######OpenITI# #META# المؤلف: الشيخ راضي آل ياسين #META# الناشر: منشورات الشريف الرضي #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤١٤ هـ.ق #META# الصفحات: ٤٠٠ #META#Header#End# ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| * الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه PageV01P016 ### ||| * المقدمة # وهأنذا مقدم الآن بين يدي قارئي الكريم ، عصارة بحوث تستملي حقايقها من ~~صميم الواقع غير مدخول بالشكوك ، ولا خاضع للمؤثرات عن الحقبة المظلومة ~~التاريخ ، التي لم يحفل في عرضها ، بما تستحق مؤرخونا القدامى ، ولم يعن في ~~تحليلها كما يجب كتابنا المحدثون. # تلك هي قطعة الزمن التي كانت عهد خلافة الحسن بن علي في الاسلام والتي ~~جاءت بين دوافع الاولين ، وتساهل الآخرين ، صورة مشوهة من صور التاريخ. ~~وتعرضت في مختلف ادوارها لما كان يجب ان يتعرض له امثالها من الفترات ~~المطموسة المعالم ، المنسية للحقائق ، المقصودة على الاكثر بالاهمال او ~~بالتشويه ، فاذا بالحسن بن علي ( عليه وعلى ابيه افضل الصلاة والسلام ) في ~~عرف الاكثرين من المتسرعين باحكامهم من شرقيين وغربيين الخليفة الضعيف ~~السياسة! التوفر على حب النساء! الذي باع « الخلافة » لمعاوية بالمال!! .. ~~الى كثير من هذا الهذر الظالم ، الذي لا يستند في مقاييسه على منطق ، ولا ~~يرجع في تحكماته الى دليل ، ولا يعنى في ارتجالياته بتحقيق او تدقيق. # وعمدت هذه الفصول الى تقلية هذه الحقبة القصيرة من الزمن بما هي ظرف ~~احداث لا تقل بأهميتها في ذاتها ولا بموقعها « الاستراتيجي » في التاريخ ~~اذا صح هذا التعبير عن اعظم الفترات التي مر بها تاريخ PageV01P017 # الاسلام منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والى يوم الناس ، لانها ~~كانت ظرف الخلافة الفريدة من نوعها في تاريخ الخلائف الآخرين ، ولانها ~~بداية اقرار القاعدة الجديدة في التمييز بين السلطات الروحية والسلطات ~~الزمنية في الاسلام ، واللحظة التي صدقت باحداثها الحديث النبوي الشريف ~~الذي انبأ برجوع الامر بعد ثلاثين عاما الى الملك العضوض ، ولانها الفترة ~~التي تبلورت فيها الحزازات الطائفية لاول مرة في تاريخ العقائد الاسلامية. # ولم يكن قليلا من مجهود هذه الفصول ، ان ترجع بعد الجهد المرتخص في ~~سبيلها بالخبر اليقين عن الكثير من تلك الحقائق أبعد ما تكون تأتيا في ~~البحث ، واكثر ما تكون تفسخا في المصادر ، وأقل ما تكون حظا ms001 من تسلسل ~~الحوادث وتناسق الاحداث فتعرضها في هذه السطور مجلوة على واقعها الاول ، او ~~على اقرب صورة من واقعها الذي تنشأت عليه بين احضان جيلها المختلف الالوان. # فاذا الحسن بن علي (ع) بعد هذا وعلى قصر عهده في خلافته ، من أطول ~~الخلفاء باعا في الادارة والسياسة ، والرجل الذي بلغ من دقته في تصريف ~~الامور ، وسموه في علاج المشكلات ، انه استغفل معاوية بن ابي سفيان اعنف ما ~~يكون في موقفه منه حذرا وانتباها واستعدادا للحبائل والغوائل. واذا بزواجه ~~الكثير دليل عظمته الروحية في الناس. واذا « بالصلح » الذي حاكه على معاوية ~~اداته الجبارة للقضاء على خصومه في التاريخ ، دون ان يكون ثمة اية مساومة ~~على بيعة أو على خلافة أو على مال. واذا كل خطوات هذا الامام ، وكل ايجاب ~~او سلب في سياسته مخفقا او منتصرا آية من آيات عظمته التي جهلها الناس ~~وظلمها المؤرخون. # وكان من أفظع الكفران لمواهب العظماء ، ان يتحكم في تاريخهم وتنسيق ~~مراتبهم ، ناس من هؤلاء الناس المأخوذين بسوء الذوق ، او المغلوبين بسوء ~~الطوية ، يتظاهرون بالمعرفة ويرتجزون بحسن التفكير ، ثم يتحذلقون PageV01P018 # بالتطاول على الكرامات المجيدة ، دون روية ولا تدقيق ولا اكتراث ، فلا ~~يدلون بتفريطهم في احكامهم الا على فرط الضعف في نفوسهم. # وليس يضر الحسن بن علي أن تظلمه الضمائر البليدة ثم ينصفه التمييز. وان ~~لهذا الامام من مواقفه ومن مواهبه ومن عمقه ومن أهدافه ما يضعه بالمكان ~~الاسنى من صفوة « العظماء » الخالدين. # وحسبنا من هذه السطور ، أن تجلو عن طريق المنطق الصحيح الذي لا ينبغي أن ~~يختلف عليه الناس ، عظمة هذا الامام ، خالصة من كل شوب ، سالمة من كل عيب ، ~~نقية من كل نقد. # وكانت النقود التي جرح بها وقاح الرأي سياسة الحسن عليه السلام ، أبعد ما ~~يكونون في تجريحهم عن النصف والعمق والاحاطة بالظرف الخاص ، هي التي نسجت ~~كيان المشكلة التاريخية في قضية هذا الامام عليه السلام ، وكان للشهوة ~~الحزبية من بعض ، ولمسايرة السياسة الحاكمة من آخر ، وللجهل بالواقع من ~~ثالث ، أثره فيما أسف به المتسرعون ms002 الى أحكامهم. # ونظروا اليه نظرتهم الى زعيم أخفق في زعامته ، وفاتهم أن ينظروا الى ~~دوافع هذا الاخفاق المزعوم ، الذي كان في حقيقته انعكاسا للحالة القائمة في ~~الجيل الذي قدر للحسن أن يتزعمه في خلافته ، بما كان قد طغى على هذا الجبل ~~من المغريات التي طلعت بها الفتوح الجديدة على الناس ، وأي غضاضة على « ~~الزعيم » اذا فسد جيله ، أو خانت جنوده ، أو فقد مجتمعه وجدانه الاجتماعي. # وفاتهم بعد ذلك أن ينظروا اليه كألمع سياسي يدرس نفسيات خصومه ونوازع ~~مجتمعه وعوامل زمنه ، فيضع الخطط ويقرر النتائج ، ويحفظ بخططه مستقبل أمة ~~بكاملها ، ويحفر بنتائجه قبور خصومه قبرا قبرا ، ويمر بزوابع الزمن من حوله ~~رسول السلام المضمون النجاح ، المرفوع الرأس بالدعوة الى الاصلاح. ثم يموت ~~ولا يرضى أن يهرق في أمره محجمة دم PageV01P019 # ترى ، فأي عظمة أجل من هذه العظمة لو أنصف الناقدون المتحذلقون؟. # وان كتابنا هذا ليضع نقاط هذه الحروف كلها ، مملاة عن دراسة دقيقة سيجدها ~~المطالع كما قلنا أقرب شيء من الواقع ، أو هي الواقع نفسه ، مدلولا عليه ~~بالمقاييس المنطقية ، وبالدراسات النفسية ، وبالشواهد الشوارد من هنا ~~وهناك. كل ذلك هو عماد البحث في الكتاب ، والقاعدة التي خرج منها الى ~~احكامه بسهولة ويسر ، في سائر ما تناوله من موضوعات أو حاوله من آراء .. # * * * # وسيجد القارئ أن الكتاب ليس كتابا في أحوال الامام الحسن (ع)، بوجه عام ~~، وانما هو كتاب مواقفه السياسية فحسب. وكان من التوفر على استيعاب هذا ~~الموضوع أن نتقدم بفصل خاص عن الترجمة له ، وأن نستطرد في أطوائه ما يضطرنا ~~البحث اليه. # وان موضوعا من العمق والعسر كموضوعنا ، وبحثا فقير المادة قصير المدد ~~كبحثنا ونحن نتطلع اليه بعد 1328 من السنين لحري بأن لا يدر على كاتبه ~~باكثر مما درت به هذه الفصول ، احرص ما تكون توفرا على استقصاء المواد ، ~~وتنسيق عناصر الموضوع ، وتهذيبها من الزائف والدخيل. ونحن اذ نومئ الى « ~~فقر المادة » وأثره على البحث ، لا نعني بالمادة الا هذه « الموسوعات » ~~التي كان بامكاننا التعاون معها على تجلية موضوعنا بما ms003 هي عليه من تشويش ~~للتناسق أو تشويه للحقايق. اما المؤلفات الكثيرة العدد التي وردت أسماؤها ~~في معاجم المؤلفين الاولين ، مما كتب عن قضية الحسن (ع) فقد حيل بيننا وبين ~~الوقوف عليها. وكانت مع الكثير من تراثنا القديم قيد المؤثرات الزمنية ، ~~وطعمة الضياع والانقراض اخيرا. وكان ذلك عصب النكبة في الصحيح الصحيح من ~~تاريخ الاسلام ، وفي المهم المهم من قضاياه الحساسة امثال قضيتنا موضوع ~~البحث . # فلم نجد على هذا من مصادر الموضوع : كتاب صلح الحسن ومعاوية ، لاحمد بن ~~محمد بن سعيد بن عبد الرحمن السبيعي الهمداني PageV01P020 # المتوفى سنة 333 هجري ، ولا كتاب صلح الحسن عليه السلام ، لعبد الرحمن بن ~~كثير الهاشمي ( مولاهم )، ولا كتاب قيام الحسن عليه السلام ، لهشام بن محمد ~~بن السائب ، ولا كتاب قيام الحسن عليه السلام ، لابراهيم بن محمد بن سعيد بن ~~هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي المتوفى سنة 283 هجري ولا كتاب عبد ~~العزيز بن يحيى الجلودي البصري في امر الحسن عليه السلام ، ولا كتاب اخبار ~~الحسن عليه السلام ووفاته ، للهيثم بن عدي الثعلي المتوفى سنة 207 هجري ، ~~ولا كتاب اخبار الحسن بن علي عليه السلام ، لابي اسحاق ابراهيم بن محمد ~~الاصفاني الثقفي (1)، ولا نظائرها. # اما هذه المصادر التي قدر لنا ان لا نجد غيرها سندا ، فيما احتاجت به هذه ~~البحوث الى سند ما ، فقد كان اعجب ما فيها انها تتفق جميعها في قضية الحسن ~~عليه السلام على ان لا تتفق في عرض حادثة ، او رواية خطبة ، او نقل تصريح ، ~~او الحكم على احصاء ، بل لا يتفق سندان منها على الاكثر في تأريخ وقت ~~الحادث او الخطبة من تقديم او تأخير ، ولا في تعيين اسم القائد مثلا ، او ~~ترتيب القيادة بين الاثنين او الثلاثة ، ولا في رواية طرق النكاية التي ~~اريدت بالحسن (ع) في ميادينه ، او في التعبير عن صلحه ، او في قتله اخيرا ، ~~ولا في كل صغيرة او كبيرة من اخبار الملحمة ، من ألفها الى يائها. # وللمؤثرات التي تحكمت في رقبة هذه المصادر ms004 ، عند نقاطها الحساسة اثرها ~~المحسوس في الكثير الكثير من عروضها. # واذا كان من اصعب مراحل هذا التأليف ، ارجاع هذه الحقائق الى تسلسلها ~~الصحيح الذي يجب ان يكون هو واقعها الاول ، فقد كان من أيسر PageV01P021 # الوسائل الى تحقيق هذا الغرض ، الاستعانة عليه بقرائن الاحوال ، وتناسق ~~الاحداث ، اللذين لا يتم بدونهما حكم على وضع. # وكان من حسن الصدف ، ان لا نخرج في اختيار النسق المطلوب عن الشاهد ~~الصريح ، الذي بعثرته هذه المصادر نفسها ، في اطواء رواياتها الكثيرة ~~المضطربة ، فكانت بمجموعها وعلى نقص كل منها ، أدلتنا الكاملة على ما ~~اخترناه من تنسيق أو تحقيق ، وذلك أروع ما نعتز به من التوفيق. # ووقفنا في فلسفة الموقف عند مختلف مراحله وقفاتنا المتأنية المستقرئة ~~الصبور ، التي لا تستسلم للنقل اكثر مما تحتكم للعقل. ورجعنا في كثير مما ~~التمسنا تدقيقه ، الى التصريحات الشخصية التي جاءت ادل على الغرض من روايات ~~كثير من المؤرخين. # وهي بعد بضاعتي المزجاة التي لا اريد منها الا ان تكون مفتاح بحوث جديدة ~~، من شأنها ان تكشف كثيرا من الغموض الذي دار مع قضية الحسن في التاريخ. # فان هي وفقت الى ذلك ، فقد أوتيت خيرا كثيرا. # وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب. # المؤلف PageV01P022 ### | القسم الأول ### ||| الامام الحسن ( ع ) PageV01P023 # أبوه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وامه سيدة نساء العالمين فاطمة بنت ~~رسول الله. صلى الله عليه وعليهم. # ولا أقصر من هذا النسب في التاريخ ، ولا أشرف منه في دنيا الانساب. ### ||| ** مولده : # ولد في المدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث للهجرة. # وهو بكر أبويه. # وأخذه النبي صلى الله عليه وآله فور ولادته. فأذن في اذنه اليمنى ، وأقام في ~~اليسرى ، ثم عق عنه. وحلق رأسه. وتصدق بزنة شعره فضة فكان وزنه درهما ~~وشيئا. وأمر فطلي رأسه طيبا ، وسنت بذلك العقيقة والتصدق بوزن الشعر. # وسماه « حسنا ». ولم يعرف هذا الاسم في الجاهلية. # وكناه « أبا محمد ». ولا كنية له غيرها. ### ||| ** القابه : # السبط. السيد. الزكي. المجتبى. التقي. ### ||| ** زوجاته : # تزوج « ام اسحق » بنت طلحة بن ms005 عبيد الله. و « حفصة » بنت عبد الرحمن بن ~~ابي بكر. و « هند » بنت سهيل بن عمرو. و « جعدة » بنت الاشعث بن قيس ، وهي ~~التي اغراها معاوية بقتله فقتلته بالسم. # ولا نعهد انه اختص من الزوجات على التعاقب باكثر من ثمان أو عشر .. على ~~اختلاف الروايتين .. بما فيهن امهات اولاده. PageV01P025 # ونسب الناس اليه زوجات كثيرات ، صعدوا في أعدادهن ما شاؤوا .. وخفي عليهم ~~ان زواجه الكثير الذي أشاروا اليه بهذه الاعداد ، واشار اليه آخرون بالغمز ~~والانتقاد ، لا يعني الزواج الذي يختص به الرجل لمشاركة حياته ، وانما كانت ~~حوادث استدعتها ظروف شرعية محضة. من شأنها ان يكثر فيها الزواج والطلاق معا ~~، وذلك هو دليل سمتها الخاصة. # ولا غضاضة في كثرة زواج تقتضيه المناسبات الشرعية ، بل هو بالنظر الى ~~ظروف هذه المناسبات دليل قوة الامام في عقيدة الناس كما اشير اليه . ولكن ~~المتسرعين الى النقد ، جهلوا الحقيقة وجهلوا انهم جاهلون. ولو فطنوا الى ~~جواب الامام الحسن عليه السلام لعبد الله بن عامر بن كريز ، وقد بنى بزوجته ~~، لكانوا غيرهم اذ ينتقدون. ### ||| ** اولاده : # كان له خمسة عشر ولدا بين ذكر وانثى ، هم زيد والحسن وعمرو والقاسم وعبد ~~الله وعبد الرحمن والحسن الاثرم وطلحة ، وام الحسن وام الحسين وفاطمة وام ~~سلمة ورقية وام عبد الله وفاطمة. # وجاء عقبه من ولديه الحسن وزيد ، ولا يصح الانتساب اليه من غيرهما. ### ||| ** أوصافه : # « لم يكن أحد اشبه برسول الله صلى الله عليه وآله من الحسن بن علي ~~عليه السلام خلقا وخلقا وهيأة وهديا وسؤددا ». # بهذا وصفه واصفوه. وقالوا : # كان ابيض اللون مشربا بحمرة ، أدعج العينين ، سهل الخدين ، كث اللحية ، ~~جعد الشعر ذا وفرة ، كأن عنقه ابريق فضة ، حسن البدن ، بعيد ما بين ~~المنكبين ، عظيم الكراديس ، دقيق المسربة ، ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير ، ~~مليحا من أحسن الناس وجها. PageV01P026 # او كما قال الشاعر : # مادب في فطن الاوهام من حسن %~% الا وكان له الحظ الخصوصي كأن جبهته من تحت طرته %~% بدر يتوجه الليل البهيمي قد جل عن طيب اهل الارض عنبره %~% ومسكه فهو ms006 الطيب السماوي # وقال ابن سعد : « كان الحسن والحسين يخضبان بالسواد ». # وقال واصل بن عطاء : « كان الحسن بن علي عليهما السلام ، عليه سيماء ~~الانبياء وبهاء الملوك ». ### ||| ** عبادته : # حج خمسا وعشرين حجة ماشيا ، والنجائب لتقاد معه ، واذا ذكر الموت بكى ، ~~واذا ذكر القبر بكى ، واذا ذكر البعث بكى ، واذا ذكر الممر على الصراط بكى ~~، واذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها ، واذا ذكر ~~الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم ، وسأل الله الجنة وتعوذ بالله من النار. # وكان اذا توضأ ، او اذا صلى ارتعدت فرائصه واصفر لونه. # وقاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات. وخرج من ماله لله تعالى مرتين. ثم هو ~~لا يمر في شيء من احواله الا ذكر الله عز وجل. # قالوا : « وكان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم بالدنيا ». ### ||| ** اخلاقه : # كان في شمائله آية الانسانية الفضلى ، ما رآه أحد الا هابه ، ولا خالطه ~~انسان الا أحبه ، ولا سمعه صديق أو عدو وهو يتحدث أو يخطب فهان عليه ان ~~ينهي حديثه أو يسكت. PageV01P027 # قال ابن الزبير فيما رواه ابن كثير ( ج 8 ص 37 ): « والله ما قامت ~~النساء عن مثل الحسن بن علي ». # وقال محمد بن اسحق : « ما بلغ احد من الشرف بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، ما بلغ الحسن بن علي. كان يبسط له على باب داره فاذا ~~خرج وجلس انقطع الطريق ، فما يمر أحد من خلق الله اجلالا له ، فاذا علم قام ~~ودخل بيته فيمر الناس ». # ونزل عن راحلته في طريق مكة فمشى ، فما من خلق الله احد الا نزل ومشى حتى ~~سعد بن ابي وقاص ، فقد نزل ومشى الى جنبه. # وقال مدرك بن زياد لابن عباس ، وقد امسك للحسن والحسين بالركاب وسوى ~~عليهما ثيابهما : « انت أسن منهما تمسك لهما بالركاب؟ ». فقال : « يا لكع! ~~وما تدري من هذان ، هذان ابنا رسول الله ، أوليس مما أنعم الله علي به ان ~~امسك لهما واسوي عليهما! » # وكان من تواضعه على عظيم مكانته انه مر بفقراء وضعوا كسيرات ms007 على الارض ، ~~وهم قعود يلتقطونها ويأكلونها ، فقالوا له : « هلم يا ابن رسول الله الى ~~الغداء! » فنزل وقال : « ان الله لا يحب المتكبرين ». وجعل يأكل معهم. ثم ~~دعاهم الى ضيافته فأطعمهم وكساهم. # وكان من كرمه انه اتاه رجل في حاجة ، فقال له : « اكتب حاجتك في رقعة ~~وارفعها الينا ». قال : فرفعها اليه فأضعفها له ، فقال له بعض جلسائه : « ~~ما كان أعظم بركة الرقعة عليه يا ابن رسول الله! ». فقال : « بركتها علينا ~~أعظم ، حين جعلنا للمعروف اهلا. أما علمت ان المعروف ما كان ابتداء من غير ~~مسألة ، فاما من أعطيته بعد مسألة ، فانما اعطيته بما بذل لك من وجهه. وعسى ~~ان يكون بات ليلته متململا أرقا ، يميل بين اليأس والرجاء ، لا يعلم بما ~~يرجع من حاجته أبكآبة الرد ، ام بسرور النجح ، فيأتيك وفرائصه ترعد وقلبه ~~خائف يخفق ، فان قضيت له حاجته فيما بذل من وجهه ، فان ذلك أعظم مما نال من ~~معروفك ». PageV01P028 # وأعطى شاعرا فقال له رجل من جلسائه : « سبحان الله اتعطي شاعرا يعصي ~~الرحمن ويقول البهتان! ». فقال : « يا عبد الله ان خير ما بذلت من مالك ما ~~وقيت به عرضك ، وان من ابتغاء الخير اتقاء الشر ». # وسأله رجل فأعطاه خمسين الف درهم وخمسمائة دينار وقال له : « ائت بحمال ~~يحمل لك ». فأتى بحمال ، فأعطاه طيلسانه ، وقال : « هذا كرى الحمال ». # وجاءه بعض الاعراب. فقال : « اعطوه ما في الخزانة! ». فوجد فيها عشرون ~~الف درهم. فدفعت اليه ، فقال الاعرابي : « يا مولاي ، ألا تركتني أبوح ~~بحاجتي ، وانشر مدحتي؟ ». فأنشأ الحسن يقول : # نحن اناس نوالنا خضل %~% يرتع فيه الرجاء والامل تجود قبل السؤال أنفسنا %~% خوفا على ماء وجه من يسل # وروى المدائني قال : « خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر حجاجا ~~ففاتتهم اثقالهم ، فجاعوا وعطشوا ، فرأوا عجوزا في خباء فاستسقوها فقالت : ~~هذه الشويهة احلبوها ، وامتذقوا لبنها ، ففعلوا. واستطعموها ، فقالت : ليس ~~الا هذه الشاة فليذبحها أحدكم. فذبحها احدهم ، وكشطها. ثم شوت لهم من لحمها ~~فأكلوا. وقالوا عندها ، فلما نهضوا ، قالوا : نحن نفر من قريش نريد هذا ~~الوجه ، فاذا عدنا ms008 فألمي بنا ، فانا صانعون بك خيرا. ثم رحلوا فلما جاء ~~زوجها ، أخبرته فقال : ويحك تذبحين شاتي لقوم لا تعرفينهم ، ثم تقولين : ~~نفر من قريش. ثم مضت الايام ، فأضرت بها الحال ، فرحلت حتى اجتازت بالمدينة ~~، فرآها الحسن (ع) فعرفها ، فقال لها : أتعرفينني؟ قالت : لا. قال : أنا ~~ضيفك يوم كذا وكذا ، فأمر لها بالف شاة والف دينار ، وبعث بها الى الحسين ~~(ع) فأعطاها مثل ذلك ، ثم بعثها الى عبد الله بن جعفر فأعطاها مثل ذلك ». # وتنازع رجلان ، هاشمي واموي. قال هذا : « قومي اسمح ». وقال PageV01P029 # هذا : « قومي اسمح ». قال : « فسل انت عشرة من قومك ، وانا اسأل عشرة من ~~قومي ». فانطلق صاحب بني امية فسأل عشرة ، فأعطاه كل واحد منهم عشرة آلاف ~~درهم. وانطلق صاحب بني هاشم الى الحسن بن علي ، فأمر له بمائة وخمسين الف ~~درهم ، ثم أتى الحسين فقال : « هل بدأت بأحد قبلي؟ ». قال : « بدأت بالحسن ~~» قال : « ما كنت أستطيع أن ازيد على سيدي شيئا » فأعطاه مائة وخمسين الفا ~~من الدراهم. فجاء صاحب بني امية يحمل مائة الف درهم من عشر أنفس ، وجاء ~~صاحب بني هاشم يحمل ثلاثمائة الف درهم من نفسين. فغضب صاحب بني أمية ، ~~فردها عليهم ، فقبلوها. وجاء صاحب بني هاشم فردها عليهما ، فأبيا ان ~~يقبلاها ، وقالا : « ما كنا نبالي. أخذتها أم القيتها في الطريق ». # ورأى غلاما أسود يأكل من رغيف لقمة ، ويطعم كلبا هناك لقمة فقال له : « ~~ما حملك على هذا؟ » قال : « اني استحي منه ان آكل ولا اطعمه ». فقال له ~~الحسن : « لا تبرح مكانك حتى آتيك ». فذهب الى سيده ، فاشتراه واشترى ~~الحائط ( البستان ) الذي هو فيه ، فأعتقه ، وملكه الحائط. # واخبار كرمه كثيرة لسنا بسبيل استقصائها. # وكان من حلمه ما يوازن به الجبال على حد تعبير مروان عنه. # وكان من زهده ما خصص له محمد بن علي بن الحسين بن بابويه المتوفى سنة 381 ~~هجري كتابا أسماه ( كتاب زهد الحسن عليه السلام ). وناهيك بمن زهد بالدنيا ~~كلها في سبيل الدين. ### ||| ** مناقبه : # انه سيد شباب أهل الجنة ، وأحد الاثنين اللذين ms009 انحصرت ذرية رسول الله ~~صلى الله عليه وآله فيهما ، وأحد الاربعة الذين باهل بهم النبي PageV01P030 # نصارى نجران ، وأحد الخمسة ( أصحاب الكساء )، وأحد الاثني عشر الذين فرض ~~الله طاعتهم على العباد ، وهو أحد المطهرين من الرجس في الكتاب ، وأحد ~~الذين جعل الله مودتهم أجرا للرسالة ، وجعلهم رسول الله أحد الثقلين اللذين ~~لا يضل من تمسك بهما. وهو ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله وحبيبه الذي ~~يحبه ويدعو الله أن يحب من أحبه. # وله من المناقب ما يطول بيانه ، ثم لا يحيط به البيان وان طال. # وبويع بالخلافة بعد وفاة أبيه عليهما السلام ، فقام بالامر على قصر عهده ~~أحسن قيام ، وصالح معاوية في الخامس عشر من شهر جمادى الاولى سنة 41 على ~~أصح الروايات فحفظ الدين ، وحقن دماء المؤمنين ، وجرى في ذلك وفق التعاليم ~~الخاصة التي رواها عن ابيه عن جده صلى الله عليهما. فكانت خلافته « الظاهرة ~~» سبعة اشهر واربعة وعشرين يوما. # ورجع بعد توقيع الصلح الى المدينة ، فاقام فيها ، وبيته حرمها الثاني ~~لاهلها ولزائريها. # والحسن من هذين الحرمين ، مشرق الهداية ، ومعقل العلم وموئل المسلمين. ~~ومن حوله الطوائف التي نفرت من كل فرقة لتتفقه فيالدين ولتنذر قومها اذا ~~رجعت اليهم. فكانوا تلامذته وحملة العلم والرواية عنه. وكان بما أتاح الله ~~له من العلم ، وبما مكن له في قلوب المسلمين من المقام الرفيع ، أقدر انسان ~~على توجيه الامة وقيادتها الروحية ، وتصحيح العقيدة ، وتوحيد أهل التوحيد. # وكان اذا صلى الغداة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله جلس في مجلسه ، ~~يذكر الله حتى ترتفع الشمس ، ويجلس اليه من يجلس من سادات الناس يحدثهم. ~~قال ابن الصباغ ( الفصول المهمة ص 159 ): « ويجتمع الناس حوله ، فيتكلم ~~بما يشفي غليل السائلين ويقطع حجج المجادلين ». PageV01P031 # وكان اذا حج وطاف بالبيت ، يكاد الناس يحطمونه مما يزدحمون للسلام عليه. ~~عليه السلام . ### ||| ** وفاته : # وسقي السم مرارا كما سنأتي على تفصيله عند البحث على الوفاء بشروط الصلح ~~. وأحس بالخطر في المرة الاخيرة ، فقال لاخيه الحسين عليه السلام : « اني ~~مفارقك ولاحق ms010 بربي ، وقد سقيت السم ، ورميت بكبدي في الطست ، واني لعارف ~~بمن سقاني السم ومن أين دهيت ، وأنا اخاصمه الى الله عز وجل ». ثم قال : « ~~وادفني مع رسول الله (ص) فاني أحق به وببيته (1). فان أبوا عليك ، فانشدك ~~الله بالقرابة التي قرب الله عز وجل منك ، والرحم الماسة من رسول الله ان ~~لا تهريق في امري محجمة من دم ، حتى نلقى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~فنختصم اليه ، ونخبره بما كان من الناس الينا ». PageV01P032 # واوصى اليه باهله وبولده وتركاته وبما كان اوصى به اليه ابوه امير ~~المؤمنين عليه السلام . ودل شيعته على استخلافه للامامة من بعده. # وتوفي في اليوم السابع من شهر صفر سنة 49 هجري. # قال ابو الفرج الاصفهاني : « واراد معاوية البيعة لابنه يزيد ، فلم يكن ~~شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن ابي وقاص فدس اليهما سما فماتا منه ». # ولللدواهي النكر من هذا النوع ، صدماتها التي تهز الشعور وتوقظ الالم ، ~~وتجاوبت الاقطار الاسلامية أسى المصيبة الفاجعة ، فكان لها في كل كورة ~~مناحة تنذر بثورة ، وفي كل عقد من السنين ثورة تنذر بانقلاب. # والله سبحانه وتعالى يقول : « وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ». ### ||| ** مدفنه : # روى سبط ابن الجوزي بسنده الى ابن سعد عن الواقدي : « انه لما احتضر ~~الحسن قال : ادفنوني عند ابي يعني رسول الله (ص) فقامت بنو امية ومروان بن ~~الحكم وسعيد بن العاص وكان واليا على المدينة فمنعوه!!. قال ابن سعد : ~~ومنهم عائشة وقالت : لا يدفن مع رسول الله أحد ». # وروى ابو الفرج الاموي الاصفهاني عن يحيى بن الحسن انه قال : « سمعت علي ~~بن طاهر بن زيد يقول : لما أرادوا دفنه يعني الحسن بن علي ركبت بغلا ~~واستعونت بني امية ومروان ومن كان هناك منهم ومن حشمهم ، وهو قول القائل : ~~فيوما على بغل ويوما على جمل ». # وذكر المسعودي ركوب عائشة البغلة الشهباء وقيادتها الامويين ليومها ~~الثاني من اهل البيت عليهم السلام . قال : « فأتاها القاسم بن محمد بن ابي PageV01P033 # بكر فقال : يا عمة ما غسلنا ms011 رؤوسنا من يوم الجمل الاحمر (1). أتريدين أن ~~يقال يوم البغلة الشهباء؟ فرجعت ». # واجتمع مع الحسين بن علي خلق من الناس فقالوا له : « دعنا وآل مروان ، ~~فوالله ما هم عندنا الا كأكلة رأس ». فقال : « ان أخي أوصى ان لا اريق فيه ~~محجمة دم .. ولولا عهد الحسن هذا ، لعلمتم كيف تأخذ سيوف الله منهم مأخذها. ~~وقد نقضوا العهد بيننا وبينهم ، وأبطلوا ما اشترطنا عليهم لانفسنا ». يشير ~~بهذا الى شروط الصلح . # ومضوا بالحسن فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. # قال في الاصابة : « قال الواقدي : حدثنا داود بن سنان حدثنا ثعلبة بن ابي ~~مالك : شهدت الحسن يوم مات ودفن بالبقيع ، فلقد رأيت البقيع ولو طرحت فيه ~~ابرة ما وقعت الا على رأس انسان ». PageV01P034 ### | القسم الثاني ### | في الموقف السياسي PageV01P035 ### | قبل البيعة # يكفينا الآن ، ونحن بصدد موضوع لا ندري على التحقيق ، مدى تأثره بسوابقه ~~ومقارناته ، ان نرجع ولو قليلا الى استعراض بعض الاوضاع الاجتماعية التي ~~ثاب اليها المسلمون لاول مرة بعد عهد النبوة ، بما كان للنبوة من اثر عميق ~~في النفوس ، وسلطان قوي على تكوين المجتمع ، ويد صناع في بناء عناصر ~~الحيوية في الاتباع. # يكفينا ونحن نستوحي الذكريات لوضع الصورة العابرة هنا ، ان نأخذ من كل ~~مناسبة صلتها بموضوعنا ، أو نأخذ بالمناسبات ذات الصلة من دون غيرها ، ~~لنتعرف على ضوء هذا الاسلوب مدى تأثر موضوعنا بماضيه. # وكان الحدث الاكبر في تاريخ الاسلام هو وفاة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، وانقطاع ذلك الاشعاع السماوي الذي كان يفيض على ~~الدنيا كلها بالخير ، فاذا الدنيا كلها مظلمة تستعد للشر. وانقطعت الارض ~~بموت رسول الله (ص) عن السماء ، اذ كان الوحي هو بريدها الى الارض واداة ~~صلتها بها. وهل للارض غنى عن السماء ، وفي السماء رزقها ومنها خيرها ~~وحياتها وحيويتها ونورها ودينها. وما كان أشد من هذه الوحشة على الدنيا ، ~~ولا أفدح من هذه الخسارة على المسلمين ، لو انه كان ونعوذ بالله PageV01P037 # انقطاعا باتا وانفصالا نهائيا. ولكن رسول الله (ص) أدرك ما ms012 سيمتحن به ~~المؤمنون بعده من عظيم الرزية بانقطاع الوحي من بينهم ، وكان بالمؤمنين ~~رؤوفا رحيما ، فأخبرهم بان حبلا واحدا سيبقى متصلا بينهم وبين السماء. وهل ~~حبل أولى بالتمسك من حبل السماء وقد انقطع الوحي ، قال : # « اني تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله حبل ممدود من ~~السماء الى الارض ، وعترتي اهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، ~~فانظروا كيف تخلفوني فيهما » (1). # ومن حق البحث الذي بين ايدينا ان يستقرئ في هذه المناسبة موقف المجتمع من ~~عترة النبي (ص)، او موقف الجماعات التي كانت تدعي لنفسها حق التمثيل ~~للمجتمع ، لينظر فيما خلفوا رسول الله في عترته استغفر الله بل لينظر فيما ~~يتصل من ذلك بموضوعنا من هذه المناسبة العابرة. واذا كانت العترة عشيرة ~~الرجل ، فعلي أبرز رجالها بعد رسول الله ، واذا كانت ذريته ، فالحسن كبير ~~عترة النبي من بعده. وتجيز اللغة اطلاق العترة على الصنفين العشيرة والذرية معا. # نعم انه قدر لهذا المجتمع ، ان ينقسم انقسامته التاريخية التي وقعت فور ~~الفاجعة العظمى بوفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حين تأول قوم ~~فانساحوا الى تأولاتهم ، وتعبد آخرون فثبتوا على الصريح من قول نبيهم ، ~~وللنبي تصريحات كثيرة في موضوع الترشيح للخلافة ليس هنا PageV01P038 # مكان استعراضها. ولسنا الآن بصدد مناقشة المتأولين أو مساجلة المتعبدين ، ~~لان كل شيء مما نتفق عليه معهم جميعا ، أو مع فريق واحد منهم ، أو مما ~~نختلف فيه قد تم في حينه على صورته. وليس فيما تتناوله بحوثنا الآن ما ~~يستطيع ان يغير الواقع عن واقعه. # ولكنا ولنلتمس المعاذير للمتأولين على مخالفتهم لنصوص نبيهم نقول : انهم ~~نظروا الى هذه النيابة عن الوحي التي جعلها رسول الله (ص) للكتاب وللعترة ~~من بعده ، في حديثه هذا وفي نظائره الكثيرة من الاحاديث الاخرى ، نظرتهم ~~السياسية التي لا تعني الانكار على رسول الله ، ولكنها تهدف قبل كل شيء الى ~~« المصلحة » فيما يرون ، ورأوا ان وجوب اطاعة الاوامر النبوية في الموضوعات ~~السياسية ، منوط بذوي التجارب من الشيوخ المتقدمين بالسن. ms013 فان صادقوا على ~~ما أراده النبي فذاك ، والا فليكن ما أرادوا هم. # وهكذا زويت الخلافة عن العترة. وهكذا صار من الممكن وربما من المستحسن ~~لدى فريق عظيم من مسلمة محمد صلى الله عليه وآله ، ان يصبح معاوية أيضا ممن ~~ينازع على خلافة الاسلام ويطلبها لنفسه ، ويحتج عليها بالسن (1) ايضا ، ~~ويصادق عليها الشيوخ المسنون ايضا كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وابي ~~هريرة الدوسي. ولم تكن حملة معاوية هذه بما فيها من استخفاف بقدسية الاسلام ~~، الاولى من نوعها ، ولكنها كانت تمتد بجذورها الى عهد أقدم ، والى تصالح ~~وتعاون أسبق ، ومن طراز أسمى (2). # ولم يبق مخفيا ان الحجر الاساسي لهذا التدهور غير المنتظر ، كان هو الذي ~~بني هناك في المدينة المنورة ، وقامت عليه سقيفة بني ساعدة بما PageV01P039 # ابرم فيها من حبل جديد هو غير الحبل الممدود عموديا من السماء الى الارض ~~الذي عناه رسول الله (ص) في حديثه الآنف الذكر. ولكنه حبل آخر اريد ليمتد ~~مع التاريخ # افقيا . # وتوالت تحت السقيفة أحدا %~% ث أثارت كوامنا وميولا نزعات تفرقت كغصون ال %~% عوسج الغض شائكا مدخولا (1) # ووقف صاحب الحق بالخلافة من اخوانه المتأولين ، موقفه المشرف الذي دل ~~بذاته ، وبما حفظ الاسلام من الانهيار ، على انه وحده كان الوسيط بين الناس ~~وحبل السماء. وتلكأ عن بيعتهم بمقدار ما نبه الذهنية الاسلامية الى الحق ~~المغلوب على امره ، واخذ الى البيعة بعد ذلك أخذا (2). وسأله بعض اصحابه : ~~« كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به؟ » فقال : « انها كانت أثرة ~~، شحت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين ، والحكم لله والمعود اليه ~~القيامة. ودع عنك نهبا صيح في حجراته (3)» .. |وما الخبيثان ابن هند وابنه||وان طغى خطبهما بعد وجل| |بمبدعين في الذي جاءا به||وانما تقفيا تلك السبل| |الا ليس فعل الآخرين وان علا||على قبح فعل الاولين بزائد| |يصيب به الرامون عن قوس غيرهم||فيا اخرا اسدى له الشراول| PageV01P040 # لغة تنبئك عما تكظمه في دخيلتها من غيظ ، وعما تحمله في ظاهرتها من تسليم. # وعشا عن انواره ms014 مناوئوه ، وعلى أبصارهم غشاوة الذحول. فغفلوا عنه غير ~~منكرين سبقه وجهاده وقرابته وصهره واخوته وعلمه وعبادته ، وتصريحات رسول ~~الله صلى الله عليه وآله في شأنه ، التي كانوا يستوعبونها يومئذ اكثر مما ~~نستوعبها نحن. ولكنهم نقموا عليه كثرة فضائله هذه ، ونقموا عليه شدته في ~~احقاق الحق ، ونقموا عليه سيفه الذي خلق منهم أعداء موتورين ، منذ كان يصنع ~~الاسلام بهذا السيف في سوح الجهاد المقدس. # ونقموا عليه سنه لانه كان في العقد الرابع. ولا عجب اذا رأى ذوو الحنكة ~~المسنون ، ان لا يكون الخليفة بعد رسول الله مباشرة ، الا وهو في العقد ~~السابع مثلا. # وخفي عليهم ان الامامة في الاسلام دين كالنبوة نفسها ، ويجوز فيها ما ~~يجوز في النبوة ، ولا يجوز عليها ما لا يجوز على النبوة في عظمتها. فما شأن ~~الاجتهاد بالسن في مقابل النص على التعيين. وما شأن الملاحظات السياسية في ~~مقابل كلمات الله وتصريحات نبيه (ص). وكانت سن علي يوم وفاة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله ، سن عيسى بن مريم يوم رفعه الله عز وجل ، أفيجوز لعيسى ان ~~ينتهي بقصارى نبوته في الارض الى هذه السن ، ولا يجوز لعلي أن يبتدئ خلافته ~~في ثلاث وثلاثين ، وهي السن التي اختارها الله لسكان جنانه يوم القيامة! ~~ولو لم تكن خير سني الانسان لما اختارها الله للمصطفين من عباده في الجنان. # ونقموا عليه قرباه « فكرهوا اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد » ولا ~~نعرف كيف انقلبت الفضيلة على هذا المنطق سببا لنقمة. ولا نفهم كيف كانت « ~~القرابة » بموجتها القصيرة ، وبما هي اقرب الى النبي صلى الله عليه وآله حائلا ~~دون الخلافة ، ثم هي بموجتها الطويلة ، وبما هي PageV01P041 # أبعد عن النبي ، دليل الخلافة والحجة الوحيدة في ما دلفوا به من حجاج ~~خصومهم. # وحسبوا انهم أحسنوا صنعا للاسلام وللمصلحة العامة بفصلهم الخلافة عن بيت ~~النبوة ، وبما فسحوا المجال لبيوتات اخرى ، تتعاون بدورها على غزو المنصب ~~الديني الأعلى ، أبعد ما يكون بطبيعته عن مجالات الغزو والغلبة والاستيلاء ~~بالقوة والعنف. # وخفي عليهم ما كان يحتاط به ms015 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لامته ولعترته ~~، حين سجل الخلافة في بيته. # وجاءت الاحداث بعد ذلك فنبهت العقول الواعية الى اخطاء القوم وصواب رسول ~~الله صلى الله عليه وآله . # فكانت « عملية الفصل » هذه ، هي مثار الخلافات التاريخية الحمر ، بين ~~عشاق الخلافة في مختلف الاجيال ، ومبعث مآس فظيعة في المسلمين ، ومصدر ~~انعكاسات مزرية في مثالية الاسلام ، كان المسلمون في غنى عنها لو قدر ~~للخلافة من يومها الاول ان تأخذ طريقها اللاحب الذي لا يجوز فيه اجتهاد ، ~~ولا تمسه سياسة ، ولا يتصرف فيه احد غير الله ورسوله. # « وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة ~~من امرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ». # وهل كان التناحر والتطاحن المديد العمر المتوارث مع الاجيال فيما بين ~~الاسر البارزة في المسلمين ، الا نتيجة فسح المجال لهذا او ذاك في الطماح ~~الى غزو المقام الرفيع. # وهل كانت المجازر الفظيعة التي جابهها المسلمون في الفترات المختلفة من ~~تاريخ الاسلام : بين بني هاشم وبني امية : وبين بني الزبير وبني امية : ~~وبين بني العباس وبني امية : وبين بني علي وبني العباس ... الا النتيجة PageV01P042 # المباشرة لفصم ذلك التقليد الديني الذي احتاط به رسول الله ~~صلى الله عليه وآله ، ليكون حائلا دون امثال هذه المآسي والاحداث المؤسفة في ~~الاسلام. # وهل كانت « فجائع العترة » الفريدة من نوعها بالقتل والصلب والسبي ~~والتشريد الا اثر الخطأة الاولى ، التي خولفت بها سياسة النبي (ص) فيما ~~اراده لامته ولعترته ، وفيما حفظ به امته وعترته جميعا ، لو انهم اطاعوه ~~فيما اراد. # ولكنهم جهلوا مغزى هذه السياسة البعيدة النظر ، فكرهوا اجتماع النبوة ~~والخلافة في بيت واحد ، انصهارا بسياسة اخرى. # وكانت هي المعذرة الظاهرة التي لم يجدوا غيرها معذرة يبوحون بها للناس. ~~اما معذرتهم الباطنة ، فلا يعلم بها الا العالم ببواطن الامور وهي على ~~الاكثر لا تعدو الذكريات الدامية في حروب الدعوة الاسلامية ، أو الحسد الذي ~~« يأكل الدين كما تأكل النار الحطب » كما في الحديث الشريف . # وكان حب الرياسة ms016 وشهوة الحكم ، شر أدواء الناس وبالا على الناس ، وأشدها ~~استفحالا في طباع الاقوياء من زعماء ومتزعمين. # وما النبوة ولا الامامة بما هما منصب إلهي من مجالات السياسة بمعناها ~~المعروف ، وكل سياسة في النبوة أو في شيء من ذيولها الادارية ، فهو دين ~~والى الدين. والمرجع الوحيد في كل ذلك ، هو صاحب الدين نفسه ، وكلمته هي ~~الفصل في الموضوع. # ولكي تتفق معي على مسيس اتصال هذه المناسبة بموضوعنا اتصالا وشيجا ، عليك ~~ان تتطلع الى اللغة المتظلمة الناقمة التي ينكشف عنها الحسن بن علي ~~عليهما السلام في هذا الشأن ، بما كتبه الى معاوية ، ابان البيعة له في ~~الكوفة. قال : PageV01P043 # « فلما توفي يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تنازعت سلطانه العرب ، ~~فقالت قريش : نحن قبيلته واسرته واولياؤه ، ولا يحل لكم ان تنازعونا سلطان ~~محمد وحقه. فرأت العرب ان القول ما قالت قريش وان الحجة في ذلك لهم على من ~~نازعهم في امر محمد. فأنعمت لهم وسلمت اليهم ، ثم حاججنا (1) نحن قريشا ~~بمثل ما حاججت به العرب ، فلم تنصفنا قريش انصاف العرب لها. انهم أخذوا هذا ~~الامر دون العرب بالانصاف والاحتجاج ، فلما صرنا اهل بيت محمد واولياءه الى ~~محاجتهم ، وطلب النصف منهم ، باعونا واستولوا بالاجتماع على ظلمنا ~~ومراغمتنا والعنت منهم لنا. فالموعد الله وهو الولي النصير. # « ولقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا ، وسلطان بيتنا. واذ ~~كانوا ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام ، أمسكنا عن منازعتهم ، مخافة على الدين ~~ان يجد المنافقون والاحزاب في ذلك مغمزا يثلمون به ، أو يكون لهم بذلك سبب ~~الى ما أرادوا من افساده. # « فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله ، لا ~~بفضل في الدين معروف ، ولا أثر في الاسلام محمود ، وانت ابن حزب من الاحزاب ~~، وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله ، ولكتابه. والله حسيبك فسترد ~~عليه وتعلم لمن عقبى الدار!! » (2). # وهكذا نجد الحسن عليه السلام ، يعطف بالفاء عجبه من توثب معاوية على تعجبه ~~لتوثب الاولين عليهم في حقهم وسلطان بيتهم. ms017 ومن هنا تنبثق مناسبة اتصال ~~قضيته بقضايا الخلائف السابقين ، وتنبثق معها مناسبات اخرى. بعضها للاخوين. ~~وبعضها للابوين. وبعضها للحق العام. |اقرأ بعصرك ما الاهواء تكتبه||ينبئك عما جرى في سالف الحقب| PageV01P044 # وما نحن بالذاكرين شيئا منها هنا ، لانا لا نريد ان نتصل بهذه البحوث ، ~~في سطورنا هذه ، الا بمقدار ما تتصل هي بالصميم من موضوعنا. # وعلمنا ان الرشاقة السياسية البارعة التي ربحت الموقف بعد وفاة رسول الله ~~(ص) في لحظات ، والتي سماها كبير من اقطابها « بالفلتة » وسماها معاوية « ~~بالابتزاز للحق والمخالفة على الامر (1)» ، كانت بنجاحها الخاطف دليلا على ~~سبق تصميم في الجماعات التي وليت الحل والعقد هناك. فكان من السهل ان نفهم ~~من هذا التصميم « اتجاها خاصا » نحو العترة من آل محمد (ص) له اثره في حينه ~~، وله آثاره بعد ذلك. # فكانوا المغلوبين على امرهم ، والمقصيين عن عمد في سائر التطورات البارزة ~~التي شهدها التاريخ يومئذ (2). # فلا الذي عهد بالخلافة قدمهم. ولا الذي حصر الخليفة في الثلاثة من الستة ~~انصفهم. ولولا رجوع الاختيار الى الشعب نفسه مباشرة ، بعد حادثة الدار ، ~~لما كان للعترة نصيب من هذا الامر على مختلف الادوار. PageV01P045 # ثم كان لهذا « الاتجاه الخاص » أثره في خلق معارضة قوية للعهدين اللذين ~~رجعا بامرهما الى العترة من آل محمد صلى الله عليه وآله . # وفي حروب البصرة وصفين فمسكن شواهد كثيرة على ما نقول. # وفي موقف ابن عمر (1) وسعد بن ابي وقاص واسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة ~~وقدامة بن مظعون وعبد الله بن سلام وحسان بن ثابت وأبي سعيد الخدري وزيد بن ~~ثابت والنعمان بن بشير .. وهم « القعاد » الذين آثروا الحياد ، واستنكفوا ~~من البيعة لعلي ولابنه الحسن عليهما السلام شواهد اخرى. # ولهذه المعارضة ميادينها المختلفة والوانها المتعددة. ومنها المواقف ~~السلبية النابية التي جوبه بها زعماء العترة عليهم السلام ، في المدينة اولا ~~، وفي الكوفة اخيرا. # والا فما الذي كان يحدو عليا عليه السلام ، ليقول من على منبره في الكوفة : # « يا أشباه الرجال ولا رجال ، ويا أحلام الاطفال وعقول ربات الحجال ، أما ms018 ~~والله لوددت أن الله أخرجني من بين أظهركم ، وقبضني الى رحمته من بينكم ، ~~ووددت أني لم أركم ولم أعرفكم ، فقد والله ملأتم صدري غيظا. وجرعتموني ~~الامرين أنفاسا. وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان .. » # الى كثير مما يشبه هذا القول ، مما أثر عنه في خطبه وكلماته. # اليست هي المعارضة التي زرعت نوابتها الخبيثة في كل مكان من حواضر علي ~~عليه السلام ، فأخذت على الناس التقاعس عن نصرته بشتى المعاذير. PageV01P046 # أقول هذا. ولا اريد ان أتتاسى معه العوامل الاخرى التي شاركت « الاتجاه » ~~الآنف الذكر في تكوين هذه المعارضة بموقفيها الايجابي المسلح والسلبي ~~الخاذل تجاه العترة النبوية في العهد الهاشمي الكريم. # ولا أشك بان العدل الصارم ، والمساواة الدقيقة في التوزيع التي كانت طابع ~~هذا العهد ، بل هي دون ريب طابع العهود الهاشمية مع القرن الاول ، في ~~نبوتها وفي خلافتها. هي الاخرى التي تحسس منها الناس أو قسم من الناس ، ~~بشيء من الضيق لا يتسع للطاعة المطلقة ولا للاخلاص الحر اللذين لن ينتفع ~~بغيرهما في ميدان سلم أو ميدان حرب. # والظروف الطارئة بمقتضياتها الزمنية التي طلعت بها على الناس خزائن ~~الممالك المهزومة في الفتوح ، والطعوم الجديدة من الحياة التي لا عهد ~~لهؤلاء الناس بمثلها من قبل كل ذلك ، كان له أثره في خلق الحس المظلم الذي ~~من شأنه ان يظل دائما في الجهة المعاكسة للنور. # وفي بحران هذا « الاتجاه الخاص » الذي تعاون على تكوينه ربع قرن من ~~السنين ، يتمثل عهد علي عليه السلام في خلافته قبل بيعة الحسن في الكوفة. # والحسن من علي عليهما السلام كبير ولده ، وولي عهده ، وشريك سرائه وضرائه ~~، يحس بحسه ويألم بألمه. وهو اذ ذاك على صلة وثيقة بالدنيا التي أحاطت ~~بابيه من قومه ومن رعيته ومن أعدائه ، فهو لا يجهلها ولا يغفل عنها ، وكان ~~ينطوي مما يدور حوله على شجى مكتوم ، يشاركه فيه أخوه كما يشاركه في اخوته. ~~وكان هذا الشجى المكتوم ، هو الشيء الظاهر مما خلف به هؤلاء المسلمون يومئذ ~~نبيهم في عترته ، جوابا على قوله (ص) لهم : « فانظروا ms019 كيف تخلفوني فيهما!! ». PageV01P047 # وكان الحسن عليه السلام ، اذ ينطوي على هذا الشجى ، لا يلبث ان يستروح ~~الامل أحيانا بما يجده في صحابة أبيه البهاليل من النجدة والحيوية ~~والمفاداة وشمائل الاخلاص الذي لا تشوبه شائبة طمع في دنيا ، ولا شائبة هوى ~~في سياسة. # ومن هؤلاء ، القواد العسكريون ، والخطباء المفوهون. والفقهاء والقراء ~~والصفوة الباقية من بناة الاسلام. كانوا بجدارة العدة التي يستند عليها ~~امير المؤمنين ، في حربه وسلمه. وكانوا بحق دعامة العهد الهاشمي فيما تعرض ~~له هذا العهد ، من زلازل وزعازع واخطار. # وكانوا المسلمين الذين وفوا لرسول الله صلى الله عليه وآله ، فيما واثقوه ~~عليه في ذريته ، بأن يمنعوهم بما يمنعون به انفسهم وذراريهم. فلم لا يستروح ~~الحسن بهم روائح الامل لقضية ابيه ، بل لقضية نفسه. # وكانوا المؤمنين الذين آمنوا بكلمات الله في اهل بيت نبيهم وذوي قرباه ~~وآمنوا بوصينبيهم ، وبمراتبه التي رتبها الله له أو رتبه لها. وفهموا عليا ~~كما يجب أن يفهم. وعلي هو ذلك البطل الذي لم يحلم المسلمون بعد رسول الله ~~(ص) بمثله ، اخلاصا في الحق ، وتفاديا في الاسلام ، ونصحا للمسلمين ، ~~واستقامة على العدل ، واتساعا في العلم. ولن ينقص عليا في كبرياء معانيه ، ~~جحود الآخرين فضائله ومميزاته ، ولهؤلاء الآخرين من مطامعهم واهوائهم شغل ~~شاغل يملأ فراغ نفوسهم. وما في ملاكات علي عليه السلام متسع للاهواء ~~والمطامع. فليكن هؤلاء دائما في الملاكات البعيدة عن علي ، وليكونوا في ~~المعسكر الذي يقوم على المساومة بالمال والولايات .. # وليكن مع علي زمرته المنخولة تلك ، المسلمة اسلامها الصحيح امثال عمار بن ~~ياسر ، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين ، وحذيفة بن اليمان ، وعبد الله وعبد ~~الرحمن ابني بديل ، ومالك بن الحارث الاشتر ، وخباب بن الارت ، ومحمد بن ~~ابي بكر ، وابي الهيثم بن التيهان ، وهاشم بن عتبة PageV01P048 # ابن ابي وقاص ( المرقال )، وسهل بن حنيف ، وثابت بن قيس الانصاري ، ~~وعقبة بن عمرو ، وسعد بن الحارث بن الصمة ، وابي فضالة الانصاري ، وكعب بن ~~عمرو الانصاري ، وقرضة بن كعب الانصاري ، وعوف بن الحارث بن عوف ، وكلاب بن ~~الاسكر الكناني ، وابي ms020 ليلى بن بليل .... واضراب هؤلاء من قادة الحروب ~~وأحلاس المحاريب ، الذين انكروا الظلم ، واستعظموا البدع ، وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر ، وتسابقوا الى الموت في سبيل الله ، استباق غيرهم الى ~~المطامع في سبيل الدنيا. # ومن الخير ، أن ننبه هنا ، الى ان جميع هذه الصفوة المختارة كانت قد ~~استشهدت في ميادين علي عليه السلام ، وان ثلاثا وستين بدريا استشهد معهم في ~~صفين (1) وحدها ، وان أضعاف هذه الاعداد كانت خسائر الحروب المتعاقبة مدى ~~ثلاث سنوات. # فما ظنك الآن ، بذلك الامل الذي كان يداعب الحسن عليه السلام بوجود ~~الانصار ، وهل بقي للحسن بعد هذا الا الشجى المكتوم ، مضاعفا على تضاعيف ~~الايام. # اما معسكر علي عليه السلام ، فقد نكب نكبته الكبرى ، حين أصحر من خيرة ~~رجالاته ، ومراكز الثقل فيه. # واما دنيا علي عليه السلام ، فقد عادت لسقيا الغصص وشرب الرنق على حد ~~تعبيره هو فيما ندب به أصحابه عند مصارعهم . # وتلفت علي الى آفاقه المترامية التي تخضع لامره ، فلم يجد بين جماهيرها ~~المتدافعة ، من ينبض بروح اولئك الشهداء ، أو يتحلى بمثل مزاياهم ، اللهم ~~الا النفر الاقل الذي لا يناط به أمل حرب ولا أمل سلم. # ولولا قوة تأثيره في خطبه ، وعظيم مكانته في سامعيه ، لما تألف له بعد ~~هؤلاء جيش ، ولا قامت له بعدهم قائمة. PageV01P049 # وهكذا أسلمته ظروفه لان يكون هدف المقاطعة من بعض ، وهدف العداء المسلح ~~من آخرين ، وهدف الخذلان الممقوت من الاتباع ( فلا اخوان عند النجاء ، ولا ~~أحرار عند النداء ). # وأي حياة هذه التي لا تحفل بأمل ، ولا ترجى لنجاح عمل. وقد أزمع فيها ~~الترحال عباد الله الاخيار ، الذين باعوا قليلا من الدنيا لا يبقى ، بكثير ~~من الآخرة لا يفنى. # فسمع وهو يقول ( اللهم عجل للمرادي شقاءه ) وسمع وهو يقول ( فما يحبس ~~أشقاها ان يخضبها بدم أعلاها )، وسمع وهو يقول ( أما والله لوددت ان الله ~~أخرجني من بين أظهركم وقبضني الى رحمته من بينكم ). # وسلام عليه يوم ولد. ويوم سبق الناس الى الاسلام. ويوم صنع الاسلام ~~بسيفه. ويوم امتحن. ويوم مات. ويوم يبعث ms021 حيا. # وترك من بعده لولي عهده ، ظرفه الزمني النابي ، القائم على اثافيه الثلاث ~~فقر الأنصار. والعداء المسلح. والمقاطعة الخاذلة. PageV01P050 ### ||| البيعة PageV01P051 # اذا كان الدين في الاسلام ، هو ما يبلغه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لانه ~~الذي لا ينطق عن الهوى « ان هو الا وحي يوحى » ، واذا كان الخليفة في ~~الاسلام هو من يعينه النبي للخلافة ، لانه المرجع الأعلى في الاثبات والنفي ~~، فالحسن بن علي ، هو الخليفة الشرعي ، بايعه الناس أو لم يبايعوه. # ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله باسمه في سلسلة أسماء خلفائه الاثني عشر ~~، كما تضافر به الحديث عنه ، فيما رواه علماء السنة (1)، وفيما أجمع على ~~روايته علماء الشيعة ، وفيما اتفق عليه الفريقان ، من قوله له ولاخيه ~~الحسين : « انتما الامامان ولأمكما الشفاعة (2)». وقوله وهو يشير الى ~~الحسين : « هذا امام ابن امام أخو امام أبو أئمة تسعة (3)» الحديث . # وأمره أبوه أمير المؤمنين منذ اعتل أن يصلي (4) بالناس ، وأوصى اليه عند ~~وفاته قائلا : « يا بني أنت ولي الامر وولي الدم ، وأشهد على وصيته الحسين ~~ومحمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ، ودفع اليه الكتاب والسلاح ، ثم ~~قال له : « يا بني أمرني رسول الله أن اوصي اليك ، وأن أدفع اليك كتبي ~~وسلاحي ، كما أوصى الي رسول الله ودفع الي PageV01P052 # كتبه وسلاحه. وأمرني أن آمرك ، اذا حضرك الموت أن تدفعها الى اخيك الحسين ~~». ثم أقبل على الحسين فقال : « وأمرك رسول الله أن تدفعها الى ابنك هذا ». ~~ثم اخذ بيد علي بن الحسين وقال : « وأمرك رسول الله أن تدفعها الى ابنك ~~محمد. فأقرئه من رسول الله ومني السلام » (1). # صورة تحكيها كل كتب الحديث التي تعرض لهذه المواضيع ، وترفعها مسندة ~~بالطرق الصحيحة الموثقة ، الى مراجعها من اهل البيت عليهم السلام وغيرهم. ~~وهي الصورة التي تناسق الوضع المنتظر لمثل ظرفها. والا فما الذي كان ينبغي ~~غير ذلك؟ # وهذه هي طريقة الامامية من الشيعة في اثبات الامامة. # نصوص نبوية متواترة من طرقهم ، ومروية بوضوح من طرق غيرهم ، تحصر الامامة ~~في اثني عشر اماما كلهم من قريش ms022 (2)، وتذكر ضمنا أو في مناسبة اخرى ، ~~أسماءهم اماما اماما الى آخرهم ، وهو المهدي المنتظر الذي يملأ الله به ~~الارض قسطا وعدلا ، بعد أن تكون قد امتلأت ظلما وجورا. # ونصوص خاصة ، من كل امام على خلفه الذي يجب أن يرجع اليه الناس. # ثم يكون من تفوق الامام ، في علمه وعمله ومكارمه وكراماته ، أدلة وجدانية ~~اخرى ، هي بمثابة تأييد لتلك النصوص بنوعيها. PageV01P053 # اما بيعة الناس فليست شرطا في امامة الامام. وانما على الناس أن يبايعوا ~~من أرادته النصوص النبوية. ولا تصحح الامامية بيعة غيره. ولا تقع من أحدهم ~~الا اضطرارا. # وقضت الظروف بدوافعها الزمنية ، أن لا يبايع الناس من الائمة المنصوص ~~عليهم ، الا الامامين عليا والحسن عليهما السلام . # وابتدأ بعد الحسن عهد « الخلافات » الاسمية ، التي ترتكز في نفوذها على ~~السلاح ، وتقوم في بيعتها على شراء الضمائر بالمال. أو كما قال الغزالي « ~~وأفضت الخلافة الى قوم تولوها بغير استحقاق (1)». # وكان الاولى بالمسلمين ، أو بمؤرخة الاسلام على الاخص ، ان يغلقوا عهد « ~~الخلافة » بنهاية عهد الحسن عليه السلام ، ليشرعوا بعده عهد « الملك » ~~بظواهره وسياسته وارتجالاته ولو فعلوا لحفظوا مثالية الاسلام مجلوة بما ~~ترسمه خلفاؤه المثاليون من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولصانوا الاسلام ~~عن كثير مما وصمه به هؤلاء الملوك الذين فرضوا على المسلمين خلافاتهم فرضا ~~، ثم جاء التاريخ فرضي أن يسميهم « الخلفاء » من دون استحقاق لهذا الاسم ، ~~وأساء الى الاسلام من حيث أراد الاحسان. # ترى ، أيصح للخليفة الذي يجب أن يكون أقرب الناس شبها بصاحب الرسالة في ~~ورعه وعلمه والتزامه بحرفية الاسلام ، أن يصلي « الجمعة » يوم الاربعاء ، ~~أو يصليها مرة اخرى في ضحى النهار ، أو يتطلب محرما ، أو يبيع الذهب باكثر ~~منه وزنا ، أو يلحق العهار بالنسب ، أو يقتل المؤمن صبرا ، أو يرد الكافر ~~بالمال ليتجهز على اخوانه المسلمين بالحرب؟ الى غير ذلك والى أنكى من ذلك ~~من ظواهر الملك التي لا يجوز نسبتها الى الدين. فلم لا يكون صاحبها رئيس ~~دنيا و « ملكا » بدل أن نسميه رئيس دين و « خليفة »؟. وناهيك ms023 بمن جاء بعد ~~معاوية من خلائف هذه الشجرة المنعوتة في القرآن نعتها اللائق بها . فماذا ~~كان من يزيد وماذا كان من PageV01P054 # عبد الملك ومن الوليد ، ومن آخرين وآخرين. # كل ذلك كان يجب أن يستحث المسلمين الى الانتصاف للاسلام ، فلا يضيفون الى ~~مراكزه الدينية العليا ، الا الاكفاء المتوفرين بتربيتهم على مثاليته ~~والذين هم أقرب الناس شبها بمصدر عظمته الاول (ص). # وعلمنا مما تقدم أن الحسن بن علي عليهما السلام ، كان أشبه الناس برسول ~~الله صلى الله عليه وآله خلقا وخلقا وهيأة وسؤددا (1). وانه كان عليه سيماء ~~الانبياء وبهاء الملوك. وعلمنا أنه كان سيد شباب أهل الجنة في الآخرة. ~~والسيد في الآخرة هو السيد في الدنيا غير منازع. و « السيد » المطلق لقبه ~~الشخصي الذي لقبه به جده رسول الله صلى الله عليه وآله . # وعلمنا أنه كان أشرف الناس نسبا ، وخيرهم أبا واما وعما وعمة وخالا وخالة ~~وجدا وجدة. كما وصفه مالك بن العجلان في مجلس معاوية (2). # فلم لا يكون على هذا هو المرشح بالتزكية القطعية للبيعة العامة. كما كان ~~الى ذلك هو الامام المقطوع على أمره بالنص. ولم لا يضاف PageV01P055 # اليه المركز الديني الأعلى ، وهو من عرفت مقامه وسموه ومميزاته. واذا ~~تعذر علينا أن نفهم الامامة والكفاءة للخلافة ، من هذه القابليات الممتازة ~~والمناقب الفضلى ، فأي علامة اخرى تنوب عنها أو تكفينا فهمها. # خرج عليه السلام الى الناس ، غير ناظر الى ما يكون من أمرهم معه ، ولكنه ~~وقف على منبر أبيه ، ليؤبن أباه بعد الفاجعة الكبرى في مقتله صلوات الله ~~وسلامه عليه. # فقال : « لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاولون ، ولا يدركه ~~الآخرون. لقد كان يجاهد مع رسول الله فيقيه بنفسه. ولقد كان يوجهه برايته ، ~~فيكتنفه جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، فلا يرجع حتى يفتح الله ~~عليه. ولقد توفي في الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران. ورفع بها عيسى بن ~~مريم ، وانزل القرآن. وما خلف صفراء ولا بيضاء الا سبعمائة درهم من عطائه ، ~~أراد أن يبتاع بها خادما لاهله ms024 (1)». # وتأبين الحسن هذا بأسلوبه الخطابي فريد لا عهد لنا بمثله ، لانه كما ترى ~~لم يعرض الى ذكر المزايا المعروفة في الراحل العظيم ، كما هي العادة ~~المتبعة في أمثال هذه المواقف ، ولا سيما في تأبين الرجال الذين احتوشوا ~~الفضائل ، فكان لهم أفضل درجاتها ، ومرنوا على المكارم فاذا هم في القمة من ~~ذرواتها ، علما وحلما وفصاحة وشجاعة وسماحة ونسبا وحسبا ونبلا ووفاء واباء ~~، كعلي الذي حير المادحين مدح علاه. فلماذا يعزف الحسن عليه السلام ، فيما ~~يؤبنه به عن الطريقة المألوفة في تأبين العظماء؟. ترى أكانت الصدمة القوية ~~في مصيبته به ، هي التي سدت عليه وهو الخطيب المصقع وابن أخطب العرب أبواب ~~القول فيما ينبغي أن يقول ، أم أنه كان قد عمد الى هذا الاسلوب قاصدا ، ~~فكان في اختيار PageV01P056 # الاسلوب الخاص ، ابلغ الخطباء وابرعهم اصابة للمناسبات ، وأطولهم خطابة ~~على اختصار الكلمات. # نعم انه يؤبنه بما لا يسع أحدا في التاريخ أن يؤبن به غيره. وكل تأبين ~~على غير هذا الاسلوب ، كان بالامكان أن يؤبن على غراره غيره وغيره من عظماء ~~الناس. اما الاوصاف الفريدة التي ذكرها الحسن لأبيه في هذا التأبين ، فكانت ~~الخصائص العلوية التي لا تصح لغير علي في التاريخ ، ولا يشاركه فيها أحد من ~~العظماء ولا من الاولياء. # انه ينظر اليه من زاويته الربانية نظر امام الى امام فاذا هو الراحل الذي ~~لا يشبهه راحل ولا مقيم ، ولا يضاهيه في شتى مراحله ولي ولا زعيم. # رجل ولكنه الذي لم يسبقه الاولون ولا يدركه الآخرون. وانسان ولكنه بين ~~جبرئيل وميكائيل ، وهل هذا الا الانسان الملائكي. ترفع روحه يوم يرفع عيسى ~~، ويموت يوم يموت موسى ، وينزل الى قبره يوم ينزل القرآن الى الارض! مراحل ~~كلها بين ملك مقرب ونبي مرسل وكتاب منزل ، ومع رسول الله يقيه بنفسه. فما ~~شأن مكارم الدنيا ، الى جنب هذه المكرمات الكرائم ، حتى يعرض اليها في ~~تأبينه. # ولعلك تتفق معي الآن الى أن هذا الاسلوب الرائع « الفريد » فيما أبن به ~~الحسن أباه عليهما السلام ، كان أبلغ تأبين في ظرفه ms025 ، وأليقه بهذا الفقيد. # وهذه احدى مواقفه الخطابية ، التي دلت بموهبتها الممتازة على نسبها ~~القريب ، من جده ومن أبيه ( صلى الله عليهما وعلى آلهما ). وسيكثر منذ ~~اليوم أمثالها ، من الحسن « الخليفة » عليه السلام ، بحكم نزوله الى قبول ~~البيعة من الناس ، وبما سيستقبله من طوارئ كثيرة ، تستدعيه للكلام وللقول ~~وللخطابة في مختلف المناسبات. PageV01P057 # ووقف بحذاء المنبر في المسجد الجامع وقد غص بالناس ابن عمه « عبيد الله ~~بن عباس بن عبد المطلب ». ينتظر هدوء العاصفة الباكية المرنة ، التي اجتاحت ~~الحفل ، في أعقاب تأبين الامام الحسن لابيه عليهما السلام . # ثم قال بصوته الجهوري الموروث الذي يدوي في الارض دوي أصوات السماء ، وما ~~كان عبيد الله منذ اليوم ، الا داعي السماء الى الارض : # « معاشر الناس هذا ابن نبيكم ، ووصي امامكم فبايعوه » « يهدي به الله من ~~اتبع رضوانه سبل السلام ، ويخرجهم من الظلمات الى النور باذنه ، ويهديهم ~~الى صراط مستقيم ». # وفي الناس الى ذلك اليوم ، كثير ممن سمع نص رسول الله صلى الله عليه وآله ، ~~على امامته بعد ابيه. فقالوا : « ما أحبه الينا وأوجب حقه علينا وأحقه ~~بالخلافة ». وبادروا الى بيعته راغبين. # وكان ذلك يوم الواحد والعشرين من شهر رمضان ، يوم وفاة ابيه عليه السلام ، ~~سنة اربعين للهجرة (1). # وهكذا وفقت الكوفة لان تضع الثقة الاسلامية في نصابها المفروض لها ، من ~~الله عز وجل ومن العدل الاجتماعي ، وبايعته معها البصرة والمدائن وبايعه ~~العراق كافة ، وبايعه الحجاز واليمن على يد القائد العظيم « جارية بن قدامة ~~» ، وفارس على يد عاملها « زياد بن عبيد » ، وبايعه الى ذلك من بقي في هذه ~~الآفاق من فضلاء المهاجرين والانصار ، فلم يكن لشاهد أن يختار ولا لغائب أن ~~يرد ، ولم يتخلف عن بيعته فيما نعلم الا معاوية ومن اليه ، واتبع بقومه غير ~~سبيل المؤمنين ، وجرى مع الحسن مجراه مع أبيه بالامس. وتخلف أفراد آخرون ~~عرفوا بعد ذلك بالقعاد. PageV01P058 # اما الخلافة الشرعية. فقد تمت « على ظاهرتها العامة » من طريق البيعة ~~الاختيارية ، للمرة الثانية في تاريخ آل محمد صلى الله عليه وعلى آله ~~الطاهرين وطلعت على ms026 المسلمين من الزاوية المباركة التي طلعت عليهم بالنبوة ~~قبل نصف قرن. فكانت من ناحية صلتها برسول الله صلى الله عليه وآله ، امتدادا ~~لمادة النور النبوي ، في المصباح الذي يستضيء به الناس. ومع الخليفة الجديد ~~كل العناصر المادية والمعنوية التي تحملها الوراثة في كينونته ومثاليته. # فكان على ذلك الأولى بقول الشاعر : # نال الخلافة اذ كانت له قدرا %~% كما أتى ربه موسى على قدر # ويعود الامام الحسن عليه السلام بعد أن أخذت البيعة له فيفتتح عهده الجديد ~~، بخطابه التاريخي البليغ ، الذي يستعرض فيه مزايا أهل البيت وحقهم الصريح ~~في الامر ، ثم يصارح الناس فيه بما ينذر به الجو المتلبد بالغيوم من ~~مفاجئات واخطار .. # فيقول. ( وهو بعض خطابه ): # « نحن حزب الله الغالبون ، وعترة رسول الله الاقربون ، وأهل بيته الطيبون ~~الطاهرون ، وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله في امته ، ثاني كتاب الله ~~الذي فيه تفصيل كل شيء ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ~~فالمعول علينا في تفسيره ، لا نتظنن تأويله بل نتيقن حقائقه ، فأطيعونا فان ~~طاعتنا مفروضة ، اذ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة ، قال الله عز وجل : يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم فان تنازعتم ~~في شيء فردوه الى الله والرسول وقال : ولو ردوه الى الرسول واولي الامر ~~منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ». # ثم يمضي في خطابه ، ويردف أخيرا بقوله : PageV01P059 # « واحذركم الاصغاء لهتاف الشيطان فانه لكم عدو مبين فتكونون كأوليائه ~~الذين قال لهم : لا غالب لكم اليوم من الناس واني جار لكم فلما تراءت ~~الفئتان نكص على عقبيه وقال اني بريء منكم اني أرى ما لا ترون. فستلقون ~~للرماح وردا ، وللسيوف جزرا ، وللعمد حطما ، وللسهام غرضا. ثم لا ينفع نفسا ~~ايمانها ، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيرا (1)» .. # ثم نزل من على منبره ، فرتب العمال ، وأمر الامراء ونظر في الامور (2). ### ||| ** قبول الخلافة # وتحذلق بعض المترفهين بالنقد ، فرأى من « التسرع » قبول الحسن للخلافة ، ~~في مثل الظرف الذي بايعه فيه الناس ، بما كان يؤذن به ms027 هذا الظرف من زعازع ~~ونتائج ، بعضها ألم ، وبعضها خسران. # ولكي نتبين مبلغ الاصابة في التسرع الى هذا النقد. نقول : ### ||| ** اما اولا : # فلما كان الواجب على الناس دينا ، الانقياد الى بيعة الامام المنصوص عليه ~~، كان الواجب على الامام مع قيام الحجة بوجود الناصر قبول البيعة من الناس. # اما قيام الحجة فيما نحن فيه فقد كان من انثيال الناس طواعية الى البيعة ~~في مختلف بلاد الاسلام ، ما يكفي بظاهر الحال دليلا عليه. ولا مجال للتخلف ~~عن الواجب مع وجود شرطه. ### ||| ** واما ثانيا : # فان مبعث هذا الانعكاس البدائي ، عن قضية الحسن عليه السلام هو PageV01P060 # النظر اليها من ناحيتها الدنيوية فحسب. بينما الانسب بقضية « امام » ان ~~يستنطقها الباحث من ناحيتها الدينية على الاكثر. وكثير هو الفرق بين الدنيا ~~والدين في نظر امام. والقضية من هذه الناحية ظفر لا خسارة كما سنأتي على ~~توضيحه في محله المناسب وهي وان تكن معرض آلام ، ولكنها آلام في سبيل ~~الاسلام ، ومن أولى من الحسن بالاسلام وتحمل آلامه. وانما هو نبت بيته. ### ||| ** واما ثالثا : # فلم يكن الحسن في رفعة مكانه من زعماء المسلمين ، وفي نسبه الممتاز ~~ومركزه من العلم ، بالذي يستطيع الفراغ وان أراده عن عمد ، ولا بالذي يتركه ~~الناس وان أراد هو ان يتركهم ، وكان لابد للرجات العنيفة في المجتمع ~~الاسلامي ، أن تتدافع اليه ، تستدعيه للوثوب احقاقا للحق وانكارا للمنكر ~~كما وقع لاخيه الحسين عليه السلام في ظرفه. # وأيضا. فلو ترك الناس وتجافى عن بيعتهم ، أو تركه الناس وأعفوه خلافتهم ، ~~فلن يتركه المتغلبون على الناس. وانهم لينظرون اليه دائما كشبح مخيف ، بما ~~يدور حوله من الدعوة الى الاصلاح ، او النقمة الصارخة على الوضع ، التي كان ~~يتطوع لها مختلف الطبقات ، من الساخطين والمعارضين والدعاة لله ، ولن يجد ~~هؤلاء يومئذ ملجأ يفيئون اليه ، خيرا من ابن رسول الله الامام المحبوب. وهل ~~كانت الوفود التي عرضت عليه استعدادها لمناوأة الحكام الامويين واعادة ~~الكرة (1) لاسترجاع الحق المغصوب ، الا ظاهرة هذه النقمة الصارخة التي كان ~~يعج بها المجتمع الاسلامي يوم ذاك. وأنى لسلطان ms028 المتغلبين أن يستقر ما دام ~~هذا المنار قائما يفيء اليه الناس. # ولنتذكر أنه قتل مسموما. ولماذا يقتلونه وقد صالحهم وترك لهم الدنيا ~~برمتها ، لولا أنهم خافوه على سلطانهم ، ورأوا من وجوده حاجزا # ____________ PageV01P061 # يمنعهم من النفوذ الى قلوب الناس؟ وهل ذلك الا دليل انقياد الناس في ~~عقيدتهم اليه دونهم؟ # وهذا كله بعد الصلح ، وبعد ظهور جماعات من شيعته وغير شيعته ينكرون عليه ~~موقفه من الصلح. # ترى فكيف كانت قوته في الناس لو انه أبى الخلافة من أول الامر ، وبقي شغف ~~المسلمين الى بيعته على حدته ، فهل كان من المحتمل ، أن يظل محور الامل ~~ومفزع الناقمين والمعارضين ، ثم تنام عنه العيون الحذرة على دنياها ، فلا ~~تعاجله بما ختمت به حياته المقدسة اخيرا؟ وهل كان الا طعمة الاغتيالات ~~الكافرة في سنته الاولى بعد ابيه على اغلب الظن ؟. # فأي منطق هذا الذي يرى من قبول الحسن للخلافة تسرعا! # والخلافة في أصلها مقام ابيه وميراثه وميراث أخيه على حد تعبير الامام ~~علي بن موسى بن جعفر عليهم السلام . # واما الزعازع التي لوح بها هذا النقد ، فما كانت الا خطط المناوئين في ~~الكوفة ، وليس شيء منها بالذي يضير الحسن ابان نشاط الناس معه كما هو في ~~ابان بيعته وأي خليفة أو زعيم ليس له مناوئون؟ # فلم لا يكون قبول البيعة هو الارجح على مختلف الوجوه؟. # بل هو الواجب لضرورة الوقت وللمصلحة العامة ولاحقاق الحق. PageV01P062 ### ||| الكوفة ايام البيعة PageV01P063 # الكوفة كما يصفها صعصعة بن صوحان العبدي (1): « قبة الاسلام وذروة ~~الكلام ، ومصان (2) ذوي الاعلام ، الا ان بها أجلافا (3) تمنع ذوي الامر ~~الطاعة وتخرجهم عن الجماعة ، وتلك أخلاق ذوي الهيئة والقناعة ». # مصرها المسلمون في السنة السابعة عشرة (4) للهجرة بعد فتح العراق مباشرة. # وكان بناؤها الاول بالقصب ، فأصابها حريق ، فبنيت باللبن وكانت شوارعها ~~العامة بعرض عشرين ذراعا بذراع اليد ، وأزقتها الفرعية بعرض سبعة أذرع. وما ~~بين الشوارع أماكن البناء وهي بسعة أربعين ذراعا ، والفطايع وهي بسعة ستين ذراعا. # وكان المسجد أول شيء خطوه فيها. فوقف في وسط الرقعة التي أريدت ms029 للمدينة. ~~رجل شديد النزع ، رمى الى كل جهة بسهم ، ثم اقيمت المباني فيما وراء السهام ~~، وترك ما دونها للمسجد وساحته. وبنوا في مقدمة المسجد رواقا ، أقاموه على ~~أساطين من رخام كان الاكاسرة قد جلبوها من خرائب الحيرة ، وجعلوا على الصحن ~~خندقا لئلا يقتحمه أحد ببنيان. # وزاد عمران الكوفة زيادة مفاجئة ، حين هاجر اليها أمير المؤمنين ~~عليه السلام ، فاتخذها مقرا له بعد وقعة الجمل سنة 36 للهجرة وكان دخوله ~~اليها في الثاني عشر من شهر رجب. PageV01P064 # وكان من بواعث هذه البادرة هجرة علي الى الكوفة ضعف موارد الحجاز ، ~~واعتماده في موارده على غيرها ، وما من علة تتعرض لها دولة أضر من اعتمادها ~~في الموارد على غيرها ، وكانت الكوفة وبلاد السواد تكفي نفسها وتفيض. وهذا ~~عدا الاسباب العسكرية التي اضطرته لها الثورات المسلحة التي كانت تتخذ من ~~بلاد الرافدين ميادين لاعمالها العدوانية. # وتقاطر على الكوفة اذ هي عاصمة الخلافة كبار المسلمين من مختلف الآفاق. ~~وسكنتها القبائل العربية من اليمن والحجاز ، والجاليات الفارسية من المدائن ~~وايران. وعمرت فيها الاسواق التجارية. وزهت فيها الدراسات العلمية. وأنشئت ~~حولها الحدائق والبساتين والارباض والقريات. وأغفت على ذراعها أمجاد ~~التاريخ والآداب والعلوم زمنا طويلا. # وغلب على الكوفة تحت ظل الحكم الهاشمي التشيع لعلي واولاده عليهم السلام ، ~~ثم لم يزل طابعها الثابت اللون. ووجد معه بحكم اختلاف العناصر التي يممت ~~المصر الجديد أهواء مناوئه اخرى ، كانت بعد قليل من الزمن أداة الفتن في ~~اكثر ما عصف بالكوفة من الزعازع التاريخية والرجات العنيفة لها وعليها. # وجاءت بيعة الحسن عليه السلام يوم بايعته الكوفة ، عند ملتقى الآراء من ~~سائر العناصر الموجودة فيها يوم ذاك ، على أنها كانت قل ما تلتقي على رأي. # وكان للحسن من اسلوب حياته في هذه الحاضرة ، مدى اقامته فيها ، ما جعله ~~قبلة الانظار ومهوى القلوب ومناط الآمال ، وملأ أجواء المدينة الجديدة « ~~عاصمة ابيه » بكرائم المكرمات التي تنتقل في آل محمد بالارث : جود يد ، ~~وسجاحة خلق ، ونبل شعور ، وظرف شمائل ، وسعة حلم ، ورجاحة عقل وعلم وزهادة ~~وعبادة. وضحك ms030 منبر الخلافة في بحران PageV01P065 # حزنه على الامام الراحل بما شاع في أكنافه من شيم الانبياء الموروثة في ~~خليفته الجديد ، ولم يكن ثمة أعمل بالتقوى ، ولا أزهد بالدنيا ، ولا أجمع ~~لخصال الخير كلها منه ، لذلك كان الشخصية الفذة التي تتفق عليها الآراء ~~المختلفة عن رغبة وعمد ، وتجتمع فيها عناصر الزعامة كما يجب في قائد أمة أو ~~امام قوم. # وانتهت مهرجانات البيعة في الكوفة على خير ما كان يرجى لها من القوة ~~والنشاط والتعبئة ، لولا ان للقدر أحكاما لا تجري على أقيسة العقول ، ولا ~~تسير على رغائب الانفس ، فكان الجو السياسي في الحاضرة التي تحتفل لاول مرة ~~في تاريخها بتنصيب خليفة ، لا يزال راكدا متلبدا مشوبا بشيء كثير من ~~التبليل المريب ، وذلك هو ما ورثته الكوفة من مخلفات الحروب الطاحنة التي ~~كانت على مقربة منها في البصرة والنهروان وصفين. وفي الكوفة يومئذ انصار ~~كثيرون لشهداء هذه الحروب وضحاياها من الفريقين يشاركونهم الرأي ، ويتمنون ~~لو يسر لهم اخذ الثار ، ويعملون ما وسعهم العمل لتنفيذ اغراضهم. # ومن هذه الاغراض ، الاغراض الصالحة المؤاتية ، ومنها الفاسدة المبرقعة ~~الاهداف التي لا تفتأ تخلق ذرائع الخلاف في المجموع. # اما الحسن وهو في مستهل خلافته فقد كانت القلوب كلها معه لانه ابن بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولان من شرط الايمان مودته ، ومن شرط البيعة طاعته. # قال ابن كثير : « وأحبوه أشد من حبهم لابيه (1)». # وكان لا يزال بمنجاة من هؤلاء وهؤلاء ، ما دام لم يباشر عملا ايجابيا ~~يصطدم بأهداف البعض ، أو يمس الوتر الحساس من عصبيات البعض الآخر. ذلك لان ~~الوسائل التي أصبح يعيش بها الاسلام يومئذ ، كانت PageV01P066 # تخضع في أمثال هؤلاء المسلمين للاهداف الشخصية تارة ، وللعصبيات اخرى. # وخيل للكثيرين من اولئك الذين تتحكم فيهم الانانية والنفعية حتى تتجاوز ~~بهم حدود العقيدة ، أنهم اذ يبايعون الحسن بالخلافة ، انما يتسورون بهذه ~~البيعة الى اسناد قضاياهم ، وارضاء مطامعهم ، عن طريق الخلق الثري الواسع ، ~~الذي ألفوه في الحسن بن علي منذ عرفوه بين ظهرانيهم ، والذي كان يذكرهم ~~دائما بخلق جده ms031 الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، وكانوا يحفظون من صحابة ~~الرسول أن الحسن أشبه آله به خلقا وخلقا. # والواقع انهم فهموا هذا الخلق العظيم على غير حقيقته. # وتسابق على مثل هذا الظن كثير من ذوي المبادئ التي لا تتفق والحسن في رأي ~~ولا عقيدة ، فبايعوه راغبين ، كما يبايعه المخلصون من المؤمنين. ثم كان ~~هؤلاء بعد قليل من الزمن أسرع الناس الى الهزيمة من ميادينه لا يلوون على ~~شيء ، ذلك لانهم حين عركوا مواطن طمعهم من ليونة الحسن عليه السلام ، وجدوها ~~بعد تسلمه الحكم واضطلاعه بالمسؤولية ، أعنف من زبر الحديد ، حتى ان كلا من ~~أخيه وابن عمه وهما اقرب الناس اليه وأحظاهم منزلة عنده عجز ان يعدل به عن ~~رأي أراده ، ثم مضى معتصما برأيه في غير تكلف ولا اكتراث. # ولهذا ، فلم يكن عجيبا أن تدب روح المعارضة وئيدة في الجماعات القلقة من ~~هؤلاء الرؤساء والمترئسين في الكوفة ، ولم يكن عجيبا ان يعودوا متدرجين الى ~~سابق سيرتهم مع الامام الراحل الذي « ملأوا قلبه غيظا وجرعوه نغب التهمام ~~انفاسا » ، وهكذا تنشأت في هذا الوسط الموبوء الحزبية الناقمة التي لا تعدم ~~لها نصيرا قويا في الخارج. وهكذا انبثقت مع هذه الحزبية المشاكل الداخلية ~~بمختلف الوانها. # واستغل هذه المرحلة الدقيقة فئات من النفعيين ، تمكنوا ان يخلقوا من PageV01P067 # أنفسهم همزة وصل بين الكوفة والشام ، بما في ذلك من تمرد على الواجب. ~~وخروج على الخلق ، وخيانة للعهد الذي فرضته البيعة في أعناقهم. # وقديما مرن هذا النمط من « أشباه الرجال » على الشغب والقطيعة والنفور ، ~~منذ انتقلت الخلافة الاسلامية الى الحاضرة الجديدة في العراق بما تحمله ~~معها من الصراحة في الحكم والصرامة في العدل. وكان قلق هؤلاء وتبرمهم ~~ونفورهم ، نتيجة اليأس من دنيا هذه الخلافة ، لانها لم تكن خلافة دنيا ولكن ~~خلافة دين. وعلموا أنها لن تقرهم على ما هم عليه من سماحة التصرفات في ~~الشؤون العامة والاستئثار بالدنيا ، وأنها ستأخذ عليهم الطريق دون آمالهم ~~واعمالهم ومختلف تصرفاتهم. # ووجد هؤلاء من نشوء الخلافة الجديدة في الكوفة ، ومن استمرار ms032 معاوية على ~~الخلاف لها في الشام ، ظرفا مناسبا لبعث النشاط واستئناف أعمال الشغب ~~واستغلال الممكن من المنافع العاجلة ، ولو من طريق اللعب على الجانبين ، ~~فاما أن يحتلوا من الامارة الجديدة أمكنتهم التي ترضي طموحهم ، واما أن ~~يعملوا على الهدم ويتعاونوا على الفساد. وكانت خزائن الشام لا تفتأ تلوح ~~بالمغريات من الاموال والمواعيد ، وكانت الاموال والمواعيد أمضى أسلحة ~~الشام في مواقفها من الكوفة على طول الخط. # وهكذا فت في أعضاد كوفة الحسن تقلب الهوى وتوزع الرأي وتداعي الخلق وتوقح ~~الخصومة في الكثير الكثير من أهلها. # وكان على هذه الشاكلة من عناصر الكوفة ابان بيعة الحسن عليه السلام أقسام ~~من الناس. # لنا ان نصنفهم كما يلي : ### ||| ** 1 الحزب الاموي : # واكبر المنتسبين اليه عمرو بن حريث ، وعمارة بن الوليد بن عقبة ، وحجر بن ~~عمرو ، وعمر بن سعد بن ابي وقاص ، وأبو بردة بن أبي موسى الاشعري ، ~~واسماعيل واسحق ابنا طلحة بن عبيد الله ، واضرابهم. PageV01P068 # وفي هذا الحزب عناصر قوية من ذوي الاتباع والنفوذ ، كان لها أثرها فيما ~~نكبت به قضية الحسن من دعاوات ومؤامرات وشقاق. # « فكتبوا الى معاوية بالسمع والطاعة في السر ، واستحثوه على المسير نحوهم ~~، وضمنوا له تسليم الحسن اليه عند دنوهم من عسكره ، أو الفتك به (1)». # وفيما يحدثنا المسعودي في تاريخه (2): « أن أكثرهم اخذوا يكاتبونه يعني ~~معاوية سرا ، ويتبرعون له بالمواعيد ، ويتخذون عنده الايادي ». # « ودس معاوية الى عمرو بن حريث والاشعث بن قيس وحجار بن أبجر وشبث بن ~~ربعي دسيسة ، وآثر كل واحد منهم بعين من عيونه ، انك اذا قتلت الحسن ، فلك ~~مائة الف درهم ، وجند من اجناد الشام ، وبنت من بناتي. فبلغ الحسن ~~عليه السلام ذلك فاستلأم ( لبس اللامة ) ولبس درعا وكفرها ، وكان يحترز ولا ~~يتقدم للصلاة بهم الا كذلك ، فرماه أحدهم في الصلاة بسهم ، فلم يثبت فيه ~~لما عليه من اللامة (3)». # ومثل واحد من هذه النصوص يغني عن أمثال كثيرة. # وهكذا كان يعمل هؤلاء عامدين ، شر ما يعمله خائن يتحين الفرص ، وكانت ~~محاولاتهم اللئيمة ، لا تكاد تختفي تحت غمائم ms033 الدجل والنفاق ، حتى PageV01P069 # تبدو عارية سافرة في ساعة نداء الواجب. # وهكذا كانوا على طول الخط قادة السخط ، وأعوان الثورة ، وأصابع العدو في البلد. # ومالأهم « الخوارج » على حياكة المؤامرات الخطرة ، بحكم ازدواج خطة ~~الفئتين ، على مناهضة الخلافة الهاشمية في عهديها الكريمين. ودل على ذلك ~~اشتراك كل من الاشعث بن قيس وشبث بن ربعي فيما يرويه النص الاخير من هذه ~~الامثلة الثلاث ، وكان هذان من رؤوس الخوارج في الكوفة. ### ||| ** 2 الخوارج : # وهم أعداء علي عليه السلام منذ حادثة التحكيم ، كما هم اعداء معاوية. # وأقطاب هؤلاء في الكوفة : عبد الله بن وهب الراسبي ، وشبث بن ربعي ، وعبد ~~الله بن الكواء ، والاشعث بن قيس ، وشمر بن ذي الجوشن. # وكان الخوارج أكثر اهل الكوفة لجاجة على الحرب ، منذ يوم البيعة ، وهم ~~الذين شرطوا على الحسن عند بيعتهم له حرب الحالين الضالين أهل الشام ، فقبض ~~الحسن يده عن بيعتهم على الشرط ، وأرادها ( على السمع والطاعة وعلى أن ~~يحاربوا من حارب ويسالموا من سالم )، فأتوا الحسين أخاه ، وقالوا له : « ~~ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك يوم بايعناه ، وعلى حرب الحالين ~~الضالين أهل الشام ». فقال الحسين : « معاذ الله أن ابايعكم ما دام الحسن ~~حيا ». فانصرفوا الى الحسن ولم يجدوا بدا من بيعته على شرطه (1)». # أقول : وما من ظاهرة عداء للحسن عليه السلام ، فيما اقترحه هؤلاء PageV01P070 # الخوارج لبيعتهم اياه ، ولا في اصرارهم على الحرب ، وقد كان في شيعة ~~الحسن من يشاطرهم الالحاح على الحرب ، ولكنك سترى فيما تستعرضه من مراحل ~~قضية الحسن عليه السلام ، أن الخوارج كانوا أداة الكارثة في أحرج ظروفها. ~~ورأيت فيما مر عليك قريبا أن زعيمين من زعمائهم ساهما في أفظع مؤامرة أموية ~~في الكوفة. # وللخوارج في دعاوتهم الى « الخروج » أساليبهم المؤثرة المخيفة ، التي ~~كانت تزعزع ايمان كثير من الناس بالشكوك. وكان هذا هو سر انتشارهم بعد ~~نكبتهم الحاسمة على شواطئ النهروان. # وكان زياد بن ابيه يصف دعوة الخوارج بقوله : « لكلام هؤلاء أسرع الى ~~القلوب من النار الى اليراع (1)». وكان المغيرة بن شعبة يقول ms034 فيهم : « ~~انهم لم يقيموا ببلد يومين الا افسدوا كل من خالطهم » (2). # والخارجي يقول الزور ويعتقده الحق ، ويفعل المنكر ويظنه المعروف ، ويعتمد ~~على الله ولا يتصل اليه بسبب مشروع. # وسنعود الى ذكرهم في مناسبة اخرى عند الكلام على « عناصر الجيش ». ### ||| ** 3 الشكاكون : # ورأينا ذكر هؤلاء فيما عرضه المفيد رحمه الله من عناصر جيش الحسن ~~عليه السلام . والذي يغلب على الظن ، أن تسميتهم بالشكاكين ترجع الى تأثرهم ~~بدعوة الخوارج من دون أن يكونوا منهم ، فهم المذبذبون لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء. # ورأيت المرتضى في أماليه ( ج 3 ص 93 ) يذكر « الشكاك » استطرادا ويلوح ~~بكفرهم ، وكأنه فهم عنهم التشكيك بأصل الدين. PageV01P071 # وكانوا طائفة من سكان الكوفة ومن رعاعها المهزومين ، الذين لا نية لهم في ~~خير ولا قدرة لهم على شر ، ولكن وجودهم لنفسه كان شرا مستطيرا وعونا على ~~الفساد وآلة « مسخرة » في أيدي المفسدين. ### ||| ** 4 الحمراء : # وهم عشرون الفا من مسلحة الكوفة ( كما يحصيهم الطبري في تاريخه ). كانوا ~~عند تقسيم الكوفة في السبع الذي وضع فيه أحلافهم من بني عبد القيس ، وليسوا ~~منهم ، بل ليسوا عربا ، وانما هم المهجنون من موال وعبيد ، ولعل اكثرهم من ~~أبناء السبايا الفارسيات اللائي اخذن في « عين التمر » و « جلولاء » من سنة ~~12 17 فهم حملة السلاح سنة 41 وسنة 61 في ازمات الحسن والحسين عليهما السلام ~~في الكوفة ( فتأمل ). # والحمراء شرطة زياد الذين فعلوا الافاعيل بالشيعة سنة 51 وحواليها ، ~~وكانوا من اولئك الذين يحسنون الخدمة حين يغريهم السوم ، فهم على الاكثر ~~أجناد المتغلبين وسيوف الجبابرة المنتصرين. # وقويت شوكتهم بما استجابوا له من وقايع وفتن في مختلف الميادين التي مر ~~عليها تاريخ الكوفة مع القرن الاول. وبلغ من استفحال امرهم في الكوفة أن ~~نسبوها اليهم فقالوا « كوفة الحمراء ». # وكان في البصرة مثل ما في الكوفة من هؤلاء المهجنين الحمر. وخشي زياد ( ~~وكان والي البصرة اذ ذاك ) قوتهم فحاول استئصالهم ، ولكن الاحنف بن قيس ~~منعه عما أراد. # ووهم بعض كتاب العصر ، اذ نسب هؤلاء الى التشيع ، أبعد ما ms035 يكونون عنه ~~آثارا ونكالا بالشيعيين وأئمتهم. ولا ننكر ان يكون فيهم أفراد رأوا التشيع ~~، ولكن القليل لا يقاس عليه. PageV01P072 # وكان الى جنب هذه العناصر العدوة في الكوفة « شيعة الحسن » وهم الاكثر ~~عددا في عاصمة علي عليه السلام ، وفي هؤلاء جمهرة من بقايا المهاجرين ~~والانصار ، لحقوا عليا الى الكوفة ، وكان لهم من صحبتهم الرسول ~~صلى الله عليه وآله ما يفرض لهم المكانة الرفيعة في الناس. # وبرهن رجالات الشيعة في الكوفة على اخلاصهم لاهل البيت عليهم السلام ، منذ ~~نودي بالحسن للخلافة ، ومنذ نادى بعد خلافته بالجهاد ، وفي سائر ما استقبله ~~من مراحل. ولو قدر لهؤلاء الشيعة أن يكونوا يومئذ بمنجاة من دسائس ~~المواطنين الآخرين ، لكانوا العدة الكافية لدرء الاخطار التي تعرضت لها ~~الكوفة من الشام ، وكان في هذه المجموعة المباركة من الحيوية والقابلية ما ~~لا يستطيع أحد نكرانه ، ونعني بالحيوية القابليات التي تهضم المشاكل ~~وتفهمها ، وتعطيها الاهمية المطلوبة في حلولها. # وما ظنك بقيس بن سعد بن عبادة الانصاري وحجر بن عدي الكندي ، وعمرو بن ~~الحمق الخزاعي ، وسعيد بن قيس الهمداني ، وحبيب بن مظاهر الاسدي ، وعدي بن ~~حاتم الطائي ، والمسيب بن نجية ، وزياد بن صعصعة ، وآخرين من هذا الطراز. # اما الطوارئ المستعجلة المعاكسة ، والاصابع المأجورة الهدامة ، فقد كانت ~~تعمل دائما ، لتغلب هذه القابليات ، ولتغير من هذا التقدير. # ولم يخف على الحسن عليه السلام ما كانت تتمخض عن لياليه الحبالى في الجو ~~المسحور بشتى النزعات ، والمتكهرب بشواجر الفتن والوان الدعاوات. وكان لا ~~بد له وهو في مطلع خلافته أن يعالن الناس بخطته وأن يصارحهم عن موقفه ، وأن ~~يستملي خطته من صميم ظروفه وملابساتها في الداخل والخارج معا. # وكان معاوية هو العدو « الخارج » الذي يشغل بال الكوفة يما يكيده PageV01P073 # لها من انواع الكيد ، وبما يتمتع به من وسائل القوة والاستقرار في رقعته ~~من بلاد الشام. وما كان معاوية بالعدو الرخيص الذي يجوز للحسن عليه السلام ، ~~أن يتغاضى عن أمره ، ولا بالذي يأمن غوائله لو تغاضى عنه ، وكان الحسن في ~~حقيقة الواقع أحرص بشر على سحق ms036 معاوية والكيل له بما يستحق ، لو أنه وجد ~~الى ذلك سبيلا من ظروفه. # واما في « الداخل » فقد كان أشد ما يسترعي اهتمام الامام عليه السلام موقف ~~المعارضة المركزة ، القريبة منه مكانا ، والبعيدة عنه روحا ومعنى وأهدافا. # ولقد عز عليه أن يكون بين ظهراني عاصمته ، ناس من هؤلاء الناس ، الذين ~~استأسدت فيهم الغرائز ، وأسرفت عليهم المطامع ، وتفرقت بهم المذاهب ، ~~وأصبحوا لا يعرفون للوفاء معنى ، ولا للدين ذمة ، ولا للجوار حقا. نشزوا ~~بأخلاقهم ، فاذا بهم آلة مسخرة للانتقاض والغدر والفساد ، ينعقون مع كل ~~ناعق ويهيمون في كل واد. ولا يكاد يلتئم معهم ميدان سياسة ولا ميدان حرب. ~~وحسبك من هذا مثار قلق ومظنة شغب وباعث مخاوف مختلفات. # وهكذا كان للعراق منذ القديم قابلية غير عادية لهضم المبادئ المختلفة ~~والانتفاضات الثورية العاتية باختلاف المناسبات. # وللحسن في موقفه الممتحن من هذه الظروف ، عبقرياته التي كانت على الدوام ~~بشائر ظفر لامع ، لولا ما فوجئ به من نكسات مروعات كانت تنزل على موقفه كما ~~ينزل القضاء من السماء. # وتنبأ لكثير من الحوادث قبل وقوعها ، وكان يمنعه الاحتياط للوضع ، من ~~الاصحار بنبوءته ، فيلمح اليها الماحا. وعلى هذا النسق جاءت كلمته اللبقة ~~الغامضة ، التي اقتبسها من الآي الكريم ، والتي قصد لها الغموض عن ارادة ~~وعمد ، وهي قوله في خطبته الاولى يوم البيعة : « اني أرى ما لا ترون ». PageV01P074 # ترى ، هل كان بين يديه يومئذ ، الا المهرجانات النشيطة التي دلت قبل كل ~~شيء ، على عظيم اخلاص المجتمع لخليفته الجديد؟ فما بال الخليفة الجديد لا ~~يرى منهم الا دون ما يرون؟. # انها النظرة البعيدة التي كانت من خصائص الحسن في سلمه وفي حربه وفي صلحه ~~وفي سائر خطواته مع اعدائه ومع اصدقائه. # وعلى أن الموسوعات التاريخية لم تعن بذكر الامثلة الكثيرة التي يصح ~~اقتباسها كعرض تاريخي عن سياسة الحسن ، ولا سيما في الدور الاول من عهده ~~القصير ، وهو الدور الذي سبق اعلانه الجهاد في الكوفة ، فقد كان لنا من ~~النتف الشوارد التي تسقطناها من سيرته ، ما زادنا وثوقا ببراعته السياسية ~~التي ms037 لا مجال للريب فيها. فقد اقتاد الوضع المترنح الذي صحب عهده من اوله ~~الى آخره ، قيادته الحكيمة التي لا يمكن أن تفضلها قيادة اخرى لمثل هذا الوضع. # وليكن من أمثلة سياسته في قيادة ظروفه قبل الحرب ما يلي : # 1 أنه وضع لبيعته صيغة خاصة ، وقبض يده عما أريد معها من قيود ، وأرادها ~~هو على السمع والطاعة والحرب لمن حارب والسلم لمن سالم. فكان عند ظن ~~المعجبين ببلاغته الادارية ، بما ذكر الحرب ولوح بالسلم فأرضى الفريقين من ~~أحزاب الكوفة دعاة الحرب ، والمعارضين . وكان لديه من الوضع العام ( في ~~كوفته ) ما يكفيه نذيرا لاتخاذ مثل هذه الحيطة الحكيمة لوقت ما. # 2 أنه زاد المقاتلة مائة مائة ، وكان ذلك أول شيء أحدثه حين الاستخلاف ، ~~فتبعه الخلفاء من بعده عليه (1). PageV01P075 # وللانعاش في ترفيع مخصصات الجيش سلطانه المحبب على النفوس ، وله أثره في ~~تأليف العدد الاكبر من الناس للخدمة في الجهاد. # وكانت ظاهرة تحتمل الاستعداد للحرب ، ولكنها مع ذلك غير صريحة بالتصميم ~~عليه ، ما دامت ظاهرة انعاش في عهد جديد. وهي على هذا الاسلوب ، من ~~التصرفات التي تجمع الكلمة ولا تثير خلافا ، في حين أنها استعداد حكيم ~~للمستقبل الذي قد يضطره الى حرب قريبة. # 3 أنه امر بقتل رجلين كانا يتجسسان لعدوه عليه. وهدد بتنفيذ هذا الحكم ~~روح الشغب التي كان يستجيب لها عناصر كثيرة في المصرين ( الكوفة والبصرة ). # قال المفيد رحمه الله : « فلما بلغ معاوية وفاه أمير المؤمنين وبيعة الناس ~~ابنه الحسن ، دس رجلا من حمير الى الكوفة ، ورجلا من بني القين الى البصرة ~~، ليكتبا اليه بالاخبار ، ويفسدا على الحسن الامور. فعرف بذلك الحسن ، فأمر ~~باستخراج الحميري من عند لحام بالكوفة ، فأخرج ، وأمر بضرب عنقه. وكتب الى ~~البصرة باستخراج القيني من بني سليم ، فأخرج وضربت عنقه (1)». # وروى أبو الفرج الاصفهاني نحوا مما ذكره المفيد ، ثم قال : « وكتب الحسن ~~الى معاوية : أما بعد فانت دسست الي الرجال ، كأنك تحب اللقاء ، لا أشك في ~~ذلك ، فتوقعه ان شاء الله ، وبلغني انك شمت بما لم يشمت به ms038 ذوو الحجى ( ~~يشير الى ما تظاهر به معاوية من الفرح بوفاة أمير المؤمنين عليه السلام )، ~~وانما مثلك في ذلك كما قال الاول : # فانا ومن قد مات منا لكالذي %~% يروح ويمسي في المبيت ليغتدي فقل للذي يبغي الخلاف الذيمضى %~% تجهز لاخرى مثلها فكأن قد # 4 تمهله عن الحرب رغم الحاح الاكثرين ممن حوله على البدار اليها ، PageV01P076 # منذ تسنمه الحكم في الكوفة. # وسنأتي في « الفصل 5 » الذي ستقرؤه قريبا ، على تحليل الموقف السياسي يوم ~~ذاك ، وسنرى هناك ، أن هذا التمهل المقصود كان هو التدبير الوحيد في ظرفه. # 5 استدراجه معاوية من طريق التبادل بالرسائل ، الى نسيان موقفه المتأرجح ~~الذي لم تقو على دعمه الدعاوى الفارغة الكثيرة ، فاذا باضمامة من الغلطات ~~هي أجوبة معاوية للحسن وهي التي كشفت للناس معاوية المجهول ، ومهدت للحسن ~~معذرته تجاه الرأي العام في حربه لمعاوية ، واذا بمعاوية الفريق المغلوب في ~~منطق العقلاء ، وان يكن الغالب بعد ذلك في منطق القوة. # ومثل واحد من هذه التدابير اللبقة التي أملى فيها الحسن خطته السياسية في ~~العهد القصير ، بين وفاة أبيه عليه السلام وبين تصميمه على الحرب ، كاف عن كثير. PageV01P077 ### ||| التصميم على الحرب PageV01P079 # ودل التتبع في مختلف الفترات التاريخية ، على أن لانتصار الدين في ~~المجتمع شأنا كبيرا في تدرج الاخلاق. ذلك لان الشعوب تنطبع على غرار قادتها ~~، وتكيف بأهداف قوانينها. ولو لم يكن للدين الا الامر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ، وتنزيه النفس عن الطمع بالمادة ، لكفى. # أما هذا النفر من بقايا الجاهلية ، فقد كانوا كغيرهم من دعاة الطبقية ~~مطبوعين على المحافظة والتمسك بعادات الآباء والجدود والنظم البالية ~~والاوضاع الظالمة. وكانوا من الدين الجديد خصومه الالداء في ابان دعوته ، ~~ثم نظروا اليه كوسيلة الى الدنيا ، ابان اعتناقهم له. # وضاعت تحت ظل هذه النوازع أهداف الدين ، وخسر المجتمع تدرجه الى الصلاح ~~المنشود ، فاذا بالناس عند مطامع الدنيا « والدين لعق على السنتهم يحوطونه ~~ما درت معائشهم ، فاذا محصوا بالبلاء قل الديانون ». # ولآل محمد صلى الله عليه وآله رسالتهم التي لا يتراجعون عنها ، لانقاذ الناس ms039 ~~لا لنفع أنفسهم ، ولاقامة حامية الدين لا اقامة عروشهم ، وصيانة المعنويات ~~لا صيانة ذاتياتهم. # فاذا كان معاوية لا يزال يعاند هذه الاهداف ويحارب المنادين بها ، ثم يظل ~~منفردا عن المسلمين ببغيه وعدوانه ، مأخوذا بشهوة الحكم مأسورا بحب ~~الاستئثار في مشاعره ومذاهبه ، فليسر الحسن اليه بالمسلمين ، وليحاكمه الى ~~الله ، وكفى بالله حكما. # قال أبو الفرج الاصفهاني : « وكان أول شيء أحدثه الحسن عليه السلام أنه ~~زاد المقاتلة مائة مائة. وقد كان علي عليه السلام فعل ذلك يوم PageV01P080 # الجمل. وفعله الحسن حال الاستخلاف ، فتبعه الخلفاء من بعده في ذلك » قال ~~: « وكتب الحسن عليه السلام الى معاوية مع حرب بن عبد الله الازدي : من ~~الحسن بن علي امير المؤمنين الى معاوية بن أبي سفيان. سلام عليك فاني أحمد ~~اليك الله الذي لا اله الا هو. أما بعد ، فان الله جل جلاله بعث محمدا رحمة ~~للعالمين ومنة للمؤمنين ، وكافة للناس أجمعين ، لينذر من كان حيا ويحق ~~القول على الكافرين. فبلغ رسالات الله ، وقام بأمر الله ، حتى توفاه الله ~~غير مقصر ولا وان ، وبعد أن اظهر الله به الحق ، ومحق به الشرك. # وخص به قريشا خاصة ، فقال له : وانه لذكر لك ولقومك. فلما توفي ، تنازعت ~~سلطانه العرب ، فقالت قريش : نحن قبيلته واسرته وأولياؤه ولا يحل لكم أن ~~تنازعونا سلطان محمد وحقه. فرأت العرب أن القول ما قالت قريش ، وأن الحجة ~~في ذلك لهم ، على من نازعهم أمر محمد ، فأنعمت لهم وسلمت اليهم. # ثم حاججنا نحن قريشا ، بمثل ما حاججت به العرب ، فلم تتصفنا قريش انصاف ~~العرب لها. انهم أخذوا هذا الامر دون العرب بالانصاف والاحتجاج ، فلما صرنا ~~أهل بيت محمد وأولياءه الى محاجتهم وطلب النصف منهم ، باعدونا واستولوا ~~بالاجتماع على ظلمنا ومراغمتنا والعنت منهم لنا. فالموعد الله ، وهو الولي ~~النصير. # ولقد كنا تعجبنا لتوثب المتوثبين علينا في حقنا وسلطان بيتنا. واذ كانوا ~~ذوي فضيلة وسابقة في الاسلام ، أمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد ~~المنافقون والاحزاب في ذلك مغمزا يثلمون به ، أو يكون لهم بذلك ms040 سبب الى ما ~~أرادوا من افساده. # فاليوم فليتعجب المتعجب من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله ، لا ~~بفضل في الدين معروف ، ولا اثر في الاسلام محمود. وانت ابن حزب من الاحزاب ~~وابن أعدى قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله ولكتابه. PageV01P081 # والله حسيبك فسترد عليه وتعلم لمن عقبى الدار. وبالله لتلقين عن قليل ربك ~~، ثم ليجزينك بما قدمت يداك. وما الله بظلام للعبيد. # « ان عليا لما مضى لسبيله رحمة الله عليه يوم قبض ويوم من الله عليه ~~بالاسلام ويوم يبعث حيا ، ولانى المسلمون الامر من بعده. فأسأل الله ان لا ~~يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامة. ~~وانما حملني على الكتابة اليك ، الاعذار فيما بيني وبين الله عز وجل في ~~امرك ، ولك في ذلك ان فعلته الحظ الجسيم والصلاح للمسلمين. # « فدع التمادي في الباطل ، وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي ، فانك ~~تعلم أني أحق بهذا الامر منك عند الله وعند كل أواب حفيظ ، ومن له قلب منيب ~~، واتق الله ، ودع البغي ، واحقن دماء المسلمين ، فوالله مالك خير في أن ~~تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به. وادخل في السلم والطاعة ، ولا ~~تنازع الامر أهله ومن هو أحق به منك ، ليطفئ الله النائرة بذلك ويجمع ~~الكلمة ويصلح ذات البين. # « وان أنت أبيت الا التمادي في غيك سرت اليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم ~~الله بيننا وهو خير الحاكمين (1)». # ولقد ترى ما ينكشف عنه كتاب الحسن عليه السلام في خواتيمه ، من التهديد ~~الصريح بالحرب. وكان لا مناص للحسن من اتباع هذه الطريقة فيما يفضي به الى ~~معاوية ، حين يطلب اليه « أن يدع التمادي في الباطل ، وأن يدخل فيما دخل ~~فيه الناس من بيعته » وهي الطريقة السياسية الحكيمة التي يقصد بها اضعاف ~~الخصم عن المقاومة باضعاف عزمه. ثم هو لا يقول له ذلك الا بعد أن يقيم عليه ~~الحجة بما سبق من حجاجهم لقريش. # فدعاه مرشدا ، وتوعده مهددا ، ثم أنذره الحرب صريحا. PageV01P082 # واتبع ms041 خطة ابيه معه. وما كان الحسن في ما أحيط به من ظروف ، وفي ما مني ~~به من أعداء ، الا ممثل أبيه حقا ، حتى لكأن قطعة من الزمن كانت من عهد ~~أمير المؤمنين عليه السلام ، تأخرت عن حياته فاذا هي عهد ابنه الحسن في ~~الكوفة. وكما كانت الحرب ضرورة لا مفر منها ، في عهد الاب الراحل ~~عليه السلام ، كانت كذلك ضرورة لا يغني عنها شيء في عهد الابن القائم على الامر. # وكان مما يزين الخلافة الجديدة ، أن تزهو في فتوتها بما تملكه من قوة ~~وسلطان ، ولن يتم ذلك الا بأن تضرب على أيدي العابثين ، لتبعث الهيبة في ~~النفوس ، وتشق طريقها الى الاستقرار لتقبض على نواصي الامور. فلا عجب اذا ~~جاء كتاب الحسن هذا صريحا في تهديده ، شديدا في وعظه ، قويا في لغته الآمرة ~~الناهية « واتق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين ، فوالله ما لك خير في ~~أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به ، وادخل في السلم والطاعة ~~ولا تنازع الامر أهله ومن هو أحق به منك .. ». # أما الشعار الاموي في الشام ، فقد ظل مغاضبا للخلافة الهاشمية في الكوفة ~~، متنمرا على بيعة الحسن تنمره على بيعة أبيه من قبل. ولم تجد معه الرسائل ~~المناصحة المصارحة ، ولا كبحت من جموحه أساليبها الحكيمة وحججها الواضحة. # ونحن اذا تصفحنا ما وصل الينا من رسائل الحسن عليه السلام الى معاوية ، لم ~~نجد فيها كلمة تستغرب من مثله ، أو تتجاوز حد الحجة التي تنهض بحقه فيما ~~فرضه الله من مودة أهل البيت عليهم السلام ، وفيما سجله « الكتاب » من الحكم ~~بطهارتهم من الرجس ، أو لوح اليه من ولايتهم على الناس ، وبما صح عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله في نصوص الامامة وتعيين الامام ، وبالدعوة اخيرا الى ~~الطاعة وحقن الدماء واطفاء النائرة واصلاح ذات البين. PageV01P083 # اما رسائل معاوية الى الحسن ، فقد رأيناها تأخذ على الغالب بأعراض ~~الموضوع دون جوهرياته ، وتفزع في الكثير من مضامينها الى نبش الدفائن ~~وتأريث النعرات الخطرة بين الاخوان المسلمين. # ومن الحق ms042 ان نعترف لمعاوية بسبقه استفزاز « الشعور الطائفي » لاول مرة في ~~تاريخ الاسلام. بما كان يقصد اليه من طريق نبش هذه الدفائن ، وتأريث هذه ~~النعرات. فكان بذلك أول داع الى فصم الوحدة التي بني عليها دين التوحيد ، ~~والتي هي بحق جوهر اصلاحه وسر نجاحه بين الاديان. # وكأن معاوية حين عجز عن اصطياد المغفلين من الناس ، عن طريق نفسه أو عن ~~طريق أبيه « أبي سفيان بن حرب » ولهذين الطريقين سوابقهما المعروفة لدى ~~المسلمين بأرقامها وتواريخها رفع عقيرته في رسائله الى الحسن ، باسم أبي ~~بكر وعمر وأبي عبيدة ولوح فيها بخلاف أهل البيت عليهم السلام على بيعة أبى بكر .. # وكانت [ رسائل معاوية ] بجملتها لا ينقصها في الموضوع الذي ابردت لاجله ~~الا الحجة لاثبات الحق الشرعي عبر العرش المقدس . وحتى الشبهة المتخاذلة ~~التي كان يصطنعها لمقارعة علي عليه السلام ، في حروبه الطويلة الامد ، باسم ~~الثأر لعثمان ، قد طويت صفحتها بموت الامام الاول ، وها هو ذا تجاه الامام ~~الثاني ، الذي كان قد جثم بنفسه على باب دار عثمان يوم مقتله ، يدافع الناس ~~عنه ، حتى لقد « خضب بالدماء » كما يحدثنا به عامة المؤرخين ، ويقول ~~الطقطقي في تاريخه (1): « ان الحسن قاتل عن عثمان قتالا شديدا ، حتى كان ~~يستكتفه وهو يقاتل عنه ، ويبذل نفسه دونه .. ». # كل ذلك وعثمان بالموقف الدقيق الذي كان لا يفتأ يؤلب عليه فيه الآخرون ، ~~ويخذله الاقربون (2). PageV01P084 # نعم كانت حجة معاوية الوحيدة في رسائله الى الحسن ، ادعاؤه « اني اطول ~~منك ولاية واقدم منك بهذا الامر تجربة واكبر منك سنا! (1)» ولا شيء غير ذلك. # ولو كان لدى معاوية من وراء هذه الجمل المتعاطفة ، حجة حرية بالقول أو ~~عسية بالقبول ، لافضى بها ، ولترك النزوع الى نبش الدفائن وتأريث النعرات. # وليت شعري ، أي تجاربك تعني أبا يزيد؟! .. # أيوم ضجت الشام منك الى عمر حتى قام لشكاويها وقعد ، واستقدمك مع البريد ~~وكنت أخوف منه من غلامه « يرفأ ».؟ أم يوم ضربك بالدرة على رأسك حين دخلت ~~عليه معجبا بملابسك الخضر؟ # أم يوم كنت تقتطع الامور من دون عثمان ، ثم تقول ms043 : « هذا أمر عثمان » ~~كذبا حتى لقد كنت أحد أسباب نكبته؟ # أم يوم سعيت برجلك وجيشك تحارب امام زمانك بالسلاح باغيا غير متحرج ولا ~~متأثم ؟ # وهل في هذا القديم « من تجاربك » ما يشعر بالحجة على استحقاقك الولاية أو ~~الاستمرار على مثلها؟. فأين اذا استحقاق الخلافة يا ترى؟ .. # وهل في ولاية تتقادم على مثل هذا النسق المجلوب عليه ، والقائم على الكذب ~~والبهتان واراقة الدماء ، ما يدل على أهلية المقام الديني الرفيع؟. PageV01P086 # جمل تتعاطف كما تتعاطف الحجج النواصع ، ثم هي لا ترجع في خلاصتها الا الى ~~معنى واحد ، هو التماس الحجة ( بطول المدة! ). # ولا نعرف في منطق الحق مقياسا يثبت الخلافة بطول المدة أو بكبر السن!! # وقد يكون الرجل أبصر الرجال في شراء ضمائر الناس ، أو في تأريث الفتن في ~~الناس ، ولكن ذلك لا يعني استحقاق هذا الرجل لنيابة النبوة في الاسلام. # وقد يكون الرجل أقوم الرجال في ضبط أعصابه وفي كبت عواطفه ، حتى ليعده ~~الناس من كبار الحلماء ، ولكن ذلك ليس دليل الامامة الدينية في الناس ، لان ~~الحلم العظيم كما يكون في الامام ، يكون في المتزعمين المنافقين. # وقد يكون الرجل في حنكته أقدر الناس على تربيب العقائد وتوجيه الرأي ~~العام الى الاخذ برأيه الخاص سواء كان رأيه من رأي الله أو من رأي العاطفة ~~ولكن ذلك لا يعدو بهذا الرجل ان يكون المبتدع في الدين ، لا الخليفة على ~~المسلمين. لان الخليفة لا رأي له الا رأي القرآن ، ولا سند له الا من ~~الحديث ، ولا مرجع له الا الى الله عز وجل. # اذا ، فليس الرجل الصالح لملكوت الخلافة الاسلامية ، والنيابة عن النبوة ~~في الدين ، الا مخلوق من نوادر الخلق ، يختاره الله من عباده ويصطفيه من ~~جميع خلقه ، لمزايا ينفرد بها عن العباد ، وفضائل يتميز بها عن الخلق. ~~والله سبحانه الذي برأ العباد أعرف بذلك العبد الصالح الذي انفرد بهذه ~~المزايا ، وانماز بهاتيك الفضائل. وهو الذي يوحي باسمه الى نبيه فيختاره من ~~دون غيره. وليس لاحد بعد ذلك أن يختار. # اما معاوية فلم يكن ms044 له من سوابقه وسوابق أبيه ، ولا من كيفية اسلامه ~~واسلام أبيه ، ولا من مواقفه مع عمر وعثمان ومع علي عليه السلام ما يزعه عن ~~التطاول الى ادعاء أعظم المراتب في الاسلام ، حتى جاء يقول PageV01P087 # للحسن ابن رسول الله (ص) وقد بايعه المسلمون في آفاق الارض بما فيهم ~~صحابة الرسول وأهل بيته وخاصته وجميع المعنيين باسلاميتهم : « اني اكبر منك ~~سنا واقدم منك وأطول منك ..!! ». # وهل تجد في دنيا الحجاج ، أبلغ من هذا المنطق في اعلان العجز عن الحجة؟. # وكاتبة ثانية ، ولكنه حاول في هذه المرة ، التهديد بالاغتيال والاغراء ~~بالاقوال ، وكأنه عرف الحسن على غير حقيقته ، فاسف الى مثل هذا الاسلوب ~~المبتذل الذي لا يخاطب به مثله ، قال : # « اما بعد ، فان الله يفعل في عباده ما يشاء. لا معقب لحكمه وهو سريع ~~الحساب ، فاحذر ان تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس ، وايأس من أن تجد ~~فينا غميزة!! ثم الخلافة لك من بعدي ، فأنت أولى الناس بها والسلام (1)». # وكان جوابه الاخير الذي جبه رسولي الحسن اليه ، وهما جندب بن عبد الله ~~الازدي والحرث بن سويد التيمي أنه قال لهما : « ارجعا فليس بيني وبينكم الا ~~السيف! (2)». # وهكذا ابتدأ معاوية العدوان ، وخرج عامدا على طاعة الخليفة المفروضة ~~طاعته عليه ، الخليفة الذي لم يخالف على بيعته أحد من المسلمين غيره وغير ~~جماعته من جند الشام الذين صقل قرائحهم على الخلاف ، ورباهم على رأيه ، ~~وحبسهم عن الاختلاط بغيرهم ، فكانوا حقا ، كما وصفهم صعصعة بن صوحان العبدي ~~حين سأله معاوية عنهم فقال : « أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم للخالق ، عصاة ~~الجبار وحلفة الاشرار (3)». PageV01P088 # ودارت الكوفة دورتها ، وهي تستمع الى تهديد معاوية وتتلقف الاخبار عن ~~زحفه الى العراق. وارتجزت للحرب على لسان شيعتها البهاليل. # وهكذا جد الجد ولا مندوحة لولي الامر على الاستجابة للظرف المفاجئ ~~والنزول على حكم الامر الواقع. # وكان حرب البغاة واجبه الذي يستمده من عقيدته ويستمليه من أعماق مبدئه ، ~~ولا استقرار للخلافة دون القضاء على هذا الانقسام الذي يفرضه معاوية على ~~صفوف المسلمين ، بثوراته المسلحة في وجه ms045 الخلافة الاسلامية قرابة ثلاث ~~سنوات متتاليات ، أحوج ما يكون المسلمون فيها الى الاستقرار والاستعداد. # وكانت حروب الشام منذ تجند لها معاوية ، أشأم الحروب على الاسلام ، ~~واكثرها دما مهراقا ، وحقا مضاعا ، واجتراء على الحقايق ، وانتصارا للنزق ~~الطائش ، والاهواء الدنيوية الرخيصة. # وان الاسلام بمبادئه الانسانية السامية لم يشرع الحرب الا في سبيل الله ~~وابتغاءا الخير الناس وذيادا عن حياضه ، اما نهب الثغور واخافة الآمنين ، ~~ومحاربة الشعوب المؤمنة بالله وبرسوله ( لانه يريد أن يتأمر عليهم ) فذلك ~~ما لا تعرفه المبادئ الاسلامية ، ولا تعترف بمثله الا الجاهلية الهوجاء. ~~وذلك هو مصدر الصدمات التي مزقت الكلمة وفرقت الدين ، وفرضت العداوات بين ~~فئات المسلمين. # واستجاب لمعاوية في هذه الحروب « سفهاء طغام » على حد تعبير شبث بن ربعي ~~التميمي حين واجهه في أحدث سنة 36 ، فاستغل تفسخ أخلاقهم ، وأتجر بفساد ~~أذواقهم ، وقذف بهم في لهوات الموت ، وكلهم راض مطيع. # وكانت الشنشنة الموروثة في هاشم ، أنهم لا يبدأون أحدا قط بقتال. وتجد ~~فيما عهد به الحسن الى قائده « عبيد الله بن عباس » تأييدا صريحا PageV01P089 # لهذا الخلق الهاشمي الافضل. وكان للحسن على الخصوص ، مواريث شخصية كثيرة ~~من وصايا ودساتير ، آثره بها سيد العرب أبوه امير المؤمنين عليه السلام . ~~وكان ابوه كما يحدثنا التاريخ شديد العناية بابنه الحسن « وكان يكرمه ~~اكراما زائدا ويعظمه ويبجله (1)». وكانت هذه الوصايا ، المثل التي لا ~~يقربها الباطل ولا تزيغ عن الصواب على اختلاف موضوعاتها في الدين والدنيا ~~وفي التربية والاخلاق. وكان فيما أوصى به علي الحسن قوله : « لا تدعون الى ~~مبارزة ، فان دعيت اليها فأجب ، فان الداعي اليها باغ. والباغي مصروع ». # لذلك كنا نرى الحسن في ابان بيعته ، وفي قوة اندفاع أصحابه للهتاف بالحرب ~~، لا يجيب اليها صريحا ، ولا يعمل لها جادا ، لانه كان ينظر الى الحرب ~~نظرته الى ضرورة بغيضة ، يلجأ اليها حين لا حيلة له في اجتنابها ، وكان ~~ينتظر تنظيم حرب يضمن لها القوة ، أو قوة تضمن له الحرب ، وقد حالت الظروف ~~المتأزمة يومئذ والذاهبة صعدا في ازماتها بينه وبين ما يريد. # وقد ms046 أتينا في الفصل السابق على استكشاف الاوكار التي كان ينتمي اليها ~~المتحزبون المتحمسون في الكوفة ، من أموية ، ومحكمة ، وشكاكين ، وحمراء. ~~وأشرنا هناك الى ما كانت تعج به هذه المجتمعات من روح الهدم والتخريب ، ~~والوقوف في وجه السياسة القائمة بشتى الاساليب. # وكان كل ذلك وبعضه كاف سبب التمهل في الحرب ، الامر الذي عورض به الحسن ~~عليه السلام من قبل فئات من أصحابه المناصحين له. وكان للنشاط المؤقت ~~المحدود ، الذي غمر الكوفة في أيام البيعة ، أثره في اغراء هذه الفئات من ~~الاصحاب ، ليظنوا كل شيء ميسرا لخليفتهم الجديد. ولكنها كانت النظرة ~~القصيرة التي لا تمتد الى ما وراء الستار. ولا تزن في حسابها ما تهدفه ~~هاتيك « الاوكار ». PageV01P090 # اما الحسن فقد كان ينظر بالبصيرة الواعية الى أبعد مما ينظرون ، ويعرف ~~بالعقل اليقظان من مشاكلهم اكثر مما يعرفون ، ويغار بدينه على الصالح العام ~~أعنف مما يحسبون. # انه يدرك جيدا دقة الموقف ، بما يسيطر عليه من ميوعة الاخلاق ، في قسم ~~عظيم ممن معه في جيشه ، وممن حوله في كوفته وكان ينتظر لهذا التفسخ ~~الاخلاقي الذي باع الدنيا بالدين ، أثره السيئ في ظروف الحرب ، لو أنه ~~استبق الى الحرب قبل أن يضطره الموقف اليها. # ورأى أن في تحمل قليل من مفاسد هؤلاء كثيرا من الصلاح لسياسته الحاضرة مع ~~ظرفه الخاص. # ورأى ان يعالج الموقف من وجهه الثاني ، فترفق بالناس ، ولم يتنكر لاحد من ~~رعيته ولم يبد له أمرا ، وأخذ بسياسة التهدئة واسدال الستار ، لئلا يتسع ~~الفتق وتعم الفتنة ، وارجأ التصفية الى وقتها المناسب لها ، ليضع الندى في ~~موضعه والسيف على أهله. # وهنا يسبق الى الذهن استفهام لا يجوز للباحث أن يتجاوزه من دون أن يقف ~~على سره. انه كان الاولى برئيس الدولة اذ جوبه من ظروفه بمثل هذا الجو ~~المتلبد بالغيوم ، أن يعمد الى الحزم في استئصال الشغب ، فيستعمل الشدة ~~ويكشف المؤامرات وينكل بالخونة ويكيل لهم الجزاء الذي يستحقون. فما الذي ~~حدا بالحسن عليه السلام ، الى العزوف عن طريقة الشدة الى الرفق أحوج ما يكون ~~موقفه ms047 الى الاول منهما تعجيلا للاستقرار واستعدادا لمستقبله المهدد ~~بالحروب؟. # وللجواب على هذا الاستفهام ، وجوهه الثلاث التي ستقرؤها في خاتمة الفصل ~~الثامن. ونقول هنا : ان الحسن لو أراد الاخذ بسياسة الشدة وكانت من أوضح ~~الاساليب التي تتخذ لمثل هذه الظروف لتعجل الفتنة عن عمد ، ولفتح ميدانه ~~للثورات الداخلية التي لن تكون أقل خطرا على PageV01P091 # مقدراته من حروب الشام. وكان معاوية العدو الذي لا يفتأ يمد فكرة الثورة ~~في الكوفة بكل ما اوتي من ثراء أو دهاء. # لذلك كان ما اختاره الحسن هو الاحسن لموقفه الدقيق. # ونقول في الجواب على مقترح بعض نصحائه من أصحابه في تعجيل الحرب حين طلب ~~اليه « بأن يبدأ معاوية بالمسير حتى يقاتله في أرضه وبلاده وعمله (1)» : ~~انه لو فعل ذلك لفتح للمعارضين من زعماء الاحزاب في الكوفة وللمتفيهقين من ~~القراء و ( أهل الهيأة والقناعة ) فيها ، منفدا للخلاف عليه لا يعدم الحجة ، ~~اذا اريد الاحتجاج به من ناحية « الابتداء بالعدوان » وهي الحجة التي لا ~~يجد كثير من الناس أو من بسطاء الناس الجواب عليها ، والتي قد يؤول بها ~~النقاش الى مجاهرة هذه الجماعات بنكث البيعة علنا ، والتخلي عن الحسن جهارا ~~، ومعنى ذلك التعرض الى أفظع انشقاق داخلي ، له عواقبه ومخاوفه. # ولهذا وذاك آثر الحسن التهدئة متمهلا بالحرب بادئ ذي بدء. # ثم ارتجل الامر بالجهاد. # وما كان اذ أمر بالجهاد الا مستجيبا للظرف الطارئ الذي لم يكن يحتمل في ~~نظر الجميع الا الامر بالجهاد ، وذلك حين بادر معاوية الى العدوان مبتدئا ، ~~وتحلبت أشداقه بالمطامع الاقليمية ولكن في صميم بلاد الاسلام! ، فزحف الى « ~~جسر منبج (2)» باتجاه العراق ، وذلك بعد وفاة امير المؤمنين عليه السلام ، ~~بقليل من الزمن اختصره اليعقوبي (3) كثيرا PageV01P092 # فحدده بثمانية عشر يوما. # ومن هناك حيث بلغ أعالي الفرات ، رفع صوته « بالعواء » الذي حاول أن يجعل ~~منه زئيرا وجلجلة ، ليخيف الثغور الآمنة المطمئنة ، ولينبه مرابض الاسود في ~~كوفة الجند فيستدرجها الى النزال. # ونظر معاوية الى مصرع علي عليه السلام ، كأحسن فرصة للاجراءات الحاسمة بين ~~الكوفة والشام. وكان ذلك هو ms048 القرار الاخير الذي تم عليه الاتفاق بينه وبين ~~مشاوريه ، الذين كانوا يتحلقون حوله ليل نهار ، وينظمون معه حركة المعارضة ~~للخلافة الهاشمية ، بحنكة تشبه الدهاء ، أمثال المغيرة بن شعبة ، وعمرو بن ~~العاص ، ومروان بن الحكم ، والوليد بن عتبة ، ويزين بن الحر العبسي ، ومسلم ~~بن عقبة ، والضحاك بن قيس الفهري. # ونجح معاوية في اختيار الظرف المناسب. # ونجح في خلق الشغب المزعج في كوفة الحسن ، بما أولاه من عناية بالغة ~~بشراء الضمائر الرخيصة فيها ، وبما بثه من جواسيس يتأبطون في رواحهم الوان ~~الاكاذيب ، ويتزودون في غدوهم الاخبار والمعلومات ، عما يجد في الكوفة من ~~تصاميم ، وعما يوجد لديها من امكانيات. وكان سلاح معاوية من هذا النوع ، ~~أقوى من سلاحه بالرجال والحديد وأشد منهما مضاء وأبعد أثرا. # « واستنفر عشائره وجيوشه ، فكتب الى عماله على النواحي التابعة له ، ~~بنسخة واحدة ، يقول فيها : « فاقبلوا الي حين يأتيكم كتابي هذا بجدكم ~~وجهدكم وحسن عدتكم (1).. ». # ومضى الحسن عليه السلام بدوره على تصميمه في الاستعداد PageV01P093 # للجواب على هذا العدوان. فدعا الى الجهاد ، وتألب معه المخلصون من حملة ~~القرآن وقادة الحروب وزهاد الاسلام ، أمثال حجر بن عدي الكندي وأبي ايوب ~~الانصاري ، وعمرو بن قرضة الانصاري ، ويزيد بن قيس الارحبي ، وعدي بن حاتم ~~الطائي ، وحبيب بن مظاهر الاسدي ، وضرار بن الخطاب ، ومعقل بن سنان الاشجعي ~~، ووائل بن حجر الحضرمي [ سيد الاقيال ] ، وهانئ بن عروة المرادي ، ورشيد ~~الهجري ، وميثم التمار ، وبرير بن خضير الهمداني ، وحبة العرني ، وحذيفة بن ~~أسيد ، وسهل بن سعد ، والاصبغ بن نباتة ، وصعصعة بن صوحان ، وابي حجة عمرو ~~بن محصن ، وهانئ بن أوس ، وقيس بن سعد بن عبادة ، وسعيد بن قيس ، وعابس بن ~~شبيب ، وعبد الله بن يحيى الحضرمي ، وابراهيم بن مالك الاشتر النخعي ، ~~ومسلم بن عوسجة ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، وبشير الهمداني ، والمسيب بن ~~نجية ، وعامر بن واثلة الكناني ، وجويرية بن مشهر ، وعبد الله بن مسمع ~~الهمداني ، وقيس بن مسهر الصيداوي ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن شداد ~~الارحبي ، وعمارة بن عبد الله السلولي ، وهانئ بن هانئ السبيعي ، وسعيد ms049 بن ~~عبد الله الحنفي ، وكثير بن شهاب ، وعبد الرحمن بن جندب الأزدي ، وعبد الله ~~بن عزيز الكندي ، وأبي ثمامة الصائدي ، وعباس بن جعدة الجدلي ، وعبد الرحمن ~~بن شريح الشيباني ، والقعقاع بن عمر ، وقيس بن ورقاء ، وجندب بن عبد الله ~~الازدي ، والحرث بن سويد التيمي ، وزياد بن صعصعة التيمي ، وعبد الله بن ~~وال ، ومعقل بن قيس الرياحي. # وهؤلاء هم الجناح القوي في جبهة الحسن عليه السلام . وهم السادة الذين ~~وصفهم الحسن فيما عهد به الى « عبيد الله بن عباس » بأن الرجل منهم يزيد ~~الكتيبة ، ووصفهم معاوية في حروب صفين بأن قلوبهم جميعا كقلب رجل واحد ، ~~وقال عنهم : « انهم لا يقتلون حتى يقتلوا أعدادهم ». وهم الذين عناهم يومئذ ~~بقوله : « ما ذكرت عيوبهم تحت المغافر بصفين الا لبس على عقلي ». وشهادة ~~العدو وأصدق PageV01P094 # الشهادات مجدا. # وهز أعصاب الكوفة في فورة الدعوة الى الجهاد ، تفاؤل عنيف غلب الناس على ~~منازعها ، فاذا بالناس يتسابقون الى صفوفهم بما فيهم العناصر المختلفة التي ~~لا يعهد منها النشاط للدعاوات الخيرة والاعمال الصالحة والمساعي الخالصة ~~لله عز وجل. # فجمع المعسكر الى جنب أولئك المخلصين من أنصار الحسن سوادا من الناس غير ~~معروفين ، وجماعة من أبناء البيوت المرائين ، وجمهورا من مدخولي النية ~~الذين لا يتفقون معه في رأي ، وربما لا يكونون الا عين عدوه عليه وعلى ~~أصحابه ، وآخرين من الضعفاء الرعاديد الذين اذا أكرهوا على القتال اتقوه ~~بالفرار ، وربما لم يكن لهم من الامل الا أمل الغنائم « وليس أحد منهم ~~يوافق احدا في رأي ولا هوى ، مختلفون لا نية لهم في خير ولا شر (1)». ~~وفيهم الى ذلك ، المشاجرات الحزبية التي ستكون في غدها القريب شجرة الشوك ~~في طريق التجهيزات التي تستدعيها ظروف الحرب. # وتخوف الحسن منذ اليوم الاول نتائج هذا التلون المؤسف الذي انتشر في ~~صفوفه ، والذي لا يؤمن في عواقبه من الخذلان ، وهو ما تشير اليه بعض ~~المصادر (2) صريحا. # فكان ينظر الى الجماهير المرتجزة بين يديه للحرب ، غير واثق بثباتهم معه ~~، ولا مؤمن باخلاصهم لاهدافه. # وتراءت له من وراء ms050 هؤلاء ( في الكوفة )، الرؤوس ذوات الوجهين التي يئس ~~من اصلاحها الهدى ، أمثال الاشعث بن قيس ، وعمرو بن حريث PageV01P095 # ومعاوية بن خديج ، وأبي بردة الاشعري ، والمنذر بن الزبير ، واسحق بن ~~طلحة ، وحجر بن عمرو ، ويزيد بن الحارث بن رويم ، وشبث بن ربعي ، وعمارة بن ~~الوليد ، وحبيب بن مسلمة ، وعمر بن سعد ، ويزيد بن عمير ، وحجار بن أبجر ، ~~وعروة بن قيس ، ومحمد بن عمير ، وعبد الله بن مسلم بن سعيد ، وأسماء بن ~~خارجة ، والقعقاع بن الشور الذهلي ، وشمر بن ذي الجوشن الضبابي. # وعلم أن له من هؤلاء ليوما. # وهؤلاء هم الكوفيون الناشزون ، الذين كانوا يشرعون الاخلاق لانفسهم ~~وللناس الذين يماثلونهم رغم ادعائهم الاسلام!. وكان الاسلام الذي عمر ~~الاخلاق في النفوس وزخر به النعيم على المسلمين ، قد هزمته المادة بين ~~أوساط هذا المجتمع المأفون ، فتباعدت بينهم وبينه القربى ، وعجزوا عن ~~مسايرته بتعاليمه وتربيته وتثقيفه ، فما بايعوا الحسن على السمع والطاعة ~~حتى كانوا عملاء أعدائه على الشغب والعصيان ، يرقبون الحوادث ، ويتربصون ~~الدوائر ، وينتهزون الفرص ، ويتآمرون على اخطر الموبقات غير حافلين ~~بعواقبها ولا عارها ولا نارها. # وكان الخطر المتوقع من انخراط هؤلاء في الجيش ، أكبر من الخطر المنتظر من ~~أعدائه الذين يصارحونه العداء وجها لوجه. # فلم لا يتخوف عاهل الكوفة من الخذلان ، ولم لا يتمهل بالحرب ما وسعه ~~التمهل ، وللنتائج الغامضة حكمها الذي يفرض الاناة ويذكر بالصبر ، ويلوح ~~بالخسران. # ولكنه وقد دعي الآن الى المبارزة خليق أن يرجع الى الميراث النفيس الذي ~~يشيع في نفسه من ملكات أبيه العظيم ( وكان لا بد للشبل أن ينتهي الى طبيعة ~~الاسد ). # فليرجع الى وصية أبيه له ، وكان مما أوصاه به أبوه : « لا تدعون PageV01P096 # الى مبارزة ، فان دعيت لها فأجب ، فان الداعي لها باغ .. ». # وليرجع الى واجبه الشرعي بما له من ولاية أمر المسلمين ، وليس للامام ~~الذي قلده الناس بيعتهم ، أن يغضي على الجهر بالمنكر والبغي على الاسلام ما ~~وجد الى ذلك سبيلا. # والله تعالى شأنه يقول : « فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله ». # ورسول الله صلى الله ms051 عليه وآله يقول : « من دعا الى نفسه ، أو الى أحد ، ~~وعلى الناس امام ، فعليه لعنة الله فاقتلوه ». # اما السبيل الى ذلك ، ولا نعني به الا القوة على انكار المنكر ، فقد كان ~~للكوفة من القوى العسكرية في مختلف الثغور الخاضعة لها ، ما يؤكد الظن ~~بوجود الكفاية للحرب ، رغم الاوضاع الشاذة التي نزع اليها كثير من خونة ~~الكوفيين المواطنين. # وكان للدولة الاسلامية في أواسط القرن الاول ، أعظم جيش تحتفل بمثله تلك ~~القطعة من الزمن ، لولا أن الالتزام بقاعدة « المرابطة » التي تفرضها حماية ~~الثغور والتي كان من لوازمها توزيع القسم الاكثر من الجيوش الاسلامية على ~~مختلف المواقع البعيدة عن المركز ، كان يحول دائما دون استقدام العدد ~~الكثير من تلك الوحدات للاستعانة به في الحروب القريبة من المركز ، ولا ~~سيما مع صعوبة العمليات السوقية بنظامها السابق ووسائطها القديمة المعروفة. # وكان الجيش المقدر على الكوفة وحدها. تسعين الفا أو مائة الف على اختلاف ~~الروايتين (1). وكان الجيش المقدر على البصرة ثمانين الفا (2). وهؤلاء هم ~~أهل العطاء في المصرين ، أعني الجنود الذين يتقاضون PageV01P097 # الرواتب من خزينة الدولة. وفي المصرين العسكريين الكوفة والبصرة مثل ~~هؤلاء عددا من اتباعهم ومواليهم ومن متطوعة الجهاد غالبا. # فهذه زهاء ثلاثمائة وخمسين الفا ، هي مقاتلة العراق ، فيما يحسب على ~~العراق من القدرة العسكرية ، عدا جيوش فارس واليمن والحجاز والمعسكرات ~~الاخرى. # وكان من تحمس الشيعة للحرب ( يوم الحسن )، ومن الحاح الخوارج على حرب ~~الحالين الضالين اهل الشام على حد تعبيرهم ، ومن انسياح الناس الى صفوفهم ~~يوم نجحت دعاوة الدعاة الى الجهاد في الكوفة. ما يكفي وحده رصيدا للظن ~~بوجود الكفاية بل اليقين بوجودها ، لو انهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، ~~يوم التقت الفئتان وحميت الصدور واحمرت الحدق. PageV01P098 ### ||| النفير والقيادة PageV01P099 # ونادى منادي الكوفة الصلاة جامعة ، واجتمع الناس فخرج الحسن عليه السلام ، ~~وصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : # « أما بعد ، فان الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرها ، ثم قال لاهل ~~الجهاد : اصبروا ان الله مع الصابرين. فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون ~~الا ms052 بالصبر على ما تكرهون. انه بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على ~~المسير اليه فتحرك. لذلك اخرجوا رحمكم الله الى معسكركم في النخيلة (1) حتى ~~ننظر وتنظرون ، ونرى وترون ». # قال مؤرخو الحادثة : « وسكت الناس فلم يتكلم أحد منهم ولا أجابه بحرف ». # ورأى ذلك « عدي بن حاتم » وكان سيد طيء والزعيم المرموق بسوابقه المجيدة ~~في صحبته للنبي والوصي معا ( صلى الله عليهما ) فانتفض انتفاضته المؤمنة ~~الغضبى ، ودوى بصوته الرزين الذي هز الجمع ، فاستدارت اليه الوجوه تستوعب ~~مقالته وتعنى بشأنه وفي الناس كثير ممن عرف لابن حاتم الطائي ، تاريخه ~~وسؤدده وثباته على القول الحق واندفع الزعيم محموم اللهجة قاسي التقريع ، ~~يستنكر على الناس سكوتهم ، ويستهجن عليهم ظاهرة التخاذل البغيض. # وقال : # « أنا عدي بن حاتم ، ما أقبح هذا المقام!. ألا تجيبون امامكم وابن PageV01P100 # بنت نبيكم؟. أين خطباء المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة ، فاذا جد ~~الجد ، راوغوا كالثعالب؟. أما تخافون مقت الله ولاعيبها وعارها؟ ». # ثم استقبل الحسن بوجهه فقال : # « أصاب الله بك المراشد ، وجنبك المكاره ، ووفقك لما يحمد ورده وصدره. ~~وقد سمعنا مقالتك ، وانتهينا الى أمرك ، وسمعنا لك ، وأطعنا فيما قلت ورأيت ». # قال : « وهذا وجهي الى معسكرنا ، فمن أحب أن يوافي فليواف ». # ثم خرج من المسجد ، ودابته بالباب ، فركبها ومضى الى النخيلة ، وأمر ~~غلامه أن يلحقه بما يصلحه. وكان المثل الاول للمجاهد المطيع ، وهو اذ ذاك ~~أول الناس عسكرا (1). وفي طيء الف مقاتل لا يعصون لعدي أمرا (2). # ونشط بعده خطباء آخرون ، فكلموا الحسن بمثل كلام عدي بن حاتم ، فقال لهم ~~الحسن عليه السلام : « رحمكم الله مازلت أعرفكم بصدق النية ، والوفاء ، ~~والمودة. فجزاكم الله خيرا ». # واستخلف الحسن على الكوفة ابن عمه المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد ~~المطلب ، وأمره باستحثاث الناس للشخوص اليه في النخيلة. # وخرج هو بمن معه ، وكان خروجه لاول يوم من اعلانه الجهاد أبلغ حجة على ~~الناس في سبيل استنفارهم. # وانتظمت كتائب النخيلة خيار الاصحاب من شيعته وشيعة أبيه وآخرين من ~~غيرهم. ونشط المغيرة بن نوفل لاستحثاث الناس الى الجهاد ms053 وكان من المنتظر ~~للعهد الجديد الذي قوبل بالمهرجانات القوية في اسبوع البيعة ، أن لا يتأخر ~~أحد بالكوفة عن النشاط المتحمس لاجابة دعوة الامام. ولكن شيئا من ذلك لم ~~يقع!. وحتى السرايا الجاهزة التي كان امير المؤمنين PageV01P101 # عليه السلام قد أعدها للكرة على جنود الشام قبيل وفاته وكانت تعد اربعين ~~الف مقاتل قد انفرط عقدها وتمرد أكثرها ، وتثاقل معها اكثر حملة السلاح في ~~الكوفة عن الانصياع للامر. # وكان المذبذبون من رؤساء الكوفة ، أشدهم نشاطا في اللحظة الدقيقة التي ~~أزفت فيها ساعة الجد. # قالت النصوص التاريخية فيما ترفعه الى الحارث الهمداني كشاهد عيان : « ~~وركب معه أي مع الحسن من أراد الخروج وتخلف عنه خلق كثير لم يفوا بما قالوا ~~وبما وعدوا ، وغروه كما غروا أمير المؤمنين من قبله .. وعسكر في النخيلة ~~عشرة أيام فلم يحضره الا أربعة آلاف. فرجع الى الكوفة ، ليستنفر الناس ، ~~وخطب خطبته التي يقول فيها : قد غررتموني كما غررتم من كان قبلي .. (1)». # أقول : ثم لا ندري على التحقيق عدد من انضوى اليه بعد ذلك ولكنا علمنا ~~أنه « سار من الكوفة في عسكر عظيم » على حد تعبير ابن ابي الحديد في شرح النهج. # وسنأتي في فصل « عدد الجيش » على غربلة أقوال المؤرخين لاختيار القول ~~الفصل في عدد جنود الحسن عليه السلام . # وغادر النخيلة وبلغ « دير عبد الرحمن » فاقام ثلاثا ، والتحق به عند هذا ~~الموضع مجاهدون آخرون لا نعلم عددهم. # وكان دير عبد الرحمن هذا مفرق الطريق بين معسكري الامام في المدائن (2). PageV01P102 # ومسكن (1). # وللامام الحسن خطته من هذين المعسكرين. # اما « المدائن » فكانت رأس الجسر صوب فارس والبلاد المتاخمة لها. وهي ~~بموقعها الجغرافي ، النقطة الوحيدة التي تحمي الخطوط الثلاث التي تصل كلا ~~من الكوفة والبصرة وفارس ، بالاخرى. وتقف بقيمتها العسكرية درءا في وجه ~~الاحداث التي تنذر بها ظروف الحرب. وكانت |واجتلوها بكرا نشت « بأوانا » ||حجبت عن خطابها بالاواني| PageV01P103 # فارس معرض الانتفاضات الخطرة على الدولة. وكان عليها من قبل الامام « ~~زياد بن عبيد » ولما يطبع بعد على صفحته المقلوبة التي غيرت منه كل ms054 شيء. # واما « مسكن » فقد كانت النقطة الحساسة في تاريخ جهاد الحسن (ع) لانها ~~الميدان الذي قدر له ان يقابل العدو وجها لوجه. وهي اذ ذاك أقصى الحدود ~~الشمالية للعراق الهاشمي ، أو المناطق الخاضعة لحكومة الكوفة من هذه الجهة. ~~وكان في اراضي مسكن مواطن معمورة بالمزارع والسكان وقرى كثيرة مشهورة منها ~~« أوانا » و « عكبرا » ومنها « العلث » وهي آخر (1) قراها الشمالية ، وكان ~~بازائها قرية « الجنوبية » وهي التي انحدر اليها معاوية بجيوشه منذ غادر « ~~جسر منبج ». والتقى عندها الجمعان. # والمفهوم ان موقع مسكن اليوم لا يعدو هذه السهول الواسعة الواقعة بين ~~قرية « سميكة » وقرية « بلد » دون سامراء. # ولمسكن طبيعتها الغنية بخيراتها الكثيرة ومشارعها القريبة وسهولها ~~الواسعة ، فكانت على هذا الموقع المفضل للنزال والحروب ، وكانت لاول مرة في ~~تاريخها ميدان الحسن ومعاوية في زحفهما هذا ، ثم تبودلت فيها بعد ذلك وقائع ~~كثيرة بين العراق والشام. # ورأى الحسن عليه السلام أن يتخذ من المدائن بما لموقعها من الاهمية ~~العسكرية مقرا لقيادته العليا. ليستقبل عندها نجدات جيوشه من الاقطار ~~الثلاث القريبة منه ، ثم ليكون من وراء ميدانه الذي ينازل به معاوية وأهل ~~الشام في « مسكن ». وليس بين المعسكرين الهاشميين في المدائن ومسكن أكثر من ~~خسمة عشر فرسخا. PageV01P104 # وكانت الخطة المثلى التي لا بدل عنها للوضع الحربي الراهن. وهكذا انكشف ~~الحسن في رسم خططه الحربية ، عن القائد الملهم الذي يحسن فنون الحرب كما ~~كان يصطلح عليها عصره أفضل احسان. ودلت خطواته المتدرجة في سبيل مقاومته ~~لعدوه سواء في اختيار الوقت أو في اختيار المواقع أو في تسيير الجيوش ، على ~~مواهب عسكرية ممتازة ، كانت كفاء ما رزق من مواهب في سياسته وفي اخلاصه وفي ~~تضحيته. # ونظر عن يمينه وعن شماله ، وتصفح مليا الوجوه التي كانت تدور حوله من ~~زعماء شيعته ومن سراة أهل بيته ، ليختار منهم قائد « مقدمته » التي صمم على ~~ارسالها الى مسكن ، فلم ير في بقية السيوف من كرام العشيرة وخلاصة الانصار ~~، أكثر اندفاعا للنصرة ولا اشد تظاهرا بالاخلاص للموقف من ابن عمه ( عبيد ~~الله (1) بن ms055 عباس بن عبد المطلب ) و ( قيس بن سعد بن عبادة الانصاري ) و ( ~~سعيد بن قيس الهمداني ) رئيس PageV01P105 # اليمانية في الكوفة . فعهد الى هؤلاء الثلاثة بالقيادة مرتبين. # وكان عبيد الله بن عباس احد اولئك المرتجزين للحرب ، المستهترين بالحياة ~~، تحفزه الغيرة الدينية ، وتلهبه العنعنات القبلية ، فاذا هو الفولاذ ~~المصهور في تعصبه للعرش الهاشمي ، وهل هو الا احد سراة الهاشميين ، وقديما ~~قيل : « ليست الثكلى كالمستأجرة ». وهو في سوابقه امير الحج سنة 36 ( على ~~رواية الاصابة ) أو سنة 39 ( على رواية الطبري ) أو هو امير الحج في ~~السنتين معا ، وهو والي البحرين ، وعامل اليمن (1) وتوابعها على عهد امير ~~المؤمنين عليه السلام ، والجواد المطعام الذي شهد له الحجيج في مكة ، ثم هو ~~أسبق الناس دعوة الى بيعة الحسن يوم بايعه الناس. # فكان على ذلك حريا بهذه الثقة الغالية التي وضعها فيه ابن عمه الامام ~~عليه السلام (2). PageV01P106 # ودعاه ، فعهد اليه عهده الذي لم يرو لنا بتمامه ، وانما حملت بعض المصادر ~~صورة مختزلة منه. قال فيه : # « يا ابن عم! اني باعث معك اثني عشر الفا من فرسان العرب وقراء المصر ، ~~الرجل منهم يزيد الكتيبة ، فسر بهم ، وألن لهم جانبك ، وابسط لهم وجهك ، ~~وافرش لهم جناحك ، وأدنهم من مجلسك ، فانهم بقية ثقات امير المؤمنين. وسر ~~بهم على شط الفرات ، ثم امض ، حتى تستقبل بهم معاوية ، فان أنت لقيته ، ~~فاحتبسه حتى آتيك ، فاني على أثرك وشيكا. وليكن خبرك عندي كل يوم ، وشاور ~~هذين يعني قيس بن سعد وسعيد بن قيس . واذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى ~~يقاتلك ، فان فعل ، فقاتله. وإن أصبت ، فقيس بن سعد على الناس ، فان اصيب ~~فسعيد بن قيس على الناس ». # ولقد ترى أن الامام الحسن عليه السلام ، لم يعن في عهده الى عبيد الله ~~بشيء ، عنايته بأصحابه ، فمدحهم ، وأطرى بسالتهم ، وأضافهم الى أبيه امير ~~المؤمنين عليه السلام . واراد بكل ذلك تغذية معنوياتهم والهاب حماستهم ~~والتأثير على عواطفهم. ثم أمر قائده بأن يلين لهم جانبه ويبسط لهم وجهه ~~ويفرش لهم جناحه ويدنيهم من مجلسه. وحرصت هذه ms056 التعاليم على ايثار الثقة ~~المتبادلة بين القائد والجيش. وأحر بهذه الثقة في حرب PageV01P107 # تعوزها النظم العسكرية التي نعرفها اليوم أن تكون أهم عناصر القوة ~~المرجوة للايام السود. وجاءت جملا متعاطفة أربعا يؤكد بعضها بعضا ، ثم هي ~~لا تعني الا معنى واحدا. ترى فهل لنا أن نستفيد ، من هذا القصد العامد الى ~~التأكيد ، أنها كانت تحاول بتكرارها « المؤكد » ، استئصال خلق خاص في عبيد ~~الله [ القائد الجديد ]؟. وفي الجيش معه أعلام من سراة الناس ، ومن ذوي ~~السوابق والذكريات المجيدة ، الذين لا يهضمون الخلق المزهو ولا الخشونة ~~الآمرة الناهية في الفتى الهاشمي الذي لا يزيدهم كفاءة ، ولا يسبقهم جهادا ~~، ولا يفضلهم تقوى ، ولا يكبرهم سنا (1). # وقوله له بعد ذلك : « وشاور هذين » دليل آخر على القصد على تذليل خلق صعب ~~، ربما كان يعهده الامام في ابن عمه ، وربما كان يخافه كعائق عن النجاح. # أقول : وليس من وجود الخلق المخشوشن في عبيد الله اذا صدق الظن ما يعيقه ~~عن استحقاق القيادة ، وقد استدعته اليها ظروف كثيرة أخرى ، على أن بين ~~الخشونة والحياة العسكرية أواصر رحم متينة الحلقات في القديم والحديث. # وفي هذه المناسبة ما يفسح المجال للتساؤل عن الحيثيات التي آثر بها ~~الامام الحسن عليه السلام عبيد الله بن عباس للقيادة على مقدمته ، وفي الجيش ~~مثل ( قيس بن سعد بن عبادة الانصاري ) الرجل المعترف بكفاءاته العسكرية ~~وباخلاصه الصحيح لاهل البيت عليهم السلام وبأمانته. # وللجواب على هذا السؤال ، وجوه : ### ||| ** أولها : # أن الحسن حين أراد عبيد الله للقيادة على « المقدمة » فرض عليه استشارة ~~كل من قيس بن سعد وسعيد بن قيس كما هو صريح عهده PageV01P108 # اليه فخرج بذلك من الايثار الذي يؤخذ عليه ، اذا كان في هذا الايثار تبعة ~~يخاف منها على مصلحة الموقف. وأصبحت القيادة على هذا الاسلوب شورى بين ~~ثلاثة ، هم اليق رجاله لها. اما تقديم قيس على صاحبيه وعلى غيرهما من صحابة ~~وزعماء ، وايثاره بالقيادة وحده فقد كان في حينه مظنة لتنافس الاكفاء ~~الآخرين الذين كان يلفهم جناح هذا الجيش. وفي هؤلاء الشخصيات المعروفة ms057 في ~~قيادتها الميادين وفي اخلاصها وجهادها وسوابقها ، أمثال أبي أيوب الانصاري ~~وحجر بن عدي الكندي وعدي بن حاتم الطائي وأضرابهم ، ممن مر ذكرهم. # لذلك كان تقديم ابن عم الامام ، بل ابن عم النبي صلى الله عليه وآله ، ~~وتعيينه « اسما » ثم الاستفادة من رأي قيس وصاحبه على الاسلوب الذي ذكرنا ، ~~تخلصا لبقا ، لا ينبغي الخلاف فيه ، ولا التنافس عليه. ### ||| ** وثانيها : # انه كان من الاحتياطات الرائعة للوضع العام يوم ذاك ، أن لا يكون القائد ~~في جبهة الحسن الا هاشميا. # وتفسير ذلك ، أن سورة التخاذل التي دارت مع قضية الحسن في الكوفة ، كانت ~~لا تزال نذيرة تشاؤم كثير في حساب الحسن (ع)، وكان عليه أن يتخذ من ~~التدابير الممكنة كل ما يدفع عنه في حاضره وفي مستقبله لوم الناس وتخطئتهم ~~ونقدهم. ومن السهل على الناس أن يتسرعوا الى التخطئة والنقد متى وجدوا ~~موضعا للضعف أو منفذا الى الفشل والحرمان. وكان من المنتظر ان يقولوا فيما ~~لو فشلت قضية الحسن في مسكن أنه لو كان القائد من أهله لكان أولى من غيره ~~بالصبر على المكاره وتحمل العظائم ، ولما آل الامر الى هذا المآل. # فكان الاستعداد لغوائل الوضع الراهن بتعيين القائد الهاشمي ، تدبيرا دقيق ~~الملاحظة. ### ||| ** وثالثها : PageV01P109 # أنه لن يكون انسان آخر غير عبيد الله بن عباس لا قيس ولا ابن قيس ولا ~~غيرهما أشد حنقا ولا اعنف تألبا على معاوية منه كأب قتل ولداه ( الصبيان ) ~~صبرا ، فيما أملته فاجعة بسر بن ارطأة يوم غارته على اليمن [ والقضية من ~~مشهورات التاريخ ]. # فكان من الاستغلال المناسب جدا ، اختيار هذا القائد الحانق لقتال قاتل ولديه. ### ||| ** ورابعها : # أن جيش « المقدمة » الذي ولي قيادته عبيد الله هذا ، كان أكثره من بقايا ~~الجيش الذي أعده أمير المؤمنين عليه السلام في الكوفة لحرب أجناد الشام ، ثم ~~توفي عنه. وكان قيس بن سعد بن عبادة هو قائد (1) ذلك الجيش في زمن أمير ~~المؤمنين (ع) والقائم على مداراته. ولهذه السوابق أثرها في تونيق الروابط ~~الشخصية بين القائد والمقود. وكان من السهل على القائد النافذ ms058 في جنوده ، ~~أن يجنح متى شاء الى حرية التصرف التي لا تعبر عن اتصال ايجابي بالمركز ~~الاعلى ، وهو ما كان يجب التحفظ منه ، كأهم عنصر في الموقف. # وعلى أننا نحترم سيدنا قيسا كما يجب له الاحترام ، ولكننا لا ننكر ~~قابلياته الشخصية التي تجوز عليه هذا اللون من حرية التصرف. # ولا ننسى أنه وقف بين صفوفه يوم رجعت له قيادة هذا الجيش في مسكن يخيرهم ~~بين الالتحاق بالامام على الصلح ، وبين الاستمرار على حرب معاوية بلا ~~امام!! .. # فأي احتياط كان أحسن من جعل القيادة في غير هذا الرجل وجعله مع ذلك ~~المستشار العسكري للاستفادة من كفاءاته ودهائه ، وهو ما فعله الامام الحسن ~~تنفيذا لافضل الرأيين. # أقول : ولا يضير هذه السياسة ، تعيين قيس للخلافة على القيادة بعد PageV01P110 # عبيد الله بن عباس ، لانه لن يكون بعد مقتل سلفه في ميادين مسكن كما كان ~~هو المفروض في نصوص العهد الا رهن التصميم الذي سار عليه سلفه ، والذي لا ~~تسمح بتغييره ظروف الحرب القائمة بين الفريقين ، ولعله لن يكون يومئذ الا ~~رهن توجيه الامام ( القائد الاعلى ) مباشرة ، وقد علمنا مما سبق أن الامام ~~وعد مقدمته بالالتحاق بها وشيكا. # وأي محذور بعد هذا من تعيينه للخلالة على القيادة ما دام مقيدا بتصميم ~~خاص ، أو مرتهنا بتسيير الامام واشرافه المباشر. PageV01P111 ### ||| عدد الجيش PageV01P113 # كان في الكوفة من الجيش العامل في أواسط القرن الاول أربعون الفا ، يغزو ~~كل عام منهم عشرة آلاف ( وهو ما تنص على ذكره المصادر الموثوقة ). # وعلمنا ان أمير المؤمنين عليا عليه السلام كان قد أعد للكرة على جنود ~~الشام أربعين الفا أو خمسين الفا على اختلاف الروايتين ثم توفي قبل الزحف ~~بها. والمظنون أن الحصة المدورة من الجيش العامل ، كانت بعض هذه العدة التي ~~كان أمير المؤمنين قد أعدها لحرب معاوية. # ثم انقطع بنا العلم عن موقف هذا الجيش أو ذاك من الحسن بن علي ~~عليهما السلام ، ابان دعوته الى الجهاد. وعلمنا من أكثر من مصدر أن المقدمة ~~التي بعث بها الحسن الى لقاء معاوية ms059 في « مسكن » كانت تعد اثني عشر الفا ، ~~والمرجح أنها فلول الجيش الذي مات عنه أمير المؤمنين (ع)، فأجاب الحسن ~~منهم من أجاب وتخلف الباقي. # ثم علمنا من مصدر آخر أن الكوفة جاشت في صميم تثاقلها يوم الحسن فجندت ~~أربعة آلاف (1) اخرى. # فهذه ستة عشر الفا ، قام على اثباتها النص الذي لا يقبل النقاش. # وهناك أرقام اخرى لعدد الجيش ، مر عليها المؤرخون وتضمنتها بعض التصريحات ~~ذات الشأن. ولكنها خاضعة في ثبوتها للتمحيص والمناقشة. # وفيما يلي نصوص المصادر التي تشير الى تلك الارقام على اختلافها نعرضها ~~اولا بحرفها ، ثم نعود أخيرا الى تدقيقها كما يجب. PageV01P114 # 1 قال في البحار ( ج 10 ص 110 ): # « ثم وجه ( يعني الحسن ) اليه ( يعني الى معاوية ) قائدا في اربعة آلاف ، ~~وكان من كندة ، وأمره أن يعسكر بالانبار (1)، ولا يحدث شيئا حتى يأتيه ~~أمره. فلما توجه الى الانبار ، ونزل بها ، وعلم معاوية بذلك ، بعث اليه ~~رسلا ، وكتب اليه معهم : انك ان أقبلت الي ، اوليك بعض كور الشام والجزيرة ~~، غير منفس عليك. وأرسل اليه بخمسمائة الف درهم. فقبض الكندي المال ، وقلب ~~على الحسن ، وصار الى معاوية في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته. فبلغ ذلك ~~الحسن فقام خطيبا وقال : هذا الكندي توجه الى معاوية ، وغدر بي وبكم ، وقد ~~أخبرتكم مرة بعد مرة ، انه لا وفاء لكم ، أنتم عبيد الدنيا ، وأنا موجه ~~رجلا آخر مكانه ، واني أعلم انه سيفعل بي وبكم ، ما فعل صاحبكم ، ولا يراقب ~~الله في ولا فيكم. فبعث اليه رجلا من مراد في أربعة آلاف. وتقدم اليه بمشهد ~~من الناس وتوكد عليه ، وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي. فحلف له بالايمان ~~التي لا تقوم لها الجبال انه لا يفعل. فقال الحسن : انه سيغدر. فلما توجه ~~الى الأنبار ، ارسل اليه معاوية رسلا وكتب اليه بمثل ما كتب الى صاحبه وبعث ~~اليه بخمسة آلاف ( ولعله يريد خمسمائة الف ) درهم ، ومناه أي ولاية أحب من ~~كور الشام والجزيرة ، فقلب على الحسن ، وأخذ طريقه الى معاوية ، ولم يحفظ ~~ما اخذ عليه ms060 من عهود .. ». # ثم ذكر بعد هذا العرض ، اتخاذ الحسن النخيلة معسكرا له ، ثم خروجه اليها. PageV01P115 # 2 قال ابن أبي الحديد ( ج 4 ص 14 ): # « وخرج الناس ، فعسكروا ونشطوا للخروج ، وخرج الحسن الى المعسكر ، ~~واستخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب وأمره باستحثاث ~~الناس واشخاصهم اليه. فجعل يستحثهم ويخرجهم حتى يلتئم المعسكر. وسار الحسن ~~في عسكر عظيم وعدة حسنة ، حتى نزل دير عبد الرحمن ، فأقام به ثلاثا حتى ~~اجتمع الناس. ثم دعا عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ، فقال له : يا ابن ~~عم اني باعث معك اثني عشر الفا من فرسان العرب وقراء المصر .. ». # 3 روى الزهري فيما ينقله عنه ابن جرير الطبري ( ج 6 ص 94 ) قال : # « فخلص معاوية حين فرغ من عبيد الله بن عباس والحسن عليه السلام الى ~~مكايدة رجل هو أهم الناس عنده مكايدة ، ومعه أربعون الفا. وقد نزل معاوية ~~بهم وعمرو وأهل الشام ». # 4 وجاء في كلام المسيب بن نجية فيما عاتب به الامام الحسن على صلحه مع ~~معاوية ( على رواية غير واحد من المؤرخين ) والنص للمدائني (1) كما يحدثنا ~~عنه في شرح النهج ( ج 4 ص 6 ) قال : # « فقال المسيب بن نجية للحسن عليه السلام : ما ينقضي عجبي منك صالحت ~~معاوية ومعك أربعون الفا!. أو قال : « بايعت » على اختلاف النقول. PageV01P116 # 5 قال ابن الاثير في كامله ( ج 3 ص 61 ): # « كان أمير المؤمنين علي قد بايعه اربعون الفا من عسكره على الموت ، لما ~~ظهر ما كان يخبرهم به عن أهل السام. فبينما هو يتجهز للمسير قتل عليه السلام ~~واذا أراد الله أمرا فلا مرد له. فلما قتل وبايع الناس ولده الحسن بلغه ~~مسير معاوية في أهل الشام اليه ، فتجهز هو والجيش الذين كانوا بايعوا عليا ~~، وسار عن الكوفة الى لقاء معاوية وكان قد نزل مسكن فوصل الحسن الى المدائن ~~، وجعل قيس بن عبادة الانصاري على مقدمته في اثني عشر الفا ، وقيل بل كان ~~الحسن قد جعل على مقدمته عبد الله (1) بن ms061 عباس ، فجعل عبد الله بن عباس على ~~مقدمته في الطلائع قيس بن سعد بن عبادة .. ». # اقول : وجرى على مثل هذا الحديث « ابن كثير » والظاهر انه اخذه من الكامل حرفيا. # 6 كلمة الحسن عليه السلام فيما يرويه عنه المدائني (2) في جواب الرجل الذي ~~قال له : « لقد كنت على النصف فما فعلت؟ » ، فقال : « أجل ولكني خشيت أن ~~تأتي يوم القيامة سبعون الفا أو ثمانون الفا تشخب أوداجهم ، كلهم يستعدي ~~الله ، فيم هريق دمه ». # 7 ما رواه ابن قتيبة الدينوري في الامامة والسياسة ( ص 151 ) قال : # وذكروا انه لما تمت البيعة لمعاوية ، وانصرف راجعا الى الشام أتاه PageV01P117 # يعني أتى الحسن سليمان بن صرد ، وكان غائبا عن الكوفة ، وكان سيد اهل ~~العراق ورأسهم ، فدخل على الحسن فقال : السلام عليك يا مذل المؤمنين! فقال ~~الحسن : وعليك السلام ، اجلس لله ابوك. قال : فجلس سليمان وقال : أما بعد ~~فان تعجبنا لا ينقضي من بيعتك معاوية ، ومعك مائة الف مقاتل من أهل العراق ~~، وكلهم يأخذ العطاء ، مع مثلهم من أبنائهم ومواليهم ، سوى شيعتك من اهل ~~البصرة واهل الحجاز!! ». # أقول : وروى كل من المرتضى في « تنزيه الانبياء » ، وابن شهراشوب في « ~~مناقبه » والمجلسي في « البحار » النص الكامل لما دار بين سليمان بن صرد ~~ورفاقه ، وبين الحسن عليه السلام . ولم يرو أحد منهم عن سليمان أو اصحابه ~~فيما عرضوا له من عدد الجيش ، أكثر من اربعين الفا. # فابن قتيبة ينفرد برواية المائة الف عن سليمان ، كما ينفرد بالتعبير عن ~~الصلح بلفظ « البيعة »!. # 8 التصريح الذي فاه به زياد ابن أبيه ، يوم كان لا يزال عاملا للحسن بن ~~علي على فارس ، وذلك فيما أجاب به على تهديد معاوية اياه ، قال : # « ان ابن آكلة الاكباد ، وكهف النفاق ، وبقية الاحزاب ، كتب يتوعدني ~~ويتهددني ، وبيني وبينه ، ابنا رسول الله في تسعين الفا ( وعلى رواية في ~~سبعين الفا ) واضعي قبائع سيوفهم تحت أذقانهم ، لا يلتفت أحدهم حتى يموت. ~~أما والله لئن وصل الي ليجدني أحمز ضرابا بالسيف (1)». ### ||| ** المناقشة : # وهكذا توفرت هذه النصوص بمختلف صيغها ، على أرقام ms062 فرضتها في PageV01P118 # موضوع عدد الجيش ، وتدرج العدد الكبير فيها من أربعين الفا الى ثمانين ~~الفا فمائة الف. # والواقع أن المراتب الثلاث بجملتها ، معرضة للشك وخاضعة للتمحيص ، وحتى ~~أدناها. واليك البيان : ### ||| ** اما اولا : # فالعدد الاعلى ( وهو مائة الف أو اكثر ، أو تسعون الفا ) فيما يشير اليه ~~زياد ابن أبيه ( على رواية اليعقوبي )، أو فيما ينسب الى سليمان بن صرد ( ~~برواية ينفرد بها الدينوري خلافا لمؤرخين كثيرين ) مشكوك فيه من جهات : # أهمها أن كلا من هذين الزعيمين سليمان وزياد كانا غائبين عن بيعة الحسن ~~وجهاد الحسن وكوفة الحسن ، طيلة خلافته في الكوفة وكانا قد غادرا مواطنهما ~~في العراق منذ سنتين (1). وأي قيمة لتصريح غائب لم يشهد الوضع السائد في ~~الكوفة ، بما كان يجتاح هذه الحاضرة من تحزب قوي وتثاقل لئيم فيما واجهت به ~~امامها وصاحب بيعتها. # وان زيادا وسليمان اذ يفرضان هذه الاعداد من الجيش فانما يقيسان حاضر ~~الكوفة على ماضيها ، ويظنان أنها جندت مع الحسن ما كانت تجنده مع أبيه امير ~~المؤمنين سنة 37 و38 يوم كان كل منهما لا يزال في الكوفة يساهم بنصيبه من ~~تلك الصفوف. هذا اولا. واما ثانيا ، فقد كان من موقف الرجلين كليهما في ~~اللحظة العاطفية التي اندفعا بها الى هذا التصريح ، ما يبرر لهما الجنوح ~~الى اسلوب المبالغات ، وكانت المبالغة في عدد الجيش تهويلا قريب التناول من ~~جموح العاطفة الناقمة في سليمان ، وهو ينكر على PageV01P119 # الامام الحسن عليه السلام الرضا بالصلح ، وقريب التناول كذلك من سياق ~~التهديد والوعيد في زياد وهو يرد في خطابه على تهديد معاوية. # وبعد هذا كله ، فليس في هذين التصريحين ما يصح الركون اليه من احصاء أو ~~تعيين أعداد. # وعلمنا ان سليمان هذا ، كان صديق المسيب بن نجية وصاحبه الذي تربطه به ~~وشائج أخرى هي أبعد اثرا من الصداقات الشخصية. وقد مر عليك في النص [ رقم 4 ~~] قول المسيب للحسن في معرض العتاب على الصلح : « ومعك اربعون الفا ». ومن ~~المقطوع عليه أن مثل هذين الصديقين لا يختلفان في قضايا أهل البيت ms063 (ع) ~~اختلافهما في هذا التقدير. # اذا ، فما من سبب لشذوذ كلمة ابن صرد ، الا كون راويها الدينوري الذي ~~انفرد في قضية الحسن بعدة روايات لم يهضمها التمحيص الصحيح!. # وشاءت المقادير أن لا يفارق الزعيمان الصديقان الدنيا ، حتى يأخذا ~~جوابهما عمليا عن عتابهما الطائش الذي قابلا به امامهما أبا محمد ~~عليه السلام ، فيما أنكرا عليه من الصلح. # فبايعهما على الاخذ بثأر الحسين عليه السلام سنة 65 هجري ثمانية عشر الفا ~~من أهل الكوفة ، ثم لم يكن معهما حين جد الجد في ساحة « عين الوردة » غير ~~ثلاثة آلاف ومائة. ومنيا من خذلان الناس بما ذكرهما بالصميم من قضايا أهل ~~البيت عليهم السلام . # ثم استشهد سليمان والمسيب وهما زعيما حركة التوابين في عين الوردة ، ~~واستشهد معهما يوم ذاك أكثر من كان قد انضوى اليها. ### ||| ** واما ثانيا : # فالعدد ثمانون الفا أو سبعون الفا ، وهو ما تضمنه كلام الحسن في جواب ~~الرجل الذي قال له : « لقد كنت على النصف فما فعلت؟ ». # وكلام الحسن في حقيقته لا يدل على أكثر من عشرين الفا على PageV01P120 # أكبر تقدير ، وذلك لان الحسن حين يذكر الذين « تشخب أوداجهم يوم القيامة ~~» ثم يتردد في تعيين عددهم بين السبعين والثمانين الفا ، لا يعني جنوده ~~خاصة ، وانما يشير بذلك الى الجيشين المتحاربين جميعا. وعلمنا ان عدد أهل ~~الشام في زحفهم على الحسن ، كان ستين الفا ، فيكون الباقي عدد جيشه الخاص. # وكان تردده في تعيين العدد صريحا بما أفدناه ، لانه لو عنى جيشه دون غيره ~~، لذكره برقمه الذي لا تردد فيه ، وهو أعلم الناس بعدده. ### ||| ** واما ثالثا : # فالعدد أربعون الفا ، وهو الذي سبق الى ذكره غير واحد من المؤرخين ، ~~وذكره المسيب بن نجية ، فيما رويناه عنه في النص الرابع من النصوص ~~الثمانية. ولا كلام لنا على هذا العدد الا من وجهين. # ( أحدهما ) أنه لا يتفق وكلمة الحسن نفسه التي أشار بها الى عدد الجيش ، ~~وقد عرفت أن كلمته لم تعن أكثر من عشرين الفا على أكبر تقدير ، ولا يتفق ~~وكلمته الاخرى التي وصف بها ms064 موقف الناس منه [ بالنكول عن القتال (1) ]. ومن ~~كان معه أربعون الفا لم ينكل الناس معه عن القتال ، فالعدد اذا لا يزال ~~معرضا للشك. # ( وثانيهما ) أنه عدد أملاه الظن على القائلين به ، فرأوا ان امير ~~المؤمنين (ع) كان قد جهز لحملته الاخيرة على الشام أربعين الفا ، ثم اخترمت ~~حياته الكريمة ولما يزحف بهذا الجيش ، فظنوا اجتهادا أن جنود الاب انضافت ~~الى الابن ، وفاتهم أن يقدروا حيال هذا الظن قيمة التخاذل الذي جوبه به ~~الخليفة الجديد في الكوفة. # وبعد ، فأي قيمة للاحصاء مبتنيا على هذه الاخطاء. # وكانت أغرب روايات الموضوع ، رواية الزهري التي تشير الى وجود PageV01P121 # اربعين الفا من جيش الحسن ، مع قيس بن سعد بن عبادة الانصاري ، بعد أن ~~رجعت اليه قيادة المقدمة في « مسكن » بفرار عبيد الله ومن معه. ومعنى ذلك ~~ان مقدمة الحسن وحدها كانت قبل حوادث الفرار ثمانية واربعين الف مقاتل!! # وهذا ما لا يصح في التاريخ. # فلم تكن المقدمة الا اثني عشر الفا ، منذ كان عليها عبيد الله بن عباس ~~كما هو صريح الفقرة التي تخص العدد فيما عهد به الحسن الى قائده ، حين سرحه ~~على رأس هذه المقدمة ، وصريح نصوص كثيرة للمؤرخين لا يتخللها شك. # وروايات الزهري في قضايا أهل البيت أضعف الروايات ، وأشدها ارباكا ~~لموضوعاتها. وسمه صاحب « دراسات في الاسلام » ( ص 16 ) بانه كان « عاملا ~~مأجورا للامويين » وكفى. # على اننا اذا حاولنا التصرف في رواية الزهري هذه وأردنا علاج ارباكها ~~المقصود ، فأرجعنا الضمير في قوله « وقد نزل معاوية بهم وعمرو واهل الشام » ~~الى جيش معاوية دون جيش قيس ، يكون المعدود حينئذ جنود معاوية التي نزل بها ~~على قيس ، وليكن المقصود منهم « اهل العطاء خاصة » وليكن المقصود من « اهل ~~الشام » المتطوعين غير أهل العطاء ، ليتم بذلك التوفيق بين روايته هذه ، ~~والروايات الاخرى التي تعد مقدمة الحسن ، والتي تعد جنود معاوية. ### ||| ** واما رابعا : # فالعسكر العظيم ، وهو تصريح ابن ابي الحديد فيما وصف به مسير الحسن من ~~النخيلة صوب دير عبد الرحمن في طريقه الى معسكراته. والكلمة كما ms065 ترى ، ~~مجملة لا تأبى الانطباق على العدد الذي ذكرناه آنفا ، فان ستة عشر الفا « ~~عسكر عظيم » ، وان أبيت فعشرين الفا. ### ||| ** واما خامسا : # فرواية البحار ، وهي أولى النصوص التي أوردناها في سبيل استيعاب PageV01P122 # ما روي في الموضوع ، وان لهذه الرواية من التناسق في حوادثها المتكررة ما ~~يفرض الشك بها فرضا. # وهي تغفل عند عرضها الحوادث المتشابهة تسمية كل من القائدين الكندي ~~والمرادي اللذين تفرض أنهما سبقا عبيد الله بن عباس الى لقاء معاوية وسبقاه ~~الى الخيانة ايضا. ولا يعهد في تاريخ قضية من هذا الوزن ، اغفال تسمية ~~قائدين في حادثتين من أبشع حوادث الانسان في التاريخ. # ولعل الاغرب من ذلك ، ان رواية البحار هذه تشير الى اصرار الامام على ~~اتهام القائدين قبل بعثهما ، ثم تصر على ان الامام بعثهما مع ذلك الى لقاء ~~معاوية عالما بما سيصيران اليه من غدر!!. # وبعض هذا يكفينا عن الاستمرار في نقاش هذه الرواية التي يجب أن نتركها ~~لتعلن هي عن نفسها. ### ||| ** اقول : # ولم نحصل بعد هذا كله على محصل في الموضوع الذي أردناه تحت عنوان « عدد ~~الجيش » ولتكن هذه النصوص على كثرتها أحد أمثلتنا التي نقدمها للقارئ عما ~~نكبت به قضية الحسن في التاريخ ، من اختلاف كثير واختلاق صريح ، ولا بدع في ~~تقرير هذه الحقيقة وتكرارها وتعظيم خطرها وانكارها والتنبيه الى تبعاتها. ~~فهذه ثمانية نصوص ، ليس فيها ما يصبر على النقاش ، ولا ما يصح الاعتماد ~~عليه كسند تاريخي. # ولم يبق لدينا الا عدد جيش المقدمة ، وهو اثنا عشر الفا ، وعدد المتطوعين ~~بعد ذلك في الكوفة ، وهو اربعة آلاف ، ثم الفصائل التي تواردت على الحسن في ~~دير عبد الرحمن حين اقام بأزائه ثلاثا كما اشير اليه آنفا فهذه قرابة عشرين ~~الفا ، هي جيش الحسن عند زحفه الى معسكريه في مسكن والمدائن. # اما مقاتلة المدائن نفسها ، فقد عرفنا انها لم تتخلف فيما سبق عن PageV01P123 # ميادين علي عليه السلام ، ومن البعيد جدا ان يعسكر ابنه الحسن بين ~~ظهرانيهم ثم لا يلتحق به القادرون منهم على حمل السلاح. # وهذا ms066 ما يؤكد الظن ببلوغ عدد الجيش في كلا المعسكرين العشرين الفا او ~~يزيد قليلا. # وهو « العسكر العظيم » الذي عناه ابن ابي الحديد ، وهو ايضا العدد الذي ~~يلتقي بتصريح الحسن عليه السلام الانف الذكر ولا أحسن من تصريح الحسن دليلا ~~فيما يخص قضاياه. # ثم لا نعلم ان الحسن عليه السلام ، تلقى بعد وجوده في المدائن أي نجدة من ~~أي جهة. PageV01P124 ### ||| عناصر الجيش PageV01P125 # قال المفيد في الارشاد (169): « وبعث الحسن حجر بن عدي فأمر العمال يعني ~~امراء الاطراف بالمسير ، واستنفر الناس للجهاد ، فتثاقلوا عنه ، ثم خفوا ، ~~وخف معه اخلاط من الناس ، بعضهم شيعة له ولابيه ، وبعضهم محكمة يؤثرون قتال ~~معاوية بكل حيلة ، وبعضهم أصحاب فتن وطمع بالغنائم ، وبعضهم شكاك ، وبعضهم ~~أصحاب عصبية اتبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون الى دين .. (1)». # اقول : علمنا مما سبق قريبا ان جيش الحسن تألف من زهاء عشرين الفا ، أو ~~يزيد قليلا ، ولكنا لم نعلم بالتفصيل الطريقة التي اتخذت لتأليف هذا الجيش. ~~والمعتقد انها كانت الطريقة البدائية التي لم تدخلها التحسينات المكتسبة ~~بعد ذلك. وهي اذ ذاك الطريقة المتبعة في التجمعات الاسلامية مع القرون ~~الاولى في الاسلام ، وهي الطريقة التي لا تشترط لقبول الجندي أو لقبول ~~المجاهد أي قابليات شخصية ، ولا سنا خاصة ، ولا تنزع في مناهج تجنيدها الى ~~الاجبار بمعناه المعروف اليوم. وللمسلم القادر على حمل السلاح وازعه الديني ~~حين يسمع داعي الله بالجهاد فاما ان يبعث فيه هذا الوازع ، الشعور بالواجب ~~فيتطوع بدمه في سبيل الله. واما ان يكون المغلوب على أمره بدوافع الدنيا ، ~~فيخمد في نفسه هذا الشعور ، ويحرم نصيبه من الاجر ومن الغنيمة اذا قدر لهذه ~~الحرب الظفر والغنائم. # اما النظم الحديثة المتبعة اليوم في الاجبار على خدمة العلم ، ودعوة ( ~~مواليد ) السنوات المعينة ، وفحص القابليات المحدودة ، فلم تكن يومئذ PageV01P126 # ولا هي مما يتفق والتشريع الاسلامي بسعته وسماحته. # وللاسلام اعتداده بصحة حقائقه التي تكفل له بعث الناس الى الطاعة ~~والانقياد. وليس في عناصر هذا الدين إكراه أحد على الطاعة بالقوة. ولكنه ~~دلهم على السبيلين وأعان على خيرهما ms067 بالهدى « والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا » وكان هذا هو شعار الاسلام في جميع ما أمر به أو نهى عنه. # وعلى ذلك جرى رؤساء المسلمين فيما دعوا الناس اليه ، وفيما حذروا الناس منه. # وكان لهم عند اعتزامهم الحرب ، دعاواتهم الرائعة ، في التحريض على الجهاد ~~، وأساليبهم المؤثرة التي لا تتأخر غالبا عن اقناع اكبر عدد من المطلوبين ~~الى حمل السلاح. # فمن ذلك ، أنهم كانوا يزيدون في مخصصات أهل العطاء من مقاتلتهم ، ويأمرون ~~عمالهم على البلاد فيستنفرون الناس للجهاد ، ويبثون السنتهم وخطباءهم وذوي ~~التأثير من رجالهم لبعث الناس الى التطوع في سبيل الله عز وجل. # وفعل الحسن عليه السلام كل ذلك منذ ولي الخلافة في الكوفة ، ومنذ أعلن ~~النفير للحرب. وكان من أولياته كما اشير اليه آنفا : انه زاد المقاتلة مائة ~~مائة ، وبعث حجر بن عدي الى عماله يندبهم الى الجهاد ، ونهض معه مناطقته ~~الافذاذ من خطباء الناس أمثال عدي بن حاتم ، ومعقل بن قيس الرياحي ، وزياد ~~بن صعصعة التيمي ، وقيس بن سعد الانصاري. فأنبوا الناس (1)، ولاموهم على ~~تثاقلهم ، وحرضوهم على اجابة داعي الله ، ثم تسابقوا بأنفسهم الى صفوفهم في ~~المعسكر العام ، يغلبون الناس عليه. # ونشرت الوية الجهاد في « أسباع الكوفة » وفي مختلف مرافقها العامة ، تدعو ~~الناس الى الله عز وجل ، وتدين بالطاعة لآل محمد عليهم السلام . PageV01P127 # وانبعث في الحاضرة المتخاذلة وعي جديد يشبه ان يكون تحسسا بالواجب ، أو ~~استعدادا له. # وكان التثاقل عن الحرب حبا بالعافية أو انصهارا بدعاوات الشام ، قد اخذ ~~حظه من أهل الكوفة وممن حولها. # اما هذا الوعي الجديد الذي يدين لهؤلاء الخطباء المفوهين ، فلم يلبث أن ~~بعث في كثير من المتثاقلين رغبة ، فأثارت الرغبة نشاطا ، فانبثق من النشاط حماس. # ونجحت دعاوة الشيعة الى حد ما ، في اكتساب العدد الاكبر من المتحمسين ~~للحرب ، رغم المواقف اللئيمة التي وقفها يومئذ المعارضون في الكوفة « ونشط ~~الناس للخروج الى معسكرهم (1)». # ونجحت الى حد بعيد في اكتساب الرأي العام ، في الكوفة وأسباعها وقبائلها ~~، وفي الضواحي القريبة التي لا تنقطع بمواصلاتها اليومية ، عن اسواق ms068 الكوفة ~~، وعن مراكز القضاء والادارة فيها. # وكان من براعة خطباء الحسن ، انهم أحسنوا استغلال الذهنية المؤاتية في ~~الناس ، فبذلوا قصارى امكانياتهم في الدعوة الى أهل البيت تحت ستار الدعوة ~~للجهاد. # وبحت حناجر الاولياء ، فيما يعرضون من مناقب آل محمد ومثالب أعدائهم. ~~ومروا على مختلف نوادي الكوفة وأحيائها وأماكنها العامة ، ينبهون الناس الى ~~المركز الممتاز الذي ينفرد به سيدا شباب اهل الجنة اللذان لا يعدل بهما أحد ~~من المسلمين ، والى الصلابة الدينية المركزة الموروثة في أهل بيت الوحي ، ~~والمزايا التي يستأثر بها هذا الفخذ من هاشم في العلم والطهارة والزهد ~~بالدنيا والتضحية في الله والعمل لاصلاح الامة ووجوب المودة على المؤمنين. PageV01P128 # ثم ذكروا البيعة وما الله سائلهم عنه من طاعة اولي الامر ووجوب الوفاء ~~بالميثاق. # وعرضوا في حماستهم الى الانساب ، فاذا هي « مقامة » ظريفة جدا وصادقة جدا ~~ومؤثرة جدا ، ملكت الالباب حتى أذهلت وأثارت الاعجاب حتى أدهشت. # ذكروا الحسن ومعاوية فقالوا : أين ابن علي من ابن صخر ، وابن فاطمة من ~~ابن هند ، وأين من جده رسول الله صلى الله عليه وآله ممن جده حرب ، ومن جدته ~~خديجة ممن جدته فتيلة؟؟ .. ولعنوا أخمل الرجلين ذكرا ، وألأمهما حسبا ، ~~وشرهما قديما وحديثا ، وأقدمهما كفرا ونفاقا ، فعج الناس قائلين آمين آمين. ~~ثم جاءت بعدهم الاجيال ، فما استعرض هذه الموازنة الظريفة مسلم من المسلمين ~~، الا سجل على حسابه ( آمين ) جديدة. # وعملت هذه الاساليب الحكيمة ، والخطب الحماسية البليغة عملها وانتشرت كما ~~قلنا القناعة بخذلان الشام والثقة بظفر الكوفة. # وفي الكوفة ، وهي الحاضرة الجديدة الجبارة التي طاولت أهم الحواضر ~~الاسلامية الكبرى يومئذ أجناس من الجاليات العربية وعير العربية ومن حمراء ~~الناس وصفرائها وممن لم يرضهم الاسلام ولم يجدهم اعتناقه توجيها جديدا ، ~~ولا أدبا اسلاميا ظاهرا ، الا أن يكونوا قد أنسوا منه وسيلته الى منافعهم ~~العاجلة. فكان هؤلاء لا يفهمون من الجهاد اذا نودي بالجهاد الا دعوته ~~للمنافع ووسيلته الى الغنائم. ورأوا من انتشار القناعة بنجاح هذه الحرب ، ~~أن الالتحاق بجيش الحسن عليه السلام هو الذريعة المضمونة الى استعجال ms069 ~~المنافع والرجوع بالغنائم ، فلم لا يكونون من السابقين الاولين الى هذا ~~الجهاد؟. # ولعلك تتفق معي الآن ، على اكتشاف الحوافز التي اندفعت تحت تأثيرها « ~~الاخلاط المختلفة » من رعاع الناس الى الالتحاق بجيش الحسن ، فاذا باصحاب ~~الفتن ، وأصحاب الطمع بالغنائم ، وأصحاب العصبيات التي لا PageV01P129 # ترجع الى دين ، والشكاك ومن اليهم جنود متطوعون في هذا الجيش ، أبعد ما ~~يكونون في طماحهم وفي طباعهم عن أهدافه وغاياته. # ولم يكن ثمة في نظم التجنيد المتبعة في التجمعات الاسلامية يومئذ كما ~~بينا آنفا ما يحول دون قبول هؤلاء كجنود أو كمجاهدين ، لان الكفاءة ~~الاسلامية ، والقدرة على حمل السلاح ، هي كل شيء في حدود قابليات المجاهد ~~المسلم. # واما الخوارج ، فيقول المفيد رحمه الله في تعليل التحاقهم بجيش الحسن : « ~~انهم كانوا يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة ». # ولكنا لا نؤمن بهذا التعليل على اجماله ، ولا ننكره على بعض وجوهه وقد ~~يكون ما يقوله المفيد بعض هدفهم ، وقد يكون هدفهم شيئا آخر غير هذا. # وليس فيما نعهده من علاقات « الخوارج » مع الحسن وأبي الحسن عليهما السلام ~~ما يشجعنا على الظن الحسن بهم ، وان لنا من دراسة أحداث النهروان ما يزيدنا ~~فيهم ريبا على ريب. واذا صح أنهم انما أرادوا قتال معاوية حين تبعوا الحسن ~~، وأنهم كانوا لا يقصدون بالحسن سوءا ، فأين كانوا عن معاوية قبل ذلك ، ولم ~~لم يتألبوا عليه كما كانوا يتألبون على علي عليه السلام في انتفاضاتهم التي ~~حفظها التأريخ؟ .. # وكان للخوارج من ذحولهم القريبة العهد ، ومن اسلوب دعاوتهم النكراء ما ~~يحفزنا حفزا الى سوء الظن بما يهدفون اليه في خروجهم مع الحسن عليه السلام . # وعلمنا من أحوالهم قبل خروجهم لهذه الحرب ، أنهم كانوا يداهنون الناس ~~ويجاملون الحسن ، بعد وقيعتهم الكافرة بالامام الراحل عليه السلام ، يتقون ~~بذلك غوائل الكراهة العامة التي غمرتهم في أعقاب الفاجعة الكبرى. # أفلا يقرب الى الذهن ، أن يكون من جملة أساليب دهائهم الذي اضطروا اليه ~~تحت ضغط الظروف الموقتة ، ان يتظاهروا بالتطوع في الجيش PageV01P130 # كما لو كانوا جنودا مناصحين ، وان يبطنوا من وراء هذا ms070 التظاهر مقاصدهم ~~فاذا هم جنود مبادئهم المعروفة بل مبادئهم المبطنة التي لم تعرف لحد الآن. # وكانت فكرة « الخروج » بذرة خبيثة انبثقت عن قضية التحكيم بصفين ، ومنها ~~سموا « المحكمة » ، ورسخت جذور هذه الفكرة كعقيدة مكينة في نفوس هؤلاء ، ~~واستطالت بمرور الزمن ، فبسقت عليها أشجار أثمرت للمسلمين الوانا من الخطوب ~~والنكبات. # وكان الخوارج على ظاهرتهم المخشوشنة في الدين ، قوما يحسنون المكر كثيرا. # فلم لا يغتنمون ظروف الحرب القائمة بين عدوين كبيرين من اعدائهم؟. ولم لا ~~يكونون في غمار هذا الجيش الزاحف من الكوفة يقتنصون الفرص المؤاتية ، بين ~~تجهيزات المجاهدين ، والحركات السوقية ، والمعارك المنتظرة التي ستكون في ~~كثير من أيامها سجالا والفرص في الحرب السجال أقرب تناولا ، وأيسر حصولا ، ~~وأفظع مفعولا ، اذا حذق المتآمرون استخدامها ؟. # ولا أريد أن انكر بهذا عداوتهم لمعاوية وايثارهم قتاله بكل حيلة كما ~~أفاده شيخنا المفيد رحمه الله . ولكني أرى أنهم كانوا يرمون من خطتهم الى ~~غرضين ... وما من غرض للخوارج في ثوراتهم ومؤامراتهم الا اقتناص الرؤوس ~~العالية في الاسلام! سواء في العراق أو في مصر أو في الشام. وعشعشت بين ~~ظهراني هؤلاء القوم كوامن الغيلة فغلبت على سائر مناهجهم الاخرى ، فمشوا مع ~~الحسن ولكن الى الفتنة ، وحبوا في طريق الجهاد ولكن الى الفساد. وكانت ~~الطعنة المركزة الجريئة التي « أشوت » الحسن عليه السلام في « مظلم ساباط ~~(1)» ، هي الحلقة الجهنمية الثانية من سلسلة جرائم هذه العصابة الخطرة في ~~البيت النبوي العظيم. PageV01P131 # وكلتا الجريمتين وليدة المؤامرات السرية النشيطة التي حذقها الخوارج ~~الطغام ، في مختلف المناسبات. # وشاء الله بلطفه أن لا تبلغ طعنة ابن سنان الاسدي (1) من الحسن ، ما ~~بلغته بالامس القريب ضربة صاحبه ابن ملجم المرادي من أمير المؤمنين أبي ~~الحسن عليه السلام . # ومثلت هذه المؤامرة الدنيئة أفظع قطيعة لرسول الله صلى الله عليه وآله من ~~نوعها ، بما حاولته من القضاء على الامام الثاني سبطه الاكبر . وازدلفت الى ~~معاوية بالخدمة الفريدة التي لا تفضلها خدمة اخرى لاهدافه ، من القوم الذين ~~كان يقال عنهم « انهم انما خرجوا مع الحسن لانهم يؤثرون قتال ms071 معاوية بكل ~~حيلة »!! # وهكذا ثبت للامام الحسن بصورة لا تقبل الشك ، نيات المحكمة معه رغم ~~مجاملاتهم الكاذبة له. وكان هو منذ البداية شديد الحذر منهم ولكنه كان ~~يعاملهم دائما على ضغن مكتوم. # وليس أنكى من عدو في ثوب صديق. ذلك هو العدو الذي ينافقك ظاهرا ، ويحاربك ~~سرا. وأنكى أقسام هذا العدو عدو يحاربك بذحوله وعصبيته كما حاربت الخوارج ~~الحسن بذحولها وعصبيتها. # وهكذا قدر لجيش الحسن عليه السلام ، أن يتخم بالكثرة من هؤلاء واولئك ~~جميعا ، وأن يفقد بهذا التلون المنتشر في صفوفه ، روحية الجيش المؤمل لربح ~~الوقائع. وأن يبتلي بالصريح والدخيل من كيد العدوين الداخل والخارج ، وفي ~~المكانين العراق والشام معا. PageV01P132 # وأحر بجيش يتألف من أمثال هذه العناصر ، أن يكون مهددا لدى كل بادرة ~~بالانقسام على نفسه ، والانتقاض على رؤسائه. # ولم يكن الجهاد المقدس يوما من الايام وسيلة لطمع مادي ، ولا مجالا ~~للمؤامرات الشائكة ، ولا مظهرا للعصبيات الجاهلية الهزيلة ، ولا مسرحا ~~لتجارب الشكاكين. # و « ازدادت بصيرة الحسن بخذلان القوم له (1)» ، وتراءى له من خلال ظروفه ~~شبح الخيبة الذي ينتظر هذه الحرب في نهاية مطافها ، اذ كانت العدة المدخرة ~~لها ، هي هذا الجيش الذي لا يرجى استصلاحه بحال. # وأثر عنه كلمات كثيرة في التعبير عن ضعف ثقته بجيشه. # وكان من أبلغ ما أفضى به في هذا الصدد مما يناسب موضوع هذا الفصل خطابه ~~الذي خاطب به جيشه في المدائن. # وقال فيه : # « وكنتم في مسيركم الى صفين ، ودينكم أمام دنياكم. وأصبحتم اليوم ودنياكم ~~أمام دينكم. وأنتم بين قتيلين ، قتيل بصفين تبكون عليه ، وقتيل بالنهروان ~~تطلبون (2) بثاره. فأما الباقي فخاذل ، واما الباكي فثائر .. ». # وهذه هي خطبته الوحيدة التي تعرض الى تقسيم عناصر الجيش من ناحية نزعاته ~~واهوائه في الحرب. # فيشير بالباكي الثائر الى الكثرة من أصحابه وخاصته ، وبالطالب للثأر الى ~~الخوارج الموجودين في معسكره [ وما كان ثأرهم الذي يعنيه الا عنده ] ويشير ~~بالخاذل الى العناصر الاخرى من اصحاب الفتن واتباع المطامع وعبدة الاهواء. PageV01P133 # واستطرد التاريخ بين صفحاته أسطرا قاتمة دامية. بما انقاد اليه الاغرار ms072 ~~المفتونون من هذه « العناصر » ، وبما صبغوا به ميدان الجهاد المقدس بعد ذلك ~~من اساليب الغدر ، والخلاف ، ونقض العهود ، والمؤامرات ، ونسيان الدين ، ~~وخفر الذمام ... حتى قد عادت بقية آثار النبوة متمثلة بالطيبين من آل محمد ~~وبنيه عليهم السلام نهبا صيح في حجراتها. ولعلنا سنأتي على استطراد صورة من ~~هذه المآسي في محلها المناسب لذكرها من الكتاب. ### ||| ** تتميم : # وبقي علينا ان نستمع هنا الى ما يدور في خلد كثير من الناس حين يدرسون ~~هذا العرض المؤسف لعناصر جيش الحسن عليه السلام ، فيسألون : لماذا فسح الحسن ~~مجاله لهذه العناصر؟ ولماذا تأخر بعد ذلك عن تصفية جيشه بسبيل من هذه السبل ~~التي يفزع اليها رؤساء الجيوش في تصفية جيوشهم بقطع العضو الفاسد ، أو ~~بادانته ، أو باقصائه على الاقل؟. # ونحن من هذه النقطة بازاء قلب المشكلة وصميمها على الاكثر. # ونقول في الجواب على هذا السؤال : ### ||| ** اولا : # ان الاسلام كما الغى الطبقات فيما شرعه من شؤون الاجتماع ، الغاها في ~~الجهاد ايضا ، فكان على اولياء الامور أن لا يفرقوا في قبولهم الجنود بين ~~سائر طبقات المسلمين ، ما دام المتطوع للجندية مدعيا للاسلام وقادرا على ~~حمل السلاح. ولما لم يكن أحد من هؤلاء « الاخلاط » الذين التحقوا بالحسن ، ~~الا مدعيا للاسلام وقادرا على حمل السلاح ، فلا مندوحة للامام بالنظر الى ~~صميم التشريع الاسلامي عن قبوله. PageV01P134 ### ||| ** وثانيا : # ان النبي نفسه صلى الله عليه وآله ، وأمير المؤمنين ايضا ، منيا في بعض ~~وقائعهما بمثل هذا الجيش ، ولا يؤثر عنهما انهما منعا قبول أمثال هؤلاء ~~الجنود في صفوفهما ، ولا طردا أحدا منهم بعد قبوله ، مع العلم بأن كلا ~~منهما ، جنى بعد ذلك أضرار وجود هذه العناصر في كل من ميدانيهما. # فقالت السير عن واقعة حنين ما لفظه بحرفه : « رأى بعض المسلمين كثرة ~~جيشهم فأعجبتهم كثرتهم ، وقالوا سوف لا نغلب من قلة ، ولكن جيش المسلمين ~~كان خليطا ، وبينهم الكثيرون ممن جاء للغنيمة .. ». # وجاء في حوادث اقفال المسلمين من غزوة بني المصطلق ما يشعر بمثل ذلك. # وقالوا عن حروب علي عليه السلام : « كان جند علي ms073 في صفين خليطا من امم ~~وقبائل شتى ، وهو جند مشاكس معاكس لا يرضخ لامر ولا يعمل بنصيحة .. ». # وقال معاوية فيما يحكيه البيهقي في « المحاسن والمساوئ » : « وكان يعني ~~عليا عليه السلام في أخبث جيش وأشدهم خلافا ، وكنت في أطوع جند واقلهم خلافا ». # اقول : وما على الحسن الا أن يسير بسنة جده وبسيرة أبيه ، ومن الحيف أن ~~يطالب بأكثر مما اتى به جده وأبوه ، وكفى بهما اسوة حسنة وقدوة صالحة. # وكان التحرج في الدين والالتزام بحرفية الاسلام يقيدان الحسن في كل حركة ~~وسكون ، ولكنهما لا يقيدان خصومه فيما يفعلون أو يتركون ، ولولا ذلك لرأيت ~~تاريخ هذه الحقبة من الزمن تكتب على غير ما تقرأه اليوم. ### ||| ** وثالثا : # فان معالجة الوضع بما يرجع اليه رؤساء الجيوش في تنقية جيوشهم PageV01P135 # بالقتل ، أو بالافصاء ، أو بالادانة ، كان في مثل ظروف الحسن تعجلا ~~للنكبة قبل أوانها كما ألمحنا اليه في غمار الفصل الرابع وسببا مباشرا ~~لاثارة الشقاق واعلان الخلاف ورفع راية العصيان في نصف جيشه على أقل تقدير ~~ومعنى ذلك القصد الى اشعال نار الثورة في صميم الجيش. ومعنى هذا ان ينقلب ~~الجهاد المقدس الى حرب داخلية شعواء ، هي أقصى ما كان يتمناه معاوية في ~~موقفه من الحسن وأصحابه ، وهي أقصى ما يحذره الحسن في موقفه من معاوية ~~وأحابيله. # وشيء آخر : # هو أن الحسن عليه السلام ، لم يكن له من عهده القصير الذي احتوشته فيه ~~النكبات بشتى ألوانها ، مجال للعمل على استصلاح هذه الالوان من الناس ، ~~وجمعهم على رأي واحد. بل ان ذلك لم يكن في وقته من مقدور أحد الا الله عز ~~وجل ، ذلك لان الصلاح في الاخلاق ليس مما يمكن تزريقه في الزمن القليل ، ~~وانما هو تهذيب الدين وصقال الدهر الطويل ، ولان التيارات المعاكسة التي ~~طلعت على ذلك الجيل بأنواع المغريات ، حالت دون امكان الاصلاح وجمع الاهواء ~~، الا من طريق المطامع نفسها ، وكان معنى ذلك معالجة الداء بالداء ، وكان ~~من دون هذه الاساليب في عرف الحسن حاجز من أمر الله. PageV01P136 ### ||| عبدالله بن عباس PageV01P137 # اما ذلك ms074 القائد الملتهب بالحماسة للحرب ، والموتور من معاوية بابنيه ~~المقتولين صبرا في اليمن ، فقد كان منذ انفصل بجيشه من دير عبد الرحمن ، لا ~~ينفك يتسقط أخبار الكوفة ، وانه ليعهد في الكوفة دعاوتها الشيعية السائرة ~~على وتيرتها المحببة ، والذاهبة صعدا في نشاطها والتي كان ينتظر من تعبئتها ~~النجدات التي يجب أن لا تنقطع عنه. # ونمى اليه ، وقد انتهى الى « مسكن » وهي النقطة التي التقى عندها الجيشان ~~المتحاربان ، أن الدعاوات النشيطة البارعة في أسباع الكوفة لم تئمر شيئا ~~جديدا ، الا ان تكون بعض الفصائل من مقاتلة الاطراف أو من متطوعة المدائن ~~نفسها ، قد التحقت بمعسكرها هناك. # وبلغه أن المناورات العدوة التي كان يقودها بعض الزعماء الكوفيين هي التي ~~أحبطت المساعي الكثيرة لرجالات الشيعة ، وهي التي عرقلت النفير العام ~~بنطاقه الواسع الذي كان ينتظر نتيجة لذلك النشاط المحسوس. # ولم يكن عجيبا ، ان تغيظ هذه الانباء عبيد الله بن العباس فتملأ اهابه ~~ثورة على الوضع وحنقا على الناس. # وكان عليه كقائد جيش ضعف أمله بالنجدات القريبة التي كان يعلق عليها أروع ~~آماله ، أن ينتفع من هذا الدرس الذي أملته عليه ظروف الكوفة ، وأن يرجع الى ~~قواته هذه فيوازن بها قوات عدوه التي تنازله وجها لوجه ، والتي علم أنها لا ~~تقل عن ستين الفا من أجناد الشام المعروفين PageV01P138 # بالطاعة العمياء لأمرائهم وقوادهم. # ولم يكن التفاوت بالعدد مما يستفزه كثيرا ، ولكنه كان شديد العناية ~~بالمزايا المعنوية التي يتحلى بها جنود الفريقين. وكان القائد الحريص على ~~روحية جيشه التي هي كل ما يدخره للقاء عدوه. # ولاح له في سبيل موازنته ، اشتراك « الاخلاط » من العناصر المختلفة في ~~جيشه. وانه ليستقبل حربا لن تجدي فيها غير الكثرة المخلصة من المحاربين ~~الاشداء ، فما شأن الجماعات التي لم تفهم الجهاد الا كوسيلة للغنائم. # وتشاءم عبيد الله بن عباس ، منذ الساعة الاولى التي يمم بها معسكره في « ~~مسكن » ، تشاؤما كان له أثره في المراحل القريبة مما استقبله من خطوات. # وكان أنكى ما يخافه على مقدرات جيشه ، أن تتسرب الى صفوفه أخبار التعبئة ~~الفاشلة ms075 في الكوفة ، أو أن تحبو اليه أحابيل معاوية بما تحمله من أكاذيب ~~ومواعيد ، وهاهم أولاء وقد جمعهم صعيد واحد ومشارع واحدة واظلتهم سماء مسكن ~~جميعا ، وماذا يؤمنه من أن يكون مع جنوده أو من جنوده انفسهم من هو بريد ~~معاوية في الافساد عليه وعلى الامام. وكانت أسلحة معاوية ( الباردة ) أروع ~~أسلحته في هذا الميدان بل في سائر ميادينه. # وصدق ظن عبيد الله. # فاذا بباكورة دسائس معاوية تشق طريقها الى معسكر مسكن ، وفي هذا المعسكر ~~من أصحاب الحسن مخلصون ومنافقون ، وآخرون يؤثرون العافية ويتمنون لو صدقت ~~الشائعة الجديدة ، وكانت الشائعة الكاذبة « أن الحسن يكاتب معاوية على ~~الصلح ، فلم تقتلون انفسكم (1)». PageV01P139 # ولم يجد ابن عباس أن يعلم هو وخاصته كذب الشائعة ، واصطدامها بالواقع ~~الذي لا يقبل الشك ، لان الحسن الذي لا يزال يشمر للحرب في رسله الى ~~الاطراف ، وفي رسائله الى معاوية ، وفي خطبه بالكوفة ، لن يكتب في صلح ولن ~~ينزل عن رأي ارتآه. # ولكنها كانت أحبولة الشيطان الرائعة الصنع. # وارتفعت أصوات المخلصين من الانصار ، تدعو الناس الى الهدوء ، وتستمهلهم ~~ريثما يصل بريد المدائن ، ولكنها كانت صيحات في واد ، ونفخات في رماد ، ~~واجتاح الموقف ارتباك مؤسف لا يناسب ساحة قتال. # وتخاذل عبيد الله للخدعة الخبيثة التي أصابت المحز من موقفه الدقيق. # فخلا بنفسه ، وانقبع تحت سماء خيمته البعيدة عن ضوضاء الناس. ورأى ان ~~قيادته هذه ستطوح بمكانته العسكرية الى أبعد الحدود ، فثار لسمعته وحديث ~~الناس عنه ، وندم على قبولها. وكان من دفعات الحدة التي طبع عليها ، أن لعن ~~الظروف التي عاكسته في رحلته العسكرية هذه والظروف التي خلقت منه قائدا على ~~هذه الجبهة. ثم انطوى على نفسه تحت كابوس من القلق وحب الذات لا يدري ماذا يصنع. # ورأى اخيرا [ وكان المخرج الذي بلغته قصارى براعته ] أن يتقدم باستقالته ~~، نزولا على حكم ملكاته الانانية التي كان يستكين لها راغبا عامدا. وما ~~يدرينا ، فربما لم يكن له من القابليات الشخصية ما يمكنه من محاسبة نفسه ~~والتفكير في اصلاح ما يمر به من اخطاء أو ms076 ما يفجؤه من نكبات. # وكان عليه وقد صمم على الاستقالة أن يترك مقر القيادة الى مصيرها الذي لا ~~يعدو رأي الامام ، أو يتخلى عنها لخليفته وهو ( قيس بن سعد بن عبادة ~~الانصاري ). # ولكنه فطن ولما يغادر فسطاطه المترفع الذي كان يقع على جانب بعيد من ~~مضارب جنوده ، والذي شهد وحده ثورة القائد المتخاذل ، وسمع PageV01P140 # وحده تمتمته الناقمة، وكفرانه الايادى البيض التي استوعب بها مدى جيلين ~~من بني عمه المطهرين فطن ، الى أن الاستقالة من عمل ما ، لا تستكمل شرائطها ~~في التشريع الاسلامي ، الا بالاعتراف صريحا « بالاعجز ». ولم يكن الفتى ~~الاناني بالذي يفرط بشخصيته فيعرضها لسخرية الناس. ورجع الى نفسه من جديد ، ~~ليلتمس المخرج الذي لا يضطره الى مثل هذا الاعتراف. # وكانت رسائل معاوية التي وصلته ليلته هذه والتي خفي عليه أنه تسلمها من ~~يد البريد الذي نشر الشائعة السوداء في معسكره صباحا ، هي الاخرى لا تزال ~~تعن له بمغرياتها الجبارة، كلما أدار رأسه في تفكير أو تدبير. وأذهله حين ~~ذكر رسائل معاوية ، الفارق الهائل بين الحلم الجميل المموه بالذهب ، وبين ~~الحقيقة المرة ، فشل تفكيره وشعوره ولم يهتد الى الرأي الذي يناسبه كزعيم ~~هاشمي ينازل أصلب عدو للهاشمية في ميدان موت أو حياة. # انه كان بامكانه أن يستقيل وأن يعترف بالعجز غير متلكىء ولا حيران ثم ~~ينتزع معذرته لسمعته وكرامته ، من الاخفاق المحقق الذي كان ينتظر القائد ~~الثاني ، الذي سيستسلم قيادته في ظرف لا يستقيم معه ميدان حرب. # وكان بامكانه أن يتجلد في موقفه ، فيتوعد المشاغبين ، ويأخذ بالحزم ~~المصطنع الذي يكون ظاهره العنف وباطنه التوجيه ، بلون من الاوان هذه ~~المناورات الادارية التي كان ينبغي له أن يجيدها كما يجيدها امثاله من ~~رؤساء الناس ، ويتريث قليلا ، ثم ينتظر تعاليمه الاخيرة من ناحية الامام ، ~~ويكون عند ذلك المعذور في دينه وفي سمعته معا. # أما ان يتنازل من شموخه كقائد في معسكر امام ، فيساوم رسل معاوية على أجر ~~الهزيمة ، فلا ولا كرامة!!!؟ # وكانت رسالة معاوية اليه ، تضرب على وتره الحساس من ناحية حبه PageV01P141 # للتعاظم ms077 وتطلعه الى السبق ، فيقول له فيها : «ان الحسن سيضطر (1) الى ~~الصلح ، وخير لك أن تكون متبوعا ولا تكون تابعا (2).. » وجعل له فيها الف ~~الف درهم (3). # وكان معاوية أحرص بشر على استغلال مآزق أعدائه. # « وكان ايمان معاوية بالسفالة البشرية ، ايمانا لا حد له. وهو ايمان يقوم ~~على الاعتقاد بأن أقوم الناس خلقا ، وأشدهم عزما ، وأنقاهم فضيلة ، قد ~~تستغويه الاطماع ويذله الحرص ، في ساعة من ساعات الضعف الذي يطرأ على ~~النفوس ، وفترة من فترات الشك الذي لا ينفك عن مطاردة الناس ، ولا يسلم من ~~غوائله أفاضل الناس وأعالي البشرية (4)». # وكان فيما حذر به أمير المؤمنين عليه السلام زيادا ، أن قال له : «وان ~~معاوية يأتي الانسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله. فاحذر ثم ~~احذر (5)». # وهكذا صرع الشعور بالخيبة ، والاستسلام للطمع ، الفتى الاصيل. فاذا هو من ~~أبشع صور الخيانة المفضوحة والضعف المخذول. # فلا الدين ، ولا الوتر ، ولا العنعنات القبلية ، ولا الرحم الماسة من ~~رسول الله صلى الله عليه اله ومن قائده الاعلى ، ولا الميثاق الذي واثق ~~الله عليه في البيعة منذ كان أول من دعا الناس الى بيعة الحسن في مسجد ~~الكوفة ، ولا الخوف من حديث الناس ونقمة التاريخ بالذي منعه عن الانحدار ~~الى هذا المنحدر السحيق. PageV01P142 # ودخل حمى معاوية ليلا ، دخول المنهزم المخذول الذي يعلم في نفسه أي اثم ~~عظيم أتاه. # ثم شاح عنه التاريخ بوجهه ، فلم يذكره الا في قائمته السوداء. وكان ذلك ~~جزاء الخائنين ، الذين يحفرون أجداثهم بايديهم ، ثم يموتون عامدين ، قبل أن ~~يموتوا مرغمين. # وخلقت هزيمة عبيدالله بن عباس في « مسكن » جوا من التشاؤم الذريع ، لم ~~يقتصر أثره على مسكن ، ولكنه تجاوزها الى « المدائن » ايضا. فكانت النكبة ~~الفاقرة بكل معانيها. # وللمسؤوليات الهائلة التي تدرج اليها الموقف بعد هذه النكبة ، ما يحمله ~~عبيدالله أمام الله وأمام التاريخ. # وتسلم قيادة المقدمة بعد فرار قائدها الاول ، صاحبها الشرعي الذي سبق ~~للامام تعيينه للقيادة بعد عبيدالله ، وهو ( قيس بن سعد بن عبادة الانصارى ~~) العقيدة المصهورة ، والدهاء المعترف به في تاريخ ms078 العرب ، والشخصية ~~الممتازة من بقايا أصحاب (1) علي عليه السلام . شب مع الجهاد ، واستمر على ~~الدرب اللاحب. وأنكر على الاخرين ضعفهم حين ضعفوا ، ونقم عليهم استجابتهم ~~للمغريات وعزوفهم عن الواجب. # وما ان دان له المعسكر في مسكن حتى وقف بين صفوفه المتباقية بعد PageV01P143 # حوادث الفرار ليودع سلفه بما هو أهله ، ثم ليبدأ عمله في قيادته الجديدة ~~، فيدارى ما أحدثته هذه الرجة العنيفة في معنويات جيشه. # فقال: # « أيها الناس لا يهولنكم ولا يعظمن عليكم ، ما صنع هذا الرجل الموله. ان ~~هذا وأباه أخاه ، لم يأتو بيوم خير قط. أن أباه عم رسول الله خرج يقاتله ~~ببدر ، فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو الانصارى ، فاتى به رسول الله ، فأخذ ~~فداءه ، فقسمه بين المسلمين. وأن اخاه ولاه علي على البصرة ، فسرق ماله ~~ومال المسلمين. فاشترى به الجواري ، وزعم أن ذلك له حلال. وان هذا ولاه علي ~~على اليمن ، فهرب من بسر بن أرطأة ، وترك ولده حتى قتلوا ، وصنع الان هذا ~~الذى صنع (1)». # وكان قيس الخطيب المؤثر فيما يقصد اليه من تأثير ، ولا سيما اذا اندفع ~~بعاطفة مشبوبة ، كعاطفته عند موقفه الاخير. # وكان من تأثيره على سامعيه ، فيما ثلب به عبيدالله بن عباس أن « تنادى ~~الناس : الحمدلله الذي أخرجه من بيننا!! (2)». # أقول : وهكذا كانت التجارب مفاتيح الرجال كما يقول المثل العربي. PageV01P144 ### ||| بداية النهاية PageV01P145 # وجاء الى الحسن عليه السلام بريد مسكن لاول مرة وأذا بكتاب قيس بن سعد وهو يقول : # « انهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها « الجنوبية » بازاء « مسكن » وان ~~معاوية أرسل الى عبيدالله بن العباس ، يرغبه في المصير اليه ، وضمن له الف ~~الف درهم. يعجل له منها النصف ، ويعطيه النصف الاخر عند دخوله الكوفة. ~~فانسل عبيدالله في الليل ، الى معسكر معاوية في خاصته ، واصبح الناس قد ~~فقدوا اميرهم ، فصلى بهم قيس بن سعد ونظر في امورهم (1)». # والكتاب في فقرته الاولى ، يشعرنا بان عبيدالله بن عباس لم يراسل (2) ~~الحسن منذ نزل بجيشه عند مسكن. # ولا ادري هل في انقطاع اتصال احد القواد عن المركز الاعلى ما ms079 يدل على سبق ~~اصرار على التمرد؟. على اننا لا نعلم على التحقيق الفواصل الزمانية التي ~~تتسع للمراسلات بين نزوله مسكن وبين هروبه الى معاوية. # وتتابعت أخبار مسكن مع كتاب قيس وبعده ( واخبار السوء اسرع الاخبار بدارا ~~وأكثرها انتشارا )، فبلغ الحسن أن هذه « الخاصة » التي ورد ذكرها في كتاب ~~قيس ، والتي سمتها المصادر الاخرى « اهل الشرف والبيوتات » أو « الوجوه ~~وأهل البيوت » ، كانت شريكة عبيدالله في تدبير خطة الخيانة وعلم ايضا ان ~~بعض هؤلاء سبق عبيدالله الى الهزيمة وتطرفت PageV01P146 # بعض الانباء فأوغلت في النكاية بعبيدالله حتى قالت « انه مر بالراية (1)». # وهيأت هذه الحركة العدوة جوا لتمرد خبيث ، نشبت عدواه في قوافل اخرى من ~~اجيش ، فنشطوا للفرار وهم يحسبون ان في اتباع اهل الشرف والبيوتات مغنما ~~يخسرونه اذا تخلفوا عنهم. # وعمل معاوية اكثر ما يمكن ان يعمل لاثارة هذا التمرد ، ثم لتغذيته بعد ~~اثارته ثم لتوسعته بعد تغذيته ، وكان العارف بنفسيات ابناء البيوت الرعاديد ~~، الذين غلبهم الترف وانستهم النعمة الوارفة عنعناتهم العربية العنود ، ~~فكان لا ينفك يتوقع انزلاقهم اليه ، ويتوسل اليهم بمختلف الوسائل وانواع ~~الكيد ، حتى لقد نجح في استذلال شموخهم عن طريق المطامع المادية التي تطامن ~~لسحرها كبيرهم المغرور ، فنزل يهرول امامهم ، الى الهوة التي لا يختارها ~~شريف يعتز بشرفه ، ولا قائد يغار على سمعته. # وهكذا « جعل اصحاب الحسن الذين وجههم مع عبيدالله يتسللون الى معاوية ، ~~الوجوه وأهل البيوتات (2)» وأتباعهم طبعا. # ثم صعد عدد الفارين من الزحف ، عن طريق الخيانة لله ولرسوله ولابن رسوله ~~، الى ثمانية الاف!! [ كما يحدثنا أحمد بن يعقوب في تاريخه ]. # قال : # « انه يعني معاوية أرسل الى عبيدالله بن عباس ، وجعل له الف الف درهم ، ~~نصار اليه في ثمانية الاف من اصحابه ، واقام قيس بن سعد على محاربته (3)». # نعم ، ثمانية الاف من اثني عشر الفا!.. # انها الثغرة المخيفة في جدار المعسكر الواقف في جبهة القتال أمام PageV01P147 # ستين الفا من الاعداء الاشداء ، لا ، بل انه الانهيار المخيف ، والنكبة ~~التي تهدد بالكارثة القريبة. # فليتحمل عبيدالله مسؤوليتها الثقيلة في الله ، وفي التاريخ!!. ms080 # وظن هؤلاء المتسرعون الى الفتنة ، والراكضون بكل اعصابهم الى الهزيمة ، ~~انهم اذا عملو مثل العمل الذي أتاه ابن عم الخليفة واولى الناس برعاية حقه ~~والوفاء ببيعته فانهم غير ملومين ، واصطلحوا على مثل هذا المنطق المفلوج ~~لتبرير عملهم أمام الناس ، ولكن الناس لم ينظروا الى هزيمتهم الا من ناحية ~~اطارها المموه بالذهب الوهاج ، ذهب معاوية « الزائف » ، ثم لم يشهدوا من ~~أمجاد « ابناء البيوتات » الا سبقهم لنقض المواثيق التي واثقوا الله عليها ~~، وبيعهم الدنيا بالدين. # وما كان بالقوم وهم يفرون من ميادين الحسن أنهم ينكرون فضله ومزاياه ، أو ~~يجهلون سمسموه وكفاءاته ، ولكنهم كانوا يريدونه لدنياهم ثم لا يجدونه حيث ~~يريدون. # وما كان بهم وهم يفرون الى معاوية أنهم وثقوا به وبمواعيده ، وانهم لم ~~يقدروا العاقبة التي قابلهم بها يوم دخل الكوفة فنقض كل عهد ووعد. وما ~~معاوية بالرجل الذي يخفي أمره ، ولا هم من الطبقة الذين يجهلون امثاله وهو ~~اذ ذاك بين سمعهم وبصرهم. # اذا ، فلا بغض الحسن ولا جهلهم له ، ولا حب معاوية ولا ثقتهم به كان هو ~~السبب كله لنفورهم وفرارهم ، ولكنها كانت حوافز أخرى او حوافز من الوان شتى ~~، دفعت بهؤلاء المولهين الى هذا الشكل من الجهر بالسوء الذي لا يزال صداه ~~البغيض يرن في مسمع التاريخ. # وما يدرينا فلعلها كانت مراحل مقررة ومؤامرات مدبرة سبق اليها الزعماء ~~المعارضون ، ليتقوا بها المصير الذي كان ينتظرهم ، فيما لو أديل PageV01P148 # للكوفة من الشام. وكان من شأن التدابير الواسعة التي اخذ بها الامام في ~~دعوة الاقطار الاسلامية الى الجهاد ، ومن بوادر النشاط الذي تطوع له الشيعة ~~في عضد هذه الدعوة ، ما هو خليق بأن يبعث في نفوس القلقين من الخونة ~~والرؤساء المتبوعين ، الخوف على أنفسهم ومصالحهم ، وان يزدادوا حذرا مما ~~كانوا قد تورطوا فيه من مناورات ومعارضات تجاه معسكرهم في الكوفة. فرأوا في ~~الالتحاق بمعاوية خروجا من هذا الخوف ، وتحريبا سريع الاثر في قوة الجانب ~~الذي يخافونه ، وكان من تنفيذ الخطة في أضيق وقت وعلى اوسع نطاق ، ما يؤيد ~~كونها نتيجة لمؤامرة ms081 كثيرة الانصار. # ولعل فهم مأساة الهزيمة على هذا الوجه اقرب الى الواقع ، مما فهمها عليه ~~سائر رواتها من أعدائها ومن اصدقائها. # وليس معنى هذا التفسير ، أن معاوية لم يعد أحدا او لم يرش قائدا. # كلا ... فانه سخا بالمواعيد حتى أذهلهم ، واعطي القائد وحده مليونا من ~~الدراهم حتى اشترى دينه وكرامته. # ولكن الشيء الذي يسترعي النظر ويستدعي التنبيه ، ان حوادث الهزيمة لم ~~تنسب الى اسم صريح اخر غير عبيدالله بن عباس [ قائد المقدمة في مسكن ] أنه ~~قبض من معاوية في سبيل الخيانة نقدا معينا. # تري ، فكيف رضي الزعماء الاخرون من معاوية بالوعد دون النقد ، لولا ان ~~يكون الخوف الذي ذكرناه ، هوالذي بعث فيهم روح الهزيمة وزين لهم الاكتفاء ~~بالوعود!!. # وللخوف سلطانه على النفوس ، ولاسيما نفوس المترفين من الناس ، فلا بدع ~~اذا قدح في نفوس « أبناء البيوتات » فكرة الخيانة وأوقدتها بعد ذلك مغريات ~~الشام ، في بيئة ليس فيها اغراء بغير الله والعدل الصارم. # وهكذا انكشفت كل جماعة من عناصر هذا الجيش عن مكنونها الذي مزف الستار ، ~~وظهر على المسرح باللون الذي لا تشتبه فيه الابصار ، فكان PageV01P149 # لحب العافية من قوم وللعصبيات الجاهلية من اخرين وللاهواء والمنازع ~~وأصحابها الاثر المستبين فيما آل اليه الموقف من نتائج واضرار. # وفضحت المطامع أولئك الذين لم يلتحقوا بهذا الجيش الا طمعا بالغنائم ، ~~وسرهم أن يتلقفوا الغنائم من طريق الخيانة في سهولة ويسر ، وكانوا يظنون ~~انهم لن ينالوها الا بعد أن تزيغ قلوبهم هلعا ، من قراع الاسنة وألضرب ~~الدراك. # ونزلوا عن هذا الطريق الى الدرك الاسفل من حظوظهم التي تخيروها لانفسهم ~~مغرورين. « فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد عليه الله ~~فسيؤتيه أجرا عظيما ». # وما كان المسلم الذي يترك امامه ليلتجيء الى البغاة الا شرا من باغ ، ~~واولئك هم المستضعفون في دينهم ، والقلقون في دنياهم ، وان صفوف معاوية ~~لاولى بالمستضعفين القلقين. # ومازت النكبة الذين جثموا في مواقعهم ، وثبتو على مبدأ المقاومة لا ~~يلتسمون محيدا عنه ، وصمدوا ولكنهم انما صمدوا للموت المحقق (1)، ينتظرونه ~~فرحين مطمئنين ، دفاعا ms082 عن ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، ووفاء ~~لله ببيعتهم. # وكان الصمود للنكبات ، والصبر على الكوارث ، والاستعداد لتحمل الآلام ~~وبذل التضحيات ، أنبل دليل على طيب المعدن ، وصدق النية ، وصلابة العود ، ~~والجدارة بالحياة. وهذه هي نعوت شيعة الحسن الاوفياء. # ثم كان لانباء هذه النكبات المروعة في مسكن ، وقعها السيء الذي يناسب ~~خطورتها ، في أوساط الجيش الاخرالذي كان يعسكر في ( المدائن ). PageV01P150 # وبلغت البالغات في تهويل هذه الاخبار بين حلقات هذا الجيش رقمها القياسي. ~~وفي هذا الجيش كثرة ساحقة من رعاع أهل السواد ومن اخلاط الناس ومختلف ~~الاحزاب. وفيه الى هؤلاء وأولئك البهاليل من الهاشمين اليمامين ، والكتل ~~المخلصة من ربيعة وهمدان. # وكادت الرجة العاتية أن تجتاح المعسكر ، لولا هذه الاطواد الراسية في ~~مختلف أكنافه ، الاطواد التي كانت تتكسر على صخرتها شتي المحاولات التي كان ~~يتسرع اليها المتوثبون الى الفتنة. # اما الحسن نفسه ، فقد قابل هذه المزعجات بالامل الذي يعمر القلوب القوية ~~والنفوس الخالدة ، وكان يرى ان الاخفاق في ظرف خاص أو مكان خاص ، لا يعني ~~الحرمان من الازدهار والاثمار اخيرا في ظرف لا يجب ان يكون هو بشخصه صاحبه ~~، ولكن « بمبدئه » ، وثمة نقطة التركز في أهداف الحسن مخفقا او منتصرا وثمة ~~مركز التجلي « الرباني » الذي تنشق عنه الانسانية في شخصية هذا الامام ~~الروحي ، بأفضل ما قدر لها من مراتب الانسياح في ذات الله ، والفناء في ~~سبيل الله. # ثم انه لم يزل على نشاطه الموفور ، في تدوير دولاب حركته وجهاده وجيوشه ، ~~رغم ما كان يحسه من وميض الفتنة الذي أخذ يستعر تحت رماد الاحدات المتعاقبة ~~بين يديه. ولم يسمع منه كلمة واحده تتجاوز به الى جحمة غضب ، أو تدل بحدتها ~~على ما كان يشيع في نفسه من بلاغة الخطب ، وروعة التشاؤم ، والنقمة على ~~الوضع ، اللهم الا كلماتة التوجيهية التي كان يقصد بها تدريب جماهيره على ~~النظام ، وتعليمهم الاتزام بقواعد « الجهاد » في الاسلام. # ودار بوجه الى كوفته ، كأنه يتذكر شيئا ، أو يستعرض اشياء عقت الكوفة بها ~~أياديه عندها وأيادي أبيه من قبل. وكان ms083 ابوه هو باعث مجدها ، ومؤسس كيانها ~~المستطيل الشامخ ، الذي باتت تتمتع به كأعظم حاضرة في العالم الاسلامي ، ~~تلتقي عندها حضاراته ، وتثوب اليها شعوبه من مختلف PageV01P151 # الاجناس ، وتلتحم بمصالحها الثقافية والتجارية مع اعظم الاقطار المعروفة ~~في ذلك الزمان. والكوفة هي كل شيء في سياسة الحسن عليه السلام ، أو هي اعظم ~~ذخيرة كان يدخرها للايام السود ، والوقائع الحمر ، والبلايا الملونة التي ~~شاءت الليالي أن تجمعها عليه في وقته الحاضر فذكر ، وهو يستعرض في نفسه ~~سوابقه مع الكوفة أو سوابق الكوفة معه ، انثيال الناس هناك على بيعته ~~والاخذ بيده ، واجماعهم على قبول شرطه يوم رضي أن يمد يده لبيعتهم « على أن ~~تكون بالسمع والطاعة ، وأن يحاربوا من حارب ويسالموا من سالم ». # ثم نظر الى حوادث « مسكن » وزلزلة الاكثر من جيوشه « الكوفيين » هناك ، ~~ونفورهم من القتال وركونهم الى الفرار ، وانخداعهم بالمطامع ، وجهرهم ~~بالعصيان ، ونقضهم المواثيق التي عاهدوا الله عليها. # فساءه ، ان تبلغ السفالة البشرية ، وميوعة الدين ، وصفاقة الاخلاق ، في ~~عصبة تدعى الاسلام ، وتتقلد القرآن ، وتؤمن على ظاهرها بالنبي فتصلي عليه ~~وعلى اله ، في صلواتها الخمس كل يوم خمس مرات مبلغها من هؤلاء الذين خانوا ~~النبي في آله ، وخانوا الله في مواثيقه ، وباءوا بمخزاة التاريخ على غير ~~كلفة ولا اكتراث. # وظنوا ان معاوية مانعهم من الموت والفقر ، ولا والله ما من الموت مفر ، ~~ولا رشوات معاوية بأجدي لهم من الرزق الحلال الذي قدر لهم في هذه الحياة ، ~~وسيصعد معاوية منبره في الكوفة ، معلنا على رؤوسهم حنثه بأيمانه وعهوده ~~ومواعيده ، وجاعلا « كل ذلك تحت قدميه (1)» ، وما هي الا شنشنته التي كان ~~يمليها عليه طموحه الى الغلبة بكل سبب منذطمع بالطفرة الى التاج. PageV01P152 # وليت شعري الى أين كان يفر هؤلاء من الفقر الذي اتقوه بالفرار من امامهم ~~الشرعي ، يوم يستيقنون اصرار معاوية على الخلف بوعده وعهوده وانهم ~~لمستيقنون والى أين كانوا يفرون من الموت وقد خافوه بالجهاد مع ابن بنت ~~نبيهم (ص)، وانه لمدركهم « ولو كانوا في بروج مشيدة » ، وسيدركهم وهم ~~فقراء من دينهم ودنياهم معا ، فلا ms084 بمواثيق الله عملوا ولا على رشوات معاوية ~~حصلوا ، وسيموتون ميتتهم الجاهلية التي سبقت لابائهم فاستبقوا بها الى ~~النار ، وبئس الورد المورود. # « يا ويح من ولى الكتا %~% ب قفاه والدنيا أمامه فليقر عن سن الندا %~% مة يوم لا تغني الندامة وليدر كن على الغرا %~% مة سوء عاقبة الغرامه يالعنة صارت على %~% أعناقهم طوق الحمامة (1)» # وكان الوزر الاكبر الذي تأزره الكوفيون في مسكن ، وزر النفر الذين قادوا ~~الحركة الخائنة في خطواتها الاولى ، منذ ركبوا المآثم السود بتكتلاتهم ~~ومكاتباتهم .. # وتمثل للحسن وهو بالمدائن ، أفراد من « الوجوه وابناء البيوتات » في جيش ~~مسكن كان يعرفهم بلحن القول حينا ولحن العمل احيانا ، وما كانوا بالذين ~~ينقطعون عنه وعن جماعته في الكوفة ، ولكنهم المنقطعون عن مودته وعن الاخلاص ~~لاهدافه فيما يبطنون ، ولم يكن شيء مما يبطنونه بالذي يغيب عنه ، ولا شيء ~~يزاولونه في مناوراتهم معه فيجهله من نواياهم. وكانوا اذ يتصلون به ، انما ~~يصطنعون الدين وسيلة الى الدنيا ، ويخيل اليهم انهم قد حذقوا اتخاذ الوسيلة ~~، حتى اذا علموا خطأهم يدأوا يزرعون في بطاح غدهم نوابت الزرع الخبيث ، ~~وعادوا وهم في عهده على سابق عهدهم ، يوم كانوا يجترون تملقهم الاصفر ~~وخذلانهم الاسود PageV01P153 # الذي نسجوا عليه لعابهم المرير في عهد ابيه امير المؤمنين عليه السلام في ~~الكوفة يوم سئم أبوه الحياة من سوء صحبتهم ، وتمني الموت صريحا لفراقهم. # وعلم الحسن بن علي غير متردد في علم ، ان هذه العصابة نفسها كانت هي ~~أصابع معاوية التي عاثت بمقدرات جيشه في مسكن ، وهي التي شجعت القوافل على ~~الفرار الى معاوية ، اغترارا برشواته الاخاذة المنوعة التي جاوز بها معاوية ~~المألوف من رشوات الناس وعرض فيها من العرض ما لا يعهد الرشوة بمثله ، حتى ~~لقد كتب الى بعضهم : « وبنت من بناتي (1)»!. # وكانت الخصيصة البارزة في معاوية ، انه الرجل الذي لا تفوته الفرص ~~السانحة من مآزق خصومه ، وكان هو قبل كل شيء الصناع المفن في بعث هذه ~~المآزق واستغلال فرصها ، وكانت هذه هي موهبته التي خلب بها الباب المعجبين ~~به ، وبرع فيها البراعة بأقصى ms085 حدودها ، حتى ليخيل الى مؤرخته حين ينظرون ~~اليه من هذه الزاوية أنه الداهية ، وانه السياسي المحنك ، وانه العسكري المفن. # ولكن دراسة معاوية على ضوء ما تقلب فيه الرجل من أطوار وما زاوله من ~~محاولات كمحارب لرسول الله (ص) في بدر (2)، فطليق من طلقاء يوم الفتح بمكة ~~، فصعلوك (3) لا مال له يركض حافيا بغير نعل تحت ركاب علقمة بن وائل ~~الحضرمي (4) في المدينة ، فوال على الشام ولكن من عمر وعثمان مدى عشرين سنة ~~، فمحارب للامامين علي وابنه PageV01P154 # الحسن (ع) اربع سنوات ، فمدع للخلافة عن رسول الله (ص) يناقضه صريحا في ~~أحكامه ويخالفه عامدا في سرته ، ويقول : « والله ما بقي شيء يصيبه الناس من ~~الدنيا الا وقد اصبته (1)» أقول : ان دراسته على ضوء محاولاته الكثيرة ، ~~ووصولياته المنوعة مما ذكر أو لم يذكر ، لا تفضي بنا الى الاعتراف بكل ~~الاوصاف التي يسبغها عليه المعجبون به. # ولا تدل على أكثر من براعته في استغلال الفرص جاهلية واسلاما. # وما كان من الدهاء ، ولا من السياسة بمعناها الصحيح ، ان يتصل الانسان في ~~طريقه الى مآربه بوسائل لا يملك لها وجاهة الاقناع ولو ظاهرا في عرف ~~المجتمع ، ولا أن يتسور الى اهدافه بالشذوذ المكشوف الذي لا يهضمه تقليد ، ~~ولا يقره دين ، ثم هو لا ينفك يحاول أن يدعي أنه رئيس حماة الدين ، وكبير ~~رعاة التقاليد. # وما من دهاء في منطقة مناقضات. # ولا من دهاء في اغتيال الامنين من الناس ، ولا في اعلان السب والشتم ~~وفرضه على الناس في كل مكان ، ولا في نقض العهود والحنث بالايمان. # ان شيئا من ذلك لا يدخل في حساب الدهاء ، ولا هو من سياسة الملك ، ولكنها ~~الاساليب البدائية في دنيا العداوات ، ولعل في أدنياء المتناجزين من سواد ~~الناس من يستطيع أن يأتي بالافظع الاروع من هذه الاساليب نكالا في خصومه. ~~أفيكون حينئذ أعظم دهاء من معاوية؟. # ومتى كان الشذوذ في الكيد دهاء يا ترى؟. # واذا كان معاوية فيما اتاه من هذه الافاعيل النكر داهية ، فلقد زاده ابنه ~~يزيد دهاء ، لانه توسل الى ms086 مآربه بوسائل انكى من وسائل ابيه. # ودع عنك من شواهد الضعف في معاوية ، استضاءه البيز نطيين بالمال ، ~~وخطالبه الطائش الذي نقض عليه سياسته في الكوفة عند دخوله اليها ، PageV01P155 # وموقفه الفطير من شهداء ( مرج عذراء )، واشياء اخرى ليس هنا مجال بحثها. # ولكننا ولننصف القائلين بدهائه نتذكر لمعاوية موقفا يشبه أن يكون فيه « ~~الداهية » الذي يحيك الخطط ليمهد الى غده ، ثم هو يصدر الى الناس من وراء ~~خطته بعذر يقبله المعنيون به. # ذلك هو الموقف المبرقع الذي وقفه معاوية من نجدة عثمان ، يوم خلع وقتل .. # وربح معاوية من مقتل عثمان انصارا من « العثمانية » قبلوا عذره اذ يخذل ~~(1) عثمان وهو حي ، ثم تطوعوا له لينصر بهم عثمان وهو ميت ، وهو انما ينتصر ~~بهم لنفسه ، ولكنهم لا يشعرون. فعزز بهذه الحفنة من |« لا الفينك بعد الموت تندبني||وفي حياتي ما زودتني زادي! » | PageV01P156 # « الاغنياء » جبهته الضعيفة في ميادينه مع على عليه السلام . # ومن هنا عرض معاوية عسكريته على التاريخ. # ولا نعرف عن عسكرية معاوية بما يلتقي عند هذه الكلمة من المعنيين شيئا ~~مذكورا. # فلا هو بالعسكري على المعنى المصطلح عليه ، الذي يعني « بوضع الخطط ~~وقيادة الميدان » ، ولا هو بالعسكرى في شجاعته وفروسيته ، حين يدعي لمقارعة ~~شجاع أو منازلة فارس. # ودعاه (1) امير المؤمنين عليه السلام ليبارزه ، فاما واما ، فأبى اباء ~~الرعاديد!!!. PageV01P157 # نعم هو صاحب موهبة كما قلنا ولكن في حيز محدود ، وصاحب سخاء ولكن من نوع ~~فريد ، وصاحب هواية خاصة لها سلطانها القاهر على نفسه. # فأما موهبته ففي اغتنام الفرص من مآزق الناس ، واما هوايته ففي الغلبة ~~والسلطان ، واما سخاؤه فبما لا يسخو به من يحسب لاخرته حسابها. # والمرجح أن معاوية كان يعرف من نفسه قصورها عن العسكري الذي كان يجب أن ~~يكونه وهو يناضل أشجع عسكرية في الاسلام ، فكان يود دائما ان يلتوي بحروبه ~~مع العراق ، الى الطريقة الخاضعة لموهبته ، ويفر ما وسعه الفرار من حرب ~~السلاح الى حرب الفتن. # وكانت التجارب التي صارعها معاوية في حروب صفين ، هي الاخرى التي املت ~~عليه القناعة القصوى ms087 بهذا الاختيار. # ولم يفلت معاوية من النهيار المحقق الذي حاق به يوم ذاك ، والذي نشط به ~~الى محاولة الفرار بنفسه على ظهر جواد ، الا حين أخذ بالرأى البكر الذي ~~أملاه عليه مستشاره الكبير « ابن العاص »! ثم كانت الفتنة بنطاقها الواسع ~~الذي خلق للمسلمين انواع المشاكل والنكبات فيما بعد. # فالفتنة في نظر معاوية خير مركب للنجاح ، وهي بتجارب معاوية امضي أثرا من ~~السلاح ، فكيف لا يجنح اليها كلما حاق به مأزق من هذه المآزق التي كان ~~يجرها على نفسه في مختلف المناسبات؟. # ورفق معاوية في ميدان « الفتنة » الى تعبئة جهاز من النوع الثقيل ، PageV01P158 # لا نعهد مثله لغيره ، بما يسر له من الثراء الضخم الذي مهدته له بلاد ~~الشام في عقدين كاملين من السنين وبما حظى به من صحب مساعير في هذا الميدان ~~، أمثال المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص. وكان ابن العاص هذا ، أعظم مصارع ~~على هذا المسرح ، وهو الذي « ما حك قرحة الا نكأها ». # واستلحق الى هذين زياد بن عبيد الرومي الذي انتزعه من معسكر الحسن ~~عليه السلام انتزاعته (1) المفضوحة في التاريخ ، فكانوا ثالوثه المخيف الذي ~~فتن الناس وزلزل الدنيا وبلبل الاسلام. واخيرا فان الفتنة بمعناها الاعم ، ~~هي موهبة معاوية التي لا يغلبه عليها ألمعي قط. PageV01P159 # وعلى هذه القاعدة ، طور معاوية حزبه مع الحسن الى الحرب بالفتن. # وكان اذ يعسكر بجيوشه على حدود العراق ، لا يريد القتال ، وانما يخاف ~~المبادءة من خصومه. ويود لو حاربهم في ميدان غير ميدان الجيوش. # ولم يبح بسره هذا ، الا على أسلوب من المصانعة والتمويه ، يتظاهر من ~~ورائهما بالجنوح الى المصلحة والخوف على امور الناس. فيقول حين ينظر الى ~~جيوش الفريقين في موقفه من الحسن بن علي عليهما السلام : « ان قتل هؤلاء ، ~~هؤلاء ، وهؤلاء ، هؤلاء ، من لي بامور الناس (1)» ، ويقول : « الامر ~~الكبير يدفعه الامر الصغير (2)». # وما يدرينا ، فلعله اذ يتلكأ بهذا ونحوه ، انما يتلكأ لانه يحذر نتائج ~~حرب السلاح ، فيمالو صدق العراق بالقراع. وليكن على هذا الاحتمال قد جهل ~~موقف الكوفة في نفيرها مع الحسن ms088 وخيل اليه من نتائج الدعاوة الشيعية ما لم يكن. PageV01P160 # وقد يكون معني تردده ، انه كان يرى اتقاء الفضيحة التي لا يسرها عذر امام ~~العالم الاسلامي ، في محاربة سيدى شباب أهل الجنة ، ابني بنت رسول الله صلى ~~الله عليه واله ، وجها لوجه. # وقد يكون انما أغراه باتخاذ هذه الوسيلة دون وسيلة السلاح ، كتب الخونة ~~من رؤساء الكوفة وزعماء قبائلها « يعرضون بها له السمع والطاعة ، ويتبرعون ~~له بالمواعيد ، ويتخذون عنده الايادي ، ويستحثونه على المسير نحوهم ، ~~ويضمنون له تسليم الحسن عند دنوهم من عسكره ، أو الفتك به (1)». # وكان من أبرع اساليب « الفتنة » ان يجمع معاوية كل ما ورد عليه من كتب ~~هؤلاء ، ثم يدعو كلا من المغيرة بن شعبة وعبدالله بن عامر بن كريز ~~وعبدالرحمن بن الحكم ، فيوفدهم جميعا بهذه الكتب كلها الى الحسن (2) نفسه ~~ليطلع عليها ، وليعرف نوايا أصحابها من متطوعة صفوفه ، ثم ليكون من اللفتة ~~البارعة مدخل للمفاوضة في الصلح أو التفاهم على نصف من الامر ، فيما لو وجد ~~هذا الوفد من جانب الحسن عليه السلام استعدادا لتفاهم او صلح. # وتفقد الحسن خطوط الكوفيين وتواقيعهم بشيء من العناية وألامعان كما لو ~~كان يعرف قبل ذلك خطوطهم وتواقيهم وتأكد صحة نسبة الكتب لاصحاب التواقيع ، ~~ولكنها لم تكن لتزيده معرفة بأصحابها ، ولم ير فيها جديدا لا يعهده من هذه ~~الطبقة المعروفة بميولها وأهوائها وشذوذها الخلقي ، الذي جر عليه الشيء ~~الكثير من المآسي والنكبات في شتى مراحله منذ فاه بدعوة الجهاد. # ثم رجع بخطابه الى الوفد الشامي ، دقيق العبارة لا يبت بأمر ولا ينكشف عن ~~سر ، ولم يترك النصيحة للمغيرة ورفاقه ، بالدعوة الى الله عز وجل ، عن طريق ~~نصرته وترك البغي عليه ، وذكرهم بما هم مسؤولون PageV01P161 # عنه أمام الله ورسوله في حقه. # ولا نعلم بعد ذلك ولا فيما ترويه المصادر ، أنه ذكر الصلح بنفي أو اثبات. # ولكنا علمنا أن المغيرة ورفاقه الذين دخلوا معسكر المدائن حين اذن لهم ~~بدخوله لعرض هذه الكتب على الامام ، لم يغادروا المعسكر حتى زرعوا في ~~ميدانه أكبر فتنة في ms089 الناس. فخرج الوفد العد وويستعرض في طريقه مضارب الجيش ~~، وهو اذ ذاك هدف الانظار في حركته ، وهدف الاسماع في حديثه ، فقال بعض ~~أفراده لبعض وهم يرفعون من أصواتهم ليسمعهم الناس : « ان الله قد حقن بابن ~~رسول الله الدماء وسكن الفتنة ، وأجاب الى الصلح (1)». # وما كان حديثهم هذا الا الفتنة نفسها ، ليعبروا بها وبمثيلاتها من هذا ~~الطراز ، الى انتزاع الصلح انتزاعا. # واذا هي الطعنة النجلاء ، في ظروف مولية كظروف المدائن بما كان قد لحقها ~~من التبلبل الذريع ، في أعقاب الحوادث المؤسفة في معسكر « مسكن ». # وكانت أكثرية المدائن لا تزال ملحة على مباشرة الحرب ، فهي لا ترى للصلح ~~مكانا ، وكان يخيل اليها أن في بقايا المجاهدين في مسكن كفاية لمنازلة ~~معاوية ، وأن في احتياطي المدائن ما يضمن لمسكن القوة على الصمود فيما لو ~~ضعفت كفايتها. وربما كانوا أو كان فيهم ، من لا يتخيل شيئا من ذلك ، ولكنهم ~~انما يلحون على الحرب لانهم « يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة (2)». وتلك هي ~~نعرة الخوارج في جيش الحسن عليه السلام . وكيف يقول المغيرة ورفاقه « ان ~~الحسن أجاب الى الصلح » ، انها الكلمة الكافرة التي لا يجوز الصبر عليها ~~برأيهم . # وكان شغب فئة كبيرة كالخوارج ، مدعاة لزلزلة فئات أكثر عددا ولا سيما من ~~أغرار الناس المتارجحين بين الطاعة والعصيان ، والمتأهبين للفتن PageV01P162 # والاضطرابات مع كل ناعق بها وفي كل آن. # وجاءت الخطة المدبرة التي أجاد حياكتها الثالوث الشامي ، فتنة عنيفة ~~الاثر على مقدرات المدائن ، ناشزة على خطط التدبير. # ومن السهل أن نفطن الان جازمين الى ان اجوبة الحسن لهذا الوفد ، لم تكن ~~لتشتمل على ذكر الصلح او الاستعداد له ، لانه لو كان قد اجاب اليه كما ~~اشاعه الوفد عند خروجه منه ، لا نتهي كل شيء ولا غلق الموقف بين العراق ~~والشام. فلم هذه الفتن اذا؟. وهل هي الا من قبيل استعمال السلاح مع الصلح؟ ~~وهل معني الصلح الا نزع السلاح؟. # وعلى هذا ، فلا تصريح بقبول الصلح من جانب الحسن قطعا. # وانما هي الفتتة ، وهي سلاح الشام الانكي. # وتلون معاوية ms090 في هذا السلاح تولنا مخفيا جدا ، فعمد الى سلة أكاذيب ، ~~يختار مضامينها اختيارا دقيقا ، وينخل أساليبها نخلا فينا ، ثم يبعث بها ~~الى معسكرات الحسن ، هنا وهناك. # « فكان يدس الى عسكر الحسن في المدائن من يتحدث : ان قيس بن سعد وهو قائد ~~مسكن بعد فرار ابن عباس قد صالح معاوية وصار معه (1)». # «ويوجه الى عسكر قيس في مسكن من يتحدث ان الحسن قد صالح معاوية وأجابه (2)». # ثم ينشر في اشاعة اخرى على معسكر المدائن « الا ان قيس بن سعد قد قتل ~~فانفروا (3)». # وما ظنك بأثر هذه الشائعات في جيش مثل جيش المدائن ، وقد سبق له أنه علم ~~خيانة قائد سابق لم يكن أهلا للخيانة ، فلم لا يصدق خيانة الثاني ، أو ~~الخبر بقتله؟. # وفي مسكن مثل ما في المدائن من مآس ودفائن وقوافل تنزع الى PageV01P163 # الفرار ، وعملاء لا يفتأون يبعثون الفتن ويبثون افظع الاخبار. # وهكذا بلغ معاوية « بفتنه » ما أراد ، وبات الجيشان كلاهما طمعة ~~الاضطرابات والحوادث المؤسفة التي لا تناسب ساحة قتال. # وما مني الاسلام منذ ضرب بجرانه على جزيرة العرب ، بأفظع من هذه النكبة ~~التي يترنح بها موقف الخلافة الاسلامية ، بين تثاقل الجنود ، وتخاذل ~~الزعماء وخيانة القائد ، وفتن العدو!. # انها الظروف القاهرة التي بدأت تنذر باكداس من الخطوب وألنكبات والتي ~~ستجر حتما الى نهاية تاريخ قصير ، كان انصع وأروع صفحات التاريخ الاسلامي ، ~~وابعدها ارتفاعا في المجد ، وأقربها اسبابا الى الفخر. # انها الكارثة التي تؤذن باللحظة المشؤومة في تاريخ الاسلام ، اللحظة ~~القائمة على عملية الفصل بين العهدين ، عهد الخلافة بمميزاتها ومثاليتها ، ~~وعهد « الملك المعضوض (1)» وبلائه المقدر المفروض. # وكان الحسن عليه السلام ، أعرف الناس بقيم هذه المعنويات المهددة وأحرص ~~المسلمين على حفظ الاسلام ، والرجل الحديدي الذي لا تزيده النكبات المحيطة ~~به ، الا لمعانا في الاخلاص ، واتقادا في الرأي ، واستبسالا في تلبية ~~الواجب ، وتفاديا للمبدأ. # ولم يكن لتساوره الحيرة ، على كثرة ما كان في موقفه من البواعث عليها ، ~~ولا وجد في صدره حرجا (2) ولا تلوما ولا ندما ، ولكنه وقف ليختار الرأي ، ~~وليرسم الخطة ، وليتخذ ms091 التدابير. # وكان لابد لاصطفاء الرأي ، من دراسة سائر الاراء. # وذلك ما نريد أن نسيمه : « موقف الحيرة ». PageV01P164 ### ||| موقف الحيرة PageV01P165 # وانصرف الى التفكير ، فما كان ليغيب عنه ما يهدد موقفه من عبء ، بعضه ~~فجيعة. وبعضه هوان ، وبعضه موت لا يشبه موت العظماء. # ولم تكن الحيرة عنده بالغة الغور ، ولكنها كانت بالغة الاسى مشبوبة ~~الاحاسيس ، تخزه وخز الشوك الملتهب ، وتستفزه بالحاح الى اختراع المخرج ~~الذي لا يساوره الهوان ، ولا يخضع للفجيعة ، ولا هو من الموت المغتصب ، ~~الذي تربأ عن مطارحته الذكريات الكريمة. # وكل ما كانت تحتفل به اللحظة القائمة بين يديه ، هو اللجاجة اللاغبة ، ~~والشائعات الكاذبة ، والاندفاع في تيار الفوضي الرهيب. # والحسن بين هذه الهزاهز ، الجبل الذي لا تزعزعه العواصف ، والاماام البر ~~الذي لا يغيظه جهل الجاهلين عليه ، ولا يحفظه سخط الناقمين منه ، ووقف غير ~~عابئ بما يدور حوله ، ولكن ليسقرئ الخطط فيضع خطته ، وليستعرض الاراء فيبت برأيه. # وليس بمقدورنا الان ان نقرأ بتفضيل الافكار التي كانت تحت سيطرته ساعة أذ ~~، أو كان هو تحت سيطرتها ، ولكنها بالاجمال لم تكن لتعدو « ما يريده الله ~~وما يؤثر عن رسول الله وما يجب لصيانة المبدأ ». # أما ما يقوله الناس ، فلم يكن مما يعنيه كثيرا. # ولنتذكر دائما ، انه الامام الروحي ، الذي لا يريد الحياة بين الناس الا ~~بمقدار ما تكون الحياة بذلة في سبيل الله ، ووسيلة للنفع العام ومثلا يحتذى ~~في الاصلاح ونشر الاحسان. فما قيمة ما يقول الناس الى PageV01P166 # جنب هذه المعنويات الممعنةفي اتجاهها الى الله. والامام بصفته الروحية ~~التي يقود بها الغير الى الخير ، لايهجس ابدا بغير هذا النوع من التفكير ، ~~ولا ينصرف بخلجاته ومشاعره وعواطفه الى غير الله ، وسيرة النبي (ص)، ~~والمبدأ الصحيح. # لذلك لم تكن الحيرة عنده كما قلنا بالغة الغور ، لان طريق الله لاحب ، ~~وأسوة رسول الله واضحة ، ولكنها كانت حيرة مريرة المذاق. # وكم من المزعج ان يساق الانسان من ظروفه ، ومن حيث لا يد له ، الى وضع لا ~~يسيغه طبع ، تصطلح عليه الازمات ، ثم لا يفتأ يقوم من نفسه على ms092 عقد لا ~~تنقطع الا لتتصل. ذلك هو الوضع « الشاذ » الذي لايعهد الا مع الحيرة ، ولا ~~يطرد في نوازعه الا مع القلق ، ولا تكون النفس معه الا بين الاقدام ~~وألاحجام وأليأس وألرجاء. وللنفس مع هذا الوضع حاجتها القصوى الى التأمل ~~والتفكير ، والى الكلاءة والتثبيت. وللضمير مع هذا الوضع موقفه الدقيق الذي ~~تتفاوت فيه معادن الناس. # واي نفس كانت هي تلك النفس ، وأي ضمير كان هو ذلك الضمير!!؟؟. انها النفس ~~المطمئنة التي ترجع عند كل هول يعصف بها الى ربها راضية مرضية ، لا تستكفي ~~بغيره ، ولا تسترشد بسواه. وانه الضمير الطاهر النقي ، الذي لم يضعف على ~~ثقل الواجب وأنما كان على كل حال أصلب من الكارثة. ولم نسمع عن الحسن ان ~~احدا ممن حوله شعر عليه في لحظات مرزأته ، أنه المرزأ في دخيلته او الممتحن ~~في موقفه ، اذ لا حزن ولا انكسار ، وانما كل ظاهراته ثبات وعزم وأستقرار ، ~~وحتى في مناجاته لربه فانه كان مثال الصبر واللجأ الى الله والاستكفاء به ~~من دون الناس. # وكان من دعائه عليه السلام : «اللهم ياذا القوة والسلطان يا علي المكان ، ~~كيف أخاف وأنت املي ، وكيف أخشى وعليك توكلي. أفرغ على من صبرك ، وأظهرني ~~على أعدائي بأمرك ، وأيدني بنصرك. اليك اللجا ، وبك الملتجا ، فاجعل لي من ~~أمري فرجا ومخرجا. يا كافي أهل PageV01P167 # الحرم من أصحاب الفيل ، والمرسل عليهم طيرا أبابيل ، ترميهم بحجارة من ~~سجيل ، ارم من عاداني بالتنكيل! ». # والتمعت على جوانب فكره اليائسة ، وفي زوايا تاملاته العابسه؟ اشعاعة من ~~الامل ، كانت جواب دعائه الى الله عز وجل ، ففاحت ذكية العرف ، ولاحت ~~مضواءة الملامح ، كأنها نذر البشارة. # وكانت مفاجأة غريبة أغلقت في وجهه هموم حاضره كلها فاذا هو بين طوفان من ~~الذكريات التي لا تمت الى ظرفه ولا تتصل بأرزاء لحظته. ذكريات تشيع فيها ~~اللذة وتجد فيها النفس الوانا من الامتاع والمؤانسة. # وللنفس اذا أفرط بها الالم وأرهقها الفكر والصمت العميق ، انتفاضتها ~~المباركة التي تفر بها من الضيق الى السعة ، ومن اليأس الى الرجاء ، ومن ~~الحيرة الى الدلالة ms093 المليئة بالامال. # انه ليفكر لحاضره من هذه المزعجات ، ولمستقبله من هذا العدو المستهتر ~~بالمقدسات ، وانه ليظن « بأنه لو وضع يده في يده فسالمه لم يتركه أن يدين ~~لدين جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1)». # اما هذه المفاجأة الجديدة ، فقد رجعت به الى ثلث قرن مضى وحواليه فاذا هو ~~بين منازل النبوة تتجاذبه ، ومهابط الوحي تتلاقفه ، وحلقات المهاجرين ~~والانصار تحتفل به. # رؤي تملك الحس وأحلام لذيذة تؤاسي الجراح. # هذا جده الاعظم ، وهذا سلطان نبوته في قومه ، وهذه نجوم الاي الكريمة ~~تتنزل بين الفينة والفينة. كأنها بريد السماء الى الارض ولا تتنزل الا في ~~بيته ، وهذا أبوه ، وزير النبي والمجاهد الاكبر الذي أخضع صناديد العرب ~~لكلمات الله ، كأنه يرجع الان وقد فتح حصن خبير ، وهذه أمه الطاهرة البتول ~~، التي باهل بها الرسول فكانت بحق سيدة نساء العالمين. PageV01P168 # واذا لم يكن شيء مما يراه الان ، واقعا خارجيا ، فليكن بحقيقته واقعا ~~نفسيا ، جلاه لناظره تيار روحي لا ينقطع بروحه عن هذا الجد وهذين الابوين ، ~~كما كان لا ينقطع عنهم بجسمه في الواقع الخارجي يوم الف الله وفده لمباهلة ~~نصارى نجران ، فكان الوفد هو الحسن وجده وأباه وأمه وأخاه ، ويوم دعا رسول ~~الله صلى الله عليه واله بالكساء فلفه على الصفوة المختارة ( أصحاب الكساء ~~الخمسة ) فكانوا ( الحسنين وأبويهما وجدهما الاعظم )، يوم نزلت آية ~~التطهير ففسرها النبي (ص) بالخمسة الميامين عليهم السلام . # خصائص من العظمة لا يشاركهم فيها أحد في الاسلام. # وتراءت له من وراء أفقه الحزين ، صور ممتعة من طفولته المباركة وصباه ~~الباكر الكريم ، فتطلع منها الى أيامه البيض الحافلة بالنور في المدينة ~~المنورة ، يوم كان يدرج فيها بموقعه الممتاز ، ومقامه المدلل المرموق بين ~~أقرانه وأترابه ، ويوم كان يلعب ويمرح فيها ، ولكن بين سواعد أبويه ~~العظيمين وعلى صدر جده الاعظم أو على ظهره المقدس او على أعواد منبره ~~الشريف ، ويوم كان يتلقف الوحي منذ لحظاته الاولى ، ويتعلم كلمات الله من ~~لسان نبي الله (ص)، ويتخرج بعلمه على مصدر العلم ، ويضع النقاط على الحروف ms094 ~~ليستقبل سيادته على الناس ، وأمامته المفروضة في أعناق المسلمين. وأنه ~~ليستمع الى جده حين كان يراود الناس في كل مناسبة على الاعتراف له بلسان ~~أشبه بمباهاة كلما ذكر ابنه الحسن للسيادة وألامامة. وطالما ذكره لمهما في ~~حديثه أو ذكرهما له. # كانت عهودا مفعمة بروح العظمة وبعظمة الروح ، جديرة بأن تهيب بالحسن ~~فيتذكر منها اطيب الذكريات ، وأحفلها بالغبطة والقوة والمكرمات. # وكانت الذكرى الاخاذة التي تمكنت بسلطانها من نفسه حتى انتزعت منه ~~ابتسامته الملذوذة غير مظنون الابتسام في ظرفه. انه رأى جده رسول الله صلى ~~الله عليه واله كأنه ينتزعه الان من عاتق أمه فيأخذه بيده ، PageV01P169 # ويوقفه على قدميه المباركتين ، ثم لا يزال يباغمه بأنشودته المقدسة : « ~~حزقه حزقه ، ترق عين بقه » فيرقى بقدميه الصغيرتين متدرجا حتى يضعهما على ~~صدر جده العظيم ، ويفتح فاه ، اذ يقول له : « افتح فاك » ، فيقبله بفيه ، ~~ثم يقول : « اللهم انى احبه فأحبه وأحب من أحبه (1)». # ثم كانت هذه الذكرى مفتاح ذكريات كان من حقها ان تؤنسه وأن تنسيه مزعجات ~~لحظته الاخيرة ، وأن أسطع فترة في حياة كل انسان هي فتره طفولته البريئة ~~بما يعمرها من الروابط المقدسة بينه وبين الاحضان التي يلجأ اليها ، وبينه ~~وبين المجتمع الذي يعيش فيه . وأن ذكريات تلك الفترة من حياة أي انسان تبقى ~~خالدة في رأسه وفي قلبه وفي روحه ولا يمكن نسيانها ابدا. # فذكر مرة جده رسول الله صلى الله عليه واله. وقد وضعه على منكبه الايمن ، ~~ووضع أخاه الحسين على منكبه الايسر ، فاستقبله أبوبكر فقال لهما : « نعم ~~المركب ركبتما ياغلامان ». فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « ونعم ~~الراكبان هما ، ان هذين الغلامين ريحانتاي من الدنيا! (2)». # وذكر يوم جثا جده وأركبه على ظهره ، وأركب معه أخاه الحسين ، وقال لهما : ~~« نعم الجمل جملكما ، ونعم العدلان أنتما (3)». # وذكر مرة اخرى يوم جاء وجده ساجد فركب رقبته وهو في صلاته (4). ويوم جاء ~~وجده راكع ، فأخرج له بين رجليه حتى خرج من الجانب الاخر (5). ويوم قيل ~~لجده : « يا رسول الله انك تصنع بهذا |اتى ms095 حسنا والحسين الرسول||وقد برزا ضحوة يلعبان| |فضمهما وتفداهما||وكانا لديه بذاك المكان| |ومرا وتحتهما عاتقاه||فنعم المطيه وألراكبان| PageV01P170 # يعني الحسن شيئا لم تصنعه بأحد » ، فقال : « ان هذا ريحانتي ، وان ابني ~~هذا سيد سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين (1)». # وذكر ركوبه على رقبة جده (ص) وهو يخطب في مسجده ، حتى لقد كان يرى بريق ~~خلخاليه من أقصى المسجد ، وهما يلمعان على صدر جده العظيم ، ثم لا يزال ~~كذلك حتى يفرغ النبي من خطبته (2). # وذكر نزول جده رسول الله صلى الله عليه واله من على منبره فزعا وكان هو ~~قد عثر عند باب المسجد ، فحمله وأخذه معه الى منبره ، ثم قال : « أيها ~~الناس ما الولد الا فتنة (3)». # وذكر جده وهو يقول له غير مرة : « أشبهت خلقي وخلقي (4)». # وذكر يوم استيقظ من نومه ، فاذا جده وأمه يتحدثان ، فأقبل على جده قائلا ~~: « يا جداه اسقني » ، فأخذه جده وقام الى لقحة (5) كانت له ، فاحتلبها ثم ~~جاء بالعلبة (6) وعلى اللبن رغوة ، ليناوله الحسن ، فاسيتقظ الحسين فقال : ~~« يا أبت اسقني » ، فقال له : « يابني أخوك أكبر منك ، وقد استسقاني قبلك (7)». # وذكر يوم كان طفلا بين يدي أمه فاطمة عليهما السلام ، ودخل عليها أبوها ~~رسول الله صلى الله عليه واله ، ورآه يلعب ، فقال لها : « ان الله تعالى ~~سيصلح على يدي ابنك هذا ، بين فئتين عظيمتين من المسلمين (8)». # وذكر من ملامح سلطانه في صباه ، يوم جاء الى أبي بكر وهو على منبر جده ~~رسول الله صلى الله عليه واله ، فقال له : « انزل عن مجلس أبي! (9)». PageV01P171 # وذكر جده وقد أخذه معه الى منبره ، فهو يقبل على الناس مرة ، وعليه مرة ، ~~ويقول : « ان ابني هذا سيد ولعل الله ان يصلح به بين فئتين من المسلمين (1)». # وكانت مناظر وجدان مؤثرة في الحسن ، وذكريات تاريخ ملذوذة في النفس بدلت ~~من وحشة اللحظة ، وخففت من عرامة الخطب ، وكانت كل ذكرى تثير ذكريات ، وكل ~~منظر يمر يوقظ مناظر أخريات. # وانه ليطمئن الى قول جده صلى الله عليه واله ، كما يطمئن الى محكم ~~التنزيل. وها ms096 هو ذا جده العظيم يقول له ، وكان صوته الشريف يرن بعذوبته ~~المحببة في اذنه ، ويقول لامه الطاهرة البتول ، ويقول على منبره ، ويقول ~~بين أصحابه ، ويقول ما لا يحصى كثرة : « ان ابني هذا سيد وسيصلح الله به ~~بين فئتين من المسلمين ». # ويرجع الحسن الى نفسه فيقول : # ترى ، هل أراد رسول الله (ص) ان اصالح اليوم أهل الشام؟. # وهل أهل الشام البغاة ، فئة مسلمة يصح أن يعنيها هذا الحديث؟. # وهل هذه هي الفتنة التي أرادني رسول الله (ص) لاصلاحها؟. أو قد فدنا ~~الكفاية لقمعها من طريق القوة؟. # كل ذلك كان يراود الحسن ، فيثير في نفسه تفاعلا عنيفا ، ينذر بانقلاب ~~تاريخ ، وكل هذه الاسئلة كانت تنتظر الجواب من الحسن استعدادا للمصير ~~الاخير. # وبعثت هذه الذكريات بما فيها التوجيه النبوي الذي استشعر منه الحسن حماية ~~جده له في أحرج ساعاته ، فكرة الانقاذ للموقف ، فيما لو اتيح لهذه الاسئلة ~~أجوبتها المطابقة لمقتضى الحال. # نعم ان رسول الله (ص) قال ذلك يقينا دون شك. PageV01P172 # وان هذه الفتنة هي الفتنة التي عناها فيما لوح اليه في أحاديثه الشريفة ، ~~ولا فتنة أعظم من فتنة تشق المسلمين انشقاقهم هذا ، فتلهيهم عما يراد بهم ~~أعدائهم الواقفين لهم بالمرصاد (1)، وعما يراد منهم من اعمار وتنظيم وجهاد. # واما الحكم على البغاة بحصانة الاسلام ، فهو ما يشير اليه موقف أمير ~~المؤمنين عليه السلام منهم ، حين منع سبي نسائهم وذراريهم ، وكفى بسيرة ~~أميرالمؤمنين أسوة صالحة وقدوة في الدين راجحة. # واما السؤال عن الكفاية لقمع هذه الفتنة بالقوة ، وهو الحلم اللذيذ الذي ~~هتف به الشيعة المتحمسون بالكوفة ابان النهضة للجهاد. # فالجواب عليه ، يتوقف على دراسة الموقف من ناحيتيه المعنوية والعددية معا ~~، وذلك باستعراض الامكانيات الحاضرة على حقيقتها. والمعنويات في الجيوش هي ~~رمز القوة التي تدخر لربح الوقائع ، وهي أهم بكثير من تصاعد الاعداد التي ~~لا تعززها الروح العسكرية الرفيعة. # وكان للحسن في مسكن بقية من جيش ، لا تجد المعنويات سبيلها اليه الا ~~بالمعجزة ، بعد النكبة التي أصيب بها هذا المعسكر بخيانة قائده وفرار ~~ثمانية الاف ms097 من أفراده. # وفي المدائن ، مجموعة من أشباح ، كشفت الارجافات الدوة المربكة عن ~~نواياها ، فاذا بها لا تفتأ تتلقف الفتن ، وتهم بالعظائم ولا ترجى لميدان ~~حرب ، وهذه هي الناحية المعنوية على واقعها. # واما النسبة العددية فقد كان أكبر عدد بلغه جيش الحسن عليه السلام فيما ~~زحف به الى لقاء معاوية عشرين الفا أو يزيدها قليلا ، وكان جيش معاوية الذي ~~عسكر به على حدود العراق ستين الفا!. # فللحسن يومئذ ثلث أعداد جيش معاوية. PageV01P173 # وجاءت عملية الفرار التي اجتاحت معسكر مسكن والتي انهزم بها ابن العم « ~~ورب ابن عم ليس بابن عم » كما يقول المثل العربي بتمانية الاف!. فتصاعدت ~~النسبة صعودا مريعا. # وبقى الحسن في معسكريه جميعا على الخمس من عسكر معاوية!. # واذا اعتبرنا هنا القاعدة العسكرية الحديثة التي تنسب القوة المعنوية الى ~~الكثرة العددية ، بنسبة ثلاثة الى واحد رجعنا الى نتيجة مؤسفة جدا ، هي ~~نسبة واحد الى خمسة عشر. # واذا نظرنا الى جيش الحسن الذي بقى ينازل معاوية في مسكن وحده على ضوء ~~هذه القاعدة رأيناه ينازل عدوا يعده خمسة واربعين ضعفا بالضبظ. # فأين هي الكفاية لقمع فتنة الشام بالقوة ، ياترى؟ .. # ولن تجيز النظم المتبعة لحروب الانسان في التاريخ ، مبارزة واحد لخمسة ~~وأربعين ، ولا محاربة واحد لخمسة عشر. وما هي ان اتفقت يوما بحرب نظامية ، ~~تنتظرها النتائج ، وأنما هي الحملات المستميتة التي تقصد الى الانتحار عن ~~ارادة وعمد. # فليكن الحسن ابن رسول الله ، هو ذلك المخلوق الذي ادخره الله للاصلاح لا ~~للحرب ، وللسلام لا للخصام ، وليكن الغرس الذي أنبته الله للمسلمين لا ~~لنفسه ، وللدين لا للسلطان وليكن نصيبه من هذا الموقف في الباقي دون الزائل ~~، وفي الخالد دون الفاني ، وفي الله دون الناس. # وهكذا حالت رسالة الحسن بالسلام ، دون أن يشتبك الفريقان بحرب ما ، وكان ~~ذلك هو الثابت تاريخيا رغم ان بعض المؤرخين حاول التلميح الى موقعة حربية ، ~~بين جيش قيس ، قائد الحسن على مقدمته وبين جند الشام في « مسكن ». وصرح ~~السيد في « الدرجات PageV01P174 # الرفيعة » بشيء من أطوار هذه الموقعة المزعومة. # ولا ms098 نعرف لهذا النبأ مصدرا جديرا بالاعتبار ، أقدم من السيد الرفيع ~~الدرجات ( السيد على خان المتوفى سنة 1120 ه ). # ولا نجد من دراسة الوضع الراهن يومئذ في مسكن ما يدعم هذا الزعم. # ولا نرى من خطة « حقن الدماء » التي كانت طابع سياسة الحسن عليه السلام ، ~~في سائر مراحله ، ما يبعثنا على التسليم لهذا الخبر. # ولا نفهم من حديث رسول الله صلى الله عليه واله « بان الله سيصلح بالحسن ~~بي فئتين عظيمتين من المسلمين » الا كون الحسن رسول السلام في الاسلام. # فأنى يكون لجيشه أن يحارب أو يهاجم؟. # وعلمنا من وصية الحسن يوم حضرته الوفاة ، أنه لم يرض أن يهرق في أمر ~~محجمة دم ، فكان في ذلك وفق رسالته التي أردها أو اريد لها. # على أن شهود عيان كثيرين يؤكدون : « أنه ولي الخلافة ولم يهرق في خلافته ~~محجمة دم » وقال ذلك بعضهم ، وهو يعزز كلامه بالقسم (1) مرتين. PageV01P175 ### ||| بين المبدأ والملك PageV01P177 # لعل أفضل طريقة للاستعانة على تجلية موضوعنا في هذا الفصل ، ان نبدأه ~~بشيء من الكشف الصريح عن المعنيين المختلف عليهما « للخلافة » في عرف ~~المسلمين. وللكلام على الخلافة [ أو حواليها ] ، خطره ومسؤوليته لدى واحد ~~من الجانبيين غالبا ، ولديهما معا أحيانا. # ونحن اذ نفهرس الخلافة هنا كما هي عند الفريقين ، لا نريد أن نأخذ من ~~موضوعها الا بمقدار ما يتصل منه بموضوعنا. # ونريد مع ذلك أن نعمد أسطرادا وعلى ضوء ما نضعه من صيغة البحث ، الى ~~تقريب النظريتين المختلفتين ، تقريبا جديرا بأن يخلق من بذرتنا هذه شجرة ~~الاصلاح ، لو وجد الاصلاح في هذه التربة سبيلا للازدهار ، ولا خطر ولا ~~مسؤولية لدى أحد الجانيين ولا لديهما معا مما نريد ، بل هو الخير كله ، وما ~~في الاصلاح الا الخير للكل. # فنقول : الخلافة هي النيابة العامة عن النبي صلى الله عليه واله ، في ~~رياسة المسلمين بعد وفاته ، ولها على الناس الطاعة ، وللناس عليها العمل ~~بكتاب الله وسنة رسوله (ص). # واعتاد فريق من المسلمين أن يتقبلوا لهذه النيابة عن النبي (ص) أحدهم ~~فيما لو استطاع أن يدعيها لنفسه ms099 ، اما بالقوة ، كخلافة معاوية الذي « نال ~~الخلافة بحد السيف تارة وبالمكيدة والسياسة تارة اخرى (1)» ، وكخلافة ابن ~~الزبير ، وأبى العباس السفاح ، وعبدالرحمن الناصر ، وآخرين ، واما بالعهد ~~اليه من سلفه الذي كان أخذها بالقوة أو بسبب PageV01P178 # آخر ، كخلافة عمر ويزيد وألرشيد وغيرهم ، وأما باختيار فئة من المسلمين ~~اياه بادىء ذي بدء ، كخلافة أبي بكر ، وعثمان ، ومحمد رشاد. # ورجع الفريق الثاني من المسلمين في تعيين النائب عن الرسول (ص) الى نصوص ~~صاحب الرسالة نفسه ، فلم ينسيبوا عنه الا من أنابه هو فيما اثر عنه. # وعلى ذلك جرى الفريقان ، وعلى ذلك كانا فريقين (1). # وكما اختلفا في أسباب نصب الخليفة ، اختلفا في قابليته للتغيير والعزل ، ~~فعلى النظرية الاولى ، كان حريا بالعزل متى وفق غيره للتغلب عليه ، أو متى ~~وجد اقتضاء آخر ، وعلى نظرية النص ليس لاحد تغييره ولا عزله ، ولن يكون ~~الخليفة المنصوص عليه معرضا لنقص يخل بمقامه كنائب نبي ، ومن هنا يرمز اليه ~~بالعصمة من الله تعالى شأنه ، كما هي شأن النبي نفسه صلى الله عليه وآله وسلم . # فالخلافة من النوع الاول سلطة عامة مقيدة بدستور خاص ، وهي بواقعها أشبه ~~بهذه السلطات القائمة اليوم ، لا تختلف عنها الا من ناحية الاختلاف في ~~الدستور ، أو كما تختلف بعض هذه السلطات عن بعض. # وقداستها ، فرع قابليات الرجل الذي اختير لها أو الرجل الذي تغلب عليها ، ~~وأحيانا كان أفضل الناس قدسا ، كما كان في وقت آخر من أشد الناس تمردا على ~~الدين والخلق الصحيح. # وهي من النوع الثاني وعلى نظرية النص منصب آلهي تجب له الطاعة دينا ، كما ~~تجب للنبي ، وما هي بهذا المعنى الا ظل النبوة بمعناها الذي يتصل بالسماء ، ~~ولكنها انما تتصل بالسماء عن طريق النبي ، وهو مصدر روحيتها كما هو مصدر ~~النص عليها. PageV01P179 # أما قداستها فطبيعية ثابتة لها ، ثبوتها للنبوة نفسها. ولا خليفة من ~~خلفاء النص ، الا كان أقدس شخصية في الناس وأفضلهم. # وقديما كان موضوع « الخلافة » مثار شغب عنيف بين المسلمين ومصدر مآس ~~كثيرة مؤسفة في تاريخ الاسلام. وما كان من السهل ولا ms100 من الممكن يومئذ ، ما ~~نظنه اليوم ممكنا وسهلا ، في موضوع تقريب الفريقين بعضهما من بعض ، وجمعهما ~~على نصف من الرأي ، ينبذ به الخلاف ، ويؤخذ معه بالواجب من الاخوة وألنجوح ~~الى الاصلاح. # وذلك هو ما يقتضيه الاهتمام بالجوهر دون الاعراض ، وبالدين الصحيح دون ~~الاغراض ، وذلك هو الاسلام الذي يجب أن يتصل به المسلم الى الله على حقيقته ~~، دون أن تخدعه العنعنات أو العواطف أو المؤثرات. # وقضية الدين وهو العلاقة بين العبد وربه وهو النقطة التي يرتكز عليها ~~مسقبله في حياته الاخرى لا تشبه القضايا الدنيوية التي يجوز عليها أن تخضع ~~في الكثير من علاقاتها ، لهوى النفس أو لتقاليد البيئة ، أو لعواطف أو ~~المؤثرات. # وقضية الدين وهو العلاقة بين العبد وربه وهو النقطة التي يرتكز عليها ~~مستقبله في حياته الاخرى لاتشبه القضايا الدنيوية التي يجوز عليها أن تخضع ~~في الكثير من علاقاتها ، لهوى النفس أو لتقاليد البيئة ، أو لعواطف الانسان ~~وميوله وعصبياته. # أما صاحب الدين ، فلا هم له في دينه الا الواقع مجردا. # ولا نريد الآن ، في موضوع الخلافة ، الا جمع الكلمة على الواقع المجرد ~~دون أي تصرف أو تحريف. # فيعترف الشيعي بالخلافة ( من النوع الاول ) على واقعها يوم وقعت [ ولا ~~ينبغي للاعتراف بأمر ما أن يجاوز واقعه ] بوصفها سلطة عامة قائمة بين ~~المسلمين ، لها ما تستحقه من الاطراء في كثير من آثارها في الاسلام. # ويعترف السني بالخلافة ( من النوع الثاني ) على واقعها ايضا بوصفها PageV01P180 # واسطة بينه وبين النبي في دينه ، وهي الحقيقة التي تواترت بها الصحاح في ~~مختلف البيانات النبوية التي لا يصح علميا النقاش عليها ، مروية بأفضل ~~الطرق التي يفزع اليها المسلم في أخذ دينه. # ثم يكون هذا هو الحل (1) الجدير بالاعتبار ، الذي تتحلل به العقد الرئيسة ~~بين الفريقين دون أي غبن أو استئثار. # ولما كنا الآن بصد البحث عن أحد أفراد الصفوة المختارة من خلفاء النص ، ~~فلنعلم بأن لموضوع بحثنا الحسن بن علي عليهما السلام خلافة اسلامية من طراز ~~فريد في تاريخ الخلائف في الاسلام ، ذلك لانه حظي « بالخلافة ms101 » منذ بيعته ~~ووفاة أبيه (ع)، على النوعين من معنييها اللذين يلتقيان عند هذا اللفظ في ~~عرف المسلمين كافة ، وعلى أفضل وجه في كل نوع يحتمل التفاضل. # فهو الخليفة من النوع الاول ، ولكن « بالانتخاب » ، وهو الخليفة بالنص ~~بلفظ « امام ». # ولعلك قرأت [ في الفصل الثالث ] نموذجا من النصوص على تعيينه للمنصب ، ~~وعرضا عابرا لطريقة اختياره وبيعته من الناس. # والحسن اذ يقف موقفه الاخير من معاوية بين المبدأ وألملك فلا يعني بالملك ~~الا تلك السلطة التي كان مصدرها انتخاب الناس له دون المنصب الذي كان مصدره ~~اختيار الله له ونص الرسول عليه ، لان هذا المنصب لا تناله يد في تغيير أو ~~تبديل كما نبهنا عليه وانما هو من أمر الله ، وأمر الله لا مرد له. # وكذلك كانت الزعازع والنكبات التي اصطلحت على الحسن في دور PageV01P181 # خلافته ، فانها لا تعنى الحسن « الامام » وانما الحسن « ذا الجيش ~~والسلطان ». # والحسن في امامته ، لا يناله تغيير ولا تمسه نكبة ، فهو كالقرآن في ~~امامته. ولن يضير القرآن ، وهو المرجع الاعلى للمسلمين ، الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، خلاف الناس عليه ، ولا جموحهم عنه ، ولا ~~نفارهم منه ، وهو هو في منزلة من امامة الناس ، وعلى حقيقته من كلمات الله ~~، رضي الناس أو أبوا ، عملوا بهداه أو عصوا ، أسلموه قيادهم أو جمحوا. # وكذلك كانت امامة الحسن عليه السلام . # وكل من القرآن وألحسن ، هو مركز الثقل في الاسلام ، كما يكون كل من ~~القانون والملك في الدولة الدستورية ، هو مركز الثقل في الامة. # وأعني « بالثقل في الاسلام » ذاك الذي نوه به رسول الله صلى الله عليه ~~واله ، في الصحيح بل المتواتر من حديثه الشريف ، حيث يقول : # « اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي ~~الحوض (1)». # والحسن من العترة يومئذ واسطة العقد وامام القوم ، فهو من الاسلام كله « ~~مركز الدائرة » الذي خلفه صاحب الرسالة للمسلمين ، كما خلف القرآن « المرجع ~~الاعلى ». # وهل الامامة شيء آخر غير هذا ، ياترى؟ # وانظر الى الحسن حين تتحدث عن حقيقته ms102 ، كيف تتجاذبه كلمات PageV01P182 # الله من شتى جوانبه : القرآن ، النبوة ، الامامة ، الثقلان ، الجنة ، ~~الاصلاح ، حقن الدماء ، الوفاء بالعهد. # ثم ارجع بذاكرتك قليلا الى خصمه الذي راح ينازعه على الطاعة المفروضة له ~~في الناس ، فانظر أي كلمات تتجاذب الحديث عنه : الطمع ، المراوغة ، الفتنة ~~، الرشا ، نقض العهود ، المال والحطام ، الحروب وشن الغارات. # وان من هوان الدنيا أن ينازع فيها مثل هذا مثل ذاك!! # نعم ذاك هو الحسن ابن رسول الله « الامام » ، فما شأن الملك الدنيوي وما ~~شأن المال والحطام؟ # وذاك هو « سيد شباب أهل الجنة » ، كما وصفه جده الاعظم (ص) وراءه عنه ~~جميع فرق الاسلام ، وهو الحديث الذي واكب القرآن في صحته وتواتره ، وجاوز ~~كلام الآدميين في عمقه وبلاغته. # ونقول على هامش هذا الحديث : هل اختلج في رأس سائل ان يسأل : لماذا لم ~~يوصف الحسن في هذا الحديث ، بأنه سيد شباب أهل الدنيا؟ وهل كان في الدنيا ~~الا سيد شبابها خلالا مشرقة ، ومزايا مشرفة ، وكرائم مكرمات غلب عليها الناس؟ # من هاشم في ذراها وهي صاعدة %~% الى السماء تميت الناس بالحسد قوم أبى الله الا ان تكون لهم %~% مكارم الدين والدنيا بلا أمد # فما هو سر الطفرة التي جاوزت بهذا الحديث عالما بكامله ، لتضيف الحسن الى ~~عالم آخر ، غائب غير حاضر؟ # انه ليغيب عن الذهن « اليوم » التنبه الى هذا الاستفهام ، لان الذهن حين ~~يلتفت اليوم الى الحسن وقد اختاره الله اليه لا يتصوره الا سيدا من سادات ~~الجنة ، فليكن سيد شبابها ، ثم لا يفطن الى نسبة هذه السيادة للدنيا. ولان ~~القرون [ الاربعة عشر ] لاكت الحديث وروته في مختلف PageV01P183 # المناسبات ، كأكثر ما يروى حديث في مناسبة حتى أصبح كأنه كلمة واحدة لا ~~يفهم الناس منها الا حسنا وحسينا ، دون ما تنبه الى الاستفهام. # ترى ، فهل فهم الناس منه ، يوم صدر من مصدر بلاغته الاول ، ما أراد به ~~ذلك البليغ العظيم (ص)؟ # نعم انه أراد أن يلمح اذ يبارك على ابنيه بهذا اللقب الى أن الوطن العاق ~~الذي ينبت الخيانة والغدر ، كهذه الدنيا ، والناس القلقين الذين ms103 مرنوا على ~~النفاق ونقض المواثيق ، كشباب ذلك العصر ، لا يستحقان الاستظلال بسيادة ~~هذين السيدين ، ولا يناسبانها. فهما اذا ، سيدا الشباب ، ولكن من ذلك النوع ~~المختار الذي وفي لله في عهده ، وفي الوطن المختار الذي نزع الله فيه الغل ~~من صدور ساكنيه ، وجعلهم فيه اخوانا على سرر متقابلين. # سيدا شباب أهل الجنة وكفى. # وعلى اسلوب أقرب الى التوضيح : انهما اذا عقت الدنيا وعق شباب هذه الدنيا ~~حقهما ، وبغيا عليهما ، وأنكرا سيادتهما ، وأبقا منهما ، فلا بد لسيادتهما ~~أن تسود ، ولكن في دنيا خير من هذه الدنيا ، وفي ناس خير من هؤلاء الناس. # ولتبؤ هذه الدنيا بحرمانها من بركتهما وفضلهما وتوجيههما. # وليبؤ شبابها الخائن الغادر، بالعار والندامة ، وخزي التاريخ وعذاب ~~القيامة. # والحديث على هذا المفهوم ملحمة نبوية ، تقرأ الغيب من وراء الغيب ، وتشير ~~باجمال الملاحم الى ما سيلاقيه سيدا شباب أهل الجنة من شباب أهل الدنيا ، ~~وتفرض لكل من السيدين عليهما السلام نصيبهما رابحا غير خاسر. # وما من شك ، بأن من كان سيد الجنة أو سيد شبابها ، فانه سيد الناس وسيد ~~الدنيا بأسرها. PageV01P184 # ولسيد الانبياء صلى الله عليه وآله وسلم ، فيما تحملته عنه الاسانيد الصحيحة ~~من كلماته القصار ، بلاغته التي تتقاصر عن شأوها ملكات العظماء من بلغاء ~~الناس. ثم هي في فيضها العربي الرائع ، أعجوبة اللغة في سعتها وروعتها ، ~~وان من أروع وجوه الامتياز في البلاغة النبوية اشعاعها الخاص الى المعاني ~~الكثيرة باللفظ القليل ، فتارة بالتصريح وأخرى بالتلويح. ومن هنا كان ~~اتصالها الكثير بالنبوءات الصادقة التي لا يفارقها الاعجاز. # وكان هذا النوع من البلاغة بذاته دليل صحة الحديث النبوي اذا كان في صحته ~~ما يقال. # ومن ذلك ، قوله صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل النص على امامة سبطيه ~~الكريمين الحسن والحسين عليهما السلام : « انهما امامان ان قاما وان قعدا » ~~ولقد تتدبر ظاهر هذا الحديث فلا تفهم منه الا التصريح بامامة السيدين ~~الحسنين ، ثم تتدبره من وراء هذا الظاهر ، فتراه يلمح بنبوءته الصادقة الى ~~سيرة كل من هذين الامامين ، ويدل على أن احدهما ms104 سيقوم وأن الآخر سيقعد ، أو ~~على أن أحدهما أو كلا منهما سيكون مرة قائما ، واخرى قاعدا ، ثم هو في كل ~~من الحالين امام لا يجوز الخلاف عليه على اختلاف حاليه. # ولم يكن أحد في الاسلام أكثر استيعابا لنبوءات رسول الله صلى الله عليه ~~واله فيما أثر عنه ، من ابنه وخليفته الحسن بن علي ، فعلم ما عناه جده فيما ~~أثبته له أو رفعه عنه ، في هذين الحديثين ، وفي أحاديث كثيرة أخرى. # وانه لأولى من يتمسك بنبوءاته ، ليتخذ منها مناهج حياته ومماته. # أو ليس هو ابن ذلك النبي (ص) ووارث شمائله ، ووصيه على أمته؟ فليكن ما ~~يلقاه من قومه ، شبيه مالقيه النبي من قومه ، في دعوته ، وليقل اليوم مثل ~~ما كان يقوله النبي يوم ذاك : # « اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون ». # ولهذه النبوة من تلكم النبوة ، خاصتها الكريمة ، التي غلب بها الحسن PageV01P185 # سائر المسلمين في دنيا الاسلام ، واستغنى بها عن القوة المادية وعن ~~الثروة والسلطان ، لانها بحقيقتها قوة وثروة وسلطان. # فليبغ عليه معاوية ، وليخنه عبيدالله بن عباس ولتخذله الكوفة ، فلن تخذله ~~بنوته الكريمة من رسول الله ، ولن تخونه امامته المفروضة بأمر الله ، ولن ~~تبغي عليه مودته الواجبة في كتاب الله. # وما قيمة الملك المحدود ، اذا قيس بالملك الروحي الذي لا تبلغه الحدود. # وما كان الاخفاق ولا الفشل ولا الموت ، بقادر على القضاء ولو يوما واحدا ~~على هذه المعنويات الروحية التي طبقت الجواء فخارا ، وتجارب بها التاريخ ~~اعجابا واكبارا ، وبسطت سلطانها على قلوب المسلمين ، لا يحرمها الزدهار ~~عدوان المعتدين ، ولا يمنعها الاثمار انكار المنكرين الجاحدين. وها هي ذي ~~الى يوم الناس هذا لتصاعد قدما في عظمتها وعلى طريق خلودها ، في خط مستقيم ~~بدون انحناءات. # والى هنا وقد تبينا بهذا الصلة الوشيجة بين الحسن وبين الينبوع الذي ينض ~~بالخير على البشرية في مزالق الشر، وبالهدى على المسلمين في مواقف الفتنة ~~وألتيه ، وبالبركة على الدنيا في ساعات الجدب والحرمان ، وعرفنا الحسن ~~بوصفه ابن رسول الله وسيد شباب أهل الجنة واماما يشارك القرآن في امامته. # بقي ms105 علينا ان ننقاد بشيء كثير من العناية والاهتمام ، الى فهم ما يرمز ~~اليه الحسن نفسه في ايضاح موقفه بين الملك والمبدأ . # ولنرسم الآن صورة موجزة مختارة من كثير كثير ، مما تناقلته عنه الحكايات ~~المتناثرة بأسانيدها المتفاوتة في الثقة ، ثم لنستظهر بعد ذلك اشارته ~~البليغة الواردة فيما نذكره من هذه الحكايات ، وهي ذات اهمية كبرى ، ~~لتوجيهنا الى القول الفصل في الموضوع. PageV01P186 # ولنستمع الآن الى تصريح شخصي منه له قيمته في موضوعنا الخاص. # انه يجيب على السؤال العاتب الذي ألقاه عليه « سليمان بن صرد » الرجل ~~الذي وصفه ابن قتيبة « بسيد العراق ورئيسهم (1)» ، فيقول : # « ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا وللدنيا أعمل وأنصب ، ما كان معاوية ~~بأبأس مني وأشد شكيمة ، ولكان رأيي غير ما رأيتم ... (2)» # ومثل واحد يغني عن كثير مما أجاب به شيعته. # أما أجوبته لاعدائه ، وفيهم من يسره أن يؤذيه وقد أمن الشر من ناحيته ، ~~كعبدالله بن الزبير الذي كان يعلن مناوأته لآل محمد (ص)، فكان مما أجابه ~~به قوله « وتزعم أني سلسمت الامر ، وكيف يكون ذلك ويحك كذلك ، وأنا ابن ~~أشجع العرب ، وقد ولدتني فاطمة سيدة نساء العالمين. لم افعل ذلك ويحك جبنا ~~ولا ضعفا ولكنه بايعني مثلك ، وهو يطلبني بترة ، ويداجيني المودة ، ولم أثق ~~بنصرته .. (3)». # وتصريح آخر قصير ولكنه خطير ، ولعله على اجماله ، أبلغ تصريح في هذا ~~الصدد ، وهو ما يجيب به شقيقه ومزاج مائه ، وشريك حوبائه في سراته وضرائه « ~~الحسين عليه السلام ». # انه سأله : « ما الذى دعاك الى تسليم الامر؟ » فقال : « الذى دعا أباك ~~فيما تقدم (4)». # اقول : ولتكفنا هذه النماذج القليلة عن كثير من مثيلاتها ، شاهدا على « ~~الامتحان » القاسي الذي تعرضت له الامامة من أصدقائها ومن اعدائها ، والذي ~~خرجت منه في نهاية المطاف مزهوة بدرجة الشرف في النجاح. # ونحن اذا نخلنا تصريحات الامام في هذا الصدد ، وجدناها تنكشف PageV01P187 # في شتي بياناتها عن العناصر الرئيسة الآتية. # 1 أنه لم يعمل للدنيا. # 2 أنه لو أراد أن يعمل للدنيا ، لكان أقوى عليها من خصومه ، ولكانت ~~مناهجه في الحياة ، غير هذه ms106 المناهج. # 3 أنه لم يؤت في موقفه من ضعف نفس ولا ضعف سياسة ولا جبن ، ولكنه لم يجد ~~الانصار المخلصين ، ومعني ذلك أن أداة النصر كانت متوفرة لديه ، لو قدر له ~~مؤازرون صادقون. # 4 أن هدفه الوحيد هو هدف أبيه من قبل ، وكان هدف أبيه فيما سكت عنه من ~~حقه ، صيانة المعنويات الاسلامية من الانقراض ، والعقائد الدينية عن ~~الانتقاض. # ولقد ترى ان معالم الامامة الروحية تتجلى واضحة بين عناصر هذه البنود ~~الاربع ، لا تشتبه بضعف ولا تتصل بتراجع ولا تمت الى نكول ، ولكنها القوة ~~القائمة بنفسها ، والدائبة على العمل لربها ، فلماذا تعمل للدنيا ، وما ~~الدنيا من شاكلتها ولا هي من شاكلة الدنيا. كذلك هي « الامامة » بمعناها ~~الصحيح ، وبما هي ظل النبوة بمعناها الذي يتصل بالسماء ، وما قامت النبوة ~~في الارض يوم شاء الله لها ان تقوم الا بالانصار المخلصين ، ولن تقوم ~~الامامة اذا شاء الله لها أن تقوم الا بالانصار المخلصين. وأين الانصار ~~المخلصون من هؤلاء الذين يداجون المودة رئاء وهم يطلبون بالترات ، ويبايعون ~~على الطاعة المطلقة ثم يفرون على غير مبالاة. # وكما لم يكن محمد صلى الله عليه وآله وسلم الا رسولا قد خلت من قبله الرسل ، ~~فما كان ابنه الحسن الا اماما في قلبه الايمان وعلى لسانه المثل ، وهذه هي ~~رسالته التي أريدت له وأريد لها. # ومني بالموقف الحرج ، كذلك الذي مني به جده رسول الله صلى PageV01P188 # الله عليه واله يوم الحديبية وبني أشجع ، ونكب من أنصاره كما نكب أبوه ~~عليه السلام بخذلان الناصر يوم « السقيفة » ويوم « الشورى (1)» ، فلم لا ~~يتخذ من جده وأبيه مثله ، وينجز على سنتهما عمله ، وما من غضاضة عليه اذا ~~كان فيما أتاه ثالث هذين الاثنين العظيمين. # ثم نقول على هامش ما ورد في دلالة البند الثاني : ان الحسن بن علي كان قد ~~أخذ على نفسه أن يضع مواهبه وحياته وتاريخه وكيانه السياسي وما أوتي من جلد ~~وقوة ، رهنا بخدمة مبدئه وقربانا في سبيل تخليده واعلاء كلمته ، وكان في ~~خطوته الجبارة التي ختم بها ms107 موقفه بين المبدأ والملك الامام الزاهد بالدنيا ~~والخليفة الذي لم ينزل الى قبول المسؤولية من الناس الا ليصعد من طريقها ~~الى اقامة المثل الانسانية في الناس. # فهو فيما أخذ وفيما ترك ، كان المثل الاعلى للزعماء المبدئيين. # وجاءته الدنيا طائعة بملكها وثروتها ونفوذها ولذاذاتها ، ولم تكلفه ثمنا ~~لانقيادها اليه ، وأختصاصها به ، وعكوفها بين يديه ، الا ايثارها من ناحيته ~~، فأبى. # ولو أنه كان فعل ، فآثرها « وحزم ونصب لها » لكان بدون شك أربح انسان ~~فيها ، لانه اذ ذاك الملك الذي جمع أفضل نسب في تاريخ الانسانية ، الى اعظم ~~مملكة في تاريخ الممالك. # ولكنه كان عليه ، لو رضينا له أن يكون دنيويا وفرض المحال غير محال أن ~~يتجرد من قيود وراثته وتربيته ، وأن يترك عنعناته الروحية جانبا ، وأن يكون ~~هو غير الحسن بن علي وابن فاطمة وسبط رسول الله PageV01P189 # صلى الله عليه واله ، فيعمد الى ارضاء الطامعين ، واصطناع الموازرين ~~وارشاء القلقين. وفي جباية امبراطوريته المترامية يومئذ ، ما يتسع لشتي ~~المطامع التي يتطامن لسحرها زعماء ذلك الجيل و « أبناء بيوتاته النفعيون » ~~فاذا المنافقون كلهم مؤمنون طيبون ، واذا الخونة كلهم أمناء مخلصون واذا ~~القلقون رعية خاضعون ، واذا الناس كلهم مزيفون وهم لا يشعرون!!. # ولرأيت عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد ابن ابيه ورجال مدرستهم ، ~~يلوذون ببلاط الحسن في الكوفة ، كما يلوذ به اليوم حجر بن عدي وقيس بن سعد ~~وعدي بن حاتم ، أو كما يلوذون هم ببلاط معاوية هناك ، وما كانوا ليصطدموا ~~من شمائل الحسن اذ يلوذون به بما يصدمهم من عناصر الفشل في معاوية وتاريخه ~~ومواريثه وارتجالياته. # ولنجحت قضية الحسن ، على الشكل الذي لا يغرينا بأن نكتب عنها أو نخوض ~~فيها ، أو نضحي لها وقتا .. # ولرأيت هذا الشعب الكوفي اللئيم الذي واكب عهد الحسن في التاريخ ولاء ~~وطمانينة واستقرارا ، ما دامت خزائنه معرضة لشراء الضمائر وولاياته مفوضة ~~لاستجابة نهم الاكابر ، وما دامت سياسة دولته تداري ما حولها من الاهواء ~~النفسية ، والاغراض الحزبية ، والاطماع الدنيوية ، اللهم الا ما ينبهنا ~~اليه استقراء نفسيات الاقلية المتزمته من ms108 « شيعة أبيه » الذين برهنوا في ~~ثباتهم مع الحسن العازف عن الدنيا ، ومع أبيه الذي طلق الدنيا ثلاثا ، على ~~أنهم كانوا وراء حقائق لا وراء مطامع. # ولكن الذي كان يؤمل أن يخفف الضغط من ناحية هؤلاء أن بنوة الحسن التي لن ~~تفارقه من رسول الله (ص)، ستكون هي شفيعه المقبول الشفاعة ، لدى هذه ~~الزمرة من المؤمنين غير المزيفين. # وما ظنك بعد هذا؟ فهل ترى أنه كان من مستطاع معاوية أن يقاوم « هذا الحسن ~~» أو ينتصر عليه؟ وأيهما على هذا كان أولى بالضعف ، وأيهما كان اولى بالقوة ~~، الحسن أم معاوية؟ PageV01P190 # وعلى ضوء هذا التقريب ، نفهم معنى قول الامام الحسن : « ولو كنت بالحزم ~~في أمر الدنيا وللدنيا أعمل وأنصب ما كان معاوية بأبأس (1) مني وأشد شكيمة ~~(2). ولكان رأيي غير ما رأيتم ». # أجل ، وهذا هو المظنون ، لو أراد الحسن الدنيا. # ولكن الشيء المعلوم ، هو أن الامام الحسن بن علي عليه وعلى أبيه السلام ~~كان بشرا آخر غير هذا. # انه كان من ذلك النوع الذي لا يطل على هذا العالم ، الا في فترات معدودة ~~من الزمان ، فتستروح البشرية من شمائله مثلها ، وتترسم بهداه النقي الفاضل ~~سعادتها. # انه كان يفهم من الشرف معنى خاصا ، مزيجا من عزة النفس ومصالح الدين ، ~~فلا الملك ولا المال ، ولا المتع الملذوذة في الدنيا ، مما يدخل في حساب ~~الشرف عنده. # وكانت عصمته عن الرجس كما يصفها الكتاب ، وروحيته المثالية التي تملأ ذلك ~~الاهاب ، تمنعانه النزول عن شموخ هذا الشرف ، الى الحضيض من رغبات الملك ~~الزائل ، واللبانات المنغصات ، مع ما يستلزم ذلك من الصدوف عن الله وعن ~~كتبه ورسله واليوم الاخر ، ولن يكون الرجل الدنيوي الا متغاضيا عن اولئك ~~جميعا أو مغاضبا لهم. # وكان معنى ربح الموقف ، عن طريق هذه الاساليب الملتوية ، الخسارة الكبرى ~~، في حياة هذا النوع من ذروات المثالية وأعالي الناس. PageV01P191 # وكان من لوازم هذا الالتواء في جانب الحسن أن تتلاشى في نفسه ، الغرائز ~~المثلى التي غرستها في كيانه يد النبوة ، وغذتها في روحه أثداء الوحي ، ~~وبسطتها في وجدانه مهابط ms109 التنزيل. # وأنى لتلك الغرائز ان تتلاشى في نفسه ، وهي منه كبعض ذاتياته التي لا ~~تنفصل عنه؟. وانى له أن يعمل للدنيا أو « يحزم وينصب لها » وهو ابن رسول ~~الله وربيب حجره ، وتلميذ مدرسته؟. # وما لرسول الله وللدنيا ، لولا انها ميدان رسالته. # فليكن الحسن بحكم طبيعته المملاة عليه من تربيته وعقيدته ومحيطه ، مرآة ~~جده ، ولكن في ميدان امامته ، وتلك هي القدوة الحسنة والاسوة الطيبة ، التي ~~لا يمسها ضعف ، ولاتتهم بجبن ، ولايهزمها همزة بنقص مرآته في زهده بالدنيا ~~، كما هو مرآته في كرائم صفاته ، لانه كان « أشبههم به خلقا خلقا » ، ~~ومرآته حتى في سياسته وأدراته. # فأين هي مآخذ الضعف على الحسن فيما يتسرع اليه المنتقدون؟. # ونسي الخائضون في نقد سياسة الحسن عليه السلام ، حراجة موقفه من أنصاره ، ~~ونسوا ان شذوذ هؤلاء الانصار انما كان وليد الحوادث الزمنية التي لا يد ~~للحسن فيها ، بحكم تطور الحياة العامة منذ الجيل الثالث بعد عهد النبوة ، ~~وأنطلاق الناس أو اكثرهم من عقال التقوى ، واستكانتهم للمطامع وللملذات. ~~فالجناية اذا جناية ظرفه ، والخيانة خيانة جيله الذي قدر له أن يعيش معه ، ~~ولا تثريب على الحسن من هذا أو ذاك. # ونسوا وهم يتحاملون على سياسة الحسن عليه السلام ان العاقبة لمثل هذا ~~الموقف ومثل هذا الظرف ، ومثل هذا المجتمع الذي جبل على الرياء والباطل ، ~~مع الرجل الذي لا يحلم بغير الاخلاص والحق ، لا تحتمل في الامكان أحسن مما كان. # لذلك نرى أن التدابير الخاصة التي اتخذها الامام الحسن في خطوات PageV01P192 # قضيته ، كانت أبرع الحلول لمشاكلها ، وأروعها سياسة ، وأدقها نظرا ، ~~واليقها بسيرة امام. # وقد عرضنا في فصولنا هذه ، المآخذ التي أخذت على الحسن عليه السلام فذكرنا ~~كلا منها فيما ناسبه من موضوعاتنا ، ورجعناه هناك الى وجه الصحيح الذي كان ~~يواكبه في واقعه ، والذي لا يدع مجالا بعده لتحريف أو تخريف. # وهكذا انتفض الحسن اخيرا انتفاضته الاصلاحية الكبرى ، فطور الموقعة ~~القائمة على الفتن والسلاح ، الى دعاوة خلق ومحبة واصلاح ، فاذا هو « ~~المصلح الاكبر » المجلى في ميدان المصلحين ، واذا هو « القائد المبدئي ms110 » ~~الظافر بأسمى مدارج الكمال بين الابطال المبدئيين. # واذا هو بعد ملك الدنيا بأسرها ، وان لم يكن ملك عرش. # وهل الاسلام في حقيقته ، الا هذه الروح الملائكية ، التي لن تغلبها مادية ~~الدنيا ، ولن تستذلها شهواتها الرخيصة وأوهامها الخلب الكذوب؟ # انه نظر الى الكثرة من « أصحابه » فساءه أن يجدهم في تواكلهم عن الواجب ، ~~وعزوفهم عن الخلق ، وتفرقهم عن حقهم ، أصحابا لعدوه من دونه ، وكانت العدوى ~~الخبيثة التي نشبت أظافرها في رؤوس الخائنين المعدودين ، قد فتكت في ~~المجتمع المغلوب على أمره ففرقت كلمته وضعضعت من صفوفه وجعلت من في قليل من ~~الزمن طرائق وأوزاعا ، يرسم كل فريق منهم خططه بيده ويستعد للحرب ، ولكن ~~ليحارب في يوم كريهته أبعد الرجلين عن مآربه وأقربهما الى حرمانه. # وأي أمل بأصحاب ليس شرا منهم الاعداء؟ PageV01P193 # فلم لا يقول الامام « النائب عن النبي (ص)» كلمته التي يفرغ بها عن لسان ~~النبوة في رحمتها وسموها ، كلمته التي تتحايد بمغزاها عن الفريقين ~~المتحاربين ، كما لو كانت شيئا فوق الجميع؟ # وهل « الامام » في حقيقته الا شيئا فوق الجميع؟. PageV01P194 ### ||| التضحية PageV01P195 # ما كان من السهل الانصياع الى هذه النبالة في « رقمها القياسي » الذي لا ~~تحلم بمثله كبريات النفوس مهما بلغ بها انكار الذات ، لو لا ما أودع الله ~~في هذه النفس من القوة وألصبر وألاحتمال وألكبرياء على الحياة. # وأين تكون التضحية في سبيل الله والفناء في ذات الله والعمل في جنب الله ~~الا حين تستقيم النفس سافرة لا تلتمس ريبة ، صريحة لا تتكلف مداراة ولا ~~مداورة ولا استخفاء ، مجاهدة جهادها الاكبر في تحطيم ميولها الشخصية ، ~~ومعاكسة طبيعتها البشرية بكبح جماحها الارضي الاناني. # وها هي ذي « الامامة » بكل معانيها المنقطعة الى الله وها هو ذا « الامام ~~» المنقطع الى الله بكل معانيه. # واذا لم يكن الظرف القائم بين يديه ، كافيا للانتصار على الباطل فلم لا ~~يتخذ منه ظرفا كافيا للاحتفاظ بالحق؟ # وذلك هو ما انتهت اليه صورة الموقف ، بعد أن رفع الستار عن نوايا ~~الجماهير التي كانت ترتجز أمامه للجهاد ، وتتركز في حقيقتها على الاغراض. ms111 # واذا كان لا يرد عادية معاوية عن الاسلام الصحيح ، متمثلا في الصفوة من ~~آل محمد (ص) والبقية الباقية من حزب الله المخلصين ، ولا يرد أجناده من أهل ~~الشام ، ورتله الخامس المتغلغل في صميم الكوفة وفي معسكر الامام الا الغلب ~~على الملك .. فلتكن لهذه الايدى العادية الضارية غنيمتها من الدنيا ، ~~بشهواتها ومطامعها ومضارها ومعايبها ، ولتسلم للحسن وللبقية من حزب الله ، ~~مبادئهم الروحية ، بجلالها وقوتها وأتساعها وعظمتها وخلودها. PageV01P196 # وما من غضاضة على ابن رسول الله (ص) اذا تنزه عن وضر المادة ، فترك ~~الدنيا لاهلها ، وأنفرد بسلطان الروح ، ثابت المقام في عظمته ، مرفوع ~~الاعلام في امامته ، معروف الفضل في أمثولته ، مشكور الشمائل في جهاده ~~وصبره وتضحياته. # وما لمسلم معني باسلاميته ، ولا لمؤمن حريص على الصحيح من عقيدته ، أن ~~يشتبه في أمره ، أو يفرط بحقه ، أو يتناسى مكانته من رسول الله (ص) أو ~~يتجاهل امامته الثابتة بأمر الله تلك الامامة التي لا تقبل تغييرا ولا ~~انتقالا ، ولاتحتمل ضعفا ولا انخذالا ، ولكنها الغالبة المتصرة رغم ~~المحاولات المخذولة المناوئة ، تقوى بقوة الله ، وتثبت بثبوت الحق ، وتمتد ~~في أعناق الاجيال كما تمتد النبوات في أعناق أممها ، فيها كل معاني المجد ~~الحقيقي ، وفيها الهيبة القادرة ، وفيها الاستخفاف بخيلاء المناوئين. # انها المرحلة الدقيقة من مراحل تاريخ الاسلام. وهي مرحلة الفصل بين ~~الخلافة الحقيقية والملك [ بين الامامة الدينية والسلطان ] ، بين السلطة ~~الزمنية والسلطة الروحية. # ولم يكن هذا الفصل على صورته الظاهرة مما تألفه الذهنية الاسلامية بادىء ~~الرأي ، ولكنه الامر الواقع الذي درج عليه الاسلام وألفه المسلمون من حيث ~~يعلمون ومن حيث لا يعلمون ، منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، الا ~~في الفترات القصيرة التي كانت قطرة في بحر هذه القرون. وكان الاستسلام ~~لعملية الفصل من قبل أولاياء الامر الشرعيين ، الوسيلة الاصلاحية التي يجب ~~الاخذ بها عند الخوف على بيضة الاسلام. # ولكي نكون أكثر صراحة في البحث ، وأوضح تعبيرا عن الغرض نقول : ان الامام ~~الحسن لم يفعل في موقفه من معاوية ، الا مثل ما فعله أبوه امير المؤمنين ms112 ~~(ع) في موقفه من أبي بكر وصاحبيه. وذلك هو معنى PageV01P197 # جوابه لاخيه الحسين (ع) فيما مر عليك ، حين سأله : « ما الذي دعاك الى ~~تسليم الامر؟ » فقال له : « الذي دعا أباك فيما تقدم ». # ولكل من الامامين في ظرفه الخاص ، تضحياته الرفيعة التي حفظ بها الاسلام. # ومحا الحسن على هذه القاعدة خارطة مملكته المادية من الارض ، لينقش بدلها ~~خارطة عظمته الروحية في الارض والسماء معا. وتلفت الى « حدود » مملكته في ~~الملك الجديد الذي لا يبلى ، فاذا هي الحدود بين مملكة الحق والمملكة التي ~~هي شيء غير الحق ، بين الانسانية المثالية وألانانية الطاغية ، بين روحانية ~~« الامام » الذي يحيا ويموت ، وعلى لسانه كلمات الله : « أقيموا الصلوة » ، ~~« وآتوا الزكوة » ، « كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم » ، « ~~ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا » وبين مادية « الجبار » ~~الذي يعالن الناس قائلا : « والله اني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتزكوا ولا ~~لتصوموا ولا لتحجوا ، وانما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك ~~وأنتم كارهون! ». # واعتاد الناس ان يتلقوا مثل هذه الحادثة ، كما يتلقون الصدمة الكبيرة من ~~أحداث الزمان ، ذلك لانهم انما ينظرون اليها من ناحيتها الدنيوية الضيقة ~~فلا يرون فيها الا الخسارة. # أما النفس المطمئنة المفطورة على الخير المحض ، فالحادثة عندها وسيلة ~~أهداف هي أعز من الملك ، وهي أعز من الدنيا بأسرها ، وهي مع ذلك التاريخ ~~الذى يلعلع على الانسانية بالامجاد. # وهكذا غلب الحسن الناس في جهاده ، وفي صبره ، وفي تضحيته جميعا. وهذه ~~ثلاث هن امهات الفضائل كلها. وللحسن ثلاث اخرى وثلاث ثالثة ، كلهن أدوات ~~عظمته ، وشواهد مزاياه. PageV01P198 # غلب الناس بامامته ، وبوجوب مودته ، وببنوته من رسول الله (ص). # ونكب من الناس بأنصاره ، وبأعدائه ، وبزوجه. # وخص بين الناس كما قلنا بالنوع الممتاز من جهاده ، والنوع العظيم من صبره ~~، والنوع الفريد من تضحيته. # ولكي نتوفر على فهم هذه المواهب الثلاث على الاخص ، كخصائص حسنية لها ~~مميزاتها التي لا تقبل الجدال ، نقول : ### ||| ** 1 اما جهاده # فقد كان أروع الجهاد ، وآلمه للنفس ، وأوسعه ميدانا وأطوله عناء. # انه جاهد ms113 في سبيل الله ولكن في ميادين كثيرة ، لا في ميدان واحد : جاهد ~~عدوه بما زحف الى لقائه ، وبما جوبه به من فتنه وأسوائه ، وجاهد أصحابه ~~وجنوده بما حاول من استصلاحهم بمخلتف الاساليب ، فأعيته الاساليب كلها ، ~~وجاهد نفسه بما ضبط من عواطفها ، وبما كبت من طموحها ، وبما رد من سلطانها ~~، ولا نعرف في زعماء البشرية انسانا تمكن من نفسه ومن أعصابه ومن عواطفه ~~كما تمكن منها الحسن في مواقفه التي مر عليها ، وجاهد شيعته المخلصين في ~~تشيعهم له ، بما تحمل من عتابهم الجرىء على قبوله الصلح ، فوقف منهم موقفه ~~الذي دل بذاته ، على خصائصه الملكية الممتازة التي لا تفارق الامام « ~~المعصوم » ، بما ملك من حفيظته ، وبما ربط من جأشه ، وبما قابلهم به من ~~هدوء الطبيعة ، وميوعة اللهجة وطول الاناة. # وأجاب كلا على عتابه أوضح جواب ، وأقربه الى صواب ، وكشف له عن أهدافه ~~فيما أتاه ، بما استأصل به شأفة عتابه ، فاذا المخاطب مأخوذ ببراعة الحجة ~~وروعة الغرض وأصالة الرأى ، يستذكر بمواقف امامه مواقف الانبياء ، ويتسقط ~~من أخباره مساقط الوحي ، فاذاهو هي. # واليك هنا نموذجا واحدا مما قاله له أحدهم ومما أجابه به ، قال : PageV01P199 # « يا ابن رسول الله لم هادنت معاوية وصالحته ، وقد علمت ان الحق لك دونه ~~، وان معاوية ضال باغ؟ ». # فأجابه : # « يا أبا سعيد ألست حجة الله تعالى على خلقه واماما عليهم بعد أبي؟ » قال ~~: « بلى » ، قال : « الست الذي قال رسول الله لي ولا حي : الحسن والحسين ~~امامان قاما أو قعدا؟ » قال : « بلى » ، قال « فأنا اذا امام لو قمت وأنا ~~امام اذا قعدت ». # « يا ابا سعيد ، علة مصالحتي لمعاوية ، علة مصالحة رسول الله لبني ضمرة ~~وبني أشجع ولاهل مكة حين انصرف من الحديبية ، اولئك كفار بالتنزيل ، ~~ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل ». # « يا أبا سعيد ، اذا كنت اماما من قبل الله تعالى ذكره ، لم يجب ان يسفه ~~رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة ، وان كان وجه الحكمة فيما أتيته ~~ملتبسا ، ألا ترى الخضر لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار ، سخط ~~موسى ms114 فعله لاشتباه وجه الحكمة عليه ، حتى أخبره فرضي ، هكذا أنا ، سخطتم ~~علي بجهلكم وجه الحكمة ، ولولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الارض ~~أحد الا قتل (1)». # اقول : وللحسن من فصيلة هذا الجهاد ، جهاد اخر مثله ، مع فصيلة أخرى من ~~الناس ، هم الامويون أنفسهم [ وسنشير اليه قريبا ]. # وهذه وحدها خمسة ميادين ، أفنى الحسن عليه السلام فيها عمره الشريف وتحمل ~~همومها بقوة ثابتة ، وجلد عنيف. # ولم يبق ميدان للجهاد ، لم يبرز الحسن فيه للنضال. # وانه اذ ينزل عن سلطان ملكه ، انما يجاهد في الله من هذا الطريق ابقاء ~~على الاسلام ، وتيسيرا لحياة المسلمين ، ودفعا للقتل عن المؤمنين ، وهو PageV01P200 # في ذلك كالذي يزل عن حقه في حياته جهادا في سبيل الله ، ويبيع الله نفسه ~~ليشتري منه جنته. ### ||| ** 2 واما صبره # فانه صدى جهاده ، والحصن الذي يلجأ اليه في مختلف ميادينه. # ولقي من زمانه ومن أهل زمانه ، الحرمان وألخيانة وألغدر وألمؤامرات ~~وألنفاق وألغيلة ونقض العهود ، وبهتان الاعداء وسبابهم ، وأزورار الاصدقاء ~~وعتابهم ، وما لم يلقه أحد غيره فيما نعهد من زعماء التاريخ ، وتفجرت عليه ~~من كل مكان ، المحن السود والنكبات الفواتن. # فقابل كل ذلك بالصبر الذي لا توازنه الجبال. # وعالج الاوضاع التي دارت حوله ، بما اوتي من الحكمة البالغة الحنكة ~~الموهوبة ، متدرجا معها من البداية الى النهاية ، لا يستسلم للغضب ولا ~~يتأثر بالعاطفة ، ولا يستكين للحوادث ، ولا يتقلقل للمربكات ، ولا تهزه الا ~~نصرة الدين كلمة القرآن ودعوة الاسلام. # وهذا هو الحسن السبط على حقيقته التي خلقه الله عليها. ولن ينكر على ~~الحسن خصاله هذه ، الا متعنت جاهل ، أو عدو متحامل ، وكانت مزاياه في عصره ~~مثل المزايا ، وكان كرمه في الناس مضرب المثل. وكان من حلاوة حديثه ، وسرعة ~~بديهته ، وقوة حجته ، وهيبته ، وحلمه ، وحجاه ، ما شهد به أعداؤه فضلا عن ~~أصدقائه. # انظر الى تقريظ معاوية له في خواتيم « المشاجرات » التي كان يثيرها عليه ~~في مجالسه ، والى اطرائه اياه في مناسبات أخرى لا تتصل بهذه المشاجرات. # فقال مرة وهو يطري حلاوة حديثه : # « ما تكلم عندي ms115 أحد أحب الي اذا تكلم ان لا يسكت من الحسن ابن علي (1)». PageV01P201 # وقال عنه وقد ذكر عنده : # « انهم قوم قد الهموا الكلام (1)». # وقال عن هيبته وحسن محضره : # « والله ما رأيته الا كرهت غيابه وهبت عتابه (2)». # وقال ايضا : # « فوالله ما رأيته قط ، جالسا عندي ، الا خفت مقامه وعيبه لي (3)». # وقال يمدحه : # « أما حسن فابن الذي كان قبله %~% اذا سار سار الموت حيث يسير وهل يلد الرئبال الا نظيره %~% وذا حسن شبه له ونظير ولكنه لو يوزن الحلم والحجا %~% بأمر لقالوا يذبل وثبير (4)» # نعم هذا هو معاوية وهو عدو الحسن ( رقم 1 ). واما مروان بن الحكم ، فهو ~~الذي كان يقول عن الحسن عليه السلام : « انه ليوازن حلمه الجبال (5)». # وكان التظاهر بالثناء على الحسن من عدويه هذين ، دليل قوة الحسن في الناس ~~، والا فدليل خضوعهما للامر الواقع ، أو هو الستار الذي يسدله الخصم على ~~الفكرة التي يجهز بها على خصمه. # اما هذه المشاجرات التي مررنا على ذكرها مرورا ، والتي حفل بكثير منها ~~بعض الموسوعات ذات الشأن ، فهي « الحديا (6)» التي كان ينشط لها PageV01P202 # معاوية في مضطربه مع الحسن ، حين يوجد الحسن في الشام [ بعد الصلح ] أو ~~حين يوجد هو في المدينة. # وكانت مجالس يستعد لها معاوية ، بالاقوياء من أصدقائه الخلص واقرابئه ~~الأدنين ، الذين يساهمونه النظر الى أهل البيت عليهم السلام كالعائق لهم عن ~~النفوذ الى قلوب الناس ، فيجمع اليه عمرو بن العاص ، عتبة بن أبي سفيان ، ~~وعمرو بن عثمان بن عفان ، والمغيرة بن شعبة ، والوليد بن عقبة بن أبي معيط ~~، ومروان بن الحكم ، وعبد الله بن الزبير ، وزياد أبن ابيه ، وربما جمع بعض ~~هؤلاء دون بعض ، وربما ضم اليهم آخرين. ثم يدعو الحسن عليه السلام ، فلا ~~يزال يبرز لمشاجرته رجال الحلبة من هذا الحزب ، الواحد تلو الاخر ، مشبوب ~~الحفيظة ، وارم الانف لا يدع شيئا يقدر عليه فيما يتحدى به الحسن الا أتاه ~~، ليشفي نفسه وليرضي هواه ، فاذا هي مؤامرة في أسلوب مشاجرة. # أما الحسن عليه السلام وهو « الصخرة الململمة التي تنحط عنها السيول ، ~~وتقصر ms116 دونها الوعول ، ولا تبلغها السهام » على حد تعبير عبد الله بن جعفر ~~عنه (1)، فقد كان له من براءة القلب وروحانية النفس وشعار الطهر ، ما يربأ ~~به عن النزول الى مثل مهاتراتهم. ولكنه كان يجيبهم وهو يقول : « أما والله ~~لوالا أن بني أمية تنسبني الى العجز عن المقال لكففت تهاونا ». # ويرد عليهم بالحجة القوية البالغة التي ترغم ذلك العناد الصاعد ليعود ~~استكانة وهزيمة وذهولا. # ويسعرض في بعض ردوده عليهم ، ميراث النبوة وولاية الامر ، فيستدرجهم ~~ببديهته التي تغترف من بحره المتدفق الزاخر ، الى الاعتراف له بحقه وبحق أبيه. # ويمضي قائلا فلا يزال بهم ، حتى يجزيهم على بذاءتهم المنكرة ، غير PageV01P203 # مستعين مثلهم بالكذب ، ولا متذرع مثلهم بالبذاء. بل يطعن كلا على انفراده ~~، فيصيب منه أبرز مقوماته ، في نسبه المعروف أو حسبه الموصوف ... وان أبلغ ~~حدياك لخصمك ، أن تمسه في غروره وفي صميم مزاياه التي يخالها مناط أمجاده ، ~~ومرتكز شخصيته. # وكان الحسن في كل هذه المجالس ، الغالب القوي الى جانب الضعفاء ~~المغلوبين. # وكان أشد القوم شعورا بالضعف والتماسا للهزيمة [ في هذه المجالس ] كبيرهم ~~الذي كان أكثرهم وسائل في القوة المادية الطيعة لاوامره ، وكان يغيظه أن ~~يرى أشلاء اخوانه وبني عمومته ، مضرجة بطعناتها النجل ، عند نهاية كل شجار. # فيقول لهم آنذاك : « قد كنت أخبرتكم وأبيتم ، حتى سمعتم ما أظلم عليكم ~~بيتكم وأفسد عليكم مجلسكم! ». # ويقول لهم : « قد انبأتكم أنه يعني الحسن ممن لا تطاق عارضته! ». # ويقول وهو يخاطب مروان بن الحكم : « قد كنت نهيتك عن هذا الرجل ، وأنت ~~تأبى الا انهماكا فيما يعنيك ، اربع على نفسك ، فليس أبوك كأبيه ، ولا أنت ~~مثله. أنت ابن الطريد الشريد ، وهو ابن رسول الله صلى الله عليه واله ~~الكريم ، ولكن رب باحث عن حتفه ، وحافر عن مديته ». # ويقول لعمرو بن العاص مؤنبا ومحرضا : « طعنك أبوه يعني أمير المؤمنين ~~عليه السلام فوقيت نفسك بخصييك ، فلذلك تحذره! ». # ويقول له في مجلس اخر : « لا تجار البحار فتغمرك ، ولا الجبال فتبهرك ، ~~واسترح من الاعتذار! ». # ويندم ابن الزبير ، وهو اذ ذاك من ندماء معاوية ms117 ، على مشاجرته للحسن (ع) ~~، فيعتذر قائلا : « اعذر ابا محمد فما حملني على محاورتك الا هذا ويشير الى ~~معاوية ، أحب الاغراء بيننا ، فهلا اذ جهلت أمسكت عني ، فانكم أهل بيت ~~سجيتكم الحلم والعفو .. ». PageV01P204 # فيقول له معاوية وقد عز عليه أن يسمعه وهو يعتذر الى الحسن اعتذار ~~المنهزم المغلوب : « أما انه قد شفى بلابل صدري منك ، ورمى مقتلك فصرت ~~كالحجل في كف البازي ، يتلاعب بك كيف أراد ، فلا أراك تفتخر على أحد بعدها! ». # ويقول في أعقاب مشاجرة اشترك فيها ابن العاص ومروان وأبن سمية في جهة ، ~~وألحسن بن علي (ع) في جهة ، ما لفظه : « أجاد عمرو الكلام لولا أن حجته ~~دحضت ، وتكلم مروان لولا أن نكص » ، ثم التفت الى زياد وقال : « ما دعاك ~~الى محاورته ، ما كنت الا كالحجل في كف البازي! ». # فقال عمرو : « الا رميت من ورائنا؟ » ، قال معاوية : « اذا كنت شريككم في ~~الجهل ، أفاخر رجلا جده رسول الله وهو سيد من مضى ومن بقي ، وأمه فاطمة ~~الزهراء سيدة نساء العالمين ». ثم قال لعمرو : « والله لئن سمع به اهل ~~الشام ، لهي السوءة السوءاء » ، فقال عمرو : « لقد ابقى عليك ، ولكنه طحن ~~مروان وزيادا طحن الرحى بثفالها ، ووطئهما وطء البازل القراد بمنسمه! » ، ~~فقال زياد : « قد والله فعل ، ولكن معاوية يأبى الا الاغراء بيننا وبينهم ». # وهكذا شهد على معاوية بالاغراء على هذه المهاترات كل من ابن الزبير ورياد ~~صريحا ، وشهد عليه السلام في الكثير من ردوده عليهم. قالوا : « وخلا عبدالله ~~بن عباس بالحسن ، فقبل بين عينيه وقال : « أفديك يا ابن عم والله ما زال ~~بحرك يزخر ، وانت تصول حتى شفيتني من أولاد .... (1)». PageV01P205 # وكانت نصوص هذه المشاجرات بصيغها البلاغية ، وقيمها الادبية ، جديرة ~~بالعرض ، كتراث عربي أصيل يدل بنفسه على صحة نسبه ويعطينا بأسلوبه وصياغته ~~، صورة عن « أدب المشاجرات » في عصره. ولكن الذي رغبنا عن استعراضها في ~~سطورنا هذه ، ايغالها المؤسف بالتهتار البذيء ، الذي بلغ به صاغة الاكاذيب ~~الامويون غايتهم ، فأساءوا لانفسهم أكثر مما أرادوا بعد وهم ، وما كانوا ~~محسنين. # واذ قد آثرنا الرغبة عن استعراضها ms118 هنا ، فلا نؤثر أن نتجاهل في موضوع ~~الكلام على صبر الحسن عليه السلام ما بلغته هذه المجالس ، من الاساءة الى ~~الحسن ، وما بلغه الحسن في نفسه من عظيم الصبر عليها ، وعظيم البلاء في ~~التعرض لها ولا مثالها من اساليب معاوية وأحابيله ، سلما وحربا. # ومما لا شك فيه ، انها كانت مجالس مبيتة ، وكان لها هدفها السياسي ~~المقصود ، وهي من هذه الناحية ، أحد ميادين معاوية ، فيما شنه على الحسن ~~وشيعته من حزب الاعصاب التي استبدل بها حرب الميدان. # ثم كان من ميادين حربه ( الباردة ) ما سيجيء الالمام بطرف منه في الفصول ~~القريبة. ### ||| ** 3 التضحية # واما النوع الفريد من تضحيته ، فهو موقفه من الحكم والسلطان ، وفي سبيل مبدئه. # وقد تكون التضحية بالعرش من صاحب الحق به ، أشد دلالة على انكار الذات من ~~التضحية بالنفس. وانكار الذات في سبيل المبدأ ، أوضح صفات الحسن بن علي (ع) ~~، وأروع أدواته في جهاده الموصول الحلقات. # وهي على كل حال ، آلم التضحيتين للنفس ، وأطولهما عناء في الحياة ، ~~وأشدهما ارهاقا لكيان الانسان. PageV01P206 # وقديما كان الحرص على العرش أعنف اثرا في نفوس القائمين عليه ، من الحرص ~~على النفس بله المبدأ ، فترى العدد الكثير ممن فدى عرشه بنفسه ، ولا ترى ~~الا عددا ضئيلا جدا ممن فدى نفسه بعرشه. # وفي التاريخ صور بشعة كثيرة من قرابين العروش التي كان يفتدي الملوك ~~عروشهم بها اولا ، وبأنفسهم أخيرا [ اذا لم يكن بد من الفداء بالنفس ]. # وعلى مثل هذه النسبة من كثرة التضحية بالنفس في سبيل التاج وندرة التضحية ~~بالتاج في سبيل النفس ، كان الفرق بين قيمتها المعنوية فيما يتواضع عليه ~~الناس من القيم المعنوية للاشياء. # وذلك هو سر ما تستأثر به الحادثة النادرة ، من حوادث السخاء بالعرش من ~~اهتمام الناس ، ولغط الاندية ، وقالة الجماهير. وهو سر ما تستثير من نهم ~~المتطفلين الى الاشتباك بألوان النقاش ومختلف التحاليل والتعاليل. ولا يروى ~~التاريخ حادثة سلطان يتنازل عن عرشه ، ثم لا يختلف عليه الناس ، فمن مصوب ~~ومخطيء ، وعاذر وعاذل ، [ فقوم له وآخرون عليه ]. # الا الحسن بن علي ms119 عليهما السلام . # فقد خرج عن سلطان ملكه ، وضحى بامكانياته الدنيوية كلها ، في سبيل مبدئه ~~، فما شك انسان قط في نيته واخلاصه واستهدافه المصلحة ، وسمو تضحيته في ~~الله. وسمي عامه « عام الجماعة » اشعارا بالاجماع على موافقته والاخذ برأيه ~~عمليا . # وتلك هي آية عظمته في التاريخ. # وآية مقامه المكين من قلوب المسلمين. # وآية سلطانه الروحي الذي لا يضيره نزع الصولجان. # وشكا بعضهم عزوفه بهذه التضحية عن معركة السلاح وكان من هؤلاء أفراد من ~~كبار شيعته ، ولكن أحدا ممن شكا ذلك بدوافعه الزمنية ، PageV01P207 # لم يشك قط في صحة ما أتاه الامام بدوافعه الدينية ، من صلاح الامة ، وحقن ~~دمائها ، والانتصار لاهدافها. # وسترى فيما تقرأه قريبا في الفصل الاتي أن العاتيين لم ينصفوا الحسن فيما ~~شكوه منه ، أو عتبوا به عليه ، وان الحل الذي اتخذه الحسن للخروج من مشاكله ~~الاخيرة ، كان هو المخرج الوحيد لظرفه الخاص. # ولم يكن الحسن بن علي عليهما السلام ، حين قرر النزول الى اصعب التضحيتين ~~ألما في النفس ، وأفضلهما أثرا في الدين ، واقلهما حدوثا في التاريخ ، ~~وأكبرهما قيمة في عرف الناس ، مثارا لشبهة ، أو مجالا لنقد ، أو هدفا ~~لاتهام ، وأين يجد الاتهام أو الشبهة او النقد سبيله فيمن يختار من الوجوه ~~أشدها على نفسه. وأنفعها لغيره ، وأقربها الى ربه. وهو هو الرباني المعترف ~~به ، والمطهر بنص الكتاب عن كل ما يوجب شبهة أو خطأ او اتهاما. # ومتى كانت الدنيا من حساب الحسن ، حتى يطمع بالحياة فيها ، وحتى يستأخر ~~على حسابها ما ينتظره في لقاء ربه من المقام المحمود ، وفي جوار جده وأبويه ~~من الكرامة ، يحبونه بها ويزلفونه الى الله تعالى شأنه؟ # ومتى كان الحسن بن علي ، الرعديد الجبان ، حتى يخاف القتل ، فيتقيه ~~بالتنازل عن ملكه. ومن أين تسمت الى الحسن بن علي الجبانة يا ترى؟. أمن ~~أبيه اسد الله واسد رسوله ، أم من جديه رسول الله صلى الله عليه واله وشيخ ~~البطحاء ، أم من عميه سيدي الشهداء العظيمين حمزة وجعفر ، أم من اخيه أبي ~~الشهداء ، أم من مواقفه المشهورة في مختلف ms120 الميادين ، يوم الدار ويوم ~~البصرة وفي مظلم ساباط (1)، وهو ذلك الرئبال PageV01P208 # الذي « اذا سار سار الموت حيث يسير » على حد تعبير عدوه فيه؟؟؟ [ والفضل ~~ما شهدت به الاعداء ]. # وكانت تضحيته بسلطانه لذاتها ، من أروع آيات شجاعته ، لو كانوا يشعرون. # فأين هو الطمع بالحياة ، أو الخوف من القتل. # وليس في موازين الحسن ، الا مبادئه التي لا يوازنها في حسابه شي ء اخر ، ~~فرأى أن يفدي مبادئه بسلطانه ليحفظ كيانها وكرامتها ، وليحميها من الايدي ~~العادية التي لا تخاف عاجل عار ولا آجل نار ، وتولى شطر هذه الخطة متساميا ~~على الدنيا لا يتغير ولا ينحرف ولا يحيد ، فاذا به المنتصر في صميم الخذلان ~~، والفاتح في صميم الهزيمة ، والظافر في صميم الانهيار. # ورضي لنفسه أن تحيا حياة أهون من آلامها الموت ، صيانة لاهدافه من أن ~~تموت ، ورضي لنفسه أن تكون بكل وجودها أداة الخير للغير ، دون أي استغلال ~~أو استئثار أو احتكار. وهذا بمفرده ، قصارى ما يصل اليه أفذاذ المصلحين في ~~التاريخ ، وقصارى ما تصبو اليه التربية الاسلامية لتحقيق وجهة النظر ~~الاسلامي ، في نشر الاصلاح في الناس ، وفي تعبئة المبادىء الصحيحة في ~~المجتمع. # وكثير اولئك الذين خدموا مبادئهم ، بتحمل النوائب في أنفسهم ، الا أن ~~أحدا من اولئك لم يبلغ مبلغ الحسن فيما تحمله ، من الوانها المختلفة ، التي ~~اصطلحت عليه ، وصحبته كظله الملازم له حتى ختمت حياته في نهاية المطاف ~~بالنكبة الكبرى. # فكان من جميع أطرافه أمثولة الامام الصاعد في مثاليته ، والمصلح العظيم ~~الذي اختط للمصلحين ، آلم التضحيات للنفس ، في سبيل الابقاء على المبدأ. PageV01P209 # وقاد الخطوات المقبلة ، بما زهد فيه من حظوظ الدنيا العاجلة ، فكان زهده ~~في دنياه ، وصبره على مثل حياته ، وتضحيته بملكه ، هو نفسه جهادا في سبيل ~~الله ، وانتصارا في خلود المبدأ ، وأداته في الخلود. PageV01P210 ### ||| سر الموقف PageV01P211 # ولعلنا لم نأت الى الان ، بشيء ينقع الغليل ، أو يقنع كدليل فيما يرجع ~~الى فهم السر الذي تجافى به الحسن عليه السلام ، عن الشهادة قتلا ونزل منه ~~الى قبول الصلح عمليا. وهنا نقطة التركز في قضية ms121 الحسن منذ حيكت من حولها ~~الاقاويل الكثر ، والنقدات النكر. وليس في ما تتناوله بحوثنا في غضون هذه ~~الدراسة الواسعة الخطوات ، موضوع أجدر بالعناية وبالكشف وبالتحقيق من هذا ~~الموضوع ، بماله من الاهمية الذاتية القائمة بنفسه ، وبما هو « سر الموقف » ~~الذي لم يوفق لازاحة الستار عنه أحد في التاريخ مدى ثلاثة عشر قرنا ونيفا !. # ولكي نكون اكثر توفرا على الاخذ باسباب الغرض الذي نهدف اليه من هذا ~~البحث ، نبدأ اولا بنقل تصريحات اشهر المؤرخين في الموضوع ، ثم نعود بعد ~~ذلك الى غربلتنا الدقيقة للظرف القائم ساعة تسليم الحسن ، وألى نتائجنا من البحث. ### ||| * 1 ### ||| ** اليعقوبي في تاريخه : # « وكان معاوية يدس الى عسكر الحسن من يتحدث أن قيس بن سعد قد صالح معاوية ~~وصار معه ، ووجه الى عسكر قيس بعد هزيمة عبيدالله ابن عباس ومن معه من ~~يتحدث أن الحسن قد صالح معاوية وأجابه ، ووجه معاوية الى الحسن المغيرة بن ~~شعبة وعبدالله بن كريز وعبدالرحمن ابن أم الحكم وأتوه وهو بالمدائن ، نازل ~~في مضاربه ، ثم خرجوا من عنده وهم يقولون ويسمعون الناس : ان الله PageV01P212 # قد حقن بابن رسول الله الدماء وسكن الفتنة وأجاب الى الصلح ، فاضطرب ~~العسكر ، ولم يشكك الناس في صدقهم ، فوثبوا بالحسن ، فانتهبوا مضاربه وما ~~فيها ، فركب الحسن فرسا له ومضى في مظلم ساباط ، وقد كمن الجراح ابن سنان ~~الاسدي ، فجرحه بمغول (1) في فخذه ، وقبض على لحية الجراح ثم لواها ، فدق ~~عنقه ، وحمل الحسن الى المدائن ، وقد نزف نزفا شديدا ، واشتدت به العلة ، ~~فافترق عنه الناس. وقدم معاوية العراق فغلب على الامر ، والحسن عليل شديد ~~العلة ، فلما رأى الحسن ان لا قوة له به ، وأن اصحابه قد افترقوا عنه فلم ~~يقوموا له ، صالح معاوية .... ». ### ||| * 2 ### ||| ** الطبرى : # « بايع الناس الحسن بن علي عليه السلام بالخلافة ، ثم خرج بالناس حتى نزل ~~المدائن ، وبعث قيس بن سعد على مقدمته ( كذا ) في اثنى عشر الفا وأقبل ~~معاوية في أهل الشام حتى نزل مسكن ، فبينا الحسن في المدائن اذ نادى مناد ~~في العسكر : الا ان قيس بن ms122 سعد قد قتل فانفروا ، فنفروا ونهبوا سرادق الحسن ~~عليه السلام ، حتى نازعوه بساطا كان تحته وخرج الحسن حتى نزل المقصورة ~~البيضاء بالمدائن ، وكان عم المختار بن ابي عبيد عاملا على المدائن ، وكان ~~اسمه سعد بن مسعود ، فقال له المختار وهو غلام شاب : هل لك في الغنى ~~والشرف؟ ، قال : وما ذاك؟ ، قال : توثق الحسن وتستأمن به الى معاوية ، فقال ~~له سعد : عليك لعنة الله! ، أثب على ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأوثقه ، بئس الرجل انت!!. فلما رأى الحسن تفرق الامر عنه ، بعث الى معاوية ~~يطلب الصلح وبعث معاوية اليه عبدالله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب ~~بن عبد شمس ، فقدما على الحسن بالمدائن ، فأعطياه ما أراد وصالحاه ». PageV01P213 ### ||| * 3 ### ||| ** ابن الاثير في الكامل : # « فلما نزل الحسن المدائن ، نادى مناد في العسكر : الا ان قيس بن سعد قتل ~~فانفروا ، فنفروا بسرادق الحسن ونهبوا متاعه ». # ( وساق حديث الطبري المذكور قبله )، ثم قال : # « .. وقيل انما سلم الحسن الامر الى معاوية ، لانه لما راسله معاوية في ~~تسليم الخلافة ( كذا )، خطب الناس ، فحمد الله واثنى عليه وقال : انا ~~والله ما يثنينا عن أهل الشام شك ولا ندم ، وانما كنا نقاتل أهل الشام ~~بالسلامة والصبر ، فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع ، وكنتم في مسيركم ~~الى صفين ، ودينكم امام دنياكم ، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم. الا ~~وقد أصبحتم بين قتيلين قتيل بصفين تبكون له ، وقتيل بالنهروان تطلبون ~~بثاره. أما الباقي فخاذل ، وأما الباكي فثائر. الا وان معاوية دعانا لامر ~~ليس فيه عز ولا نصفة ، فان أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه الى الله ~~عز وجل بظبا السيوف. وان اردتم الحياة قبلناه واخذنا لكم الرضا .. فناداه ~~الناس من كل جانب : البقية البقية ، وأمض الصلح ». ### ||| * 4 ### ||| ** ابن ابى الحديد في شرح النهج : # « عن المدائني ، قال : ثم وجه عبدالله بن عباس ( كذا ) ومعه قيس بن سعد ~~بن عبادة مقدمة له في اثنى عشر الفا الى الشام ، وخرج هو يريد المدائن فطعن ~~بساباط وانتهب متاعه ، ودخل المدائن وبلغ ذلك معاوية ms123 فاشاعه ، وجعل اصحاب ~~الحسن الذين وجههم مع عبدالله يتسللون الى معاوية ، PageV01P214 # الوجوه وأهل البيوتات ، فكتب عبدالله بن عباس بذلك الى الحسن عليه السلام ~~، فخطب الناس ووبخهم وقال : خالفتم أبي حتى حكم وهو كاره ، ثم دعاكم الى ~~قتال أهل الشام بعد التحكيم ، فأبيتم حتى صار الى كرامة الله ثم بايعتموني ~~على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني ، وقد أتاني أن اهل الشرف ~~منكم قد أتوا معاوية وبايعوه ، فحسبي منكم لا تعروني من ديني ونفسي. وأرسل ~~عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ، وأمه هند بنت أبي ~~سفيان بن حرب الى معاوية يسأله المسالمة ، واشترط عليه العمل بكتاب الله ~~وسنة نبيه ، وان لا يبايع لأحد بعده ». ### ||| ** المفيد في الارشاد : # « وكتب جماعة من رؤساء القبائل الى معاوية بالسمع والطاعة في السر ~~استحثوه على المسير نحوهم ، وضمنوا له تسليم الحسن اليه عند دنوهم من عسكره ~~، أو الفتك به ، وبلغ الحسن ذلك ، وورد عليه كتاب قيس بن سعد وكان قد أنفذه ~~مع عبيدالله بن العباس عند مسيره من الكوفة ، ليلقى معاوية ويرده عن العراق ~~، وجعله أميرا على الجماعة. وقال : ان أصبت فالامير قيس بن سعد. فوصل كتاب ~~قيس بن سعد يخبره أنهم نازلوا معاوية بقرية يقال لها الجنوبية بازاء مسكن ~~، وأن معاوية ارسل الى عبيدالله بن العباس يرغبه في المصير اليه ، وضمن له ~~الف الف درهم ، يعجل له منها النصف ويعطيه النصف الاخر عند دخوله الى ~~الكوفة. فانسل عبيدالله في الليل الى معسكر معاوية في خاصته ، وأصبح الناس ~~قد فقدوا اميرهم فصلى بهم قيس بن سعد ونظر في أمورهم. فازدادت بصيرة الحسن ~~بخذلان القوم له ، وفساد نيات المحكمة فيه بما اظهروا من السب والتكفير له ~~واستحلال دمه ونهب امواله ، ولم يبق معه من يأمن غوائله الا خاصته من PageV01P215 # شيعة أبيه وشيعته ، وهم جماعة لا تقوم لاجناد الشام. فكتب اليه معاوية في ~~الهدنة والصلح ، وانفذ اليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به ~~وتسليمه اليه ، فاشترط له على نفسه في اجابته ms124 الى صلحه شروطا كثيرة ، وعقد ~~له عقودا كان في الوفاء بها مصالح شاملة. فلم يثق به الحسن وعلم باحتياله ~~بذلك ، واغتياله ، غير أنه لم يجد بدا من اجابته الى ما التمس من ترك الحرب ~~وانفاذ الهدنة ، لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه ~~والفساد عليه والخلف منهم له ، وما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه ، ~~وتسليمه الى خصمه ، وما كان من خذلان ابن عمه له ، وميله الى عدوه ، وميل ~~الجمهور منهم الى العاجلة وزهدهم في الآجلة .. ». # أقول : # ثم لا تجد في أكثر الموسوعات التاريخية الاخرى ، عرضا يحفل بشيء من ~~التفصيل عن قضية الحسن عليه السلام ، يشبه هذه العروض ، على ما بينها من ~~تضارب في استعراض الحقائق التاريخية ، وعلى ما فيها من نقص في العرض ~~وأختزال في التعبير. # فيرى أحدهم كما رأيت ان الذي طلب الصلح هو الحسن ، ويرى الاخر أنه معاوية ~~، ويرى بعضهم ان سبب طلبه الصلح أو قبوله اياه هو فتن الشام في المعسكرين [ ~~مسكن والمدائن ] ، ثم يختلفون في نوع الفتنة. بينما يرى البعض الاخر ان سبب ~~قبول الصلح من جانب الحسن هو تفرق الناس عنه بعد اصابته ومرضه. ويرى ثالث ~~منهم أن السبب هو نكول الناس عن القتال معه كما يدل عليه جوابهم على خطبته ~~« بالبقية البقية » وقولهم له صريحا « وأمض الصلح ». ويرى الرابع ، ان فرار ~~قائده وخيانة اصحابه واستحلال بعضهم دمه وعدم كفاية الباقين للقتال ، هو ~~السبب لقبوله الصلح. # ثم لا يزالون مختلفين في تسمية قائد المقدمة ، فيسميه أحدهم عبدالله ابن ~~عباس ، ويسميه الثاني قيس بن سعد بن عبادة ، ويسميه الثالث عبيدالله PageV01P216 # ابن العباس ... # وما انكى النكبة التي تتعرض لها القضية التاريخية ، حين يخبط بها مؤرخوها ~~هذا الخبط ، ويخلطون حقائقها بموضوعاتها هذا الخلط. # ومرت المصادر الاخرى على هذه القضية ، مرورها على القضايا الهامشية في ~~التاريخ ، دون أن تستفزها الاحداث الكبرى ، التي حفلت بها هذه الحقبة ~~القصيرة من الزمن ، التي هي عهد الحسن في الخلافة الاسلامية العامة ، وعهد ~~الفصل بين السلطتين الروحية والزمنية ms125 ، وعهد انقلاب الخلافة الى الملك ، ~~وعهد انبثاق الحزازات الطائفية في الاسلام. # ولم يعن مؤرخو قضية الحسن من الصنفين المفصلين والموجزين بأكثر من ~~الاشارة الى الظروف المتأزمة التي كان من طبيعتها أن تشفع لدى الحسن بقبول ~~الصلح أو تضطره اليه ، فمن مذعن ساكت لا يبدي رأيا ، ومن مصوب عاذر يتزيد ~~الحجج ويعدد المعاذير ، ومن ناقد جاهل خفي عليه « سر الموقف » فراح يكشف عن ~~سر نفسه من التعصب الوقح والتحامل المرير. # ولم يكن فيما توفر عليه كل من الاصدقاء والناقمين في استعراضهم التاريخي ~~للمآزق التي تعرض لها الحسن عليه السلام ، ما يحول بنسقه دون النقد الجارح [ ~~أو قل ] ما يجيب بأسلوبه على السؤال المتأدب ، في عزوف الحسن عن « الشهادة ~~» التي كانت ولا شك افضل النهايتين ، وأجدرهما بالامام الخالد. # وكان الكلام على كشف هذا السر لو قدروا عليه هو نفسه الدليل الكاشف عن ~~السبب الجوهري فيما صار اليه الامام من اختيار الصلح ، دون أن يحتاجوا الى ~~جهد اخر في تعداد المحن أو استعراض المآزق الصعاب لان شيئا من ذلك لا يدل ~~في عرف الناقمين ولا المستفهمين ، على انحصار المخرج بالصلح ، ولا يغلق في ~~وجوههم ، احتمال ظرف الحسن للشهادة ، PageV01P217 # كما احتملها ظرف اخيه الحسين ، فيما كان قد اصطلح عليه من مضايقات هي في ~~الكثير من ملامحها ، صورة طبق الاصل عن ظروف أخيه ، وقد خرج منها بالشهادة ~~دون الصلح ، وكانت آية خلوده في تاريخ الانسانية الثائرة على الظلم. # اذا ، فلماذا لم يفعل الحسن اولا ، ما فعله الحسين اخيرا؟. # ألجبن واستغفر الله وما كان الحسين بأشجع من الحسن جنانا ، ولا امضى منه ~~سيفا ، ولا اكثر منه تعرضا لمهاب الاهوال. وهما الشقيقان بكل مزاياهما ~~العظيمة ، خلقا ، ودينا ، وتضحية في الدين ، وشجاعة في الميادين ، وابنا ~~أشجع العرب ، فأين مكان الجبن منه يا ترى؟. # أم لطمع بالحياة ، وحاشا الامام الروحي المعطر التاريخ ، أن يؤثر الحياة ~~، على ما ادخره الله له من الكرامة والملك العظيم ، في الجنان التي هو سيد ~~شبابها الكريم ، والطليعة من ملوكها المتوجين ، وما حياة متنازل عن ms126 عرشه ، ~~حتى تكون مطمعا للنفوس العظيمة التي شبت مع الجهاد ، وترعرعت على ~~التضحيات؟. # أم لانه رضي معاوية لرياسة الاسلام ، فسالمه وسلم له ، وليس مثل الحسن ~~بالذي يرضى مثل معاوية ، وهذه كلماته التي أثرت عنه في شأن معاوية ، وكلها ~~صريحة في نسبة البغي اليه ، وفي وجوب قتاله ، وفي عدم الشك في أمره ، وفي ~~كفره اخيرا. # فيقول فيما كتبه اليه أيام البيعة في الكوفة : « ودع البغي واحقن دماء ~~المسلمين ، فوالله مالك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما انت لاقيه ~~به (1)! .. ». # ويقول وهو يجيب أحد اصحابه العاتبين عليه بالصلح : « والله لو وجدت ~~انصارا لقاتلت معاوية ليلي ونهاري (2)». PageV01P218 # ويقول في خطابه التاريخي في المدائن « انا والله ما يثنينا عن أهل الشام ~~شك ولا ندم .. ». # ويقول لابي سعيد فيما نقلناه عنه آنفا : « علة مصالحتي لمعاوية علة ~~مصالحة رسول الله لبني ضمرة وبني أشجع ولاهل مكة ، حين انصرف من الحديبية ، ~~اولئك كفار بالتنزيل ، ومعاوية وأصحابه « كفار » بالتأويل. # اذا ، فما سالم معاوية رضا به ، ولا ترك القتال جبنا عن القتال ، ولا ~~تجافى عن الشهادة طمعا بالحياة ، ولكنه صالح حين لم يبق في ظرفه احتمال ~~لغير الصلح ، وبذلك ينفرد الحسن عن الحسين ، اذ كان للحسين محرجان ميسران ~~من ظرفه الشهادة والصلح ولن يتأخر افضل الناس عن أفضل الوسيلتين ، اما ~~الحسن فقد اغلق في وجهه طريق الشهادة ، ولم يبق أمامه الا باب واحد لا ~~مندوحة له ومن ولوجه. # وأقول ذلك وانا واثق بما أقول. # وقد يبدو مستغربا قولي [ أغلق في وجهه طريق الشهادة ] ، وهل شهادة المؤمن ~~الذي نزل لله عن حقه في حياته ، الا أن يقتحم الميدان مستقتلا في سبيل الله ~~، تاركا ما في الدنيا للدنيا ، وبائعا لله نفسه تنتاشه السيوف ، وتنهل من ~~دمه الاسنة والرماح ، فاذا هو الشهيد الخالد. وكيف يغلق مثل هذا على مجاهد ~~له من ميدانه متسع للجهاد؟. وللحسن ميدانه الذي يواجه به العدو في « مسكن » ~~، فلماذا لم يخف اليه؟. ولم لم نسمع أنه وصله أو بارز العدو فيه ، أو ~~اقتحمه اقتحامة الموت ms127 ، يوم ضاقت به الدنيا ، فسدت في وجهه كل باب الا بابا ~~واحدا؟. وانه لو فعل ذلك فبرز الى ميدانه مستميتا ، لاستمات بين يديه عامة ~~شيعته المخلصين لاهدافه ، فانما كانوا ينتظرون منه كلمته الاخيرة لخوض ~~غمرات الموت. # نعم ، ومن هنا كان مهب الرياح التي اجتاحت قضية الحسن بين قضايا أهل ~~البيت عليهم السلام ، ومن هنا جاءت الشبهات التي نسجت هيكل المشكلة ~~التاريخية التي لغا حولها اللاغون ما شاء لهم اللغو ، فزادوا PageV01P219 # الواقع تعقيدا وابتعادا به عن فهم الناس. # ثم كان من طبيعة هذا اللغو أبعد ما يكون عن التغلغل في الصميم من تسلسل ~~الحوادث أن يرتجل الاحكام ، وأن يتناول قبل كل شيء سياسة الحسن فينبزها ~~بالضعف ، ويتطاول عليها بالنقد غير مكترث ولا مرتاب. # وسنرى بعد البحث ، أي هاتيك الآراء مما اختاره الحسن أو مما افترضه ~~الناقدون ، كان أقرب الى الصواب ، وانفذ الى صميم السياسة. # وما كان الحسن في عظمته بالرجل الذي تستثار حوله الشبه ، ولا بالزعيم ~~الذي يسهل على ناقده أن يجد المنفذ الى نقده والمأخذ عليه. # واذ قد انتهينا الآن عامدين ، الى مواجهة المشكلة في صميمها ، وبما حيك ~~حولها من نقدات ونقمات ، فمن الخير أن نسبق الكلام على حلها ، باستحضار ~~حقائق ثلاث ، هن هنا أصابع البحث التي تمتد بتدرج رقيق الى كشف الغطاء عن ~~السر ، فاذا الموضوع كله وضوح بعد تعقيد ، وعذر بعد نقمة ، وتعديل بعد تجريح. # الاولى في بيان معنى الشهادة. # والثانية في رسم صورة مصغرة عن الواقع الذي حاق بالحسن في لحظاته الاخيرة ~~في « المدائن ». # والثالثة في خطة معاوية تجاه أهداف الحسن عليه السلام . # وسيجرنا البحث الى التلميح بحقائق تقدم عرضها في أطواء دراستنا السابقة ~~في الكتاب ، ولكن الحرص على استيفاء ما يجب أن يقال هنا ، هو الذي سوغ لنا ~~هذا التجاوز فرأيناه جائزا. ### ||| ** 1 الشهادة في الله : PageV01P220 # وهي بمعناها الذي يصنع الحياة ، تضحية النفس لاحياء معروف او اماتة منكر. # وليس منها التضحية لغاية ليست من سبل الله ، ولا التضحية في ميدان ليس من ~~ميادين الامر بالمعروف والنهي ms128 عن المنكر. # فلو قتل كافر مسلما في ساحة جهاد ، كان المسلم شهيدا. # ولو قتل باغ مسلما في ميدان دفاع كان المسلم شهيدا. # اما لو قتل مسلم مسلما في نزاع شخصي ، أو قتله انتصارا لمبدأ ديني صحيح ، ~~فلا شهادة ولا مجادة ، ذلك لان الكرامة التي تواضع عليها تاريخ الانسانية ~~للشهيد ، هي أجرة تضحيته بروحه في سبيل المصلحة العامة فلا الحوادث الشخصية ~~، ولا التضحيات التي تناقض المصلحة في خط مستقيم ، مما يدخل في معنى ~~الشهادة. # وقتلة اخرى ، أضيع دما ، وأبعد عن « الشهادة » معنى واسما ، هي ميتة رئيس ~~يثور به أتباعه وذوو الحق في أمره ، فيلقونه ارضا. والمجموع في كل مجتمع هو ~~مصدر السلطات لكل من يتولى شيئا من أموره باسمه ، وكانت هذه هي القاعدة ~~التي بنيت عليها السلطات الجماعية في الاسلام ، وعلى هذه القاعدة قال ~~المسلم الاول لعمر بن الخطاب : « لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا ». # وانما كانت هذه القتلة أضيع دما ، وأبعد عن الشهادة اسما ، لان الايدي ~~الصديقة التي اجتمعت على اراقة هذا الدم ، كانت في ثورتها لحقها ، وتضافرها ~~الناطق ببلاغة حجتها ، أولى عند الناس بالعذر .. « ولان الامة التي ولته هي ~~التي تقيم عليه الحدود » على حد تعبير القفال الشافعي . # فعثمان مثلا الذي كان ثالث ثلاثة من أكبر الشخصيات التاريخية ، التي هزت ~~الارض بسلطانها المرهوب ، مات مقتولا بسلاح الثائرين من ذوي الحق في أمره. ~~فلم يستطع التاريخ ، ولم يوفق اصدقاؤه في التاريخ ، PageV01P221 # أن يسجلوا له « الشهادة » كما تقتضيها كلمة « شهيد ». # أما ذلك العبد الاسود الفقير ، الذي لم يكن له من الاثر في الحياة ، ما ~~يملأ الشعور أو يشغل الذاكرة [ جون مولى أبي ذر الغفاري ] ، فقد أرغم ~~التاريخ على تقديسه ، لانه قتل في سبيل الله فكان « الشهيد » بكل ما في ~~الكلمة من معنى. # اذا ، فليس من شروط الشهادة ولا من لوازم كرامتها ، أن لا تكون الا في ~~العظيم ، وليس من شروط العظيم اذا قتل أي قتلة كانت ، ان يكون شهيدا على كل حال. # ولندع الآن هذا التمهيد لنخطو عنه الى الموضوع الثاني ms129 ، ثم لنأخذ منه ~~حاجتنا عند اقتضاء البحث. ### ||| ** 2 صورة مصغرة عن الوضع الشاذ في المدائن : # علمنا مما سبق وبعض الاعادة ضرورة للبحث أن خيرة أجناد الحسن كان في ~~الركب الذي سبقه في مقدمته الى « مسكن » ، وأن الفصائل التي عسكر بها الحسن ~~في « المدائن » كانت من أضعف الجيوش معنوية ، ومن أقربها نزعة الى النفور ~~والقلق والانقسام. # وعلمنا أنه فوجئ في أيامه الاول من المدائن ولما يتلق نجداته من معسكراته ~~الاخرى ببوادر ثلاث ، كانت نذر الكارثة على الموقف. # 1 أنباء الخيانة الواسعة النطاق في « مسكن ». # 2 الشائعة الاستفزازية التي ناشدت الناس بأن ينفروا ، لان قيس بن سعد وهو ~~القائد الثاني على جيش مسكن قد قتل!. # 3 فتنة الوفد الشامي الذي جاء ليعرض كتب الخونة الكوفيين على الامام ، ثم ~~خرج وهو يعلن في المعسكر أن الحسن اجاب الى الصلح!. PageV01P222 # وفي هذا الجيش كما قدمنا في الفصل (8)، أصحاب الفتن ، وأصحاب الطمع ~~بالغنائم ، والخوارج ، وغيرهم ، ولم يكن لهؤلاء مرتع أخصب من هذه الفتن ~~التي زرعتها هذه البوادر المؤسفة الثلاث. # وجمع الحسن الناس فخطبهم وناشدهم سلامة النية وحسن الصبر ، وذكرهم ~~بالمحمود من أيامهم في صفين ، ثم نعى عليهم اختلافهم في يومه منهم. وكان ~~أروع ما أفاده الحسن من خطابه هذا ، أنه انتزع من الناس اعترافهم على ~~انفسهم بالنكول عن الحرب صريحا ، واستدرجهم الى هذا الاعتراف بما تظاهر به ~~من استشارتهم فيما عرضه عليه معاوية ، فقال في آخر خطابه : « الا وان ~~معاوية دعانا لامر ليس فيه عز ولا نصفة ، فان أردتم الموت رددناه عليه ~~وحاكمناه الى الله عز وجل بظبا السيوف ، وان أردتم الحياة قبلناه منه ~~وأخذنا لكم الرضا؟ ». فناداه الناس من كل جانب : « البقية البقية وأمض ~~الصلح (1)». # أقول : وليس في تاريخ قضية الحسن عليه السلام روايتان كثر رواتهما حتى لقد ~~أصبحت من مسلمات هذا التاريخ ، كرواية جواب الناس على هذه الخطبة بطلب ~~البقية وامضاء الصلح ، ورواية ثورة الناس في المدائن انكارا للصلح والحاحا ~~على الحرب!!. وليت شعري. فأي الرأيين كان هدف هؤلاء الناس؟. # وهل هذه الا ms130 بوادر الانقسام الذي أشرنا اليه آنفا ، بل « الفوضى » التي ~~لن يستقيم معها ميدان حرب ، والتي لا تمنع ان يكون المنادون بالصلح من كل ~~جانب هم المنادين بالحرب انفسهم. # وما للفوضى ودعوة جهاد وصحبة امام؟! # وعلى أي ، فقد كان هذا أحد الوان معسكر المدائن وأحد ظواهر التلون في ~~عساكره وتحكم العناصر المختلفة في مقدراته. PageV01P223 # ولقد تدل ملامح النداء بالتكفير للحسن عليه السلام من قبل الثائرين عليه ~~من جنوده هناك ، أنه كان لسان حال « الخوارج » ، وكانت هذه هي لغتهم ~~النابية اذا استشرى غضبهم على أحد من المسلمين أو أئمة المسلمين. وانهم اذ ~~يستغلون هذه اللحظة ، أو يبعثونها من مرقدها ، فانما كانوا يقصدون التذرع ~~الى أعظم جريمة في الدم الحرام ، وفق مبادئهم الجهنمية التي طعن بها أحدهم ~~الامام الحسن في فخذه فشقه حتى بلغ العظم!. # وتدل ملامح النهب والسلب الذي مزق الستار وتناول حتى رداء الحسن ومصلاه ، ~~على أنه كان عمل الفريق الآخر الذي سمته المصادر « أصحاب الطمع بالغنائم ». # ويدل طغيان الفتنة وسرعة انتشار الاضطرابات في المعسكر على أنه صنيعة « ~~أصحاب الفتن » الذين كان يعج بهم هذا الجيش منذ كان في الكوفة ومنذ انتقل ~~الى المعسكرين تحت لواء الجهاد المقدس!. # وهكذا جمحت الفتنة في المدائن جماحها الذي خرجت به من أعنة المخلصين ~~والمنظمين ، وحال الاكثرون بأحداثهم دون قيام الاقلين بواجبهم ، ولم يعد ~~لهذا الجيش من الاستقرار ما يستطيع به الثبات ، ولا من الاهداف الا الاهداف ~~الطائشة. فان لم يتسن لهم قتال معاوية فليقتلوا الحسن امامهم ، وان لم ~~يبلغوا غنائم الحرب من أعدائهم فليتبلغوا بالغنائم من نهب أصدقائهم ، وان ~~لم يمكنهم الفرار الى معاوية كما فعل أمثالهم في المعسكر الثاني فليكتبوا ~~الى معاوية ليجيء هو اليهم!!! # وكان هذا هو ما حفظه التاريخ على هذه المجموعة من الناس ، أما ما نسيه ~~التاريخ أو تناساه أو حيل بينه وبين ذكره ، فذلك ما لا يعلمه الا الله عز وجل. # ترى ، فهل لو وضعنا معاوية مكان الحسن من هذه اللحظة أو من هذا الجيش بما ~~لمعاوية من دهاء ms131 وسخاء ، أكان يستطيع أن يخرج من مأزقه بأحسن مما خرج به ~~الحسن مضمون السلامة على مبادئه وخططه ومستقبله؟. PageV01P224 # ولكي نزداد تحريا للاسباب التي أغلقت في وجه الحسن طريق الشهادة الكريمة ~~، ننتقل بالقارئ الى الموضوع الثالث من مراحل هذه الجولة الكئيبة الخطوات. ### ||| ** 3 خطة معاوية من أهداف الحسن (ع) # ومات بموت عثمان لقب « الوالي » عن معاوية ، ولا نعرف ما كان يجب أن يلقب ~~به بعد ذلك ، ولا نوع مسؤوليته في العرف الاسلامي. وقد علمنا أن الخليفتين ~~الشرعيين عليا وابنه الحسن عليهما السلام لم يولياه ، فليس هو بالوالي ، ~~وعلمنا أن الاسلام لا يتسع في تشريعه لخليفتين في عصر واحد ، فليس هو ~~بالخليفة. # اذا ، فما معاوية بعد عثمان؟. # لا ندري. # نعم ، انه شهر السلاح في وجه هذين الخليفتين منذ عزل عن ولاية الشام ، ~~ورأينا أن التشريع الاسلامي يثبت للقائم بمثل عمله هذا ، لقبا نشك أن يكون ~~معاوية رضي به لنفسه ، وهذا اللقب هو « الباغي ». # ترى ، فهل كان هو يعرف لنفسه لقبا آخر غير زعامة البغاة؟. # والمظنون أن معاوية في طموحه العتيد ، لم يكن بالذي يزعجه أن يظل مجهول ~~اللقب ، أو محكوما في « الشرع » بلقب الباغي ، مادام هو في طريقة الى غزو ~~أكبر الالقاب بالقوة ، رضي الشرع أو أبى. فهو الملك بعد ذلك على لسان سعد ~~بن أبي وقاص ، وهو « الخليفة » و PageV01P225 # « أمير المؤمنين » على لسان مسلم (1) بن عقبة والمغيرة (2) بن شعبة وعمرو ~~(3) بن العاص ، وهو المتنعم الدنيوي الذي « لم يبق شيء يصيبه الناس من |لو ان اللؤم ينسب كان عبدا||قبيح الوجه أعور من ثقيف| |تركت الدين والايمان جهلا||غداة لقيت صاحبة النصيف| |وراجعت الصبا وذكرت لهوا||من الاحشاء والخصر اللطيف| PageV01P226 # الدنيا الا وقد أصابه » على حد تعبيره عن نفسه . ولن يضيره بعد اعتراف ~~ابن العاص وابن عقبة وابن شعبة له بالخلافة وامارة المؤمنين ، أن يكون ~~التشريع الاسلامي ينكر عليه هذا اللقب ، لانه لا يسيغ غزو الالقاب الدينية ~~بالقوة ، ولا يسبغ لقب « الخليفة » على أحد ، الا عند قرب الشبه بين صاحبه ~~وبين النبي ms132 (ص)، ويصرفه دائما عن الرجل الذي يكون بينه وبين النبي كما بين دينين. # ولا ندري على التحقيق مبلغ ما كلفت معاوية هذه الالقاب في دينه ، يوم ~~غزاها لنفسه ، أو يوم غزاها لابنه يزيد ، وانه لاعرف الناس بابنه؟!. # ولا ندري مبلغ اهتمام الرجل ، بمحاسبة نفسه تجاه الله ، فيما كان يجب أن ~~يحاسبها عليه؟. # ولكننا علمنا على ضوء محاولاته الكثيرة في الاخذ والرد ، أنه لم يعن ~~بمحاسبة نفسه قط ، وعلمنا أن الانانية الطموح كانت تملأ مجاهل نفسه ، ~~فتنسيه موقفه الواهن المفضوح الوهن الواقف في مهاب الرياح ، والمتركز في ~~حقيقته على خيوط العنكبوت ، يوم طارت من حواليه الالقاب كلها. # وعلمنا أن قبليته الطاغية الجامحة ، كانت تأخذ عليه منافذ تفكيره ، فتريه ~~من شهادة ابن العاص له بالخلافة ، ومن ترشيح المغيرة بن شعبة ابنه يزيد ~~لامارة المؤمنين ، مبررا يرد به الصريح من شرائط الاسلام. وهل كانت هذه ~~الشهادة أو ذاك الترشيح ، الا نبت المساومات الرخيصة على ولاية مصر وولاية ~~الكوفة ، كما هو الثابت تاريخيا؟. # ولا عجب من « ابن أبي سفيان » ان يكون كما كان ، وهو الاموي الصريح ، أو ~~الاموي اللصيق الذي يعمل جاهدا ليكون أمويا صريحا (1). PageV01P228 # وللأموية والهاشمية تاريخهما الذي يصعد بهما حتى يلتقيا وينزل معهما كلما ~~نزل الزمان. # وكان من طبيعة « رد الفعل » في النفوس التي شبت مع العنعنات القبلية ~~جاهلية واسلاما ، والتي قبلت الاسلام مرغمة يوم الفتح ، ثم لم تهضم الاسلام ~~كما يريده الاسلام أن تكون دائما عند ذحولها من الضغائن الموروثة ، والترات ~~القديمة العميقة الجروح. # وكان معاوية بعد الفتح وعلى عهد النبوة الطالعة بالنور ، الطليق « الحافي ~~القدمين » كما يحدثنا هو عن نفسه. اما في الدور الذي تململ معه النفوذ ~~الاموي ليسترجع مكانته في المجتمع ، وعلى عهد السياسة الجديدة التي رشحت ~~للشورى عضوا أمويا عتيدا ، فلم لا يكون ابن عم عثمان والي الشام القوي ~~المرهوب ، الذي يصطنع الاعوان والمؤيدين ، ويسترضي الاتباع والاجناد ~~والمشاورين ، ويتخذ القصور والستور والبوابين ، وفي ثروة ولايته ما يسع كل ~~صاحب طمع أو بائع ضمير أو لاحسن قصعة!!. # ولئن كان ms133 معاوية في دور النبوة الرعية المخذول العاجز عن الانتصاف لنفسه ~~ولقبيله من القوة التي غلبت على أمره وأمر قبيله ، فلم لا يحاسب تلك القوة ~~حسابها العسير في الدور الذي ملك فيه مقاليد القوة بنفسه أو بقبيله ، ولم ~~لا يعود الى طبيعته فيتحسس بذحوله القديمة من الابناء والاخوة والاصحاب ، ~~ويأخذ بثاره من المبادئ والاهداف؟. ولذلك فقد كان من المنتظر المرقوب ~~لمعاوية ، أن يشن غاراته المسلحة على علي والحسن عليهما السلام في أول فرصة ~~تمكنه من ذلك ، وأن يشن معهما حروبه ( الباردة ) الاخرى ، التي كانت أطول ~~الحربين أمدا ، وأبعدهما حرا ، وأفظعهما نكالا في الاسلام. # ويستدل من كثير كثير من الاعمال الدبلوماسية التي قام بها معاوية في عهده ~~الطويل الامد ، أنه كان قد قرر التوفر على حملة واسعة النطاق لتحطيم ~~المبادئ العلوية ، أو قل لتحطيم جوهرية الاسلام متمثلة في دعوة PageV01P229 # علي وأولاده المطهرين عليهم السلام . # ويظهر أنه كان ثمة أربعة أهداف تكمن وراء هذه الحملة. # 1 شل الكتلة الشيعية وهي الكتلة الحرة والقضاء تدريجيا على كل منتم الى ~~التشيع وتمزيق جامعتهم. # 2 خلق الاضطرابات المقصودة في المناطق المنتمية لأهل البيت والمعروفة ~~بتشيعها لهم ، ثم التنكيل بهؤلاء الآمنين بحجة تسبيب الشغب. # 3 عزل أهل البيت عن العالم الاسلامي ، وفرض نسيانهم على المسلمين الا ~~بالذكر السيئ ، والحؤول بكل الوسائل دون تيسر النفوذ لهم ، ثم العمل على ~~ابادتهم من طريق الغيلة. # 4 تشديد حرب الاعصاب. # ولمعاوية في الميدان الاخير جولات ظالمة سيطول حسابها عند الله عز وجل ~~كما طال حسابها في التاريخ ، وسيجرنا البحث الى عرض نماذج منها عند الكلام ~~على مخالفاته لشروط الصلح ، وهو مكانها من الكتاب. # وكان من أبرز هذه الجولات في سبيل مناوأته لعلي وأولاده ولمبادئهم ~~وأهدافهم ، أنه فرض لعنهم في جميع البلدان الخاضعة لنفوذه ، بما ينطوي تحت ~~مفاد « اللعن » من انكار حقهم ، ومنع رواية الحديث في فضلهم ، وأخذ الناس ~~بالبراءة منهم فكان بهذا أول من فتح باب اللعن في الصحابة ، وهي السابقة ~~التي لا يحسده عليها مسلم يغار على دينه ، وتوصل الى ms134 استنزال الرأي العام ~~على ارادته في هذه الاحدوثة المنكرة « بتدابير محبوكة » تبتعد عن مبادئ ~~الله عز وجل ، بمقدار ما تلتحم بمبادئ معاوية. # وان من شذوذ أحوال المجتمع ، أنه سريع التأثر بالدعاوات الجارفة القوية ~~مهما كان لونها ولا سيما اذا كانت مشفوعة بالدليلين من مطامع المال ومطامع الجاه. # وما يدرينا بم رضي الناس من معاوية ، فلعنوا معه عليا وحسنا PageV01P230 # وحسينا عليهم السلام ؟ وما يدرينا بماذا نقم الناس على أهل البيت فنالوا ~~منهم كما شاء معاوية أن ينالوا؟!. # ربما يكون قد أقنعهم بأن عليا وأولاده ، هم الذين حاربوا النبي ~~صلى الله عليه وآله ابان دعوته ، وأنهم هم الذين حرموا ما أحل الله وأحلوا ما ~~حرم الله ، وهم الذين ألحقوا العهار بالنسب ، وهم الذين نقضوا المواثيق ~~وحنثوا بالايمان ، وقتلوا كبار المسلمين صبرا ، ودفنوا الابرياء أحياء ، ~~وصلوا الجمعة يوم الاربعاء (1). # وربما يكون قد أطمعهم دون أن يقنعهم ، وربما يكون قد أخافهم دون أن ~~يطمعهم ، فكان ما أراد « وارتقى بهم الامر في طاعته الى أن جعلوا لعن علي ~~سنة ينشأ عليها الصغير ويهلك الكبير (2)». والمرجح أن معاوية هو الذي فضل ~~تسمية هذه البدعة « بالسنة » فسماها معه المغرورون بزعامته والمأخوذون ~~بطاعته كما أحب ، وظل الناس بعده على بدعته. الى أن ألغاها عمر بن عبد ~~العزيز « وأخذ خطيب جامع ( حران ) يخطب ثم ختم PageV01P231 # خطبته ولم يقل شيئا من سب أبي تراب كعادته ، فتصايح الناس من كل جانب : ~~ويحك ويحك السنة السنة ، تركت السنة! (1)». # ثم كانت « سنة معاوية » هي الاصل التاريخي لتكوين هذه الكلمة تكوينا ~~اصطلاحيا آخر ، تناسل مع الاجيال ، وتنوسيت معه مناسباته السياسية الاولى. # وانتباهة منصفة في تناسق نفسيات الرجل ، تغنيك عن استعراض أمثلة كثيرة من ~~أعماله في هذا السبيل .. # وبعد هذا ، فما ظنك بمعاوية لو قدر له الظفر في حربه مع الحسن ، وقدر ~~للحسن الشهادة في الحرب؟. # أفكان من سوابق الرجل هذه ، ما يدل على أنه سيلزم جانب الاعتدال والقصد ، ~~في استغلال انتصاره تجاه فلول الحرب من شيعة الحسن والبقية الباقية من ~~الثابتين على العقيدة والايمان؟ ms135 أم أن موجة ابادة ساحقة ستكون هي عنوان ~~علاقاته بهؤلاء ، بعد موقفه الصريح من السلالة النبوية نفسها ، وبعد أن ~~يكون قد طحن في هذه الحرب أكبر رأس في البيت النبوي العظيم. # ان معاوية سوف لا يتقي بعد ذلك أحدا. وانه سوف لا يتردد سياسيا ، ولا ~~يتورع دينا ، من أن يمضي قدما في تصفية حسابه مع المبدأ الذي أقض مضجعه ~~وأكل قلبه وهزئ بكيانه ، منذ ولي علي الخلافة ، بل منذ طلعت الهاشمية ~~بالنور على الدنيا ، بل منذ هزمت المنافرة أمية الى الشام. # وما كان معاوية بالذي يعجز عن وضع « تدابير محبوكة » أخرى لعملية محق ~~الشيعة ، بعد مقتل الحسن ، يحتال بها على المغرورين بزعامته من الجيل الذي ~~شد أزره على اصطناع ما أتاه من مخالفات. PageV01P232 # وهو صاحب تدابير « لعن أهل البيت » وصاحب تدابير « رمي علي بدم عثمان » ، ~~فلتكن ثالثة أثافيه تدابيره في « القضاء على التشيع » ماديا ومعنويا. وانه ~~لرجل الميدان في تعبئة هذه الالوان من التدابير. # وفي جنبات قصوره الشاهقات في الشام ، الضمائر المعروضة للبيع والاقلام ~~المفوضة للايجار ، فلتضع الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وفق ~~الخطط المرسومة ، ولتنتهك المبادئ العلوية انتهاكا فتمسخها مسخا وتزدريها ~~ازدراء تنتزع به استحقاقها للبقاء بين الناس ، ثم لتخلق منها وقد خلا الجو ~~من آل محمد (ص) ردة اخرى عن الاسلام تتهم بها بناة الاسلام ومهابط تنزيله ~~ومنازل وحيه ومصادر تعاليمه أنفسهم ، ثم لتشرع للناس مع تمادي الوضع والرفع ~~اسلاما آخر ، هو قريحة معاوية لا ما هتفت به الهاشمية من وحي السماء. # وكان هذا هو الذي عناه الحسن عليه السلام حين قال : « ما تدرون ما عملت ، ~~والله للذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس ». # وما شيء خيرا مما طلعت عليه الشمس من حفظ العقيدة وتخليد المبدأ. # وكان هو ما عناه أيضا الامام محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( ~~الباقر ) عليه السلام ، حين سئل عن صلح الحسن (ع) فقال : « انه أعلم بما صنع ~~ولولا ما صنع لكان أمر عظيم ». ### ||| ** النتائج ms136 : # وأغلب الظن أن خطوات هذه المراحل الثلاث ، بلغت بالقارئ الكريم هدفنا ~~المقصود من البحث ، قبل ان نعلن عنه صريحا ، وكشفت له بتدرجها الرفيق كثيرا ~~من الغموض الذي هيأ جوا للنقد الموروث. # ونقول الآن تدليلا على ما ادعيناه أولا من انغلاق طريق الشهادة عن الحسن ~~(ع)، الذي كان معناه امتناعها هي منه ، دون امتناعه هو منها : PageV01P233 # ان الحسن لو حاول أن يجيب على حدة مأزقه التي اصطلحت عليه في لحظته ~~الاخيرة في المدائن ، باراقة دمه الطاهر في سبيل الله عز وجل انكارا على ~~البغي الذي صارحه به ستون ألفا من أجناد الشام ، وايثارا للشهادة ومقامها ~~الكريم لحيل بينه وبين ما يريد ، ولكان بلا ريب ذلك المقتول الضائع الدم ~~الذي لن يستطيع أصدقاؤه في التاريخ أن يسجلوا له الشهادة كما تقتضيها كلمة ~~« شهيد ». # ذلك لان الظرف المؤسف الذي انتهى اليه طالع المدائن بما عبرت عنه الفوضى ~~الرعناء في صيحاتها الكافرة وفي سلاحها أيضا ، وبما كشفت عنه كتب الخونة ~~الكوفيين في مواثيقهم لمعاوية على الفتك بالحسن وهو ما وقف عليه الحسن نفسه ~~في رسائلهم ، كل ذلك يفرض علينا الاستسلام للاعتقاد بأن فكرة قوية الانصار ~~من رجالات المعسكر ، كانت قد قررت التورط في أعظم جريمة من أمر الامام ~~عليه السلام ، وأنهم كانوا يتحينون الفرص لاقتراف هذه البائقة الكبرى. # ووجدوا من تلاشي النظام في المعسكر ، بما انتاشه من الفزع وبما انتابه من ~~الفتن ، وبما بلغه من أخبار مسكن ، ومن الفوضى « المصطنعة » التي اطلعت ~~رأسها بين جماهيره الهوج ظرفا مناسبا لانزال الضربة الحاسمة التي كانت هدف ~~الخوارج فيما أرادوه من جهادهم مع الحسن وكانت غاية « الحزب الاموي » فيما ~~تم عليه الاتفاق بينه وبين معاوية. ولا ننسى أن معاوية نفسه كان قد لوح ~~للحسن عليه السلام في رسائله الاولى اليه ، بما يشعره التهديد بهذه الخطة ~~العدوة من أول الامر . والا فما معنى قوله هناك : « فاحذر أن تكون منيتك ~~على أيدي رعاع من الناس!!. ». # وبلغ من دقة الموقف وتوتر الوضع ، في لحظات المدائن الاخيرة ، أن أي حركة ~~من ms137 الامام عليه السلام سواء في سبيل الحرب أو في سبيل الصلح ، وفي سبيل ~~الانضمام الى الجبهة في مسكن أو في سبيل العودة الى الكوفة مثلا ، لابد أن ~~تنقلب الى خلاف حاد ، فتمرد واسع ، فثورة PageV01P234 # مسلحة هوجاء ، هي كل ما يتمناه معاوية ، ويصوب له ذهبه وخزائنه. # ولن يطفئ النائرة يومئذ لو اتقدت جذوتها الا دم الحسن الزكي. # وللثورات الجامحة أحكامها القاسية وتجنياتها التي لا تبالي في سبيل ~~الوصول الى أهدافها بالاشخاص مهما عظمت مكانتهم في النفوس. # أوليست طعنة الحسن في ساباط المدائن دليلا على ما نقول؟. وهل كانت الا ~~الطعنة التي تطوعت الى قتله عن ارادة وعمد؟ وكان قد خرج اذ ذاك من فسطاطه ~~يؤم مقصورة عامله على « المدائن » ليتجنب ضوضاء الناس ، وليكون هناك أقدر ~~على اتخاذ ما يحتمله الظرف من تدبير. # وهنا يقول المؤرخون ما لفظه : « وأحدق به طوائف من خاصته وشيعته ، ومنعوا ~~عنه من أراده ». وفي نص آخر : « فأطافوا به ودفعوا الناس عنه » أقول : فمم ~~كانوا يدفعون الناس عنه؟ ومم منعوا من أراده؟ .. أوليس هذا كله صريحا بأنه ~~أصبح مهددا على حياته ، وأن الذين خرجوا معه كمجاهدين يدافعون عنه انكشفوا ~~بعد قليل عن أعداء يتدافعون عليه؟؟. # وهل كان انكفاؤه الى مقصورة سعد بن مسعود ، الا ليبتعد عن المحيط المفتون ~~الذي أصبح يستعد لثورة لا يدرى مدى اندفاعها بالموبقات؟. ورأى بأم رأسه ~~انسياح فصائله أنفسهم في مضاربه نهبا ، وفي مقامه المقدس تكفيرا وسبا ، ~~ورأى تحاملهم المقصود على ايذائه وتدافعهم العامد على العظيم من أمره ، ~~فعلم أنهم أصبحوا لا يطيقون رؤيته ، وأن ظهوره بشخصه بينهم هو مثار تمردهم ~~الخبيث ، فانتقل غير بعيد ، وكانت انتقالته نفسها احدى وسائله لعلاج الموقف ~~، لو أنه وجد للعلاج سبيلا. # وبديهي أنه لم يكن أحد آخر في الدنيا كلها ، أحرص من الحسن نفسه على ~~الفوز في قضيته ، ولا أكثر عملا ، ولا أشد اهتماما ، ولا أنشط حيوية ، ولا ~~أسرع تضحية فيما تستدعيه من تضحيات. PageV01P235 # وبديهي أيضا ، أنه لم يكن ليفوته ما لا يفوتنا من رأي ، ولا يخطئه ما ms138 لا ~~يخطئنا من تدبير. ولقد برهنت سائر مراحله على أنه الرجل الحصيف الذي غالب ~~مشاكله كلها ثم اختار لها أفضل الحلول في حربه وسلمه ومع مراحل جهاده ~~ومعاهدات صلحه ، وفي عاصمة ملكه « الكوفة » وعاصمة امامته « المدينة ». # ترى ، أفكان من جنون هذه اللحظات في المدائن ، مجال للموت الذي يصنع ~~الحياة؟ أم هو المجال الذي لا يصنع الا الموت في الموت أبديا ، وهو ما يجب ~~أن تربأ عنه النفوس الكريمة التي لا تموت الا لتحيي بعدها سنة أو تنقذ أمة. # فأين امكان الشهادة للحسن يا ترى؟ .. # ولقد يحز في النفس حتى ليضيق محب الحسن ذرعا بما يترسمه في ذهنه من معالم ~~الخطوب السود ، التي كانت تتدفق بطوفانها الرهيب على هذا الامام الممتحن في ~~أحرج ساعاته وأدق لحظاته. # ربما كان للذهن قابلية التصور أو قابلية الهضم للحوادث التي ترجع الى ~~مصادرها الاعتيادية في الناس ، من العداء الشخصي ، أو النزاع القبلي ، أو ~~الخلاف النظري كعداء معاوية للحسن ، أو خصومة بني أمية للهاشميين ، أو خلاف ~~الخوارج على علي وأولاده (ع). أما الحوادث التي لا مرجع لها الا الطمع ~~الدنيء فانه من آلم ما يتصوره الانسان من شذوذ الناس. # أفتظن ان من الممكن لشيعي يعتقد امامة الحسن كما يعتقد نبوة النبي ، ~~ويعيش في نعمة الحسن كما يعيش في نعمة أبيه ، ثم تحدثه نفسه بالخيانة ~~العظمى في أحرج اللحظات التي تمر بامامه وولي نعمته ، وأحوجها الى الاخلاص ~~الصحيح من شيعته؟. # أجل ، انها للمؤامرة الدنيئة التي كانت من صميم الواقع الذي دار PageV01P236 # حول الحسن عليه السلام ، في ابان وجوده في المقصورة البيضاء بالمدائن!! .. # فانظر الى أي حد كان قد بلغ التفسخ الخلقي في الجيل الذي قدر للحسن أن ~~يتخذ منه أجناده الى جهاد عدوه. # قد يكون الفرد بذاته من ذوي الحسب ، وقد يكون على انفراده من ذوي السكينة ~~، ولكنه اذا انساح بضعفه المتأصل في نفسه مع العاصفة الطارئة ، واحتضنته ~~الجماهير المتحمسة من حوله ، كان جديرا بان تغلب عليه روح الجماعة فلا يشعر ~~الا بشعورها ، ولا يفكر الا بفكرها ms139 ، ولا يعمل الا بعملها ويخالف عندئذ ~~مشاعره الفطرية مخالفة لا تنفك في أكثر الاحيان عن الندم الجارح عند سكون ~~العاصفة وتبدل الاحوال. # وهكذا كان من السورة الجامحة في ضوضاء المدائن يومئذ ما أخضع لتياره حتى ~~الشيعي الضعيف ، فنسي تشيعه ونسي عنعناته ، ونسي حتى المعنويات العربية ~~الساذجة التي تتحلل من الدين على اختلاف نزعاته!! .. # فانه ان لم يكن امامك فولي نعمتك ، وان لم يكن ولي نعمتك فالكريم الجريح. # وهذا مثل واحد حفظه التاريخ عن شيعيهم ، ظنك بخارجيهم وأمويهم وشكاكهم ~~وأحمرهم؟. # ومثل واحد حفظه التاريخ ، يدل على أمثال كثيرة نسيها التاريخ أو تناساها. ### ||| ** ووجه آخر : # هو ما أشار اليه الحسن نفسه في أجوبته لشيعته الذين نقموا عليه الصلح. ~~قال : « ما أردت بمصالحتي معاوية الا أن ادفع عنكم القتل (1)». PageV01P237 # وأثر عنه بهذا المعنى كلمات كثيرة. # وللتوفر على فهم هذه الحقيقة بشيء من التفصيل الذي يخرج بنا الى القناعة ~~بما أجمله الامام بهذا القول ، نقول : # لم يكن النزاع بين الحسن ومعاوية في حقيقته ، نزاعا بين شخصين يتسابقان ~~الى عرش ، وانما كان صراعا بين مبدأين يتنازعان البقاء والخلود. وكان معنى ~~الانتصار في هذا النزاع ، خلود المبدأ الذي ينتصر له أحد الخصمين ~~المتنازعين. وكذلك هي حرب المبادئ التي لا تسجل انتصاراتها من طريق السلاح ~~، ولكن من طريق الظفر بثبات العقيدة وخلود المبدأ. وربما ظفر المبدأ ~~بالخلود ولكن تحت ظل اللواء المغلوب ظاهرا. # وانقسم المسلمون يومئذ ، على اختلاف رأيهم في المبدأين ، الى معسكرين ~~يحمي كل منهما مبدأه ، ويتفادى له بكل ما أوتي من حول وقوة. # فكانت العلوية والاموية ، وكانت الكوفة والشام. # ونخلت الادوار الاستفزازية التي لعبها معاوية ، باسم الثأر لعثمان ، ~~معسكر الشام من شيعة علي وأولاده عليهم السلام . فكان لابد لهؤلاء أن ينضووا ~~الى معسكرهم في الكوفة ، وفي البلاد التي ترجع بأمرها الى الكوفة ، غير ~~مروعين ولا مطاردين. # واجتمع على ذلك في الكوفة والبصرة والمدائن والحجاز واليمن عامة القائلين ~~بالتشيع لأهل البيت عليهم السلام . # وخلص الى عاصمة الامام في العراق من الامصار كلها ، الثقل الاكبر من ~~أعلام ms140 المسلمين ، وبقايا السيوف من المهاجرين والانصار. فكانت كوفة علي على ~~عهد الخلافة الهاشمية ، مباءة الاسلام ، والمركز الذي احتفظ بتراث الرسالة ~~بأمانة وصبر وايمان. # وكان طبيعيا ان يستجيب لدعوة الحسن ، في زحفه للموقعة الفاصلة بين ~~المبدأين ، عامة هذه النخبة المختارة المتبقية في الكوفة بعد وفاة أبيه عليه PageV01P238 # السلام ، من شيعته وشيعة أبيه وصحابة جده صلى الله عليه وآله ، فاذا هم ~~جميعا عند مواقعهم من صفوف وحداتهم ، في الجيش الذي يستعد في « النخيلة ». # ولم يكن في الدنيا كلها ، قابلية أخرى لصيانة التراث الاسلامي على وجهه ~~الصحيح ، كالقابليات التي لفها جناح هذا الجيش ، بانضواء هذه الكتل الكريمة ~~اليه ، وفيها أفراد الاسرة المطهرة من الهاشميين. # واحتضنت وحدات النخيلة مع هؤلاء ، أجناسا كثيرة من الناس ، أتينا فيما ~~سبق على عرض واسع لمختلف عناصرهم وشتى منازعهم ونتائج أعمالهم. # وكان المضي في الزحف ضرورة اقتضاها الظرف الطارئ كما أشير اليه آنفا. # وما هي الا أيام لم تبلغ عدد الاصابع ، حتى انتظم المعسكران في « المدائن ~~» و « مسكن » أقسام الجيش كلها ، فكان في كل منهما جماعة من الطبقة الممتازة ~~في مسلكها ومعنوياتها واخلاصها ، وجماعات أخرى من طبقات مختلفة منوعة. # وجاءت هزيمة عبيد الله بن عباس ومن معه الى معاوية ، أشبه بعملية تصفية ~~قد تكون نافعة ، لو لم تعززها نكبات أخرى من نوعها ومن غير نوعها ، ذلك ~~لانها نخلت معسكر مسكن ، وهو المعسكر الذي نازل العدو وجها لوجه ، من ~~الاخلاط التي كانت العضو الفاسد في هذا الجيش. # أما في المدائن فقد كان الحسن وخاصته في سواد من أشباه المهزومين لا ~~يتسنى لهم الوصول الى معاوية فيفرون ، ولا يستفزهم الواجب فيرضخون. وكانوا ~~في المستقبل القريب ، أداة الكارثة التاريخية ، بما حالوا بين الحسن وبين ~~أهدافه من هذه الحرب ، وبما أغلقوا عليه من طريق الشهادة الكريمة ، وبما ~~أفسدوا عليه كل شيء من أمره ، ( كما مر PageV01P239 # بيانه قريبا ). # ولنفترض الآن أن شيئا واحدا كان لا يزال تحت متناول الحسن في سبيل ~~الاستمرار على الحرب ، أو في سبيل الامتناع على الصلح. # ذلك هو أن يصدر ms141 أوامره من حصاره في « المدائن » الى انصاره في « مسكن » ~~بمباشرة الحرب ، تحت قيادة القائد الجديد « قيس بن سعد بن عبادة الانصاري » ~~، الرجل العظيم الذي نعرف من دراسة ميوله الشخصية ، أنه كان يؤثر الحرب حتى ~~ولو صالح الامام (1). واذا كانت ثورة المشاكسين في المدائن ، قد حالت دون ~~تكتيب هذا الجيش للقتال ، فما كانت لتحول دون ارسال الاوامر الى المخلصين ~~الاوفياء في جيش مسكن بالحرب ، ان سرا وان علنا. # ومن المحتمل أن كثيرا من المغلوبين على أمرهم من مجاهدة المدائن المخلصين ~~، كانوا يستطيعون التسلل الى « مسكن » لانجاد القوات المحاربة هناك ، فيما ~~لو وجدوا من جانب الحسن استعدادا لهذه الفكرة او تشجيعا عليها. # ولعل من المحتمل ايضا ان الامام نفسه كان يستطيع هو ايضا وبعد تريث غير ~~طويل ، ينتظر به خفوت الزوابع الدائرة حوله في المدائن ، أن يخف الى مسكن ~~حيث النصر الحاسم ، أو الشهادة بكل معانيها الكريمة في الله وفي التاريخ. # فلماذا ينزل الى الصلح ، وله من هذا التدبير مندوحة عنه؟. # نقول : # ربما كان في مستطاع الحسن اصدار هذه الاوامر في لحظاته الاخيرة في ~~المدائن ، وربما لم يكن. PageV01P240 # وعلى كل من التقديرين ، فما كل مندوحة لوحت بنجاح ، يجوز الاخذ بها ، ورب ~~تدبير في ظرف هو نفسه مفتاح مآزق صعاب لظرف آخر. وهذه هي القاعدة التي يجب ~~الالتفات اليها عند الاخذ بأي اقتراح في أي من المآزق. # وهنا ايضا ، فهل فكر مقترح هذا التدبير ، في المدة التي كان يمكن أن ~~تستوعبها حرب أربعة آلاف هم جيش الحسن في مسكن لستين الفا هم جيش معاوية أو ~~ثمانية وستين الفا؟ واستغفر الله ، بل حرب مجموعة من جيش تنازل مجموعة من ~~جيش تزيدها خمسة واربعين ضعفا! [ ارجع الى تحليل النسبة العددية بين ~~الفريقين عسكر مسكن وعسكر الشام في الفصل 11 ]. # وهل فكر مقترح هذه المندوحة ، فيما عسى ان يكون موقف الحسن عند انتهاء ~~اللحظات القصيرة من عمر هذه الحرب ، وعندما يتفانى المساعير من أنصاره في مسكن. # انه ولا شك الموقف الذي سيضطره لو بقي حيا الى ms142 التسليم بدون قيد ولا شرط. # وانه ولا شك الطالع الجديد الذي كان ينتظره معاوية للاجراءات الحاسمة بين ~~الكوفة والشام ، الاجراءات التي لا تعدو الاحتلال العسكري المظفر بويلاته ~~ونقماته التي لا حد لفظاعتها في أهل البيت وشيعتهم ، وأخلق باحتلال كهذا أن ~~يطوح بكل أماني البلاد ، وبشعائرها الممتازة ، ومبادئها التي قامت على ~~جماجم عشرات الالوف من صفوة الشهداء المجاهدين في الله. # ولا اخال أن أحدا يفطن الى هذه النتائج المحتمة ، ثم لا يحكم بفشل هذه ~~المندوحة المنتقضة على نفسها ، وان من أبرز اخطائها انها تنقل الحسن في ~~أقصر زمان من خصم مرهوب يملي الشروط على عدوه ، الى محارب مغلوب لا مفر له ~~من التسليم بدون قيد ولا شرط. # وهذا فيما لو انكشفت الحرب والحسن حي يحال بينه وبين PageV01P241 # الاشتراك فيها. # وأما لو قدر لهذه الحرب القصيرة العمر ، أن تجتاح في طاحونتها حتى الحسن ~~لينال الشهادة ، وافترضنا أنه كان قد استطاع التسلل الى مسكن والاشتراك في ~~القتال الامر الذي لا ينسجم وسير الحوادث هناك كما عرفت قريبا فالجواب هو ~~أن الشهادة التي يكون ثمنها امحاء المبدأ امحاء أبديا ، لا يمكن ان تكون ~~وسيلة نجاح في الله ولا في التاريخ. # وان التاريخ الذي سيناط به ذكر هذه الحرب ، بعد شهادة الحسن وذيولها ~~المؤسفة ، سيروي للاجيال من شؤون الحسن وحروبه ، ما لا يخرج بمفهومه عن ~~معنى « الخروج ». وذلك هو ما أردنا التلميح اليه في كلامنا على « خطة ~~معاوية تجاه أهداف الحسن » من هذا الفصل. # ولكي نزيد هذا الاجمال توضيحا نقول : # علمنا مما تقدم ، أن الصفوة من حملة الكتاب ، والبقية من الصحابة الابرار ~~، والنخبة المختارة من الشيعة الاوفياء ، كانوا قد اجتمعوا للحسن ~~عليه السلام فيمن دلف به الى معاوية في زحفه هذا. ولا نعرف أن احدا من هذا ~~الطراز تخلف مختارا عن تلبية الحسن فيما دعا اليه من الجهاد. # فكان الموقف في هذه اللحظة المبدئية الدقيقة بين الحسن ومعاوية ، أشبه ~~بالموقف الآنف بين أبويهما رسول الله (ص) وأبي سفيان بن حرب يوم كان يبرز ~~الايمان كله ms143 للشرك كله. # وعلمنا مما تقدم ايضا أنه لم يكن في الدنيا كلها مجموعة اخرى تؤتمن على ~~الثقل الاكبر من نواميس الاسلام ، والمبادئ المثالية الصحيحة على وجهها ~~الصحيح ، مثل هذه المجموعة التي اجتمعت للحسن في هذا الزحف. # فكان معنى تنفيذ فكرة الحرب ، والتورط بهذه الزمرة في القتال المستميت ~~الذي لن ينكشف منهم على نافخ ضرمة قط ، هو التفريط بالثقل الاكبر الذي ~~يحملونه ولا يحمله في الدنيا أحد غيرهم. PageV01P242 # وكان معنى التفريط به ، انقطاع الصلة بين علي واولاده الائمة الميامين ، ~~وبين الاجيال الآتية الى يوم الدين. # ثم لتعودن قضية الحسن بعد ذلك أشبه بقضايا الاشراف العلويين ، الذين ~~نهضوا في ظروف مختلفة من أيام الحكم الاسلامي ، يهتفون بالاصلاح ، ويحتجون ~~بالرحم الماسة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم غلبوا على امرهم ، ~~فلم يبق من دعوتهم الا اسماؤهم في أطواء التاريخ أو في كتب الانساب. # وما يدرينا ، فيما لو صفي الحساب مع آل محمد تصفيته الاموية الاخيرة ، ~~فقتل الحسن ، وقتل معه جميع أهل بيته ، وقتل معهم الصفوة المختارة من عباد ~~الله المخلصين ، وانقلب الاسلام أمويا ، ماذا سيكون من ذكريات محمد ~~صلى الله عليه وآله في التاريخ؟. وماذا سيكون من شأن المثاليات التي نفخ ~~الاسلام روحها في الصفوة من رجالاته؟. وهل رجالاته المصطفون الا هذه ~~الاشلاء التي طحنتها سيوف الشام في هذه الحروب؟. # وعلمنا مما تقدم مبلغ ما تهتز به أوتار معاوية بن أبي سفيان من العنعنات ~~القبلية والانانيات والترات. فهل لنا وقد أيسنا من ذكر علي وأولاده في ~~أعقاب هذه التصفية الا بالسوء ، أن نطمئن الى ذكر محمد صلى الله عليه وآله ~~وذكر تعاليمه ومبادئه الصحيحة بخير؟. # والعدو المنتصر هو معاوية بن أبي سفيان ، الذي ضاق بذكر الناس لاخي هاشم ~~( النبي ص ) في كل يوم خمس مرات كما تقتضيه السنة الاسلامية في « الاذان » ~~، حتى قال للمغيرة بن شعبة : « فأي عمل يبقى بعد هذا لا أم لك ، الا دفنا ~~دفنا (1)!! .. ». PageV01P243 # ورجاله المنتصرون هم : أخوه [ الشرعي؟! ] « زياد ابن ابيه » ، والصحابي ~~المسن « عمرو بن العاص ms144 » ، والداهية [ النزيه؟! ] « المغيرة بن شعبة » ، ~~وفاتح الحرمين!! « مسلم بن عقبة » ، وامثال هذه النماذج من الغيارى على ~~روحيات الاسلام!! .. # وفي مجازر ( زياد ) في الكوفة ، وفتن ( عمرو ) في صفين ودومة الجندل ، ~~ومساعي أول مرتش في الاسلام ( المغيرة بن شعبة ) لتنصيب يزيد للخلافة ~~ولالحاق زياد للاخوة ، ومواقف ( ابن عقبة ) من المدينة والكعبة ، كفاية ~~للاطمئنان على الرقم القياسي الذي صعدت اليه غيرة كل من هؤلاء ، على التراث ~~الاسلامي ، وعلى مقدسات الاسلام ، وعلى مصالح المسلمين. # انهم عملوا ما عملوا ، وهم اذ ذاك على مسمع ومشهد ، من آل محمد والصفوة ~~الباقية من تلامذة محمد (ص) ومن أشياعهم الآمرين بالمعروف والناهين عن ~~المنكر ، والواقفين لهم بالمرصاد. # فكيف بهم ، وماذا كانوا يعملون ، لو أصفرت الدنيا من آل محمد وعباد الله ~~الصالحين؟؟. # ان النتائج الواضحة المستقيمة التي لا عوج في تأويلها ، هي أن الامام # __________________ PageV01P244 # الحسن عليه السلام لو سخا بنفسه وبشيعته ، وفرضنا أنه كان قد استطاع حضور ~~ميدانه في « مسكن » ، لحكم على نفسه بالموت حتى لا يبقى اسمه الا في كتب ~~الانساب ، وعلى مبدئه المقدس بالاعدام حتى لا يبقى منه أي أثر بين سمع ~~الارض وبصرها ، ولرأيت تاريخه المجيد وتاريخ بيته العتيد ، أسطورة مشوهة من ~~أبشع الاساطير ، يمليها معاوية كما يشتهي ، ويشرحها بعده مروان وآل مروان ~~كما يشاؤون. # وكان معنى ذلك نهاية تاريخ الروحية الاسلامية ، وبداية تاريخ اموي له ~~طابعه المعروف وخصائصه الغنية عن البيان. # وفي الحديث الشريف : « لو لم يبق من بني أمية الا عجوز درداء لبغت دين ~~الله عوجا (1)». # ترى ، فهل كان في امكان الحسن غير ما كان؟. # وان أقل استقراء وتدبر ، يثبتان أنها كانت افضل طريقة للتخفيف من عرامة ~~الاجراءات المتوقعة ، بل كانت الطريقة الوحيدة التي لا ثانية لها. # وحفظ الحسن بها حين استيقن هذه النتائج كحقائق واقعة خطوط اتصاله ~~بالاجيال ، بل خطوط اتصال أبيه وجده عليهما الصلاة والسلام ، من طريق ~~الابقاء على شيعته ، وأنقذ بذلك مبدأه من الابادة المحققة ، وصان تاريخه من ~~التشويه والتزوير والمسخ والازدراء. # وانتزع من الخذلان الذي حاق به في دنياه ms145 ، الانتصار اللامع لروحيته ~~وعقيدته واخراه. # وهكذا ترك الدنيا ليحفظ الدين. # وذلك هو طابع الامامة في هذه الزمرة المباركة من آل الله. PageV01P245 ### | القسم الثالث ### | الصلح PageV01P246 ### ||| دوافع الفريقين للصلح PageV01P247 # وما كان بدعا من محاولات معاوية فيما يهدف اليه ، أن يبتدر هو الى طلب ~~الصلح (1)، فيعطي الحسن كل شرط ، ليأخذ عليه شرطا واحدا هو « الملك ». # وقرر معاوية خطته هذه ، في بحران نشاط الفريقين للحرب ، وكان في توفره ~~على تنفيذ هذه الخطة ، أعنف منه في عمله لتنظيم المعسكرات وتدبير شؤون ~~الحرب. ورأى ان يبادئ الحسن بطلب الصلح ، فان أجيب اليه فذاك ، والا ~~فلينتزعه انتزاعا ، دون أن يلتحم والحسن في قتال. # وكان عليه قبل كل شيء ، أن يصطنع في سبيل التمهيد الى غايته ، ظرفا من ~~شأنه ان ينبه خصومه الى تذكر الصلح. # ومن هنا طلعت على معسكرات الحسن عليه السلام ، الوان الاراجيف ، وعمرت سوق ~~الرشوات ، وجاء في قائمة وعوده التي خلب بها ألباب كثير من الزعماء أو ~~المتزعمين : رئاسة جيش ، وولاية قطر ، ومصاهرة على أميرة اموية!! .. وجاء ~~في أرقام رشواته النقدية الف الف [ مليون ]!. # واستعمل في سبيل هذه الفكرة كل قواه وكل مواهبه وكل تجاربه ، واستجاب له ~~كثير من باعة الضمائر الذين كانوا لا يفارقون الحسن ظاهرا فاذا هم عيون ~~معاوية التي ترى ، وأصابعه التي تعمل ، وعملاؤه الذين لا يدخرون وسعا في ~~ترويج اهدافه. PageV01P248 # وكانت الجيوش والاسلحة والحركات السوقية في الزحف الى المعسكرات ، هي ~~الاخرى بعض وسائله الى الصلح ، ولم يشأ أن يبدأ بهم غاراته على العراق ، ~~لانه لن يلتحم مع الحسن بقتال ، الا اذا اعيته الوسائل كلها ، والوسائل في ~~عرف معاوية ، غير الوسائل في عرف الناس أو في عرف الدين الجديد. # ومن الحق أن نقول : ان وسائله في هذا الميدان ، كانت من النوع المحبوك ~~الصنع ، الدقيق الاساليب ، الموفق كل التوفيق ، في سبيل الغرض الذي رمى ~~اليه ، من اصطناع الظرف الخاص الذي يذكر عدوه بالصلح. # فاذا باع القائد في جبهة العراق ضميره لمعاوية بالمال ، وباع معه أكثر ~~الرؤساء ضمائرهم بالعدات. # واذا أصبح المعسكران في مسكن ms146 والمدائن يعجان بالشائعات التي راحت تمطرهما ~~بوابل من الويل والثبور والمخاوف. # واذا أصبح الحسن نفسه لا يتسنى له تنفيذ أوامره في جيشه بما فعلته ~~الاراجيف من حوله ، بل لا يستطيع الظهور بشخصه أمام الكثرة من جنوده ، الا ~~ليغتال بين مضاربه وعلى سواعد أصحابه. # فهل من سبيل الا الصلح؟ .. # انه الظرف الذي استعصى صلاحه بفساد ناسه ، ولا تثريب على الحسن من ظرفه ~~اذا فسد ، وناسه اذا فشت فيهم الفتنة ، وان لانحراف الطبائع حكمه ، ولحداثة ~~الاسلام خاصتها ، في القلقين من المسلمين أو في المفروضين على الاسلام فرضا. # واذا قدر للحسن أن يخسر بخيانة جنوده ، أو ببراعة الفتن التي تسلح بها ~~عدوه « معركته الاولى » ، فليكن منذ اليوم عند « معركته الثانية » التي لا ~~تنالها خيانة الجنود ، ولا يضيرها انحراف الطبائع ، ولا تزيدها PageV01P249 # دسائس العدو ولا أساليب فتنه البارعة الا مضاء ونفوذا وانتصارا مع ~~الايام. # وتلك هي « الفذلكة » التي أجاد الحسن استغلالها كأحسن ما تكون الاجادة ، ~~واستغفل بها معاوية أشد ما يكون في موقفه من الحسن يقظة ونشاطا وانتباها. # انه لبى طلب معاوية للصلح ، ولكنه لم يلبه الا ليركسه في شروط لا يسع ~~رجلا كمعاوية الا أن يجهر في غده القريب بنقضها شرطا شرطا. ثم لا يسع الناس ~~اذا هو فعل ذلك الا ان يجاهروه السخط والانكار ، فاذا بالصلح نواة السخط ~~الممتد مع الاجيال ، واذا بهذا السخط نواة الثورات التي تعاونت على تصفية ~~السيطرة الاغتصابية في التاريخ. # وليكن هذا هو التصميم السياسي الذي نزل الحسن من طريقه الى قبول الصلح ، ~~ولتكن هذه هي الفذلكة التي استغفل بها معاوية فكانت من أبرز معاني العبقرية ~~المظلومة في الامام المظلوم. # وأي غضاضة على الحسن بعد هذا اذا هو وقع الصلح وفق الخطط المرسومة. # وان له من حراجة ميدانه الاول ، ومن الامل بنتائج ميدانه الثاني ما يزين ~~له حديث الصلح ، فضلا عما يستأثر به هذا الحديث من ظاهرة الاصلاح في الامة ~~، وما يتفق معه من حقن الدماء وصيانة المقدسات ، وتحقيق وجهة النظر ~~الاسلامي. # وكانت اشهرا لم تناهز عدد الاصابع ms147 العشر ، ولكنها ناهزت عدد النجوم هزاهز ~~وزعازع ، وكانت قطعة من الزمن يتجه اليها القلب بكل ما يملكه من حب واعجاب ~~، فاحت بروائح النبوة ، وتجلت فيها مزايا الامامة الصادقة ، وتكشفت على ~~قلتها وقصر مدتها عن حقائق كثير كثير من PageV01P250 # الناس هنا وهناك. وهي الاشهر التي ختمت أعمالها بأفضل خواتيم الاعمال في ~~الاصلاح ، ووصلت بخاتمتها الفضلى مصلحة الدنيا بمصلحة السماء. # واذا بالحسن بن علي ، هو ذلك المصلح الاكبر ، الذي بشر به جده رسول الله ~~صلى الله عليه وآله في الحديث الذي سبق ذكره : « ان ابني هذا سيد وسيصلح الله ~~به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ». # وان الله سبحانه عود أهل هذا البيت أن يحفظ لهم الشرف في أعلى مراتبه وفي ~~مختلف ميادينه ، فان لم يكن بالانتصار بالسلاح ، فليكن بالشهادة الكريمة في ~~الله وفي التاريخ. وان لم يكن بهذا ولا ذاك فليكن بالاصلاح وجمع الكلمة ~~وتوحيد أهل التوحيد. وكفى بالاصلاح شرفا وكفى ببقاء الشرف انتصارا. وبقاء ~~الشرف ضمان لبقاء العزة. والعزة حافز دائب يدفع الى الحياة ويقوم على ~~السيادة. # ومن السهل ان نفهم دوافع الحسن الى الصلح مما ذكرنا. # أما دوافع معاوية التي اندلف بها من جانبه الى طلب الصلح ، فقد كانت من ~~نوع آخر لا يرجع في جوهره الى العجز عن القتال ، ولا ينظر في واقعه الى ~~وجهة نظر دين أو اصلاح أو حقن دماء ، فلا الاصلاح ولا حقن الدماء بالذي ~~يعنى به معاوية فينزل له عن مطامعه في الفتح. وفي غاراته على المدينة ومكة ~~واليمن ، ومواقفه الجريئة بصفين ، ما يزيدنا بصيرة في معرفة الرجل وان قل ~~عارفوه. # اذا ، فليكن طموحا نفعيا خالصا ، هو الاشبه بتاريخ معاوية الذي جاء ~~تاريخه أشبه باسطورة. # انه خيل اليه بأن تنازل الحسن له عن الحكم ، سيكون معناه في الرأي العام ~~، تنازله عن « الخلافة ». وظن أنه سيصبح على هذا PageV01P251 # « الخليفة الشرعي في المسلمين (1)». # وكان الحلم اللذيذ الذي استرخص في سبيله كل غال ، وخفي عليه أن الاسلام ~~أعز جانبا من أن يهضم الاساليب الهوج ، أو يعطي اقليده للطلقاء ms148 وأبناء ~~الطلقاء. # هذا ، ولا ننكر ان يكون لمعاوية بواعث أخرى جعلت منه انسانا آخر ينكر ~~الحرب ويمد يده الى الصلح ويوقع الشروط ويحلف الايمان ويؤكد المواثيق. ~~ولكنا اذ نتحرى بواعثه الاخرى لا نزول عن الاعتقاد بأن الحلم اللذيذ الذي ~~ذكرنا ، كان أكبر دوافعه وأشد بواعثه. # وفيما يلي قائمة مناسبات ، تصلح لان تكون بعض دوافعه الى الصلح : # 1 انه كان يرى أن الحسن بن علي عليهما السلام ، هو صاحب الحق في الامر ، ~~ولا سبيل الى اقتناص « الامر » الا من طريق اسكات الحسن ولو ظاهرا ، ولا ~~سبيل الى اسكاته الا بالصلح. # اما رأيه بأولوية الحسن بالامر ، فقد جاء صريحا في كتاب اليه قبيل زحفهما ~~للصراع في مسكن ، بقوله له : « انك أولى بهذا الامر وأحق به ». وجاء صريحا ~~فيما قاله لابنه يزيد على ذكر أهل PageV01P252 # البيت : « يا بني ان الحق حقهم (1)» ، وفيما كتبه الى زياد ابن ابيه حيث ~~يقول له على ذكر الحسن عليه السلام : « وأما تسلطه عليك بالامر فحق للحسن أن ~~يتسلط (2)». # وكذلك رأيناه يستفتي الامام الحسن ، فيما يعرض له من معضلات كمن يعترف ~~بامامته (3). # ويعترف للحسن بأنه « سيد المسلمين (4)». وهل سيد المسلمين الا امامهم؟. # 2 انه كان على كثرة الوسائل الطيعة لامره شديد التوجس من نتائج حربه مع ~~الحسن ، ولم يكن كتوما ( كما يدعي لنفسه ) يوم قال في وصف خصومه العراقيين ~~: « فوالله ما ذكرت عيونهم تحت المغافر بصفين الا لبس على عقلي (5)» ، ~~ويوم قال فيهم « ما لهم غضبهم الله بشر ، ما قلوبهم الا كقلب رجل واحد (6) ~~» ، فكان يرى في الجنوح الى الصلح ، مفرا من منازلة هؤلاء ومواجهة عيونهم ~~تحت المغافر!!. # 3 انه كان يهاب موقع الحسن ابن رسول الله (ص) في الناس ، ومقامه الروحي ~~الفريد في العقيدة الاسلامية ، فيتقي حربه بالصلح. # وكان يرى من الجائز ، أن يقيض الله لمعسكر الشام من يتطوع لتنبيه الناس ~~فيه الى حقيقة أمر الحسن وفظاعة موقفهم منه ، الامر الذي من شأنه ان لا ~~يتأخر بمسلمة الجيش في جبهة معاوية عن PageV01P253 # الانتقاض عليه والنكول عنه ، وبالجيش كله ms149 عن الانهيار اخيرا. # وكان معاوية لا يزال يتذكر في زحفه على الحسن ، حديث النعمان بن جبلة ~~التنوخي معه في « صفين » وهو اذ ذاك أحد رؤساء جنوده المحاربين ، وقد صارحه ~~بما لم يصارحه بمثله شامي آخر ، وسخر منه بما لم يسخر بمثله رعية من سلطان. ~~وما يؤمن معاوية أن يشعر الناس تجاهه اليوم شعور ذلك التنوخي المغلوب على ~~أمره يومئذ. # وكان مما قاله هذا التنوخي لمعاوية في صفين : « والله لقد نصحتك على نفسي ~~، وآثرت ملكك على ديني ، وتركت لهواك الرشد وأنا أعرفه ، وحدت عن الحق وأنا ~~ابصره ، وما وافقت لرشد وأنا أقاتل عن ملك ابن عم رسول الله صلى الله عليه ~~( وآله ) وسلم وأول مؤمن به ومهاجر معه ، ولو اعطيناه ما اعطيناك ، لكان ~~أرأف بالرعية وأجزل في العطية ، ولكن قد بذلنا لك الامر ، ولابد من اتمامه ~~كان غيا أو رشدا ، وحاشا أن يكون رشدا. وسنقاتل عن تين الغوطة وزيتونها ، ~~اذا حرمنا أثمار الجنة وأنهارها! .. (1)». # وكان من سياسة معاوية ، حبس أهل الشام عن التعرف على أحد من كبراء ~~المسلمين خارج الشام لئلا يكون لهم من ذلك منفذ الى انكاره أو الانقسام ~~عليه. ولذلك فلا نعرف كيف تسنى لهذا الشامي معرفة ابن عم رسول الله (ص) ~~ومعرفة سبقه الى الايمان ورأفته بالناس وكرمه في العطاء وأولويته بالامر. # وحرى معاوية على تجهيل أهل الشام بأعلام الاسلام الى آخر عهده ، وكانت ~~سياسته هذه ، هي أداته في التجمعات التي ساقها لحروب صفين اولا ، ولحرب ~~الحسن بن علي في مسكن أخيرا. # وتجد ظاهرة هذه السياسة بما فيها من اعلان عن ضعف PageV01P254 # صاحبها فيما قاله معاوية ذات يوم لعمرو بن العاص وفد تحدى الحسن بن علي ~~عليهما السلام ، فرد عليه الحسن بحدياه البليغة التي لم يسلم منها المحرض ~~عليها ايضا ، فقال معاوية لعمرو : « والله ما أردت الا هتكي ، ما كان أهل ~~الشام يرون أن أحدا مثلي حتى سمعوا من الحسن ما سمعوا (1)». # 4 وكان من الرشاقة السياسية التي لا يخطئها معاوية في سبيل طموحه الاناني ~~الا نادرا ، أن ms150 يدعو الى « الصلح » فيلح عليه ويشهد على دعوته هذه أكبر عدد ~~ممكن من الناس في القطرين الشام والعراق وفي سائر الآفاق التي يصلها صوته ~~من بلاد الاسلام. ثم هو لا يقصد من وراء هذه الدعوة على ظاهرتها الا ~~التمهيد لغده القريب الذي ستنكشف عنه نتائج الحرب بينه وبين الحسن. وكان ~~أحد الوجهين PageV01P255 # المحتملين ، أن يدال للشام من الكوفة وأن تقضي الحرب وذيولها على الحسن ~~والحسين وعلى من اليهما من أهل بيتهما وشيعتهما. ولا تدبير يومئذ للعذر من ~~هذه البائقة الكبرى أروع من أن يلقي معاوية مسؤوليتها على الحسن نفسه ، ~~ويقول للناس غير كاذب « اني دعوت الحسن للصلح ، ولكن الحسن أبى الا الحرب ، ~~وكنت اريد له الحياة ، ولكنه أراد لي القتل ، وأردت حقن الدماء ، ولكنه ~~أراد هلاك الناس بيني وبينه ... ». # ولمعاوية من هذه اللباقة الرائعة أهدافه التي لا تتأخر به عن تصفية ~~الحساب مع آل محمد (ص) تصفيته الاموية الاخيرة ، وهو اذ ذاك المنتصر العادل ~~المتظاهر بالانصاف ، الذي يشهد له على انصافه كل من كان قد أشهده قبل الحرب ~~على ندائه بالصلح. أما الحسن عليه السلام ، فلم يكن الرجل الذي تفوته ~~الرشاقة السياسية ولا الاساليب الدقيقة التي يبرع فيها عدوه للنكاية به. ~~وانما كان على كل حال أكبر من عدوه دهاء ، وأبرع منه في استغلال الظروف ~~واقتناص الفرص السانحة التي تجتمع عليها كلمة الله وكلمة المصلحة معا. فرأى ~~من ظروفه المتداعية ، ومن سوء نوايا عدوه فيما أراد من الدعوة الى « الصلح ~~» ، ما استدعاه الى الجواب بالايجاب. # ثم لم يكفه أنه قضى بذلك على خطط معاوية وشلها عن التنفيذ ، حتى أخذ يضع ~~الخطة الحكيمة من جانبه للقضاء على خصومه باسم الصلح. وسيجيء في الفصول ~~القريبة التوضيح اللائق بالموضوع. PageV01P256 ### ||| معاهدة الصلح PageV01P257 # وروى فريق من المؤرخين ، فيهم الطبري وابن الاثير : « أن معاوية أرسل الى ~~الحسن صحيفة بيضاء مختوما على أسفلها بختمه » ، وكتب اليه : « أن اشترط في ~~هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت ، فهو لك (1)». # ثم بتروا الحديث ، فلم يذكروا بعد ذلك ، ماذا كتب ms151 الحسن على صحيفة ~~معاوية. وتتبعنا المصادر التي يسر لنا الوقوف عليها ، فلم نر فيما عرضته من ~~شروط الحسن عليه السلام ، الا النتف الشوارد التي يعترف رواتها بأنها جزء من ~~كل. وسجل مصدر واحد صورة ذات بدء وختام ، فرض أنها [ النص الكامل لمعاهدة ~~الصلح ] ، ولكنها جاءت في كثير من موادها منقوضة بروايات أخرى تفضلها سندا ~~، وتزيدها عددا. # ولنا لو أردنا الاكتفاء ، أن نكتفي في سبيل التعرف على محتويات المعاهدة ~~برواية ( الصحيفة البيضاء )، كما فعل رواتها السابقون ، فبتروها اكتفاء ~~باجمالها عن التفصيل ، ذلك لان تنفيذ الصلح على قاعدة « اشترط ما شئت فهو ~~لك » معناه أن الحسن أغرق الصحيفة المختومة في أسفلها ، بشتى شروطه التي ~~أرادها ، فيما يتصل بمصلحته ، أو يهدف الى فائدته ، سواء في نفسه أو في أهل ~~بيته أو في شيعته أو في أهدافه ، ولا شيء يحتمل غير ذلك. # واذا قدر لنا اليوم أن لا نعرف تلك الشروط بمفرداتها ، فلنعرف أنها كانت ~~من السعة والسماحة والجنوح الى الحسن ، بحيث صححت ما يكون من الفقرات ~~المنقولة عن المعاهدة أقرب الى صالح الحسن ، PageV01P258 # ورجحته على ما يكون منها في صالح خصومه ، كنتيجة قطعية لحرية الحسن ~~عليه السلام في أن يكتب من الشروط ما يشاء. # ورأينا بدورنا ، وقد أخطأنا التوفيق عن تعرف ما كتبه الحسن هناك ، أن ~~ننسق هنا الفقرات المنثورة في مختلف المصادر من شروط الحسن على معاوية في ~~الصلح ، وأن نؤلف من مجموع هذا الشتات صورة تحتفل بالاصح الأهم ، مما حملته ~~الروايات الكثيرة عن هذه المعاهدة ، فوضعنا الصورة في مواد ، وأضفنا كل ~~فقرة من الفقرات الى المادة التي تناسبها ، لتكون مع هذه العناية في ~~الاختيار والتسجيل أقرب الى واقعها الذي وقعت عليه. # واليك هي ### ||| * صورة المعاهدة التي وقعها الفريقان # المادة الاولى : ||تسليم الامر الى معاوية ، على أن يعمل بكتاب الله وبسنة رسوله (1) صلى الله عليه وآله ، وبسيرة ~~الخلفاء الصالحين (2). | # المادة الثانية : ||أن يكون الامر للحسن من بعده (3)، فان حدث به حدث| PageV01P259 ||فلأخيه الحسين (1)، وليس لمعاوية أن يعهد به الى احد (2). | # المادة الثالثة ms152 : ||أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة (3)، وأن لا يذكر عليا الا بخير (4). | # المادة الرابعة : ||استثناء ما في بيت المال الكوفة ، وهو خمسة آلاف الف فلا يشمله تسليم الامر. وعلى معاوية أن يحمل الى الحسين كل عام الفي الف درهم ، وأن يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس ، وأن يفرق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين الف الف درهم ، وأن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد (5). | # المادة الخامسة : ||« على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله ، في شامهم| PageV01P260 ||وعراقهم وحجازهم ويمنهم ، وأن يؤمن الاسود والاحمر ، وان يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم ، وأن لا يتبع احدا بما مضى ، وأن لا يأخذ أهل العراق باحنة (1)». « وعلى ~~أمان أصحاب علي حيث كانوا ، وأن لا ينال أحدا من شيعة علي بمكروه ، وأن اصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم ، وان لا يتعقب عليهم شيئا ، ولا يتعرض لاحد منهم بسوء ، ويوصل الى كل ذي حق حقه ، وعلى ما أصاب اصحاب علي حيث كانوا .. (2)». « وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ، ولا لاخيه الحسين ، ولا لاحد من أهل بيت رسول الله ، غائلة ، سرا ولا جهرا ، ولا يخيف أحدا منهم ، في أفق من الآفاق (3)». | ### ||| ** الختام : # قال ابن قتيبة : « ثم كتب عبد الله بن عامر يعني رسول معاوية الى الحسن ~~(ع) الى معاوية شروط الحسن كما أملاها عليه ، فكتب معاوية جميع ذلك بخطه ، ~~وختمه بخاتمه ، وبذل عليه العهود المؤكدة ، والايمان المغلظة ، وأشهد على ~~ذلك جميع رؤساء أهل الشام ، ووجه به الى عبد الله PageV01P261 # ابن عامر ، فاوصله الى الحسن (1)». # وذكر غيره نص الصيغة التي كتبها معاوية في ختام المعاهدة فيما واثق الله ~~عليه من الوفاء بها ، بما لفظه بحرفه : # « وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك ، عهد الله وميثاقه ، وما أخذ الله على ~~أحد من خلقه بالوفاء ، وبما أعطى الله من نفسه (2). # وكان ذلك في النصف من جمادى الاولى سنة 41 على أصح الروايات ms153 . PageV01P262 ### ||| دراسة النصوص البارزة في المعاهدة PageV01P263 # لتكن صيغة المعاهدة بما لولوت عليه من عناصر موضوعية لها أهميتها في ~~الناحيتين الدينية والسياسية ، شاهدا جديدا على ما وفق له واضع بنودها من ~~سمو النظر في الناحيتين جميعا. # ومن الحق ان نعترف للحسن بن علي عليهما السلام على ضوء ما أثر عنه من ~~تدابير ودساتير هي خير ما تتوصل اليه اللباقة الدبلوماسية لمثل ظروفه من ~~زمانه وأهل زمانه بالقابليات السياسية الرائعة التي لو قدر لها أن تلي ~~الحكم في ظرف غير هذا الظرف ، وفي شعب أو بلاد رتيبة بحوافزها ودوافعها ، ~~لجاءت بصاحبها على رأس القائمة من السياسيين المحنكين وحكام المسلمين ~~اللامعين. ولن يكون الحرمان يوما من الايام ، ولا الفشل في ميدان من ~~الميادين بدوافعه القائمة على طبيعة الزمان ، دليلا على ضعف أو منفذا الى ~~نقد ، ما دامت الشواهد على بعد النظر وقوة التدبير وسمو الرأي ، كثيرة ~~متضافرة تكبر على الريب وتنبو عن النقاش. # وللقابليات الشخصية مضاؤها الذي لا يعدم مجال العمل ، مهما حد من تيارها ~~الحرمان أو ثنى من عنانها الفشل. وها هي ذي من لدن هذا الرجل العظيم تستجد ~~منذ الآن ميدانها البكر ، القائم على الفكرة الجديدة القائمة على صيانة ~~حياة أمة بكاملها في حاضرها ومستقبلها ، بما تضعه في هذه المعاهدة من خطوط ~~، وبما تستقبل به خصومها من شروط. # وانك لتلمح من بلاغة المعاهدة بموادها الخمس ، أن واضعها لم يعالج موضوعه ~~جزافا ، ولم يتناوله تفاريق وأجزاء ، وانما وضع الفكرة وحدة متماسكة ~~الاجزاء متناسقة الاتجاهات. وتوفر فيها على تحري أقرب المحتملات الى ~~التنفيذ عمليا ، في سبيل الاحتياط لثبوت حقه الشرعي ، وفي PageV01P264 # سبيل صيانة مقامه ومقام أخيه ، وتيسير شؤون أسرته وحفظهم ، واعتصم فيها ~~بالامان لشيعته وشيعة أبيه وانعاش أيتامهم ، ليجزيهم بذلك على ثباتهم معه ~~ووفائهم مع أبيه ، وليحتفظ بهم أمناء على مبدئه وانصارا مخلصين لتمكين ~~مركزه ومركز أخيه ، يوم يعود الحق الى نصابه. وسلم فيها « الأمر » الى ~~معاوية مشروطا بالعمل على سنة النبي (ص) وسيرة الخلفاء الصالحين ، فقلص ~~بذلك من نفوذ عدوه في « الأمر » بما ms154 عرضه من وراء هذا الشرط للمخالفات التي ~~لا عد لها ولا حد لنقمتها ، وهو اذ ذاك اعرف الناس بمعاوية وبقابلياته ~~الخلقية تجاه هذا الشرط. # والمعاهدة بعد هي الصك الذي وقعه الفريقان ليسجلا على أنفسهما الالتزام ~~بما أعطى كل منها صاحبه وبما أخذ عليه. وهي هنا على الاكثر قضية « ماديات » ~~محدودة لج في تحصيلها أحد الفريقين لقاء « معنويات » لا حد لها استأثر بها ~~الفريق الثاني. # فلم يهدف معاوية في صلحه مع الحسن (ع)، الا للاستيلاء على الملك ، ولم ~~يرض الحسن بتسليم الملك لمعاوية الا ليصون مبادئه من الانقراض ، وليحفظ ~~شيعته من الابادة ، وليتأكد السبيل الى استرجاع الحق المغصوب يوم موت ~~معاوية. # ومن سداد الرأي أن لا نفهم مغزى هذه المعاهدة الا على هذا الوجه. # ولكي نتبين صحة هذا التفسير لاهداف الفريقين يوم صلحهما ، علينا ان نتحلل ~~هنا في سبيل الكشف عن حقيقة تاريخية لها أهميتها ، من التعبد بأقوال ~~المؤرخين وبتصرفاتهم ، وأن نرجع توا الى التصريحات الشخصية التي فاه بها كل ~~من المتعاقدين أنفسهما ، فيما يمت الى عناصر اتفاقيتهما هذه ، أو فيما يلقي ~~الضوء على تفسير ما يفتقر الى التفسير منها. ولعلنا سنصل من وراء هذا ~~الاسلوب في طريقة الاستنتاج ، الى حل شيء كثير من الرموز التي استعصى حلها ~~على كثير من الاصدقاء في التاريخ. PageV01P265 ### ||| ** 1 تصريحات الفريقين : # ويكفينا الآن من تصريحات معاوية بعد الصلح ، فيما يمت الى معاهدته مع ~~الحسن عليه السلام قوله فيما يرويه عنه كثير منهم ابن كثير (1): « رضينا ~~بها ملكا » ، وقوله في التمهيد لهذه المعاهدة قبل الصلح فيما كان يراسل به ~~الحسن : « ولك أن لا يستولى عليك بالاساءة ولا تقضى دونك الامور ولا تعصى ~~في أمر (2)». # ويكفينا من تصريحات الحسن (ع) ما قاله أكثر من مرة في سبيل افهام شيعته ~~حيثيات صلحه مع معاوية : « ما تدرون ما فعلت والله للذي فعلت خير لشيعتي ~~مما طلعت عليه الشمس ». وما قاله مرة أخرى لبشير الهمداني وهو احد رؤساء ~~شيعته في الكوفة : « ما أردت بمصالحتي الا ان أدفع عنكم القتل (3)» ، وما ms155 ~~قاله في خطابه بعد الصلح : « أيها الناس ان الله هداكم بأولنا ، وحقن ~~دماءكم بآخرنا ، وقد سالمت معاوية ، وان أدري لعله فتنة ومتاع الى حين (4)». # وليس في شيء من هذه التصريحات ولا في الكثير مما جرى على نسقها ، سواء من ~~معاوية أو من الحسن عليه السلام ، ما يستدعينا الى الالتواء في فهم العقد ~~القائم بينهما ، الذي لم يقصد منه الا الاهداف التي أشرنا اليها آنفا. ~~فلمعاوية طموحه الى الملك ، وللحسن خطته في حماية الشيعة من القتل ، وصيانة ~~المبادئ الدينية التي هي خير مما طلعت عليه الشمس ، والمسالمة الى حين. # ولا بدع بعد هذا في تقرير هذه الحقيقة على واقعها ، وفي التنبيه الى جنف ~~كثير من المؤرخين فيما حرفوا من أهداف كل من المتعاقدين ، وفيما أساءوا ~~فهمه من نصوصهما. ولقد ترى ، ان المعاهدة نفسها PageV01P266 # وتصريحات المتعاقدين أنفسهما ، لم تنبس قط ، بذكر بيعة ولا امامة ولا ~~خلافة. فأين اذا ، ما يدعيه غير واحد من هؤلاء المؤرخين وعلى رأسهم ابن ~~قتيبة الدينوري ، من أن الحسن بايع معاوية على الامامة!! .. # وقبل الانتقال الى مناقشة هذا الموضوع ، أو مناقشة القائلين به نتقدم ~~بتمهيد عابر عن نسبة الخلافة الاسلامية الى معاوية بن أبي سفيان ، وامتناع ~~البيعة الشرعية لمثله ، فنقول : ### ||| ** معاوية والخلافة : # لقد مر فيما ذكرناه بين أطواء المناسبات الآنفة ، أن خلافة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم في الاسلام لا ينبغي ان تكون الا في أقرب المسلمين ~~شبها به في سائر مزاياه الفضلى ، وانه ليس لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة ~~الفتح شيء في هذا الامر ( كما قاله عمر )، وأن الخلافة بعد رسول الله ~~ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا ( الحديث كما صححه أهل السنة )، وأن لا ~~امامة الا بالنص والتعيين ( كما عليه الشيعة والمعتزلة )، وأن الغلبة ~~والقوة لا تجعل غير الجائز جائزا ، فلا يصح أخذ الخلافة عنوة ولا فرضها على ~~المسلمين قسرا ، وأن الذي يكون خليفة النبي (ص) لا يمكن أن ينقاد لا ظاهرا ~~ولا سرا الى مناقضته في أحكامه ، فيلحق العهار بالنسب ويصلي الجمعة ms156 يوم ~~الاربعاء وينقض عهد الله بعد ميثاقه. # ونزيد هنا : أن قادة الرأي في الامة الاسلامية منذ عهد معاوية والى يوم ~~الناس هذا ، لم يفهموا من استيلاء معاوية على الامر ، معنى الخلافة عن رسول ~~الله (ص) بما في هذا اللفظ من معنى ، رغم الدعاوة الاموية النشيطة التي ~~تجند لها الخلفاء الاسميون من بني أمية ومن اليهم ، زهاء الف شهر ، هي مدة ~~حكمهم في الاسلام ، أنفقوا فيها الرشوات بسخاء ، ووضعوا فيها الاحاديث ~~والاقاصيص وفق الخطط والاهواء ، ثم بقي معاوية مع كل ذلك ملكا دنيويا ~~وخليفة اسميا لا اقل ولا أكثر. # دخل عليه بعد أن استقر له الامر سعد بن أبي وقاص فقال له : PageV01P267 # « السلام عليك أيها الملك » فضحك له معاوية وقال : « ما كان عليك يا أبا ~~اسحق لو قلت : يا أمير المؤمنين » ، قال : « أتقولها جذلان ضاحكا ، والله ~~ما أحب اني وليتها بما وليتها به (1)». # وقال ابن عباس لابي موسى الاشعري في كلام طويل : « وليس في معاوية خصلة ~~تقربه من الخلافة (2)». # وقال أبو هريرة في سبيل انكاره خلافة معاوية فيما يرويه عن رسول الله (ص) ~~: « الخلافة بالمدينة والملك بالشام (3)». # وسئل سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه ابن أبي شيبة ~~عن استحقاق بني أمية للخلافة ، فقال : « كذب بنو الزرقاء بل هم ملوك من شر ~~الملوك ، وأول الملوك معاوية (4)». # وأنكرت عائشة على معاوية ادعاءه الخلافة وبلغه ذلك ، فقال : « عجبا ~~لعائشة تزعم اني في غير ما أنا اهله ، وأن الذي أصبحت فيه ليس لي بحق ، ~~مالها ولهذا يغفر الله لها (5)». # وحضر أبو بكرة ( أخو زياد لامه ) مجلس معاوية ، فقال له : « حدثنا يا ابا ~~بكرة » ، فقال [ فيما أخرجه ابن سعيد ] : « اني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول : الخلافة ثلاثون ثم يكون الملك قال عبد الرحمن بن أبي بكرة ~~: « وكنت مع أبي فأمر معاوية فوجئ في أقفائنا حتى أخرجنا (6)». PageV01P268 # وسأل معاوية صعصعة بن صوحان العبدي قائلا : « أي الخلفاء رأيتموني؟ » ، ~~فقال صعصعة : « أنى يكون الخليفة من ملك الناس قهرا ودانهم كبرا ، واستولى ms157 ~~بأسباب الباطل كذبا ومكرا. أما والله ما لك في يوم بدر مضرب ولا مرمى ، ~~ولقد كنت أنت وابوك في العير والنفير ، ممن أجلب على رسول الله صلى الله ~~عليه ( وآله ) وسلم. وانما أنت طليق وابن طليق أطلقكما رسول الله صلى الله ~~عليه ( وآله ) وسلم. فأنى تصلح الخلافة لطليق؟! (1)». # ودخل عليه صديقه المغيرة بن شعبة ، ثم انكفأ عنه وهو يقول لابنه : « اني ~~جئت من أخبث الناس!! (2)». # ولعنه عامله سمرة يوم عزله عن ولاية البصرة ، فقال : « لعن الله معاوية ~~والله لو اطعت الله كما أطعته لما عذبني ابدا (3)». # وقال الحسن البصري : « أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن الا ~~واحدة لكانت موبقة : انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها امرها ( ~~يعني الخلافة ) بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة ، ~~واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه ~~زيادا وقد قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : الولد للفراش ~~وللعاهر الحجر ، وقتله حجرا ، ويل له من حجر وأصحاب حجر ، ( مرتين ) (4)». # وأبى المعتزلة بيعة معاوية بعد الصلح ، واعتزلوا الحسن ومعاوية جميعا ، ~~وبذلك سموا أنفسهم « المعتزلة » (5). PageV01P269 # ثم مشى موكب الزمان بتاريخ معاوية ، فاذا به المثال الذي يضربه فقهاء ~~المذاهب الاربعة ، للسلطان الجائر (1).. # واذا به الباغي الذي يجب قتاله برأي أبي حنيفة النعمان بن ثابت (2). # فأين الخلافة المزعومة ، ياترى؟. # وجاء المعتضد العباسي ، فنشر من جديد فعال معاوية وبوائقه الكبرى وما قيل ~~فيه ، وما روي في شأنه. ودعا المسلمين الى لعنه ، في مرسوم ملكي اذيع على ~~الناس سنة 284 للهجرة (3). # وقال الغزالي بعد ذكره لخلافة الحسن بن علي (ع): « وأفضت الخلافة الى ~~قوم تولوها بغير استحقاق (4)». # وكان أروع ما ذكره به القرن السادس ، قول نقيب البصرة فيه : « وما معاوية ~~الا كالدرهم الزائف (5)». # وصرح ابن كثير بنفي الخلافة عن معاوية استنادا الى الحديث ، قال : « قد ~~تقدم أن الخلافة بعده عليه السلام ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا ، وقد انقضت ~~الثلاثون بخلافة الحسن بن علي ، فأيام معاوية أول الملك (6)». # وقال الدميري المتوفى سنة ms158 808 هجري بعد ذكره مدة خلافة الحسن (ع): « وهي ~~تكملة ما ذكره رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم من مدة PageV01P270 # الخلافة ، ثم تكون ملكا عضوضا ثم تكون جبروتا وفسادا في الارض ، وكان كما ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)». # وجاء محمد بن عقيل اخيرا فكتب كتابه الجليل « النصائح الكافية لمن يتولى ~~معاوية » وهو بحق : القول الفصل في موضوع معاوية ، وقد طبع الكتاب مرتين ، ~~فليراجع. # وفي اباء التشريع الاسلامي مثل هذه الخلافة أولا . # وفي المخالفات الصلع التي ثبتت على معاوية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~ثانيا . # وفي انكار قادة الرأي المسلمين عليه في مختلف العصور الاسلامية ادعاءه ~~الخلافة ثالثا ما يكفينا مؤنة البحث في موضوع ( معاوية والخلافة ). # وكذلك كان الحسن نفسه بعد تسليم الامر لمعاوية ، صريحا في نفي الخلافة ~~عنه ، شأنه في ذلك شأن سائر القادة من المسلمين. فقال في خطابه يوم ~~الاجتماع في الكوفة : « وان معاوية زعم أني رأيته للخلافة أهلا ولم أر نفسي ~~لها اهلا ، فكذب معاوية. نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله عز وجل وعلى ~~لسان نبيه ». وسيأتي ذكر خطابه هذا في [ الفصل 18 ]. # وقال في خطاب آخر له بعد الصلح وكان معاوية حاضرا : « وليس الخليفة من ~~دان بالجور وعطل السنن واتخذ الدنيا أبا وأما ، ولكن ذلك ملك أصاب ملكا ~~يمتع به ، وكان قد انقطع عنه ، واستعجل لذته وبقيت عليه تبعته ، فكان كما ~~قال الله جل وعز : وان أدري لعله فتنة ومتاع الى حين (2)». PageV01P271 ### ||| ** 2 حديث البيعة : # وجاء فيما يرويه الكليني رحمه الله ( ص 61 ): « ان الحسن اشترط على ~~معاوية أن لا يسميه أمير المؤمنين ». # وجاء فيما يرويه ابن بابويه رحمه الله في العلل ( ص 81 )، وروا غيره أيضا ~~: « أن الحسن اشترط على معاوية أن لا يقيم عنده شهادة ». # ولا أكثر مما تضمنته هاتان الروايتان تحفظا عن الاعتراف بصحة خلافة ~~معاوية فضلا عن البيعة له. ولم يكن ثمة الا تسليم الملك الذي عبرت عنه ~~المعاهدة « بتسليم الامر » وعبر عنه آخرون بتسليم الحكم. # اما قول ms159 الدينوري في « الامامة والسياسة » أن الحسن بايع معاوية على ~~الامامة ، فهو القول الذي يصطدم قبل كل شيء بقابليات معاوية التي عرفنا ~~قريبا النسبة بينها وبين الخلافة وصلاحية البيعة على المسلمين ، ويصطدم ~~ثانيا بتصريحات الحسن في انكار خلافة معاوية. سواء في خطابيه الآنفين ، أو ~~في تحفظاته الواضحة في هاتين الروايتين. # وهكذا دل الدينوري فيما مر عليه من قضايا الحسن ومعاوية ، على تحيز واضح ~~لا يليق بمؤرخ يعيش في القرن الثالث حيث لا معاوية ولا رشواته ولا دعاواته ~~، ولكنها الدوافع العاطفية التي لم يسلم من تأثيرها كثير من مؤرخينا ~~المسلمين ... فقال مرة اخرى : « ولم ير الحسن والحسين طول حياة معاوية منه ~~سوءا في أنفسهما ولا مكروها! ». اقول : وأي سوء يصاب به انسان أعظم من قتله ~~سما؟. وأي مكروه ينزل بانسان أفظع من اغتصاب عرشه ظلما؟. فأين مقاييس ~~الدينوري بعد هذا يا ترى؟ # ونحن اذ أردنا هنا ، ان نتعسف للمتسرعين الى ذكر البيعة عذرا أو شبه عذر ~~، حملناهم على التأثر بالدعاوات الكثيرة التي كانت لا تزال آخذة بالاسماع ، ~~ولم يكن في التاريخ قضية أبرز من انتقال الحكم في الاسلام من سبط النبي ~~نفسه ، الى طليق من الطلقاء المعروفين بتاريخهم القريب ، ولذلك PageV01P272 # فقد بلغ الكلف بالمنكرين على الصلح حدا استساغوا به الاسترسال في ذيوله ~~وحواشيه ، فحوروا ما كان ، وزوروا ما لم يكن. ومن هنا نسج الخيال حديث ~~البيعة ، وكان في اللغط بهذا الحديث المصطنع غرض قوي للقوة القائمة على ~~الحكم بعد حادثة الصلح ، لأنه الدعامة التي تسند دعاوتهم باستحقاق الخلافة ~~المزعومة ، الامر الذي تصايح المسلمون بانكاره لهم وانكارهم له ، منذ قال ~~سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « كذب بنو الزرقاء بل هم ملوك ~~من شر الملوك وأول الملوك معاوية ». # ثم جاءت السطحية الساذجة التي تقمصها اخواننا المؤرخون فيما جمعوه أو ~~فيما فرقوه من تاريخ الاسلام ، فمروا على هذه الاقصوصة المصطنعة كحقيقة ~~واقعة ، وكان القليل منهم من وقف عن الفضول في الكلام ، وكان منهم من جاوز ~~الحقيقة فخلط وخبط ، حتى نسب الى ms160 الحسن نفسه الاعتراف بالبيعة صريحا!. وكان ~~منهم من أوقعه الخلط والخبط في فرية وضيعة لا تجمل بمروءة الرجل المسلم ~~فيما يكتبه عن سبط من أسباط نبيه العظيم (ص)، فضلا عن نبوها المكشوف ~~بأمانة التاريخ ، فادعى انه باع الخلافة بالمال!! .. # ولسنا الآن بصدد الرد على تقولات الافاكين. # ولكننا اذ نبرئ حديث الصلح بواقعه الاول الذي رضيه الفريقان من قضية ~~البيعة المزعومة ، لا نعتمد في التبرئة الا على الفهم الذي يجب ان يفهمه ~~المسلم من معنى البيعة ومن معنى الامامة على حقيقتهما هذا أولا وأما ثانيا ~~فلما مر عليك قريبا من روايات الحادثة ، ومن تصريحات ذوي الشأن في الموضوع. # وما من حقيقة تتعاون على تقريرها مثل هذه الادلة فتبقي مجالا للشك. # وقديما اعتاد الناس أن يرجعوا في كشف الوقائع الماضية الى اقوال المؤرخين ~~القدامى ، ممن عاصر تلك الوقائع أو جاء بعدها بقليل أو كثير من الزمن. وكان ~~من الجمود على هذه الطريقة ما أدى في الاجيال المتأخرة PageV01P273 # الى مختلف الآراء وشتى التحزبات ، بين المجتمع الواحد وفي الافق الواحد ~~والدين الواحد ، ذلك لان مراجع هذا التاريخ أنفسهم ، كانوا يعيشون تحت ~~تأثير آراء وتحزبات لا معدى لهم عنها في مثل عصورهم. ومن الصعب جدا أن يطيق ~~كاتب ما يومئذ التحلل فيما يكتب من المؤثرات العاطفية التي تشترك في تكوينه ~~أدبيا وفي تدوير أعماله ومصالحه اجتماعيا. ومن هنا كان هذا القلق الملموس ~~المأسوف عليه في كثير من موضوعات التاريخ الاسلامي. # ومن الحق أن نعتقد هنا ، بأن قصة « البيعة » التي طعنت بها قضية الحسن في ~~صلحه مع معاوية ، انما كانت وليدة تلك المؤثرات التي كتب المؤرخون تحت ~~تأثيرها تواريخهم ، فرأوا من الدعاوات المغرضة لتسجيل هذه القصة كحقيقة ~~واقعة ما يحفزهم الى حسن الاحتذاء ، تطوعا للمنفعة العاجلة أو جهلا بالواقع ~~، ورأوا من التصريح « بتسليم الامر » في صلب المعاهدة ما يسوغ لهم أو قل ما ~~ييسر لهم التوسع الى ادعاء الاعتراف بالخلافة ، ثم الى ادعاء الانقياد ~~بالبيعة!!. وخفي عليهم ان الخلافة بما هي منصب الهي لا يمكن ان ms161 تنقاد الى ~~مساومة أو تسليم ، ولا يمكن ان تمسها الظروف الزمنية في « صلح » أو « تحكيم ». # ولكي نزداد بصيرة في تفهم معنى « تسليم الامر » الوارد في المادة الاولى ~~من معاهدة الصلح ، علينا أن نرجع الى طريقتنا في استنتاج الحد بين هزل ~~المؤرخين فندرس على المتعاقدين أنفسهما تفسير هذا المجمل من حيث التقييد ~~والاطلاق. ### ||| ** 3 تسليم الامر : # علمنا مما تقدم أن معاوية قال لابنه يزيد ، وهو يشير الى أهل البيت ~~عليهم السلام : « ان الحق حقهم ». # وعلمنا انه كتب الى الحسن في التمهيد للصلح « ولا تقضى دونك الامور ولا ~~تعصى في أمر ». PageV01P274 # وعلمنا أنه قال بعد الصلح : « رضينا بها ملكا ». # وعلمنا أنه خطب على منبر الكوفة يوم وصوله اليها. فقال : « اني لم ~~اقاتلكم لتصلوا ولا لتزكوا .. وانما قاتلتكم لأتأمر عليكم ». # وعلمنا أن الحسن بن علي أنكر عليه الخلافة وجاها ، فسكت ولم يرد عليه. # فلنعلم اذا ، بأن معاوية حين رضيها ملكا نفاها عن نفسه خلافة ، وحين قال ~~: « لم اقاتلكم لتصلوا ولا لتزكوا .. » دل على أنه ليس خليفة دين ، ولكنه ~~ملك دنيا لا هم له في صلاة ولا زكاة ، وانما كل همه في التأمر على الناس. ~~وهو حين يقول للحسن : « لا تقضى دونك الامور » ويقول لابنه : « ان الحق ~~حقهم » ، يعترف للحسن بالمقام الاعلى وبالسلطة التي لا تعصى في أمر. وما ~~ذلك الا مقام الخلافة فحسب. وكان لابد لمعاوية أن يسكت والحال هذه حين ~~يصارحه الحسن بانكار خلافته ، ويكذبه على ادعائها بغير استحقاق. # فأين من هذا ، تسليم الخلافة الذي فسروا به تسليم الامر؟. # وشيء آخر ، قد يكون في مغزاه أدق دلالة على اعتراف معاوية ببراءته من ~~استحقاق الخلافة ، وذلك هو ضحكته المخذولة لسعد بن أبي وقاص يوم دخل عليه ~~وقال له : « السلام عليك ايها الملك » ، ولم يقل يا امير المؤمنين ، فقد ~~كانت هذه الضحكة بلغتها المبطنة ، صريحة بالاعتراف بالخطأ اذ يريد أن يأخذ ~~الخلافة لقبا من غنائم الحرب ، لا واسطة بين المسلمين ونبيهم (ص)، وبهذا ~~استحق من سعد ، وهو الرجل الذي لا تغلبه مداورات معاوية ، أن ms162 يقول له : « ~~والله ما أحب أني وليتها بما وليتها به » ، يعني أنه كان يترفع عنها لقبا ~~ينبت على الدماء المحرمة ، والفتن السود ، والعهود الخائسة. # وترى على هذا أن سعدا لم يفهم من تسليم الامر الا تسليم الملك وهو ما يجب ~~أن يفهمه كل من فهم لغة القرآن في الخلافة ، أو لغة الفريقين PageV01P275 # المتعاقدين في المعاهدة. ولما مر البحاثة الاسلامي الجليل السيد أمير علي ~~الهندي رحمه الله ، على ذكر هذا الصلح عبر عنه « بالتنازل عن الحكم (1)». # وكان فيما قاله الحسن عليه السلام في سبيل التعبير عن صلحه مع معاوية ~~جوابا لبعضهم : « لا تقل ذلك يا أبا عامر ، لم أذل المؤمنين ولكني كرهت أن ~~أقتلهم على الملك (2)». # وقال لآخر : « أضرب هؤلاء بعضهم ببعض في ملك من ملك الدنيا لا حاجة لي به (3)». # وهكذا نجد الفريقين الحسن ومعاوية يتفقان على أن الحرب التي زحفا اليها ~~بجيوشهما ، انما كانت حربا على الملك. ومعنى ذلك أن الصلح الذي اتفقا عليه ~~في معاهدتهما ، انما كان صلحا على الملك ، لانهما يصطلحان اليوم على ما ~~تنازعا عليه أمس. وليس في وجهة النظر القائمة بين الاثنين في خلال هذه ~~التصريحات ولا يوم صلحهما ، ذكر للخلافة تسلما ولا تسليما. # ثم نجدهما يتفقان في هذه التصريحات ، على ايثار أحدهما دون الآخر بالمركز ~~الذي لا تقضى دونه الامور .. وهو المركز الذي سوغ للحسن أن يقول عن معاوية ~~كما لو قلده عملا من اعماله وهو اذ ذاك حاضر مجلسه : « انه أعرف بشأنه ~~وأشكر لما وليناه هذا الامر (4)» يعني امر الملك. # أقول : وكم هو الفرق بين هذا المركز وبين ما توهمه المتحذلقون من حديث ~~البيعة أو من تفسير تسليم الامر بتسليم الخلافة؟. # وكانت فيما نظن غلطة سبق اليها كاتب عن قصد ، ثم أخذها عنه PageV01P276 # كتاب عن غير قصد ، واندست على مثل هذا الاسلوب اخطاء كثيرة في التاريخ ، ~~شوهت من حقائقه وبدلت من روعته وضاعفت من جهد الباحثين فيه ، ثم اذا أنت ~~عنيت بموضوعك فدققت مراجعه ، رأيته لا يرجع الا الى أصل واحد ، ثم اذا ms163 محصت ~~الاصل رأيته لا يرجع الى أصل!. # هذا ، واما الخلافة الاسمية ، فلا خلاف فيها على معاوية ولا على أحد من ~~هؤلاء المتنفذين الذين ادعوها لانفسهم ، أو غزوها بسلاحهم ، أو ورثوها من ~~الغزاة والمدعين. # واذا صح في عرف المجتمع الذي بايع معاوية ، أو بايع أحد هؤلاء ، ان ينتزع ~~من الادعاء أو قوة السلاح « خلافة » فلا مشاحة في الاصطلاح. # وليكن معاوية على هذا خليفة النفوذ والسلطان ، وليبق الحسن بن علي خليفة ~~النبي وشريك القرآن. # وليكن ما ورد في بعض النصوص على تقدير صحة السند والامن من التحريف ~~تطبيقا عمليا لاستعمال الكلمة في مصطلحها الجديد!. ### ||| ** 4 مصير الامر بعد معاوية # ولم يعهد في كتب معاوية الى الحسن فيما كان يراسله به في سبيل التمهيد ~~للصلح ، كتاب يغفل تعيين المصير الذي كان يجب أن يرجع اليه الامر من بعد ~~معاوية. وهو اذ يطلب من الحسن في هذه الرسائل تسلم الامر محدودا بحياته ، ~~يقول في بعضها : « ولك الامر من بعدي (1)» ويقول في بعضها الآخر : « وأنت ~~اولى الناس بها (2)». # وهكذا جاء النص في المعاهدة. # وهكذا فهم الناس الصلح ، انتزاعا للسلطة محدودا بعمر معاوية PageV01P277 # الذي كان يكبر الحسن زهاء ثلاثة عقود ، فكان من المتوقع القريب أن يسبقه ~~الى الموت ، وأن يعود الحق الى نصابه ، والحسن بعد في أوائل كهولته أو ~~اواخر شبابه ، لولا أن للخطط الجهنمية حسابا لا يخضع للمقاييس!!. # وظلت المادة الصريحة باستحقاق الحسن الامر بعد معاوية ، أبرز مواد ~~المعاهدة في المجتمعات الاسلامية ، وأكثرها ذيوعا بين الناس ، مدى عقد كامل ~~من السنين. ثم طغت عليها الدعاوات العدوة ، وأخذها حملة الاخبار الى ~~مصانعهم الجديدة ، فبدلوا من معالمها وغيروا من حقائقها ، وصاغها بعضهم ~~بقوله : « ليس لمعاوية أن يعهد الى أحد ». وتلطف آخر بها من عنده فقال : « ~~ويكون الامر بعده شورى بين المسلمين ». أما الصادقون فرووها على حقيقتها. ~~وفات المؤرخين المحترفين ، أن صرف الحقيقة عن واقعها في هذا النص ، لن ~~يجديهم في صرف الواقع عن حقيقته في مرحلة التطبيق ، فلم يكن من المحتمل ~~عادة ، أن يتجاوز المسلمون في شوراهم ms164 أو في غير شوراهم ابن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ، لو قدر له أن يكون حيا يوم يموت معاوية ، وقدر ~~للمسلمين أن يختاروا الخليفة أحرارا ، أو يتشاوروا أمرهم مختارين. ~~فالروايتان الصحيحة والمحرفة بل الصور الثلاث المزعومة للرواية الواحدة ، ~~تتحد عمليا ما دام الحسن حيا. # اذا ، فلماذا التهرب من أمانة التاريخ الا أن يكون تعاونا رخيصا مع ~~السلطة القائمة على التمهيد لبيعة يزيد؟!!. # وخيل للمؤرخ البارع الذي الغى التعيين الصريح ، ونقل الامر الى الشورى ، ~~أنه أحسن اتخاذ الاسلوب للوضع والتحريف ، وخفي عليه ، أنه لم يزد فيما هدف ~~اليه على صاحبه الذي الغاهما معا ، وذلك لان الشورى التي عناها لا تكون في ~~انتخاب الخليفة ، وانما تكون في الشؤون التي يديرها الخليفة أو رئيس ~~المسلمين من أمورهم ، وهكذا كان تشريعها الاول يوم PageV01P278 # قال سبحانه « وشاورهم في الامر » ، وعلى ذلك مدحهم بقوله تعالى « وامرهم ~~شورى بينهم ». # والآية في نفي الرئاسات التي جعلها الناس ، أصرح منها في فرضها على الناس. # وليس فيما توهمه هذا المؤرخ أو توهمه آخرون ، من الاستناد الى الكتاب في ~~قضية الانتخاب الا الوهم ولذلك فان عائشة لما أرادت الدعوة الى الشورى لم ~~تنسبها الى الله عز وجل وانما نسبتها الى عمر بن الخطاب ولو وجدت في نسبتها ~~الى الله سبيلا لما تأخرت عنه لانه كان اذ ذاك أدعم لحجتها ، فقالت يوم ~~دخولها البصرة : « ومن الرأي ان تنظروا الى قتلة عثمان فيقتلوا به ، ثم يرد ~~هذا الامر شورى على ما جعله عمر بن الخطاب (1)». # واخيرا ، فان القرائن القطعية الكثيرة ، لا تقبل لهذا النص موضوع البحث ~~الا الرواية الصريحة التي ذكرناها في المادة الثانية من صورة المعاهدة. # أما اولا فلما دلت عليه كتب معاوية الى الحسن (ع) كما أشير اليه قريبا . # واما ثانيا فلأنها الانسب بشروط يضعها الحسن نفسه كما نبهنا اليه في حديث ~~( الصحيفة البيضاء ). # واما ثالثا فلأن رواتها أكثر ، وروايتها أشهر. # واما رابعا فلما أشرنا اليه من ذيوع المادة الثانية بنصها الصريح مدة ~~حياة الحسن عليه السلام ، حتى لقد ms165 كانت الشاهد في كثير من الخطب والاحاديث. ||فنرى سليمان بن صرد يشير اليها فيما يعرضه للحسن| PageV01P279 ||بعد الصلح. ونرى جارية بن قدامة يذكر لمعاوية حق الحسن بالأمر بعده كقرار معروف. ونرى ~~الاحنف بن قيس يرسله ارسال المسلمات ، في خطبته التي يرد بها على البيعة ، ليزيد ، وهو اذ ذاك يخاطب معاوية نفسه في حفل حاشد. | # قال : « وقد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة ، ولم تظهر عليه مقصا. ولكنك ~~أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت ، ليكون له الامر من بعدك ، ~~فان تف ، فأنت أهل الوفاء ، وان تغدر تظلم. والله ان وراء الحسن خيولا ~~جيادا وأذرعا شدادا وسيوفا حدادا ، ان تدن له شبرا من غدر ، تجد وراءه باعا ~~من نصر. وانك تعلم من أهل العراق ، ما أحبوك منذ أبغضوك .. (1)». # الى كثير من الشواهد الاخرى التي يزهدنا في استيعابها رغبتنا في ~~الاختصار. ### ||| ** 5 بقية المواد # ولقد ترى الى هنا بأن دراستنا للنقاط البارزة في مواد المعاهدة لم تتجاوز ~~المادتين الاولى والثانية . # اما المادة الثالثة ، فقد سبق في ( الفصل : 14 ) مناقشة معاوية في ~~موضوعها كما يجب فليراجع ، وسبق في الكلام على حديث الصحيفة البيضاء التي ~~أرسلها معاوية الى الحسن عليه السلام ، ليكتب عليها ما يشاء من شروط ، ( في ~~الفصل : 16 ) أن حديث هذه الصحيفة هو القرينة على ترجيح ما يكون من روايات ~~المعاهدة أقرب الى صالح الحسن منه الى صالح خصومه ، وعلى هذا فالمادة ~~الثالثة لا تعني الا الاطلاق في منع معاوية من شتم PageV01P280 # أمير المؤمنين علي عليه السلام ، سواء حضر الحسن أو غاب. ولا يؤخذ بما ~~ألحقه بها بعض المؤرخين من اشتراط الامتناع عن السب بحال حضور الحسن ~~واستماعه (1)، ولا هو مما يتمشى مع روح الصلح اذا كان الفريقان في صدد صلح ~~حقيقي وتفاهم دائم. # وأما المادة الرابعة ، فلم تكن في حقيقتها الا استثناء متصلا من الماديات ~~التي اشترطت المعاهدة تسليمها لمعاوية. ومعنى ذلك أن المعاهدة سلمت لمعاوية ~~ما أراد من الملك عدا المبالغ المنوه عنها في هذه المادة ، فاستأثر ms166 الحسن ~~بها لنفسه ولاخيه ولشيعته ، وكانت من حقوقه التي جعل له الله تعالى التصرف ~~فيها. واختار من الخراج الحلال فيما استثنى أبعده عن الشبهات من الوجهة ~~الشرعية ، وهو خراج دار ابجرد (2). # اقول : # وأين هذا التفسير مما تطاول به بعضهم من التحامل الجريء والافتئات البذيء ~~، على مقام الامام الحسن بن علي عليهما السلام ، حين أساء فهم هذه المادة ~~فخلق من هذه الاموال ثمنا للخلافة ومن الحسن بائعا ومن معاوية مشتريا. وان ~~الاولى بهذا الفهم البليد الذي هان عليه أن يتصور الثمن والمثمن كليهما من ~~البائع ، ثم يدعي مع ذلك وقوع البيع ان لا يتعرض فيما يكتب للموضوعات التي ~~تكشف لقارئه بلادته ، فيسيء الى نفسه قبل أن يسيء الى موضوعه. PageV01P281 # وقد مر في معنى الخلافة ( لذاتها )، وفي قابليات معاوية للخلافة ما ~~يكفينا القول باستحالة هذا الهذر ، ولا نعيد. # واما المادة الخامسة ، فللفصول القريبة الآتية ما تحمله عنها : PageV01P282 ### ||| الاجتماع في الكوفة PageV01P283 # وكان طبيعيا أن يتفق الفريقان بعد توقيعهما الصلح ، على مكان يلتقيان فيه ~~على سلام ، ليكون اجتماعهما في مكان واحد تطبيقا عمليا للصلح الذي يشهده ~~التاريخ ، وليعترف كل منهما على مسمع من الناس بما أعطى صاحبه من نفسه وبما ~~يلتزم له من الوفاء بعهوده. واختارا الكوفة ، فأقفلا اليها ، وأقفل معهما ~~سيول من الناس غصت بهم العاصمة الكبرى ، وهم على الاكثر أجناد الفريقين ، ~~تركوا معسكريهما وخفوا لليوم التاريخي الذي كتب على طالع الكوفة النحس أن ~~تشهده راغمة أو راغبة. وللمرة الاولى تزخر عاصمة العراق بعشرات الالوف من ~~أجناد الشام الحمر مسلمين ومسيحيين . ولهذين المعسكرين الكوفة والشام ~~سوابقهما التي لا تعهد الهوادة في سلسلة العداوات التاريخية والوقائع ~~الدامية ، منذ حوادث سلمان الباهلي وحبيب بن مسلمة الفهري ( على عهد عثمان ~~بن عفان ) والى يوم الصلح هذا. فما ظنك يومئذ بحال الجندي الكوفي الثابت ~~على الوفاء ، الذي قدر له ان يلقي سلاحه تحت موجة طاغية من مكاء الجنود ~~الشاميين وتصديتهم التي عجت بها أروقة المسجد الجامع ، الذي كان أسس على ~~تقوى من الله. # وكانت الفجيعة القاتلة للفئة ms167 المخلصة من أنصار أهل البيت عليهم السلام ، ~~وللذين جهلوا من هؤلاء الانصار أهداف الحسن في الصلح ، أو جهلوا حقيقة ~~الوضع بدوافعه التي اقتادت الحسن الى الصلح. أما الاكثرية الخائنة فقد مزقت ~~الستار في يومها المنشود ، وظهرت على المسرح باللون الذي لا تشتبه فيه ~~الابصار ، وشوهد بين جماهير الشاميين زمر من الكوفيين يساهمونهم الفرح ~~المغبون في مهرجاناتهم الباردة ، وانتصارهم PageV01P284 # المغلوب!!. # ونودي في الناس الى المسجد الجامع ، ليستمعوا هناك الى الخطيبين الموقعين ~~على معاهدة الصلح. # وكان لابد لمعاوية أن يستبق الى المنبر ، فسبق اليه وجلس عليه (1)، وخطب ~~في الناس خطبته الطويلة التي لم ترو المصادر منها الا فقراتها البارزة فحسب. # منها ( على رواية اليعقوبي ): # « أما بعد ذلكم ، فانه لم تختلف أمة بعد نبيها ، الا غلب باطلها حقها!! » ~~قال : « وانتبه معاوية لما وقع فيه. فقال : الا ما كان من هذه الامة ، فان ~~حقها غلب باطلها (2)!! ». # ومنها ( على رواية المدائني ): # « يا أهل الكوفة ، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت ~~أنكم تصلون وتزكون وتحجون؟ ، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وألي رقابكم ، وقد ~~آتاني الله ذلك وانتم كارهون!. ألا ان كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول ، ~~وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين!!. ولا يصلح الناس الا ثلاث : اخراج العطاء ~~عند محله ، واقفال الجنود لوقتها ، وغزو العدو في داره ، فان لم تغزوهم ~~غزوكم ». # وروى أبو الفرج الاصفهاني عن حبيب بن أبي ثابت مسندا ، أنه ذكر في هذه ~~الخطبة عليا فنال منه ، ثم نال من الحسن (3)!!. PageV01P285 # وزاد أبو اسحق السبيعي (1) فيما رواه من خطبة معاوية قوله : « الا وان كل ~~شيء أعطيت الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به!! ». # قال أبو اسحق : « وكان والله غدارا (2)». # ثم تطلع الناس ، فاذا هم بابن رسول الله الذي كان أشبههم به خلقا وخلقا ~~وهيبة وسؤددا ، يخطو من ناحية محراب أبيه في المسجد العظيم ليصعد على ~~منبره. وفي غوغاء الناس ولع بالفضول لا يصبر عن استقراء الدقائق من شؤون ~~الكبراء ، فذكروا لجلجة معاوية في خطبته ، ورباطة الجأش الموفورة في الحسن ms168 ~~وقد استوى على أعواده ، وأخذ يستعرض الجموع الزاخرة التي كانت تضغط المسجد ~~الرحب على سعته ، وكلها اذ ذاك أسماع مرهفة لا هم لها الا أن تعي ما يرد به ~~على معاوية ، فيما خرج به عن موضوع الصلح ، فنقض العهود وأهدر الدماء ~~وتطاول على الاولياء. وكان الحسن بن علي (ع) أسرع الناس بديهة بالقول ، ~~وأبرع الخطباء المفوهين على تلوين الموضوعات ، فخطب في هذا الموقف الدقيق ، ~~خطبته البليغة الطويلة التي جاءت من أروع الوثائق عن الوضع القائم بين ~~الناس وبين أهل البيت عليهم السلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~، ووعظ ونصح ودعا المسلمين في أولها الى المحبة والرضا والاجتماع ، وذكرهم ~~في أواسطها مواقف أهله بل مواقف الانبياء ، ثم رد على معاوية في آخرها دون ~~أن يناله بسب أو شتم ، ولكنه كان بأسلوبه البليغ ، أوجع شاتم وساب. # قال : « الحمد لله كلما حمده حامد ، وأشهد ان لا اله الا الله كلما شهد ~~له شاهد. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ، وائتمنه على # ____________ PageV01P286 # الوحي ، صلى الله عليه وآله وسلم . أما بعد ، فوالله اني لارجو أن اكون قد ~~اصبحت بحمد الله ومنه ، وأنا انصح خلق الله لخلقه ، وما أصبحت محتملا على ~~مسلم ضغينة ، ولا مريدا له سوءا ولا غائلة. ألا وان ما تكرهون في الجماعة ، ~~خير لكم مما تحبون في الفرقة ، الا واني ناظر لكم خيرا من نظركم لانفسكم ، ~~فلا تخالفوا أمري ، ولا تردوا علي رأيي. غفر الله لي ولكم ، وأرشدني واياكم ~~لما فيه المحبة والرضا (1)». # ثم قال : « أيها الناس ، ان الله هداكم بأولنا ، وحقن دماءكم بآخرنا ، ~~وان لهذا الامر مدة ، والدنيا دول. قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم : قل ان ادري أقريب ام بعيد ما توعدون. انه يعلم الجهر من القول ~~ويعلم ما تكتمون. وان أدري لعله فتنة لكم ومتاع الى حين (2)». # ثم قال : « .. وان معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلا ، ولم أر نفسي ~~لها أهلا ، فكذب معاوية. نحن أولى الناس بالناس في كتاب ms169 الله عز وجل وعلى ~~لسان نبيه. ولم نزل أهل البيت مظلومين منذ قبض الله نبيه. فالله بيننا وبين ~~من ظلمنا ، وتوثب على رقابنا ، وحمل الناس علينا ، ومنعنا سهمنا من الفيء ، ~~ومنع أمنا ما جعل لها رسول الله. واقسم بالله لو أن الناس بايعوا أبي حين ~~فارقهم رسول الله ، لاعطتهم السماء قطرها والارض بركتها ، ولما طمعت فيها ~~يا معاوية .. فلما خرجت من معدنها ، تنازعتها قريش بينها ، فطمع فيها ~~الطلقاء وأبناء الطلقاء ، أنت وأصحابك. وقد قال رسول الله : ما ولت أمة ~~أمرها رجلا وفيهم من هو أعلم منه ، الا لم يزل أمرهم يذهب سفالا ، حتى ~~يرجعوا الى ما تركوا. فقد ترك بنو PageV01P287 # اسرائيل هارون وهم يعلمون أنه خليفة موسى فيهم ، واتبعوا السامري ، وتركت ~~هذه الامة أبي وبايعوا غيره وقد سمعوا رسول الله يقول له : أنت مني بمنزلة ~~هارون من موسى الا النبوة ، وقد رأوا رسول الله نصب أبي يوم غدير خم ، ~~وأمرهم ان يبلغ أمره الشاهد الغائب. وهرب رسول الله من قومه وهو يدعوهم الى ~~الله ، حتى دخل الغار ، ولو أنه وجد أعوانا لما هرب ، كف أبي يده حين ~~ناشدهم ، واستغاث فلم يغث. فجعل الله هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا ~~يقتلونه ، وجعل الله النبي في سعة حين دخل الغار ولم يجد اعوانا. وكذلك أبي ~~وأنا في سعة من الله ، حين خذلتنا هذه الامة. وانما هي السنن والامثال يتبع ~~بعضها بعضا (1)». # ثم قال : # « فوالذي بعث محمدا بالحق ، لا ينتقص من حقنا أهل البيت أحد الا نقصه ~~الله من عمله ، ولا تكون علينا دولة الا وتكون لنا العاقبة ، ولتعلمن نبأه ~~بعد حين (2)». # ثم دار بوجهه الى معاوية ثانيا ، ليرد عليه نيله من أبيه ، فقال وما أروع ~~ما قال : # « أيها الذاكر عليا! أنا الحسن وأبي علي ، وأنت معاوية وأبوك صخر ، وأمي ~~فاطمة وأمك هند ، وجدي رسول الله وجدك عتبة بن ربيعة ، وجدتي خديجة وجدتك ~~فتيلة فلعن الله أخملنا ذكرا ، والأمنا حسبا وشرنا قديما وحديثا ، وأقدمنا ~~كفرا ونفاقا!! ». # قال الراوي : « فقال طوائف من أهل المسجد ms170 : آمين. قال الفضل بن الحسن : ~~قال يحيي بن معين : وانا أقول آمين. قال ابو الفرج قال أبو عبيد قال الفضل ~~: وانا اقول آمين. ويقول علي بن الحسين الاصفهاني PageV01P288 # ( أبو الفرج ): آمين قال ابن أبي الحديد : قلت ويقول عبد الحميد بن أبي ~~الحديد مصنف هذا الكتاب ( يعني شرح النهج ): آمين (1)». # اقول : ونحن بدورنا نقول : آمين. # وهذه الخطبة هي الوحيدة في تاريخ الخطابات العالمية ، التي حظيت بهتاف ~~الاجيال على طول التاريخ. # وكذلك قول الحق ، فانه لا ينفك يعلو صعدا ولا يعلى عليه. # وتجهز الحسن بعد ذلك للشخوص الى المدينة ، وجاءه من سراة شيعته المسيب بن ~~نجية الفزاري وظبيان بن عمارة التيمي ليودعاه ، فقال الحسن : « الحمد لله ~~الغالب على أمره. لو أجمع الخلق جميعا على أن لا يكون ما هو كائن ما ~~استطاعوا ». وتكلم المسيب وعرض اخلاصه الصميم لاهل البيت (ع). فقال له ~~الحسين (ع): « يا مسيب نحن نعلم أنك تحبنا » وقال الحسن (ع): « سمعت أبي ~~يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : من أحب قوما كان معهم ». ثم ~~عرض له المسيب وظبيان بالرجوع ، فقال : « ليس الى ذلك سبيل ». فلما كان من ~~غد خرج من الكوفة ، وشيعه الناس بالبكاء!! ولم تكن اقامته فيها بعد الصلح ~~الا اياما قلائل. # فلما صار بدير هند (2) ( الحيرة ) نظر الى الكوفة وقال : # ولا عن قلى فارقت دار معاشري %~% هم المانعون حوزتي وذماري (3) # اقول : وأي نفس ملائكية هذه التي لقيت من نشوز هذه الخاصرة ومن بوائقها ~~ما لقيت ، ثم هي تودعها بهذا البيت من الشعر ، فلا تذكر من PageV01P289 # تاريخها الطويل العريض ، الا وفاء الاوفياء « المانعين الحوزة والذمار » ~~وهم الذين منعوا عنه من أراده في المدائن ، والذين ثبتوا على طاعته يوم ~~العسرة في مسكن ، فكانوا اخوان الصدق وخيرة الانصار ، على قلتهم. # ثم سار الموكب الفخم الذي كان يقل على رواحله ، بقية الله في الارض ، ~~وتراث رسول الله (ص) في الاسلام ، وقد ضاقت بهم الكوفة أو ضاقوا بها ، ~~فيمموا شطر وطنهم الاول ، ليمتنعوا هناك بجوار قبر جدهم الاعظم من ms171 مكاره ~~الدهر الخوان. # وصب الله على الكوفة بعد خروج آل محمد منها ، الطاعون الجارف ، فكان ~~عقوبتها العاجلة على موقفها من هؤلاء البررة الميامين. وهرب منها واليها ~~الاموي [ المغيرة بن شعبة ] خوف الطاعون ، ثم عاد اليها فطعن به فمات (1). PageV01P290 ### ||| الميدان الجديد PageV01P291 # لعلك تتفق معي على أن من أدق المقاييس التي توزن بها شخصيات الرجال فيما ~~يضطربون فيه من محاولات ، هو موقفهم من شروطهم التي يأخذونها على أنفسهم ~~راغبين مختارين. وما من انسان معني بانسانيته يعطي الشرط من نفسه ، الا ~~وانه ليعلم ما يستوبله في شخصيته وفي سمعته وفي ذمامه اذا هو حنث في شرطه ~~أو رجع عن وعده أو نقض ميثاقه الذي واثق على الوفاء به. ومن السهل ان نتصور ~~انسانا يستميت في سبيل الوفاء لقول قاله أو عهد أعطاه ، لانه انما يموت ~~ضحية خلق رفيع خسر به الحياة المحدودة فربح به الحياة التي لا حد لها ، ~~وبنى الى ذلك لبنة جديدة في صرح الانسانية المثالية التي لا تفتأ تتعاون ~~على نشر الخير في المجموع. # أما ذلك الخائس بعهده الحانث بيمينه الكاذب بمواعيده ، الذي بسم لصاحبه ~~وهو يخادعه على شروطه ، ثم عبس وتولى وندم على ما أعطى ، فليس من السهل أن ~~نتصوره انسانا ، ولكنه عدو الانسانية بما هدم من قواعدها وشل من مقرراتها ، ~~وعدو نفسه بما عرضها للنقمة والاحتقار وسوء السمعة والحرمان من ثقة ~~المجتمع. ولن ينفعه بعد ذلك أن يقول أو يقال عنه : ان الغاية تبرر الواسطة ~~فان هذا الاعتذار بذاته جريمة كاملة لا يتسع لها صدر الغفران. وللغايات على ~~اختلافها قيمتها الاعتبارية التي تواضع عليها الناس ، فليكن لكل غاية ~~واسطتها التي تتناسب وغايتها في الاعتبار ، ولن تكون الغاية شريفة قط الا ~~اذا قامت على وسائط شريفة أيضا. # وكان من الخير العام ، أن يتواضع المجموع منذ بناية المجتمع ، على اعتبار ~~« اليمين » و « العهد » ضمانا في الاخذ والرد ، وأن تتضافر الاديان PageV01P292 # السماوية كلها على أن العهد كان مسؤولا ... # ولعل من الافضل أن نستمع هنا الى ما عهد به أمير المؤمنين علي ms172 عليه السلام ~~للاشتر النخعي في هذا الموضوع ، قال : # « وان عقدت بينك وبين عدوك عقدة ، او البسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء ، ~~وارع ذمتك بالامانة ، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت. فانه ليس من فرائض الله ~~شيء الناس أشد عليه اجتماعا مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم ، من تعظيم ~~الوفاء بالعهود. وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين ، لما ~~استوبلوا من عواقب الغدر ، فلا تغدرن بذمتك ولا تخيسن بعهدك ولا تختلن عدوك ~~، فانه لا يجترئ على الله الا جاهل شقي. وقد جعل الله عهده وذمته أمنا ~~أفضاه بين العباد برحمته ، وحريما يسكنون الى منعته ويستفيضون الى جواره ... ». # أقول : واذا رجعنا بعد الالمام بهذه الحقائق الى موضوعنا ، رأينا أن ~~الشروط التي أخذها الحسن بن علي (ع) على معاوية فيما تم بينهما من التعاهد ~~على الصلح ، كانت أكثر شروط عرفها التاريخ عهودا مؤكدة وأيمانا مغلظة ، ~~وكان معاوية هو الذي كتب نسختها الاخيرة بقلمه ووقعها بخاتمه. # ولم يكن بدعا أن يترقب الرأي العام الاسلامي ، يومها ، الوفاء بها كما ~~يجب لمثل هذه العهود والايمان ، وكما هو الانسب بشخصيتين من هذا الطراز في ~~الاسلام. # اما تلك المفاجأة الغريبة التي سبق اليها معاوية في خطابه على منبر ~~الكوفة ، ولما يمض على امضائه المعاهدة الا أيام ربما كانت لا تزيد على ~~أسبوع واحد ، فقد وقعت في المجتمع الاسلامي وقوع الصاعقة التي لا يسبقها ~~انذار. فقال ( على رواية المدائني ) كما اشير اليه آنفا : « وكل شرط شرطته ~~فتحت قدمي هاتين! » ، وصرح ( على رواية أبي اسحق السبيعي ) بقوله : « ألا ~~ان كل شيء أعطيته للحسن بن علي تحت قدمي PageV01P293 # هاتين لا أفي به! » ثم شهد عليه الحصين بن المنذر الرقاشي قائلا : « ما ~~وفى معاوية للحسن بشيء مما أعطاه ، قتل حجرا واصحاب حجر ، وبايع لابنه ، ~~وسم الحسن!! (1)». # وهكذا قدر لهذا الرجل الواسع الممتلكات الضيق الملكات أن يعود بعد حنثه ~~بأيمانه علنا ، ونقضه لمواثيقه صراحة ، أبعد الناس عن ثقة الناس ، وأقلهم ~~وزنا في المقاييس المعنوية التي يتواضع عليها الناس ، وكان جزاء وفاقا ، أن ~~ينكره ms173 أكثر المغرورين بما كان أنكر هو عهوده ومواثيقه ، وأن يضعوه من ~~أنفسهم في المحل الذي وضع هو شروطه من نفسه .. # وما يدرينا ، فلعلنا الآن عند مفترق الطريق بين الماضي المغلوب والمستقبل ~~الغالب ، الذي سينكشف عنه الصراع التاريخي بين الحسن ومعاوية. ولعلنا الآن ~~على أبواب الخطة الجبارة التي نزل الحسن بن علي (ع) من طريقها الى الصلح ، ~~والتي فرضت ارادتها على معاوية أبعد ما يكون في المعروف من دهائه عن الفشل ~~في الخطط التي تمسه في الصميم من مصالحه. # وكان الحسن كما نعلم أعرف الناس بمعاوية وبحظه من الصدق والوفاء ، وهو اذ ~~يأخذ عليه الصيغ المغلظة في الايمان والعهود ، لا يقصد من ذلك الى التأكد ~~من صدقه أو وفائه ، ولكن ليكشف للاغبياء قابليات الرجل في دينه وفي ذمامه ~~وفي شرفه بالقول. # وانها للمبادأة الاولى التي ابتدأ الحسن عليه السلام زحفه منها الى ميدانه ~~الثاني. ومن هنا وضع أول حجر في البناء الجديد لقضية أهل البيت (ع). ثم مشى ~~موكب الزمان ، فاذا بالخطوات الموفقة تمشي وئيدا مع الزمان واذا بطلائع ~~النجاح كفيالق الجيش التي تتلاحق تباعا لتتعاون على الفتح. وان من الفتوح ~~ما لا يعتمد في أداته على السلاح ، ومنها ما يكون وسائله الاولية أشبه ~~بالهزيمة ، حتى ليخاله الناس تسليما محضا ، ولكنه PageV01P294 # في منطق العقلاء ، ظفر لامع وفتح مبين. # وكان من أبرز الخطوات التي وفقت اليها خطة الحسن عليه السلام عن طريق ~~الصلح ، في سبيل التشهير بمعاوية حيا وميتا ، والنكاية ببني أمية اطلاقا. # 1 أنها ألبت على معاوية في بداية عهده الاستقلالي عددا ضخما من الشخصيات ~~البارزة في المملكة الاسلامية. # فلعنه صراحة بعضهم ، وخبثه آخر ، وقرعه وجاها ثالث بل ثلاثة ، وقاطعه ~~رابع ، وانكر عليه حتى مات غما من فعاله كبير خامس ، وقال فيه أحدهم : « ~~وكان والله غدارا ». وقال الآخر (1): « اربع خصال كن في معاوية لو لم يكن ~~فيه منهن الا واحدة لكانت موبقة ». وقابله على مثل ذلك كثير من سادة وسيدات ~~، لسنا الآن بصدد احصائهم ، أو استيعاب كلماتهم. # 2 وخلقت له معارضة ms174 الطبقات التي شملتها بنود المعاهدة ، سواء في الامان ~~المفروض فيها ، أو في الحقوق المالية المنصوص عليها. فاذا بعالم عظيم من ~~الناس أصبح ينظر الى معاوية نظره الى العدو الواتر في النفس والمال ، بما ~~نقضه من شروطهم ، في نفوسهم وأموالهم. # 3 وظن معاوية أنه سيجعل من نقضه معاهدة الحسن وضعا شكليا لبيعة ابنه يزيد ~~، يتغلب به على عنعنات الاسلام المقررة بين المسلمين في أمر البيعة وصلاحية ~~الخلافة. # ولكنه لم يلبث أن اصطدم بالواقع ، فاذا بهذه البيعة الجديدة ، PageV01P295 # مثار النقمة الاسلامية العامة التي اصبحت تتحسس منذ ترشيح يزيد للخلافة ~~بنوايا بني أمية من الاسلام. # 4 ثم كانت البوائق الدامية التي جهر بها معاوية بعد نقض الصلح ، في قتله ~~خيار المسلمين من صحابة وتابعين بغير ذنب ، عوامل أخرى للتشهير به ، ~~ولتحطيم معنوياته المزعومة ، تمشيا مع الخطة المكينة ، التي أرادها الامام ~~الحسن (ع) منذ قرر الاقدام على الصلح. # 5 وقضية الحسين في كربلاء سنة (61) هجري ، كبرى قضايا الحسن فيما مهد له ~~من الزحف على عدوهما المشترك ، وعدو أبيهما من قبل. # ولا ننسى أنه قال له يوم وفاته : « ولا يوم كيومك أبا عبد الله ». # وهذه الكلمة على اختزالها المقصود هي الرمز الوحيد الذي سمع من الحسن ~~عليه السلام ، فيما يشير به الى الخطة المقنعة بالسر ، التي اعتورها الغموض ~~من ست جهاتها ، منذ يوم الصلح الى يوم صدور هذا الكتاب. وانك لتقرأ من هذه ~~الكلمة لغة « القائد الاعلى » الذي يوزع القواد لوقائعهم ، ويوزع الايام ~~لمناسباتها ، ثم يميز أخاه ويوم أخيه فيقول : « ولا يوم كيومك .. ». # وكان من طبيعة الحال ان تبعث المناسبات الزمنية حلقات الخطة كلا ليومها. ~~وكان لابد لكل حلقة أن توقظ الاخرى ، وأن تؤرث السابقة اللاحقة ، وتوقد ~~الاولى جذوة الثانية ، وهكذا دواليك. # وحسب الحسن لكل هذه الخطوات حسابها المناسب لها ، منذ قاول معاوية على ~~هذا الصلح المعلوم ، ودرس الى ذلك نفسيات خصومه بما كانت تشرئب له من ~~النقمة عليه وعلى أخيه وعلى شيعته وعلى أهدافه جميعا. وكانت هذه المطالعات ~~بنطاقها الواسع ، الاساس الذي بنى عليه ms175 الحسن خطواته المستقبلة فيما مهده ~~لنفسه ولعدوه معا. PageV01P296 # وكان من طبيعة الحال ، أن تلقي هذه الخطوات قيادتها الى الحسين فيما لو ~~حيل بين الحسن وبين قيادتها بنفسه. وهذا هو ما أردناه في بداية هذا القول. # وهكذا كانت نهضة الحسين الخالدة الخطوة الجبارة في خطة أخيه العبقري ~~العظيم. # ولا تزال فاجعة كربلاء التي استوعبتها كل لغات الارض ، اللطخة السوداء ~~التي صبغت تاريخ أمية بالعار ، مادام لكربلاء رسم ، ولامية اسم. # 6 ثم لم تزل الخطة البعيدة الاهداف ، تستعرض في الفترات المتقاربة ~~التاريخ ، بعد واقعة الحسين عليه السلام بكربلاء ، سلسلة أحداث قانية انبثقت ~~من صميم الوضع الاموي المتشابه في أكثر ملامحه بين عهد معاوية وابن عمه « ~~الحمار » (1). # وعادت الاموية في عرف المسلمين المعنيين باسلاميتهم الحكومة الجائرة ~~المتغلبة بالظلم والاسراف وبالتحلل من كثير كثير من النواميس الدينية. ~~واشتدت نقمة الناس عليها مع تمادي الايام ، وكان أي علم يرفع لحرب بني أمية ~~، لا يعدم الالوف وعشرات الالوف من المبايعين له على الموت. PageV01P297 # اذا ، فلتكن عملية الصلح على هذا البذرة المستمدة من صميم مصلحة الاسلام ~~ومصلحة أهل البيت عليهم السلام ، ومن الوحي ايضا. وليعد الحسن بن علي ~~عليهما السلام بعد أقل من قرن ، الغالب المنتصر على الخصوم المغلوبين ، ~~المنهزمين في التاريخ. # خطوات موفقات ، وسياسة صاعدة لا تبلغها السياسات ، في صمت وتواضع واتئاد ~~، وتحت ظل اصلاح وتسليم وحقن دماء. # وهل العظمة شيء آخر غير هذا ، ياترى؟. PageV01P298 ### ||| الوفاء بالشروط PageV01P299 # عرفنا الى هنا بواعث كل من الفريقين فيما تطلعا به الى الصلح. وعرفنا ~~شروط كل فيما اعتبره ضمانا لبواعثه تلك. # وعرفنا بعد ذلك أنهما أرادا الجنوح الى التصالح عمليا ، فاجتمعا في ~~الكوفة ، وكان من المنتظر لهذا الاجتماع التاريخي أن يبعث بينهما من ~~التقارب ما لم تبعثه الصكوك التحريرية ولا المقاولات الرسمية ، التي تبودلت ~~بينهما في الصلح ، لولا أن معاوية لم يشأ ان يلتزم في هذا الاجتماع جانب ~~المجاملة ، رغم أنه كان في ظرفه الخاص أحوج الرجلين الى هذا النمط من ~~السلوك ، وانه ليمر اذ ذاك بأدق امتحان في سياته ms176 العامة وفي شخصيته كملك ~~يريد ان يحكم شعبا ما أحبه منذ أبغضه على حد تعبير الاحنف بن قيس ، فاجتمع ~~بالحسن ولكن كما يجتمع « ابن أبي سفيان » بابن فاتح مكة ، لا كما يجتمع ~~متناجزان القيا السلاح وتبادلا وثائق الصلح ، وكان من هذا الخلق الثابت ~~لمعاوية رغم ما يتكلفه من الحلم الكثير أحيانا ما هو أداة الحسن في حملته ~~المنظمة التي جردها عليه في ( ميدانه الثاني ) كما اشير اليه في آخر فصل مضى . # واذ قد عرفنا ذلك كله من فصولنا القريبة السابقة ، فلنعرف الآن موقف كل ~~من شروطه وفاء ونقضا. وها نحن أولاء من هذه المرحلة بازاء النقطة الحساسة ~~التي طال حسابها في التاريخ. # وكان بودنا لو طوينا كشحا عن استنطاق هذا الموضوع ، بما تثيره تفاصيله من ~~ذكريات : بعضها ألم ، وبعضها فضيحة سافرة ، وقليل منها تاريخ تعافه ~~الامجاد. ولكننا وقد أخذنا على أنفسنا في هذا الكتاب مهمة البحث التحليلي ~~المكشوف ، عن قضية الحسن ومعاوية لا نجد مجالا PageV01P300 # للتغافل عن عناصر الموضوع التي كان لها أروع الاثر في النتائج التي ~~توخاها الحسن بن علي من صلحه مع معاوية بن أبي سفيان. ولذلك ، ولما لهذه ~~التفاصيل الحساسة الثقيلة على النفس من الاهمية القصوى لموضوعنا العام ، ~~فلابد لنا من مسايرة هذا الموضوع في سائر خطواته ، حتى ينتهى بنا أو ننتهي ~~به الى النتائج الواضحة المملاة عن مقدماتها المسلمة ، بما في هذه النتائج ~~من مجد المظلوم ( الغالب ) وخزاية الظالم ( المغلوب )، فنقول : ### ||| * 1 ### ||| * الوفاء بالشرط الاول # كان هذا الشرط هو الشرط الوحيد الذي لمعاوية على الحسن. # فكان هو الشرط الوحيد الذي حظي بالوفاء من شروط هذه المعاهدة اطلاقا. # ثم لا يعهد من الحسن بعد توقيعه الصلح ، أي محاولة لنقض شرطه هذا ولا ~~التحدث بذلك ، ولا الرضا بالحديث عنه. # وجاءه زعماء شيعته بعد أن أعلن معاوية التخلف عن شروطه ، فعرضوا عليه وقد ~~رجع الى المدينة أنفسهم واتباعهم للجهاد بين يديه ، ووعده الكوفيون منهم ~~باخلاء الكوفة من عاملها الاموي ، وضمنوا له الكراع والسلاح لاعادة الكرة ~~على الشام ، فلم تهزه ms177 العواصف ولا قلقلته حوافز الانصار المتوثبين. # فقال له سليمان بن صرد ، وهو اذ ذاك سيد العراق ورئيسهم على حد تعبير ابن ~~قتيبة عنه : « وزعم يعني معاوية على رؤوس الناس ما قد سمعت : اني كنت شرطت ~~لقوم شروطا ووعدتهم عدات ومنيتهم أماني .. PageV01P301 # فان كل ما هنالك تحت قدمي هاتين ، ووالله ما عنى بذلك الا نقض ما بينك ~~وبينه ، فأعد الحرب خدعة وأذن لي أشخص الى الكوفة ، فأخرج عاملها منها ~~وأظهر فيها خلعه ، وانبذ اليه على سواء ، ان الله لا يهدي كيد الخائنين. # « ثم سكت ابن صرد ، فتكلم كل من حضر مجلسه بمثل مقالته ، وكلهم يقول : ~~ابعث سليمان بن صرد وابعثنا معه ، ثم الحقنا ، اذا علمت انا قد أشخصنا ~~عامله ، وأظهرنا خلعه (1)». # وجاءه ايضا حجر بن عدي الكندي ، ومركزه القوي في العراق مركزه ، كما ~~ستعرف قريبا. # وجاءه المسيب بن نجية ، فارس مضر الحمراء كلها ، اذا عد من أشرافها عشرة ~~كان هو أحدهم على حد تعبير زفر بن الحارث الكلابي عنه . # وجاءه آخرون من نظرائهم ، وكلهم لم يحظ من الحسن الا بالرد الجميل ~~والاستمهال الى موت معاوية ، لانه صاحب عهده فيما تعاهدا عليه ، ولانه كان ~~قد درس من أحوال الكوفة في تجربته الاولى ، ما أغناه عن تجارب أخرى. # وكان آخر جوابه اليهم قوله : « ليكن كل رجل منكم حلسا من أحلاس (2) بيته ~~ما دام معاوية حيا ، فان يهلك معاوية ، ونحن وانتم احياء ، سألنا الله ~~العزيمة على رشدنا ، والمعونة على أمرنا ، وأن لا يكلنا الى انفسنا ، فان ~~الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (3)». PageV01P302 ### ||| * 2 ### ||| * الوفاء بالشرط الثاني # أجمع المؤرخون بما فيهم المتحزبون والمستقلون على أن العهد لذي أعطاه ~~معاوية للحسن في شروط الصلح ، هو أن لا يعهد بالامر من بعده الى أحد ، ~~ومعنى ذلك رجوع الامر من بعده الى صاحبه الشرعي ، أعني الحسن بن علي فان لم ~~يكن فللحسين أخيه ، تمشيا مع مفهوم الشرط القائل بتسليم الامر محدودا ~~بحياته ، ومفهوم سلبه صلاحية العهد الى أحد من بعده. # وأجمع المؤرخون بعد ذلك على أن معاوية ms178 نقض هذا العهد علنا ، وعهد من بعده ~~الى ابنه يزيد ( المعروف!!! ). # ولسنا الآن بصدد مناقشة معاوية على نقضه العهد بعد ميثاقه ، وهو على كل ~~حال جماع غلطاته التي أركسه « الصلح » فيها من حيث يدري أو لا يدري ، ولكنا ~~وقد مررنا على موقف معاوية من عهوده مرات ومرات ، لا نريد ان نمر هنا على ~~تعيينه يزيد ابنه لخلافة المسلمين دون أن نقول : انه ارتكب بهذا العمل ~~الجريء أكبر اثم في دينه ، وأفظع جريمة في الصالح العام. وقد كان من أبرز ~~النتائج ، لاعمال معاوية الارتجالية الجريئة هذه ، ان تنحرف قيادة الاسلام ~~عن منهجها القويم ، وان تفقد الرعية قدوتها العملية ، وان تسود الاثرة ، ~~ويضطرب حبل الثقة بين الافراد والجماعات ، وأن ينعدم التجاوب والتفاعل ~~الوجداني بين القادة والاتباع. فتتوزع الميول وتتباين المقاصد ، ثم لا يزال ~~الامر يأخذ بهم سفالا ، حتى يستعد الى الثورات الدامية والانتفاضات ~~الداخلية التي كان لابد منها لتدارك الاخطاء والتنبه على الاخطار. دع عنك ~~ما كان يقال عن يزيد هذا ، وعن قابلياته الشخصية والخلقية التي عجت بها ~~التواريخ ، من يومه الى يومنا ، والتي PageV01P303 # كان من آثارها في حكومته ما كان ( مما لا نريد التوسع في ذكره )، وانما ~~جل ما نريد هو التنبيه على الغلطة الكبرى التي أتاها معاوية ، فتقمص بها ~~مسؤولية الحرمات الاسلامية التي انتهكها بهذه الغلطة غير متحرج ولا متأثم. # وكان من الاساليب العجيبة التي توفر على روايتها أصدقاء الرجل فضلا عن ~~أعدائه ، فيما لجأ اليه يوم نصب ابنه وليا لعهد المسلمين ، ما يكفينا ~~للتأكد من وزنه كمسلم فضلا عن وزنه كخليفة!! .. وانها لصفحة من أنكد صفحات ~~التاريخ ، وأبعدها عن « الاسلام » روحا ومعنى وأهدافا ، ولولا أنها ~~بنتائجها التي تنكشف عنها في معاوية وفي المجتمع الذي كان يدور في فلك ~~معاوية أحد شرايين بحثنا الواسع فيما يهدف اليه هذا البحث من بيان أسرار ~~الحسن فيما أتاه من الصلح ، لاعرضنا عن ذكرها ، ولكنا أحرص على سترها ، رغم ~~افتضاحها المكشوف مدى ثلاثة عشر قرنا. # أما الآن فسنعرض خلاصة من نصوص المؤرخين ، دون ان ms179 نتعمد الشرح والتعليق ~~في الاثناء ، لان هذه النصوص بذاتها غنية عن الشرح والتعليق. ### ||| ** هكذا بايع معاوية ليزيد : # قال ابو الفرج الاصفهاني : « وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد ، فلم يكن ~~شيء أثقل عليه من أمر الحسن وسعد بن ابي وقاص ، فدس اليهما سما ، فماتا منه (1)». # وقال ابن قتيبة الدينوري : « ثم لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن الا يسيرا ~~حتى بايع ليزيد بالشام وكتب ببيعته الى الآفاق (2)». # وقال ابن الاثير : « وكان ابتداء ذلك وأوله من المغيرة بن شعبة ، فان PageV01P304 # معاوية أراد ان يعزله عن الكوفة ، ويستعمل عوضه سعيد بن العاص ، فبلغه ~~ذلك ، فقال : الرأي ان أشخص الى معاوية فاستعفيه ، ليظهر للناس كراهتي ~~للولاية ، فسار الى معاوية وقال لاصحابه حين وصل اليه : ان لم أكسبكم الآن ~~ولاية وامارة لا أفعل ذلك ابدا ، ومضى حتى دخل على يزيد (1) وقال له : انه ~~ذهب أعيان اصحاب النبي صلى الله عليه ( وآله ) وسلم ، وكبراء قريش وذوو ~~أسنانهم! (2) وانما بقي أبناؤهم ، وأنت من أفضلهم! وأحسنهم رأيا! وأعلمهم ~~بالسنة!! والسياسة! ، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة؟ ~~قال : أوترى ذلك يتم؟ قال : نعم. فدخل على أبيه ، وأخبره بما قال المغيرة ، ~~فأحضر المغيرة وقال له : ما يقول يزيد؟. فقال : يا أمير المؤمنين قد رأيت ~~ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان ، وفي يزيد خلف (! )، فاعقد له ~~، فان حدث بك حادث كان كهفا للناس وخلفا منك ، ولا تسفك دماء (!! ). ولا ~~تكون فتنة (!! ). قال : ومن لي بهذا؟ قال : أكفيك أهل الكوفة ، ويكفيك زياد ~~أهل البصرة ، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك. قال : فارجع الى عملك ، ~~وتحدث مع من تثق اليه في ذلك ، وترى ونرى. # « فودعه ورجع الى أصحابه. فقالوا : مه؟. قال : لقد وضعت رجل معاوية في ~~غرز بعيد الغاية على أمة محمد!! ، وفتقت عليهم فتقا لا يرتق أبدا! (3)». # « وتواطأ معاوية مع رؤساء الوفود المناصحين له ، أن يخطبوا ويذكروا PageV01P305 # فضل يزيد!! .. فلما اجتمعت عند معاوية وفود الامصار ، وفيهم الاحنف بن ~~قيس الفهري ، فقال له : اذا جلست على المنبر ، وفرغت من ms180 بعض موعظتي وكلامي ~~فاستأذن للقيام فاذا أذنا لك ، فاحمد الله تعالى واذكر يزيد ، وقل فيه الذي ~~يحق له من حسن الثناء عليه!! .. ثم ادعني الى توليته!. ثم دعا عبد الرحمن ~~بن عثمان الثقفي وعبيد الله بن مسعدة الفزاري وثور بن معن السلمي وعبد الله ~~بن عصام الاشعري ، فأمرهم ان يقوموا اذا فرغ الضحاك ، وان يصدقوا قوله!! ~~فقام هؤلاء النفر خطباء يشيدون بيزيد!! .. الى أن قام الاحنف بن قيس [ ولم ~~يكن من الممثلين الذين رتبهم معاوية لهذه الرواية ] فقال : # « أصلح الله الامير ، ان الناس قد أمسوا في منكر زمان قد سلف ، ومعروف ~~زمان مؤتنف ، وقد حلبت الدهور وجربت الامور ، فاعرف من تسند اليه الامر ~~بعدك ، ثم اعص من يأمرك ، ولا يغررك من يشير عليك ولا ينظر اليك ، مع أن ~~أهل الحجاز وأهل العراق ، لا يرضون بهذا ، ولا يبايعون ليزيد ما دام الحسن حيا ». # ثم أردف قائلا : # « وقد علمت يا معاوية ، أنك لم تفتح العراق عنوة ، ولم تظهر عليه مقصا ، ~~ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت ، ليكون له الامر من ~~بعدك (1). فان تف فأنت أهل الوفاء ، وان تغدر تظلم. والله ان وراء الحسن ~~خيولا جيادا ، وأذرعا شدادا ، وسيوفا حدادا. وان تدن له شبرا من غدر ، تجد ~~وراءه باعا من نصر. وانك تعلم من أهل العراق ، ما أحبوك منذ أبغضوك ، ولا ~~أبغضوا عليا وحسنا منذ أحبوهما ، وما نزل PageV01P306 # عليهم في ذلك غير من السماء ، وان السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم ~~صفين ، لعلى عواتقهم ، والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم (1)». # أقول : وكلام الاحنف هذا ، صريح بأن معاوية حاول البيعة لابنه يزيد في ~~حياة الحسن بن علي ، بينما صرح آخرون ، بأن بيعة يزيد انما وقعت بعد وفاة ~~الحسن ، حتى قال ابو الفرج : « انه سم الحسن وسعد بن ابي وقاص تمهيدا لبيعة ~~ابنه يزيد » ( كما اشير اليه ). اذا فقد كان لمعاوية محاولتان لهذا التصميم ~~: احداهما في حياة الحسن رغم العهود والأيمان والمواثيق ، وهي انما فشلت ~~لمكان وجود صاحب العهد ms181 حيا. وثانيتهما بعد وفاة الحسن عليه السلام ، وهي ~~التي تمت بأساليبها الظالمة التي عرضها أكثر المؤرخين. # « فعزل مروان عن المدينة حين عجز عن أخذ البيعة على أهلها ليزيد ، وولى ~~المدينة سعيد بن العاص ، فاظهر الغلظة وأخذهم بالعزم والشدة ، وسطا بكل من ~~ابطأ عن البيعة ليزيد ، فأبطأ الناس عنها الا اليسير ، لا سيما بني هاشم ، ~~فانه لم يجبه منهم أحد. # « أما مروان فذهب الى الشام مغاضبا ، وواجه معاوية بكلام طويل قال فيه : ~~وأقم الامر يا ابن أبي سفيان ، واهدأ من تأميرك الصبيان ، واعلم أن لك في ~~قومك نظراء ، وأنهم على مناوأتك وزراء .. # ثم سكت لانه رزقه الف دينار في كل هلال!! # « وكتب معاوية الى عبد الله بن عباس والى عبد الله بن الزبير والى عبد ~~الله بن جعفر والى الحسين بن علي ، يدعوهم الى البيعة ليزيد!. # وكان كتابه الى الحسين عليه السلام ما لفظه : # « أما بعد. فقد انتهت الي منك امور ، لم اكن اظنك بها ، رغبة PageV01P307 # بك عنها ، وان احق الناس بالوفاء من كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي ~~أنزلك الله بها ، فلا تنازع الى قطيعتك ، واتق الله!!. ولا تردن هذه الامة ~~في فتنة!!. وانظر لنفسك ودينك وأمة محمد ، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون!! ». # فكتب اليه الحسين بما يلي : # « أما بعد فقد جاءني كتابك ، تذكر فيه أنها انتهت اليك مني أمور لم تكن ~~تظنني بها رغبة بي عنها ، وان الحسنات لا يهدي لها ولا يسدد عليها الا الله ~~تعالى. واما ما ذكرت انه رقى اليك عني ، فانما رقاه الملاقون المشاؤون ~~بالنميمة ، المفرقون بين الجمع. وكذب الغاوون المارقون ، ما أردت حربا ولا ~~خلافا. واني اخشى الله في ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين المحلين ، حزب ~~الظلم وأعوان الشيطان الرجيم. الست قاتل حجر وأصحابه العابدين المخبتين ، ~~الذين كانوا يستفظعون البدع ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟. فقتلتهم ~~ظلما وعدوانا ، من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكدة ، ~~جراءة على الله واستخفافا بعهده ، أولست بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت ~~وأبلت وجهه العبادة؟ فقتلته ms182 من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم ~~(1) لنزلت من شعف (2) الجبال. أولست المدعي زيادا في الاسلام فزعمت أنه ابن ~~أبي سفيان؟ ، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم ، أن الولد ~~للفراش وللعاهر الحجر ، ثم سلطته على أهل الاسلام يقتلهم ويقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف ويصلبهم على جذوع النخل!. سبحان الله يا معاوية ، لكأنك ~~لست من هذه الامة وليسوا منك!!. أولست قاتل الحضرمي الذي كتب فيه اليك زياد ~~أنه على دين علي؟ ، ودين علي هو دين ابن عمه صلى الله عليه وسلم الذي PageV01P308 # أجلسك مجلسك الذي انت فيه ، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم ~~الرحلتين ، رحلة الشتاء والصيف ، فوضعها الله عنكم بنا ، منة عليكم!. # وقلت فيما قلت : لا ترد هذه الامة في فتنة. واني لا أعلم فتنة لها أعظم ~~من امارتك عليها. # وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ولدينك ولامة محمد ، واني والله ما أعرف أفضل ~~من جهادك ( أي : قتالك )، فان أفعل ، فانه قربة الى ربي ، وان لم أفعل ، ~~فأستغفر الله لذنبي ، واسأله التوفيق لما يحب ويرضى. # وقلت فيما قلت : متى تكدني أكدك ، فكدني يا معاوية فيما بدا لك ، فلعمري ~~لقديما يكاد الصالحون ، واني لارجو ان لا تضر الا نفسك ، ولا تمحق الا عملك ~~، فكدني ما بدا لك!. # « واتق الله يا معاوية! ، واعلم ان لله كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~الا أحصاها! واعلم ان الله ليس بناس لك قتلك بالظنة وأخذك بالتهمة ، ~~وامارتك صبيا يشرب الشراب ويلعب بالكلاب!!. ما أراك الا وقد أوبقت نفسك ، ~~وأهلكت دينك ، وأضعت الرعية ، والسلام (1)». # ثم قدم معاوية بعد ذلك الى المدينة ، ومعه خلق كثير من أهل الشام عدهم ~~ابن الاثير بألف فارس. قال : « ثم دخل على عائشة ، وكان قد بلغها انه ذكر ~~الحسين وأصحابه وقال : لاقتلنهم ان لم يبايعوا .. فقالت له فيما قالت : ~~وارفق بهم فانهم يصيرون الى ما تحب ، ان شاء الله!! (2)». # وقال الدينوري (3) بعد ذكره ورود معاوية الى المدينة : « ثم جلس معاوية ~~صبيحة اليوم الثاني ، وأجلس كتابه ms183 بحيث يسمعون ما يأمر به ، PageV01P309 # وأمر حاجبه ان لا يأذن لاحد من الناس وان قرب. ثم أرسل الى الحسين بن علي ~~وعبد الله بن عباس ، فسبق ابن عباس ، فأجلسه عن يساره ، وشاغله بالحديث حتى ~~أقبل الحسين ودخل ، فأجلسه عن يمينه ، وسأله عن حال بني الحسن (!! ) ~~وأسنانهم ، فأخبره. # « ثم خطب معاوية خطبة أثنى فيها على الله ورسوله وذكر الشيخين وعثمان ، ~~ثم ذكر أمر يزيد ، وانه يحاول ببيعته سد خلل الرعية! ، وذكر علمه بالقرآن ~~والسنة! ، واتصافه بالحلم! ، وأنه يفوقهما سياسة ومناظرة! وان كانا أكبر ~~منه سنا (1)، وأفضل قرابة. واستشهد بتولية النبي صلى الله عليه ( وآله ) ~~وسلم عمرو بن العاص في غزوة « ذات السلاسل » على أبي بكر وعمر وأكابر ~~الصحابة ثم استجابهما عما ذكر ». # قال : « فتهيأ ابن عباس للكلام ، فقال له الحسين : على رسلك ، فانا ~~المراد (2)، ونصيبي في التهمة أوفر. # وقام الحسين ، فحمد الله تعالى وصلى على الرسول صلى الله عليه وآله وقال : # « أما بعد يا معاوية ، فلن يؤدي القائل وان أطنب في صفة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم من جميع جزءا ، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله (3) من ~~ايجاز الصفة ، والتنكب عن استبلاغ البيعة. وهيهات هيهات يا معاوية ، فضح ~~الصبح فحمة الدجا ، وبهرت الشمس انوار السرج ، ولقد فضلت حتى أفرطت ، ~~واستأثرت حتى أجحفت ومنعت حتى بخلت ، وجرت حتى جاوزت ، ما بذلت لذي حق من ~~اسم حقه PageV01P310 # من نصيب ، حتى أخذ الشيطان حظه الاوفر (1)، ونصيبه الأكمل. # « وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لامة محمد ، تريد أن توهم ~~الناس في يزيد ، كأنك تصف محجوبا أو تنعت غائبا ، أو تخبر عما كأنك احتويته ~~بعلم خاص ، وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه ، فخذ ليزيد فيما أخذ به من ~~استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش ، والحمام السبق لاترابهن ، والقينات ~~ذوات المعازف ، وضروب الملاهي تجده ناصرا. # ودع عنك ما تحاول!!. فما أغناك ان تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما ~~أنت لاقيه ، فوالله ما برحت تقدح باطلا في جور ، وحنقا في ظلم ms184 ، حتى ملئت ~~الاسقية ، وما بينك وبين الموت الا غمضة ، فتقدم على عمل محفوظ في يوم ~~مشهود ، ولات حين مناص .. # « وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما صار ~~ذلك لعمرو يومئذ ، حتى أنف القوم امرته ، وكرهوا تقديمه ، وعدوا عليه ~~أفعاله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا جرم معشر المهاجرين ، لا ~~يعمل عليكم بعد اليوم. فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الاحوال ~~وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب؟ أم كيف ضاهيت بصاحب تابعا؟ وحولك من يؤمن ~~في صحبته ، ويعتمد في دينه وقرابته ، تتخطاهم الى مسرف مفتون ، تريد أن ~~تلبس الناس شبهة ، يسعد بها الباقي في دنياه ، وتشقى بها في آخرتك. ان هذا ~~لهو الخسران المبين ، واستغفر الله لي ولكم ». # قال : « فنظر معاوية الى ابن عباس ، فقال : ما هذا يا ابن عباس؟ ولما ~~عندك أدهى وأمر! .. فقال ابن عباس : لعمر الله ، انه لذرية الرسول ، وأحد ~~أصحاب الكساء ، ومن البيت المطهر فاله عما تريد ، فان لك في PageV01P311 # الناس مقنعا ، حتى يحكم الله بأمره ، وهو خير الحاكمين. # ثم خرج معاوية الى مكة كما يحدثنا ابن الاثير وغيره من المؤرخين ، قال : ~~« وسبقه الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن ~~عمر اليها. ولما كان آخر أيامه بمكة ، أحضر هؤلاء ... وقال لهم : اني أحببت ~~ان اتقدم اليكم ، انه قد أعذر من انذر ، اني كنت اخطب فيكم ، فيقوم الي ~~القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس ، فأحمل ذلك وأصفح. واني قائم بمقالة ، ~~فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا ، لا ترجع اليه كلمة غيرها ~~حتى يسبقها السيف الى رأسه ، فلا يبقين رجل الا على نفسه!. # ثم دعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال : أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ، ~~ومع كل واحد سيف ، فان ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه ~~بسيفهما!! .. # ثم خرج وخرجوا معه ، حتى أتى المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ~~ان هؤلاء الرهط سادة المسلمين ms185 وخيارهم ، لا يبتز أمر دونهم ، ولا يقضى الا ~~عن مشورتهم. وانهم قد رضوا وبايعوا يزيد!! فبايعوا على اسم الله!. فبايع ~~الناس. انتهى ملخصا. # وولدت هذه البيعة البغيضة ولكن بعد اعسار شديد ، لم تنجع فيه الا السيوف ~~المشهورة على رؤوس الرجال ، فاذا هي بنت مؤامرات ومناورات وارهاب!. # واذا كانت هذه هي خلافة الاسلام ، فعلى الاسلام السلام. # وأخرج البخاري في صحيحه عن النبي (ص): « ما من وال يلي رعية من المسلمين ~~فيموت وهو غاش لهم ، الا حرم الله عليه الجنة ». PageV01P312 ### ||| * 3 ### ||| * الوفاء بالشرط الثالث # قال ابن الاثير « ان معاوية كان اذا قنت سب عليا وابن عباس والحسن ~~والحسين والاشتر (1)». ونقل أبو عثمان الجاحظ في كتاب [ الرد على الامامية ~~] : « ان معاوية كان يقول في آخر خطبته : اللهم ان أبا تراب يعني عليا الحد ~~في دينك ، وصد عن سبيلك ، فالعنه لعنا وبيلا وعذبه عذابا اليما. وكتب بذلك ~~الى الآفاق ، فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر (2)». # وقيل لمروان : « ما لكم تسبونه على المنابر؟ » فقال : « لا يستقيم لنا ~~الامر الا بذلك!! » .. # وكان من مجهود معاوية في هذا السبيل ما طفحت به السير والتواريخ. وهو على ~~هذا أول من سن الجهر بسب صحابة الرسول ، وأول من فتح هذا الباب على مصراعيه ~~لمن جاء من بعده ، ولا نعرف أن أحدا سبقه الى مثل هذا اللهم الا ما كان من ~~عائشة يوم قالت : « اقتلوا نعثلا فقد كفر!! » ، ثم لا نعهد في علماء ~~المسلمين من حكم على عائشة بالكفر ، ولا على معاوية بالمروق من الدين ، ~~لانهما استباحا سب الصحابة ، أو لانهما أوغلا في السب حتى عمدا الى ~~التكفير. ومما لا شك فيه أن حكم الامثال واحد لا يختلف مع الزمان ، ولذلك ، ~~فانا لا نجد مساغا الى الحكم على من نال من معاوية أو نال من صحابي آخر ، ~~الا بما حكم به علماء المسلمين على معاوية وعائشة في نيلهما من علي وعثمان ~~، لا أقل ولا أكثر. # وأما الاثر المزعوم القائل « بأيهم اقتديتم اهتديتم » ، فقد خص حتى سقط ~~عمومه عن الحجية ms186 ، والا لكان السبابون للصحابة من الصحابة أولى PageV01P313 # بالعمل به. ولو كف معاوية لسانه عن النجوم من آل محمد (ص) الذين كان عليه ~~ان يقتدي بهم ليهتدي ، لكف الناس ألسنتهم عنه وعن أمثاله من الظالمين ، ~~ولماتت النعرات ولتم الصلح بصلاح المسلمين. # ولكنها كانت البذرة الخبيثة التي زرعها الرجل عامدا ، ثم تعاهدها هو ~~وذووه بالتغذية والسقي ، فاذا بها شجرة العوسج في تاريخ الاسلام ، استغفلوا ~~بها البسطاء ولبسوا بها على عقول الجهلاء ، وجعلوا من السبة في التاريخ « ~~سنة » في المسلمين ، يتنادون عليها ، ويحتفلون بها ، ويحتجون (1) على تركها ~~اذا تركت!! .. # وما لمعاوية فيما قدم لنفسه من هذه الباقيات من عذر يرجى ، ولا فيما أخر ~~لتاريخه من مجد يحسد عليه أو يطرى. واذا كان الدهاء هو فشل الانسان فيما ~~قدم وفيما أخر ، فمعاوية أدهى الدهاة!. # وكان من أروع مظاهر الدهاء فيه موقفه من صلح الحسن عليه السلام بما جر ~~عليه هذا الصلح من ويلات معنوية ونكبات تاريخية في حياته وبعد مماته!!. # وكان معنى الصلح في مفهوم الناس ، واعني الصلح الذي لج هو في تحصيله حتى ~~أقام الدنيا وأقعدها هو ان يحطم السنان وان يكم اللسان وان يكون كل وشأنه. ~~وفق الحدود التي ستقررها المعاهدة فيما يتفق عليه الفريقان. وجاءت المادة ~~الثالثة من اتفاقيتهما ، وهي صريحة بوجوب الكف عن السب ، فكان على معاوية ~~ان يكف ، لو انه أراد الصلح حقيقة ، أو أراد الوفاء بالشروط كما يفرضه ~~الذمام والعهد والايمان. # ولكن الرجل لم يطلب الصلح الا ليسرح الجنود ، وليأمن غائلة حربه مع الحسن ~~ابن رسول الله (ص) كما اشير اليه ، لم يشأ ان يرجع في صلحه الى التزام ~~المقررات ، أو الاكتراث بالمعاهدات ، فوقع الصلح ولكنه انما وقعه حبرا على ~~ورق ، وحلف الايمان وأعطى المواثيق ولكنه PageV01P314 # أرسلها ارسالا لا يتحسس من ورائه ذمة ولا سؤالا. وجاء الكوفة ، وسبق الى ~~منبرها فذكر عليا ونال منه ، ثم نال من الحسن ، فقام الحسين ليرد عليه ، ~~فأخذ الحسن بيده فأجلسه ، ثم قام فقال ما شاء أن يقول من أسلوب حكيم ، ~~ودعوة حق ms187 الى صراط مستقيم .. [ وقد مرت خطبة الحسن بطولها وما قاله معاوية ~~قبلها في الفصل (18) ]. # وكان فيما هتف الناس به للحسن على خطابه وجوابه ، ما لم يرض له معاوية ، ~~وهو اذ ذاك لا يزال ثملا بخمرة الانتصار الموهوم ، فرأى أن ينظم حملة جديدة ~~لتربيب الخلق الذي لا يحسد عليه خلق السباب والشتم والطعن في الناس ، رغم ~~أن المثالية الاسلامية تناقض هذا الخلق وتنكره على الناس وتدعوهم الى ~~التراحم والتحابب والاخوة في الدين ، وتقول فيما تقول : « لا يكون المؤمن ~~سبابا ولا فحاشا ولا طعانا ولا لعانا ». # « فقال ابو الحسن علي بن محمد بن أبي يوسف المدائني في كتاب الاحداث : ~~كتب معاوية نسخة واحدة بعد عام الجماعة ، أن برئت الذمة ممن روى شيئا من ~~فضل أبي تراب يعني عليا عليه السلام وأهل بيته. فقامت الخطباء في كل كورة ~~وعلى كل منبر ، يلعنون عليا ويبرؤون منه ، ويقعون فيه وفي أهل بيته ، وكان ~~أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام (1)». # ودعا المغيرة بن شعبة وهو يريد أن يستعمله على الكوفة بعد الصلح فقال له ~~: أما بعد. فان لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ، ولا يجزي عنك الحليم ~~بغير التعليم ، وقد أردت ايصاءك بأشياء كثيرة ، انا تاركها ، اعتمادا على ~~بصرك. ولست تاركا ايصاءك بخصلة واحدة ، لا تترك شتم علي وذمه!! (2)». # ثم خلف المغيرة على الكوفة زياد « فكان يجمع الناس بباب قصره PageV01P315 # يحرضهم على لعن علي ، فمن أبى عرضه على السيف!! (1)». # وأما في البصرة. فانه استعمل عليها بسر بن أرطاة « فكان يخطب على منبرها ~~فيشتم عليا ، ويقول : ناشدت الله رجلا علم أني صادق الا صدقني أو كاذب الا ~~كذبني ». قال الطبري في تاريخه : « فقال له أبو بكرة : اللهم انا لا نعلمك ~~الا كاذبا! ، قال : فأمر به فخنق ، ثم أنقذوه منه!! (2)». # واما في المدينة ، وواليه عليها مروان بن الحكم ، فكان لا يدع سب علي ~~عليه السلام على المنبر كل جمعة. قال ابن حجر المكي : « وكان الحسن يعلم ذلك ~~ولا يدخل ms188 المسجد الا عند الاقامة ، فلم يرض بذلك مروان ، حتى أرسل الى ~~الحسن في بيته بالسب البليغ لابيه وله!! (3)». # « ولما حج معاوية بعد الصلح طاف بالبيت ومعه سعد بن أبي وقاص ، فلما فرغ ~~انصرف معاوية الى دار الندوة ، فأجلسه معه على سريره ، ووقع معاوية في علي ~~وشرع في سبه ، فزحف سعد ، ثم قال : أجلستني معك على سريرك ثم شرعت في سب ~~علي!. والله لأن يكون في خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحب الي من أن يكون ~~لي ما طلعت عليه الشمس!. والله لأن اكون صهر الرسول صلى الله عليه وسلم ، ~~لي من الولد ما لعلي ، أحب الي من ان يكون لي ما طلعت عليه الشمس!. ولله ~~لأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي ما قاله يوم خيبر : لاعطين ~~الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله ، ليس بفرار ، يفتح ~~الله على يديه ، أحب الي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس!. والله لأن ~~يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي ما قاله له في غزوة تبوك : ألا ~~ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي ، أحب الي من ~~ان يكون لي ما طلعت عليه الشمس! ، وايم الله PageV01P316 # لادخلت لك دارا ما بقيت (1)». # وروى المسعودي من جواب معاوية لسعد ، ما نربأ بقلمنا عن التصريح به لقبحه ~~، ولكنه على كل حال دليل جديد على مبلغ اسفاف الرجل في خلقه وفي آدابه وفي ~~مجاملاته .. ### ||| * 4 ### ||| * الوفاء بالشرط الرابع # قال الطبري ( ج 6 ص 95 ): « وحال أهل البصرة بينه يعني بين الحسن وبين ~~خراج دارابجرد ، وقالوا : فيئنا ». # وقال ابن الاثير ( ج 3 ص 162 ): « وكان منعهم يعني منع أهل البصرة بأمر ~~من معاوية ايضا!! ». ### ||| * 5 ### ||| * الوفاء بالشرط الخامس # وكان الشرط كما علمت هو العهد بالامان العام ، والامان لشيعة علي على ~~الخصوص ، وأن لا يبغي للحسنين عليهما السلام وأهل بيتهما غائلة سرا ولا جهرا. # وللمؤرخين فيما يرجع الى موضوع هذا الشرط نصوص كثيرة ms189 ، بعضها وصف للكوارث ~~الداجية التي جوبه بها الشيعة من الحكام الامويين في عهد معاوية ، وبعضها ~~قضايا فردية فيما نكب به معاوية الشخصيات الممتازة من أصحاب أمير المؤمنين ~~، وبعضها خيانته تجاه الحسن والحسين خاصة. وليكن عرضنا لهذه النصوص هنا على ~~الترتيب المذكور ايضا. PageV01P317 ### ||| معاوية وشيعة علي ( ع ) PageV01P319 # كانت السياسة الاموية التي وضعها معاوية ثم تبعه عليها الامراء الامويون ~~من بعده ، هي أن يخلقوا من أنفسهم سادة يستأثرون بكل محمدة في الناس ، فما ~~الكرم ولا الحلم ولا الدهاء ولا الشجاعة ولا الفصاحة الا بعض هباتهم الخاصة ~~التي احتجزوها من دون الناس جميعا ، وقد وضعوا في سبيل تركيز هذه السياسة ~~المتعمدة ، التاريخ الزائف الذي ظل يفيض بسلسلة من الاحاديث الموضوعة ، ~~والقصص المصطنع ، والاكاذيب المنوعة ، والادعاء الفارغ ، وأمروا الوعاظ ~~المأجورين ، ومعلمي الكتاتيب في سائر بلدان المملكة الاسلامية ، بدراسة ~~الامالي الاموية بما فيها من مدح زائف أو قدح كاذب ، وعملوا كل ما كان ~~بوسعهم أن يعملوه ليثيروا في قلوب الناشئة من أولاد الناس الغرور بحبهم ، ~~والانقياد المطلق لدهائهم ، فاذا بهذه الناشئة بعد لأي جنود لامية يتخاصمون ~~بدمائهم البريئة لاهدافها ، واذا بسيول الدماء تصبغ بقاع الارض لتستقيم ~~صفوف الخدم والحشم والوكلاء والمقدمين في بلاد الاسياد المتغلبين. # ولم يكن ثمة هدف آخر غير هدف الاستئثار بالسيادة والملك والثراء واللذات ~~الدنيوية الرخيصة ، وهو ما كان يضيق به المعنيون بدينهم من آل محمد ~~صلى الله عليه وآله ، ومن المسلمين الثابتين على الاخلاص لله في اسلاميتهم ، ~~ومن هنا كان مبعث الشقاق المتواصل الحلقات بين هذه الطبقة من أموية الاسلام ~~، وتلك الفئة من حملة تراث الاسلام ودعاته المخلصين. # جاء في تاريخ الطبري ( ج 7 ص 104 ) استطراد مقتضب يرفعه الى زيد بن أنس ~~عن الوضع العام الذي كان يرزح تحته معاشر الشيعة في أيام معاوية ، وكان ~~فيما يقوله أحدهم وهو يخاطبهم : « انكم كنتم تقتلون PageV01P320 # وتقطع أيديكم وأرجلكم وتسمل أعينكم وترفعون على جذوع النخل في حب أهل بيت ~~نبيكم وأنتم مقيمون في بيوتكم وطاعة عدوكم!! ». # والحديث على اقتضابه تفصيل غريب ومعرض رهيب ms190 لم يحدثنا المسعودي الا بطرف ~~منه فيما نقلناه عنه قريبا. # أما المدائني المتوفى سنة 225 ، وسليم بن قيس المتوفي سنة 70 ، فانهما ~~عرضا صورة كاملة من هذه المعارض الرهيبة والمآسي الكئيبة ، وكان سليم بن ~~قيس أحد شهودها المروعين بها ، لانه عاش معاصرا لمعاوية ومات بعده بعشر ~~سنين ، ولا شاهد كشاهد عيان ، ولذلك فلنؤثر لفظه ، وان كان المدائني يكاد ~~لا يختلف عنه في قليل ولا كثير ، قال : # « قدم معاوية حاجا في خلافته بعدما قتل أمير المؤمنين وصالح الحسن .. ~~واستقبله أهل المدينة وفيهم قيس بن سعد وكان سيد الانصار وابن سيدهم فدار ~~بينهما الحديث حتى انتهيا الى [ الخلافة ]. فقال قيس : ولعمري ما لأحد من ~~الأنصار ولا لقريش ولا لاحد من العرب والعجم في الخلافة حق مع علي وولده من ~~بعده. فغضب معاوية .. ونادى مناديه وكتب بذلك نسخة واحدة الى عماله : ( ألا ~~برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب علي وأهل بيته!! ). وقامت الخطباء في كل ~~كورة ومكان على المنابر بلعن علي بن أبي طالب والبراءة منه ، والوقيعة في ~~أهل بيته ، واللعنة لهم بما ليس فيهم. ثم ان معاوية مر بحلقة من قريش ، ~~فلما رأوه قاموا اليه غير عبد الله بن عباس ، فقال له : يا ابن عباس ما ~~منعك من القيام كما قام أصحابك الا لموجدة علي بقتالي اياكم يوم صفين ، يا ~~ابن عباس ان ابن عمي عثمان قتل مظلوما ، قال ابن عباس : فعمر بن الخطاب قد ~~قتل مظلوما فسلم الامر الى ولده ، وهذا ابنه. قال : ان عمر قتله مشرك ، قال ~~ابن عباس : فمن قتل عثمان؟ قال : قتله المسلمون ، قال : فذلك أدحض لحجتك ، ~~ان كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس الا بحق ، قال : فانا كتبنا الى الآفاق ~~ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته ، فكف PageV01P321 # لسانك يا ابن عباس. قال : فتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال : لا ، قال : ~~فتنهانا عن تأويله؟ قال : نعم ، قال : فنقرأه ولا نسأل عما عنى الله به؟ ~~قال : نعم ، قال : فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟ قال : العمل به ، ~~قال ms191 : فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟ قال : سل عن ذلك ~~من يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك ، قال : انما أنزل القرآن على ~~أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط؟! قال : فاقرأوا القرآن ولا ~~ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم ومما قال رسول الله ، وارووا ما سوى ذلك! ~~قال ابن عباس : قال الله تعالى : يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى ~~الله الا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. قال معاوية : يا ابن عباس اكفني ~~نفسك وكف عني لسانك ، وان كنت لابد فاعلا فليكن سرا ولا تسمعه أحدا علانية! ~~ثم رجع الى منزله واشتد البلاء بالامصار كلها على شيعة علي وأهل بيته ، ~~وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة لكثرة من بها من الشيعة ، واستعمل عليها ~~زيادا ، وجمع له العراقين ، وكان يتتبع الشيعة وهو بهم عالم ، لأنه كان ~~منهم ، فقتلهم تحت كل كوكب ، وتحت كل حجر ومدر واحلأهم وأخافهم ، وقطع ~~الايدي والارجل منهم ، وصلبهم على جذوع النخل ، وسمل أعينهم ، وطردهم ~~وشردهم ، وكتب معاوية الى قضاته وولاته في الامصار أن لا يجيزوا لأحد من ~~شيعة علي الذين يروون فضله ويتحدثون بمناقبه شهادة!! وكتب الى عماله ، ~~انظروا من قبلكم من شيعة عثمان الذين يروون فضله ويتحدثون بمناقبه فأكرموهم ~~وشرفوهم ، واكتبوا الي بما يروي كل واحد منهم فيه باسمه واسم أبيه ، وبعث ~~اليهم بالصلات والكسا ، وأكثر القطائع للعرب والموالي فكثروا ، وتنافسوا في ~~المنازل والضياع ، واتسعت عليهم الدنيا ، ثم كتب الى عماله : ان الحديث قد ~~كثر في عثمان فاذا جاءكم كتابي هذا فادعوهم الى الرواية في أبي بكر وعمر ، ~~فقرأ كل قاض وأمير كتابه على الناس ، وأخذ الناس في الروايات فيهم وفي ~~مناقبهم ، ثم كتب نسخة جمع فيها جميع ما روي فيهم من المناقب ، وأنفذها الى ~~عماله ، وأمرهم بقراءتها على المنابر. وفي كل PageV01P322 # كورة ، وفي كل مسجد ، وأمرهم أن ينفذوا الى معلمي الكتاتيب أن يعلموها ~~صبيانهم حتى يرووها ويتعلموها كما يتعلمون القرآن حتى علموها بناتهم ~~ونساءهم ms192 وخدمهم ثم كتب الى عماله نسخة واحدة : ( انظروا من قامت عليه ~~البينة أنه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان )، ثم كتب كتابا آخر : ( ~~من اتهمتموه ولم تقم عليه بينة فاقتلوه!! ) فقتلوهم على التهم والظن والشبه ~~تحت كل كوكب ، حتى لقد كان الرجل يسقط بالكلمة فتضرب عنقه!!. وجعل الامر لا ~~يزداد الا شدة ، وكثر عددهم ، وأظهروا أحاديثهم الكاذبة فنشأ الناس على ذلك ~~، لا يتعلمون الا منهم. وكان أعظم الناس في ذلك القراء المراؤون المتصنعون ~~الذين يظهرون الحزن والخشوع والنسك ويكذبون ، ليحظوا عند ولاتهم ، ويصيبوا ~~بذلك الاموال والقطائع والمنازل. حتى صارت أحاديثهم في أيدي من يحسب انها ~~حق فرووها وعلموها. وصارت في أيدي المتدينين الذين لا يستحلون الكذب ، ~~فقبلوها وهم يرون أنها حق ، ولو علموا انها باطل لم يرووها ولم يتدينوا بها ~~، فلما مات الحسن بن علي عليه السلام . لم تزل الفتنة والبلاء يعظمان ~~ويشتدان ». # اقول : وروى مثل ذلك بكامله ابو الحسن المدائني فيما أخذه عنه ابن أبي ~~الحديد ( ج 3 ص 15 16 ) وقال في آخره : # « فلم يزل الامر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السلام ، فازداد البلاء ~~والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل الا وهو خائف على دمه أو طريد في الارض ». # وكان هذا أسلوبا من الحوادث تستسيغه المحاكمة في ظروف الفريقين ، ويصدقه ~~التناسق التاريخي في تسلسل الاحداث. ولا يضيره اغفال المؤرخين الآخرين ~~لأنهم ولنعذرهم انما كانوا يكتبون للسياسة القائمة ، أو لما لا يضيرها على الاقل. # وتقدم أن الطبري والمسعودي ألمحا الى كل ذلك باختصار. وعلى PageV01P323 # هذا فمصادر هذه المادة : سليم بن قيس ، المدائني ، ابن ابي الحديد ، ~~الطبري ، المسعودي. # وفي سبيل الله أشلاء مضرجة ، وشمل شتيت ، وحطام من مساكن يشرد أهلها أو ~~يساقون الى الجزر سوق القطيع! فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا ~~تبديلا. # وتلك هي تعبئة معاوية لاقتناص الخلافة في الاسلام له ولبنيه!. # وتلك هي طريقته البكر في وفائه بعهود الله ومواثيقه!. # وزاد سليم بن قيس بعد ذلك فقال : # « ولما كان قبل موت ms193 معاوية بسنة ، حج الحسين بن علي وعبد الله بن عباس ~~وعبد الله بن جعفر فجمع الحسين بني هاشم ، ثم رجالهم ونساءهم ومواليهم ومن ~~حج منهم من الانصار ، ممن يعرفه الحسين عليه السلام وأهل بيته ، ثم أرسل ~~رسلا : لا تدعوا أحدا حج العام من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~المعروفين بالصلاح والنسك الا اجمعوهم لي ، فاجتمع اليه بمنى أكثر من ~~سبعمائة رجل ، وهم في سرادقه ، عامتهم من التابعين ، ونحو من مائتي رجل من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم . فقام فيهم خطيبا. # « فحمد الله واثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فان هذا الطاغية قد فعل بنا ~~وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم. واني أريد أن اسألكم عن شيء فان صدقت ~~فصدقوني وان كذبت فكذبوني ، اسمعوا مقالتي ، واكتبوا قولي ، ثم ارجعوا الى ~~أمصاركم وقبائلكم فمن أمنتم من الناس ، ووثقتم به فادعوهم الى ما تعلمون من ~~حقنا. فاني أتخوف أن يدرس هذا الامر ويذهب الحق ويغلب ، والله متم نوره ولو ~~كره الكافرون. # « وما ترك شيئا مما أنزله الله فيهم من القرآن الا تلاه وفسره ، ولا PageV01P324 # شيئا مما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله في أبيه وأخيه وأمه وفي نفسه ~~وأهل بيته الا رواه .. وكل ذلك يقول أصحابه ، اللهم نعم وقد سمعنا وشهدنا. ~~ويقول التابعي : اللهم قد حدثني به من أصدقه وأئتمنه من الصحابة. فقال : ~~أنشدكم الله الا حدثتم به من تثقون به وبدينه ». ### ||| ** معاوية وزعماء الشيعة # وكان موقف معاوية من زعماء الشيعة بعد صلحه مع الحسن موقف المنتقم الحاقد ~~الذي لا تأخذه بهم رأفة ولا ذمة ولا « عهد » ، وكان لخوفه من الدعاوة ~~الفعالة التي يحملها هؤلاء السادة من زعماء الشيعة أثره فيما توفر عليه من ~~القصد الى ايذائهم واقصائهم وقتلهم والتنكيل بهم. ولسنا الآن بسبيل استقصاء ~~ما عمله معاوية تجاه هؤلاء الشيعة ، ولا استقصاء ما كان ينويه بهم من خطط ~~بعيدة الاهداف. ولكننا لندل على مدى وفاء هذا الاموي بشروطه وأيمانه سنورد ~~في هذا الفصل بعض أعماله تجاههم وبعض ms194 نواياه بهم. وفي قليل من هذه الامثلة ~~كفاية عن الكثير آثرنا تركه أو خفي علينا علمه. # وقد خسر تاريخ هؤلاء الشيعة انصاف المؤرخين بعد ذلك ، ولعب التعصب الذميم ~~دوره المهم في طمس معالم هذا التاريخ أحفل ما يكون بالقضايا البارزة التي ~~كان من حقها أن تأخذ مكانها من عبرة الاجيال. وكان للسلطات الحاكمة عملها ~~في توجيه ما يكتب للتاريخ أو يملى للحديث ، حتى فيما يتناول أئمة الشيعة ~~فضلا عن زعمائهم أو سوادهم. # « روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم في ~~تاريخه ما يناسب هذا .. قال : ان اكثر الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة ~~افتعلت في أيام بني أمية تقربا اليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم!. # « وقال المدائني عن عصر معاوية : وظهر حديث كثير موضوع ، PageV01P325 # وبهتان منتشر ، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ، وكان اعظم الناس ~~في ذلك بلية القراء المراؤون ، والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك ~~فيفتعلون الاحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجلسهم ، ويصيبوا به ~~الاموال والضياع والمنازل ، حتى انتقلت تلك الاخبار والاحاديث الى أيدي ~~الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها ، وهم يظنون انها ~~حق ، ولو علموا انها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها (1)». # وقال ابن أبي الحديد : « وذكر شيخنا أبو جعفر الاسكافي .. أن معاوية وضع ~~قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي ~~عليه السلام ، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب ~~في مثله ، فاختلقوا ما أرضاه. منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن ~~شعبة. ومن التابعين عروة بن الزبير (2)». # اقول : وشيء قليل من حيدة في النظر ودقة في الاستنتاج يكفينا للقناعة ~~بألوان التصرفات الكيفية الواسعة النطاق التي نكب بها كل من حديث الاسلام ~~وتاريخ أحداثه معا. حتى لقد يعز على المتتبع في ماجريات الحوادث الاسلامية ~~الاولى ان لا يجد قضية من مهمات القضايا الاسلامية يومئذ سلمت في تناسقها ~~التاريخي من الاصطدام بالمفارقات البعيدة التي تغمرها بالشك ، ثم لا تزال ~~تأخذ بها بين ms195 التيارات المتعاكسة ذات اليمين وذات الشمال. # ولا حاجة بنا بعد ذلك الى جمع الشهادات والتصريحات على شيوع الوضع (3) ~~وكثرة الوضاعين ، لان خير شهود كل شيء ما كان منه مباشرة. # وكانت قضية الحسن بن علي عليهما السلام بملابساتها وذيولها احدى PageV01P326 # هاتيك القضايا التي لعبت الاهواء في التحدث عنها وضعا ورفعا وجمعا ~~وتفريقا ، وفقدت تحت تأثير هذا التلاعب المؤسف الذي لم يكن كله مقصودا ، ~~كما لم يكن كله غير مقصود ، روعة واقعها الاول. وكان من طبيعة هذا الوضع أن ~~تختلف عليه الافهام ، ويكثر حوله النقض والابرام. وما هي الا كنموذج واحد ~~من قضايا كثيرة في تاريخ الاسلام ظلمها التاريخ وجللها بالظلام. # وانهم ليعرفون ، وهم يؤرخون الحسن ، مكانة الحسن في التاريخ ويعلمون أنهم ~~انما يكتبون عن « أحد الاحدين » في العالم الاسلامي كله. # فكيف بهم اذا جاوزوا فيما يؤرخون مثل هذه النقطة المركزة ، الى نقاط لا ~~تبلغ في موضوعها خطورة امام؟. # لذلك يجب أن لا نطمع في موضوع [ معاوية وزعماء الشيعة ] بالحصول على ~~الحقائق الكافية التي تملأ نهم البحث ، ولا بالوقوف على الاحصاءات الصحيحة ~~التي تسد نطاق الموضوع ، بما يتناسب وحديث المدائني ، وتفاصيل سليم بن قيس. # ذلك لأن كل شيء من هذا القبيل ، وكل شيء من تاريخ الشيعة الصحيح ، قد طغت ~~عليه التصرفات المعارضة ، وأكلته الاكاذيب المأجورة على طول التاريخ. # وليس لنا الآن ، الا أن نعود فنتسقط الاخبار من هنا ومن هنالك لنعرض شيئا ~~له صورته التاريخية التي نعتقد أنها على فظاعتها قليل من كثير ، وبعض من كل. # واليك الآن القائمة المحزونة التي تحمل أسماء هؤلاء بما فيهم من صحابة ~~وتابعين ، ولندرس على ضوء هذه القائمة جواب معاوية على الشرط الخامس من ~~شروط معاهدة الصلح. ثم لنتدرج مع فقرات هذا الشرط فيما نأتي عليه من فصول. PageV01P327 ### ||| * أالشهداء المقتولون صبرا ### ||| ** 1 حجر بن عدي الكندي : # يعرف بحجر الخير ، ويكنى بأبي عبد الرحمن بن عدي بن الحرث بن عمرو بن حجر ~~المقلب بآكل المرار [ ملك الكنديين ]. وقيل هو ابن عدي بن معاوية بن جبلة ~~بن عدي ms196 بن ربيعة بن معاوية الاكرمين من كندة (1)، ومن ذؤابتها العليا. # صحابي من أعيان أصحاب علي وابنه الحسن عليهما السلام ، وسيد من سادات ~~المسلمين في الكوفة ومن أبدالها. # وفد هو وأخوه هانئ بن عدي على النبي صلى الله عليه وآله ، قال في الاستيعاب ~~: « كان حجر من فضلاء الصحابة ، وصغر سنه عن كبارهم » ، وذكره بمثل ذلك في ~~أسد الغابة ، ووصفه الحاكم في المستدرك بأنه : « راهب PageV01P328 # أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ». # وبلغ من عبادته أنه ما أحدث الا توضأ وما توضأ الا صلى. وكان يصلي في ~~اليوم والليلة ألف ركعة ، وكان ظاهر الزهد ، مجاب الدعوة (1)، ثقة من ~~الثقات المصطفين ، اختار الآخرة على الدنيا حتى سلم نفسه للقتل دون البراءة ~~من امامه ، وانه مقام تزل فيه الاقدام وتزيغ الاحلام. # كان في الجيش الذي فتح الشام ، وفي الجيش الذي فتح القادسية ، وشهد الجمل ~~مع علي ، وكان أمير كندة يوم صفين ، وأمير الميسرة يوم النهروان ، وهو ~~الشجاع المطرق الذي قهر الضحاك بن قيس في غربي تدمر. وهو القائل : « نحن ~~بنو الحرب وأهلها ، نلقحها وننتجها ، قد ضارستنا وضارسناها ». # ثم كان أول من قتل صبرا في الاسلام. # قتله وستة من أصحابه معاوية بن أبي سفيان سنة 51 في « مرج عذراء » بغوطة ~~دمشق على بعد 12 ميلا منها. وقبره الى اليوم ظاهر مشهور ، وعليه قبة محكمة ~~تظهر عليها آثار القدم في جانب مسجد واسع ، ومعه في ضريحه أصحابه المقتولون ~~معه وسنأتي على ذكرهم. # وهدم زياد ابن أبيه دار حجر في الكوفة. ### ||| ** السبب في قتله # أنه كان يرد على المغيرة وزياد حين يشتمان عليا عليه السلام ، ويقول : « ~~أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل ، ومن تزكون أولى بالذم ، وكان PageV01P329 # اذا جهر بكلمته هذه ، وافقه أكثر من ثلثي الناس ، وقالوا : « صدق والله ~~حجر وبر ». # أما المغيرة بن شعبة فقد قدر المعنويات التي تعزز حجرا كصحابي فاضل ، ~~وكرأس من رجالات علي في الكوفة ، وكأمير عربي يرث تاج الكنديين من أقرباء ~~الجدود ، وسمع بأذنيه تأييد الناس دعوته غير آبهين بالقوة ، ولا ms197 خائفين ~~نقمة السلطان ، فرأى أن يتمهل في أمره وأن يعتذر الى ذوي مشورته الذين ~~كانوا يحرضونه على التنكيل به. ثم قال لهم : « اني قد قتلته ». قالوا : « ~~وكيف ذلك؟ » قال : « انه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ~~ترونه ، فيأخذه عند اول وهلة فيقتله شر قتلة ». وكان المغيرة في موقفه من ~~حجر المنافق الحكيم ، وكذلك كان فيما أجاب به صعصعة بن صوحان يوم فتنة ~~المستورد بن علفة الخارجي سنة 43 قال له : « واياك أن يبلغني عنك أنك تظهر ~~شيئا من فضل علي علانية ، فانك لست بذاكر من فضل علي شيئا أجهله ، بل أنا ~~أعلم بذلك!!. ولكن هذا السلطان يعني معاوية قد ظهر ، وقد أخذنا باظهار عيبه ~~للناس ، فنحن ندع كثيرا مما أمرنا به ، ونذكر الشيء الذي لا نجد من ذكره ~~بدا ، ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا تقية (1)». # وولي ابن سمية الكوفة بعد هلاك المغيرة سنة 50 أو 51 ، فرأى أن يخدم ~~أمويته « المزعومة » بقتل حجر بن عدي ليريحها من أكبر المشاغبين عليها. ~~ولكنه جهل أن دم حجر سيظل يشاغب على تاريخ أمية ما عرف الناس هذين الاسمين. # وأطال الوالي الجديد خطبته يوم الجمعة حتى ضاق وقت الصلاة ولصلاة الجمعة ~~وقتها المحدود فقال حجر وكان لا يفارق جمعتهم وجماعتهم : « الصلاة! » فمضى ~~زياد في خطبته. فقال ثانيا : « الصلاة! » فمضى في خطبته. وخشي حجر فوت ~~الفريضة فضرب بيده الى كف من PageV01P330 # الحصا ، وثار الى الصلاة وثار الناس معه. # وما كان أبو عبد الرحمن بمكانته الاجتماعية وبروحه العابدة الزاهدة بالذي ~~يترخص في دينه أو يلجأ الى مجاملة المترخصين ، وكان يظن ان في هؤلاء بقية ~~من الحسن قد تنفعها الذكرى وقد يجدي معها الانكار ، فأنكر انتصافا للحق ~~المهضوم ، وجاهد لدينه ولامامه ولصلاته بلسانه ، كما كان يجاهد بسيفه في ~~فتوح الاسلام. # وجاءت قائمة جرائمه في عرف بني أمية أنه يرد السب عن علي عليه السلام ، ~~وأنه يريد الصلاة لوقتها ، ولا شيء غير ذلك!. # ودعا زياد « حواشيه الطيعة » الذين كانوا يبادلونه الذمم بالنعم أمثال ~~عمر ms198 بن سعد [ قاتل الحسين عليه السلام ] ، والمنذر بن الزبير ، وشمر بن ذي ~~الجوشن العامري ، واسماعيل واسحق ابني طلحة بن عبد الله ، وخالد بن عرفطة ، ~~وشبث بن ربعي ، وحجار بن أبجر ، وعمرو بن الحجاج ، وزجر بن قيس .. و « درازن ~~» أخرى من هذه النماذج التي طلقت المروءة ثلاثا ، وكانوا سبعين رجلا ، عدهم ~~الطبري في تاريخه واحدا واحدا [ ج 6 ص 150 151 ] ، وماز من بينهم أبا بردة ~~بن أبي موسى الاشعري لانه كان أضعفهم عنده او لانه كان أقواهم عند معاوية ، ~~وقال له اكتب : # « بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى الاشعري ~~لله رب العالمين!! ، أشهد ان حجر بن عدي خلع الطاعة ، وفارق الجماعة!! ولعن ~~الخليفة ، ودعا الى الحرب ، وجمع اليه الجموع يدعوهم الى نكث البيعة ، وكفر ~~بالله عز وجل كفرة صلعاء!! .. ». # وقال للسبعين : « على مثل هذه الشهادة فاشهدوا. أما والله لاجهدن على قطع ~~خيط هذا الخائن الاحمق!! ». فشهد على هذه الصحيفة الخائنة الحمقاء سبعون من ~~اشراف الكوفة و « ابناء البيوتات »!! .. وكتب الى معاوية في حجر وكثر عليه ~~فكتب اليه معاوية : « شده في الحديد واحمله الي ». PageV01P331 # ولنتذكر هنا سوابق هذه الحفنة من أبناء بيوتات الكوفة في قضية الحسن بن ~~علي عليهما السلام أيام خلافته ، وهل كان الفارون من الزحف في مسكن ، ~~والمتألبون على الشر في المدائن ، والمكاتبون معاوية على الغدر بالامام ~~وتسليمه اياه الا هؤلاء؟. فمن هو اذا الذي خلع الطاعة وفارق الجماعة ونكث ~~البيعة أحجر بن عدي أم هم؟ # ثم لنتذكر مواقف هؤلاء أنفسهم في فاجعة الحسين عليه السلام بكربلاء ، ~~وكانوا يومئذ سيوف الجبابرة الامويين الذين تحملوا مسؤوليات تلك الاحداث ~~المؤلمة التي لا حد لفظاعتها في تاريخ العرب والاسلام. ### ||| ** موقف الكوفة في حادثة حجر : # وكان باستطاعة حجر ان يشعل نار الثورة التي تقض مضجع معاوية في الكوفة ، ~~لو انه شاء المقاومة بالسلاح. وفهم معاوية ذلك حين راح يقول بعد مقتل حجر : ~~« لو بقي حجر لاشفقت أن يعيدها حربا أخرى » ، وفهم زياد ذلك حين اتبع حجرا ms199 ~~بريده وقال له : « اركض الى معاوية وقل له : ان كان لك في سلطانك حاجة ~~فاكفني حجرا ». # ولكن الزعيم الشيعي الذي كان قد درس على الامام الحسن بن علي ~~عليهما السلام تضحياته الغالية في سبيل حقن الدماء ، منع قومه من الحرب صريحا. # ولكن جماعة من أصحابه اشتبكت بشرطة زياد و ( بخاريته ) عند أبواب كندة ، ~~وجماعة أخرى التحمت بهم عند باب داره قرب جبانة كندة وكان من ابطال هاتين ~~الموقعتين عبد الله بن خليفة الطائي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي وسنأتي على ~~ذكرهما في الفصول القريبة ، وعبد الرحمن بن محرز الطمحي ، وعائذ بن حملة ~~التميمي ، وقيس بن يزيد ، وعبيدة بن عمرو ، وقيس بن شمر ، وعمير بن يزيد ~~الكندي المعروف ( بأبي العمرطة ). قالوا : « وكان سيف أبي العمرطة أول سيف ضرب PageV01P332 # به في الكوفة يوم حجر ». وخرج قيس بن فهدان الكندي على حمار له ، يسير في ~~مجالس كندة يحرضهم على الحرب. # وحصب أهل الكوفة زيادا (1) وكان ذلك هو ميراثه الشرعي من امه سمية. # أما حجر نفسه فأصر على قومه بأن يردوا السيوف الى أغمادها ، وقال لهم : « ~~لا تقاتلوا فاني لا أحب ان اعرضكم للهلاك .. وانا آخذ في بعض هذه السكك ». # وأخطأته عيون زياد التي كانت تلاحقه ، لان الناس كلهم أو اكثر من ثلثي ~~الناس كانوا يمنعون حجرا من هذه العيون. # وهكذا ضاق زياد بحجر وأصحابه ، فجمع اشراف الكوفة وقال لهم : « يا أهل ~~الكوفة : اتشجون بيد وتأسون بأخرى ، أبدانكم معي ، وأهواؤكم مع حجر ، أنتم ~~معي واخوانكم وابناؤكم وعشائركم مع حجر. هذا والله من دحسكم وغشكم. والله ~~لتظهرن لي براءتكم ، أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم » .. ثم قال : ~~« فليقم كل امرئ منكم الى هذه الجماعة حول حجر. فليدع كل رجل منكم أخاه ~~وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته ، حتى تقيموا عنه كل من استطعتم أن ~~تقيموه ». # ثم أمر زياد أمير شرطته [ شداد بن الهيثم الهلالي ] بالقبض على حجر. وعلم ~~ان شرطته ستعجز عنه ، فدعا محمد بن الاشعث الكندي ، وقال له : « يا أبا ~~ميثاء ، أما والله ms200 لتأتينني بحجر ، أو لا ادع لك نخلة الا قطعتها ، ولا ~~دارا الا هدمتها ، ثم لا تسلم حتى أقطعك اربا اربا! » قال له : « أمهلني ~~حتى أطلبه ». قال « امهلتك ثلاثا ، فان جئت به والا عد نفسك في الهلكى! ». # أقول : ولم كل هذا الحنق؟ أللدين وما كان ابن سمية بأولى به PageV01P333 # من الصحابي العابد الذي كان يصلي كل يوم وليلة الف ركعة ، ثم لا ذنب له ~~الا أن ينهى عن المنكر ويريد الفرائض لوقتها؟! أم للدنيا ، وقد خسروا في ~~مقتل حجر صبابة معنوياتهم في التاريخ!! # وحاول زياد ان يقتل الكنديين بعضهم ببعض بما أمر به ابن الاشعث الكندي ، ~~وكان ذلك من جملة الاساليب الرثة التي يتوارثها الحاكمون بأمرهم في الشعوب ~~المغلوبة على أمرها في القديم والحديث. # وعلم حجر ما أراده زياد في الكنديين وأصحابهم فقال : « ولكن سمع وطاعة ». # ودارت الشرطة للقبض على الاسماء البارزة من مؤازريه ، فجمعوا تسعة من أهل ~~الكوفة وأربعة من غيرها برواية المسعودي . # وعدهم ابن الاثير هكذا : « حجر بن عدي الكندي ، والارقم بن عبد الله ~~الكندي ، وشريك بن شداد الحضرمي ، وصيفي بن فسيل الشيباني ، وقبيصة بن ~~ضبيعة العبسي ، وكريم بن عفيف الخثعمي ، وعاصم بن عوف البجلي ، وورقاء بن ~~سمي البجلي ، وكدام بن حيان ، وعبد الرحمن بن حسان العنزيان ، ومحرز بن ~~شهاب التميمي ، وعبد الله بن حوبة السعدي التميمي ». قال : « فهؤلاء اثنا ~~عشر رجلا. واتبعهم زياد برجلين وهما : عتبة بن الاخنس من سعد بن بكر ، وسعد ~~بن نمران الهمداني. فقوموا أربعة عشر رجلا ». # ونشط اذ ذاك المشاؤون بالنميم ، وما كان أكثرهم في هذا البلد المنكوب! # ومكث حجر في سجن الكوفة عشرة أيام حتى جمعوا اليه من أصحابه من ذكرنا ، ~~ثم أمر بهم فسيقوا الى الشام. وكان كل ما في الكوفة يدل على تمخض الوضع عن ~~وثبة لا يدرى مدى بلائها على الحاكم والمحكوم. # ولكن زيادا فطن الى ذلك ، فأمر باخراجهم « عشية » ليتستر بالظلام ، PageV01P334 # فيخفف من عرامة هذا الظلم المفضوح. # ونظر قبيصة بن ربيعة أحد اصحاب حجر فاذا هو يمر على داره ms201 في جبانة « عرزم ~~» واذا بناته مشرفات يبكينه ، فكلمهن ووعظهن بما سنأتي على ذكره عند ترجمته ~~، ثم انصرف. # وانشأت ابنة حجر في احدى لياليها السود وقد قطع الخوف على أبيها نياط ~~قلبها وهي تخاطب القمر وقيل بل الابيات لهند بنت زيد الانصارية ترثي حجرا : # ترفع أيها القمر المنير %~% لعلك أن ترى حجرا يسير يسير الى معاوية بن حرب %~% ليقتله كما زعم الامير ويصلبه على بابي دمشق %~% وتأكل من محاسنه النسور تجبرت الجبابر بعد حجر %~% وطاب لها الخورنق والسدير وأصبحت البلاد له محولا %~% كأن لم يحيها مزن مطير ألا يا حجر حجر بني عدي %~% تلقتك السلامة والسرور أخاف عليك ما أردى عليا %~% وشيخا في دمشق له زئير فان تهلك فكل عميد قوم %~% من الدنيا الى هلك يصير ### ||| ** مقتله # وصاروا بهم الى عذراء ، وكانت قرية على اثني عشر ميلا من دمشق ، فحبسوا ~~هناك ، ودار البريد بين معاوية وزياد ، فما زادهم التأخير الا عذابا. ~~وجاءهم أعور معاوية في رهط من أصحابه يحملون أمره بقتلهم ومعهم اكفانهم ~~فقال لحجر : « ان امير المؤمنين أمرني بقتلك يا رأس الضلال!! .. ومعدن ~~الكفر والطغيان!! .. والمتولي لابي تراب ، وقتل أصحابك الا أن ترجعوا عن ~~كفركم ، وتلعنوا صاحبكم وتتبرأوا منه » فقال حجر وأصحابه : « ان الصبر على ~~حد السيف لأيسر علينا مما تدعوننا PageV01P335 # اليه ثم القدوم على الله وعلى نبيه وعلى وصيه أحب الينا من دخول النار ». # وحفرت القبور ، وقام حجر وأصحابه يصلون عامة الليل ، فلما كان الغد ~~قدموهم ليقتلوهم فقال لهم حجر : « اتركوني اتوضأ وأصل فاني ما توضأت الا ~~صليت ». فتركوه فصلى ثم انصرف ، وقال : « والله ما صليت صلاة أخف منها ، ~~ولولا أن تظنوا في جزعا من الموت لاستكثرت منها ». # ثم قال : « اللهم انا نستعديك على أمتنا ، فان اهل الكوفة شهدوا علينا ، ~~وان أهل الشام يقتلوننا ، أما والله لئن قتلتموني بها ، فاني لاول فارس من ~~المسلمين هلك في واديها ، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها (1)». # ثم مشى اليه هدبة بن فياض القضاعي بالسيف ، فارتعد فقالوا له : « زعمت ~~أنك لا تجزع من ms202 الموت ، فابرأ من صاحبك وندعك!! ». # فقال : « مالي لا أجزع وأرى قبرا محفورا ، وكفنا منشورا ، وسيفا مشهورا ، ~~واني والله ان جزعت من القتل ، لا أقول ما يسخط الرب! ». # وشفع في سبعة من أصحاب حجر ذوو حزانتهم من المقربين لدى معاوية في الشام. # وعرض الباقون على السيف ، وقال حجر في آخر ما قال : « لا تطلقوا عني ~~حديدا ، ولا تغسلوا عني دما ، فاني لاق معاوية غدا على الجادة واني مخاصم ~~». وذكر معاوية كلمة حجر هذه فغص بها ساعة هلك معاوية فجعل يغرغر بالصوت ~~ويقول : « يومي منك يا حجر يوم طويل ». ### ||| ** فاجعته في المسلمين # حج معاوية بعد قتله حجرا وأصحابه فمر بعائشة « واستأذن عليها PageV01P336 # فأذنت له ، فلما قعد قالت له : يا معاوية أأمنت ان اخبئ لك من يقتلك؟ قال ~~: بيت الامن دخلت ، قالت : يا معاوية أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه؟ ~~(1)». وقالت : « لولا انا لم نغير شيئا الا صارت بنا الامور الى ما هو اشد ~~منه لغيرنا قتل حجر ، أما والله ان كان ما علمت لمسلما حجاجا معتمرا (2)». # وكتب شريح بن هاني الى معاوية يذكر حجرا ويفتيه بحرمة دمه وماله ويقول ~~فيه : « انه ممن يقيم الصلاة ، ويؤتي الزكاة ، ويديم الحج والعمرة ، ويأمر ~~بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، حرام الدم والمال (3)». # وكان ابن عمر منذ أخذ حجر يتخبر عنه فأخبر بقتله وهو بالسوق فأطلق حبوته ~~وولى وهو يبكي (4). # ودخل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام على معاوية وقد قتل حجرا وأصحابه ، ~~فقال له : « أين غاب عنك حلم أبي سفيان!؟ » قال : « غاب عني حين غاب عني ~~مثلك من حلماء قومي ، وحملني ابن سمية فاحتملت!! » قال : « والله لا تعد لك ~~العرب حلما بعد هذا أبدا ولا رأيا ، قتلت قوما بعث بهم اليك أسارى من ~~المسلمين .. ». # وقال مالك بن هبيرة السكوني حين أبى معاوية أن يهب له حجرا ، وقد اجتمع ~~اليه قومه من كندة والسكون وناس من اليمن كثير ، فقال : « والله لنحن اغنى ~~عن معاوية من معاوية عنا وانا لنجد في قومه (5) منه بدلا ولا يجد منا في ms203 ~~الناس خلفا .. ». # وقيل لابي اسحق السبيعي : « متى ذل الناس؟ » فقال : « حين مات الحسن ، ~~وادعي زياد ، وقتل حجر بن عدي (6)». # وقال الحسن البصري : « أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه PageV01P337 # منهن الا واحدة لكانت موبقة : انتزاؤه على هذه الامة بالسفهاء حتى ابتزها ~~أمرها يعني الخلافة بغير مشورة منهم ، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة ، ~~واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير ، ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه ~~زيادا ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم : الولد للفراش ~~وللعاهر الحجر ، وقتله حجرا. ويل له من حجر وأصحاب حجر مرتين (1)». # ومات الربيع بن زياد الحارثي غما لمقتل حجر ، وكان عاملا لمعاوية على ~~خراسان. قال ابن الاثير ( ج 3 ص 195 ): « وكان سبب موته أنه سخط قتل حجر ~~بن عدي ، حتى انه قال : لا تزال العرب تقتل صبرا بعده ، ولو نفرت عند قتله ~~، لم يقتل رجل منهم صبرا ، ولكنها قرت فذلت ، ثم مكث بعد هذا الكلام جمعة ، ~~ثم خرج يوم الجمعة فقال : أيها الناس ، انى قد مللت الحياة فاني داع بدعوة ~~فأمنوا. ثم رفع يديه بعد الصلاة فقال : اللهم ان كان لي عندك خير فاقبضني ~~اليك عاجلا ، وأمن الناس ثم خرج ، فما توارت ثيابه حتى سقط (2)». # وكتب الحسين عليه السلام الى معاوية في رسالة له : « ألست القاتل حجرا أخا ~~كندة ، والمصلين العابدين ، الذين كانوا ينكرون الظلم ، ويستعظمون البدع ، ~~ولا يخافون في الله لومة لائم؟. قتلتهم ظلما وعدوانا من بعدما كنت أعطيتهم ~~الايمان المغلظة والمواثيق المؤكدة [ يشير الى نصوص المادة الخامسة من ~~معاهدة الصلح ] أن لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ولا باحنة تجدها في نفسك ~~عليهم (3)». # ثم جاء دور التاريخ فخصص نصر بن مزاحم المنقري كتابا في مقتل حجر بن عدي ~~، ولوط بن يحيى بن سعيد الازدي كتابا (4)، وهشام بن محمد PageV01P338 # ابن السائب كتابا في حجر ، وكتابا آخر في مقتل رشيد وميثم وجويرية بن ~~مشهر (1)». ### ||| ** الاحاديث في حجر وأصحابه # قال ابن عساكر : « ان عائشة بعد أن انكرت على معاوية قتله حجرا وأصحابه ، ~~قالت : سمعت ms204 رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : سيقتل بعذراء الموضع ~~الذي قتل فيه حجر وأصحابه أناس يغضب الله لهم وأهل السماء ». # وروى مثله بطريق آخر عنها. # وروى البيهقي في الدلائل ويعقوب بن سفيان في تاريخه : « عن عبد الله بن ~~زرير الغافقي قال : سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام يقول : يا أهل العراق ~~، سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء ، مثلهم كمثل أصحاب الاخدود ». ### ||| ** الشهداء من أصحاب حجر # علمنا مما سبق أن اصحاب حجر صفوة من رجال الله القليلين ، وأنهم « ~~المصلون العابدون ، الذين ينكرون الظلم ، ويستعظمون البدع ، ولا يخافون في ~~الله لومة لائم » على حد تعبير الحسين عليه السلام عنهم فيما كتبه الى ~~معاوية. # ورأينا الى ذلك كيف يذكرهم كبراء المسلمين الآخرون كلما ذكروا حجرا. # واذا شاءت المقادير ، أو شاءت الرقابات الاموية طمس أخبارهم وتناسي ~~آثارهم ، فانهم شهداء المبادئ ، وقرابين الحق المغصوب ، وكفاهم ذلك فضلا ~~ومجدا وظهورا في التاريخ. PageV01P339 # ولقي معاوية في حجته « المقبولة .. » بعد قتل هذه الزمرة الكريمة ، ~~الحسين بن علي عليهما السلام في مكة ، فقال له مزهوا : « هل بلغك ما صنعنا ~~بحجر وأصحابه وأشياعه شيعة أبيك؟ ». قال : « وما صنعت بهم؟ » قال : « ~~قتلناهم وكفناهم وصلينا عليهم ودفناهم!! » فضحك الحسين عليه السلام ، ثم قال ~~: « خصمك القوم يا معاوية ، لكنا لو قتلنا شيعتك ، ما كفناهم ، ولا صلينا ~~عليهم ، ولا قبرناهم (1)». # واليك الآن اسماء الشهداء الممتحنين مرتبة على الحروف وملحقة بما يتصل ~~بكل منهم من معلومات : # أشريك بن شداد أو ثداد الحضرمي وسماه آخر عريك بن شداد. # ب صيفي بن فسيل الشيباني ، رأس في اصحاب حجر حديد القلب شديد العقيدة ~~سديد القول. القي القبض عليه واحضر لزياد فقال له : « يا عدو الله!! ما ~~تقول في أبي تراب؟ » ، قال : « ما اعرف ابا تراب » ، قال : « ما أعرفك به؟ ~~» ، قال : « ما أعرفه » ، قال : « اما تعرف علي بن أبي طالب؟ » ، قال : « ~~بلى » ، قال : « فذاك ابو تراب » ، قال : « كلا ، ذاك أبو الحسن والحسين ~~عليه السلام ». فقال له صاحب الشرطة : « يقول لك الامير : هو أبو تراب ، ~~وتقول انت : لا؟ ms205 » ، قال : « وان كذب الامير أتريد ان أكذب انا واشهد على ~~باطل كما شهد!؟ » [ انظر الى خلقه وصلابته ] قال له زياد : « وهذا ايضا مع ~~ذنبك!! ، علي بالعصا » ، فأتي بها ، فقال : « ما قولك؟ » ، قال : « أحسن ~~قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين » ، قال : « اضربوا عاتقه ~~بالعصا حتى يلصق بالارض » ، فضرب حتى لزم الارض!! ثم قال : « أقلعوا عنه ~~ايه ما قولك في علي؟ » ، PageV01P340 # قال : « والله لو شرحتني بالمواسي والمدى ما قلت الا ما سمعت مني ». قال ~~: « لتلعننه ، أو لاضربن عنقك! » قال : « اذا تضربها والله قبل ذلك ، فان ~~أبيت الا ان تضربها ، رضيت بالله وشقيت أنت! ». # قال : « ادفعوا في رقبته » ثم قال : « أوقروه حديدا ، والقوه في السجن! ». # ثم كان في قافلة الموت مع حجر ، ومن شهداء عذراء الميامين. # ج عبد الرحمن بن حسان العنزي. كان من أصحاب حجر وسيق معه مكبلا بالحديد ، ~~ولما كانوا في مرج عذراء طلب ان يبعثوا به الى معاوية وكأنه ظن أن معاوية ~~خير من ابن سمية . فلما ادخل عليه ، قال له معاوية : « يا اخا ربيعة! ما ~~تقول في علي؟ » قال : « دعني ولا تسألني ، فهو خير لك! » ، قال : « والله ~~لا ادعك » ، قال : أشهد انه كان من الذاكرين الله كثيرا ، والآمرين بالحق ، ~~والقائمين بالقسط ، والعافين عن الناس ». قال : « فما قولك في عثمان؟ » ، ~~قال : « هو اول من فتح باب الظلم واغلق أبواب الحق » ، قال : « قتلت نفسك » ~~، قال : « بل اياك قتلت ، ولا ربيعة بالوادي » يعني ليشفعوا فيه أو يدفعوا ~~عنه . فرده معاوية الى زياد في الكوفة وأمره بقتله شر قتلة!! .. # وكان عبد الرحمن هذا هو القائل يوم كبسهم جلادو معاوية في مرج عذراء : « ~~اللهم اجعلني ممن تكرم بهوانهم وأنت عني راض ، فطالما عرضت نفسي للقتل فأبى ~~الله الا ما أراد ». # وذكره حبة العرني ، فيما حدث عنه في تاريخ الكوفة ، ( ص 274 ) قال : « ~~وكان عبد الرحمن بن حسان العنزي من أصحاب علي عليه السلام ، اقام بالكوفة ~~يحرض الناس على بني أمية ، فقبض عليه زياد ، وأرسله الى الشام ، فدعاه ~~معاوية الى البراءة من ms206 علي عليه السلام ، فأغلظ عبد الرحمن بالجواب ، فرده ~~معاوية الى زياد فقتله ». PageV01P341 # وقال ابن الاثير ( ج 3 ص 192 ) والطبري ( ج 6 ص 155 ) أنه دفنه حيا بقس ~~الناطف (1). # أقول : ولو أدرك معاوية قتلات زياد لشيعة علي في الكوفة ، وقطعه الايدي ~~والارجل والالسنة ، وسمله العيون ، لما زاده وصاة بابن حسان العنزي حين ~~أمره بان يقتله شر قتلة ، وهل قتلة شر من هذه الفتلات والمثلات؟ ولكن زيادا ~~نزل على وصية معاوية فابتدع قتلة الدفن حيا!!. (2). # وما أدراك ما سيلقى معاوية على هذه الوصاة ، وما سيجازى زياد على هذه ~~القتلات يوم يردون جميعا الى الله مولاهم الحق؟؟. # د قبيصة بن ربيعة العبسي. وسماه بعضهم ابن ضبيعة بدل ربيعة وهو الشجاع ~~المقدام الذي صمم على المقاومة بسلاحه وبقومه ، لولا أن صاحب الشرطة آمنه ~~على دمه وماله ، فوضع يده في أيديهم ، ايمانا ببراءة « الامان » الذي كان ~~لا يزال متبعا لدى العرب فضلا عن أهل الاسلام ، ولولا أن الخلائق الاسلامية ~~والعربية معا ، كانت قد تبخرت عند القوم ، أو انهم كانوا قد فهموها على ~~أنها وسائل للغلبة والبطش فحسب!. # وأحضر ابن ضبيعة العبسي لزياد فقال له : « اما والله لاجعلن لك شاغلا عن ~~تلقيح الفتن والتوثب على الامراء!! » [ انظر الى المنفذ الضيق الذي PageV01P342 # ينظر منه الاقوياء ] ، قال : « اني لم آتك الا على الامان » ، قال : « ~~انطلقوا به الى السجن ». # ثم كان بعد ذلك في الركب المثقل بالحديد الذي يسار به الى القتل صبرا. ~~وفي الحديث : « من آمن رجلا على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل وان كان ~~المقتول كافرا (1)». # ومروا به ولما يخرجوا بالقافلة من الكوفة على داره فاذا بناته مشرئبات ~~اليه يبكينه ، فقال للحرسيين وائل وكثير : « ائذنا لي فاوصي الى أهلي » ، ~~فلما دنا منهن وهن يبكين سكت عنهن ساعة ، ثم قال لهن : « اسكتن » ، فسكتن ، ~~فقال : « اتقين الله عز وجل واصبرن فاني ارجو من ربي في وجهي هذا احدى ~~الحسنيين : اما الشهادة وهي السعادة ، واما الانصراف اليكن في عافية. وان ~~الذي يرزقكن مؤونتكن هو الله تعالى ، وهو حي ms207 لا يموت [ انظر الى النفس ~~الملائكية في اهاب البشر الانساني ] أرجو ان لا يضيعكن ، وأن يحفظني فيكن ~~». ثم انصرف. # وباتت الاسرة اليائسة الولهى ( كما يشاء معاوية ) تخلط البكاء بالبكاء ، ~~وتصل الدعاء بالدعاء ، وكم لبنات قبيصة يومئذ من أمثال. # قال الطبري : « ووقع قبيصة من ضبيعة في يدي أبي شريف البدي فقال له قبيصة ~~: ان الشر بين قومي وبين قومك آمن فليقتلني سواك ، فقال : برتك رحم! ثم ~~قتله القضاعي! ». # أقول : وأي نفس قوية هذه التي تنتبه في مثل هذه اللحظة الى الحؤول دون ~~الشر بين القومين والاحتياط على الاصلاح. # ه كدام بن حيان العنزي. # ومحرز بن شهاب بن بجير بن سفيان بن خالد بن منقر التميمي (2) PageV01P343 # وكان من رؤساء الناس ، ومن نقاوة الشيعة المعروفين بتشيعهم ، وكان محرز ~~هذا على ميسرة جيش معقل بن قيس في حربه للخوارج سنة 43 ، وكان جيش معقل في ~~هذه الحرب ثلاثة آلاف هم نقاوة الشيعة وفرسانهم على حد تعبير الطبري فيما ~~وصفهم به ( ج 6 ص 108 ). ### ||| ** 2 عمرو بن الحمق الخزاعي : # هو ابن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن ذراح بن عمرو بن سعد بن كعب ~~بن عمرو بن ربيعة الخزاعي. # أسلم قبل الفتح ، وهاجر الى المدينة ، فكان الصحابي البر الذي حظي بدعوة ~~النبي صلى الله عليه وآله بأن يمتعه الله بشبابه ، فمرت عليه ثمانون سنة ولم ~~ير له شعرة بيضاء على صباحة في وجهه كانت تزيده بهاء. وصحب بعده امير ~~المؤمنين عليا عليه السلام ، فكان الحواري المخلص الذي يقول له بحق : « ليت ~~في جندي مائة مثلك ». وشهد معه الجمل وصفين والنهروان. # ودعا له امير المؤمنين بقوله : « اللهم نور قلبه بالتقى ، واهده الى ~~صراطك المستقيم ». وقال له : « يا عمرو انك لمقتول بعدي ، وان رأسك لمنقول ~~، وهو أول رأس ينقل في الاسلام. والويل لقاتلك (1)». # قال ابن الاثير ( ج 3 ص 183 ): « ولما قدم زياد الكوفة قال له عمارة بن ~~عقبة بن ابي معيط : ان عمرو بن الحمق يجمع اليه شيعة أبي تراب ، فأرسل اليه ~~زياد ms208 : ما هذه الجماعات عندك؟ من أردت كلامه ففي المسجد (2)». PageV01P344 # « ثم لم يزل عمرو [ فيما يروي الطبري ] خائفا مترقبا حتى كانت حادثة حجر ~~بن عدي الكندي فأبلى فيها بلاء حسنا وضربه رجل من الحمراء شرطة زياد يدعى ~~بكر بن عبيد بعمود على رأسه فوقع وحمله الشيعة فخبأوه في دار رجل من الازد ~~، ثم خرج فارا وصحبه الزعيم الآخر [ رفاعة بن شداد ] فيمما المدائن ثم ~~ارتحلا حتى أتيا ارض الموصل فكمنا في جبل هناك ، واستنكر عامل ذلك الرستاق ~~شأنهما فسار اليهما بالخيل ، فأما عمرو فلم يصل الموصل الا مريضا ~~بالاستسقاء ، ولم يكن عنده امتناع. واما رفاعة بن شداد وكان شابا قويا فوثب ~~على فرس له جواد ، وقال لعمرو : أقاتل عنك ، قال : وما ينفعني ان تقاتل ، ~~انج بنفسك ان استطعت. فحمل عليهم فأفرجوا له ، فخرج تنفر به فرسه ، وخرجت ~~الخيل في طلبه وكان راميا فأخذ لا يلحقه فارس الا رماه فجرحه او عقره ~~فانصرفوا عنه. وسألوا عمرا : من انت؟ فقال : من ان تركتموه كان أسلم لكم ، ~~وان قتلتموه كان أضر لكم!. فسألوه فأبى ان يخبرهم ، فبعث به ابن أبي بلتعة ~~، عامل الرستاق ، الى عامل الموصل ، وهو ( عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان ~~الثقفي )، فلما رأى عمرو بن الحمق عرفه ، وكتب الى معاوية بخبره ، فأمره ~~معاوية بأن يطعنه تسع طعنات كما كان فعل بعثمان فطعن ومات بالاولى منهن أو ~~الثانية ». # وخالف ابن كثير رواية الطبري هذه ، فقال : « ان اصحاب معاوية عثروا عليه ~~في الغار ميتا ، فحزوا رأسه ، وبعثوا به الى معاوية ، وهو اول رأس طيف به ~~في الاسلام. ثم بعث معاوية برأسه الى زوجته ( آمنة بنت الشريد ) وكانت في ~~سجن معاوية [ انظر الى أفظع الوان الارهاب ] فألقي في حجرها ، فوضعت كفها ~~على جبينه ، ولثمت فمه ، وقالت : غيبتموه عني طويلا ، ثم أهديتموه الي ~~قتيلا ، فأهلا به من هدية غير قالية ولا مقلية. # « ثم كان فيما كتب به الحسين عليه السلام الى معاوية : الست قاتل عمرو بن ~~الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله ms209 العبد الصالح الذي أبلته العبادة ~~فأنحلت جسمه ، وصفرت لونه ، بعدما أمنته واعطيته PageV01P345 # من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائرا لنزل اليك من رأس الجبل ، ثم ~~قتلته جرأة على ربك واستخفافا بذلك العهد ». # اقول : هو يشير بذلك « العهد » الى نصوص المادة الخامسة في معاهدة الصلح. # وقال في سفينة البحار : « وقبره بظاهر الموصل ، ابتدأ بعمارته أبو عبد ~~الله سعيد بن حمدان ، ابن عم سيف الدولة ، في شعبان من سنة 336 ». # وجاء في أصول التاريخ والادب ( ج 9 ص 2 ): # « قال أبو الحسن علي بن أبي بكر الهروي في كتاب الزيارات : وظاهر الموصل ~~على الشرف الاعلى مشهد عمرو بن الحمق ، دفنت جثته ، ورأسه حمل الى دمشق ، ~~وقيل هو أول رأس حمل في الاسلام ، وفي المشهد بعض الاشراف من ولد الحسين ~~عليه السلام ». ### ||| ** 3 عبد الله بن يحيى الحضرمي واصحابه # عن محمد بن بحر الشيباني في كتابه « الفروق بين الاباطيل والحقوق » فيما ~~أسنده الى القاسم بن مجيمة : « ما وفي معاوية للحسن بن علي بشيء عاهده عليه ~~، واني قرأت كتاب الحسن الى معاوية يعدد عليه ذنوبه اليه والى شيعة علي ~~عليه السلام فبدأ بذكر عبد الله بن يحيى الحضرمي ومن قتلهم معه (1)». # أقول : ولا نعرف الآن من أحوال الحضرمي وحادثة قتله وعدة اصحابه ~~المستشهدين شيئا ، ولكنا نعرف أن هذا الرجل كان من رجال أمير المؤمنين وأنه ~~الذي قال له يوم الجمل : « ابشر يا ابن يحيى أنت وأبوك ». # وعلمنا فيما علل به بعضهم تقديم الحسن عليه السلام ذكر الحضرمي PageV01P346 # على غيره ممن قتلهم معاوية من الشيعة ، أن الحضرمي هذا كان أبعدهم عن ~~الدنيا وأقربهم الى حياة الرهبنة التي لا توهم أي خطر على سياسة الملك. ~~قالوا : « وعلم معاوية ما كان عليه ابن يحيى وأصحابه من الحزن لوفاة علي ~~أمير المؤمنين ، وحبهم اياه ، وافاضتهم في ذكره وفضله ، فجاء بهم وضرب ~~أعناقهم صبرا. ومن أنزل راهبا من صومعته فقتله بلا جناية منه الى قاتله ~~أعجب ممن يخرج قسا من دير فيقتله ، لأن صاحب الدير أقرب الى بسط ms210 اليد ~~لتناول ما معه من صاحب الصومعة الذي هو بين السماء والارض ، فتقديم الحسن ~~فيما عدده على معاوية من الذنوب العباد على العباد ، والزهاد على الزهاد ، ~~ومصابيح البلاد على مصابيح البلاد ، لا يتعجب منه ، بل يتعجب لو قدم في ~~الذكر مقصرا على مخبت ومقتصدا على مجتهد (1)». # وفاجعة ( عبد الله بن يحيى ) أشبه بفاجعة حجر بن عدي ، وكلاهما قتلا صبرا ~~، وكلاهما قتل معهما أصحاب ، وكلاهما أخذا بغير ذنب الا الذنب الذي هو ~~عنوان فضيلتهما. # 4 رشيد الهجري (2) # تلميذ علي عليه السلام ، وصاحبه المنقطع اليه ، والعالم المعترف له بعلم ~~البلايا والمنايا ، يروي عنه ناس كثيرون ، ولكنهم جميعا سكتوا عن اسمه خوف ~~السلطان الاموي ، فلم ترو عنه علنا الا ابنته الوحيدة التي كانت قد حضرت ~~مقتله ، وهي التي جمعت أطرافه يديه ورجليه وقد قطعها ابن سمية!. # قالت تسأله حين قطعت أطرافه : « يا أبت هل تجد ألما لما أصابك؟ فقال : « ~~لا يا بنيتي الا كالزحام بين الناس! ». PageV01P347 # أتي به الى زياد فقال له : « ما قال لك خليلك يعني عليا عليه السلام انا ~~فاعلون بك؟ » ، قال : « تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني » ، فقال زياد : « أما ~~والله لأكذبن حديثه ، خلوا سبيله ». فلما أراد أن يخرج ، قال : « ردوه ، لا ~~نجد لك شيئا أصلح مما قال صاحبك ، انك لن تزال تبغي لنا سوءا ان بقيت ، ~~اقطعوا يديه ورجليه » ، فقطعوها وهو يتكلم! ، فقال : « اصلبوه خنقا في عنقه ~~» ، فقال رشيد : « قد بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه » ، فقال زياد : « ~~اقطعوا لسانه » ، فلما أخرجوا لسانه قال : « نفسوا عني حتى أتكلم كلمة ~~واحدة » ، فنفسوا عنه فقال : « هذا والله تصديق خبر أمير المؤمنين ، أخبرني ~~بقطع لساني ». # وأخرج من القصر مقطعا ، فاجتمع الناس حوله ، ومات من ليلته رضوان الله عليه. # قالت ابنته : « قلت لأبي : ما أشد اجتهادك! » ، قال : « يا بنية يأتي قوم ~~بعدنا بصائرهم في دينهم أفضل من اجتهادنا ». # وقال لها : « يا بنيتي أميتي الحديث بالكتمان ، واجعلي القلب مسكن ~~الامانة (1)». ### ||| ** 5 جويرية بن مسهر العبدي # قال ابن أبي الحديد : « ونظر اليه علي عليه السلام يوما ms211 فناداه : يا ~~جويرية الحق بي فاني اذا رأيتك هويتك ، ثم حدثه بأمور سرا ، وفي آخر ما ~~حدثه قال : يا جويرية أحب حبيبنا ما أحبنا فاذا أبغضنا فابغضه ، وابغض ~~بغيضنا ما أبغضنا فاذا أحبنا فأحبه. وكان من اختصاصه بعلي عليه السلام ما ~~روى انه دخل يوما عليه وهو عليه السلام مضطجع ، وعنده قوم من أصحابه ، ~~فناداه جويرية : أيها النائم استيقظ فلتضربن على رأسك ضربة تخضب منها ~~لحيتك. قال : فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام ، ثم PageV01P348 # قال : وأحدثك يا جويرية بأمرك ، أما والذي نفسي بيده لتعتلن (1) الى ~~العتل الزنيم ، فليقطعن يدك ورجلك وليصلبنك تحت جذع كافر! قال : فوالله ما ~~مضت الايام على ذلك حتى أخذ زياد جويرية فقطع يده ورجله ، وصلبه الى جانب ~~جذع ابن معكبر ، وكان جذعا طويلا ، فصلبه على جذع قصير الى جانبه ». # أقول : وروى هذا الحديث أيضا حبة العرني رحمه الله . وزاد قوله : « وكان ~~زياد ابن أبيه ممن نصب العداوة لامير المؤمنين عليه السلام وكان يتتبع أصحاب ~~علي وهو بهم أبصر فيقتلهم تحت كل حجر ومدر ». ### ||| ** 6 أوفى بن حصن : # أحد فرائس الظلم الاموي. طلبه زياد فأبى مواجهته ، واستعرض زياد الناس ~~فمر به فقال : « من هذا؟ » فقيل له : « أوفى بن حصن » ، فقال زياد : « أتتك ~~بخائن رجلاه » ، وقال له : « ما رأيك في عثمان؟ » قال : « ختن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم على ابنتيه » قال : « فما تقول في معاوية؟ » قال : « ~~جواد حليم ». # وكان أوفى لبقا في لغته وأسلوبه فلم يجد عليه زياد ملزما. # وعاد عليه فقال له : « فما تقول في؟ » قال : « بلغني أنك قلت بالبصرة : ~~والله لآخذن البريء بالسقيم والمقبل بالمدبر » ، قال : « قد قلت ذاك (2)» ~~قال : « خبطتها خبط عشواء! ». # أقول : وكان من لباقة هذا الرجل الحصيف أنه تدرج في أجوبته لزياد كما ترى ~~الى طريقة حكيمة من الوعظ حاول بها تنبيهه الى أخطائه. ولا تنس أنه كان يقف ~~من عدوه ساعتئذ بين النطع والسيف ، PageV01P349 # ومن ذمته بين الحق والباطل. وهذا هو ما يزيدنا اعجابا بهؤلاء الابطال من ~~تلامذة علي عليه السلام ms212 ، ولكن شيئا من وعظه لم يجده نفعا سوى أن يقول زياد ~~فيه : « ليس النفاخ بشر الزمرة » ثم أمر به فقتل (1)». # ولا ادري ، ولا أظن زيادا نفسه يدري ، بأي جريرة أخذ ابن حصن فأشاط بدمه ~~و « كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله » كما في الحديث ؟. # والرجل في أجوبته كلها كما رأيت لم يفضح سرا ، ولم يهتك أمرا. ولكن الذي ~~ناقض الكتاب صريحا فأخذ البريء بالسقيم والمقبل بالمدبر خلافا لقوله تعالى ~~: « ولا تزر وازرة وزر أخرى » لحري بأن لا يفهم لغة الحديث ولا لغة الكتاب. # واعتصم بغلوائه فاذا الناس من حوله في أشد محن الدنيا : جماعات تساق الى ~~السجون ، وزرافات تطارد أينما تكون ، ومئات تعرض عليه كل يوم لتسمل عيونهم ~~، أو لتقطع أطرافهم ، أو ليؤمر بهم فتحطم ضلوعهم (2). وبين الكوفة والشام ~~فرائس أخرى ترزح بالاصفاد. وما في الكوفة الا الارهاب المميت ، وما في ~~الشام لهؤلاء الا الموت المرهوب. # وخشعت الكوفة التي كانت تفور في أمسها القريب بالمؤامرات والمعارضات خشوع ~~الجناح الكسير ، بما وسعها من مظالم الحكام الامويين. وكان المتآمرون ~~بالامس هم المتآمرين بالجور اليوم ، وكانوا هم الحاكمين بأمرههم فيما يسنون ~~أو فيما ينفذون ، فما بالها لا ترتجف فرقا؟ وما بال أهلها لا يلوذون ~~بالفرار هربا؟ .. PageV01P350 # وخفي على معاوية وعلى ابن أبيه ورجال مدرسته أن الامعان بالعنف من أكبر ~~الاسباب التي تغذي المثل الاعلى الذي يحاربه الحاكم العنيف ، وان العنف لن ~~يستطيع ان يقتل الفكرة التي كتب لها الخلود ، ولكنها ستظل نواة الشجرة التي ~~ستبسق مع التاريخ. # وهذا حييت مئات الملايين بعد ذلك وهي تشارك الكوفة في فكرتها ، وتحمل ~~لمعاوية ورجاله وترها الذي لا تخلقه الايام. ### ||| ** التعذيب بغير القتل : # وكان للغارة الاموية ألوان أخرى غير القتل والتشريد وهدم البيوت ومصادرة ~~الاموال وكم الافواه. # فقال ابن الاثير عند ذكره لفاجعة ( أوفى بن حصن ): « وكأن أول قتيل قتله ~~زياد ، بعد حادثة الثلاثين أو الثمانين الذين قطع أيديهم!! ». # واستبطن معاوية دخائل البصرة والكوفة فلم يدع في هذين المصرين رئيس قوم ، ~~ولا صاحب سيف ، ولا ms213 خطيبا مرهوبا ، ولا شاعرا موهوبا من الشيعة ، الا أزعجه ~~عن مقره ، فسجنه ، أو غله ، أو شرده ، أو أهدر دمه!. # واليك فيما يلي أمثلة قليلة من هذه النكبات التي قارفها أبو يزيد في ~~الشخصيات البارزة من رؤساء الشيعة يومئذ. ### ||| * ب زعماء الشيعة المرعون ### ||| ** 1 عبد الله بن هاشم المرقال : # كان كبير قريش في البصرة ، ورأس الشيعة فيها. PageV01P351 # وكان أبوه هاشم المرقال بن عتبة بن أبي وقاص ، القائد الجريء المقدام ~~الذي لقي منه معاوية في صفين الرعب المميت ، وهو يومئذ على ميسرة علي ~~عليه السلام . # كتب معاوية الى عامله زياد : « اما بعد ، فانظر عبد الله بن هاشم بن عتبة ~~، فشد يده على عنقه ، ثم ابعث به الي ». # فطرقه زياد في منزله ليلا ، وحمله مقيدا مغلولا الى دمشق. فأدخل على ~~معاوية ، وعنده عمرو بن العاص ، فقال معاوية لعمرو : « هل تعرف هذا؟ » قال ~~: « هذا الذي يقول أبوه يوم صفين ... » وقرأ رجزه وكان يحفظه ثم قال متمثلا : # « وقد ينبت المرعى على دمن الثرى %~% وتبقى حزازات النفوس كما هيا » # واستمر قائلا : « دونك يا أمير المؤمنين الضب المضب ، فاشخب أوداجه على ~~أثباجه ، ولا ترده الى العراق ، فانه لا يصبر على النفاق ، وهم أهل غدر ~~وشقاق وحزب ابليس ليوم هيجانه ، وانه له هوى سيوديه ، ورأيا سيطغيه ، ~~وبطانة ستقويه ، وجزاء سيئة مثلها ». # وكان مثل هذا المحضر ومثل هذا التحامل على العراق وأهله هو شنشنة عمرو بن ~~العاص المعروفة عنه ، ولا نعرف أحدا وصف أهل العراق هذا الوصف العدو قبله. # أما ابن المرقال فلم يكن الرعديد الذي يغلق التهويل عليه قريحته ، وهو ~~الشبل الذي تنميه الاسود الضراغم فقال ، وتوجه بكلامه الى ابن العاص : « يا ~~عمرو! ان اقتل ، فرجل أسلمه قومه ، وادركه يومه. أفلا كان هذا منك اذ تحيد ~~عن القتال ، ونحن ندعوك الى النزال ، وانت تلوذ بشمال النطاف (1)، وعقائق ~~الرصاف (2)، كالأمة السوداء ، والنعجة PageV01P352 # القوداء ، لا تدفع يد لامس؟ ». # فقال عمرو : « أما والله لقد وقعت في لهاذم شدقم (1) للأقران ذي لبد ، ~~ولا أحسبك منفلتا من مخالب أمير المؤمنين ». # فقال عبد الله ms214 : « أما والله يا ابن العاص انك لبطر في الرخاء ، جبان عند ~~اللقاء ، غشوم اذا وليت ، هياب اذا لقيت ، تهدر كما يهدر العود المنكوس ~~المقيد بين مجرى الشوك ، لا يستعجل في المدة ، ولا يرتجى في الشدة. أفلا ~~كان هذا منك ، اذ غمرك أقوام لم يعنفوا صغارا ، ولم يمرقوا كبارا ، لهم أيد ~~شداد ، والسنة حداد ، يدعمون العوج ، ويذهبون الحرج ، يكثرون القليل ، ~~ويشفون الغليل ، ويعزون الذليل »؟. # فقال عمرو : « أما والله لقد رأيت أباك يومئذ تخقق (2) أحشاؤه ، وتبق ~~أمعاؤه ، وتضطرب اصلاؤه (3) كما انطبق عليه ضمد ». # فقال عبد الله : « يا عمرو! انا قد بلوناك ومقالتك فوجدنا لسانك كذوبا ~~غادرا ، خلوت بأقوام لا يعرفونك ، وجند لا يساومونك ، ولو رمت المنطق في ~~غير أهل الشام لجحظ (4) عليك عقلك ، ولتلجلج لسانك ، ولاضطرب فخذاك اضطراب ~~القعود الذي اثقله حمله ». # فقال معاوية : « ايها عنكما ». وأمر باطلاق عبد الله لنسيبه. فلم يزل ~~عمرو بن العاص يلومه على اطلاقه ويقول : # « أمرتك أمرا عازما فعصيتني %~% وكان من التوفيق قتل ابن هاشم أليس أبوه يا معاوية الذي %~% أعان عليا يوم حز الغلاصم؟ فلم ينثن حتى جرت من دمائنا %~% بصفين أمثال البحور الخضارم وهذا ابنه والمرء يشبه شيخه %~% ويوشك ان تقرع به سن نادم » # __________________ PageV01P353 ### ||| ** 2 عدي بن حاتم الطائي # صحابي كريم ، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكرمه اذا دخل عليه ، ~~وزعيم عظيم ، وخطيب مدره ، وشجاع مرهوب. أسلم سنة تسع وحسن اسلامه. قال : « ~~فلما قدمت المدينة استشرفني الناس فقالوا : عدي بن حاتم! وقال لي رسول الله ~~صلى الله عليه وآله : يا عدي أسلم تسلم ، قلت : ان لي دينا ، قال : أنا أعلم ~~بدينك منك .. قد أظن أنه انما يمنعك غضاضة تراها ممن حولي ، وأنك ترى الناس ~~علينا البا واحدا. قال : هل اتيت الحيرة؟ قلت : لم آتها وقد علمت مكانها. ~~قال : يوشك ان تخرج الظعينة منها بغير جوار حتى تطوف بالبيت ، ولتفتحن ~~علينا كنوز كسرى بن هرمز. فقلت : كسرى بن هرمز؟ قال : نعم وليفيضن المال ~~حتى يهم الرجل من يقبل صدقته ». قال عدي : « فرأيت ms215 اثنتين : الظعينة ، وكنت ~~في أول خيل غارت على كنوز كسرى ، وأحلف بالله لتجيئن الثالثة (1)». وقال : ~~« أتيت عمر في أناس من قومي فجعل يفرض للرجل ويعرض عني ، فاستقبلته فقلت : ~~أتعرفني؟. قال : نعم آمنت اذ كفروا ، وعرفت اذ نكروا ، ووفيت اذ غدروا ، ~~وأقبلت اذ أدبروا. ان أول صدقة بيضت وجوه أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم صدقة طيئ (2)». وقال : « ما اقيمت الصلاة منذ أسلمت ~~الا وأنا على وضوء (3)». # ونازعه الراية يوم صفين عائذ بن قيس الحزمري الطائي ، وكانت بنو حزمر ~~أكثر من « عدي » (4) رهط حاتم ، فوثب عليهم « عبد الله بن خليفة الطائي » ~~البولاني عند علي عليه السلام فقال : « يا بني حزمر أعلى عدي تتوثبون؟ وهل ~~فيكم مثل عدي؟. أو في آبائكم مثل أبي عدي؟ أليس بحامي القربة؟. ومانع الماء ~~يوم ( روية )؟ أليس بابن ذي المرباع PageV01P354 # وابن جواد العرب؟. أليس بابن المنهب ماله ومانع جاره؟ أليس من لم يغدر ، ~~ولم يفجر ، ولم يجهل ، ولم يبخل ، ولم يمنن ولم يجبن؟. هاتوا في آبائكم مثل ~~أبيه! ، أو هاتوا فيكم مثله!. أوليس أفضلكم في الاسلام؟. أوليس وافدكم الى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟. أليس برأسكم يوم النخيلة ويوم القادسية ~~ويوم المدائن ويوم جلولاء الوقيعة ويوم نهاوند ويوم تستر؟. فما لكم وله!. ~~والله ما من قومكم أحد يطلب مثل الذي تطلبون ». # فقال له علي عليه السلام : « حسبك يا ابن خليفة. هلم أيها القوم الي ، ~~وعلي بجماعة طي ». فأتوه جميعا. فقال علي عليه السلام : « من كان رأسكم في ~~هذه المواطن؟ » ، قالت له طيئ : « عدي ». فقال له ابن خليفة : « فسلهم يا ~~أمير المؤمنين : أليسوا راضين مسلمين لعدي الرياسة » ، ففعل. فقالوا : « ~~نعم ». فقال لهم : « عدي أحقكم بالراية. فسلموها له (1)». # وبعث اليه زياد سنة (51) وكان في مسجده الذي يعرف ( بمسجد عدي ) في ~~الكوفة فأخرجه منه ، وحبسه. فلم يبق رجل من أهل المصر من اليمن وربيعة ومضر ~~الا فزع لعدي بن حاتم. فأتوا زيادا وكلموه فيه ، وقالوا : « تفعل هذا بعدي ~~بن حاتم صاحب رسول الله صلى الله عليه ms216 وآله وسلم ؟ ». # وطلب زياد من عدي أن يجيئه بعبد الله بن خليفة الطائي ، وكان من أصحاب ~~حجر بن عدي أشدائهم على شرطة زياد « الحمراء » ، فأبى ثم رضي زياد من عدي ~~أن يغيب ابن خليفة عن الكوفة (2). # ودخل عدي بن حاتم على معاوية ، وان معاوية ليهابه ويعرف سداده PageV01P355 # الحصيف في مزالق الفتن ، وتمرسه البصير في الشدائد ، وبصيرته النافذة ~~وتجاربه الكثيرة الماضية ، فجرى في حديثه معه عند « موهبته الخاصة » التي ~~كان يفزع اليها في منازلة العظماء من أعدائه ، فقال : « يا عدي أين ~~الطرفات؟ يعني بنيه طريفا وطارفا وطرفة » قال : « قتلوا يوم صفين بين يدي ~~علي بن أبي طالب ». فقال : « ما أنصفك ابن أبي طالب ، اذ قدم بنيك واخر ~~بنيه ». قال ، « بل ما أنصفت أنا عليا ، اذ قتل وبقيت بعده ». فقال معاوية ~~: « أما انه قد بقي قطرة من دم عثمان ما يمحوها الا دم شريف من أشراف ~~اليمن! ». فقال عدي : « والله ان قلوبنا التي ابغضناك بها لفي صدورنا ، وان ~~أسيافنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا ، ولئن أدنيت لنا من الغدر فترا ~~لندنين اليك من الشر شبرا! وان حز الحلقوم ، وحشرجة الحيزوم ، لاهون علينا ~~من أن نسمع المساءة في علي فسلم السيف يا معاوية لباعث السيف ». # فقال معاوية : « هذه كلمات حكم فاكتبوها » هزيمة منكرة من معاوية وأقبل ~~على عدي يحادثه كأنه ما خاطبه بشيء (1). # « ولا خير في حلم اذا لم يكن له %~% بوادر تحمي صفوه ان يكدرا » # ثم قال له : « صف لي عليا ». فقال : « ان رأيت ان تعفيني ». قال : « لا ~~أعفيك ». قال : # « كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول عدلا ، ويحكم فصلا ، تتفجر ~~الحكمة من جوانبه ، والعلم من نواحيه. يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس ~~بالليل ووحشته. وكان والله غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يحاسب نفسه اذا خلا ~~، ويقلب كفيه على ما مضى. يعجبه من اللباس القصير ، ومن المعاش الخشن. وكان ~~فينا كأحدنا يجيبنا اذا سألناه ، ويدنينا اذا أتيناه. ونحن مع تقريبه لنا ~~وقربه منا لا نكلمه لهيبته ، ولا نرفع أعيننا اليه لعظمته. فان تبسم فعن ms217 ~~اللؤلؤ المنظوم. يعظم أهل الدين ، PageV01P356 # ويتحبب الى المساكين. لا يخاف القوي ظلمه ، ولا ييأس الضعيف من عدله. ~~فأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل في محرابه ، وأرخى الليل سرباله ، وغارت ~~نجومه ، ودموعه تتحادر على لحيته ، وهو يتململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ~~، فكأني الآن أسمعه وهو يقول : # « يا دنيا! الي تعرضت أم الي أقبلت؟ ، غري غيري ، لاحان حينك ، قد طلقتك ~~ثلاثا ، لا رجعة لي فيك ، فعيشك حقير ، وخطرك يسير. آه من قلة الزاد وبعد ~~السفر وقلة الانيس ». # فوكفت عينا معاوية ، وجعل ينشفهما بكمه. ثم قال : « يرحم الله أبا الحسن ~~، كان كذلك. فكيف صبرك عنه؟ » قال : « كصبر من ذبح ولدها في حجرها ، فهي لا ~~ترقأ دمعتها ، ولا تسكن عبرتها ». قال : « فكيف ذكرك له؟ » قال : « وهل ~~يتركني الدهر أن انساه؟ (1)». # اقول : وتوفي عدي بن حاتم في عهد المختار بن أبي عبيد سنة (68) (2) وهو ~~ابن مائة وعشرين سنة فماتت معه نفس كريمة لا تخلق الا في ملك ، ورأي حصيف ~~لا يختمر الا في حكيم ، وايمان صادق لا يعهد الا في ولي. ### ||| ** 3 صعصعة بن صوحان # سيد من سادات العرب ، وعظيم من اقطاب الفضل والحسب. أسلم على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنه لم يلقه لصغره ، وأشكلت على عمر أيام ~~خلافته قضية فخطب الناس وسألهم عما يقولون فقام صعصعة ، وهو غلام شاب ، ~~فأماط الحجاب ، وأوضح منهاج الصواب ، وعملوا برأيه ، وكان من أصحاب الخطط ~~في الكوفة ، وشهد مع أمير المؤمنين « الجمل » و « صفين ». قال في الاصابة ~~(3) « ان المغيرة نفى صعصعة بأمر معاوية من الكوفة الى الجزيرة او الى ~~البحرين ، وقيل الى جزيرة ابن كافان فمات بها ». PageV01P357 # و « حبس (1) معاوية صعصعة بن صوحان العبدي وعبد الله بن الكواء اليشكري ~~ورجالا من أصحاب علي مع رجال من قريش ، فدخل عليهم معاوية يوما فقال : ~~نشدتكم بالله الا ما قلتم حقا وصدقا ، أي الخلفاء رأيتموني؟ فقال ابن ~~الكواء : لولا انك عزمت علينا ما قلنا ، لانك جبار عنيد ، لا تراقب الله في ~~قتل الاخيار ، ولكنا نقول : انك ما علمنا ms218 واسع الدنيا ضيق الآخرة ، قريب ~~الثرى بعيد المرعى ، تجعل الظلمات نورا والنور ظلمات ، فقال معاوية : ان ~~الله أكرم هذا الامر بأهل الشام الذابين عن بيضته ، التاركين لمحارمه ، ولم ~~يكونوا كأمثال اهل العراق المنتهكين لمحارم الله ، والمحلين ما حرم الله ، ~~والمحرمين ما احل الله. فقال عبد الله ابن الكواء : يا ابن ابي سفيان ان ~~لكل كلام جوابا ، ونحن نخاف جبروتك ، فان كنت تطلق السنتنا ذببنا عن أهل ~~العراق بألسنة حداد لا يأخذها في الله لومة لائم ، والا فانا صابرون حتى ~~يحكم الله ويضعنا على فرحه. قال : والله لا يطلق لك لسان ثم تكلم صعصعة ~~فقال : تكلمت يا ابن ابي سفيان فأبلغت ولم تقصر عما أردت ، وليس الامر على ~~ما ذكرت ، أنى يكون الخليفة من ملك الناس قهرا ، ودانهم كبرا ، واستولى ~~بأسباب الباطل كذبا ومكرا ، أما والله مالك في يوم بدر مضرب ولا مرمى ، وما ~~كنت فيه الا كما قال القائل : لا حلى ولا سيرى ، ولقد كنت أنت وابوك في ~~العير والنفير ممن أجلب على رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم. وانما ~~أنت طليق ابن طليق ، أطلقكما رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم. فأنى ~~تصلح الخلافة لطليق؟. فقال معاوية : لولا أني ارجع الى قول أبي طالب حيث يقول : # قابلت جهلهمو حلما ومغفرة %~% والعفو عن قدرة ضرب من الكرم # لقتلتكم ، وسأله معاوية : من البررة ومن الفسقة؟ فقال : يا ابن ابي سفيان ~~ترك الخداع من كشف القناع ، علي وأصحابه من الائمة الابرار ، وأنت وأصحابك ~~من اولئك. وسأله عن أهل الشام فقال : اطوع الناس PageV01P358 # لمخلوق ، وأعصاهم للخالق ، عصاة الجبار ، وخلفة الاشرار ، فعليهم الدمار ~~، ولهم سوء الدار. فقال معاوية : والله يا ابن صوحان انك لحامل مديتك منذ ~~أزمان ، الا أن حلم ابن ابي سفيان يرد عنك. فقال صعصعة : بل أمر الله ~~وقدرته ، ان امر الله كان قدرا مقدورا ». # قال المسعودي : « ولصعصعة بن صوحان أخبار حسان وكلام في نهاية البلاغة ~~والفصاحة والايضاح عن المعاني على ايجاز واختصار ». # وكان صعصعة شخصية بارزة في أصحاب امير المؤمنين. ms219 ووصفه أمير المؤمنين ~~بالخطيب الشحشح ، ثم وصفه الجاحظ بأنه من أفصح الناس. # وقال له معاوية يوم دخل الكوفة بعد الصلح : « أما والله اني كنت لابغض ان ~~تدخل في أماني ». قال : « وأنا والله أبغض أن اسميك بهذا الاسم ». ثم سلم ~~عليه بالخلافة فقال معاوية : « ان كنت صادقا فاصعد المنبر والعن عليا ». ~~فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال : « أيها الناس أتيتكم من عند رجل ~~قدم شره ، وأخر خيره. وانه أمرني ان العن عليا فالعنوه لعنه الله ». فضج ~~أهل المسجد بآمين. فلما رجع اليه فأخبره بما قال. قال : « لا والله ما عنيت ~~غيري ، ارجع حتى تسميه باسمه ». فرجع وصعد المنبر ثم قال : « ايها الناس ان ~~امير المؤمنين أمرني أن العن علي بن أبي طالب فالعنوه ». فضجوا بآمين. فلما ~~أخبر معاوية قال : « والله ما عني غيري ، أخرجوه لا يساكنني في بلد ». ~~فأخرجوه (1). # وقال ابن عبد ربه : « دخل صعصعة بن صوحان على معاوية ومعه عمرو بن العاص ~~جالس على سريره فقال : وسع له على ترابية (2) فيه. فقال صعصعة : اني والله ~~لترابي ، منه خلقت واليه أعود ومنه ابعث ، وانك مارج من مارج من نار ». # وقدم وفد العراقيين على معاوية ، فقدم في وفد الكوفة عدي بن حاتم ، وفي ~~وفد البصرة الاحنف بن قيس وصعصعة بن صوحان. فقال عمرو بن PageV01P359 # العاص لمعاوية : « هؤلاء رجال الدنيا ، وهم شيعة علي الذين قاتلوا معه ~~يوم الجمل ويوم صفين فكن منهم على حذر ». # وفي أحاديث سيد عبد القيس صعصعة بن صوحان سعة لا يلم بها ما نقصده من ~~الايجاز. وانما أردنا ان نعطي بهذا صفحة من تاريخه مع معاوية وموقف معاوية منه. ### ||| ** 4 عبد الله بن خليفة الطائي # مسعار حرب. كان من مواقفه في العذيب ، وجلولاء الوقيعة ، ونهاوند ، وتستر ~~، وصفين ما شهد له بالبطولة النادرة ، وهو الخطيب الذي رد الطائيين يوم ~~صفين عن مزاحمة ( عدي بن حاتم ) على الراية كما مر عليك في الحديث عن عدي . # وصحب حجر بن عدي الكندي في موقفه القوي الذي وقفه في الذب عن أمير ms220 ~~المؤمنين عليه السلام . # وطاردته شرطة زياد [ وهم أهل الحمراء يومئذ ] فامتنع عليهم ، وهزمهم ~~بقومه. خرجت أخته النوار فقالت : « يا معشر طيء أتسلمون سنانكم ولسانكم عبد ~~الله بن خليفة؟ » فشد الطائيون على الشرط فضربوهم ، وأعيت الحيلة به زيادا ~~فقبض على زعيم قبيلته ( عدي بن حاتم ) فحبسه أو يأتيه بابن خليفة. وأبى عدي ~~أن يأتيه به ليقتله ، فرضي زياد منه بأن يغيبه عن الكوفة. # فأشار عدي على عبد الله بمغادرة الكوفة ووعده أن لا يألو جهدا في ارجاعه ~~اليها ، فسار الى « الجبلين (1)» وقيل الى « صنعاء ». ولم يزل مشردا هناك ~~مشبوب الاشواق الى وطنه. # وطال عليه الامد فكتب الى عدي يستنجزه وعده ، وكان شاعرا يجيد الوصف ، ~~وله عدة قصائد ومقطوعات يعاتب بها عديا ويذكره سوابقه وغربته واسارته ، ~~ولكن ظروف عدي لم تساعده على اسعافه ، فبقي هناك حتى مات رحمه الله (2) قبل ~~موت ( زياد ) بقليل. PageV01P360 ### ||| نهاية المطاف PageV01P361 # وبقي بين فجوات هذه الاحداث خلاء ملحوظ في التاريخ ، لم تملأه المصادر ~~التي بين أيدينا بالعروض التي تناسب تلك الاحداث. # رأينا الى هنا مبلغ وفاء معاوية بما أخذه على نفسه من شروط. # وعلمنا الى هنا ان المعاهدة بأبوابها الخمس ، لم تلق من الرجل أية رعاية ~~تناسب تلك العهود والمواثيق والايمان التي قطعها على نفسه. فلا هو حين تسلم ~~الحكم عمل على كتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخلفاء الصالحين. ولا ترك الامر ~~من بعده للشورى ، أو لصاحب الحق فيه. ولا أقلع عن شتم علي عليه السلام . ~~ولكنه زاد حتى ملأ منابر الاسلام سبابا وشتما. ولا وفى بخراج. ولا سلم من ~~غوائله شيعة علي وأصحابه. ولكنه وبالرغم من كل هذه الشروط والعهود طالعهم ~~بالاوليات البكر والافاعيل النكر من بوائقه : # فكان أول رأس يطاف به في الاسلام منهم ، وبأمره يطاف به. # وكان أول انسان يدفن حيا في الاسلام منهم ، وبأمره يفعل به ذلك. # وكانت اول امرأة تسجن في الاسلام منهم ، وهو الآمر بسجنها. # وكان أول شهداء يقتلون صبرا في الاسلام منهم ، وهو الذي قتلهم. # واستقصى معاوية بنود المعاهدة كلها بالخلف!!. ms221 # فاستقصى أيمانه المغلظة بالحنث ، ومواثيقه المؤكدة التي واثق الله تعالى ~~عليها بالنقض!! .. # فأين هي الخلافة الدينية يا ترى؟؟ .. PageV01P362 # وبقيت آخر فقرة من المعاهدة ، تحاماها معاوية لانها كانت ادق شروطها ~~حساسية وأروعها وقعا. وكان عليه اذا اساء الصنيع بهذه الفقرة ان يتحدى ~~القرآن صراحة ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة. # فصبر عليها ثماني سنين ، ثم ضاق بها ذرعا ، وثارت به أمويته التي كان لا ~~يزال يصارع لصاقتها ، بأمثال هذه الافاعيل ، ليعود بها أموية صريحة تشهد ~~لهند بالبراءة من قالة الناس وشهادات المؤرخين ، وليكون ابن أبي سفيان حقا!. # فما لابن أبي سفيان ولرسول الله؟. وما لابن هند وكتاب الله؟. # وكانت مطفئة الرضف التي أنست الناس الرزايا قبلها. # ثم هي أول ذل دخل على العرب كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه . # بل أول ذل دخل على الناس كما قال أبو اسحق السبيعي رحمه الله . # وكانت بطبيعتها ، أبعد مواد المعاهدة عن الخيانة ، كما كانت بظروفها ~~وملابساتها أجدرها بالرعاية. وكانت بعد نزع السلاح ولف اللواء والالتزام من ~~الخصم بالوفاء ، أفظع جريمة في تاريخ معاوية الحافل بالجرائم. # وما في المدينة موطن الحسن عليه السلام ولا في أهل البيت ، ولا في شيعة ~~الحسن ، ولا في جميع ما يمت الى الحسن بسبب أو نسب ، أي موجب يستدعي الوهم ~~، أو يوقظ الريبة ، أو يثير الظنون بأمر يخشاه معاوية على دنياه. # اذا ، فما هذا الغدر وما هو العذر؟ .. # وأين تلك العهود والعقود والايمان التي لا تبلغ قواميس اللغة أشد منها ~~الفاظا غلاظا وتأكيدا شديدا؟. # ترى ، فهل نعتذر عن معاوية بما اعتذر به الاغرار المنسوبون الى الاسلام ~~عن ابنه يزيد في قتله الحسين ابن رسول الله عليه وعلى جده أفضل الصلاة ~~والسلام ، فقالوا : « شاب مغرور ، الهته القرود وغلبت عليه الخمور ~~والفجور؟. ». PageV01P363 # فأين اذا حنكة معاوية ودهاؤه المزعوم؟. وأين سنه الطاعنة وتجاربه في ~~الامور؟. # ان بائقة الاب هذه ، كانت هي السبب الذي بعث روح القدوة في طموح الابن. ~~فليشتركا متضامنين في انجاز أعظم جريمة في تاريخ الاسلام ، تلك ms222 هي قتل سيدي ~~شباب أهل الجنة الاحدين الذين لا ثالث لهما. وليتعاونا معا ، على قطع « ~~الواسطة الوحيدة » التي انحصر بها نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ~~والجريمة بهذا المعنى قتل مباشر لحياة رسول الله بامتدادها التاريخي!!. # نعم ، والقاتلان مع ذلك هما الخليفتان في الاسلام!! .. # فوا ضيعة الاسلام ان كان خلفاؤه من هذه النماذج!! .. # وكان الدهاء المزعوم لمعاوية هو الذي زين له أسلوبا من القتل قصر عنه ~~ابنه يزيد. فكان هذا « الشاب المغرور » وكان ذاك « الداهية المحنك في تصريف ~~الامور »!! .. # ولو تنفس العمر بأبى سفيان الى عهد ولديه هذين ، لايقن انهما قد أجادا ~~اللعبة التي كان يتمناها لبني ابيه. # فاستعمل معاوية مروان بن الحكم (1)، على اقناع جعدة بنت الاشعث PageV01P364 # ابن قيس الكندي وكانت من زوجات الحسن عليه السلام بأن تسقي الحسن السم [ ~~وكان شربة من العسل بماء رومة ]. فان هو قضى نحبه زوجها بيزيد ، وأعطاها ~~مائة الف درهم. # وكانت جعدة هذه بحكم بنوتها للاشعث بن قيس المنافق المعروف الذي اسلم ~~مرتين ، بينهما ردة منكرة ، أقرب الناس روحا الى قبول هذه المعاملة ~~النكراء. # قال الامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام : « ان الاشعث شرك في دم امير ~~المؤمنين عليه السلام ، وابنته جعدة سمت الحسن ، وابنه محمد شرك في دم ~~الحسين ». # أقول : وهكذا تم لمعاوية ما أراد. # وحكم بفعلته هذه على مصير أمة بكاملها ، فأغرقها بالنكبات ، وأغرق نفسه ~~وبنيه بالذحول والحروب والانقلابات. # وتم له بذلك نقض المعاهدة الى آخر سطر فيها. # وقال الحسن عليه السلام وقد حضرته الوفاة : « لقد حاقت شربته وبلغ أمنيته ~~، والله ما وفى بما وعد ، ولا صدق فيما قال (1)». # وورد بريد مروان الى معاوية ، بتنفيذ الخطة المسمومة ، فقال : « يا عجبا ~~من الحسن شرب شربة من العسل بماء رومة فقضى نحبه (2)». # ثم لم يملك نفسه من اظهار السرور بموت الحسن عليه السلام . # « وكان بالخضراء ، فكبر ، وكبر معه أهل الخضراء ، ثم كبر اهل المسجد ~~بتكبير أهل الخضراء ، فخرجت فاختة بنت قرظة بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف [ ~~زوج معاوية ms223 ] من خوخة (3) لها ، فقالت : « سرك PageV01P365 # الله يا أمير المؤمنين ، ما هذا الذي بلغك فسررت به؟ ». قال : « موت ~~الحسن بن علي » ، فقالت : « انا لله وانا اليه راجعون » ، ثم بكت وقالت : « ~~مات سيد المسلمين ، وابن بنت رسول الله صلى الله عليه ( وآله ) وسلم » فقال ~~معاوية : « نعما والله ما فعلت ، انه كان كذلك ، أهل ان يبكى عليه ». # وزاد ابن قتيبة على هذا بقوله : « فلما أتاه الخبر أظهر فرحا وسرورا حتى ~~سجد وسجد من كان معه ، وبلغ ذلك عبد الله بن عباس وكان بالشام يومئذ فدخل ~~على معاوية فلما جلس ، قال معاوية : يا ابن عباس ، هلك الحسن بن علي. فقال ~~ابن عباس : نعم هلك انا لله وانا اليه راجعون ترجيعا مكررا. وقد بلغني الذي ~~أظهرت من الفرح والسرور لوفاته. أما والله ما سد جسده حفرتك ، ولا زاد ~~نقصان أجله في عمرك. ولقد مات وهو خير منك. ولئن أصبنا به ، لقد أصبنا بمن ~~كان خيرا منه ، جده رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجبر الله مصيبته وخلف ~~علينا من بعده أحسن الخلافة. # « ثم شهق ابن عباس وبكى من حضر في المجلس ، وبكى معاوية. قال الراوي : ~~فما رأيت يوما أكثر باكيا من ذلك اليوم. فقال معاوية : كم اتى له من العمر؟ ~~فقال ابن عباس : امر الحسن أعظم من ان يجهل أحد مولده. قال : فسكت معاوية ~~يسيرا ثم قال : يا ابن عباس ، أصبحت سيد قومك من بعده. فقال ابن عباس : أما ~~ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين فلا (1)». # وعرض اليعقوبي ( ج 2 ص 203 ) صورة عن الاثر العظيم الذي قوبل به نبأ وفاة ~~الحسن عليه السلام في الكوفة ، وما اجتمع عليه زعماء الشيعة هناك في دار ~~كبيرهم ( سليمان بن صرد ) وتعزيتهم الحسين عليه السلام بكتاب مفتجع بليغ. PageV01P366 # وبلغ نعيه البصرة وعليها زياد بن سمية فبكى الناس وعلا الضجيج فسمعه أبو ~~بكرة [ أخو زياد لامه ] وهو اذ ذاك مريض في بيته فقال : « أراحه الله من شر ~~كثير ، وفقد الناس بموته خيرا كثيرا يرحم الله حسنا (1)». # وأبنه أخوه ms224 محمد بن الحنفية ، وقد وقف على جثمانه الشريف ، واليك نص ~~تأبينه : # « رحمك الله أبا محمد ، فوالله لئن عزت حياتك ، لقد هدت وفاتك. ونعم ~~الروح روح عمر به بدنك ، ونعم البدن بدن ضمه كفنك ، ولم لا تكون كذلك ، ~~وأنت سليل الهدى ، وحلف أهل التقوى ، وخامس أصحاب الكساء. غذتك كف الحق ، ~~وربيت في حجر الاسلام ، وأرضعتك ثديا الايمان. فطب حيا وميتا ، فعليك ~~السلام ورحمة الله ، وان كانت أنفسنا غير قالية لحياتك ، ولا شاكة في ~~الخيار لك (2)». # والنصوص على اغتيال معاوية الحسن بالسم متضافرة كاوضح قضية في التاريخ. # ذكرها صاحب الاستيعاب ، والاصابة ، والارشاد ، وتذكرة الخواص ودلائل ~~الامامة (3). ومقاتل الطالبيين ، والشعبي ، واليعقوبي ، وابن سعد في ~~الطبقات ، والمدائني ، وابن عساكر ، والواقدي ، وابن الاثير ، والمسعودي ، ~~وابن أبي الحديد ، والمرتضى في تنزيه الانبياء. والطوسي في أماليه ، ~~والشريف الرضي في ديوانه ، والحاكم في المستدرك ، وغيرهم. # وقال في « البدء والختام » : « وتوفي الحسن سنة 49 للهجرة. سمته جعدة بنت ~~الاشعث بما دسه معاوية اليها ، ومناها بزواج ولده يزيد ، ثم PageV01P367 # نقض عهدها ». # وقال ابن سعد في طبقاته : « سمه معاوية مرارا ». # وقال المدائني : « سقي الحسن السم أربع مرات ». # وقال الحاكم في مستدركه (1): « ان الحسن بن علي سم مرارا. كل ذلك يسلم ~~حتى كانت المرة الاخيرة التي مات فيها ، فانه رمى كبده ». # وقال اليعقوبي : « ولما حضرته الوفاة قال لاخيه الحسين : يا أخي ان هذه ~~آخر ثلاث مرات سقيت فيها السم ، ولم أسقه مثل مرتي هذه ، وانا ميت من يومي. ~~فاذا أنا مت فادفني مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فما أحد أولى بقربه ~~مني ، الا أن تمنع من ذلك ، فلا تسفك فيه محجمة دم! ». # وقال ابن عبد البر : « دخل الحسين على الحسن ، فقال : يا أخي اني سقيت ~~السم ثلاث مرات ، ولم اسق مثل هذه المرة. اني لأضع كبدي. فقال الحسين : من ~~سقاك يا أخي؟. قال : ما سؤالك عن هذا؟ أتريد أن تقاتلهم؟ كلهم الى الله ». # وقال الطبري في دلائل الامامة (2): « وكان سبب وفاته أن معاوية سمه ~~سبعين مرة فلم يعمل فيه ms225 السم ، فأرسل الى امرأته جعدة بنت محمد ( كذا ) بن ~~الاشعث بن قيس الكندي وبذل لها عشرين الف دينار واقطاع عشر ضياع من شعب ~~السواد ، سواد الكوفة ، وضمن لها أن يزوجها يزيد ابنه. فسقت الحسن السم في ~~برادة من الذهب في السويق المقند ». # وقال الله عز من قائل : « فهل عسيتم ان توليتم أن تفسدوا في الارض ~~وتقطعوا أرحامكم. اولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى ابصارهم ». PageV01P368 ### ||| خاتمة ### ||| في الموازنة ### ||| بين ظروف الحسن وظروف الحسين PageV01P369 # ورأى كثير من الناس ، ان الشمم الهاشمي الذي اعتاد ان يكون دائما في ~~الشواهق ، كان اليق بموقف الحسين عليه السلام ، منه بموقف الحسن عليه السلام . # وهذه هي النظرة البدائية التي تفقد العمق ولا تستوعب الدقة. # فما كان الحسن في سائر مواقفه ، الا الهاشمي الشامخ المجد ، الذي واكب في ~~مجادته مثل أبيه وأخيه معا ، فاذا هم جميعا امثولة المصلحين المبدئيين في ~~التاريخ. ولكل بعد ذلك جهاده ، ورسالته ، ومواقفه التي يستمليها من صميم ~~ظروفه القائمة بين يديه ، وكلها الصور البكر في الجهاد ، وفي المجد ، وفي ~~الانتصار للحق المهتضم المغصوب. # وكان احتساء الموت قتلا في ظرف الحسين ، والاحتفاظ بالحياة صلحا في ظرف ~~الحسن ، بما مهدا به عن طريق هاتين الوسيلتين لضمان حياة المبدأ ، وللبرهنة ~~على ادانة الخصوم ، هو الحل المنطقي الذي لا معدى عنه ، لمشاكل كل من ~~الظرفين ، وهو الوسيلة الفضلى الى الله تعالى ، وان لم يكن الوسيلة الى ~~الدنيا. وهو الظفر الحقيقي المتدرج مع التاريخ وان كان فيه الحرمان حالا ، ~~وخسارة السلطان ظاهرا. # وكانت التضحيتان : تضحية الحسين بالنفس ، وتضحية الحسن بالسلطان ، هما ~~قصارى ما يسمو اليه الزعماء المبدئيون في مواقفهم الانسانية المجاهدة. # وكانت عوامل الزمن التي صاحبت كلا من الحسن والحسين في زعامته ، هي التي ~~خلقت لكل منهما ظرفا من أصدقائه ، وظرفا من أعدائه ، PageV01P370 # لا يشبه ظرف أخيه منهما ، فكان من طبيعة اختلاف الظرفين اختلاف شكل ~~الجهادين ، واختلاف النهايتين اخيرا. ### ||| ** 1 ظروفهما من انصارهما # ومثلت خيانة الاصدقاء الكوفيين ، بالنسبة الى الحسين عليه السلام خطوته ~~الموفقة في سبيل التمهيد لنجاحه المطرد ms226 في التاريخ ، ولكنها كانت بالنسبة ~~الى أخيه الحسن عليه السلام يوم مسكن والمدائن عقبته الكؤود التي شلت ميدانه ~~عن تطبيق عملية الجهاد. ذلك لان حوادث نقض بيعة الحسين كانت قد سبقت تعبئته ~~للحرب ، فجاء جيشه الصغير يوم وقف به للقتال ، منخولا من كل شائبة تضيره ~~كجيش امام له أهدافه المثلى. # أما الجيش الذي أخذ مواقعه من صفوف الحسن ، ثم فر ثلثاه ونفرت به الدسائس ~~المعادية ، فاذا هو رهن الفوضى والانتقاض والثورة ، فذلك هو الجيش الذي خسر ~~به الحسن كل أمل من نجاح هذه الحرب. # ومن هنا ظهر أن هؤلاء الاصدقاء الذين بايعوا الحسن وصحبوه الى معسكراته ~~كمجاهدين ، ثم نكثوا بيعتهم وفروا الى عدوهم أو ثاروا بامامهم ، كانوا شرا ~~من اولئك الذين نكثوا بيعة الحسين قبل ان يواجهوه. # وهكذا مهد الحسين لحربه بعد أن نخلت حوادث الخيانة انصاره جيشا من أروع ~~جيوش التاريخ اخلاصا في غايته وتفاديا في طاعته وان قل عددا. # أما الحسن فلم يعد بامكانه أن يستبقي حتى من شيعته المخلصين انصارا يطمئن ~~الى جمعهم وتوجيه حركاتهم ، لان الفوضى التى انتشرت عدواها في جنوده كانت ~~قد أفقدت الموقف قابلية الاستمرار على العمل ، كما أشير اليه سابقا. # وأي فرق أعظم من هذا الفرق بين ظرفيهما من أنصارهما؟. PageV01P371 ### ||| ** 2 ظروفهما من اعدائهما # وكان عدو الحسن هو معاوية ، وعدو الحسين هو يزيد بن معاوية. وللفرق بين ~~معاوية ويزيد ما طفح به التاريخ ، من قصة البلادة السافرة في « الابن ». ~~والنظرة البعيدة العمق التي زعم الناس لها الدهاء في « الاب ». # وما كان لعداوة هذين العدوين ظرفها المرتجل مع الحسن والحسين ، ولكنها ~~الخصومة التاريخية التي أكل عليها الدهر وشرب بين بني هاشم وبني أمية. # ولم تكن الاموية يوما من الايام كفوا للهاشمية (1). وانما كانت عدوتها ~~التي تخافها على سلطانها ، وتناوئها دون هوادة . وكان هذا هو سر ذكرها ~~بازائها في أفواه الناس وعلى أسلات اقلام المؤرخين. والا فأين سورة الهوى ~~من مثل الكمال؟ واين انساب الخنا من المطهرين في الكتاب؟. وأين شهوة الغلب ~~، وحب الاثرة ، والوان ms227 الفجور ، من شتيت المزايا في ملكات العقل ، وسمو ~~الاخلاق ، وطهارة العنصر ، وآفاق العلوم التي تعاونت على تغذية الفكر ~~الانساني في مختلف مناحي الثقافات العالية ، فأضافت الى ذخائره ثروة لا ~~تطاول؟. أولئك هم بنو هاشم الطالعون بالنور. # واين هؤلاء من أولئك؟. # ولم يكن من الاحتمال البعيد ما قدره الحسن بن علي احتمالا قريبا ، فيما ~~لو اشتبك مع عدوه التاريخي معاوية بن أبي سفيان بن حرب في PageV01P372 # حرب يائسة مثل هذه الحرب أن تجر الحرب بذيولها أكبر كارثة على الاسلام ، ~~وأن تبيد بمكائدها آخر نسمة تنبض بفكرة التشيع لاهل البيت عليهم السلام . ~~ولمعاوية قابلياته الممتازة لتنفيذ هذه الخطة وتصفية الحساب الطويل في ~~التاريخ ، وهو هو في عدائه الصريح لعلي ولاولاده ولشيعتهم. # وفيما مر من الكلام على هذا الموضوع كفاية عن الاعادة. # أما الحسين فقد كفي مثل هذا الاحتمال حين كان خصمه الغلام المترف الذي لا ~~يحسن قيادة المشاكل ، ولا تعبئة التيارات ، ولا حياكة الخطط ، ثم هو لا ~~يعنيه من الامر الا ان يكون الملك ذا الخزائن ، حتى ولو واجهه الاخطل ~~الشاعر بقوله على رواية البيهقي : # « ودينك حقا كدين الحمار %~% بل أنت اكفر من هرمز » # وكفى الحسين هذا الاحتمال ، بما ضمنه سيف الارهاب الذي طارد الشيعة تحت ~~كل حجر ومدر في الكوفة وما اليها ، والذي حفظ في غيابات السجون والمهاجر ~~وكهوف الجبال سيلا من السادة الذين كانوا يحملون مبادئ أهل البيت ، وكانوا ~~يؤتمنون على ايصال هذه المبادئ الى الاجيال بعدهم. # فرأى ان يمضي في تصميمه مطمئنا على خطته وعلى أهدافه وعلى مستقبلهما من ~~أعدائه. # أما الحسن فلم يكن له أن يطمئن على مخلفاته المعنوية طمأنينة اخيه وفي ~~أعدائه معاوية وثالوثه المخيف وخططهم الناصبة الحقود التي لا حد لفظاعتها ~~في العداوة والحقد. # وأخيرا فقد أفاد الحسين من غلطات معاوية في غاراته على بلاد الله الآمنة ~~المطمئنة ، وفي موقفه من شروط صلح الحسن ، وفي قتله الحسن بالسم ، وفي ~~بيعته لابنه يزيد وفي أشياء كثيرة أخرى ، بما زاد حركته في PageV01P373 # وجه الاموية قوة ومعنوية وانطباقا صريحا ms228 على وجهة النظر الاسلامي في ~~الرأي العام. # وأفاد الى ذلك من مزالق الشاب المأخوذ بالقرود والخمور « خليفة معاوية » ~~، فكانت كلها عوامل تتصرف معه في تنفيذ أهدافه. # وكانت ظروفه من أعدائه وظروفه من أصدقائه تتفقان معا على تأييد حركته ، ~~وانجاز مهمته ، والاخذ به الى النصر المجنح الذي فاز به في الله وفي ~~التاريخ. # أما الحسن فقد أعيته كما بينا سابقا طروفه من أصدقائه فحالت بينه وبين ~~الشهادة ، وظروفه من أعدائه فحالت بينه وبين مناجزتهم الحرب التي كان ~~معناها الحكم على مبادئه « بالاعدام ». # لذلك رأى لزاما ان يطور طريقة جهاده ، وان يفتتح ميدانه من طريق الصلح. # وما كانت الالغام التي وضعها الحسن في الشروط التي أخذها على معاوية الا ~~وسائله الدقيقة التي حكمت على معاوية وحزبه بالفشل الذريع في التاريخ. # ومن الصعب حقا أن نميز بعد هذا أي الاخوين عليهما السلام كان أكبر أثرا في ~~جهاده ، وأشد نفوذا الى أهدافه ، وأبعد امعانا في النكاية بأعدائه. # ولم يبق مخفيا أن تاريخ نكبات أمية بعد عملية الحسن في الصلح كان متصلا ~~بالحسن ، مرهونا بخططه ، خاضعا لتوجيهه. وأن حادثا واحدا من أحداث تلك ~~النكبات لم يكن ليقع كما وقع ، لولا هذه العملية الناجحة التي كان من طبيعة ~~ظروفها أن تستأثر بالنجاح ، وكان من طبيعة خصومها أن يكونوا أعوانا على ~~نجاحها من حيث يشعرون أو لا يشعرون. PageV01P374 ms229