######OpenITI# #META# URI: 1370SalimQabcin.QisasRusiyya.Hindawi86860817 #META# Tags: novels #META# ID: 86860817 #META# Title: قصص روسية #META# AuthorID: 47253636 #META# Author: سليم قبعين #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة المترجم‏ # القروية الحسناء‏ # أحد ملوك الجمهورية‏ # ليا‏ # طرائف ولطائف‏ # كلمة المترجم‏ # القروية الحسناء‏ # أحد ملوك الجمهورية‏ # ليا‏ # طرائف ولطائف‏ # | قصص روسية # | قصص روسية # جمع وترجمة # سليم قبعين # | كلمة المترجم # استفتينا كثيرين من حضرات قارئاتنا وقرائنا عن كتاب نهديهم إياه، فكانت أجوبة الأكثرية ~~الساحقة منهم مجمعة على طلب رواية يتلاهون بمطالعتها في هذا الصيف؛ فنزلنا على إرادة هذه ~~الأكثرية واخترنا لهم بعض الروايات الشائقة التي تستهوي المطالع ببديع أسلوبها، وطلاوة ~~حوادثها، وجزيل فوائدها بما يرد في ثناياها من العبر والعظات البالغات. # وهي لكبار من كتاب الروسيين الأفذاذ، الذائعي الصيت، الموفوري الشهرة، ولا يخفى على ~~جماعة المطلعين من قادة المفكرين والكتاب أن الكتاب الروسيين لهم اليد الطولى والقدح ~~المعلى في فنون الكتابة وأساليبها الشائقة الجذابة. والروايات في كل لغة مرآة آدابها. ~~ومعلوم أيضا أننا نترجم رأسا عن اللغة الروسية فننقل للناطقين بالضاد صورة من الأدب ~~الروسي طبق الأصل. # ولعلنا بعملنا هذا نرضي مشتركينا وقرائنا، وهذا ما نرمي إليه في جميع أعمالنا ~~فحسب. # سليم قبعين # صاحب مجلة الإخاء # القاهرة في أوائل يونيو سنة 1929 # | القروية الحسناء # للكاتب الروسي الشهير أ. بوشكين # في إحدى ولاياتنا المتباعدة تقع أملاك إيفان بيتروفتش بيريستوف، الذي خدم في سني شبابه في ~~فرقة الحرس الملكي واعتزل الخدمة في أوائل عام 1797 وسافر إلى قريته ولم يبرحها بعد ذلك، ~~وقد تزوج بفتاة حسيبة فقيرة ماتت في خلال الولادة أثناء وجوده في حقل مجاور للقرية، وقد ~~خففت إدارة أعماله حزنه العميق وكانت له سلوى في محنته هذه، ثم شاد منزلا وضع رسمه بنفسه ~~بما يوافق معيشته، وأنشأ معملا للجوخ ونظم إيراداته، وغدا يعد نفسه أعقل وأنبل رجل في ~~تلك الناحية، ولم يعارضه أحد من جيرانه الذين كانوا يستضيفونه مع عائلاتهم وكلابهم. وكان في ~~أيام الأسبوع يرتدي بذلة من القطيفة، وفي أيام الآحاد والأعياد يرتدي حلة رسمية من جوخ ~~معمله، وكان يكتب نفقاته في دفتر خاص، ولم يقرأ غير جريدة الوقائع الرسمية. ومجمل القول أن ~~الأهالي كانوا يحبونه ولكنهم يصفونه بالكبرياء، ms01 وكانت العلاقات متوترة بينه وبين أحد جيرانه ~~غريغوري إيفانوفتش مورومسكي وهو سيدوروسي قح وذو مقام محترم، بذر معظم ما يملكه في موسكو، ~~وترمل في أثناء ذلك فسافر إلى آخر قرية بقيت له واستمر في لهوه وقصفه ولكن على نسق جديد؛ ~~أنشأ حديقة إنكليزية أنفق عليها كل ما بقي من دخله، وكان سياس إصطبله يرتدون ملابس السياس ~~الإنكليز، وعهد إلى سيدة إنكليزية تربية ابنته والعناية بها، وكان يستغل حقوله على الطريقة ~~الإنكليزية. # ولكن القمح الروسي لا ينمو ولا يترعرع على طريقة غير روسية، ومع أنه بالغ في الاقتصاد في ~~نفقاته العامة فإن وارداته لم تزد، وقد استطاع أن يستدين مبالغ مختلفة من أهل القرية الذين ~~يحترمونه ويقولون عنه: إنه ليس بالأخرق؛ لأنه أول مزارع في تلك الجهات استطاع رهن أرضه في ~~المصرف الزراعي، وهو أمر يدل على المهارة والجرأة في ذلك العهد لصعوبة المعاملة وشدة ~~شروطها. ومن الذين كانوا يتصدون لانتقاده والتعريض بذمه جاره بيريستوف الذي كان يحسده في ~~إدارة شئون حقوله، ولم يكن يستطيع التكلم باطمئنان عن تكلنز جاره، وإذا زاره ضيف وأراه ~~أملاكه يقول له متهكما وعلى ثغره ابتسامة شريرة: أنى لنا إدارة كإدارة جارنا غريغوري ~~إيفانوفتش، وما لنا وقيادة نفسنا إلى الخراب والإفلاس على الطريقة الإنكليزية. إننا بسيرنا ~~على الطريقة الروسية نكون على الأقل ممتلئي البطون، وكانت هذه المغامز والسخريات تبلغ آذان ~~غريغوري مضافا إليها زيادات وذيول، فيحرق الأرم غيظا ويشابه رجال الصحافة الذين ~~يخرجهم أقل انتقاد يوجه إليهم عن حد العقل، ويوجه إلى خصمه أنواع السباب والشتائم مسميا ~~إياه دبا وقرويا. # هكذا كانت العلاقات بين الجارين المزارعين عندما وصل إلى القرية ابن بيريستوف الذي كان ~~يتلقى علومه في الجامعة وعازما على الانتظام في سلك الجندية، غير أن أباه لم يوافقه على ~~فكرته، وكان الغلام لا يرى في نفسه ميلا للخدمة الملكية، وعليه فإن الأب والابن اختلفا في ~~الفكرة وتمسك كل برأيه، وقرر الشاب واسمه أليكسي أن يعيش في القرية سيدا وأسدل شاربيه ~~لكل حادث. # أليكسي شاب بهي ms02 الطلعة، ذو قامة معتدلة، ولو دخل الجندية وارتدى حلتها الأنيقة الجميلة، ~~وامتطى صهوة جواد مطهم لجاءت صورته فتنة للناظرين والناظرات، ولكنه سيقضي عمره منحنيا ~~فوق أوراق مكتب والده. وعندما يمتطي جواده ويخرج للصيد ويجري به في مقدمة الجميع كان ~~الناظرون إليه يقولون بصراحة: إنه لا يصلح أن يكون رئيس مكتب ذا جدارة، إن الأوانس الفاتنات ~~كن يلقين عليه نظرات إعجاب ولم يضبطن أنفسهن عن مسارقته النظر ومشاغلته، ولكنه لم يكن ~~يوجه إليهن التفاتا ولم يشعر بتلك النظرات الحادة الموجهة إليه، فحسبت الأوانس أن عدم ~~شعوره ومشاطرته إياهن النظرات ناجم عن حب ملأ فؤاده فتمكن فيه ولم يدع محلا ~~لآخر. # إن أولئك القراء الذين لم يسبق لهم أن عاشوا في القرى لا يستطيعون أن يتصوروا الأوانس ~~القرويات، وما هن عليه من جمال خلاب، إنهن بعيشتهن في الهواء الطلق تحت ظلال أشجار التفاح ~~في حدائقهن الخاصة وهن لا يعلمن شيئا من أحوال الدنيا إلا ما يطالعنه من الكتب، فالخلوة ~~والحرية والمطالعة تغرس فيهن منذ نعومة أظفارهن الشعور العالي وعواطف الحب والغرام، وينمو ~~فيهن ذلك مع نموهن، تلك الصفات التي لا أثر لها بين أوانس وفاتنات المدن المشردات ~~الأفكار، ففي القرى قرع الجرس يعتبر من الحوادث الهامة، وسفرة إلى أقرب مدينة تسجل في ~~تاريخ الحياة، وزيارة ضيف يبقى أثرها إلى أمد بعيد. # ومعلوم أن لكل إنسان ملء الحرية في استغراب بعض عاداتهن وما يصدر عنهن من الأمور ~~المستهجنة، ولكن انتقاد مراقبهن السطحي لا يستطيع استئصال جوهر مواهبهن السامية وأهمها: سمو ~~أخلاقهن واستقلالهن الذاتي # Individualité # وبغير ذلك على ~~رأي «جان بول» لا وجود للعظمة الإنسانية؛ وبناء على ما تقدم يسهل تصور التأثير الذي أثره ~~أليكسي على تلك الأوانس الفاتنات؛ فإنه أول شاب ظهر أمامهن عبوسا مخيبا آمالهن، وأول من ~~روى لهن عن المسرات الخاسرة وعن ذبول شبابه قبل أوانه، وفضلا عن ذلك كان يحمل في أصبعه ~~خاتما أسود منقوشا على فصه رأس ميت، وجميع هذا جديد في تلك الولاية، الأمر الذي كادت معه ~~الأوانس ms03 تصاب بمس في عقولهن. # وانشغلت به أكثر من الجميع ليزا ابنة غريغوري المتكلنز أوبيستي كما يدعوها أبوها، ومعلوم ~~مما تقدم أن والديهما ما كانا يزوران بعضهما، وهي لم تر الشاب أليكسي غير أنه كان موضوع ~~حديث وسمر الفتيات الحسان جاراتها، وكان لها من العمر سبعة عشر عاما، إن عينيها السوداوين ~~كانتا تلقيان على وجهها الأسمر اللطيف نورا من الجمال وهي فتاة وحيدة مدللة، وكانت حركاتها ~~المتوالية وطيشها وسكناتها تجلب السرور لفؤاد والدها، والغم والكدر لمس جاكسون مربيتها ~~الإنكليزية، وهي عانس متكبرة جاوزت الأربعين وتكثر من تبييض وجهها وتزجيج حاجبيها، وكانت ~~تقرأ على مسمع «باميل» الكتب وتتقاضى على ذلك ألفي روبل # 1 # في السنة، وكادت روحها تزهق في روسيا المتوحشة في ذلك العهد. # دخلت الوصيفة ناستيا غرفة ليزا وهي أكبر منها قليلا، وهي فتاة طائشة كسيدتها، وكانت ليزا ~~تحبها كثيرا وتفضي لها بجميع أسرارها، وكانتا معا تبتكران أنواع الطيش والأفكار ~~الصبيانية، ولها في قرية «بريلوتشينا» مقام ممتاز عن غيرها وخصوصا في منزل والد ~~ليزا. # وفيما ناستيا ذات يوم تساعد ليزا على ارتداء ملابسها، قالت لها: أرجوك أن تأذني لي ~~بالذهاب للضيافة إجابة لدعوة جاءتني. ~~- فليكن، ولكن إلى أين؟ ~~- إلى منزل بيريستوف، فإن زوج الطاهي اليوم عيدها الأسمى، وجاءت أمس ودعتني لتناول ~~الغداء. # فقالت ليزا: كذا كذا! الأسياد في نزاع وخصام والخدم يضيفون بعضهم بعضا. ~~- ما لنا والسادة! أنا لك ولست لوالدك، وأنت لم تخاصمي بيريستوف الصغير، وأما الشيخان ~~فليتخاصما وليتنازعا إذا كان ذلك يعود عليهما بالسرور والارتياح. ~~- ابذلي وسعك يا ناستيا لرؤية أليكسي بيريستوف ثم قصي علي جيدا بعد ذلك ماهية هذا ~~الشاب وماذا يكون من الناس، ولا تتركي شاردة أو واردة عنه إلا وأخبرتني بها. # فوعدتها ناستيا بإتمام رغبتها، ولبثت ليزا طول اليوم تنتظر بفروغ صبر عودة ناستيا، ولما ~~عادت مساء قالت وهي داخلة الغرفة: قد رأيت يا ليزا أليكسي الشاب وتفرست فيه مليا، وطول ~~النهار كان معنا. ~~- كيف ذلك؟ قصي على مسامعي كل شيء بالترتيب. ~~- سمعا وطاعة: ذهبت وإنيسيا ms04 إيغورفنا ونيفيلا ودونكا. ~~- أعرف هذا، وبعد ذلك. ~~- هأنذا أروي لك مفصلا: وصلنا المنزل ساعة الغداء فألفينا الغرفة ملأى بالمدعوين وجلهن ~~من السيدات. ~~- وبيريستوف الشاب؟ ~~- اصبري قليلا، جلسنا جميعنا حول المائدة الفخمة وعليها من أنواع الأطعمة أشهاها، وبعد ~~أن أكلنا مريئا وشربنا هنيئا مدة ثلاث ساعات متوالية قمنا وذهبنا إلى الحديقة حيث أخذنا ~~نلعب ونلهو، وفيما نحن على تلك الحال ظهر أليكسي. ~~- وهل صحيح ما يقال عنه: إنه جميل بهي الطلعة؟ ~~- نعم إنه جميل وجميل جدا، معتدل القامة، ذو وجنتين يكاد الدم يخرج منهما. ~~- أمر عجيب! إني كنت أقدر أنه أصفر الوجه، ولكن كيف رأيته أنت؟ هل كان عبوسا كئيبا ~~كثير التفكير؟ ~~- ما هذه التصورات يا سيدتي؟! إنه على غير ما تزعمين؛ فإنه طلب إلينا أن يشاركنا في اللعب ~~والجري. ~~- يجري معكن! هذا أمر مستحيل! ~~- بل صحيح، وصرح بأنه سيقبل كل فتاة يقبض عليها في أثناء اللعب والركض. ~~- إنك تكذبين وتفترين يا ناستيا. ~~- إنني لم أقل غير الحق، وأنا بنفسي تخلصت منه بكل صعوبة، ولبث معنا طول الوقت في اللهو ~~واللعب. ~~- ولكن كيف يقولون: إنه يحب، وإنه لا يلتفت إلى أحد مطلقا؟ ~~- لا أعلم، وإنما أقول: إنه كان موجها نظره إلي وإلى تانيا وباشا، ولكنه لم يهن واحدة ~~منا. ~~- هذا أمر غريب! وما يقولون عنه في المنزل؟ ~~- يقولون: إنه شاب ظريف، طيب، لعوب فكه، لا تفارق الابتسامة ثغره، وصفة واحدة فيه غير ~~محمودة وهي أنه يجري كثيرا وراء الأوانس الحسان، ومن جهة أخرى أن ذلك ليس بالأمر المشين؛ ~~فإنه يوافق ظروف هذا العصر. # فتنهدت ليزا، وقالت: أتمنى من صميم فؤادي أن أراه. ~~- الأمر على غاية السهولة، فإن قرية توغيلوفو لا تبعد أكثر من ثلاثة كيلو مترات، بل ~~المسافة بيننا وبينها دون ذلك، اقصدي تلك الجهة للرياضة أو امتطي صهوة جوادك فإنك ترينه لا ~~محالة؛ لأنه كل يوم يتقلد بندقية ويخرج مبكرا للصيد. ~~- هذا رأي غير مناسب؛ لأنه سيظن أني أجري وراءه، ومن جهة أخرى إن والدي ووالده متخاصمان ~~ولا يليق بي ms05 في هذه الحالة أن أتعرف به، ولكن هل تعلمين يا ناستيا ما خطر ببالي؟ أرتدي ثياب ~~قروية بحيث تصعب عليه معرفتي. ~~- هذا رأي حسن جدا، ارتدي قميصا غليظا وجلبابا فضفاضا، وسيري بجرأة إلى توغيلوفر، ~~وإني كفيلة بأن بيريستوف لا يفلت من يدنا. ~~- وأنت تعلمين يا ناستيا أني أحسن تقليد لهجة كلام الفلاحين، فما أحسن هذه الفكرة يا ~~عزيزتي ناستيا! ثم اضطجعت في سريرها وهي عازمة على تنفيذ هذه الفكرة التي صادفت هوى في ~~نفسها. وفي اليوم التالي همت لإتمام ما رسمته، فأرسلت وابتاعت من السوق كتانا (تيل) ~~غليظا خشنا ونسيجا قطنيا أصفر وأزرارا نحاسية، وبمساعدة ناستيا خاطت لها قميصا ~~وجلبابا، واستدعت جميع الخادمات لمعاونتها بالخياطة، وتم كل شيء عند المساء وارتدتها على ~~سبيل التجربة، ولما وقفت أمام المرآة صرحت بأنها لم تر نفسها أجمل منها اليوم، ثم أخذت ~~تمثل الدور الذي ستمثله، فانحنت مرارا وهزت رأسها وجعلت تتكلم بلسان الفلاحين، ثم تضحك ~~وتغطي وجهها بكمها؛ فصفقت لها ناستيا تصفيق الارتياح والاستحسان. ووجدت صعوبة بأمر واحد وهو ~~أنها جربت أن تمشي حافية في فناء المنزل فوخز العشب الأخضر رجليها الرخصتين، وشعرت ~~بصعوبة غير محتملة في السير على الرمل والحصى، فساعدتها ناستيا في هذا أيضا فإنها قاست رجل ~~ليزا وهرولت مسرعة إلى الراعي «تروفيم» في الحقل وطلبت منه أن يجهز لها خفا بحسب القياس ~~الذي دفعته إليه. # وفي اليوم التالي قبل الفجر والشروق استيقظت ليزا بينما جميع الذين في المنزل نيام، ووقفت ~~ناستيا أمام باب الدار تنتظر الراعي تروفيم، وما هي إلا فترة حتى نفخ في البوق واندفع قطيع ~~القرية مارا بمنزل سيد القرية وناول الراعي ناستيا الخف، فوضعت بيده نصف روبل على سبيل ~~المكافأة، وارتدت ليزا الملابس القروية وألقت أوامرها همسا على ناستيا بشأن مس جاكسون، ~~وخرجت من الباب الخلفي عن طريق المبقلة # 2 # وقصدت الحقل دون أن تلوي على شيء. # سطع نور الفجر من جهة الشرق، وصفوف السحب الذهبية كانت تنتظر شروق الشمس انتظار رجل القصر ~~للملك، إن السماء الصافية ms06 وغضاضة الصباح ورطوبته والندى والنسيم العليل وزقزقة العصافير كل ~~ذلك ملأ قلب ليزا بابتهاج الأطفال وانشراحهم، وخيفة أن يصادفها أحد كانت تظهر أنها تطير ولا ~~تمشي، ولما قربت من الغابة المتاخمة لأملاك والدها خففت السير لأنها تنتظر مقابلة أليكسي في ~~هذا المكان، وجعل قلبها يخفق بشدة دون أن تدري لذلك سببا، ولكن الخوف الذي يتبع طيشنا ~~ومرحنا في الصغر أبدع وألذ ما فيه، ثم دخلت ليزا في ظلام الغابة فحياها حفيف أشجارها وهنا ~~خفت سرورها وابتهاجها واستسلمت للأفكار العذبة. أجل جعلت تفكر! ولكن من يستطيع معرفة ما ~~تفكر به فتاة في السابعة عشرة من عمرها وهي منفردة في غابة عند الساعة السادسة من صباح ~~أيام الربيع؟ وعليه كانت تسير على درب على جانبيها أشجار باسقة، وفيما هي مستسلمة لأفكارها ~~فاجأها عواء كلب سلوقي جميل، فاضطربت ليزا وصاحت، وفي هذا الوقت خرج صوت عال يقول: # tout beau Sbogar, ici # وظهر على أثره الصياد الشاب من ~~وراء شجيرة، وقال: لا تخافي يا عزيزتي، إن كلبي لا يعض، وكانت ليزا قد تمكنت من استعادة ~~طمأنينتها وذهاب خوفها، وانتهزت هذه الفرصة للانتفاع بها. # فقالت: كلا يا سيد، وتظاهرت ببعض الخوف والحياء. # ثم قالت أيضا: إني خائفة، فما أشر هذا الكلب! إنه يحاول الهجوم علي. # أما أليكسي (ولا بد أن القارئ عرفه) فقد وجه نظره إلى القروية ولم يحوله عنها، وقال ~~لها: إني أرافقك وأوصلك إذا كنت خائفة، وهل تأذنين لي بالسير إلى جانبك؟ # فأجابته: ومن يعارض في ذلك؛ لأن المستقل له ملء الحرية والطريق عام. # فقال لها: من أين أنت؟ ~~- من قرية «بريلوتشينا» ابنة باسيل الحداد، جئت لأجمع الفطر (كمأة) وكانت تحمل سلة مربوطة ~~بحبل، ثم قالت له: وأنت أيها السيد من أين؟ أظن أنك من قرية توغيلوفر. ~~- نعم وإني خادم رب القرية الشاب. قال أليكسي ذلك ليساوي بينها وبينه في المنزلة والنسبة، ~~ولكن ليزا ألقت عليه نظرة وضحكت، وقالت: ألا تكذب بهذا! إنك لا تخاطب حمقاء، وإني أرى أنك ~~سيد القرية بنفسك! # فقال ms07 لها: لم تفتكرين بمثل هذا؟ # فأجابته: الأمر واضح لا يحتاج إلى برهان، وهل تصعب معرفة الفرق بين السيد والخادم، وهذه ~~ملابسك ونداؤك للكلب غير المعروف عندنا، كل ذلك أدلة تؤيد نظريتي. # وازداد شغف ليزا بأليكسي بين دقيقة وأخرى، وبما أنه اعتاد على رفع الكلفة مع الفلاحات ~~أراد أن يطوق خصرها بيديه، ولكن ليزا قفزت من أمامه واتخذ وجهها هيئة الجد والصرامة، الأمر ~~الذي أضحك أليكسي كثيرا، ولكنه أوقفه عند حده وحال بينه وبين هجوم جديد. # فقالت له ليزا بعظمة وشهامة: إذا كنت تريد أن نكون صديقين فأرجو ألا تنسى نفسك. ~~- من علمك هذه الحكمة؟ ألقى عليها أليكسي هذا السؤال مقهقها. ألعلها ناستيا التي ~~تعرفت بها أو كريمة سيدك؟ إني أرى بأي طريق ينتشر العلم والثقافة. # ورأت ليزا إذ ذاك أنها أنهت تمثيل دورها وعزمت على الانصراف، ولكنها خاطبت الشاب بقولها: ~~أوتظن أني لم أزر منزل رب القرية؟ لقد زرته مرارا ورأيت وسمعت كل شيء. ثم استطردت الكلام ~~وقالت: ثرثرتي معك حالت دون جمع الفطر، فاذهب أيها السيد من جهة وأنا أسير من جهة أخرى ~~وأرجوك المعذرة، وأرادت أن تبتعد لكن أليكسي أمسك بيدها، وسألها: ما اسمك يا روحي؟ # فأجابته: اسمي أكولينا، وحاولت سحب أصابعها من يده، وقالت: اتركني أيها السيد فقد حان ~~الوقت لذهابي إلى المنزل. ~~- اسمعي يا صديقتي أكولينا إني سأزور والدك باسيلي الحداد. ~~- إياك أن تفعل هذا، باسم المسيح أرجوك ألا تقدم على هذا الأمر؛ لأنهم لو علموا في المنزل ~~أني ثرثرت مع شاب على انفراد في الغابة لحلت بي مصيبة دهماء، وأبي باسيلي الحداد يضربني حتى ~~الموت. ~~- ولكنه لا بد لي من رؤيتك. ~~- سآتي في وقت ما إلى هنا أيضا لأجمع الفطر. ~~- ومتى تحضرين؟ ~~- حتى ولو غدا. ~~- يا عزيزتي أكولينا! أريد تقبيلك ولكني لا أجسر على ذلك؛ وعليه فإني أنتظرك غدا هنا في ~~مثل هذا الوقت. ~~- نعم! نعم. ~~- وأنك لا تخدعيني. ~~- لا أخدعك. ~~- اقسمي على ذلك. ~~- والجمعة المقدسة سأحضر. # فافترق الشاب والشابة، وخرجت ليزا من الغابة واجتازت ms08 الحقل ودخلت الحديقة خلسة، وبطيش ~~وسرعة دخلت المنزل حيث كانت ناستيا تنتظرها، ثم خلعت ملابسها وكانت تجيب الوصيفة على ~~أسئلتها المتتابعة وهي شاردة الفكر، ثم ذهبت إلى قاعة الاستقبال وكانت المائدة جاهزة وطعام ~~الإفطار حاضرا، وقد قطعت المس جاكسون الفطائر اللذيذة، وأثنى الأب على ليزا لرياضتها في ~~الصباح، وقال: وليس أحسن وأصح من النهوض من النوم عند الفجر، وأورد عدة أمثلة على طول العمر ~~الإنساني اقتبسها من المجلات الإنكليزية، وقال: إن كل الأشخاص الذين جاوزوا المائة من سني ~~حياتهم لم يذوقوا الخمر، وكانوا يستيقظون قبل الفجر صيفا وشتاء، ولم تسمع ليزا كلمة مما ~~قاله؛ لأنها كانت تستعرض في فكرها جميع ظروف وأحوال مقابلة الصباح وحديث أكولينا مع الصياد ~~الشاب، وأخذ ضميرها إذ ذاك يعذبها، وحاولت عبثا تبرير زلتها، وقالت: إن حديثها لم يخرج عن ~~حدود الآداب، وإن هذه اللعبة التي لعبتها لا ينجم عنها أية عاقبة، ولكن ضميرها كان يتذمر ~~وارتفع صوته على صوت عقلها وإدراكها. # إن الموعد الذي حددته للمقابلة في اليوم التالي أقلقها كثيرا، وعزمت على أن تحنث بقسمها، ~~ولكنها قالت: إن أليكسي إذا انتظرها كثيرا ولم تحضر يقصد القرية للبحث عنها، عن ابنه ~~الحداد باسيلي أكولينا الحقيقية الثخينة المجدورة، فيفقه إذ ذاك طيشها وخفتها، فأزعجها هذا ~~الفكر كثيرا؛ ولذا عزمت أن تقصد الغابة في اليوم التالي بشخص أكولينا. # أما أليكسي فكان في غاية الانشراح والجذل، ولبث طول النهار مفكرا بالصديقة الجديدة، ~~وتراءت له ليلا صورتها الحسناء السمراء وتكرر ذلك في منامه، وما لاح الفجر حتى كان مرتديا ~~ملابسه ولم يترك لنفسه وقتا لحشو البندقية، بل خرج إلى الحقل مع كلبه الأمين وأسرع نحو ~~مكان المقابلة الموعود بها، لبث نصف ساعة منتظرا حسبه دهرا وأخيرا رأى بين الأدغال بريق ~~الجلباب الأزرق، وهرول لاستقبال أكولينا الوضاحة الجبين، فابتسمت شاكرة له سروره بمقابلتها، ~~ولحظ من فوره على وجهها آثار الكآبة والاضطراب، وأراد معرفة سبب ذلك، فاعترفت ليزا بأن ~~عملها هذا طيش وخفة، وأنها ندمت على ما فرط منها، وأنها لم ms09 ترد هذه المرة عدم الوفاء ~~بوعدها، وأن مقابلتهما هذه تكون الأخيرة، وترجوه أن يقطع حبل المعرفة التي لا تقودهما إلى ~~أمر نافع. قالت هذه العبارات بلهجة فلاحية صميمة، ولكن أفكارها وشعورها غريبان بالنسبة ~~لفتاة فلاحة، الأمر الذي أدهش أليكسي وصبره فاستعمل كل ما في مقدوره من حسن البيان والبلاغة ~~ليحمل أكولينا على العدول عن عزمها، وأكد لها أمياله ووعدها بأنه لا يدع مجالا في المستقبل ~~للندم، وأنه سيكون طوع إرادتها في كل شيء، وأقسم عليها ألا تحرمه من سلوى فذة برؤيتها على ~~انفراد يوما بعد يوم أو مرتين في الأسبوع، وكان يتكلم بلسان الحب الخالص الحقيقي، وكان في ~~هذه الدقيقة كالعاشق الولهان، وكانت ليزا تسمع كلامه وهي صامتة، فقالت له أخيرا: عدني ~~وعدا صادقا بأنك لا تبحث عني مطلقا في القرية أو تسأل أحدا عني، وعدني أيضا بأنك لا ~~تطلب مني مقابلة أخرى غير المقابلات التي أحددها أنا، وأراد أليكسي أن يقسم لها بالجمعة ~~المقدسة، ولكنها استوقفته بابتسامة، وقالت: لا لزوم للقسم ويكفيني وعدا منك، وبعد هذا أخذا ~~يتسامران كصديقين واستراضا في الغابة إلى أن قالت ليزا: حان الوقت؛ فافترقا. # ولما بقي أليكسي وحده لم يستطع أن يفهم أو يفقه كيف أن فتاة قروية ساذجة استطاعت ~~بمقابلتين أن تتسلط عليه وتخضعه لإرادتها. ثم إن علاقته بأكولينا كان لها طلاوة الجديد ~~الطريف، وبدا له أن أوامر الفلاحة الغريبة ثقيلة، ومع هذا لم يخطر بباله أن ينقض عهوده لها. ~~ومع ما صادفه من النحس برفض المكاتبة السرية والاجتماعات الدائمة معها بقي ثابتا لا ~~يتزعزع؛ لأنه كان صالحا طيبا ملتهبا حبا، وكان له قلب طاهر جدير بشعور التمتع بلذة ~~الطهارة والعفة. # إنني لو أطعت إرادتي لوصفت وصفا مسهبا تفاصيل مقابلات الفتاة والفتى التي أنمت بينهما ~~الميل المتبادل والثقة التي لا حد لها، واستطردت الكلام إلى ذكر أحاديثهما ومسامراتهما، ~~ولكني أعلم يقينا أن أكثر قرائي لا يشاطروني اللذة في ذلك، وأظن أن هذه التفاصيل تبدو ~~للقارئ تافهة لا قيمة لها، وبناء عليه فإني أضرب ms10 صفحا عنها، وأقول بإيجاز: إنه ما مضى على ~~تعارفهما شهران حتى كان أليكسي مغرما بليزا لحد الشغف، ومس الحب صميم فؤاده، ولم تكن ~~الفتاة بأقل منه في ذلك ولكنها كانت أقل كلاما منه، وكان كلاهما سعيدين بالحاضر وقلما ~~فكرا بالمستقبل. # إن عدم التكافؤ بينهما في الحسب والنسب شغل أفكارهما كثيرا، ولكنهما لم يذكرا ذلك ~~لبعضهما والسبب واضح: فإن أليكسي مهما كان تعلقه شديدا بعزيزته الحسناء أكولينا يعلم الفرق ~~الجسيم بينه وبين الفلاحة المسكينة، وليزا تعلم علم اليقين العداء المستحكم بين والديها ولم ~~تتوقع إمكان صلح متبادل، ثم إن ما اتصفت به من الأنانية المتناهية دفعها إلى الاعتقاد بأن ~~أليكسي ابن المزارع الكبير سيدفعه حبه إلى السجود يوما ما أمام رجلي ابنة الحداد المنتحل، ~~ولكن حدث ما لم يكن في حسبانها وغير مجرى الأحوال، وإليك البيان: في صباح يوم بارد صافي ~~السماء من أيام خريف روسيا المعروفة ببردها القارس، خرج إيفان بيتروفيتش بيريستوف للنزهة ~~على ظهر جواده واصطحب معه ستة من الكلاب السلوقية وسائس خيله وعدة غلمان مع كل واحد بوق، ~~وفي الوقت نفسه غر صفاء الجو غريغوري إيفانوفيتش مورومسكي فأمر بإسراج فرسه وامتطى صهوتها ~~فسارت به خببا إلى حقوله المنسقة على الطريقة الإنكليزية، ولما بلغ الغابة رأى عدوه اللدود ~~على ظهر جواده يختال عظمة وكبرا، وقد ارتدى عباءة مبطنة بفرو ثعلب منتظرا أرنبا أثاره ~~الغلمان من بين الأدغال بالصياح وأصوات الأبواق، ولو علم مورومسكي بهذه المقابلة لتجنبها ~~وعاد أدراجه، لكنه قابله مفاجأة وأصبح منه على مسافة طلقة مسدس فلم يعد بيده حيلة، وبما أنه ~~كان رجلا أوربيا متثقفا مهذبا تقدم من عدوه وحياه بلطف وهشاشة، فرد له بيريستوف التحية ~~بأحسن منها، وكانت تحيته كتحية الدب المربوط بالسلاسل للسادة امتثالا لأمر صاحبه. وفي هذه ~~اللحظة قفز الأرنب من الغابة وخرج إلى الحقل فصاح بيريستوف وسائسه بكل قوتهما وأطلقوا ~~الكلاب واقتفوا أثر الأرنب بكل سرعة، ولم تكن فرس مورومسكي خرجت مرة قبل ذلك للصيد فخافت ~~وجفلت وجمحت، وبما أن صاحبها يعد نفسه ms11 من الفرسان المبرزين أطلق لها العنان وسر بهذه ~~المصادفة التي أنقذته من محادثة عدوه المكروهة، ولبثت الفرس تجري بكل قوتها حتى بلغت واديا ~~عميقا فانحرفت عنه بقوة، ولم يتمكن مورومسكي معها من الثبات على ظهرها فسقط على أرض مغطاة ~~بالجليد لاعنا فرسه التي إذ رأت نفسها بلا فارس وقفت، ولما رأى بيريستوف ذلك أسرع إلى جاره ~~وسأله عن سلامته، وهل أصيب برض أو جرح، وفي هذه الفترة قاد السائس الفرس الجموح وساعد ~~مورومسكي على ركوبها. ثم إن بريستوف دعاه إلى منزله للاستراحة فلم يستطع رفض دعوته؛ لأنه ~~وجد نفسه مدينا له، وعليه فقد عاد إلى منزله مملوءا فخرا وعجبا لأنه اصطاد أرنبا، وقاد ~~عدوه جريحا كأسير حرب. # وعندما جلس الجاران على المائدة تحادثا بوداد وإخلاص، ثم طلب مورومسكي من مضيفه مركبة ~~واعترف له أنه بسبب الرضوض لا يستطيع العودة إلى منزله راكبا فرسه، فتبعه بيريستوف إلى ~~الباب الخارجي وسافر مورومسكي بعد أن أخذ منه عهدا قاطعا بأن يزوره في اليوم التالي ~~لمناولة طعام الغداء مع نجله أليكسي، وعليه فإن العداء القديم المتأصل في نفسي الجارين ~~أزاله خوف الفرس وجموحها. # هرولت ليزا لمقابلة والدها، وقالت مندهشة: ما معنى هذا يا أبي؟ ولماذا أنت تعرج وأين ~~فرسك؟ ولمن هذه المركبة؟ فأجابها والدها: حقا إنك لا تستطيعين حل هذا المعمى، ثم روى ~~لها كل ما حدث بالإسهاب، فلم تصدق ليزا ما سمعته أذناها، ولم يدع لها والدها فرصة لزوال ~~دهشها بل فاجأها بقوله: وغدا سيتناول عندنا طعام الغداء بيريستوف وابنه، فكادت تصعق لهذا ~~النبأ، وقالت وقد غطت وجهها صفرة الذهول: ماذا تقول يا أبي؟! ~~- أقول: إن بيريستوف وابنه يتناولان غدا طعام الغداء على مائدتنا! # فأجابته بقولها: اعلم يا والدي بأني لا أظهر أمامهما مهما كان الأمر خطيرا. ~~- هل أصبت بمس في عقلك؟ ومتى غدا عندك مثل هذا الحياء؟ أو أنك تحفظين لهما الحقد الوارثي ~~كبطلة الروايات؟ كفى كفى حماقة وجنونا. # فقالت ليزا: كلا يا أبي إني لا أقابلهما مطلقا، ولو أعطيت ما في ms12 الدنيا من كنوز؛ فهز ~~والدها كتفيه وأمسك عن الكلام بهذا الصدد علما منه أن العناد لا يفيد شيئا، ودخل غرفته ~~للاستراحة بعد هذه النزهة النادرة المثال. # وسارت ليزا إلى غرفتها واستدعت من ساعتها ناستيا ولبثتا مدة طويلة يتحادثان عن ضيوف الغد. ~~فقالت ليزا: ماذا سيقول أليكسي إذا عرف في هذه الفتاة المهذبة المثقفة صديقته أكولينا؟ ~~وماذا سيكون رأيه في سلوكها؟ وأخذت تضرب أخماسا بأسداس عن تأثير مقابلتها في نفس أليكسي. ~~وخطر لها خاطر فجائي أبلغته لناستيا ووقع من نفسيهما موقع السرور وقررتا تنفيذه. # وفي اليوم التالي سألها غريغوري إيفانوفتيش وهم جالسون على مائدة الإفطار هل ما زالت ~~عازمة على الاختفاء من وجه بيريستوف وابنه؟ فأجابته بقولها: إني سأقابلهما إذا كان ذلك ~~يرضيك، ولكن بشرط أني في أي شكل ظهرت به أمامهما، أو أي عمل عملته ألا تسبني ولا تظهر أقل ~~استغراب أو عدم رضاء. فضحك والدها وقال: لا ريب أنك تقصدين مفاجأتنا بعمل غريب، إني موافق ~~على شروطك، واعملي ما تريدين يا عزيزتي اللعوبة ذات العينين السوداوين، وقبل جبهتها وخرجت ~~مسرعة للاستعداد. # وعند الساعة الثانية تماما دخلت مركبة فخمة يجرها ستة من جياد الخيل فناء المنزل، ووقفت ~~في ناحية مسكوة بالعشب الأخضر، ثم نزل منها بريستوف الكبير وصعد إلى شرفة المنزل السفلى ~~بمساعدة خادمي صاحب المنزل اللذين كانا مرتديين ملابس خدمة الإشراف، ووصل على أثره نجله ~~أليكسي ممتطيا صهوة جواده ودخل مع والده غرفة الطعام حيث كانت المائدة مهيئة. وقابل ~~مورومسكي ضيفيه مقابلة ودية وبالغ في الحفاوة بهما وإكرام وفادتهما، وطلب إليهما أن يريا ~~حديقته قبل مناولة الطعام وزريبة الوحوش، وقادهما في طرق معبدة ومغطاة بالرمل، فأسف ~~بيريستوف الشيخ على تلك الأتعاب التي ذهبت بلا جدوى على تنظيم لا فائدة منه، ولكنه من باب ~~اللياقة لم يصرح بانتقاده هذا. وأما أليكسي فإنه لم يعر ذلك جانب الالتفات ولم يشاطر مضيفه ~~المتكلنز السرور أو الارتياح؛ ذلك لأن أفكاره كانت مشغولة بغير هذا، وكان ينتظر بفروغ صبر ~~حضور ابنة الدار التي سمع ms13 عنها كثيرا، وقد علمنا أن فؤاده كان مشغولا بحب غيرها، ولكن كل ~~آنسة حسناء كان لها تأثير على مخيلته ونظره. # ولما عادوا جلس الثلاثة حول المائدة وجعل الشيخان يذكران أيام خدمتهما وما جرى في خلالها ~~من الحوادث والنوادر، وأما أليكسي فإنه كان يفكر في الدور الذي يمثله أمام ليزا، وقرر في ~~نفسه أن خير مظهر يظهر به هو تشتت الفكر والبرود الشديد، وفيما هم على تلك الحال فتح الباب ~~فالتفت نحوه بعظمة وطمأنينة وبرود بحيث لو رأته على هذه الحالة أشد النساء غنجا وخلاعة ~~لاضطرب فؤادها، وارتعشت أعصابها، ولكن من الأسف دخلت بدل ليزا العجوز مس جاكسون وهي مبيضة ~~الوجه، ضامرة الخصر، غاضة الطرف، فذهبت بدخولها خطة أليكسي الحربية عبثا، ولكنه ما كاد ~~يجمع قوته ثانية حتى دخلت ليزا فوقف الجميع، وأراد أبوها أن يعرفها بالضيفين ولكنه توقف ~~فجأة وعض شفتيه، ذلك لأن فتاته ليزا السمراء قد طلت وجهها حتى أذنيها بطلاء أبيض، وزججت ~~حاجبيها زيادة عن مس جاكسون، وقد كانت سوالف شعرها أزهى من شعرها الحقيقي، وقد جعلتها على ~~شكل قبعة الشعر المستعار لعهد لويس التاسع عشر، وكان رداؤها منتفخا كثيرا، وأما خصرها فقد ~~رفعته جدا حتى أصبح كحرف # X # وتزينت بجميع حلي والدتها ~~الماسية التي لم يرهنها والدها في بنك الرهونات، فكانت تبرق وتتلألأ في أصابعها وعنقها ~~وأذنيها، ولم يستطع أليكسي معرفة صديقته أكولينا بهذه الفتاة اللماعة المضحكة في شكلها ~~وزيها، فصافحها والده وحذا هو حذوها وظهر له أن أصابعها كانت ترتعش في يده، ثم جعل ينظر ~~إليها من رأسها حتى أخمص قدميها فلم يعرفها، أما والدها فإنه ذكر وعده لها وحاول التظاهر ~~بعدم الاهتمام والدهشة، وأما دهشة مس جاكسون فكانت عظيمة لأنها علمت في هذه الساعة أن ليزا ~~سرقت من درج خزانتها كل شيء: صبغة الحاجبين وسوالف الشعر. # جلس الجميع على المائدة وواصل أليكسي تمثيل دور المشتت الفكر، العديم الاهتمام بما حوله، ~~وأما ليزا فإنها أخذت في الغنج والدلال وجعلت تتكلم من بين أسنانها باللغة الفرنسية فقط، ms14 ~~وكان أبوها لا يحول نظره عنها دون أن يفهم غرضها من هذا التصنع الغريب المضحك، وأما ~~الإنكليزية فكانت في شدة الغيظ والحنق، ولكنها لم تنبس ببنت شفة، أما بيريستوف الكبير فكان ~~كأنه في منزله وأكل نصيب اثنين وشرب حتى طفح، وكان يتكلم ويضحك ويقهقه. # وأخيرا نهضوا عن المائدة وسافر الضيفان، وأطلق والد ليزا العنان لنفسه بالضحك وأمطر على ~~ابنته وابلا من الأسئلة عما حملها على الظهور بهذا المظهر، وقال لها: ألعلك أردت أن تختلي ~~الضيفين؟ وكانت هي ترقص طربا لنجاح ما ابتكرته، ثم عانقت والدها وهرولت مسرعة لتستعطف مس ~~جاكسون وتسترحمها؛ لأنها كانت في حالة غضب شديد، ولم تشأ أن تفتح لها باب غرفتها لتسمع ~~إيضاحاتها، وأخيرا تم الصلح بينهما، وأهدتها مس جاكسون حقا من الطلاء الأبيض الإنكليزي؛ ~~إعرابا عن رضائها عنها. # وأظن أن القارئ يدرك أن ليزا بادرت في اليوم التالي إلى غابة المقابلات، ولما وقعت عينها ~~على أليكسي قالت له: إنك كنت أيها السيد أمس عند سيد قريتنا. وكيف رأيت فتاته الحسناء؟ ~~فأجابها بقوله: إنه لم يلحظها ولم يلتفت إليها، فقالت له: إني آسفة جد الأسف. فسألها عن سبب ~~أسفها، فأجابته: كنت أريد أن أسألك على صحة ما يقولون أني أشبهها تمام الشبه. فأجابها: إنها ~~بالنسبة إليك تعد شوهاء. # فقالت له: حرام عليك تقول ذلك؛ لأن سيدتنا بضة بيضاء، وأنى لي أن أقارنها بجمالها ~~الفتان! فجعل يقسم لها بأنها أجمل منها بما لا يقاس، ولكي يجعلها تطمئن أخذ يصف لها ابنة ~~مورومسكي وملامحها المضحكة، فقهقهت ليزا بكل قوتها، وقالت: ولو أن سيدتنا مضحكة كما تقول ~~فإني بالنسبة إليها حمقاء جاهلة أمية. فقال لها معزيا: إني أعلمك القراءة بسرعة رائدة. ~~فأظهرت الفتاة ارتياحها، ثم جلسا وأخرج أليكسي من جيبه قلم رصاص ودفترا وكتب على صفحة منه ~~الحروف الهجائية، فتعلمتها ليزا بسرعة أدهشت الشاب، وفي اليوم التالي حاولت الكتابة أمامه ~~فلم يطاوعها قلم الرصاص أولا، ولكنها بعد عدة دقائق كتبت الحروف جميعها وقرأتها، فقال ~~أليكسي مندهشا: إن درسنا ناجح جدا، ms15 وأسرع من طريقة لانكاستير، وفي الحقيقة فإنه بعد ~~الدرس الثالث جعلت أكولينا تقرأ الجمل الصغيرة من رواية كانت مع معلمها. # وبعد أسبوع أخذا يكاتبان بعضهما، وجعلا إدارة البريد عند شجرة سنديان قديمة العهد، وقامت ~~الوصيفة ناستيا بوظيفة موزع الرسائل، وكان أليكسي يسلمها رسائله عند الشجرة وهي مكتوبة بخط ~~ثلث واضح ويستلم منها رسائل حبيبته المكتوبة بخط رديء كخط الفتيات والصبيان المبتدئين بتعلم ~~القراءة وهي مكتوبة على ورق أزرق بسيط. # ومع الوقت تحسن خط أكولينا وارتقت عبارة كتابتها، وفي نفس هذا الوقت ازدادت صداقة ~~بيريستوف ومورومسكي وثوقا وأصبحا صديقين حميمين، وفكر الأخير هذا بأنه بعد وفاة بيريستوف ~~سيرث ابنه أليكسي أملاكه ويصبح أكبر وأغنى مزارع في تلك الولاية، ولا يوجد شيء يحول بينه ~~وبين الزواج بكريمته ليزا، وبيريستوف مع انتقاده لتكلنز جاره يرى فيه بعض الصفات الطيبة. ~~وكان مورومسكي من أقرباء الغراف برونسكي، وهو رجل نبيل وذو نفوذ عظيم، فقال بيريستوف في ~~نفسه: لا ريب أن الغراف ينفع أليكسي منفعة محسوسة، ثم إن مورومسكي يرضى بسرور وارتياح إعطاء ~~ابنته لأليكسي. كان كل من الشيخين يفكر بهذا منفردا، وأخيرا تحدثا به وتعانقا وأخذ كل ~~منهما يعد العدة إلى تنفيذه، ووجد مورومسكي صعوبة بمفاتحة ابنته بهذا الشأن وإقناعها ~~بالزواج من أليكسي الذي لم تره بعد أن تناول الطعام على مائدة والدها، وزعم أنهما لم يتحابا ~~ولا أعجب الواحد الآخر، ومن جهة أخرى كلما كان بيريستوف يزور والدها تختفي في غرفتها، وزعم ~~أنه لو زارهما أليكسي كل يوم لألفته ابنته وأحبته مع مرور الوقت. # وكان بيريستوف أقل اضطرابا بنجاح مقاصده ودعا في ذلك المساء ابنه إلى مكتبه، وبعد أن ~~أشعل غليونه وتلذذ بالتدخين قال له: أراك يا أليكسي من زمن بعيد سكت عن خدمة الجندية، وهل ~~أن رداء الفرسان غدا لا يغويك؟ # فأجاب أليكسي والده باحترام بقوله: كلا يا والدي! فقد رأيت أن رداء الهوسار لا يعجبك ~~وواجبي يقضي علي بطاعة والدي. ~~- حسنا جدا، وأرى أنك ابن بار طائع، وذلك أكبر سلوى لي في ms16 شيخوختي، وإني لا أقف حائلا ~~بينك وبين حرية الإرادة، ولكني أريد تزويجك. ~~- بمن يا أبي؟ أجابه أليكسي وهو مندهش. ~~- بليزا كريمة جارنا مورومسكي الفتاة الحسناء. ~~- إني يا أبي لم أفكر للآن بالزواج. ~~- إنك لم تفكر ولكني فكرت عنك، وصحت عزيمتي على ذلك. ~~- الأمر أمرك يا والدي، ولكن ليزا مورومسكي لم تعجبني ولم تصادف هوى في نفسي. ~~- ستعجبك فيما بعد والصبر مفتاح الفرج. ~~- أشعر بنفسي أنني لست جديرا بجعلها سعيدة. ~~- إن سعادتها ليست حزنا لك، وعلى كل حال احترم طاعة والدك، وانزل على إرادته ففي ذلك ~~نفعك. ~~- قل ما تريد، إني لا أريد الزواج. ~~- يجب عليك أن تتزوج وإلا فإني ألعنك، وأما أملاكي فالله القدوس يعلم أني أبيعها وأبدد ~~أثمانها ولا أترك لك وسادة، وإني أمهلك ثلاثة أيام للتروي والتفكير وقبل هذا لا تريني ~~وجهك. # وكان أليكسي يعلم أن والده إذا قطع عهدا أو قال قولا لا يرجع عنه، فذهب إلى غرفته وجعل ~~يفكر بحكم السلطة الوالدية الجائرة، وبليزا وبوعيد والده بتركه فقيرا مسكينا لا يملك ما ~~يسد به رمقه، ثم بأكولينا التي رأى لأول مرة أنه يحبها حبا يشبه العبادة، وقد خطر له خاطر ~~غرامي وهو أن يتزوج بالقروية الساذجة ويعيش من عرق جبينه وكد يمينه، ووجد في هذه الفكرة بعد ~~التروي خير حل لموقفه الحرج. # وكانت المقابلات بينه وبين أكولينا في الغابة توقفت بسبب الأمطار، فكتب إلى أكولينا رسالة ~~بخط واضح جلي كبير الحروف أخبرها به عما ينتظره من الهلاك والوبال، وطلب يدها في ختام ~~الرسالة وحملها بنفسه إلى جوف السنديانة، ونام بعد ذلك نوما عميقا. # وفي اليوم التالي استيقظ مبكرا وهو ثابت على عزمه وعزم على السفر إلى منزل مورومسكي ~~ليفاوضه بالأمر بإيضاح وصراحة، ورجا أنه يستفز فيه شهامته ويستميله إلى مساعدته، ولما وقف ~~بجواده أمام باب منزل مورومسكي سأل عن وجوده. # فأجابه الخادم: إنه سافر في الصباح؛ فأسف الفتى لذلك، وسأل الخادم: وهل كريمته ليزا ~~موجودة؟ ~~- نعم يا سيدي، إن حضرتها في المنزل. # فترجل أليكسي عن جواده ms17 ودفع مقوده للخادم ودخل المنزل بدون أن يعلم عن قدومه ، وقال وهو ~~سائر إلى غرفة الاستقبال: سيتم كل شيء على ما أريد، فإني سأتفاهم مع ليزا بدون وساطة أحد، ~~دخل وجثم مكانه لا يبدي حراكا، بل قل: إنه ذهل ولم يصدق ما ترى عيناه ... رأى ليزا، ~~وقال: كلا هذه أكولينا! لم يرها في الجلباب الفضفاض بل برداء الصباح جالسة بجوار النافذة ~~تقرأ رسالته، وكانت مشغولة بقراءتها لدرجة أنها لم تلحظ ولم تشعر بدخوله عليها، ولم يستطع ~~أليكسي أن يضبط نفسه عن صراخ الفرح؛ فانتفضت ليزا كعصفور بلله القطر، ورفعت رأسها وصرخت ~~وحاولت الفرار فهجم عليها وأمسك بها، وقال: أكولينا، أكولينا! ولكن ليزا حاولت التخلص منه، ~~وقالت له بالفرنسية: اتركني يا سيد وشأني، وكررت عبارتها مرارا، فصاح أليكسي: أكولينا! ~~أكولينا، كرر ذلك وهو يقبل يديها، شاهدت المس جاكسون هذا الدور ولم تدر ما تقول أو ما ~~تظن، وفي هذه اللحظة فتح الباب ودخل غريغوري إيفانوفيتش والد ليزا، وقال: يظهر أن الأمر ~~بينكما قد تم على ما يرام فليكن كذلك. # وإني أرجو القارئ الكريم أن ينقذني ويعفيني من واجب الإسهاب في وصف النتيجة، فقد يستطيع ~~كل قارئ أن يدركها ويتلذذ بها ويشاطر العروسين وآلهما في أفراحهم وارتياحهم لتلك النتيجة ~~المفاجئة. # | أحد ملوك الجمهورية # للكاتب الروسي المتفنن مكسيم غوركي # إن ملوك الحديد والفولاذ والبترول في الولايات المتحدة كانوا دائما أبدا يشغلون أفكاري؛ ~~لأنني كنت واثقا تمام الوثوق بأن أصحاب الملايين من الدنانير لا يمكن أن يماثلوا البشر، بل ~~إنهم من فصيلة خاصة. # كنت أتصور أن لكل واحد منهم على الأقل ثلاث معد، وفي فم كل منهم مائة وخمسون سنا، ~~وكنت أعتقد أن صاحب المليون لا عمل له في كل يوم غير الأكل حيث ينهض من النوم عند الساعة ~~السادسة صباحا ويسرع حالا لالتهام الطعام حتى الساعة الثانية عشرة مساء دون أن يتخلل ذلك ~~شيء من الراحة، وأنه يستعمل في طعامه أفخر المأكولات كالأوز والديوك الرومية والخنانيص ~~والخراف الصغيرة والدجاج وسائر أنواع الحلوى وأفخر ms18 الفواكه وأغلاها ثمنا، وإذا جاء المساء ~~وكل فكاه عن مضغ الطعام يأمر الزنوج فيمضغونه له ويضعونه في فمه فيزدرده ازدرادا، وبعد ~~حشو معده بالطعام يفقد النشاط والحركة، ويأخذ العرق يتصبب من جسمه فيحمله الزنوج إلى سريره ~~حيث ينام نوما ثقيلا، حتى إذا وافت الساعة السادسة من صباح اليوم التالي ينهض ويعود إلى ~~ما كان عليه بالأمس من التهام الطعام، وعلى هذا المثال يقضي حياته التعيسة. # وهذه النفقات الطائلة التي ينفقها على طعامه لا تبلغ نصف دخله من فائدة أمواله، ولا يخفى ~~أن هذه العيشة ثقيلة متعبة، ولكن صاحب المليون مدفوع إليها بحكم الثروة الكبيرة، وإذا لم ~~يعش على تلك الصورة التي ذكرناها فلا فارق بينه وبين أدنى الناس. # وكنت أظن أن قمصان وسراويل صاحب المليون منسوجة من خيوط ذهبية، وأن مسامير نعل حذائه ~~أيضا من خالص الذهب، ويرتدي على رأسه بدلا من البرنيطة قبعة مصنوعة على نمط خاص به مرصعة ~~بالجواهر والدر وسائر أنواع الحجارة الكريمة، وأن رداءه الخارجي (السترة) خيط من أفخر ~~الحرير وأغلاه ثمنا، ولا يقل طوله عن مائة متر مزدان بثلاثمائة زر من الذهب النقي، وأنه في ~~أيام الأعياد يرتدي ثماني سترات واثني عشر بنطلونا، ومع أن ذلك يبهظ جسمه ولكنه يتحمل ذلك ~~بسرور؛ ليمتاز عن سائر الناس في كل شيء، وكنت أتصور أن جيب صاحب المليون عبارة عن هوة عميقة ~~يستطيع أن يخفي فيه الكنيسة ودار الندوة العمومية وكل شيء أراده، وإذا تصورت جوفه فكان في ~~نظري لا يقل اتساعه عن مخزن إحدى البواخر البحرية الكبيرة الحجم، ولكني مع كل هذه التصورات ~~ما كنت أقدر أن أتصور طول رجليه ورجلي بنطلونه، ولكني ظننت أن اللحاف الذي ينام تحته صاحب ~~المليون لا يقل طوله عن ميل مربع، وتصورت أيضا أنه إذا كان من المغرمين بمضغ التبغ فإنه ~~يلقي في فمه دفعة واحدة كمية من أجوده لا تقل عن رطلين، وإذا كان من المغرمين في استنشاقه ~~فإنه يضع من مسحوقه المعروف بالنشوق كمية في أنفه لا يقل وزنها ms19 عن الرطل، وهو معذور فيما ~~يفعله لأن النقود تطلب إنفاقها . # وأما أصابع يديه فإنها عجيبة مدهشة ليست كأصابع الناس المعروفة، وقد اختفت فيها قوة سحرية ~~بحيث يمدها إلى أبعاد شاسعة إذا شاء ثم يرجعها إلى حالتها المعتادة، حتى إنه لو كان جالسا ~~في نيويورك وبلغه بأن دولارا نبت في سيبيريا فإنه يمد أصابعه من فوق بوغاز بيرين ويقتلع ~~الدولار الذي نبت في أرض سيبيريا وهو جالس على مقعده. # ومع كل ما تصورته من هذه التصورات فإني لم أستطع تصور رأس صاحب المليون الذي أتخيله بأنه ~~لا يقل عن أحد المردة، وإنما كنت أظن أنه في غنى عن الرأس ما دام له تلك الأعضاء الضخمة ~~والفم الواسع والطول المتناهي والأصابع السحرية التي كلها تعصر الذهب عصرا؛ وبوجه الإجمال ~~فإني أجهدت القريحة جهد الطاقة وحصرت كل قواي العقلية لأستطيع تمثل وتصور صاحب الملايين ~~فذهبت أتعابي العقلية سدى. # ولكن لا أقدر أن أصف لك أيها القارئ الكريم عظم الدهش والحيرة والاضطراب التي وقعت علي ~~عند ما أتاح لي الزمان مشاهدة صاحب الملايين وأنه لا يفرق في شيء مطلقا عن بقية ~~الناس. # رأيت أمامي رجلا شيخا نحيف الجسم حليق الذقن صغير اليدين كباقي الناس، وقد سقطت أسنانه ~~فاستبدلها بأسنان اصطناعية من الذهب، وكذلك تساقط شعر حاجبيه ورأسه؛ وبوجه الإجمال فإن ~~الشخص الجالس أمامي لم يكن يفرق في شيء عن طفل صغير ابن ساعته، ويصعب على كل أحد أن يحكم هل ~~هو في بدء حياته أم في منتهاها. # وأما ملابسه فهي قريبة الشبه من ملابس ميت من عامة الناس، وفي يده خاتم ذهب، وعلى صدره ~~سلسلة ذهبية، وأسنانه أيضا من الذهب كما قدمنا، وإذا وزن الذهب المتحلي به فلا يزيد عن ~~مثقال، وكل إنسان يتصور خدمة الدوقات في فرنسا ورأى رسومهم لا يشك إلا بأن هذا الرجل واحد ~~منهم، وقد استقبلني في غرفة ليس فيها شيء من الرياش الفاخر والداخل إليها يظنها من أول وهلة ~~أنها إصطبل أفيال لا قاعة استقبال. # ولما وقفت أمامه سألته ms20 قائلا: هل أنت صاحب الملايين؟ # فأحنى رأسه وقال: نعم أنا هو ذلك الرجل. # فتظاهرت بتصديق كلامه، ولكن أردت أن أتحقق تصوراتي السابقة بشأنه، فسألته مستفسرا عن ~~كمية اللحم التي يستطيع أكلها على طعام الصباح؟ # فأجاب: إني لا آكل لحما في الصباح مطلقا، وإنما أتناول نصف برتقالة وبيضة وكأسا صغيرا ~~من الشاي، قال ذلك وأبرقت عيناه ولم أر فيهما شيئا من الكذب. # ثم قلت له: أرجوك أن تعلمني كم مرة تأكل في النهار؟ # فأجاب بكل سكينة: إني أتناول الطعام دفعتين في اليوم في الصباح والظهر، وأتناول على ~~الغداء صحنا من الحساء وصحنا من اللحم الأبيض وشيئا من الحلوى والفاكهة وفنجال قهوة ~~ولفافة تبغ. # فقلت له: وإذا كان الأمر كما ذكرت فما تفعل بقناطير المال المقنطرة المحشودة في ~~خزائنك؟ # فأبرقت عيناه واختلج حاجباه وارتفع كتفاه، وقال: أصنع من نقودي نقودا أخرى. # فقلت له بسرعة: ولماذا تصنع النقود؟ ~~- لأزيد ثروتي اتساعا. # فقلت: وما الفائدة في تلك الزيادة؟ # فقام عن مقعده ودنا مني ووضع يده على كتفي، وسألني قائلا: هل أنت في عقلك أم أنت ~~معتوه؟ # فأجبته من ساعتي: وأنت أيهما العاقل أم المعتوه؟ # فاطرق مليا وقال: الجنون فنون، والحق أني أول مرة في حياتي أرى رجلا مثلك، ثم تثاءب ~~حتى كادت شفتاه تلتصق بأذنيه، ثم أخذ يتفرس في وينظر إلي من رأسي حتى قدمي، ولحظت من ~~وجهه أنه يعد نفسه إنسانا طبيعيا كسائر الناس، ولحظت أن في ربطة عنقه دبوسا صغيرا من ~~الزمرد، وبعد برهة ساد فيها السكوت سألته: ما هو العمل الذي يتعاطاه؟ فأجاب: أتعاطى مهنة ~~عمل النقود. # أما أنا فأطرقت مفكرا ثم لاح لي جواب زعمت أنه فصل الخطاب، فقلت له: إنك إذن مزيف نقود، ~~فلما سمع مني ذلك انتفض كعصفور بلله القطر ولاح الغضب في عينيه، ولبث برهة صامتا جامدا لا ~~يبدي حراكا ثم أخذت السكينة تعود إليه، وكست وجهه علامات السرور، وقال: هل لك شيء آخر ~~تسأل عنه؟ # فافتكرت وبدا لي سؤال جديد سألته إياه قائلا: كيف تصنع النقود؟ ms21 ~~- سؤالك هذا معقول، والإجابة عليه في غاية السهولة: إني أنشأت كثيرا من الخطوط الحديدية ~~التي تخترق البلاد عرضا وطولا، ولي معامل لا تحصى يعمل فيها ألوف العمال، فالمعامل تصنع ~~البضائع، والسكك الحديدية تنقلها إلى البلاد وتطرحها في الأسواق، وبذلك تنهال علي الأرباح ~~انهيال السيل، ولكن لا تنسى ما أدفعه من الأجور لعمال المعامل حتى لا يقضوا جوعا. ~~- وهل ترى جميع العمال مسرورين من حالتهم، راضين بالأجور التي يتقاضونها؟ ~~- ليس كلهم بالطبع، فإن الإنسان مهما سعى في سبيل إرضاء الناس فلا يستطيع إلى ذلك ~~سبيلا. # ثم سألته: هل الحكومة لا تتداخل في شئونكم، ولا تعطل سير أعمالكم؟ # فقال معيدا ما قلت - الحكومة - وأطرق مليا ثم أبرقت أسرته كأنه توصل إلى حل معمى، أظنك ~~تريد أولئك الرجال المقيمين في واشنطون، كلا، كلا إنهم لا يصادروننا في أعمالنا مطلقا، ولا ~~يتداخلون فيها أقل مداخلة، وأعرف بينهم أشخاصا من أهالي جهتنا هذه، ولكن لا أجتمع بهم إلا ~~نادرا؛ ولذلك فلا تعجب إذا قلت لك: إنهم لا يخطرون على بالي أو أني أنسى ذكرهم وأسماءهم؛ ~~وبوجه الإجمال فإن رجال حكومتنا قوم أخيار لا يصادروننا أقل مصادرة، ولكني أريد أن أسألك: ~~هل توجد في العالم حكومة تحظر على رعاياها صنع النقود وتصادرهم في ذلك؟ # فأجبته وأنا معجب بحكمته آسف على فضولي قائلا: زعمت أنه توجد حكومات تصادر النهب العلني، ~~وتسعى إلى منعه بالضرب على أيدي النهابين السلابين الذين يستحلون أتعاب غيرهم. # فقال مغضبا: إن هذا لا يفرق بعرفي في شيء عن الفوضوية التي ليس لها أثر في بلادنا، ~~وحكومتنا لا تتداخل مطلقا في الشئون العامة، وفوق ذلك فإن قوانين البلاد لا تبيح لها ذلك ~~مطلقا. # فقلت له: إنك إذن تعتقد بأنه إذا ابتز رجل واحد دماء وأموال ألوف من الرجال والناس لا ~~يعتبر عمله هذا من الشئون العامة التي يجب على الحكومة المداخلة في شأنها لإيقاف جشع ذلك ~~الرجل وكف مطامعه، بل وعقابه على فعله، أوما سمعت قول فيكتور هوجو الشاعر الفرنسي القائل: # 1 # قتل امرئ ms22 في غابة # جريمة لا تغتفر # وقتل شعب آمن # مسألة فيها نظر # والحق للقوة لا # يعطاه إلا من ظفر # ذي حالة الدنيا فكن # من شرها على حذر # فتغيرت سحنته، وقال مكررا: قتل الشعب - سلبه - ابتزاز أمواله، كلمات وإن اختلفت في ~~اللفظ فإنها تؤدي إلى معنى واحد ليس له ظل في بلادنا، وإنما هي تكون في بلاد ارتفعت فيها ~~أجور الفعلة ارتفاعا فاحشا، واعتاد رجال الأشغال فيها على الإضراب عن العمل أو الجنوح ~~إلى الاعتصاب، ولا يوجد في بلادنا شيء من ذلك؛ لأن المهاجرين ينسلون إليها من كل حدب وصوب ~~أفواجا أفواجا، وكثرة عددهم تخفض أجور الفعلة الأميركيين الذين إذا اعتصبوا بدعوى قلة ~~الأجور يحل محلهم عن طيبة خاطر وسرور المهاجرون الذين كلما ازداد عددهم قلت أجورهم، وهم ~~بالطبع ينفقون ما يحصلونه في البلاد التي تجني من ورائهم فوائد جمة. # قال ذلك وأبرقت أسرته وأصبح وجهه يشبه وجه شيخ وطفل مزجا معا فخرج منهما صورة واضحة ~~ممزوجة، وقد انطلق لسانه وزاد نشاطه واستطرد الكلام، فقال: سؤالك بشأن الحكومة سؤال في غاية ~~الأهمية، ولا تحسن حال أمة إلا إذا حسنت حالة حكومتها واتصف رجالها بالأوصاف السامية، ~~والحكومة تحل مسائل عديدة منها أنه ينبغي أن يكون عدد سكان البلاد وافرا ليستطيعوا ابتياع ~~البضائع التي تصدرها معاملي، وينبغي أن يكون عدد العمال في البلاد وافرا لأستطيع أن آخذ ~~العدد اللازم لمعاملي وأطياني، وفي مثل هذه الحالة لا يكون أثر في البلاد للاشتراكيين ولا ~~للاعتصاب، والحكومة لا ينبغي عليها أن تبهظ كاهل الرعايا بالضرائب الفادحة حتى يتوفر لدى ~~الأمة المال وتبتاع به من معاملي، وحكومة مثل هذه هي بعرفي حكومة عادلة جيدة. ولاحت على ~~وجهه المضحك أمارات السخافة والحماقة وازبأر كالأسد حتى خلت أن أمامي ملكا من الملوك ~~يعتز بجبروته وسلطته، ولا غرو فهو ملك وأي ملك! ثم استطرد الكلام أيضا، وقال: وأريد من ~~الحكومة أن تعين برواتب طفيفة عدة من الفلاسفة يعلمون الشعب في أيام الآحاد كيفية ~~اتباع القانون والسير بموجبه؛ بحيث يستمر كل فيلسوف ms23 مدة ثماني ساعات متوالية يلقي عظاته ~~وحكمه المؤثرة، وإذا لم يكف عدد الفلاسفة في البلاد تعهد ذلك إلى الجنود، ومتى تيسر ~~للحكومة القيام بهذا العمل الهام وسار الشعب على محور القانون تتوفر في البلاد أسباب ~~السعادة والصفاء. # ولما أنهى كلامه قدمت له سؤالا آخر وهو: هل أنت راض عن الحكومة الأميركية ~~الحاضرة؟ # فأبطأ في الإجابة وأطرق رأسه مفكرا ثم رفعه وقال: إن حكومتنا تعمل أقل مما هو مطلوب ~~منها، فإنه يتحتم عليها أن تسهل سبل المهاجرة للبلاد حتى يزداد عدد المهاجرين، ولكن ~~الحكومة تدعي بأن أميركا حرة النظامات، والمهاجرون الداخلون إليها يتمتعون بالحرية ~~السياسية؛ ولذلك ينبغي عليهم عند دخولهم البلاد أن يدفعوا لها ثمن هذه الحرية التي لم ~~يذوقوا طعمها في بلادهم، وفرضت على كل مهاجر أن يكون معه عند دخوله البلاد 500 دولار، وهي ~~كما ترى محقة في صنعها هذا؛ لأن الرجل الذي يملك 500 دولار خير من صاحب الخمسين؛ بل يفضله ~~عشر مرات، وهو على كل حال خير من المتشردين والمرضى والبائسين الذين لا ينفعون البلاد أقل ~~منفعة، بل هم عالة على أكتافها. # فقلت له: ولكن هذا الشرط ينقص عدد المهاجرين، فأجابني في الحال قائلا: إنني أرى أنه ~~ينبغي على الحكومة أن تمنع المهاجرة بعد حين من الزمن، وهي مصيبة الآن في فرضها على كل داخل ~~بلادها أن يكون لديه شيء من المال النافع للبلاد، ثم بعد أجل ترفع القيمة التي كما أشرت ~~آنفا يدفعها المهاجر ثمنا لتمتعه بالحقوق المدنية كما يتمتع بها الرعايا الأميركيون سواء ~~بسواء، وبعد ردح من الزمن ينبغي حرمان المهاجرين من التمتع بالحقوق المدنية التي يتمتع بها ~~أهالي البلاد؛ لأن عدد الأميركيين أصبح كافيا ولا فائدة من زيادته، وكل أميركي يستطيع على ~~حدة أن يعمل لزيادة عدد مواطنيه، وجميع ما ذكرت لك من الشئون من خصائص الحكومة وهي تبدل ~~وتغير وتغير وتبدل في النظامات على حسب ما يتراءى لها، وهي تظن أنها تتوخى خير ~~البلاد ونفعها، والذي أراه أن رجال الحكومة لا يستطيعون إدراك ms24 المنافع الحقيقية التي تعود ~~على البلاد بالخير الوفير والنعم الجزيلة إلا إذا ابتاع كل واحد منهم أسهما كثيرة من ~~الشركات التجارية والزراعية والصناعية. وأما الآن فإنهم لا يدركونها حق الإدراك؛ ولذلك ~~تراني وغيري من أصحاب الأموال نضطر إلى ابتياع أعضاء مجلس البرلمان والمجالس الأخرى وندس ~~لهم المبالغ الوافرة؛ لنستطيع الحصول على ما نتمناه من التغيير في نظام البلاد حتى يكون ذلك ~~في غاية الموافقة لمصالحنا. وعندما لفظ هذه العبارة تنهد الصعداء وقال: إنك لترى أنه لا ~~يحسن حال العيش إلا إذا انهال الذهب فيه كالسيل المنهمر. # أما أنا فلما وقفت منه على رأيه السياسي وجهت إليه سؤالا جديدا، فقلت له: وما رأيك في ~~الدين؟ # فضرب بيده على فخذه ورفع حاجبيه وقال: إن رأيي في الدين مصيب كل الإصابة، وأعتقد أنه ~~ضروري للشعب، وبدونه لا تسير الأعمال على محور النشاط والخضوع، وأزيدك علما أني في أيام ~~الآحاد أعلو منبر الوعظ وألبث واقفا مدة طويلة أعظ الشعب؛ ولا سيما جمهور الفقراء والعمال، ~~فسألته مستفسرا: ماذا تقول لهم؟ وما هو موضوع عظاتك؟ # فأجاب: أخاطب الشعب هكذا: إخوتي وأخواتي، لا تخضعوا لعوامل تأثير شيطان الحسد، واطردوا من ~~رءوسكم كل فكر أرضي، ووجهوا أبصاركم وأفكاركم إلى السماء؛ لأن الحياة على هذه الأرض قصيرة ~~تمر مر الطيف، والإنسان يعد عاملا نافعا إلى السنة الأربعين من عمره، فإذا جاوز ذلك السن ~~يعجز عن العمل، ولا يقبل في المعامل؛ بل يطرد منها طردا. والحياة - كما لا يخفاكم - ~~مملوءة بالأكدار والأوزار. أنتم تشتغلون ولكنكم معرضون دائما أبدا لأخطار الآلات ~~البخارية التي كثيرا ما تقطع أيديكم أو أرجلكم. أنتم معرضون دائما لضربة الشمس وتهددكم ~~في كل أين وآونة الأمراض الفتاكة، وما مثل الفقير إلا كمثل الأعمى الواقف على سطح منزل شاهق ~~البنيان أينما سار يسقط ويتهشم، وقد قال بهذا الشأن يعقوب الرسول أخو الرسول يهوذا ما يأتي: # يا إخوتي، لا تهتموا بالحياة الأرضية؛ لأنها من صنع الشيطان قاتل الأرواح ومضل ~~النفوس. إن مملكتكم يا أولاد المسيح الأعزاء ليست من هذا ms25 العالم بل هي من السماء، ~~وإذا تحملتم بصبر وتجلد دون تذمر متاعب هذه الحياة فإنكم تنهون معيشتكم بهدوء ~~وسكينة، وإن أباكم السماوي يقبلكم في مساكن الفردوس الكثيرة، ويكافئكم على أتعابكم ~~الأرضية بسعادة أبدية لا يفنيها الفناء. # قال أيضا يهوذا الرسول: # إن هذه الحياة ليست إلا مطهرة للنفوس، وبمقدار ما تتحملون من ~~المشاق على هذه الأرض الفانية بمقدار ذلك تنتظركم سعادة عظمى وغبطة أبدية في ملكوت ~~السموات. # ثم أشار بأصبعه إلى سقف الغرفة وأطرق رأسه مفكرا ثم استطرد الكلام فقال: أجل! إخوتي الأعزاء، إن هذه الحياة فانية فارغة لا قيمة لها، ويحتم علينا الدين أن ~~نقدمها ضحية على مذبح محبة القريب أيا كان، فلا تخضعوا قلوبكم لسلطة شيطان الحسد ~~والشهوات. لا شك في أنكم تشتهون الحصول على الخيرات الأرضية، ولكنها يا إخوتي خيرات فانية ~~باطلة تشبة الظل السريع الزوال، وما هي إلا من ألاعيب الشيطان التي يزينها ويغرر بها الناس ~~ويخدعهم بها. أيها الإخوة سنموت جميعا؛ الأغنياء والفقراء والملوك والمعدنون وأصحاب ~~الملايين والذين يكنسون الأزقة وينظفون الأحذية، كلنا أمام الموت سواء، ولكن هنالك في ~~الأخرى سيكون الفرق جسيما بين الناس؛ لأن المعدنيين قضوا الحياة في قطع الفحم من مناجم ~~الفحم الحجرية يصبحون ملوكا في الحياة الثانية ويصبح ملوك الأرض خدمة لهم يحملون المكانس ~~ويكنسون بها أوراق الأشجار المتساقطة من أدواح الفردوس، كما يكنسون قراطيس الحلوى الفارغة ~~التي ستكون لكم غذاء يوميا في الفردوس. # أيها الإخوة! ... ماذا يشتهي الإنسان على الأرض التي هي عبارة عن غابة مظلمة مملوءة ~~بالخطايا والآثام تضل فيها النفس كطفل صغير، اذهبوا إلى الفردوس من طريق المحبة والوداعة ~~والتواضع، تحملوا بصبر ما تسوقه إليكم صروف الزمان وطوارق الحدثان، حبوا جميع الناس حتى ~~الذين يهينونكم ويزدرون بكم ويحقرون شأنكم. وعند هذه النقطة من كلامه أغمض عينيه وانتفض وهو ~~جالس في كرسيه، واستطرد الكلام فقال: صموا آذانكم عن سماع كلام أولئك الناس الذين يحركون ~~في قلوبكم حاسة الحسد بقولهم لكم: أنتم فقراء بائسون تتحملون مشاق هذه الحياة، وتعملون ~~الأعمال التي ms26 تهدم بنيان أجسامكم، وتخدمون الأغنياء الذين يرتعون في بحابح العز والراحة ~~ويرفلون بمطارف الخز والديباج، ومع أنكم أنتم علة ثروتهم وأساس سعادتهم فإنهم يسومونكم ~~أنواع العذاب والهوان، ويدفعون لكم أجورا طفيفة لا تساوي جزءا من العمل الذي تقومون به. ~~لا تصغوا يا إخوتي لكلام هؤلاء الناس الذي ليس له دليل يؤيد صحته، وهم في الحقيقة ونفس ~~الواقع رسل الشيطان ونذيرو الشر والفساد، فإن الله تعالى قد حرم الحسد على عباده وتوعد ~~الحساد بالويل والثبور وعظائم الأمور. إن الأغنياء أيها الإخوة فقراء محتاجون إلى ~~المحبة؛ لأن الناس يبغضونهم ويحسدونهم دون سبب يدعو إلى ذلك، فحبوا الغني أيها الإخوة لأنه ~~مصطفى من الله جل جلاله. قال الرسول يهوذا أخو الرب وأول كاهن لهيكل الله: أيها الإخوة لا ~~تلتفتوا للمساواة بالناس على الأرض، ولا ترضخوا لتحريضات الشيطان الذي يقودكم إلى الهلاك، ~~إن مساواة الناس لبعضهم على هذه الأرض الفانية لا قيمة لها؛ بل إن الذي يسعى إليها يضل ~~الصراط القويم، ويقود نفسه إلى ارتكاب الشر، والأجدر بكم أن تبذلوا الوسع لتكونوا متساوين ~~أمام الله بطهارة النفس، فاحملوا بصبر صليبكم (أتعابكم) والتواضع يخفف عليكم هذا العبء ~~الثقيل، الله معكم يا أولادي، وأرى أنكم لستم في حاجة أخرى إلى غير ما قلته لكم، والسلام ~~عليكم. # ثم صمت هذا العجوز وفتح فمه فأبرقت أسنانه الذهبية وتفرس في، وعلامات السرور بادية على ~~وجهه. # فقلت له: إنك تنتفع بالدين انتفاعا عظيما، وتستعمله كآلة حادة للوصول إلى ~~أغراضك. # فقال: لا ريب في ذلك؛ لأني أقدر الدين حق قدره، وواثق كل الوثوق بأنه ضروري للفقراء ~~وبدونه لا تسير أعمالهم على محور النشاط والثبات، والدين يعجبني جدا، وأعيد لك القول ~~مؤكدا أن الدين لا بد منه، ويتحتم علينا - معاشر الأغنياء - أن نبذل النفس والنفيس في ~~سبيل توطيد دعائمه في قلوبهم، ورسوخ عقائده في نفوسهم حتى يعتقدوا اعتقادا لا يتزعزع بأن ~~كل شيء في هذه الحياة الدنيا من صنع الشيطان، وفي جنوحهم وتطلعهم إليه يحرمون الغبطة في ~~الحياة الأخرى الأبدية، ألا تعلم ms27 أن الدين يقول: «أيها الإنسان إذا أردت خلاص نفسك لا تشته ~~شيئا من متاع الدنيا الفانية، ولا تتطلع إلى شأن من شئونها الزائلة وزخارفها الباطلة؛ لأنك ~~ستكافأ في الحياة الأخرى حيث ترتع في جنان الخلد في بحبوحة العيش ورياض السعادة وكل شيء في ~~السماء هو لك»، فإذا رسخت هذه المعتقدات في نفوس الناس سهل علينا العمل معهم وسهل انقيادهم ~~إلينا، أجل إن الدين هو بمثابة الزيت الذي كلما زدنا في صبه ودهنا أداة الحياة به كلما ~~لانت بقية أدواتها وسهل إدارتها واستعمالها كيفا نشاء. # فحكمت في نفسي أنه ملك، ثم وجهت إلى هذا الرجل الذي حكمت بأنه متسلسل من فصيلة رعاة ~~الخنازير السؤال الآتي: وهل تعد نفسك مسيحيا بجميع معنى الكلمة؟ ~~- لا ريب في ذلك، ثم رفع يده وقال: ولكنني في الوقت نفسه أميركي، وكل أميركي له مبدأ خاص ~~يتمسك به ولا يحيد عنه يمينا أو شمالا. ثم تغيرت سحنته ومد شفتيه وحرك أذنيه حتى ~~كادتا تبلغان أنفه وافتكر مليا، ثم قال بصوت خافت يكاد لا يسمع: أعترف لك فيما بيننا ~~بشيء أرجو أن تبالغ في كتمانه، وهو أنه يستحيل على كل أميركي أن يعتقد بالمسيح كما يعتقد به ~~جميع المسيحيين. فاضطربت لدى سماعي ذلك منه وقلت له: أرجوك أن تزيدني إيضاحا. # فقال مكررا: يستحيل على الأميركي الاعتراف بالمسيح بل واحترامه؛ لأنه لا والد له معروف، ~~أو بعبارة أخرى: إنه ابن غير شرعي، ومثل هذا لا يمكن أن يكون في أميركا إلها حتى ولا ~~موظفا، ولا يقبله أحد في المحافل والمجتمعات، ولا ترضى أدنى الفتيات بالتزوج به، ونحن ~~الأميركيين بهذا المعنى لا يماثلنا في الدنيا أحد، وإذا اعتقدنا بالمسيح فإننا مضطرون ~~بالاعتراف لجميع الأولاد غير الشرعيين بأنهم أشخاص من أصل ثابت ونسب معروف حتى ولو كانوا من ~~أبناء الزنوج الذين يتزوجون النساء البيض ويولدونهن أولادا شرعيين؛ ولذلك فإننا معشر ~~الأميركيين معذورون في اعتقادنا هذا وتصريحنا به. ثم اخضر سواد عينيه فظهرتا لي مستديرتين ~~كعيني البوم، ثم جذب شفته السفلى إلى ms28 فوق وضغط بها على أسنانه زاعما أنه بمسخ وجهه على هذا ~~الشكل يصبح مخيفا مرهبا للناظر. # فقلت له سائلا: وبناء على ما صرحت به فإنكم معاشر الأميركيين لا تعدون الزنوج من البشر ~~بل ولا تعتبرونهم؟ # فأجاب: لله ما أقل خبرتك وأضعف حكمك! وهل ترتاب في أننا نحتقر الزنوج ونعتبرهم أدنى الناس ~~وأحطهم مقاما؛ فهم سود الألوان، وتخرج من أجسامهم رائحة كريهة؛ ولذلك ترانا نراقب الزنوج ~~أشد مراقبة حتى إذا علمنا بأن أحدهم تزوج امرأة بيضاء نقبض عليه ونربط عنقه بحبل ونعلقه في ~~الحال على شجرة حيث يموت مشنوقا. # ولما قال ذلك شعرت أنه طعن فؤادي طعنة نجلاء، ودبت في الحال في قلبي عوامل البغض حتى ~~أصبحت بقربه كأني جالس بالقرب من جيفة منتنة تعافها النفوس، ولكنني تحملت بصبر وحكمت على ~~نفسي بالمكوث عنده؛ ذلك لأني قصدته لعمل وينبغي علي أن أتممه مهما تحملت في سبيل ذلك من ~~المكاره والمشاق؛ توصلا إلى إظهار كيفية نظر هؤلاء الناس أصحاب الملايين إلى الحقوق ~~المتبادلة والصدق والحرية والمساواة المتعارفة عند أفاضل الناس وعقلائهم؛ ولذلك سألته ~~قائلا: ما رأيكم في الاشتراكية؟ وكيف تنظرون إلى الاشتراكيين؟ # فأجاب من ساعته: إنهم أبناء الشيطان، والاشتراكيون رمل في الآلة التي تدير حركة الحياة، ~~بل هم رمل يدخل بدون استئذان بين جميع الهيئة الاجتماعية فيعطل حركتها ويفسد سيرها؛ ولذلك ~~يتحتم على كل حكومة طيبة منصفة أن تستأصل الاشتراكيين من بلادها، وهذه الطغمة الفاسدة تولد ~~في أميركا مما يدل على أن رجال الحكومة في واشنطون مقصرون في أعمالهم كل التقصير، ولا ~~يدركون المسائل الاجتماعية المطلوبة منهم، ولو كانوا كذلك لما تأخروا ساعة واحدة عن حرمان ~~الاشتراكيين من جميع الحقوق المدنية، وبعرفي أنه يجب على الحكومة أن تكون أقرب مما هي عليه ~~الآن من مرافق الحياة، ولا يتأتي لها ذلك إلا إذا كان الرجال الذين تتألف منهم مأخوذين من ~~أصحاب الملايين. # فقلت له: أظن أنك أنت رجل نافع للبلاد؟ # فأجاب من فوره: أجل إني نافع جدا، وذهبت عن وجهه العلامات الصبيانية ولاحت ms29 عليه ~~الأسارير، وقال: واعلم أن رأس الاشتراكيين مملوء بالكفر والإلحاد كما أن معدهم مملوءة ~~بالفوضوية، وأما نفوسهم فإنها مظللة بأجنحة الشياطين فأصبحت تنفث الجنون والشر، ولا تفوز ~~الحكومة على الاشتراكيين وتستأصلهم من البلاد إلا بقوة الدين والجنود، فإن قوة الدين تحارب ~~الكفر، والجنود يحاربون الفوضوية، ففي بدء الأمر نصب في رأس الاشتراكي مقادير عظيمة من ~~رصاص التعليم الكنائسي، فإن اتعظ وعاد إلى الصواب وشفي من جنونه، وإلا فإننا نعهد إلى ~~الجنود صب الرصاص في بطونهم حتى يمزقها إربا إربا، ثم قال بعد ذلك: ما أعظم قوة الشيطان! ~~وعند ذلك علمت تمام العلم شدة تأثير السلطان الأصفر - الذهب - على هذا الإنسان الغريب ~~الأطوار، فإنه لدى حديثه هذا رأيت أن عظام هذا الشيخ التي نخرها سوس الأمراض العصبية، وجسمه ~~الذي أنهكته الشيخوخة فأصبح كأنه موضوع في كيس من جلد قد هزته نغمة الطرب والانشراح وأعاد ~~إليه قوة الشباب ذكر السلطان الأصفر الذي ذكره بحياته الماضية حياة الكذب والنفاق ~~والدعارة والرجس والفجور، ثم أبصرت عينيه تبرقان كدينارين جديدين، ولكنه كان أقرب الشبه إلى ~~الخادم منه إلى الملك، ولكني كنت عالما من هو سيده، ثم بعد تفكير ليس بطويل سألته قائلا: ~~ما هو رأيكم في الفنون الجميلة؟ وكيف تنظرون إليها؟ # فتفرس في ومسح عن وجهه بيده آثار الحقد والشر، وقال لي: أعد سؤالك فإني لم ~~أتفهمه. # فكررت سؤالي وسألته رأيه بشأن الفنون الجميلة. # فأجابني بقوله: إني لا أفتكر مطلقا بالفنون، وإنما أبتاع ما أحتاجه منها. # فقلت له: ذلك أمر معلوم لدي، ولكن يحتمل أن يكون لكم فيها رأي من الآراء، أو بعبارة أخرى ~~أريد معرفة حاجتك منها؛ فما دمت تبتاعها فلا شك أنه يكون لك رأي في نقصانها وكمالها؟ # فقال: أجل! إنني أطلب مطالب خاصة أهمها أن تكون الفنون فكاهية تجلب السرور لفؤادي وتزيل ~~عنه ما علق به من الأكدار والأحزان، وإيضاحا لذلك أقول: أنا أريد أضحك وأسر وأبتهج ولا ~~يوجد في أعمالي الخاصة ما يسبب ذلك، ومما لا يخفى عليك أنه يجب على ms30 الإنسان أن يطلب الرياضة ~~أحيانا ويرتاح من عناء الأعمال، ويفرغ ما في دماغه من الهموم، ويعمل لما يعيد لجسمه النشاط ~~والهمة؛ ولذلك فإن الفنون إذا رسمت مثلا على سقوف الغرف وجدرانها يجب أن يكون الغرض منها ~~تهييج الشهية للطعام. وأما الإعلانات التي يعلقونها على جدران الأسواق والبيوت فيجب كتابتها ~~بحبر شديد الاحمرار لتوجه إليها التفات الناظرين عن بعد مسافة ميل، ويجب أن تكون مكتوبة ~~بعبارات مشوقة تجذب قارئيها وتدفعهم بقوة تأثيرها إلى المحلات المعلن عنها، ومتى كانت على ~~هذا المثال تستحق الاعتبار ويهون على أصحاب المعامل دفع قيمة أجرة طبعها. وأما التماثيل ~~فيجب أن تصنع من البرونز لمتانته وصلابته، وكذلك آنية الأزهار يجب أن تصنع من البرونز ~~الذي هو خير من الخزف المعرض في كل آونة للثلم والكسر. وإني أنشرح كثيرا بمصارعة الديوك ~~وتسميم الجرذان لما في ذلك من الفكاهة، وقد رأيت ذلك في لندن وقصدت ملاهيها التي تمثل فيها ~~هذه الأمور، وطابت نفسي برؤيتها. وأما المضاربة «بالبوكس» فإنها جميلة جدا تزيل الغم عن ~~الفؤاد، ولكن لا أريد أن تكون عاقبتها بالموت. وأما الموسيقى فإنها فن جميل ويجب أن تكون ~~أنغامها وطنية محضة، خذ لك مثلا النغم الوطني الأميركي؛ فإنه يؤثر على سامعه تأثيرا ~~شديدا لحسن توقيعه. إن أميركا أحسن وأجمل بقعة في العالم؛ ولذلك تجد الموسيقى الأميركية ~~أرق وأحسن موسيقى في سائر أقطار الأرض، وهذا أمر لا يحتاج إلى دليل؛ لأنه حيث تكون الموسيقى ~~الجميلة يكون هناك الناس الأفاضل الكرام، والأميركيون أغنى الناس على الإطلاق، ولا تجد أمة ~~تضاهيها في اتساع الثروة وفي كثرة المال؛ وبناء عليه فلا تستغرب إذا صرحت لك بأنه سيأتي وقت ~~يهاجر إلينا فيه جميع سكان الأرض. أما أنا فكنت أسمع ترهات هذا الطفل المريض، وقد مر في ~~مخيلتي ذكر برابرة تاسمانيا # 2 # الذين يأكلون لحوم البشر، ولكن الذين رأوهم يصفونهم بأن أفئدتهم تضم عواطف ~~شريفة ليس لها أثر عند أمثال هذا الشخص من عبيد الشيطان الأصفر. # وبعد ذلك أردت أن أسأله سؤالا أضع فيه ms31 حدا لإعجابه ببلاده التي دنسها بحياته الفاسدة ~~وسيره المفسود، فقلت له: هل تذهب أحيانا إلى مراسح التمثيل؟ # فأجاب: لا ريب في ذلك، فإني أكثر من التردد عليها؛ لأني أعتبر التمثيل من ضمن الفنون ~~الجميلة التي تشرح صدر الإنسان. # فقلت: وما يعجبك في تلك المراسح؟ # فأجاب بعد تفكير قصير: يعجبني فيها النساء وهن محسورات الصدور، عاريات الأيدي، مرتديات ~~أفخر الحلل ومزينات بأثمن الحلي والجواهر الكريمة، ولا سيما إذا كنت جالسا في لوج فوق ~~ألواجهن أمتع الطرف بالنظر إلى جمالهن الفتان. # ثم تطفلت وسألته أيضا: وماذا تحب أكثر من كل شيء في المرسح؟ # فأجاب بعد أن تثاءب: أحب الممثلات كسائر الرجال الذين يتعلقون بحبهن ويغازلونهن، ولا يخفى ~~عليك أن الممثلات إذا كن حديثات السن ذوات جمال رائع يسلبن العقول ويوقعن الرجال في شراك ~~الهوى والغرام، ولكن من الأمور المكدرة هو صعوبة معرفة كل واحدة منهن هل هي حديثة السن أم ~~جاوزت الأربعين؛ ذلك لمهارتهن في التأنق والاصطباغ؛ مما يجعل الإنسان يخال العجوز الدردبيس ~~منهن في السنة الرابعة عشرة من عمرها، وهن محقات في ذلك لأن مهنتهن تتطلب منهن هذا الأمر، ~~ويحدث في بعض الأحيان أن يقع الواحد منا في غرام ممثلة فينفق في سبيل حبها المبالغ الطائلة، ~~وعندما يتوصل إليها ويبحث في أمرها يجد أنها تبلغ الخمسين عاما، وأنه كان لها أكثر من ~~مائتي خليل فيتألم الإنسان ويتأفف منها ويأسف على ما أضاعه من الأموال في سبيل حبها الكاذب، ~~وأصرح لك أن ممثلات القهاوي وأندية الرقص التي تقام غالبا في الحدائق الغناء أحدث سنا من ~~ممثلات المراسح وأرخص جسما وأثقل أردافا. # ثم سألته بعد ذلك: وما رأيك في الأشعار؟ وهل تجد لذة في مطالعتها؟ # فظهرت على وجهه أمارات التفكير ونظر بعينيه إلى أسفل وقال: أجل إن الأشعار تروق لي ~~مطالعتها وقراءتها، ولا أخفي عليك أن المعيشة تتحسن والتجارة تروج إذا جنح أصحاب المعامل ~~إلى كتابة إعلاناتهم بالأشعار؛ لأنها تؤثر في النفس أكثر من النثر. # فأسرعت وسألته قائلا: أي شاعر أحب إليك من ms32 سائر الشعراء؟ # فأجابني بعد أن استعادني السؤال: لله درك من رجل لا يدرك الأمور ! إنه لا يوجد دافع يدفعني ~~إلى محبة الشاعر، ولماذا تلزمني محبته؟ # فقلت له: أرجوك المعذرة لأني أخطأت في سؤالي، وكنت أريد أن أسألك: أي كتاب أحب ~~إليك؟ # فأجاب هذا سؤال آخر مفيد: فإني أحب كتابين أحدهما التوراة، وثانيهما كتاب حساب الدوبيا ~~(مسك الدفاتر)، وفائدة الكتابين متساوية في نظري، وعندما أمسكهما بيدي أشعر بأنهما يقدمان ~~لي ما أحتاج إليه؛ لأن فيهما قوة عجيبة لا يستطيع غيري إدراكها. # فزعمت لأول وهلة أنه يهزأ بي، فتفرست في وجهه فلم أجد فيه أثرا للتهكم والهزء، بل بالعكس ~~كانت تلوح عليه علامات الجد والإخلاص، وكان جالسا في كرسيه كلب الجوزة الذي يبس وسط ~~قشرته، ثم أخذ يجيل نظره في أظافره، وقال: لا ريب في أنهما كتابان مفيدان جدا؛ فإن أولهما ~~كتبه الأنبياء، وثانيهما وضعته أنا الجالس أمامك، ثم إن كتابي لا يحتوي على كلام كثير بل ~~مملوء بالأرقام الكثيرة، وهو يعلم الإنسان كيف يعمل إذا أراد الشغل بذمة ونشاط، وأؤكد لك ~~أن الحكومة الأميركية بعد وفاتي ستشهر أمر هذا الكتاب وتجتهد في نشره بين الناس؛ حتى يطلع ~~كل واحد على الطريقة التي توصله إلى أسمى درجات الرقي والشهرة. # وبعد ذلك أردت قطع الحديث لأنه من المعلوم لا يستطيع كل إنسان أن يتحمل عندما يدوسون رأسه ~~بالأرجل، ولكن خطر لي سؤال أردت أن أسأله إياه، فقلت له: هل تستطيع أن تعلمني رأيك بشأن ~~العلم؟ # فأجاب بعد أن نظر في ساعته وجعل يتلاهى بسلسلتها الذهبية: نعم لا بأس، فإني أخبرك بما ~~أعرفه عما سألت، فالعلم على رأيي هو الكتب، فإذا كان مؤلفوها يكتبون فيها شيئا حميدا ~~حسنا عن أميركا فهي كتب نافعة مفيدة، والعكس بالعكس، ولكن قلما يلتفت الكتاب في هذه ~~الأيام إلى تسطير الحقائق وتقرير الصدق، وأنا واثق من أن جماعة الكتاب والشعراء قوم ~~فقراء وإيرادهم قليل جدا، ولا عجب في ذلك فإن الأمة المنهمكة في الأعمال ليس لها وقت ~~للمطالعة، وعلى ms33 ذلك تصادف مطبوعاتها كسادا عظيما يتحمل منه مؤلفوها أنواع الفاقة وصنوف ~~الحاجة، وفوق هذا وذاك فإن الشعراء قوم أشرار وبعدل يحجم الناس عن ابتياع تآليفهم؛ ولذلك ~~فإن من رأيي أنه يجب على الحكومة أن تدفع للكتاب مبالغ متوفرة لأن الإنسان متى كان شبعان ~~غير محتاج إلى شيء يكون لين العريكة حميد الصفات، وقلما يميل إلى الشر في مثل هذه الحالة، ~~ولذلك أقول: إنه إذا كانت بلادنا في حاجة إلى الكتب المفيدة ينبغي على الحكومة أن تؤجر ~~عددا عظيما من الشعراء والكتاب وتدفع لهم الأجور الكبيرة وتكلفهم بوضع الكتب ونظم ~~القصائد في تعداد مآثر الأميركيين ووصفهم بأعظم الصفات المجيدة، وكذلك وصف أميركا بأنها ~~أحسن بقعة في العالم، وأنها مهد المدنية ومبهط العمران وأرض الحرية وما شابه ذلك، وإذ ذاك ~~فقط تتوفر لدينا الكتب النافعة المفيدة. فقلت له: إنك ضيقت كثيرا في تعريف العلم! # فأجاب: وأزيد على ذلك أن المعلمين والفلاسفة يدخلون ضمن العلم، وقل مثل ذلك عن كبار ~~الأساتذة والقابلات وأطباء الأسنان والمحامين والأطباء والمهندسين وكلهم لا غنى للناس عنهم، ~~ويجب عليهم أن ينفعوا الناس ويرشدوهم إلى ما يفيدهم. ولكن معلم ابنتي قال لي مرة: إنه توجد ~~علوم اشتراكية فلم يعجبني قوله؛ لأني أظن أن مثل هذه العلوم مضرة ضررا كبيرا؛ لأن العلم ~~النافع لا يخرج الاشتراكيين وينبتهم، كما أن العالم الاشتراكي لا يستطيع وضع كتاب نافع ~~مفيد، ولا يستطيع إبراز العلوم النافعة إلا الرجل العاقل الذي يحب وطنه مثل أديسون مثلا ~~مخترع الفنوغراف والصور المتحركة (سينما توغراف) لما فيها من الفائدة الفكاهية للأهالي، ~~وأزيدك إيضاحا: إن كثرة الكتب لا فائدة منها، ومن رأيي أنه لا يجوز للناس مطالعة الكتب ~~التي تثقف العقول وتهيج الأفكار وتولد الظنون والشكوك، وكل شيء في هذه الحياة يجري في مجراه ~~الطبيعي ولا لزوم لإدخال الكتب في الأعمال وتشويش أفكار العمال. # ولما قال ذلك نهضت، فخاطبني قائلا: أراك تريد الخروج. # فأجبته بالإيجاب، وقلت له: إنني أرجوك كثيرا أن تعلمني شيئا أميل إلى معرفته، وهو ما ~~الفائدة ms34 التي يجنيها الإنسان من إحرازه الملايين؟ # فأجاب: إن ذلك عادة راسخة في الجسم، وكلما زادت ثروة الإنسان يسعى في زيادتها، كما أن ~~العادة المستأصلة في جسم الإنسان تنمو مع نموه. # فأطرقت مليا ووجهت إليه آخر سؤال وهو: فإذن على رأيك أن المتشردين ومدخني الأفيون ~~والسكيرين كأصحاب الملايين سواء بسواء، ولقد ظهر لي أن استنتاجي هذا كدره، فأجابني بصرامة ~~قائلا: إنك يا صاح عديم التربية مجرد عن الأخلاق الطيبة. # أستودعك الله يا صاح! # فسار معي مشيعا حتى الباب الخارجي، وكانت أمام منزله ساحة كبيرة مغطاة بالعشب الأخضر ~~الذي ينمو فيها، فسرت عليه وكان فؤادي يخفق سرورا؛ لأنه خطر على بالي فكر: وهو أني لا أعود ~~أرى هذا الرجل. # وفيما كنت سائرا سمعت رجلا يدعوني باسمي، فالتفت فإذا به واقف أمام الباب ينظر إلي ~~فقلت له: ماذا تريد مني؟ # فقال: هل يوجد عندكم في أوروبا ملوك زائدون عن لزوم رعاياهم؟ # فأجبته: إن جميع الملوك لا لزوم لهم وجميع الشعوب في غنى عنهم. # ثم قال: أحب أن أستأجر لي زوجا من الملوك. # فقلت له: ولماذا ذلك؟ # أجاب: كنت ألزمهما أن يتصارعا كل يوم بالبوكس في هذه الساحة على سبيل الفكاهة كما يتفكه ~~الإنسان بمنظر مصارعة الديوك. # فقلت له: عندكم هنا كثير من الزنوج والمهاجرين تستطيع استخدامهم لمثل هذه الغاية. # أجاب: كلا، كلا؛ لأني إذا تحصلت على ملكين من ملوك أوروبا أتفرد بهذا المعنى، وأكون أحرزت ~~شيئا لا مثيل له عند أحد من أصحاب الملايين، وفي ذلك لذة عظمى، ولكل جديد طلاوة ترتاح ~~إليها النفوس. # فقلت له: إن الملوك لا يحسنون المصارعة؛ لأنهم يتصارعون دائما بأيد غريبة، أو بعبارة ~~أخرى يدفعون رجال رعاياهم ويعرضونهم للهلاك ويتلاهون بمنظرهم كما كان يتلاهى ملوك الرومان ~~واليونان بمصارعة الأسود والثيران. # ثم قال لي: وكم تظن أنه يكلفني استئجار ملكين في خلال ثلاثة أشهر يتصارعان كل يوم مدة ~~ساعتين؟ # فلم أرد عليه وسرت في طريقي لا ألوي على شيء. # | ليا # للكاتب الروسي بيتروشيفسكي # ما أجمل نساء مدينة لوفيتش! لا ms35 فرق بين عقائلها وأوانسها، فقد حباهن الله جمالا ~~فتانا خلابا يعرفه جميع أهالي بولونيا . وسار أهاليها من قبل سيرا حميدا مقرونا بالآداب ~~والفضائل، متباعدين عن إدمان الخمر فمنحهم الله جمالا إنسانيا نادرا، ولكنهم حادوا بعد ~~ذلك عن الصراط السوي، ومع هذا فإن المولى تعالى لم يتخل عنهم وما زال الجمال الجذاب شعار ~~الأمهات والزوجات. # انفردت بينهن بجمالها الرائع ليا ابنة ليزمان، فقد فاقتهن جمالا وقدا واعتدالا، ~~وعاش والدها دافيد ليزمان عيشة راضية محافظا على ناموس أسلافه وآبائه، محصلا خبزه من طريق ~~شريف مجردا عن المطامع والشوائب، فباركه الله وبارك بيته. # قدم دافيد إلى «زدونسكايا فوليا» منذ ثلاثين عاما وكان شابا أسود الشعر، وقدمت معه ~~زوجه الحسناء فعاشا في ظل السعادة والصفاء، ولكن هو الدهر الخئون إن صفا لإنسان يوما كدره ~~أياما، فقد خطفت المنون زوجه دورا من بين يديه فذهبت لخالقها ولم تترك زوجها وحيدا، بل ~~تركت له ليا الصغيرة لتكون له سلوى في أحزانه ووحدته، وكان يصلي في الغدو والآصال ذاكرا ~~زوجته الحبيبة، نمت ليا كالغصن الرطيب تحت أشعة الشمس المنعشة وكانت صورتها كصورة ~~والدتها: بقد مياس، وعينين سوداوين كعيني الوعل، وذؤابتين طويلتين تتلويان كالثعبان، وثغر ~~بسام كحبة الفستق تتلألأ داخله أسنان درية منضدة، إذا سارت تثنت كقضيب الخيزران، وكانت فتنة ~~للناظرين بل إنها فتنة متحركة، ولم يكن أجمل منها في مدينة لوفيتش، ويرى الناظر كل يوم إلى ~~منزل والدها عشرات من الشبان يمرون بمركباتهم لتكتحل عيونهم برؤية ليا، فلم يقلق ذلك ~~دافيد الذي كان يقول: فلينظروا إلى فتاتي الحسناء وليستنيروا بمحياها الوضاح. # ذاعت في تلك الأيام شائعات عن شبوب الحرب التي انتظم في سلكها كل الرجال القادرين على حمل ~~السلاح تاركين زوجاتهم وأولادهم وأخواتهم. # ومرت بمدينة لوفيتش الجنود وعربات النقل والمدافع والسيارات والدبابات والفرسان إلخ إلخ، ~~ولم يخف منظرها الأهلين، بل جلب لهم السرور والحماسة وتحدثوا فيما بينهم بحدوث معارك ~~دموية وأن العدو زاحف بقضه وقضيضه على وارسو. # وعند فجر ذات يوم سمع الأهالي كأن الرعد تجمع فوقهم ms36 من شدة قصف المدافع؛ فهب دافيد من ~~نومه مذعورا وأيقظ درته اليتيمة ليا واختفى معها في القبو الذي يخزن فيه الجعة المحفور ~~تحت أرض منزله، وتوالى قصف المدافع بشدة حتى صم الآذان وأوقع الهلع في القلوب، وعلم الأهالي ~~أن الجيوش الروسية اندحرت أمام العدو فتكاثفوا كالبناء المرصوص للدفاع عن وارسو. # أما ليا فإن الخوف ملأ جوارحها وفؤادها فلم يفارقها الاضطراب والقلق ووالدها لم ينقطع ~~عن الصلاة لحظة لتذهب هذه النكبة من فوق رأسه. # فقالت له ابنته سائلة: من ابتكر ومن قال وعلم الناس أن يهلكوا بعضهم بعضا؟ # فأجابها أبوها: إن الحرب رجس من عمل الشيطان. ~~- ومن سيغلب؟ ~~- بالطبع سيغلب الروسيون؛ لأن العدو مهما كان قويا لا يستطيع التغلب عليهم، وإنما ~~الروسيون يستطيعون التغلب على بعضهم فقط. # ودام القتال إلى نصف الليل، ولم يستطع الروسيون الثبات أمام العدو؛ فانسحبوا وحل العدو ~~محلهم. # خرج دافيد من حفرته ورأى بيوتا عديدة قد تهدمت وغيرها احترقت، وأذرف الأهالي دموعا ~~سخينة على ما حل بهم من الويلات والخسائر، وقد سلم منزل دافيد فدخله مع ابنته وخادمته ~~وشكر الله على السلامة، ثم ذهب كل واحد إلى مضجعه واستغرق في النوم. # وفيما كانت ليا نائمة سمعت طرقا على نافذة غرفتها المطلة على الحديقة، فأيقظت والدها ~~ونبهته إلى الطرق على النافذة، فسمع بنفسه طرقا خفيفا وصوت ملتمس يرجو فتح الباب، ~~وسمع أيضا أنين الطارق. # فخرج دافيد بنفسه في الظلام وكانت أصوات عجلات العربات وزئاط الناس وضوضاؤهم وصهيل الخيل ~~ما زالت مسموعة، ووجد تحت النافذة رجلا جرحت يده وكتفه، وقد لطخ الدم الأسود ثيابه، فحمل ~~دافيد الجريح إلى داخل منزله ورأى على النور أنه ضابط شاب. # فأسرعت ليا وسقت الضيف ماء وضمدت بيديها الرخصتين جراحه وربطتها بلفائف نظيفة، وعلمت ~~منه أن فرقته تركته جريحا ولم تحمله معها. # ولما شبع الجريح وعاد إليه شعوره أراد دافيد أن يوصله إلى العمدة، وشعرت ليا بعزم ~~والدها، فقالت له: أتريد يا والدي أن تسلمه إلى البولونيين، إن هذا أمر غير مستحسن؛ لأنهم ~~يسلمونه ms37 للعدو بلا ريب حيث يلبث أسيرا عدة سنين، إن الله قاده إلى عتبة بابنا في هذه ~~الليلة الرهيبة فدعنا نخفه، وأنا أتولى معالجته بنفسي، وإني لواثقة بأن فرقته ستمر من هنا ~~ثانية وتأخذه معها، ونحن بذلك ننقذه من عذاب الأسر. إن الله يساعدنا وأمه لا تذرف الدمع على ~~ابنها، وتراءى للشيخ دافيد أن ابنته تتكلم بلسان أمها دورا من السماء فأصغى إلى كلامها، ~~ونزل على إرادتها، ثم إن دافيد وليا قادا الجريح إيفان (اسم الضابط) المسيحي إلى فراش ~~وثير وما كاد يضطجع عليه حتى استغرق في نومه الهنيء. # بقي الجريح إيفان مدة أسبوعين كاملين في منزل دافيد ليزمان أخذت جروحه بعدهما تندمل ~~وتتماثل للشفاء، وكانت ليا تعتني به وبطعامه، ولم يعلم أحد في الوجود عما فعله دافيد الذي ~~يعلم حق العلم بأنه لو علم العدو بأنه أخفى ضابطا روسيا لقطعوا رأسه لا محالة، ولذا داوم ~~على الصلاة إلى الله لينقذه من هذه المحنة. # وكان يحضر كثيرون من الجنود إلى منزل دافيد ولم يجرؤ أحد منهم على إهانته أو إهانة ابنته، ~~ولم يكتشفوا مخبأ الجريح. # وأما العدو فإنه لم يقترب من وارسو بل انقلب راجعا إلى الوراء ودخلها الروسيون، وكان ~~الضابط إيفان قد شفي، فشكر دافيد وقبله قبلة الند للند، وعرض عليه مبلغا من المال رفضه ~~بإباء وشمم؛ علما منه أنه صنع ما صنع إجابة لطلب ابنته وزوجه دورا الموجودة في ~~السماء. # ذهب الجريح دون أن يخاطب ليا بكلمة، ولكنه نظر إلى عينيها نظرة مملوءة شكرا وحبا، ~~وفهم الأب معنى هذه النظرة، فانقبض فؤاده لأنه علم منها أن الشاب أحب ابنته، وأن ابنته ~~أحبته أيضا. # ذهب إيفان وانقطعت ليا عن الغناء ولم يعد أحد يسمع صوتها العذب، وانقطعت عن تشنيف أذني ~~والدها الشيخ بأغانيها الشجية المطربة وملأ الحزن والدموع عينيها الجميلتين، وكانت تجلس على ~~عتبة المنزل والحزن مالئ فؤادها ورأسها مملوء بالأفكار التي كانت تطرد بعضها بعضا. # وقالت في نفسها ذات يوم: كان في نفسي حاستان: محبة الأب ومحبة الله وكانتا ms38 على وفاق وسلام ~~... أبي علمني أن أحب الله العلي والله أمرني بمحبة أبي ... والآن ليس في نفسي سلام فقد دخلت ~~فيها حاسة ثالثة ليست على وفاق مع الحاستين الأوليين ... لأنه لماذا يكتئب القلب؟ وأيهما أقوى ~~الدين أو ... هو دعاني إليه ... وهو مؤمن بالله، ولم يمنحني الشيطان حبه ... بل ... تمتمت ليا هذه ~~الكلمات وهي في حالة الذهول. # فقال لها والدها سائلا: حب من؟ ~~- لا حب لأحد ... ~~- عزيزتي ليا! إنك لا تهمسين عبثا بالحب ... أنت انقطعت عن الغناء وضحكك توقف عن جلب ~~السرور لسمعي، لماذا أنت حزينة؟ والآن أرى عينيك مملوءتين بالدموع بدل الابتهاج ~~والغبطة. ~~- كلماتك هذه تؤلمني يا والدي! لقد خلطت في أفكاري وفي صلاتي وفي قلبي. ~~- لا تخفي عني شيئا! وقولي لي ما يؤملك ويعذبك؟ ~~- أخبرني يا والدي! أيهما أقوى: دين الآباء أم غرام النساء؟ ~~- ليا، ليا! ما كنت أتوقع مثل هذا السؤال منك، الدين أعطانا إياه الله والحب ... وقرأ ~~على مسامع ابنته كلمات النبي القائلة: «أناشدكن الله يا بنات أورشليم، لا توقظن الحب ولا ~~تثرنه إلى أن يأتي وحده ... وإذا جاء فإن المياه الغزيرة لا تستطيع إطفاءه والأنهار لا تستطيع ~~إغراقه.» ~~- أوليس الحب هبة سماوية كالدين؟! أوليس أن الله بالحب ينير نفسين؟! ~~- ليا! أنى لك هذه الأفكار؟ ومن هو الذي أحببته، وبسبب حبه تحاولين ترك دين آبائك؟ ~~أخبريني، أليس أن ذلك الضابط مس صميم فؤادك، وانتفع بإخلاصك وصلاحك ... تناسيه يا بنتي! أو ~~لعل الله أرسله لتعاستي. ~~- إنك لم تجبني على سؤالي: أيهما أقوى: الدين أم غرام النساء؟ يا أبي لقد تعودت تصديق ~~كلامك وأثق به ككلام النبي، فقل الآن الصدق دون مماراة ... وراء من أسير؟ هل وراء الشعور أم ~~وراء الدين؟ ولا تنس أنني ابنتك الوحيدة ولا تدفعني إلى العذاب بدل السرور والسعادة ~~... ~~- ليا لا يجوز مطلقا مساواة الدين بالحب، فالدين أعطي للإنسان وحده مرة واحدة وكل ~~إنسان يستطيع الحب مرارا. ~~- إنك يا أبي أحببت مرة واحدة ولم تستطع امرأة أخرى أن تبعد حبها عن ذاكرتك. ~~- لا تقارني، فتلك ms39 كانت دورا والدتك. ~~- وإذا كانت أمي على دين آخر فهل كنت تتركها، أو تسير وراء ...؟ أخبرني أمام الله: كيف كنت ~~تتصرف لأقتفي أثرك وأفعل فعلك؟ ~~- لا تعذبيني يا ليا! ~~- يا أبي إن أمي تنظر إلينا من السماء، فمن تختار؟ هل تختارها أم تختار عهد ~~الآباء؟ ~~- فلتسامحني دورا، إني أختار ... ~~- كفى كفى يا أبي! إنك لم تحب كالنساء «إن المياه الغزيرة لا تستطيع إطفاء الحب ولا ~~الأنهار إغراقه.» # فاغتم دافيد وغدا بعد هذا الحديث يئن في خلال نومه، وجعل يصلي إلى الله طالبا منه أن ~~ينزع حب الروسي من فؤاد ابنته. # إن الأحزان تتوالى فلم يكف ما أصاب دافيد من الحزن بسبب حب ابنته بل جربه الله تجربة ~~أخرى. # فقد عزم دافيد على السفر إلى لوفيتش لشراء بضاعة، وبعد أن ربط الخيل بالمركبة دخلت عليه ~~امرأة غريبة لا يعرفها لا هو ولا جيرانه وطلبت إليه أن يحملها في مركبته إلى لوفيتش؛ لأنها ~~تقصد الإسراع إلى زوجها المريض وأرته جنيهين وقالت: أدفعهما لك أجرا، وكان دافيد لم ير ~~الذهب من عهد بعيد، فغره بريق الدينارين ورضي أن يحمل السيدة في مركبته. # شعر فؤاد ليا بمصيبة مفاجئة فرجت والدها أن يعدل عن السفر وأن لا يصطحب معه هذه ~~المرأة، فلم يصغ لكلامها وسافر لا يلوي على شيء. # وفيما هو في الطريق استوقفه الجنود المرابطون في الطريق وبالبحث علموا أنه يحمل رجلا ~~متخفيا بلباس امرأة فقادهما الجنود إلى مركز القيادة. # فأمر القائد بمحاكمتهما في الحال وعلم الجاسوس المتخفي بلباس امرأة أنه لا بد من إعدامه، ~~فاعترف بأنه معهود إليه الوقوف على قوة الروس ومكان معسكرهم، وأكد أن اليهودي يجهل من يحمل ~~في مركبته، وطلب إلى القائد أن يكتب لوالديه في بافاريا ويخبرهما كيف مات ابنهما ... فوعده ~~القائد بتنفيذ رغبته وحكموا عليه بالإعدام رميا بالرصاص. # ولم يكن لدافيد من يدافع عنه أو يقول: إنه بريء، ومعلوم أن قوانين الحرب قاسية فلم ~~يصدقوا أقسامه الغليظة وحكموا عليه بالإعدام شنقا وأرسلوا الحكم للقائد العام لتصديقه، ~~وأجابوا ملتمس ms40 دافيد فأرسلوا إلى منزله يطلبون له ملابس نظيفة ليلاقي ربه بجسم طاهر. # فركب أحد الجنود جوادا وأسرع إلى منزل دافيد، وقال لابنته: أسرعي واحملي لوالدك ثيابا ~~نظيفة؛ لأنه غدا صباحا سيشنقونه عقابا له على تجسسه ومحاولته تسليمنا للعدو. # فصعقت ليا ولم تفهم شيئا مما قاله الجندي وجرت وراءه كالوعل إلى مركز القيادة العامة ~~لمقابلة القائد، وهناك رووا لها تفاصيل الأمر. فبكت أمام القائد وانتحبت وسجدت أمامه ~~وقبلت يديه؛ راجية إياه أن يعفو عن والدها فصادفت آذانا صماء، ولما رأت فشل مسعاها عادت ~~مسرعة إلى المنزل لتنفيذ إرادة والدها الأخيرة. # سارت مسرعة لا تعي على شيء ولم تجد من يوقفها، ولما بلغت المنزل رأت جوادا مربوطا، ثم ~~وجدت في البيت شابا ينتظرها، ذلك الشاب الذي هو أعز مخلوق لديها في هذه الدنيا، ذلك الذي ~~تفكر به ليلا نهارا، ذاك الذي أنقذته من الموت بيديها وما كادت تطأ أرض الغرفة حتى وقعت ~~أمامه بلا حراك، فرفعها وعانقها وأجلسها على المقعد، ولما عاد إليها رشدها سألها: أين ~~والدها؟ # فروت له وهي تبكي وترتعش ما جرى لوالدها، فصدق إيفان روايتها عن براءة والدها فقفز من ~~فوره على ظهر جواده، وأطلق له العنان قاصدا القائد العام فوجده نائما، فأيقظه وقص على ~~مسامعه إيواء دافيد له في منزله ومعالجته له ومخاطرته برأسه ورأس ابنته في سبيل خلاصه، وأكد ~~له أن دافيد بريء مما نسب إليه، وكان القائد عادلا فأصغى إلى كلام إيفان ونقض حكم ~~الإعدام، وقال: إن اليهودي يستحق الجزاء دون العقاب، وأمر أن يغادر ميدان القتال. # كاد دافيد ينتظر الموت بين ساعة وأخرى بدون خوف أو وجل؛ لأنه عاش عمرا طويلا في هذه ~~الدنيا، ورأى كثيرا من الخير والشر ورجا أن يرى في السماء زوجه الحبيبة دورا، وإنما كان ~~قلبه يؤلمه على ابنته التي سيتركها وحيدة فريدة، وجعل يصلي لإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب لكي ~~لا يتخلى عنها، وأن يبعد عنها كل شر ومصيبة ويطهر قلبها من حب ذلك الروسي، لبث يصلي ~~ويبكي ليس خوفا على ms41 حياته بل حزنا على ابنته ليا التي ستبقى في هذه الدنيا بين أناس ~~أشرس من الوحوش الضارية وأشد خطرا منها. # لبث في بكائه ولم يسمع فتح باب سجنه ولم ير دخول الجنود ومعهم ذاك الذي طلب أن يؤويه في ~~منزله في تلك الليلة الرهيبة ... ~~- اخرج يا داود! إنك حر طليق، قال له ذلك إيفان الضابط، ثم ارتمت ابنته على صدره، ولكنه ~~لم يصدق ما سمع وما رأى، وقال: من أنقذني؟ من برأني؟ ومن منحني الحياة؟ # فأجابته ليا والسرور يطفح من وجهها: ذاك الذي أويته في منزلك وهو الآن رد لك حياة ~~بحياة، ذلك الذي أحبه أنا كما أحبك يا أبي. ~~- ليا، ليا عزيزتي! لا تخاطبيني بشأن حبك لأنه لا يجوز لك أن تحبيه؛ لأننا من دينين ~~مختلفين ... ~~- يا أبي! إن له إلها واحدا مثلنا، هو خلصك وأنا أذهب معه وسيكون دينه ديني. # فبكى الشيخ ورفع عينيه إلى السماء ولم يتكلم بلسانه بل بقلبه وقال: لنا إله واحد فلتكن ~~إرادته المقدسة. ~~«إن المياه الغزيرة لا تستطيع إطفاء جذوة الحب، ولا الأنهار إغراقها.» # | طرائف ولطائف # كريم الملك والجارية # قيل: إن كريم الملك كان من أهل الظرف والأدب، فعبر يوما تحت جوسق بستان فرأى جارية ~~ذات وجه زاهر وكمال باهر، لا يستطيع أحد وصفها، فلما نظر إليها ذهل عقله وطار لبه، ~~فعاد إلى منزله وأرسل إليها هدية نفيسة مع عجوز كانت تخدمه، وكانت الجارية قارئة فكتب ~~إليها رقعة يعرض عليها الزيارة في جوسقها. فلما رأت الرقعة قبلت الهدية، ثم أرسلت إليه ~~مع العجوز عنبرا على زر ذهب وربطت ذلك في المنديل، وقالت: هذا جواب رقعته. فلما رأى ~~كريم الملك ذلك لم يفهم معناه وتحير في أمره، وكانت له ابنة صغيرة السن فرأته متحيرا ~~في ذلك فقالت: يا أبت أنا فهمت معناه! # قال: وما هو لله درك؟ # فأنشدت تقول: # أهدت لك العنبر في جوفه # زر من التبر خفي اللحام # فالزر والعنبر معناهما # زر هكذا مختفيا في الظلام # الرشيد وجارية # قيل: إن الرشيد حلف أن ms42 لا يدخل على جارية له أياما وكان يحبها، فمضت الأيام ولم ~~تسترضه، فقال شعرا : # صد عني إذ رآني مفتتن # وأطال الصبر لما أن فطن # كان مملوكي فأضحى مالكي # إن هذا من أعاجيب الزمن # ثم أحضر أبا العتاهية وقال له: أجزهما، فقال: # عزة الحب أرته ذلتي # في هواه وله وجه حسن # فلهذا صرت مملوكا له # ولهذا شاع ما بي وعلن # الرشيد وجارية أيضا # قال الأصمعي: بينما كنت عند الرشيد إذ دخل علينا رجل ومعه جارية للبيع، فتأملها ~~الرشيد ثم قال: خذ بيد جاريتك فلولا كلف في وجهها لاشتريناها منك، فلما بلغ الستر، ~~قالت: يا أمير المؤمنين، ذرني أنشدك بيتين قد حضراني الساعة، وأنشدت: # ما سلم الظبي على حسنه # كلا ولا البدر الذي يوصف # فالظبي فيه خنس بين # والبدر فيه كلف يعرف # فأعجبته بلاغتها فاشتراها وقرب منزلتها، وكانت أعز وصائفه عنده. # الأصمعي والأعرابي # قال الأصمعي: بينما أنا أتطوف في الكعبة إذا برجل على قفاه كارة وهو يطوف، فقلت له: ~~أتطوف وعليك كارة؟ فقال: هذه والدتي التي حملتني في بطنها تسعة أشهر أريد أن أؤدي حقها، ~~فقلت له: ألا أدلك على ما تؤدي به حقها؟ قال لي: وما هو؟ قلت: تزوجها! فقال: يا عدو ~~الله! تستقبلني في أمي بمثل هذا! قال: فرفعت يدها فصفعت قفا ابنها وقالت: لم إذا قيل ~~لك الحق تغضب. # الأصمعي وعاشق # قال الأصمعي: بينما أنا أسير في البادية إذ مررت بحجر مكتوب عليه هذا البيت: # أيا معشر العشاق بالله خبروا # إذا حل عشق بالفتى كيف يصنع # فكتبت تحته: # يداري هواه ثم يكتم سره # ويخشع في كل الأمور ويخضع # ثم عدت في اليوم الثاني فوجدت مكتوبا تحته هذا البيت: # وكيف يداري والهوى قاتل الفتى # وفي كل يوم قلبه يتقطع # فكتبت تحته: # إذا لم يجد صبرا لكتمان سره # فليس له شيء سوى الموت ينفع # فعدت في اليوم الثالث فوجدت شابا ملقى تحت ذلك الحجر ميتا، ومكتوب تحته هذان ~~البيتان: # سمعنا أطعنا ثم متنا فبلغوا # سلامي إلى من كان للوصل يمنع # هنيئا ms43 لأرباب النعيم نعيمهم # وللعاشق المسكين ما يتجرع # الكعب العالي # بين غنج وصبوة واختيال # خطرت غادة بكعب عال # وعلى صدرها الجميل تدلى # عقد جيد منظم باللآلي # وكساها من الحرير رداء # مستحب في عين بعض رجال # تظهر الركبتان منه ويبدو # جسمها الغض مثل صافي الزلال # تارة كالغزال تمشي وطورا # بازدهاء كظافر في قتال # بخطى تارة قصار وأخرى # واسعات خفيفة وثقال # كل هذا لأن ذا الكعب عال # لم يدعها تسير سير الكمال # بعد حين رأيتها في ارتباك # وحياء وحيرة وانذهال # حجر في الطريق كان كبيرا # صدم الكعب كعب ذات الدلال # صدمة من مكانه زعزعته # فغدا خفها من الكعب خالي # فانحنت عند ذاك والتقطته # وهي تخفيه عن عيون الرجال # ومشت تسرع الخطى بحياء # كغراب مقلد للحجال # وتوارت عن العيون سريعا # وهي لم تدر شرقها من شمال # يا نسانا ويا بنات نسانا # حسبكن اتباع طريق الضلال # إن هذي الأزياء هدت قوانا # دعننا منها «يا بنات الحلال» # نملأ الجيب في الصباح ونمسي # ليس فيه من درهم أو ريال # كل يوم زي جديد غريب # متلف للعقول والأموال # لا نرى الحسن في ارتفاع كعاب # إنما الحسن في ارتفاع الخصال # إسكندر البيتجالي ms44