######OpenITI# #META# URI: 1371ZakiMubarak.MadaihNabawiyya.Hindawi51519061 #META# Tags: literature :: poetry #META# ID: 51519061 #META# Title: المدائح النبوية في الأدب العربي #META# AuthorID: 41796397 #META# Author: زكي مبارك #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # فاتحة الكتاب‏ # 1 - نشأة المدائح النبوية‏ # 2 - مدح أهل البيت‏ # 3 - الكميت بن زيد الأسدي‏ # 4 - هاشميات الكميت‏ # 5 - تائية دعبل في أهل البيت‏ # 6 - قصائد الشريف الرضي في صريع كربلاء‏ # 7 - قصائد مهيار في أهل البيت‏ # 8 - بردة البوصيري‏ # 9 - عناصر البردة‏ # 10 - أثر البردة في اللغة العربية‏ # 11 - بديعية ابن حجة الحموي1‏ # 12 - مدائح ابن نباتة المصري‏ # خاتمة الكتاب: قصة المولد النبوي‏ # الإهداء‏ # فاتحة الكتاب‏ # 1 - نشأة المدائح النبوية‏ # 2 - مدح أهل البيت‏ # 3 - الكميت بن زيد الأسدي‏ # 4 - هاشميات الكميت‏ # 5 - تائية دعبل في أهل البيت‏ # 6 - قصائد الشريف الرضي في صريع كربلاء‏ # 7 - قصائد مهيار في أهل البيت‏ # 8 - بردة البوصيري‏ # 9 - عناصر البردة‏ # 10 - أثر البردة في اللغة العربية‏ # 11 - بديعية ابن حجة الحموي1‏ # 12 - مدائح ابن نباتة المصري‏ # خاتمة الكتاب: قصة المولد النبوي‏ # | المدائح النبوية في الأدب العربي # | المدائح النبوية في الأدب العربي # تأليف # زكي مبارك # | الإهداء # إلى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق. # أهدي هذا الكتاب، تحية لمودة غالية دامت عشرين عاما، فلم يزدها تقادم العهد ~~إلا قوة إلى قوة، وصفاء إلى صفاء. # المخلص # زكي مبارك # مصر الجديدة في 27 رجب سنة 1354ه # 25 أكتوبر سنة 1935م # قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما ~~إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ~~. # | فاتحة الكتاب # باسمك اللهم أفتتح هذا الكتاب، ومنك وحدك أنتظر حسن الجزاء. # أما بعد؛ فهذا كتاب لم يكن ظهوره في الحسبان، فهو في الأصل باب من كتاب قدمته إلى ~~الجامعة المصرية عن «أثر التصوف في الأدب والأخلاق»، وألفت لدرسه لجنة مكونة من ~~الدكتور منصور فهمي، والأستاذ مصطفى عبد الرازق، والدكتور عبد الوهاب عزام، ورأت هذه اللجنة ~~أن الباب الخاص بالمدائح النبوية خليق بأن يظهر مستقلا عن الأصل بعض الاستقلال، وكان هذا ~~الاقتراح فرصة تلقفتها في نشوة الجذلان؛ لأني كنت أشعر أن المدائح النبوية في الأدب ~~العربي تستأهل الظهور في ms001 كتاب خاص. # ومن الخير أن أصارح القارئ بأن هذه الفصول نسخت نسخا من الكتاب الأصيل، فلم يحذف ~~منها شيء، ولم يضف إليها شيء؛ لأني قدمتها إلى المطبعة في أيام كانت كلها شواغل، ولأني ~~آثرت أن تظهر كما فاض بها القلب، فلا يفسدها تأنق، ولا يزورها تنميق. # والحق أني لا أستطيع أبدا أن أكتب البحث الواحد مرتين؛ لأني أنتزع أدبي من ثورة العقل ~~والقلب، وقد درست نفسي مرات كثيرة؛ فرأيت السهم الأول أنفذ في جميع الأحيان، ورأيت معاودة ~~الصقل والتهذيب ضربا من الزخرف لا تسيغه طبيعة فطرت على الثورة والاقتحام. # وإني لأعترف بأني مأخوذ بنشوة النصر وأنا أقدم هذا الكتاب إلى القراء، فما كنت أحسب ~~أن الزمان سينصفني هذا الإنصاف؛ فأكون أول من يرسم خصائص المدائح النبوية في الأدب العربي، ~~وهو موضوع كان يجب أن تعين رسومه وحدوده منذ أزمان. # وقد تلقيت جزائي سلفا على تحبير هذه الفصول، فلن أنسى ما حييت تلك التحيات الطيبات التي ~~تلقيتها من الدكتور منصور فهمي، والأستاذ مصطفى عبد الرازق، والدكتور عبد الوهاب عزام، ومن ~~قبل هذا أنست بموضوع البحث، فكان ذلك الأنس أفضل جزاء. # وأي أنس أعظم من شغل النفس بتلك الأقباس الروحانية التي بثها نبي الإسلام في أرجاء ~~الوجود؟ # إن ذلك الروح القهار، روح الرجل الذي اتهمه معاصروه بالشعر والسحر والجنون، إن ذلك الروح ~~هو شعلة أبدية ستظل ما بقيت الأرض والسماء فتنة للعقول والقلوب، وسيأتي زمان يرتاب فيه ~~الناس في مكانة محمد بن عبد الله من التاريخ، وسيقول قوم إن شمائل ذلك الرجل أقوى وأخطر من ~~أن يسمح بمثلها الوجود، وسيقولون إنه لم يكن إلا رمزا تمثل به الناس كيف تكون مكارم ~~الأخلاق. # إي والله، سيقولون ذلك، فلنسبقهم نحن بهذا القول مع الاعتراف بأنه عرف هذه الدنيا وشهد ~~هذا الوجود، وأي غرابة في أن يخلق الله رجالا يمثلون العظمة الروحانية، ويظلون على الدهر ~~مضرب الأمثال؟ # وقد كان حظ النبي محمد أوفى الحظوظ بين الرسل والأنبياء، فكل نبي قامت من حوله الأساطير، ~~وصورت شمائله ms002 بألوان صيغ أكثرها من الخيال، أما النبي محمد فحجته الباقية هي القرآن، وهو ~~كتاب لم يضف إليه سطر واحد بعد موت ذلك الرسول، فهو من الوثائق التاريخية التي يندر أن ~~يكون لها مثيل. # وإلى من نوجه هذا القول؟ # أتروننا ندافع عن ذلك الكتاب المجيد؟ # ومن عسى أن يكون أعداء ذلك الكتاب؟ # وهل كان الملحدون إلا ناسا سخفاء طاشت حلومهم، وظنوا الزيغ من البراقع التي تستر الغباوة ~~والجهل؟ # ومن العجب أن نرى بين أعداء القرآن من يعجب بشعر أبي نواس، ويراه صالحا لأن يوضع في ~~الميزان مع أكبر شعراء اليونان. # فأين شعر أبي نواس كله من آية واحدة ستظل أعجوبة البيان في جميع الأزمان؟ # وما أدري والله كيف يعقل من يهذي بمثل هذا القول، إلا أن يكون السخف صار من علائم التفوق ~~في هذا الزمن الرقيع! # إن أعداء القرآن لا يعادونه عن عقل، وكيف يعقل من يعادي البدر المشرق، والجبل الركين؟ ~~إنها نزوات تطوف برءوس الممرورين الجبناء الذين توهموا أنه لم يبق للإسلام أوس ولا خزرج، ~~وأن الوادي خلا من الأسد الغضاب، ألا ساء ما يتوهمون. # ومع ذلك سيذهب الملحدون مع الذاهبين، وإن بقيت لهم ذكرى فستكون صورة من صور إبليس، فإن ~~تعللوا بأن الشهرة مغنم عظيم، فليتذكروا أن إبليس سيظل أشهر منهم، وإن قضوا طوال الأعمار ~~في خدمة الإفك والضلال. # سيقول السفهاء من الناس: وما دخل هذا الكلام في مقدمة كتاب المدائح النبوية؟ # ونجيب بأننا نصور حالة من أحوال هذا الزمان، فنحن لم نخلق أعداء نحاربهم، وإنما نحارب ~~أعداء نراهم رأي العين، وهم - والله - أحقر من أن نعرض لهم بنقد أو ملام، ولكن حقارتهم لا ~~تمنع المؤمن من وخز صدورهم بلواذع الهجاء، فقديما كان الشيطان الرجيم ملعونا بألسنة ~~المؤمنين. # وما الذي يمنع من حرب الزور والبهتان؟ # إن التورع عن لحوم الآثمين ليس إلا ضربا من الجبن، وبفضله استنسر البغاث، وصار للآثمين ~~أشياع وأحزاب. # ومن العجب في مصر بلد العجائب أن تحيا الغيرة على الأطلال، وتموت الغيرة على الحقائق، فلو ~~انتهب ms003 حجر من أحجار الكرنك لكان انتهابه نكبة وطنية، وكان الصراخ لضياعه عملا يثاب عليه ~~من يحسن البكاء والعويل. # أما زعزعة الإيمان في هذا البلد، فهي أقل خطرا من سقوط حجر أثري تحرسه وزارة الأشغال؛ ~~لأن رعاية الآثار بدعة عصرية يعرفها الأوروبيون، والأمريكان، أما رعاية العقائد فسنة قديمة ~~سحب عليها الدهر ذيل النسيان. # وما أقول هذا تعصبا للدين - وهو تعصب شريف - وإنما أقوله تعصبا لحقيقة أدبية تغار عليها ~~الأذواق، فليست الثقافة أن نعرف أوهام المشرق والمغرب، وإنما الثقافة أن نعرف ما يجب أن ~~يعرف، وقد آن أن يفهم الغافلون أن الأمة التي يحفظ أطفالها القرآن، هي أهدى من أمثال ~~الأمة التي يحفظ أطفالها أقاصيص لافونتين. # وما أقول هذه الحقيقة وحدي، وإنما يعرفها خلق كثير لا يصدهم عن الجهر بها إلا الخوف من ~~الاتهام بالتعصب والرجعية، وهو اتهام لا أقيم له أي وزن؛ لأن حزب الشيطان أضعف من أن يحسب ~~له حساب. # وقرائي من غير المسلمين لا يسيئهم هذا القول، فليس القرآن ملكا للمسلمين، وإنما هو ~~ملك للإنسانية جمعاء، وكذلك كانت التوراة وكان الإنجيل، وهل كانت الشرائع إلا موارد يفزع ~~إليها الظماء في عالم العقول، والقلوب، والأذواق؟ # ونعود إلى موضوع الكتاب فنقول: كانت المدائح النبوية أول الأمر نوعا من المدائح التي ~~تجري على الطرائق الجاهلية، وقد فصلنا ذلك في الفصل الأول من الكتاب، فعرضنا لدالية ~~الأعشى، ولامية كعب، وقصائد حسان، ثم تكلمنا عما وقع في خطب علي بن أبي طالب من المدائح، ~~وبينا كيف نشأ مدح أهل البيت، وكيف ترعرع هذا الفن في البيئات الإسلامية، ثم خصصنا الكميت ~~بدراسة وافية، وهو شاعر فحل شرع للشيعة مذاهب القول، وعلمهم أساليب الجدل والحجاج، ~~وأتبعنا ذلك بفصل عن دعبل، وهو شاعر خبيث اللسان، ولكنه ترك لنا تائية قليلة النظائر ~~والأمثال. ومضينا إلى قصائد الشريف الرضي في صريع كربلاء، وقصائد مهيار في أهل البيت، ~~فأعطينا القارئ فرصة يتعرف فيها إلى طوائف من النوازع الروحية، قل من اهتم بها من ~~الباحثين. # فلما وصلنا إلى البوصيري، وقفنا على ms004 آثاره وقفة طويلة، وحدثنا القارئ عما عنده من ضروب ~~السحر والفتون، ثم تكلمنا عن أثر البردة في اللغة العربية، وأرينا القارئ كيف انتهى فن ~~المدائح النبوية إلى فن أدبي رفيع ، هو فن البديعيات، الذي أذاع في الناس ألوانا من الثقافة ~~الأدبية، وساقنا ذلك إلى التحدث عن رجل شهير بين أصحاب البديعيات: هو ابن حجة الحموي الذي ~~أذاع أدب مصر والشام في القرن الثامن. # ثم تكلمنا عن المدائح النبوية في شعر ابن نباتة المصري، وختمنا الكتاب بالكلام عن قصة ~~المولد النبوي. # ذلك موضوع الكتاب الذي نقدمه إلى القراء فرحين مغتبطين، وليس فيه بحمد الله ما نعتذر عنه ~~إلا الإيجاز، وهو عذر يقبله القارئ حين يتذكر أنه كان في الأصل بابا من كتاب. # ولنسارع فنحدث القارئ بأننا لم نرد الاستقصاء، وإنما اكتفينا بالكلام عن آثار ~~الشعراء الفحول، ولو أردنا التحدث عن هذا الفن من جميع نواحيه لساقنا البحث إلى الكلام عن ~~ناس لم يكن لهم من الذوق الأدبي خلاق. # والله نسأل أن يتقبل هذا البحث الذي لم نرد به حين أنشأناه غير وجهه الكريم. # محمد زكي عبد السلام مبارك # الفصل الأول # | نشأة المدائح النبوية # الفرق بين المدح والرثاء - دالية الأعشى - لامية كعب بن زهير - مدائح حسان - ~~مدائح علي بن أبي طالب - ميمية الفرزدق - مدح أهل البيت - النسيب في صدور المدائح ~~النبوية. ~~*** ~~(1) # المدائح النبوية من فنون الشعر التي أذاعها التصوف، فهي لون من التعبير عن ~~العواطف الدينية، وباب من الأدب الرفيع؛ لأنها لا تصدر إلا عن قلوب مفعمة بالصدق ~~والإخلاص. # وأكثر المدائح النبوية قيل بعد وفاة الرسول، وما يقال بعد الوفاة يسمى رثاء، ~~ولكنه في الرسول يسمى مدحا، كأنهم لحظوا أن الرسول # صلى الله عليه وسلم # موصول الحياة، ~~وأنهم يخاطبونه كما يخاطبون الأحياء. وقد يمكن القول بأن الثناء على الميت لا يسمى ~~رثاء إلا إذا قيل في أعقاب الموت؛ ولذلك نراهم يقولون: «قال حسان يرثي النبي # صلى الله عليه وسلم ~~» ليفرقوا بين حالين من الثناء: ما كان في حياة الرسول، وما كان بعد ms005 موت ~~الرسول، بخلاف ما يقع من شاعر ولد بعد وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فإن ثناءه عليه مديح لا ~~رثاء؛ لأنه لا موجب للتفرقة بين حال وحال، ولأن الرثاء يقصد به إعلان التحزن ~~والتفجع، على حين لا يراد بالمدائح النبوية إلا التقرب إلى الله بنشر محاسن ~~الدين، والثناء على شمائل الرسول. ~~(2) # ولم يعن أحد من القدماء أو المحدثين بتأريخ هذا الفن في اللغة العربية؛ لأن ~~الذين أجادوه لم يكونوا في الأغلب من فحول الشعراء، ولأنه لم يطرد في التاريخ، ~~ولم يكن فنا ظاهرا بين الفنون الشعرية كالرثاء، والوصف، والنسيب، وإنما هو فن ~~نشأ في البيئات الصوفية، ولم يهتم به من غير المتصوفة إلا القليل، غير أنه مع ذلك ~~جدير بالدرس؛ لأن فيه بدائع من القصائد والمقطوعات، ولأن له شمائل غير شمائل ~~المديح، ولأن لأصحابه غايات دينية وأدبية خليقة بأن تدرس، وبأن يرفع عنها إصر ~~الخمول. # وسنحاول في هذا الكتاب تأريخ هذا الفن من بدء ظهوره إلى اليوم، والإشادة ~~بالشخصيات القوية التي نشرت أعلامه في تاريخ اللغة العربية، وتحليل القصائد التي ~~أثرت في البيئات الشعبية، والكشف عما في آثار هذا الفن من الألفاظ والتعابير ~~والمصطلحات. ولسنا نزعم أننا سنستقصي كل ما يتصل بهذا الفن، فذلك يحتاج إلى مجلدات، ~~وإنما نرجو أن نشعر القارئ بأنا كشفنا النقاب عن فن مجهول كان خليقا بأن يشغل ~~الباحثين في تاريخ الأدب، ولكنهم انصرفوا عنه، كما انصرفوا عن درس البلاغة الدينية، ~~مع أنه في جملته أجود من بعض ما شغلوا به كتشبيهات ابن المعتز، ومدائح البحتري، ~~وخمريات أبي نواس. ~~(3) # من أقدم ما مدح به الرسول # صلى الله عليه وسلم # قصيدة الأعشى التي يقول في مطلعها: # ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا # وعادك ما عاد السليم المسهدا # 1 # وما ذاك من عشق النساء وإنما # تناسيت قبل اليوم خلة مهددا # 2 # ولكن أرى الدهر الذي هو خائن # إذا أصلحت كفاه عاد فأفسدا # كهولا وشبانا فقدت وثروة # فلله هذا الدهر كيف ترددا # وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع ms006 # وليدا وكهلا حين شبت وأمردا # وفيها يقول لناقته: # فآليت لا أرثي لها من كلالة # ولا من حفى حتى تزور محمدا # نبي يرى ما لا ترون وذكره # أغار لعمري في البلاد وأنجدا # له صدقات ما تغب ونائل # وليس عطاء اليوم مانعه غدا # متى ما تناخي عند باب ابن هاشم # تراحي وتلقي من فواضله ندى # ولكن هذا ليس من المدائح النبوية؛ أي ليس من الفن الذي ندرسه في هذا الكتاب؛ لأن ~~الأعشى لم يقل هذا الشعر وهو صادق النية في مدح الرسول، وإنما كانت محاولة أراد بها ~~التقرب من نبي الإسلام، وآية ذلك أنه انصرف حين صرفته قريش، ولو كان صادقا ما ~~تحول، فقد حدثوا أن قريشا رصدوه على طريقه حين بلغهم خبره وسألوه أين يريد، ~~فأخبرهم أنه يريد محمدا ليسلم، فأفهموه أنه ينهاه عن الزنا والقمار والربا والخمر، ~~فقال: لقد تركني الزنا وما تركته. وأبدى زهادته في القمار رجاء أن يصيب من النبي ~~عوضا منه، وقال عن الربا: ما دنت ولا ادنت. # وأبدى جزعه عند ذكر الخمر وقال: أوه! أرجع إلى صبابة قد بقيت لي في المهراس ~~فأشربها. # فقال له أبو سفيان: هل لك في خير مما هممت به؟ قال: وما هو؟ قال: نحن الآن في ~~هدنة فتأخذ مائة من الإبل وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما يصير إليه أمرنا، ~~فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وإن ظهر علينا أتيته. فقال: ما أكره ذلك! # وجمع له أبو سفيان من قريش مائة ناقة، فأخذها وانطلق إلى بلده، فلما كان بقاع منفوخة # 3 # رمى به بعيره فقتله. # 4 # وهذه القصة تدل على أن مدحه للرسول لم يكن إلا محاولة كسائر محاولات الشعراء ~~الذين يتكسبون بالمديح، وليست قصيدته أثرا لعاطفة دينية قوية حتى تلحق بالمدائح ~~النبوية. ~~(4) # وكذلك الحال في قصيدة «بانت سعاد» التي قالها كعب بن زهير في مدح الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، فإنها لم تنظم إلا في سبيل النجاة من القتل، وحديث ذلك أن كعبا خرج هو ~~وأخوه بجير إلى ms007 رسول الله حتى بلغا أبرق العزاف، # 5 # فقال كعب لبجير: الحق الرجل، وأنا مقيم ها هنا، فانظر ما يقول لك. ~~فقدم بجير على رسول الله فسمع منه وأسلم، وبلغ ذلك كعبا فقال: # من مبلغ عني بجيرا رسالة # فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا # شربت مع المأمون كأسا روية # فأنهلك المأمون منها وعلكا # 6 # وخالفت أسباب الهدى واتبعته # على أي شيء ويب غيرك دلكا # 7 # على خلق لم تلف أما ولا أبا # عليه ولم تدرك عليه أخا لكا # فإن أنت لم تفعل فلست بآسف # ولا قائل إما عثرت لعا لكا # 8 # وبعث بها إلى بجير، فكره أن يكتمها رسول الله، فأنشده إياها، ثم قال بجير ~~لكعب: # من مبلغ كعبا فهل لك في التي # تلوم عليها باطلا وهي أحزم # إلى الله - لا العزى ولا اللات - وحده # فتنجو إذا كان النجاة وتسلم # لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت # من الناس إلا طاهر القلب مسلم # فدين زهير وهو لا شيء دينه # ودين أبي سلمى علي محرم # فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره ~~من عدوه، فقالوا: هو مقتول. فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي يمدح فيها ~~الرسول، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل من جهينة، فغدا به إلى رسول الله حين ~~صلى الصبح، فصلى معه، ثم أشار له إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال: هذا رسول الله، قم ~~إليه فاستأمنه. فقام حتى جلس إليه فوضع يده في يده، وكان رسول الله لا يعرفه، فقال: ~~يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه ~~إن أنا جئتك به؟ فقال رسول الله: نعم! فقال: أنا، يا رسول الله، كعب بن زهير! ثم ~~أنشده القصيدة. # 9 # وهذه الظروف ترينا أن كعب بن زهير لم يقل لاميته وهو مأخوذ بعاطفة دينية قوية، ~~تسمو به إلى روح التصوف، إنما هي قصيدة من قصائد المديح، ms008 يقولها الرجل حين يرجو أو ~~يخاف، وليست من المدائح النبوية في شيء. ~~(5) # تقع لامية كعب في ثمانية وخمسين بيتا، وهي من الشعر المحكم الرصين - وإن خلت من ~~قوة الروح - وتجري على التقاليد الأدبية لشعراء الجاهلية، فيبدؤها الشاعر بهذا ~~النسيب : # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول # متيم إثرها لم يفد مكبول # وما سعاد غداة البين إذ رحلوا # إلا أغن غضيض الطرف مكحول # هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة # لا يشتكى قصر منها ولا طول # تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت # كأنه منهل بالراح معلول # 10 # أكرم بها خلة لو أنها صدقت # موعودها أو لو ان النصح مقبول # لكنها خلة قد سيط من دمها # فجع وولع وإخلاف وتبديل # 11 # فما تدوم على حال تكون بها # كما تلون في أثوابها الغول # ولا تمسك بالعهد الذي زعمت # إلا كما يمسك الماء الغرابيل # فلا يغرنك ما منت وما وعدت # إن الأماني والأحلام تضليل # كانت مواعيد عرقوب لها مثلا # وما مواعيدها إلا الأباطيل # أرجو وآمل أن تدنو مودتها # وما إخال لدينا منك تنويل # أمست سعاد بأرض لا يبلغها # إلا العتاق النجيبات المراسيل # 12 # وهنا ينتقل فيصف الناقة وصفا مفصلا يذكر بدالية طرفة بن العبد، وهو في ذلك ~~يتابع ما كان معروفا لذلك العهد من التقاليد الشعرية، إلى أن يقول في مدح ~~الرسول: # وقال كل خليل كنت آمله # لا ألهينك إني عنك مشغول # فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم # فكل ما قدر الرحمن مفعول # 13 # كل ابن أنثى وإن طالت سلامته # يوما على آلة حدباء محمول # أنبئت أن رسول الله أوعدني # والعفو عند رسول الله مأمول # مهلا هداك الذي أعطاك نافلة ال # قرآن فيها مواعيظ وتفصيل # لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم # أذنب وإن كثرت في الأقاويل # ويقول بعد أبيات: # إن الرسول لنور يستضاء به # وصارم من سيوف الله مسلول # في عصبة من قريش قال قائلهم # ببطن مكة لما أسلموا زولوا # زالوا فما زال أنكاس ولا كشف # عند اللقاء ولا ميل معازيل # 14 # شم العرانين أبطال لبوسهم # من نسج داود في ms009 الهيجا سرابيل # 15 # لا يفرحون إذا نالت رماحهم # قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا # يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم # ضرب إذا عرد السود التنابيل # 16 # لا يقع الطعن إلا في نحورهم # وما لهم عن حياض الموت تهليل # وقد نظرت طويلا في هذه القصيدة فلم أر غير ما قررت، فهي قصيدة جاهلية تغلب ~~عليها قوة السبك، ولكنها تكاد تخلو من روح الدين، ولا غرابة في ذلك، فإن كعب بن ~~زهير لم يمدح الرسول إلا لينجو من الموت، ومن كان في مثل حاله لا ينتظر منه صدق ~~الثناء. ~~(6) # والذي نقول به في هذه القصيدة لم يقل به أحد من المتقدمين، فقد اهتموا بها ~~اهتماما عظيما، وعدوها من أجل ما قيل في مدح الرسول، وعني بها الشعراء ~~فشطروها وخمسوها وعارضوها، وأولع بشرحها فريق من كبار الرجال. # فمن الذين شطروها عبد القادر سعيد الرافعي، وأول تشطيره: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول # والنوم والسهد مقطوع وموصول # والجسم بعد سعاد مدنف وصب # متيم إثرها لم يفد مكبول # ومن الذين خمسوها شعبان بن محمد بن داود المصري المتوفى سنة 828ه وله ثلاثة ~~تخاميس، مطلع التخميس الثاني: # قل للعواذل مهما شئتمو قولوا # فليس لي بعد من أهواه معقول # ناديت يوم النوى والدمع مسبول # بانت سعاد ... ... ... ~~... ... ... ... ... # وأحمد بن محمد الجرجاوي، ومطلع تخميسه: # قلبي على حب من أهواه مجبول # ونقل شوقي لدى العشاق مقبول # 17 # ومن الذين شرحوها مسعود بن حسن بكري القنائي، واسم شرحه «الإسعاد لحل نظم بانت ~~سعاد»، ومحمد صالح السباعي، واسم شرحه «بلوغ المراد على بانت سعاد»، وأحمد بن محمد ~~اليمني، واسم شرحه «الجوهر الوقاد في شرح بانت سعاد»، وابن هشام الأنصاري، وقد ~~رأينا شرحه يدرس في الأزهر غير مرة، فقد صير «بانت سعاد» مادة صالحة للفوائد ~~اللغوية والنحوية، واعتمد الناصري على هذا الشرح، وشرحها عطاء الله بن أحمد مرتين، ~~اسم الشرح الأول «حسن السير بقصيدة كعب بن زهير»، واسم الثاني «طريق الرشاد إلى ~~تحقيق بانت سعاد»، وعلي بن سلطان الهروي، واسم شرحه «فتح باب الإسعاد في شرح ms010 بانت ~~سعاد»، ومحمد حسن المرصفي، واسم شرحه «القول المراد من بانت سعاد»، وجمال الدين ~~السيوطي، واسم شرحه «كنه المراد في شرح بانت سعاد». # ومن الذين عارضوها ابن نباتة المصري، ومطلع قصيدته: # ما الطرف بعدكم بالنوم مكحول # هذا وكم بيننا من ربعكم ميل # وابن سيد الناس اليعمري، واسم قصيدته «عدة المعاد في عروض بانت سعاد»، ~~والمطلع: # قلبي بكم يا أهيل الحي مأهول # وحبله بأماني الوصل موصول # وعارضها أبو حيان الأندلسي بقصيدة سماها «المورد العذب في معارضة قصيدة كعب»، ~~والمطلع: # لا تعذلاه فما ذو الحب معذول # العقل مختبل والقلب متبول # وعارضها أيضا القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، ثم قال: # لقد قال كعب في النبي قصيدة # وقلنا عسى في مدحه نتشارك # فإن شملتنا بالجوائز رحمة # كرحمة كعب فهو كعب مبارك # وتوارث المسلمون احترام قصيدة كعب، حتى قال أبو جعفر الألبري: «حدثني بعض أشياخنا ~~بالإسكندرية بإسناده أن بعض العلماء كان لا يستفتح مجلسه إلا بقصيدة كعب، فقيل له ~~في ذلك، فقال: رأيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقلت: يا رسول الله قصيدة كعب أنشدها بين ~~يديك؟ فقال: نعم، وأنا أحبها وأحب من أحبها. قال: فعاهدت الله أنني لا أخلو من ~~قراءتها كل يوم.» # قال أبو جعفر: «ولم تزل الشعراء من ذلك الوقت إلى الآن ينسجون على منوالها، ~~ويقتدون بأقوالها، تبركا بمن أنشدت بين يديه، ونسب مدحها إليه.» # 18 # واهتم بها المستشرقون، فترجمها رنيه باسيه إلى الفرنسية، واهتم الدكتور ر. و. ~~بترجمة حاشية الباجوري إلى الفرنسية، وكذلك شغلت الشراح والناسخين والطابعين في ~~الشرق والغرب. # ويمكن الحكم بأن شهرتها في البيئات الأدبية والدينية نقشت اسمها في ذهن كل من شدا ~~في الأدب والدين. # ومن الواضح أن تلك الرؤيا النبوية لا تدل على شيء أكثر من اهتمام المتصوفين بتلك ~~القصيدة، وإيمانهم بأنها ظفرت من الرسول بأحسن القبول. # وجملة ما كتب في شرح قصيدة كعب، وما قيل في تشطيرها وتخميسها، يبين أثرها في ~~اللغة والأدب، ولولا ما في ألفاظها من الوعورة لشاعت في البيئات الصوفية وأصبحت ms011 من ~~جملة الأوراد، وكان لها ما صار للبردة من السيرورة بين العوام والخواص. # ومن أسباب وقوفها عند الدوائر الأدبية واللغوية ما جاء فيها من الوصف المطول ~~للناقة، فإنه من المعاني «المحلية» التي لا يتذوقها غير الأعراب. ~~(7) # ويأتي بعد شعر الأعشى وشعر كعب شعر حسان بن ثابت، وهذا الرجل كان أكبر شعراء ~~الرسول، ويمتاز بالصدق والإخلاص، ولكن شعره على قوة روحه لا يكاد يضاف إلى المدائح ~~النبوية التي ندرسها في هذا الكتاب، فقد كان يمدح الرسول ويقارع خصومه على الطرائق ~~الجاهلية، وكان الرسول أوصاه أن يتعلم الأنساب من أبي بكر ليكون شعره أوجع في ~~الهجاء، وكذلك استطاع بفضل ما عرف من أنساب قريش أن يهجوهم هجاء موجعا كان النبي ~~يراه أشد عليهم من وقع النبل. # وأقوى قصيدة في مدائح حسان هي العينية، والظرف الذي قيلت فيه يعين مذهب الشاعر: ~~فهو يقارع الخصوم ويلاحيهم، ويتخذ مدح الرسول ومدح أهله سنادا لما عمد إليه من ~~المقارعة والملاحاة. ومن حديث هذه العينية أن وفد تميم لما قدموا على النبي ~~قالوا: جئنا لنفاخرك، وقد جئنا بشاعرنا وخطيبنا، فقام خطيبهم عطارد بن حاجب فتكلم، ~~وقام خطيب الرسول ثابت بن قيس فأجاب، ثم قام شاعرهم الزبرقان بن بدر فقال: # نحن الكرام فلا حي يعادلنا # منا الملوك وفينا يقسم الربع # 19 # وكم قسرنا من الأحياء كلهم # عند النهاب وفضل العز يتبع # 20 # ونحن نطعم عند القحط مطعمنا # من الشواء إذا لم يؤنس القزع # 21 # ثم ترى الناس تأتينا سراتهم # من كل أرض هويا ثم نصطنع # فننحر الكوم عبطا في أرومتنا # للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا # 22 # فلا ترانا إلى حي نفاخرهم # إلا استقادوا وكان الرأس يقتطع # 23 # إنا أبينا ولا يأبى لنا أحد # إنا كذلك عند الفخر نرتفع # فمن يقادرنا في ذاك يعرفنا # فيرجع القوم والأخبار تستمع # فقام حسان فقال: # إن الذوائب من فهر وإخوتهم # قد بينوا سنة للناس تتبع # يرضى بها كل من كانت سريرته # تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا # قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم # أو حاولوا ms012 النفع في أشياعهم نفعوا # سجية تلك منهم غير محدثة # إن الخلائق فاعلم شرها البدع # لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم # عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا # إن كان في الناس سباقون بعدهم # فكل سبق لأدنى سبقهم تبع # ولا يضنون عن مولى بفضلهم # ولا يصيبهم في مطمع طبع # لا يجهلون وإن حاولت جهلهم # في فضل أحلامهم عن ذاك متسع # أعفة ذكرت في الوحي عفتهم # لا يطبعون ولا يرديهم الطمع # 24 # كم من صديق لهم نالوا كرامته # ومن عدو عليهم جاهد جدعوا # 25 # أعطوا نبي الهدى والبر طاعتهم # فما ونى نصرهم عنه وما نزعوا # إن قال سيروا أجدوا السير جهدهم # أو قال عوجوا علينا ساعة ربعوا # 26 # ما زال سيرهم حتى استقاد لهم # أهل الصليب ومن كانت له البيع # خذ منهم ما أتى عفوا إذا غضبوا # ولا يكن همك الأمر الذي منعوا # فإن في حربهم - فاترك عداوتهم - # شرا يخاض عليه الصاب والسلع # 27 # نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها # إذا الزعانف من أظفارها خشعوا # لا فخر إن هم أصابوا من عدوهم # وإن أصيبوا فلا خور ولا جزع # كأنهم في الوغى والموت مكتنع # أسد ببيشة في أرساغها فدع # 28 # إذا نصبنا لقوم لا ندب لهم # كما يدب إلى الوحشية الذرع # 29 # أكرم بقوم رسول الله شيعتهم # إذا تفرقت الأهواء والشيع # أهدى لهم مدحي قلب يؤازره # فيما يحب لسان حائك صنع # فإنهم أفضل الأحياء كلهم # إن جد بالناس جد القول أو شمعوا # 30 # وهذه القصيدة تمجيد لأتباع الرسول، والشاعر مدفوع إليها بقوة العصبية، وليس فيها ~~من روح الدين إلا إشارته إلى وحي القلب؛ إذ يقول: # أهدى لهم مدحي قلب يؤازره # فيما يحب لسان حائك صنع ~~(8) # ومن جيد شعر حسان قصيدته الهمزية في مدح الرسول وهجاء أبي سفيان، وهي كذلك تجري ~~على الطرائق الجاهلية، يبدؤها الشاعر بذكرى الديار الخالية، فيقول: # عفت ذات الأصابع فالجواء # إلى عذراء منزلها خلاء # 31 # ديار من بني الحسحاس قفر # تعفيها الروامس والسماء # 32 # وكانت لا يزال بها أنيس # خلال مروجها نعم ms013 وشاء # وينتقل إلى الحديث عن طيف محبوبته، فيقول: # فدع هذا ولكن من لطيف # يؤرقني إذا ذهب العشاء # لشعثاء التي قد تيمته # فليس لقلبه منها شفاء # كأن سبيئة من بيت رأس # يكون مزاجها عسل وماء # 33 # على أنيابها أو طعم غض # من التفاح هصره اجتناء # إذا ما الأشربات ذكرن يوما # فهن لطيب الراح الفداء # نوليها الملامة إن ألمنا # إذا ما كان مغث أو لحاء # 34 # ونشربها فتتركنا ملوكا # وأسدا ما ينهنهنا اللقاء # 35 # وهذا الاستطراد من النسيب إلى الخمريات كان معروفا في الجاهلية، وقد وقع مثله في ~~لامية كعب التي مدح بها الرسول، ولنا أن نلاحظ أن هذين الشاعرين لم يغيرا شيئا ~~من المذاهب الشعرية حين خاطبا النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ولم يتورعا عن ذكر الخمر والنساء، ~~والتحسر على ملاعب الشباب. # وليس هذا بغريب، فإن المذاهب الأدبية لا تتغير في عام أو عامين، ومن الإسراف أن ~~ننتظر ذلك، فسنرى حين يمتد بنا البحث أن الكلام عن الخمر والنساء سيصير من المألوف ~~في المدائح النبوية، غير أنه كان عند هذين الشاعرين من الحقائق، وسيصير عند ~~المتأخرين من الرمزيات، فشعثاء وسعاد في همزية حسان ولامية كعب حسناوان كان لهما ~~وجود، والخمر كانت مما عرف هذان الشاعران، ولو في الجاهلية، أما عند المتأخرين من ~~شعراء الصوفية فليلى أو شعثاء أو سعاد، والصهباء أو الشمول، كل أولئك من الأسماء ~~الرمزية، وأثر الحقيقة هنا ليس أقوى من أثر الخيال هناك. # وانتقل حسان إلى تهديد أعداء النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال: # عدمنا خيلنا إن لم تروها # تثير النقع موعدها كداء # 36 # يبارين الأعنة مصعدات # على أكتافها الأسل الظماء # 37 # تظل جيادنا متمطرات # تلطمهن بالخمر النساء # 38 # فإما تعرضوا عنا اعتمرنا # وكان الفتح وانكشف الغطاء # وإلا فاصبروا لجلاد يوم # يعز الله فيه من يشاء # 39 # وجبريل رسول الله فينا # وروح القدس ليس له كفاء # وقال الله قد أرسلت عبدا # يقول الحق إن نفع البلاء # شهدت به فقوموا صدقوه # فقلتم لا نقوم ولا نشاء # وقال الله قد ms014 سيرت جندا # هم الأنصار عرضتها اللقاء # 40 # لنا في كل يوم من معد # سباب أو قتال أو هجاء # فنحكم بالقوافي من هجانا # ونضرب حين تختلط الدماء # 41 # ألا أبلغ أبا سفيان عني # مغلغلة فقد برح الخفاء # 42 # بأن سيوفنا تركتك عبدا # وعبد الدار سادتها الإماء # 43 # هجوت محمدا فأجبت عنه # وعند الله في ذاك الجزاء # أتهجوه ولست له بكفء # فشركما لخيركما الفداء # هجوت مباركا برا حنيفا # أمين الله شيمته الوفاء # فمن يهجو رسول الله منكم # ويمدحه وينصره سواء # فإن أبي ووالدتي وعرضي # لعرض محمد منكم وقاء # وهنا تظهر بوادر التصوف، فالشاعر كان ينتظر الجزاء من الله حين أجاب عن الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، ويجعل أباه وجده وعرضه وقاء لعرض النبي من خصومه الألداء، وكذلك ~~يمكن عد هذه القصيدة من بذور المدائح النبوية. ~~(9) # وفي ديوان حسان أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة هو ~~وأبو بكر، ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم الليثي عبد الله بن الأريقط ~~مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة # 44 # تحتبي بفناء قبتها، ثم تسقي وتطعم، فسألوها تمرا ولحما ليشتروا منها ~~فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وكان القوم مرملين مسنتين، # 45 # فنظر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى شاة في كسر الخيمة فقال: ما هذه الشاة يا ~~أم معبد؟ قالت شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: هل لها من لبن؟ قالت هي أجهد من ~~ذلك. قال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: نعم، بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا ~~فاحلبها. فدعا بها رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ومسح بيده ضرعها وسمى الله تعالى، ودعا ~~لها في شأنها فتفاجت # 46 # عليه، ودرت واجترت، ودعا بإناء يربض الرهط فحلب فيه حتى علاه البهاء # 47 # ثم سقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب آخرهم، ثم أراضوا، # 48 # ثم حلب فيه ثانيا بعد بدء حتى امتلأ الإناء ثم غادره عندها، وارتحلوا ~~عنها، فما لبثت حتى ms015 جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا، تساوك # 49 # هزالا، مخاخهن قليل، فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال: من أين لك ~~هذا اللبن يا أم معبد، والشاء عازب حيال، # 50 # ولا حلوب في البيت؟! قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من ~~حاله كذا وكذا. قال: صفيه لي يا أم معبد. قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج ~~الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، # 51 # ولم تزر به صعلة، # 52 # وسيما قسيما، في عينيه دعج وفي أشفاره وطف، # 53 # وفي عنقه سطع ، # 54 # وفي صوته صحل، # 55 # وفي لحيته كثاثة، أزج، أقرن، # 56 # إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، فهو أجمل الناس ~~وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأملحهم من قريب، حلو المنطق فصل، لا نزر ولا ~~هزر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة: لا بائن من طول، ولا ~~تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، ~~له رفقاء يحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود ~~محشود، لا عابس ولا مفند. # 57 # قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة، ولقد هممت ~~بأن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا، فأصبح صوت بمكة عاليا، يسمعون الصوت ~~ولا يدرون من صاحبه، وهو يقول: # جزى الله رب الناس خير جزائه # رفيقين قالا خيمتي أم معبد # هما نزلاها بالهدى واهتدت به # فقد فاز من أمسى رفيق محمد # فيا لقصي ما زوى الله عنكم # به من فخار لا يبارى وسؤدد # ليهن بني كعب مقام فتاتهم # ومقعدها للمؤمنين بمرصد # سلوا أختكم عن شاتها وإنائها # فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد # دعاها بشاة حائل فتحلبت # له بصريح درة الشاة مزبد # 58 # فغادرها رهنا لديها لحالب # يرددها في مصدر ثم مورد # فلما سمع بذلك حسان قال يجاوب الهاتف: # لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم # وقدس من يسري إليهم ويغتدي # ترحل عن قوم فضلت عقولهم # وحل على قوم بنور ms016 مجدد # هداهم به بعد الضلالة ربهم # وأرشدهم، من يتبع الحق يرشد # وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا # عمى وهداة يهتدون بمهتد # لقد نزلت منه على أهل يثرب # ركاب هدى حلت عليهم بأسعد # نبي يرى ما لا يرى الناس حوله # ويتلو كتاب الله في كل مسجد # وإن قال في يوم مقالة غائب # فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد # ليهن أبا بكر سعادة جده # بصحبته، من يسعد الله يسعد # وقد نقلنا قصة أم معبد وشعر حسان وشعر الهاتف لأن لهذه القطع الثلاث أثرا في ~~تلوين المدائح النبوية، وحديث أم معبد معروف ، وقد أشار إليه القاضي عياض في الشفاء، # 59 # وهو - إن صحت نسبته إلى ذلك العهد - أساس لأكثر ما جاء في المدائح ~~النبوية من الأوصاف الحسية، فسنرى في «الموالد» كيف يوصف الرسول بأنه أبلج الوجه، ~~أدعج العينين، أزج الحاجبين، إلى آخر ما قيل فيه من شائق الصفات. وحسان بن ثابت ~~نفسه يصفه بالحسن والجمال فيقول: # وأحسن منك لم تر قط عيني # وأجمل منك لم تلد النساء # والإشادة بجمال النبي وحسنه ليست من الفضول، كما يتوهم بعض الناس، فإن فن المديح ~~يوجب هذا اللون من الوصف، وقد عرض الصفدي في شرح لامية العجم إلى هذه المسألة فقال: ~~«وما زال الشعراء يصفون الممدوح بالحسن والصباحة والطلاقة، ويشبهونه بالشمس والبدر ~~والصبح، وذلك مشهور لا يحتاج إلى شاهد يؤيده.» # 60 # يضاف إلى ذلك أن أصحاب رسول الله درجوا على وصف ملامحه الجسمية، ولذلك مواطن في ~~كتب الحديث، وهو نفسه كان جميلا، والأنبياء في الغالب كانوا من أهل الجمال؛ لأن ~~الدعوة إلى الحق تحتاج إلى شفيع من الوجه المقبول. # وما نحب أن يغلب علينا التزمت فيفوتنا النص على أثر الصنعة في حديث أم معبد، ~~فالقصة تبدو لنا كالمصنوعة، وهي على كل حال شاهد على ما كان يحب القدماء أن يوصف به ~~الرسول، وشعر الهاتف كذلك مصنوع، وهو مع أبيات حسان من طلائع المدائح ~~النبوية. ~~(10) # ويظهر الروح الديني في مدائح حسان لمن يقرأ مراثيه للرسول، وهي مراث مصبوغة ms017 ~~بالصبغة الدينية، يتكلم فيها الشاعر عن المنبر والمصلى والمسجد والوحي، ويذكر ~~بكاء الأرض والسموات، ويتشوق إلى لقاء النبي # صلى الله عليه وسلم # في الفردوس، ويشير إلى ما ورث ~~عنه المسلمون من الرشد والهدى، وله في ذلك قصائد ثلاث دالية تفيض بالمعاني الرقيقة ~~السمحة، وتنم عن روح ديني مصقول، وهي قصائد لينة من حيث النسج، بحيث نخشى أن تكون ~~من الشعر المنحول، فإنها لو أضيفت إلى رجل كالبوصيري لقبلت؛ لما يغلب عليها من ~~الرقة واللين، ويكفي أن نقدم أولى هذه القصائد: # بطيبة رسم للرسول ومعهد # منير وقد تعفو الرسوم وتهمد # 61 # ولا تنمحي الآيات من دار حرمة # بها منبر الهادي الذي كان يصعد # وواضح آيات وباقي معالم # وربع له فيه مصلى ومسجد # به حجرات كان ينزل وسطها # من الله نور يستضاء ويوقد # 62 # معالم لم تطمس على العهد آيها # أتاها البلى فالآي منها تجدد # عرفت بها رسم الرسول وعهده # وقبرا به واراه في الترب ملحد # ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت # عيون ومثلاها من الجفن تسعد # 63 # تذكر آلاء الرسول - وما أرى # لها محصيا - نفسي فنفسي تبلد # 64 # مفجعة قد شفها فقد أحمد # فظلت لآلاء الرسول تعدد # 65 # أطالت وقوفا تذرف العين جهدها # على طلل القبر الذي فيه أحمد # فبوركت يا قبر الرسول وبوركت # بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد # 66 # وبورك لحد منك ضمن طيبا # عليه بناء من صفيح منضد # 67 # تهيل عليه الترب أيد وأعين # عليه وقد غارت بذلك أسعد # 68 # لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة # عشية علوه الثرى لا يوسد # وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم # وقد وهنت منهم ظهور وأعضد # يبكون من تبكي السموات يومه # ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد # 69 # وهل عدلت يوما رزية هالك # رزية يوم مات فيه محمد؟ # تقطع فيه منزل الوحي عنهم # وقد كان ذا نور يغور وينجد # 70 # يدل على الرحمن من يقتدي به # وينقذ من هول الخزايا ويرشد # إمام لهم يهديهم الحق جاهدا # معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا # عفو عن الزلات يقبل عذرهم ms018 # وإن يحسنوا فالله بالخير أجود # فبينا هم في نعمة الله بينهم # دليل به نهج الطريقة يقصد # عزيز عليه أن يحيدوا عن الهدى # حريص على أن يستقيموا ويهتدوا # عطوف عليهم لا يثني جناحه # إلى كنف يحنو عليهم ويمهد # 71 # فبينا هم في ذلك النور إذ غدا # إلى نورهم سهم من الموت مقصد # 72 # فأصبح محمودا إلى الله راجعا # يبكيه جفن المرسلات ويحمد # 73 # إلى أن يقول: # فبكي رسول الله يا عين عبرة # ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد # 74 # وما لك لا تبكين ذا النعمة التي # على الناس منها سابغ يتغمد؟ # 75 # وما فقد الماضون مثل محمد # ولا مثله حتى القيامة يفقد # أعف وأوفى ذمة بعد ذمة # وأقرب منه نائلا لا ينكد # وأبذل منه للطريف وتالد # إذا ضن معطاء بما كان يتلد # 76 # وأكرم حيا في البيوت إذا انتمى # وأكرم جدا أبطحيا يسود # 77 # رباه وليدا فاستتم تمامه # على أكرم الخيرات رب ممجد # تناهت وصاة المسلمين بكفه # فلا العلم محبوس ولا الرأي يفند # أقول ولا يلفى لقولي عائب # من الناس إلا عازب العقل مبعد # 78 # وليس هوائي نازعا عن ثنائه # لعلي به في جنة الخلد أخلد # مع المصطفى أرجو بذاك جواره # وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد # وهذه القصيدة ضعيفة من الوجهة الشعرية، ولكنها من خير الشواهد لما نحن بسبيله من ~~تأريخ المدائح النبوية، والقارئ يلاحظ أن هذه المرثية لم تقل عقب وفاة الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وإنما قيلت بعد موته بزمان، بدليل قوله: # معالم لم تطمس على العهد آيها # أتاها البلى فالآي منها تجدد # عرفت بها رسم الرسول وعهده # وقبرا به واراه في الترب ملحد # ورثاء النبي بعد موته بمدة فيه نزعة صوفية، ويؤيد هذا ما جاء في ختام القصيدة من ~~رغبة الشاعر في أن يثيبه الله على مدحه بالخلد في جنة الخلد، ورجائه أن يكون من ~~جيران المصطفى في الدار الباقية، وهو يعلن أنه في نيل ذلك اليوم يسعى ويجهد، فبكاء ~~الرسول في هذه المرثية ليس إلا ثناء عليه ms019 وعلى دينه القويم، وليس من الرثاء ~~المألوف الذي يقع من الشاعر حين يفجع في رئيس أو صديق. # ومن الألفاظ التي تجب الإشارة إليها بين ~~ألفاظ هذه القصيدة كلمة «طيبة»، وسيكثر ذكرها في المدائح النبوية، وكذلك وصف ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم # بأنه «الهادي»، أما كلمة «الطريقة» في قوله: # فبينا هم في نعمة الله بينهم # دليل به نهج الطريقة يقصد # فستصير كلمة اصطلاحية عند الصوفية، وسنراهم يقولون: «كل شيخ له طريقة»، وسيقولون: ~~«الطريقة الشاذلية» و«الطريقة الخلوتية» إلى آخر ما ابتدعوا من الطرائق. # وفي قصيدة أخرى يقول: # يا بكر آمنة المبارك بكرها # ولدته محصنة بسعد الأسعد # ووصف الرسول بأنه ابن آمنة من كلمات التمجيد التي أذاعها حسان، وستكثر في المدائح ~~النبوية، وقوله في ختام إحدى القصائد: # صلى الإله ومن يحف بعرشه # والطيبون على المبارك أحمد # سيصير من التعابير المألوفة في كلام من يمدحون الرسول. # وعبارة «صلى الإله» جملة دعائية، كان حسان يقولها في الرسول، وفي أصحابه، كقوله ~~يرثي أصحاب الرجيع: # صلى الإله على الذين تتابعوا # يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا # ونجد مويلك المزموم يرثي امرأته فيقول: # صلى عليك الله من مفقودة # إذ لا يلائمك المكان البلقع # ونرى آخر يقول: # صلى الإله على صفيي مدرك # يوم الحساب ومجمع الأشهاد # ولكن هذه العبارة ستقصر فيما بعد على الرسول، وستحل محلها في الرثاء عبارة ~~«يرحمه الله» كقول أحد الشعراء: # يرحمك الله من أخي ثقة # لم يك في صفو وده كدر ~~(11) # وبعد مدائح حسان ومراثيه تجيء الفقرات المنسوبة إلى علي بن أبي طالب، ونثر علي من ~~المشكوك في صحته ولكنا نستشهد به لأمرين؛ الأول: تصويره لما كان يفهم القدماء من ~~حال علي الروحية، فهو - على فرض وضعه - صورة للأدب الذي كان يتمثلون ذيوعه في تلك ~~الأيام في خطب أصحاب الرسول. # الثاني: أننا نرجح صحة ما نسب إلى علي في التحميدات والعظات، فإن الذين طعنوا ~~في صحة نثره وقفوا عند المصاولات التي وقعت بينه وبين معاوية بن أبي سفيان. # يضاف إلى هذين الأمرين أن المدائح النبوية التي وقعت ms020 في خطب علي لا يظهر فيها ~~تكلف، فهي فقرات افتتحت بها بعض الخطب، وليس فيها قصد إلى مدح الرسول. # ولهذا المنهج أهمية، فسنرى الثناء على النبي يطرد في أكثر الخطب المنبرية، ونكاد ~~نجزم بأن حمد الله والثناء على نبيه صحب الخطب منذ ازدهر هذا الفن على المنابر ~~الإسلامية؛ بدليل أنهم دهشوا لخلو خطبة زياد من الحمد فسموها البتراء. # والمدائح النبوية في كلام علي ذات أفانين، فتارة يثني على النبي وعلى كتابه ويبين ~~ما كان عليه الناس قبل البعثة، فيقول: # أرسله بالدين المشهور، والعلم المأثور، والكتاب المسطور، والنور الساطع، ~~والضياء اللامع، والأمر الصادع، إزاحة للشبهات، واحتجاجا بالبينات، ~~وتحذيرا بالآيات، وتخويفا بالمثلات، # 79 # والناس في فتن انجذم # 80 # فيها حبل الدين، وتزعزعت سواري # 81 # اليقين، واختلف النجر، # 82 # وتشتت الأمر، وضاق المخرج، وعمي المصدر، فالهدى خامل، والعمى ~~شامل، إذ عصي الرحمن، ونصر الشيطان، وخذل الإيمان ... إلخ. # 83 # وفي هذا المعنى يقول في خطبة ثانية: # أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الأمم، واعترام # 84 # من الفتن، وانتشار # 85 # من الأمور، وتلظ من الحروب، والدنيا كاسفة النور ظاهرة ~~الغرور، على حين اصفرار من ورقها، وإياس من ثمرها، واغورار من مائها، قد ~~درست منار الهدى، وظهرت أعلام الردى، فهي متجهمة # 86 # لأهلها عابسة في وجه طالبها، ثمرها الفتنة، وطعامها الجيفة، ~~وشعارها الخوف، ودثارها السيف. # 87 # وفي هذه القطعة يصف علي كيف كانت الحياة ~~قبل بعثة الرسول، ويغلب عليه الفن، فيلون كلامه بفنون من الخيال، ويذكر أن الدنيا ~~كانت كاسفة النور، وأنها كانت مصفرة الورق، وأن ثمرها كان ميئوسا منه، وأنها كانت ~~غائرة الماء، ثم يمضي فيذكر تجهمها وعبوسها، ويجعل من ثمرها الفتنة، ومن طعامها ~~الجيفة، ويقضي بأن شعارها الخوف، ودثارها السيف. # والافتنان في وصف ما كانت عليه الجاهلية من الظلمات سيصير أساسا لأكثر ما يكتب ~~في بيان فضل الرسول، وهذه معان لم يخلقها علي بن أبي طالب، وإنما وضعت أصولها ~~الأولى في القرآن. # وفي مكان آخر يذكر أن النبوة قديمة، تنقلت من ms021 ~~صلب إلى صلب حتى وصلت إلى سيدنا محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ويقول في وصف الأنبياء: # استودعهم في أفضل مستودع، وأقرهم في خير مستقر، تناسخهم كرائم ~~الأصلاب، إلى مطهرات الأرحام، كلما مضى منهم سلف، قام منهم بدين الله ~~خلف، حتى أفضت كرامة الله سبحانه إلى محمد صلى الله عليه وآله، فأخرجه من ~~أفضل المعادن منبتا، وأعز الأرومات # 88 # مغرسا: من الشجرة التي صدع منها أنبياءه، وانتخب منها أمناءه، ~~عترته خير العتر، وأسرته خير الأسر، وشجرته خير الشجر، نبتت في حرم، ~~وبسقت في كرم، لها فروع طوال، وثمرات لا تنال، فهو إمام من اتقى، وبصيرة ~~من اهتدى، سراج لمع ضوءه، وشهاب سطع نوره، وزند برق لمعه، سيرته القصد، ~~وسنته الرشد، وكلامه الفصل، وحكمه العدل. # 89 # وهذا المعنى سيعتمد عليه مؤلفو «الموالد» وسيذكرون أن نور النبوة تنقل من صلب إلى ~~صلب حتى وصل إلى نبي الإسلام. والاهتمام بطهارة نسب الرسول يرجع إلى العقلية ~~العربية التي تعول كثيرا على طهارة الأنساب، وفي بعض الآثار تنزيه لنسب الرسول ~~عن سفاح الجاهلية، ولهذا معناه في تقدير شرف الأصل. # وعلي بن أبي طالب قد يفتن ببعض المعاني فيعود إليها من خطبة إلى خطبة، ومن حديث ~~إلى حديث، ولننظر كيف يعود فيصف ما كان عليه الجاهليون: # بعثه والناس ضلال في حيرة، وخابطون في فتنة، قد استهوتهم الأهواء، ~~واستزلتهم الكبرياء، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء، حيارى في زلزال من الأمر ~~وبلاء من الجهل، فبالغ صلى الله عليه وآله في النصيحة، ومضى على الطريقة، ~~ودعا إلى الحكمة، والموعظة الحسنة. # 90 # وكلمة «الطريقة» مرت بنا في شعر حسان، وعادت إلينا في كلام علي، وقد أشرنا إلى ~~أنها ستصير كلمة اصطلاحية عند الصوفية. # ولننظر أيضا كيف يعود فيتحدث عن أرومة الرسول: # مستقره خير مستقر، ومنبته أشرف منبت، في معادن الكرامة، ومماهد السلامة، ~~قد صرفت نحوه أفئدة الأبرار، وثنيت إليه أزمة الأبصار. # 91 # ويصور هذا المعنى بصورة أخرى فيقول: # اختاره من شجرة الأنبياء، ومشكاة الضياء، وذؤابة العلياء، وسرة البطحاء، ~~ومصابيح الظلمة، وينابيع الحكمة. # 92 ms022 # ويمدح النبي # صلى الله عليه وسلم # بالزهد فيقول: # قد حقر الدنيا وصغرها، وأهونها وهونها، وعلم أن الله زواها عنه ~~اختيارا، وبسطها لغيره احتقارا، فأعرض عنها بقلبه، وأمات ذكرها عن نفسه، ~~وأحب أن تغيب زينتها عن عينه، لكيلا يتخذ منها رياشا، أو يرجو فيها مقاما. # 93 # وهذه النزعة ستكون كذلك أصلا لكثير من المدائح النبوية. # ومما تجب الإشارة إليه الجمع بين الثناء على الرسول والدعاء له ولدينه في قول علي: # أورى قبسا لقابس، وأنار علما لحابس، فهو أمينك المأمون، وشهيدك يوم ~~الدين، وبعيثك نعمة، ورسولك بالحق رحمة، اللهم اقسم له مقسما من عدلك، ~~واجزه مضاعفات الخير من فضلك. اللهم أعل على بناء البانين بناءه، وأكرم ~~لديك نزله، وشرف لديك منزلته، وآته الوسيلة، وأعطه السناء والفضيلة، ~~واحشرنا في زمرته غير خزايا ولا نادمين، ولا ناكثين ولا ضالين ولا مضلين. # 94 # وكلمة «الوسيلة» سيكثر ورودها في كلام الصوفية، وهذه القطعة ستكون نمطا لكثير من ~~الأدعية والصلوات. # ولو مضينا نستقري ما في كلام علي من أمثال هذه الفقرات لطال بنا القول، فلنكتف ~~بما أسلفنا من كلامه، فما نريد الاستقصاء، وإنما الغرض أن ندل على ما في خطبه من ~~أصول المدائح النبوية. ~~(12) # والذي يتأمل كلام علي يجده ينتقل من مدح النبي # صلى الله عليه وسلم # إلى مدح آل البيت، وكذلك ~~يفعل الكميت بن زيد الأسدي في قصائده الهاشميات، وسنعود إليها بدرس خاص وندرس معها ~~تائية دعبل، ونشير الآن إلى أن الفرزدق اتفق له أن يقف موقفا يمدح فيه الرسول ~~وعترته، فقد حدثوا أنه حج بعدما كبر وقد أتت له سبعون سنة، وكان هشام بن عبد ~~الملك قد حج في ذلك العام، فرأى علي بن الحسين رضي الله عنهما في غمار الناس في ~~الطواف فقال: من هذا الشاب الذي تبرق أسرة وجهه كأنه مرآة صينية تتراءى فيها ~~عذارى الحي وجوهها؟ فقالوا: هذا علي بن الحسين. # 95 # فقال الفرزدق: # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته # والبيت يعرفه والحل والحرم # هذا ابن خير عباد الله كلهم # هذا التقي النقي ms023 الطاهر العلم # هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله # بجده أنبياء الله قد ختموا # وليس قولك من هذا بضائره # العرب تعرف من أنكرت والعجم # إذا رأته قريش قال قائلها # إلى مكارم هذا ينتهي الكرم # يغضي حياء ويغضى من مهابته # فما يكلم إلا حين يبتسم # بكفه خيزران ريحها عبق # من كف أروع في عرنينه شمم # يكاد يمسكه عرفان راحته # ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم # الله شرفه قدما وعظمه # جرى بذاك له في لوحه القلم # أي الخلائق ليست في رقابهم # لأولية هذا أو له نعم # من يشكر الله يشكر أولية ذا # فالدين من بيت هذا ناله الأمم # كلتا يديه غياث عم نفعهما # تستوكفان ولا يعروهما عدم # سهل الخليقة لا تخشى بوادره # يزينه اثنان حسن الخلق والشيم # حمال أثقال أقوام إذا فدحوا # حلو الشمائل تحلو عنده نعم # ما قال لا قط إلا في تشهده # لولا التشهد كانت لاؤه نعم # لا يخلف الوعد مأمون نقيبته # رحب الفناء أريب حين يعتزم # عم البرية بالإحسان فانقشعت # عنها الغيابة والإملاق والعدم # ينمى إلى ذروة الدين التي قصرت # عنها الأكف وعن إدراكها القدم # من جده دان فضل الأنبياء له # وفضل أمته دانت له الأمم # مشتقة من رسول الله نبعته # طابت مغارسه والخيم والشيم # ينشق ثوب الدجى عن نور غرته # كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم # من معشر حبهم دين وبغضهم # كفر وقربهم منجى ومعتصم # مقدم بعد ذكر الله ذكرهم # في كل بدء ومختوم به الكلم # إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم # أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم # لا يستطيع جواد بعد جودهم # ولا يدانيهم قوم وإن كرموا # يستدفع الشر والبلوى بحبهم # ويسترب به الإحسان والنعم # لا ينقص العسر بسطا من أكفهم # سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا # يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم # خيم كريم وأيد بالندى ديم # وفي هذه القصيدة الجيدة نفحات من التصوف، فالشاعر يقرن شكر الله بشكر آل الرسول ~~ويرى أن حبهم دين وبغضهم كفر، وتلك أقصى غايات الصدق في الحب، ويؤيد هذا ما ms024 وقع ~~للشاعر بعد إنشاد هذه القصيدة؛ فقد غضب هشام وحبسه، وأنفذ له زين العابدين وهو في ~~الحبس اثني عشر ألف درهم فردها وقال: «مدحته لله تعالى لا للعطاء.» # والمدح لله هو عين التصوف، ولا يغض من هذا قبوله العطية بعد ذلك؛ فقد تلطف زين ~~العابدين وقال: «إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده.» # 96 # وكذلك يكون قبول هذه العطية بابا من الأدب في رعاية أسباط الرسول عليه الصلاة ~~والسلام. # وقد يمكن القول بأن مدح الفرزدق للنبي وأهله هو بداية الصدق في المدائح النبوية؛ ~~ذلك بأن مدائح حسان وقعت في أيام كان مدح النبي فيها ينفع الشاعر ولا يضره، أما ~~مدح النبي وأهله في أيام الفرزدق فكان بابا من الشر يفتح للمادحين؛ لأن تلك ~~المدائح ما كانت تروق خلفاء بني أمية، وكيف تروقهم وهي تزكية لخصوم أولئك الخلفاء؟! ~~إن أقوى حجة عند خصوم بني أمية كانت قرابتهم من الرسول، فلا بدع أن يكون مدح الرسول ~~تنويها بشأن أولئك المعارضين، ألم تر كيف غضب هشام وسجن الفرزدق؟ # ومعنى هذا أن السياسة كانت بدأت تستقل عن الدين بعض الاستقلال، فمدح الرسول ~~وأبنائه في نظر خلفاء بني أمية كان ضربا من التمرد والشغب والخروج على الدولة، ~~وتعليل ذلك سهل؛ فموقف علي بن الحسين من بني أمية شبيه بموقف خلفه الشريف الرضي من ~~بني العباس، والشريف هو الذي يقول: # ردوا تراث محمد ردوا # ليس القضيب لكم ولا البرد # وتراث محمد كان أهم ما فيه ولاية أمر المسلمين، وقد انتزعت من آل البيت، ~~انتزعها بنو أمية، ثم بنو العباس. # نقول هذا لنبين أثر الشجاعة الصوفية عند الفرزدق حين مدح علي بن الحسين في حضرة ~~هشام بن عبد الملك، وقوله حين رفض العطية: «مدحته لله تعالى لا للعطاء» يذكر ~~بالكميت، وقد دخل عليه جعفر بن محمد بعطاء وكسوة فقال: «والله ما أحببتكم للدنيا، ~~ولو أردت الدنيا لأتيت من هي في يديه، ولكني أحببتكم للآخرة، فأما الثياب التي ~~أصابت أجسامكم فأنا أقبلها لبركاتها، وأما المال فلا أقبله.» ms025 # فإن لم يكن مثل هذا الحب تصوفا وروحانية، فما منزلته بين نوازع الود ~~والوفاء؟ ~~(13) # رأينا كيف نشأت المدائح النبوية وكيف تطورت: رأينا كيف كان النبي # صلى الله عليه وسلم # يمدح، كما يمدح الرؤساء المسيطرون، في شعر الأعشى وكعب بن زهير، وكيف مدح ~~بشيء من روح العطف والحنان في شعر حسان، وكيف مدح تدينا في خطب علي بن أبي ~~طالب، وكيف درج الشعراء بعد ذلك على الجمع بين مدحه ومدح آل البيت، فلنذكر الآن أن ~~هذا الفن بلغ أشده في القرن الرابع، وسندرس ما وقع منه في شعر الكميت ودعبل ~~والشريف الرضي ومهيار الديلمي، ونسارع فنقرر أن من أهم الشواهد على نضج هذا الفن في ~~ذلك العصر أن الثعالبي جمع منه شذرات في كتابه «سحر البلاغة»، وهو كتاب يمثل ~~النزعات الفنية في عصر المؤلف، ومادة ذلك الكتاب لم تؤخذ عن كاتب واحد، ولا شاعر ~~واحد، وإنما هي فقرات أخرجها من ألفاظ عدد كبير من الكتاب والشعراء. # وإلى القارئ طائفة من تلك التعابير: # سليل أكرم نبعة، وقريع أشرف بقعة - جاء بأمته من الظلمات إلى النور، وأفاء عليهم ~~الظل بعد الحرور - محمد نبي الله وصفوته، وخيرته من بريته - خيرة الله من خلقه، ~~وحجته في أرضه، والهادي إلى حقه، والمنبه على حكمه، والداعي إلى رشده - مبارك ~~مولده، سعيد مورده - ساطع صباحه، متوقد مصباحه - مظفرة حروبه، ميسرة خطوبه - آخر ~~الأنبياء في الدنيا عصرا، وأولهم يوم الدين ذكرا، وأرجحهم عند الله ميزانا، ~~وأوضحهم حجة وبرهانا. # وإليك طائفة أخرى في الصلوات: # صلى الله على محمد خير من افتتحت بذكره الدعوات، واستنجحت بالصلاة عليه ~~الطلبات - صلى الله على محمد خير نبي مبعوث، وأفضل وارث وموروث - صلى الله على كاشف ~~الغمة عن الأمة، الناطق فيهم بالحكمة، الصادع بالحق، الداعي إلى الصدق - صلى الله ~~على بشير الرحمة والثواب، ونذير السطوة والعقاب: محمد الذي أدى الأمانة مخلصا، ~~وصدع بالرسالة مبلغا ملخصا - صلى الله على أتم بريته خيرا وفضلا، ~~وأطيبهم فرعا وأصلا، وأكرمهم عودا ونجرا، وأعلاهم منصبا وفخرا. # وبعد هذين اللونين من ms026 مدح الرسول والصلاة عليه نقل الثعالبي فقرات في الثناء على ~~آل البيت، وهذا دليل آخر على الجمع بين مدح النبي ومدح عترته، وأغلب الظن أن هذه ~~الطريقة كانت مما سن الشيعة في مختلف الأمصار الإسلامية، وسنرى كيف يعود المادحون ~~فيفردون النبي # صلى الله عليه وسلم # بالثناء حين يسلمون من النزعات الحزبية، والتشيع تحزب، وإن ~~غلب على كثير من أهله صدق اليقين. ~~(14) # هذا وقد رأى القارئ أن أقدم قصيدة قيلت في مدح الرسول # صلى الله عليه وسلم # بدئت بالنسيب، ~~وسيرى ذلك سنة في أكثر المدائح النبوية، فلنقيد هنا أنهم نصوا على «أن الغزل ~~الذي يصدر به المديح النبوي يتعين على الناظم أن يحتشم فيه ويتأدب ويتضاءل، ~~ويتشبب مطربا بذكر سلع ورامة وسفح العقيق والعذيب والغوير ولعلع وأكناف حاجر، ~~ويطرح ذكر محاسن المرد والتغزل في ثقل الردف، ودقة الخصر، وبياض الساق، وحمرة الخد ~~وخضرة العذار، وما أشبه ذلك.» # 97 # وهذا الأدب يلحظ أيضا في مدح أهل البيت، وقد عاب ابن حجة على السري الرفاء ~~أن يتغزل في صدر قصيدة مدح بها الفاطميين وجدهم الرسول # صلى الله عليه وسلم # بمثل هذا ~~التشبيب: # نطوي الليالي علما أن ستطوينا # فشعشعيها بماء المزن واسقينا # 98 # وتوجي بكئوس الراح راحتنا # فإنما خلقت للراح أيدينا # قامت تهز قواما ناعما سرقت # شمائل البان من أعطافه اللينا # تدير خمرا تلقاها المزاج كما # ألقيت فوق جني الورد نسرينا # فلست أدري أتسقينا وقد نفحت # روائح المسك منها أم تحيينا # والمواطن التي أشار إليها ابن حجة مواطن عربية متصلة من قرب أو من بعد بمدينة ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، والقول بالوقوف عندها في التغزل فيه تعسف، فمن حق الشاعر إن تغزل ~~أن يصدق، وقد حن البوصيري مثلا إلى أحبابه بذي سلم وكان أولى لو تشوق إلى ~~أحبابه في بلبيس أو فاقوس، وعذر ابن حجة أن مثل ذلك النسيب هو في الأغلب تمهيد ~~للمديح، والكلام عن تلك المواطن بالذات يقع في المدائح النبوية وكأنه براعة ~~استهلال. # الفصل الثاني # | مدح أهل البيت # نشأة العطف ms027 على أهل البيت - مقتل الحسين - النوح في يوم عاشوراء - الصلاة على ~~الحسن والحسين في بعض الخطب المنبرية - مصرع ابن السكيت - دسائس الأمويين ضد الحسن ~~بن علي - المبالغة في بكاء الحسين - أشياع علي في حضرة معاوية وغيره من الخلفاء - ~~مدح شعراء الفاطميين لأهل البيت ليس من التصوف. ~~*** ~~(1) # ولد العطف على أهل البيت منذ اليوم الذي خذل فيه علي، وكان يرى نفسه صاحب ~~الحق في الخلافة الإسلامية، وبلغ العطف أشده يوم قتل، وأتيحت بقتله الفرصة لقيام ~~الخلافة الأموية، ثم تأصلت جذور ذلك العطف في أفئدة المسلمين بعد قتل الحسين رضي ~~الله عنه وما تلاه من أحزان أهل البيت. # والواقع أن دماء أهل البيت كانت هزت قلوب المسلمين، ويكفي أن نتصور ما حدث به ~~الفيروزابادي في مادة «سور» من القاموس المحيط؛ إذ قال: # وسورين: نهر بالري وأهلها يتطيرون منه؛ لأن السيف الذي قتل به يحيى بن ~~زيد بن علي بن الحسين غسل فيه. # والتطير من نهر غسل فيه سيف قتل به رجل من أهل البيت يمثل أقصى معاني التصوف في ~~حب أسباط الرسول. ~~(2) # ومقتل الحسين خاصة من الحوادث التي شغلت خواطر المسلمين أجيالا طوالا، ولو كان ~~التصوير من الفنون التي شجعها الإسلام لملأت صورة الحسين أقطار الأرض، كالذي وقع في ~~صورة المسيح التي تزدان بها الكنائس الصغيرة والكبيرة والمنازل في مختلف البقاع ~~النصرانية. # ولكن الحماسة التي عدمت مكانها في مجال التصوير انتقلت إلى الخطب والرسائل ~~والقصائد، ومن ملاحظات المسيو بلانشو # Blanchot # في ~~كتاب # Les Elapes de la Peinture # أن الحسين عند ~~المسلمين يذكر بأدونيس عند اليونان، وتتلخص هذه القصة في أن أفروديت إلهة الجمال ~~كان لها ابن وسيم الطلعة نضير الشباب اسمه أدونيس، فخرج يوما يتصيد فهاجمه خنزير ~~بري فقتله، ونبتت من دمه شقائق النعمان، ثم مضى اليونان يحيون ذكراه في كل ربيع، ~~فيبكون ويندبون، وأمامهم تابوت يمثل نعش أدونيس. # 1 # وكذلك فعل المسلمون في ذكرى الحسين، فكانوا يحيون ذكراه يوم عاشوراء حتى لنجد ~~صاحب كتاب النجوم الزاهرة يقول في أخبار سنة ثمان ms028 وتسعين وثلثمائة: # في يوم عاشوراء عمل أهل الكرخ ما جرت به العادة من النوح وغيره، واتفق ~~يوم عاشوراء يوم المهرجان، فأخره عميد الجيوش إلى اليوم الثاني مراعاة ~~للرافضة. هذا ما كان ببغداد، فأما مصر فإنه كان يفعل بها في يوم عاشوراء ~~من النوح والبكاء والصراخ وتعليق المسوح أضعاف ذلك. # وقد كانت عادة النوح على الحسين في يوم عاشوراء تجري في القاهرة إلى زمن قريب، ~~وكنت أسمع بأخبار ذلك وأنا طالب في الأزهر فلا أصدق؛ لأني كنت أقضي يوم عاشوراء بين ~~أهلي في الريف، فبقيت في القاهرة عمدا في أحد الأعوام، ورأيت الموكب بعيني، وكان ~~الشيعة يطوفون حول مسجد الحسين رضي الله عنه وأجسامهم مخضبة بالدماء، وقد اختفى هذا ~~المنظر منذ غلبت المدنية الحديثة، ولكني شهدت منذ أعوام قلائل حفلة في حي الحمزاوي، ~~فرأيت الناس يبكون ويصرخون وهم يسمعون سيرة الحسين في ليلة عاشوراء. ~~(3) # وقد أضيفت الصلاة على علي وابنيه الحسن والحسين إلى الصلاة على رسول الله في ~~طائفة من الخطب المنبرية؛ فقد خطب أبو المنيع قرواش بن المقلد خطبة الجمعة بالقاهرة ~~رابع المحرم سنة إحدى وأربعمائة بحضرة الحاكم، فقال: # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ... اصطفاه واختاره لهداية الخلق، وإقامة ~~الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وهدى من الضلالة ... صلى الله عليه وعلى ~~أول مستجيب له علي أمير المؤمنين، وسيد الوصيين. # وقال في الخطبة الثانية بعد حمد الله والثناء على نبيه: # اللهم وصل على وليك الأزهر، وصفيك الأكبر، علي بن أبي طالب أبي ~~الخلفاء الراشدين المهديين، اللهم وصل على السبطين الطاهرين الحسن ~~والحسين. # وحدثني السيد فوزان السابق وكيل حكومة الحجاز بالقاهرة أنه وجد في أحد مساجد ~~المغرب وثيقة زواج ذكرت فيها الصلاة على الحسن والحسين، وأنه رشا خازن تلك الوثيقة ~~وأخذها منه. جرى هذا الحديث منذ ثلاثة عشر عاما بمنزله في عين شمس وبحضرة المرحوم ~~الشيخ عبد الباقي سرور نعيم، وقد مازحته يومئذ فقلت: أترى الوهابيين يجيزون ~~الرشوة؟ ~~(4) # ولو مضينا إلى المكاتب المبثوثة في حي الأزهر واشترينا طائفة من الخطب المنبرية ~~لرأينا ms029 في أكثرها خطبة ثابتة ليوم عاشوراء، ورأينا مؤلفي تلك الخطب يزعمون أن النبي # صلى الله عليه وسلم # أوصى بأن يوسع الرجل على أطفاله في يوم عاشوراء، وأكاد أجزم بأن أهل ~~الريف في مصر يحتفلون بذلك اليوم احتفالهم بعيد الأضحى من حيث التوسع في المطاعم. ~~وفي مصر نوع من الحلوى اسمه «عاشوراء» يؤكل في ذلك اليوم، ويتخيره ناس للفطور في ~~رمضان حتى الأرمن واليونان يقدمونه لزبائنهم في القهوات! ~~(5) # وسنرى كيف يكون مدح أهل البيت مما يتبارى فيه الكتاب والشعراء، وسنرى كيف يحرص ~~الشريف الرضي على إحياء يوم عاشوراء من كل عام بقصيدة يبكي فيها الحسين. # 2 # وسنرى طوائف من المآسي تقع لبعض العلماء بسبب التعصب للحسن والحسين، فقد حدثنا ياقوت # 3 # أن ابن السكيت كان خرج إلى سر من رأى فصيره عبد الله بن يحيى ~~بن خاقان إلى المتوكل، فضم إليه ولده يؤدبهم، وأسنى له الرزق، ثم دعاه إلى ~~منادمته، فنهاه عبد الله بن عبد العزيز عن ذلك، فظن أنه حسده، وأجاب إلى ما دعي ~~إليه. فبينما هو مع المتوكل يوما جاء المعتز والمؤيد، فقال له المتوكل: يا يعقوب، ~~أيما أحب إليك: ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ فذكر الحسن والحسين رضي الله عنهما ~~بما هما أهله، وسكت عن ابنيه، وقيل إنه قال له: إن قنبر خادم علي أحب إلي من ~~ابنيك. فأمر المتوكل الأتراك فسلوا لسانه، وداسوا بطنه، وحمل إلى بيته، فعاش ~~يوما وبعض آخر ومات، ووجه المتوكل من الغد عشرة آلاف درهم ديته إلى أهله، ولما ~~بلغ عبد الله بن عبد العزيز الذي نهاه عن المنادمة خبر قتله أنشد: # نهيتك يا يعقوب عن قرب شادن # إذا ما سطا أربى على كل ضيغم # فذق واحس إني لا أقول الغداة إذ # عثرت لعا بل لليدين وللفم # ولهذا الخبر دلالة على ما كان تمكن في صدور الناس من حب أهل البيت والتصوف في ذلك ~~الحب؛ فابن السكيت كان يخفي التشيع إخفاء شديدا، بحيث خدع فيه المتوكل، وعهد ~~إليه بتأديب ولديه، ولكن الشراب يفضح ms030 المكتوم من أخبار السرائر والنفوس، فلما أخذت ~~منه الكأس أعلن ما كتم، وصرح بأن قنبر خادم علي أحب إليه من ابني المتوكل، ~~فاستهدف للقتل. ~~(6) # ولا ينبغي أن ننسى أن الشعراء والخطباء والقصاص لونوا قتل الحسين رضي الله ~~عنه بألوان شعرية، ألم يقل قائلهم: إن الدم كان يجري من ذلك الفم الذي طالما قبله ~~الرسول؟ # إن هذه اللمحة هي وحدها صورة شعرية تهيج ما غفا من المشاعر والأحاسيس. ~~(7) # ولنتذكر أن بني أمية قاوموا هذه الصور الشعرية، ولكنهم لم يفلحوا، فقد ظل الناس ~~يحبون الحسين. أما دسائس الأمويين ضد الحسين فقد ظفرت ببعض النجاح، ألم يستطيعوا أن ~~يشيعوا في المشرق والمغرب أن الحسن لم يكن صالحا للملك، وأنه كان رجلا مفتونا ~~بحب النساء؟ # ومن العجيب أن بني أمية حاربوا الحسن بلباقة سياسية منقطعة النظير، فقد كانوا ~~يودون اتهامه بضعف الأخلاق، وحب الإثم والفسوق، فلما عز عليهم ذلك قالوا: إنه لم ~~يكن يتمتع بالنساء إلا عن طريق الحلال، فكان يتزوج المرأة ليلهو بها يوما أو بعض ~~يوم، ثم يطلقها ليبحث عن امرأة أفتن وجها، وأنضر شبابا. # ومن العجيب أيضا أن الهاشميين لم يقاوموا هذه الدسيسة، وأعجب من ذلك أن يعدوها ~~من مفاخر ذلك السيد المزواج! # ومن طريف الفكاهات أني كنت نشرت كلمة في جريدة البلاغ عن شواطئ الإسكندرية قلت ~~فيها: «إن أجسام الملاح في تلك الشواطئ تغرس الشوق إلى الاعتزاز بالقومية ~~المصرية»، فعاتبني الشيخ محمد الحكيم المصحح بجريدة البلاغ، وقال: هذه دعوة إلى ~~المجون. # وكنت أعرف أن العمامة الخضراء التي تزين رأسه ستغنيني في إقناعه، فالتفت إليه ~~وقلت: حتى أنت يا سليل الحسن بن علي، تنكر الدعوة إلى تقديس الجمال؟! فابتسم، وطابت ~~نفسه، وانشرح صدره، وترحم على جده، وانطلق يحدث عن نوادره مع النساء. # وقليل من التنبه كاف لتعريفنا بخطر هذه الدسيسة في عالم السياسة، فإن الرجل الذي ~~يشغل نفسه بسياسة المرأة يعسر عليه أن يتفرغ لسياسة الدولة، وهذا المغمز لا يزال ~~معروفا في ميادين النضال السياسي، ولو شئنا لضربنا لذلك الأمثال. # 4 ms031 ~~(8) # نجح الأمويون في تشويه سمعة الحسن من الوجهة السياسية، ولكنهم لم ينجحوا في تشويه ~~سمعة الحسين؛ ولذلك رأينا الشعراء يبدئون ويعيدون في الثناء على هذا الشهيد، ~~ورأينا منهم من يتمثل مصرعه في الأحلام. روى الثعالبي عن أحد معاصريه قال: أخبرني ~~علي بن بشر أنه كان له جد لأم يعرف بكولان، وكان هو من أهل الأدب والكتابة، وحسن ~~الشعر والخطابة، قال لي: حججت سنة من السنين، وجاورت بمكة حرسها الله، فاعتللت علة ~~تطاولت بي، وضاق معها خلقي، ثم صلحت منها بعض الصلاح، ففكرت في أني عملت في أهل ~~البيت تسعا وأربعين قصيدة مدحا، فقلت: أكملها خمسين، ثم ابتدأت فقلت: # بني أحمد يا بني أحمد # ثم أرتج علي فلم أقدر على زيادة، فعظم ذلك علي، واجتهدت في أن أكمل البيت ~~فلم أقدر، فحدث لي من الغم بهذه الحالة ما زاد على غمي بإضاقتي وعلتي، فنمت ~~اهتماما بالحال، فرأيت النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فجئت إليه، فشكوت ما أنا فيه من الإضاقة، ~~وما أجده من العلة، وأخرى من القلة، فقال لي: تصدق يوسع الله عليك، وصم يصح ~~جسمك. فقلت له: يا رسول الله، وأعظم مما شكوته إليك أنني رجل شاعر أتشيع، وأخص ~~بالمحبة ولدك الحسين، وتداخلني له رحمة لما جرى عليه من القتل، وكنت قد عملت في أهل ~~بيتك تسعا وأربعين قصيدة، فلما خلوت بنفسي في هذا الموضع حاولت أن أكملها خمسين، ~~فبدأت قصيدة قلت فيها مصراعا وأرتج علي إجازته، ونفر عني كل ما كنت أعرفه، فما ~~أقدر على قول حرف. قال: فقال لي قولا نحا فيه إلى أنه ليس هذا إلي، لقول الله ~~تعالى: # وما علمناه الشعر وما ينبغي ~~له ~~، ثم قال لي: اذهب إلى صاحبك. وأومأ بيده الشريفة إلى ناحية من ~~نواحي المسجد، وأمر رسولا أن يمضي بي إلى حيث أومأ، فمضى بي الرسول إلى ناس معهم ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له الرسول: أخوك وجه إليك بهذا الرجل فاسمع ~~ما يقوله. قال: فسلمت عليه، وقصصت عليه قصتي ms032 كما قصصت على النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال لي: ~~فما المصراع؟ فقلت: «بني أحمد يا بني أحمد» فقال للوقت قل: # بكت لكمو عمد المسجد # بيثرب واهتز قبر النبي # أبي القاسم السيد الأصيد # وأظلمت الأفق أفق البلاد # وذر على الأرض كالإثمد # ومكة مادت ببطحائها # لإعظام فعل بني الأعبد # ومال الحطيم بأركانه # وما بالبنية من جلمد # وكان وليكم خاذلا # ولو شاء كان طويل اليد # قال: ورددها علي ثلاث مرات، فانتبهت وقد حفظتها. # 5 ~~(9) # ومن أقوى مظاهر التصوف في حب أهل البيت ما كان يقع من أنصارهم في حضرة معاوية، ~~ومن شواهده ما وقع من أبي الطفيل، وكان معاوية يتشهى أن يراه فلم يزل يكاتبه ويلطف ~~له حتى قدم عليه، فجعل يسائله عن أمر الجاهلية، ودخل عليه عمرو بن العاص ونفر معه، ~~فقال لهم معاوية: أما تعرفون هذا؟ هذا خليل أبي الحسن! ثم قال: يا أبا الطفيل، ما ~~بلغ من حبك لعلي؟ قال: حب أم موسى موسى، قال: فما بلغ من بكائك عليه؟ قال: بكاء ~~العجوز الثكلى والشيخ الرقوب، وإلى الله أشكو التقصير! # قال معاوية: إن أصحابي هؤلاء لو كانوا سئلوا عني ما قالوا في ما قلت في ~~صاحبك! # قالوا: إذن والله لا نقول الباطل. # فقال لهم معاوية: لا والله، ولا الحق تقولون! # 6 # وحدثوا أن معاوية كان يسمر مع جماعة من بني أمية، فذكر اسم الزرقاء ابنة عدي بن ~~قيس الهمدانية، وكانت شهدت مع قومها بصفين، فقال لجلسائه: أيكم يحفظ كلامها؟ قال ~~بعضهم: نحن نحفظه يا أمير المؤمنين. قال: أشيروا علي في أمرها، فقال بعضهم: نشير ~~عليك بقتلها. قال: بئس الرأي أشرتم به علي، أيحسن بمثلي أن يتحدث عنه أنه قتل ~~امرأة بعدما ظفر بها؟ وكتب إلى عامله بالكوفة، فأوفدها إليه، ثم قال لها بعد ~~الترحيب: أتدرين فيم بعثت إليك؟ قالت: أنى لي بعلم ما لم أعلم؟! قال: ألست ~~الراكبة الجمل الأحمر، والواقفة بين الصفين تحضين على القتال، وتوقدين الحرب، فما ~~حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين! مات الرأس، وبتر ms033 الذنب، ولم يعد ما ~~ذهب، والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر. قال لها معاوية: ~~أتحفظين كلامك يومئذ؟ قالت: لا والله لا أحفظه، ولقد أنسيته. قال: لكني أحفظه، ~~لله أبوك حين تقولين: «أيها الناس! ارعووا وارجعوا، إنكم قد أصبحتم في فتنة ~~غشتكم جلابيب الظلم، وجارت بكم عند قصد المحجة، فيا لها فتنة عمياء صماء، بكماء، ~~لا تسمع لناعقها، ولا تنساق لقائدها! إن المصباح لا يضيء في الشمس، ولا تنير ~~الكواكب مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد، ألا من استرشد أرشدناه، ومن سألنا ~~أخبرناه. # أيها الناس! إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها، فصبرا يا معشر المهاجرين على ~~الغصص، فكأن قد اندمل شعب الشتات، والتأمت كلمة الحق ودمغ الحق الباطل، فلا يجهلن ~~أحد فيقول: كيف وأنى، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ألا وإن خضاب النساء الحناء، ~~وخضاب الرجال الدماء! ولهذا اليوم ما بعده.» # ثم قال لها: والله يا زرقاء لقد شركت عليا في كل دم سفكه. # فقالت: أحسن الله شارتك، وأدام سلامتك، فمثلك بشر بخير وسر جليسه. # قال: أويسرك ذلك؟ # فقالت: نعم والله لقد سررت بالخبر، فأنى لك بتصديق الفعل؟! # فضحك معاوية وقال: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته! اذكري ~~حاجتك. فقالت: يا أمير المؤمنين، آليت على نفسي ألا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا. # 7 # وحدثوا أيضا أن معاوية حج فسأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحجون، يقال ~~لها دارمية الحجونية، وكانت سوداء كثيرة اللحم، فأخبر بسلامتها فبعث إليها فجيء ~~بها. فقال: ما جاء بك يا ابنة حام؟ فقالت لست لحام، إن عبتني، أنا امرأة من بني ~~كنانة. قال: صدقت، أتدرين لم بعثت إليك؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله. قال: بعثت ~~إليك لأسألك علام أحببت عليا وأبغضتني، وواليته وعاديتني؟ قالت: أوتعفيني؟ ~~قال: لا أعفيك. قالت: أما إذ أبيت فإني أحببت عليا على عدله في الرعية، وقسمه ~~بالسوية، وأبغضتك على قتال من هو أولى منك بالأمر، وطلبك ما ليس لك بحق، ms034 وواليت ~~عليا على ما عقد له رسول الله # صلى الله عليه وسلم # من الولاء وحبه المساكين، وإعظامه لأهل ~~الدين، وعاديتك على سفكك الدماء، وجورك في القضاء، وحكمك بالهوى، قال: فلذلك انتفخ ~~بطنك، وعظم ثدياك، وربت عجيزتك! قالت: يا هذا بهند والله كان يضرب المثل في ذلك، ~~لأبي! قال معاوية: يا هذه اربعي فإنا لم نقل إلا خيرا، إنه إذا انتفخ بطن المرأة ~~تم خلق ولدها، وإذا عظم ثدياها تروى رضيعها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها، ~~فرجعت وسكنت، ثم قال: يا هذه، هل رأيت عليا؟ قالت: إي والله! قال: فكيف رأيته؟ ~~قالت رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم تشغله النعمة التي شغلتك! قال: فهل ~~سمعت كلامه؟ قالت: نعم، والله! فكان يجلو القلوب من العمى، كما يجلو الزيت صدأ ~~الطست. قال: صدقت، فهل لك من حاجة؟ قالت: أوتفعل إذا سألتك؟ قال: نعم. قالت: ~~تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها. قال : تصنعين بها ماذا؟ قالت: أغذو ~~بألبانها الصغار، وأستحيي بها الكبار، وأكتسب بها المكارم، وأصلح بها بين العشائر. ~~قال: فإن أعطيتك ذلك، فهل أحل عندك محل علي بن أبي طالب؟ قالت: سبحان الله! أو ~~دونه! فأنشأ معاوية يقول: # إذا لم أعد بالحلم مني عليكم # فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم # خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد # جزاك على حرب العداوة بالسلم # ثم قال: أما والله لو كان علي حيا ما أعطاك منها شيئا! # قالت: لا والله، ولا وبرة واحدة من مال المسلمين! # 8 ~~(10) # ولهذه المواقف الثلاثة نظائر كثيرة في الأدب العربي، وهي تحتمل ثلاثة فروض: # الفرض الأول: # أن تكون صحيحة، وهي عندئذ شاهد صحيح على التصوف في حب علي، ~~والوفاء للميت بمثل هذه الصورة لا يكون إلا من قلوب عامرة ~~بالإخلاص، ولا سيما إذا تذكرنا أن ذلك الميت انهزم في ميدان ~~السياسة وانهزم ناصروه، وتمت لعدوه الغلبة فاستأثر بالحول ~~والطول. # والفرض الثاني: # أن تكون من وضع العلويين، وهي عندئذ صورة من أهوائهم في حب أهل ~~البيت. # والفرض الثالث: # أن تكون من ms035 وضع الأمويين، ويكون الغرض من وضعها تزكية آل حرب ~~ووصفهم برجاحة الأحلام، فهي أيضا صورة لما كان مفروضا من وفاء ~~بعض الناس لأهل البيت، والفرض الأخير لا يمكن قبوله في جميع ~~الحالات؛ ففي بعض المواقف قذف لآل حرب، ورمي بالبغي والفسوق، ~~وتذكير بمخازيهم في الجاهلية والإسلام، وفي هذه الحال لا يقبل ~~غير الفرض الثاني؛ لأن معاوية مهما حلم فعنده هيبة الملك، وهي ~~كفيلة بأن تقف سفه الخطاب عند الحد المعقول. ~~(11) # ويشبه هذه المواقف ما أنطق به الرواة الخليفة المأمون في مدح علي بن أبي طالب، ~~وأغلب الظن عندنا أن ذلك مصنوع بأيد هاشمية، وهذا الصنع له دلالته على أي حال، ~~فحماسة الشيعة كانت في البداية حماسة سياسية، ثم انقلبت إلى حماسة روحية، فهم ~~يبدئون ويعيدون في مدح أهل البيت بقلوب غمرها التصوف العميق. ~~(12) # على أن هذه المواقف ليست كل شيء، فهناك شعراء قضوا أعمارهم في الدفاع عن أهل ~~البيت، ولقوا في ذلك من المحن والمكاره ما يدل على نصيبهم من صدق الوجدان، أمثال: ~~الكميت، ودعبل، وأبي الطفيل، وهناك شعراء لم يقفوا حياتهم على هذا الفن، ولكن كانت ~~لهم فيه مواقف موصولة بصدق اليقين، أمثال: الشريف الرضي، ومهيار، وسيكون لهؤلاء ~~مكان في هذا الكتاب. ~~(13) # وهناك شعراء أطالوا القول في مدح أهل البيت، وهم شعراء الدولة الفاطمية، ولكن ~~هؤلاء صدقهم مشوب بروح النفع؛ لأن الفاطميين كانوا أقاموا ملكا عظيما في مصر ~~والمغرب، وانتصارهم كاف لتشكيكنا في عواطف من مدحوهم من الشعراء. # وليس معنى ذلك أن مدح المنتصر يخلو من الصدق، لا، ولكن معناه أنه بعيد من التصوف ~~لأنه متهم بحب النفع، وهيهات أن يقف مثل ابن هانئ الأندلسي في صف شاعر مثل ~~الكميت! # إن أمثال ابن هانئ يمدحون أهل البيت وهم محميون بقوة الفواطم، والمنافع تجري ~~حولهم من كل جانب، أما أمثال أبي الطفيل والكميت فكانوا يمدحون أهل البيت والدنيا ~~من حولهم مظلمة، والأنس في قلوبهم مفقود، فهم أوفياء يائسون، والوفاء من اليائس ~~خلق عظيم. # وفي هذه الحقيقة ما يغنينا عن الجواب ms036 إذا سئلنا عن إغفال كثير من الشعراء الذين ~~مدحوا أهل البيت، إن علامة التصوف هي الشجاعة، والشجاعة لا يحتاج إليها إلا في ~~مواطن الخوف، وهي عندئذ دليل على حفظ العهد وصدق اليقين. # الفصل الثالث # | الكميت بن زيد الأسدي # مولده وطفولته - بدايته الشعرية - اهتمام الرواة والنقاد بشعره - إخوانياته ~~ووفاؤه - أهاجيه ومعرفته بالأنساب والأشعار وأحوال الجاهلية - حبه لأهل البيت - ~~اعتذاره عن مدح بني أمية. ~~*** ~~(1) # ولد الكميت بن زيد بالكوفة سنة ستين للهجرة، وبعض من ترجموا له لا يعينون ~~سنة مولده، وإنما يقولون: ولد أيام مقتل الحسين، وعند تأمل أساليب العرب في تقييد ~~المواليد نجد لهم ملحظا ظريفا في ذلك، فهم يقولون إن عمر بن أبي ربيعة ولد في ~~الليلة التي مات فيها عمر بن الخطاب ليصح لهم أن يعقبوا بهذه النكتة، ~~فيقولوا: فأي خير رفع، وأي شر وضع! لأن عمر الذي مات كان مثال الوقار، أما عمر ~~الذي ولد فكان مثال الطيش، وكذلك قالوا إن الكميت ولد في أيام مقتل الحسين، ليشيروا ~~إلى أنه جاء إلى الدنيا في أيام الأحزان العلوية، وأنه بقصائده الهاشميات سيشفي ~~الأحزان التي أحدقت بالعالم الإسلامي يوم جاء إلى الوجود. ~~(2) # مرت طفولة الكميت بين النباهة والخمول، فلم ~~يعرف عنها شيء ذو بال، ولعل أول ما لفت النظر إلى ذكائه ما وقع له مع الفرزدق، فقد ~~حدثوا أنه وقف وهو صبي على الفرزدق وهو ينشد أشعاره، فراع الفرزدق حسن استماع ~~الكميت، وأخذه الزهو والخيلاء، فلما فرغ من إنشاده أقبل على الصبي، وقال: هل أعجبك ~~شعري يا بني؟ فأجاب الكميت: لقد طربت لشعرك طربا لم أشعر بمثله من قبل! فانتشى ~~الفرزدق، وأخذ العجب منه كل مأخذ، وقال للصبي في نشوة المفتون: أيسرك أني أبوك؟ ~~فقال الكميت: أما أبي فلا أريد به بدلا، ولكن يسرني أن تكون أمي! فحضر الفرزدق، ~~وقال: ما مر بي مثلها. # وهذه النادرة مع شاعر في منزلة الفرزدق كانت كفيلة بأن تجعل لذلك الطفل شهرة بين ~~الناس. ~~(3) # ويأبى الرواة إلا أن يجعلوا الكميت من الأعاجيب؛ فهم لا ms037 يريدون أن يجعلوه شاعرا ~~كسائر الشعراء، يبدأ بداية عادية، ثم يتسامى فيسمو إلى منازل الشعر الرفيع، وإنما ~~يزعمون أنه نبغ دفعة واحدة، ويذكرون أن عمه كان رئيس قومه، وأنه قال يوما: يا كميت ~~لم لا تقول الشعر؟ ثم أخذه فأدخله الماء، وقال: لا أخرجك منه أو تقول الشعر، فمرت ~~به قنبرة، فأنشد متمثلا: # يا لك من قنبرة بمعمر # خلا لك الجو فبيضي واصفري # ونقري ما شئت أن تنقري # فقال له عمه ورحمه: قد قلت شعرا فاخرج! فقال الكميت: لا أخرج أو أقول لنفسي! فما ~~رام حتى عمل قصيدته المشهورة، وهي أول شعره، ثم غدا على عمه فقال: اجمع لي العشيرة ~~ليسمعوا، فجمعهم له فأنشد: # طربت وما شوقا إلى البيض أطرب # ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب # 1 # وسنرى أنه ليس بمعقول أن تكون هذه القصيدة أول شعره؛ لأن فيها من القوة ما يقطع ~~بأنها ليست بداية شعرية، وإنما هي صرخة شاعر فحل طال منه الصيال. ~~(4) # نترك طفولة الكميت وصباه، ونذكر أن شاعريته ملأت الدنيا ضجيجا، وأصبح في عصره ~~وبعد عصره مضرب الأمثال، فقد عرض بديع الزمان الهمذاني لاسمه في رسالة الذهب والأدب فقال: # واحتيج في البيت، إلى شيء من الزيت، فأنشدت ألفا ومائتي بيت، من شعر ~~الكميت، فلم يغن. # وعني ابن الأعرابي بدرسه، وكان ابن الأعرابي لا يشغل نفسه إلا بالشعراء الفحول ~~الذين يعرفون الأنساب، أو يمتون بعرق إلى الأساليب الجاهلية، وكان الجاهليون ~~عندهم أئمة البيان. # ولم يعن ابن الأعرابي بدرس شعر الكميت فحسب، بل كان يذكر به من يغفلون عنه ~~حين يعرضون عليه ما عرفوا من معاني الشعراء. # 2 # وقد شهد له الفرزدق بقوة الشاعرية، فإنه لما قدم الكوفة أسرع إليه الكميت، فقال ~~له: إني قد قلت شيئا فاسمعه مني يا أبا فراس، قال: هاته، فأنشده قوله في أهل ~~البيت: # طربت وما شوقا إلى البيض أطرب # ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب # ولم تلهني دار ولا رسم منزل # ولم يتطربني بنان مخضب # ولا السانحات البارحات عشية # أمر سليم القرن ms038 أم مر أعضب # ولكن إلى أهل الفضائل والنهى # وخير بني حواء والخير يطلب # إلى النفر البيض الذين بحبهم # إلى الله فيما نالني أتقرب # بني هاشم رهط النبي فإنني # بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب # خفضت لهم مني جناحي مودة # إلى كنف عطفاه أهل ومرحب # وكنت لهم من هؤلاك وهؤلا # مجنا على أني أذم وأقصب # وأرمى وأرمي بالعداوة أهلها # وإني لأوذى فيهمو وأؤنب # فقال له الفرزدق: قد طربت إلى شيء ما طرب إليه أحد قبلك، فأما نحن فلا نطرب، ولا ~~طرب من كان قبلنا إلا إلى ما تركت أنت الطرب إليه، ثم قال له: يا ابن أخي أذع ~~ثم أذع، فأنت والله أشعر من مضى وأشعر من بقي. # 3 # وشهادة الفرزدق لها قيمة؛ فقد كان من المتقدمين من يرى الشعراء أصحاب الحق ~~الأول في نقد الشعر لأنهم أعرف بعيون الكلام، وأبصر بالمآزق التي يتعرض لها ~~الشعراء. # وبلغ من شاعرية الكميت أن صارت ديباجته عنوانا عليه يعرفه بها الرواة، وإن لم ~~يقرن اسمه إلى شعره، فقد حدثوا أن هشاما اتهم خالد بن عبد الله، وكان يقال له: ~~«إنه يريد خلعك» فوجد بباب هشام يوما رقعة فيها شعر، فدخل بها على هشام ~~فقرئت عليه، وهي: # تألق برق عندنا وتقابلت # أثاف لقدر الحرب أخشى اقتبالها # فدونك قدر الحرب وهي مقرة # لكفيك واجعل دون قدر جعالها # ولن تنتهي أو يبلغ الأمر حده # فنلها برسل قبل ألا تنالها # فتجشم منها ما جشمت من التي # بسوراء هرت نحو حالك حالها # 4 # تلاف أمور الناس قبل تفاقم # بعقدة حزم لا تخاف انحلالها # فما أبرم الأقوام يوما لحيلة # من الأمر إلا قلدوك احتيالها # وقد تخبر الحرب العوان بسرها # وإن لم تبح من لا يريد سؤالها # فأمر هشام أن يجمع له من بحضرته من الرواة، فجمعوا فأمر بالأبيات فقرئت ~~عليهم فقال: شعر من تشبه هذه الأبيات؟ # فأجمعوا جميعا من ساعتهم أنه كلام الكميت. # فقال هشام: نعم! هذا الكميت ينذرني بخالد بن عبد الله. # 5 # ودلالة الأسلوب على صاحبه مظهر من مظاهر ms039 قوة الشخصية بغض النظر عن القيمة الذاتية ~~لآثار الكتاب والشعراء. # وكان بشار يتحامل على الكميت، ويقول: ما كان الكميت شاعرا، فقيل له: كيف وهو ~~الذي يقول: # أنصف امرئ من نصف حي يسبني # لعمري لقد لاقيت خطبا من الخطب # هنيئا لكلب أن كلبا يسبني # وأني لم أردد جوابا على كلب # فبهت بشار، وأجاب بجواب سخيف. # 6 # وتحامل بشار على الكميت ليس بشيء، فإن الشعراء قد يجازي بعضهم بعضا أسوأ ~~الجزاء، وقد يكون من أسباب حقد بشار على الكميت رغبته في أن يغيظ أشياعه من الرواة ~~والنقاد، وما قيمة تحامل بشار بجانب شهادة الجاحظ الذي قال: ما فتح للشيعة ~~الحجاج إلا الكميت بقوله: # فإن هي لم تصلح لحي سواهم # فإن ذوي القربى أحق وأوجب # يقولون لم يورث ولولا تراثه # لقد شركت فيه بجيل وأرحب # 7 # وكان الجاحظ من أعلم الناس بتطور الحركات العقلية في الأحزاب الإسلامية. # ومن أقرب الشهادات إلى معاني الوفاء ما وقع يوم التقت ريا بنت الكميت، وفاطمة ~~بنت أبان بن الوليد بمكة، وهما حاجتان، فتساءلتا حتى تعارفتا، فدفعت بنت أبان ~~إلى بنت الكميت خلخالي ذهب كانا عليها، فقالت لها بنت الكميت: جزاكم الله خيرا ~~يا آل أبان! فما تتركون بركم بنا قديما ولا حديثا. فقالت لها بنت أبان: بل أنتم ~~فجزاكم الله خيرا، فإنا أعطيناكم ما يبيد ويفنى، وأعطيتمونا من المجد والشرف ما ~~يبقى أبدا ولا يبيد، يتناشده الناس في المحافل، فيحيي ميت الذكر، ويرفع بقية العقب. # 8 # وكان الكميت أجاد مدح أبان بن الوليد. # وكان بنو أسد يعدون الكميت من مفاخرهم، ويقولون: فينا فضيلة ليست في العالم، ~~ليس منزل منا إلا وفيه بركة وراثة الكميت؛ لأنه رأى النبي # صلى الله عليه وسلم # في النوم، فقال ~~له أنشدني: # طربت وما شوقا إلى البيض أطرب # فأنشده فقال له: بوركت وبورك قومك! # 9 # وحدث أبو عكرمة الضبي عن أبيه فقال: أدركت الناس بالكوفة يقولون: # من لم يرو: «طربت وما شوقا إلى البيض أطرب» فليس بهاشمي. # ومن لم يرو: «ذكر القلب إلفه ms040 المهجورا» فليس بأموي. # ومن لم يرو: «هلا عرفت منازلا بالأبرق» فليس بمهلبي. # ومن لم يرو: «طربت وهاجك الشوق الحثيث» فليس بثقفي. # 10 # وكان إلى هذا كله يوزن رأيه في الحكم على الشعراء، وقد أثبت صاحب الأغاني رأيه في ~~شعر أمية بن أبي الصلت. # 11 # وكان هو نفسه مفتونا بالإجادة، فقد قيل له: إنك قلت في بني هاشم فأحسنت، وقلت في ~~بني أمية أفضل. فأجاب: إني إذا قلت أحببت أن أحسن. # 12 # وقد استشهد النحاة بشعره غير مرة، وإن كره ذلك المفضل الذي سلكه مع كثير وذي ~~الرمة والطرماح # 13 # على حين كان يراه معاذ الهراء أشعر الأولين والآخرين. # 14 # تلك منزلة الكميت عند القدماء، فإن سألتم ~~أين منزلته في العصر الحديث فإنا نذكر أنه آخر من يهتم به أساتذة الأدب في المعاهد ~~العلمية، وقد سبق المستشرقون إلى إحياء شعره فطبعوا هاشمياته في ليدن سنة 1904م، ~~وكتب لها أحدهم مقدمة وتصحيحات باللغة الألمانية. # 15 ~~(5) # كانت حياة الكميت موزعة بين طائفة من الأهواء والميول، فكان من الوجهة النفسية ~~رجلا يعرف حقوق الإخوان، فيصطفي من يصطفي على أساس العقل، وقد لاحظ معاصروه أن ما ~~كان بينه وبين الطرماح من المودة لم يكن بين اثنين على تفاوت المذهب والعصبية ~~فقيل له: فيم اتفقتما هذا الاتفاق مع اختلاف سائر الأهواء؟ فقال: اتفقنا على بغض العامة. # 16 # ومعنى هذا أن قرابة العقل كانت تجمع بين الرجلين، وتلك لفتة خلقية لا يدرك ~~قيمتها إلا الأقلون، ومن أجل هذا اهتم ابن قتيبة برواية شعره في باب الإخوان من ~~عيون الأخبار، فروى له في باب المودة بالتشاكل هذه الأبيات: # وما أنا بالنكس الدنيء ولا الذي # إذا صد عنه ذو المودة يقرب # ولكنه إن دام دمت وإن يكن # له مذهب عني فلي عنه مذهب # ألا إن خير الود ود تطوعت # به النفس لا ود أتى وهو متعب # وروى له في باب شرار الإخوان: # وقد يخذل المولى دعائي ويجتدي # أذاتي وإن يعدل به الضيم أغضب # فأونس من بعض الصديق ملالة الد ms041 # نو فأستبقيهمو بالتجنب # ويتصل بصدق الأخوة في نفسه ما وقع له يوم مدح الحكم بن الصلت بقصيدته: # طربت وهاجك الشوق الحثيث # فإنه لما فرغ من إنشاده دعا الحكم بخازنه ليعطيه الجائزة، ثم دعا بأبان بن الوليد ~~فأدخل عليه وهو مكبل بالحديد، فطالبه بما عليه من المال، فالتفت الكميت فرآه ~~فدمعت عيناه، وأقبل على الحكم، فقال: أصلح الله الأمير! اجعل جائزتي لأبان. # وكان حوشب بن يزيد الشيباني بالمجلس، وكان يكره الكميت وأبان معا وساءه أن يشفع ~~الكميت لأبان، فقال: أصلح الله الأمير! أتشفع حمار بني أسد في عبد بجيلة؟ # فقال له الكميت: لئن قلت ذاك فوالله ما فررنا عن آبائنا حتى قتلوا، ولا نكحنا ~~حلائل آبائنا بعد أن ماتوا ... وكان يقال إن حوشبا فر عن أبيه في بعض الحروب، فقتل ~~أبوه ونجا هو. # وفيه يقول الشاعر: # نجى حشاشته وأسلم شيخه # لما رأى وقع الأسنة حوشب # 17 ~~(6) # وكما كان الكميت عذب المودة كان مر العداوة، وقد هاجى فريقا من الشعراء، ~~وتعرض للحبس بسبب هجائه لبعض الأمراء، عرض له الكلبي بهذين البيتين: # ما سرني أن أمي من بني أسد # وأن ربي نجاني من النار # وأنهم زوجوني من بناتهم # وأن لي كل يوم ألف دينار # فأجاب الكميت: # يا كلب ما لك أم من بني أسد # معروفة فاحترق يا كلب بالنار # لكن أمك من قوم شنئت بهم # قد قنعوك قناع الخزي والعار # 18 # وحمله غرامه بالهجاء على التفوق في علم الأنساب، فإنه لا شيء أخطر في الخصومات من ~~معرفة قديم المثالب حين تضطرم نار السباب، ويظهر أن الكميت كان عفى على الأولين ~~من النسابين، فقد نقل ياقوت أن ابن عبدة النساب قال: «ما عرف النساب أنساب العرب ~~على حقيقة حتى قال الكميت النزاريات فأظهر بها علما كثيرا، ولقد نظرت في شعره ~~فما رأيت أحدا أعلم منه بالعرب وأيامها.» # 19 # وفي الأغاني أن الكميت وحمادا الراوية ~~اجتمعا في مسجد الكوفة فتذاكرا أشعار العرب وأيامها، فخالفه حماد في شيء ونازعه، ~~فقال الكميت: أتظن أنك أعلم مني بأيام ms042 العرب وأشعارها؟ قال: ما هو إلا الظن؟ هذا ~~والله اليقين! فغضب الكميت ثم قال: لكم شاعر بصير يقال له عمرو بن فلان تروي؟ ~~ولكم شاعر أعور أو أعمى اسمه فلان بن عمرو تروي؟ فقال حماد قولا غير مقنع، فجعل ~~الكميت يذكر رجلا رجلا من صنف صنف، ويسأل حمادا هل يعرفه؟ فإذا قال لا، أنشده من ~~شعره جزءا جزءا حتى ضجر السامعون، ثم قال له الكميت: فإني سائلك عن شيء من الشعر، ~~فسأل عن قول يزيد بن طعمة الخطمي: # طرحوا أصحابهم في ورطة # قذفك المقلة شطر المعترك # فلم يعلم حماد تفسيره، فسأله عن قول ~~الآخر: # تدريننا بالقول حتى كأنما # تدرين ولدانا تصيد الرهادنا # فأفحم حماد، فقال له الكميت: أجلتك إلى الجمعة الأخرى، فجاء حماد ولم يأت ~~بتفسيرهما، وسأل الكميت أن يفسرهما له، فقال: المقلة: حصاة أو نواة من نوى المقل ~~يحملها القوم معهم إذا سافروا، وتوضع في الإناء ويصب عليها الماء حتى يغمرها، فيكون ~~ذلك علامة يقتسمون بها الماء، والشطر: النصيب، والمعترك: الموضع الذي يختصمون فيه ~~في الماء، فيلقونها هناك عند الشرب، وقوله : «تدريننا» يعني النساء؛ أي ختلننا ~~فرميننا، والرهادن: طير بمكة كالعصافير. # 20 # ولم يقف الكميت بعلمه عند أنساب العرب وأشعارها، بل مضى فعرف أخبار الناس في ~~الجاهلية، وكانت له جدتان أدركتا ذلك العهد، فكانتا تصفان له البادية وأمورها، ~~وتخبرانه بأخبار الناس في الجاهلية، فإذا شك في شعر أو خبر عرضه عليهما فتخبرانه ~~عنه، ومن هنا كان علمه بالبادية في أكثره علم سماع لا علم معاينة، وقد تنبه إلى ذلك ~~ذو الرمة حين أنشده بائيته التي عارض بها قصيدته. # ما بال عينك منها الماء ينسكب # فقال له: «ويحك! إنك لتقول قولا ما يقدر إنسان أن يقول لك أصبت ولا أخطأت، وذلك ~~أنك تصف الشيء فلا تجيء به، ولا تقع بعيدا منه، بل تقع قريبا منه.» # فقال الكميت: أوتدري لم ذلك؟ قال: لا. فقال: لأنك تصف شيئا رأيته بعينك، ~~وأنا أصف شيئا وصف لي وليست المعاينة كالوصف. # 21 # وهذا كله يدلنا ms043 على أن الكميت استعد للثقافة الشعرية استعدادا بلغ فيه أقصى ~~الجهد، وكثير من شعره يجري مجرى التلميح لما وقع بين القبائل، على نحو ما نرى في ~~هذا البيت: # كأن الغطامط من غليها # أراجيز أسلم تهجو غفارا # 22 ~~(7) # ننتقل إلى الأهم من أمر الكميت، وهو حبه لأهل البيت، وليس من المغالاة أن نقول إن ~~حبه للرسول وأهله كان أقوى ما عرف من عواطف الشعراء لذلك العهد، وهو في حبه هذا ~~يمثل الروحانية أصدق تمثيل، وما ظنكم برجل يفنى في حبه فناء تنمحي الدنيا في ~~سبيله، أو تكاد، ويمضي فيتغنى بحب الرسول وأهل بيته في أيام كان مدح الرسول فيها ~~يعرض الشاعر لغضب بني أمية، وبيدهم الحول والطول، وما كان بنو أمية بكافرين ~~حتى يؤذيهم مدح الرسول، ولكن السياسة كما أشرنا من قبل كانت ترى في مدح الرسول ~~تزكية للهاشميين، وكان الكميت يصرح بأنهم انتهبوا الخلافة بغير حق، وهي في رأيه ~~ميراث الرسول لا يصلح لها إلا أهله الأقربون. # وشواهد التاريخ تدلنا على أن الهاشميين كانوا في حال من اليأس لا يرهبهم فيها ~~عدو، ولا يرجوهم صديق ، وهذا يزيد في أقدار من تعصبوا لهم من الشعراء، ولا سيما إذا ~~لاحظنا أن الكميت كان يتوجع لبني هاشم توجعا يثير الدمع، وكان يحن إلى مودتهم ~~حنينا هو أقباس من التصوف، وكانت له معهم نوادر تفصح عن صدق سريرته أجمل إفصاح، ~~وإليك هذا المثال: # دخل الكميت على أبي عبد الله جعفر بن محمد، فقال له: جعلت فداك! ألا ~~أنشدك؟ # فقال أبو عبد الله: إنها أيام عظام! فقال الكميت: إنها فيكم. فقال هات! وبعث ~~أبو عبد الله إلى بعض أهله فقرب فأنشده، وكثر البكاء حين أتى على هذا ~~البيت: # يصيب به الرامون عن قوس غيرهم # فيا آخرا أسدى له الغي أول # فرفع أبو عبد الله يديه، وقال: اللهم اغفر للكميت ما قدم وما أخر، وما أسر ~~وما أعلن، وأعطه حتى يرضى! # ومن المؤكد عندنا أن هذه الدعوة كانت أحب إلى قلب الكميت من سني العطاء، ودليلنا ms044 ~~على ذلك أنه دخل يوما على أبي عبد الله فأعطاه ألف دينار وكسوة، فقال له الكميت: ~~«والله ما أحببتكم للدنيا، ولو أردت الدنيا لأتيت من هي في يديه، ولكني أحببتكم ~~للآخرة، فأما الثياب التي أصابت أجسامكم، فأنا أقبلها لبركتها، وأما المال فلا ~~أقبله» وكذلك رد المال، وقبل الثياب. # 23 # ودخل على فاطمة بنت الحسين، فقالت: هذا شاعرنا أهل البيت! # وجيء بقدح فيه سويق فحركته بيدها، وسقت الكميت فشربه، ثم أمرت له بثلاثين دينارا ~~ومركب، فهملت عيناه، وقال: «والله لا أقبلها، إني لم أحبكم للدنيا.» # 24 # فإن لم يكن هذا الولاء تصوفا وروحانية، فأين يكون التصوف، وأين تكون الروحانية؟ ~~وكان هو نفسه يؤمن بأنه يسير في طريق الحق، ويعتقد بأنه يتقرب إلى الله بحب أهل ~~البيت، وشاهد ذلك أنه رأى النبي في نومه، وهو مختف بعد أن هرب من السجن، فقال له ~~الرسول: مم خوفك؟ # فقال: يا رسول الله، من بني أمية، وأنشده: # ألم ترني من حب آل محمد # أروح وأغدو خائفا أترقب # فقال له رسول الله: اظهر فإن الله قد أمنك في الدنيا والآخرة. # وقد اطمأنت جماهير المسلمين إلى صدق الكميت، وكان خصومه من الشعراء يعادونه في ~~هيبة وحذر خوفا من غضب الرسول، وقد حدثوا أن دعبلا لما ناقض الكميت في قصيدته ~~التي هجا بها قبائل اليمن رأى النبي # صلى الله عليه وسلم # في النوم فنهاه عن ذكر الكميت بسوء. # 25 # والعلم الذي نعرفه، وهو علم قليل، يشرح هذه الأحلام شرحا مقبولا، وهو يجعلها ~~دليلا على نيات من يحلمون، فإذا استطاع العلم بعد اليوم أن يثبت صلة الأرواح ~~بالأحياء، فسنعرف يومئذ أن الكميت كان قريبا كل القرب من روح الرسول. ~~(8) # وقد أثرت عن الكميت مواطن مدح فيها بني أمية، فكيف يتفق ذلك لشاعر أخلص في حب ~~أهل البيت؟ ونجيب بأنه كان ينتمي أحيانا إلى بني أمية ليقي أعراض بني هاشم، فقد ~~لامه ابنه على أن افتخر ببني أمية، وهو يهاجي الكلبي عدوه، فأجاب: «يا بني، أنت ~~تعلم انقطاع الكلبي إلى ms045 بني أمية، وهم أعداء علي عليه السلام، فلو ذكرت عليا ~~لترك ذكري، وأقبل على هجائه، فأكون قد عرضت عليا له، ولا أجد له ناصرا من بني ~~أمية، ففخرت عليه ببني أمية وقلت إن نقضها علي قتلوه، وإن أمسك عن ذكرهم ~~قتلته غما وغلبته.» # 26 # وكان الأمر كما قال: أمسك الكلبي عن جوابه فغلب عليه وأفحم الكلبي. # ودخل يوما على أبي جعفر محمد بن علي، فقال له: يا كميت، أنت القائل: # والآن صرت إلى أمي # ة والأمور إلى مصاير # فأجاب الكميت: نعم! قد قلت، ولا والله ما أردت به إلا الدنيا، ولقد عرفت فضلكم. # 27 # وهذا الجواب غاية في أدب النفس؛ فالشاعر لا ينكر أنه مدح بني أمية وإنما يعترف ~~بأنه لم يرد بذلك إلا الدنيا، أما الآخرة فقد أرادها بمدح أهل البيت. # ولنتذكر أنه قال هذا القول بمسمع من بني أمية، وبأيديهم مفاتيح الخزائن ومقاليد ~~السجون؛ فهو منهم بين الرجاء والخوف، ولم يمنعه ذلك الموقف الحرج من التصريح بأنه ~~لم يمدحهم إلا للدنيا الفانية، وهذا التصريح هو في ذاته قصيدة هجاء، وهل ينكر أحد ~~أن الاعتراف يهدم الاقتراف؟ # على أنه إن صح أن الشعر دليل على وجدان الشاعر، فسيبقى من شواهد صدقه أن شعره في ~~الهاشميين أقوى من شعره في بني أمية، فليست أشعاره في الأمويين إلا قصائد مديح لها ~~نظائر وأمثال في اللغة العربية، أما قصائده الهاشميات فهي أعز من أن يكون لها نظائر ~~وأمثال. # الفصل الرابع # | هاشميات الكميت # إلحاح الشاعر في وصف بني هاشم بكرم الأخلاق ~~- تعلق المنهزمين في السياسة بأهداب المثل الأعلى - صور من أخلاق الهاشميين - ~~الهاشميات من القصائد الطوال - مظاهر التجديد عند الكميت - مدح أهل البيت فرع من ~~المدائح النبوية - مقارعة الأمويين في البائية واللامية - ملامح من هاتين القصيدتين ~~- مظهر التصوف في البائية. ~~*** ~~(1) # أول خصيصة لهذه القصائد هي الروح العقلية، فالشاعر لا يشغلنا بنفسه ولا بفنه، ~~وإنما يشغلنا بالتفكير في مصير الأمة الإسلامية، وهو يسوق ذلك بتصوف عجيب، فالخلافة ~~ليست عنده ولاية للحكم تعود على الخلفاء ms046 وأشياعهم بالجاه وبالأموال، وإنما هي ميزان ~~للعدل لا يقوم به إلا المصطفون الأخيار. # ومن أجل ذلك نراه يلح في وصف بني هاشم بكرم الأخلاق. ويظهر مما اطلعنا عليه أن ~~الهاشميين كانوا في ذلك العهد أقرب الناس إلى لطف الشمائل، وكرم الخصال. وقليل من ~~الاستقصاء يرينا أن الحرص على الأخلاق الشريفة يكون غالبا من خواص من ينهزمون في ~~الميادين السياسية، ولنا على ذلك شواهد في الشرق والغرب: فالحزب الملكي في فرنسا ~~يظهر غيرة شديدة على الأخلاق، والحزب الوطني في مصر يميل أنصاره إلى مؤازرة ~~الجمعيات الإسلامية، وتعليل ذلك سهل؛ فإن المرء يحب أن يتسلح بالقوة، فإن أعوزته ~~القوة تسلح بالخلق الجميل. # وليس معنى هذا أن المنهزمين في ميادين السياسة يتجرون بالأخلاق، لا ولكن معناه أن ~~قوى المنهزمين في السياسة تتحول إلى معان روحية ووجدانية وعلى أكتاف هؤلاء ~~المنهزمين تقوم المبادئ الصوفية، التي لا تترعرع إلا في صدور من خلصوا من هموم ~~السلطان، وأقبلوا على عالم الروح. # ومن هنا نفهم أن الكميت كان يدافع عن المثل الأعلى، كان يريد أن تقوم الدولة على ~~أساس الدين؛ أي على أساس النزاهة المطلقة التي لا يشوبها جور ولا رياء ولا خداع، ~~وهذا المثل الأعلى هو الذي هزم الهاشميين ونصر الأمويين؛ ذلك بأنه لا يكفي أن تقوم ~~النزاهة من جانب واحد هو جانب الحكام، وإنما يجب لنصرة المثل الأعلى أن تغمر ~~النزاهة أيضا صدور المحكومين، والدنيا كما عرفناها وعرفها الناس فيها الرشد ~~والغي، والقناعة والطمع، والبر والعقوق. وقيام الملك لا يغني فيه زهد علي، كما ~~يغني دهاء معاوية؛ ولهذا رأينا الحكماء يتمثلون حكومة العدل المطلق حكومة وهمية، ~~فيصورونها في كتبهم على أنها أماني وأحلام، ويا بعد ما بين الحقيقة ~~والخيال! # فمن جوانب الضعف عند الكميت ألا يفهم أن الأخلاق دولة أعز من دولة السلطان، ~~وأنه لا يليق بصاحب الخلق المتين أن يبكي ما ضاع منه كلما رأى أهل الدنيا يمرحون في ~~ظلال الترف والنعيم. # ولكن هذا الضعف هو عين القوة، فالرجل يرى ~~المثل الأعلى في الجمع ms047 بين السيطرة والزهد، ولو صح لنا أن نلومه على ذلك لجاز أن ~~نتصور أن صيحات المصلحين لغو وفضول. # وأهل الدنيا في الأغلب يرون كلمات الحكماء نوعا من الثرثرة، ولكن العواقب تحكم ~~دائما بأن الحق كان من نصيب أولئك المستضعفين، على أن أمثال بني أمية لم يستتب ~~لهم الملك لأنهم عرفوا كيف يبثون الرجاء والخوف، وإنما تماسك الناس بفضل ما عرفوا ~~واصطنعوا من الخلق والدين، ولو ترك المسيطرون وجها لوجه أمام الجماهير التي لا ~~يميلها غير الرجاء، ولا يرهبها غير الخوف، لانهزموا أقبح انهزام، فإن الشعب الذي لا ~~يتماسك بفضل ما ورث من الأخلاق لا يمسكه خوف ولا رجاء. # وخلاصة هذه الفكرة أن الكميت لم يفهم كيف يقوم الملك، ولو قد فهم لنصح الهاشميين ~~باصطناع ما اصطنع الأمويون من التخلق بخلق المعاش، وللمعاش أخلاق يحسنها من يعرفون ~~كيف تجمع الثروة، وكيف يخلق الأنصار والأعوان، كما فعل معاوية الذي لم يقض ~~سنيه عبثا يوم ولاه عمر بن الخطاب على الأقطار الشامية، بل بذل ما يملك من جهد ~~ودهاء في خلق الأنصار والأعوان، لتكون الشام ذخيرة حربية حين يبدو في أفق السياسة ~~ما يدعو إلى الزحف للأخذ بناصية الملك. # ولكن هذه الغفلة من جانب الكميت هي أساس القوة الروحية، فلو أنه شك لحظة في صحة ~~ما عليه الهاشميون من الأخلاق لما نافح عنهم بتلك القصائد الطوال، ولو تطرق إلى ~~ذهنه أن الملك يحتاج إلى المداهنة في معاملة الناس لما وصل إلى تلك العظمة النفسية ~~التي تطالعنا بوادرها كلما نظرنا في الهاشميات. # والهاشميون أنفسهم لو حاولوا التخلق بأخلاق الأمويين لانهزموا في ميدان الدنيا ~~وميدان الدين، وقوة الرجل أن يقف حيث وقفته الفطرة، فيقسو ويرق وفقا لما في ~~فطرته من عناصر العنف واللين. ~~(2) # أقول هذا لأبين أثر السذاجة في أحكام هذا الشاعر من الوجهة النفسية، فهو حين يمدح ~~الهاشميين بكرم الأخلاق يقف عند الشمائل الصريحة التي يتحلى بها أهل الشهامة ~~والنبل، فيقول: # بل هواي الذي أجن وأبدي # لبني هاشم فروع الأنام # للقريبين من ندى والبعيدي ms048 # ن من الجور في عرى الأحكام # والمصيبين باب ما أخطأ النا # س ومرسي قواعد الإسلام # والحماة الكفاة في الحرب إن لف # ضرام وقوده بضرام # والغيوث الذين إن أمحل النا # س فمأوى حواضن الأيتام # والولاة الكفاة للأمر إن طر # ق يتنا بمجهض أو تمام # والأساة الشفاة للداء ذي الري # بة والمدركين بالأوغام # لكثيرين طيبين من النا # س وبرين صادقين كرام # واضحي أوجه كرام جدود # واسطي نسبة لهام فهام # للذرى فالذرى من الحسب الثا # قب بين القمقام فالقمقام # 1 # راجحي الوزن كاملي العدل في السي # رة طببن بالأمور العظام # مستفيدين متلفين مواهي # ب مطاعيم غير ما أبرام # 2 # ومداريك للذحول متاري # ك وإن أحفظوا لعور الكلام # 3 # لا حباهم تحل للمنطق الشغ # ب ولا للطام يوم اللطام # وإذا الحرب أومضت بسنا الحر # ب وسار الهمام نحو الهمام # فهم الأسد في الوغى لا اللواتي # بين خيس العرين والآجام # أسد حرب غيوث جدب بهالي # ل مقاويل غير ما أفدام # 4 # لا مهاذير في الندي مكاثي # ر ولا مصمتون بالإفحام # وهم الآخذون من ثقة الأم # ر بتقواهم عرى لا انفصام # ومحلون محرمون مقرو # ن لحل قراره وحرام # وتلك أخلاق صريحة كلها شرف ونبل، وهي تمثل فهم الكميت لخلائق الأشراف، وأهل البيت ~~في شعره رجال بررة، كرام، شجعان، فصحاء لا يكثرون في هذر، ولا يصمتون مفحمين، وهم ~~فوق ذلك كله يعتصمون بالتقوى فلا يحلون ولا يحرمون إلا بوحي الدين ~~الحنيف. # وهم مع هذه الأخلاق الصريحة ساسة، ولكنهم ليسوا كالساسة الذين يرعون الناس كما ~~يرعون الأنعام: # لا كعبد المليك أو كوليد # أو كسليمان بعد أو كهشام # رأيه فيهم كرأي ذوي الثل # ة في الثائجات جنح الظلام # 5 # جز ذي الصوف وانتقاء لذي المخ # ة نعقا ودعدعا بالبهام # من يمت لا يمت فقيدا وإن يح # ي فلا ذو إل ولا ذو ذمام # وهذه الأبيات تمثل رأيه في بني أمية، كل همهم أن يعاملوا الرعية معاملة ~~الضأن: يجزون ذوات الصوف، ويأكلون السمينات. # وهجاء بني أمية عنصر أصيل من عناصر ms049 الهاشميات، وهو على كثرة ألوانه يرجع إلى ~~أصلين؛ الأول: أن بني أمية انتهبوا الخلافة من غير حق، والثاني: أنهم ساروا في ~~الناس سيرة الجور والاعتساف. ~~(3) # ندع هذا، وننتقل إلى التعريف بالهاشميات فنقول: # أهم هذه القصائد أربع: بائيتان، مطلع الأولى: # طربت وما شوقا إلى البيض أطرب # ولا لعبا مني وذو الشوق يلعب # وعدة أبياتها 138، ومطلع الثانية: # أنى ومن أين آبك الطرب # من حيث لا صبوة ولا ريب # وعدة أبياتها 67، والثالثة لامية، ومطلعها: # ألا هل عم في رأيه متأمل # وهل مدبر بعد الإساءة مقبل # وعدة أبياتها 89، والرابعة ميمية، ومطلعها: # من لقلب متيم مستهام # غير ما صبوة ولا أحلام # وعدة أبياتها 102. # فهي إذن قصائد طوال، والذي عالج الشعر في اللغة العربية يعرف أن القصيدة لا تجاوز ~~المائة بيت إلا حين تستبد بعقل الشاعر وخياله وهواه، فإن وحدة الوزن والقافية في ~~الشعر العربي تفرض طبع الذهن على غرار موحد، وتدور بالشاعر حول أنغام موسيقية ~~متماثلة الأوضاع. والشاعر الأوروبي الذي ينظم قصيدة من مائة بيت لا تحوم نفسه في جو ~~واحد على نحو ما يفعل الشاعر العربي؛ لأن اختلاف الوزن والقافية في الأشعار ~~اللاتينية والسكسونية يعطي فرصا من راحة النفس لا يظفر بها الشاعر العربي الذي ~~يلتزم وحدة الوزن والقافية، ونخرج من هذا بنتيجة محتومة: هي أن الكميت احتفل ~~بهاشمياته كل الاحتفال، وأساس التجويد في جميع الفنون هو التهيؤ والاستعداد لإنضاج ~~الصور الشعرية والملامح الفنية. # والكميت نفسه يشعر بخطر هذه القصائد، فيقول في ختام اللامية: # فدونكموها يال أحمد إنها # مقللة لم يأل فيها المقلل # 6 # مهذبة غراء في غب قولها # غداة غد تفسير ما قال مجمل # أتتكم على هول الجنان ولم تطع # لنا ناهيا ممن يئن ويرحل # وما ضرها أن كان في الترب ثاويا # زهير وأودى ذو القروح وجرول # وهذا الزهو يحدثنا بأفصح بيان عن اطمئنان الكميت إلى قوة هذه القصائد الطوال، وهو ~~يضع نفسه في منزلة زهير وامرئ القيس والحطيئة، في أيام كان فيها أولئك الشعراء من ~~السباقين الذين لا يشق لهم غبار. ~~(4) # ولا ms050 مندوحة لنا من الإشارة إلى ما في تلك القصائد من بعض السمات الجاهلية، فوصف ~~الناقة له في تلك المطولات مكان، وكان وصف الناقة من البدع الشعرية التي أذاعها ~~الجاهليون وتابعهم فيها فريق من الشعراء الإسلاميين، وهي بدعة كان يوحيها ظرف ~~الزمان والمعاش، ولكنها تحولت إلى موضوع فني يتسابق إلى التجويد فيه كبار الشعراء ~~بسبب ما في النوق من الجمال. ~~(5) # ومن مظاهر التجديد في الفن الشعري عند الكميت هو زهده في بكاء الأطلال والرسوم، ~~وقصر هواه على الحنين إلى أهل البيت، وسينتهب أبو نواس هذه اللفتة، وسيقول الناس ~~- وقد قالوا - إن أبا نواس هو أول من زهد في بكاء الرسوم والأطلال، فلنعلم الآن أن ~~الكميت هو صاحب هذه البدعة الشعرية، والفرق بين الرجلين: أن الكميت ينصرف عن بكاء ~~الدمن الدوارس ليمدح أهل البيت، رهط الرسول، أما أبو نواس فينصرف عن وصف الديار ~~الخالية ليقف همه على وصف الخمر ومجالس الشراب. ~~(6) # والكميت لا يمدح أهل البيت لذواتهم، وإنما يعلل مدحه إياهم بقرابتهم من الرسول، ~~كقوله في البائية الكبرى: # إلى النفر البيض الذين بحبهم # إلى الله فيما نالني أتقرب # بني هاشم رهط النبي فإنني # بهم ولهم أرضى مرارا وأغضب # وقوله في الميمية: # أسرة الصادق الحديث أبي القا # سم فرع القدامس القدام # 7 # خير حي وميت من بني آ # دم طرا مأمومهم والإمام # كان ميتا جنازة خير ميت # غيبته مقابر الأقوام # وجنينا ومرضعا ساكن المه # د وبعد الرضاع عند الفطام # خير مسترضع وخير فطيم # وجنين أقر في الأرحام # وغلاما وناشئا ثم كهلا # خير كهل وناشئ وغلام # أنقذ الله شلونا من شفا النا # ر به نعمة من المنعام # لو فدى الحي ميتا قلت نفسي # وبني الفدا لتلك العظام # وقوله أيضا في تلك البائية وهو يقارع الأمويين: # وقالوا ورثناها أبانا وأمنا # وما ورثتهم ذاك أم ولا أب # يرون لهم حقا على الناس واجبا # سفاها وحق الهاشميين أوجب # ولكن مواريث ابن آمنة الذي # به دان شرقي لكم ومغرب # فدى لك موروثا أبي وأبو أبي # ونفسي ونفسي بعد ms051 بالناس أطيب # بك اجتمعت أنسابنا بعد فرقة # فنحن بنو الإسلام ندعى وننسب # حياتك كانت مجدنا وسناءنا # وموتك جدع للعرانين موعب # وأنت أمين الله في الناس كلهم # عليها وفيها اختار شرق ومغرب # فبوركت مولودا وبوركت ناشئا # وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب # وبورك قبر أنت فيه وبوركت # به وله أهل لذلك يثرب # لقد غيبوا برا وصدقا ونائلا # عشية واراك الصفيح المنصب # وهذه الشواهد تكفي للدلالة على أن مدح أهل البيت عند هذا الشاعر فرع من المدائح ~~النبوية، فأهل البيت يكرمون عليه لأنهم أسباط الرسول، ولولا هذه الآصرة لما انعطف ~~إليهم كل هذا الانعطاف. ~~(7) # ولكن ما هي كبرى هذه القصائد وأحقها بالخلود؟ # إن القدماء مجمعون على أن البائية الأولى هي خير تلك القصائد، والكميت نفسه يرى ~~هذا الرأي، أما أنا فأرى اللامية أضخم وأفحل، ولا عجب في أن يختلف رأي الشاعر ~~والناقد؛ فإن الناقد يتفق له أحيانا أن يرى ما لا يرى الشاعر في الحكم على قصائده، ~~ولكل منهما وجهة، فالشاعر يقدم إحساسه الخاص، والناقد ينظر إلى نواح فنية قد لا ~~يتنبه إليها الشاعر في بعض الأحيان، ألا يقع في كل يوم أن يتعصب الأب لأحد أبنائه ~~على حين يرى الناس ذلك الابن أقل إخوته علما، وأضعفهم رأيا، وأسقمهم ~~بيانا؟ # وقد اتفق للمرحوم شوقي أن أعلن أن خير قصائده هي النونية التي قالها في توت عنخ ~~آمون، فلما لقيته قلت له: أنت يا شوقي بك لا تعرف شعرك، إن خير قصائدك هي قصيدة ~~«الأندلس الجديدة». فابتسم وأخذ يجهد نفسه في تعرف خصائص تلك القصيدة التي لم ~~يرها خير ما قال! # فلنأخذ الآن في موازنة قصيرة جدا بين موضوعات هاتين القصيدتين: البائية ~~واللامية؛ لنرى أيهما أرجح في الميزان. ~~(8) # تقع البائية في 138 بيت، وتقع اللامية في 89 بيتا، فالأولى أطول من الثانية، ~~وعند الدرس نجد البائية افتتحت بأربعة أبيات جرت مجرى التمهيد، ونجد الشاعر وصف ~~الناقة بأبيات بلغت عدتها 27، وعلى ذلك يكون ما وقع من القصيدتين في صميم الموضوع ~~متقاربا في الطول. # ولنسارع ms052 فنقرر أن الذي حبب البائية إلى الناس هو عناية الشاعر ببكاء القتلى من ~~أهل البيت، وأن الذي حبب اللامية إلينا هو إلحاح الشاعر في تقبيح الظلم والظالمين، ~~فمعاصرو الكميت ينظرون إلى البائية بعين، ونحن ننظر إلى اللامية بعين، وقد يكون مما ~~يقدم قصيدة على قصيدة أن ينظر إلى ما في الشعر من المعاني الباقية، فالرثاء ~~ضرورة وقتية، أما حرب الظلم فيبقى ما بقي الإنسان الذي سماه أرسطو: «الحيوان ~~الناطق» ونسميه نحن: «الحيوان اللئيم». # وقد عرض الكميت في البائية لمقتل الحسين فوصفه بمنعفر الخدين مترب الجبين، ومن ~~أجل ذلك كانت بائية الكميت أثيرة لديه ولدى النقاد لما تعرضت له من شرح الفواجع ~~التي حلت بأهل البيت، وقد رأينا من قبل أن المناحة كانت تقام لإنشاد تلك البائية، ~~ولننظر قوله في التوجع لمصاب الحسين: # ومن أكبر الأحداث كانت مصيبة # علينا قتيل الأدعياء الملحب # 8 # قتيل بجنب الطف من آل هاشم # فيا لك لحما ليس عنه مذبب # ومنعفر الخدين من آل هاشم # ألا حبذا ذاك الجبين المترب # قتيل كأن الوله العفر حوله # يطفن به شم العرانين ربرب # 9 # وقد سبقت هذه الأبيات بشعر فيه ذكرى من مضوا قبل الحسين، وعقبت بأبيات عمن ~~حصدهم بعده الموت، ثم قال: # مضوا سلفا لا بد أن مصيرنا # إليهم فغاد نحوهم متأوب # كذاك المنايا لا رضيعا رأيتها # تخطى ولا ذا هيبة تتهيب # وقد غادروا فينا مصابيح أنجما # لنا ثقة أيان نخشى ونرهب # أولئك إن شطت بهم غربة النوى # أماني نفسي والهوى حيث يسقب # 10 ~~(9) # ونذكر بعد ذلك أن البائية واللامية تلتقيان في بعض الموضوعات، فإن الشاعر عرض ~~لهجاء بني أمية ورميهم بالظلم والاستبداد غير حذر ولا هياب، فرماهم في البائية ~~بإيثار الفتنة، ومجانبة الحق، والتحزب للضلال، فقال: # فيا لك أمرا قد أشتت أموره # ودنيا أرى أسبابها تتقضب # يروضون دين الحق صعبا مخرما # بأفواههم والرائض الدين أصعب # إذا شرعوا يوما على الغي فتنة # طريقهم فيها عن الحق أنكب # رضوا بخلاف المهتدين وفيهم # مخبأة أخرى تصان وتحجب # وإن زوجوا أمرين ms053 جورا وبدعة # أناخوا لأخرى ذات ودقين تخطب # ألحوا ولجوا في بعاد وبغضة # فقد نشبوا في حبل غي وأنشبوا # تفرقت الدنيا بهم وتعرضت # لهم بالنطاف الآجنات فأشربوا # إذا قيل هذا الحق لا ميل دونه # فأنقاضهم في الحق حسرى ولغب # وإن عرضت دون الضلالة حومة # أخاضوا إليها طائعين وأوثبوا # وقد درسوا القرآن وافتلجوا به # فكلهم راض به متحزب # فمن أين أو أنى وكيف ضلالهم # هدى والهوى شتى بهم متشعب ~~(10) # أما اللامية فهي صرخة من سوء الحكم لعهد بني أمية، استهلها الشاعر بهذا التقريع ~~الذي يبعث الحمية، ويثير ما غفا من نوازي الضغائن والحفائظ والحقود: # ألا هل عم في رأيه متأمل # وهل مدبر بعد الإساءة مقبل # وهل أمة مستيقظون لرشدهم # فيكشف عنه النعسة المتزمل # فقد طال هذا النوم واستخرج الكرى # مساويهم لو كان ذا الميل يعدل # وعطلت الأحكام حتى كأننا # على ملة غير التي نتنحل # كلام النبيين الهداة كلامنا # وأفعال أهل الجاهلية نفعل # رضينا بدنيا لا نريد فراقها # على أننا فيها نموت ونقتل # ونحن بها مستمسكون كأنها # لنا جنة مما نخاف ومعقل # أرانا على حب الحياة وطولها # يجد بنا في كل يوم ونهزل # نعالج مرمقا من العيش فانيا # له حارك لا يحمل العبء أجزل # 11 # فتلك أمور الناس أضحت كأنها # أمور مضيع آثر النوم بهل # 12 # ثم يمضي في عنف الجدل، فيقول: # فيا ساسة هاتوا لنا من حديثكم # ففيكم لعمري ذو أفانين مقول # أأهل كتاب نحن فيه وأنتم # على الحق نقضي بالكتاب ونعدل # فكيف ومن أنى وإذ نحن خلفة # فريقان شتى تسمنون ونهزل # 13 # أنصلح دنيانا جميعا وديننا # على ما به ضاع السوام المؤبل # 14 # برينا كبري القدح أوهن متنه # من القوم لا شار ولا متنبل # 15 # ولاية سلغد ألف كأنه # من الرهق المخلوط بالنوك أثول # 16 # كأن كتاب الله يعنى بأمره # وبالنهي فيه الكودني المركل # 17 # ألم يتدبر آية فتدله # على ترك ما يأتي أم القلب مقفل # فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم # فحتام حتام العناء المطول # رضوا بفعال السوء من أمر ms054 دينهم # فقد أيتموا طورا عداء وأثكلوا # كما رضيت بخلا وسوء ولاية # لكلبتها في أول الدهر حومل # 18 # نباحا إذا ما الليل أظلم دونها # وضربا وتجويعا خبال مخبل # وما ضرب الأمثال في الجور قبلنا # بأجور من حكامنا المتمثل # همو خوفونا بالعمى هوة الردى # كما شب نار الحالفين المهول # 19 # لهم كل عام بدعة يحدثونها # أزلوا بها أتباعهم ثم أوجلوا # 20 # كما ابتدع الرهبان ما لم يجئ به # كتاب ولا وحي من الله منزل # تحل دماء المسلمين لديهم # ويحرم طلع النخلة المتهدل # وليس لنا في الفيء حظ لديهم # وليس لنا في رحلة الناس أرحل # فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى # عليهم؟ وهل إلا عليك المعول؟ # وهذه القطعة أقوى من نظيرتها في البائية، ~~والافتنان فيها أظهر، والشاعر فيها يصول بمنكب أضخم، وساعد أفتك، وفيها بيت نادر، ~~هو قوله: # تحل دماء المسلمين لديهم # ويحرم طلع النخلة المتهدل # وهو معنى انتهبه أحد المحدثين؛ إذ قال: # قتل امرئ في غابة # جريمة لا تغتفر # وقتل شعب آمن # مسألة فيها نظر # وبيت الكميت لا تفنى عجائبه عند التأمل، فالظالمون في جميع العصور يرفقون ~~بالأشياء ويقسون على الأشخاص؛ فطلع النخلة حرام، وقتل الأبرياء حلال. # والكميت يحرص على إبراز آصار الظلم، وهي عنده تتمثل في سمنة الظالمين وهزال ~~المظلومين. # أأهل كتاب نحن فيه وأنتم # على الحق نقضي بالكتاب ونعدل # فكيف ومن أنى وإذ نحن خلفة # فريقان شتى تسمنون ونهزل # وسيأخذ دعبل معنى هذا البيت، فيقول: # فآل رسول الله نحف جسومهم # وآل زياد حفل القصرات # 21 # والكميت يلح في تصوير الهزال، فيذكر أن قد أصابهم ما أصاب القدح من عنف البري، ~~ويمثل ولاية بني أمية بولاية الذئب، وكان عندهم مضرب المثل في الطغيان، ثم يجأر ~~بهذا البيت: # وما ضرب الأمثال في الجور قبلنا # بأجور من حكامنا المتمثل # ويشبه بني أمية بالرهبان يبتدعون ما لم ~~يجئ به وحي ولا كتاب، وكان هذا التشبيه لعهده غاية في القوة بفضل ما في القرآن من ~~الإشارة إلى أعمال الأحبار والرهبان. ~~(11) # ولم ينس الكميت أن ms055 يتحدث في اللامية عن فواجع أهل البيت، وإن كان لم يستقص ~~أخبارهم كما صنع في البائية، فقد وقف عند مصرع الحسين، ولكن أسلوبه في اللامية أقوى ~~وأرشق. # ومن عجب لم أقضه أن خيلهم # لأجوافها تحت العجاجة أزمل # 22 # هماهم بالمستلئمين عوابس # كحدآن يوم الدجن تعلو وتسفل # 23 # يحلئن عن ماء الفرات وظله # حسينا ولم يشهر عليهن منصل # 24 # كأن حسينا والبهاليل حوله # لأسيافهم ما يختلي المتبقل # 25 # يخضن به من آل أحمد في الوغى # دما ظل منهم كالبهيم المحجل # وغاب نبي الله عنهم وفقده # على الناس رزء ما هناك مجلل # فلم أر مخذولا أجل مصيبة # وأوجب منه نصرة حين يخذل # يصيب به الرامون عن قوس غيرهم # فيا آخرا أسدى له الغي أول # تهافت ذبان المطامع حوله # فريقان شتى ذو سلاح وأعزل # 26 # إذا شرعت فيه الأسنة كبرت # غواتهم من كل أوب وهللوا # فما ظفر المجرى إليهم برأسه # ولا عذل الباكي عليه المولول # فلم أر موتورين أهل بصيرة # وحق لهم أيد صحاح وأرجل # كشيعته والحرب قد ثفيت لهم # أمامهم قدر تجيش ومرجل # 27 # فريقان هذا راكب في عداوة # وباك على خذلانه الحق معول # فما نفع المستأخرين نكيصهم # ولا ضر أهل السابقات التعجل ~~(12) # وفي القصيدتين وصف لأخلاق بني هاشم، فهم في البائية: # أناس بهم عزت قريش فأصبحوا # وفيهم خباء المكرمات المطنب # خضمون أشراف لهاميم سادة # مطاعيم أيسار إذا الناس أجدبوا # وهم سادة الجود والعلم والرأي: # إذا نشأت منهم بأرض سحابة # فلا النبت محظور ولا البرق خلب # وإن هاج نبت العلم في الناس لم تزل # لهم تلعة خضراء منه ومذنب # 28 # إذا ادلمست ظلماء أمرين حندس # فبدر لهم فيها مضيء وكوكب # وهم في اللامية نجوم يهتدي بها السارون، وغيوث يشتفي بها الممحلون: # وإن نزلت بالناس عمياء لم يكن # لهم بصر إلا بهم حين تشكل # وإنهم للناس فيما ينوبهم # أكف ندى تجدي عليهم وتفضل # لأهل العمى فيهم شفاء من العمى # مع النصح لو أن النصيحة تقبل ~~(13) # هذا، ولا مفر من الاعتراف برقة الحنين في ms056 البائية، فقد بلغ الشاعر بحبه أقصى ~~غايات التصوف، إذ يقول: # فقل للذي في ظل عمياء جونة # ترى الجور عدلا أين لا أين تذهب # 29 # بأي كتاب أم بأية سنة # ترى حبهم عارا علي وتحسب # فما لي إلا آل أحمد شيعة # وما لي إلا مشعب الحق مشعب # ومن غيرهم أرضى لنفسي شيعة # ومن بعدهم؟ لا من أجل وأرجب # 30 # أريب رجالا منهم وتريبني # خلائق مما أحدثوهن أريب # إليكم ذوي آل النبي تطلعت # نوازع من قلبي ظماء وألبب # فإني عن الأمر الذي تكرهونه # بقولي وفعلي ما استطعت لأجنب # يشيرون بالأيدي إلي وقولهم # ألا خاب هذا والمشيرون أخيب # فطائفة قد كفرتني بحبكم # وطائفة قالوا مسيء ومذنب # فما ساءني تكفير هاتيك منهم # ولا عيب هاتيك التي هي أعيب # يعيبونني من خبهم وضلالهم # على حبكم بل يسخرون وأعجب # وقالوا ترابي هواه ورأيه # بذلك أدعى فيهم وألقب # 31 # وأحمل أحقاد الأقارب فيكم # وينصب لي في الأبعدين فأنصب # فيا موقدا نارا لغيرك ضوءها # ويا حاطبا في غير حبلك تحطب # ألم ترني من حب آل محمد # أروح وأغدو خائفا أترقب # على أي جرم أم بأية سيرة # أعنف في تقريظهم وأؤنب # وفي اللامية أمثال لهذا الولاء، ولكنه في البائية أقوى وأصدق، رحم الله الكميت، ~~وأكرم مثواه! # الفصل الخامس # | تائية دعبل في أهل البيت # رأي دعبل في لؤم الناس - ميله إلى الصعاليك - رأي البحتري والمأمون في شعره - ~~نفسية دعبل - بغضه للخلفاء وحبه لأهل البيت - سيرورة التائية في الأقطار الإسلامية ~~وأخبارها في عالم الجن - الإمام المنتظر. ~~*** ~~(1) # نحن الآن أمام «شاعر متقدم مطبوع هجاء خبيث اللسان لم يسلم عليه أحد من ~~الخلفاء، ولا من وزرائهم، ولا أولادهم، ولا ذو نباهة أحسن إليه، أو لم يحسن». # 1 # والعجب أن تسري الروحانية إلى صدر رجل مثل دعبل، فقد كان ذلك الرجل يعتقد ~~اعتقادا سيئا في الناس، ويؤمن بأنهم لا يصلحون بغير الهجاء، يدلنا على ذلك ما ~~حدث به أبو خالد الخزاعي إذ قال: قلت لدعبل: ويحك! قد هجوت الخلفاء والوزراء ~~والقواد، ووترت الناس جميعا، ms057 فأنت دهرك كله شريد طريد هارب خائف، فلو كففت عن ~~هذا، وصرفت هذا الشر عن نفسك! # فقال دعبل: ويحك! إني تأملت ما تقول فوجدت أكثر الناس لا ينتفع بهم إلا على ~~الرهبة، ولا يبالي بالشاعر وإن كان مجيدا إذا لم يخف شره، ولمن يتقيك على ~~عرضه أكثر ممن يرغب إليك في تشريفه، وعيوب الناس أكثر من محاسنهم، وليس كل من ~~شرفته شرف، ولا كل من وصفته بالجود والمجد والشجاعة ولم يكن ذلك فيه انتفع ~~بقولك، فإذا رآك قد أوجعت غيره وفضحته اتقاك على نفسه، وخاف من مثل ما جرى على ~~الآخر، ويحك يا أبا خالد! إن الهجاء المقذع آخذ بضبع الشاعر من المديح المضرع. # 2 # وهو بهذا التصريح يفصح عن رأيه في الناس؛ فهم عنده لئام جبناء يتقون الشتم أكثر ~~مما يرغبون في التشريف، وكان بالفعل لا ينفك ينظم قصائد الهجاء، وكان يسأل أحيانا ~~عن موضوع أهاجيه فيجيب: ما استحقه أحد بعينه بعد، وليس له صاحب. # فإذا وجد على رجل جعل ذلك الشر فيه، وذكر اسمه، # 3 # فقصائد الهجاء عنده كأمثال الثياب عند تجار الملابس، تعد إعدادا، ~~ثم تقدم حين تلوح الفرصة! # وكان يتفق له أن يسيء إلى أصدقائه من حيث لا يريد، فقد هجا أحمد بن أبي دواد، ~~وكان تزوج امرأتين من بني عجل في سنة واحدة، فقال: # غصبت عجلا على فرجين في سنة # أفسدتهم ثم ما أصلحت من نسبك # ولو خطبت إلى طوق وأسرته # فزوجوك لما زادوك في حسبك # إن كان قوم أراد الله خزيهم # فزوجوك ارتغابا منك في ذهبك # فذاك يوجب أن النبع يجمعه # إلى خلافك في العيدان أو غربك # ولو سكت ولم تخطب إلى عرب # لما نبشت الذي تطويه من سببك # عد البيوت التي ترضى بخطبتها # تجد فزارة العكلي من عربك # فلقيه فزارة العكلي فقال له: يا أبا علي، ما حملك على ذكري حتى فضحتني، وأنا ~~صديقك؟ فقال: يا أخي، والله ما اعتمدتك بمكروه، ولكن كذا جاءني الشعر لبلاء صبه ~~الله عز وجل عليك! # وأثر عنه ms058 أنه كان يقول: ما كانت لأحد قط عندي منة إلا تمنيت موته! # 4 # وبمثل هذا القول يفسر الحديث المأثور: «اتق شر من أحسنت إليه.» ~~(2) # وكان دعبل في بداية أمره من قطاع الطريق، وكان يخرج فيغيب سنين يدور الدنيا ~~كلها، ويرجع وقد أفاد وأثرى، وكان الصعاليك يلقونه فلا يؤذونه، ويؤاكلونه ويشاربونه ~~ويبرونه، وكان إذا لقيهم وضع طعامه وشرابه، ودعاهم إليه، ودعا بغلاميه، فأقعدهما ~~يغنيان، وسقاهم وشرب معهم وأنشدهم، وكان الصعاليك يواصلونه ويصلونه، # 5 # وهذا يفسر جانبا من حياته الخلقية، فهو رجل يجمع بين حب الصعلكة وحب ~~الفتك. وكان أكثر الصعاليك من أهل الشهامة والنبل، ولكنهم كانوا معروفين بحب القسوة ~~والبطش، وقد بقي في نفسه شيء من الحياء، وذلك أيضا بقية من آداب الصعاليك، ومن ~~شواهد ذلك أنه دخل الري في أيام الربيع فجاءهم ثلج لم يروا مثله في الشتاء، ~~فأنشد شاعر من أهل الري هذه الأبيات: # جاءنا دعبل بثلج من الشع # ر فجادت سماؤنا بالثلوج # نزل الري بعدما سكن البر # د وقد أينعت رياض المروج # فكسانا ببرده لا كساه الله # ثوبا من كرسف محلوج # وكتبها في رقعة، وألقاها في دهليز دعبل، فلما قرأها ارتحل عن الري. # 6 ~~(3) # وكان على ما فيه من اللؤم والوقاحة والعنف من أشعر الناس، وكان البحتري يراه أشعر ~~من مسلم بن الوليد، وقد سئل عن ذلك فقال: كلام دعبل أدخل في كلام العرب من كلام ~~مسلم ، ومذهبه أشبه بمذاهبهم. # 7 # ومن شواهد اطلاعه أن بعضهم أنكر عليه كلاما جرى فيه قوله: «ليسك» فقال: دخل ~~زيد الخيل على النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال له: «يا زيد ما وصف لي رجل إلا رأيته دون ~~وصفه ليسك» يريد غيرك. # 8 # وكان المأمون يعجب بشعره ولا سيما هذه الأبيات: # ألم يأن للسفر الذين تحملوا # إلى وطن قبل الممات رجوع # فقلت ولم أملك سوابق عبرة # نطقن بما ضمت عليه ضلوع # تبين فكم دار تفرق شملها # وشمل شتيت عاد وهو جميع # كذاك الليالي صرفهن كما ترى # لكل أناس جدبة وربيع # وكان يقول: ms059 ما سافرت قط إلا كانت هذه الأبيات ~~نصب عيني في سفري ومسليتي حتى أعود. ~~(4) # نعود إلى المشكلة الحقيقية في نفسية دعبل: كان ذلك الرجل شريرا وكان كلفا ~~بإيذاء الناس فكيف يتفق له التصوف في حب أهل البيت؟ وكيف يغرم بالنيل من أعراض ~~الخلفاء والأمراء والوزراء وبأيديهم أسباب الأرزاق، ثم يعطف على ناس ألحت عليهم ~~النوائب وأتمرت بهم أحداث الزمان؟ تلك مشكلة نفسية، فأين الحل؟ # يغلب على الظن أن الرجل تلقى في طفولته حب أهل البيت، فصار حبهم كاللحن القديم ~~الذي يسمعه الإنسان وهو طفل فيظل يلاحقه بأنغامه وهو كهل، وهناك نفوس لا تعرف غير ~~هوى واحد في عالم السياسة، ويتأصل فيها ذلك الهوى حين تنهزم، ولا تزال تحرص عليه ~~حتى يتحول إلى تصوف، وإذا انقلب الهوى إلى تصوف فلا نجاة منه ولا خلاص. # ولو أن أهل البيت لعهد دعبل استطاعوا أن ينتصروا وأن يزحزحوا السياسيين لاستطاعت ~~الدنيا أن تغير من نفسه قواعد ذلك الهوى، ولكنهم ظلوا مدحورين فبقي الإشفاق عليهم ~~حيا في نفسه حياة قوية، وظل حبهم يعذبه ويعنيه فينطقه في البكاء عليهم بأرق ~~ما عرف شعراء الوجدان. # ومن الذي يتصور أن ذلك الرجل الذي يلؤم أشنع اللؤم في معاملة الخلفاء يمضي ~~فيستوهب ثوبا من علي بن موسى؟ ولم يستوهب ذلك الثوب؟ ليجعله في أكفانه يوم ~~يموت! # إن قصة ذلك الثوب عجيبة: فقد خلع علي بن موسى جبة كانت عليه وأعطاها دعبلا، ~~وبلغ أهل قم خبرها فسألوه أن يبيعهم إياها بثلاثين ألف درهم فلم يفعل، فخرجوا ~~عليه في طريقه فأخذوها منه غصبا، وقالوا له: إن شئت أن تأخذ المال فافعل، وإلا ~~فأنت أعلم! فقال لهم: إني والله لا أعطيكم إياها طوعا، ولا تنفعكم غصبا، فإنها ~~إنما تراد لله عز وجل، وهي محرمة عليكم. فدفعوا إليه ثلاثين ألف درهم، فحلف ألا ~~يبيعها أو يعطوه بعضها ليكون في كفنه، فأعطوه فرد كم ليكون في أكفانه. وتلك ~~حادثة غريبة المعنى والمدلول، لكن غرابتها لا تظهر إلا لمن يجهلون أسرار النفوس، ~~وإلا فأي غرابة ms060 في أن تجتمع الرقة والقسوة والعنف واللين في قلب الشاعر ~~الموهوب؟ # إن الشاعرية لا تقوم إلا على أساس التطرف في الحب والبغض، وقد جمع دعبل بين ~~العاطفتين، فكان يوجه قسوته إلى الخلفاء، وكان يوجه رقته إلى أهل البيت. # ونحن نشهد في دنيانا رجالا على جانب عظيم من العنف يخضعون أتم الخضوع لبعض ~~النوازع الوجدانية، ونرى ناسا يقضون أيامهم في اللهو والقصف، فإذا جاءت فرصة للهدى ~~رأيناهم أول المنيبين. # والحق أن النفس الإنسانية معقدة أصعب التعقد ومشتبكة أخطر الاشتباك، ~~والبساطة في الأهواء من شيم الأطفال، أما اقتتال الحق والباطل، واصطراع الهدى ~~والضلال، فلا يكون إلا في النفوس القوية التي تدرك كيف يكون اصطدام العقول وتصاول ~~الآراء. # والذين وقفوا عند الجانب السخيف من أخبار دعبل لم يفهموه حق الفهم، ولو قد فهموه ~~لتمثلوا تلك الروح الصوفية، التي أوحت إليه أن يكتب تائيته على ثوب ويحرم فيه ثم ~~يأمر بأن يكون ذلك الثوب في أكفانه يوم يموت. # فإن هذه اللمحة الشعرية لا تقع إلا من رجل خاشع القلب رقيق الوجدان، ومن الظلم أن ~~ننسى هذه المعالم الروحية حين نتحدث عن ذلك الشاعر الذي أضيف إلى زمرة الخونة ~~والصعاليك. # وما الذي يمنع أن نفهم أن سوء ظنه بالناس لم يقع إلا لنكبته بسيادة الظلم ~~والظالمين؟ # أروني رجلا واحدا لم يفسد حكمه على الأشياء والأشخاص والمعاني بسبب ما يبتلى ~~به من انهدام صرح العدالة حين يرى الظلم يطارده أو يطارد من يحب! # وهذا التصعلك الذي ابتدأ به دعبل وانتهى إليه هو مصير كل رجل تخذله المقادير ~~السياسية، والمنهزمون في السياسة لا ينظرون إلى الأمور إلا من جانب واحد؛ لأن ~~الهزيمة تذهب بأصول التفكير المعقول، وتقف الرجل على أهوائه وآماله، وتحول فلسفته ~~في الحياة إلى أمشاج من الضغن والتلوم والقنوط. # والوزراء الذين كان يكلف بهجائهم دعبل، من هم؟ لا نريد أن نسأل عن ذاتيتهم في ~~حقيقة الأمر، فقد يكون فيهم ناس نبلاء، ولكن من هم في نفس دعبل؟ هم ظلمة عاونوا ~~الظالمين، وخونة عاونوا الخائنين، ويكفي ms061 أن تثور معاني الظلم والعدل في نفس شاعر ~~ليصبح وهو ثائر مخبول. # وما أريد بهذا أن أدافع عن دعبل، ولكني أريد أن أفهم كيف اتفق أن يكون قلبه ~~مسرحا لحوادث العنف واللين، وكيف صح له أن يجمع بين سفه اللئيم ورفق الحليم، ~~وكيف جاز أن يكون أحط الناس وأشرف الناس؟ وأظنني وصلت من ذلك إلى بعض ما ~~أريد. # ولو كان الرواة فطنوا إلى ما كان في نفس دعبل من التعقد والاشتباك لما عدوا ~~عليه خيانته للرشيد، فقد ذكروا أن الرشيد طرب حين غني بين يديه: # لا تعجبي يا سلم من رجل # ضحك المشيب برأسه فبكى # وسأل عن صاحب الشعر فقيل له: دعبل بن علي، وهو غلام نشأ من خزاعة، فأمر بإحضار ~~عشرة آلاف درهم وخلعة من ثيابه، فأحضر ذلك فدفعه مع مركب من مراكبه إلى خادم من ~~خاصته، وقال له: اذهب بهذا إلى خزاعة فاسأل عن دعبل بن علي، فإذا دللت عليه فأعطه ~~هذا، وقل له ليحضر إن شاء، وإن لم يحب ذلك فدعه ... فسار الغلام إلى دعبل وأعطاه ~~الجائزة وأشار عليه بالمسير إليه، وحضر دعبل إلى الرشيد فأمره بملازمته وأجرى عليه ~~رزقا سنيا. # ولكنه ما كاد يسمع بموت الرشيد حتى كافأه على ما صنع به من الغنى بعد الفقر ~~والنباهة بعد الخمول أقبح مكافأة، وقال فيه من قصيدة مدح بها أهل البيت وهجا ~~الرشيد: # وليس حي من الأحياء نعلمه # من ذي يمان ومن بكر ومن مضر # إلا وهم شركاء في دمائهم # كما تشارك أيسار على جزر # قتل وأسر وتحريق ومنهبة # فعل الغزاة بأرض الروم والخزر # أرى أمية معذورين إن قتلوا # ولا أرى لبني العباس من عذر # اربع بطوس على القبر الزكي إذا # ما كنت تربع من دين على وطر # قبران في طوس خير الناس كلهم # وقبر شرهم هذا من العبر # ما ينفع الرجس من قرب الزكي ولا # على الزكي بقرب الرجس من ضرر # هيهات كل امرئ رهن بما كسبت # له يداه فخذ ما شئت أو فذر # وهو يعني قبر ms062 الرشيد، وقبر علي الرضا، وكان يعرف ما سيلقى من أبناء الرشيد. # 9 # فهذه الجرأة هي سمة التصوف في الحب، ~~وأخذ هذا الشاعر لعطايا الرشيد وذمه بعد ذلك لون من الانحراف، ولكنه دليل على ~~أن هوى الشاعر كان كله موجها إلى أهل البيت، ولولا ذلك الهوى لاستطاع أن ينعم ~~بدنيا المأمون. والتصوف في ذاته خبال في المقاصد الدنيوية، ولكن جماله يرجع إلى ~~الشجاعة في احتقار ما في الدنيا من لذة ومتاع، وهل هناك شجاعة أقوى من أن يخرج ~~المرء على الغالبين ليناصر المغلوبين؟ وهل هناك زهد أبلغ من ترك دعبل طيبات الحياة ~~في قصور الخلفاء ليدور في الدنيا كما يدور الصعاليك؟ ~~(5) # لقد كان لدعبل مدائح كثيرة في أهل البيت، ولكنها ضاعت ولم يبق إلا القليل، ومن ~~جيد ما بقي قوله في رثاء الحسين: # رأس ابن بنت محمد ووصيه # يا للرجال على قناة ترفع # والمسلمون بمنظر وبمسمع # لا جازع من ذا ولا متخشع # أيقظت أجفانا وكنت لها كرى # وأنمت عينا لم تكن بك تهجع # كحلت بمنظرك العيون عماية # وأصم نعيك كل أذن تسمع # ما روضة إلا تمنت أنها # لك مضجع ولخط قبرك موضع ~~(6) # وأشهر قصائده وأبقاها على الزمان وأجدرها بالخلود هي التائية ذات المطلع ~~المفجع: # مدارس آيات خلت من تلاوة # ومنزل وحي مقفر العرصات # وقد كان لهذه القصيدة صدى في أكثر العصور الأدبية عند العرب، ويكفي أن نعرف أن ~~ياقوتا حين ترجم لابن لنكك البصري ذكر من أخباره أنه كان يروي قصيدة دعبل التي ~~مطلعها: # مدارس آيات خلت من تلاوة ~~... ... ... ... # كأن رواية تلك القصيدة من مناقب الرجال. # وكان المأمون لإعجابه ببراعة دعبل في تلك التائية يتمنى أن يسمعها من الشاعر ~~نفسه، فتلطف لإحضار دعبل، فلما دخل وسلم عليه تبسم في وجهه، ثم قال أنشدني: # مدارس آيات خلت من تلاوة # ومنزل وحي مقفر العرصات # فجزع دعبل، فقال له المأمون: لك الأمان فلا تخف! وقد رويتها ولكني أحب سماعها من ~~فيك، فأنشده إياها إلى آخرها، والمأمون يبكي حتى أخضل لحيته بدمعه. # وكان أهل البيت ms063 يطربون لتلك القصيدة ويرون فيها العزاء عما أصابهم من الفواجع، ~~وقد حدث دعبل قال: دخلت على علي بن موسى الرضا عليهما السلام فقال لي: أنشدني ~~شيئا مما أحدثت، فأنشدته: # مدارس آيات خلت من تلاوة # ومنزل وحي مقفر العرصات # حتى انتهيت إلى قولي: # إذا وتروا مدوا إلى واتريهم # أكفا عن الأوتار منقبضات # فبكى حتى أغمي عليه، وأومأ إلي خادم كان على رأسه أن اسكت، فسكت ساعة ثم قال ~~لي: أعد، فأعدت حتى انتهيت إلى هذا البيت أيضا، فأصابه مثل الذي أصابه في المرة ~~الأولى، وأومأ الخادم إلي أن اسكت ... فمكث ساعة أخرى، ثم قال لي أعد، فأعدت حتى ~~انتهيت إلى آخرها، فقال لي: أحسنت ثلاث مرات، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم مما ضرب ~~باسمه، ولم تكن وقعت إلى أحد بعد، فقدمت العراق فبعت كل درهم منها بعشرة آلاف درهم ~~اشتراها مني الشيعة، فحصل لي مائة ألف درهم. # 10 # وقد فتن دعبل نفسه بهذه التائية فتنة شديدة، ومضى يحدث الناس بأن أخبارها ~~طارت إلى الجن، وأن أحدهم هبط إليه ليسمعها منه، فلنسمع كلام دعبل في هذا الخيال ~~الطريف، قال: لما هربت من الخليفة بت ليلة بنيسابور وحدي، وعزمت على أن أعمل ~~قصيدة في عبد الله بن طاهر في تلك الليلة، فإني لفي ذلك إذ سمعت والباب مردود ~~علي: «السلام عليكم ورحمة الله! انج يرحمك الله.» # فاقشعر بدني من ذلك ونالني أمر عظيم، فقال لي : لا ترع عافاك الله! فإني رجل من ~~إخوانك من الجن من ساكني اليمن، طرأ إلينا طارئ من أهل العراق فأنشدنا ~~قصيدتك: # مدارس آيات خلت من تلاوة # ومنزل وحي مقفر العرصات # فأحببت أن أسمعها منك. # قال دعبل: فأنشدته إياها، فبكى حتى خر، ثم قال: رحمك الله! ألا أحدثك بحديث ~~يزيد في نيتك، ويعينك على التمسك بمذهبك؟ قلت: بلى! قال: مكثت حينا أسمع بذكر جعفر ~~بن محمد عليه السلام، فصرت إلى المدينة فسمعته يقول: حدثني أبي عن أبيه عن جده أن ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «علي ms064 وشيعته هم الفائزون.» # قال دعبل: ثم ودعني لينصرف، فقلت له: يرحمك الله! إن رأيت أن تخبرني باسمك فافعل. ~~فقال: أنا ظبيان بن عامر. # 11 # والحكاية في ذاتها طريفة، وهي تمثل سذاجة الناس من أنصار أهل البيت لذلك ~~العهد. # والجن من أهل اليمن كانوا بعيدين عن مقر الدعوات الإسلامية، فتفضل الرواة ونقلوهم ~~تارة إلى المدينة، وتارة إلى العراق، ولهم في كتب الأدب أخبار لا تخلو من طرافة ~~وظرف. ~~(7) # ننتقل بعد ذلك إلى مواجهة تلك التائية، ولنذكر أن ياقوتا أثبت منها 45 بيتا، ~~وأنه أخبرنا أن نسخها مختلفة، وأن في بعضها زيادات يظن أنها مصنوعة ألحقها ~~بها أناس من الشيعة، وتلك الخمسة والأربعون بيتا هي ما صح من القصيدة في نظر ياقوت. # 12 # وأهمية هذه القصيدة ترجع إلى ما فيها من التحزن والتفجع، وهي لذلك من خير ما قيل ~~في الانتصار لأهل البيت، وفيها فوق ذلك تصريح عن عقيدة الشيعة في الإمام المنتظر ~~الذي يؤمن دعبل بأنه خارج لا محالة، وأنه يقوم على اسم الله والبركات. ولنترك ~~الشاعر يحدثنا عما كان يضطرب في صدره من آلام وآمال: # مدارس آيات خلت من تلاوة # ومنزل وحي مقفر العرصات # لآل رسول الله بالخيف من منى # وبالركن والتعريف والجمرات # ديار علي والحسين وجعفر # وحمزة والسجاد ذي الثفنات # ديار عفاها كل جون مبادر # ولم تعف للأيام والسنوات # قفا نسأل الدار التي خف أهلها # متى عهدها بالصوم والصلوات # وأين الألى شطت بهم غربة النوى # أفانين في الآفاق مفترقات # هم أهل ميراث النبي إذا اعتزوا # وهم خير قادات وخير حماة # وما الناس إلا حاسد ومكذب # ومضطغن ذو إحنة وترات # إذا ذكروا قتلى ببدر وخيبر # ويوم حنين أسبلوا العبرات # قبور بكوفان وأخرى بطيبة # وأخرى بفخ نالها صلواتي # وقبر ببغداد لنفس زكية # تضمنها الرحمن في الغرفات # فأما المصمات التي لست بالغا # مبالغها مني بكنه صفات # إلى الحشر حتى يبعث الله قائما # يفرج منها الهم والكربات # نفوس لدى النهرين من أرض كربلا # معرسهم فيها بشط فرات # تقسمهم ريب الزمان كما ترى # لهم ms065 عفرة مغشية الحجرات # سوى أن منهم بالمدينة عصبة # مدى الدهر أنضاء من الأزمات # قليلة زوار سوى أن زورا # من الضبع والعقبان والرخمات # لهم كل حين نومة بمضاجع # لهم في نواحي الأرض مختلفات # وقد كان منهم بالحجاز وأهلها # مغاوير يختارون في السروات # تنكب لأواء السنين جوارهم # فلا تصطليهم جمرة الجمرات # إذا وردوا خيلا تشمس بالقنا # مساعر جمر الموت والغمرات # وإن فخروا يوما أتوا بمحمد # وجبريل والفرقان ذي السورات ~~••• # ملامك في أهل النبي فإنهم # أحباي ما عاشوا وأهل ثقاتي # تخيرتهم رشدا لأمري فإنهم # على كل حال خيرة الخيرات # فيا رب زدني من يقيني بصيرة # وزد حبهم يا رب في حسناتي # بنفسي أنتم من كهول وفتية # لفك عناة أو لحمل ديات # أحب قصي الرحم من أجل حبكم # وأهجر فيكم أسرتي وبناتي # وأكتم حبيكم مخافة كاشح # عنيد لأهل الخير غير موات # لقد حفت الأيام حولي بشرها # وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي # ألم تر أني من ثلاثين حجة # أروح وأغدو دائم الحسرات # أرى فيئهم في غيرهم متقسما # وأيديهم من فيئهم صفرات # فآل رسول الله نحف جسومهم # وآل زياد حفل القصرات # بنات زياد في القصور مصونة # وآل رسول الله في الفلوات # إذا وتروا مدوا إلى واتريهم # أكفا عن الأوتار منقبضات ~~••• # فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غد # لقطع قلبي إثرهم حسراتي # خروج إمام لا محالة خارج # يقوم على اسم الله والبركات # يميز فينا كل حق وباطل # ويجزي على النعماء والنقمات # سأقصر نفسي جاهدا عن جدالهم # كفاني ما ألقى من العبرات # فيا نفس طيبي ثم يا نفس أبشري # فغير بعيد كل ما هو آت # فإن قرب الرحمن من تلك مدتي # وأخر من عمري لطول حياتي # شفيت ولم أترك لنفسي رزية # ورويت منهم منصلي وقناتي # أحاول نقل الشمس من مستقرها # وأسمع أحجارا من الصلدات # فمن عارف لم ينتفع ومعاند # يميل مع الأهواء والشبهات # قصاراي منهم أن أموت بغصة # تردد بين الصدر واللهوات # كأنك بالأضلاع قد ضاق رحبها # لما ضمنت من شدة الزفرات ~~(8) # هذا، ولدعبل أخبار كثيرة يجدها القارئ ms066 في الجزء الثامن عشر من الأغاني، وجاءه ~~الحتف بسبب أهاجيه لمالك بن طوق، وكانت وفاته سنة 246ه رحمه الله وعفا عنه! # الفصل السادس # | قصائد الشريف الرضي في صريع كربلاء # (1) # للشريف الرضي قصائد كثيرة في مدح أهل البيت، وهي في جملتها من آثار التصوف، وإن ~~كانت العصبية تغلب عليها في بعض الأحيان فتنقلها من رقة الوفاء إلى عنجهية الفخر ~~والخيلاء، من ذلك قوله في رثاء أمه: # آباؤك الغر الذين تفجرت # بهم ينابيع من النعماء # من ناصر للحق أو داع إلى # سبل الهدى أو كاشف الغماء # نزلوا بعرعرة السنام من العلا # وعلوا على الأثباج والأمطاء # 1 # من كل مستبق اليدين إلى الندى # ومسدد الأقوال والآراء # يرجى على النظر الحديد تكرما # ويخاف في الإطراق والإغضاء # درجوا على أثر القرون وخلفوا # طرقا معبدة من العلياء # فهذا من جيد القول في مدح أهل البيت، ولكنه لم يقصد لمعناه الروحي، وإنما أريد به ~~التمدح بشرف الأنساب كالذي جاء في قصيدة: # لنا كل يوم رنة خلف ذاهب # التي رثى بها خاله أحمد بن الحسين، ومن ذلك ما ~~جاء في بائيته القوية: # لغير العلا مني القلا والتجنب # إذ قال: # أهذب في مدح اللئام خواطري # فأصدق في حسن المعاني وأكذب # وما المدح إلا في النبي وآله # يرام وبعض القول ما يتجنب # وأولى بمدحي من أعز بفخره # ولا يشكر النعماء إلا المهذب # أرى الشعر فيهم باقيا وكأنما # تحلق بالأشعار عنقاء مغرب # وقالوا عجيب عجب مثلي بنفسه # وأين على الأيام مثل أبي أب # لعمرك ما أعجبت إلا بمدحهم # ويحسب أني بالقصائد معجب # أعد لفخري في المقام محمدا # وأدعو عليا للعلا حين أركب # وهذا ليس من التصوف في شيء، وإنما هو زهو بقوة العصبية. # ومن ذلك قوله في رثاء أهل البيت: # سقى الله المدينة من محل # لباب الماء والنطف العذاب # وجاد على البقيع وساكنيه # رخي الذيل ملآن الوطاب # 2 # وأعلام الغري وما استباحت # معالمها من الحسب اللباب # 3 # وقبرا بالطفوف يضم شلوا # قضى ظمأ إلى برد الشراب # وسامرا وبغدادا وطوسا # هطول الودق ms067 منخرق العباب # قبور تنطف العبرات فيها # كما نطف الصبير على الروابي # 4 # فلو بخل السحاب على ثراها # لذابت فوقها قطع السراب # سقاك فكم ظمئت إليك شوقا # على عدواء داري واقترابي # إلى أن يقول: # بكم في الشعر فخري لا بشعري # وعنكم طال باعي في الخطاب # أجل عن القبائح غير أني # لكم أرمي وأرمى بالسباب # فأجهر بالولاء ولا أوري # وأنطق بالبراء ولا أحابي # ومن أولى بكم مني وليا # وفي أيديكم طرف انتسابي # ولا مرية في أن نزعة الفخر أغلب على مثل هذا الشعر من نزعة التصوف، وأصرح منه في ~~الفخر قوله يرد على جماعة افتخروا على ولد علي بن أبي طالب: # ولولا علي ما علوا سرواتها # ولا جعجعوا منها بمرعى ومورد # 5 # أخذنا عليهم بالنبي وفاطم # طلاع المساعي من مقام ومقعد # وطلنا بسبطي أحمد ووصيه # رقاب الورى من متهمين ومنجد # وحزنا عتيقا وهو غاية فخركم # بمولد بنت القاسم بن محمد # فجد نبي ثم جد خليفة # فما بعد جدينا علي وأحمد ~~(2) # وتظهر طلائع التصوف في قصيدته التي أثنى فيها على رفق عمر بن عبد العزيز بأهل ~~البيت، وقد نقل إليه أن جعفرا الصادق قال: «كان العبد الصالح أبو حفص يهدي إلينا ~~الدراهم والدنانير في زقاق العسل خوفا من أهل بيته.» ولنواجه أنفاس الحنان في هذا ~~الشعر الرقيق: # يا ابن عبد العزيز لو بكت العي # ن فتى من أمية لبكيتك # غير أني أقول إنك قد طب # ت وإن لم يطب ولم يزك بيتك # أنت نزهتنا عن السب والقذ # ف فلو أمكن الجزاء جزيتك # ولو اني رأيت قبرك لاستح # ييت من أن أرى وما حييتك # وقليل أن لو بذلت دماء ال # بدن حزنا على الذرى وسقيتك # دير سمعان لا أغبك غاد # خير ميت من آل مروان ميتك # أنت بالذكر بين عيني وقلبي # إن تدانيت منك أو قد نأيتك # وإذا حرك الحشا خاطر من # ك توهمت أنني قد رأيتك # وعجيب أني قليت بني مر # وان طرا وأنني ما قليتك # قرب العدل منك لما نأى الجو # ر ms068 بهم فاجتويتهم واجتبيتك # فلو اني ملكت دفعا لما نا # بك من طارق الردى لفديتك ~~(3) # ولم يظهر توجع الشريف على أهل البيت ظهورا قويا إلا في قصائده التي بكى بها ~~الحسين، وقد جمعت بين حرارة العصبية وصدق الوفاء. # وللشريف الرضي في بكاء الحسين خمس قصائد طوال، الأولى رائية قالها في سنة 377ه، ~~والثانية لامية قالها سنة 387ه، والثالثة دالية قالها سنة 390ه، والرابعة دالية ~~أيضا قالها سنة 390ه، والخامسة مقصورة لم يذكر لها تاريخ. ~~(4) # بدأ الشاعر قصيدته الرائية بأبيات في وصف ما يغمره من الحزن والقلق، ثم اندفع ~~يذكر ما يساوره لذكرى عاشوراء، فقال: # ورب قائلة والهم يتحفني # بناظر من نطاف الدمع ممطور # خفض عليك فللأحزان آونة # وما المقيم على حزن بمعذور # فقلت هيهات فات السمع لائمه # لا يفهم الحزن إلا يوم عاشور # يوم حدا الظعن فيه بابن فاطمة # سنان مطرد الكعبين مطرور # 6 # وخر للموت لا كف تقلبه # إلا بوطء من الجرد المحاضير # 7 # ظمآن سلى نجيع الطعن غلته # عن بارد من عباب الماء مقرور # 8 # وفي هذه الأبيات يسمي الحسين «ابن فاطمة» لتكون الذكرى أوجع، ويذكر أنه مات ~~ظمآن لم يسله عن الماء إلا الدم النجيع، وسنرى كيف يحرص الشاعر في سائر قصائده على ~~هذه الذكرى الأليمة، وهي موت الحسين وهو ظمآن. # ثم قال في التوجع لمصرع ذلك السبط النبيل: # كأن بيض المواضي وهي تنهبه # نار تحكم في جسم من النور # لله ملقى على الرمضاء عض به # فم الردى بين إقدام وتشمير # تحنو عليه الربا ظلا وتستره # عن النواظر أذيال الأعاصير # تهابه الوحش أن تدنو لمصرعه # وقد أقام ثلاثا غير مقبور # وهو يصفه بالكرامة في الممات، فيذكر أن الربا أظلته، وأن أذيال الأعاصير سترته عن ~~العيون، وأن الوحش هابه فلم ينهش لحمه، مع أنه أقام ثلاث ليال غير مقبور. # ثم قال يذم بني أمية، ويهدد بالثأر لأهل البيت: # بني أمية ما الأسياف نائمة # عن شاهر في أقاصي الأرض موتور # والبارقات تلوى في مغامدها # والسابقات تمطى في المضامير # إني لأرقب ms069 يوما لا خفاء له # عريان يقلق منه كل مغرور # وللصوارم ما شاءت مضاربها # من الرقاب شراب غير منزور # أكل يوم لآل المصطفى قمر # يهوي بوقع العوالي والمباتير # وكل يوم لهم بيضاء صافية # يشوبها الدهر من رنق وتكدير # مغوار قوم يروع الموت من يده # أمسى وأصبح نهبا للمقادير # وأبيض الوجه مشهور تغطرفه # مضى بيوم من الأيام مشهور # ما لي تعجبت من همي ونفرته # والحزن جرح بقلبي غير مسبور # ومهاجمة بني أمية لا موجب لها في هذا الموطن؛ لأن دولتهم كانت دالت، وإنما يهدد ~~خلفاء بني العباس. # ثم قال يخاطب الحسين: # يا جد، لا زال لي هم يحرضني # على الدموع ووجد غير مقهور # والدمع تحفزه عين مؤرقة # حفز الحنية عن نزع وتوتير # 9 # إن السلو لمحظور على كبدي # وما السلو على قلب بمحظور ~~(5) # وفي قصيدته اللامية يبدأ فيتحدث عن الدنيا ~~وفتكها بالناس فيقول: # راحل أنت والليالي نزول # ومضر بك البقاء الطويل # لا شجاع يبقى فيعتنق البي # ض ولا آمل ولا مأمول # غاية الناس في الزمان فناء # وكذا غاية الغصون الذبول # إنما المرء للمنية مخبو # ء وللطعن تستجم الخيول # من مقيل بين الضلوع إلى طو # ل عناء وفي التراب مقيل # فهو كالغيم ألفته جنوب # يوم دجن ومزقته قبول # عادة للزمان في كل يوم # يتناءى خل وتبكى طلول # فالليالي عون عليك مع البي # ن كما ساعد الذوابل طول # 10 # ربما وافق الفتى من زمان # فرح غيره به متبول # هي دنيا إن واصلت ذا جفت ه # ذا ملالا كأنها عطبول # 11 # كل باك يبكى عليه وإن طا # ل بقاء والثاكل المثكول # والأماني حسرة وعناء # للذي ظن أنها تعليل # وفي هذه القطعة يتكلم الشريف كلام الحكيم ~~المحزون، والحكمة أحيانا يخلقها الحزن البليغ، والقارئ يعجب من وفرة الخيال في هذه ~~الأبيات: فنعيم الدنيا غيم ألفته ريح الجنوب، ثم مزقته ريح القبول، والناس ~~يستريحون حينا ليواجهوا بعد الراحة تعب الموت، كما تستجم الخيول لأيام الطعان، ~~وغاية الناس الفناء كما أن غاية الغصون الذبول، والليالي عون على المرء مع ms070 البين، ~~فكأنها الطول في الرماح الذوابل، والدنيا كالحسناء الغادرة تواصل هذا وتجفو ذاك، ~~وكل باك سيبكى عليه وإن طال البقاء، وكل ثاكل سيصبح يوما وهو مثكول، والأماني ~~حسرة وعناء لمن يحسب لجهله أنها لهو وتعليل. # ثم أخذ في خطاب الحسين ورمى قاتليه بنقض عهد الرسول: # يا ابن بنت الرسول ضيعت العه # د رجال والحافظون قليل # ما أطاعوا النبي فيك وقد ما # لت بأرماحهم إليك الذحول # 12 # وأحالوا على المقادير في حر # بك لو أن عذرهم مقبول # واستقالوا من بعد ما أجلبوا في # ها أألآن أيها المستقيل؟! # إن أمرا قنعت من دونه السي # ف لمن حازه لمرعى وبيل # يا حساما فلت مضاربه الها # م وقد فله الحسام الصقيل # يا جوادا أدمى الجواد من الطع # ن وولى ونحره مبلول # أتراني أعير وجهي صونا # وعلى وجهه تجول الخيول # أتراني ألذ ماء ولما # يرو من مهجة الإمام الغليل # وفي هذه الأبيات إثارة لأكرم العواطف الدينية، فالشاعر يذكر أن قاتلي الحسين ~~ضيعوا العهد، وخفروا ذمة النبي، ولم يقاتلوا الحسين في سبيل الحق، وإنما قاتلوه في ~~سبيل الذحول، وليتأمل القارئ دقة هذا البيت: # إن أمرا قنعت من دونه السي # ف لمن حازه لمرعى وبيل # يريد أن الدنيا التي لا تصفو لأصحابها إلا بقتل الحسين دنيا كدرة لن يكون لها ~~صفاء. # ثم شرع يصف مصرع الحسين، وفزع نسائه يوم ذلك الهول، فقال: # قبلته الرماح وانتضلت في # ه المنايا وعانقته النصول # 13 # والسبايا على النجائب تستا # ق وقد نالت الجيوب الذيول # من قلوب يدمى بها ناظر الوج # د ومن أدمع مراها الهمول # قد سلبن القناع عن كل وجه # فيه للصون من قناع بديل # وتنقبن بالأنامل والدم # ع على كل ذي نقاب دليل # وتشاكين والشكاة بكاء # وتنادين والنداء عويل # وللقارئ أن يتأمل البيت الثالث من هذه الأبيات فهو يذكر أن القلوب لها نواظر هي ~~نواظر الوجد، وفي البيت الرابع يذكر أن الصون بديل من القناع في أوجه من سلبن ~~القناع من نساء الحسين، والتنقب بالأنامل من صور الهول، وكذلك ms071 التشاكي بالبكاء، ~~والتنادي بالعويل. # ولينظر القارئ رقة المناجاة في هذه الأبيات: # يا غريب الديار صبري غريب # وقتيل الأعداء نومي قتيل # بي نزاع يطغى إليك وشوق # وغرام وزفرة وعويل # ليت أني ضجيع قبرك أو أن # ثراه بمدمعي مطلول # وعاد إلى المناداة بطلب الثأر، فقال: # يا بني أحمد إليكم سناني # غائب عن طعانه ممطول # وجيادي مربوطة والمطايا # ومقامي يروع عنه الدخيل # كم إلى كم تعلو الطغام وكم يح # كم في كل فاضل مفضول؟ # قد أذاع الغليل قلبي ولكن # غير بدع أن استطب العليل # ليت أني أبقى فأمترق النا # س وفي الكف صارم مسلول # وأجر القنا لثارات يوم الط # ف يستلحق الرعيل الرعيل # والثأر الذي يدعو إليه في هذه الأبيات لا يقف عند بني أمية، ولكنه يجتاح ~~بني العباس، ألا ترونه يقول: # كم إلى كم تعلو الطغام وكم يح # كم في كل فاضل مفضول؟ # وكانت للرضي وثبات نفسية تسمو به إلى المطالبة بعرش الخلافة الإسلامية، وكان دم ~~الحسين من الوسائل إلى ذلك الإرث المضاع. # وقد ختم الشريف لاميته هذه بأبيات في الفخر أضاعت روعة البكاء، وإن كنا نستجيد ~~منها هذا البيت: # أترك الشيء عاذري فيه كل الن # اس من أجل أن لحاني عذول؟! ~~(6) # أما الدالية فقد افتتحها بخمسة عشر بيتا في ~~النسيب، ثم تخلص إلى بكاء الحسين، فقال: # شغل الدموع عن الديار بكاؤنا # لبكاء فاطمة على أولادها # أترى درت أن الحسين طريدة # لقنا بني الطرداء عند ولادها # كانت مآتم بالعراق تعدها # أموية بالشام من أعيادها # ما راقبت غضب النبي وقد غدا # زرع النبي مظنة لحصادها # باعت بصائر دينها بضلالها # وشرت معاطب غيها برشادها # جعلت رسول الله من خصمائها # فلبئس ما ذخرت ليوم معادها # نسل النبي على صعاب مطيها # ودم النبي على رءوس صعادها # وهو في هذه القطعة يعيد ما قال من قبل، فيذكر أن بني أمية لم يراقبوا غضب الرسول، ~~فجعلوا زرعه من بعض ما يحصدون، ويذكر أن النبي سيكون خصمهم يوم المعاد، وبئس ما ~~يذخرون! # ثم أخذ في هجاء بني أمية ومدح ms072 العلويين، فقال: # إن الخلافة أصبحت مزوية # عن شعبها ببياضها وسوادها # طمست منابرها علوج أمية # تنزو ذئابهم على أعوادها # هي صفوة الله التي أوحى لها # وقضى أوامره إلى أمجادها # أخذت بأطراف الفخار فعاذر # أن يصبح الثقلان من حسادها # الزهد والأحلام في فتاكها # والفتك لولا الله في زهادها # عصب يقمط بالنجاد وليدها # ومهود صبيتها ظهور جيادها # تروي مناقب فضلها أعداؤها # أبدا وتسنده إلى أضدادها # يا غيرة الله اغضبي لنبيه # وتزحزحي بالبيض عن أغمادها # من عصبة ضاعت دماء محمد # وبنيه بين يزيدها وزيادها # صفدات مال الله ملء أكفها # وأكف آل الله في أصفادها # ضربوا بسيف محمد أبناءه # ضرب الغرائب عدن بعد ذيادها # وللقارئ أن يتنسم روح الفتوة في هذا الشعر ~~البليغ، وأن يتأمل كيف يكون النجاد قماط الوليد، وكيف تكون ظهور الجياد مهاد ~~الأطفال، وأن يعجب بقوة العزم في هذا البيت: # الزهد والأحلام في فتاكها # والفتك لولا الله في زهادها # ثم لذعته الذكرى فدمدم بهذه الأبيات وقد عاوده خيال «الطف» و«عاشوراء»: # قف بي ولو لوث الإزار، فإنما # هي مهجة علق الجوى بفؤادها # بالطف حيث غدا مراق دمائها # ومناخ أينقها ليوم جلادها # القفر من أرواقها والطير من # طراقها والوحش من عوادها # تجري لها حبب الدموع وإنما # حب القلوب يكن من أمدادها # يا يوم عاشوراء كم لك لوعة # تترقص الأحشاء من إيقادها # ما عدت إلا عاد قلبي غلة # حرى ولو بالغت في إبرادها # مثل السليم مضيضة آناؤه # خزر العيون تعوده بعدادها # ثم قال يخاطبه بمثل ما خاطبه به في الرائية: # يا جد لا زالت كتائب حسرة # تغشى الضمير بكرها وطرادها # أبدا عليك وأدمع مسفوحة # إن لم يراوحها البكاء يغادها # هذا الثناء وما بلغت وإنما # هي حلبة خلعوا عذار جوادها # أأقول جادكم الربيع وأنتمو # في كل منزلة ربيع بلادها # أم أستزيد لكم علا بمدائحي # أين الجبال من الربا ووهادها ~~(7) # والدالية الثانية ابتدأها الشاعر أيضا بالنسيب، وتلك سنة قديمة لم تخل منها ~~قصائد الرثاء، والنسيب في أمثال هذه القصائد يخلو من النزق والطيش، ويقف فيه الشاعر ~~عند ms073 حدود الشكوى والحنين، كأن يقول عن شاك قليل العواد: # يراعي نجوم الليل والهم كلما # مضى صادر عني بآخر وارد # توزع بين النجم والدمع طرفه # بمطروفة إنسانها غير راقد # وما يطبيها الغمض إلا لأنه # طريق إلى طيف الخيال المعاود # ذكرتكمو ذكر الصبا بعد عهده # قضى وطرا مني وليس بعائد # إذا جانبوني جانبا من وصالهم # علقت بأطراف المنى والمواعد # فيا نظرة لا تنظر العين أختها # إلى الدار من رمل اللوى المتقاود # هي الدار لا شوقي القديم بناقص # إليها ولا دمعي عليها بجامد # ولي كبد مقروحة لو أضاعها # من السقم غيري ما بغاها بناشد # أما فارق الأحباب قبلي مفارق # ولا شيع الأظعان مثلي بواجد # ثم تخلص إلى ذكرى الحسين، فقال: # تأوبني داء من الهم لم يزل # بقلبي حتى عادني منه عائدي # تذكرت يوم السبط من آل هاشم # وما يومنا من آل حرب بواحد # وتوجع لموت الحسين ظمآن كما فعل في القصائد الماضية، فقال: # وظام يريغ الماء قد حيل دونه # سقوه ذبابات الرقاق البوارد # أتاحوا له مر الموارد بالقنا # على ما أباحوا من عذاب الموارد # وقال يصف انتقال ميراثهم إلى بني أمية: # ويا رب ساع في الليالي لقاعد # على ما أرى بل كل ساع لقاعد # أضاعوا نفوسا بالرماح ضياعها # يعز على الباغين منا النواشد # أألله ما تنفك في صفحاتها # خموش لكلب من أمية عاقد # لئن رقد النصار عما أصابنا # فما الله عما نيل منا براقد # لقد علقوها بالنبي خصومة # إلى الله تغني عن يمين وشاهد # وهو في هذا المعنى يكرر ما قاله من قبل. # ولم يرضه أن يقف عند هجاء بني أمية، فغمز بني العباس بهذه الأبيات: # ويا رب أدنى من أمية لحمة # رمونا على الشنآن رمي الجلامد # طبعنا لهم سيفا فكنا لحده # ضرائب عن أيمانهم والسواعد # ألا ليس فعل الأولين وإن علا # على قبح فعل الآخرين بزائد ~~(8) # بقيت المقصورة وهي ضعيفة بالقياس إلى هذه القصائد، وقد وصف بها الشاعر مصرع ~~الحسين، وما لقي نساؤه من فزع وهول، واستثار إشفاق الرسول للسبط الشهيد، وتوجع ms074 لأهل ~~البيت، وعجب كيف أمهل الله الظالمين فلم تنقلب بهم الأرض ولم ترجمهم السماء. # وخلاصة القول أن نكبة الحسين كانت ميدانا لقرائح القصاص والكتاب والشعراء، ~~ومن آثارها هذه القصائد الخمس. والفتنة والقتل من أسباب البعث في الآداب ~~والفنون. # الفصل السابع # | قصائد مهيار في أهل البيت # (1) # لمهيار في أهل البيت عشر قصائد طوال، وجو تلك القصائد يشعر بأن معاصريه كانوا ~~يستكثرون عليه أن يمعن في مدح آل الرسول، كأن العصبية لأهل البيت كانت تعتمد على ~~الجنسية العربية، فإنا نراه يقول: # أنا العبد والاكم عقده # إذا القول بالقلب لم يعقد # وفيه ودادي وديني معا # وإن كان في «فارس» مولدي # خصمت ضلالي بكم فاهتديت # ولولاكم لم أكن أهتدي # وعبارة «وإن كان في فارس مولدي» تعين أن تشيع الفرس كان يقابل في بعض ~~البيئات بشيء من الاستغراب، ويؤيد هذا ما جاء في التمهيد ليائيته في رثاء أهل ~~البيت؛ إذ يقول جامع الديوان: # وقال يرثي أهل البيت، وبلغه أن بعض حاسديه يستكثر مدحه إياهم، ويدعي عليه ~~أنه بما يظهر من المخالفة في الأصول لا يجوز أن يخلص في مدحهم ويذكر ذلك في ~~آخر القصيدة. # ومعنى هذا الكلام أن مهيارا كان يتعصب للفرس، والتعصب للفرس ينافي التشيع لأهل ~~البيت، ويكاد يكون من المعقول ألا يجتمع تشيع وشعوبية، ويوضح هذا قول مهيار في ~~اليائية: # هذا لهم والقوم لا قومي هم # جنسا وعقر ديارهم لا داريا # إلا المحبة فالكريم بطبعه # يجد الكرام الأبعدين أدانيا # وقوله في خطاب علي بن أبي طالب: # وبرغمهم لأسيرنها شردا # ولأتبعن منها بديئا تاليا # غرا أقد من الجمال معانيا # فيها وألتقط النجوم قوافيا # شكرا لصنعك عند «فارس» أسرتي # وبما سلمت تفاؤلا وأياديا # وتعصبا ومودة لك صيرا # في حبك الشيعي من إخوانيا # وهذا نص في أن التشيع كان يوجب لذلك العهد وحدة العصبية العربية، وإن كان من ~~العسير أن نجزم بأن الحال كان كذلك في جميع البيئات الإسلامية، فقد صارت فارس بعد ~~ذلك من المعاقل الشيعية. ~~(2) # كان مهيار يعنى بمدح آل البيت، وكانت تقترح عليه ms075 القصائد في مدحهم، فقد حدثنا ~~جامع الديوان أنه أنشد قصيدة في مراثي أهل البيت من مرذول الشعر، وسئل أن يعمل ~~أبياتا في وزنها وقافيتها. # 1 # وأنه سئل عمل أبيات في مراثي أهل البيت عليهم السلام على هذا الوزن والروي، ~~وهما مما تقل مساعدة الكلام المختار على مثله، ولم يجد لإجابة الملتمس لذلك بدا - ~~على ما فيه من اللين والانحطاط - فقال ارتجالا على جهة الإملاء، ومقتضى إجابة السائل. # 2 # وهذا وذلك يدلان على أمرين؛ الأول: أن الشعر في أهل البيت كان يطلب، والثاني: أن ~~مهيارا كان معروفا بحب أهل البيت. # ولا يفوتنا من الوجهة الفنية أن نشير إلى تنبه مهيار إلى خطر الوزن والقافية في ~~التعبير عن مختلف الأغراض؛ وهذا ملحظ سبقه إليه أبو الفضل بن العميد، فقد حدث ~~الصاحب بن عباد أنه كان «يتجاوز نقد الأبيات إلى نقد الحروف والكلمات، ولا يرضى ~~بتهذيب المعنى حتى يطالب بتخير القافية والوزن» وأنه سمعه يقول: «إن أكثر الشعراء ~~ليس يدرون كيف يجب أن يوضع الشعر، ويبتدأ النسج؛ لأن حق الشاعر أن يتأمل الغرض الذي ~~قصده والمعنى الذي اعتمده، وينظر في أي الأوزان يكون أحسن استمرارا، ومع أي ~~القوافي يحصل أجمل اطراد، فيركب مركبا لا يخشى انقطاعه، والتياثه عليه.» # 3 # أما القصيدة فمطلعها: # يا ابنة القوم تراك # بالغ قتلي رضاك # وهي في وزن مرقص، وقافية تعتمد على رقة الخطاب، وهما لا يصلحان لمصاولة خصوم أهل ~~البيت؛ ولذلك رأينا الشاعر ينظم اثنين وثلاثين بيتا في النسيب وفي التمهيد لبكاء ~~أهل البيت، ثم ينظم ثلاثة وعشرين بيتا في الغرض الذي أنشئ فيه هذا القصيد، فجاء ~~الغرض وكأنه تبع - من حيث الكمية - لشعر النسيب. ~~(3) # والولاء لأهل البيت ظاهر الصدق في شعر مهيار، وهو يذكر أنه اهتدى بهداهم حين ~~انتقل من الشرك إلى الإسلام، فيقول: # ركبت لكم لقمي فاستننت # وكنت أخابطه مجهلا # وفك من الشرك أسري وكا # ن غلا على منكبي مقفلا # أواليكم ما جرت مزنة # وما اصطخب الرعد أو جلجلا # وأبرأ ممن يعاديكم # فإن البراءة أصل الولا ms076 # ومولاكم لا يخاف العقا # ب فكونوا له في غد موئلا # ويقول: # يا هداة الله والنج # وة في يوم الهلاك # بكم استدللت في حي # رة أمري وارتباكي # أظلم الشك وكنتم # لي مصابيح المشاكي # ويقول في خطاب علي بن أبي طالب: # عاديت فيك الناس لم أحفل بهم # حتى رموني عن يد إلا الأقل # تفرغوا يعترقون غيبة # لحمي وفي مدحك لي عنهم شغل # 4 # عدلت أن ترضى بأن يسخط من # تقله الأرض علي فاعتدل # ولو يشق البحر ثم يلتقي # فلقاه فوقي في هواك لم أبل # علاقة بي لكم سابقة # لمجد «سلمان» إليكم تتصل # وسلمان في البيت الأخير هو سلمان الفارسي، وكان معروف الولاء لأهل البيت، وهو ~~يكثر من الإشارة في شعره إلى ما جر عليه ولاؤه من المحن والأرزاء بسبب الأحقاد، ~~فيقول: # هل يبلغنك يا أبا الحسن الذي # جوزيت فيك وكان ضد جزائيا # من معشر لما مدحتك غظتهم # فتناوشوا عرضي وشانوا شانيا # اسمع - لينصفني انتقامك - إنهم # بالجور راضوني فجئتك شاكيا # لما رأوا ما غاظ مني شنعوا # حاشاك أني قلت فيك مداجيا # لا كان إلا ميتا ميثاقه # من سره أن كان بعدك باقيا # وهذا نهاية التصوف في الولاء. # ولمهيار نظرة سياسية دقيقة فيما أصاب الحسين؛ فهو يرى أن ما وقع بين الصحابة يوم ~~السقيفة كان تمهيدا لمصرعه في كربلاء، وانظر هذين البيتين: # فيوم السقيفة يا ابن النبي # طرق يومك في كربلا # وغصب أبيك على حقه # وأمك حسن أن تقتلا # يريد أن اجتراء القوم على زحزحة علي عن حقه في الخلافة وحرمان فاطمة من حقها في ~~الميراث كان مما هون شأن أهل البيت، وأغرى خصومهم بدم الحسين، ولو جرى الأمر من ~~أول يوم على حفظ الحقوق لأصحاب الحقوق لبقيت هيبة أهل البيت، وعز على خصومهم أن ~~يطمعوا في دمائهم الزكية، ومكانهم ما نعرف من حب الرسول. ~~(4) # أكثر مهيار من التوجع لفقد الحسين، ورأى قتله قريبا من الشرك، فقال: # أرى الدين من بعد يوم الحسين # غليلا له الموت بالمرصد # وما الشرك بالله من قبله # إذا أنت ms077 قست بمستبعد # وما آل حرب جنوا إنما # أعادوا الضلال على من بدي # سيعلم من «فاطم» خصمه # بأي نكال غدا يرتدي # ومن ساء «أحمد» يا سبطه # فباء بقتلك ماذا يدي؟ # فداؤك نفسي ومن لي بذا # ك لو أن مولى بعبد فدي ~~(5) # وأهم قصائد مهيار في مدح آل البيت هي العينية التي دافع بها عن حق علي بن أبي ~~طالب، وهي من عيون القصائد، وتذكر بعينية حسان في المحاماة عن الرسول. # تقع هذه القصيدة في تسعة وأربعين بيتا، منها أربعة عشر في النسيب، ولكن أي نسيب، ~~إنها نفحة من الشعر الوجداني الرصين، ولننظر كيف يقول: # هل بعد مفترق الأظعان مجتمع # أم هل زمان بهم قد فات يرتجع # تحملوا تسع البيداء ركبهم # ويحمل القلب فيهم فوق ما يسع # مغربين هم والشمس قد ألفوا # ألا تغيب مغيبا حيثما طلعوا # شاكين للبين أجفانا وأفئدة # مفجعين به أمثال ما فجعوا # تخطو بهم فاترات في أزمتها # أعناقها تحت إكراه النوى خضع # تشتاق نعمان لا ترضى بروضته # دارا ولو طاب مصطاف ومرتبع # فداء وافين تمشي الوافيات بهم # دمع دم وحشا في إثرهم قطع # الليل بعدهم كالهجر متصل # ما شاء والنوم مثل الوصل منقطع # ليت الذين أصاخوا يوم صاح بهم # داعي النوى ثوروا، صموا كما سمعوا # أو ليت ما أخذ التوديع من جسدي # قضى علي فللتعذيب ما يدع # ولما انتهى إلى مدح أهل البيت ضرب الغادرين بالقواصم، فقال: # هذي قضايا رسول الله مهملة # غدرا وشمل رسول الله منصدع # والناس للعهد ما لاقوا وما قربوا # وللخيانة ما غابوا وما شسعوا # 5 # وآله وهم آل الإله وهم # رعاة ذا الدين ضيموا بعده ورعوا # ميثاقه فيهم ملقى وأمته # مع من بغاهم وعاداهم له شيع # ثم انتقل إلى ما أضاعوا من بيعة يوم الغدير، ~~وكانوا يرون أن النبي خطب الناس عنده، فقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، وقد ~~استغل الشيعة هذا «التصريح» وعبر عن هواهم مهيار حين قال: # تضاع بيعته يوم الغدير لهم # بعد الرضا وتحاط الروم والبيع # 6 # مقسمين بأيمان هم جذبوا ms078 # ببوعها وبأسياف هم طبعوا # ما بين ناشر حبل أمس أبرمه # تعد مسنونة من بعده البدع # وبين مقتنص بالمكر يخدعه # عن آجل عاجل حلو فينخدع # وقائل لي علي كان وارثه # بالنص منه فهل أعطوه أم منعوا؟ # فقلت كانت هنات لست أذكرها # يجزي بها الله أقواما بما صنعوا # واندفع يصاول خصوم أهل البيت مصاولة الفحول، فقال: # أبلغ رجالا إذا سميتهم عرفوا # لهم وجوه من الشحناء تمتقع # توافقوا وقناة الدين مائلة # فحين قامت تلاحوا فيه واقترعوا # أطاع أولهم في الغدر ثانيهم # وجاء ثالثهم يقفو ويتبع # قفوا على نظر في الحق نفرضه # والعقل يفصل والمحجوج ينقطع # بأي حكم بنوه يتبعونكم # وفخركم أنكم صحب له تبع # وكيف ضاقت على الأهلين تربته # وللأجانب من جنبيه مضطجع # وفيم صيرتم الإجماع حجتكم # والناس ما اتفقوا طوعا ولا اجتمعوا # وهذه القوة في الحجاج تذكرنا بوثبات الكميت في قصائده الهاشميات. # وقد ختم هذه القصيدة الرائعة بهذا الولاء وهو يخاطب علي بن أبي طالب: # آباي في فارس والدين دينكم # حقا لقد طاب لي أس ومرتبع # ما زلت مذ يفعت سني ألوذ بكم ~~- حتى محا حقكم شكي - وأنتجع # وقد مضت فرطات إن كفلت بها # فرقت عن صحفي البأس الذي جمعوا # سولت نفسي غرورا إن ضمنت لها # أني بذخر سوى حبيك أنتفع # الفصل الثامن # | بردة البوصيري # حياة البوصيري، وشعره في الموظفين - نماذج من شعره الفكاهي - سبب نظم البردة - ~~الإكثار من الصلاة على الرسول - شاهد من القصيدة المضرية - أثر البردة في أحلام ~~الصوفية - تعليل تلك الأحلام. ~~*** # تعد قصيدة البردة أهم القصائد بين المدائح النبوية، فهي أولا: قصيدة جيدة، وهي ~~ثانيا: أسير قصيدة في هذا الباب، وهي ثالثا: مصدر الوحي لكثير من القصائد التي أنشئت ~~بعد البوصيري في مدح الرسول. # ولهذا كله نرى من الواجب أن نعرض للبوصيري وقصيدته بشيء من التفصيل. ~~(1) # والبوصيري هو محمد بن سعيد بن حماد بن عبد الله بن صنهاج، كان أحد أبويه من «أبو ~~صير»، والآخر من «دلاص» من قرى بني سويف، فركبت له منهما نسبة، وقيل: ~~«الدلاصيري» لكنه اشتهر ms079 بالبوصيري، وكان يعاني صناعة الكتابة والتصرف، ويباشر ~~الشرقية ببلبيس. # 1 # والبوصيري شاعر مصري ظريف من شعراء القرن السابع تجري في شعره النكت المستملحة، ~~وله في شكوى حاله والتذمر من الموظفين قصائد لا تخلو من ذكاء، وفي شعره وصف للحالة ~~الاجتماعية في عصره، وأحسبه من الصادقين؛ فهو يذكر أن الموظفين كانوا يسرقون ~~الغلال، وأنهم لولا ذلك ما لبسوا الحرير، ولا شربوا الخمور، وأن من الكتاب طائفة ~~تنسكت وعدت من الزهاد مع أنها تملأ بطونها بالسحت، وتأكل مال الأيتام، ويذكر ~~أن القضاة خانوا الأمانة، وبرروا خيانتهم بتأويل القرآن والحديث، ويذكر أن المسلمين ~~والأقباط كانوا مختلفين، فكان المسلمون يقولون: لنا بمصر حقوق، ونحن أولى الآخذين، ~~وكان القبط يقولون: نحن ملوك مصر، ومن سوانا هم الغاصبون، وكان اليهود يستحلون مال ~~الطوائف أجمعين، وفي ذلك يقول: # نقدت طوائف المستخدمينا # فلم أر فيهمو حرا أمينا # فقد عاشرتهم ولبثت فيهم # مع التجريب من عمري سنينا # فكتاب الشمال همو جميعا # فلا صحبت شمالهم اليمينا # فكم سرقوا الغلال وما عرفنا # بهم فكأنهم سرقوا العيونا # ولولا ذاك ما لبسوا حريرا # ولا شربوا خمور الأندرينا # ولا ربوا من المردان مردا # كأغصان يملن وينحنينا # وقد طلعت لبعضهمو ذقون # ولكن بعدما حلقوا ذقونا # وأقلام الجماعة جائلات # كأسياف بأيدي لاعبينا # وقد ساومتهم حرفا بحرف # وكل اسم يخطوا منه سينا # أمولاي الوزير غفلت عما # يتم من اللئام الكاتبينا # تنسك معشر منهم وعدوا # من الزهاد والمتورعينا # وقيل لهم دعاء مستجاب # وقد ملئوا من السحت البطونا # تفقهت القضاة فخان كل # أمانته وسموه الأمينا # وما أخشى على أموال مصر # سوى من معشر يتأولونا # يقول المسلمون لنا حقوق # بها ولنحن أولى الآخذينا # وقال القبط نحن ملوك مصر # وإن سواهمو هم غاصبونا # وحللت اليهود بحفظ سبت # لهم مال الطوائف أجمعينا # وما ابن قطيبة إلا شريك # لهم في كل ما يتخطفونا # أغار على قرى «فاقوس» منه # بجور يمنع النوم الجفونا # وصير عينها حملا ولكن # لمنزله وغلتها خزينا # وأصبح شغله تحصيل تبر # وكانت راؤه من قبل نونا # وقدمه الذين لهم وصول # فتمم ms080 نقصه صلة الذينا # وفي دار الوكالة أي نهب # فليتك لو نهبت الناهبينا # فقام بها يهودي خبيث # يسوم المسلمين أذى وهونا # إذا ألقى بها موسى عصاه # تلقفت القوافل والسفينا # وشاهدهم إذا اتهموا يؤدي # عن الكل الشهادة واليمينا ~~(2) # وهذه القطعة ذكرها صاحب فوات الوفيات من قصيدة طويلة يذكر أنها كانت مشهورة، ~~وشهرتها فيما نرى لا ترجع إلى قيمتها الأدبية؛ لأنها قصيدة ضعيفة يغلب عليها ~~الابتذال، وإنما ترجع شهرتها إلى ما فيها من التنديد بالموظفين، والناس يبغضون ~~الموظفين حين يعرفون بالطمع والاستبداد. ولهذه القصيدة قيمتها من الوجهة ~~التاريخية، فهي شاهد على اختلاف الطوائف في مصر، وعلى ما كان يجري إذ ذاك بين ~~المسلمين والنصارى واليهود، وهي كذلك شاهد على عيوب الإدارة في ذلك الحين. # والظاهر أنه كان مغرما بثلب الموظفين، فقد قال من قصيدة أخرى يحرض عليهم أحد ~~كبار المماليك: # فلا تدن منهم واحدا منك ساعة # ولو فاح من برديه مسك وعنبر # وبرد فؤادي بانتقامك منهمو # فقد كاد قلبي منهمو يتفطر # منعت بهم حظي شهورا ولم أصل # إلى حظهم حتى مضت لي أشهر # أما فيهمو، لا بارك الله فيهمو # أخو قلم إلا يخون ويغدر # وفي هذه الأبيات ما يشعر بأن الموظفين كانوا يماطلونه في دفع المرتب، وقد صرح ~~بذلك في قصيدة أخرى إذ يقول: # من لم يقم لي منهمو بوظيفتي # جرسته بملامتي تجريسا ~~(3) # ومن شعر البوصيري فيما يجري مجرى الدعابة قوله في الحديث عن جارية راودها عن ~~نفسها فأنكرت عليه الشيب والضعف: # أهوى والمشيب قد حال دونه # والتصابي بعد المشيب رعونه # أبت النفس أن تطيع وقالت # إن حبي لا يدخل القنينه # كيف أعصي الهوى وطينة قلبي # بالهوى قبل آدم معجونه # سلبته الرقاد بيضة خدر # ذات حسن كالدرة المكنونه # سمتها قبلة تسر بها النف # س فقالت كذا أكون حزينه # قلت لا بد أن تسيري إلى الدا # ر فقالت عسى! أنا مجنونه! # قلت سيري فإنني لك خير # من أب راحم وأم حنونه # أنا نعم القرين إن كنت تبغي # ن حلالا وأنت نعم القرينه # قالت اضرب ms081 عن وصل مثلي صفحا # واضرب الخل أو يصير طحينه # لا أرى أن تمسني يد شيخ # كيف أرضى به لطشتي مشينه # قلت إني كثير مال فقالت # هبك أنت المبارز القارونه # وهذا أيضا شعر ضعيف، ولكن فيه «حكاية ظريفة» من حكايات مولانا الشيخ رضي الله ~~عنه وأرضاه! وأظرف من هذه القطعة أبياته التي بعث بها إلى ناظر الشرقية، وكانت له ~~حمارة استعارها منه الناظر فأعجبته، فكتب على لسانها إليه: # يا أيها السيد الذي شهدت # أخلاقه لي بأنه فاضل # ما كان ظني يبيعني أحد # قط ولكن صاحبي جاهل # لو جرسوه علي من سفه # لقلت غيظا عليه يستاهل # أقصى مرادي لو كنت في بلدي # أرعى بها في جوانب الساحل # وبعد هذا فما يحل لكم # أخذي لأني من سيدي حامل # وقد استظرف ناظر الشرقية هذه الأبيات، ورد إليه الحمارة، ولم يكن فيها من ~~الزاهدين! ونحن نستملح كذلك قصيدته التي بعث بها إلى أحد الوزراء في شكوى حاله، وهي ~~قصيدة طريفة يذكر فيها أنه فقير، وأن أبناءه لا يجدون ما يأكلون، وأنهم يتحسرون ~~لفقد الكعك أيام الأعياد، وأن امرأته زارت أختها، وشكت إليها سوء الحال، فأشارت ~~عليها بضربه، ونتف ذقنه شعرة شعرة! وفي تفصيل ذلك يقول، وهو يخاطب ذلك ~~الوزير: # إليك نشكو حالنا إننا # حاشاك من قوم أولي عسره # في قلة نحن ولكن لنا # عائلة في غاية الكثره # أحدث المولى الحديث الذي # جرى لهم بالخيط والإبره # صاموا مع الناس ولكنهم # كانوا لمن أبصرهم عبره # إن يشربوا فالبئر زير لهم # ما برحت والشربة الجره # لهم من الخبيز مسلوقة # في كل يوم تشبه النشره # أقول مهما اجتمعوا حولها # تنزهوا في الماء والخضره # وأقبل العيد وما عندهم # قمح ولا خبز ولا فطره # فارحمهمو إن عاينوا كعكة # في كف طفل أو رأوا تمره # تشخص أبصارهمو نحوها # بشهقة تتبعها زفره # كم قائل يا أبتا منهمو # قطعت عنا الخير في كره # ما صرت تاتينا بفلس ولا # بدرهم ورق ولا نقره # وأنت في خدمة قوم فهل # تخدمهمو يا أبت سخره # ويوم زارت أمهم ms082 أختها # والأخت في الغيرة كالضره # وأقبلت تشكو لها حالها # وصبرها مني على العشره # قالت لها كيف تكون النسا # كذا مع الأزواج يا عره! # قومي اطلبي حقك منه بلا # تخلف منك ولا فتره # وإن تأبى فخذي ذقنه # أو انتفيها شعرة شعره # قالت لها ما هكذا عادتي # فإن زوجي عنده ضجره # أخاف إن كلمته كلمة # طلقني قالت لها بعره # وهونت قدري في نفسها # فجاءت الزوجة مجتره # فقاتلتني فتهددتها # فاستقبلت رأسي بآجره # وحق من حالته هذه # أن ينظر المولى له أمره # وفي هذه القصيدة كثير من التعابير المصرية، ولا تزال بقاياها موجودة في ~~بلبيس. ~~(4) # وقد حدثنا البوصيري عن سبب وضعه للبردة فقال: «كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # منها ما كان اقترحه علي الصاحب زين الدين يعقوب بن الزبير، ثم اتفق ~~بعد ذلك أن صاحبني فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه فعملتها، واستشفعت بها ~~إلى الله تعالى في أن يعافيني، وكررت إنشادها، ودعوت، وتوسلت، ونمت فرأيت النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فمسح وجهي بيده المباركة، وألقى علي بردة، فانتبهت ووجدت في نهضة، ~~فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحدا، فلقيني بعض الفقراء فقال لي: أريد ~~أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقلت: أيها؟ فقال: التي ~~أنشأتها في مرضك وذكر أولها، وقال: والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ورأيت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يتمايل وأعجبته، وألقى على من أنشدها ~~بردة، فأعطيته إياها، وذكر الفقير ذلك، وشاع المنام.» # وفي هذه القطعة دلالة على عقلية البوصيري؛ ~~فهو رجل فيه طيبة وسذاجة كأكثر الصوفية، فليس من المعقول أن يبرأ مريض من مرضه لآية ~~يتلوها أو قصيدة ينشدها كما برئ البوصيري بقصيدته، ولو مرض مفتي الديار المصرية - ~~لا سمح الله - ما استغنى بالبردة عن الطبيب، # 2 # ولعل حكاية البوصيري هذه هي سبب ما سار بجانب البردة من الخرافات، فقد ~~ذكر بعض الشراح ms083 لكل بيت من أبياتها فائدة: فبعضها أمان من الفقر، وبعضها أمان من ~~الطاعون! وهذا النوع من الغفلة قديم، فقد كان الزمخشري يذكر شيئا من مثل هذا عن ~~سور القرآن. ونلاحظ كذلك أن البوصيري كرر عبارة « # صلى الله عليه وسلم ~~» خمس مرات في هذه الفقرة ~~الصغيرة، وتكرار الصلاة على النبي كلما ذكر اسمه من وساوس المتأخرين، وقد زاد ~~البوصيري على ذلك في القصيدة المضرية، فهو يدعو الله أن يصلي على النبي وشيعته ~~وصحبه عدد الحصى والثرى والمدر، وعدد نجم السماء، ونبات الأرض، وعدد وزن مثاقيل ~~الجبال، وقطر جميع الماء والمطر، وما حوت الأشجار من ورق، وعدد الجن والإنس ~~والأملاك، وعدد الذر، والنمل، والحبوب، والشعر، والصوف، والريش، والوبر، وعدد ما ~~أحاط به العلم المحيط، وما جرى به القلم والقدر، وعدد نعم الله على الخلائق مذ ~~كانوا، ومذ حشروا، وعدد ما كان في الأكوان، وما يكون إلى يوم البعث، وتكون هذه ~~الصلاة بهذا التحديد: # في كل طرفة عين يطرفون بها # أهل السموات والأرضين أو يذروا # ملء السموات والأرضين مع جبل # والفرش والعرش والكرسي وما حصروا # ما أعدم الله موجودا وأوجد مع # دوما صلاة دواما ليس تنحصر # تستغرق العد مع جمع الدهور كما # تحيط بالحد لا تبقي ولا تذر # وهذا النمط من الصلاة على النبي لم يكن معروفا في صدر الإسلام، وإنما هو تصرف من ~~غلاة الصوفية أمثال صاحب «دلائل الخيرات». ~~(5) # ومنام البوصيري كانت له أطياف في أذهان الصوفية، فقد استحبوا أن يقرأ المرء هذا ~~البيت: # مولاي صل وسلم دائما أبدا # على حبيبك خير الخلق كلهم # بعد كل بيت من أبيات البردة، وذكروا أن الغزنوي كان يقرؤها في كل ليلة ليرى النبي ~~في منامه، فلم تتيسر له الرؤيا، فشكا ذلك إلى شيخ كامل، فقال له: لعلك لا تراعي ~~شرائطها! فقال: لا، بل أراعيها. فراقبه الشيخ ثم قال له: إنك لا تصلي بالصلاة التي ~~كان يصلي بها الإمام البوصيري على النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، وهي قوله: مولاي صل وسلم ~~(البيت). قالوا: وحكمة اختياره هذا ms084 البيت دون غيره أنه رحمه الله لما أنشأ هذه ~~القصيدة رأى النبي في المنام، فأنشدها بين يديه، فكان يتمايل طربا كتمايل الأغصان، ~~فلما انتهى إلى قوله: «فمبلغ العلم فيه أنه بشر» لم يقدر على تكميل البيت، فقال له ~~عليه الصلاة والسلام: اقرأ، فقال: إني لم أوفق للمصراع الثاني يا رسول الله. فقال ~~له الرسول قل: «وأنه خير خلق الله كلهم»، فأدرج البوصيري هذا المصراع الذي قاله ~~النبي في البيت المتقدم، وجعله صلاة مكررة بعد كل بيت حرصا على لفظ النبي عليه ~~السلام. # وهذه المنامات تعليلها سهل، فحب البوصيري للرسول خلق منه قيثارة نبوية، وإيمان ~~الصوفية بعظمة البوصيري ويمن قصيدته وجه أحلامهم إلى تصور الرسول في المنام بفضل ~~الإكثار من تلاوة البردة مصحوبة بتلك الصلاة، والبردة في ذاتها لا تمكن كل إنسان من ~~الكرامات، وإنما تنفعل النفس بما تؤمن به في صدق وإخلاص، فتتمثل الغرائب والأعاجيب، ~~وكذلك كانت البردة عند بعض الناس مفتاحا للمثول بين يدي الرسول، ورؤيا النبي حق: ~~عند الصوفية، وعند الفقهاء. # الفصل التاسع # | عناصر البردة # (1) # تقع البردة في اثنين وثمانين ومائة بيت، فهي من القصائد الطوال، وأغلب الظن عندي ~~أن البوصيري استأنس عند نظمها بميمية ابن الفارض، ودليل ذلك تشابه المطلعين، فإن ~~مطلع قصيدة ابن الفارض: # هل نار ليلى بدت ليلا بذي سلم # أم بارق لاح في الزوراء فالعلم # أرواح نعمان هلا نسمة سحرا # وماء وجرة هلا نهلة بفم # ومطلع قصيدة البوصيري: # أمن تذكر جيران بذي سلم # مزجت دمعا جرى من مقلة بدم # أم هبت الريح من تلقاء كاظمة # وأومض البرق في الظلماء من إضم # فذو سلم، وهبوب الريح ، وإيماض البرق مما اشترك فيه الشاعران، مع وحدة الوزن ~~والقافية، يضاف إلى هذا أن ابن الفارض قال: # يا لائما لامني في حبهم سفها # كف الملام فلو أحببت لم تلم # فتابعه البوصيري فقال: # يا لائمي في الهوى العذري معذرة # مني إليك ولو أنصفت لم تلم # كما تابع شوقي البوصيري حين قال: # يا لائمي في هواه والهوى قدر # لو مسك الشوق ms085 لم تعذل ولم تلم # وقال ابن الفارض: # طوعا لقاض أتى في حكمه عجبا # أفتى بسفك دمي في الحل والحرم # أصم لم يسمع الشكوى وأبكم لم # يحر جوابا وعن حال المشوق عمي # فدار البوصيري حول هذا المعنى إذ قال: # عدتك حالي لا سري بمستتر # عن الوشاة ولا دائي بمنحسم # محضتني النصح لكن لست أسمعه # إن المحب عن العذال في صمم ~~(2) # وتشتمل البردة على عدة عناصر: ففي صدرها النسيب، ويليه التحذير من هوى النفس، ثم ~~مدح النبي، والكلام عن مولده ومعجزاته، ثم القرآن والإسراء والمعراج والجهاد، ثم ~~التوسل والمناجاة. # والنسيب في البردة يتصل بالشوق إلى المعالم العربية، وكنت لمت البوصيري على هذا ~~في كتاب «الموازنة بين الشعراء» ثم تبينت أنه اختار تلك المواطن لصلتها بمولد ~~الرسول، وخاصة إذا لاحظنا أن النسيب لم يقصد لذاته حتى يتحدث الشاعر عن هواه في ~~بلبيس أو فاقوس، وإنما هو نسيب وقع موقع التمهيد لقصيدة دينية، ولولا حرص الشاعر ~~على متابعة القدماء في افتتاح القصائد بالنسيب لما كان للتغزل في مثل هذه القصيدة ~~مكان. # ومع أن الشاعر كان فارغ القلب من الصبوات الحسية، فإنا نراه قارب الإجادة في ~~التعبير عن لوعة الوجد حين قال: # أيحسب الصب أن الحب منكتم # ما بين منسجم منه ومضطرم # لولا الهوى لم ترق دمعا على طلل # ولا أرقت لذكر البان والعلم # فكيف تنكر حبا بعدما شهدت # به عليك عدول الدمع والسقم # وأثبت الوجد خطي عبرة وضنى # مثل البهار على خديك والعنم # نعم سرى طيف من أهوى فأرقني # والحب يعترض اللذات بالألم ~~(3) # أما التحذير من هوى النفس فقد ابتدأه الشاعر بالكلام عن عذل الشيب ، وفي ذلك دليل ~~على أن الشاعر نظم البردة في أيام الاكتهال، وأبياته في هذا المعنى جيدة، وفيها ~~شطرات تجري مجرى الأمثال، كقوله: # والشيب أبعد في نصح عن التهم # وقوله: # إن الطعام يقوي شهوة النهم # وقوله: # إن الهوى ما تولى يصم أو يصم # وقوله: # فرب مخمصة شر من التخم # وقوله: # وما استقمت فما قولي لك استقم # وله نظرات في سياسة ms086 النفس على جانب من الدقة: كالتحذير من دسائس الشبع والجوع، ~~وتشبيه النفس بالطفل «إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم»، وهو يرى أن ~~أداء الفرائض رتبة صغيرة لا تصل به إلى درجات الأصفياء، ويقول: # ولا تزودت قبل الموت نافلة # ولم أصل سوى فرض ولم أصم ~~(4) # وفي مدح النبي يتحدث عن تهجده، فيذكر أنه أدام قيام الليل حتى تورمت قدماه، ~~ويتحدث عن إيثاره الجوع فيذكر أنه كان يشد أحشاءه من السغب، ويتكلم عن زهده فيذكر ~~أن جبال الذهب راودته عن نفسه فاستعصم، ثم يذكر أنه سيد الكونين والثقلين والفريقين ~~من عرب ومن عجم، وأنه الآمر الناهي، وأنه لا أحد أبر منه في قول «لا» و«نعم»، وأنه ~~مرجو الشفاعة، وأن المستمسكين به مستمسكون بحبل غير منفصم، وأنه فاق النبيين في ~~الخلق والخلق، ولم يدانوه في علم ولا كرم، ويمعن في ذلك فيقول: # وكلهم من رسول الله ملتمس # غرفا من البحر أو رشفا من الديم # وواقفون لديه عند حدهم # من نقطة العلم أو من شكلة الحكم # ويحكم بأنه هو «الذي تم معناه وصورته»، وأنه منزه عن الشريك في محاسنه، ~~ويقول: # دع ما ادعته النصارى في نبيهم # واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم # وله في مدح النبي أبيات جيدة حقا من الوجهة الشعرية، وانظر هذا البيت البارع ~~الجميل: # لو ناسبت قدره آياته عظما # أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم # وانظر هذه الوثبة الشعرية في تصوير شخصية الرسول: # أعيا الورى فهم معناه فليس يرى # للقرب والبعد منه غير منفحم # كالشمس تظهر للعينين من بعد # صغيرة وتكل الطرف من أمم # وكيف يدرك في الدنيا حقيقته # قوم نيام تسلوا عنه بالحلم # فمبلغ العلم فيه أنه بشر # وأنه خير خلق الله كلهم # أكرم بخلق نبي زانه خلق # بالحسن مشتمل بالبشر متسم # كالزهر في ترف والبدر في شرف # والبحر في كرم والدهر في همم # كأنه وهو فرد في جلالته # في عسكر حين تلقاه وفي حشم # وهذه أبيات في غاية من القوة، وإن كانت أخيلتها مقتبسة من معان ms087 قديمة، وقوله بعد ~~ذلك: # كأنما اللؤلؤ المكنون في صدف # من معدني منطق منه ومبتسم # من المعاني التي أكثر منها الشعراء، وقد نقلها البوصيري من النسيب إلى المديح، ~~وقوله: # لا طيب يعدل تربا ضم أعظمه # طوبى لمنتشق منه وملتثم # من الأخيلة العامية، وقوله في تفضيل النبي على سائر الأنبياء: # وكل آي أتى الرسل الكرام بها # فإنما اتصلت من نوره بهم # فإنه شمس فضل هم كواكبها # يظهرن أنوارها للناس في الظلم # هذا المعنى ينافي الأدب الجميل في رعاية حقوق الأنبياء، وهو يساير به نزعة ساذجة ~~لا يقرها عقل، ولا يدعو إليها دين، وليس مما ينقص مجد النبي أن يكون لمن سبقوه من ~~الأنبياء شخصية مستقلة عنه كل الاستقلال. ~~(5) # ثم تكلم عن مولد النبي فذكر أن إيوان كسرى انصدع، وأن نار الفرس خمدت، وأن بحيرة ~~ساوة غاضت، وأن الشهب انقضت فوق الأصنام، ولم يعرف لشيء من ذلك سند صحيح من ~~التاريخ، ولا نعرف متى نشأت هذه الأخبار عند المسلمين، وأغلب الظن أنها من وضع ~~القصاص الذين أرادوا أن يصوروا مولد الرسول بالصور التي أثرت عن أنبياء ~~الهنود، وقد أكثر مؤرخو المولد من هذه الأخبار، وطاف بها جمهور الناظمين في المدائح ~~النبوية. ~~(6) # وتحدث عن المعجزات، فذكر سجود الأشجار للرسول، ومشيها إليه، وسير الغمامة أنى سار ~~لتقيه حر الهجير، وما صنع الحمام والعنكبوت بالغار، وكيف كان لمس راحته يبرئ ~~المريض، ويشفي من الجنون، وكيف كانت دعوته ترسل الأمطار في السنة الشهباء. # وبعض هذه الأخبار يحتاج إلى تحقيق. ~~(7) # وتكلم عن القرآن فقال إنه ظهر «ظهور نار القرى ليلا على علم»، وإن المديح لا ~~يتطاول إلى ما فيه من كرم الأخلاق والشيم، وإن آياته: # لم تقترن بزمان وهي تخبرنا # عن المعاد وعن عاد وعن إرم # وإنها: # دامت لدينا ففاقت كل معجزة # من النبيين إذ جاءت ولم تدم # وهذا أجمل ما يوصف به القرآن، فهو المعجزة الباقية، وهو أيضا المعجزة الصريحة ~~التي يعتز بها العقل، ويصح للمسلمين أن يواجهوا بها العالم غير مترددين، أما نبع ~~الماء بين يدي ms088 الرسول، وتظليل الغمام إياه، وسجود الأشجار له، وما إلى ذلك من ~~المعجزات، فهي مسائل يحتاج عرضها إلى مخاطرة، وهي مخشية الضر قبل أن تكون مرجوة ~~النفع. # وقوله في وصف آي القرآن: # ما حوربت قط إلا عاد من حرب # أعدى الأعادي إليها ملقي السلم # ردت بلاغتها دعوى معارضها # رد الغيور يد الجاني عن الحرم # كلمة صدق، ويكفي أن تقرأ القرآن بحيدة ونزاهة لتلمس هذه الحقيقة، فهو كتاب على ~~جانب عظيم جدا من القوة، وليس عليه بعزيز أن يحمل عدوه على الإيمان بما فيه من ~~روعة وجلال. # والمعاني الشعرية قليلة فيما وصف البوصيري به آي القرآن، ومع ذلك نستجيد له هذين ~~البيتين: # لا تعجبن لحسود راح ينكرها # تجاهلا وهو عين الحاذق الفهم # فالعين تنكر ضوء الشمس من رمد # وينكر الفم طعم الماء من سقم ~~(8) # ثم تحدث عن الإسراء بأبيات خفيفة الروح: # يا خير من يمم العافون ساحته # سعيا وفوق متون الأينق الرسم # ومن هو الآية الكبرى لمعتبر # ومن هو النعمة العظمى لمغتنم # سريت من حرم ليلا إلى حرم # كما سرى البدر في داج من الظلم # وبت ترقى إلى أن نلت منزلة # من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم # ثم وقع في أبيات لم يصقلها الذوق حين قال: # وقدمتك جميع الأنبياء بها # والرسل تقديم مخدوم على خدم # وأنت تخترق السبع الطباق بهم # في موكب كنت فيه صاحب العلم # حتى إذا لم تدع شأوا لمستبق # من الدنو ولا مرقى لمستنم # خفضت كل مقام بالإضافة إذ # نوديت بالرفع مثل المفرد العلم # والبيت الأخير ثقيل أضرت به التورية النحوية. ~~(9) # وتكلم عن الجهاد فوصف النبي وأصحابه بالبأس والقوة، وبين أن الأعداء سقطوا من ~~صدمة الرعب والفزع: # راعت قلوب العدا أنباء بعثته # كنبأة أجفلت غفلا من الغنم # ما زال يلقاهم في كل معترك # حتى حكوا بالقنا لحما على وضم # ودوا الفرار فكادوا يغبطون به # أشلاء شالت مع العقبان والرخم # تمضي الليالي ولا يدرون عدتها # ما لم تكن من ليالي الأشهر الحرم # ويعجبنا قوله في وصف جند الرسول: # كأنما ms089 الدين ضيف حل ساحتهم # بكل قرم إلى لحم العدا قرم # يجر بحر خميس فوق سابحة # يرمي بموج من الأبطال ملتطم # من كل منتدب لله محتسب # يسطو بمستأصل للكفر مصطلم # حتى غدت ملة الإسلام وهي بهم # من بعد غربتها موصولة الرحم # هم الجبال فسل عنهم مصادمهم # ماذا رأى منهم في كل مصطدم # المصدري البيض حمرا بعدما وردت # من العدا كل مسود من اللمم # والكاتبين بسمر الخط ما تركت # أقلامهم حرف جسم غير منعجم # شاكي السلاح لهم سيما تميزهم # والورد يمتاز بالسيما من السلم # كأنهم في ظهور الخيل نبت ربا # من شدة الحزم لا من شدة الحزم # طارت قلوب العدا من بأسهم فرقا # فما تفرق بين البهم والبهم # ومن تكن برسول الله نصرته # إن تلقه الأسد في آجامها تجم # أحل أمته في حرز ملته # كالليث حل مع الأشبال في أجم # وهذه الأبيات تخيرناها مما وصف به الجهاد والمجاهدين، وهي تمتاز بقوة السبك وروعة ~~الخيال، وهي أيضا من نوادر الشعر في قصيدة البردة؛ لأن الشعر لا يتفق لهذا الرجل ~~في جميع المقامات. ~~(10) # وقد ظهرت نفحات التصوف ظهورا قويا في الجزء الأخير من البردة، وهو التوسل ~~بالرسول: # يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به # سواك عند حلول الحادث العمم # ولن يضيق رسول الله جاهك بي # إذا الكريم تحلى باسم منتقم # فإن من جودك الدنيا وضرتها # ومن علومك علم اللوح والقلم # ويخاطب نفسه، ويدعو ربه، فيقول: # يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت # إن الكبائر في الغفران كاللمم # لعل رحمة ربي حين يقسمها # تأتي على حسب العصيان في القسم # يا رب واجعل رجائي غير منعكس # لديك واجعل حسابي غير منخرم # ولنقيد أن الشطر الأخير من البردة ضعيف من الوجهة الشعرية، ولكنه لا يخلو من صدق، ~~والصدق من أهم عناصر البيان. # الفصل العاشر # | أثر البردة في اللغة العربية # أثرها في الجماهير الشعبية - أثرها في التأليف - أثرها في الدرس - عناية الشعراء ~~بتضمينها، وتشطيرها، وتخميسها، ومعارضتها - ابتكار ابن جابر لفن البديعيات - فضل ~~البردة في نشأة البديعيات ونشر ms090 الثقافة الأدبية. ~~*** # يمكن رجع أثر البردة في اللغة العربية إلى خمس نواح: أثرها في الجماهير الشعبية، ~~وأثرها في التأليف، وأثرها في الدرس، وأثرها في الأشعار، وأثرها في البديعيات. ~~(1) # أما أثرها في الجماهير الشعبية فواضح جدا، ونستطيع الجزم بأن الجماهير في مختلف ~~الأقطار الإسلامية لم تحفظ قصيدة مطولة كما حفظت البردة، فقد كانت ولا تزال من ~~الأوراد: تقرأ في الصباح، وتقرأ في المساء، وكنت أرى لها مجلسا يعقد في ضريح ~~الحسين بعد صلاة الفجر من كل يوم جمعة، وكان لذلك المجلس رهبة تأخذ بمجامع القلوب، ~~والذي يزور ساحة المولد النبوي بالقاهرة يرى المئات يرتلونها في هيبة وخشوع، وكثير ~~من الناس كانوا يجمعون الأطفال لقراءتها في الجنازات، ومن كتبة الأحجبة والتمائم من ~~يعرف لكل بيت فائدة: فهذا البيت يشفي من الصرع، وذاك ينفع في حفظ المزارع والمنازل ~~من التلف والحريق، وذلك يفيد في الجمع بين النافرين من الأحباب، إلى آخر ما ابتدعوا ~~لها من الفوائد الحسية والمعنوية. # ومن أدلة هذا الذيوع ما نراه من تعدد الطبعات، فقد طبعت في فيينا والأستانة، ~~ومكة، وبمباي، وطبعت في القاهرة نحو خمسين مرة، وأكثر الطبعات كتبت بخط جميل، ~~وحفظت في رواسم ليطبع منها عند الطلب، وهي تطلب بالألوف، وفي دار الكتب ~~المصرية نسخ من البردة حليت كتابتها بالذهب، على نحو ما يصنع المفتنون بنسخ ~~المصحف الشريف. # والبوصيري بهذه البردة هو الأستاذ الأعظم لجماهير المسلمين، ولقصيدته أثر في ~~تعليمهم الأدب والتاريخ والأخلاق، فعن البردة تلقى الناس طوائف من الألفاظ ~~والتعابير غنيت بها لغة التخاطب، وعن البردة عرفوا أبوابا من السيرة النبوية، وعن ~~البردة تلقوا أبلغ درس في كرم الشمائل والخلال، وكذلك استطاع البوصيري بتصوفه أن ~~يؤثر في الأدب والأخلاق تأثيرا لا يدرك كنهه إلا من رأى كيف تدور البردة على ألسنة ~~العوام، وكيف تهذب ما انطبعوا عليه من عنجهية الخصال، وليس من القليل أن تنفذ هذه ~~القصيدة بسحرها الأخاذ إلى مختلف الأقطار الإسلامية، وأن يكون الحرص على تلاوتها ~~وحفظها من وسائل التقرب إلى الله والرسول. ~~(2) # وأما أثرها ms091 في التأليف فيظهر فيما وضع لها من الشروح، فقد شرحها ابن الصائغ ~~المتوفى سنة 776ه، وشرحها علي بن محمد القلصاي - بفتحات - المتوفى سنة 891ه، # 1 # وشرحها شهاب الدين بن العماد المتوفى سنة 808ه، وشرحها الشيخ خالد ~~الأزهري المتوفى سنة 905ه، وشرحها علاء الدين البسطامي المتوفى سنة 875ه، وشرحها ~~يوسف بن أبي اللطف القدسي المتوفى بعد الألف للهجرة، وشرحها يوسف البسطامي من علماء ~~القرن التاسع، وشرحها ملا علي المتوفى سنة 1014ه، وشرحها شيخ زاده محيي الدين، ~~ولم نعرف تاريخ وفاته، ولكن أقدم نسخة من شرحه يرجع تاريخها إلى سنة 949ه، وشرحها ~~جلال الدين المحلي المتوفى سنة 864ه، وشرحها محمد بن أحمد المرزوقي المتوفى سنة ~~881ه، وشرحها عبد الحق بن عبد الفتاح من علماء القرن الثاني عشر، وشرحها محمد ~~المصري من علماء القرن الحادي عشر، وشرحها ملا محمد من علماء القرن الحادي عشر، ~~وشرحها زكريا الأنصاري المتوفى سنة 926ه، وشرحها عمر الخربوتي من علماء القرن ~~الثالث عشر، وشرحها القسطلاني المتوفى سنة 923ه وهو شارح البخاري، وشرحها محمد بن ~~مصطفى المدرني من علماء القرن الثاني عشر، وشرحها محمد عثمان الميرغني من علماء ~~القرن الثالث عشر، وشرحها الشيخ حسن العدوي الحمزاوي المتوفى سنة 1303ه، وشرحها ~~الباجوري المتوفى سنة 1276ه. # وفي دار الكتب المصرية شروح أخر لم يعرف مؤلفوها. # ولأكثر هذه الشروح أسماء شعرية، مثل: «الرقم على البردة»، و«راحة الأرواح»، ~~و«الجوهرة الفردة في شرح البردة»، و«الزبدة الرائقة في شرح البردة الفائقة»، ~~و«عصيدة الشهدة في شرح البردة»، و«وردة المليح في شرح بردة المديح». # والبردة نفسها سماها المؤلف «الكواكب الدرية في مدح خير البرية». # وعند النظر في هذه الشروح نراها مجموعات نفيسة تزخر بالفقرات اللغوية، والأدبية ، ~~والتاريخية، وشغل هؤلاء الشراح بالأدب واللغة والتاريخ يرجع الفضل فيه إلى تصوف ~~ذلك الشاعر المجيد. ~~(3) # وأما أثرها في الدرس، فيتمثل في تلك العناية التي كان يوجهها العلماء الأزهريون ~~إلى عقد الدروس في يومي الخميس والجمعة لدراسة حاشية الباجوري على البردة، وهي دروس ~~كانت تتلقاها جماهير من الطلاب، وإنما كانوا يتخيرون يومي ms092 الخميس والجمعة لأن مثل ~~هذا الدرس لم يكن من المقررات، فكانوا يتخيرون له أوقات الفراغ. # ولنتذكر أنه مضت سنون لم يكن يعرف فيها الأزهر كيف تكون دروس التاريخ الإسلامي، ~~فكانت البردة وشروحها مما يسد النقص الفاحش في معهد ديني يجهل أهله غزوات ~~الرسول. ~~(4) # وأما أثر البردة في الشعر والشعراء، فعظيم جدا، فقد ضمنوها، وشطروها، وخمسوها، ~~وسبعوها، وعشروها، وعارضوها، فمن الذين ضمنوها الشيخ قاسم (ولم نقف له على ترجمة) ~~وأول تضمينه: # أمن تذكر أوطان على علم # أم من تفقد جيران بذي سلم # مزجت دمعا جرى كالقطر منهمرا # يجري على وجنة من مقلة بدم # ومن الذين شطروها أحمد بن شرقاوي الخلفي - نسبة إلى قرية يقال لها: الخليفة ~~ملاصقة لمدينة جرجا، وبها توفي في سحر ليلة الجمعة التاسع عشر من شهر ذي القعدة سنة ~~1250ه - وأول التشطير: # أمن تذكر جيران بذي سلم # أصبحت ذا خلد بالوجد مصطلم # أم من تفتت قلب في الحشا شغفا # مزجت دمعا جرى من مقلة بدم # وأحمد بن عبد الوهاب الجرجاوي المتوفى سنة ~~1254ه، وأول التشطير: # أمن تذكر جيران بذي سلم # تصبب الدمع يجري حاكي الديم # وأحمد بن عثمان العوامي المدفون بجرجا (ولم يعلم تاريخ وفاته) وأول ~~التشطير: # أمن تذكر جيران بذي سلم # جزمت أنك مقصور على الألم # وعندما هاجت الذكرى ولوعتها # مزجت دمعا جرى من مقلة بدم # ورمضان حلاوة من علماء آخر القرن الثالث عشر، وأوائل الرابع عشر، وأول ~~تشطيره: # أمن تذكر جيران بذي سلم # لبست ثوبا من الأشواق والألم # أم من عيون ظباء بالعقيق بدت # مزجت دمعا جرى من مقلة بدم # وأبو الهدى الصيادي، وأحمد الحفظي، وعبد الرحيم الجرجاوي، ومحمد فرغلي الطهطاوي، ~~وشطرها أخيرا سعادة عبد العزيز بك محمد، ومطلع تشطيره: # أمن تذكر جيران بذي سلم # فاضت شئونك ملتاعا لبينهم # أم من فؤادك مكلوما لوحشتهم # مزجت دمعا جرى من مقلة بدم # وقد نالته بركتها فعين وزيرا للأوقاف، ولعله يخمسها فيعين رئيسا ~~للوزراء. ~~(5) # وأما الذين خمسوها فيبلغ عدد من عرفنا أخبارهم نحو الثمانين، وفي دار الكتب ~~المصرية مجموعة ms093 في تخاميس البردة تشتمل على تسعة وستين تخميسا، ومن أمثلة ذلك قول ~~ناصر الدين الفيومي: # ما بال قلبك لا ينفك ذا ألم # مذ بان أهل الحمى والبان والعلم # وانحل مدمعك القاني بمنسجم # أمن تذكر جيران بذي سلم # مزجت دمعا جرى من مقلة بدم # ولم نر موجبا لعرض مطالع تلك التخميسات، فهي كثيرة، وقد شغلت نحو خمس صفحات من ~~فهرس الأدب بدار الكتب المصرية، فمن احتاج إلى بيانها فليرجع إليها هناك. # ولكن لا بد من التنبيه إلى أن الذين خمسوا البردة لم يكونوا جميعا مصريين؛ ~~ففيهم رجال من المغرب والشام والعراق، وفي هذا ما يدل على أنها شغلت الشعراء في ~~أكثر الأقطار الإسلامية. ~~(6) # ومن الذين سبعوها شهاب الدين أحمد بن عبد الله المكي، وقد التزم في أول كل تسبيع ~~لبيت من أبيات البردة أن يذكر لفظ الجلالة، وأول التسبيع: # الله يعلم كم بالقلب من ألم # ومن غرام بأحشائي ومن سقم # على فراق فريق حل في الحرم # فقلت لما همى دمعي بمنسجم # على العقيق عقيقا غير منسجم # أمن تذكر جيران ... إلخ # وسبعها محمد المصري، وقد تقدم أنه من شراح البردة، والتزم في التسبيع أن يذكره ~~أولا مصدرا بلفظ محمد، كقوله في المطلع: # محمد جاء بالآيات والحكم # مبشرا ونذيرا جملة الأمم # وهو معارضة للمكي الذي التزم لفظ الجلالة في أول تسبيع لكل بيت. ~~(7) # وليس لتعشير البردة شواهد كثيرة، ولا نعرف غير نسخة ضمن مجموعة مخطوطة بدار الكتب ~~المصرية، والناظم مجهول، وهذا النمط من توشية الشعر قليل. ~~(8) # أما الذين عارضوا البردة، فيعدون بالعشرات، منهم والد مؤلف كتاب الكشكول، # 2 # ويمكن القول بأن جميع المدائح النبوية التي قيلت بعد البوصيري على ~~الوزن والقافية كان أصحابها مسوقين بالروح البوصيرية، ولم يمض عصر إلا وللبردة فيه ~~طراز، وأشهر من عارضوها أخيرا محمود سامي البارودي الذي سمى قصيدته: «كشف الغمة في ~~مدح سيد الأمة» وعدد أبيات هذه القصيدة 447، والمطلع: # يا رائد البرق يمم دارة العلم # واحد الغمام إلى حي بذي سلم # وأحمد شوقي، وسمى قصيدته «نهج البردة»، وقد ms094 ~~نظمها في سنة 1327ه، والمطلع: # ريم على القاع بين البان والعلم # أحل سفك دمي في الأشهر الحرم # وكان المرحوم الشيخ أحمد الحملاوي أسمعنا في درسه قصيدة سماها: «منهاج البردة» ~~نظمها في طريقه إلى الحج، والمطلع: # يا غافر الذنب من جود ومن كرم # وقابل التوب من جان ومجترم # ومسبل الستر إحسانا ومرحمة # على العفاة بفيض الفضل والكرم # اقبل متابي واغفر ما جنته يدي # واستر عيوبي وباعدني عن التهم ~~(9) # مات البوصيري سنة 696ه، وبعد موته بسنتين ولد أبو عبد الله محمد بن أحمد المعروف ~~بابن جابر الأندلسي، وكان ضريرا، ولكن لم تمنعه تلك العاهة القاسية من الرحلة إلى ~~المشرق، فدخل مصر والشام، واستوطن حلب، ثم رجع إلى الأندلس فتوفي في ألبيرة في ~~جمادى الآخرة سنة 780ه. # 3 # وقد افتتن ابن جابر بقصيدة البردة وظهر أثرها في شعره كقوله: # يا أهل طيبة في مغناكمو قمر # يهدي إلى كل محمود من الطرق # كالغيث في كرم والليث في حرم # والبدر في أفق والزهر في خلق # وقوله: # أما معاني المعاني فهي قد جمعت # في ذاته فبدت نارا على علم # كالبدر في شيم والبحر في ديم # والزهر في نعم والدهر في نقم # وقد شغل نفسه بمعارضة البردة، ولكن أي معارضة؟ ~~لقد ابتكر فنا جديدا هو «البديعيات»، وذلك أن تكون القصيدة في مدح الرسول، ولكن ~~كل بيت من أبياتها يشير إلى فن من فنون البديع، ومطلع هذه البديعية: # بطيبة انزل ويمم سيد الأمم # وانشر له المدح وانثر أطيب الكلم # وقد رأى معاصرو ابن جابر قيمة هذا الفن، فتقدم صديقه أبو جعفر الألبيري لشرح ~~بديعيته، واعترف له بالسبق؛ إذ قال في مقدمة الشرح: «نادرة في فنها، فريدة في ~~حسنها، تجني ثمر البلاغة من غصنها، وتنهل سواكب الإجادة من مزنها، لم ينسج على ~~منوالها، ولا سمحت قريحة بمثالها.» # وشرحها أبو جعفر بن يوسف الغرناطي الأندلسي المتوفى سنة 779ه واختصر هذا الشرح ~~محمد بن إبراهيم البشتكي المتوفى سنة 830ه. # وهذه الشروح تمثل الحفاوة التي قوبلت بها تلك البديعية. # وفي عصر ابن ms095 جابر وضع صفي الدين الحلي المتوفى سنة 750ه قصيدة سماها: «الكفاية ~~البديعية في المدائح النبوية»، وأنشأ عز الدين الموصلي المتوفى سنة 789ه قصيدة ~~بديعية، عقبها بشرح سماه: «التوصل بالبديع إلى التوسل بالشفيع»، وجاء ابن حجة ~~الحموي المتوفى سنة 837ه، فنظم بديعية سنتكلم عنها بشيء من التفصيل، وجاء ~~ابن المقري المتوفى سنة 837ه، فأنشأ بديعية سماها: «الجواهر اللامعة، في تجنيس ~~الفرائد الجامعة للمعاني الرائعة»، ثم جاء السيوطي فعارض ابن حجة ببديعية سماها: ~~«نظم البديع، في مدح خير شفيع»، ثم اندفع الناس في هذا الفن: فللسيدة الباعونية ~~بديعيتان، ولأبي الوفاء بن عمر الفرضي بديعية، وللسيد عبد الهادي الإبياري بديعية، ~~وللشيخ طاهر الجزائري بديعية، ولابن خير الله الخطيب العمري بديعية، ولعبد الغني ~~النابلسي بديعيتان، ولقاسم بن محمد الحلبي بديعية، ولصدر الدين الحسيني بديعية، ~~ولشعبان الآثاري بديعية. # 4 ~~(10) # ولأكثر هذه البديعيات شروح فيها الوسيط والوجيز والمبسوط وأكثر هؤلاء الشراح من ~~المتفوقين في العلوم العربية، وفي شروحهم من الفوائد النحوية، والصرفية، والبلاغية، ~~واللغوية، والأدبية، والتاريخية فنون أكثرها من المستملح المستطاب. # أرأيت أيها القارئ، كيف أثرت قصيدة البردة في اللغة العربية، وكيف ساد سلطانها ~~بين العوام والخواص؟ # إن الإخلاص هو الذي مكن البوصيري من ناصية المجد الأدبي، وهو الذي رفعه إلى منزلة ~~الخلود. # الفصل الحادي عشر # | بديعية ابن حجة الحموي1 # موجز ترجمة الحموي - خزانة الأدب - كيف نظم الحموي بديعيته - اهتمامه بالمدائح ~~النبوية - زهوه واختياله - أحكام ذوقية - نظراته في النقد - نموذج من نثره - أهمية ~~خزانة الأدب - نقد بديعية الحموي. ~~*** ~~(1) # ولد أبو بكر تقي الدين بن علي بن عبد الله الحموي الأزراري # 2 # في حماة سنة 767ه، وتوفي بها سنة 837ه، وقد زار القاهرة واتصل بعلمائها ~~وشعرائها وله في ذلك رسائل وأخبار يجدها القارئ مفرقة في كتابه «خزانة الأدب» الذي ~~طبع بمطبعة بولاق سنة 1337ه. ~~(2) # ترك ابن حجة طائفة من المؤلفات أكثرها موجود، بين مطبوع ومخطوط، # 3 # والذي يهمنا هو قصيدته البديعية وشرحها الذي سماه: «خزانة الأدب»، ~~ولتلك القصيدة وذلك الشرح أهمية عظيمة، أما القصيدة فلجودتها بين البديعيات، ms096 وأما ~~الشرح فلجمعه طرائف كثيرة من أدب القرن الثامن، وتكاد خزانة الأدب تعد من أجمل ~~ما صنف في ذلك العهد، ولا يوازيها في الجمال إلا شرح لامية العجم للصفدي، فهذان ~~المصنفان جمعا أخبارا كثيرة من أدب القرن الثامن، وهو في الواقع أدب هزيل، ولكن ~~مؤرخ الأدب يحتاج إلى التعرف إلى جميع الفنون الأدبية، الغث منها والسمين. # ومن غريب ما لاحظت أنني أجد أنسا بهذين الكتابين قد لا أجده عند قراءة كتاب ~~الأغاني، وقد جهدت في تعليل ذلك، ثم تبينت أن غرابة هذا الأدب من أسباب جاذبيته، ~~فأكثر ما درسناه وما تلقيناه عن الأساتذة لا يكاد يخرج عما صنف في العصور ~~الذهبية، ولو شئت لأضفت إلى ذلك أن هذين المصنفين يهتمان في الأغلب بأدب أهل مصر، ~~وأهل الشام، ومزاج الأديب المصري مكون من هذين الأدبين، فلا بدع أن يجد عند الحموي ~~والصفدي روحا لا يجده عند الأصفهاني. ~~(3) # يحدثنا الحموي في صدر «خزانة الأدب» عن الظروف التي نظم فيها بديعيته فيقول: # وبعد فهذه البديعية التي نسجتها بمدحه # صلى الله عليه وسلم # على منوال «طرز البردة» ~~كان مولانا المقر الأشرف العالي المولوي القاضوي المخدومي الناصري سيدي ~~محمد بن البارزي الجهني الشافعي صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالممالك ~~الإسلامية المحروسة - جمل الله الوجود بوجوده - هو الذي ثقف لي هذه ~~الصعدة، وحلب لي ضرعها الحافل لحصول هذه الزبدة، وما ذاك إلا أنه وقف بدمشق ~~المحروسة على قصيدة بديعية للشيخ عز الدين الموصلي - رحمه الله تعالى - ~~التزم فيها بتسمية النوع البديعي، وورى بها من جنس الغزل ليتميز بذلك على ~~الشيخ صفي الدين الحلي - تغمده الله تعالى برحمته - لأنه ما التزم في ~~بديعيته بحمل هذا العبء الثقيل، غير أن الشيخ عز الدين ما أعرب عن بناء ~~بيوت أذن الله أن ترفع، ولا طالت يده لإبهام العقادة إلى شيء من إشارات ~~ابن أبي الأصبع، وربما رضي في الغالب بتسمية النوع، ولم يعرب عن المسمى ~~ونثر شمل الألفاظ والمعاني لشدة ما عقده نظما، فاستخار الله مولانا ~~الناصري المشار إليه، ورسم ms097 لي بنظم قصيدة أطرز حلتها ببديع هذا الالتزام، ~~وأجاري الحلي برقة السحر الحلال الذي ينفث في عقد الأقلام، فصرت أشيد ~~البيت، فيرسم لي بهدمه، وخراب البيوت في هذا البناء صعب على الناس، ويقول: ~~بيت الصفي أصفى موردا، وأنور اقتباسا. فأسن كل ما حده الفكر، وأراجعه ~~ببيت له على المناظرة طاقة، فيحكم لي بالسبق وينقلني إلى غيره وقد صار لي ~~فكرة إلى الغايات سباقة، فجاءت بديعية هدمت بها ما نحته الموصلي في بيوته ~~من الجبال، وجاريت الصفي مقيدا بتسمية النوع وهو من ذلك محلول ~~العقال. # وفي هذه الكلمات تصريح بأن نظم البديعية كان مما اقترحه الفقيه الكاتب محمد بن ~~البارزي بعد أن وقف بدمشق على بديعية عز الدين الموصلي، وفيها أيضا تعريف بالطريقة ~~التي نظمت بها البديعية، فقد كان الحموي ينظم والبارزي ينقد، وكانت المفاضلة بين ~~بديعية الموصلي والحلي والحموي مما يهتم به ذلك الفقيه الأديب، فكان لا يسمح للناظم ~~بالانتقال من بيت إلى بيت إلا بعد الاطمئنان إلى تفوقه على الموصلي والحلي، وذلك ~~كله يبين ما في بديعية الحموي من التكلف والافتعال. ~~(4) # والحموي - وإن نظم البديعية إجابة لاقتراح البارزي - كان من المولعين بنظم ~~المدائح النبوية، وله في ذلك قصيدة اسمها: «أمان الخائف» قال في أولها: # شدت بكم العشاق لما ترنموا # فغنوا وقد طاب المقام وزمزم # وضاع شذاكم بين سلع وحاجر # فكان دليل الظاعنين إليكم # وجزتم بوادي الجزع فاخضر والتوى # على خده بالنبت صدغ منمنم # ولما روى أخبار نشر ثغوركم # أراك الحمى جاء الهوى يتنسم # ومنها: # فيا عرب الوادي المنيع حجابه # وأعني به قلبي الذي فيه خيموا # رفعتم قبابا نصب عيني ونحوها # تجر ذيول الشوق والقلب يجزم # 4 # ويا من أماتونا اشتياقا وصيروا # مدامعنا غسلا لنا وتيمموا # منعتم تحيات السلام لموتنا # غراما وقد متنا فصلوا وسلموا # يقولون لي في الحي أين قبابهم # ومن هم من السادات قلت هم هم # عريب لهم طرفي خباء مطنب # بدمعي وقلبي نارهم حين تضرم # أوري بذكر البان والرند والنقا # وسفح اللوى والجزع والقصد أنتم # وفيها يقول ms098 في التخلص إلى مدح الرسول: # تقنعت في حبي لهم فتعصبوا # علي وهم سادات من قد تلثموا # لهم حسب عال ببطحاء مكة # لأن رسول الله في الأصل منهم # ويقول في ختام هذه القصيدة: # عسى وقفة أو قعدة لابن حجة # على بابكم يسعى بها وهو محرم # فقد جاء يشكو من ذنوب تعاظمت # وقدرك في يوم الشفاعة أعظم # وقد ناله في عنفوان شبابه # هموم وسيف الهم للظهر يقصم # وعارضه قد شاب في زمن الصبا # عسى بك من ذا العارض الصعب يسلم # فيا وردنا الصافي طيور قلوبنا # عليك إذا ما نابها الضيم حوم # عليك سلام نشره كلما بدا # به يتغالى الطيب والمسك يختم # ولم نقف على هذه القصيدة كاملة، وما أثبتناه هنا ليس إلا شذرات جمعناها مما تفرق ~~منها في خزانة الأدب، ولم نشر إلى هذه القصيدة إلا لندل على أن الحموي كان ~~يتجه إلى هذا الفن، فإن بديعيته لم توضع في الأصل لمدح الرسول، وإنما هي قصيدة فنية ~~مدح بها النبي مدحا صناعيا لتلحق بأمثالها من البديعيات، وبيان ذلك أن الشاعر لم ~~يكن يهمه عند نظم البيت أن يبلغ مبالغ الصادقين في مدح الرسول، وإنما كان ~~يهمه أن يجيد الإفصاح عما يقصد إليه من فنون البديع، وآية ذلك أنه لم يهتم في ~~شرح البديعية بشيء يذكر من السيرة النبوية، وإنما وقف عند الفنون البديعية، ~~ومجاراته للموصلي والحلي وقفت أيضا عند هذه الغاية، فلم ينظر فيها إلى المدح كما ~~نظر إلى الفن؛ أعني علم البديع. والخلاصة أن خزانة الأدب - وهي مجلد ضخم يقع في 570 ~~صفحة من القطع الكبير - لا يمكن على الإطلاق أن تعد كتابا في السيرة أو الشمائل ~~النبوية، إنما هي كتاب في الأدب الصرف الذي قام على أساس المحسنات البديعية، ولم ~~يفت هذا مصنفي فهارس دار الكتب المصرية، فقد وضعوها في فهرس البلاغة، ولم يرد ~~لها ذكر في فهرس الأدب ولا فهرس التاريخ. ~~(5) # والحموي في خزانته يزهو بنفسه ويختال، وهو يذكر بابن الأثير في كتاب المثل ~~السائر، وإن كان ابن الأثير ms099 بالنسبة إليه من المتواضعين، وزهو الحموي يدلنا على ~~أن النقد في عصره لم يكن قويا، ولو كان للنقد في زمانه سلطان لما أسرف في ~~الاختيال. وإلى القارئ بعض الشواهد: ~~(أ) # قال في براعة المطلع: ~~«وأذكرني مهيار بحسن براعته ما ~~كتبت به إلى سيدنا ومولانا قاضي القضاة: صدر الدين، ملك المتأدبين، أبي ~~الحسن علي بن الآدمي ... وهي رسالة مشتملة على نظم ونثر، فصدرت ~~الجواب بقصيدة ترفل في حلل النسيب على طريق مهيار، وكلها براعة ~~استهلال، أولها: # وصلت ولكن بعد طول تشوق # ودنت وقد رقت لقلبي ~~الشيق # وما أحلى ما قلت بعده: # فثملت من طرب برجع حديثها # فكأنما قد نادمت بمعتق» # 5 ~~(ب) # وقال في الحديث عن إحدى قصائده النبوية: ~~«ومن ألطف الإشارات إلى أن هذا التغزل صدر قصيدة نبوية ~~قولي: # أوري بذكر البان والرند ~~والنقا # وسفح اللوى والجزع والقصد ~~أنتم # ولم أزل في براعة الاستهلال أستهل أهلة هذه المعاني إلى أن وصلت ~~إلى حسن التخلص.» # 6 ~~(ج) # وقال في تفضيل بديعيته: ~~«وأما براعة بديعيتي، فإنها ببركة ممدوحها # صلى الله عليه وسلم # نور هذه المطالع، ~~وقبلة هذا الكلام الجامع، فإني جمعت فيها بين براعة الاستهلال وحسن ~~الابتداء بالشرط المقرر لكل منهما، وأبرزت تسمية نوعها البديعي في ~~أحسن قوالب التورية، وشنفت بأقراط غزلها الأسماع ... إلخ.» # 7 ~~(د) # وقال يتحدث عن إحدى قصائده: ~~«وقلت بعد المطلع أخاطب النسيم بما هو أرق منه.» # 8 ~~(ه) # ويقول عن بعض مؤلفاته: ~~«وقد عن لي أن أورد هنا ما سارت في الخافقين حكمه وأمثاله، ~~وانقاد أهل الذوق السليم لطاعته لما ورد عليهم مثاله، وهو تأليفي ~~الذي وسمته بتغريد الصادح.» # 9 # ولهذه الكلمات نظائر كثيرة في خزانة الأدب، وأرجو ألا يضجر القارئ من هذا ~~الزهو، فهو صورة نفسية لشاعر وكاتب ومؤلف كان في زمانه من الأعلام، وليست مهمة ~~الباحث أن يقدم ما يروق، ولكن مهمته أن يقيد المحاسن والعيوب. ~~(6) # وللحموي أحكام ذوقية وأدبية لا نقبلها اليوم، فهو مثلا يستعذب هذا البيت: # يزيد الهوى دمعي وقلبي المعنف # ويحيي جفوني الوجد ms100 وهو المكلف # 10 # ويستجيد هذا البيت: # أخرج حديثك من سمعي فما دخلا # لا ترم بالقول سهما ربما قتلا # وفي التعليق على هذا المطلع: # زار الصباح فكيف حالك يا دجى # قم فاستذم بفرعه أو فالنجا # يقول: «انظر إلى حسن هذا الابتداء، كيف جمع مع اجتناب الحشو بين رقة النسيب، ~~وطرب التشبيب، وتناسب القسمين، وغرابة المعنى!» # 11 # ويرى مطلع ابن نباتة: # ما بت فيك بدمع عيني أشرق # إلا وأنت من الغزالة أشرق # أجود من مطلع المتنبي: # أرق على أرق ومثلي يأرق # وجوى يزيد وعبرة تترقرق ~~(7) # وله مع هذا نظرات دقيقة في النقد، من ذلك إنكاره أن يستهل ابن نباتة الخطيب ~~خطبته في وفاة النبي بقوله: «الحمد لله المنتقم ممن خالفه، المهلك من آسفه»، # 12 # وإن لم يكن أول من أنكر هذا الاستهلال. ومن ذلك أيضا استكراه الجناس؛ ~~إذ يقول: «أما الجناس فإنه غير مذهبي، ومذهب من نسجت على منواله من أهل الأدب، ~~وكذلك كثرة اشتقاق الألفاظ، فإن كلا منهما يؤدي إلى العقادة، والتقييد عن إطلاق ~~عنان البلاغة في مضمار المعاني المبتكرة.» # 13 # ويقول فيمن يؤثرون الجناس: «ولم يحتج إليه بكثرة استعماله إلا من قصرت همته عن ~~اختراع المعاني التي هي كالنجوم الزاهرة في أفق الألفاظ، وإذا خلت بيوت الألفاظ من ~~سكان المعاني تنزلت منزلة الأطلال البالية.» # 14 # وهو يرى - كما رأى ابن جني من قبله بأجيال - أن المولدين يستشهد بهم في المعاني ~~كما يستشهد بالقدماء في الألفاظ، ويؤكد أن لكل زمان بديعا، وأنه «ما ربيع الآخر من ~~ربيع الأول ببعيد.» # 15 # واهتمامه بتدوين ما أثر عن أهل زمانه يؤيد هذا الرأي، فهو يوجز حين يستشهد ~~بكلام القدماء، ويطنب حين يستشهد بكلام المحدثين. ~~(8) # أما نثر الحموي فهو مملوء بالصنعة والزخرف، وفيه إشارات كثيرة إلى مصطلحات النحو ~~والفقه والعروض، ويكفي هذا الشاهد في وصف البحر حين ركبه من الشام إلى مصر سنة ~~802ه. ~~«وأبثك ما لاقيت من أهوال البحر، وأحدث ~~عنه ولا حرج، فكم وقع المملوك من أعاريضه في زحاف تقطع منه القلب لما ms101 دخل إلى ~~دوائر تلك اللجج، وشاهدت منه سلطانا جائرا يأخذ كل سفينة غصبا، ونظرت إلى ~~الجواري الحسان، وقد رمت أزر قلوعها وهي بين يديه لقلة رجالها تسبى، فتحققت أن ~~رأي من جاء يسعى في الفلك غير صائب، واستصوبت هنا رأي من جاء يمشي وهو راكب، وزاد ~~الظمأ بالمملوك وقد اتخذ في البحر سبيله، وقد قلت من شدة الظمأ: يا ترى قبل ~~الحفرة أطوي من البحر هذه الشقة الطويلة! # وهل أباكر بحر النيل منشرحا # وأشرب الحلو من أكواب ملاح؟ # بحر تلاطمت علينا أمواجه حتى متنا من الخوف، وحملنا على نعش الغراب، وقامت واوات ~~دوائره مقام مع، فنصبنا للغرق لما استوت المياه والأخشاب، وقارن العبد فيه سوداء ~~استرقت مواليها وهي جارية، وغشيهم منها في اليم ما غشيهم، فهل أتاك حديث الغاشية؟ ~~واقعها الريح فحملت بنا، ودخلها الماء فجاءها المخاض، وانشق قلبها لفقد رجالها، ~~وجرى ما جرى على ذلك القلب ففاض، وتوشحت بالسواد في هذا المأتم، وسارت على البحر ~~وهي مثل، وكم سمع فيها للمغاربة على ذلك التوشيح زجل ... إن نقر الموج على دفوفها ~~لعبت أنامل قلوعها بالعود، وترقصنا على آلتها الحدباء فتقوم قيامتنا من هذا الرقص ~~الخارج ونحن قعود، وتتشامم وهي كما قيل: أنف في السماء واست في الماء، وكم تطيل ~~الشكوى إلى قامة صاريها عند الميل وهي الصعدة الصماء، فبها الهدى وليس لها عقل ولا ~~دين، وتتصابى إذا هبت الصبا وهي ابنة مائة وثمانين، وتوقف أحوال القوم، وهي تجري ~~بهم في موج كالجبال، وتدعي براءة الذمة، وكم أغرقت لهم من أموال. هذا وكم ضعف ~~نحيل خصرها عن تثاقل أرداف الأمواج، وكم وجلت القلوب لما صار لأهداب مجاديفها ~~على مقلة البحر اختلاج، وكم أسبلت على وجنة البحر طرة قلعها فبالغ الريح في ~~تشويشها، وكم مر على قريتها العامرة فتركها وهي خاوية على عروشها ... إلخ.» # 16 # وتلك كتابة كثيرة الافتنان، ولكنها قليلة المحصول. ~~(9) # قلت: إن خزانة الأدب تمتاز بجمعها لطرائف كثيرة من أدب القرن الثامن، فلنذكر من ~~شواهد ذلك ما أشار إليه المؤلف ms102 من معاني ابن نباتة التي أخذها الصلاح الصفدي، قال ~~ابن نباتة: # ومولع بفخاخ # يمدها وشباك # قالت لي العين ماذا # يصيد قلت كراك # أخذه الصفدي فقال: # أغار على سرح الكرى عندما رمى ال # كراكي غزال للبدور يحاكي # فقلت ارجعي يا عين عن ورد حسنه # ألم تنظريه كيف صاد كراك # وقال ابن نباتة: # اسعد بها يا قمري برزة # سعيدة الطالع والغارب # صرعت طيرا وسكنت الحشا # فما تعديت عن الواجب # أخذه الصفدي فقال: # قلت له والطير من فوقه # يصرعه بالبندق الصائب # سكنت في قلبي فحركته # فقال لم أخرج عن الواجب # وقال ابن نباتة: # وبمهجتي رشا يميس قوامه # فكأنه نشوان من شفتيه # شغف العذار بخده ورآه قد # نعست لواحظه فدب عليه # أخذه الصفدي فقال: # وأهيف كالغصن الرطيب إذا انثنى # تميل حمامات الأراك إليه # له عارض لما رأى الطرف ناعسا # أتى خده سرا فدب عليه # وقال ابن نباتة: # بروحي عاطر الأنفاس ألمى # ملي الحسن حالي الوجنتين # له خالان في دينار خد # تباع له القلوب بحبتين # أخذه الصفدي فقال: # بروحي خده المحمر أضحت # عليه شامة شرط المحبه # كأن الحسن يعشقه قديما # فنقطه بدينار وحبه # ولما وقف ابن نباتة على هذين البيتين قال: لا إله إلا الله! الشيخ صلاح الدين سرق ~~- كما يقال - من الحبتين حبة! # ولهذا الحديث بقية يجدها القارئ في ص348 و351 من خزانة الأدب، وهو في الأصل منقول ~~عن كتيب لابن نباتة اسمه: «خبز الشعير». # ودرس كتاب الحموي يعطي صورا كثيرة من أدب القرن الثامن، والمؤلف يدون أخبار ~~ذلك العهد في حماسة قوية تمثل إعجابه بأدب الصنعة في تلك الأيام. # ويزيد في قيمة ما في هذا الكتاب من فنون الاستطراد أنه يتحدث عن علماء وشعراء ~~وكتاب لم يبق من آثارهم إلا القليل. ~~(10) # وفي هذه الخزانة ألفاظ تستحق الدرس، من ذلك لفظة «أنفعل» في الصفحة الخامسة إذ ~~يقول المؤلف: «وأما قصة إسحق بن إبراهيم الموصلي في هذا الباب فإني أنفعل وأخجل عند ~~سماعها»، ولفظة «استهليتها» في ص23، والصواب «استهللتها» وليست غلطة مطبعية، بل ~~هي من ms103 غلط المؤلف، بدليل أنها لا تزال مستعملة في الأزهر؛ إذ يقول الأشياخ في دروس ~~البيان: «اشتقينا» في مكان «اشتققنا»، واللغة العامية تؤيد هذا الغلط، فالناس ~~يقولون مثلا: «استقلينا هذه الكمية»، ويندر أن يفكوا إدغام المثلين. # وكلمة «لالا» في ص30 إذ يقول المؤلف: ومثله قول الشيخ شمس الدين المزين في غلام ~~مليح، وله «لالا» مليح: # ومليح لالاه يحكيه حسنا # فهو كالبدر في الدجى يتلالا # قلت قصدي من الأنام مليح # هكذا هكذا وإلا فلا لا # وكلمة «سافل» يكثر ورودها في الخزانة بمعنى ضعيف كقوله: «يشير إلى تقريظ كتبه ~~لبعض أهل الأدب على مصنف سافل»، وهي تقابل كلمة # inferieur # الفرنسية، وكانت في ذلك الحين كلمة ~~خفيفة، وهي اليوم من صور السباب. ~~(11) # إلى هنا عرف القارئ أشياء عن ابن حجة وعن كتابه «خزانة الأدب»، فلنأخذ في نقد ~~بديعيته في مدح الرسول، وهي تقع في اثنين وأربعين ومائة بيت، وهو عدد ما اهتم ~~بعرضه من ضروب البديع، وهذه المناسبة العددية بين أبيات القصيدة وبين الفنون ~~البديعية ترينا أن المؤلف لم يهتم بالمدح النبوي اهتمامه بالبديع، وإن كان لا ~~يزال يتذكر أن قصيدته مدحة نبوية فقد رأيناه يقول: إنها ببركة ممدوحها نور هذه ~~المطالع. # وإعجاب الحموي بقصيدته لا يمنعنا من القول بخلوها من النفحات الشعرية، فليست ~~إلا منظومة تذكر بأمثالها من منظومات «المتون»، وأهميتها ترجع إلى الناحية ~~التعليمية، ولنسارع فنختبر النسيب في هذه البديعية. # لي في ابتدا مدحكم يا عرب ذي سلم # براعة تستهل الدمع في العلم # بالله سر بي فسربي طلقوا وطني # وركبوا في ضلوعي مطلق السقم # ورمت تلفيق صبري كي أرى قدمي # يسعى معي فسعى لكن أراق دمي # وذيل الهم همل الدمع لي فجرى # كلاحق الغيث حيث الأرض في ضرم # يا سعد ما تم لي سعد يطرفني # بقربهم وقليل الحظ لم يلم # هل من يفي ويقي إن صحفوا عذلي # وحرفوا وأتوا بالكلم في الكلم # قد فاض دمعي وفاظ القلب إذ سمعا # لفظي عذل ملا الأسماع بالألم # أبا معاذ أخا الخنساء كنت لهم # يا معنوي ms104 فهدوني بجورهم # يكفي هذا للاستشهاد، فنسيب القصيدة كله من هذا القبيل، والمهم أن ندل القارئ ~~على قيمة هذا النسيب، فهل رأى فيه معنى جيدا، أو لفظا طريفا؟ وهل يمكن الربط ~~بين المعاني في أمثال هذه الأبيات؟ إن الشاعر نفسه لم يشرح معانيها في كتابه؛ لأنه ~~لم يرد بها التشبيب، وإنما وقف عند ما قصد إليه من ضروب البديع، وهو نفسه حين ~~فاضل بين أبياته وأبيات الموصلي والحلي لم يتحدث عن معاني النسيب، وإنما تحدث عن ~~تأدية الفنون البديعية. والصنعة تظهر بصورة أوضح في مثل هذين البيتين في مخاطبة ~~العذول: # يا عاذلي أنت محبوب لدي فلا # توارب العقل مني واستفد حكمي # جمع الكلام إذا لم تغن حكمته # وجوده عند أهل الذوق كالعدم # فالبيت الأول تكلفه الشاعر ليشير إلى ~~المواربة، والبيت الثاني حكمة مفتعلة أشار بها إلى الكلام الجامع، وأظهر من هذين ~~في التعمل قوله في التذييل والتفويف: # والله ما طال تذييل اللقاء بهم # يا عاذلي وكفى بالله في القسم # خشن ألن إحزن افرح امنع اعط أنل # فوف أجد وش رقق شد حب لم # ولا موجب للوم الشاعر على هذا الكلام الثقيل، فقد أنصف من نفسه حين قال في شرح ~~البيت الثاني: «التفويف تأملته فوجدته نوعا لم يفد غير إرشاد ناظمه إلى طريق ~~العقادة، والشاعر إذا كان معنويا وتجشم مشاقه تقصر يده عن التطاول إلى اختراع ~~معنى من المعاني الغريبة وتجفوه حسان الألفاظ، ولم يعطف عليه برقة، وتأنف كل ~~قرينة صالحة أن تسكن له بيتا.» # ومعنى هذا أنه لم يقصد بنظمه غير التمثيل للنوع البديعي، أما هو فلا يراه من ~~ألوان البيان، ولكن هذا الشرح وما فيه من تكلف التخيل جاء أثقل من ~~التفويف! # ومما يؤكد أن الصنعة هي المقصودة من هذه المنظومات أن الحموي عاب قول ~~الحلي: # لا لقبتني المعالي بابن بحدتها # يوم الفخار ولا بر التقى قسمي # وقال: «فيه نقص؛ لأنه غير صالح للتجريد، ولم يأت ناظمه بجواب القسم إلا في بيت ~~الاستعارة الذي ترتب بعده، وهو: # إن لم أحث ms105 مطايا العزم مثقلة # من القوافي تؤم المجد عن أمم # وأصحاب البديعيات شرطوا أن يكون كل بيت شاهدا على نوعه بمجرده، وإذا كان البيت ~~له تعلق بما بعده أو بما قبله لا يصلح أن يكون شاهدا على ذلك النوع.» # 17 # وهو بهذا التعقب يدلنا على أن أصحاب البديعيات كانت لهم تقاليد، منها أن يكون ~~كل بيت شاهدا على نوعه بمجرده، ولا ندري كيف لا يصلح البيت أن يكون شاهدا على ~~النوع المقصود إذا كان له تعلق بما بعده أو بما قبله، إن ذلك لمظهر جديد من ~~تكلف أصحاب البديعيات. ~~(12) # فإذا تجاوزنا النسيب إلى المديح رأيناه يتخلص فيقول: # ومن غدا قسمه التشبيب في غزل # حسن التخلص بالمختار من قسمي # محمد ابن الذبيحين الأمين أبو ال # بتول خير نبي في اطرادهم # عين الكمال كمال العين رؤيته # يا عكس طرف من الكفار عنه عمي # أبدى البديع له الوصف البديع وفي # نظم البديع حلا ترديده بفمي # كررت مدحي حلا في الزايد الكرم اب # ن الزايد الكرم ابن الزايد الكرم # وهذه القطعة تكفي لبيان ما في المديح من تكلف، وهو مديح غير مقصود لذاته، وإنما ~~أريد به الوصول إلى عرض فنون البديع؛ فالبيت الأول في التخلص، والثاني في ~~الاطراد، والثالث في العكس، والرابع في الترديد، والخامس في التكرار. فالناظم يلتزم ~~كلمة خاصة في كل بيت، ويلتزم بجانب ذلك التمثيل، وهذا وذاك من موجبات التكلف ~~والافتعال، والقصيدة كلها على هذا النمط فلا موجب للإسهاب. # الفصل الثاني عشر # | مدائح ابن نباتة المصري # موجز ترجمة ابن نباتة - غلبة البديع على ~~شعره - تحليل الهمزية - تحليل الرائية - تحليل العينية - تحليل اللامية - نقد ~~الميمية - خلاصة القول في مدائح ابن نباتة. ~~*** ~~(1) # ابن نباتة المصري جمال الدين محمد بن محمد: شاعر مكثر من شعراء القرن الثامن، ~~ولد بالقاهرة في زقاق القناديل في ربيع الأول سنة 686ه، وتوفي يوم الثلاثاء من ~~صفر سنة 768ه بالبيماريستان المنصوري، ودفن خارج باب النصر بتربة الصوفية. ~~وليتنبه القارئ إلى كلمة «تربة الصوفية» فهي من الدلائل على غلبة التصوف في ms106 ذلك ~~الزمان. ~~(2) # وأهم ما ترك ابن نباتة في المدائح النبوية خمس قصائد: الأولى همزية ~~مطلعها: # شجون نحوها العشاق فاءوا # وصب ما له في الصبر راء # والثانية رائية ومطلعها: # صحا القلب لولا نسمة تتخطر # ولمعة برق بالغضا تتسعر # والثالثة عينية، ومطلعها: # يا دار جيرتنا بسفح الأجرع # ذكرتك أفواه الغيوث الهمع # والرابعة لامية، ومطلعها: # ما الطرف بعدكم بالنوم مكحول # هذا وكم بيننا من ربعكم ميل # والخامسة ميمية، ومطلعها: # أوجز مديحك فالمقام عظيم # من دونه المنثور والمنظوم ~~(3) # وهذه المدائح كسائر شعر ابن نباتة تغلب عليها فنون البديع، وكانت هذه الفنون غلبت ~~على الشعر كله في تلك الأيام، فلا ينس القارئ أن هذا كان منتهى البلاغة عند شعراء ~~القرن الثامن، وليتذكر أن موقفنا من هذه الفنون ليس موقف اللائم، ولكنه موقف ~~المؤرخ، وما نستهجنه اليوم من هذه الفنون كان الظفر بنكتة منه غاية ما يصبو إليه ~~كبار الشعراء في ذلك الحين. ~~(4) # تقع الهمزية في تسعة وستين بيتا، منها ستة عشر في النسيب، والنسيب في هذه ~~القصيدة تافه، والشاعر يفرح بالنكتة اللفظية كأن يقول: # ولاح ما له هاء وميم # له من صبوتي ميم وهاء # ويسره أن يغرب في التشبيه فيقول: # كأن الحب دائرة بقلبي # فحيث الانتهاء الابتداء # ومدح النبي في هذه القصيدة تافه أيضا؛ فهو يتحدث عن نار المجوس كما تحدث سواه ~~فيقول: # وفي نار المجوس لنا دليل # لأنفسهم بها ولها انطفاء # ويتوهم أن ناسا ينكرون ذلك فيقول: # فقل للملحدين تنقلوها # جحيما إننا منكم براء # وإن أبي ووالده وعرضي # لعرض محمد منكم وقاء # وفي هذا ما يشعر بأنه كان يعارض همزية حسان ~~بن ثابت. # ويذكر أن نور النبي أصل لنور الشمس: # وأين الشمس منه سنا ولولا # سناه لما ألم بها سناء # وأنه يحارب بالدعاء وبالرأي وبالجيش: # سهام دعا له وسهام رأي # لها في كل معركة مضاء # درى ذو الجيش ما صنعت ظباه # وما يدريه ما صنع الدعاء # ويذكر أن الناس كانوا يحجون البيت بسره قبل أن يولد بأزمان فيقول: # ولولاه لما حجت وعجت # وفود البيت ms107 ضاق بها الفضاء # فإن يتلى له في الحج حمد # فقدما قد تلته الأنبياء # ومن اللعب بالألفاظ هذان البيتان: # ونفس ذنبها كالنيل مدا # وما لوعود توبتها وفاء # مسوفة متى وعدت بخير # تقل سين وواو ثم فاء ~~(5) # وتقع الرائية في تسعين بيتا، منها سبعة وثلاثون في النسيب، وهي خير ما قال في ~~المدائح النبوية، وربما كانت خير ما في ديوانه من الشعر الجيد. وتمتاز هذه القصيدة ~~بوضوح المعاني وقوة السبك، وفيها كذلك إشارة لبعض لفتات القدماء، ولا بد أن يكون ~~معاصرو ابن نباتة تلقوها بكثير من القبول؛ لأنها بعث لروعة الشعر القديم، ~~ولننظر كيف يقول: # صحا القلب لولا نسمة تتخطر # ولمعة برق بالغضا تتسعر # وذكر جبين البابلية إذ بدا # هلال الدجى والشيء بالشيء يذكر # سقى الله أكناف الغضا سائل الحيا # وإن كنت أسقى أدمعا تتحدر # وعيشا نضا عنه الزمان بياضه # وخلفه في الرأس يزهو ويزهر # تغير ذاك اللون مع من أحبه # ومن ذا الذي يا عز لا يتغير # وكان الصبا ليلا وكنت كحالم # فيا أسفي والشيب كالصبح يسفر # يعللني تحت العمامة كتمه # فيعتاد قلبي حسرة حين أحسر # وينكرني ليلي وما خلت أنه # إذا وضع المرء العمامة ينكر # والقارئ يجد في هذا الشعر العذب كلمات «الغضا» و«البابلية»، ويجد «ومن ذا الذي يا ~~عز لا يتغير»، ويجد «صحا القلب»، ويجد «العمامة»، وكل أولئك إشارات إلى معان ~~تحدث عنها الشعراء الأقدمون. # وكذلك تطرد العذوبة في قوله بعد أبيات: # وغيداء أما جفنها فمؤنث # كليل وأما لحظها فمذكر # يروقك جمع الحسن في لحظاتها # على أنه بالجفن جمع مكسر # من الغيد تحتف الظبا بحجابها # ولكنها كالبدر في الماء يظهر # يشف وراء المشرفية خدها # كما شف من دون الزجاجة مسكر # ولا عيب فيها غير سحر جفونها # وأحبب بها سحارة حين تسحر # إذا جردت من بردها فهي عبلة # وإن جردت ألحاظها فهي عنتر # ومع حلاوة هذا الشعر فإنا لا نفهم جيدا كيف يؤنث الجفن ويذكر اللحظ، ولعله ~~يريد فتور الجفن، وفتك اللحظ، والجمع المكسر في البيت الثاني فيه إشارة لطيفة. ms108 ~~وقوله: # يشف وراء المشرفية خدها # كما شف من دون الزجاجة مسكر # فيه معنى جميل، و«المشرفية» هي اللثام، ولم أرها عند غير ابن نباتة، وهي كلمة ~~مولدة، والبيت الأخير فيه تلاعب بالألفاظ، ولكنه مع ذلك مقبول. # وابن نباتة مغرم بأمثال هذه الألاعيب اللفظية، ونراه يقول في هذه القصيدة وهو يصف ~~الناقة التي حملته إلى أرض الحجاز حيث قبر الرسول: # إذا ما حروف العيس خطت بقفرة # غدت موضع العنوان والعيس أسطر # فلله حرف لا ترام كأنها # لوشك السرى حرف لدى البيد مضمر # ومن أسماء الناقة: الحرف، فرأى الشاعر أن يجعل ~~العيس أسطرا، وأن يجعل ناقته موضع العنوان، أما الحرف المضمر فوصف جميل، وإن لم ~~يعرفه النحاة. # ثم يأخذ في مدح النبي فيبدأ بمعنى ساذج؛ إذ يذكر أن النبي تم مجده قبل أن يخلق ~~آدم، وذلك قوله: # نبي أتم الله صورة فخره # وآدم في فخاره يتصور # وفي هذا البيت جناس سخيف. # ويجعل من شرفه أن جبريل خادمه، وأن عيسى بشر به، فيقول: # تحزم جبريل لخدمة وحيه # وأقبل عيسى بالبشارة يجهر # فمن ذا يضاهيه وجبريل خادم # لمقدمه العالي وعيسى مبشر # وعبارة «تحزم لخدمته» لا تزال حية في لغة التخاطب. # ويتحدث عن تهاوي النجوم ونضوب بحيرة ساوة ليلة مولده، كما تحدث غيره، ~~فيقول: # تهاوى لمأتاه النجوم كأنها # تشافه بالخد الثرى وتعفر # وينضب طام من بحيرة ساوة # ولم لا وقد فاضت بكفيه أبحر # ويتمثل نوره يتنقل بين الأصلاب الكريمة، ويرى قوة إبراهيم وثورته على الأصنام ~~فيضا من فضله، وكذلك يجعله السر في فدى الذبيحين ورد جيوش الفيل، وذلك ~~قوله: # تنقل نورا بين أصلاب سادة # فلله منه في سما الفضل نير # به أيد الطهر الخليلي فانتحت # يداه على الأصنام تغزو وتكسر # ومن أجله جيء الذبيحان بالفدى # وصين دم بين الدماء مطهر # وردت جيوش الفيل عن دار قومه # فلله نصل قبل ما سل ينصر # والقصيدة على طولها ليس فيها جديد؛ فهي معان مكررة تعاورها المادحون من قبل، وقد ~~ختمت القصيدة بقطعة جزلة توسل فيها الشاعر بالرسول، واستعداه على ms109 ما يقاسي من ~~الذل والاغتراب. ~~(6) # وتقع العينية في ثمانية وثمانين بيتا، منها ستة وعشرون في النسيب، والنسيب في ~~هذه القصيدة ضعيف، والشاعر يمضي فيه على ما ألف من الإشارات، كان يقول: # بانت سعاد فليت يوم رحيلها # فسح اللقا فلثمت كعب مودعي # يشير إلى «سعاد» في قصيدة كعب بن زهير، والمدح في هذه القصيدة ضعيف أيضا، وهو ~~فيه يقتبس بعض التعابير القديمة كقوله: # ماذا عسى المدح الطهور يدير من # كأس الثنا بعد الكتاب المترع # بعد الحواميم التي بثنائها # هبطت إليك من المحل الأرفع # والشطر الأخير من قصيدة ابن سينا في النفس. # والشاعر مفتون بهذه القصيدة، ويرى نفسه خليفة حسان فيقول: # إن كنت حسانا بمدحك نائبا # فسناك أرشده وقال لي اتبع # وفي القصيدة قطعة طويلة بكى فيها الشاعر صباه، وتألم من غفلته بعد الشيب عن ~~المتاب. ~~(7) # أما اللامية فتقع في تسعة وسبعين بيتا، منها خمسة وعشرون في النسيب، وهي قصيدة ~~نظمها الشاعر معارضة لقصيدة بانت سعاد، وقد اقتبس من لامية كعب شطرات كثيرة، ~~كقوله: # ما يمسك الهدب دمعي حين أذكركم # إلا كما يمسك الماء الغرابيل # وهو مقتبس من قول كعب: # ولا تمسك بالعهد الذي زعمت # إلا كما يمسك الماء الغرابيل # وقوله: # باتت زخارفها بالصبر واعدة # وما مواعيدها إلا الأباطيل # وهو مقتبس من قول كعب: # كانت مواعيد عرقوب لها مثلا # وما مواعيدها إلا الأباطيل # وهو نفسه قد أفصح عما يؤكد هذه المعارضة إذ قال: # يا خاتم الرسل لي في المذنبين غدا # على شفاعتك الغراء تعويل # إن كان كعب بما قد قال ضيفك في # دار النعيم فلي في الباب تطفيل # وأين كابن زهير لي شذا كلم # ربيعها بغمام القرب مطلول # بانت معاذير عجزي عن نداك وعن # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول # والنسيب في هذه القصيدة لا يخلو من روعة، كقوله في خطاب الأحباب: # يا باعثين سهادا لي وفيض بكا # مهما بعثتم على العينين محمول # هبكم منعتم جفوني من خيالكم # فكيف يمنع تذكار وتخييل # في ذمة الله قلب يوم بينكم # موزع ودم في الحب مطلول ms110 # شغلتم بصباح الأنس مبتسما # وناظري بظلام الليل مشغول # كأنما الأفق محراب عكفت به # والنيرات بأفقيه القناديل # وقوله: «مهما بعثتم على العينين محمول» من التعابير الحية في القرى ~~المصرية. # ومن الكلام المقبول قوله في تفدية زمن الوصل: # يفدي الزمان الذي في عامه قصر # هذا الزمان الذي في يومه طول # أما قوله: # لو كنت أرتاع من عذل لروعني # سيف المشيب برأسي وهو مسلول # أما ترى الشيب قد دلت كواكبه # على الطريق لو ان الصب مدلول # حتام أسأل عن لهو وعن لعب # وفي غد أنا عن عقباه مسئول # فهو مسايرة للبوصيري في قصيدته الميمية. # فإذا انتقلنا إلى المديح رأيناه يعود إلى معانيه الماضية فيذكر أن محمدا جبل ~~معنى نبوته قبل أن يجبل آدم، وأن تاج علاه ارتفع قبل أن يرتفع ضوء البدر والنجم، ~~فيقول: # محمد المجتبى معنى جبلته # وما لآدم طين بعد مجبول # والمجتلى تاج علياه الرفيع وما # للبدر تاج ولا للنجم إكليل # ولا يكتفي بهذه الدعوى، بل يدعي أنه لولا النبي لم تخلق الأرض ولا الأفق ولا ~~الزمان ولا الناس ولا المناسك، ولا كان في الدنيا وحي ولا تنزيل، وأن أبرهة لم ~~ينهزم إلا بسره، وذلك حيث يقول: # لولاه ما كان أرض ولا أفق # ولا زمان ولا خلق ولا جيل # ولا مناسك فيها للهدى شهب # ولا ديار بها للوحي تنزيل # ذو المعجزات التي ما اسطاع أبرهة # يغزو منازلها كلا ولا الفيل # ويعود إلى ما تحدث عنه في الرائية من خدمة جبريل فيقول: # ما زال في الخلق ذا جاه وذا خدم # لكن خادمه المشهور جبريل # وقد سره أن يكون أبرهة انهزم بسر النبي قبل مولد النبي فعاد إليه في القصيدة ~~نفسها مرة ثانية، فقال: # حامي حمى البيت بالرعب المقدم ما # ناواه أبرهة العادي ولا الفيل # وتحدث كما تحدث قبله ناس عن فيض الماء من أصابع النبي، وبركة ما مست راحته من ~~الزاد، وما خاطبته به الوحوش، فقال: # فاض الزلال المهنى من أصابعه # نعم الأصابع من كفيه والنيل # وبورك الزاد إذ مسته راحته # فحبذا ms111 مشرب منها ومأكول # وخاطبته وحوش البيد مقبلة # فالرجل عاسلة واللفظ معسول # وفي هذه القصيدة قطعة في مدح أصحاب الرسول، ~~نظر فيها الشاعر إلى معاني كعب ومعاني البوصيري، فليس فيها جديد، ومن أظهر الشواهد ~~على ذلك أن البوصيري يقول: # والكاتبون بسمر الخط ما تركت # رماحهم حرف شرك غير منعجم # فيجيء ابن نباتة فيقول: # الكاتبون من الأجسام ما اعتبرت # سود وبيض فمنقوط ومشكول # ومن الغرام بالإشارات الاصطلاحية قوله في وصف الرسول: # مجاهدا في سبيل الله مصطبرا # على الجراح وبعض الجرح تعديل # يشير إلى بعض القواعد في علم مصطلح الحديث. ~~(8) # أما الميمية فهي أقصر مدائحه وأضعفها، ولم يبتدئها بالنسيب كما فعل في أخواتها من ~~قبل، ولم يأت فيها بمعنى طريف، وإنما أعاد الحديث عن نار كسرى، وذكرنا بألاعيبه ~~اللفظية حين قال: # بمقامك المرفوع يخفض ذنبنا ال # منصوب إن رجاءنا المجزوم ~~(9) # وخلاصة القول أن ابن نباتة كان من المولعين بالمدائح النبوية كأهل عصره، وله في ~~ذلك قصائد بعضها جيد وبعضها ضعيف. ويجب أن نتذكر أن ابن نباتة كان من المفتونين ~~بالمجون، وفي ديوانه مقطوعات كثيرة فيها دعارة وفسق، وفيها تزيين للإثم والغواية، ~~وتلك اتجاهات نفسية توحي إلى من كان في مثل رقة حسه أن يفزع إلى الندم ~~والمتاب، وكذلك نجد في مدائحه رقة المستغفر المنيب، ولا ينقض ذلك أن يكون شعره ~~ضعيفا في الاستغفار والإنابة، فإن ذلك الضعف لا يرجع إلى قيمة الصدق في توبته، ~~ولكنه يرجع إلى ضعف الشاعرية عند ابن نباتة، فلن نرى شعره في أصدق مواقفه أقوى من ~~شعره في استغفاره وإنابته، وعودته إلى مدح الرسول من حين إلى حين تؤكد ميل ~~نفسه إلى هذا الفن، وتدل على رغبته في الخلاص من آصار الذنوب. # ولا ننس النص على أن اهتمامه بمعارضة قصيدة كعب والإشارة إلى همزية حسان يدل ~~على سيرورة تلك القصائد، وقربها من أذهان الناس، وعدها من أصول المدائح ~~النبوية. # ولننص أيضا على أن جامع ديوان ابن نباتة رتبه على حروف المعجم، ورأى أن ~~يجعل ما قيل في مدح الرسول ms112 رأس الباب؛ فالهمزية هي أولى القصائد في باب الهمزة، ~~والرائية أولى القصائد في باب الراء، وهكذا، وفي ذلك ما يدل على منزلة المدائح ~~النبوية في أنفس مصنفي الدواوين. # وأغرب ما لاحظناه أن ابن نباتة لم يشغل نفسه بمعارضة ميمية البوصيري، مع أنها ~~كانت شغل الشعراء في ذلك الحين، فدل بذلك على أنه استقل عن الروح السائد في عصره ~~بعض الاستقلال. # | خاتمة الكتاب: قصة المولد النبوي # (1) # هذه القصة نوع من المدائح النبوية، وهي ليست قديمة العهد في التاريخ الإسلامي، ~~وإن زعم بعض مؤلفي الموالد أن النبي أوصى في حياته بأن يحتفل المسلمون بمولده بعد ~~أن يموت، وأغلب الظن أن الاحتفال بالمولد نشأ في بلاد فارس. وأقدم ما وصلت إليه في ~~تاريخ هذا النوع من الاحتفال ما قرأته في نفح الطيب عن ابن دحية، وقد مر بأربل ~~سنة 604ه ورأى مظهر الدين كوكبري معتنيا بعمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول من ~~كل عام، فصنف له كتابا سماه: «التنوير في مولد السراج المنير» وختمه بقصيدة ~~طويلة فأجازه مظهر الدين بألف دينار. # 1 # ومن المؤكد أن تأليف الموالد أقدم من ذلك؛ فقد استعملت لفظة «مولد» بمعنى ~~«تاريخ» منذ عهد بعيد، وللواقدي كتاب اسمه: «مولد الحسن والحسين». ~~(2) # لا جدال في أن المسلمين اهتموا منذ عهد بعيد بتدوين أخبار الرسول، أما وضع القصص ~~الخيالية عن مولده ونبوته وأزواجه وغزواته، فهو من عمل الصوفية، وهم الذين اتخذوا ~~قصة مولده أحبولة يتصيدون بها أهواء الناس. والذي ينظر في تقاليد الصوفية يراهم ~~أدخلوا المولد في صميم الحياة الدينية؛ أي جعلوه عنصرا أصيلا في الحفلات الشعبية، ~~فتقرأ القصة في ربيع الأول وفقا للتقاليد الرسمية، ثم تقرأ في كل وقت حين تخلق ~~المناسبات، كحفلات التهاني وحفلات الأعراس، وقد صار الاحتفال بالمولد من الأعياد ~~الرسمية في مصر بفضل الدعاية الصوفية. # ولم نستطع الوصول إلى معرفة أول من ألف في الموالد، فليكتف القارئ الآن بأن ~~يعرف أن من أقدم ما عرفنا من هذا النوع كتاب «العروس»، وهو مولد ألفه ابن الجوزي ~~المتوفى ms113 سنة 597ه، ورسالة ابن جابر الأندلسي المتوفى سنة 780ه، ورسالة الرعيني ~~الغرناطي المتوفى سنة 779ه. # وفي دار الكتب المصرية نحو أربعين مولدا ألفت في عصور مختلفة، ولو استقصينا ~~لعرفنا أن هذا النوع من التأليف كثر جدا؛ فلكل طريقة مولد، بل لكل شيخ مولد، وهي ~~جميعا تتشابه في الغرض والأسلوب. ~~(3) # ولننص على أن أكثر الموالد نظم في نثره نظما غنائيا ليصلح للترتيل ~~والتغني والإنشاد، ولم يرج بين الجمهور إلا الموالد التي روعي فيها نظام ~~الفواصل المسجوعة التي تجري مجرى القصيد في التزام القافية، ولنذكر لذلك ~~شاهدين: # الشاهد الأول قول البرزنجي: # وظهر عند ولادته خوارق وغرائب غيبية؛ # إرهاصا بنبوته وإعلاما بأنه مختار الله ~~تعالى ومجتباه؛ # فزينت السماء حفظا ورد عنها المردة وذوو ~~النفوس الشيطانية، # ورجمت رجوم النيرات كل رجيم في حال ~~مرقاه، # وتدلت إليه # صلى الله عليه وسلم # الأنجم الزهرية، # واستنارت بنورها وهاد الحرم ورباه، # وخرج معه # صلى الله عليه وسلم # نور أضاءت له قصور الشام ~~القيصرية، # فرآها من ببطاح مكة داره ومغناه، # وانصدع إيوان كسرى بالمدائن الكسروية، # الذي رفع أنوشروان سمكه وسواه، # وسقط أربع وعشر من شرفاته العلوية، # وكسر سرير الملك كسرى لهول ما أصابه ~~وعراه، # وخمدت النيران المعبودة بالممالك ~~الفارسية، # لطلوع بدره المنير وإشراق محياه، # وغاضت بحيرة ساوة وكانت بين همذان وقم من ~~البلاد العجمية، # وجفت إذ كف واكف موجها الثجاج ينابيع هاتيك ~~المياه، # وفاض وادي سماوة وهي مفازة في فلاة ~~وبرية، # ولم يكن بها من قبل ما ينقع للظمآن ~~اللهاة. # والشاهد الثاني قول المناوي: # 2 # وفي أول ليلة من ليالي حمله # صلى الله عليه وسلم # أغلقت ~~أبواب الجحيم، وفتحت أبواب الجنان ~~الرضوانية، # واطلع الحي القيوم وتجلى برحمته ورضوانه ~~التجلي العام، # واهتز العرش طربا ومال الكرسي عجبا ~~وانتشرت الرايات الربانية، # وتلألأت الكائنات بالأنوار، وتنكست على ~~رءوسها الأصنام، # ونطقت دواب قريش بالمقالات العربية، # وقالت حمل برسول الله # صلى الله عليه وسلم # ورب الكعبة فهو ~~إمام الدنيا وسراج الأنام، # وفرت وحوش المشارق إلى وحوش المغارب ~~بالبشائر القولية، # وبشرت حيتان البحر بعضها بعضا ms114 بظهور مصباح ~~الظلام، # ونادى لسان حال الكائنات جاءنا اليسر بعد ~~الشدائد العسرية، # وظهر إمام العدل والرقيب من الحواسد ~~نام، # ولم تجد أمه في حمله وحما ولا تعبا ولا ~~كربية، # ولا ثقلا، ولا هزلا، ولا مس آلام، # وكان بدء حمله # صلى الله عليه وسلم # في ليلة جمعة من ~~الليالي الرجبية، # وانتهاؤه في شهر ربيع الأول ليلة الاثنين ~~الثاني عشر من الأيام، # وكان # صلى الله عليه وسلم # وهو في بطن أمه يسبح ويقدس ذات ~~ربه الوحدانية، # فكانت السيدة تسمع تسبيحه وتقديسه وهو في ~~بطنها، فسبحوا من لا ينام. ~~(4) # ويضاف إلى هذه المنظومات النثرية منظومات شعرية ينشدها المنشدون بعد كل وصلة، ~~والوصلة تختم بدعاء مكرر كأن يقول المناوي: # اللهم عطر قبره بالتعظيم والتحية، # واغفر لنا ذنوبنا والآثام. # وتلك المنظومات الشعرية ساذجة في ألفاظها ومعانيها؛ فهي ليست من الأدب الفحل، ~~ولكن قيمتها ترجع إلى عمق أثرها في البيئات الشعبية. ~~(5) # ومن التحامل أن ننكر قيمة هذه الموالد من الوجهة الأدبية؛ فقد نقلت إلى الجماهير ~~شيئا من أخبار الغزوات، وحدثتهم عن أشياء كثيرة من شمائل الرسول، ثم صارت مع ~~الزمن عنصرا من الحياة الغنائية، وأصبحنا نفتح دفتر التليفون فنجد أسماء كثيرة ~~لناس يحترفون إنشاد قصة المولد النبوي، وهي حرفة شريفة لأن أهلها في الأغلب ينتظر ~~منهم أن يكونوا من الأتقياء الصالحين. ومع أن الغناء تحول في الأيام الأخيرة إلى ~~الأوساط العصرية فإنه لا يزال للشيخ علي محمود، والشيخ إسماعيل سكر، والشيخ حسن ~~جابر، سلطان عظيم في الأوساط الشعبية. ومحطة الإذاعة الحكومية في مصر تهتم بدعوة ~~أمثال الشيخ علي محمود والشيخة منيرة عبده لتلاوة الموالد النبوية، فينشدون قصائد ~~بعضها في الحب، وبعضها في مدح الرسول، والجمهور يتلقى ذلك بكثير من ~~الارتياح. # والواقع أن أكثر المغنين المشهورين كانوا في البداية من الذين ينشدون في حلقات ~~الذكر ويقرءون قصة المولد النبوي. ~~(6) # ولا بد من الإشارة إلى أن روح التشيع سرى إلى بعض من يقرءون قصة المولد النبوي ~~بدون أن يتنبهوا إلى ذلك؛ فقد سمعت منهم قصائد في التفجع لمصرع ms115 الحسين. # والتصوف والتشيع يرجعان عند المسلمين إلى أصل واحد ولا يفصل بينهما إلا حاجز ~~غير حصين من الرسوم والتقاليد. ~~(7) # والذي يراجع الموالد النبوية يجدها مملوءة بالخرافات والأضاليل، وقد احتمل الناس ~~لغوها زمنا طويلا؛ لأنها لم تكن تتلى إلا في البيئات العامية التي تصدق كل ~~شيء، ولكن اتفق أخيرا أن أذاع وزير الأوقاف السابق سعادة محمد نجيب الغرابلي باشا ~~في شهر ربيع الثاني سنة 1353ه كتابا في الصحف بين فيه أن الصيغ التي وضعت ~~للمولد النبوي صيغ قديمة كانت تتفق في روحها وأسلوبها وألفاظها مع العصور التي ~~وضعت فيها، ولكنها لا تتفق مع العصور الحالية، وأنها حشيت بقصص ضعيفة السند لا ~~تصور المعروف من مولد الرسول وحياته في صورته الصحيحة. ثم دعا أهل العلم إلى وضع ~~صيغة جديدة للمولد يراعى فيها أولا تحري الأخبار الصحيحة الثابتة عن مولد ~~الرسول وحياته، وثانيا اتفاق الصيغة في روحها وأسلوبها مع العصر الحاضر، ثم وعد ~~بتقديم مائة جنيه لمن يقدم أفضل صيغة للمولد النبوي. # وقد قوبل كتاب وزير الأوقاف بالترحيب من الهيئات العلمية والأدبية، ولكن الدكتور ~~طه حسين كتب يناقشه في جريدة الوادي في العدد الذي صدر مساء الأربعاء أول أغسطس سنة ~~1934م، ومع أن الدكتور طه حسين كتب مقاله وهو متأثر بالمعارضة الحزبية لذلك الوزير، ~~فإن مقاله على ما فيه من عنف يفسر حياة تلك الموالد في الجماهير الشعبية، وهو ~~يراها تثير العاطفة وترضي الذوق، ويرى من الأصلح ألا يحرم الناس من خيال لا ~~يخالف الدين، ولا يفسد على الناس أمرا من أمور الإيمان، ثم قال: وأي بأس على ~~المسلمين في أن تتحدث إليهم قصص بهذه الأحاديث الحلوة العذاب فتنبئهم بأن أمم ~~الطير والوحش كانت تختصم بعد مولد النبي، كلها يريد أن يكفله ولكنها ردت عن هذا؛ ~~لأن القضاء سبق بأن رضاع النبي سيكون إلى حليمة السعدية؟ وأي بأس على المسلمين في ~~أن يسمعوا أن الجن والإنس والحيوان والنجوم تباشرت بمولد النبي، وأن الشجر أورق ~~لمولده، وأن الروض ازدهى لمقدمه، وأن السماء دنت من ms116 الأرض حين مس الأرض ~~جسمه الكريم؟ لم تصح الأحاديث بشيء من هذا ولكن الناس يحبون أن يسمعوا هذا، ~~ويرون في التحدث به والاستماع إليه تمجيدا للنبي الكريم لا بأس به ولا جناح ~~فيه، وأي بأس على المسلمين في أن يسمعوا أن نفرا من الملائكة أقبلوا إلى النبي ~~وهو طفل يلعب فأضجعوه، وشقوا عن قلبه وغسلوه حتى طهروه، ثم ردوه كما كان، ~~وأقاموه كأن لم يصبه مكروه؟ لم يصح الحديث بهذا، ولكن المسلمين يتحدثون به، ~~ويستمعون له منذ أكثر من اثني عشر قرنا لم يفسد لذلك ذوقهم ولم يضعف إيمانهم ... إن ~~من فاحش الخطأ أن يضيق على الجماهير حتى في القصص البريء، إن من فساد الذوق ~~ألا يباح للجماعات إلا الحق الذي لا حظ للخيال فيه، إن من سوء العناية بالدين أن ~~يكف الخيال عن تأييد الدين. # ومعنى هذا الكلام أن مؤلفي الموالد خدموا الدين بما أذاعوا من الأساطير، وهذا حق ~~من جانب، وخطأ من جانب. # هو حق لأن الخيال يزيد في أنس الناس بالدين، وأكثر الديانات تأصلا في أنفس ~~الجماهير هي الديانات التي تفيض بالخرافات والأساطير، ولا تزال المذاهب المسيحية ~~تقتسم أهواء الناس على هذا الأساس. # وهو خطأ لأنه ينشئ الناس إنشاء فاسدا، ويضيع على الإسلام عددا عظيما من ~~أبنائه الذين يرضيهم أن يقوم دينهم على أساس العقل، ويسوءهم أن يروا في معتقداتهم ~~صورا من وثنية الهنود والفرس واليونان. ~~(8) # هذا وقد سمعنا أن وزارة الأوقاف تلقت عشرات من القصص الجديدة التي تصور حياة ~~الرسول بما يوافق ذوق العصر الحديث، ولسنا ندري على أي نمط وضعت تلك القصص، ~~ولكنا نرجو أن تكون الموالد القديمة نموذجا للمولد الجديد من الوجهة الفنية، فإن ~~المولد لم يوضع في الأصل ليكون كتاب تاريخ، ولكنه في أصله لون من التمجيد لآثار ~~الرسول، وهو كذلك من صور الاستغاثة والتوسل عند الصوفية، فمن الأنفع أن يراعى ~~الوضع الغنائي في تأليفه ليصلح للغناء والترتيل، فإن العامة لا تفتنهم الحقائق ~~المجردة، وإنما يستهويهم الحق المزخرف، وفي القرآن نفسه سور مسجوعة، ms117 والقنوت ~~المأثور هو أيضا مسجوع، ودعوات السلف الصالح كانت مسجوعة، وفي هذا كله ما يشعر ~~بأن أهل الرأي من قدماء المسلمين كانوا يراعون النظم الغنائي في الدعوات ~~والصلوات. ms118