######OpenITI# #META# URI: 1370SalimQabcin.MadhhabTulstuy.Hindawi31618696 #META# Tags: biographies #META# ID: 31618696 #META# Title: مذهب تولستوي #META# AuthorID: 47253636 #META# Author: سليم قبعين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # القسم الأول‏ # 1 - ترجمة حياة الكونت نيكولا يفيتش تولستوي‏ # 2 - زمن صباه‏ # 3 - في سبب صداقته لصديقه ديمتري نيكيليدوف‏ # 4 - معيشة الكونت في قرية ياسنايا بوليانا‏ # 5 - فلسفته وآدابه وآراؤه الدينية‏ # القسم الثاني‏ # 1 - قرار المجمع المقدس أو حرمان تولستوي‏ # 2 - رد على اعتراض تولستوي‏ # 3 - كتاب مكشوف للكونت تولستوي من رجل كان على مذهبه ثم ارتد إلى الكنيسة‏ # 4 - خاتمة الكتاب‏ # مقدمة‏ # القسم الأول‏ # 1 - ترجمة حياة الكونت نيكولا يفيتش تولستوي‏ # 2 - زمن صباه‏ # 3 - في سبب صداقته لصديقه ديمتري نيكيليدوف‏ # 4 - معيشة الكونت في قرية ياسنايا بوليانا‏ # 5 - فلسفته وآدابه وآراؤه الدينية‏ # القسم الثاني‏ # 1 - قرار المجمع المقدس أو حرمان تولستوي‏ # 2 - رد على اعتراض تولستوي‏ # 3 - كتاب مكشوف للكونت تولستوي من رجل كان على مذهبه ثم ارتد إلى الكنيسة‏ # 4 - خاتمة الكتاب‏ # | مذهب تولستوي‏‏ # | مذهب تولستوي‏‏ # تأليف # سليم قبعين # | مقدمة # بسم الله الحي الأزلي # حمدا لمن رقى مدارك الإنسان، ترقية أفضت إلى تقدم العمران، فولد عقله الاكتشافات ~~الجديدة، والاختراعات المفيدة، والعلوم الزاهرة النافعة، والفلسفة الحقيقية الساطعة، ~~فسن النواميس والشرائع، ووضع كل مفيد نافع؛ لكي يرقي الناس قمة الكمال الأثيل، ~~فيبلغوا ميناء سواء السبيل، ويخلعوا عن أعناقهم نير الجهالة الثقيل، فسيقا لمن يدرك ~~الفلسفة الحقيقية ويسير تحت أعلامها، وتعسا لمن يغتر بالسفسطة ويرضخ ~~لأحكامها. # أما بعد؛ فأقول: لقد حدثت في هذين العامين حركة فكرية سرت من أقصى الأرض إلى أقصاها؛ ~~فأحدثت دويا هائلا في جميع أنحاء الغرب فاتصل صداها بالشرق، ولم تزل بين الناس موضوع ~~جدال عنيف، ومنشئ هذه الحركة هو الفيلسوف الشهير والعالم الخطير الكونت ~~تولستوي، # 1 # فإن هذا الرجل العظيم أدهش علماء أوروبا بفلسفته الصائبة وأفكاره الثاقبة ~~فاعترفوا له بسمو المدارك، وأقروا بأنه من أشهر فلاسفة العالم، وأقبلوا على مطالعة كتبه ~~وتعريبها إلى لغاتهم، وراجت مؤلفاته رواجا غريبا، وانتفع منها الناس نفعا أدبيا ~~والكتاب نفعا ماديا، وقد كتب هذا الفيلسوف في مواضيع مختلفة، وتطرق إلى الكتابة في ~~الدين فخالف بها عقائد الكنيسة الأرثوذكسية وخطأها، الأمر ms01 الذي حرك رجال الدين في ~~روسيا عليه، والتأم أعضاء المجمع المقدس الروسي وأصدروا حكما عليه، وحرموه من الكنيسة ~~كصاحب بدعة وضلالة، وكان لذلك الحكم رنة مؤثرة في جميع أنحاء روسيا كادت تفضي إلى شغب ~~داخلي لولا أن تلافت ذلك الحكومة الروسية بالحكمة والتؤدة. # ومعلوم أن الجرائد والمجلات العربية كتبت المقالات الطويلة في هذا الشأن، وكلها ~~عربت أقوال تولستوي عن الجرائد الإفرنسية والإنكليزية، وكان لتلك الأقوال وقع عظيم في ~~نفوس قارئيها. فلما رأيت تلك الحركة العجيبة هزتني خدمة العلم لتأليف هذا الكتاب ~~وتعريبه عن اللغة الروسية، وهو يحتوي على مختصر تاريخ حياة هذا الرجل العظيم، ووصف ~~معيشته وآدابه وفلسفته وآرائه الدينية وردود رجال الدين عليها، وقد عزمت بعون الله على ~~ترجمة كتبه ورواياته خدمة لأبناء اللغة العربية، وشرعت الآن بترجمة رواية «الحب ~~والزواج»، فأرجو من جماعة المتأدبين، وأهل الفطنة والذكاء، أن يغضوا الطرف عما يرونه من ~~الزلل؛ فإن العصمة لله وحده. # ولا بد لي في الختام من تقديم مزيد الشكر لحضرة خادم العلم والأدب إبراهيم أفندي ~~فارس صاحب المكتبة الشرقية في القاهرة؛ لتفضله بطبع هذا الكتاب على نفقته، أدامه الله ~~بدرا ساطعا في سماء المكارم والفضل. # سليم قبعين # الناصري # عن الناصرة في 25 ديسمبر سنة 1901 ~~(الكونت ليون نيكولا يفتش تولستوي) «مستعارة من مجلة المقتطف ~~البهية». # | هوامش # | القسم الأول # الفصل الأول # | ترجمة حياة الكونت نيكولا يفيتش تولستوي # ولد هذا الرجل العظيم والفيلسوف الشهير في 28 أغسطس «آب» سنة 1828م، في قرية ياسنايا ~~بوليانا، من أعمال ولاية تولافي، أملاك والدته التي هي إحدى عائلة فولكون الشهيرة ~~العريقة في الحسب والنسب والإمارة، ولقد توفيت قبل أن يبلغ ولدها هذا العاشرة من عمره، ~~فعهد أمر تربيته إذ ذاك إلى عناية السيدة تاتيانا إحدى قريبات عائلته وربيبتها. # وفي سنة 1837 انتقل والده مع أسرته إلى مدينة موسكو، حيث توفي فيها في نفس السنة، ~~ولما شعر بدنو أجله أقام وصية لأسرته السيدة بوشكوفا التي نزحت بأسرة تولستوي من موسكو ~~إلى كازان عام 1841، وفيها عهدت تثقيف وتعليم ms02 الفيلسوف إلى مهذبات وأساتذة أجانب، وفي ~~سنة 1843 دخل كلية كازان، وانخرط في صف اللغات الشرقية، ولكن دخوله فيها لم يكن عن ~~استعداد كاف لذلك ، ولكنه بذكائه المفرط وحذاقته فاق أترابه، وكان في المدرسة مثال ~~النجاح والنشاط والنباهة والجد والاستقامة، ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره ترك تلك ~~المدرسة التي لم تكن ذات أهمية تذكر في ذلك الحين، ولذلك لم يحصل على فائدة كبرى فيها؛ ~~خصوصا وأن أكثر طلبتها من أبناء الأشراف الفاسدي السيرة المتعودين على البذخ والكسل ~~والتواني في جميع الأعمال، ولذا لم تنغرس المبادي القديمة في نفسه في أيام صباه، وهاك ~~ما قاله فيما بعد عن ذلك: «تفسد أخلاق الشاب في المدرسة؛ لأن جميع رفقائه فسدة الأخلاق، ~~يصحبونه معهم إلى أندية الرجس فيفقد طهارته وعفته وهو لا يدري أن في فعله هذا ما يخالف ~~الآداب والفضيلة. تفسد أخلاق الشاب من أول نشأته؛ لأنه لا يسمع من مرشديه أن الفسوق ~~محرم؛ بل بالعكس يسمع أن صحة الجسم تستلزم بعض الشيء ... وجميع المحيطين به يقولون إن ~~الوقاع شيء طبيعي مفيد للصحة وفكاهة الشباب الحلوة؛ لهذا كله لا يدرك الشاب أنه سائر في ~~طريق الضلال؛ بل يقطع الطريق الطبيعية التي يسير فيها كل صحبه وأفراد الوسط الذي يعيش ~~فيه، فيبدأ بالفحشاء كما يبتدي بشرب المسكر والتدخين ... إلخ.» # قلنا إنه أضاع أيام الصبوة سدى، ولم ينل في ~~صغره تهذيبا جيدا، ولا تعلم العلوم اللازمة لترقية عقله ورفع شأنه، ولكن نفسه الكبيرة ~~كانت تطمح إلى ارتقاء ذروة المجد، فانكب على مطالعة كتب أشهر الفلاسفة وأعظم العلماء، ~~ودرس حالة الهيئة الاجتماعية درسا نظريا مدققا حتى انغرست فيه هذه المبادي، كما ظهر ~~من مؤلفاته التي كتبها بهذا الشأن. # وبعد أن غادر تلك الكلية غير آسف على فراقها، برح كازان وعاد إلى قرية ياسنايا ~~بوليانا مسقط رأسه، واتخذها وطنا له، واستولى إذ ذاك على ما خصه من ميراث أبيه، ومكث ~~في تلك القرية ثماني سنوات متوالية، وكان يذهب بعض الأحيان إلى موسكو وبطرسبرج، فيمكث ~~بضعة أيام، ms03 ويقفل راجعا إلى قريته. # وفي سنة 1851 زاره شقيقه الأكبر نقولا تولستوي الذي كان ضابطا في جيش القوقاس، ومكث ~~عنده مدة إجازته العسكرية، ولما أحب الرجوع إلى فرقته صحبه معه إلى تلك البلاد ~~الفيحاء، فأعجبه فيها جمال مناظرها الطبيعية، واعتلال هوائها، وعذوبة مائها، وخصوبة ~~أرضها، والذي زاده سرورا رفاه عيشة الضباط وجنود القوزاق، فألح عليه شقيقه أن ينتظم ~~في خدمة الجيش بعد أن رأى منه ميلا لذلك؛ فصادف منه قبولا وإقبالا، وانخرط في خدمة ~~الجيش القوقاسي، ومن هذا الوقت ابتدأت تظهر للوجود أفكاره السامية يمليها على الطرس ~~قلمه السيال، فوصف بلاد القوقاس ومعيشة أهلها أحسن وصف على صفحات رواية المهرب ~~«نابيغ»، ولم يكتف بذلك، بل أردفها برواية أخرى لا تقل عنها انسجاما دعاها «القوزاق»، ~~وصفهم فيها وصفا مدققا لم يسبقه إليه كاتب، ثم رواية «الفتوة» والصبوة والشبيبة يصف ~~بها نفسه في جميع أدوارها، وبعد أن شرح وأطال وبين كيف يسير الشاب في طريق الضلال ~~بدون أن يردعه رادع عن غوايته قال: «والغريب أن أمهات كثيرات يعتنين بأمر أولادهن في ~~هذا الطريق رعاية لصحتهم فلا يبقى على الشاب إلا أمر واحد يخشى عاقبته من ارتكاب ~~الموبقات، وهو العدوى من المرض المشهور، غير أن الحكومة التي تهتم بصحة رعاياها لم تدع ~~مجالا للخوف، فإنها بهمة فائقة تعتني اعتناء تاما بالفواجر، والأطباء كهنة أصنام ~~العلم، يراقبون المومسات لقاء أجور يتقاضونها، وهم من جهة أخرى يفتون للشبان بضرورة ~~الجماع ولو في الشهر مرة مراعاة لقانون الصحة، فهم على ذلك يرتبون سير الفحش ترتيبا ~~مدققا، ويضبطون دائرته ضبطا محكما ... إلخ.» # وفي سنة 1853؛ أي في ابتداء الحرب الشرقية نقل صاحب الترجمة إلى صفوف جنود الطونا، ~~حيث انضم إلى فيلق القائد الشهير غورتشاكوف، ثم ضم إلى حامية «سيفاستوبل»، واشترك في ~~معركة سنة 1855، وكذلك شهد ضرب سيفاستوبل من الجنود المتحدة فأظهر بسالة فائقة الحد؛ ~~لأنه كان لا يعبأ بالأهوال المحدقة به، فيلقي نفسه في أشد المخاطر، ويشجع إخوانه الجنود ~~للدفاع عن الوطن بكلام كان يؤثر في نفوسهم تأثيرا ms04 شديدا فيستقتلون في الهجوم. وفي ~~أثناء تلك المعمعة المخيفة والأحوال المضطربة أرسل معتمدا إلى جلالة القيصر نقولا ~~الأول حاملا إليه أوامر سرية مهمة، وفي ذلك الوقت المضطرب وقت الشدائد والأهوال وضع ~~روايته الشهيرة «سيفاستوبل»، ثم أردفها برواية أخرى دعاها روبكاليسا «قطع ~~الغابة». # ولما انتهت تلك الحرب المشومة، ورأى الفيلسوف عاقبتها الوخيمة التي كانت سببا لهرق ~~دماء ألوف من الرجال الأبرياء، وتيتيم الألوف من الأطفال، وجرت بلاء عظيما على ~~البلاد، كل ذلك على رأيه نتيجة أوروبا وفساد المجتمع الإنساني استقال من الخدمة ~~العسكرية، ومن ذلك الحين صار يكره الحرب كرها شديدا، ويعتبرها جريمة يقترفها بنو ~~البشر، وصار يمقت بل يتحامل على كل دولة تفتح حربا على أخرى، ولذلك لما انتشبت الحرب ~~في جنوبي أفريقيا بين الإنكليز والترانسفال استاء استياء شديدا، وتمنى انتصار البوير ~~واندحار الإنكليز؛ لزعمه أنهم معتدون عليهم وراموا سلب أملاكهم وبلادهم، ولكنه لما سافر ~~وفد من البوير إلى أميركا طلب إليه بعض الأميركيين الذين يميلون إلى البوير أن يكتب في ~~إحدى الجرائد الأميركية بضعة أسطر يظهر فيها ميله إلى البوير، علما منهم بأن كلام ~~الفيلسوف يؤثر تأثيرا شديدا في نفوس الأميركيين، فتتحرك حكومتهم وتهب لنصرة البوير؛ ~~فأجاب على ذلك بقوله: لا أتمنى لوفد البوير الفوز في أميركا؛ لأن فوزهم يتوقف على ~~مداخلة الأميركان، ومداخلتهم تفضي إلى انتشاب الحرب بينهم وبين الإنكليز وأنا لا أريد ~~ذلك، فإني إن فعلت أكون داعيا إلى الحرب التي تمقتها نفسي وأدعو الناس إلى تركها ~~والتزام جانب الوئام والسلام، وهذا الكلام يطابق قول الشاعر العربي: # إذا استشفيت من داء بداء # فأقتل ما أعلك ما شفاكا # وعلى أثر استقالته اعتزل أشغال الحكومة، وأقام عدة أعوام قضاها في موسكو وبطرسبرج، ~~وبين عام 1855 و1861 كتب الروايات الآتية: «دفاغوسارا» (الضابطان) وألبرت وليوتسرن ~~وسعادة العائلة وبوليكوشكا، وفي عام 1861 جال في بعض أنحاء أوروبا، وعند عودته عاد ~~فاستوطن قرية ياسنايا بوليانا، وجرد نفسه لخدمة الشعب داعيا إلى حب السلام والخير ~~والفضيلة، فكان إذا وقع خلاف بين الفلاحين يحسمه بآرائه ms05 الثاقبة ويعيد السلام إليهم، ~~وبذلك يمنعهم عن رفع قضاياهم إلى الحكومة التي - هي بنظره - تظلم الأهالي بأعمالها ~~الحالية المجحفة بحقوقهم إجحافا ظاهرا لا يخفى على أولئك المساكين الذين لا يمكنهم ~~الضغط أو الخوف من التصريح بتلك المظالم الفادحة. ثم أنشأ الفيلسوف في هذه القرية مدرسة ~~وطنية كان ينفق عليها من جيبه الخاص، ويعلم بنفسه أولاد الفلاحين، ويبث فيهم روحا ~~جديدا؛ فاشتهرت تلك المدرسة شهرة زائدة دوى صداها في جميع أنحاء روسيا، فصار يتقاطر ~~إليها كثيرون من شبان بطرسبرج المتخرجين في كلياتها؛ ليتلقوا العلوم فيها مجانا تحت ~~مراقبة وإرشاد الفيلسوف، وإنما كانوا يفعلون ذلك ليقتبسوا من معارفه العالية، ويغترفوا ~~من بحار فلسفته ينبوعا صافيا خاليا من شوائب الأكدار، وينضموا تحت لوائه الذي هو - ~~ولا ريب - لواء العلم والفلسفة الحقيقية التي لا يستطيعون الحصول عليها في تلك الكليات ~~بين ذلك الوسط المضطرب الفاسد، ثم أصدر مجلة تهذيبية دعاها باسم تلك القرية المحبوبة، ~~وشرع ينشر فيها المقالات الأدبية والتهذيبية بقصد تقويم أخلاق الأهالي والأولاد، ثم أخذ ~~يدرب تلامذته وينشطهم على كتابة القصص الصغيرة، وينشرها لهم في المجلة. # وفي عام 1862 اقترن الكونت بكريمة الدكتور بيرس صوفيا، وبعد زواجه صار يسكن تارة في ~~موسكو وطورا في القرية منتقلا بينهما، وفي أواخر السنة الستين كتب روايته الشهيرة ~~«الحرب والسلام» جاعلا مدار الكلام فيها على عيشة الطبقة العليا الفاسدة وحرب سنة ~~1812، وفي السنة السبعين كتب رواية «حنه كارينينا»، وقد ذاع ذكر هاتين الروايتين في ~~عموم أوروبا، وأكسبتا الفيلسوف شهرة عظيمة، حتى إنهما عربتا إلى أكثر اللغات الأجنبية ~~بسرعة أشبه بسرعة البرق، وصادفتا رواجا عظيما حتى أعيد طبعهما مرارا بالنظر لما ~~حوتاه من الوصف المدقق والأفكار السامية التي يعجز عن وصفها أبرع كتاب العالم، وبناء ~~على ذلك عظمت منزلة الفيلسوف العلمية عند جميع علماء أوروبا، واتفق العالم أجمع على أنه ~~أحذق كاتب في الوصف الحقيقي، ولتأثر كتابته في نفس قارئيها في عصرنا الحالي. # وفي عام 1882 كتب في مجلة «ديتسكي أوتضيخ» (راحة الأولاد) روايته البديعة «بما يحيا ms06 ~~الناس»، ثم وضع عدة كتب تهذيبية ليطالعها الشعب الروسي الذي هو بأشد احتياج إليها، ~~وللآن لم يزل يؤلف الكتاب بعد الآخر، وهذه رواياته العديدة كالبعث أو القيامة، وأين ~~المخرج، والحب والزواج وغيرها، أكبر شاهد على سعة اطلاعه وسمو مداركه، وكفانا شاهدا ~~عدلا أنها تترجم إلى أكثر اللغات الأجنبية في نفس اليوم الذي تظهر فيه باللغة الروسية. ~~ومؤلفاته هذه مختلفة المواضيع والمباحث؛ فإنه يكتب في الدين، والتهذيب، والأدب، والنفس، ~~وهو بنفسه يحرث الأرض، ويشتغل سحابة نهاره وبعض ليله بدون كلل ولا ملل، وقد وزع أخيرا ~~أملاكه الواسعة على فلاحيه بالسواء، تاركا لنفسه وأولاده بعض الأراضي التي يكفي ريعها ~~لسد نفقاتهم باقتصاد. # إن الفيلسوف تولستوي يمتاز عن جميع كتاب الأرض بأمر واحد، هو وصف الأشخاص والأشياء ~~وصفا يطابق حالتها تمام المطابقة، فإذا وصف فلاحا، أو عجوزا، أو متسولا رث الثياب، ~~أو ملكا، أو وزيرا، أو قائدا، أو أحدا من طبقة الأشراف أو الأغنياء أو إحدى ~~العقائل، فإنه يأتي على وصف صفاتهم وحالتهم وأفكارهم الحقيقية وسكناتهم وحركاتهم بما ~~يخلب الألباب ويأخذ بمجامع القلوب، فيتخيل للقارئ أنه يرى الشخص أو الشيء الموصوف أمامه ~~كما هو تماما، والقارئ أيضا يرى أنه يعرف تلك الأوصاف ويشاهدها كل يوم، ولكنه لا ~~يستطيع أن يجمعها كلها أو يوردها مترادفة كما يوردها الفيلسوف الذي هو بهذا المعنى ~~كمصور بارع يصور الأشخاص تصويرا حقيقيا، لا يدع مجالا لمنتقد، وإنما تولستوي ~~يزيد على ذلك بتصويره حالة نفس الإنسان الداخلية وشعوره، فكأن نظره أشعة رنتجن تخرق ~~أعماق القلوب فتكشف مخبآتها، يورد ذلك بكلام بسيط لا يحتاج إلى تغيير زائد أو تأويل، ~~وهو لا يخوض عباب موضوع إلا بعد أن يدرسه درسا نظريا مدققا، ولا يكتفي بالظن أو ~~السمع أو الإشارة، وكل تآليفه يقصد بوضعها خير الناس وإرشادهم سواء السبيل، وهي من هذا ~~القبيل تطابق تعليم السيد المسيح السامية، ولقد حصر صفات الإنسان القبيحة فإذا هي كما ~~يأتي: العديم القلب، القساوة، الأنانية، الكذب، قلة الأدب، الاختلاق، البلادة، العظمة ~~أو الكبرياء. والصفات الحسنة هي: ms07 البساطة، طهارة القلب، عدم الاعتماد على الغير، ذو ~~شعور وإحساس، محبة الناس، التنازل، التواضع، رقة الجانب، البشاشة، الرحمة. # ولذلك نرى الفيلسوف في جميع تآليفه يورد أمثلة من وسط رجال ونساء الطبقة العالية ~~الذين لم ينغمسوا في الشهوات ولا تهوروا في البذخ والعيشة المعيبة والقصف والتهتك، ~~وكذلك يورد أمثلة من وسط الجنود والفلاحين والشعب البسيط الذي يفضله تولستوي على طبقة ~~الروسيين العلياء الفاسدة، ويمثل بهذا الشعب قوة روسيا الغير الممسوسة، أو بعبارة أخرى: ~~التي لم يطرأ عليها الفساد. # أما المواضيع التي بحث فيها هذا الفيلسوف العظيم في تآليفه فهي مختلفة المباني ~~والمغازي، ويمكن حصرها في أربعة أقسام: # أولا: # بحث بحثا مفصلا مدققا في عيشة الطبقة العلياء الروسية، وهذا ~~الموضوع لم يسبقه إليه كاتب لا روسي ولا خلافه، وفي هذا الباب يبحث عن ~~آداب وتمدن الشبان الروسيين الأغنياء والأمكنة التي يستهلكون الوقت ~~فيها وعن حالة نفسهم، ثم يبحث في تمدن النساء الفاسد وأوصافهن مع ~~أبنائهن وبناتهن، ويورد عنهن روايات مختلفة حقيقية، ثم يبحث في ~~حالة المعيشة العيلية. # ثانيا: # أن يصور بمهارة زائدة جميع أدوار الحياة وأفراحها وأتراحها، وهو يغار ~~غيرة شديدة على حفظ الرباط العائلي ورباط الزوجين طاهرا من الدنس ~~بعيدا عن الفساد، وكذلك يدعو الناس إلى تربية الأولاد التي ينبغي أن ~~يشترك بها الوالدان، وينصح للأمهات أن يرتبطن بأولادهن ارتباطا متينا ~~لا تحل عراه الليالي الراقصة والاجتماعات البيتية والألعاب الغير ~~لائقة للنساء؛ لأن الرباط العائلي إذا كان خاليا من المحبة، ومؤسسا ~~على المظاهرات الخارجية فقط يكون كالبيت المؤسس على الرمل الذي يهدم ~~بسرعة، ويجر وراءه الويل والخراب. # ثالثا: # أن تولستوي هو الوحيد بين الكتاب الروسيين الذي وصف فساد المعيشة ~~الجندية، من أعظم قائد إلى أحقر جندي، ووصف الحرب وعدد أضرارها ~~الكثيرة وشرورها العظيمة التي تجلبها لجسم المجتمع الإنساني، وقد قال ~~عن ذلك - إن الحرب تقطف زهرة حياة الشبان، وتخفي نور السرور، وطيب ~~العيش من بينهم، وبطرقه هذا الباب فتح بابا جديدا كان مقفلا ليس ~~لكتاب الروس فقط، بل لجميع كتاب أوروبا. ms08 # رابعا: # إن الفيلسوف أعدل كاتب روسي وصف حالة الفلاح الروسي المستقبل وحالة ~~الفلاحين المستعبدين للأشراف استعباد الرقيق، وبوصفه هذا وقوة براهينه ~~أفهم العالم طرا بأن هذا الشعب البسيط الذي يعتبره العالم إبان السلم ~~شعبا خشنا متوحشا يظهر في وقت الحرب معدن خير وشجاعة وشهامة وصبر، ~~ولذلك لا يسوغ للمتمدنين أن يحتقروا الشعب المتحلي بهذه الصفات في وقت ~~السلام. آه ... # قال الكاتب الذي نقلنا عنه ترجمة حياة هذا الفيلسوف: إن كل روسي يجري في عروقه الدم ~~السلافي يفتخر بالكونت تولستوي الذي أولى روسيا فخرا عظيما، وأظهر لأوروبا أن في ~~روسيا قوة مدفونة حان زمان إخراجها، وأنها ستفوق قوات أوروبا العقلية جمعاء. # الفصل الثاني # | زمن صباه # قال الفيلسوف: لله ما أحسن أيام الصبا التي لا تعود! وما أحلى ذكراها في فمي وأطربها ~~على فؤادي! فإنها تنعش صدري، وترفع نفسي، وهي ألذ ذكرى عندي؛ لأنها تذكرني بما مر ~~في زمن الصبا من أويقات الأنس والصفاء، فقد كنت أقضي سحابة نهاري باللعب حتى يجيش دمي ~~فأدخل مساء غرفة الطعام، وأجلس على مقعدي الخاص أمام المائدة، وأتناول قدحا من اللبن ~~اللذيذ المحلى بالسكر، وبعد ذلك يسطو علي النعاس فيثقل جفناي في وقت أفضل فيه ~~البقاء في مكاني على براحه؛ لكي أتمتع بالإصغاء للحديث، وكيف لا أصغي لحديث والدتي مع ~~الآخرين؛ فإن صوتها الرخيم وكلامها العذب كانا يخرقان أعماق قلبي ويرتسمان فيه كأنهما ~~من نار، ولكن عيني كانتا تزيدان ثقلا، وسلطان النوم يسطو علي فأتفرس بوالدتي ~~فأراها تصغر كثيرا حتى يصبح وجهها بنظري بقدر الذر، ولكنه مع ذلك واضح لي تمام ~~الوضوح، ويظهر لي أنها تنظر إلي مبتسمة فأطرب جدا بمرآها على تلك الصورة، فأحدق ~~بعيني وأشدهما لأتمكن من رؤيتها أكبر مما هي ظاهرة لي، ولكنها لا تبلغ في نظري حجم ~~أولئك الصبيان الذين نراهم في إنسان العين. # ثم أنهض من مكاني وأضطجع على الكرسي الهزاز الكبير فتقول لي أمي: إنك تنام على الكرسي ~~ويضرك البرد، وخير لك أن تذهب إلى غرفة منامك في الطابق الأعلى. ms09 فأجيبها أني لا أريد أن ~~أنام، غير أن نوم الصبا الصحيح كان يثقل جفوني فأنام نوما هنيئا هادئا، ولا أستيقظ ~~إلا عندما توقظني، فأشعر إبان نومي بأن يدا ناعمة لطيفة تطوق عنقي، وبمجرد لمسها ~~لي كنت أعرفها حالا وأجذبها إلي وألصقها بفمي وأقبلها قبلات حارة متعددة؛ فتخاطبني ~~بصوتها الحنون قائلة: انهض يا روحي، قد حان وقت النوم. أما أنا فكنت أتناوم غير خائف ~~كدرها، وإنما أفعل ذلك قصدا؛ لتزيد في مداعبتي وملاطفتي فلا أفوه ببنت شفة، ولا أبدي ~~حركة؛ بل أقبل يدها مرارا وتكرارا، فتقول: انهض يا ملاكي، قم يا عمادي، استيقظ يا ~~مهجة فؤادي وقرة عيني. ثم تدغدغني بيدها الأخرى، فتتنبه أعصابي، وأنهض مدفوعا فأرى أمي ~~جالسة أمامي، فأطوق عنقها بيدي، وأضع رأسها على صدري، وأتنفس الصعداء، وأقول: آه كم ~~أني أحبك يا أماه! فتتبسم ابتسامة تشف عن حب عظيم، ثم تجذب رأسي إليها، وتقبل ~~جبيني، وتنهضني على حجرها، وتقول لي: إذن أنت تحبني يا ليون، فداوم على حبك، ولا ~~تنسني أبدا، وإذا جاءك يوم لم تجد فيه أمك فلا تنسها؛ بل ابق على حبها كما لو ~~كانت أمامك. ثم تكرر تقبيلي فتتهيج حواسي وأذرف دمعا سخينا، وأقابلها بالقبلات ~~الحارة، وبعد ذلك أصعد إلى الطابق الأعلى، وأدخل غرفة النوم، وأقف أمام الأيقونات، ~~وأصلي صلاة وجيزة أختمها بالدعاء بطول بقاء والدي، ولا أجد أعذب من تلك الألفاظ ~~لفؤادي، وهي عندما كنت أقول: ارحم يا الله أبي وأمي، وحين تلاوة تلك الصلاة كنت أشعر ~~بسعادة عظمى؛ ذلك لأني أمزج محبة والدي بمحبة الله الحي. # وبعد الصلاة أتوسد الفراش فتهجم علي الأفكار والهواجس، فتطرد بعضها بعضا، وكلها ~~ملآنة بحب طاهر وآمال عظيمة بالسعادة النيرة المستقبلة، فيمر في مخيلتي ذكر أستاذي ~~كارلوس وما حل به من المصائب؛ فأتألم من ذلك كثيرا، فأسأل الله القادر على كل شيء أن ~~يخفف مصابه، وأن يمكنني من مساعدته لأقدم له كل ما في استطاعتي تقديمه. ثم تنتقل أفكاري ~~فجأة إلى ألعوباتي وكلبي الأمين الذي كنت أحبه، فترتاح ms10 نفسي لذلك، ولا يعود يهمني إلا ~~أن يكون الجو في اليوم التالي جميلا لأتمكن من الخروج إلى النزهة، ثم أتحول إلى ~~جانبي الآخر فتمتزج تلك الهواجس والأفكار فأنام نوما هنيئا لذيذا ، ووجهي رطب بدموع ~~السرور والابتهاج، فهل يا ترى تعود إلي هذه الوجدانات الرقيقة وعواطف المحبة العامة ~~الشديدة، وقوة الإيمان والرجاء الزائد التي كنت حائزا عليها في أيام صغري؟ وأي شيء ~~يتمنى الإنسان خيرا من أن تجتمع فيه صفتان جيدتان؛ سرور دائم طاهر، وحب زائد للجميع، ~~وتكون هاتان الصفتان ملازمتين له في جميع أدوار حياته، ومحركتين له على فعل الخير ~~والصلاح والأعمال الحسنة المرضية. أين تلك الصلاة الحارة؟ وأين تلك المواهب الثمينة، ~~وتلك الدموع الطاهرة؛ دموع الالتماس والآمال؟ لقد هبط ملاك التعزية ومسح تلك الدموع ~~ببشاشة وهشاشة. فهل الحياة ألقت على عاتقي حملا ثقيلا من متاعبها، ونزعت عني تلك ~~الدموع والأفراح، ولم تبق لي سوى ذكرها ...؟ # ومما قاله ذاكرا زمن فتوته: أيصدقني الناس لو علموا الأفكار التي كانت موضوع ~~تأملاتي الدائمة في أيام فتوتي، ذلك لأنها غير مطابقة لسني وحالتي، وعلى رأيي أن عدم ~~المطابقة بين حالة الإنسان وأعماله الفكرية الأدبية هي برهان واضح للحقيقة، وإني قد ~~انفردت سنة كاملة كنت أسعى في أثنائها لحل بعض مسائل عويصة ظهرت في فكري، ولم أتمكن من ~~كشف النقاب عن محياها بالنظر لصغر سني، وهي: ماهية الإنسان، وحياته المستقبلة، وخلود ~~النفس، ومع هذا فإن عقلي القاصر في ذلك الحين كان يلتهب لإيضاح هذه المسائل التي تعد ~~بعرفي خطوة شاسعة؛ ليستطيع أن يدركها عقل الفتى الذي لم يتح له السن حل معماها أو ~~إيضاحه. # ويظهر لي أن العقل البشري يترقى في كل شخص بمفرده بحسب الطريقة التي يسير عليها في ~~التثقيف، وأن الأفكار التي تشتغل لتكون أساسا للأعمال الفلسفية ليست إلا قسما متحدا ~~مع العقل، فهما من هذا القبيل رضيعا لبان، وأن كل إنسان يشعر بها، ويميل إليها قبل أن ~~يدرس الفلسفة، ولقد تمثلت هذه الأفكار في عقلي تمثلا واضحا، حتى إنني عزمت على ms11 أن ~~أتخذها طريقة أسير عليها في جميع أدوار حياتي، وكنت أتوهم في نفسي بأني أول مكتشف لهذه ~~الحقائق العظيمة النافعة، ومرة خطر على بالي فكر، وهو أن السعادة لا تتوقف على الأسباب ~~الطارئة الخارجية؛ بل على علاقاتنا بتلك الأسباب ونسبتنا إليها، وأن الإنسان الذي ~~تعود خوض المنايا واحتمال المشقات والمصاعب، لا يمكن أن يكون تعيسا، أو يشعر ~~بالتعاسة، وأنا لكي أعود ذاتي على التعب كنت أحمل بيدي الممدودتين مدة خمس دقائق ~~قاموسا غير مبال بالألم الشديد. # وذات يوم ورد على فكري فجأة بأن الموت ينتظرني في كل ساعة وكل دقيقة، وقد حتمت دون أن ~~أدرك تلك الحقيقة التي لم يدركها الناس السالفون بأن خير واسطة لسعادة الإنسان هي أن ~~يتمتع، وينتفع بالحاضر، ولا يفتكر بالمستقبل، فأثر في نفسي هذا الفكر تأثيرا شديدا، ~~حتى إنني خضعت له، وتركت الدرس ثلاثة أيام متوالية، واضطجعت على سريري، وتفكهت ~~بمطالعة الروايات، وتنعمت بألذ المأكولات وأشهاها. # ومرة وقفت أمام اللوح الكبير الأسود في غرفة التدريس، وجعلت أرسم عليها بالتباشير ~~صورا مختلفة غير مرتبة، فخطر لي فجأة معنى وهو لما يسر النظر بالترتيب والانتساق، ~~وسألت نفسي ما هو الانتساق؟ وعلى أي شيء مؤسس؟ وهل كل شيء في هذه الحياة منتسق الوضع؟ ~~فقلت: كلا هذا غير ممكن، ثم رسمت على اللوح صورة فرضت بأنها الحياة، وقلت: إن النفس ~~تذهب بعد الحياة إلى الأبدية، فمددت خطا طويلا من الصورة حتى إلى آخر اللوح، ورسمت في ~~آخر الخط صورة وفرضت بأنها الأبدية، ثم سألت نفسي: لماذا لا يوجد خط آخر من جهة صورة ~~الحياة المقابلة؟ وكيف لا يمكن أن تكون الأبدية من جهة واحدة فقط ... فلا ريب بأننا ~~وجدنا قبل هذه الحياة، ولكننا قد نسينا وجودنا ولم نعد نتذكره؟ # إن هذا الفكر ظهر لي بأنه جديد، لكنه واضح لا يحتاج إلى برهان، ثم أخذت دفترا وعزمت ~~أن أكتبه فيه كي لا أنساه غير أن الأفكار العديدة تجمعت في تلك الآونة في رأسي، وحالت ~~دون ذلك، ولم أجد وسيلة لطردها ms12 سوى أني نهضت من مكاني، وشرعت أتخطر في الغرفة ذهابا ~~وإيابا، ثم أبصرت فرسا فجعلت أفتكر أين تذهب روحها بعد موتها؛ أإلى إنسان أم حيوان؟ ~~وبينما كنت أجهد أفكاري لحل هذا السؤال دخل علي أخي، فلاحظ أنني أفتكر بأمر ذي بال ~~فابتسم، وابتسامته هذه وضعت حدا لأفكاري، وأفهمتني بأن كل ما أفتكر به ما هو إلا ~~خرافات باطلة. # وإني لم أتمسك بمعتقدات الفلاسفة القائلين بوجود الصور والأجسام؛ لأنني أعتقد أنه لا ~~يوجد أحد أو شيء غيري في هذا العالم، وأن الأشياء ليست بأشياء، وأن الأجسام والصور تظهر ~~لي عندما أشاهدها أو أوجه إليها التفاتي، وأنه عندما لا أفتكر بها أو لا أشاهدها ~~تختفي عني حالا، ومجمل القول: إني وافقت مذهب سيللنغ القائل بعدم وجود الأجسام ~~والأشياء، بل توجد نسبتنا إليها وعلاقتنا بها. # إن الأفكار الجديدة تتولد بواسطة مقدرة الإنسان من المعرفة أو الإدراك على ضبط حالة ~~النفس بوقت محدود، ثم استعمالها عند الاقتضاء، ولا يخفى أن ميلي إلى الأفكار الجديدة ~~رقى إدراكي ترقية غير طبيعية، وآل بي إلى أنه عندما أشرع أفتكر بالشيء البسيط كنت ~~أسقط في لجة أفكار مختلفة يصعب علي الخروج منها، ولا أعود أستطيع أن أحصر أفكاري بذلك ~~الشيء الذي يشغل فكري؛ بل كنت أفتكر بماذا أفتكر، فأسأل نفسي: بم أفتكر؟ فأجيب: أفتكر ~~بما أفتكر. وبماذا أفتكر يا ترى الآن؟ إني أفتكر بالشيء الذي أفتكر به؛ لأن الإدراك ~~الآن قد وافى العقل ... وفوق ذلك فإن اكتشافاتي الجديدة قادتني إلى محبة ذاتي، فقد جعلت ~~أتصور بنفسي رجلا عظيما قد اكتشفت لخير الإنسانية أجمعها حقائق جديدة، فأفضل ذاتي ~~على جميع العلماء المتقدمين الذين لم يفيدوا العالم بشيء، ولكن يا للعجب والدهشة؛ فإني ~~عندما كنت أقابل نفسي بواحد منهم كنت أجزع خوفا من ذلك، وبمقدار ما كنت أعلي منزلتي ~~لذاتي لم أستطع في تلك المقابلة أن أرفعها ولو قليلا بالنسبة إلى الغير، حتى إني لم ~~أتمكن من أن أضبط نفسي عن الخوف والخجل لدى كل حركة تبدو مني أو لفظة ms13 أتفوه ~~بها. # الفصل الثالث # | في سبب صداقته لصديقه ديمتري نيكيليدوف # قال الفيلسوف: دخلت ذات يوم غرفة أخي فوجدته مضطجعا على المقعد يطالع رواية إفرنسية، ~~فرفع رأسه ليرى الداخل، ولما أبصرني رجع إلى حالته الأولى، واستمر على المطالعة دون أن ~~يكلمني، فأخذت كرسيا وجلست حذاء المنضدة، وبعد برهة سألته هل يريد البقاء في البيت أم ~~يروم الخروج للنزهة مع أصحابه؟ فأحدق بي مليا بدون أن يجاوبني، فاستدللت من ذلك أنه ~~لا يرغب الكلام معي. فأخذت كتابا وشرعت أطالعه، ولبثنا برهة غير يسيرة لا يكلم أحدنا ~~الآخر، فاستكبرت الأمر وقلت في نفسي: مر علينا يومان لم ير أحدنا الآخر فيهما، والآن ~~لدى اجتماعنا لا يريد أن يكلمني! إن هذا مما يقضي بالأسف والعجب، وفي أثناء ذلك دخل ~~علينا صديقا أخي دوبكدف وديمتري نيكليدوف، وسلما عليه بشوق، ولم يكترثا بي لأني أصغر ~~منهما، ثم أخذوا يتحادثون عن أمور مختلفة. # أما أنا فلبثت في مكاني ولم أبد أقل حركة كأني غير موجود بينهم، وفي أثناء الحديث ~~قال صديقا أخي له: هلم بنا نذهب هذه الليلة إلى التياترو؛ لأننا قرأنا في الجرائد ~~إعلانا عن رواية بديعة المثال لم يسبق تمثيلها قبل الآن. فأجابهما: لا أستطيع ذلك ~~بالنظر لعدم استعدادي للخروج. فاشتد بينهما الحديث حتى اتصل إلى جدال عنيف وتعنيف مخيف، ~~حتى قال ديمتري لأخي: إنك تحب ذاتك محبة شديدة، والأنانية صفة قبيحة لا يليق بالشاب ~~الأديب أن يتصف بها! فأنكر أخي عليه ذلك، وقال: إنك تنسب إلي هذه التهمة ظلما وأنا ~~بريء منها! فتداخلت أنا في الموضوع وسألتهم جميعا ما هو حب الذات؟ أو ما هي الأنانية؟ ~~فأطرقوا كلهم مليا، ثم عرفها كل منهم تعريفا لا يطابق الحقيقة. فقلت لهم: إن ~~تعريفكم غير صحيح، وما كنت أنتظر صدوره عنكم أنتم الذين تعلمتم العلم الصحيح، وتخرجتم ~~في أشهر المدارس العالية «كليات». فتفرس في ديمتري وقال لي متهكما بي: عرف لنا حب ~~الذات أيها الفيلسوف الشهير. فخفق فؤادي سرورا؛ لأني علمت أنها أحسن فرصة أتيحت لي ~~لأبرهن ms14 لهم بأني لست أقل منهم إدراكا، فقلت: إن حب الذات هو أن يثق الإنسان بنفسه بأنه ~~أحسن وأعقل جميع الناس. فقال نيكليدوف: إن تعريفك هذا لا يوافق عليه أحد أبدا. فأجبته : ~~لا يهمني إن كان أحد يوافقني أم لا، وإنما أؤكد لك أني أعتقد بنفسي بأني أعقل كل الناس ~~وأحسنهم، وأعتقد أيضا بأنك نفسك تعتقد مثل هذا الاعتقاد. فقال نيكليدوف: كلا، إني لا ~~أعتقد بنفسي كذلك أبدا، وإني أعرف كثيرين هم أسمى مني، وأعترف لهم بسمو العقل والإدراك ~~عني. فأجبته: ذلك مستحيل، ولا يمكن أن يكون أبدا أبدا؛ فازداد في تفرسا، وقال: هل ~~عن جد تقول هذا الكلام؟ فأجبته: نعم، ثم نعم. وإذ ذاك حضرني خاطر فقلت له: وإني أبرهن ~~لك على ذلك برهانا لا تقدر على دحضه وهو: لماذا يحب كل واحد منا نفسه أكثر من الآخرين؟ ~~... ذلك لأنه يحسب نفسه أحسن منهم، وأنه أهل للمحبة أكثر منهم، ولو أننا نجد غيرنا أحسن ~~منا لكنا لا محالة أحببناهم أكثر من أنفسنا، وذلك مستحيل ورابع المستحيلات، فافتكر ~~جيدا وتأمل كلامي تجد أني محق كل الحق في ما قلته. فصمت نيكليدوف هنيهة يفتكر، ولما ~~لم يستطع أن يعترض على رأيي رفع رأسه وابتسم ابتسامة تشف عن طهارة وصداقة، وقال: ما كنت ~~أظنك مدركا بهذا المقدار! فشعرت إذ ذاك بأن أجنحة السعادة ترفرف فوق فؤادي. # ولا يخفى أن للمدح والثناء قوة شديدة تؤثر تأثيرا عظيما في عقل الإنسان، والدليل ~~على ذلك أنني شعرت من نفسي بأنني أصبحت أكبر وأعظم وأعقل مما كنت كثيرا، وهذا الشعور ~~ولد برأسي أفكارا ومعاني جديدة. # ثم اتصلت ونيكليدوف من حب الذات إلى المحبة الحقيقية، وبقطع النظر من أن حديثنا يظهر ~~للقارئ تافها أو بدون معنى، فقد كان له عندنا أهمية عظمى، فإن نفسينا اتفقتا اتفاقا ~~واحدا كأنهما في جسد واحد، بحيث لو ضرب أحدنا على أوتار نفس الآخر لرأى أن الرنة تؤثر ~~تأثيرا بينا في نفسه فتبدي نغمة واحدة، ولقد شعر كلانا بسرور عظم لاتفاق عواطفنا ~~وشعورنا ms15 أيضا بأنه ينقصنا وقت ليظهر فيه الواحد للآخر ما يخالج كلا ضميره. # ومن ذلك العهد تمكنت عرى الصداقة بيننا، فكنا ننفرد أحيانا كثيرة في غرفتي نتطارح ~~الحديث، ونتكلم عن معيشتنا المستقبلة ، وخدمة الحكومة، والزواج، وتربية الأولاد، وما ~~شابه ذلك، ولكن لم يكن يخطر ببالنا ولا مرة واحدة بأن كلامنا ما كان إلا حديث خرافة؛ ~~ذلك لأننا كنا نجد فيه طلاوة جديدة تطرب حواسنا بسماعها؛ لأن الصغير يقتنع في نفسه ~~ويعتقد في عقله اعتقادا ساميا. # ومعلوم أن جميع قوى نفس الشاب تكون موجهة بجملتها إلى المستقبل الذي يولد في رأسه ~~أفكارا مختلفة لذيذة، وهي لا تكون مبنية على اختبار المعيشة الماضية؛ بل على أمل عظيم ~~بإمكان الحصول على سعادة عظمى في المستقبل، وهذا الأمل الوطيد في النفس يؤلف أو يكون ~~سعادة الشاب الحقيقية. # وعندما ابتدأ الناس يحتفلون بموسم الرفاع «كرنفال» انهمك صديقي نيكليدوف في السرور ~~والابتهاج، وزارنا عدة مرار، ولكنه لم يلتفت إلي، ولم يحادثني البتة؛ فاستكبرت الأمر، ~~وحسبت ذلك إهانة لي، وحكمت بأنه متشامخ غير أهل للصداقة، فجعلت أترقب فرصة لأعلمه بها ~~بأني ما عدت أهتم بصداقته فأقطع معه كل علاقة. # فلما زارنا أول مرة بعد انقضاء الرفاع تقدم إلي على قصد محادثتي، فقابلته بعبوسة ~~وقلت له: ليس لي وقت للحديث لأني مضطر لاحضار دروسي. ثم تركته وصعدت إلى الدور العلوي، ~~وانزويت في غرفتي، ولكن بعد ربع ساعة فتح باب غرفتي ودخل علي نيكليدوف، وقال: هل ~~يكدرك حضوري؟ فأجبته بعامل خفي: كلا. مع أني قصدت عمدا ألا أقبله، ثم قال لي: لم ~~تركتني وحدي يا عزيزي؟ أليس لأنه مضى علينا بضعة أيام لم نجتمع ولم نتحادث سوية؟ أفلا ~~تدري أني قد اعتدت ذلك وأشعر عند عدم محادثتك كأنه ينقصني شيء؟ # فسرى عني حالا ما كنت به، وذهبت من نفسي تلك الشكوك، وظهر لي ديمتري كما كان يظهر من ~~ذي قبل بأنه شاب لطيف، فأجبته: أنت تعلم لماذا تركتك. فقال: يحتمل ذلك، ولكنني لو عرفت ~~السبب فلا أصرح به؛ لأني أفضل ms16 أن أسمعه منك. فقلت: إني أصرح لك بالسبب وهو: تركتك ~~لأني كنت غضبانا عليك، ولا أقول غضبانا بل منفعلا منك، ثم إني كنت أظن دائما أنك ~~تزدري بي بالنظر لحداثتي بالنسبة إليك. فألقى علي نظرة تشف عن حب طاهر شديد، وقال: ~~أتعلم لماذا تعلقت بك وأحببتك أكثر من كل معارفي؟ ذلك لأنك متصف بصفة تفردت بها عن ~~سواك، وهي الإخلاص والاعتراف بكل شيء. # فأجبته: أجل، إنني أعترف دائما بكل أمر حتى ولو كان معيبا، وإنما أعترف فقط لمن ~~أثق بصداقته وولائه. # فقال: إن كلامك عين الصواب، فإنه لكي تثق بشخص ما ينبغي أن تكون مخلصا له إخلاصا ~~حقيقيا، أولسنا صديقين يا ليون؟ أفما تكلمنا عن شروط الصداقة وماهيتها، وقد اتفقنا ~~على أن نكون صديقين حقيقين، وأننا نثق ببعضنا كل الوثوق؟ وها إننا نتعاهد من الآن ~~فصاعدا على أن نعترف بكل شيء لبعضنا، وبهذه الوسيلة نتمكن من درس أخلاق بعضنا، ولا ~~نعود نخجل من شيء، ولكي لا نخشى فساد الغير نتعاهد أيضا ألا يتكلم أحدنا عن الآخر في ~~أي مكان وجد. قال كار: إنه يوجد لكل اتحاد طرفان؛ الواحد يحب والآخر يرشح ذاته للمحبة، ~~الواحد يقبل والآخر يقدم وجنته للتقبيل، وهذا عدل لا ريب فيه، وفي صداقتنا كنت أنا ~~أقبل وديمتري يقدم لي وجنته لأقبلها، وهو أيضا كان مستعدا لتقبيلي؛ لأن حبنا كان ~~متساويا متبادلا. ~~••• # إن صداقة نيكليدوف كشفت لي دورا جديدا للحياة وغايتها وعلاقتها، وفهمت منه أنه من ~~واجبات الإنسان أن يترقى في كل شيء حتى يرقى قمة الكمال الأدبي الذي هو سهل المنال ~~ومستطاع لكل من يسعى للوصول إليه والحصول عليه، أما أنا فإني كنت حتى هذا العهد أبتهج ~~باكتشاف الأفكار الجديدة، وأعتقد أيضا أني أستطيع الوصول إلى قمة ذلك الكمال، فكنت ~~أرسم في مخيلتي رسوما عديدة لأعمالي المقبلة؛ لأن عيشتي كانت حتى هذا الوقت عيشة ~~اضطراب وبطالة وتشويش أفكار. # إن الأفكار الحسنة التي تبادلتها مع صديقي ديمتري نيكليدوف كانت تعجب عقلي فقط دون ~~حواسي، غير أنه أتى وقت ms17 ظهرت لي تلك الأفكار بمظهر جديد وقوة جديدة شعرت على أثرها ~~بخوف شديد، وآسفت على ذلك الوقت الطويل الذي صرفته عبثا، وعزمت عزما ثابتا أن أشرع ~~من تلك الدقيقة باتخاذ هذه الأفكار الجديدة قانونا أسير عليه في حياتي، ووطدت النفس ~~بأني سأحافظ عليها، ولا أحيد عنها حتى النفس الأخير من حياتي. إن هذا التغيير ~~الفجائي الذي حصل لي أسميه ابتدأ زمن الشبيبة ومعترك الحياة. # هذا ما كتبه الفيلسوف عن نفسه في كتاب عنوانه فتوة وصبوة وشبيبة تولستوي نقلناه عنه ~~باختصار. # الفصل الرابع # | معيشة الكونت في قرية ياسنايا بوليانا # لا ريب بأن القاريء الكريم يشوقه الاطلاع على معيشة هذا الرجل الفاضل في داره، وقد ~~يتبادر لذهنه نظرا لشهرة الكونت ورفعة شأنه، ووفرة ثروته، وعلو حسبه ونسبه، أنه يسكن ~~قصرا فاخرا محكم البناء والاتقان مزدانا بأقصى درجات البهرجة والزينة، ولديه عدد ~~وافر من الجواري والخدم، ولا بد تأخذه الدهشة عندما نصفه له بما يأتي: # إن بيت الكونت تولستوي واقع في ظاهر قرية ياسنايا بوليانا تحيط به غابة كثيفة في ~~دورين، جدرانه مغشاة بالجير الأبيض في غاية البساطة، وليس له شرفات ولا أروقة، ولا شيء ~~من الزخرفة تدل على أنه بيت الكونت، وهو يعيش فيه مع زوجته وأولاده عيشة بسيطة خالية من ~~كل تكلف، لا تفرق شيئا عن معيشة الفلاحين، وليس ذلك فقط؛ بل إنه يرتدي ملابس نظيرهم؛ ~~أعني سراويل واسعة وفوقها قميص واسع أيضا يتمنطق عليه بمنطقة من الجلد الروسي، فإذا ~~أصبح يتناول الشاي، ثم يذهب إلى الغيط يحرث الأرض، ويغرس الأشجار، ويبذر الحبوب، وإذا ~~عاد مساء من الحقل يجلس مع زوجته وأولاده حول الخوان لتناول طعام المساء. # أما أثاث بيته، فهو عبارة عن مقاعد خشبية وعدة كراسي، وقد علق على بعض جدران المنزل ~~صورة شكسبير ودكنس وبعض صور أسلافه، وقد طال شعر الكونت ففرقه كالنساء فوق جبينه كما ~~ترى من رسمه. # ولا يكتفي الكونت بزراعة أرضه، بل يساعد الفلاحين الفقراء بالحراثة وغرس الأشجار؛ ~~لأنه يرى أن مساعدة الفقير بالعمل أفضل له ms18 كثيرا من المساعدة المالية، وقد قال عن ذلك: ~~ساعد المحتاج بالعمل تعلمه الجد والكد، والابتعاد عن الكسل الذميم، وتكون له خير ~~أنموذج حسن فيضطر أن يقتدي بك، ويرى أن العمل أمر شريف وواجب على كل إنسان مهما كان ~~رفيع المقام وافر الثروة، وبهذه الواسطة يقنع كل فقير بما يحصله بتعبه ونشاطه، ولا تعود ~~نفسه تطمح إلى التقاعد والكسل، بخلاف إذا تصدقت عليه بالمال، فإنه يدب فيه روح الكسل، ~~ويميت منه عاطفة الشهامة، فيجنح إلى التواني وقلة الشغل فتسوء حالته تدريجا، ويصبح ~~عضوا غير نافع في المجتمع الإنساني، ويجر على عائلته الويل والمصائب ... إلخ. # ثم إن للفيلسوف في بيته القروي مكتبة، وهي عبارة عن مقصورة ضيقة تحتوي على كرسي من ~~الخشب، وطاولة مغطاة بغطاء من الجوخ الأخضر القديم، وحول جدران الغرفة رفوف خشبية ~~مرصوصة عليها كتبه الكثيرة، وفي إحدى زوايا الغرفة معلقة صورة رجل روسي من القائمين على ~~الحكومة، وكثيرون من شبان روسيا المتخرجين في كلياتها يقصدون الكونت في قريته، ~~ويتتلمذون له، ويحذون حذوه في أمر مساعدة الفلاحين، والاشتراك بالعمل مع الجميع. # الكونت في داره بمدينة موسكو # لقد ذكرنا حالة معيشة الكونت في قرية ياسنايا بوليانا حيث يقضي فصل الصيف فيها، ~~وأما في الشتاء فيقيم في مدينة موسكو فينقطع عن الأعمال الجسدية المتعبة، ويتفرغ ~~للأعمال العقلية النافعة؛ فيؤلف الكتب المفيدة، ويطالع أشهر المؤلفات العلمية ~~والفلسفية، ولا يقابل أحدا من رجال الروس إلا القليل الذين له علاقة معهم، أما ~~الأجانب فيأذن لكل واحد منهم بمقابلته في أي وقت أرادوا. وبيته واقع في ظاهر ~~المدينة في شارع «حقل البنات» تدل ظواهره على أنه من البيوت القديمة، وهو مؤلف من ~~دورين، وخصص الكونت لنفسه غرفة في الدور الثاني مفروشة فرشا بسيطا، وفيها مكتبة ~~ومقعد وعدة كراسي وطاولة، وأما الدور الأول حيث تقيم زوجته وأولاده فهو مفروش ~~بالرياش الفاخرة فتزدحم فيه أقدام الزوار حيث يلعبون الألعاب المختلفة؛ لأن عيلته ~~تسير في معيشتها في موسكو كأهل هذا العصر في اللعب، وكثرة الزيارات، والكونت لا ~~يشاركها في ms19 ذلك أيضا؛ بل يكون دائما منزويا متفرغا للعلم والعمل، وهيئته تدل ~~على الرزانة وكبر العقل، وهو ينهض من النوم الساعة الخامسة صباحا فيشتغل بالتأليف ~~والتحرير، وعلى الغالب يقابل زواره عند المساء ، وهو لطيف المعشر أنيس المحضر، يلاطف ~~زائريه ويهش في وجههم من أية طبقة كانوا، وإذا حدث أحدهم أطال الكلام معه، وهو ~~قوي الحجة، شديد العارضة، قوي البرهان، يقنع خصمه بالأدلة القاطعة والبراهين ~~الساطعة السديدة فيجعله مقتنعا ممتنا منه، ويشاركه أولاده في تبييض الكتب وتصليح ~~مسوداتها. # وإتماما للفائدة ننقل عن مجلة المقتطف # 1 # الغراء ما دار من الحديث بين الفيلسوف والكاتب الإنكليزي المستر لونج ~~إبان زيارته له، حيث قال: لما زرت الفيلسوف المرة الثانية رأيته قد أتم كتابة كتاب ~~إلى البعض من أعضاء مجلس النواب الأسوجي، وكانوا قد كتبوا يسألونه عن رأيه في دعوة ~~القيصر إلى عقد مؤتمر السلم؛ فأجابهم أن ما عرضه القيصر باطل لا يمكن العمل به؛ لأن ~~الحكومات الحاضرة لا تستطيع أن تبطل الحروب ولا أن تخفف ويلاتها، ثم قرأ لي جوابه، ~~وكان كلما قرأ فصلا منه يقف ويقول لي: أفهمت مرادي؟ حتى أتى على آخره، فقال: هذا ~~ما أرتئيه في مؤتمر القيصر، فإنه كله سخافة ورياء لا غير، ولا تستطيع الحكومات ~~الحاضرة أن تبطل الحروب ولا تريد إبطالها؛ لأن الحروب ليست عرضا طارئا عليها؛ بل ~~هي جزء جوهري من قوامها لازم لوجودها. فإذا قلت إن هذا المؤتمر رياء برياء لا أعني ~~أن الحكومات التي أشارت به واشتركت فيه قصدت أن ترائي قصدا، ولو كان عملها ~~رياء. # إذا قلت إنك عازم على تغيير شيء لا يغير ما لم تغير طبعك وأنت غير عازم أن ~~تغير طبعك فأنت مراء. فاقتراح القيصر رياء، وقبول حكومات أوروبا به رياء، وما ~~منهم من يعتقد نجاحه، وكأن الحكومات تريد أن تخفي أعراض دائها لكي تحول أذهان ~~شعوبها عن العلاج الشافي، لكنها لا تفلح في ذلك، ولا يستطيع هذا المؤتمر أن يقلل ~~الحروب، ولا أن يقلل مضارها. إذا تسلح رجلان وكان كل منهما ms20 يعتقد أن مصلحة الآخر ضد ~~مصلحته، فلا يأتمن أحدهما الآخر، ولا يركن إليه، ولا يصدق كلامه إذا عاهده على ~~السلم؛ لأنه لو صدق كل منهما الآخر لما بقي داع للسلاح، وإذا استطاعت الممالك أن ~~تعيش بالسلم من غير أن يكون عند كل منها مليون جندي تستطيع أن تعيش بالسلم من غير ~~أن يكون عند كل منها ألف جندي؛ لأن القلة لا تمنع الحروب إذا كانت الكثرة لا ~~تمنعها. # ولما حوصرت سفاستوبل رأى البرنس أورسوف أن أحد الحصون أخذ واسترد مرارا، فقال ~~للقائد العام: دعنا نطلب من الأعداء أن يعينوا رجلا منهم يلاعب رجلا منا بالشطرنج ~~فمن غلب كان الحصن له، ولا شبهة في أن القائد ضحك من هذا الاقتراح؛ لأنه يعلم أن ~~الفريق الذي يخسر الحصن بالشطرنج لا يكف عن استرجاعه بالسلاح إذا استطاع، والناس ~~يفصلون خصوماتهم بقتل بعضهم بعضا لا بلعب الشطرنج؛ لأن الغالب هو الذي يثخن في ~~خصومه ويضطرهم إلى الكف عن مقاومته، والمغلوب يتربص بغالبه الفرص حتى إذا استقوى ~~واستضعف خصمه عاد إلى الأخذ بالثأر، وقد يضع المؤتمر قواعد وقوانين لمنع الحروب، ~~ولكن هذه القواعد والقوانين لا تمنع دولة من أن تدعي أن خصمها هو الذي نكث العهود ~~أولا. وقلت له: إن الحكومات لا تمنع الحروب، ولكنها تقلل مضارها. فقال: هذا وهم ~~ورياء من الذين يدعونه، ومصلحتهم قائمة بإبقاء الحروب، وقد قلت إنه رياء؛ لأن الغرض ~~منه إقناع الناس بأن مضار الحرب يمكن أن تقل كثيرا، فإنك ترى الحكومات تمنع ~~استعمال الرصاص المنفجر؛ لأنه يجرح ولا يقتل حالا، ولكنها لا تمنع استعمال الرصاص ~~العادي مع أنه كثيرا ما يجرح ويؤلم، والسبب الحقيقي لمنع الرصاص المنفجر أنه لا ~~يقتل حالا فلا يفي بغرضهم وهو التنكيل بعدوهم حتى يضطر إلى التسليم والخضوع، ولذلك ~~لا أريد أن ينجح هذا المؤتمر، ولا أنا معتقد بنجاحه، وإن نجح فيكون منه ضرر؛ لأنه ~~يحول أفكار الناس عن الحل الحقيقي الذي يمكن العمل به في كل مكان، وهو أن يخضع كل ~~إنسان لضميره، والضمير ms21 يقول له: إن قتل الناس غير جائز، فإذا اقتنع كل إنسان بذلك ~~بطلت الحروب من نفسها، وعجزت الحكومات عن إثارتها. فقلت له: هب أن أمة من الأمم ~~اقتنعت بصحة رأيك وعملت به ، فلا ينتظر أن أمم العالم كلها ترى رأيها حينئذ وتفعل ~~مثلها، وهب أن أمة من هذه الأمم اعتدت على الأمة الأولى وحملت عليها، أفلا تضطر ~~الأمة الأولى إلى حمل السلاح للدفاع عن نفسها. # فقال: لا؛ لأنه يجب عليها أن لا تقتل غيرها، والواجب واجب كيفما كانت ~~الحال. # وهاك فقرات من كتاب كتبه لجلالة القيصر يعترض فيه على نظام الحكومة الحاضرة، ~~ويطلب مطالب كثيرة للإصلاح: # إليكم نرفع خطابنا يا ولاة الأمور من القيصر، وأعضاء مجلس الحكومة ~~الأعلى، والنظار إلى أقارب القيصر أعمامه وإخوته وكل الذين يستطيعون أن ~~يكلموه. إليكم نرفع خطابنا لا كأعداء بل كإخوان مرتبطين معنا ارتباطا ~~متينا «أردتم ذلك أو لم تريدوه»، حتى إذا حلت بنا البلايا أصابكم شيء ~~منها، ليس اللوم على الذين يثورون؛ بل اللوم كله عليكم لأنكم لا تفتشون إلا ~~عن راحتكم ورفاهيتكم، وقد كان الواجب عليكم أن تفتشوا عن سبب الثورة ~~والشكوى وتزيلوه، والناس مسالمون بالطبع لا يطلبون الخصام والعداء، بل ~~يفضلون الوفاق والمسالمة، فإن كانوا قد ثاروا عليكم الآن، وطلبوا الإيقاع ~~بكم، فلا يكون ذلك إلا لأنهم وجدوكم مانعا يمنع عنهم وعن الملايين من ~~إخوانهم أعظم نفع يطلبه الإنسان في هذه الدنيا وهو الحرية والعلم، وغاية ما ~~يطلب منكم لكي لا يبقى سبيل لثورة العامة عليكم، وهو نافع لكم أيضا لأجل ~~راحتكم وسلامتكم، هذه الأمور الطفيفة، وهي: # أولا: # المساواة بين الفلاحين والعمال وغيرهم من أهل الطبقات ~~العليا «في أمور ذكرها بالتفصيل؛ مثل إلغاء القوانين التي ~~تربط العمال بأصحاب الأعمال، وإعفاء الفلاحين من الأموال ~~الأميرية التي تأخرت على غيرهم، ومن أخذ الجواز إذا أرادوا ~~الانتقال من مكان إلى آخر، ومن تقديم الخيل والعلائف لرجال ~~الحكومة، ولا سيما رجال البوليس، ومن العقاب ~~بالضرب». # ثانيا: # إلغاء الحكومة العرفية التي تلجئون إليها آونة بعد أخرى، ~~فتسلطون ms22 على الرعية أناسا ظالمين فاسقين سخاف ~~العقول. # ثالثا: # إزالة كل الموانع التي تمنع تعليم أولاد العامة؛ لكي ~~يتحرر جمهور الروسيين من ربقة الجهل، والجهل أكبر معين ~~للحكومة على الاستبداد بهم. # رابعا: # وأخيرا إطلاق الحرية الدينية ... إلخ. # والكتاب طويل، وعلى كل لمحة من هذه اللمحات شرح مسهب فاجتزأنا بما تقدم. # | هوامش # الفصل الخامس # | فلسفته وآدابه وآراؤه الدينية # اشتهر الفيلسوف تولستوي ببسط فلسفته في روايات يؤلفها، وهي تقسم إلى ثلاثة أقسام: من ~~حيث الدين، ومن حيث الاجتماع، ومن حيث الفنون؛ أي الفلسفة الدينية والاجتماعية والفنية، ~~على أنها كلها فروع لشجرة واحدة مبنية على قاعدتين؛ الأولى: أحبوا بعضكم بعضا في كل ~~شئونكم، والثانية: لا تقاوموا الشر بالشر فإن الشر لا يقتله إلا الخير. # وقد أوصلته فلسفته الدينية إلى النتيجة الآتية: # إن التعاليم المسيحية التي تستحق أن تكون قاعدة للضمير البشري إنما هي ~~الأناجيل الأربعة فقط: متى، ومرقص، ولوقا، ويوحنا، وما سواها فخارج عن ~~الديانة المسيحية الحقيقية، فعلى من أراد أن يكون مسيحيا حقيقيا أن لا ~~يتمسك بشيء يناقضها، وأن يعيش كما عاش المسيحيون الأولون من حيث البساطة، ~~والقناعة، والاشتراك، والحرية. # هذه هي فلسفته الدينية، أما فلسفته الاجتماعية فهي هذه: يقولون إن الهيئة الاجتماعية ~~فاسدة رديئة. نعم، ولكن الذنب ذنبنا واللوم علينا؛ لأننا نتكاسل فتسوء حالتنا، ونقاوم ~~الشر بالشر فيزيد الفساد فسادا، ذاهلين عن قول المسيح: «من أخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ.» ~~فإذا لم نعود أنفسنا مقاومة الشر بالخير؛ أي باللطف والمجاملة والإحسان والمحبة، ~~فإننا لا نتغلب على الشر في العالم، وتزداد الإنسانية فسادا على فساد. فإذا كنا نطلب ~~إصلاح الهيئة الاجتماعية فلنعمل أولا على إصلاح أنفسنا بغرس المحبة والمسالمة ~~والاعتدال وحب العمل في قلوبنا، فإن في ذلك إصلاح الهيئة الاجتماعية. # وأما فلسفته الفنية: فمقتضاها أن كل فن وعلم وصناعة يجب أن تكون غايتها نبيلة، وهي ~~ترقية شأن البشر وراحة النوع الإنساني والمساعدة على رفع راية السلام في العالم أجمع، ~~وإذا خرجت العلوم عن دائرة هذا الغرض، وانصرفت إلى اختراع الآلات الحرب والدمار وأسباب ~~القصف ms23 والخلاعة واللهو، فإنها تسبب الفساد وتجلب الشقاء والضرر والعناء، وتصبح عبثا في ~~عبث. # أما مبادئه الدينية: فإنه يعتقد في الأربعة الأناجيل فقط كما سبق القول، ولكنه لا ~~يعتقد بكل ما ورد فيها ، بل يعتقد بالقسم التعليمي اعتقادا شديدا، ويقول: إن تعاليم ~~الإنجيل سامية جدا، إذا سار الناس بموجبها ينتشر ملكوت الله في الأرض ويصبح الناس في ~~إخاء، وقد أورد في روايته «البعث» بعض المبادئ الدينية، نقتطف منها المبادئ الخمسة ~~الآتية كما عربتها مجلة الجامعة البهية: # 1 # المبدأ الأول: # أن الإنسان لا يجب عليه فقط أن لا يقتل أخاه الإنسان، بل يجب أيضا ~~أن لا يغضب منه، ولا يشكوه، ولا يحتقره، وإذا خاصم إنسانا فيجب عليه ~~أن يصالحه قبل أن يقدم قربانا لله؛ أي قبل أن يتحد مع الله بالصلاة ~~القلبية. # المبدأ الثاني: # أن الإنسان لا يجب عليه فقط أن لا يستسلم إلى شهواته، وأن لا يدنس ~~جمال المرأة بجعلها آلة للذته الخشنة، بل يجب عليه أيضا إذا تزوج ~~بامرأة أن لا ينفصل عنها مدة حياته. # المبدأ الثالث: # أنه يجب على الإنسان أن لا يحلف بأنه يصنع كذا، أو يهب كذا؛ فإنه لا ~~يملك نفسه، ولا أي شيء في هذا الوجود. # المبدأ الرابع: # أن الإنسان لا يجب عليه فقط أن لا يطلب عقاب العين بالعين والسن ~~بالسن، بل يجب عليه إذا ضربوه على خد أن يدير لهم الآخر، وأن يصفح عن ~~مهينيه، ويحتمل الإهانة بصبر جميل، وأن لا يرفض شيئا مما يطلبه منه ~~البشر إخوته. # المبدأ الخامس: # أن الإنسان لا يجب عليه أن يبغض أعداءه ولا يقاومهم، بل يجب عليه أن ~~يحبهم ويساعدهم ويخدمهم. ا.ه. # وهو يستشهد بآيات الإنجيل كثيرا، سواء كان في كتاباته أو في حديثه، مع أن تعاليمه ~~تدل على أنه بعيد عن ذلك بعدا شاسعا، فهو ينكر سر الفداء والثالوث الأقدس وألوهية ~~المسيح، أما اعتقاده بخلود النفس والحياة الثانية فهاك ما قاله عن ذلك: # إني أعتقد بالحياة العتيدة، وأعتقد أيضا بأن الحياة لا تنتهي بالموت، ولكنني ~~لا أدري ms24 كيف تكون تلك الحياة؛ لأنه لا لزوم لمعرفتها. # ومما قاله عن فساد المجتمع الإنساني: إن تاريخ الإنسان من حين وجوده لغاية الآن تاريخ ~~ظلم وجور وحرب وخصام، والناس مختلفون في تحديد الظلم والجور، فإذا أتيح لكل واحد أن ~~يقاوم ما يحسبه ظلما وجورا لامتلأت الدنيا بالحروب والخصومات، وأفضل شيء لملافاة هذه ~~الشرور الكثيرة أن يفعل كل واحد الخير مع غيره بدلا عن الشر، فتنصلح أحوال الناس عما ~~هي عليه من الظلم والجور. # أما سبب زيادة الشقاء ووقوع الجرائم، فهي لأن كل ~~إنسان في هذا العالم يهتم بنفسه، ويسعى لصالحه الخاص بدون أن ينظر إلى أخيه في ~~الإنسانية مهما كانت حالته، فلو اهتم الأغنياء وكبار الناس وألفوا جمعيات، وأنشئوا ~~المعامل، وجمعوا للعمل فيها المتشردين وذوي الفاقة لانقطعت اللصوصية واللصوص عن وجه ~~الأرض؛ لأنهم يخلدون إلى السكينة والانصباب على العمل، وإذا بحثنا عن أحوال اللصوص ~~وقطاع الطرق نرى أن سبب اندفاعهم إلى إقلاق راحة الناس وسلبهم هو العوز والاحتياج، ~~فعدم اهتمام الأغنياء والحكومة بالفقراء وذوي البأساء، وتركهم وشأنهم يدخلون الحانات ~~وبيوت الفساد والرذيلة لقلة العمل بسبب وجود الفساد والشر، والحكومة إذا تسنى لها ~~وقوع أحد المجرمين في قبضة يدها تقوده إلى المحاكمة، وتستدعي الأغنياء المنتخبين أعضاء ~~لديها فتحكم عليه وتزجه في السجن مع أولئك المنكودي الحظ الذين حرمتهم الحرية، ~~وعلمتهم البطالة والفساد، وقادتهم إلى الرذيلة والشر، وهي - أي الحكومة - تظن أنها ~~بزجها المجرمين في السجن تقوم بواجباتها نحو الهيئة الاجتماعية، غير عالمة بأنها ~~تقترف جريمة لا تغتفر مع أخيها في الإنسانية الذي قادته إلى السقوط، وكان في وسعها أن ~~تخلصه من الحالة التي آل إليها أمره؛ لأن السجون لا تؤثر في حالة الناس بل تزيد في ~~تعاستهم، والهيئة الاجتماعية ليست قائمة الآن بسطوة القضاء وقوة المحاكم؛ بل لأن الناس ~~لا يزالون يحبون بعضهم بعضا، ويشفقون على بعضهم. # وقال يصف الشرور: «إن الفلاح الذي يفلح أرض غيره، ويبتاع ضروريات الحياة بالثمن الذي ~~يطلب منه لا يستطيع أبدا أن يصير غنيا مهما كان مجتهدا ms25 مقتصدا، وأما الرجل الشريف ~~المبذر الذي يتسرب في مناصب الحكومة، أو ينال الحظوة لدى أربابها، أو يصير مرابيا، ~~أو صاحب معمل أو بنك، أو تاجر خمر، أو يقتني بيتا للمومسات، فهذا ينال الغنى من أقرب ~~طريق، وأمثلة ذلك كثيرة حولنا.» # ثم قال: «على م نرى الرجال الأقوياء الماهرين المعتادين التعب هم والفريق الأكبر من ~~بني البشر يخضعون لأناس ضعفاء الأبدان لرجال أخنات أو شيوخ عجزة؟ لماذا نرى الأقوياء ~~يتعبون لهؤلاء الضعفاء؟ لأن الضعفاء قد امتلكوا الأرض وخيراتها والمعامل وما فيها، ~~والحق الذي يمتلك به الغني الأرض، ويجني ثمار ما يتعب به غيره لا ينطبق على مبدأ من ~~مبادي العدل والإنصاف، وما هو إلا اغتصاب تؤيده القوة الحربية. # وقد صار العمال آلات لقهر إخوانهم بصيرورتهم جنودا للحكومة وآلات في يدها للقتل ~~والفتك، وما دام الناس يحللون قتل غيرهم تبقى الجنود في يد رجال الحكومة؛ أي في يد فريق ~~صغير من الناس، ويبقى هذا الفريق مستعينا بهم على ابتزاز الأموال من الذين يكسبونها ~~بعرق جبينهم، وشر من ذلك أن رجال الحكومة يفسدون جمهور الناس، ولولا ذلك ما استطاعوا ~~التسلط عليهم وابتزاز أموالهم، وأصل كل الشرور ما رسخ في الأذهان من أن تجنيد الجنود ~~لقتل الناس ليس إثما، بل هو شرف كبير وعمل نبيل؛ لذلك لا تزول الشرور من الدنيا بتحرير ~~الفلاحين، ورفع الضرائب، وتكثير الآلات والأدوات، ولا بإبطال الحكومات الحاضرة؛ بل ~~بإبطال كل تعليم ديني يجيز للناس أن يحملوا السلاح لقتل غيرهم.» # وقال في هيئة المجتمع الإنساني: «عبثا يحاول بضع مئات من البشر المتراكمين بعضهم على ~~بعض في مكان ضيق تشويه وجه الأرض التي يعيشون عليها، عبثا يسحقون تربتها بالحجارة حتى ~~لا ينبت فيها نبات، عبثا يفسدون الهواء برائحة البترول والفحم الحجري، عبثا يقطعون ~~الأشجار، عبثا يطاردون الحيوانات والطيور، عبثا يصنعون كل ذلك، فالربيع في المدن لا ~~يزال ربيعا، الشمس فيه تزداد إشراقا، والنبات تدب فيه روح الحياة، لا في جوانب ~~الشوارع الكبرى فقط، بل بين بلاط الطرق أيضا، وكذلك الأشجار والأزهار ms26 والطيور وسائر ~~المخلوقات التي تسر وتبتهج بأشعة الشمس المحيية، كلها تكون مسرورة مبتهجة في الربيع إلا ~~الإنسان الذي يستنكر جمال تلك الأمور الطبيعية المقدسة، ولا يرى جميلا غير ما يضعه ~~ويتصوره من الأمور التي يغش بعضه بعضا، ويعذب بعضه بعضا.» # وقال عن أخلاق وأطوار الناس: إن أفكار الناس كلها متفقة على أن الجمال صفة حسنة تغطي ~~كل قبائح ونقائص المرأة، فالغادة الفتانة إذا حدثت خرافة أو حماقة يقبلها السامعون ~~بكل ارتياح، ويعدون تلك الحماقة نبالة زائدة والخشونة رقة وظرف، وإذا اقترفت عملا ~~مستهجنا فإنه يظهر لمحبيها منتهى الآداب والكمال. # وعن الأمهات، قال: إن جميع الأمهات يعلمن تمام العلم فساد سيرة الرجال، ولكنهن ~~يتظاهرن أمام بناتهن بأنهن يعتقدن تمام الاعتقاد بطهارة وعفة الرجال، ويتصرفن ~~بعكس ذلك الاعتقاد الكاذب، ويعرفن بأية صنارة يصدن الرجال لهن ولبناتهن. وقال ~~أيضا: إن إفادة المرأة محصورة في ولادة الأولاد وإرضاعهم وتربيتهم، وكلما أحسنت ~~وظيفتها في ذلك كانت الفائدة أعظم، وهي لا تحسنها تمام الإحسان إلا إذا أحست عند تلك ~~التربية أنها تعد لمستقبل الهيئة الاجتماعية خداما نافعين. # وفي اعتقادي أن المرأة الفاضلة هي التي تبعد عن مفاسد هذا الكون، وتزهد في العالم، ~~وتحصر قوتها في إحكام ما فرض عليها لأولادها أجنة وأطفالا وصبية، تغرس في نفوسهم ~~بذور الفضائل ليشبوا على ما تعلموه، ويفيدوا إخوانهم في المجتمع الإنساني إفادة لا تقوم ~~بثمن. # ولكي تحسن القيام بهذا الواجب لا يلزم لها على رأيي الاندراج في سلك تلامذة المدارس ~~العالية، بل حسبها أن تحسن القراءة والكتابة لتتمكن من مطالعة كتب الدين والآداب التي ~~تنير النفس وتزجرها عن ارتكاب الآثام. # وإني أنظر إلى النساء اللواتي يشاركن الرجال في الأعمال فآسف على عذراء خلقت للحمل ~~والولادة والإرضاع كيف تخرج من دائرتها وتتعدى الحدود التي رسمتها لها الطبيعة إلى ما ~~ينقصها الاستعداد الفطري للقيام به، وما مثلها في ذلك إلا كأرض جيدة التربة زرعت ~~زوانا، وليس تشبيهها بالأرض الجيدة مطابقا من كل وجه؛ لأن الأرض لا تلد غير الخبز، ~~أما المرأة فإنها ms27 تلد أسمى المخلوقات وأعلاها مقاما، وهو الإنسان الذي لا تعادله أموال ~~العالم ولا يستطيع أحد أن يلده غير المرأة، ذلك الإنسان الذي يلد فكره بدائع هذا الكون ~~وجميل منشآت الحضارة والعمران! # وقال : على الرجل أن يكد ويشتغل، وما على المرأة إلا أن تقيم في البيت؛ لأنها زوجة، ~~أو بعبارة أخرى: لأنها إناء لطيف سريع الانثلام. # وقال عن الحب: إن دوام الحب بين الزوجين من رابع المستحيلات، إنه قد يكون حب ولكن إلى ~~وقت قصير جدا، ثم لا يدوم إلا في الروايات فقط، وأما بين الناس فعديم الاستقرار في ~~قلبين معا، وكل رجل - متزوجا كان أو غير متزوج - إذا اجتازت به غادة فتانة فأكثر ما ~~يكون منه أن يوجه إليها التفاته، وقد يبذل بعضهم كل مرتخص وغال بعد ذلك في سبيل ~~الوصول إليها. # والمرأة من هذا القبيل كالرجل، فإنها تجتهد للاتصال بأكثر من واحد دائما، وما دام ~~يمكنها هذا الاتصال فهي نائلة إربها لا محالة. ا.ه. # هذه بعض فقرات من فلسفة هذا الفيلسوف العظيم، وأقواله المأثورة التي أحدثت دويا في ~~أقطار الأرض، وصادفت قبولا وإقبالا من الطبقة العلياء من شبان الروس، واستحسانا من ~~فلاسفة وعلماء أوروبا وأميركا، وكان لها وقع كبير في النفوس، ولكنها لم ترق لرجال ~~الدين في روسيا كونها مخالفة للتعليم المسيحي، خصوصا بعد أن أنكر جوهر الإيمان الذي هو ~~سر الفداء والثالوث الأقدس وألوهية المسيح؛ فأنذره المجمع المقدس أن يرجع عن اعتقاده ~~هذا، ويبطل تعاليمه المخالفة للدين المسيحي عموما والمذهب الأرثوذكسي خصوصا، فلم يذعن ~~لهم، ولذلك اجتمع رؤساء المجمع المقدس تحت رئاسة السيد الجليل أنطوني مطران بطرسبرج ~~وحرمه وقطعه من الكنيسة كصاحب ضلالة. # ونحن ننشر الحرم، واعتراض زوجته، ورده عليه، وردود رجال الدين عليهما مترجما عن ~~اللغة الروسية حرفيا. # | هوامش # | القسم الثاني # الفصل الأول # | قرار المجمع المقدس أو حرمان تولستوي # في 20 فبراير/شباط سنة 1901 نومر و557 رسالة المجمع المقدس إلى أبناء الكنيسة ~~الأرثوذكسية المؤمنين بخصوص الكونت ليون تولستوي. # إن المجمع المقدس لاهتمامه بأبناء الكنيسة الأرثوذكسية، وحفظهم من ms28 العثرات المؤدية ~~إلى الهلاك وخلاص الضالين قد أصدر حكما ضد الكونت ليون تولستوي، وتعاليمه الكاذبة ~~المضادة للمسيح والكنيسة، ووجد مناسبا لحفظ سلام الكنيسة أن ينشر ذلك الحكم في جريدة ~~«أخبار الكنيسة». ~~«برحمة الله » # من المجمع المقدس إلى أبناء الكنيسة الأرثوذكسية المؤمنين. ~~«لنفرح بالرب» # وأطلب إليكم أيها الأخوة أن تلاحظوا الذين يصنعون الشقاقات والعثرات خلافا ~~للتعليم الذي تعلمتموه، وأعرضوا عنهم «رومية ص16 عدد 17». # إن كنيسة المسيح منذ إنشائها احتملت اضطهادات شديدة، وتجديفا عليها من ~~كثيرين من الهراطقة وعبدة الأوثان الذين كانوا يسعون لهدمها وتقويض أركان جوهر ~~تعليمها المؤسس على الإيمان بالمسيح ابن الله الحي، غير أن جميع قوات الجحيم ~~حسب وعد الرب لن تقوى على الكنيسة المقدسة التي تبقى غير مغلوبة إلى الأبد، وفي ~~أيامنا الحاضرة ظهر معلم كاذب هو الكونت تولستوي. # إن الكاتب الروسي الشهير الكونت تولستوي الذي ذاع ذكره في العالم حتى طبق ~~الخافقين أرثوذكسي المولد، واعتمد وتهذب في الأرثوذكسية، قد غره عقله ~~المتعظم على أن يقاوم بوقاحة الرب ومسيحه وميراثه المقدس، وقد أنكر ~~علانية أمام الجميع أمه الكنيسة الأرثوذكسية التي هذبته وثقفته، وكرس ~~جميع مواهبه العقلية وقواه العلمية لنشر التعاليم المضادة للمسيح والكنيسة ~~ليزيل من عقول وقلوب الناس إيمان آبائهم، الإيمان المستقيم الذي ثبت ~~المسكونة، والذي عاش به وخلص أسلافنا وأجدادنا، والذي تمسكت به للآن روسيا ~~وتعززت فيه، وإنه في تآليفه يكتب كرجل غيور متعصب لهدم جميع طقوس الكنيسة ~~وجوهر الإيمان المسيحي، وهو ينكر الله الحي في الثالوث الأقدس الممجد خالق ~~وضابط المسكونة، وينكر الرب يسوع المسيح الإله والإنسان فادي ومخلص العالم ~~الذي تألم من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا، وقام من بين الأموات، وينكر ~~الحبل بالرب يسوع المسيح بالجسد بدون زرع، وينكر بقاء والدة الإله الطاهرة ~~عذراء قبل الولادة وبعدها، ولا يعتقد بالحياة بعد الموت ولا بالعقاب والثواب، ~~وينكر جميع أسرار الكنيسة وقوة نعمة الروح القدس فيها، ويهزأ بجميع أواني ~~الكنيسة المقدسة، ولم يخجل من أعظم أسرارها الذي هو سر الأفخارستيا المقدس، ~~والكونت تولستوي كرز بهذه ms29 الأمور بدون انقطاع بالكلام والكتابة لعثرة جميع ~~الشعب الأرثوذكسي، ويا ليته جمح في غوايته سرا؛ بل هو جاهر بالضلال عن عمد ~~وقصد، وسلخ نفسه عن الكنيسة. وبما أن جميع المساعي التي بذلت لإرشاده لم تتكلل ~~بالنجاح، فقد اعتبرته الكنيسة ساقطا من أعضائها وغير تابع لها ما لم يتب ويرجع ~~عن ضلاله، والآن نحن نشهد بذلك أمام الكنيسة؛ لتثبيت المؤمنين، وإرشاد الضالين، ~~وعلى الأخص إرشاد الكونت تولستوي. # إن كثيرين من أقاربه الذين لم يزالوا محافظين على الإيمان أظهروا شدة حزنهم ~~على بقائه في أيامه الأخيرة بدون إيمان بالله والرب مخلصنا بإنكاره إياه، ~~وابتعاده عن نيل بركة وصلاة الكنيسة. # ومع شهادتنا واعترافنا بأنه أنكر الكنيسة وشجب تعاليمها نطلب له لكي يعطيه ~~الله توبة لمعرفة الحق «2 تي ص2 عدد 25»، ثم نطلب إليك أيها الإله الرحوم الذي ~~لا تريد أن يموت الخطاة بخطيتهم أن تستجيب صلاتنا وترحمه وترشده إلى طريق ~~كنيستك المقدسة آمين. # التواقيع بيد كل موقع: الوضيع «أنطوني مطران بطرسبرج»، الوضيع: «لاثيوغونست ~~مطران كييف»، الوضيع «فيلاديمير مطران موسكو»، الوضيع «إيوروتيم رئيس أساقفة ~~فارشافا»، الوضيع «يعقوب أسقف كيثسينيسي»، الوضيع «ماركيل أسقف»، الوضيع «بوريس ~~أسقف». # فلما انتشر هذا الحكم تناقلته الجرائد، وتهافت الناس على مطالعته تهافت الجياع على ~~القصاع، وانقسم قراؤه إلى قسمين مختلفين؛ فالقسم الأول: وهم تلميذات وتلاميذ المدارس ~~العالية الذين هاجوا هياجا عظيما؛ لشغفهم الشديد بتولستوي، وافتخارهم به على كل ~~فلاسفة وعلماء أوروبا، فأرسل مئات منهم العرائض إلى المجمع المقدس يطلبون منه أن يحرمهم ~~مع فيلسوفهم الذي يفدونه بأرواحهم، وعدا ذلك فقد قاموا بمظاهرات خشنة في الكنائس ~~والمدارس، فالتزمت الحكومة أن تجنح إلى القوة؛ لتسكين الاضطراب، وألقت القبض على كثيرين ~~وزجتهم في السجن، وقد حدث الهياج في 36 مدينة روسية، واتهم بعض الناس الفيلسوف ~~تولستوي بأنه هو الذي كان يحرض على الفتنة، وتكذيبا لذلك نورد ما قالته جريدة الرقيب ~~الغراء # 1 # بهذا الصدد: لقد قالت شركة روتر إن الفيلسوف تولستوي كان أكبر المحرضين على ~~الثورة، وهذا القول خطأ محض؛ لأن الذين طالعوا ms30 مؤلفات هذا الرجل الكبير لا يرتابون في ~~أنه من أعداء كل فتنة واضطراب؛ لاعتقاده بأنهما لا يجديان نفعا، وأن من أخذ بالسيف ~~فبالسيف يؤخذ، وما عدا ذلك فقد قال في بعض كتبه: إن الذين يحاولون قلب هيئة الحكومة في ~~هذه الأيام بواسطة الثورات يخيبون سعيا؛ ذلك أن لكل حكومة جيشا عظيما تكبح به جماح ~~الثائرين، ولديها السكك الحديدية، والتلغراف، والتلفون، وكلها أعمال شديدة التأثير في ~~كبح الثورات، فلا يحاول الناس أمرا مستحيلا في هذه الأيام، فإن الثورة تنقلب على ~~مثيريها؛ لقوة الهيئة الحاكمة. ا.ه. # وأما القسم الثاني، فهو الشعب الروسي البسيط، بلغ منه الحقد على تولستوي مبلغا ~~عظيما، ورشقه بألسنة حداد، وأرسل إليه كثيرون كتبا مشحونة بأنواع السفه والشتايم ~~واللعنات، ولو تسنى لهم لفتكوا به. # وعلى أثر ذلك أرسلت زوجة الكونت تولستوي كتابا إلى سيادة مطران بطرسبرج بصفته رئيس ~~المجمع المقدس تحتج به على قطع زوجها من الكنيسة، وهاك نصه، موسكو في 11 مارس سنة 1901: # سيادة المطران أنطوني # طالعت أمس في الجرائد حكم المجمع الصارم الصادر بحرمان زوجي الكونت ليون ~~نيكولا يفتش تولستوي من الكنيسة، ورأيت بين تواقيع رعاتها الذين وقعوا الحكم ~~توقيع سيادتكم، فتأثرت تأثرا شديدا، حتى إني لم أستطع أن أضع حدا لحزني ~~الشديد، وليس ذلك ناجما عن اعتقادي بأن نفس زوجي تهلك من تلك الورقة التي ~~كتبتم عليها حكمكم الجائر؛ لأن خلاص الأنفس لا يتوقف على الناس، بل ذلك مختص ~~بالله وحده، وإذا نظرنا إلى حياة النفس نظرة دينية فنراها أنها لم تزل مجهولة ~~تمام الجهل، ولا يعرفها أحد غير الله وحده، ومن حسن الحظ أنه لا سلطة للبشر ~~عليها، ولكني لما أرى الكنيسة التي أنا تابعة لها، والتي لا أزال أتبعها ولن ~~أحيد عنها، تلك الكنيسة التي أنشأها المسيح نفسه باسم الله لتبارك حياة الإنسان ~~الكبرى من الولادة، والزواج، والموت، والأفراح، والأتراح، والتي وظيفتها النداء ~~بناموس الرحمة، والصفح، ومحبة أعدائنا، والذين يبغضوننا، والصلاة من أجل ~~الجميع، فمن هذا القبيل لا أعود أفهم أو أدرك تصرف المجمع. ms31 أما إذا كان القصد ~~من حرمان ليون نيكولا يفتش تنفير الناس منه واستمالتهم عنه، فهو خطأ واضح؛ لأن ~~جميع الناس زادوا تعلقا به وميلا إليه، وسخطوا من هذا الحرمان، ولا تزال ~~تردنا الشواهد على ذلك من جميع أقطار العالم، ثم إني لا أقدر أن أخفي عنكم الغم ~~الذي أحاق بي عندما بلغني قرار المجمع السري سابقا بشأن منع الكهنة عن الصلاة ~~على جثة زوجي في الكنيسة بعد مماته، والامتناع من دفنه بموجب طقوس الكنيسة، فمن ~~قصدتم أن تقاصوا بهذا القرار؟ هل تقصدون به الميت، أو جثته الجامدة، أو أقرباءه ~~المؤمنين؟ وإذا كان هذا القرار تهديدا فإلى من توجهون هذا التهديد؟ وماذا ~~تقصدون؟ # وهل تظنون حقيقة أنني لا أجد للصلاة على جثة زوجي في الكنيسة كاهنا صالحا ~~مستقلا عن الناس لاهتمامه برضى الله الحقيقي، إله المحبة والغفران أكثر من ~~رضى الناس، أو كاهنا فاسدا أنال منه مرادي بواسطة المال؟ # ولكنني لا أحتاج إلى هذا الأمر مطلقا؛ لأنني أعتبر الكنيسة بناء روحيا لا ~~ماديا، ولا أعرف لها رؤساء إلا الذين يفهمون حقيقتها، ويعملون طبق وصاياها، ~~ولو كنت أعتبر أن الكنيسة هي عبارة عن مجمع بشري لا يتردد أحيانا لرداءة البشر ~~عن مخالفة أعظم وصايا المسيح التي هي وصية المحبة، لكنا خرجنا منها منذ زمن ~~طويل، نحن الذين نحفظ وصاياها، فليس الهراطقة والجاحدون إذن هم أولئك الذين ~~يضلون وهم يفتشون عن الحقيقة، ولكنهم هم أولئك الذين لما جعلتهم كبرياؤهم ~~رؤساء الكنيسة نزلوا أنفسهم منزلة القتلة الروحين، وخالفوا شريعة الكنيسة، التي ~~هي شريعة المحبة، والتواضع، وإنكار الذات، وترك ملاذ العالم، ولو ماتوا خارج ~~الكنيسة. أما الذي يعيشون في داخلها معيشة الفخفخة ويملأون صدورهم بالنياشين، ~~ويزينون رءوسهم بالتيجان، ويطردون «كالرعاة الأردياء» الناس من الحظيرة التي هم ~~رعاتها، فلا ريب أنه يجب أن يكونوا أقل أملا منهم في الغفران، وإذا حاول ~~الرياء تأويل كلامي هذا فعبثا يحاول؛ لأن العقل السليم لا ينخدع، بل يفهم ~~مقصودي منه. # الكونتس صوفيا تولستوي # فأجابها المطران بالكتاب الآتي: # حضرة الفاضلة الكونتس ms32 صوفيا تولستوي # إن المجمع المقدس بإعلانه سقوط زوجك من الكنيسة لم يتصرف بصرامة مطلقا، ~~وإنما الصرامة بدت من زوجك بإنكاره الإيمان بيسوع المسيح ابن الله الحي فادينا ~~ومخلصنا، فكان يجب عليك أن تحزني لهذا الأمر فقط، ولا مراء بأن زوجك لا يهلك ~~من قطعة تلك الورقة المطبوعة، ولكنه يهلك لابتعاده عن ينبوع الحياة الأبدية؛ ~~لأن لا حياة للمسيحي بدون الاتحاد مع المسيح الذي يقول: إنه لا يهلك كل من يؤمن ~~به، بل تكون له الحياة الأبدية؛ لأنه هكذا أحب الله معالم حتى بذل ابنه الوحيد ~~كي لا يهلك كل من يؤمن به؛ بل تكون له الحياة الأبدية، والذي يؤمن بالابن له ~~حياة أبدية، والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة، بل يمكث عليه غضب الله. الحق ~~الحق أقول لكم، إن الذي يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي ~~إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة. «يوحنا ص3 عدد 15 و16 وص5 عدد ~~24». ولذلك نقدر أن نقول كلمة واحدة عمن ينكر المسيح، وهو أنه ينتقل من الحياة ~~إلى الموت، وعلى ذلك يتوقف هلاك زوجك، وإنه هو وحده جنى على نفسه هذا الهلاك ~~وليس أحد سواه. # إن الكنيسة تتألف من جماعة المؤمنين بالمسيح، والتي لم تزالي أنت تابعة لها ~~مع المؤمنين بها وأعضائها. نعم، إن تلك الكنيسة تبارك باسم الله جميع حوادث ~~حياة الإنسان الكبرى من الولادة، والزواج، والموت، والأفراح، والأتراح، ولكنها ~~لا تستطيع ولن تستطيع أن تفعل ذلك مع الغير المؤمنين، مع الوثنين، مع المجدفين ~~على اسم الله الذين ينكرونها، والذين لا يقبلون منها الصلاة والبركة، وبالإجمال ~~مع جميع الذين لا يعدون ذواتهم أعضاء لها، ومن هذا القبيل كان تصرف المجمع غير ~~قابل الانتقاد، بل مفهوما واضحا كيوم الله، وهي لم تحد يمينا أو شمالا عن ~~شريعة المحبة والصفح والرحمة. نعم، إن رحمة الله لا تحيد، ولكنها لا تصفح عن ~~الجميع، ولا عن كل شيء، «ومن جدف على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا ms33 ~~العالم ولا في الآتي.» «متى ص12 عدد 32». # إن الرب بحسب محبته لنا يريد خلاص الإنسان، ولكن الإنسان يبتعد أحيانا عن ~~هذه المحبة، ويهرب من وجه الله فيهلك نفسه، وإن المسيح صلى من أجل أعدائه عندما ~~كان مرفوعا على الصليب، ولكنه في تلك الصلاة لفظ كلمة مرة لمحبته وهي «أنه لم ~~يهلك أحد منهم إلا ابن الهلاك»، وأما زوجك فما دام حيا لا نقدر أن نحكم عليه ~~بالهلاك، ولكننا صرحنا بحقيقة حاله بأنه سقط من الكنيسة، ولم يعد عضوا لها ما ~~لم يتب ويرجع إليها، وإن المجمع في منشوره لم يكن إلا شاهدا على نفس عمل ~~الكونت فقط، ولذلك فلا يسخط عليه إلا الذين لا يدركون ما يفعلون. تقولين في ~~كتابك إن الناس زادوا تعلقا بزوجك وإن الشواهد على ذلك تردكم من جميع أقطار ~~الأرض، ولا عجب في ذلك، ولكني أقول لك: إنه ليس في ذلك شيء من التعزية لقلبك؛ ~~لأنه لا يوجد مجد عالمي ومجد إلهي، قال الرسول: «كل مجد إنسان كزهر عشب الحقل، ~~العشب يبس وزهره سقط، وأما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد.» «مط 1 ص1 عدد 24 ود ~~35». # ولما نشرت الجرائد في العالم الماضي خبر مرض زوجك الكونت تولد لدى رجال ~~الدين سؤال عام، هو هل يجوز لهم أن يصلوا على جثته ويدفنوه بموجب طقوس الكنيسة ~~مع إنكاره الإيمان بالمسيح والكنيسة؟ وعلى أثر ذلك وردت للمجمع أسئلة عديدة ~~بهذا الشأن، فأصدر إذ ذاك أمرا سريا للكهنة، لا يستطيع إصدار غيره، وهو أنه ~~إذا مات الكونت دون أن يتوب ويرجع إلى الكنيسة، فلا يجوز لهم الصلاة عليه ودفنه ~~حسب طقوس الكنيسة، وليس في ذلك تهديد لأحد، وأنا لا أظن أنه يوجد كاهن حتى ولو ~~فاسدا يقدم للصلاة على الكونت، ولو أنه صلى عليه كغير مؤمن فيكون عمله مخالفا ~~لأساس الطقس المقدس، ولماذا تستعملين القوة على زوجك؟ فإنه بدون شك لا يريد أن ~~يدفن بحسب الديانة المسيحية. # أنت لم تزالي حية، وما دمت تعدين نفسك عضوا للكنيسة التي هي بالحقيقة ms34 رباط ~~أشخاص أحياء عقلاء يعيشون مع بعضهم باسم الله الحي، وأن إقرارك بأنك تعتبرين ~~الكنيسة بناء روحيا يسقط ادعاؤك سقوطا تاما، وعبثا توبخين خدمة ~~الكنيسة، وتنسبين إليهم الرداءة، ومخالفة أعظم وصايا المسيح التي هي وصية ~~المحبة، فالمجمع بإصداره ذلك الحكم لم يخالف تلك الوصية؛ بل بالعكس فإن عمله ~~عمل محبة، ودعوة زوجك للرجوع إلى الكنيسة، ودعوة المؤمنين للصلاة من أجله. أما ~~رعاة الكنيسة فإن الرب جعلهم في رأسها، وليس الكبرياء كما تدعين، وإنهم يرتدون ~~التيجان والنجوم في وقت خدمتهم فقط، وأما في الخارج فإنهم يرتدون المسوح، ولم ~~يزالوا يعاملون بالطرد والاضطهاد والاحتقار. # وفي الختام أرجوك المعذرة؛ لأني أخرت جوابي إليك لحد الآن، فإنني انتظرت ~~ريثما يخمد وطيس غضبك وتأثرك الشديد، ثم إني أسأله تعالى أن يباركك، ويحفظك، ~~ويرحم الكونت زوجك. # أنطوني مطران، سان بطرسبرج # رد تولستوي على قرار المجمع # أما الكونت فإنه لم يجب بادئ بدء على قرار المجمع بشأنه، غير أن بعض الظروف ~~التي ذكرها في كتابه حملته أن يرد عليه بما يأتي: قال: إنني لم أقصد بادئ بدء أن ~~أرد على ما قرره المجمع بشأني، لولا أن ذلك القرار دعا كتابا كثيرين لا أعرفهم ~~يرسلون إلي الرسائل تترى مشحونة بملامتي وعذلي، بل وشتمي؛ فالبعض منهم يوبخني على ~~إنكاري ما لست أنكره، والبعض الآخر ينصحني بأن أومن بمن لم أترك الإيمان به، وبعضهم ~~يوافقني على أفكاري، ولكني لا أعتقد أنه يوجد من يعتقد اعتقادي، وإن وجد فلا يجسر ~~أن يصرح به على رءوس الأشهاد. # وقد عزمت أن أرد على قرار المجمع، وأظهر للملأ فساده، وأرد أيضا على جميع ~~مراسلي الذين لا أعرفهم. # أما قرار المجمع فإنه يحتوي على نقائص عديدة؛ أولا: لأنه غير قانوني وذو وجهين ~~متناقضين. ثانيا: هوائي عديم الحق والأساس، وعدا ذلك فإنه يتضمن نميمة ظاهرة؛ لأنه ~~كان محركا لصفات ومقاصد سيئة. # غير قانوني وذو وجهين متناقضين لأنه إذا كان مقصودا به إبعادي عن الكنيسة فإنه ~~لا يوافق عقائدها التي تمنع إصدار مثل هذا القرار، وإذا كان ms35 مقصودا به الإعلان بأن ~~من لا يؤمن بالكنيسة وعقائدها ينفصل عنها، ومن هذا القبيل لم تكن له غاية سوى تهييج ~~الأفكار ضدي، وإيجاد الشغب بين الشعب. # وهوائي لأنه يخطئني وحدي فقط بعدم الإيمان بجميع عقائد تعاليم الكنيسة ~~الموضوعة، مع أنه جميع الناس المتنورين يشاركونني برفض تلك الاعتقادات، وصرحوا به ~~في الكلام والقراءة والنشرات والكتب. # وهو عديم الأساس لأن معظم فحواه مبني على أنني نشرت بين الناس تعاليم كاذبة كانت ~~سببا لتشويش أفكارهم، وضعضعت إيمانهم، مع أنني أؤكد أن الذين وافقوني على أفكاري ~~لا يبلغون المائة عدا؛ لأن المراقبة كانت حاجزا حصينا دون انتشار تعاليمي بخصوص ~~الدين، وقد لاحظت من الكتب الواردة لي بأن جميع الذين طالعوا قرار المجمع بشأني لم ~~يفهموا ما كتبته بخصوص الدين. # والقرار عديم الصحة لأنه جاء في بنوده بأن الكنيسة استعملت أنجع الوسائل لرجوعي ~~إليها، ولكن مساعيها لم تتكلل بالنجاح، وليس لذلك ظل من الحقيقة أبدا، ولم أعلم ~~بشيء من ذلك. # والقرار يتضمن نميمة ظاهرة لأنه حرك الناس لجلب الضرر لي. وأخيرا أقول: إنه كان ~~محركا عظيما لاقتراف أعمال قبيحة كما كان منتظرا منه؛ لأنه حرك الناس الجهلاء ~~والبسطاء على بغضي والهياج ضدي وتهديدي بالقتل، وذلك ظاهر من الكتب التي وردت لي؛ ~~فقد كتب لي واحد: «إنك الآن وقعت تحت اللعنة والحرمان أيها الشرير، وستذهب روحك بعد ~~موتك إلى العذاب الأبدي ... حيث تموت كالكلب ... أنت محروم أيها الشيطان القديم ... فلتكن ~~ملعونا!» وآخر يوبخ الحكومة التي لم تزجني بالسجن، أو تقصيني لأحد الأديرة، وقد ~~ملأ كتابه بالشتائم القبيحة. وثالث كتب لي: «إذا كانت الحكومة لا توقفك عند حدك ~~فنحن نجبرك على السكوت!» وأنهى كتابه باللعنات. # وجاء في كتاب رجل رابع: «عندي وسائل فعالة لإيقاف جنونك عند حده.» ثم شتائم ~~ولعنات. # وفي الخامس والعشرين من فبراير «شباط»، وهو اليوم الذي أذاع به المجمع إعلان قطعي ~~من الكنيسة خرجت إلى الساحة العامة في موسكو فاستقبلني الجمهور باللعنات، ~~والشتائم، والسب، والقذف، وكانوا يصرخون بصوت واحد قائلين: «هو ذا شيطان بصورة ms36 ~~إنسان!» ولولا أني قفلت راجعا إلى منزلي لقتلني الجمهور لا محالة كما قتل منذ ~~أعوام رجلا على باب كنيسة بندلايمون. # ومجمل القول أن قرار المجمع كان في غاية الرداءة كالرجال الذين كتبوه وأمضوه وهم ~~يعتقدون بصحة كلامهم اعتقادا متينا؛ لكونهم يطلبون من الله أن يغير ما بي لأصير ~~مثل واحد منهم، وإني أحمد الله لأنه لم يستجب دعاءهم. # أرد بهذا الكلام ردا إجماليا على ما جاء في تقرير المجمع، وقد رأيت أن ~~أفصل هذا الرد لزيادة الإيضاح، فأقول: جاء في قرار المجمع ما يأتي: «إن الكاتب ~~الروسي الكونت تولستوي الذي اشتهر ذكره في العالم حتى طبق الخافقين أرثوذكسي ~~المولد، واعتمد وتهذب في الأرثوذكسية قد غره عقله المتعظم على أن يقاوم بوقاحة ~~الرب ومسيحه وميراثه المقدس، وقد أنكر علانية أمام الجميع الكنيسة الأرثوذكسية التي ~~هذبته وثقفته.» ا.ه. # أما إنكاري للكنيسة التي تدعو نفسها مسيحية فذلك صحيح لا ريب فيه، وبإنكاري لها ~~لم أقاوم الرب؛ بل بالعكس إني أنكرتها لأقدر أن أخدمه بكل قوى نفسي، وقبل أن أنكرها ~~كنت أحترمها كثيرا، غير أني شككت مرة في صحة تعاليمها وحقيقتها فكرست عدة سنين ~~للبحث عن ذلك، فطالعت كل ما استطعت مطالعته من كتب تعاليمها، ودرست عقائد خدمة ~~القداس الإلهي درسا محكما؛ فظهر لي بعد هذا البحث الطويل، والتروي الزائد، ~~والتنقيب المدقق، أن تعاليم الكنيسة ما هي إلا كذب ظاهر مضر، وعقائدها ما هي إلا ~~مجموعة خرافات خشنة وسحر محكم الوضع قد أخفى إخفاء تاما جوهر التعليم ~~المسيحي. # وما على القارئ إلا أن يطالع كتاب خدمة القداس الإلهي بإمعان زائد، ويطالع ما به ~~من الطقوس التي ما زال رجال الدين يتممونها تحت اسم الخدمة الإلهية المسيحية، فيظهر ~~له أن جميع تلك الطقوس ما هي إلا أعمال سحرية موضوعة لجميع مطاليب واحتياجات ~~الحياة، منها: إذا مات طفل فلكي نستطيع إدخاله الجنة أو الفردوس فما علينا قبل ~~موته إلا أن ندهنه بالزيت ونغطسه بالماء ثلاث دفعات مع قراءة بعض كلمات، ولكي تطهر ~~المرأة الوالدة من النجاسة ms37 ينبغي أن يقرأ عليها الكاهن بعض عبارات، أو لكي نتوفق في ~~أعمالنا، أو نعيش عيشة هنيئة في المنزل الجديد، أو لكي تثمر الأشجار وتنمو ~~المزروعات، أو ينقطع الجدب، أو نبرأ من المرض، أو لكي تهنأ نفس الميت في العالم ~~الثاني؛ فلجميع هذه الأمور، ولألوف مثلها ، ما علينا إلا أن ندعو الكاهن إلى مكان ~~معلوم فيتمم بعض الطقوس الموضوعة لتلك الغاية فننال ما نتمنى، ويزول الضرر والخطر ~~عنا. # أجل، إنني أنكرت الكنيسة وانقطعت عن تتميم طقوسها، وكتبت لجميع أقاربي أعلمهم ~~بأن لا يدعوا عند موتي أحدا من خدمة الكنيسة؛ بل عليهم أن يطرحوا جثتي الجامدة ~~بدون أن يصلى عليها كما يطرحون الشيء الفاسد الذي لا لزوم له؛ لكي لا يزعج الناس ~~بوجوده. # ثم جاء أيضا في قرار المجمع بأنني قد كرست كل قواي العلمية والهبة المعطاة لي ~~من الله؛ لكي أنشر بين الشعب التعاليم المضادة للمسيح والكنيسة، وإنني في تآليفي ~~ورسائلي التي عممت نشرها مع تلاميذي في سائر أقطار الأرض وعلى الأخص في أنحاء وطننا ~~العزيز أكرز كرجل غيور متعصب لأهدم جميع طقوس الكنيسة وجوهر الإيمان المسيحي. ولا ~~صحة لهذا الكلام أبدا؛ لأنني لم أجتهد في حياتي لنشر تعاليمي. نعم، إنني قد ألفت ~~لذاتي اعتقادي بتعليم المسيح، ولم أخف هذا التأليف عن الناس الذين طلبوا إلي أن ~~يعرفوها، ولكنني لم أطبع أنا كتابا منها، وقد أظهرت لمن كان يطلب مني أفكاري، ~~وأعطيتهم من كتبي التي كانت توجد عندي. # ثم جاء في ذلك القرار أنني أنكر الله المثلث الأقانيم الممجد والخالق، وأني أنكر ~~الرب يسوع المسيح الإله والإنسان معا، فادي ومخلص العالم الذي تألم من أجلنا نحن ~~البشر، ومن أجل خلاصنا، وقام من بين الأموات ... إلخ. نعم، إنني أنكر الحبل بالرب ~~يسوع المسيح من غير زرع، وأنكر بقاء والدة الإله الطاهرة عذراء قبل الولادة وبعدها، ~~وإنني أنكر التثليث المبهم، ومعمى سقوط الإنسان الأول، وتاريخ الإله المولود من ~~عذراء لافتداء الجنس البشري من الخطية، وإنني أعترف بأن الله واحد، وهو روح ومحبة ~~وأصل ms38 كل شيء، وأجتهد أن أكرس حياتي وأعمالي لإتمام مشيئة الله المصرحة في تعليم ~~المسيح. # وجاء أيضا في ذلك القرار «بأنني لا أعترف بالحياة العتيدة بعد الموت، ولا ~~بالعقاب والثواب». نعم، إنني لا أعتقد اعتقادهم بالحياة الأخرى التي ينتظرونها ~~بالمجيء الثاني؛ إما عذاب أبدي مع الأبالسة في جهنم، أو غبطة دائمة في الفردوس، ~~وإنما أعتقد بحياة أبدية وثواب هنا وفي كل مكان الآن وفي كل أوان، وأتمسك بهذا ~~الاعتقاد تمسكا زائدا، ولا أتمنى لنفسي حتى النقطة الأخيرة من حياتي موتا ~~جسديا ماديا؛ أعني ولادة لحياة جديدة، وأعتقد أن كل عمل جيد يزيد سعادة حياتي ~~الأبدية، وكل عمل رديء ينقص تلك السعادة. وجاء أيضا في ذلك القرار «بأني أنكر كل ~~أسرار الكنيسة»، وهذا ما لا ريب فيه؛ لأني أعد الأسرار سحرا دنيئا لا تطابق ~~التعاليم عن الله والمسيح، وعدا ذلك فهي تناقض مناقضة ظاهرة تعاليم الإنجيل ~~الواضحة. هذا ما أردت أن أرد به على ما نسبه إلي المجمع، والحق يقال بأنني لا ~~أعتقد بما يعتقدون، ولكنني أعتقد بأمور كثيرة يدعون أنني لا أعتقد بها. # أما أنا فإني أعتقد أو أومن بما يأتي: أومن بالله أنه روح ومحبة وأصل كل شيء، ~~وأومن أيضا أنه في وأنا فيه، وأومن بأن مشيئة الله موضحة إيضاحا تاما في ~~تعليم الإنسان المسيح الذي لا أعتقد به إلها، وأعد الصلاة إليه تهكما عليه، ~~وأومن بأن سعادة الإنسان الحقيقية تقوم بإتمامه إرادة الله التي تأمر الناس أن ~~يحبوا بعضهم بعضا، حتى إذا حافظوا على هذه الوصية يستطيعون أن يفعلوا مع غيرهم ما ~~يريدون أن يفعل الناس معهم، وهذا مصرح به في الإنجيل بأعظم صراحة، وأن في ذلك ~~الناموس والأنبياء، وأعتقد بأن جوهر معيشة كل إنسان ينبغي أن يوجه إلى هذا ~~المعنى؛ أي إلى زيادة المحبة فيه، وأن زيادة المحبة تقود كل إنسان بمفرده في هذه ~~الحياة إلى سعادة عظمى، ويكون مقدار السعادة التي ينالها في الحياة الأخرى بقدر ~~المحبة التي تكون فيه، وبواسطة هذه المحبة ينتشر ويسود ملكوت الله ms39 على الأرض، وبذلك ~~تتبدل حالة معيشة الناس الحالية المبنية على الفساد والنفاق والبغض والنميمة ~~والخداع، بحب أخوي متبادل وصدق عام، وأعتقد بأنه توجد وسيلة واحدة لانتشار هذه ~~المحبة وهي الصلاة، ولا أعني بها الصلاة العامة في الكنائس التي حرمها المسيح نفسه ~~«متى ص6 عدد 5 وعدد 13»، بل الصلاة التي أرانا مثالها المسيح وهي صلاة الإنفراد ~~التي تكون بتوجيه كل الأفكار نحو العزة الإلهية، وحصرها لتتميم إرادة الحق. فإذا ~~كانت معتقداتي هذه تحزن أحدا أو تكون عثرة له أو تغيظه أو لا تعجبه، فأنا لا ~~أستطيع تغييرها، كما أني لا أستطيع تغيير جسدي، فأنا أحيا لنفسي وأموت لنفسي، ولذلك ~~لا أقدر أن أعتقد بخلاف ذلك، وعلى هذا الاعتقاد أستعد للذهاب إلى ذلك الإله الذي ~~خرجت من عنده. ثم إنني لا أجزم بأن اعتقادي هو الحق بذاته، ولكنني لحد الآن لم أجد ~~إيمانا أوضح منه يسلم به عقلي وقلبي، وإذا اهتديت إلى أحسن من معتقدي الحالي فإني ~~أقبله بكل سرعة؛ لأن الله لا يريد غير الحق، وكذلك لا أستطيع أن أرجع إلى ذلك ~~المعتقد الذي تخلصت منه بعد تلك العذابات الشديدة كما أن الطير لا يستطيع أن يرجع ~~إلى قشرة البيضة التي خرج منها. قال كولريد: «إن الذي يحب الديانة المسيحية أكثر من ~~الحق فذاك لا ريب أنه سيحب كنيسته أو معتقده أكثر من الديانة المسيحية، وينتهي ذلك ~~الشخص بمحبة ذاته «راحته» أكثر من كل شيء في العالم». # أما أنا فسرت راجعا في طريق أخرى؛ فابتدأت بمحبة إيماني المستقيم أكثر من راحتي ~~وهنائي، ثم أحببت المسيحية أكثر من كنيستي، والآن أحب الحق أكثر من كل شيء في ~~العالم، وللآن أرى هذا الحق مطابقا للديانة المسيحية كما أفهمها أنا، ولذلك أنا ~~أومن بهذه الديانة المسيحية الحقيقية فأعيش بسرور وراحة وبهناء وهدو أدنو من ~~الموت. # ليون تولستوي # | هوامش # الفصل الثاني # | رد على اعتراض تولستوي # قلنا فيما سبق إن تلاميذ المدارس العالية أظهروا شدة استيائهم من قطع تولستوي، ~~وشاركهم في ذلك سواد الروسيين المتنورين من ms40 الطبقة العلياء، وكلهم بلسان واحد ولهجة ~~واحدة، رشقوا المجمع المقدس وأعضاءه بكلام أشد من ضرب الحسام ووقع السهام، ونسبوا إليهم ~~الجنوح عن جادة الصواب، ومحجة الإنصاف، ومخالفة شريعة المسيح التي هي شريعة المحبة ~~والصفح والرحمة، وزادوا في التطاول زيادة أفرغت صبر رجال الدين، فردوا افتراءهم وفندوا ~~أقوالهم ، وأظهروا بالحجج الدامغة والأدلة الساطعة عدالة المجمع المقدس، وأنه ما فعل إلا ~~واجباته، ومن ذلك ما قاله بهذا الشأن: # حضرة الفاضل الكاهن فلاديمير بابورا # إن الكنيسة الأرثوذكسية تهتم اهتماما زائدا بخلاص أبنائها، وحفظهم من ~~الضلالات والتعاليم الكاذبة المؤدية إلى الهلاك، ولذلك أصدر المجمع المقدس ~~رسالة ضافية ضد تعاليم الكونت تولستوي الذي أنكر جهارا المسيح والكنيسة، ورد ~~ردا مفحما على كل بنود تعاليمه الفاسدة، وهو - أي المجمع - يشهد بتلك ~~الرسالة بأن الكنيسة من الآن فصاعدا لا تعتبر تولستوي من أبنائها، ما لم يتب ~~ويرجع عن أفكاره الفاسدة، ولقد تصرف المجمع تصرفا عادلا مجردا عن كل غرض، ~~ولم يكن له سوى غاية حسنة ومقصد نبيل، وهما: تثبيت أبناء الكنيسة الذين لم ~~يزالوا منضمين إليها في الإيمان الحقيقي المستقيم، وإرشاد الذين قبلوا تلك ~~الضلالة، وتحذيرهم من مناولة السم الزعاف المدسوس في تلك التعاليم الكاذبة، ~~وعلى الأخص لإرشاد نفس الكونت تولستوي وإفهامه بأن تعاليمه وأفكاره واهية ~~فاسدة، وبذلك يوقظ ضميره من سبات الضلالة. ولقد ختم المجمع المقدس حكمه بعبارة ~~مفعمة من الرأفة والحنان طبقا للمحبة المسيحية، فإنه جهر بالدعاء إلى الإله ~~المتعال ليعطيه - «أي لتولستوي» - الرب توبة لمعرفة الحق، ويرجعه إلى طريق ~~الحق ويرشده إليها. # ومع ذلك فقد صادف قرار المجمع عند فريق من الناس المسيحيين استياء شديدا، ~~وتضاربت الآراء والأفكار، ونسبوا للكنيسة وممثليها القساوة وعدم الإنصاف والظلم ~~بمعاملتهم تولستوي تلك المعاملة الشنيعة على رأيهم، والتي ما أنزل الله بها من ~~سلطان، وقالوا إن الكنيسة لم تتصرف طبقا لشريعة المسيح التي تأمر بالمحبة، ~~وغفران الزلات، ولقد شذت عن دائرة هذا التعليم الواضح، والحق يقال إن هذه ~~الأقوال أوهى من نسيج العنكبوت؛ لأنها ثقيلة على الأسماع وغريبة في ms41 بابها، وقد ~~بلغت أقصى حدود الجهالة، وخطا قائلوها خطوة شاسعة في العقوق والتطاول، وعصوا ~~أمهم الكنيسة الأرثوذكسية التي تهتم بهم اهتماما زائدا، ونسبوا لها أمورا ~~نجل قدرها عنها، ولا يخفى أن الرعاة يعلمون رعيتهم ويعظونهم كأب لأولاده «ات ~~ص2 عدد 11». # ويطلبون منهم أن يرتجعوا ويتجنبوا المباحثات السافلة والأفكار الساقطة، ولا ~~يجوز للآباء أن يصمتوا في ظروف كهذه، بل عليهم أن يعظوا ويعلموا؛ ليضحدوا ~~التعاليم الكاذبة والهرطقات قبل أن ينتشر الشر ويتسع الخرق، ويأصل في قلوب ~~الرعية. # إن الكنيسة هي ترتيب إلهي أسسها على الأرض ربنا يسوع المسيح لأجل خلاص الناس، ~~ويختص بها جميع المؤمنين سواء كانوا صالحين أم خطاة، ونفس مؤسسها الرب يسوع ~~المسيح شبهها بالحقل الذي ينمو فيه بإرادة صاحبه حتى الحصاد القمح والزوان معا ~~«متى ص12 عدد 24 و30». غير أنه يحدث أحيانا أن الخطاة يتوغلون في الخطية ~~توغلا يوجب قطعهم كأعضاء ميتة في جسم الكنيسة بقوة سلطتها المنظورة أو بقوة ~~حكم الله غير المنظور، بناء عليه لا نعتبر الأشخاص الآتي بيانهم أعضاء في كنيسة ~~المسيح: # أولا: # أولئك الذين ارتدوا عن الإيمان المسيحي، ورجعوا إلى عبادة ~~الأوثان، أو حسب قول الرسول: من داس ابن الله، وحسب دم العهد ~~الذي قدس به دنسا، وازدرى بروح النعمة «عب ص10 عدد ~~39». # ثانيا: # الهراطقة الذين لم ينكروا تماما الإيمان المسيحي، ولكنهم ~~لجهالتهم أو لتشعب أفكارهم يفسدون معتقدات الكنيسة، ويحملونها ~~على محمل يخالف ما وضعت له «كالكونت تولستوي»، وهم في ذلك لا ~~يخشون وعيد الرسول القائل: ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من ~~السماء بغير ما بشرناكم فليكن أناثيما «غلا ص1 عدد 8 ~~و9». # ثالثا: # المنشقون عن الكنيسة الذين مع أنهم لا يرفضون عقائد الكنيسة، ~~ولكنهم لا يرضخون للسلطة الكنائسية، وينفصلون عنها بذواتهم ~~وإرادتهم الخاصة، ومثل هؤلاء يصدق عليهم كلام المخلص القائل: ~~«وإن لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار.» «متى ~~ص18 عدد 17». # رابعا وأخيرا: # كل الذين ترى الكنيسة بموجب السلطة المعطاة لها من الرب ~~ضرورة قطعهم منها لانحرافهم عن الإيمان؛ قال ms42 الرب: الحق أقول، ~~كم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء، وكلما ~~تحلونه على الأرض يكون محلولا في السما «متى ص18 عدد ~~18». # فيظهر لنا مما تقدم أن الكنيسة بناء على أساس تعاليمها ينبغي عليها أن تبحث ~~عن أبنائها بحثا مدققا، وتفصل الأجرب من بين خراف قطيعها الصحيح السليم لئلا ~~يعديه، والمجمع المقدس كرئيس عال للكنيسة الروسية المستقيمة الرأي قد فعل ~~واجباته ضد هرطقة الكونت تولستوي، وأعلن قطعه بعدل تام دون غاية طبقا للمحبة ~~المسيحية السامية. # عظيمة هي خطيئة الكونت تولستوي أمام أمنا الكنيسة الجامعة المقدسة، ولكن رحمة ~~الله عظيمة لا تقاس ولا تحد، وروح قدسه الإلهي الذي يكمل كل شيء يرشد ويقود ~~الخطاة إلى الخلاص، إنه مقتدر أن يخلص وينير بنور الحق نفس الكونت الساقطة؛ ~~لأنه جبلته وصنع يديه. # إن مؤسس الكنيسة الرب يسوع المسيح جاء إلى الأرض لكي يخلص ما قد هلك، وكان ~~يفرح فرحا عظيما بوجود الخروف الضال «متى ص18 عدد 11 و13»، وكذلك الآن، فإن ~~الكنيسة الأرثوذكسية بشخص ممثليها ورؤسائها توجه كل اهتمامها لخلاص أبنائها، ~~ولا تترك في ميدان الإهمال أولئك الذين بسبب إظلام فكرهم يتجنبون عن حياة الله ~~بسبب الجهل الذي فيهم «إفسس ص4 عدد 18»، ويبتعدون عن أمهم الكنيسة التي غذتهم ~~بتعاليمها، وعن رعاتها الساهرون على الخراف الناطقة. # لقد جاء في منشور المجمع المقدس أن الوسائل التي استعملتها الكنيسة لرد ~~الكونت لم تتكلل بالنجاح؛ فلذلك اهتم المجمع أيضا هذه المرة اهتماما أبويا؛ ~~ليدعوه للرجوع إلى أحضان الكنيسة الإلهية ينبوع الخلاص على أمل أنه في أيام ~~حياته الأخيرة المضطربة يدرك حقيقة الله، ويحب مخلصنا وإلهنا الحقيقي، ويندب ~~أمامه خطاياه. وبناء عليه أصدر المجمع ذلك المنشور الذي أعلن به بأن الكونت ~~تولستوي ابتعد عن الكنيسة بإرادته واختياره، ومع ذلك فقد التمس من الرب الرحوم ~~أن يرحمه ويرده إلى طريق الخلاص والحق. # ولقد ظهر كالشمس في رابعة النهار بأن منشور المجمع المقدس لا يشتم منه ~~رائحة القساوة، كما يدعي بعض الناس الذين أسدلت الغباوة حجابا كثيفا على ms43 ~~عيونهم فحكموا عفوا على أمور مسلمة دون ترو وإمعان، فكان حكمهم فاسدا لا ~~يقبله العقل السليم، وإذا كان البعض لم يزالوا ممتعضين من المجمع لإصداره مثل ~~ذلك المنشور فليكن معلوما لديهم أن المجمع لا يستطيع أن يتصرف بخلاف ذلك؛ لأنه ~~للحصول على غاية الكنيسة الموكول إليها المحافظة على وديعة تعليم الإيمان ~~الخلاصي الثمين يطلب من المجمع المقدس أن يحافظ أيضا على تعاليمها حتى لا يطرأ ~~عليها ضرر أو تغيير، بل يبقى ذلك التعليم صحيحا كاملا بعيدا عن التحريف، ~~وإذا وجد أحد كالهراطقة والمعلمين الكاذبين الأقدمين «ومثل الكونت تولستوي ~~الآن» ينكرون عقائد المسيحية، ويقدحون في جوهر الإيمان المسيحي، فهل يسوغ ~~للمجمع أن يسكت عنهم؟ أوليس أنه محق بإعلانه سقوط تولستوي بإرادته من أحضان ~~الكنيسة؛ ليدافع بذلك عن الإيمان، ويثبت التعليم الإلهي الحقيقي، ويوطد حسن ~~العبادة في قلوب المؤمنين؟ # إن بولص الرسول معلم المسكونة العظيم يعلم تلميذه هكذا: احفظ الوديعة معرضا ~~عن الكلام الباطل الدنس، ومخالفات العلم الكاذب الاسم الذي إذا تظاهر به قوم ~~زاغوا من جهة الإيمان «تي ص6 عدد 20 و21»، وأيضا أوصاه بما يأتي: تمسك بصورة ~~الكلام الصحيح الذي سمعته مني في الإيمان والمحبة في المسيح يسوع: احفظ الوديعة ~~الصالحة بالروح القدس الساكن فينا «2 تي ص1 عدد 12 و14». ورعاة الكنيسة ~~المعينون حراسا لهذه الوديعة الروحية المنتشرون في سائر أقطار الأرض بأمر ~~مخلصنا يسوع المسيح فهم خلفاء للرسل الذين سلموهم التعليم الحقيقي، ومطلوب ~~منهم أن يعظوا رعيتهم بمواضيع توافق ظروف المكان والزمان والأحوال لأجل ~~منفعتهم، وجلب الكل إلى طريق الحق والخلاص، ولكننا نقول، والأسف يملأ منا ~~الجوارح، إن أناسا كثيرين لقلة إدراكهم، أو لضلالهم، أو لعدم فهمهم ومعرفتهم ~~واجبات رؤساء الكنيسة، قد رشقوا المجمع المقدس بعبارات السفه لقطعه الكونت ~~تولستوي، ولو علم هؤلاء قول الرسول لكفونا وكفوا أنفسهم مئونة البحث في هذا ~~الموضوع: «أطيعوا مرشديكم، واخضعوا لهم؛ لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم كأنهم سوف ~~يعطون حسابا لكي يفعلوا ذلك بفرح لا آنين؛ لأن هذا غير نافع لكم.» «عب ص12 ms44 ~~عدد 17». فكان واجب عليهم أن يتذكروا كلام الرسول القائل أيضا: «أن تعتبروهم ~~جدا في المحبة من أجل عملهم.» «أ. تي ص5 عدد 12». ولقد ظهرت عدالة المجمع ~~المقدس القانونية المبنية على تعاليم المسيح والرسل في حادثة تولستوي الذي ~~اعترف بإنكاره الإيمان بالمسيح، وعقائد الكنيسة المقدسة التي لا تعتبره ابنا ~~لها ما لم يرتد إليها من نفسه. ا.ه. # وهاك ما أجاب المطران أنطوني في 30 حزيران «يونيو» سنة 1901 رادا على كتاب تولستوي ~~الذي أجاب به المجمع المقدس بداعي قطعه من الكنيسة. # نشر في شهر أفريل الكونت تولستوي بين الناس رسالة رد بها على ما قرره بشأنه المجمع ~~المقدس، فرأيت من الضرورة أن أجيب عنها بكل إيجاز: # إن الكونت يؤيد برسالته صحة وعدالة ما نسبه إليه المجمع المقدس، غير أنه علق على ~~ذلك المنشور بعض ملاحظات كان بودي أن أفندها واحدة فواحدة لو لم تكن مجلة الإرسالات ~~الدينية كفتنا مئونة الرد عليها بما نشرته من المقالات الضافية بخصوص ذلك. # إن الكونت تولستوي ينكر برسالته، بجسارة زائدة، أن الكنيسة لم تستعمل أدنى وسيلة لرده ~~إليها؛ بل إن المجمع المقدس بعد أن اطلع على أفكاره الدينية قطعه من الكنيسة، وأصدر ~~بحقه حكما جائرا، وقد كذب هذا الادعاء عدة من كتابنا فلم يدعوا مجالا لقائل، وإنني ~~في عجالتي هذه أورد بهذا الشأن شهادة رجل من أعاظم الروسيين الأتقياء هو الكونت ~~فلاديمير بوبرنيسكي الذي ليس لي به سابق معرفة، ولكنه أرسل لي كتابا مدبجا بيراع ~~الأسف الذي خامر فؤاده لدى اطلاعه على رسالة الكونت تولستوي التي يرد بها على المجمع ~~المقدس، وبالأمس أرسلت كتابا ألتمس به منه إذنا بنشر كتابه؛ لأنه يتضمن شهادة واضحة ~~لا تحتاج إلى إثبات على أن الكنيسة استعملت الوسائل الواجبة لإرشاد تولستوي وإرجاعه عن ~~أفكاره، فأجابني الكونت بوبرنيسكي بكتاب ثان جاء فيه بعد الديباجة: # إذا كنت أيها الحبر ترى في نشر كتابي منفعة للكنيسة فأنا أوافق على نشره، ~~وأعد موافقتي فرضا لازبا علي أمام الحق والكنيسة المقدسة التي عظمت في ~~عيني بعد ms45 قراءتي الإهانة التي ألحقها بها الكونت تولستوي ... # وهذا نص الكتاب الأول: # أيها السيد الكلي القداسة، قرأت بالأمس من أيادي الناس جواب الكونت تولستوي ~~على منشور المجمع المقدس، وقد أثر بي تأثيرا سيئا ما ورد به، وهو أن الكنيسة ~~لم تسع لإرشاده ورده عن ضلاله، وبما أن ادعاءه هذا افتراء محض، ولدحضه أورد ~~لكم ما سمعته بأذني من نفس الكونت تولستوي. # منذ عام زرت الكونت في قرية ياسانيا بوليانيا، وفي أثناء إقامتي عنده علمت أن ~~كاهن سجن تولا يتردد عليه مرارا عديدة، فسألت الكونت عما إذا كان يسر بزيارة ~~ذلك الكاهن؛ فأجابني ما نصه بالحرف الواحد: «إن كاهن سجن تولا رجل حسن السيرة ~~دمث الأخلاق لين العريكة، وفوق ذلك فإنه مؤمن إيمانا حقيقيا، وإني أسر ~~كثيرا بمسامرته، غير أن سروري ينعكس لدى معرفتي بأنه يأتي إلي من قبل رئيس ~~الكهنة لإرشادي ووعظي». # أكتب لكم هذه الشهادة وليس لي بذلك غاية سوى إظهار الحقيقة التي لو سكت ~~عنها لم أسلم من نخس الضمير؛ بل كنت أشعر دائما بأني أخشى غضب الكاتب الشهير ~~أكثر من غضب الله عز وجل. ا.ه. # أما بقية ما جاء في جواب الكونت تولستوي فإن الفؤاد يجمد جزعا لتلاوتها، ويقشعر ~~الجسم من هول ما تضمنته تلك الرسالة؛ لأنه يعد تاريخ تجسد المسيح، وتعاليم الفداء، ~~ومعرفة المسيح إلها، تهكما وتجديفا، أعني أنه يمحو بذلك كل الديانة المسيحية، فلما ~~طالعت ذلك، وعرفت أنه كان يتمنى الحصول على رخصة لطبع كل كتبه بخصوص الدين، ولو نال ~~متمناه فلا ريب أنه كان لا يمضي وقت وجيز على الكنيسة إلا ويخرج منها الناس أفواجا، ~~ولا يبقى فيها غير الزعانف فأحاق بي خوف عظيم من أعمال وأفكار هذا الرجل التعيس، ~~وتمثل أمامي يوليان الذي أراد أن يمحو عن وجه الأرض تعليم المسيح، وتذكرت هلاكه ~~وتاريخه المشين، ففهت بنبوة أشعياء النبي على بابل: اصعد إلى السموات، وارفع كرسي فوق ~~كواكب الله، وأصير مثل العلي، لكنه انحدر إلى الهاوية إلى أسفل الجب. # ولقد جمد فؤادي من تجديف ms46 الكونت تولستوي الغير المعقول، فإن ذلك ما هو إلا مخاصمة ~~الله وإشهار حرب على المسيح ابن الله الحي الذي سيدين الأحياء والأموات. قال بولص ~~الرسول: «إن كان أحد لا يحب الله الرب يسوع المسيح فليكن أناثيما ماران أثا.» «1 ك ص16 ~~عدد 22»، وجاء في بشارة متى: «من ينكر الرب يسوع فالمسيح ينكره.» «ص10 عدد 33»، ومن ~~ينكر ألوهية يسوع المسيح ويتمسك بهذا التجديف فهو محروم، وإنكاره هذا يجلب عليه اللعنة ~~دون أن يوجهها إليه أحد، ويبعد نفسه عن الله، ويحرمها الحياة الإلهية، ويبتعد عن روح ~~قدسه، ولقد قال الرسول: «ليس أحد وهو يتكلم بروح الله يقول يسوع أناثيما، وليس أحد يقدر ~~أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس.» «1 ك ص12 عدد 3»، وإن الكونت تولستوي قال هذه ~~الأناثيما على الرب يسوع المسيح. # خطرات أفكار لأسقف أرثوذكسي طالع اعتراف تولستوي الجديد # أيجوز بعد هذا الإقرار الجديد الذي جاهر به الكونت تولستوي أن ندعوه تابعا ~~للكنيسة الأرثوذكسية المقدسة أو مؤمنا باستقامة رأيها، فإذا كان أحد لم يزل مشككا ~~بذلك، فلا ريب أنه بعد مطالعته رسالة الكونت الأخيرة تزول من نفسه تلك الشكوك، ولم ~~يكتف الكونت بأنه أنكر جهارا جميع عقائد الديانة المسيحية، وجاهر بالابتعاد عن ~~الكنيسة المستقيمة الرأي، وجحد جميع أسرارها المقدسة، وسمى تعاليمها مجموعة أكاذيب ~~وخداع وخرافات خشنة، وزاد على ذلك بأنه أعلن جميع أقاربه بأن لا يدفنوه حسب طقوس ~~تلك الكنيسة، فهل بعد هذا يجوز للمجمع المقدس أن يصمت بعد أن سمع هرطقة تولستوي ~~وشاهد تعاليمه التي انتشرت بسرعة في سائر أقطار الأرض ولو أنه لم يقبلها أحد ولكنها ~~وجهت التفات الناس إليها؟ ثم أليس أن المجمع بسكوته يكون سببا لعثرة أبناء الكنيسة ~~المؤمنين، وتركهم الإيمان القويم، وخروجهم عن حظيرتها؟ وهل يسوغ للمجمع أن يأذن ~~بالصلاة على جثة تولستوي الذي طبق ذكره أربع أقطار المسكونة؟ أليس أنه يجلب بذلك ~~هزؤ وسخرية جميع أعداء الكنيسة، وعليه نقول: إن المجمع المقدس تصرف بقطعه تولستوي ~~بحكمة زائدة، وما فعل إلا واجباته المطلوبة منه، ولا ms47 يختلف في ذلك اثنان، فنسأل ~~الله أن يوطد دعائم الكنيسة، حتى إنها لا تخجل من المجاهرة بمعتقداتها وإيمانها ~~بالله وبنفسها. أما الكونت، فقد اعترف وأقر بأنه ابتعد عن الكنيسة، وأيد أفكاره ~~التي جاهر بها، غير أنه علق بعض ملاحظات على منشور المجمع ضده، وانتقد بعض مواضع ~~منه انتقادا أملاه عليه الغرض الذي تملكه، فاعترض على المجمع لأنه قطعه وحده من ~~الكنيسة مع وجود كثيرين يعتقدون اعتقاده، وصرحوا باعتقادهم في الكلام والحديث ~~والنشرات والكتب، ولكن المجمع لم يقطع أحدا منهم عن الكنيسة سواه، وفي ذلك ما فيه ~~من الانحراف عن جادة الحق والإنصاف، وأشار في كتابه إشارة خفية بأنه هو الكاتب ~~الشهير الذي قبل العالم أفكاره، وترجم كتبه إلى جميع اللغات في نفس وقت ظهورها ~~باللغة الروسية، وأنه لا يجوز مساواته بزعانف الكتاب. ثم قال بأن أتباعه بخصوص ~~الدين قليلون؛ لأن المراقبة كانت تمنع انتشار كتبه الدينية فأضحى وجودها من جراء ~~ذلك كالعدم، ونحن لا نوافقه على ذلك أبدا؛ لأنه وإن كان أتباعه قليلين فمؤلفاته ~~انتشرت في كل مكان عرف به اسم تولستوي، وهذا الاسم أصبح أشهر من نار على علم؛ لأنه ~~ما من إنسان يحسن القراءة في العالم إلا ويعرفه، وإذا كان يجهله بعض بسطاء روسيا ~~فسيأتي وقت يتنور به الجميع ويطالعون مؤلفات تولستوي التي ستدوم إلى الأبد، فينبغي ~~علينا من الآن أن ننبه أفكار البسطاء الذين ستشرق عليهم أنوار العلم في المستقبل، ~~ونوضح لهم بأجلى بيان وأقوى برهان فساد هذه البدعة أو الضلالة، حتى لا ينغروا ~~بسفاسف الأقوال، ويسقطوا في مهاوي الضلال. # وشهرة تولستوي بعثت الكنيسة لأن تفقه واجباتها، فألقت الحرم والقطع على كل من ~~ينكر تعاليمها، ولم تهتم بالكتاب الذين هم في الخفاء فيما سبق، وهذه عادة جرت ~~عليها الكنيسة منذ إنشائها إلى يومنا هذا؛ لأنها تعلم ضعف الجنس البشري، ولذلك ~~تتجاوز كثيرا ما عن هفوات بعض أبنائها الخوارج، ولذلك كانت تقطع الرجل الذي تتيقن ~~تهوره الزائد وتتأكد بأنه لا يمكن إصلاحه وإرجاعه عن ضلاله، وتصرفها هذا إذا ms48 ~~تأملناه بعين الحقيقة نراه بالغا منتهى العدالة والإنصاف، وهي تعلم بأن مصير ~~الإنسان النهائي لا يتوقف على قطعة ورق مكتوبة أو مطبوعة، ولا على فرزه من بين ~~أعضائها بالحرم، بل يتوقف على خروجه وابتعاده عن طريق الحق وينبوع الحياة، وحرم ~~الكنيسة في مثل هذه الأحوال لا يكون إلا كشاهد على ذلك، ولو فرضنا أن رجال الكنيسة ~~الروحيين تغاضوا عن وجود شخص شذ بين المؤمنين، وتساهلوا بعدم قطعه، أو أنهم لم ~~يعلموا بوجوده، فإنه لا يستطيع أن يختفي من أمام قضاء الله العادل الذي لا تخفى عنه ~~خافية، وكذلك لا يضر قداسة الكنيسة، وعدا هذا فاللعنة أو الأناثيما ما هي إلا آلة ~~عقاب للانتقام من الخاطي؛ لأن الرب يقول: «لي الانتقام، أنا أجازي، يقول الرب.» ~~والكنيسة تعلم هذه الكلمات أكثر من غيرها، واللعنة الكنائسية ما هي إلا واسطة ~~لإرجاع الخاطئ، وإذ لم يكن ذلك في الإمكان فإنه يقصد بها إعلان جماعة الكنيسة عن ~~ظهور ضلال بدعة، وبذلك تمنع ضلال البسطاء؛ لأنها في قطعها الضال وإظهار زيغه وضلاله ~~توطد عقائد إيمانها وتؤيدها بالبينات الدامغة فتمنع انتشار الضلال، وكما قدمنا إن ~~الكنيسة كانت تجنح إلى مثل ذلك فقط في الحوادث المهمة التي يخشى منها جلب الضرر ~~والتعب كما فعلت الآن بظهور ضلالة تولستوي الشهير. # ثم إن الكونت يعترض على أن منشور المجمع يتضمن نميمة ضده حركت الناس على شتمه ~~وقذفه بأقبح أنواع المثالب، والذي دعاه أن يعترض هذا الاعتراض هو أن المجمع المقدس ~~ينسب إليه أنه كرجل غيور متعصب ينشر تعاليمه، ويقول تولستوي: إن هذا المدعى لا ~~ظل له من الحقيقة، وهاك كلماته: «إني لم أجتهد أبدا لنشر تعاليمي.» # ولا جرم أن القارئ يستغرب هاته الكلمات؛ لأن تولستوي يعرف تمام المعرفة بأن ~~مؤلفاته «وعلى الأخص الأخيرة» ستطبع برمتها، وتروج رواجا عظيما، وينتشر مئات ~~وألوف منها في جميع أقطار العالم؛ وبالأخص في روسيا، فكيف يقول إذن لا ذنب له بنشر ~~تعاليمه الكاذبة، والمجمع المقدس محق بما قاله من أن تولستوي كمتعصب غيور كان ينشر ms49 ~~تعاليمه منذ سنين عديدة، ويكرز بها بقصد هدم عقائد الكنيسة المقدسة، والمجمع جمع ~~بهذا القول جميع أعمال تولستوي العلمية بقطع النظر عن الطرق التي كان يستعملها لبث ~~هذه التعاليم؛ سواء كان يطوف بين الشعب بنفسه للوعظ بها أو كان يرسل بذاته مؤلفاته ~~للمطابع، أو كان يعهد بذلك إلى أصدقائه ومريديه، ومعلوم أن من يقدم السم لإنسان ~~فلا شك أنه يقترف إثما عظيما، ولكن الأعظم منه ذنبا هو ذاك الذي يركب السم؛ ~~لأنه يعلم أن القصد من عمله هلاك شخص ما، وهذا عمل فظيع، وإثم كبير، وبالإجمال، إن ~~هذه النقطة من كتاب تولستوي لا تخلو من الغرابة. # وأغرب من ذلك وأعجب ما قاله الكونت في اعتراضه وتكذيبه المجمع بما جاء في منشوره ~~من أن الكنيسة لم تستعمل أدنى وسيلة لإرشاده مع أنه حضر إليه عدة رهبان بهذا الخصوص ~~فكانوا يحادثونه عن الإيمان، وكان هو يقبلهم ويحادثهم برضاء تام، حتى إنه صرح ~~بذلك لبعض أصدقائه من الأشراف والعظماء، وأخبرهم بما كان يدور بينه وبينهم من ~~المباحث الدينية، وأنه كان يعلم بأن هؤلاء الكهنة يأتون إليه من قبل الأساقفة ~~ككاهن سجن تولا وغيره. فهل بعد ذلك يحق لحضرته أن يقول بأن الكنيسة لم تعظه أو ~~ترشده وتنبهه إلى غلطه العظيم وخطئه الفاحش؟! وربما يدعي بأن المجمع المقدس لم يرسل ~~إليه أحدا رأسا، وأن الكهنة المرسلين من قبل الأساقفة وليس من قبل المجمع، فنجيب ~~على ذلك: إن المجمع والأساقفة مرتبطون ببعضهم ارتباط حلقات السلسلة، وفي كل الأحوال ~~أخطأ كاتبنا الشهير خطأ عظيما لا يغتفر. # ثم يقول الكونت بأنه ترك الكنيسة بعد أن درس تعاليمها بكل دقة وإيضاح، فكان كلما ~~يزيد في الدرس والبحث يزداد شكا في صدق تلك التعاليم. أجل، إن هذا الحادث محزن ~~جدا، ولكنه من جهة أخرى ليس هو الوحيد من هذا القبيل، وإن مثل هذا يحدث ليس من ~~كذب تعاليم الكنيسة ولا من أي شيء يلم بها، بل من ضعف إيمان وتشعب أفكار من يبحث في ~~هذه التعاليم بحثا يخالف وضعها، ms50 وينظر إليها نظرا يطابق أفكاره الفاسدة. وقد أوضح ~~الكونت نسبة الإنسان إلى الكنيسة وأسرارها في روايته «حنه كارينينا»؛ وخصوصا عند ~~ذكره الصلاة أمام فراش نقولا ليفين، وهو رجل ابتعد عن الكنيسة ورفض تعاليمها، وبقي ~~على حالته مدة طويلة، غير أنه في آخر حياته أصيب بمرض عضال، وفي إبان مرضه عاد ~~إلى الكنيسة، وأمر أن تقام في غرفته صلاة، وذلك عندما كان على فراش الموت ظانا ~~أنه بواسطة هذه الصلاة يتجدد الإيمان في نفسه، وهذا الإيمان يشفيه من مرض السل؛ ~~فكان ينظر إلى الأيقونة نظر من يسأل شيئا، ثم أخذ يتفرس في وجهه لعله يقرأ في ~~ملامحه جوابا لسؤاله، وكان نقولا يكرر رسم الصليب أمام الأيقونة مرات متواصلة ~~مجتهدا؛ لكي يدب الحرارة في قلبه الميت، ولكنه لم ينل متمناه، وذهبت أتعابه أدراج ~~الرياح، فأمر بعد نهاية الصلاة بطرح الأيقونة خارجا بعد أن وجه إليها كل عبارات ~~السفه والشتائم. # فالكونت تولستوي يوضح تعاليم الكنيسة في رواياته بأمثال كهذه، والإنسان لا يريد ~~أن يفهم بأن الخلاص لا يتم إلا بتهذيب النفس الأدبي، وأنه يقدر أن يشترك مع الله ~~بالقداسة فقط، وهو - أي الإنسان - عجول في كل أموره، ويزعم بأنه إذا فعل بعض ~~المظاهرات الخارجية يرتقي حالا إلى قمة الخلاص الديني، ويقتطف حالا جميع أثماره ~~الشهية، وهو يزعم أيضا بأن الأسرار تقوم بمثابة علاج شاف لذلك، وبمجرد إتمامها ~~يتصور أنه سيشعر فورا بتأثيرها في داخل نفسه، وأعماق قلبه! وما قلناه عن هذا نقوله ~~عن جميع تراتيب الكنيسة. فالإنسان لا يلحظ ولا يشعر بالمفعول الذي ينجم عن تناوله ~~الأسرار أو تتميم جميع فروض الكنيسة؛ لأن حالته الروحية الأدبية التي تؤثر فيها تلك ~~الأسرار والفروض الموضوعة لها قد انفسدت فسادا ظاهرا، فيعتقد أنها عديمة التأثير ~~والنتيجة، وأنها بحد ذاتها لا أهمية لها، ومع اعتقاده هذا يسعى للحصول على اقتطاف ~~أثمارها ليأكلها بقبول وشهية! فأسرار الكنيسة لا تخلص الإنسان عندما يستعملها ~~كعلاج للخلاص، بل تخلصه عندما يتناولها بقصد إنكار النفس الداخلي وحمل الصليب ~~بتقديم نفسه ضحية لله. ms51 على هذه الصورة تعرف الكنيسة نفسها، وتفهم معنى أسرارها، ~~ويحذو حذوها جميع أبنائها المسيحيين الحسني العبادة الذين يصرحون بهذا الاعتقاد في ~~كل زمان ومكان، ولا عجب إذا وقع على رهباننا وعلى شعبنا البسيط وجل عظيم لدى ~~مطالعتهم في رواية البعث كتابة تولستوي عن سر المناولة؛ لأنه ما كان يدور بخلدهم ~~أنه يوجد إنسان على الأرض يعرف سر المناولة على طريقة تولستوي المادية. ولنا ~~ملاحظة أخرى على الكونت لا بد لنا من إيضاحها، وهي أنه في آخر كتابه يقول إنه ~~يستطيع أن يغير أفكاره عندما يجد معتقدا أوضح من معتقده، ولكنه لا يقدر أن يرجع ~~إلى أحضان الكنيسة ويحسب من أبنائها، كما أن الطير لا يستطيع أن يرجع إلى قشر ~~البيضة التي خرج منها. فيظهر من كلامه هذا بأنه لم يزل مشككا بصحة مذهبه الجديد، ~~وبذلك يكذب نفسه بنفسه، ولا خير في مذهب لم يزل صاحبه مرتابا بصحته، ثم إن ~~الكونت يقول إنه يؤمن بإله روح ومحبة، ويزعم بأنه إذا جمع عدة ألقاب مرادفة يعبر عن ~~إيمانه، ولكن يا ترى ما هو إله المحبة إذا لم يكن في الوقت نفسه ذاتا؟ وهل لهذه ~~المحبة معنى أزلي بعيد الغور يطابق ناموس الحياة العالمية العامة؟ وهذه المحبة ~~نراها ثابتة حقيقية أزلية في الله المثلث الأقانيم. وتولستوي يستمد أصل معتقده ~~الجديد من الديانة التي تركها، واستهزأ بها، وتهكم عليها، وكذلك ما قاله عن خلود ~~النفس والعقاب والثواب، فإنه مبهم كل الإبهام، وإذا لم يكن هذا الخلود موضحا ~~إيضاحا تاما ومعرفا تعريفا ظاهرا، فإذن بالطبع لا يكون شيء بعد الموت، ولا ~~هنالك ثواب أو عقاب؛ لأن الطبيعة دائما في حالة واحدة غير مائتة وعديمة التغيير، ~~وسوف نرى من يتمنى لنفسه خلودا كالخلود الذي يعتقد به تولستوي؛ حيث لا عقاب ولا ~~ثواب! فالكونت تولستوي كلامه يناقض بعضه؛ فمن جهة ينكر تعاليم الكنيسة عن الثواب ~~والعقاب، ومن جهة أخرى عند كلامه على معتقده بهذا الخصوص يستعمل نفس الكلام الذي ~~تعبر به الكنيسة عن تعليمها فينجم عن ذلك ms52 حالة حرجة، وهي أن الإنسان يحب شخصا ~~ويحترمه ويسأله، ويوجه كل أفكاره لتتميم إرادته، ولكن في الوقت ذاته يثبت أن ذلك ~~الشخص ليس له إرادة ولا معرفة، وينهى عن محبته وإكرامه، وإذا كان الكونت يعترف ~~بوجوب الصلاة، ويقول إن أساس الحياة هو الله المحبة، وأنه يجب على الإنسان أن يتمم ~~إرادته، فمن هذا القبيل يكون هو الإله الحي الذي تعترف به الكنيسة المقدسة، وينكره ~~بالفكر والقول الكونت تولستوي. # ثم إنه لنا مزيد الأمل برجوع الكونت إلى أحضان الكنيسة، وصيرورته من أبنائها، ~~واعتقاده بتعاليمها، وذلك بالنظر لسمو أفكاره وسعة مداركه حقق الله آمالنا به، غير ~~أن تابعيه يحولون دون رجوعه إلى التوبة، ولكنه ما دام معنا، ولم يحن له الوقت ~~للوقوف أمام الديان العظيم، فلا نقنط من مراحم الله غير المتناهية، وينبغي علينا ~~أن نصلي إليه بحرارة إيمان؛ لكي يرحم عبده ويرده إليه، ويؤهلنا معه بقلب واحد وفم ~~واحد أن نمجد اسمه القدوس. ا.ه. # الفصل الثالث # | كتاب مكشوف للكونت تولستوي من رجل كان على مذهبه ثم ارتد إلى الكنيسة # أيها الكونت ليون نيكولا يفتش # إنه من ذاك الوقت الذي افترقنا به؛ أي منذ عدت أنا أرثوذكسيا، وقد مر على ذلك نحو ~~ثمانية أعوام لم أعد أخاطبكم بما هو مهم لنا نحن الاثنين، وقد عزمت عدة مرار على أن ~~أكتب لكم، لكنه لإيقاني بأن كتابتي لا تجدي نفعا فأحجم عن ذلك. غير أني الآن لما ~~قرأت ردكم الأخير على قرار المجمع بشأنكم عزمت أن أكتب لكم بعض كلمات، فأخذت اليراع ~~وفؤادي يختلج في صدري من عظم التأثير الذي ألم بي، وأنا لم أر شيئا جديدا في ~~اعترافك الجديد؛ لأنه معلوم لدي منذ كنا سوية. # قلت في ردك إن حكم المجمع بشأنك جائر؛ لأنه حكم عليك وحدك بالخروج عن محجة ~~الكنيسة، وجادة الحق والصواب، مع أن كثيرين يعترفون اعترافك. أقول: إنك محق في كلامك، ~~ولكنك من جهة أخرى غير محق؛ ذلك لأن الذين يعترفون اعترافك لم يجاهروا بهذا المعتقد كما ~~جاهرت أنت، ولم ms53 يحملوا حملتك على الكنيسة ورئيسها وأسرارها وخدمتها. ثم إنني أقدم لك ~~برهانا دامغا على عدائك الشديد للكنيسة، واستياء أعاظم الكتاب منك؛ كلام رجل لا ~~تستطيع أن تنكره، ولا ريب تذكر ما كتبه في حقك صديقك الحميم الكاتب الشهير فلاديمير ~~سولوفييف في رسائله الثلاث تحت عنوان «حديث تحت النخل»، وتذكر أيضا أنني كتبت له أسأله ~~عن سبب النفور بينك وبينه، حتى أدى ذلك إلى عداوة شديدة بينكما بدلا عن تلك الصداقة، ~~وقد أطلعتك إذ ذاك على جوابه الذي قال في ختامه: «إن حملة تولستوي على الله وتهكمه على ~~مسيحه في روايته البعث قد أثرت بي تأثيرا شديدا وهيجتني ضده.» ثم إنك في كلامك عن ~~طقوس الكنيسة ومعتقداتها وأسرارها تقول بأنها ما هي إلا مجموعة أكاذيب وسحر وخداع، ولا ~~أخوض عباب الرد عليك في هذا الشأن؛ لأن رجال الكنيسة لم يدعوا مجالا لقائل، وإنما ~~وجدت من الضرورة أن ألقي نظرة عامة على ردك الأخير، وأجيب عليه بكل إيجاز فأقول: إن في ~~بعض فصول اعتراضاتك على عقائد اللاهوت قلت بأنك تعتبر الكنيسة بأنها مؤلفة من ألوف من ~~الرجال الهمج ذوي شعر طويل طائعين طاعة عمياء لمئات من ذوي الشعور الطويلة مثلهم، فتعني ~~بذلك رجال الدين. ولا أرد على تعريفك هذا للكنيسة؛ لأن الاعتراض عليه لا يجدي نفعا؛ ~~لأنه بعيد عن الحقيقة مراحل، ودليل على جهلك تمام الجهل لحقيقة الكنيسة وإنشائها ~~وتأليفها. ولو فرضنا أن تعريفك هو حقيقي، وأن الكنيسة ما هي إلا رجال الإكليروس، وأنهم ~~كلهم فاسدو السيرة ومتكبرون، ويحافظون بالتواتر على تعليم الكنيسة الذي تسلموه، ولكن ~~ألم يخطر على بالك متى نشأ هذا التعليم؟ ومن وضعه؟ فإنه كما لا يخفاك ليس الإكليروس ~~الحالي المتكبر الفاسد الأخلاق «على رأيك» هم الذين وضعوا الأسرار وألفوا العقائد ~~ونظموا الشعائر، بل معظمها نراها واردة في العهد الجديد. وأوجه التفاتك إلى كلام بولس ~~الرسول في رسالته إلى أهل كورنتوس كيف أنه يفهم كلام الرب عن الجسد والدم كما نفهمها ~~نحن الأرثوذكسيون، وأنه وضع ترتيب المائدة المقدسة بقوله: ms54 «لأن الذي يأكل ويشرب بدون ~~استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميز جسد الرب» ... إلخ «1 كو ص11». ثم أليس أن ~~المسيح يعترف في الإنجيل بالله كما نعترف به نحن؟ # أليس في رسائل الرسل موضحا أتم إيضاح أن عمل الفداء حجر زاوية هذا التعليم؟ أليس أن ~~أقرب تلاميذ المسيح «ونفس رسول المحبة» كانوا يذهبون إلى هيكل أورشليم لأجل الصلاة؟ ~~وأنه في الأجيال الأولى المسيحية انتشرت خدمة القداس الإلهية ووضعت الترتيبات ~~الكنائسية، وأن تلاميذ المسيح والذين تتلمذوا لهم كانوا يحافظون على هذه التعاليم أشد ~~المحافظة، ويبذلون دمهم في سبيل صيانتها من التعدي عليها؟ أليس أنك جرحت إحساسهم ~~وأهنتهم في تسميتك هذه التعاليم كذبا وسحرا وخداعا؟ # يا حضرة الكونت تولستوي، تقول إنك تحب الحق أكثر من كل شيء في العالم، فأرنا ذلك ~~بالفعل، وما عليك لذلك إلا أن تطرح أفكارك الحاضرة عن الكنيسة، ولو إلى أمد قصير، ~~وعندما تنساها وجه أفكارك إلى الأجيال الأولى من ظهور الدين المسيحي. فهل يا ترى بعد ~~ذلك تستطيع أن تتهم بالوقاحة ومحبة الفضة وقلة الشرف والعظمة أولئك المسيحيين الذين ~~جاهدوا جهادا حسنا في سبيل انتشار الديانة المسيحية، وأدهشوا العالم بأعمالهم العظيمة ~~حتى أقر لهم الملوك بالفضائل، ومالوا بكليتهم إليها؛ لأنهم أخرسوا العلماء والفلاسفة ~~بحكمتهم وفلسفتهم الحقيقية؟! اذكر بوليكارب، والفيلسوف يوستين، وأنطوني ومكاريوس ~~العظيمين، ويوحنا الذهبي الفم، وباسيلوس العظيم، وغريغوريوس المتكلم باللاهوت، ~~وأفغوستين المغبوط ... وغيرهم من الذين احتملوا اضطهادات جمة لأجل توطيد دعائم الدين ~~المسيحي، بماذا يا ترى تفسر خدماتهم العظيمة التي قاموا بها نحو الحق مع خدمة ألوف ~~مثلهم؟ ألا يدل ذلك دلالة صريحة على صدق تعليم الكنيسة الذي جاهد في سبيله هؤلاء الرجال ~~المشهورون بالتقوى والصلاح، المعروفون بالغيرة والنشاط، والذي أنت تسميه ضلالا وكذبا ~~وخداعا؟! # ومما لا سبيل لإنكاره هو أنه وافق على تعليم الكنيسة هذا وتعليم السيد المسيح والرسل ~~الأطهار في عدة أجيال رجال من شعوب مختلفة ومرام متباينة، مختلفون في المعارف، والجنس، ~~والإدراك، ولم يقم من بينهم واحد يعتقد اعتقادك، ويسعى ليفسد جوهر ms55 الإيمان كما سعيت ~~أنت، ومع مرور الأيام وكرور الأعوام لم يستطع أحد أن يدحض الإيمان المسيحي الصحيح، ولا ~~أن يشوبه بشائبة. وقد قام في كل زمان ومكان رجال شهد لهم العالم بسمو المدارك وسعة ~~الاطلاع، ولم يشكك واحد منهم بلاهوت المسيح أو بالتثليث، وأقرب شاهد على ذلك باسكال، ~~وغلادستون، وسولوفييف الروسي، ولقد طالعت عدة مرات دستور إيمانك الجديد فكنت أشعر لدى ~~مطالعتي إياه بحزن شديد مؤثر للغاية. نعم، إن كلماتك التي تقر بها عن الله حسنة ، وهي أن ~~الله روح ومحبة وصدق، ولكن لدى قراءتها لا تتأثر النفس كما يجب، بل تبقى بعيدة عن ~~الإحساس بعد الحقيقة عن معتقدك، وإنني ما زلت أتذكر ترجمتك للفصل الأول من إنجيل ~~يوحنا، وكيف أنك حرفت الترجمة تحريفا قبيحا ظاهرا؛ حيث الأصل الحقيقي يقول: «في ~~البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.» فحرفتها هكذا بقولك: «في ~~البدء كان المعرفة، والمعرفة صارت عوض الله، ثم صارت المعرفة الله.» # فيا حضرة الكونت، ما هو الله المعرفة؟ فبجسارة أقول لك: إن إلهك ما هو إلا مجموعة ~~أفكارك التي أحببتها وما زلت عليها، ولم تزل تنقلها من جهة إلى أخرى مدة عشرين سنة، وهي ~~أفكار متشعبة مضطربة لا تستقر على حال من القلق. # ولا يخفاك بأن الإيمان على نوعين: إيمان بالخبر «رومية ص10 عدد 17»، وإيمان بالثقة ~~بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى «عب ص11 عدد 1»، وهذا هو الإيمان الحي المنتظر الذي ~~يهب الناس ثقة لا تتزعزع بما لا يرى، وهو - أي الإيمان - بعيد عنك بعد السماء عن وهاد ~~الأرض؛ لأنه يعطى من المسيح الإله والإنسان الذي أنكرته، ونحن ما دمنا أحياء على الأرض ~~ننال بواسطته وحده الزلفى إلى الأب السماوي القدير فنحصل على مواهب رحمته العظمى، وأنت ~~بإنكارك المسيح الفادي تحرم نفسك مواهب نعمته السامية، ولعدم اختيارك الروحي قوة تلك ~~المواهب فلا تستطيع أن تميز محبة المسيح من محبة الطبيعة، ولا التواضع من الكبرياء؛ ذلك ~~لأنك لا تدرك قوة الإيمان بالمسيح المصلوب الذي قام من ms56 بين الأموات، ومن جهلك ضرورة ذلك ~~الإيمان لولادة الإنسان الجديدة. # ومما يستحق الاستغراب والدهشة هو أنك لحد الآن تجهل تمام الجهل معرفة حياة نفس ~~الإنسان التي عرفها أبسط الناس العديمي العلم والمعرفة، الذين قال عنهم رسول الأمم: «إن ~~الله اختار جهال العالم ليخزي الحكماء، واختار ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء؛ حتى لا ~~يفتخر كل ذي جسد أمام الله.» وكيف أننا لا نستغرب ذلك؟ فإن الله كشف لبولص البسيط الوحي ~~الروحي الإلهي، وأخفاه عن تولستوي الفيلسوف الشهير، ثم إنك أوردت شهادة على حسن اعتقادك ~~بعض أسطر لكولريد الشهير التي رأيت ضرورة إعادتها، وهي أن الذي يحب الديانة المسيحية ~~أكثر من الحق فذاك لا ريب أنه سيحب كنيسته أو معتقده أكثر من الديانة المسيحية، وينتهي ~~ذلك الشخص بمحبة ذاته «راحته» أكثر من كل شيء في العالم، فخذ لك مثالا على فساد هذا ~~الكلام وبعده عن الحقيقة: بولس الرسول الذي تكرهه كرها شديدا لإيضاحه تعليم المسيح ~~أكثر من بقية الرسل الذين شادوا جميعا كنيسة المسيح المقدسة، فإلى أي شيء انتهى هذا ~~الرسول؟ أإلى محبة ذاته «راحته» أكثر من كل شيء في العالم؟ إن عدو الحق المبغض لا ~~يستطيع أن يقول عنه ذلك، أليس أن هذا الرسول الأمين قضى حياته باحتمال الاضطهاد ~~والمشقات والأتعاب من أجل المسيح؟ # وأذكرك بأقرب التلاميذ للمسيح؛ وهما: بطرس ويوحنا، وأوجه أنظارك إلى رسائلهما عن ~~تعليم المسيح، ترى أنهما أتما حياتهما بالطرد والاضطهاد والموت شهيدين. ثم إني لا ~~أذكرك بأيام الاضطهادات الشديدة التي ثارت على المسيحيين وأقلقت راحتهم، حتى إن كثيرا ~~منهم أهرقوا دماءهم من أجل اسم المسيح القدوس وكنيسته الطاهرة، ولا أذكرك بحالة نساك ~~البراري وما قاسوه من شظف المعيشة والتقشف والإمساك؛ كأنطوني ومكاريوس وغيرهما، الذين ~~تركوا ملذات هذا العالم، وقمعوا شهوات النفس، كل ذلك من أجل محبتهم للمسيح. # وقبل أن أختم كلامي أقول: إن وقتنا قد دنا للنهاية، وإني لا أقطع الرجاء ولا أيأس من ~~أنك في دقائق غربتك الأخيرة على الأرض ستضطرم صورة الفادي في نفسك، وتخرجك من ms57 الظلمة ~~إلى النور العجيب المدهش، كالسعيد الذكر غوستين. # الفصل الرابع # | خاتمة الكتاب # رد مطول لحضرة العلامة الشهير واللاهوتي الفاضل الكاهن قسطنطين إجييف، أستاذ ~~التعليم المسيحي في كلية الإمبراطور نقولا الأول للإناث في مدينة كييف، وقد وجه كلامه ~~فيه لأدباء الهيئة الاجتماعية ونخبة كتاب الروس الأفاضل، حيث قال: # من الغريب أن أفاضل ونبلاء هيئتنا الاجتماعية أبدوا استياء شديدا من رسالة المجمع ~~المقدس التي أصدرها في حق تعاليم تولستوي، واتخذوها واسطة لإظهار تعلقهم به وحبهم ~~الشديد له، فقد صاغوا على أثر صدورها من مبتكرات قرائحهم تلغرافا يشف عن رقة زائدة ~~ومحبة أكيدة وميل شديد لفيلسوف روسيا العظيم، أرسلوه له في 28 فبراير «شباط» عام 1901، ~~وكان يجب أن تترك تلك المظاهرات حتى ينسج عليها الإهمال نسيج النسيان، غير أننا سمعنا ~~كثيرين يرددون عبارات الأسف لصدور مثل ذلك عن أشخاص مختلفي المشارب، وهم من الأهمية ~~بمكان عظيم، وفي الوقت ذاته يدعون بأنهم أبناء مخلصون للكنيسة الأرثوذكسية. # نعم، إنه لا يخفى علينا أساس مصدر تلك المظاهرات التي ولا شك هي تلك الجريدة التي ~~أعلنت حرمان المجمع المقدس، وأحدثت ذلك التأثير السيئ الذي أصاب فؤادنا من سهم حاد؛ ~~لأننا لا ننكر فضل الكونت تولستوي مؤلف الصبوة، والفتوة، والحرب والسلام، وحنه كارينينا ~~... وغيرها من الكتب السامية المغزى. أفلعلنا نسينا تلك اللذة العذبة التي كنا نشعر بها ~~عند مطالعتنا تلك المؤلفات التي رسم بها الفيلسوف مضار الهيئة الاجتماعية، وأبان ما ~~فيها من أنواع الفساد الحيواني؟ ثم هل نسينا بأننا مديونون للفيلسوف بإيضاحه كثيرا من ~~الحقائق الصادقة المهمة، ولم تزل ترن في آذاننا للآن كلماته القائلة: «لا توجد عظمة ~~حيث لا توجد بساطة وصلاح وصدق»؟! # ولقد تألم فؤادي من قراءة شهادة جميع الكهنة الروس الذين نسبوا إلى الفيلسوف قلة ~~الإدراك وفساد المعارف، وكان من الواجب عليهم أن يجعلوا مدار كتاباتهم ومحور ردهم على ~~أقوال الفيلسوف الدينية ليس إلا. # ولذلك فلا تحزنن قلوب المؤمنين الروس الذين يكرمون ويحترمون فيلسوفهم العظيم الذي ~~طارت شهرته في سائر أقطار المعمور عند مطالعتهم حكم ms58 المجمع المقدس ضده، فإن من له أقل ~~إلمام بالتاريخ يعرف أنه في كل زمان ومكان كانت الحرب عوانا بين الدين والعلم، وتلك ~~سنة لا يمكن تغييرها ما دام العلم علما والدين دينا، وهما على طرفي نقيض؛ فالإنسان ~~يستطيع حسب استعداده أن يكون نابغة عصره في العلوم وسعة المدارك، ويمكنه أن يكون أيضا ~~كريم الأخلاق حميد السجايا، ومع ذلك يكون خارجا عن دائرة الكنيسة، وخروجه هذا لا يحط ~~بقدر معارفه وعلومه، ولا يعيب صفاته النبيلة، ومن جهة أخرى فالإيمان لا ينبغي له معارف ~~زائدة؛ لأنه لا يتوقف على البراهين الساطعة والأفعال المجيدة، بل يتوقف على بناء ~~الإنسان الروحي مع مادة الإيمان، وهو لا ريب نتيجة عمل مجموع قوى الإنسان في أشد حالات ~~ظهورها، ولذا ينبغي للإيمان أيضا اتفاق جميع أوتار النفس حتى تضرب على وتر واحد، ~~والإيمان هو فعل الروح الحر؛ أعني اقتناع القلب وتصديقه بالأشياء المنظورة كالمنظورة ~~والمرغوبة المنتظرة كالحاضرة، ولا يحوزه الإنسان إلا بدقة التبصر حتى يسلم به العقل ~~السليم والفؤاد الطاهر الكريم. فيحتمل أيضا أن يكون الإنسان عالما مشهورا في علم من ~~العلوم، ولكنه فاقد التبصر ودقة النظر، فيحصر اجتهاده لنشر النواميس التي يسنها في هذا ~~العالم، فإنسان مثل هذا لا يستطيع أن يجد الله، ولا يمكنه أن يتبع شرائعه، ولا يكون ~~ابنا حقيقيا للكنيسة مثل لابلاس. # كما أنه يوجد أناس كثيرون متصفون بالإخلاص، واللطف، وطهارة القلب، ولكنهم يفتخرون ~~بذواتهم، ويتكلون على نفوسهم، وذلك مما يقودهم إلى الحرية المتطرفة، فيصير من الصعب ~~عليهم إمالة أسماعهم لطاعة الإيمان بالنظر لاعتقادهم بأن الطاعة ما هي إلا استعباد ~~النفس، ومن هذا الوجه فهم يفضلون ترك الافتكار والاهتمام بالعالم الثاني على الخضوع ~~للقوانين التي تفرضها الكنيسة، ومثل هؤلاء ليسوا بعيدين عن ملكوت الله، ولكنهم أيضا ~~ليسوا فيه، والكنيسة في مثل هذه الحالة تستعمل وسائل ناجعة لقيادتهم إليها، فيتعدون ~~الحد الذي يفصلهم عن الكنيسة، فيصبحون إذ ذاك أبناء مخلصين لها، فيجدون في ربوعها راحة ~~نفوسهم المضطربة. # ومن هذا القبيل كان الإيمان في كل ms59 زمان ومكان سببا لوجود الأحزان في الكنيسة، ~~والتاريخ يصرح بكل وضوح بأن العلماء والفلاسفة كانوا ولم يزالوا يبتعدون عن الديانة ~~المسيحية، ويحملون عليها حملات شديدة، فاليونان الذين كانوا حائزين درجة عظمى من التقدم ~~في العلوم والمعارف لم تسبقهم إليه أمة، حسبوا ذلك الدين جهالة عظمى حسب قول الرسول، ~~وبهذا المعنى قال السيد - له المجد - بأن أتباعه سينقصون رويدا رويدا، حتى إنه لدى ~~مجيئه الثاني لا يجد الإيمان على الأرض. # 1 # عندما تمت حياة مخلصنا الفادي على الأرض، ودنا ذلك اليوم الذي أتم به خدمته ~~الخلاصية للجنس البشري، كان قد أخبر تلاميذه الذين اختارهم لإتمام عمل الكرازة ~~بالآلام التي سيحتملها، ثم كشف لهم مشيئته الأخيرة التي ينبغي على المؤمنين أن ~~يسيروا بموجبها فقال: أنا الكرمة الحقيقية، وأبي الكرام، اثبتوا في وأنا ~~فيكم، كما أن الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة، كذلك أنتم ~~أيضا إن لم تثبتوا في. أنا الكرمة وأنتم الأغصان، الذي يثبت في وأنا فيه هذا ~~يأتي بثمر كثير؛ لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئا «يو ص15 عدد 1 و4 ~~و5». # إن اتحاد المؤمنين بالمسيح أو ثبوتهم فيه ينحصر بمعرفتهم تعاليمه، وسيرهم طبقا ~~لإرادته ووصاياه، وخضوعهم بكليتهم له، ومن يتخذ هذا الاتحاد مع المسيح يغدو معه ~~كنفس واحدة، وهو - أي الاتحاد - مكمل لخلاصنا، أو هو الغاية الوحيدة التي ينبغي أن ~~يكون مدار حياتنا عليه كما قال كاروز الأمم: إنه يجب علينا في جميع أيام حياتنا أن ~~نعمل لخلاصنا، ثم إن اتحاد الواحد مع المسيح يجر وراءه اتحاد جميع المسيحيين مع ~~بعضهم، وإذ ذاك تتم كلمات مخلصنا التي لفظها بصلاته للآب السماوي، حيث قال: «ليكن ~~الجميع واحدا، كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك؛ ليكونوا هم أيضا واحدا ~~فينا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني؛ ليكونوا ~~واحدا كما أننا نحن واحد؛ أنا فيهم وأنت في ليكونوا مكملين إلى واحد.» «يو 17 ~~عدد 21-24». وعليه فإن جميع المؤمنين بالمسيح ms60 يؤلفون واحدا صحيحا، وذلك لا يحتاج ~~إلى زيادة بحث، فإن الإنسان الذي يبذل وسعه للاتحاد مع المسيح لا يمكنه أن يكره أو ~~يحسب الذين يسعون سعيه ويحذون حذوه غرباء عنه، فالمؤمنون إذن متحدون بوحدة الإيمان، ~~والمسيح مخلصنا يستقبلنا في طريق الخلاص، فإذا كان - له المجد - يبدي لي مساعدة ~~بالحصول على الخلاص، فهل يخطر على بال بأنه يضن به على واحد من المؤمنين به ~~والساعين للحصول عليه، ولذلك فالمؤمنون بالمسيح يتحدون كلهم به كواحد، قال ~~الرسول: «إنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحدا، ونقض حائط السياج المتوسط الفاصل ~~بين السماء والأرض، وعلى الأرض بين اليهود واليونان، وقد صالح هؤلاء وأولئك بالصليب ~~قاتلا العداوة به، فجاء وبشركم بسلام أنتم البعيدين والقريبين؛ لأن لنا كلينا ~~قدوما في روح واحد إلى الآب.» «إفسس ص2 عدد 18». وكنيسة المسيح تقوم بذلك الاتحاد ~~الذي أشرنا إليه؛ لأنها هي جماعة المؤمنين التي هي جسده وهو يترأسها ويحييها بنعمة ~~الروح القدس، والمسيح كرأس الكنيسة سن لها أحسن القوانين التي تتضمن جميع وسائل ~~الخلاص وكمال الحق القريبة لمداركنا، وكذلك وضع فيها الأسرار التي ترشد الجنس ~~البشري إلى النعمة الخلاصية بواسطة صلبه المجيد «أي الأسرار»، تقدسهم وتبني منهم ~~مسكنا لله بالروح «إفسس ص2 عدد 22». وبناء على ما تقدم فاتحاد المؤمنين بالمسيح لا ~~يمكن أن يتم إلا في الكنيسة، وفيها وحدها ينبغي الاعتراف بالحق الصريح، وفيها ~~نستطيع أن نعيش تلك العيشة الهنيئة الطاهرة؛ لأن مخلصنا - له المجد - قد وعدها ~~وعدا صادقا بأنه سيكون معها إلى انقضاء الدهر، وقد قال أيضا: «إني أبني كنيستي، ~~وأبواب الجحيم لن تقوى عليها.» ثم إن السيد المسيح لم يسلم الحقائق المسيحية لكل ~~تلميذ على حدة، بل علمها لجميعهم معا، وقد أوصاهم أيضا أن يحبوا بعضهم بعضا محبة ~~مشتركة، وهكذا تسلموا اتحادهم من مصطفيهم الإلهي الذي سلمهم أيضا كنيسته، وأمرهم ~~بالكرازة والإنذار، فإذن الكنيسة التي يديرها رئيسها الإلهي ويحييها الروح القدس ~~الساكن فيها هي وحدها مناط بها المحافظة على الحقائق الإلهية، وتعليمها، ونشرها، ~~وهي أيضا بمثابة كلية أدبية ms61 يستقي منها أعضاؤها قوى النعمة التي تشدد ضعفهم وتقوي ~~عزائمهم للثبوت على السير في طريق الخلاص الشاق، وقد تنبأ النبيان أشعيا «ص2 عدد 2 ~~و4» وميخا «ص4 عدد 1 و8» عن حالة الكنيسة في مستقبل الأيام، حيث قالا: «ويكون في ~~آخر الأيام أن جبل بيت الرب يكون ثابتا في رأس الجبال، ويرتفع فوق التلال، وتجري ~~إليه كل الأمم، وتسير شعوب كثيرة، ويقولون هلم نصعد إلى جبل الرب، إلى بيت إله ~~يعقوب، فيعلمنا من طرقه، ونسلك في سنبله؛ لأنه من صهيون تخرج الشريعة، ومن أورشليم ~~كلمة الرب.» # ولما كانت الكنيسة - كما قدمنا - هي جماعة المؤمنين بالمسيح رئيسها ومحييها بنعمة ~~الروح القدس، فقد أوجدت دائرة خاصة بها خارجية كمركز لحياتها الداخلية، وهي الكهنوت ~~ودرجاته، وتلك الدائرة بحسب واجباتها نحو الرعية تحافظ أولا على تعليم المسيح ~~صحيحا دون أن يمسه تغيير، وتنشره لدى اقتضاء الظروف والأحوال، وتكون واسطة لاتحاد ~~المؤمنين بالمسيح بواسطة الأسرار، والمحافظة على طهارة الإيمان وآداب أعضاء ~~الكنيسة، ثم إنه طبقا لنظام الوجود فإن الكنيسة الواحدة الجامعة تنوجد بصفة كنائس ~~منفردة خاصة مرتبطة بالروح، ومنقسمة بحسب المكان والمجمع المكاني الذي يلتئم ~~مؤقتا، أو يكون بصفة دائمة كالمجامع المقدسة «السينودس»، فهو مركز للكنيسة ~~الخاصة. # إن رعاة الكنيسة كخلفاء للرسل، يتخذون بعض أعضاء لها بإلهام إلهي لمساعدتهم، ~~وتنحصر وظيفتهم في حق الحل والربط، أو أنهم عند الاقتضاء يرشدون الناس طرق الخلاص ~~أو يمنعونهم عن بعضها، ولا يدعون إليهم سبيلا للانتفاع بتلك الطرق، وهذا الحق مبني ~~على كلام مؤسس الكنيسة الإلهي القائل: «وإن أخطأ إليك أخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه ~~وحدكما؛ إن سمع منك فقد ربحت أخاك، وإن لم يسمع منك فخذ معك أيضا واحدا أو اثنين ~~لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة، وإن لم يسمع منك فقل للكنيسة، وإن لم ~~يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار.» «مت ص18 عدد 15-17». ومعنى كلام ~~السيد المسيح هو: إذا أخطأ مؤمن مثلك، أو قريبك، أو أخوك بالروح، ضد إيماننا؛ سواء ~~كان بالفكر ms62 أو بالقول أو الفعل فوبخه باحتراس على حدة كأخ، فإذا لم يسمع منك وحدك ~~فوبخه بتعقل ولطف أمام شاهدين أو ثلاثة من إخوانك في الإيمان؛ فإذا لم يسمع منكم ~~جميعا فأعلم الكنيسة به وهي فلتوبخه بلطف كأب يوبخ أولاده، وإذا لم يسمع من ~~الكنيسة فلا يبقى له محاكمة على الأرض، بل اترك محاكمته النهائية على عناده إلى ~~قضاء الله، واعتبره إذ ذاك غريبا عنك وبعيدا منك ومفروزا، ولقد سارت الكنيسة منذ ~~إنشائها حسب كلام مؤسسها، وعملت به مع الذين كانوا ينكرون جوهر تعاليمها وأساس ~~حياتها، ولقد طرق مرة مسامع رسول الأمم بأنه ظهر في كنيسة غلاطية التي أسسها معلمون ~~كذبة قد حولوا بعض أعضائها البسطاء عن الإيمان فكتب إليهم: إنني أتعجب أنكم تنتقلون ~~هكذا سريعا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر، ولكن إن بشرناكم نحن أو ~~ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن أناثيما «أي مفروزا» «غلا ص1 عدد 6 ~~و8». # ولقد كتب أيضا إلى كنيسة كورنتوس: بلغني خبر صادق، وهو أنه ظهرت بينكم خطية عظمى ~~لم يسمع بمثلها عند الوثنيين ... ثم آمر بأن يفصل الفاعل عن الكنيسة، وتصرف الرسول ~~هذا يورث الانذهال والعجب؛ لأننا إذا طالعنا الفصل الثالث عشر من كورنتوس، ورأينا ~~ما نادى به هذا الرسول من فضل المحبة وواجباتها نستكبر كيف أنه الآن ضاق ذرعا، ~~ونفد صبرا، وتصرف بمثل ذلك التصرف، ولم يستطع احتمال ظهور تلك الخطية بين ~~المؤمنين، ومن هذا القبيل إذا مرض أحد أعضاء الجسم، فإما أن نعالجه حتى يبرأ أو أن ~~نبتره لئلا يفسد بقية الأعضاء، وهكذا تفعل الكنيسة مع الأعضاء الفاسدة التي لا تقبل ~~الشفاء؛ لأن لها نظامات وشرائع تسير عليها، ولن تحيد عنها مطلقا، وهي توجه ~~الأناثيما لكل من يسعى بتقويض أركان حياتها وخرق قوانينها ونظاماتها. # غير أنه لسوء الحظ يوجد كثيرون في روسيا وغيرها لا يدركون معنى تلك اللفظة؛ إما ~~لقلة إدراكهم أو لابتعادهم عن المسيح، ولعدم فهمهم كلامه الواضح، فأولئك هم ~~المخطئون؛ لأنهم هم قد أوجدوا بغير عدل ms63 كلام اللعنة، ونحن لا نغلط إذا عبرنا عن ~~الأناثيما الحقيقي الذي توجهه الكنيسة المقدسة إلى أعضائها المضرين بها، وغير ~~الخاضعين لها بهاتين الكلمتين: «اتركونا وشأننا» ونتبعهما بالصلاة إلى الإله ~~الرحوم؛ لكي يردهم إلى أحضان كنيسته. ثم بعد ذلك نقول لهم: إنكم لا تؤمنون كما ~~أمرنا الرب أن نؤمن، بل إنكم ترفضون وصاياه المقدسة، وتجتهدون لملاشاة نعمته ~~الطاهرة، وتهزأون بشرائع كنيسته التي أنشأها واشتراها بدمه، ووعد أن يحفظها إلى ~~انقضاء الدهر، وقد وضع فيها جميع كنوز عمله الفدائي، وفوق ذلك فإنكم تسعون لكي ~~تدخلوا فيها جميع تعاليمكم، وبنات أفكاركم الفاسدة، وعدا ذلك فإنكم تحتقرون وظائف ~~رجال الكنيسة، وتتهكمون على شعائرها ونظاماتها، ولا تعتبرون فيها شيئا مقدسا، ولا ~~تحتاجون لشيء منها «فاتركونا وشأننا» ونحن نبقى مع ذلك مسالمين لكم كبقية الناس ~~الذين لا يعرفون تعليم المسيح ويجهلون شريعته، ولا جناح علينا من مجاورتكم ~~ومشاركتكم في أتعاب الحياة، ولكن لا نستطيع مشاركتكم في الأفكار الدينية، ولا في ~~الصلوات والأسرار، ولا في رباط المحبة الروحية. # وكذلك لا نستطيع مشاطرتكم آمالنا ورجاءنا؛ لأنكم صرتم وثنيين، وأنكرتم طهارة ~~وكمال الإيمان المسيحي، وأصبحتم عندنا كما كان العشارون عند قدماء اليهود، ولذلك ~~فنحن نعتبركم كما أمرنا ربنا بقوله: «وليكن عندك كالوثني والعشار.» وأنتم لكم ~~الخيار ومطلق الحرية أن تكونوا كيفما تريدون، ونحن تأمرنا واجباتنا أن نعتبركم كما ~~أمرنا ربنا يسوع المسيح الذي نؤمن به، وننتظر منه الخلاص الأبدي، وإنما حسب وصيته ~~ينبغي علينا أن نصلي من أجلكم قائلين: «أيها الثالوث الأقدس، اطلع وأنر عقولهم؛ ~~لكي يعرفوا نور تعليمك الحقيقي السرمدي». # ثم إني أوجه السؤال الآتي إلى معشر الأدباء، وهو: هل تستطيع الكنيسة أن تصرح أو ~~تشير بأن من يعلم الإيمان على طريقة تخالف معتقداتها وشرائعها بأنه من أبنائها؟ أو ~~هل تستطيع الكنيسة أن تنظر بارتياح إلى أعضائها الذين يتبعون في اعتقاداتهم ~~اعتقادا مخالفا لها؟ وهل تستطيع أن تصمت عندما تشاهد أعضاءها يقطعون رباط اتحادهم ~~معها ويسيرون على طريق الهلاك الأدبي؟ فإذا سكتت في مثل هذه الظروف تكون قد ms64 قصرت ~~بواجباتها كذاك الذي يضع السراج تحت المكيال وليس على المنارة. أجل، إن الكنيسة ~~تعرف نفسها بأنها وحدها حائزة كمال الحقائق الدينية، وأن الابتعاد عنها يسبب الهلاك ~~لأولئك الذين يفتشون على الخلاص، ولذلك فإنه يتعين عليها أن تجاهر علنا على مسمع ~~العالم كله بقطع النظر عن الأشخاص وأهميتهم بذلك الحق، وتنادي به على رءوس الأشهاد ~~غير ملتفتة إذا جلبت لها تلك المناداة ملاما أو عداء، ثم إنه لا يخفى على ذوي ~~الفكرة النقادة بأن كل جمعية سواء كانت علمية أو سياسية يكون لها قانون يسير عليه ~~أعضاؤها، ولا يسوغ لأحد منهم مخالفته إذا كان اللهم لا يريد الانسلاخ عن تلك ~~الجمعية؛ ذلك لأن حياتها تتوقف على محافظة الأعضاء عليه، وموتها يتوقف على مخالفته، ~~وعلى هذا القياس ينبغي علينا أن نعتبر الكنيسة وأعضاءها المرتبطين معا بالإيمان ~~وشريعة الله المقدسة وأسراره الطاهرة، فإذا أمعنتم النظر تتفقون معنا بأن الكنيسة ~~لا تقدر أن تصمت عندما ترى أعضاءها يدوسون شرائعها، وما دامت حية «وستكون حية إلى ~~انقضاء الدهر» ينبغي عليها أن ترفع صوتها شهادة للحق؛ لأنها عامود الحق وقاعدته «1 ~~تي ص3 عدد 15»، وعلى ذلك تتوقف حياتها. # ولا ريب بعد هذا تزول الشكوك من نفوس أولئك المعتقدين خلاف هذا الاعتقاد، ويتفقون ~~معنا على أن الكنيسة لها الحق؛ بل يقتضي عليها أن تؤدي شهادة صريحة عن الأشخاص ~~التابعين لها والخارجين عنها، وإنما يبقى علينا أن نعرف أمرا واحدا، وهو هل لديها ~~قاعدة تسير عليها في معرفة تابعي المسيح الصادقين والكاذبين؟ فنجيب على ذلك: نعم، ~~إنه لديها قاعدة صحيحة مسلمة لها وهي: أن المسيحي هو ذاك الذي يؤمن بالإله الذي جاء ~~بالجسد، ولقد كتب بهذا المعنى الرسول الإنجيلي حبيب المسيح الذي استند إلى صدره ~~ليلة العشاء السري فقال: أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح، هل هي ~~من الله؛ لأن أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم، بهذا تعرفون روح الله. كل ~~روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله، ms65 وكل روح لا يعترف بيسوع ~~المسيح أنه قد جاء في الجسد فليس من الله، وهذا هو روح ضد المسيح الذي سمعتم أنه ~~يأتي، والآن هو في العالم. أنتم من الله أيها الأولاد، وقد غلبتموهم؛ لأن الذي فيكم ~~أعظم من الذي في العالم. # وهذه هي القاعدة التي تقدر بها الكنيسة أن ~~تعرف الخراف التي تخص قطيع المسيح، أو - حسب كلام المخلص - التي تسمع صوت راعيها ~~«يوحنا ص10 عدد 26». # وبناء على ذلك فإنه ليس كل روح تسير على الأرض في النور الذي أتى به المسيح، بل ~~تلك الروح التي تعترف بأن المسيح قد جاء إلى الأرض بالجسد، وتعترف أيضا بأنه هو ~~ابن الله حقيقة الذي تجسد من مريم العذراء، وهذا التعليم يؤلف أهم فصول دستور ~~الإيمان الذي وضعه المجمع المسكوني الثاني، وصار من ذلك الوقت دستورا للكنيسة ~~المسيحية؛ لتعرف بموجبه التابعين لها والخارجين عنها. # 1 # إن الكونت ليون نيقولا يفتش تولستوي روسي المولد، واعتمد وتهذب في ~~الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة، لقد جاهر بأفكاره الدينية منذ عدة سنين، وسلخ نفسه عن ~~أمه الكنيسة التي هذبته وثقفته، ثم عن الدين المسيحي بوجه الإجمال. ولقد ورد في ~~كتاب للفيلسوف عنوانه «بأي شيء إيماني» طبعه في باريس عام 1885 ما يأتي: لقد ظهر في ~~الأجيال الأولى من التاريخ المسيحي تغيير عظيم، واختلاف كبير في الديانة المسيحية ~~بدخول بعض العقائد الجديدة عليها، وقد أخطأ في ذلك قبل الآخرين بولص الرسول الذي ~~جدد الإيمان، وأدخل عليه أمورا غير صحيحة قال إنها صادقة، ولذلك فقد ظهرت عقائد ~~كثيرة لا وجود لها في الإنجيل كالتعليم عن ذات الله، وألوهية يسوع المسيح، والحبل ~~به بدون زرع، وتجسده من مريم العذراء الطاهرة، وخلود نفس الإنسان، وعن العقاب ~~والثواب بعد الموت ... ولقد مرت الأجيال العديدة والكنيسة في هذه الضلالات «طالع ~~اعتراف تولستوي». ولقد ظهرت الآن تلك الضلالات للفيلسوف تولستوي الذي بواسطته يمكن ~~ملاشاة جميع تعاليم الأناجيل الكاذبة، وإظهار ونشر التعليم المسيحي الحقيقي ... ~~وحينئذ يظهر في عالم الوجود إنجيل الكونت البديع، ولقد ضربنا صفحا عن ms66 تلخيص أقواله ~~من هذا القبيل، وإنما نقول بأن الفيلسوف حصر جميع تعاليم المسيح في الخمس وصايا الآتية: # أولا: # لا تقاوم الشر بالشر. # ثانيا: # لا تحاكم أحدا. # ثالثا: # لا تزن. # رابعا: # لا تحلف باطلا. # خامسا: # لا تحارب. # ويا حبذا لو وقف الفيلسوف في كلامه عند هذا الحد، فإنه حصر جميع قواه العقلية ~~وذكائه لمحاربة التعليم المسيحي، وهدم أساسات الكنيسة، ولقد أحزن بذلك وأساء كثيرين ~~من المغرمين بمطالعة كتبه، المعجبين بمواهبه السامية الذين يقدرون ذكاءه حق قدره؛ ~~لأنه استعمل هذه المواهب الجليلة لغير ما وضعت لها من الغاية النبيلة. فكم قد ~~تحامل على الديانة المسيحية، وتظاهر ضد الكنيسة المحافظة عليها، ثم إنه كتب في ~~كتابه «ملكوت الله في وسطه» طبعه في برلين عام 1894، ولا يجوز الاعتقاد بأقوال ذلك ~~الكتاب؛ لأنه جاء فيه عن خطبة المسيح على الجبل «التطويبات» ودستور الإيمان ما ~~يأتي: إن رجال الكنيسة قد اختاروا دستور الإيمان للقراءة والتعليم في الكنائس ~~كصلاة، وقد حذفوا خطبة الجبل من فصول الأناجيل التي تقرأ في الكنائس فلا يسمعها ~~الشعب إلا في تلك الأيام التي يتلى بها الإنجيل كله. # ولا أقدر أن أعرف كيف يفوه فيلسوفنا بمثل هذا الكلام الذي هو ولا ريب تهكم، أو ~~تحامل، أو قل ما شئت من عبارات التلطيف كما نسميه نحن تجديفا على الكنيسة، وعلى ~~ذلك نجيب: فليأخذ الفيلسوف العهد الجديد الذي طبعه المجمع المقدس عام 1896، ويطالع ~~ملحقه أو ذيله الموضح فيه قراءة فصول الأناجيل لجميع أيام السنة، وإذ ذاك فليحكم هو ~~بنفسه على كلامه. # إن الكونت تولستوي مؤسس حاذق، وقائد لجماعة كبيرة من الناس، وعقيدته الجديدة ~~أثارت عداء شديدا، وتعصبا أعمى ضد الكنيسة، وهو يعد ذاته معلما للناس، ويجتهد ~~لإدخال تعاليمه في أذهان العامة، ولكلامه تأثير شديد في النفوس، فيجذب وراءه جما ~~غفيرا من الناس الذين يتبعون أقواله، ومما هو من الغرابة على جانب عظيم أن كثيرين ~~من أتباعه يقولون: إن الفيلسوف مسيحي، وإنما قد شذ فقط في بعض نقط من تعاليمه عن ~~الكنيسة، ونفس الكونت يؤيد في ms67 تأليفه هذا الفكر الفاسد، وبذلك يسدل غشاوة جهل كثيفة ~~على أعين أدبائنا، ويقودهم إلى الضلال، ولقد حان لنا أن نسأل معشر المتأدبين سؤالا ~~واحدا، وهو أليس أن المجمع المقدس محق بتصرفه مع الكارز بذلك الإيمان؛ لأن المجمع ~~له الحق التام والسلطة المطلقة بالمناداة بالحق على مسمع من العالم أجمع، وإذا كان ~~مجمع أساقفتنا الروسي الأرثوذكسي قد جاهر علنا بعزم ثابت بأفكاره عن تعاليم ~~تولستوي الكاذبة، فذلك يؤيد بأن كنيستنا لم تفتقر بحياتها الداخلية، بل إنها تحافظ ~~على تلك الوديعة المقدسة المودعة في أحضانها، وتذكر أيضا واجباتها الوالدية التي ~~هي تحذير أولادها من السير على تلك الطريق التي لا تقود السائر عليها إلى الحياة بل ~~إلى الموت. # ولا ريب أن صوتها يبدو لكم رهيبا مخيفا، وكنتم تودون أن لا تسمعوا من فم ~~الكنيسة كلام التهديد؛ بل كلام المحبة والرحمة، فأمعنوا النظر، وتبصروا في كلامها، ~~وطالعوا بإمعان رسالة المجمع المقدس، فإنكم لا ترون فيه تهديدا أو وعيدا؛ بل ~~أسفا شديدا وحزنا والديا لا مزيد عليه على أولئك الساقطين من أحضانها، مقرونا ~~ذلك الأسف بصلاة حارة إلى الله لكي يرجعهم إليها. فالأم لما علمت بأن ابنها ~~المحبوب سار في طريق الهلاك، أرسلت له كتابا تحذره فيه من الخطر القادم عليه، ~~وتلتمس منه، بل ترجوه أن يغير هذا الطريق حفظا لحياته الثمينة. فماذا يستنتج من ~~هذا الكتاب؛ أمحبة أم تهديدا؟ وعلى ما يتراءى لي أن التهديد ليس في الكتاب، بل ~~في اعوجاج ذلك الابن وسيره في طريق الهلاك، وإنما يبقى علينا أن نعرف هل تستطيع تلك ~~الأم أن تبعد عواقب ذلك الهلاك؟ نعم، تستطيع على شرط أن يؤثر اهتمامها تأثيرا ~~شديدا على حرية ابنها المطلقة، وإذا لم يتسن لها ذلك فليس لها إلا أن تندب ابنها ~~وترثيه. # ومن هذا القبيل الكنيسة الأرثوذكسية؛ فإنها لما علمت بابتعاد أحد أبنائها عنها ~~وسقوطه من بين أعضائها أعلمته مع أتباعه عن عاقبة ذلك السقوط المخيف. فأين يا ترى ~~التهديد الذي ليس له وجود البتة في رسالة المجمع المقدس ms68 التي هي كناية عن حزن شديد ~~ومملوءة من روح السلام، وما التهديد والجنوح عن جادة الصواب إلا في نفس فعل الكونت ~~تولستوي بسقوطه عن الكنيسة، وليس هنالك خوف من الكونت ذاته الذي قاوم الكنيسة، بل ~~من أولئك الذين - حسب قول الرسول - يحسبون الكنيسة سفينة الخلاص «1 بط: ص3 عدد 2». ~~فتحذير الإنسان الواقف على شفير الهاوية من الخطر الذي يتهدده لا يعد تهديدا له، ~~بل اهتماما به. فالكنيسة لم تتهدد الكونت وأتباعه بإعلانها عنهم أنهم خرجوا من ~~حظيرة الكنيسة، بل نبهتهم إلى الخطر المحدق بهم، فالاهتمام والتذكير ليسا إلا وسائط ~~توافق روح الكنيسة التي قامت بواجباتها، ولم يبق عليها بعد ذلك إلا أن تصلي من ~~أجلهم قائلة : ونبتهل إليك أيها الإله الرحوم الذي لا تريد أن يموت الخطاة بخطيتهم ~~أن تستجيب وترحم وترد الساقطين إلى كنيستك المقدسة، فليت شعري هل يوجد ألطف وأرق ~~من هذا التعبير لكي تعبر به الكنيسة عن مرادها؟ والحق يقال، فإن رسالة المجمع ~~المقدس لا يشتم منها رائحة الانتقام والقصاص، بل ما هي إلا شهادة مملوءة بالأسف، ~~وليس في سطورها أقل كراهة أو بغض للفيلسوف؛ بل تضمنت صلاة حارة لرجوعه إليها، ودعوة ~~أبناء الكنيسة الحقيقيين إلى تلاوة تلك الصلاة مرارا وتكرارا. # ثم إني لا أرى مندوحة من زيادة الخوض في عباب هذا الموضوع إتماما للفائدة، وأن ~~ألقي نظرة عامة على ما أحدثته رسالة المجمع المقدس من سوء التفاهم، والتأثير السيئ ~~في نفوس بعض أفراد هيئتنا الأدبية، فأقول: إنني طالما سمعت من أدباء شباننا يقولون: # عندما كنا نطالع في الأيام الماضية انتقاد رجال الدين كتب تولستوي ~~الدينية لم نبد حينئذ أقل استياء من ذلك؛ لأننا وجدنا الحق في جانب رجال ~~الدين لانتقادهم الأدبي لآراء الفيلسوف الدينية المخالفة لاعتقادهم، وكنا ~~نقرأ مناظراتهم بكل ارتياح، وأما الآن عندما سمعنا صوت المجمع المقدس ~~بحالته الرسمية يعنف فيلسوفنا العظيم فلم ترتح أفكارنا لذلك، ولا ~~اطمأنت خواطرنا لسماع ذلك الصوت الجهوري الذي يجبرنا أن نلتفت إلى تعاليم ~~فيلسوفنا بطريقة محدودة لا نستطيع أن ms69 نتعداها، ولا يخفى ما في ذلك من الضغط ~~الشديد على أفكارنا. # هذه أفكار أدبائنا الأفاضل الغريبة، فهل يا ترى كان يجوز لهم قبل ذلك كأبناء ~~للكنيسة أن يسمعوا بارتياح تعاليم تولستوي؟ وهل يسوغ للإنسان العاقل أن يخلط بين ~~الكذب والصدق وإلباس حقيقة الكتاب المقدس وأقواله ثوبا من البهتان؟ وهل يا ترى ~~تنطلي على العاقل تلك السفاسف التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ والمجمع المقدس ما ~~أصدر تلك الرسالة إلا لإفهام أبناء الكنيسة حتى يميزوا بين الصحيح والفاسد، والحق ~~إذا كان حقا ساطعا لا يسبب الاعتراف به ضغطا على النفوس، بل انطلاقا لها، ~~وزيادة في حريتها، ودليلا ساطعا على وجود الحرية الحقيقية بين الناس. ثم هل أخطأت ~~الكنيسة يا ترى بإعلانها لأبنائها التابعين لها والخارجين عنها حتى لا تدعهم هائمين ~~في فيافي الشك واليقين، وغير خاف أن النور يبدد غياهب الظلام، وينير الأشياء التي ~~يقع عليها دون أن يغير منظرها، ولهذا فإن معرفة الإيمان هي مقياس محكمة الوضع ~~لمعرفة الكذب من الضلال في دائرة الإيمان، ولذلك فلا يظنن أحد بأن قبول النور لا ~~يطابق حرية الأفكار. # وإني لا أنكر أنه يوجد علوم كثيرة لا علاقة لها أصلا بالإيمان، ولا تدخل تحت حكم ~~الكنيسة، ثم إن شريعة الكنيسة وتأليف آبائها الأطهار كلها تصرح أعظم صراحة بأنها لا ~~تضغط على حرية أفكار أعضائها، بل قد فوضت لكل واحد الحرية المطلقة في إبداء الأفكار ~~التي تخطر في باله، والمجامع المسكونية التي كانت تلتئم من ممثلي الكنيسة شهود عدل ~~على ذلك؛ لأنه في إبان التئامها لحل أي مسألة كان لكل واحد ملء الحرية لإبداء رأيه ~~وأفكاره دون مراعاة برئاسة أو سلطة، ونحن إذا تأملنا بعين العدل نرى أن كل إنسان ~~قابل للضلال، ولهذا فإن صوت الكنيسة يوقف أي إنسان ضل، ويرشده إلى طريق الحق، ~~ويقوده إلى الصراط المستقيم، وحوادث تاريخ الكنيسة الماضية تؤيد بأن اهتمامها أثر ~~تأثيرا عظيما في إنارة عقول بنيها الخوارج، وانتشالهم من وهدة الضلال بحكمها ~~العادل المبني على دعائم الحق والمحبة، ms70 وتأكد أولئك الأبناء بأن حرية النفس لا تقوم ~~بانفصالها عن الكنيسة انفصالا مبنيا على الأوهام، بل تقوم تلك الحرية الحقيقية ~~بالخضوع المبني على الاقتناع بإخلاص زائد لشريعة المسيح الحقة. # ولا يخفى أنه يوجد في لندن جمعية تعرف بجمعية «البوزيتيغست» لها نظام خصوصي يسير ~~عليه أعضاؤها، ومؤسس تلك الجمعية أغوست كونت الذي ألف مذهبا جديدا وهو عدم ~~الاعتقاد بشيء مما فوق الطبيعة، وعدم الاعتقاد بأقوال الكتب الإلهية المعروفة عند ~~جميع الطوائف، وقد تبعه جمهور غفير، وأصحاب هذه البدعة يكرمون على السواء: موسى ~~وهوميروس، وأرسطو، وقيصر، وبولس الرسول، وكارلوس الكبير، وغيرهم من الرجال العظام. ~~وهم يؤلهون قوة علوية سامية كشفت لأغوست كونت. ولهذه الجمعية بيت للصلاة كائن في ~~شارع «شابيل ستريت»، ولدى اجتماع الأعضاء للصلاة يكون لكل واحد مطلق الحرية أن يوجه ~~صلاته لمن يشاء؛ سواء لبولص أو لغيره، وإذا خطر لواحد بأن أغوست ليس بخادم حقيقي ~~للقوة العلوية، فيطلب من رئيس الجماعة أن يفتش له على مصدر آخر يوجه إليه صلاة ~~ترتاح منها حواسه الدينية، ولا يخفى بأن بلاد الإنكليز هي محط رحال الكنيسة الواسعة ~~المبنية على الانقسام والتفريق، ورؤساء تلك الكنيسة لا يستطيعون على توحيد كلمة ~~الناس للاتفاق على رأي واحد، ولكن الحمد لله أن الكنيسة الأرثوذكسية بعيدة عن ذلك؛ ~~لأن شعارها الاتحاد ولواؤها الاتفاق. ثم سمعت من أفواه كثيرين بأن رسالة المجمع ~~المقدس لم يقصد بها إيجاد السلام، بل عكس ذلك؛ لأنها هيجت أفكار الشبان والشابات ~~المشغوفين بحب تولستوي، ويفتخرون به على فلاسفة العالم، وهم في مثل هذه الحالة لا ~~يستطيعون الرجوع عن حبه ومطالعة تآليفه وسماع أقواله، ولهذا فرسالة المجمع قد كانت ~~سببا لزيادة أعداء الكنيسة الذين هم بدون ذلك كثيرون. فأجيب على هذه الأقوال: إننا ~~ننظر أولا إلى رسالة المجمع المقدس كتعبير ضروري لإظهار حالة حياة الكنيسة ~~الداخلية بقطع النظر عن النتيجة التي تنجم عن ذلك حميدة كانت أم وخيمة، فالذي يرفع ~~صوته أو يجاهر دفاعا عن الحق أو إظهارا له ذلك لا يخشى الخطر. من يعتقد ms71 بأن الله ~~يدبر هذا العالم ذلك يجتهد لكي تكون جميع أعماله موافقة لروح الصدق والمحبة، ~~وأفعاله مطابقة لأساس شريعة التعليم المسيحي الذي هو اتحاد الرحمة والحق، على أمل ~~أن تكون نتيجة تلك الأعمال والأفعال عائدة لاقتطاف أثمار شهية. # نعم، إن الكنيسة تحزن وتكتئب لزيادة أعدائها، ولكنها لا تحيد عن واجباتها المقدسة ~~إكراما وإرضاء لأولئك الأعداء حتى يبقوا بين أعضائها، وفي مثل هذه الحالة يمر في ~~مخيلتنا عن غير قصد حديث المخلص مع تلاميذه عن سر الإفخارستيا، حيث قال لهم غير ~~تارك مجالا للمناقشة في هذا المعنى: إن المؤمنين به الحقيقيين ينبغي عليهم للاتحاد ~~معه كينبوع الحياة الأبدية أن يتناولوا جسده الطاهر ودمه الكريم تحت شكل الخبز . ~~فلما سمع ذلك تلاميذه قالوا: إن هذا الكلام صعب جدا، من يقدر أن يسمعه «يو: ص6». ~~أجابهم يسوع: أهذا يعثركم؟ فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا، ومن ~~هذا الوقت رجع كثيرون من تلاميذه إلى الوراء؛ فحزن مخلصنا لهذا الأمر، ولكنه لم ~~يشأ أن يتنازل لإرجاعهم بطريقة ضعيفة، ولذلك قال يسوع للاثني عشر: «ألعلكم أنتم ~~تريدون أن تمضوا؟» أي إنكم أنتم أيضا إذا لم تقبلوا هذا الحق فبالطبع تمضون عني ~~مهما كان ذلك ثقيلا علي، فأجابه الرسل: «يا رب، إلى من نذهب؟ كلام الحياة ~~الأبدية عندك.» # وإني لا أغلط إذا قلت بأنه لا يوجد بين أفراد هيئتنا الإجتماعية من يغار غيرة ~~حقيقية على فرائض الكنيسة ويقدرها حق قدرها؛ لأني سمعت تقريعا شديدا بخصوص حكم ~~المجمع المقدس ضد الكونت، كذلك لم تبرح من ذهني تلك العبارة الواردة في كتاب ~~الكونتس صوفيا تولستوي، وهي: هل يسوغ من أجل اختلاف الآراء أن يقطع رباط الاتحاد مع ~~الإنسان؟ نعم، إن قطع ذلك الرباط ضروري ولو أنه آلم قاطعه، وهذا الأمر لم يخف على ~~فادينا إله الرحمة، حيث قال لتابعيه: أتظنون أني جئت لألقي سلاما على الأرض؟ ~~كلا، أقول لكم بل انقساما؛ لأنه يكون من الآن خمسة في بيت واحد منقسمين ثلاثة ~~على اثنين، واثنان على ثلاثة، ms72 ينقسم الأب على الابن، والابن على الأب، والأم على ~~البنت، والبنت على الأم، والحماة على كنتها، والكنة على حماتها «لو ص12 عدد 49». ~~ولذلك فلا ينبغي أن يحول بيننا وبين اتحادنا مع المسيح شيء من اهتمامات هذا العالم، ~~حتى إن قيود القرابة الدموية لا تستطيع أن تقيد ذلك الذي مست فؤاده نار محبة ~~المسيح. # ثم هل تظنون أنه يسهل على الكنيسة فصل أولئك الناس الذين يبتعدون عنها بالإيمان ~~كالكونت تولستوي وغيره من أتباعه الموافقين أفكاره الدينية؟ والجواب: كلا، ولكن من ~~جهة أخرى نقول إنه مهما زاد عدد أعداء الكنيسة، ومهما زاد خروج أبنائها من أحضانها؛ ~~فإنه ينبغي عليها أن تبقى محافظة على تعاليمها الحقيقية وناشرة عهد المسيح. # قال أحد الأدباء في رده: إنه لا يستطيع أحد أن يتكدر من تصرف المجمع؛ إلا ذاك ~~الذي أسدلت الغاية على بصره حجابا كثيفا فلا يدري ماذا يفعل، ثم إنه مر على ~~صدور حكم المجمع عدة أشهر جرت في أثنائها حوادث كثيرة، وكلها تشهد بأن نبلاءنا ~~وأدباءنا لم يفهموا للآن ولم يدركوا جوهر حكم المجمع وروحه؛ بل وضرورته، وعدا ذلك ~~فلنا كل يوم شاهد جديد يدلنا على زيادة تعلقهم بالفيلسوف كقيامهم بمظاهرات خارجية ~~مختلفة، غير عالمين بأن التلغرافات والأكاليل التي تهدى لغير مستحقيها تخالف المعنى ~~الجليل الذي وضعت له، وهي أيضا لا تعزي المرسلة إليه تعزية حقيقية، وربما أيضا ~~لا يقبلها. # ولا مراء، فإن الكنيسة تحزن حزنا شديدا من هذه الأعمال التي يقترفها أبناؤها، ~~ولكنها لا تخاف منها، ولا تضطرب من تلك الأعمال أفئدة المؤمنين بالمسيح إيمانا ~~حقيقيا؛ لأنهم يقرءون في كتابه العزيز آيات مملوءة تعزية وتنشيطا مثل قوله: لا ~~تخف أيها القطيع الصغير؛ لأن أباكم قد سر أن يعطيكم الملكوت «لو ص12 عدد 32»، ~~ولذلك فنحن نعترف بفضل عمل الكونت، ونقدره حق قدره، ونشكره على الخير الذي نلناه ~~بواسطته، ومع ذلك فإننا نضاعف حزننا؛ لأنه أنكر مخلصنا يسوع المسيح ينبوع الحياة ~~الأبدية، وبذلك قد ذهب من الحياة إلى الموت. فنصلي إليك أيها الإله الرحوم أن ms73 تطلع ~~على نفس الكونت المضطربة فيلسوف أرض روسيا العظيم، وتنير فؤاده بنور محبتك حتى يمحو ~~جميع ضلالاته، وأفكاره التي أبعدته عن الكنيسة، ولو كان ذلك في آخر حياته. آمين. ~~(انتهى) ~~(1) ذيل # وقد رأينا إتماما للفائدة أن نذيل هذا الكتاب برسالتين؛ إحداهما رأي هذا ~~الفيلسوف العظيم في التربية والتعليم، كتبها لإحدى نسيباته نقلا عن جريدة الأهرام ~~الغراء، والأخرى من رجل غريب في أطواره يدعى «أندريا باسيليفيتس لابسف» وجواب ~~الفيلسوف عليه نقلا عن مجلة الجامعة البهية، وهاك الرسالة الأولى بنصها الشائق ~~ومعناها الرائق: # رأي فيلسوف حكيم في التربية والتعليم # لقد سرني أني حادثت فلانا في أمر تربية الأطفال، وضاعف في سروري أننا ~~نحن الاثنان كنا على اتفاق تام بأن يعلم الطفل قليلا، وإنه لخير للطفل أن ~~يكبر ويشب وهو يعرف قليلا من أن يكبر وهو يعرف كثيرا من أخلاط القول ~~وتضاعيف الأشياء التي يتلقاها الأطفال عن معلمين لا يدركون هم أنفسهم كنه ~~ما يعلمون، فإذا تعلم الطفل شيئا لم يدرك كنهه عسر عليه فهمه وإدراكه وحل ~~غوامضه وقبوله بحذافيره، فيتولد في صدره كره الدرس والتعلم، ومن هنا نستنتج ~~أنه لا يجب أن يعلم الطفل أو الفتى إلا ما يقبله عقله، وتميل إليه نفسه، ~~وتقدر على الإحاطة به مخيلته، ويكون على قابلية لتلقيه، وإني أقسم لك أني ~~لا أكتب هذه الآراء اعتباطا، بل إني أكتبها وأنا على يقين تام بأهميتها ... ~~نعم، إنك ستقولين لي ماذا نفعل بأطفالنا إذا نحن لم نعلمهم، وبماذا نشغلهم ~~ونلهيهم، أندعهم مع أطفال العامة يلعبون ويتلهون، ويتلقون منهم كل كلام ~~منكر وعمل مستقبح؟ فأنا أقول لك: إن هذه الحجة - ونحن على تلك المعيشة ~~معيشة السادة الكرام المترفعين عن سائر الأنام - لا تخلو من الصواب، ولكن ~~هل يجب علينا أن نعود أبناءنا هذه المعيشة المترفعة؟ وأن نفهمهم أن كل ~~حاجاتهم تقضى لهم بدون أن يقضوا منها حاجة واحدة بأيديهم؟ # إني أعتقد أن رأس التربية الصحيحة، وأساس التهذيب الجيد هو أن نعلم ~~أبناءنا أن كل ما يحتاجون إليه لا يهبط إليهم ms74 من السماء، بل هو يصنع بأيدي ~~الناس، وأن نعلمهم أن كل ما يعيشون به ومنه مصنوع بأيدي أناس لا يحبونهم ~~ولا يعرفونهم. نعم، إن تفهيم ذلك للأطفال وغرسه في صدورهم أمر عزيز المنال ~~(ولكني أسأل الله أن يفهم ذلك كل طفل عندما يكبر ويشب)، على أن الطفل يدرك ~~ويفهم أن خادمته تنظف ما يوسخ وهي غاضبة، وأنها تمسح حذاءه بلا مسرة ولا ~~انشراح صدر، وأنها إذا فعلت ذلك كله إنما هي لا تفعله حبا به، بل لأسباب ~~أخرى يجهلها، فإذا لم يخجل من عمله كانت مبادي تربيته قاصرة، وكان مستقبله ~~عبوسا؛ إذ تتأصل في صدره أصول الغطرسة القبيحة. فعليك أيتها العزيزة أن ~~تحمي بنيك من هذه المنكرات، واسمعي في ذلك نصيحة رجل قد وقف مع الشيخوخة ~~والهرم على حافة قبره، فعلمي أولادك أن يخدموا أنفسهم، ويقضوا حاجاتهم ~~بأيديهم، علميهم أن يملئوا أباريقهم، وأن يطرحوا ماء الغسل، وأن ينظفوا ~~أثوابهم، وأن يمسحوا أحذيتهم، وأن يمهدوا أسرتهم وفرشهم، وأن يضعوا ~~النظام في غرفهم، وثقي أيتها العزيزة أن هذه الأعمال التي أوصيك الآن بها ~~هي على حقارتها الأساس الكبير لسعادة أبنائك ونجاحهم في الأعمال الخطيرة، ~~بل هي أهم من درس اللغات، ومعرفة التاريخ، وخطط البلدان ... إلخ إلخ. # ولا أكتمك أن الصعوبة في الوصول إلى هذه الغاية ليست في تعليم الطفل أن ~~يفعل ذلك، بل في حمله على أن يفعله بلا تذمر، وبما أن الولد يفعل كل ما ~~يفعله أبواه فلهذا أنا أقول لك اشتغلي أنت في شئونك وشئون بيتك على مرأى ~~من أولادك، فإذا فعلت وجدت في العمل لذة كبيرة، واصبري واثبتي في ذلك ~~شهرا تعرفي صدق ما أقول، ويكن أبناؤك أكبر مسرة بالعمل منك، فإذا زدت على ~~ما قلته لك أنك حملتيهم على العمل في الحقل والبستان والحديقة زدتيهم في ~~ذلك انتفاعا، وإن يكن العمل في الحديقة شيئا يعد قتلا للوقت، ولم ~~يختلف أخلاقيان ولا مهذبان عاقلان على أن أحسن تهذيب للنفس وأفضل تربية ~~للبدن هي بأن يقوم الناشئ بأعماله وبحاجاته؛ لأنه ms75 بالعمل يدرك أن الناس ~~كلهم إخوة متساوون، فالطفل يعرف إذا اعتمل واشتغل لنفسه لماذا لا يترك ~~النجار أو الحداد أو الصراف أعمالهم التي يرتزقون منها هم وعيالهم، ولكن ~~كيف يفهم الطفل والناشئ الذي لا يشتغل، بل تقدم له حاجاته، ويخدم في كل ~~شئونه كبيرة كانت أو صغيرة، سبب اشتغال غيره لأجله بما هو قادر على فعله؛ ~~فتفسير ذلك كله يكون عنده واحدا، وهو أن الناس قسمان؛ قسم سائد وقسم ~~مستعبد، فإذا أتيناه بعد ذلك بكل برهان، وأقمنا له كل حجة على أن الناس ~~متساوون، وعلى أنهم إخوة في شروط الحياة ومرافقها، كذب ذلك بدليل ما ~~يلاقيه من خدمة غيره له منذ الصباح حتى المساء، ومتى سقطت حجة واحدة أمام ~~الطفل الناشئ سقطت كل حجة، فإذا لم يقتنع بهذا في البداءة عز على أهله ~~وإن كانوا شيوخا، وعلى الشيوخ وإن كانوا علماء أن يقنعوه بأمر أو قول عن ~~التهذيب وكرم الخلق. نعم، إنه يسمع بأذنيه، ولكن نبضات قلبه تقول له إن كل ~~ما يلقى عليك كذب ومين، فلا يصدق واحدا من أهله ولا غيرهم، وينتهي أمره ~~بأنه يكذب كل ما يقال له عن كل أدب وفضيلة. # ولم يبق لي قبل ختام كتابي هذا إلا أن أقول لك كلمة واحدة في هذا ~~الموضوع، وهي أنه إذا تعذر على الطفل أو الناشئ أن يقوم بكل ما أوصيتك به ~~فلا أقل من أن يشعر بأنه قد أنقص مما فرض عليه حتما، وأضرب لك مثلا: إن ~~الولد إذا لم ينظف أثوابه ولم يمسح حذاءه أفهميه أنه لا يقدر على الخروج ~~بأثواب متسخة وبحذاء بلا مسح، وأنه إذا لم يملأ إبريقه ولم ينظف طسته لا ~~يعطى ماء ليشرب أو ليغسل، وحذار من أن يأخذك الخجل إذا لم تدعيهم يخرجون ~~ويشربون، فإن أكثر الأعمال السيئة ناتجة عن خجل الناس من أنهم لم يأتوها مع ~~معرفتهم فسادها. # وهاك الرسالة الثانية بحروفها: # كتاب غريب وجوابه # باكو في 6 أكتوبر سنة 1899 # إلى الحكيم العظيم المحترم ليون نيكولا يفتش تولستوي، ms76 سلام باحترام كثير ~~من أندريا باسيليفيتش لابسف. # أريد أن أعترف لك باختصار أنني بدأت أومن منذ سنة 1869، فقد قال المسيح: ~~من أراد أن يكون معي فليحمل صليبه وليترك نفسه ويتبعني. فهذا القول يدل على ~~أن كل واحد يمكنه أن يكون كالمسيح، وقال أيضا: ليس العبد أفضل من سيده، ~~يكفي العبد أن يكون كسيده. يعني أن كل رجل من تلامذة المسيح يجب أن يكون ~~رجلا كاملا كما كان السيد. # ورغبة في أن أكون أنا كاملا أيضا قطعت كل علاقة لي في هذا العالم؛ ~~فتركت اسمي واعتقادي وعيلتي، وأصبحت مالك أمري أقول للناس: «لست منكم، ~~ولكنني إنسان وحيد مفرد، أنا ملك نفسي.» # فمن أجل هذا قبضوا علي وأخذوني إلى القاضي ليسألني عن اعتقادي ، فلما ~~وصلت إليه جلست، فقال لي: انزع قبعتك. فأجبته: أمام من؟ قال: أمام السلطة. ~~فقلت: ما هو مصدر السلطة؟ فقال: الله. فقلت: هل أنت الله لأنزع أمامك ~~قبعتي؟ فأجاب: كلا. فقلت: إذا لم تكن الله فلماذا تطلب مني أن أنزع ~~قبعتي؟ # فقال لي: انهض واقفا، فسألته أمام من؟ فقال: أمام القانون. فأجبته: إنني ~~لا أعرف هذا القانون. فسألني: ما هي مهنتك؟ فقلت: هل أعطيتني مهنة حتى ~~تسألني عنها. فقال: ما هو اسمك؟ فقلت: ليس لي اسم. قال: بماذا تؤمن. قلت: ~~بماذا تريدون أن أؤمن؟ فإنني قلت لكم أنني لست منكم فلم تصدقوني. فسألني: ~~أتؤمن بالله؟ فقلت: أي إله. فسألني: كيف تسأل أي إله! فإنه لا يوجد غير إله ~~واحد. فقلت له: أين هو؟ وهل تعرفه؟ أرني إياه لأصدقك. فأجاب: في السماء. ~~فقلت: هل صعدت إلى السماء ونظرته. فأجاب: كلا. فقلت: من أدراك إذن أنه في ~~السماء؟ فالتفت القاضي إلي ساخطا، وقال: اترك هذا البحث الآن. فقلت له: ~~اترك أنت هذا السؤال أيضا. # ثم سألني: ما هو وطنك؟ فقلت: ليس لي وطن. فقال: ولكنك تعترف بالقيصر. ~~قلت: أي قيصر؟ فقال: إسكندر الثاني. قلت: القيصر هو القيصر، وأنا أنا لا ~~يهمني أمره كما لا يهمه أمري. فقال: ولكنك ستدفع ضريبة النفوس ms77 (يعني ~~الضريبة الموضوعة على كل نفس). فقلت: هل أنتم الذين أعطيتموني نفسي لأدفع ~~ضريبة عنها؟ فقال: وستدفع الرسوم أيضا. فقلت: إنني لا أدفع شيئا. قال: ~~ولكن جميع الناس يدفعونها. فقلت: إذا كان جميع الناس يدفعون وجب أن لا ~~يدفعوا؛ لأنه لا يعود يوجد من يقبض. فقال لي: يوجد القيصر. فقلت: القيصر هو ~~القيصر، وأنا أنا فلا يهمني أمره كما لا يهمه أمري. # وبعد سجنهم إياي تسعة شهور حاكموني لدى محكمة، فقال لي القاضي: انزع ~~قبعتك. فسألت: لماذا؟ قال: لأن المحكمة مجتمعة. فقلت: المحكمة محكمتكم وأنا ~~ملك نفسي. فقال: يجب أن تنزعها. فسألته: أمام من؟ فقال: أمام المحكمة. ~~فقلت: إنني لا أعرف المحكمة ولذلك لا أكشف لها رأسي احتراما. فتقدم مني ~~رجل ونزع القبعة عن رأسي بالرغم عني، فجلست حينئذ على الأرض غير مبال ~~بهم. # فقال لي الرئيس: أيها المتهم انهض. قلت: أنا لست متهما. فقال: تفضل ~~وانهض احتراما للقانون. فقلت: إن القانون لم يوضع من أجلي، ولكن من أجل ~~الأشقياء، وإذا كنتم أنتم خاضعين للقانون فإنكم لا تستحقون أن تكونوا قضاة ~~لي. # فقال القاضي: أتعترف بذنبك؟ فأجبته: وأنت تعترف بذنبك؟ قال: أي ذنب؟ ~~فقلت: وأنا أي ذنب؟ قال: ذنبك عصيت المحكمة ورفضت نزع قبعتك. فقلت له ~~حينئذ: إذا كنت لم أنزع قبعتي فذلك لأنني حريص على صحتي. فإنكم هنا ~~تدخنون، وتبصقون على الأرض؛ فالبصاق يمتزج بالتراب، ثم يجف، ويتطاير في ~~هواء الغرفة، ويقع على الرءوس، فإذا كان رأسي مكشوفا وصل الغبار إليه، ثم ~~دخل إلى الدماغ، وأحدث فيه اضطرابا، ولذلك ترون عقولكم أنتم الجالسون ههنا ~~كلها مضطربة، ولماذا تعذبونني؟ إنني لم أؤذ قط أحدا، ولم أضر أحدا، ولم ~~أسرق ولم أقتل، ومع ذلك فإنكم أودعتموني السجن مع القتلة واللصوص، أليس هذا ~~دليلا على أن عقولكم مضطربة. # فقرع الرئيس حينئذ الجرس ودخلوا للمذاكرة، ثم خرجوا، وأصدروا الحكم، ~~ونصه: «برئت ساحة المتهم، ولكن يجب أن يدخل إلى مستشفى قزان لفحص قواه ~~العقلية.» # فلما دخلت إلى المستشفى المذكور جاءني طبيبه قائلا: لقد كتبوا ms78 إلي أنك ~~لا تؤمن بالله، فهل ذلك صحيح؟ فقلت له: وأين الله؟ فقال في كل مكان. قلت: ~~لا تقل في كل مكان، فإنه لو كان في كل مكان لكان ساكنا في الذين يقتلون ~~والذين يضطهدون. فسألني: أين هو إذن؟ فأجبت: إنه ساكن في الضمير الصحيح ~~والعقل السليم؛ لأن العقل والضمير لا يشتركان في القتل والآثام. فقال ~~الطبيب: اسمع يا لابسف إنني لا أريد لك إلا كل خير، ولكنهم كتبوا لي أنك ~~فرد مؤذ مضر من أفراد الهيئة الاجتماعية. فقلت له: إذا كنت مؤذيا ~~ومضرا فأرسلني إلى مكاني الحقيقي. فقال: أين مكانك الحقيقي؟ قلت: حيث لا ~~يكون لكم ولشرائعكم من أثر. فقال: لا أقدر على ذلك؛ لأني لا أعرف في العالم ~~مكانا خاليا من الشرائع والسلطة. فأجبته: فهل الذنب ذنبي إذا كنتم قد ~~جعلتم أنفسكم على مثال الآلهة فاستوليتم على الأراضي والشعوب لتتصرفوا فيها ~~تصرفكم بأملاككم الخصوصية؟ إن الصانع يستبد بمصنوعاته فيكسرها ويلقيها دون ~~أن يسأله أحد عنها لأن ذلك من حقه، فهل إن الشعوب ملك لكم حتى تصنعوا بها ~~كذلك؟ # فقال الطبيب: لا تنطق بهذا الكلام يا لابسف فإن الإنسان أصبح اليوم حرا ~~وهو سيد نفسه. فقلت: نعم، هو سيد نفسه على الورق فقط وفي بطون الكتب، أما ~~في الحقيقة فهو ليس سيدا، وإذا كان كل واحد سيدا لنفسه فلماذا تعذبونني؟ ~~هل للسيد أن يعذب السيد؟ إنكم فرقتم بيني وبين رفيقتي التي كنت أعيش معها ~~بلا موجب لذلك، أنتم تفرقون بين الرجال ونسائهم ثم ترسلونهم إلى الجندية ~~للقتل والذبح، وبذلك تنشرون فساد الأخلاق بين البشر؛ لأن الرجل والمرأة ~~حينئذ يرتكبان الخطيئة وأنتم السبب في ذلك. لماذا فرقتم بيني وبين امرأتي ~~وسجنتموني ههنا تطعمونني وتسقونني كأنني خنزير يعلف ليسمن؟ أنا لست ~~خنزيرا، ولا أحب أن آكل خبز غيري في البطالة والكسل؛ لأنني قوي الجسم قادر ~~على كسب خبزي دون أن أسفك الدم المسيحي كما تصنعون. إن الرجل الذي يأكل خبز ~~غيره من غير بذل عرق جبينه يكون خبزه مغموسا بالدم، فكأنه ms79 كان قاتلا. ~~فأنا لا أريد أن أكون قاتلا. أنا لا أريد أن آكل خبزا دمويا. فلماذا لا ~~تتركوني أعمل لآكل خبزي بعرق جبيني؟ لماذا تلزمونني بهذه الخطيئة؟ # فقال الطبيب: اترك هذه التخرصات يا لابسف. قلت: ما هذا الكلام بتخرص، ~~ولكنه كلام ذي عقل سليم. إن الله لا يكره الإنسان على الخير ولا على ~~الشر، وأما أنتم فتكرهونني على كل شر. فقال: على أي شيء أكرهناك؟ قلت: ~~تكرهونني على أن أنزع قبعتي عن رأسي، وأجثو أمامكم لأعبدكم، ولا يوجد إلا ~~إبليس الذي يطلب أن يعبدوه، أنا لا أريد أن أجثوا أمام أحد، ولم يطلب أحد ~~من خدمة الله أن يجثو الناس أمامهم، بل قد حرموا ذلك؛ لأن العبادة حرام ~~إلا لله، ومع ذلك فعبادة الله تكون بالروح لا بالجسد؛ لأن الله روح هو. من ~~أجل هذا أرى من التجديف والكفر بنعمة الله أن يجثو مخلوق أمام مخلوق، وبما ~~أنني كرهت أن أجثو أمام الناس قبضوا علي وسجنونني، فجاء سجني طبقا لقول ~~يوحنا: سيأتي زمن يضعكم فيه إبليس في السجن ليجربكم، فإبليس هو الذي أودعني ~~السجن. # ثم أقمت في هذا المستشفى ستة أسابيع، وبعد ذلك أرسلوني لأقيم في قرية ~~كوفانتزا التابعة لإقليم أرزاماس من ولاية نيجني نوفوكورود. # فاستدعيت في نيجني للمحاكمة مرة ثانية فلم أجب المحكمة بشيء، فأبقتني في ~~السجن سنة، ثم حكمت علي بالحبس ثلاثة شهور. # وفي سنة 1881 قتل القيصر إسكندر الثاني، فرفضت أن أقسم يمين الطاعة ~~لخلفه إسكندر الثالث؛ لأنني لا أعترف بشرائع البشر ونظامهم، فقالوا لي: ~~أتريد إذن أن تدخل السجن يا لابسف؟ قلت: ولماذا؟ قالوا: لأنك لا تقسم يمين ~~الطاعة للقيصر. فأجبتهم بما أجبتهم به قبلا: القيصر هو القيصر وأنا أنا ~~فلا يعنيني أمره كما أنه لا يعنيه أمري. # وبعد ذلك جئت باكو، ثم انتقلت منها إلى إليزابتبول والقرص، فأقمت في ~~القوقاز عشر سنوات، ثم سافرت إلى فلاديفوستوك، ومنها رجعت في 28 الماضي إلى ~~باكو لأرى بعض الأصدقاء وأفسر لهم آيات سألوني تفسيرها. # هذا ما أنقله إليك ms80 أيها المحترم ليون نيكولا يفتش، وهو يتضمن كل إيماني، ~~فإذا كان ينقصني شيء فأخبرني عنه في رسالة منك، قد قرأت كتابك «سيروا في ~~النور ما دام النور موجودا» فوجدته منطبقا كل الانطباق على أفكاري، ولذلك ~~كتبت لك هذا. أنا في هذا التاريخ في الحياة والصحة، فأرجو مثلهما ~~لك. # أندريا باسيليفيتش لابسف # الذي لا يعرفك وهو في الخمسين من عمره # جواب الفيلسوف تولستوي # فأجاب الفيلسوف تولستوي عن هذا الكتاب بالكتاب التالي: # أيها الأخ المحترم أندريا باسيليفيتش # تناولت كتابك، وسررت بأنني عرفتك وعرفت إيمانك. # والآن أخبرك أن نفس الاضطهاد الذي أصابك يدل على أنك سائر في طرق ~~المسيح، وكل رجل يسير في هذه الطرق لا بد أن يصدم في طريقه ملك هذا ~~العالم. إن الإنسان يجب أن لا يخفي النور تحت المكيال، بل أن يضعه في ~~مكان ينير الناس، وهذا أمر لا يريده ملك هذا العالم؛ لأن النور يظهر ~~ظلمه وأعماله؛ فلذلك يجب على الراغبين في مساعدة التقدم وإنشاء مملكة ~~الله في الأرض أن يكشفوا الستار عن أعماله مهما أصابهم من الاضطهاد، ~~وبناء عليه فإني أسأل الله أن يعينك. # أنا من رأيك في كل ما ذكرته في كتابك، وأوافق على أقوالك كل ~~الموافقة، غير أنني أريد أن أقدم لك نصيحة، وهي أنك حين كشف الستار ~~عن كذب الناس لا تنس المحبة الواجبة لأخيك التائه الذي تكشف ذنبه، ~~واعتمد بالأكثر على العقل والمحبة لا على آيات الكتاب؛ لأن الكتاب ~~مكتوب بيد الإنسان، فليس هو بمعصوم، وكل واحد يفسره كما يشاء، أما ~~العقل السليم فإنه يردنا رأسا من الله، وهو واحد لا يتغير في التتر ~~كما في الصينيين وفي سائر الشعوب، وليس في استطاعتنا إنكار شعوره ~~وتكذيب تعليمه؛ إذ لا ينكره ويكذبه إلا الذين يرفضون معرفة ~~الحقيقة. # وإني أضع لك في كتابي هذا مقالات صغيرة عن الإيمان الذي أؤمن به، ~~منها مقالتان من قلمي؛ إحداهما عنوانها «وصايا المسيح»، والثانية «كيف ~~يجب أن نقرأ الإنجيل»، وأما المقالات الأخرى فليست من قلمي، ولكني ~~موافق على ما ms81 فيها. ا.ه. # أخوك الذي يحبك # ليون تولستوي # | هوامش ms82