######OpenITI# #META# URI: 1371IlyasAntonIlyas.AhadithRusiyya.Hindawi70359374 #META# Tags: literature #META# ID: 70359374 #META# Title: أحاديث روسية #META# AuthorID: 79480619 #META# Author: إلياس أنطون #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الطمع قلما جمع‏ # الجرو يتحدى فيلا‏ # النملة1‏ # الحمل الوديع‏ # الغدير الصغير1‏ # الثعلب والمرموط1‏ # الذئب ينشد السلام‏ # البرميل الفارغ والبرميل الملآن‏ # البرميل ينضح بما كان فيه‏ # السلطان الجديد‏ # المهر ينتقد الفلاح المبذر‏ # تعليم الأمراء‏ # كما تزرع تحصد‏ # الخنزير الكبير‏ # مكافأة السنجاب‏ # الثقة العمياء‏ # الفلاح وخادمه‏ # الوزة الغاضبة‏ # الحمار يقلد وساما‏ # الذئب والفارة‏ # الطباخ وسنوره المحبوب‏ # الأفعى تستعطف الفلاح‏ # الذبابة المغرورة‏ # النار! النار!‏ # زهرة الحقل الزرقاء والخنفساء‏ # معاهدة صداقة وعدم اعتداء‏ # صياد الفراش‏ # الحصاة والماسة‏ # الغراب والبومة‏ # أبو الأشبال يصطفي فيلا‏ # العقاب والخلد‏ # النقد الأثري‏ # الغني والفقير‏ # الذئب في بيت الكلاب‏ # البخيل والكنز‏ # الغرارة المغرورة‏ # الفلاحان وحظهما‏ # الكلب والحصان‏ # القرد يطلب الثناء‏ # الثلاثة الأصحاب‏ # الحجر يغار من المطر‏ # الغراب القدير1‏ # الفلاح الحمار‏ # أبو خالد السخي‏ # الطحان الغبي‏ # المزنة1 الفخورة‏ # الدب والشهد‏ # القرد يلبس النظارات‏ # حاميها حراميها‏ # العقاب والعنكبوت‏ # الكوكو والحمامة‏ # الموسيقيون‏ # الكرمة والبلوطة‏ # القرد في المرآة‏ # الفار1 والوزة2 والسمكة والحنجل3‏ # الغنم والذئاب‏ # القروي يستجدي‏ # الذئب وجروه‏ # الفلاح واللص‏ # الأفعى الشريرة‏ # ظل الغبي‏ # الطمع قلما جمع‏ # الجرو يتحدى فيلا‏ # النملة1‏ # الحمل الوديع‏ # الغدير الصغير1‏ # الثعلب والمرموط1‏ # الذئب ينشد السلام‏ # البرميل الفارغ والبرميل الملآن‏ # البرميل ينضح بما كان فيه‏ # السلطان الجديد‏ # المهر ينتقد الفلاح المبذر‏ # تعليم الأمراء‏ # كما تزرع تحصد‏ # الخنزير الكبير‏ # مكافأة السنجاب‏ # الثقة العمياء‏ # الفلاح وخادمه‏ # الوزة الغاضبة‏ # الحمار يقلد وساما‏ # الذئب والفارة‏ # الطباخ وسنوره المحبوب‏ # الأفعى تستعطف الفلاح‏ # الذبابة المغرورة‏ # النار! النار!‏ # زهرة الحقل الزرقاء والخنفساء‏ # معاهدة صداقة وعدم اعتداء‏ # صياد الفراش‏ # الحصاة والماسة‏ # الغراب والبومة‏ # أبو الأشبال يصطفي فيلا‏ # العقاب والخلد‏ # النقد الأثري‏ # الغني والفقير‏ # الذئب في بيت الكلاب‏ # البخيل والكنز‏ # الغرارة المغرورة‏ # الفلاحان وحظهما‏ # الكلب والحصان‏ # القرد يطلب الثناء‏ # الثلاثة الأصحاب‏ # الحجر يغار من المطر‏ # الغراب القدير1‏ # الفلاح الحمار‏ # أبو خالد السخي‏ # الطحان الغبي‏ # المزنة1 الفخورة‏ # الدب والشهد‏ # القرد يلبس النظارات‏ # حاميها حراميها‏ # العقاب والعنكبوت‏ # الكوكو والحمامة‏ # الموسيقيون‏ # الكرمة والبلوطة‏ # القرد في المرآة‏ # الفار1 والوزة2 والسمكة والحنجل3‏ # الغنم والذئاب‏ # القروي يستجدي‏ # الذئب وجروه‏ # الفلاح واللص‏ # الأفعى الشريرة‏ # ظل الغبي‏ ms01 # | أحاديث روسية # | أحاديث روسية # تعريب # إلياس أنطون # | مقدمة # بقلم كامل كيلاني # طلب إلي الصديق العزيز الأستاذ إلياس أنطون إلياس أن أراجع هذا الكتاب وأقدم ~~له، ولم يكن أشهى إلى نفسي من أداء هذين الواجبين. # فأما مراجعة الكتاب فقد وجدت فيها ألوانا وفنونا من المتع العقلية، ~~أذكرتني ما قرأته من طرائف «ابن المقفع» في «كليلة ودمنة»، وبدائع «لافونتين»، وروائع ~~«إيزوب»، ورأيت أمامي ثروة من الحكم الأصيلة، تصاغ في وجازات قصصية بارعة، فتحوي في ~~كلماتها القليلة من جليل المعاني نفائس وتوجيهات تضيق بالتعبير عنها مطولات الأسفار ~~وضخام المجلدات، ولا عجب أن ترجح الدرة - على صغر حجمها وضآلة جرمها - أضعاف ~~وزنها من الذهب. # وأما قابس هذه الحكم، وناظم عقدها، فهو مستغن عن التعريف بما بذله من جهود ~~موصولة آتت، ولا تزال، تؤتي ثمارها كل يوم، فقد أسهم صاحبها في بناء نهضة الشرق الثقافية ~~بأوفى نصيب، ولا زال الجميع يذكرون ما أفادوه من «معاجمه العصرية» من ثمرات لغوية ~~ميسرة الجني، دانية القطوف، وما أفادوه مما نشره، ولا يزال ينشره، للصفوة المختارة ~~من أعلام المؤلفين والمترجمين. # وقد عرفه شيوخ العصر - منذ حداثتهم - كما عرفه شباب الجيل، بما أسهم في وضع ~~الأساس الثقافي، وما بذل في سبيل الفصحى من جهود مضنية، أجرها عند الله. # هذا بعض ما يقال في هذا الأثر النفيس، وقابسه البارع، وحسبك من القلادة ما أحاط ~~بالعنق، كما يقول المثل العربي القديم. # | الطمع قلما جمع # طاف الشحاذ متوكئا على عكازته الطويلة، يتسول ~~متنقلا من باب إلى باب، حاملا تحت ذراعه كشكوله العتيق ~~البالي؛ ليلقي فيه ما يجود عليه به المحسنون، فكان يدلف ~~من دار إلى دار، مستجديا «أهل الخير والإحسان» بنداءاته ~~المألوفة، وأدعيته المعروفة؛ كأن يطلب من الله أن «يجعل ~~دار المحسنين عامرا»، أو يذكر السامعين بأن «من قدم ~~إحسانا بيديه التقاه»، أو بأن «الدنيا إلى زوال، وكل ما ~~عليها فان، ولا يبقى منها غير وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام»، أو بأن «القناعة كنز لا يفنى» أو بأن «ما عند ~~الناس ينفد وما ms02 عند الله باق!» # 1 # وكلما مر بدار أخذ يناجيها بما يعن له من ~~الآراء الفلسفية التي تتصل بالأنظمة الاجتماعية ~~وعيوبها، خصوصا ما يتعلق بالأغنياء الذين لا يكتفون بما ~~عندهم من مال وعقار، بل يدأبون في طلب المزيد ارتكانا ~~على ما في هذه الأنظمة من الشرائع والقوانين الجائرة ~~التي لا تحد من جشعهم. # وفي يوم ما، بينما كان يجول جولته المعتادة، وقف أمام ~~دار مغلقة الأبواب والنوافذ، وأخذ يوجه إليها نجواه، ~~قائلا: «في هذه الدار الخاوية كان يسكن التاجر الغني ~~السيد «عبد الغني»، الذي لم يقنع بما حازه من خير كثير، ~~فأخذ يعد سفنا لسفرة يئوب منها بأضعاف ما كان له من ~~مال، ولكن السفن التي أنفق كل ما كان عنده في سبيل ~~إعدادها، عصفت بها الرياح، فغرقت وابتلعها اليم بكل ما ~~كان فيها.» # وسار قليلا ثم وقف أمام دار أخرى، ليس بها نافخ ضرمة، # 2 # وأمسك عصاه بيسراه، وأسند رأسه على كف يمناه، ~~وطفق يخاطبها قائلا: «وأنت أيها القصر الخرب، ألم ~~يقطنك رجل ثري كان يشار إليه بالبنان؟! ولكنه الطمع، ~~عدو الإنسان الأكبر، دفعه إلى طلب المزيد بالمضاربات ~~المالية، فأضاع كل ما كان له من مال وعقار، فما أحمق ~~الناس الذين لا يملأ عيونهم إلا التراب ...» # واتفق حينئذ مرور «إلهة البخت» العمياء، فلما رأته ~~وقفت تعترض طريقه، وقالت له: «أصغ إلى ما سأقوله لك، ~~وتدبره أيها الرجل؛ فقد مضى علي زمن طويل وأنا أحاول ~~الاتصال بك لمساعدتك وتحسين حالك؛ فافتح كشكولك؛ لأني ~~سأصب فيه كل ما تطلبه نفسك من نقود ذهبية، شرط ألا ~~تدع قطعة واحدة منها تسقط من الجراب إلى الأرض؛ لأنها ~~إذا سقطت فكل ما قد يكون فيه من قطع الذهب، سوف يتحول ~~إلى تراب في لحظة واحدة، فاحذر! ولا تنس أن كشكولك قد ~~أنهكه الاستعمال، فلا تحمله أكثر مما يقدر على ~~حمله.» # فما إن سمع منها هذا الشرط «البسيط» حتى أسرع وفتح ~~أمامها كشكوله، فأخذت تصب فيه من ذهبها الوهاج، رويدا ~~رويدا، ما أذهله عن التحذير والنصح ms03 الذي أسدته إليه ~~منذ لحظة، فقالت له: ألا ترى أن فيما أغدقته عليك ~~الكفاية؟ ~~- كلا! يا سيدتي، أرجوك ... أيضا ...! أيضا ...! أيضا ... زيدي ... ~~- ولكن ... أريدك أن تذكر أن كشكولك ليس جديدا، ويخشى ~~عليه أن ينشق، إذا حملته فوق طاقته. ~~- لا ...! لا خوف عليه ...! لا تخافي ...! إنه يسع أكثر مما فيه ~~الآن ... أرجوك أن ...! ~~- ولكني أرجوك بدوري ألا يذهلك رنين ذهبي عن حقيقة ~~كشكولك، وعن الشرط الذي ذكرته لك عندما عرضت عليك ~~هبتي ... ~~- فقط ... أرجو أن تكملي جميلك ... بحبة أخرى من ... # وفي تلك اللحظة انشق الكشكول، فسقط ما كان فيه على ~~الأرض، وصار ترابا، واختفت إلهة الحظ تاركة الشحاذ ~~أفقر مما كان؛ وهو يقلب بين يديه كشكوله المشقوق، ~~ويقرع سنه ندما وحسرة ... # | الجرو يتحدى فيلا # كان الفيال يقود فيلا هائلا في أكبر طرق المدينة، ورآه ~~جرو صغير، فطفق ينبح حول الفيل ويثب نحوه، كأنه ~~يهاجمه ويستثيره لمنازلته ومصارعته. # فنظر إليه الفيال وانتهره في سخرية، وهو يقول له: ~~أحقا ترغب، يا ضئيل، في مصارعة هذا الفيل؟ فإذا كان الأمر ~~كذلك، فثق أن صوتك سيبح قبل أن يرمقك بنظره، أو ~~يعيرك أقل اهتمام، ونصيحتي لك هي أن ترحم نفسك، وتريح ~~حنجرتك، وتذهب في حال سبيلك. # فقال الجرو الخبيث: هون عليك يا صاح؛ لأني متيقن من صدق ~~ما تقول، ولولا هذا اليقين لما كنت اجترأت على مهاجمة ~~فيلك الجبار تلك المهاجمة التي ستجعل كل من يعلم بها ~~يعجب لشجاعتي ويقول: «انظر إلى هذا الجرو الجريء! حقا ~~إنه بطل صنديد، وداهية شجاع، وإلا لما أقدم على تحدي ~~هذا الفيل.» # | النملة1 # عاشت في سالف الأزمان نملة، ذكر خبرها مؤرخ نملي ~~عظيم، لا يتطرق أقل شك إلى صدق روايته؛ قال: إنها كانت ~~موهوبة بقوة مدهشة، لم يسبق أن كان لغيرها من بني ~~جنسها مثلها؛ فقد كانت تقوى على رفع حبتين كبيرتين من ~~الشعير عن الأرض، وكذلك كانت لها شهرة ذائعة في الشجاعة ~~والإقدام، حتى إنها إذا ما التقت بدودة هجمت عليها ~~وصرعتها ومزقتها تمزيقا بلا أدنى خوف أو ms04 وجل، وقد قيل: ~~إنها كانت لا تخشى بأس العنكبوت. # ولهجت بأخبار قوتها وبطولتها كل قرية النمل، فكانت ~~تزهو بما يغدق عليها من عبارات المدح والثناء، حتى ~~داخلها الغرور، فصارت تختال عجبا ودلالا، وكأنها تقول ~~للأرض: «اشتدي، فما عليك قدي»، إلى أن آل بها الأمر إلى ~~العزم على السفر إلى المدينة العظيمة؛ لتكسب فيها شهرة ~~جديدة، وهكذا هرولت إلى قمة حزمة من التبن، كانت ~~موضوعة بجانب سائق المركبة الذاهبة إلى المدينة وجلست ~~فوقها، وهكذا دخلت المدينة دخول الفاتح العظيم. # ولكن ما أقسى الصدمة التي أصابت كبرياءها، عندما رأت ~~أن أهل المدينة لم يهرعوا إلى الطرق والميادين والساحات ~~العمومية التي مرت بها مركبتها الفخمة؛ لكي يحظوا ~~برؤيتها، وتكتحل عيونهم بمشاهدة ألعابها البهلوانية ~~وشقلباتها الاستعراضية، بل كانوا يروحون ويجيئون ~~وينكبون على أعمالهم دون أن ينظروا إليها، أو يعيروها ~~أقل التفات، فكم وكم حاولت أن تسترعي أنظارهم بالقفز ~~والوثب ورفع المثقلات الكبيرة الحجم دون طائل! # وأخيرا عندما أعيتها الحيل وأضناها التعب، أدارت نظرها ~~إلى الكلب الراقد بجانب مركبة سيده، وخاطبته قائلة: يا ~~عزيزي «فيدو»، ألست ترى مثلي أن كل سكان هذه المدينة ~~الكبيرة مجردون من الإحساس؛ فلهم عيون ولكنها لا تبصر، ~~وآذان لا تسمع، فقد قضيت هنا أكثر من ساعة، أنهكت فيها ~~بدني؛ لأريهم ما أنا عليه من القوة والمهارة في الألعاب ~~التي تسحر الألباب، فلم يلتفت إلي واحد منهم، مع أن ~~شهرتي قد عمت «بلدتنا»، حتى أصبحت أحدوثة أهلها، قالت ~~ذلك، وإذ لم تسمع جوابا من «فيدو»، أدارت له وللمدينة ~~ظهرها، واتجهت نحو قريتها ... # | الحمل الوديع # عثر الحمل الساذج على جلد ذئب، فخطر له أن يلعب دورا ~~مضحكا على رفاقه، فارتدى الجلد، وانسل بين أصدقائه ~~وإخوانه في القطيع؛ كي يداعبهم بزيه الجديد. # وقبل أن يدرك ما سببه من الذعر والهلع في الحظيرة، ~~كانت كلاب الحرس فوقه تنشب أنيابها في جلده ولحمه كي ~~تمزقه إربا. # ولحسن حظه أن أدركه الراعي، ورآه تحت جلد الذئب، ~~فزجر الكلاب عنه، وأنقذه من مصير محزن كان محققا. ~~••• # فعلى ms05 الحملان الوادعة ألا تظهر بمظهر الذئاب ~~الكاسرة. # | الغدير الصغير1 # جلس الراعي المسكين عند الغدير الصغير يندب حظه ~~العاثر؛ لأن خروفا من خرافه غرق في النهر المجاور. # وحزن الغدير لحزن الراعي، وأخذ يواسيه ويعزيه، موجها ~~إلى النهر عتابا مرا على أثرته # 2 # وقسوته، فقال: تبا لك أيها الغدار الشره، ما ~~أقسى قلبك! أليس لجشعك حد، أو لطمعك نهاية؟ فلو ~~استطاع الناس أن يستشفوا ما تحت مياهك العميقة العكرة، ~~كما يقدرون على رؤية ما في مياهي القليلة الصافية، ~~لاقشعرت أبدانهم اشمئزازا من هول ما يرون في جوفك ~~القذر من فضلات الضحايا التي تبتلعها من وقت إلى آخر! ~~وكنت تهرب خجلا؛ لتختفي عن الأنظار بالغور في جوف ~~الأرض، أو الانحدار إلى هوة دامسة الظلام. # أما أنا، فلو أسعدني الحظ بما حباك # 3 # من قوة باهرة، # 4 # ومياه زاخرة؛ لكنت أصرفها في سبل غير سبلك، فما ~~كنت أؤذي حتى الدجاجة الصغيرة، وكنت أنساب بكل لطف ~~ودعة بين المساكن والحدائق حاملا الهناء والرخاء ~~والبهجة لها ولكل الوديان والحقول والمروج التي يسعدها ~~حظها بمروري بها في طريقي إلى البحر العظيم، دون أن ~~أسلبها ورقة من أصغر حشائشها، أو زهرة من أحقر ~~أعشابها - قال ذلك مخلصا، وكان مؤمنا بصدق ما قال. # وبعد قليل من الوقت، اكفهر الجو، وأظلمت السماء بالمعصرات # 5 # المطبقات، # 6 # ودوى الرعد القاصف، ولمع البرق الخاطف، ثم هطلت ~~الأمطار الغزيرة، وأترعت مسايل المياه، فارتفع ماء ~~الغدير، وصار سيلا عرمرما، # 7 # أشد طغيانا من النهر، فانطلق يرغي ويزبد ~~ويهدر، جارفا كل ما اعترض سبيله من الأشجار الباسقة، ~~ملتهما كل ما أدركه من حيوان وإنسان، حتى إن صديقه ~~الراعي المسكين لم ينج من شره، هو وكوخه، وما بقي له من ~~قطيعه ... # | الثعلب والمرموط1 # صاح المرموط بالثعلب قائلا: ولم هذه السمسمة # 2 # يا أبا الهياطل؟ # 3 # إنك تعدو كالهارب من موت محقق. # فأجابه الثعلب - واللهاث يكاد يقطع أنفاسه - قائلا: ما ~~أفظع التهم التي يلصقها الناس جزافا باسمي، وأنا بريء ~~منها يا صديقي! فقد توليت حراسة بيت الدجاج ms06 القريب من ~~هنا زمنا طويلا، لم تغمض فيه عيني طول الليالي، ولم أهنأ ~~بأكل لقمة كل الأيام، حتى اعتلت صحتي، وبعد كل هذا ~~الجهد الجاهد يسوءون سمعتي؛ إذ يقولون عني: إني لص ~~سافل خسيس، فيا لها من تهمة يقشعر لشناعتها بدني! ... أأنا ~~حقا حرامي؟ أيرضيك أن تلصق بصاحبك وصمة عار هو منزه ~~عنه؟ أرجوك، وأتوسل إليك أن تحلف لهم بكل عزيز لديك ~~على براءتي؛ لأنك - دون شك - لم ترني أسرق! أليس الأمر ~~كذلك؟ # وقال المرموط: حقا إني لم أرك تسرق الدجاج، يا صاح، ~~ولكن الحق أولى أن يقال: وهو أني كثيرا ما رأيت زغبا # 4 # لاصقا بخطمك. # 5 # | الذئب ينشد السلام # قال الذئب للعقعق # 1 # وداعا يا صديقي العزيز، فقد نويت هجر هذه الغابة ~~المنحوسة، بعد أن يئست من نيل السلام والراحة وإدراك ~~الهناء والطمأنينة فيها. # فكل المخلوقات هنا تكرهني، وتنظر إلي كما لو كنت ~~عدوها اللدود. # فقال العقعق للذئب - متظاهرا بالحزن لوقع هذا الخبر في ~~نفسه: وإلى أين فكرت في الرحيل يا هذا؟ ~~- إلى أين ...؟ إلى أي مكان يبعدني عن هذه الغابة البغيضة، ~~وسأحاول أن تكون بلادا نائية، سكانها أودع من الحملان، ~~وكلابها أجبن من الخرفان، وكل أهلها يعيشون مجتمعين ~~على الألفة والمودة، حيث يعم السلام، فأنعم بلذة ~~الحرية، وأستنشق هواءها المنعش، فلا أضطر إلى ~~الاختباء نهارا، وحرمان نعمة النوم ليلا ... و... # فقال العقعق: حسنا تفعل يا صاح! ولكن قل لي بالله عليك؛ ~~ألا تنوي الإقلاع عن وحشيتك الكريهة وخلع أنيابك ~~الحادة قبل دخول هذه البلاد السعيدة؟! # وقال الذئب: كلا، وألف كلا! إذ كيف أستطيع أن أحيا ~~بدونها؟ # فقال العقعق: إذن ثق أنك لن تجد سلاما أينما ~~ذهبت. # | البرميل الفارغ والبرميل الملآن # سار برميلان في طريقهما من المخزن القديم إلى المخزن ~~الجديد، يدحرج كلا منهما فتى مفتول الساعدين. # وكان أحدهما ملآن بالشراب المعتق، والآخر فارغا جافا لا ~~شيء فيه. # فكان الأول يسير سيرا وئيدا بلا ضوضاء، أما الثاني، ~~فلأنه كان فارغا خفيفا كان يقفز ويترجرج، ويحدث قعقعة ~~ودويا كدوي ms07 الرعد، حتى أجفل الذين كانوا في طريقه، ~~وجعلهم يخلونه له فزعا وخوفا، أو اجتنابا لسماع صوته ~~المزعج. # والآن؛ ألست ترى معي يا قارئي العزيز أن عظمة البرميل ~~الملآن قد تجلت بتؤدته ورزانته وصمته، بينما قعقعة ~~زميله الفارغ قد فضحت أمره؟! وأن ذلك يعزز المثل ~~القائل: «إن البراميل الفارغة أكثر جلبة من البراميل ~~الملآنة.» # | البرميل ينضح بما كان فيه # استعار جار من جاره برميلا لحاجته إليه لوقت قصير، ~~فأعاره برميله الذي كان يستعمله في نقل ماء شربه أو ~~خزنه. # ورد الجار البرميل بعد أن قضى حاجته منه، وملأه صاحبه ~~ماء زلالا؛ ليشرب منه بعد أن غسله بكل عناية؛ كي ~~ينظفه مما علق به من ثفل الخمر الذي كان الجار قد ~~خمره فيه، وعندما استقى من البرميل وجد طعم الخمر ~~ورائحته قد أفسدا الماء، فمج به من فمه، ودلق - صب - ما ~~كان منه في البرميل، وأعاد غسله بالماء الساخن والصابون ~~الكثير، وبكل ما خطر له ولأصحابه من وسائل التطهير ~~والتنظيف، ثم ملأه، وجرب أن يشرب من مائه، ولكنه وجد ~~أن البرميل لم يزل ينضح بطعم ما كان فيه من الخمر، ~~وعبثا كرر عمليات التنظيف، ولما أعيته الحيل، اضطر ~~إلى بيعه بأبخس الأثمان؛ ليتخلص منه. ~~••• # وفي هذه الحكاية عظة للوالدين والمربين، يجب عليهم ~~ألا يحطوا من قدرها، فالعقل كالبرميل، لا يمكن التخلص ~~من رائحة ما تضعه فيه، خلا كان أو خمرا؛ أي: خيرا كان أم ~~شرا. # فلا تسمحوا لفلذة أكبادكم أن ينغمسوا في تعاليم ضارة، ~~لا بد وأن تعلق بعقولهم ونفوسهم إلى آخر رمق من ~~حياتهم. # | السلطان الجديد # ... وخاطب الوقوق # 1 # العندليب # 2 # قائلا: لقد طال عهد ملكك في هذه الغابة، وأظنك ~~قد تعبت من العندلة # 3 # كل مساء؛ فإذا كان الأمر كذلك، فالأنسب أن ~~تتنحى عن سلطانك لسواك. # فسأل العندليب الوقوق عمن يقترح ليتنازل له عن ~~سلطانه. # فأجاب الوقوق قائلا: إني أقبل - عن طيبة خاطر - أن ~~أتبوأ هذا العرش، وأضحي براحتي في سبيل القيام بمهام ~~الملك والتغريد كل مساء إكراما لخاطرك. # فقال ms08 العندليب: حسنا نطقت! ففي هذه الليلة سأهجر ~~الغابة، وأترك أحياءها تستمتع بشدوك وصداحك. # وعندما أقبل المساء، جلس الوقوق على فرع شجرة، ~~واستدعى طيور الغابة وحيواناتها، وخاطبها قائلا: لقد رحل ~~العندليب بعد أن أوصاني أن أتبوأ عرشه، وأشنف آذانكم ~~بصوتي بدلا منه، ثم طفق يوقوق بأعلى صوته كي يطربهم، ~~وسكت هنيهة ليجيل بصره في ما حوله، فوجد أن رعيته قد ~~فزعت من زعيقه، وانطلقت الواحدة في إثر الأخرى، وهي ~~تقول: يا لصوت سلطاننا الجديد من وقع مصدع! # وغضب الوقوق، وذهب يبحث عن مكان العندليب حتى وجده، ~~فقال له: نزولا على إرادتك قبلت أن أكون سلطان الغابة، ~~ولكن الطيور - حتى الحيوانات - فزعت من صوتي، وهربت حتى ~~لا تسمعني. # فأجابه العندليب قائلا: يا صديقي العزيز، قد أمكنني أن ~~أتنازل لك عن سلطاني، ولكنني لم أستطع أن أمنحك صوتي ~~... # | المهر ينتقد الفلاح المبذر # رأى المهر # 1 # فلاحا منهمكا في زرع حقل ببذور الشوفان، فثار ~~ثائره، وقال في نفسه متهكما: يا لها من غباوة لا تحتمل! ~~ألم نسمع من آبائنا وأجدادنا أن الإنسان هو سيد كل ~~الحيوانات بلا منازع؛ لأن الخالق قد حباه عقلا أسمى من ~~عقول بقية الخلائق، فما بالي أرى هذا الإنسان أسخف عقلا، ~~وأقل تدبيرا من أحط البهائم؟! تأمل كيف سوغ له هذا ~~العقل السامي أن يبعثر في الأرض كل ما معه من الشوفان ~~اللذيذ الذي يمكن أن يشبع حصانين وأكثر، أو عددا كبيرا ~~من الدجاج، فلو كان له عقل - كما يقولون - وأعطاني هذا ~~الشوفان، لكنت أريه كيف يصح أن ينتفع به؟ أهذا ما ~~يسمونه عقلا؟ حقا إنه جنون، جنون مطبق، بل أراه تبذيرا ~~يستحق مرتكبه أقسى عقاب. # وكر الليل والنهار حتى أقبل الخريف والحصاد، # 2 # فأعطت الحصيدة # 3 # من حب الشوفان القليل الذي «بعثره» الفلاح في ~~الحقل، بشوفان كثير، كفى المهر وأهله وإخوانه وجميع ~~أهل المزرعة وطيورها كل فصل الشتاء الطويل. # | تعليم الأمراء # كان للأسد، ملك الغابة، ابن وحيد، فلما طوى السنة الأولى ~~من عمره السعيد، رأى والده أن الوقت قد ms09 حان للبدء في ~~تثقيفه تثقيفا يليق بولي عهده، وفكر المستشارون أولا ~~في أن يعهدوا بهذه المهمة إلى الخلد لما له من الشهرة ~~الذائعة في حب النظام والترتيب، والتأني والتريث في كل ~~أعماله وحركاته، حتى قيل عنه: إنه لا يأكل حبة حنطة ~~ما لم يتحقق نظافتها، ثم عدلوا عنه لما تذكروا أنه لا ~~يستطيع أن يدرك إلا ما يقع تحت أنفه، وأن لا قدرة له ~~على إدراك ما هو بعيد عنه، خصوصا لأن مملكة أسامة # 1 # تختلف عن بيت الخلدان # 2 # اتساعا ورحابة، ثم فكروا في النمر؛ لرشاقته، ~~وقوته، وشجاعته، وبراعته في فنون الحرب والقتال، ~~ولكنهم عدلوا عنه لرعونته، ولقلة إلمامه بالأمور ~~السياسية والشرعية والإدارية. # وعلم العقاب - ملك الطيور - بالخبر، فتقدم ليتولى أمر ~~تربية ولي العهد، وابتهج ملك الغابة بهذا التوفيق ~~الحميد؛ إذ من يمكن أن يفضل ملك الطيور في تعليم ولي ~~عهد ملك الحيوانات؟ وهكذا صدر الأمر بإرسال ولي العهد ~~إلى مسكن العقاب ليتهذب تهذيبا يليق بملك الغابة. # ومرت بضع سنوات، وأكمل ولي العهد تعليمه، وعاد إلى ~~والده الملك، ودعا الملك شعبه المتعطش إلى رؤية ولي ~~العهد المحبوب، وعندما اجتمع كل الشعب، ضم ابنه إلى ~~صدره وقال له: يا ولي عهدي المحبوب! إني قد دنوت من ~~القبر، وأرغب في أن أسلمك صولجان مملكتي، فقل لي أمام ~~رعيتنا؛ كيف تنوي أن تسوس هذا الشعب الحبيب؟ # وقال ولي العهد: يا أبت العظيم، إني تعلمت ما لم ~~يتعلمه سواي من أفراد شعبنا المجتمع أمامنا هنا؛ ولذا ~~تراني ملما بكل ما يحتاج إليه كل نوع من طيور السماء ~~من الغذاء، فأنا أعلم من سواي بما يأكله كل جنس منها، ~~وعدد البيضات التي يبيضها، وإن شاء الله وتبوأت العرش - ~~بعد عمركم الطويل - فإني أنوي أن أعلم كل حيوانات ~~الغابة، كيف يجب أن تبني أعشاشها وأوكارها ... # | كما تزرع تحصد # مر الذئب مهرولا صوب القرية، يطلب النجاة من مطارديه، ~~ولمح هرة مكنكنة على غصن شجرة، فخاطبها قائلا: دليني - ~~بربك - على كوخ لرجل يكون أطيب أهل قريتكم قلبا، ms10 ~~وأوفرهم كرما، وعجلي كي ألجأ إليه، وأحتمي به قبل أن ~~تلحقني الكلاب المطاردة، التي تسمعين نباحها خلفي! ~~- اذهب إذن إلى كوخ السيد حبيب بلبع، ولا تخف؛ لأنه ~~مشهور بطيبة قلبه. ~~- بلبعك هذا غاضب علي؛ لأني اختطفت حملا صغيرا من ~~خرافه الكثيرة في الربيع الماضي. ~~- جرب إذن دار السيد إبراهيم عبد الله؛ لأنه من أفاضل ~~أهل القرية أجمعين! ~~- يمكن أن يكون هذا الرجل كما تصفينه وأفضل، يا أختاه، ~~ولكن الضرورة ألجأتني إلى سرقة جدي من غنمه منذ ~~أسبوع، فلا أمل لي في حمايته إذن. ~~- ما أحرج مركزك! والآن لم يبق لك من أمل إلا في ~~الالتجاء إلى دار السيد أبي خليل، فهي ملجأ كل بائس ~~مستغيث. ~~- وهذا لا يمكنني الدنو منه، أو من داره؛ لأني أغريت ~~على افتراس عجل من عجوله المسمنة منذ عهد قريب. ~~- يا لك من أحمق تعيس! أتزرع حربا وترجو أن تحصد أمانا؟ ~~ألم تسمع أن: «من يزرع الشوك لا يحصد به العنبا»؟ فعد ~~أدراجك إذن، وإلى حيث ألقت رحلها أم عامر! # | الخنزير الكبير # أفلت خنزير من زريبته، وذهب إلى حوش قصر صاحب الضيعة، ~~وطاف بأرجاء ساحاته الفسيحة؛ طالبا مستودعات الأقذار؛ ~~ليملأ بطنه منها، أو بركة موحلة ينغمس فيها، وتنقل من ~~زريبة إلى إصطبل، ومن مزبلة إلى مطبخ، وكاد يطير فرحا ~~عندما سقط في مستنقع أوساخ القصر، فجعل يتمرغ ~~ويتقلب فيه، وأخيرا عاد إلى زريبته، بعد أن أشبع ~~شهوته، خنزير لا شك فيه، تكسوه الأقذار من فرطوسته إلى ~~ذيله، ولما رآه الراعي، قال له: والآن صف لي يا صاح، ما ~~شاهدت في هذا القصر الفخم أثناء جولتك؟ فقد سمعت أوصافا ~~عجيبة مدهشة ممن زاروا هذا القصر العجيب، حتى إن بعضهم ~~ذكر أن غرفه تتلألأ بالدر والماس والياقوت. # فقال الخنزير: هذا كلام فارغ؛ لأني لم أر هناك لؤلؤا ~~ولا ماسا، وكل ما لقيته لم يكن سوى ما تتوق له نفسي من ~~القمامات والأقذار والأوساخ. # | مكافأة السنجاب # طلب ملك الغابة خادما أمينا مخلصا، صغير السن، سليم ~~البنية، خفيف الحركة، وتقدم ms11 السنجاب؛ ليحظى بشرف ~~الخدمة، فقال له الملك: إني أقبلك في معيتي، فإن أنت ~~أحسنت القيام بخدمتي في عنفوان شبابك، وهبت لك قدرا ~~عظيما من أحسن ما في الغابة من البندق والجوز عندما ~~تتقدم في العمر. # وهكذا قام السنجاب بأعباء منصبه بكل همة ونشاط، ~~مزهوا بخدمة سيده الملك، لاهيا عما لبدنه عليه من ~~حق، إلى أن فات سن الشباب، وأدركه العجز عن الاستمرار ~~في تأدية واجباته، وتلبية أوامر سيده. # وأقاله ملك الغابة من منصبه، بعدما منحه وساما ولقبا ~~ساميا، وكذلك أعطاه ما وعده به من أفخر أنواع البندق ~~والجوز، وحمل السنجاب ما ناله بعرق جبينه، ذاهبا إلى جهة ~~نائية من الغابة؛ ليستمتع به في ما بقي له من العمر، ~~بعيدا عن متاعب الحياة وهمومها. # وأمسك بجوزة، وحاول عبثا أن يكسرها؛ لينعم بأكل ~~لبها؛ وذلك لأن أسنانه كانت قد ذهبت مع شبابه الذي ~~أفناه في سبيل الحصول على هذا الجوز الثمين. # | الثقة العمياء # ضل الحمار الضرير طريقه، بعد غروب الشمس، وتاه في مسالك ~~الغابة الكثيفة الواسعة، فظل يتسكع بين الأشجار، إلى ~~أن وقف حائرا لا يدري: أفي سلامته أن يتحرك يمنة أم ~~يسرة؟ # وأدركته عندئذ بومة # 1 # كانت تحوم بين الأشجار، وعرضت عليه استعدادها ~~لإرشاده حتى يخرج من الغابة بسلام، وكلنا نعرف أن ~~البومة تستطيع أن تبصر في أحلك ظلام، فلا يخفى عليها كل ~~ما يمكن أن يتعثر أو يتردى فيه الحمار من الحفر أو ~~الحفائر، والوهاد أو المهاوي، # 2 # والنقر والأغوار، والبرك والمستنقعات، وقبل ~~الحمار عرضها، فقعدت على ظهره وقادته في مسالك الغابة ~~الوعرة إلى أن خرجت به سالما إلى السكة السلطانية عند ~~بلوج الصباح. # واستصعب الحمار أن يفارق مثل هذا القائد الطيب، ~~فتوسل إلى البومة؛ كي لا تفارقه، فتقوده إلى أن يهتدي ~~إلى مثواه. # وقبلت البومة، عن طيبة خاطر، وظلت ممتطية ظهر الحمار، ~~معتزة بمكانتها، وسار الاثنان في طريقهما. # وإذ طلعت الشمس وتبدد الظلام، شعرت البومة باضطراب ~~نظرها، وأن الضوء قد أعشاها، فبدأت تزر عينيها، حتى ~~إذا ما ارتفعت الشمس، ms12 واشتد ضياؤها، فقدت البومة كل ~~قدرة على الإبصار، وأضحت عمياء كالحمار الذي تقوده، ~~ولكن حب العظمة منعها من التنحي عن مركز القيادة ~~الذي وصلت إليه في ظلام الليل، وصارت لا تصلح له في ~~النهار، ولكي تجعل الحمار لا يشعر بما آلت إليه ، قالت ~~له: حذار من أن تنحرف إلى اليسار؛ لأني أرى هناك بركة ~~ماء ... فمال الحمار إلى اليمين، وسقط في هاوية كانت بادية ~~للعيان، فهلك. # | الفلاح وخادمه # بينما كان الفلاح يسير نحو داره عند غروب الشمس ومعه ~~خادمه الأمين في طريق الغابة، إذ طلع عليه بغتة دب ~~أسمر كبير الجسم، وفي أقل من لمح البصر، وجد نفسه في ~~حضنه الرحب، وشعر بكتفه بين فكي الدب. # فأجال الدب نظره حوله؛ ليرى مكانا منعزلا هادئا يذهب ~~إليه بفريسته ليتمتع بأكلة شبع هنيئة. # وزعق الفلاح هلعا يستغيث بخادمه، طالبا منه أن يتقدم ~~لإنقاذه من هلاك محقق، وأطلق لسانه بتذكيره بواجب ~~المروءة، وحلاوة التضحية في سبيل إجارة المستجير. # وتقدم الخادم معرضا حياته للخطر، وضرب الدب بفأسه ~~عدة ضربات صرعته بعد أن مزقت جلده. # فلما أفاق الفلاح من ذهوله، وشعر بزوال الخطر، نظر ~~إلى الدب الصريع، ثم حدج الخادم ببصره، وطفق يسبه ~~ويلعنه بأقسى الشتائم وألعن اللعنات. ~~••• # ولما سأله الخادم عن علة غضبه، قال له: ألم تدرك - ~~إلى الآن - أيها الجاهل الأحمق، والنذل الجبان، فداحة ما ~~سببت لي من الخسارة بجهلك ورعونتك؟! # تأمل وانظر، أيها الغبي، كيف أنك أضعت علي قيمة ~~هذا الفرو الثمين بتمزيقه بضرباتك الطائشة التي تكررت ~~بلا داع، حقا إنك تستحق أقسى قصاص! # | الوزة الغاضبة # مر الراعي يسوق أمامه قطيعا من الوز، وفي يده قصبة ~~طويلة كانت دائمة التنقل على ظهور أفراد القطيع، ~~تستحثه على الإسراع في السير لإدراك سوق المدينة في ~~معمعان حركته. # واستشاطت الإوزات غضبا لهذه المعاملة المهينة، ~~واعترضت زعيمتهن طريق أول عابر سبيل، وزعقت في وجهه ~~بأعلى صوتها قائلة: انظر يا سيدي كيف يعاملنا هذا الغبي ~~الأبله؛ لأنه يجهل ماضينا المشرف الذي نستحق من ~~أجله كل تبجيل واحترام، ms13 إنه لم يقرأ تاريخ «روما» ~~العظيمة؛ ليعرف أن لأسلافنا فضل إنقاذها من الخراب ~~والدمار ... # فأجابها عابر السبيل قائلا: هذه قصة لاكتها ألسن كل ~~الناس، وهل تظنين أنكم - معاشر الوز - تستحقون رعاية ~~الناس وإكرامهم، من أجل ما فعله أجدادكم وجدود ~~أجدادكم؟ ~~- طبعا! لا ريب في ذلك، وأظنك تعرف أن أسلافنا ... ~~- نعم، نعم، أعرف كل ذلك، وقد قرأته في قديم الأسفار؛ ~~لأنه حدث في سالف الأيام، ولكن خبريني بربك، ما الذي ~~فعلته أنت أو أصحابك في هذه الأيام لخير الناس ~~والإنسانية مما يجعلكم تطمعون في إكرامكم اعترافا ~~بفضلكم؟ ~~- نحن؟ نحن أنفسنا لم نأت عملا، ولكن أسلافنا ... ~~- دعينا من ذكرى السلف، واتركيها ترقد مع أصحابها بسلام، ~~أما أنت، وبنات وأبناء جنسك، فالفائدة الوحيدة ~~المرجوة منكم الآن هي إشباع بطون الناس بلحومكم ~~اللذيذة. # لا تقل أصلي وفصلي أبدا # إنما أصل الفتى ما قد حصل # | الحمار يقلد وساما # يحكى أن رجلا أحب حماره الفاره # 1 # حبا جما؛ لأنه كان في نظره درة يتيمة، قل أن ~~يجود بمثلها الزمان. # ولكي يطمئن عليه من الضياع، علق في عنقه جرسا صغيرا ~~جميلا، له جلجلة بعيدة المدى. # ولأول وهلة طار الحمار فرحان بوسامه الرنان، فصار ~~يتخطر ويتميس في مشيته، وكلما رن صوت الجرس في ~~أذنيه زهي به، وازداد تيها وعجبا ودلالا، حتى خيل إليه ~~أنه سلطان زمانه. # وهناك مسألة يجب أن نقررها، على رغم ما فيها مما كان ~~يصح أن يبقى في طي الكتمان؛ وهي أن صاحبنا كان قد اعتاد ~~أن يسمح لنفسه، من وقت إلى آخر، كلما نقت ضفادع بطنه، # 2 # أن ينزلق في حدائق أو حقول الجيران، من فتحة في ~~السور أو فرجة في السياج؛ ليقرطم ما يصل إليه فمه من ~~نبات القمح أو الشعير أو الشوفان، أو ما تقر عينه ~~برؤيته من الخضراوات الغضة النضيرة كالخس والكرنب أو ~~قرة العين، # 3 # وكان يحدث ذلك دون أن يشعر أحد بدخوله أو ~~خروجه، أما الآن فإن الحال قد تبدلت، وأضحى ستره ~~مفضوحا بذلك الوسام، فكان كلما حاول أن ms14 ينسل كعادته ~~القديمة؛ ليشبع شهيته من حقول الجيران تنبه أصحابها ~~من جرس # 4 # وسامه إلى وجوده، وحالوا بينه وبين رغبته ~~بعصيهم الغليظة، حتى يعود أدراجه بعد أن يشبعوه ضربا ~~مبرحا، يترك كل مرة حباره المؤلم بجلده. # وهكذا لم ينقض الصيف على حامل الوسام هذا حتى صار على ~~الجلد والعظم لا يخشى عليه من عين الحسود أو سطو اللصوص ~~إذا جرد عنقه من القلادة الرنانة. ~~«اللص لا يسرق ناقوسا.» # | الذئب والفارة # سرق ذئب خروفا سمينا من خراف القطيع الآمن، وجرى به لا ~~يلوي على شيء إلى ناحية نائية من الغابة المجاورة، وطبعا ~~لم ينتظر أن يكون الذئب مقراء # 1 # لخروف، وأن يعتني براحته وسلامة صحته، بل ~~العكس ما وقع، وكان متوقعا؛ # 2 # إذ غرز الذئب أنيابه الحادة في جسم الخروف، وأربه # 3 # إربا، فالتهم منه قدرا أغصه، بل أبشمه، وترك ~~الباقي كي يأكله في وقعة تالية، وربض إلى جانبه يحرسه، ~~ويفكر في وسيلة لاقتناص فريسة جديدة إلى أن غلبه سلطان ~~النعاس فراح يغط في عالم الأحلام. # وكانت هناك فارة صغيرة، عضها الجوع، فقعدت ترقبه من ~~بعيد، معللة نفسها بأن الذئب سيذهب بعد أن يشبع، ~~فيترك فضلات مائدته للجياع المساكين أمثالها. # ولما رأت أن أملها لم يتحقق، وشعرت بأنياب الجوع ~~تنهش أحشاءها، استحلت لنفسها قطعة صغيرة تمسك رمقها ~~بها، إلى أن ترزق بما يكفي لسد حاجتها. # وسارت تتكسحب # 4 # حتى أدركت فضلات الفريسة، وقضمت منها قضمة ~~صغيرة، ثم هرولت راجعة إلى جحرها في جذع الشجرة، ~~وتنبه الذئب في اللحظة التي أطلقت فيها الفارة ساقيها ~~الصغيرتين للريح؛ كي تنجو بغنيمتها التافهة، وأطلق ~~بدوره صيحات الاستغاثة وطلب النجدة، قائلا: يا خفير! # 5 # يا بوليس! # 6 # أغيثوني! الحقوا الحرامي! فقد هرب بكل مالي، ~~وجردني مما ادخرت لعيالي! # وقامت الدنيا وقعدت للقبض على اللص الخطير الذي يهدد ~~الأمن العام وسلام الغابة، وتقديمه للمحاكمة؛ لينال ما ~~يستحقه من صارم العقاب، على ما جناه عليه بطنه القاسي ~~الذي لا يرعوي لقول آمر، ولا تهديد حاكم، إذا ما نقت ms15 ضفادعه. # 7 ~~«المعدة التي تهزأ عند الجوع بكل سلطان.» # | الطباخ وسنوره المحبوب # اشتهر طباخ البلدة بالعلم الغزير وطلاقة اللسان، وذهب ~~ذات يوم إلى حانة قريبة ليحيي الذكرى الأولى لوفاة نديم ~~عزيز باحتساء كأسين من الخمرة على روحه المرحة الطاهرة، ~~تاركا قطه المحبوب ليحرس مخزن الأطعمة اللذيذة التي ~~تعب كثيرا في تهيئتها. # ولما عاد - وكان قد انتشى من الشراب - وجد الهر رابضا ~~على الأرض، تحوطه قشور فطائر الشبارق والشطائر وفتات ~~الكعك المبعثرة هنا وهناك، يهر كعادته هريرا لينا، وفي ~~فمه وبين مخلبيه عظام دجاجة ينحضها # 1 # ويداعبها، فطار صواب الطاهي لهذا المنظر الذي ~~أفزعه، وطفق يعنف الهر مغيظا، وراح ينهره بما حضره من ~~عبارات كان يحرص كل الحرص على استظهارها ليلقيها في مثل ~~هذه المناسبات؛ فقال له: ويحك أيها اللص الشره! قاتلك ~~الله أيها الخائن الغدار والوغد اللئيم! ألم تخجل من ~~فعلتك تلك بمرأى ومسمع من هذه الحيطان؟ لم يخطر لي ~~ببال قبل الآن أن أجد فيك لصا شريرا بعد ما اشتهرت عند ~~القاصي والداني بالتقوى والصلاح؛ لكثرة هريرك وخريرك ~~الذي خدعت به الناس فحسبوه تمتمة بالصلاة والابتهال ~~واللهج بذكر الله! ويل لمن اتخذ الدين مطية للدنيا! ~~ويا له من عار شنيع حين يدري الجيران بأمرك، فيوصدون في ~~وجهك أبواب بيوتهم ومطابخهم، وليت الأمر يقف عند هذا ~~الحد، بل أظنهم سيلاحقونك باللعنات، ويصمونك بشتى ~~الوصمات الشائنة؛ لأنك لم تحفظ لي ولهم حرمة الممالحة! # 2 # تبا لك أيها ال ...! # وانطلق لسان الطاهي بالشتم والتوبيخ واستنزال اللعنات، ~~مأخوذا بإعجابه ببلاغة منطقه، بينما كان الهر الخبيث ~~يحدجه بنظرة التعجب الودي، ويعمل لسانه وأسنانه ~~للإتيان على ما كان باقيا بين يديه من طعام شهي. ~~«ومن استرعى الذئب فقد ظلم.» # | الأفعى تستعطف الفلاح # انسلت حية إلى كوخ فلاح، ولما رأت صاحبه انطلق ~~لسانها ذو الشعبتين يلتمس منه بذلاقته - التي خدعت آدم ~~وحواء - أن يسمح لها بالإقامة معه؛ لتؤانسه وتساعده ~~على تربية صغاره، والاهتمام بشئون تثقيفهم وتلقينهم ~~مبادئ الحكمة التي اختص الخالق بها بنات جنسها؛ ذلك ~~لأنها ms16 سئمت عيشة الوحدة والكسل، فهامت على وجهها تبحث ~~عن عمل نافع. # قالت: يحتمل أن يكون قد بلغك أننا معشر الأفاعي من ~~الحيوانات العققة # 1 # التي تتنكر لمن يحسن إليها، أسوة بالذئاب ~~والبشر ... عفوا يا سيدي! ... عفوا! وألف عفو! فقد زلق لساني ~~بما اعتدنا أن نكرره فيما بيننا على سبيل التعميم، جهلا ~~وخطأ؛ لأن بينكم - بلا شك - من لا ينطبق عليه هذا ~~الوصف أمثال حضرتكم؛ كما أنكم تجملون أنتم عند اتهام ~~الأفاعي بأنها مجلبة الشر والنحس إلى هذه الدنيا ~~الجميلة، دون استثناء لأمثالي الذين عاشوا كل حياتهم ~~عيشة شريفة مشرفة، وها أنت ترى بعينيك أنني جازفت ~~بتعريض حياتي لخطر القتل؛ كي أعرض على حضرتكم استعدادي ~~للقيام بكل ما تطلبونه مني من الأعمال الشريفة؛ خصوصا ~~العناية بصغاركم؛ لأن هذا هو ما تصبو إليه نفسي منذ ~~صغري؛ وإنني أعدكم بشرفي ... أني سأقدر لكم فضلكم ~~ومعروفكم وأخدمكم بكل جوارحي. # وقال لها الفلاح: ربما كنت صادقة ومخلصة فيما عرضته ~~علي، ولكني أخشى إن أنا مددت إليك يد الصداقة ~~والترحاب أطمع ذلك غيرك من بنات جنسك بالدخول إلى ~~منزلي، وغيرك يتبعه غيره حتى يمسي منزلي مباءة ~~للأفاعي والحيات، وأظنك تربئين # 2 # بنفسك عن ضمان عدم نشوب أنياب بعضها في لحم ~~عيالي، وعليه أرى نفسي مضطرا يا سيدتي أم عثمان، # 3 # الشهيرة بحكمتها، أن أخبرك أن أمثالي لا ~~يمكنهم أن يسمحوا لأمثالك بالعيش في منازلهم، مهما ~~انتحلنا لأنفسنا من الأعذار؛ لتسويغ هذا العمل. # وانهال على زائرته بضربة فأس كانت القاضية. ~~«العرق دساس.» # | الذبابة المغرورة # حطت ذبابة مزهوة # 1 # على العربة الملكية في أثناء مرورها في أحد ~~شوارع العاصمة، ورأت غبارا مرتفعا، وأناسا على جانبي ~~الطريق، يصفقون ويهتفون ابتهاجا برؤية ملكهم، وخيل ~~إليها أن ما تراه قد حدث من أجلها، فقالت في نفسها: ~~«لماذا لم يتح لي أن أعرف قبل الآن ما لي من الخطر # 2 # وعظمة الشأن، حتى أقمت بمروري الدنيا وأقعدتها، ~~فأثرت كل هذا الغبار، وأحدثت هذه الضوضاء.» # قالت ذلك، ووثبت طائرة إلى ظهر أحد جوادي ms17 المركبة ~~الملكية. # واتفق عندئذ انطلاق أول مدفع من مدافع الترحيب ونقز # 3 # الجواد الذي حطت على ظهره، فخاطبته قائلة: ~~«أرجوك المعذرة؛ لأني ما كنت أعلم أن ثقلي عظيم بهذا ~~المقدار الذي لا يحتمله ظهرك، وأرجوك أن تصبر قليلا ~~حتى يهدأ الشعب من هتافه وتصفيقه الذي اشتد الآن عندما ~~رآني أقود المركبة بنفسي.» # وعند ذلك هز الجواد ذيله فأصاب الذبابة فهوت صريعة ~~... # | النار! النار! # اشترك ثلاثة في تجارة، ربحت ثروة عظيمة بعد عدة ~~سنوات قضوها في الكد والجد والاقتصاد والحرمان. # وحان وقت اقتسام الأرباح؛ ليأخذ كل منهم نصيبه، ~~فاجتمعوا في متجرهم، وحدث بينهم ما يكثر حدوثه في مثل ~~هذه المناسبات في كل أنحاء العالم، وبخاصة في بلاد ~~الشرق، من الأخذ والرد، والمشادة والمجادلة بخصوص حصة ~~كل منهم، وبينما هم كذلك إذ دوى في كل المكان صوت ~~استغاثة؛ لأن نارا شبت في ذات المبنى الذي كان فيه ~~متجرهم، فقال أحدهم - وقد وقف مذعورا: «هيا بنا إلى ~~الإسراع في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبلما تلتهم النار كل ~~شيء، ولنترك المحاسبة إلى ما بعد.» # وصاح الثاني قائلا: «ولكني لا أتزحزح من هنا قبل أن ~~تعترفا لي بحقي في مبلغ الألف الذي يخصني بناء على نص ~~الفقرة الثالثة من البند العاشر من عقد شركتنا المسجل ~~...» # وعندئذ اشتدت صيحات الهلع وطلب النجدة والغوث من ~~جميع الجهات المحيطة بالمتجر؛ وكانت كلمة «النار! النار!» ~~تتكرر بصوت مفزع. # وهم الشريكان؛ يقصدان النجاة، ولكن الشريك الثالث ~~اعترض سبيلهما، وصاح بهما قائلا: «كلا! وألف كلا! فلا ~~يمكن لأحدكما أن يخرج من هنا قبل أن نراجع ما بيننا من ~~الحساب؛ لأرى كيف جاز لكما أن تغمطاني حقي وتنتقصان ~~ثلاثة آلاف من نصيبي في أرباح الشركة، ولنقعد هنا حتى ~~نستوثق من صحة الحساب وننهي ما بيننا من خلاف قبل أن ~~نفكر في مبارحة هذا المكان.» # فأجابه الشريكان وقالا بنفس واحد: «هذا كلام فارغ! ونحن ~~لا نسمح لمثلك باتهامنا بالخيانة، وعدم مراعاة واجب ~~الأمانة، وسنثبت لك من دفاترك ودفاتر الشركة أن ~~الميزانية التي أمامنا ms18 لا يشوبها أقل شك في صحة ~~أرقامها ...» # وكان الجدل بخصوص حساب الأرباح التي تخص كلا منهم قد ~~أنساهم خطر النيران المحدقة بهم، فاستمروا في خصامهم ~~إلى أن أحاطت بهم ألسنة اللهب، فحالت دون نجاتهم، ثم ~~التهمتهم ودفاتر حسابهم، وكل ما كان لهم من مال وسلع ~~وعقار. # | زهرة الحقل الزرقاء والخنفساء # كانت الزهرة الصغيرة الزرقاء التي نبتت منزوية في ركن ~~مهجور من الحديقة الغناء تعاني غصة الشعور بالضعف ~~والذبول ودنو الأجل، وفجأة انتصبت واقفة على عودها في ~~صحوة موتها، وطأطأت رأسها لأن برد الليل لم يترك لها ~~من القوة ما يمكنها من حملها منتصبة فوق عاتقها، ~~وطفقت تناجي نسيم الفجر البارد الذي كان يداعب أوراقها، ~~وقالت متأوهة - وهي تكاد تلفظ آخر أنفاسها: «آه، لو ~~انبلج النهار، وأشرقت الشمس! إني أومن بأنها - جلت ~~قدرتها - سترسل لي مع أشعتها الذهبية حياة جديدة ~~...!» # وسمعتها الخنفساء التي كانت جالسة بالقرب منها، ~~فانتهرتها قائلة: «ما هذا الهذيان الضائع في جو هذا الفجر ~~الصاقع؟ أتظنين أيتها النبتة الغبية الحقيرة أن ~~الشمس بجلالة قدرها لها من وقتها الثمين ما يسمح ~~بالتفكير في أمر سلامة زهرة لا قيمة لحياتها مثلك أو ~~هلاكها؟ فلو كنت قد تجولت في أرجاء العالم الكبير - كما ~~فعلت - لرأيت أن المروج الوسيعة، والمراعي الفسيحة، ~~وحقول الغلال بأنواعها العديدة تستمد حياتها من هذه ~~الشمس العظيمة التي ترجين منها العون على استبقاء حياتك، ~~وعلمت أن هذه الشمس - عزت وجلت - لا تشرق إلا على ~~الأشجار الباسقة، كالبلوط والأرز والحور والزان؛ لتمدها ~~بأسباب الحياة، كما أنها تكسو النباتات والزهور العطرية ~~بما يبهر الأنظار من الألوان البديعة التي تسيل الدموع ~~من عيون المناجل عندما تضطرها قسوة الإنسان وجشعه إلى ~~حصدها، أما أنت فلست بالعظيمة القدر أو الكبيرة الحجم، ~~ولا بالجميلة المنظر أو الذكية الرائحة حتى تطمعي في ~~رعاية هذه الشمس - جل جلالها - لأن لديها من الأمور ~~الهامة ما لا يسمح لها بالاستغناء عن شعاع من أشعتها ~~الذهبية ترسلها لأجلك، فالزمي الصمت، واذبلي لتموتي ~~بسلام، فتستريحي وتريحينا من سماع توسلاتك وأنينك ms19 ~~وآهاتك.» ~~••• # ولكن الشمس المحبوبة أشرقت كعادتها في الصباح، ~~وأرسلت أشعتها إلى كل ما وقع تحت بصرها، كبيرا كان أم ~~صغيرا. # وهكذا شملت هذه الأشعة زهرتنا الصغيرة الزرقاء التي ~~أذبلها برد الليل، فأعادت إليها حياتها وسعادتها. # | معاهدة صداقة وعدم اعتداء # تناول الكلبان أكلة شبع من طعام وافر لذيذ في مأدبة ~~أقيمت لتأييد السلام، ثم تمددا في ظل الشجرة الوارف، ~~يتجاذبان أطراف الحديث في هدوء وسلام واطمئنان، وتحدثا ~~عن كل ما يهمهما أمره، وعلى الخصوص عن عيشة # 1 # الكلاب أمثالهما، وعن تقلباتها العنيفة بين شظف ~~ونعيم، وسادة أشرار وأبرار، وطهاة لؤماء وكرماء. # ثم تنقلا في الحديث من فلسفة الحياة إلى هناء الصداقة ~~وجمال المحبة، التي تأمر بها كل الشرائع والأديان، ~~وقال أولهما: ما أحلى المودة عندما تستحكم حلقاتها ~~بين كلبين، مثلي ومثلك، مثلا، فنحن من أعضاء هذا البيت، ~~وعلى كلينا تقع تبعة حراسة رتاجه، # 2 # ورد اللصوص عن أعتابه، وليست لنا مطامع كبيرة ~~كغيرنا من المخلوقات الجشعة؛ لذلك يجب أن نتعايش ~~بالألفة والمودة من الآن فصاعدا، فلا نسمح لخصام أن ~~يشجر بيننا مهما عظمت أسبابه، وما دمت من رأيي ~~فلنتعاهد على العيش أصدقاء مخلصين في السراء والضراء، ~~وهات يدك لنتصافق على هذا العهد! # فنهض ثانيهما على مرفقيه، وهز رأسه استحسانا لهذا ~~الكلام، ثم أقعى # 3 # ومد يده ليصافق رفيقه ... ~~••• # وعندئذ شاء الحظ السيئ أن ينفتح شباك المطبخ وتلقى ~~منه عظمة صغيرة أطارت صوابهما وبددت عهودهما، فكانت ~~مثار نزاع تقطعت بسببه أواصر المحبة والصداقة ~~والأخوة، وتمزق لحم كل منهما، بأنياب أخيه. # وهكذا تكون المحبة وإلا فلا! # | صياد الفراش # في أفقر أحياء المدينة الروسية الصغيرة، عاش ثلاثة ~~إخوة عيشة البؤس والمسغبة، ولازمهم النحس في كل ما ~~مارسوه من الأعمال، فكانوا يندبون حظهم العاثر كلما ~~نكبوا بخسارة. # وفي ذات يوم طرقت بابهم السيدة «فرتنى»، # 1 # واعتذرت لهم عن تقصيرها في أمرهم، وطلبت منهم ~~أن يضيفوها على قدر ما تسمح أحوالهم. # وظهرت بوادر الحظ في كل أعمال الأخ الأكبر التجارية ~~فأثرى، حتى قيل عنه: إنه أصبح ms20 «إذا مس التراب صار ذهبا»، ~~بعدما كانت الحال عكس ذلك. # وكذلك نجح الأخ الثاني في كل ما قام به من مهام مناصبه ~~الحكومية حتى بلغ أعلى المراكز. # أما الأخ الثالث فكان يصرف وقته من الصباح حتى المساء ~~بالتلهي بصيد الفراش و«نش الذباب»، وقد قال أصحابه: إن ~~حظه لما كان في السحاب كان عقله راقدا في التراب، فلما ~~بارحتهم السيدة «فرتنى» بكى وانتحب؛ لأنها تركته كما ~~كان عندما عرفته. # | الحصاة والماسة # سقطت ماسة ثمينة من قلادة كانت في عنق صاحبتها ~~العظيمة، وبقيت مطمورة في الأرض بين الحصى والتراب زمنا ~~طويلا، إلى أن عثر عليها جوهري كان سائرا في طريقه إلى ~~المدينة، فذهب بها إلى الملك وباعه إياها، فأمر الملك ~~بوضعها في أظهر مكان من تاجه. # واتصل بحصاة كانت ترقد بجانب هذه الماسة خبر ما ~~أدركته جارتها الماسة من حظ سعيد، فهزها سرور الأمل ~~ببلوغ ما بلغته جارتها السابقة، وقالت لأول عابر سبيل ~~رأته متجها نحو العاصمة: «أيها المواطن العزيز! أرجوك ~~أن تمد يدك وتلتقطني، وتحملني معك إلى المدينة؛ لأني ~~سئمت طول الرقاد هنا في أحضان الوحل والتراب، فقد كانت ~~ترقد في جواري حصاة مثلي، بل أصغر مني حجما، ووقع عليها ~~نظر فاضل مثلك، فالتقطها وحملها إلى قصر الملك حيث ~~نالت حظوة (منزلة) في عينيه، فبلغت أعلى مراتب العز ~~والجاه والسؤدد، أرجوك يا سيدي، وأستحلفك بكل عزيز ~~لديك، أن تساعدني على الوصول إلى جلالة الملك؛ لأني ~~واثقة من أني سأنال حظوة في عينيه كما نالت تلك الحجرة ~~الصغيرة التي كانت جارتي.» ~~••• # فالتقطها الرجل شفقة عليها، ووضعها في جيبه إلى أن ~~بلغ بها المدينة، وكانت كل الوقت تعلل نفسها بحلاوة ~~الأمل بقرب بلوغها منزلة صديقتها القديمة في تاج الملك، ~~ولكن الذي وقع كان غير ما توقعت؛ لأن الذي حملها ألقى ~~بها إلى حيث بقيت إلى أن وضعت في الموضع اللائق بها في ~~رصف الطريق. # | الغراب والبومة # اجتمع البوم بالغراب في مجلس أنس، ودار بينهما الحديث ~~إلى أن قال أولهما لثانيهما: «كم وكم من ms21 المرات وددت لو ~~أتيحت لي الفرصة لأعرب لك عن عظيم إعجابي بصوتك الرخيم ~~وتقديري لجماله! والحق أقول لك: إني لا أجد بين كل ~~الطيور الصداحة، التي تعج بها الغابة من يبزك أو ~~يضارعك في حلاوة الصوت، وحسن الإيقاع والتنغيم والتطريب، ~~فعندما أسمعك تصدح أتمنى ألا أحرم سماعك إلى آخر ~~لحظة من حياتي، ولما تسكت أنتظر - على أحر من الجمر - ~~عودك إلى الشدو والتغريد.» # فأجاب ثانيهما شاكرا لأولهما حسن تقديره؛ قال: «وأنا ~~بدوري أنتهز هذه الفرصة السعيدة لأعبر لك عما أشعر ~~به من فرط السرور، كلما سمعت تغريدك الشجي في سكون ~~الليل، مما يحملني على الاعتقاد بأنه أحسن ما سمعت من ~~أصوات الطيور قاطبة.» # وسمعهما «العصفور الدوري» وكان على مقربة من مجلسهما، ~~فخاطبهما قائلا: «يا صديقي العزيزين، ليس لي ما أستطيع به ~~أن أمنعكما أن تتقارضا الثناء وتتبادلا المديح والتمليق ~~والإطراء، إلى أن يبح صوتكما، ولكن كل ذلك لا يمكن أن ~~يغير وجه الحقيقة الراهنة التي يعرفها كل من له أذنان ~~واعيتان ...» ~~••• # والآن، أتعلم لماذا أطرى الغراب البوم؟ # ذلك لأن البوم تملق الغراب! ... # | أبو الأشبال يصطفي فيلا # لسبب ما، اصطفى ملك الحيوانات # 1 # فيلا ليكون جليسه ونديمه وأمين سره، وانطلقت ~~ألسن أهل الغابة تلوك الخبر، وتعقب عليه بما يعن ~~لأصحابها من آراء وملاحظات، فمن قائل: أن ليس للفيل من ~~حسن المنظر، أو توقد الذهن، أو سرعة الخاطر ما يحبذ ~~هذا الاختيار غير الموفق. # وقال أبو نوفل، # 2 # وهو يلوح بذيله تيها وعجبا: «لو كان للفيل مثل ~~هذا، لكنت أدركت سبب اختياره لهذا المنصب السامي.» # وقال الدب: «أو لو كان له مثل مخالبي الحادة لما كان ~~لأحد أن ينتقد هذا الاصطفاء.» # وقال الثور - وهو يهز رأسه محتجا: «أظن أن صاحب ~~الجلالة أعجب بنابي الفيل الطويلين ظنا منه أنهما ~~قرناي.» # وقال الحمار، بعد أن نفض رأسه فاهتزت أذناه: «يدهشني ~~ألا أجد بينكم، أيها الرفاق، من أدرك أن للفيل أذنين ~~طويلتين كهاتين ... ولأجلهما اصطفاه ملكنا المحبوب!» # | العقاب والخلد # حلق العقاب وعنزته # 1 # فوق الغابة ms22 ليكتشفا أمنع مكان فيها، وأخيرا وجدا ~~بلوطة عتيقة سامقة الفروع والأغصان، واختاراها ليبنيا ~~فيها مقناتهما # 2 # حيث يربيان فراخهما في منجى من غدر ~~الأعداء. # وشعر بهما خلد # 3 # يعيش في جحر تحت البلوطة؛ فناداهما محذرا من ~~قرب سقوط البلوطة؛ لأن جذورها قد أبلاها الهرم، فأصبحت ~~لا تقوى على احتمال ما فوقها من أثقال. # فقال العقاب لرفيقته: «ويح هذا الأعمى المغرور، إذ يظن ~~أن ملك الطيور الذي ذاعت شهرته بحدة البصر، يقبل من ~~مثله نصحا أو تحذيرا.» # وبنى العقاب وكره في أعلى مكان من البلوطة العتيقة ~~هازئا بنصح جاره الخلد، ضاربا به عرض الحائط. # وجاء الربيع وأعقبه الصيف، وامتلأت أرجاء الوكر ~~بباكورة فراخهما، وقرت أعينهما برؤيتهم يلعبون ~~ويمرحون ويصئون (يصيحون). # وفي فجر أحد الأيام خرج العقاب يطلب صيدا لفطور فراخه، ~~ورفيقته، وعاد فرحا يحمل لهم طعاما شهيا وافرا، فلم ~~يجدهم في وكرهم فوق البلوطة، بل وجد البلوطة قد وقعت ~~كما توقع الخلد، وسحقت تحت ثقلها وكره، بما كان فيه من ~~فراخه مع رفيقته وهنائه. # فصاح من فرط يأسه قائلا: «ويل لي، ما أتعسني وأشقاني! ~~لقد جوزيت بما أستحق على استخفافي بنصح الخلد وتحذيره، ~~ولكن من كان يدري أن خلدا حقيرا له من الرأي ما يعتد ~~به، أو يصح أن يركن إليه.» # فأجابه الخلد بكل هدوء وسكون: «ليتك نزلت من سماء ~~كبريائك، ولم تشمخ بأنفك مزدريا بكلامي، وأنعمت النظر ~~في ما ذكرته لك، ذاكرا أني أعيش مذقاعا # 4 # في بطن الأرض مع جذور الأشجار، فلا عجب إذا كنت ~~أدري بمواضع الضعف ممن يعيشون في أعاليها.» # | النقد الأثري # عثر أمي جاهل على قطعة من نقود أثرية، تعلوها قشرة ~~سميكة من الصدأ والتراب، ورآها أحد هواة # 1 # النقود القديمة، وقدر قيمتها الأثرية، وعرض ~~مبلغا معقولا ليشتريها به، فرفض، واستمهله للغد. # ولما خلا بنفسه، سكت برهة، ثم هز رأسه، وهمهم # 2 # قائلا: «إذا كانت قيمة هذا النقد - برغم ما هو ~~عليه الآن من قباحة المنظر لما يكسوه من الصدأ والوسخ - ~~قد بلغت هذا الحد الكبير، ms23 فكم وكم تكون قيمته بعدما ~~أنظفه، وأجلوه، وأصقله، إلى أن يصير أشد لمعانا من ~~قرص الشمس.» # وقام من فوره، وأحضر رملا ورمادا وليمونا (حامضا) ~~وخرقة متينة، وطفق يحك قطعة النقود بالرمل أو الرماد ~~المعجون بعصير الليمون، ويدلكها بكل جهده بالخرقة ~~التي معه، حتى تصبب العرق من جبينه عليها. # وأخيرا خطر له أن يستعين بالسفن # 3 # والمبرد، إلى أن زال كل ما كان عليها من صدأ ~~ووسخ، وزال معه كل أثر لنقش أو رسم أو كتابة، بارزة ~~كانت أو غاطسة، وأصبح يلمع لمعانا يبهر الأنظار. # ولما عرضها للبيع، ولم يجد من يشتريها بفلس واحد، قال ~~لنفسه: «حقا! إن الذي أراد البارحة أن يشتريها مني كان ~~إما جاهلا أو معتوها.» # | الغني والفقير # حدث في بعض السنين الخوالي أن عاش في المدينة غني يدخر ~~القناطير المقنطرة من المال في خزائنه، وقد اشتهر ~~بالبخل؛ حتى قيل: إنه لم يحسن بدرهم واحد على أحد من ~~المعوزين والفقراء. # وصار سكان المدينة يتنادرون # 1 # على بعضهم بنوادر بخله، حتى بلغه خبر ذلك، ~~فاستاء، ثم عزم على تطهير سمعته، ولا سيما بين أهله ~~وجيرانه، مما لحقها من أدران # 2 # هذه الأخبار التي لا تشرف، فأعلن عزمه على مد ~~الموائد في مساء يوم السبت من كل أسبوع لإطعام من ~~يتقدم لتناول الطعام، ممن أخنى عليهم الدهر. # وانتشر الخبر كانتشار النار في الهشيم، # 3 # ولما رأى الجيران رتاج # 4 # الغني مفتوحا على مصراعيه مساء يوم السبت ~~لاستقبال الضيوف الجائعة، لم يصدقوا أعينهم، وأشفقوا ~~على غنيهم؛ إذ ظنوا أن هذا السخاء يمكن أن يؤدي به إلى ~~اللحاق بضيوفه بعد زمن قصير. # ولكن البخيل كان أحرص على مصلحته من الذين أشفقوا ~~عليه؛ ذلك لأنه أطلق كلابه المفترسة عصر يوم السبت، ~~فانتشرت في الدار ومداخلها، فلم يجسر على الدنو منها ~~أحد من الذين حضروا، وهم يعللون أنفسهم بأكلة شبع. # أما الذين دفعتهم مسبغتهم من البؤساء والمساكين إلى ~~الصبر والانتظار، ومحاولة الدخول إلى موائد الطعام برغم ~~يقظة الكلاب الحارسة، فإنهم - بعد أن دب اليأس ms24 في ~~نفوسهم - ارتدوا على أعقابهم وقد رضوا من الغنيمة بالإياب. # 5 ~~••• # وهكذا جعل ألسنة أهل المدينة تلهج بذكر الكرم ~~الحاتمي الذي تجلى # 6 # في فتح أبواب داره للجائعين من الفقراء ~~والمساكين، وقد نسوا أن الكلاب المفترسة التي كانت ~~تتولى حراسة أبواب هذا الغني قد حالت دون دنو أحد من ~~هؤلاء الفقراء الجائعين إلى موائده الشهية. # | الذئب في بيت الكلاب # كان ذلك في إحدى الليالي المظلمة، لما حاول الذئب أن ~~يتسلق حائط حظيرة الغنم، وسقط في بيت كلاب ~~حراستها. # فهاجت الكلاب وماجت، ونبحت نباحا عاليا، بينما كانت ~~تتحفز للوثوب عليه لافتراسه. # وسمعهم الحراس، فظنوا أن لصا آدميا قد انسل إلى ~~الحظيرة، فهرولوا إلى أبوابها، وأحكموا إغلاقها، ثم ~~أوقدوا مشاعلهم الشديدة الضياء، واندفعوا يبحثون عن ~~الحرامي اللعين، وبدلا من أن يجدوا لصا آدميا، وجدوا ~~الذئب قابعا في ظئر (ركن)، منتصب الشعر، ساندا ظهره إلى ~~الحائط، ناظرا إليهم بعينين تقدحان شررا، وأنيابه ~~البادية تحت خطمه الشامر، تتهدد بتمزيق لحم كل من ~~تحدثه نفسه بالاقتراب منه للقبض عليه. # وانتهز فرصة تردد الحراس؛ فخاطبهم بلسان معسول، ~~وقال: «خبروني أيها الأصدقاء الأعزاء، ما الداعي لكل هذا ~~الاضطراب واللجب؟ ألست صديقكم القديم! أو بالأحرى أخاكم ~~الحميم؟ لقد أتيتكم بكل عواطف الإخلاص والحب، ولم ~~يخطر ببالي أي خاطر أثيم نحوكم، فلننس ما مضى، والقديم ~~عليه الرديم، ودعونا نتهادن إلى أن نتصالح، وإني أعدكم ~~وعدا صادقا ألا آخذ من خرفانكم بعد الآن، وإذا شئتم أن ~~تتركوا أمر حراسة غنمكم إلي فإني أقسم لكم، بكل ما ~~هو عزيز علي وعليكم إني أحميها وأدافع عنها بكل قواي ~~...» # وهنا قاطعه رئيس الحراس قائلا: دعنا من كل هذا الكلام ~~المعسول، وأعرني سمعك أيها الأغبر ذا الوجهين! واعلم ~~أني أفهم جيدا طبيعة الذئاب، ويستحيل علي أن أسالم ~~ذئبا قبل أن أنزع عنه جلده وأنيابه؛ لأني سمعت من ~~آبائي وأجدادي: «أن من شب على خلق شاب عليه»، و«أن ~~الطبيعة التي في البدن لا يغيرها غير الكفن.» # | البخيل والكنز # كان العفريت يخفي كنزا ثمينا في سرداب ms25 # 1 # تحت بيت من بيوت المدينة، وفجأة أمره رئيس ~~الشياطين بالرحيل إلى بلاد بعيدة يبقى فيها زمنا طويلا ~~قبل أن يعود، ووقع صاحبنا في حيص بيص؛ لأن كنزه كان ~~ثقيل الحمل يتعذر نقله من مخبئه، ويخشى عليه من ~~الضياع إذا تركه قبل أن يودعه حرزا حريزا. # وخطر له أن يبني مخبأ منيعا يتولى رصده حارس أمين ~~يدفع إليه أجرا كبيرا يتناسب وجسامة التبعة التي ستلقى ~~على عاتقه، ولكنه تذكر أن ذلك يستغرق وقتا طويلا بين ~~البناء والبحث عن «الحارس الأمين» الذي أصبح أندر من ~~الكبريت الأحمر. # وأخيرا تذكر أن صاحب البيت الذي يعلو مخبأ كنزه ~~مشهور بالبخل والشح، وأن لا أهل له، فهدته عبقريته ~~إلى أن يوكل أمر الكنز إليه، فحمل كنزه وصعد به إليه، ~~وبعد أن حياه أحسن تحية، وضع الكنز بين يديه، وقال ~~له: «يا صديقي العزيز، قد كنت أحتفظ بهذا في سرداب تحت ~~دارك، واليوم أمرت أن أرحل إلى بلاد بعيدة لست أعرف ~~متى أعود منها، وبما أن ظروفي لا تسمح لي بحمله معي، ~~فإني أتركه لك ملكا حلالا تنفقه - إن شئت - فيما يحلو لك ~~أو يعود عليك بالهناء والسرور؛ لأنك أحق به من سواك، ~~ولست أطلب منك سوى شيء لست أظنه يثقل عليك، وهو أن ~~توصي بمالك لي بعد عمر طويل.» # قال ذلك، واستخفى من البخيل. # وبعد زمن عاد من البلاد البعيدة، وطبعا ذهب توا ليرى ~~مصير كنزه ... فماذا وجد؟ وجد ما وثب له قلبه طربا ... وجد ~~البخيل جثة هامدة مستوية على صناديق الكنز في السرداب ~~لتحرسه. # فيا للبخيل من حارس للمال أمين! # | الغرارة المغرورة # كانت غرارة # 1 # منبسطة عند مدخل الدار ليمسح فيها الخدم ~~أرجلهم كلما دخلوا، وذات يوم خطر لصاحب الدار أن ~~يستعملها لشأن آخر قد تصلح له، ورأى أن يختزن فيها ~~كنزه فملأها نقودا؛ وبطبيعة الحال كان يخشى على ما فيها ~~من الضياع، فوضعها في أحرز مكان من الدار، وتعهدها ~~بعنايته الخاصة خوفا من أن تعبث بها يد خادم خائن، أو ~~لص غدار، ms26 فأغلق عليها النوافذ والأبواب، ولم يسمح ~~لأحد بالاقتراب منها إلا بكل خشوع ووقار، حتى أكرم ~~الزوار لم يجرؤ على مسها. # فلهجت البلدة بالحديث عنها وعن محتوياتها الثمينة، ~~فداخلها العجب والغرور والاعتداد بالنفس، وأدى بها ذلك ~~إلى إبداء آرائها، وإصدار أحكامها على من حولها، كأن تقول ~~عن فلان: إنه ماهر بارع، وإن فلانة غرة بلهاء، وهذا ~~العالم الشهير حمار جاهل لا يعرف كوعه من بوعه، وذاك الذي ~~تظنونه ثريا كبيرا ليس إلا رجلا فقيرا لا يملك شروى ~~نقير. # وبحكم ما كان في الغرارة من المال الوفير كانت تطأطئ ~~رءوس السامعين مؤمنة على ما تقوله من سفاسف الأقوال، ~~وتبديه من سخائف الآراء. # وأخيرا لما فرغ ما كان فيها من الذهب الخداع، طرحها ~~صاحب الدار حيثما كانت لتنظيف الأحذية ومسح البلاط. # | الفلاحان وحظهما # سئل أعرابي: لماذا لا تشرب الخمر؟ # فأجاب: لا أشرب ما يشرب عقلي! # السلام عليك يا صديقي إبراهيم! # وعليك السلام يا عزيزي صادق! خبرني كيف أنت؟ وكيف حالك ~~الآن؟ لأني لم أقابلك منذ زمن طويل. # آه، يا أخي إبراهيم! ليتني لم أقابلك حتى لا أزعجك ~~بسماع أخباري التي لا تسر إلا الأعداء، فقد حرقت داري ~~غير متعمد، واحترق بحريقه كل ما كنت أملك من حطام ~~الدنيا، فأصبحت خالي الوفاض، # 1 # أعاني المتربة # 2 # كما ترى، ولا يمسك روحي بجسدي إلا ما يجود به علي ~~أهل الخير. # وكيف حدث ذلك أيها الصاحب العزيز؟ # حدث في ليلة عيد الميلاد المجيد؛ إذ ضيفنا بعض الأصحاب ~~لنحيي معهم سهرة هذا العيد باحتساء بضع كئوس من الخمر ~~كالعادة المتبعة عند بعض الناس في مثل هذه المناسبات، ~~ولما انتشيت من الشراب، تذكرت حصاني المحبوب، فأشعلت ~~شمعة لأستنير بها في ذهابي إليه بقليل من طعام العيد؛ كي ~~يشاركنا في فرحنا ومرحنا؛ ولو أردت الحق لقلت: إني لم ~~أكن أدري تماما ما الذي خرجت لأفعله، ولسبب ما، سقطت ~~الشمعة من يدي فأشعلت البيت وملحقاته، وأتت النيران ~~على كل ما كان لي فيه. # هذه قصتي ذكرتها لك بنصها وفصها، فخبرني ms27 بدورك عن ~~نفسك؛ لأني أشعر مما أرى أنك لست أحسن حالا مني. # فأجابه إبراهيم - والحزن باد على نبرات صوته: لقد صدقت ~~فيما قلت يا صديقي، فأنت أحسن حالا مني بما لا يقاس؛ لأنك ~~ترى أمامك كسيحا عاجزا عن كل عمل سوى الندم والحسرة، ~~والتعجب من بقاء روحه في جسده إلى الآن. # ففي سهرة عيد، لم يكن سعيدا، شربت مع الأصحاب نبيذا ~~معتقا حتى انتشيت منه، وخطر لي أن أنزل إلى مخزن ~~المئونة لأحضر برميلا صغيرا من البيرة، # 3 # ولكي أطمئن على البيت من الحريق، أطفأت الشمعة ~~التي كنت أستنير بها، وفي حلكة الظلام شعرت بيد الشيطان ~~اللعين تدفعني، وكانت الخمرة التي شربتها مع النبيذ قد ~~لعبت برأسي، وفككت أوصالي # 4 # فلم أقو على الثبات، وسقطت، فتدحرجت على الدرج ~~من فوق إلى تحت، وكان قد أغمي علي من شدة الألم، ولما ~~أفقت من صدمة السقطة وجدتني كما تراني لا أستطيع المشي ~~إلا متوكئا على عكازتي إلى آخر نسمة من حياتي. # وسمع الجار حديثهما؛ فخاطبهما بجفوة، قائلا: «لا تلوما ~~إلا نفسيكما على ما جرى لكما يا صاحبي، فالشمعة في يد ~~السكران مجلبة للأذى إن كانت والعة أو مطفأة.» # | الكلب والحصان # بعد أن خدم الكلب والحصان ~~صاحبهما سنين عديدة، جلسا يتناقشان في قيمة خدمة كل ~~منهما، وفجأة صاح الكلب في الحصان قائلا: «لو كان لي أن ~~أتصرف كما أرى وأشاء، لكنت طردتك من هذه المزرعة من ~~زمن بعيد؛ لأنه: ما قيمة جر المحراث أو العربة؟ وليس ~~لك غير ذلك من عمل تفخر بأدائه وتستحق عليه ما تناله ~~من طعام وشراب، بينما تراني دائم الحركة في رعي الماشية ~~نهارا، وحراسة حظائرها، ومساكن المزرعة ليلا و...» # فقاطعه الحصان قائلا: «هون عليك يا صاح! وكفى بعض ما ~~ذكرته من الأعمال لتسويغ ما تأخذه أنت أيضا من أكل ~~وشرب، فلست ممن يغمطون الناس حقوقهم، ولكني أود أن ~~أوجه نظرك إلى أنني لو لم أشتغل بجر المحراث لحرث ~~الأرض وزرعها، لما وجدت أنت ما تتعبك رعايته من ~~الماشية، ms28 ولا ما يشغلك حراسته من الحظائر والمساكن.» # | القرد يطلب الثناء # اشتهر عبد الخالق الفلاح بين جيرانه وأهل ضيعته ~~بالأمانة والاستقامة في سلوكه، والجد والاجتهاد في ~~عمله. # وقام يوما كعادته عند طلوع الشمس يحرث حقله بنشاطه ~~المعهود حتى تصبب العرق من جبينه. # وكان كلما مر به أحد معارفه، حياه أحسن تحية، ~~وأغدق عليه أطيب ثناء، كأن يقول له: «أسعد الله كل ~~أوقاتك، وبارك الله فيك وفي زرعك، أيها الرفيق ~~العزيز!» # فسمع القرد تلك العبارات الحلوة، وود لو ناله شيء ~~منها، وفكر في عمل يعمله؛ يثير به اهتمام الناس، ~~وإعجابهم ويستدر مديحهم وثناءهم. # وإذ عثر على جذل # 1 # دفعه أمامه، وأخذ يدحرجه إقبالا وإدبارا، حتى ~~سال العرق من جبينه وكل جسمه، ولكن عبثا كان ذلك؛ إذ ~~لم يعره واحد من كل الذين مروا به أقل اهتمام، ولا ~~وجه إليه كلمة مدح أو ثناء أو إعجاب. # ولما أعيته الحيل، سأل أحد المارة عن سبب عدم اهتمام ~~الناس به، فأجابه قائلا: لا تعجب لذلك يا صاح؛ لأن كل ~~عملك ليس إلا جعجعة بلا طحن، # 2 # فلست تقصد به سوى توجيه أنظار الناس إليك ~~للإعجاب بك، فهلا سمعت: «إن ثمرة العجب المقت.» # | الثلاثة الأصحاب # تعب الثلاثة الأصحاب حتى عثروا على نزل # 1 # ريفي صغير يقضون فيه ليلتهم وهم في طريق ~~عودتهم من العاصمة. # وطلبوا من صاحبه غرفة ينامون فيها، وطعاما يسدون به ~~أرماقهم؛ لأنهم كانوا جياعا لنفاد زادهم، فأعطاهم غرفة ~~فيها ثلاثة أسرة مريحة تركوا فيها أمتعتهم، ونزلوا إلى ~~قاعة الأكل. # فقال أحدهم: «آه لو نجد ما نتبلغ به؛ حتى نقدر أن ~~ننام.» # وأقبل صاحب الخان ووضع أمامهم صحافا نظيفة، وملاعق ~~وشوكا وسكاكين صقيلة براقة، وسلطانية فيها من صبة # 2 # الكرنب ما لا يكفي واحدا منهم، وكذلك صحفة صغيرة ~~فيها القليل من الثريد، # 3 # وثلاث قطع من الخبز مستديرة كالريال، وقال لهم: ~~«يؤسفني أيها السادة ألا أجد الآن ما أقدمه لكم غير ~~هذا الذي ترونه أمامكم، فهو كل ما بقي في مطبخي»، قال ~~ذلك وذهب ms29 لينام. # ونظر ثلاثتهم إلى ما على المائدة وإلى بعضهم البعض، ~~وقال أحدهم: إنه شيء خير من لا شيء. # وفكر أوسعهم حيلة في وسيلة شيطانية تنيله كفايته من ~~الطعام، فقال: «ألم يبلغكم أن صديقنا إبراهيم سيجند في ~~هذين اليومين؟» # وقال الصديقان بصوت واحد يدل على الدهشة: «ولم ~~ذلك؟» # فقال ثالثهم، وكان أدهاهم: # 4 ~~«لأننا سنعلن الحرب على الصين؛ لأن إمبراطورها ~~قد فرض ضريبة على الشاي الذي تصدره بلاده إلينا.» # قال ذلك وترك صاحبيه يتجادلان بكل حدة وحماس، ~~ويتناقشان ويتبادلان الآراء في رسم خطة الحرب، وتوزيع ~~الجيوش، وتعيين القواد، حتى يخلو له جو المائدة؛ ~~ليلتهم كل ما عليها قبل أن يتفقا على قرار نهائي ~~يضمن لدولتهما النصر على الإمبراطورية الصينية، ~~والحصول على شايها بأرخص الأسعار. # | الحجر يغار من المطر # وصاح الحجر قائلا: ما كل هذه الضجة التي يثيرونها حول ~~زيارة قصيرة لمزنة # 1 # سوداء عابرة، صحبتها دفقة # 2 # من المطر الغزير لم تدم سوى ساعات معدودات، يعدونها # 3 # من أعظم النعم والبركات التي تغدقها # 4 # الطبيعة على الأرض. # أما أنا فقد مضت علي أجيال وقرون لا عد ولا حصر لها، ~~وأنا راقد هنا، وادعا مستكينا، دون أن أحظى في كل حياتي ~~الطويلة برؤية من يهتم بتوجيه كلمة شكر أو عبارة ~~ثناء. # حقا إن هذا لظلم فادح! # وإذ سمعته الدودة الحكيمة، صاحت فيه قائلة: صن لسانك ~~عن هذا الهراء، # 5 # يا صاح، ولا تتذمر، واعلم أن دفقة المطر التي ~~صحبت زيارة المزنة السوداء القصيرة الأمد، قد أحيت ما ~~كان مشرفا على الهلاك عطشا؛ من النبات والحيوان، هذا ما ~~فعلته المزنة السوداء فجعلت الناس يضجون بالهتاف ~~لها. # والآن خبرني بربك عما أسديته أنت إلى هؤلاء الناس في ~~أثناء كل هذه العصور والأجيال التي قضيتها عندهم، حتى ~~تنتظر منهم أن يلهجوا بحمدك؟ # وثق أن وجودك هنا سواء لديهم والعدم، كما قال ~~الشاعر: # وكل من لا خير منه يرتجى # إن جاء # 6 # أو راح على حد سوا # | الغراب القدير1 # حدث ذلك في عام 1812 عندما اقترب ms30 جيش «نابليون» من «موسكو» ~~عاصمة «روسيا» القديمة؛ حيث نصب القائد الروسي شركا ~~لنابليون وجيشه؛ جاعلا طعمه مدينة «موسكو» العظيمة، وذلك ~~أن أمر بإخلائها من كل ما كان فيها من إنسان وطير ~~وحيوان، وكل ما يمكن حمله من طعام ولباس وفراش، ثم ~~إحراقها بكل ما يبقى فيها قبل وصول العدو إليها بوقت ~~قصير، حتى لا يجد هناك ما يمكن أن ينتفع به لدفع غائلة ~~شتاء «روسيا» القارس. # وهكذا هجرها أهلها من الكبير والصغير، والعظيم والحقير، ~~وخرجوا منها أفواجا أفواجا كثول # 2 # نحل يهجر خليته. # وفي إبان هذه الهجرة، وقف غراب على سقف بيت، يرقب هذه ~~الحركة الهائلة، ورأته دجاجة كانت في مركبة تسير مسرعة ~~في طريق خروجها من المدينة، فنادته قائلة: «ما بالك أيها ~~الرفيق تجلس مطمئنا كأنك لا تنوي الهجرة معنا امتثالا ~~لأمر قائدنا العظيم؟! ألا تعلم أن العدو قد دنا من ~~أبواب المدينة؟» # وقال الغراب: «ولم أرحل وأنا لست مطمعة # 3 # لأحد؟ لأن لحمي لا ينفع للأكل مشويا أو مسلوقا ~~مثل لحمك.» ~~••• # وبقي الغراب إلى أن دخل جيش العدو في الشرك المنصوب، ~~ولما اشتدت بالجيش المجاعة، ولم يجد ما يأكله سوى ~~الفئران والغربان، كان مصيره الاقتدار # 4 # لسد جوع الجيش الفرنسي. # | الفلاح الحمار # استأجر فلاح ساذج حمارا نشيطا، وكلفه بحراسة الحديقة ~~وحمايتها من الطيور كالعصافير والغربان؛ التي كانت ~~تتردد عليها لالتقاط ما تعثر عليه من البذور أو ~~الثمار. # وقام الحمار بواجبه بكل أمانة وإخلاص في إبعاد الطيور، ~~ولم يسمح لفمه أن يمتد إلى ما كان في الحديقة من ~~النباتات الناضرة التي جرى لعابه عند رؤيتها، وطبعا لم ~~يكن في وسع الحمار أن يؤدي عمله وهو واقف لا يبدي حراكا، ~~ولا يرفع نظره إلى ما فوقه، بل كان واجبه يضطره إلى ~~الجري والوثوب من ناحية إلى ناحية؛ ليطرد ما يلوح له ~~أنه سيهبط على الحديقة من الطيور الصغيرة أو الكبيرة، ~~غير مكترث لما تخربه أرجله من أحواض الأزهار الجميلة، ~~التي تعب البستاني في زرعها وتنسيقها والعناية بها! # ومر صاحب الحديقة، ms31 ووقع نظره على ما أصاب حديقته من ~~الخراب والتلف، فطار طائره # 1 # وأسرع إلى حماره، وفي يده هراوة # 2 # وظل يهريه # 3 ~~(يضربه بالهراوة) # 4 # عقابا له على ما ارتكبه من تخريب وإتلاف. ~~••• # ولكن قل لي بربك! على من يقع اللوم في هذا الأمر؟ أعلى ~~الحمار الذي قام بما طلب منه القيام به خير قيام، وبكل ~~نشاط وهمة وإخلاص؟ أم على الفلاح الذي أساء الاختيار؟ ~~وأيهما كان أجدر بالعقاب؟ # | أبو خالد السخي # ورقد أبو خالد # 1 # عند كداس قت # 2 # ينعم بما ملأ به بطنه، وما ادخره لغده، وبعد ~~غده، من دجاج صاحب الضيعة. # ومر به أبو كاسب، # 3 # وكان جائعا تبدو أمارات السغاب # 4 # على بدنه، وفي حركاته ، ومن نظراته، جلية واضحة، ~~لا يمكن أن يتطرق إلى الناظر إليها أدنى شك في ~~حقيقتها. # وأدار الذئب خطمه نحو الثعلب، وطفق يعوي قائلا: «أراني ~~مشرفا على الموت جوعا يا ابن العم العزيز؛ لأني لم أوفق ~~في كل يومي إلى ما أمسك به رمقي، فكلاب هذه البلاد في ~~غاية الشراسة، ورعاتها في منتهى اليقظة.» # ورنا إليه # 5 # الثعلب؛ وبعد أن تثاءب وتمط # 6 # في كلامه، هز رأسه أسفا وحسرة، ثم قال: «إذا شئت ~~فتفضل وخذ من هذا القت قدر ما تحب وتشتهي، فكله لك ~~إذا أردت، وثق بأني لن أزاحمك عليه، ما دمت في حاجة ~~إليه، أيها الحبيب الغالي.» ~~••• # وشزره # 7 # الذئب، ثم أدار له ظهره ومضى في سبيله بعدما شغر # 8 # على قته. # | الطحان الغبي # سرب # 1 # الماء من ثقبة # 2 # في جدار خزان المياه التي تدير الطاحون، ووجه ~~الجيران نظر الطحان كي يتلافى الأمر قبل أن يتسع الخرق ~~على الراتق، # 3 # ولكنه، لغباوته، لم يعبأ بمثل هذا الوكفان # 4 # الطفيف، وهز كتفه استخفافا. # ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد الطفيف، بل ازداد ~~تسرب المياه من الثقب الذي اتسع بطبيعة ضغط المياه، ~~وصاح الجيران بالطحان يستحثونه على وجوب الإسراع في سد ~~الثغرة، فأجابهم وهو يتثاءب، دون اهتمام أو اكتراث: «ما ms32 ~~عليكم من ذلك! فأنا لست بحاجة إلى خضم # 5 # لسير عملي؛ لأن الماء الموجود في هذا الحوز # 6 # يكفي لإدارة طاحوني مدى حياتي، وحياة أولادي، ~~وأولادهم من بعدهم.» # واستنام # 7 # الطحان إلى هذا الاعتقاد، بينما ازداد الخرق ~~اتساعا، وازداد الماء انهمارا حتى نضب (نشف) كل ما كان في ~~الحوز. # واستيقظ الطحان على انقطاع صوت الطاحونة؛ لأنها وقفت ~~عند انقطاع مورد الماء عن المسيل الذي يدير طارتها، ~~وحاول عبثا أن يسد الخرق بعدما اتسع، ولما أخفق، طفق ~~يرغي ويزبد ويقرع سن الندم. ~~••• # وبينما هو كذلك، إذ أتت دجاجة لتشرب من المسيل ~~كعادتها، فاستشاط الطحان غضبا، وصاح فيها قائلا: «إن هذا ~~هو كل ما بقي لي، وأنت تريدين شربه وحرماني إياه. إليك ~~عني!» وأخذ حجرا وألقاه عليها، فأصابها في مقتل. # 8 # وهكذا فقد الماء والدجاجة معا. # | المزنة1 الفخورة # مرت سحابة مكفهرة فوق أرض لفحها القيظ، ولكنها لم ~~تسكب من مائها قطرة واحدة على هذه البلاد الظامئة، ~~واستمرت مندفعة في سيرها ترعد وتبرق، ولما صارت فوق ~~البحر العظيم، أرخت لنفسها العنان، وصبت فيه شآبيبها. # 2 # وعندما دنت من الجبل طفقت تتبجح # 3 # بما أغدقت على البحر، فقال لها الجبل مؤنبا: «وما ~~الفائدة من كل هذا الكرم الذي لم يقع في محله؟ فالبحر ~~كان في غنية عن مائك، بينما الأرض التي مررت عليها إلى ~~هذا البحر كانت - وما زالت - في أمس حاجة إلى قطرة من ~~مياهك؛ لأنها أجدبت، # 4 # وأشرف أهلها على الهلاك جوعا وعطشا، فهي أولى ~~وأحق بجودك وكرمك اللذين تتشدقين بهما.» # | الدب والشهد # في الربيع الماضي، وقع اختيار حيوانات البرية على الدب ~~ليتولى رعاية النحل وحراسة خلاياه، بصرف النظر عما ~~اشتهر به من الولع بالشهد، وأقراص الشهد، ولكن من ينتظر ~~من العجماوات أن تعقل إلى حد اجتناب مثل هذه ~~الهفوات؟! # وعلاوة على ذلك، يجب ألا يغيب عن بالنا أن مهمة حراسة ~~خلايا النحل لا تطيب لأي كان. # وقبل الدب حمل أعباء منصبه بكل خضوع وامتثال. # وبعد قليل قامت في الغابة ضجة؛ لأن ms33 الدب نقل ما كان في ~~الخلايا من أقراص الشهد إلى وجاره في سفح الجبل. # وقامت قيامة الحيوانات وقعدت، وانتهى الأمر برفع ~~الأمر إلى المحكمة، فحكم القاضي بعزل الدب، وأوجب عليه ~~ملازمة جحره وحيدا طول فصل الشتاء، بلا أنيس أو جليس، ~~وأهمل الحكم أمر الشهد المسلوب ولم يشر إلى وجوب رده ~~إلى أصحابه. # وهكذا قضى «أبو سمرة» شتاء سعيدا، قرير العين بوحدته؛ ~~يلحس عسله من أقراصه بلا شريك أو رقيب ...! # | القرد يلبس النظارات # أسن # 1 # القرد، وبدت تنتابه منغصات الشيخوخة، ورأى أن ~~نظره قد أدركه الضعف، فحزن، واستشار من يثق برأيهم من ~~بني جنسه، فأشاروا عليه بلبس النظارات؛ أسوة بأولاد ~~عمومتهم وأقاربهم من بني آدم، وهونوا عليه بتذكيره ~~بأن هؤلاء لا يكترثون لهذا الأمر؛ لأنهم في مثل حالته، ~~يضعون على عيونهم زجاجات صغيرة مستديرة، ينظرون من ~~خلالها كما يحبون ويشتهون. # وأرشدوه إلى بائع هذه النظارات، فذهب إليه توا. # 2 # وبطريقة ما حصل منه على عدد وافر من أجمل ما كان عنده ~~منها، وعاد بها إلى بيته وهو يكاد يطير من شدة الفرح، ~~ووضعها أمامه، وأخذ يتأملها، ويزوك # 3 # حولها، وهو يهز رأسه ويفرك يديه إعجابا ~~ببريقها، وابتهاجا بحصوله عليها. # ولما هدأت سورة الفرح أقعى # 4 # أمامها، وبدأ يفحصها ويجربها على عينيه برزانة ~~وعلى مهل وتؤدة، إلى أن لاحت له بوادر خيبة أمله، فأخذ ~~يقلبها بين يديه بحركة عصبية، أخذت تشتد وتتفاقم؛ ~~حتى بلغت درجة الهياج (النرفزة) # 5 # عندما وضعها على أنفه في عدة أوضاع ومواضع، ~~وعلى جبينه، كما يفعل بعض أبناء آدم من المتقدمين في ~~السن، وبعدما رفعها وخفضها، ولحسها بلسانه، ونفخ فيها ~~بفمه، ومسحها بشعر جسده دون فائدة، ثار ثائره، وفار ~~فائره، وفي حميا غضبه زعق، وقال: «ما أسخف عقل هؤلاء ~~الآدميين، وما أحمقهم؛ لأنهم يستعملون أشياء سخيفة كهذه ~~لا فائدة لها.» # ثم أمسك بحجر كبير، ونزل عليها خبطا ودقا حتى هشمها ~~تهشيما، وسحقها سحقا. # ولما هدأ غضبه، سكت لحظة، ثم هز رأسه، شأن الفيلسوف ~~المتردد، وقال بصوت حزين: «ومن ms34 يعلم؟ فلعل عقلي أنا هو ~~السخيف؟» # | حاميها حراميها # يحكى # 1 # أن قرويا تقدم إلى شحنة # 2 # القرية يشكو حملا أكل فرختين من دجاجاته، ~~وأحيلت قضيته إلى المحكمة. # وكان قاضيها يدعى أبا الحصين # 3 # من أهالي الناحية. # وقال القروي إنه ذهب باكرا في يوم الحادثة إلى خم # 4 # دجاجه، فوجد الحمل المتهم هناك يغط في نومه، ~~وتفقد دجاجتين من دججه # 5 # كان يختصهما بعنايته، فلم يجد سوى ريشهما وبعض ~~عظامهما، وإنه لا يستطيع أن يتهم أحدا سوى الحمل الذي ~~بات في الخم، ودفع الحمل التهمة بقوله: إنه أمضى كل ~~الليل مستغرقا في النوم في بيت الدجاج كعادته؛ لما بينه ~~وبين الساكنين هناك من أواصر الألفة والوداد، لانعدام ~~أسباب العداء بينه وبينهم، وطلب استدعاء الجيران، وكل ~~أهل الضيعة؛ لكي يقرروا أمام المحكمة ما يعلمونه عن ~~أخلاقه وسيرته، حتى يطمئن قلب حضرة القاضي إلى براءته ~~من هذه التهمة الشنيعة، وعلاوة على ذلك، فإنه يقرر ~~أمام المحكمة أنه لم يذق لحما، لا هو ولا أجداده؛ لأن ~~معدهم لا تهضمه، وأسنانهم لا تقوى على مضغه. # وأنصت القاضي بكل جوارحه إلى أقوال المتهم ثم أطرق ~~متظاهرا بالتفكير العميق، ثم هز رأسه، شأن الأسوف، # 6 # وحدد نظره إلى الحمل، ونطق بالحكم قائلا: «إن ~~المحكمة لا يسعها قبول دفاع المدعى عليه؛ فكل المجرمين ~~يعرفون كيف يسترون جرائمهم؛ ليبرئوا أنفسهم، وباعتراف ~~المتهم ذاته قد ثبت للمحكمة أنه قضى ليلة الحادثة في ~~بيت الدجاج، وأنه نام هناك نوما هنيئا، طبعا، بعدما أشبع ~~شهوته بأكل لحم فريستيه، وكلنا نعرف ما للذة لحم ~~الفراخ من إغراء جامح، فبناء عليه، أرى - من العدل - أن ~~أحكم على المتهم بالذبح، وأن تستولي المحكمة على ~~جثته، أما جزته فيعطاها المدعي تعويضا عن دجاجتيه، ~~وليحي العدل!» # | العقاب والعنكبوت # دوم العقاب # 1 # في كبد السماء، ثم انضرج # 2 # حتى حط على أرزة سامقة، # 3 # قائمة على قمة جبل شاهق الارتفاع، وجثم على أعلى ~~فرع من فروع الأرزة، مأخوذا بجمال الطبيعة الساحر، ~~يتأمل ما تحته وحوله من السهول والوديان ms35 والجبال ~~والأنهار، والبحيرات، وشواطئ الأوقيانسات والبحار، وما ~~يتخلل كل ذلك من حقول وقرى وبلدان، ثم طفق يناجي نفسه ~~قائلا: «شكرا لمبدع الكائنات على ما اختصني به من نعمة ~~بمنحي تلك الأجنحة القوية التي امتزت بها عن سواي من ~~سائر المخلوقات؛ لأنها تساعدني على التحليق والوصول إلى ~~هذا الارتفاع الذي أستطيع منه امتلاك ناصية الجو والبر ~~والبحر، وأرى ما لا تقدر عين مخلوق آخر أن تراه من جمال ~~هذه الخليقة الذي يخلب الألباب ...» # وفجأة سمع صئي آت من غصن فوق مجثم العقاب، يقول: «يا لك ~~من فخور ثرثار! ارفع نظرك أيها الرفيق وانظر إلي، ألست ~~تراني أحتل مكانا أرفع من مكانك؟» # ورفع الطائر العظيم نظره، فرأى عنكبة # 4 # تنسج من لعابها هللا # 5 # بين الأغصان التي فوق رأسه، كأنها تحاول أن ~~تحجب عن عينيه بهاء الشمس، فسألها قائلا: «وكيف أمكنك ~~الوصول إلى هذا المكان الذي لا يستطيع الوصول إليه من ~~الطيور سوى أمثالي من العقبان القوية الجناح؟ وأنت - فيما ~~يلوح لي - ضعيفة صغيرة عديمة الأجنحة، ولست أظن أنك ~~استطعت أن تأتي إلى هنا زاحفة؟» # وأجابته العنكبة: «الحق أقول لك أيها الجار المغرور: ~~إن فكرة الزحف من السهل إلى هذا الارتفاع الشاهق لم ~~تخطر لي ببال، أما الذي فعلته حتى وصلت إلى هنا؛ فهو ~~أني تعلقت بريشة من ريشات ذيلك، فوجدت نفسي هنا دون أن ~~أكد أو أتعب، وها قد شرعت في بناء بيتي دون احتياج إلى ~~معونة حضرتك، فلا تنفخ أوداجك # 6 # علي، ولا تحدج ببصرك في.» # وقد نسيت أن ريشات ذيل من تخاطبه بهذه اللهجة ~~الجافية قد رفعتها من الحضيض إلى ذروة المجد! ... ~~••• # وقبلما أتمت بربرتها كانت في طريقها إلى الهلاك؛ لأن ~~هبة ريح دفعتها فألقتها عن الغصن إلى قرار هاوية سحيقة ~~لا نجاة لها منها. # | الكوكو والحمامة # جثم الكوكو # 1 # على غصن شجرة وارفة ينوح ويعتول، # 2 # وسمعته حمامة كانت جاثمة على فرع شجرة قريبة، ~~فرثت له وسألته قائلة: «ما خطبك # 3 # يا صاح؟ وعلام # 4 # هذا النواح وتلك ms36 الوقوقة؟ ألأن الربيع قد ولى ~~وولت معه وليفتك؟ أو لأن وجه الشمس بدأ يعبس لدخول ~~الشتاء؟» # فأجابها قائلا: «ليت الأمر كان هذا أو ذاك، أيتها ~~الصديقة، بل إنه أدهى وأمر، وسأذكره لك لتري ~~وتحكمي. # فأنا ووليفتي كنا نهنأ في الربيع بأرغد عيش، ورزقنا ~~صغارا من بيضات نزلت من صلبنا، فأودعناها عش أصحابنا ~~حتى يحين حين خروجهم، لتقر بهم عيوننا، وتبتهج بمرآهم ~~نفوسنا، فلما خرجوا وأشبوا، # 5 # أنكرونا، وجفونا، كأننا لم نكن علة ~~وجودهم. # ثم نكف دمعة # 6 # كانت تترقرق في عينيه، وقال: تبا لهم! أهذا ما ~~ينتظره الآباء من الأبناء؟ إن رؤيتي الدجاجة وهي تضم ~~فراخها تحت جناحيها، أو تتبختر في وسطهم، أو الحمامة ~~وهي تزق # 7 # جوازلها، # 8 # أو الوزة وهي تميس تيها بين صغارها، يثير في نفسي ~~السخط والحسد؛ إذ أجدني جالسا كاليتيم الذي لم يذق حنان ~~الوالدين، أو كالعاقر لم تحظ بمحبة الأولاد.» # وأجابته الحمامة متحسرة: «يا لك من مسكين! إن ما ~~ذكرته يحملني على الرثاء بكل جوارحي لحالك، ولكن خبرني ~~بربك، وقل الحق: هل فكرت في حياتك في بناء عش تضع فيه ~~بيض رفيقتك لترخم عليه، وتتعهده بالعناية الواجبة إلى ~~أن تخرج منه فراخك إلى عشك الدافئ، فتنعم بقربهم منك، ~~وتحظى بهنائك بلذة الكد والتعب والتضحية في سبيل ~~تنشئتهم؟ أما الذي أعلمه أنا، وكل معارفي، فهو أنك ~~ووليفتك لم تفكرا إلا في «هناء ورغد» شخصيكما، ولم ~~تجدا متسعا من وقتكما للتفكير في مصير فراخكما بعد ~~نقفهم البيضات التي قذفتما بها في أعشاش، تعب غيركما في ~~تهيئتها.» # وقال الكوكو: «حقا، إني لم أفكر في بناء عش؛ لأني أحسب ~~أن من الغباوة أن أقضي أيام الصيف مرتبطا به، فأضني ~~جسدي وجسد وليفتي باحتضان البيض حتى يفقس، ثم نحرم ~~نفسينا ما نحصل عليه من غذاء لأجل تغذية ما يخرج من ~~هذه البيضات؛ ولذلك كنت ألقي بها خلسة إلى أعشاش غيري، ~~وأترك لهم الاستمتاع بما يعرف في عرفكم، أنتم البسطاء ~~السذج «بلذة» الكد، والتعب، والتضحية.» # فجاوبته الحمامة قائلة: أشكر لك ms37 إفصاحك عن رأيك في ~~أمثالي، ولو أنك لم تصفه باللباقة الواجبة في أمثال ~~هذه المحادثات، ولكن، كيف تنتظر من صغارك أن يعرفوك ~~ويلتفوا حولك بعد ما تركت متاعب فقسهم وإطعامهم ~~وتربيتهم لسواك؟ ألم يبلغك ما قاله الحكماء: «لا راحة ~~إلا بعد تعب؛ ولا لذة إلا بعد ألم، ولا هناء إلا بعد ~~عناء، ولا نور إلا بعد ظلمة»؟ ~~«وهل نسيت قولهم: إن ما تزرعه إياه تحصد، أو: من يزرع ~~الشوك لا يحصد به العنبا»؟ # ثم تركته وطارت ... # | الموسيقيون # تفاهم تيس أشقر، وحمار أحمر، ودب أسمر، وقرد أبتر، ~~على تأليف جوقة موسيقية، وحصلوا على كل ما يلزم للشروع ~~في العمل من آلات، ومجسدات، # 1 # وحاملات المجسدات والمقاعد واتخذوا مجلسهم تحت ~~شجرة «زيزفون» وارفة عند ملتقى الطرق، ولما استقر بهم ~~المقام، طفقوا يعزفون على ما في أيديهم من آلات الطرب ~~لتشنيف الآذان. # فصاح القرد قائلا: «رويدكم أيها الرفاق؛ لأني أشعر أن ~~ضوضاء موسيقانا مزعجة حقا، ألم تروا كيف وضع المستمعون ~~أصابعهم في آذانهم؟ لعلنا إن نحن بدلنا مواضعنا يتحسن ~~عزفنا. # فيا أخي الدب، تعال واجلس هنا أمام أخينا التيس، وأنا ~~أجلس هناك خلف زميلنا الحمار.» # ولما انتظم مجلسهم أخذوا يوقعون على آلاتهم ألحانا ~~تزعج الشياطين. # فنهق الحمار، ثم قال: «أرى أني قد اكتشفت سر هذه ~~الفوضى في موسيقتنا، فإذا غيرنا وضعنا، وجلسنا جنبا ~~لجنب، لا بد أن عزفنا يصل إلى درجة من الإتقان، ترضي ~~كل الآذان.» # وجلس الأربعة كما اقترح الحمار، وبدءوا يوقعون أنغاما ~~ما أنزل الله بها من سلطان. # وارتفعت أصواتهم بتبادل اللوم والشتم، وسمع صخبهم ~~عندليب كان جاثما في أعلى فرع من الشجرة، فاقترب منهم، ~~ولما رأوه رفعوا أبصارهم نحوه، وتوسلوا إليه، بصفته ~~موسيقار الطيور الأشهر، أن يرشدهم إلى الوضع الذي يجب أن ~~يتخذوه في جلوسهم لكي يضمنوا حسن العزف على ما بين ~~أيديهم من آلات موسيقية لا بأس بها؛ لأنهم يرون أن ~~سبب فشلهم يرجع إلى جهلهم هذا الأمر فقط. ~~••• # ونظر إليهم العندليب من مجثمه، وهز رأسه أسفا ~~وحسرة، ثم ms38 قال: «أيها الرفاق الأعزاء، يؤسفني جدا أن ~~أجيبكم بما يخيب أملكم؛ فقد قالوا: «حق يضر، خير من ~~باطل يسر»، أو «الحق خير ما يقال.» # فإن الذي كان يجب عليكم أن تعلموه، قبل التفكير في ~~تأليف فرقتكم، هو أن الموسيقى فن لا يمكن أن يحسنه ~~إلا الذين درسوه ومارسوه من أصحاب الذوق السليم، أما ~~نظام جلوس أفراد الفرقة فإنه لا يقدم ولا يؤخر على ما ~~أعلم!» # | الكرمة والبلوطة # زحفت الكرمة حتى بلغت سياج الحديقة، وبدأت تلف محاليقها # 1 # أو عنمها، # 2 # حول إحدى القوائم الخشبية التي كانت هناك. # وكانت بلوطة صغيرة قد نبتت وأورقت في الحقل خارج ~~السياج، وبعيدة عنه، فنظرت إليها الكرمة، وخاطبت ~~القائمة الخشبية قائلة: «ما أبهج منظرك وأفخمه ~~بالنسبة إلى هذه البلوطة، التي على رغم كونها مكسوة ~~بأوراق، فإن لون هذه الأوراق أخضر داكن، يقبض النفس، ~~وأغصانها صلبة قاسية لا تصلح إلا للوقود، وإني لست ~~أفهم علام تطعم الأرض مثل هذه النباتات العقيمة. # أما أنت فإنك ستصبحين باستقامة عودك، وجمال ما ~~سأخلعه عليك من سربال ناضر منقطع النظير، قرة عيون ~~الناظرين وبهجة خواطرهم.» # وحدث بعد أيام أن احتاج صاحب الحديقة إلى القائمة ~~الخشبية، فنقلها إلى مكان بعيد، ثم نقل البلوطة إلى ~~مكانها، حيث نمت وترعرعت، ومدت الكرمة محاليقها إلى ~~أغصان البلوطة. # وكعادتها بدأت تطوقها بها، وتتملقها بأحسن وأبلغ ما ~~تملقت به القائمة الخشبية من قبلها ... # | القرد في المرآة # نظر قرد في مرآة؛ فرأى شبحا قبيح المنظر يحدق فيه، ~~فأدار وجهه إلى دب كان واقفا إلى جانبه، فوكزه بمرفقه، ~~وقال له: انظر! ما أقبح كلحة هذا الحيوان المخيف الذي أرى ~~في المرآة، فلو كانت هذه السحنة - الهيئة - البشعة لي ~~لقضيت على نفسي؛ كي لا يتضرر غيري من رؤيتي. # ولا أخفي عنك أني شاهدت بين أصحابي بعض وجوه، لها مثل ~~كلوحة هذا الوجه، وأظن عددها لا يتجاوز الخمسة أو ~~الستة، بين عدد وافر من هؤلاء الأصحاب الذين يزيد ~~عددهم على مائة أو مائتين أو ... # فقاطعه الدب قائلا: «هون عليك يا ms39 صاح، ولا تكلف خاطرك ~~مشقة إحصاء أصحابك، بل انظر إلى المرآة جيدا، تر فيها ~~نفسك فتعرفها.» ~~«يا عائب لا تعب، فلعل يكون لك في العيب نصيبا!» # | الفار1 والوزة2 والسمكة والحنجل3 # اجتمع أربعتهم لجر مركبة صغيرة ليس عليها ثقل، # 4 # وأخذ كل منهم مكانه حول المركبة، وشرعوا في ~~عملهم بكل إخلاص، ولكن المركبة لم تتزحزح قيد أنملة، # 5 # وأعادوا الكرة؛ بعد أن تباحثوا وتشاحنوا لمعرفة ~~أيهم المقصر في بذل جهده أسوة بشركائه، وبعد أن تفاهموا ~~وتصالحوا وتعاهدوا على الإخلاص في العمل، بدءوا محاولتهم ~~الثانية لجر المركبة، ولكنها على رغم إخلاص كل منهم ~~في عمله، لم تتقلقل من مكانها. # وأخيرا بدا لهم أن يتفقوا على تركيز قواهم بالتوقيت ~~الموسيقي المألوف لدى العمال أو الحمالين من بني ~~الإنسان، عندما يرغبون في رفع شيء ثقيل يحتاج إلى مجهود ~~عظيم موحد، وهو قولهم: هيلا ليصا! هيلا هب! # وجربوا هذه الطريقة أيضا فلم يفلحوا، ولما يئسوا من ~~النجاح، ذهب كل منهم في سبيله، وبقيت المركبة تنتظر ~~من يجرها. ~~••• # وإن لم تكن - يا قارئي العزيز - قد أدركت إلى الآن سبب ~~إخفاق هذه الجماعة؛ فإني أخبرك أنه يعود إلى اختلاف ~~عناصر أفرادها، وتنافر طباعهم. # ذلك لأنه بينما كان الفار يجر المركبة متجها إلى ~~الأمام، كانت الوزة تطير فتجرها إلى فوق، والسمكة تغوص ~~فتجرها إلى تحت، والحنجل يتقهقر إلى خلف كعادته؛ ~~لأنه لا يمشي إلا إلى الوراء، فيجرها معه في اتجاه ~~معاكس لاتجاه الفار. # | الغنم والذئاب # منذ الأزمنة المتغلغلة في القدم، والصراع قائم بلا ~~هوادة بين قبائل الغنم وعشائر الذئاب. # وكانت كفة الظفر - دائما أبدا - راجحة في ناحية الذئاب ~~المفترسة، التي لا نفع منها يرتجى؛ ذلك لأن الطبيعة العمياء ~~قد سلحتها اعتباطا بأفضل معدات الهجوم والدفاع، بينما ~~حرمت الغنم الوادع، النافع بصوفه ولبنه ولحمه، معدات ~~الهجوم، ولم تزوده إلا بأضعف معدات الدفاع. # ولما ضاقت الغنم ذرعا بهذا الظلم الصارخ، التجأت إلى ~~الزعماء والرؤساء، تطلب العون والتدبير لوضع حد لهذه ~~الحال؛ التي لا يصح السكوت عليها. # وأظهر الزعماء اهتمامهم بالأمر، ms40 وعطفهم على هذه ~~القضية، واجتمعوا وتشاوروا وتباحثوا وتناقشوا، وبعد ~~اللتيا والتي تمكنوا من جعل رؤساء عشائر الذئاب يرضون ~~بحضور مجلسهم للاستئناس برأيهم؛ إذ من العدل والإنصاف ~~أن نعترف بما لبعضهم من العواطف الطيبة، والزهد في ~~لحوم الضأن، إلا عندما يعضهم الجوع بأنيابه. # وانعقدت الجلسة بحضور نواب الطرفين المتنازعين، ~~وأدلى كل برأيه، وبعد الأخذ والرد تقرر بالإجماع ~~الموافقة على سن قانون اقترحه زعماء الذئاب. # وإليك نصه، كما ورد في محضر وقائع الجلسة، بعد ~~الديباجة: «... فإذا اجترأ أحد الذئاب على مضايقة قطيع ~~مسالم من الغنم، وتمادى حتى هاجم شاة قاصدا إلى افتراسها، ~~فيصبح لتلك الشاة مطلق الحق، ارتكانا على هذا القانون، في ~~أن تمسك بتلابيب هذا الذئب المعتدي، وتجره إلى ~~المحكمة؛ لينال الجزاء العادل، إلخ ...» ~~••• # وبرغم قيام هذا القانون العادل ... فإننا ما زلنا نرى ~~ونسمع: أن الذئاب هي التي ما برحت تفترس الغنم. # | القروي يستجدي # في ليلة ليلاء، # 1 # تسلل لص إلى دار غني، وخرج منه حاملا كل ما ~~كان فيه من مال، وهكذا أصبح صاحب الدار معسورا؛ بعد أن ~~أمسى ميسورا. # وألجأه الفقر إلى الشحاذة؛ # 2 # وبدأ بأقرب من كان يظنه «صديقا لوقت ~~الضيق». # فأجابه هذا، بعد أن هز رأسه، تحسرا عليه: «يا صديقي ~~القديم، إن ما أصابك ليس إلا نتيجة طبيعية لكثرة ما ~~كنت تتحدث به عن مالك وثروتك، حتى أطمعت هذا اللص ~~اللئيم وأغريته بسرقتك، وهكذا ترى أنك قد أخطأت ضد ~~نفسك، وفي حق أصحابك؛ لأنك أفقدتهم صديقا كانوا يدخرونه ~~لوقت الضيق، وبما أنك قد أخطأت؛ فعليك أن تتحمل ~~نتيجة خطئك وحدك، والله في عونك!» # وقال له صديق آخر: «هذا درس ينفعك يا صاح، ومنه تتعلم ~~أن من له مثل ما كان لك من مال، يجب عليه أن ينام وراء ~~باب مخزنه»، وصرفه بنظرة تشير إلى الباب الذي دخل منه، ~~ولم يمد إليه يده، لا بخير ولا بشر. # أما الصديق الثالث؛ فكان أطولهم باعا؛ # 3 # إذ قال: «إني آسف جد الأسف لما أصابك أيها ~~الصديق، وثق أن كل عواطفي ms41 معك، وأرجو أن يعوضك الله ~~أضعاف ما ضاع منك بإهمالك؛ إذ كان يجدر بك - كي تحافظ ~~على ثروتك - أن تقتني كلب حراسة مثل كلبي. # ويسرني أن أعرض عليك جروين، لا حاجة لي بهما، وكنت ~~على وشك إغراقهما لأتخلص منهما، فإن شئت فخذ أحدهما ~~لتريحني من عناء إغراقه، ولا تنتظر مني أكثر من ذلك، ~~والسلام عليك أيها الصديق العزيز!» # | الذئب وجروه # لما رأى الذئب أن جروه العزيز قد اشتد ساعده، وحان ~~وقت تعليمه وتدريبه وتثقيفه، بدأ يستصحبه في روحاته ~~وجيآته وبعض غزواته، ولم يدخر وسعا في تلقينه ما يجب ~~أن يلم به؛ كي يستطيع خوض معترك الحياة لكسب قوته ~~وقوت عياله. # وفي صباح أحد الأيام، أرسله إلى ضواحي الغابة، عساه يجد ~~فرصة سانحة لاقتناص خروف يتصبحون # 1 # به، وعاد الجرو يتقمز فرحا، وقال لأبيه: تعال ~~حالا، كي أريك مصادا # 2 # قريبا نجد فيه صبحة # 3 # شهية، فقد رأيت عند منعطف الوادي قطيعا، كل ~~خرفانه سمينة، فأسرع وتعال معي؛ لأن كل ما علينا عمله، ~~هو الاختيار، ثم الخطف، ثم الأكل ... # وقال الأب لابنه: «مهلا يا ولدي العزيز! وخبرني أولا ~~ماذا عرفت عن راعي هذا القطيع؟» # فقال الابن: «قد بلغني أنه راع دائم اليقظة، وأنه يرعى ~~غنمه بكل فطنة ونشاط، ولكني جلت حول القطيع، وفحصته، ~~واختبرت كلاب حراسته، وهم قليلو العدد؛ فلم أعرهم أقل ~~اهتمام؛ لأنهم لفرط سمنهم وكسلهم، لا يخشى ~~بأسهم.» # فهز الذئب رأسه، وهمهم # 4 # قائلا: «إن ما ذكرته يا بني لا يغريني بمداعبة ~~حظنا مع هذا القطيع؛ لأنك قلت: إن راعيه فطين حكيم، ~~وبما أنه كذلك، فلا بد من أنه عرف كيف يختار الكلاب ~~الصالحة لحراسة خرفانه، وهيا بنا أدلك على قطيع آخر، ~~يحرسه عدد وافر من الكلاب؛ ولأني أعرف أن راعيه غبي ~~قليل الفطنة، فلست أخشى كلابه؛ لأنه لا يعرف كيف ~~يختارها. # فحيثما تجد أن الراعي عديم الفطنة فكن واثقا من أن ~~كلابه لا يخشى بأسها.» # | الفلاح واللص # ذهب فلاح كان قد شرع في إنشاء مزرعة صغيرة إلى السوق، ms42 ~~واشترى بقرة ومدلجة، # 1 # وفي أثناء عودته، سطا عليه لص لئيم، وجرده من ~~كل ما كان معه. # وأخذ الفلاح المسكين يستعطفه، ويسترحمه، بكل ما ~~حضره من العبارات المؤثرة، راجيا أن يرق له قلبه، وقال ~~له: «ارحمني يرحمك الله، أيها الرفيق! فإني قد كددت ~~وكدحت حولا كاملا حتى تمكنت بعرق جبيني من جمع ما ~~اشتريت به هذه البقرة، وكم كنت أعلل نفسي بهذا اليوم ~~المؤمل الذي أجد نفسي فيه صاحب بقرة في مزرعة صغيرة، ~~والآن، إن أنت حرمتني إياها فإنك تهدم كل ما بنيته من ~~الآمال، فتكسر قلبي و...» # فقال اللص مقاطعا، وقد بدا عليه التأثر: لا تجزع أيها ~~الرفيق الطيب القلب، ولا تحسبني من اللصوص قساة القلوب ~~الذين لا يرحمون ضحاياهم المساكين أمثالك! فهاك السطل ~~فخذه فلا حاجة لي به؛ لأني سأبيع البقرة عند أول فرصة ~~بعدما أتركك، فاذهب في سبيلك، وادع لي بالتوفيق والستر، ~~وعليك السلام. # | الأفعى الشريرة # اختبأت الأفعى في كومة حطب، وأخذت تتذمر وتجدف على ~~ربها، وتشكو قسوة العالم وشره، وكانت عيناها تقدحان ~~شرر الكره والبغض والحقد، المنبعث من طبيعتها الشريرة، ~~فتراه منعكسا على كل ما يقع عليه نظرها. # وفيما هي كذلك؛ إذ مر بقرب مكمنها حمل وديع لعوب، ولم ~~يفطن لما خبأه له القدر، إلا عندما أحس بأنياب الحية ~~الخبيثة تنهش رقبته. # فأن المسكين من شدة الألم، وصرخ قائلا: «ما ذنبي حتى ~~يقسو علي قلبك هكذا؟» # فأجابته الحية قائلة: «من أين لي أن أعرف ذنوبك، أو ما ~~كنت تبادرني به لو كنت تركتك وشأنك؟! ومما لا أشك فيه، ~~هو أنني لو لم أبادرك لكنت نفذت في ما حضرت إلى هنا ~~لأجله؛ ولأني واثقة من أنك جئت لقتلي، عاجلتك وسبقت؛ ~~فبدأت بقتلك حتى لا أندم عندما لا ينفع الندم.» # وقال الحمل المسكين، وهو يلفظ نفسه الأخير: «إني أؤكد ~~لك أنك مخطئة، وقد أسأت ظنك بي!» ~~«وكل إناء بما فيه ينضح!» # | ظل الغبي # التفت غبي وراءه عند غروب الشمس؛ فرأى خيالا أسود طويلا ~~يجري خلفه، وإذ لم يفطن ms43 إلى أنه ظل نفسه، تقدم نحوه ~~بضع خطوات محاولا إمساكه، فابتعد عنه الظل بضع خطوات، ~~وأسرع الخطى ليلحقه، ولكن الظل ابتعد عنه مسرعا أيضا، ~~ثم جرى نحوه فجرى الظل منه كذلك، ولما أعيته الحيلة، ~~أدار له ظهره قائلا: «والآن فأنا بدوري سأهرب منك، كما ~~هربت أنت مني، يا شيطان!» # وأطلق ساقيه للريح. # وبعد أن قطع شوطا غير طويل، تلفت وراءه، فدهش، إذ رأى ~~الظل يتعقبه، ويحتذي مثاله، ملتصقا بقدميه. ~~••• # وهذا شأن إلهة الحظ؛ اتبعها تهرب منك، واهرب منها ~~تتبعك! ms44