمة السلطان؟ قلت: بلغني ذلك. قال: فلم لم تحييني تحية السلطان؟ ~~قلت: لا أعلم أنك السلطان. # قال: سأخرج، ثم أعود لتحييني تحية السلطان. قلت: لم أعتد تمثيل ~~الروايات المحزنة أو المضحكة أمام طالباتي، فأنت تخرج وتعود ليحييك ~~الطالبات، أما أنا فسأظل ساكنة. قال: وما هي التحية التي ستحيين بها ~~عظمة السلطان؟ قلت: التحية التركية يا سيدي؛ لأن عظمته تركي الأصل، ومن ~~الذوق أن نحييه تحية بلاده. قال: ولكني أريد أن تحييه تحية العرب، فهل ~~تعرفين ما هي؟ قلت: كلا؛ لأن العرب لم يكن لديهم سينما لنعرف تحيتهم. ~~قال: ألم تزوري بلاد الصعيد؟ قلت: لا، لم أتشرف. # قال: هناك يحيون تحية العرب، وهي هكذا؛ «وضرب بيده اليمنى جانبه ~~الأيسر حتى خيل إليه أنه أصيب بطلق ناري في ذلك الجنب فمال عليه»، ~~وقال: هل لك أن تجربي هذه التحية؟ قلت: كلا يا سيدي، سأحييه التحية ~~التركية. قلت ذلك وملت في وقفتي على منصة المعلم في شيء من السخرية، ~~وكان بجانبه الغمراوي بك المفتش في وزارة المعارف أيضا، وكان المرحوم ~~الشيخ شريف يعرف اللغة الفرنسية، أما الغمراوي فيعرف الإنجليزية، وفي ~~تلك اللحظة دخلت ناظرة المدرسة، ونظرت ms167 إلي وأنا أقف تلك الوقفة التي ~~تدل على عدم الاهتمام، قالت: أتقفين هكذا أمام السلطان؟ قلت: كلا سأقف ~~هكذا «وملت قليلا عما كنت»، فلم تجبني، وخرجت مسرعة من الغرفة، فلما ~~رأى ذلك الشيخ الغمراوي، وفهم ما دار بيني وبين الناظرة أخذ الشيخ شريف ~~من يده، وقال له: هيا بنا، ما لنا وللسيدة نبوية! # طلب بعد ذلك الشيخ شريف مذكرة الدرس الذي سألقيه أمام عظمة السلطان، ~~فقلت: إني لم أعدها، وسأعدها في يوم إلقاء الدرس كعادتي في باقي دروسي. ~~قال: ولكني أريد الاطلاع عليها. قلت: لست بالطفلة لتعلمني أنت، فإن كان ~~في الكفاية للتدريس أمام عظمة السلطان تشرفت بالقيام به، وإن لم يكن ~~كان عليكم أن تمنعوني من التدريس أمام عظمته، أما أن تعلمني الدرس قبل ~~إلقائه فهي سخرية لا أرضاها للمعلمات. ووقفت ساكتة، وكنت في الفصل ~~ألقي درسا، قال: ألا ترغبين في التدريس أمامي؟ قلت: قد انتهى درس ~~اليوم. قال: هل هناك مانع من أن تلقي الدرس الذي ستلقينه أمام عظمة ~~السلطان؟ قلت: درس السلطان سألقيه أمام عظمته، ودرس اليوم قد ~~انتهى. # ومرة أخرى سحبه الأستاذ الغمراوي بك من يده، وخرج به. # ذهبت إلى غرفتي بعد ذلك، وقد اسودت الدنيا في عيني، وتأكدت أني واقعة ~~في كيدهم لا مفر لي منه، ثم فكرت قليلا، وكنت أعرف المغفور له سعيد ~~باشا ذو الفقار كبير أمناء صاحب العظمة المغفور له السلطان حسين، فرأيت ~~من الواجب أن أكتب له، وأطلعه على جلية الأمر، فقلت له في خطابي: «إنك ~~قد رأيتني في المنصورة، وتعلم أن ملبسي الرسمي هو السواد، كنت ألبسه في ~~زمن سمو الخديوي السابق، ولا أزال ألبسه إلى الآن في هذا الزمن السعيد ~~الذي يتولى الحكم فيه أكثر الناس وطنية وإخلاصا للبلاد، ولكنهم ~~يتهمونني بالسياسة ظلما، ويريدون ضربي لا بأيديهم، بل بيد أبي ~~الفلاح.» وما كاد عظمة السلطان يقرأ الخطاب حتى أمر باستدعائي إلى ~~السراي، وعندما سلمت عليه، وأخبرته القصة بحذافيرها قال: لا تخشي أحدا ~~منهم، وسأدافع عنك بكل ما أستطيع. # لم ms168 أخبر أحدا باتصالي بالسراي، ولا بما تم لي مع عظمة السلطان، بل ~~خرجت مدعية الذهاب إلى منزلي، ثم عدت من الخارج مثلما كنت قبل خروجي ~~لا سرور ولا ابتهاج، فلم يلاحظوا علي أي تغيير، وقد بيتوا نيتهم على ~~تحريض السلطان ضدي ونفيي إلى مالطة، ثم تعيين شيخ وكيلا للمدرسة بدلا ~~مني، وهكذا يريد الله دائما أن أحل محل الشيخ، أو يحل الشيخ محلي ~~كأنني من الفقهاء. # أخطأ سادتنا في اختيار الأستاذ الذي أرادوا أن يحل محلي، اختاروا ~~شيخا لم يخلق في حياته للتعليم، ولست أنكر أنه كان عالما متضلعا في ~~اللغة العربية، ولكنه لم يكن معلما، بل كان من يصغي إليه وهو يلقي ~~الدرس، يظن أن هناك مشاجرة يجب أن يستدعى لها البوليس، فهو يلقي بصوت ~~جهوري يخترق الحوائط، ولا تصغي إلى ذلك الصوت طالباته بل يلعبن ويمرحن، ~~كأن كلا منهم لا يرى صاحبه، وكان - فضلا عن هذا - غير منظم في ~~ملابسه، يعشش العنكبوت في أجزاء جبته، وهو لا يشعر به، وكان - بحسب ~~وظيفتي - يجب أن أكون آخر معلمة يزورها السلطان، ولكنهم نظروا إلى ما ~~سيكون فوضعوا ذلك الأستاذ بعدي. # وشرف عظمة السلطان المدرسة، وأخذوا يروون له الأقاصيص عن نبوية موسى، ~~وكراهيتها للحكم الحاضر، وكان عظمته يسمع هذا ليلقي به في الهواء دون ~~أن يقول شيئا، وزار جميع الفصول فتألم من شكل التحية التي كانوا ~~يحيونه بها؛ فقد كانت المعلمة أو المعلم يقف على المنصة، وهي ترتفع عن ~~أرض الحجرة بنحو 40 سنتيمترا حتى إذا دخل عظمته الغرفة حياه بضربة ~~قوية من يده اليمنى على جانبه الأيسر يتفزع منها عظمته، خصوصا وهي ~~تأتي من فوق رأس عظمته، وكان - رحمه الله - قصير القامة، فكان حتى ~~المعلم الذي لا يزيد عنه في الطول يزيد عنه بارتفاع المنصة، تضايق ~~السلطان من تلك التحية المؤلمة، وأظهر مضايقته، ولكنه لم يكن في ~~الإمكان تغييرها، ودخل السلطان أخيرا الفرقة التي كنت أدرس بها، ويظهر ~~أنهم قالوا له: إن المدرسة هنا نبوية، ولكنه أخطأ السمع فظنها «نبيهة» ms169 ~~فدخل الفرقة يقول: «سعيدة يا ست نبيهة.» ولكنه ما كاد يقع نظره علي ~~وأنا أحييه التحية التركية لا من فوق المنصة كما فعلوا، بل من أسفلها، ~~ما كاد يقع بصره علي حتى قال: «أهلا ست نبوية.» ووضع يده اليسرى تحت ~~يدي ليمنعها من الوصول إلى الأرض، ثم حياني باليد اليمنى يدا بيد، ولم ~~يفعل ذلك مع غيري؛ لأنه غير ممكن. # ودهش جناب المستشار كما دهشت حضرة الناظرة؛ لأن السلام كان يدل على ~~أن كلا منا يعرف الآخر، وألقيت الدرس أمام عظمته، فسر منه كثيرا، ~~وفي نهايته نظر إلى المستر دانلوب، وقال: ما الذي يمنع تلك السيدة من ~~أن تكون ناظرة لتلك المدرسة؟ # وبهت المستر دانلوب، ولم يحر جوابا، واحمر وجه الناظرة، ولكنها ~~لم تقل شيئا، وخرجوا من غرفتي إلى غرفة الأستاذ المختار لوكالة ~~المدرسة، وكان طويل القامة جدا، وقد وقف على المنصة، فكاد يصل إلى ~~سقف الغرفة، وضرب بيده اليمنى جانبه الأيسر صارخا: قيام! فقفز ~~السلطان مترا من هول تلك المفاجأة، وكادت يد المدرس تصل إلى طربوش ~~السلطان، فلم يقف السلطان في الغرفة، ولم يسمع كلمة من الدرس غير تلك ~~الكلمة المشئومة «قيام»، ثم ذهب إلى غرفة الناظرة، وأقسم لا يبرح ~~المدرسة حتى ينقل منها ذلك المعلم الفظ؛ لأنه أزعجه هو، وهو رجل، فما ~~بال الطالبات، وهن من الجنس الرقيق، وهكذا كتب خطاب نقله ~~أمام عظمة السلطان، ولم يعد الأستاذ للمدرسة مرة أخرى. # قد يظن القارئ أني حرضت عظمة السلطان عليه حتى تم له ما تم، ولكني ~~أشهد الله أني لم أذكره لعظمة السلطان؛ لأني كنت أريد أن يحميني عظمته ~~من ضرباتهم لا أن يضرب غيري. # وبعد مبارحة عظمته المدرسة جاءتني الناظرة، فقالت في شيء من الدعابة: ~~ما الذي أعجبه من درسك، لقد كنت سوادا في سواد؟ # قلت: لعلك عرفت من هذا أني أستطيع أن أرضي أبناء بلدي. قالت: إنه قد ~~أخطأ في تقديرك. قلت: من منا التي تنفى إلى مالطة؟ التي كانت تلبس ~~ملابسها، أم التي تقول على السلطان ms170 مثل هذا القول؟ قالت: على رسلك! ~~فهو لا يستطيع أن ينفيني. # وقد أهداني عظمته ساعة يد من الماس بسوار ذهبي، كما أهدى بعض ~~المعلمات أشياء أخرى أقل من الساعة قيمة. # | إيقاف الاضطهاد إلى تحسين الفرص # وضعت زيارة المغفور له السلطان ~~حسين لمدرسة معلمات بولاق حدا لاضطهادي، فلم أعد بعدها مضطهدة، بل ~~تركت وشأني، ولكني لم أكن أعمل بالمعنى الصحيح؛ لأني لم أكن معلمة، ~~ولا ناظرة، بل كنت شيئا بين الوظيفتين، وهذا الشيء لا عمل له في ~~الغالب، وهو ما يسمى بوكيلة المدرسة، تضايقت من هذه الحالة، وأردت أن ~~أبحث عن عمل آخر مهما كان أستعيد فيه نشاطي وجدي، حتى إني رجوتهم أن ~~أكون ناظرة لمدرسة أولية، وهي وظيفة لا تتناسب والمرتب الذي كنت ~~أتقاضاه، ولكن كنت أراها أفضل من العطل؛ لأني أستطيع فيها أن أعمل، وأن ~~أصلح المدرسة دون أن يعارضني أحد في ذلك الإصلاح، وكانت في نظري على حد ~~المثل الإنجليزي «كن رأس كلب، ولا تكن ذنب أسد»، ولكنهم أبوا علي حتى ~~تلك الوظيفة المتواضعة، وأخيرا عولت على ترك العمل في الوزارة، فكتبت ~~إلى مستشار المعارف المرحوم المستر دانلوب خطابا باللغة الإنجليزية ~~أقول فيه ما نصه: # أريد يا جناب المستشار أن أصارحك بما يجول في نفسي، ولكني ~~أخشى إن فعلت ذلك أن تظن أني متهوسة لا أقدر ما لك من السلطة ~~والسلطان، وأنا لذلك أقول لك إني أعرف جيدا أنك مستشار وزارة ~~المعارف؛ أي وزيرها الفعلي، وأن في استطاعتك أن تفصلني من عملي ~~بلا ذنب، ولا يستطيع أحد أن يناقشك في ذلك، بل أنت أقوى من ~~ذلك، فإنك تستطيع أن تمنعني من التوظف في جميع مجالس ~~المديريات، بل أنت تستطيع بمساعدة أنصارك ~~الكثيرين أن تمنعني من أي ~~عمل حر مهما كان، وأنت فوق هذا وذاك الرجل الإنجليزي النافذ ~~الكلمة، وفي البلد أحكام عرفية، فأنت تستطيع التخلص من حياتي ~~بكلمة تخرج من فيك. # إذن أنا أعرف مقدارك تماما، ولكني أريد أن أسدي إليك ~~معروفا بأن أطلعك على ما يقال في ms171 غيبتك، والرجل القوي العظيم ~~لا يعرف ما يقال عنه، وقد يفيده ذلك لو عرفه، فأنا أقول لك مع ~~شدة احترامي لشخصك إني إذا دخلت غرفة نومي، وأغلقت نوافذها ~~وأبوابها، ووثقت أن أحدا لا يسمعني من خلق الله قلت فيك ما ~~يأتي: # إن هذا المستشار أشر من الألمان؛ لأن أولئك الألمان ~~يغتصبون حق محارب، أما هو فيغتصب حق مسالم، وقد اغتصب ~~حقي بعد أن وثقت به، وسلمته إليه. # دخلت هذه المدرسة فوجدت أن كل من بها لا نصيب لهم من الأخلاق ~~الحقيقية، فهم لا يعملون حبا في العمل، بل يعملون رغبة في ~~الوصول إلى المرتب الذي هو في نظرهم كل شيء، فعجبت كيف اجتمعت ~~تلك الفئة، واتفقت على احتقار الأخلاق، ونبذها ظهريا، أما ~~أنا فقد كنت أعمل لحب العمل، ولكني ما كدت أعمل في هذه المدرسة ~~ستة شهور حتى أصبحت كزملائي لا أعمل إلا لتناول الأجر، فأين ~~ذهبت أخلاقي إذن؟ ومن هو يا ترى سارقها؟ إنه هو ذلك المستشار ~~الذي سلب غيري من الناس أخلاقهم، ثم سلب بعد ذلك أخلاقي أنا ~~شخصيا، إنه شر من اللص؛ لأن اللص يسرق أموالا تذهب وتأتي، ~~أما هو فيسرق أخلاقا، وهي إذا ذهبت لن تعود، وإني لهذا أقول ~~لك بصراحة تامة: إني أريد أن أسترد أخلاقي، فاعتبر هذا الخطاب ~~استقالة مني من أول الشهر الآتي. # وتفضل بقبول شكري واحترامي. # استلم جنابه الخطاب، وكان يعلم أن عظمة المغفور له السلطان حسين لا ~~يرضى بخروجي من العمل مهما كانت الظروف، فلم يستطع أن يقبل استقالتي، ~~بل فكر في إزالة ما أشكو منه، وهو منعي من السلطة في العمل، ~~فعينني ناظرة لمدرسة معلمات ~~الورديان، ويظهر أنه أراد أن يحفظ لنفسه خط الرجعة فكتب خطاب تعييني ~~بالصيغة الآتية تقريبا: # حضرة المحترمة الفاضلة السيدة نبوية ~~موسى، وكيلة مدرسة معلمات ~~بولاق # بما أنك برهنت في مدة قيامك بعمل وكيلة لمدرسة معلمات بولاق ~~أنك لا تصلحين لهذا العمل، وقد طلبت مرارا تعيينك ناظرة ~~لمدرسة، ولو أولية، وقد رأت الوزارة تجربتك في وظيفة ms172 رئيسية، ~~فعينتك ناظرة لمدرسة معلمات الورديان. # وإني أترك للقارئ التعقيب على هذا الخطاب العجيب الذي يقول إن التي ~~لا تصلح وكيلة لمدرسة معلمات أولية تعين ناظرة لمدرسة مثلها، وهو ~~بالطبع لا يستطيع أحد أن يفهمه. # حصل هذا في الوزارة، ولم أكن أعرفه، وفي آخر يوم من الشهر، وأنا ~~أستعد لمبارحة المدرسة تنفيذا لاستقالتي حضر إلى مكتب الناظرة المرحوم ~~مغربي باشا، واستدعاني، ثم أخذ يؤنبني كيف أرسل إلى الوزارة خطابا دون ~~أن أطلع عليه الناظرة، وقانون المدارس يقضي أن لا يرسل أحد من موظفيها ~~خطابا إلى الوزارة إلا بواسطة ناظرة المدرسة، وانضمت إليه الناظرة في ~~ذلك التأنيب، فقلت: إني لم أرسل للمستر دانلوب شكوى من المدرسة، أو من ~~تصرفات ناظرتها حتى يجب علي أن أطلعها عليه، بل أنا أشكو منه هو ~~شخصيا؛ لأنه هو الذي نقلني من المنصورة إلى هنا دون أن يستشير حضرة ~~الناظرة في ذلك فهو خطاب شخصي له. قال المغفور له مغربي باشا: ومن ~~أنت حتى تكتبي إلى جناب المستشار خطابا شخصيا؟ قلت: أنا حرة في ~~تصرفاتي أستطيع أن أكاتب حتى الملوك إذا شئت، ولهم هم أن يردوا علي، أو ~~أن يهملوا ذلك، فإذا رأى جنابه أني لست ممن يصغي جنابه إلى أقواله كان ~~له أن يلقي بذلك الخطاب في سلة المهملات، ولا يعيره أي التفات، ولكن ~~يظهر لي أنه قرأه كما يظهر لي من كلام سعادتكم، وأنكم حضرتم لتسلموني ~~خطاب قبول الاستقالة، فضحك المرحوم ضحكته الحلوة، وقال: لقد جئت لأسلمك ~~خطاب تعيينك ناظرة لمدرسة معلمات الورديان، وعليك أن تذهبي غدا إلى ~~مقر وظيفتك الجديدة، وأن ترسلي إلى جناب المستشار خطابا تعتذرين له ~~فيه عن خطابك هذا. قلت: نعم سأرسل إليه ذلك، ولو استطعت لكتبته قصيدة ~~مدح مطولة، فأرجوك أن تحمل إليه تحيتي، واعتذاري. ثم كتبت إلى جناب ~~المستشار خطابا آخر أقول له فيه: لقد أسأت التعبير في خطابي السابق، ~~ولكني مع تلك الإساءة قد فعلت خيرا، فقد أظهرت بذلك الخطاب صفاتك ~~النادرة التي قل أن توجد في ms173 رئيس غيرك، فأنت مع قوتك وسلطانك لم ~~ترد أن تعاقبني على سوء تعبيري، بل رددت إلي حقي كاملا، وأظهرت ~~بالعمل لا بالقول أني أسأت الظن بك ظلما، وأنك بريء مما نسبته إليك، ~~ولولا خطابي هذا لما ظهرت فيك تلك المواهب السامية، ولا ظهر للناس خطئي ~~فيما ذهبت إليه من اتهامك ظلما، أو جهلا بصفاتك النادرة، فاقبل ~~اعتذاري، وشكري، والسلام عليك. # تسلمت عملي في مدرسة معلمات الورديان، ومع أن مرتبي لم يزد، ولم ~~تتغير درجتي في شيء ما، فقد سررت بتلك الوظيفة سرورا عظيما، ولم أعبأ ~~بصيغة خطاب التعيين ، بل تركته على مكتبي، وزارني المرحوم الكيلاني بك، ~~وكان مفتش التعليم الأولي بالإسكندرية، فلما وقع بصره على الخطاب قال: ~~يجب أن تخفي هذا عن أعين الناس. قلت: وما فيه حتى أخفيه؟ وما الذي ~~يضيرني منه من ظهوره؟ إن وزارة تعين ناظرة في مدرسة معلمات لأنها لم ~~تصلح وكيلة لمدرسة معلمات أخرى، فهي التي يجب أن تخجل من مثل هذا ~~الهذيان الذي شاءت أن تتحف الناس به. فضحك وقال: صدقت. # زارني بعد ذلك مباشرة جناب المرحوم المستر دانلوب، ومعه المرحوم ~~كيلاني بك، وعلمت من تلك الزيارة السريعة أنه يريد أن ينتقم لنفسه ~~فيشتمني كما شتمته، وقد صممت أن أترك له هذا الحق دون أن أعارضه فيه، ~~وما دمت قد شتمت ذلك الرجل العظيم، فمن العدل أن يشتمني هو دون أن ~~أعارضه في ذلك، وهكذا سرت معه على تلك النية، وكانت المدرسة تسكن ~~منزلا قديما من منازل الوقف، وكان المنزل عجيبا في ترتيب غرفه، فلم ~~يكن به صالات، ولكن كان به غرف صغيرة يتداخل بعضها في بعض، فلم تكن تصل ~~إلى غرفة حتى تمر داخل أبواب كثيرة متعددة، وكانت تلك الأبواب قديمة ~~بالية، وليس فيها شناكل تثبتها إلى الحائط المجاور، فوقف جنابه أمام ~~أول باب، وقال لي: إن التعليم في مدرستك لا فائدة منه، ولا خير فيه ما ~~دمت تهملين مثل تلك التفاصيل. قلت: ولكني لم أستأجر المنزل، ولا يسمح ~~لي بالذهاب إلى وزارة ms174 الأوقاف لأطلب منهم ذلك الإصلاح، بل إن حضرة ~~المفتش الحاضر هو المسئول عن ذلك. قال: كلا أنت المسئولة عن كل شيء ~~هنا، وأنت المخطئة المهملة. فسكت لأني قد صممت أن أنفذ ما أراده هو من ~~منهج الشتائم، ولكن بعد أن ولجنا أربعة أبواب، وهو يخطب عند كل باب ~~منها، لم أجد بدا من أن أبتسم لتلك الخطب، وكان كلما وقفنا بباب، ~~وابتدأ يؤنب، يسرع المرحوم كيلاني بك إلى تزرير جاكتته استعدادا لسماع ~~الخطابة، فلما قربنا من الباب السادس نظرت إلى المرحوم كيلاني بك، ~~وقلت: استعد لتزرير الجاكتة؛ فإن الباب الآتي لا شناكل فيه. ودخلنا بعد ~~ذلك فصلا من فصول الدراسة، وقد تضايق جناب المستشار من ابتسامي، فأراد ~~أن يوبخني بطريقة غير مباشرة، فنظر فرأى طالبة تبتسم فقال: يجب أن ~~تؤنبي هذه الطالبة على ضحكها بدون سبب؛ لأن هذا سوء أدب منها. وفهمت ما ~~أراده فأخذت أوبخ الطالبة على ضحكها بلا سبب، وأنا نفسي أضحك بلا سبب، ~~وكان منظري أمام جناب المستشار مثيرا للاستغراق في الضحك، فاضطر ~~المرحوم كيلاني بك أن يضحك عند خروجنا من الغرفة، فنظر إليه المستشار ~~بحدة، وقال له: «هل في وجهي أرجوز يضحكك؟!» فزرر المرحوم جاكتته مرة ~~أخرى، وبعد أن سار المستشار، وسرنا في إثره قال لي همسا: «وانت ما ~~انت عماله تضحكي من الصبح؟!» قلت: «الناس مقامات يا أفندم.» # دخلنا بعد ذلك فصلا آخر كان المعلم يلقي فيه درس إملاء، فنظر جنابه ~~إلى كراسات الطالبات فوجدهن قد بيضن الموضوع السابق، فنظر إلي شذرا، ~~وقال: لا أريد أن تبيض الطالبات موضوعات الإملاء فهل سمعت؟ قلت: ولكني ~~أريد ذلك؛ لأن هذه الموضوعات الإملائية قطع أدبية مختارة أريد أن ~~تقرأها التلميذات مرارا، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتبييضها؛ فهن يستفدن ~~من ذلك فائدة مزدوجة، فيتعلمن منه أدب اللغة، ويعتدن حسن التنسيق في ~~الكتابة؛ لأني أحتم عليهن العناية بتحسين الخط في التبييض. قال: ولكني ~~لا أوافق على ذلك، وأنا مستشار المعارف. قلت: نعم إنك مستشار المعارف، ~~ولكن تلك الصفة لا ms175 تؤهلك للتدخل في هذا فأنت أرقى منه، وعملك ينحصر في ~~أمرين؛ أن ترضى عن عملي فتبقيني فيه، أو تسخط فتمنعني منه، أما أن تقوم ~~أنت بأعمال الناظرة، فليس هذا من الحزم في شيء، فنظر إلي في دهشة، ثم ~~تحول عني إلى الجانب الآخر من الغرفة، وتبعه المرحوم كيلاني بك، وقال ~~له: يجب أن تقنعها بعدم تبييض الإملاء. ولم أشأ أن أرد عليه في ذلك، ~~وقد تفقد جميع غرف المدرسة، فسر من نظافتها ونظامها، وشد على يدي ~~عند خروجه قائلا: أهنئك. وهكذا كان الرجل عادلا لا يغريه سلطانه. وفي ~~اليوم الثاني جاءني المرحوم كيلاني بك، وقال لي: جئت لأقنعك بعدم تبييض ~~الإملاء. قلت: إن الأمر الذي لم يستطعه المستشار لا يستطيعه أحد في ~~الوزارة، فلا تتعب نفسك فيما لا يجدي. # | سوء حظ # نقلت من مجلس مديرية الدقهلية في المنصورة إلى وزارة المعارف بعد أن ~~وقع بيني وبين المدير حوادث مر بنا ذكرها، وقد زارني حضرة صاحب العظمة ~~المغفور له السلطان حسين بمدرسة معلمات بولاق وأنا وكيلة لها فأيدني ~~تأييدا عظيما كما مر بنا ذكره، وكان شديد الثقة بي وبنجاحي، ثم زار ~~بعد ذلك عواصم المديريات، ومن بينها المنصورة، وكانت حوادثي مع مديرها ~~لا تزال ماثلة أمام أنظار أعيان الدقهلية، ودعا سعادة المدير الأعيان ~~لتناول العشاء مع عظمته، وقد جلس هو على يمين عظمته على مائدة العشاء، ~~وأخذ عظمته يروي قصتي، ويقول إن المعارف أرادت غبني، وإن عظمته تشبث ~~بترقيتي، وعينني ناظرة لمدرسة معلمات الورديان، وإني في نظره أكفأ ~~ناظرة، وإن أعمالي تسير على غاية ما يرام، وكان عظمته يقول ذلك، وهو ~~يتحدث إلى المدير، فيضطر سعادة المدير أن يوافق على كلامه، وأن يقول له ~~نعم يا أفندم هي كذلك، وأخذ الأعيان ينظر أحدهم إلى الآخر مندهشا لما ~~يسمع حتى كان أحدهم يهمس في أذن جاره على المائدة قائلا: لقد وقفت ~~اللقمة في زور المدير من الخجل والارتباك. فقال: لقد درست أمامي ~~درسا عندما كانت وكيلة لبولاق فكان أحسن درس سمعته، وهي ms176 في نظري تقدر ~~بعشرة رجال، وهي قديرة على أعمالها متوقدة الذكاء سريعة الخاطر، هذا ~~فضلا عن كمالها واستقامتها، فهي من رجال مصر القلائل. # كل ذلك والمدير المسكين مضطر أن يرد عليه من وقت لآخر بقوله: نعم يا ~~أفندم. وكثر تهامس الأعيان فيما بينهم في ارتباك المدير وقلقه، وانتهى ~~الحديث على تلك المائدة على أسوأ ما يكون، وقال ظريف منهم: ما كاد ~~المسكين يرتاح من تلك السيدة حتى أقلقه ذكرها، فكأنما خلقت لإزعاجه. ~~وكان بعضهم يكره المدير فأخذ يتغنى بذلك الحديث، ويكرر ما قاله عظمة ~~السلطان مظهرا بذلك خطأ المدير وغطرسته، وكان لذلك الحديث صدى في ~~نوادي المنصورة، فقد ذكر الناس بتلك الليلة المشهورة التي ألقت فيها ~~التلميذة قصيدتي أمام سمو الخديوي السابق، وهي القصيدة التي شتم ~~فيها المدير بأسلوب ملتو غريب لم يستطع معه إثبات الشتائم التي وجهت ~~إليه، والتي دلت عليها إشارات التلميذة، وهكذا كانت تلك الليلة من ~~ليالي المدير السود. # أما أنا فقد بليت في وزارة المعارف بأظلم من ذلك المدير، وشاء سوء ~~حظي أنا الأخرى أن يزورني في مدرستي مفتش إنجليزي كان مشهورا بغطرسته ~~وحبه لإساءة الموظفين، وكنت عند زيارته أتفقد طالبات مدرسة المعلمات في ~~صفوف الصباح استعدادا لدخول الدروس، وكانت مدرسة المعلمات تقف في جانب ~~من الفناء، وتقف تلميذات الملحق، أو المدرسة الأولية التابعة لها ~~الجانب الآخر، فوقف المفتش بين المدرستين في وسط الفناء، ولم أكن رأيته ~~في حياتي، فلما انتهيت من تفقد طالبات مدرسة المعلمات، واتجهت إلى جهة ~~الملحق اعترضني هو في وسط الطريق فقال لي بشدة دون أن يحييني: إنك ~~متأخرة. فنظرت له بدهشة وقلت: ومن أنت أولا؟ قال: أنا فلان المفتش ~~بوزارة المعارف. قلت: إني أسير حسب ساعتي وساعة المدرسة. قال: إن ساعتك ~~متأخرة. قلت: لا بأس، قلت ذلك بعد أن وليته ظهري، وسرت نحو صفوف الملحق ~~فاشتد غيظه، وعز عليه أن لا أقف لسماع تأنيبه، فقال لي بإشارة احتقار ~~من سبابته: إني أكلمك. قلت: أعلم ذلك كما أعلم أن أمامي تلميذات قد ms177 ~~تأخرن عن ميعاد درسهن حسب رأيك، ولا بد أن أصرفهن قبل أن أتفرغ ~~لمحادثتك. قلت ذلك، وأنا لا أزال في طريقي، وتفقدت تلميذات الملحق حسب ~~عادتي، ثم انصرفن إلى فرقهن، وبقي هو واجما وسط الفناء. # وقد مررت به في طريقي إلى مكتبي، فلم ألتفت إليه، فاضطر أن يتبعني، ~~وهو يقول: أنا هنا يا سيدة نبوية. قلت: أعلم ذلك. قال: إني أريد أن ~~أزور المدرسة. قلت: إن المدرسة أمام جنابك تفعل بها ما تريد. قال: أود ~~أن تصحبيني. قلت: حسنا. وسرت إلى جانبه فنظر إلي متعجبا، وقال: ~~أليس من العجيب أن تكون ساعتك متأخرة عن ساعتي؟! قلت: وما وجه العجب ~~في ذلك وأنا لم أرك في حياتي، ولم أضبط ساعتي على ساعتك؟ قال: وما ~~الذي ستفعلينه اليوم بعد أن علمت أن ساعتك متأخرة؟ قلت: لا شيء، أفرض ~~أني لم أرك، وأسير حسب ساعتي إلى أن تنتهي دروس الصباح، ثم أضبطها بعد ~~ذلك لأني لو ضبطتها الآن لقل وقت الحصة الأولى خمس دقائق، وهذا ما لا ~~أريده، أما إذا سرت كما أنا فقد دخلت التلميذات الدرس بعد تأخر خمس ~~دقائق، ثم ينتهين منه بعد تأخر خمس دقائق أيضا، ولا ضرر في ~~ذلك. # غاظه كلامي، وأراد أن ينتقم مني، فأراد أن يتفقد نظافة المدرسة قبل ~~أن يتفقد الدروس لاعتقاده أن المصريين لا يعنون بالنظافة، ودخلنا مطبخ ~~المدرسة فأدهشته نظافته، ووقف حائرا لا يدري ماذا يفعل، ثم تفقد كل ~~شيء فيه بدقة، وأخيرا أخذ يشم حوائطه بأنفه، وكان الرجل طويل الأنف، ~~وقد ضايقني ذلك منه فقلت له: أتريد يا مستر فلان أن تكنس حوائط مطبخي ~~بأنفك، وهل إذا فعلت ذلك في كل غرفة تدخلها أجد من وقتي متسعا للسير ~~معك؟ إن لدي أعمالا أريد إنجازها، فإلى اللقاء! قلت ذلك وتركته فتبعني ~~مسرعا، وهو يقول: تمهلي إني أريد أن أزور المدرسة بحضورك. فسرت معه، ~~وأخذ في أثناء سيره يقول لي بمناسبة أو بغير مناسبة: نحن الإنجليز - ~~وكان يلبس طربوشا مصريا - فقلت له: وما بالك بنا ms178 نحن المصريين ألسنا ~~خلقا مثلكم؟ إنك تلبس طربوشا مصريا دلالة على أنك موظف مصري، أو ~~على الأقل لتحمل الناظر إليك على الاعتقاد بأنك موظف مصري، فما بالك ~~تذكرني من وقت لآخر بأنك إنجليزي الأصل؟ اخلع إذن هذا الطربوش والبس ~~قبعتك الحقيقية، ودع ذلك الرياء في الملبس. # انتهت الزيارة بمثل ما ابتدأت به من سوء تفاهم يتفاقم كلما خطونا ~~خطوة، وكتبت لجناب المستشار خطابا أشكو إليه فيه من تصرف المفتش، ~~وقلت له: إن المفتش في تفتيشه يجب أن يكون قدوة حسنة يحتذي بها ~~النظار، وإذا كان مفتشك الإنجليزي على حدة بصره لا يستطيع أن يرى ~~القذارة على حوائط مطبخي إلا على بعد أنفه من تلك الحوائط، فكيف أستطيع ~~أنا أن أرى تلك القذارة مع قصر نظري؟ هل ينتظر مني أن أجدع أنفي لأضع ~~حبة عيني على الحائط، وأرى القذارة التي رآها مفتشك على بعد أنفه، الحق ~~يقال: إنه متعنت، وإني أفضل أن أضرب بالسياط على أن أرى وجهه مرة ~~أخرى. # ويظهر أن جناب المستشار استدعى المفتش فدافع عن نفسه دفاعا لا يتفق ~~مع الحقيقة، بل كان ملؤه الكذب والخداع، وكانت زيارة المفتش في يوم ~~سبت، وأراد المرحوم أن يتحقق من صحة قول المفتش، فزار المدرسة مفاجأة ~~يوم الخميس، ومعه مسز ألجود، وكانت سيدة إنجليزية طيبة القلب شريفة ~~المبدأ، ففتشت المدرسة تفتيشا دقيقا حتى إنها تفقدت ملابس الطالبات ~~الداخلية، وسرت سرورا عظيما من نظافة المدرسة ونظامها، وأخبرت جناب ~~المستشار بما رأت، فهنأني عند خروجه من المدرسة باجتهادي، ونظافة ~~مدرستي، ثم طلب من المفتش السابق أن لا يزور المدرسة مرة أخرى، وهكذا ~~كان المستشار عادلا بالرغم من كثرة الدسائس التي كانت تحاك لي ~~عنده. # | زيادة عدو إلى قائمة أعدائي # دافعت عن كرامتي أمام ذلك المفتش الإنجليزي، ومن يدافع عن كرامته ~~يعاده الكبراء والرؤساء؛ ولهذا انضم ذلك المفتش إلى قائمة أعدائي، ~~وكان أشدهم خطرا علي خصوصا بعد أن خذله جناب المستشار، وأمره بعدم ~~زيارة مدرستي. # وفي صيف هذا العام طلبت من الوزارة أن تصرح ms179 لي بفتح فصل جديد في ~~المدرسة الملحقة بمدرسة المعلمات. # وكان النظام في المدارس الأولية أن يديرها مفتش التعليم الأولي ~~بالإسكندرية، فنظار المدارس وناظراتها يعرضون عليه ما يريدون عمله، وهو ~~الذي يخاطب الوزارة في شأنهم، أما المدرسة الملحقة بمدرسة المعلمات فقد ~~كانت تتبع إدارة مدرسة المعلمات، ولناظراتها الحق في الاتصال بالوزارة ~~فيما تريده من الأعمال سواء أكان يتعلق بمدرسة المعلمات أم بالمدرسة ~~الأولية الملحقة لها، واطلع المفتش الإنجليزي على خطابي الذي أرسلته ~~إلى الوزارة في طلب فتح فصل، ووجد في ذلك فرصة سانحة لإذلالي ~~ومساواتي بنظار المدارس الأولية، فأرسل خطابي إلى مفتش التعليم الأولي ~~بالإسكندرية، ولما كان عزته في إجازة استلمه أحد المفتشين الذين تحت ~~سلطته، وقد طلب المفتش الإنجليزي أن يزور المدرسة، وأن يعطي رأيه الخاص ~~في فتح الفصل أو عدم فتحه دون أن يعبأ برأي الناظرة. # جاءني ذلك المفتش، وكان شيخا، وهو في درجة أقل من درجة معلمي ~~مدرستي، جاءني في زهو وكبرياء، وألقى إلي بخطاب المفتش ~~الإنجليزي، وطلب مني أن أطوف المدرسة معه ليستطيع أن يعطي رأيه في فتح ~~الفصل. # أدهشتني تلك المفاجأة التي لم أكن أنتظرها، ثم نظرت إلى الرجل في شيء ~~من الهدوء، وقلت له: إنك لا تعرفني كما أني لا أعرفك، وليس بيننا ما ~~يوجب أن يؤلم أحدنا الآخر، وأنا أعتبر أن في خطاب الوزارة هذا إهانة ~~لي، ولكنها إهانة لم تصدر منك، وليس لك فيها ذنب؛ ولهذا لا أريد أن ~~أسيء إليك، فأرجو أن تشرب قهوتك كضيف مكرم، ثم ترسل إلى الوزارة فتقول ~~لهم إن ناظرة مدرسة المعلمات رفضت مقابلتي، وطردتني من المدرسة. قال: ~~أوتريدين أن أكذب؟ قلت: ليس في ذلك كذب يا سيدي، فأنا لا أسمح لك ~~بالتدخل في شأني أو الإشراف علي؛ لأنك في داخل مدرستي، وإشرافك علي ~~إهانة، ولكنك بريء من تلك الإهانة في نظري؛ ولهذا لا أريد أن أسيء ~~إليك، أو أطردك من عندي، ولكني أطلب منك أن تخبرهم أنني فعلت ذلك، ~~وغرضي من هذا أن أهينهم على سوء تصرفهم. ms180 # قال: لا أستطيع أن أدعي ما لم يحصل. قلت: حسن! ثم استدعيت الخادم، ~~وقلت له: أخرج هذا الشيخ من هنا. وكان الخادم قد سبق له التوظف في ~~المدارس الأولية، ويعلم ما لهذا الشيخ من سلطة على ناظراتها، والخادم ~~لا يعرف الفرق بين ناظرة المعلمات وناظرة المدرسة الأولية؛ ولهذا وقف ~~مندهشا ينظر إلي في حيرة، فقلت بغضب: قلت لك أخرج ذلك الشيخ وإلا ~~فصلت من هنا. وعند ذلك قام الشيخ وقال: كفى سأذهب، ولكني أخشى أن يضر ~~ذلك بمستقبلك. قلت: لا تخف شيئا، فأنا إذا خرجت من هذه المدرسة سأجد ~~عملا في غيرها؛ لأني أستطيع أن أفتح مشغلا للخياطة أو ما شاكل ذلك، ~~ويجب أن تنظر أنت إلى مستقبلك، فأنت إذا تركت الوزارة لا أظنك تجد ~~عملا في غير مقاري المدافن. # قال: وما أقول لهم إذن؟ قلت: سبحان الله العظيم! يا رجل قل لهم ~~الناظرة طردتني، ولم تقبل مني شيئا. فخرج وكتب إلى الوزارة خطابا ~~عجيبا كان إلى الغزل أقرب منه إلى الشكوى؛ إذ قال في خطابه ذلك: ذهبت ~~إلى ناظرة مدرسة المعلمات، وما زلت ألين لها فتشتد، وأدنو فتبعد، ~~وأستميلها فتنفر، وأحنو فتقسو. وهكذا من تلك المقابلات اللغوية ~~الظريفة، وأخيرا قال في آخر خطابه: ثم قلت لها ماذا أقول للوزارة؟ ~~قالت: «يا رجل قل لهم الناظرة طردتني.» # كان هذا الخطاب حديث كتبة الوزارة مدة شهر يجعلون منه سمرا حلوا ~~للتفكهة، وكان جناب المستشار مسافرا في إنجلترا لتمضية إجازته ~~الصيفية، فلم يستطيعوا أن يعملوا لي شيئا. # فلما عاد من إجازته عرض عليه الخطاب، وعرف منه أنه انتقام من ذلك ~~المفتش فاستدعاه، وقال: لو ذهب هذا المفتش إلى مس مورسن ناظرة مدرسة ~~معلمات بولاق فماذا كانت تصنع معه؟ قال: لا شك أنها كانت تطرده. قال ~~المستشار: إذن نبوية على حق في طرده. وكتب على الخطاب بالحفظ. # وعرض بعد ذلك على الوزير، وكان - المغفور له - عدلي باشا يكن، فقال ~~مبتسما عندما قرأ خطاب المفتش: «الله يخيبه يعني ملقاش يتغزل إلا في ~~نبوية موسى!» ms181 ثم أشر عليه بالحبر بالحفظ. # مضى بعد ذلك عام، وأقيمت لجنة امتحان كفاءة المعلمات في مدرستي، وتلك ~~اللجنة لا شأن لناظرة المدرسة بها لأنها لجنة تقيمها وزارة المعارف ~~لامتحان المعلمات النهائي، ولا يجوز لناظرات مدارس المعلمات أن يتدخلن ~~فيها أو يدنون منها؛ ولهذا لم يكن يهمني من شأنها شيء، وكان رئيس ~~اللجنة إذا زارني في مكتبي اعتبرته ضيفا يجب إكرامه، وقد عين ~~رئيسا لها حضرة صاحب العزة أحمد بك العوامري، وعزته مهذب أديب حلو ~~الحديث، فكان يشرفني من آن لآخر في مكتبي فأرحب به كأكرم ضيف دخل ذلك ~~المكتب. # وأسرة العوامري بك من الإسكندرية، وفجأة نكبت الأسرة الكريمة، وتوفي ~~والد العوامري بك، واضطر الرجل أن يرسل إلى الوزارة تلغرافا يطلب منها ~~تعيين غيره رئيسا لتلك اللجنة ليقوم بالعمل مقامه، ولم يكن لدى اللجنة ~~إلا عمل يوم واحد، فاضطرت الوزارة أن تعين ذلك الشيخ رئيسا لتلك ~~اللجنة بدلا من العوامري بك، وبلغني هذا التعيين، فلم أعبأ به ولم ~~أهتم له؛ لأن شأن تلك اللجنة لا يعنيني، وكنت في مكتبي، وإذا بذلك ~~الشيخ يدخل علي في شيء من التردد والاستحياء، فقمت له ورحبت به؛ لأني ~~أعتبره ضيفا، ودهش هو لذلك التغيير في مقابلتي، وجلس صامتا، ثم قال ~~بصوت خافت كأنه يحدث نفسه: «والله عدية يسين سرها باتع.» قلت: وكيف ظهر ~~لك هذا السر؟ قال: في مقابلتك لي؛ لأني لما عينت في تلك اللجنة خشيت ~~أن تقابليني بمقابلتك السابقة، فبت طول الليل أقرأ عدية يسين رجاء أن ~~يهديك الله لي. فضحكت وقلت: لا شأن للعدية فيما ترى من تغيري، فالفرق ~~بعيد بين الموقفين؛ لأنك في موقفك الأول كنت تنفذ إهانة أرادت الوزارة ~~أن توجهها إلي، أما اليوم فأنت رئيس لجنة لا علاقة لي بها، فإذا دخلت ~~مكتبي، فأنت ضيف يجب علي إكرامك والترحيب بمقدمك، وهكذا فعلت، أما ~~عدية يسين فلا شأن لها على ما أعلم في تصرفي هذا. فسر الرجل، وبقي ~~طيلة يومه يتردد على مكتبي في تناول القهوة. # | ضابطة فرنسية # منع ذلك ms182 المفتش الإنجليزي السالف الذكر من دخول مدرستي كما مر بنا؛ ~~فكان يتردد علي كضيف ويقول لي إنه يحب مدرستي حبا جما، وإنه يود ~~من صميم فؤاده أن يزورها، وكان يرجو بذلك أن أظهر ميلي إلى زيارته ~~لمدرستي، أما أنا فكنت أجيبه على عكس ما يريد فأقول له: وما الذي يعجبك ~~في مدرستي، وليس فيها على رأيي شيء يغري، فبناؤها قديم، وناظرتها كما ~~تعلم أنت لا تسر الأذن ولا العين. فكان يقول لي إنه يرى مدرستي على عكس ~~ما أصفها أنا. وزارني يوما مع حضرة صاحب العزة المرحوم كيلاني بك مفتش ~~التعليم الأولي بالإسكندرية في ذلك الوقت، وبقيا يتحدثان في مكتبي ~~مدة، فقال المفتش الإنجليزي أثناء حديثه مع المرحوم كيلاني بك: لقد ~~غاظني ذلك الناظر، وكدت أضربه عندما عاينت العنكبوت يعشش في بعض غرف ~~مدرسته، وأنت تعلم يا كيلاني بك أني أنا المفتش الإخصائي للعنكبوت. ~~فضحكت أنا، وقلت: لماذا تضربه ما دمت أنت المفتش الإخصائي للعنكبوت، ~~والرجل حريص على وجوده عنده ليجد لك عملا، فإن العنكبوت إذا زال من ~~جميع المدارس وأنت الإخصائي في التفتيش عليه أصبح لا معنى لوجودك في ~~الوزارة، فأنت إذن مدين لأمثال هؤلاء النظار الذين يحتفظون لك بعملك ~~المحبوب، وهو التفتيش على العنكبوت، وكان عليك متى عرفت ما أقوله أن ~~تشكر الرجل لا أن تضربه. فضحك المفتش الإنجليزي، وقال: سامحك الله؛ ~~لأنك دائما مازحة طروبة. # وما زال يتودد إلي بمثل تلك الزيارات حتى لا أشكو إلى المستشار ~~مرة أخرى، وحتى يتمكن من زيارة مدرستي، وفي النهاية تم له ما أراد، ~~وسمح له المستشار بزيارة مدرستي، وفي أول زيارة زارها للمدرسة بعد ذلك ~~الغياب أخذ يطريني، ويلهج بمدحي، ويمدح كل ما يراه، وبعد أن زار ~~المدرسة وأعجب بها دخلنا درسا في التربية العملية. # وكان درس انتقاد عام، وألقت الطالبة درسها، وقد جلس المعلمون، وأنا ~~في وسطهم، وهو على يساري، فوضع ساقا على ساق، وكنت في ذلك الدرس ~~دائما أجلس جلسة أدبية حتى أكون مثالا حسنا لطالباتي، ولكن ذلك ms183 ~~المفتش جلس إلى جانبي، وقد وضع ساقا على ساق، فحاكيته في جلستي على ~~كره مني لذلك، وأردت بذلك أن ألفته إلى ما يجب عليه في آداب ~~الجلوس. # وفجأة اعتدل في جلسته، ورفع ساقه من على الآخر، وجلس في أدب ~~واحتشام، وعدت أنا إلى جلستي المعتادة، فلما انتهى الدرس سألت ~~التلميذات كعادتي واحدة بعد أخرى عن رأيهم في الدرس، ثم انتقلت إلى ~~سؤال المعلمين، وكان المعلمون قد اعتادوا أن يجيبوا على أسئلتي وهم ~~جلوس، فلما سألت أحدهم أمام المفتش، وقف للإجابة فامتعضت، وقلت له: لقد ~~اعتدت يا فلان أن تجيب على الأسئلة وأنت جالس، فما الذي حدا بك إلى ~~الوقوف وتغيير ما اعتدناه، مع أني أريد دائما أن تكون دروسنا في حضور ~~المفتشين، أو في غير حضورهم، على حالتها العادية لا تغيير فيها؟ قال: ~~لقد رأيت ذلك أبلغ في تأدية ما أريد من المعاني. قلت: حسنا، فعليكم ~~إذن أن تتبعوه من الآن. # وبعد أن انتهيت من سؤال المعلمين سألت المفتش، وأدهشني أن وقف وأجاب، ~~ولكن لم يقف ليجيب على سؤالي فحسب، بل وقف ليطريني ويطري مدرستي أمام ~~الطالبات، ويقول إن هذا الدرس أفضل درس رآه في حياته من دروس النقد ~~العام في التربية العملية، وهكذا اصطلحت مع أحد خصومي الألداء، ولكن ~~الحقد لم يفارق قلب الرجل، وكان يسعى إلى مناوأتي جهد استطاعته. # وخيل إليه أنه لو عين بمدرستي ضابطة أجنبية لاختلفت معي، وأظهرت ~~للوزارة معايبي، وكان في ذلك ما يمكن الوزارة من الإساءة إلي، ويظهر ~~أنه لم يتيسر له الحصول على ضابطة إنجليزية فعين لي ضابطة ~~فرنسية. # وكانت سيدة فرنسية طيبة القلب حسنة الأخلاق، ولكنها تجهل كل شيء ~~بالمدارس، فكنت أحسن معاملتها، وكنت أقوم أنا بالضبط بدلا عنها؛ لأنها ~~لا تعرف عن أمور الضبط شيئا، وفرضت أن الوزارة لم تعين ضابطة، وأني ~~كعادتي أتفقد كل أمور المدرسة من نظافة وتعليم وخلافه، وكانت السيدة ~~تشعر بذلك، وتشكرني عليه، وبعد أن قضت بالمدرسة ثلاثة شهور زارنا صديقي ~~المفتش الإنجليزي المعروف، وكان أول همه ms184 أن يختلي بها، وأن يسألها عن ~~أحوالها، فقالت: إنها ناظرة نشيطة طيبة القلب تقوم بعملي وعملها؛ لأني ~~لا أعرف في ذلك العمل شيئا، وما كاد يسمع منها ذلك حتى انصرف عنها، ~~وقد خاب أمله فيما دبره. # عرفت من تصرفاته بعد ذلك أنه يريد مناوأتي إذا استطاع، فكنت لا أعبأ ~~به، وشاء له الطمع وحب المال أن يؤلف كتاب مطالعة لمدارس المعلمات ~~الأولية باللغة العربية، وكنت غير راضية عن هذا الكتاب، وإن كان قد ~~استعان في تأليفه ببعض المصريين أو المشايخ، ولكن عبارات الكتاب أقرب ~~إلى اللغة الإنجليزية منها إلى اللغة العربية، ودخل يوما درسا من ~~دروس المطالعة، فسألني في شيء من الزهو عن رأيي في كتابه، وكان يعتقد ~~أني سأمدحه وأطريه، فدهش عندما أجبته: إنه ليس بكتاب عربي، قال: كيف ~~ذلك؟ فأشرت إلى جملة فيه ابتدأها بقوله: أنا أتكلم، أو ما شابه ذلك ~~فأشرت إليها، وقلت: ليس هذا بالأسلوب العربي الصحيح، فغاظه ذلك، وقال ~~للأستاذ المعلم، وكان من دار العلوم، ولا يعرف شيئا في اللغة ~~الإنجليزية: أفي هذه الجملة خطأ يا أستاذ؟ وأشار إليها، قال الأستاذ: ~~لا. فقلت: إنك تقول لا على أنه لم ينصب في تلك الجملة الفاعل، ولم يرفع ~~المفعول، ولكن هل هذا الوضع من اللغة العربية في شيء؟ فخجل الرجل، وعرف ~~أني أعارض في مدح الكتاب، وقال في همس: لم أكن أعرف أنكما تتناقشان في ~~ذلك. # ودخل مرة على أستاذ من دار العلوم كان متين الأخلاق كثير الفضائل، ~~فلم يعجبه، وقال: إنه قديم في أسلوبه؛ لأنه لم يتبع الإرشادات التي ~~وضعتها الوزارة في تعليم الإملاء من كتابة الكلمات الجديدة على السبورة ~~قبل الابتداء في درس الإملاء. قلت: إن ذلك لا يتناسب واللغة العربية. ~~قال: إني من المستشرقين. قلت: نعم، أما أنا فمن العرب، ولا يعرف ~~المستشرق في لغتنا ما نعرف نحن من أن إملاءكم لا ضابط له، فرائدنا فيها ~~النظر والسماع، وضربت له مثلا بكلمات كثيرة تنطق بغير ما تكتب به، أو ~~تنطق نطقا لا يتناسب مع ms185 كتابتها، أما في اللغة العربية فإملاؤنا قياس ~~تضبطه القواعد، فإذا نحن كتبنا على السبورة كلمة «نداءكم»، وهي مفتوحة ~~أوهمنا الطلبة أن كلمة نداء بعدها حرف أو حرفان تكتب مفردة رغم أننا ~~لو قرأناها بالضمة لكانت «نداؤكم» بالواو، ولو قرأناها بالكسرة لكانت ~~«ندائكم» بالياء، فليس لنا بعد هذا أن نقول للتلميذ انظر إلى الكلمة، ~~بل نقول له اسمع، وتبين النطق بها، إذن يجب علينا في إملائنا أن نذكر ~~التلميذ بقواعد الإملاء التي قاعدة فيها، وأن نأمر بأن يتبين النطق ~~ليكتب الكلمة صحيحة، واضطر المستشرق أخيرا أن يوافقني على هذا الرأي، ~~وأن يعترف أن ما كتبه من الإرشادات لمعلمي اللغة العربية كان ~~خطأ. # | مناوآت # ابتدأت المناوآت تحت إشراف ذلك المفتش، فكان في كل يوم جديد من ~~الوزارة، وكنت أسير في عملي بحذر متناه، ولا أعبأ بما يختلقون، وكان ~~كل هم كبار الوزارة أن يرضوا ذلك المفتش الإنجليزي على حسابي؛ فكانوا ~~يتخيرون لي المعلمين الذين سبق لهم أن تنازعوا مع نظارهم رجاء أن يحصل ~~بيني وبينهم من الخلاف ما يجيز للوزارة التدخل في شئون مدرستي، وكنت ~~لشدة حذري وسعة صدري مع المعلمين أتجنب كل إشكال من هذا القبيل، وكانت ~~عادتي أن لا أتألم إلا من إهانة وجهت إلي ممن هو أعلى مني، أما ~~مرءوسي فقد كنت أعتقد أن تسامحي معهم حلم ونبل، فلا أتألم منهم مهما ~~كانت تصرفاتهم، وكانوا بمعاملتي اللينة يطيعونني أكثر مما يطيع ~~المدرسون ناظرا عتيا مستبدا، وكان بالوزارة كما قدمت عظيم يكرهني، ~~فكان إذا سمع بمعلم اختلف مع ناظره نقله إلي، وحدث أن مرض معلم بمرض ~~النورستانيا فنقل في عام واحد إلى أربع مدارس، وفي كل مرة ينقل من ~~المدرسة بعد أن يضرب ناظرها، وسمع بحكاية ذلك العظيم فسر سرورا ~~يتناسب مع عظمته، وأمر بنقله إلى مدرستي بالإسكندرية. # نقل هذا المدرس إلي فجأة دون صفارة إنذار؛ فدخل مكتبي لأول مرة، ~~وأخذ يشكو من الوزارة ويتململ؛ لأنها نقلته في عام واحد خمس مرات، وقال ~~إنه أتى وحده، وترك أسرته في القاهرة ms186 خشية أن تنقله الوزارة للمرة ~~السادسة، فطيبت خاطره، وقلت: إنه من المنظور أن لا تنقل، وإني أنا ~~شخصيا سررت بنقله، وإني سأعمل كل ما يرضيه. قال: نحن في الورديان؛ أي ~~في بقعة نائية بعيدة عن السوق، ولا أدري كيف أتدبر غذائي اليوم. قلت: ~~لا بأس، يمكنك أن تدفع ثمن الغذاء للمتعهد، وتصرفه لك المدرسة من ~~اليوم. قال: ولكنك لم تستأذني الوزارة في ذلك. وكان قانون المدارس يقضي ~~بأن يستأذن الناظر الوزارة في السماح للمعلمين بالغذاء بالمدرسة إذا ~~طلبوا ذلك على شرط أن يدفعوا الثمن، قلت: لا بأس فإن الوزارة قد سمحت ~~لزملائك بالأكل، ولا شك أنها ستسمح لك به، ولا غبار على عملنا إذا نحن ~~صرفنا لك الأكل من اليوم إلى أن يأتينا تصريح الوزارة ما دمت أنت ~~مضطرا إلى ذلك لبعد أسرتك عن المدينة. فشكرني وخرج، ولكني لاحظت أنه ~~غير عادي، وأن عينيه حمراوان، فتخوفت منه، وقد شاء سوء الحظ أو حسنه أن ~~أنسى مسألة غذائه، فلم أتكلم مع المتعهد في شأنها، ولم أتذكرها إلا بعد ~~أن دق جرس الغذاء، وهنا خشيت إذا لم يرسل إليه غذاؤه أن يثور، وهو - ~~والحمد لله - ثائر من نفسه، خشيت مغبة غضبه، فلم أر أمامي إلا أن أصرف ~~له الغذاء من منزلي، فأمرت الخادم أن يحضر غذاءه من منزلي الخاص، وما ~~كادت تقدم الأكل إليه حتى ثار وتهيج، وقال: كيف استطعت واستطاعت ناظرتك ~~سرقة هذا الأكل من المدرسة بدون إذن الوزارة؟! ثار على المرأة حتى كاد ~~يضربها، فهرعت إلي ملتاعة، وقصت علي قصتها، فذهبت لأرى الخبر بنفسي، ~~فرأيته ثائرا متهيجا، يسب ويشتم في مدرسة تسرق أكل الوزارة علانية، ~~وما كاد يقع بصره علي حتى قال: لا بد من أن أقتادك إلى ~~النيابة. # فقلت في هدوء: ولم ذلك يا سيدي؟ # قال: لأنك سرقت لي أكل الحكومة بدون إذنها. فضحكت، وقلت له: وإذا كان ~~هذا الأكل من منزلي أنا الخاص، فماذا يكون موقفك؟ فقال: أقتادك إلى ~~النيابة أيضا كي أرد شرفي؛ لأنك اعتبرتني متسولا. قلت: ms187 ولم تتصور ~~هذا؟ ولم لا أكون قد اعتبرتك ضيفا كريما، فأردت الاحتفاء بك؟ قال: ~~إني لا أعرفك. قلت: لقد تعارفنا اليوم يا سيدي، وعملنا معا. # وهدأ الرجل قليلا كأنه يفكر ~~فيما يصنع، وأسرعت أنا، وأشرت إلى الخادمة بأخذ الطعام من أمامه، وهو ~~جسم الجريمة حسب اعتقاده، فهدأت ثائرته، وكأنه نسي الموضوع، وعلمت من ~~ذلك أنه غير عادي، وراعني شدة احمرار عيونه، وتأكدت أنه إما أن يكون ~~شاربا أو مريضا، وكان عندي معلم طيب السيرة من دار العلوم، كنت أعتمد ~~عليه لمتانة أخلاقه، وكان اسمه «الشيخ حاتم» فاستدعيته، وطلبت منه أن ~~يشم رائحة ذلك الزميل، وأن يخبرني إذا كان هو في حالة سكر، وعاد الشيخ ~~حاتم، فقال: إن الرجل غير سكران، وأنا أعرفه من قبل ذلك. قلت: إذن هو ~~مريض. قال: قد يكون ذلك، فإنه غير عادي في كلامه. # عرفت من تلك الظروف أن الوزارة ~~أرادت أن تنقل إلي رجلا متهيجا ليناوئني، فكتبت إلى ذلك العظيم في ~~الحال أقول له: إن الرجل الذي نقلتموه إلى مدرستي مريض، وأرجو أن لا ~~تظن أني تشاجرت معه، أو حصل بيني وبينه أي نزاع، الرجل مريض، وأنا ~~طبعا أسامحه في كل ما يقول لمرضه، ولكني سأحملك تبعة كل ما يحصل من ~~وجود رجل مختل الشعور في مدرسة بنات، وأنتظرك، فإذا لم تنقله في بحر ~~أسبوع كان علي أن ألجأ إلى من هو أكبر منك. # عجب العظيم من خطابي هذا، وأشفعته بخطاب آخر، وكان للرجل في كل يوم ~~حادثة أو حادثتان؛ مررت على باب فصله يوما، فترك الفصل، وخرج في إثري، ~~وقال: إنه لا يقبل أن يكون في مدرسة لا أمانة فيها، قلت: وما هي ~~الخيانة التي تبينتها حضرتكم؟ قال: عدم محافظتكم على مواعيد الحصص ~~بالضبط، فقد انتهى وقت الدرس، ولم يدق الجرس. قلت: إذا شئت فاترك ~~الفصل. قال: لا ... لا أقبل ذلك، ويجب أن يدق الجرس الآن. فتركته، وسرت ~~في طريقي، وفي اليوم التالي دخل مكتبي ثائرا متهيجا يقول: إنكم مثال ~~الخيانة في تلك المدرسة، ms188 قلت: ولم ذلك يا سيدي؟ فألقى أمامي بكتاب ~~مطالعة كان لبنت تركت المدرسة بعد أن كتبت اسمها عليه، وقد أعطاه له ~~الكاتب بدلا من أن يصرف له كتابا جديدا، وقال: هذا الكتاب لا تملك ~~المدرسة حق استعماله، واسم صاحبه مكتوب عليه. قلت: لقد تركت تلك ~~الطالبة المدرسة، وتركت الكتاب، ولم تسأل عنه، ولما كانت إدارة المدرسة ~~لا تعرف الخيانة، فهي تستعمله في صالح التعليم. قال: إن هذا العمل ~~خيانة في نظري. قلت: وماذا تريد؟ قال: أريد أن يرسل هذا الكتاب ~~لصاحبته. قلت: لا نعرف عنوانها. قال: يجب أن تبحثوا عنه. فرأيت أن ~~مناقشته ضياع لوقتي، فأظهرت شيئا من الغضب، وقلت: اترك هذا الكتاب، ~~ولا تدخل مكتبي مرة أخرى. قال: أغضبت حضرتك؟ وظهر عليه شيء من التعقل، ~~وهكذا السكران أو المجنون إذا رأى شدة معقولة ارتدع، فقلت له: والله ~~لقد ضايقني حضرتك وحضرة الوزارة، وكل تلك التصرفات، ورجائي أن لا تدخل ~~مكتبي مرة أخرى. قال: سمعا وطاعة. # وبعد يومين من هذا التاريخ نقل إلى مدرسة محرم بك الابتدائية بناء ~~على إلحاحي وخطاباتي التي كانت تتوالى على ذلك الكبير، ولم يمكث في ~~مدرسة محرم بك يومين حتى تشاجر مع ناظرها وضربه، وأبلغ الخبر إلى ~~الوزارة فأحالته على القومسيون الطبي، فقرر أنه مريض مختل الشعور، وأخذ ~~ذلك العظيم يقول في مكتبه: عرض ذلك المعلم على خمسة من نظارنا الرجال ~~فلم يعرفوه، وتشاجروا معه، وبمجرد ما وقع نظر نبوية موسى عليه، قالت: ~~إنه مريض، ويجب علاجه، تالله إنها لساحرة. # حصل ذلك في سنة 1915، وانقطعت عني أخبار ذلك المعلم، فلم أعلم عنه ~~شيئا، وفي سنة 1936 كنت عند سكرتير صاحب السعادة العشماوي بك، وإذا ~~بأفندي يقبل علي ويسلم بلهفة، ويقول لي: لم يساعدني في نكبتي من ~~النظار إلا أنت. وفي الحال تذكرت ذلك الشيخ المريض، وقلت: «لعلك ~~فلان؟» فقال: نعم أنا هو، ولا أزال أحفظ لك ذلك الجميل. # | استمرار المناورات # يئس المفتش من حصول نزاع بيني وبين المعلمين، فأراد أن يتدخل في ~~الموضوع، وأن يخلق ms189 هو نزاعا بأي شكل كان، وشاء سوء الحظ أن تتاح له ~~الفرصة فأرسلته وزارة المعارف إلى الإسكندرية للإشراف على حفلة توزيع ~~إعانة المدارس الحرة للبنات، ودعاني مفتش التعليم الأولي لحضور حفلة ~~التوزيع، وألقى المفتش الإنجليزي كلمته في الحفلة فابتدأها ببراعة ~~استهلال، قال فيها: # لقد خلق المصري جبانا بفطرته. # ثم انتقل من مدح المصريين بهذه الكيفية إلى المدارس التي جاء ~~لتشجيعها فقال: # إنك تدخل تلك المدارس فترى كل من فيها في حركاتهم وسكناتهم ~~وألفاظهم زبالين. # وساءني أن يقوم إنجليزي في حفل من المصريين كان يرأسه كبير من الأسرة ~~اليكنية فيطعن المصريين أولا، ثم يعطف على المدارس التي جاء لتشجيعها ~~فيرميها بكل عيب ونقيصة، ساءني أن يحيينا ذلك الأجنبي تلك التحية، وهو ~~واحد ونحن جماعة، فملت أعيب على المفتشين ونظار المدارس الثانوية ~~سكوتهم على تلك الإهانة، وضحك أحدهم، وقال: «إن الرجل كان يتكلم بلهجة ~~أعجمية لم يفهمها أحد إلا الذين اعتادوا لهجة الإنجليز في اللغة ~~العربية.» قلت: ولكنكم أنتم من هؤلاء. قال: نعم، ولكن ما الذي يدعونا ~~إلى إذاعة ما قال بين الملأ ما دام الناس أنفسهم لم يفهموه؟ فكان عذرا ~~ظريفا، وإن كان لم يقنعني، وقام المفتش الأول، وقال كلمة في تعليم ~~الفتاة شاد فيها باسمي؛ بصفتي أول فتاة مصرية تولت المناصب المختلفة ~~بوزارة المعارف، وانتهت الحفلة بعد أن اختلى المفتش الإنجليزي بمفتش ~~التعليم الأولي، وأفهمه أنه أخطأ في الإشارة بذكري لأني ضد وزارة ~~المعارف، ولأنه يجب محاربتي، قال مفتش الأولي ذلك لبعض أصدقائه، وبلغني ~~فأوجست منه خيفة؛ لعلمي أن هؤلاء الناس يخدمون الإنجليز في كل ما ~~يريدونه من رغبات، ولو بالإشارة، وفيما قاله المفتش الإنجليزي ما يكفي ~~لتوجيه نظر المفتش الأولي إلى العمل ضدي. # لم يطل انتظاري حتى بدا لي مجهود ذلك المفتش في العمل ضدي، فقد ابتدأ ~~أحد مدرسي مدرستي يشق عصا الطاعة، ويناوئني العداء بلا سبب، فكنت أقابل ~~هذا بصبر وحلم خشية أن يكون قد حرضه أحد على ذلك، وأخيرا أردت أن ~~أكتشف الحقيقة فخاطبت مفتش التعليم الأولي ms190 تليفونيا في مساء أحد ~~الأيام، وقلت له في أثناء حديثي إن فلانا - وذكرت له اسم المدرس الذي ~~تخيلت أنه يحرضه - إن فلانا هذا مع ما يبدو عليه من نشاط وذكاء قد ظهر ~~أن نتيجته في الامتحانات سيئة جدا، قلت ذلك لأعلم إذا كان بين المفتش ~~والمدرس رابطة فينقل إليه ما قلت. # وفي صباح اليوم التالي كنت أحضر درس انتقاد كانت تلقيه طالبة في مادة ~~الخط، وحضر جميع المعلمات والمعلمين، وكان على منصة التدريس كرسي وضعته ~~الطالبة لتشرح للتلميذات طريقة الجلسة أثناء كتابة الخط. # ودخل ذلك المعلم متأخرا والغضب يبدو على وجهه، وكنت في الأسبوع الذي ~~قبله قد طلبت من المعلمين أن يجلسوا على أدراج طالبات كانت موجودة في ~~جهة من الفصل حتى لا يكونوا قريبا من المعلمات، وقد أعجب المعلمون ~~بذلك الاقتراح، ووافقوا عليه، وجلسنا جميعا، ووقف هو زائغ البصر، فقلت ~~له في هدوء وعطف: «تفضل اجلس إلى جانبي.» وكان بجواري مقعد خال فقال: ~~لا ... ثم ذهب إلى منصة التدريس، وأخذ الكرسي الذي أعدته الطالبة ووضعه ~~بشدة أمام المكان الذي كنت أجلس فيه، ثم جلس. # وهمست أنا إلى إحدى الطالبات فأحضرت كرسيا آخر وضعته بدل الكرسي ~~الذي أخذه المعلم، وتابعت الطالبة السير في درسها، وعند انتهاء الدرس ~~سألت الطالبات، ثم المعلمات، ثم المعلمين عن آرائهم فيه، ولم أشأ أن ~~أتخطى ذلك المعلم حتى لا يظن أني تضايقت منه، فقلت له: ما رأي حضرتكم ~~في هذا الدرس؟ قال: ليس لي رأي فيه؛ لأني كنت متعبا، فلم أعمل شيئا. ~~قلت: أشكركم. وسرت في درسي حتى إذا ما انتهيت ذهبت إلى مكتبي، وكتبت له ~~خطابا قلت فيه: إن بقاء المعلمين الرجال بين المعلمات وبين الطالبات ~~ضرر لا بد منه، ونحن نتحمل مخالطتهم بالمعلمات وجلوسهم معهن رغبة في ~~الظفر بآرائهم فيما يتعلق بالدرس، وقد قلت إنك كنت مجهدا فلم تعمل، ~~فلم دخلت هذا الدرس بلا عمل، وأنت تعلم أنك لو طلبت مني تصريحا ~~بالتغيب عنه لما تأخرت في إجابة طلبك؟ لأن بقاءك بلا عمل ms191 مثال سيئ ~~لباقي المعلمات والمعلمين؛ إذ يكون هذا سابقة لبقائهم في الدرس بلا ~~عمل، وصرفهم الوقت في اللهو والعبث. # قرأ المعلم هذا الخطاب، ولم يستطع الإجابة عليه بل ظل مترددا مدة ~~طويلة، ثم كتب لي كتابا يقول فيه: «إني قد خالفت أوامر الوزارة في ~~أشياء كثيرة، منها أني صرحت للمعلمين بالأكل داخل المدرسة بعد أن منعت ~~الوزارة ذلك رسميا، وأني فتحت سنة أولى من القسم الإضافي في العلوم ~~مع أن الوزارة لم تصرح بذلك، وأني أزيد عدد حصص اللغة العربية عن ~~المقرر.» وطلب مني أن أرفع هذا الخطاب إلى الوزارة. وأردت أن أتأكد من ~~أن المفتش وشى إلى المعلم بما أخبرته به فاستدعيته بالتليفون، وحضر في ~~الحال، فلما حضر استدعيت المعلم فدخل علينا، وكانت دهشتي عظيمة عندما ~~ابتدأ حديثه معنا بأن أخرج من جيبه خطابا كان ذلك المفتش قد كتبه له، ~~وهو ناظر مدرسة يدرس بها ذلك المعلم يشكره فيه على حسن نتيجته في ~~الامتحان، قدم ذلك الخطاب، وهو يقول: إن سعادتك كتبت لي ذلك الخطاب ~~تشكرني على حسن نتائجي أيام كنت أدرس تحت رياستك، وهي تنكر علي ذلك، ~~وتقول إن نتائجي في الامتحان سيئة. فنظرت إلى المفتش، وكنت في ذلك ~~الوقت أقوم بوضع أسئلة امتحانات النقل بنفسي دون أن يطلع عليها ~~المعلمون، فنظرت إلى المفتش، وقلت له: إنك تشكره في خطابك هذا على حسن ~~نتيجته في الامتحان، فهل كنت أنت واضع الأسئلة أم هو؟ قال: بالطبع هو ~~الذي كان يضع الأسئلة. قلت: إذن أنت تشكره على خراب ذمته؛ لأن المعلم ~~إذا وضع هو أسئلة الامتحان في المادة التي يدرسها، وكان غير دقيق في ~~عمله، وغير مأمون عليه، أعد التلاميذ له فنجحوا جميعا، وليس في ذلك ما ~~يستوجب الشكر، بل فيه ما يستوجب الذم، أما أنا فإني أضع أسئلة امتحانات ~~مدرستي، فإذا قلت عن شخص إنه مقصر أو إنه مجد في تدريس مادته فأنا على ~~حق فيما أقول، وإني بعد هذا أسألك سؤالا واحدا: هل بينك وبين هذا ~~المعلم اتصال ms192 لاسلكي حتى استطعت أن تخبره بما قلته لك أمس في نفس هذه ~~الليلة؟! ليس في منزل الرجل تليفون، فكيف اتصلت به بهذه السرعة؟ لا بد ~~أنك كلفت نفسك كثيرا، فأنت إذن ذو غاية سيئة؛ ولهذا أطلب منك أن تترك ~~هذا المكتب حالا، وأن لا تعود إلى المدرسة مرة أخرى، أما معلمي ~~فسأعرف كيف أقوده إلى الصواب. # وخرج المفتش دون أن يقول كلمة، واستدعيت بعض المدرسين فقرأت عليهم ~~خطاب المعلم الذي طلب مني تبليغه إلى الوزارة، وقلت لهم: إنكم تعلمون ~~أني لم آخذ منكم رشوة عندما سمحت لكم بالأكل في المدرسة، ولكني سمحت ~~بذلك حبا في صالح عملي، فإن المدرسة بعيدة عن الأحياء المأهولة، وليس ~~بجوارها مطعم أو شيء يمكن أن يشترى للغذاء، والمعلم إذا بقي بلا أكل ~~لا يستطيع أن يتقن تدريس الحصة السادسة أو السابعة، وليس في أكله في ~~المدرسة ما ينافي الآداب الشرقية؛ لأنه يجلس في غرفة المدرسين، وهي ~~منعزلة تمام العزلة عن المدرسة، فإذا جاز له أن يلهو ويلعب فيها فقد ~~جاز له أن يأكل أيضا. # فالوزارة مخطئة في عدم التصريح بأكل المدرسين بدعوى أنها مدرسة بنات، ~~وأنتم أنفسكم شكوتم لي ذلك التعنت، فعملت على إزالته، وكذلك فتح الفصل ~~ليس لي فيه مكسب شخصي، ولكني أردت أن أخدم التعليم في الإسكندرية، ولم ~~أكلف الوزارة زيادة المعلمين، بل فتحت الفصل بكم، ولم يتألم أحد منكم ~~من ذلك، فأنا إذن شريفة حسنة النية فيما أفعل لا أريد غير الإصلاح؛ ~~ولهذا سأرسل هذا الخطاب إلى الوزارة، وسأعترف بكل ما فيه، وخرج ~~المعلمون بعد ذلك يكادون يذوبون خجلا من فعلة زميلهم، ثم كتبت إلى ~~المستر دانلوب خطابا أرفقت به خطاب المعلم، وقلت له فيه: إن كل ما جاء ~~في هذا الخطاب صحيح، ولم أعمله أنا لغاية شخصية؛ فقد فتحت القسم ~~الإضافي سعيا في نشر التعليم في الإسكندرية دون أن أكلف الوزارة ~~شيئا، وصرحت للمعلمين بالأكل؛ لأن ذلك في صالح العمل، وبدونه يختل ~~نظام التعليم بالمدرسة لبعدها عن المطاعم، وزدت عدد حصص ms193 اللغة العربية؛ ~~لأن الطالبات سيكن معلمات يدرسن بتلك اللغة، وهن في حاجة شديدة ~~لها. # عملت ذلك للصالح لا للأغراض الشخصية، وإني مصرة أن أعمله طالما كنت ~~ناظرة لتلك المدرسة فلا تحقق معي فيه، وافعل بي ما شئت على اعتبار أن ~~ما بلغه المعلم صحيح، أما المعلم فقد خرج في كتابه هذا عن حدوده؛ لأن ~~الوزارة لم تعينه رقيبا علي، فليس له أن يتدخل فيما لا يعنيه. # وبعد أسبوعين من إرسال الخطاب إلى الوزارة جاء تصريح للمعلمين بالأكل ~~في المدرسة، وتصريح آخر بفتح الفصل، وإنذار لذلك المعلم تحذره الوزارة ~~فيه من العودة إلى مثل ما فعل، فكان هذا سببا في أن يبتعد المعلمون ~~جميعا عن المفتش الأولي الذي كان يمني ذلك المعلم بالترقية، فانتهت ~~أمانيه بالإنذار. # | تحريض مستمر # هكذا كنت لا تشرق الشمس علي إلا استقبلت حادثا جديدا من مشاغبات ~~ذلك المفتش الإنجليزي القوي العنيد، ولا أدري كيف أنتصر عليه مع ضعفي ~~وقوته، وقد كان يساعده موظف عظيم من موظفي وزارة المعارف، فما كان ~~ينقل إلى مدرستي معلم إلا قابله ذلك الموظف العظيم، وودعه بحرارة ~~قائلا له: إني أعلم يا فلان أني مرسلك اليوم إلى جهنم، ولكن ما الحيلة ~~ولا بد من تعيين مدرسين في تلك المدرسة؟ على أني مستعد كل الاستعداد ~~لنقلك إذا أنت شكوت من سوء معاملة ما. # ولا شك أن المعلم كان يكره النقل من القاهرة إلى الإسكندرية، وما دام ~~ذلك الرئيس الخطير قد وعده بالنقل إذا هو اشتكى، فكان من المعقول أن لا ~~يقيم في المدرسة أكثر من أسبوع أو اثنين حتى يشكو أو يتشاكى، وكنت أجهل ~~ذلك بالطبع، ولكن الظروف كانت توقفني على حقيقة ما يعملون مصادفة، ~~ونقل إلى مدرستي معلم اسمه «الشيخ محمد سعد»، وكان - رحمه الله - ~~رجلا تقيا مجدا في عمله مخلصا له، وكان مستقيما في مسلكه إلى حد ~~الخشونة، فكرهته الطالبات لذلك التشدد، وأردن أن يوقعن به فأبلغنني أن ~~الشيخ سعد قال لهن كلمة منبوذة لا يجوز لمعلم أن يقولها، ولما كنت ~~أعرف ms194 في المرحوم الكمال والصدق والاستقامة لم أستطع تصديق ما قيل لي، ~~ولكني دهشت مع ذلك من إجماع البنات عليه، فكنت أسألهن واحدة واحدة، ~~وهن مصممات على ما قلن لي من أن الأستاذ قال لهن كلمة لا يليق به أن ~~يقولها، وأخيرا طلبت منهن أن يقلن لي تلك الكلمة، وبعد إلحاح قلن إنه ~~قال: «فواحش.» وسألت: «في أي درس قالها؟» فقلن لي: «في درس الدين.» ~~وهنا طلبت كراسة من كراساتهن في الدين فوجدت مكتوبا فيها تلك الآية ~~الكريمة: # الذين يجتنبون كبائر ~~الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع ~~المغفرة ~~. # ولم يكن المسكين هو الذي يختار تلك الآيات، بل كانت الوزارة هي التي ~~تختارها، وهنا أعدت السؤال على الطالبات، فعلمت أن الكلمة التي قالت ~~الطالبات إنه قالها هي المذكورة في الآية؛ أي إنه قرأ الآية. # أدهشني تفنن الطالبات في الاتهام إلى ذلك الحد، وسررت جدا من أن ~~فراستي لم تخب في ذلك الأستاذ الفاضل فأرسلت إليه، وقلت له: «هل صحيح ~~أن حضرتك قلت أمام الطالبات كلمة فواحش؟» فثار الرجل وقال: «إني لم أصل ~~إلى هذا الحد من الانحطاط، ولقد قال لي فلان باشا قبل نقلي إلى هنا إني ~~مقدم على جهنم، ولقد صدق، وأنا أطلب نقلي اليوم.» فضحكت في شيء من ~~الهدوء، وقلت له: دعنا مما قاله فلان، وأرجوك أن تجيب على سؤالي فقط: ~~«هل قلت تلك الكلمة أم لم تقل؟» قال: «بالطبع لم أقلها، ولن أبقى في ~~مدرسة أسأل فيها عن ذلك.» قلت: «إنك واهم يا سيدي، فالمدرسة لم تظلمك، ~~ولم تنكر عليك فضلك واستقامتك، وما أردت بسؤالي هذا إلا لألفتك إلى ~~الوسط الذي تعيش فيه لتحترس منه، أما الكلمة يا سيدي فإنك قد قلتها ~~وكتبتها أيضا على السبورة، وأمرت الطالبات بحفظها، وها هي كراسة الدين ~~التي أمليتها أنت على الطالبات.» وأظهرت له الكراسة فدهش الرجل، وأسف ~~لما بدر منه. قلت: لا بأس إنك لم تسئ إلي بما قلت، بل أحسنت فقد ~~عرفتني بماذا يوصون المعلم عند نقله إلي، وأظن يا ms195 أستاذ أني انتصرت ~~عليهم في كل أدواري، وسأنتصر إن شاء الله، ولست أنا ممن يتهمون الناس ~~جذافا، أو يسمعون فيهم كذب القول، بل إني قد تحريت الوصول إلى الحقيقة ~~في مسألتك هذه حتى وصلت إليها قبل أن أعرض الأمر عليك، وما عرضته عليك ~~لأتهمك بشيء، بل لأوجه نظرك إلى الخطر الذي يحدق بمدرس البنات، خصوصا ~~إذا كان مستقيما متمسكا بأصول دينه بعيدا عن ملاينة الطالبات، فأنت ~~في نظري اليوم أفضل مما كنت بالأمس. # وبقي الرجل عندي إلى أن خرجت من المدرسة، ونحن على أحسن حال من ~~التفاهم، وحسن المعاشرة . # | مناورات # ظلت المناورات بيني وبين ذلك المفتش الإنجليزي طول مدة توظفي ~~بالوزارة، وكنت أعلم شدة كراهيته لي، ولم أكن أعمل على إزالة تلك ~~الكراهية؛ لأني كنت أعتقد أن ذلك فوق طاقتي، وكنت أقول: لا معنى ~~لاستجلاب رضاه ما دام هذا غير ميسور، وما دمت أنا هدف سخطه، وتعنته، ~~فيجب على الأقل أن أعطي له كما أخذت منه، والشر بالشر والبادئ أظلم، ~~وكنت إذا تذكرت حالتي وحالته، وضعفي وقوته أقول: «أنا الغريق فما خوفي ~~من البلل.» وكان قليل الأدب مع المعلمين؛ فكنت أدفع شره عنهم بقدر ~~الإمكان، وكنت كعادتي لا أتبع قانون الوزارة حرفيا، بل أتصرف فيه ~~سعيا وراء نفع الطالبات، وكان مقرر الحساب لمدارس المعلمات في ذلك ~~الحين يحتم إعطاء الكسور الاعتيادية قبل العشرية، ولما كنت أعلم أن هذا ~~خطأ؛ لأن الكسور العشرية في عملياتها تسير على نفس الطريقة التي تسير ~~عليها الأعداد الصحيحة؛ فكل عدد من جهة اليمين يقل عن نظيره من جهة ~~الشمال عشر مرات، حتى إذا انتهت الأعداد الصحيحة جاء بعدها الكسر ~~العشري والرقم في الخانة الأولى منه يقل عن نظيره في العدد الصحيح عشر ~~مرات، وهكذا، فكنت أرى أن إعطاء عمليات الكسور العشرية إعادة لعمليات ~~الأعداد الصحيحة، لا فرق بينها وبين الأعداد الصحيحة إلا تحديد موضع ~~العلامة العشرية؛ ولهذا كنت أطلب من معلم الحساب أن يعطي الكسور ~~العشرية قبل الاعتيادية. # وجاء ذلك المفتش، كان له أن يفتش ms196 على كل مادة في العالم حتى القرآن، ~~فلما رأى أن المعلم يعطي الكسور العشرية قبل أن يعطي الاعتيادية أحضر ~~له المنهج، وقال له باللغة العربية لا أقول الفصيحة بل اللكناء: «هل ~~أنت أعمى؟» مشيرا إلى ما كتب في المنهج، وكان ذلك أمام التلميذات، ~~وتصادف أني كنت في تلك اللحظة أمر أمام الفصل، فسمعت قوله هذا؛ لأنه ~~كان يلقيه بلهجة غضب وصوت عال، فدخلت مسرعة، وأردت أن أدافع عن كرامة ~~المعلم أمام تلميذاته، فقلت للمفتش باللغة الإنجليزية: «لا يا سيدي ليس ~~هو بالأعمى، ولكني أنا العمياء؛ لأني أنا التي أمرته بذلك.» فخجل ~~المفتش، وكان يخشى أن يتصادم معي، فقال لي في لهجة وادعة: «لا بأس، فإن ~~هذا اختلاف في الآراء.» # وهكذا ظل الرجل يكرهني ويخشاني، وينتظر لي أقل كبوة ليهاجمني من ~~جرائها، وكان بالطبع كثير الأنصار يخشاه كل الناس ويتملقونه؛ فكان ~~يبتكر لي المنغصات ابتكارا، وكان مما فعله أنه لم يسمح لمدرسة ~~المعلمات بالورديان بتعيين طبيبة فيها كما هي العادة في جميع المدارس، ~~وكنت إذ ذاك قوية كثيرة النشاط فلم أعبأ بذلك، وكنت أقوم بعمل الضابطة ~~الفرنسوية التي لا تصلح لمركزها كما مر بنا، كما كنت أقوم بعمل ~~الطبيبة، ومن حسن المصادفات أني يوم خرجت من تلك المدرسة أسرع هذا ~~المفتش فعين لها طبيبة في يوم خروجي، فلم تحضر الناظرة التي خلفتني ~~إلا وفي المدرسة طبيبة، وذلك حتى لا تظهر قوتي بضعف من كانت ستحل محلي، ~~وشاء القدر أن تهمل الطبيبة، وأن تهمل الناظرة نظافة التلميذات، فينتشر ~~في المدرسة الجرب بحالة مفزعة، وكانت المدرسة بعد خروجي منها بأربعة ~~أشهر محل قيل وقال لما منيت به من ذلك الداء العضال، خرجت الضابطة ~~الفرنسية، وحلت محلها ضابطة مصرية، فكان بدلي ثلاث موظفات؛ الناظرة ~~والضابطة والطبيبة، ومع ذلك لم تكن المدرسة في نظافتها على ما كانت ~~عليه في مدتي، وعرف الرجل في قرارة نفسه قيمة عملي فزادته تلك المعرفة ~~حنقا علي، وسيأتي فيما بعد مجهوده العظيم المنتج في تعكير صفوي أينما ~~كنت، وكان يقول ms197 في لهجته القاسية: «إنها - أي نبوية - قوة شديدة ~~خطرة.» # لقد خرجت بذلك عن الزمن الذي أكتب فيه، وهو زمن وجودي بمدرسة ~~الورديان لهذا أعود فأكمله. # قامت الحركة الوطنية في سنة 1919، وكان صاحبي المفتش المذكور على ~~استعداد تام للقضاء علي إذا قامت مدرستي بحركة مهما تفهت، وكنت ~~محبوبة من المعلمين والمعلمات والطالبات أيضا، وكنت نافذة الكلمة في ~~الجميع، فاجتمعت بالمعلمين والمعلمات، وقلت لهم: لست ممن يعتقدون أن ~~الإضراب في المدارس مما يفيد البلاد، بل أنا أعلم أن البلاد على حاجة ~~شديدة إلى التعليم، وأن المعلمين يجب أن يكونوا بعيدين عن الحركة ~~الوطنية؛ لأنهم يقومون بعمل وطني مجيد يجب أن لا ينصرفوا عنه إلى عمل ~~آخر مهما جل، وذلك العمل تثقيف أمة أمية قد انتشر فيها الجهل إلى أقصى ~~حدوده؛ فنحن في كفاحنا ذلك الجهل الشديد يجب أن نتفرغ له، وأن لا ننظر ~~إلى عمل غيره، هذا، ويهمني أن لا نكون قدوة سيئة للطلبة فنظهر أمام ~~طالباتنا بمظهر الجبن والغش والكذب؛ لأني أعلم أن المعلمين هم الذين ~~يحرضون الطلبة، ثم يعاقب الطلبة وحدهم، وهذا جبن من المعلم، وكذب ورياء ~~يجب أن لا يعلمه عنه تلاميذه. # فأنتم الآن بين أمرين إما أن تقرروا أني على حق في تجنبي الإضراب ~~وتتبعوني عليه، وإما أن تقرروا أني مخطئة، وأن نقرر الإضراب، وفي تلك ~~الحالة يجب أن نضرب نحن - أي الناظرة والمعلمين - علنا دون خوف أو ~~مواربة، ولست أخرج عن إجماعكم الذي تجمعون عليه، فإذا اخترتم الأولى؛ ~~وهي العمل، فيجب أن لا تكونوا ضعفاء؛ لأن المعلم الضعيف لا يصلح ~~للتدريس، ويجب أن تظهر قوتكم في قيادة طالباتكم، فلا تمكنوهن من ~~الإضراب بتاتا، وسأضطر إلى إخبار الوزارة عن كل ضعيف منكم؛ أي عن كل ~~معلم أضربت طالباته في وجهه. # انفض الاجتماع، وخرج كل معلم، وهو أحرص ما يكون على أن لا تضرب ~~طالباته، وهكذا أضربت جميع المدارس إلا مدرسة معلمات الورديان، وضاعت ~~من يد المفتش الوسيلة التي كان يريد أن يهاجمني بها، فكان مغربي باشا - ~~رحمه الله ms198 - يخاطب المدرسة تليفونيا كل يوم، فيسألني هل أضربت ~~الطالبات؟ فلما كنت أجيبه بالسلب كان يضحك بملء فيه، ويقول: إن عملك ~~هذا قد فاق عمل السحرة والمشعوذين، ولا أدري كيف تضرب جميع المدارس، ~~ولا تضرب مدرستك وأنت وطنية؟ فكنت أقول: إن وطنيتي يا سيدي تقضي علي ~~بعدم الإضراب؛ لأني أريد أن أخرج أمتي من هذا الجهل المخيم على ~~العقول. # وهكذا أضربت جميع المدارس، وسافر طلابها، ولم يبق بالإسكندرية إلا ~~مدرسة معلمات الورديان، وقطعت المواصلات، ثم أعيدت، وتلقيت أمرا ~~كتابيا من الوزارة بمسامحة الطالبات، أو بالإضراب، لا أدري، وهكذا ~~اضطرت الوزارة أن تأمرني بالإضراب بعد أن أعياها احتمال إضراب تلك ~~المدرسة. # | إضراب إجباري # أمرتنا الوزارة بمسامحة المدرسة كما قدمت، أو بالإضراب بعبارة أخرى، ~~وكانت المواصلات في ذلك الوقت قد قطعت ثم أعيدت، وأمرت الحكومة بأن لا ~~يسافر أحد في قطارات السكك الحديد إلا بتصريح من الحكومة، وذهبنا إلى ~~المحافظة، وكتبت للطالبات وللمعلمات التصاريح ولي أيضا، وكانت والدتي ~~معي فرفض الضابط الإنجليزي أن يصرح لها بالسفر، وأدهشني هذا الرفض ~~فأخذت أناقشه في معنى رفضه هذا، وكيف أستطيع أنا البقاء في الإسكندرية ~~بعد إغلاق المدرسة، وكيف تستطيع والدتي البقاء وحدها، وقد كانت تقيم ~~معي في بناء المدرسة نفسه بأمر من الوزارة؟ # وبعد جهد استطعت أن أقنعه بوجهة نظري، ويظهر أن الرجل لم يكن يعلم في ~~ذلك الحين أن الفتاة المصرية كانت تستطيع التعبير عما تريده باللغة ~~الإنجليزية، فأدهشته مناقشتي، وقال إنه سيساعدني عند الحكمدار، أو نائب ~~الحكمدار لا أدري، وكان إذ ذاك المرحوم «أنجرام بك»، وقبل أن يذهب إلى ~~الحكمدار سألني في شيء من الزهو: ألا ترين أنه ليس من صالح مصر أن ~~تستقل، وأن من الخير لها أن تبقى تحت سيطرتنا؟ قلت: إنك يا سيدي تكلفني ~~الإجابة على سؤال لو صدقت فيه لأسيء إليك، فأنتم المستعمرون بهذه ~~الأسئلة تعلموننا الكذب والجبن، وليس من المعقول أن يفضل أحد الاستعباد ~~على الحرية؛ فالوحوش في الصحراء، والطيور على الأشجار تفضل حريتها عن ~~أن تحبس في أقفاص ms199 من الذهب أو في حدائق غناء مهما عوملت بالحسنى، ~~ونحن بشر مثلكم، فكيف نرضى أن تقودونا، وكيف نعترف بذلك؟ إنك لو سألتني ~~التفضيل بين استعمار إنجلترا وفرنسا لما ترددت في الإجابة عليك، بل كنت ~~أؤكد أننا نفضل الإنجليز على كل من عداهم، أما أن تطلب مني المفاضلة ~~بين حريتنا واستعبادنا فهذا هو الأمر المدهش، ويكفي أن يكون في سؤالك ~~هذا ما يظهر خطر الاستعمار، فإنكم بمثل هذه الأسئلة تسلبوننا أخلاقنا ~~وفضائلنا، وتعلموننا الكذب والخداع، وهما شر الصفات. قال: أوتظنين أن ~~فيكم الكفاية لحكم أنفسكم بأنفسكم؟ قلت: ولم لا يكون ذلك؟ ألسنا ~~بشرا مثلكم؟ إن فينا من الذكاء ما قد يعوزكم أنتم الإنجليز، فمنا من ~~يتكلم الإنجليزية أو الفرنسية كما يتكلمها أهلها، أما أنتم فلم أر ~~منكم من أتقن لغة أجنبية عن بلاده. قال: صدقت أنت على شيء من الحق في ~~ذلك. # ثم تركني، ودخل على المرحوم «أنجرام بك»، ويظهر أنه روى له ما جرى ~~بيني وبينه من المناقشة، فأراد المرحوم أن يراني، واستدعاني إلى مكتبه، ~~فلما دخلت عليه حياني، وكان لطيفا، ثم جلس ينظر إلي، وأخيرا قال لي: ~~لم طلبت مقابلتي؟ قلت: أنا لم أطلب ذلك بل ولم أكن أعرف أن في هذه ~~الغرفة ضابطا عظيما اسمه أنجرام بك، ولكنهم قالوا لي إن أنجرام بك ~~يريد مقابلتي. قال: ألم تطلبي ترحيل والدتك؟ قلت: نعم طلبت هذا. قال: ~~ولكني لا أستطيع ترحيلها لأنها ليست بمعلمة، ولا طالبة. قلت: ولكنها ~~امرأة تريد أن تصل إلى منزلها، فالعطف عليها لا يقل عن العطف على أي ~~معلمة أو طالبة. فابتسم وقال: ولكني لا أستطيع ذلك العطف. قلت: ولم ~~طلبت مقابلتي إذن؟ قال: لأقول لك إني لا أستطيع ترحيل والدتك. قلت: ~~أما كان خيرا لي ولك أن ترسل إلي بذلك النبأ المحزن، فلا تؤلمني ~~بسماعه منك، ولا تؤلم نفسك باحتجاجي؟ فضحك ضحكة عالية، وقال: لا ألم، ~~فقد أمرت لها بالتصريح. وهنا شكرت له ما صنع، وخرجت. # | إرهاق واستفزاز # لم يصلوا إلى ما أرادوه من اتهامي ms200 بتحريض الطالبات على الإضراب؛ لأن ~~المدرسة خيبت ظنهم، ولم تضرب بتاتا، فعمدوا إلى استفزازي وإرهاقي بكل ~~الوسائل، وكانوا يعلمون أني أحرص على إبعاد المعلمين عن المعلمات، حتى ~~إني أعددت لمعلمي مدرسة المعلمات غرفة لها باب يفتح على الشارع ~~مباشرة، وبجانبها دورة مياه؛ فهي لا تتصل بالمدرسة بأية حال. # أما المدرسة الملحقة فقد كان جميع معلماتها سيدات، وكانت هي داخل ~~الفناء، فلم يكن يدخلها رجل، وأرادوا مضايقتي فعينوا لها ناظرا، وكان ~~شابا لا بأس بجماله، أنيق الملبس، فكان عليه أن يبقى طول النهار ~~بالمدرسة الملحقة؛ أي وسط معلماته ومعلمات مدرسة المعلمات أيضا؛ لأن ~~معلمات التربية كن يذهبن مع طالباتهن إلى التدريس بالملحقة، فكان هو ~~يستطيع أن يرى أو يجالس كل من في المدرسة من معلمات أو طالبات على ما ~~كان عليه من شباب وجمال، فساءني ذلك، وأرسلت أطلب من وزارة المعارف ~~نقله، فلم تقبل، ثم سألتني الوزارة عن سبب النقل، وأرادت بذلك أن ~~توقعني مع الناظر، فقلت: إن الرجل كريم الأخلاق، ولا عيب فيه إلا أنه ~~رجل، أو بعبارة أخرى شاب جميل، وما كان للوزارة أن تضع يوسف بين ~~الفتيات، وهي تعلم أن يوسف على فضائله وعفته قد ذهب جماله بعقول ~~السيدات، فقالت الوزارة: إن السبب غير معقول، وأخيرا بلغني أن هناك ~~مركز ناظر مدرسة خاليا، فنصحت للرجل أن يطلب تعيينه فيه، وقلت له: إنك ~~إذا لم تظفر بذلك المركز فقد تضيع عليك الفرصة؛ لأني سأعمل على إخراجك ~~من هنا مهما كانت الظروف، وقد يضطرون إلى إخراجك من عندي حسب طلبي في ~~وقت لا يجدون فيه مركز ناظر خاليا من صاحبه، فاقبل نصيحتي، وتشدد في ~~طلب النقل. # ولكنهم أفهموه أني أريد به السوء، وأني لا أستطيع نقله مهما فعلت، ~~وتصادف بعد ذلك مباشرة أن حدد يوم لزيارة حضرة صاحب الجلالة المغفور ~~له الملك فؤاد أيام كان سلطانا، وجاء رجال وزارة المعارف قبل الزيارة ~~ليشرفوا على الترتيبات التي اتخذت، وكان في مقدمتهم المرحوم مغربي ~~باشا، فقلت له: اعلم يا باشا أنني لا ms201 أستطيع أن أفهم معنى إصرارك على ~~إبقاء شاب جميل بين فتياتنا طيلة النهار، وهو - والحمد لله - لا عمل ~~له؛ لأنه ناظر، ولا أظن أن غيري يفهم ذلك، وسأعرض المسألة على حضرة ~~صاحب العظمة عند تشريفه المدرسة لأرى إذا كنت أنا على حق أم الحق في ~~جانبكم، وسترى سعادتك أن عظمة السلطان سيخرجه أمامك رغم كل اعتراض، ~~ونظر مغربي باشا إلى بعض من كانوا معه، وقال: «إنها تفعل ذلك، وأكثر ~~منه، فاستدعوا لي ذلك الناظر.» ولما حضر، وحياه قال: اسمع يا أستاذ، ~~إننا قد قررنا نقلك اليوم من هذه المدرسة . قال: إلى أين؟ قال مغربي ~~باشا باسما: لقد قررنا نقلك من هنا، أما إلى أين فهذا ما لا نعرفه ~~الآن. # وخرج الرجل يتعثر في أذياله، ويندب سوء حظه، ويندم على عدم إطاعتي ~~فيما رجوته فيه، ثم عين معلما في مدرسة «إدكو»، ومن غريب المصادفات ~~أنه لم يتمتع بعدها بوظيفة ناظر، وكان يرجوني كثيرا أن أتوسط له، وكنت ~~أجيب رجاءه، وأفعل ما أستطيع دون جدوى، وهكذا ناله من الضرر أكثر مما ~~نالني. # | زيارة ملكية # عدنا إلى المدرسة بعد أن هدأت الحالة، وتولى المغفور له الملك فؤاد ~~سلطانا على مصر، فأخذ يزور المدارس جميعها، واستعد مفتشو وزارة ~~المعارف لاستقبال عظمته إذ ذاك في كل مدرسة، واجتهدوا أن يظهروا له في ~~كل مدرسة دخلها غرائب فن التربية، وبدائع فن التنميق والتحسين ~~والتجميل، وصرفت الوزارة في كل مدرسة مبلغا عظيما من المال للوصول ~~إلى تلك الغاية، وجعلوا مدرستي آخر مدرسة تتشرف باستقبال عظمته، ثم ~~أهملوها فلم يخبرونا بزيارة عظمته إلا قبل الزيارة بأسبوع واحد، ولم ~~يصرفوا لي مليما واحدا للإنفاق منه في استقبال عظمته، وعرفت أنا ما ~~يراد بي، فضحيت بمبلغ شهرين من مرتبي صرفته على استقباله، وكانت لمدرسة ~~المعلمات مدرسة أولية ملحقة يتمرن فيها الطالبات على التدريس كما قدمت ~~فأعددتها للزيارة، وكان ذلك ضد رأي حضرة صاحب السعادة المغربي باشا ~~الذي قال: إنه لا يجوز أن يزور عظمته مدرسة أولية، ولكنني نفذت رأيي، ~~وأعددت ms202 المدرسة، وكانوا يظنون أن عظمته قد لا يسر من مدرستي فيكون ذلك ~~سببا في إخراجي منها، وكان المرحوم المستر دانلوب الذي كان يحميني من ~~ذلك المفتش الظالم قد ترك القطر المصري، وأصبح لصاحبنا كل السلطة ~~والسلطان بصفته أحد أبناء التاميز، ولا يستطيع أن يرد عدوانه إلا ~~إنجليزي مثله. # شرف جلالته المدرسة فاستقبلته الطالبات في أول فصل دخل بقصيدة ~~استحسنها هو ومن معه، وكانت من شعري، ثم قدمتها إلى جلالته مكتوبة في ~~إطار على طراز عربي مزخرف بالصدف البراق، وأحطت القصيدة برسم بديع لبعض ~~الأزهار، فأعجب بها كل الإعجاب، وكان صاحبنا المفتش حاضرا، فوقف ~~صامتا لا يكاد يصدق أذنيه، وكان يسير وراءنا المغفور له سعيد باشا ذو ~~الفقار، وكان رحمة الله عليه يميل إلى مساعدتي، فكنا إذا دخلنا فصلا ~~وخرجنا منه تغير موقفي بالنسبة لجلالته، فصرت على يمينه بعد أن كنت على ~~يساره، وهنا ينبهني سعيد باشا من خلفي قائلا: «إنك على يمين عظمة ~~السلطان.» وكان عظمته مسرورا باسما فشجعني هذا، فنظرت إلى عظمته ~~مستفهمة: لقد تغير المركز دون أن أقصد، فهل ضايق هذا عظمتكم؟ فابتسم ~~المغفور له وقال: لا، أبدا. # وكنا قد فرشنا لعظمته في الممرات بساطا ضيقا، وفجأة نظرت فإذا أنا ~~أسير على البساط، وجلالته يسير على الأرض، فقلت: عفوا، إن هذا البساط ~~قد وضع لعظمتكم، أما أنا فأسير كل يوم من هذا الطريق على الأرض. فضحك ~~جلالته ثانية، وقال: لا حرج عليك. # زرنا جميع الفصول، وقد ارتاح جلالته إلي، وأخذ يصغي إلى حديثي كأنه ~~يعرفني منذ زمن بعيد، فلما انتهت زيارته لفصول مدرسة المعلمات انتقلنا ~~إلى الملعب، فشاهد عظمته فصلا يلعب بعض تمرينات رياضية، وكنت أقف إلى ~~جانبه، ومن ورائي حضرتا صاحب المعالي سعيد باشا ذو الفقار، وعدلي يكن ~~باشا وزير المعارف إذ ذاك، وإلى جانب وزير المعارف المرحوم مغربي باشا، ~~وقد مال عليه وأفهمه أني أريد أن يزور عظمة السلطان المدرسة الملحقة، ~~وهو ما لا يوافق عليه، واستعد المغفور له عدلي باشا لمنع تلك الرغبة ~~التي أريدها ms203 أنا، ولكني سبقته إلى تنفيذها، فقلت لجلالته: إني قد أعددت ~~لزيارة عظمتكم المدرسة الملحقة، وهي أظرف بكثير من مدرسة المعلمات؛ لأن ~~تلميذاتها طفلات صغيرات، ولكنهم يحاولون منعي من ذلك مع أني أنفقت على ~~زينة تلك المدرسة من جيبي الخاص، وكل حجتهم في ذلك المنع أننا سنسير ~~خطوات تحت الشمس، وأنا مستعدة ردا على هذا الاعتراض أن أحضر لعظمتكم ~~مظلة. قال: أنا عسكري يا سيدة، وسأذهب إليها رغم هذا، وبدون ~~مظلة. # وانتهت ألعاب الطالبات، وابتدأنا نسير جهة المدرسة الملحقة، وأسرع ~~المغفور له عدلي يكن باشا ليمنع جلالته عن الذهاب فقال له باللغة ~~الفرنسية: لقد أعطيت وعدا بالذهاب. فسرنا وسار الجميع في أثرنا، وهم ~~يتهامسون حتى إذا وصلنا إلى المدرسة الملحقة قال عظمته: حقا إنها ~~أفضل من مدرسة المعلمات، وكانت المدرسة حديثة البناء؛ تتكون من ثلاثة ~~أضلاع، وكان العيب الوحيد الذي في البناء أنه لا توجد مظلات أمام أبواب ~~الفصول، بل كانت تفتح جميعها على العراء، ولستر هذا العيب وضعت أمام ~~الفصول قماشا يحجب الشمس عنها فظهر بهاؤها ورونقها، فلما قال عظمته: ~~إنها أحسن من مدرسة المعلمات. قلت: نعم، هي أحسن الآن بعد أن وضعنا لها ~~هذا القماش؛ لأن هذا البناء يعيبه عدم وجود مظلات أمام أبوابه، ولعلهم ~~أرادوا بعدم مجيء عظمتك إلى هنا إخفاء ذلك العيب. فضحك جلالته، ودفعني ~~عدلي باشا يكن في ظهري بقبضة يده قائلا: ألا تريدين السكوت؟ قلت: لا، ~~ويجب أن يعرف عظمته كل شيء. فضحك الجميع، وسرنا إلى غرفتي، وهناك شكرني ~~حضرة صاحب الجلالة المغفور له الملك فؤاد، وقال: إنه لم يسر من ~~مدرسة مثل سروره من مدرستي. ووقف المفتش الإنجليزي مشدوها لا يبدي ~~حراكا، حتى إنه لكثرة دهشته فتح فمه فلم يغلقه، وخرج عظمة السلطان ومن ~~معه، ولم يبق أمامي غير حضرة المفتش، فقال: لا أدري ما الذي صنعت له ~~حتى أعجب بك كل الإعجاب؟ قلت: لقد سحرته يا مستر فلان كما سحرت جناب ~~المستر دانلوب من قبل، ولكني لسوء حظي لم يفلح سحري فيك أنت ms204 فقط. ~~فتركني دون أن يجيبني وانصرف. # | نتائج الزيارة الملكية # انتهت الزيارة الملكية، وكان من أثرها أن عمل ذلك المفتش ضدي جهد ~~المستطاع، وكان لسوء حظي أنا أن المستر دانلوب الذي كان يحميني قد عاد ~~إلى بلاده، وانتهز ذلك المفتش الفرصة، وأفهم الإنجليز أني ضدهم، وأن ~~بقائي كناظرة محبوبة قد يكون له نتائج لا تتناسب وحالة الحرب التي كنا ~~فيها، وتغاضى سامحه الله عن أن مدرستي كانت المدرسة الوحيدة التي لم ~~تضرب، ولم تقم بأية حركة، ولكن هكذا الشخصيات تدخل في السياسة وكل ~~شيء؛ فالرجل لأغراضه الشخصية اتهمني بما يعلم هو نفسه أنه اتهام باطل، ~~والإنجليز يثقون في بعضهم البعض ثقة عمياء، فلا يبحثون عن مبلغ ما ~~يقوله أحدهم من الصحة أو من الحقيقة، وهكذا اتفق رأيهم على أن لا أعمل ~~في التعليم عملا جديا، ولم أكن أعلم بذلك الاتفاق. # وبعد الزيارة بأسبوع جاءني ذلك المفتش، وقال لي: إن الوزارة قد رأت ~~ترقيتي؛ لأن عظمة السلطان قد سر من مدرستي سرورا عظيما، وإنه جاء ~~ليخبرني بتلك الترقية، وقد بحث في ميزانية المدرسة فلم يجد لي درجة ~~تناسبني؛ ولهذا يريد أن يعينني مفتشة، وأن يرفع مرتبي من 26 جنيها ~~إلى 35. وكنت أعلم أن المفتشة ليس لها عمل خاص تقوم به مستقلة، وأنها ~~إنما تكتب تقاريرها لكبار الموظفين، وبعبارة أخرى للمراقب، وهو بعد ذلك ~~حر في أن يعمل بإرشاداتها، أو أن يهملها، فأثرها في التعليم لا قيمة ~~له، أما ناظرة المدرسة فمستقلة في عملها يمكنها بكل سهولة أن تصلح شأن ~~المدرسة التي ترأسها، وأن توجهها إلى حيث تريد، ولقد كنت أنا أتفنن في ~~تنفيذ أوامري إلى درجة أضطر بها الوزارة إلى إجابة طلبي مهما كان، كما ~~فعلت في إنشاء فصل دون أن تأمر الوزارة به، وفي السماح للمعلمين بالأكل ~~دون أن تصرح به الوزارة، وغير ذلك، ومما فعلته في ذلك الصدد أني أردت ~~أن أقدم الغذاء لبنات المدرسة الأولية الملحقة بالمدرسة، ولم تكن ~~الوزارة في ذلك الوقت قد سمحت لأية مدرسة أولية بهذا، ms205 وكنت أعلم أنني ~~إذا طلبت ذلك رفض طلبي، كما كنت أعلم أن كتبة الوزارة في غاية الكسل، ~~وأنهم قد لا يعرضون الخطابات التي نرسلها نحن نظار المدارس على الرجال ~~المسئولين إلا بعد ورودها بشهر على الأقل؛ ولهذا كتبت خطابا إلى ~~الوزارة أقول فيه: # إنه نظرا لبعد مدرسة الورديان عن الأماكن المعمورة، وحضور ~~التلميذات إليها من أماكن بعيدة، لا أرى مندوحة من أن أدبر ~~لهن مسألة الغذاء بالمدرسة، وقد عرضت على المتعهد، فقبل أن ~~يقدم لهن الغذاء لكل تلميذة مقابل ثلاثين قرشا تدفعها ~~شهريا، ونظرا لأن أهالي التلميذات قد ضججن بالشكوى منذ زمن ~~بعيد من هذه المسألة، فقد رأيت أن تنفيذها لا يكلف الوزارة ~~شيئا، وينفع التلميذات في الوقت ذاته، وقد جمعت منهن فعلا ~~المبلغ المطلوب للغذاء، وسلمته للمتعهد، وهو مستعد أن يقدم لهن ~~الغذاء في أول الشهر، فإذا رأت الوزارة غير ذلك الرأي فلتكتب ~~لي بسرعة قبل ذلك الميعاد حتى أستطيع منع هذا. # كتبت ذلك الخطاب في الأسبوع الأخير من الشهر، وأنا أعلم أنه لن يقرأ ~~قبل أن يمر من الشهر الجديد أسبوعان على أقل تقدير، وهكذا بدأت الغذاء، ~~وعرض الخطاب على ذوي الشأن في أواخر الشهر الثاني، وخجلوا أن يقولوا ~~إنهم لم يطلعوا على الخطاب في الوقت المناسب للرفض فاضطروا إلى إقراره، ~~وهكذا ظفرت بما أريد رغم عدم ميل الوزارة إليه. # واحتجت في بعض الأحيان إلى غرف أزيدها على مباني المدرسة، وكانت ~~المدرسة في بناء مستأجر تابع لوزارة الأوقاف، وكان يحيط بذلك البناء ~~منازل أخرى تابعة لوزارة الأوقاف أيضا. # وكتبت إلى الوزارة لتخابر الأوقاف في أن تؤجر لنا منزلا معينا من ~~تلك المنازل التي تحيط بنا، وتلكأت وزارة الأوقاف في إجابة الطلب، ~~وعرضت الأوراق على المرحوم فتحي باشا، وكان مشهورا بتصرفاته المدهشة ~~العجيبة، ولما قرأ في خطاب وزارة المعارف أنها في أشد الحاجة إلى ~~استئجار ذلك المنزل بأسرع ما يكون كتب عليه وهو يبتسم كلمة «طظ»، وهكذا ~~كلما عرض عليه أمر استئجار ذلك المنزل كتب عليه تلك الكلمة المأثورة، ms206 ~~وأخيرا ذهبت إليه، وقلت له: إنك تعلم يا معالي الوزير أني أنا الناظرة ~~المصرية الوحيدة، فأنا أفتتح الآن طريق المصريات، ولو أن ملف تلك ~~المدرسة عرض عليك وفيه إشارة من ناظرة إنجليزية لنفذت لها معاليك ما ~~تريد. وخجل المرحوم بعض الشيء، وقال: لو أني أعلم أن ناظرة تلك المدرسة ~~مصرية لنفذت ذلك من زمن بعيد. وطلب الملف، وكتب عليه بالتصريح بتأجير ~~المنزل لوزارة المعارف بأسرع ما يكون. # ولكن المنزل لم يكن خاليا بل كان مسكونا، وقال لي مأمور الأوقاف في ~~الإسكندرية إنهم لا يستطيعون عمل شيء لإخراج الساكن بالسرعة المطلوبة ؛ ~~لأن بيده عقدا، ولأنه يدفع الإيجار في مواعيده، فذهبت إلى الرجل، ~~ورجوته في أن يخلي لنا المنزل، وبحثت له عن منزل آخر من منازل الأوقاف ~~أيضا بأجر أقل من منزله، وعرضته عليه، ولكنه رفض وتعنت، وقد كان ~~المنزل ملاصقا للمدرسة فأفهمته أن المنزل مطلوب للحكومة، وأن الحكومة ~~تعمل كل ما تريد دون أن يستطيع أحد أن يعارضها «كلام فارغ»، وكان الرجل ~~جاهلا لا يستطيع تكذيب ما أقول، ولكنه مع ذلك تعنت ورفض أن يترك ~~المنزل، وفي اليوم التالي لمقابلتي له أحضرت أحد البنائين ففتح بابا ~~في غرفة من غرف المدرسة ملاصقة لذلك المنزل، وإذا بذلك الباب الذي ~~فتحناه يؤدي إلى غرفة نومه، وإذا به يرى أن غرفة نومه تهدم، وأن ~~المدرسة قد اتصلت به، فرجاني أن أكف عن تتميم فتح الباب إلى أن ينقل ~~عفشه، ونقل عفشه في الحال إلى المنزل الذي اخترته له. # وهكذا كنت أنفذ أوامري بكل طريقة ممكنة وغير ممكنة، فكنت كناظرة أقوم ~~مستقلة بعملي، أعمل لإصلاح المدرسة ما استطعت إلى ذلك سبيلا حتى كنت ~~أعمل ما يراه غيري غير ممكن، أما كمفتشة فليس لي التنفيذ ولا العمل ~~مستقلة، وكل ما أستطيع عمله هو تقديم تقارير واقتراحات تتضخم بها ~~دواليب وزارة المعارف دون أن يقرأها أحد، ولقد عرفت ذلك من تجارب ~~كثيرة إذ كنت أرى تقرير المفتش يأتيني، وعليه إشارة مراقب التعليم ~~والوكيل بأمل اتباعه، وبعد شهر ms207 من تاريخ ذلك التقرير يأتيني تقرير آخر ~~يناقضه، وعليه نفس الإشارات، مع العلم أني لا أستطيع تنفيذ التقريرين، ~~ويعارض كلاهما الآخر، إذن تقارير المفتشين كانت لا تتبع إذا تعقل ~~الناظر، وأراد أن لا يسير سيرا مضطربا متناقضا، أو تنفذ لمدة شهر ~~إذا كان الناظر عديم التفكير، ثم يمحوها تقرير آخر؛ ولهذا كنت أكره أن ~~أعمل في التفتيش الذي لا أثر له في إصلاح التعليم؛ ولهذا كله رفضت ~~الوظيفة التي عرضها علي ذلك المفتش، ورفضت العلاوة أيضا، ومقدارها 9 ~~جنيهات شهريا، وسافر المفتش ممتعضا، ثم عاد فعرض علي أن يكون ~~مرتبي في التفتيش 40 جنيها، ثم 45، ثم 50 جنيها، وأنا أرفض كل ذلك ~~العرض. # وأخيرا غضب المفتش، وقال: لقد جعلتني أشك في تصرفك كناظرة. قلت: إذن ~~أنت تتهمني بأني أستفيد من المدرسة، أو من الأغذية التي تصرف للمدرسة ~~مبلغ 24 جنيها شهريا، هذا إذا عملت المدرسة 12 شهرا، وهي لا تعمل ~~إلا 8 شهور، فعظم المبلغ المعروض علي يدلك على أنك مخطئ، أما رأيي ~~فيك بعد ذلك فهو أنك لست بمعلم، بل أنت دعي على المهنة، ولقد قرأت لأحد ~~الأساتذة الإنجليز عبارة يقول فيها: «تنقدني كلية كذا على عمل لو أنها ~~منعته عني لنقدتها لتعطيني إياه.» وأنا كذلك الأستاذ تعطيني وزارة ~~المعارف مبلغ 26 جنيها شهريا على عمل أنا أحبه، ولو أني غنية ~~لأعطيتها 30 جنيها لأستمر في ذلك العمل، فمرتبي إذن 56 جنيها، والعمل ~~أحبه، وأنت اليوم تعرض علي عملا مبغوضا بمرتب خمسين جنيها، فرفضي ~~في محله لا غبار عليه لمن يفهم مهنة التعليم، وخرج الرجل من مكتبي ~~غاضبا، وبعد ذلك ببضعة أيام استدعاني المغفور له يحيى إبراهيم باشا، ~~وكان وزيرا للمعارف، وقال لي: «لست ممن يكذبون، ويدعون أنهم يعارضون ~~الإنجليز فيما يريدون، بل أنا رجل صادق أقول لك: إنه ليس في مصر وزير ~~يقف أمامهم، ويبقى في كرسيه دقائق بعد ذلك، والإنجليز لا يريدون أن ~~تكوني ناظرة، وهم أيضا لا يريدون الإضرار بك، وقد عرضوا عليك مرتب 50 ~~جنيها ms208 لإرضائك، ورفضك هذا معناه أن أضطر أنا إلى إيذائك، أو إخراجك ~~قهرا من العمل، وهذا ما لا أحبه.» قلت: شكرا يا سيدي لم أكن أعلم ~~ذلك، ولو علمته من قبل لقبلت ما عرض علي، وأنا اليوم أقبله. وشكرت ~~للرجل صدقه وإخلاصه، فإنه لا يضر المصريين إلا أولئك الوزراء الذين ~~يتشدقون بمقاومة الإنجليز فيما يريدون، وهم في الباطن أضعف بكثير من ~~أولئك الذين يقولون الحقيقة؛ لأن الذي يقول من وراء الإنجليز إنه ~~يقاومهم يضطر أن يستر قوله هذا بطاعتهم طاعة عمياء لا نقاش فيها، أما ~~الذين يصرحون بإطاعة الإنجليز، فقد يدفعهم هذا التصريح إلى رجاء ~~الإنجليز في تعديل أوامرهم ولو قليلا محتجين برغبة الشعب، ولأنهم هم ~~أصدقاء الإنجليز الذين لا يريدون لهم إلا كل خير. # وهكذا نفعني ذلك الرجل العظيم بتصريحه، وعدت إلى الإسكندرية، وزارني ~~صاحبي المفتش في اليوم التالي، وسألني عن رأيي في العرض الذي عرضه، ~~قلت: لقد قبلت العرض مع الشكر. قال: إنك لم تقبليه حتى خاطبك الوزير. ~~قلت: نعم، لأنه كلمني باللغة العربية «بالعربي» ففهمته، ولم يفهم الرجل ~~مضمون العبارة «العربية» التي أردت بها الصراحة. فقال: ولكنك تحسنين ~~اللغة الإنجليزية. قلت: نعم، ولكني أحسن اللغة العربية أكثر من ذلك، ~~ولا أفهم الحقائق إلا بها. وهكذا قلت ما أريد دون أن يفهمه الرجل، ~~ونقلت بقدرة من لا أدري إلى التفتيش. # | كيف كانت خطتي في التدريس؟ # أرى وقد نقلت إلى التفتيش أن أذكر لقراء ذكرياتي كيف كانت خطتي ~~في التدريس قبل أن أعمل في التفتيش. # أردت أن أجرب تدريس الحساب بنفسي لأرى نتيجة الطالبات إذا اتبعت ~~المعلمة معهن التفكير المنطقي السليم، فدرست الحساب للسنة الأولى، وكنت ~~آخذهن بالمنطق لا بالقواعد، فقلت لهن: إن المعاملات في الدنيا لا تخرج ~~عن حالتين؛ إما أن يضم الإنسان شيئا إلى سامعه، وهذا يسمى «جمعا»، ~~وإما أن يعطي غيره شيئا مما معه، وهذا يسمى «طرحا»، وليس في الحساب ~~إلا هاتان العمليتان أخذ وعطاء، ولكننا نسمي جمع الأعداد المتشابهة ~~ضربا، وبدلا من أن أجمع 5 على ms209 نفسها ست مرات أضرب 5 × 6، كما نسمي ~~طرح الأعداد المتشابهة من عدد قسمة، فإذا قسمنا 300 على 25 فنحن نطرح ~~25 من 300، ونبحث عن كم مرة يمكن طرح 25 منه، فخارج القسمة وهو 12 ~~معناه أننا استطعنا أن نطرح 25 من العدد 300 اثنتي عشرة مرة، وهكذا ~~سرت مع الطالبات بطرق غير مستعملة لا أرى أن أشرحها في ذكرياتي الآن، ~~وترتكز كلها على المنطق السليم والتفكير الصحيح، فكان من نتيجة ذلك أني ~~عندما وصلت بطالبات السنة الأولى إلى السنة الثالثة كن أقوى تفكيرا، ~~وأدق منطقا في الحساب من طلاب البكالوريا. # وتصادف أن كان من بنات الإسكندرية نفسها سبع طالبات في مدرسة بولاق ~~رسبن في امتحان الكفاءة، فنقلتهن الوزارة إلى مدرستي بالورديان، وكانت ~~هذه أول سنة فتحت فيها المدرسة السنة الثالثة، فلم يستطعن السير مع ~~طالباتي لا في الحساب، ولا في اللغة العربية، أما في الجغرافيا ~~والتاريخ فكن يفهمنها حسب اعتقادهن كما يفهمها طالباتي؛ لأن درس ~~التاريخ لا يرتكز كثيرا على المعلومات السابقة، فقد تدرس نابليون ~~بنجاح دون أن يعرف الطلاب تاريخ جان دارك. # أما الحساب واللغة العربية فمجهود الطالبات فيهما يرتكز على ~~المعلومات السابقة، وكيفية فهمهن لأصول المادتين؛ ولهذا تضايقت ~~الطالبات السبع، وظنن أنهن لا يستطعن السير مع طالباتي في الحساب ~~واللغة العربية، كما ظنن أنهن أقوى من طالباتي في الجغرافيا والتاريخ، ~~فكتبن إلى الوزارة يتظلمن لها، ويقلن إن طالبات مدرستي قد أنهين مقرر ~~السنة الثالثة في الحساب في السنة الثانية، كما أنهن يقرأن في اللغة ~~العربية في كتاب قواعد اللغة مع أن المقرر عليهن هو الجزء الثالث من ~~الدروس النحوية. # وشاءت قدرة أعدائي أن يقوموا ويقعدوا لهذا الخبر، وأن يحرضوا جناب ~~المستشار على إرسال مفتشة إنجليزية لتحقيق هذا الأمر، وجاءت المس بيلي، ~~ومعها المرحوم كيلاني بك، وكان مفتشا للتعليم الأولي بالإسكندرية، ولم ~~يخبراني بشيء، ولكنه جلس معي ودخلت هي الفصول، وبعد ساعة أو أكثر عادت ~~الآنسة بيلي، وهي تقول: لقد تحققت من صحة شكوى الطالبات السبع ~~المنقولات من القاهرة ms210 إلى هنا؛ لأني رأيت في درج إحدى الطالبات كتاب ~~قواعد اللغة العربية مفتوحا، مما يدل على أنها تستعمله، كما عرفت من ~~الطالبات أنفسهن أنهن أنهين مقرر السنة الثالثة في الحساب، وهن في ~~الثانية. وأدهشني ذلك القول منها فقلت لها: ولماذا تكلفين نفسك استنباط ~~أشياء كان في وسعك معرفتها مني أنا شخصيا لو تكرمت بسؤالي عنها؟ ~~فطالبات مدرستي قد أنهين مقرر السنة الثالثة في السنة الثانية، ولا ريب ~~في هذا، وهن أيضا يقرأن في كتاب قواعد اللغة العربية، ولو أنك شرفت ~~المدرسة في الحصة الأولى لوجدت الكتاب في أيديهن. # قالت: ولم إذن تخالفين منهج التدريس؟ # قلت: لم أخالفه يا سيدتي؛ لأن المنهج نص على تعليمهن الاشتغال ~~والندبة، وجموع التكسير، وغير ذلك من الأبواب التي لا وجود لها في ~~الكتاب الثالث الذي وزعته الوزارة عليهن، وقد رأيت بدلا من ضياع الوقت ~~في إملاء تلك الأبواب عليهن، ونحن في عصر السرعة أن يشترين كتاب قواعد ~~اللغة، والكتاب ليس من تأليفي، ولا من تأليف والدي، حتى يظن أن لي ~~غرضا شخصيا من أن تشتريه الطالبات، بل هو كتاب تبيعه وزارة المعارف، ~~فالربح عائد إليها، وغرضي هو عدم ضياع أوقات الطالبات فيما لا يفيد. ~~قالت: ولكنك خالفت المنهج. قلت: وكيف ذلك؟ قالت: لأن المنهج نص على أن ~~تكون هذه الأبواب حسب ما في الكتاب الثالث. قلت: إن هذه الأبواب يا ~~سيدتي غير موجودة في الكتاب الثالث، فكيف نعطيها حسب ما في الكتاب ~~الثالث؟ إنه كلام لا قيمة له ولا معنى، ولو أنك رجعت إلى مذكرات طالبات ~~معلمات بولاق لوجدت أن المعلم قد أملى عليهن تلك الأبواب من كتاب قواعد ~~اللغة بالحرف الواحد. قالت: كلا، إنه يبسطها إلى حد الكتاب الثالث. ~~قلت: إني قد علمتك اللغة العربية يا سيدتي، ومع ذلك فيظهر لي الآن أنك ~~تعرفين فيها أكثر مما أعرفه أنا، فهل لك أن تبسطي هذه الأبواب، أو ~~تأمري معلما بتبسيطها لأتعلم منك ما تريدين؟ قالت: وما رأيك في ~~الحساب، وقد خالفت فيه المنهج صراحة؟ قلت: ms211 كلا، لم أخالفه، فإن المنهج ~~قد ذكر أبوابا في السنة الأولى، أو في السنة الثانية، فعلمت كل ما ~~ذكر، وزدت عليه، فأنا لم أخالف المنهج، ولكن منهجكم ناقص، وكان الواجب ~~أن يقول: «ومحظور إعطاء غير ما ذكر.» ولكنه لم يفعل. # قالت: ولكنك بإنهائك منهج السنوات الثلاث في سنتين تخلين بطرق ~~التربية الصحيحة؛ لأنك لم تسيري في تدريسك خطوة خطوة. قلت: لك الحق ~~في ذلك يا سيدتي، فأنا على ما يظهر قد درست مقرر السنة الأولى في أربعة ~~شهور، بينما درستم أنتم في مدرسة بولاق على ما يظهر لي في ثلاث سنوات، ~~وإذا كان السير بالطالبات خطوة خطوة مفيدا كما تظنين، فأنا أطلب منك ~~إجراء امتحان لطالباتي وطالباتكم في مقرر السنة الأولى فقط، فإن نجحت ~~طالباتكم وجب علي أن أغير خطتي، وإن نجحت طالباتي كان عليكم أنتم أن ~~تغيروا خطتكم. قالت: ستنجح طالباتك لا مراء؛ لأنك موهوبة في الحساب، ~~ولكن المدارس الأخرى لو سارت على نهجك لفشلت. قلت: وهل طلبت منكم أن ~~تسير المدارس الأخرى على نهجي؟ وما دمت أنا ناجحة في طريقتي، فكيف ~~تنتقدونني فيها؟ وطال بيني وبينها الجدال، وأخيرا كلمت المستر دانلوب ~~تليفونيا فقلت له: «إن جناب المس بيلي تحقق معي في تهم أنا معترفة ~~بها، ولا أرى مع هذا الاعتراف وجها للتحقيق؛ فالمسألة أني سرت في ~~طريقي على كيت وكيت، والأمر بيدك إن شئت سمحت لي بالأمر فيما أفعل، وإن ~~شئت عاقبت بما تريد، ولست أنوي التحول عن رأيي فاسحب مفتشتك، واعمل ما ~~تراه صالحا. قال: سأحملك في النهاية تبعة فشل هؤلاء الطالبات إذا لم ~~تنجحي في طريقتك. قلت: وهو كذلك. وناولت سماعة التليفون للآنسة ~~المفتشة، فطلب منها أن تترك المدرسة. # وبعد أسبوع من ذلك التاريخ زار المدرسة مفتش إنجليزي لا أعرفه، وكانت ~~مهمته امتحان السنة الثالثة، ودهش لسرعة الطالبات في الإجابة مع صحة ~~الجواب، بقي معهن ما يزيد على حصة كاملة، ثم انتقل إلى مكتبي، فقال: ~~لقد تحققت أن لك طريقة شاذة في تدريس الحساب لا تتبعها ms212 المدارس ~~الأخرى؛ ولهذا أرجو أن تسيري على نهج المدارس الأخرى حتى يكون بينكم ~~وحدة في التعليم. قلت: أرجو أن تخبرني عن رأيك في طالباتي وطالبات ~~المدارس الأخرى، أيهن أقوى تفكيرا وأكثر استعدادا؟ قال: إن طالباتك ~~أقوى من المدارس الأخرى بلا جدال. قلت: إذن فاطلب من المدارس الأخرى أن ~~تتبعني. قال: لقد استدرجتني إلى ما لا أريده. قلت: إنما استدرجتك ~~الحقيقة التي لا مراء فيها. # أخذت الوزارة تتكلم في مسألة قوة طالباتي في اللغة العربية والحساب، ~~وضعفهن في التاريخ والجغرافيا حسب ما كانوا يظنون، وأجمعوا رأيهم على ~~أن يكون امتحان الكفاءة سهلا جدا في اللغة العربية والحساب، وصعبا ~~في التاريخ والجغرافيا إلى حد الإعجاز حتى ترسب جميع طالباتي، وفات ~~منطقهم الصحيح أن صعوبة أسئلة التاريخ تأتي من أن يختار واضع الأسئلة ~~موضوعا عقليا لا وجود له في الكتب التي بأيدي التلاميذ، أقصد لا ~~وجود له في صفحة واحدة؛ لأنه يتطلب مقارنة أعمال الملك فلان بأعمال ~~غيره من وجهة كذا وكذا، ومثل هذه الأسئلة تحتاج إلى فكر وإلى مقدرة في ~~الإنشاء، وهو ما كان في طالباتي دون غيرهن؛ ولهذا ما كادت أسئلة ~~التاريخ توزع على الطالبات في مدرسة معلمات بولاق حتى صرخن وولولن ~~قائلات إنهن لم يأخذن شيئا منها، وأخذ المفتشون يهدئون روعهن، ويشرحون ~~لهن الأسئلة دون جدوى، وأخيرا اتصل رئيس لجنة مدرسة بولاق برئيس لجنة ~~مدرستي بالإسكندرية، وسأله عما تم له في لجنتي، فأجابه لا شيء ~~والطالبات تكتب كتابة قيمة بلا انقطاع، فعجبوا لذلك، وكان رسوب ~~طالبات معلمات بولاق 40 طالبة من 80 في التاريخ وحده، ولم ترسب من ~~مدرستي واحدة، وما كان يعثر أحد من المصححين على ورقة جيدة في التاريخ ~~حتى يقول هذه ورقة من الإسكندرية. # وهكذا خاب ظنهم. # ولعل هذا كان من بين الأسباب التي جعلتهم يفكرون في نقلي من ناظرة ~~مدرسة الورديان إلى التفتيش. # | عملي بالوزارة # حضرت إلى الوزارة، وعرفت مما سبق أن الإنجليز، وهم أسياد البلاد لا ~~يريدون مجهودي كناظرة مدرسة، ولا أدري لم كانت هذه ms213 الرغبة، ولعل ذلك ~~لأني كنت أول ناظرة مصرية تولت رياسة مدرسة معلمات في الوزارة، وقد ~~كانت مدرستي في ذلك العام أولى مدارس المعلمات الأخرى مع حداثة عهدها؛ ~~فأخذ الناس يوازنون بين مجهود الناظرة الإنجليزية التي كانت تدير مدرسة ~~معلمات بولاق منذ زمن بعيد، وبين الناظرة المصرية، وهي حديثة العهد ~~بنظارة المدارس، وكتب بعضهم شيئا من تلك الأفكار في الصحف اليومية، ~~ولعل هذا كان السبب المباشر في تمسك الإنجليز بإخراجي من وظيفة ناظرة، ~~وجعلي مفتشة، والمفتشة لا يمكن أن يعرف مجهودها، أو يظهر له أثر ~~خصوصا إذا كانت الوزارة لا تؤيدها في عملها، على أنه قد ظهر لي فيما ~~بعد أن ذلك لم يكن هو السبب الوحيد، بل إن خصومي من رجال الوزارة الذين ~~كنت أندد بمسلكهم، وأعدد لهم الوقائع الصحيحة الدالة على انغماسهم في ~~الرذائل ... # أرادوا أن يظهروا للإنجليز براءتهم من تلك الرذائل، وأني أقول عنهم - ~~أي الإنجليز - كيت وكيت، وأني أحرض الناس ضدهم ليحملوا الإنجليز على ~~كراهيتي، وعدم تصديقي فيما أقول، وهكذا تم لهم ما أرادوا، وأيد ~~افتراءاتهم ذلك المفتش الإنجليزي بأكاذيبه. # علمت ذلك فعلمت أنه لا يراد بي خير، وأنهم - وهم يخشون من نفوذي ~~وقوتي في مدرسة واحدة - لا يمكن أن يقووا ذلك النفوذ في جميع المدارس، ~~بل لا بد أن أعارض في كل ما أريد؛ لهذا نويت أن لا أعمل، وأن أنفذ لهم ~~رغباتهم مهما كانت رغباتي وميولي: # إذا لم يكن غير الأسنة مركبا # فما حيلة المضطر إلا ركوبها # حضرت إلى الديوان فاستدعاني المغفور ~~له المغربي باشا، وكان المعروف أنه يعرف من نوايا الإنجليز ما لا يعرفه ~~غيره، وكان مستشار المعارف في ذلك الوقت المستر «باترسون» الذي كان بعد ~~ذلك مستشارا للمالية، فلما دخلت على المغربي باشا قال لي: «إنه مسرور ~~جدا من تعييني مفتشة لما يعلمه من انتقاداتي الدقيقة التي لا تترك ~~من عيوب التعليم شاردة ولا واردة.» علمت من ذلك الكلام أنهم يريدون ~~مني أن أنتقد المعلمين بشدة، وأن أدقق عليهم كل التدقيق، حتى إذا ms214 زرت ~~عددا عظيما من المدارس اطلعوا على تقاريري، وعاقبوا كل من ذكرت عنه ~~شيئا من العيوب بخصم جزء من مرتبه، وذلك بناء على ما جاء في تقرير ~~حضرة السيدة نبوية موسى المفتشة بالوزارة. # ولا شك أن المعلمين إذا فوجئوا بذلك العقاب سيستغيثون بالوزارة ~~من تلك المفتشة، ويطلبون عدم تفتيشها عليهم، وهذا كل ما تريده الوزارة؛ ~~لأنها لا تريد مجهودي في أية ناحية من نواحي التعليم. # زرت بعد ذلك مائة مدرسة، فلم أنتقد شيئا في تقاريري عن معلمة أو ~~معلم، بل كنت أنصح المعلمين والمعلمات، وأنتقدهم شفويا، ولا أدون ~~شيئا عن هذا في تقاريري، وعندما قمت بتفتيش ذلك العدد من المدارس ~~خاطبني المرحوم مغربي باشا تليفونيا، وقال لي: ما هذه التقارير التي ~~كتبتها؟ قلت: وهل قرأتها سعادتك؟ قال: نعم. قلت: ذلك ما ظننت من قبل ~~كتابتها، وهل تقرأ سعادتك كل تقارير المفتشين والمفتشات؟ قال: لا، ~~ولكني أقرأ المهم، فقد كنت أظن أن تقاريرك مهمة، أما الآن فتقارير كهذه ~~من شأنها أن تجعل المعلم يضع قدمه فوق رءوسنا. قلت: لعل هذا يا سعادة ~~الباشا كل ما أردته أنا. قال: ولكني بعد هذه التقارير قد غيرت فكري في ~~جهودك وذكائك. قلت: لا يجوز لك هذا، والله لولا ذكائي ما كتبتها على ~~تلك الصورة؛ لأني إنما كتبتها لك لا للمعلمين حتى لا أعطيك فرصة ~~عقابهم، ودفعهم بذلك العقاب إلى الشكوى مني. وضحك المرحوم ضحكة ~~عالية، وقال: «الله يجازيك هو أنت بتسحري.» ثم استمر يقول: ولكنك على ~~كل حال قد ضيعت اعتقاد الناس فيك بهذه التقارير. قلت: سأرد ذلك ~~الاعتقاد إلى ما كان عليه بكتابة تقرير إجمالي أشرح فيه عيوب تدريس ~~المواد المختلفة بمدارسكم دون أن تستطيعوا عقاب أحد، وكتبت تقريرا ~~مطولا عن تدريس جميع المواد بالمدارس أظهرت فيه أن الرقابة على تدريس ~~تلك المواد غير موجودة، وأن التدريس غير مجد، وأن ذلك كله يرجع إلى ~~تصرفات غريبة من ولاة الأمور أنفسهم. وأطلعوا المستشار على ذلك التقرير ~~بعد أن ترجموه له، وكان كما أظن لا ms215 يريد أن أفتش أنا على المدارس، ~~فأراد أن يتخذ من ذلك التقرير وسيلة إلى بلوغ ما يريد من إبعادي ~~إبعادا كليا عن التعليم، فاستدعاني، وقال لي في شيء من الشدة: إ ... ~~هذا التقرير لا يتفق وآراء المس بيلي. قلت: أتعلم جنابك أني أنا التي ~~علمت المس بيلي اللغة العربية؟ قال: لا. قلت: سلها، فهي لا تنكر ذلك. ~~قال: وما أهمية ذلك في الموضوع؟ قلت: إن الدروس التي أنتقدها هي اللغة ~~العربية، وما يدرس بها، وعلى مس بيلي أن تتبعني فيها لا أن أتبعها أنا. ~~قال: ولكنها المفتشة الأولى. قلت: وماذا تريد مني جنابك؟ قال: أريد أن ~~تنتقدي الدروس حسب آرائها لا حسب آرائك أنت. قلت: وكيف يتسنى لي ذلك؟ ~~أمعنى هذا أني أفتش المدرسة، ثم أعود فأخبر المس بيلي عن كل ما رأيته ~~فيها لتملي علي انتقاداتها هي عما رأيته أنا؟ ولو أني فعلت ذلك لكان ~~عمل المفتشتين هو عمل مفتشة واحدة، كما أنه يصبح عملا معقدا لا ~~قيمة له، وإني بناء على ما تقول أظن أن جنابك لا تريد أن أعمل في ~~التفتيش. قال: أوتقبلين ذلك؟ قلت: ولم لا أقبله ما دامت هذه إرادتك ~~أنت، وما دمت تعطيني مرتبي كاملا؟! قال: نعم، سأعطيك المرتب كاملا، ~~وسأمتعك أيضا بالعلاوات دون أن تعملي. قلت: لك مني ألف شكر على هذا. ~~وسر الرجل من الاتفاق الذي تم بيننا، وشكرني جزيل الشكر، وأوصلني ~~إلى خارج باب غرفته، وهو يضغط على يدي، ويقول: أشكرك. # وكانت الوزارة قد أعدت لي مكتبا خاصا وساعيا خاصا، فبقيت في ~~ذلك المكتب 6 شهور لا أعمل شيئا للوزارة، ولكني كنت أكتب في الأهرام ~~مقالات أنتقد فيها نظم التعليم في وزارة المعارف، وأمهرها بإمضاء ~~«ضمير»، وأخيرا استدلوا على كاتبة المقالات، وأخبروا المستشار بذلك، ~~وقدموا له مقالة منها منشورة في الأهرام فاستدعاني، وقدم لي المقال ~~بعد أن لفت نظري إلى الإمضاء، وقال: من كاتب هذا المقال؟ وكان جنابه ~~يظن أني سأتنصل منه؛ ولهذا أعد الإجابة على جوابي شيئا من السب ~~والاحتقار ms216 كقوله: «إنكم أنتم المصريين كذابون جبناء.» وكم كانت دهشته ~~شديدة عندما أجبته بعدم اكتراث: إني أنا كاتبة ذلك المقال. وقد أخذته ~~الدهشة، فبقي بضع دقائق دون أن يقول شيئا، ثم قال بعد أن خفت دهشته: ~~وهل تبقين بعد هذا في وظيفتك؟ قلت: ولم لا يا سيدي؟ وهذا مقالي يشهد ~~أني لم أقل فيه من سفيه الألفاظ أو المعاني ما يعيب شخصا، أو يقلل من ~~كماله، إنه نقد بريء لطرق التعليم يا سيدي، فإذا كان قد ترجم خطأ ~~فاتركني أترجمه لك، وأنت هنا مستشار التعليم تقول إنك ما جئت إلا ~~لإصلاحه، فهل يغضبك أني أرشدك إلى ذلك الإصلاح، أو أمهده لك كشخص من ~~أتباعك يهمه أن يمهد لك ما تريد؟ قال: ولكني لا أريد أن تكتبي في ~~الصحف. قلت: ولكنك لم تخبرني بذلك حتى الآن. قال: لا بأس وأنا أمنعك من ~~الآن من الكتابة. قلت: ولكنك يا سيدي تطلب مني دائما المستحيل، إنك ~~منعتني من العمل في التعليم الذي أعدتني ثقافتي له، وجعلتني أقيم في ~~غرفة كسجينة لا عمل لها، وأنا أسلي نفسي بتلك المقالات، وأعدها واجبا ~~من واجبات التعليم التي يجب علي القيام بها، ومن الصعب بل من ~~المستحيل أن أبقى في غرفة بالوزارة بلا عمل، فإذا كنت تريد مني أن لا ~~أكتب فاسمح لي أن أخرج من تلك الغرفة، وأن أذهب إلى حيث أريد، وأن أعمل ~~ما أريد، وما دمت أنت في غنى عن مجهودي دون ذنب مني، فيجب يا سيدي أن ~~تصرف لي مرتبي كاملا دون أن أحضر إلى الوزارة، بل ودون أن أرتبط ~~بالبقاء في القاهرة. قال: لك هذا، اذهبي حيث تريدين، واعملي ما ~~تريدين، ومرتبك مضمون لك. وحفظ الرجل وعده هذا فلم يخل به، وخرجت ~~من عنده على هذا الاتفاق، وفي اليوم التالي تركت القاهرة إلى ~~الإسكندرية. # | إنشاء مدرسة ترقية الفتاة # كنت قد تعرفت إلى كثير من سيدات الإسكندرية في أثناء الحركة الوطنية، ~~من أشهرهن صاحبات العصمة حرم سليمان بك يسري القاضي بمحكمة الاستئناف، ~~ومحمد بك ms217 درويش المستشار، وعبد الرحمن بك سعد أحمد المستشار أيضا، ~~وغيرهن، وكن قد زرنني وأنا بمدرسة المعلمات، وأظهرن لي رغبتهن في العمل ~~لصالح مصر، وكان ذلك في سنة 1919، فشرحت لهن أن التظاهر والمسير في ~~الطرقات لا يناسب كرامتنا كسيدات شرقيات، وأن في استطاعتنا أن ننفع ~~بلادنا بطرق أخرى كالسعي الجدي في نشر التعليم بين الفتيات؛ لأن البلاد ~~كانت في أشد الحاجة إليه، ومع أن مثل هذا العمل كان عملا سلميا لا ~~يمكن أن يتعرض له أحد، فهو عمل مجيد ينفع البلاد نفعا جزيلا، ويبقى ~~أثره بعد الحرب، فلما اتفقت مع المستشار على مغادرة القاهرة عدت إليهن، ~~فوجدتهن على استعداد عظيم للعمل معي، وقد ساعدتهن الزعيمة المحترمة ~~صاحبة العصمة هدى هانم شعراوي، وقمن بعمل حفلة عظيمة جمعن بها مبلغا ~~من المال، فلما أخذن رأيي في كيفية التصرف فيه قلت لهن أن يشترين بهذا ~~المبلغ أدوات مدرسية، وأن يستأجرن منزلا لفتح مدرسة أهلية للبنات، ~~وتم الاتفاق، وذهبت أنا مع أحد أزواج صاحبات العصمة أعضاء جمعية «ترقية ~~الفتاة»، وهو الاسم الذي اخترناه لهذه الجمعية، وأمضى عزته عقد ~~الإيجار، وقد شعر قلبي في هذا الوقت بخطر استهدف أنا شخصيا إليه، ~~إذا كنت أنا التي سيعهد إلي بإدارة المدرسة. # ودار البحث بين أعضاء جمعية ترقية الفتاة على كيف تدار المدرسة، ومن ~~الذي يتولى ماليتها، وغير ذلك، ثم أجمع أغلب الأعضاء رأيهن على أن ~~تتولى الجمعية نفسها مالية المدرسة، وأن أقوم أنا بإدارتها، ولما كنت ~~أعلم أن الجمعية تديرها سيدات بعيدات عن العمل لا بقاء لها كثيرا ~~لاختلافهن في الرأي، وعدم صبرهن على إدارة المدرسة، فقد رفضت، وقلت: ~~إني أنا شخصيا لا أقبل أن أوظف تحت عشر سيدات لا يبعد أن يختلفن بعد ~~شهرين، وأن يغلقن المدرسة لهذا الاختلاف، ولكني مستعدة إذا هن سلمنني ~~الأدوات التي اشتريت أن أسلمهن إيصالا بها على أن أردها إليهن يوم ~~أعجز عن فتح المدرسة، أما إذا فتحت المدرسة، وسارت في طريقها، فليس لهن ~~أن يطالبنني بتلك الأدوات ما دامت المدرسة مدرسة، ms218 وأن أقوم أنا بإدارة ~~المدرسة دون أن آخذ من الجمعية شيئا، وأن أكون مسئولة عن ماليتها، ~~فعلي غرمها أو لي غنمها، وليس لهن حق التدخل في تلك الإدارة، ورفضت ~~معظم السيدات هذه الشروط، كما رفضت أنا أن أشتغل معهن على غيرها، وفي ~~صباح ليلة هذا الاجتماع جاءني جماعة من أزواجهن يناقشونني في الموضوع، ~~فقلت لهم: إن السيدات أعضاء الجمعية ليس لهن غرض مالي، وإنما غرضهن هو ~~إحياء تعليم الفتاة في الإسكندرية، وقد اشترين هذه الأدوات البسيطة ~~التي لا تفي في الواقع لفتح مدرسة، ولكنها تصح أن تكون نواة لفتح ذلك ~~العمل العظيم. # وأنا لا أستطيع القيام بإدارة المدرسة ما لم يكن في يدي وحدي ~~ماليتها؛ لأن الإدارة بلا مال لا يمكن أن تأتي بالنتيجة التي يرغبها ~~المدير، وماذا يكون موقفي إذا طلبت من السيدات تعيين معلمة بمبلغ كذا ~~من المال، أو تعيين عدد كذا من المعلمات فرفضن ذلك لقلة المال لديهن، ~~فهل أستطيع في تلك الحالة أن أدير المدرسة بنجاح؟ كلا أيها السادة إنني ~~أقبل أن أكون أنا من يتولى إدارة المالية دون تدخل أي شخص آخر، وأن ~~تتولى السيدات إدارة المدرسة الفنية؛ لأني بالمال الذي بيدي أديرها بكل ~~نجاح رغم كل معارضة منهن، أما أن يكون بيدهن المال وبيدي الإدارة، فأمر ~~لا أفهمه؛ لأن إدارة بلا مال لا معنى لها، وتردد حضرات البكوات الذين ~~تكلمت معهم في هذا الأمر في قبوله، ونظرا لإصراري على عدم الاشتراك في ~~المدرسة إلا بهذه الشروط اضطروا إلى قبولها، وكتب عقد اتفاق بيننا أي ~~السيدات أعضاء الجمعية على تلك الشروط، كما كتب كشف بالأدوات التي سلمت ~~إلي، واشترطت أن أردها إليهن يوم أعجز عن الاستمرار في إدارة ~~المدرسة. # أقمنا حفلة افتتاح باهرة حضرها كثير من أعيان الإسكندرية بفضل نفوذ ~~السيدات أعضاء جمعية «ترقية الفتاة»، وجعلت مصروفات تلك المدرسة أكثر ~~من مصروفات مدارس الحكومة نفسها، ومع ذلك فقد كان الإقبال عليها عظيما ~~جدا، ونشرت الجرائد أخبار تلك الحفلة مشيرة إلى أن نبوية موسى ~~المفتشة بوزارة ms219 المعارف هي التي تتولى وحدها إدارة المدرسة، وقرأ رجال ~~وزارة المعارف الخبر، واندهشوا له؛ لأنه في نظر كل شخص غريب مدهش، ~~فأرسل المرحوم المغربي باشا يستدعيني إليه، ولما حضرت عنده عرض علي ~~مجموعة من الصحف، وقال: ما هذا الذي تفعلينه في الإسكندرية؟ قلت: أقوم ~~هناك بما أعدتني له وزارة المعارف، فقد علمتموني أن أكون معلمة ~~فناظرة، وأنا الآن أساعدكم على نشر التعليم ما دمتم أنتم في غنى عن ~~جهودي في الوزارة، وإني أشعر أني أؤدي خدمة للأمة نظير المرتب العظيم ~~الذي يصرف لي، أما قبل ذلك فكثيرا ما كان يؤنبني ضميري على أخذ مرتب ~~من الحكومة، وأنا لا أعمل شيئا لصالح البلاد. # وها أنا اليوم قد أصلحت ذلك الخطأ فأنا آخذ مرتبي نظير عمل جليل أقوم ~~به في تربية الناشئات، قال: إذن فادخلي إلى المستشار عسى أن تستطيعي ~~مواجهته بهذا الكلام. قلت: إني أستطيع إقناعه أكثر مما أستطيع إقناعك ~~أنت. قال: سنرى. ودخلت على المستر باترسون في مكتبه فقال لي قبل أن ~~يحييني: ما هذا الذي صنعت؟ قلت: ليس لك حق في هذا السؤال، إنما هذا ~~السؤال يستطيع أن يقوله حضرة صاحب السعادة المغربي باشا؛ لأنه لا يعلم ~~اتفاقي معك، أما أنت فلا حق لك فيه، أبعد هذا الاتفاق تسألني ماذا ~~صنعت؟ صنعت يا سيدي ما اتفقنا عليه، وهو أن أذهب أنى شئت، وأفعل ما ~~شئت، ما دمت لا أكتب بقلمي في الصحف. قال: ولكني لم أكن أعلم أنك ~~ستفتحين مدرسة. قلت: وما الذي كنت تعلمه حين قلت لك أني سأترك الوزارة ~~لأعمل خارجها ما دمتم في غنى عن جهودي، فهل كنت تظن أني سأفتح منجما ~~للفحم أم متجرا للخشب، وأنا لا أعرف من هذا شيئا؟! # إني معلمة يا سيدي، فإذا عملت فإنما أعمل للتعليم، وإذا كنت أنت قد ~~جهلت ذلك فليس هذا من خطئي أنا، بل الخطأ راجع إليك. قال: وماذا نصنع ~~الآن؟ قلت: لا شيء، فإني بناء على وعدك لي صرفت كل ما أملك من المال في ~~فتح ms220 تلك المدرسة، ولا سبيل إلى إغلاقها. قال: أوتبرين أنت بوعدك من ~~عدم الكتابة في الصحف؟ قلت: نعم يا سيدي إذا حفظت أنت وعدك معي، على أن ~~عملي في تلك المدرسة محال أن يترك لي وقتا للكتابة، فاطمئن من تلك ~~الجهة. قال: فليكن ما أراده الله. ولم يكن المغفور له مغربي باشا يعلم ~~شيئا مما تم بيني وبين المستشار سابقا؛ ولهذا ظن أني سألقى من ~~المستشار عنفا، فلما عدت إليه قال: كيف رأيت جناب المستشار؟ قلت: على ~~خير ما يرى الرجال، إنه ألين من سعادتك عريكة، وأرق قلبا، وقد قابلته ~~مقابلة الأصدقاء، وافترقنا على ذلك. قال: إنك غريبة مدهشة في تصرفك. ~~قلت: هكذا أراد الله أن ألقى المدهشات في حياتي، وأن أقابلها بمثلها . ~~ثم تركته وعدت إلى الإسكندرية في الحال. # | أول متاعبي في المدارس الحرة # استأجرنا للمدرسة منزلا من منازل البارون منشة، ويوم استأجرناه كان ~~معي زوج رئيسة الجمعية، وحسب العادة المتبعة في مصر من تقديم الرجال ~~على النساء، قدم إليه العقد فأمضاه، وقد شعرت بشيء من القلق من ~~جراء ذلك، وكان رئيس الجمعية هذا كما أحب أن أسميه باختصار قاضيا ~~بالإسكندرية، وكان الشيء الوحيد الذي يهددني هو أنه مستأجر المنزل، ~~وبناء على ذلك يحق له أن يدعي ملكية كل ما فيه من أثاث، ولم يكن لي في ~~ظاهر الأمر دخل في استئجار المنزل، وإن كنت أنا ساكنته، وصاحبة ~~الأثاثات الموضوعة فيه. # ولم نعمل أكثر من ستة شهور حتى حدث ما كنت أتوقعه، فإن أعضاء جمعية ~~«ترقية الفتاة» فكرن أن يحولن المدرسة إلى مشغل للخياطة، ولما عارضتهن ~~في ذلك غضبن مني، وسحبن تأييدهن لي، ولكني لم أعبأ بهذا، وسرت في ~~طريقي، ونقل رئيس الجمعية إلى قنا أو أسيوط، لا أتذكر، ولكن الحكومة ~~انتدبته للعمل بالإسكندرية فأصبح نقله اسما لا معنى له، ودهشنا كلنا ~~لهذا النقل والانتداب، فلم ألبث بعد هذا أن بلغني أن البارون منشة رفع ~~دعوى على رئيس الجمعية بصفته المستأجر يطالبه بإخلاء المنزل، وبدفع ~~تعويض قدره مائتا جنيه؛ لأنه ms221 غير معالم منزله، وظلت الدعوى بينهما ~~مدة طويلة دون أن أعلم بها لأنه كان يعلنه بالدعوى في منزله الخاص، ~~ولأن رئيس الجمعية لم يخبرني بشيء من ذلك، فلما بلغني الخبر ذهبت إليه ~~ورجوته أن يعترف بوجودي، ولو كخصم ثالث؛ لأني أنا في الواقع التي أسكن ~~المنزل، وقد وضعت فيه كل أثاث منزلي، كما اشتريت كثيرا من الأثاثات ~~المدرسية؛ لأن ما اشترته الجمعية لم يكن يفي بشيء من لوازم المدرسة، ~~ولو أن البارون نجح في دعواه، وأخذ حكما على رئيس الجمعية لاستطاع ~~بهذا الحكم أن يبيع أثاث منزلي والمدرسة في وقت واحد، وما دام رئيس ~~الجمعية هو المستأجر للمنزل، فليس لي أن أدعي ملكية شيء من الأثاث ~~الموجود فيه. # شرحت للرئيس كل ذلك ، ولكنه رفض أن يدخلني في الدعوى، أو أن يجعل لي ~~أية صفة فيها، وقال إن البارون يعلم أنه هو المستأجر، ولا يجوز لرجل في ~~مركزه أن يقول إنه إنما أمضى العقد دون أن يكون هو المستأجر الحقيقي، ~~وما كان لي أمام إصراره هذا إلا أن أرضخ لما أراد، وأن ألاينه في القول ~~ما استطعت، ولكني في الوقت ذاته شعرت أني قادمة على خطر فقدان كل ما ~~أملك، وأخذت أبحث عن منزل أستطيع أن أنقل إليه أثاثات منزلي والمدرسة ~~قبل أن تنتهي القضية، وقبل أن يحجز على تلك الأثاثات، فلم أوفق إلى ~~استئجار منزل يسع المدرسة بأكملها، ولكني وجدت المنزل الذي أملكه الآن، ~~وقد نزعت ملكيته، وقدم للبيع بالمزاد العلني، ودخل المنزل في البيع ~~ثلاث مرات فهوى ثمنه من 12 ألف جنيه إلى ثمانية آلاف وسبعمائة جنيه، ~~وخشي صاحبه أن يباع بأبخس الأثمان، وقد كان مرهونا على مبلغ أربعة ~~آلاف جنيه، وقد أراد الراهن بيعه بالمزاد ليستولي على دينه، ولكنه لما ~~رأى المنزل لا يقدم على شرائه أحد، وقد هوى ثمنه في بضعة شهور إلى هذا ~~الحد خشي أن يباع بأقل من الدين، فاتفق هو والدائن على تأخير البيع ~~لعلهما يجدان شاريا. # وذهبت أنا واتفقت مع صاحب المنزل على ms222 شرائه بالثمن الذي رسا عليه ~~المزاد، وهو ثمانية آلاف جنيه، كما اتفقت مع الدائن أن أحل محل صاحب ~~المنزل في الدين على أن يمهلني ثلاث سنوات، فقبل الرجل، كما قبل المالك ~~أن يأخذ مني أربعة آلاف وسبعمائة جنيه، وأن يبيع لي المنزل تاركا لي ~~دينه، وعاد الدائن فرفض هذا الاتفاق، وقال إنه يريد دينه فورا، وهنا ~~طلبت منه مهلة ستة شهور ريثما أستطيع رهن المنزل في بنك من البنوك، ~~وساعدني حسن الحظ فاستطعت الاتفاق مع البنك العقاري، واتفقت مع البائع ~~على أن أدفع له ألف جنيه عند كتابة العقد الابتدائي للبيع، وبعد 40 ~~يوما أدفع له ألفا أخرى، على شرط أني إذا لم أستطع دفع ذلك الألف في ~~ذلك الميعاد أصبح البيع لاغيا، وضاعت علي الألف الأولى ... شرط قاس ~~ولكني تحملته؛ لأن ظروفي كانت أقسى منه، وكان لي منزل بالزيتون فسعيت ~~في بيعه حتى استطعت أخيرا أن أبيعه بألف جنيه، وكان ذلك قبل حلول ~~الميعاد بثلاثة أيام، وتصادف أن أقمت حفلة المدرسة الثانوية في اليوم ~~السابق لحلول ميعاد كتابة العقد الرسمي كما اتفقنا، وكلمني محامي صاحب ~~البيت بالتليفون ينبئني أن غدا ميعاد دفع مبلغ الألف جنيه وكتابة ~~العقد الرسمي، قلت: إني مستعدة لدفع الألف جنيه صباح باكر. فقال: وهل ~~معك 500 جنيه لدفع رسوم العقد؟ قلت: كلا، ليس معي ذلك المبلغ. قال: لقد ~~ضاعت عليك الألف الأولى؛ لأن اتفاقنا كان على أن تدفعي الألف جنيه، وأن ~~تكتبي العقد الرسمي، ورسوم العقد الرسمي 500 جنيه، فإذا لم تستطيعي ذلك ~~فقد خالفت الشروط، وقد فسخ البيع، وضاع عليك العربون. # قلت: ولكني سأعطيك الألف التي تريدها أنت، وكتابة العقد الرسمي في ~~صالحي أكثر منها في صالحك. قال: لا فائدة من الجدال في ذلك، ولا أقبل ~~إنهاء البيع إلا بكتابة العقد الرسمي ساعة أن تدفعي إلي الألف جنيه. ~~واحترت في أمري ماذا أفعل، وكانت الحفلة ناجحة، وقد أعجب بها الناس، ~~واضطررت أن أترك التليفون لأشرف على الحفلة، وأقابل الزائرين، وكنت ~~كعادتي أضحك باسمة لنجاح ms223 الحفلة، وإن كان في قلبي ما فيه من الخراب ~~المحدق بي في اليوم الذي بعده؛ لأنه بلغني أن البارون قد كسب القضية ضد ~~رئيس الجمعية، وأنه ينتظر استخراج صورة الحكم ليحجز على أثاث المدرسة، ~~وكنت أود أن أنهي عقد المنزل لأستلمه، وأنقل أثاث المدرسة إليه، فأهرب ~~من ذلك الخراب المؤكد، والآن وقد فسخ الرجل البيع، ولا سبيل إلى مبلغ ~~500 جنيه في تلك الليلة، أو في صباح الغد، فقد خسرت كل شيء؛ لأن الألف ~~جنيه الأولى التي دفعتها ضاعت كما سيضيع جميع الأثاث الذي صرفت في ~~شرائه كل ما أملك. # وكنت مع هذا التفكير والضيق الذي كنت أشعر به أقابل الناس بثغر باسم ~~حتى أخذوا يتهامسون قائلين لبعضهم البعض إن كثرة المال تجعلها تتمايل ~~طربا وسرورا بما نالت حتى لا تكاد شفتاها تنقطعان عن ابتسامات خارجة ~~من قلب مسرور، وخرج الناس في تلك الليلة، ودخلت مكتبي فاعتمدت رأسي بين ~~يدي، وأخذت أفكر في مصيري في الغد، وكيف أقابل تلك النكبات المتوالية، ~~وبينما أنا على تلك الحال إذا بعمدة بلدتنا قد دخل علي، وكان الرجل قد ~~باع قطنه بسعر القنطار 40 جنيها، وكان لي وسط أرضه عشرة فدادين سبق أن ~~طلبها مني فرفضت بيعها، فلما أسعده الحظ ببيع قطنه بذلك السعر المرتفع، ~~جاءني وبيده عقد بيع عرفي كتبه له مأذون الناحية بثمن خمسة آلاف جنيه ~~لتلك الأفدنة، وكان الرجل ينتظر أن أرفض، فأخذ يرجوني ألا يخيب أمله ~~وألا أرده إلى البلدة خائبا، وما كادت عيني تقع على النقود حتى ضحكت ~~ضحكة من القلب لا تلك التي كنت أتظاهر بها منذ ساعات، وقلت له بلهفة: ~~إنك ضيفي، ومحال يا سيدي أن أردك خائبا. فشكرني الرجل، وأمضيت له ~~العقد، وسلمني النقود، وفي الساعة التاسعة صباحا كلمت محامي صاحب ~~المنزل تليفونيا، وما كاد يسمع صوتي حتى أجابني بشدة قائلا: «لا ~~فائدة من الكلام يا مدام إن لم يكن معك ألف وخمسمائة جنيه لدفعها ~~اليوم.» # قلت: «إني إنما أكلمك لتضرب لي موعدا لنذهب معا إلى ms224 المحكمة لدفع ~~ما تريد.» قال: «ومن أين أتتك الخمسمائة جنيه، وقد أكدت بالأمس أنه لا ~~يوجد معك إلا ألف فقط؟» قلت: «ليس ذلك من شأنك يا سيدي في شيء.» وتم ~~شرائي المنزل في ذلك اليوم، وهنا صدمتني عقبة أخرى، وهي أن المنزل كان ~~يسكنه ست أسر كلها من الأجانب، وكان من الصعب أن أضطرهم إلى الخروج ~~منه، وكان البارون على وشك الحجز على أثاث المدرسة إن لم أنقله منها، ~~فأخذت أعد العدة لإخراج هؤلاء السكان بأي ثمن كان. # | إخراج السكان من المنزل # عرضت على كل ساكن مبلغ خمسين جنيها نظير أن يخرج من المنزل فرفضوا ~~جميعا، وأخيرا اتفقت مع ساكن فقير كان يسكن «البدرون» على أن أعطيه ~~ثلاثين جنيها، وأستأجر له شقة صغيرة، وأنقله إليها، فقبل مني ذلك ، ~~وبعد أن استأجرت الشقة، وأعددتها له، وجئت لأخذ منقولاته رفض؛ لأن باقي ~~السكان حرضوه على ذلك، وكان صاحب المنزل يشغل غرفة مع ذلك الساكن ~~فاستلمت تلك الغرفة، وقلت للساكن: إني أريد أن أنقل منقولاتي إليها ~~لأسكن فيها معكم، فرفض ذلك، وقال: إن صاحب البيت ما كان يدخلها إلا من ~~الشباك الخلفي. قلت له: ولكني لا أستطيع دخول الغرفة إلا من أبوابها. ~~وحصلت بيني وبينه مشادة، وأراد أن يغلق باب الشقة ليمنعني من الدخول ~~إليها، فأمرت فراشي المدرسة فخلعوا الباب وألقوه جانبا، وجن جنون ~~الرجل إذ رأى ذلك، وتصور أني قد جنيت جناية، كما ظن ذلك كل السكان، ~~فخرج مسرعا إلى القسم، وعاد بضابط، فلما رآني الضابط حياني، وسألني عن ~~المسألة، قلت: إني مالكة هذا البيت، وإني أسكن في غرفة مع هذا الساكن، ~~وقد أراد أن يمنعني عن غرفتي، فخلعت الباب حتى لا يغلقه، وحتى أتمكن من ~~استعمال غرفتي، وأمن الساكن على كلامي، ولكنه طلب أن أستعمل الغرفة ~~من شباكها دون أن أدخل الشقة. ورأى الضابط تعقد الحل فقال: إن هذه ~~مسألة مدنية لا شأن للقسم بها. وحياني وانصرف. # وقام السكان جميعهم، وحرضوا ذلك الساكن، وكان فرنسي التبعة، حرضوه أن ~~يذهب إلى قنصل ms225 فرنسا، وأن يشكو أمره إليه، وكان لحسن الحظ أن سبق أن ~~قنصل فرنسا قد زار المدرسة، وأعجب بتعليم اللغة الفرنسية فيها، وقرر ~~لها مبلغا من المال لإعانتها، فكلمته تليفونيا قبل أن يصل الرجل ~~إليه، وقلت له إني مضطرة أن أنقل المدرسة إلى ذلك المنزل بأسرع ما ~~يمكن، وإني عرضت على الساكن ثلاثين جنيها، وأجرت له الشقة التي ينقل ~~إليها، فوعدني بالمساعدة، ولما ذهب إليه الساكن أمره بالخروج من الشقة ~~وبأخذ المبلغ، ولكن الرجل كان عنيدا فأصر على رأيه، ولم يقبل الخروج، ~~وصممت أنا أيضا على رأيي، وملأت الغرفة التي أسكنها معه بعدد من موائد ~~الأكل كما ملأت الصالة أيضا بتلك الموائد، وعارض الرجل، وكان يعمل في ~~مدرسة الراهبات التي بجوار مدرستي، فشكا أمره إلى رئيستها، فأرسلت إحدى ~~الراهبات لإصلاح ما بيننا، فوجدتني واقفة، وقد اكتظت الصالة بنحو 15 ~~فاعلا أجرتهم خصيصا لذلك، فسألتني: من هؤلاء وكيف يبقون في المنزل؟ ~~قلت: إنهم خدمي، ولا بد من مبيتهم في تلك الغرفة، وإذا كان هو لا يقبل ~~البقاء معهم فما عليه إلا أن يترك الشقة، ويقبل المبلغ الذي عرضته ~~عليه. # ولكن الرجل استمر في عناده، وصمم أن يبيت في غرفة نومه، وعادت ~~الراهبة من حيث أتت، واشتريت لهؤلاء الفعلة عشرة أرطال من اللحم الضأن ~~سلقتها على ثريد، وأمرتهم أن يتعشوا باللحم والثريد، وأن يقيموا حفلة ~~ذكر لنبارك بها المنزل الجديد، ثم يناموا بعد ذلك في الغرفة، وضج ~~المكان بصوتهم في حفلة الذكر، وانزعج السكان الأجانب جميعا؛ لأنهم لم ~~يألفوا تلك الحالة، وأخيرا اضطر الساكن أن يأخذ زوجته، وأن يبيت بها ~~في أحد الفنادق، وفي الصباح قبل مني المبلغ الذي عرضته عليه، وأخذ ~~منقولاته، وما كاد يخلي الشقة حتى أحضرت فيها كل ما استطعت من أدوات ~~المدرسة، وكان يسكن نصف البدروم البحري والشقة التي فوقه ساكن إيطالي، ~~عرضت عليه أن يخرج من الشقة على أن يأخذ مقابل ذلك خمسين جنيها، فرفض ~~وقال: أمامك المحاكم. وأردت مضايقته فاشتريت مترين من الجير وعشرة ~~أمتار من الرمل، ms226 ووضعتها على ربوة كانت في الفناء أمام شبابيك ~~الإيطالي، واستأجرت فاعلين بمهزتين، وأمرتهما أن يجلسا، فإذا رأيا أن ~~شبابيك الإيطالي قد فتحت قاما بعملية الهز، فيضطر الرجل إلى إغلاق ~~شبابيكه، وهي الشبابيك البحرية بالمنزل، وهكذا مكث العاملان مدة أسبوع، ~~فتضايق الرجل، وقال لي: إني أجنبي كما تعلمين؛ أي في حماية. قلت: نعم! ~~ولكنك لا تكون في حماية إلا إذا ضربت غيرك، أما إذا ضربت أنت، فأنت ~~كأفراد المصريين، وأنت ترى معي من الرجال العدد الكثير الذي يستطيع أن ~~يمزقك إربا بأظفاره من غير سلاح. # وخاف الرجل من هذا التهديد، كما ضايقه الجير والرمل اللذين أتلفا ~~منقولاته، فقبل التعويض وترك المنزل، أما الساكن الذي كان أمامه في نفس ~~الدور الذي يعلو البدروم، فقد كان مدينا لصاحب المنزل بمبلغ ثلاثين ~~جنيها ، وحكم لصاحب المنزل بالمبلغ، وحجز على المنقولات حجزا ~~تنفيذيا، فلم يكد يسمع مني تنازلي عن كل شيء في نظير خروجه من المنزل ~~حتى أسرع بالخروج، وبذلك خلا البدروم والدور الذي فوقه مباشرة، أما ~~الدور الثاني فكان يسكن في نصفه طبيب أجنبي، وفي النصف الثاني سيدة ~~غنية كانت مغنية فيما مضى، وهنا استلمت الدور الأول والبدروم، وطلبت ~~من الطبيب الخروج من المنزل فرفض، فقلت له: إني أغلق بابي الساعة ~~السابعة مساء، فإذا تصادف وتأخر هو عن ذلك الميعاد فعليه أن يحضر معه ~~نجارا ليكسر له الباب، وهكذا كان كلما عاد في المساء وجد باب المنزل ~~مغلقا، وظل خارج الباب في أخذ ورد ونقاش إلى الساعة الحادية عشرة، أو ~~ما بعد ذلك، وأخيرا اضطر أن يقبل التعويض، وأن يترك المنزل. # أما الساكنة الأخيرة، وهي السيدة المغنية، فلم أطلب منها الخروج، ~~ولكني نقلت المدرسة، وجعلت الجرس تحت شباك غرفة نومها، وأمرت أحد الخدم ~~أن يدق الجرس في الساعة السادسة صباحا من كل يوم دقا عنيفا يستغرق ~~ربع ساعة، كما أمرت خادما آخر أن يستلم خطاباتها التي ترد من البوستة، ~~وأن لا يسلمها إليها إلا في الساعة السادسة والنصف صباحا، فكانت ~~المسكينة لا تكاد تخلص ms227 من دقات الجرس الشديدة حتى تسمع قرع باب شقتها ~~قرعا شديدا متواليا، فلم تستطع البقاء على ذلك أكثر من أسبوع، وخرجت ~~من المنزل دون أن تأخذ شيئا، أما الساكن الذي كان يشغل الإسطبل التابع ~~للمدرسة، وكان هو أيضا أجنبيا، فلم أتعب في إخراجه، بل خرج على أبسط ~~صورة بعد أن تنازلت له عن بعض الإيجار الذي كان متأخرا عليه، وهكذا ~~أخرجت ستة من السكان في مدة شهر واحد، وابتدأت في أن أنقل باقي ~~المدرسة لهذا المنزل، وكنت أعلم أن البارون قد كسب القضية المرفوعة، ~~وأنه على وشك الحجز، فأخذت أنقل في السر دون أن أخبر التلميذات، حتى ~~إذا تم نقل كل شيء في الخميس والجمعة، عادت التلميذات يوم السبت فوجدن ~~المدرسة في بنائها الجديد، وأسرعت العيون الموضوعة علي فأخبرت أولي ~~الشأن بما جرى، فاستعجلوا المحضر يوم السبت، ولكنه لم يستطع الحضور ~~إلا في يوم الإثنين؛ لأن الأحد عطلة رسمية للمحاكم المختلطة. # حضر المحضر يوم الإثنين في منزل البارون فوجد الباب مغلقا، وسأل من ~~الجيران عن المكان الذي نقلت إليه المدرسة، فدلوه علي، فجاءني في ~~منزلي الجديد، وهنا تذكرت فجأة أن سيارات المدرسة الكبيرة كانت لا ~~تزال في فناء منزل البارون، وخشيت أن يفطن المحضر لذلك فأجلسته في ~~مكتبي، وقلت له: إني لا علاقة لي بمنزل البارون، ولم أكن مستأجرة له، ~~ولكن المستأجر صديق لي، وأستطيع أن أحضر منه المفاتيح بكل سرعة، ~~وأجلسته في مكتبي، وأغلقت باب الشقة حتى لا يستطيع الخروج، وأسرعت إلى ~~منزل البارون، فأخرجت السيارات بكل سرعة، وأرسلتها إلى فناء المنزل ~~الجديد، وعدت إلى المحضر، وأعطيته مفاتيح منزل البارون، فذهب إليه، ولم ~~يجد به شيئا يحجزه، ورفع دعوى علي أنا شخصيا، وأوقع حجزا ~~تحفظيا على منقولاتي، ولكن المحكمة المختلطة رفضت دعواه؛ لأني لم أكن ~~مستأجرة للمنزل، ولا علاقة رسمية بيني وبين البارون، واشتد الغيظ ~~بالبارون، وحجز على منزل زوج رئيسة الجمعية؛ لأنه هو المستأجر الرسمي، ~~وجاءني يقول لي كيف يحجز على منزله في مشكلة تتعلق بالمدرسة التي ~~أستغلها ms228 أنا؟ فقلت له: إني آسفة لذلك، ولو أنك أدخلتني في الدعوة كما ~~طلبت منك لأدافع عن نفسي لما حصل شيء من هذا، ومع ذلك فإني مستعدة أن ~~أدفع المبلغ المحكوم به، على شرط أن تبيع لي الجمعية الأدوات، وإلا ~~فللجمعية أن تستلم أدواتها، وأن تعطيني إيصال الاستلام، وتتصرف في بيع ~~تلك الأدوات لسداد المبلغ المحكوم به، أما هو فقد فضل أن يعطيني ~~الإيصال الذي أخذ علي باستلام الأدوات، وأن يأخذ مني المبلغ المحكوم ~~به، ومقداره 200 جنيه. # وهكذا انتهت تلك المشكلة. # | مناورات # انتهت مشكلة المنزل، وسكنت المدرسة في منزلي الخاص، وكنت ولا أزال ~~أعتقد أن البارون منشة، وهو صاحب المنزل القديم قد حرض على ما فعل، ~~ولا زالت اليد المحرضة تعمل ضدي، فإني ما كدت أعمل في المنزل الجديد ~~أربعة شهور حتى زارني أحمد بك كامل، وكان في ذلك الوقت مراقبا مساعدا ~~لتعليم البنات، فرحبت به اعتقادا مني أنه جاء ليزورني، ولكن شد ما كان ~~أسفي عندما أخبرني أنه جاء ليحاسبني عن مال جمعية ترقية الفتاة، فقلت ~~باسمة: وما قرابتك يا سيدي لجمعية ترقية الفتاة؟ قال: إن وزارة ~~المعارف مسئولة عن الأموال التي تجمع باسم التعليم. فأبنت له أن ~~المدرسة لم تصرف من مال الجمعية شيئا، ولم يصلها من الجمعية إلا أدوات ~~مدرسية كانت قد تركتها وديعة، وأخذت بها إيصالا، ثم عادت فأخذت مني ~~مبلغ 200 جنيه ثمنا لتلك الأدوات، وردت لي الإيصال، أما شروطي مع ~~الجمعية، فقد كانت تمنع الجمعية منعا باتا من التدخل في مال ~~المدرسة. أظهرت له الشروط، قال: وكيف قبل عدد من القضاة أن يكتبوا معك ~~شروطا كهذه؟ قلت: لأني كنت مصممة عليها، ولأن إرادتي - والحمد لله - ~~قوية لا يقف أمامها شيء. قال: فليس لنا إذن ما نحاسبك عليه. وحياني، ~~وانصرف. # وأخذت اليد المحرضة ضدي تحرض إنجليز وزارة المعارف على محاربتي بدعوى ~~أني ضد الإنجليز، وإني أكرر ثانية وثالثة أن التهمة كانت باطلة، ~~وإني أنا شخصيا لم أعمل في السياسة، بل وجهت كل جهودي إلى تعليم ms229 ~~البنت، ولا أدري أكان الإنجليز يجهلون حقيقة الأمر التي لم يكن فيها من ~~ريب أو شك، أم أنهم كانوا غير راضين عن طريقتي في تعليم البنت، فكانوا ~~يحاربون المبدأ لا شخصه، وعلى كل حال فقد كانت الحرب مستمرة، ~~والقائمون بها - ولا شك - أقوياء، ولم تكن مدرستي خاضعة لتفتيش ~~الوزارة؛ ولهذا لم تكن وزارة المعارف تعطيني إعانة، وقد عرض على ~~كثير من وزراء المعارف محاربة المدرسة، وكان منهم المغفور له أبو ~~السعود باشا، وجعفر والي باشا وغيره، وكنت في ذلك الوقت قد حولت مرتبي ~~إلى بنك مصر فرع الإسكندرية، وكنت أنتظر من يوم لآخر أن تفصلني ~~الوزارة، وتمنع صرف المرتب، ولكن الوزارة كانت متجهة إلى إغلاق المدرسة ~~لا إلى فصلي منها؛ ولذلك كانت تحاول إعادتي بكل الوسائل، وكنت أنا ~~أرفض، ولكي يصل أعدائي إلى إغلاق المدرسة عرضوا على صاحب المعالي ~~المغفور له أبو السعود باشا أنهم في حاجة إلى جهودي، وأنه يجب ردي إلى ~~العمل بأي ثمن كان، ولم يكن المغفور له يعرف نواياهم، وكان رجلا ~~ذكيا نزيها لا يعرف التواء، فعرض علي الأمر، وطلب مني أن أقبل ~~العودة إلى العمل، فأفهمته ما يحاك ضدي من الدسائس، وقلت له: لا أود ~~بحال من الأحوال إغلاق مدرستي؛ لأني غير واثقة من حسن نية رجال وزارة ~~المعارف، خصوصا الإنجليز منهم، بعد ما تركهم المرحوم المستر دانلوب، ~~وقلت له: إني مع ذلك لا أتأخر عن العمل بالوزارة إذا عينتني مفتشة ~~للتعليم الأولي بالإسكندرية وضواحيها، وفي الحال صدر أمر معاليه بذلك، ~~وأرسلت نشرة إلى المدارس بذلك التعيين، ولم أشأ ترك مدرستي فنقلت كاتب ~~التفتيش إليها، وأخليت له غرفة منها بدون أجر طبعا، وهكذا لم تستطع ~~الوزارة نقلي إلى مقر وظيفتي بالقاهرة، فنقلت الوظيفة إلى منزلي ~~بالإسكندرية. # علمت المدارس الأولية بتعييني، وكانت المعلمات بالطبع يعرفن شدة حرصي ~~على الأخلاق، فأخذن يصلحن من زيهن، ولم أزر المدارس إلا بعد 15 ~~يوما من تعييني لأعطي لهن الوقت الكافي للاستعداد بلبس محتشم، وكنت ~~أعلم أن الكثيرات كن يذهبن إلى ms230 مقر مفتش التعليم الأولي بلبس خارج عن ~~الكمال والحشمة، أما أنا فلم تزرني إحداهن في مقر وظيفتي؛ لأني أظهرت ~~لمن زارتني منهن أول مرة عدم رضائي عن تعطيل أعمال المدارس، وهكذا ~~انقطعن عن زيارة مقر التفتيش، وانصرفن إلى أعمالهن بالمدارس، وزرت ~~المدارس بعد ذلك فلم أجد في لبسهن إلا الحشمة والكمال، وأتذكر أني لم ~~أؤنب واحدة منهن عن خروجها عن الكمال في ملبسها، بل كنت إذا رأيت ~~إحداهن تلبس ما لا أريده، وجهت كلامي إلى زميلتها المحتشمة، فامتدحت ~~حشمتها، وأطريت كمالها، وقلت إن ذلك الكمال قد زادها جمالا وهيبة، ~~فكان ذلك يدفع زميلتها المتبرجة إلى الكمال والحشمة سعيا وراء رضائي، ~~واقتناصا لمدحي وإطرائي، وهكذا انتظم لبس المعلمات دون أخذ ولا رد، ~~وشعر كل أهالي الإسكندرية بذلك التغيير، فاستدعاني المغفور له أبو ~~السعود باشا، وأثنى علي فيما وصلت إليه المعلمات من الكمال في زيهن، ~~وضايق ذلك رؤسائي من رجال وزارة المعارف، فاستمروا في محاربتي ليظفروا ~~بما يريدون. # انتقلت الوزارة في صيف ذلك العام إلى الإسكندرية، وكان أحد كبراء ~~الوزارة معروفا لدى المعلمات بمسلكه وميله إلى المجون واللعب، فأخذ ~~بعضهن يذهب إليه خفية دون علمي، وذهبت يوما فوجدت إحدى معلمات المدارس ~~الأولية وهي جالسة أمام مكتبه، وقد تبرجت تبرجا معيبا مزريا، وما إن ~~دخلت الغرفة حت ارتعدت الفتاة، وارتعد ذلك الكبير أيضا، وقام ليحييني ~~فضغط على يدي، وغمز بعينه يريد أن يلفتني إلى تبرج الفتاة، وإلى أنه ~~غير راض عن ذلك، فنظرت أنا إلى المعلمة، وقلت لها: إن سعادته يضغط على ~~كفي مظهرا عدم رضائه عن زيك، مع أنه كان جالسا يحدثك، فكأنه يا ابنتي ~~يغرر بك، وأنت أيها الرئيس لم تظهر عدم رضائك الآن بعد أن جلست معك ~~مدة؟ أما كان الواجب عليك أن تظهر لها عدم الرضاء ساعة دخولها عليك؛ ~~لترشدها إلى السبيل السوي لا أن تلاينها وتمازحها، وتدعي أمامي أنك غير ~~راض عن تبرجها، وتركت الفتاة الغرفة مسرعة بالخروج، وبقي هو وقد ~~تلجلج فلم يستطع أن يرد جوابا. # ودخلت ms231 على المغفور له أبو السعود باشا، وأمامه ذلك الكبير، ويظهر أنه ~~خجل من فعلته، وأراد أن يداريها فقال لأبي السعود باشا: لقد جاءتني ~~إحدى المعلمات اليوم، وهي متبرجة تبرجا معيبا. قلت: نعم، وهل علمت ~~سعادتك السبب؟ إنها لا تقابلني بهذا الزي مطلقا، ولكنها اختارته ~~لسعادتك؛ لأنها تعلم أنك تموت غراما بمثل ذلك الزي، وترقي صاحباتك، ~~فجاءت لتولعك بها علها ترقى، أما أنا فلا تقابلني إلا كاملة محتشمة ~~لعلمها أن في كمالها ما يحملني على ترقيتها، ولقد كان الأولى بك أن ~~تكتم ذلك عن معالي الوزير، لا أن تذكره أمامه فيعرف ما لا يرضاه. وأقسم ~~أن ذلك الكبير سكت فلم يجبني بشيء والحق يلجم. أما معالي الوزير فابتسم ~~ابتسامة لها كل مغزاها، وخرجت من عند معالي الوزير، وخرج ذلك الكبير ~~معي، وهو يقول : لقد خلقت شاذة، لا أنت بالرجل ولا بالمرأة، وكان ~~الأحرى بك أن تعلمي أن من مستلزمات النساء تزيينهن وإلا عد ذلك خروجا ~~على الطبيعة. قلت: إن الزمن قد تغير يا سيدي، وقد أصبحت المرأة تعمل، ~~وأصبح من مستلزماتها الجد والكمال لتستطيع إتقان عملها، وإلا خسرت ~~الحكومة كثيرا من توظف النساء. # | خديعة # لم يكن الغرض من توظيفي بالإسكندرية أن أعمل، لكنهم أرادوا أن ~~يخدعوني لأترك المدرسة وأعود إلى الوزارة، وكان الغرض الرئيسي في ~~الخديعة هو إغلاق المدرسة، فلما قبلت أن أقوم بالتفتيش بالإسكندرية، ~~وفي نفس مدرستي، أخذوا يحسنون معاملتي لأثق بهم، ثم عينوني بعد ذلك ~~كبيرة مفتشات، وطلبوا مني ترك المدرسة، وتولي عملي بالقاهرة، ولكني مع ~~ذلك رفضت، ولم أقبل ترك مدرستي، وأرسل إلي وكيل الوزارة إذ ذاك حضرة ~~صاحب العزة علي بك عمر يقول لي: إن سعادة الوكيل قد علم أني ضد ~~الإنجليز، فأقسمت له إني لم أكن يوما من الأيام ضدهم، ولم ألتفت إلى ~~السياسة مطلقا. قال: على كل حال فقد علم سعادته أنهم هم على الأقل ~~ضدك، وهم الذين منعوك من العمل، ولما كان سعادته وطنيا صميما كما ~~تعلمين، فهو يريد أن يردك إلى العمل قياما ms232 بواجب الوطنية. قلت: فإذا ~~كان الإنجليز يا سيدي ضدي، وهم أصحاب السلطة والنفوذ هنا، فكيف يستطيع ~~سعادة الوكيل مناوأة قوم أقوياء من أجل فتاة لا يعرفها؟ لم أكن يوما ~~من الأيام خيالية، ولست أصدق أن أحدا في مصر يستطيع قهر الإنجليز، ~~وإني شخصيا لا أريد محاربتهم؛ لأني أعلم أني لا أستطيعها، ولا أدري ~~كيف دفع سعادة الوكيل بنفسه إلى ذلك المأزق الحرج من أجل فتاة لا ~~يعرفها. # فقال لي المرحوم علي بك عمر: إما أن تذهبي معي الآن، أو أن تكتبي ~~لسعادته خطابا. ففضلت الثانية، وكتبت أقول لسعادة الوكيل: إني أشكره ~~على وطنيته التي دفعته للانتصار لي، ولكني في الوقت ذاته أنصح له أن ~~يتركني حيث أنا؛ لأن الإنجليز أصحاب البلاد هنا، وليس من الحكمة أن يقف ~~هو في طريقهم من أجل فتاة لا يعرفها، ومن هي تلك الفتاة حتى يجوز ~~لوكيل وزارة المعارف أن يزعزع مركزه من أجلها ما دامت هي نفسها لا تريد ~~أن تقاوم الإنجليز، بل تريد أن تنفذ رغباتهم ببقائها خارج الوزارة، ~~فجاءني من سعادته خطاب سأنشر صورته بالزنكوغراف في العدد القادم؛ لأن ~~ذلك الخطاب كان أصل بلائي وأول شقائي. ms233