######OpenITI# #META# URI: 1371ZakiMubarak.MadamicCushshaq.Hindawi92480708 #META# Tags: literature #META# ID: 92480708 #META# Title: مدامع العشاق #META# AuthorID: 41796397 #META# Author: زكي مبارك #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # مذاهب النسيب‏ # موجبات الدموع‏ # عذر أرباب الدموع‏ # الاكتفاء بالدموع‏ # الفزع إلى الدموع‏ # الدمع عند الوداع‏ # الدمع بعد الفراق‏ # شكوى الصبابة‏ # عند منازل الأحباب‏ # وشاية الدموع‏ # سلطان الحب‏ # غرام النساء بالنساء‏ # طيف الخيال‏ # خيال البحتري‏ # اليأس والرجاء‏ # العتاب‏ # نوح الحمام‏ # التقرب بالدموع‏ # ثورة الوجد‏ # الأرق والسهاد‏ # الطبيعة في أنفس الشعراء‏ # مداراة الرقباء‏ # بخل الحسان‏ # الأمر للحب‏ # حمل السلام‏ # دموع الغانيات‏ # ندم المفارق‏ # غربة المحب‏ # الأمل الضائع‏ # الكتمان‏ # قسوة التجني‏ # ظلم الحبيب‏ # قساة القلوب‏ # سيف الفراق‏ # الهرب من الفراق‏ # غراب البين‏ # فقد العزاء‏ # بكاء الشباب‏ # بلايا الغيرة‏ # الاستعطاف‏ # الحنين‏ # الرفق بالحبيب المريض‏ # الذبول والنحول‏ # أماني المحبين‏ # الهيبة والخضوع‏ # الرضى بالقليل‏ # شفاء المحب‏ # القلب الخافق‏ # مثال الحبيب‏ # أهوال الصدود‏ # التلفت إلى معالم الوجد‏ # الصد والنوى‏ # القريب والبعيد‏ # حلاوة الملام‏ # رؤية الضمير‏ # القلب والكبد‏ # بكاء الملاح‏ # بكاء الحلائل‏ # لوعة الشوق‏ # راحة السلوان‏ # غدر الغواني‏ # ميزان الحب1‏ # الليالي الخوالي‏ # ليالي سنتريس‏ # صبا نجد‏ # جناية العين والقلب‏ # قضاء الله‏ # الإهداء‏ # مقدمة الطبعة الأولى‏ # مذاهب النسيب‏ # موجبات الدموع‏ # عذر أرباب الدموع‏ # الاكتفاء بالدموع‏ # الفزع إلى الدموع‏ # الدمع عند الوداع‏ # الدمع بعد الفراق‏ # شكوى الصبابة‏ # عند منازل الأحباب‏ # وشاية الدموع‏ # سلطان الحب‏ # غرام النساء بالنساء‏ # طيف الخيال‏ # خيال البحتري‏ # اليأس والرجاء‏ # العتاب‏ # نوح الحمام‏ # التقرب بالدموع‏ # ثورة الوجد‏ # الأرق والسهاد‏ # الطبيعة في أنفس الشعراء‏ # مداراة الرقباء‏ # بخل الحسان‏ # الأمر للحب‏ # حمل السلام‏ # دموع الغانيات‏ # ندم المفارق‏ # غربة المحب‏ # الأمل الضائع‏ # الكتمان‏ # قسوة التجني‏ # ظلم الحبيب‏ # قساة القلوب‏ # سيف الفراق‏ # الهرب من الفراق‏ # غراب البين‏ # فقد العزاء‏ # بكاء الشباب‏ # بلايا الغيرة‏ # الاستعطاف‏ # الحنين‏ # الرفق بالحبيب المريض‏ # الذبول والنحول‏ # أماني المحبين‏ # الهيبة والخضوع‏ # الرضى بالقليل‏ # شفاء المحب‏ # القلب الخافق‏ # مثال الحبيب‏ # أهوال الصدود‏ # التلفت إلى معالم الوجد‏ # الصد والنوى‏ # القريب والبعيد‏ # حلاوة الملام‏ # رؤية الضمير‏ # القلب والكبد‏ # بكاء الملاح‏ # بكاء الحلائل‏ # لوعة الشوق‏ # راحة السلوان‏ # غدر الغواني‏ # ميزان الحب1‏ # الليالي الخوالي‏ # ليالي سنتريس‏ # صبا نجد‏ # جناية العين والقلب‏ # قضاء الله‏ # | مدامع العشاق # | مدامع العشاق # تأليف # زكي ms001 مبارك # | الإهداء # مدامع العشاق # إلى تلك النفس التي لا يعنيها من أمري شيء، والتي أخلفت ما أخلفت من الوعود، ونسيت ما ~~نسيت من العهود، والتي شغلت بنعمة المال، والجمال، عما أقاسي من محنة وعذاب، والتي ما ~~أحسبني أطمع في أن تسكن إلي، أو تعطف علي، إلى تلك النفس الظلوم: أهدي هذا السفر ~~الحزين! # ولست آمل والحمد لله والحب، أن تتوجه بالقبول، فإن هذا أمل عزيز المنال، وكل ما أصبو ~~إليه: أن تنفحني من أجله بظلم جديد. # فبعض الظالمين وإن تناهى # شهي الظلم مغفور الذنوب # زكي مبارك # | مقدمة الطبعة الأولى # بسم الله الرحمن الرحيم # 1 # وفي أنفسكم أفلا تبصرون ~~؟! # آية كريمة، تذهب فيها النفس مذاهب شتى، ولكني أريدها لمعنى خاص: هو الحكم على ~~الأقوال والأفعال. # وبيان ذلك أننا نرى غيرنا يقول، أو يعمل، فنحكم عليه بالبر أو الفجور، فتارة ~~نخطئ، وتارة نصيب. وأكثر ما نكون شططا إذا حكمنا على القول، أو الفعل، من غير أن ~~نحيط خبرا بظروف القائل، أو الفاعل. وهي وحدها محور الخير، والشر، والخطأ، ~~والصواب. فليست كل كلمة يكفر قائلها كما يقول الفقهاء بمكفرة، ما لم تشهد القرائن ~~على أن قائلها معاند جحود، وليست القصائد الخمرية شهادة على قائلها بالإثم ولا ~~قصائد التشبيب رميا لصاحبها بالفسوق، ولكن في الظروف وحدها الحكم بأن الشاعر فاسق ~~أو سكير! # ومتى عودنا أنفسنا البحث في الحالة النفسية للقائل قبل البحث عن مدلول ما قال، ~~واجتهدنا في معرفة ظروف الفاعل قبل تأمل ما فعل من منكر أو خبيث فقد ترفع التهمة عن ~~كثير ممن حكم عليهم بالكفر والمجانة، لكلمة ظاهرها الكفر، أو فعل ظاهره ~~المجون. # وليس في ذلك خروج على أصول الدين، فقد قال عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات، ~~وإنما لكل امرئ ما نوى» وليس لمتعنت أن يرد علينا بأن هذا خاص بأعمال الخير، لا ~~الشر. فإنه كما يجوز أن يفسد الخير حين يراد به شر، كذلك يصلح الشر حين يراد به ~~خير، وتبقى التبعة على من يقصرون في إرشاد الناس إلى نتائج ms002 أعمالهم، وما لها من ~~الضر، والنفع، لتتماثل النيات والأعمال. # وإذا أباح لك حسن النية أن تحكم على رجل بالصلاح لغلبة الخير على أقواله وأفعاله، ~~من غير أن تلم إلمامة بالأسباب القريبة والبعيدة، لما يعمل وما يقول، وقد تكون نيته ~~سيئة فيحبط عمله، فإن من الواجب أن تنظر بدقة إلى ظروف من ساء قوله وعمله، فقد تكون ~~نيته حسنة فيرضى عنه علام الغيوب. # إن علماء الغرب لا يحكمون على خلق المؤلف إلا بعد أن يتبينوا العصر الذي عاش فيه، ~~والبيئة التي أحدقت به، فنال منها ونالت منه، لاحتمال أن تسود كتابته فكرة كانت في ~~عصره حسنة، وهي في عصرنا سيئة، فنحكم عليه بما هو منه براء. # 2 # ولنرجع إلى الآية التي صدرنا بها هذا المقال # وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون ~~، فإني لا أكتم القراء أني وجدت في ~~مذكراتي كلمة لو قرأتها لغيرى الآن لأنكرتها عليه، مع أني أعرف أني كتبتها من قبل، ~~وأنا نقي القلب، خالص الضمير. ولقد تبدر تلك الكلمة، وكأنها خطاب مفتوح لأهل ~~الجمال، وهي سذاجة طريفة، تمثل عهدا من عهود الصبا، خيل إلي فيه أن الحسن يجب أن ~~يكون ملكا لجميع العيون، تستمتع به آمنة مطمئنة لا يمانعها فيه غيور، ولا يحجبها ~~عنه ضنين. وليس في مقدوري الآن أن أكتب مثل تلك الكلمة، لأنى حرمت من تلك السذاجة، ~~واطلعت من الناس على بلايا ومناكر، يلؤم من بعدها الكريم، وحاشاي! وسأفرض الآن أنى ~~في العهد الأول من عهود الشباب، وأن الناس كما كنت أحسبهم منذ سنين أطهارا بررة، ~~لا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يتقولون الأقاويل، ولأذكر طرفا من ذلك الخطاب: # يا أرباب الجمال! # ما لكم تضنون علينا بما سوف يشبع الدود منه لثما، ويأكله التراب أكلا ~~لما؟ # كم صائن عن قبلة خده # سلطت الأرض على خده # وحامل ثقل الثرى جيده # وكان يشكو الضعف من عقده # أما والله إن أرواحنا لفي حاجة إلى بعض ما تنعم به الوسائد من الخدود، ~~والمراود من الجفون، والمساويك من الثغور، والأمشاط من الشعور، والغلائل ms003 من ~~الأعطاف، والزينة من الأطراف ... فلم تحرموننا في حبنا لكم، وإشفاقا عليكم ~~مما تكرمون به الجمال ليلا ونهارا، على أنه لا يعرف ما حف به من حسن، ~~وأحدق به من جمال؟! # يا أهل الملاحة! # إن الله ما خلقكم كالأزهار، في القفار، تزهر، ثم تذبل، ولا يتمتع أحد ~~بشمها، ولثمها، وإنما خلقكم روحا لكل حي، ونعيما لكل موجود، فاجعلوا لنا ~~منكم حظا، ولا أقل من النظر، فقد خفنا على أرواحنا أن تزهق ببخلكم، وتموت ~~بصدكم، وما الله بغافل عما تعملون؟! # يا أعلام الحسن! # إن كنتم فطرتم على العزة، وجبلتم على النخوة، فهبونا بعض القرب منكم، ~~والأنس بكم، ولكم منا ما تشاءون من ذلة واستكانة، وخضوع وعبودية، وقد ~~عذرناكم لعزكم، فارحمونا لذلنا، وعشقناكم لحسنكم، فاعشقونا لحبنا، فكفى ~~بالحب جمالا وبالعشق زينة، وإن الحب المملول، لخير من الحبيب الملول، فإن ~~أبيتم إلا الصد والقطيعة، والجفاء والإعراض، فإنا نبشركم بأن الحسن حال ~~تحول، ودولة تدول، ثم يحكم الله بيننا وبينكم وهو خير الحاكمين! # أوردية الخدين من ترف الصبا # ويا ابنة ذي الإقدام بالفرس الورد # صلي واغنمي شكرا فما وردة الربى # تدوم على حال ولا وردة الخد # 3 # ولقد يعجب قارئ هذا الخطاب حين يرى كاتبا يعتقد أن الجمال ملك العيون النواظر، ~~وأن البخل به إثم وعقوق، ولكنه لو تروى لعرف أن النفس الطاهرة كثيرة الشطط، وأن ~~صاحبها لا يسلم من الإسراف، ورحم الله ذلك العهد الذي كنت أعيش فيه بأمل غير ~~محدود! # ليالي لا تنجو بنبلي خريدة # وإن عز حاميها وجم عديدها # إذا ما رمتني ذات دل رميتها # بعين لها منها مقيد يقيدها # على أنني لا أمنع أحدا من أن يسيء الظن بما كتبت منذ سنين، فإن الذي يطمع في ~~معرفة النفس البشرية، لا يبخل بوضع نفسه على المشرحة، ليسهل عليه وعلى غيره ~~التحليل، ومثله في ذلك مثل الطبيب المخلص لعلمه، لا يبخل بتضحية نفسه وهو يفحص صرعى ~~السل والتيفوس، فهل يعقل هؤلاء الذين يطيعون أهواءهم، وشهواتهم، فينسون أنفسهم، ~~ويسلقون إخوانهم بألسنة حداد؟ # إن ms004 قليلا من الروية والأناة لكاف لسلامتنا من الزلل والعثار، حين الحكم على ما ~~يعمل الناس وما يقولون. # 4 # وليت الأمر وقف عند هذا الحد، بل أسرف الكاتب حين هم بنشر مدامع العشاق في جريدة ~~الصباح سنة 1922 وافتتحها بهذه الكلمة الجريئة، موجهة إلى إحدى العذارى. # قضي الأمر، وأصبحت حيا كميت، وموجودا كمعدوم! فما ضرني لو أذعت هذا الحب، وما ~~أبقى هواك منى ما أسمع به ملاما أو أرى وجه عذول؟ # على أن قلبي يحدثني بأن الإشادة بما بيننا من هوى قد تزيد حقد الحاقدين، وما إلى ~~ردعهم سبيل! وأنت المعنية بهذا الإشفاق، أما أنا فما كنت لأرهب قوما لا سلاح لهم ~~غير القيل والقال. # فليت رجالا فيك قد نذروا دمي # وهموا بقتلي يا بثين لقوني # إذا ما رأوني طالعا من ثنية # يقولون: من هذا! وقد عرفوني # وبعد فإنه لم يبق ما أسكن إليه في هذا الوجود غير حديث الحب، وبلايا المحبين، وقد ~~رأيت أن أساير شعراء العرب في أعذب ما جرى على ألسنتهم: وهو النسيب، وأن أبدأ ذلك ~~بما انتهوا إليه، وهو الحديث عن الدموع، وما لها من سبب قريب أو بعيد، حتى إذا هدأت ~~ثورة القلب بعد هذا الدمع المسفوح، عدت فصاحبت الشعراء، وذكرت كيف فتكت بهم النظرة ~~الأولى، وبينت مهوى عيونهم، ومصرع قلوبهم، بين الخدود الفواتن، والعيون الفواتك، ~~ولن أتحرج من ذكر ما كان من الوقائع بين الخصر النحيل، والردف الثقيل، وعلي وحدى ~~إثم الفتنة التي ستقيمها هذه الأبحاث الشائقة في صدور الشباب والكهول، ولمن شاء ~~السلامة من القراء أن يكف منذ الآن عن قراءة هذا الحديث. # نصحتك علما بالهوى، والذي أرى # مخالفتي، فاختر لنفسك ما يحلو # 5 # وهذا خطاب أقل ما يؤخذ عليه أنه لا يوجه إلى فتاة، فضلا عما فيه من المجازفة، في ~~حمل إثم الآثمين، وفتك الفاتكين، ولقد آذتني آثامي، فكيف أحمل آصار الناس! # ولم يمر ذلك الخطاب بدون أن تضح له إحدى الجرائد الأسبوعية، وبدون أن ينالني أحد ~~الكتاب بلسان حديد، فكتبت في الرد ms005 عليهم هذه الكلمة القاسية: # في مصر قوم لا يعرفون من الجد غير الغطرسة والكبرياء، والكاتب الجاد في ~~نظرهم هو الرجل السليط، الذي يخيل إليه كما كتب: أنه قسيس في كنيسة حافلة، ~~أو خطيب في مسجد جامع، فهو مسئول عن سرد الرذائل وعد المنكرات! فأما الكاتب ~~المفتون بما أودع الله هذا العالم من روائع الحسن، وبدائع الجمال، فهو في ~~رأيهم كاتب ماجن خليع! # ولا أدرى بماذا يجيب هؤلاء لو سألتهم من خلق هذه الصور الجميلة، التي ~~طارت بألباب الشعراء؟ وصيرتهم في كل واد يهيمون؟ أتراهم يقولون إنها من خلق ~~الله، أم من خلق الشيطان؟ فإذا كانت من خلق الله، فلم ينكرون علينا أن ~~نتغنى بصنعه البديع؟ وإن كانت من خلق الشيطان، فلم لا يمحون الحسن من وجوه ~~الحسان؛ لأنه من عمل الشيطان الرجيم؟ # آمنت بالله وكفرت بما لهم من منطق مقلوب! # يريد جماعة ممن أظلمت الدنيا في وجوههم، وعموا عن صنع الله الذي أتقن كل ~~شيء، ماذا يريدون؟ إنهم يريدون أن أجاريهم في عمايتهم، وأن أسايرهم في ~~جهالتهم، فلا أكتب في غير ما يروقهم من ذم الدنيا، والتبرم بالوجود! ولكني ~~عرفت ما لم يعرفوا من «أفنان الجمال» في هذه الدنيا البديعة التي حملت ~~الغزالي على أن يصرح بأن ليس بالإمكان أبدع مما كان، فعدت خليقا بحمد ~~الحسن، والتقديس له، كلما أمعنوا هم في الجحود! # يقولون إن مدامع العشاق التي أنشرها في جريدة الصباح مما يفسد الشباب، وذلك منهم ~~جهل بأسرار الجمال، وما له من الأثر في تهذيب النفوس، وتثقيف العقول. ويهددون ~~ويوعدون بالويل والثبور، إذا أنا مضيت في هذا البحث الشائق الطريف! فهل حسب هؤلاء ~~السفهاء أني أكتب لهم حتى أنزل عند رأيهم السخيف المأفون! # أبينا أن نطيعكم أبينا # فلا تلقوا نصيحتكم إلينا # ركبنا في الهوى خطرا فإما # لنا ما قد كسبنا أو علينا # ولو لم يرض ربك ما أردنا # لما أعطى لنا أذنا وعينا # فما تسآلكم عن كل صب # كأن لكم على العشاق دينا # 6 # إلى هنا وقف القارئ على ms006 ألوان من الخواطر، مرت بخاطر شاب يهم بالتمرد على ما ألف ~~الناس، وما كنت لأذكر هذه التفاصيل لولا بغضي للرياء، فأنا بصريح القول: موكل ~~بالحسن أتبعه، ومغرم بالتغريد على أفنان الجمال. وإني لأقول: # أشجاك ما خلف الستار وإنما # خلف الستائر لؤلؤ مكنون # والناس في غفلاتهم لم يعلموا # أني بكل حسانهم مفتون # وأقول: # فيا رب إما رمت لي الخير منعما # ففي قرب من أهوى وبعد أخي اللوم # وإن كان لي فيما قضيت مساءة # فحزن على النائين جيرتي القدم # وإن شئت لي يوما جوارك فلأكن # شهيد الجوى لا نضوهم ولا سقم # وطول حسابي في المعاد على الهوى # فطول أحاديث الصبابة من همي # وما كان أغناني عن الفزع إلى حكم الأخلاق، لأرجع الخير والشر إلى النيات، لا إلى ~~الأعمال، فقد آن لنا أن نعرف أن من الحق، بل من الواجب، أن ندرس الجمال، وأن نتغنى ~~به، وأن نصفه بالنثر البليغ، والشعر الجميل، وأن نكتب عمن كلفوا بالحسن: من العشاق، ~~والشعراء. # ولقد يروون عن رسول الله أنه قال: «إن الله ليعجب من شاب لا صبوة له.» وأنا لا ~~أريد أن يعجب الله منى! وسينكر المتعنتون هذا الحديث، وأنا قبلهم لا أجزم بصحته، ~~ولكني أثق بأنه يقرر حقيقة واقعة، فما كان الله ليخلق الجمال لنعمى عنه، أو لنرمي ~~عشاقه بالإثم والفجور، وهؤلاء المتزمتون الأغبياء لا يملون من الدعوة إلى الاستمتاع ~~بجمال الطبيعة، لهم الويل! وهل الإنسان إلا لباب الطبيعة، وسرها المكنون؟! # وماذا أصنع بالأشجار، والأزهار، والثمار، والأنهار، والكواكب، والنجوم، والسهول، ~~والحزون، والجبال، والوديان، والطيور الصوادح، والظباء السوانح؟ # ماذا أصنع بكل أولئك، إذا لم يكن معي إنسان أطارحه القول، وأساجله الحديث، ~~وأساقيه صهباء هذا الوجود؟! # وهذا الإنسان أليس لي الحق في اختياره، قبل اصطفائه؟ وكيف أختاره إن لم أحكم ~~الذوق، في تمييز جسمه وروحه، وعقله وشعوره، وحسه ووجدانه؟ # وما قيمة الليل إن لم تظلني في الحب ظلماؤه؟ وما جمال الأغصان إن لم تهزني إلى ضم ~~القدود، وما حسن الأزهار إن لم تشقني إلى لثم الخدود؟ وكيف ms007 أميل إلى الظباء، لو لم ~~تشبه بعيونها وأجيادها، ما للحسان من أعناق وعيون؟ وكيف أصبو إلى غنة الغزال، لولا ~~ذكرى تلك النبرات العذاب، التي يسمونها السحر الحلال؟ # وأنك لتعلم أيها القمر، كيف كنت أصدف عنك، وأنا أطالع ذلك الوجه، الذي نعمت معي ~~بثغره المفلج، وأنفه الأقنى، وطرفه الأحور، وجبينه الوضاح، وإنك لتعلم أيها القمر، ~~كيف هجرتك حين غاب، وتعلم أني لا أنظر إليك إلا حين السرار، لأرى كيف يفعل الشحوب ~~بك، وكيف تنسال منك الليالي! وإنها لشماتة طفيفة، أحزن من بعدها على خلود متعتك ~~بصباح الوجوه وعلى عودتك لشبابك، في حين أودع كل يوم جزءا من شبابي، ووا حسرتاه ~~على ما أودع من أجزاء الشباب! # لأصبحت نهب الأسى والحزن # لجسم أقام وقلب ظعن # فيا ويحهم يزمعون الرحيل # وما زودوني غير الشجن # دموع تحدر فوق الخدود # كصوب الغمام إذا ما هتن # وقلب يقلب بين الضلوع # بعيد القرار فقيد السكن # وأصبحت والرأس مرعى المشيب # قليل السرور كثير الحزن # لعمري لئن شبت قبل الأوان # لقد شاب حظي وشاب الزمن # كأن الشعور عراها البياض # سهام الردى أو خيوط الكفن # وإن الشباب إذا ما انقضى # لكالحلم أقلع عنه الوسن # 7 # أما بعد فقد أخرجنا للناس كتاب «الأخلاق عند الغزالي» فرمونا من أجله بالكفر، ~~واليوم نخرج لهم مدامع العشاق، وسيرموننا من أجله بالفجور، وسنصبر على عدوانهم حتى ~~نخرج كتاب «آراء الجاحظ الفلسفية والأدبية» وكتاب «أفنان الجمال» ثم نجنح بعد ذلك ~~إلى المتاب! # وقد زعمت ليلى بأني فاجر # لنفسي تقاها أو عليها فجورها # الملحد الفاجر فيما يزعمون «زكى مبارك» # سنتريس في 12 ربيع الأول سنة 1343 هجرية # | مذاهب النسيب # أكثر شعراء العرب من الحديث عن الحب، وعن الحسن وتنوعت مذاهبهم في وصف ما يشقى به المحب، ~~وما ينعم به الحبيب! # ويمكن رجع كلامهم في النسيب إلى أصلين اثنين: # الأول: # وصف ما يلاقي المحبون من عنت الحب، ويدخل في ذلك كل ما يهيج الوجد، ويثير ~~الدمع، كحديث الفراق، والعتاب، والذكرى، والحنين. # الثاني: # وصف ما يرى الشعراء في أحبابهم ms008 من روعة الحسن، ويدخل في ذلك كل ما تتمتع ~~به النفس؛ والعين ، من جمال الأبدان والأرواح، كوصف العيون، والخدود، ~~والثغور، والنحور، والصدور، وكالحديث عن العطف، والرفق، والوفاء ~~والعفاف. # وقد رأيت أن أفصل مذاهب النسيب في وصف ما يشقى به المحبون في كتاب اسميه «مدامع العشاق»، ~~وأن أشرح مذاهبهم في الكلام عن الحسن في كتاب اسميه «أفنان الجمال». # وكان الواجب أن نبدأ بطبع «أفنان الجمال» لأنه أوفى وأمتع، ولأن أفنان الجمال، وجدت قبل ~~مدامع العشاق. # ولكن دولة الحسن لا عدل فيها ولا رحمة، فلنتابعها في الظلم، ولنقدم الفروع على ~~الأصول! # | موجبات الدموع # نذكر في هذا الباب حديث الشعراء عن أسباب البكاء، وموجبات المدامع، ثم ما يعرفون عن ~~احمرار الدموع بعد أن كانت بيضاء، وابيضاضها بعد أن كانت حمراء! # وللدموع أسباب عامة، وأسباب خاصة، فأما الأسباب العامة فهي الحرق الدخيلة، والجوى الدفين، ~~وما إلى ذلك من البث والحزن، واللوعة والحسرة، فمن هذا قول العباس بن الأحنف: # ظلمت عيناك عيني إنها # بادلتها بالرقاد الأرقا # سلط الشوق على الدمع فما # هب داعي الشوق إلا اندفقا # وما كان له أن ينسب إلى عينيها الظلم، لابتلائه بالسهاد. وخير منه قول صريع ~~الغواني: # أسهرتموني أنام الله أعينكم # لسنا نبالي إذا ما نمت من سهرا # ولو قال: # رحمت عيناك عيني إنها # بادلتها بالرقاد الأرقا # لكان أقرب إلى الصدق وعرفان الجميل، فحسب المحب ما أهدته عينا حبيبه من ضنى الجسم، وسهد ~~الجفون. وقال البحتري: # قد أرتك الدموع يوم تولت # ظعن الحي ما وراء الدموع # 1 # عبرات ملء الجفون مرتها # حرق الفؤاد ملء الضلوع # 2 # فرقة لم تدع لعيني محب # منظرا بالعقيق غير الربوع # ولا أدري ما الذي أراده البحتري بما وراء الدموع! أهو الدم الأحمر الذي تجود به الشئون ~~عندما تفيض المدامع، أم هي الحرق الدخيلة التي ينبئ عنها الدمع، ويفصح عن مكنونها البكاء! ~~وقال الشريف الرضي: # يقولون ما أبقيت للعين عبرة # فقلت جوى لو تعلمون أليم # أيسمح جفني بالدموع وأغتدي # ضنينا بها؟ إني إذن للئيم # ولو بخلت عيني ms009 إذن لعتبتها # فكيف ودمع الناظرين كريم # ولعل هذا خير ما قيل في الاعتذار عن البكاء، بذكر موجبه، والداعي إليه، وإنه لشعر بديع. ~~أما الأسباب الخاصة فهي كثيرة، فمن العشاق من يبكي لتلمس الأخبار، كما قال ابن هرم. # وأستخبر الأخبار من نحو أرضها # وأسأل عنها الركب عهدهم عهدي # فإن ذكرت فاضت من العين عبرة # على لحيتي نثر الجمان من العقد # وإني ليروقني قوله: (وأسأل عنها الركب عهدهم عهدي) فإنه يدل على حيرة ووله، إذ كان يسأل من ~~لا يعلم من أخبارها شيئا، استرواحا بالسؤال عنها، وكذلك يفعل المشوق! ولا يبعد أن يستنكر ~~الغواني فيض الدموع على اللحية في هذا الشعر؛ لأن الأمر كما قال أبو تمام: # أجلى الرجال من النساء مواقعا # من كان أشبههم بهن خدودا # وقاتل الله الشيب، ولا عفا عن جنايته على الشباب! # ومنهم من يبكي عند ظهور المعالم، أو مطالعة الرسوم، كما قال ابن الدمينة: # هل الحب إلا زفرة بعد زفرة # وحر على الأحشاء ليس له برد # وفيض دموع العين يا مي كلما # بدا علم من أرضكم لم يكن يبدو # وما كان الحب زفرة ولا عبرة، كما قال ابن الدمينة - ولكنه شيء به الروح تكلف - وما أحسن ~~قول ابن أسباط القيرواني: # قال الخلي الهوى محال # فقلت لو ذقته عرفته # فقال على غير شغل قلب # إن أنت لم ترضه صرفته # وهل سوى زفرة ودمع # إن لم ترد جريه كففته # فقلت من بعد كل وصف # لم تعرف الحب إذ وصفته # ومنهم من يبكي عند الوقوف بالرياض، إذ تذكره رشاقة أغصانها، وحمرة أزهارها، بالقدود ~~الرشيقة، والخدود الوردية، كما قال ابن المعتز: # وقفت بالروض أبكي فقد مشبهه # وقد بكت بدموعي أعين الزهر # لو لم تعرها الجفون الدمع تسفحه # لرحمتي لاستعارته من المطر # وهذا نوع من الإسعاد ما عرفه الناس قبل ابن المعتز فيما أعلم! وإنما كانت تسعد الحمائم ~~ويبكي الرفيق. # 3 # ومن الشعراء من يبكي عند هبوب النسيم، كما قال بعض الأعراب: # لعمرك ما ميعاد عينيك والبكا # بدراء إلا أن تهب جنوب ms010 # أعاشر في (داراء) من لا أحبه # وبالرمل مهجور إلي حبيب # 4 # إذا هب علوي الرياح وجدتني # كأني لعلوي الرياح نسيب # 5 # ومنهم من يبكي لبكاء الحمائم، وهو كثير في كلامهم. ولعل من أبدعه وأروعه قول الشبلي يصف ~~شجو حمامة هاجت شجوه: # رب ورقاء هتوف في الضحى # ذات شجو صدحت في فنن # 6 # ذكرت إلفا وعيشا سالفا # فبكت حزنا فهاجت حزني # فبكائي ربما أرقها # وبكاها ربما أرقني # ولقد تشكو فما أفهمها # ولقد أشكو فما تفهمني # غير أني بالجوى أعرفها # وهي أيضا بالجوى تعرفني # أتراها بالبكا مولعة # أم سقاها البين ما جرعني # وهذه الأبيات من أحسن الشعر تقسيما، وأبرعه تصويرا، ولقد افتتح بها الشيخ على الجارم ~~خطبته في تأبين المرحوم الشيخ حمزة فتح الله فخرج الناس وهم يقدمونه على سائر الشعراء، ~~ظنا منهم أنها له، ولولا الجهل بتاريخ الآداب العربية لما عاش الأحياء على حساب الأموات، ~~من حيث لا يشعر الناس! # ومما ابتدعه المتأخرون في موجب البكاء، ما جعله بعضهم عقابا للعين، جزاء بما أهدت ~~نظراتها للقلب من شجى، والجسم من نحول، فقال: # لأعذبن العين غير مفكر # فيما جرت بالدمع أو سالت دما # ولأهجرن من الرقاد لذيذه # حتى يعود على الجفون محرما # هي أوقعتني في حبائل فتنة # لو لم تكن نظرت لكنت مسلما # سفكت دمي فلأسفحن دموعها # وهي التي بدأت فكانت أظلما # وهو مذهب غريب، يدل على مبلغ صاحبه من إدراك الحسن، وفهم الجمال! وإلا فأي عاشق يذكر ~~جناية النظر عليه، ولا يدعو لعينيه بطول البقاء. ولله در القائل: # قالت أترقد إذ غبنا؟ فقلت لها # نعم، وأشفق من دمعي على بصري # ما حق طرف هداني نحو حسنكم # أني أعذبه بالنوح والسهر # ومنهم من جعل الدمع غسلا للعين مما زنت بالنظر، فقال: # وقائلة ما بال عينك مذ رأت # محاسن هذا الظبي أدمعها هطل # فقلت زنت عيني بطلعة وجهه # فحق لها من فيض مدمعها غسل # وقال الآخر: # إنسانة فتانة # بدر الدجى منها خجل # إذا زنت عيني بها # فبالدموع تغتسل # وهو خيال فقهاء، لا خيال ms011 شعراء! # وقد نظر الأرجاني إلى قول أبي تمام: # بسطت إليك بنانة أسروعا # تصف الفراق ومقلة ينبوعا # 7 # كادت لعرفان النوى ألفاظها # من رقة الشكوى تكون دموعا # فولد منه معنى لطيفا، إذ جعل دموعه عند الفراق، وقد تحدرت كاللآلئ بقية ما نفثه المودعون ~~في آذانه من حديث هو الدر النفيس. وذلك قوله: # لم يبكني إلا حديث فراقهم # لما أسر به إلي مودعي # هو ذلك الدر الذي أودعته # في مسمعي ألقيته من مدمعي ~~••• # أما السبب في احمرار الدموع فلم أجد فيه أبلغ من قول صردر: # حتام أرعى وردة لا تجتنى # في الخد أو تفاحة لا تلثم # أيذاد عن تلك المحاسن ناظري # ويريد مني أن يسوغها الفم # في كل يوم للعيون وقائع # إنسانها الطماح فيها يكلم # لو لم تكن جرحى غداة لقائهم # ما كان يجري من مآقيها الدم # لم أدر أن الحب حومة مأزق # تصلى ولا أن اللواحظ أسلم # وهو مأخوذ بلطف من قول مسلم بن الوليد: # يا واشيا حسنت فينا إساءته # نجى حذارك إنساني من الغرق # إني أصد دموعا لج سائقها # مطروفة العين بالمرضى من الحدق # ويرى القارئ أن أصحاب هذه الأخيلة الشعرية، يرون أن احمرار الدموع إنما هو أثر للحرب ~~القائمة بين عين العاشق وعين المعشوق، فيا لها من حرب شروس تطأ فيها أقدام الجنس اللطيف ~~أعناق الجنس النشيط. وإنا بهذه الهزيمة لفرحون! # وكان عجيبا أن تبيض الدموع بعد احمرارها! وقد رأينا كيف أولوا احمرار الدموع، ولنذكر أن ~~أصدقهم سبط بن التعاويذي حين يقول: # أتبعتهم يوم استقل فريقهم # نظر المشوق وأنة المفجوع # لم تبك يوم فراقهم عيني دما # إلا وقد نزف البكاء دموعي # والآن نريد أن نعرف كيف يتأولون ابيضاض الدموع بعد أن صيرها الحزن حمراء. فمن الشعراء من ~~يرى الدمع الأبيض ماء ورد الخدود التي قطفها بعينيه. # عند الرحيل، كما قال بعض الظرفاء: # كانت دموعي حمرا يوم بينهم # فمذ نأوا قصرتها بعدهم حرقي # قطفت باللحظ وردا من خدودهم # فاستقطر البين ماء الورد من حدقي # ومنهم من جعله شيبا للدموع بعد ms012 طول عمر البكاء كقوله: # قالت عهدتك تبكي # دما لطول التنائي # فلم تعوضت عنا # بعد الدماء بماء # فقلت ما ذاك مني # لسلوة وعزاء # لكن دموعي شابت # لطول عمر بكائي # وأشجى منه قول الآخر: # وقائلة ما بال دمعك أبيضا # فقلت لها يا عز هذا الذي بقي # ألم تعلمي أن البكا طال عمره # فشابت دموعي مثلما شاب مفرقي # وعما قليل لا دموعي ولا دمي # ترين ولكن لوعتي وتحرقي # وهذه الأبيات من أكثر الشعر حزنا، وأغزره دمعا، وهل تجد أدعى للشجو والبث من ~~قوله: # فقلت لها يا عز هذا الذي بقي! # ويذكرني هذا بقول الشريف الرضي في إتيان الدموع على العيون، والغليل على الضلوع: # محا بعدكم تلك العيون بكاؤها # وغال بكم تلك الأضالع غولها # فمن ناظر لم يبق إلا دموعه # ومن مهجة لم يبق إلا غليلها # دعوا لي قلبا بالغرام أذيبه # عليكم وعينا في الطلول أجيلها # ويذكر الشعراء أن الدموع حين تبيض بعد احمرارها تكون أرق من الهواء، ولهم في ذلك فنون من ~~القول، وشجون من الحديث، وأجمل ما رأيت في ذلك قول خالد الكاتب في رفق عذاله به، وإسعادهم ~~له: # بكى عاذلي من رحمة فرحمته # وكم مسعد لي في الهوى ومعين # ورقت دموع العين حتى كأنها # دموع دموعي لا دموع جفوني # | عذر أرباب الدموع # لا تعذل المشتاق في أشواقه # حتى يكون حشاك في أحشائه # إن القتيل مبللا بدموعه # مثل القتيل مضرجا بدمائه # نذكر هنا ما يعتذر به الباكون عن بكائهم، وما يحتجون به لدى عذالهم. وهو نوع من الإفصاح ~~عن موجب الدمع، وداعي البكاء. والشعراء فيه رجلان: رجل غلبه الحب، وقهرته الصبابة، فباح ~~بمكنون سره، ومكتوم حبه. ورجل تخوف الرقباء، وتهيب العذال، فأخذ يختلق العلل، وينتحل ~~الأسباب، دفعا لكيد الواشين، ودرءا لعذل اللائمين ... فمن الأول قول البحتري: # سارت مقدمة الدموع وخلفت # حرقا توقد في الحشا ما ترحل # إن الفراق كما علمت فخلني # ومدامعا تسع الفراق وتفضل # إلا يكن صبر جميل فالهوى # نشوان يجمل فيه ما لا يجمل # وحسن البيت الأول في خلود اللوعة، ms013 وبقاء الغليل! وهو خير من قول ذي الرمة: # لعل انحدار الدمع يعقب راحة # من الوجد أو يشفي شجي البلابل # والبيت الأخير أروع من قول أبي تمام في نفس المعنى: # والصبر أجمل غير أن تلددا # في الحب أحرى أن يكون جميلا # وقال البحتري في الاعتذار عن البكاء: # لا تلمني على البكاء فإني # نضو شجو ما لمت فيه البكاء # عذلا يترك الحنين أنينا # في هوى يترك الدموع دماء # كيف أغدو من الصبابة خلوا # بعدما راحت الديار خلاء # ومن بديع الاعتذار عن البكاء قول خالد الكاتب: # عش فحبيك سريعا قاتلي # والضنى إن لم تصلني واصلي # ظفر الحب بقلب دنف # فيك والسقم بجسم ناحل # فهما بين اكتئاب وضنى # صيراني كالقضيب الذابل # وبكى العاذل لي من رحمة # فبكائي لبكاء العاذل # وهذا معنى جميل، لا ينقص غير القرب من الحقيقة: فقد يندر أن يبكي اللائمون رفقا بالمحب ~~الحزين! # ومما انتحل فيه الشعراء للبكاء أسبابا غير أسبابه قول كثير: # إذا زرفت عيناي أعتل بالقذى # وعزة لو يدري الطبيب قذاهما # وهو نوع من الكتمان يفزع إليه الشعراء عند اليأس من أحبابهم: # يأس يحسن لي التستر فاعلمي # لو كنت أطمع فيك لم أتستر # ومن طريف هذا النوع قول أبي العتاهية يعتذر عن بكائه، وقد استحيا من صديقه: # كم من صديق لي أسا # رقه البكاء من الحياء # فإذا تأمل لامني # فأقول ما بي من بكاء # لكن ذهبت لأرتدي # فطرفت عيني بالرداء # | الاكتفاء بالدموع # هو نوع من القناعة في الحب يكون عند القنوط، ومن جيد الشعر فيه قول بعض الأعراب: # فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها # فلن تمنعوا مني البكا والقوافيا # فهلا منعتم إذ منعتم حديثها # خيالا يوافيني على النأي هاديا # وهى سذاجة طريفة تذكرنا بقول جحدر وهو في السجن: # أليس الليل يجمع أم عمرو # وإيانا فذاك لنا تداني # نعم وأرى الهلال كما تراه # ويعلوها النهار كما علاني # وما الذي يضير أعداء المحب من أن يرى القمر كما تراه، ويعلوها النهار كما علاه، ما داموا ~~قد أبعدوه عنها، وحرموه منها. وقد تنبه ms014 بعض الأعراب إلى تفاهة هذه القناعة فقال: # بربك هل ضممت إليك ليلى # قبيل الصبح أو قبلت فاها # وهل رفت عليك فروع ليلى # رفيف الأقحوانة في شذاها # على أنه لا ينبغي ألا ينسينا جمال هذا الخيال ما في شعر جحدر وأمثاله من روعة الصدق، ~~وجلال الوفاء. وماذا عسى أن تكون الصبابة إن لم يصبح البكاء أشهى من الحديث المعسول، حين ~~يغدو المحب ولا أمل له في غير الوجد المشبوب، والدمع المسكوب، والصبر المغلوب! # من أجل هذا نخالف أستاذنا الجليل الشيخ سيد المرصفي، ونرجوه أن يصفح عن إعجابنا بقول قيس ~~بن ذريح في الاكتفاء بدمعه الدائم، وحزنه المقيم: # فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها # مقالة واش أو وعيد أمير # فلن يمنعوا عيني من دائم البكا # ولن يذهبوا ما قد أجن ضميري # إلى الله أشكو ما ألاقي من الهوى # ومن كرب تعتادني وزفير # ومن حرق للحب في باطن الحشا # وليل طويل الحزن غير قصير # سأبكي على نفسي بعين قريحة # بكاء حزين في الوثاق أسير # وكنا جميعا قبل أن تظهري النوى # بأنعم حالي غبطة وسرور # فما برح الواشون حتى بدت لنا # بطون الهوى مقلوبة لظهور # لقد كنت حسب النفس لو دام وصلنا # ولكنما الدنيا متاع غرور # وتمتاز هذه القطعة بتصويرها للنفس الإنسانية أجمل تصوير، وتمثيلها أدق تمثيل. ألم تر إلى ~~الشاعر وقد أوجز في قناعته بالبكاء، ثم انطلق يشكو إلى الله لوعته، وحرقته، ولياليه الطوال! ~~ألم تر إليه وقد كان يحسب الدمع نعمة سابقة يكبت بخلودها الأعداء، فعاد يرى الدمع آية الذل ~~والمسكنة، وآخر ما يفزع إليه الأذلاء المساكين! # | الفزع إلى الدموع # قال أبو بكر بن عياش: نزلت بي مصيبة أوجعتني فذكرت قول ذي الرمة: # لعل انحدار الدمع يعقب راحة # من الوجد أو يشفي شجي البلابل # فخلوت فبكيت فسلوت! ولست أدري كيف تذهب بالوجد زفرة، أو تودي به عبرة، وهو كما ~~قيل: # ظن الهوى لبسة تبلى فيخلعها # فكان في الروح مثل الروح في البدن # وكنت أسمي هذا النوع من الشعر استشفاء بالدموع، وفقا لما ms015 يجنح إليه الشعراء، ولكني رأيت ~~أن أسميه «فزعا إلى الدموع» حين تبينت أن الدمع لا يطفئ اللوعة، وأنه نار حامية، لا برد ~~وسلام! # وهل تجد أدعى للبث، وأجلب الحزن، من قول كثير، وقد ترحلت حبيبته: # كفي حزنا للعين أن رد طرفها # لعزة عير آذنت برحيل # وقالوا نأت فاختر من الصبر والبكا # فقلت البكا أشفى إذن لغليلي # توليت محزونا وقلت لصاحبي # أقاتلتي ليلى بغير قتيل # وما اختار البكاء لأنه أشفى للغليل كما قال، ولكنه اختاره ليفر من الصبر الذي رآه مر ~~المذاق! وقد حسب بعض الشعراء أن التفضيل بين الصبر والبكاء مما ينال، وفي ذلك يقول: # إذا ما دعوت الصبر بعدك والبكا # أجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر # وهو ضلال مبين: فإن البكاء لا ينتظر دعوة المخزون، ولكنه ينقض عليه انقضاض الصاعقة، فإذا ~~هو صريع! وأمثال هذا الشاعر لا يتحدثون عن حزنهم الأليم، ولكنهم يمنون على أحبابهم بهذا ~~الدمع المجلوب. # ومن الشعراء من تنبه إلى أن السلامة من الجوى أمضى من الجوى، وهؤلاء يبكون وجدهم الذاهب ~~وضلالهم القديم «ومن أسماء الحب الضلال»، ومن مختار الشعر في هذا البكاء قول ~~المتنبي: # يراد من القلب نسيانكم # وتأبى الطباع على الناقل # ولو زلتم ثم لم أبككم # بكيت على حبي الزائل # وأوجع منه قول البحتري: # وأود أني ما قضيت لبانتي # منكم ولا أني شفيت غليلي # وأعد برئي من هواك جناية # والبرء أعظم غاية المخبول # ذلك بأن القلب الجريح لا يجد شفاءه في السلوة، ولا في البكاء ... وهل السلوة إلا رزء جديد ~~يقصم الظهر، ويقصف العمر؟ أرأيت آدم وقد خرج من الجنة؟ أليست لوعته على ذلك الفردوس الضائع، ~~هي سر ما يعتادنا من أنين قد لا نعرف له سببا قريبا؟ وهل البكاء إلا أثر من آثار الوجد ~~يخشع لرهبته غلاظ الأكباد، ويرق له قساة القلوب؟ # تلك حسرة البحتري أفصح عنها بقوله: # وأود أني ما قضيت لبانتي # منكم ولا أني شفيت غليلي # فما الذي جعله يرجو من الدمع الشفاء حين يقول: # قف مشوقا أو مسعدا أو حزينا ms016 # أو معينا أو عاذرا أو عذولا # وخلاف الجميل قولك للذا # كر عهد الأحباب صبرا جميلا # عل ماء الدموع يخمد نارا # من جوى الحب أو يبل غليلا # وبكاء الديار مما يرد الشو # ق ذكرا والحب نضوا ضئيلا # لم يكن يومنا طويلا بنعما # ن ولكن كان البكاء طويلا # إن فهم ذلك يحتاج إلى تأمل النفس البشرية: فهي ليست موحدة المشاعر والميول. ولو جاز أن ~~تجد نفسا خالدة الألم لفقد شقيقتها في عالم النفوس، لجاز أيضا أن تكون في لوعتها الخالدة ~~ذات تصاريف في الشكوى والأنين! وليس طلب السلوة إلا صرخة الوجد يعجز عن كبحها المتيم ~~العاني: ومن الذي يحرم على شقي أن يلتمس إلى السعادة السبيل؟ ومتى كان المحبون سعداء حتى ~~يكون طلب الخلاص من بلواهم كفرا بنعمة الحب التي ابتلى الله بها أولئك الشهداء؟! وقد يحسن ~~أن ننشد القارئ قول البحتري نفسه: # قد كان مني الوجد غب تذكر # إن كان منك الصد غب تناسي # تجري دموعي حيث دمعك جامد # ويرق قلبي حيث قلبك قاسي # ألا تراه جعل الوجد أثرا للتذكر الذي حسب البكاء يفضي إليه فيريحه من الشوق في ~~قوله: # وبكاء الديار مما يرد الشو # ق (ذكرا) والحب نضوا ضئيلا # فهو يجعل الذكر دواء تارة، ويجعله داء تارة أخرى! ولسنا نتخذ من ذلك دليلا يرضاه المنطق ~~عن خلود الصبابة، والعالم كله لن يرزق الخلود، ولكنا نستدل به على الحيرة يرزأ بها المتيم ~~المحزون، فما يدري أيشفيه الدمع، أم يزيد لوعته اضطراما. # على أنه لا عيب على الشاعر في أن «تتناقض» خواطره؛ لأن الشعر كالمرآة، والنفس دنيا ثانية، ~~تتراءى صورها المختلفة، في لوحة الشعر الجميل. # | الدمع عند الوداع # نذكر هنا نماذج من وصف الدموع عند الفراق، فمن ذلك قول ابن الرومي: # لو كنت يوم الفراق حاضرنا # وهن يطفين غلة الوجد # لم تر إلا دموع باكية # تقطر من مقلة على خد # كأن تلك الدموع قطر ندى # يقطر من نرجس على ورد # وقد يؤخذ على هذه الأبيات ما فيها من الغزل في غير حينه، ms017 وهو قول أبي نواس في ~~جنان: # يا قمرا أبصرت في مأتم # يندب شجوا بين أتراب # يبكي فيذري الدر من نرجس # ويلطم الورد بعناب # والأدباء يرون هذا من وثبات الخيال، ونراها أخيلة عادية ليس لها جمال خاص، فقد يجد الشاعر ~~في الجميلة الباكية ما ينسيه وصف طرفها الساحر وخدها الأسيل! وقد أجاد ابن الرومي أو كاد في ~~قوله: # تلاقينا لقاء لافتراق # كلانا منه ذو قلب مروع # فما افترت شفاه عن ثغور # بل افترت جفون عن دموع # ومما جمع بين براعة التصوير، ومتانة التعبير، قول المتنبي: # لما تقطعت الحمول تقطعت # نفسي أسى وكأنهن طلوح # وجلا الوداع من الحبيب محاسنا # حسن العزاء وقد جلين قبيح # فيه مسلمة، وطرف شاخص # وحشا يذوب ومدمع مسفوح # يجد الحمام ولو كوجدي لانبرى # شجر الأراك مع الحمام ينوح # وقال مهيار في الاعتذار عما للمودع من الزفرات والعبرات: # دعوني فلي إن زمت العيس وقفة # أعلم فيها الصخر كيف يلين # وخلوا دموعي أو يقال نعم بكى # وزفرة صدري أو يقال حزين # فلولا غليل الشوق أو دمعة النوى # لما خلقت لي أضلع وجفون # وهي مدافعة حسنة تذكرنا بقول صردر: # إذا لم أفز منكم بوعد فنظرة # إليكم فما نفعي بسمعي وناظري # وقال السري الرفاء في ذكر مظاهر الوداع: من اللوعة، والحنين، وتخديد الخد بالدمع، مع ذهاب ~~العزاء: # وقفتنا النوى على الكره منا # موقفا ضم شائقا ومشوقا # حال ورد الخدود فأضحى الن # رجس الغض بالدموع غريقا # لوعة أفرطت فعادت حريقا # وحنين أربى فعاد شهيقا # وخليق بلوعة الحب صب # لم يكن بالعزاء فيه خليقا # ومن شجي الشعر في ذلك قول الشريف الرضي: # ولما تواقفنا ذهلت ولم يحن # لطير قلوب العاشقين وقوع # عشية لي من رقبة الحي زاجر # عن الدمع إلا أن تشذ دموع # وقد أمرت عيناك عيني بالبكا # فقل لي أي الآمرين أطيع # ولهذا الشعر مزية خاصة: وهي ترتيب المعاني ترتيبا لولا حيرة المودع لكان غاية في الوضوح. ~~ولا يفوتنا أن نذكر هنا قول ابن زريق: # ودعته وبودي لو يودعني # صفو الحياة وأني لا ms018 أودعه # وكم تشفع بي أن لا أفارقه # وللضرورات حال لا تشفعه # وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى # وأدمعي مستهلات وأدمعه # ومن الشعراء من يفرح بالوداع، إذ يمكنه من معشوقة قد لا تراها العين إلا عند الرحيل. فمن ~~ذلك قول البحتري: # إن للبين نعمة لا تؤدى # ويدا في تماضر بيضاء # حجبوها حتى بدت لفراق # كان داء لعاشق ودواء # أضحك البين يوم ذاك وأبكى # كل ذي صبوة وسر وساء # فجعلنا الوداع فيه سلاما # وجعلنا الفراق فيه لقاء # وفي هذا المعنى يقول بعض الظرفاء: # لم أنس إذ ودعته والتقى # ذا البدن الناعم والناحل # كأنما جسمي على جسمه # غصنان ذا غض وذا ذابل # يا رب ما أطيب ضمي له # إلي لولا أنه راحل! # وقد ألم الشريف بهذا المعنى في هذه الأبيات: # أفي كل يوم لفتة ثم عبرة # على رسم دار أو مطي موقف # وركب على الأكوار يثني رقابهم # لداعي الصبا عهد قديم ومألف # فمن واجد قد ألزم القلب كفه # ومن طرب يعلو اليفاع ويشرف # ومستعبر قد أتبع الدمع زفرة # تكاد لها عوج الضلوع تثقف # قضى ما قضى من أنة الشوق وانثنى # بدار الجوى والقلب يهفو ويرجف # ولم تغن حتى زايل البعد بيننا # وحتى رمانا الأزلم المتغطرف # 1 # كأن الليالي كن ألين حلفة # بألا يرى فيهن شمل مؤلف # أيا وقفة التوديع هل فيك راجع # إشارته ذاك البنان المطرف # وهل مطمعي ذاك الغزال بلفتة # وإن ثور الركب العجال وأوجفوا # 2 # وهذه الأبيات وصف سابغ للمرور بمنازل الأحباب، ولكن فيها تصويرا لانتهاب الحسن عند ~~الوداع، وإمتاع العين باللفتة وإشارة البنان، وليست هذه المتعة بالشيء القليل! # | الدمع بعد الفراق # ذكرنا في الكلمة السالفة مذاهب الشعراء في وصف الوداع، واليوم نذكر من شعرهم في الدمع بعد ~~الفراق، فمن ذلك قول دعبل في راحلين ما يدري أيلقاهم وهو حي، أم ينتظرهم في عالم ~~البقاء: # ألم يأن للسفر الذين تحملوا # إلى وطن قبل الممات رجوع # فقلت ولم أملك سوابق عبرة # نطقن بما ضمت عليه ضلوع # تبين فكم دار تفرق شملها # وشمل ms019 شتيت عاد وهو جميع # طوال الليالي صرفهن كما ترى # لكل أناس جدبة وربيع # ويذكر صاحب «مواسم الأدب» أن المأمون كان يعجب بهذه الأبيات، وكذلك كان المؤلفون «يسجلون» ~~إعجاب الملوك بما يقول الشعراء، كأن الشعر «نقود» لا يتداولها الناس إلا إن حملت شارات ~~الملوك! على أن من العدل أن نذكر بهذه المناسبة أن إقبال المأمون على الشعر الجيد، وتشجيعه ~~للشعراء المجيدين، كان مما رفع الأدب ونهض بالأدباء. وهناك ظاهرة أخرى لإعجاب المأمون بهذه ~~القطعة الوجدانية، هي إقبال كرائم النفوس على مناهل الوفاء، وإن أسبغت عليها نعمة العلم ~~والجاه! ولنا أن نقول: إن في عجز العلم والملك عن قتل الحب في صدور الملك والعلماء لدليلا ~~على أن نعم الوجود تتلاشى أمام هذه النعمة الساحرة، القاهرة، نعمة الجمال! وفي الفزع من ~~الموت قبل اللقاء، يقول الطغرائي: # إني لأذكركم وقد بلغ الظما # مني فأشرق بالزلال البارد # وأقول ليت أحبتي عاينتهم # قبل الممات ولو بيوم واحد # وللشريف الرضي في الوجد بعد الفراق شعر باك حزين كقوله: # الدمع مذ بعد الخليط قريب # والشوق يدعو والزفير يجيب # إن لم تكن كبدي غداة وداعكم # ذابت فأعلم أنها ستذوب # داء طلبت له الأساة فلم يكن # إلا التعلل بالدموع طبيب # إما أقمت فإن دمعي غالب # لعواذلي وتجلدي مغلوب # ومن الشعراء من ينفد دمعه، فيوصي بالبكاء عنه، كما قال الشريف: # أيها الرائح المغذ تحمل # حاجة للمتيم المشتاق # اقر عني السلام أهل المصلى # فبلاغ السلام بعض التلاقي # وإذا ما مررت بالخيف فاشهد # أن قلبي إليه بالأشواق # وإذا ما سئلت عني فقل نض # و هوى ما أظنه اليوم باق # ضاع قلبي فانشده لي بين جمع # ومنى عند بعض تلك الحداق # وابك عني فطالما كنت من قب # ل أعير الدموع للعشاق # وتذكرنا هذه الأبيات بقول عبد الرحمن الداخل: # أيها الراكب الميمم أرضي # اقر من بعضي السلام لبعضي # إن جسمي كما علمت بأرض # وفؤادي ومالكيه بأرض # قدر البين بيننا فافترقنا # وطوى البين عن جفوني غمضي # قد قضى الله بيننا بافتراق # فعسى باجتماعنا سوف يقضي # ومن ms020 الشعراء من يبكي في القرب والبعد، كما قال بعض الظرفاء: # وما في الأرض أشقى من محب # وإن وجد الهوى حلو المذاق # تراه باكيا في كل حال # مخافة فرقة أو لاشتياق # فيبكي إن نأوا شوقا إليهم # ويبكي إن دنوا خوف الفراق # فتسخن عينه عند التنائي # وتسخن عينه عند التلاقي # وليس لنا إلا أن نذكر أمثال هذا الشاعر بما قاله الأخطل لعبد الملك بن مروان وقد سأله كيف ~~تشرب الخمر، وأولها مر، وآخرها سكر؟ فقال: صدقت يا أمير المؤمنين! ولكن بين السكر والمرارة ~~لحظة دونها ملكك الطويل العريض! # وبين دموع التلاق، ودموع الفراق، لحظة دونها حياة الأبرار في جنات النعيم! # ومن الشعراء من يتوجع على عهده قبل الفراق، كقول الشريف: # هل عهدنا بعد التفرق راجع # أو غصننا بعد التسلب مورق # شوق أقام وأنت غير مقيمة # والشوق بالكلف المعنى أعلق # ما كنت أحظى في الدنو فكيف بي # واليوم نحن مغرب ومشرق # وفي البيت الأخير حسرة تذيب لفائف القلوب. # وقد أجاد الأرجاني في وصف اليأس بعد الفراق، حين قال: # رحلوا: أمام الركب نشر عبيرهم # ووراءهم نفس المشوق الصادي # فكأن هذا من وراء ركابهم # حاد لها وكأن ذلك هادي # لله موقف ساعة يوم النوى # بمنى وأقمار الحدوج بواد # لما تبعت وللمشيع غاية # أظعانهم وقد امتلكن قيادي # اتبعتهم عيني وقلبي واقفا # فوق الثنية والمطي غواد # كيف السبيل إلى التلاقي بعدما # ضرب الغيور عليه بالأسداد # والحي قد ركزوا الرماح بمنزل # فيه الظباء ربائب الآساد # وعد المنى بهم فقلت لصاحبي # كم دون ذلك من عدى وعواد # عهدي بهم وهم بوجرة جيرة # سقيت عهودهم بصوب عهاد # فاليوم من نفس النسيم إذا سرى # نبغي شفاء علائل الأكباد # ومن العشاق من يقف بالديار فيبكي لما صنعت بها أيدي الفراق حين نفرت عنها الظباء، كسبط ~~ابن أسابذي حين يقول: # يا موقفا بالبان لم تثمر لنا # غير الصبابة والأسى شجراته # هل نفرت لا نفرت غزلانه # أو صوحت لا صوحت باناته # عهدي به يلوي الديون قضاته # وتصيد ألباب الرجال مهاته # فاليوم لا جيرانه جيرانه ms021 # قدما ولا فتياته فتياته # يا حادي الأظعان في آثاركم # قلب تقطعه جوى حسراته # ولقد يرى ثبت الحصاة فما له # أمست تذوب على البعاد حصاته # 1 # | شكوى الصبابة # نظرت ما قال الشعراء في الشكوى فإذا هم مختلفون: فمنهم من يشكو إلى من يعلم السر والنجوى، ~~ومن يقدر على تصريف الخواطر، وتقليب القلوب. # ألان لداود الحديد بقدرة # مليك على تيسير قلبك قادر # وهؤلاء أصدق الناس حبا وأحسنهم إيمانا، وسيدهم أبو صخر الهزلي حين يقول: # بيد الذي شغف الفؤاد بكم # تفريج ما ألقى من الهم # فإنه جعل الهوى قدرا، وجعل الأمر في تيسير قلب من يهوى وتذليله للذي خلق الحب، وأودع ~~الذل فيه. ولم أجد في هذا المعنى أوجع من قول قيس بن زريح: # إلى الله أشكو فقد لبنى كما شكا # إلى الله بعد الوالدين يتيم # يتيم جفاه الأقربون فدمعه # غزير وعهد الوالدين قديم # وإذا كان محالا أن يجد المرء بعد أبويه من يعوله، ويحدب عليه، ويمنحه من العطف والحنان ~~ما كان جديرا أن يفوز به لو عاش أبواه، فكذلك لا يجد قيس من بين النساء من تبره بر لبنى، ~~وهذا وجه الحسن في هذين البيتين، اللذين يفيضان نارا وحرقة. وقال ابن المعتز: # إلى الله أشكو الشوق لا إن لقيتها # يقل ولا إن بنت يخلقه الدهر # مقيم على الأحشاء قد قطعت به # فساعته يوم وليلته دهر # ولم يذكر الشاعر هنا من موجب الشكوى غير فرط حبه، وخلود وجده، وإنما يشكو المحب قسوة ~~الهجر، ومرارة الصدود. وقال معين الدين الخطيب في الشكوى من لوعته وحسن محبوبه: # أشكو إلى الله من نارين واحدة # في وجنتيه وأخرى منه في كبدي # ومن سقامين سقم قد أحل دمي # من الجفون وسقم حل في جسدي # وهذا شعر منتقد؛ فإنه إذا صح أن يشكو المحب إلى الله سقمه ووجده، أملا في الراحة من ~~بلاء الحب، فما الذي يريده بشكوى السقم في جفن محبوبه والنار في خديه؟ وقد أجاد أو قارب في ~~قوله: # ومن نمومين دمعي حين أذكره # يذيع سري وواش ms022 منه للرصد # ومن ضعيفين صبري حين يهجرني # ووده، ويراه الناس طوع يدي # فإنه لا بأس من شكوى الواشي والود الضعيف! # ومن المحبين من يشكو إلى المعاهد والرسوم، وهو نوع من الوله، وصنف من الصبابة، تقر به عين ~~المحب، وتطيب به نفس المشوق، كقول ابن المعتز: # أيا سدرة الوادي على المشرع العذب # سقاك حيا حي الثرى ميت الجدب # كذبت الهوى إن لم أقف أشتكي الهوى # إليك وإن طال الطريق على صحبي # أصانع أطراف الدموع ومقلتي # موقرة بالدمع غربا على غرب # وهل هي إلا حاجة قضيت لنا # ولوم تحملناه في طاعة الحب # تبدلت شيبا بالشباب فإن تطر # شياطين لذاتي يقعن على قرب # ومنهم من يشكو إلى المسعد والرفيق، وهو أصل هذا الباب، ومنه هذا البيت السائر: # ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة # يواسيك أو يسليك أو يتوجع # ويعجبني في هذا المعنى قول البهاء زهير: # أين من يرحمني أشكو له # إنما الشكوى إلى من يرحم # أنا من قلبي ومنها آيس # لم يكن من مقلتيها يسلم # أيها السائل عن وجدي بها # إنه أعظم مما تزعم # ولقد حدثت عن شرح الهوى # أنت يا رب بحالي أعلم # طال ما ألقاه من نار الجوى # وحديثي لك يا من يفهم # عشق الناس ومثلي لم يكن # فاعلموا أني فيهم علم # سطرت قبلي أحاديث الهوى # وبمسك من حديثي تختم # وهذا شعر يشف عن كثير من سلامة الذوق، وخفة الروح، ولعلك لا تجد أظرف من قوله: # أين من يرحمني أشكو له # إنما الشكوى إلى من يرحم # فإنه خير ما قيل في معناه ... ومن المغرمين من يشكو إلى حبيبه وهو أوجب لرحمته، وأدعى إلى ~~إنصافه، ومنه قول الطغرائي: # لعمرك ما يرجى شفائي والهوى # له بين جسمي والعظام دبيب # أجلك أن أشكو إليك وأنطوي # على كمدي إن الهوى لعجيب # وآمل برءا من هوى خامر الحشا # وكيف بداء لا يراه طبيب # نصيبك من قلبي كما قد عهدته # وما لي بحمد الله منك نصيب # وما أدعي إلا اكتفاء بنظرة # إليك ودعوى العاشقين ضروب # وما ms023 بحت بالسر الذي كان بيننا # ولكنما لحظ المحب مريب # وقوله «نصيبك من قلبي كما قد عهدته» مأخوذ من قول ابن الأحنف: # إليك أشكو رب ما حل بي # من صد هذا التائه المعجب # صب بعصياني ولو قال لي # لا تشرب البارد لم أشرب # إن قال لم يفعل وإن سيل لم # يبذل وإن عوتب لم يعتب # وقوله «وما أدعي إلا اكتفاء بنظرة» مأخوذ من قول الشريف: # عشقت وما بي يعلم الله حاجة # سوى نظري والعاشقون ضروب # ومما حسنت معانيه وصحت تقاسيمه - في الشكوى إلى المحبوب - قول بعض الأعراب: # شكوت فقالت كل هذا تبرما # بحبي أراح الله قلبك من حبي # فلما كتمت الحب قالت لشد ما # صبرت وما هذا بفعل شجي القلب # وأدنو فتقصيني فأبعد طالبا # رضاها فتعتد التباعد من ذنبي # فشكواي تؤذيها وصبري يسوءها # وتجزع من بعدي وتنفر من قربي # فيا قوم هل من حيلة تعرفونها # أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي # وهذا شعر الطبع والسليقة، والموفقون إلى مثله قليل. # وقد أجاد في هذا المعنى من شعراء العصر حافظ بك إبراهيم حين قال: # كم تحت أذيال الظلام متيم # دامي الفؤاد وليله لا يعلم # ما أنت في دنياك أول عاشق # راميه لا يحنو ولا يترحم # أهرمتني يا ليل في شرخ الصبا # كم فيك ساعات تشيب وتهرم # لا أنت تقصر لي ولا أنا مقصر # أتعبتني وتعبت، هل من يحكم # لله موقفنا وقد ناجيتها # بعظيم ما يخفي الفؤاد ويكتم # قالت من الشاكي تسائل سربها # عني ومن هذا الذي يتظلم # فأجبنها وعجبن كيف تجاهلت # هو ذلك المتوجع المتألم # أنا من عرفت ومن جهلت ومن له # لولا عيونك حجة لا تفحم # أسلمت نفسي للهوى وأظنها # مما يجشمها الهوى لا تسلم # وأتيت يحدوني الرجاء ومن أتى # متحرما بفنائكم لا يحرم # أشكو لذات الخال ما صنعت بنا # تلك العيون وما جناه المعصم # لا السهم يرفق بالجريح ولا الهوى # يبقي عليه ولا الصبابة ترحم # لو تنظرين إليه في جوف الدجى # متململا من هول ما يتجشم # يمشي إلى كنف الفراش محاذرا ms024 # وجلا يؤخر رجله ويقدم # يرمي الفراش بناظريه وينثني # جزعا ويقدم بعد ذاك ويحجم # فكأنه واليأس ينسف نفسه # للقتل فوق فراشه يتقدم # رشقت به في كل جنب مدية # وانساب فيه بكل ركن أرقم # فكأنه في هوله وسعيره # واد قد اطلعت عليه جهنم # هذا وحقك بعض ما كابدته # من ناظريك وما كتمتك أعظم # قالت أهذا أنت ويحك فاتئد # حتام تنجد في الغرام وتتهم # إنا سمعنا عنك ما قد رابنا # وأطال فيك وفي هواك اللوم # أصغت إلى قول الوشاة فأسرفت # في هجرها وجنت علي وأجرموا # حتى إذا يئس الطبيب وجاءها # أني تلفت تندمت وتندموا # وأتت تعود مريضها لا بل أتت # مني تشيع راحلا لو تعلم # وفي هذه القصيدة صورة شعرية بديعة، تمثل العاشق، وقد طال عليه الليل، وهجر جفنيه المنام. ~~وهي غاية في حسن القصص، وسحر البيان. # ولنذكر الشكوى إلى ساقي الراح في قول ابن المعتز: # أيها الساقي إليك المشتكى # قد دعوناك وإن لم تسمع # ونديم همت في غرته # وبشرب الراح من راحته # كلما استيقظ من سكرته # جذب الزق إليه واتكا # وسقاني أربعا في أربع # ما لعيني عشيت بالنظر # أنكرت بعدك ضوء القمر # وإذا ما شئت فاسمع خبري # عشيت عيناي من طول البكا # وبكى بعضي على بعضي معي # غصن بان مال من حيث التوى # مات من يهواه من فرط الجوى # خفق الأحشاء موهون القوى # كلما فكر في البين بكى # ويحه يبكي لما لم يقع! # ليس لي صبر ولا لي جلد # يا لقومي عذلوا واجتهدوا # أنكروا شكواي مما أجد # مثل حالي حقه أن يشتكا # كمد اليأس وذل الطمع # كبد حرى ودمع يكف # أصرف الدمع فلا ينصرف # أيها المعرض عما أصف # قد نما حبي بقلبي وزكا # لا تقل في الحب إني مدعي # وفي هذه الموشحة شكوى أليمة، تهم بمثلها النفس الشجية، من حين إلى حين. # وتعجبني شكوى ابن الرومي في قوله: # ظبي يصيد ولا يصاد محاذر # نبل الهوى وحبائل الإيناس # غر شموس إن أحس بريبة # أعجب بجامع غرة وشماس # يسبي القلوب بمقلة مكحولة # بفتور غنج ms025 لا فتور نعاس # يا للرجال ألا معين لأيد # صب الفؤاد على ضعيف قاس # 1 # أيضيمني خنث الشمائل لو نضا # عنه غلالته حساه الحاسي ؟ # ومن العجائب أن تحل ظلامة # بفتى أناس من فتاة أناس # ومن المعذبين من يبث شكواه من دهره وإخوانه إلى صديق أقصته في بره الليالي. ومن شعراء ~~العصر من قارب الإجادة في هذا المعنى، كصاحب البدائع حيث يقول: # 2 # أنت الذي علمتني # يا سيدي بر الصديق # وتركتني في فتية # ما فيهم بر رفيق # لم ألق بعدك منهم # إلا الجفاء أو العقوق # حتى كأني لم أبت # منهم على عهد وثيق # وكأنهم لم يبصروا # في خلتي الحر الصدوق # فنسوا هواي ولم يفق # من ودهم قلبي المشوق # ونسوا طريف حديثنا # عند الصبوح أو الغبوق # ليت الهوى ما قادني # يوما إلى ذاك الطريق # أو ليتني لم أنخدع # جهلا بهاتيك البروق # بل ليتني بعد الذي # عانيت من صبحي أفيق ~~••• # مولاي لو أبصرتني # لفزعت من دمعي الطليق # وشجاك جسمي ناحلا # وكأنه الطيف الطروق # أشكو إليك وإنما # يشكو المضيم إلى الشفيق # فارحم فديتك مهجة # أودى بها الحزن العميق # حزن يقطع في الحشا # فكأنه غدر الصديق ~~••• # يا ويح قلبي لم يزل # يهفو به الروح الخفوق # وتقوده الذكرى إلى # عهد الهوى الغض الرقيق # أيام نمرح في الصبا # في ذلك العيش الأنيق # أيام نسقي في الهوى # والود كأسا من رحيق # تلك الليالي لم تدع # من بعدها حسنا يروق # كلا ولا خلت لنا # إلا الزفير أو الشهيق # | عند منازل الأحباب # كان أبو نواس يكره الشعر في بكاء الرسوم والأطلال، وأدباء هذا العصر يعدون هذه النزعة ~~توديعا للقديم، وترحيبا بالجديد، وهذا حق إذا لوحظ أن الشعراء كانوا يبدءون قصائدهم ~~ببكاء الديار، وإن لم يكونوا بنار الفراق من المحرقين! ولكن من العبث في تحليل العواطف أن ~~نجهل ما يجده المحبون عند المرور بديار أحبابهم المبعدين، ومن الغبن للآداب العربية أن نغفل ~~ما قيل في منازل الأحباب من الشعر الباكي الحزين! وها نحن أولاء نبسط القول عن هذه الوقفة ~~الأليمة، وقفة المحب ms026 على ديار خلت غرفها من الظباء الغرائر، وعفت سررها من النساء الحرائر، ~~بعد أن كان ساكنوها أمل الآمل، وأمنية المتمني! فمن ذلك قول بعض الأعراب وقد وقف (بالحزن) ~~بفتح الحاء، وكان ملعب شبابه، ومنتدى هواه، وصورة أيامه الخوالي: # ومستنجد (بالحزن) دمعا كأنه # على الخد مما ليس يرقأ حائر # إذا ديمة منه استقلت تهللت # أوائل أخرى ما لهن أواخر # ملا مقلتيه الدمع حتى كأنه # لما انهل من عينيه في الماء ناظر # وينظر من بين الدموع بمقلة # دمى الشوق في إنسانها فهو ساهر # وفي هذا المعنى يقول ابن الملوح: # نظرت كأني من وراء زجاجة # إلى الدار من ماء الصبابة أنظر # فعيناي طورا تغرقان من البكا # فأعشي وطورا يحسران فأبصر # ومما يغري القلب بالحزن، والعين بالدمع، قول البحتري: # وقفنا فحيينا لأهلك باللوي # ربوع ديار دارسات المعالم # ذكرنا الهوى العذري فيها فأنسيت # عزاها مشوقات القلوب الهوائم # خلعنا بها عذر الدموع فأقبلت # تلوم وتلحي كل لاح ولائم # لقد حكم البين المشتت بالبلى # عليك وصرف الدهر أجور حاكم # لعل الليالي يكتسبن بشاشة # فيجمعن من شمل الهوى المتقادم # ونود لو تأمل القارئ ما في هذه الأبيات من الترتيب والتنسيق، فقد وقف الشاعر بالديار، ثم ~~حياها وهو يتنقل بروحه بين الشقاء الحاضر والنعيم الماضي، ثم اشتعل الحزن في قلبه اشتعالا، ~~فنسي جمال الصبر وحسن العزاء، فاندفع يبكي وينتحب، ثم أغرب في البكاء والنحيب، حتى خشع ~~عاذلوه، وخضع لائموه! ثم توجع للديار مما حكم عليها البين وصنعت بها الليالي! ثم تمنى لو ~~ضحك الزمن بعد العبوس، فاجتمع الشمل بعد الفراق! وقال أبو فراس: # علي لربع العامرية وقفة # ليملي علي الشوق والدمع كاتب # فلا وأبي العشاق ما أنا عاشق # إذا هي لم تلعب بصبري الملاعب # ومن مذهبي حب الديار وأهلها # وللناس فيما يعشقون مذاهب # ولا يفهم أحد كيف يكون حب الديار وأهلها مذهبا لأبي فراس، مع أن أبياته هذه ليست شيئا ~~في جانب ما قيل في منازل الأحباب، ويكفي أن نذكر قول نبهان العبسي في البئر الذي كانت تشرب ~~منه ms027 حبيبته سليمى: # سأسري إلى الماء الذي شربت به # سليمى وإن مل السرى كل واحد # وألصق أحشائي ببرد ترابه # وإن كان مخلوطا بسم الأساود # ويذكرني هذا بقول بعض الأعراب في (الوشل)، وهو ماء كان يطالع عنده وجوه الكواعب: # اقرأ على الوشل السلام وقل له # كل المشارب مذ هجرت دميم # سقيا لطلك بالعشي وبالضحى # ولبرد مائك والمياه حميم # لو كنت أملك منع مائك لم يذق # ما في قلاتك ما حييت لئيم # 1 # وللشريف الرضي في بكاء الديار بدائع، فمن ذلك قوله: # تزافر صحبي يوم ذي الأثل زفرة # تذوب قلوب من لظاها وأضلع # منازل لم تسلم عليهن مقلة # ولا جف بعد البين فيهن مدمع # فدمع على بالي الديار مفرق # وقلب على أهل الديار موزع # ألا ليت شعري كل دار مشتة # ألا موطن يدنو بشمل ويجمع # ومن جيد شعره في هذا المعنى قوله من كلمة ثانية: # وقفت على تلك الديار ووحشها # دوان ومن يحكين غير دوان # فأنكرت العينان والقلب عارف # قليلا ولجا بعد في الهملان # وهذا آخر ما يقال في رسوم الديار، فحسب أطلالها من البلى، ورسومها من العفاء، أن تنكرها ~~العينان، ولا يعرفها القلب إلا قليلا! والأدباء ينكرون أن يتردد القلب في معرفة دار كانت ~~بالأمس جنة ونعيما، ويعجبون بقول طريح بن إسماعيل الثقفي: # تستخبر الدمن القفار ولم تكن # لترد أخبارا على مستخبر # فظللت تحكم بين قلب عارف # مغنى أحبته وطرف منكر # ومن الشعراء من يرى الديار الخالية، وكأنها بأهلها مأهولة، كأبي نواس حين يقول: # لمن دمن تزداد طيب نسيم # على طول ما أقوت وحسن رسوم # تجافى البلى عنهن حتى كأنما # لبسن على الأقواء ثوب نعيم # وكقول الأخطل: # لأسماء محتل بناظرة البشر # قديم ولما يعفه سالف الدهر # يكاد من العرفان يضحك رسمه # وكم من ليال للديار وكم شهر # وكقول ابن أحمر العقيلي: # تراها على طول القواء جديدة # وعهد المغاني بالحلول قديم # والمعروف في هذا المعنى أن الديار تجد مثل ما يجد المتيم المحزون، كقول محمد بن ~~وهب: # طللان طال عليهما الأمد # درسا فلا ms028 علم ولا قصد # لبسا البلى فكأنما وجدا # بعد الأحبة مثل ما أجد # وكقول مالك ابن أسماء الفزاري: # بينا هم سكن لجارهم # ذكروا الفراق فأصبحوا سفرا # فظللت ذا وله يعاتبني # من لا يرى مثلي له أمرا # بكت الديار لفقد ساكنها # أفعند قلبي أبتغي الصبرا # ومن بديع الشعر في هذا الباب قول ابن سنان الخفاجي: # ولما وقفنا بالديار وعندنا # مدامع نسديها لكم ونثيرها # شكونا إليها ما لقينا من الضنى # فعرفنا كيف السقام دثورها # وقد درست إلا أمارة ذاكر # تلوح له بعد التمادي سطورها # خليلي قد عم الأسى وتقاسمت # فنون البلى عشاق ليلى ودورها # فلا دار إلا دمنة ورسومها # ولا نفس إلا لوعة وزفيرها # لعمر الليالي ما حمدت قديمها # فيوحشني ذهابها ومرورها # وقالوا عطاء الدهر يبلى جديده # ومن لي بدنيا لا يزول سرورها # نود لو تأمل القارئ إبداع ابن سنان في هذين البيتين: # خليلي قد عم الأسى وتقاسمت # فنون البلى عشاق ليلى ودورها # فلا دار إلا دمنة ورسومها # ولا نفس إلا لوعة وزفيرها # وحسب العاشق من موجب الأسى، وداعي الحزن، أن يرى منازل أحبابه هامدات، باليات! # تعفو المنازل إن نأوا # عنها وتغبر البلاد # والحي أولى بالبلى # شوقا إذا بلي الجماد # وهل تأملت كيف شكا إلى الديار ما لقي من الضنى، وكيف عرف ما به من السقم لما تبين دثورها، ~~وتعرف عفاءها! ويا ليت شعري هل شكت إليه ما تجد إليه من بعد سكانها، وبين ملاكها؟ أما ~~والهوى إنها لتشكو في صمتها الرهيب، إذ كانت تحزن بغير قلب، وتبكي بغير دمع! # كفى حزنا للهائم الصب أن يرى # منازل من يهوى معطلة قفرا # ومما يقرب من فلسفة الشعر، وفقه الأدب، في بكاء الرسوم الهوامد، والأطلال الدوارس، مع ~~الإفصاح عن الأسى والبث، والشجى والحزن، قول ابن الخياط في ديار لقيت من بعد سكانها ما لقي ~~المحب بعدهم من الضنى والنحول: # وقفت أداري الوجد خوف مدامع # تبيح من السر الممنع ما أحمي # أغالب بالشك اليقين صبابة # وأدفع من صدر الحقيقة بالوهم # وهذا من خير ما قيل في ms029 مصانعة النفس، ومغالبة الوجد، فقد عرف الديار بقلبه، لما ضمنت منه ~~الضلوع لأهلها النازحين، وأنكرها بطرفه، لما لقيت من الدثور والعفاء، فهو يريد أن يعتصم ~~بالشك، لينجو من قسوة اليقين، ولكنه غلب على أمره فقال: # فلما أبى إلا البكاء لي الأسى # بكيت فما أبقيت للرسم من رسم # كأني بأجزاع النقيبة مسلم # إلى ثائر لا يعرف الصفح عن جرم # يرحمه الله! فهل رأى ثائرا أظلم من الوجد، وحاكما أجور من الصبابة! ثم أخذ يقارن بين ~~بليته وبلية الديار، فقال: # لقد وجدت وجدي الديار بأهلها # ولو لم تجد وجدي لما سقمت سقمي # عليهن رسم للفراق وإنما # علي له ما ليس للنار من رسم # وهذا من الإبداع في وصف الديار الخالية، وهل تجد المنزل بعد أهله إلا باكيا حزينا؟ ~~أوليست وحشة المنزل الخالي ذلة بادية يطالع بها الرائح والغادي، عساه يعرف شيئا عن سكانه ~~الراحلين، وملاكه الغائبين فإن السكان للمنازل كالأرواح للأجسام، فإذا ارتحلوا آن حمامها، ~~وحان دثورها، وحل دمارها! وقد رأى الشاعر بعد ذلك أن البين جائر في قسمة الضنى بينه وبين ~~المنزل الخالي، فقال: # وكم قسم البين الضنى بين منزل # وبيني ولكن الهوى جائر القسم # منازل أدارس شجاني نحوها # فهلا شجاها ناحل القلب والجسم # وهذه استغاثة بالطلل البالي، يشعر بمثلها ذو اللوعة الحزين! # وكان ابن الخياط من أغزر الناس دمعا عند مغاني الأحباب، فمن ذلك قوله: # يا عمرو ما وقعة في رسم منزلة # أثار شوقك فيها محو آثار # أنكرت فيها الهوى ثم اعترفت به # وما اعترافك إلا دمعك الجاري # أو كنت ناسي عهد من تقادمه # نسيت فيها لباناتي وأوطاري # أيام يفتك فيها غير مرتقب # ظبي الكناس بليث الغابة الضاري # لا أرسل اللحظ إلا كان موقعه # على شموس منيرات وأقمار # ما أطيب العيش لو أني وفدت به # على زمان ودهر غير غدار # وهذا شعر يخالط النفس، ويلابس الفؤاد، ومثله في اللوعة قوله من كلمة ثانية: # أجدك ما تنفك بالغور ناشدا # فؤادا بنجد؟ يا لقلبك من نجد! # وإني لتصميني سهام ادكاركم # وإن كان ms030 رامي الشوق مني على بعد # تمادى غرام ليس يجري إلى مدى # وفرط سقام لا يقيم على حد # وما أنس لا أنس الحمى وأهلة # تضل ومن حق الأهلة أن تهدي # زمانا إخال الجهل فيه من النهى # وحبا أعد الغي فيه من الرشد # غنين وما نولن نيلا سوى الجوى # وبن وما زودن زادا سوى الوجد # خليلي ما أحلى الحياة لو انها # لطاعمها لم تخلط الصاب بالشهد # لقد حالت الأيام عن حال عهدها # ومن لي بأيام تدوم على العهد # ومن بديع الشعر في بكاء الديار قوله من كلمة طويلة: # وبالجزع حي كلما عن ذكرهم # أمات الهوى مني فؤادي وأحياه # تمنيتهم بالرقمتين ودارهم # بوادي الغضا يا بعد ما أتمناه # سقى الوابل الربعي حائل ربعهم # وراوحه ما شاء روح وغاداه # وجر عليه ذيله كل خاطر # إذا مشى في عاطل الترب حلاه # وما كنت لولا أن دمعي من دم # لأحمل منا للسحاب بسقياه # ومن المعاني المولدة في الدمع عند الرسوم قول الأرجاني: # وقفت بأطلال الديار مسلما # وعهدي وملء الواديين قباب # فأبرق عذالي ملاما وأرعدوا # وأمطرت أجفاني فتم سحاب # به غنيت أرض الحمى عن مصبح # يقول سقى دار الرباب رباب # وهو خيال يبدو كأنه طريف، ولكنه من الأخيلة الجوفاء، وفي هذا المعنى يقول ابن ~~التعاويذي: # سقى دار الحبيب وإن تناءت # ملث مثل أجفاني هطول # ولا برحت تسحب للغوادي # وطورا للصبا فيها ذيول # فجفني والغمام لها غدير # وقلبي والنسيم بها عليل # وعنفني على العبرات صحبي # عشية قوض الحي الحلول # وقالوا استبق للأحباب دمعا # فقد شرقت بأدمعك الطلول # معاذ الحب أن ألقى حمولا # وقد سارت بمن أهوى الجمود # وعار أن تزم ليوم بين # جمالهم ولي صبر جميل # ومن الشعراء من يجعل الحنين إلى الوطن كناية عن الحنين إلى ليالي الشباب التي قضاها ~~بمرأى من كواكبه السواطع، ونجومه اللوامع. وقد نوه بذلك صاحب زهر الآداب فذكر أن ابن الرومي ~~جاء إلى علي بن عبد الكريم النصيبي وأنشده هذه القطعة البديعة: # ولي وطن آليت أن لا أبيعه # وأن لا أرى غيري ms031 له الدهر مالكا # عمرت به شرخ الشباب منعما # بصحبة قوم أصبحوا في ظلالكا # وحبب أوطان الرجال إليهم # مآرب قضاها الشباب هنالكا # إذا ذكروا أوطانهم ذكرت لهم # عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا # فقد ألقته النفس حتى كأنه # لها جسد إن بان غودر هالكا # ثم قال: أنصفني وقل الحق. أيهما أحسن؟ قولي في الوطن أم قول الأعرابي: # أحب بلاد الله ما بين منعج # إلي وسلمى لا يصوب سحابها # بلاد بها نيطت على تمائمي # وأول أرض مس جسمي ترابها # فقال له: بل قولك أحسن، لأنه ذكر الوطن ومحبته، وأنت ذكرت العلة التي أوجبت ذلك! وقد يشعر ~~القارئ بالحاجة إلى معرفة المخاطب في قول ابن الرومي: # عمرت به شرخ الشباب منعما # بصحبة قوم أصبحوا في ظلالكا # وخلاصة الحديث أن القطعة التي نقلناها من شعر ابن الرومي عن الوطن هي جزء من قصيدة قدمها ~~إلى سليمان بن عبد الله بن طاهر يستعديه على رجل من التجار أجبره على بيع داره واغتصبه بعض ~~جدرانها، فمما فيها من التحريض قوله: # وإني وإن أضحي مدلا بماله # لآمل أن أضحي مدلا بمالكا # فإن لم تصبني من يمينك نعمة # فلا تخطئنه نقمة من شمالكا # فكم لقي العافون بدءا وعودة # نوالك والعادون غمر نكالكا # وقال ابن الرومي من كلمة أخرى يتشوق إلى بغداد: # بلد صحبت به الشبيبة والصبا # ولبست ثوب العيش وهو جديد # فإذا تمثل في الضمير رأيته # وعليه أغصان الشباب تميد # والأدباء يرون أن مثل هذا الشعر ليس بكاء على الوطن، ولا بكاء على اللهو، ولكنه بكاء على ~~الشباب، ويذكرون قول ابن الرومي من كلمة ثانية: # لا تلح من يبكي شبيبته # إلا إذا لم يبكها بدم # عيب الشبيبة غول سكرتها # ومدار ما فيها من النعم # لسنا نراها حق رؤيتها # إلا أوان الشيب والهرم # كالشمس لا تبدو فضيلتها # حتى تغشى الأرض بالظلم # ولرب شيء لا يسر به # وجدانه إلا مع العدم # والذين يؤولون شعر ابن الرومي هذا التأويل يرون أنه تبع في وصف الوطن بشار بن برد حين ~~يقول: # متى تعرف ms032 الدار التي بان أهلها # بسعدى فإن العهد منك قريب # تذكرك الأهواء إذ أنت يافع # لديها فمغناها إليك حبيب # ولعلنا لا نبالغ إذا ذكرنا هؤلاء بأن بكاء الشباب ليس إلا بكاء لما انقطع بعده من دواعي ~~الطيش، وموجبات الجنون، فبعض العقل رزء، وبعض الوقار بلاء، ولكن أكثر الناس لا ~~يفقهون! # ولقد سافر العباس بن الأحنف مع هارون الرشيد إلى خراسان فاستدعاه ليلة لينشده شيئا من ~~الشعر، فأنشده هذه الأبيات: # قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا # ثم القفول فقد جئنا خراسانا # مضى الذي كنت أرجوه وآمله # أما الذي كنت أخشاه فقد كانا # ما أقدر الله أن يدني على شحط # سكان دجلة من سكان جيحانا # فقال له: لقد اشتقت يا عباس! فأجابه، نعم يا أمير المؤمنين! فأذن له بالرجوع ... وقال ابن ~~ميادة يخاطب الوليد بن يزيد: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة # بحرة ليلى حيث رببني أهلي # بلاد بها نيطت علي تمائمي # وقطعن عني حين أدركني عقلي # فإن كنت عن تلك المواطن مانعي # فاقتر علي الرزق واجمع بها شملي # وهذا البيت من أرق ما قيل في الحنين إلى الأوطان! وما أدري أكان شوق ابن ميادة إلى بلاده ~~رفقا بالأهل والعشيرة، أم كان برا بمن فيها من فاتنات الخدود، وساحرات العيون، وقاسيات ~~القلوب؟ لا يعلم ذلك إلا الذي يقول: # ومن بينات الحب أن كان أهلها # أحب إلى قلبي وعيني من أهلي # وقال مالك ابن الريب يتشوق إلى اليمامة ونسيمها العليل: # سقى الله اليمامة من بلاد # نوافجها كأرواح الغواني # 2 # وجو أزاهر للريح فيه # نسيم لا يروع الترب واني # به سقت الشباب إلى مشيب # يقبح عندنا حسن الزمان # وقال بعض الأعراب في توديع نجد، وما لقي بها من نضارة العيش، وطيب الحياة: # أقول لصاحبي والعيس تهوي # بنا بين المنيفة فالضمار # تمتع من شميم عرار نجد # فما بعد العشية من عرار # ألا يا حبذا نفحات نجد # وريا روضه بعد القطار # وأهلك إذ يحل الحي نجدا # وأنت على زمانك غير زار # 3 # شهور ينقضين وما شعرنا # بأنصاف ms033 لهن ولا سرار # وهذا حنين يذل له عصي الدمع. ويشبهه قول ابن المعتز في دار كانت ملعب صباه: # لا مثل منزلة الدويرة منزل # يا دار جادك وابل وسقاك # بؤسا لدهر غيرتك صروفه # لم يمح من قلبي الهوى ومحاك # لم يحل للعينين بعدك منظر # ذم المنازل كلهن سواك # أي المعاهد منك أندب طيبة # ممساك بالآصال أم مغداك # أم برد ظلك ذي الغصون وذي الجنى # أم أرضك الميثاء أم رياك # وكأنما سعطت مجامر عنبر # أو فت فار المسك فوق ثراك # وكأنما حصباء أرضك جوهر # وكأن ماء الورد دمع نداك # وكأنما أيدي الربيع ضحية # نشرت ثياب الوشي فوق رباك # وكأن درعا مفرغا من فضة # ماء الغدير جرت عليه صباك # ومما يقرب من بكاء الديار ذكر منازل اللهو والقصف، وقد كان الشعراء يتخذون الأديار موطنا ~~لعبث الصبا ولعب الشباب، ولكثير منهم حنين موجع إلى سكانها من ظرفاء الرهبان، وربما عدنا ~~إلى بسط ذلك في غير هذا الحديث، ونكتفي الآن بنفثات العشاق في التغني بمنازل الشراب. فمن ~~ذلك قول محمد بن عاصم المصري في دير القصير، وقد كان ملعبا للشعراء المصريين: # إن دير القصير هاج أذكاري # لهو أيامنا الحسان القصار # وزمانا مضى حميدا سريعا # وشبابا مثل الرداء المعار # ولو ان الديار تشكو اشتياقا # لشكت جفوتي وبعد مزاري # ولكادت تسير نحوي لما قد # كنت فيها سيرت من أشعاري # وكأني إذ زرته بعد هجر # لم يكن من منازلي ودياري # إذ صعودي على الجياد إليه # وانحداري في المعتقات الجواري # بصقور إلى الدماء صواد # وكلاب على الوحوش ضواري # منزلا لست محصيا ما لقلبي # ولنفسي فيه من الأوطار # كم شربنا على التصاوير فيه # بصغار محثوثة وكبار # صورة في مصور فيه ظلت # فتنة للقلوب والأبصار # أطربتنا بغير شدو فأغنت # عن سماع العيدان والمزمار # لا وحسن العينين والشفة اللم # ياء منها وحدها الجلنار # لا تخلفت عن مرادي دهرا # هي منه ولو نأى بي مزاري # وفي دير القصير هذا يقول كشاجم: # سلام على دير القصير وسفحه # فجنات حلوان إلى النخلات # منازل كانت لي ms034 بهن مآرب # وكن مواخيري ومنتزهاتي # إذا جئتها كان الجياد مراكبي # ومنصرفي في السفن منحدرات # ومن الأديار التي خلدها الشعراء «دير قنا» بالقرب من بغداد، وقد أبدع في وصفه ~~المؤرخون، ثم طواه الدهر فيما طوى من ملاعب الشباب، ولم يبق غير ذكراه في قول ابن ~~جمهور: # يا منزل اللهو بدير قنا # قلبي إلى ذلك الربى قد حنا # سقيا لأيامك لما كنا # نمتاز منك لذة وحسنا # أيام لا أنعم عيشا منا # إذا انتشينا وصحونا عدنا # إذا فنى دن بزلنا دنا # حتى يظن أننا جننا # ومسعد في كل ما أردنا # يحكي لنا الغصن الرطيب اللدنا # أحسن خلق الله إذ تحنا # وجس زير عوده وغنا # بالله يا قسيس يا باقنا # 4 # متى رأيت الرشأ الأغنا # متى رأيت فتنتي تجنى # آه إذا ما ماس أو تثنى # أسأت إذا أحسنت فينا الظنا! # ومن الشعراء من تهيج حفيظته على قطر فيتغنى بقطر آخر كان ملعب هواه، كما قال السري الرفاء ~~يمدح الموصل ويذم العراق: # لحا الله العراق وساكنيه # فما للحر بينهم قرار # وجاد الموصل المبيض غيث # يجود وللبروق به انسفار # كما انهلت مدامع مستهام # تلهب منه في الأحشاء نار # ففي أيامه حسن التصابي # وفي أفيائه خلع العذار # ليالي كان لي في كل يوم # إلى الحانات حج واعتمار # فعن ذكر القيامة بي صدود # وعن ساح المساجد بي نفار # ولى خدنان همهما المعالي # وشأنهما السكينة والوقار # وساق تضحك الدنيا إليه # إذا ضحكت بكفيه العقار # يطوف بها وقد حملت حبابا # كما حمل السقيط الجلنار # 5 # كأن الشرب ينتهبون نارا # لها لهب وليس لها شرار # رأى الدهر اجتماع الشمل منا # فبدده وللدهر الخيار # إلى هنا وقف القارئ على نماذج في بكاء الديار الخالية، والحنين إلى الوطن النائي، والشوق ~~إلى مواطن اللهو والشراب، فلنذكر شكوى العشاق من المنزل القريب المأهول، حين يصبح أهله ~~كالكواكب قريبة الضوء، بعيدة المنال! وحين يصبح تمنع الحبيب أقسى من النوى، وأمر من ~~الفراق. وأبدع الشعر في ذلك قول راشد بن إسحاق الكوفي: # ومستوحش لم يمس في دار ms035 غربة # ولكنه ممن يحب غريب # طواه الهوى واستشعر الوصل غيره # فشطت نواه والمزار قريب # سلام على الدار التي لا أزورها # وإن حلها شخص إلي حبيب # وإن حجبت عن ناظري ستورها # هوى تحسن الدنيا به وتطيب # هوى تضحك اللذات عند حضوره # ويسخن طرف اللهو حين يغيب # تثنى به الأعطاف حتى كأنه # إذا اهتز من تحت الثياب قضيب # ألم تر صمتي حين يجري حديثه # وقد كنت أدعى باسمه فأجيب # رضيت بسعي الدهر بيني وبينه # وإن لم يكن للعين فيه نصيب # أحاذر إن واصلته أن ينالني # وإياه سهم للفراق مصيب # أرى دون من أهوى عيونا تريبني # ولا شك أني عندهن مريب # أداري جليسي بالتجلد في الهوى # ولي حين أخلو زفرة ونحيب # وأخبر عنه بالذي لا أحبه # فيضحك سني والفؤاد كئيب # مخافة أن تغرى بنا ألسن العدا # فيطمع فينا كاشح فيعيب # كأن مجال الطرف في كل ناظر # على حركات العاشقين رقيب # أرى خطرات الشوق يبكين ذا الهوى # ويصبين عقل المرء وهو لبيب # وكم قد أذل الحب من متمنع # فأضحى وثوب العز منه سليب # وإن خضوع النفس في طلب الهوى # لأمر إذا فكرت فيه عجيب # وقد نقل صاحب زهر الآداب عن أبي شراعة القيسي أنه كان في مجلس العتبي مع عبد الصمد بن ~~المعذل، وأنهم تذاكروا ما أبدع المولدون من الشعر الرقيق فقال عبد الصمد أنا في ذلك أشعر ~~الناس؟ فقال أبو شراعة أشعر منك الذي يقول: # ومستوحش لم يمس في دار غربة # ولكنه ممن يحب غريب # إلى آخر القصيدة. وإن عبد الصمد حين سمعها لم ينطق بحرف! وعندي أن صاحب هذه القصيدة لم ~~يوفق في وصف مشاعره وصفا منظما يصح أن يكون «صورة شعرية» بل نراه جمع بين أشياء متنافرة ~~حظها من الائتلاف قليل؛ ألا تراه يذكر في أول القصيدة أنه قريب، ولكنه في قربه غريب؛ لأن ~~إنسانا غيره يتمتع بذلك الحبيب؟ ثم ألا تراه بعد ذلك يذكر أنه يحاذر الوصل طائعا لئلا ~~يصيبه ويصيب من يهواه سهم الفراق؟ وهذا بالطبع شطط في تصوير ms036 النفس المعذبة، لأن الذي يتصور ~~أن محبوبه قد يطوق بذراع عاشق غيره لا يتغنى بأنه يترك مواصلته اتقاء لعيون الوشاة! # ينقص هذه القصيدة إذن ما أسميه «الصورة الشعرية» ولا يمنع هذا أن تكون في جملتها جميلة ~~لما تحويه من الأبيات المختارة، ولئن صح أن العتبي صادق على أن صاحبها أشعر الناس فإنا نشك ~~في أذواق الأدباء الأقدمين ونرتاب في حاستهم الفنية، وأحب أن يفهم بعض الناس معنى «الحاسة ~~الفنية» فإن كثيرا من أدعياء الأدب لا يفقهون ما يقولون وما يكتبون، فضلا عن أن يفقهوا ما ~~تناثر على بساط الدهر من ثمرات العقول! # وأمثال هؤلاء يعرفون فقط ما يسمع أو يرى أو يلمس أو يشم أو يذاق! ولكنهم لا يعرفون ما ~~يدرك، إذ لم يرزقوا الإدراك! ومحال أن يجدوا طعما لقول الشاعر: # أسمع في قلبي دبيب المنى # وألمس الشبهة في خاطري # لأنهم لا يدرون أين تكون الخواطر، وأين تكون القلوب! من أجل هذا أشير على طالب الأدب بأن ~~يتروى ويتريث حين يقرأ آثار الكتاب والشعراء، وأن لا يعتمد في اختياره على الأذواق العامة ~~لعلماء البيان، فقد غفل الدهر عن كثير من المتصدرين فظنوا أنهم على شيء، وأن الأدب لحياتهم ~~مدين! # وقد يمر العاشق ببيت من يهوى ثم لا يملك التحية، لأن الوشاة له بالمرصاد. فمن ذلك قول ~~السري الرفاء: # مررنا بالعقيق فكم عقيق # ترقرق في محاجرنا فذابا # ومن مغنى جعلنا الشوق فيه # سؤالا والدموع له جوابا # وفي الكلل التي غابت شموس # إذا شهدت ظلام الليل غابا # حملت لهن أعباء التصابي # ولم أحمل من السلوان عابا # ولو بعدت قبابك قاب قوس # من الواشين حييت القبابا # إلى هنا عرف القارئ ألوان العواطف عند منازل الأحباب، فقد رأى نفثات المحبين عند الديار ~~الخالية، وشهد بكاءهم على الوطن النائي، وحنينهم إلى مواطن اللهو والشراب، ثم رأى زفراتهم ~~عند المنزل يدنو وهو بعيد، لنفور ما فيه من الظباء! ويجمع شتيت هذه المعاني قول بعض ~~الأعراب: # بكل تداوينا فلم يشف ما بنا # على أن قرب الدار خير ms037 من البعد # على أن قرب الدار ليس بنافع # إذا كان من تهواه ليس بذي عهد # وربما عدنا إلى تفصيل هذه النوازع القلبية، حين نتحدث عن آراء الشعراء في أفنان الجمال. # | وشاية الدموع # من العشاق من يؤثر الكتمان: فهو يخشى أن تفضحه الدموع! وأشهر الشعراء في إخفاء الحب ~~العباس بن الأحنف، وسنبسط الكلام عن مذهبه حين نتكلم عن الكتمان، ونكتفي الآن بشعره عن قهره ~~بالدموع، وقد رأيته يتوجع حينا من عجزه عن كتم الحب وقد غلبه الدمع، فيقول: # هبوني أغض إذا ما بدت # وأملك طرفي فلا أنظر # فكيف استتاري إذا ما الدمو # ع نطقن فبحن بما أضمر # أمني تخاف انتشار الحديث # وحظي في صونه أوفر # ولو لم يكن في بقيا عليك # نظرت لنفسي كما تنظر # ويغضب حينا على دمع عينيه فيقول: # لا جزى الله دمع عيني خيرا # وجزى الله كل خير لساني # نم دمعي فليس يكتم شيئا # ورأيت اللسان ذا كتمان # كنت مثل الكتاب أخفاه طي # فاستدلوا عليه بالعنوان # ويبالغ في هذا المعنى حتى ليرمي قلبه بالعداوة، فيقول: # قلبي إلى ما ضرني داعي # يكثر أسقامي وأوجاعي # كيف احتراسي من عدوي إذا # كان عدوي بين أضلاعي # ومن الشعراء من ييأس من كتم الهوى حين تنهمر الدموع، كما يقول البحتري: # علاقة حب كنت أكتم بثها # إلى أن أذاعتها الدموع الهوامع # إذا العين راحت وهي عين على الجوى # فليس بسر ما تسر الأضالع # وقد أفصح الأرجاني عن غاية ذلك: وهي نصر الوشاة، بقوله: # ولي نفس إذ ما امتد شوقا # أطار القلب من حرق شظايا # ودمع ينصر الواشين ظلما # ويظهر من سرائري الخبايا # وأكرم من هؤلاء جميعا الشريف الرضي حين يقول: # أيسمح جفني بالدموع وأغتدي # ضنينا بها إني إذن للئيم # ولو بخلت عيني إذن لعتبتها # فكيف ودمع الناظرين كريم # وقد نظر أبو نواس إلى قول بشار بن برد: # يروعه السرار بكل شيء # مخافة أن يكون به السرار # ثم حاكاه بهذه الأبيات في نميمة الدمع: # قد تسترت بالسكون وبالإط # راق جهدي فنمت العينان # تركتني الدموع نصب ms038 المشيري # ن وأحدوثة بكل مكان # ما أرى خاليين للسر إلا # قلت ما يخلوان إلا بشاني # وهي صورة شعرية، تمثل العاشق المروع أصدق تمثيل. # ومن المحبين من تنم عليه دموعه الغزار، وأنفاسه الحرار، كالبحتري حين يقول: # إن الخطوب طوينني ونشرنني # عبث الوليد بجانب القرطاس # ما شبت من طول السنين وإنما # طول الملامة فيك شيب راسي # نمت على ما في ضميري أدمعي # وتتابع الصعداء من أنفاسي # ومن رائع الشعر في فضيحة الدمع لصاحبه قول مهيار: # طرحت بجمع نظرة ساء كسبها # وتبعث شرا للعيون المطارح # فإن سترت تلك الثلاث على منى # هواي فيوم النفر لا شك فاضح # بكيت ولام العاذلات فلم تغض # على رقية العذل الدموع السوافح # وأحب أن يتأمل القارئ قوله: «نظرت بجمع نظرة ساء كسبها» ليعرف كيف يسوء كسب العيون، حين ~~تجني على القلوب! # | سلطان الحب # سألنا حضرة الشيخ محمد علي الخالدي عن الحب: اختياري هو أم اضطراري وهل المحب مضطر أم ~~مختار؟ وقد اختلف الناس من قبل في هذه المسألة، وأوضحها ابن أبي حجلة في كتاب «ديوان ~~الصبابة» وأنا ناقل هنا نبذة من ذلك الكتاب الذي انتهى منه مؤلفه في منتصف القرن الثامن ~~الهجري، لأنه يمثل لنا رأي علماء ذلك العصر في مثل هذه الشئون. قال ابن أبي حجلة في سذاجة ~~غريبة ما نصه: # هذا فصل عقدناه لما تقدم ذكره، وأسفر كالصباح أمره، إذ للناس فيه كلام من ~~الطرفين، وتبختر من الصفين، فقائل بأنه اضطراري، وقائل بأنه اختياري، ولكل من ~~القولين وجه مليح، وقدر رجيح، ونحن نذكر من ذلك ما يعم به الانتفاع، ونتكلم في طوله ~~وعرضه بالباع والذراع! فمن ذلك ما قاله القاضي أبو عمرو النوناني في كتابه تحفة ~~الظراف: العشاق معذورون على كل حال: مغفور لهم في جميع الأقوال والأفعال؛ إذ العشق ~~إنما دعاهم على غير اختيار، بل اعتراهم على جبر واضطرار، والمرء إنما يلام على ما ~~يستطيع من الأمور، لا في المقضي عليه والمقدور. وقد جاء في الحديث عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أن الحامل كانت ms039 ترى يوسف عليه السلام فتضع حملها. فكيف تراها وضعته؟ ~~أباختيار منها كان ذلك أم باضطرار؟ لا، بل باضطرار، وفقد اقتدار. وهذا مما لا يشك ~~فيه ذو لب، ولا يختلج خلافه في قلب. # ثم نقل عن الفضيل بن عياض أنه قال: لو رزقني الله دعوة مجابة لدعوت الله بها أن ~~يغفر للعشاق لأن حركاتهم اضطرارية. ونقل عن أبي محمد بن حزم أن رجلا قال لعمر بن الخطاب: ~~يا أمير المؤمنين، إني رأيت امرأة فعشقتها. فقال عمر: ذلك مما لا يملك. قال: وما أحسن قول ~~بعض بني عذرة وقد قال له بعض العرب: ما لأحدكم يموت عشقا في هوى امرأة يألفها؟ إنما ذلك ~~ضعف نفس، ورقة، وخور، تجدونه فيكم يا بني عذرة. فقال: أما والله لو رأيتم الحواجب الزج، فوق ~~النواظر الدعج، تحتها المباسم الفلج، لاتخذتموها اللات والعزى! # ثم قال بعد كلام طويل: إن العشق يختلف باختلاف بني آدم وما جبلوا عليه من اللطافة ورقة ~~الحاشية، وغلظ الكبد، وقساوة القلب، ونفور الطباع، وغير ذلك. فمنهم من إذا رأى الصورة ~~الحسنة مات من شدة ما يرد على قلبه من الدهش، ومنهم من إذا رأى المليح سقط من قامته، ولم ~~يعرف نعله من عمامته - العاقبة عندكم يا شيخ محمد! ثم قال: فهذا وأمثاله عشقه اضطراري، ~~والمخالفة فيه مكابرة في المحسوس. # والذي أراه أن المحب مضطر غير مختار، وما ذكرت هذه التفاصيل إلا ترويحا للنفس. أما الشعر ~~في سلطان الحب فكثير. فمن الشعراء من يجعله سحرا كالطغرائي حين يقول: # إن لم يكن سحرا هواك فإنه # والسحر قدا من أديم واحد # ما زلت أزهد في مودة راغب # حتى ابتليت برغبة في زاهد # ولربما نال المراد مرفه # لم يسع فيه وخاب سعي الجاهد # هذا هو الداء الذي ضاقت به # حيل الطبيب وطال يأس العائد # ومنهم من يذكر أنه قتل نفسه غير متعمد كقول مهيار: # وعنفني سعد على فرط ما أرى # فقلت أتعنيف ولم تك مسعدي # وما ذاك إلا أن عجلت بنظرة # قتلت بها نفسي ولم أتعمد # ومنهم ms040 من يرى الحب يصب على القلب كالقضاء المحتوم لا مرد له كقول المتنبي: # أيدري الربع أي دم أراقا # وأي قلوب هذا الركب شاقا # لنا ولأهله أبدا قلوب # تلاقى في جسوم ما تلاقى # فليت هوى الأحبة كان عدلا # فحمل كل قلب ما أطاقا # ومنهم من يجعله قضاء من الله، كقول عمرو بن ربيعة الرقاشي: # تضيق جفون العين عن عبراتها # فتسفحها بعد التجلد والصبر # وغصة صدر أظهرتها فرفهت # حزازة حر في الجوانح والصدر # ألا ليقل من شاء ما شاء إنما # يلام الفتى فيما استطاع من الأمر # قضى الله حب المالكية فاصطبر # عليه فقد تجري الأمور على قدر # ويدخل في هذا الباب خلود الحب. فمن الشعراء من يجعل سببه خلود المحاسن في الحبيب، كقول ~~ابن الرومي: # هل الملالة إلا منقضى وطر # من متعة يطبى من غيرها وطر # وفيك أحسن ما تسمو النفوس له # فأين يرغب عنك السمع والبصر # وكما قال ابن عنين: # خبروها بأنه ما تصدى # لسلو عنها ولو مات صدا # واسألوها في زورة من خيال # إن تكن لم تجد من الهجر بدا # ظبية تخجل الغزالة وجها # وبهاء وتفضح الغصن قدا # وكما قال أبو الأسود الدؤلي: # أبى القلب إلا أم عمرو وحبها # عجوزا ومن يحبب عجوزا يفند # كبرد اليماني قد تقادم عهده # ورقعته ما شئت في العين واليد # وهو رأي منتقد: فكل زهر إلى ذبول، وكل جمر إلى خمود، وكل حسن إلى فناء، ولا خلود للحب إذا ~~كان داعيه الحسن الفاني والجمال الزائل. # ومنهم من يجعل السبب في خلود الحب كثرة دواعيه، كقول صردر: # ولقد عرضت على السلو جوانحي ال # حرى فلم يرهن دار مقام # كيف السلو وليس يسلك مسمعي # إلا حنين أو بكاء حمام # وكما قال ابن الزيات: # لم يزدني العذل إلا ولعا # ضرني أكثر مما نفعا # ذهبت بالقلب عين نظرت # ليتها كانت وإياه معا # كل يوم لي منها آفة # تركتني للهوى متبعا # وكما قال ابن التعاويذي: # يلوم عليك خال من غرامي # رويدك أين سمعي والملام # سلو مثل عطفك لا يرجى # وصبر ms041 مثل وصلك لا يرام # فكيف أطيع عذالي وعندي # هموم قد سهرت لها وناموا # وهذا أيضا منتقد، فإن أمثال هؤلاء الشعراء ينسون الحب إذا نفدت دواعيه! # ومنهم من يجعل السبب في خلود الحب تغلغل الوجد في الأحشاء، كما قال الأبيوردي: # أرى كل حب غير حبك زائلا # وكل فؤاد غير قلبي ساليا # إذا استخبر الواشون عما أسره # حمدت سلوي أو ذممت التصابيا # أيذهل قلب أنت سر ضميره # فلا كان يوما عنك يا علو ساليا # وكما قال الغزي: # يا خليلي لو ملكت فؤادي # جاز أن يملك الصواب عناني # ظالمي من أراد إنصاف نفسي # من هواها وآمري من نهاني # قد تورطت في تعسف شوقي # حيث لا يعرف السلو مكاني # وكما قال الطغرائي: # خليلي هل من مسعد أو معالج # فؤادا به داء من الحب ناكس # وهل ترجوان البرء مما أكنه # فإني وبيت الله منه لآيس # هوى لا يديل القرب منه ولا النوى # ولا هو من طول التقادم دارس # سرى حيث لا يدري الضمير مكانه # ولا تهتدي يوما إليه الهواجس # إذا قلت هذا يوم أسلو تراجعت # عقابيل من استقامه ووساوس # وأرجو أن لا يغفل القارئ عما في هذا الشعر من فنون الجمال. # هناك مذهب رابع يجعل خلود الحب مواتاة للطبع، ونزولا عند حكم الخليقة، وهو أجمل ~~المذاهب، ومنه قول التعاويذي: # من بات ذا قلب سلي # م من جوى فأنا السليم # 1 # مالي إذا رمت السلو # تلوم القلب المليم # 2 # وإذا كتمت الحب با # ح بسره دمع نموم # عيني وقلبي في الهوى # عون علي فمن ألوم # وأظهر منه قول المتنبي: # إلام طماعية العاذل # ولا رأي في الحب للعاقل # يراد من القلب نسيانكم # وتأبى الطباع على الناقل # وهبت السلو لمن لامني # وبت من الشوق في شاغل # ولا أنكر أن من الشعراء من يرى غير ما ذهبت إليه في هذا الحديث، ولكني أرى الحب الصادق ~~حليف الخلود، وقد أوضحت هذه المسألة في كتاب «حب ابن أبي ربيعة وشعره» فليرجع إليه من شاء. # | غرام النساء بالنساء # سألني حضرة محمد شهيب ms042 عبد الناصر بديروط، عما قالته الغواني في غرامها وحنينها إلى بنات ~~جنسها، إن كان هناك شيء من ذلك، بمناسبة ما حدث في برلين من غرام المسز كلين بالمسز ويب، ~~وما جنت يداهما في سبيل هذا الحب الغريب! # وآسف كثيرا أيها الأديب لاستحالة الجواب بالتفصيل في صحيفة سيارة: فقد درج الناس هنا على ~~تفضيل الجهل في سبيل الوقار! ويكفي أن ألفت نظرك إلى حديث مسطور في كتب الأدب جاءت فيه هذه ~~العبارة: «هذا شيء يحتاج إلى حبال ورجال!» وإلى ذوقك يترك تقدير الظروف لأمثال هذه الوقائع، ~~وقد جاء في كلام رسول الله النهي عن «السحاق» كما جاء في القرآن النهي عن الزنا، والفرق ~~واضح بين الكلمتين في اللفظ والمدلول، والمطلع على آداب الفرنسويين يجد في اعترافات النساء ~~عجائب وغرائب تعجز عن مثلها الشياطين! والآداب العربية مملوءة بأمثال هذه الأعاجيب. والناس ~~هم الناس في كل قطر وفي كل جيل، فلا تصدق ما تسمع من أن الإسراف في المجانة بدعة ابتدعها ~~نساء برلين! وعندي أن آفة المصلحين في الشرق هي جهلهم بدقائق الحياة الإنسانية، وإغفالهم ~~الركن الأساسي للإصلاح، وهو تشخيص الداء قبل وصف الدواء، وإقدام كثير منهم على الأمر بما لا ~~يأتمر به والنهي عما لا ينتهي عنه، ومن البلية أن يكون المصلحون منافقين! # ألم نصف الآداب الغربية بالإسراف في وصف النساء؟ لقد جعلنا ذلك سيئة لا تقبل الغفران، ~~ولكنها في رأيي من الحسنات، إذ كان الواجب على كل مصلح أن يقوي ما بين الرجل والمرأة من ~~الميول الطبيعية، حتى لا نشكو غرام المرأة بالمرأة، وحب الرجال للغلمان! # اقرءوا هذا وتأملوه قبل أن تصدعوا رءوسنا بالدعوة إلى الفضيلة من حيث لا تعلمون! # وبعد ذلك ألفت نظر قراء «مدامع العشاق» إلى أن شعر النساء في الحب قليل؛ فقد كان العرب ~~يستنكرون أن تعشق المرأة، وكان الرجل منهم يذوب خجلا إذا قالت إحدى قريباته بيتا واحدا ~~في غلام جميل، وقد ثأر طويس المغني لنفسه من عبد الرحمن بن حسان بن ثابت حين غناه شعر عمته ms043 ~~قارعة بنت ثابت في عبد الرحمن بن الحارث المخزومي: # يا خليلي نابني سهدي # لم تنم عيني ولم تكد # فشرابي ما أسيغ وما # أشتكي ما بي إلى أحد # كيف تلحوني على رجل # آنس تلتذه كبدي # مثل ضوء البدر طلعته # ليس بالزميلة النكد # نظرت عيني فلا نظرت # بعده عيني إلى أحد # وحديث علية بنت المهدي معروف، فقد حرم عليها أخوها هارون الرشيد أن تشبب بغلامها طل، فكان ~~من نتيجة ذلك أن تشببت بجاريتها زينب وقالت فيها: # وجد الفؤاد بزينبا # وجدا شديدا متعبا # وهو شعر سخيف، ولكنه يدل على أن عشق المرأة كان مما تسيغه النفوس في ذلك العهد. وليس معنى ~~ذلك أننا ننكر أن زينب هنا كناية عن طل، ولكن معناه أن تشبيب علية بزينب كان حيلة سائغة ~~لستر هواها الصحيح، ولم نر في الكتب الأدبية من أنكر على علية هذا الميل الذي أنكرناه اليوم ~~على نساء الألمان! وهناك أبيات لفضل الشاعرة قالتها في «قبيحة» جارية المتوكل! # سلافة كالقمر الباهر # في قدح كالكوكب الزاهر # يديرها خشف كبدر الدجى # فوق قضيب أهيف ناضر # 1 # ولا مرية في أن العرب قتلوا عواطف المرأة، وحرموها من التشبيب، ولهم في ذلك عذر مقبول، ~~فإن الغيرة لم توجد، ولن توجد، في مثل النفوس العربية، والعرب بطبيعتهم عمالقة يكرهون ~~الشريك، أو شبه الشريك، ويأبون أن يسمعوا حديث المرأة عن هواها المشبوب بل يغارون من تحدث ~~الرجل عن هواه، حتى ليقول شاعرهم: # لم ألق ذا شجن يبوح بحبه # إلا حسبتك ذلك المحبوبا # حذرا عليك وإنني بك واثق # أن لا ينال سواي منك نصيبا # وإذا عز على المرأة أن تقول شعرا في الرجل، فإنه يعز عليها من باب أولى أن تقول شعرا في ~~أختها المرأة، فضلا عن بعد ذلك من الحاجة الطبيعية، فإن «هذه الشهوة» تعتبر فضولا في باب ~~الشهوات! # والحق أننا حرمنا خيرا كثيرا حين حرمنا شعر النساء، انظر إلى قول فضل في حبيب حرمها طيب ~~الرقاد: # إن من يملك رقي # مالك رق الرقاب # لم يكن يا أحسن العا ms044 # لم هذا في حسابي # وتأمل ما غنته عبيدة الطنبورية: # كن لي شفيعا إليكا # إن خف ذاك عليكا # وأعفني من سؤالي # سواك ما في يديكا # يا من أعز وأهوى # ما لي أهون لديكا # إننا نشتهى أن تتكلم المرأة، إننا نحب أن نسمع حديثها العذب الجميل، ولكنهم يزعمون أن ~~كلام المرأة فسق، وأن حديثها فجور، فيا ليت شعري متى يفقهون؟! # | طيف الخيال # من الشعراء من يصف الحسرة التي تودي برشده حين تحرمه اليقظة من الاستمتاع بالطيف، كالذي ~~يقول: # وزارني طيف من أهوى على حذر # من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا # فكدت أوقظ من حولي به فرحا # وكاد يهتك ستر الحب بي شغفا # ثم انتبهت وآمالي تكذبني # نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا # ومنهم من يذكر العلة في طروق الطيف، والسبب في زيارة الخيال، كقول أبي تمام: # زار الخيال لها لا بل أزاركه # فكر إذا نام فكر الخلق لم ينم # ظبي تقنصته لما نصبت له # في آخر الليل أشراكا من الحلم # وقوله من كلمة ثانية: # استزارته فكرتي في المنام # فأتانا في خفية واكتتام # يا لها ليلة تنزهت الأر # واح فيها سرا من الأجسام # مجلس لم يكن لنا فيه عيب # غير أنا في دعوة الأحلام # وكقول عبد الصمد بن المعذل: # وصل النوم بيننا بعد هجر # فاجتمعنا ونحن مفترقان # غير أن الأرواح خافت رقيبا # فطوت سرها عن الأبدان # منظر كان لذة القلب إلا # أنه منظر بغير عيان # فالعلة عند أبي تمام في طروق الخيال إنما هي احتيال فكره، ونصبه أشراكا من الحلم. والسبب ~~في زيارة الطيف عند ابن المعذل هو النوم، مع إبداعه في طي الأرواح سرها عن الأبدان، خوفا ~~من الرقباء! # وهناك فكرة لابن العفيف ألطف من هاتين وأطرف: وهي أن الحبيب سطع نوره وعم، حتى شمل ~~النائمين، وتجلى لأعينهم، على بعدهم منه، ونأيهم عنه. وله في هذه الفكرة البديعة هاته ~~الأبيات الحسان: # يا حبذا طيفك من قادم # يا أحسن العالم في العالم # طيف تجلى نوره ساطعا # حتى رأته مقلة النائم # يا غائبا يحكم في ms045 مهجتي # علي طالت غيبة الحاكم # عار على حسنك أن يشتكي # حظي منه أنه ظالمي # والبحتري على شهرته بالخيال، لم يكن ممن يعنون بذكر السبب في قدومه، والعلة في طروقه، ~~وإنما يجيد في وصفه انعطافه، وانصرافه، كقوله: # سقى الغيث أجراعا عهدت بجوها # غزالا تراعيه الجآذر أغيدا # إذا ما الكرى أهدى إلي خياله # شفى قربه التبريح أو نقع الصدى # إذا انتزعته من يدي انتباهة # عددت حبيبا راح منى أو غدا # فلم أر مثلينا ولا مثل شأننا # نعذب أيقاظا وننعم هجدا # ومن بديع الشعر في ذهاب الخيال قوله: # ألمت بنا بعد الهدوء فسامحت # بوصل متى نطلبه في الجد تمنع # وولت كأن البين يخلج شخصها # أو أن تولت من حشاي وأضلعي # وهو غاية في الإبانة عن اللهفة، والإفصاح عن الحسرة! # ومن الشعراء من يحمد للطيف سماحه بالنعيم المباح، كقول بشار: # ولقد تعرض لي خيالكم # في القرط والخلخال واللب # فشربت غير مباشر حرجا # برضاب أشنب بارد عذب # وكقول المتنبي فيما يقرب من هذا المعنى: # بتنا يناولنا المدام بكفه # من ليس يخطر أن نراه بباله # تجنى الكواكب من قلائد جيده # وتنال عين الشمس من خلخاله # وقد نص البحتري على ما ذكرناه من النعيم المباح بقوله: # وما نلتقي إلا على حلم هاجد # يحل لنا جدواك وهي حرام # إذا ما تبادلنا النفائس خلتنا # من الجد أيقاظا ونحن نيام # وألم به في قوله: # بنفسي خيالا من أثيلة كلما # تأوهت من وجدي تعرض يطمع # ترى مقلتي ما لا ترى من لقائه # وتسمع أذني رجع ما ليس تسمع # | خيال البحتري # وقد يكون من الوفاء لتاريخ الآداب أن نذكر كيف اشتهر البحتري بالخيال حتى قالوا (خيال ~~البحتري) وضربوا به الأمثال. وقد تأملت هذه الشهرة فوجدتها ترجع إلى ترديده لزيارة الطيف في ~~غير ضعف ولا فضول: فتارة يصف الخيال بالكرم وقد ضن المحبوب، والقرب وقد شطت ديار الحبائب، ~~حتى ليبعث الهوى من جديد، كقوله: # وقفنا فلا الأطلال ردت إجابة # ولا العذل أجدى في المشوق المخاطب # تمادت عقابيل الهوى وتطاولت # لجاجة معتوب عليه وعاتب ms046 # إذا قلت قضيت الصبابة ردها # خيال ملم من حبيب بجانب # يجود وقد ضن الألى شغفي بهم # ويدنو وقد شطت ديار الحبائب # وتارة يذكر أن الطيف ألم به في الظلام فلم يجد مكانا يأوي إليه، لأن الكرى طردته ~~الدموع، كقوله: # تلك البخيلة ما وصلي بمنصرف # عنها ولا صدها عني بمصدود # ألم بي طيفها وهنا فأعوزه # عندي وجود كرى بالدمع مطرود # وأحب لو تأمل القارئ وصفه لحبيبته بالبخل، وعفا الله عن هؤلاء البخلاء. # ومما امتاز به البحتري شكواه هجر الخيال، وقد أكثر من ذلك حين حرم من غلامه نسيم، ولغلامه ~~هذا قصة عجيبة؛ فقد ذكروا أنه كان يبيعه، ثم تطير نفسه إليه فيشتريه، حتى وقع في يد من لا ~~يبيع روائع الجمال، وقد أوضح شكواه هجر الخيال في هذه الأبيات الحسان: # أنسيم هل للدهر وعد صادق # فيما يؤمله المحب الوامق # ما لي فقدتك في المنام ولم يزل # عون المشوق إذا جفاه الشائق # أمنعت أنت من الزيارة رقبة # منهم فهل منع الخيال الطارق # اليوم جاز بي الهوى مقداره # في أهله وعلمت أني عاشق # ثم ردد هذا المعنى في داليته الجميلة، التي يقول فيها: # دعا عبرتي تجري على الجور والقصد # أظن نسيما قارف الهجر من بعدي # خلا ناظري من طيفه بعد شخصه # فيا عجبا للدهر فقدا على فقد # بنفسي حبيب نقلوه عن اسمه # فبات غريبا في رجاء وفي سعد # فيا حائلا عن ذلك الاسم لا تحل # وإن جهد الأعداء عن ذلك العهد # أبا الفضل في تسع وتسعين نعجة # غنى لك عن ظبي بساحتنا فرد # أتأخذه مني وقد أخذ الجوى # مآخذه مما أسر وما أبدي # وتخطو إليه صبوتي وصبابتي # ولم يخطه بثي ولم يعده وجدي # ونحب ألا يتعقبنا حضرة (البدوي الملثم) فيطالبنا بتحقيق بيع البحتري لغلامه نسيم، ليعرف ~~أكان ذلك عن حاجة أم كان طمعا في المال، فقد تردد في ذلك المؤرخون. أليس هو الذي لمح ~~إلينا حين ذكرنا أن علية بنت المهدي كنت عن طل بزينب، ولفت نظرنا إلى أنها إنما كنت ~~بزينب عن ms047 رشأ؟ رويدك أيها الصديق، فليس في هذه المجاهل يقين، وحسبك أن تعلم أن ذلك سر من ~~أسرار القصور، وناهيك بقصر الرشيد! # وبهذه المناسبة أذكر أن التعبير الحديث «شربوا نخب مصر، وشربوا نخب فرنسا» كان له عند ~~العرب بديل جميل، انظر قول علية في غلامها رشأ: # اشرب على وجه الغزال # الأهيف الحلو الدلال # اشرب عليه وقل له # يا غل ألباب الرجال # وانظر قول إسحاق في غلامه زياد: # أدرها على بعد الحبيب فربما # شربنا على بعد الأحبة والفجع # فما بلغتني الكأس ألا شربتها # وإلا سقيت الأرض كأسا من الدمع # وقال ابن الفارض: # شربنا على ذكر الحبيب مدامة # سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم # فأي التعبيرين أجمل؟ أقول العرب: شربت على وجهه، وعلى بعده، وعلى ذكره؟ أم قولنا شربت ~~نخبه! أجيبوا أيها المتكلفون! # ونعود فنذكر تشبث البحتري بالطيف عند الصباح في قوله: # وليلة هومنا على العيس أرسلت # بطيف خيال يشبه الحق باطله # فلولا بياض الصبح طال تشبثي # بعطفي غزال بت وهنا أغازله # وكم من يد لليل عندي حميدة # وللصبح من خطب تذم غوائله # أتذكر أيها القارئ أن لسانك انعقد، وقد رأيت دمية من دمى الجمال، فلم تزد على أن قلت: هذه ~~فتاة حسناء؟ الأمر هنا كذلك، فاعذرني إن لم أزد على أن أقول: هذا شعر جميل! # ويظرف البحتري كثيرا حين يجعل هجر الطيف نوعا من العتاب. انظر قوله: # تناءت دار علوة بعد قرب # فهل ركب يبلغها السلاما # وجدد طيفها عتبا علينا # فما يعتادنا إلا لماما # وربت ليلة قد بت أسقى # بعينيها وكفيها المداما # قطعنا الليل لثما واعتناقا # وأفنيناه ضما والتزاما # وقد تعجب لتشبيه الزائر النحيل بالطيف الطروق: انظر قوله: # وزور أتاني طارقا فحسبته # خيالا أتى من آخر الليل يطرق # أقسم فيه الظن طورا مكذبا # به أنه حق وطورا أصدق # أخاف وأرجو بطل ظني وصدقه # فلله ظني حين أرجو وأفرق # وقد ضمنا وشك التلاقي ولفنا # عناق على أعناقنا ثم ضيق # فلم نر إلا مخبرا عن صبابة # بشكوى وإلا عبرة تترقرق # فأحسن بنا والدمع ms048 بالدمع واشج # تمازجه والخد بالخد ملصق # ومن قبل قبل التشاكي وبعده # نكاد بها من شدة الوجد نشرق # فلو فهم الناس التلاقي وحسنه # لحبب من أجل التلاقي التفرق # وقد يأسى البحتري ويشجى حين لا تبقي له الليالي غير الذكرى والخيال، تأمل قوله: # حبيب نأى إلا تعرض ذكرة # له أو ملم طائف من خياله # أأمنع في هجرانه من صبابة # وقد كنت صبا مغرما في وصاله # ويأمرني بالصبر من ليس وجده # كوجدي ولا إعلان حالي كحاله # فإن أفقد العيش الذي فات باللوى # فقدما فقدت الظل عند انتقاله # ولقد أذكر أني قرأت منذ سنين رواية (رافاييل) وهي بدعة في الآداب الفرنسوية. فأقسمت ~~لأزورن إن استطعت قبر (لامارتين) واليوم أقسم إن استطعت لأزورن قبر البحتري! # أليس هو القائل في طيف الخيال: # أترى حبي لسعدى قاتلي # وإذا ما أفرط الحب قتل # خطرت في النوم منها خطرة # خطرة البدر بدا ثم اضمحل # أي زور لك أو قصدا سرى # وملم منك أو حقا فعل # يتراءى والكرى في مقلتي # فإذا فارقها النوم بطل # ولتقي الدين السروجي قصيدة بديعة ختمها ببيتين في الخيال، وقد زاره فما حققه لفرط سروره ~~به، ثم ولى عنه فما درى كيف يدركه، ولا عرف كيف يلحقه. قال: # أنعم بوصلك لي فهذا وقته # يكفي من الهجران ما قد ذقته # أنفقت عمري في هواك وليتني # أعطى وصولا بالذي أنفقته # يا من شغلت بحبه عن غيره # وسلوت كل الناس حين عشقته # كم جال في ميدان حبك فارس # بالصدق فيك إلى رضاك سبقته # أنت الذي جمع المحاسن وجهه # لكن عليه تصبري فرقته # قال الوشاة قد ادعى بك نسبة # فسررت لما قلت قد صدقته # بالله إن سألوك عني قل لهم # عبدي وملك يدي وما أعتقته # أو قيل مشتاق إليك فقل لهم # أدري بذا وأنا الذي شوقته # يا حسن طيف من خيالك زارني # من فرحتي بلقاك ما حققته # فمضى وفي قلبي عليه حسرة # لو كان يمكنني الرقاد لحقته # والشعراء يشكون غالبا ألا يمكث الطيف طويلا. وقد شذ الطغرائي فذكر أن محبوبته ms049 عتبت عليه ~~لغيبة الطيف عنده، وطول مكثه لديه. وذلك قوله: # بعثت إلي تلومني في هجعة # أهدت إلي خيالها المذعورا # وتقول ما للطيف أبطأ بعدما # كنا اشترطنا أن يقيم يسيرا # فأجبتها بالعذر وهو مبين # لو كان ينصف لائم معذورا # أطبقت أجفاني عليه وسمته # خوض الدموع فما استطاع عبورا # وهذا الخيال على طرافته منتقد؛ فإن الطيف لا يدخل العين، حتى يضطر إلى عبور الدمع، وهدى ~~الله قوما يحسبون هذا الشعر من وثبات الخيال! # قالوا: وأول من طرد الطيف طرفة بن العبد في قوله: # فقل لخيال العامرية ينقلب # إليها فإني واصل حبل من وصل # وتبعه جرير فقال: # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا # وقت الزيارة فأرجعي بسلام # وهذا حدس وتخمين، فإنه ليس إلى توقيت النوازع القلبية من سبيل. # ومن طريف الشعر في طرد الخيال قول ابن هانئ الأندلسي: # ألا طرقتنا والنجوم ركود # وفي الحي أيقاظ ونحن هجود # وقد أعجل الفجر الملمع خطوها # وفي أخريات الليل منه عمود # سرت عاطلا غضبى من الدر وحده # فلم يدر نحر ما دهاه وجيد # فما برحت الا ومن سلك أدمعي # قلائد في لباتها وعقود # ألم يأتها أنا كبرنا عن الصبا # وأنا بلينا والزمان جديد # ومن الشعراء من يعتذر عن النوم في بعد الحبيب باحتياله لزيارة الخيال. انظر قول علي ~~الإيادي: # أما أنه لولا الخيال المراجع # وعاص يرى في النوم وهو مطاوع # لأشفق واستحيا من النوم واله # يرى بعد روعات النوى وهو هاجع # وأود لو تأمل القارئ قوله: (وعاص يرى في النوم وهو مطاوع) فطالما قدم النوم هؤلاء العصاة ~~وهم للحب خاضعون. # وأصل هذا المعنى لقيس بن الملوح في قوله: # وإني لأستغشي وما بي نعسة # لعل خيالا منك يلقى خياليا # وأخرج من بين الجلوس لعلني # أحدث عنك النفس في السر خاليا # تقطع أنفاسي بذكرك أنفسا # يردن فما يرجعن إلا صواديا # وأوضح منه قول قيس بن ذريح: # وإني لأهوى النوم في غير نعسة # لعل لقاء في المنام يكون # تخبرني الأحلام أني أراكم # فيا ليت أحلام النيام يقين # والظاهر أن نعمة الطيف ms050 لا تسوي بين العشاق جميعا؛ فهي عند بعضهم لوعة وغليل، فقد ~~جعلها حسين بن الضحاك قناعة تقضي بها الضرورة حين يقول: # وماذا يفيدك طيف الخيا # ل والهجر حظك ممن تحب # غناء قليل ولكنني # تمنيته بقنوع المحب # ومن الشعراء من يعجب لزيارة الخيال، كأن يزوره الطيف وهو سجين، كقول جعفر بن ~~علبة: # عجبت لمسراها وأنى تخلصت # إلي وباب السجن دوني مغلق # ألمت فحيت ثم قامت فودعت # فلما تولت كادت النفس تزهق # فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم # لشيء ولا أني من الموت أفرق # ولا أن نفسي يزدهيها وعيدهم # ولا أنني بالمشي في القيد أخرق # ولكن عرتني من هواك صبابة # كما كنت ألقى منك إذ أنا مطلق # وقد ترفق زياد بن حمل فعجب كيف زاره طيف حبيبته مع أنها ضعيفة المشي مكسال، وذلك قوله من ~~قصيدة طويلة: # زارت رويقة شعثا بعدما هجعوا # لدي نواحل في أرساغها الخدم # وقمت للزور مرتاعا فأرقني # فقلت أهي سرت أم عادني حلم # وكان عهدي بها والمشي يبهظها # من القريب ومنها النوم والسأم # وبالتكاليف تأتي بيت جارتها # تمشي الهوينا وما تبدو لها قدم # سود ذوائبها بيض ترائبها # درم مرافقها في خالها عمم # رويق إني وما حج الحجيج له # وما أهل بجنبي نخلة الحرم # لم ينسني ذكركم مذ لم ألاقكم # عيش سلوت به عنكم ولا قدم # ولم تشاركك عندي بعد غانية # لا والذي أصبحت عندي له ذمم # ومن هذا يعتذر فريق من الشعراء من هجر الطيف لبعد الشقة كقول ابن عنين: # سامحت كتبك في القطيعة عالما # أن الصحيفة أعوزت من حامل # وعذرت طيفك في الجفاء لأنه # يسري فيصبح دوننا بمراحل # وقال كشاجم في مثل العذر الطريف: # لقد بخلت حتى بطيف خيالها # علي وقالت رحمة لنحيبي # أخاف على طيفي إذا جاء طارقا # وسادك أن يلقاه طيف رقيبي # طرف أدبية # وقد يكون من المستملح أن نذكر جملة من الطرف تتناسب مع طيف الخيال. فمن ذلك ما أرسله ~~بعض الشعراء إلى الحسن بن سهل: # رأيت في النوم أني راكب فرسا # ولي وصيف وفي ms051 كفي دنانير # فقال قوم لهم فهم ومعرفة # رأيت خيرا وللأحلام تعبير # رؤياك فسر غدا عند الأمير تجد # في الحلم درا وفي النوم التباشير # فوقع في أسفل الكتاب «أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين»! ودخل بعض الشعراء ~~على بشر بن مروان فأنشده: # أغفيت عند الصبح نوم مسهد # في ساعة ما كنت قبل أنامها # فرأيت أنك رعتني بوليدة # رعبوبة حسن علي قيامها # وببدرة حملت إلي وبغلة # دهماء مشرقة يصل لجامها # فدعوت ربي أن يثيبك جنة # عوضا يصيبك بردها وسلامها # فقال له: أبشر في كل شيء الا البغلة فإني لا أملك إلا شهباء! فقال: امرأتي طالق إن ~~كنت رأيتها إلا شهباء غير أني غلطت! # ونقل عن أبي العبر أنه كان عنده حمار فمات فرآه في النوم ينشد شعرا يقول فيه إنه مات ~~عاشقا، فسأله المتوكل ما الذي كان من شأنه؟ فقال: كان يا أمير المؤمنين أعقل من ~~القضاة، ليس له هفوة ولا زلة! فاعتل على حين غفلة، فمات، فرأيته في النوم فقلت له: ~~ألم أنق لك الشعير وأبرد لك الماء، فما سبب موتك؟ فقال: أتذكر إذ وقفت على باب ~~الصيدلاني؟ قلت: نعم، قال: مرت إذ ذاك أتان فافتتنت بها ومت. فقلت: وهل قلت شيئا في ~~ذلك؟ فقال: نعم وأنشد: # هام قلبي بأتان # عند باب الصيدلاني # تيمتني يوم رحنا # بثناياها الحسان # وبخد ذي دلال # مثل خد الشيقران # فبها مت ولو عش # ت إذن طال هواني # فقال له: يا أبا معاذ، وما الشيقران؟ فقال: أنا مشغول بما أنا فيه، وهذا كلام تعرفه ~~الحمير، فإذا رأيتم حمارا، أو من كان أولا حمارا، فاسألوه! فضحك المتوكل حتى استلقى ~~على قفاه، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم، جزاء بما أبدع في هذا الخيال. # | اليأس والرجاء # ليس في العشاق من لم يرزق الأمل والرجاء، وليس فيهم من لم يرزأ باليأس والقنوط. وقد ~~تأملت ما قال الشعراء في اليأس، فرأيت منهم من يترك لأجله العتاب كقول ابن الأحنف: # سكوتي بلاء لا أطيق احتماله # وقلبي ألوف للهوى غير نازع # وأقسم ms052 ما تركي عتابك عن قلى # ولكن لعلمي أنه غير نافع # وإني إذا لم ألزم الصبر طائعا # فلا بد منه مكرها غير طائع # إذا أنت لم يعطفك إلا شفاعة # فلا خير في ود يكون بشافع # وقد عزى نفسه ابن الأحنف حين يئس بقوله: # لعمري لقد جلبت نظرتي # إليك علي بلاء طويلا # فيا ويح من كلفت نفسه # بمن لا يطيق إليه السبيلا # هي الشمس مسكنها في السماء # فعز الفؤاد عزاء جميلا # فلن تستطيع إليها الصعود # ولن تستطيع إليك النزولا # وإني لأتمنى أن يرحمني الله من عذابي، بترديد هذا البيت الجميل: # فيا ويح من كلفت نفسه # بمن لا يطيق إليه السبيلا # ومن العشاق من يرى اليأس أروح من الطمع. كما قال صردر: # لا أمدح اليأس ولكنه # أروح للنفس من المطمع # يا ليت أني قبل وقد الهوى # أذنت للعذل على مسمعي # أين بدور من بني دارم # تبخل أن تسفر في مطلع # لا في سرار الشهر تبدو لنا # ولا ليالي العشر والأربع # أودعتهم قلبي وما خلتهم # يستحسنون الغدر بالمودع # لو زارني طيفهم ما درى # من الضنى أني في مضجعي # ومن المتيمين من يعتذر عن نسيانه، بيأسه وقنوطه. ولم أجد في هذا المعنى أبدع من قول ~~الطغرائي: # من مبلغ الحي شطت دارهم ورضوا # بالجار جارا وما أرضى بهم عوضا # قد طاب عنكم فؤاد طاب قبلكم # عن الرضاع تقضى والشباب مضى # إن الزمان الذي كانت بشاشته # للقلب والعين ملهى بان فانقرضا # فإن نسيت فيأس لم يدع طمعا # وإن ذكرت فعرق ساكن نبضا # حكمت في مهجتي من ليس ينصفني # ولست أبلغ من تحكيمه غرضا # سيان عندي وأمري صار في يده # قضى علي بجور أم إلي قضى # وليس بعد اليأس إلا الرجاء، وإن عجب لذلك بعض الناس. فمن المحبين من يلهج بالأمل ترويحا ~~لنفسه، وترفيها لقلبه، كالذي يقول: # أعلل بالمنى قلبي لعلي # أروح بالأماني الهم عني # وأعلم أن وصلك لا يرجى # ولكن لا أقل من التمني # ومنهم من يجعل الرجاء نصيب المبعد الحزين كما قال ياقوت: # لله أيام تقضت ms053 بكم # ما كان أحلاها وأهناها # مرت فلم يبق لنا بعدها # شيء سوى أن نتمناها # ويكاد الأمل يصرخ في قول مسلم بن الوليد: # أدهرا تولى هل نعيمك مقبل # وهل راجع من عيشنا ما نؤمل # أدهرا تولى هل لنا منك عودة # لعلك يعدي آخرا منك أول # وأوجع الشعر في هذا المعنى قول ابن زريق: # لأصبرن لدهر لا يمتعني # به ولا بي في حال يمتعه # علما بأن اصطباري معقب فرجا # فأضيق الأمر لو فكرت أوسعه # عل الليالي التي أضنت بفرقتنا # جسمي ستجمعني يوما وتجمعه # ولو سئلت عن رأيي في اليأس والرجاء، لقدمت لسائلي هذه الدعوة المستجابة التي أدعو بها ~~عقب كل صلاة: «يا ربي، إنني ما جحدت نعمتك يوم رزقتني بهم، ولا جهلت حكمتك يوم أقصيتهم عني، ~~وها أنا ذا أنتظر فضلك وطولك في ردهم إلي، وعطفهم علي، فلولا الثقة برحمتك، والإيمان ~~بإحسانك، لذهبت النفس عليهم حسرات، وقطع القلب في آثارهم قطعا.» # | العتاب # خير العتاب ما كان ظاهر الذل، بادي الخضوع، نزولا عند حكم الهوى، وإيمانا بعودة الحبيب، ~~كقول القائل: # يا غاية القصد وأقصى المنى # وخير مرعى مقلة الناظر # إن كان لي ذنب ولا ذنب لي # فما له غيرك من غافر # أعوذ بالود الذي بيننا # أن يفسد الأول بالآخر # وحسبك من موجب العطف، ودواعي الرحمة، أن يتوسل المحب بسالف حبه، وماضي عهده، وأن يجعل ~~الأمر في غفر ذنبه لحبيبه. # وقال ابن التعاويذي: # يا ابنة القوم كيف ضاعت عهودي # بينكم والوفاء في العرب دين # كيف أسلمت فيك قلبي إلى الأش # جان لولا أن الغرام جنون # أتريني على النوى مضمرا عن # ك سلوا إني إذن لخئون # أنا من قد علمت عهدي على النأ # ي وثيق وحبل ودي متين # ولا يكون العتاب بابا للرضى إلا حين يصبح إنابة خالصة، كقول ابن زيدون: # يا قمرا أطلعه المغرب # قد ضاق في حبك المذهب # ألزمتني الذنب الذي جئته # إلي فاصفح أيها المذنب # وكقول الآخر: # إذا مرضتم أتيناكم نعودكم # وتذنبون فنأتيكم فنعتذر # فأما قول البحتري: # قد كان مني الوجد غب ms054 تذكر # إذ كان منك الصد غب تناسي # تجري دموعي حيث دمعك جامد # ويرق قلبي حيث قلبك قاسي # فهو بالتأنيب أشبه منه بالعتاب، وخير منه قول البحتري نفسه في كلمة ثانية: # إني وإن لم أبح بوجدي # أسر فيك الذي أسر # يا ظالما لي بغير جرم # إليك من ظلمك المفر # أنت نعيمي وأنت بؤسي # وقد يسوء الذي يسر # وقوله من كلمة أخرى تسيل ذله وتفيض خضوعا: # أيا قمر التمام أعنت ظلما # علي تطاول الليل التمام # أما وفتور لحظك يوم أبقى # تقلبه فتورا في عظامي # لقد كلفتني كلفا أعنى # به وشغلتني عما أمامي # أعيذك أن يراق دم حرام # بذاك الدل في شهر حرام # وبعجز القلم عن وصف ما لهذا الشعر من روعة الجمال، وأتمنى لو تأمل القارئ قليلا هذا ~~البيت الجميل: # يا ظالما لي بغير جرم # إليك من ظلمك المفر # فإنه خير من قول ابن زيدون: # ألزمتني الذنب الذي جئته # إلي فاصفح أيها المذنب # وهل رأى القارئ، أروح للنفس، وأمتع للقلب، من هذا القسم: # أما وفتور لحظك يوم أبقى # تقلبه فتورا في عظامي # وهل رأى حيرة للحب أشقى من حيرة الذي يقول: # لقد كلفتني كلفا أعنى # به وشغلتني عما أمامي # ألا ليت الذين يكتبون رسائلهم باللغة العامية، يعلمون ما نعلم من جمال اللغة الفصيحة ~~ليعرفوا أنهم يجنون على أنفسهم، وعلى قرائهم إذ يحرمونهم من التطلع إلى جنة الأدب، وقطوفها ~~الدانية، ولو عرضت على كتاب العامية هذا البيت: # إني وإن لم أبح بوجدي # أسر فيك الذي أسر # ثم سألتهم ما فيه من وجوه الحسن لحسبوك من المسرفين، وكيف يفهم جمال هذا البيت من يتدلى ~~إلى اللغة المبتذلة المهلهلة عجزا عن الكتابة باللغة التي رحبت بثمرات العقول في جميع ~~الأمم الإسلامية، وكانت لغة العالم زمنا غير قليل. # ولا يحسب واحد من هؤلاء أن الحسن في الأدب لا حد له ولا تعريف، بل هناك حقائق أدبية يرتكز ~~عليها الجمال في الشعر البديع والنثر الجميل، وقاعدة الحسن فيما نحن فيه أن العرب يستملحون ~~بعض ألفاظ الشمول في ms055 كثير من المواطن إيذانا بالتفخيم والتهويل، كلفظة «ما» في قوله تعالى: # فغشيهم من اليم ما غشيهم # للدلالة على أن ~~ما عانوه من طغيان الماء يفوق الوصف، ويعجز عنه التمثيل، ومنها قول البحتري : # برح بي حبك المعني # وغرني منك ما يغر # إذ كانت دواعي الحب، وأسباب العشق، مما يقصر عن إدراكه المحب المفتون، والعاشق المأسور، ~~ومن ذلك لفظة «الذي» في هذا البيت المختار: # إني وإن لم أبح بوجدي # أسر فيك الذي أسر # إيذانا بأن ما يجنه من اللوعة، وما يكنه من الشوق، أجل من أن يحيط به الوصف، أو يناله ~~البيان! # ومن العشاق من يضيف إلى ذلة العتاب، ذلة الإقرار بالذنب كقول الشريف: # أيا شاكيا مني بذنب جنيته # فديتك من شاك إلي حبيب # لئن راب مني ما يريب فإنني # على عدواء الداء غير مريب # وإني لأرعى منك والود بيننا # هوى قلما يرعى بظهر مغيب # فهب لي ذنبا واحدا كنت قلته # فما زلة من حازم بعجيب # فيا حسن حال الود ما دمت مذنبا # أتوب وما دامت تعد ذنوبي # والبيت الأخير يذكرنا بقول بشار: # ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها # كفى المرء نبلا أن تعد معايبه # ومن بديع الشعر في وصف العتاب، وما فيه من ذلة العاشق، وعزة المعشوق قول الشريف: # ومقبل كفي وددت لو انه # أوما إلى شفتي بالتقبيل # جاذبته طرف العتاب وبيننا # كبر الملول وذلة المملول # ولحظت عقد نطاقه فكأنما # عقد الجمال بقرطق محلول # جذلان ينفض من فروج قميصه # أعطاف غصن البانة المطلول # من لي به والدار غير بعيدة # من داره والمال غير قليل # وقوله: # ومقبل كفي وددت لو انه # أوما إلى شفتي بالتقبيل # يذكرنا بقول الصاحب بن عباد: # أهوى لتقبيل يدي # فقلت لا، بل شفتي! # وحيرة أمثال الشريف الرضي والصاحب بن عباد في أمثال هذه المواقف حيرة رهيبة، فكلا الرجلين ~~عالم جليل، ولكن الحب كالموت لا يعصم منه البرج المشيد، والحصن المنيع، وقد يتقرب بعض الناس ~~إلى مثل الشريف الرضي بتقبيل يمناه، فيود هذا لو قبل شفتيه، لأن الحب شغله ms056 عن الاحتفاظ ~~بالعظمة، وقضى عليه بتقديس الجمال! وهنا يظهر بطش الحب وعدوانه حين يذهب بوقار العلم، وجلال ~~الجاه، وغرور المال، ثم يسوي بين الأقدار، ريثما ينسى العالم علمه، والوجيه جاهه، والغني ~~ماله ، حتى إذا أنست تلك النفوس العاتية إلى هذه المساواة، عاد فميز أهل الحسن، ورفع أرباب ~~الجمال، وصير المحبين أذلة، بالرغم من أنف العلم والجاه والمال! ويقول العرب: الهوى إله ~~معبود، وإنهم لصادقون. غير أنه يحسن أن نعرف أن هذا الإله ليس برحمن ولا رحيم، ولكنه قهار ~~جبار! ولولا الرحمة بضعفاء اليقين لأعطيت هذا البحث ما يستحقه من البيان، ولبينت للقارئ رأى ~~الفلاسفة في مملكة الجمال، ولكن الدين في كثير من القلوب كالكرى في عين الخائف المذعور، ~~يودي به مر الطيف وهبوب النسيم! والذين يختلفون في النظرة البريئة أحرام هي أم حلال، لا ~~يعقلون كيف يكون الهوى إلها، وكيف يكون له ملائكة مقربون، من الشعور، والعيون، والخدود، ~~والثغور، والنحور والصدور، وهم إن عقلوا هذه الألوهية فلن يعقلوا كيف يكون لها من كتاب الحب ~~أنبياء مرسلون، بل كل محب عندهم ماجن خليع، قاتلهم الله أنى يؤفكون! # ونعود فنبين أن الشريف أجاد تصوير العتاب بقوله: # جاذبته طرف العتاب وبيننا # كبر الملول وذلة المملول # والمراد بكبر الملول عزة المعشوق، الذي تحدثه عن هجره وصده، فكأنما تسمعه هجر القول ولغو ~~الحديث، فيتبرم ويتململ، ويود لو أرحته من حديث الحب؛ إذ كان الحسن يسد أذن الجميل، فلا ~~يسمع الشكوى ولا يفقه العتاب، وما أبدع الغزل في قوله: # جذلان ينفض من فروج قميصه # أعطاف غصن البانة المطلول # ولا يكاد حضرة الشاعر الكبير حافظ بك إبراهيم يذكر الشريف الرضي إلا ذكر له هذا البيت، ~~وله فيه تأويل عجيب، ولعل أبرع ما قيل في التطلع إلى الاستمتاع بالجمال، قوله في هذا البيت ~~المختار: # من لي به والدار غير بعيدة # من داره والمال غير قليل # ولعل صديقنا الشيخ عبد العزيز صقر يتسلى بأن الشريف الرضي على جاهه كان يشكو بعد الدار، ~~وقلة المال: # فدع ذكر سعدى إن فيك ms057 تقية # ألا إنما يبغي المها من يصيدها # وقد يصبح العتاب وهو لوم للنفس، وعذل للقلب، على الكلف بحبيب ليس للحب عنده جزاء، فمن ذلك ~~قول بعض الأعراب: # أحيا على حب وأنت بخيلة # وقد زعموا أن لا يحب بخيل # بلى والذي حج الملبون بيته # ويشفي الهوى بالنيل وهو قليل # وإن بنا لو تعلمين لغلة # إليك كما بالحائمات غليل # وقد يعكس هذا المعنى، فيحب العاشق ظلم معشوقه، ويحب من أجل ذلك أعداءه الظالمين، كقول أبي ~~الشيص الخزاعي: # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي # متأخر عنه ولا متقدم # أجد الملامة في هواك لذيذة # حبا لذكرك فليلمني اللوم # أشبهت أعدائي فصرت أحبهم # إذ كان حظي منك حظي منهم # وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا # ما من يهون عليك ممن أكرم # ومن العشاق من يمزج العتاب بذكر ما لقي في سبيل الحب من البلايا، كقول ابن ~~الدمينة: # وأنت التي كلفتني دلج السرى # وجون القطا بالجلهتين جثوم # وأنت التي قطعت قلبي حزازة # وفرقت قرح القلب فهو كليم # وأنت التي أحفظت قومي فكلهم # بعيد الرضا داني الصدود كظيم # وقد أجابته محبوبته أمامة فذكرت ما لقيت في سبيل حبه من سفاهة الوشاة، وشماتة اللائمين، ~~حيث تقول: # وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني # وأشمت بي من كان فيك يلوم # وأبرزتني للناس ثم تركتني # لهم غرضا أرمى وأنت سليم # فلو أن قولا يكلم الجسم قد بدا # بجسمي من قول الوشاة كلوم # وقد ضعف ابن الدمينة عن مجاراتها في قسوة العتاب، فبعث إليها الأبيات الآتية، يسألها ~~الصفح والغفران: # وإذا عتبت علي بت كأنني # بالليل مختلس الرقاد سليم # ولقد أردت الصبر عنك فعاقني # علق بقلبي من هواك قديم # يبقى على حدث الزمان وريبه # وعلى جفائك إنه لكريم # ومن المحبين من تعجزه الحيلة، فيذكر أحبابه بأن الحياة قصيرة، لا تتسع للصد، ولا تحتمل ~~الهجر، كقول الطغرائي: # ويا رفقة مرت بجزعاء مالك # تؤم الحمى أنضاؤها المطايا # نشدتكم بالله ألا نشدتم # بها شعبة أضللتها من فؤاديا # وقلتم لحي نازلين بقربها # أقاموا بها واستبدلوا بجواريا # رويدكم لا تسبقوا ms058 بقطيعتي # صروف الليالي إن في الدهر كافيا # وأصل هذا المعنى لإياس بن القائف إذ يقول: # إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها # فقدت صديقي والبلاد كما هيا # فأكرم أخاك الدهر ما دمتما معا # كفى بالممات فرقة وتنائيا # وقد كاد سعيد بن حميد يضع لهذا المعنى صورة شعرية بقوله في النهي عن العتاب: # أقلل عتابك فالبقاء قليل # والدهر يعدل تارة ويميل # لم أبك من زمن ذممت صروفه # إلا بكيت عليه حين يزول # ولكل نائبة ألمت مدة # ولكل حال أقبلت تحويل # والمنتمون إلى الإخاء جماعة # إن حصلوا أفناهم التحصيل # فلئن سبقت لتبكين بحسرة # وليكثرن علي منك عويل # ولتفجعن بمخلص لك وامق # حبل الوفاء بحبله موصول # ولئن سبقت ولا سبقت ليمضين # من لا يشاكله لدي خليل # وليذهبن بهاء كل مروءة # وليفقدن جمالها المأهول # وأراك تكلف بالعتاب وودنا # باق عليه من الوفاء دليل # ولعل أيام الحياة قصيرة # فعلام يكثر عتبنا ويطول # على أن الرفق الذي ألم بالطغرائي فجعله يرجو أحبابه ألا يسبقوا صروف الليالي، لم يمنعه ~~من أن يصرخ شاكيا في نفس القصيدة، فيرمي أحبابه بالخيانة والنسيان، وذلك قوله: # أفي الحق أني قد قضيت ديونكم # وأن ديوني باقيات كما هيا # فوا أسفي، حتام أرعى مضيعا # وآمن خوانا وأذكر ناسيا # وما زال أحبابي يسيئون عشرتي # ويجفونني حتى عذرت الأعاديا # والبيت الأخير يذكرنا بقول أبي تمام: # أحبابه لم تفعلون بقلبه # ما ليس يفعله به أعداؤه # وقد بسط الأرجاني هذا المعنى فقال: # أأحبابنا كم تجرحون بهجركم # فؤادا يبيت الليل بالهم مكمدا # إذا رمتم قتلي وأنتم أحبة # فما الذي أخشى إذا كنتم عدا # سأضمر في الأحشاء منكم تحرقا # وأظهر للواشين عنكم تجلدا # وأمنع عيني اليوم أن تكثر البكا # لتسلم لي حتى أراكم بها غدا # ومن هؤلاء المساكين الذين لا يجدون حيلة غير تذكير أحبابهم بقصر الحياة أبو صخر الهذلي في ~~هذه الأبيات الموجعة: # بيد الذي شغف الفؤاد بكم # تفريج ما ألقى من الهم # قد كان صرم في الممات لنا # فعجلت قبل الموت بالصرم # ولما بقيت ليبقين جوى # بين الجوانح ms059 مضرع جسمي # فتعلمي أن قد كلفت بكم # ثم افعلي ما شئت عن علم # وما ذكرت هذه المعاني المحزنة إلا تغنيت بهذا البيت الذي لا أراه إلا زفرة تتصعد، أو ~~عبرة تتدفق: # وأرى الأيام لا تدني الذي # أرتجي منك وتدني أجلي! # ومن الشعر الممتع في وصف الحيرة، يرمى بها المحب العميد، قول الشريف يعاتب حبيبا أغراه ~~بالحب، ثم أصلاه الصدود: # يا صاحب القلب الصحيح أما اشتفى # ألم الجوى من قلبي المصدوع # أأسأت بالمشتاق حين ملكته # وجزيت فرط نزاعه بنزوع # هيهات لا تتكلفن لي الهوى # فضح التطبع شيمة المطبوع # كم قد نصبت لك الحبائل طامعا # فنجوت بعد تعرض لوقوع # وتركتني ظمآن أشرب غلتي # أسفا على ذاك اللمى الممنوع # قلبي وطرفي منك هذا في حمى # قيظ وهذا في رياض ربيع # كم ليلة جرعته في طولها # غصص الملام ومؤلم التقريع # أبكى ويبسم والدجى ما بيننا # حتى أضاء بثغره ودموعي # تفلي أنامله التراب تعللا # وأناملي في سني المقروع # قمر إذا استخجلته بعتابه # لبس الغروب ولم يعد لطلوع # لو حيث يستمع السرار وقفتما # لعجبتما من عزه وخضوعي # أبغي هواه بشافع من غيره # شر الهوى ما نلته بشفيع # أهون عليك إذا امتلأت من الكرى # أني أبيت بليلة الملسوع # قد كنت أجزيك الصدود بمثله # لو أن قلبك كان بين ضلوعي # وقد ارتبت في بيتين وردا في خلال هذه القصيدة، وبينهما وبين موضوعها بون شاسع، وهما ~~قوله: # ما كان إلا قبلة التسليم أر # دفها الفراق بضمة التوديع # كمدي قديم في هواك وإنما # تاريخ وصلك كان مذ أسبوع # فإن هذا الوصل الحديث خليق بمحو ذلك العتب القديم، والتنافر بين هذين البيتين وبين موضوع ~~القصيدة ظاهر على الأقل من مقابلتهما بهذا البيت الجميل: # أهون عليك إذا امتلأت من الكرى # أني أبيت بليلة الملسوع # فإنه يدل على أن الحبيب غير بعيد، وأنه في قربه نافر شرود، مما يذكرنا بقوله من كلمة ~~ثانية: # أبيت والليل مبثوث حبائله # والوجد يقنص مني كل مجلود # شوقا إليك وإشفاقا عليك ولي # دمعان ما بين محلول ومعقود # ليس ms060 الغريب الذي تنأى الديار به # إن القريب قريب غير مودود # وإنما أردنا هذه الملاحظة ليتنبه القارئ إلى أن في الدواوين أشياء كثيرة نسبت زورا إلى ~~الشعراء، وربما عدنا إلى تحقيق ذلك في مبحث خاص. والأدباء يعجبون بعينية الشريف هذه في ~~العتاب، وقل منهم من لا يحفظ هذا البيت المختار: # لو حيث يستمع السرار وقفتما # لعجبتما من عزه وخضوعي # والعز والخضوع في هذا البيت يذكرنا بالعز والذل في قول عمارة اليمني في المجون: # ونافر الأعطاف عاملته # باللطف حتى سكن النافر # ولم أزل أمسح أعطافه # ورأيه في قصتي حائر # حتى غدا من خجل مطرقا # وكل إعراض له آخر # عجبت من ذلي ومن عزه # في موقف عاذله عاذر # في ليلة ساهرها نائم # فما له سمع ولا ناظر # مددت فيها الفخ لما خلا ال # جو إلى أن وقع الطائر # فبت من فرط اغتباطي به # أظن أني غائب حاضر # وابن التعاويذي يجيد الشعر في العتاب، وهو صاحب هذه الأبيات المختارة: # خذ في أفانين الصدود فإن لي # قلبا على العلات لا يتقلب # أتظنني أضمرت بعدك سلوة # هيهات عطفك من سلوي أقرب # قد كنت تنصفني المودة راكبا # في الحب من أخطاره ما أركب # فاليوم أقنع أن يمر بمضجعي # في النوم طيف خيالك المتأوب # وهو أيضا صاحب هذه القطعة التي تمثل الوجد الدفين: # يا نازحا ليس يدنو # وعاتبا ليس يرضى # يا واجدا وديوني # في حبه ليس تقضى # أمرت عيني ففاضت # ومضجعي فأقضا # ارقد هنيئا فإني # ما ذقت بعدك غمضا # ومن الظلم للعواطف أن لا نفصل مذهب العباس بن الأحنف في العتاب، فإن شعره آية الآيات في ~~الشكوى من الهجر، والتوجع من الصدود، وهو مع هذا يعد أيام الهجر أحسن أيامه، ويقول: # وأحسن أيام الهوى يومك الذي # تروع بالهجران فيه وبالعتب # إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا # فأين حلاوات الرسائل والكتب # ولكن هذا أمل بعيد، فليس كل عتب تدور فيه رسائل الحب، وصحف الهوى، وكذلك رزئ ابن الأحنف ~~بمن ينبذ كتبه، ويمزق رسائله، وفي هذا المعنى قرأنا ms061 له هذه القطعة الباكية: # وصالك مظلم فيه التباس # وعندك لو أردت له شهاب # وقد حملت من حبيك ما لو # تقسم بين أهل الأرض شابوا # أفيقي من عتابك في أناس # شهدت الحظ من قلبي وغابوا # يظن الناس بي وبهم وأنتم # لكم صفو المودة واللباب # وكنت إذا كتبت إليك أشكو # ظلمت وقلت ليس له جواب # فعشت أقوت نفسي بالأماني # أقول لكل جامحة إياب # وصرت إذا انتهى مني كتاب # إليك لتعطفي نبذ الكتاب # وأن الود ليس يكاد يبقى # إذا كثر التجني والعتاب # خفضت لمن يلوذ بكم جناحي # وتلقوني كأنكم غضاب # وقد أكثر ابن الأحنف من التوجع لحرمانه من كتب من يهوى، وهو صاحب هذا البيت ~~الحزين: # ويقنعني ممن أحب كتابه # ويمنعنيه، إنه لبخيل! # وكثيرا ما يميل ابن الأحنف إلى الصفح الجميل، إذ يرى العتاب لا يعطف القلوب، إن لم تضمر ~~الحنان. وقد أفصح عن ذلك في هذه الأبيات: # أنكر الناس ساطع المسك من دج # لة قد أوسع المشارع طيبا # فهمو يعجبون منه وما يدرو # ن أن قد حللت منه قريبا # قاسميني هذا البلاء وإلا # فاجعلي لي من التعزي نصيبا # إن بعض العتاب يدعو إلى العت # ب ويؤذي به المحب الحبيبا # وإذا ما القلوب لم تضمر العط # ف فلن يعطف العتاب القلوبا # وما أجمل العزة في قوله: # خفضت لمن يلوذ بكم جناحي # وتلقوني كأنكم غضاب # وقوله: # خفضت طرفي لأدنى من يلوذ بكم # حتى احتقرت وما مثلي بمحتقر # وأي كريم لم يلق مثل هذه الذلة في سبيل الصبابة؟ ومتى عرف الهوى قيمة العزة في نفوس ~~الأعزاء، فعصمها عن مدارة قوم يحيطون بالجمال، إحاطة الأشواك بالورود؟ # وقد ترى ابن الأحنف يائسا من نفع العتاب، فنقرأ له هذه الأبيات في التبرم ~~بالسكوت: # سكوتي بلاء لا أطيق احتماله # وقلبي ألوف للهوى غير نازع # فأقسم ما تركي عتابك عن قلى # ولكن لعلمي أنه غير نافع # وإني إذا لم ألزم الصبر طائعا # فلا بد منه مكرها غير طائع # إذا أنت لم يعطفك إلا شفاعة # فلا خير في ود يكون بشافع ms062 # وربما رأيناه زاهدا في العتاب، لأن محبوبته لا تصد صد العاتب، بل صد الملول وذلك ~~قوله: # لو كنت عاتبة لسكن لوعتي # أملي رضاك وزرت غير مراقب # لكن مللت فلم تكن لي حيلة # صد الملول خلاف صد العاتب # ما ضر من قطع الرجاء ببخله # لو كان عللني بوعد كاذب # على أن ابن الأحنف لم يقض كل حياته في هذا العذاب، بل رأيناه يعجب بنصره في الحب، وقهره ~~لقلوب الحسان، أليس سعيدا من يقول: # يا رب جارية أسلبت عبرتها # من رقة ولغيري قلبها قاسي # كم من كواعب ما أبصرن خط يدي # إلا تمنين أن يأكلن قرطاسي # وكان البها زهير، أحد وزراء مصر في أيامها الخوالي، من أرق الشعراء في العتاب، حتى لتحسب ~~شعره نجوى بين المحب والحبيب، أو رنين الحلى عند عناق الحسان، أو خفوق الأمل في قلب اليائس ~~المحزون. انظر إلى اعتذاره عن محبوبه، ورضاه عما جنت يد الدلال يسكر به المعشوق ~~الجميل: # مولاي من سكر الدلا # ل عبثت والسكران عابث # ونكثت عهدا في الهوى # ما خلت أنك فيه ناكث # لك لا أشك قضية # أنا سائل عنها وباحث # وقد يكثر في شعر البها زهير وصف الدلال وما له من النشوة والسكر، فنراه في موطن آخر ~~يقول: # أضنى الفؤاد فمن يريحه # وحمى الرقاد فمن يبيحه # ونضا من الأجفان سي # فا قلما يبقى جريحه # نشوان من خمر الدلا # ل غبوقه وبها صبوحه # والذي يعنينا الآن شرح مواقفه في العتاب، لأنها تمثل الروح المصرية، وما لها من السماحة ~~المصحوبة بالشمم والإباء، فحينا ينفي ما ذاع من سلوه، حتى هجره أحبابه، فيقول: # يا هاجرين وحقكم # هونتم ما لا يهون # قلتم فلان قد سلا # ما كان ذاك ولا يكون # وحياتكم وهي التي # ما مثلها عندي يمين # ما خنت عهدكم كما # زعم الوشاة ولا أخون # يا من يظن بأنني # قد خنته غيري الخئون # لو صح ودك صح ظن # ك بي وبان لك اليقين # يا قلب بعض الناس كم # تقسو علي وكم ألين # يا ويلتاه لمن يخا # طب ms063 أو لمن يشكو الحزين # قد ذل من كان المعي # ن له هو الدمع المعين # وحينما يمزج العتاب بالشكوى فيقول: # يا أعز الناس عندي # كيف خنت اليوم عهدي # سوف أشكو لك بعدي # فعسى شكواي تجدي # أين مولاي يراني # ودموعي فوق خدي # أقطع الليل أقاسي # ما أقاسي فيه وحدي # ليتني عندك يا مولا # ي أو ليتك عندي # ثم يترفق في شكواه وأمانيه، فيقول: # من لي بقلب أشتري # ه من القلوب القاسيه # إني لأطلب حاجة # ليست عليك بخافيه # أنعم علي بقبلة # هبة وإلا عارية # وأعيدها لك لا عدم # ت بعينها وكما هيه # وإذا أردت زيادة # خذها ونفسي راضيه # فعسى يجود لنا الزما # ن بخلوة في زاويه # أو ليتني ألقاك وح # دك في طريق خاليه # وهذه غاية الغايات في رقة النجوى ولطف العتاب، ولكن البها زهير كما قلنا مصري الروح، فهو ~~في رقته غضوب؛ ألم تر إليه وقد تبدل من يهوى، فرماه بهذه الصاعقة: # يا من تبدل في الهوى # يهنيك صاحبك الجديد # إن كان أعجبك الصدو # د كذاك أعجبني الصدود # واعلم بأني لا أري # د إذا رأيتك لا تريد # وأنا القريب فإن تغي # ر صاحبي فأنا البعيد # وقد أوضح هذا المعنى ووفاه في الكلمة الآتية: # سأعرض عمن راح عني معرضا # وأعلن سلواني له وأشيعه # وأحجب طرفي عنه فهو رسوله # وأحجب قلبي عنه فهو شفيعه # وكيف ترى عيني لمن لا يرى لها # ويحفظ قلبي في الهوى من يضيعه # وأقسمت لا تجري دموعي على امرئ # إذا كان لا تجري علي دموعه # فلو خان طرفي ما حوته جفونه # ولو خان قلبي ما حوته ضلوعه # وأوضح من هذا قوله من كلمة ثانية: # هو حظي قد عرفته # لم يحل عما عهدته # فإذا قصر من أهوا # ه في الحب عذرته # غير أني لي في الح # ب طريق قد سلكته # لو أراد البعد عني # نور عيني ما تبعته # إن قلبي وهو قلبي # لو تجنى ما صحبته # كل شيء من حبيبي # ما خلا الغدر احتملته # أنا في الحب غيور # ذاك خلقي لا ms064 عدمته # أبصر الموت إذا أبص # ر غيري من عشقته # | نوح الحمام # لقد ألممنا إلمامة قصيرة بنوح الحمام عند أسباب المدامع، واليوم نفصل مذاهب الشعراء في ~~هذا الباب: فمنهم من يحن إلى الحمائم الشادية، ويتمنى لو عدن إليه، فإذا عدن أسلمنه إلى ~~البكاء، كما قال المجنون: # ألا يا حمامات اللوى عدن عودة # فإني إلى أصواتكن حزين # فعدن فلما عدن كدن يمتنني # وكدت بأشجاني لهن أبين # فلم تر عيني مثلهن بواكيا # بكين ولم تذرف لهن عيون # ومن الشعراء من يذكر أن الحمائم الباكية تبعث الهوى في قلب الخلي، فكيف بالشجي، وأن ~~أنغامها ليست دموعا ولكنها أمضى من الدموع، كما قال أبو تمام: # بعثن الهوى في قلب من ليس هائما # فقل في فؤاد رعنه وهو هائم # لها نغم ليست دموعا فإن علت # مضت حيث لا تمضي الدموع السواجم # ومنهم من يستريح إلى نوح الحمام، ويراه تداويا من الداء بنفس الداء، كقول ابن عبد ~~ربه: # فكيف ولي قلب إذا هبت الصبا # أهاب بشوق في الضلوع دفين # ويهتاج منه كلما كان ساكنا # دعاء حمام لم تبت بوكون # وإن ارتياحي من بكاء حمامة # كذي شجن داويته بشجون # كأن حمام الأيك لما تجاوبت # حزين بكى من رحمة لحزين # ويسمون الحمامة «مطوقة» لطوقها المخضب الجميل، كما قال ابن عبد ربه: # ونائح في غصون الأيك أرقني # وما عنيت بشيء ظل يعنيه # مطوق بخضاب ما يزايله # حق تزايله إحدى تراقيه # قد بات يشكو بشجو ما دريت به # وبت أشكو بشجو ليس يدريه # ومن الشعراء من يقارن بينه وبين الحمامة الباكية، فيذكر أنها تبكي بلا دمع، وأن إلفها ~~منها قريب، كما قال أبو محلم الشيباني من قصيدة اقترحها عليه طاهر بن الحسين، وقد كبرت سنه، ~~وطالت غربته: # وأرقني بالري نوح حمامة # فنحت وذو الشجو الغريب ينوح # على أنها ناحت ولم تذر دمعة # ونحت وأسراب الدموع سفوح # وناحت وفرخاها بحيث تراهما # ومن دون أفراخي مهامه فيح # ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر # وغصنك مياد ففيم تنوح # أفق لا تنح من غير شيء ms065 فإنني # بكيت زمانا والفؤاد صحيح # ولوعا فشطت غربة دار زينب # فها أنا أبكي والفؤاد جريح # ومما يجدر أن يكون «صورة شعرية» في وصف الحمامة الباكية قول الطغرائي: # أيكية صدحت شجوا على فنن # فأشعلت ما خبا من نار أشجاني # ناحت وما فقدت إلفا ولا فجعت # فذكرتني أوطاري وأوطاني # طليقة من إسار الهم ناعمة # أضحت تجدد وجد الموثق العاني # تشبهت بي في وجدي وفي طربي # هيهات ما نحن في الحالين سيان # ما في حشاها ولا في جفنها أثر # من نار قلبي ولا من ماء أجفاني # يا ربة البانة الغناء تحضنها # خضراء تلتف أغصانا بأغصان # إن كان نوحك إسعادا لمغترب # ناء عن الأهل ممنو بهجران # فقارضيني إذا ما اعتادني طرب # وجدا بوجد وسلوانا بسلوان # أو لا فقصرك حتى أستعين بمن # يعنيه شأني ويأسو كلم أحزاني # ما أنت مني ولا يعنيك ما أخذت # مني الهموم ولا تدرين ما شاني # كلي إلى الغيم إسعادي فإن له # دمعا كدمعي وإرنانا كإرناني # وهذه القصيدة من أبدع ما قال الشعراء في الحمائم الشاديات. وهي أنموذج لملاحة التقسيم، ~~وبراعة التصوير، وحلاوة التعبير، ويقرب منها قول ديك الجن: # حمائم ورق في حمى ورق خضر # لها مقل تجري الدموع ولا تجري # تكلفن إسعاد الغريبة إن بكت # وإن كن لا يدرين كيف جوى الصدر # لها حرق لو أن خنساء أعولت # بهن لأدت حق صخر إلى صخر # فقلت لنفسي ها هنا طلب الأسى # ومعدنه إن فاتني طلب الصبر # وقد يحسن لفت النظر إلى الخرافة القديمة في نوح الحمام: فإن العرب يذكرون أنه كان لهن ملك ~~في عهد نوح يسمى (الهديل) فهن يبكينه إلى الآن! وهو المعني بقول نصيب: # لقد راعني للبين نوح حمامة # على غصن بان جاوبتها حمائم # هواتف أما من بكين فعهده # قديم وأما شجوهن فدائم # وممن ذكر الهديل حميد بن ثور في هذه الأبيات الحسان: # إذا نادى قرينته حمام # جرى لصبابتي دمع سفوح # يرجع بالدعاء على غصون # هتوف بالضحى غرد فصيح # هفا لهديله مني إذا ما # تغرد ساجعا قلب قريح # فقلت ms066 حمامة تدعو حماما # وكل الحب نزاع طموح # قال أبو بكر بن دريد: خرجنا من عمان في سفر لنا، فنزلنا في أصل نخلة، فنظرت فإذا فاختتان ~~تزقوان في فرعها، فقلت: # أقول لورقاوين في فرع نخلة # وقد طفل الإمساء أو جنح العصر # وقد بسطت هاتي لتلك جناحها # ومال على هاتيك من هذه النحر # ليهنكما أن لم تراعا بفرقة # وما دب في تشتيت شملكما الدهر # فلم أر مثلي قطع الشوق قلبه # على أنه يحكي قساوته الصخر # ومن جيد الشعر في الموازنة بين العاشق وبين الحمامة الشادية قول ابن سنان ~~الخفاجي: # أتظن الورق في الأيك تغنى # أنها تضمر حزنا مثل حزني # لا أراك الله نجدا بعدها # أيها الحادي بها إن لم تجبني # هل تباريني إلى بث الجوى # في ديار الحي نشوى ذات غصن # هب لنا الشبق ولكن زادنا # أننا نبكي عليها وتغني # يا زمان الخيف هل من عودة # يسمح الدهر بها من بعد ضن # أرضينا بثنيات اللوى # عن زرود يا لها صفقة غبن # وقد ينكر الشاعر على الحمامة أن تشكو الفراق، وهي كثيرة الألاف، وحالية بالطوق والخضاب، ~~كقول ابن سنان صاحب الأبيات السالفة: # وهاتفة في البان تملي غرامها # علينا وتتلو من صبابتها صحفا # عجبت لها تشكو الفراق جهالة # وقد جاوبت من كل ناحية إلفا # ويشجي قلوب العاشقين حنينها # وما فهموا مما تغنت له حرفا # ولو صدقت فيما تقول من الأسى # لما لبست طوقا ولا خضبت كفا # ولكن الأرجاني يصفها بصدق اللوعة، فيذكر أنها مزقت أثواب الحداد، وأن صدورها ضاقت ~~بأنفاسها ففضت مجامع الأطواق وأنها نزفت دمعها وأفنته بطول البكاء، وذلك في قوله: # ومما شجاني وقد ودعوا # بكاء الحمام على ساقها # تنوح على بعد ألافها # وتظهر مكنون أشواقها # لبسن حدادا ومزقنه # فلم تدخر غير أزياقها # وضاقت صدورا بأنفاسها # ففضت مجامع أطواقها # وقد نزفت في الهوى دمعها # فلم يبق ماء بآماقها # ولم يكثر الشعراء الحديث عن غناء الكروان، ويظهر أنهم لم يتمتعوا بأغانيه الجميلة على ~~ضفاف النيل في سنتريس، والدهر كله فداء للحظة واحدة من الأصائل، ms067 أو العشيات، أو الأسحار، ~~في مغاني سنتريس. # ويعجبني في وصف الكروان قول الأستاذ عباس العقاد: # يا محيي الليل البهيم تهجدا # والطير آوية إلى الأوكان # يحدو الكواكب وهو أخفى موضعا # من نابغ في غمرة النسيان # قل يا شبيه النابغين إذا دعوا # والجهل يضرب حولهم بجران # كم صيحة لك في الظلام كأنها # دقات صدر للدجنة حان # خفاقة النغمات تطفر في الدجى # فوق النسائم طفرة النشوان # هن اللغات ولا لغات سوى التي # رفعت بهن عقيرة الوجدان # إن لم تقيدها الحروف فإنها # كالوحي ناطقة بكل لسان # أغنى الكلام عن المقاطع واللغى # بث الحزين وفرحة الجذلان # إني لأسمع منك إذ ناديتني # معنى يقصر عنه كل بيان # أصغي إليك إذا هتفت وفي يدي # سفر يغرد صامت الأوزان # شعر الطيور ولا رياء يشوبه # يذري ببدع قصائد الإنسان # يا ساليا يشكو ويصدح وحده # علم سميرك راحة السلوان # ومن خير ما وصفت به الحمامة من ناحية الخلقة الجميلة، قول بعض الأعراب: # وقبلي أبكى كل من كان ذا هوى # هتوف البواكي والديار البلاقع # وهن على الأطلال من كل جانب # نوائح ما تخضل منها المدامع # 1 # مزبرجة الأعناق غر ظهورها # مخطمة بالدر خضر روائع # 2 # ترى طررا بين الخوافي كأنها # حواشي برد زينتها الوشائع # 3 # ومن قطع الياقوت صيغت عيونها # خواضب بالحناء منها الأصابع # ويعجبني خطاب عبد البر بن فرسان الغساني لطائر مغرد ضم أفراخه إليه: # أعدهن ألحانا على سمع معرب # يطاوح مرتاحا على القضب معجما # وطر غير مقصوص الجناح مرفها # مسوغ أشتات الحبوب منعما # مخلى وأفراخا بوكرك نوما # ألا ليت أفراخي معي كن نوما # وقد أبدع الرصافي شاعر الأندلس حين تغنى يوما من أيام شبابه وقد خلا فيه بمن يهوى في ~~روضة لم يشاركهم في سكناها غير الهديل، وأبياته الآتية غاية من غايات الحسن في وصف الشمس ~~وهي تجنح للغروب: # وعشي رائق منظره # قد قطعناه على صرف الشمول # وكأن الشمس في أثنائه # ألصقت بالأرض خدا للنزول # والصبا ترفع أذيال الربا # ومحيا الجو كالسيف الصقيل # حبذا منزلنا مغتبقا # حيث لا يطرقنا ms068 غير الهديل # طائر شاد وغصن منثن # والدجى تشرب صهباء الأصيل # ومما يقرب من هذا الباب وليس منه قول القاضي أبي حفص القرطبي: # هم نظروا لواحظها فهاموا # وتشرب لب شاربها المدام # يخاف الناس مقلتها سواها # أيذعر قلب حامله الحسام # سما طرفي إليها وهو باك # وتحت الشمس ينسكب الغمام # وأذكر قدها فأنوح وجدا # على الأغصان ينتحب الحمام # وأعقب بينها في الصدر غما # إذا غربت ذكاء أتى الظلام # | التقرب بالدموع # خير ما تقرب به المحب إلى حبيبه دمع مسفوح، وقلب مجروح، ووجد مشبوب، وصبر مغلوب. ~~والتقرب بالدمع نوع من الاستعطاف تغزى به قلوب الحسان، ومن طريفه قول الأبيوردي: # أشكو الهوى لترقي يا أميمة لي # فطالما رفق المشكو بالشاكي # يشقى بعضي ببعضي في هواك فما # للعين باكية والقلب يهواك # وهذا المعنى غير معروف عند العرب؛ فهم يرون بكاء العين من فضل حزن الفؤاد، حتى ليقولون: ~~نعمت العين، وشقي القلب، ولكن الأبيوردي عكس المعنى، فجعل نعيم القلب في الهوى، وعذاب العين ~~في البكاء، ثم قال: # إن يحك ثغرك دمعي حين أسفحه # فإنني جدت للمحكي بالحاكي # ما كنت أحسب أن الدر مسكنه # يكون جيدك أو عيني أو فاك # وأوضح من هذا وأجمل قول الشريف: # أهون بما حملتنيه من الضنى # لو أن طيفك كان من عوادي # ولقلما زار الخيال بمقلة # روعاء نافرة بغير رقاد # ما تلتقي الأجفان منها ساعة # وإذا التقت فلغض دمع باد # لا يبعدن قلبي الذي خلفته # وقفا على الإتهام والإنجاد # إن الذي غمر الرقاد وساده # لم يدر كيف نبا علي وسادي # ولقد بعثت من الدموع إليكم # بركائب ومن الزفير بحادي # لولا هواك لما ذللت وإنما # عزي يعيرني بذل فؤادي # وهكذا يجمع الشريف الرضي بين العزة القرشية، والذلة العذرية؛ فهو عزيز ذليل! وللبحتري ~~حوار لطيف في هذا الباب، فمن ذلك قوله: # صلي مغرما قد واتر الشوق دمعه # سجاما على الخدين بعد سجام # فليس الذي حللته بمحلل # وليس الذي حرمته بحرام # وقد ردد هذا المعنى في موطن آخر فقال: # ألام على هواك وليس عدلا # إذا أحببت ms069 مثلك أن ألاما # فقد حرمت من وصلي حلالا # وقد حللت من هجري حراما # ولا يسعني وقد أسرف البحتري في ذكر الحرام والحلال، إلا الرجاء في أن ينصف هذا المظلوم ~~يوم يقوم الحساب. وقد رق شعر العباس بن الأحنف حين يقول: # أما استوجبت عيني فديتك نظرة # إليك وقد أبكيتها حججا عشرا # لعمري لئن أقررت عيني بنظرة # إليك لقد عذبتها بالبكا دهرا # ويقرب من هذا قوله من كلمة ثانية: # جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى # وفاضت له من مقلتي غروب # وما ذاك إلا حين أيقنت أنه # يمر بواد أنت منه قريب # يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى # إليكم تلقى طيبكم فيطيب # أيا ساكني أكناف دجلة كلكم # إلى القلب من أجل الحبيب حبيب # وقد تلطف ابن التعاويذي في شكوى حاله إلى من يهوى بقوله: # يا موحش العين التي # أنست بطول بكائها # غادرت بين جوانحي # نفسا تموت بدائها # تشتاق عيني أن ترا # ك وأنت في سودائها # فإذا بخلت بنظرة # سمحت بجمة مائها # ومن مبتدعات المتأخرين في هذا المعنى قول بعض الشعراء: # وقلت شهودي في هواك كثيرة # وأصدقها قلبي ودمعي مسفوح # فقال شهود ليس يقبل قولها # فدمعك مقذوف وقلبك مجروح # وهو كلام قد يطمئن له الفقهاء والمحدثون، لطول ما يبحثون في القذف والتجريح، وما أغنى ~~الشعر عن تفسير أولئك وتأويل هؤلاء! ~~••• # وقد يتوسل المحب بفنائه في الوجد، ومن شعراء العصر من أجاد هذا المعنى، كصاحب البدائع حين ~~يقول: # يا أهل أسيوط لا زلتم بعافية # وإن تمرد في وجدي بكم دائي # أسلمتموني لدهري بعد ما بليت # من قسوة الصد والتبريح أحشائي # فلو أتت ظبية الحمراء غازية # قلبي لما وجدته غير أشلاء # 1 # يا ويح نفسي، أتنسوني وأذكركم # مقرح الجفن في صبح وإمساء ~~••• # إن الذين بأمر الحب قد ملكوا # لم يتقوا الحب في ضري وإيذائي # لم يدنني الشوق يوما من منازلهم # إلا تولوا مع الأيام إقصائي # كم رحت أحمل آمالي لحيهم # وعدت أحمل آلامي وأرزائي # يا لوعة القلب لا شكواي نافعة # ولا بكاي بشاف مس ضرائي # أبيت أندب ms070 عهدا مر طيبه # كلمحة البرق في أعطاف ظلماء # وأرسل الزفرة الحراء لافحة # كوقدة الجمر في أجسام قصباء ~~••• # يا من يعز علينا أن نجازيهم # صدا بصد وإغضاء بإغضاء # لو ترحمون وصلتم شيقا كلفا # ألقى جفاكم عليه ألف بأساء # | ثورة الوجد # نذكر هنا طرفا من الشعر الموجع، الذي يمثل ثورة الوجد، ولوعة الأسى، فمن ذلك قول أبي ~~تمام: # سقيم لا يموت ولا يفيق # قد أقرح جفنه الدمع الطليق # شديد الحزن يحزن من يراه # أسير الصبر ناظره أريق # ضجيع صبابة وحليف شوق # تحمل قلبه ما لا يطيق # يظل كأنه مما احتواه # يسعر في جوانبه الحريق # وأي حال أدعى للرحمة، وأوجب للإشفاق، من حال هذا المحب السقيم، الذي لا يموت ولا يفيق، ~~والذي يحزن من يراه؛ لصبره الأسير، وناظره الأريق والذي حالف في ضعفه الشوق، وضاجع ~~الصبابة، حتى لكأنه مما به، تسعر النار في ضلوعه. # ويقرب من هذا قول ابن الرومي في فراق اثنين من خلانه: # لم يسترح من له عين مؤرقة # وكيف يعرف طعم الراحة الأرق # محمد وعلي فتتا كبدي # إذا ذكرتهما والعيس تنطلق # خلان حل بقلبي من فراقهما # ما كنت أحذر منه قبل نفترق # قلب رقيق تلظت في جوانبه # نار الصبابة حتى كاد يحترق # وددت لو تم لي حجي بقربهما # ما كل ما تشتهيه النفس يتفق # ومما يمثل ثورة الوجد في الصدر، مع الغيظ مما جنت يد الليالي، قول المتنبي: # أكيدا لنا يا بين واصلت وصلنا # فلا دارنا تدنو ولا عيشنا يصفو # أردد ويلي، لو قضى الويل حاجة # وأكثر لهفي، لو شفا غلة لهف # ضنى في الهوى كالسم في الشهد كامنا # لذذت به جهلا وفي اللذة الحتف # وكان الأبيوردي يمثل وجده بوجد الظبية تترك ولدها في طلب الكلأ ثم تعود سريعة إلى لقائه ~~فتجده مات. وإليك من شعره هذه اللؤلؤة الفتانة: # وما أم ساجي الطرف مال به الكرى # على عذبات الجزع تحسبه قلبا # تراعي بإحدى مقلتيها كناسها # وترمي بأخرى نحوه نظرا غربا # فلاح لها من جانب الرمل مرتع # كأن الربيع الطلق ألبسه ms071 عصبا # فمالت إليه والحريص إذا غدت # به سورة الأطماع لم يحمد العقبى # وآنسها المرعى الخصيب فصادفت # مدى العين في أرجائه بلدا خصبا # فلما قضت منه اللبانة راجعت # طلاها فألفته قضى بعدها نحبا # أتيح له عاري السواعد لم يزل # يخوض إلى أوطاره مطلبا صعبا # فولت على ذعر وبالنفس ما بها # من الكرب لا لقيت في حادث كربا # بأوجد مني يوم عجت ركابها # لبين فلم تترك لذي صبوة لبا # وهذه الصورة الشعرية كثيرة الأمثال في الآداب القديمة، وإنما نسبناها إلى الأبيوردي لأنه ~~يرددها في شعره، فمن ذلك قوله في كلمة ثانية: # وما مغزل تعطو الأراك يهزه # نسيم تناجيه الخمائل وان # 1 # وتزجي بروقيها أغن كأنه # من الضعف يطوي الأرض بالرسفان # 2 # فمال إلى الظل الأراكي دونها # وكانا به من قبل يرتديان # وصبت عليه الطلس وهي سواغب # تجوب إليه البيد بالنسلان # 3 # فعادت إليه أمه وفؤادها # هفا كجناح الصقر في الخفقان # وظلت على الجرعاء ولهى كئيبة # وقد سال واديها بأحمر قان # تسوف الثرى طورا ويعبث تارة # بها أولق من شدة الولهان # 4 # بأوجد مني يوم سرت إلى الحمى # وقد نزلت سمراء سفح أبان # 5 # ونحب أن نلفت القارئ إلى ما في أمثال هذه الصور الشعرية من الكلف بتصوير الطبيعة، وما ~~فيها من حياة الحيوان، فقد أغرم شعراء الغرب بهذا الأسلوب، فزاد شعرهم جمالا إلى جمال. ~~ولولا الرغبة في الإيجاز لنقلت قطعة من شعر (ألفريد دي ميسيه) تماثل شعر الأبيوردي في هذا ~~الجانب من البيان. والناس هم الناس، في كل قطر، وفي كل جيل، والتباين قليل في الميول، وفي ~~تذوق ألوان الحياة، وإن عظم الفرق حينا في التعبير عن نزعات النفوس، وشهوات العقول. # ومن خالد الشعر في ثورة الوجد نونية الوزير ابن زيدون، وقد رأينا أن نثبتها هنا كاملة - ~~كما فعل المقري صاحب نفح الطيب - لأنها ذكرت مفرقة في أكثر المؤلفات: # أضحى التنائي بديلا من تدانينا # وناب عن طبيب لقيانا تجافينا # من مبلغ الملبسينا بانتزاحهم # حزنا مع الدهر لا يبلى ويبلينا # أن الزمان الذي ms072 قد كان يضحكنا # أنسا بقربهم قد عاد يبكينا # غيظ العدا من تساقينا الهوى فدعوا # بأن نغص فقال الدهر آمينا # فانحل ما كان معقودا بأنفسنا # وانبت ما كان موصولا بأيدينا # بالأمس كنا وما يخشى تفرقنا # فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا # يا ليت شعري ولم نعتب أعاديكم # هل نال حظا من العتبى أعادينا # 6 # لم نعتقد بعدكم إلا الوفاء لكم # رأيا ولم نتقلد غيره دينا # كنا نرى اليأس تسلينا عوارضه # وقد يئسنا، فما لليأس يغربنا # بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا # شوقا إليكم ولا جفت مآقينا # نكاد حين نناجيكم ضمائرنا # يقضي علينا الأسى، لولا تأسينا # 7 # حالت لبعدكم أيامنا فغدت # سودا وكانت بكم بيضا ليالينا # إذ جانب العيش طلق من تألفنا # ومورد اللهو صاف من تصافينا # وإذ هصرنا فنون الوصل دانية # قطوفها فجنينا منه ما شينا # ليسق عهدكم عهد السرور فما # كنتم لأرواحنا إلا رياحينا # لا تحسبوا نأيكم عنا بغيرنا # إذ طالما غير النأي المحبينا # والله ما طلبت أهواؤنا بدلا # منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا ~~••• # يا ساري البرق غاد القصر فاسق به # من كان صرف الهوى والود يسقينا # واسأل هنالك هل عنى تذكرنا # إلفا تذكره أمسى يعنينا # 8 # ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا # من لو على البعد حيا كان يحيينا # وبيت ملك كأن الله أنشأه # مسكا وقد أنشأ الله الورى طينا # أو صاغه ورقا محضا وتوجه # من ناصع التبر إبداعا وتحسينا # 9 # إذا تأود آدته رفاهية # تدمي العقول وأدمته البرى لينا # 10 # كانت له الشمس ظئرا في تكلله # بل ما تجلى بها إلا أحايينا # 11 # كأنما نبتت في صحن وجنته # زهر الكواكب تعويذا وتزيينا # ما ضر أن لم نكن أكفاءه شرفا # وفي المودة كاف من تكافينا # 12 # يا روضة طالما أجنت لواحظنا # وردا جناه الصبا غضا ونسرينا # ويا حياة تملأنا بزهرتها # منى ضروبا ولذات أفانينا # 13 # ويا نعيما خطرنا من نضارته # في وشي نعمى سحبنا ذيله حينا # لسنا نسميك إجلالا وتكرمة # فقدرك المعتلي عن ذاك يغنينا # إذا انفردت وما شوركت في صفة # فحسبنا ms073 الوصف إيضاحا وتبيينا ~~••• # يا جنة الخلد أبدلنا بسلسلها # والكوثر العذب زقوما وغسلينا # كأننا لم نبت والوصل ثالثنا # والسعد قد غض من أجفان واشينا # سران في خاطر الظلماء تكتمنا # حتى يكاد لسان الصبح يفشينا # لا غرو في أن ذكرنا الحزن حين نهت # عنه النهى وتركنا الصبر ناسينا # إنا قرأنا الأسى يوم النوى سورا # مكتوبة وأخذنا الصبر تلقينا # أما هواك فلم نعدل بمشربه # شربا وإن كان يروينا فيظمينا # 14 # لم نجف أفق جمال أنت كوكبه # سالين عنه ولم نهجره قالينا # ولا اختيارا تجنبناك عن كثب # لكن عدتنا على كره عوادينا # 15 # نأسى عليك إذا حثت مشعشعة # فينا الشمول وغنانا مغنينا # لا أكؤس الراح تبدي من شمائلنا # سيما ارتياح ولا الأوتار تلهينا # دومي على العهد ما دمنا محافظة # فالحر من دان إنصافا كما دينا # فما استعضنا خليلا عنك يحبسنا # ولا استفدنا حبيبا منك يغنينا # ولو صبا نحونا من أفق مطلعه # بدر الدجى لم يكن حاشاك يصبينا # أولي وفاء وإن لم تبذلي صلة # فالطيف يقنعنا والذكر يكفينا # وفي الجواب شفاء لو شفعت به # بيض الأيادي التي ما زلت تولينا # وقد أغرم الشعراء بتخميس هذه القصيدة، وتسديسها، وتشطيرها، وكذلك شغلت الأذهان زمنا غير ~~قليل. وقد أرسل ابن زيدون هذه القصيدة إلى معشوقته ولادة، وهي سيدة أندلسية ظريفة من بنات ~~الخلفاء الأمويين، وقد كانت في جمالها شاعرة مجيدة، ومن شعرها هذان البيتان تدعو بهما ابن ~~زيدون: # ترقب إذا جن الظلام زيارتي # فإني رأيت الليل أكتم للسر # وبي منك ما لو كان بالفجر لم يلح # وبالليل لم يظلم وبالنجم لم يسر # ولابن زيدون في ولادة مقطعات حسان، كقوله: # واها لعطفك والزمان كأنما # صبغت نضارته ببرد صباك # والليل مهما طال قصر طوله # هاتي، وقد غفل الرقيب، وهاك # أما منى نفسي فأنت جميعها # يا ليتني أصبحت بعض مناك # يدني مثالك حين شط به النوى # وهم أكاد به أقبل فاك # ومن موجع الشعر قوله: # بيني وبينك ما لو شئت لم يضع # سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع # يا بائعا حظه ms074 مني ولو بذلت # لي الحياة بحظي فيه لم أبع # ولصديقنا الأستاذ أنيس ميخائيل ولع غريب بإنشاد قول ابن زيدون: # إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا # والأفق طلق ووجه الروض قد راقا # وللنسيم اعتلال في أصائله # كأنما رق لي فاعتل إشفاقا # والنهر عن مائه الفضي مبتسم # كما حللت عن اللبات أطواقا # يوم كأيام لذات لنا انصرمت # بتنا لها حين نام الدهر سراقا # نلهو بما يستميل العين من زهر # جال الندى فيه حتي مال أعناقا # كأن أعينه إذ عاينت أرقي # بكت لما بي فجال الدمع رقراقا # ورد تألق في ضاحي منابته # فازداد منه الضحى في العين إشراقا # سرى ينافحه نيلوفر عبق # وسنان نبه منه الصبح أحداقا # كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا # إليك لم يعد عنا الصدر أن ضاقا # لو كان وفى المنى في جمعنا بكم # لكان من أكرم الأيام أخلاقا # لا سكن الله قلبا عن ذكركم # فلم يطر بجناح الشوق خفاقا # لو شاء حملي نسيم الريح حين هفا # وافاكم بفتى أضناه ما لاقى # كان التجازي بمحض الود مذ زمن # ميدان أنس جرينا فيه أطلاقا # فالآن أحمد ما كنا لعهدكم # سلوتم وبقينا نحن عشاقا # وإني لمفتون بهذا الشطر الحزين: # سلوتم وبقينا نحن عشاقا # فإنه يمثل المحب، وقد سلا أحبابه، وبقي وحده يعاني آلام الوجد، وأهوال الصدود. # | الأرق والسهاد # شكا الشعراء قديما وحديثا طول الليل بعد الفراق، وعند الهجر والصدود. فمنهم من يستنجد ~~محبوبه، ويستعديه على وحشة الليل، ومضاضة الأرق، كقول الأبيوردي: # أأميم إن خفيت عليك صبابتي # فسلي ظلام الليل كيف أكون # واستخبري عني النجوم فقد رأت # سهري وأروقة الغياهب جون # ولئن أذلت مصون دمعي في الهوى # فعلى البكاء يعول المحزون # وهذه الأبيات من خير ما قال المحبون في شكوى الوجد، وعبثه بكرائم النفوس. ومنهم من يستعين ~~من حوله، ويرجوهم أن يحدثوه عن النهار، أو يصفوه له، فقد طال ليله، حتى نسي النهار، وأوصاف ~~النهار، كما قال ابن الأحنف: # أيها الراقدون حولي أعينو # ني على الليل حسبة وائتجارا # حدثوني عن النهار قليلا # أو صفوه فقد نسيت ms075 النهارا # وابن الأحنف يجيد شكوى الليل الطويل، والسهاد المملول، فمن ذلك قوله: # نام من أهدى لي الأرقا # مستريحا سامني قلقا # لو يبيت الناس كلهم # بسهادي بيض الحدقا # أنا لم أرزق مودتكم # إنما للعبد ما رزقا # كان لي قلب أعيش به # فاصطلى بالحب فاحترقا # وتوجعني شكواه في قوله: # أنا لم أرزق مودتكم # إنما للعبد ما رزقا # فقد تكلف النفس بفتنة من فتن الحسن في هذا الوجود، ثم لا تجد إليها السبيل، على أن هذا ~~الحسن قد يكون زمامه بيد من لا يشعر بروعة الجمال. # ومن الشعراء من يظعن أحبابه بالليل، فيظعن بذلك الكرى عن جفونه، كالبحتري حين ~~يقول: # أمولعة بالبين رب تفرق # جرحت به قلبا بحبك مولعا # ولي لوعة تستغرق الهجر والنوى # جميعا وحب ينفد الدمع أجمعا # على أن قلبي قد تصدع شمله # فنونا لشمل البيض حين تصدعا # ظعائن أظعن الكرى عن جفوننا # وعوضننا منه سهادا وأدمعا # نوين النوى ثم استجبن لهاتف # من البين نادى بالفراق فأسمعا # وحاولن كتمان الترحل بالدجى # فنم بهن المسك حين تضوعا # وقد يفزع المحب إلى تحكيم العدل والحق، حين تطول لياليه، كقول ابن الرومي: # أيا شمس النهار سنا وعزا # يقصر عنهما نظر ولمس # أحل أن تنامي عن سهادي # ولي مذ بان عني النوم خمس # أميز كل شيء من أموري # سوى أمري لديك ففيه لبس # غرست هوى فربيه بحفظ # فليس يرب بالتضييع غرس # ومن الشعراء من يتفنن في وصف الليل فيذكر أن نجومه أقسمت لا تزول، كقول أحدهم: # ألا هل على الليل الطويل معين # إذا نزحت دار وحن حزين # أكابد هذا الليل حتى كأنما # على نجمه أن لا يغور يمين # ووالله ما فارقتكم قاليا لكم # ولكن ما يقضى فسوف يكون # ومنهم من يزيد على ذلك شوقه إلى تمزيق سرابيل الليل، وظهور تباشير الصبح، كقول حندج بن ~~حندج: # في ليل صول تناهى العرض والطول # كأنما ليله بالليل موصول # لا فارق الصبح كفي إن ظفرت به # وإن بدت غرة منه وتحجيل # لساهر طال في صول تململه # كأنه حية بالسوط ms076 مقتول # متى أرى الصبح قد لاحت مخائله # والليل قد مزقت عنه السرابيل # ليل تحير ما ينحط في جهة # كأنه فوق متن الأرض مشكول # نجومه ركد ليست بزائلة # كأنما هن في الجو القناديل # ما أقدر الله أن يدني على شحط # من داره الحزن ممن داره صول # الله يطوي بساط الأرض بينهما # حتى يرى الربع منه وهو مأهول # نعم وما أقدر الله أن يدني على النوى من داره سنتريس ممن داره أسيوط. # لوددت إذ سكنوا هنالك دارهم # وعدتهم عنا أمور تشغل # أنا نطاع إذن فتنقل أرضنا # أو أن أرضهم إلينا تنقل # وقد شبه ابن الرومي نجوم الليل بنجوم الشيب حين قال: # رب ليل كأنه الدهر طولا # قد تناهى فليس فيه مزيد # ذي نجوم كأنهن نجوم الشي # ب ليست تزول لكن تزيد # قال أبو بكر الوليد بن البزاز: كان علي بن الجهم يستنشدني كثيرا شعر خالد الكاتب، فأنشده ~~فيقول: ما صنع شيئا. ثم أنشدته يوما قوله: # رقدت ولم ترث للساهر # وليل المحب بلا آخر # ولم تدر بعد ذهاب الرقا # د ما صنع الدمع بالناظر # فقال: قاتله الله! لقد أدمن الرمية حتى أصاب الغرة! وجمال هذا الشعر يرجع إلى شكوى ~~المحب ما صنع الدمع بناظره بعد جفوة النوم. ومثله قول أبي العتاهية: # أمسى ببغداد ظبي لست أذكره # إلا بكيت إذا ما ذكره خطرا # إن المحب إذا شطت منازله # عن الحبيب بكى أو حن أو ذكرا # يا رب ليل طويل بت أرقبه # حتى أضاء عمود الصبح فانفجرا # ما كنت أحسب إلا مذ عرفتكم # أن المضاجع مما ينبت الإبرا # والليل أطول من يوم الحساب على # عين الشجي إذا ما نومه نفرا # ومن المحبين من يخاطب الليل. فيذكر في خطابه أن بعض ما به كاف لمحو الليل لو عرض له، ~~كقول سعيد بن حميد: # يا ليل بل يا أبد # أنائم عنك غد # يا ليل لو تلقى الذي # ألقى بها أو تجد # قصر من طولك أو # ضعف منك الجلد # أشكو إلى ظالمة # تشكو الذي لا تجد # وقف عليها ms077 ناظري # وقف عليها السهد # وأود لو تنبه القارئ إلى حسن هذا البيت: # أشكو إلى ظالمة # تشكو الذي لا تجد # وقد ذكر الفرزدق العلة في طول الليل فقال: # يقولون طال الليل والليل لم يطل # ولكن من يبكي من الشوق يسهر # وقد تابعه بشار في هذا المعنى فقال: # لم يطل ليلي ولكن لم أنم # ونفى عني الكرى طيف ألم # وإذا قلت لها جودي لنا # خرجت بالصمت عن لا ونعم # نفسي يا عبد عني واعلمي # أنني يا عبد من لحم ودم # إن في بردي جسما ناحلا # لو توكأت عليه لانهدم # وقد ردد هذا المعنى في كلمة ثانية فقال: # طال هذا الليل بل طال السهر # ولقد أعرف ليلي بالقصر # لم يطل حتى جفاني شادن # ناعم الأطراف فتان النظر # لي في قلبي منه لوعة # ملكت قلبي وسمعي والبصر # وكأن الهم شخص ماثل # كلما أبصره النوم نفر # على أن بشارا يتخطى هذا الحد، فيجاري الشعراء، ويحسب أن ليس لليله نهار، وذلك في ~~قوله: # أقول وليلتي تزداد طولا # أما لليل بعدهم نهار # جفت عيني عن التغميض حتى # كأن جفونها عنها قصار # وليس للبيت الثاني قيمة من الوجهة الأدبية؛ لأن الغمض لا يجفو العيون، لقصر الجفون، كما ~~يقول، وإنما يجفوها لثورة الوجد، وهجمة الأشجان. # ويقول في كلمة ثانية: # خليلي ما بال الدجى لا تزحزح # وما لعمود الصبح لا يتوضح # أضل النهار المستنير طريقه # أم الدهر ليل كله ليس يبرح # وطال علي الليل حتى كأنه # بليلين موصول فما يتزحزح # والبيت الأخير يذكرني بقول صاحب البدائع: # وجن علي الليل حتى حسبته # جفاء كريم أو رجاء لئيم # وإن كان هذا في الحديث عن ظلام الليل، لا عن طوله. # وتروقني البساطة في قول سويد بن أبي كاهل: # وإذا ما قلت ليل قد مضى # عطف الأول منه فرجع # يسحب الليل نجوما ظلعا # فتواليها بطيئات التبع # والخيال هنا خيال بادية، ولكنه في بداوته بديع، وقول الآخر: # سلو مضجعي هل قر من بعد بعدكم # وهل عرفت طعم الرقاد جفوني # سهرنا بنعمان ونمتم ببابل # فما لعيون ms078 ما وفت لعيون # وهو يذكرني بقول بعض الأعراب: # لعمري لئن كنتم على النأي والغنى # بكم مثل ما بي إنكم لصديق # فما ذقت طعم النوم منذ هجرتكم # ولا ساغ لي بين الجوانح ريق # إذا زفرات الحب صعدن في الحشا # كررن فلم يعلم لهن طريق # ومما جمع بين الشكوى من ليل الفراق، وذكرى ليل الوصال قول عبد الرحمن بن هشام: # طال عمر الليل عندي # مذ تولعت بصدي # يا غزالا نقض العه # د ولم يوف بوعد # أنسيت العهد إذ بت # نا على مفرش ورد # واجتمعنا في وشاح # وانتظمنا نظم عقد # ونجوم الليل تحكي # ذهبا في لازورد # ومن الشعراء من لا يبالي طول الليل في غيبة الحبيب، كقول ابن زيدون: # يا ليل طل لا أشتهي # إلا لعهدي قصرك # لو بات عندي قمري # ما بت أرعى قمرك # وليالي القمر في سنتريس عذبة المذاق، شهية الورود، وما أحسب المصريين عبدوا النيل إلا حين ~~رأوه يداعب القمر في ضواحي سنتريس، ذات الظلال والأفنان. # ليالي النيل واللذات ذاهبة # وجدي عليكن أشجاني فأضناني # لو يرجع الدهر لي منكن واحدة # في سنتريس ويدني بعض خلاني # إذن تبين دهري كيف يرحمني # من ظلم همي ومن عدوان أحزاني # وقد أجاد شعراء العصر وصف الأرق في الليل الطويل. فمن ذلك قول شوقي: # بدأ الطيف بالجميل وزارا # يا رسول الرضا وقيت العثارا # خذ من الجفن والفؤاد سبيلا # وتيمم من السويداء دارا # أنت إن بت في الجفون فأهل # عادة النور ينزل الأبصارا # زار والحرب بين جفني ونومي # قد أعد الدجى لها أوزارا # سألتني عن النهار جفوني # رحم الله يا جفوني النهارا # قلن نبكيه قلت هاتي دموعا # قلن صبرا فقلت هاتي اصطبارا # يا ليالي لم أجدك طوالا # بعد ليلي ولم أجدك قصارا # إن من يحمل الخطوب كبارا # لا يبالي بحملهن صغارا # لم نفق منك يا زمان فنشكو # مدمن الخمر ليس يشكو الخمارا # وقال حافظ: # سكن الظلام وبات قلبك يخفق # وسطا على جنبيك هم مقلق # حار الفراش وحرت فيه فأنتما # تحت الظلام معذب ومؤرق # درج الزمان وأنت ms079 مفقود المنى # ومضى الشباب وأنت ساه مطرق # وقال القاياتي: # جن الظلام فما يزاح # يا ويلتا أين الصباح # ليل كأن نجومه # يطلعن في كبدي جراح # يا من أتاح لي الأسى # برد الفؤاد متى يتاح # قلب أساه لاعج # لولا تحجبه لفاح # ما بال دمعي يستبا # ح وحاجتي ليست تباح # وقال العقاد يخاطب الليل : # طويت أزمة الأجساد منا # فدانت وانطوت عنك القلوب # فما تدري أتسكن حين مالت # إلى تلك المضاجع أم تجوب # وما تدري أباتت في جحيم # أم الجنات مرتعها الخصيب # وما تدري أيسمع في دجاها # هتاف للبلابل أم نعيب # عقدت من الكرى وطنا رفيقا # وكل مسهد فيه غريب # تضيق به الوسائد والحشايا # وتلفظه المسالك والدروب # وحيد لا يقاربه بعيد # ولا يدري بلوعته القريب # فيا وطن النيام بكل فج # أمن حرج بك السهد المريب # ويا سكن الأحبة والأعادي # أليس بساحليك لنا نصيب # ويا دار السلام بأي سد # يصد الطرف مربعك الرحيب # لئن هجعت بساحتك المآقي # لما هجعت بساحتك الخطوب # كأن جموعهن سباع ليل # تبيت على فرائسها تلوب # فهل عند الظلام لنا حديث # يحاذر أن يلم به رقيب # أم ادخر الظلام لنا متاعا # يضن بلمحه الحلم الكذوب # سهرنا يا ظلام فلم يصبنا # على طول المدى إلا الشحوب # وإلا حلكة فيها تلاقي # سواد القلب والطرف الكئيب # والعقاد يكثر في شعره من شكوى الليل الطويل، وقد يشجيك حين ينظر إلى نفسه فيحسبها من ~~اليأس أمست وهي خراب ينعب على أطلالها البوم. وانظر كيف يقول: # وناعبة صاحت ولليل هجعة # فقال علام البوم ينعب ناعيا # لقبحت من عمياء تقرأ في الدجى # إذا اسود أسطار الخراب الخوافيا # فقلت على النفس التي سوف تغتدي # طلولا بأحناء الضلوع حوانيا # تجوس أفاعي الحزن في جنباتها # ويا ربما تؤوي الضلوع الأفاعيا # فلا تحسبن البوم تنعي المغانيا # فقد تندب البوم النفوس البواليا # وكم وحشة للنفس يخشى اقتحامها # أخو غمرات ليس يخشى الفيافيا # وما أجمل قوله في هذه القصيدة: # ولما تقضى الليل إلا أقله # وحان التنائي جئت بالدمع باكيا # فأقبل يرعاني ويبكي وربما # بكى الطفل ms080 للباكي وإن كان لاهيا # وزحزحني عنه بكف رفيقة # وأسبل أهداب الجفون السواجيا # يقول لقد ران الكرى وتفرقت # نجوم الدجى والديك أصبح داعيا # فقلت وكم من ليلة إثر ليلة # سهرت وقد أمسيت وحدك غافيا # فهب لوداعي من رقادك ليلة # تمر فإني قد وهبت حياتيا # وأسلمت كفي كفه فأعادها # وقلبي! فهلا أرجع القلب ثانيا؟ # | الطبيعة في أنفس الشعراء # لقد أكثر شعراء الغرب من الحديث عن الطبيعة، حتى لتحسب أن ذلك سمة من سماتهم، لا يشاركهم ~~فيها أحد من العالمين. # ونريد أن نبين في هذه الكلمة أن شعراء العرب وردوا هذا المنهل، ونقعوا صداهم بمائه العذب ~~الفرات، فإن الطبيعة ملك لجميع العيون في جميع الأقطار، والشعور بها والجنوح إليها من ~~حاجات الفطرة، التي تسوي بين مختلف الشعوب، والتي تجمع حولها شتى العواطف ~~والأهواء. # ونحن نعلم أن شعراء الغرب أكثروا من وصف السحاب؛ إذ كانت بلادهم غزيرة المطر، وإذ كانت ~~آذانهم وأبصارهم أليفة لدوي الرعد، ولمع البرق، على أن شعراء العرب لم يقصروا في هذا الباب، ~~ويكفي أن نذكر قول البحتري يصف سحابة: # ذات ارتجاز بحنين الرعد # مجرورة الذيل صدوق الوعد # مسفوحة الدمع لغير وجد # لها نسيم كنسيم الورد # ورنة مثل زئير الأسد # ولمع برق كسيوف الهند # جاءت بها ريح الصبا من نجد # فانتثرت مثل انتثار العقد # فراحت الأرض بعيش رغد # من وشي أنوار الربى في برد # كأنما غدرانها في الوهد # يلعبن من حبابها بالنرد # ومن أظهر الدلائل على سكون العرب إلى الطبيعة، وإخلادهم إلى مواردها الشهية أنهم يقرنون ~~الحنين إلى معاهدهم بالدعاء لها بالسقيا وتراوح النسمات. وإليك قول الشريف: # أمعاهد الأحباب هل عود إلي # مغدى نبل به الجوى ومراح # يكفيك من أنفسنا ودموعنا # أن تمطري من بعدنا وتراحي # فلرب عيش فيك رق نسيمه # كالماء رق على جنوب بطاح # وتغزل كصبا الأصائل أيقظت # ريا خزامى باللوى وأقاح # كم فيك من صاحي الشمائل منتش # بالدل أو مرضى العيون صحاح # فسقى اللوى صوب الغمام ودره # وسقى النوازل فيه صوب الراح # وقد يقوى شعورهم «بشخصية» الطبيعة، حتى ms081 ليخاطبون الفلك الدائر، وينذرونه بالفناء! انظر ~~قول البحتري: # أناة أيها الفلك المدار # أنهب ما تصرف أم جبار # ستفنى مثل ما تفني وتبلى # كما تبلي فيدرك منك ثار # تناب النائبات إذا تناهت # ويدمر في تصرفه الدمار # وما أهل المنازل غير ركب # مطاياهم رواح وابتكار # وانظر قول أبي القاسم ابن هانئ: # تفنى النجوم الزهر طالعة # والنيران: الشمس والقمر # ولئن تبدت في مطالعها # منظومة فلسوف تنتثر # ولئن سعى الفلك المدار بها # فلسوف يسلمها وينفطر # وانظر قول العتابي في وداع جارية له: # ما غناء الحذار والإشفاق # وشآبيب دمعك المهراق # ليس يقوى الوجد منك على الوج # د ولا مقلتا طليح المآقي # غدرات الأيام منتزعات # ما جنينا من طول هذا العناق # إن قضى الله أن يكون تلاق # بعدما تنظرين كان تلاق # هوني ما عليك واقني حياء # لست تبقين لي ولست بباق # أينا قدمت صروف المنايا # فالذي أخرت سريع اللحاق # غر من ظن أن تفوت المنايا # وعراها قلائد الأعناق # كم صفيين متعا باتفاق # ثم صارا لغربة وافتراق # قلت للفرقدين والليل ملق # سود أكنافه على الآفاق # ابقيا ما بقيتما سوف يرمى # بين شخصيكما بسهم الفراق # وإنما قلت «شخصية الطبيعة» لأدل القارئ على مبلغ ما سما إليه العرب حين كلفوا بالنظر إلى ~~الوجود ... وانظر قول الحسين بن وهب في وصف النار وقد نفرت منها إحدى الجواري الحسان: # بأبي، كرهت النار حتى أبعدت # فعلمت ما معناك في إبعادها # هي ضرة لك في التماع ضيائها # وهبوب نفحتها لدى إيقادها # وأرى صنيعك في القلوب صنيعها # بسيالها وأراكها وعدادها # شركتك في كل الأمور بفعلها # وضيائها وصلاحها وفسادها # ولينظر القارئ نظرة خاصة إلى قول علي بن شعيب: # انزعي الوشي فهو يستر حسنا # لم تحزه برقمهن الثياب # ودعيني عسى أقبل ثغرا # لذ فيه اللمى وطاب الرضاب # وعجيب أن تهجريني ظلما # وشفيعي إلى صباك الشباب # فإنا نجده تخطى كل الأسوار الصناعية التي يحيط بها الشعراء أغراضهم، ثم هجم على المعنى ~~وأخذ بنواصيه، حين قال: «وشفيعي إلى صباك الشباب» ولم يقل: وشفيعي إلى صباك حبي وهيامي، ~~ووجدي ms082 وغرامي، وخشوعي وخضوعي، إلى آخر ما يقول المتيمون! # وانظر قول محمد البطليوسي: # غصبوا الصباح فقسموه خدودا # واستنهبوا قضب الأراك قدودا # رأوا حصا الياقوت دون محلهم # فاستبدلوا منه النجوم عقودا # واستودعوا حدق المها أجفانهم # فسبوا بهن ضراغما وأسودا # لم يكفهم حمل الأسنة والظبا # حتى استعانوا أعينا ونهودا # وتضافروا بضفائر أبدت لنا # ضوء النهار بليلها معقودا # صاغو الثغور من الأقاحي بينها # ماء الحياء لو اغتدى مورودا # ويكاد هذا الشعر يكون عبادة للطبيعة، ولن يغيب على أحد ما فيه من سمو الخيال. # وانظر كيف يكون كمون الحتف في الجفون، وكمون الموت في السيوف، في قول السري ~~الرفاء: # بنفسي من أجود له بنفسي # ويبخل بالتحية والسلام # ويلقاني بعزة مستطيل # وألقاه بذلة مستهام # وحتفي كامن في مقلتيه # كمون الموت في حد الحسام # ويجيد شعراء العرب حين يمزجون وصف الطبيعة بالمعاني الوجدانية فكأنما يريدون أن يشركوا ~~الوجود في نعيمهم وبؤسهم، وهذا في ذاته ملحظ بديع، ولننظر قول صردر: # يقول خليلي والظباء سوانح # أهذي التي تهوى؟ فقلت نظيرها # لئن أشبهت أجيادها وعيونها # لقد خالفت أعجازها وصدورها # فيا عجبا منها يصد أنيسها # ويدنو على ذعر إلينا نفورها # وما ذاك إلا أن غزلان عامر # يثقن بأن الزائرين صقورها # ووالله ما أدري غداة نظرننا # أتلك سهام أم كئوس تديرها # فإن كن من نبل فأين حفيفها # وإن كن من خمر فأين سرورها # أيا صاحبي استأذنا لي خمرها # فقد أذنت لي في الوصال خدورها # هباها تجافت عن خليل يروعها # فهل أنا إلا كالخيال يزورها # وقد قلتما لي ليس في الأرض جنة # أما هذه فوق الركائب حورها # فلا تحسبي قلبي طليقا فإنما # له الصدر سجن وهو فيه أسيرها # أراك الحمى قل لي بأي وسيلة # وصلت إلى أن صادفتك ثغورها # وإن فروع البان من أرض بيشة # حبيب إلي ظلها وحرورها # ألذ من الورد الجني عرارها # وأحلى من الشهد المصفى بريرها # على رسلكم في الحب إنا عصابة # إذا ظفرت في الحب عف ضميرها # ولسنا بصدد الموازنة بين شعراء الغرب والشرق في النظر إلى الطبيعة، فإن ms083 هذا باب طويل، ~~وإنما نشير فقط إلى أن الناس سواء في الإحساس بمظاهر الوجود، وإنما يختلفون في طرائق ~~التعبير، وأساليب البيان. # | مداراة الرقباء # للعشاق أساليب مختلفة في معاملة الرقباء والوشاة، فمنهم من يداريهم ويرصد غفلتهم، كقول ~~ابن المعتز: # أرد الطرف من حذري عليه # وأمنحه التجنب والصدودا # وأرصد غفلة الرقباء عنه # لتسرق مقلتي نظرا جديدا # وكقول السري الرفاء: # ونواظر وجد المحب فتورها # لما استقل الحي في أعضائه # ما كان هذا البين أول جمرة # أذكت لهيب الشوق في أحشائه # لولا مساعدة الدموع ودفعها # خوف الفراق أتى على حوبائه # 1 # وأنا الفداء لمن مخيلة برقه # حظي وحظ سواي من أنوائه # قمر إذا ما الوشي صين أذاله # كيما يصون بهاءه بدهائه # 2 # خفر الشمائل لو ملكت عناقه # يوم الوداع وهبته لحيائه # ضعفت معاقد خصره وعهوده # فكأن عقد الخصر عقد وفائه # أدنو إلى الرقباء لا من حبهم # وأصد عنه وليس من بغضائه # وفي هذا المعنى يقول عبد الله بن كعب العميري: # أيا نخلتي مران هل لي إليكما # على غفلات الكاشحين سبيل # أمنيكما نفسي إذا كنت خاليا # ونفعكما إلا العناء قليل # وما لي شيء منكما غير أنني # أمني الصدى ظليكما فأطيل # ومن المتيمين من يرجو من محبيه مقارعة الوشاة، كقول أحد الشعراء: # تبدل هذا السدر أهلا وليتني # أرى السدر بعدي كيف كان بدائله # وعهدي به عذب الجنى ناعم الذرى # تطيب وتندى بالعشي أصائله # فما لك من سدر ونحن نحبه # إذا ما وشى الواشي بنا لا تجادله # كما لو وشى بالسدر واش رددته # كئيبا ولم تصلح لدينا شمائله # وكقول كثير: # فيا عز إن واش وشى بي عندكم # فلا تكرميه أن تقولي له أهلا # كما لو وشى واش بعزة عندنا # لقلنا: تزحزح لا قريبا ولا سهلا # وقد يعنى المحب بتكذيب الوشاة، فيما ادعوا من سلوانه، كقول أبي حية النميري: # وخبرك الواشون أن لن أحبكم # بلى وستور الله ذات المحارم # وإن دما لو تعلمين جنيته # على الحي جاني مثله غير سالم # أصد وما الصد الذي تعلمينه # عزاء بنا إلا ms084 ابتلاع العلاقم # حياء وتقيا أن تشيع نميمة # بنا وبكم، أف لأهل النمائم # ومن المعذبين من يشجيه أن لا ينفع العذل عنده، في حين أن من يهواه يأتمر بأمر الوشاة، ~~ويسمع نصح اللائمين. # فمن ذلك قول الأبيوردي: # رمتني بسهم راشه الكحل بالردى # وأقتل ألحاظ الملاح كحيلها # مريضة أرجاء الجفون وإنما # أصح عيون الغانيات عليلها # فولت وقد أبقت بقلبي علاقة # تمر بها الأيام وهي مقيلها # وقلت لأدنى صاحبي وقد وشى # بسري دمعي إذ تراءت حمولها # ذر اللوم إني لست أرعيك مسمعي # فتلك هوى نفسي وأنت خليلها # وليت لسانا أرهف العذل غربه # على الصب مفلول الشياة كليلها # أرد عذولي وهو يمحضني الهوى # بغيط، ويحظى بالقبول عذولها # ويعتادني ذكر العقيق وأهله # بحيث الحمام الورق شاد هديلها # تنوح وتبكي فوق أفنان أيكة # فداهن من أرض العراق نخيلها # ولولا تباريح الصبابة لم أبل # بكاها ولا أذرى دموعي عويلها # ومن بديع الشعر في مدافعة الوشاة، قول الرصافي الأندلسي في غلام حائك: # قالوا وقد أكثروا في حبه عذلي # لو لم تهم بمذال القدر مبتذل # فقلت لو كان أمري في الصبابة لي # لاخترت ذاك ولكن ليس ذلك لي # علقته حببي الثغر عاطره # حلو اللمى ساحر الأجفان والمقل # غزيل لم تزل في الغزل جائلة # بنانه جولان الفكر في الغزل # جزلان تلعب بالمحواك أنمله # على السدى لعب الأيام بالأجل # ضما بكفيه أو فحصا بأخمصه # تخبط الظبي في أشراك محتبل # وأحب لو تأمل القارئ هذه (الصورة الشعرية) التي تمثل هذا الحائك الجميل بالظبي يتخبط في ~~الأشراك، وإنها لوثبة من وثبات الخيال. # | بخل الحسان # نذكر هنا طرفا مما قال الشعراء في بخل الحسان، وكل حسناء بخيلة، وكل جميل ضنين، وأشهر ~~الشعراء في هذا المعنى قول مهيار: # يا لواة الدين عن ميسرة # والبخيلات ما كن لئاما # حملوا ريح الصبا نشركم # قبل أن تحمل شيحا وخزامى # وابعثوا لي في الكرى طيفكم # إن أذنتم لجفوني أن تناما # ويجمل بنا أن نذكر قصيدة كثير التائية، ففيها صورة شعرية لصدق اللوعة، عند بخل الحبيب، ~~وهو فوق ذلك غرة ms085 من غرر الآداب العربية. قال: # خليلي هذا ربع عزة فاعقلا # قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت # وما كنت أدري قبل عزة ما البكا # ولا موجعات القلب حتى تولت # فقد حلفت جهدا بما نحرت له # قريش غداة المأزمين وصلت # أناديك ما حج الحجيج وكبرت # بفيفا غزال رفقة وأهلت # وكانت لقطع الحبل بيني وبينها # كناذرة نذرا فأوفت وحلت # فقلت لها يا عز كل مصيبة # إذا وطنت يوما لها النفس ذلت # 1 # ولم يلق إنسان من الحب ميعة # تعم ولا غماء إلا تجلت # 2 # كأني أنادي صخرة حين أعرضت # من الصم لو تمشي بها العصم زلت # 3 # صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة # فمن مل منها ذلك الوصل ملت # 4 # أباحت حمى لم يرعه الناس قبلها # وحلت تلاعا لم تكن قبل حلت # 5 # فليت قلوصي عند عزة قيدت # بحبل ضعيف غر منها فضلت # وغودر في الحي المقيمين رحلها # وكان لها باغ سواي فبلت # 6 # وكنت كذي رجلين رجل صحيحة # ورجل رمى فيها الزمان فشلت # وكنت كذات الظلع لما تحاملت # على ظلعها بعد العثار استقلت # 7 # أريد الثواء عندها وأظنها # إذا ما أطلنا عندها المكث ملت # فما أنصفت، أما النساء فبغضت # إلي، وأما بالنوال فضنت # يكلفها الغيران شتمي وما بها # هواني ولكن للمليك استذلت # هنيئا مريئا غير داء مخامر # لعزة من أعراضنا ما استحلت # فوالله ما قاربت إلا تباعدت # بصرم ولا أكثرت إلا أقلت # فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا # وحقت لها العتبى لدينا وقلت # 8 # وإن تكن الأخرى فإن وراءنا # منادح لو سارت بها العبس كلت # 9 # فلا يبعدن وصل لعزة أصبحت # بعافية أسبابه قد تولت # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # لدينا ولا مقلية إن تقلت # 10 # ولكن أنيلي واذكري من مودة # لنا خلة كانت لديكم فطلت # فإني وإن صدت لمثن وصادق # عليها بما كانت إلينا أزلت # 11 # فما أنا بالداعي لعزة بالجوى # ولا شامت إن نعل عزة زلت # فلا يحسب الواشون أن صبابتي # بعزة كانت غمرة فتجلت # فأصبحت قد أبللت من دنف بها # كما ms086 أدنفت هيماء ثم استبلت # 12 # فوالله ثم الله ما حل قبلها # ولا بعدها من خلة حيث حلت # وما مر من يوم علي كيومها # وإن عظمت أيام أخرى وجلت # وأضحت بأعلى شاهق من فؤاده # فلا القلب يسلوها ولا العين ملت # فيا عجبا للقلب كيف اعترافه # وللنفس لما وطنت كيف ذلت # 13 # وإني وتهيامي بعزة بعدما # تخليت مما بيننا وتخلت # لكالمرتجي ظل الغمامة كلما # تبوأ منها للمقيل اضمحلت # كأني وإياها سحابة ممحل # رجاها فلما جاوزته استهلت # 14 # فإن سأل الواشون فيم هجرتها # فقل نفس حر سليت فتسلت # 15 # ومن الشعراء من ينص على أن شح الحسان سماحة، كالتهامي حين يقول: # ماتت لفقد الظاعنين ديارهم # فكأنهم كانوا بها أرواحا # ولقد عهدت بها فهل أرينه # مغدى لمنتجع الصبى ومراحا # بالنافثات النافذات نواظرا # والنافذين أسنة وصفاحا # وأرى العيون ولا كأعين عامر # قدرا مع القدر المتاح متاحا # متوارثي مرض الجفون وإنما # مرض الجفون بأن يكن صحاحا # من كان يكلف بالأهلة فليزر # ولدي هلال رغبة وبراحا # لا عيب فيهم غير شح نسائهم # ومن السماحة أن يكن شحاحا # طرقته في أترابها فجلت له # وهنا من الغرر الصباح صباحا # أبرزن من تلك العيون أسنة # وهززن من تلك القدود رماحا # يا حبذا ذاك السلاح وحبذا # وقت يكون الحسن فيه سلاحا # ويأسى ابن التعاويذي على أن يرجو عطف البخيلة، وهو جواد الكف. وذلك قوله: # نأيت فحرمت الجفون على الكرى # وأغريت دمع العين بالهملان # وأعهد قبل البين قلبي يطيعني # ولكنه يوم الوداع عصاني # وما زال مطبوعا على الصبر قلبا # سواء بعاد عنده وتداني # فما باله يوم النوى سار منجدا # مع الركب في أسر الصبابة عان # فليت طبيبا أمرضتني جفونه # وفي يده منها الشفاء شفاني # وليت غريمي في الهوى وهو واجد # تحرج من ليانه فقضاني # 16 # ولولا الهوى يا آل خنساء لم يكن # ليملكني منكم خضيب بنان # ولا بت في أبياتكم سائلا قرى # بغير قنا أو طالبا لأمان # أرجي جواد الكف عطف بخيلة # وأخشى حديد القلب فتك جبان # وقبلك ما أنهضت عزمي لحاجة ms087 # فأدركتها إلا بحد سنان # وأولى بمثلي أن يكون مهاده # سرير حصان لا سرير حصان # وبي أنف أن أقتضي بسوى الظبى # ديوني إذا غير الحبيب لواني # | الأمر للحب # ومن الشعراء من يتحدث عن صبره المغلوب، ثم يجعل الأمر كله للحب، كما أنشد أحمد بن ~~يحيى: # من كان يزعم أن سيكتم حبه # حتى يشكك فيه فهو كذوب # الحب أغلب للفؤاد بقهره # من أن يرى للستر فيه نصيب # وإذا بدا سر اللبيب فإنه # لم يبد إلا والفتى مغلوب # إني لأبغض عاشقا متسترا # لم تتهمه أعين وقلوب # وفي هذا المعنى يقول الأقرع بن معاذ القشيري في حبيبة غلبته على قلبه، واستأثرت به من بين ~~النساء: # يقر بعيني أن أرى ضوء مزنة # يمانية أو أن تهب جنوب # لقد شغفتني أم بكر وبغضت # إلي نساء ما لهن قلوب # أراك من الضرب الذي يجمع الهوى # ودونك نسوان لهن ضروب # وقد كنت قبل اليوم أحسب أنني # ذلول بأيام الفراق أديب # وقد وضح هذا المعنى كل الوضوح في قول الضحاك: # يقولون مجنون بسمراء مولع # ألا حبذا جن بنا وولوع # وإني لأخفي حب سمراء منهم # ويعلم قلبي أنه سيشيع # ولا خير في حب يكن كأنه # شغاف أجنته حشا وضلوع # ومن العشاق من يخلع العذار؛ لروعة الحسن في محبوبه، وصولة الحب في قلبه، كقول عمارة ~~اليمني: # ظبي أعار الليل طرة شعره # وأمد ضوء الصبح بالإشراق # وسنان ذاب السحر في آماقه # وأذاب ماء الروح من آماقي # كتب الجمال على صحيفة خده # عذر المحب وحجة المشتاق # ما كنت أدرى يوم رؤية وجهه # أن الخدود مصارع العشاق # وأحب أن يتأمل القارئ جمال التصوير في قوله: # وسنان ذاب السحر في آماقه # وأذاب ماء الروح من آماقي # فقد جعل الدمع ذوب الروح، وهو خيال بديع. # 1 # وعذر المحب الذي كتبه الجمال على خد المحبوب يذكرنا بقول بعض الظرفاء: # يا مليح الدل والغنج # لك سلطان على المهج # إن بيتا أنت ساكنه # غير محتاج إلى السرج # وجهك المعشوق حجتنا # يوم يأتي الناس بالحجج # | حمل السلام # للشعراء فنون مختلفة ms088 في نجوى الحبيب البعيد، فمنهم من يقصد إلى غرس الرفق في قلوب أحبابه، ~~بوصف ما هو عليه من الخطر، كقول الطغرائي: # ويا أيها الغادي تحمل رسالة # على ما بها إن الحديث طويل # وقل للألى حلوا الحمى سقي الحمى # عزاءكم فالعامري قتيل # ومنهم من يوصي الرسول بملاطفة المحبوب واستدراجه. وأطرف ما قيل من الشعر في هذا المعنى ~~قول الوأواء الدمشقي: # بالله ربكما عوجا على سكنى # وعاتباه لعل العتب يعطفه # وحدثاه وقولا في حديثكما # ما بال عبدك بالهجران تتلفه # فإن تبسم قولا في ملاطفة # ما ضر لو بوصال منك تسعفه # وإن بدا لكما في وجهه غضب # فغالطاه وقولا ليس نعرفه # وهو مأخوذ من قول عمر بن أبي ربيعة في وصف قوادة: # فأتتها طبة عالمة # تمزج الجد مرارا باللعب # تغلظ القول إذا لانت لها # وتراخى عند سورات الغضب # قيل إن ابن أبي عتيق قال لعمر لما سمع هذا الشعر: ما أحوج المسلمين إلى خليفة يدير أمورهم ~~مثل قوادتك هذه. # 1 # ولعله تذكر قول معاوية: لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت. قيل: وكيف ذاك؟ ~~فقال: إذا شدوا تراخيت، وإن تراخوا شددت. # وقد تلطف إليها زهير في وصية الرسول بقوله: # فيا رسولي إلى من لا أبوح به # إن المهمات فيها يعرف الرجل # بلغ سلامي وبالغ في الخطاب له # وقبل الأرض عني حينما تصل # بالله عرفه حالي إن خلوت به # ولا تطل فحبيبي عنده ملل # وإنك لتضحك بملء فيك حين تتأمل قوله: # إن المهمات فيها يعرف الرجل # فكأنما هي قيادة حربية، لا قيادة غرامية! # ومنهم من يحمل النسيم تحياته إلى من يهوى، كما قال بعض الظرفاء: # فيا نسيم الصبا أنت الرسول له # والله يعلم أني منك غيران # بلغ سلامي إلى من لا أكلمه # إني على ذلك الغضبان غضبان # لا يا رسولي لا تذكر له غضبي # فذاك مني تمويه وبهتان # وكيف أغضب لا والله لا غضب # إني لما رام من قتلي لفرحان # أكل يوم لنا رسل مرددة # وكل يوم لنا في العتب ألوان # أستخدم الريح ms089 في حمل السلام لكم # كأنما أنا في عصري سليمان # وقد ذكر أمين الدين بن عطايا السبب في اختيار النسيم لحمل الرسالة حين قال: # أنا أهوى غصن النقا وهو لاه # وفؤادي بحبه في التيه # يا نسيم الصبا ترفق عليه # وتلطف به ولا تؤذيه # وتحمل رسالة ليس إلا # ك أمينا في حملها أرتضيه # وإذا لم يكن رسولي نسيما # نحو غصن النقا فمن يثنيه # وأظهر من ذلك ما حكي أن ابن سعيد المغربي مشى مع جماعة من أدباء المصريين وفيهم أبو ~~الحسين الجزار، فمروا في طريقهم بمليح نائم تحت شجرة، فهبت الريح فكشفت ثيابه عنه، فقال ~~الجزار: قفوا، لينظم كل منا شيئا في هذا. فقال ابن سعيد: # الريح أقود ما تكون لأنها # تبدي خفايا الردف والأعكان # وتميل بالأغصان عند هبوبها # حتى تقبل أوجه الغدران # ولذلك الأحباب يتخذونها # رسلا إلى الأحباب والأوطان # وهو شعر حسن، غير أنه لا وجه لذكر الأوطان في هذا الموطن إذ لا علاقة لها بالقيادة، ولو ~~قال الخلان أو الأخدان لكان أنسب وأقرب إلى المراد. وقال ابن الخياط: # يا نسيم الصبا الولوع بوجدي # حبذا أنت لو مررت بهند # ولقد رابني شذاك فبالله # متى عهده بأظلال نجد # ومنهم من يوصي الركبان بحمل سلامه، وتبليغ شكواه، كقول الشريف: # دعا بالوحاف السود من جانب الحمى # لديغ هوى لبيت حين دعاني # تعجب صحبي من بكائي وأنكروا # جوابي لما لم تسمع الأذنان # فقلت نعم لم تسمع الأذن دعوة # بلى إن قلبي سامع وجناني # ويا أيها الركب اليمانون خبروا # طليقا بأعلى الخيف أني عاني # عدوه لقائي أو عدوني لقاءه # ألا ربما دانيت غير مدان # وهذا شعر موجع، يغري القلب بالحزن، والعين بالدمع، وأشجى منه قول مهيار: # تحرش بأحقاف اللوى عمر ساعة # ولولا مكان الريب قلت لك ازدد # وقل صاحب لي ضل بالرمل قلبه # لعلك أن يلقاك هاد فتهتدي # وسلم على ماء به برد غلتي # وظل أراك كان للوصل موعدي # وقل لحمام البانتين مهنئا # تغن خليا من غرامي وغرد # أعندكم يا قاتلين بقية # على مهجة إن لم ms090 تمت فكأن قد # ويا أهل نجد كيف بالغور بعدكم # بقاء تهامي يهيم بمنجد # ملكتم عزيزا رقه فتعطفوا # على منكر للذل لم يتعود # وحدث أبو العباس محمد بن يزيد قال: خرجت مع الحسن بن رجاء إلى فارس فلما صرنا إلى موضع ~~يعرف بشعب بوان رأيت على حائط مكتوبا بخط جليل: # إذا أشرف المكروب من رأس تلعة # على شعب بوان أفاق من الكرب # وألهاه بطن كالحريرة مسه # ومطرد يجري من البارد العذب # وطيب ثمار في رياض أريضة # وأغصان أشجار جناها على قرب # فبالله يا ريح الجنوب تحملي # إلى شعب بوان سلام فتى صب # وإذا تحت ذلك الخط الجليل بخط أدق منه: # ليت شعري عن الذين تركتنا # خلفنا بالعراق هل يذكرونا # أم لعل المدى تطاول حتى # قدم العهد بيننا فنسونا # ولا يفوتنا أن نمتع القارئ بقول الشريف: # حي بين النقا وبين المصلى # وقفات الركائب الأنضاء # ورواح الحجيج ليلة جمع # وبجمع مجامع الأهواء # 2 # وتعهد ذكرى إذا كنت بالخي # ف لظبي من بعض تلك الظباء # قل له هل تراك تذكر ما كا # ن بباب القبيبة الحمراء # قال لي صاحبي غداة التقينا # نتشاكى حر القلوب الظماء # كنت خبرتني بأنك في الوج # د عقيدي وإن داءك دائي # ما ترى النفر والترحل للبي # ن فماذا انتظارنا بالبكاء # لم يقلها حتى انثنيت لما بي # أتلقى دمعي بفضل ردائي # | دموع الغانيات # لا نريد هنا الدمع يسفحه الندم، بل الدمع يرسله الوفاء؛ لأن عبرة النادم رفق بنفسه التي ~~أفسدها الإسراف. أما عبرة المودع فهي رفق بمحبه الذي أشجاه الفراق! # قال جرير في بكاء الحسان عند الوداع: # إن الذين غدوا بلبك غادروا # وشلا بعينك ما يزال معينا # غيضن من عبراتهن وقلن لي # ماذا لقيت من الهوى ولقينا # وهو كلام فطري لا كلفة فيه. وما أبدع قول الظاعنات: # ماذا لقيت من الهوى ولقينا! # ومثله قول ابن التعاويذي: # لما وقفنا للودا # ع وقد دعا داعي الرحيل # وتخاذلت أنصار دمع # ي في هوى الظبي الخذول # قالت وأدمعها تسي # ل أسى على الخد الأسيل # يا ms091 بين كم أجليت يو # م نوى الأحبة عن قتيل # وهذا شعر خفيف الروح، لطيف النسيم، ويشبه قول بعض الأعراب: # ومما شجاني أنها ودعت # تولت وماء العين في الجفن حائر # فلما أعادت من بعيد بنظرة # إلي التفاتا أسلمته المحاجر # وقد أنصف الأبيوردي معشوقته إذ يقول: # وما أنس لا أنس الوداع وقد بدت # تغيض دمعا فاض وابله سكبا # مهفهفة لم ترض أترابها لها # ببدر الدجى شبها وشمس الضحى تربا # تنفس حتى يسلم العقد سلكه # وأكظم وجدا كاد ينتزع القلبا # وتذري شآبيب الدموع كأنما # أذابت بعينيها النوى لؤلؤا رطبا # ولو سلمت هذه الأبيات من مثل هذا الغزل الطريف لكان أنسب بموقف التوديع. ومثلها في ذلك ~~قول السري الرفاء: # تنادوا لتفريق الفريق فأصبحت # مدامعنا تندى لفرقتهم دما # سلام على من سار قلب محبه # إليه فلم يرجع صحيحا مسلما # يحل عقود الدر دمعا ومنطقا # وينظمها حليا عليه ومبسما # أماط عن العذب اللثاة لثامه # فعاد بديباج الحياء ملثما # وكلمني جفناه بالدمع خفية # فهم غليل الشوق أن يتكلما # ومن العشاق من ينسب إلى حبيبته التباكي، وإلى نفسه مر البكاء، ثم يفرق بين العبرتين، ~~ويميز بين الزفرتين، كالأرجاني إذ يقول: # سفرت كي تزود الحب منها # نظرة حين آذنت بالتنائي # ورأت أنها من الوجد مثلي # ولها للفراق مثل بكائي # فتباكت ودمعها كسقيط الطل # في الجلنارة الحمراء # فترى الدمعتين في حمرة اللو # ن سواء وما هما بسواء # خدها يصبغ الدموع دمعي # يصبغ الخد قانيا بالدماء # خضب الدمع خدها باحمرار # كاختضاب الزجاج بالصهباء # وما أدرى بأي قلب يلح هذا الشاعر ليحول دموع محبوبته إلى دماء! وما أرفق المتنبي إذ ~~يقول: # وجلا الوداع من الحبيب محاسنا # حسن العزاء وقد جلين قبيح # فيد مسلمة وطرف شاخص # وحشا يذوب ومدمع مسفوح # ألم تر إليه وقد انخلع قلبه، حين رأى حبيبته باكية، فلم يذكر إلا أنها جميلة، وأن الصبر ~~على فراقها أعز منالا من نجوم السماء! # وتعجبني هذه النجوى في قول ابن الرومي يصف عتاب حسناء: # زارت على غفلة من الحرس # تهدي إلي السلام في ms092 الغلس # أنى تجشمت نحو أرحلنا الهو # ل ولم ترهبي أذى العسس # قالت ترامى بنا إليك من الشو # ق مغص بالبارد السلس # كم زفرة لي تبيت تنهض أحشا # ئي ودمع عليك منبجس # وأنت لاه بغيرنا ولنا # منك هوى ممسك على النفس # عجبت من ذلتي ومن قلبك القا # سي علينا وخلقك الشكس # لا تأمنن الهوى وسطوته # واخش رداه ومنه فاحترس # وهذا الشعر جميل في معناه، ولكن يظهر أن أسلوبه لا يمثل الرقة في نجوى الحسناء، وقد مسها ~~الحب بناره، وأحرقها بجواه! ولو تناول ابن أبي ربيعة أو ابن الأحنف هذا المعنى لرأيت له ~~ثيابا أرق من هذه الثياب، وأسلوبا غير هذا الأسلوب. # ومن بارع الشعر في دموع الحسان قول جميل: # لما دنا البين بين الحي واقتسموا # حبل النوى فهو في أيديهم قطع # جادت بأدمعها ليلى وأعجلني # وشك الفراق فما أبقي وما أدع # يا قلب ويحك ما عيشي بذي سلم # ولا الزمان الذي قد مر مرتجع # أكلما بأن حي لا تلائمهم # ولا يبالون أن يشتاق من فجعوا # علقتني بهوى عنهم فقد جعلت # من الفراق حصاة القلب تنصدع # وهذا الشعر يمثل الطبيعة في مواقف الوداع، فالشاعر هنا شائق ومشوق، ولا كذلك أبيات الرومي ~~التي حصر دمعها في عيون زائرته الحسناء، ومن هذه الناحية يعجبني ما أنشده صاحب ~~الأمالي: # ولما رأت أن النوى أجنبية # وأن خليلا من غد سيبين # بكت فبكى من لاعج الشوق والأسى # وكل بكل إن يبين ضنين # فقلت ولم أملك سوابق عبرة # على الخد مني فالدموع هتون # لقد كنت أبكي قبل أن تشحط النوى # فكيف إذا ما غبت عنك أكون # وانظر كيف يصف العرجي خوف محبوبته من فراقه: # وما أنس ملأشياء لا أنس موقفا # لنا ولها بالسفح دون ثبير # ولا قولها وهنا وقد بل جيبها # سوابق دمع لا يجف غزير # أأنت الذي خبرت أنك باكر # غداة غد أو راحل بهجير # فقلت يسير بعد شهر أغيبه # وما بعض يوم غبته بيسير # وقلت لها قول امرئ شفه الهوى # إليها ولو طال الزمان فقير # فما ms093 أنا إن شطت بك الدار أو نأت # بي الدار عنكم فاعلمي بصبور # وكنا نحب أن نعلم بقية العتاب في قوله: # أحين عصيت العاذلين إليكم # ونازعت حبلي في هواك أميري # وباعدني فيك الأقارب كلهم # وباح بما يخفي اللسان ضميري # ولكن الرواة لم يذكروا هذه القصيدة كاملة. # والشعر الذي تقدم لا يمثل عواطف النساء تمام التمثيل؛ لأنه من أحاديث الرجال، ولو أن ~~المرأة تكلمت لعرفنا منها كيف تشعر بلوعة الفراق. وإليك ما قالته امرأة من بني أسد في حبيب ~~ينقض العهود: # بنفسي من أهوى وأرعى وصاله # وتنقض مني بالمغيب وثائقه # حبيب أبى إلا اطراحي وبغضتي # وفضله عندي على الناس خالقه # وانظر قول ابنة الحباب: # محا حب يحيى حب يعلى فأصبحت # ليحيى توالي حبنا وأوائله # ألا بأبي يحيى ومثنى ردائه # وحيث التقت من متن يحيى حمائله # فإن هذا الشعر يمثل إحساس النساء بجمال الرجال. وما أوجع الشوق في قول هذه ~~الشاعرة: # أأضرب في يحيى وبيني وبينه # تنائف لو تسري بها الريح كلت # ألا ليت يحيى يوم عيهم زارنا # وإن نهلت مني السياط وعلت # وفي الآداب العربية قطع منثورة تمثل ما تشتهي المرأة من الرجل، ولكنها من القلة بحيث لا ~~تصور تماما نفوس النساء، ولا تزال لغزا من الألغاز، ولو أنها تحدثت عن عواطفها كما تحدث ~~الرجل عن عواطفه، لعرفنا بعض ما ستره هذا الصمت البليغ. # | ندم المفارق # أشهر الشعر في ندم المحب على فراق من يحب، ما قاله قيس بن ذريح وقد طلق لبنى. قال محمد بن ~~زياد الأعرابي: لما ألح ذريح على ابنه قيس في طلاق لبنى، فأبى ذلك قيس، طرح ذريح نفسه في ~~الرمضاء وقال: لا والله، لا أريم هذا الموضع حتى أموت، أو يخليها. فجاءه قومه من كل ناحية، ~~فعظموا عليه الأمر وذكروه بالله وقالوا: أتفعل هذا بأبيك وأمك، وإن مات شيخك على هذه الحال ~~كنت معينا عليه وشريكا في قتله، ففارق لبنى على رغم أنفه وقلة صبره، وبكى حتى بكى لهما من ~~حضرهما، وأنشأ يقول: # أقول لخلتي في غير ms094 جرم # ألا بيني بنفسك أنت بيني # فوالله العظيم لنزع نفسي # وقطع الرجل مني واليمين # أحب إلي يا لبنى فراقا # فبكي للفراق وأسعديني # ظلمتك بالطلاق بغير جرم # لقد أذهبت آخرتي وديني # قال: فلما سمعت بذلك لبنى بكت بكاء شديدا وأنشأت تقول: # رحلت إليه من بلدي وأهلي # فجازاني جزاء الخائنينا # فمن يرني فلا يغتر بعدي # بحلو القول أو يبلو الدفينا # فلما انقضت عدتها وأرادت الشخوص إلى أهلها أتيت براحلة لتحمل عليها، فلما رأى ذلك قيس ~~داخله منه أمر عظيم، واشتد لهفه، وأنشأ يقول: # بانت لبينى فأنت اليوم متبول # وإنك اليوم بعد الحزم مخبول # فأصبحت عنك لبنى اليوم نازحة # ودل لبنى، لها الخيرات، معسول # هل ترجعن نوى لبنى بعافية # كما عهدت ليالي العشق مقبول # وقد أراني بلبنى حق مقتنع # والشمل مجتمع والحبل موصول # فصرت من حب لبنى حين أذكرها # القلب مرتهن والعقل مدخول # أصبحت من حب لبنى حين أذكرها # في كربة ففؤادي اليوم مشغول # والجسم مني منهوك لفرقتها # أخو هيام مصاب القلب مسلول # أستودع الله لبنى إذ تفارقني # عن غير طوع وأمر الشيخ مفعول # ثم ارتحلت لبنى فجعل قيس يقبل موضع رجليها من الأرض وحول خبائها، فلما رأى ذلك قومه ~~أقبلوا على أبيه بالعذل واللوم، فقال ذريح لما رأى حاله: قد جنيت عليك يا بني! فقال له ~~قيس: قد كنت أخبرك أني مجنون بها فلم ترض إلا بقتلي، فالله حسبك وحسب أمي! وأقبل قومه ~~يعذلونه بتقبيله للتراب، فأنشأ يقول: # فما حبي لطيب تراب أرض # ولكن حب من وطئ الترابا # فهذا فعل شيخينا جميعا # أرادا لي البلية والعذابا # ولقيس بن ذريح شعر أجود مما تقدم، وأدل على لوعته وأسفه لفراق لبنى كقوله: # تبكي على لبنى وأنت تركتها # وكنت كآت غيه وهو طائع # فلا تبكين في إثر شيء ندامة # إذا نزعته من يديك النوازع # فليس لأمر حاول الله جمعه # مشت ولا ما فرق الله جامع # كأنك لم تقنع إذا لم تلاقها # وإن تلقها فالقلب راض وقانع # فيا قلب خبرني إذا شطت النوى # بلبنى وصدت عنك ms095 ما أنت صانع # أتصبر للبين المشت مع الجوى # أم انت امرؤ ناسي الحياء فجازع # فما أنت إن بانت لبينى بهاجع # إذا ما استقلت بالنيام المضاجع # وكيف ينام المرء مستشعر الجوى # ضجيج الأسى فيه نكاس روادع # ولا خير في الدنيا إذا لم تواتنا # لبينى ولم يجمع لنا الشمل جامع # ولولا رجاء القلب أن تعطف النوى # لما حملته بينهن الأضالع # له وجبات إثر لبنى كأنها # شقائق برق في السحاب لوامع # نهاري نهار الناس حق إذا دجا # لي الليل هزتني إليك المضاجع # أقضي نهاري بالحديث وبالمنى # ويجمعني بالليل والهم جامع # ألا إنما أبكي لما هو واقع # وهل جزع من وشك بينك نافع # ومن جيد شعره أيضا هذه القصيدة: # سأصرم لبنى حبل وصلك مجملا # وإن كان صرم الحبل منك يروع # وسوف أسلي النفس عنك كما سلا # عن البلد النائي البعيد نزيع # وإن مسني للضر منك كآبة # وإن نال جسمي للفراق خشوع # سقى طلل الدار التي أنتم بها # بشرقي لبنى صيف وربيع # يقولون صب بالنساء موكل # وما ذاك من فعل الرجال بديع # مضى زمن والناس يستشفعونني # فهل لي إلى لبنى الغداة شفيع # أيا حرجات الحي حيث تحملوا # بذي سلم لا جادكن ربيع # وخيماتك اللاتي بمنعرج اللوى # بلين بلى لم تبلهن ربوع # إلى الله أشكو نية شقت العصا # هي اليوم شتى وهي أمس جميع # وإن انهمال العين بالدمع كلما # ذكرتك وحدي خاليا لسريع # فلو لم يهجني الظاعنون لهاجني # حمائم ورق في الديار وقوع # تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوى # نوائح ما تجري لهن دموع # لعمرك إني يوم جرعاء مالك # لعاص لأمر المرشدين مضيع # ندمت على ما كان مني، فقدتني # كما يندم المغبون حين يبيع # إذا ما لحاني العاذلات بحبها # أبت كبد مما أجن صديع # وكيف أطيع العاذلات وحبها # يؤرقني والعاذلات هجوع # عدمتك من نفس شعاع فإنني # نهيتك عن هذا وأنت جميع # فقربت لي غير القريب وأشرقت # هناك ثنايا ما لهن طلوع # وضعفني حبيك حتى كأنني # من الأهل والمال التلاد خليع # وحتى دعاني الناس أحمق مائقا # وقالوا ms096 مطيع للضلال تبوع # ويعجبني قوله: # ندمت على ما كان مني، فقدتني! # كما يندم المغبون حين يبيع # وهو في شعره يمثل الفطرة الخالصة من شوائب التكلف، فإنه فجع بفر حليلته، والحليلة ~~المعشوقة متاع عزيز. # وفي وصف أثر الطلاق يقول أحد الأعراب: # ندمت وما تغني الندامة بعدما # خرجن ثلاث ما لهن رجوع # ثلاث يحرمن الحلال على الفتى # ويصدعن شعب الدار وهو جميع # والتعبير بشعب الدار تعبير دقيق، ما كان يغني عنه أن يقول: (ويصدعن شعب القلب) لأن فراق ~~الحليلة هدم للبيت من أساسه. # ومن شجي الشعر في ندامة المفارق عينية ابن زريق، وقد ترك ابنة عمه ببغداد ورحل إلى ~~الأندلس في سبيل الرزق، ثم حيل بينه وبين ما يريد، فأرسل هذه الزفرة الباقية: # أستودع الله في بغداد لي قمرا # بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه # ودعته وبودي لو يودعني # صفو الحياة وأني لا أودعه # وكم تشفع بي ألا أفارقه # وللضرورات حال لا تشفعه # وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى # وأدمعي مستهلات وأدمعه # لا أكذب الله ثوب العذر منخرق # مني بفرقته لكن أرقعه # إني أوسع عذري في جنايته # بالبين عنه وقلبي لا يوسعه # أعطيت ملكا فلم أحسن سياسته # كذاك من لا يسوس الملك يخلعه # ومن غدا لابسا ثوب النعيم بلا # شكر عليه فعنه الله ينزعه # اعتضت من وجه خلي بعد فرقته # كأسا يجرع منها ما أجرعه # كم قائل لي ذنب البين قلت له # الذنب والله ذنبي لست أدفعه # هلا أقمت فكان الرشد أجمعه # لو أنني حين بان الرشد أتبعه # لو أنني لم تقع عيني على بلد # في سفرتي هذه إلا وأقطعه # يا من أقطع أيامي وأنفدها # حزنا عليه وليلي لست أهجعه # لا يطمئن بقلبي مضجع وكذا # لا يطمئن به مذ بنت مضجعه # ما كنت أحسب أن الدهر يفجعني # به ولا أن بي الأيام تفجعه # حتى جرى الدهر فيما بيننا بيد # عسراء تمنعني حقي وتمنعه # وكنت من ريب دهري جازعا فرقا # فلم أوق الذي قد كنت أجزعه # بالله يا منزل القصف الذي درست # آثاره وعفت ms097 مذ بعت أربعه # هل الزمان معيد فيك لذتنا # أم الليالي التي أمضت ترجعه # في ذمة الله من أصبحت منزله # وجاد غيث على مغناك يمرعه # من عنده لي عهد لا يضيع كما # عندي له عهد صدق لا أضيعه # ومن يصدع قلبي ذكره وإذا # جرى على قلبه ذكري يصدعه # لأصبرن لدهر لا يمتعني # به ولا بي في حال يمتعه # علما بأن اصطباري معقب فرجا # فأضيق الأمر لو فكرت أوسعه # عل الليالي التي أضنت بفرقتنا # جسمي ستجمعني يوما وتجمعه # وإن تغل أحدا منا منيته # لا بد في غده الثاني سيتبعه # وإن يدم أبدا هذا الفراق لنا # فما الذي بقضاء الله نصنعه # ومما يتصل بندامة المفارق ما قاله ابن الرومي في فرصة ضاعت منه فعض من بعدها البنان، ~~فلنذكرها على سبيل الفكاهة، لما فيها من ظرف المجون: # أستغفر الله من تركي علانية # ذنبا هممت به في شادن خنث # 1 # ظبي دعتني عيناه ومنطقه # بنية صدقت عن ظاهر عبث # فلم أجبه وحظي في إجابته # لكن سكت كأني غير مكترث # لا بل فررت وظل الصيد يطلبني # والله ما كنت فيها بالفتى الدمث # أقسمت بالله لما كنت محتجزا # أني انبعثت بقلب غير منبعث # | غربة المحب # نتكلم قليلا عن غربة المحب، وكل مهجور غريب، لأن الأمر كما قال الشريف: # ليس الغريب الذي تنأى الديار به # إن الغريب قريب غير مودود # فمن الشعراء من يغترب في سبيل حبه، كما قال حذيفة الغنوي: # يقولون من هذا الغريب بأرضنا # أما والهدايا إنني والغريب # غريب دعاه الشوق واقتاده الهوى # كما قيد عود بالزمام أديب # 1 # وماذا عليكم إن أطاف بأرضكم # مطالب دين أو نفته حروب # أمشي بأعطان المياه وأبتغي # قلائص منها صعبة وركوب # ومن شجي الشعر في غربة المحب قول بعض الأعراب: # وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة # غزال كحيل المقلتين ربيب # فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى # ولكن من تنأين عنه غريب # ومما يتصل بهذا المعنى قول بعض الأعراب يذكر اختصاصه بالبلوى في اغتراب محبوبته: # أرى كل أرض دمنتها وإن مضت ms098 # لها حجج يزداد طيبا ترابها # 2 # ألم تعلمن يا رب أن رب دعوة # دعوتك فيها مخلصا لو أجابها # وأقسم لو اني أرى نسبا لها # ذئاب الفلا حبت إلي ذئابها # لعمر أبي ليلى لئن هي أصبحت # بوادي القرى ما ضر غيري اغترابها # وغربة المحب تتمثل في حرمانه، وكيف لا يكون غريبا من يقول: # أيا منشر الموتى أقدني من التي # بها نهلت نفسي سقاما وعلت # لقد بخلت حتى لو اني سألتها # قذى العين من ساقي التراب لضنت # وما أم بو هالك بتنوفة # إذا ذكرته آخر الليل حنت # بأكثر مني لوعة غير أنني # أطامن أحشائي على ما أجنت # ويظهر أن قذى العين كان في أنفس العرب مثلا لما لا يضن به، فقد رددوا ذكره في أشعارهم، ~~كما قال بعض بني أسد: # وكيف طلابي وصل من لو سألته # قذى العين لم يطلب وذاك زهيد # 3 # ومن لو رأى نفسي تسيل لقال لي # أراك صحيحا والفؤاد جليد # | الأمل الضائع # نذكر في مقدمة هذا الباب رسالة كتبها صاحب البدائع، ونقلها إلى الفرنسية حضرة الأديب عبد ~~المجيد عيسى البيه. وهي تمثل الوجد يضطرم في الصدر، بعد قسوة الإخفاق. ~~••• # تأيمت حتى لامني كل صاحب # وجاء سليمى أن تئيم كما إمت # لئن بعت حظي منك يوما بغيره # لبئس إذن يوم التغابن ما بعت # كنت أصبر على بأساء الحياة، وأحتمل ما فيها من هم وغم، لو أن عندي بقية من الأمل أرفه ~~بها أحزاني، وأدفن فيها آلامي، ولكن حال القنوط دون الرجاء، وأتى اليأس دون الطمع، فلم يبق ~~غير الجزع من مسعد، ولا سوى النوح من شفاء. # فيا جيرة ما كان أهنأ وردهم، وأطيب عيشهم، ويا أحبابا ذقت الفرح بقربهم، وعرفت الهم ~~لبعدهم، ويا من أفناني فراقهم، وكان أحياني لقاؤهم، بربكم ما الذي لقيتم بعدي، فقد لقيت ~~بعدكم ذلا وهوانا، وظلما وعدوانا، ومن عسى أن يكون قد ظفر بودكم، ونعم بحسنكم، ~~فأصفاكم من الحب أجمله، ومن الأنس أكمله، فقد صحبت بعدكم من جحد نعمتي، وأنكر خلتي، ومن ~~سقيته الشهد فسقاني ms099 الصاب، وأوليته القرب فأولاني القطيعة؟! فيا ليت شعري من ألوم؟ أألوم ~~نفسي على أن لم أعق في بركم أهلي وإخواني، فأسير حيث سرتم، وأقيم حيث أقمتم. # تفرق أهلي من مقيم وظاعن # فيا ليت شعري أي أهلي أتبع # أقام الذين لا أبالي فراقهم # وشط الذين بينهم أتوقع # أم ألومكم على أن تركتموني وحيدا وآثرتم وطنكم، وأهلكم، ولم تبالوا بمن خلفتموه طريح ~~حزنه، وأسير همه؟ # أم ألوم قوما جعلتهم منكم بدلا فكانوا شر بدل، واتخذتهم من بعدكم ذخرا فكانوا كالهباء، ~~ورجوتهم حصنا أتقي به الدهر الخائن، والزمن الجائر، فإذا هم أذل من قراد بمنسم، وإذا ~~المتفيئ ظلهم، والراجي برهم، يطمع في غير مطمع، ويلجأ إلى شر وزر؟! # أم ألوم دهرا اضطركم إلى الرحلة فرحلتم، وحكم علي بالمقام فأقمت، ثم أمدنا من اليأس لبعد ~~الدار، وشط المزار، ما جعل الأمر في التلاقي خائبا، ورجاء التداني كاذبا. # وقلما أبقى على ما أرى # يوشك أن ينعاني الناعي # ما أقتل اليأس لأهل الهوى # لا سيما من بعد إطماع # ما هذا الذي صنعتم؟ أخضعتم لليأس، وأذعنتم للقنوط، ولم ترهبوا العتاب إذ لم تأملوا ~~اللقاء، فزففتم تلك الشمس إلى غيري، وآثرتم بها سواي؟! # يا عز إن ضاعت عهودي عندكم # فأنا الذي استودعت غير أمين # أو عدت مغبونا فما أنا في الهوى # لكم بأول عاشق مغبون # غلب اليأس عليكم فمللتم - ولا وفاء لملول - فكان منكم ما أقض المضجع، وأورث الجفن ~~السهاد، فهل تعلمون ما صنع اليأس بنا، ونال القنوط منا؟ ولكن هيهات بعد اليوم أن ينفع ~~العزاء. # هي الغاية القصوى فإن فات نيلها # فكل منى الدنيا علي حرام # وقد نظرت ما قال الشعراء في الأمل الضائع، ووجدت لهم فيه أفانين، فمنهم من يأسف على أن لم ~~يؤهله وجهه للعشق، كالذي يقول: # جارية أعجبها حسنها # فمثلها في الناس لم يخلق # خبرتها أني محب لها # فأقبلت تضحك من منطقي # والتفتت نحو فتاة لها # كالرشأ الوسنان في قرطق # قالت لها قولي لهذا الفتى # انظر إلى وجهك ثم اعشق # 1 # ومن جيد الشعر ms100 في ضياع الأمل قول عمر بن أبي ربيعة في سكينة بنت الحسين: # قالت سكينة والدموع ذوارف # تجري على الخدين والجلباب # ليت المغيري الذي لم أجزه # فيما أطال تصيدي وطلابي # كانت ترد لنا المنى أيامنا # إذ لا نلام على هوى وتصابي # خبرت ما قالت فبت كأنما # يرمى الحشا بنوافذ النشاب # أسكين ما ماء الفرات وبرده # مني على ظمأ وفقد شراب # بألذ منك وإن نأيت وقلما # يرعى النساء أمانة الغياب # إن تبذلي لي نائلا أشفي به # سقم الفؤاد فقد أطلت عذابي # وعصيت فيك أقاربي فتقطعت # بيني وبينهم عرى الأسباب # فتركتني لا بالوصال ممسكا # منهم ولا أسعفتني بثواب # فقعدت كالمهريق فضلة مائه # في حر هاجرة للمع سراب # ولم أر من الشعراء من بكى الأمل الضائع كما بكاه كثير في قوله: # وأدنيتني حتى إذا ما استبيتني # بقول يحل العصم سهل الأباطح # توليت عني حين لا لي مذهب # وغادرت ما غادرت بين الجوانح # وهي صورة شعرية تمثل المحب، وقد استدرجه محبوبه، حتى أخذ الطمع بنواصي آماله، ثم تركه في ~~اللحظة الأخيرة، يتعثر في أذيال الخيبة والقنوط. # وفي هذا المعنى يقول الشريف: # كم قد نصبت لك الحبائل طامعا # فنجوت بعد تعرض لوقوع # وتركتني ظمآن أشرب غلتي # أسفا على ذاك اللمى الممنوع # ومن الأمل الذاهب أن يكون من تحبه، من بلد غير بلدك، وقوم غير قومك، كما قال ~~نصيب: # أرق المحب وعاده سهده # لطوارق الهم التي ترده # وذكرت من رقت له كبدي # وقسا فليس ترق لي كبده # لا قومه قومي، ولا بلدي # فنكون حينا جيرة بلده # ووجدت وجدا لم يكن أحد # من أجله بصبابة يجده # ونصيب يتحدث كثيرا عن عقم الأماني، حتى ليقول: # ألا هل على البين المفرق من بد # وهل مثل أيام بمنقطع السد # تمنيت أيامي أولئك والمنى # على عهد عاد ما تعيد وما تبدي # | الكتمان # من الشعراء من لا يهمه من الكتمان غير ستر تفاصيل الود، وأسرار القرب، ولا يرى بعد ذلك ~~حرجا في ذكر اسم من يحب، كما قال جميل: # لا لا أبوح بحب ms101 بثنة إنها # أخذت علي مواثقا وعهودا # وإنه لو كان يذهب إلى نكران الاسم وجحوده، تضليلا للوشاة، لكان هذا البيت من سخف القول، ~~وهذره. وإليك ما يقول من كلمة ثانية: # وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا # سوى أن يقولوا إنني لك عاشق # نعم صدق الواشون أنت حبيبة # إلي وإن لم تصف منك الخلائق # فإنه يدل على أنه لا يبالي أن يعرف بحبها، حتى قال الناس: جميل بثينة، كما قالوا مجنون ~~ليلى. ويذكر أبو على القالي أن البيت السالف لكثير ، وأنه ذكر بثينة تورية عن حبيبته، وهذا ~~فيما أرى غير حتم؛ لأن كثير ما كان يعدل عن عزة إلا لضرورة الشعر، كقوله: # كفي حزنا للعين أن رد طرفها # لعزة عير آذنت برحيل # وقالوا نأت فاختر من الصبر والبكا # فقلت البكا أشفى إذن لغليلي # توليت محزونا وقلت لصاحبي # أقاتلتي ليلى بغير قتيل # فقد ذكر عزة عند مواتاة الشعر، وليلى عند معاصاته، وهو نوع من التلاعب بالأسماء الذي كثر ~~في شعر العرب. وقال كثير من قصيدة أخرى: # سيهلك في الدنيا شفيق عليكم # إذا غاله من حادث الدهر غائله # ويخفي لكم حبا شديدا ورهبة # والناس أشغال وحبك شاغله # كريم يميت السر حتى كأنه # إذا حدثوه عن حديثك جاهله # يود بأن يمسى سقيما لعلها # إذا سمعت عنه بشكوى تراسله # ويجهد للمعروف في طلب العلا # لتحمد يوما عند عز شمائله # وهو في هذا الشعر لا يكتم اسم من يهوى، وإنما يكتم أحاديث الحب، وأسرار الصبابة، كما قال ~~جابر بن ثعلب الجرمي: # ومستخبر عن سر ريا رددته # بعمياء من ريا بغير يقين # فقال انتصحني إنني لك ناصح # وما أنا إن خبرته بأمين # وهذا العباس بن الأحنف كان من أكثر المحبين كتمانا، ولكنه صرح باسم محبوبته فوز، ولقد ~~بلغ من حسد إحدى جاراته له أن سمت جاريتها «فوز» وقد قال في ذلك: # ما ينقضي عجبي من جهل حاسدة # كانت بذي الأثل من خدني وأنصاري # سمت وليدتها فوزا مغايظة # عذرت لو لطمتني ذات أسوار # وما يزال نساء من قرابتها # في كل ms102 ناحية يهتكن أستاري # ومسلم بن الوليد يتغنى بكتم تباريح الصبابة في قوله: # وما نلت منها نائلا غير أنني # بشجو المحبين الألى سلفوا قبلي # بلى ربما وكلت نفسي بنظرة # إليها تزيد القلب خبلا على خبل # كتمت تباريح الصبابة عاذلي # فلم يدر ما بي فاسترحت من العذل # وقد عارضه ابن عبد ربه بقوله: # بنفسي التي ضنت علي بوصلها # ولو سألت قتلي وهبت لها قتلي # وإن حكمت جارت علي بحكمها # ولكن ذاك الجور أحلى من العدل # وأحببت فيها العذل حبا لذكرها # فلا شيء أحلى في فؤادي من العذل # وهو يذكرنا بقول أبي الشيص الخزاعي: # أجد الملامة في هواك لذيذة # حبا لذكراك فليلمني اللوم # أشبهت أعدائي فصرت أحبهم # إذ كان حظي منك حظي منهم # وقول ابن نباتة المصري: # لثمت ثغر عذولي حين سماك # فلذ حتى كأني لاثم فاك # ومن العشاق من يكتم الهوى جملة واحدة كقول ابن قلاقس: # كتمت الهوى عند العواذل ضنة # عليهم بمن أصبو إليه وأهواه # ولو قلت إني عاشق فطنوا له # لعلمهم أن ليس يعشق إلا هو # وهو مذهب غريب، وأغرب منه مذهب من يقول: # وقائلة ما بال جسمك لا يرى # سقيما وأجسام المحبين تسقم # فقلت لها قلبي بحبك لم يبح # لجسمي فجسمي بالهوى ليس يعلم # وللعباس بن الأحنف شجون من الحديث عن الكتمان، فتارة يذكر أنه باح بحبه حين طال بلاؤه. ~~كقوله: # هذا كتاب بدمع عيني # أملاه قلبي على لساني # إلى حبيب كنيت عنه # أجل ذكر اسمه لساني # قد كنت أطوى هواه عنه # مذ كنت في سالف الزمان # فبحت إذ طال بي بلائي # ولم يكن لي به يدان # وهو هنا يكتم حبه عن محبوبه، فضلا عن الناس. وتارة يذكر أنه سيموت مكتوم السر إلا عمن ~~يحب، فيقول: # أبكي الذين أذاقوني مودتهم # حتى إذا أيقظوني في الهوى رقدوا # واستنهضوني فلما قمت منتصبا # بثقل ما حملوني في الهوى قعدوا # جاروا علي ولم يوفوا بعهدهم # قد كنت أحسبهم يوفون إن وعدوا # لأخرجن من الدنيا وحبكم # بين الجوانح لم يشعر به أحد # حسبي بأن ms103 تعلموا أن قد أحبكم # قلبي وأن تسمعوا صوت الذي أجد # وحينا يذكر أنه سلا، لينصرف الناس عن التحدث بحبه رفقا بمحبوبته فيقول: # كذبت على نفسي فحدثت أنني # سلوت لكيما ينكروا حين أصدق # ولا من قلى مني ولا عن ملالة # ولكنني أبقي عليك وأشفق # عطفت على أسراركم فكسوتها # قميصا من الكتمان لا يتخرق # وقد يعتذر عن هجره فيقول: # الله يعلم ما أردت بهجركم # إلا مصانعة العدو الكاشح # وعلمت أن تباعدي وتستري # أدنى لوصلك من دنو فاضح # وأحلى من هذا قوله في تعيين الغرض من الصدود: # سأهجر إلفي وهجرانها # إذا ما التقينا صدود الخدود # كلانا محب ولكننا # ندافع عن حبنا بالصدود # وتأمل قوله: «صدود الخدود» يريد بذلك أن كلا منهما يصدف بخده عن صاحبه، أما القلوب فهي ~~في ائتلاف. وطورا يكتفي بحديث العيون، كقوله: # كلانا مظهر للناس بغضا # وكل عند صاحبه مكين # تخبرنا العيون بما أردنا # في القلبين ثم هوى دفين # وقد يسر الحزن، ويبدي السرور، مبالغة في التستر، كقوله: # عيون العائدات تراك دوني # فيا حسدي لعيني من يراك # أريدك بالكلام فأتقيهم # وأعمد بالكلام إلى سواك # وأكثر فيهم ضحكي ليخفى # فسني ضاحك والقلب باك # وقد أفصح عن ضرورة الكتمان بقوله: # سأستر والستر من شيمتي # هوى من أحب بمن لا أحب # ولا بد من كذب في الهوى # إذا كان دفع الأذى بالكذب # وربما تمنى لو استطاع أن يكاتم قلبه الحب، فيقول: # إذا لم يكن للمرء بد من الردى # فأكرم أسباب الردى سبب الحب # ولو أن خلقا كاتم الحب قلبه # لمت ولم يعلم بحبكم قلبي # إذا قيل تقريك السلام تماسكت # حشاشة قلبي وانجلت غمرة الكرب # وقد ييأس من كتم الحب فيقول: # أما الهوى فهو شيء لا خفاء به # شتان بين سبيل الغي والرشد # إن المحبين قوم بين أعينهم # وسم من الحب لا يخفى على أحد # وقد يبالغ بالكتمان حتى يضل الناس من أجل حبه في بيداء من الظنون، ليس لليل نهار، كما ~~يقول: # قد سحب الناس أذيال الظنون بنا # وفرق الناس فينا قولهم فرقا ms104 # فجاهل قد رمى بالظن غيركم # وصادق ليس يدري أنه صدقا # وقد ذكروا أن العباس بن الأحنف مات هو وإبراهيم الموصلي والكسائي في يوم واحد، فرفع ذلك ~~إلى الرشيد، فأمر المأمون أن يصلي عليهم، فصفوا بين يديه، ثم سأل عنهم واحدا واحدا، وأمر ~~بتقديم ابن الأحنف فصلى عليه، فلما فرغ وانصرف دنا منه هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعي ~~فقال: يا سيدي كيف آثرت العباس بالتقدمة على من حضر؟ فأنشده المأمون هذين البيتين: # سماك لي ناس وقالوا إنها # لهي التي تشقى بها وتكابد # فجحدتهم ليكون غيرك ظنهم # إني ليعجبني المحب الجاحد # ثم قال: أتحفظهما؟ فقال: نعم. فقال: أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقدمة؟ فقال: بلى يا سيدي. # 1 # ومن جيد ما قيل في كتمان السر قول قيس بن ذريح: # لو ان أمرا أخفى الهوى عن ضميره # لمت ولم يعلم بذاك ضمير # ولكن سألقى الله والنفس لم تبح # بسرك والمستخبرون كثير # ومن الشعر الموجع في الكتمان قول جاهر بن عبد الحكيم الكلبي: # قضى كل ذي دين فوفى غريمه # ودينك عند الزاهرية ما يقضى # أكاتم في حبي ظريفة بالتي # إذا استبصر الواشون ظنوا به بغضا # صدودا عن الحي الذين أودهم # كأني عدو لا يزور لهم أرضا # ولم يدع باسم الزاهرية ذاكر # على آلة إلا ظللنا لها مرضى # وما نقع الهيمان بالشرب بعدهم # ولا ذاقت العينان مذ فارقوا غمضا # وقد يتهم المرء بحب من لا يحب، فيتمنى لو تصدق التهمة، كما قال صاحب البدائع: # عجبت لهم أنى رموني بحبها # ولا مهجتي رهن لديها ولا قلبي # فيا رب صدق في هواها عواذلي # فإن عناء أن ألام بلا ذنب # وإلا فلا تقطع علي ملامهم # فإن ملام المرء فاتحة الحب # طرفة أدبية # قال بعضهم لمحبوبته: # سري وسرك لا يعلم به أحد # إلا الإله وإلا أنت ثم أنا # فقالت له: لا تنس القوادة، فعندها الخبر اليقين! # | قسوة التجني # أكثر الشعراء من شكوى الهجر والصدود، وأكثروا القول كذلك عن قسوة التجني، فمن ذلك قول ابن ~~نباتة السعدي: ms105 # يا دهر لا غفلات العيش عائدة # ولا الشباب الذي أبليته فيها # إن كنت تمنع سعدى من مطالبها # فلست تمنع سعدى من تمنيها # لله نغمة أوتار ومسمعة # باتت تدل على شوقي أغانيها # وقهوة كشعاع الشمس طالعة # أفنيت بالمزج فيها ريق ساقيها # لو كنت أخضع في الدنيا لنائبة # خضعت من هجرها أو من تجنيها # تستعذب الدمع عيني في محبتها # كأن ما تمتريه العين من فيها # وما أجمل قول ابن الرومي: # يا عليلا جعل العل # ة مفتاحا لظلمي # ليس في الأرض عليل # غير جفنيك وجسمي # وقد كتبت الآنسة حياة فهمي كلمة عنوانها (لعن الله الحب) ونشرتها في الصباح، فأجابها ~~الشاعر المبدع السيد حسن القاياتي بقوله: # تلوم حياة على العاشقين # رويدا ورفقا بنا يا حياتي # جهلت الغرام فلمت المحب # هنيئا لعينيك في الناعسات # ثم سأل صاحب البدائع عن رأيه في تجني هذه الفتاة. فأجابه بما نصه: # يرى سيدي الشاعر أن الآنسة حياة جهلت الحب، فلامت المحبين، ولو قال غير ذلك لأصاب ~~شاكلة الصواب؛ لأن المرأة كالسياسي سواء بسواء، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ~~والله أعلم بما يكتمون. فإذا قال السياسي (لا) فاعلم أنه يريد (نعم) وإذا قال (نعم) ~~فاعلم أنه يريد (لا)، وإذا قالت المرأة (لا أحب) فاعلم أنها (تحب) وإذا زعمت أنها ~~(كارهة) فاعلم أنها (راضية)، فإن كنت في ريب من ذلك يا صديقي الأديب فإني أذكرك ~~بقولك من قصيدة نشرتها لك في جريدة الأفكار سنة 1919: # عهد السياسة كاذب # لله درك يا سجاح! # وقد قال (تاسو) أحد شعراء إيطاليا: إن المرأة تفر، وتود أن تلحق وهي فارة، ~~وتأبى، وتود في إبائها أن تسرق، وتناضل، وترغب أن يظفر بها في النضال! # فقول الآنسة حياة: «لست ممن تغلب الحب على قلوبهم» معناه أن الحب صيرها باكية ~~العين، دامية الفؤاد! وقولها: «الحب عدو لدود للإنسان؛ فيجب أن يبعد عن القلوب» ~~معناه أن الحب مادة الحياة؛ فيجب أن تزود به القلوب! # وقولها «تباعدوا عن الحب» معناه أقبلوا على الحب بسمعكم وبصركم، أيها ~~الشباب! # هذا يا صديقي ms106 ما تريده الآنسة حياة فهمي، فهي حين تقول «لعن الله الحب» إنما تريد ~~«حيا الله الحب»، وأنت بما تريد عليم. # ولا يفوتني قبل ختام هذه الكلمة أن أوجه للآنسة حياة هذا السؤال: إنك تأمريننا ~~بأن لا نحب (سمعا وطاعة!) ولو أني سمعت هذه النصيحة قبل خمسة عشر عاما لنجوت من ~~الحب، ولاسترحت الآن من تسطير مدامع العشاق، ولكني يا مولاتي لسوء الحظ قد أحببت، ~~وقد ضربت بمحبتي الأمثال، وأريد أن أسلم من الحب على يدك الطاهرة، جعل الله في ~~يمناك الشفاء، من كل داء، فهل لك أن تصفي لي طريق الخلاص من هذا الضلال القديم، ومن ~~أسماء الحب الضلال؟ # أنا في انتظار الجواب! # ملحوظة: أرجو أن تحترس الآنسة حياة، وهي تكتب أنواع العقاقير، من أن تنهاني عن ~~التطلع إلى العيون، والخدود، والثغور، والنحور، والنهود؛ فإنه لا سبيل إلى مثل هذا ~~المتاب! وإنما أريد أن أسلو وأنا أعبث بأفنان الجمال، كما يرد الشارب الكأس وهي ~~تتوهج بين أنامل الساقي الجميل! # وقد رد السيد حسن القاياتي على هذه الكلمة بخطاب شائق، ولولا الرغبة في الإيجاز لأمتعنا ~~به القارئ، ومن السهل الرجوع إليه في كتاب البدائع. # وقد حسن التجني في قول أحد الشعراء: # صد عني محمد بن سعيد # أجمل العالمين ثاني جيد # ليس من بغضة يصد ولكن # يتجنى لحسنه في الصدود # | ظلم الحبيب # وفي الحب وحده يحلو الظلم، حتى لتحكم علية بنت المهدي بأن المحب بني عليه، ~~وتقول: # وضع الحب على الجور فلو # أنصف المعشوق فيه لسمج # ليس يستحسن في شرع الهوى # عاشق يحسن تأليف الحجج # وقال النميري: # راحتي في مقالة العذال # وشفائي في قيلهم بعد قال # لا يطيب الهوى ولا يحسن الح # ب لصب إلا بخمس خصال # بسماع الأذى وعذل نصيح # وعتاب وهجرة وتقال # ويعلل بعضهم جمال الظلم في الحب بقوله: # لولا اطراد الصيد لم تك لذة # فتطاردي لي في الوصال قليلا # هذا الشراب أخو الحياة وما له # من لذة حتى يصيب غليلا # ومثله قول الآخر: # دع الصب يصلى بالأذى من حبيبه ms107 # فإن الأذى ممن تحب سرور # غبار قطيع الشاء في عين ذئبها # إذا ما تلا آثارهن ذرور # وأنشد الأصمعي: # لا خير في الحب وقفا لا تحركه # عوامل اليأس أو يقتاده الطمع # لو كان لي صبرها أو عندها جزعي # لكنت أملك ما آتي وما أدع # إذا دعا باسمها داع ليحزنني # كادت له شعبة من مهجتي تقع # لا أحمل اللوم فيها والغرام بها # ما كلف الله نفسا فوق ما تسع # ومن جيد الشعر في ظلم الحبيب قول أبي حية النميري: # رمتني وستر الله بيني وبينها # ونحن بأكناف الحجاز رميم # رميم التي قالت لجارات بيتها # ضمنت لكم أن لا يزال يهيم # ألا رب يوم لو رمتني رميتها # ولكن عهدي بالنضال قديم # فيا عجبا من قاتل لي أوده # أشاط دمي شخص علي كريم # يرى الناس أني قد سلوت وإنني # لمدنف أحشاء الضلوع سقيم # وهذا الشعر غاية في رقة المعنى وجزالة الألفاظ. # وما أجمل الرفق في قول ابن الرومي: # أصبحت مملوكا لأحسن مالك # لو كان كمل حسنه إسجاحه # لم يعنه أرقي وفيه لقيته # حتى أضر بمقلتي إلحاحه # كلا ولا دمعي وفيه سفحته # حق أضر بوجنتي تسفاحه # لا مسه بعقوبة من ربه # إقلاقه قلبي ولا إتراحه # يا ليت شعري هل يبيت معانقي # ويداي من دون الوشاح وشاحه # هل أنت منصف عاشق متظلم # طول النحيب شكاته وصياحه # قسما لقد خيمت منك بمنزل # لي حرفه ولمن سواي بطاحه # ما بال ثغرك مشربا لي سكره # ولمن سواي فدتك نفسي راحه # نفسي معذبة به من دونه # ويباحه دوني ولست أباحه # وأحب لو تأمل القارئ قول الشريف: # ولي ناظر بعد بين الخلي # ط مات من الدمع إنسانه # رواء من الماء آماقه # ظماء من النوم أجفانه # فأين من الداء إفراقه # 1 # وأين من القلب سلوانه # فيا ظالما طيبا ظلمه # كثيرا على القلب أعوانه # يباع بسومك حب القلوب # وتفلق عندك أثمانه # 2 # وشر الإساءة من مالك # أساء وما نيل إحسانه # وقال نويب: # أيا ثارات من قتلته سعدى # دمي لا تطلبوه لها حلال # أرق لها ms108 وأشفق بعد قتلي # على سعدى وإن قل النوال # وما جادت لنا يوما ببذل # يمين من سعاد ولا شمال # ونويب هذا هو الذي يقول: # ألا في سبيل الله نفس تقسمت # شعاعا وقلب للحصان صديق # أفاقت قلوب كن عذبن بالهوى # زمانا وقلبي ما أراه يفيق # عصيت بك الناهين حتى لو انني # أموت لما أرعى علي شفيق # | قساة القلوب # والعشاق يرمون أهل الحسن بقسوة القلب، وغلظ الكبد، ويحسب ابن الأحنف أن قلوب الحسان قدت ~~من الصخر، فيقول: # أظن وما جربت مثلك إنما # قلوب نساء العالمين صخور # ذريني أنم إن لم أنل منك زورة # لعل خيالا في المنام يزور # بكيت إلى سرب القطا حين مر بي # فقلت ومثلي بالبكاء جدير # أسرب القطا هل من يعير جناحه # لعلي إلى من قد هويت أطير # وقد نظر المرحوم إسماعيل باشا صبري إلى استعارة الجناح فقال: # يا سرحة بجوار الماء ناضرة # سقاك دمعي إن لم يوف ساقيك # عار عليك وهذا الظل منتشر # فتك الهجير بمثلي في نواحيك # هل من معيري جناحي طائر غرد # كي أقطع العمر شدوا في أعاليك # فلا أنفر عن أرض غرست بها # ولا يرن بسمعي غير واديك # ومن المحبين من يصف قلب محبوبته بالطمأنينة والهدوء، في حين أن قلبه يتلظى على جمر ~~الصدود. كما قال بشار: # 1 # أيها الساقيان صبا شرابي # واسقياني من ريق بيضاء رود # إن دائي الصدى وإن دوائي # شربة من رضاب ثغر برود # ولها مبسم كغر الأقاحي # وحديث كالوشي وشي البرود # نزلت في السواد من حبة القل # ب ونالت زيادة المستزيد # ثم قالت نلقاك بعد ليال # والليالي يبلين كل جديد # عندها الصبر عن لقاي وعندي # زفرات يأكلن قلب الحديد # وما أظرف قول أبي نواس في معشوقته جنان: # جنان تسبني ذكرت بخير # وتزعم أنني رجل خبيث # وأن مودتي كذب ومين # وأني للذي أهوى بثوث # وليس كذا ولا رد عليها # ولكن الملول هو النكوث # ولي قلب ينازعني إليها # وشوق بين أضلاعي حثيث # رأت كلفي بها ودوام عهدي # فملتني كذا كان الحديث # وأبدع ما قيل ms109 في قسوة قلب الجميل قول خالد الكاتب: # ليت ما أصبح من # رقة خديك بقلبك # ولقساة القلوب يقول صاحب البدائع: # لقد صددنا كما صددتم # فهل ندمتم كما ندمنا # وشفنا الوجد مذ جفوتم # فأظهر الدمع ما كتمنا # وهبت روحي وقلت عطفا # فما عطفتم وما رجعنا # ملكتموها وما وصلتم # لقد غنمتم وما غنمنا # وما ازددت خوفا على فؤادي # إلا وزدتم رضى وأمنا # وما رجائي وقد قويتم # على جفائي وزدت وهنا # قتلت نفسي على جفاكم # وما قرعتم علي سنا # لهفي على السالف المفدى # لو كان يجدي الفدا لجدنا # فما ذكرنا الذي تقضى # إلا على حسنه انتحبنا ~~••• # لو كنت أشكو الهوى لصخر # لحن وجدا وأن حزنا # وذاب من هول ما أراه # فقد برانا الهوى وذبنا # إن كان ذنب فسامحونا # ويشهد الله ما أسأنا # وصاحب البدائع هو الذي يقول: # أيها الظالم الجميل سلام # من أسير قيدته بجفاكا # كيف أصليتني من الهجر نارا # وحرمت العيون من أن تراكا # ليت من شاء أن يطول أسانا # في سبيل الهوى أطال أساكا # سوف أنجو من الغرام وأغدو # مطلق النفس من قيود هواكا # فاسقني المر من صدودك واحكم # جائر الحكم في ظلال صباكا # وقد حسب بعض الناقدين أن في هذا الشعر نذيرا بنقض العهد، وجحود الود، وليس الأمر كما ~~يحسبون، وإنما هي صورة لحالة من حالات النفس، حين يثور الوجد، ويتمنى المحب ليأسه لو أفلت ~~من أشراك هواه، وهيهات هيهات! # | سيف الفراق # نتكلم في هذا الحديث عن وصف الشعراء لفتك الفراق بالنفوس وقتله القلوب، فمنهم من يذكر ~~تعثره في الطريق، وضلاله عن القصد، بعد فراق من يحب، كما قال بعض الأعراب: # وما وجد مغلوب بصنعاء موثق # بساقيه من ثقل الحديد كبول # ضعيف الموالي مسلم بجريرة # له بعد نومات العيون عويل # يقول له الجلاد أنت معذب # غداة غد أو مسلم فقتيل # بأوجع مني لوعة يوم راعني # فراق حبيب ما إليه سبيل # غداة أسير القصد ثم تردني # عن القصد لوعات الهوى فأميل # وهذه القطعة من غرر الشعر، وهي آية في وصف الحيرة يرمى ms110 بها المحب المشوق، بعد فراق لا ~~يرجى أن يعقبه لقاء، وتأمل كيف شبه حاله بحال مغلوب كبل بالحديد، في جريرة لا يغني في ~~دفعها ضعف مواليه، وقد أصبح موضع النذير من الجلاد في كل صباح ومساء، وحسب الفراق أن يرمى ~~المحب في مثل هذه الحال! # وأنشد الجاحظ: # أزف البين المبين # قطع الشك اليقين # حنت العيش فأبكا # ني من العيش الحنين # لم أكن لا كنت أدري # أن ذا البين يكون # علموني كيف أشتا # ق إذا خف القطين # وكان أستاذنا الشيخ سيد المرصفي يسخر ممن يقول: # وأنا بكيت من الفرا # ق فهل بكيت كما بكيت # ولطمت خدي خاليا # ومرسته حتى اشتفيت # وعواذلي ينهينني # عمن هويت فما انتهيت # وأنا أحسب أن البكاء ولطم الخدود أهون ما يجري بعد الفراق، ويا ويلتاه من الفراق! وما ~~أصدق من يقول: # أمزمعة ليلى ببين ولم تمت # كأنك عما قد أظلك غافل # ستعلم إن شطت بهم غربة النوى # وزالوا بليلى أن قلبك زائل # ومن المتيمين من يشجيه أن يقاسي أحبابه متاعب السفر، ومشاق السرى، ومصاعب الإدلاج. ثم ~~يرجع إلى نفسه فيتوجع لحاله بعد الفراق. كقول أبي تمام: # لو كان في البين إذ بانوا لهم دعة # لكان بينهم من أعظم الضرر # فكيف والبين موصول به تعب # تكلف البيد في الأدلاج والبكر # لو ان ما يبتليني الحادثات به # يكون بالماء لم يشرب من الكدر # أو كان بالعيس ما بي يوم رحلتهم # أعيت على السائق الحادي فلم تسر # كأن أيدي مطاياهم إذا وخدت # يقعن في حر وجهي أو على بصري # وهذا شعر يذيب لفائف القلوب ... وقال بعض المعذبين: # قد قلت والعبرات تس # فحها على الخد المآقي # حين انحدرت إلى الجزي # رة وانقطعت عن العراق # يا بؤس من سل الزما # ن عليه سيفا للفراق # إي والله! # يا بؤس من سل الزما # ن عليه سيفا للفراق # إنه لا محالة مقتول! # وقد يلوم المحب نفسه على فراق أحبابه، كالذي يقول: # أتظعن عن حبيبك ثم تبكي # عليه فمن دعاك إلى الفراق # كأنك لم تذق للبين ms111 طعما # فتعلم أنه مر المذاق # أقم وانعم بطول القرب منه # ولا تظعن فتكبت باشتياق # فما اعتاض المفارق من حبيب # ولو يعطى الشآم مع العراق # ومثله من يقول: # تطوي المراحل عن حبيبك دائبا # وتظل تبكيه بدمع ساجم # كذبتك نفسك لست من أهل الهوى # تشكو الفراق وأنت عين الظالم # هلا أقمت ولو على جمر الغضى # قلبت أو حد الحسام الصارم # وما أوجع ما قالته إحدى النساء: # وكنا كغصني بانة وسط روضة # نشم شذا الأزهار في عيشة رغد # فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطع # فيا فردة باتت تحن إلى فرد # ولهذين البيتين قصة محزنة يضيق عن ذكرها المجال. # | الهرب من الفراق # وإذا كان ما تقدم هو حال المحبين يوم الفراق، فليس ببدع أن يهرب البحتري من منظر الوداع، ~~وأن يظرف حين يقول: # الله جارك في انطلاقك # تلقاء شامك أو عراقك # لا تعذلني في مسي # رك يوم سرت ولم ألاقك # إني خشيت مواقفا # للبين تسفح غرب ماقك # وعلمت ما يلقى المتي # م عند ضمك واعتناقك # وعلمت أن لقاءنا # سبب اشتياقي واشتياقك # فتركت ذاك تعمدا # وخرجت أهرب من فراقك # وفي مقابل هذا المعنى يقول العباس بن الأحنف وقد حرم توديع من يحب: # كفى حزنا أني بقيت وليس لي # سبيل إلى توديعكم فأودع # تلفت خلفي حيث لم تبق حيلة # وذودت عيني نظرة وهي تدمع # | غراب البين # أكثر العرب من ذكر الغراب، والتشاؤم من منظره، حتى ليقولون: # رأيت غرابا ساقطا فوق بانة # ينتف أعلى ريشه ويطايره # فقلت ولو اني أشاء زجرته # بنفسي للنهدي هل أنت زاجره # فقال غراب لاغتراب من النوى # وفي البان بين من حبيب تجاوره # فما أعيف النهدي لا در دره # وأزجره للطير لا عز ناصره # ومن الشعراء من استخف بهذه الخرافة، وسخر من المتطيرين، ورأى أن الإبل هي التي تفرق ~~الأحباب، كقول أبي الشيص: # ما فرق الأحباب بع # د الله إلا الإبل # والناس يلحون غرا # ب البين لما جهلوا # وما على ظهر غرا # ب البين تطوى الرحل # ولا إذا صاح غرا # ب في الديار ms112 احتملوا # وما غراب البين إلا # ناقة أو جمل # ومنهم من لا يجيز ذم المطي، لأن لها صلة بمن يحب، كالذي يقول: # زعموا بأن مطيهم عون النوى # والمؤذنات بفرقة الأحباب # ولو انها حتفي لما أبغضتها # ولها بهم سبب من الأسباب # | فقد العزاء # وقد يعنف الهوى ويقسو، حتى يذهب بجميل الصبر، وحميد العزاء، فمن العشاق من يفقد اصطباره ~~عند الوداع. كقول ابن نباتة السعدي: # كيف العزاء وأين بابه # والحي قد خفت ركابه # بأغر منتقب ينم # على محاسنه نقابه # متأود حلو الشمائل # من أساوره حقابه # 1 # زعم المخبر أنه # ضربت على سلع قبابه # فطلبته كالأيم أو # كالسيل في الليل انسيابه # فإذا أحم المقلتي # ن يشين أنمله خضابه # يهتز مثل السمهري # تدافعت فيه كعابه # وقف الولائد دونه # كالقلب يستره حجابه # أقبلت أسأله وأع # لم أن حرماني جوابه # ويلي على متلون ال # أخلاق يعجبه شبابه # لا رسله تترى إلي # نا بالسلام ولا كتابه # وأحب أن يتأمل القارئ هذه القصيدة البديعة، وأن يتنبه إلى دقة الوصف في جميع ما عرض ~~الشاعر له، وعلى الأخص تلون الأخلاق، والزهو بالشباب في أرباب الجمال، وقال الشريف: # ورامين وهنا بالجمار وإنما # رموا بين أحشاء المحبين بالجمر # رموا لا يبالون الحشا وتروحوا # خليين والرامي يصيب ولا يدري # وقالوا غدا ميعادنا النفر عن منى # وما سرني أن اللقاء مع النفر # ويا بؤس للقرب الذي لا نذوقه # سوى ساعة ثم البعاد مدى الدهر # فيا صاحبي إن تعط صبرا فإنني # نزعت يدي اليوم من طاعة الصبر # وإن كنت لم تدر البكا قبل هذه # فميعاد دمع العين منقلب السفر # وقد يستولي الحزن على القلب، ويتغلغل في سويدائه، حتى ييأس المحب عن صلاحية فؤاده للسرور، ~~لو رجعت أسبابه، كما قال بعض الشعراء: # كم استراح إلى صبر فلم يرح # صب إليكم من الأشواق في ترح # تركتم قلبه من حزن فرقتكم # لو يرزق الوصل لم يقدر على الفرح # وقال خالد الكاتب يفضل اللوعة على العزاء: # عاتبت نفسي في هوا # ك فلم أجدها تقبل # وأطعت داعيها إلي # ك فلم ms113 أطع من يعذل # لا والذي جعل الوجو # ه لحسن وجهك تمثل # لا قلت إن الصبر عن # ك من التصابي أجمل # وقال إسحاق الموصلي في ذهاب الوداع بالصبر الجميل: # تقضت لبانات وجد رحيل # ولم يشف من أهل الصفاء غليل # ومدت أكف للوداع فصافحت # وفاضت عيون للفراق تسيل # ولا بد للألاف من فيض عبرة # إذا ما خليل بان عنه خليل # فكم من دم قد طل يوم تحملت # أوانس لا يودى لهن قتيل # غداة جعلت الصبر شيئا نسيته # وأعولت لو أجدى علي عويل # ولم أنس منها نظرة هاج لي بها # هوى منه باد ظاهر ودخيل # كما نظرت حوراء في ظل سدرة # دعاها إلى ظل الكناس مقيل # وابن زيدون يجعل صبره عن حبيبه كصبر الظماء عن الماء، فيقول: # إليك من الأنام غدا ارتياحي # وأنت من الزمان مدى اقتراحي # وما اعترضت هموم النفس إلا # ومن ذكراك ريحاني وراحي # فديتك إن صبري عنك صبري # لدى عطشي عن الماء القراح # ولي أمل لو الواشون كفوا # لأطلع غرسه ثمر النجاح # وأعجب كيف يغلبني عدو # رضاك عليه من أمضى سلاحي # فؤادي من أسى بك غير خال # وقلبي من هوى لك غير صاحي # فلو أسطيع طرت إليك شوقا # وكيف يطير مقصوص الجناح # ويأسى ابن الدمينة على أن لم يغنه القرب، ولم يسله البعد، فيقول: # وقد زعموا أن المحب إذا دنا # يمل وأن النأي يشفي من الوجد # بكل تداوينا فلم يشف ما بنا # على ذاك قرب الدار خير من البعد # على أن قرب الدار ليس بنافع # إذا كان من تهواه ليس بذي عهد # وأوجع الشعر في فقد العزاء قول بعض الأعراب: # فيا رب إن أهلك ولم ترو هامتي # بليلى أمت لا قبر أعطش من قبري # وإن أك عن ليلى سلوت فإنما # تسليت عن يأس ولم أسل عن صبر # وإن يك عن ليلى غنى وتجلد # فرب غنى نفس قريب من الفقر # | بكاء الشباب # ولعل أشجى ما يمر بخاطر المرء أن يهجره الغيد بعد انصرام الشباب، والشباب هو شفيع الفتى ~~إلى قلوب الحسان، ms114 فإذا مضى فقد أصبح بلا شفيع، والويل للمفرد المغلوب! # من أجل ذلك تفنن الشعراء في بكاء الشباب، والتنكر للمشيب، فمنهم من تبيض في رأسه شعرة ~~واحدة، فلا يراها قليلة، لأن قذى العين غير قليل، كما قال ابن الرومي: # طرفت عيون الغانيات وربما # أمالت إلي الطرف كل مميل # وما شبت إلا شيبة غير أنه # قليل قذاة العين غير قليل # وابن الرومي يكثر البكاء على شبابه، ويعلل نفسه أحيانا بأن الشيب في الرأس كالنور على ~~الغصن، ويأسى كثيرا لاحتياجه إلى الخضاب، الذي يراه أشبه بسواد الحداد، ويكاد يصرخ من ~~خروجه إلى الحسان في شعر ميت، وقلب حي، والمحب يتفجر قلبه دائما بالحياة، وانظر كيف ~~يقول: # شاب رأسي ولات حين مشيب # وعجيب الزمان غير عجيب # قد يشيب الفتى وليس عجيبا # أن يرى النور في القضيب الرطيب # ساءها أن رأت حبيبا إليها # ضاحك الرأس عن مفارق شيب # يا حليف الخضاب لا تخدع النف # س فما أنت للصبا بنسيب # ليس يجدي الخضاب شيئا من النف # ع سوى أنه حداد كئيب # لهف نفسي على القناع الذي مح # وأعقبت منه شر عقيب # 1 # منع العين أن تقر وقرت # عين واش بنا وعين رقيب # شعر ميت لذي وطر حي # كنار الحريق ذات اللهيب # ظلمتني الخطوب حتى كأني # ليس بيني وبينها من حسيب # وما أروع قوله في السخر من الخضاب: # رأيت خضاب المرء عند مشيبه # حدادا على شرخ الشبيبة يلبس # وإلا فما يغزو امرؤ بخضابه # أيطمع أن يخفى شباب مدلس # وكيف بأن يخفى المشيب لخاضب # وكل ثلاث صبحه يتنفس # وهبه يواري شيبه أين ماؤه # وأين أديم للشبيبة أملس # وقال أشجع السلمي يوصي بانتهاب اللذات، قبل أن يقف في سبيلها الهرم والمشيب: # وما لي لا أعطي الشباب نصيبه # وغصناه يهتزان في عوده الرطب # رأيت الليالي ينتهبن شبيبتي # فأسرعت باللذات في ذلك النهب # رأيت بنات الدهر يخلسن لذتي # لقد حزن سلمي وانتهين إلى حربي # وقد حولت حالي الليالي وأسرجت # على الرأس أمثال الفتيل من العطب # وموت الفتى خير له من حياته ms115 # إذا كان ذا حالين يصبو ولا يصبي # وقال آخر في صدوف النساء عن صرعى المشيب: # هل الأدم كالآرام والدهر كالدمى # معاودتي أيامهن الصوالح # زمان سلاحي بينهن شبيبتي # لها سائق من حسنهن ورامح # وأقسمن لا يسقينني قطر مذنة # لشيبي ولو سالت بهن الأباطح # وكان أستاذنا المرحوم فقيد اللغة والأدب الشيخ محمد المهدي بك كثير الإعجاب بقول أبي ~~منصور النميري في الجزع على شبابه المفقود: # ما تنقضي حسرة مني ولا جزع # إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع # بان الشباب ونابتني بفرقته # خطوب دهر وأيام لها خدع # ما كنت أوفي شبابي كنه قيمته # حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع # تعجبت أن رأت أسراب دمعته # في حلبة الخد أجراها حشا وجع # أصبحت لم تطعمي ثكل الشباب ولم # تشجي بغصته والعذر لا يقع # لا ألحين فتاتي غير كاذبة # عين المكذوب فما في ودكم طمع # ما بالشبيبة من وان وإن رفعت # إلا لها نبوة عنه ومرتدع # إني لمعترف ما في من أرب # عند الحسان فما في النفس منخدع # قد كدت تقضي على فوت الشباب أسى # لولا أعزيك إن الأمر منقطع # ويذكرون أن الرشيد سمع هذا الشعر، وبكى له، وأنشد: # أتأمل رجعة الدنيا سفاها # وقد صار الشباب إلى ذهاب # فليت الباكيات بكل أرض # جمعن لنا فنحن على الشباب # ومن التعليل الكاذب قول البحتري في مدح المشيب: # عذلتنا في عشقها أم عمرو # هل سمعتم بالعاذل المعشوق # ورأت لمة ألم بها الشي # ب فريعت من ظلمة في شروق # ولعمري لولا الأقاحي لأبصر # ت أنيق الرياض غير أنيق # وسواد العيون لو لم يجاور # ه بياض ما كان بالموموق # ومزاج الصهباء بالماء أملى # بصبوح مستحسن وغبوق # أي ليل يبهى بغير نجوم # أو سحاب يندى بغير بروق # لكن ماذا يصنع الأشيب، إن لم يغالط الحسان بهذه المعاذير؟! # | بلايا الغيرة # نذكر هنا ما جرى في سبيل الغيرة من الدموع، ونتقدم ذلك بقول بعض الأندلسيين وقد قبل من ~~يهواه: # يا رب إن قدرته لمقبل # غيري فللمسواك أو للأكؤس # وإذا قضيت لنا بصحبة ثالث # يا رب ms116 فليك شمعة في المجلس # وإذا حكمت لنا بعين مراقب # يا رب فليك من عيون النرجس # ألست ترى الرعب وقد استولى على هذا الشاعر من أن ينعم بحبيبه سواه، فجعل يتمنى، لو تنفع ~~الأماني، أن لا يراقبهم غير النرجس، وأن لا يصحبهم غير الشمعة، وأن لا يقبل محبوبه غير ~~الكأس أو المسواك؟! # وقد جن العرب بالغيرة جنونا، فتخيلوا غسان بن جهضم ينشد زوجه من عالم الأرواح، وقد زفت ~~إلى غيره بعد موته بقليل: # غدرت ولم ترعي لبعلك حرمة # ولم تعرفي حقا ولم تحفظي عهدا # ولم تصبري حولا حفاظا لصاحب # حلفت له يوما ولم تنجزي وعدا # غدرت به لما ثوى في ضريحه # كذلك ينسى كل من سكن اللحدا # وتخيل رواة العرب أن موسى الهادي جاء إلى جاريته (غادر) وقد أقبلت من بعده على أخيه هارون ~~فأنشدها وهي نائمة هذه الأبيات: # أخلفت عهدي بعد ما # جاورت سكان المقابر # ونكحت غادرة أخي # صدق الذي سماك غادر # لا يهنك الإلف الجدي # د ولا تنم عنك الدوائر # ولحقت بي قبل الصبا # ح وصرت حيث غدوت صائر # بعد هذا التمهيد يستطيع القارئ أن يدرك لم حملت الغيرة عبد السلام بن رغبان على قتل ~~غلامه وجاريته، وحديث هذا الشاعر عجيب؛ فقد ذكروا أنه اشترى غلاما وجارية، ثم شغفاه حبا، ~~فكان يجلس للشراب والجارية عن يمينه والغلام عن شماله، ثم خشى أن يموت قبلهما فينعم غيره ~~بما لهما من روعة وجمال، فذبحهما وأحرقهما وصنع من ترابهما آنيتين للشراب! وكان ينشد حين ~~يشرب من الآنية التي صنعها من تراب الغلام هذه القطعة الباكية: # أشفقت أن يرد الزمان بغدره # أو أبتلى بعد الوصال بهجره # قمر قد استخرجته من دجنه # لبليتي وأثرته من خدره # فقتلته وله علي كرامة # فله الحشا وله الفؤاد بأسره # عهدي به ميتا كأحسن نائم # والحزن يسفح مدمعي في نحره # لو كان يدري الميت ماذا بعده # بالحي منه بكى له في قبره # غصص تكاد تفيض منها نفسه # ويكاد يخرج قلبه من صدره # ثم ينشد حين يشرب من الآنية التي ms117 صنعها من تراب الجارية هذه القطعة التي يندر أن نجد أحر ~~منها في الرثاء: # يا طلعة طلع الحمام عليها # فجنى لها ثمر الردى بيديها # حكمت سيفي في مجال خناقها # ومدامعي تجري على خديها # رويت من دمها الثرى ولطالما # روى الهوى شفتي من شفتيها # فوحق نعليها وما وطئ الثرى # شيء أعز علي من نعليها # ما كان قتليها لأني لم أكن # أبكي إذا سقط الذباب عليها # لكن بخلت على الوجود بحسنها # وأنفت من نظر العيون إليها # ولعل الظلم لم يرزق حجة أقوى من هذه الحجة ، ولا برهانا أسطع من هذا البرهان! وكانت ~~السيدة سكينة تعيب على جرير قوله: # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا # وقت الزيارة فارجعي بسلام # وكانت تقول: قاتله الله ما أقساه! هلا قال: ادخلي بسلام. # فلو سمعت السيدة سكينة بهذا المحب السفاح لطال بكاؤها على صرعى الغيرة، وقتلى الإشفاق، ~~ولئن كان الجنون فنونا كما يقولون، فهذا ورب الكعبة أغرب فنون الجنون، وكنا نود لو حدثنا ~~التاريخ عن أثر هذه الأعجوبة في أنفس من عاصروا ابن رغبان لنعرف رأيهم في الجناية على ~~الجمال، ألم يكفهم أن الحسن حال تحول، ودولة تدول، حتى تسوق غيرتهم إليه الفناء؟ وبعد، فقد ~~سمي عبد السلام بن رغبان هذا «ديك الجن» وإنه في فعلته هذه لشيطان مريد! # هذا، ومن الشعراء من يغار من عود البشام حين يستاك به الحبيب، ومن العقد يطوق به الجيد، ~~ومن النقاب يحجب به الوجه الجميل، كما قال الشريف: # يا غزال الجزع لو كا # ن علي الجزع لمام # أحسد الطوق على جي # دك والطوق لزام # وأعض الكف إن نا # ل ثناياك البشام # وأغار اليوم إن مر # على فيك اللثام # ومنهم من يغار من قميص حبيبه، كما قال خالد الكاتب: # محبك شفه ألمه # وخاصر جسمه سقمه # وباح بما يجمجمه # من الأسرار مكتتمه # أما ترثي لمكتئب # يحبك لحمه ودمه # يغار على قميصك حي # ن تلبسه ويتهمه # وكما قال بعض الأعراب: # أرى القميص على ليلى فأحسده # إن القميص على ما ضم محسود # ومنهم من يغار ms118 على اسم محبوبه، فيكني عنه، لئلا تتمتع به الآذان، كما قال البها ~~زهير: # وأنزه اسمك أن تمر حروفه # من غيرتي بمسامع الجلاس # فأقول بعض الناس عنك كناية # خوف الوشاة وأنت كل الناس # وقد يغار المحب على حبيبه من نفسه، كما قال أبو تمام: # بنفسي من أغار عليه مني # وتحسد مقلتي نظري إليه # ولو اني قدرت طمست عنه # عيون الناس من حذري عليه # حبيب بث في قلبي هواه # وأمسك مهجتي رهنا لديه # فروحي عنده والجسم خال # بلا روح وقلبي في يديه # | الاستعطاف # نذكر هنا حيل العشاق في لفت أنظار الأحباب إليهم، وتوجيه أفكارهم نحوهم، حتى ينالوا ~~طلبتهم من القرب، وبغيتهم من الوصل، ولذلك حالات: فمن العشاق من يقبح لحبيبه المطل والخلف، ~~حتى يبر بوعده، ويفي بعهده، كقول ابن الأحنف: # كأن لم يكن بيني وبينكم هوى # ولم يك موصولا بحبلكم حبلي # وإني لأستحيي لكم من محدث # يحدث عنكم بالملالة والمطل # وكقول الطغرائي: # ويا جيرتي بالجزع جسمي بعدكم # نحيل وطرفي بالسهاد كليل # عهدت بكم غصن الشبيبة مورقا # فخان وخنتم والوفاء قليل # وأودعتكم قلبي فلما طلبته # مطلتم وشر الغارمين مطول # فإن عدتم يوما تريدون مهجتي # تمنعت إلا أن يقام كفيل # ومن المتيمين من يحرم كل شيء حتى الوعد فتراه لا يطلب الوفاء ولا يقبح الإخلاف، وإنما ~~يرجو وعدا يجلو به كربة قلبه، ويطفئ به نار جواه، لو تغني الوعود! # وما أزال ألمح في عالم الخيال مجنون بني عامر، وقد صادف في توحشه حي ليلى، ولقيها فجأة ~~فعرفها وعرفته، فصعق وخر مغشيا عليه، وأقبل فتيان من حي ليلى فأخذوه، ومسحوا التراب عن ~~وجهه وأسندوه إلى صدورهم، وسألوا أن تقف له وقفة، فرقت لما رأته وقالت: أما هذا فلا يجوز أن ~~أفتضح به ثم قالت لجاريتها: اذهبي إلى قيس فقولي له: ليلى تقرأ عليك السلام، وتقول لك أعزز ~~علي بما أنت فيه، ولو وجدت سبيلا إلى شفاء دائك لوقيتك بنفسي. فمضت الوليدة إليه وأخبرته ~~بقولها فأفاق وجلس، وقال: أبلغيها السلام، وقولي لها هيهات هيهات! إن دائي ms119 ودوائي أنت، وإن ~~حياتي ووفاتي لفي يديك، ولقد وكلت بي شقاء لازما وبلاء طويلا، ثم بكى، وأنشأ ~~يقول: # أقول لأصحابي هي الشمس ضوءها # قريب ولكن في تناولها بعد # لقد عارضتنا الريح منها بنفحة # على كبدي من طيب أرواحها برد # فما زلت مغشيا علي وقد مضت # أناة وما عندي جواب ولا رد # أقلب بالأيدي وأهلي بودهم # يفدونني لو يستطيعون أن يفدوا # ولم يبق إلا الجلد والعظم عاريا # ولا عظم لي أن دام ما بي ولا جلد # أدنياي ما لي في انقطاعي ورغبتي # إليك ثواب منك دين ولا نقد # عديني بنفسي أنت وعدا فربما # جلا كربة المكروب عن قلبه الوعد # غزتني جنود الحب من كل جانب # إذا حان من جند قفول أتى جند # والبيت الأخير أعجوبة من أعاجيب الخيال، فما زال المحبون صرعى مساكين، إن قفلت عنهم جنود ~~الخدود، غزتهم جنود العيون، ويرحم الله من تألبت عليه جنود الحب جميعا حتى ذهبت بلبه، ولم ~~يبق إلا أن تنكسر النصال على النصال! # وقد يستعطف المتيم المحزون ولكنه لا يطلب وعدا يطارد به جيوش الأحزان، ولا يرجو الوفاء ~~بوعد كأن يهتدي به في ظلمات الشجون، وإنما يلمح وقد يكون التلميح، أبلغ من التصريح. فيذكر ~~أن الحسن يحدق به من كل جانب، ولكنه لا يصبو ولا يميل لأنه بمن يحب مشغول. وانظر قول ~~الأبيوردي في هذا المعنى البديع: # وقتك الردى بيض حسان وجوهها # ومثرية من نضرة وجمال # طلعن بدورا في دجى من ذوائب # ومسن غصونا في متون رمال # أرى نظرات الصب يعثرن دونها # بأعراف جود أو رءوس عوال # عرضن علي الوصل والقلب كله # لديك فأنى يبتغين وصالي # ولولاك ما بعت العراق وأهله # بوادي الحمى والمندلي بضال # فما لنساء الحي يضمرن غيرة # سبتها العوالي ما لهن وما لي # ولو خالفتني في متابعة الهوى # يميني ما واصلتها بشمالي # وفيك صدود من دلال أظنه # على ما حكى الواشي صدود ملال # وقد يتمنى المحب أن يمرض ليعوده الحبيب، وإليك قول ابن الخياط: # أحن إلى سقمي لعلك عائدي # ومن كلف ms120 أني أحن إلى السقم # وحتام أستشفي من الداء ما به # سقامي وأستروي من الدمع ما يظمي # فراق أتى في إثر هجر وما أذى # بأوجع من كلم أصاب على كلم # مسكين هذا المحب، يتمنى المرض ليعاد، فهل يعلم أن من المحبين من أشقاه المرض، فلم يسعده ~~العواد، وهل أتاه حديث ابن الأحنف وقد لج به المرض فأخذ يهذي بهذا الشعر الباكي ~~الحزين: # أهابك أن أشكو إليك وليس لي # يد بالذي ألقى وأخفي من الوجد # وإني لصادي الجوف والماء حاضر # أراه ولكن لا سبيل إلى الورد # وما كنت أخشى أن تكون منيتي # بكف أخص الناس كلهم عندي # وهل وصلت إليه تلك الوصية البديعة التي بعث بها ابن الأحنف إلى حجاج البيت الحرام وقد ~~توقع أن يمروا بدار هواه؟ # انظر إلى ذلك العليل، وقد خفي الداء، وتعذر الشفاء، وكلما عصر الماء في فيه مجه، كما ~~يفعل الطفل الغرير، وقد ذهبت العلة بجمال نظراته، وسحر بسماته، وإن نودي لم يجب بغير ~~الأنين، انظر إليه وقد تمنى جرعة مزجت بريق حبيبته يحملها إليه الحجاج في زجاجة! ولو أمكن ~~أن تنقل إليه النظرة، لرجاهم أن يحملوا إليه نظرة، ولو خلق الفنوغراف في ذلك الحين لرجاهم ~~أن ينقلوا إليه نغمة من نغماتها العذاب! ولو مهر المصورون إذ ذاك لكلفهم أن يصوروا مشيتها ~~الفتانة في الضحى والأصيل! انظر إليه وهو يرجوهم أن يتعللوا عند أهله فيذكروا أن تلك الجرعة ~~العذبة إنما هي من ماء زمزم! ويحك، وأين ماء زمزم الملح الأجاج، من ماء ذلك الثغر العذب ~~الفرات؟ انظر إليه وقد أوصاهم أن يرشوا ريق من يهوى على وجهه، فإن صادفوه ميتا فليرشوه على ~~قبره! انظر كيف يقول: # أزوار بيت الله مروا بيثرب # لحاجة متبول الفؤاد كئيب # وقولوا لهم يا أهل يثرب أسعدوا # على جلب للحادثات جليب # فإنا تركنا بالعراق أخا هوى # تنشب رهنا في حبال شعوب # به سقم أعيا المداوين علمه # سوى ظنهم من مخطئ ومصيب # إذا ما عصرنا الماء في فيه مجه # وإن نحن نادينا فغير مجيب ms121 # خذوا لي منها جرعة في زجاجة # ألا إنها لو تعلمون طبيبي # وسيروا فإن أدركتم بي حشاشة # لها في نواحي الصدر وجس دبيب # فرشوا على وجهي أفق من بليتي # يثيبكم ذو العرش خير مثيب # فإن قال أهلي ما الذي جئتم به # وقد يحسن التعليل كل أريب # فقولوا لهم جئناه من ماء زمزم # لنشفيه من دائه بذنوب # وإن أنتم جئتم وقد حيل بينكم # وبيني بيوم للمنون عصيب # وصرت من الدنيا إلى قعر حفرة # حليف صفيح مطبق وكثيب # فرشوا على قبري من الماء واندبوا # قتيل كعاب لا قتيل حروب # وكان ابن الأحنف هذا يستعطف فلا يرجو شيئا، ولا يخاف شيئا، وكل مناه أن يعلم فاتنوه أنه ~~يحبهم، وأن يسمعوا صوت ما يجد، وإنه لمطلب زهيد، ولكنه قد يصبح صعب المنال، وانظر هذه ~~الأبيات التي يندر أن تجد مثلها في تصوير المحب وقد خلاه من أذكوا نار جواه، وتركوه يتلوى ~~ويتململ فوق جمر الهوى وجمر الصدود: # أبكي الذين أذاقوني مودتهم # حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا # واستنهضوني فلما قمت منتصبا # بثقل ما حملوني في الهوى قعدوا # جاروا علي ولم يوفوا بعهدهم # قد كنت أحسبهم يوفون إن وعدوا # لأخرجن من الدنيا وحبكم # بين الجوانح لم يشعر به أحد # حسبي بأن تعلموا أن قد أحبكم # قلبي وأن تسمعوا صوت الذي أجد # ومن حسن الإشارة قول إبراهيم بن المهدي: # يا غزالا لي إليه # شافع من مقلتيه # والذي أجللت خدي # ه فقبلت يديه # بأبي وجهك ما أك # ثر حسادي عليه # أنا ضيف وجزاء الضي # ف إحسان إليه # والإحسان الذي يرجوه هذا الشاعر يذكرنا بقول بعض الأعراب: # آل ليلى إن ضيفكم # واجد بالحي مذ نزلا # أمكنوه من ثنيتها # لم يرد خمرا ولا عسلا # ومن جميل الاستعطاف قول ابن زيدون: # يا هلالا تتراءا # ه نفوس لا عيون # عجبا للقلب يقسو # منك والعطف يلين # ما الذي ضرك لو سر # بمرآك الحزين # وتلطفت بصب # حينه فيك يحين # فوجوه اللطف شتى # والمعاذير فنون # وما أوجع الأسى في قول ابن هانئ: # يا بنت ذي البرد ms122 الطويل نجاده # أكذا يجور الحكم في ناديك # عيناك أم مغناك موعدنا وفي # وادي الكرى ألقاك أم واديك # منعوك من سنة الكرى وسروا فلو # عثروا بطيف طارق ظنوك # ودعوك نشوى ما سقوك مدامة # لما تمايل عطفك اتهموك # حسبوا التكحل في جفونك حلية # تالله ما بأكفهم كحلوك # وجلوك لي إذ نحن غصنا بانة # حتى إذا احتفل الهوى حجبوك # ويندر أن تجد بين الأدباء من لا يحفظ قول ابن الطثرية: # عقيلية أما ملاث إزارها # فدعص وأما خصرها فبتيل # تقيظ أكناف الحمى ويظلها # بنعمان من وادي الأراك مقيل # أليس قليلا نظرة إن نظرتها # إليك، وكلا ليس منك قليل # فيا خلة النفس التي ليس دونها # لنا من أخلاء الصفاء خليل # ويا من كتمنا حبه لم يطع به # عدو ولم يؤمن عليه دخيل # أما من مقام أشتكي غربة النوى # وخوف العدا فيه إليك سبيل # فؤادي أسير لا يفك ومهجتي # تفيض وأحزاني عليك تطول # ولي مقلة قرحى لطول اشتياقها # إليك وأجفاني عليك همول # فديتك أعدائي كثير وشقتي # بعيد وأشياعي لديك قليل # وكنت إذا ما جئت جئت بعلة # فأفنيت علاتي فكيف أقول # فما كل يوم لي بأرضك حاجة # ولا كل يوم لي إليك رسول # صحائف عندي للعتاب طويتها # ستنشر يوما والعتاب طويل # فلا تحملي ذنبي وأنت ضعيفة # فحمل دمي يوم الحساب ثقيل # ولنختم هذا الباب بقول صاحب البدائع: # أجبني إن تفضلت # على المسكين بالرد # أأنسى الدهر ما جادت # به عيناك من وعد؟ # وأرسم للمنى حدا # وما لجواي من حد؟ # وأقنع بالردى وردا # وغيري صائغ الورد؟ # وأرضى باللظى مثوى # ووجهك جنة الخلد؟ ~~••• # وفيا حافظا أشقى # ليسعد ناقض العهد # وصبا والها أفنى # ليبقى جاحد الود # فيا ويلاه من حب # حملت بلاءه وحدي! # أعد لحمله جهدي # فيصعق بطشه جهدي # | الحنين # هل أتاك حديث الصمة بن عبد الله وقد خطب ابنة عمه، وكان لها محبا، فاشتط عليه عمه في ~~المهر، فاستعان بأبيه وكان مثريا فلم يعنه، فأم عشيرته فأسعفوه، ثم ساق الإبل إلى عمه، ~~فقال لا أقبل هذه في مهر ابنتي، فسل ms123 أباك أن يبدلها لك. فسأل أباه ذلك فأبى عليه، فلما رأى ~~ضن أبيه وإباء عمه قطع عقلها وخلاها فعاد كل بعير إلى أهله ... ويروى أن أباه أعطاه تسعة ~~وتسعين بعيرا فأبى عمه إلا مائة وحلف أبوه لا يكملها، فقال الصمة: والله ما رأيت ألأم ~~منكما، وإني لألأم منكما جميعا إن أقمت بينكما، ثم رحل إلى الشام. فقالت ابنة عمه: تالله ~~ما رأيت كاليوم رجلا باعته عشيرته ببعير! # تأمل أيها القارئ هذه القصة الوجيزة، وأكملها بما لديك من وثبات الخيال، ولا تطالبني ~~بأكثر من هذا الإيجاز، فإنما أتخذه مقدمة لدرس قصيدة الصمة في الحنين ... ألم تر إليه وقد ~~طالت غربته، فعبث الشوق بقلبه، واعتادته ذكرى أحبابه وأوطانه، فقال يعاتب نفسه، ويحاور ~~فؤاده: # أمن ذكر دار بالرقاشين أصبحت # بها عاصفات الصيف بدءا ورجعا # حننت إلى ريا ونفسك باعدت # مزارك من ريا وشعباكما معا # فما حسن أن تأتي الأمر طائعا # وتجزع إن داعي الصبابة أسمعا # ثم أخذ يخاطب رفيقيه - وقد بالغا في لومه وأطالا في تأنيبه - فقال: # ألا يا خليلي اللذين تواصيا # بلومي إلا أن أطيع وأتبعا # قفا إنه لا بد من رجع نظرة # يمانية شتى بها القوم أو معا # لمغتصب قد عزه القوم أمره # حياء يكف الدمع أن يتطلعا # ثم شرع في تعجيزهم وتيئيسهم فقال: # فإن كنتم ترجون أن يذهب الهوى # يقينا ونروى بالشراب فننقعا # فردوا هبوب الريح أو غيروا الجوى # إذا حل ألواذ الحشا فتمنعا # ومن يستطيع ذلك؟ تالله ما العاذل وإن اشتط في عذله، وبالغ في لومه، بقادر على نسيانك، أو ~~سلوانك: # ظن الهوى لبسة تبلى فيخلعها # فكان في القلب مثل القلب في البدن # ثم عاد إلى رفيقيه يسألهما الإسعاد والإنجاد: # قفا ودعا نجدا ومن حل بالحمى # وقل لنجد عندنا أن يودعا # مسكين! وقل لنجد أن يودع! إذن فما كنت صانعا لو أنصفته؟ أكنت تغرب في البكاء والإعوال ~~حتى يرحمك أعداؤك، ويرثي لك حاسدوك؟ أم كنت تقتل نفسك جوى وحزنا؟ ثم قال: # بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربى # وما أجمل ms124 المصطاف والمتربعا # وليست عشيات الحمى برواجع # إليك ولكن خل عينيك تدمعا # اتق الله في نفسك يا ابن عبد الله وارحم شبابك وصبرك: # واستبق دمعك لا يودي البكاء به # واكفف مدامع من عينيك تستبق # فما الشئون وإن جادت بباقية # ولا الجفون على هذا ولا الحدق # ثم أخذ يصف موقفه وقد حال (البشر) بينه وبين أحبابه وأوطانه، فقال: # ولما رأيت (البشر) أعرض دوننا # وحالت بنات الشوق يحنن نزعا # بكت عيني اليسرى فلما زجرتها # عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا # وقد رأيت من الأدباء من يستنكر هذا الخيال، وهو عندي من دلائل الوله وعلائم الصبابة ~~المضلة. ثم قال في وصف ما لاقى في تلفته من العنت: # تلفت نحو الحي حتى وجدتني # وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا # وهو معنى جميل نال في هذا البيت حظه من البيان. وقد تبعه الشريف الرضي فأبدع وأجاد في ~~قوله: # ولقد مررت على ديارهم # وربوعها بيد البلى نهب # فوقفت حتى ضج من لغب # نضوى ولج بعذلي الركب # وتلفتت عيني فمذ خفيت # عنى الربوع تلفت القلب # ويمتاز بيت الصمة بتمثيله ما يعرف الناس في مثل هذه المواقف من ظاهر النعب، فأما بيت ~~الشريف فلا يعرف حسنه غير من كابد الشوق وعانى الصبابة. ثم قال الصمة في تتمة الحديث عن ~~جواه: # وأذكر أيام الحمى ثم أنثني # على كبدي من خشية أن تصدعا # ولم أر هذا المعنى لأحد قبل الصمة، وقد أكمله ابن نباتة السعدي بقوله: # أضم على قلبي يدي مخافة # إذا لاح لي برق من الشرق لامع # وهل ينفع القلب الذي بان إلفه # إذا طار شوقا أن تضم الأضالع # ومن الحنين قول ابن عبد ربه: # ودعتني بزفرة واعتناق # ثم نادت متى يكون التلاقي # وبدت لي فأشرق الصبح منها # بين تلك الجيوب والأطواق # يا سقيم الجفون من غير سقم # بين عينيك مصرع العشاق # إن يوم الفراق أفظع يوم # ليتني مت قبل يوم الفراق # لأن الشاعر قد يرتحل فيأخذ في ذكر المعاهد والعهود، وقد يظعن حبيبه ويقيم، فيأخذ في ~~الإعوال عليه، والحنين إليه، ms125 وهناك من غرائب الهوى وعجائب الصبابة حالة ثالثة ليست أقل من ~~سابقتيها جوى وحزنا، بل ربما كانت أكثر حيرة؛ وهي أن يلتقي الركبان وفيهما محب ومحبوب، ثم ~~يفترقان قبل أن يتلاقى الصبان، ويجتمع الخلان، فلا يدري العاشق أي عهد يبكي، وأي حظ يندب، ~~كما لا يعرف أيلوم نفسه لأنه ظعن وترك حبيبه مقيما، أم يشكو دهره لأن حبيبه سار وخلفه، ~~أم يعول إعوالا مبهما لا يعرف مصدره، ولا يفهم مبعثه، والشعر في هذا المعنى أقرب إلى ~~الذكرى منه إلى الحنين، من الجيد فيه قول الأرجاني: # أستودع الله قوما كيف أبعدنا # تقلب الدهر منهم حين أدنانا # زموا الغداة مطاياهم لفرقتنا # لما أنخنا للقياهم مطايانا # لم تشتبك بعد أطناب الخيام لنا # ولا المنازل ضمتهم وإيانا # لكنهم عاجلونا بالنوى ومضوا # وخلفوا الطرب المشتاق حيرانا # لم يملأ العين من أحبابه نظرا # إذ غادر الدمع منه الجفن ملآنا # وإني موافيك ببديع الشعر وشجيه، فيما يمثل حال المحب نأى عنه حبيبه، أو خلف أحبابه وسار، ~~فمن الأول قول سبط التعاويذي: # أتعود أيامي برامة بعد ما # سكنت بجرعاء الحمى آرامها # وأحلها البين المشت محلة # بعدت مراميها وعز مرامها # سارقتها نظر الوداع فما ارتوت # نفس يزيد على الورود هيامها # يا غادرين وغادروا بجوانحي # لبعادهم نارا يشب ضرامها # بنتم فلا عيني تجف غروبها # أسفا ولا كبدي يبل أوامها # جودوا لعين المستهام بهجعة # فعسى تمثلكم لها أحلامها # لا تتلفوا بالبين مهجة عاشق # سيان بين حميمها وحمامها # أعداه من هيف الخصور نحولها # يوم النوى ومن العيون سقامها # ولم أجد في هذا المعنى أشجى وأوجع من قول بعض المتيمين: # لبكاء هذا اليوم صنت مدامعي # وكذا العزيز لكل خطب يذخر # يا ساكني وادي العقيق فدتكم # عين مدامعها عقيق أحمر # بنتم فما استعذبت بعد حديثكم # لفظا ولم يحسن لعيني منظر # والبيت الأخير مأخوذ من قول ابن أبي ربيعة: # لم يحبب القلب شيئا مثل حبكم # ولم تر العين شيئا بعدكم حسنا # فأما شعر من نأوا عن أحبابهم، وخلوا معاهد أنسهم، فهو كثير، ومن جيده قول ms126 الأبيوردي يتشوق ~~إلى أحبابه وقد خلاهم ببغداد: # ألا ليت شعري هل أراني بغيضة # أبيت على أرجائها وأقيل # هواء كأيام الهوى لا يغبه # نسيم كلحظ الغانيات عليل # وعصر رقيق الطرتين تدرجت # على صفحتيه نضرة وقبول # وأرض حصاها لؤلؤ وترابها # تضوع مسكا والمياه شمول # بها العيش غض والحياة شهية # وليلي قصير والهجير أصيل # فقل لأخلائي ببغداد هل بكم # سلو فعندي رنة وعويل # ترنحني ذكراكم فكأنما # تميل بي الصهباء حيث أميل # لئن قصرت أيام أنسي بقربكم # فليلي على نأي المزار طويل # وقال أعرابي من بني عقيل : # أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي # خيام بنجد دونها الطرف يقصر # وما نظري نحو الحجاز بنافعي # بشيء ولكني على ذاك أنظر # أفي كل يوم نظرة ثم عبرة # لعينيك يجري ماؤها يتحدر # متى يستريح القلب إما مجاور # حزين وإما نازح يتذكر # وقال آخر في الحنين إلى أيامه السوالف: # سقى الله أياما لنا قد تتابعت # وسقيا لعصر العامرية من عصر # ليالي أعطيت البطالة مقودي # تمر الليالي والشهور ولا أدري # ومن شائق الحنين قول ابن الدمينة: # ألا لا أرى وادي المياه يثيب # ولا النفس عن وادي المياه تطيب # أحب هبوط الواديين وإنني # لمشتهر بالواديين غريب # أحقا عباد الله أن لست واردا # ولا صادرا إلا علي رقيب # ولا زائرا فردا ولا في جماعة # من الناس إلا قليل أنت مريب # وهل ريبة في أن تحن نجيبة # إلى إلفها أو أن يحن تجيب # وأن الكثيب الفرد من جانب الحمى # إلي وإن لم آته لحبيب # لك الله أني واصل ما وصلتني # ومثن بما أوليتني ومثيب # وآخذ ما أعطيت عفوا وإنني # لأزور عما تكرهين هيوب # فلا تتركي نفسي شعاعا فإنها # من الوجد قد كادت عليك تذوب # وإني لأستحييك حتى كأنما # علي بظهر الغيب منك رقيب # وفي هذا المعنى يقول صاحب البدائع: # تجمل بالسماح ودع ملامي # وكن عون المحب المستهام # ففي أسيوط لو تدري حبيب # هجرت لبعده طيب المنام # أسيت له يحن إلى لقائي # ودون مرامه كيد اللئام # إذا ما الليل جن ونام صحبي # مشت نار التذكر ms127 في عظامي # سلام أيها النائي سلام # وهل يغني عن اللقيا سلامي # | الرفق بالحبيب المريض # وهذا باب تتجلى فيه رقة القلوب، فمن ذلك قول خالد الكاتب: # بجسمي لا بجسمك يا عليل # ويكفيني من الألم القليل # تعداك السقام إلي إني # على ما بي لشدته حمول # إذا ما كنت يا أملي صحيحا # فحالفني وسالمك النحول # وهذه أبيات ضعيفة، لا تتناسب مع شاعرية من يقول: # وحسبك حسرة لك من حبيب # رأيت زمامه بيدي عدو # وقد يتمنى المحب لو أعفى المرض محبوبه، ورتع كيف شاء في الأجسام الدميمة ، كما قال ~~سحيم: # ماذا يريد السقام من قمر # كل جمال لوجهه تبع # ما يرتجى، خاب من محاسنها # أما له في القباح متسع # لو كان يبغي الفداء قلت له # ها أنا دون الحبيب يا وجع # وما أرق ما يقول ابن الأحنف: # إن التي هامت بها النفوس # عاودها من سقمها نكس # كانت إذا ما جاءها المبتلى # أبرأه من راحها اللمس # وا بأبي الوجه المليح الذي # قد عشقته الجن والإنس # إن تكن الحمى أضرت به # فربما تنكسف الشمس # وانظر جمال الرفق في قوله: # أما والله لو تجدين وجدي # لقلقل ما وجدت إذن حشاك # وقاك الله كل أذى بنفسي # وعجل يا ظلوم لنا شفاك # وأنشد أبو الحسن بن البراء: # فديتك ليلى مذ مرضت طويل # ودمعي لما لاقيت فيك همول # أأشرب كأسا أم أسر بلذة # ويعجبني ظبي أغن كحيل # وتضحك سني أو تجف مدامعي # وأصبو إلى لهو وأنت عليل # ثكلت إذن نفسي وقامت قيامتي # وغالت حياتي عند ذلك غول # وقال يوسف بن إبراهيم الغرناطي يخاطب الوزير ابن الحكم وقد أصابته حمى تركت على شفته ~~بثورا: # حاشاك أن تمرض حاشاكا # قد اشتكى قلبي لشكواكا # إن كنت محموما ضعيف القوى # فإنني أحسد حماكا # ما رضيت حماك إذ باشرت # جسمك حتى قبلت فاكا # وهذا الشعر إن كان خطابا لوزير إلا أن فيه سمات التشبيب! # | الذبول والنحول # وقد يأسى الشعراء لما عانوا في الحب من الضمور والشحوب، فيرى بعضهم أنه لم يبق له لحم ~~ولا دم، ms128 كما قال المؤمل: # حلمت بكم في نومتي فغضبتم # ولا ذنب لي إن كنت في النوم أحلم # سأطرد عني النوم كيلا أراكم # إذا ما أتاني النوم والناس نوم # تصارمني والله يعلم أنني # أبر بها من والديها وأرحم # وقد زعموا لي أنها نذرت دمي # وما لي بحمد الله لحم ولا دم # برى حبها لحمي ولم يبق لي دما # وإن زعموا أني صحيح مسلم # فلم أر مثل الحب صح سقيمه # ولا مثل من لم يعرف الحب يسقم # ستقتل جلدا باليا فوق أعظم # وليس يبالي القتل جلد وأعظم # ومنهم من يبلى جسمه، ولا يبلى شوقه، كما قال أبو تمام: # يا جفونا سواهرا أعدمتها # لذة النوم والرقاد جفون # بلي الجسم لكن الشوق حي # ليس يبلى وليس تبلى الشجون # إن لله في العباد منايا # سلطتها على القلوب العيون # ويقرب من هذا المعنى قول السري الرفاء: # فداؤك من أوردته منهل الردى # وورد الردى للعاشقين يطيب # وما مات حتى أنحل الحب جسمه # فلم يبق فيه للتراب نصيب # والأرجاني يذكر أن طيفه لو زار حبيبه لحمل شخصه إليه لنحوله، ويقول: # يروي ضاحي الوجنات دمعي # ويعدل عن لهيب جوى دخيل # وما نفعي وإن هطلت غيوث # إذا أخطأن أمكنة المحول # هم نقضوا عهودي يوم بانوا # وأبدوا صفحة الطرف الملول # وفوا بالهجر لما أوعدوني # وكم وعدوا الوصال ولم يفوا لي # وفي الركب الهلاليين خشف # تعرض يوم تشييع الحمول # أصاب بطرفه الفتان قلبي # وكيف يصاب ماض من كليل # بخلت وقد حظيت بصفو ودي # وإن من العناء هوى البخيل # وبت لو استزرت اليوم طيفي # لجر إليك شخصي من نحولي # ولكن لا سبيل إلى شفاء # إذا مال الطبيب على العليل # ومنهم من يذكر أنه ضنى حتى لو تعلق بعود ثمام ما تأود، كما قال الحسين بن مطير ~~الأسدي: # خليلي هل ليلى مؤدية دمي # إذا قتلتني أو أمير يقيدها # وكيف تقاد النفس بالنفس لم تقل # قتلت ولم يشهد عليها شهودها # ولن يلبث الواشون أن يصدعوا العصا # إذا لم يكن صلبا على البري عودها # نظرت إليها نظرة ms129 ما يسرني # بها حمر أنعام البلاد وسودها # ولي نظرة بعد الصدود من الجوى # كنظرة ثكلى قد أصيب وحيدها # فحتى متى هذا الصدود إلى متى # لقد شف نفسي هجرها وصدودها # فلو ان ما أبقيت مني معلق # بعود ثمام ما تأود عودها # وقال الحارثي في وصف آثار النحول: # سلبت عظامي لحمها فتركتها # مجردة تضحى لديك وتخصر # وأخليتها من مخها فكأنها # أنابيب في أجوافها الريح تصفر # إذا سمعت باسم الفراق تقعقعت # مفاصلها من هول ما تتنظر # خذي بيدي ثم ارفعي الثوب تنظري # بي الضر إلا أنني أتستر # فما حيلتي إن لم تكن لك رحمة # علي ولا لي عنك صبر فأصبر # ويقول ابن الأحنف: # انظر إلى جسد أضر به الهوى # لولا تقلب طرفه دفنوه # وتابعه المتنبي فقال: # كفى بجسمي نحولا أنني رجل # لولا مخاطبتي إياك لم ترني # وفي مثل هذا المعنى يقول صاحب البدائع وقد أرسل صورته إلى بعض أحبابه: # سكنت إلى النوى ونسيت صبا # نحيلا كاد يقتله الحنين # فلما لم يجد في الحب صبرا # ولم ترحم جوانحه الشجون # تفانى في النحول فلو تبدى # لما فطنت لخطرته العيون # وها هو كالخيال أتاك يسري # مخافة أن تظن به الظنون # فأكرم نزله وارحم ضناه # فإن فؤادك الحرم الأمين # وقال بعض الشعراء: # إن الذي أبقيت من جسمه # يا متلف الصب ولم يشعر # صبابة لو أنها دمعة # تجول في عينيك لم تقطر # 1 # | أماني المحبين # وللمحبين أمان كثيرة، لو تنفع الأماني، فمنهم من يتمنى الكأس من يد جميل، بين ندمان ~~يعاطونه أطايب الحديث، كما قال العطوي: # وكم قالوا تمن فقلت كأس # يطوف بها قضيب من كثيب # وندمان تساقطني حديثا # كلحظ الحب أو غض الرقيب # وإنها لأمنية عزيزة المنال! # ومنهم من يسامر الأماني حتى ليحسب محبوبه بين يديه، كما قال ابن الزيات: # يا داني الدار في الأماني # ونازح الدار في العيان # ذكرك دان وأنت ناء # فأنت ناء وأنت دان # نفسك موصولة بنفسي # وأنت كالنجم من مكاني # لي فكر فيك معجبات # في اللفظ صفر من المعاني # تجري ضروب من التمني ms130 # في كل يوم على لساني # أقول حتى كأن عيني # تراك من حيث لا تراني # ويتمنى ابن الأحنف لو ينام ليرى طيف محبوبته، ويقول: # مجلس ينسب السرور إليه # بمحب ريحانه ذكراك # كلما دارت الزجاجة زادت # ه اشتياقا وحرقة فبكاك # لم ينلك الرجاء أن تحضريني # وتجافت أمنيتي عن سواك # فتمنيت أن يغشيني الله # نعاسا لعل عيني تراك # وربما تمنى المحب لو أعير سلوة من قلب حبيبه، كما قال البحتري: # وددت وهل نفس امرئ بملومة # إذا هي لم تعط الهوى من ودادها # لو ان سليمى أسجحت أو لو انه # أعير فؤادي سلوة من فؤادها # وما أظرف النشوة التي تمناها البحتري حين قال: # هل لي سبيل إلى الظهران من حلب # ونشوة بين ذاك الورد والآس # أمد كفي لأخذ الكأس من رشأ # وحاجتي كلها في حامل الكاس # بقرب أنفاسه أشفي الغليل إذا # دنا فقربها من حر أنفاسي # ومن غريب التمني ما جاء في رائية أبي صخر الهذلي، فقد تمنى أن يجتمع بحبيبته فوق أمواج ~~البحر، ومن دونها اللجج الخضر والأهوال، وإليك أروع هذه القصيدة البديعة: # لليلى بذات الجيش دار عرفتها # وأخرى بذات البين آياتها سطر # كأنما ملآن لم يتغيرا # وقد مر للدارين من بعدنا عصر # وقفت برسميها فعي جوابها # فقلت وعيني دمعها سرب همر # ألا أيها الركب المخبون هل لكم # بساكن أجزاع الحمى بعدنا خبر # فقالوا طوينا ذاك ليلا فإن يكن # به بعض من تهوى فما شعر السفر ~~••• # أما والذي أبكى وأضحك والذي # أمات وأحيا والذي أمره الأمر # لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها # بتاتا لأخرى الدهر ما طلع الفجر # فما هو إلا أن أراها فجاءة # فأبهت لا عرف لدي ولا نكر # وأنسى الذي قد كنت فيه هجرتها # كما قد تنسي لب شاربها الخمر # وما تركت لي من شذا أهتدي به # ولا ضلع إلا وفي عظمها وقر # وقد تركتني أحسد الوحش أن أرى # أليفين منها لا يروعهما الذعر # ويمنعني من بعض إنكار ظلمها # إذا ظلمت يوما وإن كان لي عذر # مخافة أني قد علمت لئن ms131 بدا # لي الهجر منها ما على هجرها صبر # وإني لا أدري إذا النفس أشرفت # على هجرها ما يبلغن بي الهجر # تكاد يدي تندى إذا ما لمستها # وينبت في أطرافها الورق النضر # وإني لتعروني لذكراك هزة # كما انتفض العصفور بلله القطر # تمنيت من حبي علية أننا # على رمث في البحر ليس لنا وفر # على دائم لا يعبر الفلك موجه # ومن دوننا الأهوال واللجج الخضر # فنقضي هم النفس في غير رقبة # ويغرق من نخشى نميمته البحر # عجبت لسعي الدهر بيني وبينها # فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر # فيا حبها زدني جوى كل ليلة # ويا سلوة الأيام موعدك الحشر # هجرتك حتى قلت لا يعرف القلى # وزرتك حتى قلت ليس له صبر # صدقت أنا الصب المصاب الذي به # تباريح حب خامر القلب أو سحر # فيا حبذا الأحياء ما دمت فيهم # ويا حبذا الأموات ما ضمك القبر # وإليك شتى الأماني في قول جميل: # جزتك الجوازي يا بثين ملامة # إذا ما خليل بان وهو حميد # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة # بوادي القرى؟ إني إذن لسعيد # فقد تلتقي الأهواء من بعد يأسة # وقد تطلب الحاجات وهي بعيد # ويحسب نسوان من الجهل أنني # إذا جئت إياهن كنت أريد # فأقسم طرفي بينهن سوية # وفي الصدر بون بينهن بعيد # فليت وشاة الناس بيني وبينها # يدوف لهم سما طماطم سود # وليتهم في كل ممسى وشارق # تضاعف أكبال لهم وقيود # إذا جئتها يوما من الدهر زائرا # تعرض منقوص اليدين صدود # يصد ويغضي عن هواي ويجتني # ذنوبا علينا إنه لعنود # فأصرمها خوفا كأني مجانب # ويغفل عنا مرة فنعود # يقولون جاهد يا جميل بغزوة # وأي جهاد غيرهن أريد # لكل حديث بينهن بشاشة # وكل قتيل بينهن شهيد # وغاية الغايات في هذا الباب قول أبي بكر بن عبد الرحمن الزهري: # ولما نزلنا منزلا طله الندى # أنيقا وبستانا من النور حاليا # أجد لنا طيب المكان وحسنه # منى فتمنينا فكنت الأمانيا # | الهيبة والخضوع # والشعراء يهابون الحسن، ويضلون سبيل الرشد حين يراجعون أربابه، وانظر قول أبي ~~فراس: # أراميتي ms132 كل السهام مصيبة # وأنت لي الرامي فكلي مقاتل # وإني لمقدام وعندك هائب # وفي الحي سحبان وعندك باقل # يضل علي القول أن زرت دارها # ويعزب عني وجه ما أنا فاعل # وحجتها العليا على كل حالة # فباطلها حق وحقي باطل # وما أرق قوله في عكس هذا المعنى: # ومغض للمهابة عن جوابي # وإن لسانه العضب الصقيل # أطلت عتابه عنتا وظلما # فدمع ثم قال: كما تقول! # ومن جيد الشعر في هيبة الحسن، قول الحسن بن وهب: # أقول وقد حاولت تقبيل كفها # وبي رعدة أهتز منها وأسكن # ليهنك أني أشجع الناس كلهم # لدى الحرب إلا أنني عنك أجبن # وقول بعض الأعراب: # أهابك إجلالا وما بك قدرة # علي ولكن ملء عين حبيبها # وما هجرتك النفس أنك عندها # قليل ولكن قل منك نصيبها # وفي الخضوع للحبيب يقول الشريف: # كم ذميل إليكم ووجيف # وصدود عنا لكم وصدوف # 1 # وغرام بكم لو ان غراما # جر نفعا للواجد المشغوف # صبوة ثم عفة ما أضر الح # ب في كل خلوة بالعفيف # هجرونا ولم يلاموا وواصل # نا على مؤلم من التعنيف # وطلبنا الوفاء حتى إذا عز # رضينا بالمطل والتسويف # كيف يرجو الكثير من راضه الشو # ق إلى أن رضي ببذل الطفيف # وانظر قول ابن الرومي: # أضعتني فرعيت # وخنتني فوفيت # أطعت في الأعادي # وكلهم قد عصيت # فكيف أصبحت غضبى # لما رضاك أتيت # | الرضى بالقليل # وقد يقنع المحب وهو راغم، فيرضى بالوعد، ويفرح بالأماني، وهي كواذب؛ لأن الوصل عزيز ~~المنال، فمن ذلك قول العباس بن الأحنف: # كفي حزنا أني وفوزا ببلدة # مقيمان في غير اجتماع من الشمل # أما والذي ناجى من الطور عبده # وأنزل فرقانا وأوحى إلى النحل # لقد ولدت حواء منك بلية # علي أقاسيها وخبلا من الخبل # أرى الناس لا يرضى ذوو العشق منهم # بشيء سوى حسن المواتاة والبذل # وإني ليرضيني الذي ليس بالرضى # وتقنع نفسي بالمواعيد والمطل # وفي هذا المعنى يقول الشريف: # لك الله هل بعد الصدود تعطف # وهل بعد ريعان البعاد تدان # وما غرضي أني أسومك خطة # كفاني قليل من رضاك ms133 كفاني # وقال بعض الظرفاء: # أنا راض منكم بأيسر شيء # يرتضيه من عاشق معشوق # بسلام على الطريق إذا ما # جمعتنا بالاتفاق الطريق # وقال توبة الحميري في ليلى الأخيلية: # وهل تبكين ليلى إذا مت قبلها # وقام على قبري النساء النوائح # كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها # وجاد لها دمع من العين سافح # وأغبط من ليلى بما لا أناله # بلى كل ما قرت به العين صالح # وقد كثر القليل في قول ابن الطثرية: # أليس قليلا نظرة إن نظرتها # إليك؟ وكلا ليس منك قليل # وجاراه في هذا المعنى من قال: # إن ما قل منك يكثر عندي # وكثير ممن تحب القليل # وأبرع الشعر في هذا المعنى قول جميل: # وإني لأرضى من بثينة بالذي # لو أبصره الواشي لقرت بلابله # بلا، وبأن لا أستطيع، وبالمنى، # وبالأمل المرجو قد خاب آمله # وبالنظرة العجلى، وبالحول تنقضي # أواخره لا نلتقي وأوائله # وفي مقابل هذا يقول ابن الفارض: # وإذا اكتفى غيري بطيف خياله # فأنا الذي بوصاله لا أكتفي # وأبدع منه قول ابن الرومي: # أعانقه والنفس بعد مشوقة # إليه وهل بعد العناق تدان # وألثم فاه كي تزول حرارتي # فيشتد ما ألقى من الهيمان # ولم يك مقدار الذي بي من الجوى # ليرويه ما تلثم الشفتان # كأن فؤادي ليس يشفي غليله # سوى أن يرى الروحين يمتزجان # | شفاء المحب # وقد يمرض المحب، فيفتن الناس في وصف دوائه، على أنه لا يبرأ إلا بقرب من يحب. وانظر قول ~~عروة بن خزام وقد رأى عفراء: # وما هي إلا أن أراها فجاءة # فأبهت حتى ما أكاد أجيب # وأصدف عن رأيي الذي كنت أرتئي # وأنسى الذي أزمعت حين تغيب # ويظهر قلبي عذرها ويعينها # علي فما لي في الفؤاد نصيب # وقد علمت نفسي مكان شفاءها # قريبا وهل ما لا ينال قريب # فواكبدي أمست رفاتا كأنما # يلذعها بالموقدات طبيب # عشية لا عفراء منك بعيدة # فتسلو ولا عفراء منك قريب # لئن كان برد الماء حران صاديا # إلي حبيبا إنها لحبيب # وفي هذا المعنى يقول بعض الأعراب: # أيا زينة الدنيا التي لا ينالها ms134 # مناي ولا يبدو لقلبي صريمها # بعيني قذاة من هواك لو انها # تداوى بمن أهوى لصح سقيمها # وبرء قذاة العين إن لم يكن لها # طبيب يداوي نظرة تستديمها # فما صبرت عن ذكرك النفس ساعة # وإن كنت أحيانا كثيرا ألومها # ومن بديع الشعر في هذا الباب قول أبي العتاهية: # قل لمن لست أسمي # بأبي أنت وأمي # بأبي أنت لقد أصبح # ت من أكبر همي # ولقد قلت لأهلي # إذ أذاب الحب لحمي # وأرادوا لي طبيبا # فاكتفوا مني بعلمي # من يكن يجهل ما أل # قى فإن الحب سقمي # إن روحي لبغدا # د وفي الكوفة جسمي # | القلب الخافق # نذكر هنا ألوانا من تصور الشعراء لخفوق القلب، فمنهم من يشبهه بتنزي الكرة، كما قال ~~بشار: # يروعه السرار بكل شيء # مخافة أن يكون به السرار # كأن فؤاده كرة تنزى # حذار البين لو نفع الحذار # ومنهن من يشبهه بالوشاح القلق، فوق الخصر الدقيق، كقول مسلم بن الوليد: # أزكى من الماسك أنفاسا وبهجتها # أرق ديباجة من رقة النفس # كأن قلبي وشاحاها إذا خطرت # وقلبها قلبها في الصمت والخرس # 1 # تجري محبتها في قلب عاشقها # جري السلامة في أعضاء منتكس # وابن الأحنف يشبه القلب الخافق بيد القينة الهوجاء تضرب بالدف، ويقول: # يبين لساني عن فؤادي وربما # أسر لساني ما يبوح به طرفي # أعيذك أن تشقي بقتلي فإنني # أخاف عليك الله إن سمتني حتفي # إذا القلب أوما أن يطير صبابة # ضربت له صدري وألزمته كفي # كأن جناحيه إذا هاج شوقه # يدا قينة هوجاء تضرب بالدف # ومنهم من يشبهه بجناح الطير حين ينتفض، كقول أحد الأعراب: # ألا بأبي من ليس والله نافعي # بنيل ومن قلبي على النأي ذاكره # ومن كبدي تهفو إذا ذكر اسمه # كهفو جناح ينفض الطل طائره # وقد وضح هذا المعنى في قول نصيب: # كأن القلب ليلة قيل يغدى # بليلى العامرية أو يراح # قطاة عزها شرك فباتت # تجاذبه وقد علق الجناح # لها فرخان قد تركا بوكر # فعشهما تصفقه الرياح # إذا سمعا هبوب الريح نصا # وقد أودى به القدر المتاح # 2 ms135 # فلا في الليل نالت ما ترجي # ولا في الصبح كان لها براح # وابن ميادة يذكر أن قلبه أمسى وكأن يدا خبثت به، أي قبضت عليه وسامته العذاب، ~~ويقول: # كأن فؤادي في يد ضبثت به # محاذرة أن يقضب الحبل قاضبه # وأشفق من وشك الفراق وإنني # أظن لمحمول عليه فراكبه # فوالله ما أدري أيغلبني الهوى # إذا جد جد البين أم أنا غالبه # فإن أستطع أغلب وأن يغلب الهوى # فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه # | مثال الحبيب # ومن العشاق من يرى مثال حبيبته كلما هب من نومه، أو أوى إلى فراشه كالذي يقول: # أآخر شيء أنت في كل هجعة # وأول شيء أنت عند هبوبي # مزيدك عندي أن أقيك من الردى # وود كماء المزن غير مشوب # والمنى تمثل الحبيب في قول راشد بن أرشد: # تحيرت في أمري وإني لواقف # أجيل وجوه الرأي فيك وما أدري # أأعزم عزم اليأس فالموت راحة # أو أقنع بالإعراض والنظر الشزر # وإني وإن أعرضت عنك لمنطو # على حرق بين الجوانب والصدر # إذا هاج شوقي مثلتك لي المنى # فألقاك ما بيني وبينك في السر # فمن ذاك لم أصبر ولي فيك حيلة # ولكن دعاني اليأس منك إلى الصبر # تصبرت مغلوبا وإني لموجع # كما يصبر الظمآن في البلد القفر # وراشد بن أرشد هذا هو الذي يقول: # ضحكت ولو تدرين ما بي من الهوى # بكيت لمحزون الفؤاد كئيب # لمن لم ترح عيناه من فيض عبرة # ولا قلبه من زفرة ونحيب # لمستأنس بالهم في دار وحشة # غريب الهوى باك لكل غريب # ألا بأبي العيش الذي بان وانقضى # وما كان من حسن هناك وطيب # وترداد مستور الأحاديث بيننا # على غفلة من كاشح ورقيب # ليالي يدعونا الصبا فنجيبه # ونأخذ من لذاته بنصيب # إلى أن جرى صرف الحوادث في الهوى # فبدل منا مشهد بمغيب # وقد ضاع شعر هذا الشاعر المجيد، وحرمنا منه صاحب زهر الآداب حين قال: «وله مذهب استفرغ ~~فيه أكثر شعره، وصنت الكتاب عن ذكره.» وبهذه الصيانة فقدت الآداب شعر هذا الشاعر، وكم نتمنى ~~أن لا يخلط ms136 المؤلفون بين الأدب والأخلاق. # وأجود ما قيل في مثال الحبيب قول كثير: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما # تمثل لي ليلى بكل سبيل # | أهوال الصدود # ولقد أطال الشعراء في شكوى الصد، وما يقاسون فيه من أهوال، فمن ذلك قول الشريف: # وبين ذوائب العقدات ظبي # قصير الخطو في المرط المذال # ربيب إن أريغ إلى حديث # نوار إن أريد إلى وصال # فهل لي والمطامع مرديات # دنو من لمى ذاك الغزال # لقد سلبت ظباء الدار لبي # ألا ما للظباء بها ومالي # تنغصني بأيام التلاقي # معاجلتي بأيام الزيال # تحيفني الصدود وكنت دهرا # أروع بالصدود فلا أبالي # وكيف أفيق لا جسدي بناء # عن البلوى ولا قلبي بسالي # يرنحني إليك الشوق حتى # أميل من اليمين إلى الشمال # كما مال المعاقر عاودته # حميا الكأس حالا بعد حال # ويأخذني لذكركم ارتياح # كما نشط الأسير من العقال # وعبد الله بن مصعب يأسى على أن لم يعده أحبابه في مرضه، مع أنه يعود كلبهم إذا مرض! ولهذا ~~لقب (عائد الكلب) حين قال: # ما لي مرضت فلم يعدني عائد # منكم ويمرض كلبكم فأعود # وأشد من مرضي علي صدودكم # وصدود عبدكم علي شديد # ويرى أبو النواس أن قرب الدار لا ينفع مع الصدود، ويقول: # لقد عاجلت قلبي جنان بهجرها # وقد كان يكفيني بذاك وعيد # رأيت تداني الدار ليس بنافع # إذا كان ما بين القلوب بعيد # وابن الأحنف يترك العتب على الصدأ، لئلا يرزأ بصد جديد، ويقول: # تركت صدودها وصبرت نفسي # بطول تجرع الغيظ الشديد # مخافة أن تجدد لي صدودا # وكنت حديث عهد بالصدود # وقد وضح هذا المعنى من قبل في قول أبي صخر الهذلي: # ويمنعني من بعض إنكاري ظلمها # إذا ظلمت يوما وإن كان لي عذر # مخافة أني قد علمت لئن بدا # لي الهجر منها ما على هجرها صبر # والبحتري يمزج الشكوى بالعتاب في قوله: # ظلمتني تجنيا وصدودا # غير مرتاعة الجنان لظلمي # ويسير عند القتول إذا ما # أثمت في أن تبوء بإثمي # أجد النار تستعار من النا # ر وينشو # 1 # من سقم عينيك سقمي ms137 # لعب ما أتيت من ذلك الصد # فنرضاه أم حقيقة عزم # وبحق إن السيوف لتنبو # تارة والعيون باللحظ تدمي # ويروقني الندم على الصدود في قول صاحب البدائع: # لقد صددناكم كما صددتم # فهل ندمتم كما ندمنا # | التلفت إلى معالم الوجد # ومن أوجع ما تحدث به المتيمون، تلفتهم إلى معاهد الحب: عند الوداع، وبعد الفراق. # قال بعض الرواة: مررت بحمى الربذة فإذا صبيان يتقاسمون # 1 # في الماء، وشاب جميل الوجه ملوح الجسم قاعد، فسلمت عليه فرد علي السلام. وقاله: ~~من أين وضح الراكب؟ قلت: من الحمى. قال: ومتى عهدك به؟ قلت: رائحا . قال: وأين كان مبيتك؟ ~~قلت: أدنى هذه المشاقر. # 2 # فألقى نفسه على ظهره، وتنفس الصعداء. فقلت تفسأ # 3 # حجاب قلبه، وأنشأ يقول: # سقى بلدا أمست سليمى تحله # من المزن ما تروى به وتسيم # وإن لم أكن من قاطنيه فإنه # يحل به شخص علي كريم # ألا حبذا من ليس يعدل قربه # لدي وإن شط المزار نعيم # ومن لامني فيه حبيب وصاحب # فرد بغيظ صاحب وحميم # ثم سكت سكتة كالمغمى عليه، فصحت بالأصبية، فأتوا بماء فصببته على وجهه فأفاق وأنشأ ~~يقول: # إذا الصب الغريب رأى خشوعي # وأنفاسي تزين بالخشوع # ولى عين أضر بها التفاني # إلى الأجزاع مطلقة الدموع # إلى الخلوات تأنس فيك نفسي # كما أنس الوحيد إلى الجميع # والشاهد في الأبيات الأخيرة، وما أوجع تلفت القلب بعد العين في قول الشريف: # تلفت حتى لم يبن من بلادكم # دخان ولا من نارهن وقود # وإن التفات القلب من بعد طرفه # طوال الليالي نحوكم ليزيد # ولما تدانى البين قال لي الهوى # رويدا وقال القلب أين تريد # أتطمع أن تسلو على البعد والنوى # وأنت على قرب المزار عميد # ولو قال لي الغادون ما أنت مشته # غداة جزعنا الرمل قلت أعود # 4 # أأصبر والوعساء بيني وبينكم # وأعلام خبت، إنني لجليد! # وانظر قوله من كلمة ثانية: # ترحلت عنكم لي أمامي نظرة # وعشر وعشر نحوكم من روائيا # ومن حذر لا أسأل الركب عنكم # وأعلاق وجدي باقيات كما هيا # ومن يسأل ms138 الركبان عن كل غائب # فلا بد أن يلقى بشيرا وناعيا # | الصد والنوى # يأسى العشاق للصد، حتى إذا راعتهم مرارة النوى، علموا أن الصد كان حلو المذاق. وفي هذا ~~المعنى يقول ابن الخياط: # كفي حزنا أنى أبيت معذبا # بنار هموم ليس يخبو سعيرها # وأن عدوي لا يراع وأنني # أبيت سخين العين وهو قريرها # وأني لرهن الشوق والشمل جامع # فكيف إذا حث الحداة أميرها # وما زلت من أسر القطيعة باكيا # فمن لي غداة البين أني أسيرها # وكنت أرى أن الصدود منية # يكون مع الليل التمام حضورها # فلما قضى التفريق بالبعد بيننا # وجدت الليالي كان حلوا مريرها # هوى ونوى يستقبح الصبر فيهما # وحسبك من حال يذم صبورها # وقد أصاب في تشبيه النوى بعد الهجر، بالجرح بعد الجرح حين قال: # أحن إلى سقمي لعلك عائدي # ومن كلف أني أحن إلى السقم # وحتام أستشفي من الداء ما به # سقامي وأستروي من الدمع ما يظمي # فراق أتى في إثر هجر وما أذى # بأوجع من كلم أصاب على كلم # وحنين المحب إلى سقمه، أملا في أن يعوده حبيبه، يذكرنا بقول كثير: # يود بأن يمسي سقيما لعلها # إذا سمعت عنه بشكوى تراسله # | القريب والبعيد # هو الحبيب الذي يجاورك، أو يساكنك، ثم لا تملك وصله، ولا حديثه. وقد تزوره بلمح العين. ~~كما قال ابن الدمينة: # ألا حب بالبيت الذي أنت هاجره # وأنت بتلماح من الطرف زائره # فيا لك من بيت لعيني معجب # وأحسن في عيني من البيت عامره # أصد حياء أن يلج بي الهوى # وفيك المنى لولا عدو أحاذره # وفي هذا المعنى يقول إبراهيم بن العباس: # تدانت بقوم عن تناء زيارة # وشط بليلى عن دنو مزارها # وإن مقيمات بمنعرج اللوى # لأقرب من ليلى وهاتيك دارها # والشعراء يشبهون الحبيب الممنوع في قربه، بالماء يمنع من وروده الظمآن، فنجد منهم من ~~يقول: # إني وإياك كالصادي رأى نهلا # ودونه هوة يخشى بها التلفا # رأى بعينيه ماء عز مورده # وليس يملك دون الماء منصرفا # ومن يقول: # وإني على هجران بيتك كالذي # رأى نهلا ms139 ريا وليس بناهل # يرى برد ماء ذيد عنه وروضة # برود الضحى فينانة بالأصائل # وقد صور جميل هذا المعنى حين قال: # وما صاديات حمن يوما وليلة # على الماء يخشين العصي حواني # حوائم لم يصدرن عنه لوجهة # ولا هن من برد الحياض دواني # يرين حباب الماء والموت دونه # فهن لأصوات السقاة رواني # بأكثر مني غلة وصبابة # إليك ولكن العدو عراني # وقال أبو حية النميري أو العباس بن الأحنف: # كفي حزنا أني أرى الماء باديا # لعيني ولكن لا سبيل إلى الورد # وما كنت أخشى أن تكون منيتي # بكف أعز الناس كلهم عندي # | حلاوة الملام # ومن المحبين من يستعذب اللوم، لذكر الحبيب، كما قال أبو نواس: # أحب اللوم فيها ليس إلا # لترداد اسمها فيما ألام # ويدخل حبها في كل قلب # مداخل لا تغلغلها المدام # وفي هذا المعنى يقول محمد بن أبي أمية: # وحدثني عن مجلس كنت زينه # رسول أمين والنساء شهود # فقلت له رد الحديث الذي مضى # وذكرك من بين الحديث أريد # وقد ظرف البها زهير حين قدم رضى الحبيب على رضى العذول، وقال: # يا من يهدد بالصدو # د نعم تقول وتفعل # قد صح عذرك في الهوى # لكنني أتعلل # قل للعذول لقد أطل # ت لمن تلوم وتعذل # عاتبت من لا يرعوي # وعذلت من لا يقبل # غضب العذول أخف من # غضب الحبيب وأسهل # وما أبدع قول أبي فراس: # أساء فزادته الإساءة حظوة # حبيب على ما كان منه حبيب # يعد علي العاذلون ذنوبه # ومن أين للوجه المليح ذنوب؟ # والرقيب أخو اللائم في تنغيص حياة العشاق، ومن طريف الشعر في الألم لقرب الرقيب قول ابن ~~المعتز: # وا بلائي في محضر ومغيب # من حبيب مني بعيد قريب # لم ترد ماء وجهه العين إلا # شرقت قبل ريها برقيب # وقوله: # قد دنت الشمس للمغيب # وحان شوقي إلى الحبيب # طوبى لمن عاش عشر يوم # له حبيب بلا رقيب # وما أظرف من يقول: # لسهم الحب جرح في فؤادي # وذاك الجرح من عين الرقيب # يوكل ناظريه بنا ويحكي # مكان الكاتبين من الذنوب # فلو ms140 سقط الرقيب من الثريا # لصب على محب أو حبيب # وانظر كيف ضرب المثل بغفلة الرقيب في قول أحد الظرفاء: # يسقيك من كفه مداما # ألذ من غفلة الرقيب # كأنها إذ صفت ورقت # شكوى محب إلى حبيب # وقد كلف سعيد الوراق بغلام من الرهبان فأصبحوا وكلهم رقباء، وفيهم يقول: # بربك يا حمامة دير زكى # وبالإنجيل عندك والصليب # قفي وتحملي مني سلاما # إلى قمر على غصن رطيب # حماه جماعة الرهبان عني # فقلبي ما يقر من الوجيب # وقالوا رابنا إلمام سعد # ولا والله ما أنا بالمريب # وقولي سعدك المسكين يشكو # لهيب جوى أحر من اللهيب # فصله بنظرة لك من بعيد # إذا ما كنت تمنع من قريب # وإن أنا مت فاكتب حول قبري # محب مات من هجر الحبيب # رقيب واحد تنغيص عيش # فكيف بمن له ألفا رقيب؟ # إنه لا بد مقتول، كما قتل صاحب هذه الأبيات! # | رؤية الضمير # ومن المحبين من يرى محبوبه في ضميره، كلما اشتاق إليه، كما قال الحكم بن قنبرة: # إن كنت لست معي فالذكر منك معي # يرعاك قلبي وأن غيبت عن بصري # العين تبصر من تهوى وتفقده # وناظر القلب لا يخلو من النظر # وقال آخر: # أما والذي لو شاء لم يخلق الهوى # لئن غبت عن عيني ما غبت عن قلبي # ترينيك عين الوهم حتى كأنني # أناجيك من قرب وإن لم تكن قربي # وقال أبو عثمان الناجم: # لئن كان من عيني أحمد غائبا # فما هو عن عين الضمير بغائب # له صورة في القلب لم يقصها النوى # ولم تتخطفها أكف النوائب # إذا ساءني يوما شحوط مزاره # وضاقت بقلبي في نواه مذاهبي # عطفت على شخص له غير نازح # محلته بين الحشا والترائب # ويقرب من هذا المعنى قول الآخر في الاستعانة باسم الحبيب: # وليل وصلنا بين قطريه بالسرى # وقد جد شوق مطمع في وصالك # أطلت علينا من دجاه حنادس # أعدن الطريق النهج وعر المسالك # فناديت يا أسماء باسمك فانجلت # وأسفر منها كل أسود حالك # بنا أنت من هاد نجونا بذكره # وقد نشبت فينا أكف المهالك ms141 # منحتك إخلاصي وأصفيتك الهوى # وإن كنت لما تخطريني ببالك # وفي مثل هذا المعنى يقول إسحاق الموصلي: # صب يحث مطاياه بذكركم # وليس ينساكم إن حل أو سارا # لو يستطيع طوى الأيام نحوكم # حتى يبيع بعمر القرب أعمارا # يرجو النجاة من البلوى بقربكم # والقرب يلهب في أحشائه النارا # | القلب والكبد # موطن الحب هو القلب، في حديث الشعراء، وقد أثبت أخيرا أحد الأطباء الألمان أن موطن الحب ~~هو الكبد، ونريد أن نذكر هنا طرفا من حديث العرب عن الكبد، وقرار الحب فيه، بما يماثل هذا ~~الرأي الجديد. قال بعض الأعراب: # فيا كبدا يحمى عليها وإنها # مخافة هيضات النوى لخفوق # أقام فريق من أناس يودهم # بذات الغضا قلبي وبان فريق # بحاجة محزون يظل وقلبه # رهين ببضات الحجال صديق # وجرى ذكر القلب والكبد في كلمة صردر حين قال: # لا الحمى بعدكم مناخ ولا ما # ء اللوى إذ هجرتموه بورد # والفؤاد الذي عهدتم جموحا # راضه طول جوركم والتعدي # ما تريدون من دلائل شوقي # غير هذا الذي أجن وأبدي # كبد كلما وضعت عليه # راحتي قال أنت قادح زندي # وجفون جرين مدا وماء ال # بحر يرتاح بين جزر ومد # وكذلك جمع بينهما البحتري حين قال: # وما كبدي بالمستطيعة للأذى # فأسلو ولا قلبي كثير التقلب # وابن الأحنف حين قال: # ما للكلوم التي بالقلب من آسي # فاصبر على اليأس يا مستقبل الياس # ما أسمج الناس في عيني وأقبحهم # إذا نظرت فلم أبصرك في الناس # حتى متى كبدي حرى معطشة # ولا يلين لشيء قلبك القاسي # يا موري الزند قد أعيت قوادحه # اقبس إذا شئت من قلبي بمقباس # | بكاء الملاح # نذكر للقارئ شذرات من الشعر في بكاء الملاح، وما أغزر الدمع في بكاء المليح، حين يظفر ~~بحسنه التراب: قال ابن عبد ربه: كان لمعلى الطائي جارية يقال لها (وصف)، وكانت أديبة شاعرة، ~~فأخبر محمد بن وضاح قال: أدركت معلى الطائي بمصر وأعطي بجاريته وصف أربعة آلاف دينار ~~فباعها. فلما دخل عليها قالت له: بعتني يا معلى؟! قال نعم. فقالت: والله لو ملكت ms142 منك مثل ما ~~تملك مني ما بعتك بالدنيا وما فيها! فرد الدنانير واستقال صاحبه، ثم أصيب بها إلى ثمانية ~~أيام، فقال يرثيها: # يا موت كيف سلبتني وصفا # قدمتها وتركتني خلفا # هلا ذهبت بنا معا فلقد # ظفرت يداك فسمتني خسفا # وأخذت شق النفس من بدني # فقبرته وتركت لي النصفا # فعليك بالباقي بلا أجل # فالموت بعد وفاتها أعفى # يا موت ما أبقيت لي أحدا # لما رفعت إلى البلى وصفا # هلا رحمت شباب غانية # ريا العظام وشعرها الوحفا # 1 # ورحمت عيني ظبية جعلت # بين الرياض تناظر الخشفا # تقضي إذا انتصفت مرابضه # وتظل ترعاه إذا أغفى # فإذا مشى اختلفت قوائمه # وقت الرضاع فينطوي ضعفا # متحيرا في المشي مرتعشا # يخطو فيضرب ظلفه الظلفا # فكأنها (وصف) إذا جعلت # نحوي تحير محاجرا وطفا # 2 # يا موت أنت كذا لكل أخي # إلف يصون ببره الإلفا # خلفتني فردا وبنت بها # ما كنت قبلك حاملا وكفا # 3 # أسكنتها في قعر مظلمة # بيتا يصافح تربه السقفا # بيتا إذا ما زاره أحد # عصفت به أيدي البلى عصفا # لا نلتقي أبدا معاينة # حتى نقوم لربنا صفا # لبست ثياب الحتف جارية # قد كنت ألبس دونها الحتفا # فكأنها والنفس زاهقة # غصن من الريحان قد جفا # يا قبر أبق على محاسنها # فلقد حويت البر والظرفا # وكتب أبو نواس على قبر جارية هذه الأبيات: # أقول لقبر زرته متلثما # سقى الله برد العفو صاحبة القبر # لقد غيبوا تحت الثرى قمر الدجى # وشمس الضحى بين الصفائح والقفر # عجبت لعين بعدها ملت البكا # وقلب عليها يرتجي راحة الصبر # وقال أبو تمام وقد ماتت جارية له: # جفوف البلى أسرعت في الغصن الرطب # وخطب الردى والموت أبرحت من خطب # لقد شرقت في الشرق بالموت غادة # تبدلت منها غربة الدار بالقرب # أقول، وقد قالوا استراحت لموتها # من الكرب روح الموت شر من الكرب # لها منزل تحت الثرى وعهدتها # لها منزل بين الجوانح والقلب # وما أجمل قوله من كلمة ثانية: # يقولون هل يبكي الفتى لخريدة # إذا ما أراد اعتاض عشرا مكانها # وهل يستعيض المرء ms143 من خمس كفه # ولو صاغ من حر اللجين بنانها # وقال ابن الرومي في بستان وكانت من المجيدات في الغناء: # ما أولع الدهر في تصرفه # بكل زين له ومفتخر # أطار قمرية الغناء عن الأر # ض فأي القلوب لم تطر # بستان يا حسرتا على زهر # فيك من اللهو بل على ثمر # بستان أضحى الفؤاد في وله # يا نزهة السمع منه والبصر # بستان ما منك لامرئ عوض # من البساتين لا ولا البشر # إن لم أكن مت فانقرضت فكم # من موتة للفؤاد في الذكر # وما أرق قوله في هذه القصيدة: # يا غضة السن يا صغيرته # أمسيت إحدى المصائب الكبر # أنى اختصرت الطريق يا سكني # إلى لقاء الأكفان والحفر # أبعد ما كنت باب مبتهج # للنفس أصبحت باب معتبر # كل ذنوب الزمان مغتفر # وذنبه فيك غير مغتفر # لله ما ضمنت حفيرتها # من حسن مرأى وطيب مختبر # أضحت من الساكني حفائرهم # سكنى الغوالي مداهن السرر # لو علم القبر من أتيح له # لانحفر القبر غير محتفر # وأحب لو تأمل القارئ ما في هذا الشعر من سمو الخيال. # وكان مرة بن عبد الله مغرما بفتاة من قومه يقال لها ليلى بنت زهير، وتزوجت من غيره ~~بالرغم منه، ثم نقلت مع زوجها إلى راذان وماتت هناك، فقال مرة فيها كثيرا من الشعر الموجع. ~~كقوله: # أيا ناعيي ليلى أما كان واحد # من الناس ينعاها إلي سواكما # ويا ناعيي ليلى لجلت مصيبة # بنا فقد ليلى لا أمرت قواكما # ولا عشتما إلا حليفي بلية # ولا مت حتى يشترى كفناكما # فأشمت والأيام فيها بوائق # بموتكما إني أحب رداكما # وقوله: # كأنك لم تفجع بشيء تعده # ولم تصطبر للنائبات من الدهر # ولم تر بؤسا بعد طول غضارة # ولم ترمك الأيام من حيث لا تدري # سقى جانبي راذان والساحة التي # بها دفنوا ليلى ملث من القطر # ولا زال خصب حيث حلت عظامها # براذان يسقي الغيث من هطل غمر # وإن لم تكلمنا عظام وهامة # هناك وأصداء بقين مع الصخر # وكان لإسحاق الموصلي غلام جميل يقال له زياد، وهو ms144 الذي يقول فيه: # إذا ما زياد علني ثم علني # ثلاث زجاجات لهن هدير # خرجت أجر الذيل زهوا كأنني # عليك أمير المؤمنين أمير # ثم مات زياد هذا، فقال إسحاق يبكيه: # فقدنا زيادا بعد طول صحابة # فلا زال يسقي الغيث قبر زياد # ستبكيك كأس لم تجد من يديرها # وظمآن يستبطي الزجاجة صادي # وكان محمد بن مناذر يعشق عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي، وكان عبد المجيد هذا من أجمل ~~الفتيان وآدبهم وأظرفهم، وله مع ابن مناذر حديث طويل ذكره صاحب الأغاني، ثم مات عبد المجيد ~~بعد مرض قصير وهو في سن العشرين، فقال فيه ابن مناذر قصيدة طويلة نختار منها هذه القطعة ~~الباكية: # كل حي لاقى الحمام فمودي # ما لحي مؤمل من خلود # لا تهاب المنون شيئا ولا تب # قي على والد ولا مولود # ولقد تترك الحوادث والأيا # م وهيا في الصخرة الصيخود # 4 # ولو ان الأيام أخلدن حيا # لعلاء أخلدن عبد المجيد # ما درى نعشه ولا حاملوه # ما على النعش من عفاف وجود # ويح أيد جنت عليه وأيد # دفنته! ما غيبت في الصعيد! # وأرانا كالزرع يحصده الده # ر فمن بين قائم وحصيد # وكأنا للموت ركب مخبو # ن سراعا لمنهل مورود # إن عبد المجيد يوم تولى # هد ركنا ما كان بالمهدود # هد ركني عبد المجيد وقد كن # ت بركن أنوء منه شديد # وبعبد المجيد تامور نفسي # عثرت بي بعد انتعاش جدودي # 5 # وبعبد المجيد شلت يدي اليم # نى وشلت به يمين الجود # حين تمت آدابه وتردى # برداء من الشباب جديد # فسقاه ماء الشبيبة فاهتز # اهتزاز الغصن الندي الأملود # 6 # وكأني أدعوه وهو قريب # حين أدعوه من مكان بعيد # فلئن صار لا يجيب لقد كا # ن سميعا هشا إذا هو نودي # يا فتى كان للمقامات زينا # لا أراه في المحفل المشهود # لهف نفسي! أما أراك وما عن # دك لي إن دعوت من مردود # كان عبد المجيد سم الأعادي # ملء عين الصديق رغم الحسود # عاد عبد المجيد رزءا وقد كا # ن رجاء لريب دهر ms145 كنود # خنتك الود لم أمت كمدا بع # دك إني عليك حق جليد # لو فدى الحي ميتا لفدت نف # سك نفسي بطارفي وتليدي # ولئن كنت لم أمت من جوى الحز # ن عليه لأبلغن مجهودي # لأقيمن مأتما كنجوم اللي # ل زهرا يقطعن حر الخدود # موجعات يبكين للكبد الحر # ى عليه وللفؤاد العميد # 7 # ولعين مطروفة أبدا قا # ل لها الدهر لا تقري وجودي # كلما عزك البكاء فأنفد # ت لعبد المجيد سجلا فعودي # لفتى يحسن البكاء عليه # وفتى كان لامتداح القصيد # فبرغمي كنت المقدم قبلي # وبكرهي دليت في الملحود # كنت لي عصمة وكنت سماء # بك تحيا أرضي ويخضر عودي # وأغرم يعقوب بن الربيع بجارية تسمى (ملك) ومكث في طلبها سبع سنين، حتى رق ماله، ~~وجاهه، ثم ملكها، فأقامت عنده ستة أشهر وماتت فقال يبكيها: # لله آنسة فجعت بها # ما كان أبعدها من الدنس # أتت البشارة والنعي معا # يا قرب مأتمها من العرس # يا ملك! نال الدهر فرصته # فرمى فؤادا غير محترس # أبكيك ما ناحت مطوقة # تحت الظلام تنوح في الغلس # وقال فيها: # ليت شعري بأي ذنب لملك # كان هجري لقبرها واجتنابي # ألذنب حقدته كان منها # أم لعلمي بشغلها عن عتابي # أم لأمني لسخطها ورضاها # حين واريت وجهها في التراب # إنما حسرتي إذا ما تذكر # ت عنائي بها وطول طلابي # لم أزل في الطلاب سبع سنين # أتأتى لذاك من كل باب # فاجتمعنا على اتفاق وقدر # وغنينا عن فرقة باصطحاب # أشهرا ستة صحبتك فيها # كن كالحلم أو كلمع السراب # وأتاني منك النعي مع البش # رى فيا قرب أوبة من ذهاب # وما أروع قوله في وصف احتضار هذه الجارية: # حتى إذا فتر اللسان وأصبحت # للموت قد ذبلت ذبول النرجس # وتسهلت منها محاسن وجهها # وعلا الأنين تحثه بتنفس # رجع اليقين مطامعي يأسا كما # رجع اليقين مطامع المتلمس # 8 # وقد وصف غربته من بعدها فقال: # فجعت بملك وقد أينعت # وتمت فأعظم بها من مصيبة # فأصبحت مغتربا بعدها # وأضحت بحلوان ملك غريبه # أراني غريبا وإن أصبحت # منازل أهلي مني ms146 قريبه # عطفت على أختها بعدها # فصادفتها ذات عقل أديبه # فأقبلت أبكي وتبكي معي # بكاء كئيب بحزن كئيبه # وقلت لها مرحبا مرحبا # بوجه الحبيبة أخت الحبيبه # سأصفيك ودي حفاظا لها # فذاك الوفاء بظهر المغيبه # أراك كملك وإن لم تكن # لملك من الناس عندي ضريبه # 9 # والشعر في بكاء الملاح كثير، ولكن حب الإيجاز يحملنا على الاكتفاء بهذا المقدار، وما هو بالقليل. # | بكاء الحلائل # وأوجع ما يكون بكاء الملاح إذا كن حلائل، والحليلة المعشوقة متاع عزيز، فمن ذلك قول أحد ~~الفتيان في بكاء امرأته، وكان بها من المغرمين: # أطأ التراب وأنت رهن حفيرة # هالت يداي على صداك ترابها # إني لأغدر من مشى إن لم أطأ # بجفون عيني ما حييت جنابها # قال ابن رشيق: ومن جيد ما رثي به النساء وأشجاه، وأشده تأثيرا في القلب، وإثارة ~~للحزن، قول محمد بن عبد الملك الزيات في أم ولده: # ألا من رأى الطفل المفارق أمه # بعيد الكرى عيناه تبتدران # رأى كل أم وابنها غير أمه # يبيتان تحت الليل ينتجيان # وبات وحيدا في الفراش تحثه # بلابل قلب دائم الخفقان # يقول فيها بعد أبيات: # ألا إن سجلا واحدا قد أرقته # من الدمع أو سجلين قد شفياني # فلا تلحياني إن بكيت فإنما # أداوي بهذا الدمع ما تريان # وإن مكانا في الثرى خط لحده # لمن كان في قلبي بكل مكان # أحق مكان بالزيارة والهوى # فهل أنتما إن عجت منتظران # ومن أشجى الشعر رثاء قوله في هذه القصيدة: # فهبني عزمت الصبر عنها لأنني # جليد فمن بالصبر لابن ثمان # ضعيف القوى لا يعرف الأجر حسبة # ولا يأتسي بالناس في الحدثان # ألا من أمنيه المنى وأعده # لعثرة أيامي وصرف زماني # ألا من إذا ما جئت أكرم مجلسي # وإن غبت عنه حاطني ورعاني # ولم أر كالأقدار كيف يصبنني # ولا مثل هذا الدهر كيف رماني # ومن موجع الشعر قول امرأة شريفة ترثي زوجها ولم يكن دخل بها: # أبكيك لا للنعيم والأنس # بل للمعالي والرمح والفرس # أبكي على فارس فجعت به # أرملني قبل ليلة العرس # يا ms147 فارسا بالعراء مطرحا # خانته قواده مع الحرس # ما لليتامى إذا هم سغبوا # وكل عان وكل محتبس # وإني لآسف على قلة هذا النوع من الشعر في الآداب العربية، مع أنه من دلائل الوفاء، لو ~~يعلم الشعراء! # | لوعة الشوق # نمتع القارئ في هذا الباب بألوان من سحر الحديث عن تغلغل الشوق في طيات الفؤاد. فمن ذلك ~~قول أحد الشعراء وقد اشتاق إلى أرض جلق، وتمنى لو كحل أجفانه بترابها: # وإن اصطباري عن معاهد جلق # غريب فما أجفى الفراق وأجفاني # سقى الله أرضا لو ظفرت بتربها # كحلت بها من شدة الشوق أجفاني # وقال أبو بكر بن سعادة يتشوق إلى قرطبة: # أقرطبة الغراء هل لي أوبة # إليك وهل يدنو لنا ذلك العهد # سقى الجانب الغربي منك غمامة # وقعقع في ساحات دوحاتك الرعد # لياليك أسحار وأرضك روضة # وتربك في استنشاقه عنبر ورد # وإني ليبكيني قول الشريف: # ذكرت الحمى ذكر الطريد محله # يذاد ذياد العاطشات ويرجع # وأين الحمى لا الدار بالدار بعدهم # ولا مربع بعد الأحبة مربع # سلام على الأطلال لا عن جنابة # ولكن يأسا حين لم يبق مطمع # نشدتكم هل زال من بعد أهله # زرود وهل زالت طلول وأربع # نعم عادني عيد الغرام ونبهت # علي الجوى دار بميثاء بلقع # وطارت بقلبي نفحة غضوية # تنفسها حال من الروض ممرع # نظرت الكثيب الأيمن اليوم نظرة # ترد إلي الطرف يدمى ويدمع # وأيقظت للبرق اليماني صاحبا # بذات النقا يخفى مرارا ويلمع # أأنت معيني للغليل بنظرة # فنبكي على تلك الليالي ونجزع # معاذ الهوى لو كنت مثلي في الهوى # إذن لدعاك الشوق من حيث تسمع # هناك الكرى، إني من الوجد ساهر # وبرء الحشا، إني من البين موجع # فلا لب لي إلا تماسك ساعة # ولا قوم لي إلا النعاس المروع # ألا ليت شعري كل دار مشتة # ألا موطن يدنو بشمل ويجمع # وانظر كيف يقول: # وما حائمات يلتفتن من الصدى # إلى الماء قد موطلن بالرشفان # إذا قيل هذا الماء لم يملكوا لها # معاجا بأقران ولا بمثان # بأظما إلى الأحباب مني وفيهم # غريم إذا ms148 رمت الديون لواني # فيا صاحبي رحلي أقلا فإنني # رأيت بليلى غير ما تريان # ويا مزجي النضو الطليح عشية # تراك ببطن المأزمين تراني # وهل أنا غاد أنشد النبلة التي # بها عرضا ذاك الغزال رماني # وانظر كيف يستمطر الدمع حين يقول: # خذوا نظرة منى فلاقوا بها الحمى # ونجدا وكثبان اللوى والمطاليا # ومروا على أبيات حي برامة # فقولوا لديغ يبتغي اليوم راقيا # وقولوا لجيران على الخيف من منى # تراكم من استبدلتم بجواريا # ومن حل ذاك الشعب بعدي وأرشقت # لواحظه تلك الظباء الجوازيا # ومن ورد الماء الذي كنت واردا # به ورعى الروض الذي كنت راعيا # فوا لهفتي! كم لي على الخيف شهقة # تذوب عليها قطعة من فؤاديا # صفا العيش من بعدي لحي على النقا # حلفت لهم لا أقرب الماء صافيا # فيا جبل الريان إن تعر منهم # فإني سأكسوك الدموع الجواريا # ويا قرب ما أنكرتم العهد بيننا # نسيتم وما استودعتم الود ناسيا # أأنكرتم تسليمنا ليلة النقا # وموقفنا نرمي الجمار لياليا # عشية جاراني بعينيه شادن # حديث النوى حتى رمى بي المراميا # رمى مقتلي من بين سجفي غبيطه # فيا راميا لا مسك السوء راميا # فيا ليتني لم أعل نشزا إليكم # حراما ولم أهبط من الأرض واديا # ولم أدر ما جمع وما جمرتا منى # ولم ألق في اللاقين حيا يمانيا # ويا ويح نفسي كيف زايدت في مها # بذي البان لا يشرين إلا غواليا # ويقول الأبيوردي يصف شوقه إلى حبيبته: # وأقسم بالبيت الرحيب فناؤه # وبالحجر الملثوم والحجر والركن # لأنت إلى نفسي أحب من الغنى # وذكرك أحلى في فؤادي من الأمن # ويصور الحارث بن خالد شوقه إلى عائشة بنت طلحة بشوق الغريق إلى النجاة، ويقول: # يا أم عمران ما زالت وما برحت # بنا الصبابة حتى مسنا الشفق # القلب تاق إليكم كي يلاقيكم # كما يتوق إلى منجاته الغرق # وإنك لتلمس حرارة الشوق في قول العذري: # لو جز بالسيف رأسي في مودتكم # لمر يهوي سريعا نحوكم راسي # ولو بلي تحت أطباق الثرى جسدي # لكنت أبلى وما قلبي لكم قاسي # أو يقبض الله ms149 روحي صار ذكركم # روحا أعيش به ما عشت في الناس # لولا نسيم لذكراكم يروحني # لعدت محترقا من حر أنفاسي # والشوق يحمل ابن الدمينة على أن يحمد لحبيبته ذكرها له بالمساءة ويقول: # أرى الناس يرجون الربيع وإنما # ربيعي الذي أرجو نوال وصالك # أرى الناس يخشون السنين وإنما # سني التي أخشى صروف احتمالك # لئن ساءني أن نلتني بمساءة # لقد سرني أني خطرت ببالك # ليهنك إمساكي بكفي على الحشا # ورقراق عيني رهبة من زيالك # وانظر لوعة الشوق في قول أحد المتيمين: # أقول لأصحابي وهم يعذلونني # ودمع جفوني دائم العبرات # بذكر منى نفسي فبلوا إذا دنا # خروجي من الدنيا جفوف لهاتي # | راحة السلوان # ومن العشاق من يستريح إلى السلو، ولكن أين إلى السلو السبيل؟ فمن ذلك قول العديل بن ~~الفرخ: # صحا عن طلاب البيض قبل مشيبه # وراجع غض الطرف فهو خفيض # كأني لم أرع الصبا ويروقني # من الحي أحوى المقلتين غضيض # دعاني له يوما هوى فأجابه # فؤاد إذا يلقى المراض مريض # لمستأنسات بالحديث كأنه # تهلل غر برقهن وميض # وقال الشريف: # هي سلوة ذهبت بكل غرام # والحب نهب تطاول الأيام # ولقد نضحت من السلو وبرده # حر الجوى فبردت أي ضرام # من بعد ما أظما الغليل جوانحي # وأطال من ملل الزلال أوامي # لا يدع العذال نزع صبابتي # بيدي حسرت عن الغرام لثامي # قد كانت الصبوات تعصف مقودي # فالآن سوف أطيل من إجمامي # هيهات يخفضني الزمان وإنما # بيني وبين الذل حد حسامي # وظاهر هذا الشعر أن أصحابه نزعوا عن الحب طائعين. وفي مقابل هذا المعنى يقول إبراهيم بن ~~العباس: # وعلمتني كيف الهوى وجهلته # وعلمكم صبري على ظلمكم ظلمي # وأعلم ما لي عندكم فيردني # هواي إلى جهلي فأرجع عن علمي # ويقول ابن الأحنف في اليأس من السلوان: # تجنب يرتاد السلو فلم يجد # له عنك في الأرض العريضة مذهبا # فعاد إلى أن راجع الوصل صاغرا # وعاد إلى ما تشتهين وأعتبا # ويقول من كلمة ثانية: # كم قد تجرعت من غيظ ومن حرق # إذا تجدد حزن هون الماضي # وكم سخطت وما ms150 باليتم سخطي # حتى رجعت بقلب ساخط راضي # ويقول أيضا إبراهيم بن العباس: # لمن لا أرى أعرضت عن كل من أرى # وصرت على قلبي رقيبا لقاتله # أدافعه عن سلوة وأرده # حنينا إلى أوصابه وبلابله # ويقول ابن أذينة: # إن التي زعمت فؤادك ملها # خلقت هواك كما خلقت هوى لها # بيضاء باكرها النعيم فصاغها # بلباقة فأدقها وأجلها # حجبت تحيتها فقلت لصاحبي # ما كان أكثرها لنا وأقلها # وإذا وجدت لها وساوس سلوة # شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها # ويقرب من هذا المعنى قول صاحب البدائع: # ولما نسيتم ودنا وغرامنا # ولم تحفظوا بعد الفراق لنا عهدا # جعلنا نغض الطرف عنكم وعندنا # من الشوق نار لا نطيق لها وفدا # | غدر الغواني # ولا بد من ذكر شيء مما تألم له الشعراء في حياة الحب، التي طالما يغدر فيها النساء. وإنا ~~لنجد من بينهم من يحسب الغواني جميعا غادرات، ويقول: # فلا تحسبن هندا لها الغدر وحدها # سجية نفس، كل غانية هند # ويقول كثير في السخر من عهود النساء: # ألا إنما ليلى عصا خيزرانة # إذا غمزوها بالأكف تلين # تمتع بها ما ساعفتك ولا تكن # عليك شجا في الحلق حين تبين # وإن هي أعطتك الليان فإنها # لآخر من خلانها ستلين # وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها # فليس لمخضوب البنان يمين # وقال الشريف يشكو المطل والتسويف: # يا ظبية البان ترعى في خمائله # ليهنك اليوم أن القلب مرعاك # الماء عندك مبذول لشاربه # وليس يرويك إلا مدمع الباكي # وعد لعينيك عندي ما وفيت به # يا قرب ما كذبت عيني عيناك # أنت النعيم لقلبي والعذاب له # فما أمرك في قلبي وأحلاك # عندي رسائل شوق لست أذكرها # لولا الرقيب لقد بلغتها فاك # هامت بك العين لم تتبع سواك هوى # من علم العين أن القلب يهواك # وإني ليشجيني قوله من كلمة ثانية: # تهفو إلى البان من قلبي نوازعه # وما بي البان بل من داره البان # أسد سمعي إذا غنى الحمام به # كيلا يبين سر الوجد إعلان # ورب دار أوليها مجانبة # وبي إلى الدار أطراب وأشجان # إذا تلفت ms151 في إطلالها ابتدرت # للقلب والعين أمواه ونيران # كلم بقلبي أداويه ويقرفه # طول ادكاري لمن لي منه نسيان # 1 # لا للوائم إقصار بلائمة # عن العميد ولا للقلب سلوان # على مواعيدهم خلف إذا وعدوا # وفي ديونهم مطل وليان # هم عرضوا بوفاء العهد آونة # حتى إذا عذبوني بالمنى خانوا # وابن الرومي يجعل الغدر من طبائع الحسان، إذ يشبههن بالحديقة، تحمل الثمر حينا وتعرى من ~~الورق حينا، وإليك قوله من قصيدة طويلة: # يولين ما فيه أغرام وآونة # يولين ما فيه للمعشوق سلوان # ولا يدمن على عهد لمعتقد # أنى؟ وهن كما شبهن بستان # يميل طورا بحمل ثم يعدمه # ويكتسي ثم يلفى وهو عريان # تغدو الفتاة لها خل فإن غدرت # راحت ينافس فيها الخل خلان # ما للحسان مسيئات بنا ولنا # إلى المسيئات طول الدهر تحنان # وإن تبعن بعهد قلن معذرة # إنا نسينا وفي النسوان نسيان # يكفي مطالبنا بالذكر ناهية # أن اسمنا الغالب المشهور نسوان # لا نلزم الذكر إنا لم نسم به # ولا منحناه بل للذكر ذكران # فضل الرجال علينا أن شيمتهم # جود وبأس وأحلام وأذهان # وأن فيهم وفاء لا نقوم به # ولن يكون مع النقصان رجحان # صدقن ما شئن لكنا تقنصنا # منهن عين تلاقينا وأدمان # 2 # أنكى وأزكى حريقا في جوانحنا # خلق من الماء والألوان نيران # إذا ترقرقن والإشراق مضطرم # فيهن لم يملك الأسرار كتمان # ماء ونار فقد غادرن كل فتى # لابسن وهو غزير الدمع حران # تخضل منهن عين فهي باكية # ويستحر فؤاد وهو هيمان # وقال فتى في ابنة عمه، وقد تجنت عليه وغدرت به: # أأحبابنا لو تعلمون بحالنا # لما كانت اللذات تشغلكم عنا # تشاغلتم عنا بصحبة غيرنا # وأبديتم الهجران ما هكذا كنا # وآليتم أن لا تخونوا عهودنا # فقد وحياة الحب خنتم وما خنا # غدرتم ولم نغدر وخنتم ولم نخن # وحلتم عن العهد القديم وما حلنا # وقلتم ولم توفوا بصدق حديثكم # ونحن على صدق الحديث الذي قلنا # وكان صخر بن عمرو، أخو الخنساء، يحب سلمى بنت عوف ثم تزوجها؟ وتعاهدا على أن لا يتزوج ~~واحد منهما ms152 بعد صاحبه، ثم طعن في أحد الأيام، فمرض سنة كاملة، فقصرت زوجه في السهر عليه، ~~والرفق به. ولا كذلك أمه الرءوم. قالوا: وسمع يوما امرأة تقول لأمه: كيف حال صخر؟ فقالت: ~~نحن بخير ما دمنا نرى وجهه. وسمع أخرى تقول لامرأته كيف حال صخر؟ فقالت: لا حي فيرجى، ولا ~~ميت فينعى! وحكي أنه جلس يوما ليستريح وقد رفع له سجف البيت، فرأى سلمى واقفة تحادث رجلا ~~من بني عمها وقد وضع يده على عجيزتها، فسمعه يقول لها: أيباع هذا الكفل؟ فقالت: عن قريب! ~~فقال صخر لأمه: علي بسيفي، لأنظر هل صدئ أم لا. فأتته به فجرده، وهم بقتل سلمى، فلما دخلت ~~رفع السيف فلم يستطع حمله، فبكى وقال: # أرى أم صخر لا تمل عيادتي # وملت سليمى مضجعي ومكاني # فأي امرئ ساوى بأم حليلة # فلا عاش إلا في شقا وهوان # أهم بأمر الحزم لو أستطيعه # وقد حيل بين العير والنزوان # وما كنت أخشى أن أكون جنازة # لديك ومن يغتر بالحدثان # ويذكرون أن غسان بن جهضم كان مفتونا بابنة عمه، ثم تزوجها، فلما حضره الموت حلفت لا تتزوج ~~من بعده، ثم حنثت في يمينها، فأنشدها في نومها ليلة الزفاف: # غدرت ولم ترعي لبعلك حرمة # ولم تعرفي حقا ولم تحفظي عهدا # ولم تصبري حولا حفاظا لصاحب # حلفت له يوما ولم تنجزي وعدا # غدرت به لما ثوى في ضريحه # كذلك ينسى كل من سكن اللحدا # ويذكرني هذا الشعر بقول أبي العتاهية: # إذا ما انقضت عني من العيش مدتي # فإن غناء الباكيات قليل # سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي # ويحدث من بعد الخليل خليل # وهذه طبيعة العالم يا صاح، فاقض من أوطارك ما أنت قاض، واترك الوهم للمجانين! # | ميزان الحب1 # ميزان الحب فيما يرى جميل أن يهب المحب لمحبوبه دمه وماله، وانظر كيف يقول: # لحا الله من لا ينفع الود عنده # ومن حبله إن مد غير متين # ومن هو ذو لونين ليس بدائم # على ثقة خوان كل أمين # فلو أرسلت يوما بثينة تبتغي # يميني ولو عزت ms153 علي يميني # لأعطيتها ما جاء يبغي رسولها # وقلت لها بعد اليمين سليني # سليني مالي يا بثين فإنما # يبين عند المال كل ضنين # فما لك لما خبر الناس أنني # أسأت بظهر الغيب لم تسليني # فأبلي عذرا أو أجيء بشاهد # من الناس عدل أنهم ظلموني # فليت رجالا فيك قد نذروا دمي # وهموا بقتلي يا بثين لقوني # إذا ما رأوني طالعا من ثنية # يقولون من هذا؟ وقد عرفوني! # | الليالي الخوالي # وما أكثر حنين الشعراء إلى الأيام السوالف، والليالي الخوالي! # ويذكرون أن المتوكل أحب أن ينادمه الحسين بن الضحاك؛ ليرى ما بقي من ظرفه وشهوته لما كان ~~عليه، فأحضره وقد كبر وضعف، فسقاه حتى سكر وقال لخادمه شفيع : اسقه! فسقاه وحياه بوردة، ~~وكانت على شفيع أثواب موردة، فمد الحسين يده إلى درع شفيع، فقال المتوكل: أتجس غلامي ~~بحضرتي؟ فكيف لو خلوت به! ما أحوجك يا حسين إلى أدب! وكان المتوكل غمز شفيعا على العبث به، ~~فقال الحسين: يا سيدي! أريد دواة وقرطاسا. فأمر له بهما فكتب: # وكالوردة البيضاء حيا بأحمر # من الورد يسقى في قراطق كالورد # له عبثات عند كل تحية # بكفيه يستدعي الخلي إلى الوجد # تمنيت أن أسقى بكفيه شربة # تذكرني ما قد نسيت من العهد # سقى الله عيشا لم أبت فيه ليلة # من الدهر إلا من حبيب على وعد # فطرب المتوكل لهذا الشعر، وهم بتقديم الغلام إليه، لو كان مما تسمح بمثله النفس! # وانظر ما يقول ابن هانئ في ذكرى أيامه السوالف: # قمن في مأتم على العشاق # ولبسن السواد في الأحداق # وبكين الفراق بالعنم الرط # ب المقنا وبالخدود الرفاق # ومنحن الفراق رقة شكوا # هن حتى عشقت يوم الفراق # ومع الجيرة الذين غدوا دم # ع طليق ومهجة في وثاق # حاربتهم ذوائب الدهر حتى # آذنوا بالفراق قبل التلاقي # ودنوا للوداع حتى ترى الأج # ياد فوق الأجياد كالأطواق # يوم راهنت في البكاء عيونا # فتقدمت في عنان السباق # أمنع القلب أن يذوب ومن يمن # ع جمر الغضى عن الإحراق # رب يوم لنا رقيق حواشي الله # و ms154 حسنا جوال عقد النطاق # قد لبسناه وهو من نفحات ال # مسك درع الجيوب درع التراقي # وما أوجع قول ابن الرومي في البكاء على لياليه الخوالي: # أأيام لهوي هل مواضيك عود # وهل لشباب ضل بالأمس منشد # رزئت شبابي عودة بعد بدأة # وهن الرزايا بادئات وعود # سلبت سواد العارضين وقبله # بياضهما المحمود إذ أنا أمرد # وبدلت من ذاك البياض وحسنه # بياضا ذميما لا يزال يسود # لشتان ما بين البياضين: معجب # أنيق ومنشوء إلى العين أنكد # وكنت جلاء للعيون من القذى # فقد جعلت تقذي بشيبي وترمد # هي الأعين النجل التي كنت تشتكي # مواقعها في القلب والرأس أسود # فما لك تأسى الآن لما رأيتها # وقد جعلت مرمى سواك تعمد # تشكى إذا ما أقصدتك سهامها # وتأسى إذا نكبن عنك وتكمد # كذلك تلك النبل من وقعت به # ومن صرفت عنه من القوم مقصد # إذا عدلت عنا وجدنا عدولها # كموقعها في القلب بل هو أجهد # وبيضاء يخبو درها من بياضها # ويذكو له ياقوتها والزبرجد # إذا ما التقى السكران: سكر شبابها # وأكوابها، كادت من اللين تعقد # لهوت بها ليلا قصيرا طويله # وما لي إلا كفها متوسد # وكم مثلها من ظبية قد تفيأت # ظلالي وأغصان الشبيبة ميد # | ليالي سنتريس # وقد أكثر صاحب البدائع من الحنين إلى سنتريس، # 1 # وهي مهوى قلبه، ومنية روحه، إذ كانت ~~ملعب صباه، وميدان لهوه، في أيامه السوالف، ولياليه الخوالي! # وانظر كيف يقول: # ليالي النيل واللذات ذاهبة # وجدي عليكن أشجاني فأضناني # لو يرجع الدهر لي منكن واحدة # في سنتريس ويدني بعض خلاني # إذن تبين دهري كيف يرحمني # من ظلم همي ومن عدوان أحزاني # كم ليلة لي بذاك النهر سالفة # قضيتها بين غادات وولدان ~~••• # وذي دلال هو الدنيا وزينتها # يردي الأسود بطرف منه نعسان # كأنما فعل عينيه بعاشقه # فعل المدامة في أعطاف نشوان # شربت من ريقه راحا مشعشعة # بخالص الود لم تمزج بسلوان # وكم حبيب براح الريق أسكرني # وكم جميل بورد الخد حياني ~~••• # يا موقد النار في قلبي مؤججة # وقاطنا بين أنهار وريحان # عرج علي فما ms155 نفسي بصابرة # على نواك وما طرفي بوسنان # وإليك قوله من كلمة ثانية: # إيه يا فتنة الوجود سلام # من مشوق متيم القلب عان # لو يشاء الهوى حوتك ضلوع # حائمات على صباك حواني # فارحمي فانيا من الوجد يشقى # بغرام مؤجج غير فان # رنقت ورده الليالي فأمسى # يرقب الصفو من خلال الأماني ~~••• # آه لو يسمح الزمان ونلقى # من طوى قربهم عناد الزمان # وترى سنتريس والدهر غاف # ما قضينا من الليالي الحسان # حين كنا من السرور نشاوى # في نجاة من النوى وأمان # نتساقى الحديث عذبا شهيا # وقطوف المنى رطاب دواني ~~••• # يا خليلي والرفيق معين # أسعفاني ببعض ما تملكان # أبتغي آسيا فقد عيل صبري # من توالي الوجيب والخفقان # أبتغي صاحبا توله قبلي # وشجاه من الجوى ما شجاني # فلقد يسعف الجريح أخاه # ويواسي الزميل في الأحزان # وقد لحن هذه القصيدة البلبل الغريد الشيخ عبد السميع عيسى الباجوري، وما أروع شعر ~~الوجدان إذا غني بمثل صوته العذب الجميل! # | صبا نجد # وما أشوق القلب إلى شميم صبا نجد! فقد حببه إلينا الشعراء حتى لنجد (صردر) يرى المرور ~~بنجد شركا من أشراك الهوى، حين يقول: # النجاء النجاء من أرض نجد # قبل أن يعلق الفؤاد بوجد # إن ذاك الثرى لينبت شوقا # في حشا ميت اللبابات صلد # كم خلي غدا إليه وأمسى # وهو يهذي بعلوة أو بهند # وظباء فيه تلاقي الموالي # والمعادي من الجمال بجند # بشتيت من المباسم يغري # وسقام من المحاجر يعدي # 1 # وبنان لولا اللطافة ظنت # لجناياتها براثن أسد # وحديث إذا سمعناه لم ند # ر بخمر نضحننا أم بشهد # أنفت من براقع الخز والقز # خدود قد برقعوها بورد # ويقول الطغرائي: # يا حبذا نجد وإعراق الثرى # لدن وأنفاس النسيم رقاق # فهواؤه خصر النسيم وتربه # حالي الأديم وماؤه رقراق # وبساكنيه إن استقربنا النوى # تشفي النفوس وتمسك الأرماق # ويقول ابن الخياط: # خذا من صبا نجد أمانا لقلبه # فقد كان رياها يطير بلبه # وإياكما ذاك النسيم فإنه # إذا هب كان الوجد أيسر خطبه # خليلي لو أحببتما لعلمتما # مكان الهوى من مغرم بالقلب صبه ms156 # تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى # يتوق ومن يعلق به الحب يصبه # غرام على يأس الهوى ورجائه # وشوق على بعد المزار وقربه # وقال ابن التعاويذي: # يا رفيقي هل لذاهب أيا # م تقضت حميدة من مرد # أنجداني بوقفة في مغاني ال # حي إن جزتما بأعلام نجد # وابكياها بمقلتي واسألاها # من سقاها ماء المدامع بعدي # جنبا عندها مصارع من ما # ت بداء الغرام فالشوق يعدي # فبأكنافها جآذر رمل # بين أثوابها براثن أسد # | جناية العين والقلب # من الشعراء من يرى أن عينه سبب بلائه، كقول خالد الكاتب: # أعان طرفي على جسمي وأحشائي # بنظرة وقفت جسمي على دائي # وكنت غرا بما يجني على بدني # لا علم لي أن بعضي بعض أدوائي # ومثله قول الأرجاني: # تمتعتما يا مقلتي بنظرة # وأوردتما قلبي أشر الموارد # أعيني كفا عن فؤادي فإنه # من البغي سعي اثنين في قتل واحد # ويرى الشريف الرضي أن قلبه سبب شجاه، ويقول: # قلب كيف علقت في إشراكهم # ولقد عهدتك تفلت الأشراكا # أكثبت حتى أقصدتك سهامهم # قد كنت عن أمثالها أنهاكا # إن ذبت من كمد فقد جر الهوى # هذا السقام علي من جراكا # لا تشكون إلي وجدا بعدها # هذا الذي جرت علي يداكا # لأعاقبنك بالغليل فإنني # لولاك لم أذق الهوى لولاكا # ويأسى صردر على أن كانت أجفانه حجاب قلبه، ويقول: # لواحظنا تجني ولا علم عندها # وأنفسنا مأخوذة بالجرائر # ولم أر أغبى من نفوس عفائف # تصدق أخبار العيون الفواجر # ومن كانت الأجفان حجاب قلبه # أذن على أحشائه للفواقر # وقال ابن الأحنف يشكو ظلم قلبه وحبيبه: # يهيم بجيران الجزيرة قلبه # وفيها غزال فاتر الطرف ساحره # يؤازره قلبي علي وليس لي # يدان بمن قلبي علي يؤازره # | قضاء الله # ونختم هذا الكتاب بقول صاحب البدائع: # قالوا عشقت فقلت كم من فتنة # لم تغن فيها حكمة الحكماء # إن الذي خلق الملاحة لم يشأ # إلا شقائي في الهوى وبلائي # ولله الأمر من قبل ومن بعد! ms157