######OpenITI# #META# URI: 1371ZakiMubarak.AkhlaqCindaGhazali.Hindawi59507481 #META# Tags: literary.criticism #META# ID: 59507481 #META# Title: الأخلاق عند الغزالي #META# AuthorID: 41796397 #META# Author: زكي مبارك #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # تعقيب للمؤلف‏ # الباب الأول: في العصر الذي عاش فيه الغزالي‏ # تمهيد‏ # 1 - الدولة السلجوقية‏ # 2 - الباطنية‏ # 3 - الحروب الصليبية‏ # 4 - المدارس النظامية‏ # 5 - روح ذلك العصر‏ # 6 - البلدان التي عرفها الغزالي‏ # 7 - أعيان ذلك العصر‏ # الباب الثاني: في حياة الغزالي‏ # تمهيد‏ # 1 - أسرته‏ # 2 - مولده ونشأته‏ # 3 - حياته الروحية‏ # 4 - فهمه للحياة‏ # 5 - وفاته ورثاؤه‏ # الباب الثالث: في المنابع التي استقى منها الغزالي‏ # تمهيد‏ # 1 - المصادر الفلسفية‏ # 2 - منبع الصوفية‏ # 3 - من عرف الغزالي من الصوفية‏ # 4 - منبع الشريعة‏ # 5 - أساتذة الغزالي وأصحابه‏ # الباب الرابع: في مؤلفات الغزالي‏ # تمهيد‏ # 1 - طريقته في التأليف‏ # 2 - الصوت المردد في مؤلفات الغزالي‏ # 3 - كتاب الإحياء‏ # 4 - أغلاط الإحياء‏ # 5 - غفلة الغزالي وعناده‏ # الباب الخامس: في مباحث تمس الأخلاق‏ # تمهيد‏ # 1 - الخير والشر‏ # 2 - الإرادة‏ # 3 - الضمير‏ # 4 - الأغراض والنتائج‏ # 5 - الوسائل والغايات‏ # الباب السادس: في الأخلاق‏ # تمهيد‏ # 1 - تربية الخلق‏ # 2 - إمكان تغيير الخلق‏ # 3 - الطريق إلى تهذيب الأخلاق‏ # 4 - غاية الأخلاق‏ # 5 - هل تورث الأخلاق‏ # الباب السابع: في الفضائل‏ # تمهيد‏ # 1 - فضيلة الصدق‏ # 2 - فضيلة الصبر‏ # 3 - فضيلة الخمول‏ # 4 - فضيلة التوكل‏ # 5 - فضيلة الإخلاص‏ # الباب الثامن: في توقي الرذائل‏ # تمهيد‏ # 1 - رذيلة الغضب‏ # 2 - رذيلة الحقد‏ # 3 - رذيلة الحسد‏ # 4 - رذيلة العجب‏ # 5 - رذيلة الكبر‏ # 6 - آفات اللسان‏ # 7 - رذيلة الرياء‏ # الباب التاسع: في العلوم والفنون والتربية‏ # تمهيد‏ # 1 - العلوم‏ # 2 - الفنون‏ # 3 - تربية الأطفال‏ # 4 - آداب المعلمين‏ # 5 - آداب المتعلمين‏ # الباب العاشر: في الحقوق والواجبات‏ # تمهيد‏ # في الحقوق والواجبات‏ # الباب الحادي عشر: في تأثير الغزالي في عصره وما تلاه من العصور‏ # تمهيد‏ # في تأثير الغزالي في عصره وما تلاه من العصور‏ # الباب الثاني عشر: في أنصار الغزالي وخصومه‏ # تمهيد‏ # في أنصار الغزالي وخصومه‏ # الباب الثالث عشر: في الموازنة بين الغزالي وبين الفلاسفة المحدثين‏ # تمهيد‏ # في الموازنة بين الغزالي وبين الفلاسفة المحدثين‏ # الباب الرابع عشر: في آراء علماء العصر في الغزالي‏ # تمهيد‏ # في آراء علماء العصر في الغزالي‏ # خاتمة الكتاب‏ # المراجع‏ ms001 # تعقيب للمؤلف‏ # الباب الأول: في العصر الذي عاش فيه الغزالي‏ # تمهيد‏ # 1 - الدولة السلجوقية‏ # 2 - الباطنية‏ # 3 - الحروب الصليبية‏ # 4 - المدارس النظامية‏ # 5 - روح ذلك العصر‏ # 6 - البلدان التي عرفها الغزالي‏ # 7 - أعيان ذلك العصر‏ # الباب الثاني: في حياة الغزالي‏ # تمهيد‏ # 1 - أسرته‏ # 2 - مولده ونشأته‏ # 3 - حياته الروحية‏ # 4 - فهمه للحياة‏ # 5 - وفاته ورثاؤه‏ # الباب الثالث: في المنابع التي استقى منها الغزالي‏ # تمهيد‏ # 1 - المصادر الفلسفية‏ # 2 - منبع الصوفية‏ # 3 - من عرف الغزالي من الصوفية‏ # 4 - منبع الشريعة‏ # 5 - أساتذة الغزالي وأصحابه‏ # الباب الرابع: في مؤلفات الغزالي‏ # تمهيد‏ # 1 - طريقته في التأليف‏ # 2 - الصوت المردد في مؤلفات الغزالي‏ # 3 - كتاب الإحياء‏ # 4 - أغلاط الإحياء‏ # 5 - غفلة الغزالي وعناده‏ # الباب الخامس: في مباحث تمس الأخلاق‏ # تمهيد‏ # 1 - الخير والشر‏ # 2 - الإرادة‏ # 3 - الضمير‏ # 4 - الأغراض والنتائج‏ # 5 - الوسائل والغايات‏ # الباب السادس: في الأخلاق‏ # تمهيد‏ # 1 - تربية الخلق‏ # 2 - إمكان تغيير الخلق‏ # 3 - الطريق إلى تهذيب الأخلاق‏ # 4 - غاية الأخلاق‏ # 5 - هل تورث الأخلاق‏ # الباب السابع: في الفضائل‏ # تمهيد‏ # 1 - فضيلة الصدق‏ # 2 - فضيلة الصبر‏ # 3 - فضيلة الخمول‏ # 4 - فضيلة التوكل‏ # 5 - فضيلة الإخلاص‏ # الباب الثامن: في توقي الرذائل‏ # تمهيد‏ # 1 - رذيلة الغضب‏ # 2 - رذيلة الحقد‏ # 3 - رذيلة الحسد‏ # 4 - رذيلة العجب‏ # 5 - رذيلة الكبر‏ # 6 - آفات اللسان‏ # 7 - رذيلة الرياء‏ # الباب التاسع: في العلوم والفنون والتربية‏ # تمهيد‏ # 1 - العلوم‏ # 2 - الفنون‏ # 3 - تربية الأطفال‏ # 4 - آداب المعلمين‏ # 5 - آداب المتعلمين‏ # الباب العاشر: في الحقوق والواجبات‏ # تمهيد‏ # في الحقوق والواجبات‏ # الباب الحادي عشر: في تأثير الغزالي في عصره وما تلاه من العصور‏ # تمهيد‏ # في تأثير الغزالي في عصره وما تلاه من العصور‏ # الباب الثاني عشر: في أنصار الغزالي وخصومه‏ # تمهيد‏ # في أنصار الغزالي وخصومه‏ # الباب الثالث عشر: في الموازنة بين الغزالي وبين الفلاسفة المحدثين‏ # تمهيد‏ # في الموازنة بين الغزالي وبين الفلاسفة المحدثين‏ # الباب الرابع عشر: في آراء علماء العصر في الغزالي‏ # تمهيد‏ # في آراء علماء العصر في الغزالي‏ # خاتمة الكتاب‏ # المراجع‏ ms002 # | الأخلاق عند الغزالي # | الأخلاق عند الغزالي # تأليف # زكي مبارك # | مقدمة # بقلم د. منصور فهمي # لم يكد مؤلف هذا الكتاب يجتاز امتحان الدكتوراه مصحوبا بالتوفيق، حتى قام نفر من أصحاب ~~الأغراض، حتى قام نفر من أصحاب الأغراض: يذيعون عنه المفتريات، ويتقولون عليه الأقاويل، وقد ~~بدا للمؤلف أن يدفع الشر بالشر، ولكن أستاذه الفيلسوف الدكتور منصور فهمي كتب إليه خطابا ~~يوصيه فيه بالرفق، وينصح له بالتثبت، ويدعوه إلى مقابلة الشر بالصفح الجميل. # والمؤلف يثبت هنا هذا الأثر الخالد، ويشكر أستاذه على نصيحته القيمة، ويعاهد ربه وقومه ~~على ألا يعمل غير ما يعتقد أنه حق وصواب. # أخي العزيز: # طالما وجدنا في تاريخ الأفكار عامة حملات للنقد شديدة، وطالما رأينا علماء المسلمين ~~وفلاسفتهم ينال بعضهم بعضا بالنقد والتجريح، وطالما غلوا في النقد حتى انقلب إيذاء ~~وإيلاما. # ولكن هل أخفت شدة النقد يوما فضل المنتقد عليه؟ وهل ضن الزمان على المنتقدين بما هم أهل ~~له من الحرمة والمكانة؟ وكيف ذلك، والنقد ليس إلا أداة لإظهار الحقائق واضحة جلية؟ # ولئن كان للناقد فضل في إظهار خطأ المنتقد عليه، فلقد كان لهذا الفضل بسبقه إلى موارد ~~العلم، وخوضه في مسائل كانت سببا في يقظة هذا الباحث الأخير. # إلا أنه يجمل بنا حين ننظر في كتب المتقدمين، الذين يخالفوننا في أساليب البحث، ومناهج ~~التفكير، أن نتمثل أنفسنا في أزمنتهم، وأمكنتهم، وأن نتمثل ما استخدموه للحصول على الحقائق ~~من مختلف الأدوات، لكي نلتمس لهم العذر، إذ رأيناهم لم يصلوا إلى الأغوار البعيدة التي ينبع ~~منها الماء صافيا نقيا. # وما أبعد الفرق بين من يدخل الهيجاء بما سلحته به العصور الخوالي من سهام ونبال، وبين من ~~يدخلها مدرعا بما ابتدعته العصور الحديثة من معدات النزال، وما أكثر الفرق بين الضوء ينبعث ~~من زيت المصباح، وبين النور يتفجر من ثريات الكهرباء، ولكننا مع ذلك أيها الأخر العزيز نعجب ~~بأصحاب القسي والنبال؛ إذ لم تنقصهم الشجاعة، ولم يفتهم الثبات، ونحمد الأضواء الضيئلة التي ~~تنبعث من زيوت المصابيح؛ لأنها على ضآلتها تصدع جوانب ms003 الظلام. # فإذا رأينا الغزالي غفل عن حقيقة تنبهنا نحن إليها، أو أغلق عليه موضوع فتحت له أبوابه، ~~أو أدركه وهن في الرأي، أو تناقض في فهم فكرة، فجدير بنا أن نقدر ظروف زمانه ومكانه، وأن ~~نذكر كيف كانت وسائله إلى الفهم والإدراك، قبل أن نصب عليه جام اللوم والتثريب. # إن أهل تلك الأعصر الخالية، كانوا يعتمدون كثيرا على ذاكرتهم، وكانوا في الوقت نفسه ~~يتناولون كثيرا من الموضوعات؛ لأن فكرة الإحصاء وتوزيع الأعمال، لم تكن مألوفة لديهم على ~~نحو ما هي اليوم، وكانوا يرون الجد في طلب العلم طاعة لله، فمن ثم حفظوا كثيرا، وكتبوا ~~كثيرا، ولكن ضاق وقتهم ، ووهنت قوتهم، فلم يستطيعوا ترتيب ما كنزوا من العلوم الكثيرة، ~~فخلطوا الغث بالسمين، وعرض لهم الضعف، والتناقض، والاضطراب. # وكذلك كان من أكبر الخدمات أن يتناول الشباب المثقف كتب المتقدمين، فيدرسها، ويفهمها، ~~ويحللها، ثم يبين ما فيها من الخطأ والصواب. # ومن أولى بذلك من طلبة الجامعة المصرية، التي أنشئت لوصل القديم بالجديد، وحث الخلف، على ~~الانتفاع بميراث السلف، وإنقاذ الجيل الحاضر من غلطات الجيل الغابر؟ # لا يخطئ من يتناول كتب المتقدمين بالدرس، والتمحيص، والتهذيب، بل ذلك حق وواجب؛ لأن فيه ~~حياة لما يجب أن يحيا من الأفكار، وموتا لما يجب أن يموت من الأوهام، ولأن في النقد الصحيح ~~تهذيبا للمشاعر، وتنويرا للعقول، وإنما يخطئ من يبالغ في حب المتقدمين، فينسي سيئاتهم، مع ~~أن لهم سيئات، أو يبالغ في بغضهم، فينسى حسناتهم، مع أن لهم كثيرا من الحسنات، والنقد الحق ~~يرتكز على سرد المحاسن والعيوب، بلا جور ولا محاباة، وقد يذهب بصاحبه إلى التوفيق بين ~~الآراء المختلفة، فيجعل من الزوايا المتعددة التي ننظر منها إلى الحقائق شكلا واحدا منسجم ~~الترتيب ننظر من نواحيه إلى تلك الحقائق. فأعداء النقد ليسوا فقط أعداء لحرية الآراء، ~~ولكنهم أعداء لمنازع التوفيق. ~~••• # وأنت يا أخي درست مؤلفات الغزالي، وفهمتها، وحللتها، وبينت ما فيها من الخطأ والصواب، ~~فماذا ينقم الناس منك، وقد ذكرته بالخير، حين رأيت أن يذكر بالخير، وذكرته ms004 بالملام، حين ~~رأيت أن يذكر بالملام، وما كان الغزالي بأكبر من أن يخطئ، ولا كنت أنت بأصغر من أن تصيب. # لقد راعهم أن يقسو قلمك على مؤلف له عندهم حرمة وقداسة، وكان عليهم أن يذكروا أنك شاب، ~~وأن قلم الشباب قاس شديد، بل ليتهم عملوا بما طالبوك بهمن الرفق والهدوء، فلم يوجهوا إليك ~~قارس اللوم، ومر التأنيب. # كانت رسالتك مثارا للجدل والمناقشة، ويعلم الله أنا لن نغضب لذلك، لأنا نريد أن نخدم ~~الحقيقة، والحقيقة بنت البحث، وهل علمناك إلا أن تكون خادما للحقيقة ولو شق إليها الطريق؟ ~~فما دمت ترى أنك على حق، وما دمت تعتقد أنك سائر على الصراط السوي، فلك أن تتمسك برأيك، ~~وتدافع عن حقك، ولكن في ر فق ونزاهة، فإن الحق لا يخدم بمثل الرفق والنزاهة، وكما يجب عليك ~~أن تدافع عما تعتقد أنه حق فإن عليك أن تنفض يدلك بسرعة البرق مما تعتقد أنه باطل، فإن ~~الرجوع إلى الحق فضيلة، والتمادي على الباطل نقيصة، وليس بعد الحق إلا الضلال. ~~••• # لقد علمتنا رسالتك، بجانب ما تناولته من الأبحاث العديدة، إننا قطعنا شوطا بعيدا في ~~سبيل الآراء الحرة، المدعمة بالقوة والنهوض، وإن كنا نأسف على أنه لا تزال هناك صدور ضيقة، ~~يؤذيها الهواء الطلق، وكان الخير في أن تستروح به، وتسكن إليه، ونأسف كذلك على أن عدد هؤلاء ~~كثير، وعدد المفكرين قليل. # لقد زاد اغتباطي برسالتك أنها أول رسالة قيمة تناولت تاريخ الأفكار الإسلامية بالنقد ~~والتحليل، وأرجو أن تكون خطوة تتبعها في هذا المدى خطوات، وإن كان يحزنني أن يتألب عليك ~~رجال المعهد الذي أعدك لدخول الجامعة المصرية، ولكن الإنصاف يقضي علينا بأن نعترف بأن هذه ~~سيئة لم ينفرد بها الأزهريون، فإنا نرى بكل أسف أن الأزهريين يرمون أصحاب الأفكار الحرة ~~بالكفر والمروق، وأنصار الآراء الجديدة يرمون الأزهريين بالجهل والجمود، وهم جميعا من ~~المسرفين. # وإذا كان لي أن أنصحك ومن الواجب أن أنصحك، فإني أدعوك إلى حرب هذه الضلالة، وحذار أن ~~تقاطع أحدا من أساتذتك وزملائك في ms005 الأزهر الشريف، فإنكم جميعا طلاب علم، وأنصار حق، ~~والتوفيق بينمكم ليس بالأمر المحال. # لقد فات كثيرا من عشاق الجديد أن يضموا إليهم أنصار القديم بالرفق والمجاملة، وأنت بحمد ~~الله ربيب الأزهر والمعاهد الدينية، فماذا يضرك لو وصلت أساتذتك وزملاءك، وجادلتهم بالتي هي ~~أحسن، لتسيروا أصفياء في التوفيق بين القديم والجديد. # إنني أخشى عليك كثيرا أيها الأخ، فقد رأيت كيف قامت القيامة حتى اطلع الجمهور على جانب ~~واحد من رسالتك، فماذا عسى أن يصنع هذا الجمهور حين يطلع على ما فيها من شتى الجوانب، ~~ومختلف الأرجاء؟ # ولكن إياك أن تجزع، وقد بدئت حياتك العلمية، بصدمة من تلك الصدمات الاجتماعية ، فذلك دليل ~~على أنك خادم من خدام الإصلاح، وهو خير لقب تلقى به الله. # ولك خالص الدعوات، والعطف، والسلام. # | تعقيب للمؤلف # أكرر الشكر لسيدي الأستاذ الدكتور منصور، وأؤكد له أن بيني وبين علماء الأزهر الشريف عرى ~~لا تقدر على فصمها الليالي. ولن أنسى ما حييت أني مدين على الأقل لحضرات أساتذتي الأماجد ~~الشيخ الدجوي والشيخ اللبان والشيخ الظواهري، والشيخ الزنكلوني والشيخ حسين والي والشيخ سيد ~~المرصفي، فإذا قضت الظروف بأن تنقطع بيني وبين الأزهر جميع الصلات - لا قدر الله ولا سمح - ~~فإني لن أنسى ولن ينسى أحد أني مدين لأساتذتي في الأزهر، وأن خروجي عليهم ضرب من العقوق، ~~ونكران الجميل. # اللهم إن كنت تعلم أني صادق فيما أقول، فاجزني بخير ما يجزى به المؤمن الصادق، وإن كنت ~~تعلم أني أظهر غير ما أضمر، فاغفر لي وتب علي فإنك وحدك التواب الغفور. # | فاتحة الكتاب # بقلم محمد زكي عبد السلام مبارك # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين. وبعد فهذا هو ~~الكتاب الذي نلت به إجازة الدكتوراه من الجامعة المصرية، والذي سلقني العلماء من أجله ~~بألسنة حداد. # هذا هو كتاب «الأخلاق عند الغزالي» أقدمه للجمهور، ليكون المرجع لمن يريد أن يتبين مبلغ ~~المغرضين من الصدق، وحظ المرجفين من الصواب. # هذا هو الكتاب الذي رميت من أجله بالكفر ms006 والزندقة، والذي فجر لحسادي ينبوعا من اللغو ~~والثرثرة لا ينضب ولا يغيض. وما أنا والله بنادم على رأي رأيته، أو قول جهرت به، فلست ممن ~~يخافون في الحق لومة لائم، أو يقيمون وزنا لكيد الحاسدين، ولغو اللاغين، من مرضى القلوب، ~~وضعاف العقول، وصغار النفوس، وإنما يحزنني ما يلاقي أصدقائي من العنت في دفع ما يفتري ~~الكاذبون، ويختلق المفسدون. # على أن الغزالي رحمه الله عانى من حاسديه مثل ما عانيت، ولاقى ضعف ما لاقيت، حتى لنجده ~~يطمئن أحد أخوانه بقوله: «رأيتك الأخ المشفق موغر الصدر، مقسم الفكر، لما قرع سمعك من طعن ~~طائفة من الحسدة على بعض كتبنا المصنفة في أسرار معاملات الدين، وزعمهم أن فيها ما يخالف ~~مذهب الأصحاب المتقدمين، والمشايخ المتكلمين، وإن العدول عن مذهب الأشعري ولو في قيد شبر ~~كفر، ومباينته ولو في شيء نزر ضلال وخسر، فهون أيها الأخ المشفق على نفسك، لا تضيق به صدرك ~~وفل من غربك قليلا، # واصبر على ما يقولون واهجرهم ~~هجرا جميلا ~~، # 1 # واستحقر من لا يحسد ولا يقذف، واستصغر من بالكفر والضلال لا يعرف، فأي داع ~~أكمل وأعقل من سيد المرسلين # صلى الله عليه وسلم ~~، وقد قالوا إنه مجنون من المجانين، وأي كلام أجل وأصدق ~~من كلام رب العالمين، وقد قالوا إنه أساطير الأولين، وإياك أن تشتغل بخصامهم، وتطمع في ~~إفحامهم، فتطمع في غير مطمع، وتصوت في غير مسمع، أما سمعت ما قيل: # كل العداوة قد ترجى إزالتها # إلا عداوة من عاداك عن حسد # ولو كان فيه مطمع لأحد من الناس، لما تلي على أجلهم رتبة آيات اليأس، أوما سمعت قوله ~~تعالى: # وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت ~~أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم ~~بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من ~~الجاهلين ~~. # 2 # وقوله تعالى: # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء ~~فظلوا فيه يعرجون *لقالوا إنما سكرت ~~أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ~~. # 3 # وقوله تعالى: # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس ~~فلمسوه بأيديهم ms007 لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر ~~مبين ~~. # 4 # وقوله تعالى: # ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ~~وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم ~~يجهلون ~~. # 5 # وقد صار الغزالي بعد ذلك حجة الإسلام. ونحن لا نريد أن يفتن الناس بنا كما فتنوا به، فهل ~~نرجو أن نظفر فقط بالسلامة من تقول المفترين، وتزيد المعتدين؟ ~~«على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين». # الباب الأول # | في العصر الذي عاش فيه الغزالي # | تمهيد # أريد أن أذكر شيئا عن العصر الذي عاش فيه الغزالي، وليس ذلك لأن الغزالي صورة لعصره، ~~بل ليعرف القارئ إلى أي حد تأثر الغزالي بعصره وأثر فيه. فمن المجازفة أن ندرس عصرا من ~~العصور، لنعرف من نبغ فيه من الفلاسفة والكتاب والشعراء، وإنما ندرس شخصية الكاتب أو ~~الشاعر أو الفيلسوف، ثم نبحث عن المؤثرات التي كونت تلك الشخصية، فقد تكون هذه المؤثرات ~~قريبة، وقد تكون بعيدة، وفقا لما أحاط بالشخص من الظروف. # ولتوضيح هذا أذكر أن الأستاذ الدكتور طه حسين درس العصر الذي عاش فيه أبو العلاء، ~~ليعرف الأصول التي كونت وجهة نظره في الحياة، ثم فعل مثل هذا حين شرع في درس أبي نواس، ~~ولكن الدكتور طه لا ينكر أن عصر أبي العلاء أنتج رجالا يسيرون غير سيرته، ويرون ما لا ~~يراه، وأن عصر أبي نواس أخرج رجالا يسيغون العبث، ولا يجيزون المجون؛ فمن الواجب أن ~~ندرس أولا ما بين أيدينا من آثار الفلاسفة والكتاب والشعراء، ثم نتبين بعد ذلك ما ~~تألفت منه هذه الآثار فقد تكون نتيجة لمطالعات لا صلة بينها وبين العصر الذي ظهرت فيه، ~~كما يمكن أن تكون نتيجة له بالذات. # وإلا فحدثني كيف يكون الشيخ محمود خطاب السبكي صورة لهذا العصر، وهو يكون من تلامذته ~~جمهرة لا يشعر بها الناس؟ وأمثال الشيخ السبكي عديدون، ولكني خصصته لكثرة مؤلفاته، وقد ~~يعثر عليه باحث يوما في زوايا التاريخ، أفتراه يدرس يومئذ هذا العصر، ليعرف ms008 المؤثرات ~~التي كونت عقلية هذا الرجل الذي يدهش حين تحدثه عن أهل هذا الجيل؟! # إنه لا شك في تأثير البيئة والعصر، ولكن ينبغي أن نعرف أن من الناس من يعيش في قومه ~~وعصره، بجسمه لا بروحه، فلا يحس بما يحس به معاصروه، وإنما يشعر بما كان يشعر به من ~~سبقوه بأجيال؛ ففي مصر اليوم أناس من القرن الثالث، وآخرون من القرن السابع، كما في مصر ~~اليوم من يمكن أن تكون آراؤه وأفكاره صورة صادقة لمكانه وزمانه، وأحب أن يعفيني القارئ ~~من ضرب الأمثال. # من أجل هذا أجمل القول عن العصر الذي عاش فيه الغزالي وأكتفي بوضع صورة قريبة من ~~الواقع للحالة العامة في عصره، ليتمثل القارئ زمان الغزالي ومكانه وليعرف ما تمس إليه ~~الحاجة مما أثر بالفعل في حياته العقلية، فإن الغرض من هذا الكتاب إنما هو أن ندرس ~~بالتفصيل آراء الغزالي في الأخلاق. # الفصل الأول # | الدولة السلجوقية # 1 # لا نريد أن نفصل وصول تلك العشيرة التركية إلى الغلبة والاستيلاء على أكثر ~~الأقطار الإسلامية، فإنه لا حاجة إلى ذلك الآن، وإنما نذكر فقط صورة مجملة لتلك ~~المملكة الضخمة، التي تفيأ الغزالي ظلها الظليل. # ذكر الأستاذ محمد الخضري (بك) في محاضراته في الجامعة المصرية أن عشيرة السلاجقة ~~انقسمت إلى خمسة بيوت: الأول السلاجقة العظمى، وهي التي كانت تملك خراسان، والري، ~~والجبال، والعراق، والجزيرة، وفارس، والأهواز. والثاني سلاجقة كرمان. والثالث ~~سلاجقة العراق. والرابع سلاجقة سورية. والخامس سلاجقة الروم. # أما السلاجقة الكبرى فهي الدولة التي أسسها ركن الدين أبو طالب طغرل بك، وحياتها ~~93 سنة: من 429ه/1039م إلى سنة 522ه/1127م. وقد انقضت دولتهم على أيدي شاهات ~~خوارزم. # وأما سلاجقة كرمان فكانوا من عشيرة قاروت بك بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، وهو ~~أخو ألب أرسلان، ومدة ملكهم 150 سنة، من 432ه/1041م إلى 583ه/1188م. وقد انقضت ~~دولتهم على أيدي الغز التركمان. # وأما سلاجقة العراق وكردستان فقد ابتدأت دولتهم سنة 511ه/1117م. وانتهت سنة ~~590ه/1194م على أيدي شاهات خوارزم بعد أن مكثت 79 سنة. # وأما سلاجقة ms009 سورية فكانوا من بيت تنش بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق. ~~وقد ابتدأت دولتهم سنة 487ه/1094م. وانتهت سنة 511ه/1117م. على أيدي الدولتين: ~~النورية والارتقية، فكانت حياتها 24 سنة. # وأما سلاجقة الروم: ملوك قونية واقصرا، فكانوا من بيت قطامش بن إسرائيل بن سلجوق، ~~وقد ابتدأت دولتهم سنة 470ه/1077م. وانتهت سنة 700ه/1300م، فهي أطول دول السلاجقة ~~حياة، إذ مكثت 230 سنة، وقد انقضت على أيدي الأتراك العثمانيين والمغول. # والذي كان يرتبط تاريخه من هذه البيوتات بتاريخ الدولة العباسية لدخول بغداد في ~~حوزتهم السلاجقة العظمى وسلاجقة العراق، الذين كان لهم السلطان على العباسيين من ~~سنة 447 إلى سنة 590، أي 143 سنة. # واستخلف من آل العباس في عهد الدولة السلجوقية تسعة خلفاء، أولهم القائم بأمر ~~الله الذي انتهى في عهده العصر البويهي ، وآخرهم الناصر لدين الله الذي انتهى في ~~عصره ملك السلاجقة. # 2 # عاصر الغزالي أكثر ملوك الدولة السلجوقية الكبرى، فقد شهد عضد الدين أبي شجاع ألب ~~أرسلان، وجلال الدين أبي الفتح ملكشاه، وناصر الدين محمود، وركن الدين أبي المظفر ~~بركياروق، وركن الدين ملكشاه الثاني، ومحمد بن ملكشاه. # وقد ولد الغزالي في آخر عهد طغرل بك، الذي ملك بغداد، وتقرب من الخليفة حتى تزوج ~~الخليفة بنت أخيه. والذي تطلع إلى أن يتزوج من البيت العباسي. وهو أمر لم تجر به ~~العادة. فأرسل سنة 543 يخطب بنت الخليفة، ثم ظفر بزواجها في حديث طويل. # أما ألب أرسلان فكان واسطة عقد الدولة السلجوقية، وفي عهده أسست المدارس ~~النظامية، صاحبة الفضل على الغزالي، وسنعود إليها بعد قليل. وأما محمد بن ملكشاه ~~فهو الذي وضع له الغزالي كتاب التبر المسبوك في نصيحة الملوك. # هذا ما يهمنا من دولة آل سلجوق، وما نريد أن نزيد. # الفصل الثاني # | الباطنية # في الوقت الذي كان فيه السلاجقة يبسطون سلطانهم على فارس والعراق والجزيرة إلى آخر ما ~~استولت عليه تلك البيوتات التي أجملنا حالها في الفصل الماضي، كان الفاطميون يسيطرون ~~على المغرب، وعلى مصر، ويهمون ببسط سلطاتهم على أقطار المشرق، ms010 بعناية الدعاة. # والذي يعنيني الآن هو إجمال دعوة الباطنية، لأن الغزالي شغل بهم، وكتب في الرد عليهم، ~~وإن لم تصلنا كتبه في هذا الباب، وسترى حين نتكلم عن خطته في التأليف كيف اتهم بالميل ~~إليهم، إذ شرح آراءهم عند نقدها بطريقة تقربها من متناول العقول. # وأحب أن يعرف القارئ أن أكثر ما يحتل رءوس المسلمين من الأفكار والعقائد، ليس إلا ~~أثرا للدعوات المتعددة التي قام بها العباسيون في الشرق، والفاطميون في الغرب، و # كل حزب بما لديهم فرحون ~~. # والواقع أن الدعاة كانوا غاية في المكر والدهاء، فقد عرفوا كيف يملئون تلك الرءوس ~~الجوفاء بالخرافات، والوساوس والأضاليل، وهذه القاهرة لا تزال سماء مسكونة بالمعبودات ~~الصغيرة؛ كسيدنا الحسين، والسيدة زينب، والسيدة فاطمة النبوية، ومن إليهم من الأولياء، ~~فيما زعم الفاطميون ومن لف لفهم من علماء الإسلام! # ولولا خوف الإطالة لشرحت للقارئ طرائق الباطنية في نشر الدعوة Propaganda # فقد كانوا أمهر من الإنكليز والفرنسيين، ~~والأمريكان في العصر الحديث، وكانت جنايتهم شديدة الخطر في مسخ عقول الأمم الإسلامية ~~المسكينة، التي قيدها الجهل، ثم رماها بين أيدي طلاب الملك من العباسيين والفاطميين، ~~فلم يرحمها أولئك ولا هؤلاء. # كان دعاة الباطنية لمكرهم ينتقلون بالطالب من حال إلى حال، فيفهمونه أولا أن الآفة ~~التي نزلت بالأمة فشتتت شملها، وفرقت جمعها، ليس لها من سبب إلا ذهاب الناس عن أئمتهم ~~الذين يعرفون بواطن الشريعة، لأن دين محمد - فيما يزعمون - ليس هو ما يعرفه العامة، بل ~~هو علم خفي غامض، ستره الله في حجبه، وعظمه عن ابتذال أسراره، فلا يطيق حمله، ولا يقوم ~~بأعبائه إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد مؤمن امتحن قلبه بالتقوى. ثم يتوغلون مع ~~الطالب مجاهل من ظلمات الآراء والأهواء، بعضها خاص بتقديس أئمتهم، ورفعهم إلى الاختصاص ~~بفهم أسرار التشريع، وبعضها خاص بتنظيم الدعوة ونشرها بين الناس. # وأشهر دعاة الباطنية في الشرق هو الحسن بن الصباح، الذي رحل إلى مصر، فلقي فيها ~~الخليفة المستنصر، وتلقى بها الدعوة الباطنية، ثم عاد إلى مروة لنصرة هذا ms011 المذهب بقلمه ~~وسيفه، فكان أول ما فعله أن استولى على قلعة (الموت) وتحصن بها، ثم ثبت قدمه في الأقطار ~~الفارسية، بحيث كان يحسب له ولأتباعه ألف حساب، ونشبت بينه وبين السلاجقة عدة ~~حروب. # ومن شاء الزيادة على هذا القدر من أمر الباطنية فليرجع إلى كتب التاريخ، ثم ليرجع إلى ~~تفصيل آرائهم إن شاء في كتاب الملل والنحل للشهرستاني، فإن في آرائهم غرائب وأعاجيب، ~~وقد ورد ذكرهم في عدة مواطن من كتب الغزالي، وعلى الأخص كتابه «فيصل التفرقة بين ~~الإسلام والزندقة»، فليعد إليه من أراد أن يرى مناقشته لبعض ما يقولون. # الفصل الثالث # | الحروب الصليبية # 1 # قد عرفت أن سلطان السلاجقة امتد على بلاد الروم، في قونية واقصرا، وما إليهما من ~~البلاد، وعرفت كيف كان التنافس بين السلجوقيين والفاطميين، فليس من الصعب أن تعرف ~~كيف دعا ملك الروم حملة الصليب من الإفرنج إلى قتال المسلمين، فقد أمن جانب الفواطم ~~لعداوتهم للسلاجقة، وإنها لفرصة سانحة، لا يصح أن يضيعها طلاب الملك، وعشاق ~~الحياة! # لجأ قيصر الروم إلى البابا رئيس النصرانية، يستصرخه لصد أعدائه السلاجقة، فرآها ~~البابا فرصة لبسط نفوذه على ملوك أوروبا وأمرائها، فدعاهم إلى الدفاع عن النصرانية، ~~وإخراج بيت المقدس من أيدي المسلمين. # وأود أن يعرف القارئ أن الساسة يعتمدون دائما على استغلال العواطف، وإخماد عقول ~~الجماهير، ومن هنا لم يجد دعاة الحروب الصليبية بدا من الكذب على الحقيقة ~~والتاريخ، فزعموا أن المسلمين يضطهدون نصارى الشرق، ويسومونهم سوء العذاب، وقد ~~نجحوا في استنفار أوروبا، عامتها وخاصتها، وساقوهم باسم الدين إلى ميدان ~~القتال. # والدين أداة من أدوات الفتح والاستيلاء، في أيدي الشعوب القوية، وغل في أعناق ~~الأمم الضعيفة، والويل كل الويل للمغلوب! فقد ملك المسلمون الأرض باسم الدين، كما ~~ذلوا بعد ذلك باسم الدين، لأن القوي الرشيد يملك بدينه آخرته ودنياه، أما الضعيف ~~المأفون فلا يزال يرتطم في ضعفه الذي يسميه دينا حتى يحيق به الهلاك! # وكذلك زحف شياطين الغرب على الشرق باسم الدين ففعلوا به الأفاعيل، في حين أن ~~المسلمين كانوا ms012 يبكون في مساجدهم يوم الجمعة ليوقظوا الهمم الخوامد، والنفوس ~~الرواكد، فما استمع لهم أحد، ولا استجاب لهم مجيب! ولم ذلك؟ ذلك بأن الدين لا ~~يقوم بنفسه، وإنما يقوم به كما قلت: طلاب الملك، وعشاق الحياة! وإلا فحدثني لماذا ~~تغاضى الفاطميون أبناء الرسول، ولم يغضبوا لزحف النصارى على أملاك المسلمين؟ # الملك، العظمة، الحياة؛ تلك آمال الأمم، وأماني الشعوب، فإن أدى الدين إلى الملك ~~والعظمة والحياة فهو نعمة من الله، لأن الله بالمؤمنين رءوف رحيم، أما إن نزل بهم ~~إلى الحضيض فهو بدعة ابتدعها الأحبار والرهبان، وأمثال الأحبار والرهبان. ومن كان ~~في ريب مما نقول فليسأل التاريخ. # ثم أخذ الصليبيون في فتح بلدان المسلمين، فاستولوا على كثير من مدن آسيا الصغرى ~~والشام، وكونوا لهم فيها إمارات سميت بالإمارات اللاتينية، نسبة إلى الأجناس التي ~~كان يتألف منها حملة الصليب. # وأول ما أسس من هذه الإمارات إمارة الرها بوادي الفرات سنة 490ه/1097م. ثم ~~أنطاكية سنة 491ه/1098م. ثم فتحوا بيت المقدس. وقتلوا من أهله نحو 7000 مسلم، بعد ~~أن سجل التاريخ من سوء رأي الفواطم ما يمنعنا من ذكره الحياء. # 2 # أتدري لماذا ذكرت لك هذه الكلمة عن الحروب الصليبية؟ لتعرف أنه بينما كان بطرس ~~الناسك يقضي ليله ونهاره، في إعداد الخطب وتحبير الرسائل، لحث أهل أوروبا على ~~امتلاك أقطار المسلمين، كان الغزالي (حجة الإسلام) غارقا في خلوته، منكبا على ~~أوراقه. لا يعرف ما يجب عليه من الدعوة والجهاد! ويكفي أن نذكر أن الإفرنج قبضوا ~~على أبي القاسم الرملي الحافظ يوم فتح بيت المقدس، ونادوا عليه ليفتدى، فلم يفتده ~~أحد، ثم قتلوه، وقتلوا معه من العلماء عددا لا يحصيه إلا الله، كما ذكر السبكي في ~~طبقاته. # وما ذكرنا هذه المأساة إلا لنعد القارئ لفهم حياة الغزالي، ولنقنعه بأنه ليس من ~~الحتم أن يكون الرجل الممتاز بعلمه صورة لعصره، فإن كتب الغزالي لا تنبئنا بشيء على ~~تلك الأزمة التي عاناها المسلمون حين ابتدأت الحروب الصليبية. # ومن الخطأ أن نقصر الأخلاق على سلوك المرء كفرد مستقل عن ms013 الحياة الاجتماعية، فلكل ~~ظرف واجباته، ويتعسر وجود حالة لا تقضي فيها الأخلاق. # الفصل الرابع # | المدارس النظامية # نسبة إلى «نظام الملك»: وزير السلطان ألب أرسلان، وابنه ملكشاه. مكث في الوزارة ~~ثلاثين سنة: عشر منها في سلطنة ألب أرسلان، وعشرون في سلطنة ملكشاه. وقد مات «نظام ~~الملك» قتيلا، ولكن اختلف المؤرخون في سبب قتله: فمنهم من يروي أنه لما أسرف في النفقة ~~على المدارس النظامية، حتى بلغ ما ينفقه على طلبة العلم 600000 دينار في السنة، وشى به ~~بعضهم إلى السلطان ملكشاه، وقالوا: «إن الأموال التي ينفقها نظام الملك في ذلك تقيم ~~جيشا يركز رايته في سور القسطنطينية.» فعاتبه ملك شاه في ذلك فأجابه: «يا بني، أنا شيخ ~~أعجمي، لو نودي علي في من يزيد لم أحفظ خمسة دنانير، وأنت غلام تركي، لو نودي عليك عساك ~~تحفظ ثلاثين دينارا! وأنت مشتغل بلذاتك منهمك في شهواتك، وأكثر ما يصعد إلى الله تعالى ~~معاصيك دون طاعاتك، وجيوشك الذين تعدهم للنوائب، إذا احتشدوا كافحوا عنك بسيف طوله ~~ذراعان، وقوس لا ينتهي مدى مرماها إلى ثلاث مئة ذراع، وهم مع ذلك مستغرقون في المعاصي ~~والخمور والملاهي والمزمار والطنبور، وأنا أقمت لك جيشا يسمى جيش الليل، إذا نامت ~~جيوشك ليلا قامت جيوش الليل على أقدامهم، صفوفا بين يدي ربهم، فأرسلوا دموعهم، ~~وأطلقوا ألسنتهم، ومدوا إلى الله أكفهم بالدعاء لك ولجيوشك، فأنت وجيوشك في خفارتهم ~~تعيشون، وبدعائهم تبيتون، وببركاتهم تمطرون وترزقون.» فقبل ملكشاه وسكت! # نقل هذا جورجي زيدان في كتاب «التمدن الإسلامي» عن كتاب سراج الملوك، ولم يعقب عليه، ~~بل اكتفى بأن ذكر أن «نظام الملك» توفي مقتولا سنة 485ه. # ويذكر غير واحد من المؤرخين أن «نظام الملك» ولى حفيده عثمان بن جمال الملك أعمال ~~مرو، وأرسل السلطان إليها شحنة # 1 # اسمه قودن، وهو من خواصه، فنازع عثمان في شيء. فحملت عثمان حداثة سنه، ~~واعتزازه بجده، على أن قبض على قودن وسجنه، ثم أطلقه، فقصد السلطان ملكشاه مستغيثا ~~شاكيا فاغتاظ السلطان ملكشاه لاستبداد «نظام الملك» وبنيه، وخروجهم على ms014 حدود سلطتهم. ~~وأرسل إلى نظام الملك رسالة يقول فيها: «إن كنت شريكي في الملك، فلذلك حكم، وإن كنت ~~نائبي، فيجب أن تلزم حد التبعية والنيابة، فهؤلاء أولادك قد جاوزوا أمر السياسة وطمعوا، ~~حتى فعلوا ...» إلخ. # فقال نظام الملك لحاملي تلك الرسالة: # قولوا للسلطان: إذا كنت لم تعلم بعد أني شريكك في الملك، فاعلم! فإنك ما نلت ~~هذا الأمر إلا بتدبيري ورأيي، أما تذكر حين قتل أبوك، فقمت بتدبير أمرك، وقمعت ~~الخوارج عليك؛ من أهلك وغير أهلك، وأنت في ذلك الوقت تتمسك بي؟ فلما قدمت ~~الأمور إليك، وأطاعك القاصي والداني أقبلت تنتحل لي الذنوب، وتسمع في الوشايات. ~~قولوا للسلطان: إن دواتي مقترنة بتاجك، فمتى رفعتها رفع، ومتى سلبتها ~~سلب! # ويذكرون أن الرسل اتفقوا على كتمان هذه الرسالة، ولكن كان للسلطان عين من بين أولئك، ~~بلغه ما قال نظام الملك بالحرف الوحد، فغضب السلطان ودس لنظام الملك من قتله بعد ~~ذلك. # والأقرب إلى الصواب ما ذكره الأستاذ محمد (بك) الخضري في محاضراته بالجامعة المصرية ~~من أن نظام الملك قتل بيد أحد الباطنية حين بعث عسكره إلى قلعة الموت، وحصر فيها الحسن ~~بن الصباح، وأخذ عليه الطرق. # وهذا لا ينافي ما نقل من النفرة التي وقعت بين نظام الملك وبين ملكشاه، فإن حسد ~~الخلفاء والسلاطين لوزرائهم معروف، وعلى الأخص في تلك الأيام المظلمة، التي طبعت بطابع ~~الاستبداد وكان الأمر فيها للهوى، والحكم للجبروت! # وقد أكثر الشعراء من رثاء نظام الملك، فمن ذلك قول مقاتل بن عطية البكري: # كان الوزير نظام الملك لؤلؤة # يتيمة صاغها الرحمن من شرف # بدت فلم تعرف الأيام قيمتها # فردها غيرة منه إلى الصدف ~~••• # وكما بنى الفاطميون الجامع الأزهر في أواسط القرن الرابع لتأييد مذهب الشيعة، بنى ~~نظام الملك مدارسه في أواسط القرن الخامس لتأييد مذهب أهل السنة. وهكذا كان المسلمون ~~ينشئون المدارس لتثبيت الملك، كما يفعل الأوروبيون والأمريكيون في هذا الجيل، ولا عيب ~~في ذلك: فالعلم من أمضى الأسلحة في استلال السخائم من الصدور، والسياسة أدهى وأمكر من ~~أن ms015 تغفل مثل هذا السلاح! # وكذلك عني نظام الملك بإنشاء المدارس والرباطات، ليغمر العلماء والزهاد بفضله، فيكون ~~له منهم جرائد شفوية تنشر دعوته في الشام والعراق وخراسان، وهكذا فهم روح العصر فاستغل ~~أهله، حتى ليذكرون أنه كان إذا دخل عليه الأئمة الأكابر لا يقوم لهم، ويجلس في مسنده، ~~وكان له شيخ فقير، إذا دخل إليه يقوم له، ويجلسه في مكانه ويجلس بين يديه، وإنه سئل عن ~~ذلك فقال: إن أولئك إذا دخلوا يثنون علي بما ليس في، فيزيدني كلامهم عجبا وتيها، وهذا ~~يذكرني بعيوب نفسي فأرجع عن كثير مما أنا فيه! # وإذا صحت هذه الرواية فإنها تدل على أن علماء ذلك العصر كانوا أضعف من أن يجهروا ~~بالنهي عن المنكر، وإن الخاصة كانوا لا يأبون سماع النصح من الفقراء والمجاذيب، لأن ~~السياسة كانت تقضي إذ ذاك بمجاملة هذا الصنف من الناس. # ومهما تكن نيات نظام الملك - والله عليم بذات الصدور - فإنه مشكور الصنيع، فقد أكثر ~~من المدارس، ووقف عليها الأوقاف، ورتب للطلبة الجرايات، وبنى لهم الأسواق والمساكن ~~والحمامات، وظلت مدارسه بأوقافها زمنا ليس بالقليل، وتخرج منها كثير من العلماء ~~والأدباء. ~~••• # ولهذه المدارس النظامية فضل على الغزالي، فقد تلقى العلم في مدرسة نيسابور. وتولى ~~التدريس في مدرسة بغداد، وسنعود إلى تفصيل ذلك في غير هذا الباب. # الفصل الخامس # | روح ذلك العصر # 1 # من الصعب تحديد الروح السائد في عصر من العصور، وإنما غاية المؤرخ أن يذكر ~~الشواهد والأمثال، ويستخلص منها ما يرجح أن تكون عليه صورة العصر الذي ~~يدرسه. # وأنا أرجح أن تكون السذاجة هي الصفة الغالبة في ذلك العصر مع شيء من المكر في ~~الأمراء والعلماء. ومن الشواهد الدالة على هذه السذاجة ما ذكره الغزالي في كتابه ~~«المنقذ من الضلال» من أن الناس كانوا يقولون حين ترك المدرسة النظامية ببغداد: ~~إنها عين أصابت الإسلام! وما نقل السبكي من أن أحد معاصريه سمعه يقول: «قطعت علينا ~~الطريق وأخذ العيارون جميع ما معي ومضوا، فتبعتهم، فالتفت إلي مقدمهم وقال: ارجع ~~ويحك وإلا هلكت! ms016 فقلت له: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد علي تعليقتي فقط، ~~فما هي بشيء تنتفعون به، فقال لي: وما هي تعليقتك؟ فقلت: كتب في تلك المخلاة، هاجرت ~~لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها، فضحك وقال: كيف تدعي أنك عرفت علمها، وقد أخذناها ~~منك، فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم؟ ثم أمر بعض أصحابه فسلم إلي المخلاة. قال ~~الغزالي: هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به في أمري، فلما وافيت طوس أقبلت على ~~الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علقته، وصرت بحيث لو قطع علي الطريق لم أتجرد ~~من علمي.» # والسذاجة ظاهرة في هذا الحديث، فمن الواضح أن حفظ الكتب عن ظهر قلب حتى لا تبقى ~~إلى حفظها حاجة، آفة عظيمة في تكوين العقول، فليست قيمة العالم فيما يحفظ، ولكن ~~قيمته في حسن الفهم، وأصالة الرأي، وصواب الحكم. # ومن شواهد السذاجة ما أورده نظام الملك في وصيته # 1 # التي تركها لخلفه من الساسة حيث يقول: # كان الإمام الموفق النيسابوري من جلة علماء خراسان، مبجلا مهيبا، وقد ~~نيف على الخمس والثمانين، وكان السائد في عقيدة أهل زمانه أن كل من قرأ ~~عليه العلوم العربية نبغ فيها، وبلغ الغاية، وانساق إليه العز والجاه، ~~والنعمة والثراء، ولذلك وجهني أبي من بلدة طوس إلى نيسابور مع عبد الصمد ~~الفقيه، لأقرأ على ذلك الأستاذ النابغة الجليل. وهنالك حظيت به، فوشجت ~~بيننا أواصر المودة، وتأكدت عرا الصداقة ولحظني بعين عنايته، وأنزلته من ~~نفسي أخص منزلة وألطفها، ولبثنا على ذلك سنين عدة. وكنت أول ما نزلت به، ~~وجلست في حلقته، لقيت تلميذين في مثل سني، حديثي عهد مثلي بالقراءة على ~~الإمام الموفق. وهما عمر الخيام والحسن بن الصباح، وكانا آيتين في الفطنة ~~والذكاء فأنس كل منا بصاحبيه، ونمت بيننا نحن الثلاثة أحسن صحبة وأمتنها. ~~فكان إذا قام الإمام عن الدرس، وانفضت الحلقة، اجتمعنا فتذاكرنا ما تلقيناه ~~عليه من المعارف. وكان الخيام من أهالي نيسابور، أما الحسن بن الصباح فكان ~~أبوه ناسكا ورعا متقشفا، ولكنه كان زنديقا، فأقبل الحسن يوما ms017 على عمر ~~الخيام فقال له: لقد صح في أذهان الناس قاطبة أنه ليس من تلميذ يتخرج على ~~الإمام الموفق إلا مصيبا عزا وإقبالا وثروة وجاها، فهب أن ذلك لم يتفق ~~لنا نحن الثلاثة جميعا فإنه لا بد أن يقع لواحد منا، فماذا يكون حق ~~الخائبين على ذلك الفائز الظاهر؟ قلنا له: اقترح ما تشاء، فقال: فلنتعاهد ~~الآن على أنه من أصاب منا الثراء فعليه أن يقسمه فيما بيننا نحن الثلاثة ~~على السواء، لا يؤثر نفسه بشيء دون أخويه فأجبنا: ليكن ذلك كما قلت. ثم ~~تحالفنا على ذلك وتعاهدنا، ومرت الأعوام على ذلك، وغادرت خراسان متجولا في ~~فضاء الله، إلى غزنة، ثم إلى كابل، ولما عدت تقلدت منصب الوزارة في سلطنة ~~السلطان ألب أرسلان، وبعد مدة من الزمن عرف ذلك صاحباي. فآتياني يطلبان ~~إنجاز وعدي القديم وإشراكهما فيما انحاز لي من النعمة والثراء. # والذي يعنيني من هذه الحكاية هو أن يكون «السائد في عقيدة أهل ذلك الزمان أن من ~~قرأ العلوم العربية على الإمام الموفق نبغ فيها وبلغ الغاية وانساق إليه العز ~~والجاه» وتلك خرافة لا يسيغها غير ضعاف العقول، وصغار الأحلام، وقد رأيت كيف كان ~~الناس يتداولون «هذه العقيدة» وكيف كان الطلبة يتغنون بها في حلقات الدروس. # وقد رأينا في الفصل السالف كيف من «نظام الملك» على ملكشاه بأن أقام له جيش ~~الليل من العلماء والفقراء، مع أنه لا يصح الدفاع عن العلم بإظهار الحاجة إلى دعوات ~~أهله ودموعهم، فبئس السلاح سلاح الدمع والدعاء. وإنما تحرس الأمم بالعلم في إقامة ~~ما اعوج من الأخلاق وإيقاظ ما خمد من النفوس، وإحياء ما اندرس من آثار ~~العقول. # ومن الشواهد على سذاجة ذلك العصر التحدث بالمنامات والأحلام وهي شارة الارتياب في ~~الواقع، والإيمان بالخيال. # 2 # أما ما كان في ذلك العصر من مكر الأمراء والعلماء، فدلائله كثيرة مبعثرة في الكتب ~~هنا وهناك، ومؤلفات الغزالي شهيدة على ذلك، فكثيرا ما نراه يشن الغارة على العلماء ~~الذين يكثرون الجدل، يتظاهرون بالغيرة على العلم والدين، وهم ms018 في الواقع طلاب جاه، ~~وطلاب مال! # ويمكن الجزم بأن الغزالي يمثل عصره أصدق تمثيل وهو يتحدث عن الأتقياء المزيفين من ~~المتصوفة الذين يخدعون الناس باسم التقى، وهم في أنفسهم أنصار غي وضلال، وإنما قلنا ~~إنه يمثل عصره، لأنه يتكلم في هذه الشئون بحماسة عظيمة، ليست صدى لمطالعاته في ~~المؤلفات القديمة، وإنما هي أثر لغضبته من قوم عاش بينهم، ولقي من مكرهم وريائهم ~~أنواع الشقاء. وقد سبقه المعري بنقد المتصوفة، ولكن المعري كان غير مسموع الكلمة في ~~نقدهم، أما الغزالي فكانت كلمته في ذمهم شديدة الأثر، لأنه صوفي، ولأن تلامذته ~~كانوا عونا له على نشر ما يريد. # وإليك إنموذجا من كلامه عن أصناف المغرورين: ~~«وفرقة منهم عدلوا عن المنهاج الواجب في الوعظ، وهم وعاظ الزمان كافة، ~~إلا من عصمه الله على الندور في بعض أطراف البلاد إن كان ولسنا نعرفه، ~~فاشتغلوا بالطامات والشطح وتلفيق كلمات خارجة عن قانون الشرع والعقل طلبا ~~للإغراب، وطائفة شغلوا بعبارات النكت وتسجيع الألفاظ وتلفيقها، فأكثر همهم ~~الأسجاع والاستشهاد بأشعار الوصال والفراق، وغرضهم أن تكثر في مجالسهم ~~الزعقات والتواجد، ولو على أغراض فاسدة، فهؤلاء شياطين الإنس ضلوا وأضلوا ~~عن سواء السبيل.» ص405 ج3 إحياء. # على أن الغزالي كان بنفسه أداة من أدوات الصوفية، وسترى كيف كان ذلك في غير هذا ~~الباب. # أما مكر الأمراء والملوك فقد كاد ينحصر في ختل العامة وجرهم إلى الحروب باسم ~~الدين، فمن المتعسر أن تجد أمة إسلامية حاربت أختها باسم الملك في دعوة صريحة، بل ~~كانت كل أمة تختص نفسها بالهداية، وترمي غيرها بالمروق، وكانت الجماهير وقودا لنار ~~تلك الفتن في مصر والشام والعراق وخراسان، وغيرها من ممالك المسلمين. ولعن الله ~~الساسة أصحاب الأغراض. # الفصل السادس # | البلدان التي عرفها الغزالي # نريد أن نذكر في هذا الفصل بعض البلدان التي عرفها الغزالي، لصلة ذلك بحياته، ونستثني ~~بغداد، لأنها أشهر من أن تحتاج إلى تعريف، وقد خصها الأستاذ الكبير الدكتور طه حسين ~~بكلمة ممتعة في كتابه ذكرى أبي العلاء، فليرجع إليه من أراد. # ونعتمد ms019 في وصف تلك البلدان على معجم ياقوت # 1 # لقرب مؤلفه من ذلك العصر، ولأنه يتصور تلك المواطن على نحو ما كان يعرفها ~~الناس إذ ذاك. # طوس # مدينة بخراسان، تشتمل على بلدتين يقال لإحداهما الطابران (وهي التي دفن بها ~~الغزالي) وللأخرى توفان، ولهما أكثر من ألف قرية، فتحت في أيام عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه، وبها قبر علي بن موسى الرضا وبها أيضا قبر هارون الرشيد. وقال مسعر بن ~~المهلهل: وطوس أربع مدن، منها اثنتان كبيرتان واثنتنان صغيرتان، وبها آثار أبنية ~~إسلامية جليلة، وبها دار حميد بن قحطبة، ومساحتها ميل في مثله، وفي بعض بساتينها ~~قبر علي بن موسى الرضا وقبر الرشيد، وبينهما وبين نيسابور قصر هائل محكم البنيان، ~~لم أر مثله علو جدران، وإحكام بنيان، وفي داخله مقاصير تحار في حسنها الأوهام، وأزجاج # 2 # وأروقة، وخزائن وحجر للخلوة، وسألت عن أمره فوجدت أهل البلد مجمعين على ~~أنه من بناء بعض التابعة، وأنه كان قصد بلاد الصين من اليمن، فلما صار إلى هذا ~~المكان رأى أن يخلف حرمه وكنوزه وذخائره في مكان يسكن إليه، ويسير متخففا، فبنى ~~هذا القصر وأجرى له نهرا عظيما آثاره بينة، وأودعه كنوزه وذخائره وحرمه، ومضى إلى ~~الصين فبلغ ما أراد، وانصرف فحمل بعض ما كان جعله في القصر، وبقيت له فيه بعض أموال ~~وذخائر تخفى أمكنتها. وصفات مواضعها مكتوبة معه. فلم يزل على هذه الحال تجتاز به ~~القوافل، وتنزل السابلة، ولا يعلمون منه شيئا، حتى استبان ذلك واستخرجه أسعد بن ~~أبي يعفر صاحب كحلان # 3 # لأن الصفة وقعت له. # وقد خرج من طوس عدد كبير من أئمة العلم أشهرهم أبو حامد الغزالي، وخرج منها ~~الوزير «نظام الملك». قال ياقوت: وأهل خراسان يسمون أهل طوس البقر، ولا أدري لم ~~ذلك؟ # وقال رجل يهجو نظام الملك: # لقد خرب الطوسي بلدة غزنة # فصب عليه الله مقلوب بلدته # هو الثور قرن الثور في حر أمه # ومقلوب اسم الثور في جوف لحيته # 4 # وقال دعبل الخزاعي من قصيدة يمدح بها ms020 علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويذكر قبري ~~علي بن موسى والرشيد بطوس: # أربع بطوس على قبر الزكي به # إن كنت تربع من دين على وطر # قبران في طوس: خير الناس كلهم # وقبر شرهم: هذا من العبر # ما ينفع الرجس من قرب الزكي ولا # على الزكي بقرب الرجس من ضرر # هيهات كل امرئ رهن بما كسبت # يداه حقا. فخذ ما شئت أو فذر # وطوس هذه هي موطن الغزالي ومولده، وبها قبره، إلا إن صح ما رواه بعضهم من أنه ولد ~~بقرية تسمى غزالة بالقرب من طوس. وأنا لا أستبعد ذلك، ما دام ياقوت يحدثنا أنه كان ~~لطوس أكثر من ألف قرية. وإذن يكون الغزالي بفتح الزاي لا بتشديدها، على أن في طبقات ~~السبكي ص9 ج4 رجلا آخر يلقب بالغزالي، ولا ضرورة لأن يكون هذا اسما لعائلة قديمة ~~كما ظن الدكتور زويمر، بل يمكن أن يكون كلاهما نسب لتلك القرية الصغيرة: ~~غزالة. # نيسابور # قال ياقوت: هي مدينة عظيمة. ذات فضائل جسيمة. معدن الفضلاء ومنبع العلاء. لم أر ~~فيما طوفت من البلاد مدينة كانت مثلها. ثم قال: ومن الري إلى نيسابور مئة وستون ~~فرسخا. ومنها إلى سرخس أربعون فرسخا، ومن سرخس إلى مرو الشاهجان # 5 # ثلاثون فرسخا. ثم قال: وأكثر شرب أهل نيسابور من قنى تجري تحت الأرض، ~~ينزل إليها في سراديب مهيأة لذلك، فيوجد الماء تحت الأرض، وليس بصادق الحلاوة، ثم ~~قال: وعهدي بها كثيرة الفواكه والخيرات وبها ريباس ليس في الدنيا مثله، تكون ~~الواحدة منه مئا وأكثر، وقد وزنوا واحدة فكانت خمسة أرطال بالعراق، وهي بيضاء ~~صادقة البياض كأنها الطلع، ثم قال: وكان المسلمون فتحوها في أيام عثمان بن عفان رضي ~~الله عنه والأمير عبد الله بن كريز في سنة 31 صلحا. وبنى بها جامعا، وقيل إنها ~~فتحت في أيام عمر رضي الله عنه على يد الأحنف بن قيس، وإنما انتقضت في أيام عثمان ~~فأرسل إليها عبد الله بن عامر ففتحها ثانية. # وقد خرج من نيسابور عدد كبير من ms021 أئمة العلم أشهرهم الحافظ الإمام أبو علي الحسين ~~علي النيسابوري، الذي رحل في طلب العلم والحديث. وعقد له مجلس الإملاء بنيسابور سنة ~~337 وهو ابن ستين سنة وقد توفي سنة 349. # وقد أكثر الشعراء من ذم نيسابور. فمن ذلك قول أبي الحسن الإستراباذي: # لا قدس الله نيسابور من بلد # سوق النفاق بمغناها على ساق # يموت فيها الفتى جوعا وبرهم # والفضل ما شئت من خير وأرزاق # والخبر في معدن الغرثي وإن برقت # أنواره في المعاني غير براق # وقال المرادي يذم أهلها: # لا تنزلن بنيسابور مغتربا # إلا وحبلك موصول بسلطان # أولا فلا أدب يجدي، ولا حسب # يغني، ولا حرمة ترعى لإنسان # وقال معن بن زائدة الشيباني يشكو ليله بنيسابور: # تمطى بنيسابور ليلي وربما # يرى بجنوب الري وهو قصير # ليالي إذ كل الأحبة حاضر # وما كحضور من تحب سرور # فاصبحت أما من أحب فنازح # وأما الألى أقليهم فحضور # أراعي نجوم الليل حتى كأنني # بأيدي عداة سائرين أسير # لعل الذي لا يجمع الشمل غيره # يدير رحى جمع الهوى فتدور # فتسكن أشجان ونلقى أحبة # ويورق غصن للشباب نضير # وفي نيسابور تلقى الغزالي عن إمام الحرمين الفقه والمنطق والأصول حتى برع أنداده، ~~وزملاءه. وتولى في أخريات أيامه التدريس بالمدرسة النظامية في نيسابور مدة يسيرة، ~~رجع بعدها إلى طوس، حيث اتخذ إلى جانب داره مدرسة للفقهاء وخانقاه للصوفية. # جرجان # مدينة مشهورة بين طبرستان وخراسان، فبعض يعدها من هذه وبعض يعدها من تلك، قيل إن ~~أول من أحدث بناءها يزيد بن المهلب بن أبي صفرة. وقد خرج منها عدد من الأدباء ~~والعلماء والمحدثين. ولها تاريخ ألفه حمزة بن يزيد السهمي. قال الأصطخري: أما جرجان ~~فإنها أكبر مدينة بنواحيها، وهي أقل ندى ومطرا من طبرستان، وأهلها أحسن وقارا ~~وأكثر مروءة ويسارا من كبرائهم، وهي قطعتان إحداهما المدينة والأخرى بكراباذ. ~~وبينهما نهر كبير. ولجرجان مياه كثيرة، وضياع عريضة، وليس بالمشرق بعد أن تجاوز ~~العراق مدينة أجمع ولا أظهر حسنا من جرجان. قال ياقوت: وبها الزيتون والنخيل ~~والجوز والرمان وقصب السكر والأترج ms022 وبها إبريسم جيد لا يستحيل صبغه، وبها أحجار ~~كبيرة لها خواص عجيبة، وبها ثعابين تهول الناظر، ولكن لا ضرر لها. # وقد فتحت في سنة 18ه على يد سويد بن مقر، وخرج منها عدد عظيم من العلماء، كانت ~~تشد إليهم الرحال. # وكان بها صنف جيد من الخمر، وفيها يقول ابن خريم: # وصهباء جرجانية لم يطف بها # حنيف ولم يلمم بها ساعة غر # ولم يشهد القس المهيمن نارها # طروقا ولم يحضر على طبخها حبر # أتاني بها يحيى وقد نمت نومة # وقد لاحت الشعرى وقد طلع النسر # فقلت اصطبحها أو لغيري فاهدها # فما أنا بعد الشيب ويحك والخمر # تعففت عنها في العصور التي مضت # فكيف التصابي بعد ما كمل العمر # إذا المرء وفى الأربعين ولم يكن # له دون ما يأتي حياء ولا ستر # فدعه ولا تنفس عليه الذي أتى # وإن جر أسباب الحياة له الدهر # ويذكر ياقوت أن أهل الكوفة كانوا يقولون: من لم يرو هذه الأبيات فهو ناقص المروءة ~~... وذكر أن مسلم بن الوليد صريع الغواني مرض مرض الموت بجرجان، وأنه رأى نخلة لم يكن ~~في جرجان غيرها فقال: # ألا يا نخلة بالسف # ح من أكناف جرجان # ألا إني وإياك # بجرجان غريبان # وإلى جرجان رحل الغزالي ليتلقى العلم عن أبي نصر الإسماعيلي وعلق عنه التعليقة ~~التي حدثتك عما فعل بها العيارون وهو راجع إلى طوس. # دمشق # لو أنك رجعت إلى ياقوت، وقرأت في معجمه أخبار هذه المدينة لرأيت كيف يضل العرب في ~~بيداء الخيال، ولعرفت أن لهم حظا من أساطير الأولين. وهذا الضلال في ذكر من بنى ~~مدينة دمشق يصور لنا منزلتها المقدسة، التي احتلت قبلا رءوس المسلمين: فهم تارة ~~يذكرون أن بانيها هو دماشق بن فاني بن مالك بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام، ~~وتارة أخرى يقولون إنها بنيت على رأس ثلاثة آلاف ومئة وخمس وأربعين سنة من جملة ~~الدهر الذي يقولون إنه سبعة آلاف سنة، وحينا يزعمون أن إبراهيم عليه السلام ولد ~~بعد بنائها بخمس سنين وحينا آخر ms023 يتوهمون أن العازر غلام إبراهيم عليه السلام هو ~~الذي بنى دمشق. # وأغرب من ذلك كله قول ياقوت: وقال أهل الثقة من أهل السير أن آدم عليه السلام كان ~~ينزل في موضع يعرف الآن ببيت أنات، وحواء في بيت لهيا، وهابيل في مقري وكان صاحب ~~غنم، وقابيل في قنينة وكان صاحب زرع، وهذه المواضع حول دمشق. # ووجه الغرابة فيه إخلاده إلى من يسميهم «أهل الثقة» وأين وصل أهل الثقة إلى أخبار ~~آدم ونوح، يا أيها المؤرخ الخطير؟! # وأحب أن أنبه القارئ إلى قيمة الإغراق والغلو في وصف البلاد فإنه نعم الباعث على ~~الرحلة والسياحة، وإن دل على سذاجة الواصفين، وأربعة أخماس الناس يشتاقون إلى رؤية ~~دمشق حين يقرءون أنها كانت مأوى الأنبياء ومصلاهم، وإنه كان بها مسجد إبراهيم وقبر ~~موسى عليهما السلام، وإنه لم توصف الجنة بشيء إلا وفيها مثله! # وكانوا يقولون: «عجائب الدنيا أربع: قنطرة سنجة، ومنارة الإسكندرية، وكنيسة ~~الرها، ومسجد دمشق.» ولهذا المسجد حديث عجيب، فقد ذكروا أن الوليد بن عبد الملك بن ~~مروان لما أراد بناءه جمع نصارى دمشق وقال لهم: إنا نريد أن نزيد في مسجدنا كنيستكم ~~يعني كنيسة يوحنا، ونعطيكم كنيسة حيث شئتم، وإن شئتم ضاعفنا لكم الثمن. فأبوا، ~~وجاءوا بكتاب خالد بن الوليد والعهد، وقالوا: إنا نجد في كتبنا أنه لا يهدمها أحد ~~إلا خنق. فقال لهم الوليد: فأنا أول من يهدمها. فقام وعليه قباء أصفر، فهدم وهدم ~~الناس ثم زاد في المسجد ما أراد. قالوا: ومكث في بنائه تسع سنين يعمل فيها عشرة ~~آلاف رجل! وقال موسى بن حماد البربري: رأيت في مسجد دمشق كتابة بالذهب في الزجاج ~~محفورا فيها سورة # ألهاكم التكاثر * ~~حتى زرتم المقابر # 6 # إلى آخرها، ورأيت جوهرة حمراء ملصقة في القاف، التي في قوله تعالى: # حتى زرتم المقابر # فسألت عن ذلك فقيل ~~لي: إنه كانت للوليد بنت وكانت هذه الجوهرة لها، فماتت فأمرت أمها أن تدفن هذه ~~الجوهرة معها في قبرها، فأمر الوليد بها فصيرت في قاف المقابر من # ألهاكم ms024 التكاثر * حتى زرتم ~~المقابر ~~. ثم حلف لأمها أنه قد أودعها المقابر فسكتت. ونقل الجاحظ ~~في كتاب البلدان عن بعض السلف أنه قال: ما يجوز أن يكون أحد أشد شوقا إلى الجنة من ~~أهل دمشق لما يرونه من حسن مسجدهم. ويقول ياقوت: ومن عجائبه أنه لو عاش الإنسان ~~مائة سنة وكان يتأمله كل يوم لرأى فيه كل يوم ما لم يره في سائر الأيام من حسن ~~صناعاته واختلافها، ثم قال بعد كلام طويل: ولم يزل جامع دمشق على تلك الصورة يبهر ~~بالحسن والتنميق إلى أن وقع فيه حريق في سنة 161 فأذهب بعض حسنه. # وقد أكثر الشعراء من وصف دمشق، فمن ذلك قول أبي المطاع بن حمدان: # سقى الله أرض الغوطتين وأهلها # فلي بجنوب الغوطتين شجون # وما ذقت طعم الماء إلا استخفني # إلى بردى والنيريين حنين # وقد كان شكي في الفراق يروعني # فكيف أكون اليوم وهو يقين # فوالله ما فارقتكم قاليا لكم # ولكن ما يقضى فسوف يكون # وقال الصنوبري: # صفت دنيا دمشق لقاطنيها # فلست ترى بغير دمشق دنيا # تفيض جداول البلور فيها # خلال حدائق ينبتن وشيا # مكللة فواكههن أبهى ال # مناظر في مناظرنا وأهيا # فمن تفاحة لم تعد خدا # ومن أترجة لم تعد ثديا # وقال البحتري: # أما دمشق فقد أبدت محاسنها # وقد وفى لك مطريها بما وعدا # إذا أردت ملأت العين من بلد # مستحسن وزمان يشبه البلدا # يمسي السحاب على أجبالها فرقا # ويصبح النبت في صحرائها بددا # فلست تبصر إلا واكفا خضلا # أو يانعا خضرا أو طائرا مغردا # كأنما القيظ ولى بعد جيئته # أو الربيع دنا من بعد ما بعدا # وقد أغرب الأقدمون في وصف دمشق، ومسجد دمشق، والذي ذكرته في ذلك كاف لما أنا ~~بصدده من صلة الغزالي بهذه المدينة، فقد دخلها في سنة 489 وأقام بها أياما قليلة، ~~ثم عاد إليها بعد ذلك. واعتكف بالمنارة الغربية من الجامع، قال السبكي: واتفق أن ~~جلس يوما في صحن الجامع الأموي وجماعة من المفتين يتمشون في الصحن وإذا بقروي ~~أتاهم مستفتيا، ولم ms025 يردوا عليه جوابا. والغزالي يتأمل. فلما رأى الغزالي أنه ليس ~~عند أحد جوابه، ويعز عليه عدم إرشاده. دعاه وأجابه. فأخذ القروي يهزأ به ويقول: ~~المفتون ما أجابوني. وهذا فقير عامي كيف يجيبني؟ والمفتون ينظرونه فلما فرغ من ~~كلامه معه، دعوا القروي وسألوه: ما الذي حدثك به هذا العامي؟ وكان الغزالي إذ ذاك ~~في زي فقير مجهول، فشرح لهم الحال فجاءوا إليه وتعرفوا به، وسألوه أن يعقد لهم ~~مجلسا، فوعدهم، ثم سافر من ليلته. # وهناك أحاديث كثيرة عن صلته بدمشق يضيق عن ذكرها المقام. وحسب القارئ هذا ~~المقدار. # بيت المقدس # من المواطن التي قدسها العرب والمسلمون، وتركوا أمرها للخيال يصورها كيف شاء، فهم ~~يزعمون أن الله تعالى قال لسليمان بن داود عليهما السلام حين فرغ من بناء بيت ~~المقدس: سلني أعطك، قال يا رب: أسألك أن تغفر لي ذنبي. قال: لك ذلك. قال: يا رب، ~~وأسألك أن تغفر لمن جاء هذا البيت يريد الصلاة فيه، وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولد . ~~قال: لك ذلك. قال: وأسألك من جاء فقيرا أن تغنيه. قال: لك ذلك. قال: وأسألك من جاء ~~سقيما أن تشفيه. قال: ولك ذلك! ويروون عن أبي ذر أنه قال: قلت لرسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أي مسجد وضع على وجه الأرض أولا؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: ~~البيت المقدس، وبينهما أربعون سنة. وينقلون عن كعب أنه قال: معقل المؤمنين أيام ~~الدجال البيت المقدس يحاصرهم فيه حتى يأكلوا أوتار قسيهم من الجوع، فبينما هم كذلك ~~إذ يسمعون صوتا من الصخرة، فيقولون: هذا صوت رجل شبعان، فينظرون، فإذا عيسى بن ~~مريم عليه السلام. فإذا رآه الدجال هرب منه، فيتلقاه بباب لد فيقتله، ويكاد الرواة ~~يتفقون على أنها «عرصة القيامة» ومنها النشر، وإليها الحشر. ويزعمون أن سليمان كان ~~اتخذ في بيت المقدس أشياء عجيبة: منها القبة التي فيها السلسلة المعلقة ينالها صاحب ~~الحق، ولا ينالها المبطل، حتى اضمحلت بحيلة غير معروفة! وكان من عجائب بنائه أنه ~~بنى بيتا وأحكمه وصقله، ms026 فإذا دخله الفاجر والورع تبين الفاجر من الورع، لأن الورع ~~كان يظهر خياله في الحائط أبيض، والفاجر يظهر خياله أسود! وكان أيضا مما اتخذ من ~~الأعاجيب أن ينصب في زاوية من زواياه عصا أبنوس فكان من مسها من أولاد الأنبياء لم ~~تضره، ومن مسها من غيرهم أحرقت يده! قال ياقوت: «وقد وصفها القدماء بصفات إن ~~استقصيتها أمللت القارئ.» فيا ليت شعري ماذا عسى أن تكون تلك الصفات؟ # إنه لا شك في أن كل ما وصف به بيت المقدس ليس إلا صورة لمبلغ المتقدمين من فهم ~~حقائق الأشياء، فليست زيارته بمخرجة أحدا من ذنوبه، ولا براحمة فقيرا من فقره، ~~ولا بمنقذة سقيما من سقمه، كما يزعمون أن الله قال في ذلك، وليس هناك سند يثق به ~~التاريخ عن بناء المسجد الحرام وبناء بيت المقدس بعده بأربعين سنة، كما يتوهمون أن ~~النبي قال ذلك! ولن يأكل المؤمنون أوتار قسيهم من الجوع حين يحاصرهم الدجال في بيت ~~المقدس، ولن يعود عيسى إلى هذا العالم كما يتوهم كثير من الناس، وهب ذلك، فمن ~~يدرينا أن المؤمنين لن يملكوا يومئذ غير القسي والنبال؟ ولا تنس السلسلة التي علقها ~~في القبة سيدنا سليمان، والتي كان ينالها صاحب الحق، ولا ينالها المبطل، فتلك بلا ~~ريب وليدة الخيال! وما عسى أن يكون ذلك البيت الذي كان إذا دخله فاجر ظهر خياله ~~أسود، وإذا دخله الورع ظهر خياله أبيض؟ # اذكر هذه الصورة العجيبة لبيت المقدس، ثم اذكر قول ابن عباس: البيت المقدس بنته ~~الأنبياء وسكنته الأنبياء، ما فيه موضع شبر إلا وقد صلى فيه نبي، أو قام فيه ملك. ~~ثم اذكر ما يزعمون من أن أول شيء حسر عنه الطوفان بيت المقدس، وإن فيه ينفخ في ~~الصور يوم القيامة، وعلى صخرته ينادي المنادي يوم القيامة! # اذكر هذا كله، ثم دعنا نخبرك بأن الغزالي يتمدح في كتابه «المنقذ من الضلال» بأنه ~~كان يرحل إلى بيت المقدس فيدخل الصخرة كل يوم ويغلق بابها على نفسه ويتعبد فيها طول ~~النهار! وإنه انكشف ms027 في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها كما ~~قال. # هذه المواطن التي قدسها الخيال، ووضعت في فضلها الأحاديث، أثرت تأثيرا بينا في ~~حياة الغزالي العقلية، وطبعت نظره إلى العالم بطابع خاص. ولولا خوف الإطالة لوصفنا ~~ما رآه في سياحاته من المشاهد والبقاع، ولكن الرغبة في الإيجاز أرضتنا عن الاكتفاء ~~بأشهر ما عرف من البلاد. # الفصل السابع # | أعيان ذلك العصر # الذي يهمنا من أعيان العصر الذي عاش فيه الغزالي إنما هو ذكر أساتذته لتأثيرهم في ~~تكوين عقله، غير أنه من الحسن أن نذكر طائفة من علماء ذلك العصر لأن في ذلك تصويرا ~~لحركة العقول إذ ذاك. ونكرر ما قلناه من أن الغرض إنما هو أن نقرب للقارئ زمان الغزالي ~~ومكانه، نوعا من التقريب. فأما تحديد اتجاهات الفكر في تلك الآونة، فلا يسعه هذا ~~المؤلف، الذي يراد به درس آراء الغزالي في الأخلاق. # الشهرستاني # هو أبو الفتح محمد بن عبد الكريم المولود سنة 479 والمتوفى سنة 548. تلقى العلم ~~في نيسابور على أبي الحسن علي بن أحمد المدايني، وقد ذكر السبكي بقية أساتذته في ~~ص78 ج4 من طبقاته. ومن أشهر تآليفه كتاب (الملل والنحل) وهو كتاب جيد قال في ~~مقدمته: «وبعد فلما وفقني الله تعالى لمطالعة مقالات أهل العلم من أرباب الديانات ~~والملل، وأهل الأهواء والنحل، والوقوف على مصادرها ومواردها، واقتناص أوانسها ~~وشواردها، أردت أن أجمع ذلك في مختصر يحوي جميع ما تدين به المتدينون، وانتحله ~~المنتحلون، عبرة لمن استبصر، واستبصارا لمن اعتبر.» وقيمة هذا الكتاب ترجع إلى ~~جمعه أكثر الآراء التي عرفها المسلمون لذلك العهد، ومن عيوبه الإيجاز والغموض في ~~أكثر المواطن التي تحتاج إلى البسط والبيان: وقد رماه معاصروه بزيغ العقيدة ~~والمبالغة في نصرة مذهب الفلاسفة. وسترى فيما بعد أن الشك في عقائد أنصار الفلاسفة ~~كان من علامات ذلك الجيل. # الأبيوردي # هو أبو المظفر محمد بن أحمد الأبيوردي، تفقه على إمام الحرمين، وشهد له أهل زمانه ~~بحسن العقيدة - وكذلك كان العلماء دائما في حاجة إلى شهادة عامة لهم بحسن ms028 العقيدة ~~كأنما الدين خرافة يسيغها العام وينكرها الخواص - وكان الأبيوردي يرى نفسه أولى ~~بالخلافة وأحق بها من سواه، وقد جرت له هذه النزعة بلايا كثيرة، اضطر بسببها إلى ~~مفارقة بغداد، فرجع إلى همذان واشتغل بالتدريس والتأليف، ثم توفي مسموما بأصبهان ~~في ربيع الأول سنة 507. # وكان الأبيوردي بارع الشعر، وله في الصبر على أحداث الدهر آيات بينات، ويندر أن ~~نجد أديبا لا يحفظ قوله: # تنكر لي دهري ولم يدر أنني # أعز وأحداث الزمان تهون # فبات يريني الخطب كيف اعتداؤه # وبت أريه الصبر كيف يكون # ومن بديع الشعر أبياته التي يتشوق فيها إلى أحبابه، وقد خلاهم ببغداد: # ألا ليت شعري هل أراني بغيضة # أبيت على أرجائها وأقيل # هواء كأيام الهوى لا يغبه # نسيم كلحظ الغانيات عليل # وعصر رقيق الطرتين تدرجت # على صفحتيه نضرة وقبول # وأرض حصاها لؤلؤ وترابها # تضوع مسكا والمياه شمول # بها العيش غض والحياة شهية # وليلي قصير والهجير أصيل # فقل لأخلائي ببغداد هل بكم # سلو فعندي رنة وعويل # ترنحني ذكراكم فكأنما # تميل بي الصهباء حيث أميل # لئن قصرت أيام أنسي بقربكم # فليلي على ناي المزار طويل # الأرجاني # هو أبو بكر أحمد بن الحسين الأرجاني، ولد حوالي سنة 460ه أصله من شيراز وتولى ~~القضاء بمدينة تستر. وهو من فحول الشعراء وله هذه الآبيات: # سفرت كي نزود الحب منها # نظرة حين آذنت بالتنائي # وأرت أنها من الوجد مثلي # ولها للفراق مثل بكائي # فتباكت ودمعها كسقيط ال # طل في الجلنارة الحمراء # فترى الدمعتين في حمرة اللو # ن سواء وما هما بسواء # خدها يصبغ الدموع ودمعي # يصبغ الخد قانيا بالدماء # خضب الدمع خدها باحمرار # كاختضاب الزجاج بالصهباء # وفي مقدور القارئ أن يرجع إلى كتب الأدب والتاريخ ليعرف من نبغوا في القرن ~~الخامس، فإن الوقوف على آراء أولئك النوابع من أقرب السبل إلى فهم روح ذلك العصر، ~~أما نحن فلا نريد أن نطيل. # الباب الثاني # | في حياة الغزالي # | تمهيد # نريد أن نتكلم بإيجاز عن حياة الغزالي، لأنه لا يعنينا منها غير جانب واحد: وهو حاله ms029 ~~حين وضع مؤلفاته في الأخلاق. # ونحب أن ننبه القارئ إلى أن المصدر الموثوق به إنما هو كتابه «المنقذ من الضلال» فأما ~~الكتب التي ترجتمه فهي في أكثرها موصومة بالمغالاة، لأن الغزالي كما سترى نزل من أهل ~~عصره ومن بعدهم منزلة حملت أكثر مترجميه على تصوره كرجل لا ينبغي لأحد أن يناله بنقد أو ~~تجريح، وإنهم لواهمون. # ولم نستشير التراجم، والمترجم نفسه يتكلم بسذاجة وإخلاص عن تطور حالته العقلية؟ وهي ~~التي تهمنا في هذا الباب. # الفصل الأول # | أسرته # ولد الغزالي من أسرة فارسية، لم يهتم بها التاريخ. وإنه ليكفي أن نعرف شيئا عن أبيه ~~وأخيه، لنعرف الروح السائد في أسرته. # أما أبوه فقد نقل السبكي في طبقات الشافعية: «إنه كان فقيرا صالحا لا يأكل إلا من ~~كسب يده في عمل غزل الصوف ويطوف على المتفقهة ويجالسهم، ويتوفر على خدمتهم، ويجد في ~~الإحسان اليهم، والنفقة بما يمنكه عليهم، وإنه كان إذا سمع كلامهم بكى وتضرع، وسأل الله ~~أن يرزقه ابنا ويجعله فقيها، وإنه كان يحضر مجالس الوعظ، فإذا طاب وقته بكى. وسأل ~~الله أن يرزقه ابنا واعظا.» ص102 ج4. # وقد صار ابنا هذا الفقير فقيهين واعظين، فإن شئت قلت إنها دعوة أجيبت، وإن شئت قلت إن ~~حب هذا الرجل للفقه والوعظ نقل إلى ولديه بطريق الوراثة. # وأما أخوه فقد ذكر غير واحد أنه طاف البلاد وخدم الصوفية في عنفوان شبابه، وصحب ~~المشايخ، واختار الخلوة والعزلة، حتى انفتح له الكلام على طريقة القوم، وإنه خرج إلى ~~العراق، ومالت إليه القلوب، ودخل بغداد وعقد مجلس الوعظ، فظهر له القبول، وازدحم الناس ~~على حضور مجلسه، وأن صاعد بن فارس دون مجالسه ببغداد فبلغت ثلاثا وثمانين. وذكر ابن ~~خلكان أنه كان صاحب كرامات وإشارات، وإنه كان من الفقهاء غير أنه مال إلى الوعظ فغلب ~~عليه. وينقلون أن قارئا قرأ يوما بين يديه # يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله # 1 # فقال شرفهم بياء الإضافة إلى نفسه بقوله يا عبادي ثم أنشد: # وهان ms030 علي اللوم في جنب حبها # وقول الأعادي إنه لخليع # أصم إذا نوديت باسمي وإنني # إذا قيل لي يا عبدها لسميع # ويرون أنه حكى يوما في مجلس وعظه أن بعض العشاق كان مشغولا بحسن صورة معشوقه، وكان ~~هذا موافقا له، فجاءه يوما بكرة وقال له: انظر إلى وجهي فأنا اليوم أحسن من كل يوم. ~~فقال: وكيف ذلك؟ قال: نظرت إلى المرآة فاستحسنت وجهي، فأردت أن تنظر إلي، فقال: بعد أن ~~نظرت إلى وجهك قبلي لا تصلح لي. وهذه الحكاية تمثل اتجاه خاطره نحو الفناء. # ومن كلامه: «من كان في الله تلفه، كان على الله خلفه.» وكان ينصح أخاه أبا حامد ~~الغزالي بقوله: # إذا صحبت الملوك فالبس # من التوقي أعز ملبس # وادخل إذا ما دخلت أعمى # واخرج إذا ما خرجت أخرس # وكان أساتذتنا في الأزهر يقصون علينا أحسن القصص في تأثير هذا الرجل على أخيه، ~~ويضربون لنا بورعه الأمثال، وقد حاولت أن أجد سندا لما يتحدثون به فلم أجد، فعرفت أن ~~أكثر ما عرف عنه إنما هو من صنع الخيال. # ولو أننا أضفنا إلى ما سلف أن الغزالي كان صغيرا حين مات أبوه، وأن الذي كفله مع ~~أخيه هو رجل متصوف من أهل الخير بوصية والده، لعرفنا كيف تعاونت الظروف على أن تصبغ ~~روحه بصبغة صوفية، وكيف أثرت هذه الصبغة على آرائه في الأخلاق. # الفصل الثاني # | مولده ونشأته # ولد الغزالي في طوس سنة 450ه وفيها تلقى ما تفقه به في صباه على أحمد بن محمد ~~الراذكاني، ثم سافر إلى جرجان حيث تلقى طرفا من العلم على الإمام أبي نصر الإسماعيلي ~~وعلق عنه التعليقة - كما كانوا يقولون - ثم رجع إلى طوس وأقام بها ثلاث سنين يراجع ما ~~تلقاه في جرجان، ثم قدم نيسابور حيث يدرس إمام الحرمين في المدرسة النظامية علوم الفقه ~~والمنطق والأصول، فلازمه إلى أن توفي سنة 478ه. ثم خرج إلى المعسكر وهي محلة بالقرب من ~~نيسابور يقيم فيها نظام الملك - وكان إذ ذاك في الثامنة والعشرين من عمره - وكان نظام ms031 ~~الملك قد سمع الثناء على عقله وعلمه وأدبه. فأحضره مجلسه، وكانت منتدى العلماء، فوجدت ~~الفرصة لينشر الغزالي أثمن ما في خزانته من نفائس العلم، وكان من نتيجة ذلك أن برع من ~~كانوا يغشون مجلس نظام الملك وظهر عليهم، فولاه ذلك الوزير رتبة التدريس في مدرسة بغداد ~~سنة 484ه. # ولننظر ماذا يقول عن طلبه للعلم من أوائل حياته العلمية إلى أن نيف على الخمسين: «ولم ~~أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على ~~الخمسين. أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمراته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، ~~وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأقتحم كل ورطة، وأتفحص عقيدة كل فرقة، ~~وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنيا ~~إلا وأحب أن أطلع على بطانته، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل طهارته، ولا ~~فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلما إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية ~~كلامه ومجادلته، ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر صوفيته، ولا متعبدا إلا ~~وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقا معطلا إلا وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب ~~جرأته في تعطيله وزندقته. وقد كان التعطش إلى إدراك حقائق الأمور دأبي وديدني، من أول ~~أمري وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله تعالى وضعها في جبلتي، لا باختياري وحيلتي. حتى ~~انحلت عني رابطة التقليد. وانحسرت عني العقائد الموروثة على قرب عهد بسن الصبا.» # وهذه الفقرة تدلنا على أمرين؛ الأول: أن المذاهب الفلسفية كانت كثيرة الانتشار لذلك ~~العهد، وأن أصحابها كانوا يجتهدون في الدفاع عنها، ويجدون في إذاعتها بين الناس، ~~والثاني: أن الغزالي لم يكن من أولئك الطلبة الأغبياء الذين لا يعرفون غير رأي واحد: ~~يعيشون عليه، ويموتون عليه! بل كان طالب علم بمعنى الكلمة، يعرف أن واجبه يقضي عليه بأن ~~يعلم حقيقة كل نحلة، وكنه كل مذهب، ومقصد كل فرقة، ومرمى كل عقيدة. # وكان أول ما أثار فيه هذه ms032 الرغبة ما رآه من أن صبيان النصارى ينشئون على التنصر، ~~وصبيان اليهود على التهود، وأطفال المسلمين على الإسلام. وكانت هذه الملاحظة الوجيهة ~~باعثا له على أن يشك في دينه حتى يتبين حقيقته - وإن لم يحدثنا عن ذلك - لأنه ما ~~الدليل على أن النصرانية خير من اليهودية، أو أن الإسلام خير من النصرانية، أو أن ~~اليهودية خير من الإسلام، كما يتحدث النصارى والمسلمون واليهود: كل على ما هو بسبيله من ~~تفضيل دينه على غيره من الديانات. # وهنا يصرح الغزالي بأنه انتهى إلى أنه لا قيمة للتقليد، لأنه موجود في كل أمة وفي كل ~~ملة، وإنما القيمة كلها لليقين الذي لو تحدى لإظهار بطلانه من يقلب الحجر ذهبا والعصا ~~ثعبانا لم يورث ذلك فيه شكا، كما أنك لو علمت أن العشرة أكثر من الثلاثة، وقال قائل ~~لا، بل الثلاثة أكبر، بدليل أني أقلب العصا ثعبانا، ثم قلبها وشاهدت ذلك منه، لم تشك ~~بسببه في معرفة أن العشرة أكثر من الثلاثة. # الفصل الثالث # | حياته الروحية # ولكن الغزالي لم يستمر على تلك النزعة الجريئة التي أقنعته بأن لا قيمة لغير اليقين، ~~بل اندفع يحدثنا عن شكوك نرجح أنه لم يكن فيها غير صادق، وأخذ يبين أنه اقتنع أولا بأن ~~اليقين ينحصر في الحسيات والضروريات، ثم رأى أن الحس ليس أهلا للثقة به، لأنك تنظر إلى ~~الظل فتراه واقفا غير متحرك وتحكم بنفي الحركة، ثم تعرف بعد ساعة بالتجربة والمشاهدة ~~أنه متحرك، وأنه لم يتحرك دفعة واحدة، بل على التدريج ذرة ذرة حتى لم تكن حالة وقوف، ثم ~~يذكر الغزالي أنه بعد أن بطلت ثقته بالمحسوسات ولى وجهه شطر العقليات التي هي من جنس ~~الأوليات كقولنا العشرة أكثر من الثلاثة، والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، ~~والشيء الواحد لا يكون حادثا قديما، موجودا معدوما، واجبا محالا. ثم يزعم أن ~~المحسوسات قالت له: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقا بي ~~فجاء حاكم العقل فكذبني، ولولا أن جاء حاكم العقل لكنت ms033 تستمر على تصديقي، فلعل وراء ~~إدراك حاكم العقل حاكما آخر إذا تجلى كذب العقل في حكمه، كما تجلى حاكم العقل فكذب ~~الحس في حكمه، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالته؟ # وهنا يدخل الغزالي في مضايق من شعاب الحدس والتخمين فيتوهم أنه لا يبعد أن يكون هناك ~~حالة فوق اليقظة التي هي بلا شك أثبت من حالة النوم، وتكون نسبة اليقظة إليها كنسبة ~~النوم إلى اليقظة، ثم يتردد في تعيين هذه الحالة فلا يدري أهي الموت الذي تنكشف به ~~حقائق الأشياء لقوله تعالى: # لقد كنت في غفلة من ~~هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد # 1 # أم هي حالة الصوفية: إذ يزعمون أنهم يشاهدون في أحوالهم التي هي لهم أنهم ~~إذا غاصوا في أنفسهم، وغابوا عن أحوالهم وحواسهم، رأوا أحوالا لا توافق ~~المعقولات؟ # ثم يذكر الغزالي أنه عاد إلى قبول الضروريات العقلية، ولكن عودته لم تكن بنظم دليل ~~وترتيب كلام، بل كانت بنور قذفه الله في صدره كما قال. # ونحن لا ننازع الغزالي في أن لله نورا يقذفه في صدور عباده ولكن نسأله: لم لا تكون ~~الأحكام العقلية قبسا من ذلك النور؟ ونسأله كذلك: ما هي حالة المرء الذي ينتظر هذا ~~النور الذي تراه فوق البرهان والدليل؟ # على أن الذي يعنينا قبل كل شيء: هو أن نسجل أن الغزالي وضع مؤلفاته في الأخلاق وهو ~~على هذه الحال. ونرجح أن حياته الروحية ابتدأت بعد توليه التدريس في مدرسة بغداد، ثم ~~لازمته إلى النهاية، كما ستراه. # الفصل الرابع # | فهمه للحياة # ولأجل أن نبين وجهة نظره في أحكامه الأخلاقية، ينبغي أن نعرف كيف كانت صحته وكيف كان ~~مزاجه، وكيف كان فهمه للحياة، حين عني بالتأليف في الأخلاق، فإن معرفة مزاج المؤلف ~~وصحته وفهمه للحياة الاجتماعية، من أهم ما ينبغي تقديمه قبل الشروع في درس ما ترك ~~المؤلفون. # والسند الصحيح لحياة الغزالي هو كتابه «المنقذ من الضلال» فلندعه يصف لنا حياته في ~~عزلته التي دامت نحو عشر سنين، والتي وضع في أثنائها كتاب ms034 الإحياء وهو أهم ما كتب في ~~الأخلاق. # قال بعد كلام طويل: «ثم إنني لما فرغت من هذه العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، ~~وعلمت أن طريقهم إنما يتم بعلم وعمل، وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس والتنزه عن ~~أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله وتحليته ~~بذكر الله، وكان العلم أيسر علي من العمل، فابتدأت بتحصيل علمهم، من مطالعة كتبهم، مثل ~~قوت القلوب لأبي طالب المكي، وكتب الحارث المحاسبي والمتفرقات المأثورة عن الجنيد ~~والشبلي وأبي يزيد البسطامي وغير ذلك من كلام مشايخهم، حتى اطلعت على كنه مقاصدهم ~~العلمية، وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع، وظهر لي أن أخص خواصهم لا ~~يمكن الوصول إليه بالتعلم، بل بالذوق والحال، وتبدل الصفات. فكم من الفرق بين أن يعلم ~~المرء حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما، وبين أن يكون صحيحا وشبعان. وبين أن ~~يعرف حد السكر، وإنه عبارة عن حال تحصل من استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة على معان ~~الفكر، وبين أن يكون سكران، بل السكران لا يعرف حد السكر وهو سكران ما معه من علمه شيء، ~~والصاحي يعرف حد السكر وأركانه وما معه من السكر، والطبيب في حالة المرض يعرف حد الصحة ~~وأسبابها وأدويتها وهو فاقد للصحة، فكذلك فرق بين أن تعرف حقيقة الزهد وشروطه وأسبابه ~~وبين أن يكون حالك الزهد وعزوف النفس عن الدنيا. # فعلمت يقينا أنهم أرباب أحوال، لا أصحاب أقوال، وأن ما يمس تحصيله بطريق العلم فقد ~~حصلته، ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع والتعلم، بل بالذوق والسلوك، وكان قد حصل ~~معي من العلوم التي مارستها، والمسالك التي سلكتها، في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية ~~والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى وبالنبوة وباليوم الآخر: فهذه الأصول الثلاثة من ~~الإيمان كانت قد رسخت في نفسي، لا بدليل معين محرر، بل بأسباب وقرائن وتجاريب لا تدخل ~~تحت الحصر تفاصيلها. وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى وكف ms035 ~~النفس عن الهوى، وإن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار الغرور، ~~والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، وإن ذلك لا يتم إلا ~~بالإعراض عن الجاه والمال والهرب من الشواغل والعوائق، ثم لاحظت أحوالي فإذا أنا منغمس ~~في العلائق وقد أحدقت بي من جميع الجوانب، ولاحظت أعمالي، وأحسنها التدريس والتعليم: ~~فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة، ثم تفكرت في نيتي في ~~التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار ~~الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف هار، وأني قد أشرفت على النار، إن لم أشتغل بتلافي ~~الأحوال، فلم أزل أتفكر فيه مدة وأنا بعد على مقام الاختيار: أصمم العزم على الخروج من ~~بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوما وأحل العزم يوما، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى، لا ~~تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة إلا ويحمل عليها جند الشهوة حملة فيفترها عشية، فصارت ~~شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل! الرحيل! فلم ~~يبق من العمر إلا القليل. وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل ~~رياء وتخييل، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد، وإن لم تقطع الآن هذي العلائق فمتى ~~تقطع؟! # فبعد ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهرب والفرار، ثم يعود الشيطان ويقول: هذه ~~حالة عارضة، وإياك أن تطاوعها فإنها سريعة الزوال، فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه ~~العريض، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمر المسلم الصافي عن منازعة ~~الخصوم، ربما لا تتيسر لك المعاودة. فلم أزل أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي ~~الآخرة قريبا من ستة أشهر. أولها رجب سنة ثمان وثمانين وأربع مئة، وفي هذا الشهر جاوز ~~الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ قفل الله على لساني حتى أعتقل عن التدريس، فكنت ~~أجاهد نفسي أن أدرس يوما تطبيبا لقلوب المختلفين إلي، فكان لا ينطلق لساني بكلمة ولا ~~أستطيعها ألبتة، ms036 ثم أورثت هذه العقلة في اللسان حزنا في القلب بطلت معه قوة الهضم وقضم ~~الطعام والشراب، فكان لا ينساغ لي شربة، ولا تنهضم لي لقمة، وتعدى ذلك إلى ضعف القوى، ~~حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج، وقالوا: هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، ~~فلا سبيل إلى العلاج.» # وإنما نقلت هذه القطعة الطويلة من كتابه «المنقذ من الضلال» لأن الغزالي عندي صادق ~~فيما يحدث عن نفسه، وكلامه خير للباحث من استشارة التراجم المختلفة، ولم نستشير ~~التراجم، والمترجم نفسه يحدثنا عن تطور حالته العقلية؟ # وهل أدل على لون نفسه في ذلك الحين من قوله بعد ما سلف: «ثم لما أحسست بعجزي، وسقط ~~بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي ~~يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد ~~والأصحاب»؟ # ويجب أن نتنبه لهذه الكلمة، فهي كافية في تصوير نفسه، وينبغي أن نعرف أنه نص فيما بعد ~~على أنه دام على هذه الحال عشر سنين، وقد كتب كتبه الأخلاقية وهو في هذه الحال، ولا ~~تسأل كيف ترك بغداد، ولا كيف عاد إلى أهله، فقد رأيت كيف اعتلت صحته، وتغير مزاجه، وكيف ~~سهل على قلبه ترك أولاده، وهو الذي تمدح بأنه كان يصعد منارة مسجد دمشق طوال النهار ~~ويغلق بابها على نفسه، وكان يرحل إلى بيت المقدس فيدخل الصخرة كل يوم ويغلق بابها على ~~نفسه! # على أنه بعد أن عاد إلى أهله (آثر العزلة أيضا حرصا على الخلوة، وتصفية القلب ~~للذكر) كما قال. # وأنا لا أهتم بما ذكر من أنه انكشف له (في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمن إحصاؤها، ~~واستقصاؤها) وإنما يهمني أن أثبت أنه كتب ما كتب في الأخلاق وهو على هذه الحال. # ويتلخص ما سلف في ثلاثة أمور: # الأول: # ما ورثه عن أبيه من نزعته الصوفية. # الثاني: # ما استفاده من وصيته تأييدا لتلك النزعة. # الثالث: # عشر سنين قضاها في العزلة، لها ما لها من الأثر في تكوين نفسه، ms037 ~~وتكييف مزاجه، والتأثير في كتبه. # إذن ليعلم القارئ منذ الآن أن النزعة الغالبة على فهمه للأخلاق إنما هي نزعة الصوفية، ~~وسيرى ذلك مفصلا في عدة مواطن من هذا الكتاب. # الفصل الخامس # | وفاته ورثاؤه # ترك الغزالي بغداد، وقصد البيت الحرام، وأدى فريضة الحج في سنة 489ه ومكث فيها ~~أياما، ثم توجه إلى بيت المقدس فجاور به سنة 488ه بعد أن أناب أخاه عنه في المدرسة ~~النظامية، ثم دخل دمشق مدة، ثم عاد إلى دمشق واعتكف في المنارة الغربية من الجامع، ثم ~~ذهب إلى الإسكندرية وأقام بها مدة، ويقال إنه كان ينوي الرحلة إلى السلطان يوسف بن ~~تاشفين، لما بلغه من عدله، ولكنه لما سمع بموته عاد إلى التجول في الآفاق لزيارة ~~المشاهد والترب والمساجد، كما يقول مترجموه، ثم رجع إلى بغداد وعقد بها مجلس الوعظ، ~~وتكلم بلسان أهل الحقيقة وحدث بكتاب الإحياء. ثم عاد إلى خراسان ودرس بالمدرسة النظامية ~~في نيسابور، ثم رجع إلى طوس واتخذ إلى جانب داره مدرسة للفقهاء وخانقاه للصوفية، ووزع ~~أوقاته على وظائف من ختم القرآن ومجالسة أرباب القلوب، والتدريس لطلبة العلم، وإدامة ~~الصلاة والصيام، إلى أن توفي رحمه الله بطوس يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة ~~505ه قال السبكي: ومشهده يزار بمقبرة الطابران. # قال الزبيدي: ووجدت في كتاب بهجة الناظرين وأنس العارفين للعارف بالله محمد بن عبد ~~العظيم الزموري ما نصه: ومما حدثنا به من أدركنا من المشيخة أن الإمام أبو حامد الغزالي ~~لما حضرته الوفاة أوصى رجلا من أهل الفضل والدين - كان يخدمه - أن يحفر قبره في موضع ~~بيته، ويستوصي أهل القرى التي كانت قريبة إلى موضعه ذلك بحضور جنازته، وأن لا يباشر أحد ~~حتى يصلي ثلاثة نفر من الفلاة لا يعرفون ببلاد العراق، يغسله اثنان منهما ويتقدم الثالث ~~للصلاة عليه بغير أمر ولا مشورة ... فلما توفي فعل الخادم كل ما أمر به، وحضر الناس، فلما ~~اجتمعوا لحضور جنازته رأوا ثلاثة رجال خرجوا من الفلاة، فعمد اثنان منهم إلى غسله، ~~واختفى الثالث ولم يظهر، ms038 فلما غسل وأدرج في أكفانه، وحملت جنازته، ووضعت على شفير قبره، ~~ظهر الثالث ملتفا في كسائه، وفي جانبه علم أسود، معمما بعمامة صوف، وصلى عليه وصلى ~~الناس بصلاته، ثم سلم وانصرف، وتوارى عن الناس، وكان بعض الفضلاء من أهل العراق ممن حضر ~~الجنازة ميزه بصفاته ولم يعرفه، إلى أن سمع بعضهم بالليل هاتفا يقول لهم: إن ذلك الرجل ~~الذي صلى بالناس هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن إسحاق الشريف جاء من المغرب الأقصى من ~~عين النظر، وإن اللذين غسلاه هما صاحباه ... إلخ». # وهذه بالطبع خرافة لفقهاء المتصوفة بعد موت الغزالي، وهي في ذاتها على أن الغزالي لم ~~يمت إلا بعد أن اتفق العامة على صلاحه، فقد رمي بالزندقة في جزء من حياته، ثم عاد في ~~نظر العامة من المكاشفين، حتى ليذكرون أنه أنشأ عند موته هذه القصيدة: # قل لإخوان رأوني ميتا # فبكوني ورثوني حزنا # أعلى الغائب منا حزنكم # أم على الحاضر معكم ههنا # أتخالوني بأني ميتكم # ليس ذاك الميت والله أنا # أنا في الصدر وهذا بدني # كان جسمي وقميصي زمنا # وهي طويلة تجدها ضمن مجموعة مخطوطة نمرة 121 تصوف بدار الكتب المصرية. وهي كذلك مما ~~لفقه أصحابه بعد موته، وما أكثر ما زور باسمه من الآثار!! # ونقل ابن الجوزي في «كتاب الثبات عند الممات» عن أحمد أخي الغزالي أنه قال: «ولما كان ~~يوم الاثنين وقت الصبح توضأ أخي أبو حامد وصلى، وقال علي بالكفن، فأخذه وقبله ووضعه على ~~عينيه، وقال: سمعا وطاعة للدخول على الملك، ثم مد رجليه واستقبل القبلة، ومات قبل ~~الإسفار.» # وسبحان من تفرد بالبقاء. # وقد رثاه الأبيوردي بقوله: # بكى على حجة الإسلام حين ثوى # من كل حي عظيم القدر أشرفه # فما لمن يمتري في الله عبرته # على أبي حامد لاح يعنفه # تلك الرذيلة تستوهي قوى جلدي # فالطرف تسهره والدمع تنزفه # فما له خلة في الزهد منكرة # وما له شبهة في العلم تعرفه # مضى، وأعظم مفقود فجعت به # من لا نظير له في الناس يخلفه # وقال في ms039 رثائه القاضي عبد الملك المعافى: # بكيت بعيني ثاكل القلب واله # فتى لم يوال الحق من لم يواله # وسيبت دمعا طالما قد حبسته # وقلت لجفني واله ثم واله # ونحن - في جملة من انتفع بمؤلفات الغزالي - نسأل الله أن يرحمه رحمة واسعة، وأن يجزيه ~~أحسن الجزاء على ما قدم في سبيل العلم والدين من صادق الجهود، وأن يتجاوز عن سيئاته ~~بمنه وكرمه إنه نعم المولى ونعم النصير، وهو بالمؤمنين رءوف رحيم. # الباب الثالث # | في المنابع التي استقى منها الغزالي # | تمهيد # يذكر مؤرخو الفلسفة أن سقراط هو أول من بدأ بالتفكير في الإنسان وما يتعلق به، وأنه ~~أول من قال: اعرف نفسك بنفسك. ولعلهم يريدون أنه أول من بحث في الإنسان بحثا منظما من ~~حيث واجبه نحو نفسه، ونحو شركائه في الاجتماع، على أن يكون ذلك علما ذا قواعد ~~وأصول. # أما البحث في أن بعض الأعمال شر، وبعضها خير، وشيء منها نافع، وشيء منها ضار، فهو ~~قديم سبق سقراط بأجيال. # فالأمة العربية التي ورث الغزالي وورث أساتذته آدابها القديمة، كانت تقول الشعر ~~والنثر في تهذيب الأخلاق، فمن الواضح أن قول بعض الأعراب في وصية ابنه «المنية ولا ~~الدنية» فيه ضرب من التهذيب الفردي، وقول أحدهم في حض الجيش على صدق اللقاء «الطعن في ~~النحور أكرم من الطعن في الظهور» فيه نوع من تقديم المحاربين، لأن الأخلاق لا تعرف ~~موطنا بعينه، وإنما تتبع الرجل في كل حال. # وكذلك قول أكثم بن صيفي: «العقل راقد، والهوى يقظان، والشهوات مطلقة، والحزم معقول. ~~والمستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل. أصبح عند رأس الأمر أحب إلي من أن أصبح عند ~~ذنبه. لم يهلك من مالك ما وعظك. نفاذ الرأي في الحرب أجدى من الطعن والضرب. التقدم قبل ~~التندم. ويل لعالم أمر من جاهله. يتشابه الأمر إذا أقبل، فإذا أدبر عرفه الكيس ~~والأحمق.» في هذه الكلمات كثير من الآداب الاجتماعية، وهي جزء من علم الأخلاق. # ونجد شعراء الجاهلية والإسلام ضربوا بسهم في معرفة الطبائع البشرية، فنرى في شعرهم ~~شيئا ms040 عن أثر الوراثة، وأثر الرفقة، وأثر الجوار، إلى غير ذلك من المعاني التي بسطها ~~الفلاسفة حين تكملوا في الأخلاق. فقول ذي الأصبع العدواني: # كل امرئ صائر يوما لشيمته # وإن تخلق أخلاقا إلى حين # يماثل بعض المذاهب الأخلاقية. # وقول مسكين الدارمي: # وفتيان صدق لست مطلع بعضهم # على سر بعض غير أني جماعها # لكل امرئ شعب من القلب فارغ # وموضع نجوى لا يرام اطلاعها # يطلون شتى في البلاد وسرهم # إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها # يماثل ما يضعه الفلاسفة في الآداب الفردية. # ويمكننا أن نعد المدح والهجاء من علم الأخلاق، لأن المدح في الغالب تصوير للفضائل، ~~والذم تمثيل للرذائل، ووصف الفضائل والرذائل مما يعنى به علم الأخلاق. # فقول قعنب بن ضمرة: # إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا # عني وما سمعوا من صالح دفنوا # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به # وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا # جهلا علينا وجبنا عن عدوهم # لبئست الخلتان الجهل والجبن # هذا هجاء، ولكن فيه تصويرا لبعض الصفات الذميمة التي يعنى بحربها علم ~~الأخلاق. # وقول حسان بن ثابت: # أصون عرضي بمالي لا أدنسه # لا بارك الله بعد العرض في المال # أحتال للمال إن أودى فأجمعه # ولست للعرض إن أودى بمحتال # هذا فخر، ولكن فيه تصوير لفضيلة من كرائم الفضائل الإنسانية. # ولا تنس الحكم التي فاضت بها النفوس العربية، فأي كلام أكرم وأمتع من قول وابصة ~~الأسدي: # أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه # كأن به عن كل فاحشة وقرا # سليم دواعي الصدر لا باسطا أذى # ولا مانعا خيرا ولا قاتلا هجرا # إذا شئت أن تدعي كريما مكرما # أديبا ظريفا عاقلا ماجدا حرا # إذا ما أتت من صاحب لك زلة # فكن أنت محتالا لزلته عذرا # غنى النفس ما يكفيك من سد خلة # فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا # والقرآن؟ # في القرآن تحليل دقيق لنزعات النفوس، وخلجات القلوب، وفيه حل لأكثر المشاكل الأخلاقية ~~التي شقي في حلها الحكماء؛ ففيه أدب الرجل مع ربه، ومع نفسه، ومع زوجه، ومع آبائه، ومع ~~أبنائه، ومع إخوانه، ومع ms041 أصدقائه، ومع أعدائه، ويندر أن تجد مشكلة خلقية لم يعن بحلها ~~القرآن. وفي الحديث توضيح وتتميم لما في الكتاب العزيز، ويكفي أن تنظر فيما يخص الأدب ~~من كتب السنة لتعرف صدق ما نقول. # وبعدما جاء في خطب العرب وشعرها، وما جاء في القرآن والحديث، وضعت كتب خاصة للسير ~~والسلوك، من أقدمها كليلة ودمنة، الذي ترجمه ابن المقفع عن الفارسية، وقفاه بكتابيه ~~الأدب الكبير والأدب الصغير، ووضعت أبواب مطولة في كتب الفقه عن آداب الزواج، ومعاملة ~~الرقيق، ومعاملة المحاربين، وما إلى ذلك مما يهتم به الناس في الحرب والسلم، ويبنى عليه ~~الاجتماع. # لم كانت المقامات والخطب المنبرية، التي أودعها الأدباء والمصلحون آراءهم في تهذيب ~~النفوس، وتلطيف الطبائع. # كل ما قدمته كان ينبوعا صافيا ينهل منه الغزالي ويعمل وهو يضع مؤلفاته في الأخلاق، ~~وقد تبينت أحكامه، فرأيته لا يضع حكما إلا وقد اقتبسه من حكمة، أو مثل، أو بيت من ~~الشعر، أو آية، أو حديث، أو أثر، إلى غير ذلك مما قرأه بنفسه أو سمعه من أساتذته، ولقد ~~حاولت أن أرجح كل حكم لأصله، ولكني رأيت في ذلك منافاة للإيجاز، وهو شرط هذا ~~الكتاب. # على أن الغزالي مع ترسمه لما سبقه من الآثار الأدبية لم يخل من حرية الفكر، والميل ~~إلى التجديد، فقد خرج على الأشعري في بعض آرائه، وخالف الشافعية في بعض ما يقولون به، ~~ولكنه على كل حال يساير المتقدمين، ولا يخالفهم - حين يخالفهم - إلا برفق واحتياط، كما ~~يفعل الحذر الهيوب. # الفصل الأول # | المصادر الفلسفية # درس الغزالي الفلسفة، ولكنه درسها بنية سيئة، درسها ليسبر غورها، ثم ينشر مساوئها في ~~العالمين! # وقد درسها بنفسه، ولم يتتلمذ لأستاذ، فكان ذلك داعية لهذا البغض العميق، الذي جعله ~~ينسى الفلاسفة، ولم يذكرهم إلا بسوء في كتبه الأخلاقية، ولو أنه تلقاها على أستاذ تلقي ~~الفقه والتصوف والتوحيد، لرجونا أن تخف حدته كلما وجد الفرصة سانحة ليسلق الفلاسفة ~~بلسان حديد. # 1 # ذلك بأن الأساتذة ينتصرون لعلومهم، ويؤثرون في تلامذتهم أثرا غير قليل، وأثر ~~المتصوفة من أساتذة ms042 الغزالي واضح كل الوضوح فيما صبغت به آراؤه الدينية ~~والأخلاقية. # ولكن هل نجا الغزالي من محاكاة الفلاسفة حين كتب في الأخلاق؟ وإن نظرة في تقسيم ~~الفضائل، وطرائق كسبها، وتنويع الرذائل، ووسائل الخلاص منها، لترينا مبلغ محاكاته ~~للفلاسفة الذين كتبوا في الأخلاق، والآداب الاجتماعية. # وإنك لتضحك بملء فيك حين تراه يقول في كتابه «المنقذ من الضلال»: ~~«وأما السياسات فجميع كلامهم فيها يرجع إلى الحكم المصلحية المتعلقة بالأمور ~~الدنيوية السلطانية، وإنما أخذوها من كتب الله المنزلة على الأنبياء، ومن الحكم ~~المأثورة عن سلف الأولياء، وأما الخلقية فجميع كلامهم فيها يرجع إلى حصر صفات ~~النفس وأخلاقها، وذكر أجناسها وأنواعها، وكيفية معالجتها ومجاهدتها، وإنما ~~أخذوها من كلام الصوفية، وهم المتألهون المثابرون على ذكر الله، وعلى مخالفة ~~الأهواء، وسلوك الطريق إلى الله بالإعراض عن ملاذ الدنيا، وقد انكشف لهم في ~~مجاهداتهم من أخلاق النفس وعيوبها وآفات أعمالها ما صرحوا به، فأخذه الفلاسفة ~~ومزجوه بكلامهم، توسلا بالتجمل به إلى ترويج باطلهم.» ص16. # وقد لحظ الغزالي أن هذه الدعوى العريضة قد تقبل إذا وجهت إلى فلاسفة الإسلام، فقد ~~قرأوا القرآن، وعرفوا منه أشياء من حكم الأنبياء والمرسلين، وقرأوا للصوفية كثيرا من ~~الحكم والأمثال، ولكن هذه الدعوى قد تظهر باطلة إذا وجهت إلى فلاسفة اليونان، فانظر ~~ماذا يقول في ذلك: ~~«ولقد كان في عصرهم، بل في كل عصر، جماعة من المتألهين لا يخلي الله تعالى ~~العالم منهم، فإنهم أوتاد الأرض، ببركاتهم تنزل الرحمة إلى أهل الأرض.» ~~ص17. # فعلى هذا لا فضل لسقراط، ولا أفلاطون، ولا أرسططاليس فيما وفقوا إليه، حين كتبوا في ~~الأخلاق، وإنما الفضل لأولئك «الأوتاد» الذين شرفت بهم بلاد اليونان منذ آلاف السنين ~~ولا أدري ماذا يفعل الغزالي إذا أقسم الأغارقة بالله جهد أيمانهم أنه لم يكن لهم إله ~~واحد وإنما كان لهم ألف إله وإله، بل كان من آلهتهم من يحض على اللذة، ويمهد للفسق ~~السبيل! # إنه لا شك في أن الغزالي استقى من المنابع الفلسفية، في كل ما كتب عن الأخلاق، وغاية ~~الأمر أن ms043 وجهة الدين، ووجهة التصوف، غلبتا عليه، وصورتا آراءه بصورة دينية، تبدو للنظرة ~~الأولى وكأنها لا تمت للفلسفة بسبب، ولا تأخذ منها بنصيب، وهي في الواقع متأثرة بما ~~للفلسفة من أصول. # وإنه لا حرج علينا في أن نقرر أن الغزالي أصلى الفلسفة نار العقوق فقد كانت سبب ~~حصافته، وذيوع صيته، ثم أطمع فيها العامة، ومكن الجهال من تصغير الحكماء، وليس تكفيره ~~لابن سينا والفارابي بالأمر الهين، وإن فعلته تلك لتحسب بذرة هذه التقاليد الممقوتة ~~التي يعانيها المفكرون الأحرار، في جميع الأقطار الإسلامية، منذ حين! # إخوان الصفا # جمعية شبه سرية. اجتمعت في البصرة في منتصف القرن الرابع. وإنما كانت سرية لكره ~~عامة الناس الفلسفة إذ ذاك. وكان غرض هذه الجمعية نشر المعارف التي يرونها صحيحة في ~~جميع الأقطار الإسلامية، فقد كانوا يرون: «إن الشريعة قد دنست بالجهالات، واختلطت ~~بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة، لأنها حاوية للحكمة ~~الاعتقادية، والمصلحة الاجتهادية.» وقد ألفوا إحدى وخمسين رسالة ضمنوها خلاصة ~~العلوم المعروفة لعهدهم، وقالوا في أول هذه الرسائل: «إن الحكماء الفلاسفة الذين ~~كانوا قبل الإسلام تكلموا في علم النفس، ولكنهم لما طولوا الخطب فيها، ونقلوها من ~~لغة إلى لغة، من لم يكن قد فهم معانيها حرفها وغيرها، حتى انغلق فيها فهم معانيها. ~~ونحن قد أخذنا لب معانيها، وأقصى أغراضهم فيها، وأوردناها بأوجز ما يمكن من الألفاظ ~~في إحدى وخمسين رسالة». # وقد نقل الأستاذ أحمد أمين عن مكدونالد أن بعض الباحثين ظن أن هذه الجمعية جمعية ~~باطنية، لما بين ما يجيء فيها أحيانا وبين تعاليم الباطنية من التطابق، وقد عثر ~~المغول عند فتحهم قلعة الموت على كثير من نسخ رسائل إخوان الصفا. # 2 # وذكر الأستاذ الكونت دي جلارزا في محاضراته بالجامعة المصرية أن أحد إخوان الصفا ~~وهو أبو حيان التوحيدي المتوفى نحو سنة 389ه كان يقول: «إن الشريعة لم تكن كاملة، ~~بل فيها غلطات وجب إصلاحها بواسطة الفلسفة». # ورسائل إخوان الصفا تحتاج إلى درس طويل لمعرفة ما فيها من الأغراض الفلسفية، ~~والدينية، والسياسية، ويكفي ms044 أن يعرف القارئ أن الغزالي اطلع على هذه الرسائل، ~~واستفاد منها، وإن صب على أصحابها جام سخطه وغضبه، لأن استفادة المرء من كتاب لا ~~تتوقف على حبه لصاحبه، بل صرح الغزالي بأنه أقبل في أول حياته العلمية على درس ما ~~عرف لعهده من المذاهب والآراء. # الفارابي # هو أبو نصر محمد بن طرخان. وهو فارسي من بلدة تسمى فاراب من بلاد خراسان، جاء إلى ~~بغداد. وأخذ علم المنطق عن أبي بشر متى بن يونان النصراني الذي توفي سنة 328ه، ثم ~~انتقل إلى مدينة حران وتعلم بها الفلسفة، وعاد بعد ذلك إلى بغداد، ثم رحل إلى دمشق ~~وأقام بها أيام سيف الدولة بن حمدان. # قال سلطان (بك) محمد في محاضراته بالجامعة المصرية: «وهو في مقدمة الفلاسفة ~~الإسلاميين الذين طالعوا كتب أفلاطون وأرسطو ووقفوا على أغراضها، وأحسنوا فهمها، ~~يدل لذلك ما حكاه الشيخ الرئيس من أنه عرف غوامض الفلسفة، ووقف على مقاصدها، ~~واستظهر القسم الإلهي منها ولم يقف على حقيقة أغراضه ومباحثه، فسئمته نفسه. وكان ~~ذات يوم لدى الوراقين ومر عليه دلال كتب، وبيده مجلد، وقال له: اشتر هذا. فلما علم ~~أنه في الفلسفة الإلهية، قال لا حاجة لي به. فقال له الدلال: إن صاحبه محتاج إلى ~~بيعه، ويطلب به ثمنا قليلا. وأبيعكه بثلاثة دراهم. قال فأخذته ووجدته تأليف أبي ~~نصر الفارابي، فلما قرأته وقفت منه على أغراض ذلك العلم وفهمته بعد أن مللت ~~الاشتغال به ويئست من فهم أغراضه». # وكان معشوق الفارابي من فلاسفة اليونان أرسطو، حتى قيل إنه وجد كتاب النفس لأرسطو ~~وعليه بخط الفارابي: «إني قرأت هذا الكتاب مائة مرة» ولكثرة شرحه لآراء الفلاسفة ~~لقب بالمعلم الثاني كما لقب أرسطو بالمعلم الأول. وسئل: أنت أعلم أم أرسطو؟ فقال: ~~لو أدركته لكنت أكبر تلاميذه. وتوفي الفارابي رحمه الله سنة 339ه وهو يناهز ~~الثمانين. # وللفارابي آثار كثيرة عدا عليها الفناء، ومن مؤلفاته الباقية «آراء أهل المدينة ~~الفاضلة» وهو يحاكي فيه جمهورية أفلاطون. # وقد انتفع الغزالي بمؤلفاته، وإن حكم بكفره مجازفة وبلا دليل. ms045 # ابن سينا # هو الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا أشهر فلاسفة المسلمين، توفي ~~سنة 428ه وسنه 58 سنة. وكان من أمهر الأطباء وكتابه «القانون» كان العمدة في الطلب ~~في القرون الوسطى عند الشرقيين والغربيين. وقد عني العرب ببسط آرائه الفلسفية، ~~وبشرح ما دون في الأخلاق، وطبائع النفوس. # ولا ريب في أن الغزالي انتفع بمصنفاته، وإن جازاه جزاء سنمار حيث حكم بكفره، ~~مجاراة للعامة، وطاعة للهوى؛ # وسيعلم الذين ظلموا ~~أي منقلب ينقلبون ~~. # ابن مسكويه # ومن الفلاسفة الذين انتفع الغزالي بآرائهم في الأخلاق ابن مسكويه: أبو علي أحمد ~~بن محمد المتوفى سنة 421ه. وهو من فلاسفة المسلمين وله عدة كتب في الأخلاق، أشهرها ~~كتابه المسمى: «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق»، وهو يقع في 185 صفحة، ويقول في ~~مقدمته: «غرضنا في هذا الكتاب أن نحصل لأنفسنا خلقا تصدر به عنا الأفعال كلها ~~جميلة، وتكون مع ذلك سهلة علينا لا كلفة فيها ولا مشقة، ويكون ذلك بصناعة وترتيب ~~تعليمي، والطريق في ذلك أن نعرف أولا نفوسنا ما هي وأي شيء هي، ولأي شيء أوجدت ~~فينا، وما قواها وملكاتها التي إذا استعملناها على ما ينبغي بلغنا بها هذه الرتبة ~~العلية ... إلخ». # وابن مسكويه هذا ينقل عن الفلسفة اليونانية بطريقة صريحة، لا لف فيها ولا مداراة، ~~فهو من مجددي فلسفة اليونان مع الحرص بقدر ما يمكن على موافقة الشريعة الإسلامية، ~~وكتابه الذي نوهنا عنه له أثر كبير في تكوين الغزالي من الوجهة العقلية، وقد هممت ~~بوضع مقارنة بين كتابه ذاك وبين كتاب الإحياء، ثم رأيت أن هذا باب إذا أطلته طال، ~~واستنفد وقتا أنا محتاج إليه في غيره من الأبواب، فلأكتف ببعض فقرات نقلها الغزالي ~~عن ابن مسكويه نقلا يشبه أن يكون حرفيا، من غير أن ينوه بالكتاب الذي نقل عنه، ~~وما أدري أكان ذلك مقصودا أو غير مقصود، ولكنه على كل حال دليل على تأثر الغزالي ~~بمؤلفات ابن مسكويه، وإلى القارئ البيان: ~~(1) # يقول ابن مسكويه: «ومن انخدع عن هذه الموهبة السرمدية الشريفة ms046 بتلك ~~الخساسات التي لا ثبات لها فهو حقيق بالمقت من خالقه عز وجل، خليق ~~بتعجيل العقوبة، وراحة العباد والبلاد منه». # ويقول الغزالي: «من انفك عن هذه الجملة كلها، واتصف بأضدادها، استحق ~~أن يخرج من بين البلاد والعباد». ~~(2) # يقول ابن مسكويه: «إن أول ما ينبغي أن يتفرس في الطفل ويستدل به على ~~عقله: الحياء، فإنه يدل على أنه قد أحس بالقبيح، ومع إحساسه به يحذره ~~ويتجنبه، فإذا نظرت إلى الصبي فوجدته مستحييا مطرقا بطرفه إلى الأض، ~~غير وقاح الوجه، ولا محدق إليك، فهو أول دليل نجابته، والشاهد لك على ~~أن نفسه قد أحست بالجميل والقبيح، وهذه النفس مستعدة للتأديب، صالحة ~~للعناية، لا يجب أن تهمل ولا تترك». # ويقول الغزالي: «ومهما رأى مخايل التمييز فينبغي أن يحسن مراقبته، ~~وأول ذلك ظهورا أوائل الحياء، فإنه إذا كان يحتشم ويستحيي ويترك بعض ~~الأفعال فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه، حتى يرى بعض الأشياء ~~قبيحا ومخالفا للبعض، فصار يستحيي من شيء دون شيء والصبي المستحي لا ~~ينبغي أن يهمل بل يستعان على تأديبه بحيائه وتمييزه». ~~(3) # يقول ابن مسكويه: «إن نفس الصبي ساذجة، لم تنتقش بعد بصورة، وليس لها ~~رأي ولا عزيمة تميلها من شيء إلى شيء». # ويقول الغزالي: «والطفل أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ~~ساذجة خالية من كل نقش وصورة». ~~(4) # يقول ابن مسكويه: «ويعلم أن أولى الناس بالملابس الملونة والمنقوشة ~~النساء اللواتي يتزين للرجال، ثم العبيد والخول، وإن الأحسن بأهل النبل ~~والشرف من اللباس البياض وما أشبهه حتى يتربى على ذلك. ويسمعه من كل من ~~يقرب منه، ويكرر ذلك عليه». # ويقول الغزالي: «ويحبب إليه من الثياب البيض دون الملون ويقرر عنده ~~أن ذلك شأن النساء والمخنثين، وإن الرجال يستنكفون منه، ويكرر ذلك ~~عليه». ~~(5) # يقول ابن مسكويه: «ولا يترك لمخالطة من يسمع منه ضد ما ذكرته، لا ~~سيما من أترابه. ومن كان في مثل سنه ممن يعاشره أو يلاعبه. وذلك أن ~~الصبي في ابتداء نشأته يكون على الأكثر قبيح الأفعال. إما كلها وإما ms047 ~~أكثرها. فإنه يكون كذوبا. ويخبر ويحكي ما لم يسمعه ولم يره. ويكون ~~حسودا سروقا نماما لجوجا ذا فضول». # ويقول الغزالي: «ويحفظ الصبي عن الصبيان الذين عودوا الرفاهية، ~~فإن الصبي مهما أهمل خرج في الأغلب رديء الأخلاق كذابا حسودا سروقا ~~نموما لجوجا ذا فضول». # وبين العبارتين فرق صغير، وعبارة الغزالي أدق، لأنها تعلق فساد الطفل ~~على إهمال تربيته وتأديبه. ~~(6) # يقول ابن مسكويه: «ثم يطالب بحفظ محاسن الأخيار والأشعار التي تجري ~~مجرى ما تعوده بالأدب، ويحذر النظر في الأشعار السخيفة وما فيها ذكر ~~العشق وأهله، وما يوهم أصحابها أنه ضرب من الظرف ورقة الطبع، فإن هذا ~~الباب مفسدة للأخلاق». # ويقول الغزالي: «ثم يشتغل في الكتب: فيتعلم القرآن وأحاديث الأخبار، ~~وحكايات الأبرار، ويحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله، ويحفظ ~~من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظروف ورقة الطبع، فإن ذلك ~~يغرس في قلوب الصبيان بذور الفساد». # ولئن قال قائل إن هذه آراء فطرية، لا تصلح مثالا للنقل والمحاكاة، فإني أجيبه ~~بأن موافقة الغزالي لابن مسكويه في بعض الأبواب موافقة تكاد تكون تامة، تدل على ~~الأقل على أنه صدى لمن قبله، وأن نصيبه من الإبداع قليل . # الفصل الثاني # | منبع الصوفية # وما زال الغزالي يكرع من مناهل الصوفية حتى روي، ثم اندفع يحدث الناس بما يفهمون وما ~~لا يفهمون من أصول السلوك وقد صرح في كتاب الميزان، والأربعين، والإحياء، بحدبه على ~~الصوفية، ورفقه بهم، وإشفاقه عليهم. بل أظهر تبعيته لهم، ونسبته إليهم، ثم أخذ يحن ~~إليهم حنين الغريب إلى دياره! # وانظر قوله في منهاج العابدين: # وإن اللمعة التي تظهر منا الآن ليست إلا ممن بقي على منهاج أسلافنا وشيوخنا ~~المتقدمين كالحارث المحاسبي، ومحمد بن إدريس الشافعي، والمزني، وحرملة، وغيرهم ~~من أئمة الدين، رحمهم الله أجمعين. فهم كما قال القائل: # وما صحبوا الأيام إلا تعففا # وما وجدوا من ~~حب سيدهم بدا # أفاضل صديقون أهل ولاية # إلى سيد السادات قد ~~جعلوا القصدا # تحلل عقد الصبر من كل صابر # وما حلت الأيام ~~من عقدهم ms048 عقدا # وكنا في الصدر الأول ملوكا فصرنا سوقة، وكنا فرسانا فصرنا رجالا، وليتنا ~~لا ننقطع عن الطريق. والله المستعان على المصائب، وهو المسؤول أن لا يسلبنا هذا ~~الرمق، إنه جواد كريم، منان رحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ص96 ~~و97. # فهل رأيت تحرقا أمر من هذا وألذع؟ # أصل التصوف # وهذا التصوف الذي يترسم الغزالي آثار أصحابه ليس في جملته مما تدعو إليه الشريعة ~~الإسلامية، وإنما هو مزيج من عدة مذاهب هندية وفارسية ويونانية، نقلت إلى المسلمين، ~~وصادفت هوى في نفوس الزاهدين منهم، فوسموها اسم الدين، ووضعوا لها على حسابه ~~القواعد والأصول. # ويمكن الحكم بأن ما في التصوف من الدعوة إلى طهارة الباطن، وحب الخير، وبغض الشر، ~~وما إلى ذلك مما يتعلق بخلوص النفس البشرية من خبيث الصفات، يرجع في جوهره إلى روح ~~الإسلام، أما ما يختص بقطع العلائق مع الناس، والتزهيد في الحياة، فهو بعيد عن روح ~~الدين، لأن الإسلام دين فتح وسيطرة، وهو يعد معتنقيه لأن يكونوا سادة، بخلاف التصوف ~~فإنه يلبس أصحابه أرواح العبيد. # أنفاس الصوفية # وإنك لترى الغزالي يحاكي الصوفية في أنفاسهم وخطرات قلوبهم ويسايرهم خطوة خطوة في ~~ذم الناس، وشكوى الزمان ، وأظهر ما يكون هذا في ذم الأتقياء المزيفين، وسترى أنه في ~~كتبه الأخلاقية قد أشرب حب من يسميهم علماء الآخرة، حتى ليصف حاله بهذه ~~الأبيات: # ظفر الطالبون واتصل الوص # ل وفاز الأحباب بالأحباب # وبقينا مذبذبين حيارى # بين الوصال والاجتناب # نرتجي القرب بالبعاد وهذا # نفس حال المحال للألباب # فاسقنا منك شربة تذهب الغم # وتهدي إلى طريق الصواب # يا طبيب السقام يا مرهم الجر # ح ويا منقذي من الأوصاب # لست أدري بما أداوي سقامي # وبماذا أفوز يوم الحساب # ومن هنا نراه ينقل كلمات تحتاج إلى قيد من الشريعة، ويسكت عنها لا يقيدها بشيء. ~~وأكثر ما أنكره عليه معاصروه لم يأته إلا من جهة استسلامه للخطرات الوجدانية، التي ~~علقت بنفسه من قراءة كتب التصوف، حين اعتزل الناس في دمشق وبغداد. # على أن النقاد لم يتركوا ms049 له هذا الأديم صحيحا، بل رموه بجهل التصوف، وسلوكه منه ~~في بيداء يضل فيها النسيم، حتى اضطر الزبيدي وغيره إلى أن يثبتوا أنه لم يزد على أن ~~حاكى ما في قوت القلوب والرسالة القشيرية من مختلف الآراء في طرائق السلوك. # قوت القلوب # وأهم الكتب التي تأثر بها الغزالي من بين كتب الصوفية كتاب «قوت القلوب، في ~~معاملة المحبوب» تأليف أبي طالب المكي المتوفى سنة ست وثمانين وثلاثمائة ببغداد ولا ~~يوجد الآن في الأسواق، ومنه نسخة مطبوعة بدار الكتب المصرية نمرة 26772 وهو في ~~مجلدين، يقع الأول منهما في 270 صفحة والثاني في 297. # ويعد هذا الكتاب بحق مصدرا لكتاب الإحياء، ويكفي أن تقرأ باب التوكل مثلا في ~~الكتابين لتعرف أنهما يسيران في طريق واحد، إلى غاية واحدة، حتى لتجدهما يتفقان ~~غالبا في الشواهد من الآيات والأحاديث والأخبار. ويمكن الجزم بأن الغزالي أودع ~~كتاب الإحياء كل ما صح لديه، وحسن عنده، من كتاب قوت القلوب، وإن لم يشر إلى ذلك، ~~وربما ستر هذا بتغيير العناوين. فإذا قال أبو طالب المكي: (ذكر حكم المتوكل إذا كان ~~ذا بيت) قال هو: (بيان آداب المتوكلين إذا سرق متاعهم). وربما وضع عنوانا لمسألة ~~لم تعنون في قوت القلوب، وقد يضع صاحب القوت مسألة تحت عنوان، فيأتي الغزالي ~~ويدمجها في كلامه، فيخيل إلى القارئ أنها له، ولولا خشية الإطالة لضربنا لذلك ~~الأمثال. # وقد كان قوت القلوب وإحياء علوم الدين موضع رعاية الصوفية على السواء فيما سلف من ~~الأيام. وينقلون عن أبي الحسن الشاذلي أنه قال: كتاب الإحياء يورثك العلم، وكتاب ~~القوت يورثك النور. ولهذا القول وجه من الصواب، فإنك تجد الإسهاب والتفصيل في ~~الإحياء، وتجد الدقة وروعة الإخلاص في القوت، ويمتاز كتاب القوت فيما نرى بحرص ~~مؤلفه واحتياطه فيما يتعلق بمذاهب الصوفية، وبجمال لغته، بخلاف الإحياء، فإنه يغرب ~~في التصوف، وحظ أسلوبه من الدقة قليل. # الرسالة القشيرية # هي رسالة في التصوف لأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري المتوفى في 16 ربيع ~~الآخر سنة 465ه. وهي تقع ms050 في 186 صفحة. ولها شرح مخطوط بدار الكتب المصرية تأليف ~~شيخ الإسلام زكريا الأنصاري ويسمى هذا الشرح: «أحكام الدلالة في شرح ~~الرسالة». # وقد كتب القشيري رسالته هذه: «إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام في سنة سبع ~~وثلاثين وأربعمائة» كما قال في المقدمة فهي إذن منشور عام لإصلاح المتصوفة في ذاك ~~الحين، وقد ابتدأها بصرخة تشبه التي نقلناها للغزالي من منهاج العابدين، فهو يقول: ~~«اعلموا رحمكم الله أن المحقين من هذه الطائفة انقرض أكثرهم، ولم يبق في زماننا هذا ~~من هذه الطائفة إلا أثرهم، كما قيل: # أما الخيام فإنها كخيامهم # وأرى نساء الحي غير نسائها # حصلت الفترة في هذه الطريقة، بل اندرست بالحقيقة ... إلخ». # وقد شرح القشيري في بداية هذه الرسالة اعتقاد طائفة الصوفية في مسائل الأصول في ~~التوحيد، ثم ذكر تراجم اثنين وثمانين من مشايخ الصوفية بإيجاز، ثم فسر الألفاظ التي ~~تدور بين هذه الطائفة، وبين ما يشكل فيها على المريدين، كالوقت، والمقام، والحال، ~~والقبض، والبسط، والتواجد، والوجد، والوجود، إلى آخر ما قال. # ثم وضع عدة أبواب في المجاهدة، والخلوة، والعزلة، والمراقبة، والصبر، والشكر، ~~والخوف، والرجاء، وما إلى ذلك مما يهم السالكين. # وتمتاز هذه الرسالة بكثرة النقل عن المتقدمين من شيوخ الطريق، وقد صدق الزبيدي ~~فيما رآه من أن الغزالي اعتمد عليها عند تأليف الإحياء، وإن كانت النسبة بين ~~الكتابين بعيدة من جهة المادة، ومن السهل أن يثبت الإنسان أثر هذه الرسالة في أكثر ~~أبواب الإحياء، وما أدري لم لم يشهد الغزالي بذكر مؤلفها ومؤلف قوت القلوب، مع ~~أن فضلهما عليه كبير! # الفصل الثالث # | من عرف الغزالي من الصوفية # ويجمل بنا أن نذكر طائفة من الصوفية الذين عرفهم الغزالي ونريد بذلك من قرأ لهم، ~~واستشهد بكلامهم في مؤلفاته، لأن تأثيرهم غير قليل في تكييف أحكامه الأخلاقية، وطبعها ~~بذلك الطابع الصوفي المعروف. # الإمام الشافعي # ولد رضي الله عنه بغزة، ومات بمصر سنة 204ه بعد أن أقام بها أربع سنينن. وكان ~~سنه حين مات 54 سنة. وليس غرضنا أن نتكلم عنه من الوجهة ms051 التشريعية، فإن لذلك مجالا ~~غير هذا المجال، غير أنه لا يفوتنا بهذه المناسبة أن نقرر أن كتاب «الأم» الذي ينسب ~~إليه ليس له، وإنما هو من تأليف البويطي كما نص الغزالي في الإحياء. # والذي يهمنا الآن: هو أن نصور الشافعي كما تصوره الغزالي، أي من الوجهة الصوفية، ~~فقد كان رضي الله عنه معروفا بالتقوى، ونسيان الذات، حتى ليقول: «وددت لو أن الخلق ~~تعلموا هذا العلم على أن لا ينسب إلي منه حرف». # نماذج من كلامه # وإلى القارئ نماذج من كلماته التي جرت مجرى الأمثال. قال رضي الله عنه: «أظلم ~~الظالمين لنفسه من تواضع لمن لا يكرمه ورغب في مودة من لا ينفعه، وقبل مدح من ~~لا يعرفه. المراء في العلم يقسي القلب، ويورث الضغائن، من لم تعزه التقوى فلا ~~عز له. سياسة الناس أشد من سياسة الدواب. لو علمت أن الماء البارد ينقص مروءتي ~~ما شربته. ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته. من علامة الصادق في أخوة أخيه أن ~~يقبل علله، ويسد خلله، ويغفر زلله. لا تشاور من ليس في بيته دقيق. لا تقصر في ~~حق أخيك اعتمادا على مروءته، ولا تبذل وجهك إلى من يهون عليه ودك. من نم لك نم ~~عليك. من نظف ثوبه قل همه، ومن طاب ريحه زاد عقله». # المزني # هو الإمام أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني. ولد سنة 175ه وتوفي سنة 264ه ~~تلقى العلم عن الشافعي وصار من ناشري مذهبه. وكان الشافعي يقول فيه: «لو ناظر ~~الشيطان لغلبه!» ونقل السبكي عن عمرو بن عثمان المكي: «ما رأيت أحدا من المتعبدين ~~في كثرة من لقيت منهم أشد اجتهادا من المزني، ولا أدوم على العبادة منه، وما رأيت ~~أحدا أشد تعظيما للعلم وأهله منه، وكان من أشد الناس تضييقا على نفسه في الورع، ~~وأوسعهم في ذلك على الناس». # حرملة # هو حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة ولد سنة 166ه، وتوفي سنة 243ه، وهو من ~~تلامذة الشافعي ورواة حكمه. قال السبكي: «وقد ينفرد حرملة في ms052 بعض المسائل ويخرج عن ~~المذهب تأصيلا وتفريعا، كما قد يفعل ذلك المزني وغيره في بعض الأحايين». # المحاسبي # هو أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي المتوفى ببغداد سنة 243ه، وهو شيخ ~~الجنيد، ويقول إنه سمي المحاسبي لكثرة محاسبته لنفسه، وقد ألف في الفقه والتصوف ~~والحديث والكلام نحو مائتي كتاب. وكان الجنيد يقول: «كنت كثيرا ما أقول للحارث: ~~«عزلتي أنسي» فيقول: كما تقول أنسي وعزلتي؟ لو أن نصف الخلق تقربوا مني ما وجدت بهم ~~أنسا، ولو أن نصف الخلق الآخر نأوا عني ما استوحشت لبعدهم. وأنشد منشد بين يدي ~~الحارث هذه الأبيات: # أنا في الغرب أبكي # ما بكت عين غريب # لم أكن يوم خروجي # من بلادي بمصيب # عجبا لي ولتركي # وطنا فيه حبيبي # فقام وتواجد وبكى حتى رحمه كل من حضره. # ومن كلامه: «خيار هذه الأمة هم الذين لا تشغلهم آخرتهم عن دنياهم، ولا دنياهم عن ~~آخرتهم. حسن الخلق احتمال الأذى وقلة الغضب، وبسط الرحمة، وطيب الكلام. الظالم نادم ~~وإن مدحه الناس والمظلوم سالم وإن دفعه الناس. القانع غني وإن جاع، والحريص فقير ~~وإن ملك». # الجنيد # هو في نظر الصوفية سيد علماء الآخرة على الإطلاق، توفي سنة 298ه، وكانت له أحوال ~~لا يقرها شرع ولا عقل. # ومن كلامه: «إن الله يخلص إلى القلوب من بره، على حسب ما تخلص إليه القلوب من ~~ذكره. فانظر ماذا خالط قلبك. الغفلة عن الله تعالى أشد من دخول النار. إذا رأيت ~~الفقير فلا تبدأه بالعلم، وابدأه بالرفق، فإن العلم يوحشه، والرفق يؤنسه». ~~••• # وفي كتب الغزالي عدد عظيم من الصوفية، يؤكد بكلامهم رأيه، وكان لأولئك الصوفية ~~مصنفات معروفة، وكلمات مأثورة يتداولها الناس لعهده، وإنه لا شك في انتفاعه بتلك ~~الآثار. والرغبة في الإيجاز هي التي أرضتنا عن الاكتفاء بترجمة هذا العدد ~~القليل. # الفصل الرابع # | منبع الشريعة # وأهم المنابع التي استقى منها الغزالي هو منبع الشريعة، ممثلة في الآيات والأحاديث ~~والأخبار. ويرى غير واحد من علماء هذا العصر أن الأخلاق عند الغزالي هي عين الأخلاق ~~الإسلامية، وهذا ms053 رأي غير صواب، ولكنهم حملوا عليه بما يرون من إكثاره في مؤلفاته من ~~الآيات والأحاديث، وسترى كيف أخطئوا حين تقرأ ما فصلنا من آرائه في الأخلاق. # ويشمل هذا المنبع فقهاء المسلمين الذين تأثر الغزالي بآرائهم في المعاملات. مع أنه ~~احتاط في النقل عنهم، ولكن هذه الحيطة لا تزيد عن مطالبتهم بمسايرة أصول الشرع ~~الحنيف. # الإنجيل # اطلع الغزالي على الإنجيل، واستفاد منه، واعتمد عليه ما شاء في مؤلفاته. وهذا ~~طبيعي من رجل مسلم أوصاه دينه أن لا يفرق بين أحد من الأنبياء. # ولا عبرة بما كتبه الدكتور زويمر في هذا الموضوع. لأن الدكتور زويمر يريد أن ينسب ~~هداية الغزالي إلى مطالعته للإنجيل مع أن الغزالي لم يضل إلا حين تعلق بأهداب ~~الآداب السلبية التي دعا إليها الإنجيل! # ولتوضيح هذا نذكر أن الآداب التي وضعها الإنجيل غير طبيعية، على معنى أنه لا يمكن ~~أن يسكن إليها بطبيعة أحد من الناس، فالحكمة الإنجيلية التي تقول: من ضربك على خدك ~~الأيمن فأدر له خدك الأيسر؛ حكمة غير معقولة، لا يقرها عرف، ولا يدعو إليها قانون. ~~والحكمة المسيحية التي تقول: من سخرك ميلا فامش معه ميلين؛ حكمة غير ممكنة القبول. ~~ومن المستحيل أن تجد مسيحيا يدير لك خده الأيمن حين تضربه على خده الأيسر، أما ~~المسيحي الذي يتبعك ميلين حين تسخره ميلا فهو نادر الوجود! # ومن المستطرف ما لاحظه الدكتور زويمر على ما رواه الغزالي عن المسيح من أنه مكث ~~يناجي ربه ستين صباحا لم يأكل، فقد قال: الحقيقة أنها أربعون. ولم تتعب نفسك يا ~~سيدي الدكتور في هذا التصحيح؟ المسألة برمتها خيال في خيال، لأن الذي يمكث ستين ~~يوما أو أربعين يوما بلا طعام لا يصلح لشيء في هذا الوجود الزاخر بالجهد والجلاد. ~~وهل يستطيع القسيسون والرهبان أن يحيوا هذه الحياة! وهبهم استطاعوا فما عسى أن تكون ~~منزلتهم بين الأحياء؟ # وأي خطأ أفدح من قول الغزالي في الدرة الفاخرة: «اعتبروا بعيسى عيه السلام، فقد ~~قيل إنه لم يملك إلا ثوبا واحدا لبسه عشرين سنة، ms054 ولم يأخذ معه في كل سياحاته إلا ~~كوزا وسبحة ومشطا. ورأى ذات يوم رجلا يشرب من نهر بحفنتيه فطرح الكوز ولم ~~يستعمله ثانيا، ثم رأى رجلا يمشط لحيته بأصبعه، فطرح المشط ولم يستعمله ثانيا، ~~وكان يقول دائما: حصاني قدماي، وبيوتي مغائر الأرض، وطعامي خضرتها، وشرابي من ماء ~~أنهارها، ومقري بين بني آدم». # وهذه من الغزالي دعوة مردودة، لأن الإسلام لا يعرف هذا النوع من الحياة، وكيف ~~يدعو المسلمين إلى أن يعتبروا بما روي عن عيسى أنه لم يملك إلا ثوبا واحدا لبسه ~~عشرين سنة، مع أنه من المستحيل أن يبقى الثوب الواحد على جسم المرء عشرين سنة، إلا ~~أن تكون هذه أيضا معجزة، وعفا الله عمن لا يفهم هذه المعجزات! # إن عيسى الذي يصورونه بهذه الصورة شخص خرافي لم يعرفه التاريخ. وإلا فأي أرض يسمح ~~جوها بأن يظل الثوب على صاحبه عشرين عاما لا يبلى، ولا يعرض لابسه لنفرة تلامذته ~~وأصدقائه؟ وكيف يقابل هذا بما روى الغزالي عن المسيح من أنه قال: «إذا كان صوم يوم ~~أحدكم فليدهن رأسه ولحيته، وليمسح شفتيه، لئلا يرى الناس أنه صائم.» فإن في هذا ~~الحديث دعوة إلى كتمان الصوم، والظهور بمظهر الترف، تجنبا للتمدح بمظهر ~~الصيام. # أليس من العجيب أن يصدق الغزالي أن عيسى يقول : من أخذ رداءك فأعطه إزارك، ومن ذا ~~الذي يرضى من المسلمين أو النصارى أن يتأدب بهذا الأدب الغريب؟! # ويستشهد الغزالي بقول عيسى عليه السلام: لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب ~~مؤمن، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد، مع أن هذا مناقض للآية الكريمة: # ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار ~~. # 1 # ويستشهد بقول عيسى: انظروا إلى الطير لا تزرع ولا تحصد ولا تدخر، والله ~~تعالى يرزقها يوما بيوم، فإن قلتم نحن أكبر بطونا فانظروا إلى الأنعام كيف قيض ~~الله تعالى لها هذا الخلق للرزق. وهذا يناقض الآية الكريمة: # ولا تنس نصيبك من الدنيا ~~. # 2 # ومن الواضح أن الذي لا ينسى نصيبه من ms055 دنياه يسعى له، ويجد في ~~طلبه. # ونحن بهذه الكلمات لا ننكر نبوة عيسى عليه السلام، وإنما نرجح أن أتباعه جنوا على ~~شريعته، بما زوروا باسمه من الأحاديث وهذه جناية كثيرة الأمثال في الشرائع، فإن ~~الإسلام مع تواتر سنده الأول وهو القرآن، لم يعدم من أصحاب الغفلة وأصحاب الغرض من ~~زوروا الأحاديث باسم النبي حتى كادوا يقضون على ما للدين من قوة الحق، وروعة ~~الجمال. # ونحن كذلك لا ننكر أن المسيحية تدعو إلى الزهد، فإن الدعوة إلى الزهد أصل من ~~أصولها الأولى. ولكنا نرجح أنها كانت تدعو إلى الزهد بقدر ما تفل من حدة الناس ~~وتقلل من جشعهم وطمعهم، فأما الدعوة إلى الفرار من طيبات ما أحل الله فهي دعوة ~~بعيدة الوقوع من الأنبياء والمرسلين. # وكنا نحب أن لا يصدق الغزالي كل ما نقل عن المسيح، ولكن الغزالي كان طيب القلب ~~أكثر مما يجب، وما أحوج العلماء إلى الاعتصام بحبل الشك، فإن الشك وحده سبيل ~~اليقين. # الفصل الخامس # | أساتذة الغزالي وأصحابه # وبعد الذي قدمناه من ورود الغزالي للمناهل الفلسفية والشرعية والصوفية: لا نجد بدا ~~من التنبيه إلى أنه اغترف كذلك من المنهل الذي ورده أساتذته وأصحابه. وقد لاحظنا أن ~~الذين تتلمذ الغزالي لهم كانوا في الأغلب صوفية، كما أن أكثر من صحبهم كانوا ~~صوفية . # فمن أساتذته الإمام أحمد بن محمد الرذاكاني، وكان من فقهاء الصالحين، وقد تلقى عنه ~~دروسه الأولى في طوس. # ومن أساتذته الإمام أبو نصر الإسماعيلي، وكان من الأمثلة النادرة في الورع والتقوى، ~~وقد تلقى عنه الغزالي في جرجان، وعلق عنه التعليقة، كما كانوا يقولون. # ومن أساتذته إمام الحرمين، وكان من أتقى أهل زمانه، وقد تلقى عنه الغزالي في نيسابور، ~~ويقال إنه كان يحسد الغزالي، بالرغم من شهادته له بالتفوق والنبوغ. # ومن أساتذته الإمام الزاهد أبو علي الفارمذي من أعيان تلامذة أبي القاسم القشيري وكان ~~أستاذه في التصوف وقد عده السبكي من أصحابه. # هؤلاء وغيرهم من أساتذة الغزالي وأصحابه أثروا في حياته العقلية تأثيرا غير قليل، ~~وطبعوا نظره إلى ms056 الحياة بطابع خاص، وفي مقدور القارئ أن يرجع إلى تفصيل حياة هؤلاء ~~الذين اختصرنا أخبارهم في طبقات الشافعية. أما تلامذة الغزالي فسنعود إليهم في غير هذا ~~الباب. # الباب الرابع # | في مؤلفات الغزالي # | تمهيد # تكلم ابن السبكي في طبقاته عن مؤلفات الغزالي، وتبعه الزبيدي في شرح الإحياء، ثم كتب ~~جرجي زيدان في صدر الجزء السادس من السنة الخامسة عشرة للهلال كلمة مفصلة عن مصنفات ~~الغزالي، وتمتاز هذه الكلمة بشيئين: الأول ترتيب تلك الكتب بحسب موضوعاتها، والثاني ~~الإشارة إلى أماكن وجود النسخ النادرة، مخطوطة كانت أو مطبوعة، إلا أنه لحسن حظ العلم ~~نجد أكثر ما نوه جرجي زيدان بندرته أصبح اليوم في المكاتب والأسواق. # وأهم كتب الغزالي فيما نحن بصدده من درس الأخلاق، «كتاب الإحياء»، وسنكتب عنه كلمة ~~مفصلة وكتاب «ميزان العمل» وهو يقع في 215 صفحة، ونحسبه يفضل في دقته كتاب الإحياء، بل ~~يشبه أن يكون خلاصة له، وميزان العمل هذا مقابل لكتابه «معيار العلم». وقد قال في ~~مقدمته: «لما كانت السعادة التي هي مطلوب الأولين والآخرين لا تنال إلا بالعلم والعمل، ~~وافتقر كل واحد منهما إلى الإحاطة بحقيقته ومقداره، ووجب معرفة العلم والتمييز بينه ~~وبين غيره بمعيار، وفرغتنا منه، وجب معرفة العلم المسعد، والتمييز بينه وبين العمل ~~المشقي، فافتقر ذلك أيضا إلى ميزان، فأردنا أن نخوض فيه ... إلخ» وقد نص على أنه وضع ~~أكثر هذا الكتاب على طريقة التصوف. # ويلي هذين الكتابين في الأهمية كتاب «الأربعين». وهو جزء من كتاب «جواهر القرآن»، كما ~~ذكر صاحب كشف الظنون، وقد وضع بعد الإحياء، وهو قريب منه في الموضوعات وفي ~~التبويب. # ومن مؤلفاته الهامة في الأخلاق كتاب «منهاج العابدين» وهو آخر مصنفاته، ولعل هذا السر ~~فيما احتواه هذا الكتاب من مظاهر الضعف والاضطراب، وقد رأيت كيف اعتلت صحته بسبب ~~العزلة. ونقل الزبيدي عن المسامرة لابن عربي أنه ليس له، وإنما هو لأبي الحسن علي بن ~~عليل السبتي، وسترى بعد قليل ما زور باسم الغزالي من التآليف. # وهناك «التبر المسبوك في نصيحة الملوك»، كتبه ms057 للسلطان محمد بن ملكشاه، وعن هذا الكتاب ~~أخذنا رأي الغزالي في آداب الكتابات وواجبات الملوك، وحقوق الوزراء. وسترى بعد كلمة في ~~نسبة هذا الكتاب إلى الغزالي، وهو يقع في 124 صفحة وتجده مشحونا بالأقاصيص، وهي فكرة ~~حسنة في الترغيب والترهيب، ولم يختص بها كتابه هذا، ولكنها فيه أظهر من سواه. # ولا تنس كتاب «المنقذ من الضلال» ففيه صورة صادقة لحياته العقلية، وهو يمثل وجهة نظره ~~فيما شهده من الحركة العلمية في عصره ذاك، وقد كتبه بسذاجة ظاهرة تكشف لنا عن قلب أبيض، ~~ونفس تجيش بالإخلاص. # وكتابه «المستصفى في الأصول» كان المرجع فيما كتبنا عن الحسن والقبيح، وهو كتاب قيم ~~يدل على مبلغه من دقة الفهم، وحسن الأداء. # ورسالته «مشكاة الأنوار» تمثل لنا رأيه في منازل الناس بحسب قربهم أو بعدهم من فهم ما ~~بني عليه العالم من دقائق الجمال، وقد توسع في شرح قوله تعالى: # الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها ~~مصباح # 1 # إلى آخر الآية. # ويعد الغزالي من أكبر المؤلفين حتى زعموا أن مؤلفاته قسمت على أيام حياته فخص كل يوم ~~أربعة كراريس (!) وأهمها جميعا كما قدمنا هو كتاب الإحياء وهو سبب ما رزق من ~~الخلود. # الفصل الأول # | طريقته في التأليف # وللغزالي في التأليف منهج جميل، فهو يشرح أولا المذهب الذي يريد نقده ، وقد بلغ من ~~حرصه على هذا المنهج أن ألف كتابا في مقاصد الفلاسفة، حين هم بتأليف كتاب في تهافتهم، ~~ويقول في كتابه ذاك: «ولنفهم الآن ما نورده على سبيل الحكاية مهملا مرسلا، من غير بحث ~~عن الصحيح والفاسد، حتى إذا فرغنا منه استأنفنا له جدا وتشميرا في كتاب مفرد نسميه ~~تهافت الفلاسفة». # وصنع مثل هذا الصنيع حين رد على الباطنية، وقد ذكر في «المنقذ من الضلال» ص20، 21 أن ~~بعض أهل الحق أنكر عليه مبالغته في تقرير حجتهم، وقالوا: هذا سعي لهم، فإنهم كانوا ~~يعجزون عن نصرة مذهبهم بمثل هذه الشبهات، لولا تحقيقه لها، وترتيبه إياها، وأجاب بأنه ~~استحسن أن يقرر شبهتهم إلى حد ms058 الإمكان ثم يظهر فسادها، وهذا منهج لا نسرف إن كررنا أنه ~~جميل. # ومما تمتاز به خطة الغزالي في التأليف، الاعتماد على الخطابيات في إصلاح القلوب، فهو ~~حين يتكلم عن فضيلة من الفضائل، يبدأ بذكر ما ورد في حمدها من الآيات، يعقب بسرد ما جاء ~~عنها من الأحاديث، ثم الأخبار، ثم الآثار، وينطلق بعد ذلك في ذكر القصص والحكايات التي ~~تستولي على قلب القارئ وترسم في نفسه أثر تلك الفضيلة، وما لها من مقام محمود، والأمر ~~كذلك إذا تكلم عن رذيلة من الرذائل، وهو في هذا الباب لا يعتبر مبتكرا، فقد سبقه ~~القصاص، ولكنه آخر عفى على الآولين، وقد رأيت من الأدباء من يستنكر هذه الخطة، وهو ~~استنكار على غير أساس. ويكفي أن نقرأ كتب سميلز الإنكليزي المتوفى في 16 أبريل سنة 1904 ~~تعرف حسن هذا المنهج في رأي المعاصرين، فإني لم أر أحدا يستنكر منهج سميلز في الإكثار ~~من الأقاصيص للترغيب في مكارم الأخلاق. # وتمتاز كتب الغزالي الأخلاقية بأنها صالحة لكل قارئ، فلم يقصد المؤلف وضعها لطائفة ~~معينة، أو فريق خاص، وإنما وضعها لجمهور المسلمين. # وهناك ميزة خطيرة لمؤلفات الغزالي: وهي إقباله على الخيال فهو يحسن ويقبح بطريقة فنية ~~بديعة، تخلب العقول، وتمتع القلوب. وانظر كيف يشبه من يحسب المحسن إنما يحسن باختياره ~~أنه يشبهه بالنملة ترى سواد الخط على البياض يحصل من حركة القلم فتضيف ذلك إلى القلم: ~~إذ حدقتها الصغيرة الضعيفة لا تمتد إلى الأصبع، ومنها إلى اليد، ومنها إلى القدرة ~~المحركة لليد، ومنها إلى الإرادة التي القدرة مسخرة لها، ومنها إلى المعرفة التي يتوقف ~~انبعاث الإرادة عليها، ومنها إلى صاحب القدرة والعلم والإرادة. # 1 # ويشبه الضعيف القلب بالحمار في معلفه، والدجاج في قفصه يرمق ما تعود من صاحبه، لا ~~يكاد ينفك عن ذلك، وتقاعدت نفسه عن معالي الأمور، وانقطعت همته، فلا يكاد يقصد أمرا شريفا. # 2 # والذي يعبر بنظره كتاب الإحياء وكتاب الأربعين وكتاب المنهاج، يرى البدائع الفنية، ~~وألوان البيان، في طرق الترغيب والترهيب، وهو يجيد في ms059 التخييل حتى يغلب القارئ على ~~أمره، ويشككه في نفسه، ويحمله قهرا على أن يدرس نفسه من جديد، وهذا وجه الخطر في ~~مؤلفات الغزالي، إذ كانت في الأغلب وساوس صوفية غشيت بألوان السحر والفتون، فلا يسلم ~~منها إلا العالمون والأقوياء. # الفصل الثاني # | الصوت المردد في مؤلفات الغزالي # ومع محاكاة الغزالي لمن تقدمه من المؤلفين، فإنا نراه يكرر كثيرا الأفكار والعبارات ~~والأمثلة، حتى لنظن بضاعته واحدة، في جميع مؤلفاته، ويمكن الحكم بأن الإحياء، ~~والأربعين، والميزان، والمنهاج، والتبر المسبوك، والأدب في الدين، وبداية الهداية، ~~وجزءا كبيرا من مؤلفاته في الفقه والتوحيد، أقول يمكن الحكم بأن جميع هذه المؤلفات ~~يندر أن تكون بينها فروق جوهرية. ولو أننا وازنا بين كتبه في باب كتاب الإخلاص لوجدنا ~~الأمثلة واحدة، والعبارات واحدة، وإنما تختلف بالإطناب والإيجاز. # وإذ كان الرجل مفتونا بآراء الصوفية فإنا نجد تأثره بهم يختلف اختلافا قليلا بحسب ~~الظروف، فهو في المنهاج، أقرب إليهم منه في الإحياء، فما يحترز منه هنا قد لا يحترز منه ~~هناك. # ونلاحظ أنه ليست هناك غاية موحدة يسعى لنصرتها الغزالي بمصنفاته العديدة. فهو تارة ~~يلوذ بأكناف الشريعة، فيمنع ما تمنع ويبيح ما تبيح. وتارة يساير الصوفية، فينصرهم فيما ~~يسعون اليه من الانفراد بفهم أسرار الوجود، وهو مع ذلك يصرح بأن علم المكاشفة لا يودع ~~الكتب، ولا يصح أن يلقى لغير الخواص! # وينتج مما سلف أن الغزالي ليس من المبتكرين المبدعين، وإنما يمتاز بصبره على قرع ذلك ~~الناقوس الذي أراد أن يوقظ به الناس من سباتهم، وإن لم يكن ذلك الناقوس من صنع يديه، ~~وقد أفاق الناس ولم يروا غير الغزالي، ثم هرعوا إليه، فوجدوا كتاب الإحياء في يمناه، ~~وما زالوا به يحلمون. # الفصل الثالث # | كتاب الإحياء # هو أهم ما كتب الغزالي في الأخلاق، ألفه في أخريات حياته حين جنح إلى اعتزال الناس، ~~ثم قرأه في دمشق وبغداد، ووضع له مختصرات عديدة، منها الوجيز، ومنها المبسوط. # وقد أسسه على أربعة أرباع: ربع العبادات، ويشتمل على كتاب العلم، وكتاب قواعد ~~العقائد، وكتاب ms060 أسرار الطهارة، وكتاب أسرار الصلاة، وكتاب أسرار الزكاة، وكتاب أسرار ~~الصيام، وكتاب أسرار الحج، وكتاب آداب تلاوة القرآن، وكتاب الأذكار والدعوات، وكتاب ~~ترتيب الأوراد في الأوقات. # وربع العادات، ويشتمل على كتاب الأكل، وكتاب آداب النكاح، وكتاب أحكام الكسب، وكتاب ~~الحلال والحرام، وكتاب آداب الصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق، وكتاب العزلة، وكتاب آداب ~~السفر، وكتاب السماع والوجد، وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكتاب آداب ~~المعيشة وأخلاق النبوة. # وربع المهلكات: ويشتمل على كتاب شرح عجائب القلب، وكتاب رياضة النفس، وكتاب آفات ~~الشهوتين: شهوة البطن وشهوة الفرج، وكتاب آفات اللسان، وكتاب آفات الغضب والحقد والحسد، ~~وكتاب ذم الدنيا، وكتاب ذم المال والبخل، وكتاب ذم الجاه والرياء، وكتاب ذم الكبر ~~والعجب، وكتاب ذم الغرور. # وربع المنجيات: ويشتمل على كتاب التوبة، وكتاب الصبر والشكر، وكتاب الخوف والرجاء، ~~وكتاب الفقر والزهد، وكتاب التوحيد والتوكل، وكتاب المحبة والشوق والأنس والرضا، وكتاب ~~النية والصدق والإخلاص، وكتاب المراقبة والمحاسبة، وكتاب التفكر، وكتاب ذكر ~~الموت. # ونظرة إلى هذا البرنامج تريك مبلغ عناية الغزالي بكتاب الإحياء، وليس كثيرا أن ذكرنا ~~هذا البرنامج، فإن الإحياء عمدتنا فيما قصدنا إليه من تحرير ما وضع الغزالي في الأخلاق، ~~ومن الخير أن نذكر رأي الغزالي نفسه في ذلك الكتاب الممتع الجامع فقد قال بعد أن بين ما ~~اختطه في شرح العبادات، والعادات، والمهلكات، والمنهجيات: «ولقد صنف الناس في بعض هذه ~~المعاني كتبا، ولكن يتميز هذا الكتاب عنها بخمسة أمور: # الأول: # حل ما عقدوه، وكشف ما أجملوه. # الثاني: # ترتيب ما بددوه، ونظم ما فرقوه. # الثالث: # إيجاز ما طولوه، وضبط ما قرروه. # الرابع: # حذف ما كرروه، وإثبات ما حرروه. # الخامس: # تحقيق أمور غامضة اعتاصت على الأفهام لم يتعرض لها في الكتب أصلا، ~~إذ الكل وإن تواردوا على منهج واحد فلا يستنكر أن ينفرد كل واحد من ~~السالكين بالتنبيه لأمر يخصه ويغفل عنه رفقاؤه». # الفصل الرابع # | أغلاط الإحياء # نذكر هنا شيئا من المآخذ التي أخذها المتقدمون على الغزالي فيما يخص كتاب الإحياء، ~~لأن في ذلك بيانا لقيمة ms061 هذا الكتاب في نظر المتقدمين، ولأن فيه تمهيدا لما نحن بسبيله ~~من نقد آراء الغزالي في الأخلاق: ~~(1) # نقل السبكي في طبقات الشافعية أن أبا عبد الله المأزري قال وقد سئل عن ~~الإحياء: «إن الغزالي يستحسن أشياء مبناها على ما لا حقيقة له، مثل قوله في ~~قص الأظفار: تبدأ بالسبابة لأن لها الفضل على بقية الأصابع لكونها ~~المسبحة!» ~~(2) # وأنكروا عليه كما نقل الزبيدي، قوله في الإحياء: ليس في الإمكان أبدع مما ~~كان، واستندوا في إنكارهم على أن هذا يوهم عجز الجناب الإلهي، وهو كفر ~~صريح، وإنما انحصر إنكارهم في هذه الوجهة لإغراقها في المباحث الدينية، ولو ~~كان لهم نصيب من العلم والفن لعدوا هذا عقبة في سبيل الاختراع. ~~(3) # ونقل الزبيدي عن الأجوبة المرضية للشعراني أن مما أنكر على الغزالي قوله: ~~يباح للصوفية تمزيق ثيابهم عند غلبة الحال، إن قطعت قطعا مربعة تصلح ~~لترقيع الثياب والسجادات، كما يجوز تمزيق الثوب ليرقع به ثوب آخر! وقد أجاب ~~الزبيدي على هذا بجواب مضحك جاء فيه: «وبالجملة فلو كان جميع أموال الدنيا ~~وأمتعتها بيد الفقير ورأى حضور قلبه مع الله تعالى لحظة بإتلافها كلها، ~~بحرقها أو رميها في بحر لكان ذلك بطريق الاجتهاد، ولا لوم إلا على من يمزق ~~ثيابه ويتلف ماله إسرافا وسفها.» وقد فات الزبيدي أن غرض المنكر ليس ~~منصبا على التبديد والإسراف، وإنما هو موجه إلى الخروج من الوقار، فإنه ~~لا مرية في أن غرض الشرع من التجمل إنما يرجع إلى الرغبة في أن يسبغ على ~~المؤمن رداء الجلال. ~~(4) # ومما أنكروا عليه قوله في الإحياء: المقصود بالرياضة تفريغ القلب، وليس ~~ذلك إلا بالخلوة، والجلوس في مكان مظلم، فإن لم يكن مظلما لف رأسه في ~~جيبه، أو تدثر بكساء أو رداء فإنه في مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق تعالى ~~ويشاهد جلال الربوبية (!؟). # وقد تنبه ناقدوه إلى أن التقلل من الطعام قد يورث الجنون! فمن يدرينا أن ~~ما يسمعه المتريض هو نداء الحق، أو أن الذي يشاهدوه هو جلال الربوبية، ومن ~~يضمن أن ms062 لا يكون ما يجده هو من الوساوس والخيالات الفاسدة! ~~(5) # وأنكروا عليه كذلك تقريره قول الجنيد: إذا كان الأولاد عقوبة شهوة ~~الحلال، فما ظنكم بعقوبة شهوة الحرام (!). ~~(6) # وأنكروا عليه كذلك تقريره ما حكاه عن بعضهم أنه بات عند السباع في برية ~~ليمتحن توكله على الله هل صح أم لا (!؟) قالوا وكيف جاز له أن يسكت على ما ~~فعله هذا الرجل مع تعرضه لأسباب الهلاك؟ ~~(7) # ومما أنكروا عليه قوله: كان بعض الشيوخ في بدايته يكسل عن قيام الليل، ~~فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتصير نفسه بحيث تجيبه إلى قيام ~~الليل اختيارا، وكذلك عالج بعضهم حب المال: فباع جميع أمتعته ورمى ثمنها في ~~البحر خوفا من أن يقع في حب تزكية الناس له، ووصفه بالجود، أو الرياء في ~~فعلها، ولذلك كان بعضهم يستأجر من يشتمه على رؤوس الأشهاد ليعود نفسه ~~الحلم، وكان آخر يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الأمواج ليعود نفسه ~~الشجاعة، وكان بعضهم إذا خاف النوم يقف على رأس حائط عال حتى لا يأخذه ~~النوم (!) قال ابن القيم: وإني لأتعجب من أبي حامد هذا كيف يأمر بهذه ~~الأمور التي تخالف ظاهر الشريعة، وكيف يحل لأحد أن يقوم على رأسه طول ~~الليل، وكيف يحل رمي المال في البحر، وكيف يحل سب المسلم بلا سبب، وهل يجوز ~~لمسلم أن يستأجر من يشتمه، وهل يجوز لأحد أن يقوم على رأس جدار عال ويعرض ~~نفسه للوقوع بالنوم فتنكسر رقبته فيموت؟؟ ~~(8) # ومما أنكروا عليه حكايته عن ابن التكريتي شيخ الجنيد أنه قال: نزلت في ~~محلة فعرفت فيها بالصلاح، فشت قلبي، ونفر منه، فدخلت الحمام، وسرقت ثيابا ~~فاخرة ولبستها، ثم لبست مرفعتي فوقها، وخرجت فجعلت أمشي قليلا قليلا، ~~فلحقوني وأخذوا مني الثياب، وصفعوني وسموني لص الحمام، فسكنت نفسي (!؟) قال ~~الغزالي: فهكذا كانوا يروضون أنفسهم حتى يخلصهم الله تعالى من فتنة النظر ~~إلى الخلق ومراعاتهم لهم، وأهل النظر إلى النفس وأرباب الأحوال ربما عالجوا ~~أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه، إذا رأوا صلاح قلوبهم في ذلك، ms063 ثم يتداركون ~~ما فرط منهم من صورة التقصير كما فعل هذا في الحمام (!!) قال ابن القيم: ~~سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب الإحياء؟ فليته لم يحك ~~فيه مثل هذه الأمور التي لا يحل لأحد السكوت عليها، ثم نقل نص الإمام أحمد ~~والشافعي في أن من سرق من الحمام ثيابا عليها حافظ وجب قطع يده. ثم قال: ~~وتعجبي من هذا الفقيه الذي استلب التصوف علمه وعقله، أكثر من تعجبي من هذا ~~المستلب الثياب من الحمام! فيا ليت أبا حامد بقي مع قواعد الفقه واستغنى عن ~~هذه الهذيانات. ~~(9) # وأنكروا عليه تقرير ما حكاه عن أبي الحسن الدينوري أنه حج اثنتي عشرة ~~حجة، وهو حاف مكشوف الرأس! قال ابن القيم: وهذا من أعظم الجهل لما في ذلك ~~من الأذى للرأس والرجلين، ولا تسلم الأرض من الشوك والوعر، وكان هؤلاء ~~الصوفية ابتكروا من عند أنفسهم شريعة سموها بالتصوف، وتركوا شريعة محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، فنعوذ بالله من تلبيس إبليس. فإن مثل هذه الحكايات تفسد عقائد ~~العوام، إذ يظنون أن فعل مثل هذا من الصواب. ~~(10) # وأنكروا عليه تقريره عن أبي الخير الأقطع التيتاني قوله: إني عقدت مع ~~الله عهدا أن لا آكل شيئا من الشهوات، فمددت يدي إلى ثمرة في شجرة ~~فقطعتها، فبينما أنا أمضغها إذ ذكرت العهد فرميت بها من فمي ، فدار بي فرسان ~~وقالوا قم! وأخرجوني إلى ساحل بحر إسكندرية، وإذا أمير وحوله خيل وجند، ~~فقالوا أنت من اللصوص، وإذا معهم جماعة من لصوص السودان، فسألوهم عني، ~~فقالوا لا نعرفه، فكذبهم الأمير وشرع يقدم يدا ويقطعها إلى أن وصل إلي ~~وقال لي: تقدم ومد يدك، فمددتها فقطعت إلى آخرها!! قالوا: فانظروا ما يفعل ~~الجهل العظيم بصاحبه، فلو أن عند التيتاني رائحة علم، لعلم أن ما فعله حرام ~~عليه، وليس لإبليس عون على الزهاد والعباد أكثر من الجهل، وما أظن غالب ما ~~يقع لهؤلاء إلا من الجنون. ~~(11) # وأنكروا عليه قوله: إن الاشتغال بعلم الظاهر بطالة (!) قال ابن القيم: ~~هذا ms064 جهل مفرط منه. وأصل ذم الصوفية للعلم أنهم رأوا طريق الاشتغال به لا ~~يوصلهم إلى الرياسة إلا بعد طول زمان، بخلاف طريقتهم المبتدعة من لبسهم ~~الزي، وصلاتهم بالليل، وصيامهم بالنهار، وتقصير الثياب والأكمام. ~~(12) # وأنكروا عليه حكايته عن أبي تراب النخشبي أنه قال لمريد له: لو رأيت أبا ~~يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله عز وجل سبعين مرة (!؟) قال ابن ~~القيم: وهذا الكلام فوق الجنون بدرجات. ~~(13) # وأنكروا عليه تقريره لرمي الشبلي ما كان معه من الدنانير في دجلة، ~~وقوله: ما أعزك عبد إلا أذله الله تعالى. قال ابن القيم: وأنا أتعجب من أبي ~~حامد أكثر من تعجبي من هؤلاء الجهلة بالشريعة، كيف يحكي ذلك عنهم على وجه ~~المدح لهم، لا على وجه الانكار، وأي رائحة بقيت من الفقه عند أبي حامد حتى ~~يكتب عنه شيء من العلم؟ فإن الفقهاء كلهم يقولون إن رمي المال في البحر لا ~~يجوز. ~~(14) # وأنكروا عليه تقريره قول أبي سليمان الداراني: إذا طلب الرجل الحديث، أو ~~سافر في طلب المعاش، أو تزوج، فقد ركن إلى الدنيا (!؟) قالوا: هذه الأشياء ~~الثلاثة مخالفة لقواعد الشريعة. وكيف لا يطلب الحديث وقد ورد: «إن الملائكة ~~لتضع أجنحتها على طلب العلم»؟ وكيف لا يطلب المعاش وقد قال عمر رضي الله ~~عنه: «لأن أموت من سعي رجلي أطلب كفاف وجهي أحب إلي من أن أموت غازيا في ~~سبيل الله»؟ وكيف لا يطلب التزويج، وصاحب الشرع # صلى الله عليه وسلم # يقول: «تناكحوا ~~تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة»؟ ~~(15) # وأنكروا عليه تقريره قول أبي حمزة البغدادي: إني لأستحيي من الله أن ~~أدخل البادية وأنا شبعان، وقد اعتقدت التوكل، لئلا يكون شبعي زادا تزودت ~~به (!) قالوا: ومن العجب اعتذاره عن أبي حمزة بقوله: كلام أبي حمزة صحيح، ~~ولكن يحتاج إلى شرطين؛ أحدهما: أن تكون للإنسان قدرة من نفسه بحيث يمكنه ~~الصبر عن الطعام أسبوعا ونحوه. الثاني: أن يمكنه التقوت بالحشيش، ولا تخلو ~~البادية من أن يلقاه الذي معه طعام بعد أسبوع، أو ms065 ينتهي إلى محلة أو حشيش ~~يجد به ما يقوته. قال ابن القيم: أقبح ما في هذا القول صدوره في فقيه فإنه ~~قد لا يلقى أحدا، وقد يضل، وقد يمرض فلا يصلح له الحشيش، وقد يلقاه من لا ~~يطعمه، وقد يموت فلا يدفنه أحد. ~~(16) # وأنكروا عليه ما أجاب به من سأله عن رجل يدخل البادية بلا زاد حيث قال: ~~هذا من فعل رجال الله، قيل له فإن مات؟ قال: الدية على العاقلة (!) قالوا: ~~هذه فتوى جاهل بقواعد الشريعة، إذ لا خلاف بين فقهاء الإسلام أنه لا يجوز ~~لأحد دخول البادية بغير زاد، وإن فعل ذلك ومات بالجوع فهو عاص مستحق ~~للعقوبة في الآخرة. ~~(17) # وأنكروا عليه أيضا ما حكاه عن شقيق البلخي أنه رأى مع شخص رغيفا ليفطر ~~عليه من صومه فهجره، وقال: تمسك رغيفا إلى الليل! ~~(18) # وكذلك أنكروا عليه قوله: اعلم أن ميل قلوب أهل التصوف إنما هو إلى تحصيل ~~العلوم اللدنية، دون العلوم النقلية، ولذلك لم يحضوا على دراسة العلم، ولا ~~تحصيل ما صنفه المصنفون، وإنما حضوا على الاشتغال بالله تعالى وحده، ~~والاشتغال بذكر الله فقط(!؟) ~~(19) # وأنكروا عليه تفسير قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: # واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام ~~. # 1 # فقد قال: الأصنام الذهب والفضة. وعبادتهما حبهما والاغترار ~~بهما. وواضح أن هذا التفسير بعيد عن المعنى المراد. ~~(20) # وأنكروا عليه أيضا تقريره قول سهل التستري: أن للربوبية سرا لو ظهر ~~لبطلت النبوة، وأن للنبوة سرا لو ظهر لبطل العلم، وأن للعلماء بالله ~~سرا لو ظهر لبطلت الأحكام والشرائع (!؟). # وأنا أكتفي بهذا القدر من أغلاط الإحياء، ففيه صورة واضحة لآراء العلماء في ذلك ~~الكتاب، وسترى في باب غير هذا أن هذه الحركة العنيفة لم تخمد بموت الغزالي، بل ظلت ~~ثائرة عدة أجيال. وما عجبت لشيء عجبي للزبيدي، فقد تولى تفنيد هذه المآخذ، واحدا ~~واحدا، وهو تعسف ممقوت، يكفي أن تعلم أنه لا يرتكز على قاعدة مسلمة، من عرف أو تشريع، ~~وإنما يستند على قواعد من التصوف بنيت على الماء. ومن ms066 أراد التحقق من صحة هذا الحكم ~~فليرجع إلى الجزء الأول من شرح الإحياء، من ص27 إلى ص40. # ومن الأجوبة السخيفة ما أجاب به السبكي عن الغزالي في قص الأظفار فقد قال: وأما ما ~~ذكروه في قص الأظافر فالأمر المشار إليه يروى عن علي كرم الله وجهه غير أنه لم يثبت ~~وليس في ذلك كبير أمر ولا مخالفة شرع، وقد سمعت جماعة من الفقراء يذكرون أنهم جربوه ~~فوجدوه لا يخطئ. ومن داوم عليه أمن من وجع العين. ويرون من شعر علي كرم الله وجهه ~~هذا: # ابدأ بيمناك وبالخنصر # في قص أظفارك واستبصر # واختم بسبابتها هكذا # فافعله في الرجل ولا تمتر # وابدأ بيسراك بإبهامها # والأصبع الوسطى وبالخنصر # ويتبع الخنصر سبابة # بنصرها خاتمة الأيسر # هذا أمان لك قد حزته # من رمد العين كما قد ترى # والسخف ظاهر كل الظهور في هذا الجواب، وإلا فما هي الصلة بين قص الأظافر بهذه ~~الكيفية، وبين الأمن من وجع العين؟ وكيف قال علي بن أبي طالب هذا الشعر السخيف وقد كان ~~من أفصح الناس؟ # الواقع أن الغزالي كان فتنة من فتن العصور القديمة، وقد نسي العلماء في الدفاع عنه أن ~~هناك عقلا يجب أن يحكم، وأنه لن يخلو العالم من أصحاب العقول، ولو كره ~~الجامدون! # الفصل الخامس # | غفلة الغزالي وعناده # 1 # أما غفلته فدليلها ما في كتبه من الأحاديث الضعيفة والموضوعة وهي تقرب من ستمائة ~~حديث. # وأنا لا أشك في نزاهة الغزالي وبعده من الكذب على رسول الله، فمحال على مثله في ~~ورعه وتقواه أن يزور على النبي حديثا، أو يضع في كتبه أحاديث يعلم أنها من ~~الموضوعات. وحقيقة الأمر أن الرجل كان «يمتاز» بقسط كبير من الغفلة والبساطة، وإلا ~~فكيف صدق أن النبي يقول: «إن الحسنات يذهبن السيئات كما يذهب الماء الوسخ.» وأقل ~~الناس علما بالبلاغة يدرك أن رسول الله لا ينطق بمثل هذا الحديث وكيف يصدق ما روى ~~من أن جبريل نزل فقال: «إن الله يقرئك السلام. ويقول: أتحب أن أجعل هذه الجبال من ~~ذهب ms067 فتكون معك اينما كنت؟» # وما لي أطيل في نقد ما جاء في الإحياء مما لا إسناد له من الأحاديث وهي مسطورة في ~~طبقات الشافعية، في ثمان وثلاثين صفحة من الجزء الرابع. والضعف فيها ظاهر لا يحتاج ~~إلى دليل. # 2 # وأما عناده فدليله إصراره على إبقاء ما جاء في كتبه من الأغلاط ورميه ناقديه ~~بالغباوة، والحسد، والكذب، مع أنه كان يجمل به أن يتأمل نقدهم برفق، ويميز بين الغث ~~منه وبين السمين، ولكنه اندفع كالصخر حطه السيل من شاهق، وأخذ برميهم بالزيغ ~~والفسوق. # وبيان ذلك أنه ما زال يغرب معاصروه في الإنكار عليه حتى ضاق تلامذته ذرعا بذلك، ~~فكتب إليه أحدهم يرجوه دحض تلك المزاعم فصنف كتابا سماه: «الإملاء في إشكالات ~~الإحياء». وما نريد الآن تلخيص هذا الكتاب، فهو في أيدي الناس، وإنما نذكر مقدمته ~~لنرى كيف ابتأس بما فعل أولئك المنكرون، فإن في هذا صورة لجانب من جوانبه ~~الأخلاقية، وهو يدلنا على الأقل على مبلغ ثقته بنفسه، وإيمانه بصحة ما جاء في ~~الإحياء، وعدم اكتراثه بآراء الناس. # قال: «سألت يسرك الله لمراتب العلم تصعد مراقيها، وقرب لك مقامات الولاية تحل ~~مغانيها، عن بعض ما وقع في الإملاء الملقب بإحياء مما أشكل على من حجب فهمه. وقصر ~~علمه، ولم يفز بشيء من الحظوظ الملكية قدحه وسهمه، وأظهرت التحزن لما شوش به شركاء ~~الطغام، وأمثال الأنعام، وأجماع العوام، وسفهاء الأحلام، وعار أهل الإسلام: حتى ~~طعنوا عليه. ونهوا عن قراءته، وأفتوا بمجرد الهوى على غير بصيرة باطراحه ومنابذته، ~~ونسبوا ممليه إلى ضلال وإضلال ونبذوا قراءه ومنتحليه بزيغ في الشريعة واختلال، فإلى ~~الله انصرافهم ومآبهم. وعليه في العرض الأكبر إيقافهم وحسابهم، فستكتب شهادتهم ~~ويسألون، # وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون ~~. # 1 # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا أفك ~~قديم، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم. ولكن ~~الظالمين في شقاق بعيد. ولا عجب فقد ثوى # 2 # دلاء الطريق وذهب أرباب التحقيق، فلم يبق ms068 في الغالب إلا أهل الزور ~~والفسوق متشبثين بدعاوى كاذبة، متصفين بحكايات موضوعة، متزينين بصفات منمقة، ~~متظاهرين بظواهر من العلم فاسدة، ومتقاطعين بحجج غير صادقة، كل ذلك لطلب دنيا أو ~~محبة ثناء، أو مغالبة نظراء. قد ذهبت المواصلة بينهم بالبر. وتآلفوا جميعا على ~~الفعل المنكر. وعدمت النصائح منهم في الأمر، وتصافوا بأسرهم على الخديعة والمكر، إن ~~نصحهم العلماء أغروا بهم، وإن صمت عنهم العقلاء أزروا عليهم، أولئك الجهال في ~~علمهم، الفقراء في طولهم، البخلاء عن الله عز وجل بأنفسهم، لا يفلحون ولا ينجح ~~تابعهم، ولذلك لا تظهر عليهم موارثة الصدق، ولا تسطع حولهم أنوار الولاية، ولا ~~تتحقق لديهم أعلام المعرفة، ولا يستر عوراتهم لباس الخشية، لأنهم لا ينالون أحوال ~~النقباء، ومراتب النجباء وخصوصية البدلاء، وكرامات الأوتاد، ولو عرفوا أنفسهم لظهر ~~لهم الحق. وعلموا علم أهل الباطن» ... إلى آخر ما قال. # وبقليل من التأمل نعرف من هذه المقدمة أن الغزالي يصر بعد أن نقده معاصروه على ~~التشبث بأذيال الصوفية. ويمكننا أن نتوقع ما سيجيب به في كل ما أخذ عليه من الوجهة ~~الشرعية، ويجب أن نفهم ذلك منذ الآن، لنخرج كل ما نقلناه في آرائه الأخلاقية من ~~الشذوذ هذا التخريج ولنرجع إسرافه في بعض المواطن إلى هذا الأصل الذي اختاره ~~وارتضاه وهو التصوف وإلا فمن هم النقباء، والنجباء، والبدلاء، والأوتاد، إن لم ~~يكونوا جماعة من المتصوفة الذين يستبيحون ما لا يباح ؟! # ومن أظرف ما أجاب به الغزالي فيما أخذ عليه من الأغلاط النحوية، أنه قليل الخبرة ~~بالنحو، ثم ما أجمل نصحه لتلامذته بأن يصلحوا ما يعثرون عليه من أشباه هذه الأغلاط! ~~ويا ليته نصح بمثل هذا في إصلاح ما ضل فيه من الأحكام! # الكذب على الغزالي # ومما يجب التنبه له أن الغزالي لم يسلم من الكذب عليه فقد وضعت المؤلفات باسمه، ~~واتجر به المضللون. ويذكر الزبيدي من هذه الكتب: «السر المكتوم في أسرار النجوم» ~~وينص على أن هذا الكتاب نسب أيضا إلى الفخر الرازي، وأنه سئل عنه فأنكره. ومما دس ~~على الغزالي ms069 كتاب: تحسين الظنون، وكتاب النفخ والتسوية، وكتاب المضنون به على غير ~~أهله. قال السبكي: ذكر ابن الصلاح أنه منسوب إليه، ثم قال: معاذ الله أن يكون له، ~~وبين سبب كونه مختلقا موضوعا عليه. قال الزبيدي: والأمر كما قال، فقد اشتمل على ~~التصريح بقدم العالم، ونفي القديم بالجزئيات، وكل واحد من هذه يكفر الغزالي قائلها ~~هو وأهل السنة أجمعون، فكيف يتصور أنه يقولها؟ # وقد ذكر الأستاذ الدكتور علي العناني في محاضراته بالجامعة المصرية أنه يبعد أن ~~يكون «المضنون به على غير أهله» هو ما بأيدي الناس، لأن هذا الكتيب الضعيف لا يدل ~~على المعنى الذي قصده الغزالي من «المضنون به على غير أهله» ويرجح الدكتور العناني ~~أن يكون «المضنون به على غير أهله» كتابا ضخما يشمل آراء الغزالي الفلسفية التي ~~يضن بنشرها على الجمهور. # وعندي أن رأي الدكتور العناني صواب لأمرين: الأول أن الغزالي كان ينصح دائما بأن ~~لا يلقى للعامة غير الكلام البسيط، فمن المعقول أن تكون له آراء خاصة تخالف ما في ~~كتاب الإحياء، وأمثال كتاب الإحياء الثاني ما ذكره الزبيدي من أن كتاب «المضنون به ~~على غير أهله» يشتمل على التصريح بقدم العالم ونفي علم القديم بالجزئيات، فإن هذه ~~المسائل لا توجد في النسخة التي يتداولها الناس. وقد رجح جورجي زيدان في فهرس تاريخ ~~«الآداب العربية» أن كتاب: «التبر المسبوك» مدسوس على الغزالي، وقد حاولت تحقيق ~~ذلك ، فوجدت ما يقرب رأي جورجي زيدان وما يبعده. أما ما يقربه فهو إسقاط اسم من ~~ترجمه من الفارسية. وظهور الكتاب بمظهر الضعف في كثير من الموضوعات، وأما ما يبعده ~~فهو تقارب مادته من مؤلفات الغزالي الأخلاقية، وإحالته على الإحياء في كلامه عن ~~رذيلة الغضب إلا أن يكون من دسه عليه غشى فعلته تلك بهذه القرائن الصناعية، التي ~~توهم القارئ أن لا وضع ولا اختلاق. ومما لا مرية فيه أن مصنفات وضعت باسم الغزالي، ~~فأما عددها فلا يزال مظنة الارتياب. # ولا يفوتنا في ختام هذا الباب أن نذكر القارئ بما لاحظناه فيما ms070 سلف من اختلاف ~~آراء الغزالي في كتبه، باختلاف سنه وصحته. فقد وضع مؤلفاته في ظروف مختلفة، كان في ~~بعضها يحكم العقل والشرع، وكان في بعضها يساير الصوفية في أوهامهم ووساوسهم. والرجل ~~في الواقع معذور، فقد كان يؤلف في أوقات لا تصلح مطلقا للتأليف، لأنه يشترط في ~~المؤلف ما يشترط في القاضي من الصحة وهدوء البال. # الباب الخامس # | في مباحث تمس الأخلاق # | تمهيد # نبين في هذا الباب قيمة العمل في ذاته، شر هو أم خير، حسن أم قبيح، ضار أم نافع. ثم ~~نتكلم عن الإرادة، وعن الضمير، وعن الأغراض والنتائج، والوسائل والغايات. وسبيلنا في ~~هذا الباب أن نجمل الآراء الفلسفية إجمالا لنبين بإزائها آراء الغزالي نوعا من ~~البيان. # الفصل الأول # | الخير والشر # العمل الذي يجب أن يعمل، أو يحسن أن يعمل، هو الخير والعمل الذي يجب أن لا يعمل، أو ~~ينبغي أن لا يعمل، هو الشر؛ فللخير درجات، وللشر درجات. # هذه لغة اليوم. أما الغزالي فكان تارة يسمي ما يجب أن يعمل واجبا، وما يحسن أن يعمل ~~مستحبا، وما يجب أن لا يعمل حراما وما ينبغي أن لا يعمل مكروها وما عدا أولئك فهو ~~مباح. # وكان تارة أخرى يقسم الأفعال إلى: حرام، وواجب، ومباح. أما الحرام فهو المقول فيه: ~~اتركوه ولا تفعلوه. وأما الواجب فهو المقول فيه: افعلوه ولا تتركوه. وأما المباح فهو ~~المقول فيه: إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه. # الحسن والقبيح # وربما قسم العمل إلى: حسن، وقبيح، ومباح، وإليك إجمال ما فصله في كتابه «المستصفى ~~في الأصول». # هناك اصطلاحات ثلاثة مختلفة في إطلاق لفظ الحسن والقبيح: # الأول: # إن الأفعال تنقسم إلى ما يوافق غرض الفاعل، وإلى ما يخالفه، ~~فالموافق يسمى حسنا، والمخالف يسمى قبيحا، والثالث يسمى ~~عبثا. # الثاني: # الحسن ما حسنه الشرع بالثناء على فاعله. ويقول الغزالي: يكون ~~المأمور به شرعا، ندبا كان أو إيجابا، حسنا، والمباح لا يكون ~~حسنا. # الثالث: # الحسن ما لفاعله أن يفعله، فيكون المباح حسنا مع ~~المأمورات. # والمقصود من هذه الاصطلاحات الثلاثة هو ما حسنه ms071 الشرع أو قبحه. وهنا يجزم الغزالي ~~بأن العمل لا يكون حسنا لذاته، ولا قبيحا لذاته، فيخالف المعتزلة الذين يقولون ~~بأن من الأعمال ما يدرك حسنه بضرورة العقل، كإنقاذ الغرقى والهلكى. ومعرفة حسن ~~الصدق، ومنها ما يدرك قبحه بضرورة العقل: كالكفران وإيلام البريء، والكذب الذي لا ~~غرض فيه. # ويحتج المعتزلة لذلك: بأننا نعلم قطعا أن من استوى عنده الصدق والكذب آثر الصدق، ~~ومال إليه إن كان عاقلا، وليس ذلك إلا لحسنه. وإن القوي إذا رأى ضعيفا مشرفا على ~~الهلاك يميل إلى إنقاذه، وإن كان لا يعتقد أصل الدين فينتظر ثوابا، ولا يوافق ذلك ~~غرضه، فقد يتعب به، بل يحكم العقلاء بحسن الصبر على السيف إذا أكره المرء إفشاء ~~السر أو نقض العهد. # ويجيب الغزالي: بأنه لا ينكر اشتهار هذه القضايا بين الخلق وكونها محمودة، ولكنه ~~يصر على أن مستندها: إما التدين بالشرائع وإما الأغراض. # مثارات الغلط # ولكن الأغراض قد تدق، فلا يتنبه لها إلا المحققون، من أجل ذلك نبه على مثارات ~~الغلط، وهي ثلاثة: # الأول: # إن الإنسان يطلق اسم القبح على ما يخالف غرضه، وإن كان يوافق غرض ~~غيره. فإن كل طبع مشغوف بنفسه، فيقضي بالقبح مطلقا، وربما يضيف ~~القبح إلى ذات الشيء، فيكون قد قضى بأمور ثلاثة، هو مصيب في واحد ~~منها، وهو أصل الاستقباح، ومخطئ في أمرين؛ أحدهما: إضافة القبح إلى ~~ذاته، إذ غفل عن كونه قبيحا لمخالفته غرضه، والثاني: حكمه بالقبح ~~مطلقا، ومنشؤه عدم الالتفات إلى غيره بل عدم الالتفات إلى أحوال ~~نفسه، فإنه قد يستحسن في بعض الأحوال عين ما يستقبحه إذا اختلف ~~الغرض. # الثاني: # ما هو مخالف للغرض في جميع الأحوال، إلا في حالة واحدة نادرة، قد ~~لا يلتفت إليها الوهم، بل لا تخطر بالبال، فيراه مخالفا في جميع ~~الأحوال، فيقضي بالقبح مطلقا، لاستيلاء أحوال قبحه على قلبه، ~~وذهاب الحالة النادرة عن ذكره. # الثالث: # سبق الوهم إلى العكس، فإن ما يرى مقرونا بالشيء يظن أن الشيء ~~أيضا مقرون به مطلقا لا محالة، ومثاله نفرة من نهشته ms072 الحية من ~~الحبل المبرقش اللون، لأنه وجد الأذى مقرونا بهذه الصورة فتوهم أن ~~هذه الصورة مقرونة بالأذى، فإن الوهم عظيم الاستيلاء على النفس، ~~ولذلك ينفر طبع الإنسان من المبيت في بيت فيه ميت، مع قطعه بأنه لا ~~يتحرك، ولكنه يتوهم في كل ساعة حركته ونطقه. # نقض حجة المعتزلة # وبعد أن بين الغزالي هذه المثارات أخذ يناقش ما احتج به المعتزلة وهو يرى أن ~~الإنقاذ إنما يترجح على الإهمال في حق من لا يعتقد الشرائع، لدفع الأذى الذي يلحق ~~الإنسان من رقة الجنسية، وهو طبع يستحيل الانفكاك عنه، وسببه أن الإنسان يقدر نفسه ~~في تلك البلية ويقدر غيره معرضا عنه وعن إنقاذه، فيستقبحه منه بمخالفة غرضه ويعود ~~فيقدر ذلك الاستقباح من المشرف على الهلاك في حق نفسه فيدفع عن نفسه ذلك القبح ~~المتوهم، فإن فرض في بهيمة أو في شخص لا رقة فيه، فهو بعيد تصوره. ويبقى أمر آخر: ~~هو طلب الثناء على إحسانه، فإن فرض حيث لا يعلم أنه المنقذ، فقد يتوقع أن يعلم ~~فيكون ذلك التوقع باعثا. فإن فرض في موضع يستحيل أن يعلم، فقد يبقى في النفس ميل ~~يضاهي نفرة طبع الملدوغ من الحبل المبرقش، وذلك أنه رأى هذه الصورة مقرونة بالثناء ~~فظن أن الثناء مقرون لها على كل حال، والمقرون باللذيذ لذيذ، كما أن المقرون ~~بالمكروه مكروه. # بل الإنسان إذا جالس من عشقه في مكان، فإنه يحس من نفسه بتفرقة بين ذلك المكان ~~وغيره، إذا انتهى إليه. ولذلك قال الشاعر: # أمر على الديار ديار ليلى # أقبل ذا الجدار وذا الجدارا # وما حب الديار شغفن قلبي # ولكن حب من سكن الديارا # وقال ابن الرومي: # وحبب أوطان الرجال إليهم # مآرب قضاها الشباب هنالكا # إذا ذكروا أوطانهم ذكرت لهم # عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا # وكذلك إخفاء السر، وحفظ العهد. إنما تواصى بهما الناس لما فيهما من المصالح. فمن ~~يحتمل في سبيلهما الضرر فإنما يحتمله لأجل الثناء، فإن فرض حيث لا ثناء، فقد وجد ~~مقرونا بالثناء، فيميل الوهم إلى المقرون باللذيذ ms073 وإن كان خاليا عنه. # تحرير هذا البحث # هذه خلاصة ما يراه الغزالي في تأييد أهل السنة، وتخطئة المعتزلة. وتكون النتيجة ~~على رأي أهل السنة أنه لا حسن ولا قبح قبل ورود الشرع، وأنه لا ثواب ولا عقاب قبل ~~ورود الشرع، وهذا الرأي خطأ من وجهين: # الأول: # مخالفته لجوهر الشريعة، فإن الشريعة إنما جاءت لهداية الناس، ولا ~~معنى للهداية غير إرشادهم إلى ما حسن أو قبح من الأفعال ليفعلوا ~~الحسن، ويجتنبوا القبيح. ولو كانت الأعمال خالصة في ذاتها من صفة ~~الحسن والقبح، لما كانت هناك حاجة إلى الشرائع، ولكان خيرا للناس ~~أن لا يحملوا أعباء التكاليف. # الثاني: # استهانته بالشخصية الإنسانية، فإنه إذا صح أن لا حكم للعقل قبل ~~ورود الشرع، فإن معنى ذلك أن الشخصية الإنسانية لا تصلح لفهم حقائق ~~الأشياء، وما أدري كيف صلحت بعد ذلك لحمل أمانة الدين ~~الحنيف؟ # والواقع أن الأشاعرة يجنون على العقل حين يحكمون بأن التحسين والتقبيح لا يكونان ~~إلا بالشرع، فالزنا عندهم قبيح، لا لضرره كما يحكم بذلك العقل، بل لأن الشرع حكم ~~بقبحه، وعلى ذلك لو حكم الشرع بحسن الزنا لكان حسنا، ولوجد الأشاعرة من أوجه ~~المغالطة ما يثبتون به أنه حسن، ولهذا الرأي نتيجة من أسوأ النتئاج، وهي الركون إلى ~~ما وقع في الشرائع من الأغلاط، فقد يندر أن تجد شريعة لم تمتد إليها يد التحريف، ~~فإذا شئت أن تتحاكم إلى العقل لتنقي الشرائع من أوشاب المسخ والتشويه، وقف في وجهك ~~الجهال باسم الدين، وقالوا ما لنا وللعقل؟ # إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون ~~! # 1 # الضار والنافع # لا يفرق الغزالي بين كلمة شر وكلمة ضار، كما يفعل علماء الأخلاق، فمن الواضح أني ~~قد أعمل عملا ضارا ولكنه غير شر، إذا حسنت النية، وخفي وجه الصواب. # لكن العمل الضار شر مطلقا عند الغزالي، لأن القاعدة عنده أن العمل ليس شرا إلا ~~لأنه ضار، وليس خيرا إلا لأنه نافع نعرف هذا من قوله في ص139 ج3 إحياء: «إن الكذب ~~ليس حراما لعينه، ms074 بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره.» ونعرفه كذلك من ~~تقسيمه الحرام إلى ما حرم لصفة في عينه، وما حرم لخلل في إثبات اليد عليه: فلا يحرم ~~من المعادن إلا ما يضر بالآكل، ولا يحرم من النبات إلا ما يزيل العقل، أو يضعف ~~الصحة، أو يزيل الحياة، ولا يحرم السم إذا خرج عن كونه مضرا، لقلته، أو لعجنه ~~بغيره. وحرمة المال المغصوب ظاهرة لأن الغصب إيذاء للغير، والإيذاء ضرر. # وإنما كان الضار شرا على كل حال، لأن الحاكم بالخير أو الشر هو الشرع. وعلم ~~الشريعة فرض على كل مسلم، والجاهل لا عذر له إلا إذا كان حديث عهد بالإسلام، وهو ~~عذر ضيق محدود، لا يوجد إلا في بعض الأحوال.» # العمل والاعتقاد # ولكن إذا غلب المرء على أمره، فاعتقد أن الشر خير، ثم عمل بمقتضى اعتقاده، فماذا ~~عسى أن يكون في رأي الغزالي؟ # يظهر لمن تأمل مؤلفاته: أنه يفرق بين الخير في العمل، والخير في الاعتقاد، إذ ~~يراه في ص47 من الجزء الثالث من الإحياء: # إذا حكم قلب المفتي بإيجاب شيء، وكان مخطئا فيه، صار مثابا عليه. بل من ~~ظن أنه تطهر فعليه أن يصلي. فإن صلى ثم تذكر أنه لم يتوضأ كان له ثواب ~~بفعله، فإن تذكر ثم تركه كان معاقبا عليه، ومن وجد في فراشه امرأة فظن ~~أنها زوجته لم يعص بوطئها، وإن كانت أجنبية فإن ظن أنها أجنبية ، ثم وطئها، ~~عصى بوطئها وإن كانت زوجته. # ويراه يقول في ص11 من كتابه «المنقذ من الضلال»: «والطبيعيون قوم أكثروا بحثهم عن ~~عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات. وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوان ~~فرأوا فيها من عجائب صنع الله وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الاعتراف بفاطر حكيم ~~مطلع على غايات الأمور، ولا يطالع التشريح وعجائب منافع الأعضاء مطالع، ألا ويحصل ~~له هذا العلم الضرروي بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان، ولا سيما الإنسان. إلا أن ~~هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظهر عندهم لاعتدال المزاج تأثير عظيم ms075 في قوى الحيوان، ~~فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضا، وأنها تبطل ببطلان مزاجه، ~~فتنعدم. ثم إذا انعدمت فلا يعقل إعادة المعدوم كما زعموا فذهبوا إلى أن النفس تموت ~~ولا تعود، فجحدوا بالآخرة. وهؤلاء أيضا زنادقة. لأن أصل الإيمان هو الإيمان بالله ~~وبالرسول واليوم الآخر، وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر وإن آمنوا بالله وبصفاته». # وتهافت الغزالي في هذا الحكم واضح، فقد قرر أن من يطالع التشريح وعجائب منافع ~~الأعضاء يحصل له العلم الضروري بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان والإنسان، فهو إذن ~~أقوى إيمانا وأرسخ عقيدة ممن لم يطالع التشريح. ولكن الباحث في منافع الأعضاء مضطر ~~إلى أن يؤمن بأثر المزاج فيما يعتري النفس من قوة وضعف، وهو بالتالي مضطر إلى ~~الإيمان بأن النفس تموت. وإذن فهو زنديق فيما يرى الغزالي! وكيف ذلك والغزالي يرى ~~أن من وجد على فراشه امرأة فظن أنها زوجته لم يعص بوطئها وإن كانت أجنبية!؟ # لقد صرح الغزالي في عدة مواطن من كتبه، بأن من حمل على شرب الخمر لا يحد، وصرح في ~~ميزان العمل بأن الأمزجة تشكل الأخلاق؛ فهو يرى الاختيار شرطا للمؤاخذة، كما أوضح ~~ذلك حين تكلم عن حديث النفس في الجزء الثالث من الإحياء، فكيف يحكم بكفر الرجل ~~العالم الذي أقنعه العلم مثلا بأن النفس تموت؟ أيرى الغزالي أن من المحرم شرعا أن ~~يدرس التشريح؟ وإذا كانت الشريعة تدعو إلى تحكيم العقل كما نطق بذلك القرآن ، أفليس ~~معنى ذلك أنه ليس للشريعة أن تضع بنفسها نتيجة ذلك التحكيم، وإلا كان إيمانا بقوة ~~الحديد؟ # الحق أن الغزالي مال كثيرا إلى ترضية العامة حين بحث صحة الإيمان، حتى رأيناه ~~يذكر أن المرء قد يتكلم بما هو كفر وهو لا يدري! # وما أغرب قوله في كتابه المنقذ من الضلال: «ثم رد أرسططاليس على أفلاطون وسقراط ~~ومن كان قبلهم من الإلهيين، ردا لم يقصر فيه حتى تبرأ من جميعهم، إلا أنه استقى ~~أيضا من رذائل كفرهم بقايا لم يوفق للنزوع منها. فوجب تكفيره، وتكفير متبعيه، من ms076 ~~المتفلسفة الإسلاميين: كابن سينا والفارابي، وأمثالهم». # والغزالي الذي أسرف هذا الإسراف في الحكم على الإيمان وفق كل التوفيق حين دعا إلى ~~حسن الظن بالناس. وانظر ما قاله في تحريم الغيبة بالقلب «ليس لك أن تعتقد في غيرك ~~سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل ... حتى إن من استنكه فوجد منه رائحة ~~الخمر لا يجوز أن يحد، إذ يقال يمكن أن يكون قد تمضمض بها ومجها وما شربها، أو حمل ~~على الشرب قهرا. فكل ذلك لا محالة دلالة محتملة فلا يجوز تصديقها بالقلب، وإساءة ~~الظن بالمسلم بها». # وعندي أن الرجل لا يكفر إلا إذا عرف الحق وعاند، فأي فليسوف رأى رأيا شاذا عن ~~حسن قصد فهو ناج، ولو كان رأيه يخالف الدين مخالفة صريحة. فكان من الحق على الغزالي ~~أن يقيم الأدلة على ما عند ابن سينا والفارابي من العناد، وسنعود إلى تفصيل هذا ~~الرأي في غير هذا الباب. # مقياس الخير والشر # ومع أن الغزالي قرر أن لا دخل للعقل في حسن العلم وقبحه وإنما الأمر في ذلك ~~للشرع، فقد رأيناه يقيس العمل بمقياس العقل والشرع معا، حين يريد أن يحكم: أخير هو ~~أم شر. فالعمل خير إذا وافق العقل والشرع، وشر إذا خالف العقل والشرع. # ولم يفرد الغزالي بابا لهذا البحث، ولكنه نوه بمدلوله في مواطن كثيرة، فقد جاء ~~في ص81 من ميزان العمل في تعريف السخاء ما نصه: «هو أن يتيسر عليك بذل ما يقتضي ~~الشرع والعقل بذله عن طوع ورغبة ويتيسر عليك إمساك ما يقتضي الشرع والعقل إمساكه عن ~~طوع ورغبة.» وجاء في ص136 من هذا الكتاب ما نصه: «وعماد عفة الجوارح كلها أن لا ~~يطلقها في شيء مما يختص بها إلا فيما يسوغه العقل والشرع وعلى الحد الذي يسوغه.» ~~وقال في ص57 من الجزء الثالث من الإحياء: «وأما قوة العدل فهو ضبط الشهوة والغضب ~~تحت إشارة العقل والشرع.» وقال في وصف العمل الصالح: «وذلك بأن يكون موزونا بميزان ~~العقل والشرع» ص22 ج3 إحياء. # إغفال الغزالي ms077 لهذا المقياس # هكذا يقاس الخير والشر بمقياس العقل والشرع فيما يرى الغزالي. ولكن ما هو الشرع؟ ~~وما هو العقل؟ # إن الغزالي نفسه وضع في الأخلاق أحكاما لا نظنها تستند على عقل أو دين! ولنضرب ~~مثلا بما وضعه لنظام الطعام. جاء في الميزان ص184 ما نصه: «وأما المطعم هو الأصل ~~العظيم. إذ المعدة مفتاح الخيرات والشرور، ولهذا أيضا ثلاث مراتب: أدناها قدر ~~الضرورة وهو ما يسد الرمق ويبقى معه البدن، وقوة العبادة وذلك يمكن تقليله بالعادة ~~تارة بتقليل الطعام شيئا فشيئا حتى يتعود الصبر عنه عشرة أيام وعشرين. وقد انتهى ~~الزهاد في القدر كل يوم إلى حمصة وبعضهم في الوقت إلى عشرين يوما وقيل أربعين. ~~وهذه رتبة عظيمة يقل من يستقل بها.» وقد أطال القول في فضائل الجوع في الربع الثالث ~~من الإحياء حتى قال: «روي أن عيسى عليه السلام مكث يناجي ربه ستين صباحا لم يأكل ~~فخطر بباله الخبز فانقطع عن المناجاة، فإذا رغيف موضوع بين يديه فجلس يبكي على فقد ~~المناجاة، وإذا شيخ قد أظله، فقال له عيسى: بارك الله فيك يا ولي الله، ادع الله ~~تعالى لي، فإني كنت في حالة فخطر ببالي الخبز فانقطعت عني! فقال الشيخ: اللهم إن ~~كنت تعلم أن الخبز خطر ببالي منذ عرفتك فلا تغفر لي! بل كان إذا خطر لي شيء أكلته ~~من غير فكر ولا خاطر!». # وقال أيضا: «الفائدة السابعة من فوائد الجوع: تيسير المواظبة على العبادة، فإن ~~الأكل يمنع كثرة العبادات لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل، وربما يحتاج إلى ~~زمان في شراء الطعام وطبخه، ثم يحتاج إلى غسل البدن والخلال، ثم يكثر ترداده إلى ~~بيت الماء لكثرة شربه والأوقات المصروفة إلى هذا لو صرفها إلى الذكر والمناجاة ~~وسائر العبادات لكثر ربحه». # ففي الكلمة الأولى نراه يدعو إلى تقليل كمية الطعام حتى تصل إلى حمصة، وتطويل ~~المدة حتى تصل إلى عشرين يوما أو أربعين، ثم يعد هذه الرياضة رتبة عظيمة. فيا ليت ~~شعري، أيرضى بذلك العقل، وهو لا يرضى ms078 بأقل من أن يكون المرء حيا، فيه فضائل ~~الحياة من قوة ونشاط؟ أم يرضى بذلك الشرع، وهو لا يرضى بأقل من أن يكون الرجل ~~جنديا يضرب في الأرض، ويحرس الثغور، ويرعب القوم الكافرين؟ # وفي الكلمة الثانية يصف عيسى بما لا ينبغي أن يوصف به الأنبياء، وإلا فكيف ينبغي ~~لنبي أن يناجي ربه ستين صباحا بلا طعام وهو مسؤول عن الدعوة إلى دينه، وقلما ينجح ~~في الدعوة ضعيف؟ هذه جرأة في وصف الأنبياء والمرسلين، فما أحسبهم إلا رجالا أشداء ~~تمت لهم صفات الفتوة والرجولة، أما هذه الرهبنة التي تصورها الغزالي فلا تنتج غير ~~الضعف والخمول، وما كان الأنبياء كسالى ولا واهنين. # وفي الكلمة الثالثة يستكثر على المريد أن يضيع وقتا في شراء الطعام وطبخه، ثم ~~غسل يده، وتخليل أسنانه، وما أدري كيف يسير الناس، إذا قاسوا الخير والشر بهذا ~~المقياس! # الواقع أن الغزالي وضع مؤلفاته في الأخلاق مشربة بنزعة صوفية بل صرح بأن مدار ~~أكثر كتابه الميزان على مذهب التصوف. والتصوف ليس مذهب الأحياء، ولكنه مذهب ~~الأموات. وما ظنك بمذهب يجيز للغزالي أن يصور للنظر للمستقبل بهذه الصورة المنكرة ~~حين يقول: «وأرفع الدرجات درجة من لا يلتفت إلى غده ويقصر همته على يومه ويومه على ~~ساعته، وساعته على نفسه، وقدر نفسه كل لحظة مرتحلا من الدنيا أو مستعدا ~~للارتحال». # وما أظن أمة تفهم الأخلاق هذا الفهم، ثم تقدر على الجلاد في عالم الأحياء. ولم ~~يبعد من وصف الأخلاق في رأي الغزالي بأنها أخلاق العبيد! # الفصل الثاني # | الإرادة # 1 # وردت كلمة الإرادة في كتب الغزالي لأغراض متعددة: فتارة يريد بها السلوك في طريق ~~الله، ومنها المريد الذي يرد كثيرا في كلامه ويريد به السالك في ذاك الطريق، طريق ~~الصوفية. # وللإرادة بهذا المعنى شرط يتقدمها: وهو رفع السد الذي بين المريد وبين الحق، وهذا ~~السد فيما يرى الغزالي أربعة أشياء: المال، والجاه، والمعصية، والتقليد. # ويرفع حجاب المال بخروج المريد عن ملكه، حتى لا يبقى له إلا قدر الضرورة. ويرفع ~~حجاب الجاه بالبعد عن ms079 مواطنه مع إيثار الخمول. ويرفع حجاب التقليد بترك التعصب ~~للمذاهب. أما المعصية فلا يرفعها إلا التوبة، والندم، والعزم على عدم العود والخروج ~~من المظالم. # والتجرد من هذه الحجب فيما يرى الغزالي كالتطهر للصلاة ولا بد للمصلي من إمام. ~~فكذلك لا بد للمريد من أستاذ، وقد وضع عدة آداب للمريد مع أستاذه، وليس ذلك مما ~~يعنينا الآن. ويكفي أن يعرف القارئ ما يقصد من كلمة مريد التي يكثر دورانها في ~~«الميزان» و«المنهاج» و«الإحياء». # 2 # وتارة يذكر الإرادة ويريد بها ما ينبعث عن المعرفة ويسخر القدرة، والإرادة بهذا ~~المعنى هي المقصودة عند علماء الأخلاق. ولها عند الغزالي أسماء مختلفة: فنراه حينا ~~يسميها القوة العاملة إذ يقسم قوى النفس الإنسانية إلى قوة عالمة، وقوة عاملة، ~~ويذكر أن الثانية «هي قوة ومعنى للنفس هو مبدأ حركة بدن الإنسان إلى الأفعال ~~المعينة الجزئية المختصة بالفكر والروية على ما تقتضيه القوة العالمة النظرية» ~~الميزان ص26. # ونراه حينا آخر يسميها النية. ويعنونها كذلك في الأربعين والإحياء. فلو أنك نظرت ~~في الفهرست لتعرف في أي موضع تكلم عن الإرادة، ثم نظرت في الفصل الذي شرحها فيه، ~~لما رأيتها الإرادة التي يتكلم عنها الأخلاقيون، وإنما رأيتها الإرادة التي عناها ~~الصوفية، واشتقوا منها كلمة مريد. فأما الإرادة التي هي من موضوعات الأخلاق، فاسمها ~~عند الغزالي النية، وله في شرحها كلام طويل. # 3 # يقول الغزالي: «إن النية والإرادة والقصد، عبارات متواردة على معنى واحد وهو حالة ~~وصفة القلب، ويكتنفها أمران: علم وعمل. والعلم يتقدم لأنه أصل وشرط. والعمل يتبع ~~لأنه ثمرة وفرع. وذلك لأن كل عمل، أعني كل حركة وسكون اختياري لا يتم إلا بثلاثة ~~أمور: علم، وإرادة، وقدرة. لأنه لا يريد الإنسان ما لا يعلمه، فلا بد وأن يعلم، ولا ~~يعمل ما لم يرد فلا بد من إرادة، ومعنى الإرادة انبعاث القلب إلى ما يراه موافقا ~~للغرض، إما في الحال، وإما في المآل.» ص381 ج4 إحياء. # ويقول: «النية هي الإرادة الباعثة للقدرة، المنبعثة عن المعرفة. وبيانه أن جميع ~~أعمالك لا ms080 تصح إلا بقدرة وإرادة وعلم، والعلم يهيج الإرادة، والإرادة باعثة للقدرة، ~~والمقدرة خادمة الإرادة.» ص162 من الأربعين. # وواضح أن الإرادة كما يراها الغزالي لا تختلف عما نراه الآن فإنك لا تجد فرقا ~~بين كلامه هذا وبين قول جول سيمون: «والواقع أننا لأجل أن نعمل يجب أن نريد، ولأجل ~~أن نريد يجب أن نعرف ماذا نريد، ولماذا نريده.» الواجب ص19. # 4 # ويقرر الغزالي فوق ما تقدم أنه لا يكفي أن يعلم الإنسان صواب العمل ليريده ~~وينفذه، بل لا بد من أن يقوي في نفسه كون الشيء موافقا له، فإذا جزمت المعرفة بأن ~~الشيء موافق ولا بد أن يفعل، وسلمت عن معارضة باعث آخر صارف عنه، انبعثت الإرادة، ~~ونهضت القدرة لتنفيذ المراد. # ويقرر كذلك أن نهوض القدرة للعمل قد يكون بباعث واحد، وقد يكون بباعثين اجتمعا في ~~فعل واحد. وإذا كان بباعثين فقد يكون كل واحد من القوة بحيث لو انفرد لكان كافيا ~~لإنهاض القدرة، وقد يكون كل واحد قاصرا عنه إلا بالاجتماع! وقد يكون أحدهما كافيا ~~لولا الآخر، ولكن قام الآخر بمعاونته. فالباعث الثاني إما شريك أو رفيق أو معين. ~~ولهذا التقسيم مزية في تقدير ما في العمل من خير أو شر بتقدير البواعث؛ فإن العمل ~~تابع للباعث عليه، فيكتسب الحكم منه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. بل ربما كانت ~~النيات أقوى في التقدير من الأعمال، ومن هنا كانت نية المرء خيرا من عمله، كما جاء ~~في الحديث الشريف، وكما ذكر الغزالي من أن أعمال الجوارح ليست مرادة إلا لتأثيرها ~~في القلب، ليميل إلى الخير، وينفر من الشر. # 1 # تربية الإرادة # تربى الإرادة فيما يرى الغزالي بتكرار طاعة الميل المحمود وتكرار مجاهدة ~~الميل المذموم. وفي ذلك يقول: «وإذا حصل الميل بالمعرفة فإنه يقوى بالعمل ~~بمقتضى الميل، والمواظبة على مقتضى صفات القلب تجري مجرى الغذاء والقوت لتلك ~~الصفات، فالمائل إلى طلب العلم أو طلب الرياسة لا يكون ميله في الابتداء إلا ~~ضعيفا، فإن اتبع مقتضى الميل، واشتغل بالعلم، وتربية الرياسة، والأعمال ms081 ~~المطلوبة لذلك، تأكد ميله ورسخ، وعسر عليه النزوع. وإن خالف مقتضى ميله ضعف ~~ميله وانكسر، وربما زال. بل الذي ينظر الى وجه حسن مثلا فيميل إليه طبعه ميلا ~~ضعيفا، ولو تبعه وعمل بمقتضاه فداوم على النظر، والمجالسة، والمخالطة، ~~والمحاورة، تأكد ميله حتى يخرج أمره عن اختياره فلا يقدر على النزوع عنه. ولو ~~فطم نفسه ابتداء، وخالف مقتضى ميله، لكان ذلك كقطع القوت والغذاء عن صفة الميل، ~~ويكون ذلك دفعا في وجهه حتى لا يضعف ... لأن بين الجوارح والقلب علاقة، حتى إنه ~~ليتأثر كل واحد منهما بالآخر. إلا أن القلب هو الأصل المتبوع، فكأنه الأمير ~~والراعي. والجوارح كالخدم والرعايا والأتباع». # والغزالي لا يرى للعمل قيمة بغير النية، وإن شئت الإرادة. وإذا كانت النية هي ~~التي تقوم بالعمل، فمن الخير أن تكون قوية، لأنه كما تكون الرغبة في عمل طيب، ~~أو النفرة من عمل خبيث، يكون جزاء العامل: فيكثر أجره إن قوي حبه للخير، وبغضه ~~للشر، ويقل فيما عدا ذلك. وقد نص في عدة مواطن من كتبه بأن المعول على القلوب، ~~حتى لنجده يذكر أن الصغيرة تنقلب كبيرة بالإصرار والمواظبة، أو بالاستهانة بما ~~لها من الخطر. وأن الكبيرة إذا وقعت بغتة، ولم يتفق إليها عود، واستعظمها ~~المرء، كانت مرجوة العفو، وفي ذلك يقول: ~~«فإن الذنب كلما استعظمه العبد من نفسه صغر عند الله، وكلما استصغره ~~كبر عند الله، لأن استعظامه يصدر عن نفور القلب منه، وكراهيته له، وذلك ~~النفور يمنع من شدة تأثره به. واستصغاره يصدر عن الألف له، وذلك يوجب ~~شدة الأثر في القلب، والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات والمحذور ~~تسويده بالسيئات.» ص33 ج3. # أهمية الارادة # الإرادة شرط للمسئولية، وشرط للجزاء. فالذي يعمل وهو ناس أو غافل لا يجازى ~~ولا يؤاخذ. وإنما كان الأمر كذلك فيما يرى الغزالي: لأن القلب لا يتأثر بما ~~يجري في الغفلة، والقلب عند الغزالي هو كل شيء، فليست الحسنة حسنة إلا لأنها ~~تصلحه، أو تزيد في صلاحه، ولسيت السيئة سيئة إلا لأنها تفسده أو تزيد في ms082 فساده. ~~والجريمة الهائلة إذا اقترفها المرء وهو مضطرب متردد لا خطر لها عنده، لأن ~~القلب لا يتأثر بما يفعل المرء وهو كاره، والهفوة التافهة عظيمة الخطر إذا ~~أتاها المرء وهو راض مسرور، لأنه بقدر ما تحلو السيئة يعظم أثرها في تسويد ~~القلب وإفساده. والذنب الواحد تختلف قيمته حين يأتيه رجلان: أحدهما عارف به، ~~وثانيهما جاهل له، فهو بالنسبة للأول كبيرة، وبالنسبة للثاني صغيرة، لأن ~~الإرادة تختلف قوة وضعفا باختلاف درجة العلم، إذ كانت ثمرة له. # ويقول الغزالي بعد كلام طويل: «فهكذا يجب أن تفهم تأثير الطاعات كلها، إذ ~~المطلوب منها تغيير القلوب، وتبديل صفاتها فقط دون الجوارح، فلا تظنن في وضع ~~الجبهة على الأرض غرضا من حيث إنه جمع بين الجبهة والأرض، بل من حيث إنه بحكم ~~العادة يؤكد صفة التواضع في القلب. ومن وجد في قلبه رقة على يتيم، فإنه إذا مسح ~~رأسه وقلبه تأكدت الرقة في قلبه.» ص284 ج4. # الجبر والاختيار # وقد اختلف العلماء، ولا يزالون مختلفين، في حرية الإرادة، فمنهم من يقول إنها ~~مجبورة، ومنهم من يقول إنها مختارة، ومنهم من يحكم بأنها دائرة بين الجبر ~~والاختيار. # وأنا أرجح الرأي الأخير، لأن الواقع أن هناك مؤثرات تحمل الإرادة على الاتجاه ~~إلى جهة معينة، كالوراثة، والصحة، والبيئة، والظروف الخاصة. والإرادة فيما عدا ~~ذلك حرة مختارة، فالذي ورث عن أبيه خلقا من الأخلاق يسير مضطرا إلى ما يوافق ~~ذلك الخلق. والذي يحمله ضعف صحته على اللدد في الخصومة لا يستطيع اجتناب هذه ~~الخصلة. والذي تقضي عليه البيئة التي يعيش فيها باحترام زي خاص، يشعر بالاضطرار ~~إلى التربي بهذا الزي. فأنا أستطيع نزع العمامة لألبس الطربوش، ولكني لا أستطيع ~~لبس القبعة، لأني مقهور على مسايرة الوسط الذي أعيش فيه، وإن زعمت أنني مختار. ~~والذي يقهره ظرف من الظروف على إتيان جريمة من الجرائم غير مختار. وسيرقى ~~القضاء يوما فيحلل الظروف التي وقعت فيها الجريمة ليتبين صحة المسئولية، ~~فكثيرا ما يعاقب المجرم وهو غير مسئول. # فإذا انتفت مواقع الاختيار فالإرادة حرة ms083 في الإقبال على الفعل، أو الانصراف ~~عنه. وفي هذه الحالة تصبح للخير قيمته، وللشر قيمته، ويصير الخير جديرا ~~بالمثوبة لأنه أحسن وهو مختار، والشرير خليقا بالعقوبة لأنه أساء وهو مختار. ~~أما المضطر إلى فعل الخير أو الشر لسبب من الأسباب فهو فيما أرى غير أهل للثواب ~~والعقاب. # والغزالي لا يقول بحرية الإرادة حرية مطلقة، ولا يعجزها العجز المطلق. ويقول: ~~«بل الله تعالى خلق القدرة والمقدور جميعا. وخلق الاختيار والمختار جميعا، ~~فأما القدرة فوصف للعبد وخلق للرب، وأما الحركة فخلق للرب، ووصف للعبد وكسب له، ~~فإنها خلقت مقدورة بقدرة هي كسب وصفة. وكانت الحركة نسبة إلى صفة أخرى تسمى ~~قدرة فتسمى باعتبار تلك النسبة كسبا. وكيف تكون جبرا محضا وهو بالضرورة يدرك ~~التفرقة بين الحركة المقدورة والرعدة الضرورية؟ أو كيف يكون خلقا للعبد وهو لا ~~يحيط علما بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وإعدادها؟ وإذا بطل الطرفان لم يبق ~~إلا الاقتصاد في الاعتقاد، وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعا، وبقدرة ~~العبد على وجه آخر من التعلق يعبر عنه بالاكتساب.» ص120 ج1 إحياء. # والواقع أن رأي الغزالي هذا لا يفصح عن قيمة ما في أعمال المرء من الاختيار، ~~فهي في رأيه ليست جبرا لأنها تفترق عن الرعدة وهي ليست اختيارا لأن المرء لا ~~يحيط بتفاصيل ما لحركاته من الأجزاء. مع أن الاختيار لا يتوقف إثباته على معرفة ~~الأجزاء والأعداد، لأن العمل الاختياري قد تكون له لوازم ضرورية، لا يتنبه لها ~~المرء، ولا تكون غفلته عنها قادحة في اختياره. # ويقرر الغزالي مع هذا «أن فعل العبد وإن كان كسبا له، لا يخرج عن كونه ~~مرادا لله سبحانه، فلا يجري في الملك والملكوت طرفة عين، ولا لفتة خاطر، ولا ~~فلتة ناظر، إلا بقضاء الله وقدرته، وبإرادته ومشيئته، ومنه الشر والخير، والنفع ~~والضر، والإسلام والكفر، والعرف والنكر، والفوز والخسر، والغواية والرشد، ~~والطاعة، والعصيان، والشرك والإيمان.» ص120 ج1. # 2 # وأنا لا أفهم ما هو هذا الكسب الذي يقره أهل السنة، ويتبعهم الغزالي في ~~إقراره. فهم لا يقولون ms084 بأن العبد مضطر، وإلا كانوا جبرية، والجبرية في رأيهم ~~خاطئون. ولا يقولون بأنه مختار، وإلا كانوا معتزلة، وهم قد سلقوا المعتزلة ~~بألسنة حداد. فلم يبق إلا أن العبد لا هو حر ولا هو مختار، وإنما هو مكتسب، ~~وهذا الكسب أيضا مراد الله. إذن فما الذي بقي للعبد المسكين! # الحق أن هذه وسوسة أوقعهم فيها الخلاف! # وأساس هذه الوسوسة أنهم يحسبون حرية الإرادة خروجا عن الله من ملكوته، ~~والغزالي يضرب المثل بزعيم الضيعة يستنكف أن يكون لأحد العمال رأي معه، وما كان ~~أغناه عن ضرب هذه الأمثال! # إن حرية الإرادة الإنسانية لا تضر الله شيئا، فما بال أهل السنة يأبون إلا ~~أن تكون طرفة عين، وهي حركة طبيعية، أثرا لإرادة الله؟ # ولا قيمة لما يجيب به المتعسفون من أن اختراع الله للقدرة كاف في إقرار الكسب ~~للمرء، فإنه لا خلاف في أن الله واهب القدرة، ولكن ليس معنى ذلك أنه يسيرها أنى ~~شاء، ومتى شاء، وإلا كان التكليف ضربا من العبث، ولو كره المتكلفون. فلم يبق ~~إلا أن الإرادة حرة، وذلك هو ما وضع الله من قانون، فلا يبتئسوا بما ~~نقول! # على أن العهد قريب بما قال الغزالي في تربية الإرادة، فإذا كان ما أريده هو ~~ما يريد الله، فأي الإرادتين تربو؟ إن هذا إلا تناقض. # ونعود فنكرر أنه قرر في مكان آخر من الإحياء «أن النية غير داخلة تحت ~~الاختيار»، وقد عرفت أنه يريد بالنية الإرادة، وأن رأيه وسط بين الجبر ~~والاختيار، أفلا يكون متناقضا في حكمه: تارة بأن النية حرة، وتارة بأنها ~~مجبورة؟ # الحقيقة أن الإرادة التي يقرر الغزالي أنها غير مختارة ليست هي الإرادة بمعنى ~~القصد، وإنما ذلك ما يسمى إرادة صادقة، وهي التي يعقبها التنفيذ، فمن الجائز أن ~~أقصد إلى أي عمل في أي وقت، ولكن ليس في مقدوري أن أرغب رغبة صادقة في كل ما ~~يعن لي من الأعمال، في جميع الأحيان. وفي ذلك يقول الغزالي: «فقد تتيسر في بعض ~~الأوقات، وقد تتعذر في بعضها. نعم ms085 من كان الغالب على قلبه أمر الدين تيسر عليه ~~في أكثر الأحوال إحضار النية للخيرات، فإن قلبه مائل بالجملة إلى أصل الخير ~~فينبعث إلى التفاصيل غالبا، ومن مال قلبه إلى الدنيا وغلبت عليه لم يتيسر له ~~ذلك. بل لا يتيسر له في الفرائض إلا بجهد جهيد، وغايته أن يتذكر عذاب النار أو ~~نعيم الجنة، فربما تنبعث له داعية ضعيفة فيكون ثوابه بقدر رغبته ونيته». # وخلاصة رأي الغزالي أن المرء حر في الإقبال على ما شاء من الأعمال. وإن كان ~~في إقباله إنما ينفذ إرادة الله، ولكنه ليس صادق النية في كل حين، وإنما تصدق ~~النية بالترغيب في الجنة والتخويف من النار. # ولا يفوتنا أن ننبه على ما دعا إليه في تربية الخلق من مخالطة الأخيار، فإن ~~في ذلك اعترافا ضمنيا بتأثير الوسط في الإرادة الإنسانية، ونقله إياها من ~~حال إلى حال. وهذا نوع من الجبر، ولكنه جبر معقول. # الفصل الثالث # | الضمير # هو صوت ينبعث من أعماق الصدور، آمرا بالخير، أو ناهيا عن الشر، وإن لم ترج مثوبة، ~~أو تخش عقوبة. # والغزالي كما رأيت لا يرى شيئا حسنا لذاته، أو قبيحا لذاته، فالشرع هو المكيف ~~للأعمال حسنا وقبحا، فلا مجال بالطبع لأن يفرد بابا للضمير، إذ كان التكليف إنما ~~ينزل من السماء. والضمائر لا ترد في كلامه إنما يريد بها مكنونات الصدور، وهي والسرائر ~~من باب واحد. والإنسان فيما يرى ليس مسئولا عن مراقبة ضميره، إذ هو لا يعرف الضمير. ~~وإنما يسأل عن مراقبة ربه، وخشيته، في السر والعلانية، فليس هناك جارحة باطنية تدرك ~~بالخير والشر، وإن لم تتعرض لهما الشرائع، وإنما هناك رب يعلم خائنة الأعين وما تخفي ~~الصدور، والمرء من خشيته مسئول. # غير أنه لا يصح لنا أن ننسى أن هناك أسبابا لنشوء الضمير، فالفلسفة توجد لدارسها ~~نوعا من الشعور بالمسئولية إزاء بعض الجوانب، والأخلاق توجد للباحث فيها نوعا من ~~إدراك الواجب، والشريعة كذلك تورث المتدين بها نوعا من الوجدان. # ولا نبعد عن الصواب إذا قررنا أن الغزالي يؤمن ms086 بالنوع الأخير من الضمير، وإن لم ينوه ~~به، ولم يختصه بالبيان. وإليك قوله في ص85 ج1 من الإحياء: «ومنها أن يكون اعتماده في ~~علومه على بصيرته، وإدراكه بصفاء قلبه، لا على الصحف والكتب ولا على تقليد ما يسمعه من ~~غيره.» وقد ردد في كتبه هذا الحديث «الإثم ما حاك في صدرك، وإن أفتوك وأفتوك» وليس ذلك ~~إلا إشادة بهذه الحاسة الباطنية التي يفزع المرء إليها عندما يلتبس عليه وجه الصواب. ~~إلا أنه يجب أن نعرف أن نص الشريعة من كتاب أو سنة هو عنده فوق الفتوى وفوق ~~الضمير. # والحق أن الضمير لا وجود له في ذاته، حتى نؤاخذ الغزالي بإغفاله، وإنما ينشأ من ~~الشرائع الوضعية والسماوية. حتى إنك لتجد لكل شعب ضمائر تخصه بالذات، حسبما توحي ~~التقاليد. فمثلا جريمة السرقة كانت فضيلة عند بعض الشعوب، وكان من تنقصه فيها المهارة ~~عرضة لاحتقار الرأي العام، ولذع الضمير! ونهب مال الغريب لا حرج فيه عند فريق من ~~القبائل البربرية، فمن الواضح أنهم لا يقاسون عند نهبه تأنيب الضمير. بل الشخص الواحد ~~يختلف ضميره باختلاف سنه، فيكون ضميره في سن العشرين، أضعف أو أقوى منه في سن الثلاثين، ~~حسبما توجب الظروف. ومن هنا صح لشاعر أن يقول: # يقولون هل بعد الثلاثين ملعب # فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب؟ # كما صح لغيره أن يقول: # صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه # فلما علاه قال للباطل أبعد # وعندي أن فكرة الضمير إذا صح أن تكون عامة، فيجب أن تقصر على المنافع البشرية. على ~~معنى أن الضمير هو الحاسة التي تتألم لما يتوجع له الإنسان من حيث هو إنسان، بغض النظر ~~عن دينه ووطنه ومذهبه. فإن للإنسانية وشائج لا ينال منها اختلاف المذاهب، ولا تباين ~~اللغات، ولا تباعد الأقطار. # الفصل الرابع # | الأغراض والنتائج # هل يكون العمل خيرا باعتبار نتيجته، أو باعتبار المقصود منه؟ وبعبارة أوضح: هل يكون ~~خيرا لأني أردت به الخير، أو لأنه أنتج الخير، وإن لم أرد ذلك؟ # ويظهر أنه لاستخلاص رأي الغزالي في الجواب ms087 على هذا السؤال، ينبغي أن نسايره في ~~الأعمال المختلفة، لنعرف رأيه في كل نوع منها على انفراد. # وقد رأيناه يقسم أعمال الإنسان إلى طاعات ومعاص ومباحات. أما الطاعات فلا تكون خيرا ~~إلا بالنية، وهي الغرض في التعبير الحديث. ويقول في ذلك: «إن العمل تابع للباعث عليه ~~فيكتسب الحكم منه. ولذلك قيل: «إنما الأعمال بالنيات» لأنها تابعة لا حكم لها في نفسها ~~وإنما الحكم للمتبوع.» وهو يستنتج بناء على هذا الأساس أنه لا قيمة للصوم إذا أراد ~~الصائم الانتفاع بالحمية، ولا للعتق إذا أراد السيد أن يتخلص من مؤونة عبده، ولا للحج ~~إذا أراد المرء أن يصح مزاجه بالحركة والانتقال، ولا للغزو إذا أحب الشخص أن يتعلم ~~أسباب الحروب؛ لأن النية لا تصح عند الغزالي إلا إذا خلصت من الشوائب، وتقرب العبد بها ~~إلى الله. ولا مانع عنده من وجود باعث آخر، ويسميه الباعث النفسي، على شرط أن يكون أضعف ~~من الباعث الأصلي، فإن كان مساويا له صار العمل لا له ولا عليه كما يقول. وإن كان أقوى ~~منه فهو مضر ومفض للعقاب. # والغزالي ينصح بالتدبير قبل الشروع في الطاعة ليعرف المرء أي الباعثين أقوى: باعث ~~النفس أو باعث القربة، وأي النصيبين أوفى: نصيب الله أم نصيب الشيطان. ولكنه يقول: «ومع ~~هذا فلا ينبغي أن يترك العمل عن خوف الآفة والرياء فإن ذلك منتهى بغية الشيطان منه، إذ ~~المقصود أن لا يفوت الإخلاص. ومهما ترك العمل فقد ضيع العمل والإخلاص جميعا». # ويلاحظ أن في هذا تناقضا مع حكمه على العمل الذي غلب فيه الباعث النفسي بأنه مضر ~~ومفض للعقاب، والعمل الذي يضر ويفضي للعقاب، لا يكون تركه منتهى بغية الشيطان، فكان على ~~الغزالي أن يفرق بين العمل في ذاته وبين غرض العامل منه، لأن العمل الطيب غير ضار في ~~ذاته، وإن ساء الغرض منه، والمفروض أننا نتكلم عن أعمال هي في نظر الشرع طاعات، وهي في ~~ذاتها خير ونافعة، فكيف تنقلب بسبب النية ضارة؟ # ولم يفرق الغزالي بين الأعمال الاجتماعية والأعمال ms088 الفردية، فمن الواضح أن بعض ~~الأعمال يرجع إلى فائدة المرء وحده كالعبادات وبعضها يرجع نفعه إلى جمهور الناس. وما ~~أحسب الغزالي ينهي عن الأعمال الاجتماعية، مهما ساء القصد، إذ لا أقل من أن تكون ~~تمرينا للنفس على عمل الخير. وقد صرح في غير موطن بأن التخلق مفض إلى الخلق، ومتى كان ~~العمل نافعا للناس فالدعوة إليه واجبة، والعامل حر في الاستفادة من حسن نيته إن ~~شاء. # وأما المعاصي فهي شر على كل حال. والغزالي هنا يقدر النتائج، فمن عمل شرا عن جهل ~~فهو آثم، ولا عذر له من جهله لأن الجاهل غير معذور إلا إذا كان قريب عهد بالإسلام، وهذا ~~عدو محدود. وقد علمت أنه يرى أن المعصية شر لأنها ضارة ورأيت كذلك أن فاعل المعصية آثم ~~وإن لم يعلم وجه إثمه، فتحتم أن تكون العبرة هنا بالنتائج لا الأغراض بخلاف الطاعات فقد ~~تنقلب معاصي صرفة إذا خبثت النية، كمن يتعلم العلم ليستميل الناس. # الفصل الخامس # | الوسائل والغايات # إذا كانت الغاية شريفة، فلا يجب فيما يرى الغزالي أن تكون الوسيلة دائما شريفة، ~~فالغاية عنده تبرر الوسيلة. وقد أوضح هذا حين تكلم عن المواطن التي يجوز فيها الكذب ~~فقال: «الكلام وسيلة إلى المقصود، فكل مقصود محمود يمكن الوصول إليه بالصدق والكذب ~~جميعا، فالكذب فيه حرام إن أمكن التوصل إليه بالصدق، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون ~~الصدق فالكذب فيه مباح، إن كان تحصيل ذلك القصد مباحا، وواجب إن كان المقصود واجبا. ~~وكما أن عصمة دم المسلم واجبة، فمهما كان في الصدق سفك دم امرئ مسلم قد اختفى من ظالم، ~~فالكذب فيه واجب. ومهما كان لا يتم مقصود الحرب، أو صلاح ذات البين، أو استمالة قلب ~~المجني عليه، إلا بالكذب فالكذب مباح.» # 1 # وبعد أن بين الحالات الثلاث التي يجوز فيها الكذب كما نص الحديث، وهي الصلح ~~والحرب ومحادثة المرأة، قال: «فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء، وفي معناها ما ~~عداها إذا ارتبط به غرض مقصود صحيح له أو لغيره.» # 2 # ثم ms089 ضرب لذلك الأمثال الآتية: ~~(1) # أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله فله أن ينكره. ~~(2) # أن يأخذه سلطان فيسأله عن فاحشة ارتكبها بينه وبين الله فله أن ينكر ذلك، ~~إذ للرجل أن يحفظ دمه وماله وعرضه بلسانه، وإن كان كاذبا. ~~(3) # أن يسأل عن سر أخيه فله أن ينكره. ~~(4) # أن يصلح بين الضرائر من نسائه، بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه. # وقد تنبه الغزالي إلى خطر هذا الباب، فبين أن الكذب لا ينبغي أن يقترف كلما كانت له ~~فائدة، بل يجب أن تكون فائدته أقوى وأظهر من فائدة الصدق، وإلا وجب أن يكون الرجل من ~~الصادقين. وانظر قوله: «ولكن الحد فيه أن الكذب محظور، ولو صدق في هذه المواضع تولد منه ~~محظور، فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر ويزن بالميزان القسط، فإذا علم أن المحظور الذي ~~يحصل بالصدق أشد وقفا في الشرع من الكذب فله الكذب. وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود ~~الشرع فيجب الصدق. وقد يتقابل الأمران بحيث يتردد فيهما، وعند ذلك الميل إلى الصدق ~~أولى. لأن الكذب يباح بالضرورة، ولحاجة مهمة. فإن شك في كون الحاجة مهمة فالأصل ~~التحريم.» ص141 ج3. # غير أن هذه الحيطة لا تلزم الرجل فيما يرى الغزالي إلا إذا كان يترك الكذب لغرض من ~~أغراضه. أما إذا تعلق بغرض غيره فلا تجوز المسامحة بحق الغير، والإضرار به. وهذا من ~~الغزالي نظر بعيد. # وقد استثنى من الكذب للمصلحة، الكذب على رسول الله بوضع الأحاديث في فضائل الأعمال، ~~وفي التشديد في المعاصي، فليس هذا من الأغراض التي تقاوم محظور الكذب على رسول الله، ~~فإن الكذب عليه من الكبائر التي لا يقاومها شيء. # وضع القصص # وبهذه المناسبة، نذكر أن الغزالي صرح في الجزء الأول من الإحياء ص37 «من الناس من ~~يستجيز وضع الحكايات المرغبة في الطاعات، ويزعم أن قصده فيها دعوة الخلق إلى الحق» ~~وهو يرى أن «هذه نزعات الشيطان، فإن في الصدق مندوحة عن الكذب» وهذا منه إسراف. بل ~~هو نفسه أول من يؤاخذ على وضع القصص إن ms090 كان في وضعها مؤاخذة. ويكفي أن نعرف أنه ~~يذكر في كتبه من قصص الأنبياء والصالحين، ما لم يقم على صحته أي دليل. والرواية ~~الكاذبة ليست أقل خطرا من التأليف! # وكما جاز الكذب في سبيل الغاية، كذلك تجوز في سبيلها الغيبة. وقد صرح الغزالي ~~بجواز الغيبة في المواطن الآتية: ~~(1) # التظلم، فإن من ذكر قاضيا بالظلم والخيانة وأخذ الرشوة، كان مغتابا ~~عاصيا. أما المظلوم من جهة القاضي فله أن يتظلم إلى السلطان وينسبه ~~إلى الظلم، إذ لا يمكنه استيفاء حقه إلا به. ولا أدري لم لا تستباح ~~أعراض الظالمين؟ ~~(2) # الاستعانة على تغيير المكروه، ورد المعاصي إلى منهج الطاعة. ~~(3) # الاستفتاء، كما يقول للمفتي: ظلمني أبي أو زوجي أو أخي، وكيف طريقي ~~إلى الخلاص. والأسلم التعريض، ولكن التعيين مباح بهذا العذر. ~~(4) # تحذير المسلم من الشر، فإذا رأيت فقيها يتردد إلى مبتدع أو فاسق، ~~وخفت أن تتعدى إليه بدعته وفسقه. فلك أن تكشف له بدعته وفسقه. متى كان ~~الباعث لك الخوف عليه من سراية البدعة لا غير. واحذر أن يكون الحسد هو ~~الباعث! ~~(5) # أن يكون المغتاب مجاهرا بالفسق، بحيث لا يستنكف من أن يذكر له، ولا ~~يكره أن يذكر به. # وهنا يحتاط الغزالي: فيبين أنه ليس لك أن تغتاب المجاهر بفسقه إلا بما يتجاهر به. ~~فمن كان يشرب الخمر فليس لك أن تذكر زناه، إذا كان يستره، وهذا منه نظر دقيق. ~~والغاية الشريفة تبيح النميمة، كما أباحت الكذب والغيبة. فللإنسان أن ينم، إذا كان ~~في النميمة فائدة لمسلم، أو دفع لمعصية. كما إذا رأى من يتناول مال غيره فعليه أن ~~يشهد به، دفعا للجاني عن المعصية، وردا لحق المأخوذ ماله. والنميمة في هذا ~~المثال إذا كانت ضرا في جانب الظالم، فهي نفع في جانب المظلوم، وهو أولى ~~بالإسعاف. بل دفع الظالم عن الظلم خير له في حاضره، وإبعاد له عن الضر في مستقبله، ~~إذا كان مستعدا للإقلاع عن الفساد. # الباب السادس # | في الأخلاق # | تمهيد # كلمة أخلاق وجدت قبل الغزالي، ففي الحديث «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ms091 وقد عرف العرب ~~فيما عرفوا عن اليونان كتابا لأرسطو في الأخلاق، ووضع ابن مسكويه كتابا في صناعة ~~تهذيب الأخلاق، ويوشك كتابه ذاك أن يكون كتابا في علم الأخلاق، على نحو ما كان يفهم ~~اليونان، ومن اقتفى أثرهم من فلاسفة المسلمين. # والذي يعنيني الآن هو علم الأخلاق كما فهمه الغزالي. وأقرر أني بعد مراجعة كتبه لم ~~أجده يساير من تقدمه من مجددي الفلسفة اليونانية، وإنما يفهم من علم الأخلاق شرح طرائق ~~السلوك، وفقا لما سنته الشريعة السمحة، ورسمه الصوفية، ومن نحا نحوهم من الفقهاء. ~~ولعلم الأخلاق فيما يريد أسماء متعددة: فهو تارة يسميه علم طريق الآخرة، وأخرى يسميه ~~علم صفات القلب، وحينا يسميه أسرار معاملات الدين، وربما سماه أخلاق الأبرار، وهو اسم ~~لبعض مؤلفاته. وأهم كتبه في الأخلاق نجده سماه إحياء علوم الدين. فعلم الأخلاق عنده هو ~~تكييف النفس وردها إلى ما رسمته الشريعة وخطه رجال المكاشفة من علماء الإسلام، ومن ~~سبقهم من الأنبياء والصديقين والشهداء. # وإذا كنا نجد ابن مسكويه مثلا يستشهد كثيرا بكلام أرسططاليس وجالينوس، ويتحدث عن ~~الرواقيين، ومن إليهم من الحكماء، فإنا نجد الغزالي يؤيد أبحاثه بكلام ابن أدهم ~~والتستري، والمحاسبي، ومن إليهم من الصوفية، وربما نقل ما روي عن عيسى موسى، ومن إليهم ~~من الأنبياء. # تعريف الخلق # نرى الغزالي في ص56 من «الميزان» يعرف الخلق الحسن بأنه إصلاح القوى الثلاث: قوة ~~التفكير، وقوة الشهوة، وقوة الغضب، ونراه في ص64 منه يعرف الخلق الحسن بفعل ما يكره ~~المرء. ويستشهد بالحديث: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات.» وبالآية # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم # 1 # ونراه يقول في ص47: «وأما حسن الخلق فبأن يزيل جميع العادات السيئة ~~التي عرف الشرع تفاصيلها ويجعلها بحيث يبغضها فيتجنبها كما يتجنب المستقذرات، وأن ~~يتعود العادات الحسنة ويشتاق إليها فيؤثرها ويتنعم بها». # وإنما ذكرنا هذه التعاريف المبهمة، التي لا تغني شيئا في التحديد، لندل على ميل ~~الغزالي إلى الخطابيات، فقد لا تخلو منها صفحة من كتبه ms092 في الأخلاق. # ولكنه في ص56 ج3 إحياء عرف الخلق تعريفا دقيقا فقال: «الخلق عبارة عن هيئة في ~~النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت ~~الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا، سميت تلك الهيئة ~~خلقا حسنا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر ~~خلقا سيئا.» ثم ذكر أن الخلق ليس هو فعل الجميل أو القبيح، ولا القدرة على الجميل ~~أو القبيح، ولا التمييز بين الجميل والقبيح. وإنما هو الهيئة التي بها تستعد النفس ~~لأن يصدر عنها الإمساك والبذل. ثم قال: فالخلق إذن هو عبارة عن هيئة النفس وصورتها ~~الباطنة. # الفصل الأول # | تربية الخلق # ليس للغزالي رأي محدود في الفطرة البشرية: فهو تارة يراها خالصة تصلح لكل شيء، وتقبل ~~كل صورة، وتارة يراها أميل إلى الخير منها إلى الشر. يدل على ذلك قوله: «وإذا كانت ~~النفس بالعبادة تستلذ الباطل وتميل إليه وإلى القبائح، فكيف لا تستلذ الحق لو ردت إليه، ~~والتزمت المواظبة عليه؟ بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج عن الطبع، يضاهي ~~الميل إلى أكل الطين، فقد يغلب على بعض الناس ذلك بالعادة، فأما ميله إلى الحكمة وحب ~~الله تعالى، ومعرفته، وعبادته، فهو كالميل إلى الطعام والشراب: فإنه مقتضى طبع القلب، ~~لأنه أمر رباني، وميله إلى مقتضيات الشهوة غريب عن ذاته، وعارض على طبعه.» ص63 ~~ج3. # وما نريد أن نناقش هذا الرأي بأكثر من أن نلفت النظر إلى أن الميل إلى مقتضيات الشهوة ~~لا يبعد كثيرا عن الميل إلى الطعام والشراب، فهو جزء من الفطرة البشرية، كما أن الميل ~~إلى الخير جزء من الفطرة البشرية، وإنما توجه النفس بمقتضى الظروف. فكما أن المرء لا ~~يشتهي في كل لحظة أن يكون خيرا أو شريرا، وإنما يظهر ميله إلى الخير حين يوجد موجب ~~الخير، ويظهر ميله إلى الشر حين يوجد موجب الشر. بل قد تقوى الموجبات حتى ترد الرشيد ~~غويا أو ترد الغوي رشيدا. ولولا صلاح الفطرة ms093 للخير والشر لما احتجنا الى تربية ~~الأخلاق. # كيف يربى الخلق # يرى الغزالي أن من الناس من ولد حسن الخلق بفطرته، بحيث لا يحتاج إلى تعليم، ولا ~~إلى تأديب كعيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، عليهما السلام، وكذا سائر الأنبياء. ولا ~~يبعد فيما يرى أن يكون في الطبع والفطرة ما قد ينال بالاكتساب، فرب صبي خلق صادق ~~اللهجة سخيا جريئا. # وما أريد أن أناقش الغزالي في حكمه بأن الأنبياء لا يحتاجون إلى التعليم ~~والتأديب، ويكفي أن أذكر أن عصمة الأنبياء - في غير تبليغ الرسالة - كانت مما اختلف ~~فيه العلماء، وأن في القرآن شواهد كثيرة على غفران ما تقدم وما تأخر للنبي # صلى الله عليه وسلم # من الذنوب. # والطريق إلى تربية الخلق فيما يرى الغزالي هو التخلق: أي حمل النفس على الأعمال ~~التي يقتضيها الخلق المطلوب. فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود فعليه أن ~~يتكلف فعل الجود: وهو بذل المال، حتى يصير ذلك طبعا له. # والغزالي يهتم كثيرا برياضة النفس على ما يرغب المرء فيه من مكارم الأخلاق، ويرى ~~كسب الخلق بسبب التخلق من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح، ويقول في ذلك: # كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلا على وفقها ~~لا محالة. وكل فعل يجري على الجوارح فإنه قد يرتفع منه أثر إلى القلب. ~~ويعرف ذلك بمثال: وهو أن من أراد أن يصير الحذق في الكتابة صفة نفسية له ~~حتى يصير كاتبا بالطبع، فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه ~~الكاتب الحاذق ويواظب عليه مدة طويلة، يحاكي الخط الحسن، فيتشبه بالكاتب ~~تكلفا. ثم لا يزال يواظب عليه حتى يصير صفة راسخة في نفسه، فيصدر منه في ~~الآخر الخط الحسن طبعا، كما كان يصدر منه في الابتداء تكلفا. فكان الخط ~~الحسن هو الذي جعل خطه حسنا. ولكن الأول بتكلف، إلا أنه ارتفع منه أثر إلى ~~القلب. ثم انخفض من القلب إلى الجارحة، فصار يكتب الخط الحسن بالطبع. وكذلك ~~من أراد أن ms094 يصير فقيه النفس، فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعال الفقهاء، وهو ~~التكرار للفقه. حتى تنعطف منه على قلبه صفة الفقه، فيصير فقيه ~~النفس. # ومن هنا كان الغزالي يرى أن الكبيرة الواحدة لا توجب الشقاء المؤبد، لأنها بدون ~~التكرار لا تصبح صفة للنفس. ولا معنى للشقاء المؤبد إلا أن تصير إحدى الرذائل صفة ~~نفسية لأحد الناس. # الفصل الثاني # | إمكان تغيير الخلق # لهذا الفصل علاقة ظاهرة بالفصل الذي قبله، فإن تربية الخلق معلقة على إزالة الخلق ~~السيئ. ويرى الغزالي أن تغيير الخلق ممكن ويقول في ذلك تعليقا على قوله عليه السلام: ~~«حسنوا أخلاقكم» لو لم يكن ممكنا لما أمر به، ولو امتنع ذلك لبطلت الوصايا والمواعظ ~~والترغيب والترهيب، فإن الأفعال نتائج الأخلاق، كما أن الهوى إلى أسفل نتيجة الثقل ~~الطبيعي، بل كيف ينكر تهذيب الإنسان مع استيلاء العقل، وتغيير خلق البهائم ممكن إذ ~~ينتقل الصيد من التوحش إلى التأنس، والفرس من الجماح إلى السلاسة». # ويظهر أن الغزالي شهد من يرى أن الخلق كالخلق لا يمكن تغييره، وإلا كان طمعا في ~~تغيير خلق الله، وقد ذكر في ذلك أن خلق الله قسمان: قسم لا فعل لنا فيه، كالسماء ~~والكواكب، وقسم فيه قوة لقبول كمال بعده، إذ وجد شرط التربية. وتربيته قد تتعلق ~~بالاختيار، فإن النواة ليست بتفاح ولا نخل، ولكنها قابلة بالقوة لأن تصير نخلا ~~بالتربية، وغير قابلة لأن تصير تفاحا، وإنما تصير نخلا إذا تعلق بها اختيار الآدمي في ~~تربيتها ويقول: «فلذلك لو أردنا أن نقلع بالكلية الغضب والشهوة من أنفسنا ونحن في هذا ~~العالم عجزنا عنه، ولكن لوأردنا قهرهما وإسلاسهما بالرياضة والمجاهدة قدرنا ~~عليه». # أقسام الطبائع # وهو بعد ذلك يقسم الجبلات إلى سريعة القبول، وبطيئة القبول، باعتبار التقدم في ~~الوجود، ويقسم الناس في تغيير الخلق إلى أربع مراتب؛ الأولى: الإنسان الغفل الذي لا ~~يعرف الحق من الباطل والجميل من القبيح. وهو أقل الأقسام للعلاج، فلا يحتاج إلا إلى ~~مرشد وإلى بعث يحمله على الاتباع. الثانية: أن يكون قد عرف القبيح، ms095 ولكنه لم يتعود ~~العمل الصالح. بل زين له سوء عمله، يتعاطاه انقيادا لشهواته، وإعراضا عن صواب ~~رأيه، فأمره صعب من الأول، إذ تضاعف علته. فيلزم (أ) قلع ما رسخ فيه من تعود الفساد ~~(ب) وصرف النفس إلى ضده. الثالثة: أن يعتقد أن القبيح حق وجميل. ويرى الغزالي أن ~~هذا لا يرجى صلاحه إلا على الندرة، إذ تضاعفت عليه أسباب الضلال. الرابعة: أن يكون ~~مع وقوع نشوئه على الاعتقاد الفاسد، وتربيته على العمل به، يرى فضله في كثرة الشر، ~~واستهلاك النفوس، ويتباهى بفساده، ويراه مما يرفع قدره. قال الغزالي: وهذا أصعب ~~المراتب وفي مثله قيل: من التعذيب تهذيب الذئب ليتأدب وغسل الأسود ليبيض. ثم قال: ~~فالأول: من هؤلاء يقال له جاهل والثاني: جاهل وضال، والثالث: جاهل وضال وفاسق، ~~والرابع: جاهل وضال وفاسق وشرير. # ولا يفوتنا أن نقرر أن الغزالي لا يريد من تغيير الخلق إلا قهره وإسلاسه، وقد صرح ~~بذلك في قوله: # وظنت طائفة أن المقصود من المجاهدة قمع هذه الصفات بالكلية ومحوها، ~~وهيهات! فإن الشهوة خلقت لفائدة. وهي ضرورية في الجبلة، فلو انقطعت شهوة ~~الطعام لهلك الإنسان، ولو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النسل، ولو انعدم ~~الغضب بالكلية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه. ومهما بقي أصل الشهوة ~~فيبقى لا محالة حب المال الذي يوصله إلى الشهوة حتى يحمله ذلك على إمساك ~~المال. وليس المطلوب إماطة ذلك بالكلية، بل المطلوب ردها إلى الاعتدال الذي ~~هو وسط بين الإفراط والتفريط. # كيف يعرف المرء عيوب نفسه # يرى الغزالي أن من كانت بصيرته نافذة لم تخف عليه عيوبه، فإذا عرف العيوب أمكنه ~~العلاج. # وإذا كان أكثر الخلق جاهلين لعيوب أنفسهم، حتى إن أحدهم ليرى القذى في عين أخيه، ~~ولا يرى الجذع في عين نفسه، فقد وضع الغزالي أربعة طرق لمعرفة عيوب النفس: # الأول: # أن يجلس المرء بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس مطلع على خفايا ~~الآفات، ويحكمه في نفسه، ويتبع إشارته في مجاهدته. # الثاني: # أن يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا فينصبه رقيبا على ms096 نفسه، ~~ليلاحظ أحواله وأفعاله، فما ذكره من أخلاقه وأفعاله وعيوبه الباطنة ~~والظاهرة نبهه إليه. # الثالث: # أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه، فإن عين السخط تبدي ~~المساوئ. ولعل انتفاع الإنسان بعدو مشاحن يذكره عيوبه أكثر من ~~انتفاعه بصديق مداهن يخفي عنه عيوبه. # الرابع: # أن يخالط الناس، فكل ما رآه مذموما عند الخلق اتهم نفسه به. فإن ~~الطباع متقاربة في اتباع الهوى، وما يتصف به واحد من الأقران لا ~~ينفك القرن الآخر عن أصله، أو عن أعظم منه، أو عن شيء منه. فليتفقد ~~نفسه ويطهرها عن كل ما يذمه من غيره. # علامات حسن الخلق # يتحاكم الغزالي في هذا الباب إلى القرآن، إذ إن الله تعالى ذكر في كتابه صفات ~~المؤمنين والمنافقين، وهي بجملتها ثمرة حسن الخلق، وسوء الخلق. وبعد أن سرد جملة ~~الآيات قال: «فمن أشكل عليه حاله فليعرض نفسه على هذه الآيات، فوجود جميع هذه ~~الصفات علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء الخلق، ووجود بعضها دون بعض يدل على ~~البعض دون البعض، فليشتغل بتحصيل ما فقده، وحفظ ما وجده.» ص74 ج3. # والظاهر أنه لا يكفي دائما أن يتحاكم المرء إلى القرآن، فقد تكون هناك خلة واحدة ~~تحتاج إلى تحرير، إذ لا يدري المرء أهو مخطئ في التخلق بها أم مصيب. وقد تنبه ~~الغزالي إلى هذه النقطة في غير هذا الباب، وهو يرى أن المطلوب في علاج البخل مثلا ~~هو «الاعتدال بين التبذير والتقتير حتى يكون على الوسط وفي غاية البعد عن الطرفين.» ~~ويقول: «فإن أردت أن تعرف الوسط فانظر إلى الفعل الذي يوجبه الخلق المحظور، فإن كان ~~أسهل عليه وألذ من الذي يضاده، فالغالب عليك ذلك الخلق الموجب له، مثل أن يكون ~~إمساك المال وجمعه ألذ عندك وأيسر عليك من بذله لمستحقه، فاعلم أن الغالب عليك خلق ~~البخل، فزد في المواظبة على البذل. فإن صار البذل على غير مستحق ألذ عندك وأخف عليك ~~من الإمساك بالحق فقد غلب عليك التبذير، فارجع إلى المواظبة على الإمساك. فلا تزال ~~تراقب ms097 نفسك وتستدل على خلقك بتيسير الأفعال وتعسيرها حتى تنقطع علاقة قلبك من ~~الالتفات إلى المال، فلا تميل إلى بذله ولا إلى إمساكه، بل يصير عندك كالماء، فلا ~~تطلب فيه إلا إمساكه لحاجة محتاج، أو بذله لحاجة محتاج. ولا يترجح عندك البذل على الإمساك». # 1 # وفي هذا مغالبة للطبيعة البشرية، وما أحسب خلق الكرم يتطلب أن يتساوى البذل ~~والإمساك، وإنما يحاول الغزالي أن يجعل الفضائل حركات فطرية للنفوس، وهو أمل ~~بعيد. # الفصل الثالث # | الطريق إلى تهذيب الأخلاق # يتخذ الغزالي البدن مثالا للنفس: فكما أن البدن إن كان صحيحا فشأن الطبيب تمهيد ~~القانون لحفظ الصحة، وإن كان مريضا فشأنه جلب الصحة إليه، فكذلك النفس: إن كانت زكية ~~طاهرة مهذبة فينبغي أن تسعى لحفظها. واكتساب زيادة صفائها. وإن كانت عديمة الكمال ~~والصفاء فينبغي أن تسعى لجلب ذلك إليها. وكما أن العلة المغيرة لاعتدال البدن، الموجبة ~~للمرض لا تعالج إلا بضدها؛ فإن كانت من حرارة فبالبرودة، وإن كانت من برودة فبالحرارة، ~~فكذلك الرذيلة التي هي مرض القلب، علاجها بضدها؛ فيعالج مرض الجهل بالتعلم، ومرض البخل ~~بالتسخي، ومرض الكبر بالتواضع، ومرض الشره بالكف عن المشتهى تكلفا. وكما أنه لا بد من ~~احتمال مرارة الدواء وشدة الصبر عن المشتهيات لعلاج الأبدان المريضة، فكذلك لا بد من ~~احتمال مرارة المجاهدة والصبر لمداواة مرض القلب، بل أولى، لأن مرض البدن يخلص المرء ~~منه بالموت بخلاف مرض القلب فإنه يدوم بعد الموت أبد الآباد (؟) وكما أن كل مبرد لا ~~يصلح لعلة سببها الحرارة إلا إذا كان على حد مخصوص، ويختلف ذلك بالشدة والغضب، والدوام ~~وعدمه، وبالكثرة وبالقلة، ولا بد من معيار يعرف به مقدار النافع منه، فإنه إن لم يحفظ ~~معياره زاد الفساد، فكذلك النقائض التي تعالج بها الأخلاق لا بد لها من معيار. وكما أن ~~معيار الدواء مأخوذ من معيار العلة حتى إن الطبيب لا يعالج ما لم يعرف أن العلة من ~~حرارة أو برودة، فإن كانت من حرارة فيعرف درجتها، أهي ضعيفة أم قوية، فإذا عرف ذلك ms098 ~~التفت إلى أحوال البدن، وأحوال الزمان، وصناعة المريض، وسنه، وسائر أحواله ثم يعالج ~~بحسبها، فكذلك الذي يطيب نفوس المريدين ينبغي أن لا يهجم عليه بالرياضة والتكاليف في فن ~~مخصوص وطريق مخصوص ما لم يعرف أخلاقهم وأمراضهم. وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى ~~بعلاج واحد قتل أكثرهم، فكذلك المرشد لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة أهلكهم ~~وأمات قلوبهم. بل ينبغي أن ينظر في مرض المريد، وفي حاله، وسنه، ومزاجه، وما تحتمله ~~نفسه من الرياضة، ويبني على ذلك رياضته. # وهذه الطريقة تدل على بصر الغزالي بعلاج الأخلاق، وتدل من جانب آخر على تقدم الطب في ~~ذاك الزمان. # 1 # وقد فصل طرائق التهذيب باختلاف الطباع، ووضع بجانب كل رذيلة علاجها الخاص. وقد علمنا ~~من ذلك أنهم كانوا يعالجون الكبر إذ ذاك بالسؤال. وهذا فيما أرى استشفاء من داء بداء، ~~فقد يولد السؤال أمراضا في النفس تحتاج في اقتلاعها إلى مجاهدة وعناء، ولكن الصوفية ~~يبيحون ما لا يباح! # الفصل الرابع # | غاية الأخلاق # الخير هو ما تعتقد أنه خير، والشر هو ما تعتقد أنه شر، والسبيل إلى هذه العقيدة هو ~~وزن العمل بميزان العقل والشرع ولكن ما هي الغاية من عمل الخير؟ وما هو الغرض من تجنب ~~الشر؟ # غاية الأخلاق - فيما يرى الغزالي - هي السعادة الأخروية وقد فصل هذا في الفصل الأول ~~من «الميزان» ويقول في ص117 من هذا الكتاب: «إن السعادة الحقيقية هي الأخروية، وما ~~عداها سميت سعادة، إما مجازا وإما غلطا، كالسعادة الدنيوية التي لا تعين على الآخرة. ~~وإما صدقا، ولكن الاسم على الأخروية أصدق، وذلك كل ما يوصل إلى السعادة الأخروية ويعين ~~عليها. فإن الموصل إلى الخير والسعادة قد يسمى خيرا وسعادة.» (؟!). # وهذا يدل على أن الغزالي ليست له غاية اجتماعية: فالذي يسعف مريضا، أو يغيث ملهوفا، ~~أو يأسو جريحا، أو يواسي فقيرا، لا يهمه شفاء المريض، ولا إغاثة الملهوف، ولا برء ~~الجريح، ولا سد حاجة الفقير، ما دامت نيته قد خلصت في عمله، ووثق بجزاء الآخرة! وكل ~~سعادة ms099 ينتجها العمل الطيب في هذه الدنيا إنما هي سعادة مجازية، وواجب المرء أن يفهمها ~~كذلك. وله أن يعدها سعادة نسبية، على معنى أن ما يوصل إلى السعادة الأخروية قد يسمى ~~خيرا وسعادة! وقد نص في ص136 من الميزان على أن من يتجنب الفحشاء محافظة على كرامته لا ~~يسمى عفيفا، لأنه لم يقصد بعفته وجه الله، فكل عمله تجارة، وترك حظ لحظ يماثله! # ونسأل الغزالي سؤالين اثنين: # أولا: # إذا أسعفت مريضا وكان لا يهمك برؤه، لأن سعادتك ليست نتيجة لمسعاك ~~في هذه الدنيا، وإنما يهمك أن تصح نيتك فتثاب في أخراك، ألا تكون ~~تاجرا في غايتك الأخلاقية؟ # ثانيا: # إذا تركت الزنا توفيرا لكرامتك أو لصحتك، كيف لا تكون عفيفا، ~~ولماذا طلبت العفة، ودعا إليها الشرع؟ أليس ذلك لأن فيها حفظا للصحة، ~~وتوفيرا للكرامة؟ وإذا كنت تتخذ العقل مقياسا للخير والشر، فخبرني ~~أيجد العقل ما يحكم به على ضرر الزنا وأنه شر أكثر من أنه مود بالصحة، ~~ذاهب بالكرامة؟ # ونعود فنذكر أن الغزالي سخر ممن يرون السعادة الأخروية في نعيم الجنة، وما فيها من ~~الحور والولدان، وإن نطق بذلك الكتاب، ورأى أن سعادة الآخرة هي رضاء الله. أفلا يصح لنا ~~قياسا على هذا أن نعد الطمع في السعادة الأخروية عند إغاثة الملهوف، وإسعاف الجريح، ~~ينافي ما تسمو إليه الأخلاق، وأن واجب الرجل الخير أن يرى سعادته في سعادة من أغاثه ~~وواساه، لا أن يلقى جزاءه على ذلك في الآخرة، وإن لم تثمر أعماله في الأولى؟ # ولا يفوتنا أن نقرر أن فهم الغزالي للغاية الأخلاقية على هذا النحو جعله يخطئ في فهم ~~كثير من أسرار الشريعة، ففريضة الحج مثلا يحسبها الغزالي نوعا من الرياضة الروحية، ~~فتراه يملأ باب الحج من كتاب الإحياء بالأدعية والأوراد، حتى لتجد لكل خطوة يخطوها ~~الحاج دعاء خاصا بها، وحتى لتحسبه غفل عن قوله تعالى: # ليشهدوا منافع لهم # 1 # إذ تراه يستكثر أن يحج المرء لينتفع بموسم التجارة! # ونظرة صغيرة إلى حرص الشريعة على وحدة المسلمين، ترينا السر في ms100 فرض الحج على من ~~استطاع إليه سبيلا؛ فالتجارة التي تنبه إليها الغزالي ثم استنكرها، ليست شيئا بجانب ~~ما يستفيده المسلمون حين يتلاقى حجاجهم، وينفض كل منهم أخبار قومه ليعرفوا ما يحيط بهم ~~من المشاكل الدولية، وليستعدوا لدرء ما قد يحيط ببعض ثغورهم من خطر. ولكن الغزالي يرى ~~العمل كله في العبادة المجردة، ويرى الجزاء أيضا عبادة مجردة، وكثيرا ما نص الصوفية ~~على أن لذائذ الجنة ليست مادية، ولكنها تسبيح وتقديس وتهليل؟! # الفصل الخامس # | هل تورث الأخلاق # قرر الغزالي حين تكلم في التربية أن قلب الطفل «جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش ~~وصورة. وهو قابل لكل ما ينقش عليه، ومائل إلى كل ما يمال به إليه. فإن عود الخير وعلمه ~~نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة. وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك.» ص77 ~~ج3. # وهذا يدل على أن الغزالي يرى أن الفطرة الإنسانية قابلة لكل شيء، وأنه ليس لها قبل ~~التربية أي لون؛ فالخير إذن يكسب بالتربية، والشر يكسب بالتربية. وليس للإنسان بفطرته ~~ميل خاص: لا إلى الشر، ولا إلى الخير، وإنما يسعد أو يشقى بما يقدم إليه أبواه ~~ومعلموه. # ويؤيد هذا قوله في تهذيب الأخلاق: «وكما أن الغالب على أصل المزاج الاعتدال، وإنما ~~تعتري المعدة بعوارض الأغذية والأهوية والأحوال، فكذلك كل مولود يولد معتدلا صحيح ~~الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه أي بالاعتياد والتعليم تكتسب ~~الرذائل. وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملا، وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية ~~والغذاء، فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال، وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق ~~والتغذية بالعلم.» ص64 ج3. # ولكنا نجد الغزالي يقرر في ص127 من «الميزان» أن النسب الديني أمارة الديانة وحسن ~~الخلق، لأن العرق نزاع. ونجده كذلك يحض في تربية الطفل على أن تكون المرضع امرأة صالحة ~~متدينة تأكل الحلال «فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه، إذا وقع عليه نشوء الصبي ~~انعجنت طينته من الخبث، فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث» ص77 ج3. # وهذا صريح ms101 في الحكم بوراثة الأخلاق، إذ لا يمكن أن تعتبر الرضاعة نوعا من الأدب ~~والتدريب، إذ كانت تسبق الإدراك والتمييز. يضاف إلى هذا أنه يقرر أن الطفل قد يشاهد ~~عليه الميل إلى الحياء، وإنه يجب استغلال هذه الغريزة فيه. ومن الواضح أنه لو كانت ~~الفطرة جميعا خالصة من كل الميول، لكان واجبا أن يغرس الحياء في الطفل بالتربية ~~والرياضة. لا أن ينمى، إذ لا ينمى غير الموجود. # ومما تقدم نرى للغزالي رأيين مختلفين في وراثة الأخلاق؛ فهو حين يقرر أن قلب الطفل ~~جوهرة ساذجة خالية من كل نقش، وقابلة لكل صورة، يحكم بأن الأخلاق لا تورث. وحين يدعو ~~إلى أن ترضع الطفل امرأة متدينة يحكم بأنها تورث؛ فهل يمكن رفع ما بين هذين الأمرين من ~~ظاهر الخلاف؟ # تحرير هذا البحث # الواقع أن الغزالي لم يعن بهذا البحث، لذلك كان كلامه فيه متناقضا، غير محدود. ~~ولو أنه عني به عناية خاصة لبين لنا أن الأخلاق تورث، وأن هذه الوراثة لا تمنع من ~~قبول الطفل لكل صورة. فالفطرة البشرية صالحة لكل غرس، لأن الأخلاق التي يرثها الطفل ~~من أبويه تولد معه ضعيفة ميسورة الاقتلاع، بل الكهول يقدرون على استئصال رذائلهم ~~بالرياضة والمجاهدة، والطباع التي يرثها المرء من أبويه لا تعاوده إلا عند خمود ~~مزاياه التي كسبها بنصح أساتذته، أو تأثير بيئة صالحة ساقته إليها الأقدار. # إذن لا تناقض في كلام الغزالي إلا من حيث الظاهر، فهو يقول بوراثة الأخلاق في ~~ثنايا آرائه المبعثرة هنا وهناك، وإن كان يجعل للتربية السلطان الأكبر في تكوين ~~النفوس. # الباب السابع # | في الفضائل # | تمهيد # نتكلم في هذا الباب عن تحديد الفضيلة، وبيان أمهات الفضائل وما لها من الفروع، ثم ~~نذكر طائفة من الفضائل التي عني بدرسها الغزالي: كالصدق، والصبر، والتوكل، والخمول، وما ~~إلى ذلك مما تدور عليه حياة الأفراد، وينبني عليه الاجتماع، ليرى القارئ ما يسمو إليه ~~في تصور المثل الأعلى للحياة. # تحديد الفضيلة # لا يفرق الغزالي بين كلمة فضيلة، وكلمة خلق، فهما عنده عبارة عن هيئة النفس، ms102 ~~وصورتها الباطنة. # وأساس الفضيلة فيما يرى يرجع بعضه إلى ما أخذ عن أرسطو وبعضه إلى ما أخذ عن ~~أفلاطون. فهو يأخذ عن أرسطو نظرية (التوسط) التي يسميها الاعتدال، فقوة الغضب مثلا ~~إن مالت عن الاعتدال، إلى طرف الزيادة سميت تهورا، وإن مالت إلى الضعف سميت جبنا، ~~فأما إن ظلت وسطا بين الزيادة والنقصان فهي الشجاعة. فالمحمود هو الوسط، وهو ~~الفضيلة، والطرفان رذيلتان، كما يقول. # ولا يجمد الغزالي على هذه النظرية حتى يعترض عليه بأن من الفضائل ما لا وسط له، ~~بل يقرر أن العدل ليس له طرفان: زيادة ونقص، بل له ضد واحد، ومقابل واحد: هو ~~الجور. # ويأخذ عن أفلاطون نظرية المماثلة، أي مشابهة الله، فإن الله فيما يرى أفلاطون: هو ~~الوحدة التي تجتمع فيها وتتصالح جميع كمالات المخلوقات. والرجل الفاضل عند أفلاطون ~~هو الذي ينظر إلى الله بلا انقطاع كما ينظر الفنان إلى الأنموذج. والغزالي يقرر أن ~~المرء يقرب من الله بقدر ما يقرب من رسول الله، ومعنى ذلك أن الرسول جمع مكارم ~~الأخلاق، وقد حضنا على أن نتخلق بأخلاق الله، ما عدا الكبرياء. فمشابهة الرسول ~~واحتذاؤه عند الغزالي تماثل تماما مشابهة الله عند أفلاطون. # وأخذ أيضا عن أفلاطون نظرية التوافق # Ľharmonie # ويسميها العدل. والتوافق عند أفلاطون هو تناسب القوى والملكات لتكمل في المرء ~~جوانبه الخلقية. وإليك ما يقول الغزالي فيما يشابه هذا المعنى: «وكما أن حسن الصورة ~~الظاهرة لا يتم مطلقا بحسن العينين دون الأنف والفم والخد، بل لا بد من الحسن في ~~جميعها حتى يتم حسن الخلق، فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن ~~الخلق، وهي: قوة العلم، وقوة الغضب، وقوة الشهوة. وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث. ~~أما قوة العلم فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل بها إدراك الفرق بين الصدق ~~والكذب في الأقوال، وبين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الجميل والقبح في ~~الأفعال. فإذا صلحت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة، والحكمة رأس الأخلاق الحسنة. ~~وأما قوة الغضب فحسنها في أن يصير انقباضها ms103 وانبساطها في حد ما تقتضيه الحكمة. ~~وكذلك الشهوة حسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة، أعني إشارة العقل ~~والشرع». # ويجب أن نتنبه إلى هذه الكلمة الأخيرة، وهي «إشارة العقل والشرع» فإن الغزالي ~~يدمج فيها التوافق والمماثلة معا؛ أما المماثلة فهي في لفظ الشرع، وقد وضع لهذا ~~أخلاق الرسول ممثلة في القرآن. وأما التوافق فهو لفظ العقل، إذ يرجع كل الملكات إلى ~~طاعته. وانظر قوله «فالعقل مثاله الناصح المشير وقوة العدل هي القدرة، ومثالها مثال ~~المنفذ الممضي. والغضب هو الذي تنفذ فيه الإشارة، ومثاله مثال كلب الصيد فإنه يحتاج ~~إلى أن يؤدب حتى يكون استرساله وتوقفه بحسب الإرشاد». # والأمر كذلك في قوة العلم وقوة الشهوة. وقد نص في «الميزان» على أن العدل عبارة ~~عن وقوع هذه القوى على الترتيب الواجب واستشهد بالقول المأثور: بالعدل قامت الأرض ~~والسموات، وهذا الترتيب الواجب خاضع للعقل بالطبع، وهذا ما يراد بنظرية ~~التوافق. # أمهات الفضائل # أصول الفضائل فيما يرى الغزالي أربعة: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل. وقد نص على ~~أنه يعني بالحكمة حالة للنفس بها يدري الصواب من الخطأ في جميع الأحوال الاختيارية. ~~ويعني بالعدل حالة للنفس وقوة بها تسوس الغضب والشهوة وتحملها على مقتضى الحكمة. ~~ويعني بالشجاعة كون قوة الغضب منقادة للعقل في إقدامها وإحجامها. ويعني بالعفة تأدب ~~قوة الشهوة بتأديب العقل والشرع. # ولهذه الأصول فروع، كما يرى الغزالي، فمن اعتدال قوة العقل يحصل حسن التدبير، ~~وجودة الذهن، وثقاب الرأي، وإصابة الظن، والتفطن لدقائق الأعمال، وخفايا آفات ~~النفوس. # وأما خلق الشجاعة فيصدر عنه: الكرم، والنجدة والشهامة، وكسر النفس، والاحتمال، ~~والحلم، والثبات، وكظم الغيظ، والتودد. # وأما خلق العفة فيصدر عنه: السخاء، والحياء، والصبر، والمسامحة، والقناعة، ~~والورع، واللطافة، والمساعدة، والظرف، وقلة الطمع. # وقد نص في «الميزان» على أن الحكمة فضيلة القوة العقلية، والشجاعة فضيلة القوة ~~الغضبية، والعفة فضيلة القوة الشهوانية، والعدل عبارة عن وقوع هذه القوى على ~~الترتيب الواجب «فليس جزءا من الفضائل، بل هو عبارة عن جملة الفضائل». # 1 # وقد لحظ الغزالي أن في هذه الفروع ms104 شيئا من الغموض، فكتب في شرحها ثلاثة فصول ~~مطولة في الميزان، وبين معها كذلك ما ينشأ من الإفراط والتفريط، من أنواع الرذائل، ~~وسنرجع إليها في غير هذا الباب. # الفضائل السلبية # في مقدورنا أن نقسم الفضائل إلى إيجابية وسلبية: فالأمل فضيلة إيجابية، لأنه يحمل ~~صاحبه على العمل في سبيل الحياة. والزهد فضيلة سلبية، لأنه يرضي صاحبه بما قد يكون ~~عليه من سوء الحال. # وبعد أن نفهم هذا ننظر في الفضائل التي عني بدرسها الغزالي، فنجدها في الأغلب ~~فضائل سلبية: من ذلك فضيلة الفقر، وفضيلة الزهد، وفضيلة التوكل، وفضيلة الخوف، ~~وفضيلة الخمول، وفضيلة التواضع، وفضيلة الجوع. # ولم يعن الغزالي بشرح الفضائل الإيجابية: كالشجاعة، والإقدام، والحرص، وما إلى ~~ذلك مما يحمل المرء على حفظ ما يملك، والسعي لنيل ما لا يجد. فإنه لا يكفي أن يسلم ~~الرجل من الآفات النفسية، بل يجب أن يزود بكل مقومات الحياة. وخير للمرء أن يوصم ~~برذائل القوة من أن يتخلى بفضائل الضعف. فإن الضعف شر كله، ولكن أكثر الناس لا ~~يفقهون. # الفضائل الفردية # ويمكننا أن نقسم الفضائل إلى فردية واجتماعية، فالقناعة فضيلة فردية، لأنها تخص ~~صاحبها بالذات. والأمانة فضيلة اجتماعية لأن المرء يحتاج إليها حين يعامل ~~الناس. # والغزالي يعنى في الأغلب بالفضائل الفردية، حتى لتحسبه يكتب مؤلفاته لأفراد ~~يعيشون في عزلة وانفراد. فلو أنك أردت أن تدخل في عالم السكون لوجدت لدى الغزالي من ~~آداب الوحدة والعزلة ما يقنعك ويرضيك. ولكنك لو أردت أن تدخل في عالم السياسة لما ~~وجدت لديه فكرة واحدة يمكن أن تكون نبراسا يهتدي به الساسة من الوزراء ~~والسفراء. # درجات الأخلاق # وبعد معرفة أمهات الفضائل وما لها من الفروع، يخطر بالبال هذا السؤال: هل يرى ~~الغزالي أن في مقدور المرء أن يصل إلى أعلى درجات الأخلاق؟ # ونجيب بأنه يرى ذلك في مقدور المرء، وانظر قوله: # وكل من جمع كمال هذه الأخلاق استحق أن يكون بين الخلق ملكا مطاعا يرجع ~~الخلق كلهم إليهم، ويقتدون به في جميع الأفعال. ومن انفك عن هذه الجملة ~~كلها ms105 واتصف بأضدادها استحق أن يخرج من بين البلاد والعباد. # والدرجة العليا عنده هي درجة النبوة، والصوفية فيما يرى يقربون من هذه الدرجة، ~~وإليك ما يقول عنهم في كتابه «المنقذ من الضلال»: # ولو جمعوا عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من ~~العلماء، ليغيروا شيئا من سيرتهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم ~~يجدوا إليه سبيلا؛ فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة ~~من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء ~~به. # وأظن أننا هدمنا هذا الحكم من أساسه بما أسلفنا من نقد أحوال الصوفية، فإن ما ~~استحسن الغزالي من أحوالهم لا يمكن أن يكون مقتبسا من نور مشكاة النبوة، وهل كانت ~~النبوة يا هذا وساوس وأضاليل؟ تعالت النبوة عما تصفون! # أين مقياس العقل والشرع؟ هاته، هاته: فهو وحده فصل الخطاب! # الفصل الأول # | فضيلة الصدق # ابتدأ الغزالي الكلام على هذه الفضيلة بقوله تعالى: # رجال ~~صدقوا ما عاهدوا الله عليه # 1 # وبقوله عليه السلام: «إن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وإن ~~الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى ~~النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا.» ثم قال: ويكفي في فضيلة الصدق أن ~~الله تعالى وصف الأنبياء به في معرض المدح والثناء فقال: # واذكر ~~في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا ~~. وقال: # واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان ~~صادق الوعد وكان رسولا نبيا ~~. وقال: # واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا ~~نبيا ~~. # مراتب الصدق # للصدق فيما يرى الغزالي ستة معان: صدق في القول، وصدق في النية والإرادة، وصدق في ~~العزم، وصدق في الوفاء بالعزم، وصدق في العمل، وصدق في تحقيق مقامات الدين. فمن ~~اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صديق ، ومن صدق في شيء فهو صادق بالإضافة إلى ما فيه صدقه. # الأول: # صدق القول. وهو أشهر أنواع الصدق ولا يجوز العدول عنه إلا ~~لمصلحة. كتأديب الصبيان والنساء ومن يجري مجراهم. وفي ms106 الحذر من ~~الظلمة، وفي قتال الأعداء، والاحتراز من اطلاعهم على أسرار الملك. ~~قال الغزالي: «فمن اضطر إلى شيء من ذلك فصدقه فيه أن يكون نطقه لله ~~فيما يأمره الحق به، ويقتضيه الدين. فإذا نطق به فهو صادق، وإن كان ~~كلامه مفهما غير ما هو عليه. لأن الصدق ما أريد لذاته، بل للدلالة ~~على الحق والدعاء إليه. فلا ينظر إلى صورته، بل إلى معناه. نعم في ~~مثل هذا الموضع ينبغي أن يعدل إلى المعاريض ما وجد إليها سبيلا. ~~فقد كان رسول الله إذا توجه إلى سفر ورى بغيره كيلا ينتهي الخبر ~~إلى الأعداء فيقصد. وليس هذا من الكذب في شيء. قال رسول الله: «ليس ~~بكذاب من أصلح بين اثنين فقال خيرا ونمى خيرا.» ورخص في النطق ~~على وفق المصلحة في ثلاثة مواضع: «من أصلح بين اثنين. ومن كان له ~~زوجتان. ومن كان في مصالح الحرب. والصدق ههنا يتحول إلى النية، فلا ~~يراعى فيه إلا صدق النية وإرادة الخير». # الثاني: # صدق النية والإرادة، ويرجع ذلك إلى الإخلاص وهو أن لا يكون له ~~باعث في الحركات والسكنات إلا الله. # الثالث: # صدق العزم. فإن الإنسان قد يقدم العزم على العمل، فيقول: إن ~~رزقني الله مالا تصدقت بجميعه، أو شطره، فهذه العزيمة قد يصادفها ~~في نفسه وهي جازمة صادقة، وقد يكون في عزمه نوع ميل وتردد وضعف ~~يضاد الصدق في العزيمة، فالصدق هنا عبارة عن التمام والقوة. # الرابع: # صدق الوفاء بالعزم، فإن النفس قد تسخو بالعزم في الحال، إذ لا ~~مشقة في الوعد والعزم، فإذا حقت الحقائق، وحصل التمكن، وهاجت ~~الشهوات، انحلت العزيمة، ولم يحصل الوفاء بالعزم، وهذا يضاد الصدق ~~فيه. # الخامس: # صدق الأعمال، وهو أن تكون أعمال المرء الظاهرة صورة لحالته ~~الباطنة. بخلاف أعمال الرياء. # السادس: # الصدق في مقامات الدين، كالصدق في الخوف والرجاء والزهد والرضا ~~والتوكل والحب، لأن أمثال هذه الأمور مبادئ يطلق بظهورها الاسم، ثم ~~لها حقائق، والصادق من نال الحقائق ... وفي هذا المعنى شيء من ~~الغموض. # الفصل الثاني # | فضيلة الصبر # يرى ms107 سقراط أن الفضيلة أساسها العلم، فمتى علم الإنسان الخير فعله، ومتى عرف الشر ~~تركه. ويقرب رأي الغزالي من هذا في أساس الصبر، إلا أنه يشترط أن تصل المعرفة إلى ~~اليقين حتى تثمر الصبر وإليك قوله في هذا المعنى: «ترك الأعمال المشتهاة عمل يثمره حال ~~يسمى الصبر، وهو ثبات باعث الدين الذي هو في مقابلة باعث الشهوة. وثبات باعث الدين حال ~~تثمرها المعرفة بعداوة الشهوات ومضادتها لأسباب السعادات في الدنيا والآخرة. فإذا قوي ~~يقينه، أعني المعرفة التي تسمى إيمانا، وهو اليقين بكون الشهوة عدوا قاطعا لطريق ~~الله تعالى قوي باعث الدين، وإذا قوي ثباته تمت الأفعال على خلاف ما تتقاضاه الشهوة. # 1 # وقال في موطن آخر: «والمراد بالصبر العمل بمقتضى اليقين إذ اليقين أن ~~المعصية ضارة، والطاعة نافعة، ولا يمكن ترك المعصية، والمواظبة على الطاعة إلا بالصبر، ~~وهو استعمال باعث الدين في قهر باعث الهوى.» # 2 # ويذكر أميل بوراك في كتابه: # Cours Elémentaires de ~~philosophie # ص343 أن العلم لا يكفي أساسا للفضيلة، فمعرفة الواجب ~~لا تكفي للقيام به. بل لا بد من حبه وإرادته إرادة حرة ثابتة. وهذا التقييد يساوي ما ~~اشترط الغزالي من اليقين، لأن المرء متى تيقن نفع شيء أحبه أو كاد يحبه. ويرى الدكتور ~~منصور فهمي والأستاذ عبده خير الدين أن المعرفة التي يراها سقراط أساس الفضيلة لا بد أن ~~تكون المعرفة الجازمة التي تورث الإرادة ثم التنفيذ. وإذن فلا اعتراض على سقراط. # أسماء الصبر # ويقرر الغزالي أن الصبر تختلف أسماؤه باختلاف ما يصبر المرء عنه، فهو جماع كثير ~~من الفضائل، أو هو نصف الايمان. فإن كان صبرا عن شهوة البطن والفرج سمي عفة. وإن ~~كان في احتمال مكروه سمي صبرا، وضده الجزع. وإن كان في احتمال الغنى سمي ضبط ~~النفس، وضده البطر. وإن كان في الحرب سمي شجاعة، وضده الجبن، وإن كان في كظم الغيظ ~~والغضب سمي حلما، وضده التذمر. وإن كان في نائبة مضجرة سمي سعة الصدر وضده ~~الضجر. وإن كان في إخفاء كلام سمي كتمان ms108 السر. وإن كان عن فضول سمي زهدا، وضده ~~الحرص. وإن كان صبرا على يسير من الحظوظ سمي قناعة، وضده الشره. # درجات الصابرين # وللإنسان بالنسبة للصبر ثلاثة أحوال: # الأولى: # أن يقهر داعي الهوى، فلا تبقى له قوة المنازعة، ويتوصل إلى هذه ~~الحال بدوام الصبر. # الثانية: # أن تغلب دواعي الهوى وتسقط بالكلية منازعة باعث الدين، وهي أسوأ ~~الأحوال. # الثالثة: # أن تكون الحرب سجالا بين الهدى والضلال. # حكم الصبر # ويقسم الصبر باعتبار حكمه إلى فرض ونفل ومكروه ومحرم؛ فالصبر عن المحظورات فرض، ~~وعن المكروهات نفل، والصبر على الأذى المحظور محظور، كمن تقطع يده أو يد ولده فيسكت ~~ويصبر، وكمن يقصد حريمه بشهوة محظورة فتهيج غيرته، فيصبر عن إظهار الغيرة، ويسكت ~~على ما يجري على أهله. فهذا الصبر محرم. والصبر المكروه هو الصبر على أذى يناله ~~بجهة مكروهة في الشرع، كنظر الأجنبي الى امرأته. # ضرورة الصبر # ويرى الغزالي أن المرء محتاج إلى الصبر في كل حال: فهو يحتاج إليه في السراء، كما ~~يحتاج إليه في الضراء. بل هو إليه في السراء أحوج، فالرجل كل الرجل من يصبر على ~~العافية. والصبر هنا يكون بأن يراعي المرء حقوق الله في ماله بالإنفاق، وفي بدنه ~~ببذل المعونة للخلق، وفي لسانه ببذل الصدق. # والطاعة تحتاج إلى صبر، لأن النفس بطبعها تنفر من العبودية. وللصبر على الطاعة ~~ثلاث أحوال: الأولى قبل الطاعة، وذلك تصحيح النية والإخلاص، والصبر على شوائب ~~الرياء، والعزم على الإخلاص والوفاء. والثانية حالة العمل، كي لا يفتر قبل الفراغ ~~منه. والثالثة بعد انتهائه إذ يحتاج إلى الصبر عن إفشائه والتظاهر به، والنظر إليه ~~بعين العجب. # ويحتاج المرء إلى الصبر عن المعاصي، وعلى الأخص التي صارت مألوفة بالعادة، إذن ~~تنضاف العادة إلى الشهوة. ثم إن كانت المعصية مما يسهل فعله كان الصبر عنها أثقل ~~على النفس، كالصبر عن معاصي اللسان من الغيبة والكذب والمراء، والثناء على النفس ~~تعريضا وتصريحا، والمزح المؤذي للقلوب. # والصبر على أذى الناس فضيلة، وأعظم منه الصبر على أنواع البلاء: كموت الأعزة، ~~وهلاك الأموال، ms109 وزوال الصحة. # ويرى الغزالي أن توجع القلب، وبكاء العين لا ينافي الصبر، لأن ذلك مقتضى البشرية، ~~ولا يفارق الإنسان إلى الموت. # والذي كفى جميع الشهوات واعتزل الناس لا يستغني عن الصبر على العزلة والانفراد. ~~ويريد الغزالي بهذا أن يؤكد احتياج المرء إلى الصبر في جميع الأحوال ~~والأفعال. # تحصيل الصبر # ويمكن تحصيل الصبر بإضعاف باعث الشهوة، وتقوية باعث الدين. ويضعف باعث الشهوة ~~بتقليل مادته من حيث النوع والكثرة، أو قطع أسبابه، أو تسلية النفس بمباح من جنس ما ~~يشتهيه. ويقوى باعث الدين بأمرين؛ الأول: إطماعه في فوائد المجاهدة بالتفكر في ~~الأخبار الوارددة عن الصبر وعواقبه. والثاني: أن يعود هذا الباعث مصارعة باعث الهوى ~~حتى يمرن على جهاده ومقاومته. # الفصل الثالث # | فضيلة الخمول # الغزالي يسمي الخمول فضيلة، ويخيل إلي أنه لا فضل فيه!! ولكن تسمية الغزالي هذه تدلنا ~~عن شيء خاص يوضح رأيه في الأخلاق: ذلك أنه حين دعا إلى الخمول لم يدع إلى التجرد من ~~الخصائص الذاتية التي توجب ذيوع الشهرة وبعد الصيت، وقد خص الشهرة المذمومة بما يأتي من ~~طريق التكلف. وهو لا ينكر أن يشتهر المرء بعمله في غير جلبة ولا ضوضاء. # وقد نبه بلطف إلى أن حسن السمعة قد يفسد المعلمين بنوع خاص، فقد يعود المعلم على كثرة ~~الطلبة، فيفتر نشاطه حين يقلون. وفي هذا المعنى يذكر عن أبي العالية أنه كان إذا جلس ~~إليه أكثر من ثلاثة قام. ولم ينس الغزالي أن التجمهر حول الأمراء فتنة لهم، وذلة ~~لتابعيهم، فذكر في هذا المعنى كلمة جامعة لعمر بن الخطاب. # ويقول الغزالي: «فإن قلت فأي شهرة تزيد على شهرة الأنبياء والخلفاء الراشدين وأئمة ~~العلماء، فكيف فاتتهم فضيلة الخمول؟ فاعلم أن المذموم طلب الشهرة، فأما وجودها من جهة ~~الله سبحانه من غير تكلف من العبد فليس بمذموم. نعم فيه فتنة على الضعفاء، دون ~~الأقوياء، وهم كالغريق الضعيف إذا كان معه جماعة من الغرقى فالأولى به أن لا يعرفه أحد ~~منهم، فإنهم يتعلقون به فيضعف عنهم، فيهلك معهم. وأما القوي فالأولى ms110 أن يعرفه الغرقى ~~ليتعلقوا به فيحييهم ويثاب على ذلك». # فالرجل الخير فيما يرى الغزالي هو الذي لا يعرف غير الواجب ولا يهمه أقبل الناس عليه، ~~أم أعرضوا عنه، لأنه بالواجب مشغول. # الفصل الرابع # | فضيلة التوكل # كتب الغزالي عن التوكل أربعا وخمسين صفحة في الإحياء وثلاث عشرة صفحة في كتاب ~~الأربعين، وسبعا وعشرين صفحة في منهاج العابدين. وهو يبالغ في المنهاج أكثر مما يفعل ~~في الأربعين والإحياء، فإن كلامه في الكتابين الأخيرين واحد، وإن اختلف في الإيجاز ~~والإطناب، وكثيرا ما يحيل في الأربعين على الإحياء. # وأول ما نلاحظه أن الغزالي اهتم بهذه الفضيلة، حتى احتاج إلى أن يعتذر عن تطويله في ~~كتاب المنهاج، إذ كان التطويل يخالف شرط ذلك الكتاب. وهذا الاهتمام نفسه يوضح لنا ~~جانبا من أهم الجوانب في فهمه للحياة. # ونقرر منذ الآن أن ما كتبه عن التوكل صريح في الدعوة إلى الرهبنة، وقطع العلائق مع ~~الناس، والتدرج على احتمال الظمأ والجوع، والاقتناع بأن الموت من جملة الأرزاق! # ونحن نعلم أن العلماء يجب أن يضربوا الأمثال بأنفسهم للناس كما فعل عمر حين خرج بعد ~~الخلافة يتجر في الأسواق، ولكن الغزالي يقول: «فالاهتمام # 1 # بالرزق قبيح بذوي الدين، وهو بالعلماء أقبح، لأن شرطهم القناعة. والعالم ~~القانع يأتيه رزقه ورزق جماعة كثيرة إن كانوا معه إلا إذا أراد أن لا يأخذ من أيدي ~~الناس ويأكل من كسبه، فذلك له وجه لائق العالم العامل الذي سلوكه بظاهر العلم والعمل، ~~ولم يكن له سير بالباطن، فإن الكسب يمنع عن السير بالفكر الباطن، فاشتغاله بالسلوك مع ~~الأخذ من يد من يتقرب إلى الله تعالى بما يعطيه أولى، فإنه تفرغ لله عز وجل، وإعانة ~~للمعطي على نيل الثواب.» ص286 ج4. # ولو أنه دعا الحكومات إلى الأخذ بيد العلماء، وإغنائهم عن السعي إلى الرزق لتنحصر ~~جهودهم في نشر العلم، لكان له قسط من الصواب. أما زعمه أن الكسب يمنع من السير بالفكر ~~الباطن، وأن الأولى للعالم أن يكتفي بما يعطيه الناس ليعينهم على نيل الثواب، فهو ms111 رأي ~~يهوي بصاحبه إلى الحضيض، ولا يتناسب مع مكانة العلماء. # كراهة السؤال # مع أن الغزالي يبيح للعالم السؤال ليعين المعطي على نيل الثواب، فإنا نجده في ~~مكان آخر يقرر أن السؤال حرام في الأصل وإنما يباح لضرورة، أو حاجة قريبة من ~~الضرورة، لأن في السؤال إظهار الشكوى من الله بإظهار الفقر، ولأن السائل يذل نفسه ~~بسؤاله، وليس للمؤمن أن يذل نفسه لغير الله، ولأنه يؤذي المسئول: فقد لا تسمح نفسه ~~بالبذل عن طيب قلب. فإن بذل حياء من السائل أو رياء فهو حرام على الآخذ. # ويمكن الحكم بأن الغزالي يحتاط أبلغ احتياط في إباحة السؤال، ولكن يبقى أنه من ~~إهانة العلم والدين أن يقبل المرء بكليته على العبادة أملا في أن يطعمه سواه، فإنه ~~لا يعقل أن تكون نوافل العبادات مما يترك في سبيله طلب المعاش، حتى يباح لأجلها السؤال. # 2 # حكم الكسب # والغزالي مع هذا لا يرى الكسب منافيا للتوكل في كل حال، فمن الخطأ فيما يرى أن ~~«يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن، وترك التدبير بالقلب، والسقوط على الأرض ~~كالخرقة الملقاة، وكاللحم على الوضم، وهذا ظن الجهال، فإن ذلك حرام في الشرع، ~~والشرع قد أثنى على المتوكلين، فكيف يقال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين؟» ~~وقد بين أن الإنسان في سعيه إلى مقاصده إما أن يكون لجلب نافع هو مفقود عنده ~~كالكسب، أو لحفظ نافع هو موجود عنده كالادخار، أو لدفع ضار لم ينزل به كدفع الصائل ~~والسارق، أو لإزالة ضار قد نزل به. كالتداوي من المرض. # والنافع باعتبار الأسباب التي يجلب بها ثلاث درجات: مقطوع به، ومظنون ظنا يوثق ~~به، وموهوم وهما لا تثق النفس به ثقة تامة ولا تطمئن إليه. # والأولى: # كالأسباب التي ارتبطت لها المسببات بتقدير الله ومشيئته ارتباطا ~~مطردا لا يختلف، كمن يرى الطعام موضوعا بين يديه وهو جائع. ثم لا ~~يمد إليه يده، لأنه يرى السعي إلى تناوله ومضغه تفويتا للتوكل، ~~وهذا فيما يرى الغزالي جنون «إنك إن انتظرت أن يخلق الله ms112 فيك شبعا ~~دون الخبز، أو يخلق في الخبز حركة إليك، أو يسخر ملكا ليمضغه لك ~~ويوصله إلى معدتك، فقد جهلت سنة الله. وكذلك لو لم تزرع الأرض ~~وطمعت في أن يخلق الله نباتا من غير بذر، أو تلد زوجتك من غير ~~وقاع، فكل ذلك جنون». # والتوكل في هذا المقام - كما نص الغزالي - لا يكون بالعمل، بل ~~بالعلم، ومعنى ذلك أنه لا يجوز لك ترك الأسباب، وإنما تعلم أن الله ~~هو مسبب الأسباب. # والثانية: # الأسباب التي ليست متيقنة، ولكن الغالب أن المسببات لا تحصل ~~دونها، وكان احتمال حصولها دونها بعيدا، كمن يترك الأمصار ~~والقوافل، ويسافر في البوادي التي يندر أن يطرقها الناس، ويكون ~~سفره من غير زاد، فهو ليس شرطا في التوكل، بل استصحاب الزاد سنة ~~الأولين، ولا يزول التوكل به. # وقد أسرف الغزالي حين تحدث عن هذا الموقف في المنهاج، وانظر ماذا ~~يقول: «فإن قلت: فهل تدخل البادية بلا زاد؟ فأقول: إن كان لك قوة ~~قلب بالله تعالى واثقة بالغة بوعد الله سبحانه وتعالى، فادخل، وإلا ~~كن كالعوام بعلائقهم.» ص82. # ولو أننا رجعنا إلى ما وضعه من آداب المسافر لعلمنا أنه احتاط ~~هناك، فحث المسافر على أن يأخذ حاجته من الزاد، ثم أوصاه بأن يأخذ ~~حاجته من الزاد، ثم أوصاه بأن يأخذ قدرا يوسع به على رفقائه، فكيف ~~يصبح المسافر بزاده في البادية من العوام؟ ومن عسى أن يكون هؤلاء ~~العوام المؤدبون؟ # وقد توقع الغزالي أن يسأل عن حمل رسول الله وأصحابه للزاد، ولكنه ~~تفضل فأجاب بأن ذلك مباح غير حرام! ثم توقع أن يسأل: هل ترك الزاد ~~أولى أم أخذه لمن قوي يقينه؟ وأجاب في المنهاج بأن الترك أفضل، ~~وأنا لا أعلم لهذا الفضل أساسا غير التنسك الذي ينكره العقل، ~~ويأباه الدين! # ولم يفت الغزالي أن يذكر أن هذه المجازفة قد تكون إلقاء بالأيدي ~~إلى التهلكة، فأجاب بأن شرطها أولا رياضة النفس حتى تحتمل الجوع ~~أسبوعا أو ما يقاربه، وثانيا أن يكون المتوكل بحيث يقوى على ~~التقوت بالحشيش، وما ms113 يتفق من الأشياء الخسيسة، إذ لا يخلو الأمر من ~~أن يجد آدميا في بحر الأسبوع أو ينتهي إلى محلة، أو قرية، أو إلى ~~حشيش يجتزئ به! # وأحب أن يذكر القارئ هذه الصورة الغريبة، فإن الغزالي يدعو إليها ~~جمهور المسلمين! # وانظر كيف يقول: «فإن قلت فما قولك في القعود في البلد بغير كسب. ~~أهو حرام أو مباح أو مندوب؟ فاعلم أن ذلك ليس بحرام لأن صاحب ~~السياحة في البادية إذا لم يكن مهلكا نفسه، فهذا كيف كان لم يكن ~~مهلكا لنفسه حتى يكون فعله حراما. بل لا يبعد أن يأتيه الرزق من ~~حيث لا يحتسب، ولكن قد يتأخر عنه، والصبر ممكن إلى أن يتفق. ولكن ~~لو أغلق باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحد إليه، ففعله ذلك ~~حرام. وإن فتح باب البيت وهو غير مشغول بعبادة، فالكسب والخروج ~~أولى له. ولكن ليس فعله حراما إلى أن يشرف على الموت، فعند ذلك ~~يلزمه الخروج والسؤال والكسب. وإن كان مشغول القلب بالله غير مشرف ~~إلى الناس، ولا متطلع إلى من يدخل من الباب فيأتيه برزقه، بل تطلعه ~~إلى فضل الله تعالى واشتغاله بالله فهو أفضل». # وما أدري كيف يتفق هذا مع قوله في نفس الصفحة: فإذا التباعد عن ~~الأسباب كلها مراغمة للحكمة، وجهل بسنة الله تعالى؟ إلا أن يكون ~~السؤال من الأسباب، وهو سبب مهين! # وأحب أيضا أن يذكر القارئ هذا التناقض في الجمع بين التوكل وبين ~~السؤال! وكيف تقوم لأمة قائمة وهي تربى على هذه الأخلاق! # ثم ما هو الفرق بين من يترك الطعام عند وجوده، وبين من يدخل ~~البادية بلا زاد؟ لا فرق إلا أن الثاني قد يجد من يتصدق عليه، أو ~~يجد حشيشا يقتات به! ولو ذكر الغزالي أن اليد العليا خير من اليد ~~السفلى، وأن الله كرم بني آدم وحملهم في البر والبحر ورزقهم من ~~الطيبات، لما اختار لامرئ هذا الحظ الخسيس، ولما وضع هؤلاء ~~المشردين في طبقة المتوكلين. # والدرجة الثالثة: # ملابسة الأسباب التي يتوهم إفضاؤها إلى المسببات ms114 من غير ثقة ~~ظاهرة، كالذي يستقصي التدبيرات الدقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه. ~~يقول الغزالي: «وذلك يخرج بالكلية عن درجات التوكل كلها، وهو الذي ~~فيه الناس كلهم، أعني من يكتسب بالحيل الدقيقة اكتسابا مباحا ~~لمال مباح». # 3 # وإذا كان الاحتيال لكسب المباح مما ينافي التوكل، فقد انهدم أعظم ركن في بناء ~~الممالك والشعوب. والغزالي يردد النفرة من الحيلة لكسب الرزق، وقد لاحظنا ذلك عليه ~~حين تكلم عما يجمل بالتاجر من أن لا يكون أول داخل في السوق ولا آخر خارج ~~منه. # ونرى الحاجة ماسة إلى أن ننبه إلى أن فهم التوكل بهذه الصورة خطأ صراح، وليس ~~علينا من حرج إذا رأينا الغزالي من الخاطئين، وما نريد أن نزيد! # مقامات المتوكلين # وللمتوكل مقامات ثلاثة: # الأول: # مقام من يترك الزاد وهو يدور في الوادي، وإنما كان هذا أفضل فيما ~~يرى الغزالي لأن فيه تثبيتا على الرضا بالموت! # الثاني: # مقام من يقعد في بيته أو في مسجد، ولكنه في القرى والأمصار. وهذا ~~أضعف من الأول كما يقول. # والثالث: # من يخرج للكسب على الوجه الذي ارتضاه حين تكلم عن آداب الكسب، ~~وهو أن لا يقصد به الاستثكار، ولم يكن اعتماده على بضاعته وكفايته، ~~وعجيب والله أن يكون الكسب أدنى درجات المتوكلين. # توكل المعيل # غير أن الغزالي يخص تلك الحالة الشديدة بالمنفرد، وقد قدمنا أن يرضى له الاقتناع ~~بأن الموت من جملة الأرزاق. # أما المعيل صاحب الأولاد فإنه لا يجوز له المقام الثالث، وهو توكل المكتسب، كتوكل ~~أبي بكر رضي الله عنه إذ خرج للكسب «فأما دخول البراري وترك العيال توكلا في حقهم، ~~أو القعود عن الاهتمام بأمرهم توكلا في حقهم، فهذا حرام. وقد يقضي إلى هلاكهم، ~~ويكون هو مؤاخذا بهم. بل التحقيق أنه لا فرق بينه وبين عياله. فإنه إن ساعده ~~العيال على الصبر على الجوع مدة وعلى الاعتداد بالموت على الجوع رزقا وغنيمة في ~~الآخرة فله أن يتوكل في حقهم. وهذه مجازفة من الغزالي: إذ يرضى أن يعود الرجل ~~أبناءه على الجوع، وأن يمرنهم ms115 على الاعتداد بالموت جوعا في سبيل الآخرة، وقد ~~يكونون لم يبلغوا سن التكليف. # يقول الغزالي: «وقد انكشف لك من هذا أن التوكل ليس انقطاعا عن الأسباب، بل ~~الاعتماد على الصبر على الجوع مدة، والرضا بالموت إن تأخر الرزق نادرا، وملازمة ~~البلاد والأمصار وملازمة البوادي التي لا تخلو عن الحشيش وما يجري مجراه. فهذه كلها ~~أسباب البقاء ولكن مع نوع من الأذى ... إلخ»؟ # ونكرر ما لاحظناه من أن فهم التوكل بهذه الصورة خطأ مبين، فإنه يجر القادر على ~~الطلب إلى الرضا بالسؤال، وانتظار المصادفات، والترحيب بالموت، مع أن قطع أسبابه من ~~أول ما يعنى به بناة الأخلاق. # الادخار # ورأي الغزالي في الادخار عجيب، إذ أفضل الحالات عنده لمن حصل على مال بإرث أو كسب ~~أو أي سبب من الأسباب أن يأخذ قدر حاجته في الوقت: فيأكل إن كان جائعا، ويلبس إن ~~كان عاريا، ويشتري سكنا مختصرا إن كان محتاجا، ويفرق الباقي في الحال. ولا ~~يأخذ، ولا يدخر، إلا بالقدر الذي يدرك به من يستحقه ويحتاج إليه، فيدخره على هذه ~~النية! # والذي يدخر لسنة ليس من المتوكلين أصلا كما يقول! # والذي يدخر لأربعين يوما فما دونها يحرم من المقام المحمود الموعود في الآخرة ~~للمتوكلين. # ونحب أن يتأمل القارئ هذا الرأي في الاقتصاد، فقد أكثر المؤرخون من لوم العرب على ~~إهمال هذا العلم، وعدوا الجهل به سببا لسقوط المملكة العربية، مع أنها كانت تسيطر ~~على أخصب بلاد العالم كمصر والعراق. ولكن كيف يحترم هذا العلم في أمة يقول إمام ~~الأئمة فيها: إن ادخار المال لأربعين يوما يحرم المرء من المقام المحمود؟ # وقد تفضل الغزالي فأباح للمعيل أن يدخر قوت عياله لسنة؟! # وتفضل كذلك فأجاز للرجل أن يدخر الكوز وأثاث البيت؟! # والفرق عنده بين الكوز وغيره، أن سنة الله لم تجر بتكرر الأواني مع الحاجة إليها ~~في كل وقت، ولكن جرت سنته بتكرار الأرزاق في كل سنة. وكان عليه أن يعرف أن الرزق ~~إنما يتجدد في كل سنة، لمن يملك من المزارع والمتاجر ما ms116 يتجدد ريعه في كل سنة. فيا ~~عجبا كيف يجيز التوكل إتلاف رأس المال! # آداب المتوكلين # وضع الغزالي الآداب الآتية للمتوكل حين يخرج من بيته: ~~(1) # أن يغلق الباب، ولا يستقصي في أسباب الحفظ، كالتماسه من الجيران ~~الحفظ مع الغلق، وكجمعه أغلاقا كثيرة! ~~(2) # أن لا يترك في البيت متاعا يحرص عليه السراق! ~~(3) # ما يضطر إلى تركه في البيت، ينبغي أن ينوي عند خروجه الرضا بما يقضي ~~الله فيه من تسليط سارق عليه! ~~(4) # إذا عاد فوجد المال مسروقا فينبغي أن لا يحزن، بل يفرح إذا ~~أمكنه! ~~(5) # أن لا يدعو على السارق الذي ظلمه بالأخذ. فإن فعل بطل توكله، ودل على ~~تأسفه على ما فات! ~~(6) # أن يغتم لأجل السارق وعصيانه وتعرضه لعذاب الله، ويشكر الله إذ جعله ~~مظلوما ولم يجعله ظالما! # وما أدري ما الذي أنسى الغزالي أن يحض المتوكل على أن يترك باب البيت مفتوحا، ~~وأن يعلق عليه لوحة مكتوبا فيها بخط واضح جميل: من أراد أن يأخذ شيئا من هذا ~~البيت فهو مغفور الذنوب، بل مجزي بما مكن صاحبه من صنع المعروف!! # وليس من التوكل بالطبع أن يتعقب المرء الجناة، لينالوا على يد الوالي جزاء ما ~~قدمت أيديهم. بل التوكل هو أن لا يبالغ المرء في أسباب الحفظ، وأن يوطن النفس على ~~ما يسرق من متاعه، وأن لا يحزن بل يفرح حين يسرق، وأن يغتم لأن هذا السارق المسكين ~~عصى الله وتعرض لعذابه، وأن يشكر الله على أن جعله من المظلومين، ولم يجعله من ~~الظالمين. # وأظرف ما في هذا الباب دعوة الغزالي إلى أن يجعل الرجل ما سرق منه ذخيرة له في ~~الآخرة، وإن أعيد إليه فالأولى أن لا يقبله! # توكل الخائف # يقرر الغزالي أن الضرر قد يعرض للخوف في النفس والمال. أما في النفس فكالنوم في ~~الأرض المسبعة، أو في مجاري السيل من الوادي، أو تحت الجدار المائل، أو السقف ~~المنكسر، وكل ذلك فيما يرى منهي عنه، لأنه تعريض للهلاك بلا فائدة. # وجملة القول أن أسباب الخوف إما مقطوع بها أو ms117 مظنونة أو موهومة، وترك الموهوم هو ~~شرط التوكل، فالمبالغة في الاحتياط تبعد المرء عن مقام المتوكلين؟ # وهنا لا نرى بأسا من تحقيق مسألة أخطأ فيها الغزالي، فقد عد من الأسباب الموهمة ~~الكي، وذكر أن رسول الله لم يصف المتوكلين إلا بترك الكي والرقية والطيرة. ولو صح ~~رأيه فيما استشهد به لكان للرقية والطيرة فائدة موهومة، مع أنه يستحيل أن يرى رسول ~~الله قيمة لهذه الأسباب، وإنما يريد أن يضيف المكتوين والمتطيرين والراقين إلى جملة ~~الموسوسين. # ولو كان الكي فائدة موهومة لما عد تركه من التوكل، وهو يتعلق مباشرة بالصحة. ~~وإنما نهى عنه الرسول لأن ضره كثير ومحقق ونفعه قليل بل موهوم. وفوق هذا يجب أن ~~نلاحظ أن الأسباب الموهومة لم يكن تركها شرطا في التوكل إلا لأن في تركها تعويدا ~~على المخاطرة، وهي من صفات الأحياء، فإذا اختلفت الظروف، وكانت رعاية الأسباب ~~الموهومة نوعا من الحيطة، فإني لا أفهم كيف تحرم المرء من المقام المحمود! # وإذا خاف الإنسان على ماله فله أن يغلق بيته، وأن يعقل بعيره، لأن هذه أسباب عرفت ~~بسنة الله إما قطعا وإما ظنا، فلا ينقض بها التوكل، كما لا ينقض بدفع العقارب ~~والحيات والسباع، لأن الصبر على هذه جنون. # توكل المريض # يقسم الغزالي الأسباب المزيلة للمرض إلى مقطوع به، ومظنون، وموهوم، ويقرر أن ترك ~~المقطوع به ليس من التوكل بل تركه حرام عند خوف الموت. وكان عليه أن يتنبه إلى أن ~~المرض متى وجد فالموت مخوف في كل حال، لأن للمرض طفولة وحداثة وفتوة، فإن ترك وهو ~~ناشئ أمسى وهو قوي متين، بل يجب حرب جراثيم المرض، لأنها تبيض وتفرخ، ثم تصبح أعداء ~~الداء. فأما الموهوم فشرط التوكل تركه. وقد بينا ما تختلف عليه هذه الحال. وأما ~~المظنون كالفصد والحجامة وشرب الدواء المسهل، وما إلى ذلك من الأسباب الظاهرة عند ~~الأطباء، فليس تركه من التوكل، كما أن تركه ليس محظورا كالمقطوع به، بل قد يكون ~~أفضل من فعله في بعض الأحوال وفي بعض الأشخاص. وهذا ما ms118 لا نوافق عليه الغزالي، لأنا ~~لا نفهم كيف يكون الحرص على الصحة مما يفضل إغفاله في بعض الأحيان. # وإلى القارئ الأحوال التي يحمد فيها عنده ترك التداوي: ~~(1) # أن يكون المريض من المكاشفين، وقد كوشف بأن أجله انتهى، وأن الدواء ~~لا ينفعه! ~~(2) # أن يكون المريض مشغولا بحاله وبخوف عاقبته. ~~(3) # أن تكون العلة مزمنة، والدواء الذي يؤمر به موهوم النفع بالنسبة ~~لعلته. ~~(4) # أن يقصد بترك التداوي استبقاء المرض لينال أجر الصابرين، أو ليمرن ~~نفسه على الصبر الجميل! ~~(5) # أن يكون قد سبق له كثير من الذنوب، ويرى المرض تكفيرا إذا طال، ~~وكان قد عجز عن التكفير! ~~(6) # أن يستشعر في نفسه مبادئ البطر والطغيان بطول مدة الصحة، فيترك ~~التداوي خوفا من أن يعاجله زوال المرض، فتعاوده الغفلة والبطر ~~والطغيان. # ويحسن أن نلفت النظر إلى أن هذه أسباب ضعيفة، لا تقتضي ترك الدواء، وهي في الوقت ~~نفسه تدل على مبلغ حرص الغزالي على نزعته الصوفية، فمن الواضح أن إيثار المرض في ~~سبيل الفرار من آفات العافية، إنما هو عمل سلبي قليل الغناء. وماذا يضرنا لو حاربنا ~~المرض، ثم رجعنا بعد ذلك إلى حرب ما للصحة من الآفات، لنخرج رجالا صحاح الجوارح ~~والقلوب؟ # والغزالي فوق ما سلف يفضل كتمان المرض، ولا يجيز إظهاره إلا في الأحوال ~~الآتية: ~~(1) # أن يكون الغرض التداوي، فيذكر المرض للطبيب، لا في معرض الشكاية، بل ~~في معرض الحكاية. ~~(2) # أن يوصف المرض لمن يرجى من الدعوة إلى الصبر. ~~(3) # أن يقصد بإظهار المرض إظهار العجز والافتقار إلى الله. # قال الغزالي: «فبهذه النيات يرخص في ذكر المرض، وإنما يشترط ذلك لأن ذكره شكاية ~~والشكوى من الله حرام. ويصير الإظهار شكاية بقرينة السخط وإظهار الكراهة لفعل الله. ~~فإن خلا عن قرينة السخط وعن النيات التي ذكرناها فلا يوصف بالتحريم ولكن يحكم فيه ~~بأن الأولى تركه. لأنه ربما يوهم الشكاية، ولأنه ربما يكون فيه تصنع ومزيد في الوصف ~~على الموجود من العلة. ومن ترك التداوي توكلا فلا وجه في حقه للإظهار، لأن ~~الاستراحة إلى الدواء أفضل من ms119 الاستراحة إلى الإفشاء». # وهذه الكلمة الأخيرة غاية في الحكمة والسداد. # ملاحظات ثلاث # الأولى # جاء في ص292 ج4 إحياء ما نصه: «فإن قلت فكيف يكون للمتوكل مال حتى يؤخذ؟ ~~فأقول: المتوكل لا يخلو بيته عن متاع كقصعة يأكل منها وكوز يشرب منه وإناء ~~يتوضأ منه وجراب يحفظ به زاده، وعصا يدفع بها عدوه، وغير ذلك من ضرورات المعيشة ~~من أثاث البيت. وقد يدخل في يده مال وهو يمسكه ليجد محتاجا فيصرفه إليه فلا ~~يكون ادخاره على هذه النية مبطلا لتوكله. وليس من شرط التوكل إخراج الكوز الذي ~~يشرب منه والجراب الذي فيه زاده، وإنما ذلك في المأكول وفي كل مال زائد على قدر ~~الضرورة. لأن سنة الله جارية بوصول الخير إلى الفقراء والمتوكلين في زوايا ~~المسجد. وما جرت السنة بتفريق الكيزان والأمتعة في كل يوم وفي كل ~~أسبوع». # وهذه الفقرة تدل واضح الدلالة على أن التوكل هذا نزعة صوفية، وقد وضع الغزالي ~~مقياسا لتقدير الأعمال هو العقل والشرع، وما أحسبه يستطيع أن يثبت أن آية # وعلى الله فتوكلوا إن كنتم ~~مؤمنين # 4 # خاصة بهذا الصنف من الناس، بل التوكل المأمور به في القرآن هو ~~الاعتماد على الله مع مباشرة الأسباب، والإيمان بأنه لا يضيع أجر ~~العاملين. # الثانية # جاء في المنهاج ص80 ما نصه: «فإن قيل هل يلزم العبد طلب الرزق بحال ما؟ فاعلم ~~أن الرزق المضمون الذي هو الغذاء والقوام لا يمكننا طلبه إذ هو شيء من فعل الله ~~سبحانه للعبد كالحياة والموت لا يقدر العبد على تحصيله ولا على دفعه (؟!) فإن ~~قيل: لكن لهذا الرزق المضمون أسباب، فهل يلزمنا طلب الأسباب؟ قيل له لا يلزمك، ~~إذ لا حاجة للعبد إليه إذ الله سبحانه يفعل بسبب وبغير سبب. فمن أين يلزمنا طلب ~~السبب، ثم إن الله تعالى ضمن لك ضمانا مطلقا من غير شرط الطلب والكسب، قال ~~الله تعالى: # وما من دابة في الأرض إلا ~~على الله رزقها # ثم كيف يصح أن يأمر العبد بطلب ما لا ~~يعرف مكانه فيطلبه، والواحد ms120 منا لا يعرف سبب الرزق يتناوله من أين يحصل له، فلا ~~يصح تكليفه. فتأمل». # وقد تأملنا كثيرا، فلم نر هذه الحجج إلا خيالا في خيال! # الثالثة # أراد الغزالي أن يحض على التوكل فأمر بملاحظة الجنين كيف وصلت سرته بسرة الأم ~~لينتهي إليه الغذاء لما كان عاجزا عن الحركة والاضطراب، فلما انفصل سلط الله ~~على الأم الحب لترضعه وهي راغمة، وأدر له اللبن اللطيف، إذ كان مزاجه لا يحتمل ~~الغذاء الكثيف. وانتقل الغزالي من هذا إلى بيان أن الكبير قد كثرت أسباب الرفق ~~به، فبعد أن كان المشفق واحدا هو الأم أو الأب، أصبح أهل البلدة كافة يشفقون ~~عليه. ثم أخذ يبين كيف ينتفع اليتيم بشفقة المسلمين، إلى آخر ما قال. # وهذه الحجة على الغزالي لا له، فإنه إذا كان الله وصل سرة الجنين بسرة أمه ~~لضعفه عن الحركة، وأدر عليه اللبن لعجزه عن المضغ، وسلط على أمه الحب لعجزه عن ~~السعي، فلماذا منحه القوة إذن، إذا كان لم يشأ أن يستغني بها عن الناس؟ # فأما ما قاله من أن كل واحد من أهل البلد إذا أحس بمحتاج تألم قلبه، ورق ~~عليه، وانبعثت له داعية إلى إزالة حاجته، فهي أمنية شعرية، وليته ذكر أن العرب ~~هموا بترك دينهم ليخلصوا من الزكاة! # الفصل الخامس # | فضيلة الإخلاص # ابتدأ الغزالي كلامه عن هذه الفضيلة بقوله تعالى: # وما أمروا ~~إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين # 1 # ثم ذكر جملة من الأحاديث والأخبار. ثم قرر بعد ذلك أن كل حظ من حظوظ الدنيا ~~تستريح إليه النفس، ويميل إليه القلب، قل أم كثر، إذا تطرق إلى العمل تكدر به صفوه، ~~وزال به إخلاصه. ثم بين أنه قلما يخلو فعل من أفعال المرء وعبادة من عباداته، عن حظوظ ~~وأغراض عاجلة. وإن العمل الخالص هو الذي لا باعث عليه إلا طلب القرب من الله. # ومقياس الإخلاص فيما يرى الغزالي هو أن يشعر المرء بارتياح حين يجد غيره يعمل عملا ~~كان يريد أن يقوم به. نعرف هذا من قوله: # وأشد ms121 الخلق تعرضا لهذه الفتنة هم العلماء. فإن الباعث للأكثرين على نشر ~~العلم لذة الاستيلاء، والفرح بالأتباع. والشيطان يلبس عليهم ذلك ويقول: غرضكم ~~نشر دين الله، والنضال عن الشرع الذي شرعه رسول الله. وترى الواعظ يمن على الله ~~تعالى بنصيحة الخلق ووعظه للسلاطين. ويفرح بقبول الناس قوله، وإقبالهم عليه، ~~وهو يدعي أنه يفرح بما يسر له من نصرة الدين. ولو ظهر من أقرانه من هو أحسن منه ~~وعظا وانصرف الناس عنه وأقبلوا عليه ساءه ذلك وغمه، ولو كان باعثه الدين لشكر ~~الله تعالى إذ كفاه هذا المهم بغيره. ثم الشيطان مع ذلك لا يخليه ويقول: إنما ~~غمك لانقطاع الثواب عنك لانصراف وجوه الناس إلى غيرك. إذ لو اتعظوا بقولك لكنت ~~أنت المثاب واغتمامك لفوات الثواب محمود. ولا يدري المسكين أن انقياده للحق ~~وتسليمه الأمر أفضل وأجزل ثوابا وأعود إليه في الآخرة. # وقد انحصر الإخلاص عنده في الأمور الدينية، لغلبة هذه الأمور عليه، ولو كان الغزالي ~~من الذين باشروا الحركات العامة، ووقفوا على الشئون الاجتماعية. لذكر لنا ضروبا من ~~الإخلاص في نهوض الأفراد بأممهم. وبين لنا كيف يتطرق الغرض إلى الأعمال الاجتماعية، ~~وكيف تشقى الشعوب بأصحاب الأغراض، فليس الإخلاص وقفا على الصلاة والزكاة والحج ~~والصيام، بل الإخلاص فيما بين الرجل وبين أمته، أوجب من الإخلاص فيما بينه وبين ربه، ~~لأنه حين يحرم الإخلاص في العبادة لا يضر الله شيئا فإن الله غني عن العالمين. ولكنه ~~حين يحرم الإخلاص فيما يعمل لأمته يشقى بسوء غرضه ملايين من النفوس، ثم يصبح وهو منبوذ ~~مهين. ولكن أكثر الناس لا يعلمون! # الباب الثامن # | في توقي الرذائل # | تمهيد # لم يضع الغزالي للرذيلة تعريفا يخصها بالذات، وإنما هي عنده إفراط من الفضيلة أو ~~تفريط. وهو يرى أن الإفراط في قوة العلم ينشأ عنه المكر والحقد والخداع والدهاء، وأن ~~التفريط فيها يصدر عنه البله، والغمارة، والحمق، والجنون، وينشأ من الإفراط في الشجاعة ~~والتهور وما إليه من الجسارة، والتبجح، والاستشاطة والتكبر والعجب والبذخ. ويصدر من ~~التفريط فيها الجبن، والهلع، والمهانة، ms122 وصغر النفس، والنكول. وأما الرذائل الصادرة من ~~الإفراط أو التفريط في العفة فهي: الشره، وكلال الشهوة، والوقاحة، والتخنث، والتبذير، ~~والتقتير، والرياء، والتهتك والمجانة، والعبث والشكاسة، والملق والحسد والشماتة ... ~~إلخ. # وألاحظ أن كلامه في هذا الباب غير واضح، وقد لاحظ هو ذلك، فأخذ يشرح أمثال الرذائل ~~الآتية: الاستشاطة، الانفراك، التخاسس، البذالة، الشكاسة، الكزازة، التحاشي، النكول، ~~الغمارة ... إلخ. # والأمر ينبغي كذلك في الفضائل المتفرعة من أمهات الأخلاق. # وينبغي أن لا ننسى أن الغزالي يوصي دائما بقلع الخلال الرديئة وغرس مكارم الأخلاق، ~~ويسمي هذا بالتخلية، والتحلية، أي إخلاء القلب من الشهوات، ثم تحليته بكرائم ~~النزعات. # وإذ كنا بينا رأيه في جملة من الفضائل الضرورية للأفراد، فإنا ذاكرون كذلك رأيه في ~~طائفة من العيوب والرذائل الكثيرة الوجود، ليتضح ما يتصوره من المثل الأعلى ~~للحياة. # الفصل الأول # | رذيلة الغضب # الغضب قوة تتوجه عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها، وإلى التشفي والانتقام بعد ~~وقوعها. وهو فيما يرى الغزالي ثلاث درجات: التفريط، والإفراط، والاعتدال. # أما التفريط ففقد هذه القوة، أو ضعفها. وهو مذموم إذ من ثمراته قلة الأنفة مما يؤنف ~~منه، كالتعرض للحرم والزوجة، والأمة، واحتمال الذل من الأخساء، وصغر النفس. # وأما الإفراط فهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن العقل والدين، فلا تبقى للمرء بصيرة، ~~ولا نظر، ولا فكرة، ولا اختيار. # وأما الاعتدال فهو المحمود، وهو غضب ينتظر إشارة العقل والدين؛ فينبعث حيث تجب ~~الحمية، وينطفئ حيث يحسن الحلم. # قال الغزالي: «فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة، وخسة النفس في ~~احتمال الذل والضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه. ومن مال غضبه إلى ~~الإفراط حتى جره إلى التهور واقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج نفسه ليغض من سورة الغضب ~~ويقف على الوسط بين الطرفين». # 1 # أسبابه # وأسباب الغضب فيما يرى الغزالي ترجع إلى ثلاثة أقسام: # الأول: # ما هو ضرورة في حق الكافة كالقوت، والملبس والمسكن، وصحة البدن ~~وهذه ضرورات لا يخلو الإنسان من كراهة زوالها، ومن ms123 الغيظ على من ~~يتعرض لها. # والثاني: # ما ليس ضروريا لأحد من الخلق كالجاه والمال الكثير، والغلمان، ~~والدواب وقد صارت هذه الأشياء محبوبة بالعادة، والجهل بمقاصد ~~الأمور. # الثالث: # ما يكون ضروريا في حق بعض الناس دون البعض، وهذا يختلف باختلاف ~~الأشخاص. # علاجه # وقد وضع الغزالي طريقة لاستئصال رذيلة الغضب، كما وضع طريقة لتسكينه حين ~~يثور. # أما الطريقة الأولى فهي استئصال الغضب باستئصال أسبابه وإذ كانت الأسباب المهيجة ~~له هي الزهو، والعجب، والمزاح، والهزل، والهزء والتعبير، والمماراة، والمضادة، ~~والغدر، وشدة الحرص على حصول المال، والجاه، فينبغي للخلوص من الغضب إزالة هذه ~~الأسباب، وهي في نفسها رذائل تحتاج إلى رياضة، ورياضتها الرجوع إلى معرفة غوائلها ~~لترغب النفس عنها، وتنفر عن قبحها، ثم المواظبة على مباشرة أضدادها مدة مديدة حتى ~~تصير بالعادة مألوفة هينة على النفس. فإذا انمحت عن النفس فقد ذكت وتطهرت من هذه ~~الرذائل، وتخلصت أيضا من الغضب الذي يصدر منها. # أما علاج الغضب بعد هيجانه فيرجع إلى العلم والعمل. والعلم ستة أمور: ~~(1) # أن يتفكر في الأخبار الواردة في كظم الغيظ، والعفو، والحلم، ~~والاحتمال. ~~(2) # أن يخوف نفسه بعقاب الله، فيذكر أن قدرة الله عليه أعظم من قدرته على ~~من يريد أن يمضي فيه غضبه. ~~(3) # أن يحذر نفسه عاقبة العداوة، والانتقام، وتشمير العدو لمقابلته، ~~والسعي في هدم أغراضه، والشماتة بمصائبه. ~~(4) # أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب، ومشابهة الغضبان للكلب الضاري، ~~ومشابهة الحليم للأنبياء. ~~(5) # أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام، ويمنعه من كظم ~~الغيظ. ~~(6) # أن يعلم أن غضبه من تعجبه من جريان الشيء على وفق مراد الله لا على ~~وفق مراده. # أما علاج الغضب بالعمل فهو أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم فإن لم ينفع بك، ~~فاجلس إن كنت قائما، واضطجع إن كنت جالسا، واقرب من الأرض التي منها خلقت؛ لتعرف ~~ذل نفسك، فإن لم ينفع ذلك فتوضأ، أو اغتسل بالماء البارد. # درء الشر بالشر # بعد أن بين الغزالي علاج الغضب، وفضيلة الحلم، وكظم الغيظ، أخذ في بيان القدر ~~الذي يجوز ms124 الانتصار والتشفي به من الكلام. وهو على الجملة لا يجيز مقابلة الغيبة ~~بالغيبة، ولا مقابلة التجسس بالتجسس، ولا السب بالسب، وكذا سائر المعاصي. ويجيز أن ~~ينتصر المظلوم لنفسه بالكلام في غير تلك المنكرات، ولكن الأفضل تركه، فإنه يجر إلى ~~ما وراءه، ولا يمنعه الاقتصار على قدر الحق فيه. والسكوت عن الجواب لعله أيسر من ~~الشروع في الجواب والوقوف على حد الشرع فيه. # ثم قسم الناس باعتبار الغضب إلى أربعة أقسام: قسم سريع الوقود سريع الخمود، وقسم ~~بطيء الوقود بطيء الخمود، وقسم سريع الوقود بطيء الخمود، وهو شرهم، وقسم بطيء ~~الوقود سريع الخمود. قال الغزالي وهو الأحمد ما لم ينته إلى فتور الحمية ~~والغيرة. # وقد أوجب على صاحب السلطان أن لا يعاقب أحدا في حال غضبه لأنه ربما يتعدى ~~الواجب، ولأنه ربما يكون متغيظا على المعاقب فيكون متشفيا لغيظه ومريحا نفسه من ~~ألم الغيظ، فيكون صاحب حظ، مع أن الواجب أن يكون انتقامه وانتصاره لله تعالى لا ~~لنفسه. # ولا يفوتنا أن نذكر أن الغزالي كرر النصح بتجنب من يتبجحون بتشفي الغيظ وطاعة ~~الغضب، ويسمون ذلك شجاعة ورجولة. فإن الفضل في الصفح الجميل. # الفصل الثاني # | رذيلة الحقد # هو فيما يرى الغزالي وليد الغضب، فإن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال، ~~رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقدا، ومعنى الحقد - كما نص على ذلك - أن يلزم المرء ~~قلبه استثقال المغضوب عليه، والبغضة له، والنفور منه، وأن يدوم ذلك ويبقى. # وللحقد ما يأتي من النتائج: ~~(1) # الحسد، وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عن عدوك، فتغتم ~~للنعمة تصيبه، وتسر للمصيبة تنزل به. ~~(2) # أن تزيد على إضمار الحسد في الباطن فتظهر الشماتة بما أصابه من ~~البلاء. ~~(3) # أن تهجره وتصارمه وتنقطع عنه وإن طلبك وأقبل عليك. ~~(4) # أن تعرض عنه استصغارا له. ~~(5) # أن تتكلم فيه بما لا يحل: من كذب، وغيبة، وإفشاء سر، وهتك ستر. ~~(6) # أن تحاكيه استهزاء به، وسخرية منه. ~~(7) # أن تؤذيه بضرب أو شبهة مما يؤلم بدنه. ~~(8) # أن تمنعه حقه: ms125 من قضاء دين، أو صلة رحم، أو رد مظلمة. # قال الغزالي: «وكل ذلك حرام. وأقل درجات الحقد أن تحترز من الآفات الثمانية المذكورة ~~ولا تخرج بسبب الحقد إلى ما يعصى به الله، ولكن تستثقله في الباطن. ولا ينتهي قلبك ~~عن بغضه حتى تمتنع عما كنت تتطوع به عن البشاشة والرفق والعناية والقيام بحاجاته، أو ~~الدعاء له، والثناء عليه، والتحريض على بره ومواساته. فهذا كله مما ينقص درجتك في ~~الدين، وإن كان لا يعرضك لعقاب». # 1 # وللحقود عند القدرة ثلاثة أحوال؛ الأولى: استيفاء الحق من غير زيادة ولا نقصان وهو ~~العدل، والثانية: الإحسان بالعفو والصلة وهو الفضل، والثالثة: الظلم، وهو المنهي ~~عنه. # الفصل الثالث # | رذيلة الحسد # هو إحدى نتائج الحقد، وله فيما يرى الغزالي أربع مراتب: # الأولى: # أن يحب المرء زوال النعمة عن غيره، وإن كانت لا تنتقل إليه وهذا غاية ~~الخبث. # الثانية: # أن يحب زوالها إليه؛ لرغبته في مثل تلك النعمة، كأن يرى عند غيره ~~امرأة جميلة ويحب أن تكون له، فمطلوبه تلك النعمة لا زوالها، ومكروهه ~~فقدها لا تنعم غيره بها. # الثالثة: # أن لا يشتهي عينها لنفسه، بل يشتهي مثلها، فإن عجز عن مثلها أحب ~~زوالها، كي لا يظهر التفاوت بينهما. # الرابعة: # أن يشتهي لنفسه مثلها، فإن لم تحصل لا يحب زوالها عنه، وهذا الأخير ~~هو المعفو عنه إن كان في الدنيا، والمندوب إليه إن كان في ~~الدين. # والرتبة الأولى مذمومة، وتسمية الثانية حسدا تجوز، فإنما هي تمني ما للغير، وهو ~~أيضا مذموم لقوله تعالى: # ولا تتمنوا ما فضل الله ~~به بعضكم على بعض # 1 # والثالثة أخف من الأولى. # أسبابه وعلاجه # ويرى الغزالي أن أسباب الحسد ترجع إلى العداوة، والتعزز، والكبر، والعجب، والخوف ~~من فوت المقاصد المحبوبة، وحب الرياسة، وخبث النفس. وأكثر ما يكون الحسد بين ~~الأمثال والأقران والأخوة وبني العم والأقارب، لأن كثرة الروابط تولد أسباب الحسد ~~والبغضاء. # وعلاج الحسد فيما يرى الغزالي ينحصر في تأديب النفس وتبصيرها بخطر هذه الرذيلة، ~~فإن الحاسد إنما ينكر في غيره نعمة ms126 أنعم الله بها عليه، ومن واجب الرجل أن يشغل ~~بنفسه، وأن يحفظ وقته فلا يضيعه فيما لا يغني ولا يفيد، فليس أضيع من وقت يصرف في ~~بغض نعمة لا يملك المرء زوالها عن سواه. # وقد قرر الغزالي أن الحسد يكاد يكون طبيعة في النفوس، وأن الأمل في السلامة منه ~~بالكلية بعيد. # الفصل الرابع # | رذيلة العجب # للعالم بكمال نفسه في علم، أو عمل، أو مال، ثلاث حالات: # الأولى: # أن يكون خائفا على زواله، ومشفقا على تكدره، أو سلبه من أصله، وهذا ~~ليس بمعجب. # الثانية: # أن لا يكون خائفا من زواله، ولكن يكون فرحا به، من حيث هو نعمة من ~~الله، لا من حيث إضافته إلى نفسه، وهذا أيضا ليس بمعجب. # الثالثة: # أن يكون غير خائف عليه، بل يكون فرحا به، مطمئنا إليه، ويكون فرحه ~~من حيث إنه كمال ونعمة، وخير ورفعة، لا من حيث إنه عطية من الله ونعمة ~~منه، وهذا هو التعجب، فهو إذن استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان ~~إضافتها إلى المنعم. قال الغزالي: «فإن انضاف إلى ذلك أن غلب على نفسه ~~أن له عند الله حقا، وأنه منه بمكان، حتى يتوقع بعمله كرامة في ~~الدنيا، واستبعد أن يجري عليه مكروها يزيد على استبعاده ما يجري على ~~الفساق سمي هذا إدلالا بالعمل ... والإدلال وراء العجب، فلا مدل إلا وهو ~~معجب، ورب معجب لا يدل، إذ العجب يحصل بالاستعظام ونسيان النعمة دون ~~توقع جزاء، والإدلال لا يتم إلا مع توقع جزاء، والعجب والإدلال من ~~مقدمات الكبر وأسبابه». # 1 # أسبابه وعلاجه # وإليك ما يعجب به الناس مع وصف العلاج: # الأول: # أن يعجب المرء ببدنه؛ في هيئته وصحته، وقوته، وتناسب أشكاله، ~~وحسن صورته، وجمال صوته. # وعلاجه أن ينظر في مصير الوجوه الجميلة، والأبدان الناعمة، وكيف ~~يعبث بها التراب. # الثاني: # البطش والقوة، وعلاجه أن ينظر ما حل بقوم عاد. # الثالث: # العجب بالعقل، والكياسة، والتفطن لدقائق الأمور، من مصالح الدنيا ~~والدين. وآفة هذا الاستبداد بالرأي وترك المشورة. # وعلاجه أن ينظر في مصير عقله لو ms127 أصيب بمرض في دماغه. # الرابع: # العجب بالنسب الشريف. # وعلاجه أن يعلم أنه مهما خالف آباءه في أفعالهم وأخلاقهم، وظن ~~أنه يلحق بهم، فقد جهل. # الخامس: # العجب بنسب السلاطين الظلمة، وأعوانهم، دون نسب العلم ~~والدين. # وعلاجه أن يفكر في مخازيهم، وفي مصيرهم يوم الحساب. # السادس: # العجب بكثرة العدد من الأولاد والخدم والغلمان والعشيرة والأقارب ~~والأنصار والأتباع. # وعلاجه أن يتفكر في ضعفه وضعفهم، وأنهم كلهم عبيد عجزة لا يملكون ~~لأنفسهم ضرا ولا نفعا. # السابع: # العجب بالمال. # وعلاجه أن يتفكر في آفات المال، وكثرة حقوقه، وغوائله. # الثامن: # العجب بالرأي الخطأ كما قال تعالى: # أفمن ~~زين له سوء عمله فرآه حسنا ~~. # 2 # قال الغزالي: «وعلاج هذا العجب أشد من غيره، لأن صاحب الرأي الخطأ جاهل بخطئه ولو ~~عرفه لتركه، ولا يعالج الداء الذي لا يعرف، والجهل داء لا يعرف، فتعسرت مداواته ~~جدا ... وإنما علاجه على الجملة أن يكون متهما لرأيه أبدا لا يغتر به إلا أن يشهد ~~قاطع من كتاب أو سنة أو دليل عقلي صحيح جامع لشروط الأدلة». # 3 # وقد بين الغزالي فوق ما سلف أن العجب مع الله يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها، ~~فبعض ذنوب المرء لا يدركها ولا يتفقدها لظنه أنه مستغن عن تفقدها فينساها. وما ~~يتذكره منها يستصغره ولا يستعظمه، فلا يجتهد في تداركه وتلافيه، بل يظن أنه يغفر ~~له؛ ومتى أعجب المرء بأعماله عمي عن آفاتها. ومن لم يتفقد آفات أعماله كان أكثر ~~سعيه ضائعا، فإن الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية عن الشوائب قلما تنفع. ~~وإنما يتفقد عمله من يغلب عليه الخوف والإشفاق دون المعجب، فإنه يغتر بنفسه وبرأيه، ~~ويأمن مكر الله وعذابه، إذ يظن أنه قد استغنى وفاز، وهذا هو الهلاك الصريح الذي لا ~~شبهة فيه. كما قال الغزالي. # الفصل الخامس # | رذيلة الكبر # يقسم الغزالي الكبر: إلى باطن وظاهر. فالباطن هو خلق في النفس. والظاهر هو أعمال تصدر ~~من الجوارح. ويسمي الباطن الكبر، والظاهر التكبر. والكبر فيما يرى ثمرة العجب. وينفصل ~~عنه بأنه يتطلب متكبرا عليه، ms128 بخلاف العجب، فقد يعجب المرء بنفسه، وماله، وعمله، ولو ~~خلق وحده. # والتكبر باعتبار المتكبر عليه ثلاثة أقسام: # الأول: # التكبر على الله وهو أفحش أنواع الكبر، ومثاله ما كان من ~~فرعون. # الثاني: # التكبر على الرسل، ومثاله ما كان من قريش وبني إسرائيل. # الثالث: # التكبر على العباد، بأن يستعظم المرء نفسه، ويستحقر غيره. # أسباب التكبر # وللتكبر سبعة أسباب: # الأول: # العلم، وما أسرع الكبر إلى العلماء! # الثاني: # العمل والعبادة. ولكن العلماء والعباد في آفة الكبر على ثلاث ~~درجات؛ الأولى: أن يكون الكبر مستقرا في قلب المرء فيرى نفسه ~~خيرا من غيره، إلا أنه يجتهد ويتواضع ويفعل فعل من يرى غيره خيرا ~~من نفسه، وهذا قد غرست في نفسه شجرة الكبر ولكنه قطع أغصانها. ~~الثانية: أن يظهر ذلك على أفعاله بالترفع في المجالس والتقدم على ~~الأقران وإظهار الإنكار على من يقصر في حقه، بتصعير خده وتقليب ~~جبينه. قال الغزالي: «وليس يعلم المسكين أن الورع ليس في الجبهة ~~حتى تقطب، ولا في الوجه حتى يعبس، ولا في الخد حتى يصعر، ولا في ~~الرقبة حتى تطأطأ، ولا في الذيل حتى يضم، وإنما الورع في القلوب». # 1 # الثالثة: أن يظهر الكبر على لسانه حتى يدعوه إلى ~~الدعوى والمفاخرة والمباهاة وتزكية النفس وحكاية الأحوال ~~والمقامات. # الثالث: # التكبر بالحسب والنسب. # الرابع: # التفاخر بالجمال، وأكثر ما يجري هذا بين النساء. # الخامس: # التكبر بالمال، ويجري هذا بين الملوك في خزائنهم وبين التجار في ~~بضائعهم، وبين الدهاقين في أراضيهم، وبين المتجملين في ملابسهم، ~~وخيولهم، ومراكبهم. # السادس: # التكبر بالقوة وشدة البطش. # السابع: # التكبر بالأتباع والأنصار والتلامذة والغلمان وبالعشيرة ~~وبالأقارب، ويجري ذلك بين الملوك في المكاثرة بالجنود وبين العلماء ~~في المكاثرة بالمستفيدين. # قال الغزالي: «وبالجملة فكل ما هو نعمة وأمكن أن يعتقد كمالا وإن لم يكن في نفسه ~~كمالا أمكن أن يتكبر به». # 2 # وعلامات التكبر - كما ذكر الغزالي - تظهر في شمائل الرجل: كصعر خده، ونظره شزرا، ~~وإطراقه برأسه، وفي جلوسه متكئا. وتظهر في مشيته، وتبختره، وقيامه وقعوده، وحركاته ~~وسكناته، وفي سائر تقلباته في ms129 أحواله وأقواله وأعماله. # وإزالة الكبر - فيما يرى الغزالي - فرض عين، وهو لا يزول بمجرد التمني، بل ~~بالمعالجة واستعمال الأدوية القامعة له. # علاجه # ولعلاجه طريقتان: # الأولى: # قلع شجرته من مغرسها في القلب، وذلك بمعرفة المرء نفسه بالذلة، ~~وربه بالعزة، إلى آخر ما قال الغزالي. # الثانية: # دفع عارض الكبر، بدفع الأسباب الخاصة التي يتكبر بها الإنسان على ~~غيره، وأنت لا تزال قريبا من تلك الأسباب السبعة التي توجب التكبر ~~فيما يراه، وقد وضع لكل سبب علاجا خاصا، غير أنه لا يفترق ~~كثيرا عما لخصناه له من علاج العجب، فلنكتف به، فإن أسباب هاتين ~~الرذيلتين تكاد تكون واحدة، وإن كانت الثانية نتيجة الأولى. # الفصل السادس # | آفات اللسان # وقد رأى الغزالي أن اللسان كثير العثرات، ولا بد للمرء من ضبطه، فبسط القول في آفاته، ~~وكتب في ذلك نحو خمسين صفحة، بين فيها حدود تلك الآفات، وأسبابها، وغوائلها، وطريق ~~الاحتراز عنها. # وقد مهد لآفات اللسان بكلمة مطولة حض فيها على الصمت، ثم قال في تبرير ما دعا إليه من ~~الإخلاد إلى السكوت: «فإن قلت: فهذا الفضل الكبير للصمت ما سببه؟ فاعلم أن سببه كثرة ~~آفات اللسان من الخطأ، والكذب، والغيبة، والنميمة، والرياء، والنفاق، والفحش، والمراء، ~~وتزكية النفس والخوض في الباطل، والخصومة، والفضول، والتحريف، والزيادة، والنقصان، ~~وإيذاء الخلق، وهتك العورات. # فهذه آفات كثيرة، وهي سباقة إلى اللسان لا تثقل عليه، ولها حلاوة في القلب، وعليها ~~بواعث من الطبع، ومن الشيطان. والخائض فيها قلما يقدر أن يمسك اللسان فيطلقه بما يحب، ~~ويمسكه ويكف عما لا يحب، فإن ذلك من غوامض الكلم». # ثم خشي أن يرميه القارئ بالإسراف فقال: «ويدلك على فضل لزوم الصمت أمر: وهو أن الكلام ~~أربعة أقسام: قسم هو ضرر محض، وقسم هو نفع محض، وقسم فيه ضرر ومنفعة، وقسم ليس فيه ضرر ~~ولا منفعة. أما الذي هو ضرر محض فلا بد من السكوت عنه وكذلك ما فيه من ضرر ومنفعة لا ~~تفي بالضرر. وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول، والاشتغال به ms130 تضييع زمان، وهو عين ~~الخسران. # فلم يبق إلا القسم الرابع، فقد سقط ثلاثة أرباع الكلام. وبقي ربع، وهذا الربع فيه خطر ~~إذ يمتزج بما فيه إثم من دقائق الرياء، والتصنع، والغيبة، وتزكية النفس، وفضول الكلام، ~~امتزاجا يخفي دركه، فيكون الإنسان به مخاطرا». # 1 # وهذا من الغزالي إغراق في حب السلامة. ونحن ذاكرون خلاصة هذه الآفات، لنعرف رأيه في ~~طبائع الأفراد. # الكلام فيما لا يعني # أما الآفة الأولى: فهي الكلام فيما لا يعني، وحده - كما قال الغزالي- أن تتكلم ~~بكل ما لو سكت عنه لم تأثم، ولم تستضر به في حال أو مآل، ومن أمثلته فيما يرى أن ~~يذكر المرء أسفاره وما رأى فيها من جبال وأنهار، وما وقع له فيها من الوقائع وما ~~استحسنه من الأطعمة والثياب، وما تعجب منه من مشايخ البلاد وحوادثهم. # ولم ينتبه الغزالي لخطر هذا المثال. فإن الكلام عن الأسفار والرحلات من الأمور ~~ذوات البال، والتحدث عن طبائع البلاد وأخلاق الناس من المستحسنات. ونحن مدينون بما ~~نعلم من عادات الأمم وأخلاقها إلى هؤلاء الذين يتحدثون بما لا يعنيهم فيقصون علينا ~~ما رأوا في أسفارهم من الجبال، والأنهار، والأطعمة والثياب، وإن عد الغزالي حديثهم ~~ولو احترزوا تضييعا للزمان. # ومما أصاب في عده مما لا يعني أن ترى إنسانا في الطريق فتقول من أين؟ فربما ~~يمنعه مانع من ذكره، فإن ذكر تأذى به واستحيا، وإن لم يصدق وقع في الكذب وكنت السبب ~~فيه. وكذلك سؤالك أمرءا عن المعاصي، وعن كل ما يخفيه ويستحي منه، وسؤالك عما حدث ~~به غيرك. # والباعث على هذه الآفة - فيما يرى - هو الحرص على معرفة ما لا حاجة به إليه، أو ~~المباسطة بالكلام على سبيل التودد، أو تزجية الأوقات بحكايات أحوال لا فائدة ~~فيها. # وأما علاج ذلك فهو أن يعلم أن الموت بين يديه، وأنه مسؤول عن كل كلمة، وأن أنفاسه ~~رأس ماله، وأن لسانه شبكة يقدر على أن يقتنص بها الحور العين، فإهماله ذلك وتضييعه ~~خسران مبين. # يقول الغزالي : «هذا علاجه من حيث العلم، ms131 وأما من حيث العمل فالعزلة، وأن يضع حصاة ~~في فيه، وأن يلزم نفسه السكوت عن بعض ما يعنيه، حتى يعتاد اللسان ترك ما لا يعنيه» # 2 ~~(؟!). # فضول الكلام # أما الآفة الثانية: فهي فضول الكلام. وهو يتناول الخوض فيما لا يعني، والزيادة ~~فيما يعني على قدر الحاجة. فإن من يعنيه أمر يمكنه أن يذكره بكلام مختصر، ويمكنه أن ~~يجسمه ويقرره ويكرره. قال الغزالي: «ومما تأدى مقصوده بكلمة واحدة فذكر كلمتين، ~~فالثانية فضول وهو مذموم وإن لم يكن فيه إثم ولا ضرر». # 3 # وسبب هذه الآفة وعلاجها مماثلان لسبب وعلاج الكلام فيما لا يعني. # الخوض في الباطل # وأما الآفة الثالثة: فهي الخوض في الباطل. وعد الغزالي منه حكاية أحوال النساء ~~ومجالس الخمر، ومقامات الفساق، وتنعم الأغنياء، وتجبر الملوك، ومراسمهم المذمومة ~~وأحوالهم المكروهة، وقرر أن مثل هذا لا يحل الخوض فيه وهو حرام، بخلاف الكلام فيما ~~لا يعني أو أكثر مما يعني فهو ترك الأولى. ويدخل الغزالي في هذا الباب الخوض في ~~حكاية البدع والمذاهب الفاسدة، وحكاية ما جرى من قتال الصحابة على وجه يوهم الطعن ~~في بعضهم. ثم قال: «وأنواع الباطل لا يمكن حصرها لكثرتها وتفننها لذلك لا مخلص منها ~~إلا بالاقتصار على ما يعني من مهمات الدين والدنيا». # 4 # المراء والجدال # أما الآفة الرابعة فهي المراء والجدال. والمراء كما حدده الغزالي «هو كل اعتراض ~~على كلام الغير بإظهار خلل فيه. إما في اللفظ، وإما في المعنى، وإما في قصد ~~المتكلم». # وترك المراء فيما يرى يكون بترك الإنكار والاعتراض، فكل كلام سمعه المرء صدق به ~~إن كان حقا، وسكت عنه إن كان باطلا أو كذبا. ولم يكن متعلقا بأمور الدين. وليس ~~له أن يطعن في كلام غيره بإظهار خلل فيه من جهة النحو أو من جهة اللغة، أو من جهة ~~النظم والترتيب، أو من جهة المعنى، أو من جهة القصد: كأن يقول هذا كلام حق، ولكن ~~ليس قصدك منه الحق، وإنما أنت فيه صاحب غرض. يقول الغزالي: «وهذا الجنس إن جرى في ms132 ~~مسألة علمية ربما خص باسم الجدل. وهو أيضا مذموم، بل الواجب السكوت أو السؤال في ~~معرض الاستفادة لا على وجه العناد. أو التلطف في التعريف لا في معرض الطعن». ~~«وأما المجادلة فعبارة عن قصد إفحام الغير، وتعجيزه، وتنقيصه بالقدح في كلامه، ~~ونسبته إلى القصور والجهل فيه». # والباعث على المراء والجدال فيما يرى الغزالي هو الترفع بإظهار العلم والفضل، ~~والتهجم على الغير بإظهار نقصه، وهما شهوتان باطنتان للنفس يرجعان إلى السبعية ~~والكبرياء. # وأما العلاج فيكون بكسر الكبر الباعث له على إظهار فضله، والسبعية الباعثة له على ~~تنقيص غيره (والسبعية في عبارات المتقدمين هي القوة الوجدانية المشتركة بين الإنسان ~~وبين كبار الحيوانات: فالانتقام قوة سبعية لأنه من صفات الجمل، والعفة من أكل ما ~~يكسب الغير قوة سبعية لأنه من صفات الأسد، إذ لا يأكل الأسد فريسته). # الخصومة # أما الآفة الخامسة فهي الخصومة. وهي لجاج في الكلام ليستوفى به مال أو مقصود. قال ~~الغزالي: «فإن قلت: فإذا كان للإحسان حق فلا بد له من الخصومة في طلبه أو في حفظه، ~~مهما ظلمه ظالم، فكيف يكون حكمه، وكيف تذم خصومته؟ فاعلم أن هذا الذم يتناول الذي ~~يخاصم بالباطل والذي يخاصم بغير علم، ويتناول الذي يمزج بالخصومة كلمات مؤذية لا ~~يحتاج إليها في نصرة الحجة وإظهار الحق. ويتناول الذي يحمله على الخصومة محض العناد ~~لقهر الخصم وكسره ... فاما الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج ~~على قدر الحاجة ومن غير قصد عناد وإيذاء ففعله ليس بحرام، ولكن الأولى تركه ما وجد ~~إليه سبيلا». # وقد بين الغزالي كيف توغر الخصومة الصدر، وتهيج الغضب حتى ينسى المتنازع فيه، ~~ويبقى الحقد بين المتخاصمين: فيفرح كل واحد بمساءة صاحبه، ويحزن بمسرته، ويطلق ~~اللسان في عرضه. فمن بدأ بالخصومة فقد تعرض لهذه المحذورات. # التقعر في الكلام # الآفة السادسة هي التقعر في الكلام بالتشدق، وتكلف السجع والفصاحة، والتصنع فيها ~~بالتشبيهات والمقدمات، وما جرت به عادة المتفاصحين. # والغزالي يفرق بين من يلقي خطبة، وبين من يتكلم كلاما عاديا، ms133 ولا حرج على ~~الخطيب فيما يرى الغزالي أن يلجأ إلى المحسنات اللفظية، في غير إفراط أو إغراب، فإن ~~المقصود من الخطبة تحريك القلوب، وتشويقها، وقبضها، وبسطها، ولرشاقة اللفظ في ذلك ~~كله تأثير. # أما المحاورات التي تجري لقضاء الحاجات، فالغزالي ينكر أن يكون فيها أي مظهر من ~~مظاهر التكلف كالسجع أو غيره «بل ينبغي أن يقتصر المرء في كل شيء على مقصوده، ~~ومقصود الكلام التفهيم للغرض، وما وراء ذلك تصنع مذموم». # والآفة الخلقية للتصنع فيما يرى الغزالي ترجع إلى الباعث عليه: وهو الرياء، وحب ~~الظهور بالفصاحة، والتميز بالبراعة. # الفحش # والآفة السابعة هي الفحش، وهو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة. ~~وهذه العبارات متفاوتة في الفحش، وبعضها أفحش من بعض، وربما اختلف ذلك بعادة ~~البلاد. وقد ذكر الغزالي من ذلك ما يجري في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به، والعيوب ~~التي يستحيا منها كالبرص والقراع والبواسير، ثم حض على استعمال الكتابة في مثل تلك ~~المواطن. # والباعث على الفحش فيما يرى: إما قصد الإيذاء، وإما الاعتياد الحاصل من مخالطة ~~الفساق، وأهل الخبث واللؤم. # وقد عد الغزالي الفحش والسب والبذاء آفة واحدة، وأضاف إليها «البيان» الوارد في ~~حديث (البذاء والبيان شعبتان من شعب النفاق) وفسر هذا البيان بكشف ما لا يجوز كشفه، ~~أو المبالغة في الإيضاح حتى ينتهي إلى حد التكلف. أو البيان في أمور الدين، وفي ~~صفات الله أمام العوام، إذ قد يثور من غاية البيان فيها شكوك ووسواس. # اللعن # أما الآفة الثامنة فهي اللعن، لحيوان أو إنسان أو جماد، وكل ذلك مذموم. # وللغزالي في هذا الباب نظر دقيق: فهو لا يجيز أن تقول في رجل حي من اليهود مثلا ~~لعنه الله، كما تقول لعن الله أبا جهل وفرعون، فإنه ربما يسلم فيموت مقربا عند ~~الله، ولا يجيز أن يلعن المبتدع لأن معرفة البدعة غامضة «ومن بان لنا موته على ~~الكفر جاز لعنه وجاز ذمه إن لم يكن فيه أذى لمسلم، فإن كان لم يجز ولا يجوز لعن ~~يزيد، لأنه يجوز أن يقال إنه ms134 قتل الحسين، أو أمر بقتله ما لم يثبت ذلك. فضلا عن ~~اللعنة: إذ لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق، ولا يجوز أن يرمى مسلم بفسق ~~وكفر من غير تحقيق». # قال الغزالي: «والمؤمن ليس بلعان، فلا ينبغي أن يطلق اللسان باللعنة إلا على من ~~مات على الكفر، أو على الأجناس المعروفين بأوصافهم دون الأشخاص المعينين». # المزاح # الآفة التاسعة هي المزاح، والمذموم منه فيما يرى الغزالي هو الإفراط فيه، أو ~~المداومة عليه. فلك أن تمزح كما كان يمزح رسول الله: فلا تقول إلا حقا، ولا تؤذي ~~قلبا، ولا تفرط فيسقط وقارك. # الاستهزاء # أما الآفة العاشرة فهي الاستهزاء، وحده كما قال الغزالي: «الاستهانة والتحقير ~~والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل ~~والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء». # وقد نص الغزالي على أن هذا إنما يحرم في حق من يتأذى به، فأما من جعل نفسه مسخرة، ~~وربما فرح من أن يسخر به، كانت السخرية في حقه من جملة المزاح فله حكمه، لأن المحرم ~~هو استصغار يتأذى به المستهزأ به، لما فيه من التحقير. # إفشاء السر # الآفة الحادية عشرة هي إفشاء السر، وهو مذموم لما فيه من الإيذاء والتهاون في حق ~~المعارف والأصدقاء، يقول الغزالي: «وهو حرام إذا كان فيه إضرار، ولؤم إن لم يكن فيه ~~إضرار». # وقد عد من حقوق الأخ على أخيه في كتاب الصحبة: «أن يسكت عن إفشاء سره الذي ~~استودعه، وله أن ينكره وإن كان كاذبا، فليس الصدق واجبا في كل مقام، فإنه كما ~~يجوز للرجل أن يخفي عيوب نفسه وأسراره وإن احتاج إلى الكذب، فله أن يفعل ذلك في حق ~~أخيه. فإن أخاه نازل منزلته، وهما كشخص واحد لا يختلفان إلا بالبدن». # الوعد الكاذب # الآفة الثانية عشرة هي الوعد الكاذب، وقد بين الغزالي أن ذلك يكون بالوعد على نية ~~الحلف، أو ترك الوفاء من غير عذر، ولا جناح على من عزم على الوفاء فمن له عذر ~~فمنعه. # الكذب في القول واليمين # الآفة ms135 الثالثة عشر هي الكذب في القول واليمين. وقد نص الغزالي على «أن الكذب ليس ~~حراما لعينه بل لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره، فإن أقل درجاته أن ~~يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلا، وقد يتعلق به ضرر غيره ورب ~~جهل فيه منفعة ومصلحة، فالكذب المحصل لذلك الجهل يكون مأذونا فيه وربما كان ~~واجبا.» وقد بينا المواطن التي أباح الغزالي فيها الكذب حين تكلمنا عن رأيه في ~~الوسائل والغايات. # الغيبة # الآفة الرابعة عشرة هي الغيبة. وحدها «أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، سواء ~~ذكرته بنقص في بدنه، أو نسبه، أو في خلقه، أو في فعله، أو في قوله، أو في دينه، أو ~~في دنياه، حتى في ثوبه وداره ودابته». # وقد نص على أن التصريح ليس شرطا في تحقيق الغيبة، بل تكفي الإشارة، والإيماء، ~~والغمز، والهمز، والكتابة، والحركة، وكل ما يفهم منه المقصود. # وللغيبة أسباب نذكر منها الأربعة الآتية: ~~(1) # موافقة الأقران، ومجاملة الرفقاء، ومساعدتهم على الكلام. ~~(2) # إرادة التصنع، والمباهاة، كأن يرفع المرء نفسه بتنقيص غيره. ~~(3) # اللعب، والهزل، والمطايبة، وتزجية الوقت بذكر عيوب الناس. ~~(4) # البراءة مما ينسب المرء إليه بتنقيص من يفعله. # وقد تنبه الغزالي إلى ما يقع فيه علماء الدين، فقد ينكرون المنكر، ويقعون في ~~صاحبه، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، مع أنهم يكفيهم أن يشخصوا المنكرات بلا تعرض ~~للأشخاص، وقد يغضبون لله حين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولكنهم يذكرون ~~أشخاصا بالسوء، فيحبطون ما يعملون. # والغزالي يصف لعلاج الغيبة قراءة الآثار والأحاديث الواردة في هذه الآفة. وقد عد ~~سوء الظن غيبة القلب ونهى عنه ثم ذكر المواطن التي تجوز فيها الغيبة، وقد فصلناها ~~أيضا في الوسائل والغايات، كما بينا رأيه في كفارة الغيبة في الخروج من ~~المظالم. # النميمة # الآفة الخامسة عشرة هي النميمة. وهي كما يقول الغزالي «كشف ما يكره كشفه، سواء ~~كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه، أو كرهه ثالث. وسواء كان الكشف بالقول، أو ~~بالكتابة، أو بالرمز، أو بالإيماء . وسواء كان ms136 المنقول من الأعمال أو من الأقوال، ~~وسواء كان ذلك عيبا ونقصا في المنقول عنه أو لم يكن». # 5 # ولم يقتصر الغزالي على تقبيح النميمة، وعدها من آفات اللسان، بل وضع للرجل آدابا ~~خاصة إزاء النمام. وهي: ~~(1) # أن لا يصدقه، لأن النمام فاسق، وهو مردود الشهادة. ~~(2) # أن ينهاه عن ذلك، وينصح له، ويقبح عليه فعله. ~~(3) # أن يبغضه في الله، فإنه بغيض عند الله. ~~(4) # أن لا يظن بأخيه الغائب السوء، فإن بعض الظن إثم. ~~(5) # أن لا يحمله ما حكي له على التجسس، والبحث لأجل التحقق. ~~(6) # وأن لا يحكي النميمة، وإلا رضي لنفسه ما نهى النمام عنه. # قال الغزالي: «والسعاية هي النميمة، إلا أنها إذا كانت إلى من يخاف جانبه سميت ~~سعاية» ثم نقل قول مصعب بن الزبير: «نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية، لأن ~~السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دل على شيء فأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتقوا ~~الساعي، فلو كان صادقا في قوله لكان لئيما في صدقه، حيث لم يحفظ الحرمة، ولم يستر العورة». # 6 # ولا شك في أن الغزالي يرتضي حكم مصعب في قبول السعاية، لأنه لم يعقب عليه، ولم ~~يذكر من أقوال السلف ما ينقضه. والسعاية والنميمة شيء واحد، أو كأنهما شيء واحد، ~~فمن الواجب أن تكون آداب المرء واحدة إزاء النمامين والسعاة، وهو ما نحسبه رأي ~~الغزالي وإن لم يصرح به. # وفي الوسائل والغايات تجد ما يجوز من النميمة فيما يرى الغزالي. # كلام ذي اللسانين # الآفة السادسة عشرة هي كلام ذي اللسانين الذي يتردد بين المتعاديين ويكلم كل واحد ~~منهما بكلام يوافقه، وهو فيما يرى الغزالي نفاق «ولو دخل رجل على متعاديين وجامل كل ~~واحد منهما وكان صادقا لم يكن ذا لسانين ولم يكن منافقا، فإن الواحد قد يصادق ~~متعاديين ولكن صداقة ضعيفة لا تنتهي إلى حد الأخوة، إذ لو تحققت الصداقة لاقتضت ~~معاداة الأعداء، نعم لو نقل كلام كل واحد منهما إلى الآخر فهو ذو لسانين وهو شر من ~~النميمة، إذ يصير نماما بأن ms137 ينقل من أحد الجانبين فقط، فإذا نقل من الجانبين فهو ~~شر من النمام. وإن لم ينقل كلاما، ولكن حسن لكن واحد منهما ما هو عليه من المعاداة ~~لصاحبه فهذا ذو لسانين، وكذلك إذا أثنى على أحدهما وإذا خرج من عنده ذمه فهو ذو ~~لسانين. بل ينبغي أن يسكت، أو يثني على المحق من المتعاديين في غيبته وفي حضوره، ~~وبين يدي عدوه ... ولا يجوز الثناء ولا التصديق ولا تحريك الرأس في معرض التقرير على ~~كلام باطل، فإن فعل ذلك فهو منافق، بل ينبغي أن ينكر، فإن لم يقدر فيسكت بلسانه ~~وينكر بقلبه». # 7 # المدح # الآفة السابعة عشرة هي المدح، وهو منهي عنه في بعض المواضع، وفي بعضها لا بأس به، ~~بل ربما كان مندوبا إليه، وقد بين الغزالي أن لهذه الرذيلة أربع آفات في حق ~~المادح، واثنتين في حق الممدوح، أما آفاتها في حق المادح فهي: ~~(1) # أنه قد يفرط فينتهي به الإفراط إلى الكذب. ~~(2) # وقد يدخله الرياء، فإنه بالمدح مظهر للحب، وقد لا يكون مضمرا له، ~~ولا معتقدا لجميع ما يقوله، فيصير به مرائيا منافقا. ~~(3) # وقد يقول ما لا يتحققه ولا سبيل له إلى الاطلاع عليه، ويرى الغزالي ~~أن هذه الآفة تتطرق إلى المدح بالأوصاف المطلقة التي تعرف بالأدلة: ~~كقولك إنه متق، وورع وزاهد، وخير، وما يجري مجراه. ~~(4) # وقد يفرح الممدوح، وهو ظالم أو فاسق، وذلك غير جائز. أما آفاتها في ~~حق الممدوح فهي: ~~(1) # إن المدح قد يحدث فيه كبرا وإعجابا، وهما ~~مهلكان. ~~(2) # وإنه إذا أثنى عليه بالخير فرح وفتر، ورضي عن نفسه، فقل ~~جده. # وبعد أن بين الغزالي آفات المدح، دعا الممدوح إلى أن يكون شديد الاحتراز عن آفة ~~الكبر، والعجب، وآفة الفتور، بأن يتأمل ما في خطر الخاتمة، ودقائق الرياء، وآفات ~~الأعمال، فإنه يعرف من نفسه ما لا يعرفه المادح، ولو انكشفت له جميع أسراره وما ~~يجري على خواطره، لكف المادح عن مدحه، وحضه كذلك على أن يظهر كراهة المدح بإذلال ~~المادح. # الغفلة # الآفة الثامنة عشرة هي الغفلة عن ms138 دقائق الخطأ في فحوى الكلام لا سيما فيما يتعلق ~~بالله وصفاته، ويرتبط بأمور الدين. # ومن الأمثلة التي ذكرها الغزالي أنه لا يصح أن تقول عبدي وأمتي، لأننا جميعا ~~عبيد الله، ونساؤنا جميعا إماء الله، بل تقول غلامي وجاريتي ... إلخ. # السؤال عن صفات الله # الآفة التاسعة عشرة هي سؤال العوام عن صفات الله تعالى وعن كلامه، وعن الحروف، ~~وإنها قديمة أو محدثة. يقول الغزالي: «وكل كبيرة يرتكبها العامي فهي أسلم له من أن ~~يتكلم في العلم، لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته، وإنما شأن العوام الاشتغال ~~بالعبادات، والإيمان بما ورد به القرآن، والتسليم لما جاء به الرسل من غير بحث. ~~وسؤالهم عن غير ما يتعلق بالعبادات سوء أدب منهم يستحقون به المقت من الله عز وجل، ~~ويتعرضون لخطر الكفر. وهو كسؤال ساسة الدواب عن أسرار الملوك وهو موجب ~~للعقوبة». # الغناء # الآفة العشرون هي الغناء، وتجد تفصيلها في البحث عن رأيه في الفنون. # وإنه ليخيل إلى المرء أن الغزالي بالغ في آفات اللسان، ولكن هذه المبالغة ليست ~~إلا نوعا من الاحتياط، وهي ليست كبيرة على من يطمع في مكارم الأخلاق. # الفصل السابع # | رذيلة الرياء # إنك لترحم الغزالي حين تقرأ ما كتبه عن الرياء، فإنك تتصوره رجلا كاد يجن من غلبة ~~الجهال في عصره. ويكفي أن نلخص آراءه في هذا الباب لترى كيف كان الرجل يمقت الرياء، ~~ويبغض من أعماق صدره أعمال المرائين. # فما يمقته الغزالي أن يظهر المسلم النحول والصفار، ليدل بالنحول على قلة الأكل ~~وبالصفار على سهر الليالي. يقول الغزالي: «ويقرب من هذا خفض الصوت، وإغارة العينين، ~~وذبول الشفتين ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم، وأن وقار الشرع هو الذي خفض صوته، ~~وضعف الجوع هو الذي أضعف من قوته». # ومن الرياء تشعيث الشعر، وحلق الشارب، وإطراق الرأس في المشي، والهدوء في الحركة، ~~وإبقاء أثر السجود على الوجه، وغلظ الثياب، وتشميرها إلى قريب من الساق، وتقصير الأكمام ~~وترك تنظيف الثوب، والتطويل في الركوع والسجود ... إلخ. # ولم يغفل الغزالي عن الشؤون الاجتماعية ms139 وهو يتكلم في الرياء، فقد بين أن من الناس من ~~يظهر التقوى والورع والامتناع عن أكل الشبهات، ليعرف بالأمانة فيولى القضاء، أو الأوقاف ~~أو الوصايا، أو مال الأيتام فيأخذها. أو يسلم إليه تفرقة الزكاة أو الصدقات ليستأثر بما ~~قدر عليه منها. أو يودع الودائع فيأخذها ويجحدها. أو تسلم إليه الأموال التي تنفق في ~~طريق الحج فيختزل بعضها أو كلها ... إلخ. # وللغزالي في هذا الباب نظر بعيد: فهو يعين العيوب الاجتماعية، ويشرح عيوب العلماء ~~والزهاد. ويظهر أن الناس لعهده كانوا يتخذون دين الله سلما لأغراضهم الخبيثة: من الفسق ~~والفجور، ونهب الأموال. # وأكرر ما قلته من أن الغزالي لا يغضب إلا حين يحارب رذيلة يراها بعينه فكلامه في تلك ~~صورة لعصره، وليس أثرا لمطالعاته في الكتب القديمة التي تصف عيوب الناس. وفي مقدور ~~الباحث أن يستخرج من كتاب الإحياء صورة واضحة للعلماء والزهاد في عهد الغزالي. ولا أقول ~~الحكام والأمراء، لأنه تكلم عن الحكومة لعهده بضعف وفتور، ولم يقاس السلاطين شيئا من ~~لسانه الحديد!! # الباب التاسع # | في العلوم والفنون والتربية # | تمهيد # نذكر في هذا الباب خلاصة لآراء الغزالي في العلم والعمل والفرق بين علم الدنيا وعلم ~~الآخرة، وكيف يفهم علم الفقه، وعلم التوحيد، ثم نذكر بالإيجاز فهمه للفنون الجميلة، ثم ~~نبين المنهج الذي وضعه لتربية الأطفال، وما يراه من آداب المعلمين والمتعلمين، وكيف ~~أهمل تربية البنات. # الفصل الأول # | العلوم # تكلم الغزالي عن العلم والعمل، وأيهما أفضل للمريد، في مواطن كثيرة من مؤلفاته في ~~الأخلاق. # وقد لاحظت أنه لم يكن موحد الرأي في هذا البحث، فتارة يقدم العلم على العمل، وأخرى ~~يقدم العمل على العلم. ويخيل إلي أن نزعته الصوفية كانت سبب هذا التردد، بل وأحسب أيضا ~~أنه كان يداري أهل عصره، ويسايرهم في كثير من الشؤون. فقد أراه يهم بالكشف عن المقصود ~~من العلم ثم يتراجع. ولو جرؤ قليلا لبين لنا أن العلم النافع لا يقتصر على معرفة ~~العبادات، وما إليها من دقائق التصوف والتوحيد، بل هنالك البحث في طبائع الأشياء، ~~والتنقيب ms140 عن السر في أن الله سخر لنا ما في الأرض جميعا. # غير أنه لم يكد يذكر قوله عليه السلام: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة ~~البدر»، حتى اندفع يقول «ذلك العلم المقدم على العمل لا يخلو: إما أن يكون هو العلم ~~بكيفية العمل، وهو الفقه وعلم العبادات، وإما أن يكون علما سواه. وباطل أن يكون الأول ~~لوجهين: أحدهما أنه فضل العالم على العابد، والعابد هو الذي له العلم بالعبادة، وإلا ~~فهو عابث فاسق، والثاني أن العلم بالعمل لا يكون أشرف من العمل، لأن العلم بالعمل لا ~~يراد لنفسه، وإنما يراد للعمل، وما يراد لغيره يستحيل أن يكون أشرف منه». # وكان المظنون بعد هذه المقدمة أن يعطي العلوم ما تستحق من التفضيل. ولكنه قسمها إلى ~~قسمين: عملي ونظري. أما العملي فقد قدم أنه ليس بأفضل من العمل، وأما النظري فقد زيفه ~~جميعه، ولم يستبق منه إلا ما يرجع «إلى العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله، وملكوت ~~السموات والأرض وعجائب النفوس الإنسانية والحيوانية من حيث إنها مرتبطة بقدرة الله عز ~~وجل لا من حيث ذواتها». # مناقشة قصيرة # من هنا يتبين أن واجب العابد لا يخرج عن العبادة والتفكر في المعبود، وما إلى ذلك ~~من معرفة الملائكة والكتب والرسل وملكوت السموات والأرض إلى آخر ما قال. # ونسأل الغزالي: ما رأيه إذا توقف فهم الكتب السماوية على إدراك روح التشريع، بفهم ~~أصول القوانين؟ # وما رأيه إذا توقف فهم «عجائب النفوس الإنسانية والحيوانية» على علم النفس، وعلم ~~وظائف الأعضاء؟ # وما رأيه إذا اقتضت معرفة الرسل درس التاريخ القديم والحديث، لفهم ما قد يضطر ~~إليه المشرعون من الرسل والأنبياء في مختلف العصور؟ # وما رأيه إذا توقف إدراك ما في الكتب السماوية من سياسة الناس على علم ~~الاجتماع؟ # لم ينكر الغزالي أهمية العلوم العقلية والنقلية، ولكنه جعل بعضها وسيلة للعلوم ~~النظرية، والوسيلة بالطبع دون الغاية في الرتبة. وجعل بعضها علوما عملية، وهي ~~أيضا وسيلة للعمل، فلا يعقل أن تكون أشرف منه! # فلم يبق من العلم المقدم على ms141 العمل إلا العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر، وهو في ذاته علم شريف. # ولكني أحب أن أضع هذا السؤال: أيكون من يشغل نفسه بهذا النوع من المعرفة أفضل ~~أمام العقل والشرع ممن أفنى عمره في درس الطب حتى استطاع أن يعرف كيف تغذى الديدان ~~التي تحدث البول الدموي، والتي تهلك في كل عام ما يعد بالملايين؟ وهل يقدم محيي ~~الدين بن عربي يوم القيامة، على من يقضي حياته لا في التفكر في ملكوت الله، بل في ~~غزو السل والسرطان؟ # الشك عن طريق اليقين # وبمناسبة العلم نثبت قول الغزالي في نهاية الميزان: «ولو لم يكن في مجاري هذه ~~الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث لتنتدب للطلب، فناهيك به نفعا. إذ الشكوك ~~هي الموصلة للحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في ~~العمى والضلال». # غير أن الغزالي لم يبين لنا مصير المرء إذا بقي في شكه، ولم يهتد إلى اليقين. وما ~~نحسب عصر الغزالي كان يسمح له بتحرير هذه المسألة، وإن كانت غاية في الوضوح فمتى ~~كان المرء حرا في أن لا يثق بعقيدة قديمة مهما أجمع عليها الناس لاحتمال أن تكون ~~باطلة، فهو بالضرورة غير مسؤول عن الوصول إلى نتيجة معينة، وإنما يسأل عن اعتقاد ما ~~أداه إليه الدليل. # ولا يفوتنا أن نلفت النظر إلى أن الغزالي نبه في عدة مواطن من كتبه إلى أنه يجب ~~على المعلم أن يتجنب كل ما يثير الشك في نفوس الضعفاء، وحض المرشد على الاقتصار مع ~~العامة على المتداول المألوف. ومعنى هذا أن الشك وإن كان سبيل اليقين، إلا أنه لا ~~يستعمل إلا بمقدار. وهذا المنهج يبين لنا أن الغزالي يحرص على وحدة الهيئة ~~الاجتماعية، وينفر من كل ما يقربها من الانحلال. فللعلماء أن يشكوا وأن يختلفوا، ~~ولكن عليهم أن يجنبوا العامة مواطن الشك والخلاف، ومن هنا نفهم كيف يرى أن الإجابة ~~على بعض الأسئلة حرام. وسنعود إلى هذا البحث عند الموازنة بينه وبين الفلاسفة ms142 ~~المحدثين . # علم الفقه # ولقد بلغ من إغراب الغزالي في التصوف أن جعل الفقه من علوم الدنيا وألحق الفقهاء ~~بعلماء الدنيا. وأنت تعلم قيمة الدنيا عنده! # ولكن أليس الفقه هو معرفة القوانين التي يساس بها الناس؟ ليكن كذلك! إذ ما قيمة ~~هؤلاء الناس؟ أليس الله أخرج آدم من التراب، وأخرج ذريته من سلالة من طين، ومن ماء ~~دافق، فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام، ومنها إلى الدنيا ثم إلى القبر، ثم إلى ~~العرض، ثم إلى الجنة أو النار؟ وإذا كان هذا مبدأهم، وهذه غايتهم، وكانت الدنيا ~~زادهم، فما قيمة الفقه، وما هي أقدار الفقهاء؟ أليسوا يفصلون في خصومات لو عدلنا ما ~~احتجنا إلى أن يفصلوا فيها، ولما كان لهم قيمة في هذا الوجود؟ # هذا هو منطق الغزالي. # والحمد لله الذي رحم الشرق وأهله من علم الفقه، ومن عليهم بالقوانين الأجنبية ~~التي يقدم إليها أصحابها آيات التقديس، عند الشروق وعند الغروب! # الفقه لا قيمة له في نظر الغزالي، لأنه يتعلق بسياسة هؤلاء الناس المناكيد الذين ~~اضطرونا بشرهم إلى الفقه والفقهاء، والذين لو عدلوا لما حتجنا إلى قاض ولا إلى ~~فقيه! # صدقت يا مولانا الأستاذ! ولكن اسمح لنا بأن نذكرك بأن النبي كان فقيها، وكانت ~~شريعته فقها، وهل الفقه شيء آخر غير قواعد الفصل في الخصومات؟ # وهل بلغ من هوان الدنيا عندك أن تحتقر لأجلها الفقه والتشريع؟ # اتركوا الدنيا لأصحابها يا جماعة الصوفية! اتركوا الدنيا للمسلمين فإن الله لم ~~يبعث محمدا إلا ليمكن للمؤمنين في الأرض، ويجعلهم أئمة، ويجعلهم الوارثين. # علم التوحيد # وأما التوحيد فهو عند الغزالي وقف في جوهره على علماء المكاشفة. # وما هو علم المكاشفة؟ # هو علم لا نعرفه، ولكن يقال إن سوء الخاتمة معد لمن ليس له منه ~~نصيب!! # ويقال إن أدنى نصيب من هذا العلم هو التصديق به، وتسليمه لأهله! ~~ويقال كذلك إن أقل عقوبة من ينكره ألا يذوق منه شيئا! # وما هي غاية هذا العلم؟ # غايته أن تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله وبصفاته الباقيات ~~التامات! # وأنا لا أدري سبب ms143 هذه الشهوة الغريبة التي تحمل علماء الدين على ~~البحث عن ذات الله وصفاته، ولا أعلم كيف عميت قلوبهم حتى اندفعوا ~~يذكرون عن ذات الله وصفاته ما يجب أن يتورع عنه المؤمنون! # يطمع الغزالي في معرفة ذات الله معرفة حقيقية، وهذا والله عين الجهل، ~~ونفس الضلال! ويطمع كذلك في معرفة صفاته التامات، وهو الذي بلغ به ~~الأدب مع الأشاعرة والمعتزلة إلى الاختلاف في صفات الله، وفي كلامه، ~~وفي أفعاله، وفي رؤيته بالأبصار يوم القيامة إلى غير ذلك من المباحث ~~التي لا يقدم عليها غير عمي القلوب! # والظاهر أن الغزالي ومن على شاكلته لم يشهدوا المعركة القائمة بين ~~الهدى والضلال، ولم يروا يوما واحدا كيف تتصاول العقول؛ فإن البحث عن ~~ذات الله وصفاته حمق وسفه، وإنما سبيل المؤمنين أن يتأملوا ما يحيط بهم ~~من جلال الوجود، وأن يبحثوا في المراد من أن الله سخر لهم ما في الأرض ~~جميعا، فإنه ليس للعاقل أن يترك الانتفاع بما تلمس يده، وترى عينه، ~~ليغيب في مجاهل من الظنون، يسميها سفها علم التوحيد. # وما أسفت لشيء أسفي لانحصار الأفكار الإسلامية في «معرفة معنى النبوة ~~والنبي ومعنى الوحي ومعنى الشيطان ومعنى لفظ الملائكة والشياطين وكيفية ~~معاداة الشياطين للإنسان، وكيفية ظهور الملك للأنبياء، وكيفية وصول ~~الوحي إليهم، والمعرفة بملكوت السموات والأرض، ومعرفة القلب وكيفية ~~تصادم الملائكة والشياطين ومعرفة الفرق بين لمة الملك ولمة الشيطان، ~~ومعرفة الآخرة والجنة والنار وعذاب القبر والصراط والميزان والحساب، ~~ومعنى لقاء الله والنظر إلى وجهه، ومعنى القرب منه والنزول في جواره، ~~ومعنى حصول السعادة بمرافقة الملأ الأعلى، ومعنى تفاوت درجات أهل ~~الجنان حتى يرى بعضهم البعض كما يرى الكوكب الدري في جوف ~~السماء». # فإن هذه في الأصل أكثرها رموز ظنها المسلمون حقائق، فوضعوا لها ~~ضروبا من التفسير والتأويل. # والذي يطالع الكتب القديمة يرى جمهور الفقهاء أعلم بخريطة الآخرة ~~منهم بخريطة الدنيا: فهم يعرفون من أنهار الجنة ما لا يعرفون من أنهار ~~هذا العالم، ويعلمون من أبواب جهنم ما لا يعلمون من أسباب انحطاط الأمم ms144 ~~وضعف الشعوب، ويدركون من نعيم الآخرة ما لا يدركون من معنى الملك ~~والقوة في هذا الوجود، وفي مقدور المرء أن يجد مئات الكتب في وصف الحشر ~~والنشر، ولا يجد كتابا واحدا في تحديد المراد من الخلافة الإسلامية، ~~التي قامت بسببها آلاف الفتن، ومئات الحروب. # والغزالي من الذين ساعدوا على بقاء هذه العماية، فقد وضع الكتب ~~المطولة في كيفية العزلة، ولما أراد أن ينقد الشؤون الاجتماعية وضع ~~كتابه «التبر المسبوك في نصيحة الملوك»، فكان آية في السخف ~~والاضطراب. # وإلى من نقاضي هؤلاء العلماء؟ # نقاضيهم إلى القرآن: ففيه الدعوة إلى الملك، وإلى أن تكون العزة لله ~~ولرسوله وللمؤمنين. وهل الأخلاق شيء آخر غير حرب الذلة والقلة: في ~~الأفراد، والجماعات، والشعوب؟ # نقول هذا ونطالب كل مسلم بالحذر البالغ عند مطالعة كتب المتقدمين، فإن أكثرهم لم ~~يعرف السياسة، ولا شؤون الاجتماع، وإلا فأين غرر المؤلفات في الأمور السياسية ~~والاجتماعية؟ وأين البصر النافذ إلى أعماق الحياة الدولية؟ بل وأين الخبرة بالسريرة ~~الإنسانية، التي حسبوها لا تعدو طلاب الجنة من الزهاد، والعباد، من كل راض بالفقر، ~~قانع بالسؤال؟ # الفصل الثاني # | الفنون # أباح الغزالي أن يحب المرء لجماله، فكان ذلك منه اعترافا بالحاسة الفنية، التي يدرك ~~بها الأديب، والفنان، والفيلسوف، ما في العالم من دقائق الجمال. # وتجد في حقوق الآخرة من هذا الكتاب أن الغزالي ضرب المثل بالنظر إلى الفواكه، ~~والأنوار، والأزهار، والتفاح المشرب بالحمرة، وإلى الماء الجاري والخضرة. ومعنى هذا أن ~~الإنسان متى جاز له، وبعبارة أدق، متى أمكن له أن يحب هذه الأشياء بلا نية سيئة، فقد ~~يمكن له أن يحب الرجل الجميل بلا غرض خبيث. # وشاهدنا في هذه الفكرة، هو أن الغزالي يؤمن بأن للروح شيئا من السلطان، وله بعض ~~الحقوق. فإنه متى جاز أن يحب الرجل لجماله، والجمال في الرجال كثير، فقد أصبح للروح ~~الحق في أن يتمتع بكل جميل، متى استطاع أن يتحلى بالعفاف. وهذا فيما أرى اعتراف من ~~الغزالي بضرورة وجود الفنون الجميلة لتتمتع بها الأرواح، كما يجب أن تملأ الخزائن ms145 ~~والأسواق ، لتجد الأجسام ما تحتاجه من الغذاء. # ويحسن أن نذكر ما لاحظناه على الغزالي حين تكلم عن التشريح: فقد قرر أنه يسير بفريق ~~من العلماء إلى أن النفس تموت؛ فإنا سألناه: هل يقضي ذلك بتحريم التشريح؟ وبالطبع ليس ~~عند الغزالي جواب على هذا السؤال! # وكذلك نسأله الآن: يجوز أن يحب الشخص الجميل، ولكنا لاحظنا أن مثل هذا الحب قد يجر ~~إلى الفسوق. فهل يحرم لذلك حب كل شخص جميل؟ وليس للغزالي أيضا على هذا السؤال ~~جواب! # وإنما قدمنا هذه الكلمة أمام رأيه عن الفنون الجميلة، ليعرف القارئ: أنه لم يذكر ~~أصلا من أصول الأخلاق يبرر رأيه في الفنون فقد أتى عليها جميعا بالنقد والتجريح، وإن ~~لم ينكر «أن لله سرا في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح» وأحسب أنه لو تروى قليلا ~~لعرف أن لله سرا فيما تحدث الفنون، من أنواع الفنون. # الشعر # رأي الغزالي في الشعر رأي عجيب، فهو يرى أن مقصوده المدح والذم والتشبيب. وعلى ~~فرض أن الشعر لا يقصد منه غير ذلك فهو مقصود حميد، وإن قبح في بعض الأحوال. # وقد رأى الغزالي نفسه أمام أمر واقع: وهو أن الشعر أنشد بين يدي رسول الله، ولكنه ~~اعتذر عن هذا بأن المبالغات التي وردت في ذلك الشعر لم يقصد بها الكذب، وإنما هي من ~~صنعة الشعر. فلا يقصد بها اعتقاد الصورة التي وضعها الشعراء. # ولا أدل على هوان الشعر في نظر الغزالي من قوله: «وأما الشعر فكلام حسنه حسن، ~~وقبيحه قبيح، إلا أن التجرد له مذموم.» ص131 ج3. # والتجرد للشعر هو صنعة الشاعر للفنان، الذي يريد أن يمثل عصره وقطره، في صحيفة ~~التاريخ. ومتى كان من المذموم أن يتجرد المرء للشعر، فمعنى ذلك أن الشعر لا يصح أن ~~تخصص له حياة فرد من الأفراد. وإن جاز للناس أن ينشدوا أو ينشؤوا ما حسن منه، لأنه ~~ككل كلام: حسنه حسن، وقبيحه قبيح. # ولا يفوتنا أن نلفت النظر إلى أن الأحاديث التي رواها الغزالي في ذم الشعر ~~اقتضتها ظروف خاصة، بدليل ما ms146 روى الغزالي نفسه ، مما يناقضها كل المناقضة، فكان عليه ~~أن يراعي تلك الظروف. # الموسيقى # تكلم الغزالي في الموسيقى باحتياط يدل على مبلغ رأيه في هذا الفن الجميل، وهو ~~يقسم الأصوات الموزونة باعتبار مخارجها إلى ثلاثة: ما يخرج من جماد: كصوت المزامير، ~~والأوتار، وضرب القضيب، والطبل وغيره. وما يخرج من حنجرة حيوان، وذلك الحيوان إما ~~إنسان، أو غيره: كصوت العنادل، والقمارى، وذوات السجع من الطيور. ثم يحكم بأن سماع ~~هذه الأصوات يستحيل أن يحرم لكونها طيبة أو موزونة، إذ لا ذاهب إلى تحريم صوت ~~العندليب، وسائر الطيور، ولا فرق بين حنجرة وحنجرة، ولا بين جماد وحيوان، فينبغي أن ~~يقاس على صوت العندليب الأصوات الخارجة من سائر الأجسام باختيار الآدمي كالذي يخرج ~~من حلقه، أو من القضيب والطبل والدف. # إلى هنا لا تجد شيئا يغض من الموسيقى باعتبار أنها فن جميل، ولكنك تجده يقول بعد ~~ذلك: «ولا يستثنى من هذا إلا الملاهي والأوتار والمزامير التي ورد الشرع بالمنع ~~منها، لا للذتها، إذ لو كان للذة لقيس عليها كل ما يلتذ به الإنسان، وإنما حرمت ~~لعلل ثلاث: إحداها أنها تدعو إلى شرب الخمر، فإن اللذة الحاصلة بها إنما تتم ~~بالخمر، ولمثل هذه العلة حرم قليل الخمر. الثانية: أنها في حق قريب العهد بشرب ~~الخمر تذكر بمجالس الأنس بالشرب، فهي سبب الذكر، والذكر سبب انبعاث الشوق، وانبعاث ~~الشوق إذا قوي فهو سبب الإقدام. والثالثة: الاجتماع عليها، وهو من عادة أهل الفسق.» ~~ونجده بعد هذه الفقرة ينص على تحريم المزمار العراقي، والأوتار كلها، كالعود والصنج ~~والرباب والبربط # 1 # وكل ما يذكر الخمر، ومجالس الخمر، فأما ما عدا ذلك فهو على الإباحة، ~~قياسا على أصوات الطيور. # وما نريد أن نناقش هذا الرأي، ولا أن نبحث في الأساس الذي وضع عليه، ولكن ننبه ~~على أن فيه دلالة على دقته في وقاية الجبهة الخلقية، وحرصه على أن يظل المرء بعيدا ~~عن مثار الشهوات. # ونضيف إلى ما سلف من رأيه في الموسيقى، أنه عد بيع الملاهي من المنكرات التي ms147 يجب ~~كسرها، حين تكلم عن منكرات الأسواق، وعد من منكرات الضيافة سماع الأوتار وسماع ~~القيان، وعد إعطاء المال للمطرب إسرافا يجب على المحتسب إنكاره، ولم يعين مهنة ~~المطرب، فصلح لأن يطلق على المغني والموسيقار. ونص في ص327 ج3 إحياء على أن أصوات ~~المزامير والأوتار إذا ارتفعت في دار بحيث جاوزت الحيطان، فلمن سمعها دخول الدار ~~وكسر الملاهي، ونص كذلك على أن للمرء الحق في أن يكسر العود إذا رأى شخصا ~~يحمله. # ومما سلف نعلم أنه لا يحرم الموسيقى مرة واحدة، ولكننا نعرف أنه لا يقيم لها ~~وزنا باعتبار أنها فن جميل، فمن الواضح أن لكل فن سيئات وحسنات، وأن السيئات لا ~~تقل قيمة في نظر الفنان عن الحسنات، إذ كان جمال الفنون يرجع أكثره إلى ما تحدث في ~~عشاقها من الجرأة على المألوف، وهو ما يخافه الغزالي ويتوقاه. # وهذا الذي يوجب كسر العود لا يبيح فيما نظن أن تبنى دار للموسيقى، وأن يختار ~~للتعلم فيها حسان الأصوات، وصباح الوجوه! # ولا ننسى أنه لم يحرم الأوتار والمزامير إلا لأنها تذكر بمجالس الخمر، فلنذكر أنه ~~يحرم من أجل الخمر هذه اللذة الروحية البديعة، فهي عنده «أم الخبائث»، وأصل ~~المنكرات. # الغناء # لم يفرد الغزالي بابا للموسيقى ولا للغناء، وإنما نأخذ رأيه في هذين الفنين مما ~~جاء في كتاب السماع والوجد، وهو الكتاب الثامن من ربع العادات من كتاب ~~الإحياء. # وأول ما يلفت النظر إلى رأيه في الغناء، موافقته للشافعي في أن الرجل الذي يتخذ ~~الغناء صناعة لا تجوز شهادته، لأن الغناء فيما يرون من اللهو المكروه، الذي يشبه ~~الباطل، ومن اتخذه صناعة كان منسوبا إلى السفاهة، وسقوط المروءة! # ومتى كان الغزالي يرى أن محترف الغناء مردود الشهادة، فإنه لا يرى للغناء قيمة، ~~وما ظنك بفن يهبط بصاحبه إلى الحضيض، ويسقط عدالته بين الناس. # ونحن متى ذكرنا كلمة فن، فإنا نذكر بجانبها ما يجب على الأفراد والحكومات من ~~تشجيعه، لأن الفن ليس ضربا من اللهو المكروه، وإنما هو لهو مفروض، تحتاجه الأروح ~~والأجسام، فيما ms148 تحتاجه من صنوف الغذاء، وليس محترف الغناء هو المردود الشهادة فقط ~~فيما يرى الغزالي. بل المغرم بالسماع والمفرط فيه هو أيضا سفيه، ترد شهادته، لأن ~~المواظبة على اللهو جناية! # والفن - كما تعلم - لا حياة له إلا بوجود الهواة، فلن يحسن الغناء إلا إذا وجد ~~هواة الإنشاد والسماع، ومتى كان الإكثار من الإنشاد، والإفراط في السماع جناية، ~~وكان من واجب كل فرد أن يحارب هذه الجناية ما استطاع، فقد أصبح ما نسميه فن الغناء ~~عرضة للانقراض، ولا عبرة بما يقوله الغزالي من إباحته إذا لم يوجد موجب التحريم، ~~فحسب الفن ضياعا أن تقول إنه مباح. # غناء المرأة والأمرد الجميل # ولا يجيز الغزالي أن يسمع الغناء من امرأة لا يحل النظر إليها، وتخشى الفتنة من ~~سماعها، وفي معناها الصبي الأمرد الذي تخشى فتنته. # وقد توقع الغزالي أن يسأل سائل: هل ذلك حرام في كل حال، حسما للباب، أو لا يحرم ~~إلا حيث تخاف الفتنة في حق من يخاف العنت؟ وأجاب بأن هذه المسألة يتجاذبها أصلان ~~أحدهما أن الخلوة بالأجنبية، والنظر إلى وجهها حرام، سواء خيفت الفتنة أو لم تخف، ~~لأنها مظنة الفتنة على الجملة. والثاني أن النظر إلى الصبيان مباح ما لم تخف ~~الفتنة، فلا يلحق الصبيان بالنساء في عموم الحسم، بل يتبع فيه الحال، وصوت المرأة ~~دائر بين هذين الأصلين، فإن قسمناه على النظر إليها وجب حسم الباب، وهو قياس قريب، ~~ولكن بينهما فرق، إذ الشهوة تدعو إلى النظر في أول هيجانها، ولا تدعو إلى سماع ~~الصوت، وليس تحريك النظر لشهوة الممارسة كتحريك السماع، بل هو أشد، وصوت المرأة في ~~غير الغناء ليس بعورة، ولكن للغناء مزيد أثر في تحريك الشهوة، فقياس هذا على النظر ~~إلى الصبيان أولى لأنهم لم يؤمروا بالاحتجاب، كما لم تؤمر النساء بستر الأصوات، ~~فينبغي أن يتبع مثار الفتن ويقصر التحريم عليه. # 2 # موضوع الغناء # ولا مانع فيما يرى الغزالي من أن يكون في الغناء تشبيه بوصف الخدود، والأصداغ، ~~وحسن القد، والقامة، وسائر أوصاف الناس، بشرط أن ms149 لا يكون في امرأة معينة، فإنه لا ~~يجوز وصف المرأة بين يدي الرجال، وعلى المستمع أن لا ينزل على امرأة معينة إلا أن ~~تكون زوجته أو جاريته، فإن نزله على أجنبية فهو من العصاة. ويحرم على من كان في غرة ~~الشباب أن يستمع، إذا كانت الشهوة غالبة عليه، سواء غلب على قلبه حب شخص معين أو لم ~~يغلب (؟). # ما يباح من الغناء # وإليك جملة ما يباح فيه الغناء كما يرى الغزالي: ~~(1) # غناء الحجيج، إذ يدورون في البلاد بالطبل والشاهين والغناء. ~~(2) # ما يعتاده الغزاة لتحريض الناس على الغزو. ~~(3) # الزجريات التي يستعملها الشجعان في وقت اللقاء. وهذا مباح في كل قتال ~~مباح، ومندوب في كل قتال مندوب، ومحظور في قتال المسلمين وأهل ~~الذمة. ~~(4) # أصوات النياحة في البكاء على الخطايا والذنوب. ~~(5) # السماع في أوقات السرور المباح، كالغناء في أيام العيد، وفي العرس، ~~وفي وقت الوليمة والعقيقة، وعند ولادة المولود، وعند ختانه، وعند حفظه ~~القرآن، وعند قدوم الغائب. ~~(6) # سماع العشاق، تحريكا للشوق، وتهييجا للعشق، وتسلية للنفس. وهذا ~~حلال إن كان المشتاق إليه ممن يباح وصاله، كمن يعشق زوجته، أو سريته، ~~فيصغي إلى غنائها لتضاعف لذته، وكذلك إن غضبت منه جاريته، أو حيل بينه ~~وبينها بسبب من الأسباب، فله أن يحرك بالسماع شوقه، وأن يستثير به رجاء ~~للذة الوصال، فإن باعها أو طلقها حرم عليه ذلك بعد، إذ لا يجوز تحريك ~~الشوق حيث لا يجوز تحقيقه بالوصال واللقاء. ~~(7) # سماع من أحب الله وعشقه واشتاق إلى لقائه، فلا ينظر إلى شيء إلا رآه ~~فيه. وقد أطال الغزالي في هذه النقطة، ثم قرر إن إطلاق العشق على حب ~~غير الله مجاز لا حقيقة، لأن كل محبوب سواه يتصور له نظير، إما في ~~الوجود وإما في الإمكان، وأما جمال الله فلا ثاني له، لا في الإمكان، ~~ولا في الوجود (؟). # آداب السماع # لا يعتد الغزالي بسماع من يطرب للغناء بمجرد الطبع، ولا حظ له في السماع إلا ~~استلذاذ الألحان والنغمات، إذا كان هذا الذوق لا يتطلب لوجود غير الحياة، ms150 فلكل ~~حيوان نوع تلذذ بالأصوات الطيبة. ويسخر الغزالي ممن ينزلون المسموع على حسب ~~شهواتهم، ومقتضى أحوالهم، ويرى حالتهم هذه أخس من أن تفرد بالبيان. # ويعتد فقط بمن ينزل ما يسمعه على أحوال نفسه في معاملته لله، أو من عزب عن فهم، ~~ما سوى الله حتى عزب عن نفسه وأحوالها، ومعاملاتها، وكان كالمدهوش الغائص في عين ~~الشهود، الذي يضاهي حاله حال النسوة اللاتي قطعن أيديهن في مشاهدة جمال يوسف عليه ~~السلام (!؟). # وإذا سمع أحد هؤلاء «الموفقين» ذكر عتاب أو خطاب، أو قبول أو رد، أو وصل أو هجر، ~~أو قرب أو بعد، أو تلهف على فائت، أو تعطش إلى منتظر، أو شوق إلى ورد، أو طمع أو ~~يأس، أو وحشة أو أنس أو وفاء بالوعد، أو نقض للعهد، أو خوف من فراق، أو فرح بوصال، ~~أو ذكر ملاحظة الحبيب، ومدافعة الرقيب، إلى غير ذلك مما تشتمل عليه الأشعار، فلا بد ~~أن يوافق بعضها حالا في نفسه، فيوري زناد قلبه. # ولهؤلاء وضع الغزالي الآداب الآتية: ~~(1) # مراعاة الزمان، والمكان، والإخوان: فليس له أن يسمع وقت شغل القلب ~~ولا في شارع مطروق، أو موضع كريه، أو مع قوم من أهل الدنيا يحتاج إلى ~~مراقبتهم، ومراعاتهم. ~~(2) # أن يكون مصغيا إلى ما يقول القائل، حاضر القلب، قليل الالتفات إلى ~~الجوانب، متحرزا عن النظر إلى وجوه المستمعين، وما يظهر عليهم من ~~أحوال الوجد مشتغلا بنفسه ومراعاة قلبه. ~~(3) # أن لا يقوم، ولا يرفع صوته بالبكاء، وهو يقدر على ضبط نفسه. ولكن إن ~~رقص أو تباكى بغير قصد الرياء فهو مباح. ~~(4) # موافقة القيام في القيام، إذا قام واحد منهم في وجد صادق من غير رياء ~~وتكلف، أو قام باختياره من غير وجد، وقامت له الجماعة، فلا بد من ~~الموافقة، رعاية لأدب الصحبة. # وهناك أدب خامس وضعه الغزالي خاصا بالشيخ المرشد، وهو ملاحظة المريدين، فينبغي ~~أن لا يسمع في حضورهم، إذا كان فيهم من لم يدرك من الطريق إلا الأعمال الظاهرة، ولم ~~يكن له ذوق السماع، أو رزق ذوق السماع، ms151 ولكن فيه بقية من الحظوظ والالتفات إلى ~~الشهوات، والصفات البشرية، أو كسرت شهوته، وأمنت غائلته، وانفتحت بصيرته، واستولى ~~على قلبه حب الله، ولكنه لم يحكم ظاهر العلم، ولم يعرف أسماء الله وصفاته، وما يجوز ~~عليه وما يستحيل. # الرقص # وقد رأينا الغزالي يبيح الرقص، ولكن أي رقص؟ هو ما يجري في مجالس الغناء الذي قصد ~~به الحث على العمل للآخرة، وما نحسبه يمنع أن يرقص الرجل في مجلس تغنيه فيه امرأته ~~أو جاريته. وعلى كل حال فلنسجل هنا أن الرقص والغناء يجب فيما يرى الغزالي أن يكونا ~~بعيدين كل البعد عن مثار الشهوات. وما نريد أن نفصل أثر هذا التحرج في حياة الأمم، ~~وإنما ننبه فقط أن الغزالي يضع حول الشهوة أسوارا من حديد، ولا تخرج الأخلاق عنده ~~إلا رجالا مملوئين بالحيطة، قد بغضت إليهم بسمات الحياة، وقلما ينجح هؤلاء في ~~ميدان الحياة لأن التنسك باب الخمود. # النقش والتصوير # أراد الغزالي أن يذم (الطب، والحساب، واللغة، والشعر، والنحو، وفصل الخصومات، ~~وطرق المجادلات) بسبب ما تورث من الكبر، فلم يزد على أن قال: «وهذه بأن تسمى صناعات ~~أولى من أن تسمى علوما». # 3 # إذن الصناعات دون العلوم، وإنما كان الطب والحساب إلخ من الصناعات، لأن العلم ~~فيما يرى الغزالي هو ما يوصل إلى الآخرة، وما يخص الدنيا فهو صناعة. وقد نص على أن ~~من الصناعات ما هي مهمة، ومنها ما يستغنى عنها لرجوعها إلى طلب التنعم والتزين في ~~الدنيا. من أجل ذلك حض المسلم على أن يشتغل بصناعة مهمة، ليكون بقيامه بها كافيا ~~عن المسلمين مهما في الدين. ثم قال: # وليجتنب صناعة النقش والصياغة، وتشييد البنيان بالجص، وجميع ما تزخرف به ~~الدنيا، فكل ذلك كرهه ذوو الدين. # 4 ~~«وقد عد بيع أشكال الحيوانات المصورة في أيام العيد لأجل الأطفال منكرا تجب ~~إزالته، والصور التي تكون على باب الحمام أو داخل الحمام تجب إزالتها على كل من ~~يدخله إن قدر، فإن كان الموضع مرتفعا لا تصل إليه يده فلا يجوز له الدخول إلا ms152 ~~لضرورة، وليعدل إلى حمام آخر، فإن مشاهدة المنكر غير جائزة. ويكفيه أن يشوه وجهها ~~ويبطل به صورتها». # 5 ~~«ولا يمنع من صور الأشجار وسائر النقوش سوى صورة الحيوان. وأما الصور التي على ~~النمارق، والزرابي المفروشة، فليس منكرا. وكذا على الأطباق والقصاع، لا الأواني ~~المتخذة على شكل الصور، فقد تكون رؤوس بعض المجامر على شكل طير فذلك حرام يجب كسر ~~مقدار الصورة منه(؟)». # على أن كلمة الغزالي لم تكن واحدة فيما يخص البناء والزخرفة، فقد رأيت كيف بين أن ~~تشييد البنيان، وكل ما تزخرف به الدنيا كرهه ذوو الدين، ومع هذا قال بعد: «وفعل ذلك ~~ممن له كثير ليس بحرام، لأن التزيين من الأغراض الصحيحة. ولم تزل المساجد تزين ~~وتنقش أبوابها وسقوفها مع أن نقش الباب والسقف لا فائدة فيه إلا مجرد الزينة فكذا ~~الدور». # وإذا كان التزين من الأغراض الصحيحة، فكيف تكون صناعته غير مهمة؟ # 6 # خلاصة هذا البحث # نرى مما سبق أن النقش مكروه وأنه لا يجوز تصوير الحيوان، ولا حرج في استعمال ~~النمارق والزرابي المصورة، بصورة الحيوانات طبعا، لأنها موضوع الاستثناء. ويظهر ~~أنها استثنيت لأن الصور فيها ستصير ممتهنة بالاستعمال، وعلى الأخص الأطباق والقصاع. ~~وهو يتبع في هذا الرأي جمهور الفقهاء، إذ يرون التصوير داعيا إلى الوثنية. وقد ~~نهوا عما يذكر بعبادة الأوثان. # ولا يفوتنا في ختام هذا الباب أن ننبه إجمالا على أن الغزالي لم يعن بتربية ~~الأذواق وهذه الآراء التي قدمناها له في الفنون الجميلة تدل على إهماله هذا الجانب ~~من بناء الأخلاق. # ومما يلاحظ أنه يغشي النظرات الدقيقة في كتبه بأخبار وأقاصيص تحمل القارئ حملا ~~على ازدراء الزهادة، والإخلاد إلى الخمود. وأكرر ما قلته غير مرة من أن في هذا ~~الشطط شيئا من الحق، وهو الحرص البالغ على السلامة، والنفرة المطلقة من مواطن ~~الشبهات. ولهذا القصد محاسن، وفيه كذلك كثير من العيوب. # الفصل الثالث # | تربية الأطفال # يسميها الغزالي رياضة الصبيان، وكانت كلمة صبي في التعابير القديمة تقابل كلمة طفل في ~~التعبير الحديث، وكذلك كلمة صبية ms153 تقابل كلمة طفلة أو فتاة، فكانوا يقولون دخلت عليه ~~صبية حسناء كما نقول فتاة حسناء. # وقد سبقت كلمتنا في وراثة الأخلاق عن فطرة الأطفال، فلا نعود إليها الآن، وإنما نذكر ~~المنهج الذي وضعه الغزالي لتربية الطفل، وهو تفصيل ما أجملناه في واجبات الآباء. # فيجب على الوالد فيما يرى: ~~(1) # أن يؤدب ابنه، ويهذبه، ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء ~~السوء. ~~(2) # وأن لا يحبب إليه الزينة، وأسباب الرفاهية، لئلا يتعود التنعم، فيعسر ~~تقويمه بعد ذلك. ~~(3) # وإذا رأى فيه مخايل التمييز، وبوادر الحياء، فليعلم أن عقله مشرق، وأن ~~تنمية هذه الباكورة من عزم الأمور، وأحسن ما تنمى به أن تستعان في تأديبه ~~وتهذيبه. ~~(4) # وليعلم أن أول ما يغلب على الطفل من شره الطعام، فينبغي أن يؤدب في ذلك، ~~وأن يعود أخذ الطعام بيمينه، والبدء باسم الله، والأخذ مما يليه، وعدم ~~السبق في الطعام، وعدم تحديق النظر إليه، وإلى من يأكل معه، والتمهل في ~~الأكل وإجادة المضغ، وعدم الموالاة بين اللقم، والحذر من تلطخ اليد والثوب، ~~وتعود الخبز القفار في بعض الأحيان حتى لا يرى الأدم حتما. # 1 ~~(5) # وينبغي أن يقبح عنده كثرة الأكل، بذم الطفل الشره ومدح المتأدب القليل ~~الأكل، وأن يحبب إليه الإيثار بالطعام وقلة المبالاة به، والقناعة بأي طعام ~~كان. ~~(6) # وأن يحبب إليه الأبيض من الثياب، دون الملون، وأن يفهمه أن تلوين الثياب ~~ليس عادة الرجال، وإنما هو عادة النساء والمخنثين، وأن يحفظه من مخالطة ~~الأطفال الذين عودوا التنعم ولبس الثياب الفاخرة، ومن مخالطة كل من يسمع ~~منه ما يرغب في ذلك. ~~(7) # وإذا ظهر من الطفل فعل محمود فينبغي أن يجازى عليه بما يفرح به، وأن يمدح ~~أمام الناس، فإن أساء مرة فيجمل بالوالد أن يتغافل عنه, ولا يكاشفه، ولا ~~سيما إذا تستر الطفل واجتهد في الإخفاء، فإن مكاشفته قد تزيده جسارة وعدم ~~مبالاة. فإن عاد فليعاتب سرا وليحذر عواقب الافتضاح، وليكن العتب قليلا ~~يهون على الطفل وقع الملام، وسماع التأنيب، وركوب القبيح. ~~(8) # وينبغي أن يمنع من النوم نهارا، فإن ذلك ms154 يورث الكسل ولا يمنع منه ليلا، ~~ولكن يمنع الفراش الوثير، لتصلب أعضاؤه ويعود خشونة الفراش. ~~(9) # ويجب أن يمنع من كل ما يفعله خفية، فإنه لا يخفي إلا ما يعتقد أنه ~~قبيح. ~~(10) # وليعود المشي في بعض النهار، لتحبب إليه الحركة والرياضة. ~~(11) # وليمنع من كشف أطرافه. ~~(12) # وينبغي أن يمنع من الافتخار على أقرانه بشيء مما يملكه والده، أو بشيء ~~من مطاعمه وملابسه، أو لوحه ودواته، بل يعود التواضع، وطيب الحديث. ~~(13) # ويجب أن يعلم أن الرفعة في الإعطاء لا في الأخذ وأن الأخذ لؤم، وخسة، ~~ودناءة، إن كان غنيا، وذلة، ومهانة، إن كان فقيرا، فلا يصح أن يأخذ ~~شيئا من الأطفال. ~~(14) # وينبغي أن يعود أن لا يبصق في مجلسه، ولا يمتخط، ولا يتثاءب بحضرة غيره، ~~ولا يستدبر سواه، ولا يضع رجلا على رجل، ولا يضع كفه تحت ذقنه، ولا يسند ~~رأسه بساعده ويعلم كيفية الجلوس، ويمنع كثرة الكلام. ~~(15) # ويجب أن يمنع القسم، صادقا كان أو كاذبا، لئلا يعتاد ذلك. ~~(16) # وليعود أن لا يتكلم إلا مجيبا، وبقدر السؤال، وأن يحسن الاستماع إذا ~~تكلم غيره ممن هو أكبر منه سنا، وأن يقوم لمن فوقه، ويفسح له ~~المكان. ~~(17) # ويجب أن يمنع من لغو الكلام، ومن اللعن، والسب. ~~(18) # وليعود الصبر إذا ضربه المعلم، فلا يكثر الصراخ، ولا يستشفع بأحد، ~~وليذكر له أن الصبر دأب الشجعان والرجال وإن كثرة الصراخ دأب المماليك ~~والنساء. ~~(19) # وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من المكتب باللعب الجميل يستريح به؛ فإن ~~منع الصبي من اللعب يميت قلبه، ويخمد ذكاءه، ويحمله على الاحتيال للخلاص من ~~الكتاب. ~~(20) # وينبغي أن يعلم طاعة والديه، ومعلمه، ومؤدبه، وكل من هو أكبر منه سنا ~~من قريب وأجنبي. ~~(21) # وإذا بلغ سن التمييز فينبغي أن لا يسامح في ترك الطهارة والصلاة، ويؤمر ~~بالصوم في بعض أيام رمضان، ويعلم كل ما يحتاج إليه من أمور الشرع. ~~(22) # وليخوف من السرقة، وأكل الحرام، ومن الخيانة، والكذب، والفحش، وكل ما ~~يغلب على الأطفال. # هذه خلاصة ما وضع الغزالي في التربية. وما أنكر أن فيها شيئا ms155 من التكرار ويرى أنه في ~~مثل هذه المواطن جميل. # وإنما ألاحظ أنه لا معنى لأن تحبب إلى الطفل الثياب البيض بنوع خاص. ويظهر أن هذه ~~كانت سنة حسنة إذ ذاك. # 2 # وألاحظ كذلك أنه لا يصح أن يعلم الصبي أن هناك فئة مخنثة تميل إلى الملون ~~من الثياب، فقد يحسن أن لا تطرق آذان الصبي بمثل هذا الهجر، بل يجب أن لا يعرف أن الطفل ~~قد يتخلق بأخلاق النساء. ولا أفهم معنى لا يدعى الطفل إلى عدم إرخاء يديه، بل يضمهما ~~إلى صدره حين يمشي! ويضحكني أن ينصح الطفل بالصبر والاحتمال حين يضربه المعلم، وكان ~~أولى أن ينهى عن هذه العادة الشنعاء، التي لا تجمل بالمعلمين # 3 ~~. # ومن أدق ما تنبه له الغزالي تلميحه إلى أن يعلم الطفل أسرار البلوغ حين يصل ~~إليه. # والغزالي يسمي المدرسة بالمكتب والكتاب، وليس له في هذا الباب غير برنامج ضئيل، يمثل ~~ما كان يفهم في عصره من المدارس الأولية والابتدائية. ويتلخص هذا البرنامج (في تعلم ~~القرآن، وأحاديث الأخبار، وحكايات الأبرار) ولم تخطر له الرياضة ببال. ولم يتعرض للغة ~~الأدب، ولكنه نبه على أن الطفل يجب أن «يحفظ من الأشعار التي فيها ذكر العشق وأهله ~~ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظروف ورقة الطبع، فإن ذلك يغرس في ~~نفوس الصبيان بذور الفساد». # والغزالي يعد الطفل في الواقع لأن يكون جنديا في الحياة إذ يحرم عليه كل مظاهر ~~اللين. وإن كان لم يغفل عن غايته الأخلاقية حين أوصى بأن يعلم أن الموت منتظره في كل ~~ساعة، وأن العاقل من تزود من دنياه لأخراه. وأرى هذه الوصية خطرة، إذ تضعف العزم في ~~نفوس الأحياء، ولا تترك للإسلام نفسه جيشا يحفظ به ثغر، أو يفتح به قطر، وما كان ~~الإسلام إلا دين الغزاة الفاتحين. # تربية البنات # لم يتكلم الغزالي عن تربية البنات، وكان عليه أن يهبهن نصيبا من عنايته. ولكن ~~الرجل تأثر بعصره، وبقومه، فقد كانت تربية البنات مما لا يهتم به الأولون. # وسترى حين ms156 نتكلم عن حقوق المرأة أنه يحتم على الرجل أن يعلم زوجه، فإن لم يعرف ~~ناب عنها في سؤال العلماء، ولكنك سترى كذلك أن هذا العلم الواجب على الرجل لامرأته ~~لا يزيد عن معرفة الفرائض من صلاة وصيام. ومعرفة الفرائض هذه لا تفيد المرأة شيئا ~~في الحياة المنزلية، وهي العبء الملقى على عواتق النساء. # الفصل الرابع # | آداب المعلمين # قد رأيت المنهج الذي وضعه الغزالي لتربية الطفل، ورأيت ما خطه لبرنامج التدريس في ~~المكاتب الصغيرة، والآن نقفك على رأيه في تربية الطلاب، ونريد بهم من رأوا الاستزادة من ~~العلم بعد انقضاء ذلك الأمد القصير، الذي أعد للأطفال. # والغزالي كان أستاذا في المدرسة النظامية، وكان يختلف إلى درسه ثلاثمائة من ~~التلاميذ، وكان له بالطبع زملاء، وكان لهؤلاء الزملاء تلاميذ، فمن البعيد أن لا تكون ~~هذه الحركة ألهمته البحث في التعليم من حيث إنه مهنة، وهو قد ابتلي بمهنة ~~التعليم! # ولقد تكلم الغزالي عن التعليم، وأطال في كتاب الإحياء، وتكلم عنه في الإملاء على ما ~~أشكل من الأحياء، وذكر أنه (أفضل من سائر الحرف والصناعات) وبين وجه هذه الأفضلية ~~بالتفضيل. # وكل ما تقيد به هذه الحرفة فيما يرى أنه يجب أن يقصد بها وجه الله، ويقول في ذلك: ~~«وإنما المعلم هو المقيد للحياة الأخروية الدائمة، أعني معلم علوم الآخرة، أو علوم ~~الدنيا على قصد الآخرة، لا على قصد الدنيا، فأما التعليم على قصد الدنيا فهو هلاك ~~وإهلاك نعوذ بالله منه». # 1 # وعلوم الدنيا هي في رأيه ما يشمل الطب والحساب والهندسة وتقويم البلدان، وعلى الجملة ~~كل ما عدا العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. فالذي يعلم علوم الدنيا هذه ~~هو بلا شك محترف. ويكفي أن يقصد بتعليمه الآخرة، ليكون من الناجين. # أضف إلى هذا أن الغزالي - لورعه- يشبه العلم بالمال، فكما أن لصاحب المال حال ~~استفادة، وحال ادخار، وحال إنفاق على نفسه، وحال بذل لغيره، وهو أشرف أحواله، فكذلك ~~لصاحب العلم حال طلب، وحال تحصيل، وحال استبصار، وحال تبصير، وهو أشرف الأحوال. # والتبصير هو ms157 التعليم، والغزالي لا ينكر أن يكون المرء معلما، فقد كان من المعلمين، ~~وإنما يطالب المعلم بتعليم علوم الآخرة. أو علوم الدنيا على قصد الآخرة، وسترى فيما ~~يذكر من آداب المعلم عدم أخذ الأجر، ولكن هذا لا يقدح في نظره إلى التعليم كمهنة، فإنه ~~يكفينا أن يدرك أن التعليم صناعة، تحتمل الإجادة، كما تحتمل القصور، وإنه يجب على ~~المعلم كيت وكيت، ليحسن أداء مهمته، على وجه نافع مقبول. # وقد وضع للمعلم الآداب الآتية: ~~(1) # أن يشفق على المتعلمين، ويجريهم مجرى بنيه. ويقول الغزالي في توابع هذه ~~البنوة: وكما أن حق أبناء الرجل الواحد أن يتحابوا ويتعاونوا على المقاصد ~~كلها، فكذلك حق تلامذة الرجل الواحد، التحاب والتواد. ~~(2) # أن يقتدي بصاحب الشرع، صلوات الله عليه وسلامه، فلا يطلب أجرا على إفادة ~~العلم، ولا يقصد به جزاء ولا شكورا. ~~(3) # أن لا يدع من نصح المتعلم شيئا، وذلك بأن يمنعه من التصدي لرتبة قبل ~~استحقاقها، والتشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من العلم الجلي. ~~(4) # أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق، بطريق التلميح والرحمة لا بطريق ~~التوبيخ، فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف، ~~ويهيج الحرص على الإصرار. ~~(5) # أن لا يقبح في نفس المتعلم التلوم التي وراء علمه: فليس لمعلم اللغة أن ~~يقبح في نفس المتعلم على الفقه مثلا، بل ينبغي أن يوسع عليه طريق التعليم ~~في غيره. وإن كان متكفلا بعدة علوم فينبغي أن يراعي التدريج في ترقية ~~المتعلم من رتبة إلى رتبة. ~~(6) # أن يقتصر المعلم على قدر فهمه، ولا يلقي إليه ما لا يبلغه عقله. ~~(7) # أن يلقي للمتعلم القاصر الجلي اللائق به، ولا يذكر له أن وراء هذا الجلي ~~تدقيقا يدخره عنه. ~~(8) # أن يعمل بعلمه؛ فلا يكذب قوله فعله. وهذا الأدب الأخير غير خاص ~~بالمعلمين، ولكنهم أحوج الناس إليه وأولاهم به، إذ كانوا مرشدين، ومن حسن ~~السياسة على الأقل أن يعمل المرشد بما يقول. ~~(9) # أن يجمل نفسه كي يعظم في نفوس طلبته فلا يستصغروه، ولم يذكر الغزالي هذا ~~في آداب المعلم. ولكن ذكره ms158 استطرادا في باب النظافة حيث قال: «كان رسول ~~الله مأمورا بالدعوى، وكان من وظائفه أن يسعى في تعظيم أمر نفسه في قلوبهم ~~كيلا تزدريه نفوسهم. ويحسن صورته في أعينهم كيلا تستصغره عيونهم. وهذا ~~القصد واجب على كل عالم تصدى لدعوة الخلق إلى الله: وهو أن يرعى من ظاهره ~~ما لا يوجب نفرة الناس عنه». ~~(10) # أن ينظر في نية المتعلم: فإن رآها حسنة علمه، وإن رآها سيئة أعرض عنه. ~~فلا يجوز فيما يرى الغزالي أن نعلم من نرى في أقواله، أو أفعاله، أو مطعمه، ~~أو ملبسه، أو مسكنه، ما يدل على فساد نيته، وسوء قصده. ولا يكفي فيما يرى ~~الغزالي أن يقول المعلم: إنما أريد نشر العلم، وللمتعلم بعد ذلك الخيار، إن ~~شاء أحسن وإن شاء أساء، بل يشبهه بمن يهب سيفا لقاطع الطريق، ثم يقول: ~~إنما أريد السخاء والتخلق بأخلاق الله الجميلة، وأن أعينه على الجهاد، فإن ~~استعمل السيف في الأذى فهو وحده المسؤول. # وربما كان يحسن بالغزالي أن ينصح المعلم ببذل الجهد في غزو الغرائز السيئة التي يراها ~~في تلميذه، فأما الضن عليه بالعلم فهو فيما رأى هروب من الواجب، وعمل سلبي لا يغني ولا ~~يفيد. # الفصل الخامس # | آداب المتعلمين # وعلى المتعلم ما يأتي من الواجبات: ~~(1) # أن يقدم طهارة النفس من رذائل الأخلاق ومذموم الأوصاف. ~~(2) # أن يقلل علاقته من الاشتغال بالدنيا ويبعد عن الأهل والوطن فإنه مهما ~~توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق. ~~(3) # أن يذعن لنصيحة المعلم إذعان المريض الجاهل للطبيب المشفق الحاذق. ~~(4) # أن يحترز في مبدأ أمره عن الإصغاء إلى اختلاف الناس، فإن ذلك يحير ذهنه ~~ويفتر رأيه، بل عليه أن يتقن أولا طريقة أستاذه، ثم يصغي بعد ذلك إلى ~~الشبه والمذاهب. ~~(5) # أن لا يدع فنا من الفنون المحمودة إلا وينظر فيه نظرا يطلع به على ~~مقصده وغايته، ثم إن ساعده العمر طلب التبحر فيه، وإلا اشتغل بالأهم ~~واستوفاه، وتطرف من البقية. ~~(6) # أن لا يخوض في فن من الفنون دفعة، بل يراعي الترتيب. ~~(7) # أن لا يخوض في فن ms159 حتى يستوفي الذي قبله، فإن العلوم مرتبة ترتيبا ~~ضروريا وبعضها طريق إلى بعض. وهذه الطريقة فيما أرى إنما تصلح في الفنون ~~التي كان يعرفها الغزالي إذ ذاك، فمن الواضح أن الفقه مثلا طريق الأصول، ~~ولكن هل يصح لدينا الآن أن المنطق طريق الحساب، أو أن النحو طريق ~~الجغرافيا، ووصف الشعوب؟ ~~(8) # أن يعرف أن شرف العلم إنما يرجع إلى شرف الثمرة أو قوة الدليل فعلم الدين ~~فيما يرى الغزالي أشرف من علم الطب، لأن ثمرة الأول السعادة الأخروية، ~~وثمرة الثاني السعادة الدنيوية والآخرة خير من الأولى. وعلم الحساب أشرف من ~~علم النجوم لقوة أدلته. وعلم الطب أشرف من علم الحساب لأن الثمرة أولى من ~~قوة الدليل. # وربما كان يحسن أن يتنبه الغزالي إلى أن للحساب ثمرة لا تقل شأنا عن وثاقة دليله، ~~ولكن عذره أنه عاش في عصر قد غاب عن إنسانه أنه خلق لتعمير الوجود. # الباب العاشر # | في الحقوق والواجبات # | تمهيد # الحق هو ما لك، والواجب هو ما عليك. فتقول: من حقي أن أتعلم، ومن واجبي أن أعمل بما ~~أعلم. # ولكن الغزالي يضع كلمة حق موضع كلمة واجب. وربما استغنى عنهما جميعا بكلمة ~~أدب. # وقد فصل الغزالي حقوق المرء نحو نفسه، ونحو ربه، ونحو أخيه، ونحو جاره، ونحو والديه، ~~ونحو أبنائه، وبين آداب التاجر، والصانع، والمسافر، وكاد يستوعب ما للمرء، وما ~~عليه. # ونحن ذاكرون خلاصة تمثل وجهة نظره في الحقوق والواجبات ليعرف القارئ اتجاه الفكر ~~الإسلامي في ذلك الحين. # | في الحقوق والواجبات # (1) واجب المرء نحو نفسه # يجب على المرء فيما يرى الغزالي أن يجتهد في أن لا يراه مولاه حيثما نهاه، وأن لا ~~يفقده حيث أمره، ولن يقدر على ذلك إلا بتوزيع أوقاته، وترتيب أوراده، من صباحه إلى ~~مسائه. # ويحسن فيما يرى الغزالي أن يستيقظ المرء قبل طلوع الفجر، وأن يكون أول ما يجري ~~على لسانه ذكر الله، وأن لا يترك السواك فإنه مطهرة للفم، ومرضاة للرب، ومسخطة ~~للشيطان. # ولا يفوتنا أن نقرر أن عناية الغزالي بالحث على ما تدعو ms160 إليه الشريعة الإسلامية ~~من الوضوء والغسل وما إليهما من أنواع الطهارة، إنما هو دعوة صريحة إلى الحياة. فإن ~~الإسلام بفرضه الوضوء عند كل صلاة، والغسل عند الاحتلام والوقاع، إنما يرفع عن ~~الناس آصار البطالة والخمول. # ولا يعلم إلا الله ما كانت تصل إليه حالة الشرق لو لم ينتشر فيه الإسلام، فإنه ~~يعوض على أهله ما فات أكثرهم من سلامة الذوق، إذ لا يعرفون للنظافة قيمة، ولا ~~يقيمون للطهارة وزنا. حتى لنجد من العلماء من ينص على أن نية النظافة تقلل من قيمة ~~الوضوء، لأن الطهارة في نظرهم عبادة آلية، لا تتعلق بها الأغراض، وسبحان من وهب ~~العقول! # غير أننا لا نوافق الغزالي فيما ذكر من آداب النوم، إذ يحض المرء على أن ينام على ~~يمينه كما يضطجع الميت في لحده، وأن يتذكر أن النوم مثل الموت، واليقظة مثل البعث ~~ولعل الله يقبض روحه في ليلته، وأن ينام على طهارة، وأن تكون وصيته مكتوبة تحت رأسه ~~... إلخ. # وما كنت لأوافق الغزالي على ذلك، لأنه يجب إقصاء فكرة الموت عن الأحياء فإن ~~التفكير في الموت مدعاة إلى الزهادة والجمود وهو كذلك نقص في العزائم، وخمود في ~~القرائح. # وهناك سبل أخرى غير الموت للحض على الطيبات، فلماذا لا نزين الخير للناس، ببيان ~~ما يفعل الخير في رفعة الأقدار، وسمو النفوس؟ # وقد فصل الغزالي آداب المرء نحو نفسه في أكثر كتبه في الأخلاق. ولا عيب عليه غير ~~الإفراط في تحقير الدنيا، وهو عيب فظيع، فإن الدنيا أجل وأعظم مما يتصور هو وأمثاله ~~ممن يرون الموت من جملة الأرزاق! # وهل كان الله عابثا يوم خلق هذه الدنيا الجميلة، التي رميتم عشاقها بالإثم ~~والفسوق؟ ~~(2) واجب المرء نحو إخوانه في الدين # وضع الغزالي عدة آداب للرجل مع أخيه في الدين، بعضها خاص بكيفية المعاملة، والآخر ~~خاص بتنقية النفس من الضغائن وجزء منها يتعلق بتربية المرء على كف الأذى وإسداء ~~المعروف. # ويخطر بالبال هذا السؤال: ألا يرى الغزالي وجودا لغير المسلم؟ وإلا فما رأيه في ~~معاملة من ليسوا ms161 بمسلمين؟ # وفي جواب هذا السؤال نذكر ما جاء في إحدى فتاويه # 1 # من أن الذمي كالمسلم فيما يرجع إلى الإيذاء. لأن الشرع عصم دمهم ~~وأموالهم. فيفهم من هذا أن الذمي والمسلم يعاملان معاملة تكاد تكون واحدة، وإن لم ~~ينص على ذلك في الإحياء. # وإلى القارئ خلاصة ما على المسلم لأخيه من الواجبات: ~~(1) # أن لا يؤذي أحدا منهم بفعل أو قول. ~~(2) # أن يتواضع لكل منهم، ولا يتكبر عليه. ~~(3) # أن لا يزيد في الهجر لمن يعرفه على ثلاثة أيام، مهما غضب ~~عليه. ~~(4) # أن يحسن إلى كل من قدر على الإحسان إليه منهم، بلا تمييز. ~~(5) # أن لا يدخل على أحد منهم إلا بإذنه، بل يستأذن ثلاثا فإن لم يؤذن له ~~انصرف. ~~(6) # أن يخالق الجميع بخلق حسن، ويعامل كل امرئ بحسب طريقته، فإنه إن أراد ~~لقاء الجاهل بالعلم، والأمي بالفقه، والعيي بالبيان، آذى وتأذى. ~~(7) # أن يوقر المشايخ، ويرحم الصبيان. ~~(8) # أن يكون مع الكافة مستبشرا طلق الوجه رقيقا. ~~(9) # أن لا يعد مسلما بوعد إلا ويفي به. ~~(10) # أن ينصف الناس من نفسه، فلا يعاملهم إلا كما يحب أن يعاملوه. ~~(11) # أن يزيد في توقير من تدل هيئته وثيابه على علو منزلته. ~~(12) # أن يصلح ذات البين مهما وجد إلى ذلك سبيلا. ~~(13) # أن يستر عورات المسلمين كلهم. وقد استشهد الغزالي بهذا الحديث ~~البديع: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا ~~الناس ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله ~~عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو كان في جوف بيته». ~~(14) # أن يشفع لكل من له حاجة من المسلمين إلى من له عنده منزلة، ويسعى في ~~قضاء حاجته بما يقدر. ~~(15) # أن يصون عرض أخيه المسلم، ونفسه، وماله، عن ظلم غيره، مهما قدر. ~~ويرد عنه، ويناضل دونه، وينصره، قياما بأخوة الإسلام. ~~(16) # أن يتقي مواضع التهم، صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن ولألسنتهم عن ~~الغيبة. ~~(17) # أن يجامل أخاه ويواسيه إذا بلي بشر. ~~(18) # أن يجتنب مخالطة الأغنياء، ويختلط بالفقراء والمساكين. # ويرى القارئ في هذه الحقوق شيئا ms162 من التكرار. وهذا أيضا يمثل وجهة الغزالي في ~~الأخلاق: فهو كثير الحذر، شديد الحيطة، ولا يزال بالمعنى يردده في كتبه، بل في ~~الكتاب الواحد حتى يرسخ في نفس المستفيد. ~~(3) حقوق الجوار # ويرى الغزالي أن الجوار يقتضي حقا وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام، فيستحق الجار ~~المسلم، ما يستحقه المسلم وزيادة، ويرى قوله عليه السلام: «الجيران ثلاثة: جار له ~~حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق؛ فالجار الذي له ثلاثة حقوق الجار ~~المسلم ذو الرحم: فله حق الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم. وأما الذي له حقان فالجار ~~المسلم: له حق الجوار، وحق الإسلام. وأما الجار الذي له حق واحد فالجار ~~المشرك». # ويقول تعليقا على هذا الحديث: فانظر كيف أثبت للمشرك حقا بمجرد الجوار! # وقد وضع للجار ما يأتي من الواجبات: ~~(1) # أن يبدأ جاره بالسلام. ~~(2) # وأن لا يطيل معه الكلام. ~~(3) # وأن لا يكثر عنه السؤال. ولا يتبعه النظر فيما يحمل إلى داره. ~~(4) # وأن يعوده في المرض. ~~(5) # وأن يعزيه في المصيبة، ويقيم معه في العزاء. ~~(6) # وأن يهنئه في الفرح، ويظهر الشركة في السرور معه. ~~(7) # وأن يصفح عن زلاته، ولا يسمع فيه كلاما. ~~(8) # وأن لا يطلع من السطح على عوراته، بل يستر ما ينكشف له. ~~(9) # وأن لا يضايقه بوضع الجذع على جداره. ~~(10) # وأن لا يصب الماء في ميزابه، ولا يطرح التراب في فنائه. ~~(11) # وأن لا يضيق طريقه إلى الدار. ~~(12) # وأن ينعشه في صرعته إذا نابته نائبة. ~~(13) # وأن لا يغفل عن ملاحظة داره في غيبته. ~~(14) # وأن يغض بصره عن حرمته، ولا يديم النظر إلى خادمته. ~~(15) # وأن يتلطف لولده في كلمته. ~~(16) # وأن يرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه. # يقول الغزالي: هذا إلى جملة الحقوق التي ذكرناها للمسلمين، ولم يستثن المشرك في ~~جملة هذه الحقوق، ولكنك رأيت أنه خص الذميين بهذه المساواة، إذ كان إيذاء الحربي ~~عنده غير حرام. ~~(4) حقوق الأقارب # ثبت حق المشرك بالجوار. وكذلك يثبت حقه بالقرابة. ويروي الغزالي في هذا أن أسماء ~~بنت أبي بكر قالت: «قدمت على أمي فقلت يا ms163 رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي مشركة، ~~أفأصلها؟ قال نعم. وفي رواية: أفأعطيها؟ قال : نعم، صليها». # ومن الواضح أن القريب المسلم أو الجار يثبت له فوق حق القرابة ما يثبت بأخوة ~~الإسلام وبالجوار من الحقوق. ~~(5) حقوق الوالدين # يقول الغزالي: كيفية القيام بحق الوالدين تعرف مما ذكرنا في حق الأخوة، فإن هذه ~~الرابطة آكد من الأخوة، بل أكثر العلماء على أن طاعة الأبوين واجبة في الشبهات، وإن ~~لم تجب في الحرام المحض، لأن ترك الشبهة ورع، ورضاء الوالدين حتم. # ويرى الغزالي أن ليس للإنسان أن يبادر بالحج وهو فرض إلا بإذن والديه، لأن ~~المبادرة نفل. وكذلك ليس له أن يخرج لطلب العلم إلا بإذنهما، ويستثني علم الفرائض ~~من الصلاة والصوم إذا لم يكن في البلد من يعلمه. وليته عمم هذا الحكم في جميع ~~العلوم الضرورية في الحياة. # وينقل الغزالي عن رسول الله أن لزوم الوالدة أفضل من الجهاد وهو يقدم الوالدة في ~~البر على الوالد. ~~(6) حقوق الأبناء # يجب على الوالد: ~~(1) # أن يسمي ابنه اسما حسنا. ~~(2) # و أن يؤدبه إذا بلغ ست سنين، فإذا بلغ تسع سنين عزل فراشه، فإذا بلغ ~~ثلاث عشرة سنة ضربه على الصلاة، فإذا بلغ ست عشر سنة زوجه. ~~(3) # وأن يعينه على بره، فلا يحمله على العقوق بسوء عمله. ~~(4) # وأن يسوي بين أولاده. ~~(5) # وأن يبدأ بالإناث إذا حمل لأولاده طرفة من السوق. ~~(7) واجب التاجر # وعلى التاجر فيما يرى الغزالي ما يأتي من الواجبات: ~~(1) # أن لا يحتكر، فيدخر الطعام ينتظر به غلاء الأسعار وهذا مطرد في أجناس ~~الأقوات. أما ما ليس بقوت، ولا هو معين على القوت كالأدوية، والعقاقير، ~~والزعفران وأمثاله، فلا يتعدى النهي إليه وإن كان مطعوما. وأما ما ~~يعين على القوت كاللحم والفواكه وما يسد مسد القوت في بعض الأحيان وإن ~~كان لا يمكن المداومة عليه ففيه نظر. ومن العلماء من طرد التحريم في ~~السمن والعسل والشيرج والجبن والزيت وما يجري مجراه، على أن احتكار ~~الأطعمة جائز إذا استغنى الناس عنها ولم يخش من احتكارها قحط. ms164 وبقدر ~~درجات الإضرار تتفاوت درجات الكراهة والتحريم. # وكان على الغزالي أن يبين حكم احتكار الأدوية إذا وجد وباء، أو انتشر ~~مرض من الأمراض. فقد تصبح الأدوية أهم من الأطعمة، ويمسي احتكارها من ~~عظائم الأمور. # 2 ~~(2) # أن لا يثني على السلعة بما ليس فيها. ~~(3) # أن لا يكتم من عيوبها وخفايا صفاتها شيئا. ~~(4) # أن لا يكتم في وزنها ومقدارها شيئا. ~~(5) # أن لا يكتم من سعرها ما لو عرفه المعامل لامتنع عنه. ~~(6) # أن لا يروج الزيف من الدراهم أثناء النقد، إذ يستضر به المعامل إن لم ~~يعرف، وإن عرف فسيروجه على غيره. وهكذا دواليك، ومن هنا وجب على التاجر ~~تعلم النقد، لا ليستقصي لنفسه فحسب، ولكن لئلا يسلم إلى مسلم زيفا وهو ~~لا يدري فيكون آثما بتقصيره في تعلم ذلك العلم. ~~(7) # أن لا يغبن صاحبه بما لا يتغابن به في العادة، فأما أصل المغابنة ~~فمأذون فيه، لأن البيع للربح، ولا يمكن إلا بغبن ما، ولكن يراعي فيه ~~التقريب. ~~(8) # أن يحسن نيته في ابتداء التجارة، فينوي بها الاستعفاف عن السؤال، وكف ~~الطمع عن الناس، والقيام بكفاية الأولاد. ~~(9) # أن يقصد القيام في تجارته أو صنعته بفرض من فروض الكفايات، فإن ~~الصناعات والتجارات لو تركت لهلك أكثر الناس. ~~(10) # أن لا يكون شديد الحرص على السوق والتجارة، بأن يكون أول داخل في ~~السوق وآخر خارج منه، وبأن يركب البحر في التجارة، ففي الخبر «لا يركب ~~البحر إلا بحج أو عمرة أو غزو». # هكذا يرى الغزالي. وهذه منه نزعة صوفية لا تأتلف مع واجب الرجل ~~الأخلاقي في الحياة الاجتماعية. فللتاجر أن يكون أول داخل في السوق ~~وآخر خارج منه، بل عليه ذلك، وعليه أن يركب البحر في التجارة، وأن يسلك ~~إلى الربح كل سبيل. والحج والعمرة، والغزو، كل أولئك من وسائل الحياة. ~~ولكن أكثر الناس لا يفهمون. ~~(11) # أن لا يقتصر على اجتناب الحرام، بل يتقي مواضع الشبهات، ومظان ~~الريب، ولا ينظر إلى الفتاوى، بل يستفتي قلبه. وإذا حملت إليه سلعة ~~رابه أمرها سأل عنها حتى يعرف وإلا أكل ms165 الشبهة. ~~(12) # أن يراقب جميع مجاري معاملته مع كل واحد من معامليه ويعد جوابه ليوم ~~الحساب والعقاب . ~~(13) # أن يقيل من يستقيله، فإنه لا يستقيل إلا متندم مستضر بالبيع، ولا ~~ينبغي أن يكون سبب استضرار أخيه. ~~(14) # أن يخص في معاملته جماعة من الفقراء بالنسيئة، وهو في الحال عازم على ~~ألا يطالبهم إن لم تظهر لهم ميسرة. ~~(15) # أن يحسن في استيفاء الثمن، وسائر الديون، فيتسامح مرة، ويمهل مرة، ~~ويحط البعض مرة. # وبعد سرد هذه الآداب لا يفوتنا أن ننوه بعناية الغزالي بصالح الهيئة الاجتماعية، ~~فإن التاجر الذي تأدب بهذه الآداب تمسي تجارته ولا شك ربحا عاما للناس، ويصبح ~~خادما لأهل بلده من حيث لا يعلمون. # هذا وجه الجمال في هذه الآداب التي خص بها التجار وما أنكر أن فيها جانبا من ~~الضعف بإثقال التاجر بكثير من التكاليف الظاهرة والمستورة، في حين أنه يجب تمرينه ~~على المخاطرة في سبيل الحياة، ولكن الغزالي لا يعدل بالسلامة شيئا والسعيد عنده من ~~نجا بدينه، وإن خسر دنياه. ~~(8) آداب المسافر # وضع الغزالي فصولا مطولة عن السفر، وفوائده، وآفاته، وعده نوعا من الحركة ~~والمحافظة. وبين الباعث عليه من هرب أو طلب، وأطال في ذلك وأجاد. # نحن ذاكرون هنا طائفة مما وضع للمسافر من الآداب: ~~(1) # أن يبدأ برد المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لمن تلزمه نفقته، ~~ويرد ما عنده من الودائع، ولا يأخذ لزاده إلا الحلال الطيب، وليأخذ ~~قدرا يوسع به على رفقائه. ~~(2) # أن يختار رفيقا، فلا يخرج وحده، وليكن رفيقه من أهل الدين، فإن ~~المرء على دين خليله. ~~(3) # أن يودع رفقاء الحضر، والأهل، والأصدقاء. ~~(4) # أن يرحل من المنزل بكرة فإن الخير في البكور. ~~(5) # أن يجعل أكثر سيره بالليل، فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى ~~بالنهار. ~~(6) # أن يحتاط بالنهار، فلا يمشي منفردا خارج القافلة، فربما ينقطع، أو ~~يغتال، وأن يتحفظ عند النوم بالليل. ~~(7) # أن يرفق بالدابة فلا يحملها ما لا تطيق، ولا يضربها في وجهها، وأن ~~يروحها بالنزول عنها غدوة وعشية. ~~(8) # أن يحمل معه مرآة، ومكحلة ومقراضا، ومسواكا ومشطا، ms166 وقارورة، ~~وركوة، وحبلا. ~~(9) # أن ينوي في دخول كل بلدة أن يرى شيوخها، ويجتهد في أن يسع من كل واحد ~~كلمة، أو أدبا ينتفع به. ~~(10) # أن لا يزيد على ثلاثة أيام في زيارة أخ له، وإذا زار أحد أساتذته في ~~سفره، فلا يقم عنده أكثر من يوم وليلة. ~~(11) # أن يرجع من سفره إذا رأى في نفسه نقصانا عما كان عليه في الحضر. # وأحب أن يتنبه القارئ إلى دقة هذا الأدب الأخير. ~~(9) حقوق المرأة # لا يرى الغزالي أن المرأة تساوي الرجل، بل يرى أن الرجل سيد المرأة. ويقول فيمن ~~أطاع زوجه، وملكها نفسه «أنه عكس القضية. وأطاع الشيطان لما قال: # ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ~~. # 3 # إذ حق الرجل أن يكون متبوعا لا تابعا. وقد سمى الله # الرجال قوامون على النساء ~~، # 4 # وسمى الزوج سيدا فقال: # وألفيا سيدها ~~لدى الباب ~~. # 5 # فإذا انقلب السيد مسخرا فقد بدل نعمة الله كفرا. # 6 # ولم يقتصر الغزالي على ذلك، بل حكم على طبيعة المرأة حكما أقسى من الصخر، فقد ~~قال في معرض الحديث عن أدب النساء «والغالب عليهن سوء الخلق وركاكة العقل» واستدل ~~بحديث لا أعلم مبلغه من الصحة، وهو قوله عليه السلام: «مثل المرأة الصالحة كمثل ~~الغراب الأعصم بين مائة غراب». # وإليك جملة ما وضع الغزالي للمرأة من الحقوق: # أولا: # على الرجل أن يحسن الخلق معها، وأن يتحمل الأذى منها، ترحما ~~عليها لقصور عقلها. ويقول الغزالي: «واعلم أنه ليس حسن الخلق مع ~~المرأة كف الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، والحلم عند طيشها ~~وغضبها». # ثانيا: # أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة، والمزاح، والملاعبة، فهي ~~التي تطيب قلوب النساء. ويقول الغزالي: «وقد كان رسول الله يمزح ~~معهن، وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق» وهذا تأكيد ~~لرأيه في طبيعة المرأة. # ثالثا: # الاعتدال في الغيرة، فلا يتغافل الرجل عن مبادئ الأمور التي تخشى ~~غوائلها، ولا يبالغ في إساءة الظن، والتعنت وتجسس البواطن. # رابعا: # الاعتدال في النفقة، فلا ينبغي أن يقتر عليها في الإنفاق، ولا ~~ينبغي أن يسرف، ms167 ولا ينبغي ترك الحلوى بالكلية، وينبغي أن يأمر ~~الرجل أهله بالتصدق ببقايا الطعام، وما يفسد لو ترك. وللمرأة أن ~~تفعل ذلك بحكم الحال من غير إذن الزوج. ولا ينبغي أن يستأثر الرجل ~~عن أهله بمأكول طيب، فإن ذلك ينافي المعاشرة بالمعروف. # خامسا: # على الرجل أن يعلم زوجه أحكام الصلاة، فإن لم يعرف ناب عنها في ~~سؤال العلماء، وليس لها أن تخرج لطلب العلم ما دام الزوج لم يقصر ~~في تعليمها الفرائض، فإن قصر فلها الخروج للاستفادة، بل عليها ذلك، ~~ويعصي الرجل بمنعها. ومتى تعلمت الفرائض فليس لها أن تخرج لتعلم ~~فضل إلا برضاه. وللرجل الحق في أن لا يدخل عليها الرجال، وأن ~~يمنعها من الخروج إلى المساجد والأسواق. # وهنا نلفت النظر إلى أن الغزالي يقرر ويلح في تحريم خلوة الرجل ~~بالمرأة الأجنبية، ولم يفرق بين العلماء وغير العلماء، والمرأة ~~العجوز فقط هي التي يجوز لها عنده زيارة المساجد وإن خالف ذلك بعض ~~الشيء ما كان على عهد رسول الله. ويكاد يجزم بأن النبي لو شاهد أهل ~~عصره لشدد في التضييق على المرأة. # سادسا: # إذا كان له نسوة فينبغي أن يعدل، فإذا خرج إلى سفر وأراد استصحاب ~~واحدة أقرع بينهن، والعدل واجب في العطاء والمبيت، وأما في الحب ~~والوقاع فهو تكليف بما لا يطاق. # سابعا: # إذا وقع بين الزوجين خصام ولم يلتئم أمرهما، فإن كان في جانبهما ~~جميعا، أو من الرجل فلا بد من حكمين: أحدهما من أهله والآخر من ~~أهلها، لينظرا بينهما ويصلحا أمرهما، وليس للمرأة أن تتولى تأديب ~~الرجل حين يكون الخصام من جانبه لئلا تسلط فلا يقدر على إصلاحها ~~كما يقول الغزالي. # وأما إذا كان النشوز من المرأة خاصة، فللرجل أن يؤدبها، ويحملها ~~على الطاعة قهرا، ولكن ينبغي أن يتدرج في تأديبها؛ فيقدم أولا ~~الوعظ، والتحذير، والتخويف، فإن لم ينجح أولاها ظهره في المضجع، ~~وانفرد عنها بالفراش، وهجرها وهو في البيت معها من ليلة إلى ثلاث ~~ليال، فإن لم ينجح ذلك ضربها ضربا غير مبرح بحيث يؤلمها ولا ms168 يكسر ~~لها عظما، ولا يدمي لها جسما، ولا يضرب وجهها فإن ذلك منهي ~~عنه. # ثامنا: # أن ينظر الرجل في حاجة امرأته إلى التحصين، فإن تحصينها واجب ~~عليه. وللغزالي في هذا الموضوع كلام كله سذاجة: إذ تراه يضع طائفة ~~من الأدعية يقوم بها الرجل عند الوقاع، حتى ليذكر أن بعض أصحاب ~~الحديث كان يكبر حتى يسمع أهل الدار صوته! وما أدري كيف تصلح هذه ~~اللحظة للأدعية والأوراد، وما إلى ذلك مما يضعف الشهوة، ويبعث على ~~الخمود. # تاسعا: # الطلاق مباح، ولكنه إيذاء. ولا يباح للرجل إيذاء المرأة إلا ~~بجناية من جانبها أو ضرورة من جانبه. ومهما آذت زوجها أو بذأت على ~~أهله فهي جانية، وكذلك مهما كانت سيئة الخلق أو فاسدة الدين. ويرى ~~الغزالي أن حق الوالد مقدم على حق الزوجة، فإذا كرهها الوالد لغرض ~~غير فاسد فقد جاز الطلاق. وإن كان الأذى من الزوج فلها أن تفتدي ~~بمال، ويكره للرجل أن يأخذ منها أكثر مما أعطى، فإن ذلك إجحاف بها ~~وتحامل عليها وتجارة على البضع. وعلى الزوج أن يتلطف في التعلل ~~بتطليق زوجته من غير تعنيف واستخفاف. وأن يطيب قلبها بهدية على ~~سبيل الجبر والإمتاع، ولا يفشي سرها لا في الطلاق ولا في ~~النكاح. # ومما سلف بيانه نعرف أن الغزالي لم يفكر في المرأة إلا من حيث هي زوجة، فلم يذكر ~~شيئا عن حقوقها الاجتماعية، ولم يتكلم عن تعليمها قبل الزواج، ولم يسمح للمتزوجة ~~بشيء من العلم أكثر من الفرائض، وهي غاية بسيطة بالطبع، لأن تعلم الفرائض لم يكن ~~موضع خلاف. وكل هذا نتيجة محتومة لرأيه في طبيعة المرأة، إذ كانت عنده في مقام ~~التابع، ومن طاعة الشيطان أن تصبح في مقام المتبوع! ~~(10) الرفق بالمرأة # ولم يكتف الغزالي بهذه الحقوق في صيانة المرأة، بل حض الرجل على الرفق بها في كل ~~حال، فذكر في ص121 من كتابه «التبر المسبوك» أن من أحب أن يكون مشفقا على زوجته ~~رحيما بها، فليذكر أن المرأة لا تقدر أن تطلقه، وهو قادر على طلاقها متى ms169 شاء، ~~وأنها لا تقدر أن تأخذ شيئا بغير إذنه، وهو قادر على ذلك، وأنها ما دامت في حباله ~~لا تقدر على زوج سواه، وهو قادر على أن يتزوج عليها، وأنه لا يخافها وهي تخافه، ~~وأنها تقنع منه بطلاقة وجهه، وبالكلام اللين، وهو لا يرضى بجميع أفعالها، وأنها ~~تفارق أمها وأباها وجميع أقاربها لأجله، وهو لا يفارق أحدا، وأنه يقدر أن يتسرى ~~ويختص بالجواري دونها، وأنها تخدمه دائما وهو لا يخدمها، وأنها تتلف نفسها إذا كان ~~مريضا وهو لا يغتم لها ولو ماتت. # وألاحظ أن هذه النصيحة الشعرية تفترض أن يكون الرجل مسيطرا على المرأة، وأنها ~~كالحمل الوديع. ومن الواضح أن الرجل لا يكون دائما على هذه السيطرة، والمرأة لن ~~تكون دائما بهذه الوداعة. ولكن عذر الغزالي في إطلاق هذا النصح، أن الغالب وقوع ~~هذه الحال، فالرجل في الغالب يأمر وينهى، والمرأة تسمع وتطيع، وما عدا ذلك شذوذ، ~~وهم لا يضعون القواعد للشواذ! # والذي لا شك فيه، من بين ما قال الغزالي، أن الرجل يملك رقبة المرأة، ويستطيع أن ~~يتزوج من غيرها إن شاء، ويتصرف في البيت بلا رقيب ولا حسيب، وأن المرأة تركت من ~~أجله أمها وأباها وأقاربها، وهو لم يفارق لأجلها أحدا من العالمين. ~~(11) واجبات المرأة # النكاح نوع رق - كما يقول الغزالي - فالزوجة رقيقة الزوج، وعليها طاعته في كل ما ~~يطلب، مما لا معصية فيه. وإليك خلاصة ما عليها من الواجبات: ~~(1) # أن تكون قاعدة في قعر بيتها، ملازمة لمغزلها، لا يكثر صعودها ~~واطلاعها على سطح الجيران. ~~(2) # وأن تكون قليلة الكلام لجيرانها، ولا تدخل عليهم إلا في حال يوجب ~~الدخول. ~~(3) # وأن تحفظ بعلها في غيبته وحضرته، وتطلب مسرته في جميع أمورها، لا في ~~نفسها ولا في ماله. ~~(4) # وأن لا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن خرجت بإذنه فمختفية في هيئة ~~رثة، تطلب المواضع الخالية، دون الشوارع والأسواق، محترزة من أن يسمع ~~غريب صوتها أو يعرفها بشخصها. ~~(5) # وأن لا تتعرف إلى صديق بعلها في حاجاتها، بل تتنكر على من تظن أنه ms170 ~~يعرفها أو تعرفه. ~~(6) # وإذا استأذن صديق لبعلها على الباب، وليس البعل حاضرا، لم تستفهم ~~ولم تعاوده في الكلام، غيرة على نفسها وبعلها وأن تقنع من زوجها بما ~~رزقه الله. ~~(7) # وأن تقدم حقه على حقها وحقوق سائر أقاربها. ~~(8) # وأن تكون متنظفة في نفسها مستعدة في جميع الأحوال ليتمتع بها إن ~~شاء. ~~(9) # وأن تشفق على أولادها. ~~(10) # وأن تكون قصيرة اللسان عن مراجعة الزوج وسب الأولاد. ~~(11) # وأن تقوم بكل خدمة في الدار تقدر عليها. ~~(12) # وأن لا تذهب إلى الحمام، إلا إذا لم يكن في البيت مستحم، وكانت نفساء ~~أو مريضة، وإن دخلت فلا تدخل إلا بمئزر سابغ. ~~(12) آداب الكتاب # ومما يوضح بعض الجوانب في تصور الغزالي للحياة، وحرصه على النظام، ما وضعه من ~~آداب الكتاب، فقد نتبين بذلك وجهة نظره فيما ينبغي أن يكون عليه الكاتب من الخبرة ~~والكفاية، ولم تنشأ إلا لمثل ذلك كليات الصحافة في العهد الحديث. # ويرى الغزالي أن الكاتب يجب عليه: ~~(1) # أن يعرف بعد الماء وقربه تحت الأرض. ~~(2) # وأن يعرف زيادة الليل والنهار، ونقصانهما، في الصيف والشتاء، ومسير ~~الشمس، والقمر، والنجوم. ~~(3) # وأن يعرف الحساب، والهندسة، والتقويم. ~~(4) # وأن يعرف اختيارات الأيام، وما يصلح للمزارعين. ~~(5) # وأن يعرف الطب والأدوية. ~~(6) # وأن يعرف ريح الشمال والجنوب. ~~(7) # وأن يعرف الشعر والقوافي. ~~(8) # وأن يكون خفيف الروح، طيب اللقاء. ~~(9) # وأن يحسن بري القلم وقطه، ورفعه وحطه، كما قال! ~~(10) # وأن يحرس نفسه من طغيان قلمه. ~~(11) # وأن يظهر بشبا قلمه ما يجول في نفسه. ~~(12) # وأن يعرف ما يمد من الحروف. ~~(13) # وأن يبين الخط، ويعطي كل حرف حقه. # وقد وضع الغزالي فوق ما تقدم صورة لما يمد أو يقصر من الحروف، ووضع طريقة لبري ~~الأقلام العربية، والفارسية، والعبرية، وما يجب أن يكون عليه المقط من الصلابة، وما ~~ينبغي أن يمتاز به القرطاس من التساوي والصقالة، وما يحسن من تشابه صورة الأحرف، ~~ليقرب الخط من الجمال. وكل ما تقدم هو بالطبع صورة لرأيهم إذ ذاك فيما ينبغي أن ~~يكون عليه الكتاب. ~~(13) واجبات الملوك # يتكلم الغزالي كثيرا عن «الأمراء والسلاطين» ويذكر ms171 ما لهم وما عليهم، وتجد في ~~حقوق المحتسب من هذا الكتاب ما وضعه من الفرق بين إرشاد العامة، وإرشاد الأمراء ~~والسلاطين كما يقول، وقد وضع لهم كتابا خاصا سماه «التبر المسبوك في نصيحة ~~الملوك»، وهو الذي قدمه للسلطان محمد بن ملك شاه، وقد فصلنا رأينا فيه، فلا نعود ~~إليه الآن. # ويستحسن الغزالي أن يقسم الملك نهاره إلى أربعة أقسام: قسم لعبادة الله وطاعته. ~~وقسم للنظر في أمور السلطنة، وإنصاف المظلومين، والجلوس مع العلماء والعقلاء لتدبير ~~الأمور، وسياسة الجمهور وتنفيذ الأوامر، والمراسيم، والكتابة، وإنفاذ الرسل، وقسم ~~للأكل والنوم، والتزود من الدنيا، وأخذ الحظوظ من الفرح والسرور. وقسم للصيد ولعب ~~الكرة والصولجان وما أشبه ذلك. # وينصح الغزالي للملك بأن لا يشتغل دائما بلعب الشطرنج، والنرد، وشرب الخمر وضرب ~~الكرة والصيد، لأن هذه تمنعه من الأعمال، ولكل عمل وقت، فإذا فات عاد الربح ~~خسرانا. # ويفهم من هذا أن الملك يجوز له شرب الخمر مع الإقلال، ولكن هذا ينافي حرص الغزالي ~~وإصراره على حرب المسكرات، فلا يبعد أن تكون هذه الكلمة دست أو وقعت سهوا في كتاب ~~«التبر المسبوك». # ويجب فيما يرى الغزالي أن يراعي الملك ما يأتي من الأصول: ~~(1) # أن يعرف قدر الولاية وخطرها، وما يكون من سعادته إذا أحسن، ومن شقائه ~~إذا أساء. ~~(2) # أن لا يقنع برفع يده عن الظلم. بل يهذب غلمانه، وأصحابه وعماله، ~~ونوابه، فإنه عن ظلمهم مسؤول. ~~(3) # أن لا يتكبر، فإن التكبر داعية الغضب والانتقام. ~~(4) # أن يفرض نفسه واحدا من الرعية في كل ما يعرض عليه فما لا يرضاه ~~لنفسه لا ينبغي أن يرضاه لأحد من المسلمين. ~~(5) # أن لا يشغل بنوافل العبادة، وببابه أحد أرباب الحوائج. ~~(6) # أن لا يعود نفسه الاشتغال بالشهوات: من لبس الثياب الفاخرة، وأكل ~~الأطعمة الطيبة، بل يتعود القناعة في جميع الأشياء، فلا عدل بلا ~~قناعة. ~~(7) # أن يتجنب الشدة، والعنف كلما أمكنه الرفق. ~~(8) # أن يجتهد في أن ترضى عنه الرعية بموافقة الشرع. ~~(9) # أن لا يطلب رضا أحد من الناس بمخالفة الشرع. ~~(10) # أن يعين رعيته إذا وقعت ms172 في ضائقة، وأن ينفق عليها من خزائنه، إذا ~~وقعت في قحط أو غلاء، لأن في ذلك استبقاء لطاعتهم ودرءا لمطامع ~~المحتكرين . # والغزالي لا يستنكر قسوة الملك، إذا لؤمت الرعية، بل يدعو إلى أن تهابه الرعية ~~وهو بعيد، ويقول: «وسلطان هذا الزمان يجب أن تكون له أوفى سياسة، وأتم هيبة، لأن ~~أناس هذا الزمان ليسوا كالمتقدمين، فإن زماننا هذا زمان ذوي الوقاحة والسفهاء، وأهل ~~القساوة والشحناء. وإذا كان السلطان والعياذ بالله بينهم ضعيفا أو كان غير ذي ~~سياسة فلا شك أن ذلك يكون سبب خراب البلاد، وأن الخلل يعود على الدنيا والدين». # 7 # والسياسة في كلامه هذا معناها الحزم في شدة وقسوة، لينتهي الفاسدون. ~~(14) حقوق الوزراء # وعلى الملك أن يعامل الوزير بثلاث أشياء: # الأول: # إذا ظهرت منه زلة، أو وجدت منه هفوة فلا يعاجله بالعقوبة. # الثاني: # إذا اتسعت حاله في خدمته واستغنى، فلا يطمع في ماله ~~وثروته. # الثالث: # إذا سأله حاجة فلا يتوقف في قضائها. # وينبغي أن يمنحه ثلاثة أشياء: # الأول: # أن لا يمتنع عن رؤيته متى اختار أن يراه. # الثاني: # أن لا يسمع في حقه كلام مفسد. # الثالث: # أن لا يكتم عنه شيئا من سره، لأنه مدبر الدخل وبه عمارة الخزائن ~~والولايات. # ويجب على الوزير: # أولا: # أن يكون محبا للخير، مبغضا للشر. # ثانيا: # أن يعين الملك على الشفقة بالرعية إذا رأى منه الميل ~~لذلك. # ثالثا: # أن يرشده باللطف إذا رأى منه ميلا للظلم. # ويقول الغزالي في نصح الملك الذي أهداه كتابه: «وينبغي أن تعلم أن دوام الملك ~~بالوزير، وأن دوام الدنيا بالملك، وينبغي أن تعلم أنه لا يجوز له أن يهتم بغير ~~الحياة» 79. # وهذه الواجبات التي وضعها للملوك والوزراء تعتبر في الواقع مجملة بالنسبة لما ~~يحتاجون إليه من شتى الآداب في معاملة الرعية، ومعاملة جيرانهم من الدول، ولكن ~~يلاحظ كذلك أنه حكم الشرع في جملة هذه الآداب، وقد وضع الفقهاء بعض الأحكام التي ~~تخص الخلفاء والولاة، وما أحسبه يخالفهم في هذا الباب. ~~(15) معاملة الملوك الظالمين # ومما يوضح جانبا من جوانب ms173 الأخلاق عند الغزالي رأيه في معاملة الظلمة من الأمراء ~~والسلاطين، فقد حتم على من يأخذ مالا منهم أن ينظر كيف وصل إليهم ، وأن يتأمل الصفة ~~التي استحق بها الأخذ، والمقدار الذي يأخذه، وهل يستحقه إذا أضيف إلى حاله وحال ~~شركائه في الاستحقاق، وبين أنه إذا لم يعرف للسلطان دخل إلا من الحرام، فالأخذ منه ~~سحت محض. وأن واجب الورع يقضي بأن لا يأخذ المرء شيئا من مال الظالم على الإطلاق، ~~فإن لم يستطع فيأخذ ما يتأكد أنه حلال. # أما الدخول على الظلمة وغشيان مجالسهم فهو محظور. ولا تجوز زيارة الملك الجائر ~~إلا بعذرين: # الأول: # أن يكون من جهتهم أمر إلزام، لا أمر إكرام، ويعلم الرجل أنه إن ~~امتنع أوذي، او فسدت طاعة الرعية، فتجب عليه الإجابة، لا طاعة لهم ~~بل مراعاة لمصلحة الخلق، حتى لا تضطرب الولاية. # الثاني: # أن يدخل عليهم في دفع ظلم عن مسلم سواه. أو عن نفسه، بطريق ~~الحسبة، أو بطريق التظلم. # وإذا دخل عليك السلطان الظالم زائرا فجواب السلام لا بد منه، والقيام له غير ~~حرام، والأولى تركه إن لم يكن معه أحد. ثم تأخذ في تعريفه ما يجهله، وتخويفه فيما ~~هو مستجرئ عليه. وإرشاده إلى ما هو غافل عنه. # والأفضل فيما يرى الغزالي أن يعتزلهم المرء فلا يراهم ولا يرونه! والأمر كذلك في ~~معاملة قضاتهم، وعمالهم، وخدمهم. # وللغزالي في هذا الباب تفاصيل عجيبة فيما يتعلق بما يقيمون من القناطر والطرقات ~~والمساجد والسقايات والأسواق. وأخص ما يلاحظ أنه إنما يدعو إلى أن يخلص المرء ذمته، ~~مع البعد كل البعد عما يفضي إلى فتنة أو اضطراب. ~~(16) حقوق الأخوة # المراد بالأخوة الصحبة والصداقة، إلى غير ذلك مما تثمر الألفة، والألفة - كما نص ~~الغزالي - ثمرة حسن الخلق، إذ يوجب التحاب والتآلف والتوافق، كما أن سوء الخلق يثمر ~~التباغض، والتحاسد، والتدابر. # ويجب فيما يرى الغزالي أن يكون للرجل أعداء يبغضهم في الله، كما يجب أن يكون له ~~أصدقاء يحبهم في الله. # ولكن الحب في الله، والبغض في الله غامض. ولكشف ms174 الغطاء عنه، قسم الصحبة إلى: ما ~~يقع بالاتفاق، كالصحبة بسب الجوار، أو بسبب الاجتماع في المكتب، أو في المدرسة، أو ~~في السوق ، أو على باب السلطان، أو في الأسفار، وإلى ما ينشأ باختيار وبقصد، وهو ~~المراد. إذ لا ثواب ولا عقاب إلا على الأفعال الاختيارية. والصحبة عبارة عن ~~المجالسة، والمخالطة، والمجاورة. وهذه الأمور لا يقصد بها الإنسان غيره إلا إذا ~~أحبه. والذي يحب: إما أن يحب لذاته، وإما أن يحب للتوصل به إلى مقصوده، وذلك ~~المقصود: إما أن يكون مقصورا على الدنيا وحظوظها. وإما أن يكون متعلقا بالآخرة، ~~وإما أن يكون متعلقا بالله تعالى. # حب المرء لذاته وجماله # يرى الغزالي أن الإنسان قد يحب لذاته، لا لفائدة تنال منه في حال أو مآل، بل ~~لمجرد المجانسة، والمناسبة في الطباع الباطنة والأخلاق الخفية، ويدخل في هذا ~~القسم، فيما يرى، الحب للجمال إذا لم يكن للمحب غرض خبيث، فإن الجمال مستملح ~~لذاته، وإن قدر فقد أصل الشهوة. والغزالي يضرب المثل لهذا بالنظر إلى الفواكه، ~~والأنوار، والأزهار والتفاح المشرب بالحمرة، وإلى الماء الجاري والخضرة من غير ~~غرض مذموم إذ تحب لعينها. وهذا الحب كما يقول الغزالي لا يدخل فيه الحب لله، بل ~~هو حب الطبع، وشهوة النفس، وهو مباح لا يوصف بمدح ولا بذم. # الحب للمنافع الدنيوية # وقد يحب الإنسان لينال من ذاته غير ذاته. كما يحب الرجل سلطانا لانتفاعه ~~بماله، أو جاهه، ويحب خواصه لتحسينهم حاله عنده. # والمتوسل إليه - كما يقول الغزالي - إن كان مقصور الفائدة على الدنيا، لم يكن ~~حبه من جملة الحب في الله، وإن لم يكن مقصور الفائدة على الدنيا، ولكنه لا يقصد ~~به إلا الدنيا كحب التلميذ لأستاذه، فهو أيضا خارج عن الحب لله، فإنه إنما ~~يحبه ليحصل منه العلم لنفسه، فمحبوبه العلم. # وينقسم هذا الحب فيما يرى الغزالي إلى مذموم ومباح، فإن كان يقصد به التوصل ~~لأغراض مذمومة كقهر الأقران، وحيازة أموال اليتامى، وظلم الرعية بولاية القضاء ~~أو غيره، كان الحب مذموما. وإن كان يقصد به التوصل ms175 إلى مباح فهو مباح. # الحب للمنافع الأخروية # وقد يحب الإنسان، لا لذاته بل لغيره وذلك الغير ليس راجعا إلى حظوظه في ~~الدنيا ، بل يرجع إلى حظوظه في الآخرة، كمن يحب أستاذه لأنه يتوصل به إلى تحصيل ~~العلم وتحسين العمل ومقصوده من العلم والعمل الفوز في الآخرة. وهذا من جملة ~~المحبين في الله. ومثله من أحب زوجته لأنها آلة إلى مقاصد دينية، كالتحصن ~~والولد الصالح. # الحب لمنافع الدنيا والآخرة # ويقول الغزالي: ليس من شرط حب الله أن لا يحب في العاجلة حظا ألبتة. ويقول: ~~إذا اجتمع في قلبه محبتان: محبة الله، ومحبة الدنيا. فاجتمع في شخص واحد ~~المعنيان جميعا حتى صلح لأن يتوسل به إلى الله وإلى الدنيا، فإذا أحبه لصلاحه ~~للأمرين جميعا فهو من المحبين في الله، كمن يحب أستاذه الذي يعلمه الدين، ~~وكيفية مهمات الدنيا بالمواساة في المال. # الدنيا خليقة بالحب # ولا يفوتنا أن ننوه بما وفق إليه الغزالي حين قال: «وعلى الجملة، فإذا لم يكن ~~حب السعادة في الآخرة مناقضا لحب الله تعالى، فحب السلامة، والصحة والكفاية ~~والكرامة في الدنيا، كيف يكون مناقضا لحب الله؟ والدنيا والآخرة عبارة عن ~~حالتين إحداهما أقرب من الأخرى. فكيف يتصور أن يحب الإنسان حظوظ نفسه غدا ولا ~~يحبها اليوم؟ وإنما يحبها غدا لأن الغد سيصير حالا راهنة. فالحالة الراهنة لا ~~بد أن تكون مطلوبة. إلا أن الحظوظ العاجلة مقسمة إلى ما يضاد حظوظ الآخرة ويمنع ~~منها، وهو الذي احترز عنه الأنبياء، وأمروا بالاحتراز عنه. وإلى ما لا يضاد، ~~وهو الذي لم يمتنعوا عنه كالنكاح الصحيح وأكل الحلال. # وليس بمستنكر أن يشتد حبك لإنسان لجملة أغراض لك ترتبط به، ولا يستحيل اجتماع ~~الأغراض الدنيوية والأخروية، فهو داخل في جملة الحب لله». # وإنما نوهنا بهذه الفقرة لأنها في صوابها تناقض ما يردده الغزالي من احتقار ~~الأغراض الدنيوية، والإشادة بالحياة الأخروية مما يخيل إلى القارئ أن الدنيا ~~عنده أحقر من أن تتعلق بها الأغراض. # الحب لله # وقد يحب الإنسان في الله ولله. ودون أن ينال ms176 منه شيئا، أو يتوسل به إلى أمر ~~وراء ذاته، وهذا أعلى الدرجات، وهو غاية في الدقة والغموض. # ميزان الحب # بين الغزالي أن المرء قد يحب لذاته، وقد يحب لمقصود دنيوي أو أخروي ينال منه، ~~وقد يحب لله، لا لغرض يقصد في حال أو مآل. # ولكن ما هي دلائل ذلك الحب، حميدا كان أو غير حميد؟ وبأي ميزان يوزن ذلك ~~الميل، حتى تعرف درجات المحبين؟ # لقد وضع الغزالي ميزانا هو أدق موازين الحب في هذا الوجود، وهو المال! وانظر ~~قوله: «ومن أحب ملكا أو شخصا جميلا أحب خواصه وخدمه، وأحب من أحبه، إلا أنه ~~يمتحن الحب بالمقابلة بحظوظ النفس، وقد يغلب بحيث لا يبقى للنفس حظا إلا فيما ~~هو حظ المحبوب، وعنه عبر من قال: # أريد وصاله ويريد هجري # فأترك ما أريد لما يريد # وقول من قال: # فما لجرح إذا أرضاكم ألم # وقد يكون الحب بحيث يترك به بعض الحظوظ دون بعض، كما تسمح نفسه بأن يشاطر ~~محبوبه في نصف ماله، أو في ثلثه، أو في عشره. فمقادير الأموال موازين المحبة، ~~إذ لا تعرف درجة المحبوب إلا بمحبوب يترك في مقابلته، فمن استغرق الحب جميع ~~قلبه لم يبق له محبوب سواه فلا يملك لنفسه شيئا». # المال هو أدق موازين الحب في هذا الوجود، وقد أفصح عن ذلك الغزالي، وإن سبقه ~~قول جميل: # سليني مالي يا بثين فإنما # يبين عند المال كل ضنين # ما للأخ على أخيه # وبعد الميزان الذي وضعه الغزالي للمحبة لا ترانا في حاجة إلى إجمال ما فصله ~~من حقوق الأخوة، ويكفي أن نذكر أنه يرى للأخ حقا على أخيه: في نفسه، وماله، ~~وقلبه، ولسانه، ولكل حق من هذه الحقوق درجات تتناسب مع ما تنطوي عليه الصدور من ~~حب قوي أو ضعيف. # حقوق الأخ المذنب # على أني أرى من الواجب أن أذكر رأي الغزالي في حقوق الأخ المذنب، فإنه فيما ~~أعتقد رأي كله صواب، وهو في الوقت نفسه كثير على عصر كالعصر الذي عاش فيه ~~الغزالي، فلسنا نجهل أن ms177 الناس كانوا إذ ذاك قليلي التسامح، وأنهم كانوا مملوئين ~~بالريب والظنون. # يرى الغزالي أن الصداقة لحمة كلحمة النسب. والقريب لا ينبغي أن يهجر ~~بالمعصية. فقد قال تعالى للنبي في عشيرته: # فإن عصوك ~~فقل إني بريء مما تعملون # 8 # ولم يقل إني بريء منكم، مراعاة لحق القرابة، ولحمة النسب. قال ~~الغزالي: «ومن حيث أن الأخوة عقد ينزل منزلة القرابة، فإذا انعقدت تأكد الحق، ~~ووجب الوفاء بموجب العقد. ومن الوفاء به أن لا يهمل أيام حاجته وفقره. وفقر ~~الدين أشد من فقر المال. وقد أصابته جائحة، وألمت به آفة افتقر بسببها في دينه، ~~فينبغي أن يراقب ويراعى، ولا يهمل، بل ولا يزال يتلطف به ليعان على الخلاص من ~~تلك الواقعة التي ألمت به، فالأخوة عدة للنائبات، وهذا من أشد النوائب». # وقد توقع الغزالي أن يقول قائل: إن مقارف المعصية لا تجوز مؤاخاته ابتداء ~~فتجنب مقاطعته انتهاء، لأن الحكم إذا ثبت بعلة فالقياس أن يزول بزوالها، وعلة ~~عقد الأخوة التعاون في الدين، ولا يستمر ذلك مع مقارفة المعصية. وقد أجاب بأن ~~المعصية إنما منعت في ابتداء المؤاخاة مع الفاسق لأنه لم يتقدم له حق، أما الأخ ~~المذنب فقد ثبتت أخوته، فلا تسقط بالمعصية، كما لا تسقط القرابة، ومتى بقيت فقد ~~بقي ما كان لها من الحقوق. # ويزيد الغزالي: إن مصاحبة الفاسق خير من مجانبته، إذ كانت الصحبة داعية ~~الرجوع إلى الحق، والإقلاع عن الباطل، بخلاف المجافاة، فقد تقوي فيه الإصرار ~~والعناد. # وهذه عظة بالغة، لأولئك الذين كلما رأوا مبطلا فروا منه باسم الدين، وهم ~~يفرون من الواجب لو يعلمون! ~~(17) البغض في الله # يقول الغزالي: «كل من يحب في الله لا بد أن يبغض في الله، فإنك إن أحببت إنسانا ~~لأنه مطيع لله، ومحبوب عند الله، فإن عصاه لا بد أن تبغضه، لأنه عاص لله وممقوت عند ~~الله، ومن أحب لسبب فبالضرورة يبغض لضده، ولكن البغض كما رأيت لا يوجب ~~المجافاة. # العصيان بالاعتقاد # والمخالف لأمر الله إما يكون مخالفا في عقده أو في عمله، ms178 والمخالف في العقد ~~إما مبتدع أو كافر، والمبتدع إما داع إلى بدعته أو ساكت، إما بعجزه أو ~~باختياره: فأقسام الفساد في الاعتقاد ثلاثة : # الأول: # الكفر والكافر إن كان محاربا فهو يستحق القتل والإرقاق، وإن ~~كان ذميا فلا يجوز إيذاؤه إلا بالإعراض عنه والتحقير ~~له. # الثاني: # المبتدع يدعو إلى بدعته، فإن كانت البدعة بحيث يكفر بها ~~فأمره أشد من الذمي، لأنه لا يقر بجزية، ولا يسامح بعقد ذمة. ~~وإن كان مما لا يكفر به فأمره بينه وبين الله أخف من أمر ~~الكافر لا محالة، ولكن الأمر في الإنكار عليه أشد منه على ~~الكافر، لأن شر الكافر غير متعد. أما المبتدع الذي يدعو إلى ~~البدعة ويزعم أن ما يدعو إليه حق فهو سبب لغواية الخلق وشره ~~متعد، فالاستحباب في إظهار بغضه، ومعاداته، والانقطاع عنه، ~~وتحقيره، والتشنيع عليه، وتنفير الناس منه، أشد. # الثالث: # المبتدع العامي، الذي لا يقدر على الدعوة، ولا يخاف الاقتداء ~~به، فأمره أهون. والأولى أن لا يفاتح بالتغليظ والإهانة، بل ~~يتلطف به في النصح، فإن قلوب العوام سريعة التقلب. # العصيان بالفعل # أما العصيان بالفعل لا بالاعتقاد فأنواعه ثلاثة: # الأول: # وهو أشدها، ما يتضرر به الناس في دنياهم، كالظلم والغضب، ~~وشهادة الزور، والغيبة، والنميمة، وهذه معاص شديدة، لأنها ترجع ~~إلى إيذاء الخلق. وأصحاب هذه المعاصي ينقسمون إلى من يظلم في ~~الدماء، وإلى من يظلم في الأموال، وإلى من يظلم في الأعراض، ~~بعضها أشد من بعض، والاستحباب في إهانتهم، والإعراض عنهم مؤكد ~~جدا. # الثاني: # ما يتضرر به الناس في أخراهم لا في دنياهم، كعمل صاحب ~~الماخور الذي يهيئ أسباب الفساد ويسهل طرقها على الخلق، وهو ~~قريب من الأول، ولكنه أخف منه. # وأنا لا أفهم كيف يرى الغزالي أن هذا لا يضر الناس في دنياهم. # 9 # الثالث: # عمل الذي يفسق به في نفسه، بشرب خمر. أو ترك واجب، أو مقارفة ~~محظور يخصه. والأمر فيه أخف مما سبقه، ولكنه إن صودف وقت ~~مباشرة العمل يجب منعه بما يمتنع به منه، ولو بالضرب ~~والاستخفاف. # نتيجة ms179 # ويحسن بالقارئ أن يضم الحب في الله، والبغض في الله، إلى ما قرره الغزالي من ~~وجوب الاحتساب، فإن ضم هذه الأبواب بعضها إلى بعض يعطينا صورة واضحة لما يجب أن ~~يكون عليه المسلم أو المريد أو ذو الخلق الحسن فيما يرى الغزالي. # والرجل الذي أحاط بالحسبة، والحب في الله، والبغض في الله، هو رجل يعرف ما ~~يجب عليه للهيئة الاجتماعية، التي تصلح بصلاح الأفراد، فيهذب نفسه أولا ليفهم ~~بالضبط ما له وما عليه، ثم يدعو الناس إلى حفظ أموالهم وأنفسهم، وينهاهم عن ~~اقتراف ما يضر بهم وبإخوانهم في الدين، ثم يبغض بقلبه وبجوارحه من يغض من ~~العقيدة، أو يظلم الناس. وقد فصل الغزالي ذلك كله بأسلوب بالغ التأثير، ودعم ~~كلامه بكثير من الآيات والأحاديث والأخبار. ~~(18) آداب الزواج # يسميها الغزالي آداب النكاح، وهو أصح في التعبير، لأن النكاح في كتب التشريع لا ~~يراد به الجماع، وإنما يقصد به العقد. ولكنا قلنا آداب الزواج مجاراة للعرف ~~الحديث. # وقد وضع الغزالي عدة آداب للنكاح، تعد في الواقع ترغيبا فيه، وهي في جملتها من ~~الآداب العادية، ويهمني منها أدب واحد، أصاب الغزالي في الاهتمام به، وهو تربية ~~النفس بالزواج على احتمال أعباء المعاش. فقد ذكر أن الفائدة الخامسة من فوائد ~~النكاح «هي مجاهدة النفس ورياضتها بالرعاية والولاية. والقيام بحقوق الأهل والصبر ~~على أخلاقهن، واحتمال الأذى منهن، والسعي في إصلاحهن، وإرشادهن إلى طريق الدين، ~~والاجتهاد في كسب الحلال لأجلهن، والقيام بتربيته لأولاده؛ فكل هذه أعمال عظيمة ~~الفضل، فإنها رعاية وولاية، والأهل والولد رعية، وفضل الرعاية عظيم. وإنما يحترز ~~منها من يحترز خيفة من القصور عن القيام بحقها. وإلا فقد قال عليه السلام: «يوم من ~~وال عادل أفضل من عبادة سبعين سنة.» ثم قال: «ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته.» ~~وليس من اشتغل بإصلاح نفسه وغيره كمن اشتغل بإصلاح نفسه فقط، ولا من صبر على الأذى ~~كمن رفه نفسه وأراحها، فمقاساة الأهل والولد بمنزلة الجهاد في سبيل الله. ولذلك قال ~~بشر: فضل علي أحمد بن ms180 حنبل بثلاث: إحداها أنه يطلب الحلال لنفسه ولغيره. وقد قال ~~عليه السلام: «ما أنفقه الرجل على أهله فهو صدقة، وأن الرجل ليؤجر في اللقمة يرفعها ~~إلى في امرأته». # ويقرر الغزالي بعد هذا أن في الصبر على الأهل رياضة للنفس، وكسرا للغضب، ~~وتحسينا للخلق. ويذكرني هذا الأدب بما يكرره سيدي الأستاذ الدكتور منصور فهمي في ~~رسائله من كلمة «غرم الحياة وغنمها» ويريد الترحيب بما في الحياة من متاعب، في سبيل ~~ما فيها من الطيبات. والحق أن احتمال الأهل والولد من عزائم الأمور. والشبان الذين ~~ينفرون من الزواج إيثارا للراحة، إنما هم جبناء، ضعفاء، لا يصلحون للجلاد في ميدان ~~الحياة. ~~(19) الخروج من المظالم # ونريد أن نبين رأي الغزالي فيما يجب على التائب الذي ظلم الناس، لأن في ذلك ~~بيانا لرأيه في احترام ما يلزم المرء من مختلف الحقوق. وقد بدأ الكلام في هذا ~~الموضوع بقوله عليه السلام: «من كانت له عند أخيه مظلمة في عرض أو مال، فليتحللها ~~منه من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار ولا درهم». # مظلمة العرض # فإن كانت المظلمة متعلقة بالعرض، فواجب على المغتاب أن يندم ويتوب، ويتأسف ~~على ما فعله، ليخرج من حق الله. ثم يستحل المغتاب ليحله، فيخرج من مظلمته. ~~وينبغي أن يستحله وهو حزين متأسف نادم على فعله، لئلا يقارف بريائه معصية ~~جديدة. # مظلمة المال # وإن كانت المظلمة في المال فعليه أن يميز الحرام، وأن ينظر في مصرفه. # فإن كان الحرام معلوم العين: من غصب، أو وديعة، أو غير ذلك، فأمره سهل. وإن ~~كان متلبسا فلا يخلو أمره من أن يكون في مال هو من ذوات الأمثال، كالحبوب ~~والنقود والأدهان، أو أن يكون في أعيان متمايزة: كالعبيد والدور ~~والثياب. # فإن كان في المتماثلات، أو كان شائعا في المال كله، كمن اكتسب بتجارة يعلم ~~أنه قد كذب في بعضها بالمرابحة، وصدق في بعضها، أو من غصب دهنا وخلطه بدهن ~~نفسه، وفعل ذلك في الحبوب والدراهم والدنانير، فلا يخلو أمره من أن يكون معلوم ~~القدر أو ms181 مجهولا. فإن كان معلوم القدر: كأن يعلم أن قدر النصف من جملة ما له ~~حرام، فعليه تمييز النصف. وإن أشكل فله طريقان: أحدهما الأخذ باليقين، والآخر ~~الأخذ بغالب الظن، وكلاهما قال به العلماء. # وفي الأعيان المتمايزة: كالدور والعبيد، يوزع القاضي الثمن بقدر النسبة. وإن ~~كانت متفاوتة أخذ من طالب البيع قيمة أنفس الدور مثلا، وصرف إلى الممتنع منه ~~مقدار قيمة الأقل ويقدر التفاوت بالعرف. # صرف المال الحرام # فإذا أخرج الحرام فلا يخلو أمره: ~~(أ) # إما أن يكون له مالك معين، فيجب الصرف إليه أو إلى وارثه. وإن ~~كان غائبا فينتظر حضوره. وإن كانت له زيادا ومنفعة فلتجمع فوائده ~~إلى وقت حضوره. ~~(ب) # وإما أن يكون لمالك غير معين ميؤوس منه لا يدري أمات عن وارث أم ~~لا. فهذا لا يمكن الرد فيه للمالك، ويوقف حتى يتضح الأمر فيه. فإن ~~لم يعرف المالك تصدق بالمال، وله أن ينفقه على نفسه وعلى أولاده إن ~~كان فقيرا. ومثل ذلك ما لو تعذر الرد لكثرة الملاك، كفلول ~~الغنيمة، فإنه كيف يقدر على جمع الغزاة بعد تفرقهم؟ وإن قدر فكيف ~~يفرق دينارا واحدا على ألف أو ألفين؟ ~~(ج) # وإما أن يكون من مال الفيء والأموال المرشدة لمصالح المسلمين ~~كافة، فيصرف ذلك إلى القناطر، والمساجد، والطرق، وأمثال هذه الأمور ~~التي يشترك في الانتفاع بها عامة المسلمين. # مظلمة النفس # وإن كانت المظلمة في النفس، كالقتل، فينظر في نوعه، فإن كان خطأ فليسلم ~~الدية، وإن كان عمدا موجبا للقصاص فبالقصاص وله أن يتعرف إلى ولي الدم ويحكمه ~~في روحه، فإن شاء عفا عنه وإن شاء قتله. وقد تنبه الغزالي إلى أن هناك ذنوبا ~~يجب أن تستر، فلا يصح أن يظهر فيها الاستحلال؛ لأن في إظهاره جناية جديدة، ~~والخروج من مثل هذه المظالم يكون بالمجاهدة، ورياضة النفس، والإحسان الموصول ~~إلى من أساء المرء إليه، فإن في الإحسان جبرا للإساءة، وهو كل ما يستطيعه ~~التائب في مثل هذه الحال. ~~(20) واجب الاحتساب # الحسبة والاحتساب في عرف المسلمين عبارة عن الأمر بالمعروف ms182 إذا ظهر تركه، والنهي ~~عن المنكر إذا ظهر فعله. لقوله تعالى: # ولتكن منكم ~~أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون ~~عن المنكر ~~. # 10 # والاحتساب واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض كفاية، إذا قام به واحد من ~~المسلمين سقط عن الجميع، ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره. وإذا كانت ~~القدرة شرطا للحسبة فقد أصبحت على ذوي السلطان أوجب، لأنهم أقدر من غيرهم. ومتى ~~أقامت الحكومة محتسبا كان عليه أن يبحث عن المنكر الظاهر ليصل إلى إنكاره، ~~والمعروف المتروك ليأمر بإقامته، وكان لكل مسلم الحق في أن يستعديه فيما يجب ~~إنكاره. # ومن الفروق بين الحسبة والقضاء، أن المحتسب يجوز له أن يتعرض لتصفح ما يأمر به من ~~المعروف، وينهى عنه من المنكر، وإن لم يحضره خصم مستعد، وليس للقاضي أن يتعرض لذلك ~~إلا بحضور خصم يجوز له سماع الدعوى منه. وأنه يجوز للمحتسب أن يستعمل القوة فيما ~~يتعلق بالمنكرات، وليس للقاضي غير فحص القضية بالأناة والوقار. # ويطول بنا القول لو أردنا سرد الفروق بين الحسبة، وأحكام القضاء، وأحكام المظالم ~~في الحكومات الإسلامية، فلنكتف بهذا القدر، تمهيدا لرأي الغزالي في شروط ~~الاحتساب. # شروط المحتسب # ولا يجب على امرئ فيما يرى الغزالي أن يأمر بخير، أو ينهى عن شر، إلا بالشروط الآتية: # أولا: # أن يكون مكلفا، فلا يجب على الصبي أمر بمعروف، ولا نهي عن ~~منكر بل يجوز له ذلك، وليس لأحد أن يمنعه. # ثانيا: # أن يكون مؤمنا. ومفهوم أن الغزالي لا يعترف للجاحد بشيء حتى ~~يصلح للإرشاد. # ثالثا: # أن يكون عدلا. ويناقش الغزالي هذا الشرط، ويذكر أن الأنبياء ~~قد اختلف في عصمتهم عن الخطايا، والقرآن العزيز دال على نسبة ~~آدم عليه السلام إلى المعصية، وكذا جماعة من الأنبياء، فلو ~~اشترطنا في الإرشاد أن يكون متعاطيه معصوما عن المعاصي لأغلق ~~هذا الباب. # رابعا: # أن يكون مأذونا من الإمام والوالي. وقد ناقش الغزالي هذا ~~الشرط، ورأى أن تخصيص الاحتساب بإذن الوالي بعد إطلاقه في ~~الأحاديث والآيات تحكم لا أصل له. ms183 وقرر أنه يجب على المرء زجر ~~العاصي أينما رآه، وكيفما رآه. # خامسا: # أن يكون قادرا، فليس على العاجز حسبة إلا بقلبه. ولا يقف ~~سقوط الوجوب عند العجز الحسي، بل يلتحق به ما يخاف منه مكروها ~~يناله، فذلك في معنى العجز، وكذلك إذا لم يخف مكرها وعلم أن ~~إنكاره لا ينفع، وقد اختلفت كلمة الغزالي في هذه النقطة ففي ~~ص322 ج3 من الإحياء ينص على سقوط وجوب الحسبة حين يعلم أنها لا ~~تفيد. وفي ص153 ج1 يقول: في النهي عن كشف العورة في الحمام ~~«فأما قوله: اعلم أن ذلك لا يفيد ولا يعمل به فهذا لا يكون ~~عذرا، بل لا بد من الذكر، فلا يخلو قلب امرئ عن التأثر من ~~سماع الإنكار واستشعار الاحتراز عند التلبس بالمعاصي. وذلك ~~يؤثر في تقبيح الأمر في عينه وتنفير نفسه عنه فلا يجوز ~~تركه». # وقد توقع الغزالي أن يقول قائل: إن المكروه المتوقع ما حده الإنسان. فإن ~~الإنسان قد يكره كلمة، وقد يكره ضربة، وقد يكره طول لسان المحتسب عليه في حقه ~~بالغيبة، وما من شخص يؤمر بالمعروف إلا ويتوقع منه نوع من الأذى. وقد يكون منه ~~أن يسعى به إلى سلطان، أو يقدح فيه في مجلس يتضرر بقدحه فيه، فما حد المكروه ~~الذي يسقط الوجوب به؟ # وأجاب الغزالي بأن الحسبة لا تسقط إلا بالمكروه الظاهر كمن يعلم أنه يضرب ~~ضربا مؤلما يتأذى به، أو يعلم بأنه تنهب داره، ويخرب بيته، وتسلب ثيابه. # 11 # المنكر المنهي عنه # ولا ينهى عن شيء فيما يرى الغزالي إلا بالشروط الآتية: # أولا: # أن يكون منكرا، أي محذور الوقوع في الشرع. قال الغزالي: ~~«وإنما عدلنا عن لفظ المعصية إلى هذا، لأن المنكر أعم من ~~المعصية، إذ من رأى صبيا أو مجنونا يشرب الخمر فعليه أن ~~يريق خمره ويمنعه، وكذا إن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو بهيمة، ~~فعليه أن يمنعه. ثم قال: ولا تختص الحسبة بالكبائر، بل كشف ~~العورة في الحمام، والخلوة بالأجنبية، واتباع النظر للنسوة ~~الأجنبيات، كل ذلك من الصغائر ms184 ويجب النهي عنه». # ثانيا: # أن يكون المنكر موجودا في الحال، فلا حسبة على من فرغ من ~~شرب الخمر، ولا على من يعلم من قرينة حاله أنه عازم على الشرب ~~في ليلته. # ثالثا: # أن يكون المنكر ظاهرا، فكل من ستر معصية في داره وأغلق بابه ~~لا يجوز أن يتجسس عليه، وقد أمرنا أن نستر ما ستر الله، وننكر ~~على من أبدى لنا صفحته. # رابعا: # أن يكون المنكر معلوما بغير اجتهاد، فكل ما هو في محل ~~الاجتهاد فلا حسبة فيه، وهذا الشرط الأخير يدل على قدر الغزالي ~~لحرية الرأي والتفكير، وما أحوج المصلحين إلى تأمله والعمل ~~بمقتضاه! # صفات المرشد # ويجب أن يتصف المرشد بالعلم، والورع، وحسن الخلق. # أما العلم فليعلم مواقع الحسبة، وحدودها، ومجاريها، وموانعها، ليقتصر على حد ~~الشرع. وأما الورع فليردعه عن مخالفة معلومة، فربما يعلم أنه مسرف في الحسبة، ~~وزائد على الحد المأذون فيه شرعا، ولكن يحمله عليه غرض من الأغراض، وأما حسن ~~الخلق فليتمكن به من اللطف والرفق، وهو أصل هذا الباب. # قال الغزالي: «فهذه الصفات الثلاث بها تصير الحسبة من القربات وبها تندفع ~~المنكرات، وإن فقدت لم يندفع المنكر، بل ربما كانت الحسبة أيضا منكرة لمجاوزة ~~حد الشرع فيها». # 12 # وقد نص على أن اشتراط الورع ليس معناه أن الأمر بالمعروف يصير ممنوعا ~~بالفسق، وإنما يسقط أثره من القلوب بظهوره للناس. # أنواع المنكرات # قسم الغزالي المنكرات إلى مكروهة ومحظورة، وبين أن منع المكروه مستحب، ~~والسكوت عليه مكروه، وليس بحرام إلا إذا لم يعلم الفاعل أنه مكروه فيجب ذكره ~~له، لأن الكراهة حكم في الشرع يجب تبليغه من لا يعرفه، وأن منع المحظور واجب ~~والسكوت عليه حرام. # ثم ذكر طائفة من المنكرات التي تجري في المساجد، والأسواق، والشوارع، ~~والحمامات، والضيافة، وآراؤه في هذا الباب مسددة، ترجع إلى الحرص على سلامة ~~الناس في دينهم ومعاشهم، وإصلاح ذات بينهم. فمنها دعوته إلى منع ما يؤدي إلى ~~تضييق الطرق واستضرار المارة، ودعوته إلى منع الملاك من تحميل الدواب ما لا ~~تطيقه، وهو ms185 رفق بالحيوان. ودعوته إلى منع الإسراف في الطعام والبناء. والذي ~~يتأمل ما سرده الغزالي في المنكرات يدرك مبلغ حرصه على غرس الرجولة والشرف في ~~نفوس الأفراد والجماعات. # درجات الاحتساب # للاحتساب درجات ، وهي: ~~(1) # التعريف. ~~(2) # ثم النهي. ~~(3) # ثم الوعظ. ~~(4) # ثم النصح. ~~(5) # ثم السب والتعنيف. ~~(6) # ثم التغيير باليد. ~~(7) # ثم التهديد بالضرب. ~~(8) # ثم إيقاع الضرب وتحقيقه. ~~(9) # ثم شهر السلاح. ~~(10) # ثم الاستظهار بالأعوان وجمع الجنود. # وفي الدرجة الأخيرة يقول الغزالي: «وربما يستمر الفاسق أيضا بأعوانه، ويؤدي ~~ذلك إلى أن يتقابل الصفان ويتقاتلا، فهذا قد ظهر الاختلاف في احتياجه إلى إذن ~~الإمام. فقال قائلون: لا يستقل آحاد الرعية بذلك، لأنه يؤدي إلى تحريك الفتن ~~وهيجان الفساد وخراب البلاد. وقال آخرون: لا يحتاج إلى الإذن. وهو الأقيس. لأنه ~~جاز للآحاد الأمر بالمعروف، وأوائل درجاته قد تجر إلى ثوان وثوالث، وقد ينتهي ~~لا محالة إلى التضارب، والتضارب يدعو إلى التعاون. فلا ينبغي أن يبالي بلوازم ~~الأمر بالمعروف، ومنتهاه تجنيد الجنود في رضا الله ودفع معاصيه.» ص336 ~~ج3. # إرشاد الأمراء # ولا يجوز من درجات الاحتساب مع الأمراء والسلاطين - فيما يرى الغزالي - إلا ~~الرتبتان الأوليان وهما التعريف والوعظ. أما المنع بالقهر فليس لآحاد الرعية مع ~~السلطان، فإن ذلك يحرك الفتن ويهيج الشر، ويكون ما يتولد عنه من المحذور ~~أكثر. # وأما التخشين في القول، كقوله: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، وما يجري مجراه، ~~فذلك إن كان يحرك فتنة يتعدى شرها إلى غيره لم يجز، وإن كان لا يخاف إلا على ~~نفسه، فهو جائز، بل مندوب إليه، ومن قتل في هذا فهو شهيد. # الباب الحادي عشر # | في تأثير الغزالي في عصره وما تلاه من العصور # | تمهيد # أثر الغزالي في عصره أثرا غير قليل: فشطر أهل العلم، والولاة، شطرين: أحدهما ينصره، ~~والآخر يخذله، وما زال الفريقان يختصمان حتى طيرا شهرته في جميع الآفاق. # وقد رأى الغزالي في حياته من يقدسه، ويقدمه على جميع العلماء، ورأى في الوقت نفسه ~~كتبه تحرق في بعض الأقطار الإسلامية، رميا لها بالدعوة الخفية إلى الكفر ~~والإلحاد! ms186 # | في تأثير الغزالي في عصره وما تلاه من العصور # (1) تجديده للقرن الخامس # وكان جمهور المسلمين فيما سلف يعتقد أن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد ~~أمر الدين، ولهم في هذه العقيدة كلام طويل، وفيها يقول جلال السيوطي في ~~أرجوزته: # والشرط في ذلك أن تمضي المائة # وهو على حياته بين الفئة # يشار بالعلم إلى مقامه # وينصر السنة في كلامه # وأن يكون جامعا لكل فن # وأن يعم علمه أهل الزمن # وأن يكون في حديث قد روي # من أهل بيت المصطفى وقد قوي # وكونه فردا هو المشهور # قد نطق الحديث والجمهور # وهم يعتقدون أن مبعوث المائة الأولى عمر بن عبد العزيز ومبعوث الثانية الشافعي، ~~والثالثة الأشعري أو ابن سريج، والرابعة الإسفراييني أو الصعلوكي أو الباقلاني. ~~ويتفقون على أن مبعوث المائة الخامسة هو الغزالي، ويقول السيوطي في ذلك: # والخامس الحبر هو الغزالي # وعده ما فيه من جدال # 1 # وأنا لا أريد الآن تحقيق هذه الفكرة، وبيان ما ترتكز عليه من أساس قوي أو ضعيف، ~~فهي في ذاتها فكرة سخيفة، ونظم السيوطي فيها أسخف، ويكفي أن يعلم القارئ أن الغزالي ~~بذ معاصريه، وأخملهم، حتى جاء المتأخرون فعدوه مجدد المائة الخامسة، وقد يكونون ~~مخطئين! ~~(2) المنامات والأحلام # ومما يدل على أن الغزالي شغل الناس، واحتل أفئدتهم، وصار موضع وساوسهم، وهواجسهم، ~~وأحلامهم، ما رأيناه لغير واحد من المنامات المتشابهة في تأييد الغزالي، ونشر ~~فضله. # فهذا السبكي يذكر في طبقاته أنه كان في زمانه شخص يكره الغزالي ويذمه ويعيبه في ~~الديار المصرية، فرأى النبي # صلى الله عليه وسلم # في المنام، وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما ~~بجانبه، والغزالي جالس بين يديه وهو يقول: يا رسول الله هذا يتكلم في! وأن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال: هاتوا السياط، وأمر به فضربه لأجل الغزالي، وقام هذا الرجل من النوم ~~وأثر السياط على ظهره، ولم يزل، وكان يبكي ويحكيه للناس (!؟). # ويذكر السبكي أيضا أن أبا الحسن بن حرزهم لما وقف على الإحياء وتأمله، قال: هذا ~~بدعة، مخالف للسنة، ms187 وكان شيخا مطاعا في بلاد المغرب، فأمر بإحضار كل ما فيها من ~~نسخ الإحياء، وطلب من السلطان أن يلزم الناس بذلك، فكتب إلى النواحي، وشدد في ذلك، ~~وتوعد من يخفي شيئا منه، فأحضر الناس ما عندهم واجتمع الفقهاء، ونظروا فيه، ثم ~~أجمعوا على إحراقه يوم الجمعة وكان ذلك يوم الخميس، فلما كانت ليلة الجمعة رأى ابن ~~حرزهم في المنام كأنه داخل من باب الجامع الذي تعود الدخول منه، فرأى في ركن المسجد ~~نورا، وإذا بالنبي # صلى الله عليه وسلم # وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما جلوس، والإمام أبو حامد ~~قائم وبيده الإحياء فقال: يا رسول الله، هذا خصمي! ثم جثا على ركبتيه وزحف عليهما ~~إلى أن وصل إلى النبي # صلى الله عليه وسلم # فناوله كتاب الإحياء، وقال: يا رسول الله انظر فيه، ~~فإن كان بدعة مخالفا لسنتك كما زعم تبت إلى الله تعالى، وإن كان شيئا تستحسنه حصل ~~لي من بركتك، فأنصفني من خصمي! فنظر فيه رسول الله ورقة ورقة إلى آخره، ثم قال: إن ~~هذا شيء حسن، ثم ناوله أبا بكر فنظر فيه كذلك، ثم قال: نعم! والذي بعثك بالحق يا ~~رسول الله إنه حسن! ثم ناوله عمر فنظر فيه كذلك، ثم قال كما قال أبو بكر، فأمر رسول ~~الله بتجريد أبي الحسن بن حرزهم من ثيابه، وضربه حد المفتري، فجرد وضرب، ثم شفع فيه ~~أبو بكر بعد خمسة أسواط، وقال: يا رسول الله، إنما حصل ذلك منه اجتهادا في سنتك ~~وتعظيما. فعفا عنه أبو حامد عند ذلك، فلما استيقظ من منامه وأصبح أعلم أصحابه بما ~~جرى، ومكث قريبا من الشهر متألما من الضرب، ثم سكن عنه الألم، ومكث إلى أن مات، ~~وأثر السياط على ظهره (؟!). # وهناك المنام الذي رأى فيه أبو الفتح الساوي أنه تلا بين يدي رسول الله قواعد ~~العقائد الذي صنفه الغزالي، وهو منام طويل نقله السبكي في طبقاته. وقد كنت وضعت ~~قائمة لأمثال هذه المنامات، ثم بدا لي أن أقتصر على ما ذكرت رغبة في ms188 ~~الإيجاز. # وأنا لا أتخذ من هذه الأحلام دليلا على أن الغزالي من أصحاب الكرامات، كما نوه ~~بذلك مترجموه، كلا! وإنما أتخذها دليلا على ما وصلت إليه منزلة الرجل في قلوب ~~المسلمين، فإن لما يراه المرء في منامه صلة قوية بما يلهج به في يقظته، وهؤلاء ~~الذين جلدوا في منامهم، لا يبعد أن يكونوا استشعروا خوف الغزالي وهم أيقاظ، وعلى ~~الأخص إذا لاحظنا ما شاع بين المسلمين في تلك العصور الخوالي من سلطة الأولياء، ~~وتصرفهم المطلق في عالم الأحياء، وسبحان من جل عن الشريك! ~~(3) تلامذة الغزالي وأصحابه # ومما يبين عن أثر العالم في عصره تلامذته وأصحابه: فهم في علمهم وأدبهم أثر من ~~آثاره. وقد أثر الغزالي تأثيرا حسنا في جمهور كبير من تلامذته وأصحابه، ذكرهم ~~الزبيدي، منهم القاضي أبو نصر أحمد بن عبد الله الخمقري (نسبة إلى خمس قرى التي ~~تعرف بسيخ رية) ولد سنة 466 وتوفي سنة 544ه. ومنهم الإمام أبو الفتح أحمد بن علي ~~بن محمد بن برهان - بفتح الباء - ولد سنة 476 وتوفي سنة 518. ومنهم أبو منصور محمد ~~بن إسماعيل بن القاسم الطوسي توفي سنة 486. ومنهم أبو سعيد محمد بن أسعد بن محمد ~~النوقاني قتل في مشهد علي بن موسى الرضى سنة 554 في واقعة النفر. ومنهم أبو عبد ~~الله محمد بن عبد الله ابن تومرت المصمودي الملقب بالمهدي صاحب دعوة سلطان المسلمين ~~عبد المؤمن بن علي ملك المغرب، دخل الشرق وتفقه على الغزالي. ومنهم أبو حامد محمد ~~بن عبد الله بن محمد الجوزقاني الإسفراييني. ومنهم أبو سعيد محمد بن علي الجاواني ~~الكردي حدث بكتاب «إلجام العوام» للغزالي عنه. ومنهم الإمام أبو سعيد محمد بن يحيى ~~بن منصور ولد سنة 476 وهو من أشهر تلامذة الغزالي، تفقه عليه وشرح كتابه ~~«البسيط». # وما أريد أن أطيل في هذا الباب، وإنما أنص هنا على أن تلامذة الغزالي أحدثوا ~~أثرا كبيرا في الحياة الإسلامية، وأكثرهم ماتوا شهداء، وليس اشتراك العلماء في ~~الحركات العامة، إلا أثرا لقوتهم المعنوية، وإيمانهم بما يدعون إليه. ms189 وأنص أيضا ~~على أن تلامذة الغزالي لم يعرفوه غالبا إلا بمؤلف الإحياء، فهم لم يصحبوه لمؤلفاته ~~في الفقه أو المنطق أو الأصول، وإنما صحبوه على أنه داع إلى الله، ومرشد لمكارم ~~الأخلاق. ~~(4) مؤلفاته وفتاواه # ومما يدل على مبلغ تأثير الغزالي في الحياة الإسلامية عناية الناس بمؤلفاته ~~وفتاواه، فإنا نجد مثلا كتابه الوجيز في الفقه وضع له نحو سبعين شرحا كما قال ~~الزبيدي، وقد قيل: لو كان الغزالي نبيا لكان معجزته الوجيز! وممن شرح هذا الكتاب ~~الفخر الرازي وأبو الثناء محمود بن أبي بكر الأرموي. والعماد أبو حماد بن يونس ~~الأريلي وأبو الفتوح العجلي، وأبو القاسم عبد الكريم بن محمد القزويني الرافعي، وقد ~~اختصر النووي من شرح الرافعي كتابا سماه الروضة، وأخرج أحاديثه ابن الملقن في سبع ~~مجلدات، سماه البدر المنير، ثم اختصره في أربع مجلدات وسماه الخلاصة، ثم لخص جزءا، ~~وسماه المنتقى. ولخصه أيضا الحافظ ابن حجر، وشرح الوجيز أيضا البدر الزركشي، ~~والبدر بن جماعة، والشهاب البوصيري، والجلال السيوطي. # ونجد أيضا كتابه «الوسيط» في الفقه، شرحه تلميذه محمد بن يحيى النيسابوري شرحا ~~سماه «المحيط» في ستة عشر مجلدا، وشرحه نجم الدين أحمد بن علي بن الرفعة في ستين ~~مجلدا وسماه «المطلب» وشرحه النجم القمولي وسماه «البحر المحيط»، وشرحه عدد غير ~~هؤلاء ذكرهم الزبيدي في ص43 ج1 شرح الإحياء. # وقال عمر بن عبد العزيز بن يوسف الطرابلسي يمدح كتبه الأربعة في الفقه: # هذب المذهب حبر # أحسن الله خلاصه # ببسط ووسيط # ووجيز وخلاصه # ونجد كذلك كتابه «المستصفى» في الأصول موضع عناية العلماء، فقد اختصره أبو العباس ~~أحمد بن محمد الأشبيلي المتوفى سنة 651ه. وشرحه أبو علي الحسن بن عبد العزيز ~~الفهري المتوفى سنة 776ه. وعليه تعليقات لسليمان بن داود الغرناطي المتوفى سنة ~~832ه. # ونجد كتابه «تهافت الفلاسفة» قد أحدث رجة عنيفة بين فلاسفة المسلمين، فقام ابن ~~رشد المتوفى سنة 595ه، وألف كتابا في نقده، ومقام ابن رشد في عالم الفلسفة غير ~~مجهول. ثم جاء خوجه زاده المتوفى سنة 893ه، وألف كتابا في ms190 التحكيم بين الغزالي ~~وابن رشد بإشارة السلطان محمد الفاتح العثماني. ووضع علاء الدين بن علي الطوسي ~~كتابا في المحاكمة بين الغزالي وابن رشد سماه «الذخيرة» ومنه نسخة بدار الكتب ~~المصرية نمرة 174. # ونجد كتابه «قواعد العقائد» شرحه ركن الدين الاستراباذي ومحمد أمين بن صدر الدين ~~الشرواني. # ونجد العلماء عنوا بتحقيق نسبة (المضنون به على غير أهله) إلى الغزالي. وممن بحث ~~ذلك السبكي وصاحب «تحفة الإرشاد» وصنف أبو بكر محمد بن عبد الله المالقي المتوفى ~~سنة 750ه، كتابا في رده، وهذا مظهر لعناية العلماء بنفي ما دس عليه. # وليست عناية العلماء بفتاواه بأقل من عنايتهم بكتبه، فقد جمعها غير واحد، بل ~~رأينا من كتبه دروسه التي كان يعظ بها الناس في بغداد، ورأيناهم يحفظون ما نقل عنه ~~من القصائد المتفرقة (انظر نمرة 243، 128، 562، 2762 من فهرست دار الكتب ~~المصرية). # ولو رجعنا إلى ما ألف في الوعظ والفقه في الأعصر الأخيرة لرأينا أكثر المؤلفين ~~يرجعون إلى الغزالي في أكثر الأبواب. # وقد أخبرني صديقي عبد القوي أفندي الحلبي أن من النادر أن تنشأ مكتبة في أي قطر ~~من الأقطار الإسلامية، ولا تشتمل قائمتها على طائفة من كتب الغزالي في الفقه ~~والأخلاق. ~~(5) علاقة الفقه بالأخلاق # وقد يبدو لأول نظرة، أن لا صلة بين اهتمام العلماء بمؤلفاته في الفقه وبين تأثرهم ~~بما كتب في الأخلاق، ولكننا لو عرفنا أن الروح السائد في ذلك العصر كان يجمع بين ~~الفقه والتصوف، لرأينا ان اهتمام المؤلفين بشرح مصنفات الغزالي إنما كان أثرا ~~لإيمانهم بصلاحه وتقواه، وقد كانت الأوساط الفقهية ولا تزال تعتقد أن لصلاح المؤلف ~~تأثيرا في الانتفاع بمؤلفاته، ولو كتب في الحساب والنجوم. # أضف إلى هذا أن الغزالي نفسه كان يعنى بالفقه والتوحيد في مؤلفاته الأخلاقية، ~~فكأنه يرى هذين الفنين جزءا أو مقدمة لعلم الأخلاق. # والذي عنوا بنقد كتبه إنما التفتوا أيضا إلى الوجهة الأخلاقية، فالقضاة منهم ~~كانوا يرونه خطرا على الأخلاق، لأنه بجانب الشريعة، وهي فيما يرون أساس الأخلاق. ~~والفلاسفة منهم كانوا يخافونه على الأخلاق، لأن لها قواعد ms191 متينة تلقوها عن معلميهم، ~~وصاحبنا هذا يريد أن يأتي على تلك القواعد بإذاعته وساوس المتصوفة، وقد وقع ما ~~كانوا يحذرون. ~~(6) تأثير الإحياء # ولئن قالوا في «الوجيز» ما قالوا، ووضعوا عليه ما شاءوا من عشرات الشروح، وفعلوا ~~مثل ذلك أو قريبا منه في مؤلفاته في الفقه، والتوحيد، والأصول، فإن أبعد كتبه ~~أثرا، وأسيرها ذكرا، وأبقاها على وجه الدهر، هو كتابه «إحياء علوم الدين» بلا ~~جدال. # كتب الغزالي في الفقه، ولكن لم يجدد مذهبه إلا بمقدار، فلم يثر فتنة. وكتب في ~~المنطق، ولكنه لم يزد عن سواه غير الإبانة والإيضاح. وكتب في الأصول، ولكن بحيث لا ~~يثير الخصومة، ولا يهيج اللدد. وكتب في الفلسفة. ولكنه لم يزد على أن تغنى بليلى ~~معاصريه. وكتب في التوحيد، فلم يخالف الأشاعرة إلا قليلا، فظل مستور الحال. # وما كتب «الإحياء» حتى التفت الناس إليه من كل جانب، وسار اسمه مسير الشمس، وشغلت ~~به جميع القلوب، شوقا إليه أو عتبا عليه، أو بغضا له، أو رفقا به. وقد شهد هذه ~~الضجة، وسمع هذه الصيحة، وهو حي يرزق. وحاول أن يهدي ناقديه بكتاب يوضح فيه ما غمض ~~في الإحياء، وهو «الإملاء على إشكالات الإحياء» ولكنه في الواقع لم يزده إلا ~~إشكالا إلى إشكال. فلج الناس في المراء فوضع كتابه «المنهاج» على أن يكون موضع ~~وفاق، فكان في الواقع أيضا ضغثا على إبالة، ثم مات الغزالي قبل أن يحسم هذا ~~النزاع، فلم تهدأ العاصفة بموته، بل قامت قيامة الجدل بين تلامذته وبين خصومه، ولا ~~يزالون مختلفين! # ويمكن الحكم بأن الخصومة التي كانت بين أنصار الغزالي وبين خصومه كانت خصومة بين ~~الشريعة والتصوف، فإن أنصار الغزالي جميعا صوفية، أو شبه صوفية، وخصومه جميعا من ~~علماء الشريعة، وأبعدهم غورا في النيل منه هم المتصدرون للفتيا والقضاء. # فبينا نجد ابن القيم يرميه (بالتخليط والهذيان) نجد أبا الحسن الشاذلي يذكر أنه ~~رأى النبي # صلى الله عليه وسلم # في منامه وقد باهى موسى وعيسى بالغزالي. وقال: أفي أمتيكما حبر ~~كهذا؟ فقالا: لا! ونجد أبا ms192 العباس المرسي يشهد له بالصديقية العظمى! وليت شعري ما ~~هيه؟ # والفرق كبير بين من يرميه بالتخليط والهذيان وبين من يحلم بأن لا نظير له في أمة ~~موسى وعيسى عليهما السلام. # وقد قدمت لك شيئا من المنامات المتعلقة به، وبينت ما لها من أسباب، وأزيد الآن ~~أن كل هذه المنامات مسببة عن «الإحياء» فهي تارة تقع لناقدي ذاك الكتاب، وتارة تقع ~~للمنتفعين به من علماء الإسلام. # والذين أحرقوا «الإحياء» لم يحرقوه لأنه كتاب هين، والذين ألفوا الكتب في نقده، ~~لم يفعلوا ذلك لأنه كتاب هين، وإنما نقده هؤلاء، وأحرقه أولئك، لأنه فيما يرونه ~~كتاب خطر، وليكن خطرا على الإسلام والمسلمين، وليكن كتاب شر وفتنة، وليكن كتلة ~~زندقة وإلحاد، فهو على كل حال كتاب رهيب خشيه أولئك الناس، وهذا ما يعنينا ~~الآن. # وأشهر من نقد «الإحياء» الإمام أبو عبد الله المأزري المالكي المتوفى سنة 536ه ~~وقد ناقشه السبكي في طبقاته، فليرجع إليه من شاء، ويتلخص نقد المأزري في أن الغزالي ~~غير ثقة فيما تعرض له من الفنون، وأن كتابه «متردد بين مذاهب الموحدين والفلاسفة ~~وأصحاب الإشارات» ويتلخص رد السبكي في رمي المأزري بالحسد والكيد للصوفية في شخص ~~الغزالي، وممن نقده أبو الوليد الطرشوشي وتجد جملة من نقده في الجزء الأول من شرح ~~«الإحياء» للزبيدي. فأما الذين كتبوا في فضل الإحياء فهم كثير: منهم الشيخ عبد ~~القادر العيدروس، وضع كتابا سماه: «تعريف الأحياء، بفضل الإحياء» وفي أيدي الناس ~~كتاب لبعض الفضلاء اسمه: «بغية القاصدين لفضائل إحياء علوم الدين». # وأطال السبكي في مدحه حتى نقل عن بعض المحققين أنه قال: «لو لم يكن للناس في ~~الكتب التي صنفها الفقهاء الجامعون في تصانيفهم بين النقل والنظر والفكر والأثر ~~غيره لكفى.» ثم قال: «وهو من الكتب التي ينبغي للمسلمين الاعتناء بها وإشاعتها ~~ليهتدي بها كثير من الخلق، وقلما ينظر فيه ناظر إلا ويتعظ به في الحال». # ويدل على مبلغ تأثير «الإحياء» عناية العلماء به، فإنا نجد الحافظ العراقي يخرج ~~أحاديثه في كتابين: أحدهما كبير الحجم في ms193 مجلدين، وهو الذي صنفه في سنة 751ه ثم ~~اختصره في مجلد وسماه «المغني عن حمل الأسفار». ثم أتى تلميذه شهاب الدين بن حجر ~~العسقلاني فاستدرك عليه ما فاته في مجلد. وصنف الشيخ قاسم بن قطلوبغا الحنفي كتابا ~~سماه: «تحفة الأحياء فيما فات من تخريج أحاديث الإحياء» وقد سبقت كلمتنا فيما نقل ~~السبكي من الأحاديث الموضوعة. # وممن اختصر «الإحياء» أبو الفتوح أحمد بن محمد الغزالي المتوفى بقزوين سنة 520ه ~~وسماه «لباب الإحياء» وأحمد هذا هو أخو الغزالي. ثم اختصره أحمد بن موسى الموصلي ~~المتوفى سنة 622ه. ثم محمد بن سعيد اليمني، ويحيى بن أبي الخير اليمني، ومحمد بن ~~عمر بن عثمان البلخي وسماه «عين العلم وزين الحلم» (انظر نمرة 109 من فهرست دار ~~الكتب المصرية). واختصره عبد الوهاب بن علي الخطيب المراغي وسماه «لباب الإحياء» ~~واختصره الشمس محمد بن علي بن جعفر العجلوني المشهور بالبلالي شيخ خانقاه سعيد ~~السعداء بمصر المتوفى سنة 820ه. # واختصره ابن الجوزي في كتابه سماه: «منهاج القاصدين» ومنه نسخة مخطوطة بدار الكتب ~~المصرية نمرة 167. # وللإحياء شرح مطول يقع في عشر مجلدات، وفيما شاء الله من الصفحات، ألفه الزبيدي، ~~وقد اعتمدت على هذا الشرح في تحقيق كثير من مواطن الخلاف. # ولم يقف الأمر عند شرح الإحياء، واختصاره، وتخريج أحاديثه، بل وضعت الأبحاث ~~المفردة، لشرح كلمة وردت في الإحياء، وهي: «ليس في الإمكان أبدع مما كان» وممن شرح ~~هذه الكلمة: عبد الوهاب الشعراني، وعبد الكريم الجبلي، ومحمد المغربي شيخ الجلال ~~السيوطي، وأحمد بن مبارك السجلماسي، وأبو بكر بن عربي. ووضع ناصر الدين بن المنير ~~الإسكندري رسالة في هذه المسألة سماها: «الضياء المتلالي في تعقب الإحياء للغزالي» ~~وفي مناقضة هذه الرسالة ألف السيد السمهودي رسالة تقع في سبعة كراريس كما قال ~~الزبيدي. وألف البرهان البقاعي رسالة في هذه المسماة سماها «تهديم الأركان» وألف ~~الجلال السيوطي رسالة ناقض بها البقاعي سماها «تشييد الأركان». ~~(7) الانتفاع بمؤلفات الغزالي # ولقد تتبعت العصور التي تلت عصر الغزالي فوجدت الانتفاع بمؤلفاته ظاهرا كل ~~الظهور في حياة ms194 علماء الدين والتصوف والأخلاق. ولقد رأيت من بينهم من هم يحفظ كتاب ~~الإحياء عن ظهر قلب. ورأيت منهم من كان يتقرب إلى الله بنسخ هذا الكتاب. وتجد في ~~ص69 ج3 من «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» مظهرا لأثر الغزالي في ذلك ~~العصر، إذ تجد من العلماء من يتخذ وردا من الإحياء كما يتخذ وردا من القرآن ولولا ~~خوف الإطالة لضربت للقارئ عشرات الأمثال. # وفي العصر الحاضر يدرس كتاب الإحياء في الأزهر والمعاهد الدينية، وكان الأستاذ ~~الشيخ محمد عبده قرر أن يدرس معه كتاب ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق، ولكن رأى ~~العلماء فيه آراء فلسفية، فقرروا لذلك حذفه، لئلا يفسد الطلاب. # والأستاذ الشيخ يوسف الدجوي ينصح لتلامذته دائما بالانتفاع بكتاب الإحياء. وكنت ~~ممن أوصاهم بذلك، ولكن الله لم يشأ أن أكون كما أراد الأستاذ، فقد رأيت كيف صورت ~~الغزالي بصورة الذي قد يخطئ وقد يصيب، وهذا من مثلي كثير! # وأثر الغزالي ظاهر في مؤلفات الشيخ الدجوي، وهو أيضا سبب ضعف تلك المؤلفات: فإن ~~كتاب «سبيل السعادة» الذي وضعه الأستاذ منذ بضع سنين يشبه أن يكون خلاصة مشوهة ~~للآراء الحديثة في فهم أصول الأخلاق، وفضيلة الشيخ معذور لأنه لا يعرف لغة أجنبية، ~~ولأنه يبغض المدنية الحديثة من أعماق صدره، ويستبعد الاهتداء بآراء الفلاسفة ~~المحدثين! # ويمكن الحكم بأن دراسة كتاب الإحياء في الأزهر مجردا من آراء المفكرين في نقده، ~~وتمييز غثه من سمينه، كانت السبب في إفساد العقلية الأزهرية، وجعلها غير صالحة لأن ~~تسمو بأصحابها إلى الطمع في أن تكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. # والأمل كبير في أن يصل هذا الصوت إلى من بيدهم الأمر في الأزهر والمعاهد الدينية: ~~فيغيروا ذلك المنهج القديم في دراسة الأخلاق، فإن في الأزهر ولواحقه نحو عشرين ~~ألفا من الطلبة تميتهم تلك المذاهب البالية، التي يعولون عليها في فهم نزعات ~~النفوس، وخلجات القلوب. وسبحان من لو شاء لهدانا وإياهم سواء السبيل! ~~(8) عناية الأجانب بالغزالي # ومما يتصل بتأثير الغزالي في الحياة العلمية عناية الأجانب به: فقد كتبت ms195 عنه عدة ~~مؤلفات بالفرنسية، والإنكليزية، والألمانية. ومنهم من يتعصب له فوق ما يفعل ~~المسلمون. ويعده الدكتور زويمر واحدا من أربعة ويقول: «كل باحث في تاريخ الإسلام ~~يلتقي بأربعة من أولئك الفطاحل العظماء. وهم محمد نبي المسلمين نفسه، والبخاري، ~~والأشعري، والغزالي». # والدكتور زويمر من المستشرقين الإنكليز الذين درسوا العقلية الشرقية، وكتابه عن ~~الغزالي من الكتب القيمة، وتجد فيه من مظهر العناية بالغزالي ما كتبه عن قبره، ~~نقلا عن خطاب وصله من القس دونالدسن في 17 يناير سنة 1917، وقد زار قبر الغزالي ~~ووجد في إحدى زوايا الحجر كلمة (غزالي) و(بوحا) وأصلها بالطبع أبو حامد. وهذا هو ~~الرسم الذي أرسله قس دونالدسن إلى الدكتور زويمر عن قبر الغزالي. # ومن أجود ما كتب بالفرنسية عن الغزالي كتاب # Cara de ~~Vaux # والمسيو «كارادي فو» هذا رجل خبير بالحياة الإسلامية، وله ~~كتاب عن ابن سينا أحب أن يطلع عليه من يود أن يعرف شيئا عن المدارس الفلسفية عند ~~المسلمين، وإني لآسف حين أقرر أن المستشرقين يفهمون مذاهب أهل السنة والمعتزلة أكثر ~~من علماء الأزهر الذين إذا عرض لهم ذكر المعتزلة لم يزيدوا على أن يقولوا (قبحهم ~~الله) وقد أخبرني حضرة الأستاذ الدكتور طه حسين أن المسيو كازانوفا وضع كتابا عن ~~الغزالي، وإني لملوم في أن غفلت عن هذا الكتاب، فإن الطريقة التي جرى عليها المسيو ~~كازانوفا في كتابه «محمد ونهاية العالم» طريقة تغري الباحث بتعقب ما يكتب هذا الرجل ~~الدقيق. وآسف أيضا على أن الظروف لا تسمح بأن أترجم شيئا من آراء هذا الرجل، لأن ~~البحث العلمي عنده فوق كل مقام. وإنما أدعو من يحب الاطلاع إلى مراجعة # Mohamed et la fin du monde # فإن فيه من المباحث ~~ما يواتي شهوات العقول، وللعقول شهوات! # وهناك كتاب للمسيو # Moher # موضوعه: # Etudes sur la philosophie d’Averroes concernant son rapport ~~avec celle d’Avicenne et Gazali ~~. # ويحسن الرجوع إلى المقدمة التي وضعها المسيو # Lucien ~~Gautier # حين نقل «الدرة الفاخرة» إلى الفرنسوية # Traite d’eschatologie musulmane # ويحسن الاطلاع ~~على الجزء التاسع من ms196 المجموعة السابعة من # Journal ~~asiatique # وفي مقدور القارئ أن يرجع إلى # Encylcopedie de l’Islam 20 Livers # إذا أراد أن ~~يعرف ما كتب عن الغزالي باللغة الفرنسية والإنكليزية والألمانية. وقد أخبرني حضرة ~~الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق أنه علم أن في اللغة التركية عدة مؤلفات عن ~~الغزالي. وأحسب أن السبيل إليها ممهد لمن شاء. # وأحب أن يغنيني القارئ عن تفصيل ما أعرف عن نظر المستشرقين إلى الغزالي ومذاهبه ~~الصوفية، فإني مضطر إلى الاكتفاء بإرشاده إلى طريق الاطلاع. # الفوز للحياة # وبالرغم من تأثير الغزالي في الشرق والغرب، وتغلغله في أعماق الحياة العلمية، ~~فإن الفوز فيما يظهر لن يكون لآرائه في الأخلاق. ولكن سيكون الفوز ~~للحياة. # إلا أن الأخلاق كالشرائع، فكما تنهزم الشريعة أمام الحياة، كما انهزمت ~~المسيحية لخروجها على ما للحياة من قوانين، كذلك تنهزم الأخلاق أمام الحياة، ~~حين تخلو عما في الحياة من عناصر وأصول. # وهكذا انهزم الغزالي حين نازل الحياة! # حرم النقش والتصوير، ولكن النزعات البشرية مشت في طريقها بقوة. ولم تصدف عن ~~النقوش والتصاوير! # وحرم الغناء. ولكن مشت الأذواق في سبيلها بقوة، ولم تزل ظامئة إلى الأنغام ~~والألحان! # وليته حين حرم النقش والتصوير والغناء، وضع لذلك عللا معقولة! ولكنه حرم ~~التصوير لأنه يدعو إلى الوثنية، وهذا كذب على الواقع، فطالما أحببنا تهاويل ~~الصور، ولم نفكر في الوثنية. وحرم الغناء لأنه يدعو إلى شرب الخمر. وهذا ظن ~~مردود، فطالما سمعنا عبد اللطيف أفندي البنا وإبراهيم أفندي القباني والشيخ عبد ~~السميع عيسى، ولم نفكر في الخمر، ولا في مجالس الخمر! # ليست الأخلاق شيئا آخر غير مناهج الحياة. والأخلاق التي تبنى بها الأمم ليست ~~ما يعرفه الغزالي من التواضع، والتوكل، والخمول، وإنما هي فهم قوانين الحياة ~~وأحب أن أكرر كلمة الحياة؛ لأنها عندي غاية الأخلاق. # والفضائل السلبية كالصبر، والزهد، والقناعة، لن تكون فضائل حتى تقضي الظروف ~~باعتبارها أسلحة ماضية في سبيل الحياة. فقد يكون الخمول من أسباب النباهة وذيوع ~~الشهرة، كما يكون الصيت أحيانا من أسباب الخمول. # ولا قيمة للحياة بغير القوة، ms197 فيجب أن تكون الأخلاق بابا إلى الحياة القوية. ~~وطالما شككت في قوله عليه السلام: «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، ~~واحشرني في زمرة المساكين»! # الباب الثاني عشر # | في أنصار الغزالي وخصومه # | تمهيد # قدمنا أن الخصومة كان مثارها الفرق بين الفقه والتصوف، وأن أنصار الغزالي كانوا في ~~الأغلب صوفية، وأن خصومه كانوا في الأكثر من الفقهاء. ونريد الآن أن نقفك على ترجمة ~~طائفة من أنصار الغزالي وخصومه، ونبين بجانب ذلك شيئا مما اختص به أولئك العلماء الذين ~~حاربوا الغزالي أو أيدوه، لنمهد لك السبيل إلى فهم الحركة العقلية التي أوجدتها مؤلفات ~~الغزالي، وسبيلنا الإيجاز في هذا الباب، لأن المقام لا يسمح بالتطويل. # | في أنصار الغزالي وخصومه # (1) ابن رشد # ولد في قرطبة سنة 520ه 1126م. ودرس في صغره الفقه والتوحيد والأصول. ثم أقبل على ~~دراسة الطب والفلسفة. وكان له بسبب علمه وفضله عدد من الحساد يتقولون عليه ~~الأقاويل. توفي رحمه الله بمراكش في أوائل سنة 595ه بعد أن ذاق الأمرين من نفي ~~واضطهاد، جزاء ما قدمت يداه من شرح فلسفة القدماء! # والذي يقرأ حياة ابن رشد، ويرى ما لقيه في زمانه، يعلم أن العرب كانوا يحتضرون، ~~وأن دولتهم كانت تمشي إلى الفناء، لأن الذين يحاربون الفكر الحر، ويضطهدون المفكرين ~~الأحرار، لا يصلحون مطلقا للحياة. وكذلك دالت دولة العرب بعد ذلك. # وخصومة ابن رشد للغزالي تكاد تكون فلسفية، فقد وضع الغزالي كتابا سماه «تهافت ~~الفلاسفة»، والغرض من الكتاب ظاهر من عنوانه، فعارضه ابن رشد بكتاب سماه «تهافت ~~التهافت»، والذي يهمني من معارضة ابن رشد للغزالي إنما هو دفاعه عن ابن سينا ~~والفارابي، فقد كان الغزالي يراهما من الكفار. # ويتلخص دفاع ابن رشد في أن مسألة قدم العالم وحدوثه التي كانت مثار الخلاف، إنما ~~كان الاختلاف فيما بين المتكلمين من الأشعرية وبين الحكماء المتقدمين يكاد يكون ~~راجعا للاختلاف في التسمية وبخاصة عند بعض القدماء. فإن هناك ثلاثة أصناف من ~~الموجودات طرفان وواسطة بين الطرفين. وقد اتفقوا في الطرفين واختلفوا في الواسطة. ~~أما الطرف الأول فهو ms198 موجود وجد عن شيء ومن شيء، أي عن سبب فاعل ومن مادة، والزمان ~~متقدم على وجوده، وهذه هي حال الأجسام التي يدرك تكونها بالحس مثل الماء والهواء ~~والأرض والحيوان والنبات. وهذا الصنف اتفق الجميع على أنه محدث. وأما الطرف المقابل ~~لهذا فهو موجود لم يكن من شيء ولا عن شيء ولا تقدمه زمان. وهذا الصنف اتفق الجميع ~~على أنه قديم وهو الله. وأما الصنف الثالث فهو موجود لم يكن من شيء ولا تقدمه زمان، ~~ولكنه موجود عن شيء أي فاعل، وهذا هو العالم بأسره. والكل متفق على وجود هذه الصفات ~~الثلاث للعالم، فإن المتكلمين يسلمون بأن الزمان غير متقدم عليه لأن الزمان عندهم ~~شيء مقارن للحركات والأجسام، وهم أيضا متفقون مع القدماء على أن الزمان المستقبل ~~غير متناه وكذلك الوجود المستقبل، وإنما يختلفون في الزمان الماضي والوجود الماضي؛ ~~فالمتكلمون يرون أنه متناه، وهذا هو مذهب أفلاطون وشيعته وأرسطو وفرقته يرون أنه ~~غير متناه كالحال في المستقبل. يقول ابن رشد: «فهذا الموجود الأخير، الأمر فيه بين ~~أنه قد أخذ شبها من الوجود الكائن الحقيقي ومن الوجود القديم، فمن غلب عليه ما فيه ~~من شبه القديم على ما فيه من شبه المحدث سماه قديما. ومن غلب عليه ما فيه من شبه ~~المحدث سماه محدثا. وهو في الحقيقة ليس محدثا حقيقيا ولا قديما حقيقيا، ~~فالمذاهب في العالم ليست تتباعد كل التباعد حتى يكفر بعضها ولا يكفر، فإن الآراء ~~التي شأنها هذا يجب أن تكون في الغاية من التباعد، أعني أن تكون متقابلة كما ظن ~~المتكلمون في هذه المسألة». # ولم يقف ابن رشد عند هذا الحد، بل انتقل إلى كلام هو في الواقع صفع لأدعياء العلم ~~الذين يحسبون قدم العالم وحدوثه من الأمور الهينة التي يصدرون عنها الفتوى كأنها ~~مسألة طلاق!! وإليك ما يقول في ذلك: # مع أن هذه الآراء في العالم ليست على ظاهر الشرع، فإن ظاهر الشرع إذا ~~تصفح ظهر في الآيات الواردة في الأنباء عن إيجاد العالم أن صورته محدثة ~~بالحقيقة. ms199 وأن نفس الوجود والزمان مستمر من الطرفين أعني غير منقطع. وذلك ~~أن قوله تعالى: # وهو الذي خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام وكان عرشه على ~~الماء ~~. # 1 # يقتضي بظاهره وجودا قبل هذا الوجود، وهو العرش والماء، ~~وزمانا قبل هذا الزمان، أعني المقترن بصورة هذا الوجود، الذي هو عدد حركة ~~الفلك. وقوله تعالى: # يوم تبدل الأرض ~~غير الأرض والسماوات ~~. # 2 # يقتضي بظاهره وجودا ثانيا بعد هذا الوجود. وقوله تعالى: # ثم استوى إلى السماء وهي ~~دخان ~~. # 3 # يقتضي بظاهره أن السموات خلقت من شيء. # وهناك صفعة ثانية تفضل بها ابن رشد على علماء التوحيد. ذلك بأن هؤلاء القوم ~~يختلقون من الأساليب والاصطلاحات ما لا يعرفه الدين، ثم يقولون: من تعدى هذه الحدود ~~فهو كافر. # فمال هؤلاء القوم لا يكادون ~~يفقهون حديثا ~~؟! # 4 # وإليك ما يقول ابن رشد في ذلك: # والمتكلمون ليسوا في قولهم أيضا في العالم على ظاهر الشرع، بل متأولون، ~~فإنه ليس في الشرع أن الله كان موجودا مع العدم المحض، ولا يوجد هذا فيه ~~أيضا أبدا، فكيف يتصور في تأويل المتكلمين في هذه الآيات أن الإجماع ~~انعقد عليه؟ ثم قال: والظاهر الذي قلناه من الشرع في وجود العالم قد قال به ~~فرقة من الحكماء. ويشبه أن يكون المختلفون في هذه المسائل العويصة إما ~~مصيبين مأجورين، وإما مخطيئن معذورين، فإن التصديق بالشيء من قبل الدليل ~~القائم في النفس هو شيء اضطراري لا اختياري، أعني أنه ليس لنا أن نصدق أو ~~لا نصدق، كما لنا أن نقوم أو لا نقوم، وإذا كان من شرط التكليف الاختيار، ~~فالمصدق بالخطأ من قبل شبهة عرضت له إذا كان من أهل العلم معذور، ولذلك قال ~~عليه السلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله ~~أجر». # وبمناسبة كلام ابن رشد نقرر أن علماء التوحيد أسرفوا في تكفير الفلاسفة بل أسرفوا ~~في تكفير بعضهم البعض، بأسباب ضعيفة لا يعرفها الإسلام، ومازالوا يسرفون حتى حفظ ~~عنهم الرأي العام جملة تعابير هي مناط الكفر والإيمان. وفي كتاب «فيصل ms200 التفرقة» ~~للغزالي مظهر لهذه الآراء الفلسفية التي ظنها الأولون حقائق، وهي في الواقع ~~أباطيل. # والذي أراه أن مجازفة علماء التوحيد في الحكم بحدوث العالم، وفي وصف الله بصفات ~~معينة محدودة، وفي تعيين مصير العالم بشكل خاص، كل أولئك يدل على أن هؤلاء الناس ~~كانوا في غاية السذاجة، وأن نظرهم كان غير بعيد. وستسخر المقادير منهم يوم تطوى ~~كتبهم وآراؤهم، ويدخلون فيما يسمى قبل التاريخ، كما دخل من قبلهم ألوف الألوف من ~~أصحاب الشرائع والقوانين. ~~(2) ابن تيمية # ولد بحران يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة 661ه. وقدم به والده إلى دمشق في سنة ~~667ه حين استولى التتار على حران. وقد تلقى عن والده الفقه والأصول، ثم عني بالنظر ~~في الحساب والجبر والفلسفة، وتقدم للتدريس وسنه دون العشرين. وقد بلغت مصنفاته ~~ثلاثمائة مصنف. منها تعارض العقل والنقل والجواب الصحيح في الرد على النصارى وإثبات ~~المعاد والرد على ابن سينا وإثبات الصفات والرد على الإمامية ... إلخ. # قال الحافظ ابن كثير: وفي رجب سنة 704ه راح الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى مسجد ~~الفارنج وأمر أصحابه وتلامذته بقطع صخرة كانت تزار وينذر لها هناك. فقطعها وأراح ~~المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزال عن المسلمين شبهة كان شرها عظيما. وبهذا ~~وأمثاله أبرزوا له العداوة. وكذلك بكلامه في ابن عربي وأتباعه، فحسد وعودي، ومع هذا ~~لا تأخذه في الله لومة لائم، ولم يبال بمن عاداه. ولم يصلوا إليه بمكروه. وأكثر ما ~~نالوا منه الحبس، مع أنه لم ينقطع عن البحث لا بمصر ولا بالشام. # وكان ابن تيمية كثيرا ما ينشد هذه الأبيات: # لو لم تكن في القلوب مهابة # لم يطعن الأعداء في ويقدحوا # كالليث لما هيب خط له الزبى # 5 # وعوت لهيبته الكلاب النبح # يرمونني شزر العيون لأنني # غلست في طلب العلاء وصبحوا # وقد توفي رحمه الله في صباح يوم الاثنين عاشر ذي القعدة سنة 728ه وهو في السجن. ~~فأخرج إلى الجامع في يوم مشهود لم يعهد في دمشق مثله، وقد تبرك الناس بماء غسله، ~~واشتد ms201 الزحام على نعشه، ودفن بمقابر الصوفية بعد أن صلوا عليه مرارا، وقدر من حضر ~~جنازته من الرجال بمائتي ألف ومن النساء بخمسة عشر ألفا. ورثاه كثير من العلماء ~~منهم ابن الوردي. # والذي يعود إلى ترجمة ابن تيمية في الكتب التي عني مؤلفوها بترجمته يعرف كثيرا ~~عن العقلية الإسلامية في القرن الثامن، ويكفي أن نلفت القارئ إلى قولهم «ودفن ~~بمقابر الصوفية» فإن لذلك معاني لا تغرب عن ذهن اللبيب، وما أريد أن أزيد. # وابن تيمية من كبار المفكرين في الإسلام، ولكنه لا يخلو من سذاجة. فإنك بينما ~~تراه يتوغل في المدركات المعقولة، تراه ينحدر فجأة في هاوية الأوهام. من ذلك قوله ~~«العلماء هم ورثة الأنبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر ~~والبحر. وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة قبل مبعث محمد # صلى الله عليه وسلم # فعلماؤها شرارها إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم.» # 6 # وهذا بالطبع حكم لا سند له من معقول، أو منقول. # ويعد ابن تيمية من خصوم الغزالي لأنه كتب فصولا كثيرة في تناقضه، وتسفيه بعض ~~آرائه. ومن أعجب ما رأيت له حكمه بأن الغزالي هجر طريق الصوفية في أخريات أيامه، ~~وفي ذلك يقول: «ولهذا تبين له في آخر عمره أن طريق الصوفية لا تحصل مقصوده فطلب ~~الهدى من طريق الآثار النبوية، وأخذ يشتغل بالبخاري ومسلم ومات في أثناء ذلك على ~~أحسن أحواله، وكان كارها ما وقع في كتبه من نحو هذه الأمور مما أنكره الناس ~~عليه». # وأنا لا أستعبد كلام ابن تيمية، فإن الغزالي كان متقلبا في آرائه لا يستقر على ~~حال، فهو تارة فقيه، وتارة صوفي، وتارة فيلسوف. # وسبب هجوم ابن تيمية على الصوفية أنه رأى منهم من يفضل الولي على النبي، كما رأى ~~من الفلاسفة من يفضل الفيلسوف على النبي. فإنا نراه يمدح ابن سينا لأنه يفضل النبي ~~على الفيلسوف، ويسمي طريقه طريق العقلاء، ويذم الفارابي لأنه يفضل الفيلسوف على ~~النبي، ويسمي طريقه طريق الغلاة. ويذم محيي الدين بن عربي ms202 لأنه كان يدعي أنه كان ~~يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى النبي، لأن الملك على أصلهم ~~هو الحال الذي في نفس النبي، والنبي في زعمهم يأخذ عن ذلك الحال، والحال يأخذ عن ~~العقل، فهو على ذلك أفضل من النبي لأنه لا يحتاج إلى وسيط. # وأحب أن أنبه القارئ إلى أني إنما أذكر تاريخ فكرة من الأفكار الإسلامية، لا أكثر ~~ولا أقل، والمؤرخ غير مسؤول. ~~(3) ابن القيم # هو من تلامذة ابن تيمية. ولد في سنة 571ه. وتوفي سنة 691ه لقي في حياته ضروبا ~~من الشدة بسبب آرائه الحرة. فقد حبس مدة لإنكاره أن تشد الرحال إلى قبر الخليل. وقد ~~حبس مع ابن تيمية في المدة الأخيرة، ولم يفرج عنه إلا بعد موت أستاذه. وله عدة ~~تصانيف. منها «مدارج السالكين»، و«شرح الكتاب العزيز»، و«نقد المنقول»، و«المحك ~~المميز بين المردود والمقبول»، و«أعلام الموقعين» ... الخ. # وابن القيم هذا من ألد خصوم الغزالي، وقد نقلنا جملة من آرائه حين تكلمنا عن ~~أغلاط الإحياء، فلا نعود إليها أبدا. # وأكرر ما قلته من أنني أوجز كل الإيجاز في هذا الباب، فلهؤلاء الذين أترجمهم آراء ~~هي غاية في الخطورة، من حيث ما فيها من الدقة، ومن الجرأة، مع أنهم فيما أرى كانوا ~~يبالغون في الاحتياط، لأن العالم الإسلامي كان يضطهد الفلاسفة إذ ذاك. ولو سمح لنا ~~الدهر بوضع كتاب في الفلسفة الإسلامية لاستطعنا أن نرفع عن هؤلاء الأفذاذ آصار ~~الخمول. ~~(4) السبكي # هو تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي المتوفى سنة 771ه. والسبكي ~~هذا من كبار المؤلفين. وكتابه «جمع الجوامع» في الأصول يدل على كده وكدحه في سبيل ~~العلم، وإن كان غاية في اللبس والغموض. وكتابه «طبقات الشافعية الكبرى» كتاب جيد، ~~من حيث ما فيه من عيون المسائل الفقهية، ومن حيث الترتيب. وعيب السبكي يرجع إلى ~~ضعفه في النقد والتمييز، ولو خلت كتبه من الآراء التي اعتمد فيها على ذاكرته فقط، ~~لكان لها شأن كبير. # ويعتبر السبكي من أنصار الغزالي، ms203 وقد كتب عنه في الطبقات أكثر من ثمانين صفحة، ~~«ودافع عنه دفاع الأبطال» حين عرض لخصومه. وهو يعتقد بكل سذاجة أنه لو لم يكن لدى ~~المسلمين غير كتاب الإحياء لكفى!! وما أريد أن أطيل في الكلام عن السبكي، فقد عرضنا ~~له عدة مرات. ~~(5) الزبيدي # هو محمد بن محمد الحسيني الزبيدي. وهو من علماء القرن الثاني عشر، وقد وضع شرحا ~~مطولا للإحياء في عشر مجلدات، انتهى من تأليف الجزء الأول منه في يوم الجمعة 25 ~~محرم سنة 1193ه. وفي هذا الجزء كتب دفاعه عن الغزالي. # وهو من أشد أنصار الغزالي، ولكن دفاعه عنه دفاع سخيف، لا قيمة له، لا في نظر ~~الشرع ولا في نظر العقل . من ذلك قوله في تأييد ما يراه الغزالي من أن الزواج ميل ~~إلى الدنيا: # وأما كون التزويج من جملة الميل إلى الدنيا فهو ظاهر، لأنه في الغالب ~~يطلب للاستمتاع، وذلك لا يحصل إلا بالوقوع في الآفات التي كان عنها بمعزل ~~أيام عزوبته، لا سيما إن كان متجردا عن القيام بالأسباب التي تجلب له أمر ~~معاشه فإنه يتلف بالكلية، ويلزمه الرياء لكل من أحسن إليه بلقمة أو خرقة أو ~~غيرهما فأبغض الخلق إليه من يذمه عنده خوفا من أن يتغير اعتقاده فيه فيقطع ~~عنه بره فكأن عبادة هذا كلها لأجل الذي أحسن إليه. # وهذا كلام غير مفهوم في الواقع، فضلا عن أن يكون دفاعا عن رأي يرى الناس أنه ~~غير صواب. # الباب الثالث عشر # | في الموازنة بين الغزالي وبين الفلاسفة المحدثين # | تمهيد # هذا باب إذا أطلته طال، لأن لآراء الغزالي أشباها كثيرة في الفلسفة الحديثة، وتحملني ~~الرغبة في الإيجاز على الاكتفاء بأهم وجوه المقابلة بينه وبين الفلاسفة المحدثين. وحسبي ~~أن أدل القارئ على كيفية السير في هذا الطريق. # | في الموازنة بين الغزالي وبين الفلاسفة المحدثين # (1) الغزالي وديكارت # Descartes # أقرب الفلاسفة شبها بالغزالي هو «ديكارت» لأنه ارتاب كما ارتاب الغزالي، وبقي في ~~شكه وارتيابه زمنا غير قليل. # ولد «ديكارت» في لاهاي سنة 1596م أي بعد الغزالي بنحو ms204 530 سنة. تلقى العلم في ~~مدرسة يسوعية، كأكثر الأطفال لعهده، وحمله جده ونشاطه على دراسة اللغات القديمة، ~~والأساطير والتاريخ، والبلاغة، والشعر، والرياضيات، والأخلاق، واللاهوت. ولم يقنع ~~بذلك، بل قرأ كل ما وقع في يده من نادر المؤلفات، كما حدث عن نفسه. ورحل إلى باريس ~~في السادسة عشرة من عمره، وتطوع في الجندية، وعمل عدة سياحات في ألمانيا، والسويد، ~~والدانمارك، ثم استقر في هولنده، حيث رأى الإقامة فيها أنفع لنشر آرائه بحرية لم ~~تسمح بها فرنسا إذ ذاك. # وبعد أن أقام في هولنده عشرين سنة، مكبا على وضع مذهبه، دعته كريستين ملكة ~~السويد لتتلقى عنه العلم، ولكنه لم يتحمل برد تلك البلاد، فقضى نحبه في سنة 1650 ~~بعد أن أمضى نحو سنة في ستوكهلم ثم حملت جثته إلى فرنسا في سنة 1667 ودفن بكنيسة # Saint-Etienne ~~. # مؤلفات ديكارت # يعتبر ديكارت في نظر مؤرخي الآداب الفرنسية أول رجل عبر عن آرائه الفلسفية ~~بلغة واضحة، وجعل لغة الفرنسيين لغة فلسفية، بعد أن كان الفلاسفة من قبله ~~يكتبون فلسفتهم باللغة اللاتينية. وأهم ما يعنينا من مؤلفاته: # أولا: # Règles pour la direction de ~~ľesprit ~~. # ثانيا: # Discours de la ~~méthode ~~. # ثالثا: # Méditations ~~métaphysiques ~~. # رابعا: # Les principes de la ~~philosophie ~~. # خامسا: # Les passions de ~~ľâme ~~. # ففي هذه المؤلفات بسط ديكارت آراءه الفلسفية، فليرجع إليها من شاء، فإنه لا ~~يوجد عنه شيء مقنع بالعربية. # شكوك ديكارت # وكما ارتاب الغزالي حين رأى صبيان النصارى لا نشوء لهم إلا على التنصر، ~~وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا ~~على الإسلام، فقد ارتاب ديكارت حين رأى شيوع التقليد، ورأى الناس في الأكثر إما ~~أن يكونوا ضعفاء لا يقدرون على تمييز الحق من الباطل، فيتبعوا آراء غيرهم بلا ~~بصيرة، وإما أن يكونوا أقوياء فيسرعوا إلى الحكم ثقة بقوتهم، فإذا شكوا بعد ذلك ~~فقد لا يهتدون إلى سواء السبيل. # ومما حمل ديكارت على الشك ما رآه في أسفاره من اختلاف العادات والآراء، ~~وتباين العقائد والمدركات، وما تبينه ms205 من تأثير التربية في التفرقة بين أخلاق ~~الشعوب. # وأهم ما تنبه له في رحلاته الشك في قيمة الرأي العام، والاستهانة بكثرة ~~الأصوات، لأن إجماع الأمة على رأي لا يدل على أنه رأي الأمة، فقد يكون رأي فرد ~~واحد، حملت عليه الأمة لسبب من الأسباب. # وآراء الفلاسفة كانت مما حمل «ديكارت» على الارتياب، إذ قلما يوجد رأي غريب ~~بعيد التصديق إلا وقد قال به فليسوف. # ولكن ديكارت كان في ارتيابه أصرح من الغزالي، فبينما نجد الغزالي يحدثنا بأنه ~~دام قريبا من شهرين على مذهب الفلسفة «بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال» أي ~~أنه لم يكاشف الناس بشكه إلا حين أجمعوا أو كادوا يجمعون على تقديسه، نجد ~~ديكارت يتطلب الأماكن الصالحة لنشر شكوكه، ونجده يحكم ببطلان الآراء التي بنى ~~عليها آراءه حين ظنها حقه، وبوجوب التخلي مرة واحدة عن جميع آرائه، ليضع بناء ~~جديدا على أساس جديد. # ونرى الغزالي شك في المحسوسات، لأنه ينظر إلى العقل فيراه واقفا لا يتحرك، ~~فيحكم بنفي الحركة، ثم يعرف بالتجربة والمشاهدة أنه يتحرك ولكن بالتدريج. ثم ~~نراه هم بالشك في العقليات، لأنه يعتقد في النوم أمورا، ويتخيل أحوالا لها ~~ثباتا واستقرارا، ثم يستيقظ فيعلم أنه لم يكن لجميع متخيلاته ومعتقداته أصل، ~~فيسأل: بم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى ~~حالتك، وقد يمكن أن تطرأ عليك حالة أخرى تكون نسبتها إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى ~~منامك؟ # كذلك نجد ديكارت يقرر أن الأشياء التي سلم بأنها أثبت من غيرها وأصح، إنما ~~كان اعتمد في صحتها وثباتها على الحواس، وقد تبين غير مرة أن الحواس خداعة، وهو ~~كذلك يرى في نومه تصورات يعلم حين يستيقظ أنها باطلة، فمن أين يعرف فضل اليقظة ~~على المنام، أو فضل المنام على اليقظة، وهو في كليهما مضلل مخدوع؟! # الفرق بين الغزالي وديكارت # الفرق عظيم جدا بين الغزالي وديكارت، فإن الغزالي خرج من شكه بطريقة لا تصل ~~بأحد إلى يقين، خرج من شكه بنور الله، ms206 ونور الله هذا لا يعرفه العلم، حتى يضمه ~~إلى ما لديه من أصول. والغزالي نفسه يشعر بذلك، فقد نراه يحكم بأن من ظن أن ~~الكشف موقوف على الأدلة المجردة، فقد ضيق رحمة الله الواسعة، وينقل أن رسول ~~الله لما سئل عن «الشرح» ومعناه في قوله تعالى: # فمن ~~يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام # 1 # قال: «نور يقذفه الله في القلب فيشرح به الصدر، فقيل وما علامته؟ ~~قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود.» يقول الغزالي: وهو الذي ~~قال # صلى الله عليه وسلم # فيه: «إن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.» فمن ~~ذلك النور ينبغي أن يطلب الكشف!! # وما دام الغزالي لم يرجع عن شكه «بنظم دليل وترتيب» كما قال، فمن العبث أن ~~نستعين بالعقل والمنطق لنخرج من ظلمات الشكوك. وهذا ما يناقض كل ما فعله ديكارت ~~للخروج من شكوكه، وكذلك كان الغزالي سببا لخمود الفلسفة في الشرق كما كان ~~«ديكارت» سببا لنهوضها في الغرب. # أسلوب ديكارت # لم ير ديكارت من الحكمة أن يخرج على ما في بلاده من عادات وقوانين، بل رأى من ~~الخير أن يحافظ على الدين الذي نشأ عليه، وأن يسير على أكثر الأمور قبولا ~~واعتدالا عند أهل عصره، حتى يتمكن من وضع مذهبه في طمأنينة وسكون. # ويقول بول جانيه Paul Janet ~~: إن ديكارت حين ~~اقتنع بعدم كفاية العلوم المعروفة لعصره لم يركن إلى الارتياب كما فعل ~~مونتيني # Montaigne # بل رأى من الواجب أن ~~يبني صرح العلم على أساس جديد. وكذلك يمكن أن نقول إن الغزالي انهزم أمام ~~شكوكه، ولكنه لم يركن إلى الارتياب كما فعل مونتيني، ولم يفكر في وضع العلم على ~~أساس جديد كما فعل ديكارت، ولكنه انتظر هداية الله، والله يهدي من يشاء. # وأول ما يبدأ به «ديكارت» هو الدعوة إلى نبذ الكتب وتحكيم العقل، لأنه يرى أن ~~المؤلفات التي تنطوي على مختلف الآراء، ليست أقرب إلى الحقيقة من التعقلات ~~البسيطة التي يقوم بها رجل سليم الذوق، ms207 وقد لمس الأشياء بيديه. والمهم عنده أن ~~تحسن التفكير، لا أن تعرف كيف فكر الناس. والبناء الذي قام به مهندس واحد خير ~~عنده من البناء الذي يقوم به عدد من المهندسين، فإن وحدة الذوق من موجبات ~~الجمال. # ويرى «ديكارت» أنه لوضع فلسفة جديدة، يجب أن يوضع أسلوب جديد. والأسلوب ~~المختار لديه هو الأسلوب الرياضي، لأنه يعصم الفكر عن الخطأ والضلال. # وقد وضع لأسلوبه هذه القواعد الأربع: # أولا: # لا يصح قبول شيء على أنه حق، ما لم يعرف (ما هو) بغاية ~~الوضوح. # ثانيا: # تقسيم كل مسألة صعبة إلى ما يمكن أن تشتمل عليه من الأجزاء، ~~ليكون إدراكها سهل المنال. # ثالثا: # ترتيب التفكير، والابتداء بالموضوعات السهلة البسيطة، للوصول ~~إلى الموضوعات المركبة. # رابعا: # فرض نظام في الموضوعات التي لا يسبق بعضها بعضا في ~~الطبع. # يقول «بول جانيه»: «ولهذه القواعد الأربع في ذهن ديكارت معنى ~~جد محدود. والقاعدة الأولى تظهر كأنها عادية، وليس كذلك، فإن ~~إغفال كل سلطة، وإقرار الاستقلال المطلق للعقل، كان في أوائل ~~القرن السابع عشر جرأة وبدعة. # 2 # ومن جانب آخر ينبغي أن نفهم كلمة (وضوح) فإن كل ما نعتقده بقوة ليس واضحا، ~~ولأجل وضوحه ينبغي أن يخلص العقل من كل تأثير للحواس والخيال، ليدرك الأفكار ~~بوضوح وتمييز، فإن مدركات الحواس مختلطة، والآراء المعقولة هي التي تولد من ~~أعماق العقل واضحة متميزة. وكذلك لا يوجد واضح محسوس، إذ كل واضح ~~معقول». # والجارحة التي تدرك الحقيقة مباشرة هي البصيرة # Intuition # ولا يريد بها ديكارت ما يتغير من أحكام الحواس ~~والخيال، وإنما يريد بها إدراك العقل السليم اليقظ؛ الإدراك السهل الواضح الذي ~~لا يتطرق إليه أي شك، الإدراك الحازم الذي يولد فقط من أضواء العقل. # وبموجب هذه البصيرة يستطيع كل إنسان فيما يرى ديكارت أن يعلم أنه موجود، وأنه ~~يفكر. ويستطيع كذلك أن يعلم أن الواحد نصف الاثنين، وأن 2 + 2 = 4 كما أن 1 + 3 ~~= 4 لأن هذه الأحكام مدركة بغاية الوضوح والجلاء. # وديكارت يبدأ بنفسه فيفرض أن جميع ما يراه باطل، ms208 فماذا يمكن أن يعتبر صحيحا ~~حينئذ؟ قد لا يثبت إلا عدم وجود شيء يقيني في العالم، ولكن يبقى بالطبع أن هناك ~~إنسانا شك، وأن هذا الإنسان لا محالة موجود وهنا يقول ديكارت كلمته المأثورة: # Je pense, donc je suis # أنا أفكر، فأنا إذن ~~موجود. ولا بأس فيما يرى ديكارت أن يغش الإنسان ويخدع، فإن هذا يدل فقط على أنه ~~رأى الأشياء على غير ما هي عليه، ولا ينافي أنه كائن موجود. ويرى ديكارت أنه قد ~~يرغب في أشياء لن تكون فالمرغوب فيه موهوم، ولكن الرغبة نفسها حقيقة لا ~~خيال. # وجملة القول في أسلوب ديكارت أنه لا شيء أوضح لديه من فكره، فهو يؤمن أولا ~~بوجوده، ثم ينتقل إلى الأشياء يقيس وجودها بقدر ما فيها من الوضوح؛ لأن القاعدة ~~عنده أنه لا يصح قبول شيء على أنه حق حتى يعرف «ما هو» بغاية الجلاء. # ولفلسفة «ديكارت» كثير من الخصوم والأنصار، ولا يسمح لنا الوقت بتفصيل ما قيل ~~في النيل منه ، والدفاع عنه، وربما عدنا إليه في مؤلف خاص. ~~(2) الغزالي وبسكال # ولد بسكال في كليرمون في 18 يونية سنة 1623 وانتقل به أبوه إلى باريس في سنة 1631 ~~حيث اتصل بكثير من علماء ذلك العصر، وكان أول أستاذ لبسكال هو والده الذي عني ~~بتربيته على قوة الفكر، وحسن الاستنباط. وقد شغف بسكال بالرياضة، وألف فيها وهو ~~يافع. ثم مال إلى الفلسفة، ولكنه لم يعول على عقله، بل أسلم نفسه لهواجس دينية، حمل ~~عليها بضعف صحته، واضطراره إلى حياة العزلة والانفراد. # واشتهر بسكال بكتابه «الأفكار» Pensées # وهو ~~مجموعة آراء جمعت وطبعت بعد وفاته، وكتابه # Lettres ~~provincials # يمثل رأيه في حياة القسيسين والرهبان. # ووجه الشبه بين الغزالي وبسكال هو أن كلا منهما ابتدأ حياته بقوة قهارة، ثم ~~انتهت به صحته إلى الرضا بالخمول في ظلال التنسك والزهد، فقد رأيت كيف أقبل الغزالي ~~على كل علم، وكيف درس كل النحل، وعرف بواطن جميع الفرق، ثم رأيت كيف رضي بوساوس ~~الصوفية، وعد كل ما سوى مذهبهم ms209 ضلالا في ضلال!! # وكذلك ابتدأ باسكال بتأييد مذهب ديكارت، والتحمس لنصرة العقل، ومحاربة الوساوس ~~القديمة. حتى لنجده يدافع عن الشهوات الكبيرة التي توجد الأعمال العظيمة، كالحب ~~والطمع، وذلك في رسالته # Discours sur les passions de ~~ľamour # ولكن صحة باسكال أخذت تسوء يوما بعد يوم واضطر إلى ~~العزلة في Port-Royal # واختار الفلسفة الصوفية التي ~~لخصها في محادثته مع مسيو دي سامي كما قال بول جانيه، ثم عول أخيرا على الاكتفاء ~~بالإنجيل. # ومما يقرب بسكال من الغزالي شكه في قوة الطبيعة الإنسانية، فهو يرى أن الإنسان ~~مملوء بالخطأ الغريزي الذي لا يزول إلا بعناية الله. وليس هناك شيء يهدي الإنسان ~~إلى الحقيقة، بل كل شيء يخدعه. ومع أن العقل والحواس أصلان للحقائق فإن كلا منهما ~~يخدم صاحبه، والناس يدعو بعضهم بعضا إلى الخداع: Pascal # لون المدح لعلمهم فيما بينهم بكراهة ~~الحقيقة التي تنافي المديح، وكذلك لا يتكلم امرؤ في حضرتك كما يتكلم في مغيبك، ~~فالإنسان في نظر بسكال مجموعة من الكذب والزور والنفاق. # وقد بالغ بسكال في احتقار العقل. ثم تمنى لو أنه عرف جميع الأشياء بالوحي والشعور ~~ولم يحتج أبدا إلى العقل!! ويتهم بسكال عقله بإغرائه بالشك. ويعتقد أن الدين لا ~~يأتي مطلقا من ناحية العقل، وإنما يأتي من شعور القلب، ومن هداية الله، ويجوز أن ~~يأتي الدين من طريق العقل، ولكن مثل هذا الدين لا ينفع للنجاة! وهذا بالطبع ~~إسراف. ~~(3) الغزالي وهوبس # Hobbes # ولد هوبس في إنجلترا سنة 1588 ورحل إلى باريس في سن الأربعين حيث درس الرياضيات ~~وعلوم الطبيعة. ثم زار فرنسا مرة ثانية وأقام فيها مدة طويلة، واتصل صلة متينة ~~بالفيلسوف «جسندي» صاحب الفضل على «موليير» و«فولتير». ثم مات في إنجلترا سنة ~~1679. # وأشهر مؤلفات هوبس هو كتابه # La nature humaine # وكتابه # Leviarhan # أو # La matière, La ~~forme et ľautorité du gouvernement ~~. # وفي هذا الكتاب الأخير دافع عن الأثرة، والاستبداد، فقد كان هوبس من غلاة ~~الماديين، والإحساس عنده ليس إلا حركة من حركات المخ، وهذه الحركة متى وافقت ~~الوظائف ms210 الحيوية أنتجت اللذة، واللذة تولد الرغبة، والرغبة تولد الإرادة، فليست ~~الإرادة إلا رغبة مسيطرة. وهوبس لا يعرف باعثا للعمل غير طلب اللذة، أو الهروب من ~~الألم، والعواطف عنده ليست إلا صورا لحب الذات. # وهوبس من أصحاب نظرية العقد ~~الاجتماعي # Contrat Social # التي عني بها جان جاك روسو فيما بعد. ويرى هوبس أن ~~الإنسان مفطور على الأثرة والشره، وأن جميع أعماله إنما هي سلم إلى مطامعه. وهذه ~~الفطرة جعلت الحياة الطبيعية مرة المذاق، لطمع القوي في الضعيف. ويتخيل هوبس أن ~~آباءنا الأولين لم يروا سبيلا إلى السلامة من شر الأقوياء غير الانضمام تحت لواء ~~سلطة بشرية تدفع عنهم عادية المطامع، وهذه السلطة تتمثل في الملك، ولهذا الملك جميع ~~الحقوق التي كانت لجميع الأفراد قبل التعاقد، وليس عليه إلا واجب واحد هو: حفظ ~~الأمن. # ويرى هوبس تأييدا لنظرته أن الدين الحق هو دين الدولة مهما كان جوهره، وعلى كل ~~فرد الخضوع له، والخروج عليه كفر ومروق. # ويظهر مما سلف أن هوبس يريد بنظرية العقد الاجتماعي تأييد الملوكية، وكذلك روسو ~~حين يدافع عن هذه النظرية فإنه يرى أن حياة الطبيعة كانت حياة نعيم، وأن الناس لما ~~أفسدوها بأنفسهم اضطروا إلى أن يتنازل كل فرد منهم عن جزء من حريته ليتكون من مجموع ~~هذه الأجزاء قوة مدنية تدافع عن الجميع، وهذه القوة لا تمثل في الملك كما يرى هوبس، ~~وإنما تمثل في شخص هو مندوب الأمة، ولها عزله حين تريد. # إلى هنا لا يرى القارئ أي تناسب بين هوبس وبين الغزالي والواقع أن الجمع بينهما ~~بعيد لأن الغزالي رجل تضحية وإيثار، والخير عنده يرجع في الأكثر إلى نفع الناس، في ~~حين أن هوبس يرى الخير في أن يعمل المرء لنفسه، قبل أن يحلم بسواه. ولكني رأيت بعد ~~البحث أنهما يتفقان في تكييف وجهة الطبيعة الإنسانية، وإن اختلفا في غاية الأخلاق، ~~فإذا كان هوبس يرى أعمال المرء مظهرا للأثرة، ويرى حب المرء لجاره ليس إلا ضربا ~~من حب النفس، وأن طاعته للقوانين الأخلاقية ليست إلا ms211 سعيا في سبيل نفعه، فكذلك ~~الغزالي يتهم أكثر العاملين بالرياء، ويرميهم بحب الذات. # والغزالي يسيء الظن بالطبيعة الإنسانية، ويرى العمل في الأغلب لا يراد به إلا نيل ~~الثواب، أو الفرار من العقاب، ولا يزال بالطبيعة الإنسانية يفحصها ويسبر أغوارها ~~بمسبر الشك والارتياب، حتى يصل بعد الفحص إلى أن هناك رياء «هو أخفى من دبيب النمل» ~~ومن كلامه: «رب عبد يخلص في عمله، ولا يعتقد الرياء بل يكرهه ويرده، ولكن إذا أطلع ~~عليه الناس سره وذلك وارتاح له، وهذا السرور يدل على رياء خفي، فلولا التفات القلب ~~إلى الناس ما ظهر سروره عند إطلاع الناس». # والفرق بين الغزالي وهوبس، يرجع إلى أن هوبس يريد أن يجعل وجهة الطبيعة الإنسانية ~~أساسا للأخلاق، فيكون الخير ما ينفع المرء، والشر ما يضره. ولكن الغزالي يرى أن ~~الخير لا يكون إلا حيث ينتفع المرء ولا يضر غيره، لأن وجهة الغزالي وجهة إسلامية، ~~لا ضرر فيها ولا ضرار. ~~(4) الغزالي وبوتلير # Butler ~~«بوتلير» هو فيلسوف إنجليزي ولد سنة 1692 وتوفي سنة 1752 وهو يعول أكثر من ~~الغزالي على الفطرة الإنسانية، وعنده أن المرء يستطيع بنفسه أن يدرك ما في عمله من ~~الخطأ والصواب قبل أن يقدم عليه، وإن لم يعلم شيئا من المباحث الأخلاقية. ويرى أنه ~~لا شيء يدعونا إلى طاعة قانون الأخلاق غير اعتماده على السريرة، ولا يرى بوتلير ~~فرقا بين السريرة التي تحتم طاعة الأخلاق وبين حب النفس ما دمنا نفهم سعادتنا ~~الحقيقية، فإن الواجب والمنفعة لا يختلفان عنده، وهنا يتفق مع الغزالي بعض الاتفاق، ~~لأن وجهة نظر الغزالي إسلامية، والإسلام يرى المنفعة في الواجب وإن كان لا يرى ~~الواجب في المنفعة، فإن هذا شيء قد يكون وقد لا يكون. إلا إن أردنا ما هو نافع في ~~الواقع. على أن بوتلير يقيد اتفاق المنفعة مع الواجب بالأمور الأخروية، ويرى ~~اتفاقهما في الأمور الدنيوية كثير الوقوع، لا واجب الوجود. # وأجمل ما في بوتلير حكمه على الفضائل بأنها قانون الطبيعة في حين أن الغزالي ~~يراها ضروبا من ms212 التكاليف. ~~(5) الغزالي وكارليل # Karlyle # ولد كارليل سنة 1795 في قرية اكفلكان بجنوب اسكوتلاندة من والد يشتغل بصناعة ~~البناء. تلقى مبادئ العلم في قريته. ثم دخل جامعة ادنبرج في الثالثة عشرة من عمره. ~~وفي التاسعة عشرة من عمره صار مدرسا للرياضة بمدرسة أنان، وبعد ثلاث سنين صار رئيس ~~مدرسة ببلدة كركالدي. وفي سنة 1818 ترك مهنة التعليم. وذهب إلى ادنبرج، وهو لا يدري ~~ماذا يعمل، ولكنه درس علم المعادن، واضطر من أجله إلى تعلم الألمانية التي كانت ~~سببا لذيوع شهرته. وتوفي سنة 1881. # وكارليل هذا من كبار الفلاسفة، ومن أعظم المدافعين عن الديانات. حتى لنجده يدافع ~~عن الوثنية، لأنها في رأيه ليست إلا إفراطا في العجب من الشيء، حتى ينقلب هذا العجب ~~تقديسا وعبادة، ولأنه يرى أن الأقدمين ما قدسوا شيئا إلا لأنه إله، أو رمزا إلى ~~إله. ومن آثار كارليل كتاب الأبطال الذي ترجمه الأستاذ محمد السباعي. وفي هذا ~~الكتاب فصل ممتع عن النبي محمد صلوات الله عليه وسلامه. كان سببا في تغيير وجهة ~~أنظار الأجانب نحو الإسلام. ومن كلامه في ذلك: # لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد مهذب من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ~~ما يظن من أن دين الإسلام كذب ، وأن محمدا خداع مزور. وآن لنا أن نحارب ما ~~يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة. فإن الرسالة التي أداها ذلك ~~الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنا لنحو مائتي مليون من ~~الناس أمثالنا، خلقهم الله الذي خلقنا. أفكان يظن أحدكم أن هذه الرسالة ~~التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائتة الحصر أكذوبة وخدعة؟ أما أنا ~~فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدا، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق ~~الله هذا الرواج، ويصادفان منهم مثل ذلك التصديق والقبول، فما الناس إلا ~~بله ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث وأضلولة، كان الأولى بها أن لا تخلق. ~~فوا أسفاه، ما أسوأ مثل هذا الزعم. وما أضعف أهله، وأحقهم بالرثاء ~~والمرحمة!؟ # وقد دافع كارليل عن ms213 الإسلام خير دفاع، فناقش من رموه بالقسوة، واستعمال السيف، ~~وبين أن المسيحية نفسها لجأت إلى القوة حين لم ينفع التسامح. ورد على من زعموا أن ~~القرآن مملوء بالتعقيد، وبين أن سبب هذه التهمة هو عجز الترجمة عن نقل بلاغة القرآن ~~وحلاوته. وعارض من نسبوا إلى رسول الله الهفوات، وأكد أن طلب العصمة طلب سخيف، فإن ~~العصمة لله وحده، وأكبر الهفوات عنده أن يحسب المرء أنه بريء من هذه ~~الهفوات. # الكفر والإيمان # يتفق الغزالي وكارليل في أن كلا منهما مؤمن ثابت اليقين، ويختلفان في فهم ~~السريرة الإنسانية، وفي نتيجة التفكير. فالغزالي لا يعترف للضمير بالصلاحية ~~للحكم، وإنما الشرع هو الفيصل في الحسن والقبح، فما حسنه الشرع فهو حسن، وما ~~قبحه فهو قبيح. ولكن كارليل يرى أن الشعور بالواجب معنى أبدي، وهو جزء من ~~الطبيعة الإنسانية، فهو قوة غريزية لا تحتاج في كسبها إلى شرائع ولا ~~قوانين. # ونتيجة التفكير محترمة عند كارليل، وهو لا يصدق بأن الإلحاد والتفكير يجتمعان ~~في قلب رجل واحد. والإخلاص عنده هو الأساس. ومن كلامه: «يرجى لنا أن نفهم ~~الوثنية متى سلمنا أولا أنها كانت في حين من الأحيان دينا صحيحا في اعتقاد ~~أهلها. فلنوقن كل اليقين أن الناس كانوا يؤمنون بوثنيتهم حق الإيمان ولم يكن ~~بهم من ذهول ولا جنون ولا نوم ولا مرض، بل كانوا مع ذلك أصحاء العقول والحواس، ~~أيقاظا قد صورهم الله على صورنا، وخلقهم كخلقنا، لا فرق بيننا وبينهم في حال ~~من الأحوال. ولنوقن كذلك أنا لو كنا وجدنا معهم لآمنا بما كانوا يؤمنون به، ~~ولكنا وإياهم سواسية في سائر الأشياء». # ويتلخص رأي كارليل في أن كل دين فيه عنصر من الحق، والوثنية عنده ليست إلا ~~رموزا شعرية، وتمثيلا بالمرئيات لما جرى في وجدان الناس وأذهانهم عن الكون ~~ومظاهره، وكل دين فيما يرى إنما هو رمز وتمثيل، ولكن الاختلاف هو في المشاعر ~~والأفكار. والفرق بيننا وبين الوثنيين يرجع إلى الشكل أكثر مما يرجع إلى ~~الجوهر، لأن كلا منا يرى التفكير في ملكوت الله ms214 نوعا من العبادة، ونحن لو ~~أغرمنا بالكون كما أغرم الوثنيون به لرأينا الله في كل نجم، بل في كل ~~زهرة. # رأي الغزالي في الاجتهاد # لا يمكن لامرئ أن يكفر، في نظر كارليل، ما دام مخلصا في عقيدته، مهما كانت ~~تلك العقيدة. ولكن الغزالي يرى أن الاجتهاد له حد محدود والمختار عنده أن الإثم ~~والخطأ متلازمان فكل مخطئ آثم وكل آثم مخطئ، ومن انتفى عنه الإثم انتفى عنه ~~الخطأ، وهو يقسم النظريات إلى ظنية وقطعية، ولا إثم في الظنيات إذ لا خطأ فيها. ~~والقطعيات عنده ثلاث أقسام: كلامية، وأصولية، وفقهية. ويعني بالكلامية العقليات ~~المحضة، والحق فيها عنده واحد. ومن أخطأ الحق فيها فهو آثم. ويدخل في هذا القسم ~~حدوث العالم، وإثبات المحدث، وصفاته الواجبة والجائزة والمستحيلة، وبعثة الرسل ~~وتصديقهم بالمعجزات، وجواز الرؤية، وخلق الأعمال، وإرادة الكائنات، وجميع ما ~~الكلام فيه مع المعتزلة والخوارج والروافض والمبتدعة. فهذه المسائل الحق فيها ~~عنده واحد، ومن أخطأه فهو آثم فإن أخطأ فيما يرجع إلى الإيمان بالله ورسوله فهو ~~كافر. وإن أخطأ فيما لا يمنعه من معرفة الله عز وجل ومعرفة رسوله، كما في مسألة ~~الرؤية وخلق الأعمال وإرادة الكائنات، فهو آثم من حيث عدل عن الحق وضل، ومخطئ ~~من حيث أخطأ الحق المتيقن، ومبتدع من حيث قال قولا مخالفا للمشهور بين السلف، ~~ولا يلزمه الكفر. ويعني بالأصولية كون الإجماع حجة، وكون القياس حجة، وكون خبر ~~الواحد حجة ... إلخ. وهذه المسائل أدلتها عنده قطعية، والمخالف فيها مخطئ آثم. ~~والفقهيات بعضها يكفر المرء بإنكاره، وبعضها يأثم بجحوده، فإنكار تحريم الخمر ~~والسرقة ووجوب الصلاة والصوم كفر. وإنكار الفقهيات المعلومة بالإجماع خطأ ~~وإثم. # تحرير هذه المسألة # الأصل في الحكم الأخلاقي أن يتبع غرض العامل من عمله: إن خيرا فخير، وإن ~~شرا فشر. فالعمل الذي أريد به الخير هو خير، وإن كان ضارا في ذاته. والعمل ~~الذي أريد به الشر هو شر، وإن كان نافعا في ذاته. ويطالب الرجل فقط بأن يتروى ~~قبل أن يعمل، ليعرف ما في العمل من ms215 ضر ونفع، وخطأ وصواب. ومتى أفرغ الجهد في ~~البحث فقد أمن المسئولية، واستحق حسن الجزاء. # ولقد تتبعت ما كتبه علماء المسلمين في هذه المسألة فرأيتهم لا يكادون يهتدون. ~~وسبب ضلالهم يرجع إلى أنهم خلطوا بين الوجهة الأخلاقية، والوجهة القضائية، وكان ~~يجب عليهم أن يفصلوا بين الوجهتين. فالذي يقتل مسلما خطأ مدين من الوجهة ~~القضائية ولكنه بريء من الوجهة الأخلاقية، لأنه لم يقصد القتل. والشرع محق في ~~اعتماده على الوجهة القضائية، لأن فيها استئصالا للجرائم، ولأن القاضي متى عذر ~~كل من ادعى الخطأ فقد يفلت منه كثير من المجرمين. # والذي يدلك على أن وجهة الشرع وجهة قضائية صرفة، أنه يكتفي بإيمان المقلد. مع ~~أن الإيمان لا ينفع فيه التقليد. ويقول الباجوري في ص32 من حاشيته على الجوهرة ~~ما نصه: «والخلاف في إيمان المقلد إنما هو بالنظر لأحكام الآخرة وفيما عند ~~الله، وأما بالنظر إلى أحكام الدنيا فيكفي فيها الإقرار فقط. فمن أقر جرت عليه ~~الأحكام الإسلامية، ولم يحكم عليه بالكفر، إلا إن اقترن بشيء يقتضي الكفر ~~كالسجود لصنم.» وهذا واضح الدلالة على أن النجاة لا تكون باتباع الشرع. ولكن ~~بالإيمان به. والإيمان شيء آخر غير ظواهر الأعمال. # الخطأ والعناد # كان على الغزالي أن يفرق بين من يخطئ في العقليات بعد اجتهاده، وبين من ~~يعاند. فإن الأقرب إلى الحق أن ينجو من نظر في الشريعة الإسلامية من الفلاسفة ~~بنية حسنة وبقصد الاقتناع، ولكنه بعد البحث لم يقتنع، ولم يقف مع هذا في وجه ~~المسلمين. ولو أن الغزالي نظر هذه النظرة لما كفر ابن سينا والفارابي، إلا إن ~~أمكن أن يثبت عندهما العناد مع أنهما لم ينكرا الرسالة المحمدية، ولكن الناس ~~لعهد الغزالي كانوا فيما يظهر مصابين بداء الشك في عقائد الفلاسفة، ورميهم ~~بالمروق. # وقد جرت بيني وبين فضيلة الأستاذ الشيخ الدجوي مناقشة في هذه المسألة منذ ~~ثلاث سنين، فكان فضيلة الأستاذ يرى أن الكفر يكفي فيه الجهل، وكنت أرى أنه لا ~~يتحقق إلا بالعناد، ثم رأيت فيما بعد أن الجاحظ يرى هذا ms216 الرأي. وقد نقل الغزالي ~~في المستصفى «أنه ذهب إلى أن مخالف ملة الإسلام، من اليهود، والنصارى، ~~والدهرية، إن كان معاندا على خلاف اعتقاده فهو آثم، وإن نظر فعجز عن درك الحق ~~فهو معذور غير آثم، وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر فهو أيضا معذور. ~~وإنما الآثم المعذب هو المعاند فقط، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، ~~وهؤلاء قد عجزوا عن درك الحق، ولزموا عقائدهم خوفا من الله تعالى إذ استد ~~عليهم طريق المعرفة.» وينسب ابن الحاجب إلى الجاحظ أنه قال: «لا إثم على ~~المجتهد مع أنه مخطئ، وتجري عليه أحكام الكفار، بخلاف المعاند فإنه آثم.» وهذا ~~يدل على أن الجاحظ مع حكمه بنفي الإثم عن المجتهد المخطئ يرى معاملته كما يعامل ~~الكفار، وهذه بعينها الوجهة القضائية التي حدثتك عنها منذ قليل. # ويظهر أنه كان لهذا الرأي أنصار فيما سلف، فقد جاء في فصول البدائع ص424 ج2 ~~ما نصه: «وما نقل عن بعض السلف من تصويب كل مجتهد في المسائل الكلامية كخلق ~~القرآن، ونفي الرؤية، وخلق الأفعال، فمعناه نفي الإثم والمعذورية، لا حقية ~~القول والمأجورية.» وجاء في إرشاد الفحول ص241 ما نصه: «مسألة الرؤية، وخلق ~~القرآن، وخروج الموحدين من النار، وما يشابه ذلك: الحق فيها واحد، فمن أصابه ~~فقد أصاب، ومن أخطأه فقد يكفر. ومن القائلين بذلك الشافعي فمن أصحابه من حمله ~~على ظاهره. ومنهم من حمله على كفران النعم». # وحكم ابن الحاجب في المختصر عن العنبري أن كل مجتهد مصيب. قال ابن دقيق ~~العيد: «ما نقل عن العنبري والجاحظ، إن أرادا أن كل واحد من المجتهدين مصيب لما ~~في نفس الأمر، فباطل، وإن أرادا أن من بذل الوسع ولم يقصر في الأصوليات يكون ~~معذورا غير معاقب، فهذا أقرب. لأنه قد يعتقد فيه أنه لو عوقب وكلف بعد ~~استفراغه غاية الجهد لزم تكليفه بما لا يطاق.» انظر الشوكاني ص242. # ترجيح بلا مرجح # يرى الغزالي في كتاب «فيصل التفرقة» أن الرحمة تشمل كثيرا من الأمم السالفة، ~~وإن ms217 كان أكثرهم يعرضون على النار، إما عرضة خفيفة، في لحظة أو في ساعة، وإما في ~~مدة، حتى يطلق عليها اسم بعث النار. ويرى أن أكثر نصارى الروم والترك لعهده ~~تشملهم الرحمة، لأن منهم من لم يبلغه اسم محمد، ومنهم من بلغه اسمه مقرونا ~~بأكاذيب تصرف المرء عن النظر. ويرى في كتاب «الصحبة» أنه لا ثواب ولا عقاب إلا ~~على الأفعال الاختيارية. # ونسأله: لماذا وجوب أن تشمل الرحمة كثيرا من الأمم السالفة؟ أليس ذلك لأنهم ~~معذورون؟ ولماذا حكمت بنجاة الترك ونصارى الروم ممن لم تبلغهم الدعوة، أو ~~بلغتهم محرفة مشوهة؟ أليس ذلك لأنهم معذورون؟ ولماذا قضيت بأنه لا ثواب ولا ~~عقاب إلا على ما يفعل المر باختياره؟ أليس ذلك لأن عقاب المرء على ما اضطر ~~إليه، أو أكره عليه، ظلم وعدوان؟ # وإذا كان ذلك كذلك، كما يعبر الكتاب الأقدمون، فلماذا تحكم بكفر من لم يعلم ~~وجوب النظر، أو علم بوجوب النظر، ولكنه بعد البحث لم يقتنع. ولماذا تحكم بنفي ~~الإثم عمن يجتهد ويخطئ في المسائل الفقهية، وتحكم بالإثم والكفر على من يجتهد ~~ويخطئ في المسائل الكلامية؟ ألا يسع العذر جميع المفكرين على السواء؟ فإن لم ~~يسعهم أفلا يكون هذا الفرق ترجيحا بلا مرجح، وهو في رأيكم غير معقول؟ # ظلم الأبرياء # وما عجبت لشيء كما عجبت من حكم الجاحظ بمعاملة المعذورين كما يعامل الكفار. ~~فإنه إذا صح لديه أن مخالف ملة الإسلام من اليهود والنصارى والدهرية، إن نظر ~~فعجز عن درك الحق فهو معذور غير آثم، وإن لم ينظر من حيث لم يعرف وجوب النظر ~~فهو أيضا معذور، وإنما الآثم المعذب هو المعاند فقط، أقول إذا صح عنده ذلك ~~فكيف يحكم بأن يعامل هؤلاء معاملة الكفار، وهم عند الله ناجون؟ أفنكون نحن أغير ~~من الله على دينه الذي لم يكلف فيه نفسا إلا وسعها؟ # ولقد أعلم أن الجاحظ لو كان حيا وسمع هذا السؤال، لأجاب بأن في هذا التشديد ~~تقليلا للخوارج على الدين. وهذا جواب معقول، ولكن يلاحظ أنه تأييد لما قلناه ms218 ~~آنفا من أن علماء المسلمين نظروا إلى هذه المسائل من وجهة قضائية، لا من وجهة ~~أخلاقية. وكان عليهم أن يتنبهوا إلى الفرق بين القضاء والأخلاق، فمن الواضح أن ~~القتل الخطأ معاقب عليه من الوجهة القضائية، مع أن الذي يقتل خطأ بريء أمام ~~نفسه، وأمام ربه، وأمام الواقع. # وأحب أن أنبه القارئ إلى أني في هذا الحكم لا أتكلم من وجهة شرعية، فقد يدعي ~~المدعون أن الشرع لا يعرف ذلك. وإنما أتكلم من وجهة فلسفية، وأفترض أن الشرع إن ~~لم يتنبه لهذا الحكم فقد كان يجب أن ينتبه له، وأن يضع له الحدود، فإن المعذور ~~بريء، ومن الظلم أن يقتل الأبرياء. ~~(6) الغزالي وسبينوزا # Spinoza # ولد «سبينوزا» في أمستردام سنة 1632 من عائلة يهودية. وقد اضطهده اليهود لشكه في ~~تعاليم اليهودية. وهم أحدهم بقتله. فاضطر لذلك إلى أن يعتزل في لاهاي. وصار يكسب ~~قوته بالعمل في صقل زجاج التلسكوب والميكروسكوب. وقد عرض عليه أصدقاؤه المساعدة عدة ~~مرات، ولكنه رفض قبول المعونة بعزة وإباء. وعرض عليه منصب أستاذ الفلسفة بجامعة ~~هيدلبرج، ولكنه لم يقبل. حبا في الاستقلال. وعاش عيش الناسكين. وقد أصيب بمرض ~~الصدر، فاحتمله بلا شكاية. ثم مات سنة 1677 بعد أن حكم أهل عصره بكفره. # وأهم مؤلفاته # Traité théologico-politique # وقد ~~نشر في حياته، وفيه أخضع الكتاب المقدس للنقد وحرية الفكر. وكتابه # Ethique # ظهر بعد موته، وفيه بسط مذهبه عما وراء ~~الطبيعة، وتكلم عن النفس، والأهواء، والشهوات. # وسبينوزا من أشد أنصار مذهب الحلول: فهو يرى أن الله هو كل شيء. وأن كل شيء هو ~~الله. وهو في ذلك يخالف الغزالي إذ يرى لله وجودا غير وجود العالم. والله في رأيه ~~هو المدبر لهذا الكون، ولكن سبينوزا يرى أن الله والعالم شيء واحد، ويرى الله حالا ~~في كل ذرة، وفي كل حبة، وفي كل نبتة وفي كل ورقة، وفي كل دابة، إلى آخر ما في ~~الوجود. وليس للإنسان حرية، وإن اعتقد أنه حر، وإنما يحلم وأعينه مفتوحة! # ومن أجل هذا ثار رجال الدين ms219 على سبينوزا ورموه بالزندقة، قال الدكتور رابوبرت: ~~«وما كان أبعده عن الإحاد، فقد كان مملوءا بحب الله، حبا جاءه عبر الطبيعة، فمن ~~كأس الطبيعة قد شرب الألوهية حتى ثمل، وحتى أصبح لا يرى أمامه إلا الله.» # 3 # وهذا الاعتذار يشبه ما اعتذر به المسلمون عن البسطامي والحلاج، ومن ~~إليهم من القائلين بوحدة الوجود. # وغاية الأخلاق عند سبينوزا هي كمال الطبيعة الإنسانية، فكل علم لا يفضي إلى ذلك ~~فهو في رأيه غير مفيد، وهو يتفق مع الغزالي في هذا المعنى الأخير؛ أي في احتقار كل ~~علم لا يوصل إلى السعادة، وإن اختلفت غايتهما بعض الاختلاف. فإن غاية الأخلاق عند ~~الغزالي هي السعادة الأخروية. # ومع أن سبينوزا يعمل لكمال الطبيعة الإنسانية، فإنه يرى أن التمييز بين النقص ~~والكمال، والخير والشر، من الأمور الاعتبارية، إذ ليس هذا التمييز إلا صورة ننتزعها ~~من الموازنة بين الأشياء. فإذا كان الغزالي يرى أن الخير هو ما أمر الله به، والشر ~~ما نهى الله عنه فإن سبينوزا يرى أن الخير هو النافع، والشر هو الضار. وبعبارة ~~أخرى: الخير هو ما يزيد قوتنا ويعدها للعمل، والشر هو ما يضعفها أو يضع في سبيلها ~~العوائق. وينتج من ذلك أن الخير يحدث الفرح والشر يحدث الحزن. # ويبقى بعد ما سلف أن السعادة كل السعادة في إكمال العقل لأنه في رأيه هو وجودنا ~~الحق، ثم يقرر أن السعادة في الواقع هي طمأنينة النفس، التي تنشأ من معرفة الله، ~~فليس الجهل شرا إلا لأن صاحبه دائم القلق والاضطراب، وليس للحكمة فضل أكثر مما ~~تورث صاحبها من الأمن والسكينة، وهو يتفق مع الغزالي في هذه النقطة الأخيرة. # ومن أظهر الفروق بين الغزالي وسبينوزا نفي الشخصية الإنسانية، ونفي المسئولية. ~~وهذا واضح، لأنه ما دام العالم هو الله، والله هو العالم، فلن يرى سبينوزا للمرء ~~شخصية، ولن يحكم بأنه مسئول. أما الغزالي فيرى جود الشخصية الإنسانية ويرى أهليتها ~~للجزاء والثواب والعقاب، وإن كانت عنده أضعف من أن تدرك شيئا بغير هداية ~~الله. ~~(7) الغزالي وجسندي # Gassendi ms220 # ولد «جسندي» في بروفنس بجنوب فرنسا سنة 1592. # اشتغل حينا بتدريس البلاغة والفلسفة، ثم صار قسيسا وسافر إلى هولنده واشتغل ~~بالطبيعيات ولا سيما الفلك والتشريح، ثم دعي لتدريس الرياضيات بالمدرسة الملكية في ~~باريس سنة 1645 وظل بها إلى أن توفي سنة 1655. # وأهم ما يمتاز به جسندي هو دفاعه عن فلسفة أبيقور المتوفي سنة 270 قبل الميلاد. ~~وأبيقور هذا يرى أن غاية الأخلاق هي السعادة الذاتية؛ فليست الفضيلة فضيلة إلا ~~لأنها تجلب لذة، وليست الرذيلة رذيلة إلا لأنها تحدث ألما، ولا قيمة لأي عمل في ~~نفسه إلا بنسبته إلى اللذائذ والآلام. وقد كان أبيقور يدافع عن مذهبه بطريقة تقربه ~~من رضا العقلاء، فكان يرى أنه لا مانع من احتمال الآلام، لأن ما في الخروج على ~~الفضيلة من اللذة لا يساوي ما يعقبه من الألم، وكذلك ما في الصبر على ترك الرذيلة ~~من فوات اللذة العاجلة، يعوض على صاحبه كثيرا من الآلام التي يتعرض لها باقتراف ~~المنكرات. # ولكن الناس فهموا مذهب أبيقور فهما غير صحيح، فحسبوه فقط داعيا إلى اللذة ~~وأخذوا يصفون الرجل الخليع بأنه (أبيقوري) فجاءه «جسندي» فأحيا تعاليم هذا المذهب ~~ودافع عنه. وقد أثر جسندي في عصره تأثيرا شديدا. وحسبه أن كان من تلامذته ~~«موليير». # والغزالي تكلم عن اللذة، وعني بها كما فعل جسندي، ولكن الفرق بيهما بعيد، فإن ~~جسندي يرى اللذة غرضا من أهم أغراض الإنسان. ولكن الغزالي يراها صفة من صفاته، ~~فللعين لذة، وللأذن لذة، ولعضو التناسل لذة. ولا قيمة للحياة بغير هذه اللذات. ولكن ~~يجب أن تحد بحدود العقل والشرع، ومن السهل أن يعرف المرء ما لهما من الحدود. ولكن ~~جسندي يحد اللذة بما لا يصحبه ألم ولا يعقبه ألم. وهنا موضع الخلاف، فإن الزنا في ~~نظر الغزالي ليست له أضرار دنيوية، ولكنه يذهب بصاحبه إلى النار. ~~(8) الغزالي ومالبرانش # Malebranche # ولد «مالبرانش» في باريس سنة 1638 ومكث قسيسا خمسين سنة. وكان كل همه أن يوحد ~~بين الدين والفلسفة. وقد توفي بعد مرض طويل سنة 1715. # وأهم مؤلفاته # Traité de ms221 Morale, Recherche de la ~~Vérité # وهو من أنصار ديكارت والمعجبين به، ومن القائلين بوجوب ~~حرية الفكر إلى أقصى حد. والقاعدة عنده أنه لا يصح أن نسلم تماما إلا بالقضايا ~~التي تظهر لنا واضحة إلى حد أنه لا يمكننا أن نرفض التسليم بها، وإلا تعرضنا لعتب ~~العقل، وتأنيب الضمير. # والقاعدة الأخلاقية عند مالبرانش أنه لا يصح أن نحب خيرا من الخيرات حبا ~~تاما، ما دمنا نستطيع ألا نحبه بلا ندم. وهنا يتفق مع الغزالي، فيقرر أنه لا يجب ~~أن نحب غير الله حبا تاما مطلقا. ونحن نذكر أن الغزالي قرر أن الحب المطلق لا ~~يكون لغير الله، لأنه لا نظير له، لا في الإمكان ولا في الوجود. # ويتفق مالبرانش مع الغزالي في عدم الثقة بأحكام الحس، لأنه رأى البصر يختلف حكمه ~~على الأشياء باختلاف القرب والبعد، ويضيف إلى ذلك شكه في الوحدة الزمنية، لأنه يرى ~~اليوم على طوله قصيرا بالنسبة إلى الفرح المسرور. ويرى الساعة على قصرها طويلة ~~بالنسبة إلى المتألم الحزين. # ويتفق الغزالي ومالبرانش في فهم الرجل الخير، فإذا كان الغزالي يقرر أنه ما هلك ~~امرؤ عرف قدره، فإن مالبرانش يقرر أن الإنسان الخير حقيقة هو من لا يريد أن يكون ~~سعيدا إلا بقدر ما يستحق، وبقدر ما تسمح له العدالة الإلهية. # ويفترق الغزالي ومالبرانش في تقدير اللذة، فهي عند الغزالي خير إلى حد محدود، ثم ~~تنقلب إلى شر. وهي عند مالبرانش خير دائما، وإن كان التمتع بها لا يفيد دائما، ~~لأنها قد تصرفنا عن الله. ويختلفان كذلك في فهم الألم، فهو عند مالبرانش يكاد يكون ~~خيرا، وإن كان شرا بالفعل. والغرض من ذلك تبرير الاحتمال. أما الغزالي فلا يخص ~~الألم باهتمام خاص، وإن كان يرحب بكل ما يناله من الأذى في سبيل الله. # وبعد هذه المقارنات الموجزة. أوصي القارئ بأن يعتبر هذا الباب لمعة يسيرة في جانب ~~ما يجب من درس آراء الفلاسفة المحدثين وأحضه على إتمام ما فاتني إتمامه، والله ~~بالتوفيق كفيل. # الباب الرابع عشر # | في آراء علماء ms222 العصر في الغزالي # | تمهيد # لا يوجد هذا الباب في النسخة التي قدمت للجامعة المصرية، وإنما رأيت أن أكتبه بعد ~~الامتحان، تتميما للسلسلة التاريخية، التي أردت أن أبين بها قيمة الغزالي في مختلف ~~العصور. # ولقد عجبت حين رأيت العلماء يخشون من تدوين رأيهم في الغزالي بجرأة وصراحة. وحجتهم في ~~ذلك أن الرأي العام لا يقبل في الغزالي غير المدح الخالص، وللغزالي كسائر المؤلفين ~~حسنات وسيئات، وهم لا يستطيعون أن يبدوا شيئا من سيئاته في العلانية، كما لا يمكنهم أن ~~يذكروا حسنات مجردة من النقد، وإلا كانوا عرضة للسخرية والاستهزاء! # وإذا كانت الخطة التي جريت عليها في نقد الغزالي تقضي علي بنشر ما له وما عليه، عملا ~~بالنزاهة العلمية، فقد رأيت أن أثبت آراء أنصار الغزالي وخصومه في هذا العصر، وأدونها ~~كما هي بلا زيادة ولا نقص، معتمدا في ذلك على محادثات خاصة دارت بيني وبينهم، وعلى سند ~~كتابي فيما يتعلق برأي حضرة صاحب العزة الأستاذ محمد بك جاد المولى وحضرة صاحب الفضيلة ~~الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار. وأنا أشكر هذين الأستاذين بصفة خاصة؛ لأني لم أر من ~~غيرهما جرأة على التقدم بشيء مكتوب، وأعذر من أن أحجم عن الكتابة، لأن الضجة التي قامت ~~بعد الامتحان أفهمت من لم يفهم: أن حرية الفكر في مصر لا ظهير لها ولا نصير. # | في آراء علماء العصر في الغزالي # (1) رأي الدكتور منصور فهمي # الدكتور منصور علم من أعلام هذا العصر، وهو أستاذ الفلسفة في الجامعة المصرية، ~~وقد لاقى بسبب آرائه ما يقدر لأمثاله عادة من الظلم والاضهاد. فصلته الجامعة في سنة ~~1913 مجاراة للجمهور الذي غضب وثار بسبب ما شاع إذ ذاك من أنه رمى النبي عليه ~~الصلاة والسلام بحب الشهوات. وقد رأى حضرة صاحب الدولة سعد باشا زغلول أن حرمان ~~الجامعة من مثل هذا العقل الناضج ظلم مبين، فنصحه يومئذ بأن يصلي الجمعة في الأزهر ~~ليكون في ذلك قطع لألسنة المرجفين، وليستطيع دولته أن يرجعه إلى الجامعة، ويصل من ~~عمله ما انقطع، ولكن الدكتور ms223 منصور أبى أن يشهد العلماء له بالإيمان؛ لأن الله على ~~إيمانه شهيد، فشكر لسعد باشا رفقه به، وظل بعيدا عن الجامعة بضع سنين. ثم رجع ~~إليها عالي الرأس في سنة 1921. # وللدكتور منصور رسالة عن الغزالي نال بها الدكتوراه من جامعة باريس، فلرأيه في ~~الغزالي قيمة خاصة. وهو لا يعد خصما للغزالي ولا نصيرا له، وإنما يشكره على ما ~~أداه للعلم من الخدمات. ~~(2) رأي الشيخ علي عبد الرازق # الأستاذ الشيخ علي عبد الرازق رجل ممتاز من بين رجال هذا العصر، وقد تلقينا عنه ~~دروس الأدب والبيان في الأزهر منذ اثني عشر عاما، وأماليه في علم البيان دليل على ~~عقليته النادرة. ولو مضى في التأليف لأصبح قليل الأمثال. # وقد درس الغزالي بعناية، وهو يقف إزاءه موقف الحياد، ويقرر أن الغزالي أوجد حركة ~~فكرية في العالم الإسلامي. أما قيمة هذه الحركة فتختلف باختلاف الأنظار، فمن الناس ~~من يراها ضارة ومنهم من يراها نافعة، ولا يزالون مختلفين. ~~(3) رأي الشيخ يوسف الدجوي # الأستاذ الشيخ يوسف الدجوي عالم من هيئة كبار العلماء، وهو ذو نفوذ كبير في ~~الأزهر والمعاهد الدينية، وأكثر العلماء الممتازين اليوم من تلامذته. ومن الخطأ أن ~~تعرفه من مؤلفاته، لأنها مع قلتها ضعيفة، ولأن الفرق بعيد بين ما يقوله في دروسه ~~الخاصة وبين ما يدونه في تلك المصنفات، إذ كان يريد أن يصل بكتبه إلى أفهام ~~الجماهير، ومن هنا فقدت هذه الكتب قيمتها العلمية. ورسالته الصغيرة في تفسير قوله ~~تعالى: # لا يسأل عما يفعل # 1 # تجعلنا نأسف كثيرا على هجره لهذا الأسلوب البديع، وإقباله على خطة ~~الترغيب والترهيب، التي تذكرنا بكتاب الإحياء. # ويكاد يعد الشيخ الدجوي خليفة للغزالي في هذا العصر، ففيه تقريبا كل خصائصه، من ~~القدرة، والإخلاص، وقوة النفوذ، وبغض الفلسفة، والحذر من أن يتجاوز العقل ما له من ~~الحدود. ~~(4) رأي الشيخ جاد المولى # الأستاذ محمد بك جاد المولى من نوابغ هذا العصر. تخرج من دار العلوم سنة 1906 ~~وكان ترتيبه الثاني، فسافر في أول بعثة أرسلها دولة سعد باشا زغلول حين ms224 كان وزيرا ~~للمعارف في سنة 1907 فقضى ثلاث سنين في الكلية الجامعة بمدينة ردنج. ثم عين في سنة ~~1910 مساعدا لأستاذ اللغة العربية بجامعة أكسفورد وقضى بها ثلاث سنين. ثم عاد في ~~سنة 1913 فعين في قلم الترجمة بوزارة الأشغال فقضى بها ثلاث سنين. وفي سنة 1916 نقل ~~إلى الديوان العالي، وظل في خدمة الملك إلى سنة 1922 حيث نقل مفتشا بوزارة المعارف ~~العمومية. # وقد انتدبته الوزارة مع حضرة الأستاذ عبده خير الدين ليشتركا في الامتحان الذي ~~تقدمت له في الجامعة المصرية. ويذكر الجمهور أن الأستاذ جاد المولى بك كان يتأجج ~~غيرة على الغزالي، وقد ناقشني بشدة في كل الموضوعات التي خالفت فيها الغزالي. فبدا ~~لي بعد الامتحان أن أحادثه عن الغزالي من جديد، فتوجهت إلى منزله لهذه الغاية، ~~فتفضل وأطلعني على المحاضرات التي كان ألقاها عن الغزالي في سنة 1918 فرأيته يفضله ~~على كثير من الفلاسفة المحدثين منهم والقدماء. # والأستاذ جاد المولى بك لا يشك في أن المسلمين انتفعوا بالتصوف أيما انتفاع، ~~وبقدر نفع التصوف بقدر جهد الغزالي في نشره وإذاعته. وقد كان الأستاذ جاد المولى بك ~~يستشهد وهو يحدثني عن ذلك بما كتبه الأستاذ الغمراوي بك في كتاب الغرائز ويقول: إن ~~الصوفي هو كالمعلم سواء بسواء، فكما يجب على المعلم أن يعمل لاستئصال الغرائز ~~السيئة، وتوجيه الغرائز الحسنة إلى النواحي النافعة، كذلك يجب على الصوفي أن يراقب ~~حركات المريدين، لأن التصوف ليس إلا رياضة للنفوس . # وبالرغم من عناية الغزالي بالتصوف فإن الأستاذ جاد المولى بك يراه من المجددين، ~~وقد سألته عن معنى هذا التجديد، فقرر أنه يريد به النهوض بالأفكار الإسلامية التي ~~آمن بها الغزالي، والتي كاد يقضي عليها تيار الفلسفة إذ ذاك. ~~(5) رأي الشيخ عبد العزيز جاويش # والأستاذ عبد العزيز جاويش إمام من أئمة المسلمين في هذا العصر. وهو معروف في ~~جميع الأقطار الإسلامية، وله أبحاث في فلسفة التشريع تعز على من رامها وتطول، وقد ~~استفاد من النفي والاضطهاد أيما استفادة، ووقف بذلك على كثير من عقليات ms225 الأمم ~~والشعوب، وعده الإنكليز من بين أعدائهم الألداء في الحرب العالمية. ولقبوه بالرجل ~~الخطر المخيف. # ويعد الشيخ جاويش من خصوم الغزالي. فهو أولا يؤمن بقوة الغزالي ومتانته، ولكنه ~~بعد ذلك يعجب من تساميه إلى منزلة المجتهد المطلق، مع أنه كان «جاهلا» بفن الحديث. ~~ويرى الشيخ جاويش أن جهل الغزالي بهذا الفن هو المقتل الوحيد لقيمته العلمية، ولن ~~ينفعه بعد ذلك ذيوع اسمه في العالمين. ويقرر الشيخ جاويش أن الغزالي متناقض، وأنه ~~من الصعب تحديد آرائه لأنها قد تختلف في الكتاب الواحد، ولأنه لم ينكر شيئا إلا ~~وقد قال به في بعض أحواله. ~~(6) رأي الكونت دي جالارزا # ظل الكونت دي جالارزا أستاذا للفلسفة في الجامعة المصرية ست سنين، وهو نادرة ~~النوادر في كرم الأخلاق. وله مؤلفات في الفلسفة لا عيب فيها غير الغموض، وعذره في ~~ذلك أنه أجنبي عن اللغة العربية. # وهو من أشد أنصار الغزالي، ويراه المسلم الحق بين فلاسفة المسلمين ويعجب كثيرا ~~بوجهته الروحية وله على الغزالي مأخذ واحد وهو منعه الناس من ورود مناهل العلم، مع ~~أنه لم يمنع نفسه شيئا من العلوم. ويرى أن الغزالي حرم بذلك من كانوا أهلا ~~للاستفادة، وإن كان عصم من ليسوا أهلا للانتفاع، من سواد الناس. والغزالي في رأيه ~~غاية الغايات في الإخلاص. ~~(7) رأي الدكتور العناني # الدكتور علي العناني من كبار الأساتذة في هذا العصر، وقد مكث في ألمانيا نحو عشر ~~سنين، فتمكن بذلك من أن يدرس الفلسفة دراسة عميقة، وهو من أساتذة الجامعة ~~المصرية. # والدكتور العناني ينظر إلى الغزالي نظرة خاصة، من حيث تطور الفكر الإسلامي فهو ~~يرى أن الفكرة الإسلامية كانت تعتمد أولا على الوحي، ثم دخل العقل على أنه مفسر ~~وموضح، ولكنه ما زال يقوى وينمو حتى كاد يستقل عن الوحي استقلالا تاما، فرأى ~~الغزالي أن يقف في وجه هذا الاستقلال، فأخذ يحارب الفلاسفة ويناضلهم حتى أخمل ذكرهم ~~في الشرق، وبذلك انتقلت الفلسفة إلى الأندلس، ووجدت هناك مرعاها الخصيب. # والدكتور العناني يرى أن الغزالي سلك تلك السبيل خضوعا للرأي ms226 العام في البداية، ~~ولكنه تأثر بما دعا إليه في النهاية، وعاد حربا للعقل، وسلاما للمبادئ الروحية. ~~وهو لا يصدق ما ذكره ابن تيمية من رجوعه إلى ظاهر الشريعة، فإن الرجل كان أخذ أخذا ~~بمذاهب الصوفية، وإن كان لا ينكر مع ذلك أن له آراء كان يخفيها ويضن بها على ~~الناس. ~~(8) رأي الشيخ عبد الوهاب النجار # الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار نادرة هذا العصر، فقد يندر أن يفوته شيء من ~~معارف هذا الجيل. وهو أعرف الناس بروح العرب والإسلام. وقد درس الغزالي دراسة جيدة. ~~وله على هذا الكتاب ملاحظات يراها القارئ في الهوامش، وهي ملاحظات سديدة لم نشأ أن ~~نحرم منها القراء. وقد قابلته أخيرا فذكر لي أنه فاته أن يضع ملاحظة عما أخذته على ~~الغزالي من تحريم الغناء في أكثر الأحيان، وهو يرى أن الغزالي محق فيما يقرر من ~~الاكتفاء بإباحة الغناء حين لا يوجد موجب التحريم. لأن مهنة الغناء مجلبة للشقاء، ~~وعلى الأخص حين تضطرب الأحوال. # ورأي الشيخ النجار في الغزالي رأي وسط: فهو يرى أنه في جملته لا نظير له، وأن ~~الحكم بتناقضه فيه شيء من المبالغة، لأن الرجل كان ينظر إلى الأشياء من جهات ~~متعددة، وكان لسنه في ذلك أكبر تأثير. وينكر عليه المبالغة في متابعة الصوفية، ~~ويضرب المثل بما يبيحه للفقير من تمزيق الثوب قطعا مربعة تصلح للترقيع ويقول: هذا ~~الفقير إما أن يكون في حالة صحو أو في حالة ذهول؛ فإن كان ذاهلا فهو معذور، ولا ~~حكم له، وإن كان صاحيا فهو عابث، لأنه ما معنى تمزيق الثوب بطريقة خاصة تجعله ~~صالحا لأن يرقع به سواه؟ إن هذا إلا إتلاف! ~~(9) رأي الشيخ حسين والي # الأستاذ الشيخ حسين والي من كبار العلماء ومؤلفاته تمتاز بالوضوح والبيان، وعلى ~~الأخص (كتاب التوحيد) الذي ظهر منذ سنين، ولولا أنه شغل بالإدارة عن التأليف لكان ~~لمصنفاته تأثير عظيم في بسط آراء المتقدمين في الأصول والتوحيد والأخلاق. # ويعد الشيخ حسين والي من أشد أنصار الغزالي، فهو يدافع عن وجهته في التصوف ms227 لأن ~~التصوف في رأيه لا يخرج عن الأصول الإسلامية، والغلو الذي نراه في الإحياء ليس إلا ~~تمكينا للمعاني التي يدعو إليها الغزالي. وهو لا يرى أن الغزالي قصد بمؤلفه فئة من ~~الناس، وإنما يرى أنه كتبها لجميع الطوائف، وكل فريق يأخذ بقدر استعداده، وبقدر ما ~~يصلح له من أنواع الخلال. والغزالي عنده معذور فيما وقع له من ضعيف الحديث. لأنه لم ~~يرد غير تأييد وجهة نظره فيما اتفق له من الأحاديث والأخبار والآثار. ومن البعيد أن ~~يضع حديثا في كتاب من كتبه وهو يعلم أنه موضوع أو ضعيف، مع ما عرف عنه من الأمانة ~~والإخلاص. ~~(10) رأي الشيخ عبد الباقي سرور # الأستاذ الشيخ عبد الباقي سرور من العلماء الأفذاذ الذين جمعوا بين المعقول ~~والمنقول وكتابه عن «ماضي الإسلام وحاضره» الذي نشره في جريدة الأفكار من أدق ما ~~كتب المصلحون في العهد الأخير. ويندر أن يظهر كتاب ولا يطلع عليه، فهو لذلك أعرف ~~العلماء بالحركة الفكرية، وأعلمهم بما يجري في عالم السياسة، والفلسفة والاجتماع، ~~وهو فوق ذلك أغير الناس على وطنه ودينه، وإنه لعلى خلق عظيم. # ويرى الشيخ عبد الباقي أنه ليس للغزالي مذهب خاص، وإنما يتنوع دفاعه بتنوع الرأي ~~الذي يدافع عنه، وهذا منشأ ما في كتبه من تباين الآراء: فقد كان يحتج بأصول ~~المعتزلة والأشعرية والكرامية، وهو يناقش الفلاسفة، ويريد أن يجمع في يده كل ~~الأسلحة الفكرية ليدفع بها طغيان الفلسفة الذي كان يخشى على الدين من تياره. والشيخ ~~عبد الباقي يرى أن التصوف في كتب الغزالي إنما كتب للصوفية، لا لجميع الناس، كما ~~يظن ذلك كثير من الباحثين. ودليل هذا رجوعه في أخريات أيامه إلى دراسة كتب السنة ~~حتى ليذكرون أنه مات والبخاري على صدره. ولعدم اختصاص الغزالي بمذهب خاص وجهة ~~شريفة، هي تحري الحق والبحث عن عناصر القوة فيما كان لعهده من مختلف المذاهب. وهذه ~~الوجهة فيما يرى الشيخ عبد الباقي ضمان للسلامة من التقاليد المذهبية التي تغل حرية ~~الفكر، وتحرم الباحث من الانتفاع بثمرات العقول. ~~(11) رأي الشيخ ms228 أحمد أمين # أحسن ما يوصف به الأستاذ الشيخ أحمد أمين أنه رجل نافع، فإن كتبه ورسائله مفعمة ~~بالآراء الجيدة، التي تغرس الحياة في نفس المستفيد. وعمله في لجنة التأليف والترجمة ~~والنشر عمل الرجل الذي يعرف أن لا حياة لأمته بغير العلم، ولهذه اللجنة أثر كبير في ~~الحركة العلمية، ولأعضائها فضل عظيم على شباب هذا الجيل. # ويرى الشيخ أحمد أمين أن الغزالي حول الناس عن الاشتغال بالفلسفة، ورجعهم إلى ~~الكتاب والسنة، وأعلى شأن التصوف والصوفية. وحبب ذلك إلى الناس. وأسلوبه في الترغيب ~~والترهيب أنفع الأساليب في هداية الجماهير. ويرى معنا أن الغزالي لم يضع طريقة ~~نافعة لخلوص المرء من شكوكه. وأن آراءه في الأخلاق لا تنفع في هذه الأيام، لأن ~~المدنية الحديثة تتطلب قوة التنازع، وهو يفضل السلامة على كل شيء! # | خاتمة الكتاب # الآن، وقد قدمنا للقارئ ما وفقنا إليه في درس الأخلاق عند الغزالي، نوصيه بأن يرجع إن ~~شاء إلى كتاب الإحياء، وكتاب الميزان، وكتاب المنهاج، وكتاب المستصفى، وإلى المصادر ~~الأجنبية التي ذكرناها في غير هذا المكان، وإلى كل ما يستطيع الوصول إليه مما يتعلق ~~بالغزالي، ليعرف صحة ما في هذا الكتاب من مختلف الأحكام. # ونحن لا ننكر أننا كنا قساة في نقد الغزالي، ولكنا نرجو أن يتنبه القارئ أيضا إلى ما ~~كشفنا الغطاء عنه من حسناته. ونحب أن يذكر الذين أسرفوا في اللوم عندما علموا بعض ما ~~يحتويه هذا الكتاب، أننا لم نكتب لإرضائهم أو إغضابهم ، وإنما وضعنا نصب أعيننا غاية ~~واحدة، هي خدمة العلم والتاريخ، خدمة خالصة لوجه الله، لا للناس. # وأحب أن أسجل هنا كذلك، أني ترددت فيما نصحني به حضرات الأساتذة من رفع بعض المسائل ~~التي ثار من أجلها الخلاف، فلم أرفع منها شيئا، وإنما أضفت إليها بعض البيان، فليس على ~~لجنة الامتحان أية مسئولية، وإنما أنا وحدي المسئول. ~~••• # أما بعد فإني أسأل الله أن يجزيني بفضله على ما قدمت في سبيل العلم والدين من صادق ~~الجهود، وإليه وحده أرفع الرجاء، فقد مني الناس بالجحود، ونكران ms229 الجميل. # ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان ~~أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ~~وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار * ~~ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم ~~القيامة إنك لا تخلف الميعاد ~~. # 1 # الإسلام والأخلاق # 2 # يقول المرجفون إني قررت أن الدين الإسلامي دين فتح لا دين أخلاق. ولولا ضعف ملكة ~~النقد في مصر لما شاعت هذه الأكذوبة، ولما وجدت من يتلقاها بالقبول. فليس من الجائز ~~أن رجلا مثلي قضى في الأزهر خمسة عشر عاما يحكم بين الجماهير في دار الجامعة ~~المصرية بأن الدين الإسلامي ليس دين أخلاق، وهو يعلم على الأقل أنه يجد معارضين ~~أشداء من طلبة الأزهر وعلمائه، وقد حضر منهم يومئذ عدد غير قليل. # وهأنذا أشرح للقراء أصل هذه الأكذوبة التي تناقلها الناس، ليعلموا إلى أي حد يجرؤ ~~المتقولون على تشويه الأحاديث! # قلت في رسالتي: «إن ما كتبه الغزالي عن التوكل صريح في الدعوة إلى الرهبنة، وقطع ~~العلائق مع الناس، والتدرج على احتمال الظمأ والجوع، والاقتناع بأن الموت من جملة ~~الأرزاق» فلما سألني حضرات الأساتذة الممتحنين عما يؤيد هذا الحكم من كلام الغزالي، ~~قدمت لهم قوله: «فإن قلت فما قولك في القعود في البلد بغير كسب: أهو حرام أو مباح ~~أو مندوب؟ فاعلم أن ذلك ليس بحرام، لأن صاحب السياحة في البادية إذا لم يكن مهلكا ~~نفسه، فهذا كيف كان لم يكن مهلكا نفسه، حتى يكون فعله حراما، بل لا يبعد أن يأتيه ~~الرزق من حيث لا يحتسب ولكن قد يتأخر عنه، والصبر ممكن إلى أن يتفق. ولكن لو أغلق ~~باب البيت على نفسه بحيث لا طريق لأحد إليه ففعله ذلك حرام، وإن فتح باب البيت وهو ~~غير مشغول بعبادة فالكسب والخروج أولى له. ولكن ليس فعله حراما إلى أن يشرف على ~~الموت، فعند ذلك يلزمه الخروج والسؤال والكسب». # وهنا لا أكتم القارئ أني حملت على الغزالي حملة شديدة ورميته بجهل أسرار الدين، ~~وسخرت من الآداب التي وضعها للمتوكل حين يخرج من بيته: إذ ms230 يدعوه إلى أن لا يترك في ~~البيت متاعا يحرص عليه السراق، وإلى أن لا يحزن إذا سرق متاعه بل يفرح إذا أمكنه، ~~وإلى أن لا يدعو على السارق الذي ظلمه بالأخذ، فإن فعل بطل توكله ودل على تأسفه على ~~ما فات، ويدعوه إلى أن يغتم لأجل السارق وعصيانه وتعرضه لعذاب الله، ويشكر الله إذا ~~جعله مظلوما ولم يجعله ظالما! # ثم قلت في التعليق على هذه الآداب الميتة «وما أدري ما الذي أنسى الغزالي أن يحض ~~المتوكل على أن يترك باب البيت مفتوحا وأن يعلق عليه لوحة مكتوبا فيها بخط واضح ~~وجميل: من أراد أن يأخذ شيئا من هذا البيت فهو مغفور الذنب، بل مجزي بما مكن صاحبه ~~من صنع المعروف»! # عند ذلك تذمر الحاضرون من العلماء، وقال فضيلة الشيخ اللبان: لا عيب على الغزالي ~~في ذلك لأن الدين الإسلامي دين أخلاق، فقلت: وهو قبل ذلك دين فتح وامتلاك، وليس من ~~الأخلاق في شيء أن يجرد المرء بيته حتى لا يبقى فيه متاع يحرص عليه السراق، فهل ~~جانبت في ذلك الصواب؟ # والظاهر أن حضرات العلماء فهموا من الفتح التخريب، والاعتداء على الشعوب. كلا يا ~~هؤلاء! الدين الإسلامي دين فتح، رضيتم أم كرهتم، وللفتح شروط وآداب سنها الدين ~~الحنيف، وأنتم حين تنفرون من كلمة «الفتح» إنما تجارون الأجانب الذين يتوددون إليكم ~~بوصف الإسلام بالقناعة والرضا بالقليل. وهذا خطأ صراح، فإن الدين الإسلامي أبعد ~~الأديان عن الزهادة، وأبغضها للخمول، ولا حرج على الإسلام في أن يرغب أتباعه في ~~امتلاك ناصية العالم، فإن هذا أمل نبيل، ولم يحدثنا التاريخ عن أمة قوية، أو ملة ~~قوية، وضعت حدا لمطامعها في الحياة، وإنما ترغم الأمم الضعيفة، أو الملل الضعيفة، ~~على أن تحدد آمالها وأطماعها بضيق الحدود! # ستقولون: إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه لم يأمروا المجاهدين بحرب القسيسين ~~والرهبان، بل أمروهم بالرفق بهم، والإبقاء عليهم، كما أمروهم بعدم التعرض للأطفال ~~والنساء والكهول. وأقول لكم: إن هذه المعاملة لا تدل على أن الإسلام ليس دين ms231 فتح، ~~ولكنها تدل على أن الإسلام كان أحكم من أن يبدأ فتوحاته بإرهاق النفوس وتنفير ~~القلوب. وهذه الملاينة، وذلك الرفق، من الأسلحة الماضية في استلال السخائم، ~~والتبشير بالدين الجديد. وكذلك دعا النبي إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ~~وجادل خصومه بالتي هي أحسن، حتى ظفر بالفتح المبين. # هذا ما أريد من أن الإسلام دين فتح وامتلاك. ولو بعث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # اليوم، ~~ورأى ما أنتم عليه من قلة وذلة، لبلل رداءه بدموعه، ولكان له مع حضرات العلماء موقف ~~يرد الولدان شيبا. أفتحسبون أن قوله عليه الصلاة والسلام «إنما بعثت لأتمم مكارم ~~الأخلاق» معناه أنه جاء لينشر علينا، ويذيع فينا، تلك المبادئ السقيمة، التي دافع ~~عنها الغزالي وأمثاله، حين تكلموا عن التوكل والصبر والخمول، وتابعهم في ذلك مع ~~الأسف علماء هذا الجيل، في غير خجل ولا استحياء! # أنا لا أنكر أن التوكل فضيلة، ولكن أنكر أن يكون معناه الاقتناع بأن الموت من ~~جملة الأرزاق، وإنما التوكل أن تقتحم المصاعب معتمدا على الله # وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين # 3 # والصبر فضيلة. ولكن على أن يكون صبرا على الجهاد لا صبرا على الضيم. ~~والخمول فضيلة. ولكن على معنى أن تقبل على عملك غير حاسب للشهرة حسابا. فأما ما ~~نقل الغزالي من أن بعض العلماء كان يترك الدرس إذا زاد الطلبة على ثلاثة إيثارا ~~للخمول، فهي خطة سلبية، وهروب من الواجب، تعالت الأخلاق عما يصفون! # ومن العجيب أن نجد العلماء يضربون الأمثال بزهد النبي وخلفائه، وكان عليهم أن ~~يعرفوا أن الزهد من النبي وخلفائه فضيلة قضت بها الضرورة، وها نحن أولا نرى ~~بأعيننا كيف تنظر الجماهير إلى ما يملك رؤساء الحكومات نظر المحقق المغيظ، فلا عجب ~~أن يتنبه رسول الله صاحب الخلق العظيم إلى ما فطرت عليه الجماهير من حسد من يملكون ~~زمام الأمور. ولو قضت الظروف إذ ذاك بأن يكون النبي فردا من جماعة يسوسها غيره، ~~لرأيناه ينمي ثروته، ويسعى جادا في استغلال ما يملك من أرض أو مال ms232 ... على أني أعلم ~~من سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام ما يدل على أنه كان ينظر إلى الدنيا بعين ~~ملؤها الحب والإعزاز، وحسبنا أن نتلو قول أصدق القائلين: # ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا ~~عذاب النار # 4 # فهل ترونه قال: آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنتين أو حسنات؟ أو ~~ليس من جلال الدنيا أن تسوى بالآخرة؟ # من أجل هذا ترونني أنكر أن تكون «الأخلاق» في الإسلام معناها الرضا بالموجود وإن ~~قل وهان، ومن أجل هذا عارضت الغزالي بعدما عاشرته في مؤلفاته بضع سنين، فماذا ~~تنقمون مني بعد هذا البيان؟ # | المراجع # تنقسم مصادر هذا الكتاب إلى عربية وفرنسوية. أما المصادر العربية فأهمها مؤلفات ~~الغزالي، وهي: إحياء علوم الدين، ومنهاج العابدين، والأربعين في أصول الدين، وميزان ~~العمل، وجواهر القرآن، والأدب في الدين، ومشكاة الأنوار، ونصيحة الملوك، والمنقذ من ~~الضلال، وإلجام العوام، وخلاصة التصانيف، ورسالة الطير، وكيمياء السعادة، ومكاشفة ~~القلوب، وقواعد الطريق العشرة، والإملاء على ما أشكل من الإحياء، والكشف والتبيين، ~~والقسطاس المستقيم، ومقاصد الفلاسفة، والتفرقة بين الإسلام والزندقة، والدرة الفاخرة، ~~والمستصفى في الأصول. # ومما يتعلق بالغزالي من المصادر العربية: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي، وشرح الإحياء ~~للزبيدي وقوت القلوب لأبي طالب المكي، والرسالة القشيرية، ومجلة الهلال، والسعادة لابن ~~مسكويه، وتهذيب الأخلاق له، وفلسفة ابن رشد لفرح أنطون، والذخيرة في المحاكمة بين تهافت ~~الفلاسفة لعلاء الدين الطوسي، وحياة الغزالي للدكتور زويمر، وفتاوى ابن تيمية، وإعلام ~~الموقعين لابن القيم، وفصل المقام لابن رشد، ومحاضرات الكونت دي جالارزا في الجامعة ~~المصرية سنة 1919 و1920 ومبادئ الفلسفة تعريب أحمد أمين، والملل والنحل للشهرستاني، ~~ومعجم البلدان لياقوت. # أهم المصادر الفرنسية: # Gazali, Par Cara de Vaux ~~. # Etudes sur la philosophie d’Averroës concernant son ~~rapport avec celle d’Avicenne et Gazali, par ~~Moher ~~. # Traité d’eschatologie musulmane, par Lucien ~~Gautier, # Encyclopedie de l’Islam (20ème ~~livre) ~~. # Histoire de la philosophie, par paul ~~Janet, # Cours de philosophie, par E. Boirac. # Averroes, E. Renan ~~. ms233