######OpenITI# #META# URI: 1371ZakiMubarak.Badaic.Hindawi19139738 #META# Tags: literature #META# ID: 19139738 #META# Title: البدائع #META# AuthorID: 41796397 #META# Author: زكي مبارك #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة‏ # الإهداء‏ # إهداء البدائع‏ # دمعة على رئيس الحزب الوطني‏ # الحياة الحرة‏ # قبل الطعام والشراب‏ # مسجد جديد‏ # رفات شاعر‏ # عبادة الجمال‏ # العمر الضائع1‏ # الإحسان إلى العقول‏ # أرواح الكتاب‏ # كيف يحكمون؟‏ # وفي أنفسكم أفلا تبصرون‏ # لا تسبوا الدهر!‏ # شكوى عليل‏ # غضبة الأسد‏ # أصول الأخلاق‏ # ذكرى الشيخ محمد عبده‏ # مناقشة لغوية‏ # فيه قولان!‏ # بعثة البنات‏ # غريب اللغة‏ # ملك يرصد الكواكب‏ # الجرائد المصرية‏ # أين المصلحون؟‏ # إشراك العقول‏ # اكتشاف مؤامرة‏ # باسم الآباء يرزقون‏ # كتاب الجرائد الأدبية‏ # جرائد الحزب الوطني‏ # إنما ينافق الضعفاء‏ # الأزهر الشريف‏ # اتقوا الله في الجنس اللطيف‏ # الجنون فنون!‏ # بين الهدى والضلال‏ # في سبيل الحب!‏ # مومس تستبق الخيرات‏ # نساؤنا ونساؤهم‏ # مرض النوم!‏ # حديث الحب‏ # إطلاق المدافع؟!‏ # بلاغة طالب‏ # كلمة‏ # علماء الأزهر الشريف‏ # العفو يا هانم!‏ # جناية الكتاب والشعراء‏ # عاقبة اللجاجة‏ # اخرجوا من عزلتكم وانظروا في أي عصر تعيشون‏ # حب ابن أبي ربيعة وشعره‏ # ذكرى صديق‏ # ليلة وليلة‏ # الليلة الثانية‏ # تعلة الكريم‏ # دواعي الشعر‏ # في عالم السياسة‏ # الحديث ذو شجون‏ # الأدب الجديد‏ # حديث القط‏ # طفلة الحسناء‏ # مقاصد الشعراء‏ # في سبيل الوفاء‏ # الأزهر الشريف‏ # أمراضنا الاجتماعية‏ # ليالي الاعتقال‏ # حرقة ولوعة‏ # ظلم العواطف‏ # الأمل الضائع‏ # في يوم العيد‏ # الشباب والمشيب‏ # أفي الإنجليز مسلمون؟‏ # ليالي سنتريس‏ # في السياسة المصرية‏ # أين صفو الشباب؟‏ # في موقف التوديع‏ # بعض الناس‏ # الفزع إلى الحكمة‏ # مقدمة‏ # الإهداء‏ # إهداء البدائع‏ # دمعة على رئيس الحزب الوطني‏ # الحياة الحرة‏ # قبل الطعام والشراب‏ # مسجد جديد‏ # رفات شاعر‏ # عبادة الجمال‏ # العمر الضائع1‏ # الإحسان إلى العقول‏ # أرواح الكتاب‏ # كيف يحكمون؟‏ # وفي أنفسكم أفلا تبصرون‏ # لا تسبوا الدهر!‏ # شكوى عليل‏ # غضبة الأسد‏ # أصول الأخلاق‏ # ذكرى الشيخ محمد عبده‏ # مناقشة لغوية‏ # فيه قولان!‏ # بعثة البنات‏ # غريب اللغة‏ # ملك يرصد الكواكب‏ # الجرائد المصرية‏ # أين المصلحون؟‏ # إشراك العقول‏ # اكتشاف مؤامرة‏ # باسم الآباء يرزقون‏ # كتاب الجرائد الأدبية‏ # جرائد الحزب الوطني‏ # إنما ينافق الضعفاء‏ # الأزهر الشريف‏ # اتقوا الله في الجنس اللطيف‏ # الجنون فنون!‏ # بين الهدى والضلال‏ # في سبيل الحب!‏ # مومس تستبق الخيرات‏ # نساؤنا ونساؤهم‏ # مرض النوم!‏ # حديث الحب‏ # إطلاق المدافع؟!‏ # بلاغة طالب‏ # كلمة‏ # علماء ms001 الأزهر الشريف ‏ # العفو يا هانم!‏ # جناية الكتاب والشعراء‏ # عاقبة اللجاجة‏ # اخرجوا من عزلتكم وانظروا في أي عصر تعيشون‏ # حب ابن أبي ربيعة وشعره‏ # ذكرى صديق‏ # ليلة وليلة‏ # الليلة الثانية‏ # تعلة الكريم‏ # دواعي الشعر‏ # في عالم السياسة‏ # الحديث ذو شجون‏ # الأدب الجديد‏ # حديث القط‏ # طفلة الحسناء‏ # مقاصد الشعراء‏ # في سبيل الوفاء‏ # الأزهر الشريف‏ # أمراضنا الاجتماعية‏ # ليالي الاعتقال‏ # حرقة ولوعة‏ # ظلم العواطف‏ # الأمل الضائع‏ # في يوم العيد‏ # الشباب والمشيب‏ # أفي الإنجليز مسلمون؟‏ # ليالي سنتريس‏ # في السياسة المصرية‏ # أين صفو الشباب؟‏ # في موقف التوديع‏ # بعض الناس‏ # الفزع إلى الحكمة‏ # | البدائع # | البدائع # تأليف # زكي مبارك # | مقدمة # ما بال فريق من الناس، يؤمنون بما خلقت له أيديهم وأرجلهم، وعيونهم وآذانهم، ثم يرتابون ~~فيما خلقت له عقولهم؟ فلا - وربك - لا يؤمنون حتى يعرفوا أن المؤمن عن نعمة العقل مسئول. وما ~~كنت لأعق العقل، وقد حكمه الله يوم هداني إلى الإيمان، فمن كان يريد أن يرى غضبتي للحق، ~~وعبادتي للجمال؛ فليقرأ هذا الكتاب، ومن كان يريد أن يرى صورة مكررة لمن سلف من الكتاب ~~والشعراء، فليعلم أن الخمول أحب إلي من أن أكون صدى لأحد من القدماء أو المحدثين، بل ما ~~أهون التضحية في سبيل الإبداع إذا انحصرت في الخمول! # المؤلف # | الإهداء # إلى الوالد الكريم الشيخ عبد السلام مبارك # ما زلت أمرح في نعمى وعافية # من نيلك الجزل أو من رأيك الحسن # وأسهر الليل في علم وفي أدب # أبغي رضاءك عن قصدي وعن سنني # وأستقل لأجل الفضل ما سمحت # به الليالي لأهل الفضل من محن # حتى بلغت بجدي بعض ما طمحت # إليه نفسي كما يرجوه لي وطني # فاليوم أهديك ما أبدعت من أثر # أبقى على الزمن الباقي من الزمن # ولدكم # زكي مبارك # | إهداء البدائع # إلى حضرة النطاسي البارع الدكتور محمد عبد ~~الحي # صديقي العزيز # أهديت لسيدي الوالد أول كتاب أخرجته للناس، ثم بدا لي أن أهدي هذا الكتاب إلى من يشبه ~~حضرة الوالد في بره، وعطفه، وإحسانه، وهأنذا أهديه إليك، جزاء بما قدمت إلي من ~~معروف، وإن ms002 جلت أياديك عن الجزاء والسلام. # زكي مبارك # ليسانسيه في الآداب # قسم ~~العلوم الفلسفية والأدبية # القاهرة، في أول أبريل سنة ~~1923 # | دمعة على رئيس الحزب الوطني # المغفور له محمد بك فريد # سلوا برلين عمن حل فيها # يفتت كبده المرض العنيد # مضى يستوهب الأيام عمرا # تتم به المساعي والجهود # فلم يذهب بعلته طبيب # ولم يكتب له عمر جديد # وخر على السرير وحب مصر # على تبريح علته يزيد # فما ضمن البقاء له صديق # ينادي لا عدمتك يا فريد ~~••• # فيا لهفي عليك وأنت كهل # غريب عن أحبته بعيد # تموت فلا ترى مثواك أم # ولا أخت ولا زوج ودود # ولا يروي ثراك أخ شقيق # بدمعته ولا طفل وليد ~~••• # فلا يشمت بمنعاك الأعادي # ولا يفرح ببلواك الحسود # فتلك بلية لم ينج منها # على إشراق عزته الرشيد # ومن يك مثلنا حسبا ومجدا # تشجعه الصواعق والرعود # فإن يك سرهم منعى فريد # فكل غضنفر منا فريد # | الحياة الحرة # يذكرون أن السيد جمال الدين الأفغاني رفض مساعدة المصريين له وهم يودعونه إلى منفاه، فلما ~~ألحوا عليه أقنعهم بهذه الكلمة «أينما توجه الليث وجد فريسته»، وقد كان السيد جمال الدين ~~الأفغاني يستطيع مكاثرة «قارون» لو كان للمال عنده قيمة، ولكنه كان رجلا يستقل الموت في ~~سبيل الشرف، فلم يكن عجبا أن يستقل في سبيله العدم والإقلال! # واليوم نسجل ما نقل عن المستر لويد جورج من الرغبة الشديدة في الحياة الحرة؛ لأن في ذلك ~~عبرة لأولي الأبصار، فقد جاهر الرجل الذي دوخ العالم بضع سنين بأنه مضطر إلى طلب الرزق، ~~وصرح بأنه فقير، ولا عار عليه في فقره إن عمل لسد حاجته من طريق شريف. # سقط لويد جورج ثم تأمل فإذا هو خالي الوفاض، ثم نظر حواليه نظرة الليث الجائع، فإذا كل ما ~~في الأرض من طعام وشراب، قد لوثه الذباب، ففزع إلى قلمه يستصرخه، فأمطره شآبيب الرزق ~~الحلال. # اتفقت جريدة النيويورك تيمس والشيكاغو تريبون مع المستر لويد جورج على أن يقدم لهما كتابه ~~«ذكريات الحرب»، ليختصا بنشره في مقابل أربعين ألفا ms003 من الجنيهات يأخذها دفعة واحدة حين ~~يسلمها الكتاب. # ثم اتفقت معه بعد ذلك جمعية النشر الأمريكية على أن يكتب لهما مقالات أسبوعية تنشر في ~~صحفها التي تزيد على ثلاثين صحيفة، في مقابل سبعة آلاف وخمسمائة من الجنيهات، ولكن مراسل ~~النيويورك تيمس والشيكاغو تريبون خاطب هاتين الجريدتين حين علم بهذا الاتفاق وسألهما: أيدخل ~~في مزايدة ويتفق مع المستر لويد جورج على 8500؛ أي بزيادة ألف جنيه عن المبلغ الذي قبله من ~~جمعية النشر؟ وهل له أن يزيد المبلغ إلى تسعة آلاف جنيه؟ فجاءه الرد بأن يحتج على هذا ~~الاتفاق؛ لأن اشتغال لويد جورج بهذه المقالات يؤخر وضع كتابه، ولأن ظهور هذه المقالات ~~أسبوعيا قد يصرف الناس عن ترقبه، فلما رفع المراسل إليه الاحتجاج كتب من فوره إلى ~~الجريدتين خطابا طويلا جاء فيه: # ما ظننت لحظة أن العقد الذي وقعته يمنعني من نشر المقالات السياسية، ولو رأيت فيه ~~مادة من هذا القبيل لفرضته، فقد عولت بعد أن استقلت على الاشتغال بالكتابة في الصحف ~~بغض النظر عن كتاب «ذكريات الحرب»، ولقد خدمت الحكومة سبعة عشر عاما ثم خرجت وأنا ~~فقير، فلم يكن بد من أن أكتسب بقلمي بعد ما وقفت ما سآخذه منكم على الصدقات. # هذا لويد جورج بطل إنجلترا يودع رئاسة الوزارة ويودع معها الجاه والمال، ليستقبل الحياة ~~الحرة، وليفتح بقلمه ممالك عجزت عن فتحها الجيوش والأساطيل! وهكذا يشغل العظماء عن أنفسهم ~~حين يتولون المناصب الرفيعة، فإذا تخلوا عنها أصبحوا فقراء كأنما يطرقون باب العالم من ~~جديد. أما صغار النفوس فلهم من مصالحهم الشخصية شاغل عن مصالح الجماهير، والمناصب فرصة ~~لهؤلاء يدخرون فيها الدراهم البيض لليالي السود. افتحوا أعينكم أيها الناس وتأملوا كيف عجز ~~لويد جورج - وقد ملك المشرقين - عن أن يدخر لنفسه «بدرة من الذهب» ينفقها حين يخونه الحظ ويسلمه ~~التوفيق! # لا يخجل لويد جورج ولا يتحرج من أن يقول إنه فقير؛ لأن الغنى لم يمنع آلاف الناس في ~~إنجلترا من أن يودوا بجدع الأنف - لو أصبحوا فقراء - على أن يكون لهم ms004 ما لهذا الفقير من مجد ~~شامخ يعز على من رامه ويطول. ولكن بعض الناس في مصر وفي غير مصر يخفي فقره ويسامي الأغنياء، ~~فيكون مثله كمثل الضفدعة التي راقها جسم الثور فأخذت تنتفخ عساها تصبح في ضخامته حتى بقرها ~~الانتفاخ. # ولئن حمدنا للمستر لويد جورج وقفته هذه في وجه الحياة يطلب ما خلق له من السيطرة على ~~الناس بآرائه الأدبية والسياسية بعد هيمنته عليهم هيمنة فعلية حين كان رئيسا لأقوى حكومة ~~في العالم الحديث؛ فإنا لنحمد للأمة الإنجليزية والشعوب الأمريكية هذه الشهوة الحادة، شهوة ~~الاطلاع التي جعلت رسائل هذا الوزير مما يتنافس فيه المتنافسون، حتى لتصبح شغلا لثلاثين ~~جريدة لهن ما لهن من الدوي الشديد في آذان الملايين من أحرار العقول! # لقد غلا كل شيء في الغرب حتى المداد، ورخص كل شيء في الشرق حتى الدماء! وإن قطرات من ~~الحبر يسود بها لويد جورج وجه القرطاس لأعز منالا من الدم القاني يسفح في سهول الشرق، وإن ~~بكت له الأرض والسماء. # وبيدكم - أيها الشرقيون - كشف هذه الغمة، ومحو هذا الظلام، فلو شئتم أعززتم نفوسكم وأغليتم ~~دماءكم، ولن يكلفكم ذلك أن تكونوا نارا تلتهم القابسين والمستصبحين، بل يكفي أن تكونوا ~~نبتة مرة المذاق ينفر منها أولئك الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ~~وكذلك يفعلون. # اعملوا في شبابكم بعض ما يعمل لويد جورج في مشيبه، واعلموا أن الأمم لا تحيا بالقيل ~~والقال وكثرة السؤال، وإنما تحيا بالأعمال العظيمة يقوم بها جبابرة المفكرين من حيث لا ~~يبتغون الجزاء. # المعاهد والعهود # ألفت النوح بعدك والسهودا # وودعت التصبر والهجودا # وأضمرت الأسى لما تولى # زمان كان لو دمتم حميدا # وقد رقت دموع العين حتى # لتحسبها لرقتها خدودا # بليت من الغرام بكم ولكن # أرى كلف الفؤاد بكم جديدا # وما طمع المعذب أن يراكم # وقد ضن الخيال بأن يعودا # إذا ما قلت أجلى الوجد عني # تذكرت المعاهد والعهودا # | قبل الطعام والشراب # أين عهد الهمجية؟ # أين عهد الانحطاط؟ # أين عهد الخمول؟ # رحم الله تلك العهود: فقد حدثونا ms005 أن الحكومة المصرية كانت تأخذ الأطفال قهرا من أيدي ~~آبائهم، وحجور أمهاتهم، بين البكاء والعويل لتعمر بهم دور العلم التي أنشأتها لرحمة الأمة ~~من بلايا الهمجية والانحطاط والخمول! وقد حدثونا أن الحكومة المصرية كانت تخرج الشبان من ~~ديارهم لتبعثهم إلى العواصم الأوروبية، بالرغم من التمائم التي كان الآباء يعوذون بها ~~أبناءهم من «التغرب في بلاد بره!» وقد حدثونا أن الآباء والأمهات كانوا «يقيمون الولائم ~~لأهل الله والأولياء، ويوزعون الصدقات على المساكين والفقراء، ويقرءون الفاتحة والصمدية ~~والمعوذتين ثلاثمائة مرة عند الشروق وعند الغروب.» # كل ذلك ليرحم الله أولادهم من دخول المدارس، ويقيهم شر السفر إلى لندره أو باريس أو برلي! ~~فما كان الله - وهو أرحم الراحمين - ينظر إلى زفراتهم المحرقة، وعبراتهم المغرقة، بل كان يعين ~~الحكومة عليهم فيصبح أبناؤهم - بالرغم منهم - تلاميذ في المدارس أو أعضاء في البعثات ~~العلمية. # فيا رب - وأنت الحكم العدل - إليك نشكو «وجودنا» في عهد المدنية والرقي والنهوض! لقد كان ~~آباؤنا يساقون إلى المدارس سوقا، فيتعلمون وهم راغمون، كما يؤجر المؤمن رغما عن أنفه! وها ~~نحن أولاء نقاسي ألوان العذاب، كلما اشتعلت في صدورنا نيران الشوق إلى العلوم ~~والفنون. # يا رحمة الله لهذا القلب الحزين! لقد قضيت بضع سنين وأنا ظامئ أترقب؛ لعل طيف «الزمن ~~الماضي» يطيف بي فجأة، فأصبح وقد وجدت من مناهل العلم ما يطفئ تلك النار التي تتأجج في صدري ~~فلا تجد غير الرجاء من وقود! وهأنذا أتلفت ذات اليمين وذات الشمال، فلا أجد غير أنداد في ~~التعاسة، وأشباه في الشقاء. # أيها الآباء والأجداد. # لقد كانت الحكومة في عهدكم محسنة كريمة، ولكنكم عددتم كرمها بخلا، وإحسانها ~~إساءة. # وها أنتم أولاء تنظرون كيف انتقم الله للحكومة منكم، فأغلق في وجوه أبنائكم أبواب المدارس، ~~وحرمهم من البعثات العلمية والفنية! فاقرءوا إن شئتم «الفاتحة والصمدية والمعوذتين» على ~~أرواح أولادكم، التي أماتها الجهل، وقبرها الخمول! لقد كنتم تبكون كلما ألزمتكم الحكومة ~~بإرسال الأطفال إلى المدارس! وكنتم تعولون كلما سمعتم أن الحكومة ستبعث فريقا منكم إلى ~~الحواضر الأجنبية! فابكوا ms006 الآن حتى تنزفوا دموعكم كلما ضاقت عن أبنائكم المعاهد، ويئستم من ~~أن يروا - ولو في النوم - منابع العلم في برلين وباريس. # فيا رب - وأنت الحكم العدل - لقد قضيت أن لا تزر وازرة وزر أخرى، ونحن أبناء هذا الجيل لم ~~«نعص أوامر الحكومة، ولم نهرب من المدارس، ولم نفزع من الإرساليات»، فكيف نؤخذ بذنوب ~~آبائنا الذين أنكرنا عليهم ما تورطوا فيه إذ ذاك من كراهة التهذيب؟ # فإن لم يكن بد من أن يؤخذ الأبناء بما جنى الآباء، فأنى أستطيع أن أثبت أن جدي رحمه ~~الله أدخل أبي المدرسة وهو طائع؟ وفي مقدور كثير ممن ضاقت في وجوههم سبل العلم أن يبرئوا ~~آباءهم وأجدادهم من «تلك الجناية» التي يحاسب عليها الأبناء والأحفاد! فهل تتفضل الحكومة ~~فتفسح المجال لهذا الفريق «البريء» عسانا ننجو من بلية الجهل ونكبة الجمود؟ # نريد أن نتعلم، لا تكفينا السلامة من العري، والظمأ، والجوع، لا نشكو ظاهر المرض، ولكنا ~~نتألم من الداء الدخيل! ارحمونا من الداء العياء! أغيثونا فكلنا ملهوف # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا ~~عليهم ~~، ونحن أيتام العلوم والآداب، فليرحمنا القائمون بالعلم في هذه ~~البلاد، ليرحم الله أبناءهم من بعدهم، فلا يجدون ما نجد من اللوعة والغليل! # يرحم الله هذه الأمة؛ فلقد كانت وكل همها أن تظفر بكفايتها من الطعام والشراب، فأصبحت ~~وليس لها غير هم واحد، ولكنه هم مقعد مقيم؛ وهو أن تجد كفايتها من المدارس الابتدائية ~~والثانوية والعالية، وهي بعد ذلك ترحب بالفاقة، إن صح هذا الحلم الجميل. # أما البعثات العلمية ... ويلاه، ماذا أقول! اللهم لا تمتني قبل أن أرى بعيني كيف يدرس العلم ~~في الممالك التي أصبح أهلها سادة الأمم، وأساتذة الشعوب. # شوك الورد # أنت ورد فهب محبك شوكا # أترى الورد عاش من غير شوك؟ # | مسجد جديد # نقلت جريدة «توحيد أفكار» عن جريدة «الخليل» الهندية، أنه بدئ بإنشاء جامع إسلامي في حي ~~«هايلاند بارك» بمدينة مشيشفان بأمريكا، وأن النفقات قدرت بمبلغ ثمانين ألفا من الجنيهات ~~الإنجليزية، وتقول «توحيد أفكار»: إن هذا ms007 المسجد الجامع هو أول مسجد إسلامي في تلك الربوع ~~التي يوجد فيها نحو مليون من المسلمين. # فهل من ذلك عبرة لعلماء الدين الذين يرون أن الساعة آتية بعد قليل، وأن الإسلام يضعف ~~ضعفا طبيعيا كما يهرم الجسم ويهيج النبات؟ # وهل لمشيخة الأزهر الجليلة أن تبحث في صحة هذا النبأ لتؤدي واجبها في مساعدة هؤلاء ~~المسلمين، ولو ببعثة علمية توضح لهم أصول الإسلام، وتفصل لهم تاريخه الجليل؟ # هذا أمل بعيد! وهل درس التاريخ الإسلامي مفصلا في الأزهر نفسه حتى يتطوع علماؤنا لنشره ~~في أمريكا الجنوبية والشمالية؟ ولنفرض أن كل شيء في الأزهر جرى وفقا للمصريين ومن يفقه ~~العربية من الشرقيين، أفتظن المشيخة الموقرة أعدت العدة لبث الإسلام أو الدفاع عنه في غير ~~الممالك العربية؟ وهل في العلماء من يجيد لغة حية كالفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية؟ ~~وهل فيهم من يعرف اللغة الفارسية؛ وهي لغة شرقية تسود في كثير من الشعوب الآسيوية ويعرفها ~~كثير من سكان القارة الأوروبية والأمريكية، وهي فضلا عن ذلك مصدر من مصادر الأدب العربي في ~~عهد الدولة العباسية؟ وهل فيهم من اطلع على ما كتبه علماء الأتراك بلغتهم عن أصول الدين ~~الحنيف؟ # لنترك الغرب وعلومه والشرق وفنونه، ثم لنسأل عن المعهد الذي لا يعرفون غيره وهو ~~الأزهر الشريف، ألا يزال محروما من النظافة والنور؟ ألا تزال مصابيحه قذى في العيون؟ وكتبه ~~عمى في القلوب؟ # أرى طوفان هذا الغرب يطغى # وأهل الشرق سادته نيام # فإن لم يأتنا نوح بفلك # على الإسلام والشرق السلام # | رفات شاعر # جاء في أنباء الشرق، أن حكومة العراق أجابت دعوة الأدباء هناك، وبنت قبة بديعة نقل إليها ~~رفات الشاعر الخالد أبي تمام الطائي. # وأبو تمام أجدر الناس بأن يحتفل به بعد ألف سنة من وفاته! ولكنه احتفال بدفنه، لا بنشره، ~~وابتهاج بموته لا بحياته. # وإذ كان هذا العمل دليلا على مبلغ الوفاء في أنفس القائمين به، فقد رأينا أن ندلهم على ~~طريق أهدى؛ عساهم يسلكونه لو شرعوا في تكريم البحتري أو غيره من أساطين الأدب، ms008 وأقطاب ~~البيان. وإن أقوم سبيل في رأينا للحفاوة بالشاعر بعد وفاته: هي أن تؤلف لجنة من أهل البصر ~~بالشعر والنقد، فتشرح ديوانه، ثم تكتب عنه رسالة ممتعة، في بيان ما له وما عليه، وتحديد ما ~~برع فيه غيره، أو قصر فيه عن سواه، ثم تذيع ذلك في جميع الأقطار العربية، ثم تترجمه - إن أمكن ~~- إلى اللغات الحية؛ لينتفع بشعره القريب والبعيد. # فأما المقاصير والقباب فهي - فيما نرى - جهد ضائع، ولن يكون جمالها إلا أثرا يحج إليه ~~الرسامون والحفارون، لا الكتاب والشعراء! # وقد علقت جريدة الصاعقة على هذا المقال بالكلمة الآتية: # احتفل الموصليون بنقل رفات أبي تمام حبيب بن أوس الطائي إلى القبة البديعة التي ~~شيدتها بلدية الموصل، مضجعا لصاحب الحماسة مادح الخليفة المعتصم، والقائل في محمد ~~بن حميد الطوسي: # كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر # وليس لعين لم يفض ماؤها عذر # وقد أشار الكاتب زكي مبارك إلى نقل رفات الشاعر في نبذة نشرها في صحيفة «الأفكار» ثم قال: ~~... وإن أقوم سبيل - في رأينا - للحفاوة بالشاعر بعد وفاته هي أن تؤلف لجنة ... ~~إلخ. # نقول: والحفاوة، بمقابر النوابغ وخدام الوطن، لا تقل أهمية عن العناية بنشر آثارهم، وقلما ~~تجد ذا فضل في أوروبا إلا وله بعد موته جمعية من الأنصار والأحباب يعرفون بنسبتهم إليه، وفي ~~مقدمة أعمالهم الحج إلى مقبرة رجلهم في أوقات معينة، والترنم إلى جانب رفاته بذكرى ~~مفاخره. # فإذا كان أدباء الموصل قد قاموا بواجبهم نحو رفات أبي تمام، فما أجدر أدباء مصر بالقيام ~~بواجبهم نحو شعره وأدبه. # | عبادة الجمال # الشمس تشرق من ضياك # والبدر يطلع من سناك # والحسن في عليائه # وجلاله مولى صباك # ته واحتكم فيمن تشا # ء فكل تياه فتاك # وجمال خدك والجبي # ن وما نقشت على لماك # وعيونك النجل الحسا # ن وما تلوح به يداك # للوعد منك وإن مطل # ت ألذ من جدوى سواك ~~••• # يا من أجلك عن وصا # لي في دنوك أو نواك # وأراك مولاي الرحي # م وإن نأى عني جداك # تخطو وتخطر بالأصي # ل فلا النسيم ms009 ولا الأراك # وتميس حينا في الضحى # فتكون فتنة من يراك # جل الذي ولاك تص # ريف الخواطر واصطفاك # وحباك تحنان القلو # ب إلى التفاتك أو خطاك # يا سعد من بسم الزما # ن ببيته فغدا أباك # يا ليت أني كنت صن # وك أو قريبك أو أخاك # أو كنت رغما من علا # ئي أو علا قومي فتاك # فأرى جمالك في صبا # حك يا حبيب وفي مساك # وأرى سريرك هل يصو # نك مثل قلبي لو حواك # قلبي لك المهد الوثي # ر فلو حللت به حماك # إما نزلت به نزل # ت على البقية من رجاك # إن عزني دهري وكا # دت لي الليالي في هواك # زودتها صبر الكري # م وحلمه حتى أراك # وإذا قضى رب الصبا # بة أن تصر على جفاك # وقضيت أيامي أسي # را لم أمتع بالفكاك # ثم انقضى أمد الحيا # ة ولم أزود من لقاك # فالروح مرجعها إلي # ك فهل يظللها رضاك # | العمر الضائع1 # في الأزهر والمعاهد الدينية # في يوم الثلاثاء المقبل سيحتفل المصريون بذكرى الشيخ محمد عبده في الجامعة ~~المصرية. # وأول ما يمر بالخاطر، هو مكان الاحتفال، فقد نذكر أنهم احتفلوا بتأبين الشيخ حمزة فتح ~~الله، في المكان الذي كان يلقي فيه دروسه العامة في درب الجماميز. # وليست الجامعة المصرية بالمكان الذي كان يلقي فيه الأستاذ دروسه العامة؛ ولكنه كان يلقي ~~أبحاثه الممتعة في الأزهر الشريف. # فيا عجبا! أيضيق الأزهر على الشيخ محمد عبده في الحياة وبعد الممات؟ ... # لا فرار من الحق! إن الذين فكروا في الاحتفال بذكرى الشيخ محمد عبده هم تلامذته القدماء ~~الذين ضاق بهم الأزهر، ووسعتهم الجامعة المصرية. # لقد تسكن النفس، ويطمئن القلب، حين نرى بأعيننا حياة هذا الرجل بعد موته! أليس هو القائل: ~~وإن فناء في الحق لهو عين البقاء؟! صدقت أيها المصلح الجليل، فانظر بعينك الآن من عالم ~~الأبدية؛ لترى - من جديد - أن رحمة الله قريب من المحسنين! إن للمجاهدين عبرة في حياتك الأولى ~~والثانية، لقد مت وأنت تتسمع؛ عساك تجد منصفا يعترف لك بجميل، فهل علمت أن ms010 الناس يعلنون عن ~~أنفسهم بالحب لك، والاقتداء بك؟ # إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت ~~الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ~~ربك واستغفره إنه كان توابا ~~. ~~••• # في يوم الثلاثاء المقبل ستتقاطر جموع العلماء إلى دار الجامعة المصرية، فلنسمعهم هذه ~~الكلمة؛ عساهم يصلون إلى تلك الدار وهم خاشعون! # لقد مرت السنون على وفاة الشيخ محمد عبده، فهل قام فريق منهم فوقف وقفة المستبسل الجريء، ~~فذاد عن المعاهد الدينية، واقتفى أثره في إصلاح الأزهر، وتعديل برامج التعليم؟ # لقد عطلت الدروس شهورا عديدة، فهل انتفعوا بهذه العطلة فملئوا الخزائن ببدائع المؤلفات ~~وروائع المصنفات؟ ألم يعد الأزهر كالطلل البالي؛ لأنهم استبدلوه بالأندية الخصوصية حتى عطلت ~~الجمعة فيه أسابيع كثيرة؟ ألم يتركوا السذاجة تطغى وتستطيل حتى أعلن بعضهم في الصحف السيارة ~~أنه سأل الشيخ بخيت عن حكم التكلم في السياسة؟ ألم تنطق صوامت الموجودات وهم لائذون بالصمت ~~والسكوت؟ # لا يقنع الأمة أن ترى من بين هؤلاء الجموع خمسة أو عشرة يكتب كل منهم بضع رسائل في السنة، ~~ثم تطوى الصحيفة ويجف المداد. # كنا سمعنا أن امرأة صالحة وقفت في طريق الفخر الرازي، فسألها الناس أن تفسح له الطريق، ~~فقالت: من هذا الذي تحتفون به؟ فقالوا: رجل عالم أقام على وجود الله ألف دليل. فقالت: ~~ويحكم! هل عميتم حتى تطلبوا على وجود الله ألف دليل؟! وكذلك يقتل الأزهريون وقتهم في إثبات ~~وجود الله - تعالى عما يصفون. # نريد أن يتغير التعليم في الأزهر والمعاهد الدينية؛ نريد أن نكون أعزة وقد صيرتنا هذه ~~التعاليم أذلاء، نريد أن نرسم الخطة لنهضة الممالك الإسلامية، حتى يغلب الجاحدون على أمرهم ~~فيدخلون في دين الله أفواجا أفواجا من حيث لا يشعرون. # نريد أن نمحو الوساوس التي دخلت في العلوم العربية وأصول الفقه وعلم التوحيد، ولا يضيرنا ~~أن يخمل بذهاب هذه الوساوس مئات المتصدرين في العلم والدين! فهل نحن واجدون من بين العلماء ~~من يسمع هذه الكلمة التي اضطررنا إليها اضطرارا، وألجأنا إليها الغيرة على الدين الذي مات ~~في تأييده الآباء والأجداد؟ ms011 # | الإحسان إلى العقول # كتب التاريخ - فيما كتب - أن الأمير عبد العزيز بن مروان كانت له أياد بيضاء على المعوزين ~~في مصر، ولا زلت أذكر ما طربت له من وصف الأستاذ محمد بك الخضري لذلك الأمير الجليل حينما ~~عرج على ذكراه في الجامعة المصرية. ولم يكن عبد العزيز بن مروان واحد الناس في الكرم ~~والأفضال حتى أخصه بالطرب لما عمل، والإعجاب بما صنع، ولكن الذي انتشيت له إنما هو وجود ~~باحة سعيدة في الديار المصرية، ابتسم فيها الجود للعافين حينا من الدهر، ومن ذا الذي لا ~~يستروح لذكرى السعادة مرت ببلاده ففلت من غرب الشدائد، ونالت من جانب الأحداث؟ # أجل! كان ابن مروان موئلا للنفوس الحيرانة أعواما معدودات ثم انطوى بره، حينما انطوت ~~أيامه! ولم يبق من جوده بقية تفزع إليها النفوس الهاربة من الفقر! وكذلك لم يبق من ذكراه ~~إلا كلمات قلائل حفظت في الكتب المنسية! وذهب ما قيل فيه من جيد الشعر، وبارع النثر، وأكثر ~~ما يعرف عنه أنه والد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، وكان أولى أن يعرف بجوده الشامل، ~~قبل أن يعرف بابنه العادل! # كذلك كان الناس - فيما سلف - يعملون لليوم لا للغد، ويحسنون إلى البطون، لا إلى العقول! ~~اللهم إلا أفرادا كانوا يثيبون على الكتب المؤلفة، وربما حسبوا شيئا من مالهم على المساجد ~~يدرس فيها العلم، ويذكر فيها ذو الجلال والإكرام. # تلك أيام خلت، وقد اكتفينا بما لدينا من التكايا والمساجد، ووجب أن تتوجه العزائم إلى ~~الأعمال التي تخلق الأمم خلقا جديدا، وينال صاحبها من كرم الأحدوثة ما لا يذهب به كر ~~الغداة ومر العشي، ولن يتمثل ذلك إلا في إنشاء المعاهد العلمية، والعمل على تكوين العقول، ~~وتهذيب النفوس. وأكثر ما يتضح ذلك في العمل الذي قام به منشئو الجامعة المصرية، التي أخذت ~~منذ سنوات تبعث العلم من مرقده، في هذه البلاد التي كانت نقطة الاتصال بين الشرق الناهض ~~والغرب الهامد، والتي لولاها ما حفظت علوم العرب التي كانت نواة هذه المدنية الفسيحة ~~الأرجاء. # إن ms012 الجامعة المصرية لم تعد في حاجة إلى الإشادة بذكرها ليلتفت إليها الناس، ولم يكن ~~أبناؤها بالقليلي العدد حتى يقول قائل: ما الذي صنعته في ترقية البلاد؟ ولكن كلمة واحدة ~~تختلج بين شفتي من حين إلى حين وأريد أن أقول: هل يذكر كل قادم إلى الجامعة المصرية من ~~منتسب أو مستمع أنه ضيف صاحبة السمو الأميرة فاطمة بنت إسماعيل - تغمدها الله برحمته - أو ضيف ~~المرحوم حسن باشا زايد أو أحمد بك شريف، ومن نحا نحوهم في الخروج من بعض ماله لتشييد هذا ~~المعهد الذي تفزع إليه العقول؟! وهل يفكر بعض طلبة الجامعة من الذين قدر لهم أن يكونوا ~~أغنياء أو ذوي دالة على الأغنياء، أن يكثروا من أصحاب الأيادي البيضاء على هذا المعهد بما ~~يبثونه من تبجيل من سهروا عليه وهو وليد؟ # أما أنا فلا أملك غير الوفاء، وسأجعل لأولئك الكرام النفوس منزلة من قلبي تعز على من ~~رامها وتطول، وليشهد الله وملائكته والناس أن لكل من مد يده لمساعدة الجامعة المصرية دينا ~~علي قضاؤه الشكران، أين البيان والإفصاح؟ أين الشعر الجميل والنثر البديع؟ أين شعر زهير ~~في هرم بن سنان؟ أين مدائح البحتري للفتح بن خاقان؟ # اللهم إني أعجز عن أداء ما علي من واجب الثناء على أولئك الأمجاد، فاكتب لهم عندك ما ~~يطربون لمرآه يوم يبعثون. # دعوة عاشق # رأيت حياة المرء ما بين ساعة # تطيب وأخرى لا تفيق من الهم # فيا رب إما رمت لي العز منعما # ففي قرب من أهوى وبعد أخي اللوم # وإن كان لي فيما قضيت مساءة # فحزن على النائين جيرتي القدم # وإن شئت لي يوما جوارك فلأكن # شهيد الهوى لا نضوهم ولا سقم # وطول حسابي في المعاد على الهوى # فطول أحاديث الصبابة من همي # | أرواح الكتاب # عزيزتي فتحية # وصل إلي خطابك السادس، وكنت جديرا بشكر يمناك الجميلة على ما صنعت أناملها الحسان، ~~ولكني لا أزال أشعر بالوحشة، كأن لم تكتبي إلي حرفا، ولم يصلني منك كتاب! غير أني لا ~~أنكر أن قلبي يخفق في كل ms013 صباح، كلما قرب قدوم البريد، ولقد صرت أحسب حملة الرسائل شرذمة من ~~الملائكة، ينقلون السلام من قلب إلى قلب، ويصلون بين النفس والنفس، حتى لقد هممت أن أسبح ~~بحمدهم في أوقات التوزيع! كما يسبح فريق من الناس للشمس عند الشروق. # أجل، لا أزال أشكو الهجر والصدود، فإذا كنت تحسبين أن في هذه الرسائل برءا لقلبي من ~~جواه، وجسمي من ضناه، أو إذا كنت تظنين أن في إرسالها إلي إمتاعا لنفسي التي تكلف ~~بالحسن وتولع بالجمال، أو إذا كنت تأملين أداء ما يفرض الحب على فتاة تعلم أن حياة عاشقها ~~أثر من آثار يديها، كما كانت حياة الزهر أثرا لما للشمس من ضياء، إذا كنت تنتظرين شيئا من ~~ذلك فأنت واهمة يا فتحية، نعم واهمة، وإن ألم فؤادك الذي يفيض بالإحساس. إن الرسائل التي ~~تكتبينها إلي ليست من إملاء قلبك الشفيق، ولكنها كلمات منقولة من الروايات التي يتراسل ~~فيها المحبون. على أن الرسائل التي تكتب في القصص على هذا النحو لا تمثل أفئدة الأوانس؛ لأن ~~كتابها رجال يتمثلون عواطف النساء! فهم مقلدون وحاكون! وإنه لمن المخجل أن يملأ عالم الأدب ~~بتقليد التقليد! فأنت تمثلت عواطف رجل كان تمثل عواطف امرأة! وجدير بخطاب هو تمثيل لتمثيل ~~أن ينال من قلب القارئ ما ينال الحديث المعاد. # لم أكد أقرأ خطابك الأول حتى بعثت إليك بزجاجة من العطر كتب عليها تاجرها الخاص «احذروا ~~من التقليد»، وكنت رجوت أن لا يفوتك النظر في هذه النصيحة الثمينة! ولكن خاب الرجاء وتوالت ~~رسائلك على هذا النمط الذي أشفق على أصحابه أن يموتوا وهم أحياء، وإنهم لميتون. # ستقولين عاشق لا يحسن الخطاب، وإني لكذلك إذ قلما يظرف الشيوخ، لولا أنك ستعلمين الآن ~~أني لم أطع غير داعي الإخلاص، ألا ترين يا فتحية أني كثيرا ما أتحين الفرص لأحدثك وأنت ~~غافلة، وأنظر إليك من حيث لا تشعرين، طمعا في أن أظفر منك بلفتة لم يشنها التصنع وخطرة لم ~~يفسدها التقليد؟ أتحسبين أنه لو أقبلت علي فتاة ملء العين والقلب ms014 كان في مقدور الجمال أن ~~يزحزح هواك من قلبي حتى تحل منه مكانا كان قبلك غير مأهول؟ وهل ترين أن ذلك لو صح على سبيل ~~الفرض والتقدير، كنت أقدر على التفوه بكلمة الإخلاص والفناء في الحبيب، وإذا كان محالا أن ~~أفتح ذراعي لفتاة غيرك وهي تقبل علي وتصدف عن سواي، فكيف أطرب من كلمات تقدمها معشوقة إلى ~~عاشق، من حيث لا يصح لفتاك المدله أن يسمع لغير ما يجري على شفتيك من حديث؟ أم كيف أعتد ~~بخطاب وضعه رجل على لسان امرأة، فكان غاية في المسخ والتشويه؟ # لم يرقني من تلك الرسائل إلا ما فيها من الأغلاط الإملائية؛ لأنها تمثلك، وقد حفظت بعض ~~المقاطع المختارة، فبدا لك أن ترسلي شيئا منها إلى محبك المسكين، ظنا منك أنه يسكن إلى ~~الكلام الجزل، ويخلد إلى القول الرصين، وقد فاتك أن تذكري أني حفظت في عهد الحداثة أكثر ما ~~كتب الحريري، والخوارزمي، والبديع، ومن إليهم من فحول الأدب وأعلام البيان، وأني وإن نسيت ~~أكثر ما حفظت إلا أني لا أزال أملك من آثارهم ما يغنيني عن النظر في أكثر المخطوطات ~~الجديدة، التي تقترب في مبناها من تلك السبائك التي تعز على من رامها وتطول، فما كان أغناني ~~إذا عن ...! # إن هناك فرقا بين عاطفة الحب وبين الحاسة الفنية، فأنا أنعم برسائلك من ناحية غير ناحية ~~الصبابة، ولست أناجيك حين أقرؤها؛ لأنك لم تصوري بها قلبك وهو يفيض حنانا على محبك الذي ~~يعيش في أهله كالغريب! ولولا أنك كتبتها بخطك الذي يسحرني خلوصه من شوائب التنميق، وأفضت ~~عليها عبقا من روحك حين الاختيار، ولولا أنها منك يا فتحية؛ لعددتها من سقط المتاع! لأني ~~لا أطرب للآداب والفنون، إلا من حيث هي وسائل إلى القلوب الصوادف، وقد منحتني قلبك، والحمد ~~لله والحب، فما الذي حال بينك وبين إرساله إلي في ثنايا الخطاب؟ # أتذكرين الكلمة البديعة ~~التي وصلتني منك في العام السالف؟ أنا أذكرها لك الآن لتعلمي أني أعشق الروح قبل أن أعشق ما ~~يصور الروح، ms015 تلك هي قولك في حلو العتاب «والدي واخد على خاطره من سيادتكم»، وكذلك فلتعلمي ~~أن اللغة الفصيحة لا تحلو منك إلا بعد أن تتذوقي الآداب، وبهذه المناسبة أرجو أن لا تكتبي ~~إلي ثانية باللغة الفرنسوية؛ لأني لم أطمع بعد في أن أسمع منك رجع الحمائم في أبراج ~~باريس! وكم تمنيت أن تدرك الفتيات المصريات سر اللغة العربية، فيسمع منهن المصريون ما كان ~~يسمعه توبة من ليلى الأخيلية، وما كانت تدخل به ولادة على فؤاد ابن زيدون. # عفا الله عنك يا فتحية؛ فقد أخطأت من حيث أخطأ الناس، وإني لأرجو أن لا يكون النهوض ~~فرديا في مصر على حين أصبح خلقا عاما في كثير من الأمصار والممالك، فإن عدت إلى ~~التقليد بعد مبعث الإبداع فسيطول اللوم والتأنيب، أما الآن فلك من غفلة الجمهور شفيع، ~~والسلام. # | كيف يحكمون؟ # عزيزتي فتحية # قرأت خطابك البديع، بعد انتظاره أياما كانت أمر من الصبر وأقسى من الهجر، ولقد قبلته، ثم ~~قبلته، حتى خفت أن تبلى سطوره من زفراتي المحرقة، ولو رأيتني وأنا أضمه إلى رسائلك السالفة، ~~لرثيت لصبري المغلوب، ودمعي المسكوب، ولكن في سبيل الحب ما أعاني! # تسألينني عما نشره أبو الهول؟ وهل كان ذلك أول ما لقيت فيك من جارح اللوم، وقاتل التأنيب؟ ~~وأنا أسألك لم اقتصرت في خطابك على التلميح لما كتبته الآنسة زكية ماهر؟ ألا يعد هذا ~~إيثارا للجنس اللطيف على الجنس النشيط؟ تلك - والله - سجية الأوانس، لا يعجبن بشيء إلا إن كان ~~صادرا عنهن، أو متعلقا بهن، ولعلك تذكرين حديث السيدة سكينة بنت الحسين حين دخل عليها ~~الشعراء لتفاضل بينهم من وراء حجاب، فصارت تهزأ بهذا وتسخر من ذاك، ثم طربت لجميل حين ~~قال: # يقولون جاهد يا جميل بغزوة # وأي جهاد غيرهن أريد # لكل حديث بينهن بشاشة # وكل قتيل عندهن شهيد # ولقد رأى من الأدب أن لا أناقش خطاب الآنسة زكية هانم، فاسمعي كلمة عما قاله الكتاب ~~الآخرون: # يقول كاتب من بولاق: «إن خطابي إليك يحمر له وجه الفضيلة! ولقد يظهر أن ms016 الفضيلة عند هذا ~~الكاتب أضعف من أن تثبت أمام رسائل الحب، وقصائد النسيب! وهو رأي غريب، يدل على ميل صاحبه ~~إلى ظلم العواطف، وقتل القلوب! ولئن كان هذا الكاتب صادقا فيما يحدث عن نفسه من بغض الحب ~~ومقت الصبابة، فإنا نسأل الله الرحمة مما مني به هذا الذي يعيش بلا فؤاد.» # أما كلمة الكاتب «ع. صيام» ففيها هنات كنا نود لو سلم منها قلمه البليغ! ولقد أتعب نفسه في ~~إثبات أنك محبوبة حقيقية لا خيالية، ثم ختم كلمته بقوله: «إذا كان كذلك فالسلام عليك يا أبا ~~فتحية»، وإني لأتقبل منه هذه الكنية الجميلة، وأرجوه أن يتأمل هذا البيت: # لا تدعني إلا بيا عبدها # فإنه أشرف أسمائي # ولا يفوتني أن أصرح لك بأني اضطربت عند قوله: «ولو كانت فتحية تضمر لك شيئا من الحب الذي ~~تزعمه أنت؛ لرأيت عواطفها تسبق محفوظاتها الأدبية»، أليس في هذا شيء من الحق يا فتحية؟ صدقت ~~يا صيام وصدق معك من نظر لحبيبته وهو يقول: # أما والله لو تجدين وجدي # جمحت إلي خالعة العذار # وأنت يا فتحية؟ # هل تعلمين وراء الحب منزلة # تدني إليك فإن الحب أقصاني # ولكن ليعلم هذا الكاتب أن الحب نوع من الفناء، ولو كان الحب - كما يظن - نوعا من الأخذ ~~والإعطاء؛ لكان ضربا من ضروب التجارة لا يعرف فيه إيثار ولا إخلاص! # أما خطاب حضرة الكاتب محمد لطفي حسن ففيه من الرفق ما نود لو تحلت به رسائل الكتاب، وهو ~~يرى أن تحليل العواطف يغير من أخلاق النساء! ولست أدري كيف صغرت قيمة المرأة في نظر كثير ~~منا، حتى لا تراها أهلا لأن تتمتع بما في قلبها من إحساس؟! ولقد وافقني من طرف خفي حين ~~أنشدني قول ليلى الأخيلية: # وذي حاجة قلنا له لا تبح بها # فليس إليها ما حييت سبيل # لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه # وأنت لأخرى صاحب وخليل # فإن هذا الشعر لا ينكر الحب، ولكنه يمقت الفجور! وألفت نظر لطفي أفندي إلى خطأ التمثيل ~~بقول توبة: # وكنت إذا ما ms017 زرت ليلى تبرقعت # فقد رابني منها الغداة سفورها # فإن لهذا البيت واقعة غرامية لا يجهلها مثل هذا الأديب، وجملة القول أن هؤلاء الأدباء ~~يريدون مني أن أكتب في إصلاح المرأة، وذلك ما أبغيه لولا أنهم يرون إصلاحها في تهذيبها ~~بالحقائق العلمية، وأنا أرى إصلاحها في تزيينها باللطائف الوجدانية. # أسير على نهج يرى الناس غيره # لكل امرئ فيما يحاول مذهب # وحتام أنشد مولاتي قول جميل: # وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا # سوى أن يقولوا إنني لك عاشق # نعم صدق الواشون أنت حبيبة # إلي وإن لم تصف منك الخلائق # | وفي أنفسكم أفلا تبصرون # آية كريمة، تذهب النفس فيها مذاهب شتى، ولكني أريدها لمعنى خاص: هو الحكم على الأقوال ~~والأفعال. وبيان ذلك أننا ننظر غيرنا يقول، أو يعمل، فنحكم عليه بالبر أو الفجور، فتارة ~~نخطئ، وتارة نصيب وأكثر ما نكون شططا إذا حكمنا على القول أو الفعل، من غير أن نحيط ~~خبرا بظروف القائل أو الفاعل! وهي وحدها محور الخير والشر والخطأ والصواب، فليست كل كلمة ~~«يكفر قائلها» - كما يقول الفقهاء - بمكفرة ما لم تشهد القرائن على أن قائلها جاحد عنيد، وليست ~~القصائد الخمرية شهادة على قائلها بالإثم، ولا قصائد التشبيب رميا لصاحبها بالفسوق، ولكن ~~الظروف وحدها هي الحكم في أن الشاعر فاسق أو سكير. # ومتى عودنا أنفسنا البحث عن الحالة النفسية للقائل قبل البحث عن مدلول ما قال، واجتهدنا ~~في تعرف ظروف الفاعل قبل تأمل ما فعل من منكر أو خبيث؛ فقد ترفع التهمة عن كثير ممن حكم ~~عليهم بالكفر أو المجانة لكلمة ظاهرها الكفر، أو فعل ظاهره المجون! ونحن أولى الناس باتباع ~~هذه الطريقة؛ لأنها أصل من أصول الدين، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. # قال - عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وليس لمتعنت أن يرد ~~علينا بأن هذا خاص بأعمال الخير لا الشر، فإنه كما يجوز أن يفسد الخير حين يراد به شر، يصلح ~~الشر حين يراد به خير، وتبقى التبعة على من يقصرون في إرشاد الناس إلى ms018 نتائج أعمالهم، فإني ~~أعتبر العمل بنتيجته، وما لها من الضر أو النفع، وقد أوضحت ذلك في كلمة «أصول الأخلاق» التي ~~نشرها أبو الهول. # وإذا أباح لك حسن النية أن تحكم على رجل بالصلاح لغلبة الخير على أقواله وأفعاله، من غير ~~أن تلم إلمامة بالأسباب القريبة والبعيدة لما يعمل وما يقول، وقد تكون نيته سيئة فيحبط ~~عمله؛ فإن من الواجب أن تنظر بدقة في ظروف من ساء قوله وعمله؛ فقد تكون نيته حسنة، فيرضى عنه ~~علام الغيوب. # إن علماء النقد في الغرب لا يحكمون على خلق المؤلف إلا بعد أن يتبينوا العصر الذي عاش ~~فيه، والبيئة التي أحدقت به فنال منها ونالت منه؛ لاحتمال أن تسود كتابته فكرة كانت في ~~عصره حسنة، وهي في عصرنا سيئة، فنحكم عليه بما هو منه براء. # ولنرجع إلى الآية التي صدرنا بها هذا المقال: # وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون ~~؛ فإني لا أكتم القراء أني وجدت في مذكراتي كلمة لو قرأتها ~~لغيري الآن لأنكرتها عليه، مع أني كتبتها من قبل وأنا نقي القلب خالص الضمير، وتلك الكلمة ~~تبدو كأنها خطاب مفتوح لأهل الجمال. # وهي سذاجة تمثل عهدا من عهود الصبا، خيل إلي فيه أن ~~الحسن ملك للعيون تستمتع به وهي آمنة مطمئنة، لا يمانعها فيه غيور، ولا يحجبها عنه ضنين، ~~وليس في مقدوري الآن أن أكتب مثل هذه الكلمة؛ لأني فقدت تلك السذاجة الغريبة، واطلعت من ~~الناس على بلايا ومناكر، يلؤم من بعدها الكريم. وسأفرض الآن أني في العهد الأول من عهود ~~الشباب، وأن الناس كما كنت أحسبهم منذ سبع سنين أطهارا بررة، لا يحرفون الكلم عن مواضعه، ~~ولا يتقولون الأقاويل. # قال كاتب هذه السطور من خطاب له في ربيع سنة 1915 ما نصه: # فما لأهل الجمال يضنون علينا بما سوف يشبع الدود منه لثما، ويأكله التراب أكلا ~~لما؟ # كم صائن عن قبلة خده # سلطت الأرض على خده # وحامل ثقل الثرى جيده # وكان يشكو الضعف من عقده # أما - والله - إن أرواحنا لفي حاجة إلى بعض ما تنعم ms019 به الوسائد من الخدود، والمراود ~~من الجفون، والمساويك من الثغور، والأمشاط من الشعور، الغلائل من الأعطاف، والزينة ~~من الأطراف، فلم تحرموننا في رأفتنا بكم، وحبنا لكم، مما تكرمون به الجماد ليلا ~~ونهارا، على أنه لا يعرف ما حف به من حسن، وأحدق به من جمال! # يا أهل الملاحة، إن الله ما خلقكم كالأزهار في القفار، تزهر وتذبل، ولا يتمتع أحد ~~بشمها ولثمها؛ وإنما جعلكم روحا لكل حي، ونعيما لكل كائن، فاجعلوا لنا منكم ~~حظا، ولا أقل من النظر، فقد خفنا على أرواحنا أن تضيع ببخلكم، وتموت بصدكم، وما ~~الله بغافل عما تعملون. # يا أهل الجمال، إن كنتم فطرتم على العزة، وجبلتم على النخوة، فهبونا بعض القرب ~~منكم، والأنس بكم، ولكم منا ما تشاءون من ذلة واستكانة، وخضوع وعبودية، وقد عذرناكم ~~لعزكم، فارحمونا لذلنا، وعشقناكم لحسنكم، فاعشقونا لحبنا، فكفى بالحب جمالا ~~وبالعشق زينة، وإن المحب المملول لخير من الحبيب الملول، فإن أبيتم إلا الصد ~~والقطيعة، والجفاء والإعراض؛ فإنا نبشركم بأن الحسن حال تحول، ودولة تدول، ثم ~~يحكم الله بيننا وبينكم، وهو خير الحاكمين. # أوردية الخدين من ترف الصبى # ويابنة ذي الأقدام بالفرس الورد # صلي واغنمي شكرا فما وردة الربى # تدوم على حال ولا وردة الخد # ولقد يعجب قارئ هذا الخطاب حين يرى كاتبا يعتقد أن الجمال ملك للعيون النواظر، وأن البخل ~~به إثم وعقوق، ولكنه لو أنصف لعرف أن النفس الطاهرة كثيرة الشطط، وأن صاحبها لا يسلم من ~~الإسراف. ورحم الله ذلك العهد الذي كنت أعيش فيه بأمل غير محدود؛ على أنني لا أمنع أحدا من ~~أن يسيء الظن بما كتبت منذ سنين، فإن الذي يطمع في معرفة النفس البشرية لا يبخل بوضع نفسه ~~على المشرحة؛ ليسهل عليه وعلى غيره التحليل. ومثلي في ذلك مثل الطبيب المخلص لعلمه، لا يبخل ~~بتضحية نفسه وهو يفحص صرعى السل والتيفوس، فهل يعقل هؤلاء الذين يطيعون أهواءهم وشهواتهم، ~~فينسون أنفسهم، ويسلقون إخوانهم بألسنة حداد؟ # إن قليلا من الروية والأناة لكاف لسلامتنا من ~~الزلل والعثار، حين ms020 الحكم على ما يعمل الناس وما يقولون. # وخلاصة القول أننا مسئولون عن النظر في أنفسنا؛ لأن الذي يعجز عن معرفة نفسه، وما فيها ~~من العجائب والغرائب، لا أمل له في أن يعرف نفس سواه، وهو إن فكر في الحكم على غيره، فإنما ~~يجوب البيداء في الليلة الظلماء. # ظلام الليل # وجن علي الليل حتى حسبته # جفاء كريم أو رجاء لئيم # | لا تسبوا الدهر! # لقيني أحد أصدقائي في الأسبوع الفائت وبادرني بقوله: لقد أغضبت الزمخشري حين فسرت قوله ~~تعالى: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون ~~! وقد عزمت - بحول ~~الله وقوته - أن أغضب الزمخشري مرة ثانية بتأويل قوله - عليه السلام: «لا تسبوا الدهر؛ فإن الدهر ~~هو الله»! فليس معنى هذا الحديث أن الدهر اسم من أسماء الله، كما توهم ذلك كثير من الفقهاء؛ ~~ولكن معناه أن الدهر الذي تسبونه - وهو نظام الكون الذي تحرمون كل شيء حين تخرجون عليه - هو ~~عند الله - كاسمه - واجب التقديس. # وسب الدهر عادة قديمة أفرد لها رواة الأدب بابا سموه «شكوى الزمان»، وقد تنبه بعض ~~الشعراء إلى هذه الضلالة الفاشية، فرثى لأصحابها بقوله: # كل من لاقيت يشكو دهره # ليت شعري هذه الدنيا لمن؟ # وكأن رسول الله رأى جموع الكسالى الذين يحسبون أنفسهم خلقاء بأن يملكوا ناصية العالم، ثم ~~لا يعلمون شيئا، حتى إذا حاقت بهم عواقب كسلهم، بسطوا ألسنتهم في سب الدهر، وشكوى الزمان، ~~فأراد - عليه السلام - أن ينهاهم عن هذه الخلة النكراء بقوله: لا تسبوا الدهر؛ فإن الدهر هو ~~الله. # لقد ملأتم الدنيا صراخا وعويلا، فهل أغنى الصراخ والعويل؟ أفسدتم على الناس فطرهم ~~بإذاعة الآراء السقيمة، والمبادئ المهلكة، فمتى تفتحون أعينكم لتروا نظام الكون كما خلقه ~~الله، لا كما صورته لكم شهواتكم وأهواؤكم؟! نحن صرعى خطلكم، وقتلى جهلكم، فلا عفا الله ~~عنكم، ولا عاد زمن كنتم فيه من المكرمين. # | شكوى عليل # عزيزتي فتحية # لا تطيق يمناي الكتابة إلا بألم شديد؛ وذلك - لو تعلمين - سبب حرماني من الكتابة إليك منذ ~~حين! وكم تمنيت كلما أدرت اللفائف على تلك اليد الجريحة، ms021 لو أن يمناك الجميلة هي التي تتولى ~~برفقها ضمد ذلك الجرح البليغ، ولكن هيهات يا فتحية، ما كل مأمول ينال! وكم أنشدت كلما أدنى ~~الخيال محياك الجميل. # إن عيني تعودت كحل هند # جمعت كفها مع الرفق لينا # إي والله! فلو رأيتك الآن لفزعت إلى صدرك، كما يفزع الضحيان إلى الظل الظليل! وما كان هذا ~~الجرح بباق بعد قدومك، إلا كما يبقى الحزن بعد قدوم الرحيق، ولقد كنت خليقا أن أطرب لذكراك ~~كلما ألح علي المرض، فاعتصمت بذكرى أيامنا الخوالي، ولكني ما فكرت فيك إلا امتلأت حقدا ~~على الدهر، فسقطت صريع جرحين؛ جرح في اليد، وجرح في الفؤاد! فيا عجبا كيف صارت ذكراك ~~مثارا للهم، وكانت كالواحة في الوادي الجديب! # الآن - وقد انتصف الليل، ونامت عن شكواي العيون - أتسمع؛ لعل فتحية تطرق الباب، ثم أتبين ~~أنني أرجو ما لا يكون، وأترقب المستحيل، وها أنا ذا أعود إلى مساهرة الأنين. # سبحان من لو شاء سوى بيننا # وأدال منك فقد أطلت عذابي # | غضبة الأسد # مصائب أشتات ينلن من الحشا # منال الرياح السافيات من الصخر # وما إن قسا قلبي ولكن همتي # تعالت فلم تعبأ بغطرسة الدهر # فلا تحسبوا أن الزمان وإن عتا # سيحملني يوما على مركب وعر # أبى لي احتمال الضيم نفس أبية # لها ما لهذا الدهر من عنت الجور # فلا حمدت مسعاي آل مبارك # إذا لم أبت أعداء مصر على جمر ~~••• # لعمر الليالي الدهم وهي شواهد # ببأسي الذي أودى بما جئن من ذعر # لئن لم يبن طوعا عن النيل غاصب # نرى لبثه فينا أضر من الكفر # لأستمطرن الشعب سخطا ونقمة # على ما جنت يمناه في مصر من نكر # فيغضب مغوار ويعبس فاتك # ويفزع موتور إلى سفه الشر # ويمسي رجال النيل أسدا غواضبا # تخايل في برد من الفتك والزأر ~~••• # لقد خاب ظن القوم إن كان غرهم # جنوح البحور الطاغيات إلى الجزر # فقد تزفر الآساد وهي روابض # كما يزفر الماء المحجب في القدر # ألم يأتهم أن النجوم إذا هوت # تصير رجوما لا تنهنه بالزجر ~~••• # أبى ms022 الله أن نفنى وفينا بقية # يعز عليها أن نصفد بالأسر # فكيف يسام الخسف شعب معزز # له ما لأهل الغرب إن هب من أزر # فكفوا بني التاميز عن نهب أنفس # تحاول أن تحيى مع الأنجم الزهر # | أصول الأخلاق # اختلف الناس في «الفكرة» التي ترجع إليها أصول الأخلاق؛ فمن زاعم أنها فكرة روحية، ومن ~~قائل إنها فكرة مادية. فأصحاب الرأي الأول يرون أن الصدق والوفاء والإخلاص والكرم والتسامح ~~والرفق، وسائر الفضائل؛ كلها ترجع إلى «فكرة واحدة» هي سرور النفس، وراحة الضمير، من عمل ~~الجميل. وأصحاب الرأي الثاني يؤكدون أن الصدق ليس بفضيلة إلا لما فيه من المنفعة المادية، ~~والكذب ليس برذيلة إلا لما فيه من المضرة الحسية، فالفضائل والرذائل عند هؤلاء تقدر بما ~~يعقبها من الآثار الجميلة، أو العواقب الوخيمة. # وكما اختلفوا في الباعث اختلفوا في الجزاء، فمنهم من يزعم أن مثوبة الفضائل كعقوبة ~~الرذائل معنوية، ومنهم من يرى أنها مادية. وأذكر أني قرأت في بعض تفاسير القرآن تأويلا ~~لنعيم الجنة بأنه لن يكون نعيما حسيا - كما ينص القرآن - بل سيكون نوعا من التكبير ~~والتسبيح والتهليل. # فما رأي أمثال هؤلاء العلماء في القديم والحديث لو أصررنا على أن «لا تفسير ولا تأويل»، ~~وأبينا إلا التمسك بنص القرآن الشريف؟ أيحكمون علينا بالإثم والفسوق؟ فإن فعلوا، أفلا نحكم ~~عليهم بالجهل والجمود؟ إنهم لفي ضلال مبين. # لقد آن لهذه الأجناس البشرية أن تصحو وتفيق! فلو كانت البواعث الروحية أو الجزاءات ~~الروحية كافية لبقاء الأخلاق؛ لكان للقرآن أسلوب غير هذا الأسلوب، ولكن الله لم يشأ أن يترك ~~عباده في عماية وضلال، فوصف لهم الجنة وقطوفها الدانية وصفا شائقا لا يدع مجالا ~~للمتأولين والمتخيلين! وقد جعل الله الجزاء في الآخرة مثلا للجزاء في الدنيا - لو يفهم ~~المتفيهقون. # أكتب هذا وأنا أقرأ كل يوم في الآداب القديمة والحديثة شكوى الأدباء من إعزاز الجماهير ~~للمال، وإجلالهم لأهله، فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟! لقد كان المال زينة ~~الحياة منذ خلق الله الوجود، أفيريد هؤلاء الكسالى أن يحولوا سنة ms023 الله فلا تقدر الجهود ~~المادية ، ولا ينظر إلى من يستغلون كنوز الأرض بغير الازدراء؟ كم مضت آلاف السنين والروحيون ~~يذمون المال، وطلاب المال! فما أبغضه أحد حتى ولا الروحيون أنفسهم، أفلا يجب أن تكف هذه ~~الألسنة الداعية إلى المستحيل ثم يفرغ الناس لشئونهم جميعا قبل أن يستحوذ الغربيون على ما ~~في العالم من الأموال والثمرات، ثم لا يتركوا لنا غير الشعر والخيال؟! # | ذكرى الشيخ محمد عبده # بين يدي الآن جريدة «الماتان» وفيها صورة باستيرو قد كتب بجانبها بالخط العريض ما تعريبه: ~~«الماتان يدعو قراءه إلى مساعدته على تنظيم حفلة في باريس للذكرى المئوية التي ستقيمها ~~الحكومة في ستراسبورج»، ويلي ذلك كلمة قيمة عن تاريخ باستيرو العالم الفرنسوي ~~المعروف. # ففي فرنسا تحتفل الحكومة بذكرى العلماء، ثم تدعو الجرائد قراءها إلى العمل لشمول تلك ~~الحفلات، أما في مصر فلا تعنى الحكومة بشيء من ذلك، ولا تفكر الجرائد في كثير منه أو قليل؛ ~~وأمامنا الاحتفال بذكرى الشيخ محمد عبده، فقد دعا إليه فريق من تلامذته الأوفياء، وتفضلت ~~الجرائد فنشرت الخبر بلا تعليق! وهكذا، تموت فينا عاطفة إجلال العظمة، وتبجيل العظماء، على أن ~~كبار الرجال لم يعيشوا لأنفسهم، بل عاشوا لأممهم عيشة طافحة بالشقاء! فبأي قلب نواجه هذا ~~العقوق الدميم؟ ومتى نرحم أنفسنا من هذا التخاذل المرذول. # فباسم العلم والمروءة نقدم إلى من احتفلوا بذكرى الشيخ محمد عبده خالص الشكر ووافر الإجلال «والله لا يضيع أجر المحسنين». # | مناقشة لغوية # جرى في بعض الأندية ذكر هذا المثل «الحديث ذو شجون» فرأى بعضهم أن صوابه «الحديث شجون»، ~~ودليله أنه رآه كذلك - كعنوان دائم - في بعض الجرائد، فرد عليه أحد الحاضرين قائلا: إنه لو ~~كان ما يكتب على جدران الجرائد أو صحائفها حجة ودليلا على صحة ذلك المكتوب؛ لما كان العامة ~~مخطئين في قولهم «الإهرام» بكسر الهمزة؛ لأنها ضبطت كذلك على عمارة الأهرام الغراء! فقال ~~قائل: إنه غلط مقصود؛ لأن تلك الجريدة تساعد الرجعيين من الشيوخ الفانين! ورأى آخر أنه خطأ ~~شائع جاراه صاحب الجريدة وهو المعقول، ms024 وهنا نذكر قولهم: «خطأ مشهور خير من صواب مهجور»، وهي ~~الكلمة التي لجأ إليها المرحوم الشيخ محمد عبده، حين سئل عن صحة قوله: «راحت السكرة وجاءت ~~الفكرة» بفتح الفاء. # وبهذه المناسبة أذكر أني لقيت في طريقي مرة العلامة أحمد باشا زكي فقال لي: أين تقصد؟ ~~قلت: إلى مكان بيني وبينه خطوات - بضم الخاء - فقال: لو قلت خطوات بفتح الخاء لكنت أدنى إلى ~~الرشاد! فقلت: إنها بضم الخاء في قوله تعالى: # ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان ~~، فقال: لا أنكر، ولكني أرى أن خطوة بفتح الخاء لها ~~نظائر في الوزن مثل: ندوة ونزوة وقسوة وشهوة ونبوة وربوة ... إلخ، فلو أنك قلت: خطوة لكنت ~~قريبا من الصواب، وهي إن لم تكن لغة فهي لغية، وثمانون في المائة ينطقونها بالفتح فما ~~بالك تنطقها بالضم فينسلخ عنك ثلاثة أرباع الناس. # وهذا حل مقبول؛ لأننا حين نفعل ذلك نجاري شائعا له أصل معروف، ولكن الذي لا مسوغ له أن ~~تؤازر الخطأ المحض لشيوعه وذيوعه، وقد يكون شيوعا نسبيا في مدينة أو قطر، ونحن نريد أن ~~تكون الأقطار الإسلامية لغة واحدة، هي اللغة العربية، وقد يذيع في مصر ما لا يذيع في ~~الجرائد، فلو أننا اتبعنا ما ذاع هنا واتبعوا هم ما شاع هناك، لعادت الفروع وهي أصول، ~~ولأصبحت اللغة العربية الأصلية كاللغة اللاتينية في الممالك الأوروبية خاصة لا عامة، ويصبح ~~القرآن غريبا عند المسلمين كأناشيد «بنتاؤر» عند الأقباط، أو سؤال الملكين عند من يرى أنه ~~سيكون بالسريانية! ونصبح - بعد حين - في حاجة إلى من يترجم لنا كتب الجاحظ وابن سينا والغزالي ~~إلى اللغة الأهلية، كما نترجم كتب «ديكارت» من اللاتينية إلى الفرنسية، وقد كان شيء من ذلك ~~في الأقطار الإسلامية، ففي مقدمة ابن خلدون أمثلة من الفنون الشعرية المولدة كالزجل ~~والموالية وما إليهما من الكلام الموزون الخارج على أصول اللغة والإعراب، ونحن نجد صعوبة ~~ومشقة في فهم تلك الآداب البلدية بالرغم مما ذكر ابن خلدون من أنها كانت مثلا في الفصاحة ~~والبلاغة. # وابن خلدون يرى أن البلاغة ms025 لا تتوقف على الإعراب، وهذا صحيح بالنسبة للعامة؛ لأن الإعراب ~~عندهم أبرد من النحو في الحساب! ولكن الخاصة لا يتذوقون الكلام الملحون ولا يطربون لمعناه، ~~والبيان عندهم هو جمال اللفظ والمعنى، ولا جمال للفظ بغير سلامته مما يعد عيبا في رأي ~~علماء النحو والصرف. # ولولا أن الحديث ذو شجون لما شغلنا عن تحديد هذا المثل «الحديث ذو شجون»، وقد رأى القارئ ~~أنه لا معنى لأن نقول «الحديث شجون» استنادا على «تسجيله» في بعض الجرائد! والشجون هنا جمع ~~شجن بفتح فسكون، وهو: الشعبة والطريقة، فمعنى «الحديث ذو شجون»، ذو شعب وذو طرائق، وليست جمع ~~شجن محركا، بمعنى الحزن - كما يظن كثير من الناس. # | فيه قولان! # ألح بعض الأدعياء على أبيه أن يدعي العلم! وزوده بهذه النصيحة، إذا سئلت عن شيء لم تعرف ~~وجه القول فيه فليكن جوابك: «فيه قولان»، فسمع الوالد نصيحة ولده البار، وكان الناس قديما ~~قلما يعنون بغير المسائل الفقهية والنحوية، فسأله سائل عن طهارة الكلب! فأجاب: فيه قولان، ~~فقالوا: صدق؛ لأنها موضع خلاف بين الشافعية والمالكية، وسأله آخر: أيرفع الخبر أو ينصب ~~بعد «ما»، فأجاب: فيه قولان، فقالوا: صدق؛ لأن فيها خلافا بين الحجازيين والتميميين. # وكان في المجلس رجل ماكر ظريف لحظ أن هذا الرجل جاهل، وأنه ينفذ خطة رسمت له، فسأله: ~~أفي الله شك؟ فأجاب المسكين: فيه قولان. # فجاء ابنه - رضي الله عنه - وقال: صدق في جوابه فإن فيها قولين في الإعراب، ولكن هيهات أن ~~تغني المغالطة بعد أن ضحك الناس من عمامة أبيه. وهكذا تجري الحال في مصر، فكل مشكلة لها ~~وجهان، وكل أمر فيه قولان، ولا يعلم إلا الله متى يعرف المصريون كيف تحدد نقاط ~~الخلاف. # | بعثة البنات # انفرجت مسافة الخلف في هذه الأسابيع بين أنصار وزارة المعارف وأنصار طلعت بك حرب، الذي ~~يرى العدول عن إرسال البنات إلى أوروبا لإتمام الدراسة، ولقد جاء في أحد الردود المتبادلة ~~كلمة حقة هذا نصها: «وحتى لو أن كل من أرسلتهن المعارف إلى أوروبا عدن كما ذهبن مصونات ms026 ~~الأخلاق سليمات الاعتقاد؛ فليس هذا سببا للمجازفة بغيرهن»، وهي كلمة تذكرنا بقول كليلة ~~ودمنة: «إن من وطئ الحية فلم تلدغه، فليس خليقا أن يطأها مرة ثانية وإلا عرض نفسه ~~للهلاك.» # والذي نعرفه أن القائلين بالحرية المطلقة للمرأة لا يؤمنون في أنفسهم بأصول الآداب ~~والأخلاق، فخير لمناضليهم أن لا يجعلوا الفضيلة والدين أساس الحكم في هذا الموضوع. # | غريب اللغة # اجتهد الكتاب أخيرا في تنقية الكتابة من غريب اللغة، وهي سيئة عدوها حسنة؛ لأن النزول ~~إلى الكلمات المألوفة سيصل بنا قريبا إلى وضع اللغة في نطاق ضيق وفقا لأفهام كثير من ~~الناس! ومن المعروف أن غرابة الكلمات ترجع إلى قلة تداولها وانتشارها في المؤلفات ~~والأحاديث، فمتى هجرت الكلمة لوجود ما هو أقرب منها إلى أذهان القارئين والسامعين، فإنها ~~تصير - بعد حين - غريبة لا يعرفها إلا القليل، ثم تصبح القواميس أشبه شيء بالمتاحف الأثرية لا ~~يرجع إليها غير عشاق العاديات من علماء اللغات. # ولعل أحسن وسيلة لتقريب الجماهير من الكلمات الغريبة، هي أن لا ينفر منها الكاتب حين تعرض ~~له، بل يجمل بها كلامه، ثم يضع لها تفسيرا في هامش الصحيفة ليقف القارئ على مدلولها ~~المراد، فإذا جرى هذا باطراد في صحيفة يومية أو أسبوعية فإن قراءها يألفون كثيرا من ~~الكلمات الغريبة في زمن قليل. # ومما يلفت النظر أن جريدة الأهرام حين نشرت قصيدة حافظ في ذكرى الشيخ محمد عبده، كتبت في ~~الهامش تفسيرا لكلمة رتيب في قوله في وصف القبر: # مضجع لا يشتكي صاحبه # شدة الدهر ولا شد الخطوب # لا ولا يسئمه ذاك الذي # يسئم الأحياء من عيش رتيب # أيدري القارئ كيف فسرت كلمة رتيب؟ إنها قالت ما نصه: «رتيب على وتيرة واحدة، مونوتون» ~~ومونوتون هذه كلمة فرنسوية! فهل رأى الناس أو سمعوا أن الكلمات العربية تفسر بذكر مقابلها ~~في الفرنسوية، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق. # وإذا كان من الأدباء من لا يستكثر ذكر المقابلات الدخيلة أو الأجنبية، فما الذي يضيرنا ~~إذا فسرنا كل كلمة نظنها غريبة ms027 أو قليلة الذيوع، لتزيد ثروتنا اللغوية بقليل من العناية، ~~وإن الصدر ليضيق حين نجد من الصحف من يقول: «صورة رمزية كاريكاتيرية وهي رطانة ثقيلة لا ~~تسيغها الآذان!» # أين امرؤ القيس والعذارى # إذا مال من تحتها الغبيط # استنبط العرب في البوادي # بعدك واستعرب النبيط # ومما يؤسف له، أن كثيرا من الناس لا يجدون سبيلا إلى إفهام القراء أنهم يعرفون لغة ~~أجنبية غير حشو كتاباتهم بالألفاظ الفرنسوية أو الإنجليزية، وفاتهم أن أشرف سبيل إلى ذلك هو ~~تعريب الكتب القيمة، ونقل الآراء الطيبة، ليدل الناقل أو المعرب على أنه يستفيد مما يطلع ~~عليه من آثار الفرنجة. وشر ما نعرف في هذا الباب أن من الناس من لم يدرك غير الحروف ~~العربية، ولكنه مع ذلك يغرب في حشو كتابته بالألفاظ الأجنبية كأنها سر من أسرار ~~البيان! # إلى ... # ولما نسيتم ودنا وغرامنا # ولم تحفظوا بعد الفراق لنا عهدا # جعلنا نغض الطرف عنكم وعندنا # من الشوق نار لا نطيق لها وقدا # | ملك يرصد الكواكب # تحت هذا العنوان نظم أحد شعراء فرنسا قصيدة بديعة تتلخص في أن ملكا عظيما شغف برصد ~~الكواكب، فكان يقضي ليله في مشاهدة السماء، ومطالعة ما فيها من نجم طالع، أو كوكب ساطع، ~~فبينا هو غارق - ذات ليلة - في تأملاته الحلوة، وهو يجوب ببصره أقطار السماء؛ إذ أزعجه أحد ~~رعاياه بقوله: «مولاي الملك، إن الله لم يولك أمر هذه الأمة لترصد ما في السماء من نجوم وكواكب، بل ولاك ~~لترصد ما في الأرض من مريض أشقاه المرض، وفقير أضناه العوز، وجاهل أضله الجهل. فول وجهك شطر ~~الأرض مرة واحدة لتنظر ما فيها من بؤس وشقاء، وهم وعناء، وإني لواثق بأن في الهموم المنشورة ~~على بساط الغبراء شغلا لك عن النجوم المبثوثة في أديم الزرقاء! # ما الذي يهمك من تأمل النجوم، ولست مسئولا عما يطلع منها وما يغيب، إن لها نظاما لا ~~تعرفه، وسرا أنت عنه محجوب، فما لك لا تشغل بالأرض، ومنها خلقت، وإليها تعود؟» ~~••• # قرأت تلك القصيدة التي لخصتها للقراء، وذكرت أهل ms028 العلم في مصر؛ لأنهم يشبهون ذلك الملك من ~~جميع الوجوه، وبيان ذلك أن جميع العلماء الذين نثق بعلمهم من كل خبير بوجوه الحياة، وقفوا ~~علمهم على وصل السلسلة التاريخية للعلوم والفنون، فترى الرجل يقضي عمره في بحث مسألة قد ~~تكون بعيدة عن حاضر النفع لقومه ووطنه، ولكنها تروقه لسبب واحد هو وصلها بين القديم ~~والحديث، ويخيل إليه أنه يقضي مهمة وطنية؛ لأنه يجعل لوطنه ذكرا في تاريخ المباحث العلمية، ~~وإن كانت هذه المباحث ظنونا في ظنون! # ومن الناس من يؤلف كتابا لا يقرؤه إلا اثنان أو ثلاثة، ثم يبلى في المكاتب لعدم الحاجة ~~إليه، فإذا سألته لم اخترت لكتابك هذا الموضوع الغريب، أجابك بأنه إنما فعل ذلك أداء لحق ~~التاريخ، ونحن نجل هذا النوع من الحرص، ولكننا ننكر أن يقبل أذكياء مصر على الأبحاث ~~الكمالية، ثم يتركوا الأمة تتخبط في دياجير الجهالة وبيداء الضلال! # في مقدور هؤلاء النوابغ أن يؤدوا واجبهم نحو العلم وتاريخه، ثم ينظروا - مع ذلك - إلى ما ~~تقاسي طوائف الأمة من عنت الأمراض الاجتماعية، فيصفوا لها ما يعرفون من ناجع الدواء، ثم ~~يحاربوا بأنفسهم جيش البلادة والخمول؛ لتقوى المدارك وتسلم الأذواق، فإذا فعلوا ذلك عرف ~~الناس أنهم يعملون لبعث ماضيهم، وإصلاح حاضرهم، وإلا كانوا كذلك الذي ترك الناس نهبا للبؤس ~~والشقاء، ثم قلب وجهه في السماء ليرصد الكواكب! # | الجرائد المصرية # وكما رزئت الأمة المصرية في أقطاب التأليف، فلا تقرأ لهم غالبا غير «تحقيقات وتدقيقات» ~~سخرت من تكرارها القرون، فجعت كذلك في كتاب الصحافة وهم قادتها في هذا الحين! فإن كنت في ~~ريب من ذلك فانظر أي جريدة وتأمل ما يسطره قلم التحرير أو قلم التعريب، فلن تجد غير الأخبار ~~السياسية، والرسائل السياسية، الخلافات السياسية ... إلخ ... إلخ! وتلك بلية عظيمة لا تحتملها أمة ~~تحاول النهوض، فإنه يستحيل أن تنهض أمة لا تجد ما تقرأ غير الشئون السياسية. # وسبب هذه النكبة، أن القائمين على الجرائد المصرية قوم غلبت عليهم مذاهبهم السياسية، ولا ~~يطالعون من الجرائد غير ما تغلب عليه ms029 السياسة ولا يطيب لهم السمر إلا إن سادت فيه السياسة ~~ولا يهزون وهم نائمون في غير السياسة! ورحم الله الشيخ محمد عبده حين قال: «قاتل الله ~~السياسة ومادة ساس ويسوس.» # ولقد يكفي أن يكون في الجريدة مقالتان واحدة عن السياسة المحلية وأخرى عن السياسة ~~الخارجية، ثم ينصرف المحررون والمترجمون إلى إمتاع القارئ بما جد في عالم الأدب والتاريخ ~~والاقتصاد، وما إلى ذلك من الأبحاث الشيقة الممتعة التي تثقف العقول وتخلق الرجال. # ألم يمر بك أيها القارئ ذلك الخبر الذي نشرته الجرائد المحلية بلا تعليق؟ ألم تسمع أن فتى ~~في شارع الدواوين أضرم النار في فتاة فصيرها هباء تذروه الرياح؛ لأنه حاول أن يسلبها شرفها ~~وعفافها فأبت، وفضلت النار على العار. # في سطرين اثنين كتب هذا الخبر في الجرائد المصرية: أتدري لم ضاقت هذه الصحف المشئومة ~~عن الاستفادة من هذا الحادث، والإفاضة بسببه في الآداب والأخلاق؟ لأن كتابها - هداهم الله ~~- كانوا مشغولين بذكر الأسباب القريبة والبعيدة لمصرع ويلسون في لندره وراتنوا في ~~برلين. # إنها لأعجوبة القرن العشرين أن نغفل عما يجري على مرأى منا من غريب الحوادث، لنفرغ لتحقيق ~~ما لا يعنينا من أخبار العالمين. # | أين المصلحون؟ # قضي الأمر، وتبينا أن الغواة في هذا البلد قويو الإرادة، صادقو العزيمة، يوفون لأنفسهم ~~بالعهد إن عاهدوها على الشر، ولجيوبهم بالوعد إن وعدوها سلب ما في أيدي الناس. وهذا ظاهر في ~~كل ما وصلت إليه أعمال العادين على الأمن، فليس من سبيل إلى إنكار البراعة التي ظهرت في ~~طائفة من هذه الأمة المسكينة، تلك الطائفة التي تسمى حينا بالنهابين وحينا ~~بالسفاحين. # وإنا إذا أسفنا لشيء فسيكون أسفنا أشد كلما رأينا أن ضعف الإرادة، وخور العزيمة، وفتور ~~الهمة؛ إنما هي من صفات طلاب الإصلاح في مصر، فإذا أتم السارق ما اعتزم المضي فيه، ووصل ~~السفاك إلى إزهاق ما يشاء من الأرواح؛ فإنك ترى الإخفاق لاحقا بمن يعزم على تأسيس ملجأ، أو ~~تأسيس مدرسة، أو تأليف كتاب، أو قتل رذيلة، أو غرس فضيلة. # لقد كان من ms030 الهين أن نحتمل وجود خونة ولصوص وفتاكين، لو أن لدينا - بجانب ذلك - زعماء في ~~الإصلاح، وعلماء في الأخلاق، وبناة للمجد، ودعاة إلى الرشد، ولكن كفة الرذيلة أرجح من كفة ~~الفضيلة، وطالب الشر أسرع من خاطب الخير، وداعي الهدى أعجز من داعي الضلال. # هذا هم نقاسي احتماله، ونشهد بأنفسنا مصرع الأخلاق، ونرى ظهور النحل الدنسة التي ترمي ~~إلى انحلال العزائم، وانهزام النفوس، واندحار العقول. ولا يعلم إلا الله مآل هذه الأمة التي ~~بدأت تتهاون في الشرف الذي لا تحيا أمة إلا به، والدين الذي كان السبب في كل ما لها من ~~كيان. # ولولا أننا نكتب في الأخلاق وقد ينافيها التعرض ولو قليلا للشخصيات؛ لكشفنا الغطاء عن ~~الأفراد والجماعات التي لا تعد الثبات على المبدأ إلا بقية من بقايا الجهالة، وترى الفضل في ~~أن يكون المرء كالحرباء، يتلون بلون المكان الذي يحل فيه، فهو تارة نقي الوجه، وأخرى مسود ~~الجبين. # إلى بعض الناس # لقد صددنا كما صددتم # فهل ندمتم كما ندمنا # وشفنا الوجد مذ جفوتم # فأظهر الدمع ما كتمنا # وهبت روحي وقلت عطفا # فما عطفتم وما رجعنا # ملكتموها وما وصلتم # لقد غنمتم وما غنمنا # ما ازددت خوفا على فؤادي # إلا وزدتم صفا وأمنا # وما رجائي وقد قويتم # على جفائي وزدت وهنا # قتلت نفسي على جفاكم # وما قرعتم على سنا # لهفى على السالف المفدى # لو كان يجدي الفدا لجدنا # فما ذكرنا الذي تقضى # إلا على حسنه انتحبنا ~~••• # لو كنت أشكو الهوى لصخر # لحن وجدا وأن حزنا # وذاب من هول ما أراه # فقد برانا الهوى وذبنا # إن كان ذنبا فسامحونا # ويشهد الله ما أسأنا # | إشراك العقول # لا تجد كتابا من الكتب الأزهرية قد خلا من الحكم على الشعر: أحرام هو أم حلال؟ وهذا خلاف ~~قديم رويت فيه هذه النكتة الطريفة: وهي أن سعيد بن المسيب سمع رجلا يذكر أن إنشاد الشعر ~~ينقض الوضوء، فأنشد من فوره: # أنبئت أن فتاة جئت أخطبها # عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول # ثم أقام الصلاة! # ويذكر الرواة أن سعيد ms031 بن المسيب هذا نقل إليه أن قوما يكرهون الشعر، ~~فقال: لقد تنسكوا تنسكا أعجميا، ويقرب من هذا ما قاله رجل من علماء الدولة العباسية، وقد ~~سمع أن الإمام مالكا يحرم الغناء فقال: أما والله لو قال مالك ذلك ويدي تناله لأحسنت أدبه؛ ~~إن رسول الله ما كان يحرم أو يحلل إلا بوحي من الله! # ولا يزال هذا الخلاف موجودا في ~~الممالك العربية، ففي جريدة العراق التي تصدر في بغداد مقالة نشرت في الشهر الفائت، ترد بها ~~على بعض الصحف العراقية التي أنكرت على جريدة العراق «ذكرها خبر قدوم المغنية المصرية ~~الشهيرة السيدة منيرة المهدية»، ومنذ شهور نشرت جريدة الأهرام كلمة لإحدى السيدات ~~«الشريفات» تستنكر فيها أن تكتب السيدات الممثلات «السيدة فلانة!» وتستبعد أن يصبح التمثيل ~~حرفة لواحدة من نساء الأشراف، وكذلك ظل الشعر والغناء ثم التمثيل موضع خلاف. # وقد اضطر الغزالي إلى مدافعة هذه الأذواق السقيمة بقوله: «إن لله سرا في مناسبة النغمات ~~الموزونة للأرواح، حتى إنها لتؤثر فيها تأثيرا عجيبا، فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما ~~يحزن، ومنها ما ينوم، ومنها ما يضحك، ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها»، ولعل ~~أمثال هذه الكلمات الصريحة كانت من الأسباب التي حملت الجهلة على رمي الغزالي بالكفر! ويغلب ~~على الظن أن تورط هذا الإمام في مذاهب الصوفية الغريبة كان شبه كفارة لما جناه في شبابه من ~~التفكير المعقول! # الشعر والغناء والتمثيل - ولا تنس التصوير الذي حرموه - كل أولئك مما يجب على كل مفكر أن ~~يبعد موارده الشهية، ليوصف بالوقار والجلال! فيا ويحكم ماذا أنتم صانعون لو شهدتم المعركة ~~القائمة بين الهدى والضلال! إنكم لو رأيتم كيف تتصاول العقول، لسبق إليكم الجنون، إن لم ~~تكونوا مجانين! ولكنه لا لوم عليكم: وإنما اللوم على الجبناء الذين جعلوا رأى الجهالة مما ~~تنصب له الموازين! # | اكتشاف مؤامرة # بعد جهد جهيد اكتشفت الآنسة منيرة المؤامرة التي دبرت في ظلام القلوب لاغتيال حياتها ~~الأدبية، وقد عرفت بعد البحث والتنقيب أني زعيم هذه المؤامرة! # عفوا يا مولاتي؛ ms032 فإنني بريء! كل شيء يهون إلا حياتك الغالية، ولعل سبب هذه التهمة هو ما ~~جاء في تضاعيف تلك الكلمة التي لوحت بها إليك، كما يلوح بالأصابع للقمر الطالع، فقد ظهرت ~~بمظهر الأستاذ الضليع الذي يسمو إلى تعليم أمثال الآنسة منيرة، في حين أني لا أصلح - كما ~~تقولين - إلا لطلبة البكالوريا وطلبة الحقوق. # على أني بالرغم من براءتي من التآمر على النيل من مقامك الجليل، وسلامتي من الحقد الذي ~~رميتني به زورا وبهتانا، وإيماني بأن لك نصيبا من الذكاء؛ فإني لا أزال أعتقد بأنك في ~~حاجة إلى دروس في ماهية البلاغة وروح البيان! # ألم تصرحي بأنك لم تدرسي البلاغة دراسة كافية؟ وما الذي يمنع إذا كنت جاهلة بالبلاغة أن ~~أتفضل فأعطيك درسين أو ثلاثة عن متانة التركيب، ورشاقة الأسلوب؟ وإنني لأصرح بأنني غفرت لك ~~ما ند من قلمك الناشئ الجميل، وسأغفر كذلك ما يجترح بعد اليوم من نفور وجموح! # فبعض الظالمين وإن تناهى # شهي الظلم مغفور الذنوب # | باسم الآباء يرزقون # كنا نسأل الرجل ما اسمك؟ فيقول: ابن فلان أو خالي فلان! وكنا كثيرا ما نسكت عن هؤلاء؛ ~~لأنا نظنهم أغنياء؛ إذ كانوا من أبناء الأغنياء أو أبناء أخوات الأغنياء! ومتى كان المال ~~نسبا عند بعض الناس فقد يكفي أن ينتسب أحدهم لغني؛ لأن المال موروث! # ولكن الذي لا نفهمه - في هذا الجيل - أن يسأل الرجل عن اسمه فيقول: ابن فلان العالم الجليل ~~أو الكاتب البليغ أو الشاعر المجيد. وكل امرئ يعرف أن الآباء يتركون لأبنائهم مالهم إن ~~أخطأه التبديد! فأما العلم والأدب والفلسفة فمما لا ينال بالميراث، ولا يمكن أن يحترم ~~جاهل أو غني؛ لأن أباه عالم أو فصيح. # فهل لأبناء العلماء والكتاب والشعراء أن يريحونا قليلا من خيلائهم ثم يقبلوا على العلم ~~والأدب إن شاءوا أن نوليهم بعض ما أولينا آباءهم من التبجيل؟ # | كتاب الجرائد الأدبية # كنا نحسب السادة «المتأدبين» كتاب الجرائد الأدبية قوما يحبون الصدق ويبغضون ~~الاختلاق؛ لأن العهود التي قطعوها على أنفسهم يوم افتتحوا جرائدهم «بالبسملة والحمدلة» كانت ms033 ~~تؤذن بأنهم أنصار الحق وأعداء الضلال! # ولكن فريقا من هؤلاء الكاتبين يستبيحون لأنفسهم الكذب والافتراء، فإذا سألتهم من شرع لكم ~~هذه الشريعة الباطلة: شريعة الكيد للناس باسم الدين والأخلاق، ابتسموا ابتسامة صفراء، ~~وقالوا: إنما نفعل ذلك لينتبه الناس إلى ما نكتب فتنبه جرائدنا وتذيع! # ألأجل أن يعيش عشرة من الكسالى الذين ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت؛ لأنهم لم يسلكوا سبيل ~~الحياة؛ يؤذى الأبرياء في أنفسهم وأموالهم، وتعق الفضيلة، وتروج الأراجيف؟ كلا، لن ينال ~~هؤلاء شيئا مما يشتهون، فقد سلمت الأذواق، وأصبح الناس أحرار العقول لا يقرءون جريدة إلا ~~إن غلبت عليها النزاهة والإخلاص. # الشباب العابث # ضاق الفضاء علي من عبث الصبا # ورحمت فضلي من هواه العائث # فأغث فديتك يا مشيب كرامتي # إني سئمت من الشباب العابث # | جرائد الحزب الوطني # إلى حضرة الأستاذ محمد الههياوي # صديقي ~~العزيز # قرأت كلمتك في استقبال «اللواء المصري» وما انطوت عليه من الأمل في انتصار الحق، واندحار ~~الباطل، فذكرت تلك الأيام السوداء حين كان الأمل قليلا في شفاء الأمة مما ألم بها من عبث ~~الجهل، وكيد الضلال، يوم كانت هذه الصحيفة البيضاء لا تصل إلى العاصمة حتى ينقض عليها ~~شياطين الإنس يتخطفونها من الباعة ليحرقوها في أماكن طالما احترمها الناس على حساب ~~الاستقلال! يوم وقف بعض تجار الوطنية يذكر ما تضمنته جريدة الأمة من النقد الساحق لمشروع ~~اللورد ملنر، ثم ختم كلامه بتمزيق هذه الصحيفة المحبوبة عقابا لها على انتقاد ~~المشروع! # يوم كان رجال الحزب الوطني يخطبون فلا ينصت لهم سامع، ويكتبون فلا يأبه لهم قارئ، يوم ~~عميت الأبصار إلا عن رؤية القبيح، وصمت الآذان إلا عن سماع الخبيث، يوم كان سيئات ~~«المعتدلين» حسنات باهرة، تنظم في مدحها القصائد، وتحبر الرسائل، وما عهد المشروع ~~ببعيد. # والآن وقد بطش الحق بالباطل، وانتقم الهدى من الضلال، وسلط الله بعض الظالمين على بعض، ~~وأفاقت الأمة من غفلة التغرير، وأفاقت من شرك التضليل، وتميز الخبيث من الطيب، وهلك من هلك ~~عن بينة، وحي من حي عن بينة؛ الآن لم يبق ms034 إلا أن تقولوا فيرفع الحق رأسه وتزل قدم الباطل، ~~فيسقط إلى الحضيض، ثم يرضى الله والملائكة والناس. # وبعد، فإن الناس رجلان: رجل يتبع الحق ولو قل أنصاره، ورجل يتبع الأكثرية ولو اجتمعت على ~~ضلالة، وها نحن أولاء نرى الأغلبية مع الحق المشرق الجبين، فثابروا على جهادكم أيها ~~المخلصون؛ لتقر عين أنصاركم من قبل، وليهدي الله بكم أولئك الذين ما عرفوكم إلا بعد أن أصبح ~~الباطل وهو صريع. # | إنما ينافق الضعفاء # تنصحني يا هذا بأن أجامل، وأن أصانع، بل تريد أن أنافق، ويحك، إنما ينافق ~~الضعفاء. # إن الله لم يخلقني لأكون ألعوبة، أداري هذا وأحابي ذاك، أنا خير منكم جميعا، بل سيدكم ~~جميعا، فانظروا ما تصنعون! # أنا في نعمة من الله، لا أبالي بعدها أين يكون سخطكم، وأين يكون رضاكم، وإن الله لأكرم من ~~أن يضطرني إلى مصانعة جماعة من الكسالى لا قيمة لهم في هذا الوجود. لا تنصحوني وانصحوا ~~أنفسكم، حدثونا ما خطركم في هذه الحياة العاملة، التي نطق فيها الحجر، وأنتم - بفضل جهلكم ~~- صامتون؟ # إن فضيلة الوفاء هي التي تضطر مثلي إلى أن يجامل بعض الناس، وسأعرف كيف أهجر الناس جميعا ~~حين لا يرضيهم غير النفاق. # هذا هو فصل الخطاب، ألستم تريدون أن أنافق كما تنافقون؟ كلا، لن يكون ذلك، إنكم تنافقون ~~لتعيشوا، أما أنا فحي بالرغم منكم؛ لأن الله لا يريد أن أموت، وسوف تعلمون. # | الأزهر الشريف # نريد أن نعرف لم يحرم طلبة الأزهر من دراسة الآداب العربية، ونريد أن نعرف متى تدول ~~دولة المؤلفات السقيمة التي وضعها قوم أقل عيوبهم أنهم لا يفقهون لغة القرآن المجيد، ونود ~~لو تفضل القائمون بإدارة المعاهد الدينية فدلونا على الغرض الذي رموا إليه حين ألقوا ~~بالطلاب في بيداء من الخلط والتعقيد؛ لنطمئن كما اطمأنوا، ولنترحم مثلهم على المؤلفين ~~الأغبياء الذين أفسدوا ما للطلبة من قلوب وعقول. # لا تنتظر - أيها القارئ - من كاتب مثلي أن يحدثك عن جهود العلماء في نشر الآداب العربية في ~~ذلك البيت العتيق؛ فإني لا أريد أن أفجعك ms035 في آمالك وأحلامك، ولا أريد أن تعلم ما أعلم من ~~أمر أولئك الذين يحسبون أنهم حارسو لغة القرآن وهم يفعلون بها ما لا يفعل الأعداء! وما ظنك ~~بقوم يخطئهم العد من حملة الشهادة العالمية تمضي السنون والقرون وما تظهر لهم رسالة في ~~اللغة أو مؤلف في البيان. # وحسبك أن تعرف أن الإحاطة بالأدب أو الفهم فيه مما يغض هناك من أقدار الرجال، فإن كنت في ~~ريب من ذلك فأت بشاهد واحد يدل على أن الخبرة بالآداب العربية كانت مرشحا للدخول في هيئة ~~كبار العلماء. # وهل سمعت يوما أن طالبا أخطأه النجاح؛ لأنه لم يعرف منازل الخطباء في الدولة الأموية، ~~أو مراتب الشعراء في الدولة العباسية؟ وهل تحدث العلماء في ناديهم بأن فلانا غير كفء لدراسة ~~التفسير أو الحديث؛ لأنه لم يفقه ذوق العرب الذين تلقوا كلام الله وكلام الرسول؟ وهل كتب ~~واحد من المفتشين في الأزهر والمعاهد الدينية كلمة واحدة فيها ملاحظة وجيهة عن دروس ~~المطالعة والإنشاء؟ # وهل يجرؤ مدرس واحد ممن يدرسون للطلبة كتاب العقد الفريد، فيدعي - ولو ~~كذبا - أنه خبير بما فيه من مظان الخطأ والصواب؟ وهل نجد من بين الذين تصدوا لبيان ما في ~~كتاب الله من الحرام والحلال من درس الشرائع الوضعية والسماوية لذلك العهد حتى يدرك حكمة ~~التشريع - وهذا أول واجب على من يدرس قصيدة قيلت في غرض خاص، فضلا عن كتاب أخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور؟ وهل تألفت في الأزهر جمعية أدبية كما تألفت فيه الجماعات للطرق الصوفية ~~من جميع الأشكال والألوان؟ # أليس في كل أولئك دليل على أن الأدب لا نصير له في ذلك المعهد ~~الذي تحتشد فيه الآلاف المؤلفة من الشباب والكهول، أوليس في بعض ما ذكرت ما يجعل تنبيه ~~هؤلاء الغافلين فرضا على من يغار على لغة القرآن والحديث؟ # | اتقوا الله في الجنس اللطيف # نشر أبو الهول كلمة لفتاة مصرية عنوانها «لا تهدموا زعيمنا يا أفراد الجنس الخشن» ولست ~~أدري لم يصر الأوانس على تسمية الرجال بالجنس الخشن، مع أن ms036 الأليق تسميتهم بالجنس النشيط، ~~وقد رأينا كيف قامت القيامة حين وصفهن بعض الرجال بالجنس الناعم، ويقول بعض المؤولين إن في ~~إصرارهن على وصفنا بالخشونة دليلا على الطمع في أن يوصفن دائما بالنعومة، كما أن في هروبهن ~~من وصفنا بالنشاط برهانا على نفرتهن من أن يذكر الناس ما في طباعهن من الكسل ~~والخمود. # وبيت القصيد في رسالة تلك الآنسة التي نبغت في كفر الشيخ؛ هو شعورها وشعور أترابها بأن عرش ~~زعيمتهن مهدد بالسقوط، وأنه لمن الواجب أن نلفت أنظار هؤلاء الفتيات إلى أن توقع الهزيمة شر ~~على صاحبه من نكاية العدو الغالب بالعدو المغلوب، فإلى أفراد الجنس اللطيف من كاتبات ~~وشاعرات وقارئات وخائفات أقدم العزاء. # بقي النظر في مستقبل هذه الجهود النسائية، وعندي أن الأفضل لأمثال الآنسة منيرة من كل ~~مهذبة تغار على هذا الوطن الحزين؛ هو التفكير في خلاص المرأة المصرية من قيود الجهل ~~والمهانة، فإن نجحن في ذلك فإني أبشرهن «بالغلبة» في البرلمان - بعد عمر طويل. # | الجنون فنون! # جاء في الصحف الفرنسوية أن رجال الشرطة في باريس لا يكاد يمر عليهم يوم دون أن يقبضوا على ~~رجل أو أكثر بتهمة واحدة، هي: تلويث ثياب السيدات بالحبر! وقد اعترف المقبوض عليهم بهذه ~~التهمة، ولكنهم اختلفوا في السبب الذي اقترفوها من أجله، فبعضهم قال: إنه فعل ذلك بدافع خفي ~~لم يفهم منه غير الشعور بلذة غريبة حين يرى أثواب السيدات قذرة ملوثة. وقال آخرون: إنهم ~~فعلوا ذلك؛ انتقاما من المرأة التي تخطر في الدمقس والحرير والناس يتضورون جوعا ويموتون من ~~المسغبة. # وعندي أن السبب الأخير مصنوع؛ لأن النساء لم ينفردن بالترف والزينة، ولأن الحقد على الرجل ~~المترف أولى من الحقد على المرأة المترفة، ولو كان هؤلاء صادقين في دعواهم الانتقام من ~~النساء المتبرجات لكان لهم مضطرب واسع في الانتقام من الرجال المتأنقين. # والسبب الصحيح هو بغض الرجل لحرية المرأة، وتلك ظاهرة طبيعية، نكون مكابرين إن جحدنا ~~وجودها في الطباع، وهذا هو السر في ترك الرجل امرأته الجميلة وهتكه لحرمة امرأة قد ms037 تكون ~~دون زوجه جمالا وصباحة ! وضياع الشرف قيد في الرجل وغل في العنق، تصبح المرأة بعده من سقط ~~المتاع، والمرأة الساقطة أكثر ما تكون هوانا في عين من أغراها بالسقوط، فإذا عفت المرأة ~~وصانت نفسها عن الغواية؛ ذل الرجل وصغر، وأطال فيها قصائد التشبيب، فهل يفهم النساء؟ # | بين الهدى والضلال # قرأت في جريدة «الليبرتيه» فقرة تحت عنوان «الشعراء الفاسقون»، ولو أردنا الدقة في ~~التعريب لقلنا «الشعراء الغاوون»، ولكن كلمة الغاوي أخذت في العرف معنى غير معناها القديم، ~~وعنوان تلك الفقرة هو عنوان كتاب فرنسوي جميل جمع بين دفتيه قصائد مختارة بديعة لشعراء ~~فرنسا الأقدمين الذين وصفوا المرأة وتغنوا بطرفها الساحر، وخدها الأسيل. # وقد بين الكاتب أن ~~هذه القصائد القديمة تبهره أكثر مما يبهره وصف المرأة في الشعر الحديث، وقد تساءل عن ~~السبب في هذا السحر الذي انفرد به الأقدمون، وحرم منه المحدثون، مع وجود الوحدة في اللغة ~~والموضوع، ثم أجاب عن ذلك بأن المحدثين لم يرزقوا صفاء السريرة، وإن رزقوا قوة ~~الذكاء. # فهل يسمع أنصار الأدب الجديد، أولئك الذين يريدون أن يكون الشاعر عبدا للوزن والقافية، ~~فلا يثبت كلمة إلا حذف كلمة، ولا يعرض عن الحقيقة إلا أقبل على الخيال، فإذا انتهى من ~~المشاكل اللفظية والمعنوية ذهب يتسمع أقوال الكتاب ويتلفظ آراء الشعراء؛ ليكون شعره غاية ~~الغايات في إقناع العقول وإمتاع القلوب. # فإن أراد القارئ مثالا من الشعر المطبوع والمصنوع فليقرأ هذا البيت: # ما أنصفتك جفوني وهي دامية # ولا وفا لك قلبي وهو يحترق # ثم ليقرأ هذين البيتين: # أحبك حبا لو يفض يسيره # على الناس مات الناس من شدة الحب # وأعلم أني بعد ذاك مقصر # لأنك في أعلى المنازل من قلبي # أفلا يرى القارئ أن البيت الأول أروع وأمتع، ثم ألا يشعر - وهو يقرأ البيتين الآخرين - أن ~~قائلهما أضعف من أن يملك النفس، ويخلب الفؤاد؟ # وهناك شاهد آخر للصنعة والطبع في الأعمال؛ فإنا نرى العامة يتهافتون على «الكسوة ~~الشريفة» وهي خارجة من مشهد الحسين، فنهابهم ونبجلهم؛ لأنهم يعملون ذلك عن ms038 عقيدة ووجدان، ثم ~~نرى الوزراء في مكان آخر يتمسحون بأهداب تلك الكسوة فنحتقرهم ونزدريهم؛ لأنا نعرف أنهم ~~يراءون الناس، وكذلك تختلف قيمة العمل الواحد باختلاف مصدره؛ وهو الإخلاص أو الرياء، فمن ~~لنا بكتاب وشعراء يستمدون وحيهم من قلوبهم، ولا يضيرنا أن تسبق المجانة إليهم؛ فإن الإخلاص ~~خير كله، حتى في الخلاعة والمجون. # | في سبيل الحب! # الحمد لله قد ظفرت ببقايا تلك الرسائل، هذه قطعة من الخطاب الذي بعثت به إليها في ذلك ~~الصباح الجميل، يوم أهدتني رواية أنديانة، عفا الله عنها كيف محت منه الإمضاء؟ لعلها خشيت ~~أن يعرف أحد من أهلها مصدر الخطاب، فيكون ما تقذى له العين ويشجى به الفؤاد. # الحمد لله، أجل، الحمد لله الذي لا يحمد على الضر سواه! وأي ضر أبلغ من أن أرى كتبي ~~إليها غرضا للإحراق والتمزيق؟ وأكثر من ذلك ويلاه، ماذا أقول؟ لا بد من الصراحة! # لقد ظهر عرضا في يد الخادم خطاب كتبت عليه لوازم المنزل في يوم 15 أغسطس من «السنة ~~السوداء»، ولكن لا أنسى أن إمضائي محي منه عمدا حتى لا يعرض على الناس، فبأي لسان أشكر ~~ذلك الصنع الجميل؟ يجب أن أفرح، هذه مجموعة نفيسة من الرسائل الغرامية، وقد لا يصعب علي ~~أن أرتق ما بها من الفتوق، ولا مانع من أن يبقى هذا الخطاب مزخرفا بذلك النقش البديع، فقد ~~كتبت في بعض جوانبه مسألة حسابية، يا ويلها يوم يقوم الحساب! # مجموعة نفيسة، ولكن ما أخطر النكبة، وما أقل العزاء، لو أن هذه الكتب ظلت مصونة، لكانت ~~رمزا لسعادة من كتبها وأمانة من كتبت إليه، أما الآن فقد أصبحت دلالة على شقاء من كتبها، ~~وخيانة من كتبت إليه، رويدك أيها الدمع، رويدك فقد قرحت أجفاني، وما تحرك قلبها القاسي، ~~ولكن ... في سبيل الحب ما ألاقي! وما هو الحب؟ إنه مرض من الأمراض، سمي بهذا الاسم، لولا ~~أنه كالنقرس، لا يبتلى به إلا الملوك. # | مومس تستبق الخيرات # قرأت كلمة لمراسل إحدى الصحف اليومية يذكر فيها أن مومسا ببندر دمنهور، ms039 طلبت من وزارة ~~الأوقاف التصريح لها ببناء مسجد «سيدي ضحوة» الخرب على نفقتها الخاصة، ولما كانت موارد رزق ~~هذه المرأة «معروفة» فقد رفض الطلب - بادئ ذي بدء - لولا أنها جددته وقدمت إعلاما شرعيا ~~يفيد حيازتها - بالميراث الشرعي - أملاكا ثابتة ومنقولة، فوافق المفتي على طلبها وشرعت في ~~البناء. قال المراسل: وزادت تلك المومس على ذلك أن أوقفت جميع أملاكها على بناء وترميم ~~وتصليح كل مسجد خرب في دمنهور والمساجد الخربة فيها كثيرة! # ثم علق على هذا النبأ بقوله: كان لإتيان هذه المومس عملا خيريا كهذا صيحة دهش وعجب في ~~نفوس الجميع، فكنت ترى في الأندية والفنادق وفي مشارب القهوات؛ جموع الحاضرين يتساءلون ألا ~~يوجد في المدينة غير المومس؟ فكان المنظر مؤثرا جدا يبعث على الحزن العميق، وينم على ~~مبلغ تأصل الحقد في النفوس، ويؤجج في القلوب نارا لا يخمد لها لهيب، فيا للعار ويا ~~للفضيحة، ويا لشقائك يا دمنهور؟ # هكذا يتحدث الناس حين تقوم امرأة فاجرة أو رجل فاسق بعمل جليل، ولعل أكثرهم ثرثرة في مثل ~~هذه الشئون هو أعداهم للبر وأبعدهم من المعروف! إنكم لا تستنكرون أن يخبث الطيب، كما ~~تستنكرون أن يطيب الخبيث، ولكن الله في رحمته لم يشأ أن يترك العالم لأحكامكم الجائرة، ~~وعدوانكم الفظيع، فقال وهو أصدق القائلين: # إن الحسنات ~~يذهبن السيئات ~~، وقال: # قل للذين كفروا ~~إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ~~، فما لكم كيف تحكمون؟ # | نساؤنا ونساؤهم # يظهر أبو الهول وهو حافل بالموضوعات النسائية، فيخيل إلى قارئه أن النساء في مصر يسابقن ~~الرجال في ميدان الحياة، ولقد ظننت حين حمي الوطيس بين الجنس اللطيف والجنس النشيط أن نهضة ~~المرأة لم تعد أمنية جميلة، بل أصبحت حقيقة واقعة. ولا أكتم القراء أني كنت أخشى أن أصطدم ~~بهذه القوة الجديدة التي تمثلها - تمام التمثيل - الآنسة منيرة والآنسة إنصاف، لولا أني سألت ~~صاحب هذه الجريدة عن اللواتي يكتبن فيها من الجنس اللطيف فأنبأني - مع الأسف - أن اللواتي ~~يكتبن آحاد أو عشرات! # وهنا أخذت أتأمل عبث هذه الفتاة المشاغبة ms040 التي ملأت الدنيا نواحا على ~~حرمان المرأة المصرية من عضوية البرلمان. إن قليلا من التبصر يا آنسة منيرة كاف لرجعك عن ~~هذه الآراء الجامحة، وإن نظرة إلى فتك الجهل بالبنات والأمهات كفيلة بأن تخلق منك معلمة ~~ماهرة تقضي على هذا الجهل في بضع سنين، ولكنك أشبهت راصد الكواكب الذي شغل عما في الأرض ~~بما في السماء فضاع ملكه، وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم. # لك أن تسابقي الرجال، ولكن ألا يجب أولا أن تنهضي بالنساء؟ فإن كنت في شك من تأخر ~~المرأة المصرية في هذا العصر الذي تكلم فيه الجماد فاسمعي ما يقول الفرنسيون عن نسائهم؛ ~~لتعلمي أن أول واجب على أمثالك هو مسابقة المرأة الأجنبية في ميدان العلوم والفنون، فأما ~~الكيد للرجل، والحقد عليه، والزراية به؛ فهي ضروب من الجنون! # قالت إحدى الجرائد الفرنسوية: «كان آخر نجاح للمرأة الفرنسوية هو قبولها في سكرتارية ~~جمعية محاضرات المحامين، وهذا النجاح من أجل وجوه الفوز الذي تفخر به السيدات المحاميات في ~~دار الحقانية، وقد بلغ عدد هؤلاء المحاميات الفرنسويات اليوم ثمانين سيدة يقمن بمهمة الدفاع ~~أمام المحاكم في فرنسا، ويوشك نجاح المرأة الفرنسوية من هذه الوجهة أن يفوق نجاح المرأة ~~الإنجليزية التي ينتظر أن تفتح أمامها أيضا أبواب دار الحقانية، وكان عدد النساء اللاتي ~~تقدمن إلى امتحان مدرسة الطب أخيرا يزيد على ثلث المجموع، وهو ما يعدنا بتخرج عدد عظيم من ~~السيدات الطبيبات. # وهكذا يعم العلم نساء الطبقات الديموقراطية بعد أن كان مقصورا على أميرات الطبقة ~~الأرستوقراطية، ولا يحصى عدد النساء المستنيرات اليوم، وليس بين السيدات المتعلمات في ~~فرنسا من ليست حائزة دكتوراه في الطب أو غيره من أنواع العلوم.» # لا يدهشك ذلك يا آنسة منيرة فتلك بلاد يبغض أهلها الفضول، ولا يتعلم أبناؤهم وبناتهم غير ~~النافع المفيد، ولقد بلغ الجد بالأوانس في فرنسا أن حلت الفتاة محل الفتى في الوظائف ~~الكتابية الصغيرة، وتبدل الإعلان المعروف من «مطلوب كاتب صغير لمحل تجاري أو مكتب محام» إلى ~~«تطلب فتاة تكتب على الآلة الكاتبة ms041 ... إلخ.» # وتقول تلك الجريدة: «وهناك في مكاتب المهندسين أيضا ترى بعض الآنسات يرسمن تصميمات ~~لمبان كبيرة»، فبكل أدب وإجلال أطالب الآنسة منيرة بأن تتناسى آمالها البرلمانية، ثم ~~تقبل بنشاطها على تكوين هيئة من أترابها المهذبات، ثم تعمل هذه الهيئة لنشر المعارف ~~الضرورية بين السيدات والأوانس حتى إذا نهلت المرأة من موارد العلم، وأحست بظهور أثرها في ~~الحياة المصرية؛ فكرت حينئذ في أن تسابق الرجال إلى مقاعد البرلمان. فهل تتقبل مولاتي هذا ~~الاقتراح من كاتب يرجو أن تسمو المرأة بخواصها الذاتية لا بالتكبير والتهليل؟ # | مرض النوم! # ذكرت جريدة الجورنال الفرنسوية أن فتاة أصيبت بهذا المرض في إحدى القرى الإنجليزية، ~~وأنها لبثت نائمة ستة أسابيع ثم استيقظت فجأة وظلت في يقظتها 13 ساعة، ثم استأنفت النوم، ~~وأنها لا تزال منذ سنة على هذه الحال! # والذي نلاحظه أن المسمى واحد، والأسماء كثيرة، وكان خيرا لو وصف بمرض النوم كل من يقضي ~~«ستة أسابيع» لا يقول فيها كلمة طيبة، ولا يؤيد فكرة صالحة، ولا يحارب بدعة سيئة، فليس ~~لليقظة قيمة إلا بقدر ما فيها من صالح الأعمال. # وليس الذين يفتحون أعينهم وآذانهم ليروا ما لا تحل لهم رؤيته ويسمعوا ما لا يجوز لهم ~~سماعه، بأهل يقظة، ولكنهم غارقون في بحار الغفلة، وهائمون في بيداء الضلالة، تحسبهم أيقاظا ~~وهم رقود. # ومن يدرينا لعل تلك الفتاة تنتفع بساعاتها المعدودة أكثر مما ينتفع بعض الناس بعمره ~~الطويل، وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون. # | حديث الحب # 1 # كتبت الآنسة الأديبة حياة فهمي كلمة عنوانها «لعن الله الحب»، وقد أنعت فيها على الحب ~~والمحبين، قالت في أثنائها عن نفسها: «لست ممن تغلب الحب على قلوبهم.» # ثم قالت: «الحب عدو لدود للإنسان، فيجب أن يبعد عن القلوب، ويجب أن تعيش القلوب في جو ~~غير جو الحب ... تباعدوا عن الحب.» # وقد رأيت أن أجيبها عن كلمتها تلك بهذه الكلمة الصغيرة: قلت: # تلوم حياة على العاشقين # رويدا ورفقا بنا يا حياتي # جهلت الغرام فلمت المحب # هنيئا لعينيك في الناعسات # أليس ms042 كذلك أيها الأستاذ زكي مبارك؟ إليك يساق الحديث والسلام. # 2 # شاعر السكرية # في مصر شاعر كبير وافر الأدب، كثير الحياء، يحدثك وكأنه يستفيد منك، فيملي عليك ما ~~يبهرك من آياته البينات، وما زلت أذكر كلمة صديقي الأستاذ الشيخ سليمان نوار وقد حادث ~~هذا الشاعر الجليل منذ ثمان سنين؛ إذ قال لي بعد هذه المحادثة: إنك لا تدري أتعده من ~~الشعراء، أم تعده من علماء الأدب؟ فذكرت - إذ ذاك - قول القدماء في الأصمعي: إنه أعلم ~~الشعراء، وأشعر العلماء. ولهذا الشاعر طابع خاص في النسيب، يكاد يتمثل في قوله: # أحس في القلب وقدا # يا رب لا كان حبا # وقد اخترت هذا البيت لقربه من كلمته في حوار الآنسة حياة فهمي: # تلوم حياة على العاشقين # رويدا ورفقا بنا يا حياتي # جهلت الغرام فلمت المحب # هنيئا لعينيك في الناعسات # ولهذا الشاعر المقيم «بالسكرية» فضل الإشادة بكاتب هذه السطور؛ فقد دعاني إلى حساب ~~الآنسة حياة، وهو يعلم كيف عجزت عن حساب الآنسة منيرة، وإني بهذا العجز لمختال ~~فخور. # يرى سيدي الشاعر أن الآنسة حياة جهلت الحب فلامت المحبين، ولو قال غير ذلك لأصاب ~~شاكلة الصواب؛ لأن المرأة كالسياسي سواء بسواء يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، والله ~~أعلم بما يكتمون، فإذا قال السياسي: «لا»، فاعلم أنه يريد «نعم»، وإذا قال: «نعم»، ~~فاعلم أنه يريد «لا»، وإذا قالت المرأة: «لا أحب»، فاعلم أنها «تحب»، وإذا زعمت أنها ~~«كارهة»، فاعلم أنها «راضية». فإن كنت في ريب من ذلك يا صديقي الأديب فإني أذكرك بقولك ~~من قصيدة نشرتها لك في جريدة الأفكار سنة 1919: # عهد السياسة كاذب # لله درك يا سجاح # وقد قال «تاسو» الشاعر الإيطالي المعروف: إن المرأة تفر، وتود أن تلحق وهي فارة، ~~وتأبى وتود في إبائها أن تسرق، وتناضل وترغب أن يظفر بها في النضال! فقول الآنسة ~~حياة: «لست ممن تغلب الحب على قلوبهم» معناه أن الحب صيرها باكية العين، دامية الفؤاد! ~~وقولها: «الحب عدو لدود للإنسان، فيجب أن يبعد عن القلوب» معناه: الحب مادة الحياة، ms043 ~~فيجب أن تزود به القلوب، وقولها: «تباعدوا عن الحب » معناه: أقبلوا على الحب بسمعكم، ~~وبصركم، وقلبكم، أيها الشباب! # هذا يا صديقي ما تريده الآنسة حياة فهمي، فهي حين تقول: «لعن الله الحب» إنما تريد ~~«حيا الله الحب». # ولا يفوتني قبل ختام هذه الكلمة أن أوجه للآنسة حياة هذا السؤال: إنك تأمريننا بأن لا ~~نحب «سمعا وطاعة!» ولو أني سمعت هذه النصحية قبل خمسة عشر عاما لنجوت من الحب، ~~ولاسترحت الآن من تسطير مدامع العشاق، ولكني يا مولاتي - لسوء الحظ - قد أحببت، وقد ضربت ~~بمحبتي الأمثال، وأريد أن أسلم من الحب على يدك الطاهرة، جعل الله في يمناك الشفاء، من ~~كل داء، فهل لك أن تصفي لي طريق الخلاص من هذا الضلال القديم، ومن أسماء الحب ~~الضلال؟ # أنا في انتظار الجواب! # ملحوظة: # أرجو أن تحترس الآنسة حياة، وهي تكتب أنواع العقاقير من أن تنهاني عن التطلع ~~إلى العيون، والخدود، والثغور والنحور والنهود؛ فإنه لا سبيل إلى مثل هذا المتاب! وإنما ~~أريد أن أسلو وأنا أعبث بأفنان الجمال، كما يرد الشارب الكأس وهي تتوهج بين أنامل ~~الساقي الجميل! # 3 # رغب الأديب الكبير النابه والكاتب الفنان اللبق الأستاذ زكي مبارك في كلمته إلى ~~الكاتبة الأديبة الآنسة «حياة» أن تصف له دواء للسلوى عن الحب، فقد اعتزم الإبلال منه ~~فيما يقول، بعد أن مست فيه العيون، وتوزعت لبه الغيد، بيد أنه اشترط عليها فيما ~~استوصفها إياه من الوصفات والعقاقير، ألا تحميه بواعث الشوق ولا تحجر عليه أسباب الهوى ~~ودواعي الشجن، فقال: «أرجو أن تحترس الآنسة حياة، وهي تكتب أنواع العقاقير من أن تنهاني ~~عن التطلع إلى العيون، والخدود، والثغور، والنحور، والنهود؛ فإنه لا سبيل إلى مثل هذا ~~المتاب، وإنما أريد أن أسلو وأنا أعبث بأفنان الجمال، كما يرد الشارب الكأس وهي تتوهج ~~بين أنامل الساقي الجميل.» # فكان كمن يتقي الداء بالداء، ويستكف النار بالحلفاء، وأكبر الظن أن تلك الوصفات وهذه ~~العقاقير لا تصاب في «صيدلية» آنسة خفرة حيية مثل الآنسة حياة. # من أجل ذلك ms044 نتشهى على صديقنا النبيل أن يتقبل منا أن نستطب لدائه عنها، ونصف له ~~الدواء نحن لا هي، أجل إنه لعزيز علينا أن يرمى ذلك الجفن الغضيض بالإطراق، ويندى ذلك ~~الجبين الوضاح بالخفر، ويضرج ذلك الخد بالحياء، فليأذن لي في أن أنشده قولي: # تناهب لبك سود العيون # وقسمت في كل نهد ونحر # دواؤك عند مراض اللحاظ # ولا يبطل السحر إلا بسحر # ذلك دواؤك الذي يطيب لك ويقر بعينك تناوله، ولا ندعو لك الله بالشفاء، من ذلك الداء، ~~وإن أبيت إلا جفوة للحب، وعربدة على من تحب فطالما سمعناك تنشد مثل قول الشاعر: # أعز الله أنصار العيون # وخلد ملك هاتيك الجفون # ودام لها على ضعفي اقتدار # وإن هي أفسدت عقلي وديني # وبعد، فهنيئا لك تلك السلوى، وندعو الله لصاحبتك سالبة لبك، بل ندعو عليك - لا لك - بمثل ~~ما قلته أنا لشبيهتها آنفا من كلمة: # لا شفى الله منك جفنا مريضا # وشفى من جراح جفنيك مرضي # آمين آمين، والسلام عليك. # حسن القاياتي # | إطلاق المدافع؟! # اختلف كثير من الناس في فهم ما ذاع من عزم الوزارة المصرية على إطلاق مائة مدفع ومدفع يوم ~~توافق إنجلترا على الاستقلال، قال قائل منهم: لقد فطنت الحكومة إلى أن الفطرة السليمة تأبى ~~على المصريين تصديق ما يزعم المعتدلون من نيل الحرية من طريق المفاوضة والاتفاق، فهي تطلق ~~المدافع «في وجه العدو» ولو في الهواء! وهنا لا يشك الناس في مشروعية الاستقلال. وقال آخر: ~~إن الحكومة لا تجهل أن هذا لا يقنع المعارضين، ولا يهدي الضالين، ولكنها تريد أن تطلق ~~المدافع في الهواء مجاراة لقول العامة «هف طلع النهار» وكان ما كان «يا سادة» يا كرام، ~~وروي عن بعض المعارضين أنه قال: لقد كانت الحكومة - فيما مضى - تدافع عن سياستها بالبلاغ بعد ~~البلاغ، فرأت الأمة لا تعجز عن مقارعة الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان، فصح رأيها أخيرا ~~على أن تدافع عن سياستها بالمدافع. والذي يراه كاتب هذه السطور - بكل أدب وإجلال - أن الغرض من ~~إطلاق المدافع ربما كان وقر الآذان، ms045 وتصديع الرءوس؛ حتى لا يدرك الناس حقيقة ذلك اليوم ~~المشهود ، ويؤيد هذا الرأي ما أشيع من أن دويها سيكون أشد ما رواه التاريخ. # وقد اختلفوا أيضا في سبب التحديد، وهو مائة مدفع ومدفع؛ فمنهم من قال: إن الغرض مائة ~~مدفع فقط، والمدفع الزائد للتأكيد، ومثال ذلك قول العامة في كفارة اليمين «ثلاثة أيام ~~وثلث»، وقال بعض اللغويين: إن العدد لا مفهوم له، والمراد التكثير؛ كما قال جرير وهو يعد ~~أبناءه: # كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية # لولا رجاؤك قد قتلت أولادي # وقال بعض العدليين القدماء: إن الغرض من زيادة المدفع هو التيقن من أنها مائة لا شك فيها؛ ~~ليكون استقلالا لا شك فيه، وقال عفريت من الجن: إن المائة مدفع الأساسية هي بشرى ~~الاستقلال، والمدفع الزائد بشرى النصف الزائد، والغرض هو التأمين على قول أنصار مشروع ~~ملنرانه «استقلال ونصف»، والله أعلم بحقيقة المراد. # بقيت كلمة واحدة نقدمها إلى رئيس الوزراء: # ألا يعلم صاحب الدولة أن تصريحات الإنجليز الرسمية كفيلة بمحو ما تترك المدافع في آذاننا ~~ورءوسنا من الوقر والتصديع؟ فإن لم يكن ذلك، أفلا يكون بقاء الاحتلال دليلا على أن المدافع ~~ليس لها من الأثر إلا أنها أصداء، تتراجع في الهواء أو ضوضاء تدوي في الفضاء؟ # أيام الشباب # ولم أر كالفحشاء يخزى بها الفتى # ويثلم منها عرضه فيهون # وما كان زين النفس إلا عفافها # ولكن لأيام الشباب شئون # | بلاغة طالب # بين يدي الآن ورقة صغيرة بالية، سأمزقها بعد لحظة، ولو تركتها بلا تمزيق لما ضمنت لها ~~البقاء؛ لأنها من طالب يائس، أفاض عليها من روحه الضعف والذبول. # سقط ذلك الطالب في امتحان البكالوريا فخر صريع اليأس والقنوط ثم كتب في تلك الورقة هذه الكلمة: # يا. # كفنت قلبي بالبكالوريا، ودفنتهما في قبر الخيبة: ولن يعيش جسد بغير قلب. ~~(...) # هكذا يكتب الطلبة، وهكذا يفكرون، ولا ندري من المسئول عن ضعف هذه النفوس؟! فقد أعددناها ~~لتربية الأمة، فإذا هي لا تصلح لغير الرثاء. # قد لا يلام الطلبة؛ لأنهم لم يجدوا حولهم غير التكالب على ms046 الوظائف، ولا سبيل إلى السبق في ~~هذا الميدان غير نيل الشهادات الثانوية والعالية، فمن الحق عليهم إن سقطوا في الامتحان أن ~~يعملوا بقول الشاعر: # والأسى واجب على الحر إما # نية حرة وإما رياء # وكذلك نرى «الساقطين» ما بين منتحر أو مريض. # إنما اللوم كله على علماء الأدب والأخلاق؛ فقد كان في مقدورهم أن ينشئوا الرسائل، وينظموا ~~القصائد، ويؤلفوا الكتب، يضربون فيها الأمثال لليائسين والقانطين، وكان في مستطاع أية جمعية ~~أدبية أن تطبع كتاب سر النجاح وتذيعه بين الناس إن عز التأليف والتعريب، وكان الواجب على ~~الجرائد اليومية أن تقتضب الأخبار السياسية الطويلة العريضة التي لو حكم فيها العقل لعرفنا ~~أن تسعة أعشارها كذب واختلاق، ثم تفسح المجال للكتابة في تقويم هذه النفوس الناشئة، التي ~~نخشى إن غلبت عليها هذه النزعات الخطرة أن تصبح بعد قليل خزيا لهذه البلاد. # | كلمة # من مقدمة ذكرى فريد بك # هذه صحائف بيض، نكتبها لمن كان له قلب؛ ليعرف أن عظماء الشرق خير من عظماء الغرب، وأن ابن ~~النيل في بأسائه أشرف من ابن التاميز في نعمائه. # وليعلم الذين في قلوبهم مرض، أن مصر التي كانت عروس الممالك لا تزال تنبت عرائس النفوس، ~~وكرائم العقول، وأنها إن حرمت الحول والطول فقد منحت الفضل والنبل، وأنها خليقة بأن ~~تقتلع الظلم من أصوله، والجور من جذوره، كما يقتلع الماء وهو صاف شفاف، ما يعترضه من لفائف ~~الأعشاب، وقذائف الأوشاب، وأن تمحو آية الذل، كما يمحو الصبح آية الليل، وأن تنسخ الاحتلال، ~~كما تنسخ الشمس الظلال. # ومن يك مثلنا حسبا ومجدا # تشجعه الصواعق والرعود # فإن يك سرهم منعى فريد # فكل غضنفر منا فريد # | علماء الأزهر الشريف # تألفت جمعية من العلماء العاطلين للبحث عن موئل يفزع إليه خريجو الأزهر الشريف؟ # والظاهر أن فريقا من هؤلاء لا يزال يحسب أن من الفرض على الأمة أن تمون أهل العلم وتجري ~~عليهم الأرزاق، وهي خرافة قديمة وضع أصولها الملوك الجبابرة الذين رأوا من حسن السياسة أن ~~يشتروا ضمائر العلماء بالهدايا والمال؟ وقد نجحت ms047 هذه السياسة وعاش العلماء زمنا غير قليل ~~يدعون إلى الزهد والخمول، وما ظنك بقوم لم تضطرهم مطالب الحياة إلى ولوج أبواب الكسب ~~والارتزاق، بل وجدوا كل ما يشتهون حاضرا عتيدا كطعام الجنة التي وعد بها المتقون. # واليوم يفكر بعض المخذولين في توزيع العلماء على القرى والبلدان ليعلموا العامة أصول ~~الدين، ثم يتقاضون راتبا يجمع «رسميا» من المسلمين! # نحن لا نمانع من يعمل لراحة خريجي الأزهر، ولكننا نأبى ويأبى الدين أن يكون العلماء عالة ~~يتكففون، وهم لم يخلقوا إلا لهداية الجماهير وإرشادهم إلى مناهج الحياة. # لقد أساء الضعفاء كثيرا إلى المعاهد الدينية، وقد آن لذوي العزائم الصادقة أن يضربوا على ~~أيدي هؤلاء بأيد من حديد، حتى لا يذهبوا بالبقية الباقية من كرامة الأزهر الشريف، # وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون ~~. # | العفو يا هانم! # كتبت الآنسة إنصاف لصديقتها علية كلمة عن المعممين وشعرهم في الغزل والنسيب، وكاتب هذه ~~السطور معمم أصابته العدوى - كما قالت الآنسة إنصاف - فانغمس في الحمأة، واندفع وراء ~~الشيطان، وجاهر بالحب، وتبجح بالغزل. ويعلم الله أني فكرت في التوبة حين قرأت كلمتها ~~الطيبة! ولكني رجعت على عقبي حين رأيتها تقول في نفس الكلمة ما نصه: «إني أعتقد أن الغزل ~~فيه من الخطر ما فيه، خصوصا على دقات القلوب الشابة: فهو مخدر شديد الفعل سريع التأثير، ~~وهو حيلة سحرية للتسلط على النفوس المطمئنة الهادئة»، أفلا يرى القارئ أن الآنسة إنصاف تدعو ~~الشعراء دعوة صريحة إلى الغزل والنسيب، ومن ذا الذي يا سيدتي لا يطيل قصائد الحب، وهو يسمعك ~~تقولين: «إن الغزل مخدر شديد الفعل سريع التأثير، وهو حيلة سحرية للتسلط على النفوس»، ثم ~~يراك تنشدين بعد ذلك قول الشاعر: # خدعوها بقولهم حسناء # والغواني يغرهن الثناء # آمنا وصدقنا بأن الغواني يسحرهن التشبيب بشهادة الآنسة إنصاف، وسأستعين الله وأنظم قصيدة ~~جديدة، أو أنشر قصيدة قديمة، أتصيد بها قلوب الحسان، والإثم على رأس هذه الآنسة الكريمة ~~والسلام. # الحب الشامل # أشجاك ما خلف الستار وإنما # خلف الستائر لؤلؤ مكنون # والناس في غفلاتهم لم ms048 يعلموا # أني بكل حسانهم مفتون # | جناية الكتاب والشعراء # إن الشر لكثير في هذا العالم، وأظهر ما يكون في الكلمات الجوفاء التي أشاد بذكرها الشعراء ~~والكتاب، وإلا فأي خير جناه الناس من الصداقة، والإخلاص، والوفاء، والإيثار، وحفظ الجميل، ~~والبر بالوعد والوفاء بالعهد، وما إلى ذلك من الألفاظ التي لا معنى لها ولا مدلول؟ # إن هذه الكلمات حبائل وأشراك، يؤخذ بها سليمو النية في هذا العالم الطافح بالخبث والدهاء، ~~وما أخطر الأسى حين يؤمن المرء بأنه ملك بعض القلوب، ثم يتبين بعد ذلك أنه - وحده - المملوك. ~~ولست أنكر أن لبعض الأفراد عواطف شريفة، ونوازع نبيلة، ولكني آسف لخيبة هؤلاء في معترك ~~الحياة، فمن كان في ريب من ذلك فلينظر دواوين الشعراء ورسائل الكتاب، وإني لواثق أنه لن يجد ~~غير البكاء والعويل. # وإني لأذكر أن بعض الفرنسويين كتب كتابا عن أيام الأسبوع في لندرا، فلما وصل إلى يوم ~~الأحد ترك له صحيفة بيضاء، إشارة إلى أنه يوم هادئ قليل الصخب والاضطراب، وما أجدر من يكتب ~~عن أخلاق الناس بأن يترك صحيفة بيضاء حين يصل إلى الكلام عن الصداقة والوفاء؛ إشارة إلى ~~انقراضهما من الوجود. فيا أيها الكتاب والشعراء، لا تسرفوا في وصف خواطر القلوب، وخوالج ~~الأفئدة؛ فإن في الناس من لا قلب له ولا فؤاد. # ويا أيها القراء، حذار أن تصدقوا كل ما يكتب أو يقال، وإلا حقت عليكم كلمة العذاب. # | عاقبة اللجاجة # للمرأة - كما قال بعض الكتاب المحدثين - مخيلة خاصة، وعقل شاذ، يصدر الآراء مشوهة بطبيعته ~~دون ترو أو تكلف، ولها آراء في الحياة وفي الخير والشر لا تدرك، ولها نوازع نفسية تجعل ~~منها مخلوقة غريبة ذات نفس متحركة نزاعة إلى السفاسف واصطناع الحيل، وأظهر ما تكون هذه ~~النوازع في اختيار الزوج؛ فإن النساء يكدن للرجال كيدا عظيما في إثقالهم بشروط الزواج، ~~غير أن السيدات لا يسلمن من عاقبة اللجاجة، ولا يترك الله شوكة كبريائهن بلا تخضيد، فقد جاء ~~في بعض الأنباء أن سيدة لها من العمر ثمانون، تزعم أنها لم توفق ms049 في كل حياتها إلى شاب ~~تتوفر فيه الشروط الآتية: (1) أن لا يتجاوز الخامسة والعشرين. (2) أن لا يكثر من الجلوس قرب ~~النافذة حيث تمر النساء والبنات. (3) أن يظل مرافقا لها آخذا بذراعها حيثما ذهبت ولو إلى ~~الحمام. (4) أن يحضر إلى البيت ست مرات في اليوم. (5) أن يأكل معها في صحن واحد. (6) أن يعترف ~~لها عند المساء بجميع غلطاته في النهار. (7) أن يكتب لها - في لائحة - أسماء جميع السيدات ~~اللواتي يكلمهن على أن تقدم إليها كل ليلة عند الجلوس على المائدة. (8) أن يكون حليق ~~الشاربين طويل اللحية. (9) أن يقبلها كل يوم خمس عشرة قبلة - على الأقل. # وقد قيل: إن هذه الآنسة «عدلت بعض هذه الشروط؟» ثم وفقت أخيرا إلى اختيار زوج عمره ~~عشرون سنة، ولكنه أعمى، فلا خوف عليه من الجلوس أمام النوافذ! أما أمر مرافقتها فذلك واقع ~~بطبيعة الحال؛ لأن زوجها في حاجة إلى من يقوده، أما اشتراط حضوره ست مرات إلى البيت فقد ~~أسرف الزوج في تحقيقه؛ لأنه أعمى يلازم البيت، وكذلك يأكل معها في الصحن الذي تريده، وقد ~~حرمه عماه من مقابلة السيدات والأوانس. # وهكذا تنال العدالة الإلهية من غطرسة النساء. ولو أن المرأة عنيت بتقويم نفسها قبل أن ~~تعنى باختيار شريكها في الحياة، لشغلت «بنت الثمانين» عن شروطها التسعة، ولرزقها الله ~~رجلا يفي بالعهد وهو طائع، ولكنها بغت واستطالت فكان ما نقلناه من حديث تلك العجوز ~~الشمطاء. # إن الضعف وحده سلاح المرأة، فلا يحسب السيدات أن القوة تدنيهن من السعادة؛ لأن في عناد ~~الرجل صرفا له عن المرأة العنيدة، وهو إن لم يمنحها غضبه، فلن يمنحها رضاه، فما هذه ~~الجلبة؟ وما ذلك الصياح؟ وكيف تسمو المرأة إلى مشاركة الرجل في الحياة الاجتماعية وهي في ~~حاجة إلى قلبه؟ ولن يمنح الرجل قلبه للمرأة إلا وهي مطواع ذلول، لقد كانت المرأة ضعيفة فما ~~منع ذلك الرجل من أن يخضع لها وهو قوي، ولكنها إن قويت فسيعرف كيف يفل الحديد ~~بالحديد. # التهمة بالهوى # عجبت لهم أنى رموني بحبها # ولا مهجتي رهن ms050 لديها ولا قلبي # فيا رب صدق في هواها عواذلي # فإن عناء أن ألام بلا ذنب # وإلا فلا تقطع علي ملامهم # فإن ملام المرء فاتحة الحب # | اخرجوا من عزلتكم وانظروا في أي عصر تعيشون # ألقى الأستاذ مصطفى عبد الرازق محاضرة في الجامعة المصرية عن رأي رينان في الإسلام ورد ~~السيد جمال الدين الأفغاني عليه، وقد لاحظ المنصفون يومئذ أن الشيخ مصطفى عبد الرازق لم ~~يوفق في سكوته عن دحض أقوال رينان، مع ظهور الكلفة عليها وبعدها عن مجرى التفكير المعقول. ~~ولاحظوا كذلك أنه لم يتحفظ في نقل رد السيد جمال الدين بالرغم من المناقضة الظاهرة بين هذا ~~الرد وبين ما كتبه هذا الفيلسوف عن الإسلام في مواطن كثيرة كان فيها من المخلصين، وقد ~~استهدف الشيخ مصطفى عبد الرازق لمثل قول الشاعر: # مقالة السوء إلى أهلها # أسرع من منحدر سائل # ومن دعا الناس إلى ذمه # ذموه بالحق وبالباطل # وكذلك اندفع الناس يظنون في هذا المحاضر الظنون، ثم أعلن فضيلة الشيخ بخيت أنه سيرد على ~~رينان في الجامعة المصرية، فكان يوما مشهودا ضاقت فيه صالات الجامعة عن الحاضرين، فحاضرهم ~~الأستاذ في صحن الجامعة، وهم وقوف. # وقد ظلت هذه الحركة محور الأحاديث في مصر أياما كثيرة، وفهم الناس منها أن علماء الأزهر ~~أحياء، وأنهم يغارون على الدين الحنيف، غير أنا قرأنا أخيرا كلمة في المقطم لمخلوق غريب ~~ذيل توقيعه بكلمة «من علماء الأزهر الشريف»، وتنحصر هذه الكلمة في نقطتين: الأولى الرد على ~~الشيخ بخيت في ذكره أن رينان غير فيلسوف، والثانية الثناء على الشيخ مصطفى عبد الرازق؛ لأنه ~~من آل عبد الرازق الذين أصيبوا في هذا العام مصيبة حزن لها المصريون أجمعون. # وأنا لا أنكر أن المصريين حزنوا لوفاة المرحوم حسن باشا عبد الرازق، ولكني أنكر هذه ~~الطفولة وهذه الحطة في نفس إنسان ينتسب إلى العلماء، ويهوي بنفسه إلى الحضيض فلا يفرق بين ~~السواد والبياض، في موقف لا يضل فيه غير عمي القلوب. # وإني لأنزه قلمي عن ذكر هذا الإنسان الذي ضاقت عليه الدنيا ms051 بما رحبت حين رأى الشيخ بخيت ~~ينكر أن رينان فيلسوف ، في حين أن هذا المخلوق لا يفقه اللغة العربية فضلا عن لغة رينان، ~~وإنما هو دعي غفل عنه الدهر فيمن غفل عنهم، ممن دنسوا الأزهر حين ضموا إلى قائمة ~~العلماء. # أحسن علماء الأزهر هذه المرة؛ لأنهم انتقلوا إلى الجامعة المصرية فواجهوا ما يقال عن ~~الدين هناك، وقد كانوا من قبل يكتفون بنقد ما يجري من هذا القبيل في مجالسهم الخصوصية، وكنت ~~أود لو عني الشيخ الدجوي فألقى محاضرة في الجامعة المصرية في الرد على رينان؛ لأنه فضلا ~~عن علمه يمتاز بحسن الأداء، فقد تأفف الناس جميعا من إلقاء الشيخ بخيت لمحاضرته، ولولا أن ~~الشيخ عبد الوهاب النجار ألقى الجزء الأخير منها لحصبه الناس. # هذا حق يجب أن نجهر به، وليس إخلاصنا لأساتذتنا في الأزهر بمانع من أن نواجههم بهذه ~~الحقيقة، بل إخلاصنا لهم يفرض علينا دعوتهم إلى نبذ هذا الخمول؛ فنحن قادمون قريبا أو ~~بعيدا على حياة عاملة، أخشى كثيرا أن يتخلفوا فيها عن الأحياء. ولست أدري لم أشتهي أن ~~أصارح أستاذنا الدجوي بأن ما نقرؤه له في الدفاع عن الدين لا يغني شيئا؛ ما دام لا يوجه ~~بعض جهوده إلى إصلاح المعاهد الدينية. ولست أدري أيضا لم أحب أن أكون صريحا مع هذا ~~الرجل الذي أشعر بأنه من صفوة المؤمنين، فقد كان الظن به أن يساعدنا - ونحن أبناؤه - على ما ~~نقاسي في الأزهر من همجية سيصبح الأزهريون صرعاها بعد قليل. # ولو أن فضيلة الشيخ الدجوي كان ~~من قطر غير هذا القطر وزار الأزهر ولواحقه؛ لما شك في أن العلماء ضعيفو الإيمان، وإلا فما ~~رأيه في رئيس يفرش بيته بالبساط، ويضيئه بالكهرباء ويترك الأزهر بلا ضوء وبلا حصير؟ # إن رينان على حق فيما وصف به المسلمين، نحن الذين أسأنا إلى ديننا إساءة قد لا يتجاوز ~~الله عنها، وقد لا ينساها التاريخ، فما ذنب رينان؟ لقد ذكر أن بعض المسلمين كان يحرق ~~المكاتب العلمية ... فما رأي مولانا الشيخ الدجوي في أن ms052 علماء هذا العصر يقتلون أبناءهم بلا ~~رحمة، ويسومونهم سوء العذاب . # هنيئا لك يا سيدي الأستاذ، سينصفك التاريخ؛ لأنك تعمل شيئا يحفظه التاريخ، وويل لكل ~~طالب يرميه أهله في جحيم الأزهر فيفقد شبابه وقوته، ثم يخرج إلى العالم فلا يفقه منه شيئا ~~ولا يعرف العالم عنه شيئا؛ لأنه كان يحفظ أشياء لا صلة لها بالعصر الذي يعيش فيه. # إننا نغضب حين يظلمنا رينان وأمثال رينان، ولكننا نتلقى المظالم باسمين حين يظلمنا ~~كبراؤنا وعلماؤنا ... بارك الله في رينان ومن ذكرنا بخطبة رينان؛ فقد يكون لهذه الخطبة ذكرى ~~تنفع المؤمنين. # تكلم يا مولانا الشيخ الدجوي، تكلم يا أبيض الناس وجها وأفصح الناس لسانا، وأقسم لولا ~~حبي لك لما خصصتك بهذا النداء. تكلم؛ هذا حين الكلام، لا تكفينا كلمة في الرد على هذا أو ~~ذاك، لن يغنينا تفنيدك لأعداء الإسلام ما دام المسلمون أنفسهم مساكين، وما دام طلبة المعاهد ~~الدينية في ظلمة قاتمة من هذه الحياة «الدنيا» التي رماهم بها نظام الأزهر العتيق. # اكتبوا ما شئتم، وارموا الناس جميعا بالإثم والفسوق، ولكن لا تنسوا أن الأزهر إن ظل على ~~هذه الحال فلن يكون مآله غير الخراب، اعرفوا في أي عصر تعيشون، واعلموا أن الدين لن ينهض ~~بنفسه؛ لأن الحق لا حياة له إذا نام عنه أنصاره وأشياعه. # كذب رينان فاصدقوا أنتم، وضل تابعوه فاهتدوا أنتم، والحذر من أن تسكنوا إلى ما يمتدح به ~~الممتدحون من مجد الحضارة الإسلامية في عهد العباسيين والفاطميين؛ فتلك أيام خلت، ولا ~~ينفعنا الماضي بشيء إن لم نسبق أهل العصر إلى العلوم والفنون. # هذه كلمة أعرف أنها قاسية، ولكني أرجو حضرة المخلص، مدير جريدة الأمة أن ينشرها كاملة: # إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما ~~توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ~~. # وقد علقت جريدة الأمة على هذا المقال بما يأتي: ~~«نشرنا هذه الكلمة ونحن نعلم أنها حادة حارة، ونعرف أنها ستغضب وترضي، ولم ننشرها ~~فقط لرجاء الأستاذ كاتبها؛ فإن علينا فرضا أن نصدع بالحقيقة كيفما كانت ومهما ~~أصابت. نعم، ms053 نشرنا هذه الكلمة؛ لأننا نتألم لما يتألم له كاتبها الأديب من قعود ~~رأيناه ولم نزل نراه في سادتنا علماء الأزهر حماة الدين، سادتنا المسئولين عند الله ~~قبل كل إنسان عن هذا الدين وما يصيبه من أعدائه - وهم عن ذلك غافلون أو مستيقظون ~~ومعرضون. # ولسنا نعلم أي خير فيما يتوفر عليه العلماء من أساليب العمل في معاهدهم العظيمة؟ ~~فعندهم كتب الفلسفة البائدة مشحونة بالجدل في الدين، لا نعلم ما قيمتها عندهم وما ~~قيمة الاشتغال بها، وهي تتضمن شبهات وردت على الدين في أزمنة قديمة، وردها أهل ~~الدين في تلك الأزمنة؟ أليس الاشتغال بها إضاعة للوقت في غير جدوى، بينما يسمعون ما ~~أحدثه هذا العصر من شبهات أشد من تلك وأقوى؟ # نرجو أن يخرج العلماء من عزلتهم ويستعيضوا من أبحاث الفلسفة القديمة وشبهاتها ~~درسا لفلسفة هذا العصر وما استجد فيه من الشبهات، ولا يليق بهم أن يكونوا أصواتا ~~تحكي أصوات أسلافهم الأقدمين في عصر لا يسمع هذه الأصوات ولا يعرفها. # إن العلماء لا يؤدون حق الدين عليهم إذا توالت هجمات أعدائه عليه وهم وقوف ~~يشاهدون.» # زمان الصبا # زمان الصبا هلا عن الغي ناهيا # فترحل محمودا وتحمد ثاويا # صرفت نفوس الناشئين عن العلا # وأوردتهم يما من الجهل طاميا # لقد كنت عهد الجد لو أبصر الفتى # فودع رياه وأصبح ساليا # ومن لم ينل عند الشبيبة حظه # من المجد لم يخضع له المجد ثانيا # أقول وقد أبصرت مجد عشيرتي # جزى الله قومي خير ما كان جازيا # همو سلكوا للمجد كل تنوفه # وهم غرسوا مجدا على الدهر باقيا # فلست لقومي إن جريت مع الصبا # فدنست عرضي أو عققت رشاديا # إلى ... # مودة لك لم أظفر بزينتها # تقطع الحب في آثارها قطعا # وزادني كلفا في الحب أن منعت # أحب شيء إلى الإنسان ما منعا # | حب ابن أبي ربيعة وشعره # في فبراير سنة 1919 ألقيت ثلاث محاضرات في الجامعة المصرية عن حب ابن أبي ربيعة وشعره، ~~تحت إشراف الأستاذ النقادة الدكتور أحمد ضيف، وقد طبعت هذه المحاضرات بعد إلقائها ms054 بقليل، ~~ويرى الناظر في ذيل الكتاب هذه الكلمة الجريئة: # وإني لموقن أن في الناس من لا يطرب لهذا النحو من البيان، ولكني لم أكتبه إلا لمن ~~قدر له أن يدرك أسرار الجمال، وهدى الله من يحسب أن التأليف لا يصح إلا في الأبحاث ~~التي تشبه بعض الأذهان في الجمود! # وقد نفدت الطبعة الأولى من هذا الكتاب، وستظهر الطبعة الثانية عما قريب، من أجل هذا أسبق ~~النقاد إلى بعض المآخذ التي أراني مضطرا إلى إبقائها؛ إجلالا للثقة بالنفس، وإكبارا لنزق ~~الشباب! # انظر قول ابن أبي ربيعة: # أبرزوها مثل المهاة تهادي # بين خمس كواعب أتراب # وهي مكنونة تحير منها # في أديم الخدين ماء الشباب # ثم قالوا تحبها؟ قلت بهرا # عدد الرمل والحصا والتراب # أتدري كيف علقت على هذه الأبيات الحسان؟ اقرأ الكلمة الآتية: # ووجه الحسن في تحيير ماء ~~الشباب أنك تنظر إلى الخدود الموردة، فتراها كالشفق تتنقل من تحته الشمس، أو كالمشكاة يتموج ~~في قلبها المصباح. # في سبيل الحب تلك النظرة، يوم رأيته وقد أبل من حمى أضرعته، فرأيت ماء الشباب يدب في تلك ~~الخدود وهي صفراء كالورس، فيعيدها حمراء كالورد، وإذا الأنس يتمشى في فؤادي لشفائه، تمشي ~~البرء في أعضائه. # وهذا استطراد لا يشك القارئ في أنه غير محمود، ولكني أستغفر الله! # وفي موطن آخر يجد القارئ هذه الكلمة: # لم يكن ابن أبي ربيعة ممن إذا غاب عنه حبيب أخذ في البكاء عليه والحنين إليه، تلك ~~سبيل الشعراء الفجعين، الذين كانت قلوبهم أعوانا للدهر عليهم، وكانت نفوسهم ~~أخصاما لهم، أولئك هم المعوزون في عالم المحبة، والمحرومون في دولة الصبابة، أولئك ~~الذين يرون الجمال ظلا ظليلا، ثم لا يستطيعون أن يتفيئوا ظلاله، أولئك الذين ~~يحسدون الغلائل على الأعطاف والعقود في النحور. وكيف يكون ابن أبي ربيعة مثلهم ~~مسكينا في شعره، وما كان مسكينا في حبه؟ أم كيف يصف البكاء والمدامع، وما ألمت ~~نفسه ولا دمعت عينه؟ بعدا للذلة حتى في الحب، وتبا للمسكنة حتى في ~~الغرام. # وهذه صورة نفسية قد لا يقتضيها ms055 موضوع الحديث، ولكن هذا الذي كان. # ويرى القارئ في هامش الصحيفة الثانية عن ترجمة الشيخ حسين الحكيم ما نصه: # وكان - رحمه الله - آية الآيات في حسن الخلق، وصباحة الوجه، وأصالة الرأي، وحلاوة ~~الحديث، وكان لا يعدله عندي غير شقيقي «سيد مبارك» الذي فقدته معه في أسبوع واحد، ~~وكان موتهما معا بالحمى الإسبانية - لا رد الله لها غربة ولا قدر لها رجعة - وكان ~~أخي سيد من أقوى الفتيان بأسا وأمضاهم عزيمة، ولو عاش لضربت بشجاعته ~~الأمثال. # وقد سألني بعضهم عما يعني القارئ من هذا التفصيل فأجبته: إنه يعني مؤلف الكتاب. # ويرى القارئ هذه الكلمة عن عواطف أهل الحضر: # وقلما يصدق للحضريين حب، أو تبقى لهم صبابة؛ إذ يرون من متممات الظرف، ومكملات ~~الأدب، أن يحيى الرجل بعين باكية، وقلب خفاق، فلا يزالون يتلمسون الهوى، ويتحسسون ~~الصبابة، حتى تتاح إليهم أسبابها، وتساق إليهم همومها. # وأنا الذي اجتلب المنية طرفه # فمن المطالب والقتيل القاتل # وهذه مسألة فيها نظر - كما يقولون - ولا أستطيع أن أعد ما في كتاب «حب ابن أبي ربيعة وشعره» ~~من الهفوات، ولكني أحمد الله على أن وفقت إلى تصوير ابن أبي ربيعة وتمثيل حياته، حتى كأنك ~~تراه. # ولا يفوتني أن أذكر أن حضرة صاحب الفضيلة الشيخ مصطفى القاياتي قرظه بكلمة بارعة، نشرتها ~~في مقدمة الكتاب، لا حبا في الثناء، ولكن حرصا على هذا الأثر النفيس، وأسأل الله التوفيق ~~إلى تحقيق ما أطمح إليه من إحياء الآداب العربية، وهو حسبي ونعم الوكيل. # | ذكرى صديق # كان مسلم بن الوليد يعجب من اتفاق اليأس والحنين، وكنت أشاطره العجب، فأترنم ~~بقوله: # حنين ويأس كيف يلتقيان # مقيلاهما في القلب مختلفان # ثم أصبحت مؤمنا بهذا الاتفاق، فلا أراه عجيبا، فقد مات صديقي الشيخ حسين الحكيم منذ ~~سنين، وأمسيت يائسا من لقائه، بل الطمع في لقائه جنون، ولكني أحن إليه كأنه حي وأكاد أزوره ~~في منزله؛ لأنسى - حين ألقاه - همومي وأحزاني! # والحق أني لا أريد الاقتناع بأنه مات؛ فليس إلى الصبر على موته سبيل، وإنما أغالط حسي، ms056 ~~وأخادع نفسي فأتوهم تارة أنه على سفر، وأن هذا السفر طويل ، وأتخيل تارة أخرى أن الموت لا ~~حقيقة له، وإنما ننقل من دار إلى دار - كما قال أبو العلاء - وأني سأجده في انتظاري حين أنقل ~~إلى الدار الباقية، فإلى الملتقى يا صديقي العزيز. # آمنت بالله، فما أحوجني إلى الإيمان وما أغنى الله عني وعن إيماني، وعن جميع العالمين، ~~وماذا يغني الشك؟ إنه لا يقف دورة الفلك، ولا يحول بين القدر وبين تصرفه في الكائنات بالمحو ~~والإثبات، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. آمنت بأن الله قوي وأن العبد ضعيف، ~~وآمنت بأن الله عزيز وأن العبد ذليل. ولكن أليس لي - في ضعفي وذلي - أن أطلب من الله - في عزته ~~وقوته - أن يهبني الطمأنينة على مصيري ومصير من أفقد من الأصدقاء؟ ~~••• # ولد الشيخ حسين الحكيم في سنتريس، من قرى المنوفية، ثم سكن القاهرة، والتحق بمدرسة القضاء ~~الشرعي ونال منها شهادة العالمية، ثم عين مدرسا بمدارس الجمعية الخيرية الإسلامية، فقضى ~~سنة في المدرسة الواصفيه ببورسعيد، وبضعة أشهر في مدرسة دسوق الثانوية، وقضى نحبه هناك يوم ~~الجمعة 9 ربيع أول سنة 1337 / 13 ديسمبر سنة 1918، ثم نقل إلى القاهرة مساء السبت ودفن ~~بها مساء الأحد - وسبحان من تفرد بالبقاء. # كان للفقيد أصدقاء ثلاثة، وما زالوا أصدقاءه وإن حجبه عنهم التراب أولهم كاتب هذه السطور، ~~وثانيهم الأستاذ الشيخ حسن مأمون قاضي محكمة زفتى الشرعية، وثالثهم الشيخ مصطفى الجمل ~~المحامي الشرعي؛ ففكرنا بعد موته في أن نوفيه حق الرثاء في إحدى الجرائد اليومية، فكتبت عنه ~~أربع رسائل بعثتها إلى جريدة المنبر، ولكنها ألقت بها جميعا في سلة المهملات؛ إذ كانت لا ~~تعرف ما نعرف من مجد ذلك الصديق، فضممت تلك الرسائل إلى صورة الفقيد، وإلى خطاب بعثه إلي ~~من القاهرة، وخطاب بعثه إلي من بورسعيد، ووضعت هذه الذكريات في مكان حريز آملا أن يجيء ~~يوم أسجل فيه هذا الأثر الغالي، فلما كانت الثورة المصرية وجاء دوري في الاعتقال لم يكن همي ~~حين زارني في ms057 منزلي مأمور قسم الدرب الأحمر إذ ذاك المرحوم محمد بك فرج إلا أن آخذ معي إلى ~~المعتقل ما بقي من آثار الشيخ حسين الحكيم؛ لتكون أنسي في وحشة الاعتقال، فلما عدت وضعتها ~~في مكانها من جديد، وصرت أتردد إليها كما يتردد العابد إلى المحراب، ثم فتش البوليس منزلي ~~في الصيف الفائت فبعثر هذه الأوراق، فأعدتها إلى مكانها مرة ثالثة، ولكن البوليس عاد ففتش ~~منزلي في الأسبوع الماضي، فعزمت نهائيا على نشر هذه الآثار في كتاب البدائع لأقوم لصديقي ~~الراحل ببعض ما يوجب الوفاء. # كان صديقي الشيخ حسين لا يرسل إلي خطابا إلا ابتدأه بوصف ما أرسل إليه من الشعر، أو ~~النثر، ولو كنت أرى رأيه في شعري ونثري لنشرت ما بث به إلي من آيات الثناء، ولكني أرجوه ~~أن يأذن لي بطي هذه الصحيفة فقد لا تهم القراء، وأكتفي بنشر ما يمثل سمو نفسه، وصفاء روحه، ~~ورونق أدبه، وجمال خلقه ... فمن ذلك خطاب بعثه إلي بتاريخ 5 مايو سنة 1918 جاء فيه: # أخي، لقد حالت بيني وبين الانتفاع بآثار قلمك، والتمتع بمكنون نظمك ونثرك، ضرورة ~~حياتي الجديدة التي أنستني كل شيء - ما عدا صداقتنا الوطيدة الأركان المتينة ~~الدعائم - وما كان بودي - شهد الله - ولا عن رضا، ولكنها الحياة، تشغل المرء عن نفسه، ~~وتلهيه عن واجبه، وكان ما كان. # والآن، هل لأخي أن يفتح لي قلبه، ويحلني من نفسه المحل الذي كنت أشغله من قبل؟ ~~وهل أجد من كريم أخلاقه، ولطيف عفوه، وجميل رعايته، وحسن عطفه ما يشجعني على إحياء ~~حب دفين، وغرام مستكن كاد يقضي عليه الإهمال، ويسحب ذيل العفاء عليه النسيان، ويذهب ~~برونقه وبهائه باطل هذه الحياة العاتية؟ # إنك إذا فعلت ذلك يا سيدي - وأظنك فاعلا - تكون قد أحسنت إلي إحسانا لا أزال ~~أذكره، حتى يعتاق نفسي حمامها، ويهال عليها ترابها، وضممت هذه إلى نظيرتها - وهي ~~كثير عندي - بل هي كنزي الثمين، أحرص عليها حرص البخيل بماله، والعفيف بعرضه، هي ~~سلواي في هذه الديار النائية، والبلاد القاصية إذا ذكرتها ms058 ذكرت نعيمنا الماضي وعزنا ~~الغابر وهناءنا السالف. # يوم كنا ولا تسل كيف كنا # نتهادى من الهوى ما نشاء # نعم تصرم حبل ذلك الزمان السعيد، وخلفه آخر أسود من الغراب وأمر من الصاب، يصدق ~~فيه قول الشاعر: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # وبقيت في خلف كجلد الأجرب # ولولا أنه أراد الإنسان وأردت الزمان فكلاهما غادر ماكر لا يؤمن كيده ولا يتقى ~~شره، ولا رعى الله حياة التدريس لأطفال حمر الحواصل، لا يحسنون النطق، ولا يفرقون ~~بين التمرة والجمرة، ولا بين الألف والمئذنة، حياة شبيهة بالموت، تمسخ العالم ~~جاهلا، وتقلب المفكر غبيا، وترجع بالمرء إلى ما قبل الآن بعشرات من السنين ... ~~فتجاوز عما تمر به في كتابي من أشياء لا ترضيك؛ فهذه إحدى سيئات الدهر ~~إلينا. # وفي هذا الخطاب كلمة قاسية في وصف بورسعيد؛ إذ يراها «قطعة من أوروبا في الأخلاق والنظام ~~والعادات»، وقد رأيت التجاوز عن هذه الكلمة، مراعاة لعواطف أولئك الناس، فقد تكون الغربة ~~أثرت في ذلك الأديب فقال ما قال! # ولا أنسى أنه أجزل الثناء على صديقيه الشيخ محمد طاهر سمره ومحمد أفندي بهجت، ولعلهما ~~كانا زميليه في المدرسة الواصفية، وأحب أن يتنبه القارئ إلى أن في القطعة التي نقلتها من ~~خطابه دليلا على شعوره بأن أجله قصير، وقد لفتني إلى ذلك حضرة صاحب الفضيلة الشيخ مصطفى ~~القاياتي حين أسمعته هذا الخطاب في سنتريس - وكان شرفني بالزيارة هناك. # وقد أرسل إلي من مصر خطابا رقيق الحاشية، استهله بهذا البيت: # سلام الله لا أرضى سلامي # فكل تحية دون المقام # وفي هذا الخطاب كلمة عن رأيه في التسرع بالزواج، ننقلها بنصها؛ لأهمية الموضوع الذي كتبت ~~عنه، قال: # وكنت أتمنى من صميم الفؤاد أن يسعدني الحظ، فأنعم برؤية ذلك المهرجان الذي أقامه ~~حضرة الوجيه السيد عبد الحميد مبارك احتفالا بزفاف نجله الأديب الشيخ علي مبارك ~~لأقوم بواجب التهنئة، ولأوجه إليه بعض اللوم على تسرعه في هذا الزواج، فأنت تعلم يا ~~أخي أن للشبان أطوارا مختلفة في حياتهم، تتكون حسب تربيتهم التي خصصوا ms059 أنفسهم لها، ~~وبما رضي الشاب بعمل اليوم، لقصر نظره وصغر عقله، حتى إذا دخل في طور جديد من أطوار ~~حياته، تحول في عينه نعيم هذه الدنيا إلى شقاء، ورضاه إلى سخط، وبندم ولات ساعة ~~مندم. # وآخر خطاب وصلني من هذا الصديق جاءت في ختامه هذه الكلمة: # أنا سعيد بالإقامة في مصر، ولا ينقصني إلا التمتع بلقياك فآمل أن يسمح الدهر برد ~~نعيمنا الشارد وأنسنا الغابر، فأين ذلك اليوم ومتى أراه؟ # وهنا يعجز القلم عن رد هذا الخطاب؛ فقد سمعت أن هذا الصديق مات في ديسمبر سنة 1918، وعلمت ~~بعد ذلك أن شقيقة الأستاذ حامد أفندي الحكيم مات في أسيوط في أواخر السنة الماضية ~~1922م. # وقد كان حامد أفندي غزير العلم، شهي الحديث، وكأني أحاوره الآن على شاطئ النيل في سنتريس، ~~وكنت أتعزى به عن شقيقه الشيخ حسين، ولكن الدهر بالكرام ضنين. # شهابان منا أوقدا ثم أخمدا # وكان سنى للمدلجين سناهما # لقد ساءني أن عنست زوجتاهما # وأن عريت بعد الوجى فرساهما # ولن يلبث العرشان يستل منهما # خيار الأواسي أن يميل غماهما # | ليلة وليلة # صحبت «عفريت الليل» إلى حفلة راقصة في مصر الجديدة، وكنت مدعوا لهذه الحفلة كما دعيت ~~لأختها من قبل في شارع عماد الدين، وقد غالبت حيائي عند إجابة الدعوة الثانية، وخلقت لنفسي ~~ما شاء الهوى من شتى المعاذير. # وإني لمحدثك عن المرقص الأول والمرقص الثاني، تلبية للصديق العزيز عفريت الليل، ولكني ~~أتقدم هذا بإبلاغك ما جال في خاطري عند تسلم بطاقة الدعوة، فقد أعرف أني شيخ وأعرف أني في ~~نفسي من حماة الدين الحنيف، والله عليم بذات الصدور، ولكني تذكرت بجانب ذلك أني صحفي، وأن ~~المهنة تقضي علي بارتياد مواطن الشبهات، ومواقف التهم، لأرى كيف يعيش الناس، ولأقابل بين ~~ما أراه على لوح الوجود، وما أراه على لوح التاريخ، وعندي أن الصحفي كالطبيب، فكما يجوز ~~للطبيب أن يرى أجمل ما تستر المرأة ليقف على موقع الداء، يجوز للصحفي أن ينظر أغرب ما تكتم ~~الأمة ليقف على موطن الداء، ولا فرق ms060 بين هذا وذاك، إلا أن الطبيب يعالج الجسوم، والصحفي ~~يعالج العقول، فمن الجناية أن يتورع صحفي أو طبيب عن الوقوف على بواطن الأشياء، وهو عن ~~فهمها مسئول. # وتذكرت أني كاتب، والكاتب كالمصور، لا غنى له عن رؤية كل مكنون، ولن يعذره أحد إذا أخفق ~~في تصوير الغرائب المستورة، والعجائب المكنونة، بحجة الدين والأخلاق؛ لأن الفنان لا دين له ~~إلا في قرارة نفسه، ولا خلق له إلا في أعماق ضميره، وهو غالبا فاسق النظر فاجر ~~البيان! # ولئن جاز للطبيب أن يحجم عن إسعاف المريض إشفاقا على نفسه من رائحة الجراح القديمة، فقد ~~يجوز للكاتب أن يحجم عن تعرف داء الأمة؛ رفقا بنفسه من مطالعة آثار الرذيلة، ولكنا نعرف أن ~~الطبيب يجرم أفظع جرم إن نفر من رائحة الجروح، وليس جرم الكاتب بصغير إن نفرته مناظر ~~الفاحشة عن درس الأصول الأولى للفاقة والبأساء. وكما أن الطبيب يمضي في العملية الجراحية ~~غير حاسب أي حساب لما يسديه إليه المريض من الشتائم كلما آلمته المشارط؛ فإن الكاتب المخلص ~~يضع «سمعته» نهبة لشتائم الصارخين من مرضى النفوس. وكلما آلمهم قلمه فسبوا وشتموا تذكر أن ~~القلم في يده كالمبضع في يد الطبيب، وأنه يجب أن ينسى نفسه، وأن يعرف أن عدوه هو المرض الذي ~~يحاربه في شخص المريض، وأن هذا المسكين لا يشتمه بصدق، وأنه سينظم له عقود الثناء بعد ذهاب ~~الداء! ~~••• # كانت الليلة الأولى في شارع عماد الدين، وكانت الليلة الثانية في مصر الجديدة، وكنت فيهما ~~ذلك الفارسي الذي تخيله «مونتيسكيو» يجوس خلال باريس، فينكر الناس ما له من زي غريب، وينكر ~~ما للناس من خلق غريب. # دعاني للمرة الأولى حسن أفندي فائق لأسمع أنشودته في صريع الكوكايين، فأجبت الدعوة كارها ~~غير طائع، ولم أكد أدخل الملعب حتى التهمتني العيون، فمن قائل: جاء ليلقي عظة في النهي عن ~~الموبقات، ومن قائل: يا عجبا للهو لم ينج من عدواه المعممون! فصحت فيهم إنما جئت لمقابلة ~~حسن أفندي فائق صاحب أنشودة «شم الكوكايين» فتقدم إلي بعض العاملين ms061 في المسرح وقال: لقد ~~انصرف حسن أفندي، وقد يعود بعد قليل، فإن شئت شربت فنجانا من الشاي وانتظرته حتى يعود، ~~وكانت الليلة شاتية، وكان الشاي فيها خير مشروب، فأخذت أتخير مكانا بعيدا عن «همسات» ~~الحاضرين و«غمزات» الحاضرات، وما هي إلا لحظة حتى صرخ صارخ: «اضبط! هذا صاحب مدامع العشاق» ~~فالتفت فإذا عفريت الليل عن يميني، وابن الهوى عن شمالي، كأنهما منكر ونكير، أو رقيب وعتيد، ~~قال عفريت الليل: من أتى بك ههنا؟ فقلت: وأنت من أتى بك ههنا؟ قال: أنا صحفي أحرر جريدة ~~أسبوعية، فقلت: وأنا صحفي أحرر جريدة يومية، فما لك تشاركني في الفعل وتفردني بالعجب؟ ثم ~~دعاني إلى تناول الشاي معه في مكان من الراقصات قريب. # جلسنا نتحدث، ولكني منحته أذنا غير واعية، وأقبلت بسمعي وبصري وقلبي على تلك القطع ~~المختارة من شعر الوجود، فإن النساء يا صاح قصائد مسطورة في سجل الحياة، وأصحاب المراقص ~~يتخيرون من هذه القصائد أعلقها بالنفس، وألصقها بالقلب، وقد خيل إلي ساعتئذ أني لم أحضر ~~إلا لدرس هذه الطرف البديعة، لأتبين السر في «ضلال» من فتنته الخدود، وسحرته العيون، ~~ولأعذر قتلى الحسن، وصرعى الجمال. # رأيت من بين الراقصات فتاة فرنسوية، وأخرى إسبانية، وثالثة مصرية، وقد رأيت الفرق واضحا ~~بين هؤلاء الأوانس، وأظهر ما يكون الفرق في الحركات؛ فللفرنسويات والإسبانيات حركات في ~~الرقص تشبه حركات الجنود في ميادين الحروب، ولا هم لهؤلاء الفتيات حين يظهرن على المرقص، ~~إلا أن يبهرن الأنظار بخفة الحركة، وسرعة الدوران، في حين أن الراقصة المصرية لا هم لها ~~إلا لفت الأنظار إلى خصرها النحيل، وردفها الثقيل، وخدها الأسيل، وطرفها الكحيل. # ترنو فتنقلب القلوب للحظها # مرضى السلو صحائح الأوصاب # ويحسب الرائي رقص الإفرنج نوعا من الألعاب الرياضية؛ إذ يرى الراقصات يتثنين بسرعة كأنهن ~~ثعابين، ويختفين بسرعة كأنهن شياطين، ولا تكاد الراقصة تبدو حتى تختفي فيحسب - مثلي - أنه كان ~~في حلم، وأن ما رآه طيف خيال. ولا يكاد الملعب يخلو من تلك الغادة اللعوب، حتى يقبل الناس ~~بعضهم على بعض يتساءلون: ms062 أي شمائل هذه الغادة أروح للنفس وأمتع للعين؟ # فمن قائل: شعورها ~~الذهبية، ومن قائل: خدودها الوردية ، ومن قائل: ثناياها اللؤلؤية. ويسألني «عفريت الليل» ما ~~رأيك في هذه الفتاة؟ فأعتذر، فيعيد السؤال، فأكرر الاعتذار، فيلح، فأقول: ويحك لم أر منها ~~شيئا، لقد مرت كالبرق الخاطف، فإن شئت هاتها بين يدي، أتأملها قطعة قطعة، كما أتأمل ~~القصيدة بيتا بيتا، وكما أتأمل الرسالة فقرة فقرة، وكما أتأمل الكتاب بابا بابا، ثم ~~أحكم أي ملامحها أحق بأن تسهد من أجله العيون، وتعذب في حبه القلوب. # أما الراقصة المصرية فهي ملك كل عين، وطوع كل قلب؛ إذ تخطر في المرقص، وكأنها الغصن ~~الرطيب، يعبث به النسيم العليل، تقبل فإذا هي هيفاء، وتدبر فإذا هي عجزاء، وترنو برفق إلى ~~كل ناظر، فيحسب كل امرئ أنه مرمى طرفها الناعس، ومهوى قلبها الخافق، فيمسي وهو صريع، وقد ~~تتغنى وهي ترقص، فيروقك ما تسمع وما ترى، حتى لتحسب أنها آلة موسيقية، صورت من ماء اللؤلؤ، ~~أو صيغت من نهود الكواعب، ثم تثوب إلى رشدك، فتذكر أن هذه ليست آلة موسيقية، بل هي إحدى ~~اللواتي كان النيل يغضب قديما فلا يرضى حتى يضم إلى صدره واحدة منهن مفلجة الثغر، وضاحة ~~الجبين. # حوراء إن نظرت إلي # ك سقتك بالعينين خمرا # تنسي التقي معاده # وتكون للحكماء ذكرا # وكأن رجع حديثها # قطع الرياض كسين زهرا # وكأن تحت لسانها # هاروت ينفث فيه سحرا # وتخال ما جمعت علي # ه ثيابها ذهبا وعطرا # وكأنها برد الشرا # ب صفا ووافق منك فطرا # وتطيل الراقصة المصرية في التثني، والتغني، حتى تهيج المشاعر والحواس، وحتى يقبح الهدى، ~~ويجمل الضلال، ولا كذلك الراقصة الإفرنجية؛ فإنها تخطف البصر، ثم تغيب، وقد تتغنى، ولكنها ~~تقتصر من الكلمة على حرف واحد، ومن القصيدة على بيت واحد، ثم تفر قبل أن تنفع ~~الغليل. # كيف السبيل إلى اقتناص غرائر # يدمي بأسهم لحظها القناص # بيض السوالف عذبة أفواهها # ريا الروادف والبطون خماص # يجرحننا بنواظر ما إن لنا # منهن عند جراحهن قصاص # ولم أجد هذا الفرق البعيد ms063 بين الراقصة المصرية والإفرنجية، إلا في مرقص عماد الدين، ففيه ~~تظهر الفوارق بين النزعات الشرقية والغربية ، وكل حزب بما لديهم فرحون. # | الليلة الثانية # أما مرقص مصر الجديدة - ويا ويلتاه من مصر الجديدة - فهو خاضع للبدعة الفرنسوية، لا تكاد ~~الموسيقى تصدح حتى تنتظم العذارى كأسراب الحمائم راقصات شاديات. # من بنات الروم لا يكذبنا # لونها المشرق عن منصبها # فهي حسب العين من نزهتها # وهي حسب الأذن من مطربها # تشرع الألحاظ في وجنتها # فتلاقي الري في مشربها # وإذا قامت إلى ملعبها # كمهاة الرمل في ربربها # سألت أعطافها أردافها # هل رأت أوطأ من مركبها # وكأن الحسان في هذا المرقص لا يستطعن الرقص منفردات، وكأن أقدامهن الصغيرة، لا يستطعن حمل ~~أردافهن الخطيرة، فلكل فتاة فتى يطوق بيمناه خصرها النحيل، ويسند بيسراه خدها الأسيل، ثم ~~يسير بها ضاحكة الثغر، ناعسة الجفون، وكل في فلك يسبحون. # يا ليت شعري وليت غير مجدية # إلا استراحة قلب وهو أسوان # لأي أمر مراد بالفتى جمعت # تلك الفنون فضمتهن أفنان # تجاورت في غصون لسن من شجر # لكن غصون لها وصل وهجران # تلك الغصون اللواتي في أكمتها # نعم وبؤس، وأفراح وأحزان # وكان «عفريت الليل» يوصيني بوصف تلك الليلة قبل أن تعزب عن البال، رويدك يا صاح، وكيف ~~تنسى ليلة هي أنموذج لنعيم الجنة دار الخلود، وهل أنسى أني ما نظرت أمامي أو عن يميني أو عن ~~شمالي إلا رأيت الحسن منثورا نثر النجوم الزهراء، في القبة الزرقاء، أو نثر الزهور البيضاء ~~في الروضة الغناء؟ # لما مشين بذي الأراك تشابهت # أعطاف قضبان به وقدود # في حلتي حبر وروض فالتقى # وشيان وشي ربى ووشي برود # وسفرن فامتلأت عيون راقها # وردان ورد جنى وورد خدود # وضحكن فاعترف الأقاحي عن ندى # غض وسلسال الرضاب برود # ولحظة واحدة، في تلك الجنة العالية، تنسيك الدين والأخلاق، ويكذب ثم يكذب من يزعم أنه لم ~~يحسد أولئك الذين أنعم الله عليهم فخاصروا من يعشقون، على مسمع من الرقيب، ومرأى من ~~الحسود. # ألا ليقل من شاء ما شاء إنما # يلام الفتى ms064 فيما استطاع من الأمر # ولم يكن الحسن في ذلك المرقص قاصرا على الراقصات، فقد كان الفندق يموج موجا بالرائحات ~~الغاديات: # من كل ضاحكة الترائب أرهفت # إرهاف خوط البانة المياس # فإذا مشت تركت بقلبك ضعف ما # بحليها من كثرة الوسواس # وما زلت أحدق عيني في كل رائحة وغادية، حتى تألمت عيناي، فكأنما أطالع ذكاء، في كبد ~~السماء، وكنت كلما بهرتني الثغور الضواحك وأسرتني العيون الفواتك، أفكر في جناية الجمال، ~~على عشاق الجمال وعلى أهل الجمال، ثم أفكر في فضل الجمال، على أعداء الجمال؛ ففي العالم ~~مئات الألوف من القسيسين والرهبان والعلماء، تصرف عليهم المرتبات؛ لأنهم يلقون الخطب ~~الرنانة في ذم الجمال، وأهل الجمال، وعشاق الجمال. # مر بخاطري ذلك وأنا في فندق الهيليوبوليس، فعرفت أنه كلما وجدت الرذيلة وجد موجب للدعوة ~~إلى الفضيلة، ووجد الوعاظ ما يأكلون، ثم استسلمت إلى التفكير العميق. # والآن في الساعة الثانية بعد نصف الليل، وقد مضى على تلك الليلة ست ليال؛ أفكر من جديد في ~~جناية الجمال، على عشاق الجمال، وعلى أهل الجمال، ثم أطيل التفكير في فضل الجمال، على أعداء ~~الجمال. # تعرض رسل الشوق والركب هاجد # فتوقظني من بين نوامهم وحدي # وما شرب العشاق إلا بقيتي # ولا وردوا في الحب إلا على وردي # | تعلة الكريم # وصحب من البيض الثياب تطلبوا # ودادي فلم يهمم بطردهمو مجدي # منحتهمو ودي، فلما تملكوا ... # فؤادي، هفوا هفو الذباب على الشهد # فما تركوا وفرا لدي لمعتف # يصان به عرضي، ويورى به زندي # فلما تولوا بالتليد وأبصروا # فتى الجود مثل السيف سل من الغمد # أباحوا حمى لا يقبل الضيم ربه # وتخشاه يوم الروع صائلة الأسد # لعمري لئن ولوا بوفري فاغتدوا # بطانا، وخانوا من سفاهتهم عهدي # لقد خدعوا شهما يغر على الندى # فيسخو بلا من ويعطي بلا وعد # ومن عجائب ما يمنى الرجال به # مستضعفات لهم منهن أقران # مناضلات بنبل لا تقوم له # كتائب الترك يزجيهن خاقان # يا رب حسانة منهن قد فعلت # سوءا وقد تفعل الأسواء حسان # تشكو المحب وتلفى الدهر شاكية # كالقوس ms065 تصمي الرمايا وهي مرنان # وهذا المرقص ملتقى المحب والمحبوب، وليس العاشق في حاجة إلى أن يكون كابن المعتز حين ~~يقول: # هل تذكرين وأنت ذاكرة # مشي الرسول إليكمو سرا # إن يغفلوا يسرع لحاجته # وإذا رأوه أحسن العذرا # فطن يؤدي ما يقال له # ويزيد بعض حديثنا سحرا # بل يكفي أن يتخذ له سحنة صناعية، وأن تضع المعشوقة خرقة سوداء على وجهها المشرق الجميل ~~كما يحجب البدر بالسحاب، أو كما تحجب الشمس بالضباب، ثم يتلاقيان، فلا يعرفهما رقيب، ولا ~~يشعر بهما حسيب. # وربما نظر امرؤ إلى فتاة فاطلع منها على كل مغيب مكنون «إلا الوجه الكريم» فتبعتها نفسه، ~~وعلق بها فؤاده، وقد تكون أخته وما يدري؛ لأن «أقطاب» هذا المرقص يبدلون خلق الله، فيلبس ~~الأمرد لحية بيضاء، أو زرقاء، وتتخذ الفتاة لوجهها من سود البراقع ما تشاء، وما ضر الفتى ~~والفتاة أن تحجب من وجهيهما آثار الجمال، ما دام الخصر على الخصر والساق على الساق. # ولو كنت معنا هناك لفزت فوزا عظيما، فقد حشرت في تلك البقعة فنون الملاحة وألوان ~~الفتون، كما تحشر ضروب السحر في الطرف الغضيض. # | دواعي الشعر # 1 # أيها السادة # إن القمر الزاهر الذي يغازل الشعراء كما يغازلونه، والبحر الزاخر الذي يعجب الأدباء ~~بأمواجه المتلاطمة كما يعجب بأفكارهم المعجزة، والروض الضاحك الذي يبسم الكتاب ~~لأزهاره الشائقة كما يبسم لكلماتهم المتناسقة؛ تلك الظواهر الطبيعية التي تبعث على ~~الشعر، وتدعو إليه؛ هي هي في كل قطر، وفي عيني كل كاتب، وفؤاد كل شاعر، وذلك ما أوجد ~~التشابه في خيالات الشعراء، وأفكار الكتاب، وجعل الفرق غير بعيد بين قديم الشعر ~~وحديثه، وطارف النثر وتليده. # فإذا قال قائل: إن العقل البشري سائر نحو الارتقاء في كل ~~سبيل إلا من حيث الخيال الشعري؛ فاعلم أن ذلك ليس لعجز في القوى البشرية، أو تقصير من ~~الشعراء أنفسهم، إنما كان ذلك؛ لأن دواعي الشعر خلقت مع الإنسان يوم خلقه، بل قبل أن ~~يخلق بأجيال، فلا بدع إذا أن يظل امرؤ القيس شاعر العرب وهوميروس شاعر اليونان، وإن ms066 ~~طال العهد وبعد الأمد، ولا كذلك ما عدا الشعر في الفنون والصناعات، فإن موجباتها خلقت ~~مع الحوادث شيئا فشيئا، ولا تزال. فليس عجيبا بعدئذ أن يقف الشعر أو يسير سيرا ~~هادئا في حين أن باقي الفنون تسابق الظل، وتجاري الريح في السير نحو الكمال. # تلك - أيها السادة - علالة المتعلل وحجة الضعيف المغلوب، وكيف تكون دواعي الشعر بالأمس هي ~~نفسها دواعيه اليوم؟ نعم إن السماء ما زالت كهيئتها يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن ~~البحار ما زالت زاخرة عجاجة على نحو من العظمة والجلال، يتشابه أوله مع آخره، وإن ~~الرياض ما زالت تلبس في الحاضر، أثوابها في الماضي، ولكن هل ينبغي أن يكون شاعر اليوم ~~كشاعر الأمس؟ كلا والله، فإن الناس من قبل كانوا ينظرون إلى السماء من بعد، فأصبحوا ~~يتبينون خفاياها بالمراصد، وكانوا يعجبون بالبحر وهم وقوف على شاطئه، فأصبحوا اليوم ~~يخوضون أحشاءه ويسبرون أغواره، وكانوا ينعمون بالرياض، وهي حسناء مهلهلة الثياب فأصبحوا ~~يلهون بها عذراء غضة. # تأود تحت الحلى في الحلل الخضر # فهل يليق بشاعر بعد ذلك أن يقنع بما يمده به خاطره من المعاني القديمة والخواطر ~~العهيدة؟ هذا - والله - ضعف وانحطاط. # فلا تكثروا ذكر الزمان الذي مضى # فذلك عصر قد تقضى وذا عصر # وما أشبه حالنا مع من تقدمنا من الشعراء، إلا بشاعر عاشق، رأى في النوم طيف حبيبه ~~فأصبح وقد ملأ الدنيا غزلا ونسيبا، فلما أتيح له أن يراه رأي العين أفحم، وكذلك رأى ~~أسلافنا ظواهر الطبيعة، فقالوا وأبدعوا، ووقفنا نحن على حقيقة الكون وأسرار الوجود، ~~ولكن لم نشعر كأن لم نشعر. # وقد وجدت مكان القول ذا سعة # فإن وجدت لسانا قائلا فقل # إلا أنه إذا كانت تلك الظواهر الطبيعية هي الينبوع الأول الذي تتفجر منه الخيالات ~~الشعرية والمعاني الأدبية؛ فإن الشاعرية تزداد بالنظر فيما ترك الشعراء والكتاب من ~~بديع الشعر، وطريف النثر، فإن فيما ترك أولئك الكرام الكاتبون لجنات وأنهارا وشموسا ~~وأقمارا، توحي إلى المرء من ساحر الخيال، وفاتن القول، ما تعجز عن مثله الأنهار ~~الجارية، ms067 والرياض الحالية والسماء الصافية، وإذا عرفنا حاجتنا إلى النظر فيما ترك ~~الشعراء والكتاب فلا بد أن نعرف أيضا أن ذلك لا يختص بأمة دون أمة أو إقليم دون ~~إقليم. # وأن الذي يريد أن يتكمل في الشعر والأدب فلا بد أن ينظر فيما ترك الأدباء في مشارق ~~الأرض ومغاربها، من الآثار الأدبية والطرائق العلمية؛ إذ كما لا يمكن للرجل الواحد أن ~~يخترع علما ثم يكون أول الناس وآخرهم فيه؛ فكذلك لا يمكن لأمة واحدة أن تقوم بحاجة ~~البشر في فن من الفنون - ولا سيما في الآداب التي هي خلاصة الأفكار ونتيجة الخواطر. # لذلك ~~رأى رجال الجامعة المصرية - وهم من نعرف في بعد النظر وأصالة الرأي - أن تدرس آداب اللغة ~~الإنجليزية والفرنسوية، بجانب آداب اللغة العربية، فكان ذلك فضلا إلى فضل، وأدبا إلى ~~أدب. وإذا لاحظنا أن أدباء الإنجليز من أحرص الناس على العلم والأدب وأعلمهم بلغات ~~الأمم وآدابهم، وأشدهم عناية بتقييد الأوابد، وضم الشوارد، وأكثرهم ضربا في الأرض، ~~وسيرا في الأقطار، وأكثرهم تعرفا لأحوال الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين أشكالهم، ~~إذا لاحظنا كل ذلك؛ عرفنا أن آداب اللغة الإنجليزية إنما هي خلاصة آداب الأمم؛ إذ كانت ~~نتيجة التجارب العديدة، والمشاهدات المختلفة، في أكثر بقاع الأرض، وأغلب أنحاء ~~المعمورة. # وكذلك يكون العارف بآداب هذه اللغة عارفا بآداب أمم عدة لا أمة واحدة، وإذا ~~لاحظنا أيضا أن آداب اللغة العربية إنما هي آداب أمم مختلفة جمعها الدين وألف بينها ~~الإسلام، كما أن آداب اللغة الإنجليزية آداب أمم شتى؛ عرفنا أن العارف بآداب اللغتين ~~العربية والإنجليزية من أغزر الناس مادة في الأدب وأرسخهم قدما في عالم الشعر، فهنيئا ~~لإخواننا الذين تمكنوا من آداب لغتهم العربية، ثم تكلموا بآداب اللغة الإنجليزية، فشربوا ~~من الكأسين، وتحلوا بالفضيلتين، والسلام. # 2 # ألقيت خطبة في فندق شبرد تكريما للمستر ورتهام أستاذ آداب اللغة الإنجليزية، في ~~الجامعة المصرية، رددت فيها على القائلين بوقوف الحركة الشعرية، لوجود الدواعي متماثلة ~~متشابهة في كل العصور، ووازنت بين دواعي الشعر بالأمس ودواعيه اليوم، وأنحيت ms068 باللائمة ~~على الشعراء الجامدين، الذين لا يزالون يترسمون خطوات من سبق، وهم عن الجد ~~معرضون. # غير أني نظرت إلى تلك الدواعي من الوجهة الطريفة، فجعلتها في الرياض الزاهرة، والبحار ~~الزاخرة، وفي البدور الطوالع، والشموس السواطع، وأضفت إلى ذلك ما يكتسبه الفكر من النظر ~~في الآداب الأجنبية التي قد تزيد أدبنا وضوحا وبيانا، إذا عرفنا أن الناس من نفس ~~واحدة، وأنهم يسعون إلى غرض واحد، وهو فهم حقيقة الكون والثناء على الله. # واليوم أقول: إن تلك الدواعي السالفة إنما هي لقوم بلغوا من الحضارة والرقي، ما يسمح ~~لهم بالتفكير في الجمال، والتفنن في وصف غرائبه: من الظباء النوافر، والحسان الأوانس، ~~ورأوا من قومهم نفوسا عاشقة لطرائف الحسن، وقلوبا تائقة لبدائع الشعر، فقالوا في وصف ~~الرياض والأزهار والبحار والأنهار، والقصور المشيدة، والصروح الممردة، وخاطبوا النفوس ~~الناعمة، والقلوب الوادعة، وانتقلوا من عالم الحس إلى عالم الخيال، فوصفوا أحلامهم ~~اللذيذة، وآمالهم الحلوة، إلى غير ذلك مما يجد في قلوب أهل السعة ونفوس أهل الرغد ~~ميدانا يمرح فيه وروضا يأنس به، وكذلك نفوس الشعراء، في أيام الرخاء. # أما دواعي الشعر في هذا البلد، وفي هذه الأيام فهي غير أسبابه تلك؛ لما ترى من الفرق ~~الظاهر بين عامتنا وخاصتنا، وقلما يتغنى الخاصة بالشعر، وإن لم تصغ العامة إليهم، ~~ويفتحوا لهم آذانهم وقلوبهم. # وهل يطرب الناس للشعر وهو يصف ما لا يحسون به، ويتحدث عما لم يستطيعوا إليه ~~السبيل؟ # ولقد كان عجبا عند الشاعر حافظ إبراهيم أن يجيد العرب وصف الناقة، وهي تلك المركب الصعب ولا نجيد نحن وصف ذلك المركب ~~الذلول «الأوتومبيل»، ولو لحظ أن الشاعر العربي ما أطنب في وصف الناقة إلا لأنها كل شيء ~~عنده، ولأن أهله ورفاقه يعرفون من صفتها ما يعرف؛ لعلم أن السر في عجزنا عن وصف ~~الأتومبيل، ليس هو ضيق اللغة - كما زعم - بل لأننا ننظر إلى هذه المخترعات في الأرض كأننا ~~ننظر إلى الشمس في السماء. # ما لنا ووصف هذه البدائع الفتانة، والنفائس الخلابة، ونحن لا ننعنم بها، ولا ms069 شيء فيها ~~من صنع أيدينا؟ إذن فلنترك وصفها وتقريظها لشعراء الغرب أولئك الذين يجدون من السرور ~~بركوبها ما كان يجده العربي وقد علا ظهر البعير البازل، أو تسنم الناقة الهوجاء. # وقد كان أستاذنا الشيخ محمد المهدي يقول - وهو يتحدث عما أبدع الشعراء في وصف الشمعة: ~~لا أدري ما كانت تكون حالهم لو شاهدوا غرائب هذه الأيام؟ إني لا أشك في أنهم كانوا ~~يجيدون. # وليسمح لي أستاذي أن أقول له: إنهم لو عاشوا إلى عصرنا لعجزوا عجزنا؛ فإن الأمر كما ~~قيل: # فلو أن قومي أنطقتني رماحهم # نطقت ولكن الرماح أجرت # وكما قال ابن الزيات: # لك أن تبدي لنا حسنا # ولنا أن نعمل الحدقا # فإن قومنا لم يفكروا في مجاراة الأمم المولعة بأعاجيب الصناعة حتى نجاريهم في أفانين ~~البلاغة. # وإنا لجديرون بأن ننشط إلى الافتنان والابتداع، إن نشطوا إلى الابتكار والاختراع، ~~وإلا فليلوموا أنفسهم - إن كانوا منصفين. # 3 # قل لي - بربك - ما أنت صانع لو زرت الأهرام، وكنت ممن رزقوا الشعر الفصيح، والخيال ~~البديع، أتغرب في وصفها بالوسامة الشاملة، والقسامة الكاملة، وتتغنى بارتفاعها الباهر، ~~واتساعها النادر، فتسلك سبيل الفاهمين من أهل مصر القديمة، والغافلين من أهل مصر ~~الحديثة، أم أنت سالك غير تلك السبيل، وخائض في غير ذاك الحديث؟ # ما زلت أسمع الشعراء من حولي يتغنون بالحضارة القديمة، ويشيدون بذكر الفراعنة، ~~ويلهجون بمجد العرب، كأن مصر ما زالت سيدة العالم، وكأن رجالها ما زالوا خير الرجال، ~~وكأن العرب ما زالوا سادة المشرقين وقادة المغربين، قاتلكم الله! تضحكون في موضع ~~البكاء، وتفرحون في موقف الحزن، ولو كانت لكم ضمائر شاعرة وبصائر ناظرة، لبكيتم مع ~~الباكين، ونحتم مع النائحين، فقد ذلت هذه الآثار بذلكم وضعفت بضعفكم، وأضحى هرم ~~خوفو. # كأن الصبا توفي نذورا إذا انبرت # تراوحه أذيالها وتباكره # لقد كثر شعراء مصر، وتوفروا على معنى واحد، كما تكثر الأشجار في بقعة واحدة، فيأكل ~~بعضها بعضا ثم لا تزهر ولا تثمر. # وقصارى أحدهم أن يفتخر بأنه مصري أو عربي، يريد أنه من بقايا الفراعنة، أو ms070 من سلالة ~~الأفيال. # أهؤلاء الجبناء، الذين يخافون ظلهم، ويهابون طيفهم، من ذرية أولئك الذين أخضعوا الأرض ~~وهموا بمحاولة السماء فحاربوا الناس تارة، ونازعوا الآلهة أخرى؟ # أهؤلاء من سلالة ذلك الذي قال: يا هامان! ابن لي صرحا، لعلي أبلغ الأسباب أسباب ~~السموات فأطلع إلى إله موسى؟ # تعالى الله في سمائه، وكفر فرعون وهامان، ولكن أليس من العجب أن ينتسب هؤلاء الأصاغر ~~إلى أولئك الأكابر وهم أذل من قراد بمنسم، وأضيع من الأيتام على مائدة اللئام؟! # ولقد يذكرون أن المأمون قال لوزرائه يوم زار أهرام مصر: إنها مبان جليلة، ومنازل ~~شامخة، ولكنها لا تستحق أن يحاول صاحبها السماء لينازع الإله، فقال له بعضهم: يا أمير ~~المؤمنين إن الله يقول: # ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون وقومه وما كانوا يعرشون ~~. # فإذا كانت هذه بقايا ما دمر، فكيف كانت تلك العروش؟ فبهت المأمون وسكت. # يقولون: إن الولد سر أبيه، فما بال أبناء النيل في ذلة، وأحفاد العرب في ضعة؟ # أيستطيع أحد من شعرائنا الآن أن يقول كما قال قيس بن الحطيم: # وكنت امرأ لا أسمع الدهر سبة # أسب بها إلا كشفت غطاءها # فإني في الحرب الضروس موكل # بإقدام نفس ما أريد بقاءها # متى يأت هذا الموت لا تلف حاجة # لنفسي إلا قد قضيت قضاءها # إذن فكيف يجرؤ هؤلاء أن ينتسبوا إلى العرب، أو ينتموا إلى الفراعنة، وهم ما يحسنون ~~غير التهنئة بمولود، أو التعزية بمفقود، كأنهم ما خلقوا إلا ليبكوا مع الباكين أو ~~يضحكوا مع الضاحكين؟ # أين شعراء الوطنية؟! أين عشاق الحرية؟! # فهذا أوان الشعر سلت سهامه # معا بلها والمرهفات السلاجم # لقد مات منهم من مات، واغترب من اغترب، وبقي جماعة يقلون عند الفزع، ويكثرون عند ~~الطمع. # رضوا بصفات ما عدموه جهلا # وحسن القول من حسن الفعال # 4 # يكتب صاحب العزة علي بك فهمي كامل مقالات شيقة تحت عنوان «لو كنا مستقلين» جاء في ~~أولها قوله: «لو كنا مستقلين لعم العلم الديار، وراجت الصناعة في كل الأمصار، وحل اليسر ~~محل البوار، وأصبح المصري في كل ms071 مكان، يشار إليه بأطراف البنان.» # وأنا أضيف إلى كلماته الجملة الآتية: لو كنا مستقلين لكثر شعراء الحماسة، وقل شعراء ~~الخلاعة ، ولعادت للشعر مواقفه المشهودة، ومشاهده المعروفة، يوم كان بيت يبعث الحرب، ~~وقصيدة ترجع السلام. # ويقول الكاتب مصطفى المنفلوطي في مقدمة مختاراته: «وأحسب أن ما يتعلق من الشعر ~~بالحماسة ووصف الحروب وأسلحتها ودمائها وغبارها وأشلائها هو آخر ما يحتاج إليه المتأدب ~~في هذا العصر.» # ومعنى ذلك أن عصر البطولة قد مات، وزمن الرجولة قد باد، ولم يبق إلا أن يلبس الشعراء ~~أثواب الندماء، فيقضون الليل في خمر، والنهار في خمار. # ولست ألوم المنفلوطي على أن جعل مختاراته خلوا من الحماسة، ولا أعذل الشعراء على ما ~~فرطوا في جنب البطولة؛ فإن ذلك نتيجة الاستعباد، وعاقبة الاسترقاق. # وكيف يتوفر على الشعر الحماسي شعب يرى أنه غير مكلف بالدفع عن بلاده، والذود عن ~~حياضه، أم كيف يتمدح بالشجاعة من يوصف بالطيش إن أقدم، وبالحزم إن أحجم؟ # ولقد كثرت أحاديث الناس عن فتوى الشيخ بخيت ضد البلشفية، وفاتهم أن هذا أثر من آثار ~~التبتل الذي جنته علينا الذلة، ورمانا به الهوان. # والذي يتأمل ما كان من فتوى الشيخ يعلم أنه تأثر بالحكمة القائلة: إن العاقل لا يرضى ~~لنفسه إلا أن يكون مع الملوك مكرما أو مع الزهاد متنسكا، وأنه رضي لنفسه حظ ديوجين ~~الكلبي. # ولقد ساءه أن ينفرد الحلفاء بمحاربة البلشفية، وأن لا يكون لمصر حظ في دفع هذا ~~البلاء، فرمى بفتواه في صدر هذه المذهب الجديد، ليعود وهو صريع. # والذي نعرفه من قوة فتاوى الأستاذ، ومن حججه الدامغة، أن تلك الفتوى كانت جديرة بمحو ~~البلشفية، لو أنها صادفت قلوبا كقلوب المصريين الذين يبجلون الشيخ ويعظمونه، ولكنها ~~نشرت بين قوم ينكرون مصر وعلماء مصر، ويعدونهم من سقط المتاع. # وإني لأخشى أن يصبح علماؤنا وما يعرفون غير السبحة والسواك. # يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة # ومن إساءة أهل السوء إحسانا # كأن ربك لم يخلق لخشيته # سواهم من جميع الناس إنسانا # كما أخشى أن يصبح شعراؤنا وما ms072 يحسنون غير الهزل، ولا يجيدون سوى المجون. # 5 # في مصر اليوم جماعة من الشعراء، تغنوا كثيرا في الليالي الخوالي، يوم كان الناس ~~يسمرون في المنازل، ويسهرون في البيوت، وكان الرجل يعرف بالشعر، ويوصف بالأدب، لبيت ~~يقوله في تحية رب القصر، أو تكريم السامرين، وربما وصف بالعبقرية لطرفة ينسبها إلى ~~دعبل، أو حديث ينقله عن أبي نواس. # ثم قضى الله أن يرسل إلى بعض القلوب رسول الوطنية، فانتقل الشعر من الخصوصيات إلى ~~العموميات، إلا أن الشعراء كانوا - مع ذلك - مقيدين بقيود من الرياء، فكان حافظ إبراهيم لا ~~يطرب للشعر، ولا يخف له، إلا بحضرة الأستاذ الشيخ محمد عبده. # وكان أحمد نسيم يمزج ~~وطنياته بمدح محمد بك هلال، وكان شوقي يشوبها بمدح صاحب السمو أمير البلاد. # وكنت لا تسمع للشعراء شيئا غير ما يدعون إليه يوم الاحتفال بفتح مدرسة، أو تشييد ~~معهد، «أو فتح بار كما فعل فلان!» إلى غير ذلك مما يساق إليه الشعراء سوقا، بدافع ~~الشهرة، أو دافع المال. # وكانت الأحزاب قد كثرت في مصر، فكان لكل حزب شاعر ولكل شاعر أشياع، فتنافرت الآراء ~~وتناكرت الأهواء؛ إذ كان الشعراء يستمدون وحيهم من سادتهم وكبرائهم، وكان سادتهم منشقين ~~مختلفين، فكانوا يضلونهم سواء السبيل. # ثم شب جماعة آخرون لم يقدر لهم أن ينتموا إلى بعض الأحزاب، فرضوا بالخمول، واكتفوا ~~من الشعر بأبيات يقولونها في الوصف، أو نتف يجيدونها في النسيب، وربما التفتوا إلى ما ~~ينعم به إخوانهم من السعة في العيش، والبسطة في الجاه، فأخذوا في شكوى الدهر، وتأنيب ~~الزمن ووصفوا الأدب بأنه رفيق الفقر، وحليف المسكنة. وكان بجانب هؤلاء جميعا جماعة من ~~النقاد ينقدون اللفظ والمعنى، ويعرضون عن النحلة والمذهب، فكنت تقرأ ما يكتبه الشيخ طه ~~حسين في نقد حافظ، فتراه جملة من المذاهب النحوية، والمباحث اللغوية، وربما رأيت طائفة ~~من ألفاظ السباب في خلال تلك السطور، وضعها الكاتب حلية لبحثه، وزينة لنقده، وكان الويل ~~- كل الويل - لمن يغفل عن ترضية أولئك الناقدين فيمسي وهو مقذوف. # وكذلك كان الشعراء يأخذون طرائق ms073 التفكير من الأحزاب ومسالك التعبير عن النقاد، ولم ~~يكونوا في أنفسهم شيئا مذكورا. # ثم كان ما كان من الحوادث التي شتتت شمل الجميع، فخفت كثير من أصوات أهل النقد ~~والسياسة وعاد الشعراء إلى السكون. # إلا أننا في حاجة إلى شعراء ينظرون بعيونهم، ويسمعون بآذانهم ويفقهون بقلوبهم، فهل ~~نحن واجدون؟ # 6 # قرأنا «دواعي الشعر» فإذا بصاحبها الأستاذ زكي مبارك قد نال من شعراء العصر شديدا، ~~وطأطأ من كرامتهم ما شاء، حتى كاد يبتعث الحفائظ ويوغر القلوب، فقد جاء فيها عن الشعراء ~~حيث يهتف بهم قوله: «قاتلكم الله! تضحكون في موضع البكاء، وتفرحون في موقف الحزن، ولو ~~كانت لكم ضمائر شاعرة، وبصائر ناظرة لبكيتم مع الباكين، ونحتم مع النائحين، فقد ذلت هذه ~~الآثار بذلكم، وضعفت بضعفكم.» # وجاء في موضع ثان منها قوله: «لقد كثر شعراء مصر، وتوفروا على معنى واحد، كما تكثر ~~الأشجار في بقعة واحدة فيأكل بعضها بعضا، ثم لا تزهر ولا تثمر»، وقال في غير هذين ~~الموضوعين: «أهؤلاء الجبناء»، وجاء في محل ثان قوله: «لقد مات منهم من مات، واغترب من ~~اغترب، وبقي جماعة يقلون عند الفزع ويكثرون عند الطمع.» # لشد ما نال الأستاذ من الشعراء، وغلا في الازدراء بهم، على أن هذا ليس من النقد في ~~شيء. # إنا لنطالب الأستاذ - جد المطالبة - ونأخذه أخذا شديدا بأن يخرج بالمعذرة من تلك ~~البادرة، وذلك أكبر الظن بأدبه، والعهد به، والسلام. # حسن القاياتي # 7 # قرأت ما كتبه الأستاذ السيد حسن القاياتي عن «دواعي الشعر»، فحمدت له غيرته على ~~إخوانه الشعراء، ورفقائه الأدباء، وسرني أن كان أول الذائدين عن حياضهم، والرافعين ~~للوائهم، فكان كما قال الشاعر: # لو كان في الألف منا واحد فدعوا # من فارس؟ خالهم إياه يعنونا # ثم عجبت وحق لي أن أعجب، من رغبته في أن أعتذر وهل أذنبت يا صاح؟ # ألزمتني الذنب الذي جئته # صدقت! فاصفح أيها المذنب # لا تنس يا صديقي أن كرامة الوطن، فوق كرامة الأدب، وأن الشعر وسيلة لا غاية، وأننا ~~جميعا نسعى إلى غرض واحد، هو ms074 تحرير البلاد. # فمن كان أكثر الناس إشادة بذكر الحرية وتغنيا بالاستقلال فهو شاعرنا المفلق، وكاتبنا ~~المبدع، وإن كان شعره منحل العقد، ونثره مختل البناء. # أنت شاعر، ولكن في أي عصر؟ في العصر الذي قلت فيه: # كأن وساما يعتلي صدر جاهل # جني من الريحان يحمله قبر # وحافظ شاعر، ولكن في أي زمن؟ في الزمن الذي قال فيه: # لقد كان فينا الظلم فوضى فهذبت # حواشيه حتى بات ظلما منظما # كنتم شعراء يوم كانت قصائدكم تهيم في كل واد ومعانيكم تدب في كل قلب، ويوم كان ~~الطلاب في مدارسهم والعمال في مصانعهم يشيدون بذكركم النابه، ويتغنون بشعركم ~~الجميل. # فأما اليوم وقد جنحتم إلى السكون وركنتم إلى الهدوء، وهجعت منكم تلك البراكين ~~الثائرة، وتواردت تلك الشموس الباهرة، وأخليتم الميدان لكل مجر بالخلاء ومستأسد ~~بالعراء، ثم طويتم اللواء وفررتم من الهيجاء؛ فإنا ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا، ~~وكما تركتم الأدعياء يصدعون الرءوس ويزهقون النفوس، يغتصبون الشهرة اغتصابا ويستلبون ~~المجد استلابا، كأن ليست للنقد عين ساهرة وكأنكم لا تسمعون. # نامت نواطير مصر عن ثعالبها # فقد بشمن وما تفنى العناقيد # يجب أن تعتذر أنت يا صديقي وأن يستغفر إخوانك؛ فقد فرطتم في جنب الوطن ونسيتم حق ~~البلاد. # أين الشعراء؟ أين الأدباء؟ إني والله ... # أودهم ودا إذا خامر الحشا # أضاء على الأضلاع والليل دامس # ولكن ما العمل؟ والدهر عابس والوقت عصيب، ويكاد المرء ينسى أباه إن خذله ويهجر أخاه ~~إن خلاه، فهل بقي في قوس الصبر منزع، أو عادت للرجاء بقية، وهذا البلاء يتطاير من كل ~~جانب والأمل ينهار في كل واد؟! # يا صديقي إن شموخ الأهرام وجلال النيل وجمال مصر، وما إلى ذلك من المعاني التي أوحت ~~إليك وإلى إخوانك الشعر؛ تتطلع إليكم بعين كلها أمل وقلب ملؤه الرجاء، فهل فيكم اليوم ~~من مستعد أو هل لديكم من معين؟ # وا حر قلباه! # 8 # عاتبنا الأستاذ زكي مبارك على نبوة كانت منه إلى الشعراء، وهنات اعتمدهم بها في مقاله ~~«دواعي الشعر»، وأخذناه بأن ينزل على حكم الحق ms075 من بذل المعذرة، وإعطاء النصف من نفسه، ~~فأعتبنا في الأفكار بكلمة جافية حديدة كأنها الكأس الأولى، لولا ما يلطفها به من مزاج ~~التودد والازدلاف إلى ناحية من المرضاة، فسامحنا فيما أوحش منها لما آنس، واغتفرنا ما ~~أحفظ لما أرضى، فكانت كأسا شربناها على قذاتها، وعتبى صديق تقبلناها على علاتها، فلم ~~نكد نقول: آها منه، حتى قلنا: واها له! # ومن لك يوما بأخيك كله؟ # لاذ الأستاذ منا بالوطن، فذكر بحقوقه، وأرى من نفسه - بحق - أن غضبته للوطن كانت، ~~ومحاماته ونضحه إنما كانا حمية له، وأنه زرى على الشعراء لتفريطهم في جانبه، ونومهم عنه ~~فيما يقول: مهلا قليلا أيها المذكر بالوطن وحقه، فما ذكرت ناسيا، ولا نبهت غافلا، إن بنا ~~من الوجد على ذلك الوطن والحدب عليه، مثل ما بك غلة تحرق، وجوى يؤرق. # وتلك طريق لست فيها بأوحد. # ذلك حق كله، ولكنك تعلم أننا قد غشيتنا غاشية، ودهمتنا حال تركت إفصاحنا في التوجع، ~~وبياننا في التفجع، كبيان الطير تهفو إلى وطن وحنين الإبل تغدو إلى عطن. # شجو حزين، ومنطق لا يبين. # بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له # ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب # شاهدي على ذلك مقالك أنت، ألست القائل آنفا؟ «ولكن ما العمل والدهر عابس، والوقت ~~عصيب.» # على أن أحدنا لا يزال يرفع صوته في الفينة بعد الفينة، بالكلمة كأنها دمعة يتيم، ~~وعبرة مجهور، ينطق بها لحنا، ويرسلها في حذار ورقبة، ثم يجس على أثرها رأسه، هل طار عن ~~جسده؟ # أترى نعيش إلى انطلاق الألسن؟ # ما بالك أيها الأستاذ تشركنا في العمل وتفردنا بالتعجب، كما يقولون. # وتلك شكاة ظاهر عنك عارها. # إن لك بيانا ولسانا، فأين الذي لهما من أثر في هذه الآونة؟ إن قلت قلنا، وإن سكت ~~سكتنا، وليس بنا أن نجحد فضلك. # لقد هجت عجبا وأحدثت طربا حيث تقول: «فمن كان أكثر الناس إشادة بذكر الحرية، ~~وتغنيا بالاستقلال، فهو شاعرنا المفلق، وكاتبنا المبدع، وإن كان شعره منحل العقد ونثره ~~مختل البناء.» # إن للغربان والضفادع أوطانا، وفي الحق أن ms076 يذود كل ذي وطن عن وطنه، بيد أنه ليس بحسن ~~ولا جميل نعيب الغربان ونقيق الضفادع! أكل صائحة تطربك أيها الأستاذ؟ رويدا لا يسمعك ~~الأدعياء والمتشاعرون، فتملأها علينا نعيبا ونقيقا، لا والله لا يحسن الذياد عن ~~الوطن ولا النضح عنه حتى يكون قولا عليه مسحة السحر، وله أخذ كأخذ النفث في العقد ينزل ~~على حكمه العصي ويصحب الجموح، أين أنت من البلابل المغردة والطيور الساجعة، أمثال كتاب ~~الأفكار ولا أمثال لهم؟! # عد عن ذا - كما يقول الشعراء - وتعال إلى حديث بشاشة وإحسان، بعد حديث عتب وإعتاب، لقد ~~علمت أن جريدة الأفكار أندى الجرائد صوتا بالحق، وأرحبها صدرا للحرية، فبعثت إليها ~~بكلمة طريفة في سبيل الوطن، وأكبر ظني أن رئيس تحريرها النبيل متفضل بنشرها، فإن نشرت ~~فلن تفتري - إن كنت من الممترين - في أن الشعراء يفون لوطنهم بعض الوفاء وأن لهم قلوبا ~~ترعى كرامة الوطن، وكرامة الأدب، ولعلك تقول مكان «وا حر قلباه!»: «وا طرباه!» ~~والسلام. # حسن القاياتي # 9 # لقد سبقت كلمتنا في إعتاب السيد حسن القاياتي، وكنا حسبناه أكبر ما شرحناه، إجلالا ~~للوطنية، وأحمد ما كتبناه، إعظاما للحرية فإذا به يدأب في العتب، ويصر على المحاسبة، ~~كأن ليس لنا عنده من عذر، وكأن الشعراء ليسوا بخاطئين. # أراد السيد حسن أن يعتذر عن إخوانه الشعراء، وأن يغسل عنهم عار الكسل والخمول، فذكر ~~من عنت الدهر، وريب الزمن، ما ظنه شافعا في سكوتهم، مبررا لجمودهم، كأن في ضم الفكرة ~~إلى مثلها، ووضع البيت بجانب البيت، شيئا من التجمهر يأباه القانون، ونوعا من ~~المظاهرة تحاربه السلطة، وكأن القصيدة ذات القوافي الكثيرة، والفكر العديدة شبيهة ~~بالعصبة تجتمع في طريق واحد، لغرض واحد، وكأن الشاعر الشاكي الخيال شبيه بالثائر الشاكي ~~السلاح. # قد يكون الشعر الباهر، كالسيف القاهر، وقد تكون القصائد البارعة كالقنابل الرادعة، ~~وقد يتهيب جانب الشاعر، فوق ما يتهيب جانب الفارس، فيكون من كل هذا عذر لإخواننا ~~الشعراء ورفقائنا الأدباء، ويكون سكوتهم من الجبن أبعد، وإلى الحزم أقرب. # ولكن ألا يجب يا صديقي السيد ms077 حسن أن يكون لعصرنا من طريف الاستعارات، وحديث المجازات، ~~ما يرفع ذكرنا في الأواخر، ويلحقنا بالأوائل ممن لبسوا لكل حالة لبوسها فصرحوا تارة، ~~ولمحوا أخرى ، ونالوا بالمثل الخرافي، ما لم ينالوا بالشعر الحماسي، أفكانوا بقومهم ~~ناهضين، لأعدائهم قاتلين؟ # فهبني اعتذرت عما نسبت إليهم من الجبن، ورجعت عما وصفتهم به من الخوف، أتراني لا ~~أنعتهم بضيق الحيلة، وضعف الوسيلة، وأنهم لا يعرفون من القول إلا أظهره، ومن الشعر إلا ~~أشهره، وأن مقاتلهم بادية، ومطاعنهم ظاهرة، حتى لا سلامة لحياتهم، إلا بسكوتهم، ولا ~~داعي لحتفهم، غير نطقهم. # ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت # فدل عليها صوتها حية النهر # لعلك يا صديقي تذكر ما فعل الأعرابي الأسير، ولعلك تذكر ما أرسل الرجل مع عبديه، إلى ~~طفلتيه، وما قال القبعثري للحجاج، وما أجاب به عبد المسيح خالد بن الوليد، ثم لعلك ~~ولعلك ... # أتريد يا صديقي أن لا تكون لنا شخصية معروفة، وأن لا يعثر القارئ في الآداب العربية ~~على طرفة أبدعناها، أو بدعة أحدثناها، كأن القول لا يخرج من التصريح، إلى التلميح، وكأن ~~الزمن لم يلجئنا إلى الإشارة بعد العبارة، أو كأننا لا نعرف مقامات الكلام، ومقتضيات ~~الخصام. # لك يا صديقي أن تعتذر عن إخوانك، وعلي أن أشكر لك هذه الغيرة، ولكن حذار أن تظن ~~أنا عملنا كل ما يمكن، وفعلنا كل ما يستطاع. # ولقد عجبت من قولك: «إن لك بيانا ولسانا، فإن قلت قلنا، وإن سكت سكتنا»، كأنك ~~تحسبني ألومكم ولا ألوم نفسي. # ألا فلتعلم وليعلم إخوانك، أن التبعة واقعة علي وعليكم، وأننا جميعا في جنب الوطن ~~مفرطون، ولمجد النيل ناسون. # ما أنصفتك جفوني وهي دامية # ولا وفى لك قلبي وهو يحترق # 10 # جن الظلام فما يزاح # يا ويلنا! أين الصباح # ليل كأن نجومه # يطلعن في كبدي جراح # يا من أتاح لي الأسى # برد الفؤاد متى يتاح؟ # قلب أساه لاعج # لولا تحجبه لفاح # ما بال دمي يستبا # ح وحاجتي ليست تباح؟ # ويلي على غيد المنى # يحرجن في صدر براح # لهفي على الحق الصرا # ح ms078 يغوله ظلم صراح # حق أضيع مشهرا # أبصرت صبحا حين لاح # كم موعد مثل الطلا # ء يزين وجنات القباح # لا تخدعن فما حدي # ث القاسطين سوى مزاح # شيم البغايا منطق # حلو إلى وجه وقاح # عهد السياسة كاذب # لله درك يا سجاح # يا رحمة للشرق ما # يلقى من الداء المتاح # زأر ابن غيل فانثنى # رقصا لنغمته وصاح # لذوي العدالة شرعة # تقضي بعسف واجتياح # الحق في حد السيو # ف وعند أطراف الرماح # كتمت شريعة «مدفع» # خان «الرصاص» بها فباح # اهتف بحقك عاديا # وعلى عزيمتك النجاح # دون الحقوق ونيلها # أن يلتقي كبشا نطاح # وهنا لسائل حقه # الحق شيء يستباح # قد كان ركن مرة # للعدل مرفوعا فطاح # لي عند أهلي دعوة # إن المحب له اقتراح # يا أهل دعوة مشفق # لم يأل عن طلب الصلاح # للمجد عند سراتكم # طول اجتناب واطراح # حسب السري مقامه # ما بين غانية وراح # الثغر يبسم عن ندى # للثغر يبسم عن أقاح # غيد ملاح هجننا # ما لي وللغيد الملاح؟ # كم سوأة حين اغتدى # نيطت به أو حين راح # مال مباح كله # يشقى به عرض مباح # أين الملاجئ تبتنى # غرا كمعليها فساح؟ # من لليتيم كأنه # من ضعفه غصن يراح # أودى أبوه وأمه # فبكاهما دهرا وناح # شلو تناهبه الضنى # فكأنه نهب يباح # إن ذل تحت همومه # فبما يرى وله جماح # لم يجترح إثما فع # د وجوده منه اجتراح # يا ليت كل معذب # يودى إذا كان استراح # تقذى بمرآه العيو # ن فما تراه سوى التماح # كم مترف غصت به # عيناه أعرض أو أشاح # لا شيء من حاجاته # يقضى سوى الماء القراح # يعيى برد جوابه # فتجيب أدمعه الفصاح # متساقط من هزله # طير يهاض له جناح # دار البلاد، دواوه # لو يبذلون، هو السماح # يا شرق جدا إنه # جد سيفضي للنجاح # إن ضاع حق فالجدى # باق وعزمك والمراح # من يستميلك عن ندى # من يزدهيك إلى افتضاح؟ # بيض النضار ضوامن # للنجح عن بيض الصفاح # ذما لمال ذاهب # في القمر تذروه الرياح # النبل عند سراتنا # كأس وغانية رداح # كافح بجد ms079 مغامر # إن الحياة هي الكفاح # تلك الطيور سجينة # ستروح مطلقة السراح # حسن القاياتي # 11 # قد علم القراء ما كان لمقالاتنا «دواعي الشعر» من الأثر في أنفس الشعراء ، وقد قرءوا ~~ما كتبه عنها بعض أدباء بورسعيد، وما خطه أدباء القاهرة، فضلا عما لم تنشره «الأفكار» ~~من الكلمات المتطرفة، والأقوال المتعمدة، من شعر أو نثر، ثم ما دار بيني وبين السيد حسن ~~القاياتي من الأخذ والرد، وما كان من إرساله بتلك القصيدة الرشيقة التي يخيل إلي ~~أنها قدت من قد «إحسان»: # تكر فلا تزداد إلا ملاحة # إذا رازت الشعر الشفاه العوامل # علم القراء كل ذلك، وعلموا أننا أسرفنا في نقد الشعراء، وتأنيب الأدباء، فكان حقا ~~علينا أن نشيد بذكر من استجابوا إلى ما دعونا إليه، ونرفع من شأن من نهضوا إلى ما حضضنا ~~عليه؛ حبا في الأدب أن يكثر الراغبون في تشييد دعائمه، ورحمة للوطن أن يغفل الذائدون ~~عن ذماره، والحامون لحقيقته. ~~••• # فمن ذلك ما أرسله إلينا الأستاذ البارع سيد أفندي محمد مدير الكلية الأهلية وهي رواية ~~شعرية، سماها الوطنية، كلها غرر ودرر، وطرائف ولطائف، نود لو عني بمثلها الشعراء، وكلف ~~بأشباهها الأدباء، فرحموا الشبيبة من الأغاني الهزلية، وعودوهم على الأغاني الجدية، ~~واستغنوا عن الروايات الفرنسوية بالروايات المصرية؛ فإن ذلك للأمة أنفع وأمتع، وبها ~~أولى وأجدر. # فما جاء في تلك الرواية على لسان مصر الأبيات الآتية: # أنا الوطن الأثيل المجد مصر # أنا البلد المحبب في البلاد # تناسى الدهر منزلتي وأنحى # علي ونال شعبي باضطهاد # فعونك رب في الجلى فإني # بعونك قوتي وبك اعتضادي # لقد أملت آمالا جساما # وفي الآمال ترويح الفؤاد # فأوزعني النهوض إلى مكاني # وخذ بيدي وألهمني سدادي ~~••• # ألست كنانة لك إن يسئني # مسيء فالبلاء لمن يعادي # فها أنا ذا منيت بمن أراهم # تمادوا في الإساءة والعناد # فعشت بهم على مضض زمانا # كأني بين أشواك القتاد # وذقت مرارة الأحزان حتى # لبست بعهدهم ثوب الحداد # جزوني شرهم وهم ضيوف # فكيف بهم إذا ملكوا قيادي # وأترك للقارئ الحكم على هذا الشعر، وأجزم له ms080 أن فيما تركت خيرا مما ذكرت، ولعل صاحب ~~هذه الرواية يتفضل بنشرها بين أفراد الأمة الكريمة، ويعمل على أن تمثل في القرى ~~والحواضر، فإن ذلك من عزم الأمور. # وكذلك أرسل إلي صاحب الفضيلة السيد «أ. س» قصيدة ممتعة، يستنهض بها الهمم الفاترة، ~~ويستحث العزائم الخائرة، نذكر للقراء بعض شذراتها النقية إعظاما لما للسيد صاحبها من ~~غيرة على الوطن، وإجلالا لما له من وفاء للبلاد. # فمنها قوله في وصف أهل الشرق: # سبقتهم أمم تجد إلى العلا # في الغرب لم يلحق بها إعياء # وهم إذا قرع العصا ذو مطمع # ضربت عليهم ذلة وشقاء # أو كلما مستهم يد غاصب # سقطوا كذلك يفعل الجبناء # فكأنهم لم يسر في أعراقهم # من سابقيهم غيرة وإباء # يترقبون سفاهة إسعادهم # وهم ببذل نفوسهم بخلاء # ثم قال في وصف الغافلين من أهل مصر: # وبمصر قوم، يا لمصر وأرضها # منهم! وهم - زعموا - لها أبناء! # لبسوا لها ثوب الصديق وربما # قد كان خيرا منهم الأعداء # عبثت أكف الطامعين بها فلم # تعبأ وترفع رأسها الرؤساء # أنهتهم عن بر مصر عقولهم؟ # فليهن مصر أولئك العقلاء! # ما أن تفيد علومهم شيئا وهم # بطريق حفظ كيانهم جهلاء # فالعلم حقا علم ما تبنى به # بين الأنام سيادة وعلاء # أولاة مصر وأنتم أبناؤها # لم يبق فيكم للبلاد رجاء # أغريتم الخطب الجسيم ونمتم # فلنوم عافية لكم وهناء # أرأيتم أمما تباع وتشترى # ها أنتم بيع بكم وشراء # أيسركم أن يصبحن بنوكم # وهم عبيد في الورى وإماء؟ # ولقد أعجبنا بقوله في أول القصيدة: # أفمسلمون وأمة شلاء # لا ميتون ولا هم أحياء # قد أثقلوا الإسلام عن وثباته # وهم عليه معرة وبلاء # في كل دهر سقطة عرفت لهم # وبكل قطر منهم غوغاء # وإني لأتمنى أن يكثر الشعر في تذكير المسلمين بعهدهم الغابر، ومجدهم الداثر، عسى الله ~~أن يجعل من هذه الشعوب قوة تنصر العلم والمدنية، وتحرس السلم والحرية؛ فقد كانوا في ~~القديم سادة المشرقين وقادة المغربين، وكانوا غرة في جبين الدهر، ودرة في تاج الزمن. ~~وإني لأرجو - إن عاد للإسلام مجده وفخاره، ms081 ورد إليه عزمه وشبابه - أن نعيد للسلم سيرته ~~الأولى، ونلبسه ثوبه الذي لا يبلى، وعقده الذي لا ينحل. # وأول هذا الأمر نحن أساته # وآخره حتى يعود كما بدا # 12 # وفي الأحباب مختص بوجد # وآخر يدعي معه اشتراكا # إذا اشتبكت دموع في خدود # تبين من بكى ممن تباكى # كل الناس يدعون الحب، وقل منهم من يعرفه، وإنما مثلهم كمثل ذلك الذي نزل ضيفا عند ~~«جميل» فجعل يأكل ويبث وجدا به حتى أتى على الزاد كله، فقال جميل وهو يتهكم بصبابته ~~ويهزأ من غرامه: # وأعجبني من جعفر أن جعفرا # يلح على قرصي ويبكي على جمل # فلو كنت عذري العلاقة لم تكن # بطينا وأنساك الهوى كثرة الأكل # فمن ذا الذي عرف الصبابة، أو قدر الهوى حق قدره؟ # أليس كل ما لدينا من ذلك تلك الطرف القليلة، التي نتناقلها جيلا بعد جيل عن أولئك ~~الشهداء الذين قضوا نحبهم في الحب، ثم مات الهوى من بعدهم كأن لم يكن شيئا ~~مذكورا؟ # أما - والله - إني لأعيذك أيها القارئ أن تحسب تلك الأسفار العديدة التي ملئت بالنسيب، ~~ثروة للأدب والشعر؛ فإنما هي صدى أولئك الشعراء الذين وفوا لربهم، فأنعموا النظر في ~~تعرف الجمال، وتفهم الصبابة، ويا بعد ما بين المحكي والحاكي. # كان الحارث بن خالد المخزومي من أحسن الناس تشبيبا، ويزعمون - مع ذلك - أنه كان يقول ~~النسيب تظرفا ولا يعتقده، وكان أكثر شعره في عائشة بنت طلحة، فلما قتل عنها مصعب بن ~~الزبير، قيل له: لو خطبتها، فقال: إني لأكره أن يتوهم الناس أني كنت معتقدا لما أقوله ~~فيها. # فيا عجبا، أحسب ذلك الرجل أن من الشرف أن يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وأن من الضعة ~~أن يكون قلبه مرشدا للسانه؟! # لقد اعتاد الشعراء - من عهد بعيد - أن يبدءوا قصائد المديح بالنسيب، فكثر لذلك المتعشقون، ~~وتعدد المتظرفون. # إذا كان مدح، فالنسيب المقدم # أكل فتى قد قال شعرا متيم! # ولا أنكر أن يكون لكل شاعر صبوة، ولكني أعرف - مع ذلك - أن ليس الهوى في كل حين بلذاع، ms082 ~~فخير للشاعر أن يكون وفق قلبه، ينسب إن اشتاق للنسيب، ويفتتح قصائده بما قيلت له، إن ~~خبت نار وجده، أو دب السلو في هواه. # قالت سكينة بنت الحسين لعروة بن أذينة - وكان من الزاهدين: أأنت الذي تزعم أنك غير ~~عاشق، وأنت تقول: # قالت، وأبثثتها وجدي فبحت به # قد كنت عندي تحب الستر فاستتر # ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها # غطى هواك وما ألقى على بصري # والله ما خرج هذا من قلب سليم قط! # ولو أن سكينة سمعت قوله: # إذا وجدت أوار الحب في كبدي # ذهبت نحو سقاء الماء أبترد # هبني بردت ببرد الماء ظاهره # فمن لنار على الأحشاء تتقد # لرحمته في وجده، ورثت له في هواه. # وهنا ألفت نظر القارئ إلى خطأ كتاب التراجم، فيما يزعمون من عشق الفرزدق وخلو جرير، ~~في حين أن جريرا كان حلو النسيب، وكان الفرزدق فاتر التشبيب، فيا قوم: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما # جعل اللسان على الفؤاد دليلا # فكيف تزعمون أن جريرا لم يعشق وهو القائل: # ما للمنازل لا تجيب حزينا # أصممن أم قدم البلى فبلينا # لا، بل بلين فهجن داء ساكنا # لمتيم وأثرن منه دفينا # راحوا العشية روحة مذكورة # إن متن متنا. أو حيين، حيينا # إن الذين غدوا بلبك غادروا # وشلا بعينك ما يزال معينا # غيضن من عبراتهن وقلن لي # ماذا لقيت من الهوى ولقينا # وكان يقول: والله لولا ما شغلت به من هذه الكلاب لشببت تشبيبا تحن منه العجوز إلى ~~شبابها والجمال إلى أعطانها! # أم كيف تزعمون أن أبا العتاهية كان يقول النسيب تظرفا لا عن عشق وهو القائل في بعض ~~قصائده: # يا من تفرد بالجمال فما ترى # عيني على أحد سواه جمالا # أكثرت في قولي عليك من الرقى # وضربت في شعري لك الأمثالا # فأبيت إلا جفوة وقطيعة # وأبيت إلا نشوة ودلالا # بالله قولي إن سألتك واصدقي # أوجدت قتلي في الكتاب حلالا # أم لا ففيم جفوتني وظلمتني # وجعلتني للعالمين نكالا؟ # كم لائم لو كنت أسمع عذله # قد لامني ونهى وعد وقالا # ولعلكم ms083 فتنتم بما يذكر من براءته من الحب وإبائه النسيب لما أمره بذلك الرشيد، ولعمري ~~لقد كان من أصدق الناس حبا، وأمتنهم صبابة، ثم عاد أنصفهم لنفسه وللأدب، فإن الرجل ~~كان كبر، حينما أشار عليه الرشيد بالنسيب، والكبر يودي بالحب، ويذهب بالصبابة. # وكان المهدي قد ضربه مائة سوط لقوله: # ألا إن ظبيا للخليفة صادني # وما لي على ظبي الخليفة من عدوى # وقال: أبي يتمرس، ولحرمي يتعرض، وبنسائي يعبث؟ ونفاه إلى الكوفة. # ثم تلطف أبو العتاهة حتى اتصل بالرشيد في خلافة أبيه، وتمكن من قلبه، وبلغ المهدي ~~خبره فأحضره وأنبه على ما قال من النسيب بعد نهيه عنه، فيا لله من ظلم العواطف. # ثم قال له: إن شئت أدبناك بضرب وجيع، لإقدامك على ما نهيت عنه وأعطيناك ثلاثين ألف ~~درهم، جائزة على مدحك لنا، وإن شئت عفونا عنك فقط. # فقال: بل يضيف أمير المؤمنين إلى كريم عفوه جميل معروفه، ومكرمتان أكثر من واحدة، ~~وأمير المؤمنين أولى من شفع نعمه، وأتم كرمه، فأمر له بثلاثين ألف درهم وعفا ~~عنه. # ولما قدم الرشيد الرقة، أظهر أبو العتاهية الزهد والتصوف، وترك الغزل، فأمره الرشيد ~~أن يتغزل، فأبى، فأمر بحبسه، ثم نمى إليه بعد أيام أنه سمعه يتغنى بقوله: # خليلي ما لي لا تزال مضرتي # تكون على الأقدار حتما من الحتم # كفاك بحق الله ما قد ظلمتني # فهذا مقام المستجير من الظلم # ألا في سبيل الله جسمي وقوتي # ألا مسعد حتى أنوح على جسمي # فأمر بإحضاره وقال: بالأمس ينهاك أمير المؤمنين المهدي عن الغزل فتأبى إلا لجاجا ~~ومحكا، واليوم آمرك به فتأبى جرءة وإقداما. # فقال: يا أمير المؤمنين إن الحسنات يذهبن السيئات. # كنت أقول الغزل ولي شباب وجدة، وبي حراك وقوة، وأنا اليوم شيخ ضعيف لا يحسن بمثلي ~~التصابي. # مرحى، مرحى يا أبا العتاهية، إنك - والله - لحازم ندب، عصيت الخليفة وأطعت الأدب، والأدب ~~خير من الامتثال. # خرجت على الرشيد، فلم تقل بلسانك ما ليس في قلبك، ولم يستطع الشعراء أن يخرجوا على ~~تلك العادة القديمة، من ms084 استهلاك المديح بالنسيب، فكان ما نراه من القول الذي لا لب له، ~~والشعر الذي لا روح فيه، ولو أنهم أطاعوا ضمائرهم عند حرارة الصبابة، فقالوا في ذلك ما ~~شاءت لهم المشاعر والأهواء، ثم سكتوا عند خمودها؛ لكانوا في الأولى صادقين، وفي الثانية ~~منصفين. # | في عالم السياسة # إلى الدكتور ولسن # إن الهدايا التي راعتك قد ضمنت # ذهاب عقلك لما غرك الذهب # سيقت إليك فلم يحرج بها شرف # يذود عنك ولا دين ولا حسب # عهدي بقومك لا يرضون عن رجل # أجل ما يبتغيه المال والنشب # فالق العقاب على ما نلت من تحف # تشكو الجمارك بلواها وتنتحب # إلى حضرة المحترم الدكتور ولسن # لعمري لئن أمسيت بالسقم ساهرا # تخال الفراش الغض من وهج الجمر # فقد أسهرت يمناك بالأمس أمة # رأت غبنها فيما قضيت من الأمر # فمت غير محمود وإن شئت فلتعش # حليف الضنى بين المهانة والثبر # | الحديث ذو شجون # جاءني كتاب خاص بتوقيع «علي الشايب» يذكر كاتبه أنه يخاطبني لأول مرة، ويرجوني أن لا أرد ~~على الآنسة منيرة، ويود لو قصرت جهودي على بسط «مدامع العشاق» التي تنشر منها جريدة ~~«الصباح» رسائل وجيزة لا تشفي الغليل، وقد بلغ من أدب الكاتب أن ترك لي الحرية في العمل ~~بنصيحة أسداها إلي طوعا؛ لصداقة روحية قديمة العهد بالوجود. وبالأمس لقيني صديقي «عبد ~~المجيد عيسى البيه» وأخبرني أنه طرب للمعركة التي قامت بيني وبين الآنسة منيرة على قدم ~~وساق. # ومما يجمل ذكره أن الأديب علي الشايب يريد أن أعنى بمدامع العشاق في حين أن الصديق عبد ~~المجيد البيه يريد أن أعنى بالرد على الآنسة منيرة لأصرف عن مدامع العشاق، وكان يود صديقي ~~عبد المجيد أن يكون لهذه الأبحاث الطريفة بديل، هو البحث في الزهد والقناعة والعفاف - هدانا ~~الله وإياه إلى سواء السبيل. # وأعود إلى خطاب الأديب علي الشايب، فأشكر له غيرته على صديق لم تؤلف بينه وبينه غير ~~الأواصر الأدبية، وتلك - والله - سجية كريمة هي الغرة في جبين الغرائز والطباع، غير أني مع ~~الشكر لغضبته الشريفة أؤكد ms085 له أني تلقيت خطاب الآنسة منيرة بأحسن قبول، وكدت أذوب خجلا ~~وحياء لعتابها الرقيق. وأنا الذي ما زلت أعض بنان الندم على كلمة قاسية وجهتها إلى الآنسة ~~مي الكاتبة المجيدة، وأنا أنقد خطبة أمين الريحاني في جريدة الأفكار، وكم فرحت حين انتصر ~~لها كاتب في جريدة النظام قائلا: إن أدبي في خطاب الآنسة مي لا يتناسب مع الليسانس في ~~الآداب. # لا خيل عندك تهديها ولا مال # فليحسن النطق إن لم يحسن الحال # حقا إنها لجرأة غريبة أن يخاطب المرء سيدة أو فتاة، فيحاول الغض من مقامها الذي أعزه ~~الله بالرفق والوداعة والجمال، فما أقساني يا صديقي وما أقساك! تريد أن لا أرد على الآنسة ~~منيرة؛ لأنها تتطاول ظلما على طلبة الحقوق، وأريد أن تطمئن، وأن تقرأ قول حافظ بك ~~إبراهيم: # وكيف يضيع للطلاب حق # وهم في مصر طلاب الحقوق # وقديما قال معاوية: إنهن يغلبن الكرام، ويغلبهن اللئام، وأنا لست بلئيم حتى أغلب الآنسة ~~منيرة، فاللهم اشهد أنني مغلوب. # الأمان! الأمان! سلمت سيفي # وطويت اللواء تسليم راغم # بيد أني ألاحظ - بكل أدب وإجلال - أن الآنسة منيرة تعجلت بالحكم على كتابة ابن المقفع «إذ ~~تعتقد أن كتابته ثقيلة معقدة»، مع أن أسلوبه بريء من الثقل والتعقيد، وإنني أتمنى لو عني ~~طلاب الأدب جميعا بقراءة كتب ابن المقفع؛ إذ كان تعبيره أدق تعبير بعد القرآن المجيد، وإني ~~لأشبهه بالصيدلي البارع الذي يحكم الجمع بين أجزاء الدواء بحيث لو حذف جزء لأصبح الدواء ~~ضارا أو غير مفيد، وقد يتعذر أن تجد في كتب ابن المقفع جملة تنقصها كلمة، أو يمكن ~~الاستغناء فيها عن كلمة، وحبذا لو رجعت إليه الآنسة منيرة مرة ثانية لتعرف صدق ما أقول. # وإني لناقل هنا نماذج من أسلوبه الدقيق متعة للقارئين، قال ابن المقفع يصف المغرمين ~~بالنساء: «ومن العجب أن الرجل الذي لا بأس بلبه ورأيه يرى المرأة من بعيد متلففة في ثيابها، ~~فيصور لها في قلبه الحسن والجمال، حتى تعلق بها نفسه من غير رؤية ولا خبر مخبر، ثم ms086 لعله ~~يهجم منها على أقبح القبح وأدم الدمامة، فلا يعظه ذلك ولا يقطعه عن أمثالها، ولا يزال ~~مشغوفا بما لم يذق، حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة لظن أن لها شأنا غير شأن ما ~~ذاق، وهذا هو الحمق والشقاء والسفه.» # وقال في اختيار الصديق: «اجعل غاية تشبثك في مؤاخاة من تؤاخي ومواصلة من تواصل؛ توطين ~~نفسك على أنه لا سبيل لك إلى قطيعة أخيك وإن ظهر لك منه ما تكره؛ فإنه ليس كالمملوك الذي ~~تعتقه متى شئت، أو كالمرأة التي تطلقها إذا شئت، ولكنه عرضك ومروءتك، فإنما مروءة الرجل ~~إخوانه وأخدانه. فإن عثر الناس على أنك قطعت رجلا من إخوانك وإن كنت معذورا، نزل ذلك عند ~~أكثرهم بمنزلة الخيانة للإخاء والملال فيه، وإن أنت - مع ذلك - تصبرت على مقارته على غير الرضى ~~عاد ذلك إلى العيب والنقيصة، فالاتئاد الاتئاد والتثبت التثبت.» # وقال عن فضيحة الأدعياء: ~~«لا تكثر من ادعاء العلم في كل ما يعرض بينك وبين أصحابك؛ فإنك من ذلك بين فضيحتين، إما أن ~~ينازعوك فيما ادعيت فيهجم منك على الجهل والصلف، وإما ألا ينازعوك ويخلوا في يديك ما ~~ادعيت من الأمور فينكشف منك التصنع والمعجزة! # وإن أردت أن تلبس ثوب الوقار والجمال، وتتحلى بحلية المودة عند العامة، وتسلك الجدد الذي ~~لا غبار فيه ولا عثار؛ فكن عالما كجاهل وناطقا كعيي، فأما العلم فيزينك، وأما قلة ادعائه ~~فتنفي عنك الحسد، وأما المنطق - إذا احتجت إليه - فيبلغك حاجتك، وأما الصمت فيكسبك المحبة ~~والوقار.» # هذه طريقة ابن المقفع في كتابه، وقد ترى فيها الآنسة منيرة ألفاظا غير مألوفه، ولكن ابن ~~المقفع عن ذلك غير مسئول، فعلينا نحن أن نتألف اللغة حتى لا تصبح فيها كلمة غريبة. وإذا ~~كانت الآنسة منيرة تأنف أن تتلقى من مثلي نصيحة بعد ما أفنيت شبابي في دراسة الآداب العربية ~~والفرنسية؛ فلأوجه نصحي إلى من منحهم الله نعمة التواضع، وحبب إليهم الاستماع لما يقول ~~الأدباء. # وإني لأحذر تلامذتي المتواضعين من الاغترار بالأساليب المزخرفة؛ فإن الفرح ms087 بالنقوش ~~والزخارف في الفصاحة والبلاغة يدل على أن القارئ قليل الخبرة بمواطن الحسن في طرائق البيان، ~~ومثل الأساليب الكتابية مثل الأشياء المعروضة للناظرين يفتن الطفل بأجملها لونا وأصغرها ~~قيمة، ويعجب الرجل بأمتنها سبكا وأبرعها جودة. والكاتب المبدع هو الذي يجمع بين جمال اللفظ ~~وجمال المعنى؛ كالصانع الموفق يجمع بين متانة المادة وجمال الصورة. # ويرحم الله شبابنا المسرفين الذين يجرون في الكتابة على غير هدى وفيهم - مع الأسف - طلبة ~~المدارس العالية، ولكن هكذا قدر أن يكون لكل شيء في مصر ميزان إلا الشعر والنثر، وأن كل ~~امرئ في مصر مسئول إلا الكتاب والشعراء، ولقد لقيني بالأمس صديقي الشيخ محمد الجعار ~~فسألته: ماذا أبدعت من الشعر؟ فأنشدني هذا البيت في فتاة ذكر أنها في ميعة الشباب. # فرجت كربة نفسي # بنت عشرين وخمس # فعرفت أنه لم يحدد سنها بخمس وعشرين سنة إلا خضوعا للقافية، كما أطالت الآنسة منيرة ~~خضوعا للرغبة في الانتقام من المخلص زكي مبارك. # | الأدب الجديد # أكنت تحسبنا في حاجة إلى أن نبني دارا جديدة للبرلمان لو أن قصر «اللابيرانت» موجود؟ ~~إننا لو فعلنا ذلك لكنا من المسرفين، وهل ترى من الحزم أن نبني قناطر أخرى بمحاذاة القناطر ~~الخيرية وهي ما هي في متانة البناء؟ وهل ترى من حسن الإدارة أن نحفر مجرى آخر للنيل يساير ~~فرع رشيد أو فرع دمياط، على حين لم يشك أحد الظمأ بالقرب من هذين الفرعين؟ وهل تجد من ~~الرأي أن يبنى مسجد جديد فوق القلعة وإن كان مسجد محمد علي يسع أضعاف المصلين هناك؟ # الأمر واحد أيها القارئ في عالم المحسوسات وفي عالم المعقولات، فما بالنا نبني ما لا حاجة ~~إليه في الآداب باسم التجديد والإبداع؟ وأريد أن أقدم لك هذا الموضوع بشيء من التفصيل، هل ~~تذكر أن النقاد الأقدمين فضلوا جريرا على الفرزدق؛ لأن هذا ماتت امرأته «النوار» فلم يبكها ~~إلا بقصيدة جرير في بكاء امرأته: # لولا الحياء لهاجني استعبار # ولزرت قبرك والحبيب يزار # وهذا لا يدل عندي على أن الفرزدق أضعف من جرير ms088 في الرثاء، ولكنه يدل على حبه للقصد وبغضه ~~للإسراف؛ وإلا فما الحاجة إلى أن ينظم في رثاء امرأته قصيدة جديدة وأمامه قصيدة جرير تساعده ~~على البكاء. # إن عرائس الشعر في عالم المعقولات تشبه الأنهار في عالم المحسوسات، فكما لا يجوز أن تحفر ~~نهرا جديدا تتلف في سبيله ما شئت من المباني والمزارع من غير حاجة ماسة؛ لا يجوز أن تنشئ ~~قصيدة جديدة تسهر من أجلها ليلك من غير سبب معقول، وليس معنى التجديد والإبداع أن تزيد أو ~~تنقص ما أجاد فيه من قبلك الكتاب والشعراء، وإنما تكون مبدعا حين تنشئ آثارا جديدة فيما ~~غفل عنه الأقدمون أو قصر فيه المحدثون. ولأضرب لك الأمثال: # ألم تشك مرة غدر الصديق؟ ألم تحاول النيل من أخ كان وفاؤه طيب الحياة، ثم عاد غدره نكد ~~الحياة؟ فإن كنت وقفت هذا الموقف في حياتك الوجدانية، فهل تذكر أنك فزعت بعد نية القطيعة ~~إلى الصفح الجميل؟ # كثير منا عالج هذا الموقف العصيب، ثم هم بأن يحبر عنه رسالة، أو ينظم فيه قصيدة، ولكن ألا ~~يكون من العبث أن يفعل ذلك وقد سبقه الشريف الرضي إلى الغاية القصوى في استبقاء الصديق؟ # وإليك ما قال الشريف: # وكم صاحب كالرمح زاغت كعوبه # أبى بعد طول الغمز أن يتقوما # تقبلت منه ظاهرا متبلجا # وأدمج دوني باطنا متجهما # ولو أنني كشفته عن ضميره # أقمت على ما بيننا اليوم مأتما # كعضو رمت فيه الليالي بقادح # ومن حمل العضو الأليم تألما # إذا أمر الطب اللبيب بقطعه # أقول عسى أضنا به ولعلما # صبرت على إيلامه خوف نقصه # ومن لام من لا يرعوي كان ألوما # هي الكف مض تركها بعد دائها # وإن قطعت شانت ذراعا ومعصما # دع المرء مطويا على ما ذممته # ولا تنشر الداء العضال فتندما # إذا العضو لم يؤلمك إلا قطعته # على مضض لم تبق لحما ولا دما # خبرني بربك ما الذي ينقص هذه الصورة الشعرية حتى تحاول بناءها من جديد؟ وما الذي بقي في ~~نفسك بعد هذا التفصيل حتى تتورط في الفضول؟ ms089 إذن فلتكن هذه القطعة أنشودتك حين يبدو لك ما ~~يسوء من صديق قديم. # وبعد هذا، أتذكر أنك ظمئت إلى بعض الثغور، وأنك حين وردت عدت وأنت صديان هائم ، ثم هممت ~~بأن تقول شعرا في هذا المعنى الجميل؟ # قل الحق، فكلنا ظماء، ولكن هل وجدت أبدع من قول ابن الرومي: # أعانقه والنفس بعد مشوقة # إليه وهل بعد العناق تدان # وألثم فاه كي تزول حرارتي # فيشتد ما ألقى من الهيمان # ولم يك مقدار الذي بي من الجوى # ليرويه ما تلثم الشفتان # كأن فؤادي ليس يشفي غليله # سوى أن يرى الروحين يمتزجان # وماذا عسى أن تصنع إذا حاولت بسط هذا المعنى البديع؟ إنك لا بد مفسده إذا أقدمت على هذه ~~المحاولة، ويجب أن تعلم أن الثوب حين يلابس الجسم لا يجمل به بعد ذلك أن يتسع ولا يحسن به ~~أن يضيق، وكذلك الصورة الشعرية حين تلابس المعنى المراد. # وهل تذكر أنك هجرت بعض البيوت غير قال ولا صادف، ثم أقبلت على بعض البيوت غير عاشق ولا ~~وامق، وأنك عجبت لترك حبيبك إرضاء لبغيضك، حين أقبلت على بيت عدوك وأوليت بيت حبيبك الصدود؟ ~~وهل تجد في مثل هذا الموقف أجمل من قول الأحوص: # يا بيت عاتكة الذي أتعزل # حذر العدى وبه الفؤاد موكل # أصبحت أمنحك الصدود وإنني # قسما إليك مع الصدود لأميل # فصددت عنك وما صددت لبغضة # أخشى مقالة كاشح لا يعقل # وتجنبي بيت الحبيب أوده # أرضى البغيض به حديث معضل # ولئن صددت لأنت لولا رقبتي # أهوى من اللائي أزور وأدخل # فما الذي فات الشاعر في هذا الموقف حتى تضع له غير هذه الأبيات؟ ففي البيت الأول خلاصة ~~الحديث، وفي الأبيات التالية إيضاح وتفصيل، ولعلك لا تجد أحكم من قوله: # وتجنبي بيت الحبيب أوده # أرضى البغيض به حديث معضل # وهل تذكر أن صديقا لج في عتابك وكنت في وده من الأوفياء، وأنك أردت إقناعه بأن الحياة ~~قصيرة، وأن الحزم كل الحزم في الانصراف عن العتب واغتنام أوقات الصفاء؟ # هذا معنى فطري يجول في جميع ms090 النفوس، ولكن هل تجد فيه أجمع من قول سعيد بن حميد: # أقلل عتابك فالبقاء قليل # والدهر يعدل تارة ويميل # لم أبك من زمن ذممت صروفه # إلا بكيت عليه حين يزول # ولكل نائبة ألمت مدة # ولكل حال أقبلت تحويل # والمنتمون إلى الإخاء جماعة # إن حصلوا أفناهم التحصيل # فلئن سبقت لتبكين بحسرة # وليكثرن علي منك عويل # ولتفجعن بمخلص لك وامق # حبل الوفاء بحبله موصول # ولئن سبقت - ولا سبقت - ليمضين # من لا يشاكله لدي خليل # وليذهبن بهاء كل مودة # وليفقدن جمالها المأهول # وأراك تكلف بالعتاب وودنا # باق عليه من الوفاء دليل # ولعل أيام الحياة قصيرة # فعلام يكثر عتبنا ويطول # ألم تر إلى الشاعر وقد سد في وجه صديقه منافذ الفراق؟ ألم تر إليه وقد تحسر على أيام كان ~~يظنها ظوالم وهو الآن يبكيها بالدمع السخين؟ فما معنى ذلك؟ أليست هذه دعوة رفيقة إلى اغتنام ~~الصفو العتيد؟ ولا تنس خوفه من أن يموت أحد الصديقين فتكون قاصمة الظهر، وغائلة الفؤاد؟ ~~وتأمل رفقه في قوله: # ولئن سبقت - ولا سبقت - ليمضين # من لا يشاكله لدى خليل # بربك هل تجد أرفق من هذا الدعاء؟ وهل ترك لك الشاعر شيئا تقوله في هذا الباب؟ إذا لا ~~تحاول أن تضع شعرا جديدا في هذا المعنى الذي وفاه سعيد بن حميد حتى لا يقبل ~~المزيد. # ولا أشك - أيها القارئ - في أنك رزئت مرة برجل أكول، فإن لم يكن ذلك فاعلم أنه سيكون، وأني ~~مقدم لك قول ابن هانئ الأندلسي في هذا المخلوق: # يا ليت شعري إذا أوما إلى فمه # أحلقه لهوات أم ميادين # كأنها وخبيث الزاد يضرمها # جهنم قذفت فيها الشياطين # تبارك الله! ما أمضى أسنته # كأنما كل فك منه طاحون # أين الأسنة أم أين الصوارم أم # أين الخناجر أم أين السكاكين # كأنما الحمل المشوي في يده # ذو النون في الماء لما عضه النون # يخفض الوز من قرن إلى قدم # وللبلاعيم تطريب وتلحين # كأنما كل ركن من طبائعه # نار وفي كل عضو منه كانون # كأنما في الحشا من خمل معدته ms091 # قرنفل وجواريش وكمون # قوموا بنا فلقد ريعت خواطرنا # وجاذبتنا أعنتها البراذين # هذه نماذج من الأدب القديم، وقد قدمت لك أن من العقل أن ننتفع بما للأسلاف من الأدب ~~الممتع الرصين، ومن الأدب ما صار ميراثا للإنسانية جمعاء، فلننتفع به كما هو ولنعفه من ~~التغيير والتبديل، وإذا شئنا أن يكون لنا أدب جديد فليكن في موضوعات جديدة لم يتناولها ~~الأقدمون، وإلا أضعنا ما طمحوا إليه من الخلود، وأسأنا الانتفاع بما قدموا من جهود. # رفقا بالورق والحبر والمطابع يا حملة الأقلام، لا تكونوا أبواقا للقدماء، بل كونوا ~~شيئا يذكره التاريخ، لا خير في الكاتب إن حرم الصدق والأمانة، وليس في السارقين صادق أمين، ~~اكتبوا بأنفسكم ولأنفسكم، فإن لم تستطيعوا ففي الأدب القديم ما يروي ظمأكم - لو ~~تعلمون! # الطبيعة والإنسان # كل ما وجد في الإنسان، أو خلق له، أو أحاط به يبلى ويتغير ويبيد، فهو يمشي من الربيع ~~إلى الخريف، والقوانين، والعادات، والفنون الجميلة والممالك؛ كل هذه تنتقل من الجدة إلى ~~البلى ومن الشروق إلى الغروب، وأحيانا تخترم وهي في عنفوان الشباب! # ومع ذلك فإن الطبيعة تظل متمتعة بالثبات والخلود، على الرغم من وفرة الاستحالة ~~والتطور والانقلاب. # معربة # | حديث القط # عزم القط، بعد أن هزم الفيران، في موقعة الصحراء، وبعد أن يئس من اغترارهم به، واقترابهم ~~منه، أن يزور بيت الله الحرام؛ ليكفر عن سيئاته الماضية، وليمهد لحياته القابلة، بأداء ~~فريضة الحج، فوزع المنشور الآتي على الفيران: # لما تبيناه من قبح الظلم وحسن العدل، ولما عرفناه من دمامة الرذيلة ووسامة ~~الفضيلة؛ قد رأينا أن نؤم الديار الحجازية لأداء تلك الفريضة الإسلامية. # وإذ كنا قد أفرطنا في تعذيبكم، وأسرفنا في تقتيلكم؛ فإنا نرى من واجب التوبة ~~ولازم الأوبة، أن نعتذر إلى جنابكم، لنسلم من دعائكم، فإن دعوة المظلوم ليس بينها ~~وبين الله حجاب، ولا يغني عن الظالم - إن لم يسمح المظلوم - رجع ولا متاب، فتفضلوا ~~بالسماح، ليطيب الرواح، فننال الفلاح. # فلما قرءوه كانت هذه المحاورة: # الأول ~~: # سجع جميل. # الثاني ~~: # وفعل قبيح. # الثالث ~~: # أفلح إن ms092 صدق. # الرابع ~~: # لطالما ظلم. # الخامس ~~: # عفا الله عما سلف. # السادس ~~: # تصحبه السلامة. # السابع ~~: # فلنودعه من بعيد؛ فإن العهد بظلمه قريب، وإننا نخشى إن واجهناه بالتوديع، أن يكون ~~نصيبنا القتل الذريع. # الجميع ~~: # هذا هو الرأي. # ذهب القط إلى مكة، فأقبل على الله بلسانه، وأعرض عنه بجنانه، ثم عاد بباطن متجهم، وظاهر ~~متبلج، فانقطع إلى التبتل والعبادة والتقشف والزهاد، فدار بين الفيران هذا الحديث: # الأول ~~: # حقا إن الحج يكفر ما قبله. # الثاني ~~: # إلا القتل والظلم ~~(هتاف) ~~! # الثالث ~~: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~. # الرابع ~~: # لمن يشاء! ~~(تصفيق حاد) ~~. # الخامس ~~: # إنه يقيم الصلاة. # السادس ~~: # ويؤتي الزكاة. # السابع ~~: # سبحان مقلب القلوب. # الثامن ~~: # سبحان غفار الذنوب. # التاسع ~~: # هلم نصافحه! # العاشر ~~: # هذا أقل ما يجب. # الثاني ~~: # انتظروا أيها السادة، حتى أقف على دخيلة أمره وطوية نفسه؛ فإنه لا يصح للعاقل، أن ~~يغتر بالظواهر، ويترك الجواهر، وإن هذا القط قد خدعنا حينا من الدهر، فأولى أن لا ~~نغتر به آخر العمر. # الثالث ~~: # لا داعي لهذا الحذر. # الرابع ~~: # اسكت يا جاهل؛ فإنك لا تعرف مكر القطط، ولا سيما الصالحين من شيوخهم، والقانتين من ~~كهولهم. # الثامن ~~: # لعنهم الله أجمعين ~~(هتاف) ~~. # الأول ~~: # فليذهب أحدنا لاختباره. # الجميع ~~: # هذا أسلم. # ثم اختاروا من بينهم فأرا دقيق الفهم، غزير العلم، كان قد زار الديار الأوروبية، والأقطار ~~الأمريكية، وتلقى الفلسفة الهندية، مما جعله أكفأ من كثير من القطط، لولا قلة المال وندرة ~~السلاح، وهما عماد القوة، وسناد النجدة. # فما زال يمشي تارة على بطنه، وأخرى على رجله، يرفع رأسه حينا، ويخفضه حينا، وهو في كل ~~ذلك خائف وجل، حتى صار على مقربة منه، وكان القط في تلك اللحظة يقرأ ورد الصبح، ويتلو حزب ~~أول النهار. # فقال الفار بصوت منخفض: حج مبرور. # فأنصت القط، وقال في نفسه: كأني أسمع صوت فأر، فلأعرف مكانه، يا لها من فرصة يجب أن أستعد ~~له. # غير أن الفأر طال صمته، فاستأنف القط التلاوة، فجمع الفأر قوته مرة ثانية، وقال بصوت أرفع ~~من ms093 الأول: حج مبرور، وسعي مشكور. # فعرف القط ناحية الصوت، فهرع نحوه، فلاذ الفار بالفرار. # وصل الفأر إلى رفاقه وقد امتقع لونه وانصدعت كبده، فالتفوا حوله لينظروا ما شأنه ، فإذا به ~~يحتضر. # قال أحدهم وهو يودعه: كيف رأيت القط، أيها الأخ المحترم، فنظر إليه نظرته الأخيرة ثم قال: ~~تسألني عن القط، الوجه وجه حاج، والفعل فعل شيطان! ~~«وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يعقلون.» # | طفلة الحسناء # يا طفلة الحسناء # والدرة العصماء # ما طرفك النعسان # وخدك الفتان # إلا بقايا الأم # ذات اللثات الحم ~~••• # أشبهتها في الدل # وجفنها المعتل # وردفها الثقيل # وخصرها النحيل # فاستوصفيها الحبا # واستودعيها الربا # فقد تناهى العمر # ونال من الدهر ~~••• # يا زهرة في العين # ونغمة في الأذن # وطفلة في المنظر # وغادة في المخبر # لا مسك الغرام # فإنه ظلام! # | مقاصد الشعراء # نريد بمقاصد الشعراء: الغايات النبيلة التي يسعون إليها في الحياة، وبعبارة أوضح: الصور ~~الجميلة التي تتمثلها أرواحهم كلما هموا بضرب الأمثال للناس. ولست أريد في هذه الكلمة أن ~~أنتزع صورة للشاعرية الحقة، من بين ما قرأت من شعراء العرب والفرنجة؛ فإن ذلك وإن صح أن ~~يكون هاديا لبعض العقول، فإنه كثير في الكتب المختارة من دواوين ومجاميع، وهو - على الجملة ~~- في مقدور كثير من عشاق الأدب والبيان. # لم يعرف الأدباء ولا العلماء - إلا قليلا منهم - معنى الشعر في القرآن، أو ما يقصد العرب ~~من وصف النبي بأنه شاعر، أو الصورة التي تمثلوها حينما ظنوا القرآن قصيدة طويلة، وحسبوا أن ~~النبي شاعر مطيل. ويخطئ من يظن أنهم كانوا مستهزئين بالنبي حين وصفوه بالشاعرية؛ فإن الشعر ~~كان عندهم في منزلة فوق الإعزاز والإجلال، ولكنهم أرادوا أن يصفوه بالعبقرية، وأن يجعلوا ~~رسالته في صف الأماني العالية التي لا يتخيلها إلا الشعراء، وأن يجعلوا لأنفسهم عذرا في ~~التخلف إذا رأوا في الشريعة تكليفا فوق الوسع، ثم استحبوا العمى على الهدى، فما يتبعون إلا ~~الظن وما تهوى الأنفس. # وأريد أن أقول: إنهم يرون في الشعر شرعة خاصة يلزم باتباعها من سمت نفسه إلى إدراك ما ~~يوحي ms094 به الشاعر المجيد، فهم يشيرون على النبي بأن يبحث عن طائفة من الناس تفهم كما يفهم، ~~ويكون مرأى الحياة في إدراكها كمرآها في إدراكه، ويلذ لها من التكاليف العصيبة ما يلذ ~~له. # أما هم فإنهم بفضل سلامتهم من جنون الشعراء - والنبوغ نوع من الجنون - غير مكلفين باتباع ~~ما يبعد الشعر وأهله من أنظمة الحياة العالية، وكذلك يرون التشريع الخاص غير التشريع العام، ~~ويرون في شريعة النبي دقة تسمو بها إلى الشرائع النظرية، وتبعدها عن الشرائع العملية، وإنهم ~~لفي ضلال مبين. # الشعر في نظر العرب يدعو إلى شريف الخلال، وكريم الخصال أو يبدع صورا للذائذ الحسية ~~والمعنوية، فالحق العالي الصرح، والباطل الواهي الأساس، والفضيلة الرفيعة، والرذيلة ~~الوضيعة؛ كل أولئك مما يقع تحت حس الشاعر المبدع، فهو فاضل إن دعا إلى الفضيلة، وناقص إن ~~زين الرذيلة، وهو - على كل حال - معروف بالقدرة على وصف ما يدعو إليه العقل، أو يرنو له القلب، ~~وللناس فيما يعشقون مذاهب. # أقول ذلك لئلا يحسب واهم أني أجعل الشعراء، في درجة الأنبياء، ~~ولكني كذلك أرجو أن لا يتخلف عني بعض القراء فيما فهمناه معا من أن الشعر إنما يضع الأمثلة ~~العالية، فالشاعر إما صانع قادر، أو واصف ماهر والناس مختلفون في اتباعه، فمنهم من يتبعه ~~أحسن أم أساء؛ لأن الحياة عندهم ذات ألوان، والشاعر يصف ألوانها الدميمة والوسيمة، وهم ~~يريدون أن يتذوقوا كل مظاهر الحياة، ومنهم من يتبعه إن أخطأ ويصدف عنه إن أساء، وهؤلاء ~~المخلدون إلى الحياة الوادعة، والصادفون عن الحياة العاملة. # وهم لا يقرءون كل شعر كالصنف ~~الأول ليقفوا على أنواع المدركات، من حق واضح، أو باطل فاضح، ولكنهم يعكفون على طائفة من ~~الشعر الذي انفصمت عراه، وتفككت وصاله؛ ليتم لهم التناسب بين ما تعمل أيديهم وما تقرأ ~~ألسنتهم، وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون. # ومن الناس من يتبع الشعر الداعي إلى الحق، ويرى فيه نغمة من نغمات النبوة، وعلامة من ~~علامات الرسالة، والشعراء عنده لا يتفاوتون بما تفاوتوا به عند غيره من الرغبة ms095 في الفضيلة، ~~أو الميل إلى الرذيلة، ولكنهم يتفاضلون بتقديرهم للفضائل، وتصويرهم للمحامد، فهو يفضل بعض ~~الشعراء على بعض، كما فضل الله بعض الأنبياء على بعض وهؤلاء الشعراء وتابعوهم من بناة المجد ~~هم الذين عناهم أبو تمام حين قال: # ولو لا بناة الشعر في الناس ما درى # بناة الندى من أين تبنى المكارم # ولا يتوهمن قارئ أن اختلاف الشعراء في مذاهبهم الأخلاقية، مما يؤثر عليهم في الحكم من ~~الناحية اللغوية، فإن أبا نواس في خمرياته، أفصح من أبي العتاهية في زهدياته، ولكن هناك ~~وجها آخر للمفاضلة، وهو أن للغواية دركات، كما أن للهداية درجات، فالمثل العالي للخلاعة ~~إنما يدركه الشعراء الخلعاء، والمثل الأعلى للنبالة إنما يدركه الشعراء النبلاء، ولكل شعر ~~موضع، ولكل مقام مقال، فليس للشاعر أن يلبس روح الخليع حينما يريد أن يكون قدوة في المكارم، ~~وليس له أن يلبس روح النبيل حين يريد أن يكون عمدة في المآثم، وإنما يلبس لكل حال لبوسها من ~~جد وهزل، فيتعالى في الجد حتى يقال: نبي مرسل أو حكيم موفق، ويتراجع في الهزل حتى يقال: ~~ماجن مازح، أو ذو صبوة خليع. # إذا جد حين البأس أغناك جده # وذو باطل إن شئت أرضاك باطله # وليس يخفى على القارئ أني هنا، إنما أحكم على أنواع الشعر وطوائف الشعراء، ولست أدعو إلى ~~طريقة معينة أو مذهب خاص؛ فإن لذلك بحثا غير هذا البحث، وأريد أن أسأل القارئ بعد ما سلف ~~من البيان هل الشعر في «مشروع ملنر» من الجد أو الهزل؟ وهل الشعراء فيه من الخلعاء أو ~~الحكماء؟ ~~••• # قرأنا للشاعر المجيد أحمد بك شوقي قصيدة في هذه الاتفاقية، كان نصفها الأول النسيب، وهو ~~يتطلب الإسراف في الخلاعة؛ فلذلك راقنا منه أن يذكر أن قلبه لم يقلع عن الغواية وهو أشيب، ~~وأن سرب الغواني لعب بلبه فأضله سواء السبيل، راقنا ذلك كله؛ لأنا نستملح كل ما يأتي عن ~~طريق القلب، ولأن النسيب من الأشيب عنوان ظرفه، ولأن هذا المثل مما يتأسى به المسرفون في ~~الصبابة وهم أحداث، ms096 ولا ننكر أن هذا مقبول ولو إنصافا للفن، وإن كنا نود لو وصف شوقي نفسه ~~بما وصف به ابن الصمة أخاه حين قال: # صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه # فلما علاه قال للباطل ابعد # وكان النصف الثاني بيانا لرأيه في مشروع الاتفاق، ولا يستطيع من قرط قصيدة شوقي تلك ~~بكلمة موجزة أن يدعي أن الحكم على هذا المشروع مما يدخل في طائفة الحكم على عتق الخمر، ~~وصفاء الكأس، وحلاوة العين، وجمال الأنف، ورشاقة القد؛ إلى غير ذلك من الأوصاف الظاهرة ~~لمحاسن النساء أو الأشجار أو الأنهار أو الجبال، وإنما هو حكم على آمال أمة تختلف أطماعها ~~السياسية باختلاف عقول أبنائها البررة من علماء وحكماء وشعراء، وباختلاف الآمال ضعفا وقوة ~~يوصف الرجل بأنه قوي أو ضعيف. # ولئن كان الشاعر حرا في اختيار النوع الذي يحبه من الحياة؛ فإنه غير حر أو غير مقتدى به ~~في الدعوة إلى نوع من الحياة لا يتلاءم مع ماضي الشعب الذي ولد فيه، والوطن الذي درج منه، ~~وهو عرضة لأن يوصف بضعف العزيمة، وخمود النفس، وركود الطبع، وأهل لأن ينكر عليه ماضيه ~~الأغر، وسابقه المحجل، وأقل ما يجد الناقد فيه من العيوب أن شعره ليس شريعة عامة للشعب، ~~وأنه بدلا من أن يتعالى إلى أبكار الأماني فهو يتسفل إلى ثيبات النوازع، فهو يدعو الناهضين ~~إلى السقوط، ولا يحض الساقطين على النهوض. وهل أوجب للعتب من أن يختص شوقي بك جريدة الأخبار ~~بتلك القصيدة التي لا تسوغ إلا لدى النفوس الضعيفة، ولا يبسم لها إلا من يئس من روح ~~الله؟ # إنه لا يصح لمثلي أن يلفت نظر شوقي بك إلى آمال المتنبي، ولا مطامع دانونزيو؛ فإنه بهما ~~أعلم، وبفضلهما أعرف. ولكن ألا يصح أن نرسل دمعة واحدة في توديع الآداب العربية؟ # لقد بلغ ضعف النفوس مبلغا لا يستهان به حتى لقد كتب «شاعر» يعرفني وأعرفه قطعة في مدح ~~المشروع ولم يجرؤ على التصريح باسمه، ولكني عرفته بسيما شعره، وسأعاتبه بعد حين، فأين هذا ~~المحتجب من الذي ms097 قال: # الليل والخيل والبيداء تعرفني # والسيف والرمح والقرطاس والقلم # إنكم لا تجهلون فضل المثال الأكمل في رءوس الوطنيين، كما لم يجهل العرب فضل المثل الأعلى ~~في الشعر، الذي حسبوا القرآن نوعا منه، فهل يهديكم الله من بعد كما هداهم من قبل؟! # | في سبيل الوفاء # فتنت بشعري مرة فجمعته في كراس خاص، ثم عدت إليه في هذه الأيام فلم يرقني منه غير القليل، ~~ومن بين ما زهدت فيه قصائد قلتها في تكريم فريق من أساتذتي في الأزهر والجامعة المصرية، ~~ولكني رأيت من الوفاء أن أذكر مقتطفات من تلك القصائد المهجورة؛ تحية لأولئك الأساتذة ~~الأجلاء. # قلت في تكريم الأستاذ الشيخ مصطفى القاياتي قصيدة جاء فيها: # نصيب الأعادي منك لو يعلمونه # نصيب الجزوع الظامئات من الجود # فلا تترك الآداب يابن مليكها # إلى الدهر تسقى من أراقمه الربد # وكن غوثها حتى ترف كأنما # تحس من القايات طيب صبا نجد # وقلت في تكريم الأستاذ الشيخ سيد المرصفي قصيدة جاء فيها: # بربك هل أبقيت للناس نتفة # من الفضل أم آثرت نفسك بالحسن # فإني أراهم يبتغون إلى العلا # مسالك لا تهدي اللبيب ولا تغني # هو الأزهر المعمور ضم شتاتنا # فمن تابع للسالفين ومفتن # حسبنا العلا وقفا على كل مقتد # فضعنا وضيعنا الكمال على الذهن # وقد عرف الأسلاف قيمة عقلهم # فباتوا على علم وبتنا على ظن # أعذني من أهل الخمول فإنني # أرى قربهم يدعو الشجاع إلى الجبن # ولا تنسني من فضل نصحك لحظة # فلست عن النصح الجميل بمستغن # وقلت في تكريم الأستاذ الشيخ يوسف الدجوي قصيدة جاء فيها: # إمام تقلد خير الخلال # فجود السحاب وعز القنن # وظرف الأديب ونبل الأريب # وحكم اللبيب ووعظ الزمن # ورشد ابن رشد وحزم ابن حزم # ورأي الإمام وفقه الحسن # يجمل بالرشد إما أقام # ويتبعه الرشد إما ظعن # كأن لشانيه من حلمه # دروعا تقيه عقاب الإحن # وقلت في توديع الأستاذ الشيخ محمد المهدي حين اعتزل التدريس بالجامعة المصرية قصيدة جاء ~~فيها: # وما كانت الآداب إلا طرائفا # من الشعر أو ما يستجاد من النثر # فأبرزها ms098 المهدي عذراء غضة # تأود تحت الحلي في الحلل الخضر # مباحث لو غذي زهير ببعضها # لأضحت قوافيه أجل من السحر # ولو فقه النيل المبارك كنهها # لحول ذياك المزيج إلى خمر # ولو أذن الدهر العبوس لبعضها # لأصبحت الأيام ضاحكة الثغر # ولو عرفت مصر المفداة قدرها # لباتت لما يلقي البيان على جمر # فيا واحدا عز البيان بفضله # على طول ما لاقى البيان من الهجر # لبعدك في الأحشاء نار ذكية # تفتت من كبدي وتأكل من صدري # صبرت عليها يعلم الله راغما # على حين لا غوث يؤمل من حر # ولما رأيت الصبر ليس بنافعي # عمدت إلى همي أحمله شعري # وقد بقي شعر كثير قلته في تكريم أساتذتي والتودد إلى أصدقائي وزملائي، ولكن الحوادث لعبت ~~به كما تلعب العواصف بالأزهار. # وكم وددت لو استطعت نشر ما يمثل الوفاء في نفس لم توصم يوما بنسيان الجميل، ولكن ما ~~الحيلة وقد تغير رأيي في بعض شعري وعبثت الليالي ببعضه؟ فمعذرة إلى كل من يحسب من أساتذتي ~~وأصدقائي وزملائي أني أغفلته عمدا في هذا الكتاب. # ومن يدري؟ لعلي منسي من جميع هؤلاء. # | الأزهر الشريف # في نهاية السكة الجديدة، من الناحية الشرقية على يمين السائر، حارة ضيقة توصل إلى مسجد ~~جامع عتيق، هو الأزهر الشريف. # لا خلاف بيني وبين أهل مصر، في أن هذا هو الأزهر، فقد زاره بعضهم لطلب العلم، وزاره آخرون ~~ابتغاء الاستطلاع، ومن لم يره منهم لا يجهل أنه في هذا الموضع وعلى تلك الحال. # ولكني على يقين من أن الأجانب في شك منه، فإنهم يسمعون في بلادهم، أن الأزهر أكبر ~~الجامعات الشرقية، ومن أعظم المساجد الجامعة الإسلامية، وأنه إن لم يكن أجمل مكان في الشرق، ~~فهو جدير بعناية الأمراء، ورعاية العظماء فلا بد أن يكون قريبا من جامعات برلين ومدارس ~~مونبلييه، وما إلى ذلك من تلك المعاهد، التي ورثت عن منشئيه العلم، وتلقت عن مبدعيه ~~البيان. # لا يهمني أصدق الأوروبيون أن هذا هو الأزهر، إيمانا بإغفالنا له وانصرافنا عنه، أم حسبوه ~~مكانا غير هذا المكان، ولو ms099 في سماء الخيال، ظنا منهم أن المصريين أكرم من أن يهملوا ~~مسجدا جامعا مثل هذا المسجد الجامع، وأجل من أن يغفلوا معهدا كهذا المعهد. # نعم لا يهمني ذلك ؛ لأني لا أشك في أن هذا هو الأزهر، الذي نفتخر به، ونغضب له - وإن كنا ~~عنه معرضين. # تدخل في هذا المسجد الجامع، فلا يروقك فيه شيء، أرض منخفضة، وسقف غير مرفوع، وأعمدة قصيرة ~~كأعمدة المقابر، وحيطان قاتمة كحيطان الأجداث، ونوافذ بخيلة بالضوء، ضنينة بالهواء، ومصابيح ~~ضئيلة، لا تقتل الظلمة، ولا تكشف الغمة، وهو أحوج إلى أكبر منها في النهار المبصر، فكيف به ~~في الليل المظلم، لا فرش له إلا الحصير الممزق والتراب المكدس، والناس فيه ما بين آمل غير ~~واجد، أو زارع غير حاصد، لا طمع لهم في مناصب الحكومة، ولا أمل لهم في إسعاد الأمة، وقد ~~يئسوا من إنصاف الوزراء، وإنجاد الأمراء. # ثم تراهم لا يصدقون أن لهم شيوخا يعطفون عليهم، أو رجالا يرأفون بهم، فهم لا يعرفون ~~آباء غير آبائهم، ولا أعماما غير أعمامهم، وكذلك ينكرون جميعا قول الشاعر: # أقدم أستاذي على نفس والدي # وإن نالني من والدي العز والشرف # فذاك مربي الروح والروح جوهر # وهذا مربي الجسم والجسم كالصدف # إنهم لا يعرفون هذا الشعر؛ لأن الشيخ الذي سلف، والشيخ الذي خلف؛ لم يرفعا عنهم شيئا من ~~الضر، ولم يسوقا إليهم نوعا من الخير، فهم اليوم مثلهم بالأمس، أكثر شقاء وهما، وأكبر ~~عناء وغما؛ لأنهم يرون الناس في تقدم، ويرون أنفسهم في تأخر، ويرون المدارس يعمها العدل، ~~والأزهر يخصه الظلم. # ثم يرون لكل شهادة أثرا في الحياة، وقيمة في الوجود، ويرون شهادتهم ~~ورقة لا كالورق، فهي مزينة، ولكن بالمواعيد الكاذبة، ومزخرفة، ولكن بالأيمان الحانثة، حتى ~~كأنها قطعة من معاهدة الصلح لا يضمن لمن أنصفته سلام، ولا يرجى لمن نصرته قيام، وحتى كأن ~~مجلس المشيخة هو مجلس الشيوخ، وهم قد شبعوا من المجد الموهوم، والشرف المعدوم، فما عادوا ~~يصدقون بأن شهادة الأهلية أو شهادة العالمية، حرز من الفقر، وأمان من الدهر. ms100 # ثم هم فكروا طويلا في انتسابهم إلى الأمة المصرية والسلالة العربية، ولولا أن الأجانب ~~يصفو عيشهم على ضفاف النيل، وفي سفح الأهرام؛ لظنوا أنفسهم من الجاليات الأوروبية أو ~~الأمريكية. # وقد بحثوا كذلك في سبب شقائهم، ومصدر بلائهم، فلم يهتدوا إلى موجب صحيح، أو داع معقول، ~~اللهم إلا حياء ظنه الناس من الجبن، وحلما حسبوه من الذلة، وهم لا يستطيعون أن يرجعوا ذلك ~~إلى حبهم للوطن وعشقهم للحرية، وبغضهم للظلم، فإن ذلك مشترك بين عامة الناس وشائع في كافة ~~الأجناس. # فلم يبق إلا أن يكون الأزهر شقيق الهم، وحليف الغم، لا يدخله امرؤ إلا تقوس ظهره، وتقوض ~~عمره، ولا يفزع إليه فتى إلا تزعزع كيانه، وتضعضع بنيانه. # وهو - بفضل إغفال الحكومة - جدير بأن يقتل كل شاب تضمه جدرانه، ويذهب بكل بصر ينظر فيه صفحة ~~من كتاب، أو فقرة من خطاب، وكذلك لن يزال - بفضل الشيوخ - مبعثا لظلم العواطف، وقتل المشاعر، ~~يقرءون فيه العلم، فيتعرفون به الظلم، ويتدارسون فيه أخبار الأسلاف، فيئنون من جور ~~الأخلاف. # كانت مدة الدراسة في الأزهر الذي وصفناه اثني عشر عاما، فرأت المشيخة أنها لا تكفي ~~لتضييع العمر، وتقويس الظهر، فزادتها أعواما ثلاثة فصارت خمسة عشر. # من هذا يشكو إخواننا طلبة الأقسام النظامية، في المعاهد الدينية، وقد رأت لجنتنا الجديدة، ~~أن لا تنام لها عين، ولا يهدأ لها قلب، حتى ترجع المشيخة عن هذا القرار الظالم، والله في ~~عون العبد ما دام العبد في عون أخيه. # 2 # إن طلاب الأزهر لا يعرفون غير متاعب الحياة؛ فهم في سني الدراسة يعانون الآلام بين ~~الكتب المعقدة، والدروس المتعددة، ثم إذا اجتازوا عقبات الامتحان، بعد العمر الطويل، ~~والهم الجزيل، دخلوا في حياة لا حظ لهم فيها غير حظ الأعزل من النصر، في ميدان كله رماح ~~طوال، وسيوف صقال ... وهل بعد ذبول الأغصان، وكلال الأجفان وتقوس الظهر، وتقوض العمر؛ غرض ~~يرجى نواله، أو هم يبتغى زواله. # هؤلاء هم الأزهريون الذين كانوا يملئون البلاد علما وحكمة لو أتيح لهم التغلب على ~~مصاعب النظام ms101 القديم والحديث، هؤلاء هم الأزهريون الذين كانوا مادة الحياة العلمية في ~~عصر الظلمات، وهم أصل النور في هذا العهد الجديد، هؤلاء الأزهريون ينادون بملء أفواههم ~~أن خذوا بيدنا أيها القائمون بالأمر، فلا يستمع لهم أحد، ولكن أيغلب اليأس الرجاء ويغدو ~~الأمل صريع القنوط؟ إن هذا لبعيد. # 3 # نقول الآن - وسنظل على هذا الرأي حتى حين - إن النبوغ الذي امتاز به بعض الأزهريين في ~~الزمن القديم أو الحديث، ليس أثرا من آثار الإدارة التي تولاها زعماؤه الأقدمون أو ~~المحدثون، ولكنه أثر من آثار الذكاء الذي انفرد به بعض الشبان الذين هيأت لهم ظروف خاصة ~~أن يخرجوا على التقاليد البالية، وأن يشاركوا جمهور المبدعين في العلم والأدب، وأن ~~يتركوا لأنفسهم أثرا يذكرون به في العالمين. # فإن كنت في شك من صواب هذا الرأي فاقرأ - إن شئت - تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، ~~وانظر كيف تأثر بالتعاليم الحديثة حتى صار علما يهتدى به، أو احضر دروس الأستاذ الشيخ ~~يوسف الدجوي؛ لترى كيف استعان الفلسفة الحديثة، لفهم الفلسفة القديمة، أو خالط النابغين ~~من علماء الأزهر الآن، فإنك لن ترى نبوغهم مصبوغا بصبغة العلوم التي يتلقونها في ذلك ~~المعهد القديم، بل تراه مطبوعا بطابع الزمن الذي يعيش فيه، والذي كان يجب أن يكون ~~التعليم في الأزهر مصبوغا به ومطبوعا عليه لو وجد هذا المعهد من يعنى به من زعماء ~~الإصلاح. # في الأزهر الآن جماعة من عشاق النهوض، تراهم إذا زرت الجامعة المصرية أو مدرسة الأزهر ~~الفرنسوية، تراهم فلا تشعر بغير الإعجاب بهم والإعظام لهم، ولكنك تشعر بعد ذلك بكثير من ~~الألم الممزوج بالإشفاق إذا قيل لك: إن هؤلاء قد يحسبهم زملاؤهم وأشياخهم غير ~~مهتدين. # وقد زعمت ليلى بأني فاجر # لنفسي تقاها أو عليها فجورها # هؤلاء الشواذ - فيما يرى بعض الشيوخ - هم زينة الأزهر في القديم والحديث، وهم الذين ~~اضطروا القائمين بالأمر في المعاهد الدينية إلى أن يتأملوا قول علي بن أبي طالب - كرم ~~الله وجهه: «علموا أبناءكم؛ فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم»، وهم الذين تذهب ms102 نفسهم حسرات ~~كلما رأوا وقوف الأزهر عند مبدئه العهيد، وشهدوا الزمن يمشي بأهله إلى ذرى المجد ~~الشامخ، ألا إن التقدم حركة، فويل للواقفين. # كل ما في الأزهر من علم، وكل ما فيه من أدب؛ إنما هو من آثار الذكاء الذي قبره الزمن ~~في تلك البقعة المحجوبة عن النور والضياء، وليس لتلك الإدارة المهدمة الجوانب غير ما ~~نراه من عموم الجمود، وشمول الخمود، فمتى يبعث الله لهذا البيت العتيق من يأخذ بيده من ~~تلك الهوة التي تردى فيها بفضل ما لأبنائه من عقوق؟ ومتى يتحقق الأمل في عشرين ألفا من ~~الرجال قضى عليهم الجد العاثر والنجم الآفل، أن يكونوا وقودا للهيب الهمجية؟ # اللهم غفرا! يزهر العلم في كل بلد، ويتقدم أهله في كل قطر، ويكون حظ الأزهر من بين ~~جامعات العالم كحظ مصر من بين الأمم، ثم يعيش الأزهريون عيشة النائمين، لا هم أحياء ~~فينتفعوا بما في الكون من مظاهر الحياة، ولا هم أموات فيحظوا بما بعد الموت من ~~نعيم. # تلك آمالنا قضى عليها الإهمال، وهذي آلامنا يضاعفها إصرار «المصلحين» على دفننا أحياء ~~في تربة اليأس القاتل، ولكنا سندفنهم - بحول الله - فيما ندفن من بقايا الخمول، فهل أدلكم ~~على سبيل النجاة أيها الرفاق المتألمون؟ # عليكم بالنظر في كتب المتقدمين من الشرقيين، والمتأخرين من الغربيين، ثم اتركوا ~~الحثالة التي جاءت بين هذين العهدين لحضرات الزاهدين في التجديد، إنكم إن فعلتم ذلك ~~ظهرتم عليهم، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. # 4 # لقد آن للأمة المصرية أن تنظر في نظام الأزهر وحياة الأزهريين؛ فإنه لم يبق شيء من ~~خرافات العصر المنصرم، يوم كان الناس يظنون أن الأزهر باب الرحمة، ويوم كانوا يحسبون أن ~~الجلوس في حلقات العلم ضمان من الفقر وأمان من النار، ويوم كان العامة ينسبون لشيخ ~~الجامع حركات الأفلاك ونظام الكواكب؛ كل ذلك قد تبدل، وأصبح الناس أمام أمر واقع، وهو ~~أن الأزهر معهد علمي يجب أن ينال من الأنظمة النافعة ما يضمن له البقاء والثبات. # جالس من شئت من العلماء، وحادث من ms103 أردت من الطلاب، فلن تجد غير اليأس القاتل، والهم ~~الشامل، ولن ترى لهم من أمل في غير الحياة الثانية، وهم الذين خلقوا ليكونوا زينة ~~الآخرة والأولى. # هل تتفضل المشيخة الجليلة فترينا قائمة الأعمال التي أصلحت بها نظام الأزهر في العهد ~~الأخير؟ وهل يتفضل القائمون بالأمر فيفصحوا لنا عن نياتهم في الإصلاح المنشود؟ وهل هم ~~جماعة منهم بدرس نظام الجامعات، حتى يعرفوا ما هم عليه، وما يحتاجون إليه؟ وهل راقبوا ~~الله في النفوس التي قضى عليها أن تكون تحت إدارتهم؟ وهل فكروا في نتائج التهاون الذي ~~يرتعون في أرجائه الفسيحة؟ ثم هل آن لهم أن يعرفوا أن الأزهر إنما أنشئ ليكون مصدرا ~~للسعادة، لا منبعا للشقاء؟ # أيروقكم أن نحسبكم مشغولين بما أسبغ الله عليكم من النعمة، كما يتحدث بذلك من يتأمل ~~في حاضر الأزهر وماضيه، فهل أنتم ناظرون فيما مني به هذا المعهد من التأخر والانحطاط؟ ~~وهل تبيض وجوهكم أمام الله وأمام الناس وأمام التاريخ بما تعتزمون المضي فيه من إلحاق ~~الأزهر بالجامعات التي سامته بما سلف حتى سمت عليه؟ وهل نجد في المستقبل الباسم، ما ~~ننسى به هذا الحاضر العابس؟ # لقد طفح الكيل وأغرقت الأماني في بحور اليأس، وأصبح الأزهريون وكأنهم من أمة غير هذه ~~الأمة، وقطر غير هذا القطر، وإلا فلماذا يحرمون وحدهم مما يتمتع به غيرهم من الأمل ~~الضاحك والعيش الوادع؟ # هذه كلمات نكتبها ونحن آسفون، وكنا نود لو أن شيوخنا أغنونا عن التفكير في غير العلم، ~~ولكنهم أرادوا أن لا نقرأ صحيفة في كتاب إلا ونحن محزونون، وأن لا نخط سطرا في صحيفة ~~إلا ونحن متألمون. # فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى # عليهم وهل إلا عليك المعول # 5 # رغب المسيو فرناند فور الأستاذ بجامعة باريس ورئيس الجامعة التي استقدمت لامتحان ~~الحقوق الفرنسوية بمصر أن يزور الأزهر الشريف، فسألني حضرة أستاذي المسيو باباني ~~المحامي أن أرافقه في هذه الزيارة، فقبلت ذلك، واقترحت تأخير الزيارة أسبوعا حتى يعود ~~الطلبة إلى الدروس، وكانوا - إذ ذاك - في مسامحة المولد النبوي، ms104 وحددنا للزيارة يوم 27 ~~نوفمبر سنة 1920، في اليوم الثاني من عودة الدراسة، وكنت أظن أن الدروس إن لم تكن ~~تكاملت في اليوم الأول فلا بد أن تتكامل في اليوم الثاني، ولكن خاب هذا الأمل وتبين أن ~~الأزهر لا يزال مطلق العنان، وأن الطلبة إلى الكسل مخلدون! # دخلنا الأزهر بعد الظهر، ثم مشينا معا بعد أن تبودلت التحيات بين القادمين ~~والمستقبلين، وكنت عزمت أن أتأمل نظرات هؤلاء الزائرين لهذا البيت العتيق؛ عساني أعرف ~~ما نحن عليه، وما نحن في حاجة إليه، ولكني لم أمش بضع خطوات حتى خيل إلي أن هذا ~~المعهد بقية من بقايا العصور الذواهب، وأنه يجب علي أن أفهم هؤلاء الناس أن الجامع ~~الذي يجوسون خلاله ليس معهدا للعلم، ولا مسجدا للصلاة، ولكنه طرفة عادية «أنتيكة» ~~يؤمها المتشوقون لآثار الزمان الغابر. # وما ظنك أيها القارئ بمسجد ليس فيه من الحصير ما يقي الجالسين عنت الرطوبة التي تكمن ~~في مثل هذا المكان الذي ينخفض عن الشارع مترين في بعض نواحيه؟ وماذا عسى أن أجيب به ~~هؤلاء الزائرين إذا قال قائلهم: ما بال طلبة العلم عندكم يجلسون على الحجر العاري من ~~الغطاء؟ وكيف أصبر على نظراتهم إلى الطلبة الذين يتململون من قسوة المكان الذي يجلسون ~~فيه ساعات وهو قاتل؟ # وكم تمنيت وقتئذ لو أن أعضاء المجلس الأعلى للأزهر والمعاهد الدينية حضروا هذه ~~الزيارة الجميلة؛ ليشرحوا لهؤلاء الأجانب السبب في جعل الأزهر مقبرة لطائفة كبيرة من ~~الطلاب، ولعل منهم من درس في الجامعات الأوروبية أو الأمريكية ورأى في أبهة تلك ~~الجامعات ما يصرف الطلبة عن العلم الصحيح، فيبين للزائرين فضل الخشونة على العلم! ويكشف ~~الغطاء عن الصلة بين الظلمة التي تغشى جوانب الأزهر وبين نور العلم الذي يهديه ~~للناس! # هاتوا شبابي أيها الرؤساء؛ فقد ذهبت به أيام الأزهر السوداء، هاتوا أملي فقد ذوت ~~أغصانه في ذلك البيت العتيق. # كانت هذه الخطرات تمرح في ثنيات نفسي وأنا أصحب أولئك الزائرين، وكنت كلما غلب علي ~~الخجل لبعض دلائل الإهمال، أرفع بصري إليهم وأقول ms105 بصوت خافت: «لقد فكر أولو الأمر في ~~إصلاح الأزهر وسيفرشونه بالأبسطة الفارسية بعد حين»، غير أن هؤلاء الفرنسويين على جانب ~~عظيم من أدب الخطاب فكانوا يقولون: «إن التجهم الذي يستقبل به الأزهر زائريه قطعة من ~~جماله؛ لأنه يمثل عهدا من عهود التاريخ.» # مرحى مرحى! يسركم منظر الأزهر؛ لأنكم ترون فيه مظهرا من مظاهر الحضارة القديمة، وما ~~يضيركم لو أصبح المشرق كله رواية تاريخية تقرءون حديثها في كتب الغرب، وتنظرون أشخاصها ~~في مصر وفي فارس. # 6 # وإن تعجب فعجب قول بعض الأزهريين: اجتهد في أن تفهم أن الأزهر أقدم جامعة علمية، ألا ~~فلتطمئنوا من هذه الناحية، فقد أفهمتهم أن الحضارة الشرقية أصل للحضارة الغربية، وأن ~~الأزهر مصدر العلم الذي ينعمون به الآن ... ولكن هل أستطيع أن أقول لهم: إن نظام الأزهر ~~خير من نظام السوربون، وإن الحصير الممزق الذي يجلس عليه الطلبة هنا خير من الأرائك ~~التي تتكئون عليها هناك، وإن الأحجار المنثورة حول الأزهر، يتعثر فيها الطلبة في الغدو ~~والرواح، أجمل من الحدائق المحدقة بالسوربون يشم شذاها الطلبة في الضحى والأصيل، وإن ~~الكتب المملوءة بالأغلاط، والتي ترد البصر وهو حسير، أنفع من الكتب الممتعة النفيسة التي ~~يقرأها الفرنسيون؟ وهل أستطيع أن أقول: إن جامعة الأزهر في بؤسها الشامل، خير من جامعة ~~باريس في نعيمها السابل؟! # حقا إن فينا من يقنع من المجد بالطلل الدارس، والرسم الطامس، وفينا من يرضى باللفظ ~~وإن باد معناه، ويقنع بالاسم وإن ضاع مسماه، فيا رحمة الله لهذه الأمة الآفلة النجم ~~العازبة الحلم! # 7 # مشينا ننظر ذات اليمين وذات الشمال؛ لنتبين في وجوه الطلاب دلائل الجد والنشاط، وأنا ~~أعلم أنه ليس للطالب الأزهري مثيل في صبره على أعباء الحياة العلمية، وكذلك راقنا منظر ~~أولئك الجادين في البحث والتنقيب، وسرني أن لهؤلاء الفرنسويين معرفة باللغة العربية حتى ~~لا يصح لديهم أن الكتب التي بأيدي الطلاب تماثل ما في شكل الأزهر من الغلظة ~~والجفاء. # ولقد بدا لنا أن نزور دار الكتب الأزهرية، وكانت الساعة لم تصل إلى النصف ms106 بعد الظهر، ~~ففوجئنا بأن المكتبة أغلقت، وأن لا سبيل إلى زيارتها إلا في ضحى الغد؟ فأخذت أفكر في ~~أمر هذه المكتبة التي لا يتمتع بها أحد من الناس، والتي تشبه دار الآثار في أن لا حظ ~~لأحد منها إلا أن ينظر ما اشتملت عليه بدون أن تنالها يمناه، أستغفر الله، بل تشبه ~~الرسوم الدوارس، ليس للمرء من حظ إلا أن يعرج عليها في الغدو والرواح. # 8 # عدنا في اليوم الثاني مبكرين لزيارة المكتبة الأزهرية، فدخل الزائرون وهم يتحرقون ~~شوقا إلى الوقوف على حركة التأليف عند العلماء، وأخذوا يسألون عن الكتب القديمة ~~والمؤلفات الحديثة، فقلنا لهم: إن هذه المصنفات يغلب عليها القدم إلا بعضا منها؛ مثل ~~كتاب التوحيد للأستاذ الشيخ حسين والي، ولكن الأزهريين لا يعرفون شيئا عنه؛ لأنه في ~~رأيهم قد خلص المسائل العلمية من المناقشات اللفظية، وهم لا يزالون مضطرين إلى طرائق ~~البحث القديمة ليجتازوا الامتحان. # وهنا أكل إليك - أيها القارئ - وصف ما يجده مثلي من الخجل في مثل هذا الموقف، فقد تعرف أن ~~الفرنسويين يعدون الكتاب قديما إذا مرت عليه ست سنوات، وهم لا يرضون عن العالم إلا إذا ~~ترك ثروة علمية، فأما علماء الأزهر فقلما يعنون بالتأليف، وكذلك كانت المكتبة خالية من ~~كل ما يصل بين الماضي والحاضر. # 9 # كنت رأيت أن لا أتم وصف زيارة أولئك الفرنسويين للأزهر الشريف؛ مجاراة لمن يرون في ~~هذا الوصف خروجا على الأدب ومروقا من الوفاء، لولا أن لقيني بعض العلماء وشرح لي ما ~~في التغاضي عن النقد من الفساد العاجل والكساد الآجل، ورغب في أن أذكر هذه الزيارة ~~بالتفصيل، وأنا أذكر هنا ملاحظة واحدة وأعتذر عن البقية، فإن النفوس لم تتهيأ بعد لأن ~~تتقبل كل ما ينفع، وتتجنب كل ما يضر، وخذ من جذع ما أعطاك. # كان هؤلاء الناس يسألون برفق عما لم يهتدوا إلى فهم معناه، ولقد تعرف أن كل ما في ~~الأزهر يستوقف النظر حتى كأنه كتلة من ألغاز الحياة لا يفهمها إلا من كتب عليه أن يكون ms107 ~~جزءا متصلا بهذه الجماعة التي تتكون منها مجموعة الشقاء، وكذلك كنت أعرف مواقع الألم ~~من نفوس الأزهريين، ومواضع العجب من أفكار الفرنسويين؛ لأن التنافر ظاهر بين معاهد ~~العلم هنا وهناك، ولأني أعرف الفرق بين حياتين تتفجر من إحداهما ينابيع الأمل الباسم، ~~والعيش الوادع، وتثور من أخراهما براكين اليأس والقنوط. # ما مررنا بدرس من تلك الدروس إلا وجدنا من بين الطلبة من هجم على رأسه الشيب وانقض ~~على ظهره التقوس، وآذن نجم شبابه بالأفول، ويكاد المسيو فور يتبين بيده ما رأت عيناه، ~~ثم يقبل علي ويقول: أصحيح ما أرى من أن ثلث الأزهريين فارقوا سواد الشباب؟ وهل تجدب ~~أرض العلم عندكم حتى يشيب المرء وهو ينتظر الإزهار والإثمار؟ ومتى يخلص هؤلاء من ~~التحصيل حتى يفرغوا لتعليم الجهال؟ # كان يقدم إلي هذه الأسئلة وهو يبتسم، فبدا لي أن أنشده قول ابن الرومي: # شاب رأسي ولات حين مشيب # وعجيب الزمان غير عجيب # قد يشيب الفتى وليس عجيبا # أن يرى النور في القضيب الرطيب # فأخذ يحاورني ويقول: إني لا أشك في أن فيهم من جاوز السبعين، فأقسمت بالله جهد يميني ~~أنهم شباب، وأن نظام الأزهر هو الذي عجل لهم المشيب، ثم هممت أن أذكر له الحديث «اطلبوا ~~العلم من المهد إلى اللحد»، ولكني لم أشأ أن أدله على أن نظام الأزهر مما يرضى عنه الله ~~ورسوله، وإلا كنت من الخاطئين. # تلكم هي حالنا أيها السادة العلماء، وهذا هو حظنا أيها الإخوة الطلاب، فهل فيكم من ~~فتى نغالب به هذه الشدائد، ونصارع بعزمه تلك النوائب؟ وهل يسمع القائمون بالأمر هذا ~~الصوت الذي بح من طول النداء؟ # القلب الذاهب # رويدك أيها القلب # فقد أودى بك الحب # وقد أصبحت لا تسلو # فلو أصبحت لا تصبو # وبين القلب والعين # سجالا كانت الحرب # فتذكيه ويبكيها # لعمرك إنه خطب # لقد أسرفت في حبي # كذلك يفعل الصب # وأصفيت الهوى حبا # له من دله حجب # فمنه الصد والبعد # ومني العفو والقرب # فلو عاتبته يوما # لزاد عناده العتب # وقد راسلته جهدي # فضاعت عنده ms108 الكتب # فصبرا أيها القلب # على ما يفعل الحب # فكل مدله خل # وكل معشق خب # فكن يا سيدي برا # بصب ما له ذنب # لئن ضيعتني قلبي # فأنت الروح والقلب # وإن آثرت إبعادي # ولم يشفع لي الحب # فإن عقابكم عدل # وإن عذابكم عذب # | أمراضنا الاجتماعية # نادي العفاف # في كل يوم تتألف جماعة، وتتفرق جماعة، والقوم عندنا لا يجتمعون إلا إذا كرثتهم ضائقة ~~مالية أو نضب لديهم معين الثراء، فأما إذا انفرط عقد الأخلاق وتمزق ثوب الشرف وجف ماء ~~الفضيلة، وغربت شمس المكارم، وشاب رأس الوقار؛ فإنهم قلما يحفلون بما يلحق الأمة من خزي ~~الرذيلة ودنس الغواية، وكذلك يعنى ساداتنا وكبراؤنا بما يملأ الجيوب، ويغفلون عما ~~يملأ الرءوس علما والقلوب حلما. # وبعد، فهل سمعت أن فضيلة الشيخ يوسف الدجوي فكر في إنشاء ناد يسمى «نادي العفاف» في ~~أكتوبر سنة 1920؟ أؤكد لك أنه كان شيء من ذلك، ولكن أين هو وأين آثاره، فإذا كان الشيخ ~~الدجوي - في علمه وأدبه وتقاه - يقول ولا يفعل؛ فعلى الدنيا العفاء. # أطباء الشعب # جلس جماعة يسمرون في بعض الأندية، وكان فيهم فتى يشكو ألما في الأمعاء، فبدا لهم أن ~~يسألوه عما يتلوى منه - في أكثر اللحظات - فرأى أن يسألهم هو عن طبيب يصف له - وجها لوجه - ما ~~يقاسيه من علة وما يعانيه من بلاء. # قال قائل منهم لو ذهبت إلى الدكتور فلان لاستأصل منك الداء، وقال آخر: بل الدكتور ~~فلان أبصر بمواقع الأدواء، قال ثالث: فلان خير منهما جميعا؛ لأنه فضلا عن مساواته لهم ~~في الخبرة والكفاءة؛ يمتاز بالتساهل في تقدير متاعب العلاج؛ إذ لا يطلب أكثر من أربعين ~~جنيها في العملية الجراحية، وقد يتسامح فيقبل من الفقير خمسة وثلاثين، فأما صاحب العزة ~~فلان فإنه يأخذ جنيها في كلمة يفوه بها جوابا على سؤال المريض، وقد لا يرضيه الأجر ~~بعد ذلك فيرفض محاربة الداء. # قال صاحبنا - وهو يكاد يتميز من الغيظ: ويحكم! لست أسأل عن هؤلاء، إنما أسأل عن أطباء ~~الشعب، أما من ذكرتم فهم أطباء العائلات، قال بعض ms109 الحاضرين: يبدو من هذا الفرق في الوصف ~~أنك خبير بطبقات الأطباء، قال المسكين: لا والله، ولكن سمعت جودت بك يقول لرفيقه فهمي ~~بك: أرسل لي طبيبكم الخاص؛ فقد طردنا طبيبنا بالأمس، فعلمت أن هناك أطباء يطردون كما ~~يطرد الخدم، وغلب على ظني أنهم من هذا الصنف الذي تقولون: إنه «غالي جدا» في تقدير ~~متاعب العلاج، فأما أطباء الشعب فهم أمثال حضرة الدكتور محمد عبد الحي الذي يعالج ~~العمال مجانا، ويمشي بنفسه لإسعاف الفقراء. # حبر على ورق # تسمع أن في مصر أندية، فيبدو لك أن تؤم واحدا من تلك الينابيع التي يتفجر منها العلم ~~والأدب، فلا يكاد يطمئن بك المجلس حتى تعرف أن ليس فيها غير اللهو واللعب، فإذا سألت: ~~ألا توجد محاضرات عامة في الأدب والأخلاق؟ نظر إليك السكرتير نظرة مريبة ثم قال: كيف لا ~~وهذا قانون النادي يحتم على المنتدين إلقاء الخطب والمحاضرات في الآداب والفنون، ثم رجع ~~يقدم لك لائحة فيها ما تشتهي الأنفس من نوازع الآمال وخواطر الأماني، فتعلم أن النادي ~~يقول ما لا يفعل ويكتب ما لا يقول. # وكذلك الحال في الأزهر الشريف (قانون مطبوع على ورق أبيض صقيل، ومواد منظمة كأسنان ~~المشط، وآمال طوال عراض، وحقوق وواجبات، وعقوبات ومكافآت، وإرشادات وملاحظات ومذكرات ~~وتقريرات). # ثم تبحث عن ثمرة ذلك كله في نفوس الطلبة والعلماء فلا تجد شيئا. # التطور الحديث # الابن ~~: # إن هذا النادي المختلط مما يقضي به التطور الحديث. # الأب ~~: # أوكلما جن الأجانب في اللهو والفسوق فصار أحدهم «كالطور» لا يميز بين الضار ~~والنافع جاريتموهم أنتم في هذا «التطور»؟ # الابن ~~: # لا تكن يا أبت أضحوكة الضاحك وسخرية الساخر، ها أنا ذا أشرح لك معنى التطور في ~~كلمة وجيزة، كان الناس - فيما سلف - لا يتحولون عما فطروا عليه ولا يخالفون عن ~~أمر الدين والأخلاق، وهذا هو طور الجمود، ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلوات ~~واتبعوا الشهوات، ولهم مع ذلك آمال عظام كالتفوق على الغربيين في الألعاب ~~الرياضية. # وهذا بالطبع مما يقربنا من الاستقلال، فأنا لا أشك ms110 في أنك سمعت أن ~~الأجانب يرموننا بالجمود، والتعصب، ولا سبب لذلك غير الوقوف عند حد الشرع وعدم ~~النزول في ميدان الحياة التي تتطلب شيئا من الوقار وأشياء من المجون، وهذا ~~ضروري في تكوين الأمم. ولو أن حضرة الوالد عرف كيف كان نبذ القديم سببا في ~~نهوض الأمم الغربية لأقرنا على هذا التجديد. # الأب ~~: # تشربون الخمر في النادي وقد نهى عنها القرآن، وتلابسون فيها الغادات ~~والغلمان، وتسرفون في الغواية حتى تعودوا كالأنعام أو أضل سبيلا، وتصرون - مع ~~ذلك - على الانتساب إلى آدم وحواء، كلا ثم كلا ليس للتطور معنى إلا أنكم ~~أطوار. # الابن ~~: # هناك فرق يا أبت بين كلمة أطوار، وكلمة تيران، ويظهر أن حضرتك تريد ... # الأب ~~: # اخرس، اخرس ~~(ثم انصرف وهو محزون) ~~. # كلام شرف # في هذا البلد طائفة من أرباب الصناعات تود الإنسانية لو أناخ الدهر عليها بكلكله ~~فعادوا هشيما تذروه الرياح، حتى لا يدنس الشرف المصري بما ينقضون من عهود ويخلفون من ~~وعود. # تنظر إلى ثوبك فتراه وقد آذنت أيامه بالرحيل، فتذهب إلى تاجر مصري لتشتري منه قطعة من ~~القماش تتقي بها البرد، فيقسم بالله والوطن أنه يرضى منك بالربح القليل، حتى إذا نزلت ~~على حكمه أرهقك بالثمن الذي يفزع منه جيبك وتفرق منه دراهمك المعدودة. فإذا قلت له: هذا ~~إسراف، قال لك: كلام شرف، ليس لي من ربح فيما بعته إياك، ثم تذهب إلى الخياط فيعدك ~~بلبسه بعد أسبوع، فتقول: أرجو أن لا تهمل فإن البرد شديد، فيقول لك: كلام شرف، فتعود ~~بعد الأسبوع فيقول لك: تعال في الغد، فإذا نظرت إليه نظرة عتب قال لك من جديد: «كلام ~~شرف»، فتعود في اليوم التالي فيقول لك: تعال بعد ساعة، فإذا غضبت قابل الغضب بمثله وهو ~~يقول: «نحن أناس لنا ذمة!» # تبحث مسألة أو تضم كلمة إلى كلمة، فيبدو لك أن تطبعها في إحدى المطابع، فلا تدخل على ~~مدير المطبعة حتى يبدأك بالتأفف من اختلال الأنظمة الاجتماعية قبل أن تبدأه بالتحية، ~~فيصح لديك أن هذا رجل أمين، ويؤكد ذلك ms111 «لطفه» في تحديد الموعد وتقدير النفقات، ثم تعود ~~بعد حلول الأجل فيتفضل عليك بوعد جديد، فإذا قلت: «أخشى المطل»، قال لك: «كلام شرف» ثم ~~يخلف، ثم تعود إلى تأنيبه فيدافعك وهو يصيح: «كلام شرف.» # يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون ~~. # ظالم يتظلم # رمانا الدهر - فيما رمانا به - بقوم يحبون أن يملئوا الدنيا صخبا وشغبا، وعذرهم في ~~ذلك أنهم يحبون الصراحة ويقدسون القول الصريح، ويسمون هذا بالنقد، وإذا أراد امرؤ أن ~~يتوجه إليهم ولو بكلمة نصح استنكروها منه وعدوها مناوأة وحبا للشخصية، فإذا قلت: إني ~~لم أخرج عن الدائرة التي أبحتم لأنفسكم العمل فيما تحتويه. قالوا: ليس لك أن تعمل كما ~~نعمل فإننا نخدم المصلحة العامة وأنت تخدم المصلحة الخاصة. فإن قلت: إني أيضا أعمل ~~للمصلحة العامة، هموا بأن يخرجوا من ثيابهم، وقالوا: إنما أنت من أوساط الناس، وإنما ~~يعمل للمصلحة العامة أصحاب المصالح في البلد أمثال سعادة فلان وفلان، فإذا قلت لهم: ~~إنكم تدورون حول المصلحة الخاصة من حيث لا تشعرون، لووا عنك وجوههم وأصروا واستكبروا ~~استكبارا. # عجيب أمر هؤلاء، لا يعملون ولا يتركون الناس يعملون، يبسطون ألسنتهم فيمن هم أطهر ~~منهم ذمة، ثم إذا لمح إليهم كاتب ببعض سيئاتهم القديمة تدرعوا بسيئاتهم الحديثة، فيا ~~عجبا هل يستر القار بالقار، أو يكشف الظلام بالظلام؟ # تحية! # تجمل بالسماح ودع ملامي # وكن عون المحب المستهام # ففي «أسيوط» لو تدري حبيب # هجرت لبعده طيب المنام # أسيت له يحن إلى لقائي # ودون مرامه كيد اللئام # إذا ما الليل جن ونام صحبي # مشت نار التذكر في عظامي # سلام أيها النائي سلام # وهل يغني عن اللقيا سلامي # لوعة! # لأصبحت نهب الأسى والحزن # لجسم أقام وقلب ظعن # فيا ويحهم يزمعون الرحيل # وما زودوني سواء الشجن # دموع تحدر فوق الخدود # كصوب الغمام إذا ما هتن # وقلب يقلب بين الضلوع # بعيد القرار فقيد السكن # وأصبحت الرأس مرعى المشيب # قليل السرور كثير الحزن # لعمري لئن شبت قبل الأوان ms112 # لقد شاب حظي وشاب الزمن # كأن الشعور عراها البياض # سهام الردى أو خيوط الكفن # وأنكى عدوك في النائبات # عدو تقاصر عنه الجنن # وإن الشباب إذا ما انقضى # لكالحلم أقلع عنه الوسن # | ليالي الاعتقال # حضرة الأخ أنيس أفندي ميخائيل # وصل خطابك البديع، بعد عشرين يوما قضاها تحت أثقال الرقابة، ولم يصلني قبله في معتقل ~~«سيدي بشر» غير خطاب الأخ الشيخ عبد المجيد زهران، فما أوفاه يا صديقي وما أوفاك. # سأضرب صفحا عن الدمعة التي سكبتها على القرطاس؛ لأن مثلي لا يبكى له، ولا يبكى عليه، ~~وإنما خلقت لأكون مثلا في الشمم والإباء. ولو كان بي حب الدعة والطمأنينة لما مكثت في ~~المعتقل هذه الشهور الطوال، فقد فكر القوم في مساومتي لأول لحظة وطئت فيها ثكنة قصر النيل، ~~ولكني أقذيت عيونهم؛ حين أريتهم كيف يطيب الشقاء في سبيل البلاد، وأقسم لو سلم المصريون ~~جميعا وخرج مصطفى كامل من قبره فصافح الإنجليز؛ لما كان في ذلك ما يزحزحني قيد أنملة عن ~~معاداتهم حتى يكون الجلاء وأعيذك أن تحسب أن جلاءهم عن مصر إن تم ونحن أحياء ينسينا ما ~~فعلوا بنا وبأهلينا منذ كان الاحتلال. # أترك ذلك، وأحدثك عما يجول بصدري في هذه الظلمات، أنا حزين يا أنيس، وكيف لا أحزن وفي ~~المعتقلين أنفسهم أنصار لمشروع ملنر الذي يعرضه الآن أعضاء الوفد بين التصفيق والهتاف، يا ~~ويلتاه! حتى المعتقلين المعذبين يصدقون بأن إنجلترة منحتهم الاستقلال! متى تتم هذه الألعوبة ~~فأخرج من بين هذه الأسلاك لأساعد الحزب الوطني في الغارة الشعواء التي شنها علي أولئك ~~الشياطين الذي مكنتهم الليالي من ناصية هذا الشعب الوديع. # ليست إنجلتره هي العدو الوحيد للأمة المصرية، بل هناك عدو آخر لا يزال يبطش بالأمة غير ~~وان ولا راحم، ألا وهو الجهل، هذا هو العدو اللدود الذي تستعين به إنجلتره لاغتصاب وادي ~~النيل، ولولاه لما رحب المرحبون بأعضاء الوفد حين جاءوا لعرض مشروع ملنر، بل لولاه لحقت على ~~هؤلاء كلمة العذاب، وسأعرف ما أصنع حين أعود إلى القاهرة - ولو بعد حين ms113 - سأعرف كيف أحارب ~~الجهل، وكيف أصب الصواعق على رءوس من يستغلون جهل الأمة فينالون به ما لهم من سيئ الأغراض، ~~ومنكر الشهوات، والله بصير بما يعملون. # تسألني عن ليالي الاعتقال، وأجيبك بأنها ليال سوداء، لا فرق بين أنصافها والسرار، ويكفي ~~أن أذكر لك أن هذه الليلة ليلة العيد، ومنذ لحظة كان الأستاذ الشيخ عبد الباقي سرور يبتسم ~~ويقول: لقد استرحت هذه الليلة من أولادي، فما يفك عمامتي أحد، ولا يضحك من صلاتي ~~إنسان. # وكان الشيخ محمد يوسف يرفأ قميصه وهو ينشد قول ابن الأحنف: # رحمتا للغريب بالبلد النا # زح ماذا بنفسه صنعا # فارق أحبابه فما انتفعوا # بالعيش من بعده وما انتفعا # وكان الشيخ شافعي البنا يلاعب الشمعة وهو يتغنى بقول المتنبي: # عيد بأية حال عدت يا عيد # بما مضى أم لأمر فيك تجديد # أما الأحبة فالبيداء دونهمو # فليت دونك بيدا دونها بيد # أما أنا فكنت أترنم بقولي: # ليالي النيل واللذات ذاهبة # وجدي عليكن أشجاني فأضناني # لو يرجع الدهر لي منكن واحدة # في سنتريس ويدني بعض خلاني # إذا تبين دهري كيف يرحمني # من ظلم همي ومن عدوان أحزاني # وبمناسبة سنتريس أذكر أني أرسلت خطابا للأخ الشيخ أحمد الدكروري أصف به شوقي إلى مغاني ~~ذلك البلد الجميل، أين أنا من سنتريس؟ وأين مني سنتريس؟ # بلد صحبت به الشبيبة والصبا # ولبست ثوب اللهو وهو جديد # فإذا تمثل في الضمير رأيته # وعليه أغصان الشباب تميد # حسبك هذا يا أنيس، ولا تنس أن تزور الشيخ عبد العزيز صقر، وأن تكاتب الأخ العزيز محمد ~~أفندي محمود حسين، فأما الشيخ علي مبارك فسأعرف كيف أناقشه الحساب. # وأعود إلى الثورة الخطيرة التي تشب في جوانحي كلما فكرت فيما يعمل الإنكليز لقهر الأمة ~~المصرية، لبيك يا مصر، لن تموتي ونحن أحياء. # ملحوظة: # لا تذكر لأحد كيف وصلك هذا الخطاب فتشتد الرقابة على المعتقلين ~~المعذبين. # | حرقة ولوعة # أنت الذي علمتني # يا سيدي بر الصديق # وتركتني في فتية # ما فيهمو بر رفيق # لم ألق بعدك منهمو # إلا الجفاء أو العقوق # حتى ms114 كأني لم أبت # منهم على عهد وثيق # وكأنهم لم يبصروا # في خلتي الحر الصدوق # فنسوا هواي ولم يفق # من ودهم قلبي المشوق # ونسوا طريف حديثنا # عند الصبوح أو الغبوق # ليت الهوى ما قادني # يوما إلى ذاك الطريق # أو ليتني لم أنخدع # جهلا بهاتيك البروق # بل ليتني بعد الذي # عانيت من صحبي أفيق ~~••• # مولاي لو أبصرتني # لفزعت من دمعي الطليق # وشجاك جسمي ناحلا # وكأنه الطيف الطروق # أشكو إليك وإنما # يشكو المضيم إلى الشفيق # فارحم فديتك مهجة # أودى بها الحزن العميق # حزن يقطع في الحشا # فكأنه غدر الصديق # يا ويح قلبي لم يزل # يهفو به الروح الخفوق # وتقوده الذكرى إلى # عهد الهوى الغض الرفيق # أيام نمرح في الصبا # في ذلك العيش الأنيق # أيام نسقى في الهوى # والود كأسا من رحيق # تلك الليالي لم تدع # من بعدها حسنا يروق # كلا ولا خلت لنا # إلا الزفير أو الشهيق # مع الصورة # ولما عزني في الحب دهري # وأرغمني الزمان على نزوحي # ولم أعرف لرؤيتكم سبيلا # بعثت بصورتي من بعد روحي # | ظلم العواطف # قيل لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أتقول الشعر في فقهك وورعك، فقال: لا بد ~~للمصدور أن ينفث، وكان عبيد الله من وجوه الفقهاء الذين روي عنهم الفقه والحديث، وهو أحد ~~الفقهاء السبعة من أهل المدينة، ومن شعره: # شققت القلب ثم ذررت فيه # هواك فليم فالتأم الفطور # تغلغل حب عثمة في فؤادي # فباديه مع الخافي يسير # تغلغل حيث لم يبلغ شراب # ولا حزن ولم يبلغ سرور # إن الناس يجلون الفقهاء عن قول الشعر ولا سيما النسيب، ويرون بعدهم عنه وبراءتهم منه؛ من ~~متممات فضلهم ومكملات مجدهم، وكان ذلك ظلما للعواطف وقتلا للشعور؛ فإن لبعض أولئك قلوبا ~~نزاعة إلى الحسن، ونفوسا عشاقة للجمال، ومنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما جنحوا إلى ~~السلوان. # ولئن خرج عبيد الله على الجفاة من معاصريه، فقال في الغزل ما قال، فإني لأحسبه كتمنا ~~كثيرا من شجونه، وضن على الشعر بمكنون صدره مداراة للعامة من جيرته، ms115 والسذج من عارفيه، فإن ~~الخوف من صغار العقول، والهرب من ثرثرة السفلة، لم يسلم منه نابه، في عصر من العصور أو قطر ~~من الأقطار. # إن الأبيات القلائل التي نقلها الرواة إلينا من شعر عبيد الله لتحدث عن صبابة وتسفر عن ~~غرام، ولو أن الرجل أوتي من قوة الإرادة وشجاعة الفؤاد ما يشرح به هواه ويمثل به خواطره ~~لكان له من المواقف الحسان والمشاهد المبجلة ما يضمن له الخلود في الشعر الوجداني من عالم ~~الآداب. # إن ظلم العواطف حرمنا كثيرا من نفثات الشعراء، وجعلنا نتصيد طرائف الشعر الوجداني من هنا ~~وهناك، ثم لا نجد ما ينقع الغلة، ويشفي النفس؛ لما في أكثره من التلون المذهب للعاطفة، ~~المميت للشعور. # ولو أن ذلك كان وقفا على الفقهاء لتجملهم بالزهد أو النساء لتحليهن بالعفاف؛ لهان الأمر ~~وسهل، ولكنا وجدنا في أشهر الشعراء بالظرف وأعرفهم بالخلاعة من يمنون بالنهاة من أهلهم، ~~فينزلون عند حكمهم ويصدعون بأمرهم فيتناسون الهوى ويصدفون عن الغرام. # هذا عمر بن أبي ربيعة، كان من أجرأ الناس على إذاعة هواه، وأبعدهم صيتا في الغواية، ~~وطاعة الشباب، ثم ما برح أخوه الحارث يعظه وينهاه، حتى كان من ذلك أن أعطاه ألف دينار على ~~أن لا يقول شعرا، فقال: «أما ما دمت بمكة فلا أقدر، ولكني أخرج إلى اليمن.» فلما سار إلى ~~هناك لم تدعه نفسه وقول الشعر، فقال: # هيهات من أمة الوهاب منزلنا # إذا حللنا بسيف البحر من عدن # واحتل أهلك أجيادا فليس لنا # إلا التذكر أو حظ من الحزن # لا داركم دارنا يا وهب إن نزحت # نواك عنا ولا أوطانكم وطني # يا وهب إن يك قد شط البعاد بكم # وفرق الشمل منا صرف ذا الزمن # فكم وكم من حديث قد خلوت به # في مسمع منكمو أو منظر حسن # بل ما نسيت ببطن الخيف موقفها # وموقفي وكلانا ثم ذو شجن # وقولها للثريا يوم ذي خشب # والدمع منها على الخدين ذو سنن # بالله قولي له في غير معتبة # ماذا أردت بطول المكث في يمن ms116 # إن كنت حاولت دنيا أو نعمت بها # فما أخذت بترك الحج من ثمن # ويذكرون أن أخاه لما سمع هذا الشعر يئس من صلاحه وقال: قد فتك أخي وغدر. # والذي أراه أن عمر بن أبي ربيعة، ما كان له أن يذهب إلى اليمن، دفعا للوم أخيه فحسب، فإن ~~الرجل طالما نهاه النهاة فلم ينته ولم يرجع، وكان بينه وبين أخيه ما يشعر بتهاونه بنصحه، ~~وسخريته من عذله، بدليل ما يذكرون من أخذه ألف دينار من أخيه، في حين أنه كان من أكثر الناس ~~مالا ووفرا، وأعظمهم تيها وكبرا، ولكن الرجل كان يحاول أن يتناسى صبابته، ويتغاضى عن ~~هواه، حتى كان من أمره أن حلف لا يقول بيتا من الشعر إلا أعتق رقبة، نهيا للنفس عن الهوى، ~~وكبحا لها عن الغواية وكان من المسرفين. # فر ابن أبي ربيعة إلى اليمن ليبعد عن ملعب صباه، ومرتع شبابه، فيودع بذلك الشعر، ويسرح ~~النسيب، ثم غلب على أمره فقال نونيته السالفة طوعا لأمر الفؤاد. # كان ابن أبي ربيعة من أصبح الناس وجها، وكان عشقه شبيها بعشق الملوك، لتهافت الغواني ~~عليه، والتفاف النساء حوله، فكان شعره لذلك ضائعا بين الأوصاف الظاهرة، والمحاسن البادية، ~~فلا ترى له حسرة على فائت، ولا لهفة على مأمول، فلما صوح شبابه، وحان منه التذكر، نضب معين ~~شعره، وتهدجت صبابته، برا بذلك القسم، ونزولا عند حكم المشيب، فكان نصيبه من الشعر ~~الوجداني ضئيلا، لما ظلم عاطفته، وعق وجدانه وكان من القاسطين. # أنا لا أبخس ابن أبي ربيعة حظه من الشعر الوجداني، ولا أبعد أن يكون في ديوانه من هذا ~~النوع شيء كثير، ولكني أقول: إن الرجل الذي يبهر الناس شعره في مجالس الأنس، ويروقهم حديثه ~~عن اللهو واللعب، لجدير أن يقرح أجفانهم، ويفتت أكبادهم، لو بكى عهوده السوالف ومعاهده ~~المقفرات. # ولكن أبى الجد العاثر إلا أن توضع هذه الأغلال في أعناق الشعراء فيمسون كالبلابل الموثقة ~~الحبيسة، لا تستطيع التغريد، ولا تملك الترجيع. # وما عسى أن يكون حزن بشار وبثه، وقد نهاه المهدي ms117 عن التشبيب، وحال بينه وبين ما يشتهي من ~~الغزل، ومداعبة النساء. # وإني ذاكر لك مثالا مختارا من شعره فيما يتعلق بالعواطف، ويختص بالوجدان، حتى تعرف أي ~~خطب ألم بالشعر الوجداني، فأصبح ضئيلا في شعر هذا الرجل الكبير ، قال: # أيها الساقيان صبا شرابي # واسقياني من ريق بيضاء رود # إن دائي الظما وإن شفائي # شربة من رضاب ثغر برود # ولها مبسم كغر الأقاحي # وحديث كالوشي وشي البرود # نزلت في السواد من حبة القل # ب ونالت زيادة المستزيد # ثم قالت نلقاك بعد ليال # والليالي يبلين كل جديد # عندها الصبر عن لقاي وعندي # زفرات يأكلن قلب الحديد # لا أبالي من ضن عني بوصل # إن قضى الله منك لي يوم جود # فإنك لتبصر من خلال هذا الشعر، رجلا صادق الحب، متين الصبابة، ألح عليه ساقياه بالراح، ~~فتعفف عنها، لا زهدا فيها، ولا نفورا منها، ولكن ذكرى حارة، ولوعات دخيلة، هاجت بصدره، ~~وثارت بلبه؛ إذ ذكر صهباء الثغر ممن يهوى، وخمر الريق ممن يحب. # شغل الشاعر عن الراح بما ذكر من محاسن محبوبه، ولطائف معشوقه، فأخذ يذكر ما فعل الحب ~~بقلبه، ونال الهم من نفسه. # نأسى عليكم إذا حثت مشعشعة # فينا الشمول وغنانا مغنينا # لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا # سيما ارتياح ولا الأوتار تلهينا # كان بشار من أظرف الناس غزلا، وأبدعهم نسيبا، ولكن قضى الله أن يحول المهدي بينه وبين ~~التشبيب، فيضيع بذلك الشعر الوجداني من هذا النوع، فيما عسى أن يقول في ذكرى لياليه ~~الخوالي، وعهوده السوالف، وقد ختمت زفراته المحرقة، وعبراته المغرقة، بكلمته الآتية: # يا منظرا حسنا رأيته # من وجه جارية فديته # لمعت إلي تسومني # ثوب الشباب وقد طويته # والله رب محمد # ما إن غدرت ولا نويته # أمسكت عنك وربما # عرض البلاء وما اتقيته # إن الخليفة قد أبى # وإذا أبى شيئا أبيته # ويشوقني بيت الحبي # ب إذا غدوت وأين بيته # قام الخليفة دونه # فصبرت عنه وما قليته # ونهاني الملك الهما # م عن النساء فما عصيته # بل قد وفيت ولم أضع # عهدا ولا رأيا ms118 رأيته # ثم انقضت حياة بشار الودية، وما عدت تسمع له غير أبيات فاترة في الأسف على ما حيل بينه ~~وبين هواه، فنال اليأس من قلبه، والقنوط من ضميره، وعاد من الهالكين. # ولقد نال أبا نواس إمام الشعراء في وصف الخمر، ما نال بشارا إمامهم في وصف النساء، فقد ~~نهاه الأمين عن شربها وحبسه ابن أبي الفضل من أجلها، ثم كلم فيه، فأخرجه على أن لا يشرب ~~خمرا، ولا يقول فيها شعرا، فطالت حسراته وكثرت زفراته، ثم قال: # أيها الرائحان باللوم لوما # لا أذوق المدام إلا شميما # نالني بالملام فيها إمام # لا أرى لي خلافه مستقيما # فاصرفاها إلى سواي فإني # لست إلا على الحديث نديما # جل حظي منها إذا هي دارت # أن أراها وأن أشم النسيما # فكأني وما أزين منها # قعدي يزين التحكيما # كل عن حمله السلاح إلى الحر # ب فأوصى المطيق أن لا يقيما # وتعرف أن أبا نواس إن نهي عن الخمر فقد لا ينتهي، ولكنه لا بد مقلع عن وصفها؛ طاعة ~~للإمام، وفي ذلك يقول: # عين الخليفة بي موكلة # عقد الحذار بطرفها طرفي # صحت علانيتي له وأرى # دين الضمير له على حرف # ولئن وعدتك تركها عدة # إني عليك لخائف خلفي # نهي أبو نواس عن الخمر فشربها سرا، ولكنه جامل الإمام بترك نعتها، والتحدث عن وصفها، ~~فأصاب الأدب ما أصابه، وغشي الشعر ما غشيه، فإن أبا نواس - فيما أرى - أول الناس وآخرهم، في وصف ~~الراح والسقاة. # ولو لم يقف في سبيله الأمين لأبان لنا من مذاهب القول، وطرق البيان ما كنا في حاجة إلى ~~بعضه، ولكن الزمان للأدب ظلوم قهار. # ليس وصف الخمر والندامى، والكئوس والسقاة، ضربا من الشعر الوجداني، فإنها أوصاف محسة، ~~ترجع في جملتها إلى ما ترى العين، ويذوق اللسان، ولكن طبع أبي نواس ومهارته، جعلا لتلك ~~المعاني الخمرية صبغة خاصة، تشبه أن تكون من عمل القلب، وصنع الضمير. # قل شعر عبيد الله لما تخوف الجمهور، ونضب شعر ابن أبي ربيعة لما نهاه أخوه وذهبت لطائف ~~بشار في ms119 الغزل لما منعه المهدي، وحرمنا بدائع أبي نواس في الخمر لما زجره الأمين. # فكان ذلك مما أوجب فقر الآداب العربية، وجعل حظ الشعر غاية في الضئول ونهاية في ~~الخمود. # فيا ليت شعري أتشمل الحرية الأدب وتنتظم الشعر ، أم يعيش الشعراء أسرى الأوامر العالية، ~~والزواجر الطاغية أبد الآبدين، ودهر الداهرين؟ # كلمة # عن موشحات حضرة الزميل الشيخ محمد إبراهيم الجزيري: # مقطعات حسان # كفاتنات الخدود # كأنهن الغواني # يمسن في يوم عيد # أو خاطرات الأماني # يزرن قلب عميد # ما أجحد القلب إن لم # يحيها بالسجود # وأظلم الدهر إن لم # يجد لها بالخلود # | الأمل الضائع # تأيمت حتى لامني كل صاحب # رجاء سليمى أن تئيم كما إمت # لئن بعت حظي منك يوما بغيره # لبئس إذا يوم التغابن ما بعت # كنت أصبر على بأساء الحياة، وأحتمل ما فيها من هم وغم، لو أن عندي بقية من الأمل أرفه بها ~~أحزاني، وأدفع بها آلامي، ولكن حال القنوط دون الرجاء، وأتى اليأس دون الطمع، فلم يبق غير ~~الجزع من مسعد ولا سوى النوح من شفاء. # فيا جيرة ما كان أهنأ وردهم، وأطيب عيشهم، ويا أحبابا ذقت الفرح بقربهم، وعرفت الهم ~~لبعدهم، ويا من أفناني فراقهم وكان أحياني لقاؤهم، بربكم ما الذي لقيتم بعدي؟ فقد لقيت ~~بعدكم ذلا وهوانا، وظلما وعدوانا، ومن عسى أن يكون قد ظفر بودكم، ونعم بحسنكم، فأصفاكم ~~من الحب أجمله، ومن الأنس أكمله؟ فقد صحبت بعدكم من جحد نعمتي، وأنكر خلتي، ومن سقيته الشهد ~~فسقاني الصاب، ومن أوليته القرب فأولاني القطيعة. # فيا ليت شعري من ألوم، أألوم نفسي على أن لم أعق في بركم أهلي وأخزاني، فأسير حيث سرتم، ~~وأقيم حيث أقمتم؟ # تفرق أهلي من مقيم وظاعن # فيا ليت شعري أي أهلي أتبع # أقام الذين لا أبالي فراقهم # وشط الذين بينهم أتوقع # أم ألومكم على أن تركتموني وحيدا وآثرتم وطنكم وأهلكم، ولم تبالوا بمن خلفتموه طريح ~~حزنه، وأسير همه؟ أم ألوم قوما جعلتهم منكم بدلا فكانوا شر بدل، واتخذتهم من بعدكم ذخرا ~~فكانوا كالهباء ورجوتهم حصنا ms120 أتقي به الدهر الخائن، والزمن الجائر، فإذا هم أذل من قراد ~~بمنسم، وإذا المتفيئ ظلهم، والراجي برهم، يطمع في غير مطمع، ويلجأ إلى شر وزر؟ # أم ألوم دهرا اضطركم إلى الرحلة فرحلتم، وحكم علي بالمقام فأقمت، ثم أمدنا من اليأس ~~لبعد الدار، وشط المزار، ما جعل الأمل في التلاقي خائبا ورجاء التداني كاذبا؟ # وقلما أبقي على ما أرى # يوشك أن ينعاني الناعي # ما أقتل اليأس لأهل الهوى # لا سيما من بعد إطماع # ما هذا الذي صنعتم؟ أخضعتم لليأس، وأذعنتم للقنوط، ولم ترهبوا العتاب؛ إذ لم تأملوا ~~اللقاء، فزففتم تلك الشمس إلى غيري، وآثرتم بها سواي. # يا عز إن ضاعت عهودي عندكم # فأنا الذي استودعت غير أمين # أو عدت مغبونا فما أنا في الهوى # لكمو بأول عاشق مغبون # غلب اليأس عليكم فمللتم - ولا وفاء لملول - فكان منكم ما أقض المضجع، وأورث الجفن السهاد، ~~فهل تعلمون ما صنع اليأس بنا، ونال القنوط منا؟ ولكن هيهات بعد اليوم أن ينفع ~~العزاء. # هي الغاية القصوى فإن فات نيلها # فكل منى الدنيا علي حرام # تحت صورتي # ولما صار ود الناس ختلا # وأوحش ربعهم من بعد أنس # ولم أظفر على جهدي بحر # تركت هواهم وعشقت نفسي # | في يوم العيد # إن الذي رد يوسف إلى يعقوب بعد أن ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم، والذي بشر زكريا ~~بيحيى بعد أن بلغ من الكبر عتيا، والذي من على إبراهيم بولديه إسحاق ويعقوب، بعد أن شاخ ~~ويئست زوجه؛ ليقدر على إمتاع أرواحنا برجع أيامنا، وإيناس قلوبنا بعودة أحبابنا. # وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما # يظنان كل الظن ألا تلاقيا # هذه الشمس تشرق بعد غروبها، وهذا القمر يطلع بعد أفوله، وهذه الأشجار تخلع ثيابها في ~~أواخر الخريف، وتلبس في أوائل الربيع ثيابا أروع وأنضر، وهذه السيوف يغشاها الصدأ فيكسوها ~~زرقة وسوادا، ثم يعتادها صقالها فيعود لها بريقا ولمعانا، وهذه الغدران، تجف حينا، ~~ويطغيها الحيا حينا، وها نحن أولاء نتشوف إلى عهودنا السوالف وأيامنا الخوالي. # أما يرحمنا الله فيجمع شملنا، ويرجع ms121 أنسنا، فنصبح في سلام آمنين؟ أوليس الذي من علينا ~~بتلك العيشة الراضية، وهذه النعمة الضافية، بقادر على أن يعيدها ضاحكة باسمة، واضحة حسانة؟ ~~بلى، وهو الرءوف الرحيم. # لقد كنت أخلدت إلى اليأس لولا أني رأيت فضل الله أوسع من أن لا ينالني منه غير تلك الأيام ~~القلائل، ورأيت الله أعدل من أن يحكم علي بالشقاء الطويل في الهجر المديد، وعرفته - سبحانه ~~- أكرم من أن يخيب السائل ويغفل دعاء المضطر. # فيا رب يا رب. # إن بين الحشا لهيب اشتياق # ليس يطفي جواه إلا التلاقي # فإن لم تدركني بقربهم ...! # فيا رب إن أهلك ولم ترو هامتي # بليلي أمت لا قبر أعطش من قبري # إنني ما جحدت نعمتك يوم رزقتني بهم، ولا جهلت حكمتك يوم أقصيتهم عني، وها أنا ذا أنتظر فضلك ~~وطولك في ردهم إلي وعطفهم علي. # فلولا الثقة برحمتك، والإيمان بإحسانك لذهبت النفس عليهم حسرات وقطع القلب في آثارهم ~~قطعا. # ولولا رجاء القلب أن يذهب النوى # لما حملته بينهن الأضالع # وأنت أيها العيد، أين مثيلك منذ خمس سنين؟! # لغيري حسنك وجمالك، ولي فيك البكاء والنحيب. # | الشباب والمشيب # تمنى أناس أن يدوم شبابهم # وإني لأهوى أن يعجل لي شيبي # أخاف على نفسي العثار لأنني # رأيت الشباب الغض رينا على القلب # وما أنا راض أن تكون شبيبتي # طريدة قلبي إن بكيت على ذنبي # أهم بتأنيب الشباب وذمه # ليرحل محمودا فيمنعني صحبي # دعوني أهن خلا إلى الغي ساقني # فشرد من نومي وضاعف من كربي # بحسبي أني لا أزال مروعا # أبيت على هم، وأغدو على عتب # ولم تك نفسي كالنفوس يشوقها # سفاه الصبا بين المدامة والشرب # ولكنها نفس تحن إلى العلا # حنين الحوامي الهيم للخصر العذب # | أفي الإنجليز مسلمون؟ # إلى الأستاذ زكي مبارك # جاء في العدد 60 من صحيفة الأفكار الغراء: أن المستر بكتال أحد أحرار الإنجليز ~~المسلمين ... إلخ، فهل في الإنجليز مسلمون؟ أو ما معنى ذلك؟ # محمد قاسم # بشارع رأس التين بالإسكندرية # إن كنت تريد مسلما ينصر الحق، وينجد الصدق، فيعق أهله في بر ms122 الفضيلة ويمقت قومه إن صفقوا ~~للرذيلة، فذلك ما لا تجود به الديار الأوروبية ولا تسمح به الأصول السكسونية، فغض الطرف عما ~~هناك، وخذ من جذع ما أعطاك. # وإن كنت تريد مسلما ينصر الدين بقوله، لا بفعله، ويحارب الظلم بلسانه، لا بسنانه، فإنك ~~واجد آلافا من الإنجليز، ومئات من الفرنسيس # وإذا لقوا الذين ~~آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ~~إنما نحن مستهزئون * الله يستهزئ بهم ~~ويمدهم في طغيانهم يعمهون ~~. ~~••• # في الغرب ملحدون، وفي الغرب مؤمنون، ولكنهم لا يكفرون إلا لتكفروا، ولا يؤمنون إلا ~~لتغفلوا، فحذار من كفرهم؛ فإنه رذيلة، وحذار من إيمانهم؛ فإنه حيلة. # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ~~. # | ليالي سنتريس # ليالي النيل واللذات ذاهبة # وجدي عليكن أشجاني فأضناني # لو يرجع الدهر لي منكن واحدة # في سنتريس ويدني بعض خلاني # إذا تبين دهري كيف يرحمني # من ظلم همي ومن عدوان أحزاني # كم ليلة لي بذاك النهر سالفة # قضيتها بين غادات وولدان ~~••• # وذي دلال هو الدنيا وزينتها # يردي الأسود بطرف منه نعسان # كأنما فعل عينيه بعاشقه # فعل المدامة في أعطاف نشوان # شربت من ريقه راحا مشعشعة # بخالص الود لم تمزج بسلوان # وكم حبيب براح الريق أسكرني # وكم جميل بورد الخد حياني ~~••• # يا موقد النار في صدري مؤججة # وقاطنا بين أنهار وريحان # عرج علي فما نفسي بصابرة # على نواك وما طرفي بوسنان # مع الصورة # سكنت إلى النوى ونسيت صبا # نحيلا كاد يقتله الحنين # فلما لم يجد في الحب صبرا # ولم ترحم جوانحه الشجون # تفانى في النحول فلو تبدى # لما فطنت لخطرته العيون # وها هو كالخيال أتاك يسري # مخافة أن تظن به الظنون # فأكرم نزله وارحم ضناه # فإن فؤادك الحرم الأمين # | في السياسة المصرية # لم نكن من الذين أدهشتهم الحوادث الأخيرة؛ لأننا لم نعتزم الجهاد إلا ونحن موقنون بأنه ~~شاق طويل، ولطالما نهينا أولئك الذين كانوا يسرفون في الإبراق إلى الأمة بالبشرى تلو ~~البشرى، كلما لاحت لهم ابتسامة من اللورد ملنر أو اللورد كرزون؛ ms123 ظنا منهم أنها ابتسامات ~~أبوية أو أخوية لا تصدر إلا عن رغبة خالصة وقلب سليم، وما دروا أن للسياسة طرائق كطرائق ~~الثعابين مشعبة معبدة، يحسبها الناظر أخاديد الماء الجاري، وهي مملوءة بالسم الزعاف. # حقا ~~إننا لم نفزع من هذه الشدائد ولم تزدنا إلا يقينا بما وطنا عليه النفس منذ البداية، من أن ~~المطلب العظيم يتطلب الجهد العظيم، ولو أننا استغربنا هذه الآلام المجددة لكان مثلنا مثل ~~الجندي الذي يدخل الميدان وهو باسم، حتى إذا رأى بريق السيوف وسمع دوي المدافع، انقلب على ~~عقبيه وهو يقول: لقد كنت أحسب الحرب لعبة جميلة، وكنت أظن النصر نتيجة لخطوة أو خطوتين في ~~الميدان! # كان هذا مثلنا لو أننا حسبنا العمل للاستقلال لا يزيد عن عرض القضية هنا أو السمو ~~بها إلى المفاوضة في وزارة الخارجية البريطانية، حتى إذا عبس الخصم بعد أن ابتسم، وخشن بعد ~~أن لان، ضاقت علينا الأرض بما رحبت وظننا أن باب الجهاد أغلق، ثم نكصنا على ~~الأعقاب. # أجل لقد كان من البلية أن يكتب في السياسة من يحاج خصومه بقوله: بيننا وبينكم شهر أكتوبر، ~~فيا عجبا! أكان الاستقلال قطعة من القماش وصى بها ذلك الكاتب تاجرا من تجار لندن، فهي آتية ~~في أول سفينة تقلع من هناك؟ # والآن بعد أن تبين الرشد من الغي لا نجد بدا من النصح لقصار النظر، وضعاف العزائم، بأن ~~يخلوا الطريق للسابقين الأولين من أساطين الوطنية وأبطال الجهاد؛ فإن الأمة لا تحتمل أكثر ~~مما احتملت من «العمليات الجراحية» التي تولاها المبتدئون في علم التشريح. # إن الوطن في مجموعه كالجسم، فكما لا يستطيع امرؤ أن يصبر على من يحاول قطع رأسه أو بتر ~~رجله، فكذلك لا تستطيع الوطنية المصرية أن تستسلم لمن يحاول التفريط في السودان أو قناة ~~السويس. فليت شعري أي غاشية تلك التي قضت بأن ينسى السودان في المفاوضة الأولى والمفاوضة ~~الثانية؟ وأي بلاء ذلك الذي طم حتى ساغ أن تصبح الأرض المصرية وكأنها ضيعة لبعض الناس يتصرف ~~فيها متى شاء وكيف شاء؟ ms124 # ألا فليعلم كل مشتغل بالقضية المصرية أنه لا يكتب لنفسه ولا لنظرائه، بل هناك شبان وأحداث ~~ينطبع في نفوسهم ما يقرءون، فما أفظع الجرم الذي يجترمه الكتاب المولعون بنشر الدعوة إلى ~~الرضى بالواقع، والقناعة بما يتناثر من موائد الاحتلال، إنهم يفسدون في كل يوم آلافا من ~~النفوس التي كانت تصبح نفوس أبطال لو سلمت من وساوس الداعين للخذلان، ويدخلون اليأس في قلوب ~~كانت لولاهم حافلة بالأماني والآمال. وعذر هؤلاء في أنفسهم أنهم يريدون أن يعيشوا وأن ~~يظهروا. فيا للفضيحة، ألأجل أن تظهر جماعة بمظهر القوة والجاه مثلا تبدد الملايين من سكان ~~وادي النيل بفضل التغرير والتضليل؟! # لقد جربنا هذه الأمة فوجدناها أسلس الأمم قيادا إذا وثقت بالقواد، ولم ننس تلك الأيام ~~التي هدى الله فيها بعض النفوس، فانحازت إلى الداعين إلى مقاطعة ملنر من القائلين بدولية ~~القضية المصرية، وكانت نتيجة تلك الدعوة أن خفت صوت الرضائيين ومن تسميهم السياسة اليوم ~~بالمعتدلين، وظهرت الوطنية جليلة مهيبة وقفت بجانبها الجرائد الإنجليزية المحلية، تطيل ~~الأنين والعويل. # ثم قدم ملنر وهو مستخف بالليل لم يبشر بقدومه البرق، ولم يعلن لمجيئه ~~استقبال، وتجنب السائحون الإنجليز زيارة الأحياء الوطنية، لئلا يظن أنهم من حاشية اللورد ~~ملنر فترتفع إليهم الأبصار الشواخص، ثم مكث اللورد بيننا أياما ظن فيها أن مصر بمائها ~~وهوائها وسمائها وأرضها، ليست إلا مصرعا للظلم والاستبداد، وقد فزع إلى النيل يغدو فيه ~~ويروح ليذهب عن نفسه اليأس والقنوط، فلم يكن النيل أرأف به ولا أرحم، فانقلب إلى أهله وهو ~~حزين. # تلك أيام خلت، سنعيدها جذعة إذا استطعنا أن نقي شجرة الوطنية تلك الهمزات القديمة التي ~~نخشى إن تكررت اليوم أن تحلحل الجذع، فإذا هو طريح، ونحن الذين كنا شجى في حلق الاستعمار ~~حتى لم يزدرد ماء النيل، وهو سائغ الشراب؛ سنظل على ما عهد فينا من وطنية تضرب بها الأمثال ~~حتى نلف في أكفاننا أطهارا أبرياء، لم يسمع منا الغاصب كلمة لينة، ولم يظفر منا بالتنازل ~~عن شيء من الحق كثير أو قليل، وإذا ms125 وجد من الناس من يظن أن المجد كل المجد في أن يوقع على ~~وثيقة يجري ذكرها في الأندية السياسية هنا أو هناك، فيحسب من رجال التاريخ وهو لو يعلم عبد ~~ذليل؛ فإننا نؤمن من أعماق القلوب بأننا ما خلقنا لنشقى في سبيل السعادة القومية، ونزيد ~~إيمانا بوجودنا الصحيح كلما أحاقت بنا الرزايا في هذا السبيل، وستظل قلوبنا كالزهر يبتسم ~~كلما بكت من فوقه السماء، ولن يكون اغتباطنا بالبلايا قاصرا على البلايا التي يصبها علينا ~~المستعمرون، بل ستظل قلوبنا مفتوحة لمثل ما تحملناه أيام المعارضة في مشروع ملنر من التهم ~~المختلفة التي رمانا بها فريق من الذين انخدعوا بالوعود الكواذب، وسنقول وقتئذ ما قاله خاتم ~~الأنبياء: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.» # | أين صفو الشباب؟ # خليلي كفا من ملامكما عني # فإني أرى الأخطار قد بلغت مني # تريدان مني صبوة عامرية # ونشوة وضاح الأسارير مستغن # لقد كان هذا والشباب مشفع # لدى البيض والأيام غافلة عني # ألا رب ليل بت فيه منعما # بلينة الأطراف ساجية الجفن # تدار على الراح من لحظاتها # فسكر بلا خمر وخمر بلا دن # لعمري لقد أقصرت عن عبث الصبا # وودعت أيامي بمنعطف الحزن # وما كان بعدي - يعلم الله - عن قلى # ولكنها الأيام تقصي ولا تدني # بكيت على صفو الشباب لأنني # قضيت شبابي في مكافحة الحزن # ومالأت أهل العصر حتى بلوتهم # فلم ألق من حر ولم أرض عن خدن # داو همك بالبر # شكا ما به والهم يرسل دمعه # أفانين شتى من عقيق ومن در # فقلت له أسعف فقيرا وداوه # عسى يكشف الرحمن ما بك من ضر # | في موقف التوديع # لم أجد فيما أعرف من فلسفة اللغة أصدق من كلمة «وداع»؛ فإنها مفترقة الحروف إذ كانت تؤذن ~~بالفراق: # ومهجتي ساعة توديعه # تفرقت مثل حروف الوداع # فإن أردتم جمع تفريقها # فذاك موقوف على الاجتماع # الوداع، ما هذا الذي أجد عند كتابة هذه الكلمة؟ ما لي أغص بريقي حين أراها مسطورة في ~~كتاب؟ أتراها قبست من قلوب المودعين فهي جمرة تلتهب ونار تشتعل؟ ms126 أم تراها أخذت من زفراتهم ~~المتقطعة، فهي تقطع القلوب، وتفتت الأكباد؟ وما لي أراها محزنة مبكية؟ أتراها عين ما سمي ~~بها، ونفس وما وضعت له؟ أم هي مقلوبة عن «أوعد» ففيها الإرهاب والتخويف؟ # أما - والله - إنه ليخيل إلي أن واوها أخذت من الوجد، ودالها من الوعد، وألفها من الدار، ~~وعينها من الدمع، فكان أولها لهيبا، وآخرها نحيبا، ثم كان افتراق حروفها نذير الفراق، ~~فأخلف الوعد وبعدت الدار. # وكنا جميعا قبل أن تظهر النوى # بأنعم حالي غبطة وسرور # فما برح الواشون حتى بدت لنا # بطون الهوى مقلوبة لظهور # الوداع؟! يا عجبا! وهل أبقت مني مواقفه المشجيات، ومشاهده المبكيات، ما أقدر به على ~~استحضارها وتصويرها، اللهم إلا ما أعرف من نومي المطرود، وهمي الممدود، وذلي الموجود، وعزمي ~~المفقود، ودمعي المسكوب، وقلبي المحروب، وصبري المغلوب، ثم ما أغص به من شماتة العذال، وما ~~أشجى له من رحمة الأحباب؟ # فلرحمة المتوجعين حزازة # في النفس مثل شماتة الأعداء # وما أعاني من حسرة في صباحي، ولوعة في مسائي، حتى عدت أضنى من جفن الحبيب، وأقل من نوم ~~الرقيب. # فيا فوز لو أبصرتني ما عرفتني # لطول نحولي بعدكم وشحوبي # الوداع، لعلي ما رأيت نعمة في نقمة، ومنحة في محنة، أو بؤسا في نعيم، وروحا في جحيم، ~~إلا في موقف التوديع، ومشهد التشييع. فلو رأيتني حينذاك لرأيت يسراي على قلبي مخافة أن ينشق ~~الصدر عنه، فإذا أنا صريع، ويمناي تتعرف معالم الترف ومعاهد النعيم، من حبيبي الراحل وأنيسي ~~الظاعن، فإذا رأيت ثم رأيت وحشة وأنسا، ونعمة وبؤسا، ورأيت عينا لم تشغلها الدموع عن ~~النظر، ولا أغناها النظر عن الدموع، فهي ناعمة بائسة، وآملة يائسة، وضاحكة باكية، وطائعة ~~عاصية. # حجبوها حتى بدت لفراق # كان داء لعاشق ودواء # أضحك البين يوم ذاك وأبكى # كل ذي صبوة وسر وساء # فجعلنا الوداع فيه سلاما # وجعلنا الفراق فيه لقاء # الوداع، إنه كالعشق، يجعل الجبان شجاعا، والبخيل سخيا، فقد كنت أجبن عن لقاء من أهوى، ~~فجرؤت يوم البين على سلامه، وحديثه وضمه وعناقه، وكان ms127 بخيلا بملاطفتي ومجاملتي، فسخا يوم ~~ذاك، وحياني وفداني. # لم أنس إذ ودعته والتقى # ذا البدن الناعم والناحل # كأنما جسمي على جسمه # غصنان ذا غض وذا ذابل # يا رب ما أطيب ضمي له # إلي لولا أنه راحل # لقد كنت في شك من حبه إياي، ورفقه بي، وعطفه علي، فكنت أغالب الدمع، وأصانع الحزن، ~~أما اليوم، فقد عرفت مكانتي عنده، ومنزلتي لديه، فلينزل الدمع غير مدافع، وليغلب الحزن غير ~~منازع. # ووالله ما أدري أيغلبني الهوى # إذا جد جد البين أم أنا غالبه # فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى # فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه # | بعض الناس # أديب ملك الآداب حتى # لتنسى حين تذكره الوليدا # تخال نثيره درا نثيرا # وتحسب نظمه درا نضيدا # كأن حديثه نسمات صبح # حملن إلى أخي كلف بريدا # معاذ الحب أن ينساك قلب # يراك على الزمان أبا ودودا # وقد قل الوفاء وغاض حتى # لتحسب كل إنسان كنودا # ليهن المرء ترشده فيعلو # زهيرا في الإجادة أو لبيدا # ليهن المرء تصحبه فيمشي # على صلف كأن صحب الرشيدا # لئن كانت بنات الدهر سودا # وكان الدهر جبارا عنيدا # فقد ظفر الأنام بمصمئل # غدت غير الزمان له عبيدا # يشق غلائل الظلماء حسنا # ويهتك جنة البأساء جودا # | الفزع إلى الحكمة # أيتها الحكمة، أنت وحدك القادرة على هدايتنا في مجاهل الحياة، أنت التي تحيين الفضيلة، ~~وتميتين الرذيلة، وما عسى أن نكون إذا ضللنا إليك السبيل؟ # أنت التي أنشأت المدائن حين ألهمت الناس في افتراقهم حب الاجتماع، أنت التي قربت بين ~~منازلهم فعودتهم الاتحادات المقدسة، وأبدعت لهم اللغات والخطوط، أنت التي أمليت القوانين، ~~وكونت الأخلاق وهذبت الشعوب. # إني لأبحث عن مأوى بالقرب منك أيتها الحكمة، وإني لأستمد منك المعونة. إلى هنا أنا مسرور ~~باتباع وصاياك في بعض أعمالي، والآن ألقي بنفسي بين أحضانك، وإن يوما واحدا أمضيه في ~~الخير - وفقا لما تأمرين - لخير وأبقى من الخلود الجاني. # إلى أية قوة نلجأ غير قوتك العاصمة؟ أنت التي تهبيننا طمأنينة الحياة، وترفعين عنا فزع ~~الموت (معربة). # شيشرون # العام الفائت (1919) # يقولون ms128 عام روعتنا خطوبه # وسالت به منا الدماء الدوافق # فقلت لهم لا تتبعوه ملامة # فقد بعثت فيه الأماني الصوادق ms129