######OpenITI# #META# URI: 1371LabibaMadiHashim.GhadaInjliziyya.Hindawi81936309 #META# Tags: novels #META# ID: 81936309 #META# Title: الغادة الإنجليزية #META# AuthorID: 53630386 #META# Author: لبيبة ماضي هاشم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # 1 - ظلام وخطر‏ # 2 - حلم أو سكر‏ # 3 - أجمل المناظر‏ # 4 - ليست أهلا للمحبة والزواج‏ # 5 - بحسب الناموس لا المحبة‏ # 6 - أجوبة غير مقنعة‏ # 7 - ادعاء نسبي‏ # 8 - التذكار‏ # 9 - كذبة فظيعة‏ # 10 - في البحث عن الحقيقة‏ # 11 - جهنم على الأرض‏ # 12 - من هو؟‏ # 13 - الإقرار‏ # 14 - هل تتذكرني؟‏ # 15 - الخاتمة‏ # 1 - ظلام وخطر‏ # 2 - حلم أو سكر‏ # 3 - أجمل المناظر‏ # 4 - ليست أهلا للمحبة والزواج‏ # 5 - بحسب الناموس لا المحبة‏ # 6 - أجوبة غير مقنعة‏ # 7 - ادعاء نسبي‏ # 8 - التذكار‏ # 9 - كذبة فظيعة‏ # 10 - في البحث عن الحقيقة‏ # 11 - جهنم على الأرض‏ # 12 - من هو؟‏ # 13 - الإقرار‏ # 14 - هل تتذكرني؟‏ # 15 - الخاتمة‏ # | الغادة الإنجليزية # | الغادة الإنجليزية # تعريب # لبيبة ماضي هاشم # سيداتي # اسمحن لي أن أتقدم إليكن بغادتي هذه الإنكليزية، موشحة بحلة عربية ترفل ~~بها بينكن غير مبالية باحتقار وامتهان. ليس لأنها تدعي العصمة؛ فإن الكمال ~~للواحد المنان، بل طمعا منها بحلمكن، وهذا مما لا يختلف فيه اثنان. كيف ~~لا وحاكمها الجنس اللطيف السامي المقام، أفتخشى عذلا بعد ذلك أو ملاما، فإن ~~ترمقنها بعين الانتقاد أكن لكن شاكرة، وإن تعذرن قصوري فإني به ~~عالمة. # لبيبة ماضي # الفصل الأول # | ظلام وخطر # قال بطل الرواية: إني حرصت على تدوين تاريخ حياتي لاشتماله على غرائب الاتفاق التي ~~تقودني أحيانا إلى الريب بصحتها حال كونها حقيقة، وها أنا أسرد على القارئ أهم ما ~~صادفت في حياتي من العجائب وما لقيت من الغرائب، من دون زيادة ولا نقصان متكلا على ~~خالق الأكوان، فأقول: # إني رجل روماني الأصل، كاثوليكي المذهب، مقيم في إنكلترا، وقد توفي والدي وأنا صغير ~~السن، ثم لحقت به والدتي رحمهما الله بعد أن بلغت من العمر ثلاثا وعشرين سنة، أي ~~قبل بداءة حوادث قصتي بسنتين. وقد خلفا لي مالا وافرا لا يقل دخله عن خمسة آلاف ~~ليرة سنويا. وكنت قوي البنية شديد العزم مطلق الإرادة والتصرف بما ورثته من ~~والدي، ومع ذلك فإني كنت أتعس البشر محروما من ملذات هذا العالم، لا أتمتع ms01 ~~بمناظر الطبيعة ولا أتعزى برؤية الأكوان ومشاهدة المخلوقات البشرية. وكثيرا ما كنت ~~أغبط بل أحسد من هم دوني منزلة، حتى بلغ بي الأمر أني تمنيت الاستعطاء والتسول ~~ممن تقوى عيناي على مشاهدتهم؛ لأني كنت فاقدا حاسة البصر محروما - وا أسفاه - من ~~لذة النظر! # فلا ريب أن من يطلع على هذه العبارة الأخيرة تتأثر شعائره، ويرثي لحالتي ويشعر بما ~~يستولي علي من الكدر، عندما أتقلب على فراش الأحزان متفكرا بحالتي التعيسة التي ~~ستنتهي بي على هذا المنوال لا رفيق لي سوى الظلام، ولا ما أتمناه سوى الموت ~~الزؤام. # ففي إحدى ليالي شهر آب الحارة بينما كنت جالسا في غرفتي إذا بالباب يقرع، وسمعت ~~صوت الخادم معلنا بقدوم الطبيب - وهو الذي آلى على نفسه بمعالجة عيني، وكان صديقا ~~لوالدي المرحوم - فانتعش قلبي بقدومه وترحبت به، وبعد أن جلسنا سألني عن كيفية ~~استعمالي الدواء، فأجبته أني مثابر على الخطة التي أرشدني إليها. وبعد ذلك شعرت أنه ~~نهض من مكانه وأدنى من وجهي مصباحا، وسألني إغماض إحدى عيني ففعلت، فقال لي: ماذا ~~ترى بالثانية؟ ~~- نورا طفيفا وشيئا خفيفا. ~~- أغمضها وانظر بالأخرى. # فأطعت. ~~- ماذا ترى؟ ~~- ضوءا قد تشعب منه ثلاثة أنوار. ~~- الحمد لله فقد توطد مني الأمل، وتحقق عندي نجاح العمل. ~~- أفلا يوجد خطر؟ ~~- إن الخطر ما زال مترصدا فرص الإهمال، وما دمت محافظا على الاعتناء فالشفاء قريب ~~بإذن الله. # فشكرت اهتمامه بي، ثم ودعني وانصرف. # ولبثت بعد ذهاب الطبيب برهة صامتا متفكرا بما ستصير إليه حالتي، فكنت أرى أحيانا ~~من خلال الظلام المخيف المحدق بي نجما يتلألأ فيبتهج قلبي سرورا، إذ تتمثل لي ~~الدنيا بزخرفها فتطيب لي الحياة، ثم تحجبه الغيوم المتكاثفة فلا أعود من ثم أرى ~~سوى الظلمة التي تعيد إلي الأحزان وتوجه فكري إلى حقيقة الحال التي أنا فيها، فأشعر ~~إذ ذاك بأن الدم يجري في عروقي تارة حارا وأخرى باردا، وتظمأ نفسي لتجرع كأس ~~الردى، فناديت الله والدموع سائلة على وجنتي متضرعا إليه أن ينظر إلى حالتي ~~ويعيد إلي ما فقدت، ms02 ثم نهضت متثاقلا وانطرحت على سريري ملتمسا الرقاد متمنيا من ~~صميم الفؤاد أن يكون رقادا أبديا. # وبعد أن صرفت مدة ساعتين متقلبا على مثل القتاد لا يقلق سكينة الغرفة إلا هبوب ~~النسيم الحار مارا على وجهي من إحدى النوافذ، تشوقت للخروج من غرفتي كالعادة ~~مصحوبا بأحد الخدم، ولكني لم أشأ إيقاظهم هذه المرة، فألقيت علي لباسي، وقصدت ~~باحة الدار ومنها إلى الرواق الخارجي حتى انتهيت إلى الباب، وفي أثناء ذلك لم أسمع ~~إلا صوت أنفاس النائمين، فوصلت إلى الطريق مسرورا لأني لم أعثر بما يزعجني، ~~وأقفلت الباب وحفظت مفتاحه بيدي اليسرى وباليمنى عصا أسترشد بها. وسرت متمهلا ~~متأنيا حذرا أن أتيه عن الطريق، ولما أتيت على ستين خطوة تقريبا عطفت في طريق آخر ~~كان طوله نحوا من ثمانين خطوة، ثم عرجت على شارع طويل أفضى بي إلى زاوية هناك، وكنت ~~قد غلطت في الحساب فانثنيت راجعا، وبينما أنا ماش لطمت بجدار لم أعثر به حين قدومي، ~~فتحققت الغلط، وعلمت أني وقعت في الشطط. # وبعد إعمال الفكرة رأيت من الأوفق أن أتربص في مكاني إلى أن يمدني الله بمساعدة أحد ~~المارة، فلم يمض إلا القليل حتى سمعت صوت وطء أقدام مقبلة نحوي، فاستغثت بالقادم ~~أن يرشدني إلى شارع ويل بول، فأجاب: شارع ويل بول؟ سأفتكر بهذا الأمر حال وصولي إلى ~~البيت. # فتضرعت إليه قائلا: تكرم علي يا سيدي وقدني إلى شارع ويل بول. ~~- شارع ويل بول. ها. ها. لقد سمعت كثيرا بهذا الاسم لما كنت صغير السن لا أفقه ~~المعاني العويصة جيدا، وأما الآن فإني المالك العادل والفيلسوف ال... ~~- رحماك يا سيدي إني ضرير، وقد ضللت عن الطريق فاهدني إلى شارع ويل بول، ولك أجر ~~عظيم عند رب السموات. ~~- ها. ها. أعمى يا مسكين ... تقصد شارع ويل بول. ها. ها. ها. تأبط ذراعي إذن لنسير ~~كأصحاب، بشرط أن تعيرني ساقيك وأعيرك عيني، وبذلك نأمن على أنفسنا الخطر. قال ذلك ~~وهوى علي من فعل الخمرة التي فاحت رائحتها من فيه فكادت تزهق ms03 روحي، فقلت في نفسي: ~~«أعمى يقود أعمى وكلاهما يسقط في الحفرة.» # وبعد أن سرنا قليلا، وقد أراني الموت ألوانا بثرثرته وشقشقة لسانه وقف بغتة، ~~وقال: ها قد وصلنا إلى الشارع المطلوب فدعني أذهب بك إلى منزلك. ~~- لا لا. أشكرك من صميم قلبي فاذهب بسلام. قلت هذا ووضعت يدي على الحائط متهاديا حتى ~~انتهيت إلى آخر العطفة، فلم أشعر إلا وأنا واقف أمام الباب، فأولجت المفتاح الذي ~~كان بيدي في القفل، وبأقل من دقيقة صرت داخل الحديقة، ثم جعلت أفكر في الوقت الذي ~~صرفته ذهابا وإيابا راجيا ألا تكون قد طالت مدة تغيبي فيفتقدني الخدم وربما ~~تتبلبل أفكارهم لغيابي. # وبينما أنا كذلك إذ أوقف مجرى أفكاري صوت رنات الساعة وكانت تسعا - وهي ابتداء ~~تاريخ قصتي العجيبة - فلم أنته من عدها حتى وقفت مبهوتا إذ عثرت رجلي بسلم لم ~~أعهده قبلا في منزلي. # فمن يقدر أن يصف ما خامرني من العجب والخوف في تلك الساعة، فاستعنت بالله وصعدت ذلك ~~السلم وكان خمس درجات، فوقفت في أعلاه متحيرا في أمري بين أن أرجع أدراجي أو أداوم ~~المسير، وصرت أناجي نفسي قائلا: لعلي دخلت في غير مسكني، ولكن كيف يمكن ذلك والمفتاح ~~قد ولج في القفل بسهولة فالبيت إذن بيتي، ولكن لا علم لي بوجود هذا السلم ~~فيه. # وهكذا تضاربتني الأفكار حتى ظننت نفسي في حلم، فوضعت يدي على وجهي ثم قرصت طرف أذني ~~حتى كدت أصرخ من شدة الألم، فتأكدت حينئذ أني مستيقظ، ثم تذكرت أنه يوجد في حائط ~~غرفتي الخارجي حجر ناتئ كنت ألمسه بيدي كلما دخلت، فانطلقت إلى حيث ظننت الطريق ~~الموصلة إليه ولكني لم أحظ بالعلامة المذكورة، بل عثرت يدي بحلقة باب فاتضح لي ~~حينئذ غلطي، وتيقنت ما كنت مرتابا منه. # فحولت وجهي نحو الباب قصد الرجوع من حيث أتيت، ولكني رأيت نفسي غير قادر على السير ~~في الطريق المستقيم بدون دليل؛ لأنه من المحتمل أن المفتاح يناسب سائر أبواب ذلك ~~الشارع، وعليه فأطرق جميع المنازل في جوف الليل، فلا ms04 يعد أمرا عجيبا إن خالني ~~الناس لصا وأوسعوني ضربا وشتما قبل أن يفهموا حقيقة حالي. فقلت في نفسي: ما ضر ~~لو دنوت من باب الغرفة وقرعته بلطف، ثم أعرض حالتي على من سيقابلني وأفهمه سبب ~~مجيئي، والمفتاح أعظم شاهد على صحة مقالي، وهذا الفكر قد أعاد إلي ~~الطمأنينة. # فرفعت يدي لأقرع الباب؛ إذ وقع في أذني صوت أناس يتكلمون، وسمعت عقيبه لحنا شجيا ~~وتبعه غناء امرأة بصوت رخيم جدا يأخذ بمجامع القلوب، ثم انقطع الصوت فجأة، وناب ~~عنه صيحة شديدة وصوت وقوع جسم على الأرض وتبعه أنين ضعيف، وعلى أثر ذلك حدثت غوغاء ~~وكثر اللغظ والضجيج، فصح عندي حدوث جريمة داخل القاعة التي لا فاصل بيني وبينها ~~إلا ذاك الباب الخشبي، فخفق قلبي وجرى الدم بسرعة في عروقي، وشعرت أن الأرض مادت ~~تحت رجلي، وأخذ العرق البارد ينسكب من جبيني، ولم أعد أفكر بحالتي ولا بالخطر ~~المحدق بي، بل كان اهتمامي معرفة ما هو جار بالداخل. # فدفعت الباب بيدي ودخلت كأني أريد إغاثة من لا بد أن يكون مظلوما، بيد أني لم أجهل ~~كوني أعمى وغير قادر أن آتي بنفع، ولكن قوة غريبة دفعتني إلى صحن القاعة، فما خطوت ~~خطوتين حتى عثرت بجسم ملقى على الأرض، فهويت فوقه، وأصابت يدي منه مادة لزجة فاترة، ~~وعند ذلك طوقتني الأيدي من كل صوب وضغط بعضها على عنقي حتى كادت تبلغ روحي التراقي، ~~فأيقنت أن لا نجاة لي منهم، وأقبلت على نفسي باللوم والتقريع لمخاطرتي وإقدامي على ما ~~أجهله بدون أن أنظر في العواقب، فوقعت في هاوية لا أرجو منها مناصا ولا آمل خلاصا، ~~أنا الذي منذ قليل كنت أستدعي الموت ولا يجيب، وجدت في تلك الساعة أن حياتي المنكودة ~~المظلمة ثمينة بل هي أثمن شيء عندي، فصرخت بصوت أرجفه الخوف وقواه الأمل بالحياة: ~~ارحموني ارحموني أنا أعمى. # الفصل الثاني # | حلم أو سكر # قلت ذلك وقد جعلت نفسي كآلة صماء بين أيديهم، وأصبحت أطوع لهم من بنانهم؛ لأني تأكدت ~~عدم مقدرتي على المقاومة، ms05 وتيقنت أن أقل إشارة آتي بها للدفاع عن نفسي ستكون مني ~~الحركة الأخيرة، فرأيت أولى بي وأوفق أن أكرر القول بأني أعمى، لعلهم يرحموني أو يوجد ~~فيهم من يسمع صوتي فيرثي لحالي، فما كان منهم إلا أن ألقوني بجانب الجسم الممدد ~~على الأرض، ثم فرجت عني الأيدي. # فليتصور القارئ حالة شاب وجد دون قصد منه في بيت أناس يجهل حقيقة حالهم، فكان كلما ~~يطرق سماعه همس يظنهم يتآمرون على إعدامه، وأقل حركة يشعر بها بينهم يظنها اليد ~~التي تقصد قتله فيتصورها ماسكة خنجرا وستغمده في صدره. # أكتب ذلك ويدي ترتجف من تذكار تلك الليلة التي أحسبها أسود نقطة في تاريخ حياتي، ~~فتمر حوادثها في ذاكرتي، فيخفق لهولها قلبي وتسري الرعدة في جسدي. # وبعد قليل شعرت بنسيم بارد هب على وجهي، فعلمت أن الباب قد فتح ثم خرج منه أحدهم ~~وعاد فأوصده، ثم تقدم واحد مني وربما ركع بجانبي أو انحنى فوقي؛ لأني شعرت بأنفاسه ~~تمر على خدي، وقرب إلي مصباحا أصابت حرارته وجهي وكأني به يفحص عيني، ثم ~~ابتعد عني ووكزني برجله وأمرني بالوقوف، فتحركت لأتيقن ارتفاع الأيدي عني ونهضت ~~مذعورا، ومن تلك الدقيقة أملت بالحياة ثانية. ثم وضعت يد على كتفي ورفعتني بلطف، ~~وقائل يقول لي: سر مستقيما أربع خطوات. ففعلت، غير أني لم أخط خطوتين حتى لطمت ~~جبهتي بجدار البيت، فعلمت أنها كانت حيلة منهم ليتحققوا بها صدق مدعاي. فلبثت واقفا ~~أنتظر تتمة الأوامر، فسمعت أحدهم يقول: يجب أن تبقى على هذه الحالة إلى أن نستدعيك، ~~وإذا أتيت بأقل حركة أو أملت رأسك نحونا تكون قد سعيت إلى حتفك بظلفك. فارتعدت ~~فرائصي لهذا التهديد ولبثت صاغيا لما يحدث حولي. # فابتدأوا يتهامسون بأصوات منخفضة جدا، حتى إني مع كل ما بذلت من الجهد لاستماعهم لم ~~أفقه حرفا مما فاهوا به. ثم طرق سمعي حركة أجسام عنيفة ووقع أقدام كثيرة وتبعها ~~قلقلة مفاتيح بالأقفال ثم خشخشة ورق ورنة دراهم وبعده تمزيق أثواب. وقد شممت رائحة ~~أوراق محترقة، وبعد قليل شعرت ms06 بهبوب نسيم بارد، فعلمت أن الباب قد فتح ثانية، ثم ~~ازدحمت عليه الأقدام وخرج منه أناس كثيرون وكأنهم مثقلون بحمل عظيم. # وبعد أن ساد السكوت في الغرفة، سمعت صوت خطوات خفيفة وتنهد عميق، وكأن شخصا رمى ~~بنفسه إلى كرسي، فعلمت أني لم أكن وحيدا في ذلك المكان، فسألته من دون أن ألتفت ~~نحوه: كم من الزمن سأبقى أسيرا عندكم؟ فسمعته يتململ بكرسيه ولم يجب بكلمة، فأعدت ~~القول: هلا يطلق سراحي قريبا؟ فإني لم أر شيئا مما حدث بينكم، فأستحلفكم بالله ~~أن تخرجوني خارجا خوف أن يداهمني الجنون إذا بقيت على هذه الحالة. فلم أحصل على ~~جواب، فنكصت صاغرا مستعينا بالله على هذه البلية التي جلبتها لنفسي بيدي، وساقني ~~إليها سوء حظي. وبعد برهة أمسك ذراعي بيد قوية قادتني إلى كرسي أمرت بالجلوس عليه ~~فأطعت، ثم قال أحدهم: أخبرنا الآن من أنت؟ ولم أتيت إلى هذا المكان؟ # فشرحت لهم أمري دون أن أماطل بحرف سوى أني أخفيت عنهم اسمي الحقيقي خوفا من بث ~~العيون علي بعدئذ، ولم أنه حديثي حتى شعرت بكأس طافحة بمادة سائلة قد وضعت بين ~~أصابعي، وقائل يقول: خذ واشرب. فصرخت: لا، لا أريد، فما هذا إلا سم. فسمعت قهقهة ~~ممن هو قريب مني، ثم قال: اطمئن، فهذا ليس كما توهمت، ولكن هذا - ووخزني بجبهتي بحدة ~~- نوع آخر، فاختر لنفسك ما يحلو. ففضلت شرب ما في الكأس ولو أنه الموت بعينه، وإذ ~~ذاك طرق سمعي صوت آخر يقول: إذا كنت رجلا حكيما فتقول غدا عندما تستيقظ من نوم ~~طويل، لقد رأيت حلما أو كنت سكرانا، وتذكر بأنك لم ترنا، وأما نحن فقد رأيناك. ولم ~~يأت على آخر هذه الكلمات حتى استولى علي نعاس شديد وشعرت بخدر متزايد في أعضائي ~~حتى لم يعد بي قوة لامتلاك نفسي من السقوط، فهوى رأسي على صدري وأوشكت أن أسقط إلى ~~الأرض لو لم تحل دون ذلك يد قوية وضعت على صدري. # وبعد أن مضى علي ردح من الزمن وأنا غائب عن الوجود، ms07 استيقظت فوجدت نفسي ملقى على ~~فراش، فجعلت أمر يدي على وجهي متعجبا مما صارت إليه حالتي، ثم استويت جالسا ~~وتأملت مليا بما مر علي من الحوادث، وكدت أقنع نفسي بأني لم أر إلا حلما. ~~ولكني عندما تمددت ثانية وشعرت ما بجسدي من الضعف وبفمي من العطش، أيقنت بحقيقة ما ~~حسبته وهما أو حلما، فوثبت مذعورا وصرخت صرخة اليائس، وقد عاودتني المخاوف، ثم ~~عدت فجلست معتمدا رأسي بين يدي. # وعند ذلك سمعت صوت مربيتي تقول: آه يا عزيزي جلبرت. ثم تبع كلامها صوت رجل بنغمة ~~لطيفة قائلا: لا تجزعي، فسيدك يشفى قريبا، دعني أجس نبضك يا مستر فوكهان. # فقلت: من هذا؟ # قال: أنا الطبيب جورج صديقك. ~~- اصدقني القول، هل كنت مريضا؟ وإذا كان كذلك فكم من الزمن صرفت في مرضي؟ ~~- عدة سويعات فلا تجزع، إنما أنت مفتقر إلى الراحة، فاصمت غير مأمور والزم السكينة. ~~فصرخت: الماء، الماء، أدركوني بالماء، فإني أكاد أموت ظمأ. # وبعد أن ارتويت قليلا شعرت بقليل من الراحة، ثم سمعت الطبيب يخاطب مربيتي بقوله: ~~أعدي له قليلا من الشاي، وإذا طلب طعاما فلبيه، أو عرض له ألم فلا تتأخري عن ~~إعلامي. قال ذلك وخرج، فشيعته بريسلا إلى الباب. # وفي تلك الساعة عادت إلي الأفكار وصرت أردد في ذاكرتي حوادث الليل الغابر، ~~وحينئذ دخلت خادمتي الأمينة وكأني سمعتها تشرق بدمعها، فسألتها: كم هي الساعة الآن؟ ~~فأجابت بصوت حزين: قريبا يصير الظهر يا سيدي. ~~- الظهر! ماذا ألم بي؟! # فبكت بصوت منخفض ولم تجبني. فكررت السؤال عليها، إلى أن قالت بصوت متقطع: يا سيدي ~~جلبرت ... ماذا اعتراك؟ ... وكيف ... أقدمت على هذه ... الفعلة ... الشنعاء؟ ... آه لو تعلم ما ~~حل بي حينما أتيت الغرفة صباحا ووجدت الفراش فارغا و... ~~- وهل وجدت الفراش فارغا؟ إذن أنا في يقظة ولست في حلم، فاجلسي يا بريسلا وأخبريني ~~بالتدقيق ماذا جرى بعد ذلك؟ ~~- سيدي، لي الحق أن أعاملك كولدي، وطالما سمعتني أكرر كلمات والدتك الأخيرة وهي على ~~فراش الموت، فقد أوصتني أن أعتني بك، وقد أقسمت لها ms08 بذلك، وها أني ناصحة لك بألا ~~تعود لإدمان الخمرة التي اتخذتها عادة جديدة فأكثرت منها الليلة الماضية، وإذا كان لا ~~بد لك منها فلا تخرج من البيت وتطوف في شوارع المدينة وأنت لا تبصر شيئا و... ~~- لقد جننت يا بريسلا، فخلي عنك الهذيان وأخبريني ماذا حل بي أثناء الليل ~~الغابر؟ ~~- عندما استيقظت صباحا دنوت من باب الغرفة كالمعتاد لأرى إذا كنت نهضت من الرقاد ~~فأسعفك بخدمة، فلم أسمع حركة تؤذن بوجودك، ثم انتبهت للباب فإذا به مفتوحا فعجبت ~~لذلك، وبعد أن ولجته وجدت الغرفة خالية خاوية فجمدت برهة، وكان معظم خوفي من أن تكون ~~قد سعيت إلى حتفك لأني كثيرا ما سمعتك تردد ذلك لقنوطك من الشفاء. فأسرعت توا إلى ~~الزقاق أسأل عنك كل من أصادفه في طريقي، حتى إذا وجدت نفرا من الشرطة أعلمتهم بفقدك ~~ورجوتهم أن يساعدوني بالتفتيش عليك، فأخبرني أحدهم أنه على مسافة ميلين من شارع ويل ~~بول قد وجد شابا ملقى على قارعة الطريق لا حراك به، فأحضره إلى محل الشرطة للبحث ~~في أمره، وقد تحقق كونه سكرانا، فانطلقت إلى حيث كنت موجودا فرأيتك ملقى على الأرض ~~محاطا بالحرس، وهم يتباحثون في أمرك، وكنت فاقد الرشد وثيابك ممزقة وملوثة ~~بالأوحال، فحاولت عبثا إمساك دموعي لما رأيتك على تلك الحالة المحزنة، وفكرت في أقرب ~~الطرق التي أقدر أن أنقذك بها من نظرات الاحتقار. فسألت الشرطي أن يسمح لي بأخذك إلى ~~المنزل بعد أن أفصحت له عن اسمك ومحل سكنك، ثم اكتريت عربة وصحبتك بها، وكنت إذ ذاك ~~بين حي وميت، وبقيت على تلك الحالة نحوا من ست ساعات، ولا تسل عما خامرني من ~~الجزع وأنا واقفة بجانبك منتظرة انتباهك بذاهب الصبر. وفي أثناء ذلك استدعيت لك ~~الطبيب فأنشقك بالحال بعض المنعشات، ولم يمض إلا القليل حتى عادت إلي الطمأنية ~~وذلك عندما سمعت كلماتك المتقطعة التي أعادت إلي الأمل بسلامتك. ~~- أشكرك يا بريسلا، فإنك قد أخلصت لي الخدمة، وعسى ألا أكلفك هذه المتاعب ثانية، ~~أما الآن فأحضري لي ms09 شيئا من الطعام لأني جائع. # فذهبت لإتمام ما أمرتها به، ولم يكن قصدي بذلك إلا إبعادها كي أختلي بنفسي لحل ما ~~أشكل علي فهمه، فجعلت أدير في خلدي تصورات حوادث الليل الغابر، وأتذكر انفصالي عن ~~البيت وشرودي عن الطريق، ثم مصادفتي للسكير ودخولي غير منزلي واستماعي تلك النغمة ~~الشجية التي لم تزل إلى الآن ترن في أذني، وبعد ذلك دخولي بغتة تلك الغرفة وسقوطي ~~فوق ذلك الجسم الممدد، وإذ ذاك تنبه فكري لتلك المادة السائلة التي بلا شك كانت قد ~~تلوثت منها أصابعي، فخفق قلبي بشدة، وللحال ناديت خادمتي وأريتها يدي ثم سألتها ~~بلجاجة إذا كان عليهما أثر الدماء، فقالت: لا يا سيدي فإني غسلتهما حالا حين أتيت ~~إلى المنزل؛ لأنهما كانتا ملطختين بالأوحال والأقذار. ~~- ألم تري شيئا من ذلك على أكمامي؟ ~~- لقد كانت أكمامك مقطوعة ويداك عاريتين. # فلم يعد عندي شك بحقيقة ما كنت أحسبه وهما، ووقعت في حيرة من جراء ذلك، حتى إنه لم ~~يبق لي صبر عن إظهار ما يكنه صدري من الغرائب، وما ازدحم في مخيلتي من تذكار تلك ~~الحوادث. فاستدعيت من أثق به من أصدقائي وقصصت عليه ما صادفته في ليلتي حرفيا، وكنت ~~كلما أتوغل في الحديث أجده أشد هولا وأكثر غرابة من ذي قبل. وقد انتظرت عبثا أن ~~أسمع من جليسي حركة تعجب أو اندهاش، ولكنه قد اقتصر على السكوت كمن يصغي لأقاويل لا ~~طائل تحتها. فتأثرت لذلك ولم يفتني أن بريسلا قد سبقت فأطلعته على ما علمته هي من ~~أمري. وأخيرا قلت له: كيف رأيت يا عزيزي إدوار؟ فأجاب ضاحكا: إن أحلام الخمرة قد ~~تجسم الوهم أحيانا إلى حد أن تجعله حقيقة. ~~- أنت تهزأ بي. ~~- معاذ الله يا صديقي. ~~- ثق إذن بما أرويه لك فترى أهمية ما أدعيه. ~~- إني على يقين تام من أنك تتكلم عما تظن حدوثه، ولكني لا أراه أكثر من حلم تخايل ~~في ذهنك أو تخيلات وهمية. # فلزمت الصمت لما رأيت نفسي عاجزا عن الإتيان ببراهين ثابتة تؤيد صحة قولي. ms10 ثم اجتمعت ~~بصديق لي آخر، فكان منه ما كان من ذاك. فيئست من معرفة المجرمين، وقصدت أن أتناسى ~~هذا الأمر إذ رأيت أن أعز أصدقائي ومن عرفتهم من سن الطفولية قد هزأوا بحديثي ~~ونبذوه ظهريا، فماذا أنتظر من الغرباء أو إذا لجأت إلى المحاكم فعلى من أرفع ~~دعواي؟ وكيف أقدر أثبت حدوث تلك الجناية؟ وفوق ذلك أعرض حياتي لأخطار مخالفة إنذار ~~الرقباء وقولهم: «إننا رأيناك وعرفناك، وأما أنت فلم ترنا.» # ولم يمض زمن طويل حتى تناسيت هذه الحوادث المزعجة وصرفت فكري لما هو أهم، فإن ~~العالم تراءى لي مضيئا للمرة الثانية، وقد تبلج صبحه من خلال الظلام المدلهم، ~~فبدد عن عيني تلك الغشاوة، وبرق بارق الأمل بحياة جديدة، فمحا من ذاكرتي ما كنت ~~فيه من التعاسة، وعاد إلي الأمل بالسعادة. فتداركني الباري برحمته إذ أعاد إلي ~~حاسة البصر، فصرت أبصر وقلبي مفعم حبورا ولساني ناطق بشكر مولاي القادر، فقد تم لي ~~الشفاء بمشيئة الله بعد أن أجرى الطبيب عملية جراحية وأمرني عند نهايتها بالاحتجاب عن ~~النور بضعة أشهر. وليتصور القارئ اللبيب بأي قلق صرفت تلك المدة التي حسبتها دهرا ~~وحجبت عن مشاهدة العالم ثانية، فتارة كان يتراءى لي الفوز بمبتغاي، وأن السعادة قد ~~أصبحت في قبضة يدي، وتارة يخال لي استحالة ذلك الأمر وأراه فوق طاقة البشر، فأسأل ~~نفسي: هل يمكن يا ترى لأعمى أن يبصر؟ فيجيبني صوت من أعماق قلبي مرددا في ذهني كلمات ~~الطبيب: «لا تيأس من الشفاء.» فألبث حاسر الرأس راضيا بقليل من الأمل. فيا لها من ~~ساعة بهجة اهتز لها فؤادي طربا وطابت بها نفسي انتعاشا، ساعة سمح لي بها أن ~~أحل تلك الرباطات الحاجبة عن بصري النور. ولكني أمرت باستعمال النظارات وقاية ~~لعيني الضعيفتين اللتين ما لبثتا أن تداركتهما الصحة رويدا، وبعد زهاء سنتين ~~كاملتين تمت لي أسباب السعادة فأبصرت كل شيء واضحا جليا، وتمتعت بجمال الطبيعة ~~وبهجتها وزهاء الكون ورونقه، فظهر لي العالم باسما يهنئني بحصولي على كامل ~~الملذات. # وكم من مرة نهضت من ms11 فراشي ليلا، وخرجت إلى الحديقة أمتع نظري بمرأى أشجارها المثمرة ~~وأزهارها المعطرة التي وشحها الربيع بحلله السندسية وزينها الندى بقطراته اللؤلؤية، ~~والقمر يلقي عليها أنواره الفضية فيحدث منه ظل خفيف يتماوج من خلال أوراقها، بينما ~~النسيم يلثم خدود الورد فتنحني له الأوراق استحياء، وتتمايل الأغصان منه طربا ~~وإعجابا. فيا لله كم كان يفوتني من مثل هذه المناظر التي تدفع عني الهموم وتجلي ~~الغموم. وحينئذ كنت أرفع عيني إلى السماء ممجدا المبدع الوهاب، فأرى فوقي ~~النجوم الساطعة تتلألأ في السماء وترقص في الفضاء، فيرقص لها قلبي طربا ويدفعني ~~السرور إلى الركض في الروضة كالطفل الصغير مندهشا لكل ما تقع عليه عيني. # وكنت أحسب نفسي أسعد البشر، وما كان يقلقني سوى تذكار سماع ذلك الأنين المؤلم الذي ~~سمعته في تلك الليلة المرعبة، وما كنت أنساه مع ما مر بي من الأيام، وما كان من ~~اختلاف الأحوال. # الفصل الثالث # | أجمل المناظر # بارحت إنكلترا في أواسط الربيع مع صديقي إدوار قصد التجول في نواحي إيطاليا، وذلك ~~إذعانا لأمر الطبيب الذي ما برح منذ شفيت يحثني على التجول والترحال ترويحا للنفس ~~وتنزيها للخاطر. وأول مدينة أتيناها هي تورين، فصرفنا فيها زهاء أسبوع متجولين في ~~شوارعها العظيمة ومنتزهاتها الجميلة معجبين بمشهد بناياتها الشائقة وقصورها الشاهقة، ~~وكنائسها العظيمة التي زاد منظرها إجلالا تقادم عمدها واتساع هياكلها. # فبينما كنا ذات يوم نتنزه بين الأشجار على ضفة جدول بهج تجري مياهه بسرعة فوق حصباء ~~كالدر، وقد نقش الريح على الماء زردا، وهز معاطف الأغصان فتمايلت عجبا، وغردت ~~الأطيار على أفنانها فازددنا طربا، ووقفنا برهة نمتع النظر بمشاهدة عجائب الكون ~~وجمال الطبيعة، وأفكارنا سابحة في تيار التأملات اللذيذة، إذ أوقف مجرى تأملي في ~~بدائع الكائنات سماع وطء أقدام خفيفة، فالتفت وإذا بغادة هيفاء قامتها نجلاء ~~مقلتها لا يشتكي منها قصر ولا طول، وهي من أجل ما وقع نظري عليه من الجنس اللطيف، ~~مرت سريعا بالقرب منا تصحبها امرأة مسنة. فذهلت لمرآها ووددت لو أني استوضحت ~~محياها جيدا، فأتبعتها النظر حتى ms12 توارت داخل باب دير الكاثوليك، وكان حينئذ وقت ~~الصلاة. فاتفقت مع رفيقي على اتباعها، ثم ذهبنا وكلانا متشوق لرؤيتها، فلما دخلنا ~~الدير جلست على مقعد خشبي بعزلة عن الناس، وأول شخص وقعت عيني عليه عندما أجلت نظري ~~بالجموع كان تلك الحسناء، فتأملتها طويلا وإذا بها جالسة بهدو تام مطرقة إلى ~~الأرض لا تميل برأسها إلى جهة ما. وقد حاولت عبثا أن أرى وجهها جليا، فلم أظفر ~~إلا بجانب منه، فألفيته ذا بشرة بيضاء ضاربة إلى الصفرة، وقد تدلى فوقه خصلة من ~~شعرها الحالك السواد المتجمع في أم رأسها على أجمل هيئة وألطف زي، فزاد منظرها ~~هذا وقارا وجمالها كمالا. وإني لأقول إنها إنكليزية الأصل لما ظهر لي من هيئة ~~ملابسها، غير أن تلك الخادمة المرافقة لها تدل ملامحها صريحا على أنها إيتاليانية. ~~وبقدر ما كانت الفتاة ذاهلة غير مكترثة بالصلاة تتلاطمها أمواج الأفكار، كانت الأخرى ~~ساجدة مواصلة التضرع بدموع حارة كأنها مجرمة وشاعرة بثقل نير خطيئتها، فأتت تلتمس ~~من الباري عفوا ورحمة. # وعقيب أن أنهت الخادمة الصلاة، تحفزت للنهوض وأشارت بذلك إلى الفتاة فأطاعتها، ولم ~~تنبس ببنت شفة. فهرعت مع رفيقي إلى الباب ننتظرهما، فرأيت على مقربة منا كهلا ربع ~~القامة عريض الكتفين واقفا بهيئة تدل على أنه بانتظار أحد، ثم رأيت الخادمة مقبلة ~~والفتاة إلى جانبها، فتقدمت الأولى لتدهن جبهتها بالماء المقدس كما هي العادة، وظلت ~~الفتاة واقفة تنتظرها برهة تمكنت بأثنائها من مشاهدة وجهها دون مانع، فإذا هو من ~~أجمل ما يتصوره العقل، ذات عينين سوداويين وأهداب طوال ترمي الناظر إليها بنبال عن ~~قوسي حاجبها، ولها نظرات حادة تدل على أن داخل تلك الجبهة الناصعة البياض ~~والمكللة بتاج الرصانة والجمال فكرا عميقا وسرا عظيما. وبعد أن رسمت الخادمة ~~إشارة الصليب تقدمت نحوها وذهبتا سوية. # وبعد أن خرجنا من الكنيسة دنا منهما ذلك الرجل الذي رأيته قبلا، فاندهشت الخادمة ~~لرؤيته ثم حيته مقبلة يده. أما الفتاة فلم تنظر إليه باهتمام، بل فتحت شفتيها ~~الأرجوانيتين كأنها تريد التكلم، ثم أعرضت ms13 عن ذلك، ومالت برأسها اشمئزازا، وإذ ذاك ~~وقع نظرها على نظري، وقد أرسلت أهدابها ظلا خفيفا على خدها العاجي، فما كانت ~~لتبارح ذهني قط تلك الهيئة الملائكية. # وفي أثناء هذه الفترة كانت الخادمة قد أنهت حديثها مع ذلك الرجل، فذهب وهو ينظر إليها ~~كمن يعيد أمرا على الآخر لإتمام طلبه، فأجابته بإشارة من رأسها تعني بأنها قد فهمت ~~المغزى من تلك النظرة، ثم تقدمت من الفتاة وجذبتها من ذراعها بلطف وسارتا، فقلت ~~لرفيقي: أنظرت هذه الحسناء؟ قال: نعم، وهي على جانب عظيم من الجمال. ~~- إن هذا المحيا لأبدع ما رأيت في حياتي، ولكن أمرا يشوه جماله. ~~- هل جرت العادة عند رجال الإنكليز أن يصفوا جمال هذه وقباحة تلك بينما هم على ~~الطريق؟ أم هذه عادة الإيتاليان؟ # طرقت آذاننا هذه الكلمات بصوت جهوري صادر من رجل بالقرب منا فالتفتنا نحوه، وإذا هو ~~شاب في الثلاثين من عمره طويل القامة، ينبعث من عينيه أشعة الخبث والدهاء، فعزمت أن ~~أبطش به لو لم يتداركني رفيقي ويخاطبه برقة قائلا: لقد أجمع رأي العالم قاطبة على ~~استحسان كل ما هو حسن والعكس بالعكس، ومع ذلك فإذا كنا أتينا أمرا منكرا نرجو أن ~~يقبل عذرنا لدى حضرة السيدة وجناب قرينها أو أخيها. فقال الغريب: إني لست ~~أحدهما. ~~- إذن فنسيبها أو صديقها، وعلى كل يسرنا أن نراك تبالغ في الغيرة عليها. # قال رفيقي ذلك بلهجة الساخر، وأدار ظهره دون أن ينتظر جوابا، فلبث الغريب شاخصا ~~إليه بعينين يتطاير منهما الشرر لما ألحق به من الاحتقار. وأما أنا، فعندما عاينت ~~منه ذلك توقفت عن المسير خوف أن يغدر به ذاك الشقي، ولكنه وجد أخيرا أعقل مما ~~ظننته لأنه ما عتم أن سار في طريق غير التي سلكناها. وبهذه الفترة التي أضعناها ~~بمجادلة ذلك الرجل كانت الفتاة قد توارت مع رفيقتها عن العين، ولم ندر في أي طريق ~~سارتا، وقد خجلت أن أسأل رفيقي الإسراع بالمسير واللحاق بهما، ووددت لو أكون وحدي ~~فأتبعهما وأستعلم عن اسمها ومحل سكنها، ولكن ms14 كان لي أمل أن أراها مرة أخرى، وحينئذ ~~لا تفوتني الفرصة لإتمام رغائبي. # ما كل ما يتمنى المرء يدركه؛ فإني كثيرا ما ترددت إلى ذلك المكان ولم يتح لي ~~الحظ أن أراها هناك. وأخيرا يئست من مصادفتها واستولى علي حزن عميق، وكنت كيفما ~~أذهب وكل ما أراه من الغرائب لا يشغل ذهني أو ينسيني ذلك الوجه الجميل، وأحيانا ~~أسخر من نفسي ومن الضعف الذي استولى علي، فتمكنت من قلبي صورة من لم أرها أكثر من ~~مرة واحدة ومن لم أخاطبها قط أو أعلم عن حقيقة أحوالها أمرا، فأناجي نفسي قائلا: ~~ما لك يا جلبرت ولهذه الفتاة المجهولة لديك؟ وما يجديك التفكر بها سوى التعب ~~والبلاء؟ وما يدريك أنها ليست ذات بعل وأنها حرة الفؤاد، وكيف كان الحال فليس لك ~~أمل برؤيتها ثانية، فالأجدر بك أن تنساها. غير أني تأكدت بعد قليل أني غير قادر على ~~ذلك؛ لأنني كلما طردت ذكرها من ذهني ازداد إليه ترددا أو حاولت إمحاء رسمها من ~~ذاكرتي انتصب طيفها اللطيف أمام عيني. # ودامت لي الحال على هذا المنوال نحو عشرة أيام أعلل النفس بلعل وعسى، إلى أن رأيت ~~إصرارا من صديقي على مبارحة تلك المدينة حيث لم تعد تسمح له الظروف بإطالة المكث، ~~فبارحناها وفي النفس حسرة لمفارقة أرض نبتت فيها زهرة آمالي، فسرنا إلى جينوى ثم إلى ~~فلورنسه فروميه ونابولي ومنها توا إلى جزيرة سيسيليا، وعرجنا على بعض أمكنة، ثم ~~رجعنا إلى لندره وكان قد مضى أكثر الصيف. # وفي صبيحة اليوم الثاني شيعت صديقي إدوار إلى شاطئ البحر حيث توجه إلى بلاد ~~اسكوتلاندا لأشغال دعته إليها. فما كان فراقه إلا ليزيد فؤادي انكسارا وقلبي حزنا ~~وتعذيبا. فجلست على صخر كبير منفردا عن الناس أتأمل بالأمواج المتلاطمة وهي تتقلب ~~متقدمة نحوي باسمة متلألئة بأشعة الشمس المنعكسة على سطح الأوقيانس العظيم، ثم ترتد ~~إلى الوراء ويتفرق شملها كبنات نعش، فأثر بي هذا المنظر تأثيرا عظيما، وعاودني ~~ذكرى ذلك المنظر البهج الذي شاهدته في إيطاليا؛ لأنه يحاكيه جمالا ms15 لوجود تلك ~~الغانية. فقلت في نفسي: ما كان أسعدني لو أراها الآن بعين الحقيقة لا بعين الخيال ~~الذي قد طال علي تردده فأذاقني صنوف العذاب ... ليتني بقيت أعمى ولم تقع عيني على ~~سبب هيامي ومصدر همومي، فكان أولى بي أن أحيا تعيسا من أن أموت شهيدا، ثم فاضت ~~مدامعي وجعلت أنوح كالثكلى. # وإني لعلى تلك الحالة إذا شعرت كمن مسه سلك كهربائي، فهببت واقفا على أقدامي ~~وجعلت أنظر كالمعتوه إذ شاهدت بغتة فاتنتي مقبلة مع خادمتها. نعم، نعم، رأيت ثانية ~~تلك التي عانيت من أجلها أمر العذاب، نعم رأيتها وهي لم تزل كما كانت آية الجمال ~~والكمال، فمن يصف حالتي في تلك الساعة التي انتقلت بها من الغم والقنوط إلى السعادة ~~والأمل! أما هما فظلتا سائرتين إلى الجهة الأخرى وأنا أتبعهما النظر، إلى أن ابتعدتا ~~عني قليلا، ثم سرت على أثرهما متأخرا عنهما نحو مئة خطوة، وعند ذلك عرجتا على ~~شارع «ريجنت»، ولم تسيرا طويلا حتى عطفتا في شارع آخر ودخلتا نزل «مايدا»، فعلمت ~~أنهما غريبتان عن البلاد وقاطنتان في ذلك النزل، فلبثت برهة واقفا وإذا بنافذة ~~فتحت في الطابق العلوي، وبانت منها الفتاة وكانت منهمكة بوضع بعض الأزهار في إناء ~~خزفي، وبعد أن أنهت عملها ألقت نظرا هادئا على الطريق، ثم توارت داخل ~~الغرفة. # وحينئذ شعرت أن قوة غير منظورة دفعتني لباب ذاك النزل، فقرعته، ولم يكن إلا ~~القليل حتى فتحته امرأة قصيرة القامة غليظة الجسم، فسألتها: هل يوجد غرفة للأجرة؟ ~~أجابت: نعم يا سيدي. وقبل أن تنهي كلامها صعدت السلم فتبعتني وشرعنا بالتطواف في ~~النزل غرفة فغرفة حتى انتهينا إلى أحسنها، فأسلفتها الأجرة وعدت للإتيان بما أحتاج ~~إليه من الملابس مدة إقامتي هناك. وهكذا في اليوم الثاني كنت من جملة سكان ذلك ~~النزل، وقد شعرت بسرور عظيم من هذا الاتفاق؛ لأنني كنت في الأمس آيسا من وجودها ~~حزينا لبعدها، واليوم هي على مقربة مني لا يسومني التمتع بمشاهدة طلعتها البهية كثير ~~عناء. # الفصل الرابع # | ليست أهلا للمحبة والزواج ms16 # فمضى علي أسبوع في تلك الغرفة وأنا أرى في كل يوم تلك الغانية، واسمها بولينا - ~~هكذا كنت أسمع الخادمة تناديها - وكانت عاطفة الشوق تزداد بي يوما فيوما لمحادثتها، ~~وقد ظهر لي من مراقبتها أنها من السذاجة بمكان عظيم لا تتكلف حركة تشف عن كبرياء ~~وخيلاء، وهي ملازمة الصمت إلا فيما ندر، وذلك عندما تحتاج إلى الخادمة فتلقي إليها ~~بعض كلمات مقتضبة ثم تعود إلى حالتها الأولى من الجمود والسكينة. # وقد انتظرت فرصة تخولني التقرب منها، فذهبت أتعابي ضياعا، وما كنت قط لأسمع ~~صوتها العذب لو لم أقف لها بالمرصاد وقت ذهابها وإيابها، فأشير إليها مسلما ~~فتجيبني ولكن بدون اهتمام. # هذا وقد ضقت ذرعا عن كتمان أمري وإخفاء سري، فعزمت أن أنبذ الخوف والجبن ظهريا ~~وأذهب إليها شاكيا حالتي، ولكني لما رأيتها في اليوم الثاني لم أتجرأ على إتمام ~~عزمي؛ فإن سطوة جمالها أذهلتني ونظرها الحاد الجامد لعثم لساني، فأحجمت وأنا ~~أندب سوء حظي، ولم أذق طعاما ذلك النهار بطوله، وعندما خيم الظلام ألقيت بنفسي ~~على سريري حيث ضاق صدري وخنقتني العبرات، فبكيت كالطفل. وإني لكذلك إذ سمعت رنة ~~وتحطم إناء خزفي في باحة الدار عقبه صراخ وعويل، فأسرعت إلى الخارج وإذا بتيريزا ~~خادمة بولينا ممددة على الأرض تشكو من صدع ألم برجلها، وقد انتثر حولها قطع ~~صغيرة من الخزف، وتندت أثوابها بما كان من المرق في ذلك الإناء، فخاطبتها برقة مقدما ~~لها يد المساعدة، فشكرتني بكلمات إنكليزية استنتجت من لهجتها أنها غير لغتها. فسألتها ~~بالإيتاليانية عما إذا كانت تريد أن أحملها إلى غرفتها، فبرقت أسرتها لاستماع ~~لغتها، ونظرت إلي بعين الامتنان ثم تحفزت للقيام، فرأيتها غير قادرة على ذلك، ~~فأسندتها إلى ذراعي وأعنتها على الوقوف، ولكنها لم تقو على المسير، فحملتها إلى ~~غرفتها ووضعتها على السرير وعدت لأرسل من يأتي بطبيب، فصادفت بولينا خارجا مسندة إلى ~~الجدار وهي على حالها من الهدو، فلما صرت على مقربة منها هشت لي وشكرتني على ما ~~أبديته من المعروف، ثم مدت لي يدها البيضاء ms17 فهززتها بلهفة، وبعد ذلك انسحبت إلى ~~غرفة خادمتها وخلفتني جامدا كالصنم أنظر إلى الباب الذي حجبها عن عيني مفكرا في ~~ذاك المحيا الذي خطت عليه يد الحدثان آيات من الحزن يكتنفها رسم من الأسرار العميقة ~~على جبينها الوضاح كما يتبين من هيئتها الذابلة. # وفي صباح اليوم الثاني من هذه الحادثة رأيت بولينا ذاهبة للنزهة دون رفيق، فتناولت ~~قبعتي وتأثرتها مسرعا، وبعد مطارحة السلام افتتحت الحديث بهذه الكلمات: هل لك مدة ~~طويلة في إنكلترا أيتها الآنسة؟ ~~- لا. ~~- لقد أسعدني الحظ بمشاهدتك في دير الكاثوليك «بتورين» منذ ثلاثة أشهر. # فرفعت عينيها وحدجتني بنظرة طويلة، فتممت قولي: وقد كنت مصحوبة بقهرمانتك. ~~- نعم لقد ذهبنا مرارا إلى هناك. ~~- أظنك إنكليزية الأصل كما يتبين من اسمك؟ ~~- نعم. ~~- أعازمة على البقاء في إنكلترا طويلا أم ستبارحينها إلى إيطاليا؟ ~~- لست أعلم. # ثم بادرتها بحديث طويل أستطلع به أميالها وأدرس طباعها ذاكرا لها ما يهم النساء ~~معرفة كالموسيقى والرقص والتصوير والأزهار، ولكن كل هذا لم يكن يستلفت منها الأفكار، ~~فقلما كانت تطرب أذني باستماع ألفاظها الرقيقة، بل كان دأبها الإصغاء لحديثي، ولم ~~أحظ منها إلا بكلمة: لا، ونعم. وذلك عندما تضطر إلى إجابتي. وقد تبين لي أنها لا ~~تفهم كلامي، فكانت تارة تشخص بي ذاهلة مندهشة وطورا تنكس رأسها وتعود إلى الافتكار ~~دون أن تبدي بكلمة، ولو كنت منتظرا الجواب. # هذا ما علمت من أمرها أثناء تجولنا، فلما عدنا إلى المنزل ودعتها بكل احترام، ~~وذهبت إلى غرفتي حزينا لما استوضحت من أطوارها وذهولها وأشفقت عليها وعلى نفسي؛ لأني ~~كنت لم أزل أحبها. ولقد تعزيت نوعا لأنها لم تأنف من مرافقتي مرارا. حتى وفي المرة ~~الأخيرة كاد يقضى علي من شدة الفرح إذ رأيتها تبسم لقدومي، وحينئذ تجرأت أن ~~أقدم لها ظرفا قد رقمت عليه اسمها الجميل، ووضعت فيه كتابا أصف فيه حالتي وهيامي، ~~فتناولته مني وجعلت تنظر إليه باندهاش وحيرة كأنه لم يقع نظرها على مثله قبلا، ثم ~~أرجعته لي وانثنت مسرعة إلى غرفتها، وقد أوضحت لي حركاتها ms18 جليا أنها لا تفقه ~~القراءة، فلبثت حائرا في أمرها قائلا في نفسي: هل يمكن لمثلها أن يحرم من وسائط ~~التعليم وهيئتها تدل على المكانة والشرف؟ # وفيما كنت أفتكر في أمر الفتاة كانت تيريزا مطلة من النافذة ترقب حركاتنا وسكناتنا، ~~وعيناها تقدح شررا كأنها غير راضية عن هذا الاجتماع؛ ومن ثم عادت لاستصحاب بولينا ~~كعادتها متحملة الآلام باذلة جهدها بإبعادي عنها. # ويوما ما مرت تيريزا بقرب غرفتي، فاغتنمت هذه الفرصة ودعوتها، فدخلت إلى حجرتي، ~~وقدمت لها كرسيا، فجلست وهي تنظر إلى ما حولها كأنها ترغب فهم معنى هذه الدعوة، ~~فبادرتها بالسؤال عن رجلها، فأجابت بصوت أجش أنها أحسن حالا. فقدمت لها كأسا من ~~الخمر تجرعته بدون تردد، ثم قلت لها: كيف صحة الآنسة بولينا فإني لم أرها اليوم؟ ~~أجابت وقد خنقها الغيظ وأرجف صوتها التهديد والوعيد: إنها على أحسن حال. ~~- ربما لم يخف عليك بأنها هي السبب الذي استدعيتك لأجله. ~~- نعم لقد علمت كل شيء. # قالت ذلك ونظرت إلي نظرة تشف عن استعدادها لإشهار حرب ضدي. ~~- إذن فأنت تعلمين ما لا أقدر على كتمانه بعد ... إني أحب الآنسة بولينا. فأجابت بخشونة ~~وثبات: إنها ليست أهلا لأن تحب. ~~- ليست أهلا للمحبة! كيف لا وهي شابة أديبة وجميلة، فإني أحبها وأريد أن تكون شريكة ~~حياتي. # فقالت: إنها ليست أهلا للزواج. ~~- تيريزا أخبريني ما المانع؟ فأنا شاب شريف ومثر وذو حب طاهر ولا أيأس من رضاها؛ فإن ~~الأمل بذلك عظيم لما أراه من نظراتها إلي المقرونة بالحنو، فأستحلفك بكل ما هو ~~عزيز لديك ومقدس أن توضحي المقال وتزيلي عني العناء بلفظة قدر لي بها السعادة أو ~~الشقاء. ~~- إنها ليست أهلا للمحبة والزواج. ~~- تيريزا لقد عيل صبري فلم هذا العناد، ناشدتك الله أن تخبريني فقط من وأين هي ~~عائلتها أو أنسباؤها فأتقدم إليهم بطلب يدها. ~~- قلت ولم أزل أقول ما لا أقدر أن أفوه بسواه، إنها ليست أهلا للمحبة ~~والزواج. # وعند ذلك لم يعد بوسعي الصبر، فاتقدت عيناي بنار الغيظ والغضب، وكدت أن أبطش بها ms19 ~~وأريها نتيجة إصرارها لو لم يخطر لي ما هو أقدر على كبح جماح النفوس من كل شيء ولا ~~أعظم من سطوته على القلوب. وبالحال نفحتها صكا ماليا بقيمة ألف فرنك ، فبرقت له ~~أسرتها وانجذب بصرها لتلك الورقة، فظننت أني فزت بالوطر، ولكنها ما عتمت بعد أن ~~صمتت برهة أن نهضت من مكانها مكررة قولها: إنها ليست أهلا للمحبة والزواج. ثم أرادت ~~أن تخرج. # فأوقفتها وضاعفت لها المبلغ، فلبثت جامدة لا تبدي حراكا، ثم تمتمت: ألفي فرنك! ألفي ~~فرنك! ثمن كلمة ولكن لا، لا أبيعها فهي أثمن من ذلك، وهمت بالخروج ثانية، فضاعفت ~~المبلغ أيضا حتى بلغت قيمته أربعة آلاف فرنك. وقد أخذني العجب والاندهاش عندما لحظت ~~بأنها لم تكتف بعد، فوعدتها بأن سأدفع لها أيضا قدرهم في يوم تكون بولينا عروسي، ~~ففغرت فاها وشخصت بأبصارها وظلت برهة كالبلهاء، ثم قالت: سأجيبك في وقت آخر ... بعد ~~استشارة الطبيب. ~~- من هو هذا الطبيب، ألا أقدر أن أراه؟ ~~- هل أتيت على لفظة طبيب! فهذا سهو مني، ولكن سأكاتب وليها بهذا الشأن وأبذل جهدي ~~في مساعدتك. ~~- لا تتأخري، واذكري الوعد. ~~- سأباشر ذلك حالا. ~~- والآن اصدقيني القول يا تيريزا، هل تفكر بي بولينا في خلواتها، ألم تذكر ~~اسمي؟ ~~- من يعلم، ولكني أقول للمرة الأخيرة، إنها ليست أهلا للمحبة والزواج. # فقلت في نفسي ساخرا بها: يا لك من بلهاء لا تعرفين المي من اللي، تقولين إنها ~~ليست أهلا للمحبة والزواج مع أنه إذا وجد من الفتيات من هي أكثر أهلية للزواج فلا ~~تكون غير بولينتي الجميلة. ولكن لا بد لثبات رأي هذه الشمطاء في بولينا من أسباب ~~محاطة بالأسرار الخفية. ثم تذكرت تلك المصادفة في دير الكاثوليك، وكيف كانت تصلي ~~بحرارة، ففكرت أنها ربما تكون كثيرة التدين وتقصد اجتذاب بولينا إلى الدير لنذر ~~العفة. هذا ما رجحته في ذهني على بقية الأفكار، ولكن ساء فألها فإني استرضيتها ~~بالدرهم الوضاح، ولم يعد علي سوى استعطاف بولينا والاجتماع بها غالب الأوقات ~~فأكتشف منها على ما يهمني معرفته من ms20 أحوالها. وعندما داخلني هذا الفكر شعرت بالراحة ~~والسرور بما توفر لدي من وسائل الفوز والنجاح، وبت ليلتي مرتاحا أحلم بالسعادة ~~التي كنت بانتظارها. # ولما كان الصباح ذهبت إلى السوق لقضاء بعض الأشغال، فصرفت بضع ساعات، وعند رجوعي لم ~~يكن اهتمامي سوى مقابلة بولينا، فاتجهت نحو غرفتها بقلب خافق، وعند دخولي رأيت ما لم ~~أكن أنتظره، وما الموت إلا دونه هولا وحزنا، رأيت ما سحق قلبي وأوقف سريان دمي، ~~وجعلني كالمعتوه الفاقد الرشد، رأيت غرفة من قصرت عليها آمالي ومن أسرت فؤادي خالية ~~خاوية لا عين فيها لبولينا ولا أثر. فانطلقت مسرعا نحو صاحبة النزل لأستطلع منها ~~واقعة الحال، وكنت أقدم رجلا وأؤخر أخرى خوفا من أن جوابها يحجب عن عيني الشعاع ~~الأخير من أمل لقياها، ولكني وجدت أن لا مهرب من الاستعداد لاحتمال الصاعقة التي ربما ~~تنقض علي من جوابها السلبي، فقويت عزمي واستعنت بالصبر الجميل ولو ذهبت روحي، ~~قائلا: # سأصبر حتى يعلم الصبر أنني # صبرت على شيء أمر من الصبر # فتقدمت من المرأة ونشدت ضالتي لديها ولسان حالي يستعطفها بالتوقف قليلا عن الجواب ~~إذا كان ما أخشاه قد جرى حقيقة، فلم أستفد منها سوى أن تيريزا نقدتها ما عليها من ~~أجرة البيت وذهبت إلى حيث لا تدري. فجزعت لهذا الخبر ثم خرجت أتعثر بأذيال الخيبة ~~والقنوط، وقد زهدت في الحياة وكدت أقع مغشيا علي لو لم أثبت جأشي ببقية من القوة. ~~فأتيت غرفتي وانطرحت على سريري خائر القوى، واستغرقت في بحار الأحزان وبت والأفكار ~~المزعجة تقلق راحتي، وصرفت نحوا من عشرة أيام على هذه الحال المنكرة، وكلما مر ~~بي يوم ولم أحظ بفائدة أنتظر اليوم الثاني مؤملا زيارة تيريزا أو كتابا منها؛ ~~ولذلك لم أكن أخرج من الفندق إلا حينما أقصد البحث عنهما. # ولكن لم أتنسم خبرا يخفف عني وطأة البلوى، وهكذا مضت بي الأيام جزافا إلى أن مللت ~~الانتظار، فعزمت على الرجوع إلى منزلي وبعده أشخص إلى إيطاليا علي ألتقي بها ~~هناك. # وبينما أنا كذلك إذ ورد علي ms21 كتاب ممهور باسم «مناويل سنيري» يعلمني بقدومه وقت ~~الظهيرة. فاستغربت زيارة شخص ليس لي به سابق معرفة، ولكنه أحيا بي بعض الأمل؛ إذ لا ~~بد من وجود علاقة له مع بولينا. ولم يأت الوقت المعين حتى أتت صاحبة النزل ~~تعلمني بأن شخصا يريد زيارتي، ثم ما عتم أن ظهر وراءها ذاك الرجل الحسن الوجه العريض ~~الكتفين الذي رافق بولينا وتيريزا خارج دير الكاثوليك في إيطاليا، فدخل وسلم ثم ~~جلس بعد أن أمر علي نظرا سريعا، فترحبت به دون إظهار أقل تعجب لزيارته الغير ~~المنتظرة، فابتدرني بهذا الكلام: ربما علمت سبب قدومي. ~~- أرجو أن يكون كذلك. ~~- أأنت المستر فوكهان؟ ~~- نعم. ~~- اعلم إذن أني أنا الطبيب مناويل سنيري، وقد أتيت من جينوى عندما بلغني أنك تطلب ~~بولينا التي هي ابنة شقيقتي زوجة لك. ~~- نعم، هذا غاية ما أروم. # وقد أخذني العجب بادعائه أنه خالها وتذكرت عدم اهتمامها بمقابلته للمرة الأولى التي ~~نظرتها. ~~- اعلم يا مستر فوكهان أنه يوجد أسباب جمة تمنعها من ذلك، إنما تشديد طلبك يسهل ~~لدي المصاعب، فلنبحث الآن في هذا الأمر ... # وكان يتكلم بإنكليزية واضحة ولسان طلق. ~~- لقد بلغني أنك مثر وذو نسب شريف. ~~- يمكنك أن تتحقق ذلك. ~~- فأنت والحالة هذه قادر أن تجعلني على يقين من وفور ثروتك لأني باحتياج إلى ذلك، لا ~~سيما وأن بولينا لا تملك شروى نقير. # فحنيت رأسي باسما، وأخرجت من جيبي قرطاسا وكتبت له تحويلا على شركائي بأن ينقدوه ~~قيمة ما بلغ من دخل أملاكي في نواحي بحيرات سكسونيا، ثم ناولته إياه، وقد انحطت ~~منزلته لدي لما ظهر لي من قحته، فأخذه بلهفة وأردف كلامه: لقد كانت بولينا ذات ~~ثروة فقدر لها فقدانها. ~~- إنني لا أطمع منها بدراهم، وسيان عندي غنية كانت أم فقيرة. ~~- أحسنت، ولكن اعلم أن من كانت بولينا زوجته يشترط عليه أن يقبلها بالحالة التي هي ~~فيها دون أن يطلب الاطلاع على عائلتها أو ما هي حياتها، بل يكتفي أن يراها شابة ~~جميلة وأنه يحبها. # فاستغربت هذه الشروط حتى إني ms22 توقفت عن الجواب مع ما بي من الشوق للحصول عليها. ثم ~~قال: والذي أقدر أن أفهمك إياه هو أنها طيبة القلب عفيفة النفس ولا تنتسب لعائلة أحط ~~منزلة من عائلتك وعوائدها أشبه بالإنكليز من الإيتاليان؛ فبناء عليه يكون زواجكما ~~غاية في المناسبة! # فصرخت بلهفة رافعا يدي كمن يطلب صدقة: من علي ببولينا فلا حاجة لي ~~بسواها. ~~- إذن ما من مانع بأن تعتبرها من الآن وصاعدا خطيبة لك ... والآن يا مستر فوكهان ~~سأدهشك كثيرا بطلبي هذا الأخير؛ فإنك تحب بولينا وأؤمل ألا يمضي عليها ردح من ~~الزمن حتى تبادلك هذه العاطفة، فبناء عليه لا أرى مانعا من الإسراع بالزفاف، فإني ~~مجبر على مبارحة إنكلترا بمدة وجيزة، ولا يمكنني إبقاؤها هنا وليس لها من رفيق سوى ~~خادمتها. # فصرخت: إني أتمنى الزفاف في هذا النهار إذا لم يكن من ثم مانع. ~~- لا لزوم لهذه السرعة؛ فلنا فرصة يومين بعد. # فذهلت لهذه الكلمات حتى خيل لي أنه أحمق، وجعلت أنظر إليه كأني غير مصدق ذلك، ولكن ~~أنى لي أن أرفض سعادة قد انتظرتها زمنا طويلا، والآن وافتني دون منازع، فما ~~يهمني أمره حاذقا كان أو مختلا. فقلت: وما أدراك أن بولينا ترتضي بي؟ ~~- إنها لأطوع لي من بناني، فلا تعصي لي أمرا لا سيما والغاية آيلة لنجاح ~~مستقبلها. ~~- ولكن كيف يتم ذلك بمدة وجيزة، فهلا تؤخر سفرك؟ ~~- لا يمكنني ذلك أصلا، ولكني أصحبها معي بعد أن أرجع لك المال، هذا إذا لم أكن على ~~ثقة من أني أتركها بين يدي من يودها كنفسه. # فنهضت حينئذ قائلا: هيا بنا نتوجه إليها فنرى ما يكون من أمرها. # وفي أثناء هذه المحادثة كنت جالسا قرب النافذة، فحجب ظلي النور عن وجه الغريب الذي ~~كان جالسا أمامي ينظر إلي بإمعان وأنا غير منتبه لذلك. # ثم قال: أذكر أني رأيتك في وقت ومكان أجهلهما. ~~- لقد أبصرتني منذ ثلاثة أشهر في دير الكاثوليك في تورين. # فتظاهر أنه استفاق لهذه الذكرى مكتفيا مئونة التفكر، ثم رغب إلي في المسير ~~فجاريته مسرورا ms23 بعد أن تجرع كل منا كأسا من الخمر. ولم نسر طويلا حتى وقف ~~تجاه مسكن صغير، وقال: انتظر هنا قليلا غير مأمور ريثما أدخل وأعلم بولينا ~~بقدومك. # فاندهشت لسرعة وصولنا وعجبت لجهلي مقرهما بينما هما على مقربة مني. فلبثت برهة وإذا ~~بتيريزا مقبلة نحوي وعيناها الصغيرتان تبرق إشارة الظفر والانتصار ولسان حالها ~~يطالبني بإنجاز الوعد، وقالت بعد أن طارحتني السلام: هل أحسنت في دوري؟ ~~- جزاك الله عني خيرا فلست أنسى صنيعك، ولسوف أنقدك المبلغ عاجلا. ~~- أصغ يا مستر فوكهان، فإن هذا آخر كلامي معك، إن الآنسة بولينا مارك ليست أهلا ~~للزواج. # أما أنا فلم أعرها أذنا صاغية، بل دنوت من الباب، فلما رأتني على تلك الحال مالت ~~برأسها عني قائلة: إن الكلام لا يجدي معك نفعا، فتكرم بالدخول الآن لأني إنما أتيت ~~لأدعوك. # ثم اتجهت بي نحو غرفة رأيت فيها بولينا جالسة وإلى جانبها خالها، فحينما شعرت بقدومي ~~رفعت إلي نظرها باسمة، ثم نهضت على قدميها، فأسرع الطبيب وأخذني بيدي وقدمني إلى ~~ابنة شقيقته قائلا: هل سبقت لك معرفة يا بولينا بالمستر فوكهان؟ ~~- نعم. ~~- هو يرغب في الاقتران منك فهل تجيبي طلبه؟ ~~- نعم إذا أراد ذلك. # أجابت بصوت رخيم دون ارتباك أو خجل. فسكرت بخمرة الفرح وصرخت بلهفة: بولينا أنت سؤلي ~~وغايتي من الحياة، فبك رجائي وعليك قد علقت آمالي، فهل يمكنني أن أرفض سبب ~~سعادتي؟ # ولم آت على آخر كلامي حتى سحبت يدها من يدي وفرت من الغرفة بخفة الظبي. # فقال سنيري: أرجوك يا مستر فوكهان أن تدعني مع بولينا نهتم بمعدات الزواج ريثما يكون ~~غدا كل شيء معدا فيمكنك أن تزورنا. # فودعته دون أن أرى بولينا، وذهبت واجف القلب قلق البال تتنازعني الأسرار من كل ~~الجهات، فما كنت لأفقه كلمات تيريزا، ولا أدري مراد الطبيب بهذه السرعة. ومما زاد ~~في قلقي وارتباكي جمود بولينا وذهولها، ولكن مهما كانت النتيجة فلا يمكنني الانفصال ~~عمن كلفت بها، حتى إني صرت أرغب بالحياة لأجلها، وقلت: لا بد أن المستقبل يغير ~~الأحوال، ms24 ومتى تأكدت خلوصي لها واعتنائي الشديد بها لا تكتمني أمرا يتعلق بماضي ~~حياتها. وإذ ذاك أفقأ بعيني خالها حصرما، وأكتفي مئونة التعب بنفي أقوال ~~تيريزا. # وفي اليوم الثاني زرت بولينا وحدثتها في مواضيع شتى، فكانت كعادتها هادئة تقتصر على ~~كلمة لا ونعم، وأحيانا ينجدها الطبيب - الذي كان مرافقا لنا كالظل - بكلمات ينهي ~~بها الحديث دون أن يدع لها مجالا للتكلم. وعند الساعة العاشرة من صباح اليوم ~~الثالث كانت بولينا واقفة إلى جانبي مرتدية أثوابا حريرية بيضاء أشبه منها ~~بالملائكة، وقد طوق رأسها البديع إكليل من الزنبق يشابه جبينها الوضاح، فما كنت ~~لأصدق وأنا بذلك الموقف أن الفتاة التي كنت يائسا من لقائها منذ ثلاثة أيام هي الآن ~~موثقة معي بعهود لا يحلها إلا الموت. # الفصل الخامس # | بحسب الناموس لا المحبة # ما من يصف سروري وابتهاجي حينما كان يقلني القطار مع بولينتي المحبوبة في ظهيرة اليوم ~~الذي تم به عقد زواجنا، فإنه عند نهاية الصلاة ودعت الطبيب وذهبت ببولينا إلى جنوبي ~~إنكلترا، وهو سار إلى جينوى تصحبه تيريزا التي لم أخلف لها بوعدي، بل نقدتها القيمة ~~بكل طيبة خاطر فودعتني شاكرة. وعند وصولنا إلى أول محطة خرج الناس أفواجا لتسريح ~~النظر في تلك الجهات، وبقيت أنا وبولينا، فجعلت أنظر إلى محياها اللطيف بينما كان ~~النسيم يهب متلاعبا بشعرها الحريري فألفيتها أجمل جدا من ذي قبل، وما تمالكت نفسي ~~أن هتفت صارخا: بولينا، ما أجملك! آه كم أحبك! فرمقتني بنظرة باردة وأمالت رأسها عني ~~كأني بها لم تفقه كلامي، فبكيت حزنا، ثم أخذت يدها بين يدي وقبلتها قائلا: إنك لا ~~تحبيني الآن يا بولينا، ولكن سوف تحبيني فيما بعد. # فكأنها تأثرت لمشاهدتها الدمع يذرف من عيني فبكت، فقلت لها: لم تبكين يا بولينا؟ فلم ~~تجب بل ارتعشت قليلا ثم خفضت رأسها وعادت للافتكار، فاعتمدت رأسي بين يدي وجعلت ~~أتأمل في الحالة التي صرت إليها، وقد ندمت حيث لا ينفع الندم باتخاذي زوجة حسب ~~الناموس لا المحبة المتبادلة، وقلت في نفسي: ما ضرني ms25 لو كنت ذهبت مع الطبيب وخطيبتي ~~إلى جينوى وانتظرت ريثما أتأكد منها الخلوص، ومن ثم لا أصادف منها عدم مبالاة ~~فأحيا سعيدا. وأما الآن فما لي أن أعاتبها على جفاها لأني أنا الجاني على نفسي. لقد ~~رضيت بالاقتران بها دون أن أعلم عن حقيقة حالها أمرا، زاعما أنها لا تلبث طويلا ~~حتى تتجرد من هذه الهيئة المحزنة المغايرة لكل ذي فكر، فما أتعسني إذا دامت على هذه ~~الحال! وهكذا كانت تتقاذفني الأفكار، فأعدت على ذاكرتي ما مر بي في سالف حياتي من ~~غرائب الحوادث من حين كنت أعمى حتى تلك الساعة، فلم أر سوى أسرار ومخاوف تترصدني ~~من كل الجهات. ثم نبهني تماهل سير القطار معلنا بالوصول إلى «إدنبرج»، فالتفت إلى ~~بولينا فلم أر أقل تغيير في هيئتها الجامدة وكأنها ألفت تلك المناظر قبلا. فصرفنا ~~نحو ثلاثة أيام بالتفرج على مدينة إدنبرج لم أفتر بأثنائها عن الاعتناء ببولينا ~~واستلفات أفكارها لكل منظر جميل. لكن واأسفاه! لقد اختبرت طباعها واتضحت لدي كلمات ~~تيريزا من عدم أهليتها للزواج، وعلمت مقاصد الطبيب سنيري وشرطه على من تكون بولينا ~~زوجته أن يرضاها بالحالة التي هي فيها. فيا لشقاوتي! إن من أفرغت لها أرفع المنازل في ~~قلبي هي فاقدة الشعور، بيد أنها لم تكن خالية العقل، إنما كانت فاقدة قوة الذاكرة، ~~فلا تذكر شيئا ماضيا ولا تبالي بمن حولها من الناس، وكان جل اهتمامها بقوتها ~~وراحتها وترتيب أثوابها. فتنقاد لأقل إشارة تبدو مني دون أن تعلم النتيجة منها، فهي ~~آلة صماء، وبعبارة أخرى: عقل طفل في جسم امرأة. أفألام إذا حسبت نفسي أتعس ~~المخلوقات؟ فإني ما زلت ولن أزال أحبها، بل أصبحت أشد ولوعا بها من ذي قبل؛ فإن ~~هيئتها الذابلة وجمالها السامي وسكوتها الدائم لمما يجعلها كالحمل الوديع، ويقوي ~~عاطفة حنوي إليها ويذيب قلبي شفقة عليها. # فقلت لها ذات يوم: هل لك رغبة بالرجوع إلى لندره؟ فلم تبد إشارة تعلن بعدم ارتياحها ~~إلى ذلك، بل نهضت حالا وأعدت أمتعتها لمرافقتي، فسافرنا من إدنبرج قصد ms26 الرجوع إلى ~~الوطن، وقد عزمت بعد ذلك على اللحاق بالطبيب ليوضح لي الأسباب التي جلبت على زوجتي ~~هذا الداء، فربما يوجد وسيلة لشفائها. # وبعد أن قضينا أكثر الليل على الطريق وصلنا إلى محطة بوستون، وكان قد أشرق جبين ~~الصباح، فخرجت مع بولينا من الباخرة لاستنشاق نسيمات السحر، وعندما وقعت عيني على تلك ~~المناظر تبسمت بمرارة متذكرا يوم أتيت ببولينا ولم أكن أعلم وقتئذ من حالها ~~شيئا، بل كنت أعد نفسي من أسعد البشر غير عالم بما خبأ لي الدهر من الرزايا. ثم ~~التفت إلى بولينا فوجدتها بيضاء كالرخام وقد فارق الذهول عينيها الجميلتين، فجعلت ~~تنقل بناظريها إلى كل الجهات باشة الوجه منتعشة بذلك النسيم اللطيف الذي كان يهب ~~عليها مجعدا أطراف ثوبها، فوددت من صميم قلبي أن تكون بولينا كما أشتهي ولو فقدت ~~كل ما تملكه يدي. وعند الساعة السابعة وصلنا إلى منزلي في شارع ويل بول، وبأثناء ذلك ~~سألتها إذا كانت تعلم مقر الطبيب سنيري لأكاتبه؟ فكان جوابها بأن خفضت رأسها ولم ~~تفه ببنت شفة، فأعدت القول: أجهدي الفكرة يا عزيزتي علك تهتدين إلى الصواب. فجعلت ~~أصابعها الفضية على صدغها ولبثت برهة جامدة، فلحظت أنها باضطراب شديد، فقصدت أن أنبه ~~منها الفكر فقلت: أظن بأن تيريزا تعلم ذلك. ~~- نعم فاسألها. ~~- ولكن أين هي؟ # فأمالت رأسها عني ولم تجب. فقلت أيضا: لقد أخبرني الطبيب أنه ذاهب إلى جينوى، فهل ~~تدرين لأي جهة منها؟ فنظرت إلي بارتباك ولم تفه بكلمة، فتيقنت أنها غير قادرة على ~~مساعدتي، فقصدت السفر إلى جينوى حتى إذا ما التقيت به هناك أذهب توا إلى إيطاليا. ~~وفي اليوم الثاني ودعت بولينا قائلا لها: إنني سأغيب عنك بضعة أيام فلا تتكدري مدة ~~تغيبي، وإنك لتجدين من يعتني بك كثيرا. قالت: كما تريد يا عزيزي جلبرت. قد علمتها ~~أن تناديني هكذا لأني ألذ باستماع اسمي يلفظ من بين شفتيها. فذهبت بعد أن أوضحت ~~لبريسلا حالة بولينا وحرصتها على الاهتمام بشأنها والاعتناء بها، وقبل أن أخرج من باب ~~الحديقة نظرت ms27 إلى النافذة حيث فارقت حبيبتي الجميلة، ويا لها من ساعة شملت فؤادي ~~وسرور ملأ قلبي فكان لي زادا للسفر؛ فقد عاينت بريق الأمل يلوح لي من خلال دموع قد ~~تساقطت على خديها كقطر الندى، ولبثت واقفة أمام النافذة تنظر إلي وأنا أسير ~~الهويناء متلفتا نحوها حتى تواريت عنها، وكانت هي المرة الأولى التي ظهر عليها ~~التأثر والانفعال. # الفصل السادس # | أجوبة غير مقنعة # أتيت جينوى آمل أن أحظى بالطبيب سنيري دون مشقة؛ لأنه من شأن الأطباء إذاعة أسمائهم ~~ومحلات سكنهم لرواج بضاعتهم، ولكن ساء ما توهمت؛ فإني قضيت أسبوعا بالتفتيش عن سنيري ~~ولم أقف له على أثر. وأخيرا تيقنت أنه إما أن يكون قد أخبرني بغير اسمه الحقيقي، أو ~~أن جينوى لم تكن وطنه كما زعم، ولكن كيف كان الحال فقد آليت على نفسي ألا أنفك عن ~~التفتيش عنه حتى أجده ولو بذلت في ذلك ما عز وهان. # لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى # فما انقادت الآمال إلا لصابر # وفي صباح اليوم الثاني بينما كنت أتجول في شوارع المدينة إذ لمحت عن بعد رجلا ظهر ~~لي أني أعرفه قبلا، فدنوت منه، وبعد إمعان النظر فيه ألفيته نفس الشاب الذي كاد ~~يتخاصم مع رفيقي إدوار بإيطاليا، فقلت في نفسي: أبشر يا جلبرت فقد فزت بالمرام؛ فإن ~~هذا الشاب يطلعك على ما تريد معرفته، لأنه لا بد أن يكون من أصدقاء الطبيب، ~~وحينئذ دنوت منه وحييته بالإنكليزية، فرد تحيتي بأحسن منها، فبادرته بالكلام ~~قائلا: هل لك يا سيدي أن تجيبني على سؤال أعرضه عليك؟ ~~- قل ما تشاء فإني مستعد أن أقدم لك ما يمكني من الخدم. ~~- أطلب منك أن ترشدني إلى محل الطبيب مانويل سنيري. # ولم آت على هذه الكلمة حتى اضطرب وتغيرت ملامحه، ولكنه عاد فتغلب على اضطرابه ~~بالحال، وأجاب بسكينة: إنني لا أعرف رجلا بهذا الاسم. وتركني وانصرف، فتبعته وأوقفته ~~قائلا: كيف لا تعرفه وأنت أحد أصدقائه؟! ~~- قلت لك إني لست أعرف رجلا يدعى سنيري فاقتصر. ~~- لا خوف عليك يا سيدي من ms28 الإقرار بكونك صديقه، ولقد شاهدتك برفقته. ~~- أين؟ ~~- في تورين قرب دير الكاثوليك. # فحملق بي برهة، ثم قال: الآن تذكرت أنني رأيتك هناك صحبة شخص آخر، وقد أهنتما بالكلام ~~إحدى السيدات فرمت المدافعة عنها. ~~- إننا لم نقصد إهانتها يا سيدي، فأرجوك أن تتناسى ذلك، لا سيما وأن لأجل هذه الفتاة ~~أسألك عن محل سنيري خالها. # فأجاب مندهشا: وكيف عرفت بأنه خالها؟ ~~- هو قال لي ذلك. ~~- إذن ينبغي قبل كل شيء أن نلتجئ إلى مكان منفرد؛ فإن الحديث ذو شأن. ~~- هلم معي إلى النزل حيث أنا مقيم. # قلت ذلك وأخذت بذراعه حتى أتينا غرفتي، فقلت له: تكلم الآن فإننا بمأمن من إفشاء ~~سرنا. ~~- هل يمكني معرفة من أتشرف بمخاطبته؟ ~~- جلبرت فوكهان. ~~- أرجوك يا مستر فوكهان أن تفيدني أولا عن الأسباب التي تلجئك للبحث عن ~~سنيري. ~~- لا يمكنني أن أقول لك ذلك، فعذرا. ~~- ولكن كيف تأتى لك المعرفة بابنة شقيقته؟ ~~- عمن تعني؟ أعن زوجتي؟ ~~- وهل بولينا زوجتك؟ ~~- نعم. # فنظر إلي وقد جحظت مقلتاه وامتقع وجهه وارتجفت أعضاؤه، وقال: أبدا. أبدا. لا ~~يمكن أن يكون ذلك فأنت كاذب. فكدت أتميز من الغيظ وانتصبت واقفا وقلت له بصوت جهوري: ~~أقصر يا هذا واعتذر بالحال عما ألحقت بي من الإهانة أو أطردك خارجا. # أما هو فأدرك خطأه وحول بوجهه عني قائلا: أرجو عفوا، فقد فهت بذلك دون ترو، ~~ولكن هل علم الطبيب بزواجكما؟ ~~- كيف لا وقد تم القران بحضرته. # فجعل يتمشى في الغرفة بخطوات متسعة، ويتمتم بكلمات لم أفهم منها سوى: «لقد خدعت.» ~~ثم تمالك روعه، وأجاب بلهجة الساخر: إني أتمنى لك التوفيق بحصولك على رفيقة جميلة فما ~~الذي تبتغيه الآن من سنيري؟ ~~- شيئا مهما. # فبرقت أسرته وكشر عن أنياب المكر والدهاء، وقال: ربما أهميته تعود عليك بالانفصال ~~عن عروسك. فاغتظت من كلامه، وقد ظهر لي أنه عالم بحال بولينا، ولكني لجأت إلى ملاطفته ~~بغية الاطلاع على كنه المسألة، فقلت: أرجوك الآن أن ترشدني إلى محل سنيري ولك ~~الفضل. ~~- هو الآن متغيب عن البلدة، وسيقدمها بعد ms29 أسبوع، وحينئذ أعلمه بقدومك. # ثم ودعني وذهب، وبعد أن مضى أسبوع على تلك الحادثة أتاني كتاب وهذه صورته: # إذا كنت تود الاجتماع بي فدونك عربة تجدها على باب الفندق عند الساعة ~~السابعة فتقلك إلى حيث أنا مقيم. # التوقيع: م. س. # وعند الساعة السابعة تماما كانت العربة بانتظاري، فسارت بي إلى منزل صغير خارج ~~المدينة، فترجلت وقرعت الباب، وإذا بالطبيب قد انتصب أمامي، وبعد أن تبادلنا التحية ~~أدخلني إلى حجرة صغيرة فيها من الأثاث كرسيان قديمان ومنضدة عليها بعض الأوراق، ~~فجلسنا ثم افتتح سنيري الحديث بقوله: بلغني أنك أتيت جينوى للبحث عني. ~~- نعم، فإني أرغب إليك ببعض أسئلة تهم بولينا. ~~- وإني مستعد لإجابة سؤلك قدر إمكاني. ~~- لم لم تجعلني على بصيرة من طباع بولينا قبل أن أقترن بها؟ ~~- لأنك رأيتها وحدثتها مرارا، فكنت خليقا والحالة هذه أن تختبرها بنفسك. ~~- لقد أغريتني يا مستر سنيري، وكان الأجدر بك أن تطلعني على الحقيقة وتنجو من سهام ~~الملام. ~~- ولكن لم يمكني ذلك لأسباب تتعلق بي. ~~- وما هي تلك الأسباب؟ ~~- هي من جملة الأسئلة التي لا أقدر أن أجيبك عليها. ~~- إذن كان من الواجب ألا تدعني أقترن بها بينا أنك عاجز عن إظهار أمرها. ~~- لقد كانت حملا ثقيلا على عاتقي فأردت الخلاص منه، ولذلك لم يمكني أن أخيب ~~طلبك. ~~- ولكنك لم تخش عاقبة خداعك لرجل ربما أفضى به الأمر إلى ما لا تحمد عقباه، وذلك ~~عندما يتبين لديه أن المرأة التي اقترن بها فاقدة الرشد. ~~- قد ظننت أنها لا تلبث طويلا حتى تعود إلى ما كانت عليه من قوة الإدراك. ~~- إذن هي لم تكن كذلك منذ ولادتها؟ ~~- لا، وإنما طرأ عليها حزن فجائي أورثها مرضا شديدا كانت عاقبته البله. ~~- ما هو سبب حزنها؟ ~~- لا أقدر أن أقوله. ~~- ولكن لي الحق أن أسأل. ~~- ولي الحق أيضا أن لا أجيب. ~~- أوضح لي على الأقل أمر عائلتها. ~~- هي وحيدة وما من أحد ينسب إليها سواي. ~~- وذاك الإيتالياني صديقك، أي علاقة له مع بولينا فإني ما ذكرت اسمها لديه ms30 حتى تغيرت ~~ملامحه واعتراه اضطراب شديد؟ # فتبسم هازا كتفيه، وقال: أتعني بقولك ماكيري؟ فاعلم أنه منذ سنة أو اثنتين، أي قبل ~~أن تفقد بولينا الإدراك، كان هذا الفتى يتزلف إليها طمعا بالاقتران بها، فسبقه ~~إليها المرض، وهكذا لبث بانتظار الشفاء. # فقاطعته قائلا: ولم لم تنتظر أنت أيضا شفاءها فتزفها إليه؟ ~~- يظهر أنك ندمت على هذا الارتباط يا مستر فوكهان. ~~- لا، طالما لي أمل بشفائها، ولو بعد حين ... ولكني أقول لك يا مستر سنيري إنك خدعتني ~~ظلما. # ثم نهضت قاصدا الانصراف، وأنا لا أعي من شدة الغيظ لأنني لم أقصد جينوى ولا تحملت ~~مشاق السفر ومر الانتظار إلا لأستنير بأخبار تعود بالنفع على تلك المسكينة، فما ~~ازددت إلا غموضا، ولست بعائد إلى لندره إلا كما زايلتها. غير أن كلماتي الأخيرة ~~أثرت بسنيري فلطفت نظراته الوحشية، وقال باسما: لا تسرع بالحكم علي كمذنب وأنت لا ~~تعلم الأسباب التي تلجئني لأن أكون كذلك. فاعلم يا عزيزي أن بولينا قد ورثت من ~~والديها مبلغا وافرا لا تقل قيمته عن ستمئة ألف ليره، وإذ ذاك كنت مثقلا بالديون ~~بل على شفير السقوط في وهدة الذل والفاقة، فاقترضت قسما عظيما من أموالها التي كنت ~~حر التصرف بها حيث إني كنت وليها، ثم أنفقت ما بقي من المال جزافا وبذرته ~~إسرافا إلى أن نفد الكل، فلما تحققت الفتاة أنها أصبحت صفر اليدين استولى عليها حزن ~~عظيم أفضى بها إلى مرض شديد عقبه الجنون. ~~- وهل حلل لك ضميرك التصرف بمال يتيمة وحيدة؟ أولم تدر بأن هذه جناية؟ ~~- جناية أو جريمة، فإني لا أعبأ بذلك، إن المال قد وجد للاستعمال وقضاء الحاجات، ~~فكيف يمكني أن أذل نفسي وأكون محتقرا لدى مدائني بينا أنا قادر أن أدرأ عني ~~العار والمال في قبضة يدي. ~~- وهل ظننت أن اهتمامك بزواجها يعوض عنها ما جلبت عليها من الوبال؟ # فأجاب بصوت منخفض: لقد أجبرت على مفارقتها وليس لي أمل أن أراها بعد فقد قضي علي ~~أن أنهي حياتي بعيدا عن الوطن. # فقلت متهكما: أتعني ms31 بأنك مندوب لارتكاب جريمة أخرى؟ ~~- لم أعن إلا ما قلته، فأودعك الآن الوداع الأخير. # قال ذلك وقدم لي يده التي لم يسعني رفضها، وأردف قائلا: ربما أكاتبك بعد سنة أو ~~أكثر، وعندئذ تخبرني شيئا عن أحوال بولينا، وإذا لم أفعل فلا تحمل نفسك أتعاب البحث ~~عني. # وبعد ذلك شيعني إلى الباب حيث كانت العربة لم تزل بانتظاري، فسار كل منا في طريق، ~~ولم أسر طويلا حتى تعرض لي في الطريق الرجل الذي دعاه الطبيب «ماكيري»، فأشرت إلى ~~السائق بالوقوف، وللحال صعد فجلس بجانبي، ثم قال: أرأيت الطبيب يا مستر ~~فوكهان؟ ~~- نعم فإني إنما الآن آت من عنده. ~~- أرجو أن يكون كشف لك النقاب عما أتيت بصدده. ~~- بعض الكشف. # فقال ساخرا: إذن لم يطلعك على كل شيء. فتميزت من شدة الغيظ، ولكني لزمت الصمت. ~~فأتم حديثه قائلا: أظنك لو سألتني لأفدتك أكثر منه. ~~- لقد طلبت إليه أن يفهمني الأسباب التي جلبت إلى قرينتي داء لا أشك بأنك عالم به، ~~فإذا كان كذلك أرجوك بأن تفهمني الحقيقة. ~~- ولكن ماذا أجاب سنيري بهذا الشأن؟ ~~- قال إنه نتيجة حزن استحوذ عليها فجأة، فهل من سبب يلجئك أنت أيضا إلى الكتمان ~~مثله، وإن صح ذلك فما هو السبب يا ترى حتى إنك لا تفتدي به حياة شخصين ~~وسعادتهما. ~~- سأفعل، ولكني ... أخاف. ~~- ممن؟ ~~- من أنك تفتك بصديقي متى أحطت علما بأفعاله المنكرة. ~~- ولكني أعدك بل أحلف لك بكل ما هو عزيز ومقدس لدي ألا أتناوله بأذى. ~~- ألست عازما على الرجوع إلى إنكلتره. ~~- بلى، في أقرب آن. ~~- فتكرم علي بنمرة محلك، فإما أن أكاتبك أو أذهب إليك بنفسي. # فلبيت طلبه، وفي أقل من طرفة عين كان منتصبا خارج العربة يرمقني بعينين تتقدان خبثا ~~ودهاء، وقال: سوف تجني ثمرة اهتمامك بمعرفة ماضي حياة بولينتك الجميلة. فكانت كلماته ~~كسهم سمعت له رنة في قلبي، وأوشكت أن ألقي بنفسي من العربة وأضغط بيدي على عنقه ولا ~~أدعه يتملص منها حتى يوضح لي عبارته الأخيرة، ولكني عدت فتجلدت إذ لا ينفع ms32 الغضب في ~~مثل ذلك الحين. # الفصل السابع # | ادعاء نسبي # عدت إلى لندره وقلبي يحدثني بأن ربما تغيبي تلك المدة يكون قد محا رسمي من ذاكرة ~~بولينا، ولكن لم تتحقق أوهامي ؛ فإنها قد تذكرتني حالا ورحبت بي وكانت مسرورة جدا ~~بقدومي، فآه كم كنت سعيدا لو أنها صحيحة العقل كاملة الشعور. # فمضى علينا بعد رجوعي عدة شهور دون أن يحدث شيء مهم، وفي خلال ذلك استدعيت أمهر ~~الأطباء في إنكلتره لمعالجتها، فأجمع رأيهم على الأمل بشفائها قريبا لا سيما إذا ~~عرف سبب اختلالها، فكان ذلك مما يزيدني حسرة لمرأى ماكيري أو كتابا منه. وهكذا ~~ذهبت بي الأيام وأنا أتقلب على جمر الانتظار مترقبا هذا الرجاء الأخير. # وكنت أصرف معظم أوقاتي في منزلي في شارع ويل ~~بول لا أنيس لي ولا سمير سوى بولينتي المحبوبة، فألبث ناظرا إلى محياها الجميل كمن ~~ينظر إلى تمثال منحوت أو رسم متقن، وإذ ذاك يستولي علي الغم والحزن فألهي نفسي ~~بقراءة بعض الكتب التي كانت سلوتي الوحيدة في تلك الشدة، وكان يعز علي جدا ~~الحضور في المجتمعات وانتياب مجالس الأنس دون بولينا؛ لأنها لم تكن تسر بذلك، بل ~~كان يستحوذ عليها اضطراب شديد لدى استماعها عزف الموسيقى حتى يكاد يغمى عليها؛ ولذلك ~~كنت أتجنب حتى في البيت ممارسة بعض الألحان على البيانو مع أني كنت شديد الولوع ~~بها. # وكأني بها أحيانا تشعر بعنايتي الشديدة بها فتبتسم كأنها تريد أن تشكرني، وهمت مرتين ~~أو أكثر بأن تقبل يدي، وبالجملة كانت كطفل صغير يتعلم رويدا كيف يحب أباه. # وفي أحد الأيام بينا أنا منفرد في غرفتي دخل علي أحد الخدم معلنا قدوم شخص من ~~جينوى، فعلمت أنه ماكيري السيئ الأدب، وكدت أرفض مواجهته متذكرا ما ألحق بي من ~~الإهانة والاحتقار فيما مضى، ولكنني عدت فافتكرت بأنه ربما يطلعني على سبب مرض مليكة ~~فؤادي، أو عل مجالسته إياها تنبه في ذاكرتها شيئا من سالف حياتها أو تذكرها ~~بحوادث مرت عليها. # فتوجهت نحو ردهة الاستقبال حيث تبادلنا التحية، فبادرني بالكلام ms33 قائلا: أرأيت كيف لم ~~أنكث بوعدي؟ ~~- إني على ثقة من صدق كلامك. فهل لك مدة طويلة في لندره؟ ~~- بضعة أيام. ~~- وهل تطيل الإقامة فيها؟ ~~- ريثما تستدعيني الظروف لمبارحتها. ~~- فنظرت إليه بإمعان علي أستطلع خفايا نواياه. # فقال ضاحكا: أظنك حزرت الخطة التي أنا سائر عليها. ~~- يتبين لي أنك رجل سياسي وكثير الفتن. ~~- نعم سياسي كثير الفتن، وإن شئت فقل رسول الحرية. ~~- ولكن الحرية قد نشرت على بلادك لواء الغبطة والهناء منذ أزمان. ~~- أجل، ولكن بلدانا أخر تحتاج لما ذكرت، وقد بذل صديقي المسكين سنيري جهده في هذا ~~الأمر وكاد ينجح لو لم تمنعه أشغال يومه الأخير. ~~- وهل مات؟ ~~- كلا، ولكن بعد أن فارقته في جينوى بمدة وجيزة ألقي القبض عليه ثم حوكم في بطرسبورج، ~~وسيقاد إلى سبيريا حيث يقضي اثنتين وعشرين سنة بالأشغال الشاقة. ~~- أوهربت أنت إذن؟ ~~- بدون ريب، وإلا كيف أتيح لي الوجود في هذا المكان أتلذذ بتبغك الجيد وخمرك ~~المعتق ... آه إنه لا يمكنني التفكر بحالة سنيري المسكين إلا ويعتريني اضطراب شديد، ~~وذلك لأني لاحق به لا محالة، والآن ائذن لي يا مستر فوكهان بالخوض معك في حديث ذي شأن ~~ربما أفضى بك إلى الاندهاش. ~~- قل، فكلي آذان لاستماعك. ~~- إن قبل الشروع به أسألك ماذا قال لك سنيري عني؟ ~~- لم يقل لي سوى اسمك. ~~- ولكنه لم يذكر لك اسمي الحقيقي. ~~- وهل تدعى بغير ماكيري؟ ~~- إنني أعرف بين الناس بأسماء جمة، ولكن اسمي الحقيقي هو أنتونيس مارك شقيق بولينا ~~زوجتك. # فذهلت متحيرا لهذا الخبر الجديد ولم أصدقه البتة، ولكني لزمت الصمت لأسمع تتمة ~~الحديث علي أستوضح قصده بذلك، ثم قال: أعلمت يا مستر فوكهان كيف تصرف خالي سنيري ~~بالأموال التي تركها والداي لي ولبولينا؟ ~~- إنه كما أعلمني كان قد استخدم قسما منها لوفاء ديونه و... ~~- وأنا أخبرك كيف ذهب بالقسم الآخر. # فتنبهت أفكاري وشخصت به مستبشرا بكشف الغوامض، أما هو فتمم حديثه قائلا: لقد أنفقه ~~في سبيل منفعة إيطاليا، وإني لا ألومه قط لتورطه في هذه الأعمال، بل بالعكس أجل ms34 ~~مقاصده وأعتبرها مع أن هذه الأعمال نفسها هي التي أوصلتني إلى حضيض الفقر. ~~- إذن دعنا من ذلك. ~~- ولكني باحتياج شديد لمساعدتك في هذا الشأن، فإن دولة عمانوئيل قد تشيدت واستتب له ~~الأمر ودانت له البلاد رغما عن كثرة أضداده، فإذا شددت أزري وأخذت بناصري لعرض ~~الدعوى على الملك فلا شك أنه يعوض علينا بعض ما بذلناه من الخسائر حبا بالوطن، ~~وإنه لا يبعد أن يكون لك أصدقاء في إنكلتره قادرين على استمالة قلب الملك، كما وإن لي ~~أيضا بعض الأصحاب في إيطاليا لهم علاقة مع أحد الوزراء فنطلب مساعدتهم، ولا يغرب عن ~~فهمك أن بعملك هذا تسترد ثروة زوجتك أيضا. ~~- ولكني لست باحتياج إلى دراهم. # فأجاب مقهقها: وأما أنا فإني خالي الوفاض، أو كما يقال أفلس من أبي طنبورة، وقد جعلت ~~اتكالي عليك، فإذا لم أفز بمرغوبي لا أظنك تبخل علي بدريهمات قليلة ... والآن هل ~~يمكنني مشاهدة بولينا؟ ~~- نعم، سأدعوها إليك. ~~- وهل هي أحسن حالا يا مستر فوكهان؟ # فأملت رأسي بهيئة محزنة. # فقال: مسكينة، مسكينة. أظنها لا تعرفني الآن لأني فارقتها حينما كنت في الثامنة عشرة ~~ولم أرها منذ ذلك الحين. # وعند ذلك طرقت ذهني كلمات الطبيب التي تنافي زعم ماكيري، فقلت في نفسي: لا بد أن يكون ~~أحدهما قد خدعني، ولكني أرجح الآخر إذ اتضحت لدي غايته من ذلك، ولكن ساء وهمك أيها ~~الإيتالياني فحيلتك لم تنطل علي. فقلت له: يا مستر ماكيري ... ~~- عفوا، فاسمي مارك. ~~- أجل فيا مستر مارك ألا يمكنني أن أعرف ما هي الأسباب التي جلبت على زوجتي هذا ~~الداء. # فأطرق إلى الأرض برهة متظاهرا بالكآبة، ثم قال: سأخبرك في وقت آخر، ثم قطع حديثنا ~~دخول بولينا فنهض ماكيري وتقدم نحوها قائلا: هلا تذكريني يا بولينا؟ فرمقته بنظرة ~~طويلة حادة ولم تجب، وكأني بها قد اندهشت لهذه المفاجأة، ثم أمالت رأسها عنه وكانت ~~كمرتابة في أمرها. ثم قال لها: لقد طال زمن لم أرك فيه يا بولينا، ولكنه غير كاف ~~لأن ينسيك إياي. فصوبت نظرها الحاد ms35 نحو وجهه بهيئة مزعجة، ولكنها لم تبد إشارة ~~تدل بأن لها سابق معرفة به. # فقلت لها: ألا تعلمين من هو يا عزيزتي؟ فأمرت يدها على جبهتها بعد أن خفضت رأسها ، ~~ثم تمتمت هاتين الكلمتين بالإيتاليانية: لا تذكرني. # وقد لحظت بأنها تود الفرار منه عندما قبض على يدها للسلام، ولكنها ما لبثت برهة حائرة ~~حتى رمت بنفسها على كرسي وهي تصعد الزفرات. # هذا ولم ترفع عنه نظرها أثناء زيارته، بل كانت شاخصة بوجهه لا تمل من مراقبة كل ~~حركة يأتيها. فتفاءلت بالخير لهذا التأثير الذي ظهر عليها، وأدركت بأن هذا الرجل ~~الذي لا أعلم إن كان عدوي أم صديقي هو الشخص الوحيد الذي يقدر أن ينشلني من وهدة ~~التعاسة، ولذلك بالغت في إكرامه والتمست منه مواصلتي بزياراته كلما سنحت له ~~الفرصة. # وبعد أن ذهب رأيت بولينا تتحرك في كرسيها مضطربة وهي تمر يدها على جبهتها حينا بعد ~~حين كأنها تطلب تفسير أمر أشكل عليها، وأحيانا تقترب من النافذة فتلقي نظرات غير ~~مستقرة على إحدى الجهات ثم تعود فتلتفت نحوي بهيئة مستغربة تغاير حالتها العادية. أما ~~أنا فتظاهرت بعدم اهتمامي بتلك الحركات التي أكدت لي أن رسم الماضي سيعود لذاكرتها ~~شيئا فشيئا. # وهكذا انتظرت ماكيري في اليوم الثاني علها إذا أكثرت من النظر إليه يرجع إلى ذهنها ~~ما تجهد نفسها الآن لمعرفته. أما هو فلم ينكث بوعده بل وافاني في الوقت المعين - لا ~~سيما وأنه باحتياج إلي - فكان دأبه بعد ذلك التقرب مني والمبالغة باعتباري، ~~وبالجملة فإنه أجاد تمثيل دوره بمهارة وحذق. # ثم زارنا بعد ذلك مرارا، وفي كل مرة كنت أتبين في هيئة بولينا تأثيرا يزداد يوما ~~فيوما، فكانت في أثناء زياراته تلازم الغرفة التي يجلس فيها دون أن تفوه بكلمة، ~~وكأني بها تزداد حزنا لدى مرآه، وبالعكس وقت ذهابه فإني كثيرا ما عاينتها تتنهد ~~واضعة يدها على صدرها كأن حملا ثقيلا قد تزحزح عنه، فينفطر قلبي أسفا عندما أراها ~~على تلك الحال، وأنا غير قادر على كشف همها وتفريج كربها، ms36 وكنا ذات يوم جالسين في ~~الحديقة عند الغروب أنا وماكيري، وبولينا على عادتها شاخصة بالزائر وهو يقص علينا ~~أهم ما حدث له في المواقع الحربية. فمن قوله أنه أشرف يوما على الموت إذ طعنه أحد ~~الأعداء بمدية أصابت يمناه فقطعتها، قال ذلك وأخرج يده المقطوعة من كمه وأرانا إياها، ~~ثم تناول خنجرا صغيرا من جيبه وحركه في الفضاء وأردف قائلا: وهكذا استللت سيفي ~~باليسار وصوبته نحو خصمي وضربته فيه ضربة واحدة أرديته على الأرض قتيلا. ولم يأت ~~على هذه العبارة حتى سمعت أنة عميقة بجانبي وصوت وقوع جسم على الأرض، فالتفت وإذا ~~ببولينا مطروحة قربي وعيناها مطبقتان ولا حركة بها تدل على الحياة. فأسرعت وحملتها ~~إلى غرفتها ثم عدت إلى ماكيري مستأذنا بمفارقته، فقال: عسى ألا يكون بها ما يخشى ~~عاقبته. ~~- لا، ولكن قد حصل لها إغماء بسيط، ربما كان نتيجة إشارتك التي أرهبتها. # قلت ذلك وأسرعت بالرجوع إلى غرفة زوجتي، فإذا هي لم تزل على حالها ممددة بلا حراك، ~~صفراء كالموتى. فنضحت وجهها بالماء، وأنشقتها بعض المنعشات ولكن بدون جدوى، فلبثت على ~~هذه الحال نحو ساعتين كنت بأثنائها جاثيا بجانبها أقبل يديها ساكبا عليهما الدموع ~~وقلبي ينفطر حزنا لهذا المشهد المؤثر، وأوشكت أن أيأس من سلامتها لو لم أضع أصابعي ~~على معصمها، فأشعر بضربات خفيفة تؤذن بحياتها، ثم قربت وجهي من وجهها فحسست بأنفاسها ~~الهادئة تمر على خدي كأنها تبشرني بسرعة عودها إلى الوجود. ثم طرق ذهني فكر أحيا بي ~~بعض الأمل برجوع شعورها بغتة إذ لا يبعد أن الحادثة التي سببت لها هذا الإغماء قد ~~نبهت في ذاكرتها أمرا كان لديها منسيا، فلعل هذا التذكار يجعل فيها تأثيرا ~~حسنا. # وبينما أنا كذلك إذ تحركت وفتحت عينيها ثم نظرت إلي. ولا يمكني أن أصف خفقان قلبي ~~عندما عاينت في نظرتها نورا لم أره قبلا. # الفصل الثامن # | التذكار # لقد أفاقت بولينا وجلست على فراشها بهيئة مغايرة لما كانت عليه قبلا، وجعلت ترسل ~~أسهم نظراتها الحادة مخترقة ما حولها من الجهات، ms37 ثم تململت وهي تصعد الزفرات وقطبت ~~حاجبيها، فناديتها باسمها وكررت ذلك مرارا قصد استلفات أفكارها وملافاة أحزانها ~~واضطرابها، فلم تع لكلامي ولم تنتبه لوجودي في الغرفة، ثم نهضت بغتة وخطرت نحو الباب ~~فجذبتها بلطف من ذراعها كي تعود إلى فراشها وتأخذ لنفسها بعض الراحة، ولكني ألفيت بها ~~من القوة ما أرجعني بالخيبة، فرجوتها بأرق عبارة أن ترجع عن قصدها، ولكن لا حياة لمن ~~تنادي، فتركتها وشأنها تسير حيث شاءت، وأنا أتبعها لأرى أخيرا ماذا يكون من ~~أمرها. # فزايلت الغرفة وحينئذ تبين لي أنها تقصد الباب الخارجي، فلبست للحال قبعتي وأخذت ~~برنسا ووضعته على كتفيها فاقتبلته دون ممانعة، وسارت مسرعة وأنا أتبعها حتى أفضت إلى ~~الزقاق، وعند ذلك أوصدت الباب وأخذت المفتاح بيدي ولحقت بها، فطافت بي شارع ويل بول ~~ثم عطفت إلى الجهة اليمنى منه، وابتعدت مسافة نصف ميل، وفي أثناء ذلك كنت أعيد عليها ~~التنبيه وأفهمها أن ذهابها ليس بذي أهمية، ولكني كنت كمن يضرب في حديد بارد. وإذ ~~تجاوزنا الشارع الأخير عرجت على زقاق فسيح فلم نسر به طويلا حتى وقفنا تجاه قصر ~~شاهق قد أرخى الظلام عليه سدوله فلم أر فيه نورا البتة، إنما هيئته تدل على أنه ~~مهجور، فحققت النظر في بنائه على مصباح خفيف ينير الطريق، فوجدته محتويا على ثلاث ~~طبقات كثيرة المداخل والمخارج، فبعد أن وقفنا برهة قلت لها: يا عزيزتي بولينا لقد ~~أبطأنا بالرجوع، فماذا تقصدين بوقوفك هنا؟ والظلام حالك، ولم لم تختاري سوى هذا ~~الباب من بين سائر الأبواب؟ فإذا كنت تبغين الدخول فلا يمكنك ذلك إذ هو موصد، فلنرجع ~~إلى المنزل، وفي الغد إن شاء الله تأتي فتفعلين ما تشائين. ولكنها لم تكترث بقولي، بل ~~لبثت تعالج الباب كأنها تؤمل سهولة فتحه، فتركتها تفعل ما تريد حتى إذا ما ملت ~~وضجرت من الانتظار نكصت راجعة بخفي حنين. وبينما أناجي نفسي بذلك وقد أخذني العجب ~~لمجيء بولينا إلى هذا البيت المهجور في ذلك الليل الدامس، فطنت بغتة لمفتاح منزلي ~~فأخذته وأدخلته في ms38 القفل غير آمل بنتيجة لذلك سوى الخيبة، ولكنه ما لبث أن مر به ~~بسهولة، وبأقل من لمح البصر فتح الباب. وللحال شعرت بأنه قد مسني سلك كهربائي، ~~فارتعشت أعضائي عندما فكرت بمناسبة المفتاح لذلك الباب الذي ولجته حين كنت ~~أعمى. # أما بولينا فلم تبطئ بل دفعتني ودخلت بسرعة بقدم ثابتة دون أن يعيقها الظلام، ثم شرعت ~~بالصعود على سلم فتبعتها، وكان خمس درجات فأصابتني عند ذلك قشعريرة وكأن الدم قد ~~جمد في عروقي، فتغلبت على اضطرابي وسرت إلى حيث سبقتني بولينا، وحيث ظننت باب الغرفة ~~فبلغته بلا عناء - ولا عجب من ذلك فإني زرت هذا المكان قبلا واختبرت طرقه - ولكن ~~أنى تأتى لبولينا معرفة ذلك حتى دفعت الباب حال وصولها ودخلت دون أن تلتمس لذلك ~~دليلا! أما أنا فأخرجت من جيبي نفطا كنت أستعمله للتبغ وأشعلته، فأول شيء وقعت ~~عيني عليه هو بقية شمعة موضوعة على منضدة في وسط الغرفة، فأنرتها، وللحال أبصرت ~~بولينا واقفة في منتصف الحجرة معتمدة رأسها بين يديها تتنازعها الأفكار، فتارة تطرق ~~إلى الأرض وطورا تجيل أبصارها في الغرفة بهيئة يذوب لها الجماد حزنا، فتقدمت إليها ~~وخاطبتها برقة فلم يجدني ذلك نفعا، فأخذت بيدها وحركتها مناديا إياها، ولكنها ~~لم تنتبه لوجودي أمامها، فلبثت حائرا في أمري لا أدري ما الواسطة لإيقاظ شعورها. ~~وبينا أنا بالانتظار أخذت أنقل النظر من مكان إلى آخر في تلك القاعة، فرأيت فيها ~~قليلا من الأثاث مكسوا بالغبار مما يدل على طول هجره، ثم تصورت القتيل الذي ~~سقطت فوقه في المكان الذي أنا واقف فيه الآن، ثم التفت إلى الزاوية التي عن يميني ~~فتذكرت وقوفي بها إذ أمرت بألا أتحرك أو أقتل وكيف بعد ذلك قدت إلى كرسي ~~وأسقيت المسكر. # وبينا أنا آخذ بالتذكار متلفتا من جهة إلى أخرى رأيت بابا في الجهة اليمنى من ~~الغرفة، فدنوت منه وإذا بمخدع آخر يشبه الأول وإلى إحدى زواياه بيانو قد وضع عليها ~~كتاب الأنغام، فعلمت أن من هذا المخدع قد طرق أذني ذلك النغم ms39 الشجي في تلك الليلة ~~الرهيبة، فدخلت إليه مرتعشا ولا أعلم أي قوة جذبتني نحو آلة الطرب، فجلست أمامها ~~وجعلت أوقع الأنغام التي صادفتها أمامي على الكتاب المفتوح بعد أن نزعت الغبار عنه ~~بمنديل، وإلا لما قدرت أن أميز حرفا منه. فيا للعجب أن هذه الأنغام لم تكن سوى تلك ~~التي سمعتها في ذلك الليل وأنا كفيف! وإني لكذلك إذا ببولينا هبت مسرعة ودنت من ~~الآلة، وكأني بها تريد الجلوس مكاني، فأخليت لها الكرسي ووقفت جانبا أعاين حركاتها، ~~فابتدأت بتوقيع هذه الأنغام بغاية من الدقة والإحكام، وأصحبتها بصوت رخيم ذهلت ~~لسماعه، فلم أشك بعد ذلك أن هي التي سمعتها في ذلك الحلم المريع، وصرت أتوقع وصولها ~~إلى النقطة التي قطع بها الصوت وقام مكانه الأنين. وهكذا كان فإنها لم تأت على هذا ~~النغم حتى انتفضت كعصفور بلله القطر، وقد جحظت مقلتاها ثم صرخت صوتا مرعبا كمن ~~مسه خوف شديد، وتبع ذلك أنين ضعيف ثم هوت فطوقتها بذراعي قبل وصولها إلى ~~الأرض. # ولبثت غائبة عن الصواب بضع دقائق وهي مسندة إلى صدري، ترسل أصواتا مقلقة، وقد ضاق ~~عليها التنفس، فدنوت من النافذة وفتحتها لتستنشق نقي الهواء، فانطفأ الضوء عند ~~هبوب أول نسمة منه، وكدنا نصير في ظلام تام لو لم ينجدنا مصباح آخر أسنى بهاء وأعظم ~~ضياء؛ فإن القمر كان في بدء طلوعه قد نشر أشعته الفضية على الكون، فأصاب منه وجه ~~بولينا شعاع زاد في هيئتها ذبولا وفي جمالها تأثيرا. # ولم يمض إلا القليل حتى سكن اضطرابها وانتظم خفقان قلبها، فعاد الدم إلى مجراه ~~ودبت الحرارة في جسدها المثلج، فصارت أنفاسها تعلو وتهبط بسهولة ممتزجة بالنسيم ~~اللطيف المار على محياها المصفر كأنه يريد تقبيل ثغرها الباسم بنوع من الهويناء، ~~فتسعى إليه أراقم شعرها منسابة حول وجهها الجميل كأنها تذود عن ذلك الكوثر ~~العذب. # أما أنا فطفقت أتأمل بهذا الجمال السامي وتلك الهيئة الملائكية، كيف جار عليها الزمن ~~ودهمتها طوارق الحدثان ولا ذنب لها ولا إثم؟ فكاد قلبي يتقطع لا سيما عندما ms40 افتكرت ~~أنه قد مضى عليها ثلاث سنوات وهي في هذه الحالة التعيسة، ولا ريب عندي في أنها ~~اطلعت على تلك الجريمة التي جرت في ذلك الليل المخيف؛ لأنني قد سمعتها تتأوه بما ~~يماثل فعلها الآن، ولا بدع فإنها أمسكت وقتئذ بأيد تختلف كثيرا عن الأيدي التي ~~تحيط بها الآن. فيا لهم من قوم برابرة قد وجدوا ليسلبوا الناس راحتهم وسعادة أيامهم! ~~أفتظن بعد يا سنيري أنك تخدعني؟ وأنت يا مكيري اللئيم ألم تزل مطمئن البال من عدم ~~اطلاع أحد على فظائعك، لقد ساء فألكما أيها الشقيان، فأبشرا بالعقاب فقد برح ~~الخفاء وأتاكما فوكهان يطالب بثأر من ظننتماها فقدت من الأنام نصيرا. # وبينما أنا أناجي نفسي بذلك رفعت بولينا يدها وأمرتها على جبينها ثم استوت جالسة ~~وكأنها تبحث عن شيء مفقود، فأمعنت النظر في وجهها فألفيته لم يزل على حاله مرسوما ~~عليه آيات الحزن الشديد، فقبضت على يدها قائلا: ألا تبغين الخروج من هذا المنزل يا ~~عزيزتي؟ فكان جوابها بأن نهضت متثاقلة وتأهبت للمسير، وعند ذلك تراءى لي نور سطع في ~~الغرفة المقابلة لنا وظهر فيها أربعة أشخاص منتصبين حول المائدة، منهم ثلاثة تبينتهم ~~جيدا إذ كانت وجوههم مصوبة نحوي، فالأول هو سنيري بعينه وكان شاخصا ببصره نحو رجل ~~على يمينه قصير القامة غليظها على وجهه خال، وإلى يساره ذاك الإيتالياني ماكيري أو ~~حسب زعمه أنطونيوس مارك، وأما الرابع فلم يكن لي الحظ أن أرى منه سوى عرض كتفيه. وكان ~~هؤلاء الأربعة موجهين أنظارا فائزة نحو شاب ملقى على الأرض بلا حراك وقد أغمد ~~خنجر في صدره. # فارتعدت فرائصي لهول هذا المشهد وأخذت أنظر كالمعتوه، فوضعت يدي على عيني لأتحقق بأني ~~لست أعمى هذه المرة، وأني قد أبصرت حقيقة ما طالما تاقت نفسي لرؤيته فيما مضى. ~~وأخذت بيد بولينا وسرنا نحو القاعة المضيئة ولم تطأ أقدامنا أرضها حتى عاينت ما زادني ~~ذهولا واندهاشا بل ما كدت لأجله أعترف بوجود السحر والسحرة، فإن النور قد اختفى ~~بغتة ولم يكن في ذلك المكان ms41 سواي وبولينا. وبعد هنيهة عدنا إلى الغرفة الداخلية ولم ~~يستقر بنا الجلوس حتى أعيد على نظري ذلك المشهد، ثم تكرر بعدئذ مرارا فلم يعد ريب ~~في أن ما رأيته لم يكن سوى خيالات قد صورها الوهم أمامي لما مر بي تلك الليلة من ~~الأمور المستغربة لا سيما انقياد بولينا لذاك البيت المهجور وحنينها لتلك الألحان ~~الشجية. ولا يبعد أيضا من أنها تكون قد أبصرت سابقا ذاك القتيل وعادت فتذكرته هذه ~~الليلة عندما رأت ماكيري مشهرا بيده خنجرا، فقصدت المجيء لترى مكان تلك الجريمة ~~التي عاد تذكارها المحزن لمخيلتها. # فمن هو ذاك القتيل يا ترى؟ وما العلاقة بينه وبين بولينا؟ ومن قتله؟ لا أظن الفاعل ~~سوى ماكيري، بل إنني على يقين من أن ليس سوى يده الأثيمة التي أغمدت الخنجر في صدر ~~ذاك المسكين. فإذا صح ذلك فما الفائدة التي حصلت له بارتكاب هذا الجرم وما غايته ~~بذلك؟ فسأبحث عن هذا الأمر فيما بعد، وأما الآن فمن الواجب قبل كل شيء أن أرجع ~~ببولينا إلى البيت. # فأخذت بذراعها وأشرت إليها بالذهاب، فنكست رأسها وسارت دون ممانعة، وقد عاد إلى ~~محياها البله، فسرت بها وعندما صرنا على الطريق التقينا بعربة مارة فحسبتها نعمة ~~هبطت من السماء لتساعدني على سرعة الوصول إلى منزلي. ولم تنته بنا تلك المسافة إلا ~~وتلاشت قوى بولينا، فسقطت ثانية فاقدة الشعور، فهلع قلبي خوفا على حياتها لما قاست ~~من الاضطراب، وبوصولنا استدعيت لها طبيبا ماهرا فبذل من العناية معظمها لكنه لم ~~ينجع بها دواء ولبثت على تلك الحالة كل الليل. # الفصل التاسع # | كذبة فظيعة # وابتدأت عند الصباح تفوه بكلمات متقطعة وتدعو حبيبا لها بأعز الألقاب، وكان يتخلل ~~كلامها صراخ محزن وتنهد عميق، فخفق قلبي لاستماع صوتها وخفت أن تكون قد استيقظت، ~~لكن وا أسفاه أن تلك الألفاظ لم تكن سوى هذيان ناتج عن حمى شديدة قد أصابتها كما أوضح ~~لي الطبيب! فلبثت بجانب سريرها والقلب يتقلب على جمر العذاب منتظرا أن أسمع اسمي بين ~~شفتيها، فيا لقلبي ما ms42 أشقاه، وأنا الذي سعادته تقوم باستماع كلمة واحدة تصوب إلي ~~من فمها الطاهر! يا لتعاستي، لقد ظهر لي أني رجل مجهول لديها! فمن هذا الذي كانت ~~تناديه يا ترى، أليس هو ذاك القتيل الذي شاهدته أنا أيضا؟ قلبي يحدثني أنه قضى شهيد ~~الظلم والغدر، فآه منك يا ماكيري الماكر يا من سلبت هذا الحمل الوديع السعادة انتظر ~~عاجلا جزاء ما جنته يداك فإن الله لا يهمل عقاب المجرمين، وأنت أيتها الملاك الطاهر ~~انعمي بالا وقري عينا فسوف ينتقم لك من الظالمين. # وعند ذلك أعلمت بزيارة ماكيري فتلقيته بالترحاب وقد أخفيت عنه ما يكن له صدري من ~~الحقد والغيظ، وعندما لمست أيدينا بعضها شعرت بارتعاش قد سرى في جميع مفاصلي لزعمي أن ~~اليد التي أنا قابض عليها ملطخة بدم المعصية، بل لا يبعد أن تكون هي نفس اليد التي ~~قبضت علي عنقي فيما مضى، ثم صرت أفكر بأي عبارة يجب أن أبتدره الآن، وبأي وسيلة ~~يمكن أن أستطلع منه هذه الأسرار، ولو قلنا إنه أقر بالحقيقة فكيف يمكن إثبات ~~الدعوى لدى الحكومة وقد مضى على الحادثة ثلاث سنوات؟ ثم قاطعني عن التفكر بقوله: لقد ~~أتيت لعيادة شقيقتي علما مني أنها مريضة. وكان يتظاهر أثناء الحديث بتأثير عظيم حتى ~~لا يدع للشك مكانا بكونه أخاها، ثم انتقل فجأة لحديث آخر، فقال: يسوءني أن أزعجك ~~وأنت بمثل هذه الحال، إنما للضرورة أحكام، فهل أنت مزمع بعد على معاضدتي بطلب ~~المساعدة من فكتور عمانوئيل؟ ~~- لا أفعل ما لم أقف منك على حقيقة أمور تهمني. # فانحنى باحترام قائلا: إني مستعد لخدمتك. ~~- أولا يجب أن أتحقق إذا كنت أخا لزوجتي. # فرمقني بنظر الاستغراب محاولا التبسم، وقال: هذا أمر سهل جدا، فلو كان الطبيب ~~سنيري حاضرا لنفى الشك عنك بكلمة واحدة. ~~- ولكنه أخبرني خلاف ما تدعيه. ~~- ربما فعل ذلك لأهواء في النفس أو لأنه لا يمكنه إظهار الحقيقة. أما أنا فلست أخشى ~~شيئا ويمكني أن أثبت قولي في الحال حيث يوجد كثيرون ممن يعرفون حقيقة حالي. # فقلت ms43 له متمهلا وأنا أتفرس به جيدا لئلا تفوتني ملاحظة ما يطرأ عليه من التغيير: ~~لم قتلت رجلا من مضي ثلاث سنوات في أحد منازل شارع هوراس؟ فنظر إلي بتعجب وكأني ~~به يتساءل كيف عرفت ذلك، ثم صرخ قائلا: هل بك من جنون؟ ~~- أصغ. في الساعة التاسعة من مساء العشرين من شهر آب سنة (... 176) في شارع هوارس قد ~~طعنت صدر شاب بخنجر، وللحال سقط قتيلا في غرفة اجتمعت بها مع سنيري واثنين ~~آخرين. # فأحدق برهة دون أن ينطق ببنت شفة، ثم تقدم نحوي وقبض على ذراعي، فظننت بادئ بدء أنه ~~يقصد بي سوءا، فاستعديت المدافعة عن نفسي، ولكني أدركت بعد قليل أنه يبتغي التفرس ~~بي فقط، فقلت له في نفسي: ألم تعرفني بعد؟ وهل يغير العمى الإنسان إلى درجة لا يعود ~~يعرف بها بعد أن يعود إليه بصره؟ ولكن لا، فإنه قد عرفني أخيرا لأنه ما لبث بعد أن ~~حدجني بأبصاره أن همس قائلا: الويل لهم لم لم يدعوني أتمم عملي وقتئذ؟ ثم جعل ~~يخطر في أرض الغرفة طولا وعرضا، وبعد أن سكن جأشه قليلا وقف أمامي ونظر إلي كأنه ~~غير مبال بتبرؤ نفسه، وقال: لقد صدقت فيما نطقت يا مستر فوكهان، فأنا قاتل، نعم قاتل، ~~ولا لزوم بعد للإنكار، فعلى ما يظهر لي أنك مطلع على كل شيء. فاعلم يا صهري العزيز ~~أني لم أقتل هذا الشقي إلا لأنه كان محبا لزوجتك وشقيقتي، وإذ علمت ذلك تهيج الدم ~~الشريف في عروقي ولم أتمالك أن قتلته، نعم قتلته بحضورها وبمساعدة سنيري خالها ~~وتركتها تندبه كل أيام حياتها. فهل علمت الآن معنى الكلمات التي ألقيتها إليك على ~~طريق جينوى من أنك سوف تجني ثمرة اهتمامك بمعرفة ماضي حياتها؟ # ولما أتى على هذه العبارة هجمت عليه قاصدا إعدامه، ولكنه كان قد استعد لذلك ~~ودبر طريقا للهرب إذ جعل مكانه قرب الباب، وهكذا فر من أمامي وهو يقول: إلى ~~الملتقى يا مستر فوكهان، فهذا ليس وقت الانتقام. # فصرخت: اغرب عن عيني يا شقي، فكل ms44 ما فهت به كذب وبهتان. # وبعد ذهابه شعرت أن هواء الغرفة قد فسد من أنفاسه الدنسة، فهرعت لمخدع زوجتي وجلست ~~قرب سريرها، وأصغيت لكلماتها المتقطعة، فإذا هي لم تزل تردد أحب الألقاب لذلك الشخص ~~الذي أحاول معرفته والذي نسب إليه ماكيري تلك الكذبة الفظيعة. # فلا شك أن هذه حيلة عمد إليها ليبرئ ساحته أو لينتقم مني لأني تزوجت بولينا بينما ~~كان يحبها حسب زعم سنيري، ولكن كيف كان الحال فلا يمكنني أن أطرد كلامه من ذهني، وسوف ~~أتجرد من الراحة والسلام كل أيام حياتي. آه، من لي فيطلعني على حقيقة هذه الأسرار ~~الغامضة ويخلصني من عذاب أليم! انهضي يا حبيبتي بولينا وانزعي عنك جمودا يدمي فؤادي ~~واقرني جمال هذه العيون بنظر صادر عن تعقل وحكمة ومني علي بقولك: «إني بريئة.» ~~فأسكب إذ ذاك دموع الفرح على أقدامك، وأكون من أسعد البشر. # الفصل العاشر # | في البحث عن الحقيقة # ومضى علي عدة أيام وأنا أتقلب على فراش الأحزان لا يهنأ لي عيش ولا يهدأ لي بال، ~~وأخيرا عولت على اللحاق بسنيري لأني فكرت أنه الشخص الوحيد الذي أقدر أن أستوضح ~~منه هذا السر الذي كما أظن لا يعلمه سوى ثلاثة أشخاص منهم ماكيري الشقي الذي بارح ~~إنكلتره ثاني يوم وقوع تلك الحادثة، وتيريزا التي لم تقع عيني عليها منذ اقترنت ~~ببولينا، وسنيري القاطن سبيريا، فمهما كانت المسافة بيني وبينه شاسعة وأتعاب السفر ~~شاقة لا بد لي من الذهاب والاجتماع به فأستطلع منه ما أمكن ولا أرجع هذه المرة ~~خاسرا، والويل له إذا أصر على الكتمان. # فبعد أن فكرت طويلا بهذا السفر رأيت به من الصعوبات يرجعني عن عزمي ويثبت لي أن ~~النجاح مستحيل، ولكن ما العمل وكيف يمكنني احتمال هذه الحال، وكلمات ماكيري تهشم قلبي ~~بأنياب أحد من السنان، فلا بد لي من مقاومة المصاعب، وأخيرا سوف تبدد كلمات ~~الطبيب عن عيني غيوم الشك، فإما أن تدحض دعوى ماكيري أو تحكم علي الشهامة ~~بانفصالي عن بولينا إلى الأبد. # فقصدت عند ذلك صديقا ms45 لي مقربا من الرجال العظام وأصحاب المراكز السامية، فأظهرت له ~~شدة احتياجي للسفر وافتقاري لمساعدته، فأتحفني بكتاب إلى سفير إنكلتره في بطرسبرج ~~يطلب منه أن ينظر إلي بعين الالتفات ويساعدني في قضاء حاجتي. ثم أوصيت خادمتي ~~بريسلا أن تسهر على راحة بولينا وتعتني بها كثيرا حتى إذا نقهت من المرض لا تفتر عن ~~الذهاب بها إلى أماكن النزهة، وأوصيتها أيضا بألا تذكر اسمي لديها البتة، وإذا ~~أكثرت من السؤال عني فلا تقول لها سوى أنني أحد أنسبائها، وقد أتيت بها من مدة وجيزة ~~وسأعود إليها قريبا فعسى أن تقتنع منها بهذا الكلام، وتلبث مطمئنة لحين رجوعي. وقد ~~طلبت إليها أن تكتب لي عنها دائما، وبت تلك الليلة قلق البال، وفي عزمي أن أسافر ~~في صباح اليوم التالي. # وعند الساعة السادسة صباحا كنت قد هيأت أمتعتي وكل احتياجاتي أثناء السفر ولم يبق ~~علي سوى وداع بولينا ومشاهدة وجهها المحبوب، فدخلت حجرتها بقلب خافق ونظرت إليها ~~بأعين ملأى بالدموع، فإذا هي ملقاة على السرير ورأسها مائل فوق وسادة تقل بياضا عن ~~بشرتها الناصعة يفصل بينهما حلقات شعرها الحريري مسترسلة على كتفيها وصدرها الخافق ~~بأنفاس هادئة. وكأني بها تقول وهي بتلك الهيئة الملائكية إنني لست شاعرة بثقل الذنوب ~~التي اتهمت بها، ولذا تراني لا أعبأ بأقوال المنافقين، ولقد ترديت من الطهارة ~~دروعا تدفع عني سهام الماكرين. أجل لم يتراءى لي سوى تلك الكلمات مسطورة بين شفتيها، ~~فلو قام الناس بأجمعهم يشهدون بصحة دعوى ماكيري لما أمكن أحد منهم أن يحل مني مكانا ~~للشك ببراءتها، ومع ذلك فلا بد لي من الذهاب إلى سبيريا، وهكذا عولت على الخروج دون ~~أن أوقظها وأتزود نظرة أخيرة من تلك العينين النجلاويين؛ لأني لم أحسب نفسي إذ ذاك ~~سوى رجل غريب عنها. # ولقد أدركت من نفسي خطأ عظيما بدخولي حجرتها وامتثالي لديها، فلذلك وجب علي ~~الرضوخ لحكم الآداب، فلا تقع أنظارنا على بعضها قبل أن يماط عن وجه الحقيقة ~~النقاب. # وحينئذ حولت بوجهي نحو الباب وقصدت مزايلة المكان، ms46 فلم أخط خطوة حتى سقطت جاثيا ~~بجانب سريرها وانحنيت على يدها أقبلها باحترام، فتململت قليلا وارتعش جفناها. أما ~~أنا فأسرعت بالفرار من الغرفة خوف أن تستيقظ فتراني على تلك الحال ، وكنت إذ ذاك كمذنب ~~قد شعر بخطئه. # وفي اليوم الثاني كنت بعيدا عن الوطن محروما استنشاق هواء عطرته بولينا ~~بأنفاسها، لا تعزية لي سوى التعلل بالآمال ولا شاغل إلا التفكر بما ستئول إليه ~~الحال، فكنت تارة أتوهم وصولي لسبيريا ومشاهدتي سنيري مسجونا مهانا ينظر إلي ~~بانكسار وكأنه يصادق على كلام ماكيري بقوله: «لقد خدعتك فانتقم مني.» وتارة كنت أراه ~~بحالة الغضب الشديد يتوعد ماكيري بالقصاص الرهيب مقابلة لكذبه الفظيع ثم يقول: «لا ~~تيأس فستتضح لك الآن براءة بولينا حين أطلعك على هذه الأسرار.» ومن ثم أرجع إلى ~~حيث تركت امرأتي المحبوبة، وأي سرور يشمل قلبي إذا وجدتها متمتعة بصحة الجسم والعقل ~~معا. # ثم وصلت إلى بطرسبرج ووضعت أمتعتي في أحد الفنادق وذهبت توا إلى ذلك السفير، وبعد ~~أن عرفته بنفسي قدمت له كتاب صديقي، فلم يتم قراءته حتى نظر إلي بابتسام، وأظهر ~~رغبة عظيمة في مساعدتي، ولكنه حتم علي بوجوب الانتظار بضعة أيام ريثما ترتاح البلاد ~~وتخمد منها نيران الفتن. # فشكرته من صميم قلبي ثم ودعته وقصدت الانصراف، فاستوقفني قائلا: من هو هذا السجين، ~~وماذا تقصد من لقائه؟ ~~- سيدي لا أعرف شيئا عن هذا الرجل سوى أنه طبيب إيتالياني من رجال السياسة يعرف ~~باسم سنيري، وليس قصدي من لقائه إلا أن يجيبني على بعض أسئلة مهمة لدي سأقترحها ~~عليه. ~~- سنيري، ما من أحد من الذين سجنوا مؤخرا يدعى بهذا الاسم؟ ~~- إلهي، هل يمكن أن أخدع ثانية. ~~- ألا تعرفه بالنظر يا مستر فوكهان؟ ~~- نعم إني أعرفه جيدا. ~~- إذن لا تيأس من وجدانه لأنه إذا أمكنه إبدال اسمه فلا يمكنه تغيير هيئته، أما الآن ~~فبقي علي أن أوصيك بالمحافظة على شرائع هذه البلاد التي تختلف كثيرا عن شرائعنا ~~نحن الإنكليز، فإنك إذا نطقت بأقل كلمة دون ترو تكون قد سعيت إلى حتفك ms47 ~~بظلفك. # فوعدته بذلك بعد أن أبديت له شكري وامتناني لإرشاداته، وودعته وذهبت إلى النزل حيث ~~لبثت مدة أسبوعين أعلل النفس بالأماني، وأخيرا حصلت على رقعة يدعوني بها إليه، ~~فأسرعت بالذهاب وبعد أن تبادلنا التحية، قال: لقد أسعدك الحظ يا مستر فوكهان، فكل شيء ~~قد تم ويمكنك منذ الآن أن تسافر إلى سبيريا مصحوبا بتوصية تجعل الكبير والصغير ينظر ~~إليك باحترام. # ففاض لساني بشكره وشعرت من نفسي بالعجز عن إظهار فضله، ثم قال لي: إن القيصر يدعوك ~~إليه فهو يود مشاهدة الرجل الذي قصد هذا السفر الطويل بقصد إلقاء بعض الأسئلة على أحد ~~المسجونين. # فساءني هذا التعاكس لما أنا عليه من الاجتهاد بسرعة السفر، وكنت أتمنى كثيرا أن أرفض ~~هذا الشرف، ولكن عندما رأيت أن لا مناص لي من ذلك ذهبت مع السفير وفي نيتي أن أبذل ~~الجهد في تقصير الزيارة، وبدقائق قليلة وصلت بنا العربة إلى باب كبير تحف بجانبيه ~~الحرس ويليه باحة الدار الخارجية المزدانه بتماثيل بديعة الإتقان محكمة الوضع تحيط ~~بها حديقة غناء قد حوت من الأزهار أجملها ومن الأشجار المثمرة أشهاها، ثم صعدنا ~~سلما قد كسيت درجاته بالطنافس الثمينة وجانباه مغشيان بالذهب الخاص. ~~فاستوقفتني هذه المناظر برهة، ولم أنتبه لنفسي حتى أومأ لي قائدي بالدخول إلى القصر، ~~فتبعته وإذا بي واقف في دار فسيحة الجوانب مزينة بالنقوش البديعة والصور الجميلة قد ~~رصعت جدرانها بأنواع الحجارة الكريمة وغشيت أرضها بأصناف المعادن الثمينة، أما ما ~~فيها من حسن الرياش فحدث عنه ولا حرج. فأخذني العجب والاندهاش مما رأيت وعاينت من تلك ~~المناظر التي لم أتصور نظيرها قبلا. # ثم دخلنا قاعة جميلة فيها أيضا من الزخرفة والزينة ما يبهر النظر ويأخذ بمجامع ~~العقل، وفي صدرها القيصر إسكندر الثاني إمبراطور روسيا جالس على عرش مرتفع، وهو رجل ~~طويل القامة عريض الصدر جميل المحيا، تلوح على جبينه لوائح النجابة والذكاء، وفي ~~نظراته من الرقة والرزانة ما يجعله محبوبا من كل من يراه، فقدمني إليه السفير معلنا ~~اسمي لدى جلالته، فرمقني بعين الحنو ms48 والابتسام، وأما أنا فتقدمت إليه خافضا رأسي ~~احتراما لشخصه العظيم منتظرا أوامره السامية. # فكلمني بالإفرنسية قائلا: بلغني أنك مستعد للذهاب إلى سبيريا يا مستر فوكهان. ~~- إذا أذنت لي جلالتكم بذلك . ~~- بقصد أن ترى أحد المسجونين أليس كذلك؟ # فأجبت بالإيجاب. ~~- ولكن ماذا يلجئك لقطع هذه المسافة وتحمل مشاق هذا السفر الطويل؟ أهو صديق ~~لك؟ ~~- مولاي، لا أعلم إذا كان صديقا لي أم عدوا، ولكني أعلم جيدا أن سعادتي وسعادة ~~زوجتي في قبضة يده. # فتبسم عند ذلك، وقال: إنكم معشر الإنكليز تحسنون معاملة نسائكم، فاذهب على الطائر ~~الميمون وستحصل مني على أمر يدفع من طريقك العقبات ويسهل لديك المسير. # فانحنيت شاكرا، وانصرفت على أمل ألا أرى ما يعيقني عن بلوغ المرام. # وبعد ثلاثة أيام تناولت كتابا من بريسلا تخبرني أن بولينا متمتعة بصحة جيدة، وهي ~~منتظرة بفروغ صبر صديقها المجهول، وأنها لم تزل على حالها من ضعف الشعور، وتلهج ~~دائما بذكر جريمة حدثت قديما، وهي تنتظر من العدالة محاكمة الجانين، وأنه قد تراءى ~~لها بحلم وهي مريضة أن رجلا مجهولا مطلعا على أسرارها يطالب بحقوقها. # فشعرت عندئذ بخفقان قلبي وإحياء آمالي، فزال عني بعض الكروب؛ لأني استوضحت من كلمات ~~بريسلا أن بولينا أخذت تذكر رويدا ما مر عليها فيما مضى. # ثم إن هذه هي المرة الأولى التي أظهرت بها استغرابا لوجود خاتم العقد في بنانها، ~~فكأنها لم تره قبلا وجعلت تديره بيدها مرارا بعد أن سألت بريسلا من أين أتاها؟ ~~فقالت: لا أعلم. فبهتت برهة متفكرة، فسألتها: ما بك يا عزيزتي؟ فنظرت إليها باسمة، ~~وقالت: أحلام، أحلام، أجهد نفسي بتذكارها. # فبعد تلاوة التحرير وددت لو أني أطير إليها، لكني تصبرت أخيرا، ورأيت أن لقاء سنيري ~~لمن أهم الأمور، حتى إذا ما تمكنت من الرجوع أكون على ثقة ممن أوقفت لها حياتي وأتأكد ~~أنها أنقى من ذهب ذلك الخاتم وأصفى سريرة من حجارته الكريمة. # بولينا. بولينا. يا عزيزتي بولينا، يا امرأتي المحبوبة، أبشري فسوف يصفو لنا الزمان ~~ويطيب لنا العيش. # الفصل الحادي عشر ms49 # | جهنم على الأرض # وفي اليوم الثاني بارحت مدينة بطرسبرج قاصدا موسكو، فوصلتها بدون عناء، وقد ساعدني ~~بذلك الأمر الذي أنا حاصل عليه من جلالة القيصر. # فأقمت فيها زهاء يومين، ثم ذهبت إلى نيجني نوفو كورد بعد أن صحبت معي دليلا يعرف تلك ~~الأنحاء، وبعد أن تهيأت لنا أسباب السفر شخصت مع رفيقي على باخرة إلى كازان ثم نهر ~~كاما، فاجتزناه بقارب صغير ودخلنا أشهر مدينة في بيرم بعد أن صرفنا نحو خمسة أيام على ~~وجه الغمر. # وقد صرنا الآن على وشك الخروج من قارة أوروبا، ولم يبق علينا سوى بضعة أميال لنقطع ~~جبال أورال الحاجبة عنا آسيا. # فاكترينا عربة يجرها ثلاثة من جياد الخيل، فسارت بنا وهي تنهب الأرض ركضا، ولم ~~نصادف على الطريق ما يستحق الذكر، وعند المساء حللنا في فندق للمسافرين فرأيت تجاهه ~~عمودا مرتفعا فسألت الدليل ما معنى ذلك؟ قال: إن أحد أمراء الروس يدعى «برماك» ~~أقامه للمسافرين، فحققت به النظر وإذا مكتوبا عليه لجهة الغرب أوروبا وإلى الشرق ~~آسيا، فبت ليلتي بين القارتين وكنت أفكر في بعد المسافة بيني وبين بولينا قائلا ~~لنفسي: هل يتسنى لي الرجوع يا ترى فأراها؟ ثم جددت المسير في اليوم الثاني قاصدا ~~توبلسك، وكان علي أن أنتظر هناك ريثما يرخص لي الحاكم بالذهاب. # غير أن كلمات القيصر القليلة جعلته ينظر إلي باحترام، فأعطاني كتابا إلى قائد ~~الحرس في إيركتسك واسمه فارلاموف ورقعة مرور، فشكرته ورمت الذهاب، فلم يخل طريقي ~~بل طلب إلي أن أتناول الغذاء معه، فاعتذرت أولا بعدم إمكاني، ولكنه ألح علي ~~بذلك، فأجبت سؤله عن غير طيبة خاطر. # وعندما انتهينا من الأكل أحضر الشاي بآنية كبيرة جدا حتى إني لم أقدر أن أتصور ~~معدة تسع كل ما فيها، ومع وفور الكمية كانت حارة جدا لدرجة لا تكفيها نصف ساعة ~~لتلطيفها. # فنهضت عندئذ عن المائدة والتمست من الحاكم عذرا بعدم مقدرتي على مشاركتهم هذا الحظ ~~الأخير لما أنا عليه من الشوق لسرعة السفر، ثم ودعته وذهبت ولساني ينطق ~~بشكره. # وبعد ms50 ذلك سمعت من أهالي البلاد أن بعضهم يستعملون الشاي وقت الأكل ممزوجا بدماء ~~الحيوانات، فشكرت الله لأني لم أذقه، وكنت أود أن أكون خالي البال فأستقصي عوائد تلك ~~البلاد الغريبة ، ولكن الضرورة ألجأتني لمبارحتها حالا. فذهبت إلى تاره ثم كنسك ~~وكوليفيان ومنها إلى كرسونياك وإرنسك، وأخيرا وصلنا إيركتسك وفيها نهاية سفري. وهناك ~~سألت عن فارلاموف، فقيل لي: إنه ذهب بالمسجونين إلى خارج البلدة لكي يتعاطوا الأشغال ~~العادية، وسيعود غدا الساعة الرابعة بعد الظهر، فلم يكن أسهل لدي من الانتظار لما ~~أنا عليه من التعب. # وفي اليوم الثاني بلغني وفود المسجونين فنهضت مسرعا إلى السجن، وهناك شاهدت الرئيس ~~فإذا به شاب ممتلئ الجسم خفيف الحركة ذو أعين وقادة وجبهة مرتفعة، يستر قسما من ~~جبينه قبعة بيضاء مستطيلة الأطراف ومرتديا أثوابا عسكرية وعلى جنبه سيف عريض. ~~وبالجملة فهيئته تدل على الأنس والشهامة، فحييته بالإفرنسية، فرد تحيتي ببرودة ~~دون أن يرفع إلي بصره، فانتظرت برهة ريثما فرغ من أشغاله وناولته الكتاب، فلم ينه ~~قراءته حتى نهض إجلالا وقدم لي كرسيا ثم تبغا، وقال: إن هذا الكتاب يدفعني إلى ~~بذل الجهد لمساعدتك، فأي خدمة تريد؟ فأخبرته أن قصدي لقاء رجل يدعى سنيري، فتبسم ~~قائلا: إنه يندر وجود من يصرح باسمه الحقيقي بين المسجونين. ~~- إذن فما العمل لأن أراه. ~~- هل تعرفه بالنظر؟ ~~- نعم، جيدا. ~~- اتبعني إذن لنبحث عن ضالتك. # قال ذلك وتقدم بي نحو الباب وهو يرسل من فيه الدخان كغيوم متلبدة لا تلبث أن تلعب ~~بها أيدي الرياح فتبددها، ثم نادى أحد الغفراء وأمره بإحضار مفاتيح أبواب السجن، ~~فأطاع، وللحال دخلنا بابا صغيرا فإذا بممر طويل أشبه بمغارة لا ينفذ إليه إلا ~~قليل من النور، هواؤه فاسد وأرضه مكسوة بالأعشاب وجدرانه مغطاة بالعناكب، فعندما ~~أتينا على آخره تقدم الحارس وفتح بابا آخرا، فدخلنا دارا مظلمة تحيط بها غرف فارغة ~~تنبعث منها رائحة العفن، فكادت تزهق روحي، ثم فتح أيضا باب تبين أن وراءه فضاء، ~~فهرولت مسرعا بالخروج قدر إمكاني، ولم تطأ رجلي ذلك المكان ms51 حتى وقفت مبهوتا وجعلت ~~أجيل أبصاري من جهة إلى أخرى بقلب يقطر دما لحالة أولئك المنكودي الحظ لأني رأيت ~~أشخاصا مختلفي الهيئات والأجناس متجمعين فرقا وكل منهم مشغل بأمر، فبعضهم يضحكون ~~ويلعبون ويمرحون وبعضهم يقذفون بأنواع الشتائم، ويتفوهون من وقت إلى آخر بكلمات تشمئز ~~لسماعها النفوس الأبية، وقد تأثرت من ذلك المشهد المريع وتلك الأصوات التي كان ~~يخالطها رنة القيود والسلاسل. وبالجملة فإن ذلك السجن ومن فيه كان لدي بمثابة جهنم ~~على الأرض، وكنت أقول لنفسي: ألا يستطيع هؤلاء المساكين الهرب. ثم سألت القائد سرا ~~عن هذا السؤال، فأجابني بأن كثيرين قد حاولوا الإفلات وذلك عندما يرسلون لأعمالهم، ~~ولكن لا يلبثون أن يعودوا على أعقابهم بالخيبة إذ يجبرون على المرور بطريقهم في مدن ~~سبيريا، فيرجعهم الحرس المنتشر في كل الأصقاع، ويكون جزاؤهم مضاعفة الأشغال. # ثم أومأ لي بالمسير، فتبعته وأنا أتأمل بتلك الوجوه، فما كنت أرى للطبيب أثرا، فجزعت ~~جزعا عظيما وكدت أحقق أن أتعابي ذهبت ضياعا لو لم تقع عيني بغتة على رجل في زاوية ~~المكان منفرد عن الجميع ورأسه منحن فوق صدره بما أخفى عني وجهه، فدنوت منه ولمست ~~كتفه بلطف، فانتبه لنفسه ورفع رأسه المرسوم عليه آيات الحزن ونظر إلي بأعين ضعيفة، ~~فتأملته جيدا وإذا به «مانويل سنيري». # الفصل الثاني عشر # | من هو؟ # وما لبث أن تغيرت نظراته فحملق بي هاتفا: مستر فوكهان في سبيريا؟! # فقلت بصوت ثابت: نعم أنا هو، وقد أتيت من إنكلترا لكي أراك، ثم التفت إلى فارلاموف ~~قائلا: لقد حظيت بلقاء من أجد وراءه، فأجاب: إنه يسرني ذلك، ولكنك لا تقوى على ~~الوقوف هنا طويلا لرداءة الهواء وخبث الرائحة، فيمكنك أن تذهب به لغرفة أحد الضباط ~~حيث تبتعد عن هذه المناظر القبيحة. ثم أمر الحارس أن يرشدنا إلى حيث قال، فذهبنا من ~~باب أدى بنا إلى حديقة مستديرة ومن حولها غرف عديدة، فدخلنا إحداها وكانت عارية ~~تقريبا ولكنها نظيفة، فجلست على مقعد بال وابتدرت سنيري بهذه الكلمات: أتيت من سفر ~~طويل جدا وتحملت ms52 مشقات كثيرة كي أراك يا مستر سنيري. ~~- ولكنك ستعود قريبا، وأما أنا فلا أمل لي بالرجوع البتة، فما أطول سفري! # وكان يتكلم بلهجة محزنة وينظر إلي بتذلل، فتأثرت جدا لا سيما وقد ظهر على وجهه ~~نتيجة عذاب تلك المدة التي قربته من الشيخوخة عشر سنين. # فقلت: ربما أنا الآخر لا أرجع أيضا، ويمكنك أن تتحقق صعوبة مركزي من مجرد مشاهدتك ~~إياي في سبيريا. # فزفر زفرة طويلة، وقال: هل أنت المستر فوكهان؟ نعم أنت هو، ولكن من وأين أنا؟ هل هذه ~~مدينة لندره أو جينوى أو مكان آخر؟ هل أستفيق يا ترى وأرى أن كل تلك الأتعاب التي ~~تحملتها كانت حلما؟ # فحزنت لكلماته الجارحة، وقلت: كنت أود أن يكون كذلك. ~~- ألست أنت أحد أصحابي؟ أولم تأت لتخلصني من ربقة الأسر؟ ~~- حبذا لو أمكنني ذلك، إنما مجيئي لم يكن بهذا الصدد، بل لأستوضح منك أمورا لا ~~يعلمها سواك. ~~- قل ما بدا لك. ~~- هل تعدني أنك تتكلم الصدق؟ ~~- لم لا، وممن أخاف، وماذا أرجو بعد من الحياة؟ ~~- فأول ما أريد أن تعلمني من هو ماكيري؟ ~~- فارتاع لذكره وارتعش، ثم صرخ بملء صوته: خائن، خائن. ولأجله أود التخلص من سجني ~~فآخذ بثأري ممن سلمني ... آه، ليته الآن حاضر هنا عوضا عنك، فكنت مع ما بي من ~~الضعف أجد من نفسي قوة تكفي لأن أضغط بيدي على عنقه ولا أتركه وفيه رمق من ~~الحياة. ~~- دعنا من هذا الآن، وقل لي ما اسم ماكيري الحقيقي؟ ~~- لا أعلم له اسما آخر فهو رجل إيتالياني أرسله أبوه إلى إنكلتره خشية أن يسقط من ~~اعتبار والديه بأعماله المنكرة، فاتفق أني رأيته بينما كنت باحتياج لرفيق نظيره، ~~وقد قاتل عني كبطل، ودافع عني بحرارة، ولكنه عاد فخانني، فلم تسألني؟ ~~- لأنه ادعى بكونه شقيق بولينا. # وعند ذلك انقلبت سحنته وجحظت مقلتاه، ثم تململ وهو في مكانه وقال: شقيق بولينا؟! ~~ليس لها أخ البتة. ~~- فلم قال ذلك، وأن اسمه أنتونيس مارك؟ ~~- آه، انتونيس مارك، شقيق بولينا، ماذا يقصد بهذا القول؟ أخبرني حالا. ms53 ~~- هو أن أساعده باسترجاع ما صرفته أنت من ثروة بولينا شقيقته. # فتبسم بمرارة، ثم قال بهدو: قد اتضح لي كل شيء، فيا له من ماكر لئيم! لقد خان ~~بدسائسه قوما ربما كانوا قادرين أن يقلبوا مملكة، وذلك لكي يسلمني ليد العدالة ... ~~الويل له من غادر ... آه، اعف عني يا أنتونيس ... ويلي أنا الأثيم، لم لم أقتل في ~~تلك الساعة؟ ولم سمحت يا إلهي بعذاب الأبرار؟ # وبعد سكوت قليل قلت له: سوف تسمع مني ما يزيدك دهشة، ولكن أخبرني أولا: ألم تكن ~~بولينا مقيدة بحب أحد الأشخاص قبل أن أقترن بها؟ ~~- لا، إنما ماكيري كان يتودد إليها، ولكنها لم تحفل به. ~~- ولا بغيره؟ ~~- لا، وإني على يقين بأنها كانت حرة الفؤاد، وفوق ذلك فهي كريمة النفس، مهذبة ~~الأخلاق، قويمة المبدأ، نقية القلب، ولو لم يفاجئها ذلك المرض لكنت أقول إنها أحسن ~~امرأة وجدت على وجه البسيطة كما وأنك أسعد رجل بحصولك عليها. ~~- ولكن ستجد الآن بأن نتيجة خداعك كان وبالا علي وعليها. # وعند ذلك شعرت بأن احتقاري الشديد لسنيري قد تجدد بي، ولكنني لم أرغب بالانتقام منه؛ ~~إذ إن كذبة ماكيري أضحت كالشمس في رابعة النهار، وتأكدت أن بولينا لم تكن سوى آلهة ~~العفة، وأني سأعود وأرى ذاك الوجه الجميل المرسوم عليه شارة الطهارة، ولكن فاتني ~~معرفة ذلك القتيل الذي بسببه فقدت بولينا الإدراك والعلاقة التي بينها وبينه. # فقلت له: إني أسألك عن ذاك الشاب الذي قتله ~~ماكيري بمساعدتك وبحضور بولينا، من هو، وبماذا استحق القتل؟ فامتقع وجه سنيري وأمال ~~رأسه إلى الوراء حتى كاد يلطم بالجدار، وبدأت أنفاسه تتصاعد بسرعة، ولبث برهة على ~~تلك الحال دون أن يحاول إنكار ما اتهم به، فأعدت القول: لم لا تتكلم؟ إني عالم بتلك ~~الحادثة، فقد كنت مجتمعا مع ثلاثة أشخاص حول مائدة، وإلى يمينك ماكيري وإلى يسارك ~~رجل آخر على خده خال، وفي زاوية الغرفة قرب الباب كان ذاك الشاب الذي قتله ماكيري ~~ممددا، وفي الغرفة الثانية كانت بولينا توقع لحنا على البيانو، ms54 ثم توقفت بغتة ~~في الوقت الذي سقط فيه الشاب قتيلا، ألم أحسن لك الوصف؟ وكان ينظر إلي أثناء حديثي ~~باندهاش عظيم حتى إذا انتهيت جعل يلتفت إلى ما حوله، ثم وجه نظره نحو الباب كمن ~~ينتظر دخول أحد. # وإذ لم أحصل منه على جواب، قلت له: أخبرني عن اسم الرجل وما هي علاقته مع بولينا. ~~فأجفل من كلامي وحدجني بأعين متوقدة، وقال: لماذا تسألني؟ لا شك أن بولينا قد عاودتها ~~قوة الإدراك، فأطلعتك على ما أنت عالم به، فلم جئت تعذبني؟ دعني وشأني. فزوجتك ~~تخبرك ذلك، وحسبي ما أنا عليه من التعاسة. ~~- إنها لم تزل فاقدة الشعور، ولم أستفد منها حرفا مما قلته. ~~- إذن كيف أتيح لك معرفة هذه الأسرار، فأنا على يقين من أمانة تيريزا وسكوتها، ~~وبيتروف قضى نحبه والآخر دهمه الجنون، وماكيري يستحيل عليه الإقرار لكونه ~~القاتل. ~~- ولكنك غفلت عن شخص آخر سوى الذي ذكرتهم. # فنظر إلي بإمعان، وقال: نعم لقد وجدنا رجلا غريبا في تلك الليلة الهائلة ولكنه لم ~~ير شيئا، وكان أجمع رأي رفاقي على الفتك به، ولكني نهيتهم بعد أن أثبت قولي ~~بالامتحان كونه أعمى. ~~- إني أشكرك لذلك. ~~- أنت تشكرني؟! ولماذا؟ ~~- لأني صرت مديونا لك بحياتي. ~~- أأنت هو ذاك الأعمى؟! ~~- نعم. # فنظر إلي بانتباه، ثم قال: لقد علمت الآن كيف تأتى لذاكرتي رسمك منذ زمان طويل، ~~وكنت دائما أسأل نفسي عن سبب ذلك فلا أهتدي للصواب، ولكني أراك تبصر الآن، فهل كنت ~~مغشوشا حينما تحققت عماك؟ ~~- لا، لقد كنت أعمى فشفيت. ~~- إذن من أعلمك بتفاصيل الحادثة؟ ~~- أخاف أن أخبرك فلا تصدقني. # فنهض وجعل يخطر في أرض الغرفة ذهابا وإيابا حتى ملأ الفضاء برنة قيوده ودمدم ~~قائلا: «ما من خفي إلا ويظهر.» ثم نظر إلي وقال: لقد صرت أصدق كل ما يختص بتلك ~~الليلة المريعة التي لا يفارق ذكرها مخيلتي ... لقد تحملت عذابا شديدا، ولكنه غير ~~كاف لأن أكفر عن ذنوب اقترفتها، فليت بإمكاني أن أنفعك بأمر ما تعويضا عما ألحقت ~~بك من الأتعاب. ~~- إنك لتنفعني ms55 إذا أجبتني على هذا السؤال، ولكني أستحلفك بالشرف وبكل ما هو عزيز لديك ~~أن تصدقني المقال. # فظهر على شفتيه تبسم السويداء، ونظر إلي بإنكسار وقال: أي «شرف» تعني؟ ولكني أعدك ~~بإظهار الحقيقة، فعجل بالسؤال. ~~- لقد أخبرني ماكيري أنه قتل ذاك الشاب دفعا للعار، وذلك لأنه كان مشغفا ببولينا. ~~زوجتي ... # فاحتدم سنيري غيظا، ورفس الأرض برجله، وانتصب واقفا وعيناه تقدح شرارا، وصرخ ~~بصوت عال: يا لك من شقي يا ماكيري! لا تظن أن الله يتغافل عن معاقبتك، فلا بد لك ~~من أن تشاركني هذه البلية آجلا أم عاجلا. وبعد ذلك عاد فجلس مكانه وساد السكوت في ~~الغرفة، ثم حول وجهه الشاحب نحوي ونظر إلي بأعين مغرورقة بالدموع، وقال: إن ذاك ~~القتيل الذي سقط بيد ماكيري لم يكن سوى أخا بولينا ... ابن شقيقتي ... أنتونيس ~~مارك. # الفصل الثالث عشر # | الإقرار # وبعد أن لفظ سنيري هذه الكلمات ستر وجهه بيديه، وجعل يذرف الدموع السخنة، وأنا شاخص ~~إليه أردد في ذهني ألفاظه الأخيرة. ثم سألته أن يقص علي كل ما يتعلق بتلك ~~الحادثة المشئومة. # فاستوى جالسا ومسح بكمه العبرات المنحدرة على خديه، وقال: ولدت من أبوين ~~إيتاليين، وكان لي شقيقة بارعة الجمال، فهام بها أحد أشراف الإنكليز الموسرين واسمه ~~مارك، فتقدم من والدي لطلب يدها، فلم يجيبا أولا طلبه لاختلاف الأهواء وتضارب ~~العوائد بين الإنكليز والإيتاليان. ولكن عندما رأيا أن فتاتهما تميل إليه كل الميل ~~ولا ترتضي بعلا سواه، منحاها حق الاختيار، فاقترنت به، ثم ذهبا إلى إنكلتره مسقط ~~رأسه. # ومضى عليهما عدة سنين وهما في أرغد عيش وأحسن حال، ثم توفي زوجها عن ولدين وهما: ~~أنتونيوس وهو في الثانية عشرة، وبولينا في العاشرة من العمر، وقد أوصى لزوجته بجميع ~~ما ملكت يداه. # أما هي فعندما فقدت زوجها المحبوب لم يعد لها أرب بالسكن في أرض ضمت عظامه، فعادت ~~إلى إيطاليا وانضمت إلى الأهل والأصدقاء، فصادفت بينهم كل ترحيب وإكرام، وكانت تميل ~~إلي بنوع خاص وتستحسن كل الأعمال التي أبديتها، فأطلعتها ذات يوم على مقاصدي ms56 ~~السياسية وأني عضو في جمعية سرية يترأسها غاريبالدي الرجل العظيم وزير فرنسا، وأن ~~غاية هذه الجمعية ليس إلا المدافعة عن إيطاليا، وبذل النفس والنفيس في سبيل حريتها ~~وجعل حكومتها جمهورية ، فاستصوبت أفكاري ووعدتني بالمساعدة متى حان الوقت، غير أن ~~حزنها الشديد أنهك قواها وأذبل زهرة حياتها، فلحقت بزوجها وذلك بعد موته بأشهر قليلة، ~~وقد سلمتني ثروة ولديها وعهدت إلي في تربيتهما على المبادئ الإنكليزية بحسب وصية ~~زوجها الأخيرة. # وبعد وفاتها أرسلت الولدين إلى مدارس كلية في إنكلتره، فكانا يصرفان معظم السنة ~~هناك، ويأتيان إيطاليا أيام العطلة، ولذلك لعدم وجود أصدقاء يأنسان بهم. فتمكنت ~~منهما طباع الإنكليز وعوائد الإيتاليان معا. أما أنا فلم أنكث بوعدي لشقيقتي، ولا ~~حنثت بيميني، بل كان دأبي الاهتمام بولديها والمحافظة على أموالهما إلى أن أزفت ~~الساعة التي بها وقعت إيطاليا في ضيق وعسر مالي هددها بالخذلان والذل والقهر. # فلم يعد بإمكاني إمساك الدراهم عن الجيوش المستغيثة بأهل الغيرة ومحبي الوطن، فأنفقت ~~الألوف من ثروة ولدي شقيقتي في هذا السبيل، ولم أبق سوى دريهمات قليلة تكفيني إلى ~~أن يبلغا سن الرشاد، وقد فعلت ذلك دون أن أجاهر به لدى أحد من الناس، ورفضت جميع ما ~~استحققت من الوسامات وألقاب الشرف من رئيس الحزب الذي كنت أقاتل معه بحمية لأني ~~لم أحسب ذلك إلا فرضا واجبا على كل وطني، فلو قدر أن أقتل حينئذ وانتصر ~~بعد ذلك حزبي لما قام أحد يطالب بحقوقي فتندثر أعمالي ويتلاشى ذكري. وعندما بلغ ~~أنتونيوس الثانية والعشرين من العمر أرسل من إنكلترا يطالبني بثروته، فوعدته ~~بالموافاة حالا، وكنت أضرب أخماسا لأسداس لا أدري بما أعتذر إذا سئلت عن المال، ~~وحينئذ لا يكون نصيبي سوى السجن إذ لا يلبث أنتونيوس بعد أن يتحقق فقد المال أن ~~يستنجد بالعدالة فيقتص مني. أما بولينا فلبثت في المدرسة إلى أن بلغت الثامنة عشرة ~~وعند ذلك أتت إيطاليا، وقد وشحها الصبا بثوب من الجمال عزيز المثال فضلا عما كانت ~~عليه من الذكاء وسمو الإدراك، فكنت مطمئنا من نحوها ms57 لأنها عريقة بهذه الصفات التي ~~تؤهلها من أحد الأغنياء، وبذلك تحصل على السعادة. ولا يبقى علي حينئذ سوى التخلص ~~من أخيها وهناك الطامة الكبرى، فبعد أن مضى عليها سنتان في إيطاليا، طلبت إلي ~~بلجاجة أن تذهب إلى أخيها في إنكلترا. وكنت في أثناء هاتين السنتين قد تعرفت ~~بماكيري الذي كان من حزبنا واستصحبته بالحروب، فكان يقاتل بغيرة وبسالة لأنه كان ~~يصبو إلى الحرب وتتوق نفسه للقتال، وكان يأتي بعض الأحيان لزيارتي فيتظاهر بالاحتشام ~~لا سيما بحضور بولينا، فكان يطنب بمدح نفسه ويدعي بعلو المنزلة ويتكلف بكل حركة يظن ~~أنه يستجلب بها رضى بولينا التي كانت تمقته قدر ما تحتقره. أما أنا فما كنت لأتحمل ~~منه ذلك لولا احتياجي الشديد لذراعه القوية، ولما لم يعد بإمكاني السكوت عن مطالبة ~~أنتونيوس بماله رحلت مع بولينا إلى إنكلترا وقد لحق بنا ماكيري، وكان لا يفتر عن ~~ملاطفتها واستمالتها. ولكن أتعابه ذهبت أدراج الرياح، ومع ذلك فإنه لم يقنط من الحصول ~~عليها، فتقدم من أخيها حين وصولنا إلى إنكلترا وأظهر رغبته في ذلك، فضحك أنتونيوس على ~~جسارته، ثم بين له عدم أهليته لها، فكاد يتميز ماكيري من الغيظ، ولم ير وسيلة ~~تقربه من بولينا سوى الانتقام من أخيها زاعما أنها لا تلبث أن تجيب طلبه بعد أن ~~ترى نفسها بدون نصير. # وقبل أن يفترق عنه بين له حقيقة الحال التي صار إليها، وأنه أصبح صفر اليدين لأني ~~خنته وتصرفت في ثروته، فعندما سمع أنتونيوس ذلك أسرع إلي وعيناه متقدتان وطلب إلي ~~أن أدفع له ما بقي من المال، فأمهلته إلى المساء ريثما أنهي الحساب. # وهكذا خلوت بنفسي وأخذت أفكر بأقرب الطرق التي يمكنني بها الفرار من وجه أنتونيوس، ~~فلم أجد أوفق من أن أنسب إليه الجنون بعد أن أتواطأ مع طبيب آخر من حزبنا لإعطاء ~~الشهادة بذلك، ثم أرسله إلى البيمارستان حيث لا تطلق حريته حتى يتنازل عن حقوقه. ~~وهكذا ذهبت إلى صديق لي يدعى بيتروف لأطلعه على مقاصدي. وبينما كنت سائرا التقيت ~~بماكيري ms58 فأعلمني بما جرى له مع أنتونيوس، وأنه يود الانتقام منه، فقلت له: إنك ~~تكون أعظم مساعد لي في هذا المشروع ... وهنا انقطع صوت سنيري وفاض دمعه كالسيل ثم نظر ~~إلي ، وقال: العني يا مستر فوكهان؛ فإني مستحق أن أتحمل كل أنواع الاحتقار، لأني ~~مجرم، ولكن يشهد الله بأني لم أقصد قتله البتة، بل كنت أود من صميم قلبي أن يحيا ذاك ~~الفتى الذي قضى ضحية الظلم والغدر، وما كنت لأسكت عن شكاية ماكيري لولا خوفي من أنه ~~يفشي أسرار جمعيتنا لدى الحزب الملكي الذي كنا أضدادا له بل لكل ملك مطلق. # ثم عاد لإتمام حديثه فقال: وعند المساء حضر أنتونيوس وشقيقته إلى منزلي، وكنت حينئذ ~~مجتمعا مع ثلاثة أشخاص منهم الطبيب، وقد عرفت القصد من إحضاره مع اثنين آخرين وهما ~~ماكيري وشخص آخر أفهمتهما أن يثبا عليه حينما يجداه في حالة الغضب الشديد من جراء فقد ~~المال، ويوثقاه ثم يحملاه إلى مأوى المجانين. وعندما دخل أنتونيوس نظر إلى رفاقي ~~بازدراء، فعلمت المغزى من تلك النظرة، ولكني تجاهلت عنها والتفت إلى بولينا قائلا: ~~يمكنك أيتها العزيزة أن تخلي لنا المكان برهة وجيزة؛ لأني أريد أن أخاطب أخاك على ~~حدة. ~~- لا لزوم لذلك كما أظن، ولكن إذا كانت هذه إرادتك فسأفعل. # قالت ذلك وانثنت راجعة إلى غرفة أخرى محاذية لغرفتنا، وجلست قرب البيانو ثم جعلت ~~توقع بعض الألحان بصوت رخيم. وبعد قليل قلت لأنتونيوس: إن ما استدعيتك لأجله هو ~~المخابرة بشأن ثروتك وثروة شقيقتك التي اؤتمنت عليها. ~~- حسنا، ولكني لا أرى داعيا لحضور الغرباء بيننا في وقت كهذا. ~~- ولكنهم ليسوا غرباء كما زعمت، بل أصدقائي المخلصون، كما وإنهم سالكون في نفس الطريق ~~التي أنا سالك عليها، والتي أريد أن أخاطبك عنها. ~~- ولكني لا أريد أن رجلا كهذا يعلم بأسراري. # قال ذلك باحتقار وأشار إلى ماكيري، أما هذا فلم تفت أعينه البراقة تلك النظرة، ~~فاحمر وجهه وتقدم نحونا متمهلا وقد ستر يده بذيل جبته، غير أن أنتونيوس أعرض ~~عنه بازدراء ثم جلس على ms59 كرسي، وقال: أريد من الآن وصاعدا أن تكون بولينا وثروتها ~~تحت مطلق عنايتي؛ ومن ثم لا يطمع بها أحد الأوغاد كهذا الرجل الإيتالياني صديقك ... ~~هذا كان آخر ما نطق به ذلك المسكين، ولم يكن إلا كلمح البصر حتى علت صدره يد ذاك ~~الخبيث، فنظرت إليه نظرة تعني أنه لم يحن بعد وقت إمساكه، ولكنه كان قد سبق فأغمد ~~خنجرا في صدر المسكين فأذاقه كأس الحمام. # ولما أبصرت بولينا من الغرفة الثانية ما حل بأخيها، انقطعت عن الغناء وصرخت صوتا ~~مزعجا وسقطت مغشيا عليها، فبادر بيتروف لسد فيها خوفا أن ينم علينا أنينها ~~المتواصل، ورمى عليها قطعة من القماش، ثم استدعى تيريزا فلبثت بجانبها كل ~~الليل. # أما أنا فبقيت كالصنم لا أبدي حراكا، بينما كان ماكيري واقفا بجانب فريسته والخنجر ~~لم يزل بيده يقطر دما ... وفي تلك الدقيقة دخل رجل فظن الجميع أنه رسول الانتقام، ~~فتقدم ماكيري يريد أن يبطش به، فأوقفته كي أستوضح كلمات ذلك المسكين بقوله إنه ~~أعمى. # وعندما تأكدت صدق مدعاه أسقيته كأسا من المسكر أضاع منه الرشد، ثم أرسلت بيتروف ~~فأتى بعربة أغريت سائقها بالتخلي عنها بضعة دقائق. وبالحال حمل بيتروف الأعمى إلى ~~العربة وابتعد به مسافة ميلين عن شارع هوراس ثم عاد فأرجع العربة إلى حوذيها وانضم ~~إلينا. # وفي اليوم الثاني أشعت الخبر في المدينة، أن قد فاجأ المستر مارك مرض شديد، وكان ~~الطبيب بيتروف يأتي في كل يوم لعيادته. # وبعد أسبوع نعيناه للأصدقاء، وكان الجسد حينئذ ملفوفا بالأكفان وموضوعا في نعش ~~داخل غرفة خصوصية. وبعد أن انتهت فروض التعزية ذهبنا به إلى إيطاليا وواريناه قبر ~~والدته، ونقشنا على الحجر اسمه وتاريخ موته، وبذلك أمنا كل خطر. # أما بولينا فكنت قد تركتها مريضة بين يدي تيريزا خادمتي الأمينة التي قد أحاطت علما ~~بكل ما توقع. وعندما نقهت من المرض أرسلت فطلبت إليها أن تأتي مع بولينا إلى ~~إيطاليا، وعندما اجتمعت بهما رأيت أن جريمة ماكيري أفقدت الشاب الحياة والابنة ~~العقل. # غير أن بولينا كانت تنتقم مني ms60 بدون قصد أو علم بذلك بنظراتها الباردة التي لم تكن سوى ~~أسهم تنفذ في فؤادي فتعدمني الراحة، وأخيرا لم يعد بوسعي الوقوف أمام تلك الضحية، ~~فبذلت جهدي بالابتعاد عنها، فأقمت في غرفة قريبة من غرفتها وأوصيت الخادمة أن تعتني ~~بها جدا، وتذهب أحيانا بها إلى النزهة، ولكنها لم تأنس بالسكن في إيطاليا بل كانت ~~تطلب بلجاجة أن تذهب إلى إنكلتره. # أما ماكيري فكان لم يزل له أمل بالاقتران بها، حتى وفي الحالة التي هي فيها زاعما ~~أنها لا تعي شيئا مما مضى فما يمنعه من ذلك، غير أني مع كل ما أتيت من المنكرات ~~وما اقترفت من الذنوب لم أتجرد من الإحساس الشريف، ولذلك لم أرض عن زواج ابنة ~~شقيقتي إلى قاتل أخيها. فأرسلتها إلى إنكلترا تصحبها تيريزا، وبذلك أمنت عليها غائلة ~~ماكيري الذي كان كثيرا ما يتوعدني بانتشالها من تحت حمايتي والزواج بها سرا، وهناك ~~قدر أنك رأيتها وأعلنت للخادمة تشوقك للحصول عليها، وأرسلتها تعلمني بذلك، وكنت ~~حينئذ في جينوى، فلم أتأخر عن المجيء والاجتماع بك، وعندما رأيت كلفك الشديد بها لم ~~يمكني رفض طلبك وأنا على تلك الحال، فهذا مما هيج غضب ماكيري وجعله ينفث علي ~~سم شكايته. # وعند وصوله إلى هذه العبارة شعرت بأن حملا ثقيلا قد تزحزح عن صدري وحسبتها المرة ~~الثانية التي كنت بها كفيفا فشفيت. # الفصل الرابع عشر # | هل تتذكرني؟ # وبعد أن أنهى حديثه جلس برهة صامتا وعيناه شاخصتان إلى الأرض، ثم نهض وقال: هل تجد ~~عذرا يا مستر فوكهان؟ ~~- إني أشفق عليك. ~~- هل ترجح شفاء بولينا؟ ~~- أرجو أن أجدها بحالة حسنة. ~~- إذن فأخبرها عن الحالة التي رأيتني فيها، فلا ريب أنها تتعزى نوعا إذ ترى أن الله ~~قد انتقم لأخيها، والآن يجب أن أذهب. # قال ذلك وخطا نحو الباب حيث كان الحارس بانتظاره، وقبل أن يخرج قلت له: أعلمني إذا ~~كان بوسعي أن أخفف عنك بعض الأتعاب؟ فتبسم بمرارة وقال: يمكنك أن تنفعني بدريهمات ~~قليلة. فلم أتقاعد عن إجابة طلبه، ثم سألته إذا ms61 كان يحتاج لغير ذلك؟ فشكرني وأراد ~~الخروج. فاستوقفته قائلا: كيف تنتهي بك الحياة، وهل تلبث على هذه الحال عشرين ~~سنة؟ ~~- سيذهبون بنا قريبا إلى مدينة نيرتشك في أقصى داخلية سبيريا حيث نشتغل ~~بالمعادن. ~~- أف لهذه الحالة التعيسة، ألا يوجد طريق للفرار منها. ~~- لا ولكن أرجو أن أنال حظوة في عيني الرئيس إذا اجتهدت في العمل عامين فقط، وبعد ذلك ~~ربما ينقلني من الأعمال الشاقة إلى تطبيب المرضى المسجونين. # قال ذلك بصوت منخفض. # وعند ذلك ناداه الحارس بالخروج، وقبل أن يبارح الغرفة قال: أسألك حاجة أخرى، وهي أن ~~ماكيري لا بد أن ينال جزاءه، فهل لك أن تتكرم بإعلامي عن محاكمته ونتيجة الحكم ~~عليه إذا كنت لم أزل في قيد الحياة، فهذا مما يخفف آلامي إذ يكون قد انتقم لي ~~منه. وخرج بدون أن ينتظر جوابي وهو يقول: أستودعك الله يا مستر فوكهان، وأطلب منك ~~الصفح فإننا لا نلتقي بعد. ثم توقف قليلا بعد أن رفع يده إشارة للوداع ودخل السجن، ~~وهكذا توارى عن عيني إلى الأبد. وفي الحال ذهبت إلى القائد فارلاموف، وأثنيت عليه ~~وشكرت همته وذهبت مسرعا حيث كان الدليل والجوادان بانتظاري، وإذ ذاك لم يكن ~~ليعيقني أمر عن الرجوع إلى الوطن وبولينا. # وفي مدة خمس وثلاثين ساعة وصلت نوفكورد، ثم ركبت القطار وسرت إلى موسكو ومنها إلى ~~بطرسبرج حيث شكرت السفير ثانية، وهناك أخذت تحريرا من بريسلا تخبرني به أن بولينا قد ~~نالت الشفاء التام، وهذا بعض ما قالت: «إنها تنمو كزهرة نضرة وتظهر بها نفس أخلاق ~~وشعائر سيدي جلبرت.» # فكان قلبي يرقص لهذه البشرى طربا، وما كنت لأصدق قط بوصولي إلى منزلي ومشاهدتي ~~امرأتي المحبوبة بحالة طالما تمنيت أن أراها بها، فهل تتذكرني يا ترى؟ وكيف يكون ~~الملتقى؟ وهل تتعلم أخيرا أن تحبني؟ أيكون هذا اللقاء فاتحة أتعابي أو ~~خاتمتها؟ # وأخيرا وصلت إلى الوطن وسررت بمشاهدة أبناء جنسي، وانتعشت نفسي باستنشاق هواء ~~إنكلترا، ثم اتجهت بقلب خافق نحو منزلي، وقد توهمت أن تلك المسافة الباقية أطول ~~كثيرا ms62 من السفر الذي قضيته، وحين وصولي إلى باب الحديقة أبصرت بولينا داخلا وإلى ~~جانبها برسيلا وهي جالسة قرب صخر تتفجر منه المياه فتسقي من حوله أزهارا عطر ~~أريجها الفضاء. وفي يدها كتاب ذاهلة عنه وعيناها الجميلتان شاخصتان نحو شجرة قد أرسلت ~~أغصانها ظلا يخترقه من خلال الأوراق رقط من أشعة الشمس الذهبية منتشرة على ثوبها ~~الأرجواني تتماوج كلما حركها النسيم، بما يجعل بولينتي المحبوبة بل زوجتي المعبودة ~~أشبه بكوكب يسطع في الفضاء في ليلة ظلماء. فتقدمت نحوها متمهلا وقد أخذ مني الارتعاش ~~واشتد خفقان قلبي. أما هي فلما شعرت بوطء أقدام التفتت نحوي وحدقت بي برهة ثم صرخت: ~~هذا هو. وبالحال نهضت واقفة ولبثت في مكانها تنتظرني دون أن تحول نظرها عني، فدنوت ~~منها وصافحتها قائلا: هل تعرفيني يا بولينا؟ # فأجابت ولسانها يتلجلج: لقد حدثتني عنك بريسلا مرارا. ~~- ألا تذكرين بأنك رأيتيني قبلا؟ # فزفرت زفرة طويلة، وقالت: كثيرا ما رأيتك بالحلم. ~~- وماذا كانت تلك الأحلام؟ ~~- اعذرني فلا أقدر أن أجيبك الآن؛ فإني كنت مريضة ... من مدة طويلة ... وقد نسيت أكثرها، ~~ولكني سوف أذكر كل ما مضى شيئا فشيئا. ~~- أتسمحين لي أن أذكرك بها؟ ~~- لا، أرجوك أن تمهلني إلى الغد، فإني تعبة جدا. # وقبل أن تسير إلى المنزل عثرت برقعة كانت قد تطايرت من الكتاب الذي بيدها، فتأملتها ~~مليا، وإذا بها رسمي، فتعجبت لذلك، وسألتها كيف تم لها أن تصنع ذلك وهي لم ترني ~~إلا بالحلم؟! # قالت: لا أعلم سببا لذلك فإن هذه الهيئة لم تبارح مخيلتي قط، وكنت أراك دائما ~~مشتغلا بأمور ذات أهمية، فأخبرني هل فزت بأمنيتك؟ ~~- نعم، لقد فزت بالمرام واطلعت على كل شيء. ~~- أخبرني إذن أين وضعوه؟ ~~- من تعنين بهذا القول؟ ~~- أخي أنطونيوس الذي قتلوه. ~~- لقد دفن بجانب والدته في إيطاليا. ~~- الحمد لله، فسوف أصلي على قبره يوما ما. ~~- وهلا تريدي الانتقام من القتلة؟ ~~- وماذا يفيد الانتقام، هل يعيده إلى الحياة، فضلا عن أنه قد مضى على تلك الحادثة ~~زمن طويل بينما كنت مريضة، فسينتقم له الله ms63 منهم. ~~- لقد نال كل منهم جزاءه، فأحدهم مات، والثاني دهمه الجنون، والثالث يرفل الآن بسجن ~~سبيريا، غير أن الرابع لم يزل حرا. ~~- سوف يتجرع نفس الكأس التي تجرعها رفقاؤه، فأيهم هذا؟ ~~- ماكيري. # فقطبت حاجبيها، ولم تعد تفوه بكلمة. # وبوصولنا إلى المنزل، قالت بتذلل وحزن: هل تذهب بي إلى إيطاليا، فأبكي على قبره؟ ~~فوعدتها بذلك، فضغطت على يدي إظهارا لممنونيتها وشكرها، ثم قالت: بعد أن أذهب وأرى ~~المكان الذي ضم عظامه لا أعود من ثم أذكر الماضي. # الفصل الخامس عشر # | الخاتمة # ومضى علينا بعد ذلك عدة أيام دون أن يتفوه أحدنا بهذا الموضوع، وكنت حائرا في أمري ~~لا أدري كيف يجب أن أظهر نفسي لبولينا وأفهمها الحقيقة. أما هي فلم تفاتحني بأمر أو ~~تتعجب لوجودي دائما بقربها، وكنا نصرف أوقاتنا بالقراءة تارة وطورا بإنشاء الأغاني ~~على البيانو وأحيانا نسير للنزهة، فتتأبط ذراعي كأنها عالمة أن تلك اليد ~~تخصها. # فيوما ما بينما كنا جالسين وقت الغروب على صخر مرتفع يشرف على البحر، وقد أخذت أشعة ~~الشمس بالاصفرار، التفت يمنة ويسرة إلى تلك السهول الواسعة الأطراف التي كنت ~~أملكها، وإذا بها قد زينتها الطبيعة بانعكاس نور الشمس على أشجارها، فتأثرت لهذه ~~المناظر اللطيفة وجعلت أتفكر بعظمة الخالق وكرمه، فوجدت بأنه قد متعني بالسعادة بعد ~~الشدة ومنحني مالا وافرا ومقتنيات كثيرة، وهي أشياء يستحيل على كثيرين الحصول ~~عليها، ولكن ماذا يفيدني كل ذلك وبولينا لم تزل على حالها ضعيفة الإدراك لا تهتم بي، ~~فإني أفضل أن أكون فقيرا لا أملك شروى نقير وتكون بولينا كما أريد. وعند ذلك فاضت ~~مدامعي وشعرت بأني ما زلت أتعس البشر، فالتفت إليها وكانت شاخصة بي تتأملني بنظر ~~حاد، فكدت أبوح لها بكل ما يجول في خاطري لو لم تبادرني بقولها: أخبرني من أنت؟ ~~ومتى وكيف عرفتني؟ ولماذا كنت أحلم بك وأنا مريضة؟ وكيف اتفق وجودي في منزلك؟ ~~- لقد طلب إلي الطبيب أن أعتني بك مدة غيابه، فوعدته بذلك، ولكنه لا يعود لأنه ~~كما أخبرتك سابقا قد قبضت عليه ms64 العدالة وأودعته السجن لأنه كان شريكا ~~للقتلة. # فسترت وجهها بيدها كأنها تقصد إخفاء ذاك المنظر الهائل عن عينيها، فأردت أن أغير ~~مجرى أفكارها فقلت لها: أخبريني الآن يا بولينا كيف رأيتني بالحلم؟ ~~- لقد أبصرتك واقفا بجانبي في نفس الغرفة التي جرت فيها تلك الفاجعة، ولكني أعلم ~~جيدا أن تلك أوهام لا صحة لها، وبعد ذلك عدت فأبصرت من خلال غيوم الأحزان وجهك، ~~فكانت تلوح عليه لوائح الجد والتعب، وكأني بك تقول: «إنني ذاهب لأبحث عن الحق.» ~~وهكذا كنت منتظرة رجوعك بفروغ الصبر. ~~- ألم تريني قبل ذلك؟ # فأجابت بصوت مرتجف: لا أعلم، لا تسألني. ثم تحفزت للقيام وهي تقول: لقد خيم الظلام ~~فهيا بنا إلى المنزل. فتبعتها وبوصولنا إلى البيت ذهبت توا إلى غرفتها معتذرة عن ~~عدم مقدرتها على مجالستي في السهرة كعادتنا، وقبل أن تلج الباب كلمتني بالإيتاليانية ~~- حيث إن بريسلا كانت حاضرة - قائلة: جلبرت، هل يجب علي أن أنسى الماضي أو أحاول ~~تذكاره؟ وانسحبت إلى الداخل. أما أنا فلم أكن باحتياج إلى الرقاد، فخرجت أنزه الطرف ~~بالحديقة، وكان النسيم باردا منعشا والقمر يسطع بنوره الفضي، فجلست على مقعد خشبي ~~وإذا ببريسلا مقبلة نحوي وهيئتها تنبئ بكتمانها أمرا تود التصريح به، فقلت لها: ~~اذهبي الآن إلى بولينا فربما تحتاجك. ~~- نعم، سوف تحتاجني، ولكن ليس الآن ففي الغد سأخلو بها وأفهمها كم أنت معذب ~~بسببها. ~~- لا يا بريسلا، لم يحن الوقت بعد. ~~- ولكني متى أخبرتها كم تجشمت لأجلها من الأخطار وكم سهرت على راحتها واعتنيت بها، ~~فلا بد من أن تتذكر ذلك حالا، وحينئذ ترى نفسها مديونة لك بأمور كثيرة، وقد تعلو ~~منزلتك لديها فلا يمضي زمن قليل حتى تبادلك عواطف الحب الأكيد. ~~- لا، لا أريد أن أغتصب قلبها، فآمرك ألا تفعلي ذلك. ~~- طالما حفظت أوامرك يا سيدي، فدعني غدا أعصي واحدة منها لأجل راحتك. ~~- لا يا بريسلا، لا يا صديقتي القديمة؛ فإنك بذلك تسببين لي كدرا عظيما. # ثم تركتها وجعلت أخطر في وسط الحديقة وأنا مضطرب الأفكار، وكنت أردد في ms65 ذهني كلماتها ~~الأخيرة، وهي هل أنسى الماضي أو أحاول تذكاره؟ فماذا تقصد يا ترى بهذه الكلمات، ألم ~~يفدها ذلك الخاتم أنها ذات بعل، فمن يكون سواي وهي ترى نفسها في منزلي؟ وقد تأكدت ~~أنني مطلع على كل أسرارها، فهل علمت ذلك يا ترى وتجاهلت عنه إذ لا ترى من نفسها ~~ميلا إلي؟ نعم يمكنها أن تتخذ ذلك حجة لقلبها؛ فإني قد اقترنت بها بينا هي فاقدة ~~قوة يمكنها أن تقبل أو ترفض طلبي. وجملة القول إنني من تلك الساعة بدأت أفكر أن ~~أتعابي أخذت بالابتداء. وأخيرا عولت على أن أطلعها في الغد على كيفية ارتباطنا ~~القريب ووقوعي في شراك سنيري، وإني برئ من اللوم لأني لم أكن أعلم عن حقيقة حالها ~~أمرا، وبعد ذلك أصغي لاستماع الحكم من بين شفتيها، فإما أن أحيا سعيدا أو أنفصل ~~عنها إلى الأبد؛ لأن ما من قوة تجذبها للبقاء معي سوى الحب، فإذا لم يكن لديها قلب ~~استحق الحصول عليه أكون إذ ذاك كالحمل الثقيل على عاتقها، فالأوفق أن أبتعد عنها ~~وأهبها قصري وما فيه وأوكل عنايتها إلى خادمتي، وهذه أحسن وسيلة لتوطيد ~~راحتها. # وبينا أنا بالافتكار إذ وقعت عيني على وردة زاهية اللون، فتأملتها مليا، وإذا بها ~~تشبه وجنتي حبيبتي، فأسرعت لاجتنائها وأتيت من جهة الغرفة التي كانت بولينا نائمة ~~فيها، ورميت بها من النافذة وربما صادف وقوعها على السرير. # وعند الصباح اتجهت نحو غرفتها متهللا وقد نبذت مخاوف الليل ظهريا، فالتقتني ~~الخادمة عند الباب وأعلمتني بخروجها إلى الحديقة باكرا. فانطلقت إلى هناك وإذا بها ~~سائرة بتمهل ورأسها منخفض، وقد ظهر على محياها الصبوح إشارة الذبول، فكان وجهها ~~مصفرا وعيناها غارقتين، مما دل على أنها لم تذق الرقاد كل ذلك الليل. # فاقتربت منها وحييتها كالعادة، فردت تحيتي وهي تبتسم عن ثغر كالدر، ثم سرنا سوية، ~~وأول ما حاولت البحث على وردتي في يدها، فألفيتها مجردة منها، ومن ذلك الخاتم الذي ~~كان يسطع في عيني كنجم الأمل. وعند ذلك لم يعد بوسعي الشك بأنها ms66 تذكرت كونها زوجتي ~~وأنها ترفض ذلك، ولقد وضح لي جليا بهذه الإشارة عن أفكارها بأنها ترغب في حل العقد، ~~فما لي ما أقوله بعد، لقد أفحمتني بالجواب قبل أن أبدي الخطاب، فويلا وتعسا ~~لقلبي، إنها لا تحبني، وقد لاحظت هي أني أنظر إلى يديها باستغراب وحزن عظيم، ولكنها ~~لم تكترث بذلك. # وهكذا مضى بنا النهار دون أن نتحدث بهذا الموضوع، غير أني استوضحت منها تغييرا ~~عظيما، فإنها كانت حزينة جدا وتميل إلى الانفراد لا تتكلم إلا فيما ندر، ولم تعد ~~تعتبرني كصديق بل كرجل غريب مستعملة الألقاب السامية، وهذا مما قوى أحزاني وسحق قلبي ~~أكثر فأكثر. # ومرت بنا بعد ذلك أيام كثيرة، وفي كل يوم كانت تزداد فيها تلك الحالة تملكا، ~~وأخيرا لم يعد بوسعي الصبر وتحققت أنها تود التخلص مني، فطلبت الفرار ... وبالحال ~~أعددت أمتعتي للسفر حيث لا أعود بعده، ولم يبق علي سوى أن أودع زوجتي الوداع ~~الأخير بعد أن أطلعها على العلاقة التي بيننا، فذهبت إلى غرفتها بقلب واجف ووقفت على ~~الباب كذليل وقد تلعثم لساني وتحلب العرق من جبيني، فلم أعد أدري بأي عبارة أفهمها ~~مقاصدي. # وأخيرا تقدمت نحوها بقدم الجبان وأخذت يدها بين يدي ولفظت هذه الكلمات بصوت متهدج: ~~أستودعك الله يا بولينا، فإنك لن تريني بعد ... وسأبارح إنكلترا ... ثم خنقتني الدموع ~~فتوقفت عن الكلام. أما هي فلم تجب بكلمة، ولكني شعرت بيدها ترتعش، وأردفت قائلا: ~~إن أمورا مهمة تقضي علي بسرعة الذهاب. فعندما رأت أنني منتظر جوابها، قالت بصوت ~~ضعيف: متى أنت عازم على السفر؟ # هذا كل ما فاهت به. فأجبتها وكادت تشق مرارتي: الآن، وما لي سوى سويعات قليلة أريد أن ~~أصرفها بالتحدث معك، فهل لك رغبة في مرافقتي إلى الحديقة؟ ~~- إذا كنت تريد ذلك. ~~- بل إذا لم يكن لديك ثمة مانع، واعلمي أن ما سأحدثك به يختص بك وبمستقبل ~~حياتك. ~~- سأذهب. # ثم نهضت لترتدي أثوابها، وأنا خرجت متثاقلا وقد أنهكتني الأحزان، فأتيت إلى تلك ~~الصخرة التي رأيت بولينا جالسة قربها أول مرة ms67 بعد رجوعي من سفري الطويل، ووضعت أمتعة ~~السفر جانبا واضطجعت على الأعشاب النابتة، بينما كان النسيم يهب بين الأشجار فيسمع ~~لها حفيف يمازجه صوت المياه المنسابة قربي، ثم أطبقت جفني واستغرقت في بحار الأفكار ~~ولم أنتبه حتى شعرت بيد لطيفة قد وضعت على كتفي، فالتفت وأول ما وقعت عيناي عليه ~~هو وجه بولينا القرمزي، فإذا بها شاخصة نحوي وعيناها الجميلتان تنثر الدمع كلؤلوء ~~فوق ورد وجنتيها. # فخفق قلبي بشدة ولم أتمالك أن صرخت من فؤاد مقروح: بولينا، بولينا، هل ~~تحبينني؟ ~~- هل أحبك؟ # ثم رمت بنفسها بين ذراعي وهي تقول: نعم أحبك يا زوجي العزيز. ~~- متى علمت ذلك يا حبيبتي؟ # أجابت وقد صدح صوتها كالموسيقى في أذني: من حين كنا جالسين على الصخر عند الشاطئ، ~~وكنت حتى تلك الساعة جاهلة نسبتي إليك، ولم أدر إلا وقد عاودني تذكار الماضي فجأة ~~واتضح لدي كل ما كان مخفيا. ~~- ولماذا نزعت خاتم العقد من يدك؟ ~~- لقد مرت بنا أيام طوال دون أن تخاطبني بهذا الشأن، فظننت أنك ندمت على هذا ~~الارتباط؛ إذ رأيتني غير أهلة له، فوددت أن يكون حسب مشتهاك، ولكني وإن نزعته من يدي ~~فقد حفظته قريبا من قلبي. # قالت ذلك ونزعت من عنقها سلسلة ذهبية قد علق بها الخاتم، ثم أردفت قولها: وعندما ~~رأيتك لم تطالبني به تفاقمت أحزاني وتأكدت ما كنت أرتاب منه، وأما الآن فإذا كنت ~~تراني أهلا له فأنت وما تشاء. # فتناولته منها وأعدته ليدها الجميلة بعد أن كسيتها بالدموع، ومن تلك الدقيقة أيقنت أن ~~أتعابي قد انتهت وشمس سعادتي أشرقت. # وفي اليوم الثاني قلت لها: هل لك أن نبارح إنكلتره؟ ~~- وإلي أين نذهب؟ ~~- أتسأليني، بدون ريب إلى إيطاليا. # فتنهدت وشكرتني، وبعد أسبوع كنا في باريس، فقدر أني تركت بولينا في الفندق الذي كنا ~~نازلين به، وذهبت إلى السوق في بعض المهام، وإذا بجمهور من الناس قد علت بينهم ~~الضوضاء، فتقدمت لأستوضح الخبر، فطرق أذني رنة سلاسل استلفتت أنظاري، فشاهدت ثلاثة ~~أشخاص حفاة مقيدين تحيط بهم الجنود من ms68 كل الجهات، فسألت شابا إفرنسيا كان واقفا ~~على مقربة مني: من هم هؤلاء؟ ~~- قوم رعاع مفسدون. ~~- إلى أين ذاهبون بهم؟ # أجاب هازا كتفيه باستخفاف: وهل غير السجن نصيبهم؟ وعندما اقتربوا مني رفع أحدهم ~~رأسه فتبينته جيدا، وإذا به ماكيري بعينه. أما هو فحينما رآني توقف عن المسير وجعل ~~يتفرس بي وليس للخجل أثر ظاهر على وجهه، ثم ابتدره أحد الجنود بضربة من كفه ~~فانقاد صاغرا وهو يحرق الأرم ويرفل بقيوده. أما أنا فلم يدرك قلبي شفقة عليه البتة، ~~وأيقنت أن دم أنطونيوس مارك كان يصرخ إلى السماء بطلب الانتقام، وقد أجاب الله ~~سؤله. # ولم يمض عشر دقائق حتى علا صفير العربة المختصة بنقل المسجونين إشارة للمسير، وهكذا ~~غاب عني دون أن أعلم سبب سجنه، أو نوع الحكم عليه، ولكني لم أغفل عن وعدي لسنيري، ~~وحالما رجعت إلى المنزل حررت كتابا إلى القائد فارلاموف ومنه إلى سنيري بعد أن قصصت ~~على بولينا ما رأيت. # وفي اليوم الثاني زايلنا باريس ولم يمض أيام قليلة حتى كانت بولينا راكعة بجانب قبر ~~أخيها تسكب عليه الدموع، وعندما انتهت من ذلك طلبت إلي أن أذهب بها من ذلك المكان، ~~وكان وجهها حينئذ مصفرا بما لا يقدر وبعد أن صرنا على الطريق قالت: لقد بكيت ~~كثيرا فيما مضى ولكني أبتسم فيما بقي، ولندع جانبا ظلام الماضي وننظر إلى مستقبلنا ~~المنير بأشعة الحب المقدس. # وهكذا عدنا إلى العالم الباسم الذي كان يؤملنا بحياة جديدة وسعادة أكيدة. ms69