######OpenITI# #META# URI: 1370SalimQubcayn.MamlakatJahannamWaKhamr.Hindawi90504631 #META# Tags: literature #META# ID: 90504631 #META# Title: مملكة جهنم والخمر #META# AuthorID: 70462502 #META# Author: ليو تولستوي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 47253636 #META# Translator: سليم قبعين #META# Related_books: 1328LeoTolstoy (TRANSL) #META#Header#End# # كلمة للمعرب‏ # هدم مملكة جهنم وتجديدها‏ # الخمر‏ # مبادئ تولستوي‏ # كلمة للمعرب‏ # هدم مملكة جهنم وتجديدها‏ # الخمر‏ # مبادئ تولستوي‏ # | مملكة جهنم والخمر # | مملكة جهنم والخمر # تأليف # ليو تولستوي # ترجمة # سليم قبعين # الفيلسوف تولستوي (آخر رسم له). # | كلمة للمعرب # لا أزيد القراء تعريفا بالفيلسوف تولستوي، فإن مجرد ذكر اسمه يكفي للدلالة على شهرته؛ ~~فهو فيلسوف هذا العصر الفرد بإجماع فلاسفة أوروبا وأميركا الذين اعترفوا له بسمو المدارك ~~وسعة الاطلاع واستقامة المبادئ وحصافة الآراء. ولا عجب، فقد أفاض على العالم أجمع ينابيع ~~الحكمة السامية، وعلم الناس كيف يعيشون، وأرشدهم إلى الطريق المؤدي إلى قمة الكمال ~~الإنساني الذي لم يسبقه فيلسوف إلى تعريفه الحقيقي، ولم تتوصل أبحاث فطاحل العلماء إلى ما ~~وصل إليه من المباحث بشأنه؛ فقد كشف النقاب عن كثير من الأسرار الغامضة. ومما تفرد به ~~تولستوي إمكانه تصوير أنفس الناس تصويرا حقيقيا يدركه مطالعو كتبه لأول وهلة. وقد فاق من ~~سبقه من الفلاسفة ببساطة فلسفته؛ فهي سهلة المأخذ، قريبة المنال، خالية من التعقيد ~~والغموض. # وتولستوي فيلسوف قولا وفعلا؛ فإنه زهد هذه الدنيا الباطلة وتنازل عن جميع ممتلكاته ~~الواسعة وأراضيه الشاسعة، واكتفى منها بمنزل تحيطه حديقة وقطعة أرض يستغلها بنفسه ويقضي ~~سحابة يومه في الاشتغال بها؛ ليستثمرها ويتقوت من محصولها، وعدا ذلك فإنه يخيط ملابسه ~~وحذاءه لأن من رأيه أنه يتحتم على الناس أن يداوموا على الشغل الذي هو الوسيلة الوحيدة ~~التي تبعدهم عن الشر وارتكاب الموبقات والانغماس في حمأة الرذائل، فهو بهذا المعنى على ~~رأي الشاعر العربي القائل: # إن الشباب والفراغ والجدة # مفسدة للمرء أي مفسدة! # وقد كرس حياته منذ زهد الدنيا للعمل والإرشاد ومساعدة البائسين والمعوزين؛ فقد أنشأ في ~~قرية ياسنايا بوليانا - التي يقيم فيها - مدرسة يعلم فيها بعض ساعات، وعند عصر كل يوم ~~يذهب إلى ظاهر القرية ويجلس تحت شجرة معلومة؛ فيجتمع إليه البائسون والمحتاجون، فيعزيهم ~~بكلمات كالبلسم الشافي، ثم يمدهم بالإحسان، وقد اشتهرت هذه الشجرة في تلك الأرجاء حتى أطلق ~~عليها الأهالي اسم «شجرة الإحسان». وقد قدر الناس عمل ms01 تولستوي هذا حق قدره، فأرسلوا إليه ~~من جميع الجهات الأموال ليحسن بها على من يستحق الرحمة والإحسان. # عربنا هذا الكتاب وطبعناه في القاهرة عام 1909 فتخاطفته الأيدي ونفدت نسخه، وقد طلب ~~إلينا كثيرون من جهات متعددة أن نعيد طبعه، فلم يسعنا إلا إجابة طلبهم والنزول على إرادتهم. ~~وقد بوبناه تبويبا جديدا، وأضفنا إليه مقالة ضافية للفيلسوف عن الخمر وأضراره وأوزاره ~~وما تجره على الإنسانية من الويل والثبور وعظائم الأمور، وقدمناه هدية لمشتركي ~~«الإخاء»، فعسى أن تصادف خدمتنا هذه حسن القبول عند أبناء اللغة العربية. # والله نسأل أن يشد أزرنا لخدمة مواطنينا الشرقيين، إنه أكرم مسئول. # كتبه # سليم قبعين # صاحب مجلة الإخاء # | هدم مملكة جهنم وتجديدها # 1 # قال الفيلسوف: حدث ذلك عندما نشر المسيح تعاليمه بين الناس، تلك التعاليم الواضحة ~~القريبة المنال التي يسهل على كل إنسان فهمها وإدراكها واتباع ما جاء فيها من السنن ~~والشرائع، ولا ريب أنها تنقذ الناس التابعين لها من الشر، وتخرجهم من ظلمات الآثام إلى ~~النور الذي شعاره المحبة ودثاره الإخاء والمساواة. وقد انتشر ذلك التعليم بسرعة، ولم ~~يقدر أحد أن يقف في وجه انتشاره أو يصد تياره. # إن بعلزبول # 1 ~~- أب ورئيس جميع طغمات الشياطين - اضطرب جزعا وارتعشت أعصابه فزعا؛ ~~ذلك لأنه علم حق العلم بأن سلطته على الناس أخذت في التقلص والزوال، وأنها ستتلاشى ~~وتصبح أثرا بعد عين إذا لبث المسيح مواصلا تعاليمه وكرازته، ولم يقاومه أحد مقاومة ~~عنيفة تحول بينه وبين مواصلة التعليم والإرشاد. أجل، لقد اضطرب وجعل يضرب أخماسا ~~بأسداس، وطفق يعمل الفكرة الشيطانية لإيقاف تيار ذلك التعليم، فأخذ من الضعف قوة ~~وحرض أتباعه والخاضعين له من الفريسيين والكتبة لكي يقاوموا المسيح ويبالغوا في ~~تحقيره وسومه صنوف العذاب والهوان، وحرض تلامذة المسيح وجسم لهم الخوف والهلع ~~وزين لهم الهرب وترك معلمهم وحيدا فريدا دون مؤاس أو عضد. وقد فعل الشيطان ذلك ~~زعما منه أن الحكم على المسيح بالموت صلبا - وما كان يصلب في تلك الأيام إلا كبار ~~المجرمين - ثم تحقيره والاستهزاء به ms02 وتركه من جميع تلامذته، وأخيرا أن العذابات ~~والآلام والإهانات؛ تحمل المسيح في آخر دقيقة من حياته على إنكار تعليمه، وهذا الإنكار ~~يقضي القضاء المبرم على قوة ذلك التعليم، ولا يدع له قيمة في نظر الناس. # ولكن الأمر جاء على عكس ذلك، فقد ظهرت النتيجة الفاصلة والمسيح معلق على الصليب ~~عندما صرخ قائلا: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ ولما سمع ذلك بعلزبول ارتعش فرقا ~~وأخذ القيد الذي كان معدا لتقييد المسيح وقيد به رجليه تقييدا محكما، ثم سمع بعد ~~ذلك كلمات المسيح التي لفظها على الصليب بصوت عال، وهي: «يا أبي، اغفر لهم لأنهم لا ~~يدرون ما يفعلون»، ثم أتبع المسيح ذلك بقوله: «قد تم وأسلم الروح.» # وقد أدرك بعلزبول حينئذ أن جميع مساعيه ذهبت عبثا، ومكايده التي كادها ذهبت أدراج ~~الرياح ولم تجده أقل نفع، فأراد أن ينزع القيود التي قيد بها نفسه عن رجليه ويولي ~~الأدبار فلم يستطع إلى ذلك سبيلا؛ لأن القيود قفلت قفلا محكما، فحاول فتحها فلم ~~يقدر، وحاول أيضا أن ينهض بواسطة جناحيه ويطير ولكنهما خاناه ولم يتحركا لا ذات اليمين ~~ولا ذات اليسار. ثم رأى بعلزبول - وهو على تلك الحالة الحرجة - كيف أن المسيح بنوره ~~اللامع وقوته الفعالة فتح أبواب الجحيم، وأبصر أيضا كيف أن جميع الخطاة من آدم حتى ~~يهوذا خرجوا منها، ورأى بعيني رأسه كيف أن جميع أتباعه الشياطين ركنوا إلى الفرار ~~وتفرقوا أيدي سبا، وشاهد سقوط جدران جهنم الأربعة حتى لم يبق منها حجر على حجر؛ فخانته ~~قواه ولم يستطع احتمال كل ذلك، فأن أنينا مؤلما، وسقط سقطة هائلة، وهوى إلى هاوية ~~مظلمة حيث لبث لا يبدي حراكا ولا ينبس ببنت شفة، وقد أيقن بالبقاء على تلك الحالة ~~إلى الأبد. # 2 # مر على ذلك مئة عام، ثم مئتان، ثم ثلاثمئة، حتى إن بعلزبول خانته ذاكرته ولم يعد ~~يذكر الزمن الذي مر عليه، فضلا عن أنه كانت تحيط به ظلمة حالكة وتحدق به سكينة ~~الموت، وكان مطروحا على الأرض دون حراك، يجتهد بأن لا ms03 يعيد على مخيلته ذكرى الحوادث ~~الماضية التي قادته إلى هذا المأزق الحرج، وكان يحرق الأرم ويصر بأسنانه ~~غيظا، وينفث من فيه صنوف الشتائم، ويوجهها إلى ذاك الذي سبب له هذا الهلاك. # ولبث على تلك الحالة غير مفتكر بالخلاص من هذه الورطة الشنعاء أو الخروج من تلك ~~الظلمة الظلماء، ولكنه سمع ذات يوم فجأة أصواتا مختلطة آتية من فوق رأسه، وقد أخذت تلك ~~الأصوات في الازدياد حتى قاربت الغوغاء، وسمع وقع أقدام وأنات وصراخا وصرير أسنان، ~~فرفع بعلزبول رأسه ووجه سمعه وهو جاثم لا يبدي حراكا، ولم يخطر بباله أن جهنم تتجدد ~~وتعود إليها حالتها الماضية التي تقوضت بعد انتصار المسيح وفوزه، ومع ذلك فإن الجلبة ~~والضوضاء ووقع الأقدام وصرير الأسنان كانت تزداد وضوحا وجلاء، فرفع جثته وانتفض ثم ~~حرك رجليه الرفيعتين الطويلتين ذات الحواف المخيفة اللتين كانتا مطويتين تحت جسمه ~~أعواما وأياما، ولشدة دهشه ومزيد استغرابه شعر بأن القيود المقيدة فيها سقطت من نفسها ~~ووجد نفسه حرا، فزاد فيه النشاط وتجدد في فؤاده الأمل بالرجوع إلى سابق عهده، فنهض ~~ورفرف بجناحيه وصفر ذلك الصفير المزعج الذي كان يستدعي به في أزمان سلطته الماضية ~~خدمه وأتباعه من الشياطين الذين لا يحصى لهم عدد. # ثم أبصر كوة فتحت فوق رأسه ولمع منها نور أحمر ساطع، وجمهورا غفيرا من ~~الشياطين يتساقطون من تلك الكوة - دافعين بعضهم بعضا - إلى تلك الهاوية، وأحاطوا ~~ببعلزبول إحاطة الغربان للجثة أو النسور للرمة. # وكان هؤلاء الشياطين مختلفين في الحجم والطول والعرض، فمنهم الكبير والصغير والسمين ~~والضئيل المهزول، ولهم أذناب بعضها طويل وبعضها قصير ورفيع وقرون مستطيلة مستقيمة أو ~~عوجاء معقوفة. # وكان أحدهم عاري الجسم، ولكنه وشح أعلى جسده بوشاح من أطمار بالية، ولون بشرته ~~أسود لامع، ولم ينبت بوجهه شعر، وقد انتفخ بطنه وبرز بروزا ظاهرا مضحكا. جلس هذا ~~الشيطان القرفصاء أمام بعلزبول وجها لوجه، ولكنه ما كان يستقر على حالة بل كان ~~يلتفت ذات اليمين وذات اليسار مجيلا بصره الناري في تلك الهاوية، ولم يفارق الابتسام ~~فمه، ms04 ويلوح بذنبه المتناهي في الطول. # 3 # فقال بعلزبول مشيرا بيده إلى العلو: ما معنى هذه الضوضاء والغوغاء؟ ماذا حدث؟ ... ~~ماذا جرى؟ ... # فأجابه الشيطان الموشح بالوشاح: حدث ما كان يجري سابقا، ورجعت الأمور إلى ~~مجاريها القديمة، وعادت مملكة جهنم فتجددت وامتلأت بالناس. # فقال بعلزبول: وهل يوجد الآن في العالم أشرار وخطاة؟ # فأجاب ذو الوشاح: أكثر من الكثير. # فسأله قائلا: وأين ذهب تعليم ذاك الذي لا أريد ذكر اسمه؟ # فضحك الشيطان ذو الوشاح حتى برزت نواجذه، ثم قهقه سائر الشياطين قهقهة أحدثت ضجة ~~هائلة. # ثم قال الموشح: إن تعليمه لا يوقف سير أعمالنا؛ لأنهم يصدقون بذلك التعليم ولا ~~يسيرون الآن حسب منطوقه وأوامره. # فقال بعلزبول: ولكن ذلك التعليم واضح كالشمس في رابعة النهار، ولا ريب في أنه ينقذ ~~متبعيه من سلطتنا، ولا يدع لمكايدنا سبيلا إلى الوصول إليهم، وقد أيده صاحبه ووطده ~~بموته. # فقال الشيطان ذو الوشاح بعد أن كنس الأرض بذنبه: إنني قد حورت ذلك التعليم ~~وقلبته انقلابا يخالف صورته الأصلية. # فسأله بعلزبول: وكيف تسنى لك ذلك؟ # فأجابه: لقد قلبته وشوهته، حتى إن الناس أصبحوا لا يعتقدون به، بل يعتقدون ~~بتعاليمي ويصدقونها، وهم يسمونها باسمه وينسبونها إليه. ~~- أخبرني كيف تم لك ذلك؟ ~~- لقد جرت الأمور من نفسها، وأنا كنت مساعدا على تنفيذها وزيادة شيوعها. # فقال بعلزبول: اذكر لي ذلك باختصار، وتباعد عن الإسهاب والإطناب. # فأطرق الشيطان الموشح رأسه كأنه يجمع أفكاره وصمت برهة، ثم رفع رأسه وقال: عندما ~~حدثت تلك الحادثة الهائلة التي قوضت أركان جهنم وجعلتها أثرا بعد عين، وجعلت أبانا ~~ورئيسنا يبتعد عنا بعدا ظننا أن لا تلاقي بعده؛ ذهبت عند ذاك إلى تلك الأماكن التي ~~يبشرون فيها بذلك التعليم الذي كاد يقضي علينا القضاء المبرم ولا يدع لنا ذكرا في ~~الوجود؛ لأرى كيف يعيش أولئك الناس الذين قبلوه واتبعوه، فرأيت ما أدهشني وجعلني أندب ~~سوء حظنا وأذرف الدمع السخين، ولا أبالغ إذا قلت بأني بكيت بدل الدمع دما، وجثمت ~~أرثي مملكتنا العظيمة التي دالت دولتها ودرست معالمها، ذلك ms05 لأني أبصرت الناس ~~العائشين بحسب ذلك التعليم يجرون مطارف السعادة والهناء، وأيقنت أن لا قدرة لي ~~ولأمثالي على تضليلهم أو التغرير بهم. # فهم لا يغضبون على بعضهم بعضا، بل على عكس ذلك يتساهلون تساهلا عظيما في أعمالهم ~~وتصرفاتهم المتبادلة، ولم يكن لجمال النساء تأثير عليهم، وكثيرون منهم لم يتزوجوا ولم ~~يخضعوا لشهوات الجسد، والمتزوجون منهم اقتصروا على امرأة واحدة اقتصارا حقيقيا، فلم ~~يهجروها ولا خانوها ولم يعرفوا غيرها مطلقا، وفوق ذلك فإنهم جميعا ما كانوا يهتمون ~~بجمع حطام هذه الدنيا ولا التفتوا إلى زخارفها، بل كان جميع ما يمتلكونه مشتركا بين ~~الجميع على السواء، ولم يقاوموا المعتدين عليهم بل كانوا يقابلون الشر بالخير والاعتداء ~~بالتجاوز والإغضاء، ولذلك كانت حياتهم حياة طيبة منزهة عن النقائص والشوائب، ولذلك ~~كان يتوافد عليهم الناس المختلفو الأجناس وينضمون إليهم وينسجون على منوالهم في عيشة ~~الصلاح والتقوى والمحبة. ولما رأيت ذلك أيقنت بتقلص سيادتنا وزوال سلطتنا، وعزمت على ~~الهرب والفرار. # ولكنه حدث على حين فجأة حادث قليل الأهمية بحد نفسه، ولكنه ظهر لي أنه مما يستوجب ~~الالتفات، فلبثت مكاني متتبعا سيره مراقبا نتيجته. # ظهر بين أولئك الناس اختلاف طفيف، وهو أن بعضهم رأى أنه يجب على جميع متبعي هذا ~~التعليم الجديد أن يختتنوا ويمتنعوا عن تناول أطعمة عبدة الأصنام، ورأى البعض الآخر أنه ~~لا حاجة للتمسك بهذه الأمور، وأنه يجوز عدم الاختتان وتناول جميع الأطعمة أية كانت ~~ولأي كانت. # أما أنا فقد اغتنمت هذه الفرصة الثمينة وصورت للفريقين أن اختلافهم هذا على جانب عظيم ~~من الأهمية، وأنه لا يجوز مطلقا لفريق أن يتنازل عن رأيه واعتقاده لأن ذلك يتعلق ~~بعبادة الله، ومن حسن حظي أن ما وسوست به لهم صادف في قلوبهم تربة جيدة مستعدة له، ~~فصدقوني وثارت في أفئدتهم عوامل الشقاق والنزاع، فقاوموا بعضهم وجها لوجه، وهذا ما ~~تمنيته وسعيت إليه. # ثم اتسع بينهم خرق الخلاف، وثارت في نفوسهم براكين الغضب بعد خمودها أمدا طويلا، ~~وكنت أنا لا أغفل دقيقة عن التحريض والتهييج، وزينت لهم ms06 أخيرا أن يبرهنوا على صحة ~~تعليمهم بالعجائب. # ومما لا مشاحة فيه هو أن العجائب لا يمكن أن توضح حقيقة التعليم أو تبرهن على صحته؛ ~~لأن النور ليس في حاجة للدليل، ولكن ميل كل فريق للفوز على الآخر بأنه هو المحق في ~~اعتقاده جعلهم جميعا يطلبون من بعضهم تأييد دعواهم بالعجائب، وكان من السهل علي ~~اختلاق العجائب وإرشادهم إليها، وسرعان ما صدقوني وآمنوا بأقوالي وتحريضاتي، وأصبحوا ~~ميالين لإيجاد العلل والأسباب المؤيدة لأقوالهم المثبتة لتعاليمهم. # فقال بعضهم إنه نزلت عليهم ألسنة نارية، وقال البعض الآخر إنهم رأوا نفس المعلم الذي ~~مات. وقال الفريقان غير ذلك مما هو من هذا القبيل، فاختلقوا أمورا ما أنزل الله بها من ~~سلطان ولم تكن في الحسبان، وكذبوا باسم ذاك الذي دعانا نحن معشر الشياطين كذبة ~~مفترين، ولكن أتباعه زادوا علينا بالافتراءات والاختلاقات، ووصموا نفوسهم بوصمة الكذب ~~التي كانت خاصة بنا، فساوونا في ذلك وهم لا يشعرون. وقال أحد الفريقين للآخر: عجائبنا ~~هي الحقيقية وعجائبكم مختلقة، فضلا عن أنها لا أهمية لها، فتصدى هذا الفريق لتكذيب ~~هذه الدعوى وحاول إثبات صحة عجائبه وأهميتها. # ولقد سار الحال على هذا المنوال، ولكني خشيت أنهم يلحظون هذا الخداع الظاهر والمكر ~~المحسوس فاضطررت لاختلاق «الكنيسة»، ولما آمنوا بالكنيسة اطمأن فؤادي وأيقنت أن ~~مساعينا تكللت بالنجاح، وعلمت أننا نجونا وأن مملكة جهنم عادت للظهور والانتشار، ~~وتجدد بناؤها وغصت رحباتها بالرعايا الذين خضعوا لها وانساقوا إليها. # 4 # إن بعلزبول لم يستطع التصديق بأن أتباعه كانوا أغزر منه عقلا وأوفر إدراكا وأوسع ~~حيلة، وللتأكد من ذلك سأل محدثه قائلا: ما هي الكنيسة؟ # فأجابه بقوله: الكنيسة هي عبارة عن أن الناس عندما يكذبون ويشعرون بأن سامعيهم لا ~~يصدقونهم يتهجمون على الله ويقول الواحد منهم: «والله العظيم إن ما أقوله هو حق لا ريب ~~فيه»، وهذه هي الكنيسة. # ولكن يجب أن نضيف إلى ذلك أن الناس الذين انتظموا في سلك الكنيسة يعتقدون في نفوسهم ~~القداسة، وأنهم معصومون عن الغلط، بعيدون عن الضلال، ولذلك فمهما اختلقوا من ms07 الحماقات ~~والسخافات فلا يستطيعون إنكارها في المستقبل؛ لأن ذلك - على زعمهم - يلحق بهم العار ~~ويظهر نقص تعليمهم وقيمة اعتقادهم. # وزيادة للإيضاح أقول: إن الكنيسة تتم على الطريقة الآتية: أن الناس يؤكدون لأنفسهم ~~وللآخرين أن معلمهم الله الذي - احتراسا على تعليمه الذي علم به الناس من أن تتلاعب ~~به الأفكار وتحوله عن معناه الحقيقي وتشوه جوهر حقيقته - اختار رجالا خصوصيين ~~ليفسروا ذلك التعليم تفسيرا صحيحا، وأعطاهم السلطة المطلقة لكي ينتخبوا لهم بدورهم ~~خلفاء يحافظون على التعليم ويفسرونه تفسيرا مطابقا لأصل وضعه، وهؤلاء وأولئك سموا ~~نفوسهم بالكنيسة، وأصبحوا بعد ذلك يعتقدون اعتقادا ثابتا بأنهم موجودون ضمن دائرة ~~الحق، وليس ذلك لأن ما يبشرون به هو الحق بنفسه، بل لاعتقادهم أنهم خلفاء شرعيون ~~لتلامذة تلامذة تلامذة ذاك المعلم الإله. ومن ذاك الحين أصبح كل واحد من أولئك الناس ~~يدعي أنه عضو عامل في الكنيسة الحقيقية الواحدة (كما كان ذلك في كل مكان وزمان)، وصار ~~كل واحد يعلم طبقا لأهوائه وأمياله، ولا يمكنه أن ينكرها فيما بعد مهما بلغت من ~~الضلال وتضمنت من الأباطيل، ومهما حاول الآخرون إظهار فسادها وعدم مطابقتها ~~للحقيقة. # فقال بعلزبول: ولكن أريد أن أفهم لماذا هذه الكنيسة أضحت تفسر تلك التعاليم وتكرز بها ~~على طريقة موافقة لمصلحتنا؟ # فاستطرد الشيطان ذو الوشاح الكلام، وقال: إن الرجال أعضاء الكنيسة جنحوا إلى ذلك؛ ~~لأنهم عرفوا أنفسهم بأنهم هم وحدهم مفسرو شريعة الله والقابضون على زمامها، وبذلوا ~~الوسع لحمل الناس على الاعتقاد بهم بذلك، ومع مرور الزمان أصبح هؤلاء المفسرون ~~الكارزون ملجأ للناس الذين توافدوا عليهم لمناقشتهم ومساءلتهم، فأعطاهم ذلك بعض ~~الامتيازات والسلطة التي أخذت في الازدياد، حتى جاء يوم على أولئك المفسرين عدوا فيه ~~نفوسهم رؤساء لجميع متبعي ذلك التعليم. # ولما أحرزوا السيادة على الناس أخذوا يتدرجون في العظمة والكبرياء، ثم تطرق إليهم ~~الفساد رويدا رويدا حتى غدوا بعد مدة مبشرين للرذائل، فكرههم الناس وأبغضوهم بغضا ~~ظاهرا وأظهروا لهم العداء وصادروهم مصادرة عنيفة، ولم يجد أولئك الرؤساء سلاحا ~~يحاربون به أعداءهم غير القوة، ms08 فجعلوا يضطهدون ويقتلون ويحرقون ويعذبون كل من لا ~~يوافقهم على تعاليمهم ولا يخضع لسلطتهم. # ثم إن هذا المركز الذي أصبحوا فيه وقادهم إليه حب السلطة والكبرياء؛ جعلهم مضطرين إلى ~~تفسير ذلك التعليم بما يطابق أهواءهم ويزكي حالة معيشتهم ويبرر تلك الفظائع والجرائم ~~التي يقترفونها مع أعدائهم. والأنكى والأدهى من كل ذلك أن تلك التفاسير الباطلة كان ~~يصدقها أتباع أولئك الرؤساء ويؤمنون عليها ويعتقدون بقداسة أعمال رؤسائهم الفظيعة ~~وأنها موافقة للدين، فينصرونهم وينكلون بأعدائهم تنكيلا فظيعا. # وبوجه الإجمال أصبح ذلك التعليم المشوه آلة للانتقام وجر الويلات على العالم، ~~وسلاحا حادا لاغتيال النفوس واضطهاد الناس وإقلاق راحتهم. # 5 # أما بعلزبول فلم يقتنع بما سمع، ولم يشأ أن يصدق ما قام به أعوانه من النجاح في إفساد ~~الناس وحملهم على تشويه ذلك التعليم البسيط، الذي لا يقبل التأويل والتحريف، ولذلك قال ~~لمحدثه: إن ذلك التعليم واضح وضوحا جليا فضلا عن قرب مأخذه، فقد جاء فيه: «افعل مع ~~الناس ما تريد أن يفعلوا بك»، فهل مثل هذه الآية مما يجوز تحريفها وقلب معناها؟ # فقال الشيطان ذو الوشاح: أجل، إنها قابلة للتحريف، وإن الناس حسب مشورتي لهم استعملوا ~~لذلك وسائل عديدة، وإني سأضرب لك مثلا أظن أنه كاف لإقناعك: إن الناس يتداولون حكاية ~~مآلها أن ساحرا صالحا أراد أن ينقذ رجلا من ساحر آخر ماكر شرير، فحوله حبة قمح، ~~فمسخ الساحر الشرير نفسه ديكا وأراد أن ينقد تلك الحبة، ولكن الساحر الصالح نثر فوق ~~تلك الحبة أردبا من القمح، فلم يستطع الساحر الشرير أن يأكل الأردب، كما أنه لم يستطع ~~معرفة الحبة المطلوبة. وعلى مثال هذه الحكاية تصرف الناس - حسب مشورتي لهم - بتعليم ذاك ~~الذي قال إن الناموس كله محصور بالكلمات الآتية: «اصنع مع غيرك ما تريد أن يصنع ~~بك». # لم يقتصروا على ذلك بل جعلوا ناموس الله المقدس وشريعته الطاهرة في تسعة وأربعين ~~كتابا، واعتقدوا أن جميع ما جاء فيها مكتوب بإلهام الله - والروح القدس - وبذلك هالوا ~~على ذلك الحق المفهوم الواضح ركاما من ms09 الحقائق المقدسة، التي اعترفوا بأنه موحى بها ~~وآمنوا بما جاء فيها، وقد ضاع بينها الحق اللازم للناس، ذلك الحق الذي جعل الناس ~~أطهارا أبرارا، وعاشوا بموجبه زمانا في الطهارة والتقوى والصلاح والسلام. وما تقدم ~~هو إحدى الطرق التي استعملها الناس. # والطريقة الثانية التي استعملوها بنجاح باهر وفوز مبين في خلال ألف عام؛ هي أنهم ~~جعلوا يقتلون ويحرقون ويضطهدون كل من حاول إظهار الحقيقة. أما الآن فقد توقفوا مرغمين ~~عن سفك الدماء وإحراق النفوس، ولكنهم ما زالوا يستعملون تلك الطريقة على صورة أخرى؛ ~~فإنهم يضطهدون كل من يحاول إظهار الحقيقة، ويشون عليه الوشايات الفاسدة، فيعكرون صفو ~~حياته بما يدسونه له من السموم القتالة، ويندر وجود من يقاومهم وجها لوجه ويحاول ~~إماطة النقاب عن خزعبلاتهم وسفسطاتهم. # ولهم أيضا طريقة ثالثة لتشويه ذلك التعليم؛ هي أنهم عندما ألفوا الكنيسة أصبحوا ~~يعتقدون أنها مقدسة طاهرة معصومة عن ارتكاب الخطايا والآثام، وغدوا بعد ذلك يعلمون ~~الناس تعاليم مطابقة لأهوائهم مضادة لذلك التعليم الحقيقي، بل هي وإياه على طرفي نقيض، ~~ويجهدون النفس في إقناع تلاميذهم وطوائفهم بأن تعاليمهم هذه مقدسة موافقة للتعليم ~~الوارد في الكتاب المقدس، وتأييدا لما أقول أضرب مثلا من تعاليمهم: جاء في الكتاب ~~المقدس: «معلمكم واحد هو المسيح»، وجاء فيه أيضا: «لا تتخذوا لكم أبا على الأرض ~~مطلقا أيا كان؛ لأن أباكم واحد الذي في السموات، ولا تقولوا إن لنا معلمين على ~~الأرض؛ لأن معلمكم واحد هو المسيح»، ولكنهم ضربوا بهذه الأقوال عرض الحائط وجعلوا ~~يقولون إننا وحدنا - دون سوانا - آباء الناس وإننا نحن معلموهم. وجاء في الكتاب المقدس ~~أيضا: «إذا أردت أن تصلي فادخل مخدعك واقفل بابك وصل لأبيك الذي في السموات، فأبوك ~~الذي يراك في الخفاء يجازيك علانية»، وأما هم فإنهم يعلمون بأنه يجب على المسيحيين أن ~~يصلوا علنا مجتمعين في المعابد والهياكل تحت أنغام الموسيقى ورناتها الشجية. وجاء في ~~الكتاب المقدس: «لا تحلفوا البتة»، ولكنهم يعلمون بأنه يجوز للناس إقسام الأيمان ~~أمام الحكام ليستطيع هؤلاء تنفيذ النظام والقوانين. وجاء في ms10 ذلك الكتاب: «لا تقتل»، ~~وأما هم فيحللون قتل النفوس في الحروب، ويفتون للحكام بإصدار الأحكام القاضية بقتل ~~النفوس. # قال هذا الشيطان ذو الوشاح، ثم أغمض عينيه وضغط برأسه على عنقه حتى مست أذناه ~~كتفيه. # فقال بعلزبول: إن جميع ما سمعته حسن جدا جدا. وابتسم ابتسامة تدل على ارتياحه ~~وانشراحه مما فعله أتباعه، وقد أجاب الشياطين المحدقون به على تلك الابتسامة بقهقهة ~~دوت لها أركان المكان. # 6 # ثم سأل بعلزبول أتباعه قائلا: أصحيح ما تقولون إنه أصبح عندكم الآن أناس مضلون ~~نهابون قطاع طريق قتلة وسفاكون للدماء كما كان يوجد أمثال هؤلاء من ذي قبل؟ # فبدت على وجوه الشياطين سمات الارتياح والسرور، ولذلك أجابوا بصوت واحد: نعم، إن ~~الحالة الآن كما كانت عليه من ذي قبل. وصاح واحد منهم بصوت عال: بل أكثر ~~بكثير. # وصرخ ثان: إن منزلة المضلين الغشاشين الآن أرفع من منزلة المضلين السابقين، ~~والحاليون أمهر في زيادة التضليل والتغرير بالناس ممن سبقهم من المضلين في العهد ~~القديم. # وقال ثالث: إن سلابي العهد الجديد أشد شراسة وقساوة من سلابي العهد ~~القديم. # وقال رابع: وقد كثر القتل واغتيال النفوس إلى حد أن صبغت الأرض فيه بالدماء. # فقال بعلزبول: لا تتكلموا جميعا دفعة واحدة، بل ~~فليتكلم كل من أسأله. وليدن مني ذاك الذي يشتغل بالفساد، وليخبرني كيف يقود تلاميذ ذاك ~~الذي منع طلاق المرأة إلى الفساد، وقال لتابعيه لا تنظروا إلى المرأة نظرا فاسدا، ~~ويستميلهم إلى خيانة نسائهم. # فقال واحد: أنا هو ذلك الرجل. ودنا من بعلزبول زحفا على أليته، وكان شيطانا ذا ~~منظر مضحك، ووجه مدهش، وفم لا ينقطع عن المضغ وإرسال اللعاب. # خرج هذا الشيطان من صفوف الشياطين، وزحف حتى قابل بعلزبول وجلس أمامه القرفصاء، ومد ~~ذنبه من بين رجليه إلى الوراء، وجعل يكنس الأرض بمؤخره، وحنى رأسه إلى جهة ~~اليمين، وقال بصوت رخيم ... # إني أسير على الطريقة القديمة التي كنت تستعملها أيها الرئيس الأعظم والإمام الأكبر ~~والأب الأمجد، تلك الطريقة التي استعملتها في الفردوس وجعلت فيما بعد كل ms11 الجنس البشري ~~في قبضتنا وتحت سلطتنا. وإننا نستعمل هذه الطريقة الآن هكذا: نحن نقنع الناس بأن الزواج ~~لا ينحصر فيما يفهمونه منه وهو اتحاد الرجل بالمرأة، بل إنه لا يكون زواجا حقيقيا ~~إلا إذا ارتدى العريسان أفخر الملابس، وتزينا بالحلي النفيسة، وسارا إلى بناء فخم ~~مبني لهذه الغاية، حيث يقفان في مكان معين محاطين بمعارفهما وأقاربهما، وجميعهم ~~يحملون الشموع المضاءة، ثم يلبس بعض الرؤساء العريسين إكليلين خاصين مصنوعين لهاته ~~الغاية باحتفال عظيم بين الأنغام والأناشيد، ثم يدوران مع المحيطين بهما ثلاث دورات ~~حول مائدة توضع أمامهما. وقد تمكنا من إقناع الناس بأن هذا هو الزواج الحقيقي، وبدون ~~الاحتفالات المذكورة لا يدعى زواجا، وقد انخدع الناس بهذه الخدعة، وبالغوا في التفنن ~~بتلك الاحتفالات وإنفاق الأموال في سبيلها؛ حتى إنهم ينفقون عليها كل مرتخص وغال، ~~وكل واحد يسعى ليكون احتفاله أفخم وأعظم من احتفالات الآخرين. # وقد توغل الناس في هذا الاعتقاد إلى درجة أنهم أصبحوا يعدونه فريضة مقدسة وعقيدة ~~دينية لا يتم ارتباط الزوجين بدونها، وزادوا على ذلك أنهم جعلوا ينظرون إلى الزواج ~~نظرا فاسدا واتخذوه آلة للملذات والشهوات الجسدية، فضلوا بذلك سواء السبيل، وانتشر ~~الفساد فيما بينهم ونخر سوسه جوهر عقائدهم الصحيحة، وحلت محلها هذه الخرافات ~~والخزعبلات. # ولما أنهى هذا الشيطان كلامه حنى رأسه وصمت منتظرا تأثير كلامه في نفس رئيسه الأعظم، ~~فحنى بعلزبول رأسه إشارة الرضاء والارتياح، وابتسم ابتسامة تشف عما خامر فؤاده من ~~السرور، وقد دعت تلك الابتسامة شيطان النساء أن يستطرد كلامه ويقول: # وإننا لا نكف عن استعمال تلك الوسيلة الشيطانية التي استعملتها أيها الرئيس الأعظم في ~~الفردوس، وهي استمالة الرجل والمرأة إلى الأكل من الثمرة الممنوع أكلها، وبإضافتنا ~~عليها الوسائل التي أشرت إليها توصلنا إلى أحسن النتائج وأنجعها فائدة. أجل، إن الناس ~~يتزوجون زواجا كنائسيا شريفا، وبعد اتحاد الواحد منهم بزوجته نقوده إلى خيانتها ~~ونزين له اختيار غيرها، وسرعان ما ينقاد إلينا ويضرب في طول الفساد وعرضه، ويتزوج مئات ~~من النساء زواجا سريا، وقد تنسج المرأة على ms12 منواله، وبذلك يتدرجون في الفساد ويقعون ~~في الضلال ، وقد انتشر الفجور بينهم انتشارا يصعب تصديقه، والأدهى من كل ذلك أن كثيرين ~~منهم أخذوا يطلقون نساءهم ويتزوجون ثانية، ويقيمون الاحتفالات التي ذكرناها آنفا، ~~ويؤيدون أعمالهم هذه بقولهم إن الزواج الأول فاسد وهذا الزواج الثاني هو الصحيح. # ثم صمت بعد هذا شيطان النساء، ومسح بمؤخر ذنبه اللعاب الذي ملأ فمه وسال على ~~ذقنه، ثم حنى رأسه ووجه بصره نحو بعلزبول. # 7 # فقال له بعلزبول: إني موافق كل الموافقة على هذه الطرق الناجعة التي استعملتها فأثني ~~عليك مزيد الثناء، وواظب على السير الذي سرت فيه. ثم قال سائلا: من يقود النهابين ~~المغتصبين فليدن مني ويخبرني عن الطرق التي استعملها لذلك. # فقال واحد من بين الشياطين: ها أنا ذا، وتقدم من بعلزبول، وكان شيطانا مريدا ~~وجبارا عنيدا، له قرنان طويلان معقوفان، وشاربان مفتولان مرفوعان إلى فوق، وأرجل ~~طويلة قبيحة. دنا هذا من بعلزبول، وأصلح شاربيه، ووجه إليه بصره منتظرا الإذن ~~بالكلام. # فقال بعلزبول: إن ذاك الذي هدم جهنم علم الناس أن يعيشوا كطيور السماء، وأمر تابعيه ~~أن يعطوا السائل ويؤووا الغريب، وقال: من طلب منك ثوبك فأعطه الرداء أيضا، وقال ~~أيضا: من أراد أن يخلص نفسه فليوزع كل أمواله على الفقراء. فكيف أنتم الآن تفعلون حتى ~~جعلتم سامعي ذلك الكلام ينهبون بعضهم بعضا، ويبذل كل واحد وسعه لاغتصاب ما في يد ~~الآخر؟ # فقال الشيطان ذو الشاربين المفتولين: لقد توصلنا إلى ذلك باستعمال تلك الطريقة التي ~~استعملها رئيسنا الأكبر لدى انتخاب شاول ملكا على الإسرائيليين، وما حدث في ذلك العهد ~~القديم صار يحدث الآن في هذا العهد الجديد، والتاريخ الديني يعيد نفسه حرفا بحرف، وهي ~~طريقة حميدة المسعى ذات تأثير شديد تدعو الناس إلى النهب وابتزاز الأموال وتسخير ~~العمال. والعجيب المدهش في ذلك أنهم يعتقدون فيما يفعلونه من طرق النهب والسلب أنها طرق ~~قانونية مشروعة، ولا إثم ولا حرج عليهم من استعمالها. # وإننا توطيدا لهذا الاعتقاد في النفوس، أو بعبارة أوضح لكي نجعل لشخص ما ms13 حقا ~~واضحا في استباحة أموال الناس وابتزازها ابتزازا علنيا مشروعا غير قابل للاعتراض ~~والانتقاد؛ نقود ذلك الرجل للكنيسة، ونتوج رأسه بتاج فخم، ونجلسه على عرش مجيد عالي ~~الأركان مصفح بالذهب، مرصع بالحجارة الكريمة، وندفع إليه صولجانا وكرة، وندهن رأسه ~~بزيت الزيتون، وباسم الله وابنه ننادي به ملكا، ويصبح هذا الرجل المدهون رأسه بالزيت ~~شخصا مقدسا بل ورأسا للكنيسة، وندعو الناس إلى الاعتقاد بقداسة شخصه وعلو مكانته، ~~وسرعان ما يصدقوننا ولا يقفون عند حد الاعتقاد البسيط الذي قدناهم إليه، بل نراهم ~~يتوغلون في التلفيقات والاختراعات واختلاق الألقاب الغريبة لهذا الشخص المقدس، ~~فيلقبونه بالقابض على السلطة الفعلية، وظل الله في أرضه، ومدير شئون الرعاية الدينية ~~والمدنية، والحاكم على رقاب العباد و... و... و... إلخ، مما هو من هذه الصفات التي دونها صفات ~~الآلهة. وسار النهب على هذه الطريقة المقدسة سيرا تدريجيا حتى بلغ أقصى درجات ~~الزيادة، وجعل الأشخاص المقدسون وأعوانهم وأتباعهم ومساعدوهم ومساعدو مساعديهم ينهبون ~~الشعب نهبا علنيا ليس فيه شيء من الخطر والعواقب الوخيمة، وأخذوا يسنون قوانين ~~وشرائع تجيز لهم هذا النهب. # وإذا أمعنا النظر وجدنا أن تلك الشرائع والقوانين أضحت ضربة قاضية على الناس، ~~وسوغت لأفراد أخناث من أهل البطالة والفساد نهب الشعب العامل الذي يحصل الدريهمات ~~بعرق جبينه، وما زال هذا النهب المشروع مرعي الإجراء إلى يومنا هذا في أكثر الممالك، ~~حتى في تلك التي لا يصبون الزيت على رأس ملوكها، وكما يرى أبونا ورئيسنا الأعظم أن هذه ~~الطريقة التي نستعملها ليست من أوضاعنا في الحال، بل هي قديمة العهد من مبتكرات أفكار ~~رئيسنا، غير أننا الآن عممناها في جميع الممالك والإمارات، ونشرناها في جميع الأصقاع، ~~ووطدنا دعائمها على قواعد متينة لا تتزعزع، وبنيناها على شرائع لا تنقض، ومن ذلك أن ~~الناس كانوا يخضعون في العهد القديم إلى الأشخاص الذين ينتخبونهم ليكونوا عليهم ملوكا ~~ورؤساء، ولكننا اليوم عكسنا الأمر فجعلناهم يخضعون لأي شخص كان ولو كانوا لا يريدونه ~~أو يميلون إليه. # ثم أخذ الحكام يضربون الضرائب الفادحة على الشعب ms14 ويحصلونها منهم بالقوة والعنف، ~~والشعب مضطر إلى دفعها وتأديتها بصفة أنها لازمة للإنفاق على مصالح البلاد، ولكن أكثرها ~~- إن لم نقل كلها - تتسرب إلى خزائن الحكام الذين ينفقونها على شهواتهم وملذاتهم، ~~وكثيرون منهم يكونون من أصل منحط دنيء، ولكنه لا تمضي عليهم أعوام معدودة حتى يصبحوا ~~من أصحاب الثروة الواسعة والأراضي الشاسعة. ثم رأيتهم يقتنون الجواهر الكريمة ويدخرون ~~الحجارة الثمينة، وكانوا في بدء أمرهم فقراء لا يملكون شروى نقير ولا أردبا من ~~الشعير. # ومن النجاح الباهر الذي صادفته طريقتنا هذه أن الأمم المسيحية لم تقتصر على نهب ~~رعاياها وسومهم صنوف المظالم وأنواع المغارم، بل جعل المسيحيون يمدون رواق سلطتهم ~~على الأمم الأخرى التي لا تدين بدينهم، وأخذوا يبتزون أموالهم، ويضيقون عليهم ~~ويقيدونهم بقيود الاستعباد، وهم يدعون أنهم يفعلون ذلك باسم المسيحية، ويبررون ~~أفعالهم بأن ديانتهم هذه تقضي عليهم بنشرها في مشارق الأرض ومغاربها، ولكنهم في الحقيقة ~~ونفس الواقع مختلقون لتلك الأسباب الواهنة المخالفة لتعليم المسيح وروح الديانة ~~المسيحية، وتطاولت أيديهم في السلب والنهب من أوروبا وأميركا إلى مجاهل أفريقيا وفيافي ~~آسيا، حتى لم يدعوا أمة ضعيفة كانت أو قوية إلا واستحلوا أموالها واستباحوا ظلمها ~~واستعبادها. # ولقد زاد نهب الممالك في هذه الأيام بسبب القروض العامة والدولية زيادة تذكر، حتى ~~إنه لم يقتصر على نهب الأحياء بل تطاول إلى نهب الأبناء وأبناء الأبناء في ~~المستقبل. # وإنني أيها الرئيس الأعظم لا أزيد في الإيضاح بأن طريقتنا هذه حصينة البنيان متينة ~~الأركان، بسبب ما أدخلناه من الاعتقاد على الناس بأن حاكمهم شخص مقدس، وذلك يجعلهم ~~يخضعون لجميع أوامره ونواهيه، ويرضون بطرق النهب التي ينهب بها أموالهم، ولا يفتكرون ~~بمقاومته والخروج عن طاعته، ويكفي للسلاب الأعظم والنهاب الأكبر أن يدهن رأسه ~~بالزيت، وهو بعد ذلك في حل مما يفعل، وحر بنهب من يريد وقدر ما يريد. # وقد عملت مرة تجربة في روسيا بأن أقمت على عرش مملكتها عدة من النساء الواحدة بعد ~~الأخرى، وكن على جانب عظيم من الجهل والحماقة، وعدم معرفة القراءة والكتابة، ms15 وفوق ~~ذلك كن من المفسودات الأخلاق، المبيحات الأعراض، ولم يكن لهن أدنى حق - بموجب ~~نظامات المملكة - يخولهن ارتقاء العرش، ولم تكن الأخيرة منهن فاجرة فقط بل مجرمة ~~قاتلة؛ لأنها قتلت زوجها وولي عهدها الشرعي. وبما أنها كانت ممسوحة بالزيت خضع لها ~~الناس، ولم يفقئوا لها عينيها ويقطعوا أنفها ويجلدوها بالسياط كما يفعلون ذلك مع ~~المجرمين وسفاكي الدماء لم يفعلوا شيئا من ذلك، بل خضعوا لها خضوع العبيد الأرقاء ~~مدة ثلاثين عاما، وأباحوا لها ولأخلائها والواقعين في هواها أن ينهبوا كل ما يملكون من ~~مال وعقار وحرية شخصية، وقد زادت في عهدها المظالم والمغارم إلى درجة قصوى. # ومما تقدم يظهر لك أيها الرئيس الأعظم أن النهب أصبح علنيا عموميا، ولم يقتصر على ~~ما في الجيوب والأكياس والخزائن، بل تعداه إلى نهب الخيل والثيران والأنعام والملابس، ~~وصار أصحاب السلطة يجيزون لأنفسهم هذه الأمور تحت شكل منظم قانوني مشروع، وقد تعدى ~~النهب من الملوك إلى الناس بوجه الإجمال، حتى أصبح من مستلزمات الحياة الجوهرية التي لا ~~غنى للناس عنها، وأصبحت بعد ذلك حياة الناس وقواهم الجسدية موجهة فقط إلى النهب ~~والسلب بطرق عديدة دونها طرق اللصوص الذين لا ينهبون إلا مدفوعين بدافع الجوع والحاجة. ~~ولم يقف النهب عند ذلك الحد، بل إن زعماء النهابين الممسوحين جعلوا يزاحمون بعضهم ~~بعضا في السلب، وحمى بينهم وطيس المسابقة في هذا الطريق، حتى إنهم يلجئون أحيانا إلى ~~إشهار الحروب ويدفعون إليها أبناء رعاياهم؛ فيتلاحمون ويتطاحنون ويستشهدون على مذبح ~~مطامع الممسوحين وأغراضهم الشخصية. # 8 # فقال بعلزبول: إن هذا النجاح باهر، وإني أثني عليك وافر الثناء. ثم التفت إلى ~~الشياطين وقال سائلا: أيكم شيطان قتل النفوس؟ فليتقدم إلي ذلك. # فصاح واحد: أنا هو. وخرج من بين الشياطين شيطان ذو وجه شديد الحمرة كالدم، ونابين ~~طويلين تدليا من فمه، وقرنين رفيعين، وذنب مرفوع إلى فوق ثابت لا يتحرك. # فسأله بعلزبول: كيف تقود إلى ارتكاب القتل تابعي ذلك الذي قال: «لا تقاوم الشر بالشر ~~وحب أعداءك»؟ # فأجاب الشيطان ذو الوجه الأحمر ms16 بصوت متهدج: نفعل ذلك اتباعا للطريقة القديمة ~~بهذا المعنى؛ فإننا نثير في قلوب الناس عوامل العنفوان، والكبر، والخيلاء، والانتقام، ~~والبغضاء، ونحرض معلمي الناس ونفهمهم أن خير وسيلة تبعد الناس عن ارتكاب جريمة القتل ~~هي قتل القتلة وسفاكي الدماء قتلا علنيا مشروعا. ثم إن التعليم الجديد الذي انتشر ~~بين المسيحيين عن عصمة الكنيسة من الخطأ، وكذلك التعليم والعقائد عن الزواج المسيحي، ~~والمساواة المسيحية؛ جميع هذه التعاليم تقدم لنا جرائم القتل العديدة، فالتعليم عن عصمة ~~الكنيسة قدم لنا في الأعصر الخالية ألوفا بل ملايين من جرائم القتل. وتفصيل ذلك أن ~~الناس عندما أصبحوا يعدون أنفسهم أعضاء الكنيسة المعصومة عن الغلط، جعلوا يقاومون من ~~يخالفهم في اعتقادهم ويصادرونهم مصادرة عنيفة، وأطلقوا عليهم اسم المعلمين الكاذبين ~~الذين يشوشون أفكار الناس ويفسدون معتقداتهم، وأن عملهم هذا يعتبر جريمة لا تغتفر ولا ~~يصح السكوت عنها؛ فحكموا بأن قتل أولئك الناس يرضي الله، بل عدوه ذبيحة مقدسة له ~~تعالى، وارتكازا على ذلك قتلوا أمما برمتها وأعدموا وأحرقوا مئات الألوف من ~~الناس. # ومن المدهش والمضحك معا أن أولئك الناس الذين يقتلون ويحرقون الناس الذين كشف الله ~~عن أبصارهم فابتدءوا يفهمون التعليم، جعلوا يعدونهم خدمتنا أو خدمة الشياطين، ولم ~~يكونوا في الحقيقة إلا أعداء ألداء لنا. وأما خدمتنا الخاضعون لإرادتنا المنفذون ~~لأوامرنا، فهم هم أولئك الذين كانوا يحرقون الناس الأبرار الأطهار المتبعين التعاليم ~~الحقيقية، ومع ارتكابهم هذه الفظائع الشنعاء التي يبرأ منها البرابرة والمتوحشون، ~~كانوا يعدون أنفسهم أطهارا قديسين يصدعون بأوامر الله وينفذون شريعته، والله وشريعته ~~بريئان من أفعالهم وفظائعهم. والذي يمعن النظر يجد أن هذه الطريقة كانت مستعملة في ~~العهد القديم، وقد زاد عليها العهد الجديد في سرعة التنفيذ والقساوة والهمجية. # ثم إن التعاليم والعقائد بشأن الزواج المسيحي والمساواة بين المسيحيين تقدمان لنا ~~ضحايا كثيرة، فالزواج يقدم لنا أولا: قتل الأزواج بعضهم بعضا، وقتل الأمهات لأطفالهن. ~~ثانيا: فالأزواج والزوجات يقتلون بعضهم بعضا عندما يجدون أن اتحاد الواحد بالآخر يحول ~~بينه وبين التمتع بشهواته الجسدية، بل يقف سدا منيعا ms17 في وجه حريته وأمياله الفاسدة، ~~بداعي الشرع الكنائسي والعقائد المتعلقة بالزواج، التي تربطهما ببعض ارتباطا ليس بعده ~~انفصام إلا بإعدام أحدهما. والأمهات يقتلن الأطفال الذين يحملن بهم سفاحا، وحوادث ~~القتل التي من هذا القبيل كثيرة جدا لا تقع تحت حصر، ولا أبالغ إذا قلت إنه لا يمضي ~~يوم دون أن تحدث به جريمة أو جرائم قتل. # ثم إن المسيحيين يعلمون أنهم متساوون جميعا أمام شريعة المسيح، ولكن الناس المضطهدين ~~الذين تنهب أموالهم وتستباح أتعابهم يشعرون بأن هذا الادعاء كذب واضح، بل هو غبن فادح. ~~ويرى هؤلاء أنه لا تعم المساواة إلا إذا كف النهابون السلابون عن ابتزاز الأموال، ~~وأنه لا يوقفهم عند حدهم غير قوة واتحاد المهضومي الحقوق المنهوبي الأموال، فيثورون ~~ثورة هائلة عليهم وعلى أتباعهم وأعوانهم، ويهجمون عليهم هجمة شعواء، فتحدث بين ~~الفريقين معارك هائلة تجري فيها الدماء أنهارا، وتقدم لنا ضحايا كثيرة تضيق رحبات ~~جهنم عن استيعابها دفعة واحدة. # 9 # فقال بعلزبول: لقد أجدت تمثيل دورك في كيد المكايد، فأثني عليك ثناء مستطابا. ثم ~~استطرد الكلام فقال: فليتقدم إلي من يشتغل بإثارة الحروب بين الناس، ويستطيع أن يحمل ~~تلامذة ذاك الذي قال إن جميع الناس أبناء أب واحد، وأمر بمحبة الأعداء. # فخرج من بين تلك الصفوف عفريت أزرق كان اللهيب والدخان يخرجان من فمه، وضرب ظهره ~~بذنبه الثخين، وزحف حتى أصبح أمام بعلزبول، وقال: إننا نفعل ذلك هكذا: نصور لكل ~~شعب أنه أحسن وأرقى وأسمى جميع الشعوب الموجودة على الأرض، ونبذل الوسع في تصوير ذلك ~~لفرنسا وإنكلترا وروسيا وألمانيا، وما زلنا كذلك حتى جعلناها تتصور في نفسها ذلك ~~التصور، وتعد كل واحدة ذاتها أقوى من الأخرى، حتى إن ألمانيا بالغت في ذلك مبالغة ~~عظمى، وجعلت شعارها العبارة الآتية: # Deulrelaes d übtsc ~~hlan # ومعناها: «ألمانيا فوق الجميع». # وجعلت كل أمة تعمل على حدة لمد رواق سلطانها ~~على جميع الأمم الأخرى، وإخضاعها لها، وأخذت كل واحدة تعد لذلك عدتها، فأصبحت تلك الأمم ~~في شغل شاغل من دوام الاستعدادات والتأهبات الحربية، ms18 وإعداد المدافع الضخمة والمدرعات ~~والمصفحات والطرادات والحراقات والنسافات من طرز هذا العالم الذي اخترع ~~هذه المهلكات، وطرز ذلك المخترع الشهير الذي رفعت له الأنصاب لاختراعه تلك المدمرات. ~~وكل أمة تنظر إلى استعدادات جارتها ومن جاور جارتها بعين الحذر والعداء، فتصر بأسنانها ~~وتكثر من الوعيد والتهديد، وتجعل نفسها على أهبة الهجوم في كل أين وآونة حتى لا ~~تؤخذ على غرة. # وإذا ألقى الإنسان نظرة على أوروبا بأجمعها يجدها لا تكف عن الاستعدادات الدائمة، ~~ويجد شياطين سياستها يدفعون أبناء بلادهم للحروب الهائلة التي يشيب من هولها الولدان. ~~وبناء على ما تقدم، فإن جميع تابعي تعليم ذاك الذي دعانا نحن الشياطين قتلة سفاكين لا ~~يكفون برهة عن إقامة الاستعدادات لارتكاب جرائم القتل، أو بعبارة أوضح: إنهم جميعا ~~أضحوا قتلة مجرمين يستحلون إهراق الدماء وقتل الأبرياء. # 10 # فقال بعلزبول: لقد أصبت كيد المكايد في أفعالك، فأبالغ في مدحك وثنائك. وأطرق برأسه ~~إلى الأرض وافتكر مليا ثم قال: أمر واحد يحير أفكاري ويدهش إبصاري، وهو كيف أن الناس ~~الأفاضل الأحرار الذين لم ينخدعوا بتلك الأوهام، ولم يؤثر خداعكم عليهم شيئا، لم يروا ~~أن الكنيسة شوهت جوهر التعليم الحقيقي، فلم يقاوموها ولا عملوا لتطهير التعليم من تلك ~~الأدران التي علقت به وصرفته عن معناه الحقيقي؟! # وما أنهى بعلزبول كلماته هذه حتى دنا منه شيطان أغبر اللون، وشح جسمه برداء يشبه ~~البرنس الطويل، وله أذنان مستطيلتان، وجلس أمام رئيسه، ولكنه لم يجلس القرفصاء، بل ~~جلس على العادة الشرقية، وهي أنه طوى رجليه تحته وأسند جسمه عليهما، وقال: أيها الرئيس ~~الأعظم، إن أولئك العلماء ذوي الأبصار النيرة لا يستطيعون أن يفعلوا ما أشرت ~~إليه. # فقال بعلزبول: ولم ذلك؟ # فابتدأ الشيطان الأغبر في الكلام دون توقف وقال بلسان فصيح ونطق مليح ما يأتي: إنهم ~~لا يستطيعون ذلك لأني أصرف أفكارهم عما يجب أن يعرفوه ويقدروا أن يتوصلوا إلى معرفته لو ~~وجهوا أفكارهم إليه، ومع ذلك فإني أوجه أفكارهم إلى البحث في أمور لا لزوم لها، ~~وليست معرفتها بالأمر المهم ms19 النافع لهم أو لغيرهم، وفوق هذا وذاك فإن تلك الأمور التي ~~أوجه أفكارهم إليها مما يعسر الوقوف على حقيقتها؛ لأن لا حقيقة لها! والبحث في الأوهام ~~يدعو إلى الضلال الدائم، ويقود الباحثين إلى اختلاق الخرافات والخزعبلات المبنية على ~~أسباب واهية ضعيفة. # فقال بعلزبول: وكيف تفعل ذلك؟ # أجاب: إني أفعل الآن ما فعلته منذ ألف عام ونيف، وزيادة للإيضاح أقول: إني أحرض ~~الناس على أن أهم ما يتحتم عليهم معرفته هو: نسبة كل أقنوم من الأقانيم الثلاثة إلى ~~الآخر، وعلاقتهم مع بعضهم، وماهية الله ... وهلم جرا. وقد وقع تحريضي إياهم في نفوسهم ~~موقع الاستحسان والأهمية، فتوغلوا في هذه الأبحاث واختلفوا بشأنها الاختلافات العديدة، ~~وبرهنوا عليها بالآيات والعجائب، واشتد بينهم النزاع الذي قادهم إلى الغضب والشجار ~~أولا، ثم إلى تقسيمهم فرقا فرقا ثانيا، ومن ذلك ظهرت الطوائف المسيحية المتعددة ~~التي ما زالت ولن تزال متباغضة متنافرة، وتعد الواحدة الأخرى هالكة، حتى إن بعضها ~~زاد في الغلو وحظر رؤساؤها أتباعهم من مخالطة أتباع الطوائف الأخرى وزيارة معابدهم ~~ومطالعة كتبهم أو التزوج منهم. # وفوق ما ذكرت، فإن أبحاثهم في تلك الأمور التي أشرت إليها آنفا قد أشغلت أفكارهم ~~وأبعدتهم عن تلك الحياة الجديدة، حياة الهناء والسعادة والطمأنينة حياة الراحة والسلام، ~~تلك الحياة التي أرشدهم إليها معلمهم الأعظم الذي قضى على مملكتنا القضاء المبرم، ~~وعلمهم التعاليم الواضحة التي لو ساروا بمقتضاها لبلغوا ميناء الراحة والخلاص وما رأينا ~~واحدا منهم عاد إلينا، وما كنا رأينا مملكة جهنم عائدة إلى التجديد والاكتظاظ ~~بالناس. # ثم استطرد الشيطان الأغبر الكلام وقال: ولما تمكنت من قيادة المتنورين والعقلاء منهم ~~إلى تلك الأبحاث التي لم يتوصلوا للآن إلى حل رموزها وطلاسمها، حتى وما عادوا يفهمون ما ~~يقولون ويكتبون؛ حينئذ أرشدت بعضهم إلى ضرورة شرح وتفسير كتابات ذلك الإنسان المدعو ~~أرسطاطاليس، الذي ظهر في بلاد اليونان قبل ألف عام، الذي يسميه الناس فيلسوفا؛ لأن ~~كتاباته حرية بالالتفات والاعتبار. وأرشدت البعض الآخر منهم إلى أن أهم ما ينبغي أن ~~يوجهوا التفاتهم إليه هو ms20 وجود الحجر الذي بواسطته يمكن صنع الذهب وإيجاد إكسير يشفي ~~جميع الأمراض والعلل ويمنع الموت عن الناس. وقد جازت مكايدي عليهم حتى إن جميع علمائهم ~~وأصحاب الأفكار الفياضة منهم وجهوا كل قواهم العقلية إلى هذه الأمور. # أما أولئك العلماء الذين لم ترقهم تلك الأبحاث، فقد نبهتهم إلى أبحاث أخرى أشغلت ~~بها عقولهم؛ فأدخلت في أفكارهم أن أهم شيء يجب أن يبحثوا به هو معرفة أيهما تدور حول ~~الأخرى؛ الشمس تدور حول الأرض أم الأرض تدور حول الشمس. ولما عرفوا أن الأرض تدور وأن ~~الشمس ثابتة وحددوا مقدار ملايين الأميال من الشمس إلى الأرض، ابتهجوا ابتهاجا عظيما ~~بهذه الاكتشافات الجليلة، ومن ذاك الحين إلى اليوم وهم يواصلون الأبحاث لمعرفة أبعاد ~~النجوم، ومع أنهم يعلمون حق العلم أن لا نهاية لهذه الأبعاد التي لا يمكن أن يكون لها ~~نهاية لأن عدد تلك النجوم لا يمكن حصره مطلقا، ومثل ذلك لا لزوم لمعرفته لأنها غير ~~ممكنة. وخلا ما تقدم فقد حركت فيهم الميل إلى ضرورة معرفة تسلسل جميع الحيوانات ~~والديدان المختلفة والنباتات المتباينة وجميع الهوام والحشرات الصغيرة التي لا نهاية ~~لها. والأمر واضح وضوح الشمس في رابعة النهار بأن هذه المعرفة لا لزوم لها، فضلا عن أن ~~معرفتها مستحيلة جدا جدا؛ لأن الحيوانات على اختلاف أجناسها لا تقع تحت حصر كالنجوم ~~سواء بسواء، ومع ذلك فتراهم يوجهون جميع قواهم العقلية إلى البحث في مظاهر الطبيعة ~~المادية، ويعجبون في الوقت نفسه بأنهم كلما عرفوا شيئا (مما لا لزوم لمعرفته لهم) يزيد ~~ذلك الشيء غموضا، مما يدعوهم إلى زيادة البحث والتنقيب. # ولقد أفضى بهم ذلك إلى قضية راهنة هي أنهم كلما زادوا في البحث اتسع أمامهم نطاق ~~المباحث، وزادت المواد التي يدرسونها غموضا وتعقيدا. ومما لا ريب فيه هو أن تلك ~~الأبحاث الطويلة لم تجدهم نفعا ولم تفد حياتهم شيئا، غير أن ذلك لا يثبط ~~عزائمهم ولا يزيل اعتقادهم بأهمية ما يشتغلون بدرسه والبحث عنه، ولذلك فهم يواصلون ~~البحث والتنقيب والتعليم والكتابة والطبع ونقل أبحاثهم ms21 واكتشافاتهم من لغة إلى أخرى، ~~تلك الأبحاث التي لا فائدة منها وإن كانت أحيانا ذات فائدة فإنها لا تفيد إلا فئة ~~قليلة من الأغنياء، وتجلب في الوقت نفسه الضرر الجسيم للسواد الأعظم من الفقراء؛ حيث ~~تزيد سوء حالتهم وتفسد نظام معيشتهم. # ولو كان لديهم مسحة من الإدراك لفقهوا أن أهم شيء تجب معرفته والوقوف عليه هو تنظيم ~~نواميس الحياة الموضحة بتعليم المسيح إيضاحا ظاهرا، ولكنهم لم يفتكروا قط بذلك ~~وصرفوا نظرهم عنه. وتوصلا لغاياتي فإني أدخلت في أفكارهم اعتقادا أصبح راسخا في ~~أذهانهم ولا يزول منها أبدا، وهو أنهم لا يستطيعون معرفة نواميس الحياة الروحية، وزدت ~~في تضليلهم والتغرير بهم حتى أصبحوا يعتقدون أن كل تعليم ديني - ومن ضمن ذلك تعليم ~~المسيح نفسه - ما هو إلا ضلالات وأباطيل وخرافات وخزعبلات، وأن أحسن طريقة توصلهم إلى ~~معرفة كيف يجب عليهم أن يعيشوا هي العلم الذي ابتكرته وأغريتهم على الاشتغال به، وهو ~~العلم المسمى # Sosiologie ~~(علم أحوال الهيئة ~~الاجتماعية)، وهذا العلم يبحث عن كيفية ما تقدم، فإنهم بدلا من أن يحسنوا نواميس ~~حياتهم بمقتضى تعليم المسيح الدال على ذلك، فإنهم يزعمون بأن درس حياة الأمم السابقة ~~هو أفضل من تعليم المسيح؛ لأنهم يستطيعون من ذلك الدرس استنباط نواميس الحياة الصحيحة، ~~ولا ينقصهم لبلوغ هذه الأمنية غير تطبيق النظامات التي يستخرجونها على الزمان والمكان ~~الموجودين فيه، وأن ذلك خير وسيلة توفر لهم أسباب السعادة ورغد العيش. # ثم إني توصلا إلى رسوخهم في الضلال استنبطت لهم فكرتي شيئا مبتكرا يماثل تعليم ~~الكنيسة، وهو العلم المستخرج من استنتاجات أبحاثهم المختلفة، وجعلتهم يعتقدون أن تلك ~~الاستنتاجات معصومة عن الخطأ مثل تعاليم الكنيسة سواء بسواء. # وما زلت بهم حتى جعلت رجال العلم يعتقدون صحة تعاليمهم وعصمتهم عن الخطأ، حتى أصبحوا ~~ينشرون بين الناس بصورة حقائق ثابتة كثيرا من السفسطات والحماقات والخزعبلات، التي ~~فضلا عن أنها لا لزوم لها فإنها تشغل أفكارهم وتبعدهم عن معرفة الحقائق الراهنة، ونجم ~~عن ذلك أن أولئك العلماء إذا ابتكروا شيئا وأعلنوه بين ms22 الناس يؤيدونه بالبراهين ~~والأدلة، ولا يستطيعون إنكاره في المستقبل حتى ولو ظهر أنه من الحماقات غير ~~المحدودة . # وما دمت أحرك فيهم الميل الشديد إلى العلم الذي ابتكرته لهم، فهم لا يزالون متطوعين ~~له، يخدمونه بإخلاص ولا يتحولون عنه، وما داموا على تلك الحال فأنا أكون قرير البال ~~مطمئن الفؤاد وواثقا من أنهم لا يفهمون ذلك التعليم الذي كاد يقضي علينا القضاء ~~المبرم، ويجعل مملكتنا أثرا بعد عين. # 11 # فقال بعلزبول بعد سماعه هذا الكلام: حسنا حسنا، وإني أشكركم على جهادكم هذا. وقد ~~أشرق وجهه وأبرقت أسرته. ثم استطرد الكلام وقال: ولا ريب أنكم تستحقون المكافأة ~~والجوائز السنية، وسأكافئكم مكافأة تليق بكم. # وما نطق بعلزبول بهاته الكلمات حتى صاح بقية الشياطين المختلفي الشعر المتباينين في ~~الأشكال بين كبار وصغار وذوي أرجل عوجاء ومتناهين في السمن والنحول؛ صاحوا جميعا ~~بصوت واحد موجهين الكلام إلى رئيسهم الأعظم بعلزبول وقالوا له: يظهر لنا أنك قد نسيتنا ~~ولا تريد أن تسمع نتيجة أعمالنا التي لا تقل عن أعمال من تقدموا وسردوها على ~~مسامعك. # فأجابهم بعلزبول سائلا: وماذا صنعتم؟ ~~- أنا شيطان الميكانيكيات. ~~- وأنا شيطان توزيع الأعمال. ~~- وأنا شيطان طرق المواصلات. ~~- وأنا شيطان طباعة الكتب. ~~- وأنا شيطان الفنون. ~~- وأنا شيطان الطب. ~~- وأنا شيطان الارتقاء. ~~- وأنا شيطان التربية والتهذيب. ~~- وأنا شيطان إصلاح الناس. ~~- وأنا شيطان التخدير. ~~- وأنا شيطان الجمعيات الخيرية. ~~- وأنا شيطان الاشتراكية. ~~- وأنا شيطان الأنثوية. # قالوا ذلك بصوت واحد وهم يزحفون على ألياتهم متزاحمين إلى الدنو من بعلزبول وقد ~~اختلطت أصواتهم بعضها ببعض. # فصرخ بهم بعلزبول وقال: «لا تتكلموا جميعا، بل فليتكلم كل واحد منكم، وليعتصم ~~بالإيجاز ويبتعد عن الإطناب والإسهاب.» ثم التفت إلى شيطان الميكانيكيات وقال له: ~~أخبرني أنت ماذا تفعل؟ # فقال: إني أحرض الناس وأغريهم إلى أنهم كلما عملوا أشياء جديدة وكلما أسرعوا في ~~صنعها، تحسنت معيشتهم وتوفرت لهم أسباب الراحة. وقد جازت حيلتي هذه عليهم فتراهم يهلكون ~~أنفسهم في سبيل اختراع الأشياء الجديدة، وكل يوم يعملون منها عددا كبيرا، بقطع النظر ~~عن أن تلك ms23 الأشياء لا تنفع أولئك المرغمين على عملها والاشتغال بها، كما أنها لا تفيد ~~مخترعيها الفائدة المطلوبة. ~~- لقد أحسنت كل الإحسان. # ثم التفت إلى شيطان توزيع الأعمال، وقال له: وأنت ماذا تصنع؟ # فأجاب: إني أغريت الناس أن صنع الأشياء لا يتوفر إلا بالآلات التي هي أسرع من الناس ~~في صنعها، ولذلك ينبغي تحويل الناس إلى آلات صماء ليستطيعوا الإسراع في إنجاز الأعمال. ~~وقد انطلت حيلتي عليهم فحولوا الناس إلى آلات وأرغموهم على القيام بالأعمال الشاقة، ومن ~~هنا نتجت الأحقاد والبغضاء والضغائن، بحيث إن الناس المحولين إلى آلات أصبحوا يبغضون ~~محوليهم بغضا شديدا، وعلى استعداد تام في كل آونة إلى الانتقاض عليهم ~~واغتيالهم. # فقال بعلزبول: وهذا حسن أيضا. # ثم التفت إلى شيطان طرق المواصلات وقال له: وأنت ماذا تفعل؟ # فأجاب: إني أحرض الناس بأنهم لا يستطيعون الإثراء وجمع الخيرات إلا إذا انتقلوا من ~~مكان إلى مكان بسرعة تشبه سرعة الطير، فأصبح الناس بعد ذلك بدلا من أن يجتهدوا في ~~تحسين معيشتهم في مكانهم يصرفون حياتهم في التنقل من مكان إلى مكان، فيجوبون الأقطار ~~ويطوفون الأمصار ويفتخرون أنهم يقطعون أكثر من 50 ميلا في الساعة. # فأثنى عليه بعلزبول ثناء مستطابا. # ثم تقدم شيطان طباعة الكتب، وقال إن عمله يتضمن إغراء الناس على طبع تلك السخافات ~~والحماقات التي تظهر وتكتب في الدنيا، والاجتهاد في نشرها وتعميمها بين الناس. # وقال شيطان الفنون إنه يحرك في الناس الميل إلى توفير أسباب التسلية واللهو وينبه ~~شعورهم وإحساساتهم إلى ذلك، فيصرفون قواهم إلى تحسين الفنون واجتذاب الناس إليها، ~~ولكنها تقودهم في أغلب الأحيان إلى الفساد والفجور. # وقال شيطان الطب إنه أدخل على أفكار الناس أن أهم شيء لهم في هذه الدنيا هو المحافظة ~~على أبدانهم. وبما أن الاهتمام بصحة الأجسام مما لا نهاية له فترى الناس قد وجهوا مزيد ~~عنايتهم إلى ذلك بواسطة الطب، وتركوا الاهتمام والالتفات إلى حياتهم ونفوسهم، وتناسوا ~~كذلك ضرورة الالتفات إلى حياة الناس الروحية. # وقال شيطان الارتقاء إنه أضل الناس بإدخاله على أفكارهم أن ms24 الانتفاع بما يشتغل به ~~شياطين الميكانيكيات وتوزيع الأعمال وطرق المواصلات وطباعة الكتب والفنون والطب أمر لا ~~بد منه لخيرهم وفلاحهم، وأنه بدون تلك الأشياء لا يستطيعون بلوغ أوج السعادة ~~والصفاء. # وقال شيطان التربية والتهذيب إنه يحرض الناس وهم يعيشون عيشة الفساد والضلال، ودون أن ~~يفهموا ماهية الحياة الحقيقية الصالحة، إلى تربية الأولاد على تلك المبادئ الفاسدة مع ~~اعتقادهم بأنها مبادئ صحيحة قويمة. # وقال شيطان إصلاح الناس إنه يعلم الناس المفسودين الضالين بأن في استطاعتهم إصلاح ~~الناس المتمرغين في حمأة الفساد دون أن يشعر الأولون بفسادهم، وأنه كان المتحتم عليهم ~~أن يصلحوا نفوسهم أولا. # وقال شيطان التخدير إنه يعلم الناس بأنه بدلا من أن يتخلصوا من الآلام التي جلبتها ~~لهم حياة الضلال والفساد بإصلاح تلك الحياة والسير في طريق الاستقامة؛ أن يجنحوا إلى ~~المخدرات التي تخدر أجسامهم وتسكن آلامهم، فأدمنوا على استعمال الخمرة على اختلاف ~~أجناسها وتعاطي الأفيون والتبغ والحشيش والمورفين وما شابهها. # وقال شيطان الجمعيات الخيرية والإحسانات إنه يغري الناس بأنهم إذا نهبوا القناطير ~~وأحسنوا بالقروش القليلة منها يدعون محسنين، ولا يحتاجون بعد ذلك إلى الكمال، وبهذه ~~الطريقة نبعدهم عن الصلاح ونقودهم إلى الشر والضلال. # وقال شيطان الاشتراكية إنه باسم راحة الإنسانية العامة وكمالها الأسمى يثير الناس ضد ~~بعضهم، ويهيج بين طبقات الناس عوامل البغضاء والأحقاد. # وقال الشيطان الأنثوي إنه عدا إثارة البغضاء في قلوب طبقات الناس التي يدعوهم إليها ~~حب المساواة، فإنه يثير عوامل الخلاف بين الجنسين أي الرجال والنساء، ويدعوهم إلى ~~التباغض والتنافر والتنابذ. # وقال آخر: أنا شيطان البذخ ورفاه العيش. # وقال غيره: أنا شيطان الموضة والأزياء. # وصاح آخرون غير ذلك، وكانوا يتزاحمون ويتدافعون ليدنوا من بعلزبول. # حينئذ قال بعلزبول بصوت الرئيس الآمر: هل تظنون أني شيخ أحمق خرف حتى غدوت لا ~~أدرك أن التعاليم الكاذبة الفاسدة انتشرت بين الناس انتشارا هائلا، وأن كل ما كان ~~مضرا بنا أصبح نافعا لنا؟ قال ذلك وقهقه قهقهة دوت لها أركان المكان، ثم قال: يكفي ~~الآن ما سمعته منكم، فأشكركم جميعا ms25 على ما أظهرتموه من الكفاية والأهلية والجهاد. ثم ~~نفض جناحيه ونهض قائما على رجليه، فأحاط به الشياطين، وكان في مقدمة جناحهم الأيمن ~~الشيطان ذو الوشاح مبتدع الكنيسة، وفي مقدمة جناحهم الأيسر الشيطان مبتكر العلوم، ثم مد ~~كل شيطان رجله إلى الآخر فتشابكوا ببعض وألفوا حلقة كبيرة. # وجميع الشياطين جعلوا يدورون حول بعلزبول وهم يرقصون ويصيحون ويصفرون ويلوحون ~~بأذنابهم. # ثم إن بعلزبول بدوره رفرف بجناحيه وجعل يرقص وسط تلك الحلقة، وكان يرفع رجليه إلى ~~العلو حتى تلمسا كتفيه ورأسه، وكانت تتصاعد من فوقهم غوغاء أهالي جهنم المختلطة بالصراخ ~~والبكاء والأنين وصرير الأسنان. # | الخمر # للفيلسوف تولتسوي # إن مساحات شاسعة من الأرض كان يمكن أن يقتات منها مئات ألوف من العائلات الجائعة، الآن ~~مزروعة تبغا وعنبا وشعيرا وحشيشة الدينار والبطاطس؛ لصنع النبيذ والجعة (البيرة) والعرق ~~الروسي (فودكا)، وغيرها من المشروبات الكحولية. # وملايين من العمال الذين كانوا يستطيعون إبراز وعمل مصنوعات نافعة مفيدة، يعملون في معامل ~~تقطير الخمور. ودلت الإحصاءات الرسمية على أن عشر العمال الإنكليز يشتغلون في معامل ~~الخمر. # ما هي يا ترى نتائج وعواقب صنع واستعمال التبغ والنبيذ والعرق والبيرة؟ # توجد حكاية قديمة عن ناسك تخاصم مع الشيطان، وقال له إنه يمنعه من دخول صومعته، فأجابه ~~الشيطان إنه سيدخلها رغما عنه، ولكنه إذا دخلها يجب على الناسك حينئذ أن يعمل ما يأمره به ~~الشيطان، واتفقا على ذلك. فمسخ الشيطان نفسه غرابا جريحا، وجعل يقفز أمام صومعة الناسك ~~وجناحه المكسور يلوح في الهواء، فأشفق الناسك على الغراب وأدخله صومعته، ولما أصبح داخلها ~~رجع إلى صورته الأصلية، وعرض على الناسك أن يفعل واحدا من ثلاثة أمور: القتل أو الزنا أو ~~السكر، فقبل الناسك أن يرتكب جريمة السكر وقال في نفسه إنه إذا سكر يضر نفسه فقط، ~~ولكنه لما شرب وسكر وأضاع عقله وإدراكه، قصد قرية مجاورة لصومعته حيث أغوته امرأة ارتكب ~~معها الزنا، وفيما هو في منزلها عاد زوجها وهجم على الناسك الذي دافع عن نفسه وقتل زوج ~~المرأة. # هكذا يصفون عواقب السكر في ms26 حكاية قديمة يتداولها الناس، وفي الحقيقة ونفس الواقع هكذا ~~تكون عواقب استعمال المشروبات الروحية، وقلما سمعنا أن لصا سارقا التجأ إلى القتل وهو في ~~قواه العقلية. وهذه إحصاءات المحاكم أمامنا وهي تدل دلالة واضحة على أن تسعة أعشار الجرائم ~~ترتكب في خلال السكر. وأوضح دليل على ذلك أن بعض الولايات المتحدة المحرم فيها استعمال ~~المشروبات الروحية وصنعها واستيرادها تقل فيها الجرائم؛ فلا أثر فيها للسرقة والقتل ~~والسلب والنهب، وسجون بعضها خالية خاوية. # ومن عواقب الخمرة وآثارها السيئة أنها تضر صحة الناس ضررا ظاهرا محسوسا؛ فإن مدمني ~~الخمرة يصابون بأمراض يموتون بها غالبا قبل الأوان، وقلما يشفون منها مع أن المرضى من غير ~~السكيرين يشفون بالمعالجة، وأن شركات التأمين على الحياة لا تؤمن على حياة السكيرين ~~ومعتادي تعاطي المشروبات الكحولية. # ومن أثر عواقب الخمرة أنها تظلم عقل وإدراك وضمير الناس الذين إذا تعاطوها تتغير ~~أطوارهم، ويغدون أخشن وأحمق وأسفه وأشر مما كانوا عليه من قبل. # وما هي المنفعة من شرب المشروبات الروحية؟ # والجواب على ذلك أنه لا توجد منها منفعة ما. # إن الذين يدافعون عن العرق والنبيذ والجعة والوسكي وغيرها من المشروبات الروحية يقولون ~~إنها تزيد الصحة والقوة، وإنها تدب الحرارة في الجسم والسرور في النفوس. ولكن قد اتضح الآن ~~أن لا نصيب لهذا الكلام من الصحة. إن المشروبات الروحية لا تفيد الصحة ولا تزيدها؛ لأنها ~~تحتوي على سم قوي قتال وهو الكحول، واستعمال السم لا يمكن أن يكون مفيدا نافعا. ~~واتضح أيضا أن الخمور لا تزيد في قوة الإنسان، واستدلوا على ذلك بالمقارنة بين عاملين: ~~أحدهما يتعاطى الخمر والآخر لا يتعاطاه؛ فظهر أن الذي لا يتعاطى الخمر يشتغل أكثر وأحسن ~~وأتقن من الذي يتعاطاها، وظهر أيضا أن الجنود الذين يسكرون أجبن وأضعف من الذين لا يسكرون ~~ولا يشربون الخمر. # واتضح أيضا أن الخمر لا يدفئ الجسم، وأن الحرارة التي تدب في الجسم على أثر شرب عدة ~~كاسات لا تدوم طويلا، واتضح أيضا علميا أن الذين لا يتعاطون الخمر يتحملون البرد ms27 أكثر ~~من الذين يتعاطونها. # وأما السرور الذي يستحوذ على الشاربين فإنه في الحقيقة ونفس الواقع ليس بسرور حقيقي، بل ~~إنه سرور مصطنع يجر وراءه أوخم العواقب وأشنعها، الأمر الذي لا يحتاج إلى دليل. ويكفي ~~لذلك أن يلقي الإنسان نظرة على المدن وماذا يحدث فيها في الحانات في أيام الأعياد، وكذلك ~~على ما يحدث في القرى في الأعراس والأفراح؛ فإن السرور الناشئ من الخمر يتحول أكثر الأحيان ~~وينتهي بالسباب والمشاجرة والجراح والقتل، فضلا عن أنه يجعل الإنسان يهوي إلى أسفل ~~دركات الانحطاط والامتهان. # فالخمر لا يعطي الإنسان قوة ولا صحة ولا سرورا ولا حرارة، بل إنه يجلب للناس أضرارا ~~جسيمة. # وبناء على ما تقدم فإنه ينبغي للإنسان العاقل ألا يتعاطى الخمر فقط، بل يجب عليه أن ~~يبذل كل نفوذه ومجهوداته بألا يقدمها لأحد في منزله، ويمنع جميع معارفه وصحبه من استعمال ~~هذا السم الضار الذي لا فائدة منه. # ولكن مع الأسف الشديد أن الأمور تجري على غير ذلك؛ لأن الناس يحافظون على العادات ~~والتقاليد القديمة التي يصعب استئصالها من نفوسهم. ويا ليتهم يقفون عند هذا الحد! بل إنهم ~~يدافعون عن الخمور دفاع الأبطال، ويسردون لك على فوائدها ومنافعها ألف برهان ودليل. # هؤلاء يقولون: إن البلاء يأتي من السكر وليس من كاسات قليلة. هؤلاء يقولون: إن الملك ~~داود قال: «إن الخمرة تفرح قلب الإنسان». هؤلاء يقولون: إن المسيح حول الماء إلى خمر في ~~قانا الجليل، وإنه بارك هناك الخمر، وإنه لو منعت الخمرة لانقطع الإيراد الوافر عن ~~الحكومات التي تملأ خزائنها من الأموال التي تتقاضاها رسوما على المشروبات ~~الكحولية. # هؤلاء يقولون: كيف يجوز أن نستقبل الأعياد ونقيم الأفراح بدون خمر؟ وإنه غير ممكن ألا ~~نشرب لدى ابتياعنا المنازل أو الأراضي أو لدى بيعها، وكذلك عند استقبال الضيف العزيز. هؤلاء ~~يؤكدون لك أنهم إذا شربوا فإنهم يشربون بعقل، وأنهم لا يسببون ضررا لأحد، ويقول الروسيون ~~بنوع أخص: إن الأمير فلاديمير الشهير قال: «إن الشرب هو حياة روسيا وسرورها وفرحها». # يقول صغار الأحلام: إننا ms28 بتعاطينا الخمرة لا نضر أحدا ولا نؤذي مخلوقا، وإذا كنا نؤذي ~~أنفسنا فهذا أمر يتعلق بنا نحن، لا نريد نعلم أحدا كما أننا لا نريد أن يعلمنا أحد، ~~ونحن ليس أول من شرب ولا آخر من سكر. # هكذا يقول شاربو الخمرة من طبقات ومراكز مختلفة، وهم بهذا القول يحاولون تبرير أنفسهم ~~وعملهم. # هذه الأقوال كانت جائزة في ما مضى من الأزمنة، ولكنها الآن معدودة من سقط المتاع، ومن ~~الكلام الدال على الحماقة والعناد. كان يصح هذا القول عندما كان الناس يظنون بل كانوا ~~يعتقدون أن الخمرة تسبب سرورا ولا تسبب ضررا، وأن المشروبات الروحية تعطي الصحة والقوة ~~للإنسان؛ إذ ذاك ما كانوا يعلمون أن الخمرة تحتوي على سم قتال فتاك، إذ ذاك ما كان يرى ~~الناس عواقب تعاطي الخمرة الوخيمة التي نراها اليوم أمام أعيننا. # كان يجوز ذلك القول عندما كانوا يرون مئات وألوف الضحايا التي تضحيها الخمرة على مذبح ~~هيكلها، عندما كانوا يرون الألوف من الناس يتحملون أشد الآلام والأسقام من تأثيرة الخمرة، ~~عندما كانوا يرون أن الخمرة تقصف غصن حياة الشباب الرطيب. يجوز ذلك القول عندما كنا نرى ~~ألوفا وألوفا من الزوجات والأولاد يتضورون جوعا ويتقلبون على فراش الحاجة والأسقام بسبب ~~إدمان الأزواج والآباء على تعاطي الخمرة. كان يحسن أن يقال هذا عندما كنا نرى ألوف المجرمين ~~مطروحين في غياهب السجون بسبب الجرائم التي دفعتهم إليها الخمرة؛ حيث يشتغلون الأشغال ~~الشاقة، وقد تركوا نساءهم وأولادهم بلا ناصر ولا معين. كان يحسن أن يقال هذا عندما كنا نرى ~~أن مئات وألوفا من الناس قد أضنوا قواهم وهدموا أجسامهم وقضوا على عقولهم ومداركهم ~~القضاء المبرم، وكان في استطاعتهم لو لم يتناولوا تلك السموم أن يعيشوا براحة وسلام وصفاء ~~وهناء. # وبناء على ما تقدم فإنه لا يجوز في وقتنا الحاضر أن نقول إن شرب الخمرة أو عدم شربها ~~مسألة خاصة، وإننا لا نشرب إلا قليلا منها ولا نؤذي أحدا إذا تناولناها. كلا، كلا، لا ~~يجوز مثل هذا القول؛ لأن مسألة المسكرات ms29 مسألة عامة اجتماعية. # والآن ينقسم الناس من هذا القبيل إلى معسكرين: أحدهما يجاهد قولا وفعلا في تحريم وصنع ~~تلك السموم ومنع جميع المشروبات الروحية على الإطلاق، وهؤلاء لا يشربون الخمرة ولا يقدمونها ~~لأحد لا في الأعياد ولا في الأفراح، ولا في جميع أشكال الحياة. وثانيهما يتعاطى الخمرة ~~ويسعى لانتشارها. وقد قامت بين هذين المعسكرين حرب عوان اشتد وطيسها وحمي أوارها، وهي ~~عامة في جميع الممالك والحكومات. # إن الناس يعدون الرجل فاضلا إذا كان لا يشرب الخمر في الحانات بل يبتاعها ويأخذها إلى ~~منزله، حيث يشرب منها عدة كاسات قبل الطعام ويقدمها لأصحابه وضيوفه، ويقول الناس عن مثل هذا ~~الرجل إنه إذا سكر ينام في منزله ولا يدري به أحد. يقولون مثل هذه الأقوال الفارغة ولا ~~يحسبون حسابا للأضرار التي تسببها الخمرة لمثل هذا الفاضل المستور، ثم إنه بتقديمها ~~لأصحابه يعودهم على السكر، وبذلك يجني جناية فظيعة على نفسه وعلى الإنسانية. # وأنت أيها الشاب، إذا كنت لم تشرب الخمرة فلا تسمم جسمك بها، وحافظ على طهارتك ~~واستقامتك، ولا تنخدع بكلام غيرك من أولئك الذين قضت الخمرة على أجسامهم القضاء المبرم، ~~وإذا وقعت في الشرك وأغروك على شرب الخمر فإنه لا يسهل عليك فيما بعد استئصال هذه ~~العادة الذميمة. لا تصدق أن الخمر ينعشك ويدخل السرور على فؤادك، إن زمن الشباب الذي تتمتع ~~به هو زمن السرور والانشراح، وما هو ذلك السرور الذي يضيع عقلك ويجعلك والمجنون سواء؟! احذر ~~الخمر أيها الشاب! فإنه يقودك في شبابك إلى ارتكاب المعاصي والموبقات. والويل للشاب إذا زلت ~~قدمه! فإنه يطوح بنفسه إلى مهاوي الفساد والأرجاس، ولا تقوم له بعد ذلك قائمة في هذه ~~الحياة. إن الخمرة أيها الشاب تفقدك في زمن شبابك قوة الإدراك التي منحها إياك الخالق ~~لتقاوم بها العثرات، إنك إذا سكرت ترتكب أمورا يستحيل عليك أن ترتكبها وأنت في عقلك، ~~ولماذا إذن تقود نفسك إلى مثل هذا الخطر المحقق؟! # وإذا كنت أيها الإنسان رجلا كهلا وتعودت على تعاطي الخمرة، فبادر إلى تركها، ms30 وإلا فإنها ~~إذا تسلطت عليك ملكتك وأخضعتك إلى سلطانها الغشوم، وإلا فإنك تموت قبل الأوان وتقصف الخمرة ~~عمرك كما قصفت عمر كثيرين قبلك من الشبان والكهول. وأما إذا استرسلت في شربها وداومت على ~~تعاطيها وتقديمها لأصحابك، فإنك تعود زوجتك وأولادك وأخاك وأصحابك على السكر، وتقودهم ~~إلى الهلاك المحقق، وتكون في مثل هذه الحالة لا فرق بينك وبين القتلة وسفاكي الدماء. # لا يجب أن يخطر على بالك أيها الإنسان أنه إذا انقطعت عن تقديم الخمرة في الأعياد ~~والأفراح أنك تترك عادات الوسط المقيم فيه، بل تترك مجاراة جيرانك في عاداتهم الذميمة، دع ~~عنك مثل هذه الأفكار وانسج على منوال أولئك الأفاضل الذين تركوا هذه العادات، وأبدلوا تقديم ~~الخمرة بمأكولات لذيذة وحلويات شهية ومشروبات مرطبة. # ويل ثم ويل للإنسان الذي تأتي بسببه العثرات! خير له أن يعلق في عنقه حجر الرحى ويطرح ~~في البحر. ولذلك أقول لك أيها الإنسان: ابتعد عن إغواء غيرك، ولا تضغط على الناس وتدعوهم ~~إلى شرب الخمرة، واذكر قول الكتاب العزيز القائل: «من ليس معي فهو علي، ومن لا يجمع معي ~~فهو يفرق». # ثم قال الفيلسوف: لماذا يميل الناس إلى إضاعة عقولهم؟ لماذا يقتلون أجسامهم؟ لماذا يسعون ~~إلى الجنون والخبل والذهول؟ لماذا يستعملون تلك المواد المخدرة؟ فإذا لم يشرب الإنسان ~~الخمرة وإذا لم يدخن فإنه يستعمل الحشيش والأفيون والمورفين! لماذا أقبل الناس على هذه ~~المهلكات، لا فرق بين المتدين والمتوحش والعالم والجاهل والغني والمتوسط والفقير؟! # اسأل أي إنسان لماذا يشرب الخمر، ولماذا يتعاطى المخدرات والمكيفات، فيجيبك من ساعته: إني ~~أفعل ذلك ناسجا على منوال الآخرين الذين يشربون لاستجلاب السرور والانشراح والحبور. # اسألوا مدخن التبغ لماذا يدخن، فيجيبك أنه يفعل ذلك للتسلية وطرد الهموم التي تراكمت ~~عليه. # إن أسباب ذلك أستخلصها من مطالعاتي ومن مراقبة الناس ومراقبة نفسي عندما كنت أسكر وأدخن، ~~وهي تنحصر فيما يأتي: # إن الإنسان في خلال إدراكه وفي خلال وجوده بكامل قواه العقلية المدركة يستطيع أن يرى في ~~نفسه خاصيتين مفترقتين: أولاهما خاصية عمياء حساسة ms31 والأخرى روحية مبصرة. أما الخاصية ~~الحيوانية العمياء فإنها تنحصر في أنه يأكل ويشرب ويستريح وينام ويتناسل ويتحرك كما تتحرك ~~الآلات الصماء. وأما الخاصية الروحية المبصرة - المرتبطة بالخاصية الحيوانية - فإنها لا ~~تفعل شيئا من نفسها، بل إنها تراقب عمل الخاصية الحيوانية التي تخالفها وتشتبك معها في حرب ~~عوان. # إن الخاصية المبصرة هذه تشبه البوصلة (إبرة القبلة)، التي يشير طرفها الواحد إلى الشمال ~~والطرف الآخر إلى الجنوب، وعقرباها يرشدان السفن والمسافرين إلى الجهة المقصودة، فإن فعل ~~حاملها بحسب إشارتها فإنه لا يضل الطريق، بل يصل إلى المحل المقصود بأمان واطمئنان. وهكذا ~~فإن الخاصية الروحية التي نسمي مظهرها في أحاديثنا بالضمير الذي ترشد إحدى جهاته إلى الخير ~~والأخرى إلى الشر، ونحن لا نراه - أي الضمير - إلا إذا حدنا عن الجهة التي يرشدنا إليها؛ أي ~~من الخير إلى الشر. وكل إنسان يشعر شعورا محسوسا بأنه إذا ارتكب إثما مخالفا لصوت ~~الضمير وإرشاداته، فإنه يسمع من داخله صوتا قاسيا يؤنبه تأنيبا مؤلما، ويقول له: لقد ~~انتصرت خاصيتك الحيوانية على خاصيتك الروحية المبصرة. # إن تسعة أعشار الجرائم ترتكب بسبب السكر. # إن أكثر النساء الساقطات يسقطن في هوة الفساد بسبب الخمر. إن تسعين في المئة من الرجال ~~الذين يرتادون منازل العاهرات يكونون سكارى. إن الناس يعلمون حق العلم خاصية الخمرة، ولكنهم ~~يخنقون صوت الضمير ويشربونها وهم عالمون بتلك العواقب الوخيمة التي تنجم عنها. # إن بعض الدول إذا أرادت القيام بمعارك بالسلاح الأبيض تسقي جنودها قبل المعركة كاسات ~~عديدة من الخمر، وقد أشار التاريخ إلى أن الجنود الفرنسية في معارك سيفاستوبل الشهيرة كانوا ~~دائما أبدا سكارى. إن الناس يسعون دائما إلى إماتة ضمائرهم وقتل وجدانهم بتعاطيهم ~~المخدرات والمكيفات. إنهم يعلمون كما قدمنا حق العلم عواقب تعاطي تلك المهلكات الوخيمة، ~~ولكنهم يقدمون عليها لأن ضمائرهم ماتت وإحساساتهم ضاعت، فيحكمون على نفوسهم بالإعدام وعلى ~~زوجاتهم وأولادهم بالجوع والفاقة والسقوط أحيانا في مهاوي مواخير الرجس والخنا. والغريب ~~فيهم أنهم لا يسمعون نصيحة ناصح ولا يرعوون عن غيهم وضلالاتهم ويسترسلون في موبقاتهم، ms32 ~~وبذلك يقضون على نفوسهم بالموت المحقق. # | مبادئ تولستوي # تنحصر مبادئ تولستوي الدينية والاجتماعية في الخمس الوصايا الآتية: # أولا: # حب الله من كل نفسك، وحب قريبك كذلك، ولا تهن أحدا، واجتهد بألا ~~تحرض أحدا على فعل الشر؛ لأن الشر يتولد من الشر. # ثانيا: # لا تغازل النساء ولا تهجر المرأة التي اتحدت بها؛ لأن هجر النساء ~~وتغييرهن يحدثان الفساد في العالم. # ثالثا: # لا تحلف بشيء ولا تعد بشيء؛ لأن الإنسان بكليته تحت سلطة الله، والناس ~~لا يجنحون إلى الإقسام إلا مدفوعين إليها بالأعمال والنوايا ~~الشريرة. # رابعا: # لا تقاوم الشر واحتمل الإهانة، واعمل أكثر مما يطلبه منك الناس. لا تحاكم ~~أحدا ولا تدفع نفسك للمحاكمة، والإنسان إذا مال للانتقام فإنه يعلم الناس ~~أن يحذوا حذوه وينسجوا على منواله. # خامسا: # لا تفرق بين مواطنيك والغرباء؛ لأن جميع الناس من مصدر واحد. # ولقد اطلعت في إحدى المجلات الروسية على مقالة ضافية بسطت فيها الكلام على هذه المبادئ، ~~فأنقلها للقراء كما هي دون تحريف أو تحوير. # يقول الفيلسوف: إن محبة القريب تحتم على الناس أن يزهدوا في هذه الحياة الدنيا الفانية، ~~ويهجروا عيشة البذخ والرفاه، ويبتعدوا عن الفخفخة الباطلة والعظمة العاطلة، وينبذوا مواد ~~الزينة التي تصنع في المعامل؛ لأنه حرام وألف حرام أن ألوفا من الناس يقضون حياتهم وهم ~~يعملون في المعامل لإعداد مواد الزينة للأغنياء، وكثيرون من أولئك المنكودي الطالع يموتون ~~شهداء على مذبح راحة الأغنياء وتوفير صنوف الملاذ لهم. # لا تعم المساواة في العالم، ولا ينقطع الحسد من بين الناس، ولا تزول المنافسة وتفقد ~~البغضاء إلا إذا سعى كل واحد لتحصيل ما يقوم بأوده بنفسه. # فيجب على كل واحد أن يقبل على الشغل وإعداد جميع لوازمه المعيشية بنفسه دون أن يعتمد ~~فيها على غيره؛ فإننا لو نظرنا إلى المصائب العديدة التي تحدث بين الناس لوجدنا أن أصلها ~~الحاجة ومصدرها الفاقة والإعواز. وأما الشرور والآثام والفساد والفجور فإن مصدرها البطالة ~~والراحة المتناهية وملء البطون بالمآكل المغذية ذات الدهن الكثير التي تقود الإنسان إلى ~~الشهوات وارتكاب ms33 الموبقات. # إن أقدس واجب على الإنسان تفرضه عليه الإنسانية الحقيقية هو سعيه إلى إزالة عدم المساواة ~~الموجودة بين الناس ، وبإزالتها تزول المصائب والويلات وتتلاشى الشرور والشهوات. وإن آمن ~~طريق يوصله إلى ذلك هو العمل الذي يدفع الحاجة، وكذلك ابتعاده عن البطالة ورفاه العيش ~~والتنعم، التي تقوده إلى العثرات وتحرك الشهوات الكامنة في نفسه. # إن تلميذ المسيح الحقيقي يكون في الغالب فقيرا، أو بعبارة أخرى لا يلتفت إلى جمع الثروة ~~واقتناء العربات الفاخرة والخدم والحشم والأتباع، وسكنى القصور الشامخة المفروشة بالرياش ~~النفيس والفرش الوثيرة. أجل إنه يتمتع بجميع الخيرات الجزيلة والنعم الوافرة التي منحه ~~إياها الحق سبحانه وتعالى، وللحصول عليها لا يجب عليه أن يقطن في المدن الآهلة بالسكان ~~الكثيرة الفساد، بل ينبغي عليه أن يتخذ له مسكنا في إحدى القرى ويقضي سحابة نهاره عاملا ~~في الحقول والغابات، ويشاهد في خلال عمله نور الشمس والأرض والسماء والحيوانات الأهلية ~~والبرية، ولا مشاحة في أنه إذا مرض وتألم ومات فإنه يكون في ذلك مساويا لجميع الناس ~~على اختلاف الأجناس، ولكن مما لا ريب فيه أنه يعيش عيشة أسعد من عيشتهم وأصفى وأهنأ، ومما ~~لا ريب فيه هو أن الناس الذين يعيشون مثل هذه العيشة الطاهرة الصافية الأمينة ولم يتطرق ~~إليهم الفساد؛ يعتقدون اعتقادا متينا أن سعادة الإنسان تنحصر في العمل وشقاءه محصور في ~~البطالة، وأنه بدون عمل تطرأ عليه السآمة والملل، ولذلك لا يستطيع البقاء يوما واحدا دون ~~أن يعمل فيه عملا، كما لا تستطيع ذلك النملة والحصان وكل حيوان. # إن تعليم المسيح يعلمنا بأن الإنسان المسيحي الحقيقي - الذي ليس من هذا العالم - يستطيع ~~أن يحصل على السعادة التامة إذا أدرك تمام الإدراك ماهية وجوده في هذه الحياة التي تحتم ~~عليه تحتيما شديدا ألا يستعبد الناس بتشغيلهم الأشغال وتحميلهم الأثقال، ولا يعتمد في ~~أمور معيشته عليهم، بل يجب عليه أن يعمل لنفسه بنفسه ويقدم حياته كلها فدية عن ~~كثيرين. # قال الفيلسوف موجها الخطاب إلى إنسان المدن المتوغل في رفاه العيش والمتناهي في البذخ ms34 ~~والخاضع للراحة، ما يأتي: «قم واخرج من خدرك، وطف في المدينة، وقف إلى جانب أولئك ~~الذين يطعمون الجياع ويكسون العراة ويؤوون الغرباء، ولا تخف شيئا، وانتظم في سلكهم، ~~وسر معهم كتفا إلى كتف، واعمل بيديك الرخصتين الضعيفتين أول عمل تصادفه. ولا تأنف من ~~فقير بائس، بل ارفق به وألبسه وأطعمه، ثم اشتغل في الزراعة والأعمال الأخرى. ولا شك أنك ~~ترى نفسك أسعد حالا عما كنت عليه من ذي قبل، وتجد انقلابا في عواطفك يساعدك على السير في ~~طريق العمل والطهارة». # ويقول الفيلسوف: إن الشر الموجود في هذه الحياة ناجم عن القوانين والشرائع المسنونة التي ~~تقيد الإنسان، وتحول بينه وبين الصلاح وطهارة القلب المفطور عليهما، وفي هذا الاجتماع أصبح ~~لكل مشروع وكل أمر قوانين موجهة برمتها لاستعباد الناس وإذلالهم، ولا عجب إذا كانت داعية ~~للشرور والمنازعات. # إن الاشتراكيين يقولون إن الشر محصور في استئثار بعض الناس بالثروة، وحصرها بين أفراد ~~تضافروا على زيادتها والاختصاص بها وحرمان الناس منها، ويعدون جميع الوسائل التي يبذلونها ~~في هذا السبيل جائزة مشروعة، وعلى عكس ذلك الملوك وأرباب السلطات، فإنهم يعتقدون أن الشر ~~محصور في عدم خضوع الناس لسلطانهم وانصياعهم لأوامرهم وإشاراتهم. وهؤلاء وأولئك يستعملون ~~القوة لتنفيذ مآربهم وأغراضهم، ولا ينجم عن مبادئهم هذه المعوجة غير زيادة الشرر وتوفير ~~المصائب والويلات للهيئة الاجتماعية. # وقال عن الاشتراكية ما يأتي: إن الحكومة قابضة بيدها على زمام حرية الرعايا، وتسييرهم كيف ~~شاءت وشاءت أهواؤها، ولكنها مع ذلك لم تستطع - حتى اليوم - أن تتداخل في النظام العائلي ~~الداخلي، ولا في شئون الرعايا الاقتصادية وأحوالهم المعيشية وجنوحهم إلى البطالة أو العمل. ~~ولكن جهاد الاشتراكيين ومبادئهم التي يصرفون قواهم إلى تنفيذها، وأهمها توزيع الثروة على ~~الناس بالمساواة، تدفع الحكومة إلى التضييق على الناس ودخول بيوتهم لتنقيبها وإقلاق راحة ~~سكانها وإزعاجهم، ثم ومن جهة أخرى تراقب حركات الاشتراكيين وسكناتهم، وهي تتدرج في ذلك، ولا ~~يبعد أنه يأتي على الحكومة يوم - إذا دام لها استبدادها - من تعيين نوع الملابس والأطعمة ~~للناس، وجبرهم على الاشتغال ms35 بهذه الحرفة دون تلك. # فعمل الاشتراكية مفيد من جهة ولكنه من جهة أخرى سبب كبير لما يستعمل فيه من القوة ~~والمكايد والتهييج في حمل الحكومة على إزعاج الناس وسلب راحتهم، فالقوة لا تفيد صاحبها ~~شيئا، ولا ينجم عنها أقل فائدة إذا أفضت إلى الإضرار بالناس، فهي بهذا المعنى كالحروب التي ~~يرسل فيها الملوك أشد رجال المملكة وأقواهم إلى الموت، ومهما نجم عن تلك الحروب المريعة ~~فلا يعادل ما ذهب بسببها من ضحايا النفوس البشرية، تلك النفوس البريئة التي اضطرت إلى ~~محاربة أقوام لم يسيئوا إليها. # والتخلص من هذا الشر لا يأتي من طريق هدم النظامات الحالية وتغيير حالة المعيشة، وإنما ~~يأتي من طريق فهم الناس ماهية هذه الحياة وإدراكهم كنه وجودهم، ولا يبلغون ذلك إلا إذا ~~بلغت جميع طبقات الناس الكمال الديني والأدبي، ذلك الكمال الذي يزيل غشاوة الجهل عن ~~الأبصار، ويدعو الناس إلى عقد اتحاد عام وألفة متبادلة؛ إذ ذاك يحول الناس حرابهم إلى ~~مناجل ويسيرون تحت أعلام الكمال، وتسود بينهم المحبة والإخاء والمساواة. # وكان الفيلسوف يزرع الأرض بنفسه، ويحصد القمح ويخيط ملابسه وأحذيته بيده، ولا يكتفي بذلك ~~بل إنه يساعد الفلاحين الفقراء بالحراثة وغرس الأشجار؛ لأنه يرى أن مساعدة الفقير بالعمل ~~أفضل له كثيرا من المساعدة المالية. وقد قال عن ذلك في رواية البعث ما يأتي: ساعد المحتاج ~~بالعمل تعلمه الجد والكد والابتعاد عن الكسل الوخيم، وتكن له خير أنموذج حسن، فيضطر أن ~~يقتدي بك ويرى أن العمل أمر شريف وواجب على كل إنسان مهما كان رفيع المقام وافر الثروة. ~~وبهذه الواسطة يقنع كل فقير بما يحصله بتعبه ونشاطه، ولا تعود نفسه تطمح إلى التقاعد ~~والكسل، بخلاف إذا تصدقت عليه بالمال، فإنه تدب فيه روح الكسل ويميت فيه عاطفة الشهامة ~~فيجنح إلى التواني وقلة الشغل، فتسوء حالته تدريجا ويصبح عضوا غير نافع في المجتمع ~~الإنساني، ويجر على عائلته الويل والمصائب. # وقال في بعض كتبه عن فساد المجتمع الإنساني: إن تاريخ الإنسان من حين وجوده لغاية الآن ~~تاريخ ظلم ms36 وجور وحرب وخصام. والناس مختلفون في تحديد الظلم والجور، فإذا أتيح لكل واحد أن ~~يقاوم ما يحسبه ظلما وجورا لامتلأت الدنيا بالحروب والخصومات، وأفضل شيء لملافاة هذه ~~الشرور الكثيرة أن يفعل كل واحد الخير مع غيره بدلا عن الشر، فتصلح أحوال الناس عما هي ~~عليه من الظلم والجور. # أما سبب زيادة الشقاء ووقوع الجرائم فهي لأن كل إنسان في هذا العالم يهتم بنفسه ويسعى ~~لصالحه الخاص، بدون أن ينظر إلى أخيه في الإنسانية مهما كانت حالته. فلو اهتم الأغنياء ~~وكبار السن وألفوا الجمعيات وأنشئوا المعامل وجمعوا للعمل فيها المتشردين وذوي الفاقة؛ ~~لانقطعت اللصوصية واللصوص عن وجه الأرض؛ لأنهم يخلدون إلى السكينة والانصباب على العمل. ~~وإذا بحثنا عن أحوال اللصوص وقطاع الطرق نرى أن سبب اندفاعهم إلى إقلاق راحة الناس وسلبهم ~~هو العوز والاحتياج، فعدم اهتمام الأغنياء والحكومة بالفقراء وذوي البأساء وتركهم وشأنهم ~~يدخلون الحانات وبيوت الفساد والرذيلة؛ لقلة العمل بسبب وجود الفساد والشر. والحكومة إذا ~~تسنى لها وقوع أحد المجرمين في قبضة يدها تقوده إلى المحاكمة وتستدعي الأغنياء المنتخبين ~~أعضاء لديها، فتحكم عليه وتزجه في السجن مع أولئك المنكودي الحظ الذين حرمتهم الحرية ~~وعلمتهم البطالة والفساد وقادتهم إلى الرذيلة والشر، وهي - أي الحكومة - تظن أنها بزجها ~~المجرمين في السجن تقوم بواجباتها نحو الهيئة الاجتماعية، غير عالمة بأنها تقترف جريمة لا ~~تغتفر مع أخيها في الإنسانية الذي قادته إلى السقوط، وكان في وسعها أن تخلصه من الحالة ~~التي آل إليها أمره؛ لأن السجون لا تؤثر في حالة الناس بل تزيد في تعاستهم، والهيئة ~~الاجتماعية ليست قائمة الآن بسطوة القضاء وقوة المحاكم، بل لأن الناس لا يزالون يحبون بعضهم ~~بعضا ويشفقون على بعضهم. # وقال يصف الشرور: إن الفلاح الذي يفلح أرض غيره ويبتاع ضروريات الحياة بالثمن الذي ~~يطلب منه لا يستطيع أبدا أن يصير غنيا مهما كان مجتهدا مقتصدا. وأما الرجل المسرف ~~المبذر الذي يتسرب في مناصب الحكومة أو ينال الحظوة لدى أربابها، أو يصير مرابيا أو صاحب ~~معمل أو بنك أو ms37 تاجر خمر، أو ينشئ بيتا للمومسات؛ فهذا ينال الغنى من أقرب طريق، وأمثلة ~~ذلك كثيرة حولنا. # ثم قال: علام نرى الرجال الأقوياء الماهرين المعتادين التعب، وهم الفريق الأكبر من بني ~~البشر، يخضعون لأناس ضعفاء الأبدان، لرجال أخناث أو شيوخ عجزة؟ لماذا نرى الأقوياء ~~يتبعون لهؤلاء الضعفاء؟ لأن الضعفاء قد امتلكوا الأرض وخيراتها والمعامل وما فيها. والحق ~~الذي يمتلك به الغني الأرض ويجني ثمار ما يتعب به غيره، لا ينطبق على مبدأ من مبادئ العدل ~~والإنصاف، وما هو إلا اغتصاب تؤيده القوة الحربية. # وقد صار العمال آلات لقهر إخوانهم بصيرورتهم جنودا للحكومة وآلات في يدها للقتل والفتك. ~~وما دام الناس يحللون قتل غيرهم تبقى الجنود في يد الحكومة؛ أي في يد فريق ضعيف من ~~الناس، ويبقى هذا الفريق مستعينا بهم على ابتزاز الأموال من الذين يكسبونها بعرق جبينهم. ~~وشر من ذلك أن رجال الحكومة يفسدون جمهور الناس، ولولا ذلك ما استطاعوا التسلط عليهم ~~وابتزاز أموالهم. وأصل كل الشرور ما رسخ في الأذهان من أن تجنيد الجنود لقتل الناس ليس ~~إثما، بل هو شرف كبير وعمل نبيل، لذلك لا تزول الشرور من الدنيا بتحرير الفلاحين ورفع ~~الضرائب وتكثير الآلات والأدوات، ولا بإبطال الحكومات الحاضرة، بل بإبطال كل تعليم ديني ~~يجيز للناس أن يحملوا السلاح لقتل غيرهم. # وقال عن السعادة في زمن صباه: ورد على فكري ذات يوم فجأة أن الموت ينتظرني كل ساعة وكل ~~دقيقة، وقد حتمت دون أن أدرك تلك الحقيقة التي لم يدركها الناس السالفون أن خير واسطة ~~لسعادة الإنسان هي أن يتمتع وينتفع بالحاضر ولا يفتكر بالمستقبل، فأثر في نفسي هذا الفكر ~~تأثيرا شديدا حتى إني خضعت له وتركت الدرس ثلاثة أيام متوالية، واضطجعت على سريري ~~وتفكهت بمطالعة الروايات وتلذذت بأكل الحلوى وألذ المأكولات. # والفيلسوف لم يدع وسيلة من وسائل الدفاع عن الأمة الروسية لم يستعملها؛ فقد كتب الكتب ~~العديدة وصف بها الشعب وما هو عليه من الجهل المطبق والفقر المدقع، ووصف سجون ومنافي ~~سيبيريا وما يقاسي بها ألوف ms38 المجرمين السياسيين من صنوف العذاب والهوان، وأظهر في كثير من ~~كتبه فساد الحكومة الروسية وعمالها، وكتب للقيصر مرارا عديدة . # وإنني إتماما للفائدة أذكر بعض فقرات من كتاب رفعه للقيصر يدل على جرأته وعدم مبالاته ~~بما ينجم عن ذلك من النتائج الوخيمة التي تصدر كل يوم عن حكومة اشتهرت بالحجر على ~~المطبوعات والمنشورات والضغط على الأفكار الحرة ومصادرة أصحابها وإلقاء القبض عليهم وزجهم ~~في غياهب السجون أو نفيهم إلى مجاهل سيبيريا الكثيرة الجليد والصقيع. وهاك بعض ما جاء في ~~الخطاب الموجه إلى القيصر ورجال حكومته: # إليكم نرفع خطابنا يا ولاة الأمور من القيصر وأعضاء مجلس الحكومة الأعلى والوزراء وأقارب ~~القيصر من أعمامه وإخوته، وكل الذين يستطيعون أن يكلموه. إليكم نرفع خطابنا لا كأعداء بل ~~كإخوة مرتبطين معنا ارتباطا متينا أردتم ذلك أو لم تريدوه، حتى إذا حلت بنا البلايا ~~أصابكم شيء منها؛ ليس اللوم على الذين يثورون، بل اللوم كله عليكم لأنكم لا تفتشون إلا عن ~~راحتكم ورفاهيتكم. وقد كان الواجب عليكم أن تفتشوا عن سبب الثورة والشكوى وتزيلوه. والناس ~~مسالمون بالطبع لا يطلبون الخصام والعداء، بل يفضلون الوفاق والمسالمة. فإن كانوا قد ثاروا ~~عليكم الآن وطلبوا الإيقاع بكم، فلا يكون ذلك إلا لأنهم وجدوكم مانعا يمنع عنهم وعن ~~الملايين من إخوانهم أعظم نفع يطلبه الإنسان في هذه الدنيا وهو الحرية والعلم. وغاية ما ~~يطلب منكم لكي لا يبقى سبيل لثورة العامة عليكم وهو نافع لكم أيضا لأجل راحتكم وسلامتكم؛ ~~هذه الأمور الطفيفة، وهي: # أولا: # المساواة بين الفلاحين والعمال وغيرهم من أهل الطبقات العليا. في أمور ~~ذكر تفصيلها بخطابه مثل: «إلغاء القوانين التي تربط العمال بأصحاب الأعمال، ~~وإعفاء الفلاحين من الأموال الأميرية التي تأخرت على غيرهم، ومن أخذ جواز ~~السفر إذا أرادوا الانتقال من مكان إلى آخر، ومن تقديم الخيل والعلائف ~~لرجال الحكومة لا سيما رجال البوليس، ومن العقاب بالضرب». # ثانيا: # إلغاء الحكومة العرفية التي تلجئون إليها آونة بعد أخرى، فتسلطون على ~~الرعية أناسا ظالمين فاسقين سخاف العقول. # ثالثا: # إزالة كل ms39 الموانع التي تمنع تعليم أولاد العامة، لكي يتحرر جمهور ~~الروسيين من ربقة الجهل، والجهل أكبر معين للحكومة على الاستبداد ~~بهم. # رابعا: # إطلاق الحرية الدينية لجميع الأمم القاطنة في جميع أنحاء المملكة ~~الروسية، على اختلاف أجناسهم ومللهم. # هذه بعض فقرات من فلسفة تولستوي المنثورة في كتبه العديدة، التي لا يمكن الاطلاع عليها ~~برمتها إلا من مطالعة مؤلفاته. وهذا النزر القليل الذي أوردناه يدل بصراحة على سمو ~~مبادئه الشريفة وأفكاره الحرة التي بسطها في تآليفه التي نقلت إلى جميع لغات الدنيا الحية، ~~وصادفت استحسان أفاضل المفكرين وعقلاء الناس المنصفين. # ولكن أكثر مؤلفاته طبعت خارج روسيا لعدم تصريح الحكومة بطبعها، وكان نفع الأمة الروسية ~~منها قليلا لأنه لم يطالعها غير فئة مخصوصة بذلت وسعها في سبيل الحصول عليها بالطرق ~~السرية، مع علمها أنها تعرض نفسها لخطر الوقوع في أيدي الحكومة التي شددت في منع دخول تلك ~~المؤلفات إلى بلادها، وحكمت الأحكام القاسية على كل من وجدتها عنده. # وقد استغرب الناس كثيرا سكوت الحكومة الروسية عن محاكمة الفيلسوف أو نفيه، مع أنها حكمت ~~أحكاما عديدة على تابعيه وتلاميذه وناشري كتبه، ولذلك أسباب عديدة، أهمها: علم الحكومة ~~بوفرة عدد أتباعه، وكلهم من شبان الطبقة الراقية، فإذا ألحقت به أذى فإنها تثيرهم ضدها، ~~وتكون سببا في إحداث ثورة عامة في أمهات المدن الروسية. # وقالت إحدى الجرائد الأجنبية إن الحكومة الروسية تركت الفيلسوف وشأنه ولم تلحق به أذى ~~خشية من انتقاد أوروبا عليها التي تقدره حق قدره وتعده أعظم فيلسوف ظهر في هذا ~~القرن. # قال بعضهم إن الحكومة خشيت بأس أقارب تولستوي العريقين في الحسب والنسب والقابضين على ~~زمام الوظائف العالية في الحكومة الروسية، فضلا عما لهم من الأطيان الواسعة التي يقطنها ~~ألوف من الفلاحين التابعين لهم وفي إمكانهم إثارتهم ضد الحكومة. وقالوا غير ذلك من الأقوال ~~المتضاربة بهذا الشأن. ms40