######OpenITI# #META# URI: 1371LabibaMadiHashim.QalbRajul.Hindawi47351684 #META# Tags: novels #META# ID: 47351684 #META# Title: قلب الرجل #META# AuthorID: 53630386 #META# Author: لبيبة ماضي هاشم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # 1 - فاتنة لبنان‏ # 2 - شرك الحب‏ # 3 - ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل‏ # 4 - غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا ...‏ # 5 - اليأس‏ # 6 - حياة جديدة‏ # 7 - ابتسام الدهر‏ # 8 - وردة الحقل‏ # 9 - السفر‏ # 10 - والحب اول ما يكون مجانة ...‏ # 11 - التذكار‏ # 12 - التهور‏ # 13 - خيانة‏ # 14 - شهامة المرأة‏ # 15 - ماري‏ # 16 - القلب الأثير‏ # 17 - الصديقتان‏ # 18 - السفر‏ # 19 - على فراش الموت‏ # 20 - كشف الغطاء‏ # 21 - ظهور الحقيقة‏ # مقدمة‏ # 1 - فاتنة لبنان‏ # 2 - شرك الحب‏ # 3 - ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل‏ # 4 - غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا ...‏ # 5 - اليأس‏ # 6 - حياة جديدة‏ # 7 - ابتسام الدهر‏ # 8 - وردة الحقل‏ # 9 - السفر‏ # 10 - والحب اول ما يكون مجانة ...‏ # 11 - التذكار‏ # 12 - التهور‏ # 13 - خيانة‏ # 14 - شهامة المرأة‏ # 15 - ماري‏ # 16 - القلب الأثير‏ # 17 - الصديقتان‏ # 18 - السفر‏ # 19 - على فراش الموت‏ # 20 - كشف الغطاء‏ # 21 - ظهور الحقيقة‏ # | قلب الرجل # | قلب الرجل # تأليف # لبيبة ماضي هاشم # | مقدمة # بسم الله وبحمده # وبعد، فهذه رواية غرامية القصص، أدبية المغزى، أنشأتها وقدمتها إلى جمعية السيدات ~~المارونيات، التي أنا إحدى المنتظمات في عضويتها؛ بقصد ضم ما يتسير من ريعها إلى دخل ~~الجمعية، التي أخذت على نفسها تعليم البنات البائسات اللواتي يعجز أهلهن عن الإنفاق ~~عليهن في المدارس، وحسبي عوضا عما تكلفته من التعب، وما أنفقته من الزمن؛ إقبال ذوي ~~الغيرة على مشترى هذه الرواية تعضيدا لجمعيتنا هذه التي تجاهد في سبيل خدمة الإنسانية، ~~ورحمة بالفتيات أن يلبثن بين أيدي الجهالة والفاقة، فيكن عالة على الهيئة الاجتماعية، ~~والله المسئول أن يكلل سعينا بالنجاح، ويمهد لنا سبيل المبرات، وأن يتقبل منا هذه ~~الخدمة المخلصة، إنه تعالى ولي الخيرات بمنه وكرمه. # لبيبة هاشم # الفصل الأول # | فاتنة لبنان # لا تزيد المطالع علما بما كان من حوادث الفتنة الأهلية، التي جرت في لبنان سنة 1860، وما ~~وقع في أكثر القرى من المذابح الهائلة، وسفك الدماء الزكية، بحيث اضطر معظم المسيحيين إلى ~~الفرار من السيف والتشتت في آفاق البلاد، وكان حينئذ لأحد أمراء ms01 الدروز فتاة بارعة الجمال ~~تدعى فاتنة، فحدث أن خرجت يوما على صهوة جوادها تقصد النزهة مع بعض أترابها من بنات ~~الأمراء، فجمح بها الجواد، وأخذ ينهب تلك الفلوات حتى انتهى بها إلى سفح أكمة، فظهر أمامها ~~واد بعيد العمق، تكتنفه الجبال الشاهقة والصخور والآجام، فهالها هذا المنظر وذهب برشدها، ~~فأفلتت العنان من يدها وأطبقت أجفانها مستسلمة لرحمة القضاء، وإنها لكذلك، إذا بطلق ناري قد ~~دوى بالقرب منها، فانتشر عنه دخان كثيف حجبها حينا عن العيان، ثم انكشف فظهر الجواد يخبط ~~على الأرض بدمائه لرصاصة مزقت أحشاءه، والفتاة ملقاة إلى جانبه مغمى عليها. # وكان السبب في ذلك أن شابا مسيحيا يدعى حبيب، كان أهله في إحدى قرى الجبل، وكان ~~مستخدما عند بعض التجار في بيروت، فلما انتشر خبر الفتنة خاف على أهله فأسرع إلى جواده، ~~وتقلد سلاحه وسار إليهم، وهو يقصد الدفاع عنهم والخروج بهم من دائرة الخطر، وبينما هو سائر ~~بصر بالفتاة على شفير الهاوية، فدعته المروءة إلى إنقاذها، ولما رأى الجواد صريعا أسرع ~~ليرى ما حل براكبته، ولكنه لم يقترب منها حتى وقف حائرا مبهوتا لدى جمالها الباهر، ~~وكاد يلهيه التأمل بحسنها عن الاعتناء بها وإفاقتها من إغمائها. # ولما تمالك روعه جثا أمامها، وأخذ يديها بكلتا يديه فوجدهما مثلجتين، فخفق فؤاده وزاد ~~اضطرابه، وطفق يدلك كفيها الناعمتين، وعيناه تنظران حوله لعله يلقى معينا، فلم يجد إلا ~~قفرا وسكوتا مخيفا، ولكن لم يلبث إلا أن شعر منها بحركة خفيفة، وبأنفاس متقطعة تخرج ~~من فيها، فاطمأن باله على حياتها، إلا أنه لم يجسر على تنبيهها خوف إزعاجها، وطمعا في ~~إطالة النظر إلى وجهها، الذي كان قد سرى إليه دم الحياة، فكساه لونا ورديا زادها بهاء ~~وجمالا، فانتعش الفتى وقد أخذ حسنها بمجامع قلبه. # ثم تململت الفتاة، وفتحت جفنيها فوقع نظرها على الشاب جاثيا أمامها، والذهول قد تسلط ~~عليه، والحنان ظاهر في نظراته، فأثر بها منظره، وراقها جمال طلعته الممزوج بالفراسة ~~والذكاء، فابتسمت له ابتسامة شفت عما خامرها من الشكر، ثم حاولت ms02 النهوض فلم تستطع؛ لشدة ~~ما أخذها من الضعف والتعب، فأسندت نفسها إلى ذراعه، ومالت بنظرها إلى ما حولها فرأت الجواد ~~صريعا، فأدركت للحال ما ألم بها من الخطر، وعلمت سبب وجود الرجل إلى جانبها، وأنه هو ~~الذي خلصها من وهدة الموت بهمته وشجاعته، فقالت له بصوت أحياه الأمل فأبعد عنه الوجل: ~~إن حياتي من عندك أيها الشهم الكريم وإن لساني لعاجز عن إيضاح شكري لحنانك وبسالتك، ~~ولكني أسأل الله الكريم، أن يكافئك عني خيرا. # فبهت من كلامها ولم يدر بم يجيبها؛ لأن رنات صوتها الرخيم أثرت في فؤاده، ولم تفسح له ~~مجالا للنطق، فاستعاض عن الكلام بنظرة تعني أنه هو المدين لنعمة القدر الذي سخره ~~لنجاتها. # وبعد حديث جرى بينهما علم أن اسمها فاتنة، وأنها ابنة حاكم البلاد، فساءه ذلك جدا، إذ ~~تأكد أنها من غير مذهبه، وأن بينهما حاجزا منيعا من الدين الذي لا يقوى على اختراقه، ~~ولما زال اضطرابها وعادت إليها قوتها سارت - وهو إلى جانبها - حتى اقتربت من بلدها، فافترقا ~~وفي صدر كل منهما نار من الوجد حامية. # الفصل الثاني # | شرك الحب # وبعدما سكن جأش الفتنة، جعل حبيب يتردد إلى البلدة التي فيها فاتنة، وتسمى بالمختارة، وهو ~~غير مبال بشدة الخطر الذي كان يترصده من الأعداء، فكان يتنقل من مكان إلى آخر متنكرا، ~~حائما حول منزلها حتى يفوز منها بنظرة تلطف حر قلبه، ثم يعود من حيث أتى وقد امتلأ فؤاده ~~بهجة وسرورا، وكثيرا ما كان هذا الحب سببا لوقوعه في يد أناس من أعدائه، فينجو منهم ~~بقوة ساعده وشدة بأسه، إلى أن جاءه يوم لم تنفع فيه بسالة ولا جهاد، فوقع في أسر أبيها ~~وغل في سجن مظلم، فأقام يتوقع الموت في كل آن لما كان يعلمه من قساوة الحاكم واستبداده، ~~وحبه للانتقام وسفك الدماء. # ودام على تلك الحال بضعة أيام لم يذق في خلالها لذة الكرى؛ لشدة ما لقي من سوء المعاملة، ~~ومن أثقال القيود والسلاسل التي لم يقدر على احتمالها. # وجلس في إحدى الليالي ms03 أمام نافذة السجن يراقب النجم في كبد السماء، ويفكر فيما آل إليه ~~حاله، وكيف أبعد عن فاتنة لبه كل تلك المدة، وهي لم تبال بمصابه الذي سببته له، ولا سعت ~~في إنقاذه من مخالب الموت الذي كان يتهدده، مع تيقنه أنها لا بد أن تكون قد علمت بما جرى ~~له، فأخذ يؤنب نفسه؛ لتورطه في هواها وتعرضه للأخطار بسببها، وهي تعرض عنه في أوان الضيق، ~~ولا تحتال لتخليصه من عذابات السجن، ولكنه مع كل هذه الأفكار لم يكن يشعر إلا بقوة ~~سلطانها على فؤاده، وأنه سيموت سعيدا لأجلها، وعلى هذا الأمل أطبق جفنيه واستغرق في نوم ~~عميق. # الفصل الثالث # | ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل # ولم يمض على نومه إلا قليل من الزمن حتى شعر بأيد تحل قيوده، فاستيقظ للحال وهو يظن ~~نفسه في حلم، ونظر فوقه فرأى شبحا أبيض منحنيا عليه، لم يتمكن من تمييز وجهه بسبب الظلام، ~~فهم أن يتكلم مستفهما لو لم يشعر بيد لطيفة يعرفها قد وضعت على فمه، فهمس قائلا: فاتنة ~~... # فلم تجبه بشيء، بل أخذت بذراعه وسارت به في ذلك الظلام الدامس حتى انتهيا إلى باب السجن، ~~فخرجا دون أن يعترضهما الحراس؛ لأنها كانت قد سبقت إليه بالأصفر الرنان الذي غل أيديهم ~~وأخرس ألسنتهم، ولما خلا لهما الجو تنفس حبيب نفس الراحة، ومال إلى حبيبته يشكرها على حسن ~~صنيعها، وما اقتحمت لأجله من الخطر والتعرض للوقوع بين مخالب المنية، فقالت له: إن ~~حياة أنت سبب بقائها لحرية بأن تبذل لأجلك وتكون وقفا عليك، والله يعلم أني منذ بلغني ~~وقوعك في هذا الأسر، لم يأخذني منام ولا غفلت ساعة عن السعي إلى أن فزت بأمنيتي، بعد أن ~~اتخذت لذلك أعظم نصير، وهو الرشوة التي لم يكن لي بد منها في مثل هذا الحال، حتى تمكنت من ~~إنقاذك من سجن سيكون قبرا يدفن فيه أولئك الأبرار المساكين ... فهيا بنا نرحل من هذا المكان ~~الذي يتهددنا فيه الخطر من كل الجهات. # وعلى ذلك خرجا يجدان المسير حتى ms04 ابتعدا عن البلد، واقتربا من دير القمر ... وعندئذ ظهرت ~~أشعة الغزالة على تلك المروج الخضراء، فجلسا على أكمة ليستريحا من مشقة الطريق، ثم خافا أن ~~تراهما عين عدو من أتباع الحاكم، فنهضا يسيران بين تلك الأدغال، ويتستران بالأشجار الكثيفة، ~~وبقيا يمشيان تارة ويجلسان تارة حتى قطعا مسافة طويلة، وكان التعب قد أخذ منهما كل مأخذ، ~~وكلت قوى فاتنة عن مواصلة السير، ولكنها تجلدت ولم تبد الشكوى. # وكان الوقت وقت شتاء، وقد هاجمهما بلعمان ببروقه وأصوات رعوده، فتعذر عليهما السير وضلا ~~عن الطريق، فدخلا مغارة ليلتجئا فيها من البرد والأمطار، وكانت الشمس قد أفلت، ونشر الليل ~~جناحه على تلك الجبال الجرداء، ثم ساد السكون المخيف، وكانت الأرض قد تغطت بالثلج الناصع ~~البياض، ولم يكن إلا هنيهة حتى سمعا صوت زئير الوحوش الضارية تقترب منهما، كأنها تقصد ~~المبيت في ذلك الكهف، فهرولا متسللين. # وكان حبيب قابضا على ساعد فاتنة، يساعدها على المسير فوق تلك الثلوج، ولم يسيرا طويلا ~~حتى سقطت على الأرض خائرة القوى، وهي ترتجف من البرد والتعب، فاحتملها على ذراعيه، وسار بها ~~يبحث عن مكان آخر يأوي إليه؛ لأن الليل اشتدت ظلمته، وتكاثف الضباب، وهبت من الغرب ريح ~~عاصفة ضربت السحائب ضربا عنيفا، وانقضت من السماء صواعق متتابعة، يتخللها تألق البروق، ~~وقصف الرعود، وزئير الوحوش، فداخله رعب شديد، ولا سيما أن فاتنة لم تعد قادرة على احتمال ~~تلك الحال، فجلس بها في ذلك القفر، وأخذ يفرك يديها ورجليها؛ ليعيد إليها ما فقدت من ~~الحرارة. # ولم يمض عليهما ساعة وهما على تلك الحال من المشقة، حتى سمعا صوت جرس عن بعد، وظهر ~~حالا أمامهما كلب كبير يتبعه شيخ بلباس أسود، بيده سراج صغير يستنير به في أعماق تلك ~~الظلمات، فلما رآهما الشيخ أسرع إليهما وقال: هلما إلي أيها الولدان المباركان. # فنهضا للحال، وتبعاه وهما يشكران الله الذي أرسله لنجاتهما، فقادهما إلى منسكه، ولما ~~دخلاه واستقر بهما الجلوس أخذا يشكران الشيخ على إنقاذهما من يد الهلكة. فقال: بل اشكرا ~~الله الذي قاد ms05 خطاكما إلى هذه الناحية، حتى اتفق لي العثور بكما، فإني مثل هذه الأيام أخرج ~~كل ليلة؛ لتفقد من عسى أن يكون قد ضل عن الطرق، فيأوي إلينا، وقد علمت كلبي أن يطوف ~~في ليالي البرد والثلج، ويشم رائحة المسافرين الذين يدفعهم القدر إلى هذا القفار، فإذا عثر ~~بأحد منهم عاد إلي فقادني إليه، أو سمع المسافر صوت الجرس الذي علقته في عنقه فاهتدى به ~~إلي. # ثم إن الناسك قدم لهما طعاما يقتاتان به، وبسطا من العشب اليابس ليناما عليه، ~~فأكلا هنيئا ثم استغرقا في نوم عميق. # ولما أصبحا خرجا إلى باب الكهف، وكان المطر قد انقطع وانجلى وجه الأفق، وبرزت الغزالة من ~~وراء الجبار، فرأيا أمامهما السهول الشاسعة والأودية الوعرة مكسوة بثلج يتلألأ بنور الشمس، ~~وللحال ركع الناسك وصلى صلاة الصبح، فركعا معه، وبعد ذلك جلسوا، فأخذت فاتنة تحدثه بما ~~لقياه من العذاب في ذلك السفر العنيف، وقصت ما كان من أمر الفتنة الجبلية، وأن أباها كان ~~من أعظم الموقدين لنارها، وكانت في أثناء ذلك تتفرس في وجه الناسك؛ لترى ما يبدو منه متى ~~علم أن التي صنع معها ذلك الجميل وأضافها كهفه، هي ابنة ألد أعداء قومه، ولما لم يبد منه ~~ما تتوقع، سقطت جاثية على قدميه والدموع تترقرق في مآقيها وقالت: ما هذا الكرم يا أبت، وكيف ~~لم تطردني بعد ما علمت من أنا، ولم تعاملني بما استحققته بخطيئة ذوي وأهلي، والآن فاعلم ~~أيها الأب الفاضل بأني مسيحية، ولست بدرزية كما سأقص عليك من أمري. # فأجابها الراهب بصوت رزين: يا بنية، إن الله يأمرنا بمصافاة الجميع على حد سواء، وهو ~~وحده يجزي المرء كما يستحق، فاجلسي وقصي علي خبرك. ~~- اعلم يا أبت أني ولدت من أسرة مسيحية في مدينة دير القمر، أثناء الثورة التي حدثت سنة ~~1842، وقتل والدي وأنا في الأسبوع الرابع من العمر، ولم ترزق والدتي من الأولاد سواي، ~~فربيت في مهد اليتم والهموم، واحتملتني والدتي على ذراعيها، وسارت بي هاربة من مكان إلى ~~آخر، حتى انتهت ms06 إلى مدينة بيروت، فأقامت بها مدة أربعة أشهر، غريبة وحيدة تعيش من تعب يديها ~~إلى أن سكنت الثورة، واستتب الأمن، فعادت بي إلى دير القمر. # إلى أن كانت سنة 1845 فعادت الثورة، وقامت رحى الحرب بين الطائفتين المتعاديتين، وعاد ~~الناس إلى التشتت في أنحاء البلاد، وكان لوالدتي معرفة بأسرة بني جنبلاط، الذين كان زمام ~~الأمر في تلك الأيام في أيديهم، ودار حكمهم في بلدة قريبة يقال لها المختارة، فأسرعت والدتي ~~إلى تلك البلدة، ولجأت إلى الأسرة المذكورة، فصادفت عندها كل رعاية وصيانة. # غير أنها لكثرة ما احتملت من الخوف والشقاء مدة خمس سنين أصابها مرض عضال قضت بسببه، ~~وبقيت وحدي في تلك الدار لا أعلم لي أبا إلا رب الأسرة، وكان يعزني إعزازا شديدا، ~~فأحسن معاملتي وجعلني كإحدى بناته، حتى لم يكن هناك من يرتاب في كوني ابنته، وبودي لو أتيح ~~لي أن أشكر نعمته قبل مزايلة منزله والمكان الذي ترعرعت فيه، وقضيت خمس عشرة سنة على أتم ~~الرفاهية والهناء، ولكن قضت الأقدار بما أوجب خروجي عن هذه الحالة. # وكان حبيب كلما أوغلت في الحديث يشعر بأن حملا ثقيلا يزول عن صدره، وهو لا يتحقق هل كان ~~في يقظة أو في منام، فلما انتهت إلى آخر عبارة من حديثها عقب عليها بقوله: لقد خرجت أيها ~~الأب الفاضل من ذلك المنزل الذي كان ملجأها الوحيد ومقر سعادتها ونعيمها، واحتملت من ~~المشقات والأهوال والتعرض للأخطار ما يعجز وصفه؛ لتنقذني من عذاب السجن، وتخلصني من مخالب ~~الموت، وتشاطرني بعد ذلك أنواع الشقاء والبلاء، فليس لدي ما أقدمه لها مقابل تهورها وحبها ~~سوى قلب لم تبق لي النوائب غيره، ويد لا تمتلك غير قبضة السيف لصيانتها، فبارك يا أبت ~~حبنا، وكن شاهدا على صدق ودنا. # فرفع الناسك يده إلى العلاء وهما جاثيان أمامه، وطلب إلى الله أن يبارك اقترانهما، وعند ~~نهاية صلاة الإكليل تناول حبيب من داخل ثيابه ذخيرة ذهبية معلقة بسلسلة دقيقة الصنع، فطوق ~~بها عنق عروسه. # وفي اليوم التالي اكتريا غرفة في ms07 سفح الجبل قريبة من الناسك، وأويا إليها ريثما يروق ~~الكأس، وتهدأ الاضطرابات، وكان حبيب يخرج للصيد في النهار، ويعود مساء بما جمع من الطير ~~والحيوان فيقتاتان به وهما ثملان بنشوة الحب. # ولبثا على تلك الحال حتى آخر شهر أبريل (نيسان)، إذ صفا الجو وانقطعت الأمطار، واكتست ~~الأرض والأشجار بحلل الربيع البديعة الألوان، وهب عليهما النسيم عليلا، فتعانقت الأغصان ~~بعد طول الافتراق، وانتشر شذا عبيرها فتعطرت الأرجاء. # وكان حبيب يخرج مع زوجته كل عشية بعد الفراغ من الصيد إلى سهل قريب، ويجلسان على صخرة ~~تجري المياه بقربها صافية، فيسمع لها خريرا كأنه رنة الأوتار، والطيور تغرد فوقها على ~~اختلاف الألحان، وقد تغلغلت بين الأغصان قصد المبيت إلى طلوع النهار. # الفصل الرابع # | غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا ... # غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا # بأن نغص فقال الدهر آمينا # بينما كان الزوجان جالسين ذات يوم في هذا المكان على عادتهما يتبادلان أحاديث الحب ~~والهيام، قالت له فاتنة وهي تلعب بأطراف شعرها المنسدل على كتفيها، ممثلا ظلام الليل حول ~~بدر محياها، وقد صبغ وجهها الجلنار: إني قد صرت أما. # فضمها بين ذراعيه، وقطف من ورد وجنهما قبلة لم يدر في خلده أنها كانت قبلة الوداع، وقبل ~~أن يجيبها بكلمة سمع عدة طلقات نارية قد دوت بالقرب منهما، فذعر لسماعها، وللحال نهض ~~مستويا وانتضى سيفه باليد الواحدة، وغدارة بالأخرى وصاح من القادم، فأجابه صوت البنادق ~~مكررا تلك الطلقات، فتقدم نحو الصوت بشجاعة عظيمة، وإذا بستة رجال مدججين بالسلاح قد ~~اعترضوه وتكاثروا عليه، فأصابوه برصاصة في ظهره ألقته على الأرض صريعا، فتركوه يتمرغ بدمه ~~وأسرعوا إلى زوجته، وكانت قد سقطت مغمى عليها فحملوها وساروا بها مجدين. # ومضى على هذه الحادثة المفجعة ساعة، وحبيب مطروح على الأرض، والدم يسيل من جرحه لا عين ~~تراه، ولا أذن تسمع أنينه، ولكن الله أبى إلا أن ينقذ من ذلك العذاب الأليم نفسا لم ~~تجترم ذنبا، ولا أتت منكرا، فأرسل إليه الناسك الذي هب إلى ذلك المكان عند استماع صوت ms08 ~~البنادق، وأخذ يبحث من مكان إلى آخر حتى عثر على جثة ملقاة على الأرض والدم يتفجر منها، ~~فصوب نحوها نور المصباح، فتبين له وجه حبيب وعلامات الموت بادية عليه، فانحنى فوقه والحزن ~~ملء فؤاده، ووضع أذنه على قلبه، فشعر بحركة خفيفة دلته على وجود بقية من الحياة فيه تؤمله ~~بالنجاة، فهرول حالا إلى منسكه بعد أن وكل الكلب بحراسته. # ولم يكن إلا القليل حتى عاد ومعه ثلاثة من الرهبان، فحملوه وذهبوا به إلى الدير حيث ~~ألقوه على فراش وثير، وأخذوا بمعالجة الجرح، فأخرجوا الرصاصة منه، وضمدوه بالعصائب واللفائف ~~بعد أن وضعوا عليه العقاقير الطبية؛ لالتئامه ومنع الفساد عنه، ثم نشقوه الروائح المنعشة ~~حتى استفاق ففتح عينيه، وتمتم بعض كلمات غير مفهومة، ثم عاد إلى غيبوبته، وقد انتشر الدم في ~~وجهه، وتصبب العرق من جبينه، واستولت عليه حمى مدة أربعة أيام لا يعي فيها على شيء، ~~والرهبان يتناوبون خدمته ليلا ونهارا، حتى خفف وطأتها، فاستيقظ في صباح اليوم الخامس ~~واستوى على فراشه بألم الجرح، مما نبه خاطره إلى ذكر تلك الحادثة المحزنة، فصاح بصوت يفتت ~~الأكباد: فاتنة ... حبيبتي ... فاتنة. # فاقترب الكاهن منه وقال له بصوت ملؤه الشفقة والحنان: سكن روعك يا ولدي، فإنك مريض ~~ومعرض للخطر الذي لا يزال واقفا لك بالمرصاد. ~~- سأكون طوع أمرك يا أبت، إنما أتوسل إليك أن تقول لي بأن زوجتي لا تزال على قيد الحياة ~~وأني سأراها قريبا. # فهدأ الناسك روعه، وسأله كيف وقع ذلك، فقص عليه حبيب الحادثة وهو يبكي ويتأوه ويندب ~~زوجته ويتألم، فقال له الناسك: طب نفسا يا بني وقر عينا، فإننا سنسعى جهدنا لكشف أمرها ~~ومعرفة مقرها، فالزم السكينة والراحة كي يتسير لك الشفاء عاجلا فشاركنا في البحث عنها، ~~والله قادر أن يعيدها إليك سالمة، دون أن يمسها ضرر ولا أذى. ~~- أتوسل إليك يا أبت الحنون أن تبادر الآن إلى البحث والاستقصاء؛ لأني بغير ذلك لا أجد ~~راحة ولا صبرا. # قال ذلك وتحفز للنهوض، وهو يقول والدمع يتساقط على خديه وفؤاده يتقطع ms09 حزنا ومرارة: ~~إنني لا أستطيع العيش ساعة واحدة بعيدا عن مصدر حياتي وسعادتي، فلا بد لي من النهوض الآن ~~لإنقاذها وردها إلي. # فأمسكه الكاهن وأعاده إلى فراشه قائلا له: ثق يا ولدي بأننا لا ننفك عن اقتفاء أثرها، ~~ولا نترك وسيلة إلا ونستخدمها لإنقاذها، فلا تجهد نفسك فيما لا فائدة منه، بل يعود عليك ~~بالضرر العظيم. # فاضطجع حبيب على سريره خائر القوى، وعيناه تنظران إلى الكاهن مترجمة عن حاسات قلبه، وما ~~يتقد فيه من نار الغيظ وحب الانتقام، ثم قال: إنني لا أرجع عن الانتقام من هؤلاء الخونة ~~المارقين ما دام في نفس من الحياة، ولا بد من إرجاع فاتنتي إلي وإلا فالموت خير لي ~~وأبقى. # وغاب للحال عن رشده؛ لأن الحمى هاجمته بنيرانها الوقادة، فحبست لسانه عن الكلام، ~~واستولت بسلطتها على جميع أعصابه. أما الكاهن فأخذ يعالجه بما لديه من العقاقير الطبية حتى ~~استفاق من غيبوبته، ثم أوصى الرهبان بخدمته والاعتناء به، وخرج يطوف المدن والقرى مستقصيا ~~عن فاتنة، فلم يقف لها عن أثر، فرجع خائب الأمل بما كان من نتائج بحثه وتفتيشه، وأنه بث ~~العيون والأرصاد في جميع الجهات المجاورة، فلم يسمع عنها شيئا، فشعر حبيب كأن صاعقة انقضت ~~عليه فأفقدته عقله، وأن الأرض قد مادت تحت قدميه، فهب من مكانه كالمجنون، وأخذ يخطر في ~~الغرفة ذهابا وإيابا، والدموع تتساقط من عينيه حزنا وكآبة، ثم انحنى أمام الكاهن وقبل ~~يديه شاكرا له على عنايته وحسن صنيعه، طالبا إلى الله أن يجازيه عنه خيرا، وودعه وودع ~~الرهبان، فركب جوادا قدمه له الناسك، وسار تائها في تلك الفلوات، ينشد ضالته ويبحث عن ~~منية فؤاده غير مبال بما يتحمله من العذاب والتعب، وما يقاسيه من الخطر والنصب، وبقي يطوف ~~المدن والقرى متنكرا، ويبث العيون والأرصاد، فلم يقف لها على خبر، فضاقت الدنيا في عينيه، ~~وانقطع حبل رجائه، وبان لديه هول موقفه إذ وجد أن الفتنة لا تزال ثائرة بين القوم، فهجر ~~ذلك المكان خوفا من الموت، الذي كان يتهدده كل ساعة ms10 حرصا على حياة قد وقفها لصيانة ~~امرأته، وإنقاذها من مخالب الأعداء الثائرين، وأخذ يجول من مكان إلى آخر متوغلا في الأدغال ~~والغابات، حتى أضناه التعب وأعياه النصب، فآوى إلى كهف ليستريح من مشقة السفر، وبات تلك ~~الليلة والهموم والأحزان تنازعه من كل صوب ، فحرمته لذيذ النوم والراحة. # الفصل الخامس # | اليأس # وبينما هو على تلك الحال، يتقلب بين النوم والأرق، سمع صوت مستغيث بالقرب من مكمنه، فهب ~~للحال، وتقلد سلاحه، وخرج خارج الكهف، فرأى على بعد خطوات رجلا منقضا على خصمه بيده خنجر ~~يلمع في ضوء القمر، فصوب نحوه غدارته ورماه برصاصة فأرداه صريعا على الأرض، ثم دنا من ~~محل الحادثة فرأى الرجل الذي أنقذه، وكان من أبناء قومه قد اقترب وصافحه شاكرا حسن ~~صنيعه. # وإنهما لكذلك إذ رأيا الخيل تعدو نحوهما، فكمنا حينا وإذا بأربعة من الفرسان شاهرين ~~السلاح فأصلياهم بنار بنادقهما الحامية، فقتلا اثنين منهم وركن الاثنان الآخران إلى الفرار، ~~فتقدما حينئذ إلى القتيلين وجرداهما من السلاح والذخائر، وسارا في ذلك الليل إلى مكان آخر؛ ~~ليأمنا فيه شر المصائب والأهوال، وحذرا من رجوع ذينك الخصمين بنجدة لا يقويان على مصادمتها، ~~فساقهما القدر إلى مكان على شاطئ نهر الصفاء على مسافة أربعة أميال من بلدة عبية، حيث تكثر ~~الصخور والأشجار، فنزلا إلى كهف لا يهتدي العدو إليه لما في الطريق من وعورة المسلك وكثرة ~~الأدغال. # ولما استقر بهما المقام سأل حبيب رفيقه عن اسمه، وعن السبب الذي من أجله كان يطارده أولئك ~~الفرسان. فقال: إني رجل من أسرة مسيحية كنا نقطن دير القمر، فلما ثارت الفتنة وأحاطت بنا ~~الأعداء من كل جانب، تركنا منازلنا وأمتعتنا ولجأنا إلى بيت الأسرة الجاويشية، التي قيض ~~الله لها أحد الأمراء الإرسلانيين، فأنقذها من غارة الجموع التي كانت محيطة بمنزلها تهدد ~~المستغيثين بالسيف والنار، وقد خرجت متغلغلا بين أفرادها حتى صرت على مبعدة من البلدة، ~~فأيقنت حينئذ أني بعيد عن الموت، وجعلت أتوغل في الفلوات أتوسد الأرض وألتحف بالهواء، ~~وأعيش على ما أتصيده من الطيور ms11 والحيوانات. # وبينما كنت اليوم ذاهبا في ذلك القفر، سمعت صوت امرأة تستغيث، وقد أحاط بها سبعة من ~~الفرسان، فهبت الحمية في رأسي فتقدمت لإغاثتها، فانقض علي خمسة منهم بالسلاح الأبيض، وعرج ~~الآخران عن الطريق، وذهبا بالمرأة حيث لا أدري، فاحتدمت نار القتال بيني وبينهم حتى وجدت ~~نفسي في موقف الخطر، فأركنت إلى الفرار، فأدركني أحدهم وكاد يقضي علي لو لم تأت أنت ~~فتخلصني؛ ولذلك أصبحت رقيق معروفك، وسأجعل حياتي وقفا على خدمتك ما دام لي روح تختلج في ~~الصدر، ولسان لا ينطق إلا بالشكر. # ولم يأت على كلامه حتى تغيرت ألوان حبيب وأبرقت عيناه ثم قال له: دع عنك حديث الشكر - ~~أيها العزيز - لم أكن سوى آلة دفعتها التقادير لرفعك من وهدة الموت؛ فالشكر إذن لله الذي ~~حفظك بعين عنايته، فزدني إيضاحا عن مسألة المرأة التي سمعتها تستغيث من أسر أولئك ~~الفرسان، لعلي أهتدي إلى أمر هو سبب تعاستي ونكد حياتي، وإن شئت أن ترافقني إلى محل ~~الحادثة، وتساعدني على البحث والتفتيش عن ضالتي المنشودة تجعلني أسير فضلك ما حييت. # فقال له: إنني أرى في وجهك ما يدل على الارتباك والاهتمام بأمر هذه المرأة التي لم أتميز ~~هيئتها جيدا؛ لأن الوقت كان مساء، فقص علي أمرك لعلي أتمكن بمعونة الله من خدمتك وتفريج ~~كربك. # فأطلعه حبيب على أمره وكشف إليه شواغل فكره، فتعاهدا على الإخاء، ووطنا النفس على السعي ~~معا واقتسام المخاطر بالسواء. # ولما أذنت شمس ذلك النهار بالأفول، وودعت أشعتها الروابي والسهول، امتطيا جواديهما وسارا ~~على مهل حتى انتصف الليل، وهما على رابية تشرف على دير القمر، فترجلا في مكان منفرد طلبا ~~للراحة والرقاد، وعند الصباح استيقظا من نومهما على أصوات البنادق، فربطا جواديهما إلى ~~جذع شجرة ونزلا إلى البلد يستقصيان الخبر، فرأيا الناس خارجين منها زرافات، وأصوات العويل ~~والبكاء ترن في سفح تلك الأكمة بما يفتت الأكباد، فدخلا بين الجميع يبحثان عن فاتنة، فلم ~~يقفا لها على أثر، فرجعا إلى الرابية حيث مكثا نهارهما، وعند المساء ركبا قاصدين ms12 بيت الدين، ~~فدخلا متنكرين، فوجدا البلدة قاعا صفصفا ينعق فوقها البوم، فرجعا أدراجهما، وسارا في تلك ~~الفلوات سيرا حثيثا حتى وصلا إلى المكان الذي أنقذ فيه حبيب رفيقه من أيدي الفرسان، فرأيا ~~جثث القتلى وقد انتشرت هناك، وشاهدا آثار حوافر الخيل متجهة نحو الشمال الشرقي، فتتبعاها ~~بمزيد من العناية والثبات، حتى وصلا إلى مكان مقفر قد كثرت فيه آثار الحوافر والأقدام، وعلى ~~جانبه عظام جثة متراكمة بعضها فوق بعض، وإلى جانبها ثوب امرأة قد تمزق أكثره. ولم يكد يرى ~~حبيب ذلك الثوب حتى هلع فؤاده وارتجفت أعضاؤه، إذ وضح له أنه الثوب نفسه الذي كانت مرتدية ~~به قرينته يوم أخذت منه، فتحقق لديه موتها، وللحال سقط إلى الأرض خائر القوى، وصاح بصوت ~~يفتت الفؤاد والأكباد: آه يا فاتنتي ويا موضع آمالي،أيها الملاك الطاهر، لقد عرضت نفسك ~~للمهالك والأخطار لإنقاذي من القتل فقابلك الدهر على صنيعك بالموت العاجل، فاذهبي بسلام إلى ~~حيث لا شقاء ولا تعب، وها أنذا راحل على أثرك من هذه الدنيا، إذ إننا لم نتمكن من البقاء ~~معا في الحياة، فلا بد أن يكون لنا نصيب باللقاء بعد الممات. # قال ذلك وقبض على خنجره وهم أن يغمده في صدره، ولكن رفيقه أسرع إليه فأمسك يده ورأس ~~الجارحة يكاد يخترق صدره، وقال له: عد أيها الحبيب إلى حالك وتفكر فيما أنت صانع، فإنك سترى ~~أن الانتحار لا يصدر إلا من الجبان الوكل، فإن اليأس لا يتسلط إلا على الخاملين، وذوي ~~الهمم الضعيفة والعقول السخيفة، وعهدي بك رجلا لا تحني ظهره النوائب، ولا تثني همته ~~المصائب، فاعتصم بالصبر، واعلم بأن لا فضل لك بهذا العمل ولا دليل فيه على حبك لامرأتك، ~~فحافظ على حياتك وقاوم كل ما يحل بك من نكبات الدهر بالصبر والثبات، وبذلك يكون لك فضل عظيم ~~في الدنيا وراحة وسعادة في الآخرة. # فبكى حبيب بكاء مرا على فقد حبيبته، وجمع بقاياها فدفنها على رابية صغيرة يجري من ~~سفحها ينبوع من الماء الزلال، وفي اليوم التالي ودع ذلك ms13 الضريح بعد أن سقى ثراه بدموعه، ~~ورجع وصديقه من حيث أتيا، وعند وصولهما إلى دير القمر رأيا أن الاضطرابات قد زالت، ورجع ~~الهدوء والسكينة إلى البلد، فمكثا مدة لم يذق فيها حبيب لذة الكرى، فانحلت قواه، وشحب ~~لونه، وتسلطت عليه الهموم والأحزان ، وتراكمت عليه الأكدار والأشجان، فلم ير له دواء ينقذه ~~من شر هذا الداء سوى الرحيل من تلك الديار والتنقل في البلاد والأمصار، لعل ذلك يخفف بلواه، ~~ويلطف حر جواه، فأطلع صديقه على عزمه فوافق على ذلك، وسافرا معا حتى وصلا إلى مدينة بيروت، ~~فنزلا في أحد الفنادق، وناما تلك الليلة نوما ثقيلا من شدة ما أصابهما من أتعاب ~~السفر. # الفصل السادس # | حياة جديدة # وعند الصباح نزلا إلى البلدة، ودخلا قهوة قامت أعمدتها في وسط البحر تلاطمها الأمواج ~~فتردها على أعقابها، وقد انتشرت نقطها في الهواء تتلألأ بنور الشمس كقوس القزح، فجلسا بمعزل ~~عن الناس، وكان حبيب ملازما الصمت يتأمل فيما صار إليه حاله، ويرنو بطرفه نحو تلك الأمواج، ~~فيراها مداومة النزاع مع الصخور لا تكل ولا تمل من مهاجمتها رغما عما تلاقيه من المصادمة، ~~فاتخذها مثلا لهذه الحياة التي هي مجمع الأتعاب ومنبعث الشدائد، فهي كبحر عجاج تتلاطم ~~أمواجه، وكلاهما في نزاع دائم، ولكن شتان ما بينهما إذ إن المرء مهما تصلبت عضلاته وقويت ~~بنيته فلا يثبت في ميدان تنازع البقاء، بل ينوء تحت أثقال الحياة ومصائبها، وينتهي الأمر به ~~إلى الاضمحلال والفناء، وهذه الصخور واقفة أبد الدهر ترد هجمات الأمواج بعزم ثابت وقوة ~~عظيمة، تحفظها في عالم الوجود والبقاء. # ولبث حبيب نحو ساعة غارقا في بحار الهواجس، وتارة تبدو على وجهه علائم الثبات والشجاعة ~~والتغلب على طوارئ النوائب، وطورا يتقلب الحزن في أسارير وجهه، فيظهر تأثير اليأس في ~~نظراته ويتململ من ضغط أفكاره، ثم يميل بوجهه إلى البحر كي لا يراه أحد، ويبكي بكاء الطفل ~~غير قادر على كبح جماح الأحزان التي تسلطت عليه. # وكان لصديق حبيب شقيقة تزيده سنا، متزوجة بأحد التجار الموسرين واسمه خليل البيروتي، ms14 ~~فحدث أن خليلا هذا كان جالسا وقتئذ بالقرب منهما يقرأ بعض الجرائد، فحانت منه التفاتة ~~فرأى نسيبه، فنهض للحال، واقترب منه، ولما أبصره هذا أبدى السرور والانعطاف، وأكب عليه ~~يعانقه، ثم عرفه بصديقه حبيب نصر الله، وجلس الثلاثة يتحادثون، وجرهم الحديث إلى الكلام ~~عن بيروت وعن أحوالها التجارية، فأخذ حبيب يشرح لهما عن الوساطة التي يمكن اتخاذها للنجاح ~~والإثراء، إذ كان عالما في ضروب التجارة علما وعملا، وبقي ساعة يطرفهم بالأحاديث المهمة، ~~ويكشف لهم عن الأسرار التي عرفها بالمزاولة والاختبار، وهما ينظران إليه معجبين بسعة معرفته ~~التجارية، وعند نهاية الحديث طلب خليل إليهما أن يترددا إلى مخزنه من وقت إلى آخر ففعلا، ~~واستأنس حبيب بصحبته فأكثر من التردد عليه، وتعرف ببعض التجار الذين لهم علاقة معه، ~~فأجلوه واحترموه لما رأوا من حسن خلاله وحميد صفاته، وما آنسوا به من رسوخ القدم في ~~فنون التجارة. # وكان خليل يدعوه غالبا إلى منزله، فيلقى من ملاطفته ومؤانسة وحيدته سلمى ما يبرد لوعته ~~ويلطف كثيرا من أحزانه، حتى أصبح بعد مدة من الزمن لا تطيب له الإقامة إلا بين الأب ~~وابنته، وقد تمكنت عرى الوداد بين الصديقين، فكان حبيب يأتيه من حين إلى آخر بأحسن الآراء ~~التي أوجدها حسن اختباره وتمرنه على الأشغال التجارية، فأحرز خليل أرباحا طائلة بفضل ~~مشورته، فأدخله شريكا في أعماله، وقلده إدارة محله، فشمر حبيب عن ساعد الجد والنشاط، وبذل ~~ما في وسعه لإتمام ما عهد إليه من العمل، فلم تكن إلا سنين قليلة حتى كثرت أرباحهما ~~واتسعت دائرة أعمالهما، فزادت ثروتهما ونالا من الشهرة وحسن الصيت ما جعلهما في مقدمة ~~التجار والأعيان. # الفصل السابع # | ابتسام الدهر # ما أسرع ما يندم الدهر على ما وهب، وما أقرب ما يحرم الإنسان ما طلب، فقد أنعم على حبيب ~~بهذه السلوى، وفتح أمامه باب الأمل والثروة، ولكنه لم يمهله طويلا حتى أصاب صديقه بمرض ~~عضال لم تنجح فيه حيلة الأطباء، ولم يكن سوى أيام قليلة حتى أشرف على الموت، فكتب وصيته ~~وسلمها إلى ms15 حبيب لما كان له من الثقة بأمانته وأوصاه بابنته خيرا. # وكان حبيب يشعر بميل عظيم نحو سلمى ابنة صديقه لما آنس بها من الذكاء والرقة فوق ما خصها ~~المبدع من الجمال، وهي إذ ذاك في العشرين من عمرها، وكان لها ولع شديد بأبيها، فأثر عليها ~~مصابه تأثيرا كاد يذهب بحياتها لولا عناية حبيب وتشجيعه إياها. # ولما قضى خليل نحبه احتفل حبيب بدفنه احتفالا يليق بمقامه، وجعل همه بعد ذلك الاعتناء ~~بسلمى، فكان يلاطفها ويواسيها ويبدي لها من الشفقة والحنو ما خفف مصابها، واستمال فؤادها ~~إليه فوق ما كانت تضمر له من الصداقة والاحترام اللذين تأسسا في قلبها مدة وجوده بينهما، ~~فكثيرا ما كانت حياة أبيها تستنير بمعارفه، وتتلذذ بأحاديثه الرقيقة، ثم استدعى أقاربها ~~وفض وصية أبيها، وتلاها على مسمع منهم، فرأوا أن الفقيد خص ابنته سلمى بجميع الممتلكات ~~والنقود، وأنه عين حبيب قيما عليها، فخرجوا من لدنها صفر اليدين مقطبي الوجوه، ولما ~~أيقنت سلمى أنها أصبحت وحيدة لا أنيس لها يذود عنها سوى حبيب سلمت إليه مقاليد الأمور، ~~وكاشفا بعضهما الحب، فتعاهدا على الاقتران، وبعد أن صفى الأشغال جمع ثروته وثروة خطيبته ~~التي كانت قد بلغت قدرا عظيما، واقترن بها بحفلة بسيطة لداعي الحداد، ولبثا مدة يرتشفان ~~فيها كئوس السعادة والهناء، ويتمتعان برغد العيش والصفاء، إلى أن أتى العام الأول على ~~زفافهما فتمت لهما حينئذ السعادة بمولود جميل الطلعة، دعواه فريدا، فكانت آمالهما معقودة ~~عليه، وأفكارهما منصرفة إلى الاعتناء به. # وهكذا توالت عليهما الأيام، وانقضى العام الثاني والثالث وهما مع ذلك الطفل في نعيم دائم، ~~ورزقهما الله طفلة جميلة سمياها ماري، فتضاعفت أفراحهما وتعاظمت مسراتهما، وما كان أهنأ تلك ~~الأم وهي على فراش النفاس ترى قرينها جالسا لديها، وقد ضم الولدين إلى صدره وهو يقبلهما ~~تارة وينظر إليها تارة أخرى، فتبسم له وتتحد أفكارهما مع رسل العيون، فتخرج من صدريهما ~~تنهدات تصل بتوسلاتها إلى المبدع الوهاب أن يديمهما في ذلك الفردوس النضير، ويحفظ لهما ما ~~أعطى من الخير الكثير. # ولكن ms16 ما كل ما يتمنى المرء يدركه، فإنه لم يمض أسبوع على ولادة تلك الطفلة حتى أصيبت ~~والدتها بحمى شديدة، أورثت زوجها الحزن، وأولادها اليتم، وألبست المنزل السواد بعد أن ~~ملأت قلوب أهله بالحسرات. # فأثرت تلك الفاجعة على حبيب تأثيرا لم يجد معه سبيلا إلى الصبر والسلوان، ولا وسيلة ~~لإطفاء نار لوعته إلا بمهاجرة ذلك المكان الذي قضى فيه أجمل أيامه، ودفن فيه منتهى ~~آماله. # فصفى أشغاله وجمع ثروته، وسافر بولديه إلى الديار المصرية، حيث ابتاع مقدارا وافرا من ~~الأطيان، فوكل بها بعض الشبان المجتهدين، ومكث مع ولديه بضع سنوات، عاملا على تربيتهما ~~وتهذيبهما حتى بلغا السن الموافق لتعليمهما، ولم يكن في مصر إذ ذاك من المدارس ما يفي ~~بالحاجة، فذهب بهما إلى باريز حيث أدخلهما في أشهر مدارسها، وأقام في منزل صغير قرب نهر ~~السين لا شغل له سوى مطالعة الكتب والجرائد، والتنزه في الأماكن المنفردة، والتردد على ~~ولديه من وقت إلى آخر. # وفي مدة العطلة كانا يأتيان إليه فيصحبهما إلى جميع الأماكن التي يلذ لهما التفرج عليها، ~~ومشاهدة غرائبها، ولا يدع شيئا من عجائب الآثار وبدائع التحف، شارحا لهما ما يهمهما ~~الوقوف عليه من الأحاديث والأخبار فوق ما كانا يتلقيانه في المدرسة من علم واختبار، وهكذا ~~كانت تصرف أوقاتهما في اكتساب الآداب والمعارف، ومداركهما تتسع وتمتد لطلب المزيد ~~منها. # وفي نهاية السنة الخامسة خرجت ابنته ماري من المدرسة، وقد أنهت دروسها فعادت إلى والدها، ~~وقد زاد العلم جمالها إشراقا، وأعار الشباب لحاظها سحرا حلالا، فإذا تكلمت خالها السامع ~~تنظم دررا، أو صمتت ظنها الناظر ملكا سماويا لما فطرت عليه من الحسن الرائع الممزوج ~~بالرقة والآداب. أما أخوها فريد فلبث في المدرسة حتى نهاية السنة السادسة حيث أنهى دروسه ~~ونال الشهادة، فخرج منها وانضم إلى والده وشقيقته، وقد شمل الجميع السرور والارتياح. # الفصل الثامن # | وردة الحقل # وكان لماري صديقة في المدرسة تدعى روزه، وهي مصرية النشأة سورية الأصل، قد هاجر بها ~~والداها الديار السورية؛ لأسباب أهمها تأخر البلاد، وتقهقر أشغالها، ms17 وكساد تجارتها، وقلة ~~أرباحها، فاعتنيا بتهذيبها، وأرسلاها إلى تلك المدرسة حيث صادقت ماري فتحابا ولا غرو، فإن ~~الطيور على أشكالها تقع، فقد كانتا متشابهتين بجمال الخلق والخلق، متماثلتين بالجنس ~~والذوق، متعادلتين في المنزلة والثروة، ولم يكن من اختلاف في هيئتهما سوى أن ماري كانت ~~سوداء العينين والشعر، وبيضاء الجبين وخفيفة الروح، وروزه كانت زرقاء العينين كستنائية ~~الشعر ذات بشرة نقية مشربة احمرارا، وكانت هيئتها تدل على حسن الصحة، وتوفر الدم كالبنات ~~القرويات، وكان أترابها في المدرسة يلقبنها بوردة الحقل. # ولبثت روزه في المدرسة سنة أخرى بعد خروج صديقتها، كانت فيها أليفة الوحشة والانقباض، ولم ~~تكن ماري تهمل زيارتها كلما وجدت لذلك سبيلا. # ولما انتهى العام، وأتى الذي تفارق فيه الفتيات المدرسة، ودعت روزه رفيقاتها ومعلماتها ~~وخرجت إلى حيث ينتظرها والدها، وكان قد حضر منذ أيام لمشاهدتها والعودة بها إلى مصر، فما ~~كادت تجتمع به حتى رأت صديقتها ماري مقبلة، وبرفقتها شاب لم تسبق معرفة به، فأسرعت نحوها، ~~وضمتها بلهفة، وقابلت ماري مثل ذلك، فتعانقتا، بينما كان والد روزه والفتى واقفين ينظران ~~إليهما باسمين، وقد انحنيا لبعضهما إشارة للسلام، وبعد أن ارتوى غليل شوق الحبيبتين، تقدمت ~~ماري إلى والد صديقتها وصافحته، ثم أشارت نحو رفيقتها وقالت: أعرفكما بأخي فريد، فنظرا إليه ~~باسمين وبادلاه التحية، وقد غلب الحياء على روزه وتوارد الدم إلى وجنتيها، فغضت أبصارها، ~~ومالت نحو صديقتها تحدثها، وجلس الرجلان إلى جانب يتبادلان الحديث. # وبعد قليل من الزمن نهضت ماري ودعت روزه ووالدها واسمه يوسف روفائيل لزيارتها، وساعدها ~~أخوها بالإلحاح عليهما فأجابا دعوتهما، وسار الجميع إلى منزل حبيب الذي أحسن استقبالهما، ~~ورأى يوسف من لطف معاشرة تلك الأسرة ما قيده بمودتها. # وقد شعر فريد بجاذب يجذب فؤاده نحو روزه، فما فتئ ينظر إليها ويحادثها محاولا التقرب ~~منها، أما هي فكانت مشغولة عنه بصديقتها، والحزن يتقسم فؤادها كلما خطر لها فكر السفر ووجوب ~~مفارقتها، فلم تبال به ولا وجد رسول عينيه سبيلا إلى قلبها الخالي. # وكانت ماري أشجع منها قلبا في ms18 موقف الوداع، وأكثر جلدا على احتمال تأثير الفراق، فألوت ~~عليها تقبلها وتمسح دموعها، ثم أعلمتها بأنها لا تغيب عنها طويلا، فإنهم قد صمموا على ~~السفر إلى مصر قريبا، إذ لم يبق ما يوجب بقاءهم في باريز، فصفقت روزه طربا واقترحت ~~عليهم السفر معا. # وبعد المفاوضة في هذا الموضوع قر رأي الأسرتين على السفر معا بعد أسبوع، ولما كان ~~ليوسف بعض أشغاله في مارسيليا تتعلق بمحله التجاري في مصر، فقد اضطر أن يسافر مع ابنته في ~~اليوم الثاني إلى تلك المدينة ليقضي مهمته، منتظرا وصول حبيب وولديه في نهاية ~~الأسبوع. # الفصل التاسع # | السفر # ودع الجميع بعضهم بعضا، وذهب المسافران إلى المنزل الذي كان فيه يوسف، فباتا تلك ~~الليلة، وفي صباح اليوم التالي أخذا أمتعتهما وسارا إلى محطة السكة الحديد، فدخلا عربة، ~~وجلسا ينتظران مسير القطار. # وإنهما لكذلك، إذ دخل عليهما شاب جميل الطلعة، وحسن البزة، يظهر من ملامحه أنه شرقي ~~فانحنى أمامهما باحتشام، ثم أخذ لنفسه مكانا في إحدى زوايا العربة، ولما سار القطار أخرج ~~من جيبه جريدة، وجعل يطالع فيها حتى إذا استقر به المقام وأتى على الصفحة الأولى جعل يقلبها ~~بين يديه، وعيناه تنظران إلى رفيقيه خلسة، فآنس في الفتاة جمالا باهرا وأجفانا ساحرة ~~أسرت لبه وجذبت أبصاره، ولكنه ما عتم أن نكس هيبة، وعاد إلى جريدته وهو ينظر إليها من طرف ~~خفي، أما هي فنهضت وسارت نحو النافذة تسرح بصرها في تلك السهول الشاسعة والمروج الخضراء، ~~وقد كسا غصن قامتها ثوب بسيط الزي محكم الوضع، وغطت قسما من شعرها الحريري قبعة من القش ~~خالية من الزخرف فأتبعها بصره، وهو يتأمل ذلك الهيكل الممتلئ والأعضاء المتناسبة، فرآها وقد ~~حاولت إقفال زجاج النافذة للريح التي كانت تمر على محياها بقوة فتؤثر في مقلتيها الجميلتين ~~بما تحمله من ذرات الغبار، وقد عصاها إتمام مرغوبها فأسرع إليها مستأذنا وأقفل النافذة ~~عنها، وعاد إلى مكانه بعد أن فاز منها بابتسامة شكر جزاء صنيعه، وبقي القطار سائرا ~~والسكوت مخيما حول هؤلاء الثلاثة مدة من ms19 الزمن، وقد أخذت سيماء الملل تظهر في ملامح ~~المسافرين. # وحينئذ ابتدر والد روزه رفيقه بالحديث فقال: يظهر لي أنك شرقي الجنس أيها الرفيق ~~الكريم. ~~- نعم سيدي لقد أصبت، فإني سوري الأصل، ولقد أتيت إلى هذه الديار من عهد بعيد؛ لأشغال ~~تتعلق بمحل تجاري في بيروت، وقد اضطرني الحال إلى مبارحتها الآن قاصدا مصر. ~~- إذن فستبقى في صحبتنا، فالأجدر بنا أن نقطع هذه المسافة بالمحادثة كأصدقاء دفعا للضجر ~~وحبا بالفائدة، وأنا سوري الأصل نظيرك، لبناني الموطن، وقد هاجرت بلادي منذ أعوام طويلة، ~~فنفسي الآن ترتاح إلى استماع أخبارها واستطلاع حالة أفرادها. # وكانت روزه سامعة حديثهما، فلما انتهى أبوها إلى هذه النقطة عادت إلى مكانها وقالت للفتى: ~~وأنا أيضا يسرني أن أسمع شيئا عن سوريا التي لم يتيسر لي زيارتها حتى الآن، ولا سيما ~~جبال لبنان مسقط رأس أبي، فأرجوك أن تتم الحديث عنها. ~~- إني رهين إشارتكما، فسوف أشرح لكما كل ما أعلمه عن بيروت، غير أني آسف لكوني جاهلا عن ~~أحوال لبنان مع أني لبناني نظيركما، ولكن أهلي أرسلوني إلى مدرسة في قرية عبية، إذ كنت صغير ~~السن، وبعد أن تلقيت فيها الدروس الابتدائية، أرسلت إلى المدرسة الأمريكية في بيروت حيث ~~أقمت مدة ست سنين عاكفا على درس العلوم، وأخيرا نلت البكلوريا، وكنت إذاك في الثامنة عشرة ~~من العمر، فخرجت من المدرسة والآمال توسع لي مجال الرزق والأماني ترتفع بي إلى ذروة المجد، ~~ولم أشأ الرجوع إلى لبنان؛ لأني وجدت نفسي أعظم من أن تسعها تلك السهول القاحلة والروابي ~~الجرداء. # فلبثت في بيروت أخبط في أسواقها، وأتقرب من أعيانها وتجارها، وأنا كلما طال علي الوقت ~~تحققت كساد التجارة، وقلة وسائل الترقي، فاتخذت مهنة التعليم أرتزق منها ريثما يمن الله ~~علي بشغل آخر يكون لي منه ما أشتهي وأروم. ولبثت على هذه الحال مدة أربع سنين، إلى أن ~~أتاح لي الحظ معرفة أحد التجار، وكان باحتياج إلى عميل يورد له السلع والأقمشة من فرنسا ~~وإنكلترا، فاتفقت معه وأتيت إلى هذه البلاد بعد ms20 أن جلت في إنكلترا مدة سنة تقريبا، وقمت ~~بخدمته أحسن قيام، ولكني وجدت أخيرا أن لا تقدم لي ولا ارتقاء ما دمت على تلك الحال، ~~فالأفضل لي أن أبحث عن عمل آخر يكون فيه تقدمي وضمانة مستقبلي. # فقالت له روزه: عساك أن تفوز بهذه الأمنية في مصر حيث التجارة بتقدم وأبواب الاستخدام في ~~دوائر الحكومة مفتوحة لمن كان نظيرك. ~~- هذا جل ما أقصده يا سيدتي، فقد قرأت اتفاقا في إحدى الجرائد عن احتياج الدولة ~~الإنكليزية إلى تراجمة يصحبونهم في الحملة التي تسير بقيادة غوردون باشا إلى السودان، ~~فانفصلت عن شغلي، وها أنذا ذاهب إلى مصر الآن؛ لأعرض نفسي في مقدمة الطالبين. # وكانت روزه محدقة إلى جليسها تسمع حديثه معجبة بحسن أسلوبه ورقة ألفاظه، فرأت في جملة ~~هيئته وحركاته ما ترتاح إليه النفس، ويميل لاستحسانه الذوق، فلما أتى على آخر عبارته خامرها ~~بغتة بعض الاهتمام بأمره، وتنبهت فيها شعائر القلق والخوف على حياته فقالت له: ألا تخشى ~~الخطر في اقتحام هذا السبيل؟ ~~- إن الأمل بالنجاح يمحو الخوف ويزيل الجزع، وإن كان لا بد من الموت فهو واحد مهما ~~تعددت الأسباب، فعار علي أن أحيا فقيرا خاملا ما دام لي سبيل للتقدم والنجاح في معترك ~~هذه الحياة. # وهكذا سار بهم القطار، وهم يتنقلون من حديث إلى آخر حتى وصلوا إلى مرسيليا، فنزلوا في أحد ~~فنادقها، ولبث الشاب واسمه الأمير عزيز برفقتها متظاهرا أن عليه بعض مهمات تستدعي بقاءه ~~أياما في تلك المدينة. # وهكذا تسهل له سبيل الاجتماع بها، وتمكن من معاشرتها وسبر غور آدابها، فرأى من باهر ~~صفاتها ولطف مشاعرها ما أدهش عقله، وأخذ بمجامع قلبه، وشعرت هي أيضا بميل إلى مجالسته، ~~ولذة باستماع أحاديثه التي دلت على نزاهته وكرم أخلاقه. # وما هي إلا أيام حتى انضمت إليهم أسرة حبيب، وكان يوسف قد أنهى أعماله، فسافروا جميعا ~~على أول باخرة أقلعت إلى الإسكندرية. # الفصل العاشر # | والحب اول ما يكون مجانة ... # والحب أول ما يكون مجانة # فإذا تمكن صار شغلا شاغلا # في إحدى ms21 ليالي الخريف المقمرة كانت روزه جالسة في إحدى شرفات قصرها، وقد أسندت رأسها ~~الجميل إلى ساعدها البديع التكوين، بينما كان النسيم يتلاعب بحلقات شعرها الحريري، فتميل في ~~مجرى واحد ينتهي إلى الشاب الغريب الذي عرفته أثناء السفر، وتذكر ما توسمته فيه من حميد ~~الأوصاف، وما عاينته من حبه، وانعطافه إليها، ثم نظرت إلى الطريق، وتمتمت قائلة: إنه لم يمر ~~من هنا هذا المساء كالعادة، فلا يبعد أن يكون قد توجه إلى السودان ... ويلاه ... إلى الخطر ... ~~إلى الموت، ولدى هذا التفكير تنهدت تنهيدا طويلا، وأمرت يدها على جبينها العاجي، ثم ~~تذكرت وعده لأبيها بأن يزورهما قبيل سفره، فعادت إلى التعلل بالآمال وصممت إن هي رأته أن ~~تفرغ جهدها في إقناعه بالعدول عن هذا السفر الشاق. ولكنها خافت أن ينم ذلك عن حبها، ويوضح ~~مكنونات قلبها لشاب لم تعرفه إلا منذ عهد قريب، وفي ذلك من التسرع والطيش ما لا يليق بمن ~~كانت مثلها قد ربيت في مهد الآداب والعلم، وغمرت بحنو والد كريم ليس له تعزية في الدنيا ~~سواها. # وفيما هي على تلك الحال تتقاذفها عوامل الحب وتتنازعها علائم الشرف والأدب، سمعت قرعا ~~خفيفا على باب حجرتها، فنهضت مسرعة وفتحت فإذا بخادمتها تقول: لقد أتى يا سيدتي رجل يدعى ~~الأمير عزيز، وطلب أن يرى سيدي والدك، ولما كان غائبا أتيت أسألك إذا كنت ترومين مقابلته ~~عوضا عنه. # فأبرقت أسرة روزه ورقص فؤادها طربا عند استماعها تلك البشرى، فأجابتها وهي تكاد تسقط ~~إلى الأرض من تأثير المفاجأة: إني آتية، فدعيه ينتظرني في غرفة الاستقبال. # فذهبت الخادمة، وأعلمته بذلك وأسرعت روزه فارتدت ثوبا بسيطا، وأقبلت إلى حيث ينتظرها ~~ذلك الضيف العزيز، وكانت تجهد عبثا في كتمان عواطفها البادية في وجنتيها الملتهبتين، ~~وجبينها المرصع بقطرات العرق، ولما أبصرها عزيز نهض وحياها باحترام عظيم، ثم قال لها بعد ~~قليل من السكوت: ها أنذا أتيت إجابة لدعوتكما الكريمة التي تفضلتما علي بها أثناء سفرنا ~~من باريز، وقد كنت أرغب في زيارتكما منذ وصولي إلى مصر، ولكن ms22 حال ذلك دون اهتمامي بالحصول ~~على إذن يرخص لي بمرافقة الحملة السائرة إلى السودان. ~~- مرحبا بك يا سيدي، فإننا ما برحنا منذ قدومنا هذا القصر نتحدث عن لطفك، ونترقب قدومك ~~كما وعدت، فهل أنت باق على عزمك من السفر؟ ~~- أجل يا سيدتي ، وأنا آسف لكوني أجد نفسي مضطرا إليه، فقد كنت قبل مبارحتي فرنسا قرير ~~العين، مسرور الفؤاد، أحسب أن السعادة والثروة والمستقبل محصورة في هذه الرحلة، ولكن لم ~~ألبث بعد مفارقة فرنسا أن تغيرت أحوالي وانتهى بي الضعف إلى التردد والرغبة في العدول ~~عنها، غير أني وجدت أخيرا أن لا بد لي من السفر مهما كلفني من الأتعاب ~~والمشقات. ~~- يتبين لي مما قدمت أنك أدركت صعوبة الإقدام على هذا العمل، وتصورت ما فيه من المشقة ~~والخطر، فعسى أن تنتهي الحال إلى العدول عنه بتاتا. ~~- إني لا أخشى الأخطار يا سيدتي، ولا أرهب الموت إذا كان ذلك في طلب الشرف والتقدم، ~~ولكنني أخاف ما هو أعظم من الموت، وأرغب فيما هو أثمن من الحياة. ~~- وهل من شيء أحب إلى الإنسان من الحياة؟ ~~- إن الحياة لا قيمة لها عند المرء ما لم يمازجها بعض الهناء، ويظهر في سمائها نجوم ~~الأمل، فإذا عزت عليه تلك الغاية وتسلط عليه القنوط، كانت الحياة في عينيه كالهباء ~~المنثور، فيزج نفسه في لجج الأخطار غير متحسر ولا آسف على مبارحة الحياة. ~~- إنك والحمد لله في مقتبل العمر، وزهرة الشباب، وفيك من الصفات الحسنة، والأخلاق الطيبة ~~ما يكفل لك الترقي وحسن المستقبل، فما الذي حدا بك إلى هذا القنوط؟ # فأجابها بنغمة رن صدى تأثيرها في فؤاد الفتاة وقال: إني شقي يا سيدتي. ~~- لا تقل ذلك بربك، واعدل عن تحمل أخطار هذا السفر، والانخراط في تلك الخدمة التي ليست ~~سوى ملجأ لذوي الهمم الضعيفة، الذين لا يرون من أنفسهم ميلا إلى التقدم، بل يفضلون احتمال ~~مصاعب العبودية على متاعب الاستقلال، وهؤلاء هم في مذهبي من الجبناء الذين لا تكون آخرتهم ~~سوى الخمول والكسل، وحياتهم سوى الذل وضياع الأمل، ms23 وعهدي بك منزها عن هذه الصفات، ميالا ~~إلى طلب التقدم والعلا، فلك مجال واسع في ميدان التجارة، وأنت أهل لأن تكون تاجرا، ولا ~~سيما أنك قد صرفت زمنا طويلا تتعاطى هذه المهنة، فسبرت غورها، وأحطت علما بجميع أسرارها، ~~فصمم على الاتجار في هذه البلدة، وأنا أسعى عند والدي كي يكون لك أكبر مساعد يغنيك عن ~~اقتحام أخطار هذه الحملة. ~~- أشكر لطفك يا سيدتي، وإني أبقى أبد الدهر ذاكرا حميد أخلاقك، وإن مت ففي ساعة ~~احتضاري أذكر حلاوة هذا الاجتماع، وإن عشت فرغبتي من الحياة التمتع بمثل هذه الدقائق التي ~~أحسبها أسعد أوقات حياتي، ومع ذلك ألتمس منك أن تسمحي لي بعدم قبول ما تكرمت علي به من ~~السعي وراء مصلحتي، إذ لا بد لي من السفر والتعرض لسيف البين في ساحات الوغى، فإما أن ~~ألقى حتفي، وإما أن أعود رافلا بحلل النصر، ووسامات الفخر، وحينئذ أزيل بيدي ما يحول من ~~العقبات بيني وبين منية فؤادي، فأستودعك الله يا ذات اللطف ويا معدن الكمال. ولي منة ~~أرجوها منك، وهي أن تذكريني في أوقات الفراغ صديقا لا يلذ له سوى ذكرك، ومقداما لا ~~يروعه الموت في سبيل الوصول إلى مقامك المنيع. # قال ذلك وتقدم نحوها مادا يده يلتمس الوداع، فخان الجلد فؤاد روزه عند مشاهدة هذا ~~المنظر المؤثر، فبدرت من عينيها دمعتان حبستا لسانها عن الكلام، فمدت يدها المثلجة وهي تفكر ~~فيما ستئول إليه الحال، وأنه بعد قليل سيرحل عنها وربما لن تراه فيما بعد. # أما الأمير فلما عاين منها ذلك التأثر استنار وجهه بابتسامة ممزوجة بالأمل، وجثا عند ~~قدميها قائلا: إنني أشكرك يا سيدتي شكرا جزيلا على ما ظهر منك من الحنو والإخلاص، فقد ~~أعدت السعادة إلى قلبي المدنف، ونزلت لآلئ دموعك بردا وسلاما على فؤادي الخافق، فسأبقى ~~خاضعا لأمرك وأجتنب السفر إذا كان فيه ما يؤلمك، وأترك العالم وما فيه من الطمع والثروة ~~والفخار، وألزم النسك والزهد، وإن كان ذلك يرضيك، فأنت دنياي ونعيمي، وفي يدك زمام سعادتي ~~وشقائي، فأمريني ms24 بما شئت فأكون لك من الخاضعين. # فشعرت روزه حينئذ بالندم عما فرط منها من الضعف، الذي نم على سرائرها لدى شاب لم تعرفه ~~إلا مدة السفر ما بين باريز ومصر، فجعلته يتمادى بحديث لم يكن قد طرق أذنيها، وخافت أن ~~يرميها بالطيش والزيغ، ولحظ عزيز منها ذلك الارتباك، فخشي أن يكون قد كدر مشاعرها ~~بحديثه، فأردف قائلا: إن حبي لك يا سيدتي عظيم جدا، ولكن احترامي إياك أعظم، وقد همت ~~بحسن سجاياك، وكمال أوصافك أكثر مما ولعت بجمال طلعتك، ولطف حديثك، فثقي بأنك عندي بمنزلة ~~الإله من الشعب، وبمقال الروح من الجسد، ولا تظني أني أقصد بحديثي أمرا أو أطمع منك بعهد، ~~فأنت في عيني أسمى من أن تنطال إليك آمالي، وترفع إلى مقامك الرفيع أبصاري، فإني أحبك ~~حبا لا يمكن وصفه، إذ إنه لا يرمي إلى غاية، وجل ما أشعر به لخدمتك بلا مقابل سوى أن ~~تكوني سعيدة بعيدة عن كل ما يعكر صفاء حياتك. # وكانت روزه مطرقة حياء، ووجهها يتلون بتلون شعورها، كأنه يعكس ما كان يسيطر في فؤادها من ~~التأثر والانفعال، ويبوح بما في ضميرها من السرور والهيام، حتى إذا انتهى عزيز من حديثه، ~~وساد السكوت حينا، رفعت رأسها، وقد ورد الخجل وجنتيها، وبعث السرور في عينيها شعاعا من ~~النور زاد في جمالها رقة وفي نظراتها تأثيرا، وقالت له: أشكرك أيها الصديق على ما جاء في ~~عباراتك من معاني الود، فإنها والحق يقال لأكبر دليل على شرف محتدك، وكريم أصلك. # فانحنى أمامها شاكرا، وودعها وانصرف. # أما روزه فلبثت بعد خروجه تردد في ذهنها كلماته، فيرقص فؤادها طربا، تبحث فيما انطوى ~~عليه من حسن الشمائل وحميد الخلال، فتزداد رفعة في عينيها رغما عن قلة ذات يده. # ثم نهضت وهي تقول: إن المال لا قيمة له عندي، ولا سيما أن ثروة أبي كافية لنا، بل ~~هنالك أمر أرمي إليه وشيء أقف فؤادي عليه، ألا وهو عزة النفس، وكمال العقل، وطهارة الحب، ~~فهذه صفات لا يعادلها مال الأرض طرا. # الفصل ms25 الحادي عشر # | التذكار # ومرت الأيام وتوالت الشهور، وعزيز لا يألو جهدا عن السعي وراء عمل يدرك منه بغيته، ~~وساعدته روزه على ذلك بأن سهلت له سبيل الاستخدام عند والدها، وكان يتردد في أثناء ذلك إلى ~~منزلها، ويتمتع بمشاهدة طلعتها الباهرة واستماع ألفاظها العذبة. # وكثيرا ما كان يبحث مع يوسف في وجوب توسيع دائرة أشغاله لما في ذلك من الأرباح الطائلة، ~~فاستصوب رأيه وعزم على اتباعه، ولم تكن سوى بعض أيام حتى أنشأ مصرفا عظيما وعين الأمير ~~مديرا له، لما كان يعهد فيه من الأمانة والاستقامة، ومن ذلك الوقت اشتدت العلاقة بينهما، ~~فكان عزيز يدأب النهار بطوله في العمل ويقضي سهراته في منزل يوسف، حتى توثقت الألفة بينهم ~~جميعا ولا سيما بين عزيز وروزه، فقد صفت لهما الأيام بتوفير فرص الاجتماع، فكانا يقضيان ~~الوقت بين نقر الأوتار والتنقل في الحديقة تحت ظل الأشجار، وهما فرحان بما قسم لهما الدهر ~~من الغبطة والسرور، قانعان لما نالا من الهناء والحبور. # وكان في الحديقة شجرة صفصاف كبيرة تتدلى أغصانها الكثيفة إلى الأرض، فتمثل غرفة طبيعية ~~أرضها مكسوة ببساط من نسيج الربيع، وأثاثها مقعدان مصنوعان من الصخور الاصطناعية. # فجلس المحبان يوما في ظل تلك الصفصافة، وباح كل منهما للآخر بما يكنه فؤاده الولهان، ~~وأقسما على الثبات في الحب حتى الممات، ثم تناول عزيز سلسلة ذهبية من عنقه، قد علق فيها ~~ذخيرة صغيرة كانت التذكار الوحيد عنده من والدته، وأعطاها إلى روزه راجيا أن تقبلها منه ~~عربونا لحبهما. # فأخذتها روزه شاكرة، وجعلتها حول عنقها، فتدلت الذخيرة حتى قلبها، فأدخلتها ضمن ثوبها بعد ~~أن قالت لعزيز والسرور يتلألأ في مقلتيها: سأحرص عليها حتى الموت. # فأجابها: أنت يا روزه شمس حياتي، وبدونك لا مطمع لي في الوجود. # وإنهما لكذلك، إذ أقبلت خادمة روزه وقالت: سيدتي، لقد حضرت صديقتك ماري وشقيقها ~~لزيارتك. # فنهضت روزه فرحة بهذا الملتقى، ودعت عزيزا لمرافقتها فحاول الانصراف معتذرا، ولكنها ~~ألحت عليه بالبقاء، وأسرعت أمامه للقاء ضيفيها. # أما هو فلبث واقفا هنيهة، وأفكاره متجهة نحو ms26 ماري تتجلى له بهيئتها اللطيفة، ونظراتها ~~الرقيقة التي لم تفارق مخيلته منذ رؤيته إياها، واجتماعه بهما مسافة الطريق بين مرسيليا ~~والإسكندرية، فارتاعت نفسه لتلك الذكرى، وشعر بشوق يدفعه إلى مشاهدتها، ولكنه رأى من ~~الصواب عدم الانقياد إلى هواه؛ خوف أن يقهر أمام تلك القوة الخارقة، أو يبدو من ماري ما ~~يفضح سرهما أمام من عاهدها منذ هنيهة ألا يكون لها في فؤاده شريكة، غير أنه ما لبث أن ~~عادت إليه شجاعته ظنا بأن ذلك الانعطاف الذي شعر به نحو ماري سابقا، لم يكن حينئذ إلا ~~لخلو قلبه من هوى من سواها، أما الآن وقد ملأ حب روزه جوارحه، فلم يعد في فؤاده مكان ~~لغيرها. # وعليه سار إلى حيث كان الثلاثة مجتمعين، وهو واثق من قوة جنانه وصدق وداده، غير أنه لم ~~تقع عينيه على عين ماري حتى بدا من الاثنين ارتباك وشى به خفقان القلوب، وشهد عليه ورد ~~الجنان، فحيا عزيز الجميع وجلس يبادلهم الحديث، وماري مصغية لكلماته التي كانت تنزل بردا ~~وسلاما على فؤادها الطاهر غبطة وحبورا، ولم تجتهد في إخفاء ما يخامرها من السرور بوجوده ~~أو تجتنب ما ينم على ميلها إليه، إذ لم تكن تعلم بما بينه وبين صديقتها من روابط الحب، ولو ~~علمت ذلك لما سمحت لأفكارها أن تتجه إليه، أو لقلبها أن يشتغل به؛ لأنها كانت أشرف طبعا ~~من أن تدخل بين حبيبين متعاهدين، وتفصل بين قلبين متحابين. # ولم تخف تلك الظواهر على روزه، ولكن ثقتها التامة بعزيزها وائتمانها جانب صديقتها حال ~~دون وصول سهام الغيرة إلى قلبها، فحملت ذلك منهما على محمل السذاجة والطهر، وسرت لما رأت ~~من إعجاب صديقتها به، علما بأنها ستبهج لدى إطلاعها على حبهما. # وكان فريد لا ينفك عن التحبب إلى روزه منتهزا فرصة اشتغال الآخرين بالحديث، أما روزه ~~فكانت تحدث الجميع ووجهها يطفح بشرا، وقد صممت على أن تطلع ماري على حبها لعزيز، ~~وتأتمنها على سرها في أول فرصة؛ لأنها لم تكن حتى تلك الساعة تخفي عنها شيئا. # الفصل ms27 الثاني عشر # | التهور # ففي ذات يوم خرجت روزه إلى الحديقة عند غروب الشمس، وأخذت تسير الهوينى بين الأشجار ~~والرياحين، وهي كلما وقعت عيناها على زهرة جميلة أسرعت إلى اجتنائها، حتى جمعت مقدارا ~~وافرا، فضفرت منه إكليلا، وزينت به رأسها، وجعلت ما بقي فوق صدرها فإذا بها كآلهة الجمال، ~~وأخذت تتثنى بين الزهور والورود فتعيرها لونا من ورد وجنتيها، وتزري بأغصان البان قدا ~~واعتدالا، وهي سكرى بخمرة الحب ونشوة الصبا، وبعد أن خطرت نحو ساعة في تلك الروضة الغناء ~~استولى عليها التعب، وعقد العرق لؤلؤا على جبينها الوضاح كزنبقة رصعها ندى الصباح، فاتخذت ~~لها مكانا أمام جدول الماء الصافي، ولم يستقر بها المقام حتى رأت أباها مقبلا، فأسرعت ~~إليه وعانقته. وكان والدها كلما طال نظره إليها يزداد شغفا بها فيعود إلى ضمها وتقبيلها، ~~ذاهلا عن وجود شخصين كانا قادمين برفقته لأشغال لهما معه، فبعد أن أروى غليل القلب من ~~عناق ابنته، عاد إليهما معتذرا، وسار معهما إلى غرفة قريبة من مدخل الحديقة، قد خصصت ~~للمفاوضات في أمور الأشغال. # فعادت روزه إلى مكانها، وأخذت تسرع نظرها في الفضاء، وكان القمر قد لاح في قبة السماء، ~~فأرسل ضوءه من خلال الأغصان مبددا جيوش الظلام المتكاثف حولها، وهب النسيم يداعب شعرها ~~الحريري، ويلاعب عطفها المياس، فتغار الأغصان من لينه، فيسمع لحفيف أوراقها تنهدات فيها ~~خرير المياه. # وبعد قليل سمعت وطء أقدام قريب، فمالت بنظرها نحو الحديقة فرأت عزيزا، فأسرعت إليه ~~والسرور يتلألأ في محياها، ولم يتمالك عزيز لدى رؤيتها أن صاح: ما أجملك يا روزه! وما أعظم ~~سلطانك على قلبي! إني كلما أطلت النظر إليك وأكثرت من معاشرتك، يظهر لي من سحر جمالك ونبل ~~صفاتك أسرار لم أكن أدركها قبلا، فيا حبذا لو تعلمين مقدار حبي وافتتاني بك. # فابتسمت روزه وهمت أن تجيبه، ولكنها توقفت إذ رأته قد ابتعد عنها خطوة وقال لها بصوت ~~خافت: إني أسمع صوت أناس قريبين منا. ~~- هذا أبي وزائران في الغرفة المحاذية لنا، يتذاكرون في أمور تختص بأشغالهم. # فأصغى ms28 عزيز قليلا، وإذا بأحدهم يقول: «سأشتري خمسين ألف قنطار»، فأجابه آخر: «تلك ~~مجازفة»، فقال يوسف: «كلا، فإن أسعار القطن لا بد أن ترتفع ارتفاعا عظيما.» فقال ~~الثالث: «لقد جرأتماني على الاتحاد معكما.» # فأصاخ عزيز سمعا لحديث القوم، حتى إذا ما انفض مجلسهم تأكد لديه أن الأسعار ثابتة ~~الارتفاع، فوسوس له حب الكسب ابتياع كمية وافرة من القطن على حسابه الخاص؛ لينال منها ~~أرباحا طائلة، ولكن أنى له المال للحصول على بغيته، ذلك كان شغله الوحيد وفكره الجديد، ~~فلحظت روزه منه بعض الارتباك فسألته عن ذلك، فلم يشأ أن يبوح لها بشيء، ثم صعدا إلى القصر ~~حتى حان وقت العشاء، فجلسوا على المائدة، وكل منهم لاه بفكره عن غيره، فيوسف يؤمل النفس ~~بالأرباح الطائلة، وعزيز يبحث في سره عن وسيلة تمكنه من إحراز الثروة، وروزه تجهد النفس في ~~معرفة الأسباب التي أوجدت في عزيز بعض التغيرات؛ ولذلك كان السكون مخيما عليهم، لا يسمع ~~بينهم سوى قعقعة الصحون، وبعض كلمات موجزة دارت على أفواههم، ثم نهضوا عن العشاء، وجعلت ~~روزه توقع بعض الأنغام على البيانو، ووالدها وعزيز يدخنان في زاوية أخرى، وكلاهما متظاهر ~~بالإصغاء إليها، ولم يكن إلا قليل حتى انتصب عزيز فجأة، وظهر على محياه ابتسامة الظفر ~~لفكر مر في خاطره فأمله بالفوز العظيم، فودعهما وخرج هائما يخبط في هواجسه، فتارة يثب وثبة ~~الفرح والابتهاج، كأنه بلغ ذروة المجد والإثراء، وطورا يقف مذعورا تتنازعه الأفكار ~~ويصارعه الجزع. # ولما كان اليوم التالي، أقام يوسف حفلة شائقة تذكارا لمولد ابنته التي قد أتمت سنتها ~~الثامنة عشرة، فدعا إليها بعض المقربين من أصحابه، ولما دنت الساعة المعينة وفد المدعوون ~~تباعا، فكانت روزه تقابلهم بوجه يتلألأ بشرا وإيناسا، حتى امتلكت أفئدة القوم بباهر ~~طلعتها وسحر بيانها، وكانت صديقتها ماري أول من حضر مع أخيها فريد، الذي اتخذ له مكانا ~~قريبا من روزه، وجعل يراقب حركاتها ولفتاتها وفي وجهه ما يترجم عن خفوق فؤاده وشدة إعجابه ~~بها، ثم أخذ يحادثها بمواضيع لم تخرج عن دائرة الدعوة، ms29 معجبا بكمال الزينة وسلامة الذوق، ~~مادحا كرم الضيافة، متهللا بالأصوات الجميلة التي كانت تحرك القلوب على نغمات الأوتار، ~~أما روزه فكانت تصغي إلى كلامه وعيناها شاخصتان إلى الباب، كأنها تنتظر قدوم واحد من ~~الأصحاب، ولم يكن إلا قليل حتى أقبل عزيز فتهلل وجهها فرحا، وبرقت عيناها سرورا بما ~~أوضح لجليسها أن هذه هي الضالة التي تنشدها، ثم أقبلت إليه تحدثه بعبارات ملؤها الرقة ~~والحب، وانتقلت بعد ذلك إلى غيره فغيره فغيره، مظهرة من اللطف ورقة الجانب ما جعل الجميع ~~مأخوذين بسحر بيانها، ولطف حركاتها، ولبثت على تلك الحالة متنقلة من مكان إلى آخر حتى انتهت ~~إلى صديقتها ماري، وكانت جالسة على مقربة من عزيز تحدثه وعلائم الانشراح بادية على محياها، ~~فاقتربت منهما روزه ونظرت إلى ماري نظرة تعني بقولها: «أرأيت ما أجمله؟» أما عزيز فلم يقو ~~على الثبات أمام تلك النظرات الطاهرة فنهض هاربا من أمامها، أما روزه فسارت مع صديقتها بين ~~صفوف المدعوين إلى أن انتهت إلى حيث كان فريد جالسا على انفراد، وأفكاره سابحة في بحور ~~الهواجس، فلما شعر بدنوها انتعش فؤاده لما رأى من اهتمامها به، ونهض إجلالا لها، فقالت له: ~~علام أنت منفرد هنا يا سيدي، كأنك تأبى مشاركة الجميع بأفراح هذه الليلة. ~~- كلا يا سيدتي، بل أراني في ذروة الفرح والسرور لوجودي بينكم، وأحسب هذه الدقيقة التي ~~شرفتني فيها سيدتي ببعض عنايتها لهي أسعد أوقات حياتي. # فشكرته روزه بابتسامة أجهزت على فؤاده الجريح، ودعته لمجالسة الجميع المتألبين حول موائد ~~المدام، فسار وامتزج معهم، وأخذ يحدثهم في كل موضوع مستطاب، ويورد الأحاديث المفيدة، ~~والنكات المستظرفة برقة وفصاحة لا مزيد عليهما، مما دل على سعة اختباره، وعلو مكانته في ~~العلم والأدب، فاشرأبت إليه الأعناق وحدقت إليه الأبصار، والكل معجب بذكاء عقله وقوة ~~جنانه، وبعد قليل صدحت الموسيقى بأنغامها اللطيفة، تلاها أصوات المغنين فكف القوم عن ~~الحديث، وجلسوا يترنمون على نغمات المثالث والمثاني، ويرسلون أصوات الابتهاج ويبدون إشارات ~~الاستحسان. # وفي أثناء ذلك لحظت روزه بعض التغيير في حركات ms30 عزيز وسكناته، إذ أصبح محبا للانفراد، ~~وكثيرا ما سألته عن السبب فكان يتكلف الابتسام محاولا إخفاء ما يقلق فكره ويتنازع لبه من ~~الأسرار، فتأثرت لحالته اعتقادا منها أنه دائم الاهتمام في إيجاد واسطة ينال بها ثروة ~~تؤهله للاقتران بها، وهي بغنى عن كل ذلك ما دام أبوها غنيا وهي الوحيدة عنده، فأخذت ~~تباحثه برقتها المعهودة ودلالها الفتان؛ لتسري عنه ذلك الاضطراب. أما هو فلم يزده ذلك ~~إلا تألما وعذابا، إذ رأى نفسه دونها منزلة وإخلاصا، فإنه على شدة هيامه بها يشعر ~~بميل عظيم نحو ماري، ويرتاح لرؤيتها واستماع حديثها، ولكن إذا غابتا كلتاهما من عينيه لا ~~يفكر إلا بروزه، ولا يكون لماري نصيب من الذكرى والشوق اللذين يشعر بهما نحو حبيبته، وعليه ~~فقد كان محبا لماري، عاشقا لروزه، أسيرا للهواجس والكآبة. # وبعد انقضاء الحفلة ودع القوم أصحاب المنزل وانصرفوا شاكرين. # واختلت روزه في غرفتها فأطلقت العنان لتصوراتها بقية ذلك الليل، فكان تارة يبدو لديها طيف ~~عزيز، وقد كللت جبينه الكآبة، وأذل جفنيه الانكسار فيتقطع قلبها شفقة لحالته، وطورا يخيل ~~لها أنه قد تردد في حبها، وندم على تقيده معها، فينفطر فؤادها جزعا، وتفكر في وجوب ~~ابتعادها عنه وحله من عهوده السالفة، ولكنها لا تلبث أن تسخر من أفكارها وتلوم ذاتها على ~~سوء ظنها به، وهو الذي ضحى بمستقبله، وما كان يؤمله من التقدم والإثراء في الاغتراب إذعانا ~~لأمرها وإجابة لإشارتها. # ومر أسبوع على تلك الليلة دون أن يتقابل المحبان، فارتبكت أفكار روزه وحسبت لانقطاع عزيز ~~عن زيارتها ألف حساب، ولما عيل صبرها وسئمت الانتظار، عزمت على الاستفهام من أبيها، ولكنها ~~لم تجسر على السؤال خوف افتضاح أمرها، وانكشاف سرها، فتسلحت بسلاح الصبر والجلد حتى يأتي ~~الله أمرا كان مفعولا. # الفصل الثالث عشر # | خيانة # أما عن سبب غيابه، فإنه حدث أنه تقابل مع فريد، فدعاه إلى الذهاب برفقته مساء لحضور ~~التمثيل في الأوبرا الخديوية، فأجابه إلى ذلك وسار معه، وكانت تلك أول ليلة غاب فيها عزيز ~~عن منزل يوسف منذ اشتدت ms31 علائق الود بينه وبين روزه، فبعد أن سار هنيهة مع رفيقه فكر في ~~حبيبته وما يكون من تأثير غيابه عليها بعد أن تعودت تمضية السهرات بقربه، فخطر له أن ~~يعتذر إليه ويعود إلى أعقابه، ولكنه خجل أن يفعل ذلك، بعد أن وعد صديقه بالذهاب، فواصل ~~السير معه مضطرا إلى أن انتهيا إلى قاعة التمثيل، وبعد أن استقر بهما المقام أجال عزيز ~~نظره في الجموع، فأبصر ماري مع أبيها في إحدى المقاصير (الألواج)، وهي مزينة بأفخر الحلي ~~واللباس حتى يخالها الناظر حورية من حور الجنان. # فاضطرب عزيز أي اضطراب، كأن سلكا كهربائيا قد مسه، ولا سيما إذ رأى ماري قد صوبت ~~نظرها إليه باسمة، وأشارت بالسلام، وكان إشراق وجهها، واحمرار وجنتيها ينمان على خفوق ~~فؤادها، وشدة ميلها، فحاول التشاغل عنها وعدم النظر إليها، ولكن قوة كانت تدفعه إلى ~~مبادلتها النظر والابتسام. # ولما أسدل الستار تفرق الجميع طلبا للراحة، فدعا فريد عزيزا لمرافقته إلى حيث أبوه ~~وأخته، فسار معه مسرورا، وقضى بقية السهرة قرب ماري لا يرفع نظره عنها، ولا يمل من استماع ~~ألفاظها، أما هي فكانت كل نظرة وإشارة منها تنبئه بشدة تعلقها به، وهيامها بحميد أوصافه، ~~وهكذا لم تمض السهرة حتى زال رسم روزه من مخيلته، وساد مكانها جمال ماري ورقتها. # وبعد انتهاء التمثيل خرج الناس أفواجا، وكان عزيز يسير مطرقا، وقد التهب دماغه من شدة ~~الانفعال، إذ ما لبث أن بدا أمامه طيف روزه معنفا شاكيا بما جعله يطفر على غير هدى ~~تخلصا من عذابه الداخلي، وكان فريد قد انفصل عن والده ورافق عزيزا مسافة لحظ من خلالها ~~ارتباك أفكاره، فسأله عما به، فأجابه: إني مريض. وهكذا ما صدق أن وصل إلى منزله، فودعه ~~فريد واعدا بأن يزوره في اليوم التالي. # وعاد في اليوم التالي مساء فوجده على أتم ما يكون من الصحة، فمكث معه حينا من الزمن، ثم ~~خرجا معا في قصد النزهة في جهة الأزبكية، ولم يسيرا طويلا حتى اقتربا من منزل فريد، فدعا ~~هذا صديقه لزيارته ms32 فلبى طلبه مسرورا، وقضى عنده ساعة تمتع فيها بمجالسة ماري ومؤانستها، ~~ثم تعددت زياراته بعد ذلك لعائلة حبيب، واشتدت الألفة بينه وبينهم حتى كاد ينسى علاقته مع ~~روزه ويهجر ودها. # وشعرت روزه بتغير فؤاد حبيبها وفتور حبه، فداخلها ريب في أمره، وباتت تتوقع خلوة معه ~~تستطلع فيها حقيقة نيته وأسباب تغيبه. # وفي صباح أحد الأيام نهضت روزه باكرا إلى الحديقة، تستنشق من نسمات السحر ما ينعش فؤادها ~~المضطرب، ويخفف عن صدرها أثقال الأشجان، وتستقبل بوجهها حبيبات الندى، أمل أن تلطف من ~~قلبها نيران الشوق والقلق، ثم جلست على مقعد خشبي، وجعلت تلاعب بكفيها الصغيرين زهورا ~~منتشرة حولها، كأنها جيش صغير خاضع لأحكام مليكته، فكانت تارة تجني بعضها وتقربه إلى ~~أنفها، وطورا متنقلة على غير هدى، وأفكارها متجهة نحو عزيز تبحث عن أسباب انقلابه ~~وهجره. # وإنها لكذلك إذ طرق سمعها وقع أقدام، فنظرت وإذا بأبيها مقبل وعلائم الكدر الشديد على ~~وجهه، ووراءه عزيز منقبض الجبين منكس الطرف، وكلاهما مطرق على الأرض لا يلوي على شيء، إلى ~~أن بلغا باب المنزل وتواريا عن عينيها. # فبهتت روزه لهذه المفاجأة التي لم تدر لها كنها، ولذلك الانقباض الذي لم تفهم له سببا، ~~وطدت النفس على البقاء في الحديقة تنتظر خروجهما؛ لعلها تتمكن من الانفراد بعزيز فيطلعها ~~على جلية الأمر، ويلطف ما بها من مر الهواجس، وبعد حين أقبل موزع البريد وبيده رزمة كتب ~~وجرائد، بعضها معنون باسمها والبعض الآخر باسم أبيها، فأسرعت وانتقت منها ما يخصها من ~~الرسائل والجرائد، وعادت إلى مكانها تقتل الوقت بتصفحها، بعد أن أرسلت ما كان لوالدها مع ~~أحد الخدم. # فندعها وشأنها، ونسير بالقارئ في أثر الخادم إلى إحدى غرف القصر، وقد جعلها يوسف لأشغاله ~~الخصوصية، فكان يصرف فيها أكثر أوقاته بعد خروجه من مصرفه، وهناك كان يوسف جالسا وأخذ هيئة ~~الجد والاهتمام، وأمامه عزيز مطأطئ الرأس، ملتهب الصدغ، ينكت الأرض بطرف عصاه، بينما الآخر ~~يطالع ما جاءه به البريد آنئذ، وبعد سكوت قليل رفع يوسف رأسه وخاطبه قائلا: لقد ms33 وعدتني يا ~~عزيز بأن تكشف لي الغطاء عن القيمة المسروقة من مصرفي، وترشدني إلى السارق، فهات ما عندك من ~~المعلومات بهذا الصدد، إذ قد صرنا بمعزل عن كل بشر، وأنا أثق بكل كلمة تخرج من فيك، لما ~~أعهده بك من الصدق والاستقامة ، وإني لأبرئن ساحتك من كل شبهة وتهمة وإن تكن أمين صندوق، ~~وبيدك مقاليد عملي، وأنت وحدك المسئول عن كل ما يحدث فيه من الخلل، إذ إنك أنت في عيني أرفع ~~من أن تقدم على مثل هذه الخيانة التي تثبتها عليك قرائن الأحوال، فما عليك إلا أن تقول ~~كلمة فتنفي بها عني الوساوس والهواجس. # ولما لم يحصل على جواب منه، نهض على قدميه وأخذ يخطر في الغرفة ذهابا وإيابا، ثم قال ~~له: قل لي بحقك من السارق؛ لينال جزاءه عاجلا، فقد سبقت وقلت لي إنك تعرفه وأنك مستعد لأن ~~تبوح لي باسمه. # فنهض عزيز حينئذ، وتقدم نحوه بجرأة، وكشف صدره بهدوء، وقال له بصوت ثابت: خذ خنجرك، ~~وأغمده في صدري، فإني أنا السارق الخائن. # ولو أن صاعقة انقضت على يوسف في تلك الساعة، لم يكن لها تأثير أعظم من تأثير تلك ~~الكلمات على فؤاده، الذي كان مفعما بمحبة عزيز حتى تلك الساعة، وعلى الرغم من اعترافه ~~بالجريمة، كان يحاول أن يوهم نفسه بأن ما يسمعه غير الحقيقة، أو أنه في حلم، وبعد قليل نظر ~~إليه وقال له: ما هذا الذي أسمعه منك يا عزيز؟ وكيف أقدمت على هذه الفعلة الشنعاء؟ وما الذي ~~دفعك إلى ارتكاب هذه الخيانة؟ أنت يا من اتخذتك بمنزلة ولدي، وائتمنتك دون سائر أقرانك على ~~أشغالي وأموالي! # فلم ينبس عزيز ببنت شفة، ولكن التهاب وجنتيه واحتراق الدمع في مقلتيه كانا يترجمان عما ~~تأجج في صدره من التأثر والانفعال، وبعد سكوت قليل قال له يوسف: إني أشفق عليك كثيرا، وآسف ~~لكوني سلمت جميع أعمالي إليك، ووثقت بحسن خلالك، وجليل صفاتك حتى تمكنت من التصرف بأموالي ~~على حسب رغبتك، فأنت خائن إذن، ولا بد أن تستوفي العدالة منك ms34 حقها، فاستعد للدفاع عن ~~نفسك في مجلس لا يخفى فيه نور الحق ولا يموه الباطل. ~~- ليس لي ما أدافع به عن نفسي، بل على العكس فإني أقر أمامك وأعترف بأني مجرم أثيم، قد ~~خدعتك وسلبت خمسة آلاف جنيه من خزينتك، فذنبي عظيم أستحق عليه أعظم عقاب، والرحمة التي ~~أرجوها منك هي ألا تسلمني ليد الحكومة، بل أن تقتص مني بيدك وتفرض علي ما تريد من ~~العقاب فأقبله طائعا. ~~- إني لم أكن قط آلة انتقام من الجانين، بل لي أن أطالب بحقي، وعليك أن تتحمل ما يفرضه ~~عليك القضاء من الجزاء. # فصاح عزيز بصوت يفتت الأكباد: لا تكن يا سيدي قاسيا إلى هذا الحد، ولا تدع الجبن يتسلط ~~على قلبك، فكما سرقت أموالك بيدي اقتلني بيدك، وارحمني من عذاب يعذب القتل دونه. # فلم يجبه يوسف، بل نهض مغضبا وسار نحو الباب تاركا عزيزا في حالة من الذل واليأس يقصر ~~عنهما الوصف، وذهب إلى مخدعه، ففتح خزانة صغيرة في إحدى زواياه، وأخرج منها أوراقا تختص ~~بأشغال مصرفه، وجعل يبحث فيها استعدادا لرفع دعواه على عزيز. # أما عزيز، فبعد مرور بعض دقائق أجال نظره في الغرفة فرأى نفسه منفردا، فأطلق لعبراته ~~العنان، وكان صوت زفيره وشهيقه يرن في أنحاء الغرفة، ولبث على تلك الحال مدة لم ير في ~~نهايتها مهربا له من ذلك العار سوى الانتحار، فصمم النية عليه، ونهض متثاقلا يقصد منزله، ~~وكان يود حينئذ مشاهدة روزه والتزود منها بنظرة أخيرة، ولكنه رأى نفسه لا يقوى على المثول ~~أمامها واحتمال احتقارها، فسار على غير هدى إلى مكان في الحديقة، كان يذهب إليه في ساعات ~~الهناء، وجلس على صخر طالما جلس عليه مع حبيبته، وأخذ يستنشق نسيمات عطرتها أنفاسها، ويلثم ~~أرضا وطئتها أقدامها، وهو يكاد يجن أسفا وحسرة على فقد سعادته، وخسارة آماله، ثم نهض ~~مودعا تلك الرياحين والأزهار، محملا إياها كثيرا من القبلات والأسرار. # وبينما هو يدير نظره في تلك الأنحاء، إذ أبصر على مسافة قريبة منه جريدة مفتوحة تغطي ~~جسما ممددا ms35 على الحضيض، لم يلبث أن عرف أنها حبيبته، فطار صوابه إذ رآها ملقاة على ~~الأرض، وأسرع ليعلم ما الخبر! فنزع الجريدة عنها فظهر له وجهها مصفرا كالأموات، وليس بها ~~حركة تدل على الحياة، فأدرك أنها لا بد أن تكون قد اطلعت على جريمته، ووقعت على خيانته ~~منشورة في الجريدة التي كانت تقرؤها، فبحث عنها فوقع نظره في محلياتها على ما يأتي: سرق من ~~خزينة الشهير يوسف رافائيل مبلغ خمسة آلاف جنيه، وقد وقعت الشبهة على أمين صندوقه، إذ يقال ~~أنه ابتاع كمية من القطن في الأسبوع الغابر؛ آملا في صعود أثمانه فخانه الأمل، وقد خسر ~~بسقوط الأسعار خمسة آلاف جنيه، وهي القيمة المفقودة من الخزينة، والتحقيق جار. # فزفر طويلا ثم انحنى فوق حبيبته، وأدنى أذنه من قلبها، فشعر بنبضات خفيفة فعلم أنها لا ~~تزال حية، وما ذلك سوى إغماء بسيط، نتج عن شدة كدرها لدى تلاوة تلك الأسطر، فجعل ينضح وجهها ~~بالماء، ويناديها بصوت خائر إلى أن عاد إليها الشعور فتنهدت تنهيدا عميقا، وفتحت عينيها، ~~وحالما وقع نظرها على عزيز تصاعد الدم إلى وجنتيها، ومالت عنه بأنفة وازدراء، فتمتم المسكين ~~قائلا: إنها تحتقرني. # فأجابت روزه وقد طفحت مقلتاها بالدموع، وخنق صوتها البكاء قائلة: قل لي إنك بريء مما ~~اتهمت به، فتبدد عني غيوم هذه الأحزان. # فلم يجسر عزيز على الجواب، بل غطى وجهه بيديه وبكى. # فصاحت متأوهة: يا إلهي! ما هذا المصاب؟ إنه لا يجسر على دفع التهمة، فهو مجرم، آه ما ~~أشقاني! # فقال لها: العنيني يا روزه، وابغضيني، واحتقريني ما شئت، ولكن لا يمكنك أن تمنعيني من ~~محبتك وتحرميني عبادتك، فالوداع يا مالكة قلبي يا روزه، إن يدي أثيمة لا تطمع بمس يدك ~~الطاهرة، ولساني مدنس لا يجسر على التلفظ أمامك بغير كلمة الوداع، وقلبي المعذب لا يأمل ~~أن تسكب عيناك دمعة على لحدي، وهذا أخف جزاء أستحقه على إثمي، فالوداع الوداع ... # قال ذلك وأسرع هاربا نحو الباب وهو يقول: إلى الموت، إلى الموت. # الفصل الرابع عشر # | شهامة المرأة ms36 # أما روزه، فلبثت حينا ذاهلة تفكر فيما آلت إليه حالها، ثم نهضت وهي تكفكف العبرات، ~~واتجهت نحو منزلها، وقبل أن تلج الباب رأت أباها خارجا وبيده رزمة ورق، فتقدمت إليه، ~~وألقت نفسها بين ذراعيه، وانخرطت في البكاء. # فوقف يوسف لدى رؤية ابنته على تلك الحال، وجعل يقبلها، ويسألها عن سبب حزنها، ثم دخل ~~بها إلى إحدى المقاصير، وجلس على مقعد، ودعا ابنته إلى الجلوس. # فاقتربت روزه، وجثت على قدمي والدها، وقالت بنغمة تمازجها الرزانة والاحترام: صفحا منك ~~يا أبت عن ذنب اقترفته نحوك، وهو كتماني عنك أمرا كان يجب علي إفشاؤه إليك وإطلاعك ~~دون سائر الخلق عليه؛ هو أني همت بسجايا الفتى عزيز صديقك، وأخلصت له الود، وتعاهدنا على ~~الحب بعد أن نمت نواظرنا على أسرار قلبينا، وبرهن خفقان فؤادينا لكل منا ما لم تجسر ~~الألسنة على إيضاحه ... # ولما رأى ما بيننا من تباين المنزلة والثروة، صمم على الارتقاء إلى ذروة العلاء من أقصر ~~سبيل؛ لكي يتمكن في وقت قريب من مماثلتك والتشرف بمصاهرتك، فاقترض مبلغا من خزينتك آملا ~~بأن يربح أضعافه في البورصة، فيكون له منه عون على نيل مبتغاه، ولكن جرت التقادير بغير ~~المأمول، فعادت عليه النتيجة بالفضيحة والخسارة؛ وما ذلك إلا لأجلي. فأبتهل إليك يا أبت، ~~وأستحلفك باسم والدتي، وبأثمن تذكار لديك أن تسامح هذا الشاب، وتتنازل له عن هذا المبلغ ~~الذي خسره، بعد أن علمت أنه لم يقصد بذلك سرقة أموالك ونهب خزينتك، وأن تكذب ما جاءت به ~~الجرائد من الأقوال عنه؛ فتنقذ بذلك اسمه من العار ... # وإني أعدك وعدا صادقا شريفا، وأقسم لك بشرف أسرتنا بأنني لا أرضى باقتراني به بعد ~~الآن؛ ليثبت لك أن قصدي ليس إلا تخليصه من عقاب أنا كنت السبب في جلبه عليه، وعار لا ~~ينبغي أن نتركه يلتحف به، وإذا كان لا بد لك من شخص تعاقبه فليس لديك سوى ابنتك التي ~~سببت لك خسارة المال، وجلبت عليك العار والوبال، وها أنذا ذاهبة إلى الدير أقضي فيه بقية ~~حياتي؛ لأكفر ms37 عن سيئاتي، وإن لم يكفك ذلك فأنا مستعدة لأن أتحمل كل ما تفرضه علي ~~عدالتك، بشرط ألا يكون لي شريك في العقاب. # وكانت روزه تتكلم وفي لهجتها وحركاتها دلائل العزم والثبات، وكان والدها يصغي إلى كلامها ~~معجبا بشهامتها وعزة نفسها. ولما انتهت إلى هذه العبارة انحنى فوقها، فطوقها بذراعيه، ~~ووعدها بالصفح عن عزيز، ثم أنهضها وأجلسها إلى جانبه، وجعل يمسح دموعها بمنديله، ~~فقبلت يديه شكرا وامتنانا، ثم قالت وصوتها يخنقه البكاء: إن اليأس قد بلغ معظمه ~~من ذلك المسكين عزيز يا أبت، وأخشى أن يقوده ذلك إلى ما لا تحمد عقباه؛ لأني سمعته يقول ~~وهو خارج للمرة الأخيرة من منزلنا: إلى الموت ... إلى الموت. # فقاطعها الأب قائلا بحدة: ويحه من أحمق جاهل، فهل سولت له نفسه الانتحار؟ ~~- ربما كان ذلك. ~~- سأبعث بمن يأتي به إلي سريعا، فأبلغه صفحي عنه. ~~- ولكن ربما لا يأتي؛ فقد بلوت طباعه، وتحققت عزة نفسه، فهو يستسهل لقاء المنون على ~~المثول بين يديك الآن بعد إقراره أمامك بإثمه، ولا سيما أنه لا يعرف لأي سبب تدعوه ~~إليك، فهو لا يحلم بصفحك، ولا ترضى نفسه احتمال سخطك، فما ضر لو كتبت إليه كتابا تمنحه فيه ~~عفوك، وتضمنه بضعة أسطر تكذب أقوال الجرائد؛ حتى إذا ما حصل عليه زال منه اليأس، واستعمل ~~شهادتك فيما يبرئ ساحته ويصون اسمه، فإن حياته يا أبت مرهونة على كلمة عزاء، وربما تأخير ~~دقيقة قربه مسافة من القبر. # فأشار يوسف برأسه إشارة تعني أنه مقتنع من حديث ابنته، واقترب من منضدة صغيرة، فتناول ~~قلما وقرطاسا، وجعل يكتب وروزه واقفة وراءه دامعة الطرف، تنتظر بذاهب الصبر إنجاز تلك ~~السطور التي فيها حياة حبيبها وشرفه. # ولما فرغ يوسف من كتابة التبرئة، تلاها على مسمع من ابنته، وزاد على ذلك قوله: إني أعدك ~~يا ابنتي بقبول عزيز قرينا لك ما دمت تحبينه إلى هذا الحد، وما دام ارتكابه هذا الإثم لم ~~يكن إلا طمعا في الوصول إليك. # فارتمت الفتاة على قدميه تغسلهما بدموعها، وتشكره على ما ms38 أبدى من الرقة والانعطاف، ~~فأنهضها، وعانقها، ثم دفع الكتاب إلى أحد خدمه بعد أن عنونه باسم عزيز، وأمره بأن يوصله ~~إليه، وخرج بعد ذلك عائدا إلى مصرفه. # وجلست روزه بعد خروجه تفكر في حبيبها اليائس، وما كان عليه في تلك الساعة من الحزن، وما ~~ستئول إليه حاله بعد اطلاعه على صفح والدها، فتارة تمثله واقفا يودع الحياة بكلمات ~~محزنة، وقد صوب مسدسه إلى صدره وهو يستعد للموت، ويتحسر على حياة تضطره الأنفة والشهامة ~~إلى مفارقتها، وتارة تراه ممتدا على الأرض والدم يسيل من جسده، وقد فارقت ذلك القلب ~~الخافق حرارة الحياة، وغشي الحمام تلك العينين اللامعتين ففارقتهما نظرات الحنو والحب، ~~فتذوب محبتها لدى ذلك المشهد المؤلم، وتنادي الله بحرارة متوسلة إليه ألا يحقق ظنونها ~~وهواجسها، وأن يوصل إليه رسولها قبل فوات الوقت. # ثم جثت وحاولت أن تصلي ولكن دون جدوى؛ كانت تحاول جمع شتات أفكارها وتسكين ثائر بلابلها، ~~فما كانت إلا لتزداد تعمقا في المخاوف، ومما كان يزيد في غمها وقلقها ما ذكرته من المقابلة ~~الأخيرة التي تمت بينها وبين عزيز، وما أبدته له حينذاك من التحقير والازدراء، فخشيت أن ~~يكون ذلك داعيا لتماديه بالقنوط والانتحار رغما عن صفح أبيها، وعفوه، فكبر عليها الأمر، ~~وتمثل لها الخطر محدقا بعزيزها من كل جانب، وعظم عليها من جهة أخرى أن تكون سببا في ~~سفك دم زكي وقتل نفس بريئة، فسقطت في حيرة لا تجد سبيلا للمناص منها، ولا سيما وأن ~~الوقت لا يسمح لها بالتفكير والاصطبار. # وإنها لكذلك إذ رأت الخادم خارجا والكتاب في يده، وكان قد تأخر بعض دقائق لارتداء ~~ملابسه، فاستمهلته وأسرعت في الحال، فجعلت على رأسها قبعة، وسدلت على وجهها نقابا قاتما، ~~وسارت برفقته لا يهمها سوى نجاة حبيبها. وكانت تسير بأسرع ما يمكنها، وكلما بلغت منزلا ~~التفتت نحو خادمها منتظرة أن ترى منه إشارة تعني بأنه الضالة المنشودة، وإذ لا تجد منه ذلك ~~تعود إلى الاستغراق في تأملاتها مواصلة السير بهمة لا تعرف الكلل، وأفكارها متجهة نحو عزيز ms39 ~~تود لو يعيرها النسيم خفته، أو الطير جناحيه لتوافيه قبل أن يحل الأجل، ويسبق السيف ~~العذل. # وما صدقت أن رأت خادمها وقف أمام منزل صغير، وأشار إليه قائلا: هنا يا سيدتي. # ثم قرع الباب، ولبث كلاهما بانتظار من يفتحه. # وكانت الدقائق طويلة جدا في عيني روزه، التي مع ما هي عليه من الخوف على حياة حبيبها، ~~قد أدركت في ذلك الموقف عظم جرأتها، وعدم مناسبة خروجها من منزلها على تلك الحال خوف انكشاف ~~أمرها، وافتضاح سرها، غير أنها تذكرت وعد أبيها بقبول عزيز صهرا فهان عليها الأمر، وجعلت ~~تشجع نفسها، فلم تزد إلا قلقا وخوفا، وأخيرا شعرت بدوار، وضعف شديد، كادت تسقط لفعلهما ~~لولا بعض الأمل الذي كان يمدها بالقوة؛ لتقوم بما أتت لأجله، فاستندت إلى الحائط، وجعلت ~~يديها التي كانت أشبه بقطعة من الجليد على قلبها الخافق لتسكن اضطرابه، فما كان إلا ليزداد ~~خفوقا كلما تصورت دنو ساعة اللقاء، ولا سيما حين سمعت صوتا لخطوات خفيفة تقترب من ~~الداخل. # ثم فتح الباب، وظهر منه خادم عزيز، فسألته عن سيده، فأجاب أنه غائب. # فطلبت روزه أن يدخلها إلى مخدعه لتنتظر عودته، ظنا منها أنه لا بد أن يحضر ~~قريبا. # فسار أمامها في رواق انتهيا منه إلى ردهة صغيرة يدخل منها إلى حجرتين، فاقترب الخادم إلى ~~أحد البابين، وأشار إلى الزائرة بالدخول، ثم انحنى أمامها، وعاد إلى خادمها فرحب به، وجلس ~~وإياه قرب الباب يتحدثان كصديقين. # أما روزه فدخلت بخطوات مضطربة إلى أن توسطت الغرفة، فأجالت فيها نظرا مسرعا كأنها تبحث ~~عن محتوياتها، وتستطلع من مجمل أثاثها، وكيفية ترتيبها؛ ما كانت عليه حالة حبيبها لدى خروجه ~~منها، فرأت في إحدى زواياها سريرا تدل ظواهر حاله وشكل ثنيات الملاءة التي تغطيه على ~~استلقاء شخص فوقه دون اعتناء، فأدركت أن عزيزا لم يذق لذة الكرى في الليل الغابر، ولا ~~نزع عنه ملابسه، كما يتبين من أثر حذائه فوق الأغطية البيضاء. # ورأت إلى جانب السرير منضدة قد انتشر عليها بعض أوراق وكتب، فأسرعت إليها ms40 وكلها عيون ~~تبحث في تلك الأوراق خوف أن يكون فيها كتاب من حبيبها أو وصية منه شأن من يقدم على الموت، ~~ولما لم تر شيئا من ذلك اطمأنت أفكارها قليلا، وأعادت الأوراق إلى أماكنها، غير أنها ما ~~كادت تفعل ذلك حتى توقفت مبهوتة، إذ رأت بينها رسالة قد خطت بيد امرأة تعرفها، فحاولت أن ~~تغالط نفسها، ولكن غلب عليها سوء الظن، فتناولتها بيد مرتجفة، وشعرت بتلاوتها رغما عما كان ~~يخامرها من الارتباك والخجل لاقترافها جريمة سرقة الأسرار، فهي كما يأتي: # حبيبي عزيز # إني شاعرة بحبك لي، واثقة بصدق ودادك الذي باحت لي به نواظرك، ونم عليه اضطرابك ~~وخفوق فؤادك أثناء تلاقينا، فثق أن محبتي تماثل غرامك، وإعجابي بك يعادل حسن ~~سجاياك، وطيب خصالك، فتفضل بقبول تحية من لا تحيا إلا لأجلك ومن لا تجد سعادة إلا ~~بقربك. # محبتك ماري # ولو أن صاعقة انقضت حينئذ على رأس روزه لكان تأثيرها أخف وألمها أقل، فإنها لم تأت ~~على آخر تلك السطور حتى خارت قواها وتضعضعت حواسها، وشعرت في تلك اللحظة أن جميع آمالها ~~قد هدمت وتزعزعت دعائم أمانيها، فأعادت قراءة الرسالة؛ لتتحقق صحة معانيها، فلم يزدها ذلك ~~إلا حزنا ويأسا، فأعادتها إلى مكانها، وقد فهمت الآن معنى نظرات ماري وابتسامات عزيز، ~~واتضح لديها السبب في فتور عزيز وتغيبه عنها في الأيام الأخيرة، وأدركت أن من تسعى في ~~نجاته وتبذل المال لصيانة اسمه، وحفظ شرفه، قد خانها ومال إلى سواها لغير سبب. # فلبثت مدة واقفة ويداها مسترخيتان كمن به مس، والعرق البارد يقطر من جبينها، وسنان الحزن ~~يدمي أحشاءها، وأخيرا رفعت يدها بالرسالة التي تحملها من أبيها، وألقت عليها نظرة مفادها ~~أن هنا سعادة الاثنين وحياة الحبيبين، وأن تمزيقها يفقد الحبيبة حبيبها، ويحرم الخائن ~~أمانيه كافة، فإن ماري إنما أحبت منه حسن الخلال - كما أوضحت في كتابها - فإذا ثبتت عليه ~~التهمة زالت ثقتها منه، وأصبح مكروها لديها، ومحتقرا عند جميع الأصحاب، وحكم عليه بالسجن ~~ومر العقاب. # ثم تنهدت من كبد حرى، وأجالت نظرها ms41 في أنحاء الغرفة، وقد بدت في أسارير وجهها علائم ~~الإباء وعزة النفس، مع الأسف على آمالها التي حلت في واد غير ذي زرع. # ثم وضعت رسالة والدها على المنضدة، وسطرت على ظهر غلافها هاتين الكلمتين مذيلتين ~~بتوقيعها: «أنت حر.» # ثم نزعت الذخيرة التي كانت قد أهداها لها، فجعلتها فوق الكتاب، وخرجت من الغرفة بعد أن ~~أعادت على وجهها النقاب. # ولما اقتربت من الخادمين نهضا إجلالا لها، فدست في يد خادم عزيز قطعة من النقود، وأوصته ~~بكتمان خبر مجيئها، وأن يقول لسيده عند عودته أن بعض الخدم أحضر له رسالة وهي موضوعة على ~~مكتبه، فحنى الخادم رأسه علامة الطاعة. # الفصل الخامس عشر # | ماري # نذهب الآن بالقارئ الكريم إلى شارع الأزبكية، حيث يوجد قصر جميل البنيان في حديقة غناء ~~متسعة الأطراف، فيها من الأشجار والنبات والأزهار ما يشرح الصدر ويدهش الأبصار؛ فضلا عن ~~التماثيل على جوانب طرفها ومنعرجاتها، وهي منحوتة على أجمل شكل، وأحسن صنع، وجملة ظواهر ~~القصر وما عليه من الاتساع والزخرفة تدل على سعة يد أصحابه وسمو مكانتهم، أما داخله فمفروش ~~بالرياش الثمين، والتحف النادرة، والآثار القديمة؛ فضلا عن النقوش البديعة التي تزين سقوفه ~~وجدرانه. # فهناك كان يقطن حبيب نصر الله مع ولديه فريد وماري، ولا غرو فإن ثروته ازدادت كثيرا في ~~تلك الأيام؛ إذ كانت قد تضاعفت أثمان الأطيان، وارتفعت أسعار الغلال، فكان ذلك سببا في ~~إثرائه وكثرة غناه. # وفي إحدى مقاصير ذلك المنزل جلس حبيب وولداه يومئذ حول مائدة، وشرعوا في تناول الغداء، ~~وهم يتبادلون الأحاديث، ثم قص فريد على والده ما قرأ في الجرائد عن اتهام عزيز بسرقة مصرف ~~يوسف رافائيل، فأظهر والده الكدر، وتشوق كلاهما لمعرفة الحقيقة. # وكانت ماري تسمع ذلك، وفؤادها يتقطع حزنا وغما، فلما تفرقوا عن المائدة احتجبت في ~~مخدعها، وأطلقت لعواطفها العنان، فكانت كالمأخوذة لفرط ما حل بها من تأثير المصاب. # ولبثت على تلك الحال من التحسر والأنين حتى المساء، إذ دعيت للعشاء فاعتذرت، ولبثت ذلك ~~الليل في غرفتها تصعد الزفرات، وتسكب العبرات، ms42 لا تجد سبيلا إلى العزاء، ولا ذاقت أجفانها ~~لذة الرقاد. # ولما كان اليوم التالي أذاعت الجرائد خبرا يكذب ما نشرته بالأمس، واتصل ذلك بأسرة حبيب، ~~ولما تأكدت ماري من براءة حبيبها فاضت مدامعها سرورا، وحمدت ربها على أن ما بلغهم عنه لم ~~يكن شيء من الصحة، فكان مثلها حينئذ مثل من استيقظ بعد حلم مروع، فجعل يطرد ما بقي من ~~مخيلته من آثار تذكاره الشنيع. # الفصل السادس عشر # | القلب الأثير # وكان عزيز قد وافى منزله على أثر خروج روزه منه، فدخله وفؤاده طافح بالأحزان، وأفكاره ~~غارقة في لجج اليأس، فجلس أمام مكتبه، وأسند رأسه إلى يديه، وجعل يراجع ما في مخيلته، وما ~~مر عليه من الحوادث، وينظر آسفا إلى آثار تلك القصور التي كان يحاول بناءها في ساحة ~~الآمال، فقوضتها أيدي الظروف في لحظة من الزمن، وتركته يخبط في ظلام القنوط دون أن يجد ~~مناصا من حكم القضاء، أو وسيلة لدفع ذلك البلاء، وأخيرا ضاقت الدنيا في وجهه، فاندفع يسير ~~في الغرفة طولا وعرضا، ونيران الحزن تزداد في فؤاده اضطراما حتى غدا صدره كبركان ثائر، ~~ثم أخرج من جيبه لفافة تبغ، فوضعها بين شفتيه، واقترب من المنضدة يبحث عن نفط ~~لإشعالها. # فوقعت عينه اتفاقا على الذخيرة، وكانت لم تزل حيث وضعتها روزه مع الكتاب، فبهت لدى ~~رؤيتها، وتناولها بيده مستغربا أمر وصولها إلى مخدعه، ثم رأى العبارة التي خطتها أنامل ~~خطيبته على ظاهر الكتاب، فاتضح لديه سر الأمر، وشعر كأن خنجرا وخزه في فؤاده المفعم ~~بالحسرات، غير أنه لم يبد إشارة تدل على لومها وعتابها؛ لأن الحال التي أضحى فيها من صغر ~~النفس، ومرارة اليأس بارتكاب تلك الجريمة، لا يستغرب مثل ذلك الكره والنفار اللذين نالاه ~~منها باستحقاق. # ولم يكد يتصفح الكتاب حتى ازدادت نفسه صغرا أمام مكارم والدها، وانسحق فؤاده تحت تلك ~~الرحمة التي لم ير نفسه أهلا لها، فتفجرت مآقيه بعد طول الاحتباس، وشعر كأن حملا ثقيلا ~~قد تزحزح عن صدره، فطوى الكتاب ودسه في جيبه كمن يحرص ms43 على كنز ثمين، وسار توا إلى مصرف ~~صديقه يوسف بعد أن استفهم من خادمه عن كيفية وصول الكتاب والذخيرة إلى مخدعه، فأجابه ~~مموها أن بعض الخدم قد أحضرهما. # ولما بلغ المصرف قابله يوسف ببشاشته المعهودة، فأكب عزيز على يديه يقبلهما شاكرا، ويثني ~~على مروءته وشهامته، فطيب هذا خاطره، وبلغه صفحه شفاها، وفوق ذلك وعده بإبقائه في خدمته، ~~دون أن يوضح له الأسباب التي دعته إلى ذلك الانقلاب؛ حفظا لشرف ابنته وضنا ~~بكرامتها. # ومر ذلك اليوم والذي بعده وعزيز مواظب على أعماله في المصرف كالعادة، وأفكاره متجهة نحو ~~روزه يتلهف لمشاهدتها، ولا يجسر على زيارتها والمثول أمامها بعد الذي تحقق من كرهها ~~ونفارها، فحاول سلوها والتشاغل عن ذكرها بممارسة الأعمال ومعاشرة الخلان. # وكثيرا ما كان يزور أسرة حبيب، فيصادف بينهم كل ترحيب وإكرام؛ ولا سيما ماري التي لقي من ~~أنسها وانعطافها ما حبب إليه كثرة التردد، وساعده على مداواة جرح الفؤاد، غير أنه كان إذا ~~خلا بنفسه تتمثل له روزه بكامل أوصافها وجمال طلعتها؛ فيرى نفسه صغيرا لدى عظمة ذاتها ~~ذليلا أمام عزة نفسها، فيحاول الهرب من تلك الأفكار، والتشاغل بذكر ماري التي أسرت لبه ~~بخفة روحها، وتهالكها في سبيل رضاه، فيقابل بين الاثنتين، فيجد بونا في أخلاقهما يحاكي ما ~~يجده من الفراق في حبه لكلتيهما، فكان مع شدة ميله إلى ماري وارتياحه لعشرتها، لا يشعر ~~نحوها بما لروزه من السلطة على فؤاده والاستسلام لسلطان هواها، بل كانت منزلتها من قلبه ~~منزلة لعبة يلهو بها عن أتراح الدنيا وأثقال الحياة. # ولنعد الآن إلى روزه، فإنها عادت منزلها مظلمة الوجه جامدة العينين، يخيل لمن يراها أنها ~~في حالة سكون وهدوء، لولا ما يرى من اضطراب خطواتها واتساع حدقتيها وشرود بصرها، فكانت ~~تخطر في مخدعها ذهابا وإيابا وأفكارها ذاهلة وتنهداتها متواصلة، وأحيانا تقف فجأة كمن به ~~مس، فتفرك كفيها بمرارة، ثم تعود إلى أسرع من مسيرها الأول دون أن تستقر على حال، كأنها ~~تطلب ملجأ من ذلك اليأس الذي سقطت فيه آمالها، أو ms44 تبحث فيما يلطف نيران الأشجان المتقدة في ~~أحشائها، وأخيرا شعرت بخور عزيمتها، وضيق صدرها، بحيث لم يعد يمكنها الاستمرار على تلك ~~الحال؛ فانطرحت على مقعد مستسلمة لعوامل الأحزان، فكان قلبها يخفق بشدة وصدرها يكاد ينفجر ~~بما جرعته من غصص الكرب، وما عتمت بعد ذلك أن هطلت دموعها ففرجت همها، وأطلقت نفسها من ~~عقال اليأس، فاستوت جالسة، وأخذت رأسها بين يديها، وهامت في بيداء التفكير. # وبينما هي كذلك، إذ أومض برق الأمل في فؤادها فأنعشه، فرفعت رأسها، وتنهدت طويلا كمن ~~اهتدى إلى حل لمشكل اضطرابه، وقالت: أجل، إنها هائمة به، وقد أقرت له بذلك ... ولكن ... هو ... ~~هل يهواها ...؟ وهل كتب لها ...؟ آه من لي، فيطلعني على حقيقة الأمر، ويزحزح عن بصري غمامة ~~تعذب دونها ظلمة القبر؟ هي الأيام بيننا، وسنرى ما يأتي به الغد، فإذا كان لم يزل على وده ~~وإخلاصه، ولم يدخله من هوى ماري ما يجعله يفضلها علي، فلن يلبث أن يأتي معتذرا ~~مستعطفا، بحيث يعيد المياه إلى مجاريها بكلمة من فيه، ولا سيما بعد الذي رآه من صفحنا ~~عنه وشدة تعلقي به، وأما إذا كان هوى ماري قد محا رسمي من فؤاده، فيحسب علمي إلهاما من ~~السماء جاء طبق غايته ومراده، فحينئذ لا يجب أن آسف عليه، أو أن أجعل قيد هواي واسطة ~~للحصول عليه. # ومضت بعد ذلك بضعة أيام وعزيز لم يعد إليها، فأخذ أملها الأخير يضمحل، وثقتها برجوعه تقل، ~~إلى أن تلاشى الخيط الأخير من حبال رجائها، فقامت عندها قيامة الأحزان، ولازمت العزلة ~~والنواح إلى أن هزل جسمها، وأصبحت لا تقوى على الخروج من منزلها؛ لفرط ما حل بها من ~~الضعف والسقام، فكانت تصرف أكثر أوقاتها بالقراءة، وتارة تلهي نفسها ببعض أشغال يدوية، ~~وأحيانا تخرج إلى الحديقة مستندة إلى ذراع خادمتها، فتجلس في ظل الأشجار، وتذكر أياما ~~قضتها مع الحبيب بين خرير المياه وتغريد الطيور، وتنظر حولها حينئذ فترى نفسها وحيدة، ~~لا أنيس لها سوى بعض الأزهار، وقد مالت نحوها كأنها شاعرة بنيران أحزانها لتلطفها بماء ms45 ~~خضرتها، فتنحني روزه لاستنشاق عبيرها كوالدة تتكلف تقبيل طفلها، وقد طوق عنقها بذراعيه ~~الصغيرتين قصد أن يكفكف ما يراه من الدموع المنحدرة على خديها. # ودامت الحال كذلك بضعة أشهر وروزه لا تعرف سلوا، فجفاها الرقاد ليلا، وضاقها الهم ~~نهارا، بحيث لم تعد تكف عن البكاء إلا إذا حضر والدها، فتتكلف الابتسام رحمة به، إذ لحظت ~~أنه شاعر بفرط حزنها، يتألم لآلامها، وينتعش لابتسامها. # ولما رآها قد تمادت بالأحزان، عرض عليها أن يستدعي عزيزا، ويصرح له عن رضاه به صهرا، ~~إذ ظن أن اجتنابه زيارتهم ناتج عن خجله وخزيه، فرفضت روزه ذلك بأنفة شاكرة والدها على ~~اهتمامه بأمرها. # وكان فريد يتردد إلى منزل يوسف من وقت لآخر، وقد تشبع فؤاده من حب روزه، وتملك هواها قيد ~~رشده، فجعل يتحبب إليها ويتقرب منها بما يشف عن نية صالحة وصداقة طاهرة، فلم تبال به أو ~~ترحم فؤاده؛ لأن هوى عزيز كان قد استوطن قلبها، وملأ جوارحها، فلم يترك مكانا لمن ~~سواه. # ولم يفت فريدا شيء من حركاتها وتماديها بالغم منذ افتراقها عن عزيز، فثبت لديه أنها ~~مولعة به، ولا تزال تؤمل عودته، ولكن علمه بزيغ عزيز عن هواها وارتباطه بشقيقته ماري رجح ~~لديه أنها سوف تعتزل ذكره يوما، وتنسى سابق وده متى اتضحت لها خيانته، وثبت لديها اقترانه ~~بمن سواها، وعلى ذلك بات: # يعلل النفس بالآمال يرقبها # ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل # بينما كانت روزه تتقلب على فراش الأحزان، وتتململ تململ الملدوغ، وتئن أنين الثكلان، كان ~~عزيز يمرح مع حبيبته ماري في بحبوحة الصفاء والهناء، وقد تعاهدا على الحب، وختم والدها ~~بخاتم رضاه على عهد الولاء، فماد بعطفها السرور، وذهبا يجران أذيال الغبطة والحبور، وتعين ~~يوم الخطبة بعد قليل من الزمن، فوزعت رقاع الدعوة على الأصحاب، ومن جملتهم أسرة ~~يوسف. # وما أن اطلعت روزه على هذا الخبر حتى تقطعت أحشاؤها حزنا ولهفا، وتساقطت نفسها حسرة ~~ويأسا؛ لأن المصاب لم يكن يحتمله قلبها أو يتسع له نطاق صبرها، فأصيبت على أثر ذلك بحمى ms46 ~~شديدة ذهبت بورد خديها، وأودت بنضارة جمالها، وتركتها رازحة تحت أثقال الداء، وهيئتها أشبه ~~بالأموات منها بالأحياء. # فهلع قلب والدها خوفا على حياتها، ولم يدخر شيئا من وسائل المداواة والتمريض لدفع العلة ~~عنها، وإعادة الطمأنينة والسعادة إلى فؤادها، وقد كرهت نفسه عزيزا وقبح ساعة عرفه فيها؛ ~~لأنه مصدر تلك الويلات، فجزاه بأن فصله من خدمته، وكان قد مضى زمن على السرقة، فلم يكن من ~~يذكرها، ولا علم السبب في طرده إياه. # ولازم فريد منزل يوسف مدة مرض ابنته، فكان يتنسم أخبارها من الأطباء والممرضات، ولوائح ~~الغم والقلق بادية على وجهه، تترجم عما في فؤاده من عواطف الحب والهيام. # ولحظ منه يوسف ذلك، فحاول أن ينهاه عن التمادي في الحزن رحمة بحياته أن تعبث به أيدي ~~القضاء، فما كان ذلك إلا ليزيد نيران فؤاده اضطراما، بحيث لم يعد قادرا على الصبر ~~والكتمان، فكاشف يوسف بأمره، وتوسل إليه أن يسمح له بابنته زوجة، فلم ير الأب في الفتى ما ~~يمنع من قبوله صهرا، فوعده بأن يجيب سؤاله إن هي شاءت ولم يسبقه إليها رسول البين. # غير أن الدهر رحم ذلك الوالد المسكين، فلم يشأ أن يزج شيخوخته في أعماق الأحزان، فلم ~~تكن إلا أيام قليلة حتى تماثلت ابنته، وأذن لها الأطباء بالتنزه في الحديقة، ومقابلة ~~المقربين من أصدقائها. # فتهلل فريد سرورا بسلامتها، وما صدق أن أذن له في مشاهدتها حتى أقبل إليها وفؤاده يخفق ~~جذلا وتأثرا، وعيناه تترجمان عن شدة حبه واحترامه لتلك الملائكية التي أكسبها السقام ~~جمالا غير جمالها، فكانت على ما بها من صفاء اللون ونحول الجسم فتنة للناظر وموضوعا لتغزل ~~الشاعر. # فقابلته باسمة ومدت له يد شفها السقم، فبدا للعين جمال تكوينها وتناسق أعضائها، فقبض ~~عليها مسلما وهنأها بالسلامة، ثم دعته إلى الجلوس، ودارت بينهما الأحاديث، فكان يورد على ~~مسامعها من العبارات المضحكة والنكات المستملحة ما خفف كربها، وأنعش نفسها، فارتاحت ~~لمؤانسته، وأصبحت منذ ذلك الحين تميل إلى مجالسته. # غير أن الضربة التي أصابت فؤادها، وجرحته جرحا غير قابل ms47 للاندمال، قضت على آمالها بما ~~لم تر معه بدا من الصبر والاحتمال، فتجلدت على هذا المصاب الأليم بعد أن تأكدت خيانة ~~عزيزها، وفقدها لحبيبها الذي أضحى في اعتبارها كميت لا تفيد فيه العبرات، ولا تعيده ~~الزفرات، وأصبحت منذ ذلك الحين تميل إلى معاشرة الأصدقاء، وترغب في الأحاديث السارة، بعد ~~أن كانت تفضل الانفراد بأحزانها، وخيبة آمالها، والانزواء في سجن ريبتها وآلامها. # وقد شعرت حينئذ بحاجة إلى صديق يواسيها، ويضمد جراح قلبها الكسير، فتذكرت ماري، وتمنت لو ~~أن المصاب اقتصر على فقد خطيبها، ولم يتجاوز إلى صديقتها التي كانت تجد فيها شريكة ~~تشاطرها الغم وتقاسمها الألم، ولبثت على حالها من الوحدة والكرب، وليس لديها سوى فريد الذي ~~ما برح يتردد إليها صابرا على مضض نفارها صبر الكرام، قانعا منها بغنيمة النظر وما قل من ~~الكلام. # وبعد مرور الأيام، وطول عهد المصاب، أصبحت أقل نفورا من معاشرته وأكثر ميلا لاستماع ~~أحاديثه التي لم تكن تخرج عن دائرة الفكاهة والأدب. # الفصل السابع عشر # | الصديقتان # أقبل الصيف يجر أذيال نسماته الحارة بما يذيب، وهب الناس للاصطياف. وكذلك أسرة حبيب، فقد ~~صمموا على السفر إلى ربوع لبنان، أما فريد فأبى مرافقة والده وشقيقته مفضلا البقاء في مكان ~~يستنشق مع نسماته أنفاس حبيبته مستعلما عن أحوالها، وسير علتها من وقت إلى آخر، وقد ناب ~~عنه في صحبتهما عزيز، إذ لم يكن لديه من الأعمال ما يحول دون سفره. # ولما حان وقت السفر ذهبت ماري لوداع صديقتها، وحالما رأتها أبدت مزيد الأسف لما رأته فيها ~~من آثار السقام، وأسرعت فطوقتها بذراعيها، وقبلتها بلهفة وحنو، وهي تقول لها وفي صوتها ~~رنة حزن: أواه أيتها العزيزة، إني لم أكن أتصور أن أراك على هذه الحال من الضعف والهزال، ~~فلقد حضرت مرة لزيارتك بعد أن بلغني خبر انحراف صحتك، فلم يؤذن لي بمشاهدتك، فكنت أعود ~~بصفقة الخاسرين مواصلة الاستفهام عنك من وقت إلى آخر، إلى أن قيض لي مشاهدتك اليوم، ~~فالحمد لله على سلامتك. # فتجلدت روزه ما أمكن، وقبلت صديقتها ms48 بفتور، ثم جلستا، وأخذتا بأطراف الحديث، فقالت ~~روزه: كيف أنت يا ماري هذه الأيام؟ ~~- إني كما تتمنين لي من الهناء والرفاه، وقد عزمنا على الرحيل إلى سورية، فأتيت أتزود من ~~محياك قبلة الوداع. ~~- وهل عزمتم على الاصطياف فيها؟ ~~- نعم، وسنمكث هناك طول الصيف، وربما تجاوزناه إلى فصل الخريف لبعض أشغال يقصد والدي ~~الاتجار بها بين الشام ومصر. ~~- وهل عاودت والدك الهمة للعمل، فقد كان في عهدي أنه انقطع عنه منذ أمد طويل. ~~- في عزمه أن يرسم خطة الأشغال، ثم يكل إدارتها إلى أخي وخطيبي، ولا بد من استصحاب ~~أحدهما لمساعدة أبي على انتقاء الموافق من المصنوعات الشامية التي يندر وجودها في مصر، ولما ~~كان أخي مرتبطا بخدمة البنك العقاري، فلا يمكنه مرافقتنا والاستعفاء من أشغاله قبل أن ~~يتأكد من نجاح العمل الجديد، وعليه فسينوب عزيز مكانه في رفقتنا. # ولدى ذكر عزيز، غصت روزه بريقها وكلل العرق جبينها، غير أنها تجلدت، وأجابتها وهي تكاد ~~تنشق مرارتها: حسنا يفعل. ~~- إني واثقة بأن هذا العمل سوف يعود على عزيز بالنجاح والثروة، أفلا ترين رأيي؟ # فأشارت إليها بالإيجاب، وقد تبين الكمد من وجهها. # أما ماري فلم تنتبه لتبدل ملامح صديقتها، إذ قد شغلت حينئذ بذكر عزيز، وسرحت أفكارها في ~~جمال المستقبل وسعادة أيامه. # فقالت لها روزه، وهي تحاول الابتسام: وهل تحبينه يا ماري؟ # فأكدت لها بنظرة لطيفة، وقد تضرج خداها، وافتر ثغرها. ~~- وهو يهواك طبعا. ~~- إلى حد العبادة. # ثم جعلت تسرد لها من الأدلة القاطعة، والبراهين الناطقة بصدق هواه، وكثرة هيامه، وتلك ~~تتلقى سهام كلمتها بصدر أدمته يد الأحزان، وهي تتلوى كطير مذبوح، وتتنهد من صدر مقروح، ~~محاولة امتلاك نفسها وكتمان حزنها، غير أن الضعف غلبها أخيرا، فهوت إلى الأرض، وهي تئن ~~أنين المحتضر، وتصعد الزفرات، فيسمع لها حشرجة أشبه بصوت مدية تخترق الأحشاء. # فأسرعت ماري وطوقتها بذراعيها، ثم أسندتها إلى صدرها، وهي تردد اسمها، وتتبعه بأحب ~~الألقاب. # فأشارت روزه إلى صديقتها بتسكين قلقها، إذ لم تكن تقوى على النطق، وكان صدرها يصعد، ويهبط ms49 ~~بسرعة، فيعسر عليها التنفس. # ولبثت برهة على تلك الحال عرضة للتأثر والانفعال، ثم انحل عقد دموعها النحيب والشهيق حتى ~~نزفت عبراتها، فأطبقت أجفانها، ومالت برأسها على كتف صديقتها، وساد السكون حينا، استردت به ~~روزه شيئا من القوة، ففتحت عينيها، ونظرت إلى ماري فرأتها تبكي، وعلائم التأثر بادية على ~~محياها، وجملة هيئتها تدل على سلامة طويتها، وخلوص ودها، حتى ليخال الرائي أنها مستعدة لبذل ~~النفس والنفيس في سبيل إنقاذ صديقتها، وإزالة الأسباب التي تؤلمها. # فقبضت روزه على يديها بحنو، وقالت لها وهي تتكلف الابتسام: لا تقلقي أيتها العزيزة، فما ~~هذه إلا نوبة عصبية تنتابني أحيانا. ~~- فدتك نفسي أيتها الحبيبة، إني لم أكن أتصور أن أراك على هذه الحال من الضعف والهزال، ~~وإنه ليؤلمني فراقك على هذه الصورة، ولا يهدأ لي بال إلا إذا أتحفتني بالأخبار السارة عنك ~~من وقت إلى آخر. # ثم رسمت على جبينها قبلة جمعت معاني الطهر والوداد، فوعدتها روزه بذلك، وبعد حصة قضتها ~~الصديقتان بين أحاديث متفرعة، نهضت ماري وودعت صديقتها، فكان وداعا مؤثرا في فؤاد روزه ~~كامن الحزن، وزادها أسى ما رأت في رفيقة صباها من علائم الود، فجعل قلبها بخفق بشدة، وكادت ~~شفتاها تبوحان بأسرار فؤادها لماري؛ ولكنها ما عتمت أن ملكت رشدها، واسترجعت قوتها، فهزت ~~يد صديقتها، وهي تتمنى لها سفرا سعيدا. # ثم سارت نحو الباب، والتفتت إلى صديقتها وهي تكفكف دموعها، فقالت لها: إن قلبي يأبى ~~مطاوعتي على الذهاب، ولكن ما العمل؟ فإن والدي وعزيزا ينتظراني لتهيئة ما يلزم للسفر حتى ~~نكون غدا صباحا على استعداد تام للرحيل، فلا بد إذن من المسير، ولا يبرح من ذهنك أن ~~تكتبي إلي في أول فرصة. # فانقضت كلماتها على قلب روزه كالصاعقة، ولم تقو على احتمال تلك الضربة، فلمعت مقلتاها، ~~وفغرت فاها لدى تفوه صديقتها بالعبارة الأخيرة، وكادت تقول لها: ردي علي حبيبي. غير ~~أن ماري كانت قد توارت خارج الباب، فسقطت خائرة القوى، يكاد يقضى عليها من الغم ~~والأسى، وقد حاولت البكاء فخانها الدمع بما استوقد ms50 صدرها وضرم أنفاسها. فنهضت واجمة، وهي ~~تطالب الحمام، وتنادي القبر لتلجأ إليه من ذلك العذاب الذي قوض دعائم اصطبارها، ثم اقتربت ~~من النافذة لعلها تلقى من نسيم الروض تحية تنعش منها الفؤاد، فألقت نظرها على ذلك الشارع ~~الكبير الغاص بالعربات والخيول التي تقل المتنزهين من رجال وسيدات وأولاد، وقد أرسلت عليهم ~~الشمس أشعتها السنجابية مودعة قبل الأفول ... وما هي إلا لحظة حتى استردتها إليها، وتوارت خلف ~~حجابها؛ كي تجلب إلى الفم قبلة لا أمل بعدها بلقاء. # فابتسمت روزه ابتسامة السويداء، وقالت: هكذا قد آذنت شمس حياتي بالزوال، ولكن قبل ساعة ~~المغيب، فوداعا أيها العالم المملوء من المسرات، ووداعا أيتها الشمس التي ستنشرين جناح ~~أشعتك غدا على قبري. أستحلفك بأن تترفقي بحال الأزهار التي ستنبت حول ضريحي، فلا تمسيها ~~بأذى، بل تزودي الآن من أدمعي ما يلطف حر أنفاسك. # وعقب ذلك دمعة سقطت على خدها كقطرة الندى، فأخذتها على طرف أنملها، وأرسلتها مع الهواء، ~~ثم ألقت نظرة أخيرة على الشارع وهمت بالرجوع. # وعند ذلك استوقف بصرها أحد المارين، وكان يشبه عزيزا بقامته ومشيته، فلبثت ترقبه إلى أن ~~اقترب من منزلها، فتبينته جيدا فإذا هو عزيز بعينه، وكان يتقدم نحو الباب، فظنته قادما ~~لعيادتها لدى علمه بأنها مريضة، فارتعشت كمن مسها سلك كهربائي، ولكنها لبثت واقفة تغالب ~~اضطرابها وضعفها، وقد صممت على امتلاك نفسها أمامه - إن هو زارها - والتظاهر بما يوافق ~~كبرياءها ويخالف شعورها. # وما كاد عزيز يقترب من باب منزلها، حتى ظهرت ماري على عتبته، وإذ شاهدت خطيبها أسرعت نحوه ~~فتصافحا، ولبثا حينا يتحدثان وعلائم الحب والارتياح مرسومة على محياهما، وفي نظراتهما، ~~وابتساماتهما، وما عتما بعد ذلك أن سارا متجهين نحو منزل ماري. # ولما عاينت روزه ذلك منهما، ورأت عزيزا عدل عن زيارتها، وعاد برفقة ماري، زفرت زفرة كادت ~~تنقصف منها ضلوعها، وسقطت مغمى عليها. # ولم يكن قد أخطأ ظنها، فإن عزيزا حين بلغه خبر مرض روزه صمم على زيارتها رغما عما ~~يعترضه من الخزي والتأثر، فاتفق خروج ماري ساعتئذ وتلاقيها ms51 به، فشغلته رؤيتها عن كل إنسان، ~~ولا سيما أنها سألته أن يرافقها إلى منزلها فأطاعها، ومن يرفض خدمة سيدة تكلفه بقضائها، ~~ولا سيما إذا كانت تلك السيدة عزيزة عنده، ثم جعل يسألها عن روزه أثناء مسيرهما، فحدثته بما ~~أعاد إليه بالطمأنينة، وأكد له زوال الخطر عنها. # وألحت عليه ماري تمضية ذلك المساء بقربها ففعل، وأخذ يعاونها في تهيئة مهمات السفر، ~~وبشائر السرور تضرب في قلبيهما مبشرة إياهما بسفر جميل ومستقبل بهي. # فنتركهما يمرحان في بحبوحة آمالهما، ونعود حيث تركنا روزه مغمى عليها، فبعد أن مضى عليها ~~بعض دقائق دخلت خادمتها فرأتها على تلك الحال، فاعتنت بها إلى أن ثاب إليها رشدها، ولما ~~استفاقت شعرت بقوة حديدية، أعادت إليها حياة كانت تظنها من هنيهة قد قاربت الانطفاء. فإن ~~مشاهدة عزيز الأخيرة وما رأت عليه من علائم الصحة والبشر، ومظاهر الود نحو خطيبته الجديدة ~~قد قطع الشريان الأخير الذي يربط قلبها به، فخرجت من ذلك اليم مطلقة القياد، أقوى منها على ~~كفكفة الدمع ومداواة جرح الفؤاد. # الفصل الثامن عشر # | السفر # وفي اليوم العاشر من شهر مايو كانت باخرة فرنسية تمخر مياه المتوسط، وقد صفا لها وجه ~~السماء، وسادت السكينة فوق سطح المياه، ووقف الخطيبان فوق ظهر السفينة، يتمعنان النظر بجمال ~~الطبيعة، والنسيم يهب عليهما مداعبا، فيقبل ورد الخدود، ويرتشف كوثر الثغور. # وفي صباح اليوم الثاني رست السفينة في ميناء بيروت، فخرج المسافرون أفواجا إلى ظهرها، ~~يرسلون النظر إلى تلك المدينة التي خصتها الطبيعة بجمال الموقع واعتدال الإقليم، فبسطت ~~أجنحة سهولها بشكل نصف دائرة، ينتهي طرفاها بلسانين يدخلان في البحر، وكلها مزدانة بالمناظر ~~الطبيعية الجميلة والمباني الفخمة، وقد بدت في أعلاها جبال لبنان بارزة بحلتها الخضراء، وقد ~~بيض الثلج مفرقها، وأرسلت الغزالة من لحاظها سهاما أصابت كبد شيخوختها، فلمع بارق ثغرها ~~بابتسامة أعادت إليها حرارة الشباب، واندفعت تشارك الطبيعة بهجتها. # وكانت الزوارق قد انتشرت حول السفينة انتشار الجراد، وجعلت نوتيتها تساعد المسافرين على ~~النزول، فلم تكن ساعة حتى أقفرت الباخرة، وسار كل من ms52 المسافرين إلى وجهته. # وقضت أسرة حبيب ليلة في أحد فنادق بيروت، وفي اليوم التالي ساروا إلى جبال لبنان، فجعلوا ~~يتنقلون في قراها، يتمعنون النفس بجمال مناظرها وجودة هواها، وكانت ماري أشدهم سرورا بتلك ~~المشاهد الطبيعية التي لم تكن قد ألفتها، وكانت تقضي أكثر أوقاتها في الحقول، تجمع من زهور ~~البرية ما استطاعت يداها الناعمتان قطفه، وتعود إلى منزلها مشرقة الوجه باسمة الثغر، ~~فيقابلها والدها بالابتسام، ويتشاغل بحلاوة حديثها وقبلاتها عن مر التذكار، الذي ما فتئ ~~يتردد في مخيلته منذ وجوده في تلك الجهات، التي قضى فيها غابر أيامه وماضي حياته. # أما عزيز، فكان همه التفكير في أمر مستقبله، والحصول على عمل يكون له من ورائه مركز حسن ~~وثروة واسعة، وكثيرا ما كانت تتمثل له صورة روزه في خلوته مصوبة سهام عتابها إلى قلبه، ~~فيهرب من ذلك التذكار، ويتلهى بمعاشرة ماري، والنظر إلى ألطف حركاتها، لائما قلبه على ~~عصيانه وتفضيله تلك على خطيبته كونها تسويها جمالا وتزيدها غنى ووجاهة. # وكانوا قد انتهوا حينئذ إلى زحلة، فمكثوا فيها أسبوعا كاملا، ثم برحوها إلى بعلبك ~~آسفين لفراقها، معجبين بجمال نهر البردوني الذي يتخلل تلك البلدة فيزيدها جمالا، ويجذب ~~إليها قلوب النائين عنها. # وثاني يوم وصولهم إلى بعلبك ذهبوا لمشاهدة قلعتها القديمة؛ وهي تعد من أعجب مباني الدنيا ~~- موقعها إلى غربي المدينة - وأشهر شيء يرى منها من السهل رواق مؤلف من ستة أعمدة، ~~وقسم من جدران هيكل كبير، وجدران وأعمدة هيكل أصغر واقع إلى أسفله، والطبقة السفلى - التي ~~جعلت عليها الأبنية العظيمة - فهي بناء متسع الدائرة، جدرانه مبنية بحجارة كبيرة منحوتة ~~محكمة الوضع، يحتوي الجانب الغربي منها 3 أحجار كبيرة جدا، طولها جميعا 190 قدما، وطول ~~أكبرها 64 قدما عن الأرض، فوقفوا حينا يتأملون ذلك المشهد العظيم، ثم دخلوا إلى رواق طويل ~~من الجهة الشرقية، ينتهي إلى دار مسدسة الزوايا فأخرى مربعة، وعلى جانبيها مخادع كثيرة، ~~وأمامها أعمدة ضخمة مزينة بنقوش متقنة، فساروا منها إلى الهيكل الكبير، فشاهدوا في داخله ~~كثيرا من الآثار والنقوش، ms53 ومعظمها قد لعبت به أيدي الخراب، ولم يزل إلى اليمين واليسار ~~عمودان ضخمان مجوفان، في جوف كل منهما درج لولبي يدخل إلى أحدهما من خرق؛ زحفا على ~~البطن، داخله 69 درجة، تؤدي إلى أعلى الهيكل. # فتركوه، وساروا برفقة الأدلاء إلى هيكل الشمس، وكانوا قد مضى عليهم نحو أربع ساعات، وهم ~~يتنقلون بين تلك الخرابات، فانتهوا إلى باب الهيكل، وكان التعب قد أثر فيهم، فجلسوا على ~~حجارة كانت هناك مبعثرة، ينبئ وجودها عما فعلته يد الدمار، وتناول كل منديله، وجعل يمسح ~~العرق عن جبهته. # ثم نظروا إلى ذلك الباب، وهو غلق قائم الزوايا، قائمتاه حجران يغشيهما نقوش من الأزهار، ~~والأكاليل، والملائكة، ونحوها، وقد نقش على عتبته صورة نسر في مخلبه صولجان، وفي منقاره ~~أكاليل من ورق الأشجار والأزهار، جعلت أطرافها من الجانبين بيد ملاكين، فسروا بتلك ~~المشاهدة البديعة، وخرجوا من القلعة معجبين بما ترك الأولون للآخرين. # وبعد أن أقاموا بضعة أيام في بعلبك، عادوا إلى زحلة، ومنها إلى دمشق بعد أن مروا على ~~كثير من القرى فمكثوا بها أياما. # ورأوا في دمشق من جودة الإقليم، ووفرة المنتزهات والبساتين، وكثرة المياه ما حبب إليهم ~~طول الإقامة. ولا غرو فهي جنة المشرق ومطلع أنواره كما قال فيها ابن بطوطة؛ قد تحلت ~~بأزهار الرياحين، وتجلت في حلل سندسية من البساتين: # بلاد بها الحصباء در وتربتها # عبير وأنفاس الشمال ~~شمول # تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق # وصح نسيم الروض وهو ~~عليل # فقضوا فيها نحو ثلاثة أشهر على أتم هناء وأحسن رخاء، وابتاع حبيب ما وافق رغبته من ~~البضائع الجميلة، والمصنوعات المتقنة، ثم سافروا إلى بيروت على أن يبرحوها بعد أسبوع ~~عائدين إلى مصر. # الفصل التاسع عشر # | على فراش الموت # وفي تلك الأثناء، كانت روزه قد تماثلت شيئا فشيئا، وعادت إلى سابق عادتها من المعيشة، ~~مفضلة عشرة الأصدقاء على ما كانت ترغب فيه قبلا من الوحدة والانفراد. # وكانت تلك أحسن فرصة لفريد الذي جعل يتقرب منها، ويباسطها أشهى الأحاديث، وأجمل الأخبار، ~~دون أن ينطق بكلمة تشف عن ms54 هواه، الذي ما برح يعذب مهجته ويلعب بعواطفه، خوف أن يلقى من ~~صدها ما يرهبه ويخشاه، فمال إلى الصبر والكتمان ما وجد إليهما سبيلا. # ولكن غلبه الوجد أخيرا، فقابلها يوما عند باب المنزل، وكانت سائرة إلى الحديقة، فسار ~~برفقتها، ولم يكن بينهما ثالث، فجعل يساعدها على قطف الأزهار، واجتناء الورود، وهما ~~يتباعدان تارة، ويتقاربان أخرى، إلى أن شعرت روزه بالتعب، فجلست على مقعد خشبي طلبا ~~للراحة، وقد عقد العرق على جبينها الفضي لؤلؤا، وشهد ورد وجنتيها بأنها سلطان الورود وزهرة ~~الحقول. # ورأت فريدا ينظر إليها هاشا، فابتسمت له، وكأن تلك الابتسامة منحته شجاعة لم تعهد به ~~من قبل، فجثا عند قدميها وقال مستعطفا: أي روزه؛ هل يأتي يوم تشرق فيه شمس آمالي، فتبدد ~~ظلمات تعاستي، أم قضى علي سلطان حبك بالشقاء أبد العمر، ولا ذنب لي إلا إخلاصي وشدة ~~احترامي لذاتك البهية. # ثم صمت هنيهة، وجعل ينظر إليها واجفا جزعا، كمن ينتظر لفظ الحكم عليه من حاكمه. # فلم يبد على روزه أدنى تأثر أو اهتمام، بل أجابته بمنتهى البساطة والاحتشام: إني أودك ~~كصديق. # فلم تزده تلك العبارة إلا إبهاما، ودام السكوت هنيهة، لم يجد فيها إلى النطق سبيلا، بل ~~كانت ضربات قلبه المسرعة، وترقرق الدمع في عينيه، يترجمان عما توقد في صدره من عوامل ~~التأثر والهيام، فود أن يستطلع ميولها واعتقادها فيه، ولكن خشي أن يبدو له منها ما يقطع ~~آماله، ويصرم حبل رجائه، فلزم الصمت، وبقي ناظرا إليها كالمأخوذ. # وكأن كلماته على ما فيها من معاني الحب، أعادت إلى روزه ذكرى ساعات قضتها مع عزيز، فتنبهت ~~فيها لواعج من الحزن كانت كامنة، فقطبت حاجبيها، ونهضت فاستطردت سيرها بين الأزهار، وخلفته ~~صريعا وهي قائلة: تأملوا كيف فعل الظبي بالأسد. # وبعد أن أتمت دورة صغيرة في الحديقة عادت إلى مكانها، وقد فارق ملامحها الاكتئاب، فرأت ~~فريدا جالسا مكفأ الوجه، كسير القلب، تكاد الأحزان تقطع أحشاءه، وتذيب لفائف قلبه. # فاقتربت منه مشفقة، ونادته باسمه مجردا من الألقاب، وكان يمازج نغمتها شيء من ms55 الرقة ~~والحنان. # فرفع رأسه ونظر إليها نظرة تترجم عن حزنه ويأسه، وأجابها بانطلاق مدامعه، وتصاعد زفراته، ~~ثم كأنه خجل من نفسه لما أظهر من الضعف، فغطى وجهه بيديه وجعل يكفكف دموعه. # فذاب قلب روزه شفقا عليه، ولا سيما أنها سبقت فعلمت تأثير الحب، واستبداد أحكامه في ~~القلوب، فأمست ترثي لحال المحبين، ولكنها مع ذلك لم تجد من قلبها مجيبا لهتاف فؤاده، ~~فحاولت تلطيف أحزانه بما حضرها من العبارات الرقيقة، ولكن لم يزده ذلك إلا شغفا بها، ~~وولوعا بعذوبة منطقها، فعاد إلى الحديث بصوت تمازجه الرزانة والوقار، فقال: اعلمي يا سيدتي ~~أنني لم أكن أقصد تعكير صفو راحتك بمثل حديثي، وطالما كتمت عندك جواي، ولم أشرك أحدا من ~~المخلوقات في آلام نفسي، ولو لم يطفح الكيل في فؤادي، ويذهب الغرام برشادي، لما تجرأت الآن ~~على التلفظ أمامك بما قد يؤلمك سماعه، ومع ذلك فإذا كنت ترين بعض الخطأ فيما فعلت، فلك ~~أن تبعديني من مجلسك، وأنا أعدك بالامتثال، ولو كان في ذلك تلفي وموتي. ~~- إني بالعكس أيها الصديق أجد بقربك عزاء وسلوة، غير أني آسفة لما سببت لك من الآلام عن ~~غير عمد، وليتني قادرة أن أخفف بعض أشجانك أو أقابل عواطفك الشريفة بمثلها، ولكن ذلك لا ~~يكون مطلقا، فإن القلب كالجواد الحرون لا يخضع لقيادة العقل، ولا تؤثر فيه قوة اليد، وغاية ~~ما يمكنني صنعه هو أن أكون صديقة لك. ~~- إنه ليكفيني منك ذلك، فسترين مني صديقا يبذل مهجته في سبيل مرضاتك، ويجود بحياته للذود ~~عنك، وفوق ذلك فإني أعد بألا أكرر على مسامعك لفظة حب، أو كلمة تخرج عن دائرة الصداقة ~~الأكيدة. # وقد بر فريد بوعده، وكأن المودة الخالصة التي وقف لها قلبه، وخلو فؤاد روزه من هواها قد ~~تغلبا على عواطف وجده، فأصبح لا يهمه إلا مؤانستها، ولا يبتغي إلا سرورها ورضاها. # وكانت تقابل معاملته بالامتنان معجبة بصفاء قلبه وصدق وده، وهكذا كانت تمر الأيام بهما، ~~والصداقة الخالصة تنمو وتتفرع في قلبيهما. # وكان التعب والقلق قد أثرا على ms56 جسم يوسف أثناء مرض ابنته، فاعتراه على أثر ذلك مرض ثقيل ~~أعيا الأطباء، فلم ينجح فيه دواء، وكانت تلك ضربة على قلب روزه المدنف، فإنها لم تكد تنجو ~~من فتكات الغرام حتى أصيبت بأعز الناس لديها، ومن كان لها عضدا دون سائر الأنام، فشق عليها ~~ذلك ، لا سيما أنها رأت العلة تزيد استحكاما من والدها رغما عن المداواة وحسن الخدمة، ~~فكادت تفقد رشادها حزنا ولوعة، وكان فريد ملازما لها قائما على مساعدتها في خدمة ~~والدها، فرأت منه في آن الضيق صديقا مخلصا يوثق بشهامته، فسمت منزلته عندها، ولم تعد تسمح ~~له بمفارقة منزلها، ولا سيما في مثل تلك الحال التي كانت أحوج فيها إلى صديق يشاطرها الحزن ~~والتعب، ويخفف عنها غصص الوحدة والكرب. # وما لبث الداء أن اشتد بذلك الشيخ المسكين؛ حتى لم يبق منه إلا رمق خفيف، فدعا ابنته ~~وفريدا إليه وباركهما، وأراد مخاطبتهما، فخانه الضعف وعقد لسانه الداء. # فجزعت روزه وحملقت إلى والدها وهي تذرف دموعا سخية، تأثرا لما صارت إليه حالة ذلك ~~الوالد الحنون من السقام، واعتقادها أنها هي السبب فيما ناله من الحزن فالداء ~~العقام. # وكان هذا الفكر يعذبها ويؤلمها، إلى حد أنها كانت تتمنى أن تفتديه بروحها، وتصل ما بقي ~~من أيامها بحياته. # وبعد قليل انطلق لسان يوسف من عقدته، ونظر إلى ابنته بانعطاف، وسألها أن توافيه بقليل من ~~دواء كان بجانبه، فأسرعت وناولته جرعة ممزوجة بدموعها، وبعد أن شربها شعر بقليل من الراحة ~~والنشاط، فقبض على يد ابنته بإحدى يديه وبالأخرى على يد فريد، وقال: اعلمي يا بنية أنني ~~راحل عن هذه الديار الفانية، ولم يبق لي فيها سوى دقائق معدودة، والذي يحزنني هو أنني ~~سأتركك وحيدة في هذا العالم، لا أحد يعتني بك أو يهتم بشأنك، وعليه فأرى أن يكون لك رفيق ~~يشاطرك الحياة ويقاسمك الملاذ، ولا أجد من هو أليق من صديقنا فريد الذي على ما أعهد فيه من ~~نبل الأخلاق، وطيب العنصر، قد تجدين فيه خير نصير، وأحسن نصيب. وهنا حول ms57 نظره نحو الفتى، ~~كأنه يطلب مصادقته على قوله، فأجاب هذا: إني أقسم لك بشرفي أن أبذل ما في وسعي؛ لكي أجعلها ~~سعيدة. # فأردف الأب قائلا: ولا تظني يا ابنتي أن سعادة الزواج لا تتم إلا حيث يحل الغرام؛ ~~فرب هوى أفضى بذويه إلى ريبة، وأوصلهم إلى سوء المصير، وكم من متزوجين حسنت حالهم، وسعدت ~~أيامهم، وهم لا يعرفون من الحب سوى ما داخل قلوبهم رويدا مع طول الألفة، وتوالي الأيام، ~~فإن الخلال الحسنة والصفات الحميدة هي التي تجعل كلا من الزوجين محترما من رفيقه، وإنكما ~~لواجدان ذلك في بعضيكما، فليس ما يمنع من تآلفكما إذن، واتحاد قلبيكما، فعديني أيتها ~~العزيزة بأن تجيبي طلبي، وتدعيني أنزل لحدي بسلام. # فاضطربت الفتاة لهذه المفاجأة، ولم تقو على الكلام. # فرأى والدها ترددها، وشعر بارتعاش يدها في يده، فضغط على أناملها بمنتهى الحنو وقال لها: ~~روزه، روزه، اذكري محبتي لك، وعدم رفضي لشيء من رغائبك، أفترفضين الشيء الوحيد الذي أطلبه ~~منك، وأنا على حافة الأبدية. # فتأثرت روزه من حديث والدها، ورأت أن لا بد من طاعته، ولا سيما أنه قد عانى كثيرا من ~~الأحزان والآلام، فلم يعد يمكنها أن تضيف إلى ذلك حزنا آخر برفضها منة يرتجيها منها في ~~آخر ساعات حياته، ومن جهة أخرى لم يكن ما يمنع اقترانها بفريد ما دامت مطلقة القياد، وما ~~دام هو راغبا فيها، فإذا كان الغرام في شرع العاقلين ليس من ضروريات الزواج، فليس ما ~~ترتجيه من دنياها أفضل من ذلك النصيب، وهي التي نبذ فؤادها الهوى، وأقفل بابه في وجه ~~الغرام، فسيان عندها هذا أو ذاك، ما دامت مضطرة إلى من يحميها، ويرافقها في هذه الحياة التي ~~عدمت من كل سلو وعزاء. # فانحنت على يد والدها، وقبلتها قائلة: إني أعدك بما تشاء يا أيها الوالد الحنون. ~~- الآن طابت نفسي، فسأموت قرير العين. # ثم ضم يديها بين يديه، وخاطب فريد قائلا: وما يمنع من قرانكما في الحال، فتبتهج نفسي، ~~وتباركما. # فتبادل فريد وروزه النظر، ولم ير منها ترددا، ms58 فنهض وهو يقول: سيكون كما تريد يا ~~سيدي. # وبعد مضي دقائق قليلة، كان العروسان واقفين أمام سرير المحتضر، وإلى جانبهما كاهن يبارك ~~قرانهما، ووراءهم الممرضات، والخدم وقوفا يشاهدون تلك اللحظة البسيطة، ويوسف ينظر إليهما، ~~وابتسامة ظاهرة على شفتيه المفتوحتين، ولبث شاخص البصر إليهما حتى انتهت واجبات الكاهن، ~~ففتح ذراعيه وضمهما بما بقي لديه من القوة، ولم تكن إلا ساعة حتى لفظ روعه بين دموعهما ~~وابتسامته. # الفصل العشرون # | كشف الغطاء # وكان قد مضى على أسرة حبيب أسبوع، وهم مقيمون في أحد فنادق بيروت، فصمموا على العودة إلى ~~مصر، ولما كانت الليلة الأخيرة من وجودهم في بيروت تأخر عزيز عن الحضور، وكان من عادته أن ~~يأتي الساعة الثامنة، فيتناول العشاء مع خطيبته ووالدها، فمضى الأجل المضروب، وأزف وقت ~~النوم، وعزيز لم يحضر، فقلقت أفكار ماري وجفاها الرقاد، فتناولت كتابا، وجعلت تتلهى ~~بقراءته عن الهواجس التي كانت تتردد في فكرها، بينما كان والدها جالسا متكئا يدخن وأفكاره ~~متجهة نحو عزيز. # وإنهما لكذلك، إذ سمعا جلبة وغوغاء في ساحة المنزل، فأسرع حبيب وابنته يستطلعان الخبر، ~~فوجدا صاحب النزل والخدم متألبين حول شيء ينظرون إليه، ففرقا الجمع، ونظرا فرأيا منظرا ~~يفتت الأكباد، وتقشعر لهوله الأبدان، رأيا عزيزا مطروحا على الحضيض، لا يعي شيئا وثيابه ~~ملطخة بالدماء. # وصاحت ماري عند ذلك صيحة مزعجة، وسقطت مغمى عليها، فأدخلها والدها إلى مخدعها، وأوقف لها ~~من خادمات المنزل من يعتني بها، وأرسل فاستدعى الأطباء لمعالجة عزيز، فحضروا بعد ساعة، ~~ودخلوا إلى الغرفة التي فيها الجريح، وكان حبيب واقفا بجانب سريره يعالج جرحه بالوسائط ~~المعروفة لمنع سيل الدماء. # فاقترب الأطباء، وفحصوا الجريح، فرأوا أنه لم يزل هناك أمل بنجاته، فنزعوا ثيابه بخفة ~~وحذر، فظهر صدره عاريا، وإلى الجانب الأيسر جرح بليغ يجري منه الدم. # فاقترب حبيب من الأطباء يستخبرهم عن حالة الجريح، فرأى أحد الأطباء ينزع من عنقه سلسلة ~~ذهبية معلقا فيها ذخيرة ملطخة بالدم، فما كادت عين حبيب تقع على تلك الذخيرة حتى أخذته ~~قشعريرة وعراه دهش عظيم، فأسرع ms59 وتناولها من يد الطبيب، ومسح الدماء المتكاثفة على ظاهرها، ~~ثم نظر إليها، فجحظت مقلتاه وتعاظم دهشه؛ لأنه وجدها أشبه بالذخيرة التي أهداها إلى قرينته ~~الأولى يوم زفافها إليه، فتأملها جيدا وفتحها فأبصر في داخلها صورة صغيرة تمثل هيئته حين ~~كان شابا، فلم يعد لديه ريب في كونها الذخيرة نفسها التي كانت له، فاستغرب الأمر، واندفع ~~يتفرس في ملامح عزيز، وهو يتمتم في سره قائلا: هل يمكن أن يكون هذا ولدي؟ ولكنه عاد فتذكر ~~أنه رأى بعينه بقايا قرينته الأولى، وكانت لا تزال حاملا، فترجح لديه سبب آخر لوصول ~~الذخيرة إلى الفتى عزيز. # وحينئذ كان الأطباء قد فرغوا من عملهم، فأشاروا إلى حبيب بوجوب الانتباه التام إلى ~~الجريح، ثم أقبل رجال الضبط، ومعهم مدعي العموم، فأجروا التحقيق اللازم، وعلموا بعد البحث ~~أن تلك الفعلة كانت بقصد سلب الجريح ما كان معه من نقود، كما كان يحصل أمثال ذلك في مدينة ~~بيروت، فخرجوا غير مبالغين بالأمر، ولم يعرف بعد ذلك الضارب. # وأصاب عزيز حمى شديدة تلك الليلة دامت إلى الصباح، فكان يتفوه بكلمات متقطعة، يتخللها ~~اسم روزه أحيانا. # وكانت ماري ساهرة عليه الليل بطوله، فلما سمعت اسم روزه يلفظ بين شفتيه داخلها الريب ~~والغيرة، إذ لم تكن تعلم حتى الساعة بأن له سابق علاقة مع فتاة سواها. # وتكرر اسم روزه على لسان الجريح مع بعض ألفاظ دلالتها دلالة واضحة أن صاحبة الاسم ما ~~زالت تتخايل له وتعذب مهجته، فهاجت بها الغيرة، وأخذت تفكر فيمن تكون تلك الفتاة التي ~~تقاسمها قلب حبيبها، وأول ما خطرت في ذهنها صديقتها روزه، وللحال اتضح لها الأمر جليا، ~~وتمثلت لها صديقتها لحظة الوداع بسائر حركاتها، وما بدا عليها من علائم التأثر والارتباك ~~لدى ذكر عزيز، ففهمت معنى تلك النوب التي ادعت أنها تصيبها أحيانا، وأدركت السبب في كل ~~ما أصاب صديقتها من حزن ومرض، غير أنه أشكل عليها معرفة السبب في افتراقهما ما داما ~~متحابين. # ولبثت مصغية إلى كلماته المتقطعة إلى مطلع الفجر؛ لعلها تتمكن من اكتشاف ms60 سره واستطلاع ~~أمره، فلم تفلح، وكان والدها يسير في الغرفة ذهابا وإيابا، ويفرك كفيه مجهدا قريحته في ~~حل ذلك السر الذي أخذ يجمع حواسه، ولما أعياه التعب خرج الردهة ضائع الأفكار بعيدا عن محجة ~~الهدى، ورمى بنفسه على المقعد خائر القوى. # وعند الساعة العاشرة من صباح اليوم الثاني، كانت قد خفت وطأة الحمى عن الجريح ففتح عينيه، ~~وأمر يده على جبهته، ثم أجال نظره في الغرفة، فأبصر ماري إلى جانبه شاحبة الوجه مقرحة ~~الأجفان، فتناول يدها وأدناها من شفتيه. # وكأن تلك القبلة سم نفثته عقارب الغيرة على يد الفتاة، فأسرعت وسحبتها من يده مستنكرة أن ~~تمسها ما زالت تتحرك بذكر ضرة لها، وأشارت إليه بالسكوت، قائلة: إنك مريض أيها الصديق ~~وتحتاج إلى الراحة. # فأغمض عينيه، وعاد إلى سبات النوم الذي كان لم يزل مخدرا دماغه المتأثر بفعل ~~الحمى. # وعاده الأطباء على أثر ذلك؛ فرأوا من تحسن حاله ما بشرهم بزوال الخطر عنه. # وما فتئ يتقدم إلى الصحة رويدا، حتى إذا أصبح قادرا على الحديث قص على ذويه حادث تلك ~~الليلة المشئومة. قال: بينما كنت عائدا إلى الفندق نحو الساعة التاسعة مساء، لم أشعر إلا ~~وذراعان قويتان أحاطتا بي، فلم تدعا لي مجالا للحركة، فصحت بالفاعل، وللحال انتصب أمامي ~~رجل كبير الجثة، وطعنني في صدري تلك الطعنة التي لم أعد أعي بعدها شيئا. # فتبين من حديثه أنه لبث على تلك الحال نحو ساعة إلى أن قيض له مرور بعض خدم الفندق ~~فعرفوه، وأتوا به على ما ذكرنا. برئ جرح عزيز بعد أسبوعين فما صدق حبيب أن رآه معافى حتى ~~أتاه يوما مستطلعا سر الذخيرة، فوجده يبحث بين ثناياه وفي جيوبه وعلائم القلق بادية على ~~محياه وفي حركاته. # فسأله عما به، فأجابه: إني أطلب ذخيرة ذهبية كانت معي ليلة جرحت، وأخشى أن يكون قد ~~استولى عليها الأشقياء مع ما سلبوه مني. # فأخرجها حبيب من جيبه، وأراها إياها قائلا: أليست هذه هي؟ # فأجابه بالإيجاب، ومد يده لاستلامها مسرورا، فبقي حبيب قابضا عليها، وسأله ms61 ببشاشة: من ~~أين لك هذه يا عزيزي؟ ~~- إنها آخر تذكار قلدتنيه والدتي وهي على فراش الموت؛ ولذلك فهي ثمينة لدي ولا سيما أنها ~~تحتوي على رسم والدي المتوفى. ~~- متى توفي والدك؟ ~~- في إحدى معارك جبل لبنان سنة 1860، وأسرت والدتي أيضا في المعركة نفسها، وكانت إذ ذاك ~~حاملا بي، ثم قدرت لها النجاة بوساطة شهم باسل، ففرت عائدة إلى بيت نشأت فيه، واستغفرت ~~مربيها عن جرم أتته بزواجها سرا، وفرارها مع قرينها، فصفح لها، وعادت إلى سابق معيشتها في ~~منزله، غير أن حزنها الشديد على زوجها أسقم جسدها، وذهب بنضارتها، فسارت نحو القبر بخطوات ~~مسرعة إلى أن لحقت به وأنا في الخامسة من العمر، ولما كانت على فراش الموت دعتني إلى ~~جانبها، وقصت علي تاريخ زواجها، ثم تناولت هذه الذخيرة، وقبلت الرسم الذي في داخلها ~~باكية، وطوقت عنقي بسلسلتها وهي توصيني بالاحتراس عليها، ثم قبلتني وأسلمت ~~الروح. ~~- وماذا كان اسم والدتك، وما هو اسم مربيها؟ ~~- اسم والدتي فاتنة، ومربيها أحد أمراء جمبلاط. # فشهق حبيب شهقة كادت تودي بحياته، وطوق الفتى بذارعيه وهو يقول بصوت تقطعه العبرات: ولدي، ~~ولدي، ولدي، كيف لم أعرفك حتى الآن؟ وكيف لم تنبهني عاطفة الحنان الأبوي إلى أن هذا الدم ~~الذي يجري في عروقك هو دمي؟ # فارتمى عزيز مدهوشا وهو يقول: والدي ...! شقيقتي ...! ~~- أجل، إنك ولدي، وقد روت لك والدتك خبر موتي؛ لأنها رأت مصرعي بعينها، ولكن كتبت لي ~~الحياة بعد ذلك بعناية أولي الفضل من خدام الله الصالحين، وقد بحثت بعد ذلك فلم أهتد إلى ~~مكانها، فقطعت الأمل من بقائها في قيد الحياة، ولا سيما بعد أن رأيت آثارا جعلتني أتأكد ~~موتها، ولكن فلنحمد الله الآن على إلهامه إيانا إلى معرفة هذا السر، وهيا بنا نبشر شقيقتك ~~ماري بذلك؛ إذ لا يجوز أن ننفرد دونها في هذا السرور. # وهكذا نهض الاثنان، وهرولا نحو مخدعها، وكان حبيب يتقدم ولده وهو يقفز كالغزال، وشعر بأن ~~دم الشباب قد عاد إليه، ولما بلغ مخدعها رآها جالسة تبكي بدموع حارة، ms62 فأسرع وقبل ~~جبينها، ثم سألها عن سبب بكائها، فانطرحت على صدره باكية، وشرحت له ما وعته من الألفاظ التي ~~تفوه بها عزيز أثناء مرضه، والتي استدلت منها على أن فؤاده مرتبط بسواها، وعليه؛ فقد ~~صممت على الانفصال عنه، والذهاب إلى أحد الأديرة، حيث تقضي أيامها نادبة حظها متفردة في ~~آلامها. # فجعل والدها يلاطفها ويقبلها، ثم أخبرها بأمر عزيز، وأنه أخوها، وقص عليها القصة من ~~أولها إلى آخرها. وكان عزيز قد دخل حينئذ فوثبت نحوه وهي تقول أخي، فيجيبها شقيقتي، ثم ~~تعانقا. وانضم إليهما الوالد، فامتزجت دموع الثلاثة، وسقت وجناتهم الملتهبة بنيران ~~الانفعال، فكان لهم مشهدا لا يملك الناظر إليه نفسه من التأثر والبكاء. # الفصل الحادي والعشرون # | ظهور الحقيقة # وفي عصر اليوم التالي برحوا مدينة بيروت عائدين إلى مصر، وكانت ماري تقص على عزيز أثناء ~~الطريق أخبار روزه، وما تبينته فيها من دلائل الحب والتألم لبعده. # فكان يصغي إليها وحشاشته تتقطع حزنا وندما على ما بدا منه نحوها من الطيش والغدر، وما ~~جلبه عليها من السقم والكدر. وقد وطن النفس على العودة إليها وطلب الصفح منها، وهو واثق ~~بقبولها لتوبته لما يعهده بها من صدق المودة ورقة القلب، ولا سيما بعد أن اتضح عذره في ~~إجابته دعوة المودة، وانقياده لجاذب الإخاء. # وبوصولهم إلى مصر أسرع عزيز توا إلى منزل روزه، فأخبر بوفاة والدها منذ يومين، وعدم ~~تمكنها من مقابلة أحد لما هي عليه من الحزن والغم. # فعاد أدراجه أسفا على وفاة صديقه، متلهفا على رؤية حبيبته، وتفريج كربتها متأملا في ~~حالتها، وما تتجرعه من غصص الكرب، فشعر أن الدنيا قد ضاقت به، فأسرع إلى منزله ليستريح ~~قليلا من عناء السفر، فوجد أن خادمه الأمين قد قام بترتيب المنزل وتنظيفه مدة غيابه بما ~~أوج ثناؤه عليه. # فبات تلك الليلة على أن ينتقل بأثاثه في اليوم التالي إلى منزل والده، الذي ألح عليه ~~بوجوب الإقامة معهم. # ولما كان الصباح، جمع أمتعته بمساعدة خادمه، وبينما كان يرصف الكتب، رأى بينها على ~~المائدة منديلا لطيف ms63 الصنع، فتناوله حتى فاحت منه رائحة طيبة، كانت تستعمله روزه عادة، ~~فتأكد أنه لها، ولا سيما بعد أن رأى مطرزا إلى جانبه حرف الراء. # فجعل يقبله ويسقيه بدموعه، متلهفا على أيام قضاها بقربها، مستنشقا ذلك العطر مع ~~أنفاسها الزكية. # ثم خطر له أن يبحث عن سبب وصول ذلك المنديل إلى مخدعه، فدعا خادمه وقال له: لمن هذا ~~المنديل؟ ومن أتى به إلى هذا المكان؟ # فلم يعلم الخادم بم يجيبه، فإنه كان قد رآه قبل ذلك الحين، فلم يشك أنه لسيده، وبعد تردد ~~طويل قال: لا أعلم. ~~- كيف تجهل ذلك والمنديل يخص امرأة، فإذا لم تكن تعلم أنت الذي أتيت به إلى هذا المكان، ~~فلا بد أن صاحبته دخلت هذ الحجرة، فسقط منها اتفاقا، وفي كلتا الحالتين ينبغي أن ~~تطلعني على جلية الأمر. # فتذكر الخادم مجيء السيدة روزه رافائيل منذ بضعة أشهر، وأدرك أن المنديل لا بد أن ~~يكون قد سقط منها وقتئذ، إذ لم يدخل غرفة سيده سواها من النساء، فوقع في حيرة بين أن يقر ~~له بالحقيقة فيقع تحت اللوم، أو يلجأ إلى الخداع فلا يروج عليه المقال. # ولحظ عزيز ارتباكه، فداخلته الظنون، وألح عليه بالجواب، فلم ير الخادم بدا من الإقرار، ~~ولا سيما بعد أن شاهد في سيده علائم الحدة والغضب، فأعلمه بزيارة روزه. # فصاح عزيز مندهشا: السيدة روزه رافائيل ... أتت إلى منزلي؟ متى كان ذلك؟ ~~- لا أذكر تاريخ اليوم، ولكني أذكر أن سيدي عاد إلى المنزل يومئذ نحو الساعة السابعة ~~صباحا، وكان الكدر آخذا منه كل مأخذ، فناولته رسالة كان قد أحضرها أحد الخدم، بعد اطلاعه ~~عليها تبدلت ملامحه من العبوسة إلى الطلاقة ثم دخل مخدعه، ولم تكن إلا ساعة حتى خرج مسرعا، ~~وعليه ملامح القلق، وبعدئذ حضرت السيدة روزه رافائيل. ~~- وهل كانت وحدها؟ ~~- لا، بل يصحبها خادم لها، وقد طلبت إلي أن أدخلها إلى مخدع سيدي، وكانت تحمل رسالة ~~إليه. ~~- وبعد ذلك ...؟ ~~- بعد أن مكثت نحو ربع ساعة عادت من حيث أتت، ولم أر الرسالة عند ms64 ذلك في يدها. ~~- ويحك! لم لم تخبرني بمجيئها قبل الآن؟ ~~- لم أجسر على مخاطبة سيدى آنئذ؛ لما كان عليه من الغضب، ولعلمي أنه لا بد من أن يعلم ~~ذلك في منزل سيدي رافائيل أثناء زيارته له. # وعند ذلك صرف خادمه وأطرق برأسه وهو يقول: أواه! ما أشقاني! لقد حضرت بنفسها لتبشرني ~~بالنجاة بعد أن سعت لي عند والدها بالشفاعة، فقابلتها بالهجران، ورضيت من الدنيا بمودة ~~فتاة ساذجة جذبت إليها بعامل الإخاء، فلقد كنت غبيا وقتئذ، ولم أدرك قيمة ذاتها وخلوص ~~ودادها، أما الآن فقد اتضح لعيني كل شيء، ولكن هل تعلم هي ما أقاسيه من الحسرات؟ وهل يرد ~~لنا الدهر ما فات؟ # ثم اقترب من مكتبه، واستأنف رصف كتبه وهو يصعد الزفرات، ويعيد في ذهنه ماضي أيام قرب روزه ~~وحلاوة اجتماعات سمح الدهر بها حينا وانقضت. # وإنه لكذلك إذ وقعت عيناه على رسالة ماري، فانتفض كمن لسعته أفعى، وأخذها بيده وهو يقول: ~~لقد علمت الآن السبب الذي حدا روزه على التباعد وفصم العهود، فلا بد أن تكون قد اطلعت على ~~هذه الرسالة التي شهدت بخيانتي ونكث ودي، ففعلت ما توجب عليها الأنفة وعزة النفس، وساعدني ~~ذلك على التطوع في الزيغ والغدر. # ثم جعل يتأمل فيما كانت عليه حالها وقتئذ من شدة الحزن واليأس، وما ذرفت عيناها ~~الجميلتان من الدمع، فكاد قلبه يتقطع حسرة وأسفا، ثم صاح من فؤاد قرحته أنياب الندم: ~~الويل لي! أنا الشقي! كم جلبت على تلك النفس الطاهرة من الآلام، وكم سببت لها من الأسقام، ~~فضلا عما جررت عليها من خسارة المال وضياع الآمال، أواه! من لي فيزيل هذا الحاجز بيني ~~وبينها الآن، ويرجع إلى قلبي سعادته المفقودة، ويعيد إليها سابق ثقتها بي؟ # وبعد أن أنهى أعماله، وجمع أمتعته، ذهب إلى والده، فتلقته شقيقته بالترحيب وعانقته مكثرة ~~من ملاطفته، ثم قصت عليه خبر زفاف روزه إلى أخيها فريد، بما أمكن من التلطف ~~بالحديث. # فشعر حينئذ بأن الأرض تميد تحت قدميه، ولبث مدة شاخص النظر مقطب الوجه صامتا، ms65 لم ينبس ~~بكلمة، إذ لم ير وجها للومها، بل كان يردد في سره قائلا: لقد جوزيت بخطيئتي، ونلت جزاء ~~غدري وخيانتي. # وما زالت ماري تحدثه وتمازحه إلى أن خف ما به. # ولقي بعد ذلك من حسن معاملة أسرته عموما، ومن أخيه خصوصا ما لطف حزنه وأخمد نيران ~~فؤاده. وكان فريد يزورهم من وقت إلى آخر، ثم يعود إلى قرينته التي فضل الإقامة معها ~~منفردين، وكثيرا ما كان يدعو أخاه لزيارته، أما عزيز فكان يصعب عليه مواجهة روزه، والنظر ~~إليها، ففضل الابتعاد معتذرا إلى أخيه. # حتى إذا كان بعض الأيام وروزه واقفة في ردهة منزلها، وقد ارتدت ثوبا فاحما زاد جمالها ~~بهاء، وبشرتها نقاوة، لم تشعر إلا وعزيز واقف أمامها ينظر إليها بانكسار. # فحالما وقعت العين على العين، وقف كلاهما مبهوتا، كأن به سحرا، وقامت رسل الأنظار تشكو ~~إلى القلوب ما جنته عليها من أيدي البعاد، ولبثا كذلك هنيهة يتمتعان بلذة حلم ما عتم أن ~~أعقبه مرارة اليقظة، فانتبه عزيز إلى حقيقة مركزه، والتفت بنظره إلى ماضي حياته، وقابل بين ~~هذا وذاك، وللحال أطرق خجلا حزينا، وقال بصوت اليأس: ما أشقاني ...! # فمدت روزه إليه يدها باسمة، فقبض عليها بلهفة فضغطت على يده بحنو قائلة: لا تتفوه بمثل ~~ذلك أيها الصديق؛ فأنا شقيقتك منذ الآن. ~~- آه ... إذن قد صفحت عني. ~~- لقد صفحت عنك، وفوق ذلك فإني أحبك حب الأخت لأخيها. ~~- هذا غاية ما أرجوه منك، فما أنت إلا ملك كريم. # ثم أكب على يدها، فتركته يقبلها، ويغسلها بدموعه، وقلبها يتقطع حسرة وشفقة عليه. # ولبثت بعد ذلك تظهر له تمام المودة والمصافاة إلى أن زالت وحشته، ولم يزل حبها من ~~فؤاده؛ ولذلك صمم أن يقضي بقية حياته عزبا، قانعا بأن ينظر إلى مالكة قلبه، ويوقن بأنها ~~قد رضيت عنه ونسيت ماضي ذنوبه. ms66