######OpenITI# #META# URI: 1371JaquesTajir.AqbatWaMuslimun.Hindawi25095731 #META# Tags: history #META# ID: 25095731 #META# Title: أقباط ومسلمون: منذ الفتح العربي إلى عام ١٩٢٢م #META# AuthorID: 60831829 #META# Author: جاك تاجر #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # كلمة المؤلف‏ # 1 - حالة المسيحية في مصر قبيل الفتح الإسلامي‏ # 2 - الفتح العربي‏ # 3 - الشريعة الإسلامية وأهل الذمة‏ # 4 - أحوال الأقباط الحقيقية تحت حكم الولاة‏ # 5 - سياسة الولاة المستقلين‏ # 6 - عظمة الأقباط واضمحلالهم في عهد الفاطميين‏ # 7 - موقف الصليبيين من النصارى‏ # 8 - كارثة النصرانية في عهد السلاطين المماليك‏ # 9 - القبطي في خدمة البكوات المماليك‏ # 10 - سياسة بونابرت الإسلامية وموقف الفرنسيين من الأقباط‏ # 11 - تسامح أسرة محمد علي والاعتراف القانوني بالمساواة بين المسلمين والأقباط‏ # 12 - مسائل متنوعة‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # كلمة المؤلف‏ # 1 - حالة المسيحية في مصر قبيل الفتح الإسلامي‏ # 2 - الفتح العربي‏ # 3 - الشريعة الإسلامية وأهل الذمة‏ # 4 - أحوال الأقباط الحقيقية تحت حكم الولاة‏ # 5 - سياسة الولاة المستقلين‏ # 6 - عظمة الأقباط واضمحلالهم في عهد الفاطميين‏ # 7 - موقف الصليبيين من النصارى‏ # 8 - كارثة النصرانية في عهد السلاطين المماليك‏ # 9 - القبطي في خدمة البكوات المماليك‏ # 10 - سياسة بونابرت الإسلامية وموقف الفرنسيين من الأقباط‏ # 11 - تسامح أسرة محمد علي والاعتراف القانوني بالمساواة بين المسلمين والأقباط‏ # 12 - مسائل متنوعة‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # | أقباط ومسلمون # | أقباط ومسلمون # | منذ الفتح العربي إلى عام 1922م # تأليف # جاك تاجر # | كلمة المؤلف # لست مسلما ولا قبطيا، وقد تعرضت لموضوع العلاقات بين الأقباط والمسلمين بدافع المؤرخ ~~الذي يسرد الحوادث على حقيقتها لا بشعور القاضي، الذي يحكم بين طرفين، ومن البديهي أن يثير ~~هذا البحث بعض التعليقات غير أني أرحب بكل من يحيطني بوجهة نظره أو يتحفني برأيه. # | المقدمة # بقلم جاك تاجر # عاشت المسيحية في مصر في جو ساده الاضطراب والقلق، ولا غرابة حينئذ إذا رأينا الكتاب ~~والمؤرخين قد عكفوا مبكرين على سرد تاريخها. # ولم نعتمد في دراستنا على المؤلفات التي وضعت حديثا لتناولها بوجه عام الناحيتين الروحية ~~والدينية من تاريخ الكنيسة المصرية، وإهمالها الناحيتين السياسية والاجتماعية من ذلك ~~التاريخ، فهي إذا قد اقتصرت على معلومات عابرة عن العلاقات بين الأقباط والمسلمين. # وإذا استثنينا كتاب الأب «رينودو» # Renaudot ~~، لاحظنا أن ~~بقية المؤلفات قد أغفلت ذكر المصادر التي استقت منها الأخبار والحوادث فأصبحت قاصرة ms001 عن ~~توجيهنا في أبحاثنا، فضلا عن أن كثيرا من النظريات والحجج التي أريد التدليل بها أصبحت ~~باطلة بعد أن اكتشفت حديثا أوراق البردي. # 1 # والواقع أن المسألة القبطية لم تدرس دراسة وافية إلا في «دائرة المعارف ~~الإسلامية» # 2 # رغم اكتفاء المسيو «جاستون فييت» بطرحها على بساط البحث في أسلوب مقتضب، وعدم ~~تناوله العصر الحديث ابتداء من الحملة الفرنسية، لضيق المقام أفرد له، إلا أنه دعم بحثه ~~القيم بقائمة غنية بالمصادر القديمة والحديثة اتخذناها أساسا لبحثنا. # أما الكتب العربية، ونذكر منها على سبيل المثال «تاريخ الأمة القبطية» ليوسف منقريوس، ~~وغيرها من الدراسات الثانوية المتشابهة لها، فقد كتبت بأسلوب أقرب إلى الجدل منه إلى الروح ~~العلمية. # وخلاصة القول؛ إن شعب مصر لم يعرف تاريخ العلاقات بين المسلمين والأقباط إلا عن طريق ~~الأقاصيص والحوادث التي شوهتها الأحقاد القديمة، ونقلها أو بالغ فيها أناس لم يعتمدوا على ~~النطق السليم في تفكيرهم، وسنحاول اليوم بقدر الاستطاعة أن نبين بوضوح الحقيقة، مهما كانت ~~مريرة، وفي الوقت نفسه نكشف عن الأسباب الأصلية لأهم الحوادث. # فهذه الدراسات لا تهدف كما يتصور بعض الناس، إلى إذكاء نار عداوات قديمة، لما حوته من ~~خصومات أو أحداث أليمة؛ ذلك لأن الأهواء الدينية في الشرق لم تفقد من حدتها بين المسلمين ~~والأقباط في الطبقتين الوسطى والسفلى، وإن كانت فاترة في الظاهر، فإن القلق المكبوت ما زال ~~جاثما رغم التصريحات الرسمية وحسن استعداد رؤساء الأمة وقاداتها في التعاون الصادق لإزالة ~~ما في النفوس من ضغائن ليتحد العنصرين؛ إذ إن الاتحاد أول الأسس المتينة لاستقلال ~~البلاد. # وفي هذا الوقت الذي تفكر فيه الجامعة العربية في ~~توسيع رقعة نشاطها وضم جميع الشعوب الإسلامية تحت رايتها على اختلاف أجناسهم، وفي هذا الوقت ~~الذي يحبذ فيه نخبة من المسلمين بعث الإمبراطورية العربية القديمة من مرقدها، فإنا لا نشك ~~إطلاقا في ترحيب عدد كبير من أقطاب السياسة بكل ما يساعدهم على فهم الأوضاع الصحيحة، ~~وتوجيه تفكيرهم في سبيل المحافظة على الوئام بين الأغلبية المسلمة والأقلية المسيحية، وإذا ~~تعذر ms002 علينا اقتراح حلول لهذه المسألة، فلنحاول على الأقل دراسة بعض وجوهها. # | هوامش # الفصل الأول # | حالة المسيحية في مصر قبيل الفتح الإسلامي # ظهرت المسيحية في مصر قبل الفتح الإسلامي بستمائة عام، ولا نريد إعادة تأريخ ظهورها في ~~شتى مراحلها، فمثل هذه الدراسات خارجة عن حيز موضوعنا، كما أننا لن نناقش النتائج التي خرج ~~بها بعض المستشرقين أمثال «لوفيفر» # Lefebvre # و«شميدت» # Schmidt # و«شولتز» # Schultze # 1 # وقد اتفقوا على أن المسيحية ظلت غريبة على أهل مصر الأصليين، كما ادعوا أن ~~نجاح العرب يرجع بصفة عامة إلى أن الإسلام اجتذب أقباط مصر، الذين تعبوا من تزمت كنائسهم ~~وتضييقها عليهم، # 2 # ويكفينا القول بأن المسيحية المصرية قبيل الفتح الإسلامي إنما كانت بالنسبة ~~للشعب المصري، أداة للتحرر السياسي والتخلص من نير الحكم البيزنطي. # ظل الشعب القبطي، بعد انتشار المسيحية على يد الرومان والبيزنطيين، يعبد بحرارة آلهته ~~الفرعونية ويكرم آثار ماضيه التليد، وكان يرفض أن يقدم أي قربان للآلهة اليونانية ~~والرومانية، كما أنه لم يقبل المسيحية إلا بتحفظ شديد؛ لأنها جاءته من الخارج، وكان الشعب ~~يريد بذلك إقناع نفسه أنه لم يخضع لاحتلال الغزاة ما دام يقاوم شعائرهم وعقائدهم. # ترك مسيحيو مصر ديانة أجدادهم مكرهين؛ لأن ديانة الفراعنة ومعابد الفراعنة وآلهة الفراعنة ~~كانت تذكرهم بمجد مصر في مختلف عهودها، فلا غرابة لو ظلت معتقداتهم القديمة راسخة في ~~نفوسهم، رابضة في قلوبهم بعد اعتناقهم المسيحية، ونستطيع أن نضرب مثلا لهذا التشبث بقراءة ~~«السيناكسار»؛ أي: تاريخ القديسين، يقول السيناكسار: «في معبد قيصرون الذي شيدته الملكة ~~كليوباطرة، كان يوجد صنم كبير من النحاس اسمه «عطارد»، وكان يحتفل سنويا بعيده وتقدم ~~له الذبائح، وقد ظلت هذه التقاليد معمولا بها إلى أيام حكومة الأب إسكندر؛ أي: لمدة تزيد ~~عن ثلاثمائة عام، فلما نصب إسكندر بطريركا، قرر تحطيم هذا الصنم بيد أن شعب الإسكندرية ~~ثار قائلا: «لقد اعتدنا إحياء هذا الصنم، ولقد تربع على هذا الكرسي اثنا عشر بطريركا، ولم ~~يجرؤ أحد منهم أن يصرفنا عن هذه العادة.». # 3 # ولما زالت عبادة الأصنام ms003 وكفت السلطة الحاكمة عن حمايتها، لم يستطع المصريون تلافي ~~المسيحية، فحاولوا، حسب تعبير جان ماسبيرو # Jean Maspero # الموفق «مصادرتها لمصلحتهم» وقرروا أن كل ما كان جميلا وعظيما في المسيحية إنما هو مصري، ~~ومن ذلك الحين مال الأكليروس والشعب إلى القبض على زمام الحكم ثم إلى الانفصال عن حكم ~~بيزنطيا، وقد تجلى هذا الميل بوضوح بعد مجمع نيقيا # Nicce # الديني حيث بزغ نجم كنيسة الإسكندرية ولمع. # شعر بطاركة الإسكندرية بعد مجمع نيقيا بعطف العالم المسيحي عليهم وتقديره لعلمهم ونبوغهم، ~~فرئيس الكاثوليك «أي: بابا روما» أصبح يحيطهم بالإجلال والاعتبار، بينما أضحى إمبراطور ~~بيزنطيا يغمرهم بالعطايا والهدايا، هذا لأنهم فندوا ادعاءات الانفصاليين وحافظوا على وحدة ~~المسيحية، وعلى حسن العلاقات بين الإمبراطوريتين الرومانيتين، شعر البطاركة بهذا كله ~~واغتنموا كل فرصة سنحت لهم للتخلص من وصاية الإمبراطور عليهم، كما تعاونوا على فرض وجهة ~~نظرهم فيما يتعلق بالمسائل الدينية حتى ولو كانت مخالفة لرأي رئيسهم المباشر؛ أي: ~~البابا. # أما الشعب القبطي، الذي كان يتحسر على عظمة الفراعنة البائدة، فقد كان يتحمل الاحتلال ~~الروماني والاحتلال البيزنطي بعناء مشقة، وكانت الضرائب الفادحة التي تفرضها عليه السلطة ~~القائمة تزيد من يأسه، وأراد أن يظهر رغبته في الحرية السياسية أو بالأحرى أن يثور ضد ~~المحتل الغشوم المتعسف، ولكن أنى له هذا؟ إن الوسيلة الوحيدة التي سنحت له، وهي الانشقاق ~~الديني، قد لجأ إليها بعد أن ظهر بطريرك الإسكندرية في المحيط الديني والميدان السياسي، إن ~~البطريرك كان الشخص الوحيد، الذي لم تفرضه السلطات المدنية على الشعب المصري، بل كان الشعب ~~هو الذي ينتخبه، فأصبح البطريرك من جراء ذلك ممثل الشعب المصري الحقيقي، يعبر عن طموحه ~~وأمانيه أمام الرأي العام، وأصبح الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يصمد ضد سلطان الإمبراطور ومن ~~يمثلونه. # ويجمل بنا أن نذكر القارئ بأن المسائل الدينية كانت في ذلك العصر موضع المناقشة الوحيد، ~~وبالتالي كانت الساحة الوحيدة التي يمكن أن يحتدم فيها القتال، ومن ثم أعلن الشعب القبطي، ~~تحت قيادة رؤسائه الدينيين، عصيانه على مبدأ الكنيسة الموحدة، فالانشقاق ms004 القبطي هو ديني من ~~حيث الحجة فقط، وبالرغم من أن الاعتبارات الدينية فقدت كثيرا من أهميتها في أيامنا ~~الحاضرة، فيجدر بنا أن ننوه عن حوادث الانشقاق الديني؛ لأنها ستوضح لنا ما غمض من أسباب ~~مأساة «كالسيدونيا» # Chalcedoine ~~. # كان البطريرك «ديوسقور» # Dioscore ~~، الذي لا يذكر اسمه ~~إلا مقرونا بمجمع كالسيدونيا، يصرح راضيا: «إن البلاد لي أكثر ما هي للأباطرة؛ وإني أطالب ~~بالسيادة على مصر.»، ولم تفتر عزيمته في انتظار الفرصة طويلا ليخرج بهذا التصريح من حيز ~~الكلام إلى حيز العمل، ولقد سنحت له هذه الفرصة في خراقة بطريرك القسطنطينية غير ~~المقصودة. # وفعلا، عندما أعلن الراهب «أوتيشيس» # Euthyches # مذهبه ~~الخاص بطبيعتي المسيح الإلهية والبشرية «وهو المذهب الذي ينتمي إليه الأقباط الأرثوذكس ~~حاليا» - وكانت هذه المسألة الشائكة تثير النقاش والجدل في العالم المسيحي - بادر ~~الأكليروس المصري إلى تفنيد مزاعمه، ولم يكن هناك ما ينذر بأحداث جسيمة، ولكن شاء القدر أن ~~يعلن «فلافيان» # Flavient # بطريرك القسطنطينية بصفة رسمية ~~قرار حرمان صاحب المذهب الجديد، مما جعل ديوسقور يستنكر على زميله حقه في إدانة أحد أعضاء ~~الكنيسة علنا؛ لأن في هذا العمل إعلاء لمقام بطريرك القسطنطينية على بطريرك الإسكندرية، ~~ولما كان فلافيان قد أدان علنا الراهب أوتيشيس، انضم ديوسقور رسميا إلى رأي ~~الراهب. # وضع بطريرك الإسكندرية أكليروس مصر في مركز حرج، بمنطوق حكمه المتأخر المفاجئ؛ ذلك لأن ~~الأساقفة المصريين أدانوا أوتيشيس دون أن يبدي البطريرك - وهو صاحب الرأي الأخير - أية ~~معارضة، فكيف يستطيعون بعد ذلك أن ينقضوا حكمهم دون أن يعرضوا أنفسهم للسخرية، وبينما كان ~~الأساقفة حائرين مترددين أمام هذا الموقف الشاذ؛ إذ يأمرهم ديوسقور أن يتضافروا معه ويؤيدوه ~~في موقفه، ولم يكن في استطاعة الأساقفة إلا الإذعان لأمر رئيسهم، ولما ناقشهم مجمع ~~كالسيدونيا، صاحوا جميعا قائلين: «ألم يقرر مجمع نيقيا أن تتبع مصر كلها بطريرك ~~الإسكندرية، وألا يتصرف الأساقفة في أي موضوع دون الرجوع إليه؟» ولما أمرهم المجمع بأن ~~يدينوا لرئيسهم، أجابوا بتململ: «إذا فعلنا ذلك لن نستطيع أن نقيم في البلاد؛ لأن سكانها ~~سيقتلوننا، ms005 وإذا أردتم أن تحرمونا من أبروشياتنا، فاحرمونا؛ إنا فيها زاهدون وكل ما نريده ~~هو ألا نموت.». # أما الشعب المصري، فلم يتردد لحظة واحدة في مناصرة بطريركه لاعتقاده بأن جرأة رئيسه ~~الديني قد حققت أمانيه الغالية المنشودة، فلما حكم مجمع كالسيدونيا على ديوسقور وأمر بنفيه، ~~رفض الشعب، متضامنا مع الرهبان، الاعتراف بسلطة البطريرك الذي أمر إمبراطور القسطنطينية ~~بتنصيبه، وهكذا ظهر الانشقاق، وأصبحت الشقة بعيدة الغور بعد أن حاز مذهب الطبيعة الواحدة - ~~أي: مذهب الراهب أوتيشيس - أغلب الأصوات، فقد بلغ عدد المنشقين في مصر في القرن السابع ~~الميلادي ستة ملايين شخص يقابلهم مائتا ألف فقط ممن يدينون بالطاعة للبطريرك الكاثوليكي؛ ~~أي: لسلطة إمبراطور القسطنطينية. # أما المنشقون، فكانوا بطبيعة الحال سكان البلاد الأصليين، بينما كان أنصار الفريق الآخر ~~من البيزنطيين وأهل الإسكندرية المصطبغين بالصبغة اليونانية أو الموظفين الأقباط الذين قضت ~~عليهم مصلحتهم «بأن يتناولوا القربان المقدس من أيدي حاكمهم الملحد». # ومن العبث أن نحاول إيضاح مذهب الطبيعة الواحدة؛ لأن المصريين من جانبهم لم يهتموا بصاحب ~~المذهب أو بتعاليمه، وكان هدفهم الأساسي يرمي إلى الانفصال عن بيزنطيا، وقد اعتبروا ~~الانشقاق الديني أول مرحلة من مراحل الارتقاء إلى التحرر. # وكانت بيزنطيا في الباطن تعرف جيدا الغرض الذي كان يهدف إليه ديوسقور، كما لم تخف عليها ~~الأسباب التي كان الشعب يتبعه من أجلها بحماس، لذلك حاول الإمبراطور أن يقنع البطريرك ~~المصري بالعدول عن موقفه المتطرف والعودة إلى الوئام؛ إذ كان يحز في نفسه أن تصاب وحدة ~~الإمبراطورية بتصدع بسبب نزاع لا يرتكز إلى حجج قوية. # استعان الإمبراطور بالقوة لإبقاء الانفصاليين تحت سلطة البطريرك الكاثوليكي، ولكنه حاول ~~في هذه الأثناء جاهدا حل الخلاف بطريقة ترضي الطرفين المتنازعين، اقترح الإمبراطور ~~«زينون» ~~“Zenon” # حلا معروفا باسم «هينوتيك» ~~«هينوتيك» # Henotique ~~، ثم أشار الإمبراطور «هرقل» إلى ~~حل آخر معروف باسم «اكتيز» # Ecthése ~~، ولكن رغم اعتراف ~~الأكليروس اعترافا ضمنيا بالحل الأول، ورغم إنكار البابا للحل الأخير؛ لأنه يخالف ~~العقيدة الكاثوليكية مخالفة شديدة، رفض الشعب المصري الحلين؛ لأنه لم يعد يقبل إعادة ~~العلاقات ms006 بينه وبين الإمبراطور بعد أن بذل جهودا كبيرة لفصمهما، كما لم يعد الأكليروس ~~المصري يسير بمفرده في ركب ديوسقور، بل كانت الأمة المصرية بأسرها تتبعه. # اضطرب السلام الداخلي في مصر بعد مجمع كالسيدونيا، وأقبلت البلاد على عهد جديد من ~~الاضطهاد، أسماه الأقباط «الرعب الكاثوليكي»، واعتبر الشعب المصري ورهبانه البطريرك ~~«قيرس» # Cyrus # الذي عينه الإمبراطور هرقل قبل الفتح ~~الإسلامي، عدوا للمسيح؛ لأنه أراد أن يرغم الشعب على قبول حل «الإكتيز» الذي اقترحه عاهل ~~القسطنطينية. # غير أن الأقباط لم يقوموا، بعد مجمع كالسيدونيا، ~~بأية محاولة ليقطعوا مرحلة جديدة في سبيل استقلالهم ولم يواصلوا الكفاح لبلوغ غرضهم هذا، ~~كان الدين يحتل مكانة عظيمة في كيانهم الوطني، وكانوا يعتقدون اعتقادا راسخا أنهم لو ~~حصلوا على استقلالهم الديني لنالوا زبدة خصائص حريتهم السياسية، فلم يحاولوا توسيع شقة ~~الخلاف التي حفروها، يضاف إلى ذلك أنهم لم يكونوا أهلا للحكم لعدم ممارستهم إياه قبل ذلك، ~~ثم إذا كان الأقباط قد ملوا مضايقات أسيادهم البيزنطيين، فإن سنوات عبوديتهم الطويلة جعلتهم ~~يتشككون في قدرتهم على التحرر في يوم ما من الوصاية الأجنبية، فكانوا لا يبغون في قرارة ~~أنفسهم إلا تغييرا في السيادة عليهم يرجون منه توطيد السلام الديني ولا سيما تخفيف عبء ~~الضرائب التي تجبى منهم، وقد أظهروا دائما استعدادهم لمناصرة أعداء السلطة القائمة، لو ~~أظهر هؤلاء الأعداء استعدادهم لتنفيذ رغباتهم. # ففي سنة 609، عندما غزا مصر «نيكيتاس» # Nicétas # نائب هرقل ~~الذي ثار ضد «فوكاس» Phocas ~~، تطوع عدد كبير من المصريين ~~لمساعدته، دون أن يعرفوا على وجه الدقة أية منفعة قد يجنونها من الحاكم الجديد، ولم يقوموا ~~بهذا العمل إلا بدافع كراهيتهم للسلطة القائمة. # وأراد نيكيتاس، بعد النصر الذي أحرزه، أن يتبع سياسة حكيمة نحو الشعب، فلم يتدخل في ~~النزاع الديني من جهة، كما قرر من جهة أخرى تأجيل دفع الضرائب ثلاث سنوات، فعم الشعب فرح ~~عظيم، وأجمع المؤرخون على أن السلام شمل البلاد بأسرها. # وفي سنة 619، غزا الفرس البلاد المصرية وارتكبوا فيها فظائع تشمئز منها النفوس، إلا أنهم ~~لم ms007 يعيروا المسائل الدينية التفاتا، فلم يقلق الشعب القبطي من وجودهم، ولم يتذمر من عهدهم ~~بل أسف لخروجهم، بعد أن حكموا البلاد عشر سنوات، ومما يستحق التنويه في هذا المقام أن الشعب ~~لم يساعد الفرس ضد البيزنطيين، كما أنه لم يبد أية مقاومة عندما عاد هؤلاء إلى الحكم مرة ~~أخرى. # وخلاصة القول؛ إن الشعب المصري لم يطمع من الناحية الوطنية إلا بشبه استقلال أساسه حرية ~~العقيدة الدينية وخفض الضرائب، وهي السياسة التي سار عليها عمرو بن العاص عندما دخل مصر ~~فاتحا. # نعم، إن عمرا ساعده تصرف هرقل الذي أراد قبيل الفتح الإسلامي بسنوات قليلة، أن يعيد ~~الأقباط إلى حظيرة الكنيسة البيزنطية الكاثوليكية، مما أغضب الشعب وجعله يعطف على الغزاة، ~~ويميل إلى مساعدتهم مع بقائه مخلصا للمسيحية إلى حد يلهم انكسار البيزنطيين بأنه عقاب ~~المسيحيين الملحدين وتأكيد لمذهب الطبيعة الواحدة، الذي يرضى عنه الله، وقد كتب الأسقف ~~اليعقوبي حنا النقيوسي: «لنحمد سيدنا يسوع المسيح ولنسبح اسمه القدوس في كل وقت؛ لأنه حمانا ~~نحن - المسيحيين - حتى هذه الساعة من ضلال الوثنيين المرتدين ومن انهزام الملحدين ~~الخونة.» # 4 # ويبادر المؤرخ نفسه، زيادة في الإيضاح إلى القول بأن المسيحيين المارقين أصحاب ~~مذهب كالسيدونيا، هم الذين أسرعوا إلى اعتناق الإسلام، لا أصحاب مذهب الطبيعة ~~الواحدة. # 5 # ولا نغالي إذا قلنا إن توطيد السيادة العربية مكان السيادة البيزنطية في مصر، أدخل على ~~نفوس مسيحيي الشرق بارقة من الأمل، ولقد كتب ميخائيل السوري، بطريرك اليعقوبيين في أنطاكية، ~~يقول: «إن رب الانتقام استقدم من المناطق الجنوبية أبناء إسماعيل لينقذنا بواسطتهم من أيدي ~~اليونانيين وإذا تكبدنا بعض الخسائر لأن الكنائس التي انتزعت منا وأعطيت لأنصار مجمع ~~كالسيدونيا بقيت لهم (بعد دخول العرب)، إلا أننا قد أصابنا خير ليس بالقليل بتحررنا من قسوة ~~الرومان وشرورهم ومن غضبهم وحفيظتهم علينا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى سادت الطمأنينة ~~بيننا.». # 6 # وفعلا، بعثت الكنيسة اليعقوبية من جديد وقويت تحت حكم عمرو بن العاص، واعتقد سكان البلاد ~~الأصليون، فترة من الزمن، بأن نصر المسلمين ms008 سيعيد للمسيحية، أو بالأحرى - إن أردنا الدقة في ~~التعبير - لمذهب الطبيعة الواحدة سطوته الماضية. # | هوامش # الفصل الثاني # | الفتح العربي # استعداد العرب نحو الأقباط، وطابع غزوتهم، وموقف الأقباط منهم # استن المشرع المسلم لأهل الذمة عددا من القوانين استلهمها من تعاليم القرآن والحديث، غير ~~أن الفقهاء لم يستطيعوا دائما فرض وجهة نظرهم على الحكام، وكان هؤلاء يحيدون عنها كلما ~~اضطرتهم ظروفهم ومصالحهم إلى ذلك. # ولكن وجود الفروق بين المبدأ والحقيقة، وتردد الإدارة إزاء أهل الذمة في أثناء الفتوحات، ~~كان له بعض الأثر بلا شك في العلاقات بين الشعب المقهور وسيده الجديد؛ أي: بين الأقباط ~~والمسلمين. # ولتوضيح العلاقات بين هذين العنصرين اللذين ينتميان إلى شعب واحد، لا يكفينا الرجوع إلى ~~أصول الفتح الإسلامي، بل يجب أن نضع أنفسنا في جو الأحداث ذاتها؛ ذلك لأننا لا نستطيع أن ~~نفهم موقف العرب أو رد فعل الأقباط إن كنا نجهل ما ظهر من نيات الطرفين وما بطن، ثم لا ~~نستطيع التمييز بين التدابير التي اتخذها العرب نحو الأقباط وبين التدابير ذات الطابع ~~العام. # إن الفترة الأولى من الفتح الإسلامي كثيرة الغموض والإبهام، لذا يجمل بنا أن نلقي بعض ~~الضوء عليها، موضحين النقط التي تبدو لأول وهلة غريبة عن الموضوع ولكن لها أثرا بينا في ~~مجرى العلاقات بين المسلمين والأقباط. ~~(1) استعداد العرب نحو الأقباط ~~(1-1) النبي يعطف على الأقباط # يبدو أن فتح العرب لمصر كان مقررا قبل وفاة النبي، وعلى كل فكانت مصر تحتل ~~مكانا مرموقا في خطط توسع الإسلام العسكري، ألم يشاطر المقوقس، حاكم مصر، ملك ~~الفرس والنجاشي وعاهل بيزنطيا، شرف استقبال الرسول الذي أوفده النبي ليدعوه إلى ~~الإسلام؟ وعلى الرغم من أن النبي لم يزر مصر قط، فإنه كان يكن للأقباط عطفا ~~ملحوظا، وفي الحديث: «استوصوا بالقبط خيرا، فإنكم ستجدونهم نعم الأعوان على قتال ~~عدوكم»، # 1 # إن جميع المؤرخين والكتاب المسلمين يتنافسون في ذكر هذه الأحاديث ~~المطبوعة بطابع العطف البليغ، ومنها وصيته عند وفاته: «الله، الله، في قبط مصر، ~~فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة ms009 وأعوانا في سبيل الله»، ومن حديث له أيضا: ~~«قبط مصر فإنهم أخوال وأصهار وهم أعوانكم على عدوكم وأعوانكم على دينكم»، ولما ~~سئل: «كيف يكونون أعوانا على ديننا يا رسول الله» قال: «يكفونكم أعمال الدنيا ~~وتتفرغون للعبادة»، وقال النبي أيضا: «لو بقي إبراهيم، ما تركت قبطيا إلا وضعت ~~عنه الجزية». # 2 # ولا نخفي أن كلاما يقوله النبي بهذه الدقة عن شعب لا يعرفه ويفكر في غزوه، ~~لمدعاة إلى الدهشة والاستغراب، غير أننا نستطيع الجزم بأن صاحب الدعوة الإسلامية ~~كان يضمر كل خير لسكان مصر الأصليين، ونتساءل الآن: هل كان لمارية القبطية تأثير ~~حسن على شعور النبي؟ هل أحيط النبي علما بعداء الأقباط لحكامهم البيزنطيين؟ وهل ~~استنتج من هذه العداوة ميل الأقباط إلى التعاون مع الفاتح المسلم؟ لو صدقنا هذا ~~التأويل لاستطعنا أن نفسر مغزى الرسالة التي أرسلها النبي إلى المقوقس، مع كون ~~المقوقس مرءوسا لعاهل بيزنطيا. # وعلى كل، كانت مصر من الوجهة الجغرافية بعيدة عن جزيرة العرب، فكان لزاما على ~~العرب، وهم لا يملكون أسطولا بحريا لاجتياز البحر الأحمر، أن يقطعوا على أقدامهم ~~أراضي سوريا ولبنان لغزو مصر، ثم لما انتصر النبي على قريش ودخل مكة ظافرا، اهتم ~~أولا بتوحيد جزيرة العرب وإدارتها، ولم يفكر جديا في بسط سلطانه على أراض ~~جديدة، وقد صرف من بعده خليفته أبو بكر معظم سني حكمه في تدعيم وحدة القبائل ~~العربية وتطهير أوكار المقاومة بين القبائل الثائرة، ولم يشعر العرب فعلا بقدرتهم ~~على إظهار نشاطهم الحربي خارج الجزيرة إلا في خلافة عمر بن الخطاب. ~~(1-2) العرب لا يجدون مبررا سياسيا لفتح مصر # تساءل كثير من الكتاب عن الأسباب التي دعت العرب إلى فتح مصر، وحاول بعضهم أن ~~يجد حلا لهذه المسألة، غير أنه من الصعب الوصول إلى مبرر سياسي لهذه الفتوحات، لا ~~سيما وأن المؤرخين المسلمين وفروا على أنفسهم مشقة البحث في هذا المضمار. # والواقع أن الفرس والروم كانوا ينشدون الراحة؛ لأن الحروب التي وقعت بينهم ~~أنهكتهم، ثم لم يتوجسوا خيفة من القبائل التي تسكن ms010 الفيافي العربية المترامية ~~الأطراف، وإذا اقتفينا آثار المؤرخين العرب الذين اهتموا بالرسالتين التي قد ~~أرسلهما النبي إلى عاهلي إمبراطورية الفرس وإمبراطورية بيزنطيا، وجدناهم متفقين على ~~أن عاهل بيزنطيا لم يبال قط بالرد على الدعوة التي وجهت إليه، كما أن ملك ~~الفرس مزق علانية الرسالة، معلنا احتقاره للجنس العربي. # نقول هذا كله لنقيم البرهان على أن الفتوحات العربية لم ترتكز على أغراض دفاعية، ~~وما أسهل الكشف عن أسباب الفتوحات، لقد وحد الإسلام القبائل العربية، التي اعتادت ~~شن الإغارات على بعضها، كما اعتادت السلب والنهب لسوء أحوالها الاقتصادية، فلما حلت ~~بينها روح الإخاء التي نشرها الإسلام محل العداء المألوف، بحث سكان الجزيرة بطبيعة ~~الحال عن أرض أقل جدبا ليرتزقوا منها، فلم يتردد المسلمون - وقد حفزتهم قوة ~~إيمانهم واقتناعهم بأن الشعوب التي لا تعتنق الإسلام تضمر لهم العداء - أقول لم ~~يتردد المسلمون إلى الخروج عبر حدود بلادهم لينتزعوا من المشركين والوثنيين بقاعهم ~~الغنية. # قيل: إن الحاجة تبرر كل عمل عدائي، ويحدثنا التاريخ بأن قبل ظهور الإسلام بعهد ~~بعيد، قام العرب بأعمال عدائية بحثا عن القوت؛ فغزوا مصر في عهد الفراعنة، ~~واستقروا فترة من الزمن في «آشور» كما توصلوا إلى دخول الحبشة، ولم يتفق حدوث هذه ~~الغزوات مع ظهور ديانة أو رسالة جديدة، ويقول الدكتور سليمان حزين، العالم ~~الجغرافي: إنه توجد علاقة بين هذه الغزوات المتكررة والأحوال الجوية، ودافع بدوره ~~عن نظرية التغييرات الجوية، ويقول أيضا: إنه يوجد ما يثبت أن مناخ بلاد العرب ~~الشمالية والجنوبية في الفترة الواقعة بين القرن الثاني عشر قبل الميلاد والقرن ~~الثالث بعد الميلاد، كان أشد رطوبة مما هو عليه اليوم، وأن الأمطار بدأت تخف ابتداء ~~من القرن الثالث، ثم تناقصت تدريجيا إلى بداية القرن السادس، حيث وصل الجفاف إلى ~~الذروة، ولكنه يبادر بالإضافة قائلا: إنه من المبالغ فيه تعليل توسع العرب إلى ~~جفاف مناخ الجزيرة، ومع كل فلا بد أن يكون هذا الجفاف قد أثر في هذا ~~التوسع. # 3 ~~(1-3) أسباب الفتح الإسلامي لم تكن دينية فحسب # يميل ms011 بعض المفكرين إلى تصوير الغزاة العرب الأولين بمظهر المبشرين المسلمين، ~~الذين دفعهم إيمانهم إلى فتح العالم بأسره. # ولا شك أن للحماس الديني عامله الكبير بين معتنقي الدين الجديد، ولكنا لا نستطيع ~~الجزم بأن الرغبة في التبشير كانت السبب الرئيسي لهذه الفتوحات، ويقول لنا ابن ~~خلدون: إنه عندما بويع عمر بن الخطاب بالخلافة على المسلمين ، وقف يخطب في الجمع ~~حاثا المؤمنين الصادقين على فتح العراق قائلا: «إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على ~~النجعة، ولا يقوى عليه أهله إلا بذلك، أين القراء المهاجرون عن موعد، سيروا في ~~الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموها.». # 4 # تغيرت سياسة قواد العرب تغييرا شاملا بعد اتصالهم بالعالم الخارجي، فقد رأينا ~~النبي يهنئ نفسه علانية لما انتصر الإمبراطور المسيحي هرقل على الفرس الوثنيين دون ~~أن يبالي بما قد تجره هذه الانتصارات من نتائج سيئة على الدين الإسلامي، وقد رأيناه ~~أيضا في موقعة بدر في السنة الثانية للهجرة ينازل ألف قريشي وهو على رأس ثلاث مئة ~~محارب فقط، ولكن مسئولية الحكم جعلت خلفاءه يحسبون لكل قدم حسابه، وكانت الاعتبارات ~~السياسية قد حلت محل الاعتبارات العاطفية. # إن اتساع رقعة الإمبراطورية العربية شرقا وغربا قللت فعلا من شأن العامل ~~الديني، فاضطر الخليفة عمر بن الخطاب أن ينتهج سياسة حكيمة تتنافى مع الحماس ~~والجرأة التي اتصف بها أول من اعتنق الدين الجديد، هذا ما فهمناه على كل حال مما ~~كتبه المؤرخون المسلمون، فقد وصفوا لنا فتح مصر كأنه عمل حربي قرره الزعماء العرب ~~بعد تردد طويل، وهم أيضا يؤكدون أن موافقة عمر لم تعط بسهولة بل انتزعت منه ~~انتزاعا، وقد اعترض أحد الكتاب المعاصرين على حقيقة هذه التفاصيل محتجا بأنها ~~مخالفة لطباع الخليفة المشهورة، فهو يقول: «لا يعقل أن عمر الذي أخضع بلاد الفرس ~~والروم، وفر من جيوشه أعظم ملوك الأرض، يأذن للجند بالمسير إلى الغزو والجهاد، ثم ~~يتراجع ويوقف السير وهو يعلم ما يترتب على ذلك من الوهن في عزيمة الجند وطمع ~~العدو.». # 5 # ولكن عمر، الذي ms012 اشتهر بحكمته وتبصره، لم يستطع أن يخوض عن طيب خاطر غمار حرب ~~حامية الوطيس، هل كان العرب يعرفون شيئا عن مصر؟ كانوا يجهلون غالبا كل ما يتعلق ~~بتلك البلاد، ولما كانوا لا يملكون الخرائط الجغرافية، فقد سلكوا طريق الغزوات الذي ~~اتخذه غيرهم، والذي تعرف عليه عمرو بن العاص في أثناء رحلاته إلى مصر، ألم يقل لنا ~~المؤرخون: إن القوات العربية كانت تجهل تماما منطقة الفيوم، وإن الذي كشف لهم عن ~~طريقها هو دليل اتبعوه على غير هدى؟ ألم يذهب حنا النقيوسي إلى جد الإثبات بأن ~~المسلمين لم يكونوا يعرفون مدينة مصر؟ # 6 # ونعتقد أنه لولا إلحاح عمرو، لتأخر فتح مصر وقتا طويلا؛ لأن عمرا كان في ~~الواقع أول من حرض العرب على فتحها ودخولها ظافرين منتصرين، كان عمرو بن العاص، في ~~عصر الجاهلية، يقوم بالتجارة مع مصر، # 7 # وقد أضفت الأسطورة جمالا على الحقيقة فادعت أن إحدى المقابلات التي ~~حدثت له صدفة في فلسطين جعلته يستأنف سيره إلى الإسكندرية؛ حيث شاهد فيها حفلة قام ~~المدعوون في أثناءها بلعبة تقليدية تتلخص في إلقاء كرة على الحاضرين، فمن تقع عليه ~~يعتبر حاكم مصر القادم، ولقد سقطت الكرة على عمرو الذي حضر متفرجا، فأثار هذا ~~الحادث عجب اللاعبين، وكانوا صفوة شعب الإسكندرية. # درس عمرو دون شك أحوال البلاد في أثناء أسفاره المتكررة، ولعله لاحظ روح الكراهية ~~التي كان يضمرها الأهالي لحكامهم البيزنطيين، ولمس الفوضى المتفشية في الإدارة وضعف ~~القوات المناط بها الدفاع عن البلاد، وبهره خصب التربة وكثرة الخيرات التي كان ~~يراها، فراح يصف، في الوقت المناسب، للخليفة عمر هذه البلاد بقوله: «إن فتحها كانت ~~قوة للمسلمين وعونا لهم، وهي أكثر الأرض أموالا وأعجزها عن القتال ~~والحرب.». # 8 # ولما خضعت أرض فلسطين للحكم العربي، خلا عمرو بعمر فاستأذنه في المضي إلى مصر ~~قائلا: «إني عالم بها وبطرقها، وهي أقل شيء منعة وأكثر أموالا، فكره أمير ~~المؤمنين الإقدام على من فيها من جموع الروم، وجعل عمرو يهون أمرها.» # 9 # هذا ما قاله الكندي حرفيا، ms013 ونستنتج من ذلك أن عمر رفض بادئ ذي بدء ~~طلب عمرو، «ولم يزل عمرو يعظم أمرها عند عمر بن الخطاب ويخبره بحالها ويهون عليه ~~فتحها حتى ركن لذلك عمر، فعقد له على أربعة آلاف رجل كلهم من عكا، ويقال: بل ثلاثة ~~آلاف وخمس مئة.». # 10 # وينقل لنا أيضا ابن الحكم كلام عمر هذا: «سر وأنا مستجير الله في ~~مسيرك.» # 11 # ويضيف إلى ذلك أن عمرا لم يتوان لحظة واحدة في الرضوخ للأمر، فلما ~~خيم الليل قام بجيشه إلى مصر دون أن يشعر به أحد، ويقول لنا ابن عبد الحكم ~~أيضا: # 12 # إن عثمان بن عفان دخل بعد ذلك عند عمر، فأخبره عمر بزحف عمرو نحو مصر، ~~ويقال: إن عثمان عقب على هذا الخبر قائلا: «يا أمير المؤمنين، إن عمرو لمجرؤ ~~وفيه إقدام وحب للإمارة، فأخشى أن يخرج في غير ثقة ولا جماعة، فيعرض المسلمين ~~للهلكة رجاء فرصة لا يدري تكون أم لا.»، فندم عمر بن الخطاب على كتابه إلى عمرو ~~إشفاقا مما قال عثمان، فكتب إليه: «إن أدركك كتابي قبل أن تدخل مصر، فارجع إلى ~~موضعك، وإن كنت دخلت، فامض لوجهك.». # 13 # وذكر السواد الأعظم من مؤرخي العرب كيف تسلم عمرو الرسالة التي تلقاها من عمر، ~~وقالوا: إن عمرا لم يفضها إلا بعد أن وطأ بقدميه أرض مصر خوفا من أن تكون الرسالة ~~متضمنة إلغاء الأمر بالزحف. # إن كانت هذه الوقائع صحيحة، فهي تدل على أن العرب عندما احتكوا بالعالم الخارجي ~~أخذوا يعملون على التوفيق بين مبادئهم الدينية وغاياتهم العسكرية والاقتصادية، وأن ~~حروب الجهاد لم تعد سببا للفتح، بل أصبحت نتيجة له، وسوف نرى، عند التحدث عن ~~الإدارة العربية، أن الحكام كانوا يهدفون إلى النفع المادي بجانب حض الشعوب ~~المغلوبة على اعتناق الإسلام. ~~(1-4) التفوق العنصري عند العرب # وهناك نقطة ثالثة يجدر بنا توضيحها لنفهم مغزى الحوادث التي أعقبت فتح مصر، وهذه ~~النقطة هي شعور العرب بتفوقهم العنصري بالنسبة للشعوب المغلوبة، كان عرب الجزيرة ~~شديدي التعصب لأصلهم، وكانوا يمنعون الأجانب ms014 من الانتساب إلى قبائلهم، ويقول ~~المستشرق «بولياك» Poliak # في دراسة له، دعمها ~~بالحجج القوية وبأسانيد أبي يوسف الفقيه: «إن الإقامة في شبه جزيرة العرب والتفوه ~~باللغة العربية لم يكونا كافيين لاعتبار القاطنين فيها عربا إذا كانوا من ~~المهاجرين، حتى لو كانت هجرتهم ترجع إلى عدة قرون، كما أن العربي الأصيل، من ناحية، ~~لم يفقد جنسيته بعد إقامته في بلد أجنبي، حتى لو طالت إقامته عدة قرون .»، # 14 # ويقول المستشرق بعد ذلك: «إن كلمة «عربي» لم يكن يراد بها المعنى ~~الوطني كما هو منصوص عليها الآن؛ ذلك لأن العرب كانوا يجهلون ما هو التجنس وما هو ~~فقدان الجنسية، وكان المسلم الذي عاش قبل الثورة العباسية، # 15 # يعتبر العرب قبيلة اجتماعية متوارثة تضمن لأعضائها بعض الامتيازات بقدر ~~ما تقيدهم به من واجبات، ولم يكن الأصل سببا لوحدتها، بل كان الموطن الواحد (أي: ~~جزيرة العرب) سبب هذه الثورة.». # وبقي عرب شبه الجزيرة متمسكين بهذا المبدأ حتى قبض العباسيون على زمام الحكم، ~~ويلاحظ الكاتب الأب «جانو» # Janot # أن معتنقي ~~الإسلام من الموالي، والمسيحيين، واليهود، والسامرين الذين لم ينحدروا من أصل عربي، ~~كانوا لا يدخلون المجتمع العربي الإسلامي دخولا كليا بمجرد إسلامهم، بل كان ~~عليهم أن يلتمسوا انتسابهم من إحدى القبائل العربية، وكانوا يدفعون غالبا ثمن ~~الانتساب، ومع ذلك لم يكونوا يعتبرون إلا مسلمين من الدرجة الثانية. # 16 # ونستنتج من ذلك أن الشعوب المغلوبة التي اعتنقت الإسلام في السنوات الأولى من ~~الدعوة الإسلامية، لم يستقبلهم العرب بعاطفة الفرح والأخوة، ولكنهم وضعوهم في مركز ~~أدبي وضيع بالنسبة إليهم، وتأخذنا الدهشة أيضا لو قارنا بين وضاعة مركز المسلمين ~~غير المنتسيبن إلى أصل عربي، وبين المعاملة الممتازة التي كان يخص بها المسلمين ~~القبائل العربية الأصلية التي ظلت مسيحية بعد ظهور الإسلام، وكانت هذه المعاملة ~~استمرارا منطقيا لحالة واقعية ترجع إلى عصر الجاهلية، ويلاحظ الأب «لامنس» في ~~هذا الصدد: «أن التجار السوريين في المدينة كانوا يعملون علانية في سبيل الدعاية ~~لمعتقداتهم ... وكان يرى محمد وهو يتردد بحرية على الأوساط ms015 المسيحية ... ولم يسمع أبدا ~~أن نقابة التجار القريشيين أوجست خيفة من وجود الرهبان بينهم ومن دعايتهم الدينية ~~في أثناء إقامة الأسواق بالقرب من مدينتهم، وظل العدد القليل من القريشيين ~~المسيحيين يتمتعون بالمركز الذي يؤهله لهم مولدهم وبراعتهم، والدليل على ذلك أن ~~قبيلة بني أسد - التي أظهرت بوجه خاص عطفها على المسيحية - قد ظلت مساكنها بجوار ~~الكعبة، بينما انتقل الأجانب «أي: العرب غير الأصليين» إلى الأحياء المتطرفة من ~~المدينة أو في الضواحي.». # 17 # ولما سيطر النبي على شبه جزيرة العرب، أراد أن يضم إليه القبائل المسيحية، فأثار ~~عفوا مشكلة المسيحيين العرب؛ لم يستطع أحد أن يطعن في جنسيتهم العربية بينما صممت ~~تلك القبائل على أن تحتفظ بمنزلتها وعزتها، ورفضت كلية أن يعاملها المسلمون معاملة ~~العرب من الدرجة التالية. # وكان النبي أول من كتب إلى مسيحيي نجران يدعوهم إلى إبرام ميثاق معه، وكان ذلك في ~~السنة العاشرة من الهجرة، فأرسلت قبيلة نجران وفدا ليفاوض النبي للحصول على أحسن ~~الشروط ولإفهامه أن القبيلة لن تتنازل عن عقيدتها مهما كان الثمن. # وقد ذهب الوفد إلى مكة، وبمجرد وصوله دخل المسجد؛ حيث كان النبي، وأخذ الأعضاء ~~يصلون على الطريقة المسيحية ... متجهين عكس القبلة، فاغتاظ المسلمون لهذا المسلك ولكن ~~محمدا أمرهم بأن يتركوهم وشأنهم، وعندما انتهوا من الصلاة توجهوا إلى النبي، ولكنه ~~أدار لهم ظهره ورفض أن يجيبهم محتجا بأنهم وارفون في حلل غالية الثمن. # وفي اليوم الثاني، قابلوا النبي الذي دعاهم إلى اعتناق الإسلام، ولما احتد ~~النقاش، صرفهم بعد أن عيل صبره، غير أن الوفد عرض عليه إبرام معاهدة على أساس منح ~~صاحب الدعوة الإسلامية بعض الفوائد المادية. # ولم يجرؤ أحد أن يفرض الجزية على هؤلاء العرب، ولكن قبيلة نجران وافقت على بعض ~~الشروط، التي فرضت فيما بعد على الشعوب المغلوبة، ومع ذلك حرص المسلمون أشد الحرص، ~~عند تحرير الميثاق، على عدم جرح عواطف مواطنيهم المسيحيين، فلم يعطوا لهذا الاتفاق ~~قوة التنفيذ، ولدينا بعض الأمثلة: ~~(1) # كان للنبي أن يتصرف في أملاك وعبيد القبيلة، ولكنه في ms016 الواقع ترك لها ~~حق استثمارها مقابل دفع ضريبة سنوية قدرها ألف حلة. ~~(2) # وكان على أهل نجران المسيحيين أن يستضيفوا مبعوثي النبي «لا يذكر ~~الجند بوجه التحقيق» وذلك لمدة ما بين عشرين يوما فما دون ذلك، ولا ~~تحبس رسل فوق شهر. ~~(3) # وإذا نشبت الحرب في اليمن، كان عليهم أن يقرضوا ثلاثين جملا وثلاثين ~~حصانا. ~~(4) # وكان عليهم أيضا أن يكفوا عن مزاولة الربا. ~~(5) # ولا يستطيع أحد أن يكره رجال القبيلة على ترك دينهم وذلك مهما كانت ~~الظروف. # 18 # وكذلك لم يفكر أحد في فرض الجزية على مسيحيي قبيلة بني تغلب، وطلبوا منهم فقط أن ~~يدفعوا ضعف ما كان يدفعه المسلمون من الزكاة، على أن تشمل الضريبة نساءهم، ويستنتج ~~من ذلك أن ما فرضه المسلمون على هؤلاء العرب على أنه زكاة، كانوا يفرضونه على ~~مسيحيي البلاد المغلوبة على أنه جزية. # 19 # وإذا تركنا جانبا تلك الشروط، نقول: إن المسيحيين العرب نعموا مدة طويلة ~~بامتيازات أنكرها العرب على الشعوب الأخرى التي اعتنقت الإسلام، ومثال ذلك انخرط ~~المسيحيون العرب في سلك الجيش، وقاتلوا ضمن الفرق التي غزت بلاد الفرس وزحفت على ~~مصر، في حين أن الأقباط الذين اعتنقوا الإسلام لم يقبلوا في الحال في صفوف الجيش ~~العربي، وعندما قبلوا فيما بعد، أدخلوا في فرق المشاة، وهذا يعني أنه في حالة ~~انتصار الجيش، لم يكن لهم الحق إلا في نصف نصيب الفرسان في الغنائم، # 20 # وأخيرا نقول: إن إسلام العرب الوثنيين كان فرضا واجبا يعاقب مخالفه ~~بالموت، إن كان ذكرا بالغا، وبالعبودية، إن كان صبيا أو امرأة، أما العرب ~~المسيحيون، فكان في استطاعتهم البقاء على دينهم، غير أن السلطات كانت تبذل جهدها في ~~سبيل إسلامهم. # 21 # ولا ننكر أن استمرار وجود العناصر المسيحية بين الجماعات الإسلامية في شبه جزيرة ~~العرب أصبح غير مرغوب فيه، ويقال: إن النبي، قبل وفاته، عبر عن رغبته في ألا يكون ~~في بلاد العرب دينان، وقد قلق مسيحيو نجران لهذا النبأ، فأرسلوا في الحال وفدا إلى ~~أبي بكر، ولكن الخليفة أكد لهم ms017 أن الاتفاق الذي أبرموه مع النبي لم يزل ~~قائما. # أما عمر بن الخطاب، فقد اتبع سياسة أخرى نحو العرب المسيحيين وبدأ يناصبهم العداء ~~بحجة أنهم يزاولون الربا، # 22 # وهاجم بعد ذلك بني تغلب وأراد أن يفرض عليهم الجزية، فما كان منهم إلا ~~أن غادروا بلاد العرب ولجئوا إلى العراق، وفي هذا الأثناء قصد الخليفة شخص يدعى ~~النعمان بن زرعة بن النعمان، وعاب عليه سياسته إزاء المسيحيين قائلا: «أنشدك الله ~~في بني تغلب، فإنهم قوم من العرب نائفون من الجزية وهم قوم شديدة نكايتهم، فلا يغن ~~عدوك عليك بهم.»، # 23 # ولما سمع عمر هذا الكلام، أرسل في طلبهم واشترط عليهم ألا «يصبغوا ~~صبيا وألا يكرهوه على دينهم وعلى أن عليهم الصدقة مضاعفة.». # ولا نعلم إذا كان أفراد القبيلة رضوا بهذا الشرط، والواقع أنهم لم يبالوا به، مما ~~دعا علي بن أبي طالب أن يصرح التصريح التالي: «لأن تفرغت لبني تغلب ليكونن لي فيهم ~~رأي، لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذريتهم فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمة حين نصروا ~~أولادهم.». # 24 # وهكذا فإن العرب المسلمين مع أسفهم لبقاء بعض مواطنيهم على ديانتهم المسيحية، لم ~~يحاولوا أن يمسوهم بأدنى سوء، غير أن هذا الموقف المتناقض أخذ يتلاشى شيئا فشيئا، ~~ولما أخذت انتصارات المسلمين تتوالى وتزداد أهمية، اعتبر العرب الغزاة إخلاص بعض ~~إخوانهم للعقيدة المسيحية بمثابة تحد لهم، لقد هدد علي بن أبي طالب ووعد أكثر من ~~مرة، ولكنه لم يستطع أن يضع تهديداته ووعيده موضع التنفيذ، إلا أن الأمويين حققوا ~~ما عجز علي عن تنفيذه، ومن الغريب أن معاوية فكر جديا في أن يمنع أقباط مصر من ~~اعتناق الدين الإسلامي بدعوى أن انتقالهم دفعة واحدة إلى الدين الحنيف قد يكبد ~~خزانة الدولة خسائر جسيمة؛ لأنه سيخفض إيراد الجزية، ولكن بعد بضع سنوات - أي: في ~~عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك - «أراد محمد، قائد الطائيين، # 25 # بعد أن عاث في بلاد ما بين النهرين فسادا وأشبع أهلها تقتيلا، أراد ~~هذا القائد أن يعتنق العرب المسيحيون الديانة ms018 الإسلامية، فأمر بإحضار رئيس ~~التغلبيين واسمه «معاذ» وطلب إليه أن يرتد عن دينه، فأبى معاذ بالرغم من تملق ~~القائد له، فأمر القائد بإلقائه في حفرة مليئة بالوحل، ثم قتله ومنع ~~دفنه.». # 26 # إلا أننا لم نجد أبدا هذا اللون العنيف من الدعاية الدينية عند العرب وقتئذ، أما ~~موقفهم الشاذ إزاء العرب والمسيحيين، فيرجع إلى الشعور بالتفوق الجنسي الذي كان ~~سائدا عند العرب، والفقرة التالية التي اقتبسناها من تاريخ ميخائيل السوري تثبت ~~هذا القول، ونصها: «قال الوليد للراهب «سمع الله التغلبي »: «إن عبادتك للصليب، مع ~~كونك رئيسا لقبيلة عربية، تجعلهم يخجلون منك.». # 27 ~~(2) هل كان انتصار العرب رائعا؟ # نريد، قبل أن نحدد موقف الأقباط من الفتح الإسلامي، أن نجرد الأعمال الحربية التي ~~قام بها عمرو من المبالغات التي أسندت إليها. # صور لنا المؤرخون والمستشرقون فتح العرب لمصر على أنه عملية حربية سهلة في بلاد ~~منيعة، تدفع عنها فرق عديدة، مدربة أحسن تدريب على القتال، ولكن أليس من المبالغ أن ~~يقال: إن هذا الفتح «تحقق بسرعة فائقة» أو أنه «معجزة من المعجزات»؟ # 28 # قد نحاول عبثا أن نجد عند المؤرخين العرب هذا الحماس المتدفق عندما يصفون ~~الانتصارات الإسلامية في مصر. # ولما دونوا هذه الأحداث، لم يحاولوا أن يقللوا من الصعاب التي حاقت بهم، ولا بالخسائر ~~الباهظة، # 29 # ولم يدعوا أبدا أن مقاومة الأعداء لهم كانت غير ذات بال، أو أن زحف جيوشهم ~~كان خاطفا، أو أن السكان كانوا يبادرون إلى عقد الاتفاقات مع الفاتح، نعم إنهم كانوا ~~يميلون حقا إلى المبالغة في ذكر قوة أعدائهم العددية، ولكنهم كانوا يفعلون ذلك بحسن ~~نية؛ لأنهم كانوا يجهلون حالة الإمبراطورية البيزنطية على حقيقتها، أما المؤرخون ~~البيزنطيون، فقد ظلوا متكتمين النكبة التي أحاقت بجيوشهم، إلا أننا نستطيع اليوم أن ~~نوضح حالة الفريقين على وجه التقريب. ~~(2-1) مقارنة بين الإسكندر المقدوني وعمرو بن العاص # وادي النيل فريسة سهلة ومغرية لكل من يريد غزوها، وقد انتهزت الدول المجاورة ~~مرارا فرصة ضعف السلطة المركزية لاجتياح هذا الوادي، فغزاه الهكسوس، ms019 ثم الليبيون ~~فالأحباش والآشوريون والفرس. # غير أن غزوة الإسكندر كانت بدون شك أكثر هذه الغزوات نجاحا، وخلاصة الرواية أن ~~الإسكندر وصل إلى الفرما بعد أن فتح مدينتي صور وغزة وتقدم منها إلى مدينة منف «أي: ~~العاصمة»، دون أن يقذف بسهم واحد، وطرد الفرس، ففرح لذلك الأهلون الذين كانوا ~~يرزحون تحت نير هؤلاء الطغاة، وأظهروا حماستهم للغازي الجديد، وتوجه الإسكندر بعد ~~ذلك نحو الشمال وأسس مدينة الإسكندرية، ثم سار على ساحل البحر الأبيض المتوسط حتى ~~بلغ مرفأ مرسى مطروح، وتوغل نهائيا في واحة سيوة قبل أن يعود إلى منف، وقد استطاع ~~الإسكندر، في أقل من سنة، أن يفتح مصر وينظمها. # ويشبه الفتح العربي الفتح المقدوني إلى حد كبير، كان عمرو بن العاص يعلم، كما كان ~~يعلم بذلك الإسكندر، أن الشعب يرغب في حكام جدد، وكان يعلم أيضا أن البلاد خالية ~~من وسائل الدفاع المتينة، وأن في استطاعته أن يقتحمها بسهولة، لذلك رضي أن يقوم ~~بفتحها ومعه 3500 أو 4000 جندي، وضعهم الخليفة عمر تحت تصرفه، غير أنه يبدو أن ~~عمرا لم يكن مستعدا لخوص غمار حرب تحصينات، وعلى الرغم من النجدات التي أرسلها ~~الخليفة إليه مرتين من بلاد العرب، لم يقض على المقاومة إلا بعد قتال دام ثلاث ~~سنوات، وفوق ذلك، يظهر أن الغزو العربي لم يكن نزهة عسكرية كما يتصوره البعض، ولم ~~تكن الروح المعنوية بين المقاتلين عالية، ويقول لنا ابن كثير فيما يقول: «إن عمرو ~~بن العاص، لما التقى بالمقوقس، جعل كثيرا من المسلمين يفر من الزحف، فجعل عمرو ~~يأمرهم ويحثهم على الثبات، فقال له رجل من أهل اليمن: إنا لم نخلق من حجارة ولا ~~حديد.»، فقال له عمرو: «اسكت، فإنما أنت كلب.»، فقال له الرجل: «فأنت إذا أمير ~~الكلاب.». # 30 # وإذا درسنا أهمية القوات التي أرسلت إلى مصر، رأينا أن عمرا كان على حق في ~~شكواه من بطء سير العمليات الحربية في الجبهة المصرية. # 31 ~~(2-2) الجيش العربي # إن البيانات التي تحصلنا عليها فيما يختص بعدد الفرق العربية ms020 التي قامت بفتح مصر ~~تعوزها الدقة، ولكن لم يعترض عليها مؤرخ إلى الآن. # كانت الفرق العربية مكونة أول الأمر من أربعة آلاف محارب، وضعهم الخليفة تحت إمرة ~~عمرو بن العاص، ولكن ما لبث أن ظهر عدم كفايتها للقيام بالمهمة التي أسندت إليها، ~~ففي أثناء حصار قلعة بابليون، طلب عمرو بن العاص إلى الخليفة المدد مرتين، وقد أرسل ~~له عمر ثمانية آلاف مقاتل على دفعتين بقيادة الزبير بن العوام، فبلغ عدد المقاتلين ~~الذين تحت قيادته اثني عشر ألف مقاتل، وتقول بعض المصادر التي اعتمد عليها الكندي ~~أن عدد القوات بلغ 15500 جندي. # 32 # وما من أحد يستطيع أن يشك في قيمة هؤلاء المحاربين وشجاعتهم؛ إذ كانت هذه الصفات ~~من أهم الأسباب التي أضعفت الروح المعنوية للقوات البيزنطية، كانوا فرسانا جسورين ~~يجيدون استخدام السلاح، ولكنهم مع ذلك لم يكونوا يبلون أحسن البلاء إلا في ساحات ~~القتال المنبسطة أمامهم، فإذا اعترضتهم الأسوار المحصنة، وقفوا أمامها لمدد طويلة ~~أو قصيرة حسب الظروف. # فقد اضطروا مثلا إلى القتال أمام الفرما شهرا تقريبا، وصمد حصن بابليون أمامهم ~~سبعة أشهر، وظلت الإسكندرية تقاوم أربعة عشر شهرا. # أما قواد الحملة، ولا سيما عمرو والزبير، فلم يتخذوا من الحرب صناعة، إلا أنهم ~~تدربوا على أساليب القتال في سوريا ولم تنقصهم سعة الحيلة. ~~(2-3) الجيش البيزنطي # لم نكن نعرف الشيء الكثير عن نظام الجيش البيزنطي قبل أن يقدم لنا جان ماسبيرو ~~كتابه عن «النظام العسكري لمصر البيزنطية»، # 33 # وبالفعل، فإن المستشرق «ألفرد بتلر» # 34 # كان يؤكد - قبل ظهور كتاب جان ماسبيرو بعشر سنوات - في مؤلفه الذي يضم ~~معلومات كثيرة عن هذا الجيش، أن في العصر الذي غزا فيه العرب مصر «لم يكن يوجد قبطي ~~واحد في ساحة القتال، وأنه من الخطأ أن يدعى أن الأقباط كان في استطاعتهم في ذلك ~~الوقت أن يجتمعوا أو يقاتلوا أو يفاوضوا العرب.». # وقد استطاع جان ماسبيرو أن يقدم لنا، بفضل دراسته لأوراق البردي، معلومات في غاية ~~الأهمية والدقة، فإن مؤلفه هو المرجع الصحيح فيما ms021 يختص بحالة الجيش ~~البيزنطي. # أعاد الإمبراطور «جوستنيان» # Justinien # تنظيم ~~الجيش البيزنطي بمصر على أساس إلغاء القيادة الموحدة، خوفا من أن يقوم قائد جيش ~~الاحتلال بإعلان الثورة على الحكومة المركزية، وكذلك حطم وحدة البلاد الإدارية التي ~~حافظ عليها الرومان طوال أيام حكمهم، وأنشأ بدلا من أبروشية # Diocése # مصر، خمس «دوقيات» # Duchee # يحكمها خمسة محافظين أو «دوقات» # Ducs # يعينهم الإمبراطور رأسا ويكونون مسئولين أمامه مباشرة، ~~وكان هؤلاء المحافظون في البداية من الأجانب، ثم ما لبث أن حل مكانهم الوطنيون، ~~وكان المحافظون يجمعون بين السلطتين المدنية والعسكرية. # ويتبين من ذلك جليا المهمة التي وكلت إلى هذا الجيش الذي كان يرأسه المدنيون ، ~~نعم إنه كان مكلفا بالدفاع عن أراضي مصر، إلا أنه قصر في ذلك أيما تقصير عندما دخل ~~الفرس مصر عام 619؛ أي: قبل الفتح الإسلامي بزمن قليل. # وسبب ذلك أن الجيش كان مرهقا بأعمال بوليسية، كالضرب على أيدي اللصوص والمحافظة ~~على الأمن ومساعدة محصلي الضرائب، والتدخل لصالح الإمبراطورية في الخلافات ~~المذهبية، فلم يوجد جيش بمعنى الكلمة يتفرغ للقتال، وأن ما كان يطلق عليه خطأ هذا ~~الاسم لم يكن إلا قوة بوليسية ليس لها قيادة موحدة، ولا قائد عسكري، بل كانت موزعة ~~على خمسة رؤساء مدنيين يتمتعون بسلطات مماثلة. # ويقول ماسبيرو: إن هذا الجيش كان يتألف من 23 ألف رجل، وإن هذا العدد كان كافيا ~~أو قل - أكثر من الكافي - لصد الاثني عشر ألف أو الخمسة عشر ألف مقاتل الذين وضعوا ~~تحت إمرة عمرو، ولا سيما أنه كان يحتمي وراء تحصينات، ولكن بينما كان العرب كلهم ~~تحت قيادة مركزة وكانوا يهجمون على العدو بقوات كبيرة، لم يفكر البيزنطيون قط في ~~وضع خطة للدفاع مبنية على التعاون، وهكذا، بينما كان العرب يشددون الخناق على حصن ~~بابليون، لم يأت محافظ واحد لنجدة المحاصرين، فقد كان كل واحد منهم ينتظر بدوره ~~هجمات العدو، مما جعل العرب يتفرقون دائما على البيزنطيين من حيث العدد. # ويجمل جان ماسبيرو أسباب الانتصارين الفارسي والعربي بقوله: إن كانت مصر قد ~~انهارت أمام ms022 غزوات القرن السابع، فلا يرجع ذلك إلى افتقار الجيش إلى الرجال، ثم إن ~~التحصينات التي أقيمت في الأماكن المعرضة للغزو على حدود البلاد كانت في حالة تسمح ~~لها بالصمود. # كان جيش مصر مجزأ، وكانت القيادة موزعة على عدة قواد، كل واحد منهم يقاتل ~~لمصلحته، ومن المؤكد أيضا أن محافظ ليبيا لم يسهم في القتال إلا عندما هاجمه العرب ~~رأسا بعد احتلال وادي النيل بأسره. # ثم اشتهر البيزنطيون بعدم مبالاتهم بالصالح العام وعداوتهم الشخصية وعدم تعاونهم، ~~ولم يكن هناك ضباط صناعتهم الحرب». # ولم يكن في الجيش المصري إلا عدد قليل جدا من الجنود الأعجميين المرتزقة، وكان ~~معظمه مؤلفا من سكان مصر «أي: من الأقباط» الذين فقدوا صفاتهم الحربية منذ قرون ~~مضت. # ويستنتج مما ذكره المؤرخ حنا النقيوسي أن الجيش البيزنطي كان عبارة عن رؤساء ~~يعوزهم الفن العسكري والخبرة الحربية، يفقد معظمهم أعصابهم أمام الخطر ويعجزون عن ~~اتباع خطة منسقة، حيث كان كل واحد منهم يقاتل لحسابه الخاص غير متبع لنظام، كما أن ~~الجنود كانوا غير مدربين وغير مخلصين لرؤسائهم. # والسبب الرئيسي لانكسار البيزنطيين في وادي النيل، هو هبوط مستوى الجيش، هذا ~~الجيش الذي قام تحت ضغط الظروف بمهمة الدفاع عن مصر. # 35 ~~(2-4) انحطاط روح البيزنطيين المعنوية # وهناك عامل آخر لم يذكره ماسبيرو، بل تركنا نستنبطه من سياق الكلام، ألا وهو ~~انحطاط روح البيزنطيين المعنوية بعد انتصارات العرب على الفرس، فإذا سلمنا بما ورد ~~في تاريخ ميخائيل السورى، لاحظنا أن هرقل بدلا من أن يعسكر في الأراضي المعرضة ~~للخطر لينظم الدفاع عنها ويرفع روح جنوده المعنوية، يئس من النصر قبل أن يلتقي ~~بالعدو على ساحة القتال، ولما رأى امتداد التخريب والدمار، رحل حزينا عن أنطاكيا ~~قاصدا القسطنطينية، ويروى أن كلمة وداعه كانت: «ابق بسلام يا سوريا.»، ثم كتب إلى ~~ما بين النهرين ومصر وأرمنيا وإلى جميع الرومان الموجودين فيها يحذرهم من أن ~~يشتبكوا في معارك مع العرب وأن الذي يستطيع أن يحتفظ بوظيفته فليبقى هناك. # 36 # هل فهم البطريرك قيرس، محافظ ms023 الإسكندرية، من هذه الرسالة أن الأمر متروك لتقديره ~~الشخصي فانتهز الفرصة ليتفاوض مع عمرو؟ هل عدل القائد العربي، في وقت من الأوقات، ~~عن غزو مصر مقابل جزية قدرها مئتا ألف دينار يسددها المصريون سنويا؟ لا يجوز على ~~كل حال أن نهمل هذا الافتراض، فقد وردت في تاريخ محبوب # 37 # تفاصيل كثيرة عن هذه المسألة، ويقول المؤلف - ونحن نسوق ما جاء فيه دون ~~أن نتمكن من التحقق من صحته - إنه عندما أبرم الاتفاق، حكم قيرس البلاد بحزم مدة ~~ثلاث سنوات لم تطأ فيها قدم عربي أرض مصر خلالها، غير أن عددا من أهالي مصر ذهب ~~يشكو إلى الإمبراطور هرقل هذا البطريرك قائلا: إنه يأخذ مال المصريين ليعطيه ~~للعرب، فأقال هرقل البطريرك وأقام القائد «مانويل» محله، ولما طالب العرب مانويل ~~بالجزية، قال لهم: «لست بالأسقف قيرس الذي كان يعطيكم الذهب ليأمن من شركم، فهو ~~راهب كرس حياته لخدمة الله، أما أنا فإني رجل نزال وحرب وشجاعة.»، ونستطيع تفسير ~~إقالة قيرس بأن الإمبراطور قد عاوده حزمه مؤقتا ورغب في استئناف القتال. # وفعلا، شعر الفرس والبيزنطيون بهبوط روحهم المعنوية عندما سمعوا بانتصارات العرب ~~الأولى، ويقص علينا ميخائيل السوري قصة تفسر لنا حالة تلك الشعوب عندما خاضوا غمار ~~الحرب، فيقول: «كان أحد الأبطال، وهو يرتدي درعه وحاملا أسلحة كثيرة، يفر أمام ~~عربي يلاحقه، وكان هذا العربي خاليا من السلاح ما عدا حربة كان يمسكها بيده، ~~ومرتديا ملابسه الخفيفة، وما أن وصل الفارسي إلى قرية، حتى وجد رجلا في حقل فطلب ~~إليه أن يدله على مكان يختبئ فيه حتى لا يراه مطارده، فأخفاه الرجل معتقدا أن عدد ~~الذين كانوا يتبعونه كبير، وبعد فترة، وصل رجل ليس عليه ما يدل على أنه جندي، وكان ~~يركب حصانه بطريقة تدل على أنه لم يتدرب على ركوب الخيل، # 38 # ودهش الفلاح، وازداد عجبه عندما رأى بساطة مظهر الرجل، وقال في نفسه: ~~«كيف يفر مرتجفا، هذا الرجل ذو الجسم الضخم والمنظر المخيف والذي يرتدي درعا ~~ويحمل أسلحة مختلفة، أمام رجل نحيف؟» ms024 وقد اغتاظ الفلاح من هذا المنظر وأخذ يضحك من ~~الفارسي ويسخر من فراره واختبائه من العربي، وقد أجابه الفارسي: «لا تلومني علي ~~مسلكي ولكن انتظر وأصغ بعينيك لتصدق.»، ثم أخذ سهما وصوبه بقوسه إلى مجرفة حديدية ~~فاخترقها وقال: «لقد صوبت نحو العربي الذي رأيته مثل هذه الضربة عدة مرات، ولكنه ~~كان يبعد عنه السهام بيديه كما لو كان يطرد الذباب عنه، ومن هنا تأكدت أن الله هو ~~الذي منحهم النصر، وما كان مني بعد ذلك إلا أن أدرت ظهري ولذت بالفرار.». # 39 ~~(3) موقف الأقباط ~~(3-1) مرشدو العرب من اليهود # رأى الإمبراطور هرقل في منامه، عندما أخذ نجمه في الأفول، أن شعبا مختونا سيثور ~~عليه ويهزمه ثم يحكم العالم كله، اعتقد هرقل أن هذا الشعب ما هو إلا الشعب اليهودي، ~~فأمر في الحال بتعميد جميع اليهود والسامريين، الذين كانوا يقطنون في مختلف ولايات ~~الإمبراطورية. # 40 # ولم يكن اليهود في ذلك الوقت يفكرون في القيام بثورة، ولم تكن عندهم الوسائل التي ~~تسمح لهم بالقيام ضد الإمبراطورية البيزنطية، ولكن عندما تغلغل العرب في أراضي ~~العدو، تذكر اليهود أعمال العنف والاضطهاد التي تحملوها في عهد البيزنطيين، وعرضوا ~~في الحال على العرب الغزاة خدماتهم وأعطوهم المعلومات التي تفيدهم، وبذلوا لهم ~~المساعدة في سوريا ومصر. # هل يصح أن نعتمد على هذه الأحداث ونقول إن الأقباط، مثل اليهود، أرادوا أن ~~ينتقموا ممن اضطهدهم في تلك الظروف الحرجة؟ لا نجرؤ على ذلك؛ لأن الأقباط فوجئوا ~~بتقدم العرب غير المنتظر، فبقوا حيارى زمنا طويلا وتركوا الحوادث تقرر مصيرهم، ~~ولما أرادوا أن يتخذوا موقفا إيجابيا، كان السيف قد سبق العزل؛ لأن قرارهم جاء ~~متأخرا. # ولو تواطأ العرب مع كبار الأقباط أن يخوضوا المعركة لاستطاعوا دون شك أن يعتمدوا ~~على تعاون الشعب لهم، ولكن الشعب كان يجهل نيات العرب، فخاف أن يظهر عداءه ~~لبيزنطيا في أثناء المعركة، قبل أن تصبح بيزنطيا على هاوية الانكسار. ~~(3-2) كان الأقباط يريدون تغيير حكامهم # اضطهد هرقل اليعقوبيين ليفرض عليهم الحل الذي اقترحه باسم «الإكتيز» ويعيدهم ms025 إلى ~~الكنيسة البيزنطية، فزاد كره الأقباط لبيزنطيا، ولكن هذا الاضطهاد لم يكن السبب ~~الوحيد، الذي دعى الشعب إلى الرغبة في تغيير حكومته، لقد كان في استطاعة هرقل أن ~~يحد من الأثر السيء الذي أحدثته سياسته الدينية في روح هذا الشعب لو أنه خفض قيمة ~~الضرائب، وكان القائد «نكيتاس» قد اختبر هذا الحل بعد انتصاره على «فوكاس» فأرجأ ~~دفع الضرائب لمدة ثلاث سنوات، واعترف حنا النقيوسي «بأن المصريين أظهروا له ولاء ~~عظيما». # 41 # والمعلوم أن المصري كره دفع الضرائب منذ العصور القديمة، فكان يظهر طاعته للحكام ~~الذين كانوا يضربون صفحا، لسبب من الأسباب، عن تحصيل الضرائب المستحقة عليه، بينما ~~كان لا يكتم عداوته للسلطة التي تفرض عليه تلك الضرائب. # وكتب «اميان مرسيلان» # Ammien Marcellin ~~، المؤرخ ~~الروماني الذي عاش في القرن الرابع، يقول: «كان المصريون في العصور القديمة يعتبرون ~~أنفسهم سذجا فيما لو سددوا ما عليهم دون أن يضطروا إلى ذلك بالقوة، أو على الأقل ~~بالوعيد.»، # 42 # ويضيف «جاستون فييت» إلى ما تقدم «أنه فيما يختص بتلك المسألة المالية ~~الحقيرة، اقتصر الكتاب على ذكر ما ورد في كتاب اميان مرسيلان أو خطاب من ~~هادريان # Hadrien ~~، ولم يحاول أحد أن يلفت النظر ~~إلى قوانين البطريرك بطرس الشهيد التي كانت تفرض بعض الواجبات على المرتدين، الذين ~~كانوا يرغبون في العودة إلى حظيرة الكنيسة، ولكن قانونا من هذه القوانين كان ~~غريبا في حد ذاته؛ إذ كان يرفع العقاب عن المسيحيين الذين كانوا يدفعون ضرائبهم عن ~~طيب نفس منزهين أنفسهم باحتقارهم للمال.». # 43 # وذكرت «جرمين روبار» # Germaine Rouibard # أن ~~الشعب، في القرن الرابع، كان يفتخر بالضرب الذي يناله من الجباة، # 44 # وأن إرادة الإمبراطور تحطمت أمام مقاومة دافع الضرائب المصري، وكانت ~~المقاومة تزداد كلما ازدادت الضرائب المفروضة على الشعب تحت الحكم البيزنطي، وكان ~~طبيعيا أن يصغي الشعب راضيا إلى وعود المنتصر بتخفيض الضرائب أو إلغائها جميعا، ~~وأن الذين تعرضوا للموت والعذاب لتشبثهم بنظريتهم الخاصة بالطبيعة الواحدة، أنكروا ~~إيمانهم بالديانة المسيحية عندما طولبوا بدفع الضرائب إلى الغزاة ms026 ~~المسلمين. # 45 ~~(3-3) هل استقبل الأقباط المسلمين كمحررين؟ # لما توغل العرب في الأراضي المصرية، كان الأقباط يجهلون كل شيء عن نواياهم، فلا ~~يعلمون إذا كان العرب سيرغمونهم على اعتناق الإسلام، أو سيصادرون أملاكهم، أو ~~سيحتفظون بنظام الضرائب البيزنطي، وظلت هذه المسائل محل استفهام الأقباط، فلم ~~يدركوا أغراض العرب إلا في أثناء حصار حصن بابليون؛ أي: عندما أثيرت مسألة الهدنة ~~بين المتحاربين، وأدرك الأقباط حينئذ أن الحاكم العربي أكثر تسامحا من الحاكم ~~الفارسي أو الحاكم البيزنطي؛ إذ خيرهم بين حلول ثلاثة: إما اعتناق الديانة ~~الإسلامية والامتناع عن دفع الضرائب، وإما قبول الحماية الإسلامية مع دفع دينارين ~~عن كل رجل يصلح للقتال، وإما استئناف القتال وقبول ما يترتب عليه من نتائج. # زد على ذلك أن العرب لم يحاولوا قط أن يطمئنوا الشعب المصري على نواياهم؛ إذ ~~كانوا يجهلون اللغتين اليونانية والقبطية، كما لم يحيطوا أعمالهم الحربية بأية ~~دعاية، ومع أنهم قاتلوا - على عكس الفرس - بشيء من الرفق، ولم يقوموا بأعمال ~~تخريبية منظمة أو بإراقة دماء الشعب، إلا أنهم تمادوا مضطرين في بعض الأحيان في ~~اقتراف أعمال مشينة وحركات قمع دامية مما لم يساعدهم على كسب ثقة الشعب وعطفه ~~عليهم. # وقد اهتم الأسقف حنا النقيوسي - وهو المصدر الوحيد المعاصر للحملة - بالشكوى من ~~هذا التمادي أكثر من ذكر الأعمال التي تشرف الفاتح، فيطلعنا في تاريخه عن سيئات ~~الفتح، ولم نستطع مع الأسف أن نتحقق في صحة أقواله؛ لأن المؤرخين العرب لم يتحصلوا، ~~عندما كتبوا مؤلفاتهم، على جميع تفاصيل المعارك، ويقول مثلا حنا النقيوسي: «إن ~~عمرا أمر بإلقاء القبض على القضاة الرومان وتكبيل أيديهم وأقدامهم بسلاسل حديدية ~~وأتوار خشبية، واغتصب الأموال وضاعف الضرائب المفروضة على الفلاحين، وكان يضطرهم أن ~~يحضروا علف الخيل كما أنه اقترف كثيرا من أعمال العنف.». # 46 # وقد يكون حماس المسلمين الديني سببا في ارتكاب بعض الأعمال العنيفة، فيقول حنا ~~النقيوسي أيضا: «إنه عندما يدخل المسلمون المدن، ومعهم المصريون الذين ارتدوا عن ~~المسيحية، كانوا يستولون على أملاك المسيحيين الفارين ويسمون خدام المسيح ms027 أعداء ~~الله.». # وعلى كل، لم يستطع الأقباط أن يستقبلوا العرب كمحررين؛ ذلك لأن الغزاة كانوا ~~يدينون بديانة أخرى، حقا، لقد حرر العرب اليعقوبيين من نير البيزنطيين، ولكن لم ~~يكن هؤلاء اليعقوبيون يرتاحون إلى حكام آخرين عقيدتهم تخالف العقيدة ~~المسيحية. # وإننا لو درسنا سلوك الأقباط في مختلف أدوار المعركة، لاستطعنا أن نلقي ضوءا على ~~موقفهم، ولكن يجدر بنا، قبل ذلك، أن نذكر شيئا عن شخصية المقوقس الغامضة. ~~(3-4) صعوبة تحقيق شخصية المقوقس # إن الشخص الذي يطلق عليه مؤرخو العرب اسم المقوقس، لم يزل غامضا هل كان قبطيا؟ ~~هل كان من أصل يوناني؟ هل المقوقس الذي سلم القاهرة، هو نفسه الذي أبرم اتفاقية ~~الإسكندرية؟ لم يصل المستشرقون، بعد بحث وتنقيب خلال قرن أو أكثر، إلى جواب دقيق ~~على هذه الأسئلة. نعم، إننا اليوم أقرب إلى الحقيقة من أمثال «شامبليون فيجاك» # Figeac Champolion # 47 # وهو شقيق شامبليون، الذي صور لنا قيرس على أنه قس قلق ومفسد، خلف ~~البطريرك جورج عام 630، بينما حكم مصر أحد الأقباط، كريم الأصل ومن أغنى أغنياء ~~البلاد، اسمه المقوقس، غير أن المستندات التي تحصلنا عليها حتى الآن، لا تسمح لنا ~~بعد بتفسير هذا اللغز التاريخي تفسيرا تاما. # استعمل المؤرخون كلمة «مقوقس» باعتبارها اسم شخص معين، على أننا متأكدون تقريبا ~~من أصل هذه الكلمة: إن البطريرك قيرس، الذي عينه الإمبراطور هرقل محافظا على ~~دوقية الإسكندرية، كان قبل تعيينه أسقفا لمدينة «فاز» وهي من مدن القوقاس، فلقب ~~في مصر بلقب «قوقيوس» (القوقاسي) كما يشهد على ذلك أحد المستندات القبطية النادرة ~~التي كشف عنها، وأشار عليها «إميلينو» # Amelineau ~~: ~~«... أما القوقيوس، هذا الأسقف المزعوم، فقد ترك الحقد يوغر في صدره إلى أن وصل إلى ~~مدينة الفيوم # 48 ~~... ولما أدرك الأب صموئيل أنه سيفارق الحياة، قال له «أي: للقوقيوس»: ~~«أنت أيضا أيها الكلسيدوني المخادع.». # 49 # وإنه من المرجح أن العرب حرفوا هذا الاسم، والمسألة في ذاتها ليست خطيرة، ولكن ~~الخطر كل الخطر هو ذلك اللبس، الذي وقعوا فيه عندما كانوا يتحدثون عن محافظي مصر ms028 ~~المختلفين، ويبدو أنهم أهملوا هذه الحقيقة ألا وهي أن كل محافظ «دوق» كان مسئولا ~~أمام بيزنطيا مباشرة، وعليه أن يرفع تقاريره إلى رئيس الإدارة الشرقية فقط، حقا، ~~إن قيروس، بطريرك ودوق الإسكندرية، كان يتمتع بمركز ممتاز بالنسبة إلى سائر ~~الدوقات؛ لأنه كان مكلفا بجباية الضرائب إلى جانب وظيفته، وبعد، إنه لم يكن يستطيع ~~الخروج على النظام المتبع أو أن يفرض سياسته الشخصية على زملائه، أو أن يبرم ~~اتفاقات مع الفاتح، ثم يوقعها بالنيابة عنهم. # ونميل إلى الاعتقاد - دون أن نجزم قطعيا - بأن المقوقس الذي فاوض في تسليم ~~بابليون هو شخص آخر غير البطريرك قيرس الذي أبرم صلح الإسكندرية، بل إنه حاكم قبطي، ~~وأمسك المؤرخون العرب عن التثبيت من شخصية هذا الحاكم، على أن المؤرخ الكاثوليكي ~~ابن بطريق يشير إلى المقوقس على أنه «يعقوبي مبغض للروم، إلا أنه لم يكن يتهيأ له ~~أن يظهر مقالة اليعقوبية لئلا يقتلوه.»، ويتهمه ابن بطريق، إلى جانب ذلك، بأنه «قد ~~اقتطع، أموال «مصر» من وقت حصار كسرى للقسطنطينية، # 50 # فكان يخاف أن يقع في يد هرقل الملك فيقتله.». # 51 # ماذا كان يقصد المؤرخ من كلمة «مصر»؟ هل كان يعني بها البلاد كلها؟ لا أظن هذا، ~~إن الذين كتبوا التاريخ باللغة العربية، كانوا يستعملون هذه الكلمة في البداية ~~للإشارة إلى المدينة نفسها، وجاء بعد ذلك المقريزي، فأراد أن يدقق في المعنى، ففرق ~~بين «أرض مصر» (أي: القطر كله) و«فسطاط مصر» (أي: المدينة). # والذي يحملنا أيضا على الاعتقاد بأن حاكم بابليون أيام الحملة كان قبطيا، هو ~~الفرق الواضح بين اتفاقيتي القاهرة والإسكندرية، فبينما تعنى اتفاقية الإسكندرية ~~صراحة بمصير اليونانيين، لم تهتم اتفاقية بابليون إلا بمصير الأهلين، وأبى ابن عبد ~~الحكم أن يترك شكا في هذا الموضوع، فأضاف، بعد أن ذكر الاتفاقية الموقع عليها في ~~بابليون، ما يأتي: «هذا كله على القبط خاصة»، ومن جهة أخرى، أراد المقوقس أن يخطر ~~عمرا قبل دخول الاتفاقية في دور التنفيذ، فقال له: «إنما سلطاني على نفسي ومن ~~أطاعني، وقد تم صلح ms029 القبط فيما بينك وبينهم ولم يأت من قبلهم نقض، وأما الروم، ~~فأنا منهم بريء»، # 52 # ويحدثنا ابن بطريق عن المقوقس بأنه «احتال على الروم» وقال لعمر سرا: ~~«أما الروم، فإني بريء منهم، وليس ديني دينهم ولا مقالتي مقالتهم، إنما كنت أخاف ~~منهم القتل، فلذلك كنت أستر ديني ومقالتي من مقالتهم وأكتم ذلك». # 53 ~~(3-5) ريبة الأقباط وحيرتهم # إذا عجزنا إلى الآن من التأكد من شخصية الحاكم الذي قام بدور المفاوضات في أثناء ~~حصار بابليون، وبالتالي إذا تعذر علينا وجود علاقة بين موقفه وشعور مواطنيه بالنسبة ~~للغزاة العرب، ففي مقدورنا أن نؤكد أن موقف الأقباط خلال الغزو كان سلبيا، وقد ~~لخص الأب «جاتو» موقفهم في قوله: «إنهم لم يقوموا بأي مجهود لوقف الكارثة، ولكنهم ~~احتموا خلف أسوار المدن التي لم يجرؤ العرب بعد على اقتحامها، وانتظروا هجومهم ~~عليها.». # 54 # وكتب أحد الأدباء المصريين المعاصرين، بعد دراسة طويلة لعصر الخلفاء الراشدين ~~مستندا إلى النصوص العربية، يقول: «لا شك أن القبط لم يعاونوا الروم في قتال العرب ~~إلا بالقدر الذي يضطرهم إليه خضوعهم كارهين لسلطان قيصر وعماله، ولكن لا شك كذلك في ~~أنهم لم يعاونوا العرب، إلا أن تكون معاونات فردية، أما فيما وراء ذلك، فقد وقف شعب ~~مصر من الفريقين المتحاربين موقف المتفرج شديد التطلع.» # 55 # ولما كان الشعب قد أفسدته العبودية، فكان يتحمل تبدل سادته بشيء من عدم المبالاة ~~على الرغم من الشعور الوطني، الذي بدأ يظهر عنده. ~~(3-6) ولنعد الآن إلى صلب الموضوع # بينما كانت جيوش عمرو تشق لنفسها طريقا إلى الفرما، الواقعة على حدود مصر ~~الشرقية، بعد أن بذلت جهودا كبدتها خسائر في الأرواح، ظل الشعب ساكنا، أما ~~البطريرك بنيامين، فكان يعيش مختبئا، وقد ادعى بعض المؤرخين أنه حينما علم هذا ~~البطريرك بدخول العرب، وجه رسالة إلى جميع الأساقفة يطلب إليهم فيها أن يناصروا ~~الغزاة، # 56 # ولكن الأحداث التي وقعت بعد ذلك تكذب هذا الزعم الذي أهمله المؤرخون ~~اللاحقون. # وقد قام العرب بحصار حصن بابليون مدة طويلة، مما أرغم ms030 البيزنطيين على الدفاع دون ~~الهجوم لقلة عددهم وضعف خططهم العسكرية، ولم تصل إلى البيزنطيين النجدة بينما كانت ~~قوات عربية تصل باستمرار لتعزز مواقع المحاصرين، ومع ذلك لم نعثر على نص واحد يشير ~~إلى أن الأقباط قدموا أية مساعدة إلى جيش عمرو في أثناء هذا الحصار الطويل. # ثم ظهر المقوقس، فخاطب الحامية قائلا: «إن العرب قد جاءهم نجدة وليس لنا بهم ~~طاقة، ولا نأمن منهم أن يفتحوا القصر «حصن بابليون» فيقتلونا، # 57 # ولكن نسد أبواب الحصن ونصير عليها مقاتلة ونخرج من القصر إلى الجزيرة ~~فنقيم بها ونتحصن بالبحر، فخرجوا «كذا» الروم ومعهم المقوقس وجماعة من أكابر القبط ~~من باب القصر القبلي ودونهم جماعة يقاتلون العرب، فركبوا المراكب ولحقوا بالجزيرة ~~وقطعوا الجسر، وكان ذلك في وقت جري النيل.»، ولعل هذا العرض كان خدعة من المقوقس ~~ليخرج الروم من الحصن. # غير أن ابن عبد الحكم لم يتهم المقوقس بالخيانة ، بل روي أن الزبير ورجاله وصلوا ~~إلى باب الحصن واقتحموه، «فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه، سأل عمرو بن العاص ~~الصلح ودعاه إليه، على أن يفرض العرب على القبط دينارين على كل رجل ~~منهم.»، # 58 # وهكذا فكر المقوقس في هذه الآونة الحجرة أن يؤمن مستقبل مواطنيه ~~الأقباط على حساب العناصر البيزنطية. # ومهما كان من الأمر، فإن المفاوضات استغرقت وقتا طويلا، ويقول ابن عبد الحكم ~~وابن بطريق في هذا الصدد: إن قائد الحصن حاول الحصول على صلح بأحسن شروط ممكنة، ~~فخاطب العرب قائلا: «إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا وألححتم على قتالنا، وطال مقامكم ~~في أرضنا دائما، وإنما أنتم عصبة يسيرة وقد أظلتكم الروم وجهزوا إليكم ومعهم من ~~العدة والسلاح، وقد أحاط بكم هذا النيل، وإنما أنتم أسارى في أيدينا، فابعثوا إلينا ~~رجلا منكم نسمع من كلامكم، فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ~~ونحب وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم.». # 59 # ولكن العرب لم ينخدعوا بهذا الكلام، فأرسل إليهم عمرو من يقول لهم: «ليس بيني ~~وبينكم ms031 إلا إحدى ثلاث خصال؛ إما أن دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم ما ~~لنا، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون، وإما أن جاهدناكم بالصبر ~~والقتال حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.». # ثم جاء عبادة، أحد المتفاوضين، فأضاف إلى العرض الثاني ما يلي: «إن أبيتم إلا ~~الجزية، فأدوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، نعاملكم على شيء نرضى به نحن، ~~وأنتم في كل عام أبدا ما بقينا وبقيتم ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من ~~أرضكم ودمائكم، وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إن كنتم في ذمتنا وكان لكم به عهد ~~علينا.». # 60 # ويقول لنا المؤرخون المسلمون: إن الأقباط تلقوا هذه العروض بفتور، إن لم يكن ~~بالامتعاض بالرغم من أنهم كانوا يشعرون بأنهم خسروا المعركة، ويقول ابن عبد الحكم: ~~إن الذين كانوا في حاشية المقوقس أجابوه: «أويرضى أحد بهذا الذل؟ أما ما أرادوا من ~~دخولنا في دينهم، فهذا ما لا يكون أبدا، أن نترك دين المسيح ابن مريم وندخل في دين ~~غيره لا نعرفه، وأما أن أرادوا أن يسبونا ويجعلونا عبيدا، فالموت أيسر من ذلك، لو ~~رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارا، كان أهون علينا.». # 61 # وقد حاول المقوقس أن يعقلهم قائلا: «إذا أخبركم، أما دخولكم في غير دينكم، فلا ~~آمركم به، وأما قتالهم، فأنا أعلم أنكم لن تقروا عليهم ولن تصبروا صبرهم ولا بد من ~~الثالثة.»، قالوا: «أفنكون لهم عبيدا أبدا؟». # قال: «نعم تكونون عبيدا مسلطين في بلادكم، آمنين على أنفسكم وأموالكم وذراريكم، ~~خير لكم من أن تموتوا عن آخركم وتكونوا عبيدا تباعوا وتمزقوا في البلاد، ~~مستعبدين أبدا، أنتم وأهلوكم وذراريكم.»، ولكنهم قالوا: «الموت أهون ~~علينا.». # 62 # وأخيرا انتهى الأمر بقبول حماية العرب، وقد سارع عمرو إلى عقد الهدنة، فلامه على ~~ذلك الزبير؛ إذ كان يريد اقتحام الحصن واستعباد السكان بعد توزيع أملاكهم على ~~المجاهدين. # وبعد أن قبل الأقباط الحماية؛ أي: بعد أن ~~شعروا بانكسارهم، عرض بعضهم خدماتهم على العرب، وتشير كتب التاريخ إلى ms032 ذلك بكل ~~وضوح، فيقول ابن الحكم: خرج عمرو بن العاص بالمسلمين حين أمكنهم الخروج وخرج معه ~~جماعة من رؤساء الأقباط، وقد أصلحوا لهم الطريق وأقاموا لهم الجسور والأسواق، وصارت ~~لهم القبط أعوانا على ما زادوا من قتال الروم، # 63 # ويؤكد حنا النقيوسي هذا القول فبعد أن وصف احتلال بابليون والفيوم ~~ومهاجمة الإسكندرية، كتب يقول: «وهنا بدءوا يبذلون المساعدة للمسلمين.» # 64 # ويتضح من ذلك أن الذين قاموا بتقديم المساعدة هم الأقباط الذين أخضعهم المسلمون؛ ~~أي: الأقباط الذين لمسوا بأنفسهم تسامح حكامهم الجدد، أما الأقباط الباقون فلا ~~يزالون على عدائهم لهم، ويلاحظ حنا النقيوسي أنه حدث في أثناء زحف العرب نحو الجزء ~~الشمالي من الدلتا ذعر في جميع بلاد مصر؛ إذ كان الأهلون يفرون إلى الإسكندرية ~~تاركين ممتلكاتهم ومواشيهم. # 65 # وقد صمدت الإسكندرية مدة أربعة عشر شهرا؛ وكان في وسعها أن تقف في وجه العرب ~~أكثر من ذلك وتهزمهم لو وصلتها نجدات كاملة ولو لم يتضجر سكانها من القتال، «ولم ~~يكن قيروس البطريرك الكالسيدوني الرجل الوحيد، الذي يرغب في السلام، بل إن السكان ~~والحكام و«دومنسيوس» صاحب الحظوة لدى الإمبراطورة «مارتين» اجتمعوا وتشاوروا مع ~~البطريرك قيرس لتوقيع وثيقة الصلح مع المسلمين.». # 66 # وعندما دخل عمرو المدينة «استقبله الأهلون بالاحترام على الرغم مما ~~أصابهم». # وبديهي أن العرب أيضا قد تعبوا من الحرب بدليل أن عمرا أوقف رحى القتال مدة أحد ~~عشر شهرا؛ لكي تتمكن حامية المدينة من الجلاء عنها بأسلحتها وعتادها. # 67 # وإذا أردنا أن نلخص رأينا في هذه المسألة أحسن تلخيص، فلنذكر النص الذي يصف به ~~المستشرق «دي جوييه» # De Goje # موقف المواطنين ~~السوريين من الغزاة العرب، فهو يقول: «كانوا يشاهدون كمتفرجين اجتياح القوات ~~العربية لأراضيهم، وقد تتبعوا بشيء من الفضول الأحداث التي فرضت عليهم واحدا من ~~الخصمين المتقابلين، وعلى أي حال، فقد أظهروا شيئا من العطف نحو العرب خاصة عندما ~~تأكدوا من أن العرب لا يهدفون إلى السلب والنهب، وأنهم يعاملون باللين والرفق جميع ~~الذين يخضعون إليهم بمحض إرادتهم.». # 68 # | هوامش # الفصل ms033 الثالث # | الشريعة الإسلامية وأهل الذمة # كان العرب يجهلون فن الحكم، فشغلتهم إدارة الأراضي المحتلة جديا، أضف إلى ذلك أن القرآن ~~بتعليماته الدقيقة فيما يجب اتباعه حيال أهل الذمة لم يسهل المهنة الملقاة على عاتق الحكام، ~~الذين اضطروا إلى تجاهل بعض تعليمات القرآن والحديث أو تفسيرها حسب أهوائهم. # وهكذا تعرضت هذه المبادئ منذ بداية الفتح، لبعض التعليقات الخطيرة، فازدادت الفوارق بين ~~المبدأ، الذي كان يشتد أحيانا على أهل الذمة ويذلهم، وبين تطبيقه. # ويجدر بنا أن نستعرض بإيجاز الشريعة الإسلامية ولا سيما فيما يتعلق بتشغيلهم في الإدارة ~~الإسلامية وبزيهم الخارجي حتى نجيد فهم الأحداث التي حاقت بمصر الإسلامية. ~~(1) أهل الذمة في القرآن # تحدث القرآن أكثر من مرة عن أهل الذمة بأسلوب واضح وتارة بأسلوب يحتاج إلى بعض ~~التعليقات، وهذه بعض آياته: # سورة آل عمران آية 28: # لا يتخذ المؤمنون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين ~~. # سورة المائدة آية 51: # يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ~~ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين ~~. # سورة التوبة آية 8: # كيف وإن يظهروا عليكم لا ~~يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى ~~قلوبهم وأكثرهم فاسقون ~~. ~~(2) شروط عمر # خضع أهل الذمة أيضا إلى «شروط عمر»: إننا نجهل كيف سن هذا التشريع بالتدقيق، وكان ~~المؤرخون أمثال ابن عبد الحكم والكندي والبلاذري لا يعلمون بها، ولا شك أن بعض نصوصها ~~وردت في كتب التاريخ والقانون ولا سيما النصوص الخاصة بالزي الخارجي، أما القلقشندي، ~~فهو الذي أعطاها صبغتها الرسمية عندما ذكرها في كتاب «صبح الأعشى» ومع كل، لا نستطيع ~~إغفالها؛ لأن بعض ولاة مصر والعالم الإسلامي رجعوا إليها في ظروف مختلفة. # ولم تصطبغ هذه الشروط بالصبغة المعروفة للأوامر الإدارية، فقد وضعت على شكل خطاب حرره ~~أهل سوريا ورفعوه إلى الخليفة عمر ليصدق عليه، وهذا هو نص الخطاب كما ورد في كتاب «صبح الأعشى»: # هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا: # إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا ms034 وأموالنا وأهل ملتنا، ~~وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرا ولا ولا ~~صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها ديرا «بيت عبادة» كنيسة ولا قلاية ولا ~~كنيسة، ولا نخفي ما كان منها في خطط المسلمين، ولا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد ~~من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم، ولا نأوي في منازلنا ولا كنائسنا جاسوسا، ولا ~~نكتم غشا للمسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا نظهر شركا ولا ندعو إليه ~~أحدا، ولا نمنع من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام إن أرادوه، وأن نوقر ~~المسلمين ونقوم لهم في مجالسنا إذا أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ~~لباسهم، في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم ولا ~~نتكنى بكنيتهم ولا نركب السروج ولا نتقلد السيوف ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا ~~نحمله معنا، ولا ننقش على خواتمنا بالعربية ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم ~~رءوسنا، وأن نلزم ديننا حيثما كنا، وأن نشد زنانير على أوساطنا، وألا نظهر ~~الصليب على كنائسنا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب ~~بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربا خفيفا، # 1 # ولا نخرج شعانين ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران معهم ~~في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاوزهم بموتانا ولا نتخذ من الرقيق ~~ما يجري عليه مهام المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم. ~~«قال عبد الرحمن بن غنم: فلما أتيت عمر بالكتاب زاد عليه: ولا نضرب أحدا من ~~المسلمين، شرطنا ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا. # وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا عن شيء مما شرطنا لكم وضمناه على أنفسنا، فلا ذمة ~~لنا، وقد حل لكم منا ما يحل لأهل المعاناة والشقاق.». # 2 # وقام القلقشندي بعد ذلك بتلخيص الشروط المفروضة على أهل الذمة، وهي كالآتي: الجزية، ~~والضيافة، والانقياد لأحكامنا، وألا يركبوا للحمير بأن يجعل الراكب رجليه من جانب واحد، ~~وأن ينزلوا المسلمين صدر المجلس وصدر الطريق، والتمييز عن المسلمين في اللباس، وأنهم لا ms035 ~~يرفعون ما يبنونه على جيرانهم من المسلمين، وأنهم لا يحدثون كنيسة ولا بيعة فيما أحدثه ~~المسلمون من البلاد. ~~(3) عدم إباحة أهل الذمة الانخراط في خدمة المسلمين # أهملت شروط عمر نقطة في غاية الأهمية وهي هل يستطيع المسلمون استخدام المسيحيين في ~~أعمالهم؟ لا شك أن الخليفة لما رأى أن القرآن أجاب على هذه المسألة بالنفي، أهمل ذكرها ~~من جديد وتمسك بتعاليم القرآن طوال مدة خلافته، ويقدم لنا أحد المتفقهين في الشريعة، ~~وهو محمد بن علي بن عبد الواحد بن يحيى المعروف بابن النقاش # 3 # أمثالا عديدة: ~~«وقال أبو موسى الأشعري للخليفة: «استخدمت رجلا نصرانيا» فأجابه الخليفة: «ماذا ~~فعلت أيها الرجل؟ إن الله سيعاقبك، ألم تدرك معني قوله تعالى هذا: # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه ~~منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ~~(سورة المائدة ~~الآية 51)، فقلت: «يا أمير المؤمنين، استخدمته للكتابة فقط وتركت جانبا عقيدته»، ~~فأجابه عمر: «ليس هذا عذرا ولن أشرف أبدا الذين احتقرهم الله، ولن أرفع أبدا الذين ~~وضعهم الله في حالة دنيئة، ولن أقترب من الذين أبعدهم الله منه.». # وكتب إلى الخليفة أحد قواده ليستعلم بخصوص إدخال الكفار في الوظائف العامة فقال: «إن ~~الأموال تدفقت على الخزينة بكثرة ولا يستطيع غيرهم أن يقوم بالأعمال الحسابية، قل لي ~~حينئذ ما يستحسن عمله.»، فأجابه عمر: «ولا تشركوا الكفار في أعمالكم، لا تعطوهم ما حرمه ~~الله عليهم، ولا تضعوا ثروتكم في أيديهم، ولا تنسوا هذا المبادئ التي يجب أن يسير عليها ~~كل رجل.». # وكتب أيضا الخليفة إلى أحد قواده: «إن الذي يستخدم كاتبا نصرانيا يجب ألا يشاطره ~~في حياته أو يكون له عطفه أو يجلسه بجانبه أو يستشيره؛ لأن النبي والخليفة أمرا بألا ~~يستخدم الذميين في الوظائف.». # وتلقى الخليفة رسالة من معاوية بن أبي سفيان يقول فيها: «يا أمير المؤمنين» إني ~~استخدم في ولايتي نصرانيا لا أستطيع بدونه أن أجمع الخراج، ولكن أردت قبل أن يقوم ~~بهذا العمل أن أنتظر أوامركم، ms036 فأجاب الخليفة: «أدعو الله أن يقيني هذا الشر! قرأت ~~الرسالة التي وجهتها إلي بخصوص النصراني، وأعلم أن هذا النصراني قد توفي ~~والسلام!». # أما رأي الفقيه ابن النقاش، فليس أقل صراحة من رأي عمر نفسه بالرغم من أنه صدر بعد ~~سبعة قرون، فقد سئل الفقيه: «ما رأي علماء الإسلام، وهم قادة الشعوب، فيما يختص ~~باستخدام الذميين وبالاستعانة بهم بصفة كتاب لدى الأمراء لإدارة البلاد أو لجباية ~~الخراج؟ أهو عمل شرعي أم محرم؟» فأجاب ابن النقاش: اعلم أن الشرع لا يسمح باستخدام ~~الذميين وهذا رأي جميع المسلمين، أما العلماء فقد أفتوا بعدم استخدام الذميين، فحرموه ~~بتاتا أو أعربوا على الأقل عن عدم رضائهم، وقد علمنا الله تعالى أن أهل الكتاب ~~«النصارى واليهود» يعتقدون أنهم لا يخطئون إذا خذلوا المسلمين أو إذا استولوا على ~~أملاكهم، وفعلا قال الله تعالى: «قد بين أهل الكتاب من تودع عندهم قنطارا «أي ألف ~~دينار» ثم يردونه إليك، وقد تجد بينهم من لا يردون إليك دينارا واحدا إلا إذا اضطروا ~~إلى ذلك؛ لأنهم يقولون: «لا عهد بيننا وبين أنصار النبي»، # 4 # ويمكن تطبيق هذا الكلام على أقباط مصر الذين يعتقدون أنهم غير مرتبطين بعهد ~~مع المسلمين ويظنون أنهم إذا سلبوا أملاكهم ورجالهم، فقد يستردون جزءا يسيرا من ~~الأملاك والرجال الذين فقدوهم في الأزمنة الماضية. # فإن قيل: إن الآيات التي ذكرتها تتعلق فقط بشعور الصداقة نحو النصارى، بينما أن ~~المسألة تتعلق باستخدامهم في الوظائف العامة، أقول: «لا يستخدم الإنسان إلا من يثق به؛ ~~لأنه قد يحب فيه الصفات التي تدفعه إلى الأمانة، فإذا استخدمت رجلا أمينا، فأظهرت له ~~صداقتك، وهي عنوان الثقة بينك وبينه، تكون بذلك قد توليته، وعلى أي حال، فإن الله تعالى ~~حل المشكلة الخاصة بالذميين حلا قاطعا؛ إذ قال: # ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم ~~(سورة المائدة الآية 51). # وحاول ابن النقاش أن يواسي الذين قد يضطرون إلى الاستغناء عن مستخدميهم النصارى ~~تنفيذا لما جاء في القرآن وأمر السلطان، فيقول لهم: «إن النصارى يجهلون مبادئ الحساب ~~بل يجهلون ms037 مبادئه الأولية؛ لأنهم يضعون ثلاث وحدات في واحدة، ووحدة في ثلاث وحدات.» ~~«ويلمح ابن النقاش هنا إلى مبادئ النصارى الدينية». # 5 # إن تفسير القرآن مهمة صعبة ودقيقة، فقد علق بعض فقهاء الإسلام على الآيات القرآنية ~~بوجوب إبعاد أهل الذمة من المناصب الرسمية مع أن القرآن لم يذكر ذلك بصريح العبارة، ~~ولكن ألم يكن الفقهاء مستشاري الحكومات الإسلامية؟ ~~(4) القيود الخارجية المفروضة على أهل الذمة # توسع أشهر الفقهاء في تفسير بعض شروط عمر، فتحدث قاضي بغداد أبو يوسف يعقوب بن ~~إبراهيم، الذي عاصر الخليفة هارون الرشيد، في «كتاب الخراج» # 6 # عن القيود المفروضة على أزياء أهل الذمة، تلك القيود التي سنعود إلى ذكرها ~~أثناء حديثنا، قال أبو يوسف إلى الخليفة: «ينبغي أن تختم رقابهم في وقت جباية جزية ~~رءوسهم حتى يفرغ من عرضهم ثم تكسر الخواتيم كما فعل بهم عثمان بن حنيف أن سألوا كسرها، ~~وأن يتقدم في ألا يترك أحد منهم يتشبه بالمسلمين في لباسه ولا في مركبه ولا في هيئته، ~~ويؤخذوا بأن يجعلوا في أوساطهم الزنارات مثل الخيط الغليظ يعقده في وسطه كل واحد منهم، ~~وبأن تكون قلانسهم مضربة، وأن يتخذوا على سروجهم في موضع القرابيس مثل الرمانة من خشب ~~وبأن يجعلوا شراك نعالهم مثنية، ولا يحذوا على حذو المسلمين، وتمنع نساؤهم من ركوب ~~الرحائل، ويمنعون من أن يحدثوا بناء بيعة أو كنيسة في المدينة إلا ما كانوا صولحوا عليه ~~وصاروا ذمة وهي بيعة لهم أو كنيسة، فما كان كذلك تركت لهم ولم تهدم وكذلك بيوت النيران، ~~ويتركون يسكنون في أمصار المسلمين وأمصارهم وأسواقهم يبيعون ويشترون ولا يبيعون خمرا ~~ولا خنزيرا، ولا يظهرون الصلبان في الأمصار ولتكن قلانسهم مضربة، # 7 # فمر عمالك أن يأخذوا أهل الذمة بهذا الزي، هكذا كان عمر بن الخطاب، رضي ~~الله عنه، أمر عماله بأن يأخذوا أهل الذمة بهذا الزي، وقال: حتى يعرف زيهم من زي ~~المسلمين.». # وقال أبو يوسف أيضا: «حدثني عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه: أن عمر بن عبد ~~العزيز كتب ms038 إلى عامل له، أما بعد، فلا تدعن صليبا ظاهرا إلا كسر ومحق، ولا يركبن ~~يهودي ولا نصراني على سرج وليركب على إكاف، ولا يركبن امرأة من نسائهم على رحالة وليكن ~~ركوبها على إكاف، وتقدم في ذلك تقدما بليغا وامنع من قبلك فلا يلبس نصراني قباء ولا ~~أثوب خز ولا عصب، وقد ذكر لي أن كثيرا ممن قبلك من النصارى قد راجعوا لبسي العمائم ~~وتركوا المناطق على أوساطهم، واتخذوا الجمام والوفر وتركوا التقصيص، ولعمري لئن كان ~~يصنع ذلك فيما قبلك إن ذلك بك لضعف وعجز ومصانعة، وأنهم حين يراجعون ذلك ليعلموا ما ~~أنت، فانظر كل شيء نهيت عنه، فاحسم عنه من فعله والسلام.». # وإن هذه الفقرة لتدل بوضوح على أن هذه القيود قد خرقت أحيانا بعد ظهورها، وترجع ~~أسباب هذه المخالفات أكثر ما ترجع إلى اعتبارات مالية وسياسية، وسنتحقق من ذلك بوضوح ~~عندما نتكلم عن عهد الولاة. # | هوامش # الفصل الرابع # | أحوال الأقباط الحقيقية تحت حكم الولاة # (1) طابع الاحتلال العربي ~~(1-1) حسن معاملة الفاتحين # كيف عامل العرب المصريين لما احتلوا بلادهم؟ جهل مؤرخو العرب تفاصيل هذا الموضوع، ~~ولكن حنا النقيوسي لم يتردد في إبراز صورة كئيبة لهذا الاحتلال لم يغفل فيها حوادث ~~القتل والسلب والنهب والتخريب ... إلخ. # لا بد أن تصحب الحملات الحربية أعمال العنف، خاصة إن كان أصحابها مدفوعين بحرارة ~~الإيمان، ولكن بينما يؤكد أسقف نيقيا سوء استغلال العرب لانتصاراتهم، إذا العثور ~~حديثا على بعض أوراق البردي، التي يرجع عهدها إلى الفتح الإسلامي يثبت لنا مسلك ~~العرب المشرف حيال أهل الذمة. # ولدينا وثيقتان تنطقان بهذا، اكتشفهما البروفسور «جروهمان»: # 1 # يرجع تاريخهما إلى سنة 22 هجرية «642م»، وتقول الوثيقة الأولى: «باسم ~~الله! أنا الأمير عبد الله أكتب إليكما أنتما، خريستوفوروس وتيودوراكس، باجارك Pagarques # هيرا كليوبولس، قد أخذت منكما خمسا ~~وستين نعجة لأطعم الجند الذين معي، أعيد ما قلته: خمسا وستين نعجة لا أكثر وليعلم ~~الجميع ما فعلت، كتبت الإقرار هذا وحرره الشماس يوحنا، مسجل العقود، في اليوم ~~الثلاثين من شهر برمودا من ms039 التوقيت الأول.». # وقد تحرر هذا النص باللغة اليونانية وألحق به نص آخر باللغة العربية يقول: # بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما أخذه عبد الله بن جابر وزملاؤه المحاربون ~~من النعاج للذبح في هيراكليوبولس، لقد أخذنا من أحد وكلاء تيودوراكس، النجل ~~الثاني لآباء قيرس، ومن نائب خريستوفورس، أكبر أنجال آبا قيرس، خمسين نعجة ~~للذبح وخمس عشرة نعجة أخرى، وقد أعطاها لإطعام رجال مراكبه وفرسانه وقوات ~~مشاته المصفحة، تحرر في شهر جمادى الأول سنة 22ه وكتبه ابن ~~جديد. # وجاء في ظهر الورقة ما يلي: # شهادة بتسليم النعاج للمحاربين ~~ولغيرهم ممن قدموا البلاد، وهذا خصم عن جزية التوقيت الأول. # 2 # وبينما نشاهد اليوم حروبا يتسابق فيها الطرفان إلى اقتراف الأعمال الوحشية، ~~ينبغي أن نذكر أن قبائل العرب كانت تحترم الملكية الفردية وذلك أثناء قيام الحرب، ~~وفي زمن اشتهرت فيها الأمم بالعنف والقسوة. # وهذا نص الوثيقة الأخرى: # باسم الله! أنا الأمير عبد الله أكتب إليكم يا أمناء تجار مدينة ~~«بسوفتس» وأرجو أن تبيعوا إلى عمر بن أصلع لفرقة القوطة علفا بثلاثة دراهم ~~ذهبية، كل واحد منها «بعرورين» وإلى كل جندي غذاء من ثلاثة أصناف. # 3 # واختتم جروهمان هذا كله بقوله: «إن هذه المعاملة إزاء شعب مغلوب قلما نراها من ~~شعب منتصر.». ~~(1-2) افتقار العرب إلى سياسة ثابتة # ومما يؤسف له حقا أن يؤدي الجشع الذي أوجدته ثروة مصر وريبة الخلفاء في ~~سياساتهم نحو الولاة إلى عواقب وخيمة، فالإحصاءات تدل على أن الخلفاء الراشدين ~~والأمويين والعباسيين منذ سنة 20ه «641م» إلى سنة 252ه «866م»؛ أي: من ولاية عمرو ~~بن العاص إلى ولاية ابن طولون، نصبوا في بحر مئتين وخمس وعشرين سنة مئة وأحد عشر ~~واليا، ولو أن بعض الولاة قد عينوا مرتين أو ثلاث مرات، إلا أن المدة القصيرة التي ~~كانوا يحكمون خلالها لم تسنح لهم الفرصة لاتباع سياسة إنشائية أو على الأقل للتفكير ~~في وضع خطة معينة. # ويقدم لنا «الأستاذ جاستون فييت»، # 4 # إحصاء شيقا يبدأ به بعد وفاة عمرو بن العاص؛ أي: من ms040 سنة 43ه «664م»، ~~وهذا الإحصاء يقول: «حكم مصر أثناء خلافة الأمويين واحد وعشرين واليا، اثنان منهم ~~وليا الحكم مرتين وواحد منهم ثلاث مرات، وقد حكم أحدهم البلاد باسم ابن الزبير، ولم ~~يلبث أن عزله الخليفة مروان، وكان خمسة من هؤلاء من أسرة الخلفاء؛ وقد توفي ستة ~~منهم وهم ولاة؛ ونقل الخليفة أو أقال أحد عشر منهم؛ واستقال أحدهم وطرد الجند آخر؛ ~~لأنه خفض رواتبهم؛ أما الوالي الأخير، فالمرجح أن العباسيين قتلوه، ومكث أحدهم على ~~كرسي الولاية ستة عشر يوما # 5 # بينما تربع آخر عشرين سنة، وهي أطول مدة قضاها والي مصر، # 6 # وإذا انتقلنا إلى الخلافة العباسية، ألفيناهم عينوا أربعة وستين ~~واليا، تسعة منهم تولوا الحكم مرتين وواحد ثلاث مرات، وفي عهد المأمون ولت قوات ~~الجيش التي ظلت مخلصة لذكرى الخليفة الأمين خمسة منهم، وكان اثنا عشر واليا من ~~أسرة الخليفة، وقد توفي عشرة وهم في الحكم ونقل أو أقيل خمسون منهم، وقتل اثنان، ~~وطرد الجنود الثائرون واحدا واستقال أحدهم لينضم إلى الثوار، ومما يلفت النظر أن ~~عدد التنقلات قد ازداد في عصر العباسيين بالنسبة إلى ما كان عليه أيام حكم ~~الأمويين، ويرجع السبب إلى أن السلطة المركزية كانت بعيدة جدا؛ أي: في بغداد، ~~وكان الخليفة لا يريد أن يترك للولاة متسعا من الوقت يستطيعون خلاله استمالة قلوب ~~الشعب إليهم، وكان الخوف من نفوذ الولاة قد طبع في قلوب الخلفاء شيئا من القلق ~~المستديم، ويغلب على الظن أن هذا الخوف هو الذي أدى إلى قتل البرامكة، تلك المأساة ~~التي ساءت إلى ذكرى الخليفة هارون الرشيد.». # ونضيف إلى ما تقدم أن أربعة وعشرين واليا حكموا مصر أثناء خلافة هارون الرشيد ~~وحده؛ أي: في ثلاث وعشرين سنة. # ويواصل الأستاذ جاستون فييت بحثه قائلا: «إن عدم الاستقرار الذي لازم تعيين ~~الولاة لم يكن في صالح البلاد على الإطلاق؛ إذ كيف يطلب من موظف جاء من الخارج ويثق ~~من عدم بقائه في الولاية، أن يعير البلاد اهتمامه أو أن ينظم مواردها أو أن يسهر ms041 ~~على دولاب إدارتها؟». # وهناك طابع آخر لازم الحكم العربي أثناء الفتوحات، في مصر وفي جميع البلدان التي ~~احتلها العرب، ألا وهو افتقار الحكم إلى خطة مرسومة يسير عليها، فإن القرارات ~~السياسية والاقتصادية والاجتماعية كانت تصدر حسب الظروف وتبعا لمقتضيات الحال، ~~ويرجع السبب إلى أنه لم يكن في نية العرب أن يقيموا في تلك البلاد ولا أن يديروها، ~~بل كانوا يهدفون إلى غرض واحد هو المحافظة على سلامة مؤخرة جيوشهم حتى يقوموا ~~بفتوحات جديدة، ويحصلوا على المال الكافي لمتابعة أعمالهم العسكرية الجديدة. # وعلى كل حال، لم يحاول الجنود العرب الاختلاط بالشعوب المهزومة؛ لأن رؤساءهم ~~كانوا يمنعونهم من هذا الاختلاط منعا باتا، وينقل لنا ابن عبد الحكم ما قاله ~~الخليفة عمر في جيش الاحتلال العربي بمصر: «إني لا أحب أن ينزل المسلمون منزلا ~~يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف.»، # 7 # ومعنى هذا أن الجنود يجب أن يحافظوا على صفاتهم الحربية، ولا يفكروا في ~~أن يستقروا في البلاد. # وفعلا، إذا استثنينا الأوامر الخاصة بضمان تحصيل الضرائب وإرسال المال والقمح ~~إلى شبه جزيرة العرب، لم نعثر على أي تدبير لزيادة ثروة البلاد الاقتصادية، «وقد ~~أعيد حفر قناة «تراجان» # Trajan # ليس لمصلحة التجارة ~~بقدر ما أعيد حفرها حتى يستطيع الغازي أن يرسل قمح مصر إلى البلاد العربية القاحلة ~~عن طريق سهل وفي مدة قصيرة، ولكن ما لبث أن أهملت هذه القناة فاجتاحتها الرمال مرة ~~أخرى في أوائل القرن الثامن وردمها حكام مصر بين سنتي 144 و145ه «761-762م» كي ~~يمنعوا إرسال الأقوات إلى المدينة عندما أصبحت مصدرا للثورات.». # 8 # وقد أهملت الإصلاحات العامة إهمالا تاما، ولكن لما كان من اللازم الاستفادة من ~~مياه النيل الغنية بالطمي الخصب، لا سيما أثناء الفيضان، فقد كان الحكام يسخرون ~~السكان لتطهير القنوات وإعادة بناء الطرق والجسور مقابل إعفائهم من قسط من الضرائب ~~يتناسب مع المهمة التي قاموا بها. # 9 # ولا نجد أي أثر لنشر التعليم حتى بعد إنشاء المستعمرات العربية في الدلتا بوقت ~~طويل، ومن جهة أخرى، أنشأ ms042 العرب نظاما للضرائب، ولكنهم لم يفكروا في تنظيم إدارة ~~للحسابات في المدينة المنورة. # ثم بينما كان بناء الكنائس محظورا في المدن التي أنشأها العرب، سمح عبد العزيز ~~بن مروان ببناء كنيسة في حلوان، ويعلل هذا التساهل بوجود بعض النصارى الملكيين في ~~خدمة الوالي، # 10 # ولم تختلف سياسة الخليفة المأمون عند إقامته بمصر، واستخدم النصارى ~~الذين التمسوا منه تشييد كنيسة بالقرب من قبة الهواء، فسمح لهم بذلك. # 11 # ويروي الأسقف ساويرس بن المقفع أنه لما هبط مستوى النيل سنة 136ه «752م»، قام ~~المسلمون يتضرعون في صلاتهم إلى الله أن يزيد في مياه النهر حتى تفيض، ثم تبعهم ~~اليهود، ولكن بدون جدوى، ولم تحدث المعجزة إلا عندما بدأ النصارى في الصلاة، فقرر ~~باعون، نائب الوالي، أن يكافئهم، فخفض الجزية وأمنهم على حياتهم وأملاكهم في القطر ~~المصري كله. # 12 # ويحمل بنا أن نقيم الدليل، بضرب مثل أخير، على سياسة الحكام العرب الإرتجالية ~~وعلى اتخاذهم القرارات المتناقضة، ففي عام 169ه «785م» أمر الوالي علي بن سليمان ~~بهدم الكنائس المحدثة بمصر وبذل له خمسين ألف دينار مقابل تركها قائمة ~~فامتنع، # 13 # بينما صرح موسى بن عيسى الذي خلفه سنة 171ه «787م»، بإعادة تشييد ~~الكنائس لاعتبارات مادية بحتة، ولم يقدم على هذا إلا بعد أن سأل الفقهاء رأيهم في ~~هذه المشكلة، فأفتوا بأن الكنائس هي «من عمارة البلاد»، # 14 # ويجب ألا يكون الوالي أكثر تطرفا ممن سبقوه بدليل أن «عامة الكنائس ~~التي بمصر لم تبن إلا في الإسلام في زمن الصحابة والتابعين، # 15 # وينبغي أن نلاحظ أنه حدث قبل ذلك ببضع سنوات؛ أي: في عام 117ه «735م»، ~~أن قتل الغوغاء الوليد بن رفاعة؛ لأنه صرح للنصارى ببناء كنيسة مارمينا، # 16 # وربما لم تكن حاجة العرب إلى المال شديدة في ذلك الوقت. # 17 # ويتضح من ذلك كله، أن تقلب السلطة وعدم اهتمام العرب بالشعوب التي أخضعوها، وتخبط ~~سياسة الولاة وتضاربها، خلقت جوا لا يساعد على حسن التفاهم. ~~(2) طموح عمرو بن العاص ونتائجه # قالت المسز ديفو نشاير: «لا ms043 يوجد وال واحد من الثمانية والتسعين الذين عينوا على ~~مصر # 18 # يستحق أن يخلد اسمه.»، # 19 # إن هذا الحكم الشديد على ولاة مصر يظهر لنا قوة شخصية عمرو بن العاص، ولما ~~كان عمرو فاتح مصر وأول من حكمها، فقد أنشأها نظاما خاصا نستطيع معرفته بسهولة من ~~مختلف أعماله وتصرفاته، لقد عرف عمرو كيف يحل المشاكل الخطيرة دون أن يعتمد على نصوص ~~واضحة لعدم وجودها وقتذاك، ولما كانت سياسته ترمي إلى كسب مودة النصارى، فقد صبغ نظم ~~البلاد بصبغة التسامح التي خولت للأقباط التمتع ببعض الامتيازات الجوهرية. ~~(2-1) كان عمرو يسعى إلى حكم مصر حكما مطلقا # من الطبيعي أن تستقبل الشعوب المغلوبة قائد الجيش المنتصر بشعور يشوبه الخوف ~~والاحترام، ويعترف حنا النقيوسي «أن مركز عمرو كان يزداد قوة يوما بعد ~~يوم.»، # 20 # وبالفعل، فقد ارتفعت سمعة عمرو إلى حد أنه عندما أعادت الجيوش ~~البيزنطية الكرة على الإسكندرية، استنجد عثمان به على الرغم من كرهه له ورميه ~~بالطمع والمغامرة. # لبى عمرو طلب الخليفة دون تردد، ألم يكن يعتبر مصر ملكا له، سلبه الخليفة منه ~~عندما أقاله من الولاية؟ ولا شك أن العودة إليها قد تمكنه من حكم البلاد لحسابه ~~الخاص وإغفال سلطة الخليفة. # ولم يكن طموح عمرو جديدا، فقد ظهر لأول مرة يوم استسلام حصن بابليون، وإلا كيف ~~نفسر عطفه على الجيوش المغلوبة؟ لماذا رغب في أن يصالح أعداءه صلحا شريفا بالرغم ~~من معارضة الزبير وعدد وفير من جيشه، وبالرغم من مقدرة الجيش العربي على اقتحام ~~الحصن واستغلال انتصاراته الحربية استغلالا تاما؟ ثم إذا انتقلنا إلى ~~الإسكندرية، وجدنا أيضا نفس هذا الاستعداد للتسامح على الرغم من صمود المدينة ~~أربعة عشر شهرا، مما اضطر الزبير ومن معه أن يرفعوا احتجاجهم مرة أخرى؛ إذ كانوا ~~يريدون تطبيق مبادئ الشريعة الخاصة بالشعوب المهزومة. # وكان الزبير على حق # 21 # فيما ذهب إليه وخاصة فيما يتعلق بالبلاد، التي قاومت المسلمين بالقوة، ~~وكان يستطيع أن يستشهد بسابقة خطيرة ألا وهي مقاومة يهود خيبر، فلما هزمهم النبي، ~~وزع أراضيهم ms044 على أفراد جيشه المنتصر واستعبد أفراد القبيلة. # إلا أن عمرا أراد بدهائه أن يحتفظ بوحدة مصر، فكان يعرف أن البلاد غنية ~~بمواردها، ويرى أن المصلحة تقضي بمنع توزيعها على المحاربين كغنيمة حربية، وبمعاملة ~~سكانها ورؤسائهم الدينيين معاملة طيبة، وباحترام شعورهم الديني ... وعدم استنزاف ثروة ~~البلاد وجباية الضرائب حتى لا تسوء حالة مصر الاقتصادية، وقصارى القول، كان يريد ~~كسب صداقة الشعب ومحبته لا إذلاله وامتهان كرامته. # إذا، كان لعمرو سياستان: الأولى عامة، استلهمها من تعليمات الخليفة، والأخرى ~~شخصية تستحق منا اهتماما خاصا؛ لأنها وفرت على الأقباط عدة التزامات. ~~(2-2) عمرو يطلب تحكيم عمر لمنع توزيع الأراضي # لم يتوان عمرو في طلب تحكيم عمر بخصوص توزيع الأراضي؛ لأن المشكلة نفسها طرأت ~~بعد فتح سوريا والعراق، «سأل بلال وأصحابه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسمة ما أفاء ~~الله عليهم من العراق والشام وقالوا: أقسم الأرض بين الذين افتتحوها كما تقسم غنيمة ~~العساكر.» فأبى عمر ذلك عليهم وتلا عليهم هذه الأحكام وقال: «قد أشرك الله الذين ~~يأتون من بعدكم في هذا الفيء، فلو قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء ولئن بقيت ليبلغن ~~الراعي بصنعاء نصيبه من هذا الفيء ودمه في وجهه.» # 22 ~~«إن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد حين افتتح العراق: «أما بعد فقد بلغني كتابك ~~تذكر فيه أن الناس سألوك أن تقسم بينهم مغانمهم وما أفاء الله عليهم، فإذا أتاك ~~كتابي هذا فانظر ما أجلب الناس عليك به إلى العسكر من كراع ومال، فأقسمه بين من حضر ~~من المسلمين، واترك الأرضين والأنهار بعمالها ليكون ذلك من أعطيات المسلمين، فإنك ~~إن قسمتها بين من حضر، لم يكن لمن بعدهم شيء.». # وقال عمر في مناسبة أخرى: «كيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها قد ~~اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت ما هذا برأي.»، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله ~~تعالى عنه: «فما الرأي ما الأرض والعلوج إلا مما أفاء الله عليهم.»، فقال عمر: «ما ~~هو إلا كما تقول ولست أرى ms045 ذلك والله لا يفتح بعدي بلد فيكون فيه كبير نيل، بل عسى ~~أن يكون كلا على المسلمين، فإذا أقسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام بعلوجها، ~~فما يسد به الثغور وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أهل الشام ~~والعراق؟»، فأكثروا على عمر، رضي الله تعالى عنه، وقالوا: «أتقف ما أفاء الله علينا ~~بأسيافنا على قوم لم يحضروا ولم يشهدوا ولأبناء القوم ولأبناء القوم ولأبناء ~~أبنائهم ولم يحضروا؟». # ولكن عمر لم يقتنع بهذه الحجج وذهب به الأمر إلى أن يحكم عشرة من علية القوم في ~~هذا الخلاف طبقا للعوائد العربية التي يستنكرها القرآن، مصدر التشريع، وقد قال ~~هؤلاء الحكام جميعا: «إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتجري عليهم ما ~~يتقوون به، رجع أهل الكفر إلى مدنهم.». # فلما سمع عمرو بن العاص إلى شكاوى الزبير ورجاله، لجأ إلى حكم الخليفة عمر فكتب ~~إليه عمر: «أقرها حتى يغزو منها حبل الحبلة.»، # 23 # وصولح الزبير على شيء أرضي به وعمل على تنفيذ أوامر الخليفة. # ويمكن الجزم بأن المسألة كانت على جانب عظيم من الأهمية؛ لأن هذا «الشيء» الذي ~~أعطاه عمرو للزبير يدل بوضوح على أن عمرو كان يشعر بضرورة التخلص من معارضة الزبير ~~حتى لا يثير مرة أخرى مسألة المدن المحتلة بقوة السلاح. ~~(2-3) هل فتحت مصر بصلح أم عنوة؟ # أثارت هذه المسألة مناقشات حادة بعد فتح العرب لمصر؛ إذ أكد بعض الفقهاء أن ~~البلاد فتحت بصلح، والبعض الآخر أن البلاد فتحت عنوة، بينما انضم فريق ثالث إلى ~~الرأي الأول ولكن بشيء من التحفظ. # إلا أنه يجدر بنا أن نذكر الوقائع قبل أن نورد وجهات النظر المختلفة. # ويطلق الكتاب اليوم على فتح مصر والبلاد المجاورة لها اسم «الجهاد»؛ أي: الحرب ~~التي قام بها المسلمون ضد الكفار، الذين رفضوا الدعوة إلى الإسلام. # أضف إلى ذلك أن السواد الأكبر من المؤرخين المسلمين لم يشكوا في صحة الرسالة، ~~التي بعث بها النبي إلى حاكم مصر، وإذا سلمنا بأن المصريين لم يلبوا هذه الدعوة ولم ms046 ~~يرفضوها رفضا باتا كما يدعي بعض الكتاب، فإن بطء العمليات الحربية ووجود ~~العنصر القبطي في الجيوش البيزنطية تدل على مقاومة الأهلين للفتح العربي. # وقد أراد البعض أن يبرر تسامح عمرو بأن حاميتي بابليون والإسكندرية طلبتا وقف ~~القتال، ولكنهما في كلتا الحالتين لم يقوما بهذا العمل إلا بعد أن شعرنا بإفلات ~~زمام الأمر من بين أيديهما، ثم إن نصوص القرآن صريحة في هذه الحالة: # فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم ~~الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ~~(سورة ~~محمد، آية 35). # ومع ذلك فقد حاول بعض الفقهاء فيما بعد أن يبرروا موقف القواد العرب المخالف لهذه ~~النصوص، وقد كتب أحدهم في هذا الصدد، وهو حسين بن أحمد بن محمد القدوري، ويمكن ~~اعتباره من علماء مذهب أبي حنيفة: «إن رأى الإمام أن يصالح أهل الحرب أو فريقا ~~منهم، وكان في ذلك مصلحة للمسلمين، فلا بأس، فإن صالحهم مدة ثم رأى أن نقض الصلح ~~أنفع، نبذ إليهم وقاتلهم، وإن بدءوا بخيانة، قاتلهم ولم ينبذ إليهم إذا كان ذلك ~~باتفاقهم، إذا فتح الإمام بلدا عنوة، فهو بالخيار إن شاء قسمها بين المسلمين وإن ~~شاء أقر أهلها ووضع الجزية عليهم وهو في الأسارى بالخيار، إن شاء قتلهم وإن شاء ~~استرقهم، وإن شاء تركهم أحرارا ذمة للمسلمين.». # 24 # أما الذين يؤكدون أن مصر فتحت عنوة، فهم يستندون إلى تصريحات ووقائع دقيقة، ~~وينقل لنا ابن عبد الحكم تصريحات بعض الشهود؛ إذ قالوا: «كان تابوت لعمر بن الخطاب ~~فيه كل عهد كان بينه وبين أحد ممن عاهده، فلم يوجد فيه لأهل مصر عهد، # 25 # وينقل إلينا أيضا ابن عبد الحكم الحادثين التاليين: «خرج أبو سلمة بن ~~عبد الرحمن يريد الإسكندرية في سفينة، فاحتاج إلى رجل يقذف به، فسخر رجلا من ~~القبط، فكلم في ذلك فقال: إنما هم بمنزلة العبيد إن احتجنا إليهم.»، أما الحادث ~~الآخر، فهو «أن رجلا أسلم في عهد عمر بن الخطاب، فقال: «ضعوا الجزية عن أرضي»، ~~فقال عمر: «لا إن أرضك فتحت عنوة.»، ويستشهدون أيضا بعمرو نفسه، ms047 فقد أتى يوما ~~إلى المسجد وقال علنا: «لقد قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر علي عهد ولا عقد ~~إلا أهل أنطابلس، فإن لهم عهدا يوفى لهم به، إن شئت قتلت، وإن شئت خمست وإن شئت ~~بعت.». # 26 # وقد رأى نهائيا بعض الفقهاء أنه من الأوفق أن يصرحوا أن مصر فتحت صلحا فيما ~~عدا قرى «سلتيس» و«مازيل» و«بلهيت»، وأيضا مدينة الإسكندرية التي قاومت ~~الفتح. # 27 # ويتضح من ذلك أن المسألة لم تحل إلى الآن، والذين يدعون أن مصر فتحت صلحا رجحوا ~~رأيهم لأسباب حربية وسياسية واقتصادية، ولجئوا إلى الفقهاء لإثبات صحة ~~نظريتهم. ~~(2-4) تسامح عمرو في إدارته # لم نعد في حاجة إلى الإثبات بعد الآن أن العرب ساروا في سياستهم حسب مقتضيات ~~الحال، ولدينا مثل آخر: أراد العرب أن يؤمنوا حدود مصر الجنوبية في أثناء حملتهم ~~على ليبيا، فبادروا إلى إبرام معاهدة مع أهل النوبة المسيحيين، وأطلق المؤرخون ~~العرب على هذه المعاهدة اسم «البقط» غير أن القواد لم يروا ما يمنعهم من نقض هذه ~~المعاهدة بحجة أنه «ليس بين أهل مصر والأساود عهد إنما كانت هدنة أمان بعضنا مع بعض ~~نعطيهم شيئا من قمح وعدس ويعطوننا رقيقا»، ولما غزا عقبة بن نافع أهل طرابلس ~~وهزمهم،سألوه ان يصالحهم ويعاهدهم، فأبى عليهم وقال: «إنه ليس لمشرك عهد عندنا، إن ~~الله عز وجل يقول في كتابه: # كيف يكون للمشركين ~~عهد ~~.». # 28 # أما في مصر فقد نفذ عمرو بن العاص أوامر الخليفة عمر؛ لأنها كانت تتفق ومطامعه ~~الشخصية، فكان تسامحه على مصر في أثناء ولايته مثار دهشة المصريين وإعجابهم. # كان متسامحا من حيث الدين أولا، ويقول حنا النقيوسي في هذا الصدد: «لم يستول ~~عمرو على ممتلكات الكنيسة ولم يرتكب أعمال السرقة والنهب، ولكنه كان يؤمنها ~~ولايته.». # 29 # وقد أدرك عمرو منزلة البطريرك اليعقوبي بنيامين في نفوس الشعب، فسارع باستقطار ~~أخباره من أفواه الناس ليعرف المكان الذي لجأ إليه البطريرك هربا من اضطهاد قيرس، ~~وقال عمرو في هذا الصدد: «له العهد والأمان والسلامة من ms048 الله، فليحضر آمنا مطمئنا ~~ويدبر حال بيعته وسياسة طائفته». # 30 ~~«ولما سمع القديس بنيامين هذا، عاد إلى الإسكندرية بفرح عظيم بعد غيبة ~~ثلاث عشرة سنة، منها عشر سنين لهرقل الرومي الكافر، وثلاث سنين قبل أن يفتح ~~المسلمون «كذا في النص» الإسكندرية لابسا أكليل الصبر والجهاد الذي كان الشعب ~~الأرثوذكسي من الاضطهاد من المخالفين، فلما ظهر فرح الشعب وكل المدينة وأعلن ~~بمجيئه، أمر الأمير «عمرو» بإحضاره بكرامة وإعزاز ومحبة، فلما رآه أكرمه وقال ~~لأصحابه وخواصه: «إن جميع الكور التي ملكناها إلى الآن ما رأيت رجل الله يشبه ~~هذا.»، وكان بنيامين هذا حسن المنظر جدا، جيد الكلام بسكون ورقاد، ثم التفت عمرو ~~إليه وقال له: «جميع بيعتك ورجالك اضبطهم ودبر أحوالهم، وإذا أنت صليت علي حتى ~~أمضي إلى المغرب والخمس مدن # 31 # وأملكها مثل مصر وأعود إليك سالما بسرعة، فعلت لك كل ما تطلبه مني.»، ~~فدعا له القديس بنيامين وأورد له كلاما حسنا أعجبه هو والحاضرين عنده، فيه وعظ ~~وربح كثير لمن يسمعه، وأوحى إليه بأشياء وانصرف من عنده مكرما مبجلا.». # وبديهي أن يقلق عمرو من الحفاوة الرائعة التي استقبل بها الشعب رئيسه الديني، ~~فبادر إلى استشارة البطريرك في أحسن طريقة يتمكن بها من إدارة البلاد وسؤاله عن ~~أنسب موعد لجباية الضرائب، كما أنه طلب إليه أن يبارك حملته على طرابلس؛ ذلك لأن ~~عمرا كان يقصد من مساهمة البطريرك في نجاح هذه الحملة بأن يجعله مسئولا عن الأمن ~~في البلاد وعن إخلاص السكان للعرب، وكافأه فعلا على هذه الخدمات؛ إذ ترك اليعاقبة ~~يستولون على معظم كنائس الملكيين وأديرتهم. # ثم إن اهتمام عمرو باليعاقبة جعلهم يبنون الآمال الكبار على المستقبل، مما حدا ~~بالأسقف المؤرخ ساويرس بن المقفع أن يصف شعورهم هذا بقوله: «كانت الشعوب فرحين مثل ~~العجول الصغار إذا حل رباطهم وأطلقوا على ألبان أمهاتهم.». # وكان ساويرس على حق في وصفه؛ ذلك لأن الأقباط لم يعاملوا بهذه المعاملة اللينة ~~منذ أمد بعيد، أضف إلى ذلك أن العرب في أثناء ولاية عمرو لم يحاولوا ms049 أن يضغطوا على ~~الأقباط ليعتنقوا الإسلام ولم يضطهدوهم. # ولما درس عمرو حالة البلاد قرر أنه من المستحيل عليه أن يجبي الضرائب دون معاونة ~~النصارى، فكتب إلى الخليفة يقول له: لما كان المسلمون لا يعرفون البلاد معرفة تامة ~~فإنهم لا يستطيعون حصر المبالغ التي يمكن جمعها من الضرائب، وأنه استخدم لهذا الغرض ~~نصرانيا قديرا ونزيها على أن يحل غيره محله عندما يعرف حالة البلاد ~~جيدا. # وفكر عمرو أيضا في إيجاد أداة قد تكفل حسن سير العدالة وصرح بمساهمة الوطنيين ~~النصارى فيها، فقسم البلاد إلى عدد من الدوائر وعين في كل دائرة منها قاضيا ~~قبطيا كلفه بفض الخلافات المدنية والدينية لغير المسلمين، أما إذا كان الخلاف بين ~~قبطي ومسلم، رفع الأمر إلى مجلس مكون من قضاة الطرفين، وكانت المسائل الجنائية من ~~اختصاص القضاة المسلمين وحدهم. ~~(2-5) الخلاف بين عمر وعمرو على جباية الضرائب # لما استشار عمرو الأقباط في مسألة الضرائب، نصحوا له ألا يقوم بجبايتها حسب ~~التقويم القمري، ولكن حسب التقويم المصري الذي وضعه الفراعنة منذ أمد بعيد وفق ~~الفصول والمواسم، وقد وافق عمرو على هذا الرأي، ولكن عمرا أنكر على عامله هذا ~~التصرف لحاجته الملحة إلى المال، وأمره بأسلوب قاطع أن يستعجل جباية الضرائب ~~ويرسلها إلى المدينة. # ولم يحل بخاطر إنسان أن يخالف عمرو أوامر الخليفة، ولكن ذلك الذي حدث بالفعل، ~~وتبادل التابع والمتبوع في هذا الشأن عدة خطابات امتازت باللهجة الشديدة، ثم كان ~~عمر لا يفهم لماذا تهبط قيمة الضرائب المفروضة على مصر سنة بعد سنة، ولكن هذا ما ~~حدث بالفعل بعد أن شلت حركة التجارة من جراء الحروب، وبعد أن قل عدد دافعي الجزية ~~لازدياد عدد النصارى الذين اعتنقوا الإسلام، أما أهل الذمة أنفسهم، فلم يجدوا غضاضة ~~في الإفلات من الجباة كلما سنحت لهم الفرصة، وسنتحدث عن ذلك عند الكلام عن ~~المالية. # لما استبطأ عمر بن الخطاب الخراج من قبل عمرو بن العاص، كتب إليه: «بسم الله ~~الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص، ms050 سلام الله عليك ~~فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد؛ فإني فكرت في أمرك والذي أنت ~~عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة، وقد أعطى الله أهلها عددا وجلدا وقوة في ~~بر وبحر، وأنها قد عالجتها الفراعنة وعملوا فيها عملا محكما مع شدة عتوهم وكفرهم، ~~فعجبت من ذلك وأعجب مما عجبت أنها لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك ~~على غير قحوط ولا جدوب، ولقد أكثرت في مكاتبتك في الذي على أرضك من الخراج، وظننت ~~أن ذلك سيأتينا على غير نزر ورجوت أن تفيق فترفع إلي ذلك، فإذا أنت تأتيني ~~بمعاريض تعبأ بها، لا توافق الذي في نفسي، لست قابلا منك دون الذي كانت تؤخذ به من ~~الخراج قبل ذلك، ولست أدري مع ذلك ما الذي نفرك من كتابي وقبضك، فلئن كنت مجربا ~~كافئا صحيحا، إن البراءة النافعة، وإن كنت مضيعا لطعا، إن الأمر لعلى غير ما ~~تحدث به نفسك، وقد تركت أن أبتلى ذلك منك في العام الماضي رجاء أن تفيق فترفع إلي ~~ذلك، وقد علمت أنه لم يمنعك من ذلك إلا عمالك، عمال السوء، وما توالس عليه وتلفف ~~اتخذوك كهفا، وعندي بإذن الله دواء فيه شفاء عما أسألك فيه، فلا تجزع أبا عبد الله ~~أن يؤخذ منك الحق وتعطاه، فإن النهر يخرج الدر والحق أبلج ودعني وما عنه تلجلج ~~فإنه قد برح الخفاء ، والسلام.» # فكتب إليه عمرو بن العاص: «بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين، ~~من عمرو بن العاص، سلام الله عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد؛ ~~فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين في الذي استبطأني فيه من الخراج، والذي ذكر فيه من ~~عمل الفراعنة قبلي وإعجابه من خراجها على أيديهم ونقص ذلك منها مذ كان الإسلام، ~~ولعمري للخراج يومئذ أوفر وأكثر والأرض أعمر؛ لأنهم كانوا على كفرهم وعتوهم أرغب في ~~عمارة أرضهم منا منذ كان الإسلام، وذكرت أن النهر يخرج الدر فحلبتها حلبا ms051 قطع ~~درها، وأكثرت في كتابك وأنبت وعرضت وتربت وعلمت أن ذلك عن شيء تخفيه على غير خبر، ~~فجئت لعمري بالمفظعات المقدعات، ولقد كان لك فيه من الصواب من القول رصين صارم بليغ ~~صادق، وقد عملنا لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # ولمن بعده، فكنا نحمد الله مؤدين لأمانتنا ~~حافظين لما عظم الله من حق أئمتنا نرى غير ذلك قبيحا والعمل به شيئا فتعرف ذلك ~~لنا ونصدق فيه قلبنا معاذ الله من تلك الطعم ومن شر الشيم والاجتراء على كل مأثم، ~~فأمضي عملك، فإن الله قد نزهني عن تلك الطعم الدنيئة والرغبة فيها بعد كتابك الذي ~~لم تستبق فيه عرضا ولم تكرم فيه أخا، والله يا بن الخطاب؛ لأنا حين يراد ذلك مني ~~أشد غضبا لنفسي ولها إنزالها وإكراما، وما عملت من عمل أرى عليه فيه متعلقا، ~~ولكني حفظت ما لم تحفظ، ولو كنت من يهود يثرب ما زدت يغفر الله لك ولنا، وسكت عن ~~أشياء كنت بها عالما، وكان اللسان بها مني ذلولا، ولكن الله عظم من حقك ما لا ~~يجهل.» # ولما أراد عمرو أن يرد مرة أخرى على عمر، لم يستطع الخليفة أن يكتم غضبه واتهمه ~~صراحة بأنه لا بد أن اختلس مبالغ كبيرة من المال، # 32 # ولم يلبث أن بعث إليه محمدا بن مسلمة الأنصاري ليتسلم منه نصف المستحق ~~له. # 33 # وليس بمستغرب أن يغترف عمرو المال، وهو العربي البدوي الذي وجد نفسه بين عشية ~~وضحاها أمام ثروة كبيرة، ثم إن المؤرخين العرب لم يفندوا هذه التهمة، التي وجهت ~~إليه بل نقل إلينا بعضهم أن الخليفة استجوب أحد أقباط مصر عن خراجها قبل الإسلام، ~~فقال القبطي: «يا أمير المؤمنين، كان لا يؤخذ منها شيء إلا بعد عمارتها وعاملك لا ~~ينظر إلى العمارة إنما يأخذ ما ظهر له كأنه لا يريد إلا لعام واحد». # 34 # وإذا تركنا هذه التهمة جانبا، ألقينا عمرا يريد المحافظة على ثروة البلاد ~~والحيلولة بين الشعب وطمع الحكام، ويجمل بنا أن نورد الرد المفعم الذي ms052 أجاب به عمرو ~~على الخليفة عثمان، فقد حدد عمرو الضرائب باثني عشر مليونا من الدينارات، بينما ~~رفعها عبد الله بن سعد إلى أربعة عشر مليونا، فقال عثمان لعمرو: «يا أبا عبد الله، ~~درت اللقحة بأكثر من درها الأول.»، قال عمرو: «أضررتم بولدها». # 35 # وإلى جانب إهماله مسألة الجزية، فإن عمرا لم يهتم بتعليمات عمر الخاصة بمظهر ~~الذميين على الرغم من إلحاح بعض الأشخاص لوضع هذه التعليمات موضع التنفيذ، نعم إن ~~عمرا أصدر أوامر تقضي بعدم إظهار الصلبان «ولكن بطل العمل بهذا الأمر، وقد عاد ~~النصارى إلى عمل الصلبان في أفراحهم ومآتمهم، أما في حمص ودمشق، فلم يصرح لهم أبدا ~~بذلك منذ أن نصت شروط عمر على هذا الحرمان»، # 36 # وأخيرا، صرح عمرو للأقباط بالإقامة في مدينة الفسطاط. # لقد أوجد هذا التسامح سوابق خطيرة بالنسبة للعرب، غير أن الأقباط استفادوا كثيرا ~~منه، ويرجع الفضل، دون شك، إلى موقف عمرو الذي كان يبغي من وراء ذلك أن يصبح حاكم ~~مصر المطلق، وأخيرا أراد أن يجعل الإسكندرية حاضرته بحجة أن المساكن التي تركها ~~اليونانيون تصلح لإيواء جيش الاحتلال، ولما رفض عمر أن يصرح له بالإقامة حيث كان ~~يريد، صدع عمرو للأمر وعاد إلى الفسطاط. # ولما تولى علي بن أبي طالب الخلافة وانقسم العالم الإسلامي إلى معسكرين متخاصمين، ~~حكم عمرو مصر باسم معاوية، إلا أنه اشترط عليه، إزاء هذه الخدمة العظيمة، أن يتعهد ~~له بتركه واليا على مصر طوال حياته، ومن الواضح أن عمرا كان يتحين الفرص ليعلن ~~استقلاله، وينادي بنفسه أول خليفة على مصر بعد أن يفصلها تماما عن بقية ~~الإمبراطورية، العربية. ~~(3) الولاة يتبعون سياسة أساسها المنفعة # لم يحاول خلفاء عمرو أن ينهضوا بالبلاد، فقد اقتصر عملهم على المحافظة على الأمن ~~وإرسال الجزية للخلفاء الأمويين ثم إلى الخلفاء العباسيين، ولما كانت مدة ولايتهم على ~~وجه العموم قصيرة، فقد أرادوا أن يحققوا بعض المكاسب الشخصية. # وكيف يتبعون سياسة أخرى ولم يترك لهم الخلفاء الوقت الكافي لوضع برنامج إيجابي! وإذا ~~قاموا بأي عمل لمصلحة البلاد، ms053 كانوا يثيرون شكوك السلطة المركزية وقلقها، وما حركة ~~التنقلات التي كانت تشملهم إلا الدليل البين على عدم اهتمام الخليفة بما قد يقوم عملاؤه ~~به من مجهود في مصلحة هذه الولاية. ~~(3-1) المال أساس العلاقات بين المنتصر والمهزوم # وصف عبد الله بن صالح مصر بجملة في غاية الإبداع، قال: «من أراد أن يذكر الفردوس ~~أو ينظر إلى مثلها في الدنيا، فلينظر إلى أرض مصر حين يخضر زرعها وتنور ~~ثمارها». # 37 # ولا نكون مبالغين إذا قلنا إن صيحة الإعجاب هذه قد رددها كل أعرابي وطئت قدماه ~~وادي النيل، وكان من الطبيعي أيضا أن يعمل رجل الصحراء، الذي خرج منتصرا من حرب ~~شنها على إمبراطوريتين، على الاستفادة من انتصاراته، وأصدق دليل على ذلك هو إلحاح ~~الجيوش المنتصرة في سبيل توزيع الأراضي الواسعة أمثال العراق وسوريا ومصر. # ولما حاقت المجاعة بالمدينة المنورة، طلب عمر أن يستعجل إرسال القمح اللازم ~~للسكان وصاح بهذه المناسبة: «أخرب الله مصر في عمران المدينة وصلاحها». # 38 # وقال هذا الخليفة أيضا عندما تكلم عن المهزومين: «يأكلهم المسلمون ما ~~دموا أحياء، فإذا هلكنا وهلكوا، أكل أبناؤنا وأبناؤهم ما بقوا». # 39 # وهذه التصريحات تفضح جليا عن نيات الفاتح. ~~(3-2) الضرائب الأولى التي فرضت على الأقباط # لما اجتمع مندوبو الفريقين حول قلعة بابليون ليحددوا شروط التسليم، كان أكثر ~~اهتمام العرب منصبا على قيمة الجزية التي ستفرض على المغلوب. # ولما كان العرب في حالة لا تسمح لهم بابتكار أي نظام للضرائب، فقد نقلوا النظم ~~المتبعة عند البيزنطيين، إلا أن الأهليين استفادوا من خفض محسوس في الضرائب، ثم إن ~~نظام الضرائب أعيد إلى أبسط قواعده في بادئ الأمر، ويقول المستشرق «فان برشيم» # Van Berchem ~~: «إن دافعي الضرائب كانوا يدفعون ~~ضريبتين رئيسيتين: الجزية، وهي ضريبة مرتفعة جدا تدفع نقدا، و«الضريبة» وهي ~~حصيلة عينية تجبى من الحنطة، وكان يقابل هذا الدخل في ميزانية الدولة مصروفان ~~متميزان: فكانت تدفع رواتب الجند من الجزية، وكان ما يجمع من الحنطة يوزع على ~~الجند وأسرهم.»، وتقدم على سبيل المثال رقمين يوضحان ms054 العلاقة بين هاتين الضريبتين: ~~«شهر صفر سنة 91 «709م»، من قرة بن شريك إلى أهالي شبرا بسيرو في مديرية إيشكو، أن ~~الحصة التي يجب أن تدفعوها نقدا لتسددوا جزية عام 88 هي 104 دينارات وثلثا ~~الدينار، بينما حددت ضريبة الغذاء بأحد عشر أردبا وثلث من القمح # 40 # ومن الطبيعي أن الضرائب العينية لم تقتصر فقط على القمح والدقيق، بل ~~تعدتها إلى الخضراوات والقمصان وغيرها من الأشياء. # 41 # إلا أن هذا المبدأ الخاص بطريقة توزيع وجباية الضرائب لم يستمر مع الأسف إلا فترة ~~قصيرة جدا مما سبب التباين فيما نقله المؤرخون العرب، هذا التباين الذي يرجع ~~جزئيا إلى تعارض التدابير التي فرضتها الإدارة، فالنصوص العربية تفرق بين الجزية ~~والخراج مع أن هاتين الكلمتين تنطبقان على نوع واحد من الضرائب، ومن حسن الحظ أن ~~نصوص المؤرخين العرب المبهمة قد عوضها اكتشاف ورق البردي، الذي يرجع تاريخه إلى ~~القرون الأولى للهجرة. # ومن ناحية أخرى، بينما يدعي هؤلاء المؤرخون أن ضريبة قدرها ديناران فرضت على أهل ~~الذمة جميعا فيما خلا الشيوخ والنساء والأطفال والمتوسلين والمشوهين، اتضح لنا أن ~~هذا الرقم ما هو إلا متوسط ما يؤديه كل دافع ضريبة ليس إلا. # وكانت الجزية والضريبة حصيلتين تؤديهما الجماعة كلها وتحددهما السلطة المركزية ~~لكل قرية، ثم توزع على دافعي الضرائب على أن تحصلها من كل فرد حسب ثروته، وأن قوائم ~~الضرائب المكتوبة باللغة اليونانية والتي يرجع تاريخها إلى القرن الأول للهجرة تدل ~~على أنه كانت تحصل مبالغ أقل من دينارين، «وكان مبلغ الدينار الواحد»، وهو الحد ~~الأدنى الذي أشار إليه الفقه للشخص الواحد، قد هبط إلى أقل من ذلك في غالب الأحيان ~~في القرون التالية، كما يتبين ذلك من الإيصالات التي صدرت وقتئذ، # 42 # وعلى العموم، فإنه في الوقت الذي فرضت فيه هذه الضريبة، كان يحصل اثنا ~~عشر درهما من الطبقة الوسطى وأربعة وعشرون درهما أو ديناران من الطبقة العليا ~~وأربعة دنانير من ذوي الثراء. # أما ضريبة العقار المعروفة بالخراج، فلم ينص عليها أي اتفاق بين ms055 الطرفين، وكان كل ~~ما يهم العرب هو جباية ضريبة توازي دينارين عن كل ذمي، وكانت تدفع نقدا أو عينا، ~~ويلاحظ أنه فيما عدا الإسكندرية وبابليون وبعض المدن الأخرى «كان لا بد من تحويل ~~الجزية إلى ضريبة عقارية، ثم إن قيمة الضريبة التي حددت بعد تعداد السكان كان يجب ~~أن توزع على القرى حسب الأراضي المغمورة بالمياه لا حسب السكان، الذين يدفعون ~~الضريبة». # 43 ~~(3-3) تدهور الحالة الاقتصادية والضرائب التي نتجت عنها # لم تمض سنوات معدودات على انتشار الإسلام، حتى شعر العرب بأن الضرائب التي أمر ~~بها القرآن لا تكفي حاجات إمبراطوريتهم العظيمة، فقد تفاقمت الحالة المالية في مصر ~~لعدة أسباب ذكر بعضها المؤرخ «هايد» # Heyd ~~؛ إذ قال: ~~«لا ينكر أحد أن النشاط التجاري في بداية الإسلام تعرض لعدة طارئة؛ إذ إن الجهاد ~~استنفد قوى المسلمين كلها وتوقفت من جراء ذلك حركة نقل البضائع، كما توقفت حركة ~~التجارة الخارجية». # 44 # فقد أدت هذه الحالة الخطيرة إلى نتائج وخيمة في ميناء الإسكندرية مثلا ~~حيث شلت الحركة ويأس سكانها، الذين كانوا يعيشون من التجارة مع الخارج، زد على ذلك ~~عدم اهتمام السلطات برفاهية مصر وازدهارها، فكانت تكلف الشعب بالسهر على سلامة ~~السدود والترع بدلا من أن توليها عنايتها، فأهملت إهمالا خطيرا ولم يستفد الشعب ~~إلا قليلا من فيضان النيل، ولم يتردد المقريزي في تعليقه على هذا الأمر بالتصريح ~~بأن سبب نقص الخراج كان ناتجا عن تزايد الخراب والتلف عاما بعد عام. # ولما ساء المحصول الزراعي، رفض دافعوا الضرائب أن يسددوا المفروض عليهم كله، ~~وحاولوا بطبيعة الحال أن يتحايلوا على الخزينة، وقد نعم المصريون من هذه الناحية ~~بمزية لم يكونوا يتوقعونها، فبينما كان الحكام البيزنطيون يلجئون عادة إلى الضرب ~~لحمل الشعب على دفع الضرائب، أعلن الإسلام بأنه إذا كان شخص في حالة لا تسمح له ~~بدفع الجزية، فلا يجوز للحاكم أن يكرهه على ذلك بالعقاب البدني؛ أي: باستعمال ~~العصا، أو بتعريضه لأشعة الشمس الملتهبة، أو رش جسمه بالزيت المغلي، وإنما الوسيلة ~~الوحيدة المصرح بها ms056 هي السجن لعدم دفع الديون. # وقال أبو سيف صراحة في هذا الصدد: «ولا يضرب أحد من أهل الذمة في استيدائهم ~~الجزية ولا يقامون في الشمس ولا غيرها، ولا يجعل عليهم في أبدانهم شيء من المكاره، ~~ولكن يرفق بهم ويحبسون حتى يؤدوا ما عليهم ولا يخرجون من الحبس حتى تستوفى منهم ~~الجزية». # 45 # وكان الأقباط يفضلون الحبس على دفع الضرائب كما كان بعضهم يلتجئ إلى الأديرة؛ حيث ~~كانت الرهبنة تعفيهم من الجزية مدى الحياة، ويقول المؤرخ «رينودو»: «إن عدد الرهبان ~~ازداد إلى درجة جعلتهم يقيمون كل يوم صوامع جديدة». # 46 # وقد اكتفى بعضهم بتغيير محال إقامتهم بعد أن انتهت السلطات من تعداد ~~السكان وأقاموا في نواح أخرى لم تدرج أسماؤهم في قوائم الضرائب، هذا عدا الأقباط ~~الذين كانوا يعتنقون الإسلام هربا من دفع الجزية، وكان عددهم يزداد سنة بعد ~~أخرى. # صرح مؤرخو العرب أن مجموع الضرائب الذي بلغ في الماضي عشرين مليون دينار، هبط في ~~عهد عمر بن الخطاب إلى اثني عشر مليونا، ثم ارتفع إلى أربعة عشر مليونا إبان ~~ولاية عبد الله بن سعد، # 47 # وما لبث أن هبط بسرعة بعد ذلك، ففي خلافتي الأمويين والعباسيين، لم تصل ~~قيمة الضرائب المجموعة على الثلاثة ملايين. # 48 # وبينما كان الدخل ينقص أخذت المصروفات تزداد، فكانت الرغبة في القيام بفتوحات ~~جديدة وضرورة تأمين سلامة الإمبراطورية تقتضيان الاحتفاظ بجيوش وفيرة وكاملة ~~العتاد، كما اقتضت المحافظة على الأمن الداخلي إنشاء قوة بوليسية منذ الساعة ~~الأولى. # وكانت المسائل المالية شغل الخلفاء الشاغل، فقد حاولوا أول الأمر أن يضغطوا ~~الميزانية، ولما كان الجيش يستنفد الجزء الأكبر من الدخل، حاولوا تخفيض أجور الجند، ~~إلا أنهم باءوا بالفشل الذريع أربع مرات متتالية في القرن الأول للهجرة، ولم يكن ~~أمامهم بعد ذلك سوى البحث عن حلول أخرى لا تعرضهم للخطر، فلجئوا إلى زيادة الضرائب ~~على المدنيين. # 49 ~~(3-4) الإجراءات في سبيل زيادة الدخل # احتفظ الأقباط بذكريات حسنة عن حكم عمرو بن العاص لهم، رغم أنه لم يتردد في اتخاذ ~~إجراءات ms057 مخالفة للقانون في سبيل مضاعفة الإيراد، ويقول ابن عبد الحكم في ذلك: «إن ~~عمرو بن العاص لما فتح مصر قال لقبط مصر: إن من كتمني كنزا عنده فقدرت عليه ~~قتلته»، وأن نبطيا من أهل الصعيد يقال له: بطرس «ذكر لعمرو أن عنده كنزا، فأرسل ~~إليه، فسأله، فأنكر وجحد فحبسه في السجن وعمرو يسأل عنه: «هل تسمعونه يسأل عن أحد» ~~فقالوا: «إنما سمعناه يسأل عن راهب في الطور»، فأرسل عمرو إلى بطرس، فانتزع خاتمه ~~من يده، ثم كتب إلى ذلك الراهب أن ابعث إلي بما عندك وختمه بخاتمه، فجاء رسوله ~~بقلة شأمية مختومة بالرصاص، ففتحها عمرو، فوجد فيها صحيفة مكتوبة فيها: «مالكم تحت ~~الفسقية الكبيرة» فأرسل عمرو إلى الفسقية، فحبس عنها الماء ثم قلع البلاط الذي ~~تحتها، فوجد فيها اثنين وخمسين أردبا ذهبا مضروبة، فضرب عمرو رأسه عند باب ~~المسجد، فذكر ابن رقية أن القبط أخرجوا كنوزهم شفقا أن يبقى على أحد منهم فيقتل ~~كما قتل بطرس.». # ونعلم من جهة أخرى أن بعض الأقباط القاطنين في الإسكندرية أو في الأراضي المجاورة ~~لها ساعدوا البيزنطيين الذين نزلوا بمراكبهم إلى الساحل عام 23 أو 25 من الهجرة، ~~ولم يستغرب المؤرخون العرب إطلاقا لهذه المساعدة ويعللونها بالحادث الآتي: «كان ~~سبب نقض الإسكندرية هذا أن صاحب إخنا قدم على عمرو بن العاص فقال: «أخبرنا ما على ~~أحدنا من الجزية فيصير لها»، فقال عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة: «لو أعطيتني من ~~الركن إلى السقف ما أخبرتك، إنما أنتم خزانة لنا، إن كثر علينا كثرنا عليكم، إن خفف ~~عنا خففنا عنكم»، فغضب صاحب إخنا فخرج إلى الروم». # 50 # لم يفه الخلفاء بتصريحات حاسمة كالتي فاه بها عمرو، ولكنهم حرصوا على أن تكون ~~للقوانين تفسيرات مطاطة تطاوع حاجتهم إلى المال، نعم لم يريدوا أن يتخطوا حدود ~~القوانين، ولكنهم ذهلوا لنقص دخلهم بهذه السرعة، ولما كانوا غير مستعدين في أي وقت ~~من الأوقات لوقف سيل فتوحاتهم أو الحد من ترف معيشتهم، فقد أرغموا على اتخاذ ~~إجراءات مالية انتهت ms058 بإثارة موجة من السخط بين أفراد الشعب النصارى والمسلمين على ~~السواء. # وإليك بعض الأمثلة، كان يوجد في مصر في العصر البيزنطي؛ أي: قبل أن يفرض المسلمون ~~الجزية على البلاد، مساحات كبيرة من الأراضي الصالحة للزراعة قد هجرها أصحابها من ~~الأقباط الذين رفضوا أن يسددوا الضرائب المفروضة عليها، ولما جاء العرب، ترك السكان ~~أراضي أخرى صالحة للزراعة للسبب نفسه، فأصبحت السلطة لا تجني أية فائدة ~~منها. # وقد عرض الوالي الوليد بن رفاعة في سنة 109ه «727م» على الخليفة هشام بن عبد ~~الملك هذه الحالة المحزنة التي آلت إليها بعض الأراضي في مصر، والتمس منه أن يصرح ~~بهجرة بعض القبائل العربية إلى مصر لتسد الفراغ الذي يشكو منه، وقد صرح الوالي أن ~~استقرار العرب في هذه الأراضي لن يلغي خراجها «وهو ضريبة الخمس» ليفرض مكانه ~~العشورية «وهي ضريبة العشر» وعلى كل، فإن هذه الهجرة قد تؤدي إلى ازدهار البلاد؛ إذ ~~إن الأراضي المذكورة لم تسدد الخراج ولا العشورية. # وصرح هشام بن عبد الملك، عملا بمشورة الوليد بن رفاعة، لثلاثة آلاف فرد من قبيلة ~~قيس بالنزوح إلى مصر والإقامة فيها، وقد اشترط عليهم شرطا واحدا، وهو ألا يقيموا ~~في الفسطاط وأن يستقروا في الحوف الشرقي، وسرعان ما اغتنى من أقام منهم في مدينة ~~بلبيس لقيامهم بنقل البضائع الصادرة إلى بلاد العرب، وسرعان ما أخبروا سائر أفراد ~~قبيلتهم بثرواتهم، فخف إلى مصر خمسمائة آخرون، فقدمت أفواج أخرى طلبا لثراء ونزلت ~~في الأراضي التي هجرها سكان البلاد الأصليون. # على أنه يجدر بنا أن نذكر أن هؤلاء العرب لم يحضروا إلى مصر لأغراض اقتصادية ~~بحتة؛ إذ إن الوالي الوليد بن رفاعة لم يقدم اقتراحه إلى الخليفة إلا بعد ثورة ~~الأهالي الأولى في الحوف الشرقي، وأن أول فوج من المهاجرين قطن في مدينة بلبيس؛ أي: ~~في المكان الذي نشبت فيه الثورة. # وقد تمكن هؤلاء العرب من التوغل تدريجيا في البلاد كلها، وأصبحنا نراهم في ~~الوجه البحري والوجه القبلي ومصر الوسطى، وقد تزوجوا من نساء قبطيات اعتنقن ~~الإسلام، ms059 لم يعد أحد يستطيع أن يفرق بينهم وبين سكان البلاد الأصليين الذين اعتنقوا ~~الإسلام، وقد حصل السواد الأكبر منهم على أراض مما أدى إلى ظهور مشكلة البحث من ~~نوع الضريبة التي يجب أن يؤديها هؤلاء الملاك الجدد، وتدخل المشرع لمصلحة ~~السلطة، فأفتى بأن تستمر الأراضي الخاضعة للخراج في تأدية هذه الضريبة عنها حتى لو ~~نقلت ملكيتها إلى مالك مسلم، وحجة المشرع أن أراضي البلاد المحتلة ملك المسلمين ~~جميعهم، وأنه ليس بالإمكان تضحية المصلحة العامة في سبيل المصلحة الخاصة. # 51 # يتضح من هذه الفتوى أن السلطة استغلت لمصلحتها هذا الخطأ في ذلك العصر؛ إذ إنها ~~تجاهلت عدم وجود أي فارق بين الجزية التي كانت تجبى نقدا وبين الخراج، الذي كان ~~يجمع عينا، وهاتان الضريبتان كانتا مفروضتين، على أي حال، على أهل الذمة دون ~~سواهم. # وإن اضطرت السلطات إلى إعفاء سكان المدن الذين يعتنقون الإسلام، فإنها استمرت في ~~جباية الخراج من الملاك الزراعيين جميعا على الرغم من أن الخارج ليس إلا جزية ~~مفروضة على الأراضي الزراعية واشتراك أهل القرية في دفعها، ولما رأى سكان الأقاليم ~~أن ليس أمامهم أية فائدة مادية من دخولهم في الإسلام، تلكأوا في اعتناق الدين ~~الجديد بخلاف الحال مع سكان المدن، ويقول المستشرق «دي ساسي»: «لعل ذلك أحد الأسباب ~~التي دعت إلى بقاء المسيحية في الأقاليم مدة أطول منها في الأقاليم». # 52 # وعندما اتضح أن هذا الإجراء لا يكفي لسد عجز الميزانية، فكرت السلطات في زيادة ~~نسبة الجزية، ويقول لنا المقريزي: «كتب معاوية بن أبي سفيان إلى وردان وكان قد تولى ~~خراج مصر، أن زد على كل رجل من القبط قيراطا، فكتب إليه وردان كيف نزيد عليهم وفي ~~عهدهم ألا يزاد عليهم شيء، فعزله معاوية». # 53 # وحاول أبو يوسف بعد ذلك أن يبرر رفع الجزية والخراج، فقال: «إن عمر بن الخطاب رضي ~~الله تعالى عنه رأى أن الأرض في ذلك الوقت محتملة لما وضع عليها، ولم يقل حين وضع ~~عليها ما وضع من الخراج أن هذا الخراج لازم ms060 لأهل الخراج وحتم عليهم، ولا يجوز لي ~~ولمن بعدي من الخلفاء أن ينقص منه، ولا يزيد فيه». # 54 # وقد فكرت السلطة أن تحمل الأحياء على دفع الجزية عن الأموات، ويقص ابن الحكيم ~~علينا: «كتب حيان إلى عمر بن عبد العزيز يسأله أن يجعل جزية موتى القبط على ~~أحيائهم، فسأل عمر عراك بن مالك، فقال عراك: «ما سمعت لهم بعهد ولا عقد وإنما أخذوا ~~عنوة بمنزلة العبيد»، فكتب عمر إلى حيان بن شريح أن يجعل جزية موتى القبط على ~~أحيائهم». # 55 # ويدل هذا الإجراء - حسب ما يقول المقريزي - على «أن عمر كان يرى أن أرض ~~مصر فتحت عنوة، وأن الجزية إنما هي على القرى، فمن مات من أهل القرى، كانت تلك ~~الجزية ثابتة عليهم، وأن من مات منهم لا يضع عنهم من الجزية شيئا». # 56 # إلا أن عمر بن عبد العزيز رفض أن يعمل بمشورة ولاته الذين نصحوه، أمام زيادة عدد ~~الذين يعتنقون الإسلام فيمتنعون عن دفع الجزية، بأن يأمر بجباية الجزية من هذه ~~الطبقة من المسلمين، فأجاب الخليفة: «إن الله إنما بعث محمدا # صلى الله عليه وسلم # هاديا، ولم ~~يبعثه جابيا، ولعمري لعمر أشقى من أن يدخل الناس كلهم الإسلام على يديه». # 57 # ثم إن جميع الطبقات التي كانت قد أعفيت من دفع الجزية منذ الفتح فقدت مع مرور ~~الزمن هذا الامتياز الممنوح لها، وقد فقد الرهبان على الأخص جميع الامتيازات التي ~~كانوا يتمتعون بها، مما أدى إلى ازدياد عدد معتنقي الإسلام ونقص عدد الرهبان، فهجرت ~~الأديرة شيئا فشيئا وأصبحت خرابا. # 58 # وقد كان عبد العزيز بن مروان أول من فرض على الرهبان جزية قدرها دينار في عام 65ه ~~(685م)، وبرر هذا الإجراء بأنه ليس من العدل أن تدفع الطبقات الفقيرة الضرائب ~~ويعفى عنها الرهبان والمطارنة والبطاركة، الذين يملكون ثروات عظيمة، ولما صار عبد ~~الله بن عبد الملك واليا على مصر في سنة 68ه (686م)، اعتقد الأقباط أن السلطة ألغت ~~الأمر الآنف الذكر، ولكن الوالي خيب آمالهم، فحمل عليه المؤرخون ms061 النصارى وأظهروا ~~كراهيتهم له. # ومع ذلك كانت إيرادات الدولة في نقصان مخيف بالرغم من زيادة الضرائب، فقرر عبيد ~~الله بن الأحدث، بعد مضي ثمانين سنة على الفتح العربي، أن يقوم بمسح الأراضي مسحا ~~دقيقا بما في ذلك الأراضي البور، وقد نفذ قراره هذا في عام 106 أو 107ه (724 أو ~~725م) وجلب إلى الخزينة أربعة ملايين دينار على الرغم من هبوط سعر الحنطة. # واتضح بعد ذلك أن المساحين لم يكونوا على جانب كبير من الدقة في عملهم؛ إذ ~~وضعوا نصب أعينهم تخليص الدولة من المأزق المالي الحرج، الذي وقعت فيه على حساب ~~الشعب، ونستخلص ذلك من قراءة إحدى أوراق البردي المعروفة اليوم باسم أوراق ~~«رينييه»، أن أحد المساحين قدر عقارا بمائتي فدان، غير أن صاحبات العقار عارضن ~~في هذا الرقم، وقلن إنهن مسحن الأرض كلها بما يقتضيه ضميرهن، فبلغت مساحتها 931 ~~فدانا من الأراضي الزراعية، وبعد فحص الأوراق والمستندات المتعلقة بهذه الأرض ~~فحصا دقيقا، وصلت السلطة إلى تقدير مساحته ب 841 فدانا فقط، وعلق الأستاذ ~~«جروهمان» على هذا الحادث قائلا: «إذ وردت مثل هذه الأخطاء في الحجج الخاصة ~~بالأبعديات الكبيرة، فما بالك بالقضايا التي كان يتعرض لها صغار الفلاحين الذين ~~يفتقرون إلى وسائل الدفاع الناجحة». # وفي سنة 186ه «802م»؛ أي: في عهد الخليفة هارون الرشيد، قام الليث بن الفضل ~~الوالي على مصر بمسح أراضي الحوف الشرقي، وقد استعمل المساحون قياس أقصر من القصبة، ~~مما أثار شكوى السكان، ولكن الكندي يقول: إن الوالي رفض أن يستمع إلى ~~شكواهم. # 59 # ثم لجأ الوالي إلى إجراء كان البيزنطيون قد فرضوه، منذ أواخر القرن الثالث ~~الميلادي، وهو نظام العمل الإجباري للمصلحة العامة ~~“Liturgie” # وهذا دليل آخر لحيرة السلطة إزاء ~~الحالة المالية، ويقول «جروهمان» اعتمادا على أوراق البردي: «كانت السلطة تطبق ~~مبدأ تكليف الشعب القيام بالأعمال العامة لصيانة الأسطول البحري خاصة، فكان الجزء ~~الأكبر من هذا الأسطول يعتمد على موارد مصر، وكان أيضا يسلح في الديار المصرية، ~~ولم يكن تسخير الأيدي العاملة المصرية موقوفا على ms062 صيانة الأسطول وتموينه فحسب، بل ~~كان يتعداه إلى أصحاب الحرف والصناع، الذين قاموا أيضا ببناء قصر للخليفة ببابليون ~~وبأعمال أخرى خارج القطر، # 60 # كما كان الجند والموظفون المرسلون من قبل الولايات يتسلمون أجورهم من ~~خزينة بلادهم الأصلية.» # 61 # وفي سنة 256ه «869م»، وصل مصر قائم جديد على شئون بيت المال، ألا وهو أحمد بن ~~المدبر، وقد انتقده المؤرخون المسيحيون والمسلمون لصرامته مر الانتقاد، ولكن ~~السياسة التي سار عليها ابن المدبر، كان لا بد منها في تلك الظروف، ويقول ساويرس بن ~~المقفع في شأنه: «كان رجلا شديدا، صعبا في أفعاله مخوفا عند كل أحد، لا يغلب، ~~ففعل أفعالا لم يفعلها أحد قبله، وكان قد أقام بفلسطين مدة كبيرة وأذاق أهل تلك ~~البلاد صعوبة وبلايا، فلما سمع أبونا البطرق بوصوله مصر، حزن، وعند وصوله إلى مصر، ~~وضع يده على المسلمين والنصارى واليهود وأضعف عليهم الخراج، فقوم لكل دينار دينارا ~~وقوم للدينار ثلاثة حتى ملأ الحبوس في كل الأماكن، وأنفذ إلى الديارات في كل موضع ~~وأحصى الرهبان: التي فيها وطالبهم بالجزية والخراج ...». # 62 # وخصص أحمد بن المدبر ديوانا للمراعي بعد أن كانت معفاة إلى تاريخه من الضرائب، ~~ومنع أيضا حرية التجارة بها وفرض عليها ضريبة أسماها «المراعي». # وهذه الضريبة التي ذكرت مرارا في القوائم المدونة على أوراق البردي كانت تفرض ~~على الأرجح على رءوس الأغنام، كما فرضت فوق ذلك ضريبة على المروج أشارت إليها ~~أوراق البردي دون أن تحدد طبيعتها؛ أما ضريبة الصيد، فهي ترجع أيضا إلى عهد ابن ~~المدبر. # وقد ذكرت هذه الضرائب كلها باسم «الضرائب الهلالية»؛ لأنها كانت تجبى على حساب ~~الشهر القمري، بعكس الخراج الذي كان يجبى على حساب السنة الشمسية، يضاف إلى هذه ~~الضرائب ضريبة أخرى معروفة باسم «الصدقة» وقد أصبحت في هذا العهد حسنة قانونية ~~إجبارية على شكل ضريبة يدفعها المسلمون غير المسيحيين على السواء، ورد ذلك في أوراق ~~البردي. # وقد تطورت الرسوم المفروضة على بعض الخضراوات المزروعة وأصبحت ضريبة قائمة ~~بذاتها، وفرضت السلطات بعد ذلك ضريبة على ms063 أشجار النخيل والكروم، وإلى جانب ذلك، قام ~~السكان بدفع الجزء الأكبر من المصاريف الخاصة بتحسين الأراضي الزراعية، وكان الصناع ~~هم أيضا يسهمون في هذا العمل، وعلى كل حال، فإن الضرائب شملت الصناعات على اختلاف ~~أنواعها، غير أننا لم نعرف إلى أي حد رفعها ابن المدبر، وكل ما وصل إلى علمنا، أنه ~~أعاد نظام الاحتكار وقرر رسوما على الإيصالات ولوازم المكاتب «ثمن الصحف» ~~وغيرها. # 63 # ويعتبر ابن المدبر آخر من حكم في مصر لحساب حكومة بغداد، فقد تولى من بعده ابن ~~طولون، الذي بادر إلى إلغاء الرسوم والضرائب الجديدة، التي فرضها ابن المدبر، وكان ~~لها أسوأ أثر في البلاد. # تلك هي الإجراءات الثابتة التي اتخذها الولاة بالاتفاق مع الخلفاء لزيادة دخل بيت ~~المال، نضيف إليها المظالم، التي وقع الأقباط تحت طائلتها، وفي بعض الأحيان ~~المسلمون، وذلك إثباتا لشهوة الولاة الذين حكموا مصر لمدد قصيرة فأرادوا ألا ~~يغادروها دون أن يغتنموا، مهما كان الثمن، ويقول المستشرق «مارسيل» في هذا الصدد: ~~«ولما كان الوالي على يقين من أنه سيقال من منصبه ليحل وال آخر محله، فقد كان ~~يعتني بما يجلب الفائدة إليه دون البلاد، وكان همه الوحيد أن يثري إبان ولايته ~~القصيرة المدى وبأية وسيلة، حتى يعوض الخسارة التي تنتج عن إقالته، لذلك كان كل ~~وال يزيد الضرائب التي يفرضها سلفه.». # 64 ~~(3-5) جشع أم تعصب؟ # نعتقد شخصيا أن العامل الديني لم يكن إلا وسيلة تذرع بها الولاة لينالوا ~~الثروة، ولا شك أن العقيدة الدينية، أو بعض الأسباب الأخرى، حملت بعض الولاة على ~~سلوك مسلك آخر، ولكن لا يجوز أن نستند إلى سياسة الولاة وإجراءاتهم في مصر، لنقرر ~~إذا كانوا يعملون بدافع التسامح أو بدافع التعصب. # وعندما نتكلم عن الحالات الشاذة، نقصد خاصة عبد العزيز بن مروان الذي ولي شئون ~~مصر عشرين سنة متتالية، وعلى الرغم من أن المؤرخين النصارى لم يغتفروا له الضريبة ~~التي فرضها على الرهبان، فإنه كان حاكما عادلا طيبا، ويقول أحد الأساقفة ~~الأقباط: إن عبد العزيز كان يدعو إليه ms064 من وقت إلى آخر يوحنا رئيس الأساقفة لما ~~بينهما من أواصر المودة والمحبة، وكان الوالي يبالغ في تكريم البطريرك إسحق ويحميه ~~من الوشاة الحاقدين، # 65 # ويعزى هذا التسامح إلى أن الذي قام بتربية عبد العزيز هو أحد النصارى ~~اسمه «أنستاس» أو «بار جومي»، ويقول ميخائيل السوري عنه: «إنه ذكي وكثير ~~الاطلاع.» # 66 # وأكبر الظن أن هذه النشأة كان لها أثرها في عطفه على الأقباط. # وبالعكس يصور الرواة النصارى أخاه عبد الله في أبشع الصور؛ إذ لم يكتف هذا ~~الوالي بإقرار ضريبة الدينار على رجال الدين، بل سجن أيضا البطريرك اليعقربي ~~ليرغمه على إعطائه جزءا من ثروته، ويحدثنا عنه ساويرس قائلا: «لما وصل عبد الله ~~بن عبد الملك إلى كورة مصر، فعل أيضا أفعال سوء، وكان جميع الأراخنة خائفين لفعله ~~الذي حسنه له الشيطان ... وفي تلك الأيام، خرج الطوباني الإكسندروسي وسار إلى مصر ~~ليسلم عليه كالعادة من البطاركة والولاة، فلما نظر إليه قال: «من هو هذا؟» قالوا ~~له: «هذا أب وبطرك جميع النصارى»، فأخذه وسلمه لواحد من حجابه وقال له: «أفعل به ~~ما تريد من الهوان إلى أن يقوم بثلاثة آلاف دينار»، فأخذه وأقام عنده ثلاثة أيام ~~فلما نظر ذلك جرجه الشماس النمراوي، أنه ما يفرج عن البطرك إلا بعد أن يأخذ المال، ~~تقدم إليه وقال له: «يا سيدنا تطلب نفس البطريك أو مال؟» فقال له: «أريد المال» ~~فقال له الشماس جرجه: «ضمني إياه مدة شهرين أنحدر به إلى بحري أطلب له من الأراخنة ~~والنصارى وأقوم لك عنه بثلاثة ألف دينار»، فسلمه إليه، فطاف به المدن والقرى على ~~المؤمنين بالمسيح حتى حصل المال وجمعه.». # 67 # ويتهم ساويرس الوالي عبد الله بأنه حصل من أهل الذمة ثلثي دينار زيادة عما كانوا ~~يدفعونه من قبل ويصفه الأسقف بأنه «كان محبا للمال جدا». ~~«ويتهمه الكندي بأنه شجع الرشوة وملأ جيوبه بمال الجزية .». # 68 # ولم يكن قرة بن شريك، الذي خلف عبد الله في ولاية مصر، أقل حبا للمال من سلفه، ~~ويقص علينا ساويرس أنه ms065 لما ذهب البطريرك اليائس إلى قرة ليهنئه بالولاية، كما جرى ~~العرف، قبض عليه قرة وقال له: «الذي قبضه منك عبد الله بن عبد الملك تحتاج أن تقوم ~~لي بمثله.» ويحكى المؤرخ عن قرة أيضا أنه اقتحم كنيسة الفسطاط مع نفر من الفساق ~~المقربين إليه وبعض المهرجين، ومكثوا أمام الهيكل في أثناء أداء الصلاة. # إنها سنة استنها أحد الولاة الجشعين، فأصبح من المتعذر بعد ذلك أن يحال بين ~~الولاة اللاحقين وبين نهجهم على منوال هذا السلف، وقد أرسل الخليفة سليمان بن عبد ~~الملك إلى مصر أسامة بن زيد ليقوم على بيت المال، ويبدو أن هذا الرجل كان أكثر ~~جشعا ممن سبقه، ويقول المؤرخون المسلمون والنصارى: إنه قام بمصادرة الأملاك بغير ~~حق كما أسرف في القتل بصورة وحشية، ولقد جمع الرهبان وأخبرهم بوجوب الإبقاء على ~~الرسم الذي فرضه عبد العزيز عليهم، كما أجبرهم على أن يطلبوا من رجال الضرائب ~~خاتما من حديد تنقش عليه أسماؤهم وموعد دفع الضرائب، على أن يضعوا هذا الخاتم في ~~أحد أصابعهم حتى إذا ما قبض على راهب وكانت يده عاطلة منه قطعت في الحال. # ويظهر أن أمر أسامة هذا دخل في دور التنفيذ، أما الرهبان الذين لجئوا إلى الأديرة ~~واعتقدوا أنهم تمكنوا بهذه الطريقة الهرب من دفع الضريبة دون أن ينالهم أي عقاب، ~~فقد قام رجال الشرطة بالبحث عنهم والقبض عليهم، ثم حكم عليهم بقطع رءوسهم أو جلدهم ~~حتى الموت، وإلى جانب ذلك، أصدر أسامة أمرا يحتم على السكان، الذين يسافرون بطريق ~~النيل شمالا أو جنوبا أن يحملوا جواز سفر مدموغا. # وقد كان لهذه الإجراءات أسوأ وقع في النفوس، إلا أن وفاة الخليفة حال في الوقت ~~المناسب دون قيام ثورة في البلاد، لهذا لم يتوان عمر بن عبد العزيز بعد توليته ~~الخلافة في سنة 101ه «719م» في عزل أسامة وتعيين أيوب بن شرحبيل مكانه بعد أن كلفه ~~بتهدئة الخواطر وباستعمال اللين مع السكان، ثم أمره الخليفة بإلقاء القبض على أسامة ~~ووضع حلقة من الحديد حول عنقه وتكبيل ms066 يديه وقدميه بأوتار خشبية، وسيق أسامة، وهو ~~على هذه الحال، إلى مكان إعدامه، ولكنه مات في أثناء الطريق. # وقام عمر بن عبد العزيز بعمل آخر على جانب عظيم من الأهمية أكسبه عطف الأهالي ~~وحبهم؛ إذ إنه أمر بإلغاء الجزية على الرهبان والأساقفة، # 69 # ولم يلبث أن أعيدت الضريبة مرة أخرى في عصر يزيد، وعاد الأقباط إلى ~~سيرتهم الأولى من الشكوى من جور الولاة. # وفي خلافة هشام، أعيد تعيين حنظلة بن صفوان على مصر «119ه/736م»، وكان قد تولى ~~هذا المنصب من قبل في عهد الخليفة يزيد، ولم يتبع حنظلة الخطط الحكيمة التي رسمها ~~له الخليفة هشام، بل رفع الضرائب ولم يقتصر على فرض رسوم على الآدميين، بل تعداه ~~إلى الحيوانات بعد أن أجرى إحصاء عاما لها، وفرض أيضا ضريبة الدمغة على ~~الإيصالات. # وكانت للخليفة هشام سياسة حكيمة تخالف سياسة عامله السيئة، فقد كان يحاول كسب عطف ~~الأقباط، الذين لم يفقدوا بعد نفوذهم في البلاد بدلا من إثارة غضبهم بفرض ضرائب ~~جديدة، ولما ظلوا بدون بطريرك مدة من الزمن، أمر الخليفة بتنصيب رئيس ديني عليهم، ~~وأمر أيضا بتسليم كل شخص سدد ضرائبه براءة رسمية باسمه حتى «لا يظلم أحد ولا يكون ~~في مملكته ظلم»، ذكر الأسقف ساويرس كل هذا، ثم أردف قائلا: «كان هشام رجلا خائفا ~~من الله على طريق الإسلام وكان محبا لسائر الناس.». # ويتضح من سرد هذه الحوادث أن ظلم الولاة للشعب كان في معظم الأحيان ناتجا عن ~~أمور شخصية بحتة، ولم يلبث الولاة أن وجدوا من يقلدهم في تصرفاتهم، فلقد حذا حذوهم ~~الموظفون الذين يعملون تحت إمرتهم، ويقول لنا ميخائيل السوري: «لما غادر المأمون ~~مصر، تعددت المصائب على المصريين، وكان الفرس يدخلون القرى ويكبلون الذين ~~يقاومونهم، كل عشرة أو عشرين معا، ويرسلونهم إلى الفسطاط دون أن يتأكدوا إذا كانوا ~~مذنبين أم لا، وقد زهقت أرواح الكثيرين دون أن يقترفوا أي ذنب، وطلب بعض المقبوض ~~عليهم، وهم في طريقهم إلى الهلاك، أن يقبل جلادهم منهم رشا في مقابل إطلاق سراحهم، ms067 ~~وحينما صرفوا له المبلغ، قال لهم الرجل: انتظروا ريثما نقابل أناسا آخرين في ~~الطريق فأكبلهم بالسلاسل مكانكم. ولم يلبثوا أن صادفوا ثلاثة رجال: كاهنا وعربيين ~~كان أحدهما إمام مسجد فأطلق سراح الذين أعطوه الرشا، وألقى القبض على هؤلاء ~~مكانهم.». # 70 # وكان استهتار الولاة بمصلحة مصر واضحا لدرجة أنه عندما اشتدت الدسائس والمؤامرات ~~في بلاط بغداد في القرن الثالث الهجري، كان من النادر أن يترك شخص ذو نفوذ بلاط ~~الخليفة ويعيش بعيدا عنه، وإذا اختير واليا على قطر من الأقطار، عين وكيلا عنه ~~يدير شئون الحكم باسمه ويخصه بجزء من الدخل مقابل هذا التعيين. # وكان جمع المال هو الهدف الأول للولاة، ولذلك عانت البلاد أزمة اقتصادية شديدة ~~قبل ظهور الدولة الطولونية؛ إذ قل المحصول بسبب استنزاف الحكومة لمواردها ~~جزافا. # على أن معاملة الأمويين للشعوب المغلوبة كانت بصفة عامة أحسن من معاملة العباسيين ~~لهم، فكثيرا ما استعمل هؤلاء القوة والعنف لابتزاز الأموال، وأكبر الظن أن حاجتهم ~~الملحة إلى المال حالت دون اتباعهم سياسة اللين، وعلى كل، فإن تاريخ البطاركة ~~اليعاقبة ما هو إلا سلسلة طويلة من الشكاوى، ابتدأت من عهد البطريرك الثاني ~~والخمسين بعد القديس مرقص، وقد بلغ اليأس بأحد الأساقفة، واسمه قزمان، إلى حد جعله ~~يتنازل عن سلطته لعلية القوم من طائفته، فجعلهم مسئولين عن تأدية المبالغ المستحقة ~~للحكومة ثم انسحب إلى مدينة «دمرو». ~~(4) ثورة الأقباط # أدرك الأقباط أنهم بالغوا في تفاؤلهم؛ لأن الحكومة مهما كانت متسامحة لا تستطيع أن ~~تعيش دون جباية الضرائب، وزادت خيبة أملهم عندما أدركوا أن الفاتح الجديد كان يريد أن ~~ينعم بثمرة انتصاره، لذلك لم يلبثوا أن وضعوا نصب أعينهم هدفا واحدا هو تغيير حكامهم ~~الجدد والتحرر من ربقتهم. # وقف الشعب في أثناء الفتح موقف المحايد، الذي يعطف على العرب، ولكن بعض الأقباط الذين ~~يسكنون ضواحي الإسكندرية انحازوا إلى البيزنطيين، وانضموا إلى صفوفهم عندما قام هؤلاء ~~بهجوم مضاد على العرب ، وسبب هذا الانحياز - كما سبقت الإشارة إليه - أن عمرا أجاب ~~بخشونة على صاحب «إخنا» عندما طلب ms068 إليه تحديد قيمة الضريبة الواجب دفعها ~~للخزينة. # غير أن الأقباط لم يحركوا ساكنا بعد مقتل عثمان والانشقاق الذي حدث بين أنصار علي بن ~~أبي طالب وأعدائه، وقد أثار هذا الموقف دهشة المستشرقين، ولكن الأكليروس القبطي - وكان ~~وقتئذ هو الذي يمكنه إشعال نار الثورة - كان راضيا كل الرضا عن الاحتلال العربي؛ لأن ~~عمرو أكرم بطريركهم كل الإكرام وأحاطه بالإجلال والاعتبار وطلب إليه نصائحه وبركته، ~~وأمر بإعفاء رجال الدين من الجزية. # ولما قامت ثورة العباسيين على الأمويين، كان الموقف في مصر قد تغير كل التغير؛ لأن ~~خلفاء دمشق فرضوا الجزية على رجل الدين وزادوا نسبتها على الشعب؛ وذلك لحاجتهم إلى ~~المال مما أغضب الشعب لهذين الإجراءين فثار عام 107ه «725م» في أثناء خلافة هشام بن عبد ~~الملك، وهذا دليل على عدم رضاء الأقباط - وعلى رأسهم رجال الدين - عن حكامهم. # وقد شاء القدر أن يلجأ مروان بن محمد، آخر الخلفاء الأمويين إلى مصر حيث اضطهد ~~البطريرك قبل أن يكبله بالحديد، وكان هذا العمل بمثابة إيذان لانضمام النصارى كلهم إلى ~~صف العباسيين «الخراسانيين كما كان يسميهم ساويرس بن المقفع»، وقد زودنا هذا المؤرخ ~~بمعلومات على جانب عظيم من الأهمية عن أبناء ملته فقال: «كان بقية النصارى بمصر قالوا ~~للخراسانيين: «هذا أبونا البطرك عند مروان ولا ندري ما يصنع به»، وكان البشامرة «أهل ~~البشمور» قد لقوهم من الفرما وقالوا للخراسانيين: إن بطركنا قد أخذه مروان ليقتله بسبب ~~أنا قاتلناه وقتلنا عسكره قبل مجيئكم إلينا، وكان الناس يقولون إن يد الرب مع ~~الخراسانيين، وكانوا إذا وجدوا قوما عليهم علامة الصليب، يخففون عنهم الخراج ويرفقون ~~بهم ويعملون معهم الخير في جميع البلاد، وصلبوا مروان منكسا بعد أن قتلوه، وجلب ~~الخراسانيون أنبا خيال وأكرموه كرامة عظيمة. # 71 # ولما كان العباسيون أكثر دراية من عمرو، فقد عرفوا كيف يستعينون بالأهالي، الذين ~~كانوا على استعداد لمساعدتهم ضد حكام البلاد، إلا أن كثيرا ما يعيد التاريخ نفسه؛ إذ ~~قد وجد العباسيون أنفسهم مضطرين إلى فرض ضرائب باهظة، ويقول ساويرس في ذلك: ms069 «ولما كان ~~في ثالث سنة من مملكة الخراسانيين، أضعفوا الخراج وأكملوه على النصارى ولم يوفوا لهم ~~بما وعدوهم.». # 72 # وأدت هذه السياسة إلى تعدد الثورات في البلاد واستفحال أمرها، فقد قامت خمس ثورات ~~مهمة بين سنة 121ه «739م» وسنة 156ه «773م». # ولكن نشبت أكبر ثورة في عام 216ه «831م» أيام خلافة المأمون؛ إذ سالت فيها الدماء ~~وترتبت عليها نتائج رهيبة، وقد لوحظ انضمام عدد كبير من المسلمين إلى النصارى في ~~ثورتهم، واختار الثوار أنسب الأوقات للقيام بحركتهم، حيث كان عدد كبير من الولايات في ~~حالة ثورة، وإذا كانت الأطماع السياسية في الخارج هي التي حركت هذه الثورات، فإنها لم ~~تقم في مصر إلا بسبب الضرائب كسابق عهدها، وكتب المقريزي في هذا الصدد: «لما كان في ~~جمادى الأولى سنة 216، انتقض أسفل الأرض بأسره عرب البلاد وقبطها وأخرجوا العمال وخلعوا ~~الطاعة لسوء سيرة عمال السلطان فيها، فكانت بينهم وبين عساكر الفسطاط حروب.». # 73 # وكان وجود البشموريين # 74 # في صفوف الثوار جعل القتال بدون هوادة، ويقول كاتب عربي ذكره المقريزي: إن ~~هؤلاء القوم أكثر توحشا وتعنتا من سائر سكان مصر، وقد أقلقوا السلطات، ألم يناصبوا ~~العرب العداء سبع سنوات بعد سقوط الإسكندرية في أيدي عمرو؟ ألم يكونوا أول من قام ~~بإعلان الثورة ضد جباة الضرائب؟ # ويذكر المستشرق «كاتريمير» # Et. Quatremere ~~، ضمن بحثه ~~مخطوطا عربيا عن حياة ميخائيل، فيأتينا بتفاصيل وافية عن استعداد هؤلاء القوم ~~للقتال، ويقول هذا المخطوط: «قام البشموريون بالثورة ضد عبد الملك وكان يقودهم مينا بن ~~بكيرة، وقد انضموا إلى أهل شبرى سنباط واستولوا على هذه الناحية ورفضوا أن يدفعوا ~~الجزية للحاكم وللقائم العام على شئون الضرائب، وقد سار إليهم عبد الملك على رأس جيش، ~~ولكنه لاذ بالفرار بعد مذبحة كبيرة، فأرسل إليهم عبد الملك جيشا وأسطولا ولكنهما باءا ~~بالفشل الذريع، وعندما قدم الخليفة مروان مصر وأخبر بما حدث، كتب إلى البشموريين يعرض ~~عليهم العفو العام ولكنهم رفضوا هذا العرض، فسير إليهم جيشا قويا مكونا من جنود ~~مصريين وسوريين ، إلا أنها ms070 لم تستطع أن تلتحم بالثوار الذين اعتصموا في منطقة المستنقعات ~~ذات الطرق الضيقة التي لا يمكن أن يمر خلالها سوى شخص واحد، إذا انزلقت قدمه في الوحل ~~غاص فيه ومات حتما، واستطاعت الجيوش العربية أن تحاصر هذا المكان، ولكن عندما أسدل ~~الليل ستاره، خرج البشموريون من معاقلهم وساروا في الممرات التي انفردوا بمعرفتها وما ~~لبثوا أن انقضوا انقضاض الصاعقة على المسلمين فقتلوا منهم ما وسعهم القتل وسلبوا نقودهم ~~وخيولهم.». ~~«ولما دخل الكوثر بن الأسود - قائد قوات مروان - الإسكندرية، وأمر بسجن البطريرك ~~ميخائيل بعد أن ضربه ثم أمر بقطع رأسه، وكان الأمر ينفذ وكانت يد الجلاد مرفوعة لتهوى ~~على رقبة البطريرك، عندما اختلج قلب كوثر بعاطفة الشفقة وقال لصحبه: «ماذا نجنيه من قتل ~~هذا الشيخ العجوز؟ لقد كتب إلى البشموريين يطلب إليهم الكف عن محاربتنا ولكنهم أبوا أن ~~يعملوا بنصيحته، فلنأخذ معنا إلى رشيد ليكتب إلى هؤلاء القوم أنه بسببهم ما ناله من سوء ~~المعاملة، وبينما كان الأمير في طريقه إلى رشيد، علم أن المدينة، وقعت في أيدي ~~البشموريين الذين خربوها وأحرقوها بعد أن قتلوا من فيها من المسلمين.». # 75 # ولو كانت الثورة اندلعت في القطر المصري وحده بسبب الخلاف حول دفع الضرائب، لما قام ~~الخليفة بالسفر إلى مصر لقطع دابرها، ولكن صادف أن أعلن نصر بن شباث في الوقت نفسه ~~الثورة على الخلافة، واعتمد في حركته على السوريين الذين ظلوا مخلصين لبني أمية، كما ~~وصل أسطول حربي من الأندلس ورسا في ميناء الإسكندرية، فقلق المأمون كثيرا وخشي استفحال ~~الصورة؛ لأن المصريين لا يتورعون على الاتفاق مع الأمويين، الذين لجئوا إلى إسبانيا كما ~~اتفقوا مع العباسيين ضد الأمويين. # ولا بد أن ميخائيل السوري كان يعني ما يقوله عندما كتب: «أعلن نصر وصحبه الثورة في ~~الشام وحثوا في آن واحد المصريين على الثورة.». # 76 ~~«واستولى عليها رجلان هما سري وجوري، # 77 # وبعد أن جلبا الذهب بمقدار الأحجار، أخذا يحصلان الجزية «باسمهما»، ولما ~~توفيا خلفهما ولداهما: فتولى عبيد بن ساري على الفسطاط والجنوب، ms071 وحكم ~~أحمد # 78 # الشمال، أما الإسكندرية، فقد استولى عليها قوم جاءوا من بلاد ~~الأندلس.». # 79 # وعلى الرغم من أن البطريرك يوساب عمل جاهدا لإقناع البشموريين على عدم ارتكاب ~~أعمالهم العدوانية، نرى ساويرس يبرر ثورتهم فيقول: عامل العرب البشموريين على الأخص في ~~غاية من القسوة، فقد ربطوهم بسلال إلى المطاحن وضربوهم بشدة ليطحنوا الغلال كما تفعل ~~الدواب سواء بسواء، فاضطر البشموريون أن يبيعوا أولادهم ليدفعوا الجزية ويتخلصوا من ~~آلام العذاب، ولما اقتنعوا نهائيا أن هذا الظلم لا يحده إلا الموت، وأن بلادهم كلها ~~مستنقعات تخللها الطرق الضيقة التي ينفردون بمعرفتها، وأنه يعد من المستحيل على جيوش ~~المسلمين أن يغزوها، فقد اتفقوا جميعا على إعلان الثورة ورفضوا دفع الجزية ... وكان ~~البطريرك يوساب يذوب حسرة على رعيته التي تحالف على إفنائها الطاعون والمجاعة والحرب، ~~غير أن البشموريين وطدوا عزمهم على مواصلة القتال وأخذوا يصنعون لأنفسهم الأسلحة ~~وحاربوا الخليفة علانية ورفضوا دفع الجزية على الإطلاق، ووصلت بهم الحال أنهم قتلوا كل ~~من جاء إليهم ليقوم بعمل الوسيط بينهم وبين السلطة، وقد تحسر البطريرك عليهم؛ لأنهم ~~خاضوا غمار الحرب ضد عدو يفوقهم في العدد والعتاد. # وتعرضوا للموت بحكم إرادتهم، فكتب إليهم خطابا حاول فيه أن يقنعهم بعدم قدرتهم على ~~مقاومة الخليفة بالسلاح، ويصف لهم المصائب التي ستحيق بهم ويطلب إليهم أن ينصرفوا عن ~~عزمهم، ولما اتضح له أن هذا الخطاب لم يؤثر فيهم، أرسل الخطاب تلو الخطاب ملحا في ~~رجائه، ثم لما قدم الأساقفة حاملين معهم هذه الرسائل، انقض عليهم البشموريون وجردوهم من ~~ملابسهم وأمتعتهم وطردوهم بعد أن أوسعوهم سبا وشتما، ولما عاد هؤلاء الأساقفة إلى ~~البطريرك وقصوا عليه كل ما حدث لهم، قرر البطريرك أن يترك هذا الشعب لمصيره. # 80 # وكان المأمون في ذلك الحين قائما في سوريا، فخف إلى مصر بعد أن منح عفوه إلى نصر ~~الثائر، وكان بطريرك «تل مهرة» «ديونيسيوس» نازلا في دمشق، فأرسل إليه المأمون خطابا ~~يقول فيه: «امكث هنا لتأتي معنا إلى مصر؛ لأننا نريد منك أن تذهب كسفير ms072 عند ~~«البياماي» # 81 # في مصر السفلى وتقنعهم بالكف عن القتال والعودة إلى الطاعة.». # 82 # ولنترك الآن ديونيسيوس يحدثنا بنفسه عما طرأ: «عندما وصلنا إلى مدينة الفرما، ~~استدعاني الملك وقال لي: «لقد علمت أيها البطريرك بنبأ ثورة النصارى المصريين المعروفين ~~باسم البياماي، وأنهم لم يكتفوا بالخراب الذي أصابهم من جراء هجومنا الأول عليهم، ولولا ~~تسامحي وعدم تفكيري في القضاء عليهم لما أرسلت إليهم رجلا مثلك، خذ معك المطارنة الذين ~~بصحبتك وسائر المطارنة المصريين واذهب لمقابلتهم وفاوضهم بشرط أن يسلموا الثوار، ~~وليأتوا معي ومع جيشي إلى المكان الذي أعينه فأسكنهم فيه، فإذا رفضوا فإني سأقتلهم ~~بالسيف.»، ولما حدثت الخليفة طويلا على أساس أن يخضع البشموريين لحكمه ويتركهم في ~~بلادهم أجاب بالنفي وقال: «لا! فليخرجوا من البلاد أو يتعرضوا للقتل.». # ثم يستأنف ديونيسيوس قصته قائلا: «لقد وجدناهم مجتمعين وقد احتموا في جزيرة محاطة ~~بالمياه والخيزران والغاب من كل جهة، فخرج إلينا رؤساؤهم وتقدموا نحونا، ولما وجهنا ~~إليهم اللوم على الثورة التي أشعلوها والمذابح التي اقترفوها، أنحوا باللائمة على من ~~كان يحكمهم.» # 83 # إلا أنهم عندما علموا بوجوب الخروج من بلادهم، حزنوا حزنا شديدا، ورجونا ~~أن نبعث إلى الملك برسالة نطلب إليه فيها أن يسمح لهم بالمثول بين يديه ليقصوا عليه كل ~~ما احتملوه من الهوان. ~~«وقالوا: إن أبا الوزير الوالي # 84 # كان يرغمهم على دفع جزية لا يستطيعون تحملها، وكان يسجنهم ويربطهم إلى ~~الطواحين ويضربهم ضربا مبرحا ويضطرهم إلى طحن الحبوب كالدواب تماما، وعندما كانت ~~تأتي نساؤهم إليهم بالطعام، كان خدمه يأخذونهن ويهتكون عرضهن، وقد قتل منهم عددا ~~كبيرا، وكان عازما على إبادتهم عن بكرة أبيهم حتى لا يشكوه إلى الملك ... ولما عدنا إلى ~~الملك، أخبرناه بالظلم الواقع على المصريين وجور الوالي، وبعد أن قدمت له تقريري قال ~~لي: أنا غير مسئول عن سياسة ولاتي؛ لأني لم أمل عليهم هذا الموقف الذي اتبعوه، أنا لم ~~أفكر قط في إرهاق الناس، وإذا كنت قد أشفقت على الروم وهم أعدائي، فكيف لا أشفق على ~~رعيتي؟». ms073 # 85 # ويحدثنا المؤرخون المسلمون على أن المأمون، حينما وصل إلى مصر، عنف الوالي عيسى بن ~~منصور تعنيفا شديدا وعزله قائلا: «لم يكن هذا الحادث العظيم إلا عن فعلك وفعل عملك، ~~حملتم الناس ما لا يطيقون وكتمتوني الخبر حتى تفاقم الأمر واضطربت البلاد.». # 86 # وعلى الرغم من نصائح رجال الأكليروس المتلاحقة، رفض البشموريون التسليم، فلم يكن من ~~المأمون إلا أن سحقهم سحقا وقتل عددا كبيرا منهم، ثم أرسل في طلب رؤسائهم «وأمرهم أن ~~يغادروا هذه البقعة غير أنهم أخبروه بقسوة الولاة المعينين عليهم، وأنهم إذا غادروا ~~بلادهم لن تكون لهم موارد للرزق؛ إذ إنهم يعيشون من بيع أوراق البردي وصيد الأسماك، ~~وأخيرا رضخوا لأمره وسافروا على سفن إلى أنطاكية حيث أرسلوا إلى بغداد # 87 # وكان يبلغ عددهم ثلاثة آلاف مات معظمهم في الطريق، أما الذين أسروا في ~~أثناء القتال، فقد سيقوا عبيدا ووزعوا على العرب، وبلغ عدد هؤلاء خمسمائة فأرسلوا إلى ~~دمشق وبيعوا هناك.». # 88 # واستطاع المأمون أن يطفئ جذوة الثورة الوحيدة المستقرة في البلاد، وكتب المقريزي في ~~هذا الشأن: «ومن حينئذ أذل الله القبط في جميع أراضي مصر وخذل شوكتهم فلم يقدر أحد منهم ~~على الخروج ولا القيام على السلطان، وغلب المسلمون على القرى فعاد القبط بعد ذلك، إلى ~~كيد الإسلام وأهله بأعمال الحيلة واستعمال المكر وتمكنوا من النكاية بوضع أيديهم في ~~كتاب الخراج.». # 89 # ويجدر بنا أن نذكر هنا أنه بينما كان البشموريون يقاتلون قتال اليائس في ثورتهم ~~الأخيرة التي يخرج منها المقريزي بنتائج عن جانب عظيم من الخطورة، لم يسجل المؤرخون أية ~~ثورة للأقباط في أية بقعة أخرى من القطر، والواقع أن الأقباط لم يلجئوا بعد ذلك إلى ~~أسلوبهم القديم، كما يقول المقريزي؛ لأنهم لم يكن لديهم أبدا غير هذا الأسلوب، ولما ~~قامت الثورات، اشترك فيها الأقباط بتشجيع من العناصر الأجنبية سواء كانت هذه العناصر من ~~المسلمين أو من البشموريين «وهم مزيج من الأقباط واليونانيين»، ولما أبيد البشموريون عن ~~بكرة أبيهم، لم يحاول الأقباط القيام بأية حركة ثورية ms074 عامة. ~~(5) الفوائد التي جناها الأقباط ~~(5-1) الأقباط يحتكرون الأعمال الإدارية # إن الأحداث التي ذكرناها لا تعني بأن الأقباط كانوا تعساء تحت حكم الولاة العرب، ~~بل كانوا أسعد كثيرا مما كانوا عليه أيام البيزنطيين، وبالرغم من جهود الخلفاء ~~واهتمامهم بتطبيق تعاليم القرآن، فإن الأقباط لم يقتصروا على شغلهم معظم الوظائف ~~الإدارية فحسب، بل كان لهم الأمر والنهي في بعض الأحيان، وبقي نظام الضرائب ~~والحسابات بين أيديهم مما أتاح لهم الفرصة لتحقيق مكاسب كبيرة، وكذلك يمكننا أن ~~نقول إنه فيما يتعلق بالأقباط ظلت تعاليم القرآن غير معمول بها. # وقد أظهر الخلفاء مرارا رغبتهم في إبعاد الأقباط من الوظائف الإدارية، كما أنهم ~~أظهروا خيبة أملهم - شفهيا إن لم يكن كتابيا - كلما وجدوهم في مناصبهم، ولكن ~~دراية عمرو بن العاص السياسية تغلبت على تزمت عمر الديني، ولما تولى عمر بن عبد ~~العزيز الخلافة بعد مضي قرن من فتح مصر، ذكر حكام الأقاليم بواجبهم، ووجه إليهم ~~رسالة قوية قال فيها: «عمر بن عبد العزيز يقرأ لكم كلمات الله هذه «وهنا ذكر بعض ~~الآيات القرآنية الخاصة بالذميين»، لقد سمعت أنه فيما مضى، عندما كانت الجيوش ~~الإسلامية تدخل البلاد، كان المشركون يذهبون لمقابلتهم وأن المؤمنين يطلبون ~~معاونتهم في إدارة البلاد لسدادة رأيهم ودرايتهم في الشئون الإدارية وجباية ~~الضرائب، ولكن لا يوجد الرأي السديد ولا الدراية عند الذين يستأثرون غضب الله ~~ورسوله، ثم إن الله أمر بنهي هذه الحالة، ولا أود أن يخبرني أحد بأن واليا ترك في ~~ولايته عاملا يدين بعقيدة غير العقيدة الإسلامية، وأني سأقبل هذا الوالي في الحال، ~~وأنه من الواجب علينا أن نبعد الذميين من الوظائف كما أنه من الواجب علينا أن نقضي ~~على دينهم، فليخبرني كل وال عما فعله في ولايته. # 90 # ولما تلقى أيوب بن شرحبيل هذه الرسالة، ألغى امتياز الأقباط الخاص بإدارة أموال ~~المقاطعات وأحل المسلمين محلهم. # 91 # ومع ذلك، لم يمض خمسة وثلاثين عاما على إصدار هذا الأمر حتى أخطر الخليفة ~~العباسي المنصور بوجوب إصدار أوامر دقيقة بخصوص إبعاد الذميين ms075 من الوظائف، نعم إن ~~هذا الإجراء لم يمهد له من قبل، بل كان ابن ساعته، فقد حدث أن تقدم إلى الخليفة بعض ~~المسلمين، في أثناء حجة له، والتمسوا منه أن يحميهم من جور النصارى، بعد أن أذن لهم ~~الخليفة بأن يتدخلوا في شئون المسلمين وأن يخبروه بكل ما يعلمونه خاصة بالأمويين، ~~فما كان من المنصور إلا أن قال لكاتم أسراره: «هذا ختمي، خذه وابعث بأمره لطلب جميع ~~المسلمين الذين لهم دراية في العمل، واكتب إلى جميع الولاة لكي يفصلوا الذميين من ~~الخدمة.»، ولما كان كاتم أسراره مقتنعا من أن هذه الأوامر لن تدخل في دور التنفيذ، ~~أجاب الخليفة بقوله: «لم أفعل شيئا مما أمرتني به؛ لأني على يقين من أن الذميين ~~إذا أثير غضبهم، فعلوا الدسائس ضدنا.». # 92 # والواقع أن الذميين لم يقالوا أبدا دفعة واحدة من وظائفهم، بل أصبحوا في خلافة ~~المهدي أصحاب الأمر والنهي، وأظهروا كبرياءهم حتى سخط عليهم المسلمون واحتجوا على ~~ذلك: فأمر الخليفة حينئذ ألا يترك الوالي بجانبهم أي كاتب ذمي، وأمر أيضا بقطع يد ~~المسلمين الذين يستعينون بكاتب نصراني # 93 # أما الخليفة المهدي الذي كان يوصي حكامه بأن يتخلصوا من موظفيهم الذميين، فلم ~~يحاول قط تطبيق المبدأ الذي كان ينادي به، وقد استمر النصارى يتمتعون بشغل الوظائف ~~الإدارية كما كان حالهم في الماضي، وأحسن دليل على ذلك ما صرح به المأمون لكاتم سره ~~لما كان في مصر؛ «سئمت من الشكاوى التي أتلقاها ضد النصارى بخصوص اضطهادهم ~~المسلمين، وعدم نزاهتهم في إدارة الشئون المالية.». # 94 # وكذلك اكتفى عمر بن عبد العزيز والمنصور والمهدي وهارون الرشيد والمأمون والمتوكل ~~والمقتدر بالله بأن يعزلوا اسميا النصارى من الوظائف العامة، ولكنهم في الواقع ~~تركوهم في مراكزهم. ~~(5-2) امتناع تنفيذ الأوامر الخاصة بزي النصارى # أذن عمرو للأقباط بارتداء زي المسلمين، # 95 # فلم ينلهم من ذلك الحين أي ضغط من هذه الناحية، والواقع أن الخليفة ~~والوالي لم يفكروا حتى عام 233ه «848م» في إلغاء هذا الإذن، وقد رأى عمر بن عبد ~~العزيز ms076 في الوقت الذي أمر فيه بعزل أهل الذمة من الوظائف العامة أن يذكروا ولاته ~~بشروط عمر، فيقول لنا ابن البطريق: «لم يزل النصارى يلبسون السواد ويركبون الخيل في ~~أيام المتوكل، أما المتوكل، فكتب إلى جميع البلدان أن يأخذوا النصارى بلباس العيار ~~والرقاع في الدراريع رقعة من قدام ورقعة من خلف، وأن يمنعوا من ركوب ~~الخيل، # 96 # وأن تصير في سروجهم أكر ويركبون بركب خشبي، وتصور على أبواب دورهم صور ~~الشياطين، وفي نسخة أخرى صور «الخنازير القرود» فقال النصارى من هذا إذاء شديد وحزن ~~وغم.». # 97 ~~(6) اتجاه العرب إلى اتباع سياسة استعمارية # أظهرنا كيف تأثر العرب والأقباط على السواء بالاعتبارات المالية، وقد ظل المال في ~~الواقع مدة طويلة العامل المهيمن على علاقاتهم، ويقول المستشرق جاستون فييت: «كان ~~الخلفاء الأولون يعتقدون، في الخمسين سنة التي تلت وفاة النبي، بعدم استطاعتهم تكوين ~~إمبراطورية إسلامية.» # 98 # لذا وجدنا أن المال، خلال هذه الفترة التي كان العرب في حاجة ماسة إليه، ~~أصبح الرائد لسياستهم حيال الشعوب المغلوبة، ولم تمكنهم عدم خبرتهم انتهاج سياسة ~~استعمارية سليمة، كما أن المنازعات الداخلية التي قامت مبكرة في الإمبراطورية الجديدة ~~لم تسمح لهم باتباع سياسة بعيدة المدى. # بزغت شمس الإمبراطورية العربية في عهد الأمويين، فلما أصبحت حدودهم في مأمن من الخطر، ~~أخذ الخلفاء يعملون على طبع البلاد المحتلة بطابع عربي إسلامي. # والأمثلة عديدة، لما وضع عمرو نظاما للعدل في مصر، احترم إرادة الأقباط بأن جعلهم ~~يحاكمون أمام قضاة من جنسهم ودينهم فيما عدا الحوادث الجنائية، ولكن ما أن تولى معاوية ~~بن أبي سفيان الخلافة عام 60ه «664م» إلا وعين إلى جانب القاضي القبطي قاضيا مسلما ~~ليحكم في القضايا المدنية الخاصة بأهل الذمة، وفي عام 124ه «745م»، قرر حفص بن الوليد ~~توزيع ميراث الذميين حسب تعاليم الشريعة الإسلامية لا حسب قوانينهم الخاصة، # 99 # وقرر عمر بن عبد العزيز أنه إذا قتل عربي نصرانيا، لن يحكم عليه ~~بالإعدام، بل يطلب إليه أن يدفع فدية قدرها خمسة آلاف «زوزة» ثم منع خصم مبالغ ms077 على ~~إيراد المساكن والمواريث والأراضي لمصلحة الكنائس والأديرة والفقراء. # 100 # وما هذه إلا أمثلة تدل دلالة واضحة على الروح التي كانت سائدة في هذا العصر، وهذه ~~الروح أخذت تزداد قوة؛ إذ كان العربي المنتصر يريد إظهار تفوقه على الذمي ~~المقهور. # ولكن الأمر الذي كان له أكبر أثر في حياة الأقباط الاجتماعية، هو القرار الخاص ~~باستعمال اللغة العربية في المعاملات الرسمية، وقد صدر هذا القرار عام 85ه «705م» في ~~ولاية عبد الله بن عبد الملك، # 101 # فأخذ الأقباط يهملون تدريجيا دراسة اللغتين اليونانية والقبطية وتعلموا ~~اللغة العربية التي أصبحت لغة الأعمال، وقبيل ذلك، كان العرب قد اتخذوا قرارا عمليا ~~في هذا المضمار، فتعلم بعضهم اللغة القبطية، ويذكر لنا الكندي مثل القاضي خير بن نعيم ~~«120-738» الذي «كان يسمع كلام القبط بلغتهم ويخاطبهم بها، وكذلك شهادة الشهود منهم ~~ويحكم بشهادتهم.» # 102 # مما جعلنا نفرض أن بعض الموظفين درسوا اللغة القبطية ليوطدوا الصلة بينهم ~~وبين الشعب. ويذكر «رينودو» أن «البطريرك يوساب عندما وجه كلامه باللغة القبطية إلى ~~المطارنة الذين جاءوا يتهمونه، فهم بعض المسلمين ما قاله البطريرك ونقلوه إلى ~~القاضي.». # 103 # قلق العرب من سرعة إقبال الأقباط على دراسة اللغة العربية وخاصة القرآن؛ إذ كانوا ~~يعتقدون أنهم سيضطرون الأقباط إلى ترك وظائفهم إذا أمروهم باستعمال لغة القرآن في ~~الأعمال الرسمية، ولذلك أصدر الخليفة المتوكل في سنة 235ه «849م» نشرة يحذر فيها من ~~توظيف النصارى واليهود ومن تعليمهم اللغة العربية، # 104 # ويضيف أبو الفرج بن الجوزي في تاريخه لعام 240ه «854م» أنه طلب إلى الذميين ~~أن يعلموا أبناءهم اللغتين العبرية والسريانية بدلا من اللغة العربية. # 105 # زد على ذلك أنه كلما تضخم عدد الذين اعتنقوا الإسلام، ظهر للأغلبية أن النصارى ما هم ~~إلا عنصر مناوئ في وسط المجتمع الإسلامي، وكان المسلمون يميلون إلى اعتبارهم حلفاء ~~طبيعيين للإمبراطورية البيزنطية المسيحية، فتحملوا لذلك رد فعل العرب بين حين وآخر، ~~ويؤكد ميخائيل السوري أن عمر بن عبد العزيز أساء معاملة النصارى؛ لأن جيوشه اضطرت إلى ~~رفع حصار ms078 القسطنطينية بعد أن تحملت خسائر فادحة. # 106 # وغضب أيضا المهدي على النصارى؛ لأن بعض الفرق البيزنطية هزمت ابنه هارون الرشيد ~~وقائدين من قواده، «وقد أرسل المهدي أيضا محتسبا لهدم الكنائس التي بنيت في عهد ~~العرب، وأمر ببيع العبيد النصارى وخرب عددا كبيرا من المعابد.». # 107 # ثم جاء هارون الرشيد ففرض على الذميين زيا خاصا؛ ذلك لأن سكان الحدود كانوا ~~يتجسسون لمصلحة الإمبراطور «نقيفور» البيزنطي، ولكن يلوح أن الإجراء لم ينفذ إلا في ~~مدينة بغداد، أما أقباط مصر، فلم ينلهم منه شيئا. # ولما انتقل الحكم إلى الولاة المستقلين وضعوا حدا للسياسة التي كان يتبعها الخلفاء، ~~ونعم النصارى مرة أخرى بشيء من التسامح للأسباب التي سنبينها في الباب ~~التالي. # | هوامش # الفصل الخامس # | سياسة الولاة المستقلين # الدولة الطولونية والدولة الإخشيدية # استقبل الطولونيون والإخشيديون حكومة مصر مع أنهم ظلوا اسما تحت سلطان الخلافة العباسية، ~~ويقول المستشرق «بيكر» في هذا الصدد: «يبدأ التاريخ الخاص بمصر الإسلامية بالطولونيين، ولما ~~كان أحمد بن طولون مستقلا عن السلطة المركزية، فلم يعمل فقط على استغلال البلاد، بل حرص ~~دائما على أن تنتج هذه البلاد باستمرار حتى يعلو صيت أسرته، وبذلك تحولت مصر من ولاية ~~بسيطة إلى مركز لإمبراطورية عظيمة، وتحسنت أحوال الإدارة، وارتفع مستوى المعيشة كما هي ~~الحال في مختلف العصور التي كان لمصر خلالها حكومة ثابتة الأركان.» # 1 # وكان لهذا الوضع الجديد نتائجه الطبيعية، ومن ضمن النتائج البارزة أن الولاة المستقلين لم ~~يعتمدوا على الخليفة بل كانوا على أهبة الاستعداد لمواجهة أعدائه، فأرادوا أن يكتسبوا عطف ~~عناصر الشعب، ومن بينهم الأقباط. # على أننا لا نستطيع التقدير، على وجه التدقيق، الحد الذي وصلوا إليه في تسامحهم؛ ذلك لأن ~~عهد الطولونيين والإخشيديين كان قصيرا للغاية؛ حيث لم يمتد إلى أكثر من خمسين سنة، بينما ~~لا تعطينا المصادر التي عثرنا عليها إلا معلومات يسيرة عن العلاقات بين المسلمين ~~والأقباط. # ومع ذلك، فإننا نعلم أن ابن طولون بدأ عهده بإجراء حاز قبول المسلمين والنصارى على السوء، ~~فقد قرر إلغاء جميع الضرائب الهلالية ms079 التي فرضها صاحب الخراج أحمد بن المدبر، ولما أبعده ~~ابن طولون، جمع بين يديه السلطات المدنية والعسكرية والإدارة السياسية والمالية، وعني ~~الوالي أول ما عني بإلغاء الضرائب وإبطال طرق العنف، التي كانت تصحب جبايتها، ولا غرابة ~~إذا نقصت حصيلتها مائة ألف دينار منذ السنة الأولى. # وقد اطمأن الشعب لهذا الإجراء وعاد إلى عمله، ويؤكد بعض رواة العرب أن قيمة الضرائب، التي ~~جلبت إلى بيت المال لم تبلغ سوي ثمانمائة ألف دينار في أول هذا العهد بينما بلغت أربعة ~~ملايين وثلاثمائة ألف دينار قبل وفاة ابن طولون، وقدرت ثروة الوالي الشخصية بأكثر من عشرة ~~ملايين دينار. # وفي هذا العهد لم يعامل النصارى واليهود معاملة سيئة بوجه عام، ولم يشتكوا من أحد، هذا مع ~~العلم بأن بطريرك اليعاقبة دخل السجن لعدم دفعه غرامة حكم عليه بها. # إذا كيف نستطيع أن نعلل تسامح ابن طولون مع أهل الذمة وقسوته على بطريرك الأقباط؟ نقرأ ~~في مخطوط قبطي يرجع إلى هذا العهد # 2 # أن ابن طولون لم يكن يعامل جميع طبقات الشعب على قدم المساواة، فكان يفضل ~~الأتراك على بقية المسلمين، والملكيين على سائر النصارى، وكان يميل إلى اعتبار بطريرك ~~اليعاقبة خصما خطيرا له، وكان ينتهز كل فرصة تسنح له ليوقع عليه الغرامات حتى تظل كنيسته ~~في حالة فقر مدقع. # وهذه المعاملة تجعلنا نعتقد أيضا أن البطريرك أبى أن يحرج مركزه بتقديم ولائه الكلي إلى ~~ابن طولون منذ اللحظة الأولى؛ لأن الخليفة لم يعترف بابن طولون كوال شرعي على مصر. # وعلى أية حال، لم يشك النصارى من معاملة ابن طولون لهم، وينقل لنا المؤرخ البلوي حديثا ~~دار بينه وبين رهبان دير القصير # 3 # نقتطف منه ما يلي: «كان الأمير أحمد بن طولون كثيرا ما يتردد علينا ويعتكف في ~~صومعة من صوامعنا ويتأمل، وكان يتحدث بصفة خاصة مع راهب اسمه أنطون.» # 4 # وقد استفاد الرهبان بطبيعة الحال من هذه العناية ولما تقدموا إلى ابن طولون بالشكوى من ~~ثقل الجزية المفروضة عليهم، منحهم بعض الامتيازات، ثم كف ms080 أيدي رجاله عنهم، ويحكى أن ضابطا ~~سلب من راهب، بطريق التهديد، خمسمائة دينار، فاشتكى الراهب أمره إلى الوالي، فأمره بإعادة ~~المبلغ إليه. # 5 # وكان ابن طولون لا يأنف من إلحاق بعض الجنود المرتزقة من اليونانيين بجيشه، ولا يستنكف ~~إذا ما أصيب بمرض عضال، أن يطلب من أفراد شعبه على اختلاف أديانهم الابتهال إلى الله ليمن ~~عليه بالشفاء، ويقول والمؤرخ البلوي في هذا الصدد: «لما رأى ابن طولون اشتداد العلة، أحضر ~~خواصه وقال لهم: استهدوا لنا الدعاء من الناس كافة وسلوهم الخروج إلى الجبل والتضرع إلى ~~الله جل اسمه بالمسألة له في عافيته لنا، فشاع هذا القول منه في الناس، فخرج المسلمون ~~بالمصاحف إلى سفح الجبل وتضرعوا إلى الله في أمره بنيات خالصة لمحبتهم له ... فلما رأى اليهود ~~والنصارى ذلك من المسلمين، خرج الفريقان، النصارى معهم الإنجيل، واليهود معهم التوراة ... ~~وارتفعت لهم ضجة عظيمة هائلة حتى سمعها في قصره، فبكى لذلك.». # 6 # وقد زاد هذا العطف في عهد خمارويه الذي أراد، عندما جلس على أريكة الحكم، أن يصحح خطأ ~~والده، وكان البطريرك القبطي ميخائيل، عندما توفي ابن طولون، لا يزال سجينا لوشاية من بعض ~~أفراد الطائفة القبطية نتيجة إقالة البطريرك أسقف اسمه «سقا» لسوء سلوكه وخروجه على النظم ~~الكنسية، فحقد الأسقف على رئيسه وأراد أن ينتقم منه فاتهمه بأنه يملك ثروة طائلة، وكان ابن ~~طولون في ذلك الوقت يعد حملته على سوريا، ولما كانت خزانته خالية من المال، فقد استدعى هذا ~~البطريرك، وأمره بأن يودع ما عنده من الكنوز في خزينة الدولة، محتجا بأن الرهبان النصارى ~~لا يجوز لهم إلا الاحتفاظ بالمال الذي يقوم أودهم ويستر عوراتهم طبقا لشريعتهم، كما أكد له ~~ذلك الأسقف «سقا»، وحاول البطريرك عبثا أن يبرهن على افتراء الأسقف فيما ادعاه، ولكن ابن ~~طولون زجه في سجن ضيق ظل فيه سنة كاملة، وتمكن يوحنا وإبراهيم بن موسى كاتما سر ابن طولون ~~من إطلاق سراح البطريرك تحت ضمانتهما، على أن يدفع النصارى التابعين له مبلغا كبيرا من ~~المال، ms081 فاضطر البطريرك إلى توقيع سند عليه بعشرين ألف دينار، تعهد بسدادها على دفعتين، ~~ولكنه لم يستطع دفع القسط الأول إلا بصعوبة، وبعد أن قام بعقد القروض وبيع الأراضي التابعة ~~للكنيسة؛ # 7 # ذلك لأن المبالغ التي فرضها البطريرك لهذه المناسبة على كل نصراني كانت بعيدة ~~من أن تفي بالمطلوب، ولما كان البطريرك في حالة لا تسمح له بدفع ما تعهد به، فقد أعيد إلى ~~السجن بعد أن اعتكف في دير القديسة مريم، بالقرب من قصر الشمع في ضواحي الفسطاط، وظل في ~~السجن إلى أن توفي ابن طولون، ولما تولى خماروية الحكم، أمر بإطلاق سراح البطريرك من السجن ~~وأعفاه من التزاماته. # وحذا خمارويه حذو أبيه بزياراته لدير القصير التابع للملكيين وأمر ببناء منظرة فيه، ويقول ~~أبو صالح الأرمني: # 8 # إن خمارويه كان يطيل التأمل في صناعة الفسيفساء في هذا الدير، وهي تمثل صور ~~العذراء والمسيح وصور التلاميذ الاثني عشر. # ولم يشد المؤرخون النصارى بتسامح الإخشيديين كما أشادوا بتسامح الطولونيين، فهم يتهمون ~~مؤسس هذه الأسرة، محمد بن طغج الإخشيدي، بأنه عندما عجز عن دفع مرتبات الجنود، اضطهد أهل ~~الذمة وابتز منهم المال الكثير، مما اضطرهم إلى تصفية بعض أملاك الكنائس، لذلك امتنعوا عن ~~الكلام عن حادث من أهم حوادث تاريخ مصر الإسلامية ألا وهو اشتراك أمير مسلم، بصفة رسمية، في ~~حفلة دينية مسيحية؛ أي: عيد الغطاس، الذي كان يحتفل به الأقباط احتفالا فخما عظيما، وقد ~~ترك لنا المسعودي وصفا دقيقا لهذا الحادث، قال: «لقد حضرت سنة 330 ليلة الغطاس بمصر ~~والإخشيد محمد بن طغج، أمير مصر، في قصره المعروف بالمختار في جزيرة الروضة الراكبة للنيل ~~والنيل يطيف بها، وقد أمر فأسرج في جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألف مشعل غير ما أسرج أهل ~~مصر من المشاعل والشمع، وقد حضر في النيل في تلك الليلة ألوف من الناس من المسلمين ~~والنصارى، منهم في الزوارق ومنهم في الدور المشرفة على النيل، ومنهم على الشطوط لا يتناكرون ~~كل ما يمكنهم إظهاره من المأكل والمشرب وآلات الذهب والفضة ms082 والجواهر والملاهي والعزف ~~والقصف، وهي أحسن ليلة تكون بمصر وأشملها سرورا، ولا تغلق فيها الدروب ويغطس أكثرهم في ~~النيل ويزعمون أن ذلك أمان من المرض ونشر الداء.». # 9 # نعم، إن عهد كافور قد تخللته الحروب التي شنها الإمبراطور البيزنطي «نيقفور فوكاس» على ~~حدود سوريا، فأصاب فيها نصرا كبيرا، ولكن بالرغم من أن الأغلبية في مصر كانت تحقد على هذا ~~العمل كل الحقد، وبالرغم من أن الشعب كان يثير الشغب بعد كل موقعة يشترك فيها البيزنطيون ~~ويهاجم النصارى ويخرب كنائسهم، فإن هذه المظاهرات لم تشجعها السلطات التي كانت تلجأ في ~~الحال إلى القوة لإخمادها، ويؤيد هذا المستشرق جاستون فييت عندما يقول: إن الحكومة لم تكن ~~لها يد في هذه الاضطرابات الشعبية # 10 # بل بالعكس فإن الخليفة أصدر عام 313ه «925م» مرسوما لتهدئة النفوس في أنحاء ~~الإمبراطورية الإسلامية أعلن فيه أن الجزية لن تفرض على الأساقفة والرهبان والعلمانيين ~~المعوزين. # ولسوء الحظ، أن قوة الإخشيديين أخذت تضعف، فلم يتمكنوا من حماية الأقليات حماية جدية في ~~سوريا، وعلى الرغم من المساعدات التي قدموها لبطريرك مدينة القدس ضد بعض القواد الطامعين، ~~فإنهم لم يستطيعوا إنقاذه من القتل، # 11 # غير أن سقوط الإخشيديين وظهور الفاطميين جعل النصارى يتمتعون بالنفوذ والرغد ~~لبضع سنين. # | هوامش # الفصل السادس # | عظمة الأقباط واضمحلالهم في عهد الفاطميين # بينما كانت سياسة الولاة نحو الأقباط تقوم على قواعد واستثناءات معينة، تعرضت سياسة ~~الفاطميين، التي كانت مبنية بوجه عام على التسامح، لتغييرات محسوسة جدا حسب الاستعداد ~~الشخصي للولاة، الذين تبوأوا الحكم، وكان الفاطميون ينتقلون من التسامح الكامل إلى الاضطهاد ~~الشنيع، فبعد أن مهدوا لأهل الذمة عصرا زاهرا، لم يكونوا يتوقعونه، عادوا فقضوا عليهم ~~قضاء نهائيا. # وليس بعجب إبداء هذا التسامح من خلافة مستقلة وطدت أركانها في مصر من قريب، وكان لها ~~أعداء أقوياء بيزنطيا وبغداد، ولا سيما أنه لم يكن في استطاعتها الاعتماد على مساعدة ~~السنيين المخلصة، ولقد انتهج الطولونيون والإخشيديون هذه السياسة لمصلحتهم الشخصية، وعلى ~~أية حال، فإن استيلاء الفاطميين على الحكم أثار كالعادة ms083 آمال الأقباط، مما جعلهم يقدمون ~~إليهم يد المساعدة. # على أن الفاطميين، لما وصلوا إلى مصر، عملوا في الحال على كسب عطف السنيين وتقديرهم، وكان ~~هذا إجراء عمليا من لدنهم، فإن أول خطبة ألقاها الخليفة المعز لدين الله، وذكرها معظم ~~المؤرخين، تتضمن هذا الاتجاه، فقد صرح الخليفة للجموع التي خفت لاستقباله بالقرب من منارة ~~الإسكندرية «أنه لم يسر إلى مصر لازدياد في الملك أو المال، وإنما سار رغبة في الجهاد ونصرة ~~المسلمين وإقامة الحق والسنة.». # 1 # ولم يتردد المعز ومن جاء بعده أن يستعينوا بالنصارى واليهود أو بالذميين، الذين اعتنقوا ~~حديثا الديانة الإسلامية، ليبلغوا هدفهم المقدس، وكان جوهر القائد المظفر، عبدا يونانيا ~~قدم كهدية إلى الخليفة المعز، ومن هنا كني بالرومي، أما اليهودي يعقوب بن كلس، فقد ~~اعتنق الإسلام في ظروف لا تؤيد بأي حال صدق عواطفه الدينية، كان أصله من بغداد وقدم إلى ~~مصر في عهد كافور الإخشيدي، ويصفه لنا المؤرخ «ابن القلانسي» أنه رجل واسع الحيلة وذكي، ~~ويقص علينا أن كافور قال عنه في يوم من الأيام: «ولو كان مسلما لاستوزرته.» فلما سمع يعقوب ~~هذا الحديث، دخل مسجدا في يوم الجمعة ونطق بالشهادتين، ولما رأى ذلك ابن حنزابة، الوزير في ~~الحكم، أراد أن يقتله قبل أن يصبح منافسا خطيرا له، ففر ابن كلس إلى المغرب وعاون ~~الفاطميين معاونة صادقة على فتح مصر، وقد جعله المعز أكبر مستشاريه وعينه أمينا على بيت ~~المال، ولما جاء العزيز، جعله وزيرا، ومن جهة أخرى عين العزيز عيسى بن نسطورس الملكي ~~وزيرا، كما عين اليهودي منشى حاكما عاما على سوريا. # وأبطل هذا التقليد الحاكم بأمر الله بعد أن اضطهد الذميين، ولكنه لم يستغن أبدا عن جميع ~~الموظفين النصارى، ولما تولى المستنصر الخلافة، عاد إلى خطة الفاطميين الأولى، فاستعان ~~بالأرمني بدر الجمالي إنقاذا لعرشه، فحكم بدر البلاد حكما مطلقا وعين ابنه الأفضل ~~شاهنشاه ليخلفه في الوزارة، أما الخليفة الحافظ لدين الله، فلم يتردد في الاستعانة ~~بالنصراني «بهرام» وهو من طائفة الملكيين، بعد أن منحه لقب ms084 «سيف الإسلام». # إن وجود النصارى في وظائف الدولة الرفيعة دليل قاطع لتسامح الفاطميين، ثم إن هذه الفترة ~~من تاريخ مصر مليئة بالأحداث المتعلقة بأهل الذمة، غير أن كل خليفة اتبع سياسة تختلف عن ~~سياسة سلفه، لذلك رأينا أنه من المنطق أن ندرس كل عهد على حدة لنستطيع أن نبين كل دور من ~~أدوار هذه الفترة الخطيرة من تاريخ الأقباط، وأن نخرج بالنتائج المترتبة عليها. ~~(1) المعز لدين الله 358-365ه «969-976م» # شرع القائد جوهر ببناء الجامع الأزهر الذي يعد من أعظم الأدلة لكرم الخليفة؛ إذ زوده ~~بمكتبة عامرة، وأقيمت به الدروس لتعليم فقه الشيعة، وكان المدرسون الملحقون به والطلبة ~~يأخذون أجورهم من الخليفة العزيز بالله. # وكان المعز يدرك تماما أنه لن يستطيع حكم البلاد وهو أمام تيار من العداء العام، ~~ولما كان الشيعيون غير محبوبين في مصر وسوريا، فقد حاول أن يتقرب إلى السنيين وذلك ~~بإظهار شيء من النفور إزاء الذميين، فألغى التقليد الذي بدأه الإخشيديون من حضور ~~الحفلات الخاصة بالنصارى، ومنع الأقباط في عيد النيروز من جمع الحسنات من العظماء، ومن ~~رش المارة بالماء العكر أو إشعال الصواريخ في هذه المناسبة، كما حرم عليهم نصب الخيام ~~والتنزه بالزوارق على النيل بالقرب من المقياس في ليلة الغطاس، وهدد بالإعدام شنقا كل ~~من يخالف أوامره، فكف النصارى عن الاحتفال بهذه الأعياد طوال عهده. # 2 # وأطلق المعز، إلى جانب ذلك، سراح الإخشيديين الذين اعتقلهم جوهر. # 3 # على أن نفوذ ابن كلس كاد يؤدي - إذا صدقنا رواية المؤرخين النصارى - إلى حادث في غاية ~~الغرابة، فقد أراد هذا الرجل أن يقلل من شأن الديانة المسيحية في نظر الخليفة، فطلب أن ~~تجري أمامه مناقشات دينية، # 4 # وسمع الخليفة في أثناء هذه المناقشات أن الرجل المؤمن يستطيع بإيمانه أن ~~يزحزح الجبال. # فأرسل في طلب البطريرك «أفرام» وسأله فيما إذا كان الإنجيل يحوي مثل هذا الكلام، فرد ~~البطريرك بالإيجاب، فما كان من الخليفة إلا أن أمره بالقيام بمهمة نقل الجبال وإلا «محا ~~من الأرض اسم النصرانية.». # 5 # ذهل الرهبان ms085 الأقباط عندما أخبروا بأوامر الخليفة، فأخذوا يصلون ويبتهلون في الكنيسة ~~المعلقة، وبعد مضي ثلاثة أيام، رأى البطريرك في منامه السيدة العذراء تطمئنه، فتوجه ~~بسرعة، يحيط به عدد كبير من النصارى يحملون الصلبان والأناجيل إلى المكان الذي عين له، ~~حيث كان الخليفة ورجال حاشيته في انتظاره. # ويؤكد المؤرخون النصارى أن المعجزة حدثت بالفعل، وأن الخليفة أبدى دهشته وأمر بإعادة ~~بناء جميع الكنائس المخربة، ثم أرسل في طلب كبار الأقباط والعلماء المسلمين وأمر بقراءة ~~الإنجيل والقرآن أمامه، ولما استمع إلى النصين، ما كان منه إلا أن أمر بهدم المسجد ~~القائم أمام كنيسة أبي شنودة وبناء كنيسة مكانه أو توسيع كنيسة أبي سيفين. # 6 # وقد يتساءل الناس لماذا لم يخط الخليفة الخطوة الأخيرة باعتناقه الدين المسيحي؟ ~~وفعلا لم ير المؤرخ القبطي مندوحة في ذلك، فأكد أن الخليفة المعز تعمد في المكان ~~القريب من كنيسة القديس يوحنا، وتنازل بعد ذلك عن كرسي الخلافة لابنه العزيز بأمر الله، ~~وصرف أيامه الأخيرة في العبادة في أحد الأديرة، وقد أعاد ذكر هذه القصة مرقس سميكة ~~باشا، أحد مؤسسي المتحف القبطي بالقاهرة، ولكن أحمد زكي باشا والأستاذ عبد الله عنان ~~احتجا بشدة على هذه الرواية. # 7 ~~(2) العزيز بأمر الله 366-386ه «976-996م» # ينقل إلينا جميع المؤرخين المعتد بأقوالهم أحداثا دقيقة عن حكم الخليفة العزيز بالله ~~تدل على الرعاية التي شمل بها النصارى الملكيين واليعاقبة، وكان الناس يعتبرون، حتى ~~خلافة العزيز، أن الوالي متسامح إذا أعطى تصريحا بترميم كنيسة أو ببنائها مقابل هدية ~~تساوي بعض مئات من الدنانير، ولكن في خلافة العزيز وبعدها نرى السلطة هي التي تولي ~~العمل ببناء الكنائس للنصارى وتسهر على حراسة العمال، إذا اقتضى الحال ذلك، وبينما كان ~~المؤرخون النصارى يهللون لوال لم يظلم أبناء جلدتهم، عمل العزيز على إلغاء الفوارق ~~الاجتماعية بين المسلمين والذميين. # ومن المشاهد أن خلافة العزيز تعد تحولا مهما في تاريخ مصر الإسلامية؛ ذلك لأن ~~الخليفة دعا لأول مرة لمبدأ المساواة الكاملة بين عنصري الأمة. # كان العزيز قد تزوج من امرأة نصرانية ms086 من طائفة الملكيين وأنجب منها ضمن ما أنجب بنتا ~~أسماها «ست الملك» وكانت أخلاقها تشبه أخلاق والدتها أو بمعنى آخر، كانت تعطف كثيرا ~~على النصارى، وكان العزيز يحب زوجه وابنته حبا جما ويعمل برأيهما إلى حد جعله يصدر ~~أمرا مخالفا للقانون، وهو تعيين نسيبيه «أرسين» و«أرستيد» بطريركين، أحدهما على ~~الإسكندرية والآخر في أنطاكية. # هل يدل ذلك على أن عزيزا كان ضعيفا؟ كلا! فإن عهده امتاز بالحروب الدفاعية، التي ~~قام بها على الحدود الشرقية لإمبراطوريته، وبتنظيم إدارة حازمة داخل البلاد، ولكي ~~تستطيع الدولة أن تواجه المصروفات الضخمة التي كانت تتطلبها الحاجة، فقد وضع بيت المال ~~تحت رقابة شديدة، وحدد مرتبات ثابتة لموظفيه ومنعهم منعا باتا من قبول أي رشا أو ~~هدية، وأمر بألا يصرف شيء إلا بمقتضي وثيقة مكتوبة. # 8 # وأنشأ العزيز جيشا قويا جمع فيه بعض العناصر التركية والزنجية واشتبك في عدة معارك ~~ضد بيزنطيا، وقد وصلت الخلافة الفاطمية في عهده إلى أوج عظمتها. # ويرى المسلمون أن العزيز أخطأ خطأ فاحشا باعتماده على الذميين وغيرهم ممن لا يمتون ~~إلى الإسلام إلا اسميا، فقد استمر يعقوب بن كلس خمس عشرة سنة الساعد الأيمن للخليفة، ~~قام خلالها بشتى الإصلاحات، ويذكر لنا الأنطاكي أنه لما مات يعقوب «ركب العزيز إلى ~~داره» وصلى عليه، وكشف عن وجهه، وبكى عليه بكاء شديدا، # 9 # ويضيف ابن القلانسي أن العزيز أمر «أن يدفن في داره بالقاهرة في قبة كان ~~بناها لنفسه، وحضر جنازته وأغلق الدواوين وعطل الأعمال أياما.» # 10 # وبعد وفاة يعقوب، منح العزيز ثقته لعيسي بن نسطورس النصراني، الذي ما لبث أن أصبح ~~وزيرا، ثم ألحق بخدمته أبا المنصور، طبيب المعز النصراني، وأعطاه مركزا ~~ممتازا. # وقد لاحظ الخليفة أن الرعايا المسلمين لم يعتادوا رؤية النصارى يشغلون الوظائف الكبرى ~~في الدولة ويتمتعون بشتى الاحترامات، حتى إنهم كانوا ساخطين على هذه التعيينات وبينما ~~كان يتنزه في المدينة ذات يوم؛ إذ لمح في طريقه شبحا يشبه امرأة # 11 # كانت تحمل عريضة هذا نصها: «بالذي أعز اليهود بمنشا، والنصارى بعيسى ms087 بن ~~نسطورس، وأذل المسلمين بك». # 12 # وأراد العزيز أن يحد من غضب الشعب، فاضطر إلى الاستغناء عن عدد من الموظفين النصارى، ~~ولكنه كان لا يلبث أن يعيدهم إلى مراكزهم، إما تحت ضغط حريمه عليه، أو لأنه كان يرى ~~استحالة الاستغناء عن خدماتهم. # ولجأ المتذمرون آخر الأمر إلى السكوت؛ إذ كانوا يواجهون إدارة تعتمد على قوة مسلحة ~~كبيرة، وعلى كل، يلاحظ أن شغل الذميين للوظائف العليا لم يكن أمرا ذا بال إذا قسناه ~~بالإجراءات الأخرى التي عادت عليهم بالفائدة في ذلك العهد. # أولا: على الرغم من المصاريف الباهظة التي أثقلت كاهل الميزانية لبذخ الخلفاء من ~~جهة، وتسليح عدد كبير من الفرق استعدادا للحروب من جهة أخرى، فإن العزيز لم يعد العمل ~~بالضرائب الهلالية التي فرضها ابن المدبر وألغاها ابن طولون «ومع ذلك فإن مجموع الخراج ~~والجزية كان في هبوط بالنسبة للعهد السابق»، وقدر الشعب هذا الاعتدال في فرض الضرائب حق ~~قدره في كل زمن وعهد. # وكان اليعاقبة، فيما يخصهم، يرون بمزيد الفرح أن البطريرك أفرام كان موضع احترام ~~وتقدير الخليفة، ففي هذا العهد قرر البطريرك، لأول مرة، نقل كرسيه من الإسكندرية إلى ~~القاهرة، ويظهر أن العزيز سمح للبطريرك، بإصلاح الكنائس المهدمة دون أن يستأذن في ذلك، ~~ومما يعزز اعتقادنا بصحة هذا الإجراء، الحادث الذي وقع عند بدء الأعمال في كنيسة القديس ~~مكاريوس، ويقول أبو صالح: «ما أن بدأ البطريرك هذه الأعمال حتى هاجمه المسلمون، وما لبث ~~أن أسرع الخليفة، فأصدر أمره باستئناف عملية الترميم، على أن يقوم بتسديد المصاريف ~~اللازمة، وتسلم بعد ذلك البطريرك الأمر الصادر بهذه المناسبة «الذي يقضي بالتصريح ببناء ~~الكنيسة» ولكنه رفض المال، راجيا العزيز في ألا يلح عليه بقبوله، ووافق العزيز على ~~إعادة المال إلى الخزينة، ولكنه أمر فرقة من الجيش أن تحرس البناء طوال مدة العمل، وأن ~~تقبض على كل من يحاول عرقلة تنفيذ هذا الأمر ومعاقبته، ولما علم الشعب بنيات الخليفة، ~~لم يعاود عدوانه، وهكذا تمت أعمال البناء.». # 13 # ونرى مبالغة العزيز في إظهار عطفه ms088 على النصرانية، في رفضه معاقبة من يهجر الإسلام ~~ويعتنق الديانة المسيحية، ومجمل الرواية أن أحد كبراء المسلمين، واسمه «وساع» # 14 # اعتنق المسيحية، فقبضت عليه السلطات بتهمة الردة، ولكن بعض الشخصيات ~~الكبيرة تدخلت لصالحه كما توسطت له زوجة العزيز لدى الخليفة الذي أطلق سراح «وساع» دون ~~أن يناله أي سوء أو أذى، واعتكف في دير بالصعيد حيث قضى بقيت حياته. # وأخيرا، وقع في هذا العهد حادث لو حصل في عهد آخر لجلب للنصارى المصائب، ولكنه انتهى ~~على غير ما يشتهي المسلمون، يروي سعيد بن يحيى الأنطاكي في هذا المقام: «كان العزيز قد ~~اعتزم أن يغزو بلاد الروم وأمر عيسى بن نسطورس بإعداد الأسطول ... وعزم على تسييره بعد ~~صلاة الظهر من نهار الجمعة، فوقع فيه نار في ذلك اليوم وأحرق منه ستة عشر مركبا، واتهم ~~الرعية بحريقه تجار الروم الواردين بالبضائع إلى مصر، فثار عليهم الرعية والمغاربة ~~وقتلوا منهم مائة وستين رجلا ونهبت كنيسة ميخائيل التي للملكية بقصر الشمع، ونهبت ~~كنيسة النسطورية، وركب ابن نسطورس وقت النهب ونزل إلى مصر وتقدم بكف الأذى على الروم ~~والمنع من معارضتهم، ونودي في البلد بأن يرد كل واحد من النهابة جميع ما أخذه، فرد ~~البعض من ذلك، وأحضر من سلم من التجار الروم من القتل، ودفع لكل واحد منهم ما اعترفه ~~وقبض على ثلاثة وستين رجلا من النهابة واعتقلوا، وأمر العزيز بالله بإطلاق ثلثهم وضرب ~~ثلثهم وقتل ثلثهم، فكتب رقاع منها «تضرب» ومنها «تقتل» ومنها «تطلق» وتركت تحت إزرار، ~~وتقدم كل واحد منهم وأخذ رقعته، كان يعمل به بحسب ما يخرج فيها.». # 15 # وكان من شأن هذه الإجراءات زيادة غضب المسلمين، وإذا كان الحاكم بأمر الله قد اضطهد ~~النصارى يوما، فلم يكن ذلك إلا إرضاء لروح الانتقام، التي استفزت قلوب الشعب، أما ~~القسوة التي امتاز بها الاضطهاد في هذا العهد، فسببها ميل الحاكم إلى سفك ~~الدماء. ~~(3) الحاكم بأمر الله 386-411ه «996-1020م» # بينما كان العزيز بالله في مدينة بلبيس يستعد لاستئناف القتال ضد البيزنطيين، وافته ~~المنية ms089 وهو في الحمام، فخلفه نجله الصغير الذي أنجبه من زوجته المسيحية، وكان عمره إذ ~~ذاك إحدى عشرة سنة، ولقب عند اعتلائه العرش بالحاكم بأمر الله. # ولم يكن هناك ما ينذر بوقوع الأحداث المفجعة التي خضبت عهده بالدماء وأدخلت الذعر في ~~نفوس النصارى والمسلمين على السواء، والواقع أن الحاكم، حينما بلغ رشده، سارع إلى ~~اطمئنان كل الموظفين النصارى على مراكزهم واهتدى بنصائح أخته «ست الملك» التي كانت تعطف ~~على النصارى عطفا شديدا. # 16 # ولما كان الحاكم قاصرا عند وفاة والده، فقد وضع تحت وصاية «برجوان» الخص السلافي، ~~وقد عم الاضطراب البلاد خلال هذه الوصاية بسبب العداوة القائمة بين الوصي وابن عمار، ~~قائد جيش الخليفة، الذي قتل بعد أن هزمت القوات التركية قواته المكونة من قبائل شمال ~~إفريقيا، وكان ابن عمار قد قتل ابن نسطورس قبل أن يلاقي حتفه، ولم يمض وقت طويل حتى ~~لحق «برجوان» بخصمه، فقد أمر الخليفة عام 390ه «1000م» باغتياله لتكبره عليه ونعته ~~بألقاب مهينة. # ولما أمر الخليفة الشاب بقتل برجوان، أقلق الشعب وأضجره وحمله على التوجه إلى مقر ~~الخلافة، ولم يستطع الحاكم الإفلات من ثورة شعبه إلا بالبكاء والعويل والتحجج بشبابه ~~وعدم درايته بالحكم. ونتساءل: هل خجل بعد ذلك من إظهار ضعفه، فقرر فيما بينه وبين نفسه ~~أن يثأر من هذا الشعب؟ نسوق هذا الفرض ولا نستبعده. # 17 # ومهما يكن من الأمر، فإننا لا نستطيع أن نحمله وحده مسئولية الأحداث ~~الدامية التي استهدف لها النصارى. # والواقع أن بعض الدساسين عملوا على التخلص من النفوذ الذي ناله الذميون في عهد العزيز ~~فاستغلوا ميل الخليفة إلى سفك الدماء، ومن الخطأ أن نعتقد أن الحاكم كان يكره الذميين، ~~وكيف يكون ذلك ووالداه اللذان يحبهما حبا شديدا كانا متسامحين كل التسامح؟ فلما تولى ~~الخلافة عين قبطيا، اسمه «فهد بن إبراهيم» كاتم سره ومنحه ثقته وأعطاه لقب «الرئيس»، ~~ولما اغتيل برجوان، أرسل الحاكم في طلب فهد وخلع عليه أحسن الحلل وقال له: «لا تقلق ~~أبدا لما حدث»، ويقص علينا ابن القلانسي ما ms090 دار بين الحاكم وكاتم سره، فيقول: «جلس ~~الحاكم وقت العشاء الأخير واستدعى الحسين بن جوهر وأبا العلاء بن فهد بن إبراهيم ~~الوزير، وتقدم إليه بإحضار سائر الكتب، الدواوين والأعمال، ففعل وحضروا وأوصلهم إليه ~~وقال لهم: «إن هذا فهد، كان أمس كاتب برجوان عبدي، وهو اليوم وزيري، فاسمعوا له وأطيعوا ~~ووفوه شروطه في التقدم عليكم، وتوفروا على مراعاة الأعمال وحراسة الأموال»، وقبل فهد ~~الأرض وقبلوها وقالوا: «السمع والطاعة لمولانا»، وقال لفهد: «أنا حامد لك وراض عنك ~~وهؤلاء الكتاب خدمي، فاعرف حقوقهم وأجمل معاملتهم وأحفظ حرمتهم وزد في واجب من يستحق ~~الزيادة بكفايته وأمانته.». # 18 # وسرعان ما أصبح فهد هدفا للدسائس؛ إذ خشي الحاسدون أن الثقة التي حازها تزيد من ~~نفوذه ونفوذ النصارى، فأوعزوا على الوشاية به عند مولاه ليضعفوا ثقته فيه، فاتهمه أبو ~~طاهر وابن عداس الكاتبان باختلاس الأموال، غير أن الحاكم لم يحسن استقبالهما، فحملا ~~آخرين على تقديم شكاوى مماثلة ضده. # فهم الحاكم مغزى هذه الشكاوى: ولكنه اضطر إلى السماح باغتيال فهد ممالأة للظروف، ثم ~~أفهم حاشيته أنه أصدر أمره هذا تحت ضغط شديد، ثم أرسل في طلب أنجال القتيل وخلع عليهم ~~خلعة وأمر بألا يمسهم أحد بسوء، وألا ينهب منزلهم، وقد أراد الحاكم بذلك أن يتحدى أبا ~~طاهر وابن العداس اللذين أوعزا بهذه الجريمة، واللذان توصلا إلى أعلى المناصب لتنفيذ ~~خطتهما المعادية للنصارى في مصر وسوريا. # وبالرغم من ذلك، اضطر الحاكم أن يأمر بقتل عدد آخر من أعيان القبط فيما بعد، ولقد شعر ~~هؤلاء بالخطر المحدق بهم منذ مقتل فهد، حتى إنه عندما أمر الخليفة أحدهم، واسمه أبو ~~نجاح، باعتناق الإسلام، طلب من الخليفة أن يمهله يوما يفكر فيه، ثم ذهب إلى أصحابه ~~وحثهم على أن يستشهدوا، قائلا: «إن المسيح قد منحنا من خيرات الأرض الشيء الكثير وها ~~هو ذا اليوم قد رأف بنا وهو ينادينا إلى ملكوت السماء.». # 19 # وأخذ اضطهاد النصارى يزداد عنفا يوما بعد يوم منذ ذلك الحين، وأول من استهدف له ~~موظفو الدولة، حيث فصل ms091 الخليفة عددا كبيرا منهم، ولم يترك إلا الذين اتضح له عدم ~~الاستغناء عن خدماتهم، # 20 # غير أن خروج أغلب الموظفين أتى على البقية الباقية من نفوذ الذميين، الذين ~~كان لهم الأمر والنهي في مختلف المصالح. # 21 # ثم أصبح الاضطهاد عاما سنة 395ه «1004م» وسلط الحاكم غضبه على النصارى ~~والسنيين، # 22 # فأمر الأولين أن يضعوا ملابس تميزهم عن سواهم، كما كتب على المساجد عبارات ~~مهينة للنيل من أبي بكر وعمر وعثمان وعائشة، ومنع السكان من تناول بعض الأطعمة التي كان ~~يفضلها رؤساء العرب السنيون. # وفي عام 399ه «1008م» فرض الحاكم قيودا أخرى على الزي ثم منع الأثرياء من النصارى من ~~امتلاك العبيد واستخدام المسلمين، وأصدر أمره في نفس السنة بهدم كنائس القاهرة ونهب كل ~~ما فيها، ولما علم بأن النصارى يطوفون خارج أسوار كنيسة القيامة بالقدس، في أثناء ~~الاحتفالات الدينية، وخاصة يوم أحد الشعانين وفي عيد الفصح، أمر بهدم الكنيسة، وكان ~~لهذا الإجراء الأخير دوي هائل، لا في الشرق فحسب، بل وفي الغرب؛ إذ «بكى المسيحيون ~~جميعهم»، # 23 # ولا بد أن يكون هذا الإجراء أحد الأسباب المهمة لقيام الحروب الصليبية، ~~وتقول الرواية: إن الكاتب الذي نسخ هذا الأمر كان نصرانيا، وإنه مات حزنا بعد أيام ~~قلائل. # وفي عام 400ه «1009م»، صدرت أوامر مشددة تقضي بإلغاء الأعياد المسيحية ومنع الاحتفال ~~بها في أنحاء البلاد، وصودرت أوقاف الكنائس والأديرة لحساب بيت المال، ومنع أيضا ضرب ~~النواقيس، كما نزعت الصلبان من قباب الأجراس، ووصل الحال إلى أنه طلب إلى النصارى أن ~~يمحوا الوشم من أيديهم وأذرعتهم. # وفي عام 402ه «1011م» شاءت إرادة الحاكم أن يعلق النصارى حول عنقهم صلبانا من الخشب ~~طول الصليب ذراع ووزنه خمسة أرطال، ونفذت مشيئة الحاكم بحذافيرها وخاصة بالنسبة إلى ~~الموظفين، الذين لم يتيسر الاستغناء عنهم «لمضايقتهم». # 24 # وفي ربيع عام 403ه «1013م»، صدر أمر بهدم وسلب الكنائس والأديرة الموجودة في الأراضي ~~المصرية بدون استثناء، وكان على كل موظف نيط به هذا العمل أن يتأكد من هدم الأبنية ~~الموجودة في ms092 المنطقة التابعة له هدما تاما، ويقال: إن عدد الكنائس والأديرة التي ~~هدمت في ذلك الحين بلغ ثلاثين ألفا. # ومما زاد الحالة سوءا، وحشية الرعاع، والسوقة الذين ما لبثوا أن هبوا هبتهم ليحققوا ~~إرادة مولاهم، فمحوا الكنائس محوا ووصلت بهم ثورة الانتقام إلى نبش القبور واستخراج ~~عظام الموتى لاستعمالها وقودا للحمامات. # 25 # وصدر بعد ذلك أمر إلى المكاريين والنوتية بأن يرفضوا نقل الذميين. # وأخيرا، وضع الحاكم أهل الذمة بين أمرين: إما الموت وإما الارتداد عن دينهم، فأسلم ~~عدد كبير من الناس اجتنابا لهذا الإرهاق، كما هجر بعضهم دورهم سرا ولجئوا إلى ~~المناطق التابعة للإمبراطورية البيزنطية، أما الذين كتموا إيمانهم، فكانوا يجتمعون في ~~ندوات خاصة؛ حيث كانوا يخفون الآنية والذخائر المقدسة التي أفلتت من المصادرة والنهب ~~والسلب. # ويذكر المقريزي أمرا قضى بنفي جميع النصارى إلى أراضي الروم، # 26 # وأن النصارى التمسوا عفو الحاكم بأمر الله، فأذن لهم بالبقاء في ~~مصر، # 27 # ويصف لنا الأنطاكي مشهدا وقع بالقاهرة عام 403ه «1012م» يدل على اليأس ~~الذي ملك قلوب النصارى، فيقول: «اجتمع سائر من بمصر من الكتاب والعمال والأطباء ~~وغيرهم مع أساقفتهم وكهنتهم وتوجهوا إلى قصره وكشفوا عن رءوسهم في باب القاهرة ومشوا ~~حفاة باكين مستغيثين إليه يسألونه العفو والصفح، ولا يزالوا في طريقهم يقبلون التراب ~~إلى أن وصلوا إلى مقره، وهم في تلك الحال، فأنفذ إليهم أحد أصحابه وأخذ منهم ورقة كانوا ~~كتبوها يلتمسون عفوه عنهم وإزالة سخطه، فأعاد إليهم الرسول ورد عليهم ردا ~~جميلا.». # 28 # لم يتحمل نصارى مصر من الاضطهاد، منذ دخول العرب أرض مصر، أكثر مما تحملوه في عصر ~~الحاكم، ولم يحاول مؤرخ مسلم واحد أن يبرر هذه الأعمال الوحشية، لقد أراد بعض الذين ~~دونوا تاريخ هذه الفترة أن يخففوا من مسئولية الحاكم بحجة ضعف قواه العقلية، غير أنه لا ~~يوجد ما يؤكد أن الحاكم كان مجنونا، لعله كان شرس الطباع، فكان يجد لذة في تعذيب غيره، ~~ولكنه كان يعي كل أفعاله حتى الغريبة منها، وأكثر من ذلك، لقول إن كل ms093 أمر كان يصدر عنه، ~~إنما كان استجابة لفكرة معينة سواء كانت هذه الفكرة حسنة أم سيئة، وإن إغلاق الأماكن ~~العامة ومنع النساء من الخروج إلى الطريق، والعبارات المهينة التي كتبها على جدران ~~المساجد، ما كانت إلا تنفيذا لخطة مرسومة. # وهكذا استمر الحاكم يعبث بخضوع شعبه له، إلى أن جاء أحد المغامرين من الأندلس اسمه ~~«أبو ركوة» وكان يدعي أنه من بني أمية، فرفع علم الثورة فاجتمع حوله عدد كبير من ~~الناقمين على أفعال الحاكم بأمر الله، فما كان من الحاكم - وهو الخليفة الواقعي الذي ~~يعي تماما كل أفعاله - إلا أن كف عن تحدي السنيين، كما كف عن إيذاء الناس، ثم إنه ألغى ~~بعض الطقوس الخاصة بطائفة الإسماعيلية ، كما أدخل بعض التقاليد السنية. # ولم يكن ادعاء الحاكم بأنه إله، إلا نتيجة منطقية لمذهب طائفة الإسماعيلية الشيعي، لا ~~مظهرا من مظاهر جنونه، ونحن نتساءل، هل كان ادعاؤه الألوهية مقدمة لتسامحه الديني الذي ~~عمل به في آخر عهده، كما يؤكده بعض المستشرقين؟ ليس هناك ما يحملنا على أن نثق بهذا ~~القول، بل يخيل إلينا أن حادثا خطيرا حدث في ذلك الحين، فأجبره على التسامح. # إن تعاليم مذهب الإسماعيلية لم تكن جديدة على الفاطميين الذين كانوا يستوحونها في كل ~~وقت، ويتضح من هذا أنها لم توضع موضع الاعتبار فقط منذ أعلن الحاكم دعوته، هذا من جهة، ~~ومن جهة أخرى، فقد مضت أربع سنوات بين إعلان الدعوة وبين إجراءات العفو التي اتخذها ~~الحاكم نحو النصارى. # كنا نفهم أن يعفو الحاكم عن الذين يعترفون بدعوته ويجزل لهم العطاء، ولكننا نلاحظ عكس ~~ذلك، نراه يسمح للذميين أن يتعبدوا علانية، بل يذهب إلى حثهم على إعادة بناء كنائسهم ~~وأديرتهم وزيارة رهبانهم. # إن الحوادث التي وقعت في آخر خلافته تلقي ضوءا على ما قدمناه، يذكر لنا الأنطاكي أنه ~~في عام 411ه «1028م» توجه الأنبا «صلمون» رئيس دير طور سينا، إلى الحاكم وبسط إليه حالة ~~فقر رهبان الدير المذكور، والتمس منه إعادة الأراضي الموقوفة التي صادرها، فلبى الحاكم ~~طلب رئيس ms094 الدير، وفي نفس السنة، استأذن الأنبا صلمون بعمارة دير القصير وبإعادة الرهبان ~~إليه وإقامة الصلوات فيه، فأجابه إلى طلبه، وصدر «سجل» بهذا المعنى إلى «صلمون بن ~~إبراهيم» في شهر ربيع الآخر من عام 411ه، # 29 # وفي جمادى الآخرة من نفس السنة، صدر سجل بإعادة بناء كنيسة القيامة. # وتبع هذا الأمر أوامر أخرى مماثلة شملت الكنائس والأديرة، وتشجع النصارى وأخذوا ~~يطالبون بامتيازات أخرى، ويقول سعيد الأنطاكي: «لما تسامح الحاكم بعمارة الكنائس ~~وتحديدها ورد أوقافها، لقيه جماعة من النصارى، الذين كانوا قد أسلموا في وقت الاضطهاد ~~وطرحوا أنفسهم عليه بين يديه وهم مسترسلون للموت، وقالوا له: إن الذي دخلنا فيه من ~~التظاهر بدين الإسلام، لم يكن باختيارنا ولا برغبة منا، فنحن نسأل أن تأمرنا بالعود إلى ~~ديننا، إن رأيت ذلك، أو تأمر بقتلنا. فأمرهم للوقف بلباس الزنانير ولباس السواد وحمل ~~الصلبان، وكان كل منهم قد أعد عدة غيار ثيابه.» # 30 # ثم يقول المؤرخ المذكور: إن عددا قليلا من الناس حذا حذوهم خوفا من أن ~~يكون الحاكم يريد الإيقاع بهم؛ ذلك لأن الديانة الإسلامية تمنع الردة، ولكن بناء على ~~اقتراح الأنبا صلمون، أكد الحاكم حسن استعداده نحو النصارى. # وأبرز سعيد الأنطاكي صداقة الحاكم؛ لأنبا صلمون، فروى لنا كيف كان الخليفة يخف إلى ~~تحقيق أماني الراهب جميعها، وكيف كان يقابله كل يوم في الطريق الصحراوي المؤدي إلى دير ~~القصير على جبل المقطم ويسأله عما هو في حاجة إليه حتى إن ألسنة السوء، من بعض المسلمين ~~تناولته بالتشنيع لها، وزعمت أن الخليفة أصبح مريدا لأنبا صلمون، خاصة بعد أن لبس ~~الحاكم زي الرهبان. # إن هذه التفاصيل وما يليها لها أهمية بالنسبة إلى الأحداث المقبلة، ويواصل الأنطاكي ~~حديثه قائلا: «وكان في كثير من الأيام يقصد دير القصير ويشاهد عمارته ويحث الصناع على ~~الفراغ منه، وأطلق له دنانير تصرف عليه، ودفع أيضا إلى الرهبان المقيمين فيه دنانير ~~ورسم لهم مساعدة البنائين لتروج عمارته، # 31 # وكان يعدل أيضا إلى ديارات جددها اليعاقبة بالقرب من القرافة الكبرى، ~~وإذا أراد ms095 الدخول إلى الجبل أو الطلوع إلى دير القصير # 32 # أو غيره من الديارات، تتأخر الركابية عنه في الموضع المعروف بالقرافة وإلى ~~الساقية، ويمضي وحده.». # وقد اختفى الحاكم نهائيا في إحدى الجولات وظل اختفاؤه سرا غامضا، هل قتل بإيعاز ~~من أخته «ست الملك» التي هددها بالموت لسوء سلوكها، كما يؤكد بعض المؤرخين؟ إن الأنطاكي ~~لم يستبعد أمر قتله ولكنه لم يعلق عليه، بل اكتفى بالقول بأن ست الملك عندما علمت ~~باختفاء شقيقها، أسرعت فأمرت بالبحث عنه في دير القصير «لئلا يكون مستترا فيه». # وجاءت أخبار المؤرخين المسلمين متأخرة ومدعاة للشك، ويذكر لنا أبو المحاسن بن تغري ~~بردي أن الحاكم، قبل أن يترك قصره للمرة الأخيرة، أعطى والدته ثلاثين ألف دينار ليؤمنها ~~من العوز، وتقول الرواية نفسها: إن الحاكم كان يرصد النجوم وينتظر أن يظهر في السماء ~~نجم معين يعلن بنهاية عمره، فلما رآه ليلة اختفائه، أذاع الخبر بصوت مرتفع يسمعه من ~~حوله، ولكنه قام بجولته الليلية كعادته بعد أن صفى أعماله الشخصية كأنه لن يعود ~~أبدا، # 33 # أما الأسقف ساويرس بن المقفع، الذي دون تاريخه ثلاثين سنة بعد وفاة ~~الحاكم، فإنه لم يذكر ست الملك، بل اكتفى بالقول بأن الخليفة صرف الخادمين اللذين كانا ~~برفقته بعد أن أمرهما بعقر الحمار، ثم اختفى. # 34 # زد على ذلك أن الشعب كان مقتنعا بأن الحاكم لم يزل على قيد الحياة حتى إن أحد ~~الدجالين، واسمه «سكين» ادعى في سنة 434ه «1041م» أنه الخليفة، وكان يشبهه شبها ~~كبيرا، وصدقه عدد كبير من سكان الفسطاط فتبعوه ويمموا معه شطر قصر الخليفة وهم يصيحون: ~~«ها هو الحاكم!». # 35 # وسواء قتل الحاكم، أم اختفى، أم لجأ إلى دير من الأديرة، فإن هناك حقيقة واقعة لا ~~سبيل إلى إنكارها وهي أنه، قبل أن يترك عرشه، قضى على نفوذ النصارى في مصر، ومنذ ذلك ~~الحين، أصبح الأقباط مهملين في الدولة، وأصبح تاريخهم عبارة عن جملة أحداث ثانوية، ~~وفقدوا بعد ذلك شخصيتهم تدريجيا ليندمجوا في سواد الشعب الذي كان يحتقرهم. ~~(4) الظاهر ms096 لإعزاز دين الله 411-427ه «1020-1036م» # أخذ نفوذ ست الملك ينبعث من جديد بعد اختفاء الحاكم، وكانت تعطف دائما على النصارى ~~فكانت تشجعهم علانية بإرسال الهدايا والعطايا للأسقف الملكي مثلا. # 36 # وبعد مضي بضع سنوات؛ أي: في عام 418ه «1027م» «وقعت الهدنة مع صاحب الروم، وخطب ~~للظاهر في بلاده، وأعاد الجامع بقسطنطينية وعين فيه مؤذنا، فأعاد الظاهر كنيسة القيامة ~~بالقدس، وأذن لمن أظهر الإسلام في أيام الحاكم أن يعود إلى النصرانية، فرجع إليها كثير ~~منهم.». # 37 # وهكذا أقر الظاهر الردة مستصدرا سجلا يقول فيه: «إن الدخول في دين الإسلام يجب أن ~~يكون اختياريا لا تحت تأثير القوة.»، فصرح بمقتضاه للنصارى بالعودة إلى عقيدتهم ~~الأصلية، # 38 # لعل هذا الأمر فريد في نوعه في تاريخ الإسلام، وهو أهم حادث في عهد الظاهر، ~~أضف إلى ذلك أنه «عاد من بلاد الروم جماعة من النصارى الذين أسلموا وتظاهروا ~~بالنصرانية، ولم يتعرض لهم أحد، وأخذ منهم وممن عاد من النصارى بمصر أيضا، الجزية من ~~السنة التي انتهى استخراجها منهم إلى السنة التي عاد فيها كل واحد منهم.». # 39 # ويقال: إن الظاهر سمح للأقباط بالاحتفال بعيد الغطاس، وبأن يقيموا الملاهي العامة ~~بهذه المناسبة، # 40 # ويبدو بصفة عامة أن الأقباط استعادوا شيئا من الثقة والطمأنينة في هذا ~~العهد، مما جعل الرحالة المسلم «ناصري خسرو» يقول عن زيارته لمصر عام 1035م: «لم أعرف ~~بلاد تتمتع بالأمن والطمأنينة كبلاد مصر، لقد رأيت نصرانيا كان أغنى رجال مصر، ولم ~~يستطع أحد أن يحصي عدد المراكب التي كان يملكها، ولا أن يقدر عدد أملاكه ولا قيمتها ~~فاستدعاه الوزير وقال له: «إن الحالة في هذه السنة غير مرضية وتثقل آلام الشعب على ~~حاشية السلطان، قل لنا ماذا تستطيع أن تعطينا من القمح سواء بعته لنا أو أقرضته لنا؟» ~~فأجاب النصراني: «الحمد لله أني، بفضل ثروة السلطان ووزيره، أملك الآن من القمح مقدرة ~~عظيمة حتى إني أستطيع أن أمد مصر به لمدة ست سنوات.». # 41 # لا شك أن في قصة خسرو شيئا من المبالغة، ms097 ولكن إغفاله ذكر الاضطهاد ونقله عن لسان ~~قبطي عبارات بهذه الصراحة، لدليل على أن النصارى كانوا يعيشون في أمان في هذا ~~العهد. ~~(5) المستنصر بالله 427-495ه «1036-1101م» # حكم الخليفة المستنصر البلاد مدة طويلة؛ إذ ارتقى العرش في السابعة من عمره، ولكن ~~خلافته لم تكن مجيدة، فإن اضمحلال الفاطميين الذي بدأ في العصر السابق، ازداد بسبب ~~الفوضى الداخلية، وقد نهب المرتزقة الأتراك قصر الخليفة، ولما جردوه من ثروته، اضطر ~~الخليفة أن يفترش حصيرة في قصره الذي كان خاليا من كل أثاث، حتى إن أعداءه اللدا رثوا ~~لحالته التعسة وذرفوا الدموع عليها. # لم يؤثر المستنصر على مجرى الحوادث، وبينما كان الجند الأتراك والجند السود يشتبكون ~~في قتال دموي عنيف، وبينما حل في البلاد قحط شديد جعل الشعب يأكل الجثث وأجياف ~~الحيوانات، كان الوزراء يتتابعون على كرسي الحكم، ولم يكن نتيجة ذلك سوى استمرار حالة ~~الفوضى التي انغمست فيها البلاد. # ونحن نذكر هذه التفاصيل الخارجية نوعا ما عن الموضوع، لنظهر فقط كيف أرسل الخليفة - ~~وقد أعيته الحيلة - في طلب الأرمني بدر الجمالي. وقد استتب الأمن في البلاد، وخاصة ~~بالنسبة للأقلية، في عهد الوزير الذي كان عبدا، ثم أسلم فأصبح وزيرا عظيما. # وقبل وصول بدر إلى مصر، كانت الأقلية تتحمل الشيء الكثير من غضب الوزير «اليازوري» ~~و«نصر الدولة»، ففي وزارة اليازوري، تحولت أنظار الفاطميين نهائيا نحو الشرق، ولما ~~ثارت تونس على خلافة مصر، لم يجهز اليازوري حملة ضد الثوار، بل لجأ إلى قبيلتي «بني ~~هلال» و«بني سليم» العربيتين حليفتي الفاطميين، وكانت لهما شهرة واسعة في أعمال السلب ~~والنهب على الحدود الغربية للدلتا، وقال لهما: «لقد تركنا لكما ولاية تونس، فاجتاحوها ~~وخربوها»، هذا لأن الفاطميين كانوا وقتئذ يساعدون بأموالهم ثورة أحد القواد الأتراك ضد ~~خلافة بغداد (450ه/1059م)، فلم يهتموا إطلاقا بمصير بلادهم الأصلية، ولما فشلت الثورة ~~ضد العباسيين، أقيل اليازوري. # وكان من البديهي أن يعتمد حكام مصر في مثل هذه الظروف الحرجة على مؤازرة جميع طبقات ~~الشعب أكثر منه في أي وقت آخر، ولكن يبدو حقا ms098 أن نفوذ الأقباط تلاشى منذ خلافة ~~الحاكم؛ لأن اليازوري أظهر عدوانه لهم طوال مدة حكمه، وكان ينتهز كل فرصة ليغتصب منهم ~~المال، «فلما اتهم البطريرك خريستودولوس بتحريض ملك النوبة النصراني بعدم القيام ~~بواجباته نحو الخليفة الفاطمي، ألقى اليازوري القبض على البطريرك دون أن يقوم بأي ~~تحقيق، وأمره بدفع مبلغ مائة دينار، ولما جيء به إلى القاهرة، أرسل إلى «عبد الدولة» ~~محافظ منطقة مصر السفلى الذي اقتنع ببراءته، فذهب إلى اليازوري «وأخذ منه في الحال ~~تصريحا بإطلاق سراحه.». # 42 # وإلينا مثل آخر «كان رأس القديس مرقس الإنجيلي موضوعا في الإسكندرية، في منزل أبي ~~يحيى بن زكريا، فلما مرض يحيى مرضه الشديد، خشي عشرة من النصارى - في حالة موته - أن ~~توضع ممتلكاته وأمواله تحت الحراسة، وأن تقع هذه الذخيرة المقدسة بين أيدي المسلمين، ~~فما كان منهم إلا أن نقلوا الصندوق الذي كان يحوي رأس القديس إلى منزل أبي الفتاح والد ~~المؤرخ الذي أتم تاريخ البطاركة، ولكن سبق أن ذاق أبو الفتاح هذا نير الاضطهاد ~~والتغريم، فخشي أن يغضب عليه الخليفة ورفض حفظ هذه الوديعة لديه، وعندئذ نقل الرأس عند ~~«سرور» الذي كان يسكن أمام أبي الفتاح، فلما بلغ الوزير الخبر، أمر بإلقاء القبض على ~~أبي الفتاح وعلى جميع النصارى الذين اشتركوا في نقل الصندوق، وحتم «كوكب الدولة» محافظ ~~الإسكندرية، أن يعاد إليه رأس القديس مرقس ومبلغ العشرة آلاف دينار التي كانت مع الرأس، ~~ونجح المتهمون في نيل الإفراج عن أنفسهم ما عدا أبا الفتاح الذي أرسل إلى الفسطاط حيث ~~اعتقلته السلطات ليضطر إلى دفع المبلغ الذي حدده المحافظ، وبعد مضي ثلاثة أيام، أطلق ~~سراح أبي الفتاح بعد أن دفع مبلغ ستمائة دينار فقط.». # وهناك حوادث أخرى تثبت عدم اهتمام اليازوري ورجاله بالأقباط، يحدثنا في هذا الشأن ~~صاحب تاريخ البطاركة، فيقول: «إن أبا الحسين الصيرفي، الذي شغل عدة وظائف، ومنها وظيفة ~~قاضي الإسكندرية، عين آخر الأمر رئيسا لمجلس العقود، وحدث أن مر بمدينة «دمرو» مقر ~~البطاركة، فادعى أنه لم يحط بالإجلال والاعتبار المناسبين ms099 لمركزه، فكتب إلى الوزير ~~خطابا وجه فيه شتى الاتهامات ضد البطريرك، وذكر فيه أن «دمرو» أصبحت قسطنطينية أخرى؛ ~~إذ يوجد فيها سبع عشرة كنيسة معظمها حديثة البناء، هذا فضلا عن عدد كبير منها بنيت ~~حديثا في القرى المحيطة بالمدينة، وقد بنى البطريرك لنفسه قصرا نقش عليه عبارات مهينة ~~للديانة الإسلامية.»، وختم القاضي خطابه مقترحا على الوزير أن يغلق كل الكنائس وأن ~~يأمر بهدم تلك التي بنيت حديثا، وأن يعمل خاصة على إلزام النصارى بدفع مبالغ كبيرة في ~~الحال، فأمر الوزير اليازوري بناء على هذا الخطاب، بإغلاق الكنائس في جميع أنحاء مصر، ~~ونفذ نصر الدولة، محافظ مصر السفلى، الأمر، فألقى البطريرك والأساقفة في السجن، وحتم ~~على النصارى أن يدفعوا عشرة آلاف دينار. # 43 # وقد مد المسلمون يد المساعدة أحيانا إلى الأقباط الذين لم يكونوا يتوقعون ذلك ممن ~~ناصبهم العداء ردحا من الزمن، لقد ذكرنا قصة عبد الدولة الذي أفرج عن البطريرك بعد أن ~~اقتنع ببراءته، ويبدو أن «حصن الدولة» كان أكثر غيرة منه على حماية الأقباط، فلما أمر ~~الوزير بإغلاق كنائس الإسكندرية ومصادرة كل ما فيها من نفائس، وفرض غرامة على نصارى ~~المدينة تبلغ عشرة آلاف دينار، ما كان من هذا الحاكم إلا أن أرسل في طلب «موهوب» مؤرخ ~~سيرة البطاركة، وعمه «صدقه» الذي كان يعمل تحت إمرته، وقال لهما: «هذا كتاب يخصكما، إنه ~~يحوي أوامر يجب أن أضعها موضع التنفيذ غدا، فاذهبا في الحال وجردا كنائسكم سرا من ~~الأواني والحلي وكل ثمين فيها.» # 44 # إلا أن أحد الرهبان - كما كان يحدث ذلك عادة في مثل هذه الأحوال - وشى ~~بالبطريرك انتقاما منه؛ لأنه لم يرفعه إلى درجة أسقف. # ثم إن الفوضى التي عمت البلاد بعد وفاة اليازوري، حالت بين النصارى وبين تحسين ~~حالتهم، ولقد انتهز رجال قبيلة البربر المعروفة باسم «اللواتة» فرصة هزيمة جيش المستنصر ~~أمام قوات القائد التركي نصر الدولة، فألقوا القبض على البطريرك خريستودولوس، وبعد أن ~~ذاقوه ألوان العذاب، نهبوا منزله، فأسرع أبو الطيب الزراوي، كاتم سر نصر الدولة، ms100 يرجوه ~~أن يفاوض اللواتة ففعل وتمكن من إطلاق سراح البطريرك بعد أن دفع فدية قدرها ثلاثة آلاف ~~دينار، # 45 # غير أن هذا الاتفاق لم يضع حدا لأعمال السلب التي كانت تقوم بها هذه ~~القبيلة، فقد اجتاحت مصر السفلى ونهبت أديرة وادي حبيب، وقتلت معظم رهبانها وفرقت شمل ~~الباقين. # 46 # ومما زاد الطينة بلة، أن انتشرت المجاعة في البلاد وكان نصر الدولة في هذه الأثناء ~~يتحدى الخليفة، مدفوعا بالنجاح الذي لقيه النصر الذي أحرزه، فلم يكن من هذا الأخير إلا ~~أن استدعى بدر الجمالي، وكان عبدا أرمنيا عند الأمير السوري جمال الدولة بن عمار، ~~اشتهر بقوة شكيمته وحدة ذكائه وحسن إدارته، وكان يعتمد على قوة من الأرمن وبعض الفرق ~~المخلصة له. # ويرى المسيو جاستون فبيت في بدر الجمالي أقوى شخصية في مصر الإسلامية، بيد أنه يمتاز ~~أيضا بطباعه الغريبة عن طباع أهل الشرق «وقد أراد أن يكون دكتاتوريا منذ الساعة ~~الأولى، ولما عرض الخليفة عليه الحكم، أملى شروطه ولم يقبل النقاش.» # 47 # وفعلا، أجاب بدر المستنصر بأن التمرد قد تفشى بين الجند في مصر إلى درجة ~~يستحيل عليه معها أن يعيدهم إلى النظام، وأنه لن يطيع أوامر الخليفة إلا إذا سمح له ~~باستبدالهم بجنود آخرين من سوريا، وفي هذه الحالة يضمن للبلاد الأمن والسلام، # 48 # وسلمه الخليفة حينئذ براءة مزينة بالألقاب الآتية: «السيد الأجل أمير ~~الجيوش سيف الإسلام ناصر الإمام كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين.». # وبدأ بدر عمله باغتيال أمراء الأتراك في أثناء مأدبة أعدها لتكريمهم، فلما خلا الجو ~~من المعارضين، أخذ يعمل بكل ما أوتي من نشاط لإنماء موارد البلاد والمحافظة على الأمن ~~داخل الحدود وخارجها. # ولم تذكر لنا المصادر العربية تفاصيل إدارته، واكتفت بالإشارة إلى الهدوء والرخاء ~~وإنماء الزراعة وزيادة الدخل السنوي في عهده. # ومن الطبيعي أن تميل العلاقات بين المسلمين والنصارى إلى الاعتدال في ظل حكومة حكيمة، ~~وكان النصارى، على الأخص، ينظرون بعين الرضا إلى هذا الأرمني الذي حكم البلاد حكما ~~مطلقا؛ ذلك لأنهم كانوا يعتبرونه، رغم ms101 اعتناقه الإسلام، واحدا منهم، كما كان هو أيضا ~~يشملهم بعطفه ويفصل بالعدل في الشكاوى المقدمة منهم، # 49 # ولم يترددوا في طلب تحكيمه في منازعاتهم الدينية البحتة، ويؤيد ذلك، الحادث ~~الذي رواه الأب رينودو في تاريخه: «في عام 475ه «1082م»، جاء اثنان وخمسون أسقفا ~~مصريا إلى بدر الجمالي يشكون إليه البطريرك كيرلس، وبعد أن حثهم الوزير على العيش في ~~وئام واتحاد، وطلب إليهم أن يحترموا رئيسهم الديني، أوصاهم بعدم جمع الأموال وتكديسها ~~وأبان لهم أفضلية صرف الإيرادات المتحصلة على أسقفياتهم في أوجه البر، ثم صرفهم بعد أن ~~سلم إلى كل واحد منهم جوازا يحميهم من كل جور. # 50 # وكان عطف بدر الجمالي على النصارى لا يدل على تحيز أو ممالأة: شكا له بعض التجار ~~المسلمين أن «فكتور»، أسقف النوبة، قد هدم مسجدا، ما كان منه إلا أن أمر في الحال ~~بإلقاء القبض على البطريرك خريستودولوس وحمله مسئولية هذا العمل، ثم يذكر لنا ~~«رينودو » أن بدر الجمالي أصدر مرسوما سنة 479ه يأمر النصارى واليهود أن يتمنطقوا بزنار ~~أسود، وأن يدفعوا ضريبة استثنائية قدرها دينار وثلث الدينار عن كل فرد، # 51 # والحقيقة أن هذه الضريبة لم تكن إلا حجة تقليدية لملء خزينة الدولة. # توفي بدر سنة 487ه «1094م»، فعين الخليفة من تلقاء نفسه الأفضل ابن المتوفى، ~~وزيرا، وقد أخذ لقب شاهنشاه، وتوفي الخليفة بعد وفاة بدر ببضعة شهور، ونشبت أول ~~الحروب الصليبية في حكومة الأفضل شاهنشاه، وسنتكلم عنها في الباب التالي. # لقد ثبت بدر وابنه النفوذ الأرمني في مصر، وامتد هذا النفوذ إلى عهد «بهرام» الوزير ~~النصراني للخليفة الحافظ لدين الله، الذي جاء بعد الخليفة الآمر بأحكام الله. ~~(6) الآمر بأحكام الله 395- 525ه «1102- 1131» # هو ثالث الخلفاء الفاطميين الذين تولوا الحكم في مصر وهم في سن صغيرة؛ إذ كان عمره ~~خمس سنوات حينما توفي والده، ولما كان الأفضل، ثم المأمون، قد رفضا التنازل عن حكمهما ~~المطلق، انتهز الآمر أول فرصة سنحت له في عام 519 - وكان عمره آنذاك 29 عاما - ليستدرج ~~سلطته، ورفض أن يعين ms102 وزيرا خلفا للمأمون، بل اكتفى بتعيين رئيسين هما جعفر بن عبد ~~المنعم وأبو يعقوب إبراهيم السامري، وكان يشرف على أعمالهما راهب قبطي اسمه ابن أبي ~~النجاح، # 52 # وأبو النجاح هذا بالغ في محاباة النصارى على حساب المسلمين، # 53 # ويذكر لنا القلقشندي بعض التفاصيل التي تدل على أن الأقباط نسوا بسرعة ~~الأسباب التي أدت إلى اضطهادهم في عهد الحاكم بأمر الهت، وكتب صاحب «صبح الأعشى» ما ~~يأتي: «في أيام الآمر بأحكام الله الفاطمي بالديار المصرية، امتدت أيدي النصارى وبسطوا ~~أيديهم بالخيانة وتفننوا في أذى المسلمين وإيصال المضرة إليهم، واستعمل منهم كاتبا ~~يعرف بالراهب ولقب بالأب القديس الروحاني النفيس أبي الآباء وسيف الرؤساء، مقدم دين ~~النصرانية وسيد البطريركية، صفي الرب ومختاره، وثالث عشر الحواريين، فصادر اللعين عامة ~~من الديار المصرية: من كاتب وحاكم وجندي وعامل وتاجر، وامتدت يده إلى الناس على اختلاف ~~طبقاتهم، فخوفه بعض مشايخ الكتاب بخالقه وباعثه ومحاسبه وحذره من سوء عواقب أفعاله، ~~وأشار عليه بترك ما يكون سببا لهلاكه، وكان جماعة من كتاب مصر وقبطها في مجلسه، فقال ~~مخاطبا ومسمعا للجماعة: «ونحن ملاك هذه الديار حرثا وخراجا، ملكها المسلمون منا ~~وتغلبوا عليها واغتصبوها واستملكوها من أيدينا، فنحن مهما فعلنا بالمسلمين، فهو قبالة ~~ما فعلوا بنا، ولا يكون له نسبة إلى من قتل من رؤسائنا وملوكنا في أيام الفتوح، فجمع ما ~~نأخذه من أموال المسلمين وأموال ملوكهم وخلفائهم حل لنا، وهو بعض ما نستحقه عليهم، ~~فإذا حملنا لهم مالا، كانت المنة لنا عليهم.»، فاستحسن الحاضرون من النصارى والمنافقين ~~ما سمعوه منه واستعادوه.». # 54 # إذا لم نستطع أن نجزم بصحة هذه الرواية، فإننا نستطيع أن نؤكد أن ابن أبي النجاح كان ~~مكروها من الشعب، وقتل فعلا سنة 523ه «1129م»، أما الخليفة فقد أحب شعبه ومات في ~~السنة التالية مقتولا هو أيضا. # كيف نعلل العودة إلى التسامح الديني في عهد الآمر بأحكام الله؟ يرد المسيو فييت على ~~ذلك قائلا: «هناك عدة فروض تتصل بهذا الأمر: فربما وجدنا في مصر رابطة تشبه الاتحاد ms103 ~~المقدس الذي يعقب عادة النكبات الوطنية، ولقد نكب الشعب بسبب المجاعة التي حلت في عصر ~~المستنصر، ويجب ألا ننسى أن التجارة والزراعة كانتا بين أيدي النصارى تقريبا، ويمكننا ~~أن نفرض أيضا أن مبادئ الإسماعيلية التي انتشرت منذ عهد المستعلي، أغضبت عددا كبيرا ~~من المسلمين وأبعدتهم عن حكومتهم، فنهج وزراء الآمر سياسة التوازن الطبيعية، ويبدو أنهم ~~وجدوا عند النصارى الحظوة التي فقدوها عند غيرهم.». # 55 # وفي رأينا أن سياسة بدر الجمالي والأفضل شاهنشاه لم تكن غريبة عن هذا الجو المشبع ~~بالعطف على النصارى، ومن المحتمل أيضا أن يكون الآمر قد أصدر، اطمئنانا للرأي العام ~~الإسلامي، مرسوما يأمر فيه حكام الولايات بعدم إعفاء الذميين من الجزية حتى ولو كان ~~الذمي من علية قومه، وعدم السماح له بإرسال جزيته عن طريق شخص آخر، حتى لو كان من أعيان ~~أو رؤساء ملته، وإنما تؤخذ الجزية منهم مباشرة، إذلالا لهم وتمجيدا للإسلام ~~والمسلمين، وأن يدفع جميع الذميين الجزية بدون تحقيق أو استثناء. # 56 # لولا الجملتان المهمتان اللتان يحويهما هذا المرسوم، لما كانت له قيمة تاريخية، ففي ~~عهد الفاطميين، حظي النصارى بكل التسهيلات اللازمة لدفع الجزية حفظا لكرامتهم، كما ~~أعفوا كلية في بعض الحالات من سداد هذه الضريبة، وفعلا، كيف يتصور وزيرا يهيمن على ~~شئون الإمبراطورية الفاطمية بأسرها، ثم يقوم بنفسه لدفع جزيته؟ ولا شك أن هذا وضع قد ~~يقلل من شأنه أمام مرءوسيه، فالوثيقة التي ذكرها ابن النقاش تلقي ضوءا على ناحية غامضة ~~من التاريخ الإسلامي. # وقد اشتهر الآمر بميله إلى زيارة الأديرة، وكان يبني بجوارها المناظر ليمضي فيها ~~ساعات طويلة. # 57 # وقد لامه المسلمون، فيما لاموه عليه، إهماله الشديد للحرب المقدسة وللحملات ضد ~~الصليبيين مما جعل الإفرنج يستولون في عهده على جزء كبير من ساحل سوريا وعلى مواقع ~~حصينة أخرى. # 58 ~~(7) الحافظ لدين الله 525-544ه «1131-1149م» # لم تمنع نهاية الآمر المحزنة خليفته وابن عمه، الحافظ لدين الله، من أن يولي ثقته أحد ~~الأرمن النصارى، واسمه «بهرام»، وكتب المؤرخ يوسف بن مرعي، معلقا على هذا ms104 التعيين، أن ~~الشعب قبل على مضض هذا التعيين المنافي للنظم المتبعة والذوق السليم، وأن بعض رجال ~~الحاشية احتجوا على ذلك وأخبروه بأنه لا يليق أن يتولى نصراني الوزارة؛ لأن من واجب ~~الوزير أن يكون في معية الخليفة في صلاة الجمعة، ولكن الحافظ أصر على رأيه، وقرر أن ~~ينوب قاضي القضاة عن بهرام في هذه المناسبة. # 59 # كما أن الأقباط لم يرتاحوا لوزارة بهرام؛ ذلك لأنهم كانوا ينظرون بعين القلق إلى ~~ازدياد عدد الأرمن في مصر، والواقع أن هذا الوزير لم يكتف بإحضار أقاربه وإسناد ~~الوظائف المهمة إليهم، ومنحهم دخلا كبيرا، بل شجع هجرة أكثر من ثلاثين ألف أرمني إلى ~~مصر، «وإلى جانب قلق الأقباط وغيرتهم، كان المسلمون حاقدين ومذهولين من ازدياد نفوذ ~~النصارى؛ إذ تعدد بناء الكنائس والأديرة حتى خيف على مستقبل الديانة ~~الإسلامية». # 60 # ولما انتزع رضوان السلطة من بهرام، نجح في كسب عطف الجماهير باستغلال شعورهم الديني، ~~وقال المقريزي في هذا الشأن إن رضوان «أوقع بالنصارى وأذلهم فشكره الناس.» # 61 # فأخرج الموظفين النصارى وخاصة الذين عينهم بهرام، ثم أراد أن يحكم البلاد ~~حكما مطلقا، ولكن الحافظ لم يسمح له بذلك، وبعد أن كان يتحداه باستقبال بهرام في ~~مقره، أثار جنده عليه غير أن مركز بهرام ازداد سوءا، فاضطر أن يرحل إلى أسوان؛ حيث قضى ~~بقية أيامه في دير مجاور لهذه المدينة، وبرحيله زال النفوذ الأرمني من مصر. ~~(8) آخر الخلفاء الفاطميين 544-567ه «1149-1171م» # تعود أهمية تاريخ هؤلاء الخلفاء إلى ارتباطهم ارتباطا وثيقا بتاريخ الحروب ~~الصليبية، وفي اليوم الذي استنجد الخليفة العاضد لدين الله بجيوش نور الدين لينقذه من ~~الصليبيين، حكم على أسرته بالزوال. # الخلفاء الفاطميون والأعياد المسيحية # لم يقتصر عمل الخلفاء الفاطميين على إسناد وظائف الدولة الرئيسية إلى الذميين، بل ~~أعادوا التقليد الذي سنه محمد الإخشيدي بالاشتراك في الحفلات الدينية المسيحية، ولكن ~~بينما كان الإخشيديون يشتركون في هذه الأعياد بصفتهم الشخصية، صبغها الفاطميون بالصبغة ~~الرسمية، فلم يعودوا يحضرونها بصفتهم الشخصية، بل الدولة نفسها هي التي أصبحت تحتفل ~~بهذه الأعياد. ms105 # وقد وصفنا من قبل عيد الغطاس، نقلا عن المسعودي، ولما جاء المعز، ألغى هذا العيد، ~~ولكن لم يلبث أن أعاد العزيز الاحتفال به احتفالا عظيما، وفي عام 388ه؛ أي: في أوائل ~~عصر الحاكم، ذكر المقريزي، نقلا عن المسبحي، أن السلطة استمرت تحتفل بهذا العيد ~~بالأبهة نفسها، برئاسة فهد بن إبراهيم، كاتم أسرار الوزير برجوان، وفي سنة 401ه ألغى ~~الحاكم هذا الاحتفال بعد أن شرع في حركة الاضطهاد الكبرى التي قام بها، ولما خلفه ~~الظاهر، صرح بإقامة العيد ثانية سنة 415ه، ولكن اشتراكه فيه كان اشتراكا سلبيا، إن ~~صح هذا التعبير، وقال المقريزي: «نزل أمير المؤمنين، الظاهر لإعزاز دين الله بن الحاكم، ~~لقصر جده العزيز بالله لينظر الغطاس ومعه الحرم، ونودي ألا يختلط المسلمون مع النصارى ~~عند نزولهم إلى البحر في الليل، وأمر الخليفة الظاهر لإعزاز الدين بأن توقد المشاعل ~~والنار في الليل، فكان وقيدا كثيرا، وحضر الرهبان والقساوسة بالصلبان والنيران، ~~فقسسوا هناك طويلا إلى أن غطسوا.». # وكان الملكيون واليعاقبة يحتفلون معا بهذا العيد، وكان الملكيون يخرجون من كنيسة ~~القديس ميخائيل بقصر الشمع، فإذا ما وصلوا إلى ضفة نهر النيل، وعظهم أسقفهم باللغة ~~العربية ثم استنزل نعم الله على الخليفة وأفراد البلاط، الذين يريدونه، ثم كانوا يقفلون ~~عائدين إلى كنيستهم بنفس الطريقة التي جاءوا بها حاملين الشموع والصلبان حيث كانوا ~~يختمون صلواتهم. # 62 # ويروي لنا ابن إياس عن هذا الاحتفال تفاصيل غريبة، فيقول: إن «البحر كان يمتلئ ~~بالمراكب والزوارق، ويجتمع فيها السواد الأعظم من الخاص والعام من المسلمين والنصارى، ~~فإذا دخل الليل تزين المراكب بالقناديل وتشعل فيها الشموع، وكذلك على جوانب الشطوط من ~~بر مصر والروضة، وكان يشعل على الشطوط في تلك الليلة أكثر من ألفي مشعل وألف فانوس ~~وتنزل رؤساء القبط في المراكب، وكان ينفق في تلك الليلة من الأموال ما لا يحصى من مأكل ~~ومشرب، وتتجاهر الناس بشرب الخمر، وتجتمع أرباب الملاهي من كل فن، ويخرج الناس في تلك ~~الليلة عن الحد في اللهو والفرجة، ولا يغلق في تلك ms106 الليلة دكان ولا درب ولا سوق، وكانوا ~~بعد العشاء يغطسون في بحر النيل، النصارى مع المسلمين معا، ويزعمون أن من يغطس في تلك ~~الليلة يأمن من الضعف في تلك السنة.». # وهناك عيد آخر في أهمية هذا العيد، ألا وهو النيروز؛ أي: رأس السنة القبطية، وشكا ~~كبار المؤرخين المسلمين من أن الأقباط كانوا في هذه المناسبة يفرطون في استغلال الحرية ~~التي كانت تمنح لهم، فيضرون بالأخلاق كل الضرر، وكان المحتفلون بهذا العيد يلهون بصب ~~المياه القذرة على المارين، فيقول المقريزي عندما وصف لنا عيد نيروز سنة 517ه «1123م» ~~في خلافة الآمر: «وصلت الكسوة المختصة به من الطراز وثغر الإسكندرية مع ما يبتاع من ~~المذاب المذهبة والحريري والسوادج، وأطلق جميع ما هو مستقر من الكسوات الرجالية ~~والنسائية والعين والورق وجميع الأصناف المختصة بالموسم على اختلافها وأسماء أربابها، ~~وأضاف النوروز البطيخ والرمان، وعراجين الموز وأفراد البسر وأقفاص التمر القوصي وأقفاص ~~السفرجل، وبكل الهريسة المعمولة من لحم الدجاج ولحم الضأن ولحم البقر من كل لون بكلة مع ~~خبز بر مارق، وأحضر كاتب الدفتر الإثباتات بما جرت العادة به من إطلاق العين والورق ~~والكسوات على اختلافها في يوم النيروز، وغير ذلك من جميع الأصناف، وهو أربعة آلاف دينار ~~وخمسة عشر ألف درهم فضة.». # 63 # ويضيف المقريزي إلى ما تقدم أن الأسواق كانت تقفل في هذه المناسبة، ويكاد لا يمر أحد ~~في الشوارع، وكانت توزع النقود على موظفي الدولة وعلى نسائهم وأولادهم. # وكان عيد الميلاد ثالث عيد يحتفل به احتفالا عظيما في عهد الفاطميين وكان من رسوم ~~الدولة الفاطمية فيه تفرقة الجامات المملوءة من الحلاوات القاهرية والمقارد التي فيها ~~السمك وقرابات الجلاب وطيافير الزلابية والبوري، فيشمل ذلك أرباب الدولة، # 64 # أصحاب السيوف والأقلام، بتقرير معلوم، ويقول المقريزي أيضا: «أدركنا ~~الميلاد بالقاهرة ومصر وسائر أقاليم مصر موسما جليلا يباع فيه من الشموع المزهرة ~~بالأصباغ المليحة والتماثيل البديعة بأموال لا تحصى، فلا يبقى أحد من الناس أعلاهم ~~وأدناهم حتى يشتري من ذلك لأولاده وأهله، كانوا يسمونها الفوانيس واحدها ms107 فانوس، ويعلقون ~~منها في الأسواق بالحوانيت شيئا يخرج عن الحد في الكثرة والملاحة ويتنافس الناس في ~~المغالاة في أثمانها.». # وهناك عيد آخر كان المحتفلون به يتجاوزن حدود اللياقة، ألا وهو عيد الشهيد، # 65 # وقد ألغي في عهد المماليك، وفي هذا العيد، كانوا يغمسون في النيل أصبع ~~قديس، وكان الشعب يعتقد أن النيل لا يفيض إلا إذا غمس فيه سنويا أصبع هذا القديس، ~~ويؤكد المؤرخون أن فلاحي شبرى كانوا يعتمدون على بيع المشروبات الروحية في أثناء هذا ~~الاحتفال لدفع الضرائب المقررة عليهم. # وكانت الحكومة، في عهد الفاطميين، تصك أيضا خمسمائة دينار ذهبا بمناسبة عيد العهد، ~~وكان هذا المبلغ يوزع على جميع أرباب الرسوم. # ومن عادة النصارى في أخميم «إذا عملوا عيد الزيتونة، المعروف بعيد الشعانين، أن يخرج ~~القساوسة والشمامسة بالمجامر والبخور والصلبان والأناجيل والشموع المشعلة ويقفوا على ~~باب القاضي، ثم أبواب الأعيان من المسلمين فيبخروا ويقرءوا فصلا من الإنجيل، ويطرحوا ~~له طرحا، يعني يمدحونه». # ولما تولى الأيوبيون الحكم، أبطلوا جميع هذه العادات. ~~••• # لقد ذكرنا الحوادث العديدة والمتنوعة التي تتعلق بالعلاقات بين الأقباط والمسلمين في ~~هذه الفترة، وأشرنا إلى أهميتها، ولكننا نشعر بعدم اهتدائنا إلى الطريق إذا أردنا الكشف ~~عن الأسباب التي وجهت سياسة هذا الخليفة أو ذاك. # وهناك نقطة من شأنها أن تلقي بعض الضوء على أبحاثنا، ذلك أن نظام الفاطميين كان يشبه ~~إلى حد غريب الماسونية في أيامنا هذه، وكان أتباعهم يحاطون بأسرار طقوسهم شيئا فشيئا، ~~كما كانوا يجتمعون في محافل حسب درجاتهم. # ولا بد أن تكون هناك - كما هو الحال في الماسونية - كلمات مصطلح عليها، بعضها معروفة ~~لدى الجميع وبعضها لا يعرفها إلا كبار الرؤساء، ومن البديهي ألا نعرف هذه المصطلحات، ~~كما أنها ستظل في عالم الغيب إلى الأبد، لذلك فإن بعض مظاهر السياسة الفاطمية ستبقى ~~مجهولة، فلن نستطيع أن نجزم بأن العزيز أو الحاكم أو من جاء بعدهما من الخلفاء كانوا ~~يستوحون أوامر المحافل الكبرى، أو أنهم كانوا يعملون وفق ميولهم الشخصية ومصلحة ~~البلاد. # لقد حاول الفاطميون الغرباء ms108 عن بلادهم أن يحققوا الوحدة القومية والتعاون الخالص ~~لجميع المسلمين، كما تدل على ذلك، بصفة قاطعة، تصريحات المعز وأعمال قائده جوهر، ولكن ~~يبدو أن الخلفاء عدلوا مبكرين عن التقرب من السنيين بعد أن قاموا بمحاولات فاشلة، ولما ~~أصبح تحت تصرفهم جيش كبير من أهل شمال إفريقيا، ولما عززوه بالعناصر التركية والجنود ~~السود، فضلوا كسب عطف الذميين، الذين لم يزالوا في ثرائهم ونفوذهم حتى قدوم الفاطميين ~~لانتمائهم إلى الطبقة المثقفة المسيطرة على الأداة الحكومية. # وهذا الفرض، لا يمكن إهماله؛ لأن تاريخ الفاطميين يدل على طموحهم، وهم حكام مصر ~~الإسلامية، الذين قطعوا علانية، دون سواهم، صلتهم بمركز الخلافة العباسية، وأعلنوا ~~سيادتهم السياسية والدينية، وكل حاكم في أسرتهم أراد أن يوسع رقعة إمبراطوريته، وكل ~~واحد منهم أراد أن يخلد ذكرى عهده ببناء مسجد في غاية الروعة أو قصر فخم، وكل واحد منهم ~~عاش عيشة كلها ترف ورفاهية، وإذا أحصينا مع المقريزي ثروة الخليفة المستنصر أو خزائن ~~الفاطميين وتحفهم التي نهبها الثوار، يخيل إلينا أننا نقرأ كتاب ألف ليلة وليلة. # وكان الفاطميون لهذه الأسباب في حاجة ملحة إلى المال؛ أي: إلى إدارة منظمة تقوم على ~~عاتق موظفين أكفاء ومخلصين، يقومون بجباية الضرائب في مواعيدها، ويعملون جاهدين على ~~إنماء الثروة الاقتصادية، وكان الأقباط على استعداد تام للقيام بهذا الدور خير ~~قيام. # فلما يأس الفاطميون من استمالة السنيين إلى جانبهم، لجمودهم نحوهم، ولمسوا إخلاص ~~النصارى، الذين كانوا يجمعون بين الكفاءة في الأعمال الحسابية وجباية الضرائب وبين ~~المهارة في إتقان الصناعة، أرادوا أن يردوا جميل الأقباط إليهم، فأظهروا لهم تسامحا لا ~~حد له. # غير أن هناك نقطة ما زالت تقلقنا: لقد أثار المعز، وهو أول خليفة نزل مصر، إشاعات حول ~~وفاته، ولم يتردد فيها التاريخ القبطي؛ حيث يقول: إن هذا الخليفة ترك الحكم بعد أن ~~اعتنق المسيحية؛ ومن جهة أخرى، بلغ تسامح العزيز مع النصارى درجة تدعو إلى الدهشة ~~بالنسبة إلى عصره؛ أما الحاكم، فإنه اختفى بعد أن تردد آخر شهور خلافته على الرهبان ~~وأصلح الأديرة والكنائس؛ ms109 ثم يأتي الظاهر، فيضع قانونا للردة، ويليه المستنصر الذي أرسل ~~في طلب الوزير الأرمني بدر الجمالي؛ أما الآمر فقد زار الأديرة وزينها وأهمل محاربة ~~الصليبيين، وأخيرا خاطر الحافظ بحياته ليحمي وزيره بهرام النصراني، هل نستطع أن نجزم ~~بأن الإفراط الذي وقعت فيه هذه الأسرة كان يبرره فقط إخلاص النصارى لها؟ # وقد نال الأقباط في هذا العهد المجد والثروة والحظوة والسلطان إلى أن أدى غضب الشعب ~~عليهم إلى اضمحلال نفوذهم؛ ذلك لأن الأقلية الدينية استغلت ثقة الخلفاء لهم ليفوزوا ~~بأكبر نصيب من التسامح للذميين، بينما أظهروا عدم مبالاتهم، بل جهروا بعداوتهم للأغلبية ~~الدينية. # وقد استطعنا بفضل كتاب «قانون ديوان الرسائل» لابن الصيرفي، أن نكون فكرة عن طريقة ~~العمل في المصالح الأميرية، وهذا ما يقوله المؤلف عن التأشيرات التي كانت تكتب على ~~العرائض: «فلعهدي بالتوقيعات، يكتب على بعضها «يعرض» وعلى أكثرها «يجدد عرضها» وما أشبه ~~ذلك من الفوارغ التي لا معنى لها وتعاد إلى أصحابها، فإذا كتبوا غيرها وقع عليها مثل ~~ذلك أيضا، وأما «لا سبيل إلى ذلك» فهي لفظة قد اعتادها حتى لو التمس نصراني أن يسلم أو ~~مسلم أن يبني مسجدا من ماله في أرض مباحة لا مالك لها، لوقع على رقعته: «لا سبيل إلى ~~ذلك» ولا يوقع إلا فيما كان تخطيطه الجزية على الذمة أو عمارة الكنائس، وما أشبه ذلك ~~لكون بعض من يوقع فيها نصرانيا.». # 66 # ولا عجب لذلك، فإن الأقباط كانوا يأملون في ذلك الوقت باسترداد النفوذ، الذي كانوا ~~يتمتعون به عندما فتح العرب مصر، فلما اضطهدهم الحاكم فكروا فيما آلوا إليه من بؤس ~~وأسفوا على المجد الذي بلغوه قبل أن ينحدروا إلى الظلام الحالك. # 67 # | هوامش # الفصل السابع # | موقف الصليبيين من النصارى # سياسة صلاح الدين والأيوبيين إزاء الأقباط # إن ضخامة الوسائل التي أعدها الصليبيون وتعدد هجماتهم تدل بلا شك على أن الحروب الصليبية ~~كانت محاولة لمحو نفوذ الإسلام في الشرق، فقد شنت هذه الحروب أول ما شنت لانتزاع حماية ~~القبر المقدس من الخلفاء، ولكنها ما لبثت ms110 أن تحولت إلى قتال عام بين جيوش الإسلام وجيوش ~~المسيحية؛ أي: بين الشرق المسلم والغرب المسيحي. # لما تحدثنا عن الفتح الإسلامي، حاولنا أن نحدد موقف الفاتح واستعداد الشعوب المهددة ~~بالغزو، كذلك سنحاول أيضا تحديد سياسة الغزاة؛ أي: الصليبيين، نحو النصارى في مصر، وموقف ~~النصارى منهم، غير أن المستندات التي عثرنا عليها قليلة؛ ذلك لأن النصارى في الشرق، وخاصة ~~النصارى في مصر، فقدوا نفوذهم، كما بينا ذلك، مما دعى مؤرخي الحروب الصليبية، سواء ~~الشرقيين منهم أم الغربيين، إلى أن يصرفوا عنايتهم إلى غير مصير الأقليات الدينية، فلم ~~يذكروها إلا مصادفة، كما أنهم لم ينوهوا إلا بمعلومات سطحية. # لذلك نرى أنفسنا مضطرين إلى الالتجاء إلى طريقة الاستنتاج، ومع كل، فسنحاول بما تحت ~~أيدينا من وثائق قليلة، أن نعطي فكرة دقيقة إلى حد ما عن هذا الموضوع. ~~(1) جهل الصليبيين وخشونتهم # كان الصليبيون فرسانا لا يخشون الموت، مهروا في فنون المبارزة والقتال، وكانوا ~~يرتكزون على شجاعتهم وغلظتهم للظفر بالعدو والانتصار عليه، وكانوا يأنفون، لزهوهم ~~وكبريائهم، الالتجاء إلى الطرق السلمية أو الدبلوماسية ليصلوا إلى رغباتهم، ويقول ~~المؤرخ «ميشيو» # Michaud ~~: «كان البارونات والنبلاء ~~يجهلون، لغلظتهم، الكلمات المعبرة عن حقوق المرء، وكان أفق علمهم قاصرا على ميادين ~~الحروب، وهي سياسة الأمراء والدول في ذلك العصر.» # 1 # وينقل إلينا «ميشو»، من بين الروايات القديمة، هذه القصة التي تكشف لنا عن عقلية ~~هؤلاء الفرسان في القرون الوسطى، «بينما كان عدد من الأمراء الفرنسيين يقومون بفروض ~~الاحترام للإمبراطور «الكسيس» ساعة استقبالهم لهم، ذهب الكونت «روبير دي باري» وجلس ~~بجانبه فأمسكه «بودوان دي هينو» من ذراعه وقال له: «اعلم أنه يجب احترام تقاليد البلاد ~~التي نقدم إليها.» فأجابه «روبير»: «أحقا تقول؟ كيف يجلس هذا الفلاح بينما يقف هذا ~~العدد الكبير من القواد العظام؟» وأراد الإمبراطور أن يفهم معنى هذا الحديث، فلما انصرف ~~النبلاء من عنده، استبقى «روبير» وسأله عن أصله وعن وطنه، فأجابه: «إني فرنسي ومن أعرق ~~النبلاء، وإني لا أعرف إلا شيئا واحدا، ذلك أن يوجد بالقرب من كل كنيسة ms111 ساحة يذهب ~~إليها كل من يحترق شوقا لإظهار شجاعته، وقد ذهبت إليها عدة مرات، فلم يجرؤ أحد على ~~منازلتي.». # 2 # فالصليبيون إذا ورطوا أنفسهم في مغامرة خطيرة للغاية لاعتمادهم على السيوف فقط، ~~وإذا أدى الحماس إلى زيادة عددهم بكثرة، فإن الجيوش تحركت دون أن تتخذ أية حيطة، وقد ~~تقدمها جمع غفير من الحجاج غير المسلحين، فهبوا متأثرين بخطب بطرس الراهب وبتعصبهم ~~الديني، فواجهوا الموت بارتياح، وقد أبادهم الأتراك تقريبا عن آخرهم. # وسافرت بعد ذلك جيوش البارونات المسلحة، وقد بلغ عدد جنودها نصف مليون تقريبا غير أن ~~النظام كان ينقصها، ولم يكن عليها قائد واحد، وكان الخلاف في كثير من الأحيان يدب ~~بينهم، وكان كل فريق يميل إلى العمل حسب هواه، فتحمل الجيش من جراء ذلك مضايقات خطيرة ~~وخسائر فادحة رغم تفوق قواته على قوة المدافعين المسلمين، كما أن ملابس الجند كانت ~~ثقيلة بالنسبة لمناخ بلاد حارة كفلسطين، ثم إنهم لم يفكروا في استقدام أسلحة للحصار، بل ~~عرقلوا عملياتهم الحربية بجيش من النساء، عطل حركاتهم وأبطأ تقدمهم واستهلك ~~مؤنهم. # ثم إن الصليبيين كانوا يجهلوا طبيعة البلاد التي اجتاحوها، وكانوا لا يستعينون في ~~أغلب الأحيان بالمرشدين أو الأدلاء، وهناك رواية، نجهل مصدرها، تقول: إن الوطنيين، ~~واسمه قراقوش «؟»، هو الذي لفت نظر «فيليب أوغست» إلى أن مصر مفتاح سوريا، ومن ذلك ~~الحين، تعددت حملات الصليبيين على وادي النيل بقصد قطع دابر هجمات العرب والاستيلاء على ~~بلاد مشهورة بتربتها الخصبة، # 3 # ولما دخلوا الأراضي المصرية، كانوا أبعد الناس معرفة بأحوال فيضان النيل ~~وما يترتب عليه، فتقدموا غير مبالين بالعواقب، حتى حان موعد فتح السدود ففاضت الترع ~~والقنوات وحاصرت جيوشهم واضطرتهم إلى التسليم، وبلغ بهم الجهل بنظم البلاد السياسية حد ~~إطلاقهم على الوزير الأفضل شاهنشاه لقب «ملك بابليون». # 4 # زد على ذلك أن عدم استعدادهم الدبلوماسي كان أشد خطورة عليهم من عدم استعدادهم ~~العسكري، فقد هب الصليبيون لإنقاذ «الكسيس» إمبراطور بيزنطيا من الخطر العثماني، ولكن ~~فاتهم أن يأخذوا منه الضمانات الكافية، فلما وصلوا إلى ضفاف ms112 البسفور، فاجأهم الإمبراطور ~~بسياسته المائعة، حتى نفد صبرهم منه، ولم يتخذوا الحيطة بعقد معاهدة مع الإمبراطورية ~~البيزنطية لتنظيم مرورهم بأراضيها إلا قبيل الحملة الثالثة. # ثم كان الصليبيون يجهلون كل شيء عن البيزنطيين الذين اشتهروا بسعة الحيلة بقدر ما ~~مهروا في فن الدبلوماسية، وكانوا يعتبرون شعوب أوروبا شعوبا بربرية، ويعتزمون التخلص ~~من الصليبيين بعد أن يأمنوا خطر المسلمين ويجنوا ثمرة انتصاراتهم، ولما رأوا أن قوات ~~الغرب لا تكفي لدرء الأخطار عن إمبراطوريتهم، أسرعوا إلى ترضية الفريقين المتحاربين، ~~فعقد «إسحاق الملاك» معاهدتين في وقت واحد: الأولى مع فريدريك الثاني، والثانية مع صلاح ~~الدين الأيوبي. # وكيف يطلب إلى رجال عسكريين، جل همهم التباري في ساحات القتال، كيف يطلب إليهم أن ~~يحلوا رموز السياسة المعقدة أو أن يستغلوا العروض التي تقدم إليهم من شعوب أخرى، كالتتر ~~مثلا، لعقد محالفات؟ # أكان في استطاعتهم أن يدركوا أن الشرق الإسلامي لم يكن متحدا حينما فيه؟ وكيف ~~يدركون، مع جهلهم التام بالديانة الإسلامية، أن خلافتين، ما زالتا قويتين، تتنازعان ~~السيطرة على العالم الإسلامي: الأولى في مصر، وهي الخلافة الفاطمية الشيعية، والأخرى في ~~بغداد وهي الخلافة العباسية السنية؟ # ومع ذلك، فإن الصليبيين كان في مقدورهم الانتصار بلا شك ولا عناء ، لو كان أمامهم ~~العرب دون سواهم، ولكن الأتراك القادمين من آسيا تدخلوا في الأمر لرفع مستوى قوة ~~الخلفاء المتخاذلة، فرجحوا بذلك كفة الإسلام هذا بالرغم من أن انضواءهم تحت لواء ~~العباسيين جلب عليهم عداوة الصليبيين والفاطميين وبعض الإمارات السورية التي استغلت ~~الفوضى السائدة لإعلان استقلالها. # حقق الفاطميون ما لم يخطر ببال الصليبيين، فأرسلوا إليهم وفدا لعقد تحالف بينهم، ~~ولما وصل الوفد الفاطمي عند الصليبيين كانوا وقتئذ يحاصرون أنطاكية، وترك لنا «روبير ~~لوموان» # 5 # قصة رائعة عن هذه المقابلة، ويقول: «حاول الجنود المسيحيون أن يخفوا عن ~~المسلمين ما تحملوه من بؤس وشقاء، فتزيوا بأزيائهم النفيسة وحملوا أجمل أسلحتهم ... ~~واستقبل رؤساء الجيش الوفد المصري تحت خيمة بديعة، وقال الوفد صراحة في خطابه: إن ~~الخليفة لم يفكر أبدا في إبرام محالفة مع ms113 المسيحيين، إلا أن انتصارات الصليبيين على ~~الأتراك، وهم أعداء سلالة علي بن أبي طالب اللدا، جعل الخليفة يعتقد أن الله تعالى قد ~~أرسلهم إلى آسيا قصاصا وعدلا. # وكان الخليفة المصري على استعداد ليتقرب من المسيحيين المنتصرين، ويدخل فلسطين وسوريا ~~بجيوشه، ولما علم أن كل ما يرجوه الصليبيون هو الاستيلاء على القدس، وعد بأن يعيد ~~الكنائس إلى سابق مجدها وإقامة الشعائر فيها، وفتح أبواب المدينة المقدسة لجميع الحجاج ~~على أن يأتوا مجردين من الأسلحة وألا يقطنوا فيها أكثر من شهر. # كان يمكن أن يعتبر ما عرضه الوزير الأفضل شاهنشاه أساسا للمفاوضات؛ إذ كان الفاطميون ~~يهتمون خصوصا بحماية حدود مصر الشرقية باستعادة فلسطين التي وقعت بين أيدي الأتراك، ثم ~~كان نفوذ الأقليات الدينية، أو بالأحرى النفوذ الأرمني في مصر، قويا في ذلك الوقت؛ ~~لأن سلطة الخليفة كانت معدومة، وليس بمستبعد على الفاطميين الذين ذهبوا بتسامحهم إلى ~~ترقية النصارى إلى رتبة الوزارة، أن يتحالفوا عسكريا مع المسيحيين لإنقاذ عرشهم ~~المتداعي. # غير أن الصليبيين لم يكونوا في مستوى يسمح لهم أن يسلكوا سياسة واسعة، ولا نعجب إذ ~~رأيناهم بأسلوبهم الخشن: «لم نقدم إلى آسيا لنخضع لأوامر المسلمين أو نتقبل حسناتهم، ~~وعلى كل، فإننا لم ننس إهانات المصريين للحجاج الغربيين، وما زلنا نذكر أن النصارى في ~~خلافة الحاكم، سلموا إلى الجلادين، وأن كنائسهم هدمت، ولا سيما كنيسة القيامة من ~~أعلاها إلى أسفلها ... إن المسيحيين يريدون أن يتولوا بأنفسهم حراسة القدس ويتحكموا فيها، ~~اذهبوا وقولوا لمن أرسلكم أن عليه أن يختار الحرب أو السلم قولوا له: إن المسيحيين ~~المعسكرين أمام أنطاكية لا يهابون شعوب مصر ولا الحبشة ولا بغداد، وإنهم لا يتحالفون ~~إلا مع الدول التي تحترم القوانين العادلة وأعلام يسوع المسيح.» # 6 # ومن عجب، رغما عن خشونة الإجابة، فإن المفاوضات لم تقطع، بل صاحبت بعثة ~~مسيحية الوفد الإسلامي إلى مصر. # ونقول بعد ذلك: إن الحلف الذي عرضته مصر على الصليبيين شيء لا يذكر بالنسبة للذي ~~عرضه، فيما بعد، التتر على الملك لويس التاسع، والواقع أن ms114 عددا كبيرا من التتر اعتنق ~~الدين المسيحي تحت تأثير القساوسة النسطوريين، ثم إن زوجة جنكيز خان المسيحية لم تزل ~~تطالب زوجها بالتسامح مع أبناء دينها، والتحالف مع الصليبيين، ولو أن هذا التحالف قد ~~أبرم، لما استطاع الأتراك أن يصمدوا طويلا أمام القوات المتحالفة، ولكن الصليبيين ~~أهملوا هذا العرض الذي كان من شأنه أن يدعم الإمبراطورية اللاتينية الشرقية الآيلة ~~للسقوط، بل عمدوا دائما على زيادة أعدائهم وإشعال نار البغضاء في قلوب حلفائهم، وهكذا ~~نراهم في أثناء الحرب الصليبية الثانية، ينقلبون على والي دمشق، حليفهم الطبيعي؛ لأنه ~~كان عدو الأتراك، بدلا من أن يهاجموا قوات نور الدين. # ولا يعنينا أن ندخل في تفاصيل الحروب الصليبية، وكل ما نرجوه من عرض الحوادث السابقة، ~~أن نبين عدم استعداد الصليبيين عسكريا وسياسيا قبل دخولهم في هذه المغامرة الكبرى، ~~وذلك بسبب جهل تنظيمها التام، ويقول المؤرخ الحديث «رينيه جروسيه» # Groussct # في هذا الشأن: «لقد توغل البارونات ~~الفرنجة بدون استعداد في هذا العالم الإسلامي المترامي الأطراف والمعقد أشد تعقيدا، ~~وكان عليهم أن يرتجلوا النظم لإنشاء دولة، ويتبعوا سياسة ثابتة إزاء الأهلين، ويبتكروا ~~نظاما إداريا ينسجم مع البيئة.» # 7 # وكلمة الارتجال هي خير ما يعبر بها في هذه المناسبة؛ لأن الصليبيين لم ~~يكونوا قد أعدوا أية خطة، ولكن الظروف هي التي أملت عليهم موقفهم، فكانوا أبعد الناس عن ~~التفكير في الاستعانة بنصارى الشرق قبل بدء الحملة، وعلينا حينئذ أن نقتصر في بحثنا على ~~دراسة علاقة الصليبيين بالأقليات الدينية، وهو ما يهمنا. ~~(2) الصليبيون والنصارى الشرقيون # ليس بالإمكان أن ننظر إلى موقف النصارى من الصليبيين نظرة عامة، ويجب ألا يكون ~~التمييز بين اليعاقبة والملكيين، ولكن بين اليعاقبة وبين سائر الجاليات المسيحية في ~~الشرق؛ ذلك لأن اليعاقبة السوريين الذين لجأوا إلى مصر عند اقتراب الصليبيين من سوريا، ~~خوفا منهم، لم يلبثوا أن عادوا إلى بلادهم بعد أن استقر الموقف في القدس. # 8 # ليس من العسير أن ندرك سبب ذلك، ففي أوائل القرن العاشر الميلادي اجتاح البيزنطيون ~~بقيادة «نقيفورفوكاس» ونائبه «جان تزيميسيس» ms115 مقاطعة صقلية وشمال سوريا، ثم لبنان، حيث ~~أوقف الفاطميون تقدمهم، واحتفظ البيزنطيون بأكبر جزء من الأراضي التي احتلوها مدة مائة ~~وخمسة عشر عاما، وأخذوا يحلون بالتدريج العناصر المسيحية في تلك الجهة محل العناصر ~~الإسلامية، وحدث قبل ظهور الصليبيين بخمس عشرة سنة أن انتزعت القبائل التركية، تحت ~~قيادة طغرل بك، هذه الممتلكات من البيزنطيين، فمن الطبيعي إذا أن تخف الشعوب المسيحية ~~في أرمينيا وآسيا الصغرى وسوريا إلى استقبال الصليبيين، خاصة وأنهم لم يأتوا إلى الشرق ~~إلا تحقيقا لهدف ديني، وهو تحرير القدس، موضع تقديس المسيحيين أجميعن، وتلبية لدعوة ~~الإمبراطور البيزنطي «الكسيس كومنين». # وكان الأرمن أول من ساعد الصليبيين في أثناء اجتيازهم آسيا الصغرى، ويقول «ميشو»: لم ~~يكن «بودوان» في حاجة إلى مرشدين في بلاد كان سكانها يعرضون عليه مساعدتهم، # 9 # وقد انتخبه سكان الرها المتحمسون ملكا عليها، ولما قدم إليها، ذهب إليه ~~أسقفها واثنا عشر من وجهائها وأخذوا يحدثونه عن ثروة الأردن تحريضا له على ~~افتتاحها. # وحذا اللبنانيون حذو الأرمن، فقدموا مساعدتهم للفاتح وكانوا له خير معين، # 10 ~~«وكان يوجد وقتئذ ببيروت عدد كبير من النصارى الملكيين واليعاقبة، ولم ~~يترددوا جميعا في مناصرة الصليبيين وصاهروهم عن طريق الزواج، فزاد عدد الأسر ~~الأوروبية، وكانوا يؤلفون أغلبية الأطباء والصيادلة في الجيش وفي معسكرات الصليبيين، ~~أضف إلى ذلك أنهم كانوا يضطلعون بأعمال الترجمة في مختلف الدواوين.». # 11 # وقد ارتاح الصليبيون واطمأنوا لموقف هذه العناصر؛ إذ إنهم وجدوا فيهم حلفاء مخلصين في ~~قلب الإمبراطورية الإسلامية، وعلى أي حال، فإن الصليبيين أظهروا شعور العطف نحو جميع ~~النصارى على حد سواء، فلم يكن أمامهم إلا عدو واحد، وهو المسلم. # وكتب ميخائيل السوري، الأسقف اليعقوبي، في هذا الصدد قائلا: «لما اجتاز الصليبيون ~~البحر، اجتمعوا وأخذوا عهدا على أنفسهم أمام الله بأنهم لو دخلوا القدس سيعيشون بسلام ~~مع مختلف المذاهب المسيحية وسيوزعون الكنائس والأديرة على جميع الطوائف ~~المسيحية.» # 12 # غير أن نشوة النصر جعلتهم ينقضون بعض وعودهم، «فلما احتل الصليبيون مدينة ~~أنطاكية، طردوا الأروام من كنائسهم الكبرى، وطردوا أساقفهم، ms116 ثم عينوا بطريركا وعدة ~~أساقفة من اللاتين.» # 13 # ويؤيد متى الرهاوي هذه القصة ويتهم اللاتين المنتصرين بالاستيلاء على أديرة ~~الأرمن والروم والسوريين والجورجيين، # 14 # ولكنها أعيدت إليهم بعد ذلك، ثم حدثنا ميخائيل السوري عن العلاقات بين ~~مسيحيي الشرق والغرب، فقال: «كان يوجد أساقفة من اللاتين في أنطاكية والقدس بعد أن احتل ~~الصليبيون هاتين المدينتين، ولكن أساقفتنا كانوا يعيشون بينهم دون أن يضطهدهم أحد أو ~~يسوء إليهم، ولم يشر الإفرنج صعوبات فيما يختص بعقيدة سائر النصارى، ولم يحاولوا أن ~~يفرضوا حلا واحدا لاتحاد جميع الشعوب التي تعتنق المسيحية، بل كانوا يعتبرون كل من ~~يعبد الصليب مسيحيا، وذلك بدون تحقيق ولا امتحان سابق.». # 15 # ومما يدل أيضا على تسامح الصليبيين مع النصارى الشرقيين، الخطاب الذي أرسله وجهاؤهم ~~إلى البابا «أوربانوس» يدعونه فيه إلى زيارة القدس، وقالوا في هذا الخطاب: «... لقد هزمنا ~~الأتراك والوثنيين، ولكنا لا نستطيع أن نستعمل العنف مع الملحدين من الروم والأرمن ~~والسريان واليعاقبة ... تعال وحطم بنفوذك الذي لا مثيل له الإلحاد كله.». # 16 # أضف إلى ذلك أنه على أثر قيام المذابح العظيمة التي كانت سببا في إخلاء مدينة القدس ~~من سكانها المسلمين الذين سبق لهم إبادة العناصر النصرانية، قرر «بودوان» تعميرها ~~بالنصارى الشرقيين، فعرض على السريان والروم القاطنين في الأردن أن يقيموا في القدس دون ~~أن يهتم بالمذهب الذي يعتنقونه، وكذلك كان الوئام تاما أو يكاد يكون بين مسيحيي الشرق ~~والغرب فيما عدا يعاقبة مصر. # ومن جهة أخرى، يشهد الرحالة ابن جبير، المعروف بعدم ميله للنصارى، أن الصليبيين كانوا ~~يعاملون المسلمين معاملة حسنة؛ إذ قال: «المسلمون مع الإفرنج على حالة ترفيه، نعوذ ~~بالله من الفتنة.». # 17 # بقي علينا أن نبحث موقف اليعاقبة في مصر، ويبدو أن قلة المستندات والخلط بين الملكيين ~~واليعاقبة في روايات المؤرخين لا تمكنا من الوصول إلى رأي قاطع في هذه المسألة، إلا أن ~~أحد القرارات التي اتخذها الصليبيون إزاء الأقباط يلقي شيئا من الضوء على هذه المسألة، ~~لما احتل الصليبيون القدس، منعوا النصارى المصريين من ms117 الحج إلى هذه المدينة بدعوى أنهم ~~ملحدون، وكتب أحد المؤرخين الأقباط يشكو من هذه المعاملة قائلا: «لم يكن حزن اليعاقبة ~~بأقل من المسلمين.»، ثم قال متحسرا: «بأي حق يمنع النصارى الأقباط من الحج إلى القدس ~~أو الاقتراب من المدينة؟ إن الصليبيين يكرهوننا كما لو كنا ضللنا عن الإيمان ~~القويم.». # 18 # وقد ذكرنا أن الصليبيين لم يظهروا أي تعصب نحو المذاهب المسيحية الأخرى، فلماذا ~~أظهروا هذا التعصب نحو المصريين وحدهم؟ هل لمسوا في أثناء وجودهم في الشرق حقد اليعاقبة ~~إزاء الملكيين؟ إن هذا الحقد الذي بدأ منذ حركة ديوسفوروس، وامتد إلى نهاية القرن ~~التاسع عشر يجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأن اليعاقبة المصريين لم يرتاحوا كثيرا لوجود ~~الجيوش الكاثوليكية في الشرق. # 19 # ولكن، هل وجهة نظرهم هذه أعفتهم من عنت المسلمين؟ # لما نشبت الحرب الصليبية الأولى، لم يسجل التاريخ أية مظاهرة ضد الأقباط، بالرغم من ~~اشتراك الجيوش الفاطمية في القتال دفاعا عن القدس التي انتزعتها من الأتراك قبل ظهور ~~الصليبيين؛ ذلك لأن الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي كان يحكم البلاد تحت حكم ~~الفاطميين. # ولما عرف الصليبيون طريق مصر، توالت اعتداءاتهم على الأراضي المصرية، وفي هذا الأثناء ~~أخذ سلطان الفاطميين في الأفول، وبلغ الضعف بالخلفاء مبلغا جعلهم يخضعون لحكم الوزراء ~~إلى أن جاء اليوم الذي استنجد فيه العاضد بنور الدين ، فما كان من صلاح الدين قائمقام ~~نور الدين إلا أن دخل بعساكره الأكراد وادي النيل ليطرد منه الفاطميين ~~والصليبيين. # ويقول تاريخ البطاركة: «إن فترة الانتقال والفوضى والحروب التي أعقبت طرد الفاطميين، ~~عمل الأكراد ثانية بالقوانين الخاصة بزي الذميين ولطخت الكنائس بالوحل وكسرت الصلبان، ~~وتدل كثرة الذين اعتنقوا الديانة الإسلامية من المسيحيين في هذا العصر على حدوث ~~اضطهادات.». # 20 # ويحق لنا أن نتساءل: هل كان صلاح الدين هو ذلك القائد الذي اشتهر في الغرب بالتسامح ~~مع رعاياه المسيحيين؟ هذا رأيهم إلى الآن؛ إذ يذكرون له ما كان يكنه من احترام لأعدائه ~~الإفرنج، ولكنهم يعوزهم البرهان، وأخيرا أراد أحمد زكي باشا # 21 # أن يظهر التسامح ms118 الديني لمؤسس الدولة الأيوبية، فذكر لنا أن اليعاقبة في ~~مصر كانوا يتجسسون لحساب صلاح الدين، ولكن هذا الدليل يعزز فقط وجهة نظرنا عن كراهية ~~اليعاقبة لشعوب الغرب. # ولا ننسى أن صلاح الدين أصدر، في اليوم الذي عينه الخليفة العاضد وزيرا بدلا من ~~«شيركوه»، أمرا يحرم على الذميين شغل وظائف الدولة، ولما كان صلاح الدين متدينا، فلم ~~يحاول تحرير مبادئه، وكان يحذو في ذلك حذو أخيه الأكبر نور الدين، الذي كتب ذات يوم إلى ~~الخليفة العباسي: «إن المسلمين حكموا خمسمائة عام ولم يسوءوا خلالها إلى النصارى في ~~الإمبراطورية الإسلامية، ومن لم يسلم منهم يقتل، «فأجاب الخليفة: «إنك لم تفهم تماما ~~أقوال النبي # صلى الله عليه وسلم # وأن الله لا يأمرنا أن نقتل من لم يرتكب السوء.». # 22 # ولا نستطيع الجزم بأن صلاح الدين كان متعصبا أو أنه كان يضطهد النصارى، غير أننا ~~نعتقد أنه كان لا يميل إليهم بأي حال من الأحوال، وذلك رغم استخدامه لعدد من الكتاب ~~النصارى، خصوصا وأنه لم يمنح أحدهم أي امتياز خاص. # ويصف المستشرق «رينو» # Reinaud # السلطان صلاح الدين ~~بالعبارة الآتية: «لقد تنازع حكمه عاطفتان: الطموح وكرهه للنصارى، والغريب أنه لم يكره ~~النصارى كأفراد بل كان يكرههم كأمة، فلما هزمهم سرعان ما تغير موقفه نحوهم، وآية ذلك ~~أنه لم يكتف بالتسامح مع أقباط مصر، وكان عددهم في ذلك الوقت كبيرا نوعا ما، ولكنه ~~احترم عهدهم وجعل بعضهم في خدمته.». # 23 # كتب «رينو» رأيه هذا اعتمادا على موقف صلاح الدين من النصارى بعد فتحه مدينة القدس، ~~وقد نصت شروط التسليم على أن المسيحيين الإفرنج يعتبرون وحدهم أسرى حرب، وعليهم دفع ~~الدية الحربية إذا أرادوا فك هذا الأسر. # ويضيف ابن الأثير، الذي عاصر الحروب الصليبية، إلى ذلك قوله: «أما الفرنج من أهل ~~القدس، فإنهم أقاموا وشرعوا في بيع ما لا يمكنهم حمله من أمتعتهم وذخائرهم وأموالهم وما ~~لا يطيقون حمله وباعوا ذلك بأرخص الثمن، فاشتراه التجار من أهل العسكر واشتراه النصارى ~~من أهل القدس، الذين ليسوا من الفرنج، ms119 فإنهم طلبوا من صلاح الدين أن يمكنهم من المقام ~~في مساكنهم ويأخذ منهم الجزية فأجابهم إلى ذلك، فاستقروا فاشتروا حينئذ من أموال ~~الفرنج.». # 24 # على أن تسامح صلاح الدين مع النصارى الشرقيين يعود إلى أن هؤلاء النصارى سهلوا له ~~مهمة الاستيلاء على بيت المقدس؛ وذلك بإلحاحهم على الصليبيين بأن يسلموا المدينة، ولما ~~كان عددهم يفوق عدد الصليبيين فقد تمكنوا من تحقيق رغبتهم. # 25 # وبالاختصار نقول: إن صلاح الدين رفض الاعتراف بالامتيازات التي حصل عليها النصارى في ~~عهد الفاطميين، ومن المحتمل أن يكون إخراجه الذميين من وظائفهم هو، كما يقول المسيو ~~فييت، «بمثابة حركة تطهير أجريت ضد الفاطميين أكثر منها بغضا ضد النصارى.»، ولكن صلاح ~~الدين لم يتوان في إلغاء اشتراك الخلفاء في الأعياد المسيحية، ذلك التقليد الذي كان ~~رسخت جذوره في البلاد، # 26 # ومهما يكن من أمر، فقد بدأ السلطان في نظر الأقباط حاكما عادلا ورءوفا؛ ~~إذ إن وجوده في الحكم منع عنهم بلاء كثيرا وأوقف حركة التخريب، ولولاه لاستمرت الفوضى ~~في البلاد، ثم إن الأقباط فرحوا؛ لأن صلاح الدين ألغى الضرائب الهلالية العديدة التي ~~أعادها آخر الخلفاء الفاطميين. # بعد أن توفي صلاح الدين، واجه الأيوبيون حملتين صليبيتين خطيرتين على مصر؛ «الحملة ~~التي شنها «جان دي بريين» # Brienne # وحملة الملك لويس ~~التاسع». # لما نزل «جان دي بريين» على ساحل دمياط واحتل المدينة، قلقت السلطات المصرية وأخذ ~~أولياء الأمر يتساءلون عما إذا كان النصارى في مصر سيستقبلون الإفرنج بحفاوة، كما ~~استقبلهم النصارى الأرمن والسوريون، وتساءلوا أيضا هل من الحكمة أن يحولوا دون هذا ~~التعاون الذي قد يؤدي إلى عواقب خطيرة بالنسبة إلى المسلمين، ومما زاد المشكلة تعقيدا ~~أن كان في دمياط نفسها عدد كبير من النصارى الملكيين، والدليل على ذلك ما ذكره الأنطاكي ~~عن وجود أسقف خاص بهذه المدينة في عهد الظاهر لدين الله. # 27 # وكان هذا القلق وحده كافيا لبعث الاضطرابات في القاهرة خاصة: «وقد شمل الذهول والفزع ~~جمع السكان، وراجت الإشاعات حول موقف النصارى فأصبحوا موضع الريبة، وثار ضدهم ms120 عدد كبير ~~من الناس ... وأصدر السلطان أمره بتعبئة نصف سكان مصر والقاهرة مختارين أو مكرهين لمقاتلة ~~الصليبيين ... أما النصارى القاطنون في القاهرة، فقد فرضت عليهم ضريبة وكذلك سائر ~~الأغنياء». # هكذا انتهزت الحكومة فرصة الفزع الذي حل في البلاد لتملأ خزائنها التي تأثرت من الحرب ~~القائمة، والذي يجب الإشارة إليه هي الطريقة التي توسل بها رجال الحكم ليأخذوا من ~~النصارى أكثر قدر من المال دون أن يلجئوا إلى العنف، ويدلي «رينودو» عن هذا الحادث ~~تفاصيل شيقة: قال: «أرسل حاكم مصر، بعد أن استشار رجال القانون، في طلب قساوسة الأقباط ~~اليعاقبة والملكيين وقال لهم: «سافروا «مع المسلمين» وإمعانا في تخويفهم قال: «لأجل ~~الحرب اخرجوا مع المسلمين! غير أنكم لن تصلوا إلى باب المدينة حتى يقتلوكم، وما من أحد ~~يستطيع أن يلومهم في الظروف التي نحن فيها»، وكان يقصد بكلامه هذا الملكيين؛ إذ كان ~~المسلمون يأخذون عليهم حبهم للفرنج ومحاكاة عوائدهم وطريقتهم في تصفيف شعرهم، وعدم ~~إجرائهم عملية الختان وغيرها من الأشياء المماثلة، فخاف القساوسة من هذا الكلام خوفا ~~شديدا، فأسرع أحدهم إلى القول: «لدينا مبلغ ألف دينار» فأجاب الحاكم، «حسنا اذهبوا ~~وأحضروا هذا المبلغ»، ثم قيل للقساوسة الأقباط الذين كانوا حاضرين: «إن هؤلاء القوم ~~ليسوا بمرتبتكم، إنكم تساوون أربعة وعشرين واحدا منهم، ولكن إذا فرضنا أنكم لا تساوون ~~إلا عشرة فقط، فعليكم أن تدفع ثلاثة آلاف فقط»، ووضعت الأختام على الكنيسة المعلقة ~~وكنيسة الملكيين ومعبد اليهود.». # 28 # ويضيف «رينودو» على ما تقدم أن جنود القاهرة، وهم في طريقهم إلى دمياط، نهبوا كنائس ~~اليعاقبة والملكيين التي صادفتهم، وأصدر السلطان أمرا بهدم كنيسة القديس مرقس ~~بالإسكندرية، بدعوى أنها تتحكم في الميناء، وأنه إذا ما استولى عليها الفرنج استطاعوا ~~أن ينصبوا فيها آلات الحرب ويسيطروا على الخليج، وحاول النصارى عبثا دفع ألفي دينار ~~لإنقاذ الكنيسة ولكنها خربت عن آخرها. # ويبدو أن الاضطهاد كان عنيفا؛ إذ يقول المؤرخ «كولبو» # Coulbeaux # في كتابه «تاريخ الحبشة»: # 29 # إن النجاشي «لابيليلا» # Labilela # صرح عام ~~1218 بدخول عشرة آلاف قبطي ms121 فروا من أعمال المسلمين الانتقامية، إلا أن ليس هناك ما كان ~~يبرر هذا الاضطهاد بدليل أنه لا يوجد مستند عربي واحد يتكلم عن مساعدة النصارى ~~للصليبيين، ولكن كان ظهور الصليبيين كافيا وحده لإثارة الشك في قلوب المسلمين، وهذا ~~حدث أيضا في جميع البلدان التي ظهر فيها الصليبيون. # وقد أظهر الملك الكامل الذي خلف والده العادل عطفا على النصارى إلى درجة أن الرواية ~~الفرانسيسكانية تدعي أنه أمضى بقية حياته في دير «وهو ما نستبعده»، ويبدو أن تهديد ~~التتار الزاحفين من الشرق قد أثر في سياسته نحو الصليبيين، وتقول إحدى الوثائق ~~المسيحية: إنه منع سب المسيحيين بالكلمات وحتى بالإشارات، # 30 # وهدد من يخالف الأمر بالعقوبة الصارمة، غير أنه لم يستطع أن يمنع البدو من ~~الإساءة إلى النصارى بعد أن أمر البدو باجتياح المناطق المجاورة لمدينة دمياط. # 31 # فقدت الحروب الصليبية، في عهد فريدريك الثاني والملك الكامل، صبغتها الدينية بعد أن ~~مد إمبراطور ألمانيا يده إلى الملك المسلم، الذي ترك له القدس بدون قتال، ولكنها أصبحت ~~في عهد لويس التاسع حرب إبادة، وقد أمدنا المقريزي بالخطاب الذي أرسله لويس التاسع إلى ~~الملك الصالح، # 32 # وهذا نصه: «أما بعد؛ فإنه لم يخف عليك أني أمين الأمة العيسوية كما أنه لا ~~يخفى علي أنك أمين الأمة المحمدية، وغير خاف عليك أن عندنا أهل جزائر الأندلس وما ~~يحملونه إلينا من الأموال والهدايا، ونحن نسوقهم سوق البقر، ونقتل منهم الرجال ونرمل ~~النساء ونستأسر البنات والصبيان ونخلي منهم الديار، وأنا قد أبديت لك ما فيه الكفاية ~~وبذلت لك النصح إلى النهاية، فلو حلفت لي بكل الأيمان وأدخلت علي القساوسة والرهبان ~~وعملت قدامي الشمع طاعة للصلبان لكنت واصلا إليك وقاتلك في أعز البقاع إليك، فإما أن ~~تكون البلاد لي فهي هدية حصلت في يدي، وإما أن تكون البلاد لك والغلبة علي فيدك العليا ~~ممتدة إلي، وقد عرفتك وحذرتك من عساكر حضرت في طاعتي تملأ السهل والجبل وعددهم كعدد ~~الحصى، وهي مرسلون إليك بأسياف القضاء.». # ولم يكن جواب الملك الصالح ms122 على هذه الرسالة بأقل غطرسة منها؛ إذ جاء فيه: «أما بعد؛ ~~فإنه وصل كتابك وأنت تهدد فيه بكثرة جيوشك وعدد أبطالك، فنحن أرباب السيوف، وما قتل ~~منا فرد إلا جددناه، ولا بغي علينا باغ إلا دمرناه، ولو رأت عيناك أيها المغرور حد ~~سيوفنا وعظم حروبنا، وفتحنا منكم الحصون والسواحل وتخريبنا ديار الأواخر منكم والأوائل، ~~لكان لك أن تقض على أناملك بالندم، ولا بد أن تزل بك القدم في يوم أوله لنا وآخره عليك، ~~فهنالك تسيء الظنون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فإذا قرأت كتابي هذا فتكون ~~فيه على أول سورة النحل # أتى أمر الله فلا ~~تستعجلوه ~~، وتكون على آخره سورة ص # ولتعلمن نبأه بعد حين ~~، ونعود إلى قول الله تعالى وهو ~~أصدق القائلين: # كم من فئة قليلة غلبت فئة ~~كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ~~، وقول الحكماء: إن ~~الباغي له مصرع وبغيك يصرعك وإلى البلاء يقلبك، والسلام.». # وأكبر الظن أن كان لتبادل الرسائل هذه أثره على موقف الحكام بالنسبة للنصارى في مصر، ~~إلا أن التاريخ لا يعطينا أية معلومات عن هذه النقطة. # على أننا نستطيع أن نقدم بعض التفاصيل عما حدث في دمياط بفضل التقرير الذي وضعه ~~«الكونت دي شامباني» عن هذه الحملة، # 33 # وعلمنا أنه بينما كان لويس التاسع يستعد لمحاصرة دمياط، قام المسلمون بقتل ~~جميع النصارى القاطنين بالمدينة بلا شفقة ولا رحمة، وفي اليوم التالي وجد الصليبيون ~~مدينة دمياط خاوية، أما النصارى الذين فروا من المدينة ونجوا من القتل، فقد عادوا إليها ~~وأعملوا سيوفهم في رقاب المسلمين، الذين لم يساعدهم كبر سنهم أو مرضهم من اللحاق بالجيش ~~الإسلامي المتقهقر، فإن هؤلاء النصارى خفوا إلى استقبال الصليبيين الذين اعتبروهم ~~كأخوتهم، وأشركوهم في موكب انتصاراتهم. # هل كان يوجد في القاهرة في هذه الظروف شبكة للجاسوسية لحساب الصليبيين؟ إن التاريخ ~~الإسلامي لا يذكر إلا حالة فردية واحدة؛ وهي حالة أبي الفضائل بن دوخان، كتب عنه ابن ~~النقاش: «كان أكبر الكتاب نفوذا، وكان قذى في عين الإسلام والخراج الذي يشوه وجه ms123 ~~الدين، وكانت سلطته قوية لدرجة أنه أرسل ذات يوم إلى نصراني اعتنق الإسلام أمرا وقع ~~عليه السلطان ليحثه على العودة إلى المسيحية، وكان لم يزل يراسل الفرنج ويخبرهم عما ~~كان يحدث عند المسلمين والحكام والأعيان، وكان مبعوثو الفرنج والنصارى يقتحمون دائما ~~مكتبه، فكان يستقبلهم بحفاوة ويصفي أعمالهم قبل أعمال غيرهم.». # 34 # هل اعتنق بعض المسلمين الديانة المسيحية في أثناء الحروب الصليبية؟ لمح إلى ذلك بعض ~~مؤرخي الغرب، وجاء في كتبهم أن أحد الصليبيين قال: لدينا بعض المؤمنين الشرقيين الذي ~~يمكنا الاتكال عليهم، فهم يعرفون البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وكذلك الأخطار التي ~~قد نصادفها فيها، وأنهم تلقوا سر العماد بتقوى حقيقية، # 35 # ولا نعلم بالضبط إذا كان يقصد صاحب هذا القول أفراد طائفة اليعاقبة الذين ~~عادوا إلى حظيرة الكنيسة الكاثوليكية أو بعض المسلمين الذين اعتنقوا المسيحية. # ومن الغريب أيضا أن نرى، بعد النكبة التي حلت بجيوش لويس التاسع وإبادتها عن بكرة ~~أبيها، عددا من الصليبيين قد أربكهم الفزع وبلبل أفكارهم، فأخذوا يشكون في إيمانهم، ~~ولما خيروهم بين اعتناق الإسلام والموت لم يترددوا في اعتناق الإسلام. # ومهما كان الأمر، فإن الحروب الصليبية تركت أثرا مشئوما، وإذا كانت العلاقات بين ~~الشرق والغرب قد امتازت بالمعرفة والاعتبار، فلا شك أيضا أن هذه الحروب حفرت هوة عميقة ~~بين الإسلام والمسيحية. # أما فيما يختص بأقباط مصر أي اليعاقبة، فقد رأوا في هزيمة الفرنج عقابا جديدا أنزل ~~على أنصار كنيسة روما، وعلى الرغم من الاضطهادات التي عانوها فإنهم ظلوا المحور الأساسي ~~الذي ارتكز عليه أعظم الحكام المسلمين. # | هوامش # الفصل الثامن # | كارثة النصرانية في عهد السلاطين المماليك # إن قصة الحروب الصليبية جعلتنا نلمس عن قرب اضمحلال العنصر القبطي منذ اضطهاد الحاكم بأمر ~~الله له، وقد استمرت هذه الحالة في عهد سلاطين المماليك والأتراك؛ إذ كانوا لا يأبهون ~~مطلقا بهذه الأقلية، كان السلاطين يعتبرون الأقباط جزءا لا يتجزأ من الأمة؛ لأنهم كانوا ~~يقدمون لهم خدمات قيمة فيما يختص بجباية الضرائب، أضف إلى ذلك أن الحكام كان يمكنهم ابتزاز ms124 ~~أموال الأقلية بسهولة دون أن يخشوا من قيامها بأية حركة ثورية جديدة، فرتبوا مصير الأقباط ~~حسب هواهم أو هوى الشعب. # وقد استطاع بعض الكتاب الأقباط أن يشغلوا بعض المراكز الكبيرة في الدولة، ولكن الشعب ~~كان يظهر غضبه بمجرد ما يرى قبطيا له نفوذ، وكان لم يعد يقبل أن يكون لأقلية دينية صغيرة ~~حقوق عليه. # وتمكن القبطي، وسط هذه الاعتبارات كلها، أن يسير قدما؛ ذلك لأن مواطنه المسلم لم يكن ~~حائزا، أو قل إن شئت لم يكن يريد أن يحوز الصفات اللازمة للقيام بجباية الضرائب، وفيما خلا ~~هذه الوظيفة، شعر القبطي أنه غير مرغوب فيه، وبذا أصبحت الأمة القبطية جماعة مهمتها تدريب ~~الأخصائيين في شئون الضرائب والمال. # لم تتغير حالة القبطي خلال ستة القرون التي سبقت عهد محمد علي الكبير، ولم يقع حادث يستحق ~~الذكر عدا بعض أعمال الاضطهاد الطارئة، التي كانت تؤثر في سير حياته المطموسة التي لم يكن ~~أمامها إلا هدف واحد هو الاحتفاظ بالعمل الوحيد الذي صرحت له به السلطات المدنية، وكان هذا ~~العمل - أي: جباية الضرائب - سبب كيانه وأمله الوحيد في الثراء. # وسنقتصر فيما يختص بالعلاقات بين المسلمين والأقباط في هذه الفترة الطويلة على ذكر بعض ~~الأحداث المتفرقة التي لا يجمعها أي ارتباط، ومتبعين طريقة المؤرخين العرب في سرد الحوادث ~~مكتفين بذكر بعض التفاصيل عن الأحداث القليلة التي لها بعض الأهمية. ~~••• # بينما كان الملك لويس التاسع يجلو عن مصر مع فلول جيشه، اعتلت عرش البلاد أسرة جديدة ألا ~~وهي دولة المماليك البحرية، وكانت المهمة الملقاة على هذه الأسرة ليست هينة؛ إذ كان عليها ~~أن تقوم بتصفية ما تبقى من الدولة اللاتينية في الشرق، وأن تستعد خصوصا لمواجهة خطر الغزو ~~المغولي، ويجب أن نعترف بفضل مصر التي أنقذت العالم الإسلامي من تلك الكارثة، وذلك بشجاعة ~~الملك المظفر قطز ومماليكه. # قال عربي يمدح الملك الظاهر بيبرس خلف قطز: «كان يوما في مصر ويوما في الحجاز ويوما في ~~دمشق ويوما في حلب.»، وكانت تكاليف الحرب باهظة وكان ملوك هذه الدولة ms125 في حياتهم الخاصة ~~يعيشون عيشة مترفة، ولذا كانوا دائما في حاجة إلى المال، وكانوا إلى جانب الضرائب العادية ~~والاستثنائية لم يتوانوا في اغتصاب أموال الذميين. # 1 # ومن الملاحظ أن الملكيين كانوا مميزين عن اليعاقبة؛ ذلك لأن الغرب تذكر الخدمات التي ~~أداها له هؤلاء الملكيون خلال الحروب الصليبية، ولما كانت العلاقات التجارية قد نمت وازدهرت ~~بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي، فقد استطاعت دول الغرب أن تضغط على البلاد الإسلامية ~~كلما كان الملكيون معرضين للاضطهاد، وكان من النادر ألا يأبهوا بهذه «الإنذارات». # أما اليعاقبة، فقد بقوا في عزلة عن سائر العالم، وكان يحدث بين حين وآخر أن يهدد ملوك ~~الحبشة مماليك مصر حتى يعود هؤلاء إلى شيء من التسامح، وقد خصصنا بابا لهذه التدخلات ~~الخارجية، ولنعد الآن إلى الأحداث الداخلية. # نجد أولا أن هناك أمرا له أهميته، ذلك أن السلطان «أيبك» وهو أول من تولى الحكم في دولة ~~المماليك البحرية، استوزر قبطيا اسمه شرف الدين أبو سعيد هبة الله ومنحه سلطة واسعة ~~للغاية، # 2 # ويحق لنا أن نعجب بعد ما أحدثته جيوش الفرنج من فوضى واضطراب في البلاد، وبعد ~~الاضطهادات التي تحملها النصارى من أجل ذلك، أن يفكر أصحاب السلطان في تعيين قبطي وزيرا ~~على مصر، غير أن المقريزي، الذي يروي لنا هذا الأمر، يضيف أن هذا الوزير أسرع في وضع ضرائب ~~جديدة أسماها «الحقوق السلطانية» فحصل للناس منها ما لا خير فيه. # 3 # وهكذا لما رأى السلطان أن خزائنه خالية من المال ، ولما أراد أن يزيد دخله وينظم مالية ~~البلاد، لم يتوان لحظة في طلب مساعدة أحد الفنيين في المسائل المالية، ولم يكن هذا الفني ~~إلا قبطيا. # غير أن بيبرس لجأ في سنة 663ه «1265م» إلى طرق عاجلة إذا صدقنا المؤرخ النصراني المفضل بن ~~أبي الفضائل # 4 # وقد كتب يقول: «لما قدم السلطان من الشام، أمر بالنصارى واليهود، فمسكوا عن ~~بكرة أبيهم وأوقدت لهم النار بالأحطاب في جورة كانت بالقلعة التي بناها دارا للملك السعيد ~~وأراد إحراقهم، فاشتراهم الحبيس بخمسمائة ألف ms126 دينار يقومون منها في كل سنة بخمسين ألف ~~دينار، وكان هذا الحبيس في مبتدأ أمره كاتبا في صناعة الإنشاء، ثم ترهب وانقطع في جبل ~~حلوان فيقال: إنه وجد في مغارة مالا كان للحاكم العبيدي، أحد الخلفاء المصريين، فلما حصل ~~له هذا المال وفد به الفقراء والصعاليك من سائر الأديان، فاتصل خبره بالسلطان الملك الظاهر ~~فأحضره وطلب منه المال، فقال له: إن طلب السلطان مني شيئا ادفعه من يدي فلا، ولكنه يصل ~~إليك من جهة من تصادره وهو لا يقدر على ما يطلب منه فإني أعطيه وأساعده على خلاص نفسه منك، ~~فلا تعجل، فلما كانت هذه الواقعة، ضمنهم من السلطان بذلك المال المقرر على النصارى، وكان ~~يدخل الحبوس ويطلق منها من كان عليه دين وهو عاجز عن وفائه، ثقيلا كان أو خفيفا، وكذلك ~~لما طلب من أهل الصعيد المقرر من أهل الذمة، سافر إليهم وأدى عنهم ما طلب منهم،وكذلك سافر ~~إلى الإسكندرية فرأى أهلها منه ما هالهم ... وقيل: أحصي ما وصل إلى بيت المال من جهته على ~~تلك الوجوه المقدم ذكرها في مدة سنتين فكان ستمائة ألف دينار مصرية خارجا عما كان يعطيه من ~~يده سرا للناس، وما خلص به من الحبوس.». # 5 # هذه هي الرواية المسيحية، وهي تدعو إلى الاعتقاد بأن بيبرس أراد الحصول على كنز الراهب ~~بتهديد النصارى، وتختلف رواية المقريزي بعض الشيء عن تلك التي قصها علينا المفضل، قال: «كان ~~قد كثر الحريق بالقاهرة ومصر في مدة سفر السلطان، وأشيع أن ذلك من النصارى، ونزل بالناس من ~~الحريق في كل مكان شدة عظيمة ووجد في بعض المواضع التي احترقت نفط وكبريت، فأمر السلطان ~~بجمع النصارى واليهود، وأنكر عليهم هذه الأمور التي تفسخ عهدهم وأمر بإحراقهم، فجمع منهم ~~عالما عظيما في القلعة، وأحضرت الأحطاب والحلفاء، وأمر بإلقائهم في النار، فلاذوا بعفوه ~~وسألوا المن عليهم، وتقدم الأمير فارس الدين أقطاي، أتابك العساكر، فشفع فيهم، على أن ~~يلتزموا بالأموال التي احترقت، وأن يحملوا إلى بيت المال خمسين ألف دينار، فأفرج عنهم ms127 ~~السلطان وتولى البطرك توزيع المال، والتزموا ألا يعودوا إلى شيء من المنكرات، ولا يخرجوا ~~عما هو مرتب على أهل الذمة، وأطلقوا.». # 6 # وفي عام 678، أقيل جميع النصارى الذين كانوا يعملون في ديوان الحرب وحل محلهم المسلمون، ~~وفي نفس اليوم الذي قامت السلطة بتنفيذ هذا القرار، هدم دير الخندق الكائن خارج القاهرة ~~بالقرب من باب الفتوح ولم يترك فيه حجرا على حجر، وقد اشترك جمع غفير في أعمال ~~التخريب. # وتدل الدلائل كلها على أن السلطان قلاوون وابنه الأشرف خليل أعادا النصارى إلى وظائفهم ~~بعد أن عزلهم منها، ويقول المقريزي: إن هؤلاء النصارى أصبحوا يعاملون المسلمين بأنفه، ~~وأرادوا أن يظهروا أهميتهم بارتداء الأزياء الثمينة، ويروى أن أحد النصارى، واسمه «عين ~~الغزال» صدف يوما في طريق مصر «سنة 682ه» سمسار شونة مخدومة، فنزل السمسار عن دابته وقبل ~~رجل الكاتب، فأخذ يسبه ويهدده على مال قد تأخر عليه من ثمن غلة الأمير وهو يترفق له ويعتذر، ~~فلا يزيده ذلك عليه إلا غلظة، وأمر غلامه فنزل وكتف السمسار ومضى به والناس تجتمع عليه ~~حتى صار إلى صليبة جامع أحمد بن طولون ومعه عالم كبير، وما منهم إلا من يسأله أن يخلي عن ~~السمسار وهو يمتنع عليهم، فتكاثروا عليه وألقوه عن حماره وأطلقوا السمسار، وكان قد قرب من ~~بيت أستاذه، فبعث غلامه لينجده بمن فيه، فأتاه بطائفة من غلمان الأمير وأدجاقيته فخلصوه من ~~الناس وشرعوا في القبض عليهم ليفتكوا بهم، فصاحوا عليهم ما يحل ومروا مسرعين إلى أن وقفوا ~~تحت القلعة واستغاثوا : نصر الله السلطان، فأرسل يكشف الخبر فعرفوه من كان من استطالة الكاتب ~~النصراني على السمسار وما جرى لهم، فطلب عين الغزال ورسم للعامة بإحضار النصارى إليه، وطلب ~~الأمير بدر الدين بيدرا النائب والأمير سنجر الشجاعي، وتقدم إليهما بإحضار جميع النصارى بين ~~يديه ليقتلهم، فما زالا به حتى استقر الحال على أن ينادي في القاهرة ومصر ألا يخدم أحد من ~~النصارى واليهود عند أمير، وأمر الأمراء بأجمعهم أن عرضوا على من عندهم من الكتاب ~~النصارى ms128 الإسلام، فمن امتنع من الإسلام ضربت عنقه ومن أسلم استخدموه عندهم، ورسم للنائب ~~بعرض جميع مباشري ديوان السلطان ويفعل فيهم ذلك فنزل الطلب لهم وقد اختفوا فصارت العامة ~~تسبق إلى بيوتهم وتنهبها حتى عم النهب بيوت النصارى واليهود بأجمعهم، وأخرجوا نساءهم ~~مسبيات وقتلوا جماعة بأيديهم، فقام الأمير بيدرا النائب مع السلطان في أمر العامة وتلطف به ~~حتى ركب والي القاهرة ونادى من نهب بيت نصراني شنق، وقبض على طائفة من العامة وشهرهم ~~بعدما ضربهم فانكفوا عن النهب بعدما نهبوا الكنيسة المعلقة بمصر وقتلوا منها جماعة، ثم جمع ~~النائب كثيرا من النصارى كتاب السلطان والأمراء واوقفهم بين يدي السلطان عن بعد منه، فرسم ~~للشجاعي وأمير جاندار أن يأخذا عدة معهما وينزلوا إلى سوق الخيل تحت القلعة، ويحفروا حفيرة ~~كبيرة ويلقوا فيها الكتاب الحاضرين ويضرموا عليهم الحطب نارا، فتقدم الأمير بيدرا وشفع ~~فيهم، فأبى أن يقبل شفاعته وقال: «لا أريد في دولتي ديوانا نصرانيا.» فلم يزل به حتى سمح ~~بأن من أسلم منهم يستقر في خدمته، ومن امتنع ضربت عنقه، فأسلموا. # 7 # ولم يرق في نظر المقريزي إسلامهم وقال: «صار الذليل منهم بإظهار الإسلام عزيزا يبدي من ~~إذلال المسلمين والتسلط عليهم بالظلم ما كان يمنعه نصرانيته من إظهاره.»، ولكن لم تمنع هذه ~~الاعتبارات القيمة المسلمين من استعمال القسوة في معاملتهم الذميين، وكانوا أيضا ينتقمون؛ ~~لأنفسهم من النصارى كلما غزا بعض قراصنة البحر الأوروبيين سواحلهم. # 8 # وفي شهر رجب من عام 700ه «1301م» حدثت مأساة في القاهرة غريبة في نوعها، ففي هذا التاريخ ~~وصل القاهرة وزير صاحب المغرب حاجا، «وبينما هو ذات يوم يسوق الخيل تحت القلعة؛ إذ هو ~~برجل راكب على فرس وعليه عمامة بيضاء وفرجية مصقولة وجماعة يمشون في ركابه وهم يسألونه ~~ويتضرعون إليه ويقبلون رجليه وهو معرض عنهم وينهرهم ويصيح بغلمانه أن يطردوهم عنه، فقال له ~~بعضهم: «يا مولاي الشيخ، بحياة ولدك النشو تنظر في حالنا»، فلم يزده ذلك إلا عتوا وحمقا، ~~فرق المغربي لهم وهم بمخاطبته في أمرهم، فقيل ms129 له: «وإنه مع ذلك نصراني»، فغضب لذلك وكاد ~~أن يبطش به، ثم كف عنه وطلع إلى القلعة.» ويستطرد المؤرخون قائلين: إن الوزير المغربي ~~«اجتمع بالملك الناصر محمد بن قلاوون ونائبه يومئذ الأمير سلار، فتحدث الأمير معه ومع ~~الأمير بيبرس الجاشنكير في أمر اليهود والنصارى، وأنهم عندهم في غاية الذلة والهوان، وأنهم ~~لا يمكن أحد منهم من ركوب الخيل ولا الاستخدام في الجهات الديوانية، وأنكر حال نصارى الديار ~~المصرية ويهودها بسبب لبسهم أفخر الملابس وركوبهم الخيل والبغال واستخدامهم من أجل المناصب ~~وتحكيمهم في رقاب المسلمين، وذكر أن عهد ذمتهم انقضى من سنة 600 الهجرية النبوية، # 9 # فأثر كلامه عند أهل الدولة ولا سيما الأمير بيبرس الجاشنكير، فأمر بجمع النصارى ~~واليهود، ورسم ألا يستخدم أحد منهم في الجهات السلطانية ولا عند الأمراء، وأن تغير عمائمهم ~~فيلبس النصارى العمائم الزرق وتشد في أوساطهم الزنانير، ويلبس اليهود العمائم الصفر والتزام ~~العهد العمري.». # 10 # ويذكر الرواة المسلمون أن كنائس القاهرة أقفلت مدة أيام، ويقول أبو الفضائل: إن هذه ~~الكنائس ظلت مغلقة لمدة قصيرة، وإن الأديرة الموجودة في الضواحي وغيرها لم تمس بسوء، فضلا ~~عن كنائس الأقاليم، # 11 # ولكن إذا انتقلنا إلى الإسكندرية، وجدنا أن حين وصول الأوامر إليها، بوشر في ~~هدم الكنائس ومنازل النصارى. # وفي عام 702ه «1303م» ألغى الملك محمد بن قلاوون والأمير بيبرس الجاشنكير عيد الشهيد، وقد ~~سبق التكلم عن هذا العيد في عهد الفاطميين، وها هو ذا ابن إياس يقدم لنا تفاصيل جديدة عنه، ~~في الثامن من شهر بشنس «15 مايو» من كل عام، كان الأقباط يخرجون من صندوق مودع في كنيسة ~~شبرى أصبع أحد الشهداء ويغطسونه في النيل، وكان النصارى يحتفلون في هذه المناسبة احتفالا ~~عظيما فيتوجهون من كل جهة لزيارة كنيسة شبرى، وكان يشترك في هذا الاحتفال عدد كبير من ~~الراقصين والراقصات، فكان يجتمع في هذا المكان خلق عظيم فيصرفون أموالا طائلة على الملاهي، ~~ويرتكبون أعمال السوء ويشربون الخمر حتى يسكروا، وكان يذهب عدد كبير من الناس ضحايا لأعمال ~~القتل ms130 والاغتيال؛ إذ لا يوجد هناك حاكم ولا شرطة لمنع هذه الجرائم. # وقد سبق القول: إن سكان القاهرة كانوا يشتركون في هذا العيد منذ أمد بعيد ويقال: إن في ~~أيام العيد الثلاثة كان يباع في شبرى من النبيذ ما يزيد عن ألف دينار «وكان اعتماد فلاحي ~~شبرى دائما في وفاء الخراج على ما يبيعونه من الخمر في عيد الشهيد، فعشق ذلك على أقباط مصر ~~كلهم، وكان منهم رجل يعرف بالتاج بن سعيد الدولة يعاني الكتابة، وهو يومئذ في خدمة الأمير ~~بيبرس، وقد احتوى على عقله واستولى على جميع أموره، كما هي عادة ملوك مصر وأمرائها من ~~الأتراك الانقياد لكتابهم من القبط، # 12 # وما زال الأقباط بالتاج إلى أن تحدث مع مخدومه الأمير بيبرس في ذلك وخيل له من ~~تلف مال الخراج إذا أبطل هذا العيد، فإن أكثر خراج شبرى إنما يحصل من ذلك. # ومن ذلك الوقت استمر هذا العيد منقطعا حتى سنة 738؛ إذ وقع فيها حادث غريب كان سببا في ~~إعادة الاحتفال بعيد الشهيد من جديد، ذلك «أن الأمير يلبغا اليحياوي والأمير ألطبغا ~~المارديني طلبا من السلطان أن يخرجا إلى الصيد ويغيبا مدة، فلم تطب نفسه بذلك لشدة غرامه ~~بهما، وتهتكه في محبتهما، وأراد صرفهما عن السفر فقال لهما: «نحن نعيد عمل عيد الشهيد فيكون ~~تفرجكما عليه أنزه من خروجكما إلى الصيد.». # ولكن في 755ه # 13 ~~«تحرك المسلمون على النصارى ... وهدمت كنيسة النصارى «بشبرى» وأخذ منها أصبع ~~الشهيد في صندوق، وأحضر إلى الملك الصالح وأحرق بين يديه في الميدان من قلعة الجبل، وذرى ~~رماده في البحر حتى يأخذه النصارى، فبطل عيد الشهيد من يومئذ.». # 14 # كان عام 720ه «1320م» خرابا على الأقباط، ولم يعرف ما حدث بالضبط ولكن، بمجرد إشارة، ~~اعتدى الشعب على الأقباط في جميع أنحاء البلاد مما يجعلنا نعتقد أن هذه الحركة قد دبرت منذ ~~أمد بعيد، ولم يدرك محمد بن قلاوون في بادئ الأمر خطورة هذه الحركة التي كانت تدبر في ~~الخفا، ولما طغت عليه، اضطر مرغما أن ms131 يساير الجماهير، ويقوم هو أيضا باضطهاد النصارى، ~~ويذكر المقريزي # 15 # هذه الاضطهادات بتفاصيلها، قال: «إن الملك الناصر محمد بن قلاوون، لما أنشأ ~~ميدان المهاري لقناطر السباع في سنة عشرين وسبعمائة، قصد بناء زريبة على النيل الأعظم بجوار ~~الجامع الطيبرسي، فأمر بنقل كوم تراب كان هناك وحفر ما تحته من الطين لأجل بناء الزريبة، ~~وأجرى الماء إلى مكان الحفر، فصار يعرف إلى اليوم بالبركة الناصرية، وكان الشروع في حفر هذه ~~البركة من آخر شهر ربيع الأول 721ه، فلما انتهى الحفر إلى جانب كنيسة الزهري، وكان بها كثير ~~من النصارى لا يزالون فيها وبجانبها أيضا عدة كنائس في الموضع الذي يعرف اليوم بحكر اقبغا، ~~أخذ الفعلة في الحفر حول كنيسة الزهري حتى بقيت قائمة في وسط الموضع، الذي عينه السلطان ~~ليحفر، وهو اليوم بركة الناصرية، وزاد الحفر حتى تعلقت الكنيسة، وكان القصد من ذلك أن تسقط ~~من غير قصد لخرابها، وصارت العامة من غلمان الأمراء العاملين في الحفر وغيرهم في كل وقت ~~يصرخون على الأمراء في طلب هدمها وهم يتغافلون عنهم إلى أن كان يوم الجمعة التاسع من شهر ~~ربيع الآخر من هذه السنة وقت اشتغال الناس بصلاة الجمعة والعمل من الحفر بطال، فتجمع عدة من ~~غوغاء العامة بغير مرسوم السلطان وقالوا بصوت عال مرتفع: «الله أكبر»، ووضعوا أيديهم ~~بالمساحي ونحوها في كنيسة الزهري وهدموها حتى بقيت كوما، وقتلوا من كان فيها من النصارى ~~وأخذوا جميع ما كان فيها، وهدموا كنيسة «بومينا» التي كانت بالحمراء، وكانت معظمة عند ~~النصارى من قديم الزمان، وبها عدد من النصارى قد انقطعوا فيها، ويحمل إليهم نصارى مصر سائر ~~ما يحتاج إليه الشعب ويبعث إليها بالنذور الجليلة والصدقات الكثيرة، فوجد فيها مال كثير ما ~~بين نقد ومصاغ وغيره، وتسلق العامة إلى أعلاها وفتحوا أبوابها وأخذوا منها مالا وقماشا ~~وجرار خمر فكان أمرا مهولا، ثم مضوا من كنيسة الحمراء بعدما هدموها إلى كنيستين بجوار ~~السبع سقايات، تعرف إحداهما بكنيسة البنات كان يسكنها بنات النصارى وعدد من الرهبان، فكسروا ms132 ~~أبواب الكنيستين وسبوا البنات وكن زيادة على ستين بنتا، وأخذوا ما عليهن من الثياب ~~ونهبوا سائر ما ظفروا به وحرقوا وهدموا تلك الكنائس كلها، هذا والناس في صلاة الجمعة، ~~فعندما خرج الناس من الجوامع شاهدوا هولا كبيرا من كثرة الغبار ودخان الحريق ومرج الناس ~~وشدة حركاتهم ومعهم ما نهبوه، فما شبه الناس الحال لهوله إلا بيوم القيامة، وانتشر الخبر ~~وطار إلى الرميلة تحت قلعة الجبل، فسمع السلطان ضجة عظيمة ورجة منكرة أفزعته، فبعث لكشف ~~الخبر، فلما بلغه ما وقع انزعج انزعاجا عظيما، وغضب من تجرأ العامة وإقدامهم على ذلك بغير ~~أمره، وأمر الأمير أيدغمش أمير آخور أن يركب بجماعة الأوشاقية ويتدارك هذا الخلل، ويقبض على ~~من فعله، فأخذ أيدغمش يتهيأ للركوب، وإذا بخبر قد ورد من القاهرة أن العامة ثارت في القاهرة ~~وخربت كنيسة بحارة الروم وكنيسة بحارة زويلة، وجاء الخبر من مدينة مصر أيضا بأن العامة ~~قامت بمصر في جمع كثير جدا وزحفت إلى كنيسة المعلقة بقصر الشمع، فأغلقها النصارى وهم ~~محصورون بها وهي على أن تؤخذ، فتزايد غضب السلطان وهم أن يركب بنفسه ويبطش بالعامة، ثم ~~تأخر لما راجعه الأمير أيدغمش ونزل من القلعة في أربعة من الأمراء إلى مصر، وركب الأمير ~~بيبرس الحاجب والأمير ألماس الحاجب إلى موضع الحفر، وركب الأمير طينال إلى القاهرة، وكل ~~منهم في عدة وافرة، وقد أمر السلطان بقتل من قدروا عليه من العامة بحيث لا يعفو عن أحد، ~~فقامت القاهرة ومصر على ساق وفرت النهابة فلم يظفر الأمراء منهم إلا بمن عجز عن الحركة بما ~~غلبه من السكر بالخمر الذي نهبه من الكنائس، ولحق الأمير أيدغمش بمصر وقد ركب الوالي إلى ~~المعلقة قبل وصوله ليخرج من زقاق المعلقة من حضر للنهب فأخذه الرجم حتى مر منهم، ولم يبق ~~إلا أن يحرق باب الكنيسة، فجرد أيدغمش ومن معه السيوف يريدون الفتك بالعامة فوجدوا عالما ~~لا يقع عليه حصر، وخاف سوء العاقبة فأمسك عن القتل وأمر أصحابه، بإرجاف العامة من غير إراقة ~~دم، ونادى ms133 مناديه من وقف حل دمه، ففر سائر من اجتمع من العامة وتفرقوا، وصار أيدغمش ~~واقفا إلى أن أذن العصر خوفا من عود العامة، ثم مضى وألزم والي مصر أن يبيت بأعوانه هناك ~~وترك معه خمسين من الأوشاقية، وأما الأمير ألماس، فإنه وصل إلى كنائس الحمراء وكنائس الزهري ~~ليتداركها، فإذا بها قد بقيت كيمانا ليس بها جدار قائم، فعاد وعاد الأمراء فردوا الخبر على ~~السلطان وهو لا يزداد إلا حنقا، فما زالوا به حتى سكن غضبه. # وكان الأمر في هدم هذه الكنائس عجبا من العجب وهو أن الناس لما كانوا في صلاة الجمعة من ~~هذا اليوم بجامع قلعة الجبل، فعندما فرغوا من الصلاة قام رجل موله وهو يصيح من وسط الجامع: ~~«اهدموا الكنيسة التي في القلعة، اهدموها.»، وأكثر من الصياح المزعج حتى خرج عن الحد ثم ~~اضطرب، فتعجب السلطان والأمراء من قوله ورسم لنقيب الجيوش والحاجب بالفحص عن ذلك، فمضيا من ~~الجامع إلى خرائب التتر من القلعة، فإذا فيها كنيسة قد بنيت فهدموها، ولم يفرغوا من هدمها ~~حتى وصل الخبر بواقعة كنائس الحمراء والقاهرة، فكثر تعجب السلطان من شأن ذلك الفقير وطلب، ~~فلم يوقف له على خبر، واتفق أيضا بالجامع الأزهر أن الناس لما اجتمعوا في هذا اليوم لصلاة ~~الجمعة، أخذ شخصا من الفقراء مثل الرعدة، ثم قام بعد ما أذن قبل أن يخرج الخطيب وقال: ~~«اهدموا كنائس الطغيان والكفرة، نعم الله أكبر وفتح لله ونصر.» وصار يزعج نفسه ويصرخ من ~~الأساس إلى الأساس، فحدق الناس بالنظر إليه ولم يدروا ما خبره وافترقوا في أمره، فقائل: هذا ~~مجنون، وقائل: هذه إشارة لشيء، فلما خرج الخطيب، أمسك عن الصياح وطلب بعد انقضاء الصلاة، ~~فلم يوجد، وخرج الناس إلى باب الجامع فرأوا النهابة ومعهم أخشاب الكنائس وثياب النصارى وغير ~~ذلك من النهوب، فسألوا عن الخبر فقيل: قد نادى السلطان بخرائب الكنائس، فظن الناس الأمر كما ~~قيل حتى تبين بعد قليل أن هذا الأمر إنما كان من غير أمر السلطان، وكان الذي هدم في ms134 هذا ~~اليوم من الكنائس بالقاهرة كنيسة بحارة الروم وكنيسة بالبندقانيين وكنيستين بحارة ~~زويلة. # وفي يوم الأحد الثالث من يوم الجمعة الكائن فيه هدم كنائس القاهرة ومصر ورد الخبر من ~~الأمير بدر الدين بيلبك المحسني والي الإسكندرية بأنه لما كان يوم الجمعة تاسع ربيع الآخر ~~بعد صلاة الجمعة، وقع في الناس هرج وخرجوا من الجامع وقد وقع الصياح «هدمت الكنائس»، فركب ~~المملوك من فوره، فوجد الكنائس قد صارت كوما وعدتها أربع كنائس، وأن بطاقة وقعت من والي ~~البحيرة بأن كنيستين في مدينة دمنهور هدمتا والناس في صلاة الجمعة من هذا اليوم، فكثر ~~التعجب من ذلك إلى أن ورد في يوم الجمعة سادس عشر الخبر من مدينة قوص بأن الناس عندما فرغوا ~~من صلاة الجمعة في اليوم التاسع من شهر ربيع الآخر قام رجل من الفقراء وقال: «يا فقراء، ~~أخرجوا إلى هدم الكنائس.»، وخرج في جمع من الناس فوجدوا الهدم قد وقع في الكنائس، فهدمت ست ~~كنائس كانت بقوص وما حولها في ساعة واحدة، وتواتر الخبر من الوجه القبلي والوجه البحري ~~بكثرة ما هدم في هذا اليوم وقت صلاة الجمعة وما بعدها من الكنائس والأديرة في جميع إقليم ~~مصر كله، ما بين قوص والإسكندرية ودمياط، فاشتد حنق السلطان على العامة، خوفا من فساد ~~الحال، وأخذ الأمراء في تسكين غضبه وقالوا: «هذا الأمر ليس من قدرة البشر فعله، ولو أراد ~~السلطان وقوع ذلك على هذه الصورة لما قدر عليه وما هذا إلا بأمر الله سبحانه وبقدره لما علم ~~من كثرة فساد النصارى وزيادة طغيانهم ليكون ما وقع نقمة وعذابا لهم.»، هذا والعامة ~~بالقاهرة ومصر قد اشتد خوفهم من السلطان لما كان يبلغهم عنه من التهديد لهم بالقتل، ففر ~~عدد من الأوباش والغوغاء، وأخذ القاضي فخر الدين ناظر الجيش في ترجيع السلطان عن الفتك ~~بالعامة وأخذ كريم الدين الكبير، ناظر الخاص، يغريه بهم إلى أن أخرجه السلطان إلى ~~الإسكندرية بسبب تحصيل المال وكشف الكنائس التي خربت بها، فلم يمض سوي شهر من يوم هدم ms135 ~~الكنائس، حتى وقع الحريق بالقاهرة ومصر في عدة مواضع وحصل فيه من الشناعة أضعاف ما كان من ~~هدم الكنائس، فوقع الحريق في ربع بخط الشوابيين من القاهرة في يوم السبت عاشر جمادى الأولى، ~~وسرت النار إلى ما حوله واستمرت إلى آخر يوم الأحد، فتلف في هذا الحريق شيء كثير، وعندما ~~أضفئ، وقع الحريق بحارة الديلم في زقاق العريسة بالقرب من دور كريم الدين ناظر الخاص ... وبلغ ~~ذلك السلطان فانزعج انزعاجا عظيما لما كان هناك من الحواصل السلطانية وسير طائفة من ~~الأمراء لإطفائه، فجمعوا الناس لإ طفائه وتكاثروا عليه، وقد عظم الخطب من ليلة الاثنين إلى ~~ليلة الثلاثاء، فتزايد الحال في اشتعال النار وعجز الأمراء والناس على إطفائها لكثرة ~~انتشارها في الأماكن وقوة الريح التي ألقت بإسقاف النخل وغرقت المراكب فلم يشك الناس في ~~حريق القاهرة كلها، وصعدوا المآذن وبرز الفقراء وأهل الخير والصلاح وضجوا بالتكبير والدعاء ~~وجاءوا، وكثر صراخ الناس وبكاؤهم وصعد السلطان إلى أعلى القصر فلم يتمالك الوقوف من شدة ~~الريح ... فما هو إلا أن كمل إطفاء الحريق ونقل الحواصل وإذا بالحريق قد وقع في ربع الظاهر ~~خارج باب زويلة، وكان يشتمل على مائة وعشرين بيتا، وهب مع الحريق ريح قوية فركب الحاجب ~~والوالي لإطفائه، وهدموا عدة دور من حوله حتى انطفأ فوقع في ثاني يوم حريق بدار الأمير سلار ~~في خط بين القصرين وحريق بحارة الروم وعدة مواضع حتى أنه لم يخل يوم من وقوع الحريق في ~~موضع، فتنبه الناس لما نزل بهم وظنوا أنه من أفعال النصارى، وذلك أن النار كانت ترى في ~~منابر الجوامع وحيطان المساجد والمدارس فاستعدوا للحريق وتتبعوا الأحوال حتى وجدوا هذا ~~الحريق من نفط قد لف عليه خرق مبلولة بزيت وقطران. # فلما كان ليلة الجمعة النصف من جمادى، قبض على راهبين عندما خرجا من المدرسة الكهارية ~~بعد العشاء الآخرة، فكان وقد اشتعلت النار في المدرسة ورائحة الكبريت في أيديهما، فحملا إلى ~~الأمير علم الدين الخازن، والي القاهرة، فأعلم السلطان بذلك، فأمر بعقوبتهما، فما ms136 هو إلا أن ~~نزل من القلعة وإذا بالعامة قد أمسكوا نصرانيا وجد في جامع الظاهر ومعه خرق على هيئة ~~الكعكة في داخلها قطران ونفط، وقد ألقى منها واحدة بجانب المنبر وما زال واقفا إلى أن خرج ~~الدخان، فمشى يريد الخروج من الجامع، وكان قد فطن به شخص وتأمله من حيث لم يشعر به ~~النصراني، فقبض عليه وتكاثر الناس، فجروه إلى بيت الوالي وهو بهيئة المسلمين، فعوقب عند ~~الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، فاعترف بأن جماعة من النصارى قد اجتمعوا على عمل نفط ~~وتفريقه مع جماعة من أتباعهم، وأنه ممن أعطي ذلك وأمر بوضعه عند منبر جامع الظاهر، ثم أمر ~~بالراهبين فعوقبا فاعترفا أنهما من سكان دير البغل، وأنهما هما اللذان أحرقا المواضع التي ~~تقدم ذكرها بالقاهرة غيرة وحنقا من المسلمين لما كان من هدمهم للكنائس، وأن طائفة النصارى ~~تجمعوا وأخرجوا من بينهم مالا جزيلا لعمل هذا النفط. # واتفق وصول كريم الدين ناظر الخاص من الإسكندرية، فعرفه السلطان ما وقع من القبض على ~~النصارى، فقال: «النصارى لهم بطريرك يرجعون إليه ويعرف أحوالهم»، فرسم السلطان بطلب ~~البطريرك عند كريم الدين ليتحدث معه في أمر الحريق وما ذكره النصارى من قيامهم في ذلك، فجاء ~~في حماية والي القاهرة في الليل خوفا من العامة، فلما أن دخل بيت كريم الدين بحارة الديلم ~~وأحضر إليه الثلاثة النصارى من عند الوالي، قالوا لكريم الدين بحضرة الوالي والبطرك جميع ما ~~اعترفوا به قبل ذلك، فبكى البطرك عندما سمع كلامهم وقال: «هؤلاء سفهاء النصارى قصدوا مقابلة ~~سفهاء المسلمين على تخريبهم الكنائس»، وانصرف من عند كريم الدين مبجلا مكرما فوجد كريم ~~الدين قد أقام له بغلة على بابه ليركبها فركبها وسار، فعظم ذلك على الناس وقاموا عليه يدا ~~واحدة، فلولا أن الوالي كان يسايره وإلا هلك، وأصبح كريم الدين يريد الركوب إلى القلعة على ~~العادة، فلما خرج إلى الشارع صاحت به العامة: «ما يحل لك يا قاضي تحامي للنصارى وقد أحرقوا ~~بيوت المسلمين وتركبهم بعد هذا البغال»، فشق عليه ms137 ما سمع وعظمت نكايته واجتمع بالسلطان، ~~فأخذ يهون أمر النصارى الممسوكين ويذكر أنهم سفهاء وجهال، فرسم السلطان للوالي بتشديد ~~عقوبتهم، فنزل وعاقبهم عقوبة مؤلمة فاعترفوا بأن أربعة عشر راهبا بدير البغل قد تحالفوا ~~على إحراق ديار المسلمين كلها وفيهم راهب يصنع النفط، وأنهم اقتسموا القاهرة ومصر فجعلوا ~~للقاهرة ثمانية ولمصر ستة، فكبس دير البغل وقبض على من فيه وأحرق من جماعته أربعة بشارع ~~صليبة جامع ابن طولون في يوم الجمعة، وقد اجتمع لمشاهدتهم عالم عظيم، فضرى من حينئذ جمهور ~~الناس على النصارى وفتكوا بهم وصاروا يسلبون ما عليهم من الثياب حتى فحش الأمر وتجاوزوا ~~فيهم المقدار، فغضب السلطان من ذلك وهم أن يوقع بالعامة واتفق أنه ركب من القلعة يريد ~~الميدان الكبير في يوم السبت، فرأى من الناس أمما عظيمة قد ملأت الطرقات وهم يصيحون: «نصر ~~الله الإسلام، أنصر دين محمد بن عبد الله.». ~~... واتفق مع هذا مرور كريم الدين، وقد لبس التشريف من الميدان، فرجمه من هناك رجما ~~متتابعا وصاحوا به: «كم تحامي النصارى، وتشد معهم.» ولعنوه وسبوه، فلم يجد بدا من العود ~~إلى السلطان وهو بالميدان، وقد اشتد ضجيج العامة وصياحهم حتى سمعهم السلطان، فلما دخل عليه ~~وأعلمه الخبر، امتلأ غضبا واستشار الأمراء، وقال للأمير ألماس الحاجب: «امض ومعك أربعة من ~~الأمراء وضع السيف في العامة في حين تخرج من باب الميدان إلى أن تصل إلى باب زويلة، واضرب ~~فيهم بالسيف من باب زويلة إلى باب النصر بحيث لا ترفع السيف عن أحد البتة.»، وقال لوالي ~~القاهرة: «اركب إلى باب اللوق وإلى باب البحر ولا تدع أحدا حتى تقبض عليه وتطلع به إلى ~~القلعة، وحتى لم تحضر الذين رجموا وكيلي يعني كريم الدين، وإلا وحياة رأسي شنقتك عوضا ~~عنهم.»، فما غربت الشمس حتى أحضر ممن أمسك من العامة نحو مائتي رجل، فعزل منهم طائفة أمر ~~بشنقهم وجماعة رسم بتوسيطهم وجمع رسم بقطع أيديهم، فصاحوا بأجمعهم: «يا خولد ما يحل لك ما ~~نحن الذين رجمنا.» ... وما زالوا بالسلطان إلى ms138 أن قال للوالي: «أعزل منهم جماعة وأنصب الخشب ~~من باب زويلة إلى تحت القلعة بسوق الخيل وعلق هؤلاء بأيديهم.»، فلما أصبح يوم الأحد، علق ~~الجميع من باب زويلة إلى سوق الخيل، وجلس السلطان في الشباك، وقد أحضر بين يديه جماعة ممن ~~قبض عليهم الوالي، فقطع أيدي وأرجل ثلاثة منهم، والأمراء لا يقدرون على الكلام معه في أمرهم ~~لشدة حنقه، فتقدم كريم الدين وكشف رأسه وقبل الأرض وهو يسأل العفو، فقبل سؤاله. # وعندما قام السلطان من الشباك، وقع الصوت بالحريق في جهة جامع ابن طولون وفي قلعة الجبل ~~وفي بيت الأمير ركن الدين الأحمدي، وفي صبيحة يوم هذا الحريق قبض على ثلاثة من النصارى وجد ~~معهم فتائل النفط، فأحضروا إلى السلطان واعترفوا بأن الحريق كان منهم فلما ركب السلطان إلى ~~الميدان على عادته، وجد نحو عشرين ألف نفس من العامة قد صبغوا خرقا بلون أزرق وعملوا فيها ~~صلبانا بيضاء، وعندما رأوا السلطان صاحوا بصوت عام واحد: «لا دين إلا دين الإسلام، نصر ~~الله دين محمد بن عبد الله، يا ملك الناصر يا سلطان الإسلام انصرنا على أهل الكفر ولا تنصر ~~النصارى.»، فارتجت الدنيا من هول أصواتهم وأوقع الله الرعب في قلب السلطان وقلوب الأمراء، ~~وسار وهو في فكر زائد حتى نزل بالميدان وصراخ العامة لا يبطل، فرأى أن الرأي في استعمال ~~المداراة، وأمر الحاجب أن يخرج وينادي بين يديه من وجد نصرانيا فله ماله ودمه ... فخرج ~~ونادى بذلك، فصاحب العامة وصرخت: «نصرك الله.»، وضجوا بالدعاء، وكان النصارى يلبسون العمائم ~~البيض، فنودي في القاهرة ومصر من وجد نصرانيا بعمامة بيضاء، حل له دمه وماله، ومن وجد ~~نصرانيا راكبا، حل له دمه وماله، ومنع الأمراء من استخدام النصارى وأخرجوا من ديوان ~~السلطان، وكتب لسائر الأعمال بصرف جميع المباشرين من النصارى، وكثر إيقاع المسلمين بالنصارى ~~حتى تركوا السعي في الطرقات وأسلم منهم جماعة كثيرة، وكان اليهود قد سكت عنهم في هذه المدة، ~~فكان النصراني إذا أراد أن يخرج من منزله يستعير عمامة صفراء من ms139 أحد من اليهود ويلبسها حتى ~~يسلم من العامة. # وأخيرا نودي في الناس بالأمان وأنهم يتفرجون على عادتهم عند ركوب السلطان إلى الميدان؛ ~~وذلك أنهم كانوا قد تخوفوا على أنفسهم لكثرة ما أوقعوا بالنصارى وزادوا في الخروج عند الحد، ~~فاطمأنوا وخرجوا على العادة إلى جهة الميدان ودعوا للسلطان وصاروا يقولون: نصرك الله يا ~~سلطان الأرض، اصطلحنا، اصطلحنا، وأعجب السلطان ذلك وتبسم من قولهم. # ويحصي المقريزي بعد ذلك الخسائر التي سببتها هذه الكارثة فيقول: إن عدد الكنائس التي خربت ~~بمصر أربع وخمسون كنيسة فضلا عن عدة أديرة هدمت عن آخرها، وقتل عدد كبير من الناس وحدثت ~~خسائر لا تحصى في الأموال. # نستخلص من هذه الحوادث بعض الاستنتاجات، فلسنا نعد في حاجة إلى الإشارة إلى موقف السلطان ~~محمد بن قلاوون، فقد كان يعطف على النصارى ويرغب في حمايتهم، ولكنه اضطر أخيرا إلى مسايرة ~~الجماهير الخانقة، ولسنا في حاجة أيضا إلى الإشادة إلى حكمة أولياء الأمور وكره الأعيان من ~~المسلمين والأقباط لأعمال العنف. # ولا شك أن هذه الحركة قد دبرتها في الخفاء جمعيات لها صبغة دينية؛ لأنها كانت حانقة على ~~استمرار نفوذ النصارى في البلاد، ومن ناحية أخرى، فإن الأعمال الانتقامية التي قام بها ~~الأقباط قد دبرتها سرا رءوس جامحة كانت تعتقد أنها بعملها هذا قد تستطيع أن تقنع الأغلبية ~~بالعودة إلى اعتدالهم في معاملتهم، ولكن استنكار البطريرك للأعمال الإرهابية كان دليلا على ~~أن هذه الأعمال غير مرغوبة لدى الأقباط عامة، وعلى أي حال، فإن تدخل السلطات أنقذت الأقباط ~~مرة أخرى من استفحال الكارثة. # وفي عام 728 «رفع النصارى قصة للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون يسألون الإذن في إعادة ~~ما تهدم منها «أي: كنيسة الست بربارة»، فأذن لهم في ذلك، فعمروها أحسن ما كانت، فغضبت طائفة ~~من المسلمين ورفعوا قصة للسلطان بأن النصارى أحدثوا بجانب هذه الكنيسة بناء لم يكن فيها، ~~فرسم للأمير علم الدين سنجر الخازن، والي القاهرة، بهدم ما جددوه، فركب وقد اجتمع الخلائق ~~فبادروا وهدموا الكنيسة كلها في أسرع وقت، ms140 وأقاموا في موضعها محرابا أذنوا وصلوا وقرءوا ~~القرآن، كل ذلك بأيديهم، فلم تمكن معارضتهم خشية الفتنة، فاشتد الأمر على النصارى وشكوا ~~أمرهم للقاضي كريم الدين، ناظر الخاص، فقام وقعد غضبا لدين أسلافه وما زال بالسلطان حتى ~~رسم بهدم المحراب، فهدم وصار موضعه كوم تراب ومضى الحال على ذلك.». # 16 # وبعد سنين، اتهم أحد النصارى أنه حفيد رجل كان قد اعتنق الإسلام، فحكم القاضي على هذا ~~النصراني بأن يدخل الإسلام، وألقاه في السجن ليجبره على ذلك ... فذهب النصارى جميعا لمقابلة ~~الحاكم وتمكنوا من إطلاق سراح الرجل في حلكة الليل، وفي اليوم التالي توجهت الجماهير إلى ~~منزل القاضي ... وكان الحاكم قد استدعاه ولامه لوما شديدا على ما اتخذه من إجراء غير أن ~~الجماهير أيدت صراحة موقف القاضي، وأغلقت الحوانيت وأخذت تقذف الحاكم بالحجارة فاضطر إلى ~~مغادرة المدينة، ثم توجهت الجماهير نحو الكنيسة التي بجوار هذه المنطقة فخربتها وأحرقت ~~الصلبان والصور التي بها، ونبشت القبور وأخرجت الجثث وألقتها في النيران، وبعد ذلك قررت ~~مهاجمة النصارى القاطنين في تلك المقاطعة، وفي هذا الأثناء، شكا الحاكم للقاضي من هذه ~~الإجراءات العنيفة التي اتخذت ضد النصارى؛ إذ أشاعت الفوضى في البلاد وسببت للسلطان خسارة ~~في فرع من فروع دخله يبلغ خمسمائة ألف درهم. # 17 # وفي سنة 755ه «1354م»، «رفعت قوائم إلى الأمير صرغتمش من ديوان الأحباش فيها عدة حصص ~~جارية على منافع الكنائس والديور، فكان قدر تلك الحصص خمسة وعشرين ألف فدان بيد النصارى، ~~فلما سمع الأمير صرغتمش بذلك، حنق وطلع إلى القلعة وشاور السلطان على ذلك، فرسم السلطان بأن ~~يخرج ذلك من يد النصارى، وكتب بذلك مربعات وأنعم بها على الأمراء زيادة على إقطاعاتهم ... ثم ~~إن السلطان رسم بهدم الكنائس والديور.». # 18 # وهنا نتساءل، ما الحوادث التي أدت إلى اتخاذ هذه الإجراءات التعسفية ضد النصارى؟ لا يذكر ~~لنا التاريخ عنها شيئا، ويحتمل أن تكون الخزانة العامة في حاجة إلى المال، ويحتمل أيضا أن ~~السلطان أراد بذلك تهدئة خواطر المسلمين ومنع قيام حركة ثورية أخرى. # ويبدو ms141 أن عيل صبر النصارى من هذه الحال، فطرحوا جمودهم جانبا، وهبوا يحاولون النيل من ~~ممتلكات المسلمين وحرق مساجدهم على الأخص معرضين بذلك أنفسهم للاستشهاد، ويذكر لنا المقريزي ~~حالات بعض الذين وصل بهم اليأس إلى هذا الحد، ففي عام 754ه «1353م» وقع حادث فردي مؤداه أن ~~نصرانيا من مواليد مدينة الطور وكاتب في أحد الدواوين قصد القاهرة ووقف يخطب ضد الديانة ~~الإسلامية، فلما قدم للتحقيق قال للقاضي: «إن هدفي الحصول على شرف الاستشهاد.»، وفي عام ~~791ه قدم القاهرة جماعة من الرجال والسيدات وأعلنوا على الملأ خروجهم عن الإسلام وعزمهم على ~~العودة إلى حظيرة المسيحية، وقالوا: «لقد جئنا هنا لكي نغتفر الخطايا التي اقترفناها، فنقدم ~~حياتنا على مذبح التضحية لننال نعم سيدنا المسيح.»، فقطعت رءوسهم جميعا، وفي عام 795ه ~~«1392م» قام في القدس أربعة من الرهبان وتحدوا علانية فقهاء الإسلام وتكلموا عن الإسلام ~~بأسلوب ملؤه الاحتقار، فحكم عليهم بالحرق أحياء. # 19 # غير أن هذه الحوادث التي تدل على استياء النصارى لم تتعدد، ولم يكن لها تأثير على ~~الشعب. # وفي عام 787ه «1385م» «رسم السلطان الملك الظاهر برقوق بإبطال ما كان يعمل في يوم ~~النيروز، وأرسل الحجاب مع جماعة من المماليك السلطانية ووالي الشرطة، فطافوا في أماكن ~~المتفرجات وفي الطرقات، فمن وجدوه يفعل ذلك يضربونه بالمقارع، وصاروا يقطعون أيدي جماعة ممن ~~كان يفعل ذلك، وقاموا في ذلك قياما عظيما حتى بطل ذلك من القاهرة وأشهروا النداء بمن يفعل ~~ذلك بالشنق، فانكف الناس من يومئذ عن ذلك.». # 20 # وفي عام 803ه «1400م»، هدم الأمير يلبغا السالمي كنيسة للنصارى بجوار شبرا الخيمة، وحطم ~~أكثر من أربعين ألف جرة نبيذ، وكان عازما على اضطهاد النصارى، ولكن حال سائر الأمراء بينه ~~وبين تنفيذ أغراضه. # 21 # وفي عام 818ه «1415م»، أراد الأمير سيف الدين أن يفرض غرامة على النصارى، ولكن السلطات ~~عارضت في ذلك، فما كان منه إلا أن توجه مغضبا إلى الحي الذي كان يباع فيه النبيذ، وأمر ~~بإهراق عدة آلاف جرة منه، وأخذ من النصارى عنوة ms142 بعض المال. # 22 # وفي عام 822ه «1419م»، أرغم النصارى واليهود على زم أكمامهم وتقصير عمائمهم بحيث لا ~~تتجاوز سبعة أذرع طولا، وطلب إليهم أيضا أن يعلقوا جرسا صغيرا في عنقهم عند دخولهم ~~الحمام، وأمرت نساءهم بارتداء فساتين صفراء، وفي نفس السنة، أخذ على النصارى عدم مبالاتهم ~~بالقوانين الجديدة الخاصة بأزيائهم، وبعد نقاش طويل تقرر طردهم من الدواوين، وقد ألقي في ~~السجن كاتم أسرار الوزير النصراني أبو الفضائل، ثم جلد بالسياط وطيف به شوارع القاهرة ~~يتبعه محتسب يصيح بأعلى صوته: «هكذا نعامل النصارى الذين يشتغلون وظيفة في دواوين ~~السلطان.»، فلم يجرؤ أحد من النصارى بعد ذلك على شغل أية وظيفة رسمية. # 23 # ومنع النصارى فيما منعوا من ركوب البغال في مدينة القاهرة، أما في خارجها فقد صرح لهم ~~بركوبها ولكن على طريقة النساء، مما اضطر بعضهم إلى اعتناق الإسلام هربا من هذا الإذلال، ~~فانتقلوا من جحيم الذلة إلى نعيم الإجلال والإكرام، وقد امتطوا الجياد بدل البغال، وأخذوا ~~ينظرون إلى المسلمين شزرا وينعمون برؤيتهم وهم يعملون على كسب رضائهم بالخضوع لهم والتشفع ~~عندهم. # 24 # وفي عام 846ه «1442م» «حصل على النصارى واليهود من الذل والخزي والإهانة والتغريم ما يفوق ~~الوصف.» # 25 # بسبب الترميمات التي قام بها الملكيون سرا في كنيستهم، ورسم السلطان بعقد ~~مجلس بحضرته بالقضاة الأربعة وغيرهم من مشايخ الإسلام وأركان الدولة من المباشرين وغيرهم، ~~وأحضرهم مؤنس بطريرك النصارى اليعاقبة، وفليوثاؤس بطريرك النصارى الملكيين، وعبد اللطيف، من ~~طائفة اليهود الربائيين، وفرج الله، أحد مشايخ اليهود القرائيين، وإبراهيم، كبير طائفة ~~اليهود السامرة وسئلوا عن العهد المكتتب على أسلافهم، فلم يعرفوه، ودار الكلام في المجلس ~~فيما يؤمرون إلى أن اقتضت الآراء السعيدة تجديد العهد عليهم على وفق المنقول عن أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب. # وفي سنتي 849 و850ه، هدمت بضع كنائس وأرسلت أنقاضها إلى السلطات المختصة، ويذكر السخاوي ~~أنه لم يبق في عام 852ه كنيسة واحدة لم يلحق بها ضرر. # لقد ذكرنا الأحداث البارزة التي وقعت في هذا العصر، وهي تظهر لنا إلى ms143 أي حد وصل انحلال ~~الأمة القبطية، وكيف عمل المسلمون على ضعف النفوذ القبطي في البلاد، ومن جهة أخرى، نشاهد ~~شدة حرج السلاطين؛ إذ إنهم أبقوا على الدجاجة ذات البيض الذهبي «وفي الحقيقة كان إنتاج هذه ~~الدجاجة ضعيفا جدا» ولم يستغنوا عن خدمات الأقباط، فعملوا على الحد من غضب الجماهير قدر ~~المستطاع. # | هوامش # الفصل التاسع # | القبطي في خدمة البكوات المماليك # حالته قبيل الحملة الفرنسية # دخل السلطان سليم الأول مصر عام 923ه (1517م) بعد أن تغلب على قوات طومان باي، ويصف ابن ~~إياس هذا الفتح وصفا شائقا ومفصلا، ولكنه لم يذكر الأقباط في هذه المناسبة إلا مرة واحدة ~~في مجرى حديثه عن انتقال بعض الصناع، الذين انتقاهم السلطان للسفر إلى الآستانة، ويقول ابن ~~إياس: إن الفاتح أخذ جماعة من طائفة اليهود والسامرية والنصارى ويذكر لنا أسماءهم، ومن ~~بينهم شيخ الملكيين الإسكندري. # 1 # وبعد مضي أربع سنوات يروي لنا المصدر نفسه حادثا يبرهن على أن العدالة في مصر لم تفقد ~~سيرها العادي تحت الحكم العثماني، ذلك أنه لما انتصر السلطان سليم على الإفرنج ووردت ~~البشائر بذلك، أقيمت معالم الزينة في القاهرة سبعة أيام متوالية، وحدث أن «أتى إلى بيت ~~القاضي بشر ثلاثة مباشرين من النصارى ليتفرجوا على الزينة، فسكروا هناك سكرا فاحشا ~~وتجاهروا بالمعاصي حتى خرجوا عن الحد، فأرسل القاضي بشر ينهاهم عن ذلك فما سمعوا له كلاما ~~وتزايد منهم الحال، فجاء بنفسه وأغلظ عليهم في القول وسبهم فسبوه وأفحشوا في السب له وسبوا ~~دين الإسلام على ما قيل، فأرسل القاضي بشر من قبض عليهم وتوجه بهم إلى المدرسة الصالحية ~~وحضر قضاة القضاة الأربعة، وكان ذلك اليوم يوم الجمعة قبل الصلاة، فلما حضر قاضي المالكي ~~محي الدين الدميري، قامت عنده البينة بما وقع من النصارى في حق القاضي بشر الحنفي، فتوقف ~~القاضي المالكي في قتل النصارى، ثم قال: «يجب عليهم الحد والتعذير ، فإنهم كانوا سكارى.» ~~وكذلك قال بقية القضاة، فلما سمع القاضي بشر بذلك ... كبر على القضاة وأغلظ في القول على قاضي ~~القضاة ms144 المالكي واجتمع بالمدرسة الصالحية الجم الكثير من العوام، فهموا بأن يرجموا القضاة ~~في ذلك اليوم ... ثم إن بعض الانكشارية قبض على النصارى وأخرجهم من المدرسة الصالحية فلما ~~خرجوا بهم، قطعوهم بالأطبار قطعا قطعا ... فلما قطعت النصارى اجتمع السواد الأعظم من العوام ~~بباب المدرسة الصالحية وأخذوا رمم النصارى وأطلقوا فيها النار، وأخذوا السقائف التي تقع على ~~الدكاكين ووضعوها عليهم وأشعلوها بالنار، فاحترقوا وصاروا كالرماد.». # 2 # وينقل إلينا ابن إياس حادثا مماثلا وقع عام 928ه «1521م» يبرهن على أن المباشرين ~~الأقباط لم يزالوا وقتئذ يتمتعون بنفوذ عظم، يمكنهم إذا ما دعت الضرورة أن يدافعوا عن مصالح ~~أبناء دينهم، فقد حدث «أن جماعة من النصارى كانوا يسكرون في بيت عند جامع المقس، فلما قوي ~~عليهم السكر، تزايد منهم الضجيج والتجاهر بالسكر، وكان في جامع المقس ابن الشيخ محمد بن ~~عنان مقيما به، فثقل عليه أمرهم، فأرسل إليهم من ينهاهم عن ذلك، فأغلظ عليهم في القول وقال ~~لهم: «أما تستحيون من الشيخ ابن عنان؟» فسبوا الشيخ ابن عنان سبا قبيحا، فطلع الشيخ ~~إلى ملك الأمراء وشكا له من النصارى، فأمر ملك الأمراء بالقبض على النصارى، فهربوا وقبضوا ~~على واحد منهم، فرسم ملك الأمراء بحرقه، فلما رأى النصرانى عين الجد، أسلم خوفا من الحرق ~~فألبسوه عمامة بيضاء، فلما جرى ذلك خاف بقية النصارى على أنفسهم واختفوا عند يونس ~~النصراني.»، # 3 # الذي يقول عنه ابن إياس إن خاير بك «جعله متحدثا على الدواوين وصار المسلمون ~~يقفون في خدمته ويخضعون له.». # 4 # غير أن الحادث التاريخي البارز في العصر العثماني، هو بدون شك محاولة اليعاقبة اعتناق ~~المذهب الكاثوليكي. # أظهرت الكنيسة الكاثوليكية، منذ الفتح العربي، عدم اهتمامها ظاهريا بعلاج انشقاق ~~الأقباط عنها لعجزها عن القيام بهذه المهمة إلا أنها في الواقع لم ينقطع اهتمامها بمصير ~~اليعاقبة في مصر. # وقد قامت محاولة لمصالحة الأقباط اليعاقبة والكاثوليك في عهد البطريرك كيرلس الثالث؛ أي: ~~في خلال العصر الأيوبي، ولكنها باءت بالفشل. # وفي عام 1439، في مجمع «فلورنسا» حيث اتحد البيزنطيون واللاتين مرة ms145 أخرى بعد انشقاقهم، ~~أرادت الكنيسة المصرية أن تكون ممثلة في هذا المجتمع. # 5 # وبعد مضي قرن من الزمن؛ أي: في عام 1560م، قدم روما قسيسان قبطيان يحملان عريضة تشهد ~~برغبة رؤسائها والشعب القبطي بأسره في العودة إلى حظيرة الكنيسة الكاثوليكية والخضوع لسلطة ~~البابا نائب المسيح، فأجاب البابا بيوس الرابع إلى هذا الطلب وأمر قسيسين يسوعيين «كريستوفر ~~دي رودريكس» و«جان باتيست اليانو» بالسفر إلى مصر والتحدث إلى البطريرك القبطي والتأكد من ~~نياته، فسافر اليسوعيان وجرت محادثات بينهما وبين عضوين من الطائفة القبطية عينهما البطريرك ~~جبرائيل للقيام بهذه المهمة، ولكنهما لم يصلا إلى ما كان يرجوان في الوصول إليه؛ إذ اعترف ~~محدثاهما القبطيان بأن الأقباط لقبوا حقا البابا في الكتاب المرسل إليه بقلب «أب الآباء» ~~و«راعي الرعاة» و«رئيس جميع الكنائس» إلا أن هذه الألقاب لم يقصد منها إلا الإكرام، وقد ~~جرت العادة أن تحرر الخطابات إلى الأصدقاء بهذا الأسلوب، ثم أضافا إلى ما تقدم أن كل بطريرك ~~له السلطة التامة على كنيسته وذلك منذ مجمع كالسيدونيا ويتعين عدة بطاركة مستقلين عن بعضهم ~~بعضا. # 6 # وبعد مضي عشرين سنة على هذه المحاولة؛ أي: في عام 1582م، عاود اليعاقبة مسعاهم لدى الكرسي ~~الرسولي، وطلبوا إيفاد الأب جان باتيست اليانو إلى مصر «وكان آنئذ في سوريا» ليتحقق بنفسه ~~من صادق نياتهم وليعطوه البرهان الملموس على إيمانهم وخضوعهم. # وأمر البابا الأب اليانو بالسفر إلى القاهرة حيث اجتمع بالطائفة القبطية بحضور البطريرك ~~وكاد يتم الاتفاق، إلا أن البطريرك توفي فجأة، ويدعي الكاثوليك أنه مات مسموما، وعلى أي ~~حال، فإن المجلس انفض بعد وفاة البطريرك، وألقي القبض على مندوب البابا باعتباره جاسوسا ~~أجنبيا، واضطر البابا إلى دفع فدية قدرها خمسة آلاف دينار لإطلاق سراح ممثله وتمكينه من ~~العودة إلى بلاده. # وأعيد النظر في هذه المسألة مرة أخرى عام 1597م؛ إذ أوفد البطريرك جبرائيل الثامن مبعوثين ~~يحملان إقرارا بالإيمان وعليه توقيعه، وذكر في هذا الإقرار أنه يؤمن إيمانا ثابتا ~~بقوانين مجمع نيڨيا وبقانون مجمع القسطنطينية، ويعترف بأن أحدا من ms146 الذين خارج الكنيسة ~~الكاثوليكية لن يستطيع أن ينال الحياة الأبدية، غير أن هذا التصريح لم يذكر القرارات التي ~~اتخذت في مجمع كالسيدونيا، ولم يكن في استطاعة البابا أن يحصل على كل شيء دفعة واحدة، فقرر ~~السكوت عن هذه المسألة. # وبينما كان المندوبان القبطيان في روما، أرسل لهما البطريرك التعليمات الآتية: «لا تدعوا ~~أحدا يخدمكم من المتراجمين «كذا» إلا من تراجمين كتاب جبل لبنان الذين هم المارونيون فإنهم ~~من أقاربنا وعارفين بلساننا وأصحابنا، ثم إنكم تقبلوا لنا أيادي السيد البابا وتسألوا من ~~تفضلاته وإحسانه بأن ينعم علينا ويتصدق في كل سنة بترتيب جامكية «عطية» فإننا في غاية الضيق ~~والشدة، وما تحتاجه كنائسنا وأديرتنا والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام والذين بالسجون ~~والحديد لسبب الجوالي وغيرهم ... وأنتم يا أولادي تعرفوا ذلك أكثر مني ومن عملكم تعرفوا السيد ~~البابا عن ذلك، فإن السيد المسيح أعطاه السلطة على سائر المسيحيين وأبوهم وأبونا نحن أيضا، ~~وحيث ما هو أبونا، فيساعدنا في ضيقنا الذي نحن فيه.». # وقد أرسل البابا مشكورا بعض المساعدات. # 7 # وتكشف لنا هذه الوثيقة عن بعض ما كان يهدف إليه الأقباط كان للمسألة المالية علاقة وثيقة ~~بالمسائل الدينية، وربما كان الأقباط يؤملون أيضا أن تتدخل أوروبا الناهضة لمصلحتهم، كما ~~تدخلت لمصلحة الملكيين إذا انضموا إلى صفوف الكاثوليك، ولكن ليست هناك أية وثيقة معروفة ~~تسمح لنا أن نؤيد هذه النظرية. # وقد دام الاتحاد مع روما قرنا ونصف قرن، ويدعي «رينودو» أن هذا الاتحاد قد زال؛ لأن ~~الكنيسة القبطية كانت في حاجة إلى اكتساب تأييد الباشوات الأتراك. # 8 # وإذا تركنا جانبا هذا الحادث، نلاحظ أنه لم يحدث في تاريخ الأقباط في القرنين السابع عشر ~~والثامن عشر ما يسترعي النظر، ما عدا الغرامات التي كانت تفرض عفوا على الأقباط والكنائس ~~التي كانت تغلق إلى أن يسدد دافعوا الضرائب ما عليهم. # وقد شعرت مصر بالهدوء الداخلي والعظمة في عهد علي بك، ثم عادت الفوضى إليها ثانية وتعرض ~~الأقباط بطريقة غير مباشرة للاضطهاد، ذلك أنه لما قدم إلى مصر عام ms147 1200ه «1785م» القبطان ~~حسن باشا ليؤكد سيادة الباب العالي على مصر، أبى أن يغادر البلاد قبل أن يملأ جعبته الخاصة ~~بالنقود، فقام بعدة إجراءات تعسفية ضد النصارى تحقيقا لمأربه، قال الجبرتي: «نودي على ~~طائفة النصارى بألا يركبوا الدواب وألا يستخدموا المسلمين وألا يشتروا الجواري والعبيد، ومن ~~كان عنده شيء من ذلك باعه أو أعتقه، وأن يلزموا زيهم الأصلي من شد الزنار والزنوط، وأرسل ~~حسن باشا إلى القاضي، وأمره بالكشف عن جميع ما أوقفه المعلم إبراهيم الجوهري على الديور ~~والكنائس من أطيان ورزق أملاك، والمقصود من ذلك كله استجلاب الدراهم والمصالح، و«في اليوم ~~التالي» نودي على طائفة النصارى بالأمان وعدم التعرض لهم بالإيذاء وسببه تسلط العامة ~~والصغار عليهم.». # وبعد ذلك «نودي على النصارى واليهود بأن يغيروا أسماءهم التي على أسماء الأنبياء كإبراهيم ~~وموسى وعيسي ويوسف وإسحاق، وأن يحضروا جميع ما عندهم من الجواري والعبيد، وإن لم يفعلوا، ~~وقع التفتيش على ذلك في دورهم وأماكنهم، فصالحوا على ذلك بمال، فحصل العفو وأذنوا لهم في أن ~~يبيعوا ما عندهم من الجواري والعبيد ويقبضوا أثمانها لأنفسهم ولا يستخدمون المسلمين، ~~فأخرجوا ما عندهم وباعوا بعضه وأودعوه عند معارفهم من المسلمين.». # وبعد يومين نودي على النصارى بإحضار ما عندهم من الجواري والعبيد ساعة تاريخه، ثم نزلت ~~العساكر وهجمت على بيوت النصارى لإحضار ما فيها، فكان شيئا كثيرا، وأحضروهم إلى القبطان، ~~فأخرجوهم إلى المزاد وباعوهم واشترى غالبهم العسكر وصاروا يبيعونهم على الناس بالمرابحة، ~~وقرر على بيوت النصارى الذين خرجوا بصحبة الأمراء المصريين مبلغ دراهم مجموع متفرقها خمسة ~~وسبعون ألف ريال، وأمر أيضا بإحصاء بيوت جميع النصارى ودورهم وما هو في ملكهم وأن يكتب ~~جميع ذلك في قوائم، ويقرر عليها أجرة مثلها في العام، وأن يكشف في السجل على ما هو جار في ~~أملاكهم، ثم قرر أيضا خمسمائة كيس، فوزعوها على أفرادهم، فحصل لفقرائهم الضرر الزائد، وقرر ~~أيضا على كل شخص دينارا جزية، العال كالدون، وذلك خارج عن الجزية الديوانية ~~المقررة. ~~«وقبض قبطان باشا أيضا على راهب من ms148 رهبان النصارى واستخلص منه صندوقا من ودائع النصارى، ~~وقبض القبطان على المعلم واصف وحبسه وضربه وطالبه بالأموال، وواصف هذا أحد الكتاب المباشرين ~~المشهورين، ويعرف الإيراد والمصاريف وعنده نسخ من دفاتر الروزنامه ويحفظ الكليات والجزئيات، ~~ولا يخفى عن ذهنه شيء من ذلك ويعرف التركي، وقبض على بعض نساء المعلم إبراهيم الجوهري من ~~بيت حسن أغا كتخدا علي بك، أمين احتساب سابقا، فأقرت على خبايا أخرجوا منها أمتعة وأواني ~~ذهب وفضة وسروجا وغيرها.». # 9 # وبعد سفر القبطان باشا واقتسام البكوين عبدي بك وإسماعيل بك السلطة، تعرض الأقباط ~~للاضطهاد مرة أخرى، ويروي الجبرتي أن «حضر عبدي باشا وإسماعيل بك إلى بيت الشيخ البكري ~~باستدعاء بسبب المولد النبوي، فلما استقر بهم الجلوس، التفت الباشا إلى جهة حارة النصارى ~~وسأل عنها فقيل له: إنها بيوت النصارى، فأمر بهدمها وبالمناداة عليهم من ركوب الحمير، فسعوا ~~في المصالحة وتمت على خمسة وثلاثين ألف ريال، منها على الشوام سبعة عشر ألف وباقيها على ~~الكتبة.». # 10 # وبالرغم من هذا كله، لم يتوان الأب «برنا» اليسوعي من الكتابة إلى الأب «فليريو» عام ~~1711م يقول: «مصر هي البلد الوحيد في الإمبراطورية الإسلامية، الذي تقام فيه شعائر الدين ~~المسيحي بحرية أكثر من أي بلد آخر، ولهذا السبب فإن عددا كبيرا من نصارى البلاد الأخرى ~~يلجئون إليها.» فيجدر بنا إذا إعادة النظر في حالة الأقباط في مصر قبيل قدوم الحملة ~~الفرنسية. ~~(1) الأقباط قبيل الحملة الفرنسية # كان من شأن القرن التاسع عشر حدوث تطورات ذات شأن في مصر، فما كان استعداد الأقباط ~~لتلقي هذه التطورات؟ وما كانت أهميتهم من حيث العدد؟ وما حالتهم المعنوية؟ يمكننا أن ~~نجيب جزئيا على هذه الأسئلة بعد الاطلاع على روايات الرحالة أو مذكرات القناصل التي ~~نشرت حتى الآن. # ترك الأقباط بصفة عامة أثرا سيئا في نفوس الأجانب، وكان نفوذهم قد اضمحل وعددهم ~~نقص، ولم يكن لهم أثر إلا في القاهرة والإسكندرية؛ حيث كانوا يحترفون الصناعة ~~والحسابات، وفي الصعيد حول مدينة أسيوط وإلى جنوبها في اتجاه أسوان، ففي هذه المناطق ms149 ~~البعيدة عن العاصمة كان الشعور أقل عنفا، فكان الأقباط يعيشون في أمن نسبي. # 11 # ولم يكن في مصر، في مطلع القرن التاسع عشر، سوى مائة وخمسين ألف قبطي على ثلاثة ~~ملايين من السكان، وكان يقطن القاهرة وحدها عشرة آلاف قبطي، وتذكر إحصائية مسيحية أن ~~ستمائة ألف شخص كانوا يدفعون رسما للبطريرك عند الفتح الإسلامي، وأن هذا العدد نقص إلى ~~عشرة آلاف وخمسة عشر ألف شخص عندما كان الأب «فانسليب» في زيارة مصر عام 1671م # 12 # ومن جهة أخرى، يذكر الرحالة «نيبوهر» عام 1760 أنه لم يكن يوجد في مصر إلا ~~اثنا عشر مطرانا معظمهم في الوجه القبلي، بينما كان عددهم عند الفتح الإسلامي ~~سبعين. # 13 # وكان عدد الرهبان صغيرا جدا، وهم موزعون بين أربعة أو خمسة أديرة مثل دير القديس ~~مكاريوس ودير القديس أنطونيوس ... وهي كلها في حالة يرثى لها، وكان القساوسة - وكلهم ~~متزوجون - يهتمون بحاجاتهم المادية أكثر من اهتمامهم برغبتهم وبواجباتهم الدينية، لقد ~~استبد بهم الجهل إلى حد كان يصعب معه انتخاب بطريرك من بينهم، # 14 # ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن ننكر عليهم بخاصة على الرهبان منهم، شيئا من ~~التقوى، غير أنهم كانوا يعتقدون أن الدين ما هو إلا مجرد تلاوة الصلوات وملاحظة أيام ~~الصوم المتعددة. # وإذا كان الأجانب يعتبرون الأقباط «قوما جهلاء وغير متمدينين» # 15 # فعذرهم في ذلك أن مظهر النصارى الذي اتصف بالتواضع والفقر كان يوحي ~~بالاحتقار، أما المؤرخون المسلمون، فقد تجاهلوا في عصر المماليك هذه الأقلية التي لا ~~غنى لهم عنها مع ما تسبب لهم من مضايقات على الرغم من حالة الضعف التي وصلت ~~إليه. # ولم يعد القبطي إلا مباشرا عرضة للاضطهادات وللإهانات، ويكتب «فانسليب» قائلا: ~~«نقرر أنه لا توجد طائفة بمصر معرضة للاضطهاد كالأمة القبطية؛ ذلك لأنه لم يعد من بينهم ~~من يستطيع أن يكون موضع احترام الأتراك لعلمه، أو موضع خوفهم لسطوته، فكان الأتراك ~~يعتبرونهم حسالة العالم وأقل منزلة من اليهود، وقد كانوا يسيئون معاملتهم عند ما يحلو ~~لهم ذلك، ويغلقون لهم كنائسهم ms150 وأبواب منازلهم حين يروق لهم الأمر ولأتفه الأسباب ~~وأبعدها عن العدل لكي يغتصبوا منهم بعض المال.» # 16 # إلا أن الوظائف الإدارية التي كان المماليك يضطرون إلى إسنادها إلى الأقباط قد أعطت ~~لهؤلاء الأقباط فرصة الانتقام من الظلم، الذي كان ينزله عليهم أسيادهم وإعادة جمع ~~ثروتهم بسرعة، أضف إلى ذلك أن الاضمحلال الذي أصاب الأقباط حدث على دفعات، فقد بدأ قبل ~~دخول العرب؛ أي: في عهد الرومانيين والبيزنطيين، ومن هنا يتضح لنا أن الأقباط اعتادوا ~~على هذا اللون من الحياة منذ أمد بعيد وارتضوا لأنفسهم حياة متواضعة، فلم يبدوا أية ~~شكوى لاعتقادهم أنهم الطبقة المفكرة التي لا يمكن للأمة أن تستغني عن معارفها وخبرتها ~~في الأعمال إذا أرادت أن تضمن حسن سير الإدارة في البلاد، وعلى أي حال، لم يكن المسلمون ~~أنفسهم بأحسن حال من الأقباط تحت حكم البكوات المماليك. # وأحسن برهان على تسليم الأقباط بالأمر الواقع، أنهم لم يفكروا أبدا في الهجرة «إلا ~~في عصر الحاكم ومحمد بن قلاوون»، بل كانوا متعلقين ببلادهم تعلقا شديدا، وكتب القنصل ~~الفرنسي «دي ماييه» في هذا الصدد: «في شهر سبتمبر سنة 1699، تلقيت أمرا من ملك فرنسا ~~باختيار ثلاثة من أولاد الأقباط لإرسالهم إلى فرنسا وتربيتهم هناك على النحو الذي كان ~~يربى عليه أولاد بعض الأمم الشرقية، وحاول القساوسة عبثا إقناع الموسرين لإرسال ~~أولادهم ولم يكونوا أكثر توفيقا مع الأسر الفقيرة مهما كان عدد أولادها، وعمد بعض ~~الآباء والأمهات إلى سحب أولادهم من مدارس الإرساليات والتضحية بالمساعدات المالية التي ~~كانت تعطى لهم على الرغم من شدة حاجتهم إليها، وذلك خوفا من أن ينتزع أولادهم رغم ~~إرادتهم، مما يدل على إجلالهم لوطنهم وشدة تعلقهم به ويعلق «دي ماييه» على هذا الحادث ~~قائلا: «يعتقد الأقباط أن بلادهم لا مثيل لها وهم في ذلك على حق، ومن يستطع أن يعيب ~~عليهم حبهم لبلد وصفها الأجانب بأنها الفردوس الأرضي؟». # 17 # وإذا تركنا جانبا المبالغ التي كانت تؤخذ عنوة من الأقباط، يجب أن نلاحظ أنهم كانوا ~~يعيشون منسيين، بل كانوا ms151 ينعمون بهدوء نسبي وخاصة في الأقاليم، نعم أن بعض الرحالة ~~يحدثوننا أحيانا بشيء من السخط عن القيود المفروضة على النصارى فيما يختص بملابسهم، ~~كما يقولون أيضا: إن ركوب الخيل كان محرما على غير المسلمين إلا أن هذه القوانين كانت ~~تطبق في المدن الكبرى دون سواها، أما فيما عدا ذلك، فلم يكن الإنسان يستطيع أن يميز بين ~~القبطي وغيره ويكتب «تيفينو» قائلا: «لا يستطيع المسيحيون سواء كانوا من الإفرنج أو ~~غيرهم، أن يمتطوا الجياد في المدن، ولكنهم يستطيعون ذلك في الأرياف إذا ~~أرادوا.». # 18 # ولا ننسى أن الأقباط المتعلمين والمثقفين قد نالوا الحظوة لدى أسيادهم مثال ذلك أن ~~المعلم رزق، مباشر علي بك وكاتم أسراره، كان يتمتع بسلطة واسعة جدا، وهناك أيضا ~~المعلم إبراهيم الجوهري الذي توفي عام 1209ه «1797م» والذي ميزه الجبرتي عن غيره من ~~النصارى، فذكره ضمن وفياته، وهذا الحادث مما يلفت النظر؛ ذلك لأن المؤرخ المسلم لم يكن ~~يهتم عادة بوفاة النصراني مهما علت مرتبته، ونحن نورد هنا ما قاله الجبرتي في رثائه له: ~~«مات الذمي المعلم إبراهيم الجوهري، رئيس الكتبة الأقباط بمصر، وأدرك في هذه الدولة ~~بمصر من العظمة ونفاذ الكلمة وعظم الصيت والشهرة مع طول المدة بمصر ما لم يسبق لمثله من ~~أبناء جنسه فيما نعلم، وأول ظهوره في أيام المعلم رزق كاتب علي بك الكبير، ولما مات علي ~~بك وترأس إبراهيم بك، قلده جميع الأمور، فكان هو المشار إليه في الكليات والجزئيات، حتى ~~دفاتر الروزنامه والميري وجميع الإيراد والمنصرف وجميع الكتبة والصيارفة من تحت يده ~~وإشارته، وكان من دهاقين العالم ودهاته، لا يغرب عن ذهنه شيء من دقائق الأمور ويداري كل ~~إنسان بما يليق به من المداراة، ويحابي ويهادي ويواسي، ويفعل ما يوجب انجذاب القلوب ~~والمحبة ويهادي ويبعث الهدايا العظيمة والشموع إلى بيت الأمراء، وعند دخول رمضان يرسل ~~إلى غالب أرباب المظاهر ومن دونهم الشموع والهدايا والأرز والسكر والكساوي، وعمرت في ~~أيامه الكنائس وديور النصارى، وأوقف عليها الأوقاف الجليلة والأطيان، ورتب لها المرتبات ~~العظيمة والأرزاق ms152 وحزن إبراهيم بك لموته، وخرج في ذلك اليوم إلى قصر العيني حتى شاهد ~~جنازته وهم ذاهبون به إلى المقبرة.». # 19 # على أن المباشرين الأقباط في جملتهم لم يتمتعوا بالنفوذ الذي حازه الجوهري، وكانت ~~غايتهم الوحيدة جمع المال «وأصبحوا لا يهتمون بما يعلي من شأن وطنهم، بل كان يدفعهم ~~الحرص والبخل في كل أعمالهم وينأى بهم عن العلوم والفنون، فلم يعودوا يشعرون بأي ميل ~~إلى النبوغ فيها.». # 20 # | هوامش # الفصل العاشر # | سياسة بونابرت الإسلامية وموقف الفرنسيين من الأقباط # إن الحملة الفرنسية على مصر تهمنا لعدة أسباب، فهي أول محاولة منذ الحروب الصليبية قامت ~~بها دولة غير مسلمة لغزو وادي النيل، وهي أيضا أول مرة منذ الفتح العربي تحكم مصر دولة ~~مسيحية، كما أنه لأول مرة منذ ظهور الإسلام يحاول بعض مسيحيي أوروبا التعاون مع مسلمي ~~مصر. # لذلك تحتل هذه الفترة مكانا عظيما في تاريخ العلاقات بين المسلمين والأقباط؛ إذ كان ~~هذان العنصران أمام مشكلة جديدة، فما كان موقفهما من هذا الفاتح؟ ~~(1) بونابرت، حامي الإسلام # في 28 يونيو عام 1798؛ أي: قبل نزول القوات الفرنسية إلى الساحل المصري، وصل الأميرال ~~«نلسون» أمام الإسكندرية، وكان جادا في البحث عن أسطول بونابرت فلما لم يجده هناك، ~~أراد أن يحذر المصريين من هجوم فجائي يشن عليهم، ولكنهم رفضوا الاستماع إليه لعدم ~~ثقتهم بالأجنبي على الإطلاق، وطلبوا إليه أن يغادر مياه الإسكندرية على وجه ~~السرعة. # وكان بونابرت يعلم أن العمارة الفرنسية قد تستقبل استقبالا عدائيا، إذا ما وصلت ~~إلى الساحل المصري، ولكنه كان شديد الثقة بسياسته الجديدة، وكان يعتقد أنها سوف تزيل ~~الحواجز القائمة منذ أجيال بين الشرق المسلم والغرب المسيحي. # وكانت الحملة الفرنسية في نظر مماليك مصر معاودة للمحاولات التي قام بها «بودوان» ~~و«أموري» و«جان دي بريين» و«لويس التاسع» في سبيل القضاء على الإسلام، أو هي على الأقل ~~غارة من غارات القرصان الأوروبيين أوسع مدى من سابقاتها. # 1 # أما بونابرت فقد تقدم إلى أسوار الإسكندرية على أن حامي الإسلامي، بل بطل من أبطاله ~~فقال: «لسنا كفار ms153 العصور الهمجية الذين يأتون إليكم لمحاربة إيمانكم، إننا نعترف بأن ~~إيمانكم رفيع القدر، وسوف نعتنق دينكم إذا حلت الساعة التي يصبح فيها الفرنسيون ~~الراشدون مؤمنين حقيقيين.». # 2 # لم يعلن بونابرت أهمية تذكر لاعتماد الأهالي على القوة في صد العدوان الفرنسي ولعدم ~~تصديقهم خطبه الحماسية؛ ذلك لأنه كان يأمل أملا كبيرا في أنهم سوف يصغون إلى صرخته ~~عاجلا أم آجلا، فلم يدخر وسعا إلى أن يحين هذا الموعد في إظهار عطفه عليهم وإخلاصه ~~لهم، ويكتب «فرنسوا شارل رو» في هذا الصدد قائلا: «لم يتقدم قط مستعمر أوروبي إلى ~~البلاد الإسلامية وهو مشبع بروح التسامح والاحترام والعطف مثل بونابرت، خصوصا وإن لم ~~يفكر أبدا في أعمال التبشير لصالح الديانة المسيحية، وكان بعيدا كل البعد عن أي ~~اعتبار ديني يسيء إلى الإسلام ... ولم يأت قط أي مستعمر أوروبي مثل بونابرت بهذا ~~الاستعداد الطيب، ولم يدل بتصاريح أكثر علانية وأكثر صراحة، ولم يقدم البراهين المتعددة ~~والمقنعة.». # 3 # وكانت باكورة أعمال بونابرت تصريحه للقوات الفرنسية المتأهبة لغزو مصر، وذلك قبل ~~نزولها إلى البر؛ أي: في أول يوليو: «إن الشعوب التي سوف نعيش معهم يدينون بالإسلام، ~~وأول ما يؤمنون به هو أن «لا إله إلا اله ومحمد رسول الله» فلا تنازعوهم في ذلك، بل ~~عاملوهم كما عاملتم اليهود والإيطاليين، واحترموا رجال الدين كما احترمتم الحاخامات ~~والمطارنة، وأظهروا للمواسم التي أمر بها القرآن والمساجد نفس التسامح الذي أظهرتموه ~~إزاء الأديرة والمعابد وإزاء ديانة موسى والمسيح.». # ولما كانت الثورة الفرنسية قد أبعدت الفرنسيين عن الديانة، فقد اكتفى بونابرت بتوصية ~~رجاله أن يظهروا احترامهم للمسلمين، أما تصريحه الذي وجهه إلى الشعب المصري، فكان أكثر ~~وضوحا؛ إذ كشف فيه نواياه الحقيقية وعن السياسية التي سوف ينتهجها إزاءهم وقد ظلت هذه ~~السياسة رائدة مدة إقامته بينهم. قال بونابرت في ندائه للمسلمين: «أيها المشايخ والقضاة ~~والأئمة والجربجية وأعيان البلاد، قولوا لأمتكم إن الفرنساوية هم أيضا مسلمون مخلصون، ~~وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائما ms154 يحث ~~النصارى على محاربة الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطة وطردوا منها الكواللرية «الفرسان» ~~الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة المسلمين، ومع ذلك الفرنساوية في كل ~~وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني، وأعداء أعدائه أدام الله ~~ملكه.». # ولما احتل القائد الفرنسي البلاد، أسرع إلى تنفيذ ما وعد به، فلم ينقض شهر على نزوله ~~الإسكندرية، حتى أمر بالاحتفال بالمولد النبوي احتفالا عظيما وصفه لنا المؤرخ «أميدي ~~ريم» معاصر الحملة، وصفا رائعا، فقال: «كان بونابرت يرتدي زيا شرقيا جميلا، ولبس ~~عمامة، وانتعل بابوجا، وصحبه جميع ضباطه وقواده إلى المسجد الرئيسي؛ حيث كان مجتمعا ~~حوالي المائة شيخ، فجلس بونابرت بينهم على وسادات منثورة على الأرض، ثم شبك ذراعيه وأخذ ~~يتلو معهم تواشيح تقص حياة النبي منذ مولده إلى وفاته، ويؤر مثلهم أعلى جسده ويحرك رأسه ~~مما لفت أنظار رجال الدين الذين أعجبوا بتقواه.». # 4 # ولما كان يريد أن يقوم بأكبر دعاية حول موقفه هذا، فقد كتب إلى الجنرال «مارمون» ~~بتاريخ 28 أغسطس 1798 يقول: «... قابل من طرفي الشيخ المسيرى وقل له فيما تقوله كيف ~~احتفلنا بمولد النبي، قل له: إني في القاهرة أجتمع برؤساء القضاء وكبار القوم ثلاث أو ~~أربع مرات كل عشرة أيام، وإني أكثر الناس اقتناعا بصفوة الديانة الإسلامية ~~وقداستها.». # وفي اليوم نفسه، كتب إلى الشيخ المذكور رأسا يقول له: «... أرجو ألا يتأخر الوقت الذي ~~أستطيع فيه جمع العناصر الحكيمة والمثقفة في البلاد، ووضع نظام ثابت يرتكز على مبادئ ~~القرآن الحقة الوحيدة التي تستطيع إسعاد البشر دون سواها.». # هل كان بونابرت صادقا في دعواه؟ إن كانت الاعتبارات السياسية هي في رأينا التي أملت ~~عليه موقفه هذا، يجب ألا نستبعد أن الشرق قد أثر فيه تأثيرا عميقا، وأنه كان يكن ~~للإسلام عطفا كبيرا، فلم يمل من الاجتماع بالعلماء. أما العلماء، فعلى الرغم من أن ~~الفاتح الفرنسي كان يثير ظنونهم، وأنه لم يكن في نظرهم إلا كافرا، فكانوا يرتاحون ~~لإثارة المناقشات الدينية في حضرته، وكانوا يعجبون إعجابا شديدا ms155 بعقليته الجبارة مما ~~جعلهم يأملون سرا بأنه سينضم إليهم يوما من الأيام رافعا لواء الإسلام. # وقع بونابرت في الشباك التي نصبها هو نفسه، ألم يقل ذات يوم لمن حوله بعزمه على ~~ارتداء الملابس الشرقية وربما على اعتناق الديانة الإسلامية؟ ولما كان بونابرت لا يحترف ~~دينا ولا يعترف بوجود الله، فلم يكن من المنتظر أن يثير اعتناقه الإسلام قلق في نفسه ~~فضلا عن أن إسلامه قد يخدم مراميه السياسية، ولكن قواده سخفوا الفكرة ثم اعترضوا عليها ~~صريحا. # وها هو ذا بونابرت يرجئ مؤقتا تنفيذ رأيه، إلا أنه عاد إلى التفكير فيه جديا بعد ~~انهزامه أمام عكا، ولما عاد من سوريا، أذاع على الشعب «أنه يتلقى عدة دروس في القرآن، ~~فأخذ يجيده ويحبه»، وأضاف إلى ذلك «أنه ينوي بناء مسجد كبير ثم اعتناق الإسلام»، وها هو ~~يعود إلى مباحثة العلماء ومناقشتهم ويسألهم ما الشروط المتوفرة عند المسلم الصادق، فهو ~~يطرح أمامهم المشكلة بكل صراحة ويريد أن يجيبوا عليها بدقة، ولما كان يشك في شعور رجال ~~جيشه، كان يسائل نفسه إن كان اعتناق الإسلام وحده سيحدث الانقلاب الذي يرجوه من ~~الناحية السياسية، ولكن عواقب اعتناق الجنرال عبد الله مينو الديانة الإسلامية لم تشجعه ~~على ذلك. # لقد غرق الأسطول الفرنسي في أبي قير، ولم يبق لدى القائد العام إلا بضعة آلاف من ~~الجند، ولما قطع خط المواصلات بينه وبين فرنسا، وفقد كل أمل في وصول النجدات لم يستطع، ~~وحوله شعب يكن له العداء، إلا أن يأمل - وإن كان هذا الأمل بعيدا - في قدرته على كسب ~~عطف هذا الشعب الذي تدين غالبيته بالإسلام. # ولكن كيف عامل الأقباط والنصارى عامة؟ ~~(2) بونابرت يضحي بالأقباط ليناصر الإسلام؟ # ولما كان بونابرت متشبعا بروح المساواة والإخاء، فقد أبى أن يقع فريق من الشعب تحت ~~نير الاضطهاد، وأن يمنع من الحياة الحرة ويقول «تيودو»: «على الرغم من أن بونابرت أراد ~~أن يظهر ميله إلى الإسلام أمام المسلمين، فإنه لم يتقاعس في حماية العقائد ~~المختلفة.». # 5 # غير أننا لاحظنا عدم اهتمامه لمنح ms156 الأقباط دفعة واحدة جميع حرياتها وبخاصة حرية ~~العبادة ... ولما طلب الأقباط إليه أن يلغي القيود التي فرضها المماليك على شعائرهم ~~الدينية، أجاب المعلم الجوهري بخطاب مؤرخ 7 ديسمبر سنة 1798م: «استلمت الكتاب الذي ~~أرسلته الأمة القبطية وأنه من دواعي سروري حماية هذه الأمة التي لن تكون من الآن ~~فصاعدا موضع الاحتقار، وعندما تتيح الظروف، الشيء الذي لا أراه بعيدا، قد أسمح لها ~~بأن تقيم شعائرها الدينية علانية كما هو الحال في أوروبا؛ حيث يتابع كل إنسان عقيدته.»، ~~ولكنه أضاف إلى ذلك: «سأعاقب بشدة القرى التي قتل فيها الأقباط في أثناء الثورات التي ~~نشبت، بينما أنك تستطيع من الآن أن تخبر أبناء طائفتك بأني أسمح لهم بأن يحملوا السلاح ~~ويركبوا البغال والخيول ويضعوا العمامات على رءوسهم ويتزيوا بما يشاءون.». # وتعد هذه الرسالة الإجراء العملي الوحيد الذي استفاد منه الأقباط في عهد بونابرت الذي ~~ما لبث أن ألغى ما وعدهم به، ويقول الجبرتي: «إن النصارى الشوام رجعوا عاداتهم القديمة ~~في لبس العمائم السود والزرق، وتركوا لبس العمائم البيض والشيلان الكشمير الملونة ~~والمشجرات، وذلك بمنع الفرنسيين لهم من ذلك، ونبهوا أيضا بالمناداة في أول رمضان بأن ~~نصارى البلد لا يتجاهرون بالأكل والشرب في الأسواق ولا يشربون الدخان ولا شيء من ~~ذلك.» # 6 # ثم يقص الجبرتي الحادث الآتي: «إن بعض الرعية من الفقهاء مر على بعض ~~النصارى وهو يشرب الدخان فانتهره، فرد عليه ردا شنيعا، فنزل ذلك المتعمم وضرب ~~النصراني، واجتمع عليه الناس وحضر حاكم الخط فرفعها إلى قائمقام، فسأل النصارى ~~الحاضرين عن عادتهم في ذلك، فأخبروه أن من عادتهم القديمة أنه إذا استهل شهر رمضان لا ~~يأكلون ولا يشربون في الأسواق ولا بمرأى من المسلمين أبدا، فضرب النصراني وترك المتعمم ~~لسبيله.». # ولو أن عداء بونابرت للأقباط لم يذهب به إلى حد الاضطهاد، فإنه - على أي حال - لم يكن ~~رفيقا بهم، ويقول نقولا ترك: «طلب الجنرال بونابرت من تجار البهار الإسلاميين مائتي ~~ألف فرانسا سلفة، ثم طلب من طائفة لأقباط مباشرين الأقاليم وكتبة البلاد ms157 مائتي ألف ~~فرانسا سلفة، ثم طلب التجار الشوام مائة ألف فرانسا.». # 7 # وكذلك صار الأقباط في عهد بونابرت من خيبة أمل إلى خيبة أمل، نعم أنه استعان بهم في ~~جباية الضرائب، كما فعل المماليك من قبله، ولكنه اتخذ هذا الإجراء مرغما؛ إذ كان يتكلم ~~عنهم بقسوة شديدة فيقول: «إنهم لصوص مكرهون في البلاد غير أنه يجب مراعاتهم؛ لأنهم ~~يعرفون الأصول العامة لإدارة البلاد دون سواهم». # لذلك عين المعلم جرجس الجوهري مباشرا عاما وخوله السلطة على سائر المباشرين، ولكنه ~~حرص على أن يكون معه موظف فرنسي لمراقبته، ثم لم يزل بونابرت منذ هذه اللحظة يترقب أول ~~فرصة للتخلص من الجوهري، ولما ترك القائد الفرنسي مصر، أرسل إلى الجنرال «كليبر» كتابا ~~مؤرخا يوم 22 أغسطس عام 1799م يقول له فيه بصراحة: «... كنت مزمعا، إن سارت الأمور ~~سيرها الطبيعي، أن أضع نظاما جديدا للضرائب يجعلنا نستغني تقريبا عن خدمات ~~الأقباط.». # وأخيرا، بالرغم من حاجته إلى زيادة عدد جيشه، لم يفكر بونابرت قط في الاستعانة ~~بالأقباط، كما أن الأقباط أنفسهم لم يظهروا حماسا زائدا في طلب تجنيدهم، فلم تؤلف ~~الفرقة القبطية - كما سنبينه فيما بعد - إلا في عهد الجنرال «كليبر»، وفي ظروف خارجة ~~تماما عن إرادة الأقباط. # وكان بونابرت يأمل من وراء استغنائه عن خدماتهم، مراقبة دخل الضرائب مراقبة فعلية، ~~هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه كان يرغب خاصة في ترضية المسلمين. وكتب إلى قواده في عدة ~~مناسبات يقول لهم: «مهما فعلتم، تأكدوا من أن النصارى في صفكم، فلا تترددوا إذا في ~~تفضيل المسلمين على النصارى.» وكرر هذا القول على الجنرال «كليبر» قبل رحيله إلى فرنسا، ~~ولما انتصر على القوات العثمانية في أبي قير وأراد أن يطمئن الأعيان والعلماء عن نياته، ~~صرح علانية: «نعم، أني أكره النصارى لقد سحقت ديانتهم وحطمت هياكلهم وقتلت قساوستهم، ~~وهشمت صلبانهم ونكرت إيمانهم، وعلى الرغم من ذلك فإني أراهم يفرحون لفرحي ويتألمون ~~لألمي فهل من المعقول أن أعتنق من جديد الدين المسيحي؟ وما الفائدة التي سأجنيها من هذا ms158 ~~العمل؟». ~~(3) موقف المسلمين # لقد أتيح لنا بفضل المستندات الثابتة التي ذكرناها، أن نجزم بأن بونابرت حاول بأقواله ~~وأعماله كسب عطف المسلمين، ولم يذهب طبعا لإرضائهم إلى حد اضطهاد النصارى، ولكنه لم ~~يبد لهؤلاء ما يدل على عطفه عليهم. # ولكن بونابرت لم يوفق في إزالة البغضاء من قلوب المسلمين، بسبب وجوده بينهم، ذلك ~~بالرغم من المظاهر المواتية، فكان يشعر أن الشعب يتحمل حكمه كارها، وأنه يترقب الفرصة ~~التي تتاح له للتخلص منه، ولما تحدث الجبرتي عن زيارة القواد الفرنسيين للأعيان بمناسبة ~~الأعياد الإسلامية، أصرح بأن الأعيان كانوا يستقبلونهم بشيء من الترحيب المصطنع. # وقد مزقت ثورة القاهرة الأولى الستار الذي كان يخفي وراءه مهزلة التعاون بين المسلمين ~~والفرنسيين، وقد دبرت المؤامرة في الأزهر، حيث أظهر بونابرت منذ فترة وجيزة مزيد عطفه ~~على الإسلام «وفي ذات يوم، نهار الأحد في عشرين ربيع آخر، نزل أحد المشايخ الصغار، وكان ~~من مشايخ الأزهر، وبدأ ينادي في المدينة أن كل مؤمن موحد بالله عليه بجامع الأزهر «يعني ~~نقولا ترك: عليه أن يتوجه إلى الجامع الأزهر»؛ لأن اليوم ينبغي لنا أن نغاري في ~~الكفار.» # 8 # وقد أخذ الفرنسيون على غرة بينما كانوا يطوفون في شوارع العاصمة بدون ~~أسلحة، وقد قتل الغوغاء جميع الذين تعاونوا مع الفرنسيين سواء كانوا مسلمين أم ~~نصارى. # ولما قرر بونابرت أن يعطف على الثوار، لم يصدقه أحد، ولما أراد بعض النصارى المطالبة ~~بتعويض عما لحق بهم وبمساكنهم من أضرار، رفض المسلمون التقدم بمثل هذا الطلب لاعتقادهم ~~الراسخ أن أحدا لن يستمع إلى شكواهم، كما ورد ذلك في تاريخ الجبرتي ولما علم الناس بعد ~~أسابيع، أن القوات العثمانية احتلت قلعة أبي قير «أظهروا البشر وتجاهروا بلعن ~~النصارى.» # 9 # ولكن الجنرال بونابرت انتصر على العثمانيين وعاد إلى القاهرة، فاضطر ~~الأعيان والعلماء وأعضاء الديوان أن يتوجهوا إلى داره ليقدموا له فروض التهاني بمناسبة ~~عودته السعيدة، ولاحظ بونابرت مرة أخرى حزنهم وخيبة أملهم، ولكنه لم يحاول الانتقام ~~منهم أو تعديل سياسته إزاءهم، فنهج السياسة التي سار عليها ms159 غداة ثورة القاهرة، غير أنه ~~لامهم بلهجة هادئة على موقفهم، فقال: «أيها العلماء والأعيان، إني أتعجب من حزنكم ~~لانتصاري، إنكم لم تقدروا موقفي إزاءكم حتى الآن، مع أني كررت لكم أنني مسلم وأني مؤمن ~~بأن لا إله إلا الله وأني أجل النبي وأحب المسلمين.». # ويتضح من ذلك أن العلاقات مع المحتل لم تكن طيبة إلا في المظهر، وإذا كان بونابرت قد ~~استمر في إظهار صداقته نحو المسلمين، إلا أنه شعر بفشله في إقناعهم بحسن نياته، وبأن ~~القوة لا بد منها لإقرار النظام؛ إذ كان الشعب ينظر إليه كرجل كافر يقود جيشا من ~~الكفار وأن قيامه بمصر كان يشجع النصارى على حساب المسلمين غير أنه أمل، حتى آخر لحظة، ~~في قدرته على إزالة عداء الشعب نحوه، وكان إصراره هذا يستحق كل الإعجاب، ولا سيما أن ~~قواده كانوا يكظمون غيظهم من هذه السياسة، ولما آل الحكم إلى الجنرال «كليبر»، لم يتردد ~~هذا القائد في محاباة النصارى ويأذن للجنرال المعلم يعقوب تكوين «الفرقة ~~القبطية». # وقبل أن نتناول الكلام عن هذه الفرقة التي انتقدها بعض المؤرخين الوطنيين، وكانت موضع ~~لاتهامات لا أساس لها من الصحة، يجدر بنا أن نبسط سياسة الأقباط إزاء الفرنسيين. ~~(4) موقف الأقباط # كان المصري المسلم يعتقد أن القبطي الذي استعبده المماليك وأذلوه تأثر بوجود الجيوش ~~المسيحية في الأراضي المصرية، وأنه أظهر استعداده للانضمام إليهم لذلك لما وصلت العمارة ~~الفرنسية إلى مياه الإسكندرية، ظل الفرنسيون والأقباط موضع شك السلطات، وتعرضوا من جراء ~~ذلك إلى أعمال السوء، طلبت السلطات إلى بعض القائمين الفرنسيين ألا يغادروا مساكنهم ~~بينما أرسلت البعض الآخر إلى القلعة، ويقال: إن مراد بك قرر قطع رءوسهم، إلا أنه أرجأ ~~تنفيذ خطته إلى ما بعد انتصاره بناء على مشورة «كارلوروستي»، قنصل النمسا، وكان الأقباط ~~ينتظرون نفس المصير، ولكن الباشا توسط لهم وأنقذهم من مصيرهم المحتوم. ويكتب نقولا ترك ~~في هذا الشأن: «قال الوزير وشيخ البلد إبراهيم بك، غير ممكن أننا نسلم في هذا العزم ~~والرأي؛ لأن هؤلاء رعية مولانا السلطان صاحب ms160 النصر والعز والشأن، وكان الوزير وشيخ ~~البلد كل يوم يرسلون إليهم «أي: إلى النصارى» سليم أغا، مستحفظان آغات الانكشارية، ~~حالا يطمئنهم في محلاتهم على أرواحهم وأموالهم، ويطلق المناداة في كل البلد على حفظ ~~الرعايا وعدم المعارضة لهم.». # 10 # على أن الجبرتي يضيف إلى ذلك قوله: «صار الأمراء يفتشون في محلات الإفرنج على الأسلحة ~~وغيرها، وكذلك يفتشون بيوت النصارى الشوام والأقباط والأروام والكنائس والأديرة على ~~الأسلحة، والعامة لا ترضى إلا أن يقتلوا النصارى واليهود، فيمنعهم الحكام عنهم ولولا ~~ذلك المنع، لقتلتهم العامة وقت الفتنة.». # 11 # هل كان في موقف الأقباط ما يبرر هذه الروح الانتقامية؟ لا. ومن المحتمل أن يكون ~~الأقباط قد وجدوا في قدوم الفرنسيين أبناء دينهم ما يلطف من مصيرهم، ولكن موقفهم من ~~الأوروبيين فيما مضى والوثائق التي عثرنا عليها عن الحملة الفرنسية، لا تسمح لنا من ~~الجزم بأن الأقباط حاولوا مساعدة الغزاة. # هل نستطيع أن نأخذ عليهم موقفهم السلبي وقت الخطر؟ ولكن هل كان في استطاعتهم أن ~~يقوموا بعمل ما بعد أن جردتهم السلطات من سلاحهم؟ # إننا نميل إلى الاعتقاد بأن النصارى كانوا أضعف من أن يستطيعوا اتخاذ أي قرار، فرضخوا ~~لأوامر الأغلبية، وكانوا في أثناء القتال يعتبرون أنفسهم متضامنين مع مواطنيهم ~~المسلمين. # على أن انتصار الفرنسيين وفرار المماليك، لم يؤثرا على سلوك الأقباط وعندما وصف ~~الضباط «ريشاردو» أحد رجال الحملة دخول الجيوش الفرنسية المنتصرة مدينة القاهرة، اعترف ~~بأن «دخولها ظافرة إلى العاصمة الحديثة لمصر القديمة لم يحدث ما يلفت النظر، ولم يهتم ~~بها سكان المدينة ولم يخرج الجماهير إلى الطرقات، فلم يشاهد فيها جماعات من الرجال ولا ~~حتى من الأطفال، وبالاختصار لم يبد الجمهور أي اهتمام لهذا الحادث.». # 12 # والملاحظة أن بونابرت أول من أرسل في طلب المعلم جرجس الجوهري الذي قدم إلى الجنرال ~~الفرنسي أعيان الأقباط، ومن الطبيعي أن ينتهز الأقباط هذه الفرصة ليقدموا فروض الطاعة ~~والخضوع للرجل الذي جلس على أنقاض المماليك ورسخت قدمه في البلاد، وكان أعضاء الوفد ~~يرتدون الكساوى ذات الأكمام المذهبة، المزدانة ms161 بالوريدات الذهبية، وعلى رءوسهم العمائم ~~الكشمير وأعربوا لبونابرت عن خالص ولائهم. # 13 # وقلق المسلمون لعمل الأقباط هذا مما دعا الجبرتي إلى اتهام النصارى صراحة بالتعاون مع ~~الفرنسيين، وأخذ يشهر بالنساء السوريات واليونانيات اللواتي كن يدخلن الحريم لإلقاء ~~الرعب في قلوب نساء البكوات المماليك وحملهن على دفع الضرائب التي فرضها الفرنسيون، ثم ~~يحمل على المباشرين الأقباط الذين يقومون بجباية الضرائب «على طريقة كبار الموظفين»؛ ~~أي: باستعمال السوط، وقال أخيرا الجبرتي: إن الأقباط والسوريين واليونانيين واليهود ~~أصبحوا لا يحتملون؛ لأنهم يركبون الخيل ويحملون السلاح. # ولكن سبق أن قلنا كيف كان بونابرت يعامل الأقباط بالقسوة، وأنهم لم يفوزوا بمعاملة ~~استثنائية إلا بعد أن تولى الجنرال «كليبر» الحكم، وبعد أن ثار سكان القاهرة مرة أخرى ~~على الفرنسيين ما لبث أن ألغيت الإجراءات الاستثنائية بعد مقتل القائد الجديد. # ولما طلب ثوار القاهرة الأمان، لم ير «كليبر» مانعا من منحهم إياه، ولكنه أثقل كاهل ~~البلاد بالضرائب بعد ذلك، ثم أرسل في طلب العلماء والأعيان وألقى فيهم خطبة ملأها ~~بعبارات التهديد والوعيد ووصفهم بالرجال الأشرار الجاحدين، وأخبرهم بفرض ضريبة ~~استثنائية على جميع السكان، ما عدا النصارى الذميين. # 14 # إلا أن هذا الإجراء الذي يتفق تماما مع روح «كليبر» القاسية، كان يعتبر عملا غير ~~سياسي؛ إذ أوجد فرقا بين المسلم عدو الفرنسي، والقبطي الذي يدين بدينه، ثم إن النصارى ~~الذين عوملوا معاملة سيئة في أثناء ثورتي القاهرة، اعتقدوا بعد انتصار «كليبر» في سهول ~~عين شمس وقضائه على الثورة الداخلية، أن أركان حكم الفرنسيين قد وطد إلى الأبد، وأنهم ~~سيظلون أسياده «دون منازع، وقد استغلوا حظوة المحتل فتغطرسوا وتعجرفوا، وكتب الجبرتي في ~~هذا الصدد: «تطاولت النصارى من القبط والنصارى الشوام على المسلمين بالسب والضرب، ~~ونالوا منهم أغراضهم وأظهروا حقدهم ولم يبقوا للصلح مكانا، وصرحوا بانقضاء ملة ~~المسلمين وأيام الموحدين ... وأمر الفرنسيون بجمع البغال، ومنعوا المسلمين من ركوبها ~~مطلقا سوى خمسة أنفار من المسلمين؛ وهم: الشرقاوي والمهدي والفيومي والأمير وابن محرم، ~~والنصارى المترجمين وخلافهم لا حرج عليهم.». # 15 # ولما اغتال ms162 سليمان الحلبي الجنرال «كليبر» تحرك نار الانتقام في قلوب الجنود ~~الفرنسيين واشتعلت فجأة، وقال نقولا ترك: إنه كان في نية العساكر الفرنسية أن يبيدوا ~~جميع سكان القاهرة من مسلمين ونصارى. # وخلف «مينو» الجنرال «كليبر» ولما كان «مينو» رجلا إداريا، أظهر ريبته من المباشر ~~القبطي، ولما كان القبطي غير محبوب من الفرنسيين، فقد تحمل مضايقات لا حصر لها ولا ~~عداد، بينما تعرض المباشرون لرقابة شديدة «وكان الفرنسيون يعاقبون بقسوة المباشرين ~~الأقباط الذين اختلسوا الأموال، وكانوا يتربصون الفرصة للاستغناء عن هؤلاء الموظفين غير ~~المخلصين، وفي شهر فاندميير عام 9 من الثورة، اتهم «استيف» الأقباط باختلاس 1.293.143 ~~جنيها على حساب دافعي الضرائب، فأمر «مينو» بالقبض على المباشر أبي طاقية وتغريمه 750 ~~ألف جنيه لتعويض الخسائر.». # 16 # ونقرأ أيضا في البند الرابع من الأمر المؤرخ 10 فاندميير عام 10، الخاص بإعادة تنظيم ~~الإدارة المصرية: «أن الأقباط ما هم في مصر إلا أقلية مكروهة من المسلمين؛ لأنهم يعملون ~~على إثارة هذا الحقد عليهم، إنه يجب علينا أن نضمن لهم العدل والحرية، ولكن ليس من ~~الحكمة بل من الخطر أن نتحالف معهم ونمنحهم الامتيازات؛ لذلك سيحضر رؤساؤهم ورؤساء ~~الأمتين اليونانية والسورية جلسات الديوان على أن يكون رأيهم استشاريا فقط.». # وعمل «مينو» على تحقيق مشروع بونابرت الخاص بتجريد الموظفين الأقباط من امتيازاتهم، ~~وقد ألغى فعلا وظائف المباشرين في النظام الإداري الجديد، واستثنى من ذلك المعلم يعقوب ~~«الذي لا مراء في كفاءته وإخلاصه للفرنسيين، وقد يبقى في الديوان بصفه مستشار لمدير ~~الإيرادات العامة، وطلب إليه أن يقدم إلى الجنرال «استيف» المشايخ الذين سيقومون بجباية ~~الضرائب، ويكون لهم لقب المباشر، وكذلك الأقباط الذين سيعملون تحت إمرة هؤلاء ~~الشيوخ». # وكتب «مينو» إلى الجنرال المعلم يعقوب يبسط له الأسباب التي جعلته يتخذ هذا القرار ~~فقال: «أنت تعلم أنني قليل الثقة في عدد كبير من مواطنيك الأقباط، فراقبهم بعناية ~~فائقة؛ إذ إنهم غير مرتاحين إلى الإجراءات الإدارية التي اتخذتها والتي ترمي إلى إعادة ~~النظام الذي لا يحبوه.». # 17 # أما الأقباط، فقد اتهموا بدورهم ms163 الفرنسيين أنهم يريدون التخلص منهم كي يختلسوا مال ~~الخزينة العامة، وعلى العموم فإن هذه الإجراءات التعسفية الموجهة ضدهم جعلتهم يتمنون ~~جلاء الفرنسيين عن الأراضي المصرية، نعم أنهم كانوا يعلمون أن مواطنيهم المسلمين سوف ~~يحاولون الانتقام منهم، إذا ما رحل الفرنسيون عن البلاد، ومع ذلك اختاروا أقل الضررين، ~~وفضلوا أن يقاسوا العذاب على أيدي المسلمين مدة من الزمن على حرمانهم من وظائفهم إلى ~~الأبد. ~~(5) الجنرال يعقوب وتكوين الفرقة القبطية # على أن هناك نقطة لم تزل غامضة ألا وهي تعاون الأقباط العسكري مع المحتل. # في نظر بعض الكتاب الوطنيين لا تحتمل مسألة المعلم يعقوب أية مناقشة: إنه خائن تعاون ~~مع الفرنسيين وأسهم في ذل الشعب المصري، ولم يحاول الكتاب الأقباط أنفسهم أن يفرقوا بين ~~موقف المعلم يعقوب وبين موقف سائر الأقباط، وذهب أحدهم إلى حد كتمان هذه المسألة مما ~~ضاعف كبر ذنب الأقباط في عيون الوطنيين. # 18 # واعتمد المؤرخ «جورج دوان» على حديث جري بين القبطان «جوزيف إدموندس» وبين الجنرال ~~يعقوب وصديقه «لاسكاريس» على ظهر السفينة «بلاس» وهما في طريقهما إلى فرنسا، فأكد أن ~~يعقوب كان يهدف إلى تحقيق استقلال مصر، # 19 # وقد أيد هذا الرأي المؤرخ المصري شفيق غربال بك. # 20 # واعتمد سلامة موسى على هذه المذكرات ليكتب في جريدة «مصر» القبطية عدة مقالات يمجد ~~فيها أعمال الجنرال يعقوب الذي اعتبره أول من رفع صوته في مصر وفي أوروبا مطالبا بحرية ~~البلاد واستقلالها. # على أننا نرى شخصيا أن مختلف النظريات التي قيل بها حتى الآن نظريات خاطئة، ونقول: ~~إن الجنرال يعقوب أنكر وطنه إن لم يكن قالبا فقلبا منذ اللحظة التي كون الفرقة ~~القبطية، وسنرى من جهة أخرى أن الأمة القبطية استقبلت عمل الجنرال يعقوب بفتور. # ولكن هذا لا يعني أن يعقوب كان خائنا؛ # 21 # إذ لم يكن وقتئذ جنسية مصرية محدودة، وكيف نلومه على موقفه هذا بينما طلب ~~العثمانيون مساعدته لهم عند انسحاب الفرنسيين؟ # فإذا أردنا أن نفهم نفسية هذا الرجل، يجب أن نلقي نظرة عن أعماله قبل الاحتلال ~~الفرنسي. ms164 # كان يعقوب زكيا وصحيح البدن، وقد اشتهر بمهارته في ركوب الخيل كان يشغل كسائر أبناء ~~طائفته وظيفة المباشر، ولكنه لم يكن مسالما مثلهم؛ إذ إنه انضم، قبل وصول الفرنسيين ~~بزمن طويل، إلى صفوف إبراهيم بك ومراد بك في المعركة الكبرى التي دارت بين جيوش ~~المماليك وجيوش القبطان باشا، وقد شكره البكوان لشجاعته وأغدقا عليه النعم، وفي سنة ~~1798، أصبح يعقوب وجيها وثريا يحترمه ويعتبره الجميع. # ولما قدمه جرجس الجوهري إلى الجنرال «بوسييلج» كتب هذا الأخير إلى بونابرت قائلا: ~~«يقول الجوهري: إنك لن تجد إنسانا أكثر غيرة منه على مصالحنا، وإنه يضع رأسه بين يديك ~~راجيا أن تأمر بقطعها إن بدا من المعلم يعقوب أدنى خيانة.». # 22 # ونشعر هنا أن يعقوب المقاتل أعجب بقوة هؤلاء الجند الشبان الذين هزموا مماليك مراد بك ~~وإبراهيم بك الذين عرف عنهم أنهم لا يكسرون، ثم إن يعقوب عرف عنه أن إخلاصه لرؤسائه ~~يذهب به إلى حد إنكار الذات، وكان المماليك هم رؤساءه بالأمس، أما اليوم فكان الفرنسيون ~~رؤساءه. # وقد ألحق يعقوب الجنرال «ديزيه» مباشرا، وأعجب إعجابا شديدا بهذا القائد الشاب ~~لشجاعته الفائقة ومهارته الحربية، فما كان منه إلا أن ألقى بدواته المعلقة بزناره واستل ~~سيفه من غمده وخاض غمار معارك طاحنة، وعرض نفسه للهلاك أكثر من مائة مرة، هذا لأنه كان ~~يعتبر نفسه جنديا من جنود بونابرت، وأخذ ينسى شيئا فشيئا أصله المصري ~~القبطي. # ولما سافر «ديزيه» إلى فرنسا مع بونابرت، استقر يعقوب بالقاهرة حيث كان يحيط ~~الفرنسيين بمعلومات مفيدة، غير أن رائحة البارود ما زالت به حتى جذبته إليها، فلما ~~حاصره الثوار في ثورة القاهرة الثانية، برهن أكثر من مرة على مهارته في الفنون الحربية، ~~الشيء الذي جعله يستطيع أن يطلب إلى «كليبر» السماح له بتجنيد فرقة من الأقباط يتولى ~~قيادتها، وقد أجاب «كليبر» إلى طلبه ومنحه رتبة أغا، وفرح يعقوب لذلك وأراد أن يعترف ~~بالجميل، فقام بتجهيز وتسليح فرقته على جيبه الخاص، وكان يبلغ عدد أفرادها ثمانمائة رجل ~~وصفهم الجبرتي كما يلي: «إن يعقوب ms165 القبطي لما تظاهر مع الفرنساوية وجعلوه ساري عسكري ~~القبط، جمع شبان القبط وحلق لحاهم وزياهم بزي مشابه لعسكر الفرنساوية مميزين عنهم بقبع ~~يلبسونه على رءوسهم مشابه لشكل البرنيطة، وعليها قطعة فروة سوداء من جلد الغنم في غاية ~~البشاعة، مع ما يضاف إليها من قبح صورهم وسواد أجسادهم وزفارة أبدانهم.». # 23 # إن تحيز الجبرتي ضد هذه الفرقة يكشف لنا عن شعور بعض المعاصرين العدائي، على أن ~~الأقباط لم يكونوا أول من زود الجيش الفرنسي بالرجال فقد سبقهم إلى ذلك عمر القلقجي ~~الذي «توسط لمغاربة الفحامين وجمع منهم ومن غيرهم عدة وافرة وعرضهم على ساري عسكر، ~~فاختار منهم الشباب وأولى القوة وأعطاهم سلاحا وآلات حرب ورتبهم عسكرا ورئيسهم عمر ~~المذكور وسكن العسكر المغربي بدار عند باب سعادة، ورتبوا له من الفرنسيس جماعة يأتون ~~إليهم في كل يوم، ويدربونهم على كيفية حربهم وقانونهم ومعنى إشاراتهم في مصافاتهم، فيقف ~~المعلم والمتعلمون مقابلين له صفا وبأيديهم بنادقهم فيشير إليهم بألفاظ ~~بلغتهم، # 24 # ثم انضم المماليك إلى الفرنسيين بعد المغاربة، أما الأقباط فكانوا آخر من ~~التحق بالجيوش الفرنسية، وعلى أي حال، كان مجهودهم محدودا جدا، على خلاف المغاربة، ~~فلم يشتركوا حتى في المعارك التي سبقت تسليم الجيوش الفرنسية، ولكن فرقتهم بقيت معسكرة ~~في القاهرة وأخذ يفكر أفرادها في حلها، والواقع أنه بينما كان يعقوب يستعد للإبحار إلى ~~فرنسا، ركن جنده إلى الفرار أو الاختباء منه على الرغم من ضغطه عليهم». # لا يترك الإنسان بلاده باحثا عن المغامرة إلا بدوافع قوية، وكان الأقباط لم يدركوا ~~أبدا السبب الذي جندوا من أجله، أما يعقوب، فكان عالما بما فعل، أنه نسي وطنه ووهب ~~نفسه لخدمة رؤسائه الجدد منذ الأيام السعيدة التي تعاون خلالها مع «ديزيه»، ولكن كيف ~~يكسب تقديرهم وهو مباشر؟ لذلك انتسب إلى الجيش وساعدته أعمال البطولة التي قام بها على ~~اكتساب عطف الفرنسيين، وتسلم قبل الجلاء بعشرة أيام رتبة جنرال خطابا يعبر فيه بونابرت ~~عن خالص شكره على الخدمات التي أداها لفرنسا، فحال هذا التقدير دون اهتمامه ms166 بعروض الصدر ~~الأعظم الذي منح له الأمان ووعده بإعادته إلى وظيفته السابقة، أما المعلم جرجس الجوهري، ~~فقبل عروض الصدر الأعظم واستأنف نشاطه الخاص بجباية الضرائب تحت الحكم العثماني، ذلك ~~لعدم وجود رباط الود بينه وبين الفرنسيين، بخلاف المعلم يعقوب الذي تعلق من زمن ~~بالجنرال «ديزيه»، وكان يكن لهذا البطل حبا شديدا لم يحاول أن يخفيه أبدا، ولما ~~خر «ديزيه» صريعا في ساحة القتال الأوروبية، حياه جنوده المقيمون في مصر «وكان المعلم ~~يعقوب حاضرا بملابسه العسكرية الفاخرة وقد التف حوله حرس الشرف وفرقة من جنوده، وكان ~~حزنه يفوق كل حزن، ولما فكر الفرنسيون في عمل نصب تذكاري له، أسرع يعقوب بالكتابة إلى ~~الجنرال «مينو» قائلا: «يا ديزيه! سيقام لك نصبا في فرنسا! إن يعقوب الذي كنت تحبه ~~وكان يدللك كنفسه سيدفع ثلث التكاليف مهما بلغت ... وهكذا سوف تعلم الأجيال القادمة أن ~~يعقوب الذي حارب بجانبك كان يستحق تقديرك ... يا للحسرة! لقد وهبك قلبه منذ زمن ~~طويل.». # وهو كما نرى شعور لم نعهده في أقباط هذا العهد! لقد امتاز يعقوب عن سائر أفراد أمته، ~~وأراد أن يهدف مثل «ديزيه» إلى الفخر على ساحة القتال، ولكن شاء القدر أن يصاب على ~~السفينة التي كانت تقله إلى فرنسا بمرض مجهول قضى نحبه على أثره، ولم تكن آخر كلماته عن ~~مصر ولا عن أسرته ولا عن أفراد فرقته الذين ساروا في ركابه، وبينما كان يحتضر، طلب إلى ~~الجنرال «بليار» الذي كان بجواره، أن ينعم عليه بدفنه في قبر «ديزيه» نفسه، ولكن لم ~~تنفذ رغبته؛ لأنه توفي على ظهر الباخرة فألقي جسده في عرض البحر. ~~(6) الأقباط بعد جلاء الفرنسيين # عمل الفرنسيون في الاتفاقية التي وقعوها على تأمين النصارى والمسلمين الذين ساعدوهم، ~~فاشترطوا في المادة الثانية عشرة أن لكل من يقطن مصر مطلق الحرية، مهما كانت جنسيته، في ~~اللحاق بالجيش الفرنسي دون أن تتعرض أسرته للاضطهاد أو توضع ممتلكاته تحت الحراسة، وفي ~~المادة الثالثة عشرة أنه لن يضطهد الذين يقطنون مصر، مهما كانت ديانتهم، في أشخاصهم أو ms167 ~~في ممتلكاتهم بسبب علاقاتهم مع الفرنسيين في أثناء احتلالهم مصر، على أن يتبعوا من الآن ~~فصاعدا قوانين البلاد. # ولكن على الرغم من هاتين المادتين الصريحتين، فقد أرهق الشعب الفرنسيين في أثناء ~~انسحابهم، ثم وجه غضبه إلى النصارى. # وهكذا لم تحاول الإجراءات التي اتخذها رجال الشرطة ولا تصريحات الوالي دون التخفيف من ~~نار الانتقام المتأججة في قلوب الشعب إلا بعد مضي وقت طويل. ~~(7) دروس الحملة # دام احتلال الفرنسيين لمصر أقل من ثلاث سنوات، ولكن هذه الفترة الوجيزة كانت حافلة ~~بالأحداث ومليئة بالعظات. # جاء بونابرت إلى مصر مشبعا بأحسن الشعور نحو المسلمين، وكان يريد أن يحابيهم على ~~حساب النصارى إلا أن المسلمين أساءوا الظن به ثم عادوه، وأخيرا كرهوه، إنهم نسوا ~~تصريحات بونابرت المفعمة بالعطف على الإسلام، وظلوا يتذكرون دخول الفرنسيين ساحة الأزهر ~~حيث كان يعتصم ثوار القاهرة. # أما شعور النصارى، فكانت أكثر تعقيدا وقد رحب البعض؛ أي: اليونانيون والسوريون ~~والأوروبيون، باحتلال الجيوش الأجنبية لمصر بينما أن البعض الآخر؛ أي: الأقباط، كبت ~~شعوره ولم يظهروا عداءهم كما حدث عندما نزل الصليبيون إلى السواحل المصرية؛ ذلك لأن ~~حملة بونابرت كانت خالية من الطابع الديني، ثم إنهم كانوا يرحبون أن يرفع الفرنسيون من ~~شأنهم حتى شعروا بأن المحتل كان يقصد تجريدهم من وظائفهم التقليدية؛ أي: وظائف ~~المباشرين، وعندئذ تمنوا عودة رؤسائهم الأتراك. # ولم يصف أحد شعور بونابرت نحو الفرنسيين أحسن من بونابرت ذاته؛ إذ قال في جزيرة سانت ~~هيلينا بحضور «لاس كازبس»: «كنت أسيطر على جنودي إلى درجة يكفي معها أن أصدر إليهم ~~أمرا يوميا عاديا لأجعلهم يعتنقون الإسلام، وكان الشعب يرضى عن هذا العمل، وحتى ~~النصارى أنفسهم قد يجدون في هذا العمل أحسن حل لمشكلتهم، ولكانوا أقروني لاعتقادهم أنني ~~لا أستطيع أن أفعل لنا ولهم أحسن من ذلك.». # وبالاختصار، فإن الأقباط كانوا يتمنون رحيل هذا الأجنبي الذي لم يفدهم بشيء، بل كان ~~وجوده بينهم يزيد كره المسلمين لهم. # ويمكننا أن نستنتج من حوادث هذه الحملة ثلاث مسائل مهمة: # أولا: # أن احتقار المسلمين للأقباط ms168 جعل التفاهم بين هذين العنصرين من أعسر ~~الأمور. # ثانيا: # أن وجود أمة مسيحية في مصر أساءت إلى العلاقات بين الأقباط والمسلمين ~~بالرغم من أن هذه الأمة كانت مشبعة بروح العطف على الأغلبية. # ثالثا: # أن الأقباط الذين اضطهدهم المماليك واحتقروهم أصبحوا يرحبون بأمم ~~أوروبا المسيحية على شرط أن تكون هذه الأمم منزهة عن كل غرض ~~ديني. # | هوامش # الفصل الحادي عشر # | تسامح أسرة محمد علي والاعتراف القانوني بالمساواة بين المسلمين والأقباط # في هذه الحقبة المضطربة من حياة مصر؛ أي: في فجر القرن التاسع عشر، لم يكن يتصور الإنسان ~~أن ضابطا ألبانيا قدم البلاد حديثا، يستطيع بمحض إرادته أن يعدل القوانين، التي سنت ~~منذ أجيال لتحديد حالة الذميين الاجتماعية في العالم الإسلامي، وكان من الصعب أن يتصور أن ~~حاكما مجهولا، يخضع لسيادة السلطان، قد يشرع في حركة إصلاحية جريئة فيلقي على السلطان ~~والعالم أجمع درسا جميلا في التسامح. # قد يقول البعض: إن محمد علي اتبع هذه السياسة لشدة رغبته في إرضاء الأجانب، وحرصه على خلق ~~جو ملائم لتعاونهم معه؛ إذ كان تعاونهم لا بد منه لعدة اعتبارات لنسلم جدلا بهذا الرأي، ~~ولكن لماذا تسامح أيضا مع رعاياه النصارى؟ ومن كان يجبره على ذلك؟ ليس الأجانب على كل حال؛ ~~لأنهم كانوا يحتقرون الأقباط، ولا الباب العالي الذي أشعل نار الثورة في أنحاء الإمبراطورية ~~لصلابته نحو الذميين. # ثم إن ولاة مصر الحديثة، لما انتهجوا سياستهم القومية، لم يخلطوا بين الأقباط ومسيحيي ~~الغرب في حين أن الأقباط أنفسهم لم يرغبوا في ربط مصيرهم بمصير الأجانب لكرههم لهم، ففي ~~منتصف القرن التاسع عشر ظهرت - بفضل سياسة الأسرة الملكية وبتأثيرها - تيارات جديدة كان من ~~شأنها أن تحطم نهائيا النظم الاجتماعية العنيفة التي كان يعمل بها. # وهذا التطور البطيء الوطيد الأركان كلل بالفوز بفضل تعاون الأسرة المالكة مع الأعيان، ~~فعلينا أن نحدد الدور الذي لعبه كل من الطرفين قبل أن ندرس الأحكام الرسمية، التي قررت ~~المساواة السياسية والاجتماعية بين جميع العناصر التي تتألف منها الأمة المصرية. ~~(1) روح التسامح في ms169 الأسرة الملكية # مما لا شك فيه أن محمد علي خلق في مصر جوا اجتماعيا جديدا، ولما كان خلفاؤه ~~مشبعين بهذه الروح، فقد انتهجوا سياسة رفعت مصر في نظر الأمم الغربية، وليس في ~~استطاعتنا أن نعدد مآثر العائلة الملكية في هذه الناحية؛ لأن الأمثلة كثيرة جدا على ~~عكس العصور السابقة. # وفضل مؤسس الأسرة المالكة كبير جدا؛ ذلك لأنه تولى السلطة في عصر مضطرب غاية ~~الاضطراب، في عصر كانت الخزينة المصرية خاوية من المال بينما كانت مصاريف الدولة باهظة ~~والأقلية الدينية معرضة دائما لاضطهاد الحكام، ومما يزيده فضلا أنه كان أول حاكم مسلم ~~اتبع سياسة تسامح حقة، أما السلطان محمود الثاني، الذي تولى عرش الإمبراطورية العثمانية ~~عام 1808، فقد اكتفى بحذو محمد علي بالكلام، لا بالأعمال، كان يقول: «لا أريد أن تكون ~~هناك فوارق بين أفراد شعبي المنتمين إلى أجناس أو أديان مختلفة، ويجب ألا يختلفوا إلا ~~في طريقتهم الصلاة في معابدهم.» غير أن هذه التصريحات لم تكن قاطعة إلا من حيث الشكل ~~ولم تطبق تطبيقا عمليا، وبعد إحدى وعشرين سنة انتزعت الدول من السلطان فرمان ~~الكلخانة سنة «1839م»، وهو عبارة عن تصريح شفاهي كتب بأسلوب مبهم، وبعد سبع عشرة سنة ~~أخرى، انتزعت منه وعدا شفاهيا آخر دون في الخط الهمايوني المؤرخ سنة 1856. # وفي هذا الأثناء كانت مصر تسرع الخطى تحت إشراف ولاتها في سبيل الوصول إلى المساواة ~~السياسية والاجتماعية بين أبنائها، والفضل في الحصول على هذه النتيجة يعود بلا شك إلى ~~إرادة وقوة عزم مؤسس الأسرة الملكية. # فلما جلا الفرنسيون عن مصر، تركوا الأقباط لا حول لهم ولا قوة، وتركوا المسلمين في ~~حالة هياج شديد، اتهم القبطي بالتعاون مع المسيحي الأجنبي مع أن ~~الأقباط - كما بيناه - لم يرغبوا في وجود الأجانب ~~بينهم بل تمنوا رحيلهم، ولكن المسلم الذي تحمل السوء من جراء أعمال القمع في أثناء ~~ثورتي القاهرة، حاول أن يثأر لنفسه من النصارى، فأهان الأقباط وفرض عليهم الغرامات وحكم ~~على بعض أعيانهم بالقتل. # ولا غرابة حينئذ إذا كان الأقباط، في تلك ms170 الحقبة التعسة من تاريخهم، نظروا إلى ~~الأجنبي برهة، وكتب المستر وليم هاملتون، قائد الأسطول البريطاني عام 1801، من مدينة ~~أثينا بتاريخ يوليو 1802: «يميل الأقباط كثيرا إلى الإنجليز وهم في هذه الآونة شديدو ~~الاستعداد لإجابة مطلب الحكومة البريطانية.» # 1 # ولما أهمل البريطانيون هذه العروض، تحول الأقباط إلى الفرنسيين، وكتب ~~الجنرال سيبستياني بدوره في التقرير الذي رفعه إلى بونابرت بتاريخ يناير عام 1803، ~~يقول: «اقترح المباشر القبطي أن يراسلني ليطلعني على الحوادث المهمة في مصر وسوريا، ~~وعرض خدماته وخدمات أمته في حالة تطلعنا إلى الشرق، وتدل جميع المظاهر على شدة إخلاصه ~~لنا، ولكني أجبته بأن ليس عندي تعليمات بهذا الشأن.». # 2 # ولم يعطف محمد علي نفسه على الأقباط قبل أن يستتب الأمن في البلاد، ولما كان همه ~~الأول دفع رواتب جنوده وإحباط دسائس أعدائه، فقد اعتمد أول الأمر على الطريقة ~~التقليدية، وهي فرض غرامات على الأقباط الذين أفلحوا في أن يصرفوا الأنظار عنهم في ~~أثناء المعارك بين الأتراك والمماليك بعضهم بعضا، ثم في أن يعينوا مباشرين ~~ويغتنوا. # ولما استقرت الأمور، ترك محمد علي جانبا نظم الحكم العتيقة ومن اللحظة التي قرر فيها ~~استخدام المصريين والاعتماد عليهم، قضى مبدئيا على التفرقة بين القبطي والمسلم؛ لأن ~~كليهما يستطيعان أن يقدما له أحسن الخدمات، ورأى أيضا أنه لا داعي لتحقير الأقباط بدون ~~سبب؛ لأن الشخص، إذا أريد أن يؤدى واجبه على أحسن وجه، وجب أن يكون محترما من الناس، ~~ومضمون «التذكرة» الآتية هو أحسن دليل على صدق نيات الباشا، وبها: «إن يوسف الذي يشتغل ~~في الجبخانة في خدمة الدولة، وقد حررنا له هذه التذكرة الصادرة من ديواننا وسلمناها ~~إليه حتى لا يتعرض لأية ملحوظة بسبب زيه.». # 3 # لقد كان الأمر صريحا، ولما كانت مسألة الأزياء، حتى أوائل القرن التاسع عشر، لم تفقد ~~من حدتها التي كانت عليه في أوائل الفتح الإسلامي، فقد غضب المسلمون لموقف محمد علي ~~بدليل أن الجبرتي يحدثنا عن الأمر الذي صدر عام 1233ه «1817م» «إلى الأقباط والأروام ~~بأن يلزموا زيهم من الأزرق والأسود، ms171 ولا يلبسون العمائم البيض؛ لأنهم خرجوا عن الحد في ~~كل شيء ويتعممون بالشيلان الكشمير الملونة والغالية في الثمن، ويركبون الرهوانات ~~والبغال والخيول وأمامهم وخلفهم الخدم بأيديهم العصى يطردون الناس عن طريقهم، ويلبسون ~~الأسلحة، وتخرج الطائفة منهم إلى الخلاء، ويعملون لهم نشانا يضربون عليه بالبنادق ~~الرصاص .» # 4 # إلا أن الجبرتي كان يشك في إمكان تنفيذ هذه الأوامر، وها هو يسارع فيضيف ~~إلى ما تقدم: «فما أحسن هذا النهي لو دام». # ومن جهة أخرى، فإن محمد علي لم يحل بين النصارى وبين ممارستهم لطقوسهم الدينية، ولم ~~يرفض للأقباط أي طلب تقدموا به لبناء أو إصلاح الكنائس، وتحوي مخطوطات قصر عابدين عددا ~~كبيرا من الأوامر الخاصة بالكنائس، حررت بالصيغة الآتية: «أمر إلى ... بشأن التصريح ~~لطائفة الأقباط بتعمير الكنيسة ومساعدتهم في ذلك وعدم ممانعتهم.». # 5 # وفي عهد سعيد باشا والخديو إسماعيل تعددت أوامر بناء الكنائس، وقد رأينا الولاة ~~أنفسهم يستعجلون تنفيذها. # 6 # وكان الأقباط في عهد المماليك يعانون صعوبات كثيرة للحصول على إذن بالحج إلى الأراضي ~~المقدسة، ولكنهم استطاعوا بعد ذلك أن يقوموا كل عام بهذا الغرض تحت رعاية السلطات، وأول ~~وثيقة عثرنا عليها تعود إلى عام 1241ه «1825م»؛ أي: قبل فتح إبراهيم باشا بلاد الشام، ~~ويوصي فيها محمد علي متسلم غزة «بالقبط الذين يريدون الحج إلى القدس، وألا يدع لأحد ~~مجالا في التداخل في شئونهم.» # 7 # أما الوثائق المؤرخة عامي 1827 و1828، فكانت موجهة إلى متسلمي غزة والقدس، ~~وكان الباشا يوصيهما بحماية الراهب القبطي والزوار الأقباط الوافدين إلى القدس كعادتهم ~~كل سنة حاملين قفص الشموع إلى كنيستهم التي بالقدس وبصيانتهم وإكرامهم عند وصولهم إلى ~~غزة والقدس، # 8 # وكان محمد علي أول حاكم مسلم منح الموظفين الأقباط رتبة البكوية، واتخذ له ~~مستشارين من النصارى. # ولم يكتف محمد علي بخلقه جوا من التسامح وتحسينه لحالة الأقباط، بل ذهب إلى حد عدم ~~تردده في مؤازرتهم أحيانا، فقد حدث عام 1230ه «1814م»، في أثناء تمرد حامية القاهرة، ~~أن اعتصم النصارى، وقد استبد بهم الرعب في أحيائهم، وأقاموا ms172 عليها المتاريس وأغلقوا بعض ~~الأبواب، وتسلحوا بالبنادق «وأمدهم الباشا بالبارود وآلات الحرب دون المسلمين حتى إنهم ~~استأذنوا كتخدا بيك في سد بعض الحارت النافذة التي يخشون وقوع الضرر منها، فمنع ~~ذلك.». # 9 # وقد حدث عام 1845م شجار بين حمار ومزارع قبطي، فسب المزارع الحمار الذي ذهب يشكو ~~أمره إلى السلطات، فما كان من حاكم دمياط إلا أن أمر بضرب القبطي خمسمائة ضربة، والطواف ~~به في الحي النصراني ليهان من الجميع، ولما علم محمد علي بهذا الحادث، أرسل أحد كبار ~~ضباطه الذي أمر بسجن حاكم دمياط خمس سنوات في قلعة أبي قير وتغريمه مبلغا كبيرا من ~~المال. # 10 # أضف إلى ذلك أن مطران الأقباط الكاثوليك صرح للدكتور «بورنج» أنه يتجول في أنحاء ~~المدينة معلقا صليبه على صدره بحيث يراه الجميع، ولم يحاول أحد سبه أو إهانته، وأن ~~الأقباط جميعهم يستطيعون ممارسة طقوسهم الدينية بحرية تامة. # 11 # وكانت السلطات نفسها تحترم الدين المسيحي، فقد أمر محمد علي عام 1225ه «1810م»، كما ~~فعل من قبله ابن طولون، أن تقام الصلوات لترتفع مياه النيل «وخرج النصارى الأقباط ~~يستسقون أيضا، واجتمعوا بالروضة وصحبتهم القساوسة والرهبان وهم راكبون الخيول ~~والرهوانات والبغال والحمير في تجمل زائد، وصحبتهم طائفة من أتباع الباشا بالعصي ~~المفضضة.». # 12 # ومن البديهي أن بعض الذين اعتادوا فهم الأشياء على طريقتهم الخاصة لم يرتاحوا إلى هذا ~~التحول الكبير في معاملة النصارى، وقد نقل إلينا الجبرتي الذي كان يعبر إلى حد ما عن ~~شعور أبناء دينه، شكاوى الشعب بأسلوب لاذع، فقال: «كتبوا أوراقا لمشاهير الملتزمين ~~مضمونها أنه بلغ حضرة أفندينا ما فعله الأقباط من ظلم الملتزمين والجور عليهم في ~~فائظهم، فلم يرض بذلك، والحال أنكم تحضرون بعد أربعة أيام وتحاسبوا على فائظكم ~~وتقبضونه، فإن أفندينا لا يرضى بالظلم وعلى الأوراق إمضاء الدفتر دار، ففرح أكثر ~~المغفلين بهذا الكلام واعتقدوا صحته، وأشاعوا أيضا أنه نصب تجاه قصر شبرا خوازيق ~~للمعلم غالي وأكابر القبط.». # 13 # هل يفهم من ذلك أن محمد علي لم يكن مهتما بالناحية الدينية؟ ms173 لا بالطبع، بدليل أنه ~~نراه يكافئ الذين يعتنقون الإسلام منحا نقدية، ويعينهم في الوظائف الحكومية ... ~~إلخ، # 14 # ولم يتردد معاقبة المسلمين المرتدين علانية، # 15 # ولكنه لم يعط نفس الأهمية للخلافات التي كان مصدرها التقاليد البالية ~~العتيقة. # وعلى الرغم من دلائل التسامح الواضحة التي امتاز بها عصر محمد علي، لم يكن في استطاعة ~~النصارى أن يدعوا بأنهم على قدم المساواة مع المسلمين، فقد حث والي مصر الكولونيل «سيف» ~~«سليمان باشا» إلى اعتناق الإسلام؛ حيث لا يجوز لغير المسلم بأن يتولى قيادة الجيش، ولا ~~شك أن الوالي كان يعلم أن الوقت لم يحن بعد ليقطع صلته كلها بالتقاليد القديمة، وقد ~~أفهمنا الجبرتي في معرض رثائه لأحد المباشرين النصارى يدعى عبود أن «الباشا كان يحبه ~~ويثق به ويقول: لولا الملامة لقلده الدفتردارية.» # 16 # وهذا الاعتراف الصريح يحدد بوضوح موقف الوالي من الذميين، ولكن يجب أن ~~نلاحظ أيضا أن محمد علي كان هو الآخر لا يرى في الأقباط إلا مباشرين ومحاسبين ممتازين، ~~فلم يحاول أن يدخلهم الجيش النظامي «وعلى كل فإن رغبة الأقباط عن الجندية كانت ظاهرة ~~بوضوح، ونفورهم من حياة المعسكرات كان من غنى عن الدليل»، ولا أن يعلمهم التعليم ~~الحديث، ومن الملاحظ أن أول بعثة علمية إلى فرنسا كانت خالية من الطلبة الأقباط مع أنها ~~كانت تجمع عددا من المسيحيين. # وصفوة القول، فقد أجمع نقاد هذا العصر على تقدم العلاقات بين المسلمين والأقباط، ~~تقدما محسوسا، ولكنهم أخذوا على الحكومة عدم اعترافها إلى ذلك الوقت بالمساواة ~~علنيا بين الدين المسيحي والإسلام. # وقد وصف المؤرخون الأجانب عصر عباس باشا بأنه عصر رجعي، والواقع أن عباس باشا كان ضد ~~الأوروبيين أكثر منه ضد النصارى، وإذا استغنى عن عدد كبير من الموظفين الفرنسيين على ~~وجه الخصوص، فقد عين وزيرين للخارجية من أصل أرمني، وهما أرام بك واسطفان بك، كما أنه ~~لم يفكر في التخلص من المباشرين الأقباط، لقد علل بعض المؤرخين الأوروبيين كرهه ~~للأوروبيين إلى نفوره من المسيحيين، غير أننا لا نذكر أي أمر عدائي أصدره ms174 عباس باشا ضد ~~الطوائف النصرانية. # ويعود الفضل في إدخال النصارى، وبخاصة الأقباط، في صلب الأمة المصرية إلى الوالي سعيد ~~باشا والخديوي إسماعيل. # كان سعيد يرغب في إشراك الأهالي في حكومة البلاد، بل كان يريد على الأخص إخراج ~~الأتراك من سلك الوظائف المدنية والحربية، وأن الخطبة الوطنية التي ألقاها في الضباط ~~المصريين في أواخر عهده قد أثرت فيهم تأثيرا كبيرا، ويقال: إنها من الأسباب التي أدت ~~إلى الحركة التي قاموا بها تحت إشراف عرابي باشا. # وكان من الطبيعي حينئذ ألا يحافظ سعيد باشا على روح التسامح التي أوجدها محمد علي ~~الكبير إزاء النصارى، بل يعمل على إزالة آخر العواقب نحو اندماجهم في صلب الأمة، فقطع ~~كل علاقة بينه وبين القديم بقراره قبول النصارى في الجيش، وتطبيق قانون الخدمة العسكرية ~~عليهم، وكان يعتقد سعيد أن النصارى إذا حملوا السلاح للدفاع عن وطنهم وخضعوا إلى نفس ~~الواجبات التي يؤديها المسلمون، اكتسبوا نفس الامتيازات التي يتمتع بها مواطنوهم، وينص ~~الأمر العالي الصادر في جمادى الأولى عام 1272ه «يناير 1856م» على أن أبناء أعيان القبط ~~سوف يدعون إلى حمل السلاح أسوة بأبناء أعيان المسلمين، وذلك مراعاة لمبدأ ~~المساواة، # 17 # إلا أن الأقباط وقد أعفتهم السلطة منذ أجيال من الخدمة العسكرية رأوا في ~~هذا الإجراء عملا ملتويا يهدف سعيد من ورائه إلى اضطهادهم، فلم يترددوا في تقديم ~~شكواهم إلى بعض أفراد الجالية البريطانية؛ أي: الإرساليات البروتستانية التي أجازها ~~بطريرك الأقباط، فضغطت هذه الإرساليات على الوالي كي يعفي الأقباط من الخدمة العسكرية، ~~أما تفاصيل هذه المسألة، فقد سردها علينا مؤرخان إنجليزيان معاصران، # 18 # وهما يصرحان أن التجنيد كان أداة لاضطهاد النصارى الذين قد يعرضون بعد ~~تجنيدهم إلى مختلف ألوان الاضطهاد، وأضافا إلى ذلك أن المراد هو إكراههم على اعتناق ~~الإسلام؛ إذ يكون إسلامهم شرطا أساسيا لترقيتهم في سلك الجيش، فوسط البطريك كيرلس ~~الملقب بالمشرع، بعض الإنجليز فاستطاع هؤلاء أن يحملوا سعيد على إعفاء الأقباط من ~~الخدمة العسكرية، ولكن يبدو أن البطريرك دفع عمله غاليا؛ إذ مات بعد ms175 ذلك بقليل بتأثير ~~السم، ومن جهة أخرى، أقال سعيد عددا كبيرا من الموظفين الأقباط. # إنه يصعب علينا، بما لدينا من المستندات، أن نؤكد هذا الحادث أو نكذبه، وليس من ~~المستحيل أن الأقباط تحملوا بعض الظلم، وهذا أمر طبيعي إذا قدر أن المسلمين لم يعتادوا ~~بعد إلى اعتبار الأقباط على قدم المساواة، ولا سيما في سلك الجندية. # وعلى كل، فهناك أمر صريح ألا وهو انتظام الأقباط في سلك الجيش في عهد إسماعيل ، وإذا ~~كنا لا نحتاج أن نثبت نفور المصريين المسلمين والأقباط على السواء من الخدمة العسكرية ~~في ذلك الوقت، إلا أن كلا الطرفين أدركا أنهما خاضعان لقانون التجنيد، وبينما كان ~~الكاتب الفرنسي «جبرائيل شارم» # Charmes # يتحدث إلى ~~الخديوي إسماعيل في قصر عابدين، مرت كتيبة من الحرس أمام القصر، فقال إسماعيل لمحدثه: ~~«انظر إلى هذه الكتيبة أن فيها عربا وأقباطا، ومسلمين ونصارى، وهم يسيرون في صف واحد، ~~وإني أؤكد لك أنه لا يوجد بينهم من يهتم بديانة جاره، وأن المساواة بينهم ~~تامة.». # 19 # وهكذا كان سعيد باشا أول من دعى النصارى إلى حمل السلاح بمحض إرادته وقبل أن يخضع ~~السلطان نفسه إلى مطالب الدول الأجنبية فيعلن الخط الهمايوني المؤرخ 18 فبراير 1856، ~~وإذا لم تتأثر مصر بحركة الإصلاح في تركيا ولم تنتظر إصدار تعليمات الآستانة للقيام ~~بعمل مماثل. # والآن، وقد وضحنا بعض النقط الخاصة بتجنيد الأقباط، فإنه يجدر بنا أن نبرئ سعيد باشا ~~من التعصب الذي أريد اتهامه به، ألم نشاهد في عصره موظفين رأوا التقرب إليه بمنع إقامة ~~الأفراح في حالة اعتناق قبطي الديانة الإسلامية؟ وقد كتب الوالي إلى مدير جرجا في هذا ~~الشأن يقول: «علمت بأنه لسبب إسلام أقباط سوهاج، تجمع بعض الأهالي والشباب وتوجهوا عند ~~القاضي وأخذوا المذكور ومروا به بالأسواق متظاهرين ومفتخرين بإسلامه، وبما أن هذا العمل ~~كدر خواطر الأقباط والأجانب، فعند وصول علم بذلك قمتم بتفريق المتظاهرين تهدئة لخواطرهم ~~ثم عزلتم عمدة الناحية لسبب تساهله وتسامحه في ذلك أيضا، ثم حيث إن هذه الإجراءات، ولو ~~أنها أوجبت ms176 الممنونية، وإنما يجب أيضا بحسب التنبيهات بأنه عند حدوث مثل هذا الأمر ~~ينبغي إفادة هذا الطرف.». # 20 # أضف إلى ذلك أن سعيد باشا هو الذي ألغى الجزية المفروضة على الذميين بأمر أصدره في ~~ديسمبر سنة 1855 # 21 # وكتب المؤرخ «بول مريو» Paul Merruau # في ~~هذا الصدد: «إن الحد الذي وضعه الإسلام بين مختلف طبقات الشعب قد زال فعلا بعد أن تولى ~~سعيد الحكم، فإن روح تسامحه ظهرت في سلسلة من أعماله قد يطول بنا سردها، فقد عين ~~مسيحيا حاكما للسودان، # 22 # وهو إجراء يميز عهده أحسن تمييز؛ إذ إن هذا التعيين خطوة جديدة في طريق ~~التسامح، وهذا التسامح يهدف إلى إفادة البلاد بكل الكفاءات مهما كانت الديانة التي ~~تنتمي إليها، ونضيف إلى ذلك أن سعيد باشا سمح للجنود المصريين أن يمارسوا ديانتهم ~~المسيحية علانية.». # 23 # أما الخديو إسماعيل، الذي تلقى علومه في فينا ثم في باريس، فقد وجد عند عودته إلى ~~بلاده أن الجو يصلح لاتباع سياسة من التسامح على أوسع نطاق، وقد أراد كأسلافه ألا تسبب ~~المسائل الدينية أي احتكاك بين العنصرين، وعبر عن خطته بوضوح في الأمر الصادر عند توليه ~~السلطة ردا على سؤال وجهه إليه أحد كبار الموظفين، قال في الإفادة المؤرخة 10 محرم ~~1280ه «1863م»: «إن خليل عوض الحاوي، من أهالي السلمية ومن طائفة الأقباط، قدم عرضا ~~يطلب فيه الخروج عن الدين المسيحي، برغبته وبدون إجبار، واعتناقه الدين الإسلامي، فإنه ~~يجب استحضاركم قسيسا من قساوسة الأقباط، وكم عمدة من عمد الأقباط لأجل إقرار خليل عوض ~~الحاوي أمامهم بأنه راغب اعتناق دين الإسلام من غير أن يجبره أحد في ذلك لأجل ألا تكون ~~هذه المسألة وسيلة فيما بعد للتشكي، وبعد إقراره أمامهم يصير التصديق منهم على الإقرار ~~ويحفظ بالمديرية.» # 24 # ولم تكن هذه الإجراءات الدقيقة تتبع في مصر قبل ذلك التاريخ، بل كانت ~~الإجراءات في مثل هذه الأحوال بسيطة للغاية. # ثم كانت العلاقات بين الخديو وبطريرك الأقباط على خير ما يرام، ويقص علينا قليني فهمي ~~باشا في ms177 مذكراته أنه «عندما أريد تنظيم شوارع مصر وفتح شارع كلوت بك، كانت يقضي النظام ~~لجعل هذا الشارع قويما أن يمر بكنيسة الأقباط، فعرض على الأنبا ديميتريوس البطريرك ~~آنئذ أن تبنى له كنيسة أفخر من هذه الكنيسة وكذا دارا للبطريركية أفخر من دارها ~~الحالية، كل ذلك على نفقة الحكومة في نظير مرور الشارع معتدلا، فأجاب البطريرك قائلا: ~~«إني أتشاءم من هدم معبد ديني ليكون طريقا، كما أنني لا أرضى لجناب الخديو أن يوافق ~~على هذا العمل، ولما عرض الأمر على الخديو قال: لتكن إرادة البطريرك وليبق المعبد ~~قائما كما هو.». # 25 # ولأول مرة أيضا نرى حاكما مسلما يشجع أديبا ويدعم ماديا التعليم الطائفي، وفي ~~أمره العالي المرسل إلى نظارة المالية، طلب الخديو منح المدارس القبطية الأرثوذكسية ~~إعانة مالية فقال: «إنه نظرا لما علم لدينا من حصول السعي والاجتهاد من بطركخانة ~~الأقباط في استعداد وانتظام مكاتب ومدارس وإيجاد معلمين بها لتعليم الأطفال ما يلزم من ~~العلوم واللغات الأجنبية ونحو ذلك، وسعيها في هذا النوع أوجب الممنونية عندنا، فلأجل ~~مساعدتها على ذلك وتوسعة دائرة التعليم الجارية بمكاتبها، قد سمحت مكارمنا بالإحسان على ~~تلك البطركخانة بألف وخمسمائة فدان عشورية من أطيان المتروك والمستبعدات الموجودة ~~بالمديريات على ذمة الميري.». # 26 # ذلك لأن الخديو كان يؤمن بأن القبطي مصري كالمسلم على حد سواء، وكان لا يرتاح إلى ~~الذين كانت تستهديهم الإرساليات الإنجليزية أو البروتستانتية، ولقد ذهب إلى حد وضع مركب ~~بخاري تحت إمرة البطريك ديميتريوس ليطوف برعيته ويحثها على البقاء في كنف الكنيسة ~~القبطية. # 27 # وقرر إسماعيل بعد ذلك علانية ورسميا المساواة بين الأقباط والمسلمين، وذلك بترشيح ~~الأقباط لانتخابات أعضاء مجلس الشورى، ثم بتعيين قضاة من الأقباط في المحاكم. # ولما تحدث الخديوي إلى نوبار باشا عن انتخابات مجلس شورى النواب، قال له: «عندنا ~~أقباط أيضا بين المنتخبين وقد فتحنا الأبواب للمسلمين والأقباط بدون تمييز.» # 28 # مع العلم أن قانون سنة 1866 الخاص بإنشاء مجلس الشورى كان لا يفرق بين ~~المصريين، وتنص المادة الثانية منه على أن ms178 «كل شخص بلغ من عمره الخامسة والعشرين يمكن ~~ترشيحه على شرط أن يكون أمينا ومخلصا، وأن تتأكد الحكومة من أنه ولد في البلاد.»، ~~أضف إلى ذلك أنه لما كان مجلس الشورى في أول عهده يستوحي إرشادات الخديو إسماعيل، فقد ~~أجمع النواب، بمناسبة مناقشة سياسة الحكومة التعليمية، على أنه يجب على المدارس ~~الأميرية أن تقبل أولاد النصارى والمسلمين بدون تفرقة، وقال بهذه المناسبة أحد أعضاء ~~المجلس من المسلمين: «محمد الشواربي»: إن الأقباط ما خرجوا عن كونهم من أبناء الوطن، ~~ولذلك يجب أن يكونوا ضمن المدارس التي تعمل بالمديريات، ولا يكونون خارجا منها متى ~~أرادوا الدخول فيها. # 29 # ويجب نهائيا ألا ننسى أن الخديو إسماعيل هو أول حاكم طلب رتبة الباشوية لرجل ~~مسيحي، # 30 # وكان الأقباط يصرحون بفخر، بعد وفاة هذا العاهل، بأن حالتهم تحت حكمه كانت ~~أحسن مما هي عليه تحت الاحتلال البريطاني، وقد ذكروا أن في عهد إسماعيل كان بينهم عدد ~~كبير من ذوي الرتب، وأن واصف باشا عزمي كان يشغل وظيفة مشرفة للغاية؛ إذ كان كبير ~~التشريفاتية، وبالرغم من أن البعض كذب هذه الإدعاءات وقالوا: إن هؤلاء الأقباط كانوا ~~يشغلون في الواقع وظائف أقل أهمية من التي ذكرت، فإن الأقباط على الأقل لم ينكروا ~~ضمنا شدة تسامح الخديو، وكتب «ساشو» # Sachot # المبعوث ~~إلى مصر من لدى الحكومة الفرنسية إلى «دروي» # Duruy # وزير معارف فرنسا قائلا: «ليس رعايا مصر من المسلمين فحسب! فمن المعلوم أن من أهلها ~~عددا غير يسير من المسيحيين الأقباط، وإني انتهز هذه الفرصة؛ لأنوه بالتسامح الديني ~~المنتشر في أنحاء القطر المرفرف على الجميع دون استثناء مما يشرف قوانين البلاد وشمائل ~~أهلها.». # 31 # ولكن أجمل مدح هو الذي فاه به إسماعيل باشا نفسه، فقد قال يوما لجبرائيل شارم: «يعيش ~~المسيحيون في تركيا في جو من التسامح المشوب بالاحتقار! وأما في مصر فإنهم يعيشون في جو ~~من التسامح المقرون بالاحترام.». # 32 # ولم ينأ خلفاء إسماعيل عن هذه السياسة، بل كانت الأقلية ترى وجودهم على رأس الدولة ما ~~يضمن ms179 سلامتهم، وعلى كل فقد ظهرت في أواخر عهد إسماعيل قوة جديدة هي الرأي العام، وكانت ~~المسائل الوطنية الكبرى تناقش بحرارة في الصحافة وفي الاجتماعات وفي مجلس شورى النواب، ~~وبالرغم من أن السلطة التنفيذية كانت تسيطر على جميع المسائل التي تهم الدولة، فقد ~~اضطرت أكثر من مرة أن تعمل حسابا لهذه القوة الجديدة. # والآن، وقد بينا موقف الحكام، يجدر بنا أن نتبع رد فعل الرأي العام والأعيان أمام ~~سياسة الحكام الجديدة. # لقد ذكرنا طوال دراستنا انتقادات الجبرتي للإجراءات التي اتخذها محمد علي لصالح ~~الأقباط، وأن ما لدينا من المستندات لا يسمح لنا بتسجيل غير هذه الانتقادات، أما ~~الرحالة الذين تحدثوا عن تسامح محمد علي، فقد اقتصروا على ذكر الوقائع دون أن يخبرونا ~~إذا كانت الأكثرية اعتادت هذه الأمور. # ولا يعقل أن نتوقع تغيير عقلية الشعب - أو على ~~الأقل الطبقة المستنيرة بين عشية وضحاها - بأمر محمد علي، ولكننا نستطيع أن نؤكد - ~~مستندين إلى بعض الأدلة - أن العلاقات بين العنصرين تحسنت تحسنا ملحوظا، وأن مبدأ ~~المساواة السياسية والاجتماعية أصبح شيئا فشيئا أمرا مألوفا، وكتبت «لوسي دوف جوردون» # Lucy Duff-Gordon # تقول: «إن أهالي ببا، ~~ومعظمهم من المسلمين، انتخبوا جرجس القبطي عمدة لهذه البلدة ... ومما أثار إعجابي، روح ~~التسامح التي أجدها في كل مكان، ويظهر أن المسلمين والأقباط على وئام تام، ويوجد في ببا ~~ثلاث عشرة أسرة قبطية مقابل عدد كبير جدا من المسلمين، ومع ذلك انتخب الأهالي جرجس ~~عمدة لهم، وكانوا يقبلون يده طائعين بينما كنا نمر في طرقات القرية.». # 33 # ومما كان يلفت النظر أيضا، وجود رؤساء الوزارات النصارى كنوبار باشا وبطرس باشا ~~غالي، في الاحتفال بسفر المحمل، مندوبين عن الخديو. # ويقول القاضي «فان بيميلين» # Van Bemelen # إن الأزمة ~~المالية التي حلت بالبلاد قبيل عزل إسماعيل وطدت شعور التضامن بين عنصري الأمة «ومنذ ~~اليوم الذي تحمل فيه المصريون المسلمون والأقباط النصارى المتاعب من عدم دفع الحكومة ~~للمرتبات ومن ضرائبها الجائرة، نما بين هذين العنصرين شعور إخوة.». # 34 # وكان أول اختبار لوجود هذا الاتحاد ms180 ثورة عرابي باشا التي قامت للقضاء على الضباط ~~الجراكسة والتخلص من المراقبين الأجانب والنهوض بالعنصر المصري، ألم تكن هذه الأوقات ~~العصيبة فرصة للمسلمين والأقباط ليظهروا تضامنهم وتعاونهم؟ قد اتفق فعلا جميع ~~المراقبين على الإشادة بروح التعاون التي نشأت قبيل الحوادث الدامية التي وقعت في شهري ~~يونيو ويوليو من عام 1882، بل من قبل عزل إسماعيل عام 1879، وأن الالتماس الذي رفع إلى ~~الخديو للمطالبة بإقالة «ريفرس ويلسن» # Rivers Wilson # وتأليف وزارة وطنية ودعوة مجلس الشورى قد وقع عليه الضباط والأعيان وبطريرك الأقباط ~~وشيخ الإسلام، ولا يتردد الكاتب الإنجليزي «ولفريد سكان بلنت» الذي شاهد هذه الحوادث، ~~في التصريح بأن العلاقات بين المسلمين والأقباط لم تكن أحسن مما هي عليه ~~اليوم. # 35 # ولكن وجود عرابي باشا على رأس الثوار والخطاب الذي أرسله إلى «جلادستون» # Gladstone # عندما كان الإنجليز يهددون بضرب ~~الإسكندرية فهددهم بإعلان الجهاد بعد سقوط أول قذيفة بريطانية بناء على تعليمات ~~النبي، # 36 # ثم توزيع الأسلحة على أفراد الجاليات الأجنبية استعمالها ضد أفراد الشعب، ~~كل هذه الأسباب أثرت تأثيرا على مجرى الحوادث، وحدث أن المتظاهرين والقوات المتقهقرة ~~كانوا يخلطون كثيرا بين الأجانب والنصارى الوطنيين. # وقد اتهم بعد ذلك السلطات وقيل: إنها هي التي حرضت الثوار على مهاجمة الأقلية ~~المسيحية كي تحط من شأن حركة عرابي الذي اعتبر ثائرا على الخديو، وقد قيل أيضا: إن ~~الخديو إسماعيل عمل على تحريك تعصب الجماهير فأمر وحبذ القيام بقتل جميع ~~النصارى، # 37 # وسواء كانت هذه الإشاعات حقيقية أم كاذبة، فإننا لا نستطيع أن ننتفع بها في ~~المشكلة التي نحن بصددها إلا إذا كانت تدل على أنه كان في استطاعة الناس الصيد في الماء ~~العكر في هذه الآونة، وبعث المعتقدات القديمة التي كانت في طريقها إلى الزوال. # وجاء الاحتلال البريطاني في أعقاب ثورة الضباط، وبتعبير آخر، احتلت دولة مسيحية بلدا ~~إسلامي، وفي أثناء هذا الاحتلال، اجتمع الأقباط عن هيئة مؤتمر في مدينة أسيوط وتقدموا ~~بمطالب عديدة باسم «الأمة القبطية»، وما لبث أن اجتمع أعيان المسلمين في مؤتمر عقد ms181 ~~لهذا الغرض وأنكروا على الأقباط مطالبهم. # وأخذ الناس يتحدثون عن الخيانة وعن محاولة الأقلية المسيحية استغلال وجود دولة ~~أوروبية لمصلحتها، أما المعتدلون فقد تأسفوا على عمل الأقباط بأسيوط وقالوا: إنهم وقعوا ~~ضحية دسيسة إنجليزية كان يقصد منها بذر التفرقة في البلاد للسيطرة عليها عن طريقها، ~~والواقع أنه لم تكن هناك أية خيانة؛ ذلك لأن الأقباط الذين كانوا على كرههم الشديد ~~للأجنبي لم يرتاحوا لدخول الإنجليز، وقد اعترف اللورد كرومر نفسه ضمنا بذلك، # 38 # ولم تكن هناك أيضا أية دسيسة إنجليزية بدليل أن الإنجليز أنفسهم فوجئوا ~~بهذا المؤتمر، وأن قليني فهمي باشا الذي عاصر هذه الأحداث أكد أن الذي أوحى به هو ~~الخديو عباس الثاني الذي أراد إقلاق المحتل من جراء ذلك. # إن انعقاد مؤتمر أسيوط في أثناء الاحتلال البريطاني يعد من الصدفة؛ ذلك لأن الأقباط ~~لم يكونوا يتوانون في يوم من الأيام عن التعبير عن عدم رضاهم لعواقب تقدم التعليم في ~~مصر، لماذا؟ قبل أن نجيب على هذا السؤال نعود إلى تسلسل الحوادث. # كانت لمصر، وهي بلاد غنية وحديثة العهد بالمدنية، عدة مرافق لاستغلال كفاءة شبابها ~~المتعلمين، وكانت إلى عهد توفيق باشا في حاجة إلى موظفين يديرون مصالحهم؛ إذ إن الطلبة ~~الذين تخرجوا في المدارس التي أنشأها محمد علي وأصلحها إسماعيل لم تكف لسد حاجات ~~البلاد، فقد كانت هناك وظائف لجميع أصحاب الشهادات لم يوجد واحد يعترض على حق الآخر في ~~شغل الوظائف، وهكذا استطاع الأقباط أن يديروا مالية البلاد وحدهم دون شريك لهم. # ولكن ما لبثت الديون التي اقترضها إسماعيل أن خلقت أزمة اقتصادية خطيرة، وقد استغرق ~~تسديد الديون موارد الميزانية، وكان من الطبيعي ألا تستطيع الحكومة الصرف على جيش كبير ~~ولا استبقاء العدد اللازم من الموظفين، فأحال الخديوي مئات الضباط إلى الاستيداع، أما ~~الطلبة الذين غادروا المدرسة قبل إتمام دروسهم للالتحاق بالوظائف الحكومية، فقد وجدوا ~~بعض الصعوبات لتحقيق أغراضهم. # ومن ناحية أخرى، استطاع الأقباط - منذ الفتح الإسلامي - احتكار إدارة البلاد المالية ~~والاحتفاظ بها بفضل طريقة شخصية للمحاسبة كانوا ms182 يحتفظون بسريتها، ويقول الدوق ~~«داركور» # 39 # Duc d’Harcourt ~~، في هذا الصدد: إن براعتهم الحسابية ~~فريدة في نوعها وهم، دون أن يستعينوا بكتابة الأرقام وبطرق اعتادها منذ نعومة أظفارهم، ~~يعملون حسابات في غاية التعقيد على أساس ~~، ~~، ~~، ~~، # من # ويصعب علينا أن نتابع عملهم الحسابي؛ لأنهم يقومون به بسرعة فائقة ~~مستعينين ببعض اختصارات غير مفهومة يدونونها على الورق، إننا نستطيع بدون شك أن نصل ~~أسرع منهم إلى الحل الدقيق، وذلك بالطرق الحسابية المتبعة في أوروبا، ولكن لما كانت ~~طرقهم موضوعة حسب المقاييس المستعملة في البلاد، ولما كانوا لا يلجئون إلى الحساب ~~العشري، فإن السرعة التي كانوا يعملون بها الحسابات في مصر تفوق سرعتنا، وبفضل هذه ~~الطرق المعقدة التي يعرفونها وحدهم، أصبح العرب لا يستغنون عنهم ، وإن كانوا قد اضطروا ~~إلى أن يسلموا بتفوق الأوروبيين عليهم إلا أنهم ظلوا أصحاب الأمر والنهي دون منازع أمام ~~الوطنيين المسلمين. # وأعتقد «دور بك» # Dor Bey ~~، مفتش التعليم بمصر، أنه قد ~~يكتشف في المدارس القبطية على منهج خاص لدراسة الرياضيات، ولكنه لم يلبث أن قال: «لا ~~يوجد من ذلك شيء، فإن الأولاد الأقباط يصلون إلى هذه المهارة في الحسابات بعد تمرينات ~~عملية؛ إذ يصحبون غالبا آباءهم إلى دواوين الحكومة ويجلسون بجانبهم أو تحت أقدامهم، ~~ويبدءون التدريب عليهم ثم يلتحقون بعد ذلك بدون أجر في خدمة الدولة.». # 40 # ولسنا في حاجة إلى القول إن هذه الملاحظات كان لها قيمة إلى ما قبل فترة الاحتلال، ~~ولكن لما شرع البريطانيون في تجديد طرق العمل الحكومي، ولما منعوا الآباء من استصحاب ~~أولادهم إلى مكاتبهم ولما تشددوا في تعيين ذوي الشهادات، ولما عمموا التعليم، شعر ~~الأقباط، أنهم سيفقدون الامتياز الذي مكنهم إلى ذلك الوقت من العيش عيشة رغدة ألا وهو ~~إدارة مالية البلاد، ويذكر هذا السبب بحذافيره الكاتب القبطي توفيق حبيب في مقدمة ~~تقريره عن مؤتمر أسيوط، فهو يقول: «كان الحكام يختصمون بالوظائف العمومية فئات أو طوائف ~~معينة سواء بحكم الميل أو الضرورة، ومن هذا القبيل نجد جميع الحكام والولاة الذين ~~تقدموا محمد ms183 علي، بل محمد علي نفسه وبعض خلفائه قد اختصوا الأقباط بمعظم مصالح الحكومة ~~في القاهرة والأرياف، كما اختصوا الأتراك بالمناصب العسكرية والإدارة، ولو قرأت أقوال ~~المؤرخين المسلمين لما وجدت اسم المصري المسلم في غير وظائف القضاء الشرعي إلا ~~نادرا.»، # 41 # ويستطرد الكاتب بذكر هذا القول المنسوب إلى اللورد كرومر: «لما احتل ~~الإنجليز مصر، كانت المصالح المصرية كلها تقريبا في أيدي الأقباط.»، ثم قال: «قد أباح ~~رجال الاحتلال للمسلمين، بل أعدوهم لدخول جميع الوظائف الكتابية والحسابية وغيرها مما ~~كاد أن يكون محتكرا للأقباط، إن الاحتلال البريطاني قضى على احتكار الأقباط لبعض ~~الوظائف.». # ليس الاحتلال البريطاني الذي ألغى احتكار الأقباط للأعمال الحسابية بفضل طرقهم ~~القديمة، إن إدخال الطرق الحديثة في العمل هي التي أدت إلى إلغاء هذا الاحتكار ، ويقول ~~«هامون» # Hamont ~~: «بحق إن كل نظام كفيل بتسهيل ~~العمل الإداري، كان يرفضه الأقباط؛ إذ كانوا يعيشون في الفوضى ومن الفوضى.». # 42 # لم يستطع أحد أن يلومهم؛ لأنهم دافعوا بجميع الطرق عن مصدر كسبهم الوحيد على ما ~~يعتقدونه، ولكن نستطيع أن نلومهم؛ لأنهم احتفظوا في عصر التقدم والمدنية بعقليتهم التي ~~كانوا عليها في الأزمنة الغابرة، ونذكر أن هناك سندا رسميا يكشف عن نية محمد علي، ~~بعد مصرع المعلم غالي، تعيين خبير فرنسي لينظم مالية البلاد. # 43 # والواقع أن الأقباط منذ الاحتلال البريطاني كانوا مشغولين بمستقبلهم أكثر من حاضرهم؛ ~~إذ كانوا على غير حق عندما تقدموا بشكواهم إلى اللورد كرومر وعقدوا مؤتمرا في أسيوط ~~يتبادلون فيه الرأي، عن مخاوفهم، وأقطع برهان لما نقدمه هو الإحصائيات التي أرسلها ~~السير «الدون جورست» # E. Gorst # المعتمد البريطاني إلى ~~حكومته في تقريره عن سنة 1901، وهذا الإحصاء يدل على أن الأقباط، الذي كان عددهم لا ~~يزيد عن عشر سكان القطر، كانوا يحتلون 45,32 في المائة من الوظائف ويقبضون 40 في ~~المائة من المرتبات في حين أن نصيب المسلمين لم يكن يتجاوز 44 في المائة والأجانب 6 في ~~المائة. # هل كانت مسألة الوظائف الدافع الوحيد لعدم رضا الأقباط؟ بالطبع لا ذلك ms184 لأننا لا ~~نستطيع إهمال العامل النفساني، فإذا تعمقنا في البحث، وجدنا أن غضب الأقباط يقابل إلى ~~حد بعيد غضب عرابي باشا وصحبه، لقد حلل القاضي «فان بميلين» بدقة موقف عرابي، وأننا لا ~~نعد أنفسنا مخطئين إذا أرجعنا عدم رضا الأقباط إلى نفس الأسباب التي أدت إلى ثورة عرابي ~~باشا، ويكتب «فان بميلين» قائلا: «على الرغم من التقدم الذي وصل إليه ~~المصريون.» # 44 # فإنهم كانوا أقل رضا عن ذي قبل، فقد حدث لهم ما يحدث عادة لشعب مظلوم تحسنت ~~حالته وفكت القيود عنه، فيتذمر هذا الشعب بدلا من أن يظهر امتنانه، والواقع أننا نشعر ~~في هذه الحالة بحدة الآلام التي ما زالت فينا، وبالنير الذي ما فتئنا نحمله، ونحترق ~~شوقا إلى امتلاك الأشياء التي تذوقنا جزءا منها، وكنا فيما مضى نرضخ بحكم العادة لما ~~لا بد منه ولمصيرنا المحتوم، ولكن إذا كانت التجارب تدل على استطاعتنا التحرير من هذه ~~القيود، طلبنا بفارغ الصبر الحرية التامة والمستعجلة، وبينما كنا لا نجرأ بالمطالبة ~~بشيء في الماضي تزداد جرأتنا كلما تتحقق مطالبنا وتزداد رغبتنا فيما نجرؤ على المطالبة ~~به # 45 # إلا أن الأقباط لم يظهروا استياءهم قبل عام 1908م عندما رفع أعيانهم إلى كل من مصطفى ~~فهمي باشا واللورد كرومر عريضة طلبوا فيها المساواة الكاملة فيما يختص بالتعيين في ~~الوظائف الإدارية، وإغلاق المحاكم يوم الأحد وتعيين عضو آخر في الجمعية الاستشارية، ~~وأخيرا تعليم الدين للطلبة المسيحيين في المدارس الأميرية. # وقد قبلت السلطات المطلبين الثاني والثالث بينما طرحت المطلبان الآخران على بساط ~~البحث، وقد تبادلت جريدتا «المؤيد» لصاحبها الشيخ علي يوسف «واللواء» التهاني بتلك ~~الخطوة نحو المساواة الاجتماعية، غير أن جريدة الحزب الوطني نشرت للشيخ عبد العزيز ~~جاويش مقالة عنوانها: «الإسلام غريب في بلاده»، كانت فاتحة نزال عنيف بين الصحافة ~~الإسلامية والصحافة القبطية. # وفي هذا الأثناء ترك مصطفى فهمي باشا الوزارة، فحل محله بطرس باشا غالي في 13 نوفمبر ~~1908، ولسنا بحاجة إلى القول إن الرئيس الجديد استقبل استقبالا فاترا، ولاحظ محمد بك ~~فريد بشيء من ms185 التهكم، في مقال له، إن بطرس باشا غالي هو الوزير الوحيد الذي لا يحمل ~~شهادة عالية، واختتم مقالة بقوله: إنه سيحكم على الوزير الجديد على ضوء أعماله. # ارتاح الأقباط لتعين بطرس باشا غالي رئيسا للوزراء وكفوا عن التذمر، وعقدوا آمالا ~~كبيرة على تعيينه، وقد ذهب أحد الأقباط إلى الرئيس الجديد وقال له: «إن شاء الله يا ~~باشا تنظر لمطالبنا القديمة، وتساعدنا على نيل المساواة في عهدك.»، ولكن بطرس باشا ~~غالي، الرجل السياسي المحنك الحريص على مصالح الطائفة القبطية أكثر من سواه، قاطعه ~~قائلا: «إني لا أنوي التدخل في هذه المسألة فابعدوا عنكم كل هذه الآمال الآن.». # ولكن بطرس باشا وقع مع الإنجليز اتفاقية السودان، فما كان من أحد الشبان المنتمين ~~إلى الحزب الوطني إلا أن اعتدى عليه وقتله، ويمكننا أن نتصور انفعال الأقباط وغضبهم ~~لهذه الفعلة، وأصبح أقل الناس تطرفا مستعدين للموافقة على أشد المقترحات ~~تطرفا. # وكان قد ظهر منذ بضع سنوات على مسرح السياسة خطيب شاب درس في جامعات مصر وفرنسا وتنبأ ~~بالخطر الذي ينجم عن تعادي عنصري الأمة، ولما كان وطنيا مخلصا، فقد أدرك أن الوقت ~~غير مناسب للمجادلات الدينية، وكانت الأمة المصرية قد أدركت في عهد الاحتلال البريطاني ~~بأنه لم يعد من الحكمة أن تقوم مشادات لا فائدة منها تحول أنظار الرأي العام إلى أهداف ~~أخرى، وبأن العداء بين المسلمين والأقباط يساعد الأمة المحتلة على ترسيخ ~~أقدامها. # هذا الشاب هو مصطفى كامل مؤسس الحزب الوطني، وهو أول من جمع تحت لواء الوطنية ~~المسلمين والأقباط، وضم إلى حركته عددا كبيرا من أعيان الأقباط نذكر منهم ويصا واصف ~~ومرقس حنا، وقد لعبا فيما بعد دورا سياسيا خطيرا. # ومن خطب مصطفى كامل العديدة نختطف هاتين الجملتين: «إن المسلمين والأقباط شعب واحد ~~مرتبط بالوطنية والعادات والأخلاق وأسباب المعيش، ولا يمكن التفريق بينهما مدى الأبد.»، ~~«الأقباط إخوة لنا في الوطن.». # ولما توفي مصطفى كامل عام 1908، وهو في عنفوان الشباب، بكاه المصريون جميعا، ومن ~~ضمن ما قيل في رثائه، نذكر كلمة مرقس حنا ms186 باشا: «كون الفقيد الوحدة الوطنية وأرانا ~~طريق الإخاء والحرية، إن الشبيبة المصرية لا تعرف غير أنها الشبيبة المصرية ولا واجب ~~عليها سوى خدمة مصر والمصريين بلا تخصيص ولا تقسيم، هذا بناء مصطفى كامل وهذا عمل مصطفى ~~كامل، وقد بدا لنا جني ثمره من الآن؛ لأن الاتحاد هو السلم الأول للوصول إلى الحرية ~~والاستقلال.». # ولكن كانت هناك نقطة في برنامج الحزب الوطني قللت من حماس الأقباط، لقد دأب مصطفى ~~كامل على تأييد أحقية المسلمين دون سواهم بحجة أنهم يدينون بدين الدولة الرسمي، ولم ~~يخف اهتمامه بتجديد سياسة الجامعة الإسلامية، لذلك لم يوافق الأقباط على نقط برنامجه ~~كلها. # وعلى كل، لم تلبث أن ساءت العلاقات بين الأقباط وخلف مصطفى كامل محمد بك فريد. كان ~~محمد فريد وطنيا مخلصا، ولكن يعوزه اللين، ففقد تأييد جميع الأقباط لحزبه، وكان ~~استقباله لوزارة بطرس غالي استقبالا فاترا، بل لم يفه بكلمة واحدة تعبر عن تأثيره ~~الحقيقي وعن تأسفه لحادث اغتياله، ولما فقد كل أمل في معاونة الأقباط له، هاجمهم هجوما ~~عنيفا، وتراجع بعد ذلك وأكد أن القاتل كان مدفوعا إلى اقتراف فعلته بعاطفته السياسية ~~لا الدينية، لكن الأقباط شهروا سياسة الحزب وطلبوا إلى أبناء طائفتهم ألا يسهموا في ~~أعمالهم. # ألم يفهم من هذه الظروف أن مؤتمر أسيوط قام بتأثير شعور الانتقام؟ لذلك أنكره عدد ~~كبير من أعيان الأقباط وعلى رأسهم بطريرك الأقباط وواصف غالي باشا نجل بطرس باشا، فكتب ~~في عدد 23 يناير من جريدة «الريفورم» الفرنسية يقول: إن التفاهم تام بين عنصري الأمة، ~~وأصدر بعد ذلك نداء يدعو فيه إلى الوحدة لمجابهة المستقبل. # أما الطلبات التي اتفق عليها خلال مؤتمر أسيوط، فلا تختلف عن الطلبات التي قدمت إلى ~~مصطفى فهمي باشا واللورد كرومر، ويمكن تلخيصها فيما يلي: ~~(1) # راحة يوم الأحد. ~~(2) # المساواة في الوظائف. ~~(3) # تشخيص العناصر المصرية في الهيئات النيابية. ~~(4) # التعليم في مجالس المديريات (أو ضريبة الخمس في المائة لإعانة مدارس ~~الأقباط في المديريات). ~~(5) # الإنفاق من الخزينة المصرية على جميع المرافق المصرية على السواء. # وقد احتج ms187 المؤتمر الإسلامي الذي عقد في مصر الجديدة، بتشجيع من السير الدون جورست ~~وبرئاسة رياض باشا، على محاولة الأقباط «تقسيم الأمة المصرية باعتبارها نظاما سياسيا ~~إلى عنصرين دينيين، أكثرية إسلامية وأقلية قبطية.». # 46 # وقد لعب أعضاء هذا المؤتمر على وتر وحدة الأمة السياسية واستطاعوا بذلك أن ينتصروا ~~على منافسيهم، ويقول تقرير هيئة تنظيم المؤتمر: «إن مثل هذا التقسيم يستتبع تقسيم ~~الوحدة السياسية إلى أجزاء دينية؛ أي: تقسيم الشيء إلى أقسام تخالفه في الجهر ... إن لكل ~~أمة دينا رسميا وذلك ضروري بل مشخص من مشخصاتها، ودين كل أمة هو دين حكومتها أو دين ~~الأكثرية فيها، ولكن من غير المفهوم بالمرة أن يكون في الأمة أكثر من دين رسمي واحد، ~~وعليه فلا معنى للاعتراف بأقليات دينية تعمل في السياسة بهذه الصفة أو تكسب حقوقا عامة ~~أكثر من أن تخلي بينها وبين القيام بواجباتها الدينية عملا بحرية الاعتقاد ... وبعد ذلك ~~كيف يمكن الاعتراف بأن أقلية دينية تباشر بهذه الصفة الأعمال العمومية، ويكون لها مطالب ~~خاصة كأنما هي أقلية سياسية؟ لا يمكن الاعتراف بذلك إلا إذا أمكن أن يكون للأمة دينان ~~في آن واحد، وأن يكون أساس الأعمال في المصالح العامة هو الدين ... فمن الخطأ أن يكون من ~~الأشياء المسلم بها اعتبار أن الأمة السياسية تتألف من عناصر دينية.». # ولسنا في حاجة إلى ذكر ردود مؤتمر مصر الجديدة على مطالب مؤتمر أسيوط، بعد أن عرضنا ~~المبادئ التي سار على نهجها المؤتمر الإسلامي، وقد خفت حدة المجالات بعد عقد مؤتمر مصر ~~الجديدة، وعلى الرغم من عدم رضا الطرفين عن بعضهما، فقد حاولا جاهدين نسيان ~~الماضي. # ثم ما لبث أن اعترف مؤتمر الصلح المنعقد بباريس بحقوق بريطانيا على مصر، فهب الوطنيون ~~المصريون جميعا ليحتجوا على هذا الاعتراف، وهنا أدرك سعد زغلول، زعيم الحركة الوطنية، ~~خطر إبعاد الأقباط عن عمل يتوقف نجاحه على اتحاد الأمة جمعاء، وكان يصرح دائما أن مصر ~~للأقباط وللمسلمين على السواء، وأن الجميع يتمتعون بنفس الحرية وبنفس الحقوق، ومن جهة ~~أخرى بينما كان مصطفى ms188 كامل مصريا وداعيا للوحدة الإسلامية اقتصر سعد على أن يكون ~~وطنيا فقط. # فلا عجب إذا رأينا الأقباط ينضمون إلى حركته بحماس، ونستطيع أن نؤكد أنهم نافسوا ~~بغيرتهم مواطنيهم المسلمين ووضعوا نصب أعينهم تحقيق الأماني الوطنية، وكتب المؤرخ محمد ~~صبري في هذه الحركة قائلا: «كان الأقباط - حسب اعتراف جريدة «المورننج بوست» الصادرة ~~بتاريخ 9 أبريل سنة 1919 - أكثر تحمسا للملكية من الملك نفسه «وهي ترجمة لتعبير فرنسي # Roi Plus Royaliste que ~~»، لقد كانوا بين أشد الناس ~~تحمسا للدفاع عن الفكرة الوطنية وكانوا أول ضحايا الاستقلال، وكان القساوسة يحضون على ~~حب الوطن من فوق المنابر وفي المساجد وفي الأزهر، وكان المشايخ والعلماء من جانبهم ~~يخطبون في الكنائس، وكان أشد المشاهد تأثيرا ظهور الأعلام، وقد رسم عليها الهلال كأنه ~~يعانق الصليب، إن هذا الحدث ما هو إلا ثورة سياسية ودينية.». # 47 ~~(2) الاعتراف القانوني بالمساواة السياسية والاجتماعية # هيأ محمد علي جوا اجتماعيا جديدا؛ هذه حقيقة لا مفر منها، وقد اقتفى خلفاؤه أثره ~~وأتموا العمل الذي بدأه، ولم يلبث هذه التسامح، الذي ظهرت آثاره في حياة الأفراد العامة ~~أولا، أن أثر في قوانين البلاد، وهكذا انتصر في أقل من قرن مبدأ المساواة المطلقة بين ~~المسلمين وغير المسلمين. # وكان أول مظهر قانوني لهذا المبدأ، إلغاء الجزية المفروضة على الذميين. # لم يكن محمد علي ينوي قط إلغاء الجزية؛ لأن كانت مصدر إيراد للخزينة، وذلك على الرغم ~~من فرمان الكلخانة «1839م» الذي كان يتضمن إلغاء هذه الضريبة، وقد ظل حبرا على ورق في ~~جميع أنحاء الإمبراطورية العثمانية، على أن الجزية التي كان يدفعها الأقباط في عصر محمد ~~علي تكاد لا تذكر بالنسبة للمرتبات التي يتقاضونها من الوظائف التي كانوا يشغلونها في ~~الدولة، وإذا أخذنا مثلا ميزانية عام 1832م «1249ه»، وجدنا أن الجزية التي كان يدفعها ~~الأقباط بلغت ستمائة كيسة أي ثلاثة آلاف من الجنيهات، بينما كانوا يتقاضون مرتبات بلغت ~~عشرين ألف كيسة؛ أي: ستين ألفا من الجنيهات. # 48 # ومن جهة أخرى، فإن محمد علي باحتفاظه بالجزية لم يكن ms189 يهدف إلا لزيادة موارده لا ~~التقليل من شأن رعاياه الذميين، وعلى كل، فقد كان محمد علي أول حاكم مسلم فتح باب ~~الاستثناء صراحة، ليس للأعيان فحسب، بل ولعامة الشعب الذين كانوا يؤدون له خدمات ذات ~~شأن، وهكذا عندما ألحق نحوا من مائة قبطي بالعمل في ترسانة الإسكندرية، ونظرا ~~لكفاءتهم، فقد أشار بإعفائهم من دفع الجزية، والأمر الصادر في 22 ربيع الآخر عام 1252 ~~«مايو 1836م» يقول: «ويقتضي اتباع الأصول المدونة بها وربط ماهية ومرتب الصنف الذي ~~يستحقه الأقباط الذين يؤخذون للجهادية لكونهم يؤدون مصالح الميري، ومن اللزوم رعايتهم ~~ورفاهيتهم كمطلوبه.» # 49 # وقد ألغيت الجزية نهائيا في عصر سعيد باشا عام 1272ه «1855م» ويفهم من أمر صدر قبل ~~ذلك التاريخ أن سعيد باشا لم يتشدد أبدا في جباية هذه الضريبة بطريقة عملية حيث إنه في ~~عام 1271ه «1854م» تنازل عن مبالغ متأخرة قدرها خمسة عشر ألفا من الجنيهات، # 50 # والأمر الصادر بتاريخ 21 صفر 1272ه «1855م» يشمل رغبة الوالي في التلطف مع ~~الذميين المشمولين برعايته ويلغي الجزية فعلا، # 51 # ولم تثر هذه المسألة مرة أخرى في عهد الخديو إسماعيل. # وكان من الطبيعي، وقد رفعت عن الذميين القيود الخاصة بالضرائب والزي، أن يعاملوا ~~شيئا فشيئا على قدم المساواة بالمسلمين، وبالفعل، عندما أدخل الولاة النظام الدستوري ~~بمصر لم يسعهم إلا أن يعتبروا الذميين جزءا لا يتجزأ من الدولة والاعتراف لهم على هذا ~~الأساس بنفس الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها المسلمون. # وتنص المادة الخامسة من البرنامج الذي وضعه «بلنت» ونشرته جريدة التيمس الصادرة في ~~أول يناير 1822 على أن «الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني، فإنه مؤلف من رجال مختلفي ~~العقيدة والمذهب وأغلبيته مسلمون؛ لأن تسعة أعشار المصريين من المسلمين وجميع النصارى ~~واليهود وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم بلغتها منهم إليه؛ لأنه لا ينظر لاختلاف المعتقدات، ~~ويعلم أن الجميع إخوان وأن حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية.». # والدساتير المختلفة التي وضعت فيما بعد كانت أكثر صراحة ووضوحا في هذا الشأن، وإننا ~~نذكرهم على سبيل ms190 المعرفة: # مشروع إصلاح قدمه إلى حضرة صاحب السمو توفيق باشا خديو مصر اتحاد الشباب ~~المصري سنة 1879، وكان يقترح هذا المشروع «المساواة التامة بين جميع ~~المصريين أمام القانون واستعدادهم لشغل جميع مناصب الدولة دون تفرقة بسبب ~~أصلهم أو ديانتهم.». # 52 # مشروع دستور مصري «والمعتقد أن واضعه اللورد كرومر» بتاريخ 1908 يقترح أن ~~«جميع رعايا الخديو هم مصريون بغض النظر عن دينهم أو عقيدتهم.». # 53 # على أن القانون النظامي والانتخابي الصادر في 21 يوليو سنة 1913 كان يعبر ~~عن الاضطراب الذي كان سائدا منذ انعقاد مؤتمري أسيوط، ومصر الجديدة، فقد ~~حتم القانون تعيين أربعة نواب من الأقباط ضمن الأعضاء المعينين والبالغ ~~عددهم خمسة عشر، وكتب اللورد كنشنر إلى حكومته بتاريخ 6 يوليو 1913 معلقا ~~على هذا البند بقوله: «إن وجود تمثيل الأقليات هو دليل قاطع على رغبة ~~الحكومة في منح طبقات الشعب هذا اللون من التمثيل الذي من حقها ~~تماما.». # وقد أثار بعض أعضاء اللجنة التي شكلت لوضع المبادئ العامة لدستور عام 1922 مشكلة ~~التمثيل النسبي لجميع الطوائف الدينية، ويؤكد أنصار هذا النظام أنه إذا ضمنوا للأقليات ~~الدينية تمثيلا ثابتا في الجمعية الوطنية، فإنهم يمنعون بذلك الإنجليز من التدخل في ~~شئون مصر الداخلية بدعوى حمايتهم للأقليات، وأن في ذلك الاحتفاظ بالوضع الذي ينص عليه ~~القانون النظامي المعمول به «1913»، وبالرغم من تأييد بعض الأعضاء المسلمين والأقباط ~~لهذا المبدأ، فإن أغلبية الأعضاء عارضوه بشدة، فاستبعد، ويقول لنا قليني فهمي باشا في ~~مذكراته: إن الملك فؤاد - على الرغم من التسامح الديني الذي أظهره طوال حياته - كان ~~يعارض كل المعارضة إبقاء التمثيل النسبي على أساس التفرقة الدينية؛ ذلك أن هذا المبدأ ~~قد يبقي على الانقسامات القديمة التي يترتب عليها إضعاف الوحدة القومية. # غير أن دستور عام 1922 ينص على المساواة التامة بين جميع المصريين أيا كان دينهم أو ~~عقيدتهم، كما ينص على حريتهم في ممارستهم لشعائر دينهم وقبولهم بالوظائف الحكومية إلخ ... ~~وجرت التقاليد فوق ذلك على أن يكون دائما ضمن أعضاء مجلس الوزراء وزير قبطي. # وهكذا؛ ms191 بعد جهود دامت قرنا من الزمن، جاء دستور الأمة ليتوج أعمال أسرة محمد علي ~~الكبير. # | هوامش # الفصل الثاني عشر # | مسائل متنوعة # (1) الدور الذي لعبه بطريرك اليعاقبة تحت الحكم الإسلامي # أصبح بطريرك الأقباط، على أثر الحفاوة التي أظهرها له رعاياه عند دخول العرب مصر، ~~مصدر قلق لعمرو بن العاص وسائر الولاة؛ إذ أدركوا مدى نفوذ هذا الخبر وعملوا في الحال ~~على وضعه تحت رقابة شديدة ومطالبته بالخضوع للسلطة الشرعية، وبمعنى آخر أنهم منعوه من ~~اتخاذ أي إجراء، حتى في محيطه الديني، دون استئذانهم. # وأرادوا أولا إقرار انتخاب البطريرك، فألزموه أن يقيد اسمه في سجلات الديوان قبل أن ~~يباشر أعماله، وقد استطاع أحد الشمامسة الكاثوليكيين يدعى جرجس أن يفوز في عهد عبد ~~العزيز بن مروان بالكرسي البطريركي، وذلك بتأييد بعض أساقفة الإسكندرية، ولكن اليعاقبة ~~اعترضوا على صحة انتخابه بدعوى أنه لم ينتخب في يوم الأحد، فأولى عبد العزيز بن مروان ~~هذه المشكلة اهتمامه وأرسل في الحال بعض جنوده للمحافظة على النظام، ثم دعا الطرفين ~~المتخاصمين للمثول بين يديه، # 1 # وكان عبد العزيز قلقا - بوجه خاص - ~~عندما وصل إلى الإسكندرية لتولي مهام منصبه، لم يرحب البطريرك الراحل بقدومه بحجة أن ~~موعد وصول الوالي لم يعلن بعد، ويتهم ساويرس الملكيين بإثارة غضب عبد العزيز، وعلى أي ~~حال استدعى هذا الأخير البطريرك وسلمه إلى جنده، وأمرهم بألا يطلقوا سراحه إلا بعد أن ~~يدفع غرامة قدرها ألف دينار، # 2 # واعتزم الوالي بعد ذلك أن يضع البطريرك رهن إشارته دائما وأن يلازمه في ~~جميع رحلاته، ويقال: إنه سمح بتشييد كنيسة في حلوان لسبب وضع البطريرك تحت ~~رقابته. # 3 # ويبدو أن هذا التقليد تطور في عام 184ه «799م» وأصبح قانونا، ويروى لنا ساويرس بن ~~المقفع أنه بعد أن اجتمع الأساقفة على هيئة مجلس الإسكندرية، واتفقوا على تعيين مرشح ~~لهم، عادوا إلى القاهرة ليقابلوا الوالي فلما رآهم سألهم: «ما حاجتكم؟» فقال له أنبا ~~ميخائيل: «نعلم رئاستك لأجل أن أبا المذهب الذي كان لنا قد توفي ... لأجل ذلك أردنا أن ms192 ~~تقيم آخر عوضه يدير البيعة والشعب» ولما سألهم الوالي عن اسم المرشح، قالوا: «مرقس» ~~فأمر الوالي بتسجيل اسمه في الديوان، ثم أذن لهم بأن ينتخبوه بدلا من البطريرك ~~يوحنا. # وكان اسم الوالي، هذا الليث بن الفضل وتصفه سيرة البطاركة بأنه كان رفيقا بالأقباط، ~~كما تروى لنا بعد ذلك أول زيارة قام بها البطريرك للسلطة المدنية، قال: «لما تم عيد ~~الفصح، دخل الأب البطرك أنبا مرقس إلى فسطاط مصر ليسلم على الوالي، فلما وصل مصر، ~~أعلموا الأب ميخائيل الأسقف والشعب بوصوله، فخرجوا إليه بالأناجيل والصلبان والمجامر ~~ولقوه بفرح عظيم وتهليل وقراءة، وكانوا يقولون نعم وحسن وصولك إلينا يا مرقس بن مرقس، ~~فمضى لمنزله ليستريح؛ لأنه كان آخر النهار، وبالغداة قام البطرك الأسقف أنبا ميخائيل ~~وباقي الأساقفة المجتمعين معهما ليجتمعوا بالوالي، فلما وصلوا إلى داره استأذنوا عليه ~~فأمر بدخوله، فلما دخل وسلم على الوالي، التقاه ودعا له ... فأمره الوالي أن يجلس وساواه ~~في المخاطبة.». # 4 # وقد ظن البطريرك أنه يستطيع بعد الفتح العربي أن يوصل علاقاته الدينية مع اليعاقبة ~~القائمين خارج الحدود المصرية، وفي عهد عبد العزيز بن مروان، حدث أن كتب البطريرك إلى ~~النجاشي وإلى ملك النوبة وكلاهما كانا وقتئذ مسيحيا وتابعا لبطريركية الإسكندرية ~~لحملهما على الصلح وتسوية النزاع القائم بينهما، فأخبر الدساسون الوالي بذلك، فغضب وقرر ~~إعدام البطريرك، ولكن الكتاب الأقباط - وكانوا آنئذ المتصرفين في الإدارة - أرادوا ~~إبعاد هذه الكارثة، فحرروا في الحال خطابات تختلف تماما عن الخطابات التي سلمت إلى ~~المندوبين المسافرين إلى الحبشة وسحبوا التي كتبها البطريرك، ثم أخبروا الوالي بأن ~~المبعوثين موجودون ومعهم الخطابات التي كانوا يحملونها، فأمر عبد العزيز بإحضارهم فورا ~~وأخذ منهم الخطابات، ولما قرأها لم يجد فيها أية إشارة إلى ما نقل إليه؛ أي: أنه لم ~~يجد دعوة صلح موجهة إلى الأميرين المسيحيين، فهدأت ثورة غضبه وسمح للبطريرك بالعودة إلى ~~الإسكندرية. # 5 # وفي سنة 71ه «691م» استقبل البطريرك سمعان رسولا من بلاد الهند # 6 # يطلب إليه تعيين أسقف وكاهن، ولما كان البطريرك عالما بنية ms193 الوالي، امتنع ~~عن إجابة هذا الطلب قبل الحصول على تصريح من السلطة، ولكن الرسول لم يصبر وتوجه بطلبه ~~إلى أسقف آخر حقق رغبته، وكان لهذا التصرف أسوأ النتائج حسب ما جاء عن لسان الرواة، ثم ~~إن الكرسي البطريركي ظل شاغرا لمدة ثلاثة أعوام بعد وفاة البطريرك سمعان. # وهكذا أخذت شخصية البطريرك تتلاشى كلما توطدت أركان الإمبراطورية العربية، ولم يعد ~~هذا الرئيس الديني سوى آلة يديرها الحكام حسب رغباتهم بالرغم من الألقاب التي كان ~~يمنحها لهم الولاة الفاطميون أو السلاطين المماليك، أضف إلى ذلك أنه رغم الاحترام الذي ~~كان يظهره رعاياه، لم يحتل البطريرك في الواقع إلا المكانة الثانية في الأمة القبطية، ~~أما المكانة الأولى، فكان يحتلها القائم على مالية الدولة أو على الأخص القبطي الذي كان ~~يتمتع بثقة رجال الحكم. # وهذا الخلاف حول الأسبقية الأدبية سبب في أواخر القرن التاسع عشر حادثا خطيرا بين ~~البطريرك كيرلس الخامس ولفيف من الأعيان بقيادة بطرس باشا غالي، رئيس الطائفة، وكان ~~البطريرك يناهض حركة الإصلاح التي كانت تنادي بها جمعية التوفيق لإدخال النظم الحديثة ~~في معاهد الطائفة، فاستطاع بطرس باشا الحصول على إذن من الخديو لنفي البطريرك، ورغم ~~الاحترام البالغ الذي يكنه الأقباط لرئيسهم الديني، لم يتأثروا كثيرا من رؤية هذا ~~الشيخ الجليل في طريقه إلى المنفى تحت حراسة قوة من البوليس. # ولكن لا يسعنا أن ننكر الدور المهم الذي قام به بطريرك اليعاقبة منذ الفتح العربي، ~~وسنتكلم فيما بعد عن مساعيه المختلفة لصالح مصر الإسلامية، ويجدر بنا أن نذكر هنا أن ~~البكوات المماليك استعانوا به في جباية الضرائب المستحقة عن الأقباط، ويبدو أنه قام ~~بهذه المهمة خير قيام وحاز رضا جميع الحكام. # 7 ~~(2) حالة الأقباط الروحية تحت الحكم الإسلامي # سبق أن قلنا إن الأقباط، قبيل الفتح العربي، كانوا يستغلون دينهم لتحقيق أغراضهم ~~بدلا من العمل على خدمته، ولكن مجيء العرب وتقدم الإسلام في مصر وعزلة الأقباط ~~المعنوية وجهل الإكليروس وعدم مله إلى الثقافة؛ كل هذه الأسباب أضعفت مركز المسيحية في ~~مصر مع مرور ms194 الزمن. # ووصف لنا البطريرك ديونيسيوس، الذي رافق الخليفة المأمون في رحلته إلى مصر إبان ثورة ~~الباشموريين، ما وصلت إليه المسيحية المصرية من سوء حال، فقال: «لقد رأينا هناك عادات ~~لا تتفق مع الفضيلة وتتنافى مع فضائل كيرلس وديوسقور وتيموثاوس الذين وضعوا قوانين ~~الكنيسة المصرية، وأول ما لاحظناه أن الأقباط ولا سيما رهبانهم، كفوا عن دراسة الكتب ~~المقدسة فلم يستغلوا منافعها، وأكثر الرهبان تقوى يحترفون الأعمال اليدوية ويسترسلون ~~بعض فقرات من الكتب الدينية، وأن الذين يقصدون ترقيتهم إلى رتبة الأسقفية لا يبالون ~~بتثقيف عقولهم، ولكنهم يهتمون بجمع المال ليشتروا رتبتهم، ولولا دفع مبلغ معين من ~~المال، لما استطاع أحد أن ينازل هذه الرتبة حتى إذا كان يمتاز بعلمه وسلوكه القويم، ~~ولما أخذنا نلومهم على موقفهم، اعتذر البابا «بطريرك الإسكندرية» وقال: «إننا نسلك هذا ~~الطريق بسبب الديون المستحقة على كنيسة الإسكندرية، ولولا المال الذي يجيء بهذه الطريقة ~~لعجزنا عن تسديد الديون.». # 8 # هذا ما وصلت إليه الكنيسة القبطية بعد مضي قرنين فقط من دخول العرب مصر، نعم إن بعض ~~الرهبان حاولوا إصلاح النظام والقلوب، وقد اشتهر بعضهم بوضع المؤلفات العلمية والدينية، ~~ولكنهم ظلوا أقلية ضئيلة لا يستطيع مواطنوهم أن يفتخروا بهم لقلة عددهم، أضف إلى ذلك أن ~~مؤلفاتهم ليس فيها أصالة ولا جدة. # وتتابع البطاركة على كرسي الإسكندرية الواحد تلو الآخر دون أن يأتوا لها بمفاخر ~~جديدة، وكان عصرهم موقوفا من حيث الهدوء والاضطراب على رضا أو عدم رضا الحكام عليهم ~~وعلى هدوء الحالة العامة أو اضطرابها، ولم يبذل أحدهم مجهودا حقيقيا ليبث روحا ~~جديدة في هذه الكنيسة التي كانت تضمحل تدريجيا، أما كتاب سير البطاركة، فكانوا يسردون ~~لنا المشاكل المالية التي كانت تشغل أذهان الطائفة. # زد على ذلك أنه منذ اضطهاد الأقباط في عهد السلاطين المماليك، كانت أحيانا تمضي ~~فترات طويلة من الزمن قبل انتخاب البطريرك الجديد، # 9 # وقد استفحل الأمر بعد احتلال الأتراك مصر، ولكن الرعية لم يهتموا كثيرا ~~بهذه الحالة الشاذة، وقد حدث أيضا في عصر الفاطميين، عند انتخاب ms195 البطريرك افرام أن يقع ~~الاختيار على مرشح علماني، إذا لم يتقدم أي مرشح له صبغة دينية. # وكان الإيمان بالمسيحية صوريا، ولما كان التعليم الديني منعدما، أصبح الإكليروس لا ~~يفهم أصول الدين، وكان البطريرك يشبط من عزائم رعاياه بدلا من تدعيمها؛ ذلك لأن العيش ~~في سلام كان هدفه الأول بل الوحيد. وجاء في «سيناكسار» اليعاقبة أنه حدث أن أساء أسقفان ~~معاملة رعيتهما، فلامهما الأنبا يوساب أكثر من مرة وطلب إليهما أن يحسنا معاملتهما، ~~ولكنهما رفضا النصيحة، فتركهما وشأنهما، واستنجدت الرعية به وقالوا له: «إذا فرضت هذين ~~الأسقفين علينا، فإننا سنخرج من ديننا.»، فما كان من البطريرك إلا أن دعا أساقفة القطر ~~كله ونفض يديه أمامهم من تبعة معاقبة هذين الأسقفين، # 10 # وفي عهد السلطان الملك الكامل، حدث أن تاجرا يدعى حنا اعتنق الإسلام ~~ليتزوج من مسلمة، ثم ندم على عمله وأراد أن يستشهد، فقيل له: «اذهب عند البطريرك واطلب ~~مشورته واعمل بها.»، ولكنه أجاب: «أخشى أن يخيفني البطريرك من الموت.». # 11 # وكانت حالة الأساقفة والقساوسة أكثر سوءا، ولما كانت حاجتهم إلى المال تفوق حاجة ~~البطريرك إليه، صاروا يعبدون المادة، ففي عام 835م، ظل الكرسي البطريركي شاغرا منذ مدة ~~طويلة بعد وفاة البطريرك سمعان، وهنا ظهر موظف متزوج، ومنح الأساقفة العطايا، فاتفقوا ~~مع بعض أعيان الإسكندرية لانتخابه بطريركا، # 12 # وهناك دليل آخر على حب المال، ذلك أن أسقفا كان يعيش في الوجه القبلي في ~~القرن الثامن عشر، فطلب إلى الأب الرحالة «سيكار» # Sicard # الفرنسي أن يعلمه سر صناعة الذهب. # 13 # أما الشعب، فكان لم يزل يعطف سرا على تراث الفراعنة الروحي، وكان قد ورث عنهم اللغة ~~وبعض العادات، وكان يرغب أيضا في تكريم ما تبقى من آثار قديمة، وكتب الرحالة ~~«نوردن» # Norden # في هذا الصدد يقول: «لقد عرف ~~المصريون القدماء والمحدثون، الوثنيون والمسيحيون والمسلمون، المتعلقون بالخرافات، كيف ~~يجمعون بين طقوس الأديان المختلفة، فلا غرابة إذا وجدنا بينهم من يجل الأهرامات وأبا ~~الهول إجلالا ظاهريا، بل يكن لها شعورا داخليا فياضا، وكان البعض ms196 يذهب إلى حد ~~إقامة حفلات دينية تكريما لها، فيثيرون غضب المسلمين الذين أعلنوا صراحة من عدوانهم ~~لعبادة الأصنام.» # 14 # وتفسير «نوردن» هذا يوضح لنا ما جاء في تاريخ المقريزي عن سبب تحطيم وجه ~~أبي الهول، قال: «كان شخص يعرف بالشيخ صائم الدهر قام في نحو من سنة ثمانين وسبعمائة ~~لتغيير أشياء من المنكرات، وسار إلى الأهرام وشوه وجه أبي الهول شعثه.». # 15 # ولكن يجب ألا نلوم الأقباط وحدهم على ذلك، فإن الانحطاط شمل جميع مسيحيي الشرق، ويجدر ~~بالذكر أن أبناء الطائفة الملكية بحلب في القرن السابع عشر أساءوا تفسير تعاليم الديانة ~~المسيحية إلى حد أنهم صرحوا رسميا بتعدد الزوجات على شرط ألا يتم الزواج بامرأة ثانية ~~إلا إذا قامت علاقات زوجية بينهما لمدة سنتين، ولا يتم الزواج بامرأة ثالثة إلا إذا ~~قامت العلاقات بينهما لمدة خمس سنوات، # 16 # ويرى الأستاذ حبيب زيات الذي نشر هذه الوثيقة أن ذلك الأمر ما هو إلا نتيجة ~~للتأثير الإسلامي، فهل تأثر الأقباط بالأغلبية؟ وإلى أي حد تأثروا؟ ~~(3) أثر الإسلام في دين الأقباط وعاداتهم # في عام 1908 كتب اللورد كرومر، الذي تحكم في مصير مصر مدة من الزمن، يقول: «يوجد فرق ~~ظاهري شاسع بين المسلمين والأقباط، لكن هذا الفرق لا يكاد يذكر في الواقع ، إن الضرورة ~~تحتم على الأقلية أن تتأثر بالأغلبية، ففي الهند أصبح المسلمون براهمة إلى حد ما، في ~~حين أن الهندوكيين الذين هم أغلبية في البلاد بنسبة 5 إلى 1 لم يأخذوا شيئا عن ~~المسلمين، ويمكننا أن نطبق هذا المبدأ على أقباط مصر؛ إذ لم يتأثر مسلمو هذا القطر ~~بالأقباط مطلقا، بينما أن القبطي تأثر بمواطنه المسلم دون أن يشعر بذلك.». # 17 # إن ملحوظة اللورد كرومر الخاصة بمصر غير صحيحة تماما، إذ وجد الإسلام في الديار ~~المصرية وطنيين متمسكين كل التمسك بتقاليد أجدادهم ومحتفظين ببعض العادات والمعتقدات ~~والخرافات التي كان يقدمها الفراعنة، وهكذا لم تخل تقاليد المسلمين في مصر من الأثر ~~الفرعوني، بينما أن الإسلام شبع بروحه الأقلية القبطية التي ظلت متمسكة ms197 ~~بالمسيحية. ~~(3-1) ما أخذه الأقباط عن المسلمين # لما قطعت المسيحية المصرية علاقاتها بالعالم اليوناني الروماني، قبل دخول العرب ~~مصر بمدة طويلة، فقدت الكثير من رونقها وسطوتها، ويبدو أن عدم ظهور دين جديد في تلك ~~الفترة هو السبب في منع حدوث؛ أي: تغيير جوهري في تعاليم المسيحية، بدليل أنه عند ~~دخول العرب، لم يتردد مسيحيو مصر - الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الدفاع عن مبدأ ~~ديني لم تتسع له مداركهم - أن يخرجوا عن تعاليم المسيحية الصريحة. # ويحدثنا ساويرس بن المقفع أنه في عام 76ه «695م»؛ أي: في عهد البطريرك سمعان، كان ~~بعض الذين يدعون أنهم مسيحيون يهجرون زوجاتهم ويضغطون على رجال الإكليروس ليحملوهم ~~على التصريح لهم بزواج آخر، ولما أخفقوا في الحصول على مطالبهم، قدموا شكوى إلى ~~الوالي فحواها أن رجال الدين برفضهم إجابة رغبتهم يدفعونهم إلى ارتكاب خطيئة الزنا، ~~فغضب الوالي واستدعى الأساقفة الأربعة والستين دون أن يذكر لهم سبب هذه ~~الدعوة، # 18 # ولم يبين لنا الراوي شيئا مما حدث في هذا الاجتماع، ولكننا نعرف أن ~~الطلاق الذي كان تحرمه الكنيسة المصرية بصفة رسمية، كان يعمل به علانية بل كانت ~~الكنيسة نفسها تعترف به وخاصة عندما اضمحل الأقباط في عهد العثمانيين، ويكتب ~~الرحالة الفرنسي «دومينيك جونا» # D. Jauna # عام ~~1795: «إن عادة الطلاق ليست خاصة بالمسلمين فقط، إنها شائعة أيضا عند المسيحيين ~~الأقباط الذين لم يهتموا بالأسباب التي نص عليها الإنجيل، ويكفي أن يقول إنسان ~~للبطريرك إنه غير راض عن زوجته وتقول المرأة إنها على غير وفاق مع زوجها ليسمح ~~البطريرك بالطلاق، وإذا رفض السماح لهم بالطلاق، نفذاه على الرغم منه، وكذلك لم ~~يرفض البطريرك أبدا مثل هذه الطلبات، حيث إنه بعدم موافقته عليها يفقد أجرا كان ~~يعطى له فيما لو سمح لهما بذلك الفراق المرذول الذي نقلته بقية الطوائف عن ~~الأقباط.». # 19 # وذكر التاريخ أمثلة لبعض الأعيان الأقباط في عهد المماليك اعترفت السلطات الدينية ~~بزواجهم من امرأتين، ولم يكلف هؤلاء الأعيان أنفسهم مشقة إلغاء زواجهم الأول، ولا ~~سيما أنهم كانوا يملكون ms198 عددا من الجواري والعبيد أسوة بأسيادهم، ولا أدل على ذلك ~~من المعلم غالي الذي كان ينتمي إلى العقيدة الكاثوليكية، ومع ذلك لم يتوان من ~~اقتناء ستين جارية من البيض والسود والحبشيات، وقد عثر عليهن عندما أمر محمد علي ~~بتفتيش منزله. # 20 # ولا نعلم - على وجه التحقيق - متى اتبع مسيحيو مصر عادة اقتناء العبيد، وإذا ~~رجعنا إلى ما كتبه المؤرخون في هذا الصدد، تبين لنا أنهم اتبعوها باكرا، ففي عهد ~~البطريرك إفرام وخلافة العزيز الفاطمي، كان معظم الأعيان يملكون الجواري، وفي عام ~~856ه «1460-61م»، أمر صاحب الخراج الأقباط بتسليم جواريهم المسلمات لكثرة عددهم ~~عندهم، # 21 # ويذكر «ستوكوف» # Stochove # الذي هبط مصر ~~سنة 1662 أن النصارى اكتسبوا حق شراء الجواري بكل حرية، # 22 # ويذكر رحالة آخرون هذه الواقعة، كما أننا نعرف من القصص التي نقلها لنا ~~الجبرتي عن تصرفات القبطان حسن باشا أن الأقباط أسرفوا في استعمال حق اقتناء ~~الجواري. # ويدلي لنا علماء الحملة الفرنسية بالبيان الآتي: «للنصارى في مصر حق اقتناء ~~العبيد، وهو حق لم يتمتعوا به في سائر أنحاء الإمبراطورية العثمانية، ولكن حقهم ~~محدود بمعنى أنه غير مصرح لهم بأن يقتنوا ذكورا في خدمتهم، وغاية ما يستطيعون هو ~~شراء أطفال على أن يتخلصوا منهم عندما يبلغون، ويسمح لهم باقتناء عدد غير محدود من ~~النساء، لذلك نجد لدى كل أسرة جارية أو اثنتين على الأقل للأعمال ~~المنزلية .». # 23 # ومن جهة أخرى، كف الأقباط عن التكلم بلغتهم وبذا انهارت أقوى دعامة لشخصيتهم، ولم ~~يكتفوا بتعليم اللغة العربية لقضاء حاجتهم فحسب، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك؛ إذ ~~تركوا نهائيا اللغة القبطية واستعاضوا عنها بلغة حاكميهم حتى في كنائسهم. # ثم نقلوا عن المسلمين قواعد الذوق واللياقة وغيرها. ويلاحظ أن رواية المؤرخ ~~«مكين» المسيحي التي ترجع إلى القرن الثالث عشر الميلادي غاصة بالألفاظ الدينية ~~الخاصة بالمسلمين مثل «بسم الله الرحمن الرحيم» بل إنها متأثرة كل التأثر بالروح ~~الإسلامية، مما حمل المستشرق «فاتييه» # Vattier # الذي ترجم هذه الرواية أن يقول: «من خصائص المكين أنه يتكلم ms199 بسذاجة عن كل ما ~~يتناوله في كتابه بدرجة أنه إذا ذكر شيئا يتعلق بالإسلام اعتقدناه مسلما، وإذا ~~تكلم عن اليعاقبة اعتقدناه يعقوبيا، وإذا تحدث عن الكاثوليك تخيلناه ~~كاثوليكيا.». # 24 # وفي الرسالة التي وجهها البطريرك جبرائيل الثامن إلى البابا أكليماندوس الثامن ~~عام 1601م بشأن اتحاد الكنيستين المصرية والكاثوليكية، لم يتوان في استعمال ~~العبارة التي يعتز بها المسلمون، غير أنه استبدل كلمة «الرحمن» بكلمة ~~«الرءوف»، # 25 # والملاحظ أن استعمال هذه العبارات الدينية لا ترجع إلى استخدام الأقباط ~~اللغة العربية بل جاءت تدريجيا، بدليل أن ساويرس بن المقفع الذي عاصر الخلفاء ~~الفاطميين لم يستعملها أبدا في كتاباته. # ومن العادات التي أخذها الأقباط عن المسلمين باكرا، ختان الأطفال الذي ألغته ~~المسيحية، ولم يكن معمولا به في مصر قبل دخول العرب، وحدث بعد ذلك أن أحد البطاركة ~~أرغم رعيته على ممارسة الختان، بل كان يهتم به أكثر من اهتمامه بالعماد، وفي عام ~~1120م نظم البطريرك مكاريوس هذه العادة، وأمر بختان الأطفال قبل العماد، # 26 # وذهب البطريرك يوحنا «1208م» إلى أبعد من ذلك حيث أصدر تعليماته ~~المشددة بشأن جعل ختان الأطفال إجباريا، وقد ألغى هذا البطريرك أيضا ~~الاعتراف، # 27 # ويقول المقريزي: إن اليعاقبة كانوا يهتمون بالختان بخلاف ~~الملكيين. # وأدخل استعمال الحجاب في حريم النصارى بمصر «ولم يسمح الأقباط لزوجاتهم بأن يظهرن ~~أمام رجال الدين بدون حجاب، والبطريرك نفسه لا يستطيع رؤية سيدة غير محجبة إلا إذا ~~سمح لها زوجها بذلك.» # 28 # وكانت النساء القبطيات في الكنائس والاجتماعات تجتمعن فيما بينهن، وكن ~~مفصولين عن الرجال بمقاطع صماء. # وإذا استثنينا الصلبان التي كانت تزين الكنائس والصلوات التي كانت تتلى فيها، ~~لاحظنا أن تلك الكنائس كانت تأوي أناس يهتمون بتقليد شعائر المسلمين أكثر من ~~اهتمامهم بتخليد شعائر المسيحيين، وقد استقينا من رواية بروتستانتية، حررت من قرن ~~فقط، تفاصيل دقيقة في هذا الشأن، فهي تقول: إن رجال الدين اليعاقبة كانوا يوصون ~~رعيتهم بالصلاة في منازلهم سبع مرات يوميا، # 29 # وكان بعض الأقباط يغسلون أيديهم وأوجههم أو أحيانا أقدامهم قبل الشروع ms200 ~~في الصلاة، أسوة بالمسلمين، وأنهم كانوا يرتلون الصلوات وهم متجهون دائما نحو ~~الشرق. # 30 # وهناك تفاصيل أكثر غرابة من تلك التي ذكرناها، وهي مدونة في كتاب الدكتور كلوت بك ~~وفي رحلة المسيو «بللوك» # Belloc ~~؛ إذ يقول: إن ~~الأقباط يخلعون أحذيتهم قبل أن يدخلوا كنائسهم كما يفعل المسلمون. # 31 # ويوجد وجه شبه آخر بين المسلمين والأقباط، وهو تعلق الأقباط بالحج إلى كنيسة ~~القيامة بالقدس كي ينالوا لقب «حاج» ولا يفوتهم أن يحيطوا سفرهم إلى القدس بنفس ~~المظاهر التي كان يحيط بها المسلمون سفرهم، فكانوا يذهبون على هيئة قوافل كبيرة ~~العدد، وينقل إلينا الجبرتي في هذا الصدد حدثا طريفا بمناسبة حج النصارى. نعلم أن ~~الولاة المتسامحين صرحوا وحدهم للنصارى بزيارة القدس، على أن المماليك حرموهم ~~أحيانا من ذلك، وكتب الجبرتي في حوادث سنة 1166ه «1704-5م»: «في نحو هذا التاريخ ~~قصد نصارى الأقباط الحج إلى بيت المقدس، وكان كبيرهم؛ إذ ذاك «نوروز» كاتب رضوان ~~كتخدا، فكلم الشيخ عبد الله الشبراوي في ذلك وقدم له هدية وألف دينار، فكتب له فتوى ~~وجوابا ملخصه أن أهل الذمة لا يمنعون من دياناتهم وزياراتهم، فلما تم لهم ما ~~أرادوا، شرعوا في قضاء أشغالهم وتشهيل أغراضهم وخرجوا في هيئة وأبهة وأحمال وصواهي ~~وتختروانات فيها نساؤهم وأولادهم ومعهم طبول وزمور، ونصبوا لهم عرضيا عند قبة ~~العزب، وأحضروا العربان ليسير في خفارتهم، وأعطوهم أموالا وخلعا وكساوي وإنعامات، ~~وشاع أمر هذه القضية في البلاد واستنكرها الناس، فحضر الشيخ عبد الله الشبراوي إلى ~~بيت الشيخ البكري كعادته، وكان علي أفندي أخو سيدي بكري متمرضا، فدخل إليه يعوده، ~~فقال له: أي شيء هذا الحال يا شيخ الإسلام - على سبيل التبكيت؟ كيف ترضى وتفتي ~~النصارى وتأذن لهم بهذه الأفعال لكونهم أرشوك وهادوك؟ فقال: لم يكن ذلك، قال: بل ~~أرشوك بألف دينار وهدية، وعلى هذا تصير لهم سنة ويخرجون في العام القابل بأزيد من ~~ذلك ويصنعون لهم محملا، ويقال: حج النصارى وحج المسلمين، وتصير سنة عليك وزرها إلى ~~يوم القيامة، فقام الشيخ وخرج من عنده ms201 مغتاظا وأذن للعامة في الخروج عليهم ونهب ما ~~معهم، وحرك كذلك معهم طائفة من مجاوري الأزهر، فاجتمعوا عليهم ورجموهم وضربوهم ~~بالعصي والمساوق ونهبوا ما معهم وجرسوهم، ونهبوا أيضا الكنيسة القريبة من دمرداش، ~~وانعكس النصارى في هذه الحادثة عكسة بليغة وراحت عليهم وذهب ما صرفوه وأنفقوه في ~~الهباء.». # 32 # وكانت الطقوس الدينية بمناسبة الزواج تشبه تقاليد المسلمين، وكانت الفتاة تحتجب ~~عندما تصل إلى سن البلوغ، وكان الشاب الذي يريد الزواج يكلف إحدى قريباته للبحث عن ~~عروس، وإذا تم الاتفاق، حرر الكاهن عقدا وقام بمراسيم الزواج، وإذا تعهد العريس ~~بدفع مهر، كان عليه أن يقدم نصفه مقدما كما يفعل المسلمون. # 33 # ويروى لنا الرحالة «سانت جون» # St. John # أنه في ~~عهد محمد علي كان القساوسة الأقباط يشجعون زواج المتعة المعروف لدى القبائل ~~الإسلامية وبخاصة لدى الشيعيين. # 34 # وقد ذهب الأقباط إلى حد الامتناع عن أكل لحم الخنزير. # 35 ~~(3-2) ما أخذه المسلمون عن الأقباط # لقد أشرنا من قبل إلى بعض العادات التي كان يتبعها الأقباط والتي اتخذها مسلمو ~~مصر دون سواهم، وأهم هذه العادات - وهي قائمة إلى يومنا هذا - جلب النادبات في ~~المآتم، ولم تخرج هذه العادة، التي ورثها الأقباط عن الفراعنة، عن حدود مصر، وقد ~~لاحظ الفرنسيون عند احتلالهم مصر أن الأقباط كانوا يبالغون في إظهار شعور الحزن ~~أكثر من المسلمين. # 36 # ولكن إذا تحدثنا عما أخذه المسلمون عن الأقباط، قصدنا بذلك خصوصا الخرافات التي ~~يرجع أصلها إلى العصور القديمة، ولن نطيل الكلام عن هذه العادات، ونكتفي بالإشارة ~~إلى واقعة حديثة نسبيا ذكرها «تيفينو» # Thevenot ~~، ~~وهي تدل على أن التمسك بالخرافات كان شائعا وعاديا إلى حد أن المسلمين لم ~~يترددوا في طلب نعم الأرواح الغائبة أو في اعتناق معتقدات وهمية لم تكن موجودة في ~~الواقع إلا في خيال النصارى، قال تيفينو: «يوجد بالقرب من مصر العتيقة، على شاطئ ~~النهر، مقبرة واسعة دفن فيها عدد كبير من الجثث، ويعتقد سكان القاهرة، من أقباط ~~ويونانيين وأتراك، ومغاربة، اعتقادا راسخا أن الموتى في أيام ms202 الأربعاء والخميس ~~والجمعة المقدسة، حسب التقويم القديم، كانوا يبعثون، ولكنهم لم يتنزهوا في المقبرة ~~كما يتبادر إلى الأذهان، بل كانت عظامهم تخرج من الأرض في هذه الأيام الثلاثة ثم ~~تعود إليها إذا ما انقضت، فذهبت إلى هذه المقبرة ... ودهشت عندما رأيت هذا الجمع ~~الغفير وكأنهم في سوق ... ويذهب الأتراك في موكب، حاملين راياتهم جميعا، إلى هذه ~~المقبرة التي دفن لهم فيها شيخ يدعون أن عظامه تخرج كل عام من قبرها كعظام سائر ~~الموتى، فيذهبون هناك ويصلون صلاة كلها تقوى وورع.». # 37 # ويكتب رحالة آخر اسمه «نيبوهر» # Nebuhr ~~، لمس ~~بنفسه معتقدات أهل وادي النيل الخرافية، عن الأشباح التي كان يبدو لهم أنها تظهر في ~~ثغر دمياط، فيقول: «إنها المرة الوحيدة التي لاحظت فيها هذا اللون من الخرافة بين ~~المسلمين، ففي بلاد العرب لا يعرفون الأشباح ولا يتحدثون عنها.». # 38 ~~(3-3) هل كانت هذه التأثيرات عميقة؟ # على الرغم من أن المسلمين اتبعوا بعض العادات التي يرجع تاريخها إلى العصر ~~الفرعوني، فإنهم لم يدعوا أنفسهم يتأثرون بالمعتقدات القبطية، هل كان الأمر كذلك ~~فيما يختص بالأقباط؟ نعم إن هؤلاء اتجهوا إلى التشبه بالمسلمين من حيث المظهر حتى ~~إذا اعتنقوا الإسلام بعد ذلك، لم تعد هناك أية علاقة تميزهم عن عامة الشعب، ولكنهم ~~طالما ظلوا في الدين المسيحي لم يكشف سلوكهم الخارجي أي خروج عن عقائدهم، بل إننا ~~لا نستطيع أن ننكر على الأقباط تعلقهم بدينهم ورضوخهم لتعاليم كنيستهم، فلم يكن ~~عندهم من منة يلتمسونها أحسن من تصريح ببناء أو إصلاح كنيسة، وهذا ما فعله المعلم ~~الشهير إبراهيم الجوهري عندما أدى خدمات جليلة لأخت السلطان في أثناء مرورها بمصر ~~في طريقها إلى مكة، فالتمس مكافأة له أن يصدر السلطان فرمانا بإقامة كنيسة ~~بالأزبكية «الكاتدرائية الحالية» وإعفاء الرهبان من دفع الجزية، # 39 # وقد انتهز أيضا فرصة حسن استعداد السلطات نحوه وطلب إصلاح الأديرة ~~والكنائس. # 40 # ونختتم هذا الحديث بقول اللورد كرومر: «الفرق الوحيد بين القبطي والمسلم هو أن ~~الأول مصري يعبد الله في كنيسة مسيحية في ms203 حين أن الثاني مصري يعبد الله في مسجد ~~مسلم.». # 41 ~~(4) المنافسة بين الملكيين واليعاقبة # لقد أشرنا عرضا في أثناء هذا البحث إلى المنافسة القائمة بين الملكيين واليعاقبة، ~~وقد نشأت منذ انعقاد مجمع كالسيدونيا «453م» واستمرت طوال الحكم الإسلامي، وترتب عليها ~~نتائج خطيرة جدا، لذلك لا نستطيع أن نمر عليها دون أن نتحدث عنها. # ظل نفوذ بطريرك اليعاقبة كبيرا جدا داخل مصر وخارجها بالرغم من القيود التي وضعت ~~للحد من نشاطه، وإذا كان الوالي امتنع في بادئ الأمر أن يتدخل في شئون الأقباط ~~الداخلية؛ أي: في المسائل الدينية البحتة، فقد اضطر إلى التدخل بعد إلحاح اليعاقبة ~~أنفسهم وخاصة بعد الدسائس التي حاكها الملكيون، ويقول ميخائيل السوري # 42 # في هذا الصدد: «لما عجز اليونانيون الخبثاء «يقصد هنا الملكيين» عن إساءة ~~الأقباط، كما كانوا يفعلونه فيما مضى، لم يكفوا عن أعمالهم السيئة، وكانوا يعينون في ~~أنطاكيا ومصر لشعوبهم بطاركة ليثيروا الفوضى بين السوريين والمصريين والأرمن، كالثعبان ~~الذي بترت رأسه ولم يزل يحرك ذيله، وكان يوجد في سوريا وبلاد الأرمن وكذلك في فلسطين ~~ومصر، علاوة على بطريرك وأساقفة طائفتنا، بطريرك وأساقفة للملكيين، كانوا يثيرون الفوضى ~~بقدر إمكانهم بين أفراد هذه الأمم الثلاثة، وإذا أتيحت لهم الفرصة، بين النوبيين ~~والأحباش.». # وكان الأقباط يستعينون بالوالي لأغراض شخصية؛ هذا قس يشكو إليه؛ لأنه لم يرق إلى ~~درجة أسقف فيخبره بوجود كنز مخفي؛ وهذا قس آخر يسافر إلى دمشق، ويدعي أمام الخليفة بأن ~~في استطاعته ملء خزانة الدولة الخاوية من ذهب بطريرك اليعاقبة الذي كان يصنعه بنفسه ~~بطرق كيميائية ليزين كنائسه بالأواني النفيسة، # 43 # ولا تخلو سير البطاركة من القصص المماثلة، فلا داعي من الإطالة في هذا ~~الموضع ولا سيما أن معظم هذه الحالات فردية، ولا يسعنا أن ننكر أن الرغبة في الثأر خلقت ~~سوابق خطيرة، إلا أن توخينا الدقة يحملنا إلى القول بأن الملكيين لا اليعاقبة هم الذين ~~حرضوا الولاة المسلمين على التدخل في المسائل الدينية البحتة. # وكان الملكيون أصحاب حظوة لدى السلطات البيزنطية لإخلاصهم لها، فلم ms204 يرضخوا للحكم ~~العربي بمحض رضاهم، وكان الإجلال الذي أحاط به عمرو بن العاص بطريرك الأقباط بنيامين ~~ومصادرته معظم الكنائس والأديرة لصالح اليعاقبة، بعث عند الملكيين رغبة الانتقام ~~منهم. # ثم كانت الفوارق تزداد بين رعايا الطائفتين كلما رسخت أقدام الحكم العربي في مصر، لقد ~~فرح اليعاقبة فرحا عظيما لتخلصهم من اليونانيين، فلم يعودوا يتوجهون إلى بيزنطيا، ~~وإذا كانت بلاد النوبة والحبشة تخيب آمالهم ولا ترسل لهم المعونة في الأوقات الحرجة، ~~كان الأقباط ينطوون على أنفسهم ويحاولون تهدئة غضب الحكام. # أما الملكيون، فكانوا على عكس ذلك؛ إذ إنهم لم ينقطعوا يوما واحدا عن التطلع إلى ~~بيزنطيا، وكانت الأحداث التي تقع على ضفاف البوسفور تهمهم أسوة بالتي تقع على ضفاف ~~النيل، وكذلك لما كتب سعيد بن بطريق تاريخه، أولى الحوادث البيزنطية والمصرية نفس ~~الاهتمام في حين أن خصمه ساويرس بن المقفع لم يركز اهتمامه إلا في داخل الحدود المصرية ~~ويتجاهل الحوادث الخارجية. # على أن الملكين لم يعارضوا الحكم العربي علنا، بل حاولوا أن يتفاهموا مع المحتل ~~الجديد، ولم يكن أمامهم لتحقيق هذا الغرض سوى خطة واحدة وهي مساعدة العرب على تشديد ~~قبضتهم على اليعاقبة، فرموا بذلك عصفورين بحجر؛ أي: نيل حظوة المنتصر وإضعاف نفوذ ~~اليعاقبة في آن واحد. # وقاموا بعملهم هذا بعد سقوط الإسكندرية مباشرة، ويقول حنا النقيوسي في هذا الصدد: ~~«جمع ميناس الملحد 32,057 قطعة من الذهب وسلمها للإسماعيليين «كذا» بينما كانت الغرامة ~~التي فرضها عمرو عن المدينة لا تتجاوز 22 ألف قطعة.». # 44 # ونقرأ من جهة أخرى في السينكسار اليعقوبي أن البطريرك أغاتوا «لقي شدائد كثيرة من أجل ~~الأمانة، من ذلك أن في زمانه مضى إنسان اسمه تاوداسيوس، وكان ملكي المذهب، إلى مدينة ~~دمشق وتقدم إلى يزيد بن معاوية الخليفة بها، وقدم له أموالا كثيرة وأخذ منه منشورا ~~بأن يتولى مدينة الإسكندرية والبحيرة، ومريوط، فلما أتى، تسلط على أبينا البطريرك ووزنه ~~الجزية ووزن تلاميذه في كل سنة ستة وثلاثين دينارا، وألزمه بكل ما ينفق على مراكب ~~الأسطول في كل سنة، وكان ms205 يزن عنه سبعة آلاف دينار في كل سنة، ولكثرة شره لم يختلط به ~~أهل ملته؛ لأنهم كرهوا منه ما عمل مع البطريرك، ولا يمكن الأب أن يخرج من قلايته وقال: ~~«كل من وجد البطريرك في الطريق يقتله، فمكث الأب في قلايته محبوسا إلى أن أهلك الله ~~هذا المنافق.». # 45 # ولكن اليعاقبة لم يسلموا بهزيمتهم، وقام أحدهم، وكان كبير مستشاري قرة بن شريك، ونجح ~~في إقناع الوالي بجعل الملكيين يدفعون ضعف الضريبة المقررة. # 46 # ولا شك أن الملكيين لم يزالوا يشعرون بقوة نفوذهم؛ لأنهم فكروا في ولاية عبد العزيز ~~بن مروان في أن ينتخبوا بطريركا من بين أفراد طائفتهم ويفرضوا سلطته على أفراد ~~الطائفتين، أضف إلى ذلك أنه عندما قال الوليد: «ما أدع بطركا يتقدم في أيامي.» كان ~~هناك طبيب من أهل الإسكندرية اسمه «أنوبيس»، فلما وجد الوسيلة، سأل الأمير أن يأمر أن ~~يقدمه بطركا من الإسكندرية وكان يوميا خلقدونيا، فقبل سؤاله، وكان كاتب اسمه ~~انسطاسيوس من الإسكندرية ودفع هذا الكاتب ألف دينار للأمير جعل الفير بطرك الخلقدوني ~~بمدينة الإسكندرية. # 47 # ثم حدث أن شفيت زوجة الخليفة هارون الرشيد المختارة على يد بطريرك الإسكندرية ~~الملكي، فمنحه الخليفة مبلغا كبيرا من المال على سبيل الهدية، وأعطاه أمرا يسترد ~~بمقتضاه من اليعاقبة جميع الكنائس التي كانوا قد صادرها لصالحهم، وعاد البطريرك إلى ~~الإسكندرية واسترجع هذه الكنائس. # 48 # وكان الخلفاء يستغلون شعور الحقد بين هاتين الطائفتين، فيكلفون أصحاب الطائفة الأولى ~~بتنفيذ الأوامر التي يصدرونها ضد أصحاب الطائفة الثانية، ولما أمر الخليفة المأمون «أن ~~تؤخذ من البيع في كل مكان العمد والرخام، كان الواصل في هذا الطلب إنسانا مخالفا ~~مبغضا من النسطورية اسمه العازر، فلما وصل إلى مصر، اجتمع إليه أهل مذهبه النجس الذين ~~هم الهراقطة الخلقدونيون المقيمون بالإسكندرية.». # 49 # وفي خلافة عبد الله بن مروان، ذهب الملكيون واليعاقبة إلى حد التماس تحكيم قاض مسلم ~~في مسألة خاصة بملكية إحدى الكنائس. # ومن البديهي أن الحكام العرب لم ينظروا بعين السخط إلى هذه الخلافات المستجدة؛ لأنها ms206 ~~كانت تتيح لهم فرصة التدخل في أمور رفضوا التدخل فيها في بادئ الأمر غير أنهم كانوا ~~يظهرون قلقهم بسبب العلاقات القائمة بين الملكيين وبيزنطيا، ثم بينهم وبين دول أوروبا ~~الكاثوليكية، وقد احتفظ لنا القلقشندي بنصوص مستندات لها أهمية كبيرة في هذا الموضوع، ~~وهذه المستندات خاصة بمراسيم تنصيب البطاركة الملكيين واليعاقبة بالإسكندرية، وكان ~~الحكام يوصون البطريرك الملكي في هذا المرسوم بأن يمنع رعاياه القاطنين في المناطق ~~الساحلية من إقامة أية علاقة خفية بينهم وبين الأجانب القادمين إلى مصر، أما المرسوم ~~الخاص بتنصيب البطريرك اليعقوبي فإنه لم يذكر شيئا عن هذا الموضوع غير أنه يشير إلى ~~علاقاته بالحبشة. # 50 # أما عن العلاقات بين اليعاقبة والملكيين، فلنذكر قصة تظهر لنا مدى الكراهية التي ~~كانت تفرق بينهم، وهي قصة المصلح مرقس بن كنبر ولسنا في حاجة إلى الوقوف بهذه القصة ~~طويلا، فقد ذكرها أبو صالح الأرمني بتفاصيلها، ونقول فقط: إن الإصلاحات التي كان ~~يقترحها مرقس على البطريرك اليعقوبي للتقرب بين الطائفتين سببت طرده من الكنيسة ~~القبطية، وكان مرقس يقترح السماح للشعب القبطي بأن يطيل شعره ومنع الختان والتوصية ~~بالاعتراف السري، ولما بلغ الخلاف أشده، لجأ مرقس إلى ساحة السلطان، ولكن البطريرك ~~اليعقوبي انتصر عليه؛ لأن الملكيين كانوا معدمي النفوذ في ذلك الوقت، وانتقم بعد ذلك ~~المباشرون الأقباط أحسن انتقام بفرض جزية مضاعفة على المدن التي أطاعت مرقس بن كنبر، ~~وكان انتقامهم هذا لمصلحة الخزينة المصرية. # واكتنف الغموض تاريخ الملكيين في العهد العثماني، فقد تركوا لمصيرهم، منذ سقوط ~~القسطنطينية في القرن السادس عشر، يتخبطون في غياهب الفقر والجهل، وفي أوائل القرن ~~الثامن عشر، لم يكن في القاهرة إلا ملكي واحد على خمسمائة قبطي؛ أي: حوالي عشرين نسمة، ~~وكان يوجد ما يقرب من المائة في الإسكندرية وبعض الأسر المتفرقة في موانئ رشيد ودمياط ~~والسويس، وغني عن البيان أنه لم يكن لهم أي نفوذ، وكان السلطان يوافق بين حين وآخر على ~~تعيين بطريرك ملكي لكرسي الإسكندرية، ثم إنه من الصعب علينا، بما لدينا من المعلومات، ~~أن نعرف ms207 بالتحديد عدد الملكيين الذين ظلوا خاضعين لروما، وعدد الذين انشقوا مع ~~البيزنطيين، بيد أن اهتمام دول أوروبا بمصير الملكيين المصريين يدل على أن بعضهم جدد ~~صلاته بالكرسي الرسولي، ولكن البابوات كانوا يهتمون أيضا بمصير اليعاقبة، الذين حولوا ~~كراهيتهم، بعد زوال الملكيين، نحو الإفرنج. # 51 ~~(5) كراهية الأقباط للإفرنج # لم تفقد الكنيسة الكاثوليكية الأمل في إعادة يعاقبة مصر إلى حظيرتها بعد فشل المحاولة ~~التي كان يراد بها وحدة الكنائس، وقد بذر «فرانسو ~~داسيز» # F. d’Assisc ~~، مؤسس الكهنوتية الفرنسسكانية، بذور الوحدة، ولكن ثمرتها ظلت ~~ضعيفة بالرغم من أن الإرساليات الكاثوليكية كانت تملك في عام 1731 تسعة أديرة في الوجه ~~القبلي. # 52 # وكان الأقباط والمسلمون يرون أن من مصلحتهم إبقاء تلك الإرساليات بالرغم من شدة ~~كراهيتهم للإفرنج، وكتب الرحالة «نيبوهر» في هذا الصدد: «كانت القاهرة خالية من التجار ~~الإفرنج ولكنها لم تعدم من القساوسة التابعين للإرساليات الكاثوليكية، ويرى فيها ~~اليسوعيين والكبوشيين والكورديلييه وآباء البروباجندة، وكان هؤلاء الرهبان يتحمسون في ~~سبيل التبشير وكانوا يفلحون أحيانا، بطريقتهم الخاصة، في إدخال بعض المسيحيين المنشقين ~~في حظيرة الكنيسة الرومانية، وكانت السلطات تجيز عملها؛ لأنها تستغل لمصلحتها المنازعات ~~التي كانت تشجر بين الذين يعتنقون المذهب الكاثوليكي وبين أفراد طائفتهم الأصلية، ~~وغالبا كان الباشا لا يكتفي بتغريم الطرفين المتنازعين، بل يذهب إلى مصدر النزاع ~~ويطالب الرهبان أنفسهم بمبالغ كبيرة من المال.». # 53 # هذا ما قاله الرحالة البروتستانتي «نيبوهر»، ورأي قنصل فرنسا الكاثوليكي، «بنوادي ماييه» # B. de Mailler # لا يقل تهكما؛ إذ يقول: «يجيب ~~المرتدون المزعومون عندما يعاب عليهم خروجهم عن مذهبهم: ما فيش فلوس، ما فيش كنيسة «كذا ~~في النص الفرنسي»، وكنت أرى هنا كنيسة آباء الأرض المقدسة حافلة بالمرتدين الجدد وهم ~~أفقر مسيحيي القطر المصري، وكان هذا الفقر المدقع يجعلهم طوع إرادة من يمد لهم يد ~~المساعدة، # 54 # وكتب الرحالة «سونيني» # Sonnini # الإيطالي ~~بعد القنصل الفرنسي: «إن اسم «إفرنجي» مكروه من أبناء الصعيد، وهذا الحقد يرجع إلى موقف ~~الأقباط منهم، وكانوا يتألمون من قدوم بعض المرسلين من إيطاليا خصيصا ms208 لنقد مذهبهم ~~واتهامهم بالإلحاد، واعتبارهم بدون إشفاق كلاب ومن الهالكين.». # 55 ~~(5-1) ما سبب هذا الحقد؟ # كان الأقباط يربطون بين الإفرنج «الأوروبيين فيما بعد» والملكيين؛ ذلك لأن ~~الغربيين كانوا حتى انفصال «لوثير» # Luthcr # عن ~~الكنيسة الكاثوليكية، خاضعين لروما، ومن الطبيعي أن يعتبرهم الأقباط حلفاء الملكيين ~~وبالتالي أعداءهم، ونجهل على أي أساس كان يستند ملك البرتغال عندما كتب إلى ~~الكردينال «كسيمينيس» # Ximenes # أن «النصارى ~~الخاضعين لسلطان مصر على استعداد تام للانضمام إلينا عندما يلمحون بريق ~~أسلحتنا.» # 56 # وأما الأب اليسوعي «برنا» # Bernat ~~، ~~الذي درس هذه المسائل عن كثب، فكتب إلى الأب «فليريو» # Fleuriau ~~: «يجب أن تنزل نعم الله علينا لكي نقضي على العوائق ~~التي يظهر لنا أنها تحول بين الأقباط وبين انضمامهم الخالص إلى الكنيسة ~~الكاثوليكية، وأول هذه العوائق هي الكراهية المتأصلة للإفرنج.» # 57 # والواقع أن الكراهية التي كانوا يضمرونها للغربيين كانت مرتبطة بشعور ~~الحقد نحو الكاثوليك، وقد أشار «نيبوهر» بوضوح تام إلى هذا الشعور؛ إذ يقول: «يكره ~~الأقباط كنيسة روما كرها لا يمكن القضاء عليه ... ويخبئ القساوسة بعناية الكتب ~~المحررة باللغة القبطية؛ إذ يخشون - كما يدعون - أن يستولى عليها الكاثوليك، ~~ويطبعوها في أوروبا بعد تزوير نصوصها، فإذا أقنعنا هؤلاء القساوسة بأننا لسنا من ~~أنصار البابا، وإذا خففنا عليهم وطأة فقرهم «بمنحهم بعض العطايا» أمكننا الحصول على ~~بعض نسخ من هذه الكتب المدفونة.». # 58 # هذه الاعترافات الساذجة التي سطرت على ورق دون أية دراسة عميقة، والتي ترتكز على ~~الملاحظة فقط، هي في نظرنا أحسن برهان على وجود هذا الشعور. # وفضلا عن ذلك، فإننا لا نجد عندهم في أي وقت رغبة صادقة في التفاهم، ولا ميل إلى ~~بذل مجهود حقيقي لتقريب وجهات النظر، ولم يتوجهوا لحظة واحدة نحو الغرب بالرغم من ~~اضطهاد الحاكم بأمر الله لهم وتخريب كنائسهم وتعرضهم للظلم في عهد السلطان محمد بن ~~قلاوون وللإهانات في عهد المماليك، وإذا طلبوا الانضمام إلى روما في القرن السادس ~~عشر الميلادي، لم يكن ذلك عن إيمان بل عن حاجة إلى المال. # ولما أراد ms209 وزير حربية الملك لويس السادس عشر، قبيل الحملة الفرنسية، أن يدرس ~~مسألة جواز احتلال مصر، وأرسل لهذا الغرض إلى البارون «دي توت» # Tott ~~، الذي كان يقيم في مصر وقتئذ، بعض الأسئلة ~~المفصلة، لم يهتم مطلقا بالمساعدة التي قد يقدمها له أقباط مصر، ولعل عدم اهتمام ~~الوزير بالأقباط راجع إلى قلة عددهم وتلاشي نفوذهم وقوتهم، غير أنه ذكر في السؤال ~~الثامن والعشرين حالة اليهود، فقال: «هل من المستطاع أن نجعل اليهود القاطنين في ~~الوجه البحري يهتمون بأمرنا؟» # 59 # ويتضح من ذلك أن الحكومة الفرنسية كانت ترحب بمعاونة داخلية، ولكنها ~~كانت تعلم أن الأقباط سوف يأبون عليها هذا التعاون. # وتضمن تقريرات القناصل المعتمدين كراهية الأقباط نحو الإفرنج، وكتب القنصل «دي ~~ماييه» في هذا الشأن: «إن كراهية هذا الشعب لنا شديدة إلى درجة أنه عندما يريد ~~أحدهم أن يقسو على إنسان في السب، ينعته «بإفرنجي». تلك هي طريقتهم في التعبير عن ~~شدة احتقارهم لشخص ما.» # 60 # وبالفعل، كتم الأقباط شعورهم نحو بونابرت قبل أن يظهروا له عداوتهم، ~~أما الإدارة الفرنسية في أثناء الحملة، فلم تخف احتقارها لهم. # ولما ازداد نفوذ الأوروبيين، زادت كراهية الأقباط لهم، تلك الكراهية التي تحدث ~~عنها كثير من الأجانب المقيمين منهم أو الرحالة، وكان «ريفو» # Rifaud ~~، الذي يجيد معرفة الشئون الداخلية في مصر، يوصي مواطنيه ~~أن يلزموا جانب الحذر، فقال: «يحمل الأقباط كراهية شديدة لسائر المسيحيين، ويجب على ~~الأجانب أن يبتعدوا عنهم، وإن كان لا بد من التعامل معهم، فبكل تحفظ.» # 61 # ويلاحظ «جون دوربين» # J. Durbin # الإنجليزي بدوره أن تأثير الإرساليات على النصارى من سكان البلاد كان غير ذي ~~شأن، # 62 # ويذهب «شارل ديدييه» # Ch. Didier # إلى ~~أبعد من ذلك حين يكتب: «لا يفضل الأقباط أبناء دينهم الأوروبيين على المسلمين ~~أنفسهم، ويقال إنه إذا قامت حرب صليبية أخرى بين المسلمين والمسيحيين، فإن الأقباط ~~سينضمون إلى صفوف الأولين.»، ويذكر «إيزانبير» # Isamberlt # في «مرشد الرحلات» إن كراهية الأقباط للأجانب تزيد ~~بمراحل عن الكراهية التي قد يشعر بها المسلمون نحو الكفار. ms210 # 63 # وكانت كراهية الأقباط أشد بالنسبة لهؤلاء الذين كانوا يتركون الأرثوذكسية ~~ويعتنقون المذهب الكاثوليكي، وقد لاحظ «سونيني» هذا الشعور؛ إذ قال: «يوجد كثير من ~~الكاثوليك بين أقباط طهطا، والمعروف أن الأقباط ينتمون إلى أحد المذاهب التي تتهمها ~~الكنيسة الرومانية بالإلحاد، وكثيرا ما كنت أذهب لزيارة أكابرهم حيث كنت ألتقي ~~مسرورا بقسيس مصري أمضي خمس عشرة سنة في دير بروما، وكان يتكلم ببعض السهولة ~~اللاتينية والإيطالية، وكنت أجد لذة في التحدث إلى رجل كنت أعتبره أوروبيا، وكان ~~يقول لي: إن المصريين التابعيين للكنيسة اللاتينية يتعرضون لمعاملة سيئة للغاية من ~~مواطنيهم العديدين الموصومين بالإلحاد.». # 64 # وكان الأقباط الذين وضع محمد علي ثقته فيهم من الكاثوليك، وقد اضطر أكثرهم ~~نفوذا، وهو المعلم غالي، أن يدفع عن نفسه عدة دسائس حيكت ضده، وينقل لنا الجبرتي ~~واحدة منها؛ إذ يقول: «في عام 1231ه «1816م» انتبذ طائفة من الأقباط في الحط على ~~غالي مع الكتخدا وعرفوه أنه إذا حوسب، يظهر عليه ثلاثون ألف كيس، فقال لهم: وإن لم ~~يتأخر عليه هذا القدر تكونوا ملزومين به إلى الخزينة، فأجابوه إلى ذلك، فأرسل يعرف ~~الباشا بذلك، فورد الأمر بالقبض عليه وعلى أخيه وخازنداره وحبسهم، وعزله ومطالبته ~~بالستة آلاف كيس القديمة أولا، ثم حسابه بعد ذلك، فأحضر المرافعين عليه وألبسهم ~~خلعا على رياسة الكتاب عوضا عن غالي ومن يليه.». # 65 # ولم نلبث في عهد محمد علي حتى لاحظنا الفرق الواضح بين موقف رجال الطائفتين، ~~فبينما ظل اليعاقبة وبطريركهم يعادون الأجانب كل العداء، احتمى الأقباط الكاثوليك، ~~في القرن السابع عشر، بحماية جمهورية البندقية ثم بحماية النمسا عام 1866م، لذلك لم ~~يتردد قنصل النمسا، عندما أنشئت المحاكم المختلطة، في طلب إعفاء الأقباط من التقاضي ~~أمام المحاكم الأهلية، ولكن الحكومة المصرية لم تقر هذه النظرية. # ومن جهة أخرى، بينما كان عدد كبير من الرحالة يشكون من صعوبة زيارتهم للأديرة ~~القبطية التابعة لليعاقبة، وقف الأقباط الكاثوليك موقف التآخي من اللاتين فيما يختص ~~بالناحية الدينية، ومثلا عندما قدم الأب «دي ~~جيرامب» # Geramb # إلى مصر، ms211 خف المطران القبطي الكاثوليكي ~~لاستقباله، # 66 # ولما قدم رئيس آباء الأرض المقدسة، في أثناء دورته الرعوية، استقبله ~~مطران الأقباط الكاثوليك ببولاق. # 67 # ولا شك أن روح التسامح التي غرست في مصر في عصر محمد علي، أخذت تثمر فيما بعد، ~~وقد فتحت الأديرة أبوابها للزوار الأجانب، بل للرهبان الكاثوليك، وقد صرح لهم أيضا ~~بدراسة المخطوطات المودعة فيها، أما البطريرك، الذي كان يضمر العداء للأجانب، فقد ~~استقبل عام 1894 الكاردينال «لانجينيو» # Langenieux ~~، المندوب البابوي في المجمع المقدس الذي عقد في مدينة ~~القدس، استقبالا حارا، «وقد قام بزيارته في اليوم الأول، ولما رد له الكردينال ~~الزيارة في اليوم التالي في الكنيسة المرقسية، ارتدى البطريرك لاستقباله ملابسه ~~الدينية وأمر بقرع الأجراس كما لو كان يحتفي برئيس له ... وقد تحدث الناس بعد ذلك عن ~~اتحاد الكنيستين.». # 68 ~~(6) العلاقات بين المسيحية العالمية ومصر المسيحية تحت الحكم الإسلامي # إن الدور الذي لعبه البطريرك، والحوادث اليومية التي كانت تقع بين الملكيين ~~واليعاقبة، جعلتنا نقتنع بأن الدول المسيحية لم تهمل تماما مصير الأقليات الدينية في ~~مصر. # والواقع أنه لما اجتاح الإسلام الشرق، حاول النصارى القاطنون في البلاد المحتلة، ~~مدفوعين بغريزتهم، أن يحتفظوا برباط روحي مع الدول المسيحية الكبرى، وبينما توجه ~~الملكيون نحو بيزنطيا، اتجه اليعاقبة نحو النوبة والحبشة على الأخص؛ لأن الحبشة كانت ~~الحصن المنيع الذي لم يجرؤ العرب على اقتحامه أبدا. # 69 # وكانت علاقات الأقباط بالنوبة والحبشة طبيعية؛ لأن بطريرك الإسكندرية كان الرئيس ~~الروحي لتلك البلاد، ثم إن تدهور نفوذ البطريرك يوما بعد يوم لم يقلل من الاحترام الذي ~~كان يتمتع به في الحبشة، وقد رأينا كيف كان النجاشي يضحي بعزة نفسه ويطلب باحترام إلى ~~السلطات المصرية أن ترسل له مطرانا، ويصف ابن فضل الله العمري كيف كان حكام الحبشة ~~يقابلون من يحمل رسالة من البطريرك اليعقوبي، فيقول: إن رجال الدولة والقساوسة ~~والأراخنة كانوا يستقبلونه على حدود المقاطعات وفي أيديهم المجامر، ولما كان المندوب ~~يصل إلى مدينة «أمهره» كان النجاشي يستقبله شخصيا ويمتنع منذ هذه اللحظة عن إصدار ms212 ~~أوامره حتى يوم الأحد الذي يلي وصول المندوب، وعندئذ كان النجاشي ورجال الدين والدولة ~~يعقدون جلسة في ساحة الكنيسة لإصغاء مضمون الرسالة، وكان النجاشي يستمع إليها وهو ~~واقف. # 70 # كتب ابن فضل الله العمري هذه السطور في عهد سلاطين المماليك؛ أي: في الوقت الذي تزعزت ~~فيه مكانة البطريرك بمصر، مما يجعلنا نتساءل ما سبب احترام ملك ذي سلطان واسع لشخص كان ~~يعيش أغلب الأحيان في بؤس مادي وأدبي شديدين؟ ونجد أحسن رد على ذلك على صفحات تاريخ ابن ~~فضل الله العمري؛ إذ يقول: إن المسيحيين اليعاقبة كانوا يعتقدون أن سر الاعتقاد لا قيمة ~~له إلا إذا وافق عليه بطريرك الإسكندرية، لذلك يضطر النجاشي أن يلتمس تعيين الأسقف الذي ~~يمثله البطريرك في الحبشة، وكان إرسال الخطاب إلى البطريرك يحط من شأن النجاشي إلا أن ~~إرساله كان عملا لا مفر منه. # وقد ظلت العلاقات بين نصارى مصر وجيرانهم الإفريقيين بعد الاحتلال العربي، بل لقد ~~زادت قوة هذه العلاقات؛ لأن ملك النوبة وإمبراطور الحبشة كانا ينتهزان حجة أي اضطهاد ~~يقع على النصارى أو أي إجراء يصيب هيبة البطريرك ليتدخلا في شئون مصر، بينما أن الولاة ~~العرب لم يترددوا في طلب وساطة البطريرك في سبيل تأمين حدودهم الجنوبية، إلا أن ~~العلاقات القائمة بين البطريرك والملوك المسيحيين كانت تقلق الحكام المسلمين وخاصة بعد ~~احتلال مصر مباشرة، بل كان حضور قسيس لطلب تعيين مطران يكفي لإلقاء الرعب في نفوس رجال ~~الإدارة. # 71 # ولم تهتم الحبشة جديا بمركز الكنيسة القبطية قبل القرن الثالث عشر الميلادي، وإذا ~~اتصلت بها قبل ذلك، كان لسبب واحد هو طلب تعيين المطران «الابونا»؛ ذلك لأن موقع النوبة ~~المسيحية بين الحبشة ومصر كان يؤهلها لتقوم بدور المدافع الأول عن المسيحية ~~المصرية. # وفعلا قذف ملوك النوبة عام 132ه «750م» بجيوشهم عبر الحدود المصرية انتقاما للإهانة ~~التي لحقت بالبطريرك ميخائيل الأول، وكان ذلك أول مظهر من مظاهر التضامن بين المسيحيين ~~وأهمها، وينقل إلينا ساويرس بن المقفع هذا الحادث، بل يحدثنا عنه بحماس، قال : «لما علم ms213 ~~الملك قرياقوس بأن عبد الله بن مروان زج بالبطريرك في السجن سار من بلاد النوبة يريد ~~ديار مصر في عسكر عظيم فيه مائة ألف فارس بمائة ألف فرس ومائة ألف جمل، ولقد شاهد من ~~أخبرنا بعينه أن الخيل التي تحتهم كانت تقاتل بأيديها وأرجلها في الحرب كما يقاتل ~~فرسانها فوقها، وكانوا خيلا قصارا مثل الحمير، فلما فربوا إلى مصر ليسبوها، ونزلوا في ~~البركة المعروفة إلى اليوم ببركة الحبش، نهبوا وقتلوا وسبوا المسلمين، وقد كانوا فعلوا ~~ذلك بمسلمي الصعيد، وكان الملك قبل وصوله إلى مصر قد سير رسولا اسمه الأبرخس، من كبراء ~~المملكة، إلى عبد الله يأمره أن يطلق البطرك، فأخذه عبد الملك واعتقله مع البطرك، فلما ~~علم بمجيء الملك ووصوله إلى مصر ولم تكن له قدرة على محاربته وخاف منه جدا، أطلق ~~رسوله الأبرخس من السجن، فخرج في لقاء الملك بعد أن قرر معه واستحلفه أنه يرده وعساكره ~~إلى بلاده، ولا يدعه أن يتقدم إلى حصونه ولا يحاصره، وكان المسلمون يسرقون النوبة ~~ويبيعونهم بمصر، فعاد بعسكره بعد أن نهب من المسلمين شيئا كثيرا». # 72 # وكذلك ظل الأقباط يستنجدون ببلاد النوبة في أوقاتهم العصيبة طالما ظلت بلاد النوبة ~~مسيحية، ففي أثناء المجاعة التي حاقت بمصر، في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، ~~استنجد النصارى بأريحية الملك جورج النوبي. # ولم تبلغ العلاقات بين مصر والحبشة درجة الخطورة، بالرغم من المظاهر التي صحبتها، هذا ~~لأن مصر والحبشة لم تستطع أن تخوض غمار حرب لطول المسافة التي تفصلها برا وكثرة ~~العقبات الطبيعية التي تقوم بينهما وتعدد الثورات الداخلية والأخطار الخارجية التي ~~تهددهما، ثم إنهما لم ترغبا خوض غمار حرب بالرغم من أنهما لم تحاولا التفاهم قط ولا ~~الارتباط بالصداقة. # 73 # كانت الحبشة في حاجة إلى حسن استعداد مصر بينما أن مصر كانت في حاجة إلى حسن استعداد ~~الحبشة، ولا ننسى أن مطران الحبشة كان يتلقى تعيينه من بطريرك الإسكندرية الذي كان يخضع ~~لسلطة والي مصر المسلم. # لذلك كان النجاشي يرغب في عدم قيام أية حرب ms214 بين الدولتين، ولا سيما أن رعاياه كانوا ~~يحجون كل عام إلى بيت المقدس حيث أقيمت دار لإيوائهم، وكانوا يريدون القيام بهذه الرحلة ~~الدينية وهم مطمئنون تماما. # أما مصر، فكانت تدرك أن الحبشة جارة لا يرتاح لها، بل إنها جارة خطرة كل الخطر إذا ~~حكمتها إدارة قوية، وكانت مصر تعلم أيضا أن النجاشي يتحكم في بعض القبائل الإسلامية، ~~وأنه ينتقم منها كلما وقع اضطهاد على الأقلية القبطية في وادي النيل، وكانت تعرف خاصة ~~أن منابع النيل «أو أحد المنابع المهمة له» تنبع من أعالي هضاب الحبشة، فكانت تخشى في ~~كل حين أن يقطع أو يحول مجراها. # وكانت فكرة تحويل مجرى النيل هذه تقلق بال المصريين منذ أمد بعيد، يكتب المسيو ~~«كاميرير» # Kammerer # قائلا: «كان المسلمون ينتابهم ~~الرعب منذ أجيال بسبب حرمانهم من مياه النيل نتيجة لتآمر جيرانهم عليهم، ولم يزل هذا ~~الخوف ينتابهم، ولما كانوا مقتنعين، وهم على حق، بأن مصر لا تعيش إلا بفضل النيل، كانوا ~~يرون من المحتمل جدا أن يحول مجرى النيل، وهم في ذلك مخطئون.» # 74 # ولم يكن الصليبيون أقل اقتناعا من المصريين، ولما فكروا في إشراك الحبشة ~~في حروبهم ضد الإسلام، لم يكن استعمال هذا السلاح الفاصل؛ أي: تحويل مجري النيل، بعيدا ~~عن خططهم، ولما علم سلاطين المماليك بتدبير مؤامرة لهذا الغرض، منعوا الرحالة الأجانب ~~من دخولهم الحبشة؛ إذ كانوا يعتقدون أن هؤلاء الرحالة إنما يذهبون إلى الحبشة لحمل ~~النجاشي على تحويل مجرى النيل الخصيب، وكان الرواة الغربيون أنفسهم يعتبرون تنفيذ هذا ~~المشروع ممكنا إذا فكر في تنفيذه، ونقرأ في رحلة «جيلبرت دي لانوا» # G. de Lanoy ~~«سنة 1422م» ما يأتي: «لا يسمح السلطان لأي مسيحي ~~بالذهاب إلى الهند عن طريق البحر الأحمر ولا عن طريق نهر النيل لمقابلة القس يوحنا ~~«النجاشي وقتئذ.» خوفا من أن يتفق المسيحيون معه على حرمانهم من هذا النهر أو على أي ~~عمل عدائي آخر؛ ذلك لأن المسيحيين هناك والقس يوحنا يناصبون العداء. إنه ليس في استطاعة ~~السلطان تحويل مجرى النيل، ms215 ولكن القس يوحنا يستطيع تحويله حيث يشاء، وإذا لم يقم بهذا ~~العمل بعد، فالسبب يعود إلى عدد المسيحيين الكبير الذين يقيمون بمصر، وخوفا عليهم من ~~الموت جوعا.». # 75 # وجاء الرحالة «برتراندون دي لابروكبير» # La Broquiere # بنفس الحجج بعد عشر سنوات، # 76 # وحوالي عام 1450م طلب ملك «أراجون» إلى النجاشي تخريب مصر بقطع ماء النيل ~~عنها، # 77 # وكان الأب «فانسليب» في كتابه عن مصر يعتقد أنه من المستطاع تحويل مجرى ~~النيل، ويذكر خطابات أرسلها النجاشي إلى سلاطين مصر يهددهم فيها بتحويل مجرى النيل إن ~~أساءوا معاملة الأقباط، # 78 # وكان الرحالة «سافاري» # Savary # الذي زار ~~مصر في القرن الثامن عشر، يؤمن بتحقيق هذه المعجزة. # 79 # ولعب البطريرك مرارا دور الوسيط، وكان نفوذه القوي لدى بلاط النجاشي كفيلا بأن يكلل ~~مسعاه بالنجاح. # ويرجع أول مسعى كلف به إلى عهد المستنصر بالله الفاطمي؛ إذ أمره الخليفة بالتوجه إلى ~~النجاشي ليخبره بأن مستوى النيل في هبوط، الأمر الذي لا بد أن يلحق ضررا بسكان مصر، ~~وقد حمل الخليفة البطريرك هدية نفيسة ليقدمها إلى النجاشي، ويقول المقريزي: «أمر ~~النجاشي بفتح سد يجري منه الماء إلى أرض مصر، ففتح وزاد النيل في ليلة واحدة ثلاثة ~~أذرع، واستمرت الزيادة حتى رويت البلاد وزرعت ثم عاد البطريرك فخلع عليه المستنصر ~~وأحسن إليه.». # 80 # وقد استخدم البطريرك نفوذه في مناسبات أخرى لمصلحة مصر والإسلام، ويقص ابن فضل الله ~~العمري أن عبد الله الزيلعي، رئيس الوفد الحبشي المسلم، جاء مصر بين عامي 1332 و1338م ~~وطلب إلى السلطان أن يحمل البطريرك رسالة يطلب فيها إلى النجاشي أن يكف عن اضطهاد ~~المسلمين وانتزاع أراضيهم التي يقدسونها، وأمر السلطان بتحرير رسالة بليغة يلوم فيها ~~هذه الأعمال، ويطلب منع أي: كائن من اقترافها، فحررها البطريرك، ويقول ابن فضل الله: إن ~~الخطاب أتى بأحسن النتائج. # 81 # ولم يحل توسط البطريرك بين اتصال البلدين مباشرة، ولكن معظم الوفود المرسلة من لدن ~~النجاشي كان غرضها إما طلب رسم مطران جديد، وإما تيسير مهمة الحج إلى بيت المقدس ~~للأحباش، ms216 وفي الظروف العادية كان نص الرسالة مكتوبا كما يأتي على وجه التقريب: «نرجو ~~السلطان أن يأمر البطريرك برسم مطران علينا يكون صالحا وعالما، لا يحب الذهب ولا ~~الفضة». # على أن النجاشي كان ينتهز هذه الفرصة ليعطي سلطان مصر فكرة عن قوته، وكان يكتب ذلك ~~بأسلوب في غاية من الاحترام، غير أنه كان ينتهز هذه الفرصة ليعطي السلطان فكرة مجسمة عن ~~قوته المادية، وكان السلطان يدرك مقصد النجاشي، فيجيب عليه بخطاب آخر يعطيه فكرة مجسمة ~~أيضا عن عدد قواته وعدتها. # وكان الوفد الحبشي يقدم دائما الهدايا للسلطان، وكانت الهدايا عبارة عن عبيد وأدوات ~~وأسلحة مذهبة، وإذا لاحظ السلطان أن الهدية قليلة القيمة، لم يتأخر في تأنيب رئيس ~~الوفد، وحدث في عام 922ه أن قدر السلطان قنصوه الغوري الهدايا المقدمة من الوفد بخمسة ~~آلاف دينار أو دون ذلك، «فلما عاينها السلطان وبخ الذي طلع بها وأحضر له قوائم هدايا ~~ملوك الحبشة إلى الملوك السالفة مثل الأشرف برسباي والظاهر جقمق والأشرف قايتباي وغير ~~ذلك من الملوك، وأحضر عدة تواريخ يذكر فيها هدايا ملوك الحبشة إلى ملوك مصر، فقرنت ~~بها.». # 82 # وكان عدد أفراد الوفد كبيرا؛ لأنه كان يشمل الحجاج الذاهبين إلى بيت المقدس، ويصف ~~لنا المؤرخ ابن إياس «عام 922ه» طريقة استقبال هذا الوفد وصفا مفصلا؛ إذ يقول: «... كان ~~مجموع هؤلاء الحبش الذين حضروا إلى مصر نحو 600 إنسان ... وكان صحبتهم البطرك وعليه برنس ~~حرير أزرق، وكانت أعيانهم راكبة على خيول والبقية مشاة، فطلعوا القلعة من سلم المدرج، ~~والبطرك ماش قدامهم، فلما وصلوا إلى باب الحوش، كان صحبتهم كراسي حديد عالية، وقصدوا ~~أن يجلسوا عليها بحضرة السلطان، فلم تمكنهم رءوسهم النواب من ذلك، ووقع في أيام الملك ~~الأشرف قايتباي مثل ذلك وطلعوا معهم بكراسي فما مكنوهم من الجلوس عليها بحضرة السلطان ... ~~ولما نزلوا من القلعة، نزل معهم الوالي والمهمندار وجماعة من رءوس النواب، فوصلوهم إلى ~~الميدان خوفا عليهم من العوام أن يرجموهم.». # 83 # ونرى من ذلك أن البطريرك كان يهتم شخصيا بكل ما ms217 يمس الحبشة، وتقول إحدى الروايات ~~القديمة إنه كان يكتب للنجاشي مرتين في السنة «بموافقة السلطان»، ولكن أبطلت هذه العادة ~~في خلافة الحاكم، ولما كان سلطان مصر يتسلم خطابا من النجاشي، كان يطلب إلى البطريرك ~~أن يؤكد للنجاشي احترامه، ويرجوه أن يحسن معاملة مسلمي إمبراطوريته. # 84 # والويل كل الويل إذا فوجئ البطريرك وهو يتخاطب رأسا مع الحبشة دون تصريح من السلطات ~~الشرعية، «وفي يوم الاثنين، العشرين من شهر جمادى الأولى، عقد مجلس بين يدي السلطان ~~بالقضاة الأربعة وغيرهم، منهم الشيخ بدر الدين العيني، نسيب بطريرك النصارى اليعاقبة، ~~وكان السلطان غضب عليه بحيث ضربه وحبسه في المقشرة، وأخذ منه شيئا كثيرا، فأمر بكتابة ~~إشهاد عليه أنه لا يكتب إلى ملك الحبشة بنفسه ولا بوكيله، لا ظاهرا ولا باطنا، ولا ~~يولي أحدا في بلاد الحبشة لا قسيسا ولا أعلى منه ولا دونه إلا بإذن من السلطان ووقوفه ~~على كتابته، وأنه متى خالف ذلك انتقض عهده وضربت عنقه، وحكم قاضي المالكية بذلك ونفذ ~~بقية القضاة، ثم قرئ الأشهاد بين يدي السلطان والجماعة ورسم بكتابة خمس نسخ منه ليكون ~~عنده وعند كل من القضاة الأربعة نسخة وانفض المجلس على ذلك.». # 85 # غير أن البطريرك لم يكن هدفا لمثل هذه العقوبات الصارمة إلا نادرا، وكان السلطان ~~جقمق على حق من شكواه من الأحباش؛ إذ وصله من النجاشي في ذلك الحين خطاب فيه عتاب شديد ~~اللهجة، بل إنذار على موقفه من الأقباط، وقد تسلم هذا الخطاب عام 847ه «1443م» من وفد ~~كان يحمل إليه هدايا، وكان أحد رئيسي الوفد مسلما يدعى عبد الرحمن ويحترف التجارة، ~~وقد تضمنت هذه الرسالة فيما تضمنت، بعد عبارات الإكبار والإجلال المتبعة: «في أيام ~~الظاهر برقوق ونجله الناصر فرج الدين كانا قائمين بالعدل خصوصا بإخواننا النصارى ... وقد ~~بلغنا الآن أن هذه القواعد قد تغيرت من قبل قوم كانوا عن طريق العدل حائدين وفي طريق ~~الظلم خائضين، والآن إذا مات أحد من إخواننا النصارى، لا يدفن إلا بعد مشقة كبيرة لأهله ~~وأقاربه، ويؤخذ منهم ms218 ما لم تجر به عادة في أيام الملوك السالفة، والله تعالى لم يعذب ~~أحدا من خلقه بقطع الرزق ... ثم بلغنا أن ثم من يتعرض إليهم في كنائسهم في أوقات ~~صلاتهم وفي أيام أعيادهم بقطع مصانعاتهم وأخذ ما لا يستحقون أخذه، وإنهم في غاية الضيق ~~في ذلك ... وأبونا البطريرك وإخواننا النصارى الذين هم الآن تحت عز سلطانكم ومملكتكم ~~الشريفة نفر قليل جدا، ضعفاء الحال، مساكين في كل الجهات ... وأنتم حفظكم الله ليس يخفى ~~عليكم ما في بلادنا الواسعة من المسلمين تحت حكمنا، ونحن لهم ولملوكهم مالكون ولم نزل ~~نحسن إليهم في كل وقت وحين ... وملوكهم عندنا بالتيجان الذهب، راكبون الخيول المسومة ولا ~~نأخذ منهم جزية ولا شيئا قليلا ولا كثيرا ... وإن كنتم في شك من ذلك، فاسألوا التجار ~~والمترددين إلى بلادنا ليخبروكم بذلك بالحق والصدق ... وليس يخفى عليكم ولا على سلطانكم ~~أن بحر النيل ينجر إليكم من بلادنا ولنا الاستطاعة على أن نمنع الزيادة التي تروي بها ~~بلادكم عن المشي إليكم، ولا يمنعنا عن ذلك إلا تقوى الله تعالى والمشقة على عباد الله ... ~~وما قصدنا بهذا إلا أن يكون بيننا وبينكم الصلح كما كان بين الملوك السالفين.» # 86 # ثم طلب النجاشي من السلطان إبراز أوامره لإعادة بناء الأديرة والكنائس التي ~~هدمت، وأن يأمر ألا يقول أحد للنصارى: يا كلب. # 87 # وها هو ذا النجاشي يبعث بتهديداته مرة أخرى لمصر وها هو ذا السلطان وقد اعتراه الخوف، ~~ثم حاول دحض ادعاءات النجاشي غير أنه أرسل له وفدا يحمل الهدايا، وقد حجز النجاشي هذا ~~الوفد حتى يشاهد بنفسه كيف ينتقم الأحباش من المسلمين، كما دعاه إلى رؤية إحدى ~~الجثث. # ولكن هذا الاقتصاص من أناس لا ذنب لهم زاد من غضب السلطان، وقد استطاع أحد الأباطرة ~~الأحباش، واسمه سيف الأرعد، في أثناء حكمه؛ أي: فيما بين عام 1342م وعام 1370م، أن يجعل ~~السلطات المصرية تفرج عن البطريرك مرقس بعد أن زجته في السجن، وذلك بدون أن يلجأ إلى ~~سلاح التهديد، وكانت العلاقات التجارية بين ms219 مصر والحبشة وقتئذ مزدهرة سواء عن طريق البر ~~أو البحر، ولما كان يتعذر على سيف الأرعد أن يقدم مساعدة مباشرة إلى البطريرك، فقد ألقى ~~القبض على جميع التجار القادمين من القاهرة، ثم أرسل فرسانه ليبثوا الرعب بين القوافل ~~وليعوقوا سيرها، وكتب الرحالة «بروس» # Bruce # في هذا ~~الشأن: «ولما كانت أسباب هذه الأمور غير خافية، وكان البطريرك قد ألقي في السجن ~~لابتزاز المال منه، اتهم سكان مصر السلطان بالظلم واضطر السلطان أن يفرج عن البطريرك ~~بشرط أن يعيد السلام بين سيف الأرعد ومصر، وتحقق ذلك بسرعة.». # 88 # وعلى إثر توسع الإمبراطورية المصرية في السودان وتوطيد أركانها في عهد محمد علي وسعيد ~~باشا والخديو إسماعيل حدثت عدة احتكاكات كانت سببا في نشوب الحرب بين الإمبراطوريتين، ~~وكانت دوافع هذه الحروب سياسية بحتة، فلا دخل لها في موضوعنا، ولكن يجدر بنا أن نذكر ~~هنا عملا مشرفا قام به البطريرك اليعقوبي، فقد وفق مرة أخرى إلى منع نشوب الحرب بين ~~مصر والحبشة في عهد سعيد. # تلك هي أبرز ما في العلاقات بين المسيحيين اليعاقبة والأحباش. # وكان يعيش إلى جانب اليعاقبة طائفة الملكيين، وقد أخذ نفوذها يتضاءل بسرعة تفوق سرعة ~~تضاؤل نفوذ اليعاقبة، ولكنها استطاعت في عهد السلاطين المماليك أن تلفت نظر أوروبا ~~إليها، فنرى من المناسب أن نذكر شيئا عنها. # وإذا قرأنا بعناية الحوادث المتعلقة بالكنيسة المصرية، لاحظنا أن السلاطين المماليك، ~~ومن بعدهم الولاة العثمانيين كانوا يعاملون الملكيين معاملة خاصة وسبب ذلك يرجع خصوصا ~~إلى العوامل الاقتصادية. # وسعت الحروب الصليبية الهوة بين الإسلام والمسيحية، غير أنها وطدت العلاقات السياسية ~~والاقتصادية بين الشرق والغرب، وأكثرت المعاملات التجارية في حوض البحر الأبيض المتوسط، ~~وكانت الامتيازات التي حصلت عليها جمهوريتا البندقية وجنوة من مصر تدل على مدى اهتمام ~~السلاطين المماليك ومن بعدهم الباشوات الأتراك بإيجاد مصدر كسب ذي أهمية لبلادهم ~~وبالتالي لأنفسهم، ومن جهة أخرى، اتحدت إسبانيا الكاثوليكية على أنقاض الإمبراطورية ~~العربية في الغرب فاتسع سلطانها وزادت ثروتها، بينما كانت فرنسا تلعب دور حامية ~~الكاثوليكية في الشرق. # وإن ms220 لم يستطع الكنيسة الكاثوليكية، بعد هزيمة لويس التاسع في المنصورة وتونس، أن يؤلف ~~جيشا جديدا من الصليبيين، فإن نفوذه ظل قويا وكلمته مسموعة في أوروبا، ألم يطع أمره ~~عندما هدد بالحرمان كل من يبيع أسلحة للدول الإسلامية؟ ألم يمل شروطه على البيزنطيين ~~المنشقين عن روما في مجمع فلورنسا عام 1429 عندما طلبوا من ملوك الغرب مساعدتهم ~~العسكرية ضد الأتراك؟ وكذلك رأينا البابا، بصفته حامي الكاثوليك في العالم، يهتم بمصير ~~الملكيين المصريين، وقد أدى تدخله إلى نتائج محسوسة، لا سيما بعد الحوادث التي وقعت في ~~عهد الناصر محمد بن قلاوون، وقبل هذه الحوادث، عندما زار القاهرة وزير المغرب وأغلقت ~~كنائس العاصمة، استغل الملكيون هذا الإجراء للفت نظر الدول الغربية إليهم، وبينوا ~~للحكام المصريين أن قرارهم هذا كان يتنافى مع الحكمة، ويقول المفضل بن أبي الفضائل «إن ~~الأشكري» «عاهل القسطنطينية» سأل أجراء أهل الذمة بالديار المصرية على عادتهم وفتح ~~كنائسهم، ففتحت ورسم لهم بالاستواء في الركوب، وكانوا قبل ذلك يركبون عرضا من جهة ~~واحدة. # 89 # ويضيف المقريزي إلى ما تقدم أنه في عام 703ه «1303-1304م» أرسل ملك برشلونة وفدا ~~حمله بالهدايا الثمينة لجميع كبار الموظفين وطلب فتح الكنائس، فوافقت السلطات على فتح ~~كنيسة اليعاقبة بحارة زويلة وكنيسة البنادقة. # 90 # ثم تدخل البابا شخصيا بعد حوادث عام 721ه «1328م» الأليمة، وقدمت بعثة بابوية تحمل ~~رسالة من البابا يطلب فيها جماعة الحكومة للنصارى، وقد صرح البابا بالنيابة عن العالم ~~الكاثوليكي بأن الفرنج سيعاملون المسلمين الموجودين في بلدهم بنفس الطريقة التي سيعامل ~~بها النصارى في مصر وسوريا. # وسنكتفي بهذه الأمثلة الثلاثة؛ إذ إنها توضح لنا كيف فقد اليعاقبة، الذين كانوا في ~~عزلة تامة، الأمل في أن تساعدهم الحبشة بطريقة إيجابية، وكيف حولوا أنظارهم نحو أوروبا ~~بعد أن لمسوا أثر تدخلها لصالح الملكيين، ونتساءل مرة أخرى إذا كان الأقباط لم يكونوا ~~مدفوعين بعامل اليأس «الأدبي والمادي» عندما طلبوا الاشتراك في مجمع فلورنسا والانضمام ~~إلى الكنيسة الكاثوليكية. ~~(7) العدالة الإسلامية إزاء الأقباط # المعلومات التي لدينا عن العدالة عند ms221 العرب بالنسبة للأقباط قليلة؛ لأن التاريخ لم ~~يسجل سوى بعض تفاصيل في هذا الموضوع، وعلى الرغم من أن العرب كانوا يميلون إلى التدخل ~~في شئون الأقباط القضائية، كما لمحنا إلى ذلك عندما تكلمنا عن سياسة الغرب الاستعمارية، ~~فقد تركوا إلى البطريرك سلطة واسعة نسبيا، وكتب علماء الحملة الفرنسية: «يصدر ~~البطريرك حكمه في كل الخصومات التي تشجر بين رعاياه غير أن حكمه ليس نهائيا؛ إذ إن في ~~استطاعة الخصمين - إذا اتفقا على ذلك - رفع أمرهما إلى القاضي الذي يثبت عادة حكم ~~البطريرك ... ويقضي البطريرك أيضا في الجرائم الطفيفة ذات العقوبات التأديبية، وإذا ~~اتهم قبطي مثلا بسرقة مسلم، فعلى الأخير أن يشكوه للبطريرك، وبالعكس إذا كان المسلم ~~هو السارق، فعلى القبطي أن يشكوه أمام القاضي أو حاكم المدينة.». # 91 # بقي علينا أن نعرف على أي أساس كان البطريرك يصدر أحكامه، هل كان هنا قانون؟ يقدم لنا ~~سيزوستريس سيداروس باشا، الذي درس بالتفصيل نظام البطريركات، البيانات الآتية: «فيما ~~يختص بالأقباط الأرثوذكس، كان البطريرك في القاهرة والمطارنة في الأقاليم مكلفين بالفصل ~~في المنازعات التي تقوم بين رعاياهم، ولم تكن أحكامهم مقيدة بأية قاعدة، ولكن إذا ~~اعتمدنا على بعض أجزاء من مستندات معظمها مجهولة اليوم، نميل إلى الاعتقاد بأنه كانت ~~توجد بعض النصوص ترتكز عليها السلطات الدينية لإصدار أحكامها، كما أن هذه السلطات كانت ~~تستشير أحيانا أعيان الطائفة قبل إصدار حكمها، ولم يكن هناك أي نص مكتوب يتعلق بتنفيذ ~~الأحكام، فكان البطريرك أو المطارنة ينفذونها رأسا دون الالتجاء للسلطات المدنية، وكان ~~ينتج من ذلك أن الأحكام لم تكن نافذة إلا باتفاق الطرفين المتخاصمين.». # 92 # ويظهر أنه لم يطرأ أي تغيير على هذا الوضع، غير أنه حدث في عام 1873، عندما توفي ~~البطريرك ديميتويوس الثاني: «أن تشاور أعيان الأمة فيما بينهم وقرروا إعداد مشروع ~~لإصلاح الكنيسة قبل انتخاب البطريرك الجديد ليصدق عليه حسب قوانين الكنيسة التي جمعها ~~ابن العسال في القرن الثالث عشر، وكانت هذه القوانين تنص على أن البطريرك يجب أن يستشير ~~ذوي العلم والتقوى من ms222 القساوسة والعلمانيين، وخصوصا الأشخاص الذين لهم علاقة بصاحب ~~العرش، قبل البت في المسائل المهمة، وعلى هذا الأساس كون مجلس أقره الخديو بالمرسوم رقم ~~17 بتاريخ 6 فبراير سنة 1874م.». # 93 # ويتضح من ذلك أن الأعيان كانوا يعترفون ضمنا بأن الحالة ليست على ما يرام، وأن الأمة ~~القبطية في حاجة إلى اقتفاء أثر حركة التقدم التي قامت بها الأسرة المالكة، وكان الغرض ~~من هذا العمل أيضا الحد من اختصاصات البطريرك لمصلحة العلمانيين، فليس عجيبا إذا أن ~~نرى البطريرك كيرلس الخامس يحاول تعطل هذا المرسوم. # وقد أنشأ القانون الحديث بجانب المحاكم الأهلية مجالس ملية لكل طائفة مسيحية يختص ~~بالفصل في قضايا الأحوال الشخصية. # هل كان الأقباط متساوين بالمسلمين أمام القانون؟ من المرجح أن العدالة في أوائل الفتح ~~العربي لم تشبها أية شائبة، وكانت تبحث شكاوى الأقباط بدقة وعناية، ويذكر التاريخ قصة ~~جنود جيش الاحتلال العربي، الذين ادعوا أحقيتهم في تحصيل أموال من بعض القرى المسيحية، ~~فطلب الوالي قرة بن شريك إلى رئيس المديرية أن يقوم بالتحقيق في مكان الحادث، أن يرسل ~~إليه تقريره ليبت في أمر هذا الخلاف على ضوء المعلومات الأكيدة. # 94 # ولما كانت القضايا تنظر في المساجد، لم يكن يسمح للنصارى واليهود بدخولها، ويذكر لنا ~~الكندي أن القاضي خير بن نعيم كان يفصل في قضايا المسلمين داخل المسجد، ثم يجلس على ~~الباب الخارجي ليفصل في قضايا أهل الذمة. # 95 # وبعد مدة؛ أي: في عام 177-184ه «793-800م» سمح القاضي محمد بن قصرون بدخول النصارى، ~~إلا أن هذا الإجراء كان يعتبر استثنائيا. # 96 # ومن ناحية أخرى، لم يستطع أي مسيحي أن يدلي بشهادته إذا كان أحد طرفي القضية مسلما، ~~وكان القاضي خير بن نعيم يسمح بأن يشهد المسيحي للمسيحي واليهودي لليهودي، # 97 # وقد ظل هذا النظام معمولا به إلى القرن التاسع عشر، ويقص علينا كلوت بك في ~~مذكراته # 98 # أنه تعرض لاعتداء أحد الطلبة، فتألفت محكمة برئاسة ناظر الحربية لمعاقبة ~~المعتدي، وقد استمعت المحكمة إلى أقوال الطالب وزملائه ولكنها رفضت سماع رواية ms223 كلوت بك؛ ~~لأنه مسيحيا ولا يستطيع أن يشهد ضد مسلم. # 99 ~~(8) اضمحلال اللغة القبطية # إن تاريخ اللغة القبطية ما هو إلا صورة لتاريخ الأقباط أنفسهم، احتفظ الشعب القبطي ~~بلغته في أثناء الحكم اليوناني الروماني وتجاهل لغة المحتل، ولكنه اهتم منذ الساعات ~~الأولى من احتلال العرب لمصر بدراسة اللغة العربية، نعم أنه درسها بدافع المصلحة ~~الشخصية بدليل أنه عندما كان يترك المحتل العربي الإدارة بين أيدي سكان البلاد الأصليين ~~الذين خدموا الحكومة البيزنطية لم يفكر قط هؤلاء الموظفون بدراسة لغة القرآن، بل اهتموا ~~بإبعاد الكلمات اليونانية من لغتهم، فاختفت الأسماء اليونانية للأماكن، ومراكز ~~المديريات «فيما عدا الأماكن التي أسسها اليونانيون»، وحلت محلها أسماء قبطية قديمة، ثم ~~كان الكتاب المقدس يقرأ باللغة اليونانية ويشرح باللغة القبطية، ولما هزم اليونانيون ~~لم يعد يقرأ إلا باللغة القبطية فقط، وأصبحت الكتابة بالقبطية بعد أن ظلت باليونانية ~~حتى القرن السادس، وكذلك أخذت اللغة القبطية تتقدم وتزدهر. # ولكن هذا التقدم كان ظاهريا، والواقع أن انشقاق كالسيدونيا قد ألغى الأسباب التي ~~أدت إلى نهوض اللغة القبطية، ونلاحظ فعلا أن اللغة القبطية وآدابها ازدهرت ازدهارا ~~عظيما فيما بين مجمعين نيقيا وكالسيدونيا؛ أي: فيما بين القرنين الرابع والخامس، ولكن ~~لم تلبث العبقرية أن خمدت جذوتها فلم تنتج مؤلفات جديدة، وظلت اللغة اليونانية اللغة ~~الرسمية التي كان يتعلمها الأقباط الطموحون، وظلت أيضا لغة الدين والتعليم والتجارة، ~~وكان المصري يستطيع أن يجهل اللغة القبطية دون اليونانية. # نعم إن طبقة الفلاحين العديدة ظلت تتكلم القبطية، كما اضطرت المسيحية أن تستخدم هذه ~~اللغة لتنشر تعاليمها بينهم، ولكن لما فقدت اللغة القبطية ميزتها كلغة الثقافة، لجأت ~~إلى اليونانية واستعارت عددا كبيرا من المصطلحات التي احتفظت بها حتى الآن، وفضلا عن ~~ذلك، لم تكن اللغة القبطية في يوم من الأيام لغة الإدارة والمصالح، فالموظفون الذين ~~حلوا محل اليونانيين بعد دخول العرب، كانوا يكتبون باليونانية على الرغم من كونهم ~~أقباطا، وعندما أمر عبد الله بن عبد الملك في عام 87ه «706م»، أن تكون اللغة العربية ~~لغة الدواوين، ms224 لم يحتج الأقباط على ذلك، بل أسرعوا إلى تعلم لغة المنتصرين. # وما من شك أن هذا الأمر أقلق الموظفين الذين كانوا يعملون باللغة اليونانية ولكن نعرف ~~اليوم، بفضل أوراق البردي التي اكتشفت حديثا، أن الحاكم العربي عجز عن تطبيق هذا ~~الأمر إثر إصداره؛ إذ وجدنا أوراقا مكتوبة كلها باليونانية حتى عام 164ه «780م» بينما ~~وجدنا أوراقا محررة باليونانية والعربية في آن واحد. # لهذا السبب قد يصعب علينا أن نعرف تفاصيل تطور اللغة القبطية عن طريق المستندات ~~الرسمية، ويجب أن نرجع إلى الوثائق الشخصية للوصول إلى معرفة حياة هذه اللغة واضمحلالها ~~التدريجي. ~~(8-1) لماذا اتجهت اللغة القبطية إلى طريق الزوال؟ # كانت مصر في القرن السابع الميلادي تتكلم اللغة القبطية، وما حل القرن الثاني عشر ~~حتى أصبحت كلها تتحدث باللغة العربية، فاستطاع العرب أن يجعلوا رعاياهم يهملون ~~لغتهم القديمة ويستعملون بدلها لغة أخرى، الأمر الذي عجز عن تحقيقه من قبلهم ~~اليونانيون والرومانيون ومن بعدهم الأتراك. # 100 # وهناك عاملان أساسيان عجلا بزوال اللغة القبطية من الحياة العامة، أولهما: إسراع ~~الموظفين النصارى إلى تعلم اللغة العربية لكي يحتفظوا بوظائفهم، وثانيهما: ازدياد ~~عدد الذين احتضنوا الإسلام وتركوا حال دخولهم الدين الجديد، لغة أجدادهم. # وقد عجلت أسباب أخرى زوال اللغة القبطية، ذلك أن العرب لم يكتفوا بفتح مصر بل ~~أرادوا احتلالها واستعمارها، فامتزج المستعمرون بالأسر المصرية وشجعوا هذه الأسر ~~على التكلم بلغتهم، أضف إلى ذلك أن اعتناق الإسلام يحتم دراسة القرآن وبالتالي ~~اللغة العربية، ثم أخذ عدد رجال الدين الذين حافظوا على التقاليد واللغة يتضاءل ~~بسرعة، أما الأديرة التي ازدهرت في أوائل الفتح، فما لبثت أن هجرها الرهبان حين ~~بدأت السلطات تفرض الضرائب على نزلائها، وبعد فترة قصيرة، تعلم القساوسة اللغة ~~العربية حتى يستطيع أن يفهم رعاياهم تعاليمهم، ولما كان مستواهم العقلي آخذ في ~~الهبوط، فقد تركوا دراسة القبطية عندما اقتنعوا بعدم فائدتها العملية. ~~(8-2) مراحل اضمحلال اللغة # حدث اضمحلال اللغة القبطية بالتدريج، «لقد كبتت اللغة العربية اللغة القبطية ~~رويدا رويدا مثل النبات الذي حرم من ms225 الماء والشمس في ظل شجرة كبيرة، لقد ظلت ~~اللغة القبطية على قيد الحياة من القرن العاشر الميلادي، بل ازدهرت في الأديرة، ~~ولكنها، منذ القرن الحادي عشر، حرمت من العناية فذبلت بسرعة حتى إذا جاء القرن ~~الثاني عشر كادت تلفظ أنفاسها.». # 101 # وهذه بعض الحوادث التي تؤيد ما نقوله، ففي إحدى المنازعات التي شجرت في عام 132ه ~~«750م» بين الملكيين واليعاقبة بشأن ملكية بعض الكنائس، كتب البطريرك ميخائيل الأول ~~إلى السلطات التماسا باللغة القبطية، ولكنه أرفق ترجمة عربية بالنص القبطي عملا ~~بمشورة بعض المطارنة، # 102 # ويقص علينا الشماس يوحنا، الذي سرد حياة البطريرك ميخائيل، أنه بينما ~~كان موسى مطران أوسيم، في طريقه للمثول بين يدي الخليفة مروان الذي لجأ إلى مصر في ~~عام 132ه «750م»، ألقاه الجند أرضا وأخذوا يضربونه على عنقه وعلى أضلاعه بقطع ~~نحاسية ويقولون له: «قدم لنا بعض العطايا لنتركك.»، ويضيف المؤرخ «أن المطران لم ~~يجبهم بكلمة واحدة؛ لأنه لم يكن يفهم لغتهم، وكنت مضطرا أن أترجم له كل كلمة ~~يفوهوا بها.». # 103 # وخلاصة القول، لم يكن إقبال الرهبان على تعلم اللغة العربية بأقل من إقبال ~~العلمانيين؛ بدليل أنه لم يمض على الفتح قرن من الزمن حتى اضطر بعضهم أن يلجئوا ~~إلى المترجمين لقراءة النصوص القبطية، وكثر عدد الرهبان في القرن العاشر بدليل أنه ~~عندما كان أحد المسلمين يريد اعتناق المسيحية، درس تعاليمها على يد قسيس كان يشرح ~~له بالعربية النصوص القبطية للكتب المقدسة. # على أن صغار رجال الإكليروس هم الذين تسرعوا بدراسة اللغة العربية وإهمال اللغة ~~القبطية، أما كبار رجال الدين، من مطارنة وبطاركة، فأهملوا مدة طويلة تعلم اللغة ~~العربية، وقد وجدنا بطريركا كان يجهل اللغتين العربية والقبطية، وهذا البطريرك ~~اسمه ميخائيل الخامس، وقد عاش في منتصف القرن الثاني عشر، غير أن رجال الإكليروس ~~عموما استعملوا اللغة العربية منذ بداية القرن العاشر لكي يفهمهم رعاياهم، ونعرف ~~الجملة الشهيرة التي قدم بها ساويرس بن المقفع تاريخه البطاركة: «استعنت بمن أعلم ~~استحقاقهم من الأخوة المسيحيين وسألتهم مساعدتي على نقل ms226 ما وجدناه منها «الأخبار» ~~بالقلم القبطي واليوناني إلى القلم العربي الذي هو اليوم معروف عند أهل الزمان ~~بأقاليم ديار مصر لعدم اللسان القبطي واليوناني من أكثرهم.»، وقد سبقه سعيد بن ~~بطريق في هذا المضمار، وكتب الأقباط فيما بعد تاريخهم بل مقالاتهم الدينية باللغة ~~العربية، وكان أشهر كتاب الطائفة أمثال أبي شاكر بطرس بن الراهب ومكين وأبي ~~الفضائل إلخ ... يجهلون القبطية. # ولم يلبث أن ولي بطاركة اليعاقبة اللغة العربية بعناية خاصة، وكتب ميخائيل ~~السوري، عن جبرائيل الثاني «1131-1146م» «أنه كان بارعا باللغة العربية وخطها، ~~ولما رأى أن الشعب المصري يتكلم اللغة العربية ويكتب بها، نظرا لطول عهد السيادة ~~العربية، اهتم بترجمة التوراة والإنجيل إلى العربية، وكذلك بقية كتب الطقوس الدينية ~~الأخرى ليستطيع المؤمنون؛ أي: الشعب بأكمله، أن يفهم هذه الكتب.». # 104 # أما نشاط اللغويين الأقباط أمثال إخوة العسال وأبي البركات بن كبر، فيمكننا ~~تفسيره لا برغبتهم في تيسير تعلم الشعب اللغة العربية، بل لجعله يفهم لغة القداس ~~وطقوس العقيدة، وإذا كانت الصلوات تتلى دائما باللغة القبطية، فإن الدروس الدينية ~~كانت تشرح بالعربية. # ويقول المقدسي: إن نصارى مصر لم يزالوا يتكلمون اللغة القبطية حتى عام 325ه ~~«985م» # 105 # أما المستشرق «كاترمير»، فيقول: إن الأسر الراقية كانت تمتاز عن العامة ~~بمعرفتها اللغة القبطية «وإن هذه اللغة كانت منتشرة في مصر كاللغة اللاتينية في ~~أوروبا.». # 106 # والواقع أننا لا نعرف بالدقة تاريخ زوالها، لقد حددنا القرن الثاني عشر الميلادي؛ ~~أي: بعد سقوط الدولة الفاطمية، ولكنا نعتقد أنها ظلت مزدهرة في صعيد مصر مدة أطول، ~~ويذكر أبو صالح الأرمني عادة كانت متبعة في مدينة إسنا، وهي أن نصارى هذه المنطقة ~~كانوا يحضرون حفلات وأفراح المسلمين ويطوفون في الطرقات والميادين أمام العريس وهم ~~يهتفون بعبارات قبطية صعيدية. # 107 # وكان يندر أن يصادف في القرنين السابع عشر والثامن عشر شخص يتكلم القبطية، مما ~~جعل عددا من الرحالة يؤكدون أنهم قابلوا آخر شخص يتحدث بهذه اللغة، ويقول: ~~«فانسليب»، # 108 # عن قبطي يدعى المعلم انسطاس إنه «الرجل الوحيد في ms227 مصر العليا الذي كان ~~يعرف لغة أمته؛ أي: القبطية.»، ويضيف إلى ذلك أنه لا يستفيد من معلوماته كثيرا؛ ~~لأنه كان شيخا أصم يناهز الثمانين، ومع ذلك فقد متع نظره بمشاهدة الرجل الذي ستموت ~~معه اللغة القبطية تماما، غير أن القنصل «دي ماييه» كتب بعد «فانسليب» أن الناس في ~~بعض نواحي الصعيد ما زالوا يتكلمون باللغة القبطية بينما يدعي الرحالة «فورسكال» # Forskal # أنه تعرف على قبطي اسمه إبراهيم أناش ~~ومتفقه باللغة القبطية. # 109 # وعلى أي حال، إذا كان يوجد في بعض قرى الصعيد النائية، حتى القرن الثامن عشر، من ~~يتكلم اللغة القديمة، فإنه لم يعد أحد يفهم ما في الكتب ولا من يؤلفها، # 110 # ويحكى أن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، استقبل البابا ليون ~~الثالث عشر الوزير القبطي بطرس باشا غالي ووجه له بعض الأسئلة باللغة القبطية، ~~فاضطر بطرس باشا أن يعترف بجهله لهذه اللغة، ولما عاد إلى مصر أراد أن يتعلم لغة ~~أجداده. ~~(8-3) قيمة المؤلفات القبطية من الوجهة الأدبية # مر الأقباط بفترة انتقال طويلة لم يحسنوا فيها التكلم والكتابة باللغة العربية ~~ولا القبطية، وليس لدينا من المؤهلات التي تسمح لنا بتقدير المؤلفات القبطية خلال ~~الحكم الإسلامي، ولكن «أميلينو» الذي كان مترجما ماهرا قارن بين وثيقتين، كتبت ~~الأولى في ولاية عبد العزيز بن مروان، والثانية في القرن الثالث عشر الميلادي، في ~~عصر الملك الكامل، ويقول «أميلينو»: «لغة الوثيقة الأولى لغة العصور المزدهرة وليس ~~فيها ما يشعر بالاضمحلال، وتدل الوثيقة الثانية على أن اللغة القبطية قد أصابها ~~بعض الفساد، وأصبحت خشنة عما كانت، ثم أدخلت فيها كلمات عربية، ولما كان المؤلف ~~يخطئ غالبا في نقلها، جعل فهمها من الأمور الصعبة.». # 111 # أما عن اللغة العربية، فنستطيع أن نبدي نفس الملاحظات مع عكس الآية، فتاريخ ~~البطاركة لساويرس بن المقفع مكتوب بلغة عربية ركيكة، وأخطاء أسلوب كثيرة وتركيب ~~جملها ضعيف، وبمضي الزمن، تحسنت اللغة وأصبحت أقوى مما كانت عليه على الرغم من ~~الأخطاء النحوية التي اعتقد ناشرو المخطوطات المسيحية بوجوب تركها ms228 سواء ارتكبها ~~المؤلف عند كتابتها أو ارتكبها الخطاط عند نقلها. ~~(8-4) مدارس الأقباط ودراسة اللغة القبطية # لم يترك لنا التاريخ شيئا يذكر عن نظام المدارس القبطية، وكل ما نعرفه على وجه ~~التحقيق أن هذه المدارس كانت موجودة في مختلف العصور، ولكنا نجهل، حتى القرن التاسع ~~عشر، نوع التعليم الذي كانت تقدمه هذه المدارس، ويقول لنا «دور بك» عن المدارس ~~القبطية في عصر إسماعيل: «كثيرا ما اضطرت الكتاتيب القبطية أن تنزوي في الحارات ~~وأن تختفي عن الأنظار بإقامتها داخل المنازل، واليوم، على الرغم من أن عصور ~~الاضطهاد قد بعدت، نجد دائما المدارس القبطية منزوية في الطرق الضيقة التي تشق ~~الأحياء المتوسطة بين طرق المواصلات الرئيسية ... ولا تلعب اللغة القبطية الدور الأول ~~في المدرسة، ويكتفي المعلم بتلقين عدد من الأطفال الكتابة القبطية وبعض الصلوات ~~والترانيم الدينية؛ لأنه لا يعرف شخصيا أكثر من ذلك، وهكذا يضيع معلم المدرسة ~~وقتا ثمينا بدون فائدة تجنيها عقول هؤلاء الصغار، وأساس التعليم كله القراءة ~~والكتابة العربية.». # 112 ~~(8-5) العرب واللغة القبطية # من الطبيعي أن يأمر العرب باكرا باستعمال لغتهم في الأعمال الرسمية، ولا نستطيع ~~أن نقول إنهم أرادوا إبطال استعمال اللغة القبطية في مصر فيما عدا الحاكم بأمر الله ~~الذي يقال عنه إنه أمر خلال اضطهاده النصارى بمنع استعمال هذه اللغة. # 113 # غير أن الفاتح كان يريد أن يحاط علما بما يقال في البلاد وبخاصة في محيط ~~البطريرك؛ لذا نراهم يهتمون بترجمة الصلوات والدروس القبطية ليتأكدوا من خلوها من ~~القذف بالإسلام، وقد سنحت له فرصة التدخل في الأمر، ولكن ليشجعوا الأقباط على ~~الاستمرار في التعليم بلغتهم وليمنعوهم من دراسة اللغة العربية، وذلك عندما لاحظوا ~~حماسهم الشديد لها احتفاظا بوظائفهم. # ويقول لنا المقريزي: إن بعض الطلبة المسلمين كانوا يتعلمون في المدارس القبطية ~~ليدرسوا فيها الطب والرياضة، ولكن هذه وقائع حدثت في القرنين الثالث عشر والرابع ~~عشر؛ أي: في الوقت الذي دعم فيه استعمال العربية، وذهب الأقباط إلى حد دراسة القرآن ~~ليعتنقوا لغة أسيادهم. # 114 # | هوامش # | خاتمة # استعرضنا الحوادث ms229 التاريخية خلال ثلاثة عشر قرنا، ولكن استخلاص النتائج عملا سابقا ~~لأوانه بالنسبة للمعلومات التي لدينا. # نلاحظ أولا أن الأقباط، لم يعرفوا شيئا عن العرب عند دخول العرب مصر، وقد استقبلوهم ~~كمحررين بعد أن ضمن لهم العرب الحرية الدينية وخففوا عنهم الضرائب، وعندما اضطر العرب أن ~~يجاوزوا الضرائب المعمول بها لشدة حاجتهم إلى المال، لم يتردد الأقباط في أن يظهروا خيبة ~~أملهم، وكان في استطاعة العرب أن يحتفظوا بإخلاص الأقباط أو عدم إثارتهم إذا ما أضيفوا إلى ~~قائمة ضرائبهم أسماء الرهبان - وكان عددهم بضعة آلاف - فاضطروهم - سواء عن دعوة أو هربا من ~~دفع الضريبة - إلى أن يختبئوا في الأديرة، لقد خسر العرب، طمعا في بعضة دنانير يزيدون بها ~~دخلهم، عطف الذين كانوا يؤلفون في ذلك الوقت نخبة الأمة القبطية ويؤثرون في سلوك أهل ~~البلاد، مع أن عمرو بن العاص استطاع، نظير إعفاء رجال الإكليروس من دفع الضرائب، أن يحبط ~~محاولة القائد البيزنطي، مانويل، غزو مصر، وذلك بدون أن يحمي مؤخرة جيوشه، في حين أن ~~الأمويين الذين فرضوا الضرائب على الرهبان، رأوا الأقباط ينضمون إلى العباسيين. # هل كان العرب متسامحين مع الأقباط؟ من المؤكد أن العرب لم يهتموا بالمنازعات الدينية ~~القائمة في مصر المسيحية، وعندما لاحظوا أن اليعاقبة هم الأغلبية في البلاد، لم يترددوا في ~~نصرتهم على الملكيين ومنحهم كل ما يرغبون على حساب أعدائهم، ومع ذلك لم يرفضوا أبدا ~~الخدمات التي كان يعرضها عليهم الملكيون إذا رأوا فيها نفعا مباشرا يعود عليهم. # وعلى كل، فإن العرب بمرور الزمن ازدادوا مادية وانحرفوا عن مبادئهم، وقد حالت فتوحاتهم ~~الواسعة دون تطبيقهم القانون بحذافيره، ذلك القانون الذي لم يكن يواجه التوسع الذي وصل إليه ~~العرب ... لقد استطاع الإسلام أن يعيش قرنا ونصف قرن دون أن يخالف تعاليم الشريعة فيما يختص ~~بجباية الضرائب، ولكنه لم يلبث أن اضطر إلى الدفاع عن إمبراطوريته المهددة من الخارج وعن ~~الدسائس والثورات في الداخل، ومواجهة بذخ بلاط الخليفة في دمشق أولا، حيث حذا الأمويون حذو ~~البيزنطيين، وفي بغداد ثانية ms230 حيث قلد العباسيون الفرس فليس غريبا أن يخرق الحكام أوامر ~~النبي غير نادمين، فإنهم إذا اكتفوا بالضرائب التي فرضها القرآن، عرضوا الخزانة للإفلاس، ~~وإذا استغنوا عن معاونة الموظفين النصارى، عرضوا الإدارة للفوضى؛ ذلك لأن العرب في أول ~~الأمر كانوا غير مستعدين لمثل هذا العمل، بل كانوا يهتمون بصناعة الحرب أكثر من اهتمامهم ~~بأعمال الدواوين، أضف إلى ذلك أن الأقباط في مصر استفادوا بوجه خاص من سياسة عمرو بن العاص ~~الشخصية. # وقد يقال لنا: إن المصريين كانوا يعتنقون الإسلام، فلماذا كان العرب يستعينون بالنصارى ~~حتى عندما كان النصارى لا يمثلون إلا أقلية صغيرة في البلاد؟ يجب أن نذكر أن الذين حكموا ~~مصر منذ الفتح العربي لم يكونوا مصريين، بل عربا أرسلوهم الخلفاء ليحكوا مصر باسمهم، أما ~~الطولونيون والإخشيديون والفاطميون والأيوبيون، فقد أتوا من آسيا أو من إفريقيا الشمالية، ~~وكان السلاطين المماليك أرقاء من الجركس وغيرهم في حين أن الحكام الأتراك لم يهتموا بالشعب ~~على الإطلاق. # وأول من اتبع سياسة وطنية حقة هو محمد علي الكبير، أما الحكام السابقون له، فكانوا ~~يعاملون جميع المصريين بدون تفرقة ويكتفون أحيانا بإلقاء جزء كبير من الحمل المالي على ~~كاهل الأقباط، ولكن الأقباط كانوا يحتفظون بأسرار المساحة وبفن تحصيل الضرائب ومسك الدفاتر، ~~وبلغ بهم الأمر أن كونوا نقابة من المحاسبين، وكان الناس يحتقرونهم، ولكن لم يستطيعوا ~~الاستغناء عنهم فاضطر الحكام إلى طلب معاونتهم. # زد على ذلك أن العرب كانوا يفتخرون بتفوقهم الجنسي ويتحمسون لدينهم الجديد، ويعتقدون أنهم ~~إذا ماتوا في سبيل قضيتهم المقدسة اكتسبوا في الآخرة مكانا ملحوظا، وإذا خرجوا سالمين من ~~المعركة، كان من حقهم أن يقتسموا أراضي العدو وأملاكه، ولذا لم يكن الفتح في نظر العرب سوى ~~غارة من الغارات التي تشنها القبيلة، فإذا انتصرت تمتعت بالأسلاب ثم استأنفت ~~غزواتها. # كان الجندي العربي يذهب إلى الحرب مدفوعا بهذه الروح، نعم إن أصحاب الشأن أبوا أن يقسموا ~~الأراضي المفتوحة على المحاربين كما نصت الشريعة، ورغم ذلك ظلوا يحكمون البلاد كما لو كانوا ~~غير باقين فيها، ms231 لم يناهضوا التعليم في مصر ولكنهم لم يؤسسوا مدرسة واحدة، ولم يحاولوا قط ~~إعادة تنظيم الإدارة، بل تركوها على ما كانت عليه أيام البيزنطيين مع إدخال بعض التعديلات ~~الشكلية. # ولما كان الخلفاء ينظرون إلى مصر كمركز لتموين إمبراطوريتهم، وافقت الدولة على صرف تكاليف ~~إصلاح الطرق، ولكنها لم تذهب إلى أبعد من ذلك، فلم تشرف على تنفيذ هذا الإصلاح، وكان جل ~~أمرهم أن تدفع مصر ما عليها من الضرائب، ويقول «جروهمان»: «كان الخلفاء والولاة لا يهتمون ~~بالإدارة إلى حد أن وجد سجلا بأسماء دافعي الضرائب، من مسلمين ونصارى ، مكتوبا بكامله ~~باللغة اليونانية وفي صفحته الأولى إشارة الصليب.». # 1 # وليس غريبا إذا أن يتضاءل الدخل وتفتقر مصر ماديا، ونذكر هنا بعض الأرقام التي جمعها ~~الأمير عمر طوسون: بلغ مجموع الخراج والجزية عشرين مليونا عند دخول العرب مصر، حسب ما جاء ~~على لسان الرواة العرب، وقد خفضه عمرو إلى أثني عشر مليونا، ثم نجح عبد الله بن سعد في رفع ~~هذا المبلغ أربعة عشر مليونا، ولكنه هبط إلى تسعة ملايين ثم إلى خمسة ملايين في أثناء ~~الحرب الأهلية في خلافة معاوية، وزاد فقر مصر في عصر العباسيين حتى هبط الدخل في خلافة ~~هارون الرشيد إلى أربعة ملايين دينار، واستقر حول هذا الرقم ورفعه ابن طولون إلى خمسة ~~ملايين، وبلغ في عهد خمارويه أربعة ملايين، ومحمد الإخشيدي مليونين، وكافور ثلاثة ملايين ~~ونصف، والمعز لدين الله أربعة ملايين، والعزيز ثلاثة ملايين، والحاكم ثلاثة ملايين ~~وأربعمائة ألف، والمستنصر مليونين «بما في ذلك سوريا»، والمستعلي خمسة ملايين «نتيجة حكم ~~بدر الجمالي والأفضل شاهنشاه»، والحافظ لدين الله مليونا ومائتي ألف، وصلاح الدين خمسة ~~ملايين ونصف مليون، وبيبرس مليونين، وعندما وصل الفرنسيون مصر، كان يبلغ الدخل مليونا ونصف ~~مليون دينار. # ومن البديهي أن هذه الأرقام لم تعبر تماما عن درجة ازدهار البلاد؛ ذلك لأن خفض الدخل كان ~~يتأتى أحيانا عن تخفيف عبء الضرائب كما حدث على الأرجح في عهد ابن طولون ومحمد الإخشيدي ~~والعزيز، ولكن هناك برهانا قاطعا على ms232 فقر البلاد، ألا وهو انكماش مساحة الأراضي المنزرعة، ~~كان مساحتها في عهد عمر بن الخطاب ستة ملايين من الأفدنة، فصارت بعد انقضاء ثلاثة أرباع ~~قرن؛ أي: في عهد هشام بن عبد الملك، ثلاثة ملايين من الأفدنة. # ولما كان الحكام في حاجة ملحة إلى المال، لم يترددوا في أن يلجئوا إلى وسائل غير شرعية، ~~ولم يحاول ابن جبير، الذي عاصر الحروب الصليبية، أن يكتم غضبه عما كان يراه من إساءة في ~~معاملة الحجاج ومنع الذين لا يستطيعون أداء ما عليهم من الضرائب من دخول الأراضي المقدسة، ~~فكتب قائلا: «بيت الله الآن بأيدي أقوام قد اتخذوه معيشة حرام وجعلوه سببا إلى استلاب ~~الأموال واستحقاقها من غير حل.»، ثم قال: «لا إسلام إلا ببلاد المغرب؛ لأنهم على جادة واضحة ~~... لا عدل ولا حق ولا دين في المشرق.». # 2 # وفي الواقع أن الاعتبارات الدينية تفقد من قيمتها بعد أن فترت حمية الشعوب الدينية، ألم ~~نر ابن جبير يلوم مسلمي الشرق لتعاملهم مع النصارى في أثناء قيام الحروب الصليبة؟ ألم نر ~~البابا يهدد أكثر من مرة التجار المسيحيين في أوروبا بالحرمان؛ لأنهم كانوا يوردون أسلحة ~~للمسلمين في الأوقات العصيبة؟ ولم يخالف «هنري لامانس» الحقيقة عندما يحدثنا عن تفضيل سياسة ~~المصالح عن سياسة الشعور، فيقول: «إن مصر، في نظر الأمويين، لها أهمية اقتصادية فقط، فهي ~~تنتج الحبوب وتصنع أوراق البردي وتدفع الضرائب، وهذه الاعتبارات المادية وحدها جعلت الحكام ~~في ذلك الوقت يهتمون بها.». # 3 # هذه الحقائق لا بد من معرفتها إذا أردنا أن نحدد درجة تسامح العرب مع الأقباط، ومن رأينا ~~أن نواجه هذه المشكلة على الوجه الآتي: إذا لم يكن العرب في حاجة إلى مساعدة الأقباط، وإذا ~~لم تدفعهم المصلحة العامة إلى مراعاتهم، هل كانوا يتبعون نحوهم سياسة التسامح؟ من الواضح أن ~~النصراني لم يكن موضع اهتمام الحكام كفرد من أفراد المجتمع، ومع ذلك خرق الحكام الشريعة ~~وخرقوا نصائح الفقهاء وأبقوه في وظيفته؛ لأنهم كانوا في حاجة إليه، ولم يتذكروا الشريعة ~~والفقه إلا إذا أرادوا ms233 البطش بالأقباط، سواء كان الدافع ماليا أو سياسيا، بمحض إرادتهم ~~أو بتأثير من الرأي العام، ألم يذكر لنا المقريزي، في حوادث عام 592ه «1196م»، أن وقف الحال ~~فيما ينفق في دار السلطان، وفيما يصرف إلى عياله وفيما يقتاب به أولاده ... فاقتضى ذلك ~~النظر في المكاسب الخبيثة وضمن باب المزر والخمر باثني ألف دينار، وفسح في إظهاره وبيعه في ~~القاعات والحوانيت؛ ولم يقدر أحد على إنكار ذلك، وصار ما يؤخذ من هذا ينفق في طعام السلطان ~~وما يحتاج إليه # 4 ~~... # وما كان موقف الشعب الذي ظل على إيمانه العميق؟ في الواقع، لم يؤثر رأيه على مجرى الأحداث ~~سوى مرة واحدة، في عهد السلطان محمد بن قلاوون؛ إذ أكره السلطان على اضطهاد ~~النصارى. # ولما كان موقف الولاة يحكمون باسم الخلفاء، كانت مصلحة البلاد تأتي في الدرجة الثانية، ~~وكانت جميع الوسائل مشروعة في نظرهم لابتزاز الأموال والإثراء، وعندما حكم هؤلاء باسمهم، ~~اهتموا في الحال بمصلحة البلاد، وتغيرت الأوضاع وأصبح الحاكم أو الوالي يبذل كل جهده في ~~سبيل تنمية ثروة البلاد والمحافظة على مصلحة الشعب والامتناع عن اتخاذ أي إجراء يعكر صفو ~~السلام، ثم عندما كان يضاف إلى استعداد الحكام الطيب روح تسامح حقيقية، كما هو الحال عند ~~محمد علي وخلفائه، اختفت في الحال الاعتبارات الدينية وحلت محلها الاعتبارات الوطنية ~~الصرفة، وكان سواد الشعب يستوحي آخر الأمر شعور الحكام أنفسهم. # بقي علينا أن نحدد موقف الأقباط خلال هذه الفترة الدقيقة من التاريخ، نستطيع أن نقارن ~~الأقباط بهؤلاء الشعوب الذين اعتقدوا في أيامنا هذه أنهم إذا ضحوا لمصلحة الفاتح باستقلالهم ~~الكلي أو الجزئي، ضمنوا طمأنينتهم وأملاكهم، ولكن لم يلبث أن يضيق الخناق شيئا فشيئا إلى ~~أن يفقدوا كل روح مقاومة، لذلك لم يثر الأقباط إلا إذا ثار مواطنوهم المسلمون، وسرعان ما ~~كانوا يخضعون إذا ما ترك المسلمون القتال، ولا يجوز اعتبار ثورة البشموريين استثناء ذلك؛ ~~لأن هؤلاء القوم من أصل يوناني، كما بيناه سالفا. # وقد امتاز العرب، سواء عن قصد أو عن غير قصد، بعدم ms234 تعجلهم للأمور، فقد ساعدت الشريعة ~~الإسلامية الأقباط على دخولهم الإسلام وإدماجهم في المجموعة الإسلامية بفضل إعفائهم من ~~الضرائب، أما الذين ظلوا مخلصين للمسيحية، فقد يسر لهم العرب سبل كسب العيش سواء عن ضعف أو ~~عن عدم مبالاة؛ إذ وكلوا لهم أمر الإشراف على دخل الدولة. # وقد تمكن الأقباط، على الرغم من الاضطهادات العديدة التي تعرضوا لها، أن يعيدوا بسرعة ~~تكوين ثروتهم، ونادرا ما كانوا يصرحون بعدم استطاعتهم دفع ضريبة استثنائية جديدة، من العجب ~~حقا أن يكتشف الأمير صرغتميش، بعد اضطهاد الأقباط وفرض الضرائب عليهم، أنهم ما زالوا ~~يملكون أكثر من خمسة وعشرين ألف فدان، فيبادر إلى مصادرتها بدون مبرر. # لذلك لم يتردد المستشرقون بيكر وفييت وغيرهما في أن يصرحوا بأن تاريخ كنيسة مصر تحت الحكم ~~الإسلامي ما هو إلا تاريخ خلاف حول المسألة المالية، وأن حب المال كان دائما من أبرز خطايا ~~الكنيسة القبطية. ~~••• # والآن، وقد سردنا الحوادث بكل جرأة وبقصد خدمة الحقيقة وحدها، نتساءل كيف يبدو لنا تطور ~~العلاقات بين المسلمين والأقباط في المستقبل، هل يجب أن ننظر إليه بعين التفاؤل أو بعين ~~التشاؤم؟ هل يجب أن يحتمي القبطي بضمانات قانونية ليعيش بين الأغلبية؟ # قد نجد أحسن رد على هذه الأسئلة في محاضر اللجنة التي كلفت بوضع مشروع دستور مصر ~~المستقلة، ففي عام 1922، ارتفعت بعض الأصوات تطالب بالإبقاء على الأوضاع الخاصة التي تنص ~~عليها لائحة عام 1913 السياسية، فقام أحد الأعضاء، وهو عبد الحميد بدوي باشا، القاضي في ~~محكمة العدل الدولية في لاهاي في أيامنا هذه، وقال: لئن كانت الأقليات تذكر الماضي البعيد ~~وما كان يقع عليها من المظالم والمغارم، فلقد كانت الأكثرية والأقلية تعيشان في ظل حكومة ~~استبدادية تظلم فيها الأكثرية كما تظلم الأقلية، ولسنا نريد أو نفكر في نظامنا الحديث أن ~~نحيي آثار التاريخ القديم. # إن الفارق الديني أخذ يضعف حتى عندنا، ولن يطول عليه الزمن حتى ينمحي في علاقاتنا ~~الاجتماعية وتعفى تماما جميع آثاره ... فيجب ألا تستبقي شبح هذا الخلاف محسوسا، ماثلا ~~للعيان. # هذه المسألة، أخشى ms235 منها كثيرا في عصر قلت فيه مظاهر التفرقة الدينية، وأصبح العامل الذي ~~يربط بين الناس في حياتهم الاجتماعية هو عامل المصلحة المشتركة بغير نظر إلى مذهب ولا دين، ~~وإني لأتمنى أن أرى اليوم الذي يجمع كل أسباب مرافقنا حتى في الزواج والطلاق وما إلى ذلك من ~~أحوالنا الشخصية تحت نظام واحد بحيث نعيش جميعا في ظل حياة مدنية محكمة منظمة. # نريد سياسة قومية خالصة، لا تلتفت في طريقها النبيل إلى الأديان والمذاهب، ولكنها تتجه ~~دائما إلى مصلحة الوطن. # إننا حقا نجتاز فترة انتقال في طريقها إلى الزوال، ويتعارض فيها تياران مختلفان: يريد ~~بعض رجال الفكر - وقد استوحوا أحداث الماضي - اعتبار مصر كأنها لم تتطور، ويرى البعض الآخر ~~أن المدينة الحديثة ستمحو كل أثر للماضي، ولذا لهم لم يعودوا يقبلون أن يحافظ قانون أو عرف ~~على عقلية أصبحت في نظرهم قديمة. # لقد اختارت مصر الحديثة طريقها عندما وضعت دستور عام 1922، فلندعها إذا تواصل تجربتها ~~الدقيقة، والنتائج التي سنشاهدها هي أفصح من التخمينات السابقة لأوانها. # | هوامش # | المراجع # لم نذكر تحت هذا العنوان إلا الكتب التي اطلعنا عليها واستقينا منها بعض ~~المعلومات: # المصادر القديمة ~~(1) المصادر الإسلامية # القرآن. # صحيح البخاري. # كتاب فتوح مصر وأخبارها لابن عبد الحكم، نشره تشارلس توري عام ~~1922. # كتاب فتوح البلدان للبلاذري، نشره دي جوييه عام 1866. # كتاب الولاة وكتاب القضاة للكندي، نشره ريفون جيست عام 1912. # تاريخ الطبري، طبعة ليدن عام 1879-1901. # كتاب الخراج لأبي يوسف، طبعة بولاق. # سيرة أحمد بن طولون للبلوي - نشرها محمد كرد علي عام 1358ه. # ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي، طبعة ليدن عام 1908. # مروج الذهب ومعادن الجوهر في التاريخ للمسعودي، طبعة مصر عام ~~1346ه. # النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة لابن تغري بردي، طبعة دار الكتب ~~المصرية وطبعة كاليفورنيا. # الكامل في التاريخ لابن الأثير، طبعة مصر عام 1348ه. # البداية والنهاية في التاريخ لابن كثير، طبعة القاهرة، مطبعة السعادة. # مقدمة ابن خلدون، طبعة بولاق. # كتاب صبح الأعشي للقلقشندي، طبعة دار الكتب المصرية، عام 1337ه ~~«1918م». # قانون ديوان الرسائل لابن ms236 الصيرفي، طبع مصر، مطبعة الواعظ، 1905. # مسالك الأبصار في ممالك الأمصار لابن فضل الله العمري، ترجمة جود فروا ~~ديمومبين «جزء أول». # المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار للمقريزي، طبعة بولاق ~~1272ه. # كتاب السلوك في معرفة الملوك للمقريزي، طبعة دار الكتب المصرية «جزء ~~أول». # تاريخ مرعي بن يوسف الحنبلي، ترجمه إلى الفرنسية فانتور دي بارادي ونشره ~~جالياردو بك في «مجلة مصر». # التبر المسبوك ذيل السلوك للسخاوي، طبعة بولاق 1315ه. # تاريخ مصر لابن إياس، طبعة بولاق 1311ه. # تاريخ السلاطين المماليك، نشره «زبتر شتين» عام 1919. # رحلة ابن جبير، نشرها وليم رايت ودي جوبيه، طبعة ليدن. # رحلة نصيري خسرو، نشرها شارل شيفر، طبعة باريس 1881. ~~(2) المصادر المسيحية # تاريخ حنا النقيوسي - ترجمه من اللغة الإثيوبية زونتبرج ونشره في مجموعة ~~«محفوظات دار الكتب الفرنسية» «جزء 24». # سيرة الآباء البطاركة لساويرس بن المقفع، نشره سيبولد، طبعة بيروت عام ~~1904. # تاريخ سعيد بن بطريق، نشره الأب شيخو، طبعة بيروت 1909. # تاريخ سعيد بن يحيى الأنطاكي «تابع تاريخ سعيد بن بطريق». # تاريخ بطرس شاكر بن الراهب، نشره الأب شيخو، طبعة بيروت 1903. # تاريخ ميخائيل السوري، ترجمه «شابو» من اللغة السريانية، طبعة باريس عام ~~1905. # التاريخ الإسلامي لجورج ماكين، ترجمة بيير فانتييه، طبعة باريس عام ~~1652. # كتاب الأعوان لمحبوب في سيرة ~~الآباء البطاركة ~~“Patrologic Oriental” ~~«جزء سابع». # تاريخ السلاطين المماليك لمفضل بن أبي الفضائل، المصدر نفسه. # حياة إسحاق بطريرك الإسكندرية، نفس المصدر «جزء 11». # تاريخ أبو صالح الأرمني، ترجمه إلى الإنجليزية، ت. أ. إيفتس طبعة أكسفورد عام ~~1895. # السينكسار اليعقوبي نشره رينيه باسيه في سيرة الآباء البطاركة. # مقتطفات قبطية لتاريخ فتح العرب لمصر، أميلينو في الجريدة الأسيوية الفرنسية ~~«نوفمبر وديسمبر 1888». # وثيقتان قبطيتان محررتان تحت الحكم العربي، نشرها أميلينو في مجلة المجمع ~~العلمي المصري عام 1885. # وثيقة قبطية من القرن الثامن عشر، نشرها أميلينو في الجريدة الأسيوية «فبراير ~~ومارس 1887». # وثائق نشرها الأستاذ حبيب الزيات وعلق عليها في مجلة المشرق. # المؤرخون الشرقيون للحرب الصليبية، طبعة باريس «6 أجزاء». # المصادر الحديثة ~~(1) المصادر الرسمية # محفوظات قصر عابدين «تركية وأوروبية وعربية». # أ. جروهمان، أوراق البردي المودعة ms237 دار الكتب المصرية، طبعة دار الكتب 1934-38 ~~«3 أجزاء». # جورج طلماس، مجموعة مراسلات محمد علي، خديوي مصر «بالفرنسية»، طبعة القاهرة ~~عام 1913. # مضابط لجنة مشروع الدستوري المصري، طبع القاهرة؟ # وثائق رسمية خاصة بالحملة الفرنسية. # تقارير اللورد كرومر والسير الدون جورست «النسخة العربية». ~~(2) دوائر المعارف والقواميس # دائرة المعارف الإسلامية، طبعة ليدن عام 1927م، تحت إشراف بعض ~~المستشرقين. # دون كابرول، قاموس الآثار والطقوس الدينية، مادة «الأقباط» قاموس ~~«تريفو». ~~(3) المجلات العلمية والدوريات # المشرق «بيروت». # مجلة المجمع العلمي المصري. # الجريدة الأسيوية الفرنسية. # مجلة الجمعية الملكية للآثار القبطية بمصر. # مجلة المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بمصر. # مجلة البحوث الإسلامية «بالفرنسية». # مجلة «أرض الإسلام» «بالفرنسية». # جريدة «مصر» القبطية. ~~(4) المصادر الشرقية # الخطط الجديدة التوفيقية لعلي مبارك باشا، طبعة بولاق 1889. # تاريخ الجبرتي، طبعة بولاق. # تاريخ الحملة الفرنسية لنقولا ترك، طبع المكتبة الخاصة لجلالة الملك فاروق ~~الأول. # رسالة التوحيد لمحمد عبده. # فتح مصر والإسكندرية لمحمود عكوش، طبعة القاهرة عام 1914م. # الفاروق عمر لمحمد حسين هيكل باشا، طبعة القاهرة عام 1364ه. # فتح مصر الحديثة أو نابليون بونابرت في مصر، طبعة بولاق. # مذكرات قليني فهمي باشا، طبعة مصر «جزءان». # تاريخ مصر القديم والحديث لميخائيل شارويم بك، طبعة القاهرة «أربعة ~~أجزاء». # بلاد العرب والشرق الأدنى لسليمان حزين، طبعة الجمعية الجغرافية الملكية ~~المصرية 1942. # الجنرال يعقوب والفارس لاسكاريس ومشروع استقلال مصر في سنة 1801 لشفيق غربال ~~بك، طبعة القاهرة عام 1932. ~~(5) المصادر الأجنبية # Amelineau (E), Géographie de ľEgypte à ľépoque copte, Paris, ~~1893, XXXVIII + 638 pp in 4. # Butler, (A. J), The Arab conquest of Egypt and the thirty ~~years of Roman Dominon, Oxford, 1902-XXII + 653 pp, Maps.in ~~8. # Butcher (E. L), The Story of the Church of Egypt, London ~~1897, 2 vol in - 120. ~~(Bemelen) ĽEgypte et ĽEurope, par un ancien Juge mixte, ~~Leiden, Brill, 1882-344, 787, pp in 8. # Blunt, W. S. Secret History of the English accupation of ~~Egypte London, 1907, XII + 606 pp in, 8, Edit arabe Par Ahmad Hafez ~~Awad. # Bowering (John), Report on Egypte and Candia, addressed to ~~the R, ms238 II Viscount Palmerston, London, 1840 236 pp in 4. # Caetani (Leone), Annali delľIslam, Milano, Hoepli, 10 vo in ~~4. # Champollion-Figeag (J-J) Egypte ancienne, coil “ĽUnivers Pittoresque” Paris, 1876 in 8. # Cromer (Lord), Modern Egypt, London 1908-2 vol 594 + 600 pp ~~in 8. # Clot Bey, A-B, Aperçu général de ľEgypte, Paris, 1840..2 vol, ~~360, 570 pp in 8. # id; Mémories inédits, de A-B, Clot Bey-Publications de la ~~Bibliothéque Privée de S. M. Farouk Ler, Roi ďEgypte, le Caire, ~~1950. # Charles-Roux (François), le Projet français de conquéle de ~~ľEgypte sous Louis XVI, Mémoires de ĽInstitut ďEgypte, Tome ~~XIV. # id, Bonaparte, Gouverneur ďÉgypte, Paris, Pion, 1936-383, ~~in-8. # Duschene (Mgr), ĽEglise au Vie siécle, paris, De Boccard, ~~1925, in 8. # Devonshire, H, ĽEgypte musulmane et les fondateurs de ses ~~monuments, Paris, Maisonneuve, 1926-163 pp, in 8. # Douin (Georges), ĽEgypte indépendante (Projet de 1801), Le ~~Caire, Société Royale de Géographic, 1924 gr. in 8. # id, ĽEgypte, de 1802 à 1804, Correspondance des consuls de ~~France en Egypte, Le Caire, S. R. G. E., 1925. ~~& Fawtier-Jones, ĽAngleterre et ľEgypt (1801-1803) Le ~~Caire, S. R. G. E., 1929. # Dor (E) Ľ instruction publique en Egypt, Paris, 1872 II + 399 ~~pp, in 8. # Fowler (Montague), Christian Egypt, past, present, and ~~future, London 1901, XIV+ 319 pp in 8. # Goeje (J. de) Mémoires sur la conquête de la Syrie, Leiden, ~~Brill 1900-176 pp, in 8 # Grousset (René), Histoire des Croisodes et du Royaume Franc ~~de Jérusalem, Paris, plon, 1934-36. 3 vol gr. in 8. # Grohmann (Adolf), Apercu de Papyrologie arabe, Public dans ~~les “Etudes de pap-yrolgie” de la Société Royale Égyptienne de ~~papyrologie, Le Caire, 1932 gr. in 8. # Hamont (N), ĽEgypte sous Mémémt Ali, Paris, 1845, 2 vol in ~~8. # HEYD (W), Historie du commerce du Levant au Moyen-Age, Publié ~~par Farcy Reynaud, Leipzig, Harrassowitz, 1923-2 vol, gr. ~~in-8. # Homsy (Gaston), Le général Jacob et ľexpédition de Bonaparte ~~en Egypte (1798-1801), Marseille, 1921-147 pp in 8. # Harcourt (Duc ď), ĽEgypte et ms239 les Égyptiens, Paris, 1893-XI + ~~305 pp in 12. # Jaune (Dominique), Histoire générale des Royaumes de Chypre, ~~de Jérusalem, ďArménie et ďEgypte comprenant les Croisades et les faits ~~les plus mémorables de ľEmpire ottoman, avec plus ďexactitude qu’aucun ~~auteur moderne les a encore rapporlés, Leide, Murray, 1785, 2 vol, 1439 ~~pp, in 4. # Kammerer (A), La Mer Rouge, ľAbyssinie et ľArabie depuis ~~ľantiquité Essai ďhistoire et de géographie luistorique, Publiaction de ~~la Société Royale de Géographie ďEgypte, Le Caire. # Lefebvre (Gustave), Recueil des Inscriptions grecque-ceu ~~étiennes ďEgypte, le Caire, Service des Antiquités ďEgypt in ~~4. # Lane (Edward W.), An account of the manners and customs of ~~the Modern Egyptians, London, 1871 in 8, (II existe de Très nombreuses ~~éditions de cer ouvrage). # Lane-poole (Stanley) The Story of Cairo, London, Dent, ~~12. # LEEDER (S. H.), Modern sons of the Pharaohs, London, 1918-XVI ~~+ 355 pp in 8, Las Cases, Mémorial de Sainte-Héléne. # Maillet (Benoit de), Description de ľegypte, publiée par ~~ľAbbé Le Mascrier, Paris, 1735-328 + 242 pp, pet in 4. # Merrau (Paul), ľEgypte contemponaine, de Mémémet-Ali à Said ~~pacha, Pairs, Didier, 1858-II + 366 pp in 8. # Marcel (J. J) ĽEgypte arabe, Publiée dans la collection ~~“ĽUnivers Pittoresque”, Paris, 1872 in 8. # Michaud, Historie de croisades, Paris (6e édit) en 4 vol in ~~8. # Maspero (Jean), Historie des Patriarches ďAlexandrie, depuis ~~la mort de ľEmpreur Anastase Jusqu’ a la réconiliation des églises ~~jacobiles (518-616) Ouvrage revu et publié aprés la mort de ľauteur, par ~~lc Rev, Ad, fortescue et Gaston Wiet, Paris, 1923, gr. in ~~8. # id, Ľorganisation militaire de ľEgypte byzantine, Paris; ~~champion, 1912, (Bibliothèque de ľEcole des Hautes-Etudes 201, 157 pp in ~~8. Paton (Andrew Archibald), A history of the Egyptian ~~Revolution from the Period of the Mamelukes to the death of Mohammed ~~Ali, London, 1870, 2 vol, in 8. # Quatremere, (Etienne), Mémoires géographiques et historiques ~~sur ľEgypte et sur quelques contrées voisines, Paris, 1811, 2 vop, ~~in-8. # id, Recherches antiques ms240 et historiques sur la langue et la ~~littéralue de ľEgypte, Paris, 1808-12 + 307 pp in 8. # Richardot (Lt-Col), Nouvueaux mémorire sur Ľannée française ~~en Egypte et en Syrie, ou la Vérité mise ajour, Paris, Corréard, ~~1848-480 pp, in 8, Plans. # Rigault (Georges), le général Abdallah Menou et la derniére ~~phase de ľExpédition ďÉgypte (1799-801), Paris, Plon, 1911-XX + 403 pp ~~in 8. # Renaudot (Abbé E), Historia patriacharum Alexandrinonum ~~Jacobilarum Paris, 1713-in 8. # Rouillard (Germaine), ľAdministration civile de ľEgypt ~~byzahtine, Paris, Geuthner, 1928 (2c édit), xv + 268 pp in ~~8. # Rhyme (Amédée), ĽEgypte francaise, coll, “ĽUnivers Pittoresque” in 8. # Reinaud, Notice sur la vie de Saladin, sultan ďEgypte et de ~~syric, Paris, Dondey-Dupré, 1824-41 pp in 8. # Sacy (Sylvestre de), Trois mémoirs sur la nature et les ~~révolutions du droit de propriété territoriale en Egypte, depuis la ~~conquête de ce pays par les musulmans jusqu’ a ľexpédition des Français, Public, de “ľinstitut francais ďArchéologie Orientale”, Bibliot, des ~~Arabisants. # id., Exposé de la Religion des Druzes, tird des livres ~~religieux de cette secte, et mécéde ďune Introduction et de la vie du ~~Khalife Hakim bi amr Illah, Paris, Imprimerie Royale, 1838, 2vol in ~~8. # Schmidt (C.), Zeitsehrift, T, XXXII. # Schuitze, Geschichle des utergangs des Griechench-Romanischen ~~Heidenlums. # Sachot (C), Rapport adressé a S.E, M victor Duruy, Minishe de ~~ľInstruction Publique, sur ľétat des sciences, des lettres et de ~~ľinstruction publique en Egypte, Paris, ler Juin 1869 ~~(dactylographié). # Sidarous (Sésostris), Des Patriarcats-les Patriancals dans ~~ľEmpire ottoman et spécialement en Egypte, Paris, Rousseau, 1907, XVI + ~~535 pp, gr. in 8. # Thibaudeau (A. C.), Histoire de la Campagne ďEgypte sous le ~~régne de Nopoléon le Grand, Paris, Hurand, 1839, 2 Vol, ~~In-8. # Tewfik Habib, Souvenir du premier Congrés Copte, le Caire, ~~367 pp, in-8 (en-arabe). # Wiet (Gaston), ĽEgypte arabe, dans “Précis de ľHistoire ~~ďEgypt” T, II in 8, dans “Histoire de la nation Egyptienne”, T.Iv, in-4 ~~“Les Mosquées du Caire” ms241 ouvrage Publié avec la col laboration de louis ~~Hautecocur, in-4 T. # Choix de lettres édifiantes, écrites des missions étrangéres, précédé ~~de tableaux géographiques, historiques, politques, religieux et littéraies des ~~pays de Mission.Tome V, Missions du levant: Syrie, Egypte, Ethiopie, Paris, Sté, ~~Bibliophile, 1837 (3c édit) in 8. # A prject of an Egyptian Constituation, 1908, in 8. Projet de Réfomes présenté a S. A Tewfik Pacha par la Jeunesse ~~Egyptienne (Ad-denda). # Description de ľEgypte (par les Savants de ľExpédition), 2 e ~~édit. # Les Voyageurs orientaux # Ibn Jobeir, Travels, edited by williams Wright, Second ~~edit, by J. de Goeje, Leyden, Brill, 1907-53 + 363 p, gr. ~~in-8. # NASSIRI KHOSRAU, Sefer Nameh-Relation du Voyage de ... en ~~Syrie, en Palestine, en Egypte, en Arabie et en perse pendant les ~~années 437-444 (1035-1042). Publié, traduit et annolé par Charles Scheffer, Paris, ~~Leroux, 1881, LVII + 348 + 97 p, pet, in 4. # Voyageurs étrangers # Belloc (J. T.), Le pays des Pharaons, Paris, 1800-IV+ 416 ~~in 8. # BRUCE (James), Voyage aux saurces du Nil, en Nubie, et en ~~Abyssinie Pendant les années 1768-1772, Traduction française, Paris, ~~1790, 9 vol, in 8. # CHARMES (Gabriel) Cinq mois au Caire et dans la Basse ~~Egypte, Paris, 1880-368 pp in 12. # DENON (Vivant), Voyage dans la Basse et la Haute Egypte, Pendant Les campagnes du géneral Bonaparte, Paris, 1802, 3 vol, in ~~12. # Didler (Charles), les Nuits du Caire, Paris, 1860-VIII + ~~502 pp in 12. # Duff-Gordon (Lucie), Lettres ďEgypte (traduction ~~fraçaise) Paris, XX + 316 pp in-12. # DURBIN (John p.), Observations in the East, chiefly in ~~Egypt, Palestine, Syria and Asia Minor, New-York, 1860 2 vol, in ~~8. # GERAMB (Marie Joseph de), Pélerinage en Syrie et en ~~Egypte, Paris, 3 vol in-12. # ISAMBERT (Emile), Itinéraire descriptif, historique et ~~archéologique, Orient, Paris, Hachette & Cie, 1881-2, Paris, ~~in-12. # Malosse (Louis), Impressians ďEgypté, Paris, 1896-357 pp ~~in 12. # NIEBUHR, Voyage en Arabie et en ďautes pays de ľOrient, ~~avec ľextrait de ms242 la description de ľArabie et des observations de ~~Mr. Forskal, Trad, franç, Suisse, 1780, 2 vol in 8. # NORDEN (Frederik Ludwig), Voyage ďEgypte et de Nubie, ~~Copenhague, 1755, 2 vol, CXXXVII + 288 pp, in fol. # MICHAUD ET POUJOULAT, Correspondance ďOrient (1830-31) Paris, 1835.9 vol, in 8. # RIFAUD (J. J.), Tableau de ľEgypte et de la Nubie et des ~~lieux circonroisins; au Ihinéraire a ľusage des voyageurs qui ~~visitent ces contrées, Paris, 1830-XVI + 379, 60 pp in ~~8. # SAVARY, Lettres sun ľEgypte, Paris, 1775-6, 3 vol, in ~~8. # SAINT JOHN (James-Augustus), Egypt and Mohammed Ali, or ~~Travels in the Valley of the Nile, London, 1834-2 vol, in ~~8. # Sonnini (C.S), Voyage du Levant Bruxelles, 1662-508 pp in ~~16. # ThEVENOT, Relation ďun Voyage fait au Levant, Paris, Th, ~~Jolly, 1665, 576 pp in 8. # VANSLEB, Nouvelle relation ďun voyage fait en Egypte en ~~1672-3 Paris, 1677, 423 pp in 12. # Journal of a Deputation sent to the East by the Committee ~~of the Malta Protestant College in 1849, 2 vol, in 8 London, Nisbet ~~1854. ms243