######OpenITI# #META# URI: 1371ZakiMubarak.HubbIbnAbiRabicaWaShicruhu.Hindawi50704646 #META# Tags: poetry #META# ID: 50704646 #META# Title: حُب ابن أبي ربيعة وشعره #META# AuthorID: 41796397 #META# Author: زكي مبارك #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # كلمة‏ # كلمة نقد‏ # كلمة المؤلف في الطبعة الأولى‏ # من النفس إلى النفس‏ # مقدمة الطبعة الثالثة‏ # المحاضرة الأولى‏ # المحاضرة الثانية‏ # المحاضرة الثالثة‏ # أخبار الملاح‏ # تأثير ابن أبي ربيعة في شعراء اللغة العربية‏ # الملح والفكاهات‏ # الإهداء‏ # كلمة‏ # كلمة نقد‏ # كلمة المؤلف في الطبعة الأولى‏ # من النفس إلى النفس‏ # مقدمة الطبعة الثالثة‏ # المحاضرة الأولى‏ # المحاضرة الثانية‏ # المحاضرة الثالثة‏ # أخبار الملاح‏ # تأثير ابن أبي ربيعة في شعراء اللغة العربية‏ # الملح والفكاهات‏ # | حب ابن أبي ربيعة وشعره # | حب ابن أبي ربيعة وشعره # تأليف # زكي مبارك # يا ابني أخي! لقد كنت موكلا بالجمال أتبعه، وإني رأيتكما فراقني حسنكما وجمالكما، ~~فاستمتعا بشبابكما قبل أن تندما عليه. # عمر بن أبي ربيعة المخزومي # | الإهداء # إلى الوالد الكريم الشيخ عبد السلام مبارك # ما زلت أمرح في نعمى وعافية # من نيلك الجزل أو من رأيك الحسن # وأسهر الليل في علم وفي أدب # أبغي رضاءك عن قصدي وعن سنني # وأستقل لأجل الفضل ما سمحت # به الليالي لأهل الفضل من محن # حتى بلغت بجدي بعض ما طمحت # إليه نفسي كما يرجوه لي وطني # فاليوم أهديك ما أبدعت من أثر # أبقى على الزمن الباقي من الزمن # ولدكم زكي مبارك # 27 فبراير سنة ~~1919 # | كلمة # من كان بطبعه ميالا إلى الحرية في الفكر، والاستقلال في الرأي، وكان مع ذلك محبا ~~للإنصاف، راغبا في الاعتدال فليقرأ هذا الكتاب، فإنه ينمي فكرته، ويقوي شخصيته، ~~ويزيده بصرا بالنقد، وعلما بالشعر، ويهديه السبيل إلى فهم الأدب، والحكم على ~~الشعراء. # وجدير بمن نظر فيه أن يكمل علمه، ويكبر عقله، لما عرف به الأستاذ زكي مبارك من سلامة ~~الذوق، وأصالة الرأي، وما امتاز به من بعد النظر، ودقة الملاحظة، مع ما له من رشاقة ~~الأسلوب، ومتانة التركيب، إلى غير ذلك من الميزات التي تجعلنا نأمل كثيرا أن يكون هذا ~~الابن البار إماما من أئمة الأدب، وعظيما من عظماء الأمة. # جعله الله قدوة لشبابنا العاملين، وأبنائنا الناهضين، والسلام. # مصطفى القاياتي # 1 # 25 فبراير سنة 1919 # | هوامش # | كلمة نقد # | لحضرة الباحث الكبير ms001 الدكتور طه حسين # أقول هذا كله بعد أن فرغت من قراءة رسالة صغيرة، ولكنها قيمة ممتعة، للدكتور زكي ~~مبارك خريج الجامعة المصرية، تناول فيها شعر عمر بن أبي ربيعة، فدرسه من بعض نواحيه ~~درسا حسنا يسرني أن أهنئه به، ويسرني أيضا أن أنتهز هذه الفرصة لتسجيل ما ~~للجامعة المصرية من فضل على عقول الشباب. ولكن الدكتور زكي مبارك وهو شاب حاد ~~الشباب عنيفه، أسرف في نقد مصعب بن عبد الله إسرافا جعله إلى الظلم أقرب منه إلى ~~الإنصاف، وليس مصدر هذا الإسراف إلا أنه لم يقدر كما ينبغي اختلاف المثل الأدبية ~~باختلاف العصور والأجيال، وما أحسب إلا أنه عائد إلى هذا النقد، فملطف ما فيه من ~~حدة ومزيل ما فيه من جور. # حديث الأربعاء ج2 ص142 # | كلمة المؤلف في الطبعة الأولى # هذه المحاضرات ألقيت في فبراير سنة 1919 في الجامعة المصرية على أنها دروس تمرين، وكنت ~~لقيت من إعجاب الأستاذ الدكتور أحمد ضيف والأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار، والأستاذ الشيخ ~~مصطفى القاياتي ما حبب إلي ظهورها في كتاب يتناوله عشاق الآداب، ثم لم أكد أشرع في طبعها ~~حتى كانت النهضة المصرية، فكتب الله لنا أن نمت بسبب إلى الذائدين عن مصر والسودان، ثم ~~اعتقلت مدة غير قليلة أنكرت فيها كل ما يوحي به الشباب! ثم عدت من المعتقل، ونظرت ثانية ~~في تلك الصحائف المطوية، فرأيت فيها أثرا من آثار الثقة بالنفس، وعز علي أن لا يجد ~~نسيم الشباب فضاء يملؤه بالعزيمة والثبات. # وإني لموقن أن في الناس من لا يطرب لهذا النحو من البيان، ولكني لم أكتبه إلا لمن قدر ~~له أن يدرك أسرار الجمال، وهدى الله من يحسب أن التأليف لا يصلح إلا في الأبحاث التي تشبه ~~بعض الأذهان في الجمود! ولعلي أجد من الشجاعة الأدبية ما أعيد به طبع هذا الكتاب مع ما ~~سيقال فيه من مدح وهجاء! وإني لأرحب بكل كلمة فيها نفحة من النقد المبني على فهم وإدراك، ~~فمن شاء أن ينشر له شيء من ذلك ms002 في الطبعة الثانية، فليبعث به إلي لأعرض على الناس طائفة ~~من العقول! وكل امرء بما كسب رهين! ~~••• # وإني أقدم الشكر الخالص من شوائب العقوق لأساتذتي في اللغة والأدب: الشيخ سيد المرصفي، ~~ومحمد بك المهدي، والشيخ علي عبد الرازق، والشيخ مصطفى القاياتي، والدكتور أحمد ~~ضيف. # 1 # | هوامش # | من النفس إلى النفس # «في كتاب «البدائع» كلمة للمؤلف في نقد هذا الكتاب، رأينا إثباتها هنا ليرى القارئ كيف ~~تعز سيئات الكاتب عليه فلا يمحوها، وإنما يعتذر عنها برفق ليسوغ لها البقاء.» # في فبراير سنة 1919 ألقيت ثلاث محاضرات في الجامعة المصرية عن حب ابن أبي ربيعة وشعره، ~~تحت إشراف الأستاذ الدكتور أحمد ضيف، وقد طبعت هذه المحاضرات بعد إلقائها بقليل، ويرى ~~الناظر في تقدمة الكتاب هذه الكلمة الجريئة: # وإني لموقن أن في الناس من لا يطرب لهذا النحو من البيان، ولكني لم أكتبه إلا ~~لمن قدر له أن يدرك أسرار الجمال! وهدى الله من يحسب أن التأليف لا يصح إلا في ~~الأبحاث التي تشبه بعض الأذهان في الجمود! # وقد نفذت الطبعة الأولى من هذا الكتاب، وستظهر الطبعة الثانية عما قريب، من أجل هذا ~~أسبق النقاد إلى بعض المآخذ التي أراني مضطرا إلى إبقائها، إجلالا للثقة بالنفس، ~~وإكبارا لنزق الشباب! انظر قول ابن أبي ربيعة: # أبرزوها مثل المهاة تهادى # بين خمس كواعب أتراب # وهي مكنونة تحير منها # في أديم الخدين ماء الشباب # ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا # عدد الرمل والحصا والتراب # أتدري كيف علقت على هذه الأبيات الحسان؟ اقرأ الكلمة الآتية: # ووجه الحسن في تحيير ماء الشباب أنك تنظر إلى الخدود الموردة، فتراها كالشفق ~~تتنقل من تحته الشمس، أو كالمشكاة يتموج في قلبها المصباح. # في سبيل الحب تلك النظرة! يوم رأيته وقد أبل من حمى أضرعته، فرأيت ماء ~~الشباب يدب في تلك الخدود وهي صفراء كالورس، فيعيدها حمراء كالورد، وإذا الأنس ~~يتمشى في فؤادي لشفائه، تمشي البرء في أعضائه. # وهذا استطراد لا يشك القارئ في أنه غير محمود، ولكني أستغفر الله! # وفي موطن آخر ms003 يجد القارئ هذه الكلمة: # لم يكن ابن أبي ربيعة ممن إذا غاب عنه حبيب أخذ في البكاء عليه، والحنين إليه، ~~تلك سبيل الشعراء المفجعين، الذين كانت قلوبهم أعوانا للدهر عليهم، وكانت نفوسهم ~~أخصاما لهم، أولئك هم المعوزون في عالم المحبة، والمحرومون في دولة الصبابة، أولئك ~~الذين يرون الجمال ظلا ظليلا، ثم لا يستطيعون أن يتفيئوا ما له من وارف الظلال، ~~أولئك الذين يحسدون الغلائل على الأعطاف، والعقود في النحور، وكيف يكون ابن أبي ~~ربيعة مثلهم مسكينا في شعره، وما كان مسكينا في حبه؟ أم كيف يصف البكاء والمدامع، ~~وما ألمت نفسه، ولا دمعت عينه؟ بعدا للذلة حتى في الحب؟ وتبا للمسكنة ~~حتى في الغرام! # وهذه صورة نفسية قد لا يقتضيها موضوع الحديث، ولكن هذا الذي كان! ويرى القارئ ~~في هامش الصفحة الثانية عن ترجمة الشيخ حسين الحكيم ما نصه: # وكان - رحمه الله - آية الآيات في حسن الخلق، وصباحة الوجه، وأصالة الرأي، وحلاوة ~~الحديث، وكان لا يعدله عندي غير شقيقي «سيد مبارك» الذي فقدته معه في أسبوع واحد، ~~وكان موتهما معا بالحمى الإسبانية، لا رد الله لها غربة، ولا قدر لها رجعة، ~~وكان أخي سيد من أقوى الفتيان بأسا وأمضاهم عزيمة، ولو عاش لضربت بشجاعته ~~الأمثال. # وقد سألني بعضهم عما يعني القارئ من هذا التفصيل؟ فأجبته: إنه يعني مؤلف الكتاب! # ويرى القارئ هذه الكلمة عن عواطف أهل الحضر: # وقلما يصدق للحضريين حب، أو تبقى لهم صبابة، إذ يرون من متمات الظرف، ~~ومكملات الأدب، أن يحيا الرجل بعين باكية، وقلب خفاق، فلا يزالون يتلمسون الهوى ~~ويتحسسون الصبابة، حتى تتاح لهم أسبابها، وتساق إليهم همومها. # وأنا الذي اجتلب المنية طرفه # فمن المطالب والقتيل القاتل # وهذه مسألة فيها نظر كما يقولون! ~~••• # ولا أستطيع أن أعد ما في كتاب «حب ابن أبي ربيعة وشعره» من الهفوات، ولكني أحمد الله على ~~أني وفقت إلى تصوير ابن أبي ربيعة وتمثيل حياته، حتى كأنك تراه. # | مقدمة الطبعة الثالثة # صار جدا ما مزحت به # رب جد جره اللعب # إي ms004 والله! فقد كنت ألهو وألعب يوم كتبت ما كتبت عن ابن أبي ربيعة منذ تسع سنين، وأنا طالب ~~بالجامعة المصرية، وليس معنى هذا أنني كنت أتخذ الحب والجمال سبيلا إلى العبث والمجون، ~~كلا! فقد كان الجمال كما فهمته في ذلك الحين محرابا تخشع في مصلاه القلوب، ولكن معناه ~~أنني كنت أقبل على الحب والحسن إقبال الغافل، الذي لا يدري ما تكن خمائل الأزهار من ~~عاديات الأفاعي وقاتلات الصلال. # ولقد أذكر - والنفس تأكلها الحسرة على سذاجة تلك الأيام الخالية - أنني قلت في أول محاضرة ~~ألقيتها عن ابن أبي ربيعة: «إن الحب نفحة من نفحات النبوة»، ثم أخذت أقيم على ذلك الأدلة ~~والبراهين، فعارضني جماعة من المستمعين على رأسهم صديقي الأستاذ الشيخ عبد الجواد رمضان، ~~فلما كانت المحاضرة الثانية كنت قد أخذت الأهبة للدفاع عن تلك النظرية، وكان صديقي قد ~~استقدم طائفة من زملائه علماء الأزهر لمعاونته إذا جد الجد واحتدم النضال، فما هي إلا ~~أن قلت: «أيها السادة! لقد أسلفنا في المحاضرة الماضية أن الحب نفحة من نفحات النبوة»، ~~حتى انفجر الأشياخ دفعة واحدة مطالبين بوقف هذا الهراء، فتدخل الأستاذ الدكتور أحمد ضيف، ~~وأبان لهم في رفق ودعابة أن الحب «كلام فارغ»، وأنني على خطأ فيما أقول مبين، وأشار إلي ~~بتخطي هذه الفكرة، وطي كل حديث فيه نبوة وأنبياء، حتى لا يثور القوم من جديد! # وكذلك عرفت لأول مرة بفضل تلك المعارضة العنيفة، أن الحب مهما سمت أغراضه لا يجد من ~~القوة ما يدفع به عدوان الجامدين الذين يحسبون الفضل كل الفضل أن يحيا الرجل بقلب مغلق ~~متبلد، لا يفقه معنى الحب، ولا يدرك أسرار الجمال، فعدت إلى ما كتبته عن الحب والنبوة، ~~فمحوته كما يمحى الضوء من تجاليد الليل، وأقبلت على نفسي أعدها للجد الصراح الذي يكبح ~~غمزات اللازمين، ويردع لمزات اللائمين. # ولكن كيف وقد صار الحب في نفسي أخطر أنواع الجد، وعدت أرى الجمال الإنساني أروع ما في ~~الوجود، واستطعت أن أقول في مقدمة «مدامع العشاق»، وأنا أقيم الدليل ms005 على أن الإنسان لباب ~~الطبيعة وسرها المكنون: # وما قيمة الليل إن لم تظلني في الحب ظلماؤه؟ وما قيمة البدر إن لم يذكرني بالثغر ~~لألاؤه؟ وما جمال الأغصان إن لم تهزني إلى ضم القدود؟ وما حسن الأزهار إن لم ~~تشقني إلى لثم الخدود؟ وكيف أميل إلى الظباء لو لم تشبه بعيونها وأجيادها ما ~~للحسان من أعناق وعيون؟ وكيف أصبو إلى غنة الغزال لولا ذكرى تلك النبرات العذاب ~~التي يسمونها: السحر الحلال؟ # وما أنس لا أنس أن كتاب «مدامع العشاق» أثار علي رجلا، هو منذ سنين على رأس الحياة ~~العقلية في مصر والشرق، وأن أستاذي الدكتور طه حسين كتب عنه فصلا في جريدة السياسة فنالني ~~بملام عنيف، وكنت جديرا بالانصراف عن هذا النحو من البحث؛ ترضية لتلك النفوس النبيلة، ~~التي تشفق علي من ظلمات الإفك وحنادس البهتان. # ولكن كيف وقد صار الحب مرضا عضالا لا يرجى له برء ولا شفاء، وأصبحت وأصدق ما ~~أحدث به عن نفسي كلمتي إلى صديقي الأستاذ أنيس ميخائيل حين أقول: # أرجو أن تعلم أن إدماني على الاغتباق بما أودع الله الليل من سحر يتمثل في بدره ~~المشرق، أو ظلامه المسدول، والاصطباح بمطالعة ذلك الكتاب الخالد كتاب الوجود، ودرس ~~ما فيه من غرائب الملاحة وبدائع الجمال، أحب أن تعلم أن هذه الحياة الوجدانية، التي ~~يحياها رجال الأدب طائعين أو كارهين، توقد الحس وتلهب الخيال، حتى ليصبح القلب ~~في سعير من الظمأ، وهو يسبح في كوثر من النعيم، ومن هنا تجد من لا يزال يشكو ويعتب ~~وهو في ظل من النعمة ظليل. وكذلك أحسب أن الطبيعة مدينة لإعجابي وإحساسي بما فيها ~~من زهرة تتفتح أو غصن يميد، وأراني صاحب الفضل على كل عين ترنو وكل قد يميس، وقد ~~يلح الإسراف ويلج الطغيان، فأنكر أن يكون غذائي في هذه الدنيا من الخبز ~~والماء، وتمتد عيناي إلى انتهاب ما عز واستعصم من أسالة الخدود، ورشاقة القدود، ~~وتسمو نفسي إلى اقتناص ما ند من شوارد المنى وأوابد الآمال، ويتمرد قلبي كلما ~~أحس ms006 سانحة تتمنع، أو قناة لا تلين. ولو شاء الحسن لبطش بمن لا يؤمنون بأن له ~~وحده العزة والجلال، وصعق من لا يسبحون له في الغدو والآصال، ولكن حاشاه أن ~~ينفرني من رياضة وأنا شاعره ومجنون ليلاه، أو يذودني عن حياضه، وأنا حارسه ~~والساهر على حماه. # إذن لا مفر من العودة إلى ابن أبي ربيعة، أوصف الشعراء لربات الحجال! ولكن كيف نعود ~~إليه؟ # الأمر يسير! ألم تنفذ الطبعة الثانية من كتاب «حب ابن أبي ربيعة وشعره»؟ فلنطبعه من جديد، ~~وفي هذا كفاية لمصافحة شاعر الحب والجمال؛ ولننتهز هذه الفرصة لنتكلم جادين أو مازحين عن ~~العشق والصبابة والحسن والصباحة، ولنقلب هذه الكلمات على جميع وجوهها، ولنطل فيما تتصل ~~به من جد القول وهزله، وحلوه ومره، ولنجل صدأ النفس بتصريف هذه البضاعة التي سمعت غير ~~مرة أنها نوع من اللغو، وضرب من الهراء، وأنها شغل من لا شغل له من كل فارغ الرأس دقيق ~~الإحساس! حسن! فلنكتب على بركة الله، أو على وجه الحب مقدمة للطبعة الثالثة! # ولكن ماذا نقول؟ لا بد من جديد، فإن قراء اليوم لهم نيات أشد تعقيدا من ضمائر الوشاة، ~~ولهم أبصار أحد من عين الرقيب! # وبينا أنا أعد نفسي لكتابة هذه المقدمة مرت بي حوادث خطيرة، زادتني ثقة بأن بني آدم ~~كأنما خلقوا؛ ليبغي بعضهم على بعض، وليكون أشرارهم حربا لأخيارهم، ولتكون كرائم الخلال من ~~المودة والوفاء والإخلاص براقع يلبسونها؛ ليخفوا ما فطر عليه لئامهم من الغل والحقد، ~~وما درجوا عليه من الإثم والبغي والعدوان. # وكذلك أمضيت ثلاثة أسابيع أفكر في أناس سقيتهم الشهد فسقوني العلقم، وأصفيتهم الود ~~فأصلوني نار الجحود! والآن أستطيع أن أتقدم إليك أيها القارئ بشيء جديد! أتدري ما ~~هو؟ # أستطيع أن أقول لك: إن هذه الحياة أغلى وأثمن من أن تضيع في معاشرة حاسد لئيم العم ~~والخال، أو محاورة غبي قد رأسه من الظلمة، وصيغ عقله من الهباء، أو مصافحة صديق يتجنى ~~عليك وهو يعلم أنك في طهر الملائكة، ونبل الأنبياء. وستقول: أهذا جديد؟ ms007 ألم يقل به فريق من ~~الفلاسفة قبل اليوم؟ # وأجيبك بأن ابن أبي ربيعة نفسه جهر بما يشبه هذه الدعوة، والمتنبي زاد عليها حين قال في ~~السخر من ملاحة الملاح: # مما أضر بأهل العشق أنهم # هووا وما عرفوا الدنيا ولا فطنوا # تفنى عيونهم دمعا وأنفسهم # في إثر كل قبيح وجهه حسن # تحملوا حملتكم كل ناجية # فكل بين علي اليوم مؤتمن # ما في هوادجكم من مهجتي عوض # إن مت شوقا ولا فيها لها ثمن # فليكن هذا جديدا علي وحدي أيها القارئ، ولأكتف بالابتهال إلى الله أن يهبك من ~~البصر بالطبائع والخلائق ما يحول بينك وبين السكون إلى ورد يحلو يوما ليمر أعواما، ~~والإخلاد إلى نفوس تصفو لحظة لتكدر دهرا، والرضا عن حظوظ هي في رأي العين مطامع وأهواء، ~~وفي نظر العقل مصائب وأرزاء! # إذن، لم يكن إدماني على كأس الحب شرا كله، ولا إسرافي في رعاية الحسن إثما كله، بل ~~أستطيع بعد اليوم أن أعد غوايتي هدى، وأن أحمد الله على أن جعل لي في ظلال الحسن مقيلا ~~أنسى فيه لفحات الأسى، ولذعات الأشجان. # ولكن أين مواسم ابن أبي ربيعة؟ أين مناسك الحج حيث تعرض نفائس الجمال، وروائع الحسن، ~~وغرائب الملاحة من الحجاز والشام والعراق؟ الله كريم، كما يقول الأتراك! # فإنه حين خلق الطرف الجامح، والقلب الخافق، أنشأ بجانبهما في كل بقعة وفي كل زمان، ~~ملاعب للغيد ومراتع للظباء! # هو إذن رأي أدين به، وأذهب إليه، فلست والله سيئ القصد، ولا أسود الغرض، ولا أنا ممن ~~يعيثون في الأرض ويهتكون الحرمات، فليطمئن أساتي المشفقون علي من تقول المفترين، ~~وتزيد المعتدين، فقد صممت منذ زمان على أن أساير الفطرة، وأجاري الطبيعة، وأن أقف ~~حيث يقفني وحي الواجب، وصوت الضمير، وإن الموت لأحب إلي من أكون رجلا يقال له: كن ~~فيكون! # فإن عشت صافحت الثريا وإن أمت # فإن كريما من تضم الصفائح # وبعد فقد رأيت أن أضيف إلى هذه الطبعة فصولا عن حب ابن أبي ربيعة وشعره، أفصل بها بعض ~~ما أجملت في تلك ms008 المحاضرات الثلاث، فأثبت رائيته التي أعجب بها ابن عباس مصحوبة بالشرح ~~والتفسير، وأترجم مصعب بن عبد الله الذي انفرد بين القدماء بتقديم مزايا شعره إلى الجمهور، ~~وأتحدث عن معشوقاته اللائي أضرمن في قلبه نار الحب، وهدينه إلى سواء النسيب، وأذكر بعض ~~الفكاهات التي اتصلت به وجرت مجرى الأمثال. # غير أني أحب أن أنتهز هذه الفرصة لأعرض لك رأيي في إيثار الأدب المكشوف، إذ كنت واثقا من ~~أنك سترى في جملة هذا الكتاب ما أخشى أن تتحرج منه، أو تتنكر له، مع أن الأدب كالفن يجب ~~أن يسمو عن الأوضاع والتقاليد، حتى لا يفتر ويضوى بوضعه تحت رحمة المتزمتين من رجال ~~الدين، ورعاية المتحرجين من دعاة الأخلاق. # ألا ترى أنك لو عمدت إلى امرأة جميلة فصورتها وهي في لباس المصرية، أو الفارسية، أو ~~التركية، أو الإنجليزية، أو الألمانية لكان لذلك اللباس أثر سيئ في وضع تلك الصورة في حدود ~~ضيقة، تحبسها حيث يليق ذلك الزي ويقبل ذلك الهندام؟ ولكنك لو صورتها عريانة حيث صاغها ~~الحسن، ورسمها الدلال لبقيت «إنسانة» تروق الإنسانية في جميع البقاع. # ولأمر ما وضع الأقدمون «فينوس» عارية الجسم، غانية عن الحلي واللباس! إنهم وضعوها ~~كذلك لتبقى منية الأفئدة، ونهبة العيون، في جميع الممالك، وعلى اختلاف الأجيال. # وكذلك الأدب يسمو بقدر ما يتحرر من قيود الزمان والمكان، فالقصيدة أو الرسالة التي تعبر ~~عن معنى من المعاني الإنسانية أبقى على الدهر من التي تعبر عن نزعة مصرية أو إنجليزية، فإن ~~النزعات الموضعية عرضة للتغير والزوال، ولكن الميول الإنسانية جديرة بالخلود، والأدب ~~المستور إنما يغشى بالحجب المحلية التي لا ندري أتبقى سائغة مقبولة، أم يعدو عليها ~~البدع المستطرف فيلقي بها في مهاوي الخمول؟ # ولقد ظن الناس، حين شاهدوا المناظرة التي قامت بين الأستاذ سلامة موسى والأستاذ توفيق ~~دياب، أن هذه أول مرة يختلف فيها أدباء اللغة العربية في المفاضلة بين الأدب المستور ~~والأدب المكشوف، ولكن الواقع أن هذه المسألة بعينها كانت مثار الجدل عند المتقدمين تحت اسم ~~آخر هو الخصومة بين ms009 من يوجبون أن يكون الكلام جدا كله، وبين من يؤثرون أن يمزج حيث يقتضي ~~الحال بشيء من الدعابة والمجون. # ولو عدنا إلى رجال الأدب في تلك العصور التي نهضت فيها اللغة العربية، ولفتت أنظار العالم ~~في الشرق والغرب إلى ما فيها من عناصر القوة وأصول الحياة، لوجدنا أكثرهم من أنصار الأدب ~~المكشوف، فهذا أبو الفرج الأصبهاني يودع كتاب «الأغاني» كل ما عرض له من أخبار الخلفاء ~~والشعراء والكتاب بعبارة حرة صريحة مكشوفة، لا يثقلها قيد ولا يحجبها قناع، وهذا النويري ~~يكتب نهاية الأرب بحرية خالصة لا يشوبها تحرج، ولا يحدها تنسك، وهذا الجاحظ يأبى أن ~~يحرم القارئ من ثمار اطلاعه التي جمعت ما تفرق من شهوات العقول، وهذا الثعالبي يفرط في ~~تصيد ما شرد من روائع الملح والفكاهات، ونوادر الساسة والملوك، ولا ننس ابن منظور الذي ~~أشعر الناس بأنه جبار أهل الجد حين وضع لسان العرب، ثم رجع فراعهم بدعابته حين وضع ~~أخبار أبي نواس. # على أنه من الخير أن نقدم للقارئ بعض ما يقوله هؤلاء الأفذاذ في إيثار الأدب المكشوف، ~~ولنكتف بقول ابن قتيبية في مقدمة «عيون الأخبار»: # وسينتهي بك كتابنا هذا إلى باب المزاح والفكاهة، وما روي عن الأشراف والأئمة ~~فيهما، فإذا مر بك أيها المتزمت حديث تستخفه أو تستحسنه أو تعجب منه، أو تضحك له، ~~فاعرف المذهب فيه وما أردنا به. # واعلم أنك إن كنت مستغنيا عنه بتنسكك، فإن غيرك ممن يترخص فيما تشددت فيه محتاج ~~إليه، وأن الكتاب لم يعمل لك دون غيرك فيهيأ على ظاهر محبتك، ولو وقع فيه توقي ~~المتزمتين لذهب شطر بهائه وشطر مائه، ولأعرض عنه من أحببنا أن يقبل عليه ~~معك. # وإنما مثل هذا الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات ~~الآكلين، وإذا مر بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو فرج أو فاحشة، فلا يحملنك ~~الخشوع أو التخاشع على أن تصعر خدك وتعرض بوجهك، فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم، ~~وإنما المأثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب، وأكل لحوم ms010 الناس بالغيب، قال رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~«من تعزى بعزاء أهل الجاهلية، فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا.» ~~وقال أبوبكر الصديق رضي الله عنه لبديل بن ورقاء حين قال للنبي # صلى الله عليه وسلم # إن هؤلاء ~~لو قد مسهم حز السلاح لأسلموك: «اعضض ببظر اللات، أنحن نسلمه؟» وقال علي بن أبي ~~طالب صلوات الله عليه: «من يطل أير أبيه ينتطق به.» وقال الشاعر في هذا المعنى ~~بعينه: # فلو شاء ربي كان أير أبيكم # طويلا كأير الحارث بن سدوس # قال الأصمعي: كان للحارث بن سدوس أحد وعشرون ذكرا. وقيل للشعبي: إن هذا لا يجيء ~~في القياس، فقال: أير في القياس، الولد ذكر. # وليس هذا من شكل ما تراه في شعر جرير والفرزدق؛ لأن ذلك تعيير وابتهار في الأخوات ~~والأمهات، وقذف للمحصنات الغافلات، فتفهم الأمرين وافرق بين الجنسين، ولم ~~أترخص لك في إرسال اللسان بالرفث على أن تجعله هجيراك على كل حال، وديدنك في كل ~~مقال، بل الترخص مني فيه عند حكاية تحكيها أو رواية ترويها، تنقصها الكناية ويذهب ~~بحلاوتها التعريض، وأحببت أن تجري في القليل من هذا على عادة السلف الصالح في إرسال ~~النفس على السجية، والرغبة بها عن لبسه الرياء والتصنع، ولا تستشعر أن القوم قارفوا ~~وتنزهت، وثلموا أديانهم وتورعت. # ومن هذه الكلمة نرى ابن قتيبة يقيد الأدب المكشوف بقيد واحد؛ هو أن لا يكون «تعييرا ~~وابتهارا في الأخوات والأمهات، وقذفا للمحصنات الغافلات.» ونراه ينهى عن أن يكون ذلك ~~النوع ديدن الكاتب وهجيراه، ويحصره في المواطن التي تنقصها الكناية، ويذهب بحلاوتها ~~التعريض، وكذلك يرى اليوم أنصار الأدب المكشوف، فهم لا يريدون أن يفرغوا للهزل والعبث، ~~وإنما يريدون أن يعطوا كل مقام حقه من الحلاوة والمرارة، أو الشدة واللين. ~~••• # أشرت إلى أن من رجال الأدب من عمل وهو كاره على إيثار الأدب المكشوف، ذلك بأن الجد ~~المطلق ينافي طبيعة الحياة، فلا يحسب أنصار الأدب المستور أنهم ~~يستطيعون المضي إلى النهاية في ذلك الطريق، فقد أراد ~~صاحب «زهر الآداب» أن يصون ms011 كتابه عن ذكر طائفة من الشعر الصريح، ولكنه غلب على أمره في ~~مواطن كثيرة، فأباح ما لم يكن يبيح من فنون اللهو والمجون. # خطر له مرة أن يتكلم عن التضمين، فضرب المثل بمن قلب قول النابغة: «كالأقحوان غداة غب ~~سمائه»، فقال في الهجاء: # 1 # يا سائلي عن جعفر عهدي به # رطب العجان وكفه كالجلمد # كالأقحوان غداة غب سمائه # جفت أعاليه وأسفله ندى # ومع أننا لا نسيغ هذا الضرب من الكلام، فقد وصفه بأنه «جاء مليحا في الطبع، مقبولا في ~~السمع.» # وأراد مرة أخرى أن يتكلم عن محاسن الجواري السود، فساق قصيدة ابن الرومي في جارية عبد ~~الملك بن صالح، وفيها هذه الأبيات في وصف محاسنها الباطنة: # 2 # لها حر يستعير وقدته # من قلب صب وصدر ذي حنق # كأنما حره لخابره # ما ألهبت في حشاه من حرق # يزداد ضيقا على المراس كما # تزداد ضيقا أنشوطة الوهق # 3 # وفي موطن آخر ذكر قول ابن الرومي يصف هن امرأة: # 4 # يسع السبعة الأقاليم طرا # وهو في إصبعين من إقليم # كضمير الفؤاد يلتهم الدن # يا وتحويه دفتا حيزوم # وساقه الكلام عن تأصل الشاعرية في صدور العرب إلى ~~الفكاهة الآتية: # 5 ~~«قال أعرابي لشاعر من بني الفرس: الشعر للعرب، فكل من يقول الشعر منكم ~~فإنما نزا على أمه رجل منا، فقال الفارسي: وكذلك من لا يقول الشعر منكم فإنما نزا على أمه ~~رجل منا!» # وأراد أن يذكر ألفاظ أهل عصره في محاسن النساء، فرأى من تتمة البحث أن يورد أيضا ألفاظهم ~~في محاسن الغلمان، وأتى في هذا الباب بطائفة من التعابير المختارة التي تهيج الحواس، ~~وتوقظ ما خمد من نزوات الرءوس، # 6 # وقد أخذ يبدئ ويعيد في هذه المعاني كلما سنحت له الفرصة وساقه الحديث، حتى ~~لنعد من أعف ما رواه قول أبي نواس: # ومنتظر رجع الحديث بطرفه # إذا ما انثنى من لينه فضح الغصنا # إذا جعل اللحظ الخفي كلامه # جعلت له عيني لتفهمه أذنا # وإنما قدمت للقارئ هذه الشواهد من زهر الآداب؛ ليرى كيف ms012 فعل أحد المؤلفين المتحرجين ~~الذين يفرقون بين ما يباح وما لا يباح، وها نحن أولاء نرى ذلك المؤلف لا يستطيع الصبر على ~~تقييد الأدب بما تتأثر به الأذواق من الأوضاع والتقاليد، ولقد ذكرني ذلك باللوحات التي ~~يراها الناظرون في حديقة لكسمبور وغابة بولونيا في باريس، ففي كل ركن لوحة فيها إنذار ~~بالطرد لكل من يخرج على حدود الأدب والاحتشام، وفي كل مكان من تلك الملاعب قد يضم، ~~وثغر يرشف، وحمى يباح! ~~••• # وقد جاء في خطبة الأستاذ توفيق دياب أن الأدب لا يراد لذاته، وإنما هو وسيلة إلى ~~الأخلاق، وأذكر أنه قال في شيء من الانفعال: فليسقط الأدب إن أضر بالأخلاق، ويغلب على ~~ظني أن الأستاذ دياب لم يقل العبارة الأخيرة إلا مبالغة في الدفاع عن رأيه والدعوة إليه؛ ~~لذلك أرجو أن يرى معنا أنه لا غنى للأمم الحية عن الآداب والفنون، بغض النظر عن قربها أو ~~بعدها من الأخلاق، فلننظر معا برفق وبإخلاص إلى تأثير الدين والأخلاق في إخماد الآداب ~~والفنون: # لا ينكر أحد، ولو أسرف في التكلف، أن تحريم الإسلام للتصوير جنى على الشعوب الإسلامية ~~جناية عظيمة، وعطل مواهبها الفنية، وحشرها في زمرة المتخلفين عن فهم أسرار الجمال، ولا ~~ينكر أحد، ولو أمعن في التعصب، أن تحطيم العرب للأنصاب والتماثيل التي كانت تفصح وتبين عن ~~أساطير الأولين، إنما كان أثرا للتحرج الذي دعاهم إليه الدين، ولولا بقية من سلامة ~~الذوق وصبابة من صدق الحس لما رأينا في الشعوب الإسلامية ميلا إلى روعة الفن، ولا ~~كلفا بآثار المبدعين. # وسيسأل القارئ: وما الذي خسرناه بانصراف المسلمين عن النحت والتصوير؟ ونجيبه بأننا حرمنا ~~بذلك من الوقوف على ميولهم وغرائزهم وسجاياهم، فلو تركهم الدين أحرارا في شرح ألوان حياتهم ~~لرأينا كيف كانوا يلعبون وكيف كانوا يجدون، وكيف كانت تجيش بصدورهم هواجس المنى ونوازع ~~الآمال، ولكنه قيدهم فلم يتركوا لنا إلا آثارا ضئيلة لا تكفي في كشف ما كانوا ~~يضمرون. # ولقد أبيح لهم في سبيل الترغيب والترهيب أن «يتكلموا» عن نعيم الجنة وعذاب السعير، ms013 فتركوا ~~لنا طائفة من الأماني والمخاوف تمثل ما كانوا يرجون ويرهبون، فعرفنا مثلا أنهم بحكم ~~مركزهم الجغرافي الأول، قبل أن يخرجوا من جزيرة العرب كانوا من آلام الظمأ والجوع في كرب ~~عظيم، ألا ترى كيف يذكرون أن أول ما ينعم به أهل الجنة هو الكوثر، والكوثر نهر عذب ~~ينهل منه الوارد نهلة، فلا يظمأ بعدها أبدا، وعبارة «لا يظمأ بعدها أبدا» تمثل أقصى ما ~~يتمناه البدوي في الصحراء، وقد لفحته السموم وصهرته الرمضاء، ولك أن تقول مثل ذلك فيما ~~تحدثوا به عن عذاب القبر؛ إذ تراهم يتصورون المذنب، وقد أحدقت به الحيات والثعابين، وإنه ~~لدليل على ما كانوا يقاسون في البادية من عنت الأفاعي والصلال. # افهم هذا أيها القارئ واستغفر الله لي ولك، فإن مناهج البحث الحديث لا تسمح بالوقوف عند ~~معاني الحروف كما كان يفعل المتقدمون! # ولو عدنا إلى الشعر لرأينا أثر المتزمتين في إخماده كان غاية في الشناعة والقبح، فقد ~~عرض النبي بالشعر وهاجم الشعراء متأثرا بعداوة من عاداه من شعراء قريش وشعراء ~~اليهود، فكان من ذلك أن أسرف جمهور المسلمين في بغض الشعر والنيل من الشعراء، وقد سئل عبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة: أتقول الشعر في فقهك وورعك؟ فأجاب: لا بد للمصدور أن ينفث! وهذا ~~الفقيه هو صاحب هذه الأبيات الرائعة: # شققت القلب ثم ذررت فيه # هواك فليم فالتأم الفطور # تغلغل حب عثمة في فؤادي # فباديه مع الخافي يسير # تغلغل حيث لم يبلغ شراب # ولا حزن ولم يبلغ سرور # وقد زعموا أن الإمام الشافعي قال: # ولولا الشعر بالعلماء يزري # لكنت اليوم أشعر من لبيد # وكذلك زعموا - قاتلهم الله - أن النبي لم يكن يقرأ بيتا من الشعر إلا كسره، وذلك غاية ~~الإفك والبهتان، ولا يزال شيوخ الأزهر مختلفين في بدء الشعر بالبسملة؛ لأنه فيما يرون ليس ~~من الأمور ذوات البال! # وهذا الاتجاه الذي تورط فيه الجمهور الإسلامي ضد الشعر أتاح لنا طائفة من الفكاهات، ~~فقد قيل لابن سيرين: إن قوما يزعمون أن إنشاد الشعر ينقض الوضوء، ms014 فأنشد: # لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزا # ولو رضيت رشح استه لاستقرت # وقام يصلي! وقيل: بل أنشد : # أنبئت أن عجوزا جئت أخطبها # عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول # وسئل ابن عباس: هل الشعر من رفث القول؟ فأنشد: # وهن يمشين بنا هميسا # إن تصدق الطير ننك لميسا # وقال: إنما الرفس عند النساء، ثم أحرم للصلاة! وقيل لأبي السائب المخزومي: أترى أحدا لا ~~يشتهي النسيب؟ فقال: أما ممن يؤمن بالله واليوم الآخر فلا! # ولولا خوف الإطالة لأريت القارئ كيف أثر التحرج في قتل سائر الفنون، فلأكتف بما أسلفت، ~~ولأشر فقط إلى أن جناية التحرج لم تقف عند الأدب والفن، بل طغت على العلم أيضا، فقد كان ~~الغزالي يكره التشريح؛ لأنه يذهب بفريق من العلماء إلى أن النفس تموت! # ولو أن الدين والخلق وقفا عند حدود العقل لخف الأمر وهان، ولكنهما صارا سنادا لكل ~~ضعيف الحجة سقيم البرهان، فلنعلن حرية الآداب والفنون، وليرض من شاء بالجهالة يحرسها الدين ~~وتحوطها الأخلاق! # زكي مبارك # مصر الجديدة 3 رمضان سنة 1346 # 24 فبراير سنة 1928 # | هوامش # | المحاضرة الأولى # أيها السادة: في ضواحي سنتريس، حيث يحلو السمر، في ليالي القمر، وعلى شاطئ النيل هناك، ~~حيث النجم والشجر، والماء والزهر في تلك البقعة المشتبهة الأزاهر، المشتبكة الجداول، حيث ~~السواقي الشاديات، والطيور الصادحات، وتحت تلك الشجرة المعطفة الغصون، المهدلة الشعور، ~~حيث أجلس في الضحى والظهيرة، مع الصحب والعشيرة، بجانب ذلك الطريق الجميل حيث تعدو السيارات ~~الفاخرة، من القاهرة إلى الإسكندرية ومن الإسكندرية إلى القاهرة، وحيث يمشي فضلاء سنتريس في ~~الأصائل والعشيات، جماعات جماعات، يتناشدون الأشعار، ويتناقلون الأخبار. # هناك حيث أستظرف الجلوس مع أولئك الأمجاد، شجعان البلاد، أولئك الذين لم تخالط نفوسهم ~~أوضار الحضارة، ولا سموم المدنية، ولم تفارق طباعهم أخلاق البداوة، ولا رسوم العصبية، أولئك ~~الذين أجلس إليهم فيعود إلي ضلالي القديم، وعدواني الموروث فأتمدح بأجدادي الشجعان، ~~وآبائي الأبطال، وأذكر ما شنوا من الغارات، في العصور الخاليات. # هناك حيث أقضي شطرا من الصيف، وجزءا من الخريف، بين خطاب أكتبه، أو ms015 جواب أقرؤه، وحبيب ~~أساهره، أو أنيس أسامره، وعهد أحن إليه، أو عيش أبكي عليه. # ليالي النيل واللذات ذاهبة # وجدي عليكن أشجاني فأضناني # لو يرجع الدهر لي منكن واحدة # في سنتريس ويدني بعض خلاني # إذن تبين دهري كيف يرحمني # من ظلم همي ومن عدوان أحزاني # 1 # هناك، هناك جلست في بعض الأصائل مع الصديق الحميم: الشيخ حسين الحكيم # 2 # يحدثني وأحدثه عن الشاعر الغزل: عمر بن أبي ربيعة المخزومي. # وكذلك يميل الشباب إلى شعر الشباب، كما يرغب الكهول في أدب الكهول، فإن للشبيبة شعرا، ~~وللكهولة شعرا، ولأدب الصبا في استطرافه أشياع وأتباع، كما لحكمة الشيخوخة في رزانتها ~~أنصار وأعوان. # فلما قضينا بعض مآرب الشباب، من الجري في ميدان الخيال الساحر، وشرحنا بعض أهوائنا ~~وميولنا في شخص ابن أبي ربيعة، وكانت الشمس قد جنحت إلى الغروب، ونسمات الأصيل قد مالت إلى ~~الهدوء، وبدت لنا سنتريس وكأنها بسمة في فم الكون يضمرها إذا جن الظلام، فما نتبين منها غير ~~المصابيح الزاهرة، في المغاني الساهرة، والأندية السامرة، لم نجد بدا من العودة إليها ~~ومساهرة السامرين فيها. # ولأمر ما أراد صديقي الشيخ حسين أن يذهب إلى منزله في شمال البلدة، وأردت العودة إلى ~~منزلي في جنوبها الشرقي، بيد أنا لم نكد نبتعد كثيرا حتى سمعته يقول: إذا عدت غدا ~~فأحضر معك ديوان ابن أبي ربيعة، فقلت له مازحا: ومن ابن أبي ربيعة؟ فأجاب مسرعا: فتى قريش ~~وشاعرها. # فأعجبت بجوابه، وسررت من بداهته، إذ علمت أن ابن أبي ربيعة مهما درسنا شعره، وحللنا ~~شخصيته، فلن نجده إلا فتى قريش وشاعرها، وكذلك أريد أن أحدثكم عنه من هذه الناحية: فأشرح ~~لكم فتوته وشعره، أو حبه ونسيبه. ~~••• # أيها السادة: إن الغرض من هذه المحاضرات إنما هو البحث العلمي قبل كل شيء، والوصول إلى ~~الحقيقة من أي سبيل، وهنا ألفت نظركم إلى أن العلم لا يكون دائما جافا، بل قد يكون أحلى ~~من المنى، وأشهى من ثغور الحسان، فإنك إذا احتجت إلى شيء من الزهادة في العيش، والرغبة عن ms016 ~~الحياة؛ لتفهم الجزء الثالث من كتاب «الإحياء» للغزالي، وإلى قسط من الارتياب؛ لتفهم حديث ~~الملحد تيموكليس مع الراهب بافنيس، للفيلسوف أناتول فرانس ، فإنك أيضا في حاجة إلى شيء من ~~الخلاعة، ونصيب من المجون؛ لتفهم الشاعر الفتى عمر بن أبي ربيعة. # وكذلك أدعوكم إلى استقدام هواكم: قديمه وحديثه، واستنهاض صبابتكم: طريفها وتليدها، حتى ~~تفهموا هذا الشاعر الغزل، وتدركوا غرض هذا الماجن الخليع. # ولن تكونوا إذا فعلتم ذلك إلا باحثين عن الحقيقة، سائرين إليها عن طريق العلم، فإن أنواع ~~العلوم تتطلب ألوانا من النفوس، بل الفن الواحد يتطلب أرواحا مختلفة، لفهم أدواره ~~المختلفة، فليس الذي يفهم نسيب الأمراء ويطرب له؛ لأنه يساكن من يهوى، ويختلف إلى من يحب، ~~بقادر على أن يفهم نسيب المشردين في الآفاق ممن أهدرت دماؤهم، وصودرت ميولهم. وليس الذي ~~يعجب بقول كثير: # يكلفها الغيران شتمي وما بها # هواني ولكن للمليك استذلت # هنيئا مريئا غير داء مخامر # لعزة من أعراضنا ما استحلت # فلا يحسب الواشون أن صبابتي # بعزة كانت غمرة فتجلت # 3 # بمستطيع أن يعجب بقول الآخر: # صفا ود ليلى ما صفا ثم لم نطع # عدوا ولم نسمع به قيل صاحب # فلما تولى ود ليلى لجانب # وقوم تولينا لقوم وجانب # وكل خليل بعد ليلى يخافني # من الغدر أو يرضى بود مقارب # فإذا رأيتموني أكثر من الأمثلة، وأعنى بإنشاد الشعر، فليس ذلك لإمتاع أفئدتكم، وإشباع ~~أسماعكم فحسب؛ بل لأثبت في أذهانكم، وأمكن في قلوبكم صورة ذلك الشاعر الشاب، الذي قضت ~~أيامه بأن لا تمتد إليه أيدي الرسامين والمصورين، فلم يبق لنا من معالم جماله، ومعاهد ~~شبابه، إلا ما تركه في شعره، وخلاه في نسيبه، والشعر صورة الشعراء. ~~••• # وبعد فهل كان ابن أبي ربيعة محبا صادق الحب، متين الصبابة؟ أم كان فتى مغرورا بشبابه، ~~مفتونا بجماله، لا يأبه بالحب، ولا يخضع للغرام؟ وإذا لم يكن عاشقا ولا محبا، فكيف أجاد ~~النسيب، وأبدع في التشبيب؟ وما هي ميزة شعره، التي بذ بها إخوانه، وفاق بها ~~أقرانه؟ # فأمامنا إذن مسألتان: الأولى حقيقة حبه، ms017 والثانية حقيقة شعره، وسنوفي الكلام عن أولاهما ~~في هذه المحاضرة، ونرجئ الكلام عن أخراهما إلى المحاضرتين القادمتين، إن شاء الله. # أما حبه: فأنا أتهمه فيه، وأنكره عليه، وذلك لأمور: # أولا: # لأنه حضري لا بدوي، وقلما يصدق للحضريين حب أو تبقى لهم صبابة؛ ~~إذ يرون من متممات الظرف، ومكملات الأدب، أن يحيا الرجل بعين باكية، ~~وقلب خفاق، فلا يزالون يتلمسون الهوى ويتحسسون الصبابة، حتى تتاح لهم ~~أسبابها، وتساق إليهم همومها. # وأنا الذي اجتلب المنية طرفه # فمن المطالب والقتيل القاتل؟! # وإذا رهب البدوي الحب، فقال: يتخوف عواقبه، ويتهيب جانبه: # فيا رب خذ لي رحمة من فؤادها # وحل بين عينيها وبين فؤادي # رأيت الحضري شرها طماعا، يود لو حشر الله إليه أهل الجمال أجمع ~~فنال من الصبابة أقصاها، ومن المحبة أسماها، وينشد قول ابن ~~الأحنف: # إن الهوى لو كان ين # فذ فيه حكمي أو قضائي # لطلبته وجمعته # من كل أرض أو سماء # فقسمته بيني وبي # ن حبيب نفسي بالسواء # فنعيش ما عشنا على # محض المودة والصفاء # حتى إذا متنا جمي # عا والأمور إلى فناء # مات الهوى من بعدنا # أو عاش في أهل الوفاء # كأن حتما على البدوي أن يخلد إلى القناعة في كل شيء، وعلى ~~الحضري أن يعرف بالجشع في كل شيء. # ومن هنا تعرف كيف غلبت العفة على أولائك، وتطرق الفسق إلى هؤلاء، فإذا ~~قلت للبدوي أنشدني شيئا من الشعر، فقلما يروقه غير جحدر وقد ~~زج في السجن: # أليس الليل يجمع أم عمرو # وإيانا؟ فذاك لنا تدان # نعم وأرى الهلال كما تراه # ويعلوها النهار كما علاني # وإذ استنشدت الحضري شيئا من مختاره في النسيب، فقلما ينشدك غير ~~قول ابن الفارض: # وإذا اكتفى غيري بطيف خياله # فأنا الذي بوصاله لا أكتفي # وذلك لما يختلف الفريقان في فهم معنى السعادة في الحب، فهي عند الأعراب ~~لا تعدو مسامرة الأماني، ومسايرة الأحبة، وعند أهل الحضر: كل ما أمتع العين ~~وال ... إلى غير ذلك مما يشتهون. # وإذا كان المال - وهو من معبودات الحضريين - يطلب بعضه للادخار ms018 وبعضه ~~للإنفاق، فإن الجمال عندهم كذلك - إلا من عصم الله - فهم يعجبون بالعيون ~~الكحيلة، والشعور المرسلة؛ ليمتعوا عيونهم بالنظر إليها وأفئدتهم بالتفكير ~~فيها ، ثم لا تسأل بعد ذلك عن رأيهم في بقية المحاسن، فعهدي بهم يرجون ~~الخد للتقبيل، والريق للارتشاف، وهكذا حتى يصل بهم الطمع إلى ما ترغب ~~النفس عن ذكره، والتأمل في جدواه. # الحسن عند الحضريين أشبه شيء بجنة وردها جني، وزهرها ندي، يدخلها ~~الزائر فلا يعجب منها بزهرة ذات بهجة، أو وردة ذات نضرة، إلا دعته أخرى ~~أنضر منها وأصبح. # فإذا ذهب إليها يجتلي حسنها، ويتأمل شكلها، لفتت نظره ثالثة ورابعة، حتى ~~يتصفح الحديقة بأكملها، ويقتلها نظرا وشما، والمرء يكلف بالحسن، ويغرم ~~بالجمال. # فإذا عاد إلى قلبه، ورجع إلى نفسه؛ ليعرف أيها أعلق بخاطره، وأملك ~~لوجدانه، حسبها هذه بل تلك، ثم يختلط عليه الأمر، فلا يدري أيها أحق ~~بالرعاية، وأولى بالاحتفاظ، فينصرف وقلبه مسرور من البستان في جملته، غير ~~مغرم بزهرة معينة من زهوره الحسان. # وكذلك يمشي الحضري في متنزهات الحواضر، فيرى من شتى الألوان في الحسن، ~~ومختلف الأشكال في الملاحة، ما يملأ عينه، ويبهر قلبه، ثم يأوي إلى بيته ~~خليا من الهوى بريئا من الصبابة، كأن لم يسمع وسواس الحلي، ولم ير ~~لألاء الجبين. # وهب أن بين أولئك الفاتنات، من غلبت على قلبه، واستولت على لبه، أتراه ~~يسلم في أيامه البواقي، من غادة أملح شكلا، وأحلى دلا، فتملك من بعدها ~~قلبه، وتنفرد من دونها بهواه، وهو للحسن تبوع؟ # ألا إن الحضري في حبه كمدمن الخمر، يصرع كل يوم مرة، فينسى بكأسه ~~الأخرى كأسه الأولى. # والمرء ما دام ذا عين يقلبها # في أعين الغيد موقوف على الخطر # ولقد ذكروا أن كثيرا مشت أمامه امرأة ظريفة المشية، فتبعتها عينه، ~~فالتفتت إليه، فعرض عليها حبه، فقالت: كيف ذلك وقد ضاع شعرك في عزة؟ فقال: ~~يا سيدتي! قد كان ذلك تصنعا ورياء، ولئن أبحتني حبك، ومنحتني حسنك، ~~لأسيرن في ذكرك الشعر، ولأضربن بحسنك الأمثال، فكشفت عن وجهها فإذا هي ~~عزة، ثم ms019 قالت له: حسبك يا غادر! فبهت كثير وانصرف وهو خزيان نادم! # وكذلك كان ابن أبي ربيعة، فما قصر نفسه على امرأة، ولا وقف حبه ~~على فتاة، وإنما كان يتلمس الجمال بين مناسك الحج، ويتلقط الحسن في ~~مسارح الظباء، فيغشى الرياض الزاهرة، عله يظفر بزهرة لا كالزهور، ويقصد ~~الأندية السامرة، عساه يسمع حديثا عن بعض الآنسات الحور، بل ربما صد ~~عمن تجزيه بالحب حبا، ورام من تجزيه بالقرب الصدود. # ولقد مر به فتيان وهو بالحجر يصلي، بعد أن صوح زهره، وتأود ~~غصنه، وبعد أن سئم الغواية والفساد، وجنح إلى الهداية والرشاد، وبعد أن ~~خلى الغرام جانبا، وأقبل على نفسه يحاسبها، وعلى ربه يستغفره، فلم يكد ~~يقضي صلاته حتى هرع إليهما يتعرف خبرهما ويعرف أهلهما، فلما عرفهما ~~وكانا أخوين، قال: يا ابني أخي: لقد كنت موكلا بالجمال أتبعه، وإني ~~رأيتكما فراقني حسنكما وجمالكما، فاستمتعا بشبابكما قبل أن تندما عليه. ~~وليس بعجيب أيها السادة أن لا يصدق في حبه من يقول: # سلام عليها ما أحبت سلامنا # فإن كرهته فالسلام على الأخرى # ولا نريد بهذه الكلمة الغض من عواطف الحضريين ولا الطعن في كرامتهم، ~~فقد يكون من بينهم من هو أصدق حبا، وأنقى عرضا، ولكنا نرى الشره في ~~الحب، والطمع في الصبابة، من علائم التلون، ودلائل التقلب. # 4 # ليس في القلب موضع لحبيبي # ن ولا أحدث الأمور اثنان # فكما العقل واحد ليس يدري # خالقا غير واحد رحمن # فكذا القلب واحد ليس يهوى # غير فرد مباعد أو مدان # وكذا الدين واحد مستقيم # وكفور من عنده دينان # هو في شرعة المودة ذو شر # ك بعيد عن صحة الإيمان # وكذلك كان الحضريون مكذبين في عشقهم، متهمين في حبهم. # ثانيا: # كثر غروره بشبابه، وفتونه بجماله، وتحدثه بحب النساء له، وإقبالهن ~~عليه، وقلما يكون المعشوق عاشقا، والمحبوب محبا، وقد رأيت في شعره ~~عزة المعشوق، لا ذلة العاشق، وتيه المحبوب، لا خضوع المحب. # فتارة يذكر أنه أمنية محبوبته، وأمل معشوقته، كقوله: # ألمم بزينب إن الركب قد أفدا # قل الثواء لئن ms020 كان الرحيل غدا # 5 # قد حلفت ليلة الصورين جاهدة # وما على المرء إلا الحلف مجتهدا # 6 # لأختها ولأخرى من مناصفها: # لقد وجدت به فوق الذي وجدا # 7 # لو جمع الناس ثم اختير صفوتهم # شخصا من الناس لم أعدل به أحدا # وقوله: # وإنها حلفت بالله جاهدة # وما أهل له الحجاج واعتمروا # ما وافق النفس من شيء تسر به # وأعجب العين إلا فوقه عمر # وأخرى يتمدح بعتبها عليه، وتوددها إليه، كقوله: # فما أنس من ود تقادم عهده # فلست بناس، ما هدت قدمي نعلي # عشية قالت والدموع بعينها: # هنيئا لقلب عنك لم يسله مسل # لقد كان في إقراضك الود غيرنا # وفعلك ناه لي لو ان معي عقلي # فهذا الذي في غير ذنب علمته # صنيعك بي حتى كأنك ذو ذحل # 8 # هل الصرم إلا مسلمي إن صرمتني # إلى سقم ما عشت أو بالغ قتلي # 9 # وحينا يفخر بدموعها المرفضة لبعده، المنهلة لهجره، كقوله: # تقول وعينها تذري دموعا # لها نسق على الخدين تجري # ألست أقر من يمشي لعيني # وأنت الهم في الدنيا وذكري؟ # أمن سخط علي صددت عني # حملت جنازتي وشهدت قبري؟ # وآخر يصف نفسه بالجمال اليوسفي، فيقول: # قلن: هذا الذي نلومك فيه # لا تحجي من قولنا بفتيل # فصليه فلن تلامي عليه # فهو أهل الصفاء والتنويل # وإنه ليغرب أحيانا في الصلف، ويمعن في التيه؛ فيقول مثلا: # قالت على رقبة يوما لجارتها: # ما تأمرين؟ فإن القلب قد تبلا # 10 # وهل لي اليوم من أخت مواسية # منكن أشكو إليها بعض ما عملا؟ # فراجعتها حصان غير فاحشة # برجع قول ولب لم يكن خطلا # 11 # لا تذكري حبه حتى أراجعه # إني سأكفيكه إن لم أمت عجلا # فاقني حياءك في ستر وفي كرم # فلست أول أنثى علقت رجلا # 12 # صدت بعادا وقالت للتي معها: # بالله لوميه في بعض الذي فعلا # وحدثيه بما حدثت واستمعي # ماذا يقول ولا تعيي به جدلا # حتى يرى أن ما قال الوشاة له # فينا لديه إلينا كله نقلا # وعرفيه به كالهزل واحتفظي # في غير معتبة أن ms021 تغضبي الرجلا # فإن عهدي به والله يحفظه # وإن أتى الذنب ممن يكره العذلا # لو عندنا اغتيب أو نيلت نقيصته # ما آب مغتابه من عندنا جذلا # ويقول أيضا في الحديث عن بعض ~~الواجدات به: # لقد حليتك العين أول نظرة # وأعطيت مني يابن عم قبولا # فأصبحت هما للفؤاد ومنية # وظلا من النعمى علي ظليلا # فهذا كله دليل على أن ابن أبي ربيعة كان معشوقا لا عاشقا، ومطلوبا لا ~~طالبا، وأن النساء كانت تقع عليه كما يقع النحل على الزهر، والطير على ~~الشجر. # ثالثا: # كثرت دعوى ابن أبي ربيعة توحيد حبه، وإفراد غرامه، فيقول في ~~ليلى: # لقد أرسلت في السر ليلى تلومني # وتزعمني ذا ملة طرفا جلدا # 13 # تقول: لقد أخلفتنا ما وعدتنا # ووالله ما أخلفتها طائعا وعدا # فقلت مروعا للرسول الذي أتى: # تراه - لك الويلات - من أمرها جدا # إذا جئتها فاقر السلام وقل لها: # ذري الجور ليلى واسلكي منهجا قصدا # تعدين ذنبا أنت ليلى جنيته # علي! ولا أحصي ذنوبكم عدا # أفي غيبتي عنكم ليال مرضتها # تزيدينني ليلى على مرضي جهدا؟! # فلا تحسبي أني تمكثت عنكم # ونفسي ترى من مكثها عنكم بدا # ألا فاعلمي أني أشد صبابة # وأصدق عند البين من غيرنا عهدا # غدا يكثر الباكون منا ومنكم # وتزداد داري من دياركم بعدا # فإن تصرميني لا أرى الدهر قرة # لعيني ولا ألقى سرورا ولا سعدا # فإن شئت حرمت النساء سواكم # وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا # 14 # ويقول في الرباب: # أرسلت تعتب الرباب وقالت: # قد أتانا ما قلت في الإنشاد # قلت: لا تغضبي فداؤك نفسي # ثم أهلي وطارفي وتلادي # إن تعودي تكن تهامة داري # وبنجد إذا حللت معادي # أنت أهوى إلي من سائر النا # س ذريني من كثرة التعداد # ويقول في عبدة: # أعبدة ما ينسى مودتك القلب # ولا هو يسليه رخاء ولا كرب # ولا قول واش كاشح ذي عداوة # ولا بعد دار إن نأيت ولا قرب # وما ذاك من نعمى لديك أصابها # ولكن حبا ما يقاربه حب # فإن تقبلي يا عبد توبة ms022 تائب # يتب ثم لا يوجد له أبدا ذنب # أذل لكم يا عبد فيما هويتم # وإني إذا ما رامني غيركم صعب # وأعذل نفسي في الهوى فتعقني # ويأصرني قلب بكم كلف صب # وفي الصبر عمن لا يواتيك راحة # ولكنه لا صبر عندي ولا لب # وعبدة بيضاء المحاجر طفلة # منعمة تصبي الحليم ولا تصبو # ولست بناس يوم قالت لأربع # نواعم غر كلهن لها ترب: # ألا ليت شعري فيم كان صدوده # أعلق أخرى أم علي به عتب؟ # ويقول في زينب: # 15 # أحدث نفسي والأحاديث جمة # وأكبر همي والأحاديث زينب # إذا طلعت شمس النهار ذكرتها # وأحدث ذكراها إذا الشمس تغرب # ويقول في أسماء: # لم يحبب القلب شيئا مثل حبكم # ولم تر العين شيئا بعدكم حسنا # ما إن نبالي إذا ما الله قربكم # من كان شط من الأحباب أو قطنا # 16 # فإن نأيتم أصاب القلب نأيكم # وإن دنت داركم كنتم لنا سكنا # إن تبخلي لا يسلي القلب بخلكم # وإن تجودي فقد عنيتني زمنا # ويقول في هند: # ولقد قلت إذ تطاول هجري: # رب لا صبر لي على هجر هند # رب قد شفني وأوهن عظمي # وبراني وزادني فوق جهدي # ليس حبي لها ببدعة أمر # قد أحب الرجال قبلي وبعدي # جعل الله من أحب سواكم # من جميع الأنام نفسك يفدي # ويقول في النوار: # لا أبالي، إذا النوى قربتكم # فدنوتم، من حل أو من سارا # والليالي إذا نأيت طوال # وأراها إذا دنوت قصارا # ويقول في عمرة: # إحدى بني أود كلفت بها # حملت بلا ترة لنا وترا # والله ما أحببت حبكم # لا ثيبا خلقت ولا بكرا # وأظهر من كل ما تقدم قوله في عثمة: # ما خنت عهدك يا عثيم ولا هفا # قلبي إلى وصل لغيرك فاعلمي # ولا يمكن أيها السادة أن تكون كل هذه الدعاوى صحيحة، فإن كذب بعضها كان ~~دليلا على كذب البواقي، فهو إذن محتال ماهر يقسم لكل غانية يمينا، ~~والغواني سريعة التصديق. # 17 # رابعا: # قد جاء في شعره ما يدل على أن النساء عرفن فيه التلون، وعهدن منه ms023 ~~التقلب، فمن ذلك قوله: # عجبا ما عجبت مما لو أبصر # ت خليلي ما دونه لعجبتا # لمقال الصفي: فيم التجني # ولما قد جفوتني وهجرتا؟ # في بكاء، فقلت: ما الذي أب # كاك؟ قالت فتاتها: ما فعلتا # ولوت رأسها ضرارا وقالت # إذ رأتني: اخترت ذلك أنتا # حين آثرت بالمودة غيري # وتناسيت وصلنا ومللتا # قلت لي قول مازح تستبيني # بلسان مصدق إذ حلفتا # عاشري فاخبري فمن شؤم جدي # وشقائي عوشرت ثم خبرتا # فوجدناك إذ خبرنا ملولا # طرفا لم تكن كما كنت قلتا # وتجلدت لي لتصرم حبلى # بعدما كنت رثه قد وصلتا # فاذكر العهد بالمحصب والود # الذي كان بيننا ثم خنتا # 18 # ولعمري ما ذا بأول ما عا # هدتني يابن عم ثم غدرتا # فحرام علي أن لا تنال الد # هر مني غير الذي كنت نلتا # 19 # قلت: مهلا عفوا جميلا، فقالت: # لا وعيشي ولو رأيتك متا # ويقول في الحديث عن بعض معشوقاته: # قالت وقد جد رحيل بها # والعين إن تطرف بها تسجم: # إن ينسنا الموت ويؤذن لنا # نلقك إن عمرت بالموسم # إنك والله لذو ملة # يصرفك الأدنى عن الأقدم # ويقول أيضا في الحديث عن بعضهن: # قالت لآنسة رداح عندها # كالرئم في عقد الكثيب الأيهم: # هذا الذي منح الحسان فؤاده # وشركنه في مخه والأعظم # علمي به والله يغفر ذنبه # فيما بدا لي ذو هوى متقسم # طرف ينازعه إلى الأدنى الهوى # ويبت خلة ذي الوصال الأقدم # وقد كثر شعره في هذا المعنى، حتى لقد يذكر شتمهن له، وعتبهن عليه، ~~كقوله: # وقالت: حلت عن عهدي وودي # جديد ما حييت لكم يسير # وطاوعت الوشاة وزرت من لم # يزرك وقد تبين لي الختور # ولم ترع الوداد كما رعينا # وبانت منك لي عمدا أمور # ولم تجز القروض ولم تثبها # وأنت لكل صالحة كفور # وقد أقر نفسه بالتلون، وصرح ~~بالتقلب، في قوله: # لعمري لقد كان الفؤاد مسلما # صحيحا فأمسى لا يطيق لها هجرا # فجازى ودودا كان قبلك في الهوى # دءولا فقد أورثته السقم والضرا # أفي الحق أن حكمتم فحكمتم # صوابا فما أخطأتم ms024 الظلم والكفرا # وأين هذا أيها السادة من قول مضرس بن قرط المزني: # ولو تعلمين العلم أيقنت أنني # ورب الهدايا المشعرات صدوق # أذود سوام الطرف عنك وماله # إلى أحد إلا عليك طريق # فإن كنت لما تخبريني فاسألي # وبعض الرجال للرجال رموق # سلي هل قلاني من خليل صحبته # وهل ذم رحلي في الرحال رفيق؟ # وهل يجتوي القوم الكرام صحابتي # إذا اغبر مخشي الفجاج عميق # فيا ليت شعري - وقد بينت لكم كذبه في الحب - ما هي الميزة التي سما بها شعره، وسار بها ~~ذكره؟ وما هو السر في أن سحر شعره النساء، وآمن به الشعراء؟ # | هوامش # | المحاضرة الثانية # أيها السادة: بينا في المحاضرة السالفة أن ابن أبي ربيعة لم يكن صادق الحب، ولا متين ~~الصبابة، وأنه كان هتاكا للحرائر، فتاكا بالأوانس، ساعده على ذلك شبابه الرائع، ~~وجماله الفاتن، وثروة طائلة كان من شأنها أن يتسع وقته لمداعبة الغيد، وملاعبة ~~الحور. # وما كان بنا أن نطيل القول في ذلك، لولا ما نعرفه ونؤمن به من أنه لا يصح الحكم على شعر ~~شاعر، أو نثر ناثر، إلا بعد الوقوف على دقات قلبه، وخطرات فؤاده، وقد علمنا مما سلف مبلغ ~~ابن أبي ربيعة من الحب، ونصيبه من الصبابة، ولم يبق إلا أن نذكر ما يجب أن يكون لشعره من ~~ميزة، ولأسلوبه من طابع؛ وفقا لحالته النفسية، وميوله الشخصية، وأن نبين أثر تلونه في ~~حبه، وتلاعبه في عشقه، وكيف كان ذلك داعيا إلى أن يكون لشعره صفة تميزه عن غيره، وتفضله ~~عما عداه. # غير أني لم أشأ أن أكشف الغطاء عن ذلك، وأميط اللثام عنه، إلا بعد أن أبين لكم كيف فهمه ~~الناس من قبلنا، وكيف كان حكمهم على شعره وتقديرهم لأدبه؟ فإني إذا فعلت ذلك فبينت بعدهم ~~من الصواب، وانحرافهم عن الجادة، كنت جديرا بأن أقول: إني عملت عملا جديدا، وأحدثت أثرا ~~جميلا، وابتدعت بدعة حسنة، وسلكت في فهم ابن أبي ربيعة سبيلا لم يسلكه الناس من قبل. نعم، ~~وكنت جديرا بأن أخطئ من يقول: لا ms025 جديد تحت الشمس، وأن أكون نصيرا للداعين إلى الجديد ~~تتميما للقديم. # أعمل ذلك وأسعى إليه، وأنا أحترم أدب الأسلاف وفكرهم، مع اعتقادي أن كل شيء في الكون قابل ~~للتهذيب، مفتقر إلى التكميل، وأن السبعين صحيفة التي كتبها صاحب «الأغاني » عن ابن أبي ربيعة ~~لم تكن لتفهمنا حقيقته، وتعرفنا شخصه؛ إذ كانت موضوعة على غير نظام مبنية على غير أساس، ~~وأن بنوتنا لأسلافنا وتبعيتنا لهم لا يحولان بيننا وبين تكميل ما لم يكملوه، وتهذيب ما ~~لم يهذبوه، فإن للولد - وإن يكن سر أبيه - قلبا يفقه به، وعينا يبصر بها، غير قلب أبيه ~~وعينه، وليس للوالد مهما عظم أمره، وجل قدره، أن يضطر ابنه إلى الحكم على الأشياء كما ~~يحكم هو عليها. كما لا ينبغي للولد مهما أخلص في بنوته، وصدق في بره، أن يعق الطبيعة فيما ~~أهدته من نظر ومنحته من تدبير. ~~••• # أيها السادة: قد علمت أن ابن عباس سمع شعر ابن أبي ربيعة واستحسنه، وأن قائلا قال له: ~~الله الله يا بن عباس! فإنا نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد نسألك عن الدين فتعرض؛ ~~ويأتيك غلام من قريش فينشدك سفها فتسمعه؟ فقال: تالله ما سمعت سفها! فعلمت من ذلك أن ~~ابن أبي ربيعة شاعر مستجاد الشعر، غير أن الشعراء كثير، فمن هو من بينهم؟ وما سبيله التي ~~سلكها؟ وما هو الإبداع الذي عرف به؟ # وبلغني أن الفرزدق سمع شيئا من تشبيب ابن أبي ربيعة، فقال: هذا الذي كانت الشعراء تطلبه ~~فأخطأته وبكت الديار، ووقع هذا عليه. فلم أفهم من هذا شيئا، ولم أدر ما الذي يدل عليه اسم ~~الإشارة في قوله: هذا الذي كانت الشعراء تطلبه فأخطأته؟ # وبلغني أيضا أنه كان بالكوفة رجل من الفقهاء يجتمع الناس إليه فيتذاكرون العلم، وأنه ~~ذكر يوما شعر ابن أبي ربيعة في مجلسه فهجنه، فقالوا له: بمن ترضى حكما؟ ومر بهم حماد ~~الراوية، فقال: قد رضيت هذا، فقالوا لحماد: ما تقول فيمن يزعم أن عمر بن أبي ربيعة لم يحسن ~~شيئا؟ فقال: أين ms026 هذا؟ اذهبوا بنا إليه، قالوا: نصنع به ماذا؟ فقال: ننزو على أمه لعلها ~~تأتي بمن هو أمثل من عمر! فعلمت أن ابن أبي ربيعة شاعر اختلف الناس في تقديره، وأن بعض ~~أعدائه اعتمدوا في النيل منه على الفحش والسباب . # وسمعت أيضا أن العرب كانت تقر لقريش بالتقدم عليها في كل شيء إلا الشعر؛ فإنها كانت ~~لا تقر لها به، حتى كان عمر بن أبي ربيعة، فأقرت لها الشعراء بالشعر أيضا ولم تنازعها ~~شيئا، فلم أفهم من هذا أيضا إلا أنه شاعر مجيد، رفع من شأن قومه، وأكمل مجد آبائه. # وربما سمعت من طريق آخر أنه محب، فأقول: ومن هو في المحبين، فإن الحب درجات؟ أو ناسب ~~متغزل، فأقول: ومن هو في المشببين، فإن للنسيب مذاهب؟ ~~••• # وكذلك ما زلت أسمع من أخبار ابن أبي ربيعة، وأقرأ من وصف الناس له، ما يبعدني عن فهمه، ~~والحكم على شعره، حتى رأيت حديثا مسهبا لبعض العلماء المتقدمين فيما ابتكره ابن أبي ربيعة ~~من نادر المعاني، وابتدعه من جديد الأغراض، حديث علمي، أراد به كاتبه - عفا الله عنه - أن ~~يعلم الناس كيف يعتسفون في فهم الأدب، ويضلون في تقدير الشعراء: حديث طويل بيد أنه كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، حديث خادع، ظن صاحب «الأغاني» أنه ~~يكرم الأدب بذكره، ويمتع الأدباء بنقله، فلم يغفل منه كلمة، ولم يغادر منه حرفا. # وقد رأيت أن أنقل لكم ذلك الحديث وأناقشه؛ حتى تعلموا أي ضرر يعود على قارئ تلك الكتب، إن ~~لم يكن من أهل الحكم، وممن يميز الخبيث من الطيب، وحتى تعرفوا خطأ أولئك الذين يدرسون الأدب ~~في بيوتهم، وبعد الفراغ من أعمالهم، ظنا منهم أنه علم كمالي بسيط، يكفي في فهمه ودركه ~~أن يكون للمرء مكتبة يرجع إليها، ويروض الفكر فيها، ثم يبيحون لأنفسهم بعد ذلك أن يؤلفوا في ~~الأدب، وأن ينقدوا الكتاب والشعراء! # نعم، وحتى يعلم الناس جميعا أن لا حياة للأدب، ولا بقاء للغة، إن لم ننظر في حياة ms027 غيرنا ~~الأدبية، فنعرف الفرق بين أدبنا وأدبهم، وكيف نبهوا بعد خمولهم، ونشطوا بعد فتورهم، وما هي ~~السبل التي أوصلتهم إلى ما وصلوا إليه، حتى نصل نحن كذلك، فإنا لا نريد أن نفخر بأجدادنا ~~ونحن دونهم، ولا أن نعيش في ظلهم كما عاش آباؤنا في ظلهم، بل نريد أن تكون لنا ثروة أدبية، ~~وتراث فكري، وأن نحيا في أنفسنا، وبأنفسنا، حياة طيبة خالدة، يتغنى بها الأبناء ~~والأحفاد. # نقل صاحب «الأغاني» - وهو يترجم ابن أبي ربيعة - عن الزبير بن بكار عن عمه مصعب أنه قال: # راق عمر بن أبي ربيعة الناس وفاق نظراءه وبرعهم بسهولة الشعر، وشدة ~~الأسر، # 1 # وحسن الوصف، ودقة المعنى وصواب المصدر، والقصد للحاجة، واستنطاق الربع، ~~وإنطاق القلب، وحسن العزاء، ومخاطبة النساء، وعفة المقال، وقلة الانتقال، وإثبات ~~الحجة، وترجيح الشك في موضع اليقين، وطلاوة الاعتذار، وفتح الغزل، ونهج العلل، وعطف ~~المساءة على العذال، وأحسن التفجع، وبخل المنازل، واختصر الخبر، وصدق الصفاء، إن ~~قدح أورى، وإن اعتذر أبرا، وإن تشكى أشجى، وأقدم عن خبرة، ولم يعتذر بغرة، وأسر ~~النوم، وغم الطير، وأغذ السير، وحير ماء الشباب، وسهل وقول، وقاس الهوى فأربى، ~~وعصى وأخلى، وحالف بسمعه وطرفه وأبرم نعت الرسل، وحذر، وأعلن الحب وأسره، وبطن ~~به وأظهره، وألح وأسف، وأنتج النوم، وجنى الحديث وضرب ظهره لبطنه، وأذل صعبه، ~~وقنع بالرجاء من الوفاء، وأعلن قاتله، واستبكى عاذله، ونفض النوم، وأغلق رهن منى ~~وأهدر قتلاه، وكان بعد هذا كله فصيحا. # فهل رأيتم أغمض من هذا الكلام، وأقل وضوحا منه؟ وهل يحسن أن يجيب المرء بمثل هذا إذا سئل ~~عن شعر ابن أبي ربيعة؟ # اللهم إنك تعلم أني لا أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وأني لقيت عنتا في فهم هذا الحديث ~~المبهم الغامض، وأني أخشى أن يتورط فيه من يشق عليه فهمه، ويصعب عليه دركه، فإن المؤلف نفسه ~~قد شعر بغموضه، وأحس بإبهامه: فأطال في شرحه بالمثال. # ولنفرض أن هذا كلام واضح بين، فمن ذا الذي يستطيع أن يحمل ذاكرته ستا وأربعين صفة ~~لشاعر ms028 واحد؟ وما كانت تكون الطامة لو ألفنا هذا النحو من الفهم في تقدير كتابنا وشعرائنا ~~وحكمائنا؟ أكانت تتسع اللغة لهذه الألقاب العديدة، والمصطلحات الكثيرة؟ أم كان يتسع وقتنا ~~لدراسة الفنون على هذا النحو في اختلاف أنواعها، وتباين أشكالها؟ هيهات! ولشد ما تورط ~~الكاتب في الخطأ، وأمعن في الضلال! ~~••• # ولكن فلنترك تأنيبه جانبا، ولنعد إلى النظر في تلك الكلمة، ولنفهمها فهما يخول لنا ~~الحكم عليها، حكما صارما لا يرد. # أليس معنى كلامه قبل كل شيء أن ابن أبي ربيعة انفرد بتلك الصفات كلها لم يشاركه فيها ~~مشارك، ولم يزاحمه عليها مزاحم؟ وإلا فكيف بهر بها الناس، وفاق من أجلها النظراء؟ لا بد أن ~~يكون غرضه ذلك وإلا كان خاطئا في حكمه، واهما في فهمه. نعم، يجب ألا يريد من تلك الصفات ~~إلا أنها من خواص ابن أبي ربيعة، فإن ذلك هو موضوع الحديث، وما سل من أجله القلم، وإذن ~~فلننظر أصدق أم كان من الكاذبين؟ # وإني ألاحظ أولا أيها السادة: أن ذلكم المؤلف لم يدرس شعر ابن أبي ربيعة دراسة تمكنه ~~من الحكم الصحيح، وتجعله قادرا على وضع الكلم في مواضعه، وأن يكون الشاهد وفقا لما ~~يزعمه، وطبقا لما يدعيه؛ فقد رأيناه يمثل لدقة معناه وصواب مصدره بقوله: # عوجا نحي الطلل المحولا # والربع من أسماء والمنزلا # 2 # بجانب البوباة لم يعده # تقادم العهد بأن يؤهلا # 3 # وليس هذا بالكلام الرائع ذي المعنى الدقيق؛ وإنما هو شعر كان من أمره في التعقيد أن اختلف ~~الناس في فهمه وتأويله؛ فقال إسحق بن إبراهيم: يعني أنه لم يؤهل فيعدوه تقادم العهد، وهو ~~فهم سقيم، فإن المنزل الذي لم يؤهل حتى لا يخشى عليه تقادم العهد، ليس أهلا للتحية، ولا ~~لتذراف الدموع، وقال بعض المدنيين: يحييه بأن يؤهل؛ أي يدعو له بذلك، وهو أنسب، وكان أولى ~~لو مثل الكاتب لدقة المعنى وصواب المصدر بقوله: # أشارت بمدراها وقالت لأختها: # أهذا المغيري الذي كان يذكر # 4 # لئن كان إياه لقد حال بعدنا # عن العهد والإنسان قد يتغير ms029 # قال أبو الحارث جميز: امرأته طالق إن كانت أشارت إليه بمدراها إلا لتفقأ بها عينه، ~~هلا أشارت إليه بنقانق مطرف بالخردل، أو سنبوسجة # 5 # مغموسة في الخل، أو لوزينجة # 6 # شرقة بالدهن، فإن ذلك أنفع له، وأطيب لنفسه، وأدل على مودة صاحبته! # ونحن بالرغم من نقد هذا الأكول الشره، نرى ابن أبي ربيعة أبصر بمواقع الكلم؛ فإنه هنا ~~لا يتحدث عن فتوته وشبابه، حتى يصف هدايا النساء له، وإقبالهن عليه، وإنما يذكر ما نالت من ~~حسنه الأيام، وهدت من قواه الليالي، ألا ترونه يقول بعد ذلك: # فقالت: نعم لا شك غير لونه # سرى الليل يحيي نصه والتهجر # 7 # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت # فيضحى وأما بالعشي فيخصر # قليلا على ظهر المطية ظله # سوى ما نفى عنه الرداء المحبر # أخا سفر جواب أرض تقاذفت # به فلوات فهو أشعث أغبر # وهذا ولا شك أدق معنى وأصوب مصدرا مما ذكره صاحبنا من قبل في بيان رأيه، وتأييد ~~مذهبه. ثم مثل لصدقه الصفاء بقوله: # كل وصل أمسى لديك لأنثى # غيرها وصلها إليها أداء # كل أنثى وإن دنت لوصال # أو نأت فهي للرباب الفداء # وعندي أن هذا الشعر يدل على الكذب أكثر مما ينم على الصدق، وما قيمة الصدق في حبه، ~~والحب في قلبه، وهو يعرف غيرها ويصل سواها؟ ولو أنه نظر نظرة عميقة في شعر ابن أبي ربيعة ~~لاهتدى إلى المثال الواضح، والشاهد البين في الدلالة على صدقه في الحب، وثباته في الغرام، ~~وإليكم أحسن ما قال ابن أبي ربيعة في هذا المعنى، وقد وقف في بعض المناسك فأقبل النساء ~~جماعات جماعات كأسراب الحمائم، وكن بالحج عابثات، وفي النسك لاعبات: # من اللاء لم يحججن يبغين حسبة # ولكن ليقتلن البريء المغفلا # فأخذ الرجال يرشقونهن بالنظرات، ويصلونهن بالأماني: فيطيعون الهوى ويعصون الله، ويجيبون ~~داعي الحسن ويعقون داعي النسك، كل ذلك وابن أبي ربيعة عفيف الطرف والقلب، لا خشية من ~~الله، أو إجلالا للمنسك، ولكن طاعة للهوى، ونزولا عند حكم الصبابة، احتفاظا بود من ~~يهوى، ورعيا ms030 لعهد من يحب، وفي ذلك يقول: # يقولون أني لست أصدقك الهوى # وأني لا أرعاك حين أغيب # فما بال طرفي عف عما تساقطت # له أعين من معشر وقلوب # عشية لا يستنكف القوم أن يروا # سفاه امرئ ممن يقال: لبيب # ولا فتنة من ناسك أومضت له # بعين الصبا كسلى القيام لعوب # 8 # تروح يرجو أن تحط ذنوبه # فآب وقد زيدت عليه ذنوب # وما النسك أسلاني ولكن للهوى # على العين مني والفؤاد رقيب # 9 # ومثل لحسن عزائه بقوله: # أألحق إن دار الرباب تباعدت # أو انبت حبل أن قلبك طائر؟ # أفق فقد أفاق العاشقون وفارقوا ال # هوى واستمرت بالرجال المرائر # 10 # زع النفس واستبق الحياء، فإنما # تباعد أو تدني الرباب المقادر # 11 # أمت حبها واجعل قديم وصالها # وعشرتها كمثل من لا تعاشر # وهبها كشيء لم يكن أو كنازح # به الدار أو من غيبته المقابر # وكالناس علقت الرباب فلا تكن # أحاديث من يبدو ومن هو حاضر # 12 # وليس في هذا الشعر شيء من حسن العزاء، إنما هو تناس لمن يهوى، وتغاض عمن يحب، فكيف ~~يحسب من الحسنات أو يعد من المبتدعات؟ ولعل خيرا منه في معناه، وأدل منه على الصبابة، ~~قول شبيب بن البرصاء: # ألم تر أن الحي فرق بينهم # نوى يوم صحراء الغميم لجوج # 13 # نوى شطنتهم عن نوانا وهيجت # لنا حزنا إن الخطوب تهيج # 14 # فلم تذرف العينان حتى تحملت # مع الصبح أحفاض لهم وحدوج # 15 # وحتى رأيت الحي تذري عراصهم # يمانية تذري الرغام دروج # 16 # فأصبح مسرور ببينك معجب # وباك له عند الديار نشيج # 17 # فإن تك هند جنة حيل دونها # فقد يعرف اليأس الفتى فيعيج # 18 # وألاحظ أيضا أيها السادة أنه كرر بعض الصفات، فإنه قال: إن أعتذر أبرا، وأنشد في ذلك ~~قوله: # فالتقينا فرحبت حين سلم # ت وكفت دمعا من العين ثارا # ثم قالت عند العتاب: رأينا # منك عنا تجلدا وازورارا # قلت: كلا لاه ابن عمك بل خف # نا أمورا كنا بها أغمارا # فجعلنا الصدود لما خشينا # قالة الناس للهوى ms031 أستارا # ثم قال: وطلاوة الاعتذار، وأنشد فيها قوله: # أرسلت إذ رأت بعادي ألا # يقبلن بي محرشا إن أتاه # دون أن يسمع المقالة منا # وليطعني فإن عندي رضاه # لا تطع بي فدتك نفسي عدوا # لحديث على هواه افتراه # لا تطع بي من لو رآني وإيا # ك أسيري ضرورة ما عناه # ولا فرق بين هذين الشعرين إلا أنه في أولهما يحدث عن نفسه، وفي ثانيهما عن حبيبته. # وكذلك ألاحظ أن قوله: «وقلة الانتقال، وإثبات الحجة، إن قدح أورى، وإن اعتذر أبرا، وإن ~~تشكى أشجى.» كل هذه الصفات تؤدي إلى غرض واحد: هو استيفاء الموضوع، وإقناع المخاطب؛ فإنك ~~تنظر إلى ما أنشده في قلة الانتقال، فلا تجد غير ما أنشده في إثبات الحجة: فكلاهما في ~~محاورة اللائم ومراجعة العاذل. # على أن إسباغ الكلام، وتتميم الموضوع، يعدان من الميزات الأولية في الشعر العربي، فقد ~~يتكلم الشاعر عن عدة أشياء في قصيدة واحدة، وهو مع ذلك يوفي كل موضوع حقه، ويعطي كل ~~وصف قسطه. وهذا سويد بن أبي كاهل اليشكري، جعل قصيدته العينية صحيفة لتاريخه، وشرحا ~~لأغراضه، حتى ليحسب القارئ أن ليس في استطاعة شاعر غيره، أن يبسط القول في مسألة واحدة ~~بسطه فيها، ولا أن يبلغ غرضه من شيء ما بلغ منه، فلو أن شاعرا شاء أن يصف عدوا حسن ~~الظاهر سيئ الباطن، لما زاد على قوله: # رب من أنضجت غيظا قلبه # قد تمنى لي شرا لم يطع # ويراني كالشجا في حلقه # عسرا مخرجه ما ينتزع # مزبد يخطر ما لم يرني # فإذا أسمعته صوتي انقمع # 19 # قد كفاني الله ما في نفسه # ومتى ما يكف شيئا لا يضع # بئسما يجمع أن يغتابني # مطعم وخم وداء يدرع # 20 # لم يضرني غير أن يحسدني # فهو يزقو مثلما يزقو الضوع # 21 # مستسر الشنء لو يفقدني # لبدا منه ذباب فنبع # 22 # صاحب المئرة لا يسأمها # يوقد النار إذا الشر سطع # 23 # ذرع الداء ولم يدرك به # ترة فاتت ولا وهيا رقع # 24 # وهذا من النعت الشامل، والوصف السابغ، ms032 وهو جزء من قصيدة كثرت أغراضها، وتشعبت فنونها، ~~ولو كان بي أيها السادة أن أشرح لكم طريقة العرب في الوصف وسبيلهم في البيان، لكان لي مضطرب ~~واسع، وميدان فسيح، ولكني أريد الآن أن أفهمكم فقط أن ابن أبي ربيعة ليس أول شاعر بسط ~~القول، وهلهل الشعر، فليست أبياته التي يقول فيها: # خليلي بعض اللوم لا ترحلا به # رفيقكما حتى تقولا على علم # 25 # خليلي من يكلف بآخر كالذي # كلفت به يدمل فؤادا على سقم # 26 # خليلي ما كانت تصاب مقاتلي # ولا غرني حتى وقعت على نعم # 27 # خليلي حتى لف حبلي بخادع # موقى إذا يرمى صيود إذا يرمي # 28 # خليلي لو يرقى خليل من الهوى # رقيت بما يدني النوار من العصم # 29 # خليلي إن باعدت لانت وإن ألن # تباعد فلم أنبل بحرب ولا سلم # 30 # ليست هذه الأبيات - وهي التي أنشدها ذلكم المؤلف في إثبات الحجة - بشيء من جانب ما قالته ~~جليلة بنت مرة، وقد اعتدى أخوها جساس على زوجها كليب فقتله، فمنعتها أخت كليب من الدخول ~~في مأتمه. فأخذت تبين لها بشائق القول، وساحر البيان، مصيبتها في زوجها، وهمها على ~~أخيها، وأنها أولى منها بالحزن، وأجدر بالشجي، وذلك قولها: # يا ابنة الأقوام إن لمت فلا # تعجلي باللوم حتى تسألي # فإذا أنت تبينت التي # عندها اللوم فلومي واعذلي # إن تكن أخت امرئ ليمت على # شفق منها عليه فافعلي # فعل جساس على وجدي به # قاصم ظهري ومدن أجلي # لو بعين غير عيني انفقأت # عيني اليمنى إذن لم أحفل # جل عندي فعل جساس فيا # حسرتي عما انجلت أو تنجلي # يا قتيلا خرب الدهر به # سقف بيتي جميعا من عل # هدم البيت الذي استحدثته # وبدا في هدم بيتي الأول # ورماني قتله من كثب # رمية المصمى به المستأصل # 31 # يا نسائي دونكن اليوم قد # خصني الدهر بأمر معضل # خصني قتل كليب بلظى # من ورائي ولظى مستقبلي # ليس من يبكي ليوميه كمن # إنما يبكي ليوم بجل # 32 # درك الثائر شافيه وفي # درك الثائر قتل مثكلي ms033 # إنني قاتلة مقتولة # ولعل الله أن يرتاح لي # 33 # وذلك نفسه هو القصد للحاجة الذي جعلوه من مبتدعات ابن ~~أبي ربيعة، ممثلين بقوله: # أيها المنكح الثريا سهيلا # عمرك الله كيف يلتقيان # هي شامية إذا ما استقلت # وسهيل إذا استقل يمان # وألاحظ أيضا أيها السادة أن أكثر تلك الصفات من الأمور العامة التي لا تحدد معنى ولا ~~ترسم طريقة، فما الذي أراده بسهولة الشعر، وشدة الأسر؟ وما الذي قصده من حسن الوصف؟ وما ~~الذي عناه بفتح الغزل؟ ولقد تأملت الأمثلة التي ذكرها لتلك الصفات، فإذا هي أكثر منها ~~غموضا؛ فقد مثل لحسن الوصف بقوله: # لها من الريم عيناه ولفتته # وغرة السابق المختال إذ صهلا # فما وجه الحسن هنا؟ إن كان في إحراز الصفات المختلفة للموصوفات المختلفة، فليس بالشيء ~~الجديد، فلقد قال امرؤ القيس في وصف حصانه: # له أيطلا ظبي وساقا نعامة # وإرخاء سرحان وتقريب تتفل # 34 # وإن كان لروعته وبهائه، فما هو أيضا بالمبتدع، وخير منه قول الشنفرى: # فدقت وجلت واسبكرت وأكملت # فلو جن إنسان من الحسن جنت # 35 # ومثل لفتح الغزل بقوله: # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى # فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا # وهو معنى مشهور، لا يصح أن يجعل دليلا على نبوغ شاعر، على أنه ينسب للأحوص، وكذلك رأينا ~~فيما ذكره من تسهيله وتقويله، واختصاره الخبر، ودقة معناه وصواب مصدره، إلى غير ذلك من ~~الأوصاف العامة والنعوت التي لم تحدد، فلم يبق إلا أن ننظر في الصفات التي يظن أنه ابتدع ~~ما أفصحت عنه، وابتكر ما دلت عليه. ~~••• # وإني قبل ذلك ألفت نظركم إلى أن تلك الصفات يرجع بعضها إلى المعنى، وبعضها إلى اللفظ، ~~وشيء منها إلى الأسلوب. وأريد بالمعنى هنا الفكرة الأساسية، التي يعد الشاعر مبدعا لها ~~إذا سبق بها، كما يقولون: أول من طرد الخيال طرفة بن العبد في قوله: # فقل لخيال الحنظلية ينقلب # إليها فإني واصل حبل من وصل # وأريد باللفظ الكلمة المستعملة أول مرة في التعبير عن معنى معروف، كما يقولون: أول ms034 من ~~قيد الأوابد امرؤ القيس في قوله: # وقد أغتدي والطير في وكناتها # بمنجرد قيد الأوابد هيكل # 36 # يريدون أنه أول من عبر عن السرعة بهذا التعبير. فأما الأسلوب - وهو الطريقة المثلى في ~~الأداء - فإني لا أريد مناقشة المؤلف فيما يتعلق به، فقد كان للعرب قبل ابن أبي ربيعة ~~بأجيال أسلوب سام بديع، ما زال الناس يقتفون فيه أثرهم، ويترسمون خطاهم، على أن أكثر ~~ما يتعلق بذلك من تلك الصفات منتقد مزيف، وقد أشرنا إلى شيء منه في الملاحظات السالفة، ~~فليتأمله الراغب في الفهم، والجانح للبيان. فمن الصفات المعنوية عفة المقال، التي مثل لها ~~بقوله: # طال ليلي واعتادني اليوم سقم # وأصابت مقاتل القلب نعم # حرة الوجه والشمائل والجو # هر تكليمها لمن نال غنم # وحديث بمثله تنزل العص # م رخيم يشوب ذلك حلم # هكذا وصف ما بدا لي منها # ليس لي بالذي تغيب علم # إن تجودي أو تبخلي فبحمد # لست يا نعم فيهما من يذم # وكان ذلك من خير ما يوصف به الشعر في الحب، وتنعت به أحاديث الصبابة؛ لولا أننا لا نعده ~~حسنة للشاعر ولا منقبة للمحب، ما لم يكن من خواصه، ومما لا يعدل عنه، فكيف وابن أبي ربيعة ~~متهتك في شعره، متطرف في نسيبه؟ # على أن هذا الشعر وإن دل على عفة المحب، فإنه لا يدل على إغراب المحبوب في الصيانة، ~~وإمعانه في التمنع، وخير منه قول الشنفرى في ظبية تسكن إلى أمها، وتنفر من محبها: # لقد أعجبتني لا سقوطا قناعها # إذا ما مشت ولا بذات تلفت # تحل بمنجاة من اللوم بيتها # إذا ما بيوت بالملامة حلت # كأن لها في الأرض نسيا تقصه # على أمها وإن تكلمك تبلت # 37 # وما زال العرب يفتخرون بالعفة، ويتمدحون بالصيانة، فكيف يكون ابن أبي ربيعة مبتدعا للعفة ~~في المقال، وقد عرفت من قبله في الفعال؟ ومما ابتدعه أيضا في زعمهم عطف المساءة على العذال ~~في قوله: # لا تلمني عتيق حسبي الذي بي # إن بي يا عتيق ما قد كفاني # لا تلمني وأنت زينتها ms035 لي # أنت مثل الشيطان للإنسان # وهو خطأ في الفهم، فإن هذا معنى أوجدته حادثة خاصة، وليس كل عاذل بقواد، حتى يكون المعنى ~~شاملا لكل لائم وعاذرا لكل ملوم، وقد وجد في كتاب الله من قبل، فلاسبيل لعده من ~~المبتكرات، ولا لجعل صاحبه من المبدعين. ~~••• # ثم قال: ومن إقدامه عن خبرة ولم يعتذر بغرة قوله: # صرمت وواصلت حتى عرف # ت أين المصادر والمورد # وجربت من ذاك حتى عرف # ت ما أتوقى وما أعمد # على أن وصل الغانيات ، والحظوة لديهن، قد لا يحتاج إلى قسط أوفر من الدهاء، ونصيب أكبر من ~~السياسة، حتى يفخر الشاعر بالفوز فيه والظفر به، إنما يكبر المرء في عين النساء بفحولته، ~~وبشبابه النضير، وغصنه الرطيب، وما منحته الطبيعة من ديباجة مشرقة ومحيا وسيم، فأما اللوام ~~والعذال والوشاة، فهم أهون الناس عليه، وأصغرهم لديه، إن نال من حبه الكرامة، وحل في ~~قلبه الشفيق. # ولهل البهاء زهير قلده في هذا المعنى: إذ جعل القواد المخنثين أشباها لسفراء الدول حين ~~يقول: # فيا رسولي إلى من لا أبوح به # إن المهمات فيها يعرف الرجل # والمعنى أصله للنابغة في مدح بني غسان، وقد وضعه في موضعه وأقره في نصابه، وذلك ~~قوله: # 38 # ولا يحسبون الخير لا شر بعده # ولا يحسبون الشر ضربة لازب # إذ كانوا لا يغفلون عن حراسة الخير، ولا يفترون في مدافعة الشر. # ثم قال: ومن تحذيره قوله: # لقد أرسلت جاريتي # وقلت لها: خذي حذرك # وقولي في ملاطفة # لزينب: نولي عمرك # فإن داويت ذا سقم # فأخزى الله من كفرك # فهزت رأسها عجبا # وقالت: من بذا أمرك # أهذا سحرك النسوا # ن قد خبرنني خبرك # وقلن: إذا قضى وطرا # وأدرك حاجة هجرك # ولست أرى في هذا الشعر ما ينبئ عن ابتداع، أو يدل على اختراع، فإن تحذير الرسول من الأمور ~~الفطرية التي تخطر ببال أحدث الناس عهدا بالحب، وأقلهم علما بما يجني الوشاة. # على أن ذلك قد يكون من عيوب تلك القوادة التي كان ينبغي أن لا تحتاج إلى تحذير، فما يصح ms036 ~~أن تكون جارية ابن أبي ربيعة غرة بلهاء، يدرك الناس ما تسعى له، فيعرفون من تمشي إليه، أو ~~تخطئ فهم ما أرسلت به، فتخفق فيما سعت له. # فأين كانت - لا عفا الله عنها - تلك العجوز الشمطاء، والداهية الشعواء، التي كان يرسلها ~~ابن أبي ربيعة إلى الظباء النوافر، والحسان الغرائر، فتسمعهن من حلو الحديث ومره، وصعب ~~الكلام وسهله، ما يجعلهن إلى الفسق أميل، ومن الفحش أقرب، فيصبحن خليعات فاجرات، بعد أن ~~كن عفيفات طاهرات؟! # أين كانت - لا كانت - تلك التي يقول فيها: # وأتتها طبة عالمة # تمزج الجد مرارا باللعب # 39 # تغلظ القول إذا لانت لها # وتراخي عند سورات الغضب # لم تزل تصرفها عن رأيها # وتأناها برفق وأدب # 40 # تلك التي ود الناس لو أتاحت لهم الأقدار خليفة في عقلها، أو أميرا في رأيها، والتي ~~طلب الوليد من حماد أن يسعفه بمثلها، ويدركه بشبهها، حتى تعطف سلمى عليه، وتردها ~~إليه. # ذلك ما أجاد ابن أبي ربيعة في وصف الرسل، فأما «التحذير» الذي عناه المؤلف، فهو ضرب من ~~الخطأ، أو نوع من الفضول. ~~••• # ثم قال: ومن قناعته بالرجاء من الوفاء قوله: # فعدي نائلا وإن لم تنيلي # إنه ينفع المحب الرجاء # وقد علمت مما أسلفناه أن ابن أبي ربيعة لم يكن ممن يرضى في حبه باليسير من الوصل، والقليل ~~من القرب، حتى تعد من ميزاته القناعة، ومن خصائصه العفاف. وأين هذا البيت في حسنه من قول ~~جميل: # وإني لراض من بثينة بالذي # لو ابصره الواشي لقرت بلابله # بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى # وبالأمل المرجو قد خاب آمله # وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي # أواخره لا نلتقي وأوائله # ولا تحسبوا أيها السادة أن هناك فرقا بين الشعرين في المعنى حتى تستبعدوا المقارنة، فإن ~~المؤلف - فيما أظن - لم يشأ إلا التنويه بقناعة الشاعر، والتغني بعفافه، بدليل قوله بعد ~~ذلك: هذا أحسن من قول كثير: # ولست براض من خليل بنائل # قليل ولا أرضى له بقليل # وقد شاء أن يخطئ في الآخرة والأولى؛ فإن ابن أبي ربيعة يتكلم عن محبوبه، ms037 وكثير يتكلم عن ~~خليله، وقد يرضى المرء بظلم حبيبه ولا يرضى بجور صديقه، فقد يصدف الحبيب دلالا، ويعرض ~~الصديق ملالا، والصب عن حبه صفوح، وربما نوقش الصديق. # فأما ما أسدل ابن أبي ربيعة من الحلل الجديدة الفاخرة، على المعاني القديمة الباهرة، ~~وما تندر به من التراكيب الطريفة المخترعة، والتعابير الحديثة المبتدعة، فإنا نرحم الأدب ~~من أن يعجب بها كاتب فيزين بها نثره، أو يخدع بها شاعر فيجمل بها شعره، إذ كانت في ~~جملتها من الاستعارات الفاسدة، والمجازات المردودة، مما ينبو عنه الطبع، ويمجه الذوق ~~السليم، فما حسن إنكاح النوم في قوله: # حتى إذا ما الليل جن ظلامه # ونظرت غفلة كاشح أن يعقلا # واستنكح النوم الذين نخافهم # وسقى الكرى بوابهم فاستثقلا # خرجت تأطر في الثياب كأنها # أيم يسيب على كثيب أهيلا # 41 # وعلى أي وجه تجري هذه الاستعارة، ومن أي سبيل يجوز هذا المجاز؟ إن هذا إلا ~~اختلاق. # ولست أدري لم لم يفتن الكاتب أيضا بما أبدع ابن أبي ربيعة من تشبيه الحسناء وهي ~~تتثنى، بالحية وهي تتلوى؟! فهو أيضا تعبير مخترع، وتشبيه مبتدع، لا يقل عن إنكاح النوم ~~في السماجة، ولا ينقص في الفضول؟ وإنهم ليعجبون أيضا بقوله: # في خلاء من الأنيس وأمن # فشفينا غليلنا واشتفينا # وضربنا الحديث ظهرا لبطن # وأتينا من أمرنا ما اشتهينا # فمكثنا بذاك عشر ليال # فقضينا ديوننا واقتضينا # وذلك أنهم يزعمون أنه أول من ضرب الحديث ظهرا لبطن، من غير أن يبينوا ما يراد بذلك ~~البدع الجديد! # ويستجيدون أيضا قوله: # حبكم يا آل ليلى قاتلي # ظهر الحب بجسمي وبطن # ليس حب فوق ما أحببتكم # غير أن أقتل نفسي أو أجن # وهو من الخطأ في التعبير، فإن الحب حين تبدو علائمه من الأرق والسهاد، والنحول والذبول، ~~لا يقال عنه: بطن وظهر، وإنما يقال: ظهر منه ما كان خفيا، وبدا ما كان مستورا، وقد ~~يستبعدون أن يكون الأسى الظاهر، تمثالا للجوى الباطن، كأن ما يبدو بالجسم من شحوب وبالوجه ~~من لغوب، إنما هو شرر تطاير من لهيب القلب، ms038 وسعير الفؤاد. وإن تعجب فعجب قوله: # ليس حب فوق ما أحببتكم # غير أن أقتل نفسي أو أجن # كأن لم يقتل الحب من أحد، ولم يصرع به إنسان! ~~••• # وإني أيها السادة - على ما أغربت في نقد ذلكم المؤلف - أرى من الإنصاف أن أعزز رأيه في ~~كلمة اختارها في طلاوة الاعتذار، وأخرى في تحيير ماء الشباب، وثالثة في صدق الصفاء. فأما ~~الأولى فهي قوله: # عاود القلب بعض ما قد شجاه # من حبيب أمسى هوانا هواه # أرسلت إذ رأت بعادي ألا # يقبلن بي محرشا إن أتاه # 42 # دون أن يسمع المقالة منا # وليطعني فإن عندي رضاه # لا تطع بي - فدتك نفسي - عدوا # لحديث على هواه افتراه # لا تطع بي من لو رآني وإيا # ك أسيري ضرورة ما عناه # ما ضراري نفسي بهجران من لي # س مسيئا ولا بعيدا ثراه # 43 # واجتنابي بيت الحبيب وما الخ # لد بأشهى إلي من أن آراه # والحق أقول: إن إعجابي بهذه الأبيات، ليس لما فيها من طلاوة الاعتذار - كما ذكر ذلك ~~المؤلف - بل لما فيها من الجرأة في الخروج على الوشاة، ومن ذا الذي يقرأ قوله: # لا تطع بي من لو رآني وإيا # ك أسيري ضرورة ما عناه # ثم لا يعطي العدو أذنا غير واعية، وفؤادا غير أواب؟ أم من ذا الذي يسمع قوله: # ما ضراري نفسي بهجران من لي # س مسيئا ولا بعيدا ثراه # واجتنابي بيت الحبيب وما الخ # لد بأشهى إلي من أن أراه # ثم لا يطير إلى حبيبه؛ لينعم بجماله، ويظفر بوصاله؟ وأما الكلمة الثانية فهي قوله: # أبرزوها مثل المهاة تهادى # بين خمس كواعب أتراب # وهي مكنونة تحير منها # في أديم الخدين ماء الشباب # ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا # عدد الرمل والحصا والتراب # ووجه الحسن في تحيير ماء الشباب، أنك تنظر إلى الخدود الموردة فتراها كالشفق تتنقل من ~~تحته الشمس، أو كالمشكاة يتموج في قلبها المصباح. # في سبيل الحب تلك النظرة! يوم رأيته وقد أبل من حمى أضرعته، فرأيت ماء الشباب ~~يدب في تلك الخدود ms039 وهي صفراء كالورس، فيعيدها حمراء كالورد، وإذا بالأنس يتمشى في فؤادي ~~لشفائه، تمشي البرء في أعضائه. # 44 # وأما الثالثة فهي قوله: # أحب لحبك من لم يكن # صفيا لنفسي ولا صاحبا # وأبذل مالي لمرضاتكم # وأعتب من جاءكم عاتبا # وأرغب من ود من لم أكن # إلى وده قبلكم راغبا # ولو سلك الناس في جانب # من الأرض واعتزلت جانبا # ليممت طيتها إنني # أرى قربها العجب العاجبا # 45 # وجملة القول: أن ما نسب إلى ابن أبي ربيعة من المعاني المبتكرة والألفاظ المبتدعة، على ما ~~فيه من وهن، وما به من دخل، لا يفصح عن منهج في الشعر غير مألوف، أو سبيل غير معروف. ~~فما طريقه الجديد، أو منهجه الحديث؟ # | هوامش # | المحاضرة الثالثة # أيها السادة: إن الشعر أثر من آثار النفس، ولون من ألوان الفؤاد، وكما تختلف النفوس في ~~نزعاتها، والقلوب في خطراتها، يختلف الشعر في أغراضه، ويتنوع في مناحيه. # نعم تتنوع مناحي الشعر، وتتعدد مذاهبه، بيد أنه لا يكفي أن يقال: إن شعر اليأس غير شعر ~~الرجاء، وشعر الحزن غير شعر الفرح، فإن ذلك وإن فرق بين عاطفة وعاطفة، وحالة وأخرى، فإنه لا ~~يرضي الأديب الفيلسوف، الذي يعرف لعاطفة الحب ألوانا مختلفة، ولثائرة الحزن أشكالا ~~متباينة، فيرى الحزن على الحبيب الراحل، غير الحزن على الحبيب المفقود، ويرى الشعر في بكاء ~~الأبناء، غير الشعر في رثاء الآباء، حتى ليؤمن بالفرق بين الشاعرين يدعوان إلى نحلة واحدة، ~~بلهجة واحدة، إذ كانت خطوات السائرين في سبيل واحد إلى غرض واحد تختلف قوة وضعفا، ونشاطا ~~وفتورا، باختلاف فهمهم للغاية التي يقصدونها، والغرض الذي يرمون إليه. # وكذلك يختلف الشعراء والكتاب؛ فلن يكون ابن الرومي في بؤسه وذله، بالشاعر الذي ينحو منحى ~~ابن المعتز في عزه وغناه، ولن تكون أفكار جان جاك روسو الذي كان يفترش الأرض ويلتحف ~~السماء، بسالكة سبيل أفكار ميشيل مونتين الذي كان يعبده أبوه فلا يوقظه من نومه إلا بأنغام ~~الموسيقى، وألحان الغناء. # 1 ~~••• # إذن، فمن ابن أبي ربيعة من بين المحبين؟ وما شعره من بين ms040 أنواع النسيب؟ # ابن أبي ربيعة! أليس هو ذلك الرجل الذي ألحظه في أعطاف الماضي، وأنظره في ثنايا الزمن، ~~فأرى فيه التيه والدل، والفخر والأبهة؟ أليس هو الذي يبدو على قدم العهد وكأنه الزهرة ~~الناضرة، أو الابتسامة الحائرة؟ ما لي أراه هكذا مفتونا بشبابه، مغرورا بجماله؟ وما بال ~~النساء يشرقن من حوله، ويطلعن عليه، فما يملكن قلبه، ولا يأسرن فؤاده؟ # بلى إنه رجل خليع، وفاتن المنظر أخاذ؛ فلا بد أن يكون شعره كذلك فاتنا أخاذا. وضاحك ~~الثغر بسام؛ فيجب أن يكون شعره كذلك ضاحكا بساما، فإنما الشعر صورة النفس، وتمثال ~~الفؤاد. # ألا فليخل شعره من التوجع، وليسلم نسيبه من الجزع، وليترك الهم لقوم سواه، فما كان ~~بالمحزون ولا المهموم! # علام يصف الليل فيشكو كواكبه البطيئة، ونجومه المشكولة، وفجره المفقود؟ وما كان الرجل في ~~التفاف النساء حوله، وإقبالهن عليه، بالذي يضج منه السرير لبعد الأنيس، أو تسأم منه ~~الحجرات لفقد السمير؛ فلقد كانت تعده المرأة بالزيارة في جنح الليل، فلا تكاد تصل إلى ~~منزله، تحتى تجد غيرها قد سبقتها إليه، فتعود آسفة حزينة. # علام يشكو البين، وما روعه نذير بالفراق إلا بشره بشير بالتلاق؟ أم كيف يبكيه ~~الوداع، وهو الذي ما شيع حبيبا، إلا استقبل حبيبا، ولا غابت عنه شمس، إلا أشرقت ~~عليه شمس؟ # ألا فليذكر الليل الطويل جميل، وليحزن من البين المشت كثير، ثم ليتركوا ابن أبي ~~ربيعة بين الشموس السواطع، والبدور الطوالع، وإنه من بينهم لسعيد. # لم يكن ابن أبي ربيعة ممن إذا غاب عنه حبيب، أخذ في الحنين إليه والبكاء عليه، تلك سبيل ~~الشعراء المفجعين الذين كانت قلوبهم أعوانا للدهر عليهم، وكانت نفوسهم أخصاما لهم، ~~أولئك هم المعوزون في عالم المحبة، والمحرومون في دولة الصبابة، أولئك الذين يرون الجمال ~~ظلا ظليلا، ثم لا يستطيعون أن يتفيئوا ما له من وارف الظلال، أولئك الذين يحسدون الغلائل ~~على الأعطاف، والعقود في النحور. وكيف يكون ابن أبي ربيعة مثلهم مسكينا في شعره، وما كان ~~مسكينا في حبه؟ أم كيف يصف البكاء والمدامع، ms041 وما ألمت نفسه، ولا دمعت عينه؟ بعدا للذلة ~~حتى في الحب! وتبا للمسكنة حتى في الغرام! # ولكن عذرناكم جماعة المؤلفين الذين يوجبون الذل في النسيب؛ عذرناكم لأن المحبين جميعا ~~أذلاء؛ ولأن أمثال ابن أبي ربيعة في الحب قليل، عذرناكم لأنا لا نجد مفرا من هذه الذلة، ~~ولا محيصا عن هذه المسكنة؛ ولأن الله في رحمته لم يشأ أن يجعلها ذلة خالصة، بل شابها بنوع ~~من الحرية، وقسط من الاختيار، يتمثل في إقبالنا على الحسن، إقبال الساري على القمر، ~~والصادي على النهر. # نعم عذرنا المؤلفين في تلك القيود التي وضعوها في النسيب؛ لأنهم ظنوا أن الناس جميعا ~~يعرفون منه ما يعرفون، ويفهمونه كما يفهمون. ولكن، فلنرحم أنفسنا من اتباعهم والسير في ~~آثارهم، ولنجر على سنن الكون وطبائع الحياة، فيما نصدر من الأحكام، وما نبدي من ~~الآراء. # ألسنا نخطئ من يزعم أن الورد في عام من الأعوام، ضعفت شجراته، وقلت زهراته؛ لأن آفة ~~ألمت بحديقة من حدائقه، وطافت بجنة من جناته؟ بلى إنا نخطئه في زعمه؛ لأن ذلك قد يلم ~~بالشجرتين في مغرس واحد، فتنجو إحداهما وتعطب الأخرى، فكيف نقبل إذن أن نحكم على الشعر قبل ~~أن يوجد الشعراء، وعلى التشبيب قبل أن يخلق المشببون؟ ألا إن الحكم الأدبي لا يغني فيه ~~غير الاستقراء، وهيهات أن ينفع الاستقراء حيث يكثر الشذوذ، وما دام الأدب من آثار النفوس، ~~وما دامت النفوس قلما تتشاكل، فلن يصح إلحاق الأواخر بالأوائل، ولا الحكم على الأحفاد ~~باتباع الأجداد. # ولقد كان يصعب التمييز بين شعراء العرب لو اتبعوا نقادهم فيما يأمرون به من توحيد ~~المعاني، وتحدي القدماء، ولكن يظهر أن النفوس العربية الوثابة، التي ألفت الحرية، واعتادت ~~الخروج حتى على الملوك والأمراء، لم تشأ أن تخضع في جوانح الشعراء لتلك النظم المشوشة التي ~~وضعها العلماء، وكذلك نهض الأدب مع ارتباك النقد، فكان الشعراء في واد، والنقاد في ~~واد. # إذن فلنترك تلك السبل، ولنحكم على الشاعر بما يصح أن يكون من ناحية ما اختص به، من لون ~~نفسه، ووجهة ms042 خاطره، غير ناظرين إلى تلك الأنواع العامة، التي اتبعها صاحب «الأغاني» وغيره، ~~تلك التي لا تميز شاعرا عن شاعر، ولا كاتبا عن كاتب، ولنجرب ذلك في الحكم على ابن أبي ~~ربيعة المخزومي، ثم لننزل عند حكم الطبع، ولنتبع رائد التفكير. ~~••• # علمتم أيها السادة أن ابن أبي ربيعة كان شابا محسود الشباب، وأنه كان الأمل الحلو الذي ~~تتغنى به كل حسناء أوت إلى فراشها، أو هبت من منامها، والأمنية العذبة التي تترقرق في ~~قلوب العذارى صاعدة هابطة بين اليأس والأمل، والرجاء والقنوط، والحديث المعسول تفضي به ~~البنت إلى أمها، والأخت إلى أختها، بل كان زهرة النرجس، تلك الزهرة المقدسة، التي كان يرى ~~العرب أن لا بد لمن يرغب في الحياة أن يشمها مرة كل شهر، أو مرة كل سنة، فإن لم ~~يستطع ففي العمر مرة. وكان ابن أبي ربيعة يعلم ذلك، ويعلم أنه حديث الفتيان في الأندية ~~السامرة، والفتيات في المغاني الزاهرة، نعم كان يعلم من ذلك ما أورثه العزة في نفسه، والتيه ~~في حبه، فرغب عن قرب الملوك، وترك زيارة الأمراء؛ علما منه بأن له ملكا أعظم من ملكهم، ~~وعزا أروع من عزهم، إذ كان أمير الحسن في عصره، ومليك الحب في دهره، فطالما قدمت إليه ~~الحلل الفاخرة، والطيب النادر العرف؛ حبا في شعره الذي تنبه به الغواني، وتنفق به ~~الأوانس، إذ كان من دلائل الحسن الذي يعتز به النساء، ويتيه به الكواعب أن يسير بيت لابن ~~أبي ربيعة في وصف امرأة والتشبيب بفتاة. # علم ذلك ابن أبي ربيعة، وعلم أنه البدر الطالع في سماء الحسن، والزهرة الشائقة في جنة ~~المحبة، فرأى من الحكمة أن يعمل على ما يزيد حبه رسوخا، وشعره نباهة، فاحتال لذلك بحيل ~~ثلاث. ~~••• # الحيلة الأولى: إبداعه في وصف النساء؛ ذلك الوصف الذي ما سمعته امرأة إلا ودت أن تكون ~~الغرض منه، والسبب فيه، والذي ما ذكر فيه اسم امرأة إلا كانت أمل الآمل وأمنية المتمني، ~~والذي طالما تسابق النساء إليه، وتباغضن من جرائه، فكم كان يحسد ms043 المرأة جاراتها، ويغبطها ~~أترابها، إذا نوه بها ابن أبي ربيعة في شعره، أو خصها بالنسيب. # ويرى الدكتور ضيف أن ابن أبي ربيعة لم يعرف إلا بالقصص، فلم يكن من الوصافين للنساء، ~~والناعتين للمحاسن. أما أنا فقد رأيت من حوادث النساء ما يدل على أنه كان لوصفه منزلة ~~عندهن، وحديث بينهن، فقد ذكروا أن عائشة بنت طلحة سهرت ليلة لهم ألم بها، فقالت: إن ~~ابن أبي ربيعة لجاهل بليلتي هذه حيث يقول: # وأعجبها من عيشها ظل غرفة # وريان ملتف الحدائق أخضر # ووال كفاها كل شيء يهمها # فليست لشيء آخر الليل تسهر # ولقد أشار إلى ذلك بقوله: # ولقد قالت لجارات لها # ذات يوم وتعرت تبترد # أكما ينعتني تبصرنني # عمركن الله أم لا يقتصد؟ # فتضاحكن وقد قلن لها # حسن في كل عين من تود # حسدا حملنه من أجلها # وقديما كان في الناس الحسد # ورأيت من نظرائه من نوه بذلك؛ فقد قال نصيب: ابن أبي ربيعة أوصفنا لربات الحجال. إلا ~~أنه ينبغي أن نلاحظ أنه لم يكن يصف النساء إلا بما يزيدهن غرورا بشبابهن، وفتونا ~~بجمالهن، وبما يشتهين أن يعرفن به من ثقل الأرداف، ورقة الأطراف، وبياض الترائب وسواد ~~الذوائب، إلى غير ذلك مما لو خلا النساء إلى شياطينهن، وسكن إلى أمثالهن، ما خضن في غيره، ~~ولا تحدثن في سواه. إن المرأة تود كثيرا أن تكون كما قال: # نعم شعار الفتى إذا برد اللي # ل سحيرا وقفقف الصرد # 2 # كما يود الرجل - لو تغنى الودادة - أن يتناوم في أحضان امرأة فضفاضة الصدر، رجراجة ~~الردف: # تشفي الضجيع ببارد ذي رونق # لو كان في غلس الظلام أنارا # ويفوز من هي في الشتاء شعاره # أكرم بها دون اللحاف شعارا # نعم، وتود المرأة أن توصف بأنها ضعيفة المشي، قصيرة الخطو، لا لضعف في جسمها، بل لثقل في ~~ردفها، يحول بينها وبين زيارة جاراتها، كما قال ابن أبي ربيعة: # وتنوء تصرعها عجيزتها # مشي الضعيف يؤوده البهر # 3 # حتى لتمنعها أردافها من أداء الفريضة، كما قال: # تكاد من ثقل الأرداف ms044 إن نهضت # إلى الصلاة على الأنماط تنبتر # وليت شعري ما هي صلاة تلك الفينانة المكسال! # وإني لأرحم التي يقول فيها: # وظلت تهادى ثم تمشي تأودا # وتشكو مرارا من قوائمها فترا # ثم أكاد ... إذا قرأت قوله: # إذا ما دعت بالمرط كيما تلفه # على الخصر أبدت من روادفها فخرا # عفا الله عنك يا ابن أبي ربيعة، فقد جعلتنا نفرط في القول، ونسرف في الحديث، حتى لنخشى ~~على أنفسنا أن نتمثل بقولك: # ولولا أن تعنفني قريش # وقول الناصح الأدنى الشفيق # لقلت إذا التقينا: قبليني # ولو كنا على ظهر الطريق # وإنك لكما قال عبد الملك: أطول قريش صبوة، وأبطؤها توبة! # وأقول بعد ذلك أيها السادة: إن الرجل كان يختصر أحيانا في الوصف، إلا أنه كان مع ذلك ~~يصيب الصميم من المعنى المراد، فأي حسن فاته في قوله: # أبت الروادف والثدي لقمصها # مس البطون وأن تمس ظهورا # وإذا الرياح مع العشي تناوحت # نبهن حاسدة وهجن غيورا # وأي غرض لم يصبه بقوله: # ذات حسن إن تغب شمس الضحى # فلنا من وجهها عنها خلف # أجمع الناس على تفضيلها # وهواهم في سوى هذا اختلف # أما تلمحون جماعة المسلمين إذ ذاك، وهم أحزاب وشيع، يفضل بعضهم عليا، ويرفع آخرون ~~عمر، حتى إذا ذكرت هذه الغانية، اتفقوا على حسنها، وأجمعوا على تفضيلها؟ # فأما إذا عمد إلى الإطناب فإنه الواصف القدير، الذي يضع الكلم في مواضعه، ويقر المعنى في ~~نصابه، فيصف المرأة بما تود أن توصف به، وبما يعلم أنه الشرك ينصبه النساء ليصدن به ~~الرجال، فيقول مثلا: # خود تضيء ظلام البيت صورتها # كما يضيء ظلام الحندس القمر # 4 # مجدولة الخلق لم توضع مناكبها # ملء العناق ألوف جيبها عطر # 5 # ممكورة الساق مقصوم خلاخلها # فمشبع نشب منها ومنكسر # 6 # هيفاء لفاء مصقول عوارضها # تكاد من ثقل الأرداف تنبتر # 7 # تفتر عن واضح الأنياب متسق # عذب المقبل مصقول له أشر # 8 # كالمسك شيب بذوب النحل يخلطه # ثلج بصهباء مما عتقت جدر # 9 # تلك التي سلبتني العقل وامتنعت # والغانيات وإن واصلننا غدر # قد ms045 كنت في معزل عنها فقيضني # للحين حين دعاني للشقا النظر # 10 # وله في الأوصاف الظاهرة شعر كثير، يمتاز عن شعر أسلافه برقة الحاشية، وقرب المأخذ، وأنه ~~يأتي إلى النساء من الناحية التي يرضينها، ويدخل إليهن من الباب الذي يهوينه، وأي امرأة لا ~~يطربها قوله: # يا طيب طعم ثناياها وريقتها # إذ استقل عمود الصبح فاعتدلا # مجاجة المسك لا تقلى شمائلها # تزداد عندي إذا ما ماحل محلا # 11 # لو كان يخبل طيب النشر ذا كلف # لكنت من طيب رياها الذي خبلا # 12 # تلكم هي الحيلة الأولى؛ حيلة الوصف السابل، والنعت الشامل. # فأما الحيلة الثانية: فهي تلطفه في مخاطبة الغواني، وتودده إليهن بحسن الحديث، ~~والنساء ضعيفات القلوب، رقيقات الأكباد، يسكن إلى الحديث الممتع، ويصغين إلى الحوار ~~اللطيف. وآكد ما يكون ذلك إذا شعشع الحديث بشيء من الصبابة، أو مزج بقسط من الاستعطاف. ~~وكذلك كانت طريقته في مخاطبة الحسان، ومحاورة الغواني، من ذلك قوله: # يفرح القلب إن رآك وتستع # بر عيني إذا أردت ارتحالا # ولئن كان ينفع القرب ما أز # داد فيما أراك إلا خبالا # غير أني ما دمت جالسة عن # دي سألهو ما لم تريدي زيالا # فإذا ما انصرفت لم أر للعي # ش التذاذا ولا لشيء جمالا # أنت عيشي نعم ورؤيتك الخل # د وكنت الحديث والأشغالا # حلت دون الفؤاد واختارك القل # ب وخلى لك النساء الوصالا # وتخلقت لي خلائق أعطت # ك قيادي فما ملكت احتمالا # أيها العاذلي أقل عتابي # لم أطع في وصالها العذالا # إن ما قلت والذي عبت منها # لم يزدها في العين إلا جلالا # لا تعبها فلن أطيعك فيها # لم أجد للوشاة فيها مقالا # فيم بالله تقتلين محبا # لك بالوصل مخلصا بذالا؟! # ولعمري لئن هممت بقتلي # لبما قد قتلت قبلي الرجالا # حدثيني عن هجركم ووصالي # أحراما ترينه أم حلالا؟ # كم تمنيت أنني لك بعل # آه، بل ليتني بخدك خالا # ومثل هذا الشعر جدير بأن يفتن النساء، ويخلب الحسان، وابن أبي ربيعة يجيد هذا النوع من ~~السحر، ويحسن هذا الضرب من الحوار، ms046 وأي استدراك أبدع من قوله: # سقيت بوجهك كل أرض جئتها # وبمثل وجهك نستقي الأمطارا # وأرى جمالك فوق كل جميلة # وجمال وجهك يخطف الأبصارا # إني رأيتك غادة خمصانة # ريا الروادف عذبة مبشارا # 13 # محطوطة المتنين أكمل خلقها # مثل السبيكة بضة معطارا # 14 # كالشمس تعجب من رأى ويزينها # حسب أغر إذا تريد فخارا # ويفوز من هي في الشتاء شعاره # أكرم بها دون اللحاف شعارا # ويدخل في هذا الباب ما كان يرسله أحيانا إلى الثريا من مثل قوله: # كتبت إليك من بلدي # كتاب موله كمد # كئيب واكف العيني # ن بالحسرات منفرد # يؤرقه لهيب الشو # ق بين السحر والكبد # فيمسك قلبه بيد # ويمسح عينه بيد # وقد خدعت الثريا بهذه الأبيات فبكت عند قراءتها، وأنشدت: # بنفسي من لا يستقل بنفسه # ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع # وإنه لعجيب أن يملأ الدنيا فخرا بإقبال النساء عليه، وتوددهن إليه، ثم يقول بعد ~~ذلك: # ألست أرى ذا ودكم فأوده # وأكرم إن لاقيت يوما لكم كلبا؟ # أرى أم عبد الله صدت كأنني # بما فعل الواشي جنيت لها ذنبا # فلا تسمعي من قول من ود أنني # وإياك يمسي ما نحل به جدبا # نعم، وعجيب أن تقرأ له: # سلام عليها ما أحبت سلامنا # فإن كرهته فالسلام على الأخرى # ثم تراه يتشبه بالعشاق المبعدين في قوله: # فلئن تغير ما عهدت وأصبحت # صدفت فلا بذل ولا ميسور # لبما تساعف باللقاء ولبها # فرح بقرب مزارنا مسرور # إذ لا يغيرها الوشاة فودنا # صاف نراسل مرة ونزور # لا تأمنن الدهر أنثى بعدها # إني لآمن غدرهن نذير # بعد التي أعطتك من أيمانها # ما لا يطيق من العهود ثبير # فإذا وذلك كان ظل سحابة # نفحت به في المعصرات دبور # 15 # ولكن لا عجب، فإنما يلعب بقلوب النساء، فإن أجدى التيه والصلف، وإلا فهو جدير بأن يتكلف ~~الحزن، ويتصنع الخشوع. ~~••• # أما الحيلة الثالثة - وهي أدهى الحيل، وأشدهن خطرا على عفة النساء - فهي وصفه لأوقات ~~التلاقي، وساعات التداني، فقد كان يغرب في ذلك إغرابا لم يسبق به، ويتهتك تهتكا ms047 لم ~~يعرفه الناس من قبل، اللهم إلا شذرات قلائل في شعر امرئ القيس وأمثاله من الخلعاء. # ولولا بعض الرأي فيما ذكرت من الحيلتين السالفتين، لقلت: إن هذه الحيلة هي كل ما لابن أبي ~~ربيعة من إبداع، ولشعره من ميزة؛ فقد بلغ من ذلك مبلغا عظيما، وأثر أثرا غير قليل، ورآه ~~الناس ضارا بالأخلاق والآداب، ومحرضا على الفسق والفجور، فحرم أهل الورع منهم روايته ~~على فتيانهم وفتياتهم؛ لئلا ينكبوا على الفسق انكبابا، ولقد مرت ظبية مولاة فاطمة بنت ~~عمر بن مصعب على عبد الله بن مصعب ومعها دفتر، فناداها: ما هذا معك يا ظبية؟ فقالت: شعر ابن ~~أبي ربيعة يا سيدي، فقال: ويحك تدخلين على النساء بشعر ابن أبي ربيعة! إن لشعره لموقعا من ~~القلوب، ومدخلا لطيفا إلى النفوس، ولو كان شعر يسحر لكان هو، فارجعي به! وكان ابن جريج ~~يقول: ما دخل على العواتق في حجالهن # 16 # شيء أضر عليهن من شعر ابن أبي ربيعة. وقال هشام بن عروة: لا ترووا فتياتكم ~~شعر عمر، لا يتورطن في الزنا تورطا! ~~••• # أقول ذلك أيها السادة؛ لأني أرى الصفة الغالبة في شعره إنما هي ذلك القصص الجميل، ~~والحديث العذب المعسول، الذي يصف به لياليه البيض الحسان، مع أحبابه البيض الحسان؛ ولأني ~~رأيت الناس في عصره، قد ملئوا دهشة واستغرابا، من تلك الأحاديث النادرة الطريفة، وهاتيك ~~القصص الممتعة الشائقة، فكان من ذلك أن لقيه رجل من الطواف فقبض على يده، وقال: أكل ما ~~قلته في شعرك فعلته؟ فقال: إليك عني! فقال: أسألك بالله، فقال: نعم، وأستغفر الله! بل وكان ~~من ذلك أن فتن الناس بمذهبه في القصص، وأسلوبه في الحديث، فقال الزبير بن بكار: لقد أدركت ~~مشيخة من قريش لا يزنون بعمر بن أبي ربيعة شاعرا من أهل دهره في النسيب، ويستحسنون منه ما ~~كانوا يستقبحونه من غيره، من مدح نفسه، والتحلي بمودته. # نعم فتن الناس بمذهبه حتى الشعراء منهم، فلقد حدثوا أن الفرزدق قدم المدينة وبها رجلان ~~وصفا له، يقال لأحدهما: صريم، وللآخر: ms048 ابن أسماء، فقصدهما وكان عندهما قيان، ثم قال لهما ~~بعد أن سلم عليهما: من أنتما؟ فقال أحدهما: أنا فرعون، وقال الآخر: أنا هامان، فقال: فأين ~~منزلكما في النار حتى أقصدكما؟ فقالا: نحن جيران الفرزدق الشاعر! فضحك ونزل، فسلم عليهما ~~وسلما عليه وتعاشروا مدة، ثم سألهما أن يجمعا بينه ~~وبين عمر بن أبي ربيعة ففعلا، فلما التقى الشاعران تحادثا، وتناشدا إلى أن أنشد عمر قصيدته ~~التي يقول فيها: # فلما التقينا واطمأنت بنا النوى # وغيب عنا من نخاف ونشفق # أخذت بكفي كفها فوضعتها # على كبد من خشية البين تخفق # فلما بلغ قوله: # فقمن لكي يخليننا فترقرقت # مدامع عينها وظلت تدفق # 17 # وقالت: أما ترحمنني! لا تدعنني # لدى غزل جم الصبابة يخرق # 18 # فقلن: اسكتي عنا فغير مطاعة # فخلك منا فاعلمي بك أرفق # فقالت: فلا تبرحن ذا الستر إنني # أخاف ورب الناس منه وأفرق # صاح الفرزدق قائلا: أنت والله يا أبا الخطاب أغزل الناس! لا يحسن الشعراء والله أن ~~يقولوا مثل هذا الشعر، ولا أن يرقوا مثل هذه الرقية. # وكذلك فتن جميل بشعر ابن أبي ربيعة، فقد تناشدا الشعر، فأنشد جميل قصيدته التي يقول ~~فيها: # لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي # بثينة أو أبدت لنا جانب البخل # فلو تركت عقلي معي ما طلبتها # ولكن طلابيها لما فات من عقلي # يقولون: مهلا يا جميل! وإنني # لأقسم ما لي عن بثينة من مهل # أصبرا وقبل اليوم كان أوانه؟ # أم اخشى وقبل اليوم هددت بالقتل؟! # أبيت مع الهلاك ضيفا لأهلها # وأهلي قريب موسعون ذوو فضل # 19 # فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بها # ويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي! # خليلي فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حب قاتله قبلي؟! # ثم أنشد ابن أبي ربيعة قوله من قصيدة: # جرى ناصح بالود بيني وبينها # فقربني يوم الحصاب إلى قتلي # 20 # فطارت بحد من فؤادي وقارنت # قرينتها حبل الصفاء إلى حبلي # فما أنس ملأشياء لا أنس موقفي # وموقفها يوما بقارعة النخل # فلما تواقفنا عرفت الذي بها # كمثل ms049 الذي بي حذوك النعل بالنعل # ويقتصر أكثر الرواة على البيت الأخير شاهدا على إعجاب جميل به حين قال: هيهات يا أبا ~~الخطاب! لا أقول مثل هذا سجيس الليالي، والله ما خاطب النساء مخاطبتك أحد! وأرى أن هذا ليس ~~بيت القصيد، ولا هذا المعنى بالذي يستفز شاعرا كجميل، بل هو معنى عادي سبقه الشعراء به، ~~فقد قال بعض الجاهلين: # ولما أن رأيت بني حيي # عرفت شناءتي فيهم ووتري # وأرى أن الذي لفت نظر جميل، وجعله يحسد ابن أبي ربيعة على شعره، إنما هو قصصه الشائق، ~~وحديثه العذب، وذلك قوله: # فعاجت بأمثال الظباء نواعم # إلى موقف بين الحجون إلى النخل # فقالت لأتراب لها شبه الدمى # أطلن التمني والوقوف على شغلي # وقالت لهن: ارجعن شيئا لعلنا # نعاتب هذا أو يراجع في وصل # فقلن لها: هذا عشاء وأهلنا # قريب ألما تسأمي مركب البغل؟ # فقالت: فما شئتن؟ قلن لها: انزلي # فللأرض خير من وقوف على رحل # نجوم دراري تكنفن صورة # من البدر وافت غير هوج ولا عجل # وقمن إليها كالدمى فاكتنفنها # وكل يفدي بالمودة والأهل # فسلمت واستأنست خيفة أن يرى # عدو مقامي أو يرى كاشح فعلي # فقالت وأرخت جانب الستر: إنما # معي فتحدث غير ذي رقبة أهلي # فقلت لها: ما بي لهم من ترقب # ولكن سري ليس يحمله مثلي # 21 # ثم يقول عن أترابها: # فلما اقتصرنا دونهن حديثنا # وهن طبيبات بحاجة ذي الشكل # 22 # عرفن الذي تهوى فقلن لها: ائذني # نطف ساعة في برد ليل وفي سهل # فقالت: فلا تلبثن، قلن: تحدثي # أتيناك وانسبن انسياب مها الرمل # وقمن وقد أفهمن ذا اللب إنما # أتين الذي يأتين من ذاك من أجلي # وباتت تمج المسك في في غادة # بعيدة مهوى القرط صامتة الحجل # 23 # تقلب عيني ظبية ترتعي الخلا # وتحنو على رخص الشوى أغيد طفل # 24 # وتفتر عن كالأقحوان بروضة # جلته الصبا والمستهل من الوبل # 25 # أهيم بها في كل ممسى ومصبح # وأكثر دعواها إذا خدرت رجلي # وهنا قال جميل: هيهات يا أبا الخطاب! لا أقول والله ms050 مثل هذا سجيس الليالي، والله ما خاطب ~~النساء مخاطبتك أحد. ~~••• # ذكرت ما تقدم أيها السادة؛ تمهيدا للحكم على شعر ابن أبي ربيعة، وبيانا لإبداعه الذي ~~عرف به، فإني رأيت الأدباء السالفين إنما ينسبون إليه هذه البدعة، ويسندون إليه هذا الجرم؛ ~~وهو: تزيين الفسق وتلطيفه، وتسهيله لدى النفوس الأبية، وتقريبه إلى القلوب العصية، ولقد ~~ذكر شعره مع شعر الحارث بن خالد في مجلس ابن أبي عتيق، ففضل بعض الحاضرين شعر الحارث، فقال ~~ابن أبي عتيق: بعض قولك يا أخي! فإنه ما عصي الله - عز وجل - بشعر أكثر مما عصي بشعر ابن ~~أبي ربيعة، يريد أنه أبصر بمواقع الأهواء، ومواطن التأثير. # وإذا كان المؤلفون في الأدب لم يشرحوا طريقة ابن أبي ربيعة في القصص، وكان منهجه فيه ~~جديرا بالبيان والإيضاح؛ فقد أردت أن أبين وجه الفتنة فيه، وموضع الحسن منه، حتى يتبين لكم ~~ما ذهبت إليه من أنه في شعره محتال، وأنه بالنسيب صائد، وحسبكم هذا المثال، قال: # راح صحبي ولم أحي النوارا # وقليل لو عرجوا أن تزارا # ثم إما يسرون من آخر اللي # ل وإما يعجلون ابتكارا # هنا يتمثل لكم وهو خافت الصوت، خافق القلب، لا يدري - ~~وهو بين اليأس والأمل، والرجاء والقنوط - أيلتمس الحيلة إلى لقائها، ويبتغي الوسيلة إلى ~~وصالها، أم ينصرف وهو شجي، ويرتحل وهو حزين، ثم بين ما تم له بقوله: # ولقد قلت ليلة البين إذ جد # رحيل وخفت أن أستطارا # لخليل يهوى هوانا موات # كان لي عند مثلها نظارا # يا خليل أربعن علي وعينا # ي من الحزن تهملان ابتدارا # ههنا فاحبس البعيرين واحذر # رائدات العيون أن تستنارا # إنني زائر قريبة قد يع # لم ربي أن لا أطيق اصطبارا # فما كان جوابه؟ # قال: فافعل لا يمنعنك مكاني # من حديث تقضي به الأوطارا # والتمس ناصحا قريبا من الور # د يحس الحديث والأخبارا # فكان ماذا؟ # فبعثنا مجربا ساكن الري # ح خفيفا معاودا بيطارا # فما الذي صنع؟ # فأتاها فقال: ميعادك السر # ح إذا الليل سدل الأستارا # وكيف وصلت؟ # فكمنا حتى إذا ms051 فقد الصو # ت دجى المظلم البهيم فحارا # قلت لما بدت لصحبي: إني # أرتجي عندها لديني يسارا # ثم أقبلت رافع الذيل أخفي ال # وطء أخشى العيون والنظارا # فما الذي كان؟ # فالتقينا فرحبت حين سلم # ت وكفت دمعا من العين مارا # 26 # ثم قالت عند العتاب: رأينا # فيك عنا تجلدا وازورارا # 27 # قلت: كلا لاه ابن عمك بل خف # نا أمورا كنا بها أغمارا # 28 # فجعلنا الصدود لما خشينا # قالة الناس للهوى أستارا # وركبنا حالا لتكذب عنا # قول من كان بالبنان أشارا # واقتصرت الحديث دون الذي قد # كان من قبل يعلم الأسرارا # ليس كالعهد إذ عهدت، ولكن # أوقد الناس بالنميمة نارا # 29 # فلذاك الإعراض عنك وما آ # ثر قلبي عليك أخرى اختيارا # ما أبالي إذا النوى قربتكم # فدنوتم من حل أو من سارا # والليالي إذا نأيت طوال # وأراها إذا دنوت قصارا # فعرفت القبول منها لعذري # إذ رأتني منها أريد اعتذارا # ثم ماذا؟ # ثم لانت وسامحت بعد منع # وأرتني كفا تزين السوارا # فتناولتها فمالت كغصن # حركته ريح عليه فحارا # وأذاقت بعد العلاج لذيذا # كجني النحل شاب صرفا عقارا # 30 # ثم ماذا يا خبيث؟ # ثم كانت دون اللحاف لمشغو # ف معنى بها مشوق شعارا # واشتكت شدة الإزار من البه # ر وألقت عنها لدي الخمارا # 31 # حبذا رجعها إليها يديها # في يدي درعها تحل الإزارا # قاتلك الله! ثم ماذا؟ # ثم قالت وبان ضوء من الصب # ح منير للناظرين أنارا: # يا ابن عمي فدتك نفسي إني # أتقي كاشحا إذا قال جارا # فأي فتاة تسمع هذا القصص، ثم لا تبحث عن واضعه، وهو كما ترون يرد شرة الشباب جذعة؟ ~~ومن عساها تسمع قوله: # واشتكت شدة الإزار من البه # ر وألقت عنها لدي الخمارا # حبذا رجعها إليها يديها # في يدي درعها تحل الإزارا # ثم لا تنبهر منها الأنفاس، وتنفك منها الأزرار؟! # هذه إحدى قصائده القصصية، وعلى نمطها طبع أغلب شعره، وهي كما ترون من موجبات الفتنة، ~~وموقظات الشهوات! # وكذلك كان الناس يفهمون في شخص ابن أبي ربيعة محرضا ms052 على الفسق مزينا للفجور، عاقا ~~للفضيلة، بارا بالرذيلة، وكذلك كان شعره عفا الله عنه. وأي امرأة لا تفتنها تلك ~~الأحاديث الفاتنة، وهاتيك القصص الخالية؟ أليس هو الذي يقول: # وناهدة الثديين قلت لها: اتكي # على الرمل من جبانة لم توسد # 32 # فقالت: على اسم الله أمرك طاعة # وإن كنت قد كلفت ما لم أعود # فلما دنا الإصباح قالت: فضحتني # فقم غير مطرود وإن شئت فازدد # فما ازددت منها غير مص لثاتها # وتقبيل فيها والحديث المردد # تزودت منها واتشحت بمرطها # وقلت لعيني: اسفحا الدمع من غد # فقامت تعفي بالرداء مكانها # وتطلب شذرا من جمان مبدد # ومهما يكن من شيء، فإن الرجل لم يشأ أن تختم حياته بالمجون، فما كاد يتجاوز الأربعين من ~~عمره حتى أقبل على نفسه يحاسبها ، وعلى ربه يستغفرهت؛ فهجر الشعر على حبه، وألف النسك على ~~بغضه، لولا تلك الذكرى الموجعة التي كانت تعاوده من حين إلى حين، وذلك الشوق الدخيل الذي ~~كان يهيجه في الفينة بعد الفينة، فقد كان يحن إلى شبابه حنينا موجعا، ويتطلع إلى ~~ماضيه تطلع اليائس المتلهف، فيمد يديه عله يرجع الدهر، ويلفت الزمن، ولكن هيهات هيهات، ~~فقد خانه الأمل، وخلاه الشباب، وأخذ الشيب في هد تلك القوى، وهدم ذلك الصرح، وأخذ النساء ~~يتراجعن ضاحكات منه، ساخرات به، وبدأ الدهر يبني دولة جديدة للحب، ويشيد حصنا ثانيا ~~للغرام، فأنشأ فتيانا غير الفتيان، وعذارى غير العذارى، وأصبح ابن أبي ربيعة غريبا ~~والمشيب غربة، وقصيا والشيب شبه النوى، وعاد الناس يقولون: هذا هو ابن أبي ربيعة الذي ~~كانت تعضه النساء وهو بالبيت يطوف، وهذه هي الثريا التي كانت تحسدها الأزهار في الرياض ~~والنجوم في السماء، وهذه معالم ابن أبي ربيعة ومعاهد شبابه، قد عادت صما خوالد ما يبين ~~كلامها. # أقول أيها السادة: إن ابن أبي ربيعة أخذ يحن إلى أيامه الخوالى، ولياليه السوالف، ~~ويتشوق إلى الشباب الراحل، والنعيم الذاهب ويزيده كلفا وأسفا أن يرى الشباب في صعود ~~نحو المستقبل المشرق، ويرى نفسه في هبوط إلى الماضي المظلم، فما ms053 لقي فتى جميلا أو شابا ~~وسيما إلا أرسل بصره إليه يتأمل شكله، ويجتلي حسنه، ثم يمد يده إلى شعره فيعبث به، وإلى ~~ذؤابته فيرسلها، ثم ينتحب ويقول: وا شباباه! وا شباباه! # حتى لقد مر به فتيان وهو بالحجر يصلي، فلم يكد يفرغ من صلاته حتى لحق بهما فعرفهما، ~~ثم قال: يا ابني أخي! لقد كنت موكلا بالجمال أتبعه، وإني رأيتكما فراقني حسنكما ~~وجمالكما، فاستمتعا بشبابكما قبل أن تندما عليه! # نعم، أقلع ابن أبي ربيعة عن غيه، وأصبح يستقبح من الفتيان وهو شيخ ما لم يستقبحه من ~~نفسه وهو فتى، فما طاف بالبيت إلا تأمل عله يجد فتى يحدث فتاة فينهاه، أو امرأة تتبع ~~رجلا فيردعها! ولقد كان من أمره أن نظر إلى رجل يكلم امرأة في الطواف، فعاب ذلك عليه ~~وأنكره، فقال له: إنها ابنة عمي، فقال: ذلك أشنع! فقال: إني خطبتها إلى عمي فأبى علي ~~إلا بصداق لا أطيقه، ثم شكا إليه من حبه لها وكلفه بها ما جعله يسير معه إلى عمه يسترضيه، ~~فقال له: إنه مملق وليس له ما يصلح به أمره. # فقال له عمر: وكم الذي تريده منه؟ فقال له: أربعمائة دينار، فقال له: هي علي فزوجه، ~~ففعل. # قالوا: وكان عمر حلف لا يقول بيتا من الشعر إلا أعتق رقبة فانصرف يومئذ وهو حزين، ~~فجعلت جارية له تكلمه فلا يرد عليها جوابا، فقالت له: إن لك لأمرا، وتريد أن تقول شعرا، ~~فقال: # تقول وليدتي لما رأتني # طربت وكنت قد أقصرت حينا: # أراك اليوم قد أحدثت شوقا # وهاج لك الهوى داء دفينا # وكنت زعمت أنك ذو عزاء # إذا ما شئت فارقت القرينا # بربك هل أتاك لها رسول # فشاقك أم لقيت لها خدينا؟ # فقلت: شكا إلي أخ محب # كبعض زماننا إذ تعلمينا # وقص علي ما يلقى بهند # فذكر بعض ما كنا نسينا # وذو الشوق القديم وإن تعزى # مشوق حين يلقى العاشقينا # وكم من خلة أعرضت عنها # لغير قلى وكنت بها ضنينا # أردت بعادها فصددت عنها # وإن جن الفؤاد ms054 بها جنونا # ثم دعا تسعة من رقيقه فأعتقهم، لكل بيت واحد. ~~••• # فسلام عليه يوم قال الشعر! وسلام عليه يوم ودعه! وعفا الله عمن فتن بشعره، فأجاب ~~داعي الشباب! # | هوامش # | أخبار الملاح # (1) تمهيد # أيها القارئ! قد رأيت كيف كان عمر بن أبي ربيعة يحب، وكيف كان يسلك مذاهب النسيب، ~~فانظر الآن كيف كان يتصيد النساء، وكيف كانت تعيش معشوقاته في ذلك الزمان. # وإني لأرى من الخير أن أبين لك قبل كل شيء، كيف فكرت في كتابة هذه الفصول؟ فقد أخشى ~~أن ترميني بالإسراف في التغني بالحب، والتحدث عن الجمال، وإني بذلك لمتهم ~~ظنين! # ألا فلتعلم أن الناس يكثرون في هذا العصر من التجني على الآداب العربية، ويتهمونها ~~بالفقر، والعقم، والجفاف، والعجز عن مواتاة الغرائز والشهوات والعقول، وساعدهم على ~~ترديد هذه النغمة المنكرة ما تقدمه الآداب الأجنبية كل يوم من الأدلة والبراهين على ~~صلاحيتها لتغذية المشاعر والعواطف والأحاسيس. # وإن قليلا من الإنصاف لكاف للاقتناع بأن أدلة الاتهام قوية، وأن الآداب العربية ~~تبدو ضعيفة ضئيلة بجانب ذلك الدوي الهائل الذي تدمغنا به الآداب الغربية في كل يوم، ~~فهذه كتب المختارات والمحفوظات والدرس التي يتناولها طلبة المدارس الابتدائية والثانوية ~~وبعض المدارس العالية تعد من الكتب الجافة المقفرة التي تخاطب على الأغلب ناحية ~~واحدة من نواحي الطبع والإدراك. # والطائفة المستنيرة من مفتشي اللغة العربية وأساتذتها تعلم ذلك حق العلم، ولكنها ~~تكتفي بالألم الصامت ترسله في خفية واستحياء، كلما رأت انصراف الطلبة عن آداب لغتهم ~~وفنائهم في آداب الفرنسيين والإنجليز، وفي الحق إن المادة التي تقدم لطلبة المدارس ~~في اللغة والأدب لا تمتع القلب، ولا توقظ الحس، ولا تثير الوجدان، فهي في الأكثر طائفة ~~من العظات والأوصاف تتحدث عن معان موضعية طوتها الأيام، وأتت على رسومها الليالي، ~~يدرسها جماعة يعيشون في ظلمات القرون الأولى غير شاعرين بما أبدع العقل في هذا الجيل، ~~إن لم يكونوا أمساخا خلفها عصر ما قبل التاريخ. # ولقد ثارت في الصيف الماضي ضجة عن تقدم النثر وتخلف الشعر، وكان من رأي أستاذنا ms055 ~~الدكتور طه حسين أن النثر تقدم؛ لأن الكتاب يحيون حياة عقلية، وأن الشعر ~~تأخر؛ لأن الشعراء كسالى متبلدون، وعندي أن النثر والشعر في التأخر سواء، ولا عبرة ~~بهذه الثروة التي يطالعنا بها الكتاب في كل صباح، فهي على وفرتها تكرير وترديد لأفكار ~~الفرنسيين والإنجليز والألمان، وليس فيها شخصية ولا ذاتية تحدث القارئ عن حياة أولئك ~~الكتاب، وإن شعراءنا لأدل من كتابنا على أنفسهم، فإنهم حين غفلوا عن أشعار الأمم ~~الأجنبية فرغوا لعواطفهم، فصاغوها خالصة من المحاكاة والتقليد، بغض النظر عن متابعتهم ~~لشعراء العرب في المرمى والأسلوب. # ولننتهز هذه الفرصة لنعلن أنه لا حياة للآداب العربية، ما دام كتابها وشعراؤها ~~وخطباؤها لا يرون المرأة في حرية وصراحة، ولا يتأثرون بجبروتها في ميدان الحياة. # وما دام شبابنا يسمعون عن المرأة كما يسمعون عن الغول والعنقاء، ولا يرونها حين ~~يرونها إلا قذرة دنسة في بيوت الرجس والبغاء، فهيهات أن تتفتح أذهانهم، أو تزهر ~~قرائحهم، أو تظهر على آثارهم الأدبية مسحة التيقظ والتفكير، وتلك الرءوس التي تتولى ~~هداية الشرق في هذا العصر لا تدري - مع الأسف الشديد - أن الصلة وثيقة بين الأدب وبين ~~الحياة، إن لم يكن الأدب روح الحياة، وأنه لا أمل في أن نرى لكاتب قصة جيدة، ما دام ~~الكتاب بعيدين كل البعد عن المرأة التي تلون الوجود بشتى الألوان، فتحيله تارة ~~جحيما يرمي بالفزع والهول، ثم تعيده حين تشاء جنة وارفة الظلال، وكيف تكون لنا آداب ~~قوية تمثل فضائلنا ورذائلنا، وحلمنا وجهلنا، وطيشنا ورزانتنا، وعقلنا وجنوننا، ونحن ~~نحرص على الطيبة والاستقامة في غير فهم ولا تبصر، أسوة بغلف القلوب من سماسرة ~~الأديان وأدعياء الأخلاق؟! # إنه لا حياة للآداب إلا إذا شغلتنا بأنفسنا، وحدثتنا عن مطامعنا، وأهوائنا، وعيوبنا، ~~ومظان الخير فينا، وأرتنا كيف نحب وكيف نبغض، ومتى نقدم، ومتي نحجم، وعلمتنا كيف ~~نجد، وكيف نلهو، ومتى نقسو، ومتى نلين، أما الأدب الذي يصدر عن رجل مشعوذ معتوه، كل ~~إحساس في رأيه إثم، وكل إدراك عنده فسوق، فهو أدب ميت سخيف لا يقوى ms056 به عقل، ولا يسمو ~~به خيال. # وإني لأخشى إن استمر أساتذة الأدب على الاكتفاء بلون واحد يقدمونه إلى الطلبة في كل ~~يوم، أخشى إن استمروا على ذلك أن يصارحهم الطلبة بالقطيعة والفراق! ~~••• # وبعد فهل يسمح القارئ بأن نتجنب تلك الخطة العوجاء، ونقبل على الأدب نتذوق أطايبه، ~~ونعرف حلوه ومره، وحزونه وسهوله، كما كان يفعل القدماء من رجال اللغة العربية، وكما ~~يفعل أهل الغرب في أدبهم الحديث؟ # إذ سمح القارئ بذلك شرعنا في بيان تلك الناحية الطريفة من حياة عمر بن أبي ربيعة؛ ~~وهي: تصيده للنساء، وأخبار من كان يعرف من الملاح، ومعاذ الله أن نريد بهذا البحث أن ~~تشيع الفاحشة، أو تحلو في أعين الناس مذاهب الفجور. # إنما نريد أن نقبل عامدين على الجوانب المرحة التي تزخر بها الآداب العربية، حتى لا ~~يسهل رميها بالفقر والجفاف، كلما حلت هذه الفرية لخصومها الجاهلين. # نريد أن يكون لنا في دراسة الشعراء العشاق نصيب ضئيل من الحرية التي ينعم بها ~~الكتاب الفرنسيون وهم يدرسون ميسيه، والكتاب الإنجليز وهم يدرسون بيرون، والكتاب ~~الألمان وهم يدرسون جوت. # وإنا لمكتفون في الحديث عن معشوقات عمر بن أبي ربيعة بما استباحه المؤلفون القدماء، ~~أمثال: صاحب «الأغاني»، وصاحب «الأمالي»، وصاحب «زهر الآداب»، ومن إليهم ممن ترجموا ~~هذا الشاعر الغزل، وتحدثوا عمن كان يهوى من ربات الحجال. # 1 # ولن يكون ذلك من اللهو الصرف، فهو على طرافته جد في جد، إذ يكشف لنا عن نفسية ~~ذلك الشاعر، ويرينا الفتن التي أرهفت إحساسه، وألهبت روحه، حتى أغرم بالحسن، وحبس ~~شعره على الحسان. # ولئن كان من موجبات الحزن أن انصرف كتاب العرب عن تدوين الحوادث اليومية كما يفعل ~~أصحاب المذكرات في الغرب، ولم يعد في الإمكان تصوير معشوقات عمر بن أبي ربيعة كما ~~صورت مثلا خليلات ألفريد دي ميسيه، فإنا نحمد الله على أن وفق أبا الفرج الأصبهاني ~~إلى الإفاضة في أخبار تلك الحور العين، إفاضة شائقة ممتعة، لا ينقصها غير الترتيب ~~والتبويب، إذ ذكرها في أغانيه مبددة مبعثرة في أثناء ms057 الحديث عن كبار المغنين وفحول ~~الشعراء. ~~••• # وقد يكون من الحزم أن نلفت نظر القارئ إلى أننا لا نضمن صحة كل ما نقل عن ابن ~~أبي ربيعة ومعشوقاته من مختلف الأخبار، فتلك شخصيات جذابة محبوبة، لا يبعد أن يكون ~~الرواة أضافوا إليها ما شاءت أهواء السامرين من طريف الأحاديث. # فلنقبل ما نقل إلينا في جملته، مكتفين بهذه الملاحظة التي لم يكن منها بد، ولنترك ~~للقارئ الحرية في أن يناقش ما شاء من تلك الأقاصيص، ثم لنمض في الكلام عن أولئك الحسان، ~~راضين بما حكاه الواقع، أو حاكه الخيال! ~~(2) أيام الطواف # لا يدهشك أيها القارئ أن نضع لعبث ابن أبي ربيعة هذا العنوان الغريب، فقد كان يتخذ ~~أيام الحج موسما للهو والمجون، وإنه ليقول: # أيها الرائح المجد ابتكارا # قد قضى من تهامة الأوطارا # من يكن قلبه صحيحا سليما # ففؤادي بالخيف أمسى معارا # ليت ذا الدهر كان حتما علينا # كل يومين حجة واعتمارا # 2 # وقد أنشد ابن أبي عتيق هذا الشعر، فقال له: الله أرحم بعباده أن يجعل عليهم ما سألته ~~ليتم لك فسقك! وأنشده عبد الله بن عمر، فقال: يا ابن أخي! أما اتقيت الله حيث ~~تقول: # ليت ذا الدهر كان حتما علينا # كل يومين حجة واعتمارا # فقال له عمر: بأبي أنت وأمي! إني وضعت ليتا حيث لا تغني. # بيد أنه لا يصح لنا أن ننسى أنه لم يكن يفوز في كل مرة بما يبغي شيطانه من زيارة تلك ~~المناسك والتعرض لكرائم النساء، فقد روي أن امرأة جميلة قدمت مكة، فنظر إليها وهو ~~يطوف فوقعت في قلبه، فدنا منها فكلمها فلم تلتفت إليه، فلما كان في الليلة الثانية جعل ~~يطلبها حتى أصابها، فقالت له: إليك عني يا هذا، فإنك في حرم الله وفي أيام عظيمة ~~الحرمة! فألح عليها يكلمها حتى خافت أن يشهرها، ~~فلما كانت الليلة الأخرى قالت لأخيها: اخرج معي فأرني المناسك فإني لست أعرفها، فأقبلت ~~وهو معها، فلما رآها عمر أراد أن يعرض لها، فنظر إلى أخيها معها فعدل عنها، ms058 فتمثلت ~~المرأة بقول النابغة: # تعدو الذئاب على من لا كلاب له # وتتقي صولة المستأسد الحامي # وقد قال المنصور حين حدث بهذا الخبر: وددت أنه لم تبق فتاة من قريش في خدرها إلا ~~سمعت بهذا الحديث. ~~••• # وقد وقع له مثل هذا مع أبي الأسود الدؤلي إذ حج ومعه امرأته، وكانت جميلة، فبينما ~~هي تطوف بالبيت إذ عرض لها، فأتت أبا الأسود فأخبرته، فأتاه أبو الأسود فعاتبه، فقال له ~~عمر: ما فعلت شيئا. فلما عادت إلى المسجد عاد فكلمها، فأخبرت أبا الأسود فأتاه في ~~المسجد وهو مع قوم جالس، فقال له: # وإني ليثنيني عن الجهل والخنا # وعن شتم أقوام خلائق أربع # حياء وإسلام وبقيا وأنني # كريم ومثلي قد يضر وينفع # 3 # فشتان ما بيني وبينك إنني # على كل حال أستقيم وتظلع # 4 # فقال له عمر: لست أعود يا عم لكلامها بعد هذا اليوم، ثم عاود فكلمها، فأتت أبا الأسود ~~فأخبرته، فجاء إليه فقال له: # أنت الفتى وابن الفتى وأخو الفتى # وسيدنا لولا خلائق أربع # نكول عن الجلى وقرب من الخنا # وبخل عن الجدوى وأنك تبع # 5 # ثم خرجت وخرج معها أبو الأسود مشتملا على سيف، فلما رآهما عمر أعرض عنها، فتمثل أبو ~~الأسود: # تعدو الذئاب على من لا كلاب له # وتتقي صولة المستأسد الحامي # وإن له لحوادث أشنع من هاتين في الضياع، فقد رأى امرأة من العراق وهو يطوف فأعجبه ~~جمالها، فمشى معها حتى عرف موضعها، ثم أتاها فحادثها وناشدها وناشدته، وخطبها فقالت: إن ~~هذا لا يصلح ها هنا، ولكن إن جئتني إلى بلدي وخطبتني إلى أهلي تزوجتك، فلما ارتحلوا جاء ~~إلى صديق له من بني سهم، وقال له: إن لي إليك حاجة أريد أن تساعدني عليها، فقال له: ~~نعم، فأخذ بيده ولم يذكر له ما هي، ثم أتى منزله فركب نجيبا له وأركبه نجيبا آخر، ~~وأخذ معه ما يصلحه، وسارا لا يشك السهمي في أنه يريد سفر يوم أو يومين، فما زال ~~يسرع حتى لحق بالرفقة، ثم سار بسيرهم يحادث المرأة ms059 طول طريقه ويسايرها، وينزل عندها إذا ~~نزلت حتى ورد العراق، فأقام أياما ثم راسلها يتنجزها وعدها، فأعلمته أنها كانت ~~متزوجة ابن عم لها وولدت منه أولادا، ثم مات وأوصى بهم وبماله إليها ما لم تتزوج، ~~وأنها تخاف فرقة أولادها وزوال النعمة، وبعثت إليه بخمسة آلاف درهم واعتذرت، فردها ~~عليها ورحل إلى مكة، وقال في ذلك: # نام صحبي ولم أنم # من خيال بنا ألم # طاف بالركب موهنا # بين خاخ إلى إضم # 6 # ثم نبهت صاحبا # طيب الخيم والشيم # 7 # أريحيا مساعدا # غير نكس ولا برم # 8 # قلت: يا عمرو شفني # لاعج الحب والألم # إيت هندا فقل لها: # ليلة الخيف ذي السلم # 9 # ويظهر أن الخيبة التي رمته بها تلك السيدة العراقية، جعلته يتردد في متابعة الملاح ~~إلى العراق، فقد تشهت فاطمة بنت محمد بن الأشعث الكندية أن يتبعها ليتزوجها هناك، ولم ~~نعلم أنه هش لتلبية ذلك النداء، ومن قصته معها أنها حجت فراسلها ووعدها أن يتلقاها ~~مساء الغد، وجعل الآية بينه وبينها أن تسمع ناشدا ينشد بغلته في زقاق الحاج، إن لم ~~يمكنه أن يرسل رسولا يعلمها بمصيره إلى المكان الذي وعدها. # فلما تلاقيا وتحادثا خطبها، فقالت: أما ها هنا فلا سبيل إلى ذلك، ولكن إن قدمت إلى ~~بلدي خاطبا تزوجتك، وقد قال في وصف ما كان بينهما من التراسل والتواعد ~~والتلاق: # تشط غدا دار جيراننا # وللدار بعد غد أبعد # إذا سلكت غمر ذي كندة # مع الركب قصد لها الفرقد # 10 # عراقية وتهامي الهوى # يغور بمكة أو ينجد # 11 # وحث الحداة بها عيرها # سراعا إذا ما ونت تطرد # 12 # هنالك إما تعزي الفؤاد # وإما على إثرها تكمد # وليست ببدع إذا دارها # نأت والعزاء إذن أجلد # صرمت وواصلت حتى علم # ت أين المصادر والمورد # وجربت من ذاك حتى عرف # ت ما أتوقى وما أعمد # دعاني من بعد شيب القذا # ل رئم له عنق أغيد # 13 # وعين تصابي وتدعو الفتى # لما تركه للفتى أرشد # فتلك التي شيعتها الفتاة # إلى الخدر قلبي بها مقصد ms060 # تقول وقد جد من بينها # غداة غد عاجل موفد # ألست مشيعنا ليلة # نقضي اللبانة أو نعهد # فقلت: بلى قل عندي لكم # كلال المطي إذا تجهد # فعودي إليها فقولي لها: # مساء غد لكم موعد # وآية ذلك أن تسمعي # إذا جئتكم ناشدا ينشد # فرحنا سراعا وراح الهوى # إليها دليلا بنا يقصد # فلما دنونا لجرس النبا # ح والضوء والحي لم يرقدوا # 14 # نأينا عن الحي حتى إذا # تودع من نارها الموقد # 15 # وناموا بعثنا لها ناشدا # وفي الحي بغية من ينشد # أتتنا تهادى على رقبة # من الخوف أحشاؤها ترعد # 16 # تقول وتظهر وجدا بنا # ووجدي وإن أظهرت أوجد # لمما شقائي تعلقتكم # وقد كان لي عنكم مقعد # 17 # وكفت سوابق من عبرة # على الخد جال بها الإثمد # 18 # فإن التي شيعتنا الغداة # مع الفجر قلبي بها مقصد # 19 # وقد جاء في خبره مع فاطمة هذه أنه لما جاءها أرسلت بينها وبينه سترا رقيقا تراه من ~~ورائه ولا يراها، فجعل يحدثها حتى استنشدته، فأنشدها هذه القصيدة، فاستخفها الشعر ~~فرفعت السجف، فرأى وجها حسنا في جسم ناحل فخطبها، وأرسل إلى أمها وكانت معها ~~بخمسمائة دينار، فأبت وحجبته، وقالت للرسول: لا تعد إلينا، فغم ذلك الفتاة، فقالت لها ~~أمها: قد قتلك الوجد به، فتزوجيه! # قالت: لا والله، لا يتحدث أهل العراق عني أني جئت ابن أبي ربيعة أخطبه، ولكن إن أتاني ~~إلى العراق تزوجته. # ويقال: إنها راسلته وأوعدته أن تزوره فأجمر بيته وأعطى المبشر مائة دينار، فأتته ~~وواعدته إذا صدر الناس أن يشيعها، وجعلت علامة ما بينهما أن يأتيها رسوله ينشدها ناقة ~~له ضلت، فلما صدر الناس فعل، وقد قال في وصف ذلك: # قال الخليط: غدا تصدعنا # أو بعده أفلا تشيعنا # 20 # أما الرحيل فدون بعد غد # فمتى تقول الدار تجمعنا؟ # 21 # لتشوقنا هند وقد علمت # علما بأن البين يفزعنا # عجبا لموقفنا وموقفها # وبسمع تربيها تراجعنا # 22 # ومقالها: سر ليلة معنا # نعهد فإن البين فاجعنا # 23 # قلت: العيون كثيرة معكم # وأظن أن السير مانعنا # لا بل نزوركم ms061 بأرضكم # فيطاع قائلكم وشافعنا # قالت: أشيء أنت فاعله # هذا لعمرك أم تخادعنا # بالله حدث ما تؤمله # واصدق فإن الصدق واسعنا # اضرب لنا أجلا نعد له # إخلاف موعده تقاطعنا # 24 # وإنا لنعجب حين نرى الرجال يقدرون مصير الحسان من بناتهم، فيهجرون مكة فرارا من ذلك ~~الشاعر الخليع، فقد ولد لرجل من بني جمح جارية لم يولد مثلها بالحجاز حسنا، فقال: ~~كأني بها وقد كبرت فشبب بها عمر بن أبي ربيعة، وفضحها ونوه باسمها كما فعل بنساء ~~قريش، والله لا أقمت بمكة! فباع ضيعة له بالطائف ومكة ورحل بابنته إلى البصرة، فأقام ~~بها، وابتاع هناك ضيعة، ونشأت ابنته من أجمل نساء زمانها. # ومات أبوها فلم تر أحدا من جمح حضر جنازته، ولا وجدت مسعدا ولا مواسيا، فقالت ~~لمرضع لها سوداء: من نحن؟ ومن أي البلاد نحن؟ فخبرتها، فقالت: لا جرم، والله لا أقمت في ~~هذا البلد الذي أنا فيه غريبة. فباعت الضيعة والدار وخرجت في أيام الحج، وكان عمر ~~يقدم في ذي الحجة فيعتمر ويحل، ويلبس ما شاء من الحلل والوشي، ويركب النجائب ~~المخضوبة بالحناء عليها القطوع والديباج ويرسل لمته، ويلقى العراقيات فيما بينه ~~وبين ذات عرق محرمات، ويتلقى المدنيات إلى مر، ويتلقى الشاميات إلى الكديد، فخرج ~~يوما للعراقيات فإذا قبة مكشوفة فيها جارية كأنها القمر تركب معها جارية سوداء، فقال ~~للسوداء: من أنت؟ ومن أين أتيت يا خالة؟ فقالت: لقد أطال الله تعبك إن كنت تسأل هذا ~~العالم: من هم ومن أين هم؟ قال: فأخبريني عسى أن يكون لذلك شأن، قالت: نحن من العراق، ~~فأما الأصل والمنشأ فمكة، وقد رجعنا إلى الأصل ورحلنا إلى بلدنا، فضحك، فلما نظرت إلى ~~سواد ثنيتيه قالت: قد عرفناك، قال: ومن أنا؟ قالت: عمر بن أبي ربيعة! قال: وبم ~~عرفتني؟ قالت: بسواد ثنيتيك وبهيئتك التي ليست إلا لقريش، # 25 # فأنشأ يقول: # أصبح القلب في الحبال رهينا # مقصدا يوم فارق الظاعنينا # عجلت حمة الفراق علينا # برحيل ولم نخف أن تبينا # 26 # لم يرعني إلا الفتاة وإلا # دمعها ms062 في الرداء سحا سنينا # 27 # ولقد قلت يوم مكة سرا # قبل وشك من بينكم: نولينا # 28 # أنت أهوى العباد قربا ودلا # أو تنيلين عاشقا محزونا # قاده الطرف يوم مر إلى الحي # ن جهارا ولم يخف أن يحينا # 29 # فإذا نعجة تراعي نعاجا # ومها بهج المناظر عينا # 30 # قلت: من أنتم؟ فصدت وقالت: # أمبد سؤالك العالمينا؟ # 31 # نحن من ساكني العراق وكنا # قبله قاطنين مكة حينا # قد صدقناك إذ سألت فمن أن # ت عسى أن يجر شأن شئونا؟ # ونرى أننا عرفناك بالنع # ت بظن وما قتلنا يقينا # بسواد الثنيتين ونعت # قد نراه لناظر مستبينا # ولم يزل بها عمر حتى تزوجها، وولدت له. ويقال: إنه أنشأ هذه القصيدة في التشبيب برملة ~~بنت عبد الله الخزاعية، وإن الثريا بنت علي لما سمعت بها هجرته، في حديث سنعود إليه ~~بعد فصول. ~~••• # ولقد نعلم أن ملاح النساء كن يتحدثن عنه في مناسك الحج في لهفة وشوق، وكان يقدر ~~له أحيانا أن يسمع ما يلهجن به من ارتقاب غزله، وانتظار لقياه، فيضطرم قلبه، وتلتهب ~~أحشاؤه؛ كلفا بمن يتساقين على ذكره كئوس النجوى والسرار، فقد روي أنه بصر في ~~منصرفه من المزدلفة بامرأة جميلة في هودج، وسمع عجوزا معها تناديها: يا نوار استتري، ~~لا يفضحك ابن أبي ربيعة، فاتبعها وقد شغلت قلبه حتى نزلت بمنى في مضرب قد ضرب لها، ~~فنزل إلى جانب المضرب، ولم يزل يتلطف حتى جلس معها وحادثها، وإذا أحسن الناس وجها ~~وأحلاهم منطقا، فزاد ذلك في إعجاب عمر بها، ثم أراد معاودتها فتعذر ذلك عليه، وكان آخر ~~عهده، فقال فيها: # علق النوار فؤاده جهلا # وصبا فلم تترك له عقلا # وتعرضت لي في المسير فما # أمسى الفؤاد يرى لها مثلا # ما ظبية من وحش ذي بقر # تغذو بسقط صريمة طفلا # 32 # بألذ منها إذ تقول لنا # وأردت كشف قناعها: مهلا # دعنا فإنك لا مكارمة # تجزى ولست بواصل حبلا # وعليك من تبل الفؤاد وإن # أمسى لقلبك ذكره شغلا # وفي الحق إن ابن أبي ربيعة لم ms063 يكن في حاجة إلى تصيد النساء، فقد كن عليه أحرص، وإلى ~~تصيده أحوج، وسنرى حين نعرض لأخباره مع هند بنت الحارث وسكينة بنت الحسين كيف كانت ~~تشقى الرسل في البحث عنه كلما حنت معشوقاته إلى وجهه المشرق، وحديثه الطريف، فلنكتف ~~الآن بالإشارة إلى تلك السيدة الأموية التي قدمت معتمرة قبل أوان الحج، فمرت عليه وهي ~~تطوف، وكان في نفر من بني مخزوم، يتحدثون وهم جلوس، وقد فرعهم طولا، وجهرهم ~~جمالا وبهرهم بيانا، فمالت إليهم، ونزلت فأطالت معهم الحديث، ولم تنصرف حتى ظفرت بقلب ~~ذلك الشاعر الجميل، ولم يزل يتردد إليها إلى أن انقضت أيام الحج فرحلت إلى الشام، وفيها ~~يقول: # تأوب ليلي بنصب وهم # وعاودت ذكري لأم الحكم # 33 # فبت أراقب ليل التما # م، من نام من عاشق لم أنم # فإما تريني على ما عرا # ضعيف القيام شديد السقم # كثير التقلب فوق الفرا # ش ما إن تقل قيامي قدم # بآنسة طيب نشرها # هضيم الحشا عذبة المبتسم # 34 # وفي هذه الحوادث التي سقناها غنى لمن أراد أن يقدر إلى أي حد كان ابن أبي ربيعة ~~يتلمس أسباب الهوى، ويترقب مواسم الجمال، وفي هذه الحياة المرحة، الحافلة بفرص ~~اللهو ومتع الشباب، قال ذلك الشعر الحي الذي يوقظ غافيات المنى وهاجعات الأهواء، ~~فلننتقل إلى الحديث عن طائفة من معشوقاته بشيء من التفصيل ليتم لنا ما أردناه من عرض ~~الظروف، التي قضت بأن يقف حياته على الحب، وشعره على النساء. # 35 ~~(3) عائشة بنت طلحة # أهم قصيدة رويت لعمر بن أبي ربيعة هي رائيته التي فضله بها القدماء على جميل، ومن ~~الواضح أن أولى معشوقاته بالفضل عليه هي تلك الجميلة التي أوحت إليه بتلك القصيدة، وما ~~كانت تلك الحسناء فيما نظن إلا عائشة بنت طلحة، التي أجمع أهل عصرها على تفردها بروعة ~~الجمال، يدل على ذلك ما أشرنا إليه فيما سلف من أنها سهرت ليلة لهم ألم بها، ~~فقالت: إن ابن أبي ربيعة لجاهل بليلتي هذه حيث يقول: # وأعجبها من عيشها ظل غرفة # وريان ملتف ms064 الحدائق أخضر # ووال كفاها كل شيء يهمها # فليست لشيء آخر الليل تسهر # ولو لم يعنها بهذه الإشارة لما رجعتها حين قهرها الحزن في هدأة الليل، فلنقف قليلا ~~عند ذكرى هذه الفاتنة التي أثارت قلبه، وأضرمت إحساسه، ففتحت له باب الخلود. # 36 ~~••• # وإنه ليكفي أن نتحدث عن جمالها، وأخلاقها، وعقلها، وجاهها، وأخبارها مع الحارث بن ~~خالد المخزومي، وحوادثها مع شاعرنا المحظوظ. # جمالها # أما جمالها فقد كان فتنة لكل من سمع بها أو رآها من أهل ذلك الزمان، وإنهم ~~ليذكرون أنها صارمت زوجها، وخرجت من دارها غضبى فمرت في المسجد وعليها ملحفة ~~تريد عائشة أم المؤمنين، فرآها أبو هريرة فقال: سبحان الله، كأنها من الحور العين! ~~وروي أنها نازعت زوجها إليه، فوقع خمارها عن وجهها فقال: سبحان الله! ما أحسن ما ~~غذاك أهلك، لكأنما خرجت من الجنة! وقال لها يوما: ما رأيت شيئا أحسن منك إلا ~~معاوية أول يوم خطب على منبر رسول الله، فقالت: والله لأنا أحسن من النار في الليلة ~~القرة في عين المقرور! وقد حدثت إحدى الوصائف أنها زارتها، فرأت عجيزتها من خلفها ~~وهي جالسة كأنها غيرها، قالت: فوضعت إصبعي عليها لأعلم ما هي، فلما وجدت مس إصبعي ~~قالت: ما هذا؟ قلت: جعلت فداءك لم أدر ما هو فجئت لأنظر! فضحكت وقالت: ما أكثر من ~~يعجب مما عجبت منه! # قال سالم بن قتيبة: رأيت عائشة بنت طلحة بمنى أو مسجد الخيف فسألتني من أنت؟ ~~قلت: سالم بن قتيبة، قالت: رحم الله مصعبا، ثم ذهبت تقوم ومعها امرأتان تنهضانها ~~فأعجزتها أليتاها من عظمهما فقالت: إني بكما لمعناة! فذكرت قول الحارث: # وتنوء تثقلها عجيزتها # نهض الضعيف ينوء بالوسق # 37 # وروى صاحب «الأغاني» أنه كان بالمدينة امرأة حسناء، تسمى عزة الميلاء، يألفها ~~الأشراف وغيرهم من أهل المروءات، وكانت من أظرف الناس وأعلمهم بأمور النساء، فأتاها ~~مصعب بن الزبير وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وسعيد بن العاص، فقالوا: إنا ~~خطبنا فانظري لنا، فقالت لمصعب: يا ابن أبي عبد الله، ومن ms065 خطبت؟ فقال عائشة بنت ~~طلحة. فقالت: وأين أنت يا ابن أبي أحيحة؟ قال: عائشة بنت عثمان؟ قالت: فأنت يا ابن ~~الصديق؟ قال: أم القاسم بنت زكريا بن طلحة. قالت: يا جارية! هاتي منقلي، ~~تعني: خفيها، فلبستهما وخرجت ومعها خادم لها، فإذا هي بجماعة يزحم بعضهم بعضا، ~~فقالت: يا جارية انظري ما هذا، فنظرت ثم رجعت، فقالت: امرأة أخذت مع رجل، فقالت: ~~داء قديم! امضي ويلك! فبدأت بعائشة بنت طلحة فقالت: فديتك، كنا في مأدبة أو مأتم ~~لقريش فتذاكروا جمال النساء وخلقهن، فذكروك فلم أدر كيف أصفك فديتك، فألقي ثيابك، ~~ففعلت، فأقبلت وأدبرت، فارتج كل شيء منها، فقالت لها عزة: خذي ثوبك فديتك! ~~فقالت عائشة: قد قضيت حاجتك وبقيت حاجتي، قالت عزة: وما هي بنفسي أنت؟ قالت: تغنيني ~~صوتا، فاندفعت تغني لحنها في شعر جميل: # خليلي عوجا بالمحلة من جمل # وأترابها بين الأصيفر والخبل # نقف بمغان قد محا رسمها البلى # تعاقبها الأيام بالريح والوبل # 38 # فلو درج النمل الصغار بجلدها # لأندب أعلى جلدها مدرج النمل # 39 # وأحسن خلق الله جيدا ومقلة # تشبه في النسوان بالشادن الطفل # فقامت عائشة فقبلت ما بين عينيها ودعت لها بعشرة أثواب، وبطرائف من أنواع الفضة ~~وغير ذلك، فدفعته إلى مولاتها فحملته، وأتت النسوة على مثل ذلك تقول ذلك لهن حتى ~~أتت القوم في السقيفة، فقالوا: ما صنعت؟ فقالت: يا ابن أبي عبد الله، أما عائشة فلا ~~والله إن رأيت مثلها مقبلة ومدبرة، محطوطة المتنين، # 40 # عظيمة العجيزة، ممتلئة الترائب، نقية الثغر وصفحة الوجه، فرعاء الشعر، ~~لفاء الفخذين ممتلئة الصدر، خميصة البطن، ذات عكن، # 41 # ضخمة السرة، مسرولة الساق، # 42 # يرتج ما بين أعلاها إلى قدميها، وفيها عيبان: أما أحدهما فيواريه ~~الخمار، وأما الآخر فيواريه الخف: عظم القدم والأذن، وكانت عائشة كذلك. ثم قالت ~~عزة: وأما أنت يا ابن أبي أحيحة فإني والله ما رأيت مثل خلق عائشة بنت عثمان لامرأة ~~قط، ليس فيها عيب، والله لكأنما أفرغت إفراغا، # 43 # ولكن في الوجه ردة، وإن استشرتني أشرت ms066 عليك بوجه تستأنس به، وما أنت يا ~~ابن الصديق فوالله ما رأيت مثل أم القاسم، كأنها خوط بانة، تتثنى وكأنها جدل ~~عنان، أو كأنها خشف يتثنى على رمل، لو شئت أن تعقد أطرافها لفعلت، ولكنها شختة ~~الصدر # 44 # وأنت عريض الصدر، فإذا كان ذلك قبيحا، لا والله حتى يملأ كل شيء ~~مثله! # وقد آثرنا إثبات هذا الحديث لنري القارئ صورة من تلك الحياة اللينة التي كان ~~يحياها شباب الحجاز، ولنريه كيف كانت عائشة بنت طلحة في أعين الخبيرات من النساء، ~~فإن المرأة أعرف بالمرأة، وأبصر من الرجل بسرائر الحسن المكنون. # وعلى ذكر مصعب وعزة نقول: إن عائشة دعت يوما نسوة من قريش، فلما جئنها أجلستهن ~~في مجلس قد نضد فيه الريحان والفواكه والطيب المجمر، وخلعت ~~على كل منهن خلعة تامة من الوشي والخز ~~ونحوهما، ودعت عزة الميلاء، ففعلت بها مثل ذلك وأضعفت، ثم قالت لعزة: هاتي يا عزة ~~فغنينا، فغنتهن في شعر امرئ القيس: # وثغر أغر شنيب النبات # لذيذ المقبل والمبتسم # 45 # وما ذقته غير ظن به # وبالظن يقضي عليك الحكم # وكان مصعب قريبا منهن ومعه إخوان له، فقام فانتقل حتى دنا منهن والستور ~~مسبلة، فصاح: يا هذه، إنا قد ذقناه فوجدناه على ما وصفت، فبارك الله فيك يا عزة! ~~ثم أرسل إلى عائشة: أما أنت فلا سبيل لنا إليك مع من عندك، وأما عزة فتأذنين لها أن ~~تغنينا هذا الصوت، ثم تعود إليك، ففعلت وخرجت عزة إليه، فغنته هذا الصوت مرارا، ~~وكاد مصعب أن يذهب عقله فرحا، ثم قال لها: يا عزة! إنك لتحسنين القول ~~والوصف! # 46 # وكانت عائشة بنت طلحة لا تستر وجهها من أحد، فعاتبها مصعب في ذلك، فقالت: إن الله ~~- تبارك وتعالى - وسمني بميسم جمال أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضله عليهم، فما ~~كنت لأستره، ووالله ما في وصمة يقدر أن يذكرني بها أحد. # وكانت بجمالها باغية ظالمة، تكلف بالكيد لأترابها من شهيرات النساء، فقد ذكروا ~~أن رملة بنت عبد الله قالت لمولاة لعائشة بنت طلحة: ms067 أريني عائشة متجردة ولك ألفا ~~درهم، فأخبرت عائشة بذلك، قالت: فإني أتجرد فأعلميها ولا تعرفيها أني أعلم. فقامت ~~عائشة كأنها تغتسل، وأعلمتها، فأشرفت عليها مقبلة ومدبرة، فأعطت رملة ~~لمولاتها ألفي درهم، وقالت: لوددت أني أعطيتك أربعة آلاف درهم ولم أرها! قال صاحب ~~الأغاني: وكانت رملة قد أسنت، وكانت حسنة الجسم، قبيحة الوجه، عظيمة الأنف، وفيها ~~وفي عائشة يقول الشاعر: # أنعم بعائش عيشا غير ذي رنق # وانبذ برملة نبذ الجورب الخلق # وكانت عائشة بنت طلحة تنافس بالحسن سكينة بنت الحسين، قالت لها يوما سكينة: أنا ~~أجمل منك، قالت عائشة: بل أنا! فاختصمتا إلى عمر بن أبي ربيعة، فقال: لأقضين ~~بينكما، أما أنت يا سكينة فأملح منها، وأما أنت يا عائشة فأجمل منها، فقالت سكينة: ~~قضيت لي والله! ومن هنا نعرف أنهم كانوا يؤثرون الملاحة على الجمال. # أخلاقها # وأما أخلاقها فكان أظهرها العفة، والشراسة، واللؤم، وحدة الشهوة. # كانت عفيفة فلم يستطع أحد من طغاة الفتيان والأمراء أن يطمع منها في كثير من ~~الإثم أو قليل، ولم يجد أترابها مغمزا ينلنها منه حين يجد الشغب ويطول اللجاج، ~~وكانت في عفتها وصيانتها خنثة غنجة تواتي الزوج بأطيب ما تستطيع المرأة ~~العروب من غرائب الدلال. # تموت وتحيا بالضجيع وتلتوي # بمضطرب المتنين منبتر الخصر # وهي التي تقول، وقد لامتها إحدى صواحباتها حين سمعتها تتقتل تحت عمر بن عبيد ~~الله: إنا نتشهى لهذه الفحول بكل ما حركها وكل ما قدرنا عليه! # وكانت شرسة لا يقدر عليها الزوج إلا بالتلاحي والضرب، ولها في هذا الباب أخبار ~~تروى للتفكه والمزاح، فمن ذلك أنها قالت لمصعب: أنت علي كظهر أمي، وقعدت في غرفة ~~وهيأت فيها ما يصلحها، فجهد مصعب أن تكلمه فأبت، فبعث إليها ابن قيس الرقيات ~~فسألها كلامه، فقالت: كيف بيميني؟ فقال هاهنا الشعبي فقيه أهل العراق، فاستفتيه! ~~فدخل عليها فأخبرته، فقال: ليس هذا بشيء. فقالت: أتحلني وتخرج خائبا، وأمرت له ~~بأربعة آلاف درهم. # وغضبت يوما على مصعب، وكانت من أحب الناس إليه، فشكا ذلك إلى أشعب، فقال: ما ms068 لي ~~إن رضيت؟ قال: حكمك! قال: عشرة ألاف درهم، قال: هي لك، فانطلق حتى أتى عائشة ~~فقال: جعلت فداءك! قد علمت حبي لك، وميلي قديما وحديثا إليك، من غير منالة ~~ولا فائدة، وهذه حاجة قد عرضت تقضين بها حقي، وترتهنين بها شكري. # قالت: وما عناك؟ قال: قد جعل لي الأمير عشرة آلاف درهم إن رضيت عنه، قالت: ~~ويحك! لا يمكنني ذلك. # قال: بأبي أنت فارضي عنه حتى يعطيني، ثم عودي إلى ما عودك الله من سوء الخلق! ~~فضحكت منه ورضيت عن مصعب. # وروى صاحب «الأغاني» أن مصعبا شكاها إلى ابن أبي فروة كاتبه، فقال له: أنا أكفيك ~~هذا إن أذنت لي، قال: نعم، افعل ما شئت فإنها أفضل شيء نلته من الدنيا، فأتاها ~~ليلا ومعه أسودان، فاستأذن عليها، فقالت له: أفي مثل هذه الساعة؟ قال: نعم، ~~فأدخلته، فقال للأسودين: احفرا ها هنا بئرا، فقالت له جاريتها: وما تصنع بالبئر؟ ~~قال: شؤم مولاتك! أمرني هذا الفاجر أن أدفنها حية وهو أسفك خلق الله لدم حرام، ~~فقالت عائشة: فأنظرني أذهب إليه، قال: هيهات لا سبيل إلى ذلك! وقال للأسودين: ~~احفرا، فلما رأت الجد منه بكت، ثم قالت: يا ابن أبي فروة، إنك لقاتلي ما منه ~~بد؟ قال: نعم، وإني لأعلم أن الله سيجزيه بعدك، ولكنه قد غضب، وهو كافر الغضب، ~~قالت: وفي أي شيء غضبه؟ قال: في امتناعك عنه، وقد ظن أنك تبغضينه وتتطلعين إلى ~~غيره، فقد جن، فقالت: أنشدك الله إلا عاودته! قال: إني أخاف أن يقتلني، فبكت ~~وبكى جواريها، فقال: قد رققت لك، وحلف أن يغرر بنفسه، ثم قال لها: فما أقول؟ ~~قالت: تضمن عني ألا أعود أبدا! قال: فما لي عندك؟ قالت: قيام بحقك ما عشت، قال: ~~فأعطيني المواثيق، فأعطته، فقال للأسودين: مكانكما وأتى مصعبا فأخبره، فقال له: ~~استوثق منها بالأيمان، ففعلت، وصلحت بعد ذلك لمصعب بفضل ذلك الدرس البديع! # وكان لها مع هذه الشراسة لحظات تصفو فيها وتطيب، فقد صارمت مصعبا مرة وطالت ~~مصارمتها له حتى شق عليها ms069 وعليه، وكانت لمصعب حرب فخرج إليها ثم عاد وقد ظفر، فشكت ~~عائشة مصارمته إلى مولاة لها، فقالت: الآن يصلح أن تخرجي إليه، فخرجت تمسح التراب ~~عن وجهه، فقال لها مصعب: إني أشفق عليك من رائحة الحديد، فقالت: لهو والله عندي ~~أطيب من ريح المسك الأذفر! # ومن أظرف اللحظات التي طابت فيها نفس تلك الحسناء الظلوم ما حدث به ابن سلام ~~إذ قال: حجت عائشة بنت طلحة، فجاءتها الثريا وأخواتها ونساء أهل مكة القرشيات ~~وغيرهن، وكان الغريض فيمن جاء، فدخل النسوة عليها فأمرت لهن بكسوة وألطاف كانت قد ~~أعدتها لمن يجيئها، فجعلت تخرج كل واحدة ومعها جاريتها، ومعها ما أمرت لها به ~~عائشة، والغريض بالباب حتى خرج مولياته مع جواريهن الخلع والألطاف، فقال الغريض: ~~فأين نصيبي من عائشة، فقلن له: أغفلناك وذهبت عن قلوبنا، فقال: ما أنا ببارح من ~~بابها أو آخذ بحظي منها، فإنها كريمة بنت كرام، واندفع يغني بشعر جميل: # تذكرت ليلى فالفؤاد عميد # وشطت نواها فالمزار بعيد # فقالت: ويلكم! هذا مولى العبلات بالباب يذكر بنفسه، # 47 # هاتوه، فدخل، فلما رأته ضحكت وقالت: لم أعلم بمكانك، ثم دعت له بأشياء ~~أمرت له بها، ثم قالت له: إن أنت غنيتي صوتا في نفسي فلك كذا وكذا، شيء سمته له ~~ذهب عن ابن سلام، قال: فغناها في شعر كثير. # وما زلت من ليلى لدن طر شاربي # إلى اليوم أخفي حبها وأداجن # 48 # وأحمل في ليلى لقوم ضغينة # وتحمل في ليلى علي الضغائن # فقالت له: ما عدوت ما في نفسي، ووصلته فأجزلت. ولهذين البيتين حديث ذكره الشعبي ~~إذ قال: دخلت المسجد، فإذا أنا بمصعب بن الزبير على سرير جالس والناس عنده، فسلمت ~~ثم ذهبت لأنصرف، فقال لي: ادن، فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه، ثم قال: إذا قمت ~~فاتبعني، فجلس قليلا ثم نهض، فتوجه نحو دار موسى بن طلحة فتبعته، فلما طعن في ~~الدار التفت إلي فقال: ادخل. فدخلت معه ومضى نحو حجرته وتبعته، فالتفت إلي ~~فقال: ادخل، فدخلت معه فإذا حجلة، ms070 وإنها لأول حجلة رأيتها لأمير # 49 # فقام ودخل الحجلة، فسمعت حركة، فكرهت الجلوس، ولم يأمرني بالانصراف، ~~فإذا جارية قد خرجت فقالت: يا شعبي إن الأمير يأمرك أن تجلس، فجلست على وسادة، ~~ورفع سجف الحجلة فإذا أنا بمصعب بن الزبير، ورفع السجف الآخر فإذا أنا بعائشة بنت ~~طلحة، قال: فلم أر زوجا قط كان أجمل منهما؛ مصعب وعائشة، فقال مصعب: يا شعبي هل ~~تعرف هذه؟ فقلت: نعم، أصلح الله الأمير، قال: ومن هي؟ قلت: سيدة نساء المسلمين ~~عائشة بنت طلحة، قال: لا، ولكن هذه ليلى الذي يقول فيها الشاعر: # وما زلت من ليلى لدن طر شاربي # وذكر البيتين، ثم قال: إذ شئت فقم، فلما كان العشي رحت وإذا هو جالس على ~~سريره في المسجد، فسلمت فلما رآني قال لي: ادن، فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه، ~~فأصغى إلي فقال: هل رأيت مثل ذلك الإنسان قط؟ قلت: لا والله! قال: أفتدري لم ~~أدخلناك؟ قلت: لا! قال: لتحدث بما رأيت! ثم التفت إلى عبد الله بن أبي فروة، ~~فقال: أعطه عشرة آلاف درهم، وثلاثين ثوبا، قال: فما انصرف أحد بمثل ما انصرفت به: ~~بعشرة آلاف درهم، وبمثل كارة القصاب ثيابا، وبنظرة من عائشة بنت طلحة! # وهذه النظرة من عائشة بنت طلحة لها موقعها الخاص، فسنرى كيف يقول الغريض مثل هذا ~~أيضا حين يحمل إليها كتاب الحارث بن خالد المخزومي، وما كان أحرصهم على انتهاب ذلك ~~الوجه المشرق الفصيح! # وكانت لئيمة تصر على العنف، وتبيت العدوان، يؤيد هذا ما كان بينها وبين ~~زوجها الأول، إذ مات وهي عنده فلم تفتح فاها عليه بالرغم من أنه كان ابن خالها، ~~وأنها تزوجته برأي خالتها عائشة أم المؤمنين، فقد كانت أم عائشة بنت طلحة أم كلثوم ~~بنت أبي بكر الصديق، وزوجها هذا هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وكان صاحب ~~الفضل عليها إذ لم تلد من أحد من أزواجها سواه: ولدت له عمران وبه كانت ~~تكنى، # 50 # وعبد الرحمن وأبا بكر وطلحة ونفيسة، وكان ms071 ابنها طلحة من أجواد قريش، ~~وله يقول الحزين الدؤلي: # فإن تك يا طلح أعطيتني # عذافرة تستخف العفارا # 51 # فما كان نفعك لي مرة # ولا مرتين ولكن مرارا # أبوك الذي صدق المصطفى # وسار مع المصطفى حيث سارا # وأمك بيضاء تيمية # إذا نسب الناس كانوا نضارا # 52 # وكان ذلك الزوج المنجب يضارها وتضاره، لولا أنه كان أطيب منها قلبا وأكرم ~~نحيزة، # 53 # قيل له: طلقها، فقال: # يقولون: طلقها لأصبح ثاويا # مقيما علي الهم أحلام نائم # وإن فراقي أهل بيت أحبهم # لهم زلفة عندي لإحدى العظائم # ومن حديث لؤمها أن مصعبا دخل عليها مرة، وهي نائمة متصبحة ومعه ثمان لؤلؤات ~~قيمتها عشرون ألف دينار، فأنبهها ونثر اللؤلؤ في حجرها، فقالت له: نومتي كانت أحب ~~إلي من هذا اللؤلؤ. # وتزوجت بعد مصعب عمر بن عبيد الله، وكان من أشد الناس غيرة، فكانت تسرف في ~~الحديث عن مصعب وعن جماله لتغيظه بذلك، دخل عليها يوما وقد ناله حر شديد وغبار، ~~فقال لها: انفضي التراب عني، فأخذت منديلا تنفض به عنه التراب، ثم قالت له: ما ~~رأيت الغبار على وجه أحد قط كان أحسن منه على وجه مصعب! فكاد عمر يموت ~~غيظا. # وكانت تكون لمن يجيء يحدثها في رقيق الثياب، فإذا قالوا: قد جاء الأمير، ضمت ~~عليها مطرفها وقطبت، عنادا ولؤما، وكذلك نساء بني تميم فيما قيل: هن أشرس خلق ~~الله وأحظى عند أزواجهن، وكانت عند الحسين بن علي أم إسحق بنت طلحة، فكان يقول: ~~والله لربما حملت ووضعت وهي مصارمة لي لا تكلمني. # وكانت حادة الشهوة يتقدم إليها خاطبوها تصريحا وتلميحا بما عندهم في ذلك من ~~غناء، ولها في هذا الباب أخبار لا نرى من الخير أن نبدئ فيها ونعيد، إذ كانت لا ~~تخرج عما هو معروف من شره الطبائع النسائية، وحرصها على ما في أصلاب ~~الرجال. # وهنا لا نرى بدا من الإشارة إلى ما يبده المولع بتاريخ ذلك العصر من فحولة ~~الرجال، وأنوثة النساء، وذلك عندي هو سر تلك القوة التي استطاع بها العرب ms072 أن ~~يسودوا العالم، وأن يخضعوه لسلطانهم في زمن قليل، وفحولة الرجال ظاهرة غالبة في عهد ~~بني أمية، والصدر الأول من عهد بني العباس، فلا تكاد ترى رجلا ظاهرا إلا مصحوبا ~~بسيرة ملؤها الفتك وقوامها الإسراف. # ويكاد يكون عصر بني أمية هو العصر الذي قوي فيه سلطان المرأة، وذل الرجل على ~~بطشه وبأسه لما في ضعفها من القوة والجبروت، ويندر أن تجد شاعرا يحس خطر المرأة ~~ويلمسه كما فعل ابن قيس الرقيات، إذ يقول في خطاب عائشة بنت طلحة: # عجبا لمثلك لا يكون له # خرج العراق ومنبر الملك # عقلها # كانت عائشة بنت طلحة حاضرة البديهة رائعة ~~النكتة، في مكر وخبث، أصاب منها عمر بن عبيد الله يوما طيب نفس، فقال: ما مر بي ~~مثل يوم أبي فديك! # 54 # فقالت له: اعدد أيامك واذكر أفضلها، فعد يوم سجستان ويوم قطرى بفارس ~~ونحو ذلك، فقالت عائشة: قد تركت يوما لم تكن في أيامك أشجع منك فيه! قال: وأي يوم؟ ~~قالت: يوم أرخت عليها وعليك رملة الستر! # 55 # ترميها بقبح الوجه، وروي أنها حجت فوفدت على هشام فقال لها: ما ~~أوفدك؟ قالت: حبست السماء المطر ، ومنع السلطان الحق، قال: فإني أصل رحمك وأعرف ~~حقك. ثم بعث إلى مشايخ بني أمية، فقال: إن عائشة عندي، فاسمروا عندي الليلة فحضروا، ~~فما تذاكروا شيئا من أخبار العرب وأشعارها وأيامها إلا أفاضت معهم فيه، وما طلع ~~نجم ولا غار إلا سمته، فقال لها هشام: أما الأول فلا أنكره، وأما النجوم فمن أين ~~لك؟ قالت: أخذتها عن خالتي عائشة، فأمر لها بمائة ألف درهم، وردها إلى ~~المدينة. # جاهها # وكانت عائشة بنت طلحة في بسطة من المال يحسب حسابها الأمراء، ونساء الطبقة ~~العالية من قريش، حجت مرة مع سكينة بنت الحسين، وكانت عائشة أحسن آلة وثقلا، ~~فقال حاديها: # عائش يا ذات البغال الستين # لا زلت ما عشت كذا تحجين # فشق ذلك على سكينة ونزل حاديها، فقال: # عائش هذه ضرة تشكوك # لولا أبوها ما اهتدى أبوك # فأمرت عائشة حاديها أن يكف، ms073 فكف. واستأذنت عاتكة بنت يزيد بن معاوية عبد الملك ~~في الحج، فأذن لها وقال: ارفعي حوائجك واستظهري فإن عائشة بنت طلحة تحج، ففعلت ~~وجاءت بهيئة جهدت فيها، فلما كانت بين مكة والمدينة إذا موكب قد جاء فضغطها وفرق ~~جماعتها، فقالت: أرى هذه عائشة بنت طلحة! فسألت عنها فقالوا: هذه خازنتها، ثم جاء ~~موكب آخر أعظم من ذلك، فقالوا: عائشة! عائشة! فضغطهم فسألت عنه فقالوا: هذه ~~ماشطتها! ثم جاءت مواكب على هذا السنن، ثم أقبلت كوكبة فيها ثلاثمائة راحلة عليها ~~القباب والهوادج، فقالت عاتكة: ما عند الله خير وأبقى! # ومن دلائل جاهها وعقلها ما ذكروا أنها لما ~~تأيمت كانت تقيم بمكة سنة، وبالمدينة سنة، وتخرج إلى مال لها عظيم بالطائف، وقصر ~~كان لها هناك، فتتنزه فيه وتجلس بالعشيات، فيتناضل بين يديها الرماة، فمر بها ~~النميري الشاعر فسألت عنه فنسب لها، فقالت: ائتوني به، فأتوها به، فقالت له: ~~أنشدني مما قلت في زينب، فامتنع عليها وقال: تلك ابنة عمي وقد صارت عظاما بالية، ~~قالت: أقسمت عليك بالله إلا فعلت. فأنشدها قوله: # تضوع طيبا بطن نعمان إذ مشت # به زينب في نسوة عطرات # 56 # فأصبح ما بين الهماء فصاعدا # إلى الجزع جزع الماء ذي العشرات # 57 # له أرج من مجمر الهند ساطع # تطلع رياه من الكفرات # 58 # أعان الذي فوق السموات عرشه # موائس بالبطحاء مؤتجرات # 59 # مررن بفخ ثم رحن عشية # يلبين للرحمن معتجرات # 60 # يخبئن أطراف البنان من التقى # ويقتلن بالألحاظ معتذرات # تقسمن لبي يوم نعمان إنني # رأيت فؤادي عادم النظرات # جلون وجوها لم تلحها سمائم # حرور ولم يسعفن بالسبرات # 61 # فقلت: يعافير الظباء تناولت # يناع غصون الورد مهتصرات # 62 # ولما رأت ركب النميري أعرضت # وكن من أن يلقينه حذرات # 63 # دعت نسوة شم العرانين بزلا # نواعم لا شعثا ولا غبرات # 64 # فأدنين حتى جاوز الركب دونها # حجابا من القسي والحبرات # 65 # فكدت اشتياقا نحوها وصبابة # تقطع نفسي إثرها حسرات # فراجعت نفسي والحفيظة بعدما # بللت رداء العصب بالعبرات # 66 # فقالت: والله ما ms074 قلت إلا جميلا، ولا ذكرت إلا كرما وطيبا، ولا وصفت إلا دينا ~~وتقى، أعطوه ألف درهم، فلما كانت الجمعة الأخرى تعرض لها، فقالت: علي به، ~~فأحضر، فقالت له: أنشدني من شعرك في زينب، فقال لها: أو أنشدك من شعر الحارث بن ~~خالد فيك، فوثب مواليها إليه، فقالت: دعوه فإنه أراد أن يستقيد لبنت عمه: # 67 # هات مما قال الحارث في، فأنشدها قوله: # ظعن الأمير بأحسن الخلق # وغدوا بلبك مطلع الشرق # وتنوء تثقلها عجيزتها # نهض الضعيف ينوء بالوسق # 68 # ما صبحت زوجا بطلعتها # إلا غدا بكواكب الطلق # قرشية عبق العبير بها # عبق الدهان بجانب الحق # بيضاء من تيم كلفت بها # هذا الجنون وليس بالعشق # فقالت: والله ما ذكر إلا جميلا، ذكر أني إذا صبحت زوجا بوجهي غدا بكواكب الطلق، ~~وإني غدوت مع أمير تزوجني إلى الشرق، أعطوه ألف درهم، واكسوه حلتين، ولا تعد ~~لإتياننا بعد هذا يا نميري! # 69 # أخبارها مع الحارث بن خالد المخزومي # كان الحارث المخزومي - كما قال أبو الفرج الأصبهاني: في الجزء الثالث من «أغانيه» ~~- أحد شعراء قريش المعدودين الغزلين، وكان يذهب مذهب عمر بن أبي ربيعة «رضي الله ~~عنه!» لا يتجاوز الغزل إلى المديح ولا الهجاء، وكان يهوى عائشة بنت طلحة ويشبب ~~بها، # 70 # ولاه عبد الملك بن مروان مكة، وكان ذا قدر وخطر ومنظر في قريش، وسبب ~~توليه مكة أن قومه بني مخزوم كانوا كلهم زبيرية إلا هو فإنه كان مروانيا، فلما ~~ولي عبد الملك الخلافة وفد عليه في دين كان عليه سنة 75، وقيل: بل حج عبد الملك في ~~تلك السنة، فلما انصرف رحل معه إلى دمشق، فظهرت له منه جفوة، وأقام ببابه شهرا لا ~~يصل إليه فانصرف عنه، وقال فيه: # صحبتك إذ عيني عليها غشاوة # فلما انجلت قطعت نفسي ألومها # وما بي وإن أقصيتني من ضراعة # ولا افتقرت نفسي إلى من يضيمها # عطفت عليك النفس حتى كأنما # بكفيك بؤسي أو عليك نعيمها # وبلغ عبد الملك خبره وأنشد الشعر فأرسل إليه من رد طريقه، فلما دخل ms075 عليه قال ~~له: حار! أخبرني عنك، هل رأيت عليك في المقام ببابي غضاضة، أو في قصدي دناءة؟ قال: ~~لا والله يا أمير المؤمنين! قال: فما حملك على ما قلت وفعلت؟ قال: جفوة ظهرت لي، ~~كنت حقيقا بغير هذا! قال: فاختر: فإن شئت أعطيتك ألف درهم، أو قضيت دينك، أو وليتك ~~مكة سنة فولاه إياها، فحج بالناس وحجت عائشة بنت طلحة عامئذ، وكان يهواها ~~فأرسلت إليه: أخر الصلاة حتى أفرغ من طوافي! فأمر المؤذنين فأخروا الصلاة حتى ~~فرغت من طوافها، ثم أقيمت الصلاة فصلى بالناس، وأنكر أهل الموسم ذلك من فعله ~~وأعظموه، فعزله وكتب إليه يؤنبه فيما فعل، فقال: ما أهون والله غضبه إذا رضيت! ~~والله لو لم تفرغ من طوافها إلى الليل لأخرت الصلاة إلى الليل! # فلما قضت حجها أرسل إليها: يا ابنة عمي! ألمي بنا وعدينا مجلسا نتحدث فيه، ~~فقالت: في غد أفعل ذلك، ثم رحلت من ليلتها ولم تلم به، فقال: # ما ضركم لو قلتم سددا # إن المطايا عاجل غدها # ولها علينا نعمة سلفت # لسنا على الأيام نجحدها # لو تممت أسباب نعمتها # تمت بذلك عندنا يدها # إني وإياها كمفتتن # بالنار تحرقه ويعبدها # 71 # وقد حمل الغريض إليها هذه الأبيات في كتاب، فلما قرأته قالت: ما يدع الحارث ~~باطله! ثم قالت للغريض: هل أحدثت شيئا؟ قال: نعم، فاسمعي، ثم اندفع يغني الأبيات، ~~فقالت عائشة: والله ما قلنا إلا سددا، ولا أردنا إلا أن نشتري لسانه، وأتى على ~~الشعر كله، فاستحسنته عائشة وأمرت له بخمسة آلاف درهم وأثواب، وقالت: زدني! فغناها ~~في قول الحارث بن خالد أيضا: # زعموا بأن البين بعد غد # فالقلب مما أحدثوا يجف # والعين منذ أجد بينهم # مثل الجمان دموعها تكف # ومقالها ودموعها سجم: # أقلل حنينك حين تنصرف # تشكو ونشكو ما أشت بنا # كل بوشك البين معترف # 72 # فقالت له عائشة: يا غريض! بحقي عليك: أهو أمرك أن تغنيني في هذا الشعر؟ # فقال: لا، وحياتك يا سيدتي! فأمرت له بخمسة آلاف درهم. ثم قالت له: غنني في ms076 شعر ~~غيره، فغناها بقول عمر بن أبي ربيعة: # أجمعت خلتي مع الفجر بينا # جلل الله ذلك الوجه زينا # أجمعت بينها ولم نك منها # لذة العيش والشباب قضينا # فتولت حمولها واستقلت # لم ننل طائلا ولم نقض دينا # 73 # ولقد قلت يوم مكة لما # أرسلت تقرأ السلام علينا: # أنعم الله بالرسول الذي أر # سل والمرسل الرسالة عينا # فضحكت ثم قالت: وأنت يا غريض، فأنعم الله بك عينا، وأنعم ابن أبي ربيعة عينا! لقد ~~تلطفت حتى أديت رسالته، وإن وفاؤك له لمما يزيدنا رغبة فيك، وثقة بك. # وقد كان عمر سأل الغريض أن يغنيها هذا الصوت؛ لأنه قد كان ترك ذكرها لما غضبت بنو ~~تميم من ذلك، فلم يحب التصريح بها، وكره إغفال ذكرها، وقال له عمر: إن أبلغتها هذه ~~الأبيات في غناء فلك خمسة آلاف درهم، فوفى له بذلك وأمرت له عائشة بخمسة آلاف ~~أخرى. # ثم انصرف الغريض من عندها، فلقي عاتكة بنت ~~يزيد بن معاوية امرأة عبد الملك بن مروان، وكانت قد حجت في تلك السنة فقال لها ~~جواريها: هذا الغريض! فقالت لهن: علي به! فجئن به إليها، قال الغريض: فلما دخلت ~~سلمت، فردت علي وسألتني عن الخبر فقصصته عليها، فقالت: غنني بما غنيتها به، ~~ففعلت، فلم أرها تهش لذلك ، فغنيتها معرضا لها ومذكرا بنفسي في شعر مرة بن محكان ~~يخاطب امرأته، وقد نزل به أضياف: # أقول والضيف مخشي ذمامته # على الكريم وحق الضيف قد وجبا: # 74 # يا ربة البيت قومي غير صاغرة # ضمي إليك رحال القوم والقربا # 75 # في ليلة من جمادى ذات أندية # لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنبا # 76 # لا ينبح الكلب فيها غير واحدة # حتى يلف على خيشومه الذنبا # فقالت وهي مبتسمة: قد وجب حقك يا غريض، فغنني، فغنيتها: # يا دهر قد أكثرت فجعتنا # بسراتنا ووقرت في العظم # وسلبتنا ما لست مخلفه # يا دهر ما أنصفت في الحكم # لو كان لي قرن أناضله # ما طاش عند حفيظة سهمي # لو كان يعطي النصف قلت له: # أحرزت سهمك فاله ms077 عن سهمي # فقالت: نعطيك النصف، ولا نضيع سهمك عندنا، ونجزل لك قسمك، وأمرت لي بخمسة آلاف ~~درهم وثياب عدنية، وغير ذلك من الألطاف، وأتيت الحارث بن خالد فأخبرته الخبر، وقصصت ~~عليه القصة، فأمر لي بمثل ما أمرتا لي به جميعا، فأتيت ابن أبي ربيعة فأعلمته بما ~~جرى فأمر لي بمثل ذلك، فما انصرف أحد من ذلك الموسم بمثل ما انصرفت به؛ بنظرة من ~~عائشة، ونظرة من عاتكة، وهما من أجمل نساء عالمهما، وبما أمرتا لي به، وبالمنزلة ~~عند الحارث وابن أبي ربيعة وما أجازاني به جميعا من المال. # وقدم المدينة قادم من مكة، فدخل على عائشة بنت طلحة، فقالت له: من أين أقبل ~~الرجل؟ قال: من مكة، قالت: فما فعل الأعرابي؟ ~~فلم يفهم ما أرادت، فلما عاد إلى مكة دخل على الحارث، فقال له: من أين؟ قال: من ~~المدينة، قال: فهل دخلت على عائشة بنت طلحة؟ قال: نعم، قال: فماذا سألتك؟ قال: قالت ~~لي: ما فعل الأعرابي؟ قال الحارث: فعد إليها ولك هذه الراحلة والحلة ونفقتك ~~لطريقك، وادفع إليها هذه الرقعة، وكتب إليها فيها: # من كان يسأل عنا أين منزلنا # فالأقحوانة منا منزل قمن # إذ نلبس العيش صفوا ما يكدره # طعن الوشاة ولا ينبو بنا الزمن # ليت الهوى لم يقربني إليك ولم # أعرفك إذ كان حظي منكم الحزن # وكان لعائشة بنت طلحة أمة يقال لها: بشرة، كان يذكرها الحارث في شعره يكنى بها ~~عن سيدتها، من ذلك قوله: # يا ربع بشرة بالجنان تكلم # وأبن لنا خبرا ولا تستعجم # ما لي رأيتك بعد أهلك موحشا # خلقا كحوض الدارة المتهدم # تسقى الضجيع إذا النجوم تغورت # طوع الضجيع أنيقة المتوسم # وقوله: # لبشرة أسرى الطيف والخبت دونها # وما بيننا من حزن أرض وبيدها # وقرت بها عيني وقد كنت قبلها # كثيرا بكائي مشفقا من صدودها # وبشرة خود مثل تمثال بيعة # تظل النصارى حولها يوم عيدها # وقوله: # يا ربع بشرة إن أضر بك البلى # فلقد عهدتك آهلا معمورا # إن يمس حبلك بعد طول تواصل # خلقا ويصبح ms078 بيتكم مهجورا # فلقد أراني، والجديد إلى بلى، # زمنا بوصلك قانعا مسرورا # جذلا بما لي عندكم لا أبتغي # للنفس غيرك خلة وعشيرا # كنت المنى وأعز من وطئ الحصى # عندي وكنت بذاك منك جديرا # ولما مات عمر بن عبيد الله عن عائشة بنت طلحة، # 77 # وكانت قبله عند مصعب بن الزبير قيل للحارث بن خالد: ما يمنعك الآن ~~منها؟ قال: لا يتحدث والله رجال من قريش أن نسيبي بها كان لشيء من الباطل. # 78 # وما أدري كيف رأى ذلك الشاعر الفحل أن النسيب لا يكون للحق إلا إذا خلا من مطامح ~~القلب، ومطامع النفس، إن هي إلا كلمة رمى بها ليبرر صدوفه عن تلك الجنة العالية، ~~حين خبا وجده، وتقطعت بضلاله الأسباب! # ما كان بينها وبين عمر # رأى القارئ أن عائشة بنت طلحة كانت رفيقة بابن أبي ربيعة، وأنها أنست بالغريض ~~لوفائه له، وحرصه على تبليغ رسالته، فلنذكر الآن أن عمر رآها لأول مرة في ~~الطواف، وهي تريد الركن تستلمه، فبهت لما رآها، وكانت من أجمل من أظلت سماء ~~الحجاز، فلما علمت أنها وقعت في نفسه بعثت إليه بجارية لها، وقالت له: اتق الله ولا ~~تقل هجرا، فإن هذا مقام لا بد فيه مما رأيت، فقال للجارية: أقرئيها السلام، ~~وقولي لها: إن ابن عمك لا يقول إلا خيرا، وقال فيها: # لعائشة ابنة التيمي عندي # حمى في القلب لا يرعى حماها # يذكرني ابنة التيمي ظبي # يرود بروضة سهل رباها # فقلت له وكاد يراع قلبي: # فلم أر قط كاليوم اشتباها # سوى حمش بساقك مستبين # وأن شواك لم يشبه شواها # 79 # وأنك عاطل عار وليست # بعارية ولا عطل يداها # وأنك غير أفرع وهي تدلي # على المتنين أسحم قد كساها # 80 # ولو قعدت ولم تكلف بود # سوى ما قد كلفت به كفاها # أظل إذا أكلمها كأني # أكلم حية غلبت رقاها # تبيت إلي بعد النوم تسري # وقد أمسيت لا أخشى سراها # وقال فيها أشعارا كثيرة، فبلغ ذلك فتيان بني تميم، أبلغهم إياه فتى منهم، وقال ~~لهم: يا ms079 بني تيم بن مرة! ليقذفن بنو مخزوم بناتنا بالعظائم، فمشى ولد أبي بكر، ~~وولد طلحة بن عبيد الله إلى عمر بن أبي ربيعة فأعلموه بذلك، وأخبروه بما بلغهم، ~~فقال لهم: والله لا أذكرها في شعر أبدا، ثم أخذ يكني عن اسمها في قصائده، ~~ويتلطف في تبليغها ما يريد على أعواد المغنين وبأصوات الغناء، فمن ذلك قصيدته التي ~~مطلعها: # يا أم طلحة إن البين قد أفدا # قل الثواء لئن كان الرحيل غدا # 81 # أمسى العراقي لا يدري إذا برزت # من ذا تطوف بالأركان أو سجدا # ولم يزل ينسب بها أيام الحج ويطوف حولها، ويتعرض لها وهي تكره أن يرى وجهها حتى ~~وافقها وهي ترمي الجمار سافرة فنظر إليها، فقالت: أما والله لقد كنت لهذا منك كارهة ~~يا فاسق! فقال: # إني وأول ما كلفت بحبها # عجب وهل في الحب من متعجب؟! # نعت النساء فقلت: لست بمبصر # شبها لها أبدا ولا بمقرب # فمكثن حينا ثم قلن: توجهت # للحج موعدها لقاء الأخشب # 82 # أقبلت أنظر ما زعمن وقلن لي # والقلب بين مصدق ومكذب # فلقيتها تمشي بها بغلاتها # ترمي الجمار عشية في موكب # غراء يعشي الناظرين بياضها # حوراء في غلواء عيش معجب # 83 # إن التي من أرضها وسمائها # جلبت لحينك ليتها لم تجلب # وروي أن ابن أبي ربيعة لقي عائشة بنت طلحة بمكة، وهي تسير على بغلة لها، فقال: ~~قفي حتى أسمعك ما قلت فيك، فقالت: أوقد فعلت يا فاسق! قال: نعم، فوقفت ~~فأنشدها: # يا ربة البغلة الشهباء هل لكم # أن ترحمي عمرا لا ترهقي حرجا # قالت: بدائك مت أو عش تعالجه # فما نرى لك فيما عندنا فرجا # قد كنت حملتنا غيظا نعالجه # فإن تقدنا فقد عنيتنا حججا # 84 # حتى لو اسطيع مما قد فعلت بنا # أكلت لحمك من غيظ وما نضجا # فقلت: لا والذي حج الحجيج له # ما مح حبك في قلبي ولا نهجا # 85 # ولا رأى القلب من شيء يسر به # مذ بان منزلكم منا ولا ثلجا # ضنت بنائلها عنه فقد تركت # في ms080 غير ذنب أبا الخطاب مختلجا # فلم تزل تداريه وترفق به؛ خوفا من أن يتعرض لها حتى قضت حجها، وانصرفت إلى ~~المدينة، فقال في ذلك: # إن من تهوى مع الفجر ظعن # للهوى والقلب متباع الوطن # بانت الشمس وكانت كلما # ذكرت للقلب عاودت الددن # 86 # نظرت عيني إليها نظرة # مهبط الحجاج من بطن يمن # موهنا تمشي بها بغلتها # في عثانين من الحج ثكن # 87 # قلت: قد صدت فماذا عندكم # أحسن الناس لقلب مرتهن # ولئن أمست نواها غربة # لا تواتيني وليست من وطن # 88 # فلقدما قربتني نظرتي # لعناء آخر الدهر معن # ثم قالت: بل لمن أبغضكم # شقوة العيش وتكليف الحزن # سوف آتي زائرا أرضكم # بيقين فاعلميه غير ظن # فأجابت: هذه أمنية # ليت أنا نشتريها بثمن # وقال فيها أيضا هذه القصيدة: # من لقلب أمسى رهينا معنى # مستكينا قد شفه ما أجنا # إثر شخص نفسي فدت ذاك شخصا # نازح الدار بالمدينة عنا # أن أراه والله يعلم يوما # منتهى رغبتي وما أتمنى # ليت حظي كطرفة العين منها # وكثير منها القليل المهنا # أو حديث على خلاء يسلي # ما أجن الضمير منها ومنا # أنرى نعمة نراها علينا # منك يوما قبل الممات ومنا # خبرينا بما كتبت إلينا # أهو الحق أم تهزأت منا؟ # ما نرى راكبا يخبر عنكم # أو يريد الحجاز إلا حزنا # ثم ما نمت بعدكم من منام # منذ فارقت أرضكم مطمئنا # ثم ما تذكرين للقلب إلا # زيد شوقا إليكم واستجنا # ويرجح أنه قال فيها القطعة الآتية: # يا أبا الحارث قلبي هائم # فأتمر أمر رشيد مؤتمن # علق القلب غزالا شادنا # يا لقوم لغزال قد شدن # 89 # اطلبن لي صاح وصلا عندها # إن خير الوصل ما ليس يمن # إن حبي آل ليلى قاتلي # ظهر الحب بجسمي وبطن # ليس حب فوق ما أحببته # غير أن أقتل نفسي أو أجن # جعلت للقلب مني حبها # شجنا زاد على كل شجن # فإذا ما شحطت هام بها # وإذا راعت إلى الدار سكن # ولنلاحظ أن شعر ابن أبي ربيعة في عائشة بنت طلحة لا يستطاع تعيينه ms081 عند الرجوع ~~إلى ديوانه، فقد رأينا أنه أرغم على السكوت عنها، وأنه اكتفى بالتلميح في أكثر ما ~~أوحت إليه من الشعر البليغ. # وعندما نلاحظ ذلك يصح لدينا أن كثيرا من الأسماء التي وردت في شعره لم يكن ~~إلا أداة لستر حبه، وصرف الناس عن الكيد لمن يهوى من كرائم الملاح. # 90 ~~(4) سكينة بنت الحسين # أشرنا في كتاب «الأخلاق عند الغزالي» عند الكلام عن الباطنية إلى أن أكثر ما يحتل ~~رءوس المسلمين من الأفكار والعقائد، ليس إلا أثرا للدعوات المتعددة التي قام بها ~~العباسيون في الشرق، والفاطميون في الغرب، وأن الدعاة نجحوا في حشو تلك الرءوس الجوفاء ~~بالخرافات والوساوس والأضاليل، وضربنا المثل بالمعبودات الصغيرة التي تسكن سماء القاهرة ~~من عترة سيدنا الحسين! # واليوم نجرد القلم لتصوير السيدة سكينة، لا لنقنع من لا يقتنع بأنه لا خير في ~~الطواف حول القبور، ولا لنجرح سيدة هي منذ أزمان موضع التقديس، ولا لنكبت قوما لا ~~هم لهم إلا أن يتصيدوا لنا الهفوات على حساب الدين، إنما نكتب اليوم، كما كتبنا من ~~قبل، متأثرين بفكرة واحدة كانت ولا تزال محور ما نبدئ فيه وما نعيد، وهي أن الإنسان ~~مظهر من مظاهر الحياة، لا مفر له من أن يكون مصدرا للخير والشر، والظلمات والنور، ~~والهدى والضلال. # والحياة تريده كذلك، فلو قد أراد أن يحور ملكا مسكنه في السماء، أو يصير شيطانا ~~دأبه البغي والإغواء، لما استطاع إلى ذلك سبيلا. إنما هو أداة لهذه الحياة الغوية، ~~الرشيدة، التي تطيب حين تشاء، وتخبت حين تريد، بلا رقيب ولا حسيب! # والسيدة سكينة كانت بنت الطبيعة قبل أن تكون بنت الحسين، كما كان أبوها غذي ~~الفطرة، قبل أن يكون سبط الرسول، فلا يغضب قوم إن ذكرنا أنها كانت في عفافها نزقة ~~طائشة، تؤثر الخفة على الوقار، وتهوى أن يخلد حسنها في قصائد الشعراء، فقد قضت ~~الطبيعة أن تكون المرأة كذلك، إلا إن قدر لها المسخ فعادت شرطيا # 91 # يلبس أثواب النساء. # وهذه محاولة نحتاج إليها في مصر لنسوغ ما نكتبه ms082 عن السيدة سكينة في مثل هذا العصر، ~~الذي يفيض بأخبار التردد والإشفاق، أما صورة تلك السيدة كما رسمها الأولون فهي صورة ~~طبيعية لا غرابة فيها ولا شذوذ، ولو كتب عنها فصل في مجلة فرنسية أو إنجليزية أو ~~ألمانية لتلقاه أهل الغرب بالقبول، وعدوا حياتها المرحة دليلا على تأصل الحضارة في ~~تلك الأسرة التي سادت الشرق زمنا غير قليل. # ويا ليتني أعرف متى يتفق الناس على أصول الأخلاق؟ ففي بعض ما ننكر اليوم صور من ~~الحياة الاجتماعية كانت في العصور الماضية من السائغ المألوف، وفي بعض ما نألفه ونرضاه ~~أنماط من العادات والتقاليد كانت مما يكره الأقدمون، حتى الألفاظ والتعابير يديلها ~~العرف، وتحيلها الأوضاع، وأشدنا حرصا على الأدب المكشوف يندى وجهه أمام طائفة من ~~الكلمات لم يكن يتحرج منها المتجملون المهذبون في الزمن القديم، فلا يظن ناس أن ما ~~ينكرونه على السيدة سكينة كان يقاس في عصرها بنفس ما عندهم من المقاييس، وإن كانت عناصر ~~التحرج والتزمت غير جديدة في البيئات الإسلامية، فما أظن هذه السيدة سلمت في صلتها ~~بابن أبي ربيعة من متورع يرميها على طهرها بالخلاعة والمجون. # وأعود فأقول: إني أكتب هذا الفصل وأنا أضمر الحب والإجلال لتلك السيدة النبيلة، التي ~~قدرت نعمة الله عليها، فدلت وتاهت بما وسمت به من الملاحة والجمال، وعاشت في رعاية ~~الحسن والحب غير حافلة بأوضاع الاجتماع، وكان فيها بلا ريب ما ينهى مثلها عن التبذل ~~في مخالطة المغنين وملابسة الشعراء. # حياتها الأدبية # كانت السيدة سكينة حريصة على أن تعيش عيشة نابهة ملؤها الزهو والإعجاب، ويظهر ~~مما نقل عنها من شتى الأحاديث أنها كانت سليمة الذوق في اختيار الوصائف، وكان بيتها ~~لذلك خفيف الظل على الأدباء والشعراء، وكانت ترعى الحياة الأدبية رعاية لا تخلو من ~~قسوة وعنف، فتفاضل بين المعاني والأغراض، وتجبه من تشاء من الشعراء بلاذع النقد ~~وموجع التجريح، وكانت تهتم بنوع خاص بالمعاني الوجدانية التي تقال في وصف المرأة، ~~وفي الخضوع لما لها من السطوة والجبروت، ولها حديث ممتع في نقد جرير ms083 والفرزدق وجميل ~~وكثير ونصيب، أثبتناه في البحث الأول من كتاب «الموازنة بين الشعراء» وناقشناه ~~هناك، فلا نعود إليه الآن، ونكتفي بإيراد حديثها مع راوية جرير وراوية كثير ~~وراوية الأحوص، حين اجتمعوا بالمدينة وافتخر كل رجل منهم بصاحبه، وذهبوا إليها ~~يحكمونها لما كانوا يعرفون من بصرها بالمعاني الجيدة، فقد قالت لراوية جرير بعد ~~أن استأذنوا عليها، فأذنت لهم وعرفت ما كان من أمرهم: أليس صاحبك الذي يقول: # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا # وقت الزيارة فارجعي بسلام # وأي ساعة أحلى من الطروق؟ # 92 # قبح الله صاحبك وقبح شعره! ثم قالت لراوية الأحوص: أليس صاحبك الذي ~~يقول: # يقر بعيني ما يقر بعينها # وأحسن شيء ما به العين قرت؟ # فليس شيء أقر لعينها من النكاح، أفيحب صاحبك أن ينكح؟ قبح الله صاحبك وقبح ~~شعره! ثم قالت لراوية جميل: أليس صاحبك الذي يقول: # فلو تركت عقلي معي ما طلبتها # ولكن طلابيها لما فات من عقلي؟ # فما أرى بصاحبك من هوى، إنما يطلب عقله، قبح الله صاحبك وقبح شعره! ثم قالت ~~لراوية نصيب: أليس صاحبك الذي يقول: # أهيم بدعد ما حييت فإن أمت # فوا حزنا من ذا يهيم بها بعدي؟ # فما أرى له همة إلا فيمن يتعشقها بعده، قبحه الله، وقبح شعره! ألا قال: # أهيم بدعد ما حييت فإن أمت # فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي # ثم قالت لراوية الأحوص: أليس صاحبك الذي يقول : # من عاشقين تراسلا وتواعدا # ليلا إذا نجم الثريا حلقا # باتا بأنعم ليلة وألذها # حتى إذا وضح الصباح تفرقا؟ # قال: نعم، قالت: قبحه الله وقبح شعره، ألا قال: تعانقا. # فهي كما يرى القارئ قاسية عنيفة تتلمس الهفوات، وتعد السيئات، وتخاطب الرواة ~~بلهجة خشنة جافية لا رفق فيها ولا إيناس، وما كانوا ليحتملوها لولا جمالها وسيطرتها ~~على ناحية من الحياة الأدبية في ذلك العصر؛ هي تقدير الشعر الذي قيل خاصة في ~~التشبيب بالنساء. ومن ذا الذي لا يرضى بأن تظلمه سيدة يلوذ بجمالها النبل والجاه ~~والجمال؟ فما كل ظالم بغيض، ولا كل مظلوم مغبون! ms084 # ومن مظاهر عنفها الذي كان يتلقاه الشعراء بالقبول حديثها مع الفرزدق، وقد خرج ~~حاجا، فلما قضى حجه خرج إلى المدينة فدخل مسلما، فقالت له: يا فرزدق! من أشعر ~~الناس؟ قال: أنا، قالت: كذبت! أشعر منك الذي يقول: # بنفسي من تجنبه عزيز # علي ومن زيارته لمام # ومن أمسي وأصبح لا أراه # ويطرقني إذا هجع النيام # قال: والله لئن أذنت لي لأسمعنك أحسن منه، قالت: لا أحب! فاخرج عني! ثم عاد إليها ~~من الغد فدخل عليها، فقالت: يا فرزدق! من أشعر الناس؟ قال: أنا! قالت: كذبت! صاحبك ~~أشعر منك حيث يقول: # لولا الحياء لهاجني استعبار # ولزرت قبرك والحبيب يزار # كانت إذا هجر الضجيع فراشها # كتم الحديث وعفت الأسرار # لا يلبث القرناء أن يتفرقوا # ليل يكر عليهم ونهار # فقال: والله لئن أذنت لي لأسمعنك أحسن منه، فأمرت به فأخرج، ثم عاد إليها في ~~اليوم الثالث وحولها مولدات كأنهن التماثيل، فنظر الفرزدق إلى واحدة منهن ~~فأعجب بها، فقالت: يا فرزدق! من أشعر الناس؟ فقال: أنا! فقالت: كذبت! صاحبك أشعر ~~منك حيث يقول: # إن العيون التي في طرفها حور # قتلننا ثم لم يحيين قتلانا # يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به # وهن أضعف خلق الله أركانا # أتبعتهم مقلة إنسانها غرق # هل ما ترى تارك للعين إنسانا؟! # فقال: يا بنت رسول الله! إن لي عليك حقا عظيما، ضربت إليك من مكة إرادة ~~السلام عليك ، فكان جزائي منك تكذيبي ومنعي من أن أسمعك، وبي ما قد عيل معه صبري، ~~وهذه المنايا تغدو وتروح، ولعلي لا أفارق المدينة حتى أموت، فإن أنا مت فأمري أن ~~أدرج في كفني وأدفن في حر تلك الجارية، يعني الجارية التي أعجبته، فضحكت سكينة ~~وأمرت له بالجارية، فخرج بها آخذا بريطتها، وأمرت الجواري أن يضربن الدفوف تهنئة ~~لهما، ثم قالت: يا فرزدق أحسن صحبتها فإني آثرتك بها على نفسي. # فلو صحت هذه القصة لكانت دليلا على تسامح تلك السيدة وغفرها تهافت الشعراء ~~على ما كانت تملك من المولدات الحسان، والشاعر لم يخلق إلا ms085 ليشقى بالحسن ~~ويعذب بالجمال، وبقدر إحساس السيدة سكينة لمحنة الشعراء المسرفين، وعلمها بما ~~كتب عليهم من سفه المنى وطيش الأحلام، كانت ترق وتلين كلما شهدت إخلاصهم لما ~~خلقوا له من عبادة الطرف الساحر والقد الرشيق، ويمكن الحكم بأن في توفرها على ~~نقد النواحي الغزلية دليلا على أنها كانت تحيا حياة وجدانية معقدة، وكانت تجد في ~~تفقد الصلات بين أرواح الشعراء، وقلوب النساء مفرا من لوعة الوجد المكتوم، ووقدة ~~الحزن الدفين. # عنايتها بالغناء # وكانت سكينة تعنى بنقد الغناء عنايتها بنقد الشعر، وكان المغنون يقصدونها لذلك، ~~فقد ذكر صاحب «الأغاني» أنها حجت فدخل إليها ابن سريج والغريض، وقد استعار ابن ~~سريج حلة لامرأة من قريش فلبسها، فقال لها ابن سريج: يا سيدتي! إني كنت صنعت صوتا ~~وحسنته، وتنوقت فيه، وخبأته لك في حريرة في درج مملوء مسكا فنازعنيه هذا ~~الفاسق، يعني الغريض، فأردنا أن نتحاكم إليك فيه، فأينا قدمته فيه تقدم، قالت: ~~هاته! فغناها: # عوجي علينا ربة الهودج # إنك إلا تفعلي تحرجي # 93 # إني أتيحت لي يمانية # إحدى بني الحارث من مذحج # نلبث حولا كاملا كله # لا نلتقي إلا على منهج # 94 # في الحج إن حجت وماذا منى # وغيره إن هي لم تحجج # فقالت سكينة: ما أشبهكما إلا باللؤلؤ والياقوت في أعناق الجواري الحسان لا يدرى ~~أيهما أحسن. # وكان بيتها مألفا للمغنين، وكانت تؤثر ترفيه الناس بما تستطيع تقديمه إليهم من ~~متع الغناء، حدث عبيد بن حنين الحيري قال: كان المغنون في عصر جدي أربعة نفر؛ ثلاثة ~~بالحجاز، وهو وحده بالعراق، والذين بالحجاز ابن سريج والغريض ومعبد، فكان يبلغهم ~~أن جدي حنينا قد غنى في هذا الشعر: # هلا بكيت على الشباب الذاهب # وكففت عن ذم المشيب الآيب # هذا ورب مسوفين سقيتهم # من خمر بابل لذة للشارب # بكروا علي بسحرة فصبحتهم # من ذات كرنيب كقعب الحالب # 95 # بزجاجة ملء اليدين كأنها # قنديل صبح في كنيسة راهب # فاجتمعوا فتذاكروا أمر جدي، وقالو: ما في الدنيا أهل صناعة شر منا، لنا أخ ~~بالعراق ونحن بالحجاز ms086 لا نزوره ولا نستزيره، فكتبوا إليه، ووجهوا له نفقة، وكتبوا ~~يقولون: نحن ثلاثة وأنت وحدك فأنت أولى بزيارتنا، فشخص إليهم، فلما كان على مرحلة ~~من المدينة بلغهم خبره، فخرجوا يتلقونه، فلم ير يوم كان أكثر حشرا ولا جمعا من ~~يومئذ، ودخلوا فلما صاروا في بعض الطريق قال لهم معبد: صيروا إلي، فقال له ابن ~~سريج: إن كان لك من الشرف والمروءة مثل ما لمولاتي سكينة بنت الحسين عطفنا إليك، ~~فقال: ما لي من ذلك شيء، وعدلوا إلى منزل سكينة، فلما دخلوا إليها أذنت للناس إذنا ~~عاما فغصت الدار بهم وصعدوا فوق السطح، وأمرت لهم بالأطعمة فأكلوا منها، ثم ~~إنهم سألوا جدي حنينا أن يغنيهم صوته الذي أوله: # هلا بكيت على الشباب الذاهب # وكففت عن ذم المشيب الآيب # فغناهم إياه بعد أن قال لهم: ابدءوا أنتم، فقالوا: ما كنا لنتقدمك، ولا لنغني ~~قبلك حتى نسمع هذا الصوت، فغناهم إياه، وكان من أحسن الناس صوتا، فازدحم الناس على ~~السطح وكثروا ليسمعوه، فسقط الرواق على من تحته، فسلموا جميعا وأخرجوا أصحاء، ~~ومات حنين تحت الهدم، فقالت سكينة: لقد كدر علينا حنين سرورنا، انتظرناه مدة طويلة، ~~كأنا والله كنا نسوقه إلى منيته. # 96 # ولها مع ابن سريج أخبار رأينا أن نضرب عنها صفحا لما في مقدماتها من مآثم تقف ~~عندها حدود الأدب المكشوف. # أزواجها # تزوجت السيدة سكينة عدة أزواج، أشهرهم مصعب بن الزبير، وقد رأينا أن نكتب عنه هنا ~~كلمة وجيزة لأمرين؛ الأول: أنه جمع بينها وبين عائشة بنت طلحة، فهو وثيق الصلة بما ~~عنينا به من ترجمة هاتين المليحتين، الثاني: أنه يمثل الفتوة العربية أصدق تمثيل، ~~ولا أعرف شيئا أحب إلى النفس من الحديث عن أولئك الفتيان الغطاريف، الذين ملئوا ~~الدنيا بأخبار البأس والجود. # ويكفي في الإشادة بذكر ذلك الفتى أن يعرف القارئ أنه أعيا عبد الملك بن مروان ~~وعناه، وأن عبد الملك كان يوجه إليه جيشا بعد جيش فيهزمون، فلما طال ذلك عليه ~~واشتد غمه أمر الناس فعسكروا، ودعا بسلاحه فلبسه، فلما ms087 أراد الركوب قامت إليه ~~أم يزيد ابنه، وهي: عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فقالت: يا أمير المؤمنين لو أقمت ~~وبعثت إليه لكان الرأي، فقال: ما إلى ذلك من سبيل! فلم تزل تمشي معه وتكلمه حتى قرب ~~من الباب، فلما علا الصوت رجع إليها عبد الملك، فقال: وأنت ممن يبكي! قاتل الله ~~كثيرا، كأنه كان يرى يومنا هذا حيث يقول: # إذا ما أراد الغزو لم تثن همه # حصان عليها نظم در يزينها # نهته فلما لم تر النهي عاقه # بكت فبكى مما شجاها قطينها # ثم عزم عليها بالسكوت وخرج. # 97 # وقال عبد الملك يوما لجلسائه: من أشجع الناس؟ فأكثروا في هذا المعنى، ~~فقال: أشجع الناس مصعب بن الزبير، جمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين وابنة ~~الحميد بنت عبد الله بن عباس؛ وولي العراقين، ثم زحف إلى الحرب فبذلت له الأمان ~~والحباء والولاية، والعفو عما خلص في يده فأبى قبول ذلك، واطرح كل ماكان ~~مشغوفا به من ماله وأهله وراء ظهره، وأقبل بسيفه قرما يقاتل، ما بقي معه إلا ~~سبعة نفر، حتى قتل كريما. # 98 # وكانت سكينة تخفي ما في قلبها من مصعب، وتكاتمه وجدها به، وعطفها عليه، دخل إليها ~~في حربه مع عبد الملك وقد نزع عنه ثيابه، ولبس غلالة، وتوشح بثوب، وأخذ سيفه، فعلمت ~~أنه لا يريد أن يرجع، فصاحت من خلفه: وا حزناه عليك يا مصعب! فالتفت إليها وقال: ~~أوكل هذا لي في قلبك؟ فقالت: إي والله! وما كنت أخفي أكثر! فقال: لو كنت أعلم أن ~~هذا كله لي عندك لكانت لي ولك حال، ثم خرج ولم يرجع. # ولما دخلت سكينة الكوفة بعد قتل مصعب خطبها عبد الملك، فقالت: والله لا يتزوجني ~~بعده قاتله أبدا! وفي رثاء مصعب يقول رجل من بني أسد بن عبد العزى: # لعمرك إن الموت منا لمولع # بكل فتى رحب الذراع أريب # فإن يك أمسى مصعب نال حتفه # لقد كان صلب العود غير هيوب # جميل المحيا يوهن القرن غربه # وإن عضه دهر فغير رهوب ms088 # أتاه حمام الموت وسط جنوده # فطاروا سلالا واستقى بذنوب # 99 # ولو صبروا نالوا حبا وكرامة # ولكنهم ولوا بغير قلوب # وقالت سكينة ترثيه: # فإن تقتلوه تقتلوا الماجد الذي # يرى الموت إلا بالسيوف حراما # وقبلك ما خاض الحسين منية # إلى القوم حتى أوردوه حماما # جمالها # كانت السيدة سكينة إحدى نوادر الجمال في العصر الذي ظهرت فيه، وكانت تنافس عائشة ~~بنت طلحة معبودة العيون والقلوب في ذلك الحين، وكانت حريصة مسرفة في الحرص على ~~جمالها، حتى ليذكر صاحب «الأغاني» أنه خرجت بها سلعة # 100 # في أسفل عينها حتى كبرت، ثم أخذت وجهها وعينها، وكان درافيس منقطعا ~~إليها وفي خدمتها، فقالت له: ألا ترى ما قد وقعت فيه؟ فقال لها: أتصبرين على ما ~~يمسك من الألم حتى أعالجك؟ قالت: نعم! فأضجعها وشق جلد وجهها أجمع، وسلخ اللحم ~~من تحتها، حتى ظهرت عروقها، وكان منها شيء تحت الحدقة فرفع الحدقة عنها حتى جعلها ~~ناحية، ثم سل عروق السلعة من تحتها فأخرجها أجمع، ورد العين إلى موضعها وسكينة ~~مضطجعة لا تتحرك ولا تئن، حتى فرغ مما أراد، وزال ذلك عنها وبرئت منه، وبقي أثر تلك ~~الحزازة في مؤخر عينها، فكان أحسن شيء في وجهها من كل حلي وزينة، ولم يؤثر ذلك في ~~نظرها ولا في عينها. # وكانت تحدث عن نفسها فتقول: أدخلت على مصعب وأنا أحسن من النار الموقدة، وكانت ~~ابنتها من مصعب جد جميلة، فكانت تثقلها بالحلي واللؤلؤ وتقول: ما ألبستها إياه ~~إلا لتفضحه. # وكانت سكينة أحسن الناس شعرا، وكانت تصفف جمتها تصفيفا لم ير أحسن منه، ~~حتى عرف ذلك، وكانت تلك الجمة تسمى «السكينية»، وكان عمر بن عبد العزيز إذا وجد ~~رجلا يصفف جمته السكينية جلده وحلقه، وفي هذا دليل على أنها صاحبة بدعة # Mode # في تصفيف الشعر وتنسيقه، وكان تقليدها في تلك ~~البدعة مما يقدح في أخلاق الرجال، ولولا تحرج المسلمين الأولين من التصوير لرأينا ~~كيف كانت الفتنة في ذلك التصفيف، ولعرفنا بعد ما بين تلك البدعة وبدعة الشعر ~~المقصوص في هذا الجيل. ms089 # أخلاقها # كانت السيدة سكينة تميل إلى الفكاهة والمزاح، تخالط الأجلة من قريش، ويجتمع إليها ~~الشعراء، فتمزج الجد بالهزل، وتخلط الوقار بالمجون، ولها في الدعابة أحاديث ~~طريفة، لسعتها يوما دبرة، # 101 # فقالت لها أمها: ما لك يا سيدتي؟ فضحكت وقالت: لسعتني دبيرة، مثل ~~الأبيرة، أوجعتني قطيرة! وبعثت مرة إلى صاحب الشرطة: إنه دخل علينا شامي، فابعث ~~إلينا بالشرط، فلما أتى إلى الباب أمرت ففتح له، وأمرت جارية من جواريها فأخرجت ~~إليه برغوثا، ثم قالت: هذا الشامي الذي شكوناه! # وقيل لها يوما: أمك فاطمة يا سكينة وأنت تمزحين كثيرا وأختك لا تمزح! فقالت: ~~لأنكم سميتموها باسم جدتها المؤمنة، تعني: فاطمة، وسميتموني باسم جدتي التي لم تدرك ~~الإسلام، تعني: آمنة بنت وهب أم الرسول، وكانت سكينة تسمى: آمنة، وسكينة ~~لقب. # وكانت مع ميلها المفرط إلى الدعابة عفيفة نقية العرض، لا يؤخذ عليها غير العبث ~~البريء، واللهو المباح. # وكانت لا تخلو من الخيلاء: فقد رآها سفيان بن حرب ترمي الجمار، فسقطت من يدها ~~الحصاة السابعة فرمت بخاتمها، وكانت فيما يظهر ضيقة الصدر في معاملة الأزواج، ويرجع ~~ذلك إلى غيرتها الشديدة وعنفها في مراقبة العشير؛ فقد روى أبو الفرج الأصبهاني أن ~~زيد بن عمرو بن عثمان خرج إلى مال له مغاضبا لسكينة، وعمر بن عبد العزيز يومئذ ~~والي المدينة، فأقام سبعة أشهر، فاستعدته سكينة على زيد وذكرت غيبته مع ولائده سبعة ~~أشهر، وأنها شرطت عليه أنه إن مس امرأة، أو حال بينها وبين شيء من ماله، أو منعها ~~مخرجا تريده، فهي خلية، فبعث إليه عمر فأحضره، وأمر ابن حزم أن ينظر بينهما، ~~فجاءت سكينة وزيد جالس عند ابن حزم وفاطمة امرأة ابن حزم جالسة في الحجلة، فقال ابن ~~حزم: أدخلوا سكينة وحدها، فقالت: والله لا أدخل إلا ومعي ولائدي: فأدخلن معها، فلما ~~دخلت قالت: يا جارية! اثني لي هذه الوسادة، ففعلت، وجلست عليها، ولصق زيد بالسرير ~~حتى كاد يدخل في جوفه خوفا منها. فقال لها ابن حزم: يا ابنة الحسين! إن الله يحب ~~القصد في ms090 كل شيء، فقالت له: وما أنكرت مني؟ إني والله وإياك كالذي يرى الشعرة في ~~عين صاحبه، ولا يرى الخشبة في عينه! فقال لها: أما والله لو كنت رجلا لسطوت بك! ~~فقالت له: يا ابن فرتنى! لا تزال تتوعدني! وشتمته وشتمها، فلما بلغا ذلك قال ابن ~~أبي الجهم العدوي: ما بهذا أمرنا، فأمض الحكم ولا نشاتم، فقالت لمولاة لها: من ~~هذا؟ قالت: أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، فقالت: لا أراك هاهنا وأنا أشتم ~~بحضرتك، ثم هتفت برجال قريش فغضب ابن أبي الجهم، وقالت: أما والله لو كان أصحابي في ~~الحيرة أحياء لكفوا والله العبد اليهودي عن شتمه إياي، عدو الله! تشتمني وأبوك ~~الخارج مع يهود ضنانة بدينهم لما أخرجهم رسول الله إلى أريحاء! فلما كلمها زيد وخضع ~~لها قالت: ما أعرفني بك يا زيد! والله لا تراني أبدا! أتراك تمكث مع جواريك سبعة ~~أشهر ثم أعود إليك! والله لا تراني بعد الليلة أبدا! # وأظرف ما كان يجري بينها وبين زوجها هذا تكليفها أشعب بمراقبته وترسم خطاه ~~لتعلم ما كان يجترح من وصل الولائد الملاح. # صلتها بابن أبي ربيعة # ذكر صاحب «الأغاني» # 102 # أنه اجتمع نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف، فتذاكرن عمر بن أبي ربيعة ~~وشعره وظرفه، وحسن حديثه فتشوقن إليه وتمنينه، فقالت سكينة بنت الحسين: أنا ~~لكن به! فأرسلت إليه رسولا وواعدته الصورين وسمت له الليلة والوقت، وواعدت ~~صواحباتها، فوافاهن عمر على راحلته، فحدثهن حتى أضاء الفجر وحان انصرافهن، فقال ~~لهن: والله إني لمحتاج إلى زيارة قبر رسول الله والصلاة في مسجده، ولكن لا أخلط ~~بزيارتكن شيئا، ثم انصرف إلى مكة وقال: # قالت سكينة والدموع ذوارف # منها على الخدين والجلباب # ليت المغيري الذي لم أجزه # فيما أطال تصيدي وطلابي # كانت ترد لنا المنى أيامنا # إذ لا نلام على هوى وتصابي # خبرت ما قالت فبت كأنما # يرمي الحشا بنوافذ النشاب # 103 # أسكين ما ماء الفرات وطيبه # مني على ظمأ وفقد شراب # بألذ منك وإن نأيت وقلما # ترعى ms091 النساء أمانة الغياب # إن تبذلي لي نائلا أشفي به # داء الفؤاد فقد أطلت عذابي # وعصيت فيك أقاربي وتقطعت # بيني وبينهم عرى الأسباب # فتركتني لا بالوصال ممتعا # منهم ولا أسعفتني بثواب # فقعدت كالمهريق فضلة مائه # في حر هاجرة للمع سراب # وقال فيها: # أحب لحبك من لم يكن # صفيا لنفسي ولا صاحبا # وأبذل نفسي لمرضاتكم # وأعتب من جاءكم عاتبا # وأرغب في ود من لم أكن # إلى وده قبلكم راغبا # ولو سلك الناس في جانب # من الأرض واعتزلت جانبا # ليممت طيتها إنني # أرى قربها العجب العاجبا # 104 # فما ظبية من ظباء الأرا # ك تقرو دميث الربى عاشبا # 105 # بأحسن منها غداة الغميم # وقد أبدت الخد والحاجبا # غداة تقول على رقبة # لخادمها: يا احبسي الراكبا # فقالت لهم: فيم هذا الكلام؟ # وأبدت لها عابسا قاطبا # فقالت: كريم أتى زائرا # يمر بكم هكذا جانبا # شريف أتى ربعنا زائرا # فأكره رجعته خائبا # وذكر صاحب «الأغاني» قصة أولئك النسوة مع عمر بصورة أخرى في أخبار الغريض، فحدثنا ~~أنه وافاهن على رواحله والغريض معه، وأنه قال عند انصرافه إلى مكة: # ألمم بزينب إن البين قد أفدا # قل الثواء لئن كان الرحيل غدا # فلما كان بمكة قال: يا غريض! إني أريد أن أخبرك بشيء يتعجل لك نفعه، ويبقى لك ~~ذكره، فهل لك فيه؟ قال: افعل من ذلك ما شئت وما أنت أهله، قال: إني قلت في هذه ~~الليلة التي كنا فيها شعرا فامض به إلى النسوة، فأنشدهن ذلك وأخبرهن أني وجهت بك ~~فيه قاصدا، قال: نعم، فحمل الغريض الشعر ورجع إلى المدينة فقصد سكينة، وقال لها: ~~جعلت فداك يا سيدتي ومولاتي! إن أبا الخطاب أبقاه الله وجهني إليك قاصدا، قالت: ~~أوليس في خير وسرور تركته؟ قال: نعم، قالت: وفيم وجهك أبو الخطاب حفظه الله؟ ~~قال: جعلت فداك! إن ابن أبي ربيعة حملني شعرا وأمرني أن أنشدك إياه، قالت: ~~فهاته، فأنشدها: # ألمم بزينب إن البين قد أفدا # قل الثواء لئن كان الرحيل غدا # قد حلفت ليلة الصورين جاهدة # وما على الحر ms092 إلا الصبر مجتهدا # لتربها ولأخرى من مناصفها # لقد وجدت به فوق الذي وجدا # لو جمع الناس ثم اختير صفوتهم # شخصا من الناس لم أعدل به أحدا # فقالت سكينة: يا ويحه! فما كان عليه ألا يرحل في غده! ووجهت إلى النسوة فجمعتهن ~~وأنشدتهن الشعر، وقالت للغريض: هل عملت فيه شيئا؟ قال: قد غنيته ابن أبي ربيعة، ~~قالت: فهاته! فغناه الغريض فقالت سكينة: أحسنت والله وأحسن ابن أبي ربيعة! لولا ~~أنك سبقت فغنيته عمر قبلنا لأحسنا جائزتك، يا بنانة؟ أعطه بكل بيت ألف درهم، ~~فأخرجت بنانة أربعة آلاف درهم فدفعتها إليه. وقالت سكينة: لو زادنا عمر ~~لزدناك. # هذا، وأحب أن لا ينسى القارئ أننا اعتمدنا في هذه الأخبار على «الأغاني» ~~و«الأمالي» و«زهر الآداب»، وقد لاحظنا من قبل أنه لا يبعد أن يكون بعض هذه الأخبار ~~غير صحيح، فقد ذكر صاحب «الأغاني» في موطن آخر # 106 # أن البيت: «قالت سكينة» روي: «قالت سعيدة»، وأن المراد: سعدى بنت عبد ~~الرحمن بن عوف، وإنما غيره المغنون فجعلوا سكينة مكان سعيدة، وأن إسحق الموصلي ~~غنى الرشيد يوما: # قالت سكينة والدموع ذوارف # فوضع القدح من يده وغضب غضبا شديدا، وقال: لعن الله الفاسق ولعنك معه! فسقط ~~في يد إسحق، فعرف الرشيد ما به فسكن ثم قال: ويحك أتغنيني بأحاديث الفاسق ابن أبي ~~ربيعة في بنت عمي وبنت رسول الله! ألا تتحفظ في غنائك وتدري ما يخرج من رأسك! عد ~~إلى غنائك الآن وانظر بين يديك! قال إسحق: فتركت هذا الصوت حتى نسيته، فما سمعه مني ~~أحد بعده. # 107 # وفيما ذكرناه عن السيدة سكينة غنية لمن يريد أن يعرف كيف تمثلها الأدباء ~~الأقدمون، أما صورتها في رءوس الصوفية فهي صورة القديسة التي تسيطر على الأرض ~~والسماء، وكل حزب بما لديهم فرحون! ~~(5) الثريا بنت علي # شغل صاحب «الأغاني» بتحقيق نسب هذه الثريا، فليرجع إليه من شاء، ولنمض نحن في ~~الحديث عن فتنتها لعمر بن أبي ربيعة، وذكر ما أوحت إليه من الشعر الجيد البليغ. # كانت الثريا أعجوبة من أعاجيب ms093 الجمال، وقد وصفها معاصروها بمثل ما وصفوا به عائشة بنت ~~طلحة، فذكروا أنها كانت خصبة الجسم، وثيرة الردف، قال بعض المكيين: كانت الثريا تصب ~~عليها جرة ماء وهي قائمة فلا يصيب ظاهر فخذيها منه شيء من عظم عجيزتها، وقال مسلمة ~~بن إبراهيم: قلت لأيوب بن مسلمة: أكانت الثريا كما يصف عمر بن أبي ربيعة؟ فقال: وفوق ~~الصفة! كانت والله كما قال عبد الله بن قيس: # حبذا الحج والثريا ومن بال # خيف من أجلها وملقى الرحال # 108 # يا سليمان إن تلاق الثريا # تلق عيش الخلود قبل الهلال # درة من عقائل البحر بكر # لم تنلها مثاقب اللال # 109 # وكانت تصيف بالطائف، وكان عمر يغدو عليها كل غداة إذا كانت بالطائف على فرسه، فيسائل ~~الركبان الذين يحملون الفاكهة من الطائف عن الأخبار قبلهم، فلقي يوما بعضهم فسأله عن ~~أخبارهم، فقال: ما استطرفنا خبرا، إلا أنني سمعت عند رحيلنا صوتا وصياحا عاليا على ~~امرأة من قريش اسمها اسم نجم السماء، وقد ذهب عني اسمه، فقال عمر: الثريا؟ قال: نعم، ~~وقد بلغ عمر قبل ذلك أنها عليلة، فوجه فرسه على وجهه إلى الطائف يركضه ملء فروجه ~~وسلك طريق كداء، وهي أخشن الطرق وأقربها، حتى انتهى إلى الثريا وقد توقعته وهي ~~تتشوف له فوجدها سليمة ومعها أختاها رضيا وأم عثمان، فأخبرها الخبر فضحكت وقالت: ~~أنا والله أمرتهم لأختبر ما لي عندك، فقال عمر في ذلك: # تشكى الكميت الجري لما جهدته # وبين لو يسطيع أن يتكلما # 110 # فقلت له: إن ألق للعين قرة # فهان علي أن تكل وتسأما # لذلك أدني دون خيلي رباطه # وأصي به أن لا يهان ويكرما # عدمت إذن وفري وفارقت مهجتي # لئن لم أقل قرنا إن الله سلما # 111 # فما راعها إلا الأغر كأنه # عقاب هوت منقضة قد رأت دما # فقلت لهم: كيف الثريا هبلتم؟ # فقالوا: ستدري ما مكرنا وتعلما # هنالك فانزل فاسترح فإذا بدت # ثرياك في أترابها الحور كالدمى # يردن احتياز السر منك فلا تبح # بما لم تكن عنه لدينا مجمجما # 112 # وكانت ms094 الثريا تغار على عمر غيرة شديدة، وتكاد تجن حين تقف على بعض أخباره مع ~~ظراف النساء، بلغتها أم نوفل أنه قال في رملة بنت عبد الله: # أصبح القلب في الحبال رهينا # مقصدا يوم فارق الظاعنينا # فقالت: إنه لوقاح صنع بلسانه # 113 # ولئن سلمت له لأردن من شأوه # 114 # ولأثنين من عنانه، ولأعرفنه نفسه: فلما بلغت إلى قوله: # قلت: من أنتم فصدت وقالت: # أمبد سؤالك العالمينا؟! # قالت: أنه لسأل ملح قبحا له! ولقد أجابته إن وفت، فلما بلغت إلى قوله: # نحن من ساكني العراق وكنا # قبله قاطنين مكة حينا # قالت: غمزته الجهمة # 115 # فلما بلغت إلى قوله: # قد صدقناك إذ سألت فمن أن # ت عسى أن يجر شأن شئونا؟ # قالت: رمته الورهاء بآخر ما عندها في مقام واحد. # 116 # وروي أن الثريا لم سمعت قول ابن أبي ربيعة في رملة: # وجلا بردها وقد حسرته # نور بدر يضيء للناظرينا # قالت: أف له ما أكذبه! أوترتفع حسناء بصفته لها بعد رملة. # 117 # ظرف ابن أبي عتيق # لما هجرت الثريا عمر قال فيها: # قال لي صاحبي ليعلم ما بي # أتحب القتول أخت الرباب؟ # قلت: وجدي بها كوجدك بالعذ # ب إذا ما منعت برد الشراب # من رسولي إلى الثريا، فإني # ضقت ذرعا بهجرها والكتاب؟ # غصبتني مجاجة المسك عقلي # فسلوها: ماذا أحل اغتصابي؟ # أبرزوها مثل المهاة تهادى # بين خمس كواعب أتراب # وهي مكنونة تحير منها # في أديم الخدين ماء الشباب # ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا # عدد الرمل والحصى والتراب # قال بلال مولى ابن أبي عتيق: أنشد ابن أبي عتيق قول عمر: # من رسولي إلى الثريا، فإني # ضقت ذرعا بهجرها والكتاب # فقال: إياي أراد، وبي نوه! لا جرم، والله لا أذوق أكلا حتى أشخص فأصلح ~~بينهما، ونهض ونهضت معه، فجاء إلى قوم من بني الديل بن بكر لم تكن تفارقهم نجائب ~~لهم فره يكرونها، فاكترى منهم راحلتين وأغلى لهم، فقلت له: استوضعهم، أو دعني ~~أماكسهم فقد اشتطوا عليك، فقال: ويحك! أما علمت أن المكاس ليس من أخلاق ms095 الكرام! ~~ثم ركب إحداها وركبت الأخرى فسار سيرا شديدا، فقلت: أبق على نفسك! فإن ما تريد ~~ليس يفوتك، فقال: ويحك! # أبادر حبل الود أن يتقضبا # 118 # وما حلاوة الدنيا إن تم الصدع بين عمر والثريا! فقدمنا مكة ليلا غير محرمين، ~~فدق على عمر بابه فخرج إليه وسلم عليه ولم ينزل عن راحلته، فقال له: اركب أصلح ~~بينك وبين الثريا فأنا رسولك الذي سألت عنه، فركب معنا وقدمنا الطائف، وقد كان عمر ~~أرضى أم نوفل فكانت تطلب له الحيل لإصلاحها فلا يمكنها، فقال ابن أبي عتيق للثريا: ~~هذا عمر قد جشمني السفر من المدينة إليك، فجئتك به معترفا لك بذنب لم يجنه، ~~معتذرا إليك من إساءته إليك، فدعيني من التعداد والترداد، فإنه من الشعراء الذين ~~يقولون ما لا يفعلون، فصالحته أحسن صلح وأتمه وأجمله، وكررنا إلى مكة فلم ينزلها ~~ابن أبي عتيق حتى رحل، وزاد عمر في أبياته: # أزهقت أم نوفل إذ دعتها # مهجتي، ما لقاتلي من متاب # 119 # حين قالت لها: أجيبي! فقالت: # من دعاني؟ قالت: أبو الخطاب # 120 # فاستجابت عند الدعاء كما لبى # رجال يرجون حسن الثواب # 121 # الثريا وسهيل # كان مسعدة بن عمرو أخرج عمر بن أبي ربيعة إلى اليمن في أمر عرض له، وتزوجت ~~الثريا وهو غائب، تزوجها سهيل بن عبد العزيز، فبلغه تزويجها وخروجها إلى مصر، ~~فقال: # أيها المنكح الثريا سهيلا # عمرك الله كيف يلتقيان؟ # هي شامية إذا ما استقلت # وسهيل إذا استقل يماني # 122 # ثم حمله الشوق على أن سار إلى المدينة، فكتب إليها: # كتبت إليك من بلدي # كتاب موله كمد # كئيب واكف العين # ين بالحسرات منفرد # يؤرقه لهيب الشو # ق بين السحر والكبد # فيمسك قلبه بيد # ويمسح عينه بيد # فلما وصلتها هذه الأبيات وقرأتها بكت بكاء شديدا، ثم تمثلت: # بنفسي من لا يستقل بنفسه # ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع # وروى صاحب «الأغاني» من طريق آخر # 123 # أن سهيل بن عبد العزيز لما تزوج الثريا نقلها إلى الشام، وأن عمر بن ~~أبي ربيعة ms096 لما بلغه الخبر أتى المنزل الذي كانت الثريا تنزله، فوجدها قد رحلت منه ~~يومئذ، فخرج في أثرها فلحقها على مرحلتين، وكانت قبل ذلك مهاجرته لأمر أنكرته ~~عليه، فلما أدركهم نزل عن فرسه ودفعه إلى غلامه، ومشى متنكرا حتى مر بالخيمة، ~~فعرفته الثريا وأثبتت حركته ومشيته، فقالت لحاضنتها: # 124 # كلميه، فسلمت عليه وسألته عن حاله وعاتبته على ما بلغ الثريا عنه، ~~فاعتذر وبكى، فبكت الثريا، فقالت: ليس هذا وقت العتاب مع وشك الرحيل، فحادثها إلى ~~طلوع الفجر، ثم ودعها وبكيا طويلا وقام فركب فرسه، ووقف ينظر إليهم وهم يرحلون، ثم ~~أتبعهم بصره حتى غابوا، وأنشأ يقول: # يا صاحبي قفا نستخبر الطللا # عن حال من حله بالأمس ما فعلا # فقال لي الربع لما أن وقفت به: # إن الخليط أجد البين فاحتملا # 125 # وخادعتك النوى حتى رأيتهم # في الفجر يحتث حادي عيسهم زجلا # 126 # لما وقفنا نحييهم وقد صرخت # هواتف البين واستولت بهم أصلا # 127 # صدت بعادا وقالت للتي معها # بالله لوميه في بعض الذي فعلا # وحدثيه بما حدثت واستمعي # ماذا يقول ولا تعيي به جدلا # حتى يرى أن ما قال الوشاة له # فينا لديه إلينا كله نقلا # وعرفيه به كالهزل واحتفظي # في غير معتبة أن تغضبي الرجلا # فإن عهدي به والله يحفظه # وإن أتى الذنب ممن يكره العذلا # لوعندنا اغتيب أو نيلت نقيصته # ما آب مغتابه من عندنا جذلا # قلت: اسمعي فلقد أبلغت في لطف # وليس يخفى على ذي اللب من هزلا # هذا أرادت به بخلا لأعذرها # وقد أرى أنها لن تعدم العللا # ما سمي القلب إلا من تقلبه # ولا الفؤاد فؤادا غير أن عقلا # أما الحديث الذي قالت: أتيت به # فما عبأت به إذ جاءني حولا # 128 # ما إن أطعت بها بالغيب قد علمت # مقالة الكاشح الواشي إذا محلا # 129 # إني لأرجعه فيها بسخطته # وقد يرى أنه قد غرني زللا # 130 # وهي قصيدة طويلة اقتطفنا بعضها في المحاضرة الأولى عند الكلام عن إمعانه في ~~التيه وإغرابه في الصلف. # الثريا عند الوليد ms097 بن عبد الملك # لما مات سهيل عن الثريا، أو طلقها، خرجت إلى الوليد بن عبد الملك وهو خليفة بدمشق ~~في دين عليها، فبينما هي عند أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان إذ دخل عليها ~~الوليد، فقال: من هذه؟ فقالت: الثريا، جاءتني تطلب إليك في قضاء دين عليها وحوائج ~~لها، فأقبل عليها الوليد فقال: أتروين من شعر عمر بن أبي ربيعة شيئا؟ قالت: نعم، ~~أما إنه يرحمه الله كان عفيفا عفيف الشعر، أروي قوله: # ما على الرسم بالبليين لو بي # ن رجع السلام أو لو أجابا # 131 # فإلى قصر ذي العشيرة فالصا # ئف أمسى من الأنيس يبابا # 132 # موحشا بعد ما أراه أنيسا # من أناس يبنون فيه القبابا # أصبح الربع قد تغير منهم # وأجالت به الرياح الترابا # فتعفى من الرباب فأمسى ال # قلب في إثرها عميدا مصابا # وبما قد أرى به حي صدق # ظاهري العيش نعمة وشبابا # وحسانا جواريا خفرات # حافظات عند الهوى الأحسابا # لا يكثرن في الحديث ولا يت # بعن ينعقن بالبهام الظرابا # 133 # طيبات الأردان والنشر عينا # كمها الرمل بدنا أترابا # إذ فؤادي يهوى الرباب ويأبى الد # هر حتى الممات ينسى الربابا # ضربت دوني الحجاب وقالت # في خفاء فما عييت جوابا: # قد تنكرت للصديق وأظهر # ت لنا اليوم هجرة واجتنابا # قلت: لا بل عداك واش فأصبح # ت نوارا ما تقبلين عتابا # 134 # فقضى حوائجها وانصرفت بما أرادت منه، فلما خلا الوليد بأم البنين قال لها: لله ~~در الثريا! أتدرين ما أرادت بإنشادها ما أنشدتني من شعر عمر؟ قالت: لا، قال: إني ~~لما عرضت لها به عرضت لي بأن أمي أعرابية. # 135 # شعر عمر في الثريا # قال عمر في الثريا طائفة من القصائد مر بعضها في هذا الحديث، ومرت مختارات ~~منها في المحاضرة الأولى والثالثة، فلنضف إليها هذه البائية: # شاق قلبي تذكر الأحباب # واعترتني نوائب الأطراب # يا خليلي فاعلما أن قلبي # مستهام بربة المحراب # 136 # علق القلب من قريش ثقالا # ذات دل نقية الأثواب # ربة للنساء في بيت ملك ms098 # جدها حل ذروة الأحساب # شف عنها محقق جندي # فهي كالشمس من خلال السحاب # 137 # فتراءت حتى إذا جن قلبي # سترتها ولائد بالثياب # قلت لما ضربن بالستر دوني # ليس هذا لعاشق بثواب # فأجابت من القطين فتاة # ذات دل رقيقة بعتاب: # أرسلي نحوه الوليدة تسعى # قد فعلنا رضا أبي الخطاب # افعلي بالأسير إحدى ثلاث # فافهميهن ثم ردي جوابي # اقتليه قتلا سريحا مريحا # لا تكوني عليه سوط عذاب # 138 # أو أقيدي فإنما النفس بالنف # س قضاء مفصلا في الكتاب # 139 # أو صليه وصلا يقر عليه # إن شر الوصال وصل الكذاب # وهذه اللامية: # يا خليلي سائلا الأطلالا # بالبليين إن أجزن سؤالا # وسفاه لولا الصبابة حبسى # في رسوم الديار ركبا عجالا # بعدما أوحشت من آل الثريا # وأجدت فيها النعاج الظلالا # يفرح القلب إن رآك وتستع # بر عيني إذا أردت احتمالا # وقد مر باقي هذه القصيدة البديعة في المحاضرة الثالثة عند الكلام عن تلطفه في ~~مخاطبة الغواني، وتودده إليهن بحسن الحديث. # جناية الثريا على ثنايا عمر # زار عمر الثريا يوما ومعه صديق له كان يصاحبه، ويتوصل بذكره في الشعر، فلما كشفت ~~الثريا الستر وأرادت الخروج إليه رأت صاحبه فرجعت، فقال لها: إنه ليس ممن أحتشمه، ~~ولا أخفي عنه شيئا واستلقى فضحك، فخرجت إليه فضربته بظاهر كفها، وكان النساء إذ ~~ذاك يتختمن في أصابعهن العشر، فأصابت الخواتيم ثنيتيه العليين فنغضتا ~~وكادتا تسقطان، فقدم البصرة فعولجتا له، فثبتتا واسودتا، فقال الحزين ~~الكناني # 140 # يعيره بذلك: # ما بال سنيك أم ما بال كسرهما # أهكذا كسرا في غير ما باس # أم نفحة من فتاة كنت تألفها # أم نالها وسط شرب صدمة الكاس # ولقيه الحزين يوما فأنشده هذين البيتين، فقال له عمر: اذهب، اذهب، ويلك! فإنك لا ~~تحسن أن تقول: # ليت هندا أنجزتنا ما تعد # وشفت أنفسنا مما تجد # واستبدت مرة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد # بكاء الثريا # لما ماتت الثريا طلب الغريض من بعض الشعراء أن يقول أبياتا ينوح بها عليها، ~~فقال: # ألا يا عين ما لك تدمعينا # أمن ms099 رمد بكيت فتكحلينا # أم انت حزينة تبكين شجوا # فشجوك مثله أبكى العيونا # وكانت والله أهلا لأن تبكى بغير هذا الشعر الضعيف، لو عرف معاصروها أنهم يوم ~~دفنوها إنما غيبوا الثريا في التراب! ~~(6) زينب بنت موسى # كان سبب شغف ابن أبي ربيعة بزينب بنت موسى كما قال صاحب «الأغاني»: أن ابن أبي عتيق ~~ذكرها عنده يوما فأطراها، ووصف من عقلها وأدبها وجمالها ما شغل قلبه وأماله إليها، ~~فقال فيها الشعر وشبب بها، فمن ذلك هذه النونية: # يا خليلي من ملام دعاني # وألما الغداة بالأظعان # لا تلوما في آل زينب إن ال # قلب رهن بآل زينب عاني # ما أرى ما بقيت أن أذكر المو # قف منها بالخيف إلا شجاني # 141 # لم تدع للنساء عندي نصيبا # غير ما قلت مازحا بلساني # 142 # هي أهل الصفاء والود مني # وإليها الهوى فلا تعذلاني # حين قالت لأختها ولأخرى # من قطين مولد: حدثاني # 143 # كيف لي اليوم أن أرى عمر المر # سل سرا في القول أن يلقاني؟ # قالتا: نبتغي رسولا إليه # ونميت الحديث بالكتمان # إن قلبي بعد الذي نلت منها # كالمعنى عن سائر النسوان # 144 # فلما بلغ ذلك ابن أبي عتيق لامه وقال له: أتنطق الشعر في ابنة عمي؟ فقال: # إنني اليوم عادني أحزاني # وتذكرت ميعتي في زماني # 145 # وتذكرت ظبية أم رئم # هاج لي الشوق ذكرها فشجاني # 146 # لا تلمني عتيق حسبي الذي بي # إن بي يا عتيق ما قد كفاني # لا تلمني وأنت زينتها لي # أنت مثل الشيطان للإنسان # إن بي داخلا من الحب قد أب # لى عظامي مكنونه وبراني # لو بعينيك يا عتيق نظرنا # ليلة السفح قرت العينان # إذ بدا الكشح والوشاح من الدر # ر وفصل فيه من المرجان # 147 # قد قلى قلبي النساء سواها # بعدما كان مغرما بالغواني # إن دهرا يلف شملي بسعدى # لزمان يهم بالإحسان # ليتني أشتري لنفسي منها # مثل ودي بساعدي وبناني # خلجت عيني اليمين بخير # تلك عين مأمونة الخلجان # قال قدامة بن موسى: خرجت بأختي زينب إلى العمرة، فلما كانت ms100 بسرف # 148 # لقيني عمر بن أبي ربيعة على فرس فسلم علي، فقلت له: إلى أين أراك متوجها ~~يا أبا الخطاب؟ فقال: ذكرت لي امرأة من قومي برزة الجمال # 149 # فأردت الحديث معها، فقلت: هل علمت أنها أختي؟ فقال: لا، واستحيا وثنى عنق ~~فرسه راجعا إلى مكة. # 150 # وخرج ابن أبي ربيعة يريد المسجد وخرجت زينب تريده، فالتقيا فاتعدا لبعض الشعاب ~~فلما توسطا الشعب # 151 # أخذتهما السماء، فكره أن يرى بثيابها بلل المطر، فيقال لها: ألا استترت ~~بسقائف المسجد إن كنت فيه؟ فأمر غلمانه فستروهما بكساء خز كان عليه، وفي ذلك ~~يقول: # ومن لسقيم يكتم الناس ما به # لزينب نجوى صدره والوساوس # أقول لمن يبغي الشفاء: متى تجئ # بزينب تدرك بعض ما أنت لامس # فإنك إن لم تشف من سقمي بها # فإني من طب الأطباء لآيس # ولست بناس ليلة الدار مجلسا # لزينب حتى يعلو الرأس رامس # 152 # خلاء بدت قمراؤه وتكشفت # دجنته وغاب من هو حارس # وما نلت منها محرما غير أننا # كلانا من الثوب المورد لابس # نجيين نقضي اللهو في غير مأثم # وإن رغمت م الكاشحين المعاطس # 153 # ومن شعره في زينب قوله: # طال من آل زينب الإعراض # للتعدي وما بها الإبغاض # ووليدين كان علقها القل # ب إلى أن علا الرءوس بياض # حبلها عندنا متين وحبلى # عندها واهن القوى أنقاض # 154 # نظرت يوم فرع لفت إلينا # نظرة كان رجعها إيماض # 155 # حين قالت لموكب كمها الرم # ل أطاعت له النبات الرياض # عجن نحو الفتى البغال نحيي # ه بما تكتم القلوب المراض # وأحدثه ما تضمنت منه # إذ خلا اليوم للمسير المراض # 156 # وقوله: # تصابى القلب وادكرا # صباه ولم يكن ذكرا # لزينب إذ تجد لنا # صفاء لم يكن كدرا # أليست بالتي قالت # لمولاة لها ظهرا # أشيري بالسلام له # إذا هو نحونا خطرا # لقد أرسلت جاريتي # وقلت لها: خذي حذرا # وقولي في ملاطفة # لزينب نولي عمرا # فهزت رأسها عجبا # وقالت: من بذا أمرا؟ # أهذا سحرك النسوا # ن قد خبرنني الخبرا # وقوله: # أيها الكاشح ms101 المعير بالصر # م تزحزح فما لها الهجران # لا مطاع في آل زينب فارجع # أو تكلم حتى يمل اللسان # تجعل الليل موعدا حين تمسي # ثم يخفي حديثنا الكتمان # كيف صبري عن بعض نفسي وهل يص # بر عن بعض نفسه الإنسان # ولقد أشهد المحدث عند ال # قصر فيه تعفف وبيان # 157 # في زمان من المعيشة لدن # قد مضى عصره وهذا زمان # ومن شعره فيها هذه الرائية الغزلة التي عدوها من هفواته، ورأوه ينسب فيها بنفسه، ~~وهي لو يعلمون من أظرف ما يقوله شاعر حلو الشمائل في حسان يتلمسن أسباب ~~هواه: # ما زال طرفي يحار إذ برزت # حتى رأيت النقصان في بصري # أبصرتها ليلة ونسوتها # يمشين بين المقام والحجر # ما إن طمعنا بها ولا طمعت # حتى التقينا ليلا على قدر # 158 # بيضا حسانا خرائدا قطفا # يمشين هونا كمشية البقر # 159 # قد فزن بالحسن والجمال معا # وفزن رسلا بالدل والخفر # 160 # قالت لترب لها تحدثها: # لنفسدن الطواف في عمر # قومي تصدي له ليعرفنا # ثم اغمزيه يا أخت في خفر # قالت لها: قد غمزته فأبى # ثم اسبطرت تسعى على أثري # 161 # من يسق بعد المنام ريقتها # يسق بمسك وبارد خصر # 162 # وقد لاحظت أنه يفيض فيما يسبغ على زينب هذه من الأوصاف الحسية، كقوله: # يا من لقلب متيم كلف # يهذي بخود مريضة النظر # 163 # تمشي الهوينا إذا مشت فضلا # وهي كمثل العسلوج في الشجر # 164 # وقوله من كلمة أخرى: # خدلجة إذا انصرفت # رأيت وشاحها قلقا # 165 # وساقا تملأ الخلخا # ل فيه تراه مختنقا ~~(7) فاطمة بنت عبد الملك # ربما كان حديث ابن أبي ربيعة مع فاطمة بنت عبد الملك بن مروان أظرف ما مر بنا من ~~الأحاديث، لما فيه من المفاجآت التي تمثل دهاء ربات القصور في ذلك الحين، فقد روى صاحب ~~«الأغاني» أنها حجت فكتب الحجاج إلى عمر بن أبي ربيعة يتوعده إن ذكرها في شعره بكل ~~مكروه، وكانت تحب أن يقول فيها شيئا وتتعرض لذلك، فلم يفعل خوفا من الحجاج، فلما قضت ~~حجها خرجت ms102 فمر بها رجل فقالت له: من أنت؟ قال: من أهل مكة، قالت: عليك وعلى أهل بلدك ~~لعنة الله! قال: ولم ذاك؟ قالت: حججت فدخلت مكة ومعي من الجواري ما لم تر الأعين مثلهن، ~~فلم يستطع الفاسق ابن أبي ربيعة أن يزودنا من شعره أبياتا نلهو بها في الطريق في ~~سفرنا، قال: فإني لا أراه إلا قد فعل، قالت: فأتنا ~~بشيء إن كان قاله ولك به عشرة دنانير، فمضى إليه فأخبره، فقال: لقد فعلت، ولكن أحب أن ~~تكتم علي، قال: أفعل، فأنشده: # راع الفؤاد تفرق الأحباب # يوم الرحيل فهاج لي أطرابي # فظللت مكتئبا أكفكف عبرة # سحا تفيض كوابل الأسراب # لما تنادوا للرحيل وقربوا # بزل الجمال لطية وذهاب # كاد الأسى يقضي عليك صبابة # والوجه منك لبين إلفك كاب # وأنشده: # هاج قلبي تذكر الأحباب # واعترتني نوائب الأطراب # وهي قصيدة طويلة ذكر صاحب «الأغاني» في أخبار حنين أن ابن أبي ربيعة قالها في فاطمة ~~بنت عبد الملك، وذكر في أخبار الشاعر نفسه أنه قالها في الثريا بنت علي، فلنقيد ذلك ~~فإنه يؤيد ما أشرنا إليه من أن ابن أبي ربيعة غير صادق الحب، وأنه ينقل شعره من جميلة ~~إلى جميلة وفقا لمقتضيات الظروف، وأن الرواة وضعوا من أقاصيص عشقه ما شاء لهم الخيال؛ ~~ترويحا لأنفس السامرين من الخلفاء والأمراء. # حسابها لعمر على هتك الحرائر # ولنذكر تلك القصة الطريفة التي رواها صاحب «الأغاني» في أخبار ابن أبي ربيعة، إذ ~~نقل أنه كان جالسا بمنى في فناء مضربه وغلمانه حوله، فأقبلت امرأة برزة عليها ~~أثر النعمة، فسلمت فرد عليها السلام، فقالت له: أنت عمر بن أبي ربيعة؟ فقال لها: ~~أنا هو، فما حاجتك؟ قالت له: حياك الله وقربك هل لك في محادثة أحسن الناس وجها، ~~وأتمهم خلقا، وأكملهم أدبا، وأشرفهم حسبا؟ قال: ما أحب إلي ذلك! قالت: على ~~شرط، قال: قولي، قالت: تمكنني من عينيك فأشدهما وأقودك حتى إذا توسطت الموضع ~~الذي أريد حللت الشد، ثم أفعل ذلك بك عند إخراجك حتى أنتهي بك إلى مضربك، ms103 قال: ~~شأنك، ففعلت ذلك به، فلما انتهت به إلى المضرب الذي أرادت، كشفت عن وجهه، فرأى ~~امرأة على كرسي لم ير مثلها قط جمالا وكمالا، ~~فسلم وجلس، فقالت: أنت عمر بن أبي ربيعة؟ قال: أنا عمر، قالت: أنت الفاضح للحرائر؟ ~~قال: وما ذاك، جعلني الله فداك! قالت: ألست القائل: # قالت: وعيش أبي وحرمة والدي # لأنبهن الحي إن لم تخرج # فخرجت خوف يمينها فتبسمت # فعلمت أن يمينها لم تحرج # 166 # فتناولت رأسي لتعرف مسه # بمخضب الأطراف غير مشنج # 167 # فلثمت فاها آخذا بقرونها # شرب النزيف ببرد ماء الحشرج # 168 # ثم قالت: قم فاخرج عني! ثم قامت من مجلسها، وجاءت المرأة فشدت عينيه وقد دخله ~~الكآبة والحزن ما لا طاقة له به، وبات ليلته، فلما أصبح إذا هو بها، فقالت: هل لك ~~في العود؟ فقال: شأنك، ففعلت به مثل فعلها بالأمس حتى انتهت به إلى الموضع، فلما ~~دخل إذا بتلك الفتاة على كرسي، فقالت: إيه يا فضاح الحرائر! قال: بماذا؟ جعلني ~~الله فداك! قالت: بقولك: # وناهدة الثديين قلت لها: اتكي # على الرمل من جبانة لم توسد # فقالت: على اسم الله أمرك طاعة # وإن كنت قد كلفت ما لم أعود # فلما دنا الإصباح قالت: فضحتني # فقم غير مطرود وإن شئت فازدد # ثم قالت: قم فاخرج عني! فقام فخرج ثم رد، فقالت له: لولا وشك الرحيل، وخوف ~~الفوت، ومحبتي لمناجاتاك والاستكثار من محادثتك، لأقصيتك، هات الآن كلمني ~~وحدثني وأنشدني، فكلم آدب الناس وأعلمهم بكل شيء، ثم نهضت وأبطأت العجوز وخلا له ~~البيت، فأخذ ينظر فإذا هو بتور فيه خلوق، # 169 # فأدخل يده فيه ثم خبأها في ردنه، # 170 # وجاءت تلك العجوز فشدت عينيه، ونهضت به تقوده حتى إذا صار على باب ~~المضرب أخرج يده، فضرب بها على المضرب، ثم صار إلى مضربه فدعا غلمانه فقال: أيكم ~~يقفني على باب مضرب عليه خلوق كأنه أثر كف فهو حر، وله خمسمائة درهم، فلم يلبث أن ~~جاء بعضهم فقال: قم، فنهض معه فإذا هو بالكف طرية، وإذا ms104 المضرب مضرب فاطمة ~~بنت عبد الملك بن مروان، فأخذت في أهبة الرحيل، فلما نفرت نفر معها، فبصرت في ~~طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة، فسألت عن ذلك فقيل لها: هذا عمر بن أبي ربيعة، ~~فساءها الأمر، وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إليه: قولي له: نشدتك الله والرحم أن ~~تصحبني، ويحك! ما شأنك وما الذي تريد؟ انصرف ولا تفضحني وتشيط بدمك، # 171 # فسارت العجوز إليه فأدت ما قالت لها فاطمة، فقال: لست بمنصرف أو توجه ~~إلي بقميصها الذي يلي جلدها، فأخبرتها ففعلت ووجهت إليه بقميص من ثيابها فزاده ~~ذلك شغفا، ولم يزل يتبعهم لا يخالطهم حتى إذا صاروا على أميال من دمشق انصرف، وقال ~~في ذلك: # ضاق الغداة بحاجتي صدري # ويئست بعد تقارب الأمر # وذكرت فاطمة التي علقتها # عرضا فيا لحوادث الدهر # ممكورة ردع العبير بها # جم العظام لطيفة الخصر # 172 # وكأن فاها عند رقدتها # تجري عليه سلافة الخمر # شرقا بذوب الشهد يخلطه # بالزنجبيل وفأرة التجر # 173 # عرضت لنا بالخيف في بقر # تقرو الكباث وناضر السدر # 174 # وجلت أسيلا يوم ذي خشب # ريان مثل فجاءة البدر # 175 # فسبت فؤادي إذ عرضت لها # يوم الرحيل بساحة القصر # بمزين ردع العبير به # حسن الترائب واضح النحر # 176 # وبجيد آدم شادن خرق # يرعى الرياض ببلدة قفر # 177 # لما رأيت مطيها حزقا # خفق الفؤاد وكنت ذا صبر # 178 # وتبادرت عيناي بعدهم # وانهل دمعهما على الصدر # ومن شعره فيها وقد جد بها الرحيل: # كدت يوم الرحيل أقضي حياتي # ليتني مت قبل يوم الرحيل # لا أطيق الكلام من شدة الوج # د ودمعي يسيل كل مسيل # ذرفت عينها ففاضت دموعي # وكلانا يلقى بلب أصيل # لو خلت خلتي أصبت نوالا # وحديثا يشفي مع التنويل # ولظل الخلخال فوق الحشايا # مثل أثناء حية مقتول # 179 # ولقد قالت الحبيبة: لولا # كثرة الناس جدت بالتقبيل # ليس طعم الكافور والمسك شيبا # ثم علا بالراح والزنجبيل # 180 # حين تنتابها بأطيب من في # ها طروقا إن شئت أو بالمقيل # 181 # ذاك ظني ولم أذق طعم فيها # لا ms105 وما في الكتاب من تنزيل # ربعة أو فويق ذاك قليلا # ونئوم الضحى وحق كسول # 182 # وقال فيها أيضا هذه الرائية: # يا خليلي شفني الذكر # وحمول الحي إذ صدروا # ضربوا حمر القباب لها # وأديرت حولها الحجر # لو سقي الأموات ريقتها # بعد كأس الموت لانتشروا # ويكاد الحجل من غصص # حين تستأنيه ينكسر # 183 # ويكاد العجز إن نهضت # بعد طول البهر ينبتر # 184 # أخيام البئر منزلهم # أم هم بالعمرة ائتمروا # 185 # أم بأعلى ذي الأراك لهم # مربع قد جاده المطر # 186 # سلكوا شعب النقاب بها # زمرا تحتثها زمر # 187 # وطرقت الحي مكتتما # ومعي عضب به أثر # 188 # وأخ لم أخش نبوته # بنواحي أمرهم خبر # 189 # فإذا ريم على فرش # في حجال الخز مختدر # 190 # حوله الأحراس ترقبه # نوم من طول ما سهروا # شبه القتلى وما قتلوا # ذاك إلا أنهم سمروا # 191 # فدعت بالويل آونة # حين أدناني لها النظر # ودعت حوراء آنسة # حرة من شأنها الخفر # 192 # ثم قالت للتي معها: # ويح نفسي قد أتي عمر # ما له قد جاء يطرقنا # ويرى الأعداء قد حضروا # لشقائي كان علقنا # ولحيني ساقه القدر # 193 # قلت: عرضي دون عرضكم # ولمن ناواكم الحجر # 194 # أزواجها # كانت فاطمة بنت عبد الملك تحت عمر بن عبد العزيز، فلما مات عنها تزوجها داود بن ~~سليمان بن مروان، وكان قبيح الوجه، فقال في ذلك موسى شهوات: # أبعد الأغر ابن عبد العزيز # قريع قريش إذا يذكر # تزوجت داود مختارة # ألا ذلك الخلف الأعور # فكانت إذا سخطت عليه تقول: صدق والله موسى، إنك لأنت الخلف الأعور! فيشتمه ~~داود. # ولفاطمة بنت عبد الملك أحاديث في فتنة من عاصرها من الشعراء، كنا نود ذكرها لولا ~~إيثار الإيجاز. ~~(8) هند بنت الحارث # هي إحدى جميلات ذلك العصر، وهي التي أوحت إلى عمر عينيته التي قرنها القدماء إلى ~~رائيته وفضلوه بهما على جميل، ولنترك ابن أبي ربيعة يتكلم هذه المرة إذ كان حديثه عن ~~هند يشبه ما يعرف بالاعتراف. # حدث مصعب بن عبد الله عن عثمان بن إبراهيم الخاطبي، ms106 قال: # 195 # أتيت عمر بن أبي ربيعة بعد أن نسك بسنين وهو في مجلس قومه من بني مخزوم، ~~فانتظرت حتى تفرق القوم، ثم دنوت منه ومعي صاحب لي ظريف، فقال: تعال حتى نهيجه على ~~الغزل، فننظر هل بقي في نفسه منه شيء؟ فقلت: دونك! فقال: يا أبا الخطاب! لقد أحسن ~~العذري وأجاد فيما قال، فنظر عمر إليه ثم قال له: وماذا قال؟ قال: حيث يقول: # لو جذ بالسيف رأسي في مودتها # لمر يهوي سريعا نحوها راسي # 196 # ولو بلي تحت أطباق الثرى جسدي # لكنت أبلى وما قلبي لكم ناس # أو يقبض الله روحي صار ذكركم # روحا أعيش به ما عشت في الناس # لولا نسيم لذكراكم يروحني # لكنت محترقا من حر أنفاسي # فارتاح عمر إلى هذه الأبيات، ثم قال: يا ويحه! أبعدما يجذ رأسه يميل إليها! فقلت: ~~ولله در جنادة العذري! فقال عمر: حيث يقول ماذا ويحك! فقلت: حيث يقول: # سرت لعينك سلمى بعد مغفاها # فبت مستنبها من بعد مسراها # 197 # فقلت: أهلا وسهلا من هداك لنا # إن كنت تمثالها أو كنت إياها # تأتي الرياح التي من نحو بلدتكم # حتى أقول: دنت منا برياها # وقد تراخت بنا عنها نوى قذف # هيهات مصبحها من بعد ممساها # 198 # من حبها أتمنى أن يلاقيني # من نحو بلدتها ناع فينعاها # كيما أقول: فراق لا لقاء له # وتضمر النفس يأسا ثم تسلاها # ولو تموت لراعتني وقلت لها: # يا بؤس للدهر ليت الموت أبقاها # فضحك عمر ثم قال: وأبيك لقد أحسن وأجاد وما أبقى # 199 # ولقد هيجتما علي ساكنا، وذكرتماني ما كان عني غائبا، ولأحدثنكما حديثا ~~حلوا: # بينما أنا منذ أعوام جالس إذ أتاني خالد الخريت # 200 # فقال لي: يا أبا الخطاب، مرت بي أربع نسوة قبيل العشاء يردن موضع كذا ~~وكذا لم أر مثلهن في بدو ولا في حضر، فيهن هند بنت الحارث المرية، فهل لك أن تأتيهن ~~متنكرا فتسمع من حديثهن، وتتمتع بالنظر إليهن، ولا يعلمن من أنت؟ فقلت له: ويحك! وكيف ~~لي أن أخفي ms107 نفسي؟ قال: تلبس لبسة أعرابي ثم تجلس على قعود، فلا يشعرن إلا بك قد هجمت ~~عليهن، ففعلت ما قال، وجلست على قعود فسلمت عليهن ثم وقفت بقربهن، فسألنني أن أنشدهن ~~وأحدثهن، فأنشدتهن لكثير وجميل، والأحوص ونصيب وغيرهم، فقلن لي: ويحك يا أعرابي! ما ~~أملحك وأظرفك! لو نزلت فتحدثت معنا يومنا هذا فإذا أمسيت انصرفت في حفظ الله! فأنخت ~~بعيري ثم تحدثت معهن، وأنشدتهن، فسررن بي وجذلن بقربي وأعجبهن حديثي، ثم تغامزن ~~وجعل بعضهن يقول لبعض: كأنا نعرف هذا الأعرابي! ما أشبهه بعمر بن أبي ربيعة! فقالت ~~إحداهن: هو والله عمر! فمدت هند يدها فانتزعت عمامتي فألقتها عن رأسي، ثم قالت: هيه ~~يا عمر: أتراك خدعتنا منذ اليوم! بل نحن والله خدعناك، واحتلنا عليك بخالد فأرسلناه ~~إليك لتأتينا في أسوأ هيئة ونحن كما ترى، ثم أخذنا في الحديث. فقالت هند: ويحك يا عمر! ~~اسمع مني، لو رأيتني منذ أيام وأصبحت عند أهلي، فأدخلت رأسي في جيبي، فلما نظرت إلى ~~كعثبي فرأيته ملء العين وأمنية المتمني ناديت: يا عمراه! يا عمراه! فصحت: يا ~~لبيكاه! يا لبيكاه! ثلاثا، ومددت في الثالثة صوتي، فضحكت، وحادثتهن ساعة ثم ~~ودعتهن وانصرفت، فذلك حيث أقول: # ألم تسأل الأطلال والمتربعا # ببطن حليات دوارس بلقعا # 201 # إلى السرح من وادي المغمس بدلت # معالمه وبلا ونكباء زعزعا # 202 # فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعدما # نكأن فؤادا كان قدما مفجعا # 203 # لهند وأتراب لهند إذ الهوى # جميع وإذ لم نخش أن يتصدعا # 204 # وإذ نحن مثل الماء كان مزاجه # كما صفق الساقي الرحيق المشعشعا # 205 # وإذ لا نطيع الكاشحين ولا نرى # لواش لدينا يطلب الصرم موضعا # 206 # تنوعتن حتى عاود القلب سقمه # وحتى تذكرت الحديث المودعا # 207 # فقلت لمطريهن بالحسن: إنما # ضررت فهل تسطيع نفعا فتنفعا # 208 # وأشريت فاستشرى وقد كان قد صحا # فؤاد بأمثال المها كان موزعا # 209 # وهيجت قلبا كان قد ودع الصبا # وأشياعه فاشفع عسى أن تشفعا # 210 # لئن كان ما حدثت حقا فما أرى # كمثل الألى أطريت في ms108 الناس أربعا # فقال: تعال انظر فقلت: وكيف لي؟ # أخاف مقاما أن يشيع فيشنعا # 211 # فقال: اكتفل ثم التثم وأت باغيا # فسلم ولا تكثر بأن تتورعا # 212 # فإني سأخفي العين عنك فلا ترى # مخافة أن يفشو الحديث فيسمعا # فأقبلت أهوى مثل ما قال صاحبي # لموعده أزجي قعودا موقعا # 213 # فلما تواقفنا وسلمت أشرقت # وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا # 214 # تبالهن بالعرفان لما عرفنني # وقلن: امرؤ باغ أضل فأوضعا # 215 # وقربن أسباب الهوى لمتيم # يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا # فلما تنازعنا الأحاديث قلن لي: # أخفت علينا أن نغر ونخدعا؟ # لبالأمس أرسلنا بذلك خالدا # إليك وبينا له الشأن أجمعا # فما جئتنا إلا على وفق موعد # على ملأ منا خرجنا له معا # رأينا خلاء من عيون ومجلسا # دميث الربى سهل المحلة ممرعا # 216 # وقلنا: كريم نال وصل كرائم # فحق له في اليوم أن يتمتعا # 217 # ولعمر في هند شعر كثير، منه هذه الرائية: # يا صاحبي قفا نستخبر الدارا # أقوت وهاجت لنا بالنعف تذكارا # 218 # تبدل الربع ممن كان يسكنه # أدم الظباء به يمشين أسطارا # 219 # وقد أرى مرة سربا به حسنا # مثل الجآذر لم يمسسن أبكارا # 220 # فيهن هند وهند لا شبيه لها # فيمن أقام من الأحياء أو سارا # هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة # تخالها في ثياب العصب دينارا # 221 # تفتر عن ذي غروب طعمه ضرب # تخاله بردا من مزنة مارا # 222 # كأن عقد وشاحيها على رشأ # يقرو من الروض؛ روض الحزن أثمارا # 223 # قامت تهادى وأتراب لها معها # هونا تدافع سيل الزل إذ مارا # 224 # يممن مورقة الأفنان دانية # وفي الخلاء فما يؤنسن ديارا # 225 # تقول: ليت أبا الخطاب وافقنا # كي نلهو اليوم أو ننشد أشعارا # 226 # فلم يرعهن إلا العيس طالعة # يحملن بالنعف ركابا وأكوارا # 227 # وفارس يحمل البازي فقلن لها: # هاهم أولاء وما أكثرن إكثارا # 228 # لما وقفنا وعننا ركائبنا # بدلن بالعرف بعد الرجع إنكارا # 229 # قلن: انزلوا نعمت دار بقربكم # أهلا وسهلا بكم من زائر زارا # لما ألمت بأصحابي وقد هجعوا ms109 # حسبت وسط رحال القوم عطارا # من طيب نشر التي تامتك إذ طرقت # ونفحة المسك والكافور إذ ثارا # فقلت: من ذا المحيي وانتبهت له # ومن محدثنا هذا الذي زارا # 230 # قالت: محب رماه الحب آونة # وهيجته دواعي الحب إذ ثارا # حلي إزارك سكنى غير صاغرة # إن شئت واجزي محبا بالذي سارا # فقد تجشمت من طول السرى تعبا # وفي الزيارة قد أبلغت أعذارا # إن الكواكب لا يشبهن صورتها # وهن أسوأ منها بعد أخبارا # 231 # وفيها أيضا يقول: # هاج القريض الذكر # لما غدوا فابتكروا # على بغال شحج # قد ضمهن السفر # 232 # فيهن هند ليتني # ما عمرت أعمر # 233 # حتى إذا ما جاءها # حتف أتاني القدر # 234 # ومن شعره في هند تلك الدالية التي استطال بها على الحزين الكناني، وقد أشرنا إلى ذلك ~~في أخبار الثريا، والتي كانت فيما بعد سببا لثورة الرشيد بالبرامكة، وتمزيقهم كل ~~ممزق، حين دس إليه خصومهم من غناه: # ليت هندا أنجزتنا ما تعد # وشفت أنفسنا مما تجد # واستبدت مرة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد # فلنذكرها هنا كاملة لأهميتها في الأدب والتاريخ، قال: # زعموها سألت جاراتها # وتعرت ذات يوم تبترد # 235 # أكما ينعتني تبصرنني # عمركن الله أم لا يتئد # فتضاحكن وقد قلن لها: # حسن في كل عين من تود # حسدا حملنه من أجلها # وقديما كان في الناس الحسد # غادة تفتر عن أشنبها # حين تجلوه أقاح أو برد # 236 # ولها عينان في طرفيهما # حور منها وفي الجيد غيد # 237 # طفلة باردة القيظ إذا # معمعان الصيف أضحى يتقد # 238 # سخنة المشتى لحاف للفتى # تحت ليل حين يغشاه الصرد # 239 # ولقد أذكر إذ قلت لها: # ودموعي فوق خدي تطرد # قلت: من أنت؟ فقالت: أنا من # شفه الوجد وأبلاه الكمد # نحن أهل الخيف من أهل منى # ما لمقتول قتلناه قود # 240 # قلت: أهلا أنتم بغيتنا # فتسمين فقالت: أنا هند # إنما ضلل قلبي فاحتوى # صعدة في سابري تطرد # 241 # إنما أهلك جيران لنا # إنما نحن وهم شيء أحد # حدثوني أنها لي نفثت # عقدا حبذا ms110 تلك العقد # 242 # كلما: قلت متى ميعادنا؟ # ضحكت هند وقالت: بعد غد # وبمناسبة ما كان من سعي عمر إلى أتراب هند، نذكر ما نقله صاحب «الأغاني» عن الحارث بن ~~خالد إذ قال: # 243 # بلغني أن الغريض خرج مع نسوة من أهل الشرف ليلا إلى بعض المتحدثات من ~~نواحي مكة وكانت ليلة مقمرة، فاشتقت إليهن وإلى مجالستهن، وإلى حديثهن ، وخفت ~~على نفسي لجناية كنت أطالب بها، وكان عمر مهيبا معظما لا يقدم عليه سلطان ~~ولا غيره، وكان مني قريبا، فأتيته فقلت له: إن فلانة وفلانة وفلانة، حتى ~~سميتهن كلهن، قد بعثنني، وهن يقرأن عليك السلام، وقد تشوقنا إليك في ليلتنا هذه ~~لصوت أنشدناه فويسقك الغريض، وكان الغريض يغني هذا الصوت فيجيده، وكان ابن ~~أبي ربيعة به معجبا، وكان كثيرا ما يسأل الغريض أن يغنيه، وهو: # أمسى بأسماء هذا القلب معمودا # إذا أقول: صحا، يعتاده عيدا # 244 # كأن أحور من غزلان ذي بقر # أهدى لها شبه العينين والجيدا # 245 # قامت تراءى وقد جد الرحيل بنا # لتنكأ القرح من قلب قد اصطيدا # كأنني يوم أمسي لا تكلمني # ذو بغية يبتغي ما ليس موجودا # 246 # أجري على موعد منها فتخلفني # فما أمل وما توفي المواعيدا # قد طال مطلي لو ان اليأس ينفعني # أو أن أصادف من تلقائها جودا # فلما أخبرته الخبر قال: لقد أزعجتني في وقت كانت الدعة أحب فيه إلي ولكن ~~صوت الغريض، وحديث النسوة ليس له مترك، ولا عنه محيص، فدعا بثيابه فلبسها ~~وقال: امض! فمضينا نمشي العجل حتى قربنا منهن، فقال لي عمر: خفض عليك ~~مشيك، ففعلت، حتى وقفنا عليهن، وهن في أطيب حديث وأحسن مجلس، فسلمنا، ~~فتهيبننا وتخفرن منا، فقال الغريض: لا عليكن! هذا ابن أبي ربيعة والحارث بن ~~خالد جاءا متشوقين إلى حديثكن وغنائي، فقالت فلانة: وعليك السلام يا ابن أبي ~~ربيعة! والله ما تم مجلسنا إلا بك، اجلسا، فجلسنا غير بعيد، وأخذن عليهن ~~جلابيبهن وتقنعن بأخمرتهن وأقبلن علينا بوجوههن وقلن لعمر: كيف أحسست بنا وقد ~~أخفينا أمرنا؟ فقال: ms111 هذا الفاسق جاءني برسالتكن، وكنت وقيذا من علة ~~وجدتها، # 247 # فأسرعت الإجابة، ورجوت منكن على ذلك حسن الإثابة، فرددن عليه: قد ~~وجب أجرك، ولم يخب سعيك، ووافق منا الحارث إرادة، فحدثهن بما قلت له من قصة ~~غناء الغريض، فقال النسوة: والله ما كان ذلك كذلك، ولقد نبهتنا على صوت حسن، يا ~~غريض! هاته! فاندفع الغريض يغني ويقول: # أمسى بأسماء هذا القلب معمودا # إذا أقول: صحا، يعتاده عيدا # حتى أتى الشعر كله إلى آخره، فكل استحسنه، وأقبل علي ابن أبي ربيعة ~~فجزاني الخير، وكذلك النسوة، فلم نزل بأنعم ليلة وأطيبها حتى بدا القمر يغيب، ~~فقمنا جميعا، وأخذ النسوة طريقا، ونحن طريقا، وأخذ الغريض معنا، وقال عمر في ~~ذلك: # هل عند رسم برامة خبر # أم لا؟ فأي الأشياء تنتظر؟ # وقفت في رسمها أسائله # والدمع مثل الجمان منحدر # قد ذكرتني الديار إذ درست # والشوق مما يهيجه الذكر # لا أنس طول الحياة ما بقيت # بطيبة روضة لها شجر # ممشى فتاة إلي تخبرني # عنهم عشاء ببعض ما ائتمروا # ومجلس النسوة الثلاث لدى ال # خيمات حتى تبلج السحر # فيهن هند والهم ذكرتها # تلك التي لا يرى لها خطر # 248 # ثم انطلقنا وعندنا ولنا # فيهن لو طال ليلنا وطر # وقولها للفتاة إذ أزف ال # بين أغاد أم رائح عمر # عجلان لم يقض بعض حاجته # ألا تأنى يوما فينتظر # الله جار له وإن نزحت # دار به أو بدا له سفر # وإلى هنا نكتفي بما قدمنا للقارئ من أخبار الملاح، وإن يكن للحديث بقايا أطيب من عبث ~~الشباب على ضفاف النيل! ~~(9) رائية ابن أبي ربيعة # لقد بحثنا لنعرف فيمن قيلت هذه القصيدة، ولكننا لم نصل بعد إلا إلى فروض بعضها يشبه ~~اليقين، فمن الممكن أن تكون قيلت في عائشة بنت طلحة كما أشرنا إلى ذلك من قبل، فقد سهرت ~~ليلة لهم ألم بها فقالت: إن ابن أبي ربيعة لجاهل بليلتي هذه حيث يقول: # وأعجبها من عيشها ظل غرفة # وريان ملتف الحدائق أخضر # ووال كفاها كل شيء يهمها # فليست لشيء ms112 آخر الليل تسهر # وقد قلنا: إنه لو لم يعنها بهذه الإشارة لما رجعتها حين قهرها الحزن في هدأة ~~الليل. # ولكن أستاذنا الدكتور طه يرى أنها إنما تمثلت بهذا الشعر لا أكثر ولا أقل، وفي الحق ~~أن ما في القصيدة من الحوادث يبعد أن تكون قيلت في عائشة بنت طلحة، وإن لم يبعد أن ~~يكون الشاعر عناها ببعض أطراف الحديث، فقد نهاه قومها عن ذكرها في شعره وحمله وعيدهم ~~على الاكتفاء بالتلميح. # وقد ذكر صاحب «الأغاني» أن عمر بن أبي ربيعة أنشد عبد الله بن عباس شعره في الثريا، ~~فلما عدنا إلى حديث عمر مع ابن عباس وجدناه لم ينشده إلا قصيدتين؛ أولاهما ~~داليته: # تشط غدا دار جيراننا # وللدار بعد غد أبعد # وأخراهما رائيته: # أمن آل نعم أنت غاد فمبكر # غداة غد أم رائح فمهجر # أما الدالية فقد ذكر أنه قالها في فاطمة بنت محمد بن الأشعث الكندية، ولم يقل فيمن ~~قال الرائية: أفنحسبه قالها في الثريا؟ المقدمات ترجح ذلك ولكنها لا تفيد ~~اليقين. # وقد نص صاحب «الأغاني» في الجزء الرابع # 249 # أنه قالها في امرأة من قريش يقال لها: نعم كان كثيرا لذكرها في شعره، ~~وكانت تكنى: أم بكر، وهي من بني جمح، ويؤيد هذا أن الشاعر ذكر نعما هذه في ~~القصيدة، وإن لم يبعد أن يكون عنى غيرها في أثناء القصيد. ~~••• # وقد حاولنا التثبت من نعم التي قيلت فيها هذه الرائية فلم نجد غير أخبار مقتضبة: ~~منها أن ابن أبي ربيعة وابن أبي عتيق كانا جالسين بفناء الكعبة، فمرت بهما امرأة من آل ~~أبي سفيان فدعا عمر بكتاب، فكتب إليها وكنى عن اسمها: # ألما بذات الخال فاستطلعا لنا # على العهد باق ودها أم تصرما # وقولا لها: إن النوى أجنبية # بنا وبكم قد خفت أن تتيمما # 250 # فقال له ابن أبي عتيق: سبحان الله! ما تريد إلى امرأة مسلمة محرمة أن تكتب إليها ~~مثل هذا! قال: فكيف بما قد سيرته في الناس من قولي: # لقد حببت نعم إلينا بوجهها # مساكن ms113 ما بين الوتائر والنقع # 251 # ومن أجل ذات الخال أعملت ناقتي # أكلفها سير الكلال مع الظلع # 252 # ومن أجل ذات الخال يوم لقيتها # بمندفع الأخباب أخضلني دمعي # 253 # ومن أجل ذات الخال آلف منزلا # أحل به لا ذا صديق ولا زرع # ومن أجل ذات الخال عدت كأنني # مخامر داء داخل أو أخو ربع # 254 # ألما بذات الخال إن مقامها # لدى الباب زاد القلب صدعا على صدع # وأخرى لدى البيت العتيق نظرتها # إليها تمشت في عظامي وفي سمعي # وحدث مصعب بن عبد الله أن عمر وافقها وهي تستلم الركن، فقرب منها، فلما رأته تأخرت ~~وبعثت إليه جاريتها، فقالت له: تقول لك ابنة عمك: إن هذا مقام لا بد منه كما ترى، وأنا ~~أعلم أنك ستقول في موقفنا هذا، فلا تقولن هجرا، # 255 # فأرسل إليها: لست أقول إلا خيرا، ثم تعرض لها وهي ترمي الجمار فأعرضت ~~عنه واستترت، فقال: # دين هذا القلب من نعم # بسقام ليس كالسقم # إن نعما أقصدت رجلا # آمنا بالخيف إذ ترمي # وحدث مصعب أيضا أنه قيل لعمر بن أبي ربيعة: ما أحب شيء أصبته إليك؟ قال: بينا أنا ~~في منزلي ذات ليلة إذ طرقني رسول مصعب بن الزبير بكتابه يقول: إنه قد وقعت عندنا أثواب ~~مما يشبهك، وقد بعثت بها إليك وبدنانير ومسك وطيب وبغلة، قال: فإذا بثياب من وشي وخز ~~العراق لم أر مثلها قط، وأربعمائة دينار ومسك وطيب كثير وبغلة، فلما أصبحت لبست بعض تلك ~~الثياب، وتطيبت، وأحرزت الدنانير وركبت البغلة وأنا نشيط لا هم لي قد أحرزت نفقة ~~سنتي، فما أفدت فائدة كانت أحب إلي منها، وقلت في ذلك: # ألا أرسلت نعم إلينا أن ائتنا # فأحبب بها من مرسل متعصب # 256 # فأرسلت أن لا أستطيع فأرسلت # توكد أيمان الحبيب المؤنب # فقلت لجناد: خذ السيف واشتمل # عليه بحزم وانظر الشمس تغرب # وأسرج لي الدهماء واعجل بممطري # ولا يعلمن خلق من الناس مذهبي # 257 # وموعدنا البطحاء أو بطن يأجج # أو الشعب ذو المسروح من بطن مغرب # 258 ms114 # فلما التقينا سلمت وتبسمت # وقالت مقال المعرض المتجنب: # أمن أجل واش كاشح بنميمة # مشى بيننا صدقته لم تكذب # قطعت حبال الوصل منا ومن يطع # بذي وده قول المحرش يعتب # 259 # فبات وسادي ثني كف مخضب # معاود عذب لم يكدر بمشرب # إذا ملت مالت كالكثيب رخيمة # منعمة حسانة المتجلبب # 260 # وحدث أيضا أن عمر بن أبي ربيعة بلغه أن نعما اغتسلت في غدير، فنزل عليه ولم يزل ~~يشرب منه حتى نضب، ولعل هذا الحديث من أظرف ما صاغ الخيال! # وقد روي أنها استقبلت عمر في المسجد الحرام، وفي يدها خلوق من خلوق المسجد، # 261 # فمسحت به ثوبه ومضت وهي تضحك، فقال: # أدخل الله رب موسى وعيسى # جنة الخلد من ملاني خلوقا # مسحته من كفها في قميصي # حين طافت بالبيت مسحا رفيقا # غضبت إن نظرت نحو نساء # ليس يعرفنني سلكن طريقا # وأرى بينها وبين نساء # كنت أهذي بهن بونا سحيقا # 262 # ومن جيد شعره في نعم هذه الأبيات: # أيها القلب لا أراك تفيق # طالما قد تعلقتك العلوق # هل لك اليوم إن نأت أم بكر # وتولت إلى عزاء طريق # من يكن من هوى حبيب قريبا # فأنا النازح البعيد السحيق # 263 # قدر الحب بيننا فالتقينا # وكلانا إلى اللقاء مشوق # فالتقينا ولم نخف ما لقينا # ليلة الخيف والمنى قد تسوق # وجرى بيننا فجدد وصلا # حول قلب اللسان رفيق # لا تظني أن التراسل والبذ # ل لكل النساء عندي يليق # إن منهن للكرامة أهلا # والذي بينهن بون سحيق # أسلفنا أن عمر أنشد ابن عباس رائيته، فلنذكر ما رواه صاحب «الأغاني» في ذلك، قال: # بينا ابن عباس في المسجد الحرام، وعنده نافع بن الأزرق وناس من الخوارج ~~يسألونه، إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين موردين حتى دخل وجلس، ~~فأقبل عليه ابن عباس، فقال: أنشدنا فأنشده: # أمن آل نعم أنت غاد فمبكر # غداة غد أم رائح فمهجر؟ # حتى أتى على آخرها، فأقبل عليع نافع بن الأزرق، فقال: الله يا ابن عباس، إنا ~~نضرب إليك أكباد الإبل ms115 من أقاصي البلاد نسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل عنا، ~~ويأتيك غلام مترف من مترفي قريش فينشدك: # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت # فيخزى وأما بالعشي فيخسر # فقال: ليس هكذا قال. قال: فكيف قال؟ فقال: قال: # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت # فيضحى وأما بالعشي فيخصر # فقال: ما أراك إلا وقد حفظت البيت! قال: أجل! وإن شئت أن أنشدك القصيدة ~~أنشدتك إياها، قال: فإني أشاء، فأنشده القصيدة حتى أتى على آخرها. ولامه بعض ~~أصحابه في حفظ هذه القصيدة، فقال : إنا نستجيدها. # وكان بعد ذلك كثيرا ما يقول: هل أحدث هذا المغيري شيئا بعدنا؟ # 264 # ولم يقف أثر هذه القصيدة عند إعجاب ابن عباس، فقد أنشدها عمر طلحة بن عبد الله بن ~~عوف الزهري وهو راكب فوقف وما زال شانقا بغلته حتى كتبت له، وكان جرير إذا أنشد شعر ~~عمر بن أبي ربيعة قال: هذا شعر تهامي إذا أنجد وجد البرد، حتى أنشد أبياتا من هذه ~~القصيدة فقال: ما زال هذا القرشي يهذي حتى قال الشعر. # وقال الرشيد للأصمعي: أنشدني أحسن ما قيل في رجل قد لوحه السفر، فأنشده: # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت # فيضحى وأما بالعشي فيخصر # أخا سفر جواب أرض تقاذفت # به فلوات فهو أشعث أغبر # قليلا على ظهر المطية رحله # سوى ما نفى عنه الرداء المحبر # فقال الرشيد: أنا والله ذلك الرجل، وكان هذا بعقب قدومه من بلاد الروم. فهذا دليل على ~~أن أولئك الرجال كانوا يرون أنفسهم وحوادثهم مصورة في هذه القصيدة. # وكان ابن أبي ربيعة نفسه يراها في خير شعره، فقد حج في سنة من السنين، فلما انصرف ~~من الحج لقي الوليد بن عبد الملك، وقد فرش له في ظهر الكعبة وجلس، فجاءه فسلم عليه، ~~وجلس إليه، فقال له: أنشدني شيئا من شعرك، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ كبير وقد ~~تركت الشعر، ولي غلامان هما عندي بمنزلة الولد، وهما يرويان كل ما قلت وهما لك، قال: ~~ائتني بهما ففعل، فأنشداه هذه الرائية، فطرب الوليد واهتز ms116 لذلك، ولم يزالا ينشدانه حتى ~~قام، فأجزل صلته ورد الغلامين إليه. # ونحسب أن ما أسلفناه يكفي للتمهيد لهذه القصة، فلنقدمها للقارئ مصحوبة بالشرح ~~والتفسير، قال: # أمن آل نعم أنت غاد فمبكر # غداة غد أم رائح فمهجر # 265 # بحاجة نفس لم تقل في جوابها # فتبلغ عذرا والمقالة تعذر # 266 # تهيم إلى نعم فلا الشمل جامع # ولا الحبل موصول ولا القلب مقصر # ولا قرب نعم إن دنت لك نافع # ولا نأيها يسلي ولا أنت تصبر # وأخرى أتت من دون نعم ومثلها # نهى ذا النهى لو ترعوي أو تفكر # 267 # إذا زرت نعما لم يزل ذو قرابة # لها كلما لاقيتها يتنمر # 268 # عزيز عليه أن ألم ببيتها # يسر لي الشحناء والبغض مظهر # 269 # ألكني إليها بالسلام فإنه # يشهر إلمامي بها وينكر # 270 # بآية ما قالت غداة لقيتها # بمدفع أكنان أهذا المشهر # 271 # أشارت بمدراها وقالت لأختها: # أهذا المغيري الذي كان يذكر # 272 # أهذا الذي أطريت نعتا؟ فلم أكن # وعيشك أنساه إلى يوم أقبر # 273 # فقالت: نعم لا شك غير لونه # سرى الليل يحيي نصه والتهجر # 274 # لئن كان إياه لقد حال بعدنا # عن العهد والإنسان قد يتغير # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت # فيضحى وأما بالعشي فيخصر # 275 # أخا سفر جواب أرض تقاذفت # به فلوات فهو أشعث أغبر # 276 # قليل على ظهر المطية ظله # سوى ما نفى عنه الرداء المحبر # 277 # وأعجبها من عيشها ظل غرفة # وريان ملتف الحدائق أخضر # ووال كفاها كل شيء يهمها # فليست لشيء آخر الليل تسهر ~~••• # وليلة ذي دوران جشمتني السرى # وقد يجشم الهول المحب المغرر # 278 # فبت رقيبا للرفاق على شفا # أحاذر منهم من يطوف وأنظر # 279 # إليهم متى يستمكن النوم منهم # ولي مجلس لولا اللبانة أوعر # 280 # وباتت قلوصى بالعراء ورحلها # لطارق ليل أو لمن جاء معور # 281 # وبت أناجي النفس أين خباؤها # وكيف لما آتي من الأمر مصدر # 282 # فدل عليها القلب ريا عرفتها # لها وهوى النفس الذي كاد يظهر # 283 # فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت ms117 # مصابيح شبت بالعشاء وأنؤر # 284 # وغاب قمير كنت أهوى غيوبه # وروح رعيان ونوم سمر # 285 # وخفض عني الصوت أقبلت مشية ال # حباب وشخصي خشية الحي أزور # 286 # فحييت إذ فاجأتها فتولهت # وكادت بمخفوض التحية تجهر # 287 # وقالت وعضت بالبنان: فضحتني # وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر # 288 # أريتك إذ هنا عليك ألم تخف # وقيت وحولي من عدوك حضر؟ # فوالله ما أدري أتعجيل حاجة # سرت بك أم قد نام من كنت تحذر؟ # فقلت لها: بل قادني الشوق والهوى # إليك وما نفس من الناس تشعر # فقالت وقد لانت وأفرخ روعها # كلاك بحفظ ربك المتكبر # 289 # فأنت أبا الخطاب غير مدافع # علي أمير ما مكثت مؤمر # فيا لك من ليل تقاصر طوله # وما كان ليلي قبل ذلك يقصر # ويا لك من ملهى هناك ومجلس # لنا لم يكدره علينا مكدر # يمج ذكي المسك منها مفلج # نقي الثنايا ذو غروب مؤشر # 290 # تراه إذا ما افتر عنه كأنه # حصى برد أو أقحوان منور # 291 # وترنو بعينيها إلي كما رنا # إلى ظبية وسط الخميلة جؤذر # 292 ~~••• # فلما تقضى الليل إلا أقله # وكادت توالي نجمه تتغور # 293 # أشارت بأن الحي قد حان منهم # هبوب ولكن موعد لك عزور # 294 # فما راعني إلا مناد: ترحلوا # وقد لاح معروف من الصبح أشقر # 295 # فلما رأت من قد تنبه منهم # وأيقاظهم قالت: أشر كيف تأمر؟ # فقلت: أباديهم فإما أفوتهم # وإما ينال السيف ثأرا فيثأر # 296 # فقالت: أتحقيقا لما قال كاشح # علينا وتصديقا لما كان يؤثر # 297 # فإن كان ما لا بد منه فغيره # من الأمر أدنى للخفاء وأستر # أقص على أختي بدء حديثنا # وما لي من أن تعلما متأخر # 298 # لعلهما أن تطلبا لك مخرجا # وأن ترحبا سربا بما كنت أحصر # 299 # فقامت كئيبا ليس في وجهها دم # من الحزن تذري عبرة تتحدر # 300 # فقامت إليها حرتان عليهما # كساءان من خز دمقس وأخضر # 301 # فقالت لأختيها: أعينا علي فتى # أتى زائرا والأمر للأمر يقدر # فأقبلتا فارتاعتا ثم قالتا: # أقلي عليك اللوم ms118 فالخطب أيسر # يقوم فيمشي بيننا متنكرا # فلا سرنا يفشو ولا هو يظهر # 302 # فكان مجني دون من كنت أتقي # ثلاث شخوص كاعبان ومعصر # 303 ~~••• # فلما أجزنا ساحة الحي قلن لي: # ألم تتق الأعداء والليل مقمر؟ # 304 # وقلن: أهذا دأبك الدهر سادرا # أما تستحي أو ترعوي أو تفكر؟ # 305 # إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا # لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر # 306 # فآخر عهد لي بها حين أعرضت # ولاح لها خد نقي ومحجر # سوى أنني قد قلت يا نعم قولة # لها والعتاق الأرحبيات تزجر # 307 # هنيئا لأهل العامرية نشرها الل # ذيذ ورياها التي أتذكر # 308 # فقمت إلى عنس تخون نيها # سرى الليل حتى لحمها متحسر # 309 # وحبسي على الحاجات حتى كأنها # بقية لوح أو شجار مؤشر # 310 ~~••• # وماء بموماة قليل أنيسه # بسابس لم يحدث به الصيف محضر # 311 # به مبتنى للعنكبوت كأنه # على طرف الأرجاء خام منشر # 312 # وردت وما أدري أما بعد موردي # من الليل أم ما قد مضى منه أكثر # فقمت إلى مغلاة أرض كأنها # إذا التفتت مجنونة حين تنظر # 313 # تنازعني حرصا على الماء رأسها # ومن دون ما تهوى قليب معور # 314 # محاولة للماء لولا زمامها # وجذبي لها كادت مرارا تكسر # فلما رأيت الضر منها وأنني # ببلدة أرض ليس فيها معصر # 315 # قصرت لها من جانب الحوض منشأ # جديدا كقاب الشبر أو هو أصغر # 316 # إذا شرعت فيه فليس لملتقى # مشافرها منه قدى الكف مسأر # 317 # ولا دلو إلا القعب كان رشاءه # إلى الماء نسع والأديم المضفر # 318 # فسافت وما عافت وما رد شربها # عن الري مطروق من الماء أكدر # 319 ~~(10) لامية جميل # مرت الإشارة إلى هذه القصيدة في المحاضرة الثالثة، ولكنا رأينا أن نثبتها هنا بجانب ~~رائية عمر؛ ليرى القارئ إلى أي حد صدق من قال: إن عمر أشعر من جميل في الرائية، وأن ~~جميلا أشعر منه في اللامية، وقد بحثنا عن نسخة كاملة لهذه القصيدة، فلم نجد غير ما ~~أثبته صاحب «الأغاني» في ترجمة جميل، ثم ms119 حاولنا الموازنة بين القصيدتين فلم نجد ما يبرر ~~وضعهما في الميزان، إذ كانت رائية عمر أجمل بلا مراء، وجاء في «الأغاني» في أخبار ~~الغريض: قال الزبير فيما أخبرني به الحرمي بن أبي العلاء عنه: من الناس من يفضل قصيدة ~~جميل مختلفة غير مؤتلفة، فيها طوالع النجد، وخوالد المهد، وقصيدة عمر بين أبي ربيعة ~~ملساء المتون مستوية الأبيات، آخذ بعضها بأذناب بعض، ولو أن جميلا خاطب في قصيدته ~~مخاطبة عمر لأرتج عليه، وعثر كلامه به. قال جميل: # لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي # بثينة أو أبدت لنا جانب البخل # يقولون: مهلا يا جميل وإنني # لأقسم ما لي عن بثينة من مهل # أحلما؟! فقبل اليوم كان أوانه # أم اخشى؟! فقبل اليوم أوعدت بالقتل # لقد أنكحوا جهلا «نبيها» ظعينة # لطيفة طي الكشح ذات شوى خدل # 320 # وكم قد رأينا ساعيا بنميمة # لآخر لم يعمد بكف ولا رجل ~~••• # ألا أيها البيت الذي حيل دونه # بنا أنت من بيت وأهلك من أهل # ثلاثة أبيات؛ فبيت أحبه # وبيتان ليسا من هواي ولا شكلي # إذا ما تراجعنا الذي كان بيننا # جرى الدمع من عيني بثينة بالكحل # كلانا بكى أو كاد يبكي صبابة # إلى إلفه واستعجلت عبرة قبلي # أبيت مع الهلاك ضيفا لأهلها # وأهلي قريب موسعون ذوو فضل # 321 # فلو تركت عقلي معي ما طلبتها # ولكن طلابيها لما فات من عقلي # فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بها # ويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي # وقالت لأتراب لها لا زعانف # قصار ولا كس الثنايا ولا ثعل # 322 # إذا حميت شمس النهار اتقينها # بأكسية الديباج والخز ذي الخمل # 323 # تداعين فاستجمعن مشيا بذي الغضا # دبيب القطا الكدري في الدمث السهل # 324 # إذا ارتعن أو فزعن أو قمن حولها # قيام بنات الماء في جانب الضحل # 325 # أجدى لا ألقى بثينة مرة # من الدهر إلا خائفا أو على رحل # خليلي فيما عشتما هل رأيتما # قتيلا بكى من حب قاتله قبلي؟ # على أن من الحق أن نكرر ما أشرنا إليه فيما سلف ms120 من أن عمر أقل صدقا في الصبابة من ~~جميل، فإن لم تشهد هذه اللامية على سبقه، فله قصائد ومقطوعات تجعله في الطراز الأول بين ~~أصحاب العواطف والقلوب، أليس هو الذي يقول: # لما دنا البين؛ بين الحي واقتسموا # حبل النوى فهو في أيديهم قطع # جادت بأدمعها ليلى وأعجلني # وشك الفراق فما أبقي وما أدع # يا قلب ويحك ما عيشي بذي سلم # ولا الزمان الذي قد مر مرتجع # أكلما بان حي لا تلائمهم # ولا يبالون أن يشتاق من فجعوا # علقتني بهوى مرد فقد جعلت # من الفراق حصاة القلب تنصدع؟ # بلى! وهو الذي يقول: # وما زلتم يا بثن حتى لو انني # من الشوق أستبكي الحمام بكى ليا # إذا خدرت رجلي وقيل: شفاؤها # دعاء حبيب كنت أنت دعائيا # وما زادني النأي المفرق بعدكم # سلوا ولا طول التلاقي تقاليا # ولا زادني الواشون إلا صبابة # ولا كثرة الناهين إلا تماديا # لقد خفت أن يغتالني الموت عنوة # وفي النفس حاجات إليك كما هيا # وإني لتثنيني الحفيظة كلما # لقيتك يوما أن أبثك ما بيا # ألم تعلمي يا عذبة الريق أنني # أظل إذا لم أسق ريقك صاديا # | هوامش # | تأثير ابن أبي ربيعة في شعراء اللغة العربية # عرف القارئ كيف أثر عمر بن أبي ربيعة في شعراء عصره، وكيف حملهم على الاعتراف بتفوقه ~~عليهم في مذاهب النسيب، فمن الخير أن نعرف كيف أثر فيمن خلفه من الشعراء. # وإنما عينا من خلف من بعده؛ لأنه غلب على شعراء عصره، فأضاف إليه الرواة أكثر القصائد ~~التي وسمت بميسمه، وطبعت بطابعه، في حوار الملاح. # وكان طبيعيا أن نحاول معرفة من تأثر به ابن أبي ربيعة من القدماء، وإن كنا قد ألمعنا ~~إلى ذلك في المحاضرة الثالثة، فلنذكر الآن أنه تأثر بامرئ القيس؛ فجاراه في الحديث عن حوادث ~~الليل، ومدافعة الأحراس، ومطاوعة الصبا والحب في هصر أعواد الحسان. # وفي الحق أن أكثر ما مر من شعر ابن أبي ربيعة يذكرنا في الغرض والأسلوب بقول امرئ ~~القيس: # وبيضة خدر لا يرام خباؤها # تمتعت من لهو ms121 بها غير معجل # 1 # تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا # علي حراصا لو يسرون مقتلي # 2 # إذا ما الثريا في السماء تعرضت # تعرض أثناء الوشاح المفصل # 3 # فجئت وقد نضت لنوم ثيابها # لدي الستر إلا لبسة المتفضل # 4 # فقالت: يمين الله ما لك حيلة # وما إن أرى عنك الغواية تنجلي # 5 # خرجت بها أمشي تجر وراءنا # على أثرينا ذيل مرط مرحل # 6 # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحت # بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل # 7 # هصرت بفودى رأسها فتمايلت # علي هضيم الكشح ريا المخلخل # 8 # مهفهفة بيضاء غير مفاضة # ترائبها مصقولة كالسجنجل # 9 # كبكر المقاناة البياض بصفرة # غذاها نمير الماء غير المحلل # 10 # تصد وتبدي عن أسيل وتتقي # بناظرة من وحش وجرة مطفل # 11 # وجيد كجيد الريم ليس بفاحش # إذا هي نصته ولا بمعطل # 12 # وفرع يزين المتن أسود فاحم # أثيث كقنو النخلة المتعثكل # 13 # غدائره مستشزرات إلى العلى # تضل المدارى في مثنى ومرسل # 14 # وكشح لطيف كالجديل مخصر # وساق كأنبوب السقي المذلل # 15 # وتضحي فتيت المسك فوق فراشها # نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل # 16 # وتعطو برخص غير شثن كأنه # أساريع ظبي أو مساويك إسحل # 17 # تضيء الظلام بالعشاء كأنها # منارة ممسى راهب متبتل # إلى مثلها يرنو الحليم صبابة # إذا ما اسبكرت بين درع ومجول # 18 # تسلت عمايات الرجال عن الصبا # وليس فؤادي عن هواها بمنسل # 19 # ألا رب خصم فيك ألوى رددته # نصيح على تعذاله غير مؤتل # 20 # فعلى هذا المنهج جرى ابن أبي ربيعة في محاكاة امرئ القيس، ولكن أستاذنا الدكتور طه حسين ~~يعكس القضية؛ فيقرر أن امرأ القيس هو الذي حاكى ابن أبي ربيعة، إذ يفترض أن شعر امرئ القيس ~~منحول، وضعه شاعر إسلامي تأثر بعمر بن أبي ربيعة فحاكاه، وأجاد المحاكاة والتقليد، وعنده ~~أن هذا النحو من القصص الغرامي في الشعر هو فن عمر بن أبي ربيعة قد احتكره احتكارا، ولم ~~ينازعه فيه أحد، وأن من الغريب أن يسبق امرؤ القيس إلى هذا الفن، ويتخذ فيه هذا الأسلوب، ms122 ~~ويعرف عنه هذا النحو، ثم يأتي ابن أبي ربيعة فيقلده فيه ولا يشير أحد من النقاد إلى أن ابن ~~أبي ربيعة قد تأثر بامرئ القيس، مع أنهم قد أشاروا إلى تأثير امرئ القيس في طائفة من ~~الشعراء في أنحاء الوصف، وأنه يبعد أن يكون امرؤ القيس هو منشئ هذا الفن من الغزل الذي عاش ~~عليه ابن أبي ربيعة، والذي كون شخصية ابن أبي ربيعة الشعرية ولا يعرف له ذلك. # 21 # وقد يلاحظ أن ابن أبي ربيعة أذاع في شعراء عصره فكرة تقارض المودة بين المحبين، وأظهر ~~ما يكون ذلك في شعر العرجي، # 22 # إذ يقول: # وما أنس ملأشياء لا أنس موقفا # لنا ولها بالسفح دون ثبير # 23 # ولا قولها وهنا وقد بل جيبها # سوابق دمع لا يجف غزير # 24 # أأنت الذي خبرت أنك باكر # غداة غد أو رائح بهجير؟ # 25 # فقلت: يسير بعض شهر أغيبه # وما بعض يوم غبته بيسير # أحين عصيت العاذلين إليكم # ونازعت حبلي في هواك أميري # وباعدني فيك الأقارب كلهم # وباح بما يخفي اللسان ضميري # وقلت لها قول امرئ شفه الهوى # إليها ولو طال الزمان فقير: # فما أنا إن شطت بك الدار أو نأت # بي الدار عنكم فاعلمي بصبور # ولنرجع فنذكر أننا بحثنا طويلا عن شاعر سلك مسلك عمر بن أبي ربيعة في مخاطبة النساء، ~~فلم نجد من يقاربه غير بشار بن برد، الذي شهد آخر أيام بني أمية وصدر دولة بني العباس، ففي ~~شعر بشار قرب من منهج ابن أبي ربيعة في محاورة الغواني والتودد إلى الملاح، وفيه كذلك ~~تأنق في وصف الجوانب الحسية من المرأة المجدولة الخلق، المشرقة الجبين، وهو الذي ~~يقول: # وبيضاء يضحك ماء الشبا # ب في وجهها لك إذ تبتسم # رواء العذارى إذا زرنها # أطفن بحوراء مثل الصنم # يرحن فيمسحن أركانها # كما يمسح الحجر المستلم # وفي هذا الشعر على يسره وسهولته نفحة من عبادة الجمال، وهو يذكرنا بقوله من كلمة ~~ثانية: # تلقى بتسبيحة من حسن ما خلقت # وتستفز حشا الرائي بإرعاد # كأنما صورت ms123 من ماء لؤلؤة # فكل جارحة وجه بمرصاد # وقوله من كلمة أخرى يتحدث فيها عن ليلة وصل: # ومرتجة الأرداف مهضومة الحشا # تمور بسحر عينها وتدور # إذا نظرت صبت عليك صبابة # وكادت قلوب العالمين تطير # خلوت بها لا يخلص الماء بيننا # إلى الصبح دوني حاجب وستور # وذكر صاحب «زهر الآداب» أن بشارا لما قال: # لا يؤيسنك من مخبأة # قول تغلظه وإن جرحا # عسر النساء إلى مياسرة # والصعب يمكن بعدما جمحا # بلغ ذلك المهدي فغاظه، وقال: يحرض النساء على الفجور، ويسهل السبيل إليه! فقال له ~~خاله يزيد بن منصور الحميري: يا أمير المؤمنين، قد فتن النساء بشعره، وأي امرأة لا تصبو إلى ~~مثل قوله: # عجبت فطمة من نعتي لها # هل يجيد النعت مكفوف البصر؟! # بنت عشر وثلاث قسمت # بين غصن وكثيب وقمر # درة بحرية مكنونة # مازها التاجر من بين الدرر # أذرت الدمع وقالت: ويلتي # من ولوع الكف ركاب الخطر # أمتا بدد هذا لعبي # ووشاحي حله حتى انتثر # فدعيني معه يا أمتا # علنا في خلوة نقضي الوطر # أقبلت في خلوة تضربها # واعتراها كجنون مستعر # بأبي والله ما أحسنه # دمع عين غسل الكحل قطر # أيها النوام هبوا ويحكم # وسلوني اليوم: ما طعم السهر؟ # فأمره المهدي ألا يتغزل، فقال أشعارا في ذلك، منها هذه التائية: # يا منظرا حسنا رأيته # من وجه جارية فديته # لمعت إلي تسومني # ثوب الشباب وقد طويته # 26 # والله رب محمد # ما إن غدرت ولا نويته # أمسكت عنك وربما # عرض البلاء وما ابتغيته # إن الخليفة قد أبى # وإذا أبى شيئا أبيته # ويشوقني بيت الحبي # ب إذا غدوت وأين بيته؟! # قام الخليفة دونه # فصبرت عنه وما قليته # ونهاني الملك الهما # م عن النساء فما عصيته # لا بل وفيت ولم أضع # عهدا ولا رأيا رأيته # وفي الحق أننا نجد في القصيدة الأولى شبها قويا بشعر عمر بن أبي ربيعة، وإنه ليحاكيه ~~حتى في التغزل بنفسه والتحدث عن أسره لقلوب النساء، ولو بقي شعر بشار لاستطعنا التثبت ~~مما نراه من التشابه بين شعر هذين الشاعرين، ولكن ms124 شعر بشار ضاع فلم يبق إلا الاعتماد على ~~تلك الشواهد الضئيلة في تأييد ما ذهبنا إليه، وإن كنا على يقين من أن لهذا الرأي حظا من ~~الصحة غير قليل. # والخلاصة أننا لا نجد شاعرا بعد عمر بن أبي ربيعة وقف حياته وشعره على التشبيب بالنساء، ~~وإن كنا لا ننكر أن كثيرا من الشعراء نحوا منحاه في القصص الغرامي، وإن لم يعرفوا بذلك، ~~فإنا لا نشك في أن الأبيوردي حاكاه حين قال: # تنور سناها من بعيد ولا ترع # فليس على من آنس النار من باس # ومن موقديها غادة دونها الظبى # تلوح بأيدي غلمة غير أنكاس # 27 # وكل رديني كأن سنانه # يعط رداء الليل عنهم بنبراس # 28 # مهفهفة غرثي الوشاحين دونها # تحرش عذال ورقبة حراس # يضيء لها وجه يرق أديمه # فما ضرها لو رق لي قلبها القاسي # سموت لها والليل حارت نجومه # على أفق عار بظل الدجى كاسي # فهبت كما ارتاع الغزال وأوجست # من ابن أبيها خيفة أي إيجاس # تشير إلى مهري حذار صهيله # وتستكتم الأرض الخطى خشية الناس # فقلت لها: لا تفرقي وتشبثي # بنهاس أقران ومناع أخياس # 29 # ترد يديه عن وشاحك عفة # وعرض صقيل لا يزن بأدناس # 30 # وطوقتها يمنى يدي وصارمي # بيسراي فارتاحت قليلا لإيناسى # وذقت عفا عنا الإله وعنكم # جنى ريقة تلهي أخاكم عن الكاس # 31 # فلما استطال الفجر مال بعطفها # وداعى كما هز الصبا قضب الآس # ويمكن الحكم بأن أبا نواس جارى ابن أبي ربيعة في النسيب، لولا أنه غير مجرى الحديث، ~~فنقله من النساء إلى الغلمان، وجارى أبا نواس فريق من شعراء الأندلس، أشهرهم ابن خفاجة الذي ~~يقول في وصف ليلة قضاها بين ضلال الهوى وجنون الصهباء: # وليل تعاطينا المدام وبيننا # حديث كما هب النسيم على الورد # نعاوده والكأس يعبق نفحه # وأطيب منه ما نعيد وما نبدي # ونقلي أقاح الثغر أو سوسن الطلى # ونرجسة الأجفان أو وردة الخد # 32 # إلى أن سرت في جسمه الكأس والكرى # ومالا بعطفيه فمال على عضدي # فأقبلت أستهدي لما بين أضلعي ms125 # من الحر ما بين الضلوع من البرد # وعاينته قد سل من وشي برده # فعاينت منه السيف سل من الغمد # ليان مجس واستقامة قامة # وهزة أعطاف ورونق إفرند # أغازل منه الغصن في مغرس النقا # وألثم وجه الشمس في مطلع السعد # فإن لم يكنها أو تكنه، فإنه # أخوها كما قد الشراك من الجلد # تسافر كلتا راحتي بجسمه # فطورا إلى خصر وطورا إلى نهد # فتهبط من كشحيه كفي تهامة # وتصعد من نهديه أخرى إلى نجد ~~(1) مصعب بن عبد الله الزبيري # وعدنا في مقدمة هذه الطبعة بكتابة فصل عن مصعب بن عبد الله الزبيري، الذي قدم شعر ابن ~~أبي ربيعة إلى القدماء، وقد رأى القارئ أننا نقدناه في المحاضرة الثانية نقدا رآه ~~أستاذنا الدكتور طه حسين إلى الظلم أقرب منه إلى الإنصاف، فلنف بما وعدنا به، ولنحدد ~~بعد ذلك رأينا في ذلك البحث الطويل الذي كتبه مصعب عن عمر، ورآه أستاذنا الدكتور طه من ~~ذخائر الأدب القديم. # 33 # مصعب الزبيري هو ابن عبد الله بن مصعب أحد الشعراء المجيدين والخطباء المفوهين، ~~الذين نادموا أوائل الخلفاء من بني العباس، وتولوا لهم أعمالا، وكان خرج مع محمد بن ~~عبد الله بن الحسن بالمدينة على أبي جعفر المنصور فيمن خرج من آل الزبير، فلما قتل محمد ~~استتر إلى أن حج أبو جعفر المنصور، وأمن الناس جميعا فظهر، وكان يلقب «عائد الكلب» ~~لقوله: # ما لي مرضت فلم يعدني عائد # منكم ويمرض كلبكم فأعود # وأشد من مرضي علي صدودكم # وصدود عبدكم علي شديد # وذكر الربيع بن يونس أنه دخل على المهدي، وإذا هو يكتب على الأرض بفحمة قول عبد الله ~~بن مصعب: # فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها # مقالة واش أو وعيد أمير # فلن يحجبوا عيني من دائم البكا # ولن يخرجوا ما قد أجن ضميري # وما برح الواشون حتى بدت لنا # بطون الهوى مقلوبة لظهور # إلى الله أشكو ما ألاقي من الجوى # ومن نفس يعتادني وزفير # ويقول: أحسن والله عبد الله بن مصعب ما شاء. # 34 # ونعود إلى مصعب ms126 بن عبد الله، فنذكر أننا لم نصل إلى الوقوف على تفاصيل حياته ~~الأدبية، وإنما عرفنا مما ينقل عنه صاحب «الأغاني» أنه كان من كبار الكتاب في القرن ~~الثالث، وإليه يرجع الفضل في تدوين أكثر أخبار المغنين والشعراء، وعبارته نقية واضحة ~~سليمة لا يشوبها تكلف ولا غموض، وله شعر جيد لم يبق منه إلا القليل، وفيه على نزارته ~~دليل على أنه كان من المبدعين. # ويظهر مما قرأناه من أخباره المتفرقة أنه كان يعيش في جماعة لها حظ من المال والجاه ~~والجمال، فكانت حياته لذلك فيها نفحة وجدانية لا يظفر بها إلا من استظل بأعطاف الحسن ~~الجامح والدل الغضوب، كان متصلا بأحمد بن هشام أخي علي بن هشام الذي كتب إليه ~~إسحق الموصلي: جعلت فداك، بعث إلي أبو نصر مولاك بكتاب منك إلي يرتفع عن قدري، ~~ويقصر عنه شكري، فلولا ما أعرف من معانيه، لظننت أن الرسول غلط بي فيه، فما لنا ولك يا ~~أبا عبد الله تدعنا حتى إذا نسينا الدنيا وأبغضناها ورجونا السلامة من شرها، أفسدت ~~قلوبنا، وعلقت أنفسنا، فلا أنت تريدنا، ولا أنت تتركنا، فبأي شيء تستحل هذا؟ أما ما ~~ذكرته من شوقك إلي، فلولا أنك حلفت عليه لقلت: # يا من شكا عبثا إلينا شوقه # شكوى المحب وليس بالمشتاق # لو كنت مشتاقا إلي تريدني # ما طبت نفسا ساعة بفراقي # وحفظتني حفظ الخليل خليله # ووفيت لي بالعهد والميثاق # هيهات قد حدثت أمور بعدنا # وشغلت باللذات عن إسحق # قد تركت - جعلت فداك - ما كرهت من العتاب في الشعر وغيره، وقلت أبياتا لا أزال ~~أخرج بها إلى ظهر المربد، # 35 # وأستقبل الشمال، وأتنسم أرواحكم فيها، ثم يكون ما الله أعلم به، وإن كنت ~~تكرهها تركتها إن شاء الله. # ألا قد أرى أن الثواء قليل # وأن ليس يبقى للخليل خليل # وإني وإن مليت في العيش حقبة # كذي سفر قد حان منه رحيل # فهل لي إلى أن تنظر العين مرة # إلى ابن هشام في الحياة سبيل # فقد خفت أن ألقى المنايا بحسرة # وفي النفس ms127 منه حاجة وغليل # وقد تورط مصعب في صحبة هذه الجماعة ولحقه من تقلبها بعض الشر والسوء، حين وقعت ~~الجفوة بين أحمد بن هشام وإسحق بن إبراهيم، فقد لقي أحمد مصعبا فقال له: أما تستحي ~~أنت وصباح بن خاقان المنقري، وأنتما شيخان من مشايخ المروءة والعلم والأدب أن يشيد ~~بذكركما إسحق في شعره فيقول: # قد نهانا مصعب وصباح # فعصينا مصعبا وصباحا # عذلا ما عذلا ثم ملا # فاسترحنا منهما واستراحا # فقال له مصعب: إن كان قد فعل فما قال إلا خيرا، إنما ذكر أننا نهيناه عن خمر شربها، ~~أو امرأة عشقها، وقد أشاد باسمك في الشعر بأشد من هذا، قال: بماذا؟ قال بقوله: # وصافية تعشي العيون رقيقة # رهينة عام في الدنان وعام # أدرنا بها الكأس الروية موهنا # من الليل حتى انجاب كل ظلام # فما ذر قرن الشمس حتى كأننا # من العي نحكي أحمد بن هشام # وكان صباح بن خاقان نديما لمصعب بن عبد الله، فقال عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن، ~~وكان خليعا من أهل البصرة: # من يكن إبطه كآباط ذا الخل # ق فإبطاي في عداد الفقاح # 36 # لي إبطان يرميان جليسي # بشبيه السلاح بل بالسلاح # فكأني من نتن هذا وهذا # جالس بين مصعب وصباح # وقد ظل مصعب وفيا لإسحق الموصلي إلى أن مات، فرثاه بقصيدة بليغة نقتطف منها الكلمة ~~الآتية: # أتدري لمن تبكي العيون الذوارف # وينهل منها واكف ثم واكف # نعم لامرئ لم يبق في الناس مثله # مفيد لعلم أو صديق ملاطف # تجهز إسحق إلى الله غاديا # فلله ما ضمت عليه اللفائف # وما حمل النعش المزجى عشية # إلى القبر إلا دامع العين لاهف # صدورهم مرضى عليه عميدة # لها أزمة من ذكره وزفازف # 37 ~~••• # ذهبت وخليت الصديق بعولة # به أسف من حزنه مترادف # إذا خطرات الذكر عاودن قلبه # تتابع منهن الشئون النوازف # حبيب إلى الإخوان يرزون ماله # وآت لما يأتي امرؤ الصدق عارف # هو المن والسلوى لمن يستفيده # وسم على من يشرب السم زاعف # بكت داره من بعده وتنكرت # معالم من آفاقها ms128 ومعارف # هي الدار إلا أنها قد تخشعت # وأظلم منها جانب فهو كاسف # وقد كان فيها للصديق معرس # وملتمس إن طاف بالدار طائف ~~••• # سريع إلى إخوانه برضائه # وعن كل ما ساء الأخلاء صارف # أرى الناس كالنسناس لم يبق منهم # خلافك إلا حشوة وزعانف # آراء مصعب في النقد # كان مصعب من الكتاب والنقاد الممتازين، ولكن نقده لم يصل إلينا بطريقة تفصل ما ~~كان له من قواعد وأصول، فلم يبق إلا الاستئناس بما تفرق من آرائه؛ لنرى كيف كان ~~يفهم الشعر، وكيف كان يحكم على الشعراء. # رأيناه يقضي في شعر العباس بن الأحنف وعمرو العراف، فيقرر أنهما «ما ابتذلا ~~شعرهما رغبة أو رهبة، ولكن فيما أحباه، فلزما فنا واحدا لو لزمه غيرهما ممكن ~~يكثر إكثارهما لضعف فيه.» # وهذا نظر بعيد من مصعب، فإن الشاعر الذي يكثر في فن واحد، ويجيد مع الإكثار أولى ~~بالتقدمة ممن يجيد في طائفة من الفنون، وفي كلامه تقدير لصدق العاطفة التي تعد ~~أساسا لجودة الشعر البليغ. # وقيل له: إن الناس يستبردون شعر العباس بن الأحنف، فقال: لقد ظلموه! أليس هو الذي ~~يقول: # قالت ظلوم سمية الظلم: # ما لي رأيتك ناحل الجسم؟ # يا من رمى قلبي فأقصده # أنت العليم بموقع السهم # وهو في هذا يذكرنا بكثير من القدماء الذين كانوا يحكمون للشعراء، أو عليهم بشواهد ~~من شعرهم من غير أن يبينوا مواطن الضعف ومواقع القوة، وكذلك كان يرى أبا العتاهية ~~أشعر الناس إذ قال: # تعلقت بآمال # طوال أي آمال # وأقبلت على الدنيا # ملحا أي إقبال # أيا هذا تجهز ل # فراق الأهل والمال # فلا بد من الموت # على حال من الحال # ولعل أظهر آثار مصعب في النقد هو كلمته المطولة في خصائص شعر عمر بن أبي ربيعة، ~~وقد تكلمنا عنها في المحاضرة الثانية، وأشار أستاذنا الدكتور طه في «حديث الأربعاء» ~~إلى أننا أسرفنا في نقده، وأن مصدر هذا الإسراف أننا لم نقدر كما ينبغي اختلاف ~~المثل الأدبية باختلاف العصور والأجيال. # وهذا حق، إذ كان النقد يتأثر باختلاف الأذواق، وأنه لا ms129 يجب أن يرضينا ما كان يرضي ~~أسلافنا من قبل، ولكن أليس في كلام مصعب بعد نقدنا له شيء يستحق التقدير؟ # لقد بحثت في ذلك طويلا، فرأيت في كلمة مصعب ناحية لها حظ عظيم من الأهمية، وذلك ~~أنه أراد التنويه بما أبدع ابن أبي ربيعة من التعابير، وأحدث من الصور؛ من ذلك ~~تحيير ماء الشباب في قوله: # وهي مكنونة تحير منها # في أديم الخدين ماء الشباب # وغم الطير في قوله: # سراعا نغم الطير إن سنحت لنا # وإن تلقنا الركبان لا نتخبر # ومحالفته بسمعه وطرفه في قوله: # سمعي وطرفي حليفاها على جسدي # فكيف أصبر عن سمعي وعن بصري؟! # وإغلاقه رهن منى وإهداره قتلاه في قوله: # فكم من قتيل ما يباء به دم # ومن غلق رهنا إذا لفه منى # 38 # وجنيه الحديث في قوله: # فاجتنينا من الحديث ثمارا # ما جنى مثلها لعمرك جاني # وقياسه الهوى في قوله: # وقربن أسباب الهوى لمتيم # يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا # وتشكيه الذي أشجى فيه إذ يقول: # لعمرك ما جاورت غمدان طائعا # وقصر شعوب أن أكون به صبا # 39 # ولكن حمى أضرعتني ثلاثة # مجرمة ثم استمرت بنا غبا # 40 # وحتى لو أن الخلد يعرض إن مشت # إلى الباب رجلي ما نقلت لها إربا # 41 # فإنك لو أبصرت يوم سويقة # مناخي وحبسي العيس دامية حدبا # 42 # ومصرع إخوان كأن أنينهم # أنين مكاكي فارقت بلدا خصبا # 43 # إذن لاقشعر الجلد منك صبابة # ولاستفرغت عيناك من عبرة سكبا # وكلمة مصعب مثبتة في الجزء الأول من «الأغاني»، فليرجع إليها القارئ فقد يرى غير ~~ما نراه. ~~(2) الجوانب الجدية في حياة عمر بن أبي ربيعة # لقد أسلفنا القول في حب ابن أبي ربيعة وشعره، وقدمناه للقارئ في صورته التي ألفها ~~الناس في حياته، وتمثلوها بعد مماته، فلم يبق إلا أن نقف قليلا عند الجوانب الجدية من ~~حياة ذلك الشاعر الغزل الذي لم يره الناس إلا تبع نساء. # ولنعد مرة ثانية ما أشرنا إليه من قبل؛ فقد قلنا: إن كثيرا من حوادثه الغرامية من ~~صنع ms130 الخيال، وقد قبلناه على علاته، واكتفينا بتلك الإشارة عند التمهيد لأخبار الملاح، ~~إذ كانت حوادث ابن أبي ربيعة التي أضيفت إليه تدلنا على شيئين: فهي أولا علامة على أن ~~المتقدمين أنسوا بروحه، وأسلموا قلوبهم لوحيه، فأبدعوا في ظلال ذكراه ما شاء الخيال ~~من أحاديث الحب الظافر، والهوى الغلاب. وهي ثانيا دليل على أنه كان للمتقدمين ميل ~~إلى القصص الغرامي وحظ من الإجادة فيه، فكان من الخير أن نستغل تلك الباكورة ~~القصصية، ونحن نتحدث عمن هوى هذا الشاعر من حسان النساء. # ومن العجيب أنه لم يلتفت أحد من القدماء ولا المحدثين إلى حياة هذا الشاعر الجدية، ~~ولم يخطر ببال باحث منهم أن الدنيا في أحداثها وتصاريفها وأعاجيبها قد تكون ألأم من أن ~~تسمح لشاعر بأن يظل عمره يمرح ويلعب في ميادين الحب، وملاعب الجمال. # لقد عاش ابن أبي ربيعة سبعين سنة، وقد حدثونا أنه ودع لهوه وهواه بعد الأربعين، فيا ~~ليت شعري كيف قضى الثلاثين الباقية، على فرض أنه أمضى أربعينه الأولى ناعم القلب، وادع ~~الروح؟ ثلاثون سنة بلا لهو ولا عبث، ولا تذكر ولا التياع! # هذا والله كثير على شاعر روى شبابه بصهباء الرضاب، وقضى فوق ترائب الملاح ~~ليالي وأياما كانت كل لحظة فيها خيرا من ألف سنة مما تعدون! # أصحيح أن ابن أبي ربيعة لم يقل كلمة واحدة في بكاء شبابه، والتوجع من مشيبه، وأنه ~~ودع الشعر وداعا أبديا بعد الأربعين؟ أم كانت له مواقف شعرية لها لون غير اللون ~~المشرق، وأن الرواة نسوها أو تناسوها؛ لأن هواهم كان يقضي ببقاء تلك الشخصية الجذابة في ~~مرحها ولهوها؛ لتظل متعة بين نكت السمر، وأطايب الحديث؟ # نحن إذن لا نعرف شيئا عن الفصل الأخير من تلك الرواية؛ لأنهم أسدلوا الستار بعد ~~انقضاء الفصل الثاني حين حلف الشاعر لا يقول بيتا إلا أعتق رقبة، فلنبحث أكان الفصل ~~الأول الذي مثل لنا الشاعر وهو يعبث في مناسك الحج صحيحا في جملته، أم كان فصلا غير ~~محكم الوضع، ولا متقن التصوير، أراد واضعه أن ms131 يبرز ما فيه من الجوانب الغرامية، وأن ~~يغفل الجوانب الجدية، لحاجة في نفس يعقوب؟! ~~••• # أكتب هذا وأنا أذكر كلمة الثريا، وقد توسل إليها رسول عمر أن تعطف عليه، فقد قالت: ~~ابن أبي ربيعة فارغ ونحن في شغل. # وهي كلمة نقرؤها باسمين؛ لأنها كلمة نسائية مألوفة من ربات الحجال، فإنه إذا فرغ عمر ~~وشغلت الثريا فقد حق لنا أن نرتاب فيما نسب إليه من الفراغ! # ومن العجيب أن هذا الشاعر الذي اتفق القدماء والمحدثون على فراغه وبطالته هو صاحب هذا ~~البيت: # كتب القتل والقتال علينا # وعلى الغانيات جز الذيول # وهو بيت عميق الأثر في النفوس العربية، وطالما كان لهبا تقبس منه عزائم ~~الثائرين. وهو كذلك صاحب هذين البيتين: # ليت هندا أنجزتنا ما تعد # وشفت أنفسنا مما تجد # واستبدت مرة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد # والقارئ يعلم أن خصوم البرامكة دسوا إلى الرشيد من غناه بهذا الشعر فثار ~~بالبرامكة، ومزقهم كل ممزق، بفضل روح عمر بن أبي ربيعة الذي ظنوا شعره بردا ~~وسلاما، وفيه لو يعلمون أنفاس السعير! # ولقد حدثونا أن أخاه الحارث كان ينهاه عن قول الشعر فيأبى أن يقبل منه، وأنه أعطاه ~~ألف دينار على ألا يقول شعرا، فأخذ المال وخرج إلى أخواله بلحج وأبين # 44 # مخافة أن يهيجه مقامه بمكة على قول الشعر، فطرب يوما فقال: # هيهات من أمة الوهاب منزلنا # إذا حللنا بسيف البحر من عدن # 45 # واحتل أهلك أجيادا فليس لنا # إلا التذكر أو حظ من الحزن # 46 # لو أنها أبصرت بالجزع عبرته # من أن يغرد قمري على فنن # 47 # إذن رأت غير ما ظنت بصاحبها # وأيقنت أن لحجا ليس من وطني # ما أنس لا أنس يوم الخيف موقفها # وموقفي وكلانا ثم ذو شجن # وقولها للثريا وهي باكية # والدمع منها على الخدين ذو سنن # 48 # بالله قولي له في غير معتبة # ماذا أردت بطول المكث في يمن # إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بها # فما أخذت بترك الحج من ثمن # وأن القصيدة سارت حتى سمعها أخوه ms132 الحارث، فقال: هذا والله شعر عمر، قد فتك ~~وغدر! # وأنا لا أصدق أن ابن أبي ربيعة ذهب إلى أخواله باليمن ليفر من نساء الحجاز، ولا أقبل ~~أن يكون ابن أبي ربيعة قبل الرشوة من أخيه؛ ليتوب يوما أو يومين قبل أن يموت! # فلا بد إذن أن يكون قد ذهب إلى اليمن في شأن من الشئون الجدية، ولكن ما هو هذا الشأن؟ ~~نحن لا نعرفه لأن الرواة لم يحدثونا عنه، إذ كان من هواهم أن يخترعوا لهذه القصيدة ~~سببا طريفا يضاف إلى ما له من شهي الأقاصيص. # وقد حدثنا صاحب «الأغاني» أن مسعدة بن عمرو أخرج عمر بن أبي ربيعة إلى اليمن في أمر ~~عرض له، وتزوجت الثريا وهو غائب، فليتنا نعلم أي غرض هذا الذي أخرج من أجله عمر بن أبي ~~ربيعة إلى اليمن؟ # فقد يكون أنشأ هذه النونية في هذه السفرة، إن لم يكن ذهب إلى اليمن مرتين لغرضين ~~مختلفين. # على أن صاحب «الأغاني» ذكر في أخبار جميلة أنها لما قضت حجها سألها المكيون أن تجعل ~~لهم مجلسا، فقالت: للغناء أم للحديث؟ قالوا: لهما جميعا، فقالت: ما كنت لأخلط جدا ~~بهزل، وأبت أن تجلس للغناء، فقال عمر بن أبي ربيعة: أقسمت على من كان في قلبه حب ~~لاستماع غنائها إلا خرج معها إلى المدينة، فإني خارج، فعزم جماعة من الأشراف والشعراء ~~على الخروج، فلما قدمت المدينة تلقاها أهلها وأشرافها من الرجال والنساء، فلما دخلت ~~منزلها وتفرق الجمع إلى منازلهم، ونزل أهل مكة على أقاربهم وإخوانهم أتاها الناس ~~مسلمين، فلما مضى لمقدمها عشرة أيام جلست للغناء، وقالت لعمر بن أبي ربيعة: إني جالسة ~~لك ولأصحابك، وإذا شئت قعد الناس لذلك اليوم، فغصت الدار بالأشراف من الرجال ~~والنساء، فابتدأت جميلة فغنت: # هيهات من أمة الوهاب منزلنا # إذا حللنا بسيف البحر من عدن # فضج القوم من حسن ما سمعوا، ودمعت عينا عمر حتى جرى الدمع على ثيابه ولحيته، وما رأوه ~~كذلك من قبل. # وهذه القصة تدلنا على أن ابن أبي ربيعة كان ms133 لا يزال يلهو، ويتبع النساء بعد قصيدته ~~التي قالها في اليمن شوقا إلى الحجاز، فلم يكن إذن بالرجل الذي يقبل الرشوة من أخيه ~~ليودع قرة عينه في الحياة! ~~••• # وهناك فرض آخر لتوبة ابن أبي ربيعة، فقد ذكروا أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة ~~لم تكن له همة إلا عمر بن أبي ربيعة والأحوص، فكتب إلى عامله على المدينة: # قد عرفت عمر والأحوص بالخبث والشر، فإذا أتاك كتابي هذا فاشددهما واحملهما ~~إلي. # فلما أتاه الكتاب حملهما إليه فأقبل على عمر فقال له: هيه! # فلم أر كالتجمير منظر ناظر # ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى # وكم مالئ عينيه من شيء غيره # إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى # فإذا لم يفلت الناس منك في هذه الأيام فمتى يفلتون؟ أما والله لو اهتممت بأمر حجك لم ~~تنظر إلى شيء غيرك، ثم أمر بنفيه، فقال: يا أمير المؤمنين، أو خير من ذلك، قال: وما هو؟ ~~قال: أعاهد الله أن لا أعود إلى مثل هذا الشعر، ولا أذكر النساء في شعر أبدا، وأجدد ~~توبة على يديك، قال: أوتفعل؟ قال: نعم، فعاهد الله على التوبة وخلاه. # ولم تقف قصة هذا الشعر عند عمر بن عبد العزيز، فقد ذكروا أيضا أن سليمان بن عبد ~~الملك حج وهو خليفة، فأرسل إلى عمر بن أبي ربيعة فقال له: ألست القائل: # وكم من قتيل ما يباء به دم # ومن غلق رهنا إذا لفه منى # قال: نعم، فقال: لا جرم، والله لا تحضر الحج مع الناس هذا العام، وأخرجه إلى ~~الطائف. # أفكان هذا الشعر بعينه شؤما على صاحبه إلى هذا الحد؛ فيمنع من الحج مرة، وينفى ~~مرة؟! # أما أنا فأستبعد ذلك، وأرجح أن أنصار بني أمية أرادوا أن يبالغوا في وصف خلفائهم ~~بالحزم والغيرة على الحرمات، فصوروا ابن أبي ربيعة طريدا لعبد الملك بن مروان # 49 # وسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز. # وهذا ليس بغريب في بابه؛ فقد اخترع أشياع عمر بن الخطاب حكاية جازت على الناس إلى ms134 ~~اليوم، حتى أدخلها شاعرنا حافظ بك إبراهيم في قصيدته العمرية، وهي حكاية نصر بن حجاج، ~~إذ زعموا أن عمر سمع امرأة تتغنى في هدأة الليل: # هل من سبيل إلى خمر فأشربها # أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج # فغضب وطلب نصر بن حجاج، فإذا هو فتى وسيم الوجه، أجمل ما فيه شعره، فأمر أن يحلق ~~لتتقى فتنته، ولكنه نظر فإذا هو أفتن الناس وهو حليق، فأمر بنفيه من المدينة! # وأنا لا أشك في أن هذا من حديث خرافة، فما كنت لأصدق أن عمر بن الخطاب يفرغ لهذه ~~السفاسف، أو ينفي فتى لا ذنب له إلا أنه جميل، وهو يعلم أنه ينقل فتنته إلى غير ~~المدينة من أمصار المسلمين. ~~••• # وقد استقصيت أخبار عمر بن أبي ربيعة لأحدد ما كان في حياته من الجوانب الجدية، فرأيت ~~مثلا أنه كان يشتغل بالدفاع عن قومه بني مخزوم، وأنه كان يقارع خصومهم، وله في ذلك ~~حديثه المشهور يوم نازع اللهبي في المسجد الجامع، # 50 # ورأيت أيضا أنه كان حريصا مسرفا في الحرص على الاستبداد بالحياة ~~الأدبية؛ فكان يعارض جميلا وجريرا والفرزدق والأحوص ومالك بن أسماء، وهذا نوع من الجد ~~لو دونت أخباره لكان أمتع وأنفع من أخباره في أيام الطواف، ورأيت كذلك أنه تزوج غير ~~مرة، وكان له بنون وبنات، وهذه شئون جدها جد، وهزلها جد، لو عني بها الرواة ~~لأرونا كيف كان يقابل هذا الشاعر مصاعب الحياة. # وقد مرت بالقارئ إشارات إلى مواقفه مع جميل والفرزدق ونصيب وكثير، وله معهم حديث ~~آخر سيجيء في باب الملح والفكاهات، فلنذكر هنا حديثه مع مالك بن أسماء، فقد كان ~~مفتونا بشعره، وكان يتشوق إليه منذ سمع قوله: # إن لي عند كل نفحة بستا # ن من الورد أو من الياسمينا # نظرة والتفاتة أتمنى # أن تكوني حللت فيما يلينا # فلما تلاقيا وتعارفا وتناشدا قال له عمر: ما أحسن شعرك لولا أسماء القرى التي تذكرها ~~فيه، قال: مثل ماذا؟ قال: مثل قولك: # إن في الرفقة التي شيعتنا # بجوير يسما لزين ms135 الرفاق # ومثل قولك: # حبذا ليلتي بتل بونا # حيث نسقى شرابنا ونغنى # فقال له مالك: هي قرى البلد الذي أنا فيه، وهو مثل ما تذكره في شعرك من أرض بلادك: ~~قال: مثل ماذا؟ قال: مثل قولك: # حي المنازل قد دثرن خرابا # بين الجوين وبين ركن كسابا # ومثل قولك: # ما على الرسم بالبليين لو بي # ين رجع السلام أو لو أجابا # وفي هذا الحديث نحو من الجد في نقد الشعر، ونظن أنه كانت له اتجاهات أدبية في النقد ~~لم يدونها الرواة، إذ صرفوا همهم إلى حياته الغرامية. # قلت: إنه تزوج غير مرة، وكان له بنون وبنات، فلأذكر أني لم أستطع التثبت من عدد ~~زوجاته ولا أبنائه؛ لأن الرواة أغفلوا الإفاضة في هذا الجانب من حياته الجدية، فلم ~~يبينوا كيف كان يعامل زوجاته، ولا كيف كان يربي أولاده، ولا كيف كان يتصرف في تثمير ~~أمواله، وتقويم عبيده وإمائه، ولم يعينوا «الحوائج» التي ذكروا في غير موطن أنه كان ~~يعتمد في قضائها على الخلفاء. # ومع أن الرواة حدثونا أنه هجر الشعر بعد الأربعين، فقد حدثونا أيضا أنه نظر في ~~الطواف إلى امرأة شريفة، فرأى أحسن خلق الله صورة، فذهب عقله عليها وكلمها فلم تجبه، ~~فقال فيها شعرا جزعت منه فقيل لها: اذكريه لزوجك فإنه سينكر عليه قوله، فقالت: كلا ~~والله، لا أشكوه إلا إلى الله، ثم قالت: اللهم إن كان نوه باسمي ظالما فاجعله طعاما ~~للريح، فاستجيبت دعوتها إذ غدا يوما على فرس فهبت ريح فنزل فاستتر بسلمة، فعصفت الريح ~~فخدشه غصن منها فدمي وورم به ومات من ذلك، والاختلاق ظاهر في هذا الحديث. # ومن الرواة من حدث أنه مات في غزوة، والعجيب أن تدون حوادثه الغرامية بما رأى ~~القارئ من التفصيل، ولا يتفق الرواة في حديثهم عن وفاته. أفنراهم أنصفوا يوم رأوا الموت ~~غير خليق بعناية الأحياء؟! # | هوامش # | الملح والفكاهات # رأينا أن نختم هذا الكتاب بطائفة من الملح والفكاهات التي تتصل بعمر بن أبي ربيعة؛ ليرى ~~القارئ كيف كانت تجري النادرة على ألسنة ms136 الحجازيين في ذلك الزمان. # 1 # أنشد عمر بن أبي ربيعة ابن عتيق قوله: # لم تر العين للثريا شبيها # بمسيل التلاع يوم التقينا # 1 # فلما بلغ إلى قوله: # ثم قالت لأختها: قد ظلمنا # أن رددناه خائبا واعتدينا # قال: أحسنت والهدايا # 2 # وأجادت، ثم أنشد ابن أبي عتيق متمثلا: # أريني جوادا مات هزلا لعلني # أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا # فلما بلغ عمر إلى قوله: في خلاء من الأنيس وأمن، قال ابن عتيق: أمكنت للشارب ~~الغدر، # 3 # من عال بعدها فلا انجبر. # 4 # فلما بلغ إلى قوله: # فمكثنا كذاك عشرا تباعا # فقضينا ديوننا واقتضينا # قال: أما والله ما قضيتها ذهبا ولا فضة ولا اقتضيتها إياه، فلا عرفكما الله ~~قبيحا. # فلما بلغ إلى قوله: # كان ذا في مسيرنا إذ حججنا # علم الله فيه ما قد نوينا # قال: إن ظاهر أمرك ليدل على باطنه، فأورد التفسير، ولئن مت لأموتن معك، أف للدنيا ~~بعدك يا أبا الخطاب! فقال له عمر: بل عليها بعدك العفاء يا أبا محمد! # 2 # حدث محمد بن سلام قال: كانت سوداء بالمدينة مشغوفة بشعر عمر بن أبي ربيعة، وكانت ~~من مولدات مكة، فلما ورد على أهل المدينة نعي عمر بن أبي ربيعة أكبروا ذلك، واشتد ~~عليهم، وكانت السوداء أشدهم حزنا وتسلبا # 5 # وجعلت لا تمر بسكة من سكك المدينة إلا ندبته، فلقيها بعض فتيان مكة فقال ~~لها: خفضي عليك فقد نشأ ابن عم له يشبه شعره شعره، فقالت: أنشدني بعضه، فأنشدها ~~قوله: # إني وما نحروا غداة منى # عند الجمار تئودها العقل # 6 # لو بدلت أعلى منازلها # سفلا وأصبح سفلها يعلو # فيكاد يعرفها الخبير بها # فيرده الإقواء والمحل # 7 # لعرفت مغناها بما احتملت # مني الضلوع لأهلها قبل # فجعلت تمسح عينها من الدموع وتقول: الحمد لله الذي لم يضيع حرمه! # كذلك روى صاحب «الأغاني» # 8 # أما صاحب «زهر الآداب» فقد قال: # 9 # لما مات عمر بن أبي ربيعة نعي لامرأة من مولدات مكة وكانت بالشام، فبكت ~~وقالت: من لأباطح مكة # 10 # ومن يمدح ms137 نساءها، ويصف محاسنهن، ويبكي طاعتهن، فقيل لها: قد نشأ فتى من ولد ~~عثمان بن عفان على طريقته، فقالت: أنشدوني له، فأنشدوها: # لقد أرسلت ليلى رسولا بأن أقم # ولا تقربنا فالتجنب أمثل # لعل العيون الرامقات لودنا # تكذب عنا أو تنام فتغفل # أناس أمناهم فنثوا حديثنا # فلما كتمنا السر عنهم تقولوا # 11 # فما حفظوا العهد الذي كان بيننا # ولا حين هموا بالقطيعة أجملوا # فقلت وقد ضاقت بلادي برحبها # علي بما قد قيل فالعين تهمل # سأجتنب الدار التي أنتم بها # ولكن طرفي نحوها سوف يعمل # ألم تعلمي أني - وهل ذاك نافعي # لديك، وما أخفى من الود أفضل؟ # أرى مستقيم الطرف ما الطرف أمكم # وإن أم طرفي غيركم فهو أحول # فتسلت وقالت: هذا أجل عوض، وأفضل خلف، فالحمد لله الذي خلف على حرمه وأمته مثل ~~هذا. # وفي هذا الاختلاف بين رواية القصة كما ذكرها صاحب «الأغاني» وصاحب «زهر الآداب»، دليل ~~على أن فيها أثرا للوضع، أو التحريف، وهي تدلنا على أنه كان معروفا في ذلك العصر أن ~~في شعر الحارث بن خالد، وفي شعر العرجي، مشابهة بينة لشعر عمر بن أبي ربيعة، وقربا ~~لمنحاه في التشبيب بالنساء. # وقد ذكر موريس دونيه في حياة ألفريد دي ميسيه الغرامية أنه رؤيت سيدة تنتحب في ~~القطار، فسألها الناس عن سبب بكائها فقالت: يا ويحكم! ألم تعلموا أن ألفريد دي ميسيه قد ~~مات! # وكذلك تتشابه الحياة الوجدانية على اختلاف البقاع والأجيال. # 3 # قال عبد الملك بن مروان لعمر بن أبي ربيعة: أنت القائل: # أأترك ليلى ليس بيني وبينها # سوى ليلة؟ إني إذن لصبور # 12 # فقال: نعم! فقال: بئس المحب أنت، تركتها وبينها وبينك غدوة! فقال: يا أمير المؤمنين، ~~إنها من غدوات سليمان، غدوها شهر، ورواحها شهر! # 4 # قدم عمر بن أبي ربيعة المدينة من أجل امرأة من أهلها فأقام بها شهرا، فذلك ~~قوله: # يا خليلي قد مللت ثوائي # بالمصلى وقد شنئت البقيعا # 13 # بلغاني ديار هند وسلمى # وارجعا بي فقد هويت الرجوعا # ثم خرج إلى مكة وخرج معه ms138 الأحوص واعتمرا، ثم مرا بودان # 14 # في رواحهما فحبسهما نصيب وذبح لهما وأكرمهما، وكان لحقهما سائب راوية كثير، ~~ثم خرجوا وخرج معهم نصيب، فلما جاءوا كلية # 15 # عدلوا جميعا إلى منزل كثير فقيل لهم: هبط قديدا # 16 # وذكر لهم أنه في خيمة من خيامها، فقال ابن أبي ربيعة لسائب: اذهب فادعه لي، ~~فقال النصيب: هو أحمق وأشد كبرا من أن يأتيك، فقال عمر: اذهب كما أقول فادعه لي، ~~فجاءه فهش له، وقال: اذكر غائبا تره، لقد جئت وأنا أذكرك، فأبلغه رسالة عمر، فحدد ~~إليه نظره وقال: أما كان عندك من المعرفة ما يردعك عن إتياني بمثل هذه الرسالة؟ فقال: ~~بلى والله! ولكني سترت عليك فأبى الله إلا أن يهتك سترك، فقال له: إنك والله يا ابن ~~ذكوان ما أنت من شكلي، فقل لابن أبي ربيعة: إن كنت قرشيا فأنا قرشي، فقال له: لا تترك ~~هذا التلصق وأنت تفرق عنهم كما تفرق الصمغة؟! فقال كثير: والله لأنا أثبت فيهم منك في ~~سدوس، ثم قال: وقل له: إن كنت شاعرا فأنا أشعر منك! فقال له: هذا إذا كان الحكم إليك، ~~فقال: وإلى من هو؟ ومن أولى بالحكم مني اليوم؟ فرجع سائب إلى عمر فقال: ما وراءك؟ فقال: ~~ما قال لك نصيب، وأخبره الخبر فضحك وضحك صاحباه، ثم نهضوا معه إليه، فدخلوا عليه في ~~خيمة فوجدوه جالسا على جلد كبش، فلم يوسع لابن أبي ربيعة، فلما تحدثوا مليا وأفاضوا ~~في ذكر الشعراء أقبل على عمر فقال له: أنت تنعت المرأة فتشبب بها ثم تدعها وتنسب بنفسك، ~~أخبرني يا هذا عن قولك: # قومي تصدي له ليعرفنا # ثم اغمزيه يا أخت في خفر # قالت لها: قد غمزته فأبى # ثم استطيرت تشتد في أثري # 17 # أتراك لو وصفت بهذا هرة أهلك، ألم تكن قد قبحت وأسأت، وقلت الهجر؟ إنما توصف الحرة ~~بالحياء والإباء، والبخل والامتناع، كما قال هذا، وأشار إلى الأحوص: # أدور ولولا أن أرى أم جعفر # بأبياتكم ما درت حيث أدور # وما كنت زوارا ولكن ms139 ذا الهوى # إذا لم يزر لا بد أن سيزور # لقد منعت معروفها أم جعفر # وإني إلى معروفها لفقير # فدخلت الأحوص أبهة، وعرفت الخيلاء فيه، فلما استبان ذلك كثير قال: أبطل آخرك أولك، ~~أخبرني عن قولك: # فإن تصلي أصلك وإن تبيني # بصرمك بعد وصلك لا أبالي # ولا ألفى كمن إن سيم صرما # تعرض كي يرد إلى الوصال # أما والله لو كنت فحلا لما باليت ولو كسرت أنفك! ألا قلت كما قال هذا الأسود وأشار ~~إلى نصيب: # بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب # وقل: إن تملينا فما ملك القلب # فانكسر الأحوص، ودخلت النصيب أبهة، فلما نظر أن الكبرياء قد دخلته قال له: وأنت يا ~~ابن السوداء فأخبرني عن قولك: # أهيم بدعد ما حييت فإن أمت # فوا كبدى من ذا يهيم بها بعدي # أهمك من ينيكها بعدك؟ # فلما أمسك كثير أقبل عليه عمر فقال له: قد أنصتنا لك فاسمع يا مذبوب # 18 # أخبرني عن تخيرك لنفسك، وتخيرك لمن تحب، حيث تقول: # ألا ليتنا يا عز كنا لذي غنى # بعيرين نرعى في الخلاء ونعزب # 19 # كلانا به عر فمن يرنا يقل # على حسنها جرباء تعدي وأجرب # 20 # إذا ما وردنا منهلا صاح أهله # علينا فما ننفك نرمى ونضرب # وددت وبيت الله أنك بكرة # هجان وأني مصعب ثم نهرب # 21 # نكون بعيري ذي غنى فيضيعنا # فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب # والله لو احتفل عليك هاجيك ما زاد على ما بؤت به على نفسك، فخفق كثير كما يخفق ~~الطائر، فأقبل عليه نصيب فقال: أقبل علي يا زب الذباب # 22 # فقد تمنيت معرفة غائب عندي علمه فيك حيث تقول: # وددت وما تغني الودادة أنني # بما في ضمير الحاجبية عالم # فإن كان خيرا سرني وعلمته # وإن كان شرا لم تلمني اللوائم # انظر في مرآتك، واطلع في جيبك، واعرف صورة وجهك، تعرف ما عندها، فاضطرب كثير اضطراب ~~العصفور وقام القوم يضحكون. # 23 # 5 # واعدت الثريا عمر بن أبي ربيعة أن تزوره، فلما جاءت في الوقت الذي ذكرته صادفت ms140 أخاه ~~الحارث قد زاره فأقام عنده ووجه به في حاجة له، ونام مكانه وغطى وجهه بثوبه، فلم يشعر ~~إلا بالثريا قد ألقت نفسها عليه تقبله، فانتبه وجعل يقول: اعزبي عني فلست بالفاسق ~~أخزاكما الله! # فلما علمت بالقصة انصرفت وجاء عمر فأخبره الحارث بخبرها، فاغتم لما فاته منها، ~~وقال: أما والله لا تمسك النار أبدا وقد ألقت نفسها عليك! فقال الحارث: عليك وعليها ~~لعنة الله! # 6 # كان لابن أبي ربيعة ابن صالح يقال له: «جوان» وفيه يقول العرجي: # شهيدي جوان على حبها # أليس بعدل عليها جوان # وقد جاء جوان هذا إلى زياد بن عبد الله الحارثي، وهو إذ ذاك أمير على الحجاز فشهد ~~عنده بشهادة، فتمثل: # شهيدي جوان على حبها # أليس بعدل عليها جوان! # ثم قال: قد أجزنا شهادتك. وقد غضب جوان من هذا الشعر وجاء إلى العرجي، فقال له: يا ~~هذا، ما لي ولك تشهرني في شعرك! متى أشهدتني على صاحبتك هذه! ومتى كنت أنا أشهد في ~~مثل هذا! # 7 # عرض يزيد بن معاوية جيش أهل الحرة، فمر به رجل من أهل الشام معه ترس خلق سمج، ~~فنظر إليه يزيد وضحك، وقال له: ويحك! ترس عمر بن أبي ربيعة كان أحسن من ترسك! يريد قول ~~عمر: # فكان مجني دون من كنت أتقي # ثلاث شخوص كاعبان ومعصر # 8 # حدث بديح قال: حجت بنت محمد بن الأشعث الكندية، فراسلها عمر بن أبي ربيعة ووعدها أن ~~يتلقاها مساء الغد، وجعل الآية بينه وبينها أن تسمع ناشدا ينشد يعلمها بمصيره إلى ~~المكان الذي وعدها، قال بديح: فلم أشعر به إلا متلثما فقال لي: يا بديح، ائت بنت محمد ~~بن الأشعث فأخبرها أني قد جئت لموعدها، فأبيت أن أذهب وقلت: مثلي لا يعين على مثل هذا، ~~فغيب بغلته عني ثم جاءني فقال لي: قد أضللت بغلتي فانشدها لي في زقاق الحاج، فذهبت ~~فنشدتها، فخرجت علي بنت محمد بن الأشعث وقد فهمت الآية، فأتته لموعده، وذلك ~~قوله: # وآية ذلك أن تسمعي # إذا جئتكم ناشدا ينشد # قال ms141 بديح: فلما رأيتها مقبلة عرفت أنه قد خدعني بنشدي البغلة، فقلت له: يا عمر! لقد ~~صدقت التي قالت لك: # فهذا سحرك النسوا # ن قد خبرنني الخبرا # قد سحرتني وأنا رجل! فكيف برقة قلوب النساء وضعف رأيهن! وما آمنك بعدها، ولو دخلت ~~الطواف ظننت أنك دخلته لبلية، قال: وحدثها بحديثي فما زالا ليلتهما يفصلان حديثهما ~~بالضحك مني. # 9 # أنشد ابن أبي ربيعة قوله: # يا خليلي من ملام دعاني # وألما الغداة بالأظعان # لا تلوما في آل زينب إن ال # قلب رهن بآل زينب عاني # فبلغ ذلك أبا وداعة السهمي فأنكره وغضب، وبلغ ذلك ابن أبي عتيق وقيل له: إن أبا ~~وداعة قد اعترض لابن أبي ربيعة دون زينب بنت موسى، وقال: لا أقر لابن أبي ربيعة أن ~~يذكر امرأة من بني هصيص في شعره، فقال ابن أبي عتيق: لا تلوموا أبا وداعة أن ينعظ ~~من سمرقند على أهل عدن! # 10 # قال ابن أبي عتيق لابن أبي ربيعة: يا عمر! ألم تخبرني أنك ما أتيت حراما قط؟ قال: ~~بلى، قال: فأخبرني عن قولك: # وما نلت منها محرما غير أننا # كلانا من الثوب المورد لابس # ما معناه؟ فقال: والله لأخبرنك: خرجت أريد المسجد وخرجت زينب تريده، فالتقينا فاتعدنا ~~لبعض الشعاب، فلما توسطنا الشعب أخذتنا السماء، فكرهت أن يرى بثيابها بلل المطر ~~فيقال لها: ألا استترت بسقائف المسجد إن كنت فيه! فأمرت غلماني فسترونا بكساء خز كان ~~علي، فذلك حين أقول: # كلانا من الثوب المورد لابس # فقال له ابن عتيق: يا عاهر! هذا البيت يحتاج إلى حاضنة! # 11 # خرج عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد وأبو ربيعة المصطلقي ورجل من بني مخزوم يشيعون ~~بعض خلفاء بني أمية، فلما انصرفوا نزلوا بسرف فلاح لهم برق، فقال الحارث: كلنا شاعر، ~~فهلموا نصف البرق، فقال أبو ربيعة: # أرقت لبرق آخر الليل لامع # جرى من سناه ذو الربى فينابع # 24 # فقال الحارث: # أرقت له ليل التمام ودونه # مهامه موماة وأرض بلاقع # 25 # فقال المخزومي: # يضيء عضاه الشوك حتى ms142 كأنه # مصابيح أو فجر من الصبح ساطع # 26 # فقال عمر: # أيا رب لا آلو المودة جاهدا # لأسماء فاصنع بي الذي أنت صانع # ثم قال: ما لي وللبرق والشوك! # 12 # لقي عمر ليلى بنت الحارث وهي تسير على بغلة لها، وكان قد شبب بها فقال: جعلني الله ~~فداك! عرجي ها هنا أسمعك بعض ما قلته فيك. فقالت: أوقد فعلت؟ قال: نعم، فوقفت وقالت: ~~هات، فأنشدها: # ألا يا ليل إن شفاء نفسي # نوالك إن بخلت فنولينا # وقد حضر الرحيل وحان منا # فراقك فانظري ما تأمرينا # فقالت: آمرك بتقوى الله وإيثار طاعته، وترك ما أنت عليه! ثم صاحت ببغلتها ~~ومضت. # 13 # حدث سفيان بن عيينة قال: بينا أنا ومسعر بن كدام مع إسماعيل بن أمية بفناء الكعبة، ~~وإذا بعجوز قد طلعت علينا عوراء متكئة على عصا يصفق أحد لحييها على الآخر، فوقفت على ~~إسماعيل فسلمت عليه، فرد عليها السلام، وسألها فأحفى المسألة، ثم انصرفت، فقال إسماعيل: ~~لا إله إلا الله! ماذا تفعل الدنيا بأهلها! ثم أقبل علينا فقال: أتعرفان هذه؟ قلنا: لا ~~والله، ومن هي؟ قال: هذه «بغوم» ابن أبي ربيعة التي يقول فيها: # حبذا أنت يا بغوم وأسما # ء وعيص يكننا وخلاء # 27 # انظرا كيف صارت، وما كان بمكة امرأة أجمل منها! فقال له مسعر: لا ورب هذه البنية، ~~ما أرى أنه كان عند هذه خير قط! # 14 # حدثت ذهيبة مولاة محمد بن مصعب بن الزبير قالت: كنت عند أمة الحميد بنت عمر بن أبي ~~ربيعة في الجنيد الذي في بيت سكينة بنت خالد بن مصعب، أنا وأبوها عمر وجاريتان له ~~تغنيان، يقال لإحداهما: البغوم، والأخرى: أسماء، وكانت أمة الحميد بنت عمر تحت محمد بن ~~مصعب بن الزبير، فقال عمر بن أبي ربيعة وهو معهم في الجنيد: # صرمت حبلك البغوم وصدت # عنك في غير ريبة أسماء # والغواني إذا رأينك كهلا # كان فيهن عن هواك التواء # حبذا أنت يا بغوم وأسما # ء وعيص يكننا وخلاء # فلما انتهى إلى قوله: # ولقد قلت ليلة الجزل ms143 لما # أخضلت ريطتي علي السماء # خرجت البغوم ثم رجعت إليه فقالت: ما رأيت أكذب منك يا عمر تزعم أنك بالجزل وأنت في ~~جنيد محمد بن مصعب، وتزعم أن السماء أخضلت ريطتك وليس في السماء قزعة. # 28 # فقال عمر: هكذا يستقيم هذا الشأن. ~~••• # أما بعد؛ فهذا كتاب أشعر بأن خيره نفاية شره، وأن ما فيه من هدى أسير ما فيه ~~من ضلال، وإني لأقول: # ضاق الفضاء علي من عبث الصبا # ورحمت فضلي من هواه العائث # فأغث فديتك يا مشيب كرامتي # إني سئمت من الشباب العابث # وسبحان من لو شاء لعجل التوب، وعفا عما تسلف من ذنوب. # | هوامش ms144