######OpenITI# #META# URI: 1371ZakiMubarak.Tasawwuf.Hindawi81316951 #META# Tags: philosophy #META# ID: 81316951 #META# Title: التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق #META# AuthorID: 41796397 #META# Author: زكي مبارك #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # الجزء الأول‏ # دعاء‏ # فاتحة الكتاب‏ # أغراض الكتاب‏ # اشتقاق كلمة تصوف‏ # التصوف في الأدب‏ # كلام الشعراء في الزهد‏ # ذخائر منسية من الأدب الصوفي‏ # أخيلة أدبية في وصف الدنيا‏ # حكم ابن عطاء الله السكندري1‏ # مكانة ابن عربي في الأدب والتصوف‏ # مصرع الحلاج‏ # صراحة الجيلاني‏ # المنظومات الصوفية‏ # منظومات ابن عربي‏ # منظومات اليافعي‏ # أشعار النابلسي‏ # منظومات حسن رضوان‏ # المدائح النبوية‏ # الهيام في حب الله‏ # أشواق ابن الفارض‏ # أخبار الصوفية‏ # نقل الأقاصيص الغرامية إلى الجواء الصوفية‏ # صور المجتمع الإسلامي في كتب الصوفية‏ # حياة اللهجات العربية في مؤلفات الصوفية‏ # أثر التصوف في الفنون‏ # خاتمة الجزء الأول‏ # الجزء الثاني‏ # كيف نشأ التصوف في الأخلاق‏ # الأدعية والأوراد‏ # آداب الدعاء‏ # دعاء الاستسقاء‏ # أدعية زين العابدين‏ # أدعية التوحيدي‏ # الاستغاثات والأحزاب‏ # الوصايا والنصائح‏ # وصايا ذي النون المصري‏ # الشجاعة الأدبية‏ # الدنيا في أذهان الصوفية‏ # المقامات والأحوال‏ # التجريد والأسباب‏ # آداب الطعام‏ # آداب الصيام‏ # آداب الزواج‏ # أدب الأخوة‏ # الحب الحب الحب!‏ # الموسيقا والغناء‏ # الآداب الصوفية عند الشعراني‏ # المهلكات والمنجيات‏ # خاتمة الكتاب‏ # الإهداء‏ # الجزء الأول‏ # دعاء‏ # فاتحة الكتاب‏ # أغراض الكتاب‏ # اشتقاق كلمة تصوف‏ # التصوف في الأدب‏ # كلام الشعراء في الزهد‏ # ذخائر منسية من الأدب الصوفي‏ # أخيلة أدبية في وصف الدنيا‏ # حكم ابن عطاء الله السكندري1‏ # مكانة ابن عربي في الأدب والتصوف‏ # مصرع الحلاج‏ # صراحة الجيلاني‏ # المنظومات الصوفية‏ # منظومات ابن عربي‏ # منظومات اليافعي‏ # أشعار النابلسي‏ # منظومات حسن رضوان‏ # المدائح النبوية‏ # الهيام في حب الله‏ # أشواق ابن الفارض‏ # أخبار الصوفية‏ # نقل الأقاصيص الغرامية إلى الجواء الصوفية‏ # صور المجتمع الإسلامي في كتب الصوفية‏ # حياة اللهجات العربية في مؤلفات الصوفية‏ # أثر التصوف في الفنون‏ # خاتمة الجزء الأول‏ # الجزء الثاني‏ # كيف نشأ التصوف في الأخلاق‏ # الأدعية والأوراد‏ # آداب الدعاء‏ # دعاء الاستسقاء‏ # أدعية زين العابدين‏ # أدعية التوحيدي‏ # الاستغاثات والأحزاب‏ # الوصايا والنصائح‏ # وصايا ذي النون المصري‏ # الشجاعة الأدبية‏ # الدنيا في أذهان الصوفية‏ # المقامات والأحوال‏ # التجريد والأسباب‏ # آداب الطعام‏ # آداب الصيام‏ # آداب الزواج‏ # أدب الأخوة‏ # الحب الحب الحب!‏ # الموسيقا والغناء‏ # الآداب الصوفية عند الشعراني‏ # المهلكات والمنجيات‏ # خاتمة الكتاب‏ # | التصوف الإسلامي في الأدب ms001 والأخلاق # | التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق # تأليف # الدكتور زكي مبارك # | الإهداء # | حضرة صاحب الجلالة الملك فاروق الأول # مولاي # كان من حظي أن أتشرف بإهداء كتاب «الأخلاق عند الغزالي» إلى جلالة الملك فؤاد الأول، ~~وهو الكتاب الذي نلت به إجازة الدكتوراه أول مرة، فليكن من حظي أن أتشرف بإهداء كتاب ~~«التصوف الإسلامي» إلى جلالة الملك فاروق الأول، وهو الكتاب الذي نلت به إجازة ~~الدكتوراه ثالث مرة. # وإني لأرجو أن ينال هذا الكتاب من عطف مولاي الملك ما يتوجه بالقبول، ~~والسلام. # المخلص زكي مبارك # مصر الجديدة في 23 شعبان سنة 1357 / 17 أكتوبر سنة ~~1938 # جلالة الملك فاروق الأول الذي ورث أباه العظيم في رعاية الدراسات ~~الجامعية. # | مقدمة # | بقلم حضرة صاحب العزة الأستاذ الكبير محمد جاد المولى بك المفتش الأول للغة ~~العربية بوزارة المعارف # القاهرة: 21 شعبان سنة 1357 / 25 أكتوبر سنة 1938 ~~(1) # ما وقع بصري على الأستاذ الدكتور زكي مبارك إلا تذكرت هجومي عليه في سنة 1924 إذ ~~انتدبتني وزارة المعارف عضوا باللجنة التي أدى أمامها امتحان الدكتوراه بالجامعة ~~المصرية أول مرة، كما انتدبت المغفور له الأستاذ أحمد عبده خير الدين وكيل دار العلوم ~~الذي انتاشه منا الموت منذ شهور فمضى مأسوفا عليه من جميع من عرفوا قلبه الطيب ~~وأخلاقه العالية. # كنت في تلك الأيام لا أعرف الدكتور زكي مبارك معرفة شخصية، وإنما كنت أعرفه عن طريق ~~ما يكتب في الصحف والمجلات، فكنت أتصوره شابا بعيد الهمة كلفا بنقد الشعراء ~~والكتاب والمؤلفين محبا للظهور بمظهر السيطرة والاستعلاء. # ولما اطلعت على رسالته التي قدمها لامتحان الدكتوراه في تلك الأيام وهي (الأخلاق ~~عند الغزالي) رأيت فيها ما صدق ظني فيه: رأيته يهجم على حجة الإسلام الغزالي ويقسو ~~عليه، فلم أجد بدا من أن أتشدد في حسابه لأعجم عوده وأسبر غوره. # ولكن امتحانات الدكتوراه علنية يحضرها من يشاء، وكان من الحاضرين يومئذ حضرة صاحب ~~الفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ عبد المجيد اللبان وجمهور من أفاضل العلماء بالأزهر ~~الشريف، فلما أخذت في محاسبة الدكتور زكي مبارك ms002 على ما صنع في نقد الغزالي تكشفت جوانب ~~أثارت فضيلة العالم الجليل الشيخ اللبان فتدخل وتدخل معه جماعة من جلة العلماء، وكاد ~~الجمهور يموج من الغيظ، ولولا حكمة رئيس اللجنة يومئذ، وهو حضرة صاحب العزة الأستاذ ~~الدكتور منصور فهمي بك، لاضطرب النظام وانفرط عقد الامتحان. # وحين خلت اللجنة للمداولة أسفر نقاشها عن منح زكي مبارك إجازة الدكتوراه بدرجة «جيد ~~جدا» واقترحت أن ينص في محضر الجلسة على أن اللجنة غير مسئولة عما في الرسالة من الشطط ~~والجموح، ولكن الأستاذ الدكتور منصور فهمي بك أقنعنا بأن من المفهوم أن امتحان ~~الدكتوراه هو محاولة عقلية يخطئ الطالب فيها ويصيب، وأن الرسالة لن تخرج إلا ممحصة، ~~وكان ذلك مفهوما عندي وإنما قصدت الاحتياط لنفسي ولزملائي. ~~(2) # وكنت أظن المشكلة انتهت عند هذا الحد، ولكني تبينت مع الأسف أن هجومي على الدكتور زكي ~~مبارك كانت له عواقب، فقد حمل عليه جماعة من العلماء في جريدة المقطم وجريدة الأخبار، ~~يحمل لواءهم حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير الشيخ يوسف الدجوي أمد الله في حياته ~~النافعة، والأستاذ الشيخ أحمد مكي تغمده الله برحمته. # وعند ذلك عرفت أن الدكتور زكي مبارك قد يقضي حياته في المضاولة والمجادلة لما استقر ~~في النفوس من أنه باحث متعسف مشاغب. # كان ذلك الحادث كافيا لأن يوجه نظري إلى هذه الشخصية الجديدة وإلى تعقب ما تؤدي من ~~النفع أو الضر للدراسات الأدبية والفلسفية، ولكن من الذي يستطيع أن يتعقب الدكتور زكي ~~مبارك؟ # وكيف يمكن ذلك وهو لا يسكت أبدا، ولا يترك فرصة لمن يريد أن يحكم له أو عليه؟ # تراه حينا يجادل في الدقائق الفقهية كما صنع حين حقق نسب كتاب الأم فتضيفه إلى ~~الفقهاء، وحينا تراه يجادل في المعضلات النحوية فتضيفه إلى النحويين وتنظر إلى كتاب ~~«النثر الفني» أو كتاب «الموازنة بين الشعراء» فتحسبه رجلا لا يحسن غير النقد الأدبي. # وتقرأ رسائله الغرامية ودراساته الطريفة للعشاق من الشعراء فيخيل إليك أنه شاب لا ~~يعرف غير الاصطباح والاغتباق بهوى الغيد الرعابيب. # وتنظر رسالة «اللغة ms003 والدين والتقاليد» فتعده من كبار المصلحين وتنظر مقالاته في ~~التربية والتعليم فتراه من أقطاب المربين، وتقرأ هجومه على الكتاب والشعراء والمؤلفين ~~فتخاله من الهدامين وتسمع عن أخباره في الأندية والمجالس وأحاديث رحلاته إلى البلاد ~~الشرقية والغربية وانتقاله من العمامة إلى الطربوش ثم إلى القبعة والسدارة فتعتقد أنه ~~من المولعين بدرس أخلاق الأمم والشعوب. # وفي وسط هذا الضجيج قرأت في الصحف أنه سيؤدي امتحان الدكتوراه في جامعة فؤاد الأول ~~فأرجأت ما كان عندي من الأعمال الحافزة وقصدت إليها لأشاهد الدكتوراه الثالثة؛ لأنه كان ~~قد نقل ميدان مشاغباته إلى جامعة باريس وكذلك حضرت مع النظارة لأرى «هذا التلميذ» الذي ~~اشتركت في امتحانه منذ ثلاثة عشر عاما وكونت فيه رأيه قد لا يرضيه لو اطلع عليه فماذا ~~رأيت؟ وماذا لاحظت؟ # رأيت طالب الدكتوراه في سنة 1924 غير طالب الدكتوراه في سنة 1937 كان الطالب الأول ~~يجادل لجنة الامتحان بلا تهيب ولا تلطف ولا أقول بلا تأدب أما الطالب الجديد فكان آية ~~من آيات الأدب والذوق، وكان مثالا من أمثلة التواضع والاستحياء: يستمع السؤال بهدوء، ~~ويجيب عليه بذكاء مقرون بالتحفظ والاحتراس، فماذا صنعت الثلاثة عشر عاما بالدكتور زكي ~~مبارك؟ # لقد تغير تغيرا تاما وانقطعت الصلة بين حاضره وماضيه أشد انقطاع، وكذلك يصنع العلم ~~بأبنائه الأوفياء فهو يجعلهم متواضعين مهذبين لا يعرفون العنف ولا الغطرسة ولا ~~الكبرياء. ~~(3) # وبالغ الدكتور في الأدب والذوق فعرض علي رسالته الجديدة لأقدم إليه بعض الملاحظات، ~~بوصف أني من المشتغلين بدراسة فلسفة الأخلاق وقد نظرت في الرسالة الجديدة فرأيت الدكتور ~~زكي مبارك لم يتغير ولم يتبدل، فمؤلف كتاب «التصوف الإسلامي» هو عينه مؤلف كتاب ~~«الأخلاق عند الغزالي» بل هو في كتابه الجديد أخطر وأفتك، ولكن ماذا أملك في مقاومته ~~هذه المرة؟ # إن جامعة فؤاد الأول منحته درجة الدكتوراه في الفلسفة برتبة الشرف وهي شديدة الضن ~~بالألقاب إلا على المستحقين، ولا سيما أن اللجنة التي أدى امتحانه أمامها قد ضمت نخبة ~~من أكابر العلماء من بينهم معالي الأستاذ مصطفى عبد الرازق بك ms004 والدكتور منصور فهمي بك ~~والدكتور عبد الوهاب عزام والأستاذ شفيق غربال. # ومن واجبي أن أحترس في الثناء فأصرح بأني لا أتفق والدكتور زكي مبارك في كل ما عرضه ~~من الآراء في كتاب التصوف الإسلامي، ولا غرو في ذلك فالباحثون قلما اتفقوا على رأي ~~واحد، إن المهم عندي وعند جميع المنصفين أن يكون الباحث حسن النية مستقلا في آرائه ~~الفلسفية، والدكتور مبارك من هذه الناحية متفوق كل التفوق: فهو في كتابه هذا يدرس ~~التصوف دراسة من يفهم أسرار التصوف. # والعقل الفلسفي ظاهر كل الظهور في هذا الكتاب، فالمؤلف أثابه الله يدرس الوجوه ~~المختلفة للرأي الواحد، وقد يصل حاله إلى الغرابة في بعض الأحايين حين يعرض عليك عدة ~~صور لرأي من الآراء ثم تراه متشيعا لكل صورة كأنها رأيه الوحيد وكأنه أشخاص يتحاورون لا ~~شخص واحد. # وذلك هو العقل الفلسفي فيما أعرف، وهو لا يتوفر للباحث إلا حين تنضج مواهبه ويكبر عن ~~التعصب لرأي من الآراء. # لقد ألف المسلمون مئات أو ألوفا من المصنفات في التصوف، وما كنا في حاجة إلى كتاب ~~جديد. # فالمزية الصحيحة للدكتور زكي مبارك هي أنه لم يؤلف كتابه في الدعوة إلى التصوف، أو ~~الهجوم على التصوف، وإنما ألف كتابه في نقد التصوف فبين ما فيه من محاسن وعيوب، وكشف ~~عما فيه من ضعف وقوة، بصراحة فائقة وحماسة رائعة، وأسلوب متين. # وأصرح مرة ثانية بأني قد أخالف هذا المؤلف في كثير من الآراء التي عرضها في كتاب ~~التصوف الإسلامي، ولكني أتمنى أن يكون قدوة لسائر المؤلفين، فما ينقصنا اليوم غير ~~الابتكار، وهو أول شرط في جودة التأليف. ~~(4) # وأنا بعد هذا التحفظ أشهد أن هذا الكتاب يفيض بقوة الروح، وأعتقد أنه يغرس الشعور ~~بالتبعة الخلقية ويوجه القارئ إلى فهم أسرار المعاني، وتسجيل هذا الرأي يريحني من ~~الإحساس الذي أرقني منذ سنة 1924 حين حرضت الجمهور علنا على الشك في آراء الدكتور زكي ~~مبارك، الرجل الفاضل المخلص الذي أنفق شبابه في الدراسات الأدبية والفلسفية. # كتب الله له دوام التوفيق، ونفع ms005 بمؤلفاته، وأطال في حياته. # | كلمة المؤلف # بقلم محمد زكي عبد السلام مبارك # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. # أما بعد، فهذا كتاب التصوف الإسلامي، وهو كتاب شغلت به نفسي نحو تسع سنين، وأنفقت في ~~تأليفه من الجهد والعافية ما أنفقت، في أعوام عجاف لو ابتلي بمثلها أصبر الصابرين وأشجع ~~الشجعان لألقى السيف وطوى اللواء، فقد كنت في حرب مع الناس ومع الزمان، ويا ويح من ابتلته ~~المقادير بإفك الناس وغدر الزمان. # ولكن الله عز شأنه لم يخلق الشر إلا لحكمة عالية، فقد قويت عزيمتي بفضل ما عانيت في حياتي ~~من ضروب الاضطهاد، واستطعت أن أقيم الدليل على أن الظلم قد يعجز عن تقويض عزائم ~~الرجال. # وهل كان من هواي أن أسرف على نفسي مثل الذي أسرفت فأقضي عشرين سنة في الحياة الجامعية ~~بين القاهرة وباريس كانت كلها نضالا في نضال؟! # هل كان من هواي أن تخلو حياتي من الهدوء والطمأنينة فلا أصبح ولا أمسي إلا في عراك ~~وكفاح؟! # هل كان من هواي أن أنتهي إلى ما انتهيت إليه، فلا يكون لي من نعيم الحياة إلا ما أصوره ~~بقلمي من حين إلى حين لأوهم نفسي أني أعايش الأحياء؟! # تباركت يا ربي وتعاليت، فلولا لطفك وتوفيقك لما استطعت بفضل الجد أن ألقى أهل زماني ~~بالاستطالة والكبرياء. # ومن هم أهل زماني؟ # هم الكسالى الظرفاء الذين حرمهم الله نعمة البلاء بإقذاء العيون تحت أضواء ~~المصابيح. ~~••• # ينقسم هذا الكتاب إلى قسمين: التصوف في الأدب، والتصوف في الأخلاق. # وقد كان هذا الموضوع فيما يظهر غامضا أشد الغموض، فقد طلب مجلس الأساتذة بكلية الآداب أن ~~نقدم له مذكرة نشرح بها الغرض من هذا الكتاب ليقبل أو يرفض جعله موضوع رسالة لامتحان ~~الدكتوراه، وقد أجبنا يومئذ بأننا نريد أن نبين كيف استطاع التصوف أن يخلق فنا في الأدب ~~ومذهبا في الأخلاق، وهو موضوع يستحق الدرس بلا جدال. # وكان مجلس الأساتذة على حق، فقد كنا في حيرة مظلمة الأرجاء، ms006 وكنا لا ندري كيف نتوجه، وكل ~~ما كنا نملك حينذاك هو الاطلاع على العناصر وتصور ما لها من أهمية لو وضعت في نظام واضح ~~مقبول. # ولكن السبيل إلى ذلك كان في غاية من العسر والصعوبة، فقد كنا جمعنا ألوفا من الجذاذات ~~لا ندري كيف نربط بعضها ببعض، وكيف نسوي منها رسالة للدكتوراه في الفلسفة تستوفي الشرائط ~~الجامعية. # وتجسم الخطر حين نظر المؤلف فرآه يخترق المصاعب وحده بلا هاد ولا معين، فقد كان ظفر ~~بإجازة الدكتوراه قبل ذلك مرتين، مرة من الجامعة المصرية ومرة من جامعة باريس، وكان ذلك ~~كافيا لأن ينصرف عنه الأساتذة ويتركوه يكتب ما يشاء كيف شاء. # ولكن أولئك الأساتذة الذين اعتمدوا على كفايته العلمية لم يتركوه بلا حساب، فقد تدخلوا في ~~تصميم الرسالة وخربوها بأيديهم مرتين، فخرج منها كتاب نشر منذ سنين هو كتاب «المدائح ~~النبوية في الأدب العربي». # والشر قد يكون بابا من الخير في بعض الأحيان. ~~••• # نوقش هذا الكتاب بجلسة علنية في مساء اليوم الرابع من أبريل سنة 1937، ناقشته لجنة عنيفة ~~قهرت المؤلف على التواضع، وهو خلق لم يعرفه من قبل، واقترحت أن يحذف أشياء وأن يضيف ~~أشياء. # وقد رجع المؤلف إلى الكتاب فنظر فيه من جديد وأضاف إليه طائفة من الفصول في الأدب ~~والأخلاق، وحرر بعض الهوامش التي تحدد ما كان يحتاج إلى تحديد في بعض المواطن، وانتفع ~~بإقامته في العراق فتعقب الصلات بين التصوف والتشيع، وقد أعانه ذلك على إمداد كتابه ~~بحيوية جديدة سيرى القارئ شواهدها وهو ينتقل من بحث إلى بحث. ~~••• # هذا، وقد يجد القارئ ما يثيره في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، فإن وجد ما يشوكه ويؤذيه ~~فليرجع إلى ما شاكه وآذاه بالدرس والتأمل مرة أو مرتين أو مرات ليوافق أو يعترض على هدى ~~وبصيرة، وليتذكر أن الدراسات الفلسفية لا تقوى ولا تجود إلا إن سلمت سلامة تامة من الرياء ~~وتخوف العواقب. # والمؤلف يرجو أن يتذكر القارئ أيضا أن الصوفية كانوا من أقطاب الحرية الفكرية، فمحاربة ~~هذه الحرية باسم الغيرة عليهم ms007 خطأ لا يقع فيه رجل حصيف. # وفي ختام هذه الكلمة الوجيزة أدعو الله تباركت أسماؤه أن يسبغ على هذا العمل الخالص لوجهه ~~الكريم حلة القبول؛ إنه قريب مجيب. # | الجزء الأول # | دعاء # «اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولا حقا فيه رضاك ألتمس به أحدا سواك. # وأعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك. # وأعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك. # وأعوذ بك أن يكون أحد من خلقك أسعد بما علمتني مني.» # أحبك يا ربي وأعبدك # ومن أنت يا ربي؟ أجبني فإنني # رأيتك بين الحسن والزهر والماء # | فاتحة الكتاب # صفحة من أيام المؤلف في صحبة الصوفية # هذا كتاب في التصوف، والتصوف يوجب نكران الذات، ولكني مضطر إلى الحديث عن نفسي في ~~مطلع هذا الكتاب؛ لأبين كيف أقبلت على هذا الضرب من التأليف. # كنت في حداثتي - كأكثر من ينشأون في الريف - أشهد مجالس الصوفية، وكانت لأبي صلات ~~روحية بأهل الطريق، وكنت أعرف وأنا طفل أني موصول العهد برجل صالح اسمه محمد سعد، وكذلك ~~درجت على احترام أرباب التصوف، وتقديمهم على سائر الناس. # وفي سنة 1912 وأنا طالب في الأزهر اشتدت رغبتي في صحبة الصوفية، وألح الشوق، فأخذت ~~أتنقل من ناد إلى ناد حتى تعرفت إلى رجل فاضل من أساتذة الأزهر الشريف كان يومئذ من ~~كبار الصوفية فأخذت عنه العهد، وبدأت أقوم بالأوراد على طريقة الشاذلية، وكان في صوتي ~~من المرونة ما يساعد على إلقاء الأناشيد، فكنت من المقدمين في الإنشاد. # وفي سنة 1915 رآني ذلك الشيخ صالحا للأستاذية في الطريق فأضاف اسمي إلى قائمة ~~الخلفاء، وكان لي في سنتريس وغير سنتريس مريدون وأتباع، وأذكر أني كنت أحسبني يومئذ من ~~الموفقين. # وفي سنة 1918 قام بيني وبين الشيخ الطماوي نزاع، فقد كان يراني قليل الرعاية للتقاليد ~~الصوفية، وتأملت فرأيت السبب تافها كل التفاهة، فقد غاظه أن أتكلم في حضرته وقد - وضعت ~~رجلا على رجل - وهي جلسة تدل فيما يقال على تعاظم وكبرياء، وحاسبت نفسي فرأيت أني لم ~~أفعل ذلك عن عمد، ثم ms008 خطر بالبال أن الصوفية إنما يدعون علم القلوب، فلو كان ذلك الرجل ~~من الملهمين لما آخذني على هفوة شكلية لم يكن لي في وقوعها قصد، ولم تسبقها نية ~~سوء. # وانتهى ذلك الحادث بالقطيعة، ومرت أيام عانيت فيها من الضجر والغيظ ما عانيت، وحاولت ~~أن أصلح ما بيني وبين الشيخ، ولكني لم أفلح في جذب نفسي إليه، فقد اقتنعت بأن الصوفية ~~أرباب ظواهر، وإن ادعوا أنهم أرباب قلوب! # وفي ظلال تلك الأزمة ألفت كتاب «الأخلاق عند الغزالي» الذي نلت به إجازة الدكتوراه من ~~الجامعة المصرية في سنة 1924 وهو كتاب تجنيت فيه على التصوف، ورميت أشياعه بالغفلة ~~والجهل، وجعلت سلوكهم سببا في انحطاط الأمم الإسلامية. # وما كاد ينشر هذا الكتاب حتى ضعفت حماستي لما أقمته عليه من أساس العقل؛ لأن الدنيا ~~كانت بدأت تريني أني تحاملت على الغزالي وتعجلت الحكم على آرائه في سياسة النفس؛ فقد ~~كان يدعو إلى النفرة من الناس، وكنت أرى ذلك من الجبن في الحياة الاجتماعية، ثم تكشفت ~~بعض الحقائق فرأيت المروءة تقضي في أحيان كثيرة بالهرب من الناس. ومن ذا الذي سلم أديمه ~~من عدوان الخلق فلم يتمن الاعتصام من شرهم بالعزلة في شواهق الجبال؟! # وكذلك عدت أستروح بذكرى التصوف وأضمر له الشوق والحنين! # وفي سنة 1927 لقيت الأستاذ ماسينيون في باريس، وقرأت معه فقرات من كتاب الزهرة، وعرفت ~~ميله إلى درس العلاقة بين الحب العذري وبين التصوف، فتسرب إلى صدري بصيص من ضوء الفكرة ~~التي يقوم على أساسها هذا الكتاب. وفي خريف سنة 1930 وشتاء سنة 1931 حضرت دروس الأستاذ ~~ماسينيون بالكولليج دي فرانس في العلاقة بين التصوف والحب الرقيق فازدادت الفكرة ~~وضوحا، وصحت عزيمتي على درس أثر التصوف في الأدب والأخلاق. # المراد من التصوف # ولكن هل التصوف الذي أعرفه اليوم هو التصوف الذي عرفته من قبل؟ هيهات! # لقد كنت أعرف التصوف موصولا بإشارات ورسوم وتقاليد، فعدت لا أعرفه إلا في القلب ~~والروح، وأمست التقاليد تخيفني وترهبني؛ لأنها علامة زهو واستطالة وكبرياء. # كنت أقول مع ms009 الغزالي: «التصوف أمر باطن لا يطلع عليه، ولا يمكن ضبط الحكم ~~بحقيقته، بل بأمور ظاهرة يعول عليها أهل العرف في إطلاق اسم الصوفي، والضابط الكلي أن ~~كل من هو بصفة إذا نزل في خانقاه الصوفية لم يكن نزوله فيها واختلاطه بهم منكرا عندهم ~~فهو داخل في غمارهم، والتفصيل أن يلاحظ فيه خمس صفات: الصلاح، والفقر، وزي الصوفية، ~~وألا يكون مشتغلا بحرفة، وأن يكون مخالطا لهم بطريق المساكنة». # 1 # ثم تبينت أن هذا التعريف يقفني عند شخصية «الدرويش»، وعقلية الدرويش تستحق الاهتمام، ~~ولكن من الخطأ أن تكون كل شيء في التصوف؛ لأنها شخصية ضعيفة، قليلة الأثر في الأدب ~~والأخلاق. # على أن الغزالي نفسه لم يجعلها محور التصوف، بل نص على أن التصوف أمر باطن لا يطلع ~~عليه، ولا يمكن ضبط الحكم بحقيقته، فهو يتصور أن للتصوف حقيقة غير التي درج عليها أهل ~~العرف والاصطلاح. # والحق أن الغزالي لم يقل كلمته هذه إلا في سياق كان يوجب تضييق الحدود وهو بيان ~~الشخصية التي يصرف إليها المال الذي ينص على أنه موهوب للصوفية، وشخصية الدرويش هي ~~الشخصية الصالحة لأخذ الهبات والصدقات. # وقديما حار الناس في تعريف التصوف، وتشعبوا فيه إلى مئة رأي # 2 # بل زادت أقوالهم في ماهيته على ألف قول، # 3 # وفي ذلك مخلص لمن يريد أن يقف به عند معنى خاص، كأن يقول: «التصوف هو كل ~~عاطفة صادقة، متينة الأواصر، قوية الأصول، لا يساورها ضعف، ولا يطمع فيها ~~ارتياب». # وهذا التعريف قريب من قول أبي علي الروذباري: «التصوف الإناخة على باب الحبيب وإن طرد عنه»، # 4 # وقول الجنيد وقد سئل عن التصوف: هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به. # 5 # وكيف يقصر التصوف على أصحاب الرسوم والأشكال وهو من رسوم القلوب وأشكال ~~الأرواح؟! # إن التصوف خليق بأن يصحب كل نزعة شريفة من النزعات الوجدانية، والأساس أن يكمل الصدق ~~ويسود الإخلاص بحيث لا تملك النفس أن تنصرف عما آمنت به واطمأنت إليه في عالم المعاني، ~~وكذلك يتمثل التصوف في صور كثيرة: فيكون ms010 في الحب، ويكون في الولاء، ويكون في السياسة ~~حين تقوم على مبادئ تتصل بالروح والوجدان. # ومن شواهد التصوف في الحب قول جميل: # وإني لأرضى من بثينة بالذي # لو ابصره الواشي لقرت بلابله # بلا، وبأن لا أستطيع وبالمنى # وبالأمل المرجو قد خاب آمله # وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي # أواخره لا نلتقي وأوائله # فهذا «الزهد» في الوصل تصوف، وإن لم يذكر اسم صاحبه بين أسماء الصوفية، وإنما كان ~~الزهد تصوفا؛ لأنه من دلائل الصدق وقوة العلاقة الروحية. # وهل يمتري أحد في روح التصوف حين يقرأ هذا الشعر المنسوب إلى قيس بن الملوح: # وأحبس عنك النفس والنفس صبة # بذكراك والممشى إليك قريب # مخافة أن يسعى الوشاة بظنة # وأحرسكم أن يستريب مريب # لقد جعلت نفسي وأنت اخترمتها # وكنت أعز الناس عنك تطيب # فلو شئت لم أغضب عليك ولم يزل # لك الدهر مني ما حييت نصيب # أما والذي يبلو السرائر كلها # ويعلم ما تبدي به وتغيب # لقد كنت ممن تصطفي النفس خلة # لها دون خلان الصفاء حجوب # فما رأيكم في هذا «التوحيد» في الحب؟ ألا ترونه من التصوف؟ فإن لم يكن هذا الترفق ~~تصوفا فما عساه أن يكون؟ # وهل تذكرون هذه الأبيات: # لو جز بالسيف رأسي في مودتكم # لمر يهوي سريعا نحوكم رأسي # ولو بلي تحت أطباق الثرى جسدي # لكنت أبلى وما قلبي لكم ناسي # أو يقبض الله روحي صار ذكركم # روحا أعيش به ما عشت في الناس # لولا نسيم لذكراكم يروحني # لعدت محترقا من حر أنفاسي # فأين تجدون ظلال المادة في هذه الأبيات؟ أليست ضريما من قبس الروح؟ فكيف لا تكون من ~~التصوف في الحب؟ # وهل تذكرون ابن الدمينة؟ إن ذلك الشاعر لمن أقدم الصوفية في عالم الحب، ومع ذلك لم ~~أجد من تنبه إلى ما في شعره من نفحات التصوف، وكيف ينكر صفاء الروح على من يقول: # وإني لأستحييك حتى كأنما # علي بظهر الغيب منك رقيب # ولو أن ما بي بالحصا فلق الحصا # وبالريح لم يسمع لهن هبوب # ولو أنني أستغفر الله كلما # ذكرتك ms011 لم تكتب علي ذنوب ~~••• # بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له # ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب # ولم يعتذر عذر البريء ولم يزل # به سكتة حتى يقال : مريب # لقد ظلموا ذات الوشاح ولم يكن # لنا في هوى ذات الوشاح نصيب # يقولون: من هذا الغريب بأرضنا # أما والهدايا إنني لغريب # 6 # غريب دعاه الشوق واقتاده الهوى # كما قيد عود بالزمام أديب # 7 # ألا لا أبالي ما أجنت صدورهم # إذا نصحت ممن أود جيوب ~~••• # يثاب ذوو الأهواء غيري ولا أرى # أميمة مما قد لقيت تثيب # ألا ليت شعري عنك هل تذكرينني # فذكرك في الدنيا إلي حبيب؟ # وهل لي نصيب في فؤادك ثابت # كما لك عندي في الفؤاد نصيب؟ # فلست بمتروك فأشرب شربة # ولا النفس عما لا ينال تطيب # فلا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر # محبا ولم يطرب إليك حبيب # وكيف ينكر الصدق في الحب على من يقول: # ليهنك إمساكي بكفي على الحشا # وإذراء عيني دمعها في زيالك # ولو قلت: طأ في النار أعلم أنه # هوى منك أو مدن لنا من وصالك # لقدمت رجلي نحوها فوطئتها # هوى منك لي أو غية من ضلالك # أرى الناس يرجون الربيع وإنما # ربيعي الذي أرجو جدا من نوالك # أبيني، أفي يمنى يديك جعلتني # فأفرح أم صيرتني في شمالك # لئن ساءني أن نلتني بمساءة # لقد سرني أني خطرت ببالك # ولكن، هل معنى هذا أن كل محب صادق الحب يضاف إلى الصوفية؟ # لا. فلو فعلنا ذلك لكان أكثر الشعراء من أرباب التصوف، وإنما نقصر هذا الوصف على من ~~وقف قلبه عند هوى واحد، فالمجنون متصوف، والعباس بن الأحنف متصوف؛ لأن المجنون صورته ~~القصة رجلا لا يعرف في الدنيا غير ليلاه، والعباس يشهد شعره بأنه وقف هواه على «فوز» ~~وشارف حدود الفناء في الحب حين قال: # إذا لم يكن للمرء بد من الردى # فأكرم أسباب الردى سبب الحب # ولو أن خلقا كاتم الحب قلبه # لمت ولم يعلم بحبكمو قلبي # التصوف في الحب والمودة والولاء والسياسة # أما التصوف في المودة ms012 فهو قريب من التصوف في ~~الحب، ومن شواهده ما حدث به أبو محمد الزهري قال: كان لثعلب عزاء ببعض أهله، فتأخرت عنه ~~لأنه خفي عني، ثم قصدته معتذرا ، فقال لي: يا أبا محمد! ما بك حاجة إلى أن تتكلف عذرا، ~~فإن الصديق لا يحاسب. # 8 # وأبرع شاهد على التصوف في الوداد قول التوحيدي: # قلت لأبي سليمان محمد بن طاهر السجستاني: إني أرى بينك وبين ابن سيار القاضي ~~ممازجة نفسية، وصداقة عقلية، ومساعدة طبيعية، ومواتاة خلقية، فمن أين هذا؟ وكيف ~~هو؟ # فقال: يا بني! اختلطت ثقتي به بثقته بي، فاستفدنا طمأنينة وسكونا لا يرثان ~~على الدهر، ولا يحولان بالقهر، ومع ذلك فبيننا بالطالع ومواقع الكواكب مشاكلة ~~عجيبة، ومظاهرة غريبة، حتى إنا نلتقي كثيرا في الإرادات والاختيارات والشهوات ~~والطلبات، وربما تزاورنا فيحدثني بأشياء جرت له بعد افتراقنا من قبل فأراها ~~شبيهة بأمور حدثت لي في ذلك الأوان، حتى كأنها قسائم بيني وبينه، أو كأني هو ~~فيها أو هو أنا، وربما حدثته برؤيا فيحدثني بأختها فنراها في ذلك الوقت، أو ~~قبله بقليل، أو بعده بقليل. # وقال بعد كلام: فقلت: هل تجد عليه في شيء، أو يجد عليك في شيء؟ # فقال: وجدي به في الأول قد حجبني عن موجدتي عليه في الثاني، على أنه يكتفي مني فيما ~~خالف هواي باللمحة الضئيلة، وأكتفي أنا أيضا منه في مثل ذلك بالإشارة القليلة، وربما ~~تعاتبنا على حال تعرض على طريق الكناية عن غيرنا، كأننا نتحدث عن قوم آخرين، ويكون لنا ~~في ذلك مقنع وإليه مفزع، وقلما نجتمع إلا ويحدثني عني بأسرار ما سافرت عن ضميري إلى ~~شفتي، ولا ندت عن صدري إلى لفظي، وذاك للصفاء الذي نتساهمه، والوفاء الذي نتقاسمه، ~~والباطن الذي نتفق عليه، والظاهر الذي نرجع إليه، والأصل الذي رسوخنا فيه، والفرع الذي ~~تشبثنا به. والله ما يسرني بصداقته حمر النعم، وإذا كنت أعشق الحياة لأني بها أحيا، ~~كذلك أعشق كل ما وصل الحياة بالحياة، وجنى لي ثمرتها، وجلب إلي روحها، وخلط بي طيبها وحلاوتها. # 9 ms013 # والتوحيدي ينظر إلى الصديق نظرة تصوف، وقد علل ميل الرجل إلى أهله وأحبابه بعلل ~~دنيوية، ثم قال على لسان من أنطقه بالحديث: وكل هؤلاء مع شرف موقعهم مني وانتسابهم إلي ~~دون الصديق الذي حريمي له مباح، وسارحي له مراح، أرى الدنيا بعينيه إذا رنوت، وأجد ~~فائتي عنده إذا دنوت، إذا عززت له ذل لي، وإذا ذللت له عز بي، وإذا تلاحظنا تساقينا ~~كأس المودة، وإذا تصامتنا تناجينا بلسان الثقة، لا يتوارى عني إلا حافظا للغيب، ولا ~~يتراءى لي إلا ساترا للعيب. # 10 # والصداقة على هذا النحو تصوف في الوداد، فقد جمعت أقصى معاني الصدق والإخلاص، ومن ~~الصدق جاءت الصداقة؛ لقيامها على رباط من العطف وثيق. # وشواهد التصوف في الولاء تجل عن الإحصاء، ويكفي أن نشير إلى أظهر ما وعى ~~التاريخ. # كان المتوكل عقد لولده المنتصر والمعز والمؤيد ولاية العهد، ثم تغير على المنتصر دون ~~أخويه، وكان يسميه المنتظر ويقول له: «أنت تتمنى موتي، وتنتظر وقتي!». # 11 # ودس المنتصر لأبيه من يقتله وهو في مجلس الشراب، فقال البحتري يبكيه وكان في مجلسه ~~ساعة القتل: # فأين الحجاب الصعب حيث تمنعت # بهيبتها أبوابه ومقاصره # وأين عميد الناس في كل نوبة # تنوب وناهي الدهر فيهم وآمره # تخفى له مغتاله تحت غرة # وأولى لمن يغتاله لو يجاهره # تعرض نصل السيف من دون فتحه # وغيب عنه في خراسان طاهره # ولو عاش ميت أو تقرب نازح # لدارت من المكروه ثم دوائره ~~••• # ومغتصب للقتل لم يخش رهطه # ولم تحتشم أسبابه وأواصره # صريع تقاضاه السيوف حشاشة # يجود بها والموت حمر أظافره # أدافع عنه باليدين ولم يكن # ليثني الأعادي أعزل الليل حاسره # ولو كان سيفي ساعة الفتك في يدي # درى الفاتك العجلان كيف أساوره # حرام علي الراح بعدك أو أرى # دما بدم يجري على الأرض مائره # وهل أرتجي أن يطلب الدم واتر # يد الدهر والموتور بالدم واتره # أكان ولي العهد أضمر غدرة # فمن عجب أن ولي العهد غادره # فلا ملي الباقي تراث الذي مضى # ولا حملت ذاك الدعاء منابره # ما ms014 رأيكم في هذا الرثاء؟ لقد سبقنا إلى تقديره أبو العباس ثعلب حين قال في هذه ~~القصيدة: «ما قيلت هاشمية أحسن منها، وقد صرح فيها تصريح من أذهلته المصائب عن تخوف العواقب». # 12 # ولا يمكن تقدير ما في هذا الولاء من التصوف إلا إذا تذكرنا الظروف التي قيلت فيها هذه ~~القصيدة: فذلك خليفة قتل، وكان ابنه هو القاتل، وهو الذي تولى الخلافة من بعده، ~~والبحتري لم يكن إلا شاعرا يعيش على هامش الحياة، فلا صولة ولا جاه ولا مال ولا أنصار، ~~فكيف يتفق له أن يقف هذا الموقف بلا قلب مؤزر بشجاعة الصوفية؟ # إن أهم ثمرات التصوف هي الشجاعة، وهي التي خلقت من البحتري رجلا قويا في ذلك اليوم ~~العصيب. # وكذلك يقال فيمن رثوا البرامكة ولم يبالوا بغضب الرشيد، وكيف تنكر الشجاعة الصوفية ~~على رجل مثل سليمان الأعمى أخي مسلم بن الوليد، وقد قام يندب البرامكة على مسمع من ~~الرشيد بهذا الشعر الصارخ: # أصبت بسادة كانوا عيونا # بهم نسقى إذا انقطع الغمام # فقلت وفي الفؤاد ضريم نار # وللعبرات من عيني انسجام # على اللذات والدنيا جميعا # ودولة آل برمك السلام: # جزعت عليك يا فضل بن يحيى # ومن يجزع عليك فلا يلام # هوت بك أنجم المعروف فينا # وعز بفقدك القوم اللئام # أألهو بعدكم وأقر عينا # علي اللهو بعدكم حرام # وكيف يطيب لي عيش وفضل # أسير دونه البلد الشآم # وجعفر تاويا بالجسر أبلت # محاسنه السمائم والقتام # أمر به فيغلبني بكائي # ولكن البكاء له اكتتام # أقول وقمت منتحبا لديه # إلى أن كاد يفضحني القيام: # أما والله لولا خوف واش # وعين للخليفة لا تنام # لطفنا حول قبرك واستلمنا # كما للناس بالحجر استلام # ولنتذكر أن مثل هذا الشعر قيل في أوقات الشدائد يوم كان الباكون على البرامكة معرضين ~~للقتل، أليس هذا الولاء الصادق من شعب التصوف؟ # وكان في الأندلس شاعر اسمه محمد بن عيسى، وهو المعروف بابن اللبانة، وهو شاعر كان ~~منقطعا إلى المعتمد بن عباد، وله فيه مدائح، فلما أفل نجم المعتمد وخانته أيامه، وغدر ~~به ms015 زمانه، ظل ابن اللبانة ملتزما عهد الوفاء، وكانت له مع أبناء أميره المغلوب نوادر ~~تدل على غزارة المروءة ونبل الطبع؛ ومن حديث ذلك أنه «كان للمعتمد على الله ولد يلقب ~~بفخر الدولة، رشحه للملك من بعده، وجعله ولي عهده، ولقبه بالمؤيد بنصر الله، فعاقته ~~الفتنة عن مراده، وحالت الأقدار بينه وبين إصداره وإيراده، فما برح بفخر الدولة تغير ~~الأيام بعد الفتنة إلى أن أسلم نفسه في السوق وتعلم من الصنائع صنعة الصواغ». # 13 # ومر ابن اللبانة بذلك الأمير الذي جنت عليه الليالي فحولته إلى صانع ينفخ الفحم في ~~دكان صائغ، فتمثل ما كان عليه، وتفجع لما صار إليه، واندفع يبكيه بهذه القصيدة العصماء: # أذكى القلوب أسى، أبكى العيون دما # خطب وجدناك فيه تشبه العدما # أفراد عقد المنى منا قد انتثرت # وعقد عروتنا الوثقى قد انفصما # شكاتنا فيك يا فخر الهدى عظمت # والرزء يعظم فيمن قدره عظما # طوقت من نائبات الدهر مخنقة # ضاقت عليك وكم طوقتنا نعما # وعاد كونك في دكان قارعة # من بعد ما كان في قصر حكى إرما # صرفت في آلة الصواغ أنملة # لم تدر إلا الندى والسيف والقلما # يد عهدتك للتقبيل تبسطها # فستقل الثريا أن تكون فما # يا صائغا كانت العليا تصاغ له # حليا وكان عليه الحلي منتظما # للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى # هول رأيناك فيه تنفخ الفحما # وددت إذ نظرت عيني إليك به # لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى # والله لو أنصفتك الشهب لانكسفت # ولو وفى لك دمع المزن لانسجما # لم يرحم الدهر فضلا أنت حامله # من ليس يرحم ذاك الفضل لا رحما # شقيقك الصبح إن أضحى بشارقه # وأنت في ظلمة فالصبح قد ظلما # أليس هذا الولاء من التصوف؟ وإلى من كان يرغب ابن اللبانة حين يهدي مثل هذا الشعر ~~الموجع؟ لقد ذهبت دولة ابن عباد، وأصبح ابنه شريدا طريدا لا يجد قوت يومه إلا عن طريق ~~العمل المرهق لمن نشأ في قصور الملوك. # إن هذه النفحة من الولاء هي بلا جدال من أشرف ms016 ما تجود به النوازع الروحية. # الزهد في قلوب الأغنياء والفقراء، والفاسقين والمتقين # وفي بعض المذاهب السياسية تصوف، فأصحاب هتلر هم اليوم صوفية، والصادقون من أنصار ~~موسوليني صوفية، وأولئك وهؤلاء لهم أشباه في التاريخ الإسلامي ، فالخوارج في حقيقة الأمر ~~سياسيون، ولكنهم في صدقهم وصلوا إلى أبعد غايات التصوف، ولهم أخبار هي نهاية النهايات ~~في الروحانية. # هل سمعتم بأخبار مرداس وقد حبسه عبيد الله فيمن حبس من الخوارج؟ # لقد رأى صاحب السجن شدة اجتهاد مرداس وحلاوة منطقه فقال له: إني لأرى لك مذهبا حسنا ~~وإني لأحب أن أوليك معروفا، أفرأيت إن تركتك تنصرف ليلا إلى بيتك أتدلج إلي؟ قال: ~~نعم. فكان يفعل به ذلك. ولج عبيد الله في حبس الخوارج وقتلهم، فكلم في بعض الخوارج ~~فلج وأبى وقال: أقمع النفاق قبل أن ينجم، لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار ~~إلى اليراع. # فلما كان ذات يوم قتل رجل من الخوارج رجلا من الشرط فقال ابن زياد: ما أدري ما ~~أصنع بهؤلاء! كلما أمرت رجلا بقتل رجل منهم فتكوا بقاتله، لأقتلن من في حبسي منهم. ~~فأخرج السجان مرداسا إلى منزله كما كان يفعل، وأتى مرداسا الخبر، فلما كان السحر تهيأ ~~للرجوع فقال له أهله: اتق الله في نفسك فإنك إن رجعت قتلت. فقال: إني ما كنت لألقى ~~الله غادرا! فرجع إلى السجان فقال: إني قد علمت ما عزم عليك صاحبك. فقال: أعلمت ورجعت؟! # 14 # والخوارج تضرب بهم الأمثال في قوة العقيدة وصحة الدين، وقد يكون تصوفهم راجعا إلى ~~هذه الناحية، ولكنا نرى التصوف في مذهبهم السياسي قبل أن نراه في عقيدتهم ~~الدينية. # وكذلك نقول فيمن تشيعوا لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وقدموه على سائر الخلفاء، فهم ~~في حقيقة الأمر سياسيون، وما حاربهم الأمويون والعباسيون إلا خوفا من سيطرتهم على ~~المنافع الدنيوية، وصدق أولئك وهؤلاء في الثبات على مبادئهم السياسية هو نفحة من ~~التصوف، وذلك الصدق هو الذي سجل أخبارهم على جبين الزمان. # 15 # والخلاصة أن التصوف ليس وقفا على أولئك الدراويش الذين ms017 يعيشون عيش التسول، ويتخذون ~~شمائل الزهاد، صادقين أو كاذبين؛ إنما التصوف نزعة روحية يحسها الأغنياء كما يحسها ~~الفقراء، ويدركها الفاجر كما يدركها العفيف، وكم لفتة من لفتات الصدق تقع من رجل معروف ~~بالطيش هي أقرب إلى التصوف والروحانية من أعمال كثير من المرائين الذين يلبسون مسوح ~~الرهبان، ويضمرون غرائز اللئام من السباع والحشرات! # إن الرجل الذي يجود بدرهم مما يملك أقرب إلى الزهد من الفقير الذي يعف عن دينار مما ~~لا يملك، وليس الزهد أن تطيب نفسك عن مغانم قد تنال وقد لا تنال، وإنما الزهد أن تطيب ~~نفسك عن مال تعمر به خزائنك، ثم تجود به طائعا للفقراء والمعوزين. # إن من الإجرام في الحياة العقلية والوجدانية أن نصف المفلسين والعجزة بالزهد والعفاف، ~~إن الزهد أن تترك بعض ما تملك، والعفاف أن تكون عند القدرة مسيطرا على هواك. أما أولئك ~~الدراويش الذين لا يقدرون على فسق ولا زيغ فهم طفيليون في عالم الأخلاق. وإنما يتبين ~~الخلق عند الغنى والعافية، فمن شاء أن يدرس التصوف حق الدرس فلينظر في حياة أرباب ~~الثروة الضافية والشباب السليم، أولئك هم المجاهدون في عالم الأخلاق، وأولئك هم الصوفية ~~وإن لم يرتدوا المرقعات ولم يلزموا المحاريب. # إن المال عزيز على مالكيه، وهم لا يبذلونه طائعين، وإنما يتبرعون طاعة لرغبة قاهرة من ~~المعاني النفسية، وهي معان لا يخضع لها المرء إلا إن تصوف. # والشباب غلاب قهار، ولا يسلك الشاب مسلك التجمل إلا طاعة لرغبة عاتية من المعاني ~~النفسية، وهي معان لا يخضغ لها المرء إلا إن تصوف. # وما أريد أن أحكم بأن كل تفضل زهد، أو أدعي أن كل تجمل عفاف، وإنما أقول: بأن الزهد ~~لا يدل على قوة النفس إلا حين يتضمن معنى الحرمان، والحرمان مما تملك أقسى وأصعب من ~~الحرمان مما تؤمل؛ لأن الملك يغريك بالحرص، ويطمعك في المزيد. أما المأمول فهو سراب، ~~والخفة إليه لا تضمن في جميع الأحوال، فالزهد فيه فضيلة الفارغين. # وكذلك العفاف لا يكون إلا عند القدرة والعافية. أما عفاف العجزة ms018 والمفلسين فهو من ~~الفضائل الخسيسة التي لا يتمدح بها إلا الرعاع في عالم الأخلاق. # فإن أردتم مثالا للزهد الذي أعنيه فإني أذكركم بالرجل الصالح إبراهيم بن أدهم الذي ~~ترك ماله وجاهه؛ ليتقرب إلى الله بعيش الفقراء . # وإن أردتم مثالا للعفاف فإني أذكركم بألوف الشبان الذين يجاهدون أنفسهم وأهواءهم في ~~سبيل المجد، ويقضون الليل والنهار في العمل الشريف، ولو غفت عنهم مطامحهم العالية ~~لصرعتهم الشهوات. # قد تقولون: وأين هذا من التصوف؟ وأجيب بأن التصوف لا يكون إلا في النفس، وفي النفس ~~عوالم كثيرة بعضها أخطر من بعض، ومن الخطأ أن نقف عند حدود الاصطلاح في عوالم لا تحدها ~~رسوم ولا حدود. # فإن كان التصوف من النقص فلا تقصروه على أولئك الدراويش المساكين، فهم أضعف من أن ~~يتفردوا بالنقص، وإن كان التصوف من الفضل فلا تقصروه على أولئك الدراويش المدعين، فهم ~~أصغر من أن يتفردوا بالفضل! # التصوف في هذا الكتاب # ولكن ما هذا الإلحاح في إسباغ ثوب التصوف على كثير من النوازع الوجدانية؟ # نحن لا نريد في هذا الكتاب أن نخرج به عن حدود الاصطلاح، فلن نتكلم عن التصوف في الحب ~~أو الصداقة أو الولاء، ولن نستقصي المعاني التي اصطبغت بروح صوفية وإن بعدت عن الدين، ~~لن نفعل شيئا من ذلك، ولكنا لن نقف عند حرفية التصوف، فنحن نمقت الحروف والحرفيين، ~~ونؤثر المعاني والمعنويين في جميع أبواب الحياة، وكان لا بد أن نلح في بسط هذا الفرض ~~لنأمن اعتراض من يقف في فهم التصوف عند حدود الحروف. # التصوف في هذا الكتاب هو الصدق في العواطف الدينية، الصدق الصادق الصدوق الذي لا ~~يثنيه وعد، ولا يرهبه وعيد، فالكميت عندنا من الصوفية وإن لم ينسبه أحد إلى التصوف؛ لأن ~~حبه لأهل البيت تحول إلى عاطفة دينية رقيقة صادقة جلبت عليه الذل والويل، ودعبل عندنا ~~من الصوفية وإن أنكر ناس أن يكون طبع هذا الرجل صالحا لقبول التصوف؛ لأن تشرد ذلك ~~الشاعر وهيامه من أرض إلى أرض خليق بأن يجعله من الصوفية، فقد كان يضمر ms019 من الحب لأهل ~~البيت فنونا من العطف قضت عليه بالزهد في دنيا الخلفاء والأمراء. # 16 # وأبو نواس الفاجر الفاسق الزنديق هو عندنا في بعض أطواره من الصوفية، فقد مرت به ~~لحظات كان قلبه فيها أرق من الهواء وأطهر من الماء. # أنكون أغير من الله على حرمات الله؟! # إن لأبي نواس أشعارا في الندم هي أقوى وأصدق من كل ما نظم أبو العتاهية في الزهد، ~~وليس بكثير أن يغفر الله لذلك الشاعر الذي ظلم نفسه ثم أناب، فما الذي يضر لو جعلنا ~~أشعار أبي نواس في الزهد من آثار التصوف؛ وإن كان لم يلبس الصوف إلا ليخدع بعض الناس، ~~وليصل إلى مزالق المجون؟! # إن غاية الدرس أن نكشف عن الدقائق المستورة في الآثار الأدبية، وقد يهدينا الدرس ~~مثلا إلى وصف بعض أشعار ابن الفارض الكذب، ونعت بعض أبيات أبي نواس بالصدق، وليس من ~~المستحيل أن يضل مثل ابن الفارض أو أن يهتدي مثل أبي نواس، ولكن جرت العادة أن تؤول ~~هفوات الصالحين، وأن تنسى حسنات المذنبين، فلنجرؤ مرة على التصريح بأن الخضوع لسلطان ~~العرف لا يخلو من جبن أو ضلال، وأن آفة الباحثين أن ينحرفوا عن جهل أو رياء، عصمنا الله ~~من غفلة الجهلة وتزوير المرائين! # فالفكرة الدينية التي يقوم على أساسها التصوف هي ذاتها أساس هذا الكتاب، والتغاضي عن ~~حرفية التصوف لن يخرج الكتاب عن روح التصوف، فالعناية بالأشكال كانت مما أنكره كبار ~~الصوفية، وأباه العظماء من رجال الأخلاق. # الشخصية الأدبية والشخصية الخلقية # بقي أن ننظر في الغرض من هذه الفصول الطوال. # ولنسارع فنقرر أن الصلة بين شطري هذه الفصول وثيقة، فالشطر الأول في الأدب، والثاني ~~في الأخلاق، والأدب في الأصل من صفات النفس، ثم أطلق على جمال التعبير عما تضمر النفوس، ~~ولا عبرة بما اندرج في فن الأدب من التعابير عن المعاني التي تمثل النزق والطيش، فذلك ~~ضرب من الاصطلاح، والمهم أن ننص على أن الأدب الذي يهمنا درسه في هذه الفصول هو تعبير ~~عن خوالج نفسية صادقة يتقبلها ms020 الخلق الجميل بأحسن القبول، والشخصية الأدبية هنا هي ~~شخصية خلقية، والرجل الصالح يعظ بالقدوة ويعظ بالقول، فهو شعلة هادية حين يعمل وحين ~~يقول، وليس من المبالغة أن نحكم بأن هذا الكتاب في جملته وتفصيله ليس إلا صورة واحدة من ~~الصور لعلم الأخلاق، والأدب فيه هو أدب النفس، أو هو خليق بأن يكون له في تاريخ الأدب ~~قسم خاص، وكيف لا يكون التعبير عن الخلق من صور الخلق؟ أم كيف يكون من الفضول أن نضيف ~~ما أنشأته الأخلاق إلى علم الأخلاق؟ إن الأدب الصوفي صورة من التصوف؛ لأنه نشأ عن ~~التصوف، كما أن الأدب الماجن من المجون؛ لأنه نشأ عن المجون. # فإن أردتم تفسير ذلك بشاهد من التقاليد الأدبية فإنا نذكر أن القدماء من رجال القرن ~~الثالث، وهم من أقدم من عرفنا من المؤلفين، كانوا يضعون روائع الأدب الصوفي في باب ~~الزهد، وكأنهم كانوا يفهمون أن أدب النساك من الزهد، أو من وسائل الزهد، وما نحسبهم ~~كانوا مخطئين، والذي نفعله اليوم هو رجعة إلى تقاليد ذلك العهد، فنحن نريد أن نضع ملامح ~~جديدة للشخصية الخلقية، وهي عندنا روح يشعر ولسان يبين. # لهذا نرجو ألا يتهمنا أحد بالتحزب للشخصية الخلقية، فما نريد بذلك أن نتحيف من ~~سلطان الشخصية الأدبية، وإنما نريد أن نضع الحق في نصابه وأن نسترد ما انتزعه الأدب من ~~الأخلاق. # فإن سألتم: وهل عند رجال التصوف أخيلة أدبية؟ # فإنا نجيب بأن الأدب كل الأدب هو ما أثر عن الصوفية، وإن تجاهله أهل العلم في مصر ~~وغير مصر، بحيث لا نجد له أثرا في البرامج التعليمية، ولا نجد منه شاهدا فيما يتخيره ~~أساتذة المدارس في مختلف الأقطار العربية للحفظ والتسميع. # ارجعوا إلى محصول وزارة المعارف في التأليف، ودلوني على فصل واحد أريد به التذكير بما ~~في كلام الصوفية من أخيلة أدبية، فإن لم تجدوا فتذكروا أن هذه النزعة من وجوه الابتكار ~~في هذا الكتاب، فنحن لن نخلق ما لم يخلق، ولكنا سنكشف عن عالم جديد كان الناس عرفوه ثم ~~جهلوه، ms021 وليس من القليل أن نكشف عن موجود مجهول. # قد يقال: إن مدرسي وزارة المعارف لم يغفلوا التصوف، وكيف وهم يحدثون تلاميذهم عنه في ~~دروس الإنشاء! # وهذا صحيح، فالمدرسون يحدثون تلاميذهم عن الصوفية، ولكن كيف؟ # كل ما يفعلون هو دعوة الطلبة إلى الكتابة عن البدع والخرافات التي تقع في الموالد ~~العمومية. أما روح التصوف والكلام عما فيه من صور الأدب والأخلاق فأشياء لا تخطر ~~بالبال! # وهناك مظهر لجحود وزارة المعارف لفضل التصوف، فقد اهتم كثير من الفضلاء بالتأليف في ~~علم النفس، أفتدرون إلى من يتوجه أولئك الفضلاء؟ # كل همهم أن ينقلوا ما قال الفرنجة في علم النفس، وما رأينا واحدا منهم فكر فيما كتب ~~الصوفية عن الأهواء والشهوات وأصول الخير والشر والضر والنفع، ولو رجعوا مرة إلى إحياء ~~علوم الدين أو حكم ابن عطاء الله لعرفوا أن هناك مصادر للدرس تصلح للنقل ~~والاقتباس. # ولنجرؤ مرة ثانية فنقول: إن الشخصية الخلقية لم تكن يوما من الشواغل الأساسية بقدر ~~ما كانت في كتب الصوفية، ولم يكتب علم للحق ولوجه الحق على نحو ما كتب الصوفية في ~~الأخلاق. # إن الرجل الصوفي حين يؤلف في أدب النفس يجمع بين الصورة القولية والصورة العملية، فهو ~~شعلة من اليقظة الروحية فيما يعمل وفيما يقول. # ونحن في هذا الموطن لن نخلق ما لم يخلق، ولكن ~~سنذكر بأصول أضاعها أهلوها، وذهبوا يتسولون في حياتهم العقلية، وليس من القليل أن تذكر ~~من عضة الجوع وراح يستجدي الجيران بأن في بيته بقايا من الزاد هي أنفع له من بذل ماء ~~الوجه في السؤال! # أيكون معنى هذا أننا ننهي عن الاستفادة مما كتب الأجانب في علم النفس؟ # لا، ولكنا نستجهل من يتوهم أن علم النفس لم يخلق إلا بالأمس، وفي بدع اليوم أن يبحث ~~الباحثون عن المعارف التي عرفها القدماء جدا من كهنة مصر إلى فلاسفة اليونان، فليكن ~~من البدع المقبولة أن نتعرف إلى ما كتب المسلمون في علم النفس وعلم الأخلاق، وهم أقرب ~~إلينا مما كتب كهنة المصريين وفلاسفة اليونان. # ما ms022 هذا الطغيان؟ أكان للصوفية حقا أدب رفيع يلام على إغفاله أساتذة المدارس في ~~الأقطار العربية؟ # إي والله! كان للصوفية أدب هو أعلا وأشرف من أدب البحتري والمتنبي وأبي العلاء، ولكن ~~طافت بالناس طائفة من الجهل فتوهموا أن لا صلة بين الأدب والدين، وراحوا يقفون فيما ~~يتخيرون عند الكتاب والشعراء الذين ألفوا الروح المدنية، واتخذوا غذاءهم من الكئوس ~~المترعة والوجوح الصباح. # إليكم هذا الشاهد النفيس، وهو دعاء لبعض الصالحين: # اللهم إني أستغفرك من كل ذنب قوي عليه بدني بعافيتك، ونالته يدي بفضل نعمتك، ~~وانبسطت إليه بسعة رزقك، واحتجبت فيه عن الناس بسترك، واتكلت فيه على أناتك ~~وحلمك، وعولت فيه على كريم عفوك. # ألا ترون قوة المعنى وطرافة الخيال في هذا الدعاء؟ أليس هذا من البوارع في الصور ~~الأدبية؟... ثم انظروا قول مطرف وهو يستعيذ: # اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولا حقا فيه رضاك ألتمس به أحدا سواك، وأعوذ ~~بك أن أتزين للناس بشيء يشينني، وأعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك، وأعوذ بك ~~أن يكون أحد من خلقك أسعد بما علمتني مني. # 17 # ثم انظروا هذه المناجاة: # وعزتك وجلالك، ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بنكالك ~~جاهل، ولا بعقوبتك ولا بنظرك مستخف، ولكن سولت لي نفسي، وأعانني على ذلك شقوتي، ~~وغرني سترك المرخي علي؛ فعصيتك بجهل، وخالفتك بجهل، فالآن من عذابك من ~~يستنقذني؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني. # 18 # وهذه الشواهد - عند التأمل - لا تقل خطرا عن الرائع المتخير من كلام الكتاب ~~الفحول. # التصوف في الأدب وفي الأخلاق # يضاف إلى ذلك ما في إشارات الصوفية من بوارق الذكاء، والذكاء هو السر في الروعة ~~الأدبية، ولننظر هذا الشاهد وقد أثبته ابن قتيبة في عيون الأخبار: # 19 # كان فتى يجالس سفيان الثوري ولا يتكلم، وكان سفيان يحب أن يتكلم ليسمع كلامه، ~~فمر به يوما فقال له: يا فتى! إن من كان قبلنا مروا على خيل وبقينا على حمير ~~دبرة. فقال الفتى: يا أبا عبد الله! إن ms023 كنا على الطريق فما أسرع لحوقنا ~~بالقوم! # وللصوفية مواقف في الرثاء لم أر من اهتم بها ممن جمعوا المتخير في الرثاء، وانظروا ~~كيف تكون جودة المعنة، وقوة السبك، ومتانة الديباجة، في قول ابن السماك يوم مات ~~داود الطائي، وهو رثاء فريد عرف قائله كيف يحدد خصائص من بكاه: # إن داود - رحمه الله - نظر بقلبه إلى ما بين يديه من آخرته، فأعشى بصر القلب ~~بصر العين، فكان كأنه لا ينظر إلى ما إليه تنظرون، وكأنكم لا تنظرون إلى ما ~~إليه ينظر، فأنتم منه تعجبون وهو منكم يعجب، فلما رآكم راغبين مذهولين مغرورين ~~قد أذهلت الدنيا عقولكم، وأماتت بحبها قلوبكم، استوحش منكم، فكنت إذا نظرت إليه ~~نظرت إلى حي وسط أموات. # يا داود! ما أعجب شأنك بين أهل زمانك! أهنت نفسك وإنما تريد إكرامها، ~~وأتعبتها وإنما تريد راحتها، أخشنت المطعم وإنما تريد طيبه، وأخشنت الملبس ~~وإنما تريد لينه، ثم أمت نفسك قبل أن تموت، وقبرتها قبل أن تقبر، وعذبتها ولما ~~تعذب، وأغنيتها عن الدنيا لكيلا تذكر، رغبت نفسك عن الدنيا فلم ترها لك قدرا ~~إلى الآخرة، فما أظنك إلا وقد ظفرت بما طالبت، كان سيماك في سرك ولم يكن سيماك ~~في علانيتك، تفقهت في دينك وتركت الناس يفتون، # 20 # وسمعت الحديث وتركتهم يحدثون، وخرست عن القول وتركتهم ينطقون، لا ~~تحسد الأخيار ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطان عطية ولا من الإخوان هدية، ~~آنس ما تكون إذا كنت بالله خاليا، وأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس، فمن سمع ~~بمثلك، وصبر صبرك، وعزم عزمك! لا أحسبك إلا وقد أتعبت العابدين بعدك، سجنت نفسك ~~في بيتك فلا محدث لك، ولا جليس معك، ولا فراش تحتك، ولا ستر على بابك، ولا قلة ~~يبرد فيها ماؤك، ولا صفحة يكون فيها غذاؤك وعشاؤك، مطهرتك قلبك، وقصعتك تورك. # 21 # داود! ما كنت تشتهي من الماء بارده، ولا من الطعام طيبه، ولا من اللباس لينه، ~~بلى! ولكن زهدت فيه لما بين يديك، فما أصغر ما بذلت، وما أحقر ms024 ما تركت في جنب ~~ما أملت، فلما مت شهرك ربك بموتك، وألبسك رداء عملك، وأكثر تبعك، فلو رأيت من ~~حضرك عرفت أن ربك قد أكرمك وشرفك، فلتتكلم اليوم عشيرتك بكل ألسنتها، فقد أوضح ~~ربك فضلها بك. # 22 # وكان الصوفية - إلى جانب هذا الإبداع الأدبي - يحولون ثمار الأدب إلى معان روحية، ~~كالذي صنع الشعبي حين قال: ما أعلم لنا وللدنيا مثلا إلا ما قال كثير: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # لدينا ولا مقلية إن تقلت # وكذلك فعلوا في أكثر الأناشيد، فالشعر الذي يعبر عن نوازع حسية نقلوه في أناشيدهم إلى ~~عواطف روحية، وقد أخذوا «ليلى» من «المجنون» فصيروها رمزا لمن يناجون في عالم الأرواح، ~~والصلة قريبة بين عالم الحس وعالم الروح عند من ينظرون بعيون القلوب. # أرأيتم كيف كان للصوفية مكان بين أرباب الآداب؟ # أما مكان الصوفية بين أرباب الأخلاق فهو الصدر، وهم أساتذة الناس في هذا ~~الباب. # دعوا المتصوفين الجهلاء الذين يفسدون وهم يزعمون أنهم يصلحون، فإنما يحملون أوزارهم ~~وأوزار أتباعهم يوم الدين، وتعالوا ننظر كيف كان ينظر الصوفية الموفقون إلى دقائق ~~الأخلاق. ألا تذكرون ما نقلناه آنفا من مرثية ابن السماك لداود الطائي؟ ألا تذكرون كيف ~~قال: «كان سيماك في سرك، ولم يكن سيماك في علانيتك»؟ # إن هذه اللمحة لمن الدقائق في شرح أحوال القلوب. # وذكر الذين يلبسون الصوف عند الحسن البصري فقال: ما لهم، تفاقدوا تفاقدوا تفاقدوا، ~~أكنوا الكبر في قلوبهم، وأظهروا التواضع في لباسهم؟! والله لأحدهم أشد عجبا بكسائه ~~من صاحب المطرف بمطرفه! # 23 # ألا ترون كيف فطن إلى خفايا الرياء؟! # والذي ينظر في كتب الصوفية لا يحتاج إلى من ينبهه إلى ما فيها من مظاهر الذكاء والعقل ~~والورع في فهم الأخلاق، وأهمية كتب القوم ترجع إلى ما فيها من الإلحاح في إحياء العزيمة ~~والقلب، والتنفير من الإثم الظاهر والإفك الباطن، والدعوة إلى تظهير النفس من أدران ~~الغفلة والرياء. # الصوفية قوة هائلة في الأخلاق، لا ريب في ذلك، ولكن معاذ الحق أن يغيب عنا أنهم لم ms025 ~~يكونوا دائما موفقين، فقد كانت لهم هنوات وهفوات، واستطاع فريق منهم أن يلحق بالعالم ~~الإسلامي ضررا غير قليل، ولو كانت مذاهبهم من الخير المحض أو الشر المحض لما احتجنا ~~إلى تأليف هذا الكتاب، فغايتنا أن ننبه إلى أن لهم محاسن خلقية ينبغي أن تعرف ، ففي ~~الناس من ينكر عليهم كل فضل، وأن لهم مساوي خلقية يجب أن تعرف، ففي الناس من يسند إليهم ~~كل فضل. وما ندعي أننا سننص في هذا الكتاب على جميع ما وفقوا إليه، أو خلطوا فيه، من ~~المذاهب الأخلاقية، فذلك يحتاج إلى مجلدات، ولكننا سنبرز طوائف من مذاهبهم تشعر القارئ ~~بخطرهم في عالم الأخلاق، وسنجتهد في توجيه القارئين إلى أهمية النظر الفاحص الذي لا ~~يكتفي بلمحة واحدة، وإنما يتعقب الظواهر الخلقية فيدرسها من جميع الجوانب ليرى أين يكون ~~الشر والخير، والضر والنفع، ويعرف كيف يختلف الناس حول الظاهرة الواحدة فيقبلها هذا ~~ويرفضها ذاك. # كلمة عن المصادر ومنهج التأليف # لقد أطلنا القول في تحديد الغرض من هذا الكتاب، فلنذكر بإيجاز كيف تخيرنا المصادر ~~وكيف وضعنا التصميم. # أما المصادر الأصلية فهي كتب التصوف أولا، والتجارب الشخصية ثانيا. وأما المصادر ~~الفرعية فهي كتب الأدب والأساطير، وهذه المصادر الفرعية تبدو أحيانا أقوى وأصدق؛ لأن ~~الناس فيها يتكلمون بلا تحفظ ولا احتياط، فلا يستغرب القارئ إن رآنا نرجع إلى قصة عنترة ~~بن شداد أو أخبار أبي نواس. # وأما التصميم فبنيناه على غرض الكتاب، فجعلنا الشطر الأول في الأدب، والثاني في ~~الأخلاق، ولا ننكر أننا وجدنا صعوبة في تمييز بعض الشطرين من بعض؛ لأن فصول الكتاب يمكن ~~إضافتها جميعا إلى الأدب أو إلى الأخلاق، ثم رأينا أن نسلك مسلك النحاة في التفرقة بين ~~البدل وعطف البيان، فكل أثر كانت الصورة الأدبية هي الأظهر فيه أضفناه إلى الأدب، وكل ~~أثر كانت الوجهة الخلقية هي الباعث عليه أضفناه إلى الأخلاق، مع الاعتراف بأن عناصر هذا ~~الكتاب لا يمكن فصل بعضها من بعض إلا بعنف شديد. # ولنقيد أننا وقفنا في هذا البحث عند الأنواع الأدبية ms026 والخلقية، ولم نهتم بالزمان ~~والمكان إلا قليلا، فالمدائح النبوية مثلا لم يكن يهمنا منها إلا درس النوع. أما ~~التسلسل الزماني وتعقب الأقاليم التي ازدهر فيها هذا النوع فهو من المباحث الثانوية في ~~هذا الكتاب، وكذلك يقال فيما كتبناه عن الدعاء والأخوة، والحب، والطعام، والزواج ، ~~والغناء، إلى آخر ما اهتممنا به من المسائل الأدبية والخلقية. # وعند التأمل يظهر أنه لم يكن يحسن بنا غير ذلك، فكتابنا هذا يراد به أثر التصوف في ~~الأدب والأخلاق، أي عرض ما أنشأ التصوف من أدب وما أنشأ من أخلاق. أما الدراسات التي ~~تصف تسلسل هذه الأنواع في مختلف عهود التاريخ، وتنقلها من إقليم إلى إقليم، وسيادتها ~~هنا وانهزامها هناك، فهي دراسات تجيء في المكان الثاني بعد وضوح أغراض هذا ~~الكتاب. # على أننا نظلم أنفسنا حين نقول: إننا أغفلنا الجوانب التاريخية والإقليمية إغفالا ~~تاما، فقد بذلنا جهدا عظيما في إعطاء بعض الأنواع ملامح تميزها من الوجهة التاريخية ~~والإقليمية، ولكنا لم نشأ أن نسترسل في ذلك؛ لئلا يفسد علينا الاسترسال تصميم ~~الكتاب. ~~••• # أما بعد، فإني أعترف بأن هذا البحث فوق طاقتي، وكان من الصعب أن ينهض به رجل واحد، ~~ولكن من المؤكد أن القارئ سيتذكر أن المؤلف طالب يتقدم للامتحان، والطالب يكتفى منه ~~بما يقع في طاقة الطلاب، وإني لمطمئن إلى أني مثلت دور الطالب الذي لا يملك غير الصبر ~~والجهد. أما الزمن فمن الكثير أن يصبر الطالب على درس موضوع واحد أكثر من سبع سنين، وما ~~أضيق وقت الطالب حين يتجاوز الأربعين! # أليس كذلك؟! # | أغراض الكتاب # أشرنا إلى أن هذا الكتاب ينقسم إلى قسمين: قسم الأدب وقسم الأخلاق، فلنتبع ذلك شيء من ~~التفصيل فنقول: # الغرض من تأليف هذا الكتاب هو إبراز الملامح الأدبية والخلقية للنزعة الصوفية، وقد دعانا ~~ذلك إلى البدء بالكلام عن اشتقاق التصوف؛ لأن الباحثين اختلفوا فيه اختلافا شديدا، وأثر ~~عنهم فيه كثير من الآراء والأقاويل. # ثم مضينا فبينا نشأة الصوفي منذ كان الصوفية يسمون القراء والزهاد والنساك، وأشرنا إلى ~~ما أثر عنهم من ms027 الكنايات والإشارات، وبسطنا القول فيما تفردوا به من الألفاظ والتعابير التي ~~تعين مقاصدهم وهم يتحدثون عن أدواء النفوس وأحوال القلوب. # ثم رأينا أن نقف وقفة عند آثار المرحلة الأولى من التصوف وهي الزهد، فتكلمنا بالتفصيل عن ~~شعر أبي العتاهية؛ لأن زهدياته كانت طليعة الأدب الصوفي في اللغة العربية. # وأقبلنا بعد ذلك على عرض الخصائص التي امتاز بها أدب التصوف، ودرسنا طوائف من الصور ~~الأدبية التي جاءت في وصف الدنيا أو شرح ما عانى الأنبياء والأصفياء من مكاره ~~الحياة. # ثم عطفنا على الأدب الصرف الذي أثر عن الصوفية، فرأيناه ينقسم إلى مجموعات نثرية ومجموعات ~~شعرية، وساقنا ذلك إلى الكلام عن حكم ابن عطاء الله، وهي تمثل ازدهار هذا الفن من الناحية ~~النثرية، والكلام عن المنظومات التي أثرت عن أمثال ابن عربي واليافعي والنابلسي وحسن رضوان، ~~وقفينا على ذلك بالحديث عما أثر عن الصوفية من طرائف الأقاصيص. ~~••• # وكان لا بد لنا بعد ذلك من الإقبال على صميم المذاهب الصوفية من الوجهة الذوقية؛ لأن ~~الأخلاق العملية ليست كل شيء عند أولئك القوم، فعبادتهم في الأغلب ترجع إلى قوة التأمل ~~وطهارة الوجدان، وقد رأينا مذاهبهم في جوهرها ترجع إلى شعب ثلاث: الأولى عاطفة الحب ~~الإلهي، والثانية نظرية وحدة الوجود، والثالثة حب الرسول. # أما الحب الإلهي فقد عقدنا له فصلين، تكلمنا في الفصل الأول عن نشأة هذا الفن في اللغة ~~العربية، وتكلمنا في الفصل الثاني عن أشواق ابن الفارض. # وإنما اهتممنا بالحب الإلهي؛ لأنه يمثل السمو في أذواق الصوفية؛ إذ كانوا يتشهون الفناء ~~في الله، ويرون الأنس به أشرف الأغراض. # وللصوفية في هذا التسامي منطق طريف، فهم يرون أتباع الشرع طلاب جنات ونعيم، أما هم ~~فيرون أنفسهم عشاقا لرب الجنة، وشتان بين من يصافي المالك ومن يتعلق بالمملوك. # وهيام الصوفية بالحب الإلهي حولهم إلى أقباس روحية وذوقية، وجعل حياتهم أوتارا دقاقا ~~تصدح بأعذب الألحان في عالم الأرواح والأذواق. # والحب الإلهي هو الذي جعل الصوفية لا يرون غير المعاني، ولا يعبأون بالأعمال، أليس فيهم ~~من يقول: ms028 ذلة العاصي أشرف من كبرياء المطيع؟ # 1 # وربما كان من الواجب أن ننص على أن الحب الإلهي كان في حقيقته من الوسائل للظفر بالجنة ~~الروحية، وربما جاز لنا أن نقول: إنه يشبه المذهب الفلسفي الذي يسمى # Quiétisme # وهو المذهب الذي يؤمن أصحابه بأن حب الله كاف ~~في الوصول إلى نعمة الإخلاص. # وتظهر أهمية هذه العاطفة السامية حين ننظر أثرها في الأدب، ونتعرف ما تركت من أقباس ~~الحنان، وقد وقف الصوفية في التعبير عنها موقفين مختلفين: موقف المنشئين وموقف المنشدين. ~~أما المنشئون فهم الأدباء الكبار الذين استطاعوا قرض الشعر في التشوق إلى الذات الإلهية، ~~وأما المنشدون فهم الذين عجزوا عن النظم، ولكن لم يعجزوا عن تحويل الأشياء الحسية إلى معان ~~روحية، فكان شعراء النسيب ملاذهم حين يغنون. # وقد رأينا كيف يختلف حال البيت الواحد في موطنين: فله في كتب الصوفية نفحات لا نجدها حين ~~نعثر عليه في كتب العشاق. # وإنما كان ذلك كذلك لأن الصوفية يضفون على الأشعار الحسية أثوابا من الذوق والروح حين ~~ينقلونها من عالم الأرض إلى عالم السماء. ~~••• # وعن الحب الإلهي تنشأن نظرية وحدة الوجود، فالصوفية لم يكفهم أن يكون لهم وجود ذاتي يمتاز ~~عن وجود الناس، ولم يكفهم أن يعرفوا بالشوق إلى ذات الديان، وإنما وثب فريق منهم فادعوا ~~أنهم جزء موصول بحقيقة أزلية هي حقيقة واجب الوجود. # فالفريق الذي يحب الله كان يتشرف بنسبة العاشق إلى المعشوق، أما الفريق الثاني فلا يرى ~~عاشقا ومعشوقا، وإنما يرى شوقا يتمثل في حنين الجزء إلى الكل، وهي وثبة جريئة في عالم ~~المعقول. # وهذه النظرية لها مكان في هذا الكتاب، وكان يمكن أن يفرد لها بحث خاص، ولكننا اكتفينا بما ~~أوردناه في درسها وشرحها ونقدها عند الكلام عن ابن عربي؛ لأنه أشهر من دافعوا عن هذه ~~النظرية؛ ولأن درسها في أثناء الحديث عنه يهيئ لها جوا قد لا نستطيع تهيئته حين نفردها ~~بالحديث. # ويحسن أن ننبه إلى أن هذه النظرية شغلت كثيرا من الصوفية، وشطرتهم شطرين: شطرا يؤثر ~~الرفض، وشطرا ms029 يؤثر القبول. وكان لمعتنقيها ضحايا أشهرهم الحلاج. # ولكن لا بد من الاعتراف بأن التصوف في جملته يرجع إلى هذه النظرية؛ إذ كان الصوفي الحق لا ~~يهمه إلا الفناء في الله، فإن لم يكن فناء الجزء في الكل فهو فناء العاشق في المعشوق، وربما ~~كان تهيبهم من إعلان هذه النظرية نوعا من التقية وإيثار السلامة من مكايد الناس. # والذي يتأمل آراء الصوفية في مختلف الشئون يراهم لا يقيمون وزنا للظواهر، وإغفال الظواهر ~~لا يستقيم إلا لمن يؤمن إيمانا جازما بأن هناك حقيقة علوية خليقة بأن تشغله عمن سواها من ~~كل موجود. # وكان من همنا في هذا الكتاب أن نبين أثر هذه النظرية في المعاني الأدبية والذوقية، وقد ~~وصلنا من ذلك إلى بعض ما نريد. ~~••• # وعن نظرية وحدة الوجود ينشأ حب الرسول الذي أبدع في اللغة العربية فنا جديدا هو فن ~~المدائح النبوية. # وإنما نشأ حب الرسول عن وحدة الوجود؛ لأن من قالوا بهذه النظرية قرروا أن محمدا عليه ~~السلام هو أول مظهر للذات الأحدية، وأنه خاتم النبيين، وأول الأولين، وآخر الآخرين، وأنه ~~البرزخ بين الذات الأحدية وسائر الموجودات. # وقد نظرنا فيما ترك حب الرسول من الآثار النثرية والشعرية، وسيراه القارئ فيما بعد، فليكن ~~هذا الإجمال في انتظار ذلك التفصيل. ~~••• # ثم رأينا أن نبين كيف نستفيد من كتب التصوف في الدراسات الأدبية فقررنا أنها سجل لصور ~~المجتمع الإسلامي وحياة اللهجات، وساقنا ذلك إلى اتخاذ مؤلفات الشعراني وثيقة صورنا بها ~~المجتمع المصري في القرن العاشر، راجين أن تتاح الفرصة لدرس سائر المجتمعات الإسلامية وفقا ~~للصور الباقية في كتب الصوفية. # وساقتنا الحماسة إلى كتابة فصل أكملنا به القسم الأول، وهو فصل تحدثنا فيه عن أثر التصوف ~~في الفنون، والصلة بين الأدب والفن لا تحتاج إلى من يقيم عليها الدليل. ~~••• # أما القسم الثاني فقد ابتدأناه بدرس مفصل عن نشأة التصوف في الأخلاق، ثم مضينا فتكلمنا عن ~~الأدعية والأوراد والاستغاثات والأحزاب والمقامات والأحوال والتجريد والأسباب وآداب الزواج ~~والطعام والصيام والسماع، وما إلى ذلك مما يمثل مذاهب ms030 الصوفية في الحياة الاجتماعية ~~والمعاشية والذوقية. # وختمنا الكتاب بدرس آداب المريدين كما يراها الشعراني؛ لأنه في نظرنا من كبار الباحثين في ~~الآداب العملية؛ ولأن آراءه لا تزال تسيطر على الجماهير من أهل هذه البلاد. ~~••• # ولا بد من النص مرة ثانية على أنه كان من الصعب أن نفصل بين مظاهر الأدب والأخلاق فصلا ~~تاما في فصول هذا الكتاب، فكل نص أدبي يحمل في سطوره معاني أخلاقية، وكل حكمة خلقية أو ~~ذوقية تحمل في ثناياها صورة أدبية، ومن أجل ذلك قاسيت ضروبا من العناء في ربط فصول هذا ~~الكتاب بعضها ببعض، ولم أصل إلى نظامه الحاضر إلا بعد جهد عنيف. # ولو كان هذا الكتاب في تاريخ التصوف لكان المنهج أوضح وأسهل، ولو كان في شرح المذاهب ~~الصوفية لما لاقينا في نظامه كثيرا من العناء، ولكنه وقع في موضوع كانت طرافته كالأزهار ~~تحميها الأشواك، فتعبنا وأتعبنا، ولولا الصبر لأعيتنا وعورة الطريق «وكلما عظم المطلوب وشرف ~~صعب مسلكه، وطال طريقه، وكثرت عقباته» كما قال الغزالي طيب الله ثراه. # وسبحان من لو شاء لجزانا بفضله وكرمه، وأسبغ على عملنا حلة القبول. # | اشتقاق كلمة تصوف # قدم التصوف في الجزيرة العربية # كان الأستاذ مصطفى عبد الرازق نشر كلمة في مجلة المعرفة # 1 # عن اشتقاق كلمة تصوف، وكانت كلمته سببا في إثارة الجدل حول هذه اللفظة، ~~فرأينا من المفيد أن نتعقب هذه الكلمة لنرى أي الآراء أرجح في تعرف أصلها القديم، وهي ~~تحتمل أربعة فروض: الأول أن يكون الصوفي منسوبا إلى صوفة، والثاني أن يكون منسوبا إلى ~~الصوف، والثالث أن يكون مشتقا من الصفاء، والرابع أن يكون منسوبا إلى كلمة «سوفيا» ~~اليونانية. # دلالة الصوف على الخشونة والتواضع # أما صوفة الذي قيل: إن الصوفي نسب إليه فهو اسم رجل كان انفرد بخدمة الله سبحانه ~~وتعالى عند بيته الحرام، واسمه الغوث بن مر، فانتسب الصوفية إليه لمشابهتهم إياه في ~~الانقطاع إلى الله، وإلى القارئ ما يقول ابن الجوزي في ذلك: # أنبأنا محمد بن ناصر عن أبي إسحاق إبراهيم بن سعيد ms031 الحبال قال: قال أبو محمد ~~عبد الغني بن سعيد الحافظ قال: سألت وليد بن القاسم: إلى أي شيء ينسب الصوفي؟ ~~فقال: كان قوم في الجاهلية يقال لهم: صوفة انقطعوا إلى الله عز وجل وقطنوا ~~الكعبة، فمن تشبه بهم فهم الصوفية. قال عبد الغني: فهؤلاء المعروفون بصوفة ولد ~~الغوث بن مر بن أخي تميم بن مر. وبالإسناد إلى الزبير بن بكار قال: كانت ~~الإجازة بالحج للناس من عرفة إلى الغوث بن مر بن أد بن طابخة ثم كانت في ولده، ~~وكان يقال لهم: صوفة، وكان إذا حانت الإجازة قالت العرب: أجز صوفة. قال أبو ~~عبيدة: وصوفة وصوفان يقال لكل من ولي من البيت شيئا من غير أهله أو قام بشيء ~~من أمر المناسك. قال الزبير: حدثني أبو الحسن الأثرم عن هشام بن محمد بن السائب ~~الكلبي قال: إنما سمي الغوث بن مر صوفة؛ لأنه ما كان يعيش لأمه ولد، فنذرت لئن ~~عاش لتعلقن برأسه صوفة ولتجعلنه ربيط الكعبة، ففعلت، فقيل له: صوفة ولولده من ~~بعده. قال الزبير: وحدثني إبراهيم بن المنذري عن عبد العزيز بن عمران قال: ~~أخبرني عقال بن شبة قال: قالت أم تميم بن مر وقد ولدت نسوة: لله علي إن ولدت ~~غلاما لأعبدنه للبيت. # 2 # فولدت الغيث بن مر فلما ربطته عند البيت أصابه الحر فمرت به وقد ~~سقط واسترخى فقالت: ما صار ابني إلا صوفة؛ فسمي صوفة، وكان الحج وإجازة الناس ~~من عرفة إلى منى، ومن منى إلى مكة لصوفة، فلم تزل الإجازة في عقب صوفة حتى ~~أخذتها عدوان، فلم تزل في عدوان حتى أخذتها قريش. # 3 # وهذا الكلام المهم في موضوعه لم يخترعه ابن الجوزي، فقد كان معروفا، وأشار إليه ~~الزمخشري في أساس البلاغة، والفيوزآبادي في القاموس المحيط. # صورته في الأخيلة الشعبية # والواقع أن التنسك كان معروفا في الجاهلية، وقد حدثنا ياقوت عن حنظلة بن أبي عفراء ~~الذي بنى دير حنظلة بالقرب من شاطئ الفرات «وكان قد نسك في الجاهلية وتنصر وبنى هذا ~~الدير فعرف به»، ms032 # 4 # وحدث الخطيب البغدادي بسنده عن ابن المبارك عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في ~~قول الله تعالى: # يا أخت هارون # قال: كان رجلا ~~صالحا في بني إسرائيل حضر جنازته أربعون ألفا ممن اسمه هارون سواه، # 5 # والصلاح هنا هو التنسك، وأخت هارون هي مريم وكانت بأرض موصولة بالبلاد ~~العربية. # وكان في الجاهلية لفظة هي «الديان»، وكان في الجاهليين يزيد وعبد المسيح «ابنا ~~الديان» مدحهما الأعشى فقال: # فإن تفعلا خيرا وترتديا به # فإنكما أهل لذاك كلاكما # وإن تكفيا نجران أمر عظيمة # فقبلكما ما سادها أبواكما # 6 # والديان المتنسك في الدين، ومثله الرباني وهي كلمة قديمة عرفتها العربية والسريانية، ~~وظلت من ألفاظ التمجيد، وقد وصف البويطي بأنه «كان إماما ربانيا كثير العبادة والزهد»، # 7 # والربانيون فوق الأحبار درجة. # 8 # وقد فسر الرهبان في القرآن الزهاد. # 9 # وروي عن النبي أنه قال: «لا صام من صام الأبد». # 10 # وصيام الأبد نوع من التصوف كان موجودا قبل النبي، ولولا ذلك ما نهى عنه، وكان الذين ~~يصومون الأبد يحيون سنة جاهلية يحسبونها من كمال الدين. # وليس ما يمنع أن يكون التصوف عرف في الجاهلية باسمه ورسمه ثم كانت له رجعة في ~~الإسلام، فذلك مصير كثير من الآراء الأدبية والدينية والاجتماعية. # والفرض الثاني أن يكون الصوفي منسوبا إلى الصوف، وقد تعقبنا هذا الفرض فرأيناه أصح ~~الفروض وإن استضعفه الألوسي، # 11 # ولتأييد هذا الفرض شواهد كثيرة جدا قيدناها في مطالعاتنا، وسنكتفي منها ~~بالمهم في هذا الباب. # فقد حدث اليافعي أن لباس الصوف كان غالبا على المتقدمين من سلف الصوفية لكونه أقرب ~~إلى الخمول والتواضع والزهد؛ ولكونه لباس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد جاء أن ~~رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان يركب الحمار ويلبس الصوف، وعنه # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: «مر بالصخرة ~~من الروحاء سبعون نبيا حفاة عليهم العباء يؤمون البيت الحرام». وعنه # صلى الله عليه وسلم # أنه ~~قال: «يوم كلم الله تعالى موسى عليه السلام كان عليه جبة من صوف وسراويل من صوف ms033 وكساء ~~من صوف». وقيل: إن عيسى عليه السلام كان يلبس الصوف والشعر ويأكل من الشجر ويبيت حيث ~~أمسى. وقال الحسن البصري (رضي الله عنه): لقد أدركت سبعين بدريا كان لباسهم الصوف. # 12 # وهذا الكلام صريح في أنه كان مفهوما أن الأنبياء والصالحين كانوا يؤثرون لبس ~~الصوف. # وروي عن النبي أنه قال: «من لبس الصوف، وأكل خبز الشعير، وركب الأتان؛ فليس فيه شيء ~~من الكبر». # 13 # وروي عنه أنه قال: «البسوا الصوف وشمروا وكلوا في أنصاف البطون تدخلوا في ~~ملكوت السماء». # 14 # ويؤيد هذين الأثرين ما جاء في مرثية عمر لرسول الله إذ قال: # بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد اتبعك في قلة سنك، وقصر عمرك، ما لم يتبع ~~نوحا في كثرة سنه، وطول عمره، ولقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل. ~~بأبي أنت وأمي يا رسول الله لو لم تجالس إلا كفؤا لك ما جالستنا، ولو لم تنكح ~~إلا كفؤا لك ما نكحت إلينا، ولو لم تواكل إلا كفؤا ما واكلتنا، فلقد والله ~~جالستنا ونكحت إلينا وواكلتنا، ولبست الصوف، وركبت الحمار، وأردفت خلفك، ووضعت ~~طعامك على الأرض، ولعقت أصابعك؛ تواضعا منك. # 15 # وهذا النص على جانب عظيم من الأهمية، ومن المحتمل أن يكون الصوفية لبسوا الصوف أول ~~الأمر ليصح لهم الاقتداء بتواضع الرسول، ولا سيما إذا تذكرنا أن الرسول أقبل على أهل ~~الصفة فواساهم، ولم يكن عندهم غير جباب الصوف. # 16 # والصوف قديما كان مظهر التخشن والتقشف، وقد وصفوا ابن أدهم بأنه حمل جلده على ضعفه ~~خشونه الصوف، # 17 # وأخذوا على المرائين أنهم يعذبون أنفسهم بلبس الصوف، # 18 # وحدث المبرد أن محمد بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك قال: قال أبي لأبيه ~~يحيى بن خالد بن برمك - وهم في القيود والحبس: يا أبت! بعد الأمر والنهي والأموال ~~العظيمة أصارنا الدهر إلى القيود ولبس الصوف والحبس». # 19 # فلبس الصوف هنا علامة الذل وسوء الحال، وفي هذا المعنى قول أبي تمام في تقلب الزمان: # كانوا برود زمانهم ms034 فتصدعوا # فكأنما لبس الزمان الصوفا # 20 # وقول أبي فراس يخاطب سيف الدولة بن حمدان: # يا واسع الدار كيف توسعها # ونحن في صخرة نزلزلها # يا ناعم الثوب كيف تبدله # ثيابنا الصوف ما نبدلها # 21 # وقول الشريف الرضي يصف أباه بالوقار: # ما التذ لبس الصوف إلا # من تعمم بالقتير # متخدد الخدين مغبر # الذوائب والضفور # أسر الوقار طماحه # والقد أملك بالأسير # وكان مكتوبا على أحد جوانب دير هند: # إن بني المنذر عام انقضوا # بحيث شاد البيعة الراهب # تنفح بالمسك ذفاريهم # وعنبر يقطبه القاطب # والقز والكتان أثوابهم # لم يجب الصوف لهم جائب # 22 # ومعنى هذا أن لبس الصوف كان يعيب المياسير. # وفي مثل هذا ما حدثوا أن إبراهيم بن أدهم كان من أبناء الملوك فخرج يوما متصيدا ~~فأثار ثعلبا أو أرنبا وهو في طلبه، فهتف به هاتف: يا إبراهيم! ألهذا خلقت؟ أم بهذا ~~أمرت؟ ثم هتف به أيضا من قربوس سرجه: والله ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت، فنزل عن ~~دابته وصادف راعيا لأبيه، فأخذ جبة الراعي من صوف ولبسها وأعطاه فرسه وما معه، ثم دخل البادية. # 23 # فالصوف من لباس الرعاة، وابن أدهم حين جاءه الهاتف ترك فرسه وما معه وتصوف؛ أي: لبس ~~الصوف ليلحق بالزهاد. # 24 # وقال عبد الله بن شداد: «أربع من كن فيه برئ من الكبر: من اعتقل البعير، وركب الحمار، ~~ولبس الصوف، وأجاب دعوة الرجل الدون»، وهذا الكلام أثبته الجاحظ في البيان والتبيين، # 25 # وهو يفسر ما نقلناه آنفا من رثاء عمر بن الخطاب للرسول، فقد عد من ~~تواضعه - عليه السلام - ركوب الحمار ولبس الصوف. # ومن كلام ابن الجوزي: «كان الزهد في بواطن القلوب فصار في ظواهر الثياب، كان الزهد ~~حرقة فصار اليوم خرقة، ويحك! صوف قلبك لا جسمك، وأصلح نيتك لا مرقعتك». # 26 # والصوف في هذا الكلام علامة الزهد. # وذكر الذين يلبسون الصوف عند الحسن فقال: أكنوا الكبر في قلوبهم، وأظهروا التواضع في ~~لباسهم، والله لأحدهم أشد عجبا بكسائه من صاحب المطرف بمطرفه. # 27 # وفي أخبار الحاكم أنه ms035 في سنة أربع مئة لبس الصوف يوم عاشر رمضان وركب الحمار وأظهر النسك. # 28 # وتلك رجعة إلى سيرة الرسول التي رأيناها آنفا في مرثية عمر بن الخطاب. # وعبر دعبل الجسر ببغداد وأبو سعد واقف على دابته عند الجسر وعليه ثوب صوف مشبه بالخز ~~مصبوغ، فضرب دعبل بيده على فخذه وقال: دعي على دعي. # 29 # يريد أنه يدعي الجاه بلبس ثوب مشبه بالخز، مع أن ثوبه في الحقيقة من صوف، وهو لباس ~~الفقراء. # وسئل أبو علي الروذباري فقيل له: من الصوفي؟ فقال: من لبس الصوف على الصفا. # 30 # فلبس الصوف عنده إشارة الزهد ولكنه لا يغني عن الصفاء. # وقيل لأبي الحسين بن سمعون: أيها الشيخ! أنت تدعو الناس إلى الزهد في الدنيا والترك ~~لها، وتلبس أحسن الثياب، وتأكل أطيب الطعام، فكيف هذا؟ فقال: كل ما يصلحك لله فافعله، ~~إذا صلح حالك مع الله بلبس لين الثياب وأكل طيب الطعام فلا يضرك. # 31 # كأنهم كانوا ينكرون أن يلتئم لين الثياب مع الزهد، أما أخشنها فهو الصوف. # وقال الجنيد: إذا رأيت الصوفي يعنى بظاهره فاعلم أن باطنه خراب. # 32 # والظاهر هو خشونة الثوب. # وأنشد أبو حيان في جاهل لبس صوفا وزهد فيه: # أيا كاسيا من جيد الصوف نفسه # ويا عاريا من كل فضل ومن كيس # أتزهى بصوف وهو بالأمس مصبح # على نعجة واليوم أمسى على تيس # 33 # ومعناه أن لبس الصوف لا يغني عند عري النفس عن الفضل والذكاء. # المرقعات في البيئات الصوفية # والواقع أن الصوف كان شارة الزهد، وهو المراد بزي الصوفية الذي وصف به المقري أحد الفقهاء، # 34 # والذي جعله الغزالي من صفات من يصرف إليهم ما يوصى به للصوفية، # 35 # وبه يوجه قول ياقوت: «وكان التوحيدي صوفي السمت والهيئة»، # 36 # والصوف هو «شعار الصالحين» الذي أضافه الثعالبي إلى الكنايات، # 37 # ومن أجل ثوب الصوف ظن جماعة أن يحيى بن أكثم من الصوفية حين رأوه ولم يعرفوه، # 38 # ونقل المستر مرجوليوث عن قاموس دوزي من كتاب اسمه رياض النفوس: «رأيت رجلا ms036 ~~عليه جبة من صوف فقلت له: يا صوفي». # 39 # وكلف أبو نواس بغلام نصراني ولم يدر كيف يحتال في أمره «فعمد إلى جبة صوف قصيرة ~~فلبسها، وسروال قصير، ونعل رقيق، وتزيا بزي الزهاد» إلى آخر الحكاية. # 40 # فالفجرة كانوا يعرفون أن لبس الصوف يدفع عنهم الشبهات. # وكانت الجماهير لا تتمثل الصالحين إلا في الثياب الصوفية، قال الزبيدي نقلا عن كتاب ~~بهجة الناظرين وأنس العارفين: ومما حدثنا به من أدركنا من المشيخة أن الإمام أبا حامد ~~الغزالي لما حضرته الوفاة أوصى رجلا من أهل الفضل والدين كان يخدمه أن يحفر قبره في ~~موضع بينه، ويستوصي أهل القرى التي كانت قريبة إلى موضعه ذلك بحضور جنازته، وألا يباشره ~~أحد حتى يصل ثلاثة نفر من الفلاة لا يعرفون ببلاد العراق: يغسله اثنان منهما، ويتقدم ~~الثالث للصلاة عليه بغير أمر ولا مشورة. فلما توفي فعل الخادم كل ما أمره به، وحضر ~~الناس، فلما اجتمعوا لحضور جنازته رأوا ثلاثة رجال خرجوا من الفلاة، فعمد اثنان منهم ~~إلى غسله، واختفى الثالث ولم يظهر، فلما غسل وأدرج في أكفانه، وحملت جنازته، ووضعت على ~~شفير قبره ظهر الثالث ملتفا في كسائه وفي جانبه علم أسود، معمما بعمامة من صوف، وصلى ~~عليه وصلى الله بصلاته، ثم سلم وانصرف وتوارى عن الناس. # 41 # والقصة مصنوعة، ولكنها تمثل رأي الجماهير في لباس الصوف. # وفي قصة عنترة بن شداد - وهي تمثل النزعات الشعبية - أنه بينما كان النمرود جالسا في ~~منظره عالية تشرف على خارج المدينة نظر إلى جماعة من الأحبار العباد عليهم لباس الشعر ~~والصوف ... إلخ. # 42 # ويؤكد التزام الصوفية للبس الصوف حرصهم على المرقعة؛ أي: الثوب المرقع، ومن رأي ابن ~~الجوزي أنهم لما سمعوا أن النبي كان يرقع ثوبه وأنه قال لعائشة: لا تخلعي ثوبا حتى ~~ترقعيه وأن عمر بن الخطاب كان في ثوبه رقاع اختاروا المرقعات، # 43 # وكذلك صارت المرقعة عنوانا عليهم، وروي عن الثوري أنه قال: «كانت المرقعات ~~غطاء على الدر فصارت جيفا على مزابل»، # 44 # ونظر محمد بن ms037 محمد الكتاني إلى أصحاب المرقعات فقال: «إخواني! إن كان ~~لباسكم موافقا لسرائركم فقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، وإن كان مخالفا لسرائركم فقد ~~هلكتم ورب الكعبة». # 44 # وقال محمد بن عبد الحق لبعض أصحابه: ~~«لا يعجبنك ما ترى من هذه اللبسة الظاهرة عليهم، فما زينوا الظواهر إلا بعد أن خربوا ~~البواطن». # 44 # وهذا التقريع لا يوجه إلا لقوم يلبسون المرقعة بلا انقطاع؛ ولذلك كره بعض شيوخهم لبس ~~المرقعة خوفا من طوارق الرياء ومن التعرض للسؤال، # 45 # ولا يكون لبس المرقعة بابا إلى الرياء إلا حين تكون علامة قاطعة على ~~التصوف وهي لا تعرض صاحبها للصدقات إلا لدلالتها على الفقر والبؤس. # ويؤيد ذلك الملحظ ما حدث النضر بن شميل إذ قال: قلت لبعض الصوفية: تبيع جبتك الصوف؟ ~~فقال: إذا باع الصياد شبكته فبأي شيء يصطاد؟! # 46 # وكانوا يرون نزع المرقعة علامة الإقبال على الدنيا، ويذكرون أن محمد بن أحمد بن موسى ~~قدم بغداد وأقام بها مدة يتكلم بلسان الوعظ، ويشير إلى طريقة الزهد، ويلس المرقعة، ~~ويظهر عزوف النفس عن طلب الدنيا، فافتتن به الناس لما رأوا من حسن طريقته، وكان يحضر ~~مجلس وعظه قوم لا يحصون، ثم إنه قبل ما كان يوصل به بعد امتناع شديد كان يظهره من قبل، ~~وحصل له ببغداد مال كثير، ونزع المرقعة ولبس الثياب الناعمة الفاخرة وجرت له أقاصيص ~~وصار له تبع وأصحاب. # 47 # وترقيع الثياب في الأصل من علامات الفقر، ومنه قول عروة بن الزبير: لقد تصدقت عائشة ~~(رضي الله عنها) بخمسين ألفا وإن درعها لمرقع، # 48 # وهذه الخمسون ألفا لا يمكن أن تكون دنانير. # وينكر ابن الجوزي أن يكون للمرقعة أصل في السنة، # 49 # وهذا يدل على أن الصوفية كانوا يتسامون إلى جعل المرقعة من السنن النبوية، ~~وذلك دليل جديد على تشبثهم بالمرقعات. # على أنه لا موجب لكل هذا العناء في الاستقصاء، فالصوفية كانوا يعرفون نسبتهم إلى ~~الصوف، قال أبو سليمان الداراني لرجل لبس الصوف: إنك قد أظهرت آلة الزاهدين، فماذا ~~أورثك هذا التصوف؟ ms038 فسكت الرجل. فقال له: يكون ظاهرك قطنيا وباطنك صوفيا. # 50 # ودخل أبو محمد ابن أخي معروف الكرخي على أبي الحسن بن بشار وعليه جبة صوف، ~~فقال له أبو الحسن: يا أبا محمد! صوفت قلبك أو جسمك؟ صوف قلبك والبس القوهي على ~~القوهي. # 50 # وكان لبس الصوف يؤكد الخشوع كقول من قال: «رأيت امرأة متبتلة تلبس صوفا». # 51 # وهذا كله ظاهر، ولكن يهمنا أن نقيد في هذا البحث أن لبس الصوف كان من تقاليد ~~النصرانية، وهي في أصلها تصوف وروحانية، روى ابن قتيبة بسنده قال: # بلغني أن عيسى خرج على أصحابه وعليه جبة من صوف وكساء وتبان # 52 # حافيا مجزوز الرأس والشاربين ، باكيا شعثا مصفر اللون من الجوع، ~~يابس الشفتين من العطش، طويل شعر الصدر والذراعين والساقين، فقال: السلام عليكم ~~يا بني إسرائيل! أنا الذي أنزلت الدنيا منزلها، ولا عجب ولا فخر، أتدرون أين ~~بيتي؟ قالوا: أين بيتك يا روح الله؟ قال: بيتي المساجد، وطيبي الماء، وإدامي ~~الجوع، ودابتي رجلي، وسراجي بالليل القمر، وصلائي في الشتاء مشارق الشمس، ~~وطعامي ما تيسر، وفاكهتي وريحاني بقول الأرض، ولباسي الصوف وشعاري الخوف، ~~وجلسائي الزمنى والمساكين، أصبح وليس لي شيء، وأمسي وليس لي شيء، وأنا طيب ~~النفس غني مكثر، فمن أغنى وأربح مني؟ # 53 # إيثار المسيح والرهبان لزي الصوفية # وهذا النص صريح في إيثار المسيح للبس الصوف. # وقال ابن سيرين: كان عيسى عليه السلام يلبس الصوف ونبينا يلبس الكتان، وهو أحب إلينا ~~أن نقتدي به. # 54 # وكانت المسوح - وهي ثياب الرهبان - مما يحمد لبسه في الجاهلية، و«كان أمية بن أبي ~~الصلت قد نظر في الكتب وقرأها، وليس المسوح تعبدا»، # 55 # وكان عيسى عليه السلام يقول: يا بني إسرائيل! ما لكم تأتونني وعليكم ثياب ~~الرهبان وقلوبكم قلوب الذئاب الضواري، البسوا لباس الملوك، وألينوا قلوبكم بالخشية، # 56 # فهو يعرف الثياب، ولكنه ينكر القلوب. # ولعله لأجل هذا - أي: نسبة الصوف إلى الرهبان - كان من زهاد المسلمين من يرى لبس ~~الصوف بدعة، فقد قال سفيان الثوري لرجل عليه صوف: ms039 لباسك هذا بدعة، # 57 # والجاحظ يحدثنا أن النصراني يلبس الصوف حين يتنسك # 58 # وفي رسائل إخوان الصفا أن راهبا قدم في ثوب من صوف. # 59 # احترام كلمة راهب في الأدب القديم # والواقع أن كلمة «راهب» كان يلحظ فيها شيء من المعاني التعليمية، وقد قال الرشيد: # كان أبو العباس عيسى بن علي راهبنا وعالمنا أهل البيت. # 60 # وكان في كلمة «القس» معنى الخشوع، ومنه عبد الرحمن القس الذي لقب بذلك لورعه، وهو ~~الذي عشق سلامة المغنية # 61 # التي سميت سلامة القس، وكان صوفيا أضرعه الحب فقال: # قد كنت أعذل في السفاهة أهلها # فاعجب لما تأتي به الأيام # فاليوم أعذرهم وأعلم أنما # سبل الضلالة والهدى أقسام # وهذا لا ينافي نهي الرسول عن الرهبانية والتبتل، فقد كان عيسى في ثيابه وشمائله مضرب ~~المثل في الزهد، وكان المسلمون يتقصون أخباره وأخبار أصحابه، ولا ينكرون على بعضهم غير ~~الرياء. # ولم يكن المسلمون في الصدر الأول ينظرون إلى النصرانية كما نظروا إليها فيما بعد، ~~وكما ينظرون اليوم؛ لأن المودة بين الديانتين كان لها وجود، وكان النبي أثنى على ~~القسيسين والرهبان وفقا لكلمة القرآن المجيد # لتجدن أشد ~~الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ~~ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا ~~إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم ~~لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى ~~الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من ~~الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ~~. # 62 # وهذا خليق بأن يمنح الرهبان شيئا من الجاذبية، وأن يحبب إلى الزهاد الاقتداء بهم في ~~لبس الصوف. # نقض الرأي القائل بنسبة الصوفي إلى الصفاء أو نسبته إلى (سوفيا) من اللغة ~~اليونانية # أقول هذا ولا أجزم بأن في لبس الصوف رجعة إلى التقاليد المسيحية، ولكن القارئ عرف أن ~~النبي محمدا كان يستحب لبس الصوف تواضعا، وأن النبي عيسى كان يستحب لبسه كذلك ~~تواضعا، وأن الرهبان في المسيحية والزهاد في الإسلام كان يستحبون لبس الصوف، وفي مجموع ~~ما أسلفنا من الشواهد مقنع لمن يرتاب في نسبة ms040 الصوفي إلى الصوف. # يضاف إلى ذلك ما روي من أن كلمة «صوفي» وردت في كلام منسوب إلى الحسن البصري وهو من ~~التابعين فقد قال: رأيت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئا فلم يأخذ وقال: معي أربعة ~~دوانق يكفيني ما معي، # 63 # ويشبه هذا قول سفيان: لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقائق الرياء، # 64 # ويؤيد هذا وذاك ما جاء في كلام بعض المؤلفين من أن مكة كانت خلت قبل ~~الإسلام في وقت من الأوقات حتى كان لا يطوف بالبيت أحد وكان يجيء من بلد بعيد رجل صوفي ~~فيطوف بالبيت ثم ينصرف # 65 # فاللفظة على ذلك قديمة، وقدمها يرجح نسبتها إلى من استحبوا الصوف من ~~الأنبياء. # والفرض الثالث نسبتها إلى الصفاء، وليس هذا الفرض إلا حذلقة من بعض الصوفية الذين ~~عبر أبو الفتح البستي عن غرورهم حين قال: # تنازع الناس في الصوفي واختلفوا # فيه وظنوه مشتقا من الصوف # ولست أنحل هذا الاسم غير فتي # صافى فصوفي حتى لقب الصوفي # وقد سخر منهم أبو العلاء فقال: # صوفية ما رضوا للصوف نسبتهم # حتى ادعوا أنهم من طاعة صوفوا # 66 # وقد استبعد ذلك القشيري وهو من أقطاب الصوفية. # والفرض الرابع - وهو نسبتها إلى سوفيا اليونانية - ليس إلا ضربا من الإغراب، وقد ~~قال به أبو الريحان البيروني سنة 440 وقال به فون هامر من المستشرقين وتعصب له الأديب ~~عبد العزيز الإسلامبولي، # 67 # والأستاذ محمد لطفي جمعة في مقال كتبه في المعرفة، # 68 # ومقال كتبه في البلاغ. # وكلمة «سوفيا» اليونانية معناها الحكمة، ومنها فيلسوف: أي محب الحكمة وكانت الفلسفة ~~عند اليونان القدماء تهتم بالعلوم الطبيعية، وكان كثير من فلاسفتهم أطباء، وقد ترجمها ~~العرب فسموا الطب الحكمة، وكلمة حكيم لا تزال تؤدي معنى كلمة طبيب، والفلسفة نفسها ~~سماها العرب الحكمة، وقالوا: تاريخ الحكماء، فهم عرفوا من «سوفيا» الفلسفة والطب. أما ~~الحكمة الروحانية فمن البعيد أن يكونوا لمحوها؛ لأنهم كانوا يرون اليونان من عبدة ~~الأوثان. # على أنه ما الذي يمنع من أن تكون «سوفيا» بمعنى الحكمة الروحانية جاءت من ms041 كلمة صوف، ~~وهي قديمة في العربية؟ إن التصوف قديم جدا عند العرب، وهو أساس المسيحية، ولبس الصوف ~~كان علامة التقشف، فليس من المستبعد أن ترحل كلمة صوف إلى معابد اليونان. # ولا يفوتنا أن نقيد أن العرب كانوا مولعين بحفظ ما يدخل لغتهم من الألفاظ الأجنبية، ~~ولو كان «التصوف» من «سوفيا» لنصوا عليه في كثير من المؤلفات فلم يبق إلا أن يكون ~~ورودها في كلام البيروني بابا من الإغراب. # خاتمة البحث # وقد بقيت فروض لا تقوى على احتمال البحث كالنسبة إلى الصف بالفتح، والصفة ~~بالضم، والصفة بالكسر، وعند التأمل نجد هذه الفروض لم تعرف إلا بعد الصدر الأول حين ~~استقل الصوفية نسبتهم إلى الصوف! # وغرام بعض الكاتبين من أهل هذا الزمان برد الصوفي إلى سوفيا اليونانية يمثل إحدى ~~النزعات العصرية، ففي أهل هذا الزمن من يرد كل كلمة عربية إلى أصل أجنبي حين يرد لها ~~مشابه في لغة أجنبية، فإذا وجدت اللفظة في العربية والعبرية فالأصل للعبرية، وإذا وجدت ~~في العربية والسريانية فالأصل للسريانية. أما اليونانية فهي عند كثير من المعاصرين سيدة ~~اللغات في الشرق القديم! # وليس معنى هذا أننا نجعل العربية أصلا في جميع الأحوال، ولكنا نتحرز حين نجد التأويل ~~يمت إلى نزعة يغلب عليها التجني والافتعال. # هذا ولست أدعي أكثر من أني عانيت مشقة عظيمة في إعداد هذا البحث وسأظل راضيا عنه إلى ~~أن توجد نصوص جديدة تحمل على الشك فيما قدمت من البينات. # 69 # | التصوف في الأدب # الفرق بين النظرة الأدبية والنظرة الخلقية # بينا في فاتحة الكتاب كيف كانت للوصفية آثار أدبية، ونعود إلى هذا المعنى بشيء من ~~التفصيل فنقول: # كان الصوفية يعرفون باسم القراء والزهاد والنساك، وكان ملحوظا فيهم أنهم من أقطاب ~~الأدب والبيان، ومن المؤكد أن الجاحظ حين اهتم بهم لحظ فيهم شيئين: جودة الأدب وقوة ~~الأخلاق؛ ولذلك نراه يقول في مطلع كتاب الزهد: # 1 ~~«نبدأ باسم الله وعونه بشيء من كلام النساك في الزهد، وبشيء من ذكر أخلاقهم ~~ومواعظهم»، فهو يرى في «الكلام» صورة غير ms042 صورة «الأخلاق والمواعظ». # والفرق واضح بين قول ابن سيرين: «ما حسدت أحدا على شيء قط» # 2 # وقول أبي الدرداء: «كان الناس ورقا لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق ~~فيه». # فالعبارة الأولى خلق محض، والعبارة الثانية أدب صرف، وكانت الأولى خلقا محضا؛ ~~لأنها تعبر تعبيرا ساذجا عن معنى من أشرف المعاني الخلقية، وكانت الثانية أدبا ~~صرفا؛ لأن جمالها يرجع إلى ما وشاها به القائل، وكلتا العبارتين صدرتا عن أنفس مشبعة ~~بروح التصوف. ~~••• # وقد يجتمع الأدب والخلق في تعبير واحد، كقول أبي حازم: «الدنيا غرت أقواما فعملوا ~~فيها بغير الحق، ففاجأهم الموت: «فخلفوا ما لهم لمن لا يحمدهم وصاروا إلى من لا ~~يعذرهم، وقد خلقنا بعدهم فينبغي لنا أن ننظر إلى الذي كرهناه منهم فنجتنبه، وإلى الذي ~~غبطناهم به فنستعمله ». # 3 # والخلق في هذه العبارة يتمثل في التربية النفسية التي دعا إليها صاحب هذه الحكمة، أما ~~الأدب فيتمثل في قوله: «خلفوا ما لهم لمن لا يحمدهم، وصاروا إلى من لا يعذرهم»، وهو ~~كلام يبدو لمن يتأمله غاية في روعة الخيال. # وشبيه بذلك هذه الفقرة: # رأى بعض النساك صديقا له من النساك مهموما فسأله عن ذلك فقال: كان عندي يتيم أحتسب ~~فيه الأجر فمات، قال: فاطلب يتيما غيره فإن ذلك لا يعدمك إن شاء الله تعالى! فأجاب: ~~أخاف أن لا أصيب يتيما في سوء خلقه. فقال: أما إني لو كنت مكانك لم أذكر سوء خلقه. # 4 # ففي هذه الفقرة خلق، وفيها أدب، أما الخلق ففي المعنى كله، وأما الأدب ففي الذكاء ~~الذي يتمثل في الاستدراك الأخير، وهذا الذكاء في هذا المقام من صور الخلق ولكنه بالأدب ~~ألصق. # وكذلك هذه الفقرة: ~~«صام رجل سبعين سنة، ثم دعا الله في حاجة، ولم يستجب له، فرجع إلى نفسه فقال: (منك ~~أتيت) فكان اعترافه أفضل من صومه». # والفطنة إلى أن الاعتراف كان أفضل من الصوم فيها خلق، وفيها أدب، أما الخلق ففي تصور ~~القيمة المعنوية للوم النفس، وأما الأدب ففي الذكاء الذي يمثله هذا التعقيب. ms043 # وقال شيخ من أهل المدينة: ما كنت أريد أن أجلس إلى قوم إلا وفيهم من يحدث عن الحسن ~~وينشد للفرزدق. # 5 # فما معنى هذا؟ معناه أن الحديث عن الحسن البصري كانت فيه متعة أدبية لا تقل عن إنشاد ~~شعر الفرزدق، والحق أن النساك والزهاد والصوفية كانت لهم كلمات تشوق القلب والوجدان، ~~ومن الإطناب أن نكثر الشواهد، فلنكتف بخطبة عمر بن ذر يوم مات ابنه وقد وقف على قبره ~~فقال: «يا ذر، والله ما بنا إليك من فاقة، وما بنا إلى أحد سوى الله من حاجة. يا ذر، ~~شغلني الحزن لك عن الحزن عليك»، ثم قال: «اللهم إنك وعدتني بالصبر على ذر، صلواتك اللهم ~~ورحمتك، وقد وهبت ما جعلت لي من أجر على ذر لذر، فلا تعرفه قبيحا من علمه، اللهم وقد ~~وهبت له إساءته إلي فهب لي إساءته إلى نفسه، فإنك أجود وأكرم»، فلما انصرف عنه التفت ~~إلى قبره فقال: «يا ذر، قد انصرفنا وتركناك، ولو أقمنا ما نفعناك». # 6 # وكلام الزهاد والنساك كثير جدا، اهتم به الجاحظ وابن قتيبة، وغيرهما من المؤلفين، ~~ولا شك في أن الصور الأدبية كانت مما لحظه من جمع كلام أولئك الرجال. # اهتمام المؤلفين بأدب النساك # وكان أكثر الصوفية معروفين بسعة الإطلاع وكثرة الحفظ، وكان في شريش صوفي حافظ ~~للشعر فلا يعرض في مجلسه معنى إلا وهو ينشد عليه، فاتفق أن عطس رجل بمجلسه فشمته ~~الحاضرون فدعا لهم، فرأى الصوفي أنه إن شمته قطع إنشاده بما لا يشاكله من النظم، وإن لم ~~يشمته كان تقصيرا في البر ... إلى آخر ما حدث صاحب نفح الطيب. # 7 # وهذا الخبر في جملته فكاهة، ولكنه دليل على هيام الصوفية بالثقافة الأدبية. # حرص الصوفية على الثقافة الأدبية # لا مفر من الاعتراف بأن الصوفية كان لهم وجود أدبي ملحوظ، وكيف لا يكون الأمر كذلك ~~وقد عرفت عنهم ألفاظ وتعابير دونها المؤلفون، وتلك الألفاظ والتعابير هي ثروة لغوية ~~يقام لها وزن حين تدرس المصطلحات، وقد يقال: إن لكل قوم ألفاظا وتعابير حتى ms044 النجارين ~~والحدادين، ولا يكون ذلك عنوانا على سلطتهم الأدبية، ونجيب بأن ألفاظ الصوفية جرت في ~~الأغلب حول معان وجدانية وروحية ونفسية واجتماعية: فهي ألصق بالحياة الأدبية. # ولنقيد هنا بعض ما عرف عنهم من الألفاظ، ولنتخير ما قد يحتاج إلى معرفته قارئ هذا الكتاب. # 8 # المريد: # هو المتجرد عن إرادته. # المراد: # هو المجذوب عن إرادته، مع تهيؤ ~~الأمور له، فجاوز الرسوم والمقامات في غير مكابدة. # السالك: # هو الذي مشى على المقامات ~~بحاله لا بعلمه. # السفر: # عبارة عن القلب إذا أخذ في ~~التوجه إلى الحق. # المسافر: # هو الذي سافر بفكره في ~~المعقولات والاعتبارات. # الطريق: # عبارة عن مراسم الحق تعالى ~~المشروعة التي لا رخصة فيها. # الوقت: # عبارة عن حالك في زمان الحال، ~~لا تعلق له بالماضي ولا بالمستقبل. # الأدب: # يريدون به أدب الشريعة، ووقتا ~~أدب الخدمة، ووقتا أدب الحق . وأدب الشريعة الوقوف عند رسومها، وأدب الخدمة ~~الفناء عن رؤيتها مع المبالغة فيها، وأدب الحق أن تعرف ما لك وما ~~له. # المقام: # عبارة عن استيفاء حقوق المراسم ~~على التمام. # الحال: # هو ما يرد على القلب من غير ~~تعمد ولا اجتلاب، وقيل: هو تغير الأوصاف على العبد. # الانزعاج: # هو أثر المواعظ في قلب ~~المؤمن، وقد يطلق ويراد به التحرك للوجد والأنس. # القطب: # وهو الغوث، عبارة عن الواحد ~~الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان. # الأوتاد: # عبارة عن أربعة رجال، منازلهم ~~على منازل أربعة أركان من العالم: شرق وغرب وشمال وجنوب، مع كل واحد منهم ~~مقام تلك الجهة. # الأبدال: # هم سبعة، ومن سافر من القوم ~~عن موضعه وترك جسدا على صورته حتى لا يعرف أحد أنه فقد فذلك هو ~~البدل. # النقباء: # هم الذين استخرجوا خبايا ~~النفوس وهم ثلاث مئة. # النجباء: # هم أربعون وهم المشغولون بحمل ~~أثقال الخلق. # الإمامان: # هما شخصان أحدهما عن يمين ~~الغوث ونظره في الملكوت، والآخر عن يساره ونظره في الملك، وهو أعلى من ~~صاحبه الذي يخلف الغوث. # المكان: # عبارة عن منازل في البساط لا ~~تكون إلا لأهل الكمال الذين تحققوا ms045 بالمقامات والأحوال وحازوهما، أما ~~المقام الذي فوق الجلال والجمال فلا صفة له ولا نعت. # القبض: # حال الخوف في الوقت، وقيل: ~~وارد يرد على القلب يوجب الإشارة إلى عتاب وتأديب، وقيل: أخذ وارد ~~الوقت. # البسط: # هو عند ابن عربي حال من يسع ~~الأشياء ولا يسعه شيء، وقيل: هو حال الرجاء، وقيل: هو وارد يوجب الإشارة ~~إلى رحمة وأنس. # الهيبة: # هي أثر مشاهدة جلال الله في ~~القلب، وقد يكون عن الجمال الذي هو جمال الجلال. # الأنس: # أثر مشاهدة جمال الحضرة الإلهية ~~في القلب وهو جمال الجلال. # التواجد: # استدعاء الوجد وقيل: إظهار ~~حالة الوجد من غير وجد. # الوجد: # ما يصادف القلب من الأحوال ~~المغنية له عن شهوده. # الوجود: # وجدان الحق في الوجد. # الجلال: # من نعوت القهر من الحضرة ~~الإلهية. # الجمع: # إشارة إلى حق بلا خلق. # جمع الجمع: # الاستهلاك بالكلية في ~~الله. # البقاء: # رؤية العبد قيام الله على كل ~~شيء. # الفناء: # عدم رؤية العبد لفعله بقيام ~~الله على ذلك. # الغيبة: # غيبة القلب عن علم ما يجري من ~~أحوال الخلق لشغل الحس بما ورد عليه. # الحضور: # حضور القلب بالحق عند الغيبة ~~عن الخلق. # الصحو: # رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة ~~بوارد قوي. # السكر: # غيبة بوارد قوي. # الذوق: # أول مبادئ التجليات ~~الإلهية. # الشرب: # أوسط التجليات. # المحو: # رفع أوصاف العادة وقيل: إزالة ~~العلة. # الإثبات: # إقامة أحكام العبادة وقيل: ~~إثبات المواصلات. # القرب: # القيام بالطاعة وقد يطلق القرب ~~على حقيقة قاب قوسين. # البعد: # الإقامة على المخالفة وقد يكون ~~البعد منك ويختلف باختلاف الأحوال فتدل على ما يراد به قرائن ~~الأحوال. # الحقيقة: # سلب آثار أوصافك عنك ~~بأوصافه. # الخاطر: # ما يرد على القلب والضمير من ~~الخطاب ربانيا كان أو ملكيا أو نفسيا أو شيطانيا من غير إقامة وقد ~~يكون كل وارد لا عمل لك فيه. # 9 # علم اليقين: # ما أعطاه الدليل. # عين اليقين: # ما أعطته المشاهدة. # حق اليقين: # ما حصل من العلم بما أريد ~~به ذلك الشهود. # الوارد: # ما يرد على القلب من الخواطر ~~المحمودة من غير تعمل ويطلق بإزاء كل ما ms046 يرد على كل اسم على القلب. # الشاهد: # ما تعطيه المشاهدة من الأثر في ~~القلب، فذلك هو الشاهد وهو على حقيقة ما يظهر للقلب من صورة ~~المشهود. # الروح: # يطلق بإزاء الملقى إلى القلب من ~~علم الغيب على وجه مخصوص. # السر: # يطلق فيقال: سر العلم بإزاء ~~حقيقة العالم به، وسر الحال بإزاء معرفة مراد الله فيه، وسر الحقيقة ما تقع ~~به الإشارة. # الوله: # إفراط الوجد. # الوقفة: # حبس بين المقامين. # الفترة: # خمود نار البداية ~~المحرقة. # التجريد: # إماطة السوي والكون عن القلب ~~والسر. # التفريد: # وقوفك بالحق معك. # اللطيفة: # كل إشارة دقيقة المعنى تلوح ~~في الفهم لا تسعها العبارة وقد تطلق بإزاء النفس الناطقة. # الرياضة: # رياضة أدب وهو الخروج عن طبع ~~النفس، ورياضة طلب وهو صحة المراد له، وبالجملة هي عبارة عن تهذيب الأخلاق ~~النفسية. # المجاهدة: # حمل النفس على المشاق ~~البدنية ومخالفة الهوى على كل حال. # الفصل: # فوت ما ترجوه من محبوبك. # الذهاب: # غيبة القلب عن حس كل محسوس ~~بمشاهدة محبوبه كائنا المحبوب ما كان. # الزاجر: # واعظ الحق من قلب المؤمن وهو ~~الداعي إلى الله. # السحق: # ذهاب تركيبك تحت القهر. # المحق: # فناؤك في عينه. # الستر: # كل ما يسترك عما يفنيك، وقيل: ~~غطاء الكون، وقد يكون الوقوف مع العادة وقد يكون الوقوف مع نتائج ~~الأعمال. # التجلي: # ما ينكشف للقلوب من أنوار ~~الغيوب. # التخلي: # اختيار الخلوة والإعراض عن كل ~~ما يشغل عن الحق. # المكاشفة: # تطلق بإزاء الأمانة بالفهم، ~~وتطلق بإزاء تحقيق زيادة الحال، وتطلق بإزاء تحقيق الإشارة. # المشاهدة: # تطلق على رؤية الأشياء ~~بدلائل التوحيد، وتطلق بإزاء رؤية الحق في الأشياء، وتطلق بإزاء حقيقة ~~اليقين من غير شك. # المحادثة: # خطاب الحق للعارفين من عالم ~~الملك والشهادة كالنداء من الشجرة لموسى (عليه السلام). # المسامرة: # خطاب الحق للعارفين من عالم ~~الأسرار والغيوب. # اللوائح: # هي ما يلوح من الأسرار ~~الظاهرة من السمو من حال إلى حال وعند ابن عربي ما يلوح للبصر إذا لم يتقيد ~~بالجارحة من الأنوار الذاتية لا من جهة القلب. # الطوالع: # أنوار التوحيد تطلع على قلوب ~~أهل المعرفة ms047 فتطمس سائر الأنوار. # اللوامع: # ما ثبت من أنوار التجلي وقتين ~~وقريبا من ذلك. # البواده: # ما يفجأ القلب من الغيب على ~~سبيل الوهلة، إما لموجب فرح أو لموجب ترح. # الرغبة: # رغبة النفس في الثواب، ورغبة ~~القلب في الحقيقة، ورغبة السر في الحق. # الرهبة: # رهبة الظاهر في تحقق الوعيد، ~~ورهبة الباطن لتقليب العلم، وهبة لتحقق أمر السبق. # الاصطلام: # نوع وله يرد على القلب ~~فيسكن تحت سلطانه. # الغربة: # تطلق بإزاء مفارقة الوطن في ~~طلب المقصود، وتقال: الغربة في الاغتراب عن الحال من النفوذ فيه، والغربة ~~عن الحق غربة عن المعرفة من الدهش. # الهمة: # تطلق بإزاء تجريد القلب ~~للمنى، وتطلق بإزاء أول صدق المريد وتطلق بإزاء جمع الهمم لصفاء ~~الإلهام. # الفتوح: # فتوح العبادة في الظاهر، وفتوح ~~الحلاوة في الباطن، وفتوح المكاشفة. # الوصل: # إدراك الغائب. # نماذج من اصطلاحات الصوفية # تلك كلمات تخيرناها من رسالة ابن عربي في اصطلاحات الصوفية، وبقيت كلمات كثيرة، وما ~~ذكرناه فيه الكفاية؛ لأن الغرض هو التمثيل لا الاستقصاء، وللقارئ أن يرجع إلى هذه ~~المصطلحات في تعريفات الجرجاني وقاموس عبد الرازق، فإن الشرح هناك يختلف عما هنا بعض ~~الاختلاف، واهتمام المتقدمين بجمع ألفاظ الصوفية يدل على مكانتهم الأدبية. وألفاظهم كما ~~رأيت تمثل المعقولات أكثر مما تمثل المحسوسات، فهي من الألفاظ التي لا تنبت إلا في جو ~~الخواص. # ألفاظ الصوفية في التعبير عن بعض المعاني المعاشية والاجتماعية # وكانت للصوفية ألفاظ في أبواب من الحياة دونها المؤلفون، من ذلك كنايتهم عن الأطعمة، ~~فالحمل: هو الشهيد ابن الشهيد، والقطائف: قبور الشهداء، والفالوذج خاتمة الخير، ~~والأرز بالسكر: هو الشيخ الطبري بالطيلسان العسكري، واللوزينج أصابع الحور # 10 # والخبز: أبو جابر، والسكباج أم القدور والقلية: زلزل المغني، ~~والطباهج. الزرزور الصناج، والمضيرة: الشيخ اليهودي والخل: ~~أبو عامر الغضبان، والخيار: أبو الأخضر، والقثاء: ~~أبو القرون، والبصل: أبو القمصان، والدجاج: أم حفص، والفروج بنات المؤذن، والسكر، ~~أبو شيبة الخوذي # 11 # والخوان: أبو جامع، والرقاق: أبو حبيب، والثريد: أبو رزين، والبقل: أبو ~~جميل، واللحم: أبو الخصيب، والخبيص: أبو الطيب، والتمر أبو عون، ms048 والفالوذج، أبو سائغ. # 12 # مذهب الصوفية في إيثار الغموض # والصوفية في جميع العصور كانت لهم رموز وإشارات، ولو دون المؤلفون كل ما اصطلح عليه ~~الصوفية لكان من ذلك شيء كثير، والذي يتأمل ألفاظهم يراها تدل على لباقة وذكاء: ~~فألفاظهم المعاشية والاجتماعية وضعت في الأصل لستر معانيهم عن عامة الناس. # والصوفية في العصر الحاضر لهم تعايير خاصة بهم، وتنفرد كل طائفة بجملة من الاصطلاحات، ~~والشاذلية الذين صحبتهم فأحمدت صحبتهم، لهم كلمات لا تزال في البال على قدم العهد: ~~فالحلواء التي توزع على الإخوان بعد الحضرة اسمها النفحة، والورد الأكبر اسمه وظيفة، ~~والاسم الذي يلقن لكبار المريدين هواسم السر، والرفيق اسمه (أخينا) والمتكلم اسمه ~~(الفقير) وإذا طلب أحدهم من أخيه حاجة كان من الأدب أن يبدأ الخطاب بهذه العبارة: «نعم ~~سيدي» ورئيس الحضرة (المقدم) والرفاق اسمهم (الإخوان) والعقوبة اسمها (المناصفة)، وإذا ~~دعا المقدم الإخوان إلى إبداء الرأي قال: (تذاكروا يا حبايب). # وقد لاحظت أن تعايير الصوفية تختلف وفقا لمنشأ المذهب، فالشاذلية مثلا ألفاظهم في ~~الأكثر مغربية، والأحمدية ألفاظهم مصرية، وهكذا دواليك. # والذي ينظر في مناقب الصوفية - وهي كثيرة جدا ~~- يجد فروقا ظاهرة فيما نسب إلى القوم من الألفاظ والتعايير والاصطلاحات، ومن الطريف ~~أنهم قد يتعايرون بالألفاظ، كما يتفق ذلك لأهل ~~الديانات، فيسخر بعضهم من ألفاظ بعض. واختلافهم في الألفاظ والتعابير من دلائل الحيوية ~~وقوة الشخصية، ولو لم يكن لهم في الدنيا وجود ملحوظ لما احتاجت كلماتهم إلى من يجمعها ~~ويضع لها مختلف التأويلات. # أساس البيان عند الصوفية # وألفاظهم في الطعام خاصة تدل على شيئين: الأول استطراف الجمهور لما أذاعوا من ~~التعايير، وما كان يصح ذلك لولا اهتمامهم بالصور الأدبية، والثاني كلفهم بالطعام، وهذا ~~معقول؛ لأن الحرمان الذي درجوا عليه جعل للطعام في أنفسهم حرمة قوية عبروا عنها بتلك ~~الصور الشعرية التي خلدوا بها أسماء طائفة من الأطعمة المشتهاة، ولعل منهم من لا يزال ~~يغازل الأطعمة بالطريف المستملح من الكنى والألقاب، والشوق يبعث الخيال! # هل كان نظم الشعر مما لا يحسن بالنساك؟ # ومذهب ms049 الصوفية في الغموض معروف، وقد وصل صداه إلى ميادين النقد الأدبي، فرأينا ~~الثعالبي يعيب على المتنبي «امتثال ألفاظ المتصوفة واستعمال كلماتهم المعقدة ومعانيهم ~~المغلقة» في مثل قوله في وصف فرس: «سبوح لها منها عليها شواهد» وقوله: # أفيكم فتي حي يخبرني عني # بما شربت مشروبة الروح من ذهني # وقوله: # نال الذي نلت منه مني # لله ما تصنع الخمور # وقوله: # كبر العيان علي حتى إنه # صار اليقين من العيان توهما # وقوله: # وبه يضن على البرية لا بها # وعليه منها لا عليها يوسى # وقوله: # ولولا أنني في غير نوم # لكنت أظنني مني خيالا # قال الصاحب: ولو وقع قوله: # نحن من ضايق الزمان له في # ك وخانته قربك الأيام # في عبارات الجنيد والشبلي لتنازعته المتصوفة دهرا طويلا. # 13 # وعرض الصفدي ما روي أن أعرابيا لقيه رجل لم يكن يعرفه قبل ذلك فقال له: كيف كنت ~~بعدي؟ فقال له الأعرابي: ما بعد ما لا قبل له؟ ثم قال: «وأما قول شرف الدين بن الفارض: # حديثي قديم في هواها وما له # كما علمت بعد وليس له قبل # فأمر خارج عن العقل؛ لأن العقل لا يمكن أن يتصور شيئا لا قبل له ولا بعد إلا واجب ~~الوجود، ولكن الصوفية يحيلون مثل هذه الأشياء على الذوق ويقولون في مثل هذه الأمور: ~~إنها من وراء العقل». # ثم قال بعد أن روى حكاية شيخ تكلم على طرائق الصوفية في حضرة ابن دقيق العيد بكلام لم ~~يفهم منه غير المفردات: # وهؤلاء القوم يسلم لهم حالهم، فإنهم قد جاء منهم علماء كبار مثل الشيخ محيي ~~الدين بن عربي وقطب الدين بن معين، وفي كلامهم من هذا النوع كثير. # وحدثنا أن السنجاري عارض تائية ابن الفارض بتائية طويلة «حط فيها عليه» منها قوله: # ولست كمن أمسى على الحب كاذبا # مضلا لأرباب العقول السخيفة # يمن على الجهال من عصبة الهوى # بنسبته في الحب من غير نسبة # فيزعم طورا أنه عين عينها # ويزعم طورا أنها فيه حلت # ويجمع ما بين النقيضين قوله # وذاك محال في ms050 العقول السليمة # ومضى فذكر شيئا من أخبار الصوفية في التعمل والغموض، ثم قال: ومما يلحق بكلام ~~الصوفية وليس منه قول بعض الفضلاء: # ما يقول الفقيه أيده الله # ولا زال عنده الإحسان # في فتى علق الطلاق بشهر # قبل ما بعد قبله رمضان # وشاهد التعقيد الذي يشبه كلام الصوفية «أن البيت الثاني ينشد على ثمانية أوجه: ~~بالتقديم والتأخير والتغيير مع استعمال اللفظ في الحقائق دون المجاز وصحة الوزن، وكل ~~بيت منها يشتمل على مسألة من الفقه في التعاليق الشرعية والألفاظ اللغوية، وتلك المسألة ~~تشتمل على سبع مئة وعشرين مسألة من المسائل الفقهية والتعاليق اللغوية بشرط التزام ~~المجاز في الألفاظ وطرح الحقائق وعدم ذكر الوزن إلخ. إلخ». # 14 ~~••• # وقد أطال الصفدي في شرح هذه المعميات، وليس يعنينا إلا حكمه بأن هذا النمط من القول: ~~«يشبه كلام الصوفية». # وكتب ابن عربي إلى عمر بن الفارض يستأذنه في شرح التائية فأجابه: # كتابك المسمى بالفتوحات المكية شرح لها. # 15 # وفي كلا الأثرين غموض، ولا مانع من أن يشرح الغموض بالغموض، فنفى النفي إثبات! # ومن كلام ابن عربي: # يا من يراني ولا أراه # كم ذا أراه ولا يراني # وقد سأله بعض إخوانه لما سمع هذا البيت: كيف تقول: إنه لا يراك وأنت تعلم أنه يراك؟ ~~فقال: # يا من يراني مجرما # ولا أراه آخذا # كم ذا أراه منعما # ولا يراني لائذا # قال المقري: «من هذا وشبهه تعلم أن كلام الشيخ - رحمه الله - مئول، وأنه لا يقصد ~~ظاهره، وإنما له محامل تليق به ... فأحسن الظن به ولا تنتقد، بل اعتقد، وللناس في هذا ~~المعنى كلام كثير، والتسليم أسلم، والله بكلام أوليائه أعلم». # 16 # وما نريد أن نحكم بأن الغموض هو خير المذاهب الأدبية، وأن الصوفية صاروا بإيثار ~~الغموض خير الناس، لا، وإنما نريد أن نقول: إن وجودهم الأدبي كان ظاهرا جدا، وأن ~~مذهبهم في التعبير شاع حتى وصل صداه إلى ميادين النقد الأدبي، وليس الغموض بالمذهب ~~المذموم على الإطلاق، فله في مصر وغير مصر أنصار وأشياع، وليس من المستكره ms051 أن يعمد ~~الكاتب إلى معانيه فيفصح عن بعض ويرمز إلى بعض، بل قد يكون من مظاهر الأريستوقراطية ~~العقلية أن لا يفكر الكاتب إلا في الخواص، وهذه الأريستوقراطية ليست مذمومة في جميع ~~الأحوال؛ لأن الكاتب لا يحسن به دائما أن يخاطب جميع الناس، فللوضوح مقامات، وللغموض ~~مقامات، وكانت معاني الصوفية أدق من أن ترسل إلى مختلف الجماهير في ألفاظ واضحة ~~المدلول. # أصل التحامل على الشعر والشعراء # وأذواق الصوفية كانت مما ضرب به المثل في الحياة الأدبية، ومن ذلك «مدام الصوفي» في ~~قول جمال الدين عبد القاهر التبريزي يصف الشبابة: # وناطقة بأفواه ثمان # تميل بعقل ذي اللب العفيف # لكل فم لسان مستعار # يخالف بين تقطيع الحروف # تخاطبنا بلفظ لا يعيه # سوى من كان ذا طبع لطيف # نصيحة عاشق ونديم راع # وعزة موكب ومدام صوفي # 17 # وكانت طرائقهم في الإنشاء معروفة أيضا، فقد تحدث المقري عن أبي المطرف بن عميرة قال: # وأما الكتابة فهو فارسها الذي لا يجارضى، وصاحب عينها الذي لا يبارى، وله ~~وعظ على طريقة ابن الجوزي. # 18 # وكانت لهم آراء معروفة في المذاهب الأدبية، فهم الذين قاوموا القصاص، ومقاومة القصاص ~~تقوم على نزعة خلقية؛ لأن القصاص في رأيهم «يخلطون ويغلطون ويقدمون ويؤخرون» # 19 # ولكنها في الجوهر تقوم على استنكار مذهب من المذاهب الأدبية التي تعتمد ~~أولا وقبل كل شيء على حسن البيان، ومعنى هذا أن البيان عندهم يجب أن ينهض على أساس من ~~الخلق الصحيح. # دفاع خواص النساك عن الشعر والغناء # قد يقال: إن النساك كان يستكثر عليهم نظم الشعر، فإن المرزباني نقل بسنده أن ابن ~~شهاب قال: أتيت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود يوما في منزله فإذا هو مغيظ ~~ينفخ، فقلت له: ما لي أراك هكذا؟ قال: دخلت على عاملكم هذا - يعني عمر بن عبد العزيز - ~~ومعه عبد الله بن عمر بن عثمان فسلمت فلم يردا علي السلام، فقلت: # ألا فابلغا عني عراك بن مالك # فإن أنت لم تفعل فأبلغ أبا بكر # فقد جعلت تبدو ms052 شواكل منكما # فإنكما بي موقران من الصخر # وطاوعتما بي غادرا ذا معاكة # لعمري لقد أورى وما مثله يورى # 20 # فلولا اتقا الله اتقائي فيكما # للمتكما لوما أحر من الجمر # فمسا تراب الأرض منها خلقتما # وفيها المعاد والمقام إلى الحشر # ولا تأنفا أن تغشيا فتكلما # فما حشي الأقوام شرا من الكبر # ولو شئت أدلى فيكما غير واحد # علانية أو قال عندي في السر # فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما # ضحكت له حتى يلج ويستشري # وكيف تريدان ابن سبعين حجة # على ما أتى وهو ابن عشرين أو عشر # لقد علقت دلواكما دلو حول # من القوم لا رخو المراس ولا نزر # قال ابن شهاب: فقلت له: مثلك يرحمك الله مع نسكك وفضلك وفهمك يقول الشعر؟ فقال: إن ~~المصدور إذا نفث بري. # 21 ~~••• # أيكون هذا شاهدا على أن النساك ما كان يليق بهم أن ينظموا الشعر؟ هو ذاك، ولكن له ~~تأويل، فإن الحملة التي وجهت إلى الشعر على أثر ما كان من لدد اليهود وتوثب شعراء ~~المشركين كانت أثرت تأثيرا عميقا في حياة المسلمين من الوجهة الأدبية، فرأيناهم ~~يسرفون في بغض الشعر والنيل من الشعراء، وكان من ذلك أن قيل لسعيد بن المسيب: إن قوما ~~بالعراق يكرهون الشعر فقال: نسكوا نسكا أعجميا. وسئل ابن سيرين في المسجد عن رواية ~~الشعر في رمضان، وقد قال قوم: إنها تنقض الوضوء، فقال: # نبئت أن فتاة كنت أخطبها # عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول # ثم قام فأم الناس ... # وسئل ابن عباس: هل الشعر من رفث القول؟ فأنشد: # وهن يمشين بنا هميسا # إن تصدق الطير نن... لميسا # وقال: إنما الرفث عند النساء، ثم أحرم للصلاة. # ورأينا الناس يزعمون أن الإمام الشافعي قال: # ولولا الشعر بالعلماء يزري # لكنت اليوم أشعر من لبيد # ولا يزال شيوخ الأزهر مختلفين في بدء الشعر بالبسملة؛ لأنه فيما يرون ليس من الأمور ~~ذوات البال. ولا أدل على هوان الشعر في نظر الفقهاء من قول الغزالي: «وأما الشعر فكلام ~~حسنه حسن وقبيحه قبيح»، وهذا كله ms053 من أثر الحملة التي وجهت إلى الشعر والشعراء. # وقد اهتم ناس من أهل الأدب بتصحيح هذا الموقف، منهم ابن رشيق الذي أتعب نفسه بذكر ~~نماذج من أشعار الخلفاء والأئمة والقضاة؛ ليقيم الحجة على أن الشعر مباح. وحسب الشعر ~~هوانا أن تقول: إنه مباح. # 22 # والظاهر أن تلك الحملة كانت حملة عامية، فإن الذين أثاروها بعد الرسول هم العوام، ~~والذين قاوموها هم الخواص، فقد حدث محمد بن سلمة عن أبيه قال: أتيت عبد العزيز بن ~~المطلب أسأله عن بيعة الجن للنبي # صلى الله عليه وسلم # بمسجد الأحزاب ما كان بدؤها، فوجدته مستلقيا ~~يتغنى: # فما روضة بالحزن طيبة الثرى # يمج الندى جثجاثها وعرارها # بأطيب من أردان عزة موهنا # وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها # من الخفرات البيض لم تلق شقوة # وبالحسب المكنون صاف نجارها # فإن برزت كانت لعينك قرة # وإن غبت عنها لم يغمك عارها # فقلت له: أتغني أصلحك الله وأنت في جلالك وشرفك؟ أما والله لأحملنها ركبان نجد! ~~قال: فوالله ما اكترث بي وعاد يتغنى: # فما ظبية أدماء خفاقة الحشا # تجوب بظلفيها متون الخمائل # بأحسن منها إذ تقول تدللا # وأدمعها تذرين حشو المكاحل: # تمتع بذا اليوم القصير فإنه # رهين بأيام الصدود الأطاول # قال: فندمت على قولي وقلت له: أصلحك الله، أتحدثني في هذا بشيء؟ # فقال: نعم حدثني أبي قال: دخلت على سالم بن عبد الله بن عمر (رضي الله عنهم) وأشعب ~~يغنيه: # مغيرية كالبدر سنة وجهها # مطهرة الأثواب والعرض وافر # لها حسب زاك وعرض مهذب # وعن كل مكروه من الأمر زاجر # من الخفرات البيض لم تلق ريبة # ولم يستملها عن تقى الله شاعر # فقال له سالم: زدني! فغناه: # ألمت بنا والليل داج كأنه # جناح غراب عنه قد نفض القطرا # فقلت: أعطار ثوى في رحالنا # وما احتملت ليلى سوى طيبها عطرا # فقال له سالم: والله لولا أن تتداوله الرواة لأجزلت جائزتك فإنك من هذا الأمر بمكان. # 23 # والواقع أن هذا الضرب من التزمت كان كثير الوقوع في البيئات الإسلامية، ومن الرجعة ~~إليه ما ms054 نراه اليوم عند الوهابيين من مقاومة الموسيقا والغناء وما نراه عند ناس من أهل ~~مصر إذ يقاومون بعض الفنون الأدبية، ولو اقترح بعض المصلحين إدخال الثقافة الموسيقية في ~~المعاهد الدينية لما قوبل اقتراحه بغير السخرية والاستهزاء. # ولكن هذا التزمت لم يحل بين الصوفية وبين الأدب، ولم يصرفهم عن الموسيقا والغناء؛ ~~لأنهم يملكون عنصرين من أنفس عناصر الاستعداد: وهما الإخلاص والصفاء، وكذلك انطلقوا ~~ينظمون وينشئون في فنون مختلفة لا يصدهم عرف، ولا يعوقهم خوف، فكان منهم أقطاب في ~~الموسيقا والغناء. # والتزمت الذي أحيطوا به لا يخلو من فضل، فهو نفسه دليل على قوة الحاسة الخلقية، ~~وشاهد على أنهم لا يلهون حين ينظمون ويغنون، وإنما يتبعون وحي الوجدان. # وفي هذا الكتاب تنهض الحجج الدوامغ على أن الصوفية كانوا من قادة الفكر والبيان، ~~فسيرى القارئ كيف ابتدعوا فن المدائح النبوية، وكيف تدرج هذا الفن إلى أن صار من القوى ~~الأدبية، وسيرى كيف أنشأوا فن المناجاة الذي يتمثل في حب الذات الإلهية وفي الأدعية ~~والأوراد، وكيف أوحى الزهد أكرم الشعر إلى كبار الشعراء، وكيف كان بغضهم للدنيا مما عاد ~~على الأدب بكثير من النفحات الوجدانية، وكيف أجادوا القول في الوصايا والنصائح إلى آخر ~~ما تتفرق عناصره في قسم الأدب وقسم الأخلاق من هذا الكتاب. # وليتذكر القارئ أن «أدباءنا» هؤلاء لم يكونوا من المحترفين، وهذا نقص من جانب، وفضل ~~من جانب، هو نقص حين ننظر إلى بعض ما نراه في أدبهم أحيانا من ضعف النسج، وهو فضل حين ~~نراهم سلموا في الأغلب مما تورط فيه الأدباء المحترفون، حين أثقلوا أدبهم بالزخرف ~~والتنميق. # كيف نفهم أدب الصوفية؟ # وقارئ هذه الفصول مرجو أن ينظر إلى أدب الصوفية برفق، فهم يؤثرون المعاني ~~ويسيرون في ظلال الأذواق. وقد تكون اللمحة منهم أصدق شعرا وأوفى معنى من ديوان ينظمه ~~أديب من أهل الاحتراف. فإن رآنا القارئ نستجيد ما لا يستجيد فليتفضل بالتروي قبل أن ~~يحكم علينا بالتعصب، فلأدب القوم موازين غير ما وضعه أمثال الآمدي والجرجاني وأبي ~~هلال. # والقارئ مرجو ms055 أيضا أن يتسامح إن رآنا نظلمهم في بعض الأحيان، فما ندعي أننا ~~أحطنا خبرا بجميع مذاهبهم الذوقية، ومن الخير أن نعترف بأن حظنا من التصوف أقل من ~~القليل، وأننا لا نملك من أدوات هذا الأدب الصوفي إلا رسما ضئيلا جدا من رسوم ~~الصفاء. # وفي ظلال هذا التحفظ نشرع في درس الأدب الذي أنشأه التصوف، راجين أن لا يضيع ما ~~أنفقنا فيه من العمر والعافية، والله وحده هو المستعان. # | كلام الشعراء في الزهد # الزهد بعد المجون # نذكر في هذا الفصل أشياء من كلام الشعراء في الزهد، ولا نقول: الصوفية، فلهؤلاء وجهة ~~غير وجهة أولئك، إنما نريد الشعراء الذين عرفوا في بعض أدوار حياتهم بالمجون، ثم غزتهم ~~المعاني الروحية فنقلتهم من حال إلى حال. # والماجنون حين يزهدون يصبح شعرهم قيثارة تندب بأوتار الندم والخوف، ويمسون ولهم شمائل ~~تنفح بالوداعة واللين، ومن أمثلة ذلك حديث آدم بن عبد العزيز الأموي، وكان ماجنا ~~منهمكا في الشراب، وكان يصحب يعقوب بن الربيع أخا الفضل بن الربيع، وكان يعقوب أيضا ~~من أهل الخلاعة والمجون، ثم تاب آدم بن عبد العزيز ونسك، واتفق أن استأذن يوما على ~~يعقوب بن الربيع، وكان يشرب، فقال يعقوب: ارفعوا الشراب، فإن هذا قد تاب وأحسبه يكره أن ~~يحضره! فرفع الشراب وأذن له، فلما دخل آدم قال: إني لأجد ريح يوسف! فقال يعقوب: هو ~~الذي وجدت، ولكنا ظننا أن يثقل عليك لتركك له. قال: إي والله، إنه ليثقل علي ذاك! قال: ~~فهل قلت في ذلك شيئا منذ تركته؟ قال: نعم! وأنشد: # ألا هل فتى عن شربها اليوم صابر # ليجزيه عن صبره الغد قادر # شربت فلما قيل: ليس بنازع # نزعت وثوبي من أذى اللوم طاهر # 1 # حديث آدم بن عبد العزيز # ونبدأ هذا الفصل بالكلام عن أبي نواس؛ لأنه أظهر شخصية تكلمت في الزهد بعد المجون، ~~ويمتاز أبو نواس بالإخلاص في كل ما لهج به من المعاني الشعرية، فهو مخلص في زندقته، ~~ومخلص في فجوره، ومخلص في تقاه، ولا تكاد تشعر بأن أبا ms056 نواس يعبث، إنما يتكلم بكلام ~~أصحاب المبادئ: فهو يشك عن إخلاص، ويلحد عن إخلاص، ويفسق عن إخلاص، ويتوب عن إخلاص، فهو ~~أنموذج لقوة الروح وحياة الوجدان، في مسالك الهوى ومسارب الضلال. وأول ما تنبهنا له من ~~شعور أبي نواس بلوعة الندم قوله في مطلع قصيدة يمدح بها الأمين: # يا دار ما فعلت بك الأيام # ضامتك والأيام ليس تضام # عرم الزمان على الذين عهدتهم # بك قاطنين وللزمان عرام # 2 # أيام لا أغشى لأهلك منزلا # إلا مراقبة علي ظلام # ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم # وأسمت سرح اللهو حيث أساموا # وبلغت ما بلغ أمرؤ بشبابه # فإذا عصارة كل ذاك أثام # وهذه «العصارة» ظلت تلاحق أبا نواس بمرهوب الخيال، ولعله كان يقاسي اعتلاج هذه ~~المرارة حين قال يدافع عن اقتراف الشهوات: # غدوت على اللذات منهتك الستر # وأفضت بنات السر مني إلى الجهر # وهان علي الناس فيما أريده # بما جئت فاستغنيت عن طلب العذر # رأيت الليالي مرصدات لمدتي # فبادرت لذاتي مبادرة الدهر # وهذا الشعر يمثل مذهبه في تعليل الفسوق، فهو يخاف من الليالي ويراها تنتهب مدته في ~~الحياة، فيسبق لاقتناص ما يستطيع اقتناصه من طيب اللذات. # إخلاص أبي نواس في ميادين اللهو والجد # ثم ننظر فإذا عمر أبي نواس يميل إلى الغروب، وعندئذ ينفر من اللذات تجملا فيقول: # أيا من بين باطية وزق # وعود في يدي غان مغني # إذا لم تنه نفسك عن هواها # وتحسن صونها فإليك عني # فإني قد شبعت من المعاصي # ومن إدمانها وشبعن مني # ومن أسوا وأقبح من لبيب # يرى متطربا في مثل سني # ونراه يفزع عن قرب أجله فيقول: # سهوت وغرني أملي # وقد قصرت في عملي # ومنزلة خلقت لها # جعلت لغيرها شغلي # يظل الدهر يطلبني # وينحوني على عجل # فأيامي تقربني # وتدنيني إلى أجلي # أو يجزع من الشيب فيقول: # انقضت شرتي # 3 # فعفت الملاهي # إذ رمى الشيب مفرقي بالدواهي # ونهتني النهى فملت إلى العد # ل وأشفقت من مقالة ناه # أيها الغافل المقيم على السهو # ولا عذر في المقام لساه # لا بأعمالنا نطيق ms057 خلاصا # يوم تبدو السماء فوق الجباه # ثم نراه ينظر إلى العمر نظرة فلسفية إذ يقول: # إن مع اليوم فاعلمن غدا # فانظر بما ينقضي مجيء غده # ما ارتد طرف امرئ بلذته # إلا وشيء يموت من جسده # والبيت الثاني يمثل عند الشعور به أقصى غايات الخوف والجزع. # نوازعه الزهدية # ولأبي نواس نظرات في الناس والحياة، فالناس عنده يتسللون من الهالكين، وإذا انتسب ~~الرجل فهو ابن فلان الهالك ابن فلان الهالك، وهكذا دواليك إلى آدم، فنسبهم في الهلاك ~~نسب عريق، والحياة عنده عدو يلبس ثوب الصديق. # أرى كل حي هالكا وابن هالك # وذا حسب في الهالكين عريق # فقل لقريب الدار: إنك ظاعن # إلى منزل نائي المحل سحيق # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت # له عن عدو في ثياب صديق # وهذه النظرة على جانب من الدقة وطرافة الخيال، فأنساب الناس مطمورة في التراب، ~~والدنيا تبدو في زينتها وتبسم كل يوم، ولكنها تعطينا اللذات بثمن غال عزيز، هي تأخذ ~~العمر والعافية، وأي شيء أثمن من العمر والعافية؟ # رأيه في الدنيا والناس # وأبو نواس، على ما به، يثق بالله، ويدعو إلى الثقة به، ويرى الحاجة إلى الناس من ~~علامات ضعف اليقين، ويقول: # لو لم تكن لله متهما # لم تمس محتاجا إلى أحد # الاهتمام برواية زهديات أبي نواس # وشهرة أبي نواس بالخلاعة والمجون لم تمنع أهل الفضل من رواية شعره. في الزهد، وقد ~~اختار له ابن أبي الحديد # 4 # الرائية التي يقول فيها يخاطب الآدميين: # يا بني النقص والعبر # وبني الضعف والخور # وبني البعد في الطبا # ع على القرب في الصور # وفي البيت الثاني نظرة فلسفية لا تكثر على أبي نواس وقد خبر طوائف كثيرة من خلق ~~الله! # وحدث أحمد بن يحيى ثعلب قال: كنت أحب أن أرى أحمد بن حنبل فصرت إليه، فلما دخلت عليه ~~قال لي: فيم تنظر؟ فقلت: في النحو والعربية، فأنشدني أبو عبد الله أحمد بن حنبل: # إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل # خلوت، ولكن قل: علي رقيب # ولا تحسبن الله يغفل ما ms058 مضى # ولا أن ما تخفي عليه يغيب # لهونا عن الأيام حتى تتابعت # ذنوب على آثارهن ذنوب # فيا ليت أن الله يغفر ما مضى # ويأذن في توباتنا فنتوب # 5 # وهذه الأبيات من شعر أبي نواس، وحسبه شرفا أن يروي شعره أحمد بن حنبل. # وفي ديوان أبي نواس باب اسمه باب الزهد يشتمل على قصائد ومقطوعات تمثل رأي الشاعر في ~~بعض الأزمات النفسية والأخلاقية، فليرجع إليه القارئ إن شاء. ولكن لا بد من الإشارة إلى ~~أن هذا الشاعر يتفق له أحيانا أن ينطق بأبيات هي نماذج من الندم الموجع وهو يتحدث عن ~~المجون، وتعليل ذلك سهل: فلبعض النفوس الجوامح صبوات إلى ما في الرشد من طمأنينة ~~وأمان. # شعر أبي العتاهية # وبعد أبي نواس يأتي أبو العتاهية، وكان أولى بالتقديم لغلبة الزهد على شعره، ولكنا ~~نرى القليل من زهديات أبي نواس أحفل بروح الصدق من كثير أبي العتاهية. # كان أبو العتاهية غزير البحر، لطيف المعاني، سهل الألفاظ، كثير الافتنان قليل التكلف، ~~إلا أنه كثير الساقط المرذول مع ذلك، وأكثر شعره في الزهد والأمثال. # 6 # وكان في صباه لا يتخير أصدقاءه من خيار الناس، فلما تقدمت به السن مال إلى الرزانة ~~والجد، ولكن ماضيه في صحبة الفارغين ظل يلاحقه طول حياته، وظل معاصروه يتهمونه بتكلف ~~الزهد ويتقولون عليه الأقاويل. # قال الجاحظ: وزعم لي بعض أصحابنا قال: دخلت على أبي العتاهية في بعض المتنزهات وقد ~~دعا عياشا صاحب الجسر وتهيأ له بطعام وقال لغلامه: إذا وضعت قدامهم الغداء فقدم إلي ~~ثريدة بخل وزيت، فدخلت عليه وإذا هو يأكل منها أكل متكمش غير منكر لشيء، فدعاني فمددت ~~يدي معه، فإذا بثريدة بخل وبزر بدلا من الزيت، فقلت له: أتدري ما تأكل؟ قال: نعم! ~~ثريدة بخل وبزر فقلت: وما دعاك إلى هذا؟ قال: غلط الغلام بين دبة الزيت ودبة البزر # 7 # فلما جاءني كرهت التجبر وقلت: دهن كدهن فأكلت وما أنكرت شيئا. # 8 # وهم بهذا يتهمونه بالشح على نفسه، ويرونه من أهل الحرص على ما يملك وليس ms059 ذلك من أخلاق ~~الزاهدين. # وقال ثمامة بن أشرس: أنشدني أبو العتاهية: # إذا المرء لم يعتق من المال نفسه # تملكه المال الذي هو مالكه # ألا إنما مالي الذي أنا منفق # وليس لي المال الذي أنا تاركه # إذا كنت ذا مال فبادر به الذي # يحق وإلا استهلكته مهالكه # فقلت له: من أين قضيت بهذا؟ قال: من قول رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إنما لك من مالك ما ~~أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت». # فقلت له: أتؤمن بأن هذا قول رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأنه الحق؟ قال: نعم. قلت: فلم تحبس ~~عندك سبعا وعشرين بدرة في دارك # 9 # ولا تأكل منها ولا تشرب ولا تزكي ولا تقدمها ذخرا ليوم فقرك وفاقتك؟ ~~فقال: يا أبا معن، والله إن ما قلت لهو الحق، ~~ولكني أخاف الفقر والحاجة إلى الناس، فقلت: وبم تزيد حال من افتقر على حالك، وأنت دائم ~~الحرص، دائم الجمع، شحيح على نفسك، لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد؟ فترك جواب كلامي ~~كله ثم قال لي: والله لقد اشتريت في يوم عاشوراء لحما وتوابله وما يتبعه بخمسة دراهم. ~~فلما قال لي هذا القول أضحكني حتى أذهلني عن جوابه ومعاتبته، فأمسكت عنه وعلمت أنه ليس ~~ممن شرح الله صدره للإسلام. # 10 # وفي هذه القصة فكاهة، واختراعها يدل على غرام من عاصروا أبا العتاهية بتعقب أخباره ~~وحمل الناس على الارتياب في حقيقة ما كان يعلن من الزهد. # وحدثوا أنه كان لأبي العتاهية جار ضعيف، سيئ الحال، متجمل عليه ثياب، فكان يمر بأبي ~~العتاهية طرفي النهار، فيقول أبو العتاهية: اللهم أغنه عما هو بسبيله، شيخ ضعيف، سيئ ~~الحال، عليه ثياب متجمل، اللهم أعنه واصنع له وبارك فيه. فبقي على هذا الحال إلى أن مات ~~الشيخ نحوا من عشرين سنة، وما تصدق عليه قط بدرهم ولا دانق، وما زاد على الدعاء شيئا. ~~قال المحدث: فقلت له يوما: يا أبا إسحاق، إني أراك تكثر الدعاء لهذا الشيخ وتزعم أنه ~~فقير مقل، ms060 فلم لا تتصدق عليه بشيء؟ فقال: أخشى أن يعتاد الصدقة، والصدقة آخر كسب ~~العبد، وإن في الدعاء لخيرا كثيرا. # 11 # بخله وحرصه على المال # والكلام عن بخل أبي العتاهية وشحه ومنعه الزكاة كثير جدا يجده القارئ في الأغاني ~~وغيره، والأقاصيص المروية عنه بعضها صحيح وبعضها منحول، ولكنها في جملتها تدل على أن ~~معاصريه تلقوا مسلكه في الزهد بالغمز والسخرية، واستكثروا عليه أن يكون من أهل الحكمة ~~والدين. # وقد كانت له بالفعل آراء فيها تطرف، ولم يسلم من التهمة بالزندقة، وكان من العسير أن ~~تمر الأزمان العقلية في زمانه ولا تمسه بشيء من ~~السوء، وقد استطاع خصومه أن يهيجوا عليه العامة، وأن يدعوا أنه زنديق، وأن يتهموه ~~بالتهاون بالجنة وابتذال ذكرها في شعره إذ يقول: # كأن عتابة من حسنها # دمية قس فتنت قسها # يا رب لو أنسيتنيها بما # في جنة الفردوس لم أنسها # 12 # ولاتهامه بالزندقة أخبار كثيرة، وذلك يدل على أن معاصريه لم يتقبلوا زهده بأحسن ~~القبول، وما ظنكم برجل كان الخواص من أحبائه يذكرون أخبار زهده بالسخرية، فقد حدث ~~مخارق أن أبا العتاهية دعاه لزيارته، فلما حضر وجد الشواء والشراب والفاكهة ~~والريحان، فشرب ما شاء، ثم قال له أبو العتاهية: غنني في قولي: # أحمد قال لي ولم يدر ما بي # أتحب الغداة عتبة حقا # فغناه، فشرب قدحا وهو يبكي أحر بكاء، ثم قال: غنني في قولي: # ليس لمن ليست له حيلة # موجودة خير من الصبر # فغناه وهو يبكي وينشج، ثم شرب قدحا آخر وقال: غنني، فديتك، في قولي: # خليلي ما لي لا تزال مضرتي # تكون مع الأقدار حتما من الحتم # قال مخارق: وما زال يقترح علي كل صوت غني به في شعره فأغنيه ويشرب ويبكي حتى صار ~~العتمة فقال: أحب أن تصبر حتى ترى ما أصنع، فجلست فأمر ابنه وغلامه فكسرا كل ما بين ~~أيدينا من النبيذ وآلته والملاهي، ثم أمر بإخراج كل ما في بيته من النبيذ وآلته فأخرج ~~جميعه، فما زال يكسره ويصب النبيذ وهو يبكي حتى ms061 لم يبق من ذلك شيء، ثم نزع ثيابه ~~واغتسل، ثم لبس ثيابا بيضا من صوف، ثم عانقني وبكى، ثم قال: السلام عليك يا حبيبي ~~وفرحي من الناس كلهم، سلام الفراق الذي لا لقاء بعده، وجعل يبكي، وقال: هذا آخر عهدي ~~بك في حال تعاشر أهل الدنيا، فظننت أنها بعض حماقاته، فانصرفت وما لقيته زمانا، ثم ~~تشوقته فأتيته فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت، فإذا هو أخذ قوصرتين # 13 # وثقب إحداهما وأدخل رأسه ويديه فيها وأقامها مقام القميص، وثقب الأخرى ~~وأخرج رجليه منها وأقامها مقام السراويل. فلما رأيته نسيت كل ما كان عندي من الغم عليه ~~والوحشة لعشرته، وضحكت والله ضحكا ما ضحكت مثله قط. فقال: من أي شيء تضحك؟ فقلت: أسخن ~~الله عينك! هذا أي شيء هو؟ من بلغك عنه أنه فعل مثل هذا من الأنبياء والزهاد والصحابة ~~والمجانين؟ انزع عنك هذا يا سخين العين. # 14 # اتهامه بالزندقة # ما لنا ولأخبار أبي العتاهية نتحدث عن الصحيح منها والمنحول، ونسرد ما أضيف إليه على ~~سبيل الفكاهة والسخرية ، إنه لا شك في أن أبا العتاهية شغل بتقويم نفسه، وأقبل في بعض ~~أدوار حياته على التنسك والزهد، ولا يخرج حاله عن فرضين: الأول أن يكون مخلصا، الثاني ~~أن يكون مرائيا، فإن كان مخلصا فشعره شاهد ذلك الإخلاص، وإن كان مرائيا فهو ورياؤه ~~وأشعاره من مظاهر التصوف؛ لأن التخلق بأخلاق الزهاد لا يكون إلا إن صح لهم اسم وصيت، ~~ولا جدال في أن الزهاد كان لهم سلطان في ذلك العهد، وكان يسر أبا العتاهية أن يقف من ~~الخلفاء ذلك الموقف المشرف الذي كان يقفه عمرو بن عبيد وعبد الله بن المبارك، وقد صح ~~له شيء من تلك الأحلام، فذكر بالخير في مجلس الرشيد ومجلس المأمون. # 15 # سخرية معاصريه من تزهده # غير أنه لا ينكر أن مجموعة أخبار أبي العتاهية تمثله رجلا يضجره القلق، ويقل في ~~حياته الأمن والاطمئنان، ودليل ذلك ما حدث به أبو عكرمة عن شيخ له من أهل الكوفة قال: ~~دخلت مسجد المدينة ms062 ببغداد بعد أن بويع الأمين محمد بسنة، فإذا شيخ عليه جماعة وهو ينشد: # لهفي على ورق الشباب # وغضونه الخضر الرطاب # ذهب الشباب وبان عني ~~(م) غير منتظر الإياب # فلأبكين على الشبا # ب وطيب أيام التصابي # ولأبكين من البلى # ولأبكين من الخضاب # إني لآمل أن أخلد (م) # والمنية في طلابي # قال: فجعل ينشدها وإن دموعه لتسيل على خديه، فلما رأيت ذلك لم أصبر أن ملت فكتبتها، ~~وسألت عن الشيخ فقيل لي: هو أبو العتاهية. # 16 # فهذه الحسرة على الشباب وأيام التصابي تصوره رجلا مغلوبا على اللذات، وتطعن في صحة ~~زهده، ولو كان زهده عن إخلاص مطلق لرمى بذكريات الشباب حيث رمتها الأيام. # ولسنا نقول: بأن الزهد يقضي على جميع الصبوات القلبية، وأن بكاء الشباب لا يمر بقلب ~~رجل زاهد، وأن الحسرة على أيام التصابي لا تكون إلا من رجل مزعزع اليقين، لا، ولكنا ~~نتخذ من ذلك شاهدا على أن الرجل ظل يعيش إلى أخريات أيامه بقلب مفتون بأيام الصبوة ~~والفتك، وإن كان شعره في الزهد ملأ الدنيا وغزا صوامع الرهبان. # 17 # قلقه الروحي وحزنه على الشباب # أما شعر أبي العتاهية في الزهد فكان في الأغلب ~~سهلا لينا، وكانت له في ذلك سياسة يكشف عنها حديث نقله صاحب الأغاني عن كتاب هارون بن ~~علي، قال: حدثني علي بن مهدي عن ابن أبي الأبيض قال: أتيت أبا العتاهية فقلت له: إني ~~رجل أقول الشعر في الزهد، ولي فيه أشعار كثيرة، ~~وهو مذهب أستحسنه لأني أرجو أن لا آثم فيه، وسمعت شعرك في هذا المعنى فأحببت أن أستزيد ~~منه، فأحب أن تنشدني من جيد ما قلت، فقال: اعلم أن ما قلته رديء. قلت: وكيف! قال: لأن ~~الشعر ينبغي أن يكون مثل أشعار الفحول المتقدمين، أو مثل شعر بشار وابن هرمة، فإن لم ~~يكن كذلك فالصواب لقائله أن تكون ألفاظه مما لا تخفى على جمهور الناس مثل شعري، ولا ~~سيما الأشعار التي في الزهد، فإن الزهد ليس من مذاهب الملوك، ولا من مذاهب رواة الشعر ms063 ~~ولا طلاب الغريب، وهو مذهب أشغف الناس به الزهاد وأصحاب الحديث والفقهاء وأصحاب الرياء ~~والعامة، وأعجب الأشياء إليهم ما فهموه، فقلت: صدقت. ثم أنشدني قصيدته: # لدوا للموت وابنوا للخراب # فكلكم يصير إلى تباب # ألا يا موت لم أر منك بدا # أتيت وما تحيف وما تحابي # كأنك قد هجمت على مشيبي # كما هجم المشيب على شبابي # 18 # وهذا اعتذار عن إيثار السهولة واللين، وهو لا يمنع أن يقع للشاعر شيء من الكلام ~~الجزل. كأن يقول: # طول التعاشر بين الناس مملول # ما لابن آدم إن فتشت معقول # يا راعي الشاء لا تغفل رعايتها # وأنت عن كل ما استرعيت مسئول # إني لفي منزل ما زلت أعمره # على يقين بأني عنه منقول # وليس من موضع يأتيه ذو نفس # إلا وللموت سيف فيه مسلول # لم يشغل الموت عنا مذ أعد لنا # وكلنا عنه باللذات مشغول # ومن يمت فهو مقطوع ومجتنب # والحي ما عاش مغشي وموصول # كل ما بدا لك فالآكال فانية # وكل ذي أكل لا بد مأكول # ولأبي العتاهية في زهدياته مذاهب، فتارة يدعو إلى اليأس من الناس، كأن ينفر من الثقة ~~بالأصدقاء فيقول: # ليخل امرؤ دون الثقات بنفسه # فما كل موثوق به ناصح الجيب # أو يتهمهم بضعة النفس والتبعية للأغنياء فيقول: # وابغ ما اسطعت عن الناس الغنى # فمن احتاج إلى الناس ضرع # 19 # قد بلونا الناس في أخلاقهم # فرأيناهم لذي المال تبع # أو يحكم بأنهم لا يتعارفون إلا بفضل ما ستروا ~~من نوازع الشر فيقول: # وفي الناس شر لو بدا ما تعاشروا # ولكن كساه الله ثوب غطاء # أو يصفهم بالفضول فيقول: # وللناس خوض في الكلام وألسن # وأقربها من كل خير صدوقها # وما صح إلا شاهد صح غيبه # وما تنبت الأغصان إلا عروقها # أو يرميهم بالبخل فيقول: # لو رأى الناس نبيا # سائلا ما وصلوه # أنت ما استغنيت عن صا # حبك الدهر أخوه # فإذا احتجت إليه # ساعة مجك فوه # وتارة يدعو إلى القناعة فيقول: # متى تنقضي حاجات من ليس واصلا # إلى حاجة حتى تكون له أخرى ms064 # وإن امرأ يسعى لغير نهاية # لمنغمس في لجة الفاقة الكبرى # وفي هذين البيتين صورة جيدة للشقاء الذي يتتابع وفقا لتتابع الرغائب، وقد زاد هذا ~~المعنى إيضاحا حين قال من كلمة ثانية: # ليس على المرء في قناعته # إن هي صحت أذى ولا نصب # من لم يكن بالكفاف مقتنعا # لم تكفه الأرض كلها ذهب # وتارة يسلك مسلك التخويف من عواقب الحياة، وله في ذلك معان جيدة كقوله في نقص الأنفس ~~من حيث تكون الزيادة في الفتوة: # ونفس الفتى مسرورة بنمائها # وللنقص تنمو كل ذات نماء # وقوله يصف يقظة الموت: # لم يشغل الموت عنا منذ أعد لنا # وكلنا عنه باللذات مشغول # وقوله في الترهيب من الغرور بما يملك الرجال: # يا رب ذي نشب تكنفه # حب الحياة وغره نشبه # قد صار مما كان يملكه # صفرا # 20 # وصار لغيره سلبه # 21 # يا صاحب الدنيا المحب لها # أنت الذي لا ينقضي تعبه # إن استهانتها بمن صرعت # لبقدر ما تسمو به رتبه # وإن استوت للنمل أجنحة # حتى يطير فقد دنا عطبه # إني حلبت الدهر أشطره # فرأيته لم يصف لي حلبه # حلم الفتى مما يزينه # وتمام حلية فضله أدبه # ولأبي العتاهية لحظات يقف فيها موقف الواعظ، كأن يقول: # الحرص داء قد أضر # بمن ترى إلا قليلا # كم من عزيز قد رأيت # الحرص صبحه ذليلا # فتجنب الشهوات واحذر # أن تكون لها قتيلا # فلرب شهوة ساعة قد # أورثت حزنا طويلا # من لم يكن لك منصفا # في الود فابغ به بديلا # وعليك نفسك فارعها # واكسب لها فعلا جميلا # ولقلما تلقى اللئيم # عليك إلا مستطيلا # والمرء إن عرف الجمي # ل وجدته يبغي الجميلا # اضرب بطرفك حيث شيء # ت فلا ترى إلا بخيلا # وقد يتشاءم من الوجود كله ويرى الراحة في الاستهانة به فيقول: # يا رب برق شمته # عادت مخيلته عجاجا # ولرب عذب صار بع # د عذوبة ملحا أجاجا # ولرب أخلاق حسا # ن عدن أخلاقا سماجا # كدر الصفاء من الصد # يق فلا ترى إلا مزاجا # وإذا الأمور تزاوجت # فالصبر أكرمها نتاجا # هون عليك ms065 مضايق ال # دنيا تعد سبلا فجاجا # من عاج من شيء إلى # شيء أصاب له معاجا # 22 # وقد تغلب عليه الحكمة، والرغبة في النصح، كأن يدعو إلى صيانة الوجه عن السؤال فيقول: # ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله # عوضا ولو نال الغنى بسؤال # أو يدعو إلى القناعة بالقليل فيقول: # متى تمسي وتصبح مستريحا # وأنت الدهر لا ترضى بحال # وقد يجري قليل المال مجرى # كثير المال في سد الخلال # إذا كان القليل يسد فقري # ولم أجد الكثير فلا أبالي # أو يحبب إليهم الصمت فيقول: # الصمت أجمل بالفتى # من منطق في غير حينه # لا خير في حشو الكلا # م إذا اهتديت إلى عيونه # طريقته في نظم أشعار الزهد # بقيت مسألة أكثر الرواة من الكلام عليها، ولكنا ~~لا نفهمها، فقد حدثوا أن أبا العتاهية امتنع عن الغزل، وأن ذلك غاظ الرشيد فحبس من أجله ~~أبا العتاهية؛ ولذلك أخبار طوال ذكر بعضها في الأغاني، وبعضها في زهر الآداب، وليس من ~~المستحيل أن يقع ذلك من الرشيد، ولكنه سخف لا يبعد أن يكون من وضع الملفقين، وهذا البحث ~~يوجب أن نشير إلى بعض تلك الأخبار، فلنكتف بما نقل محمد بن صالح عن أبي العتاهية. قال: ~~كان الرشيد مما يعجبه غناء الملاحين في الزلالات # 23 # إذا ركبها، وكان يتأذى بفساد كلامهم ولحنهم، فقال: قولوا لمن معنا من ~~الشعراء يعملوا لهؤلاء شعرا يغنون فيه، فقيل له: ليس أقدر على هذا من أبي العتاهية، ~~وهو في الحبس، قال: فوجه إلي الرشيد: قل شعرا حتى أسمعه منهم، ولم يأمر بإطلاقي، ~~فغاظني ذلك، فقلت: والله لأقولن شعرا يحزنه، ولا يسر به، فعملت شعرا ودفعته إلى من ~~حفظه الملاحين، فلما ركب الحراقة سمعه، وهو: # خانك الطرف الطموح # أيها القلب الجموح # لدواعي الخير والشر # دنو ونزوح # هل لمطلوب بذنب # توبة منه نصوح # كيف إصلاح قلوب # إنما هن قروح # أحسن الله بنا أن # الخطايا لا تفوح # 24 # فإذا المستور منا # بين ثوبيه نضوح # كم رأينا من عزيز # طويت عنه الكشوح # صاح منه برحيل # صائح الدهر ms066 الصدوح # موت بعض الناس في الأر # ض على قوم فتوح # سيصير المرء يوما # جسدا ما فيه روح # بين عيني كل حي # علم الموت يلوح # كلنا في غفلة وال # موت يغدو ويروح # لبني الدنيا من الدن # يا غبوق وصبوح # رحن في الوشى وأصبح # ن عليهن المسوح # كل نطاح من الده # ر له يوم نطوح # نح على نفسك يا مس # كين إن كنت تنوح # لتموتن وإن عمر # ت ما عمر نوح # قال: فلما سمع الرشيد ذلك جعل يبكي وينتحب، وكان الرشيد من أغزر الناس دموعا في وقت ~~الموعظة، وأشدهم عسفا في وقت الغضب والغلظة، فلما رأى الفضل بن الربيع كثرة بكائه أومأ ~~إلى الملاحين أن يسكتوا. # 25 # وهذا الحديث يدل على ثلاثة أمور: الأول أن الملاحين لذلك العهد كانوا يلحنون، وذلك ~~معقول، فما نظن أن الفصيح ساد سيادة مطلقة في جميع الطبقات في أي عصر من العصور، وليس ~~هذا خاصا باللغة العربية: فسائر اللغات كذلك؛ لأن الإفصاح في أغلب الأحيان من سمة ~~الخواص. # والثاني أن أبا العتاهية كان معروفا بسهولة الشعر، وبأنه أقدر الناس على النظم ~~الفصيح الذي يفهمه العوام. # والثالث أن أبا العتاهية كان لا يخلو من الميل إلى الأذى، فهذا الشعر الجيد لم ينظم ~~لوجه الحق، وإنما نظم لإيذاء الرشيد، وهذا الميل الخبيث كانت له أسباب فما كان يعقل أن ~~ينظم أبو العتاهية أبياتا تصلح لبشاشة الغناء وهو سجين، ولكن التعريض بالرشيد وإنذاره ~~بزوال الدنيا والملك هو في هذا الموقف من نزغات الشيطان. # صور من خوالجه الزهدية # ولا ننكر أن في هذا شيئا من روح الشجاعة وهي من أهم آثار التصوف وقد شجع في موطن ~~آخر حين كتب إلى الرشيد، وقد توانى في إخراجه من الحبس. # أما والله إن الظلم لوم # 26 # وما زال المسيء هو الظلوم # إلى ديان يوم الدين نمضي # وعند الله تجتمع الخصوم # لأمر ما تصرفت الليالي # وأمر ما توليت النجوم # 27 # تموت غدا وأنت قرير عين # من الغفلات في لجج تعوم # تنام ولم تنم عنك المنايا ms067 # تنبه للمنية يا نئوم # سل الأيام عن أمم تقضت # ستخبرك المعالم والرسوم # تروم الخلد في دار المنايا # وكم قد رام غيرك ما تروم # أخباره مع الرشيد # ولا بد من الإشارة إلى أرجوزته المزدوجة التي سماها «ذات الأمثال» وهذه الأرجوزة من ~~بدائع أبي العتاهية # 28 # وقد جرى ذكرها بحضرة الجاحظ وأنشد المنشد قوله: # يا للشباب المرح التصابي # روائح الجنة في الشباب # فقال الجاحظ للمنشد: قف، ثم قال: انظروا إلى قوله: # روائح الجنة في الشباب # فإن له معنى كمعنى الطرب الذي لا يقدر على معرفته إلا القلوب، وتعجز عن ترجمته ~~الألسنة، إلا بعد التطويل وإدامة التفكير، وخير المعاني ما كان القلب إلى قبوله أسرع من ~~اللسان إلى وصفه. # 28 # وتلك الأرجوزة تجمع بين الحكمة والزهد، فهي دستور أبي العتاهية في الأخلاق، ولنكتف ~~منها بهذه الشذرات: # حسبك مما تبتغيه القوت # ما أكثر القوت لمن يموت # الفقر فيما جاوز الكفافا # من اتقى الله رجا وخافا # هي المقادير فلمني أو فذر # إن كنت أخطأت فما أخطأ القدر # لكل ما يؤذي وإن قل ألم # ما أطول الليل على من لم ينم # ما انتفع المرء بمثل عقله # وخير ذخر المرء حسن فعله # إن الفساد ضده الصلاح # ورب جد جره المزاح # من جعل النمام عينا هلكا # مبلغك الشر كباغي هلكا # إن الشباب والفراغ والجده # مفسدة للمرء أي مفسده # ما عيش من آفته بقاؤه # نغض عيشا طيبا فناؤه # ما تطلع الشمس ولا تغيب # إلا لأمر شأنه عجيب # ما زالت الدنيا لنا دار أذى # ممزوجة الصفو بألوان القذى # الخير والشر بها أزواج # لذا نتاج ولذا نتاج # من لك بالمحض وليس محض # يخبث بعض ويطيب بعض # لكل إنسان طبيعتان # خير وشر وهما ضدان # إنك لو تستنشق الشحيحا # وجدته أنتن شيء ريحا # والخير والشر إذا ما عدا # بينهما بون بعيد جدا # عجبت حتى غمني السكوت # صرت كأني حائر مبهوت # كذا قضى الله فكيف أصنع # الصمت إن ضاق الكلام أوسع # وهذه الأرجوزة التي يقال: إن له فيها أربعة آلاف مثل # 29 # لا يمكن ms068 أن تصدر إلا عن رجل مشغول بالأخلاق، وابتداع الحكم والأمثال لا بد ~~له من صفاء، والصفاء ليس من حظ النفوس المقتولة بالشواغل الدنيوية، فلا مفر من الاعتراف ~~بأن أبا العتاهية استطاع أن يخلص من دنياه بعض الخلاص، ليفرغ لنظم أشباه هذه ~~الأمثال. # أرجوزته المزدوجة # وما أدري كيف يغلبني الميل إلى عرض أكثر ~~الجوانب من شخصية أبي العتاهية، مع رغبتي في إيجاز هذا الفصل، ولعل السر في ذلك خوفي من ~~مشاركة من عاصروه في الغض من قيمته الأخلاقية، فقد كانت لهم من دنيا ذلك الشاعر شبهات ~~تبرر التجني عليه، أما نحن فلم يبق أمامنا إلا هذه الثروة الأدبية، وهي الأصل الأول في ~~تقدير قيمته الذاتية، أما لغو المعاصرين فليس بحجة؛ لأن الحسد يحمل الناس على ارتكاب ~~جريمة الإفك والبهتان. # والواقع أن المرء يحسد على السمعة الطيبة أكثر ~~مما يحسد على الثراء العريض، ولا سيما في عالم المنازعات الأدبية، وأكثر الرواة ~~والشعراء لعهد أبي العتاهية كانت سمعتهم مما تلغط به الجماهير، وكانت لهم أندية يكثر ~~فيها اللغو، وتقع فيها الآثام حول موائد الشراب، وكان من العزيز عليهم أن يطير عنهم أبو ~~العتاهية فيحلق في سماء الفضيلة، ويثير شعره دموع بعض الخلفاء. # قيمته الذاتية # هذا، ولا بد من الإشارة إلى أن شعور أبي العتاهية بتفاهة الدنيا تمثل له عند الموت، ~~في صورة جديدة، فقد أعلن يأسه من وفاء الأصدقاء، وزهده في بكاء الباكيات، حين اشتهى أن ~~يغنيه مخارق: # سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي # ويحدث بعدي للخليل خليل # إذا ما انقضت عني من الدهر مدتي # فإن غناء الباكيات قليل # 30 # وقد نظم أبياتا لتوضع على قبره، وكذلك فعل أبو نواس، والكتابة على القبور سنة قديمة ~~عرفها المصريون والآشوريون، ولكنها كانت في الأغلب وصايا يراد بها زجر من يطمعون في ~~انتهاب ما في القبور من الذهب والثياب، أما أبو العتاهية وأبو نواس فكان شعرهما في ~~التحذير من عواقب العيش، والمشرف على الموت يحب أن يكون أفصح الناس في وصف الدنيا ~~بالغدر وسرعة الزوال، ومن يعش ms069 حتى يمد يده لمصافحة الموت يعرف صحة هذا الفرض! # الأشعار القبرية # وهناك شاعر أثرت عنه مقطوعات في الزهد، وهو رجل صوفي النزعة، ولم يقع له في شبابه من ~~النزق والطيش أشباه لما وقع لأبي العتاهية وأبي نواس، وإن كان عرف طوائف من الصبوات، ~~ذلك الشاعر هو الشريف الرضي، الذي حن إلى ملاعب الظباء بالحجاز حنينا هو غاية الغايات ~~في قوة الروح. # نموذج من شعر الشريف الرضى في الزهد # ولا يمكن القول: بأن الشريف من أقطاب هذا الفن، فشعره في الزهد قليل، ولكنه على كل ~~حال من شواهد هذا الباب، ولننظر هذه القصيدة وهي تصور سخريته من الرغبة في استبقاء ~~المال: # يا آمن الأقدار بادر صرفها # واعلم بأن الطالبين حثاث # خذ من تراثك ما استطعت فإنما # شركاؤك الأيام والوراث # لم يقض حق المال إلا معشر # وجدوا الزمان يعيث فيه فعاثوا # تحثو على عيب الغني يد الغنى # والفقر عن عيب الفتى بحاث # المال مال المرء ما بلغت به # الشهوات أو دفعت به الأحداث # ما كان منه فاضلا عن قوته # فليعلمن بأنه ميراث # ما لي إلى الدنيا الغرورة حاجة # فليخز ساحر كيدها النفاث # طلقتها ألفا لأحسم داءها # وطلاق من عزم الطلاق ثلاث # سكناتها محذورة وعهودها # منقوضة وحبالها أنكاث # أم المصائب لا يزال يروعنا # منها ذكور نوائب وإناث # إني لأعجب من رجال أمسكوا # بحبائل الدنيا وهن رثاث # كنزوا الكنوز وأغفلوا شهواتهم # فالأرض تشبع والبطون غراث # أتراهم لم يعلموا أن التقى # أزوادنا وديارنا الأجداث # والزهد - في هذه القصيدة - له معنى غير الزهد المعروف، فهو هنا دعوة إلى إنفاق المال ~~في الشهوات ودفع العاديات، فالشاعر يحب المال، ولكنه يرى استبقاءه من الحمق، وهذا وجه ~~الزهد. أما الحرمان فليس من أغراض هذا الشاعر وتلك أيضا صوفية، وللتصوف وجوه كثيرة، ~~منها هذا الوجه، ومن الصوفية من يوسع على نفسه في يومه، ويترك الغد للأقدار، ولنقيد أن ~~«الشهوات» في هذه القصيدة لا يراد بها الشهوات الحسية، وإنما المراد بها مطالب العيش ~~المترف الذي بجانب التقشف ويقبل على الطيبات. # وهذه ms070 اللمحات من الزهد لا يخلو منها ديوان شاعر إلا في القليل ومن السهل على القارئ ~~أن يتعقبها ويدرس ما فيها من مختلف النوازع النفسية، فلنقف عند هذا الحد، فإنما نريد ~~التنبيه لا الاستقصاء. # واجهة من ضريح علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - في النجف وأكثر الصوفية ~~يرجعون نظام الخرقة إلى علي بن أبي طالب ويرونه أول من أذاع المعاني ~~الروحية. # ضريح الحسن البصري بضواحي البصرة ~~والحسن البصري أخذ عن علي بن أبي طالب، وإليه يرجع الفضل في تأسيس قواعد ~~التصوف. (انظر تفصيل ذلك في الباب الأول من الجزء الثاني.) # | ذخائر منسية من الأدب الصوفي # كيف جهل مؤرخو الأدب بلاغة الصوفية # نتكلم في هذا الفصل عن طوائف من الأخيلة والمعاني والصور لم يهتم بها رجال الأدب، ~~ولم يحسبوا لها أي حساب. ولعل السر في إغفال مؤرخي الأدب لهذه الفنون أنهم لم يضعوا ~~البلاغة الصوفية في الميزان؛ لأن الصوفية كانوا انحازوا جانبا عن صحبة الأدباء؛ ولأن ~~الأدباء أنفسهم كانوا أقبلوا على الصور الحسية إقبالا شغلهم عن الأدب الذي يصور أحوال ~~الأرواح والقلوب، فظنوا أدب الصوفية بعيدا عن المجال الذي تسابقوا فيه: مجال التشبيب ~~والوصف والحماسة والعتاب. # ولو أن رجال الأدب وعلماء البلاغة نظروا في الأدب الصوفي نظرة جدية لا تخذوا منه ~~شواهد في المجازات والتشبيهات، ولرأوا فيه كلمات متخيرة تصلح نماذج لإصابة المعنى ~~والغرض. ولكنهم انصرفوا عنه فلم نر في مؤلفاتهم النقدية غير شواهد من كلام الشعراء ~~والكتاب والخطباء الذين سبقوا في ميادين غير ميادين الأرواح والقلوب. # بكاء داود وبكاء يحيى # وأول ما راعني من هذا الأدب المجهول الصورة التي وضعها الصوفية لبكاء داود عليه ~~السلام: فقد حدثوا أنه بكى أربعين يوما ساجدا لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموعه، ~~وحتى غطي رأسه. فنودي: يا داود، أجائع أنت فتطعم، أم ظمآن فتسقى، أم عار فتكسى؟ فنحب ~~نحبة هاج لها العود فاحترق من حر خوفه. ثم أنزل الله عليه التوبة والمغفرة فقال: يا رب ~~اجعل خطيئتي في كفي. فصارت خطيئته في ms071 كفه مكتوبة. فكان لا يبسط كفه لطعام ولا لشراب ولا ~~لغيره إلا رآها فأبكته. وكان يؤتى بالقدح ثلثاه ماء، فإذا تناوله أبصر خطيئته فما يضعه ~~على شفته حتى يفيض القدح من دموعه. # 1 # وحدثوا أنه لما طال بكاؤه ولم ينفعه ذلك ضاق ذرعه، واشتد غمه، فقال: يا رب، أما ترحم ~~بكائي! فأوحى الله إليه: يا داود، نسيت ذنبك وذكرت بكاءك؟ فقال: إلهي وسيدي، كيف أنسى ~~ذنبي، وكنت إذا تلوت الزبور كف الماء الجاري عن جريه، وسكن هبوب الريح، وأظلني الطير ~~على رأسي، وأنست الوحوش إلى محرابي! إلهي وسيدي، فما هذه الوحشة التي بيني وبينك؟ فأوحى ~~الله إليه: يا داود، ذاك أنس الطاعة، وهذه وحشة المعصية. يا داود! آدم خلق من خلقي، ~~خلقته بيدي، ونفخت فيه من روحي، وأسجدت له ملائكتي، وألبسته ثوب كرامتي، وتوجته بتاج ~~وقاري، وشكا إلي الوحدة فزوجته حواء أمتي، وأسكنته جنتي؛ ثم عصاني فطردته عن جواري ~~عريان ذليلا. يا داود، اسمع مني والحق أقول: أطعتنا فأطعناك، وسألتنا فأعطيناك، ~~وعصيتنا فأمهلناك، وإن عدت إلينا على ما كان منك قبلناك. # وحدثوا أنه كان إذا أراد أن ينوح مكث قبل ذلك سبعا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب، ~~ولا يقرب النساء، فإذا كان قبل ذلك بيوم أخرج له المنبر إلى البرية فأمر سليمان أن ~~ينادي بصوت يستقري البلاد وما حولها من الغياض والآكام والجبال والبراري والصوامع ~~والبيع، فينادي فيها: ألا من أراد أن يسمع نوح داود على نفسه فليأت. فتأتي الوحوش من ~~البراري والآكام، وتأتي السباع من الغياض، وتأتي الهوام من الجبال، وتأتي الطير من ~~الأوكار، وتأتي العذراى من خدورهن، ويجتمع الناس لذلك اليوم، ويأتي داود حتى يرقى ~~المنبر ويحيط به بنو إسرائيل، وكل صنف على حدته محيطون به، وسليمان قائم على رأسه، ~~فيأخذ في الثناء على ربه فيضجون بالبكاء والصراخ، ثم يأخذ في ذكر الجنة والنار فتموت ~~الهوام وطائفة من الوحوش والسباع والناس، ثم يأخذ في ذكر الجنة والنار فتموت الهوام ~~وطائفة من الوحوش والسباع والناس، ثم يأخذ في ms072 أهوال القيامة وفي النياحة على نفسه فيموت ~~من كل نوع طائفة. فإذا رأى سليمان كثرة الموتى قال: يا أبتاه قد مزقت المستمعين كل ~~ممزق، وماتت طوائف من بني إسرائيل ومن الوحوش والهوام، فيأخذ في الدعاء. فبينا هو كذلك ~~إذ ناداه بعض عباد بني إسرائيل: يا داود، عجلت بطلب الجزاء على ربك. فيخر داود مغشيا ~~عليه، فإذا نظر سليمان إلى ما أصابه أتى بسرير فحمله عليه. ثم أمر مناديا ينادي: ألا ~~من كان له مع داود حميم أو قريب فليأت بسرير فإن الذين معه قتلهم ذكر الجنة والنار. # 2 # صورة الزهد في الزهد # أرأيتم هذه الصور في وصف بكاء داود؟ إن هذه صور أدبية رائعة تمثل بعض أحوال النفوس ~~وهي لا تقل روعة عن نظائرها من الصور الوصفية، التي تمثل مقامات الأدباء بين أيدي ~~الخلفاء والملوك. # وأي بلاغة أروع وأمتع من هذه العبارة النفسية التي قيلت في تصوير السماحة الربانية: # أطعتنا فأطعناك، وسألتنا فأعطيناك، وعصيتنا فأمهلناك، وإن عدت إلينا على ما ~~كان منك قبلناك. # هذه صورة من صور الصفح تستحق الإعجاب، وكلمة «على ما كان منك» من العبارات المتخيرة ~~الدقيقة الصنع، وهي إشارة إلى قصة داود التي قصها القرآن إذ قال: # وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب ~~* إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا ~~لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا ~~بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط * ~~إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ~~فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب * قال لقد ~~ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من ~~الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داوود أنما ~~فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ۩ * ~~فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب * يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم ~~بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل ~~الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد ~~بما نسوا يوم الحساب ~~. # وحسرة داود أشار ms073 إليها القرآن إشارة تشبه إيماءة الطرف، فجاء الصوفية فوشوها توشية ~~طريفة وعرضوها في صور مختلفة لا تخلو من سحر وفتون. ولم يفتهم أن يجعلوا بكاء داود من ~~فنون الرياضات فقالوا: إنه كان إذا أراد أن ينوح مكث قبل ذلك سبعا لا يأكل الطعام، ولا ~~يشرب الشراب، ولا يقرب النساء. # وتسامى بهم الخيال فجعلوا بكاء داود من المواسم الروحية التي يتجمع لها الوحوش ~~والسباع الهوام والعذارى أيضا؛ ثم جعلوا نهاية تلك الملطمة الوجدانية مختومة بأشلاء ~~الصرعى من السباع والوحوش والناس. # ومن الواضح أن هذه كله من صنع الخيال، فلا مجال فيه لتحقيقات التاريخ. وما دخل ~~التاريخ في الصور الأدبية؟ التاريخ يعرف أن داود فتن امرأة واصطفاها لنفسه، وأن الله ~~أدبه أظرف تأديب، ثم جاء الخيال خيال الأقاصيص فلون تلك الحقيقة بما شاء. # دقائق نفسية # ويشبه هذه الصور ما حدثوا به عن يحيى بن زكريا، فقد قالوا: إنه دخل بيت المقدس وهو ~~ابن ثماني حجج فنظر إلى عبادهم قد لبسوا مدارج الشعر والصوف، # 3 # ونظر إلى مجتهديهم قد خروا للتراقي وسلكوا فيها السلاسل وشدوا أنفسهم إلى ~~أطراف بيت المقدس فهاله ذلك، فمر بصبيان يلعبون فقالوا له: يا يحيى هلم بنا لنلعب، ~~فقال: إني لم أخلق للعب. ثم أتى أبويه فسألهما أن يدرعاه الشعر ففعلا. فرجع إلى بيت ~~المقدس فكان يخدمه نهارا. ويصيح فيه ليلا، حتى أتت عليه خمس عشرة سنة، فخرج ولزم ~~أطواد الأرض، وغيران الشعاب، فخرج أبواه في طلبه فأدركاه على بحيرة الأردن، وقد أنقع ~~رجليه في الماء حتى كاد العطش يذبحه وهو يقول: وعزتك وجلالك لا أذوق بارد الشراب حتى ~~أعلم أين مكاني منك. فسأله أبواه أن يفطر على قرص كان معهما من شعير، ويشرب من ذلك ~~الماء، ففعل وكفر عن يمينه، فمدح بالبر. فرده أبواه إلى بيت المقدس، فكان إذا قام يصلي ~~بكى حتى يبكي معه الشجر والمدر، ويبكي زكريا لبكائه حتى يغمى عليه، فلم يزل يبكي حتى ~~خرقت دموعه لحم خديه، وبدت أضراسه للناظرين. فقالت له أمه: يا ms074 بني، لو أذنت لي أن أتخذ ~~لك شيئا تواري به أضراسك عن الناظرين! فأذن لهما فعمدت إلى قطعتي لبود فألصقتهما على ~~خديه، فكان إذا قام يصلي بكى، فإذا استنقعت دموعه في القطعتين أتت إليه أمه فعصرتهما، ~~فإذا رأى دموعه تسيل على ذراعي أمه قال: اللهم هذه دموعي، وهذه أمي، وأنا عبدك، وأنت ~~أرحم الراحمين. فقال له زكريا يوما: يا بني، إني سألت ربي أن يهبك لي لتقر عيناي بك. ~~فقال يحيى: يا أبت إن جبريل أخبرني أن بين الجنة والنار مفازة لا يقطعها إلا كل بكاء. ~~فقال زكريا: يا بني، فابك. # 4 # فهذه الصورة في بكاء يحيى صورة رائعة، ومع روعتها لم يتحدث عنها أحد من الأدباء. ولو ~~أن هذه الصورة نفسها أضيفت إلى مجنون ليلى لعدوها من الروائع، وتحدث عنها صاحب الأغاني ~~وصاحب مصارع العشاق. لو نظمت هذه الصورة في أخبار رجل من أصحاب العشق الحسي لكانت متعة ~~الأسمار والأحاديث، ولكنها أضيفت إلى أخبار من قضوا صرعى في ميادين الأشواق الربانية ~~فتجاهلها الأخباريون. # أرأيتم قول يحيى: # اللهم هذه دموعي، وهذه أمي، وأنا عبدك، وأنت أرحم الراحمين. # أرأيتم كيف كانت تقابل هذه العبارة الرقيقة الباكية لو قالها شاعر في حضرة أحد ~~الملوك؟ # وبكاء الشجر والمدر، ما رأيكم فيه؟ # ستضيفونه إلى بكاء السباع والوحوش والهوام في قصة داود، وتجعلونها جميعا من ~~الأساطير! ولكن أكل أسطورة خبل في خبل وضلال في ضلال؟ # إن أمثال هذه الأساطير لها صلة وثيقة بفهم الصوفية لحقيقة الوجود، فهم لا يرون أنفسهم ~~منفصلين عن عوالم الجماد والنبات والحيوان. هم يحسون كأن الدنيا تتوجع لهم وتشفق مما ~~يعانون؛ ويتجسم هذا الإحساس فيريهم أن الشجر والمدر والسباع والوحوش تذرف الدمع حين ~~يأخذون في البكاء. # وهذه الشطحات تستحق العطف؛ لأنها تصدر عن ناس فنوا فناء تاما في الحب الإلهي، وبدت ~~لهم ذنوبهم أثقل من الجبال، وخيل إليهم أن رحمة الله لا تنال بغير الدمع ~~والأنين. # والبكاء في ذاته نفحة من النفحات الشعرية؛ لأنه لا يكون إلا من فيض الوجد وقوة ms075 ~~الإحساس، وهو من وسائل الإفصاح عن أوجاع القلوب. # صورة أدبية ليوم الحساب # وقد تقع في كتب الصوفية صفحات من الأدب النبيل، ولكنها تظل من الأدب المجهول؛ لأن ~~الأدباء شغلوا بالمحسوس عن المعقول، وإلا فأي صورة أبرع من الصورة التي وضعها الغزالي ~~للزهد حين قال: # إن الكاره للدنيا مشغول بالدنيا، كما أن الراغب فيها مشغول بها، والشغل بما ~~سوى الله حجاب عن الله، وهو ليس في مكان حتى تكون السموات والأرض حجابا بينك ~~وبينه، فلا حجاب بينك وبينه إلا شغلك بغيره، وشغلك بنفسك وشهواتك شغل بغيره، ~~فالمشغول بحب نفسه مشغول عن الله، والمشغول ببعض نفسه مشغول أيضا عن الله، بل ~~كل ما سوى الله مثاله مثال الرقيب الحاضر في مجلس يجمع العاشق والمعشوق، فإن ~~التفت قلب العاشق إلى الرقيب وإلى بغضه واستثقاله وكراهة حضوره فهو في حال ~~اشتغال قلبه ببغضه مصروف عن التلذذ بمشاهدة معشوقه. ولو استغرقه العشق لغفل عن ~~غير المعشوق ولم يلتفت إليه. فكما أن النظر إلى غير المعشوق لحبه عند حضور ~~المعشوق شرك في العشق ونقص فيه، فكذا النظر إلى غير المعشوق لبغضه شرك فيه ~~ونقص. ولكن أحدهما أخف من الآخر، بل الكمال في أن لا يتلفت القلب إلى غير ~~المحبوب بغضا أو حبا، فإنه كما لا يجتمع في القلب حبان في حالة واحدة، ~~فالمشغول ببغض الدنيا غافل عن الله، كالمشغول بحبها، إلا أن المشغول بحبها غافل ~~وهو في غفلته سالك في طريق البعد، والمشغول ببغضها غافل وهو في غفلته في طريق ~~القرب. # 5 # أترون ما في هذه الصورة من الحسن؟ إن الكاتب يريد أن يقول: إن الزهد هو أن تزهد في ~~الزهد، هو أن تخلو نفسك خلوا تاما من كل ما سوى الله، فلا تحب ولا تبغض، ولا تمدح ~~ولا تقدح، ولا تثني ولا تلوم. وهذه الصورة تبدو جافية لمن يغفل أقدار المعاني. هي ~~كالحسناء التي غفلت عن حسنها العيون؛ لأنها لا تعرف الزينة ولا تحسن أساليب ~~الإغواء. # ومع ذلك نرى الكاتب قرب معانيه كل التقريب فضرب ms076 المثل بما بين العاشق والمعشوق. ~~والصوفية يرون الناس لا يفهمون غير المحسوسات، ومن أجل ذلك يضربون بها الأمثال. وهم ~~أنفسهم يرون العشق الحسي درجة من درجات العشق الروحي؛ لأن العشق في الأصل لا ينسجم إلا ~~بين روح وروح. # ولكن لا مفر من الاعتراف بأن هذه الصور لا يقدرها حق قدرها إلا من يرى البلاغة في ~~المعاني. أما الذين يقفون عند الألفاظ ويستهويهم بريق البديعة فالغزالي عندهم لا يعد في ~~البلغاء. # قوة التعليل # وقد تجد في أجوبة الصوفية أعاجيب من الأدب الرفيع. # حدثوا أن سفيان الثوري كان يرد ما يعطي ويقول: لو علمت أنهم لا يذكرون ذلك افتخارا ~~به لأخذت. # 5 # وعوتب بعضهم في رد ما كان يأتيه من صلة فقال: إنما أرد صلتهم إشفاقا عليهم، ونصحا ~~لهم؛ لأنهم يذكرون ذلك ويحبون أن يعلم به فتذهب أموالهم وتحبط أجورهم. # 6 # وقال بشر: ما سألت أحدا قط شيئا إلا سريا السقطي؛ لأنه قد صح عندي زهده في الدنيا ~~فهو يفرح بخروج الشيء من يده ويتبرم ببقائه عنده فأكون عونا له على ما يحب. # والبلاغة في هذه الأجوبة ترجع إلى معانيها، وهي معان شريفة متصلة بالأحوال النفسية، ~~وما فيها من مراقبة النفوس يسمو بها إلى أرفع درجات البيان. # كيف تقرأ كتب التصوف # ولا ينبغي أن ننسى ما كتب الصوفية في الترغيب والترهيب. لا ينبغي أن ننسى ما صوروا ~~به الفضائل والرذائل، وما جرت به أقلامهم في مصاير الصالحين والطالحين، فلهم في هذا ~~الباب صور تخلب العقول وتفتن القلوب، ولا ينظر في كتبهم رجل له ذوق إلا عجب من غفلة ~~الناس عن أدبهم الأصيل. # انظروا قوة التصوير في شرح قول عمر بن الخطاب: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا»، فقد ~~عرض الغزالي لشرح هذا النصح فقال: # وإنما حساب المرء لنفسه أن يتوب عن كل معصية قبل الموت توبة نصوحا، ويتدارك ~~ما فرط من تقصيره في فرائض الله تعالى، ويرد المظالم حبة حبة، ويستحل كل من ~~تعرض له بلسانه، ويده، وسوء ظنه، بقلبه، ويطيب قلوبهم حتى ms077 يموت ولم يبق عليه ~~مظلمة ولا فريضة: فهذا يدخل الجنة بغير حساب وإن مات قبل رد المظالم أحاط به ~~خصماؤه: فهذا يأخذ بيده، وهذا يقبض على ناصيته، وهذا يتعلق بلببه، وهذا يقول: ~~ظلمتني، وهذا يقول: شتمتني، وهذا يقول: استهزأت بي، وهذا يقول: ذكرتني في ~~الغيبة بما يسوءني، وهذا يقول: جاورتني فأسأت جواري، وهذا يقول: عاملتني ~~فغششتني وأخفيت عني عيب سلعتك، وهذا يقول: كذبت في سعر متاعك، وهذا يقول: ~~رأيتني محتاجا وكنت غنيا فما أطعمتني، وهذا يقول: وجدتني مظلوما وكنت ~~قادرا على دفع الظالم عني فداهنت الظالم وما راعيتني، فبينما أنت كذلك وقد ~~أنشب الخصماء فيك مخالبهم، وأحكموا في تلابيبك أيديهم، وأنت مبهوت متحير من ~~كثرتهم، حتى لم يبق في عمرك أحد عاملته على درهم، أو جالسته في مجلس، إلا وقد ~~استحق عليك مظلمة بغيبة أو خيانة أو نظر بعين استحقار، وقد ضعفت عن مقاومتهم، ~~ومددت عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك لعله يخلصك من أيديهم، إذ قرع سمعك نداء ~~الجبار جل جلاله: # اليوم تجزى كل نفس بما ~~كسبت لا ظلم اليوم # فعندئذ ينخلع قلبك من الهيبة، ~~وتوقن نفسك بالبوار، وتتذكر ما أنذرك الله تعالى على لسان رسوله حيث قال: # ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه ~~الأبصار * مهطعين مقنعي رءوسهم لا ~~يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء # فما ~~أشد فرحك اليوم بتمضمضك بأعراض الناس وتناولك أموالهم! وما أشد حسراتك في ذلك ~~اليوم إذا وقف ربك على بساط العدل، وشوفهت بخطاب السياسة وأنت مفلس فقير عاجز ~~مهين لا تقدر على أن ترد حقا أو تظهر عذرا. فعند ذلك تؤخذ حسناتك التي تعبت ~~فيها عمرك، وتنقل إلى خصمائك عوضا عن حقوقهم. # 7 # فما رأيكم في هذه الصورة؟ أترون خصب اللغة وقوة الخيال؟ أترون استقصاء المعاني في ~~أحوال المعاملات؟ أترون الدقة في تصوير الإيذاء الذي يكون باليد واللسان وسوء الظن ~~بالقلب؟ أترون قوة السخرية من الظالم حين يؤخذ بظلمه يوم الحساب؟ أترون المفاجأة في ~~الانتقال من حال إلى حال؟ # هذه ms078 صورة فنية لها أمثال تعد بالألوف، ولكن الأدباء نسوا أدب الصوفية كل ~~النسيان. # نماذج من حكم الصوفية # ولا تنس أن أدباء الصوفية قد يعللون ما يصنعون من الصور والتهاويل فيجمعون بين جمال ~~الحقيقة وروعة الخيال، من ذلك ما وصفوا به عذاب القبر إذ قالوا: إن الكافر يسلط عليه ~~في قبره تسعة وتسعون تنينا، والتنين تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رءوس، يخدشونه ~~ويلحسونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون. ~~«ولا ينبغي أن تعجب من هذا العدد على الخصوص، فإن أعداد هذه الحيات والعقارب بعدد ~~الأخلاق المذمومة من الكبر والرياء والحسد والغل والحقد وسائر الصفات، فإن لها أصولا ~~معدودة، ثم تتشعب منها فروع معدودة، ثم تنقسم فروعها بأقسام تلك الصفات بأعيانها، وهي ~~المهلكات بأعيانها، تنقلب عقارب وحيات، فالقوي منها يلدغ لدغ التنين، والضعيف يلدغ لدغ العقرب # 8 # وما بينهما يؤذي إيذاء الحية؛ وأرباب البصائر يشاهدون بنور البصيرة هذه ~~المهلكات وانشعاب فروعها، إلا أن مقدار عددها لا يوقف عليه إلا بنور النبوة». # 9 # ولا يقف الغزالي عند هذا التعليل الفلسفي، بل يمضي فيذكر أن لا غرابة في أن نرى الميت ~~ساكنا وهو يعذب، فإن النائم قد يبدو ساكنا وهو يقاسي أمر الآلام، حين يعاني مضجرات ~~الأحلام. «والحية بنفسها لا تؤلم، بل الذي يلقاك منها هو السم؛ ثم السم ليس هو الألم، ~~بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم، فلو حصل مثل ذلك الأثر من غير سم لكان العذاب ~~قد توفر»، # 9 # وكذلك يلقى الكافر في قبره عذاب العقارب ~~والحيات، وإن لم تر العين أنه ملسوع أو ملدوغ. # الأدب الصوفي هو أدب المعاني # وجملة القول: أن كتب الصوفية تفيض بالأخيلة والصور والتعابير في روعة وقوة. ويزيد في ~~جمال الأدب الصوفي أنه موصول بعلم النفس وأن له غاية نبيلة هي غرس الخلق الشريف في أنفس ~~الرجال. # ولا يستطيب كتب التصوف إلا من يقبل عليها وهو يعرف أنها عصارة القلوب، وأنها آداب ناس ~~عرفوا الدنيا وأهلها ثم ملوا المجتمع وانقلبوا عليه يصفون عيوبه ms079 ومقاتله بأقلام تنضح ~~بالسم الزعاف. # هذا، وينبغي أن نعرف أن أدب الصوفية لم يجهل كله: فقد تنبه كثير من المؤلفين إلى ما ~~في أجوبتهم من جوامع الكلم، فساقوا منها نماذج تفيد من يتطلع إلى مكارم الأخلاق. # وإليكم شذرات من أجوبة القوم: # قيل لسهل بن عبد الله المروزي: ما لك تكثر التصدق؟ فقال: لو أن رجلا ~~أراد أن ينتقل من دار إلى دار، أكان يبقى في الأولى شيئا؟ # وقيل للربيع بن خيثم وقد اعتل: ندعو لك بالطبيب؟ فقال: قد أردت ذلك فذكرت ~~عادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا، وعلمت أنه كان فيهم الداء ~~والمداوي فهلكوا جميعا. # وقيل لبعض الزهاد: ما أبلغ العظات؟ فقال: محلة الأموات. # وقيل للحسن البصري: كيف ترى الدنيا؟ فقال: شغلني توقع بلائها عن الفرح ~~برخائها. # وقيل للفضيل: إن ابنك يقول: وددت أني في مكان أرى الناس ولا يرونني. ~~فقال: يا ويح ابني، أفلا أتمها فقال: لا أراهم ولا يرونني! # وقيل لبعض الصوفية: أي شيء أعجب عندك؟ فقال: قلب عرف الله ثم ~~عصاه. # وقيل لآخر: ما لك كما تكلمت بكى كل من يسمعك، ولا يبكي من كلام واعظ ~~المدينة أحد؟ فقال: ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة. # وقيل للربيع بن خيثم : ما نراك تغتاب أحدا. فقال: لست عن حالي راضيا حتى ~~أتفرغ لذم الناس. # وقيل لعبد الله بن المبارك: حتى متى تكتب كل ما تسمع؟ فقال: لعل الكلمة ~~التي تنفعني لم أكتبها بعد. # وقيل لصوفي: ما صناعتكم؟ فقال: حسن الظن بالله، وسوء الظن بالناس. # وقيل للشبلي: لم سمي الصوفي ابن الوقت؟ فقال: لأنه لا يأسف على ~~الفائت، ولا ينتظر الوراد. # وقيل لابن السماك: ما الكمال؟ فقال: الكمال أن لا يعيب الرجل أحدا بعيب ~~فيه مثله حتى يصلح ذلك العيب من نفسه، فإنه لا يفرغ من إصلاح عيب حتى يهجم ~~على آخر فتشغله عيوبه عن عيوب الناس، وأن لا يطلق لسانه ويده حتى يعلم: أفي ~~طاعة أم في معصية؟ وأن لا يلتمس من الناس إلا ما يعلم أنه يعطيهم ms080 من نفسه ~~مثله، وأن يسلم من الناس باستشعار مداراتهم، وتوفية حقوقهم، وأن ينفق الفضل ~~من ماله ويمسك الفضل من قوله. # وقيل للشبلي: من الرفيق؟ فقال: من أنت غاية شغله. # 10 ~~••• # ولهذه الحكم نظائر كثيرة مبعثرة في كتب الصوفية، وليس المهم هو الاستقصاء، وإنما ~~المهم هو توجيه الأنظار إلى ذلك الأدب المجهول، وهو أدب خلا في جملته من الزخرف، ولكنه ~~حافل بدقائق المعاني، والمعاني هي كل البلاغة عند أرباب القلوب. # ضريح الجنيد وبجانبه ضريح السري السقطي في بغداد وهما من أقطاب ~~الصوفية. # | أخيلة أدبية في وصف الدنيا # الدنيا في القرآن والحديث # أكثر الصوفية من الأخيلة الأدبية في وصف الدنيا، وهم في هذا مسبوقون بالقرآن والحديث ~~وكلام الأنبياء. ففي القرآن المجيد: # اعلموا أنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في ~~الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ~~ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما # وفيه: # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه ~~من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه ~~الرياح # وفيه: # إنما مثل الحياة ~~الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت ~~الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون ~~عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن ~~لم تغن بالأمس ~~. # وفي الحديث الشريف: «ما لي وللدنيا؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة ~~في يوم صائف ثم راح وتركها». وفيه: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه ~~في اليم فلينظر بماذا يرجع». وقال أحد أصحاب الرسول: «كنت مع الركب الذين وقفوا مع رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # على السخلة الميتة، فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أترون هذه هانت على أهلها ~~حتى ألقوها؟ قالوا: ومن هوانها ألقوها، يا رسول الله! قال: فالدنيا أهون على الله من ~~هذه على أهلها». وفي المسند عنه # صلى الله عليه وسلم ~~: «إن الله ضرب طعام ابن آدم مثلا للدنيا وإن ~~قزحه وملحه فلينظر إلى ماذا يصير» ms081 # 1 # وفي الحديث: «مثل هذه الدنيا مثل ثوب شق من أوله إلى آخره فبقي معلقا في ~~خيط في آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع». # وقال عيسى (عليه السلام): «يا معشر الحواريين! أيكم يستطيع أن يبنى على موج البحر ~~دارا؟ قالوا: يا روح الله، ومن يقدر على ذلك؟ قال: إياكم والدنيا فلا تتخذوها قرارا»، # 2 # وقال: «الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها». # وفي كلام الرسول وأحاديث الأنبياء شيء كثير من أمثال هذه الأوصاف والتشبيهات، وهو كما ~~قلنا أساس ما وصفت به الدنيا من الأخيلة الأدبية في كلام الصوفية. # الدنيا في كلام المسيح # وللصوفية في وصف الدنيا صور مختلفة، منها الموجز، ومنها المفصل، وهي كلها ترجع إلى ~~معنى واحد: هو وصف الدنيا بالنضرة وكثرة التقلب وسرعة الزوال. # فمن الصور الموجزة قول يونس بن عبد الأعلى: ما شبهت الدنيا إلا برجل نام فرأى في ~~منامه ما يكره وما يحب، فبينما هو كذلك انتبه. # 3 # وقول ابن القيم: «أشبه الأشياء بالدنيا الظل، تحسب له حقيقة ثابتة وهو في تقلص ~~وانقباض، تتبعه لتدركه فلا تلحقه»، وقوله: «وأشبه الأشياء بها السراب، يحسبه الظمآن ماء ~~حتى إذا جاءه لم يجده شيئا»، وقوله: «وأشبه الأشياء بها المنام يرى فيه العبد ما يحب ~~وما يكره فإذا استيقظ علم أن ذلك لا حقيقة له». # 4 # وقوله: «وأشبه الأشياء بها عجوز شوهاء قبيحة المنظر والمخبر، غدارة ~~بالأزواج، تزينت للخطاب بكل زينة، وسترت كل قبح»، وما حدث عوف عن أبي العلاء: «رأيت في ~~النوم عجوزا كبيرة عليها من كل زينة الدنيا، والناس عكوف عليها متعجبون ينظرون إليها، ~~فجئت فنظرت وقلت: ويلك من أنت؟ قالت: أما تعرفني؟ قلت لا: قالت: أنا الدنيا». وما قال ~~الفضيل: «بلغني أن رجلا عرج بروحه قال: فإذا امرأة على قارعة الطريق عليها من كل زينة ~~الحلي والثياب، وإذا هي لا يمر بها أحد إلا جرحته، وإذا هي أدبرت كانت أحس شيء رآه ~~الناس، وإذا أقبلت أقبح شيء: عجوز شمطاء زرقاء عمشاء، فقلت: أعوذ بالله! قالت: لا والله ~~لا يعيذك ms082 الله حتى تبغض الدرهم! قال: من أنت؟ قالت: أنا الدنيا». # 5 # قال ابن القيم: «ومثلت الدنيا بمنام، والعيش فيها بالحلم، والموت باليقظة، ومثلت ~~بمزرعة، والعمل فيها بالبذر، والحصاد يوم المعاد. ومثلت بدار لها بابان: باب يدخل منه ~~الناس وباب يخرجون منه، ومثلت بحية ناعمة الملمس، حسنة اللون، وضربتها الموت. ومثلت ~~بطعام مسموم، لذيذ الطعم، طيب الرائحة، من تناول منه بقدر حاجته كان فيه شفاؤه، ومن زاد ~~على حاجته كان فيه حتفه. ومثلت بالطعام في المعدة، إذا أخذت الأعضاء منه حاجتها فحبسه ~~قاتل أو مؤذ، ولا راحة لصاحبه إلا في خروجه. ومثلت بامرأة من أقبح النساء قد انتقبت على ~~عينين فتنت بهما الناس، وهي تدعو الناس إلى منزلها، فإن أجابوها كشفت لهم عن منظرها ~~وذبحتهم بسكاكينها وألقتهم في الحفر». # 6 # صور الدنيا في كلام الصوفية # وعند درس ما مر بنا من الصور نجد القرآن يؤثر تشبيه الدنيا بالنبات، ونجد الصوفية ~~يؤثرون تشبيهها بالمرأة، والتشبيه الأول مرجعه إلى طبيعة الجزيرة العربية التي لا يستحب ~~فيها شيء كما يستحب النبات البهيج، والتشبيه الثاني مرده إلى كلمة أثرت عن عيسى - عليه ~~السلام - إذ رأى الدنيا في صورة عجوز عليها من كل زينة، فقال: كم تزوجت؟ قالت: لا ~~أحصيهم. قال: فكلهم مات عنك أو كلهم طلقك. فقالت: كلهم قتلته. فقال عيسى: بؤسا لأزواجك ~~الباقين، كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين! # 7 # والبيئة التي عاش فيها عيسى عليه السلام كانت توحي بمثل هذا التشبيه. # وقد وردت هذه الصورة أيضا في قول ابن عباس: «يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز ~~شمطاء، زرقاء، أنيابها بادية، مشوه خلقها، فتشرف على الخلائق فيقال: أتعرفون هذه؟ ~~فيقولون: نعوذ بالله من معرفة هذه، فيقال: هذه الدنيا التي تشاجرتم عليها... ثم يقذف بها ~~في جهنم». # 8 # تشبيهات ابن القيم # أما الأخيلة المفصلة فكثيرة، وأهمها ما دونه ابن القيم في عدة الصابرين، وهو يمثل ~~شهوات الدنيا في القلب بشهوات الأطعمة في المعدة ويقول: «وسوف يجد العبد عند الموت ~~لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة ms083 والنتن والقبح ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا انتهت في ~~المعدة غايتها، وكما أن الأطعمة كلما كانت ألذ طعما وأكثر دسما وأكثر حلاوة كان ~~رجيعها أقذر، فكذلك كل شهوة كانت في النفس ألذ وأقوى فالتأذي بها عند الموت أشد، كما أن ~~تفجع الإنسان بمحبوبه إذا فقده يقوى بقدر محبة المحبوب». # 9 # ويمثل الدنيا وأهلها في اشتغالهم بنعيمها عن الآخرة وما يعقبهم من الحسرات بقوم ركبوا ~~سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة وحذرهم الإبطاء، ~~وخوفهم مرور السفينة فتفرقوا في نواحي الجزيرة، فقضى بعضهم حاجته وبادر إلى السفينة ~~فصادف المكان خاليا، فأخذ أوسع الأماكن وألينها وأوفقها لمراده، ووقف بعضهم في الجزيرة ~~ينظر إلى أزهارها وأنوارها، ويسمع نغمات طيورها، ويعجبه حسن أحجارها، ثم حدثته نفسه ~~بفوت السفينة وسرعة مرورها وخطر ذهابها فلم يصادف إلا مكانا ضيقا فجلس فيه، وأكب ~~بعضهم على تلك الأحجار المستحسنة، والأزهار الفائقة، فحمل منها حمله، فلما جاء لم يجد ~~في السفينة إلا مكانا ضيقا، وزاده حمله ضيقا، فصار محموله ثقلا عليه ووبالا، ولم ~~يقدر على نبذه، بل لم يجد من حمله بدا، ولم يجد له في السفينة موضعا فحمله على عنقه، ~~وندم على أخذه فلم تنفعه الندامة، ثم ذبلت الأزهار، وتغير أريجها، وآذاه نتنها. وتولج ~~بعضهم في تلك الغياض ونسي السفينة وأبعد في نزهته، حتى إن الملاح نادى بالناس عند دفع ~~السفينة فلم يبلغه صوته لاشتغاله بملاهيه، فهو تارة يتناول من الثمر، وتارة يشم تلك ~~الأنوار، وتارة يعجب من حسن الأشجار، وهو على ذلك خائف من سبع يخرج عليه، غير منفك من ~~شوك يتشبث في ثيابه ويدخل في قدميه، أو غصن يجرح بدنه، أو عوسج يخرق ثيابه # 10 # ويهتك عورته، أو صوت هائل يفزعه. ثم من هؤلاء من لحق السفينة ولم يبق فيها ~~موضع فمات على الساحل. ومنهم من شغله لهوه فافترسته السباع ونهشته الحيات. ومنهم من تاه ~~فهام على وجهه حتى هلك. # 11 # وهذه الصورة ظل لصور كثيرة يجدها القارئ فيما أثر من أقاصيص الأدب ms084 القديم، يوم كان ~~العرب يسيحون في البحار، أو يتمثلون ما يصادف رواد البحار من صور الأمن والخوف، والنعيم ~~والشقاء. # ومن أحسن الأمثلة - في رأي ابن القيم - ملك بني دارا لم ير الراءون ولم يسمع ~~السامعون أحسن ولا أوسع ولا أجمع لكل ملاذ النفوس منها، ونصب إليها طريقا، وبعث داعيا ~~يدعو الناس إليها، وأقعد على الطريق امرأة جميلة قد زينت بأنواع الزينة، وألبست أنواع ~~الحلي والحلل، وممر الناس كلهم عليها، وجعل لها أعوانا وخدما، وجعل تحت يدها ويد ~~أعوانها زادا للمارين السائرين إلى الملك في تلك الطريق، وقال لها ولأعوانها: من غض ~~طرفه عنك، ولم يشتغل بك عني وابتغى منك زادا يوصله إلي فاخدميه، وزوديه ولا تعوقيه عن ~~سفره إلي، بل أعينيه بكل ما يبلغه في سفره، ومن مد إليك عينيه ورضى بك وآثرك علي وطلب ~~وصالك فسوميه سوء العذاب، وأوليه غاية الهوان، واستخدميه، واجعليه يركض خلفك ركض الوحش، ~~ومن يأكل منك فاخدعيه به قليلا ثم استرديه منه واسلبيه إياه كله، وسلطي عليه أتباعك ~~وعبيدك، وكلما بالغ في محبتك وتعظيمك وإكرامك فقابليه بأمثاله قلى وإهانة وهجرا، حتى ~~تتقطع نفسه عليك حسرات. # 12 # وغاية هذا المثال دار الملك، والمراد بها الجنة، والعائق هو المرأة، وهي الدنيا ~~الغرور. # وعرض ابن القيم مثالا آخر، وخلاصته أن ملكا خط مدينة في أصح المواضع وأحسنها هواء، ~~وأكثرها مياها، وشق أنهارها، وغرس أشجارها، وقال لرعيته: تسابقوا إلى أحسن الأماكن ~~فيها، فمن سبق إلى مكان فهو له، ومن تخلف سبقه الناس إلى المدينة فأخذوا منازلهم، ~~وتبوءوا مساكنهم فيها، وبقي المتخلفون من أصحاب الحسرات، ثم نصب لهم ميدان السباق وجعل ~~على الميدان شجرة كبيرة لها ظل مديد، وتحتها مياه جارية، وفي الشجرة من كل أنواع ~~الفواكه، وعليها طيور عجيبة الأصوات، وقال لهم: لا تغتروا بهذه الشجرة وظلها فعن قليل ~~تجتث من أصلها، ويذهب ظلها، وينقطع ثمرها، وتموت أطيارها، وأما مدينة الملك فأكلها ~~دائم، وظلها مديد، ونعيمها سرمدي، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب ms085 ~~بشر. فسمع بها الناس فخرجوا في طلبها على وجوههم، فمروا في طريقهم بتلك الشجرة على أثر ~~تعب ونصب وحر وظمأ، فنزلوا كلهم تحتها واستظلوا بظلها وذاقوا حلاوة ثمرها، وسمعوا نغمات ~~أطيارها فقيل لهم: إنما نزلتم تحتها لتحموا أنفسكم، وتضمروا مراكبكم للسباق. فقال ~~الأكثرون: كيف ندع هذا الظل الظليل، والماء السلسبيل، والفاكهة النضيجة والدعة والراحة، ~~ونقتحم هذه الحلبة في الحر والغبار والتعب والنصب والسفر البعيد والمفاوز المعطشة التي ~~تتقطع فيها الأمعاء، وكيف نبيع النقد الحاضر بالنسيئة الغائبة إلى الأجل البعيد، ونترك ~~ما نراه إلى ما لا نراه، وذرة منقودة في اليد أولى من درة # 13 # موعودة بعد غد. خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به، ونحن بنو اليوم، وهذا عيش ~~حاضر كيف نتركه لعيش غائب في بلد بعيد لا ندري متى نصل إليه؟ ونهض من كل ألف واحد ~~وقالوا: ما مقامنا هنا # 14 # في ظل زائل تحت شجرة قد دنا قلعها وانقطاع ثمرها، وموت أطيارها، ونترك ~~المسابقة إلى الظل الظليل الذي لا يزول، والعيش الهنيء الذي لا ينقطع، إلا من أعجز العجز # 15 # وهل يليق بالمسافر إذا استراح تحت ظل أن يضرب خباءه عليه، ويتخذه وطنه خشية ~~التأذي بالحر والبرد؟ وهل هذا إلا أسفه السفه؟ فالسباق السباق والبدار البدار! فاقتحموا ~~حلبة السباق، ولم يستوحشوا من قلة الرفاق، وساروا في ظهور العزائم، ولم تأخذهم في سيرهم ~~لومة لائم، والمتخلف في ظل الشجرة نائم، فما كان إلا قليل حتى ذوت أغصان تلك الشجرة، ~~وتساقطت أوراقها، وانقطع ثمرها، ويبست فروعها، وانقطع مشربها، فقلعها قيمها من أصلها، ~~فأصبح أهلها في حر السموم يتقلبون، وعلى ما فاتهم من العيش في ظلها يتحسرون، ثم أحرقها ~~فصارت هي وما وحولها نارا تلظى، وأحاطت النار بمن تحتها فلم يستطع أحد منهم الخروج، ~~فقالوا: أين الركب الذين استظلوا معنا تحت ظلها، ثم راحوا وتركوه؟ فقيل لهم: ارفعوا ~~أبصاركم تروا منازلهم! فرأوهم من البعد في قصور مدينة الملك وغرفها يتمتعون بأنواع ~~اللذات، فتضاعفت عليهم الحسرات وهذا جزاء المتخلفين. # 16 # وبقيت عند ms086 ابن القيم أمثلة لا تقل قيمة عما أسلفناه، وهي تدور حول محور واحد، ولا ~~تختلف إلا بالصور والأشكال، وهذا وجه البراعة عند أولئك الناس، فالمعنى واحد، ولكن ~~الأداء يختلف، كأنما يتسابقون في التزيين والتلوين. فإذا تأمل القارئ هذا عرف كيف ~~استطاع التصوف أن يخلق ما شاء من الصور الأدبية، وكيف انتقلت الأخيلة على أقلام الصوفية ~~من لون إلى لون، في براعة وحذق، وقوة تصوير وتهويل. # والمعاني النفسية لا تقل في هذا خطرا عن المعاني الأدبية، ففي هذه الصور تصغير ~~وتحقير لمن ينسون الآجل الخالد حين يفتنهم العاجل العابر بما فيه من زخرف وبريق، وفي ~~هذا وذاك هداية للنفس ومتعة للخيال. # | حكم ابن عطاء الله السكندري1 # سيرورة الحكم العطائية # اهتمام العلماء بالحكم العطائية # نحن مقبلون على التعرف إلى سفر من أسفار الأدب العالي: هو مجموعة الحكم التي نظمها ~~ابن عطاء الله السكندري، وكانت هذه المجموعة مما يدرسه كبار العلماء في الأزهر الشريف، ~~وكان المرحوم الشيخ محمد بخيت يدرسها للجمهور بعد العصر من أيام رمضان في مسجد الحسين، ~~وقد حضرت عليه طائفة من تلك الدروس، وأنست بمعاني الحكم العطائية أشد الأنس. # واهتمام علماء الأزهر بدرس حكم ابن عطاء الله هو صورة جديدة للحفاوة بتلك اللآلئ ~~النفيسة، فقد اهتم بها الناس من قبل، وظفرت بعدة شروح، أشهرها شرح الرندي وشرح ~~الشرقاوي، ولا تزال على كثرة ما لقيت من الشرح والدرس تبعث في قلوب المريدين أنوارا لم ~~يتنورها الشارحون. # تهيب الشراح لأسرارها # وإنما قلنا هذا لأن الحكم العطائية نظمت نظما غنائيا روعي فيه أن تكون إشارات إلى ~~أحوال النفوس، والنفوس تتغير وتتبدل، وتعتورها ألوان من الكدورة والصفاء، فما يفهمه هذا ~~قد لا يفهمه ذاك، وما يرتضيه قوم قد يرفضه آخرون. # الجامع الأزهر وفيه كان ابن عطاء الله السكندري يلقي دروسا على الجمهور ~~في شرح معاني التصوف. # ومن أجل هذا أضيفت حكم ابن عطاء الله إلى الرمزيات، وتهيبها الشراح فصرحوا بأن كلامهم ~~ليس إلا طوافا حول ذلك السر المكنون، وفي ذلك يقول الرندي: # ولا قدرة ms087 لنا على استيفاء جميع ما اشتمل عليه الكتاب، وما تضمنه من لباب ~~اللباب؛ لأن كلام الأولياء والعلماء بالله منطو على أسرار مصونة، وجواهر حكم ~~مكنونة، لا يكشفها إلا هم ولا تتبين حقائقها إلا بالتلقي عنهم، ونحن في هذه ~~الكلمات التي نوردها، والمناحي التي نعتمدها، غير مدعين لشرح كلام القوم، ولا ~~أن ما نذكره فيه هو حقيقة مذاهبهم، حسبما يفعله كل مصنف، فإنا إن ادعينا ذلك ~~كان منا إساءة أدب، تئول بنا والعياذ بالله إلى العطب. وكنا قد تعرضنا للخطر ~~والضرر في تعاطي ما لا يليق بنا من شرح كلام السادة من أهل الله تعالى من غير ~~خوف ولا حذر، وإنما نورد ذلك على حسب ما فهمناه من كلامهم، وما انتهى إلينا ~~علمه من مذاهبهم، فإن وافقنا فيه حقيقة الأمر، وعثرنا على مكنون السر، كان ذلك ~~من النعم التي لا نحصي لها شكرا، ولا نقدر لها قدرا، وإن خالفنا ذلك، ولم ~~نهتد إلى تلك المسالك، أحلناه على نقصنا وجهلنا، وانتقى عنا التغرير بقولنا ~~وفعلنا، واقتصر الأمر في ذلك علينا، وكانوا هم مبرئين مما قلنا ونوينا. # وهذا الكلام يذهب بصاحبه إلى تقديس الحكم العطائية، وهو يشبه ما يقوله علماء الأزهر ~~في هذه الأيام عن ترجمة القرآن، إذ يصرون على أن تصدر الترجمة بمقدمة ينص فيها على أن ~~هذا هو ما فهموه من القرآن ، وقد يكون الله أراد معاني لم يهتدوا إليها ولم تخطر لهم على ~~بال. # سر البلاغة # والحق أن الحكم العطائية على جانب عظيم من الوضوح، وما يقوله الرندي ليس إلا بابا ~~من التأدب في فهم كلام القوم. ولكن هذا لا يمنع من الاعتراف بأن الحكم العطائية فيها ~~غموض، ولكن أي غموض؟ هو الغموض الذي يوصف به كل كلام وصل إلى غاية عالية من ~~البيان. # وأحب أن أشرح هذه النقطة فأقول: # يوجد في الكلام البليغ صور وإشارات تتفاوت في إدراكها العقول، وقد يكون النص البليغ ~~واضحا في لفظه ومعناه، ومع ذلك يظل كالحسن الفائق لا تجتلي فتنه بنظرة ولا نظرتين، ~~وإنما ms088 تطالع فيه العين كل يوم بابا جديدا من أبواب الفتون، أو كالبحر تعرف هوله ~~وجلاله، ثم ترى فيه كلما واجهته ضروبا جديدة من الهول والجلال. # وقد يتفق لنا في أحوال كثيرة أن نحمل النصوص معاني لم يردها الكتاب أو الشعراء، فنعد ~~ذلك تفوقا في الفهم، وهو في حقيقة الأمر ضلال مقبول. # والألفاظ في الأصل صور ضئيلة جدا للمعاني، والمعاني أيضا صور ضئيلة جدا للحقائق، ~~والحقائق في عظمتها وجبروتها لا تدرك كل الإدراك، وهل كان الألم على لذعه صورة كاملة ~~للداء؟ وهل كان الدمع على حرارة صورة مقاربة لما يتوجع له القلب، وهل كان تموج البحر ~~على صخبه صورة تامة لما في أحشائه من تقلب وهياج؟ وهل كان التماسك البادي بين أجزاء ~~الوجود صورة واضحة لما فيه من قوات الكهرباء؟ # إن الغرور يوهمنا أشياء كثيرة، واللغات بين الناس من أهم أسباب الأوهام فقد ظنناها ~~حددت المعاني كل التحديد، ولو أن ذلك كان صحيحا لارتفعت أسباب الخلاف. # ولكن هل كانت العقبة الوحيدة هي الاختلاف في فهم النصوص؟ # لا، لا، فقد يتلاقى الرجلان عند صورة واحدة من المعنى، ثم يختلفان اختلافا شديدا في ~~تصور المعنى الواحد؛ لأنهما يختلفان في صحة الجسم وعافية الروح. # فإذا قلت: إنك تترجم القرآن ترجمة صحيحة فأنت صادق، وإذا قلت إنك لا تترجم إلا ما ~~فهمت فأنت صادق؛ أنت صادق في الأولى لأن القرآن في الأصل جاء لهدايتك فلم يكن له أن ~~يحتجب وينتقب. # وأنت صادق في الثانية؛ لأن القرآن رمز لمعان يختلف في فهمها الناس بفضل ما يختلفون في ~~دقة الفهم وقوة الإدراك. # وكذلك صح للشراح أن يجزموا بأنهم لم يصلوا في فهم الحكم العطائية إلى الأعماق. # أسلوب ابن عطاء الله # والحكم العطائية عبارة عن طائفة من الفقرات القصيرة المختلفة الأغراض وهو يخاطب ~~المريد بصيغة المفرد، ويسجع في بعض الأحيان، وطريقته في البلاغة تختلف، فحينا يجرد ~~المعاني تجريدا تاما من الصور والأخيلة، كأن يقول: «من علامة الاعتماد على العمل، ~~نقصان الرجاء عند وجود الزلل». # 2 # وكأن يقول: «تنوعت ms089 أجناس الأعمال، لتنوع واردات الأحوال». # 3 # وحينا يوشي معانيه بالخيال توشية طريفة، كأن يقول: «ادفن وجودك في أرض الخمول، فما ~~نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه». # وكأن يقول: «لا ترحل من كون إلى كون فتكون كحمار الرحا # 4 # يسير والمكان الذي ارتحل إليه هو المكان الذي ارتحل منه، ولكن ارحل من ~~الأكوان إلى المكون». # 5 # وتارة يقف عند المعنى فيديره في صورة واحدة لا تختلف إلا فيما تربط به القافية، كأن ~~يقول: «كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي أظهر كل شيء». ~~«كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي ظهر بكل شيء». ~~«كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي ظهر في كل شيء». ~~«كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الظاهر قبل وجود كل شيء». ~~«كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو أظهر من كل شيء». ~~«كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الواحد الذي ليس معه شيء». ~~«كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو أقرب إليك من كل شيء». ~~«كيف يتصور أن يحجبه شيء، ولولاه ما كان وجود شيء». # 6 # وتارة يغرب في إيراد المعاني إغرابا مقصودا كأنما يريد أن يقصر خطابه على الخواص، ~~ولذلك شواهد كثيرة جدا، نكتفي منها بهذه الفقرة: # شتان بين من يستدل به أو يستدل عليه، المستدل به عرف الحق لأهله فأثبت الأمر ~~من وجود أصله، والاستدلال عليه من عدم الوصول إليه، وإلا فمتى غاب حتى يستدل ~~عليه، ومتى بعد حتى تكون الآثار هي التي توصل إليه. # 7 # فإن هذه الفقرة لا تفهم إلا بعد أن نعرف أنه ~~يقسم أهل الله إلى قسمين: مرادين ومريدين: فالمرادون يستدلون بالله على الأشياء والناس: ~~لأنه الأصل، والمريدون يستدلون بالأشياء والناس على الله، وذلك لوجود الحجاب. ولو أنهم ~~وصلوا إلى لباب الحقائق لعرفوا أن الله لم يغب حتى يستدل عليه، ولم يبعد حتى تكون ~~الآثار هي التي توصل إليه. # 8 # كيف نستدل على الله # وليس بين الحكم العطائية رباط وثيق، فهي مجموعة من الأقوال نظمت في أوقات مختلفة ثم ~~ضم بعضها إلى ms090 بعض بلا ترتيب مقصود، وقد يتفق للكاتب أن يفتن ببعض المعاني فيكررها في ~~صور مختلفات مرتين أو مرات، وإليكم هذه الفقرة: # إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب من الشهوة الخفية، وإرادتك ~~الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد انحطاط عن الهمة العلية. # 9 # فإن هذا المعنى هو عينه الذي عبر عنه بقوله في فقرة ثانية: # ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يحدث في الوقت غير ما أظهره الله فيه. # 10 # وهو نفسه الذي عبر عنه بقوله في فقرة ثالثة: # لا تطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها، فلو أرادك لاستعملك من ~~غير إخراج. # 11 # وهو أيضا المراد بقوله في كلمة رابعة: # أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك. # 12 # فهذه الفقرات كلها تنتهي إلى غرض واحد: هو أن يقف المريد حيث أقامه الله فلا يضجر من ~~النقص ولا يطمع في المزيد. # التجريد والأسباب # ومحصول هذه الحكم الأربع يكشف عن جانب من آراء ابن عطاء الله، فهو يدعو إلى احترام ~~الواقع، ولا يرى عملا أفضل من عمل، ما دامت الأعمال كلها بإرادة الله. حدث عن نفسه قال: # دخلت على الشيخ (رضي الله عنه) وفي نفسي العزم على التجريد، قائلا في نفسي: ~~إن الوصول إلى الله تعالى على هذه الحالة بعيد مع الاشتغال بالعلوم الظاهرة ~~ووجود المخالطة للناس، فقال لي من غير أن أسأله: صحبني إنسان مشتغل بالعلوم ~~الظاهرة ومتصدر فيها فذاق من هذه الطريق شيئا فجاء إلي فقال: يا سيدي، أخرج ~~عما أنا فيه وأتجرد لصحبتك، فقلت له: ما الشأن ذا، ولكن امكث فيما أنت فيه، وما ~~قسم الله لك على أيدينا فهو إليك واصل. ثم قال الشيخ - ونظر إلي - وهكذا شأن ~~الصديقين لا يخرجون من شيء حتى يكون الحق سبحانه وتعالى هو الذي يتولى إخراجهم. ~~فخرجت من عنده وقد غسل الله تلك الخواطر من قلبي، ووجدت الراحة بالتسلم إلى ~~الله تعالى. # 13 # وهذه النظرة إلى الأعمال الدنيوية أدق ms091 وأصح من نظرة الغزالي الذي يدعو في مواطن كثيرة ~~إلى ترك العلوم الظاهرة، وينصح بالتجريد المطلق، ويقبح ما يتصل بالجاه من أعمال ~~الناس. # وعلى ذلك يكون الاهتمام بالعمران وبالمعاش وبالمجتمع مما لا ينافي أدب المريد في نظر ~~ابن عطاء الله، وإنما يشترط لذلك أن يعرف المريد أنه يقف حيث أقامه الله، وأن لا غرض له ~~من التشبث بأعمال المعاش. # حقوق الصديق # ولكن الرضا عن الحال غير الرضا عن النفس، فلك أن ترضى عن حالك التي أقامك الله عليها ~~في مرافق الحياة، أما نفسك فالرضا عنها أصل كل معصية وغفلة وشهوة، # 14 # ورفيقك الذي تصحبه يجب أن يكون من الذين لا يرضون عن أنفسهم «ولأن تصحب ~~جاهلا لا يرضى عن نفسه خير لك من أن تصحب عالما يرضى عن نفسه، فأي علم لعالم يرضى عن ~~نفسه، وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه». # 15 # وابن عطاء الله يكثر من الكلام عن الصحبة، ولكن ~~«لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله»، # 16 # والصحبة أصل كبير من أصول القوم، وفيها منافع وفوائد؛ ولذلك استمر عليها ~~شأنهم قديما وحديثا # 17 # وللصحبة آداب ذكرناها في قسم الأخلاق، ولكن لا بأس من التذكير بأنهم يرون ~~الصديق الحق من لا يزيدك عنده البر ولا ينقصك عنده الجهل؛ ولذلك قيل: كن مع ~~أبناء الدنيا بالأدب، ومع أبناء الآخرة بالعلم، ومع العارفين كيف شئت. وقيل لبعض ~~الصالحين: إن فلانا يحبك ويكثر ذكرك ، فقال: إنه لحبيب إلي، وأجله وأعرف قدره، ~~ولكن يهون علي أن ألقى الشيطان ألف مرة، ولا ألقاه مرة واحدة، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: ~~أخشى أن أتزين له ويتزين لي. قال المكي: وكانت هذه الطائفة من الصوفية لا يصطحبون ~~إلا على استواء أربعة معان لا يترجح بعضها على بعض، ولا يكون فيها اعتراض من بعض على ~~بعض إن أكل صاحبه الدهر كله لم يقل له: صم، وإن صام الدهر كله لم يقل له صاحبه: أفطر، ~~وإن نام الليل كله لم يقل له صاحبه: ms092 قم فصل، وإن صلى الليل كله لم يقل له صاحبه: قم ~~بعضه، وتستوي أحواله عنده فلا مزيد لأجل صيامه وقيامه، ولا نقصان لأجل إفطاره ~~نومه. # 17 # وسر هذا الأدب هو الفرار من هوى النفس، فأنت لا تلوم الصديق في سرك أو جهرك إلا وأنت ~~تعتقد أنك أفضل منه، وهذا خطر يؤذن بكدورة النفوس. # فالقوم يوجبون تخير الصديق، ولكن ذلك في البداية، أما إذا انعقدت الصداقة فالبر كل ~~البر أن تعمى عينك عن عيوب صديقك، وأن لا ترى نفسك أفضل منه وإن تخلف عنك. والأساس أن ~~تكون مع الله بقلبك: فلا تشغل بغير عيوبك، ولا ترى الحياة إلا في شهوده ورضاه. # الشهرة والخمول # قلنا: إن ابن عطاء الله لا يدعو إلى قطع الأسباب ولا يرى بأسا في اشتغال المريد ~~بالعلوم الظاهرة والسعي فيما يسعى إليه الناس من نعيم المعاش، فلنذكر لتقييد ذلك أنه ~~يكره للمريد أن يسعى إلى الشهرة وبعد الصيت، وله في هذا كلمة هي من الذخائر في الأخيلة ~~الأدبية، قال: # ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما يدفن لا يتم نتاجه. # وهي كلمة رائعة لم أشهد لها مثيلا فيما قرأت، وفيها حيوية قوية، كأن الكاتب ألقاها ~~في لحظة من اللحظات التي تتجمع فيها قوى النفس، ثم تقذف بالمعنى فيخلد لقوته على وجه ~~الزمان. # والصوفية مجمعون على بغض الشهرة وحب الخمول، ولهم في ذلك كلمات جرت مجرى الأمثال، ~~كقول بعضهم: «طريقتنا هذه لا تصلح إلا لأقوام كنست بأرواحهم المزابل»، وقول ابن أدهم: ~~«ما صدق الله من أحب الشهرة»، وقول آخر: «ما أعرف رجلا أحب أن يعرف إلا ذهب دينه ~~وافتضح»، وقول آخر: «كلما دفنت نفسك أرضا سما قلبك سماء سماء». # 18 # ومن أغرب ما قرأت في هذا المعنى قول الفضيل: # بلغني أن الله عز وجل يقول في بعض ما يمن به على عبده: ألم أنعم عليك؟ ألم ~~أسترك؟ ألم أخمل ذكرك! # 19 # والذين ابتلاهم الله بالشهرة يعرفون صدق هذه الكلمات، فالشهرة محنة قاسية لا يبتلى ~~بها الرجل إلا ذهب ms093 عمره في مدافعة القيل والقال، وطال بلاؤه بالتجمل والتزين للناس. ~~والعمر قصير، ولكن الرجل المشهور ينفق عمره على قصره في تفاهات وصغائر يوجبها الاحتفاظ ~~باسمه سليما من أقذار الأقاويل، وهيهات أن يسلم، فالشهرة محنة حتى في الخير المحض، فلو ~~اشتهرت بالإحسان إلى المساكين لجرك ذلك إلى الخراب، وألقى على عملك أكداسا من تراب ~~الرياء. وبعض المشهورين يلذ لهم أن يتسمعوا ما يقال فيهم، فيصطدمون بأكاذيب وأراجيف ~~يشيب لها الوليد، ثم ينتهون إلى اليأس من أدب الناس، وإذ ذاك ينقلبون إلى نار عاتية ~~تمحق كل ما تصادف من أصول الأخلاق. # ومع أني قليل التجاريب في هذه الدنيا ولم يطر اسمي في مشرق ولا مغرب فإن الشهرة ~~الضئيلة التي قضت بأن يردد اسمي في بعض المجتمعات عطلت علي أنفس أوقاتي، وكدرت صفائي، ~~ولونت أدبي بألوان أبغضها أقبح البغض، وصيرتني أسيرا لصنوف من التقاليد السخيفة، ~~تقاليد المجتمع السخيف. وحاولت أن أتحلل وأتخلص فلم أفلح؛ لأن الشهرة كالميسم المتقد لا ~~تمحو أثره الأيام. # وما فكرت في المشهورين من الرجال إلا طال لهم رثائي، فعلى هؤلاء واجبات خلقتها ~~الشهرة، ولم يفرضها الحق، عليهم أن يغيثوا كل ملهوف، وأن يواسوا كل محزون، وأن يزوروا ~~ويزاروا في كل حين. وعلى أقدامهم أن تمشي إلى كل مأتم، وعلى ألسنتهم أن تتكلم في كل ~~مجمع، وعلى آرائهم أن تظهر في كل ميدان، وتكون النتيجة أن يصبحوا كالآلات تصنع ما لا ~~تريد. # وإنما ضربنا الأمثال لنبين أن أدب ابن عطاء الله في بغض الشهرة من الآداب العملية، ~~فهو ليس أدب الرجل العاطل، وإنما هو أدب الرجل الذي يهمه أن يكون من النافعين. # وأكاد أجزم بأن عمارة الدنيا عبء لا ينهض به إلا الخاملون؛ لأن الخمول يصرف عن النفس ~~شواغل كثيرة فتفرغ للنهوض بجلائل الأعمال. # والناس تعودوا أن يحملوا المشهورين ما لا يستطيعون أن يحملوا، ويكلفوهم ما لا يطيقون، ~~فتثور بذلك أحقاد وضغائن يأباها العقل، ويأباها المنطق، وتحول الدنيا إلى جحيم يصلاه ~~أهل الشهرة، من حيث يحتسبون أو لا يحتسبون. # تأمل ms094 في بلايا أهل الشهرة أيها القارئ، ثم انظر مرة ثانية في هذه النصيحة الغالية: # ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه. # 20 # مذهب الحلول # ولابن عطاء الله كلمات تذكر بمذهب الحلول، وهو أن يكون الله كل شيء في كل شيء، فلا ~~تكون ذرة، ولا قطرة، ولا نبتة، ولا نسمة، إلا وهي جزء من الذات الإلهية. من ذلك قوله: # إنما يستوحش العباد والزهاد من كل شيء، لغيبتهم عن الله في كل شيء ولو شهدوه ~~في كل شيء، لم يستوحشوا من شيء. # 21 # وقوله: # علم منك أنك لا تصبر عنه، فأشهدك ما برز منه. # 21 # وهذه الكلمة الثانية صريحة في قوله بالحلول؛ لأنها تفصح إفصاحا بأن العالم هو الجزء ~~البارز من الله، وأن على المؤمن أن يراه في كل موجود. # ولكن ابن عطاء الله لا يرى هذا الرأي في جميع الأحوال: فأدبه قائم على أن الإنسان ~~منفصل عن الله وأن عليه أن يتأدب، وأن يتقرب إلى ربه المتفرد بالعزة والجلال، وأن يطلب ~~رضاه بالفناء في حبه، وأن يوقن بأن هناك دارين، وقد أمره في هذه الدار بالنظر إلى ~~مكوناته، وسيكشف له في تلك الدار عن كمال ذاته، # 22 # ويذكر المريد بحاجته إلى حلم الله في جميع الأحوال فيقول: # أنت إلى حلمه إذا أطعته، أحوج منك إلى حلمه إذا عصيته. # 23 # ويجعل الله صاحب الفضل المطلق فيقول: # لو أنك لا تصل إليه إلا بعد فناء مساويك، ومحو دعاويك، لم تصل إليه أبدا ، ~~ولكن إذا أراد أن يوصلك إليه غطى وصفك بوصفه، ونعتك بنعته، فوصلك إليه بما منه ~~إليك، لا بما منك إليه. # 24 # والحق أن في كلام ابن عطاء الله تعابير كثيرة تؤذن بالحلول، ولكنه يثب فجأة فيشهد لله ~~بالوحدانية المنفصلة عن سائر الأكوان، كأن يقول: # الأكوان ثابتة بإثباته، وممحوة بأحدية ذاته. # على أن هذه الكلمة نفسها تدل على أنه يدفع تهمة الحلول، كأنه يظن أن الشبهة قائمة، ~~شبهة اتصال الموجد بالموجود، وامتزاج الخالق بالمخلوق، وهي شبهة ms095 تقوى في بعض الأنفس، في ~~بعض الأحوال، تقوى حين تصفو النفس، وحين تشهد من الجمال والجلال ما يعسر إضافته إلى ~~الموجودات الفانية، وإلا فمن ذا الذي يصدق أن البحر في ظلمات الليل خال من معاني ~~الألوهية؟ ومن ذا الذي يصدق أن هذا الوجود المربوط برباط الكهرباء خال في تماسكه من ~~النفحات الربانية؟ # القبض والبسط # إن مذهب الحلول لا ينهدم أمام العقل إلا حين ~~نفكر في أصاغر الموجودات وصغائر الناس، ولكن من يدري؟ فقد يثبت يوما أننا مخطئون في ~~تقدير حقائق الأشياء، وتقويم طباع الناس، قد يثبت يوما أن العمل الحقير لا يقل نفعا ~~في تماسك الوجود عن العمل الجليل، أم يثبت أن العالم يشكو النقص في سم بعض الحيات؟ ألم ~~يتمن الأطباء لو أمكن الإكثار من «الكوبرا»؛ لينفع سمها في شفاء السرطان؟ ألم تصل إلى ~~أذنك كلمة من عدو حقود فتكون على قذارتها بعثا لهمتك الغافية، وتنقلك من حال إلى ~~حال؟ # نحن لا ننكر مذهب الحلول إلا؛ لأننا خلقنا قواعد مستبدة لأصول الشرف والانحطاط، ولو ~~سمحنا لأنفسنا بقليل من التبذل لكشفنا هذه المسألة كل الكشف، وما لنا نتهيب؟ أليس ~~البراز مثلا للقذارة الحسية، ومع ذلك فانظروا خطره إذا بقي في الأمعاء وفيه ملايين ~~الجراثيم؟ # إن في الوجود أشياء كثيرة معروفة القبح، ولكنها مجهولة النفع، وما أقمناه من قواعد ~~الذوق هو سر ما نقع فيه أحيانا من الجهل، ولو عقلنا لعرفنا أن ليس في الكائنات فاضل ~~ومفضول، وإنما هي قوى تتساند وتتعاون في حفظ هيكل الوجود، وما تستصغر شأنه من الفضلات ~~قد يكون فيه من القوى الخفية ما يبهر اللب لو كشف عنه الحجاب. # 25 # دقائق الرياء # ولابن عطاء الله كلام ممتع في القبض والبسط، وهما من أحوال النفس، وهو لا يسره أن ~~يكون البسط من آثار النعمة، وأن يكون القبض من آثار الحرمان، ويقول: # متى كنت إذا أعطيت بسطك العطاء، وإذا منعت قبضك المنع، فاستدل بذلك على ثبوت ~~طفوليتك، وعدم صدقك في عبوديتك. # 26 # وهو يرى أن القبض قد يكون ms096 أنفع للنفس من البسط، ويقول: # ربما أفادك في ليل القبض، ما لم تستفده في إشراف نهار البسط، لا تدرون أيهم ~~أقرب إليكم نفعا. # 27 # وإنما أثروا القبض على البسط لما في القبض من انعدام حظوظ النفس؛ ولأن القبض قد يفتح ~~أمام النفس آفاقا من التأمل لا يفتحها البسط، والنهار ليس في كل حال أنفع من ~~الليل. # الاستغاثات العطائية # ولابن عطاء الله كلمات كثيرة تدل على بصره بسرائر النفوس، من ذلك قوله: # حظ النفس في المعصية ظاهر جلي، وحظها في الطاعات باطن خفي، ومداواة ما يخفى ~~صعب علاجه. # 28 # وهذا كلام دقيق جدا، يفسره قوله في كلمة ثانية: # ربما دخل الرياء عليك، من حيث لا ينظر الخلق إليك ... # ولهذه الدقائق نظائر كثيرة في كلامه فلا ندل عليها جمعاء، وإنما يكفي أن نشير إلى أن ~~الرجل تعمق في تفكيره كل التعمق، وعرض أفكاره في أشرف بيان. # ونكرر ما قلناه من قبل، وهو أن حكم ابن عطاء الله خالية من الوحدة الفنية؛ لأنها في ~~الأصل خطرات عرضت من وقت إلى وقت، ثم أضيف بعضها إلى بعض من غير ترتيب. # صلتنا بالله # ننتقل بعد ما سلف إلى بحث من الأدب الصرف، هو ما ختم به كتابه من الاستغاثات، وكان ~~يمكن نقل هذا البحث إلى ما كتبناه عن الأدعية والأوراد، ولكنا رأينا أن تكون آثار ابن ~~عطاء الله في مكان واحد، وهذا الكتاب تمت أصوله إلى وشيجة واحدة وإن تعددت الفروع. # 29 # ونبادر فنذكر أن ابن عطاء الله يتأثر في استغاثاته خطوات أبي الحسن الشاذلي في «حزب ~~البر» أي: أنه يحلل المعاني ويعللها ويشرح وينقد ويستنبط، فأنت أمام رجل بليغ لا يكتفي ~~بزخرف اللفظ، وإنما يفتن افتنانا شائقا في زخرف المعاني، على طريقة الفحول الذين ~~يلقونك في الأودية العقلية، فيجعلون منها مفاتن تفوق الزخارف اللفظية، وذلك كله يجري ~~بأسلوب سمح لا تكلف فيه ولا افتعال. # ولننظر كيف يبدأ استغاثاته فيقول: # إلهي أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيرا في فقري. # 30 # إلهي أنا الجاهل ms097 في علمي، فكيف لا أكون جهولا في جهلي. # 31 # وهذا المعنى اللطيف كرره ابن عطاء الله في عبارة ثالثة فقال: ~~«إلهي وصفت نفسك باللطف والرأفة بي قبل وجود ضعفي، أفتمنعني منهما بعد وجود ضعفي». # 32 # والفقرة الثالثة فيها تعمل، ولكن المعنى يشرق منها كل الإشراق، والمؤلف يكاد يعديك ~~فينقل إلى قلبك روعة التقوى ورقة الخشوع، وهذا المعنى فيه كل دقائق التصوف والروحانية، ~~فالمرء في قوته وعلمه وغناه مفتقر في كل لحظة إلى رعاية الله، فكيف يكون وهو معدم جاهل ~~ضعيف؟ إن المرء لا يملك لنفسه الستر لحظة واحدة، ولا يملك لنفسه السلامة لحظة واحدة، ~~ولا يملك لنفسه الغنى لحظة واحدة، ففي الغيب مستورات من الصروف لا يقيك منها غير الحفيظ ~~المغيث، وقد تبسم لك الدنيا فتزهو وتختال، وأنت لا تعرف أن كلمة تخرج من فيك، أو إشارة ~~تصدر منك، أو عرقا يختلج في جسمك، لا تعرف أن بعض هؤلاء قد ينقلك من نضرة النعيم إلى ~~جحيم الشقاء. # وبدا له أن يوازن بين ما يكون منه وما يكون من الله فقال: # إلهي، مني ما يليق بلؤمي، ومنك ما يليق بكرمك. # 33 # ثم جعل محاسنه لا تظهر إلا بفضل الله، ومساويه لا تظهر إلا بعدل الله، فقال: # إلهي، إن ظهرت المحاسن مني فبفضلك ولك المنة علي، وإن ظهرت المساوي فبعدلك ~~ولك الحجة علي. # 34 # وعلل التوسل بالفقر فقال: # ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك، وكيف أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك؟ أم ~~كيف أشكو إليك حالي وهي لا تخفى عليك؟ أم كيف أترجم لك بمقالي وهو منك برز ~~إليك؟ أم كيف تخيب آمالي وهي قد وفدت إليك؟ أم كيف لا تحسن أحوالي وبك قامت وإليك؟ # 35 # وهذه الفقرة في غاية من النفاسة؛ لأن الكاتب يشرح الفكرة الصوفية التي تقول: بأن ~~الخير المطلق هو في نسيان الذات والأحوال، فهو يتوسل أولا بالفقر، ثم يبدو له أن ~~الاعتداد بالفقر ذنب، ويرى من العبث أن يشكو إلى الله حالا لا تخفى عليه، أو ms098 يترجم له ~~بمقال هو منه برز إليه، ويعجب كيف تخيب الآمال وقد وفدت إلى الله، وكيف لا تحسن الأحوال ~~وبه قامت وإليه توجهت. وهذا وذاك من التلطف في مناجاة علام الغيوب. # ويفتح أمام قلبه باب الرجاء فيقول: # إلهي، كلما أخرسني لؤمي أنطقني كرمك، وكلما آيستني أوصافي أطمعتني ~~منتك. # 36 # ومعنى هذا أن الذنوب لا تمنع المؤمن من الطمع في كرم الله، وهذه الفكرة هي أساس ~~التصوف. وتفني محاسنه أمام عينيه فيقول: # من كانت محاسنه مساوي، فكيف لا تكون مساويه مساوي، ومن كانت حقائقه دعاوي، ~~فكيف لا تكون دعاويه دعاوى. # 37 # ومعنى ذلك أن أعمالنا كلها هباء، والاعتداد بصالح الأعمال غرور ينكره الصوفية. # وينكر أن تكون الكائنات هي الشاهد على وجود الله فيقول: # إلهي، كيف يستدل عليك، بما هو في وجوده مفتقر إليك؟ أيكون لغيرك من الظهور ~~ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت حتى نحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى ~~بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك. # 36 # وهو بهذا ينظر نظر المجذوبين لا نظر السالكين، فالسالك يستدل بالموجودات على الله، ~~والمجذوب يستدل بالله على الموجودات؛ لأنه أصل كل شيء، وقد عبر عن هذا المعنى مرات ~~مختلفة، فهو من آرائه الأساسية. # وهو مع هذا لا ينكر أن تكون الآثار شواهد على الله، ويقول: # إلهي، أمرت بالرجوع إلى الآثار، فأرجعني إليها بكسوة الأنوار، وهداية ~~الاستبصار، حتى أرجع إليك منها كما دخلت إليك منها مصون السر عن النظر إليها، ~~ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها. إنك على كل شيء قدير. # 38 # وهذه غاية في التعلق بالله، والتعامي عما سواه. # وهو يتلهف على الوصول إلى الله فيقول: # إلهي، منك أطلب الوصول إليك، وبك أستدل عليك، فاهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق ~~العبودية بين يديك. # 39 # بين الخوف والرجاء # ويمعن في التفلسف في محاورة الله فيقول: # إلهي، تقدس رضاك عن أن تكون له علة منك، فكيف تكون له علة مني، أنت الغني ~~بذاتك عن أن يصل إليك النفع منك، فكيف لا تكون ms099 غنيا عني. # 40 # وهذه النقطة في غاية من الدقة، فالمؤلف يرى رضا الله منزها عن أن تكون له علة من ~~الله نفسه، فكيف تكون له علة من الناس، ويرى الله على عظمته غنيا بذاته عن أن ينفع ~~نفسه فكيف لا يكون غنيا عن نفع الناس وهم حقراء. # ومعنى هذا الكلام أن معصيتنا لا تعود على الله بضر، وأن طاعتنا لا تعود عليه بنفع، ~~فرضاه عنا ليس متعة له وغضبه علينا ليس دليلا على أساه. # فما هي صلتنا في طاعتنا ومعاصينا بذلك العلي العظيم؟ أنغضبه حين نعصي ونسره حين نطيع؟ ~~وإذا أغضبناه أيكون معنى ذلك أننا أسأنا إليه؟ وإذا أرضيناه أيكون معنى ذلك أننا أحسنا ~~إليه؟ # إن الله منزه عن الآثار الحسية لمعاني الحب ~~والبغض، ولو لم يكن منزها عن ذلك لكان في مقدور المخلوق الضعيف أن يؤثر في الذات ~~الإلهية بالرضا والاكتئاب، وهو محال. # فلم يبق إلا أن تكون صور غضبه ورضاه موصولة بصوالحنا الذاتية، لم يبق إلا أن يكون ~~الغضب والرضا صورة لما نفهم نحن لا ما يفهم الله، لم يبق إلا أن نكون خلعنا على الله ~~خلعة إنسانية فجعلناه يرضى ويغضب، كما نرضى نحن ونغضب، وتمثلناه يألم ويجذل، كما نألم ~~ونجذل، وهو سبحانه منزه عن كل ما يلابس الناس. # وإذا كان ابن عطاء الله ينزه الله عن الرضا فكيف يترضاه؟ وإذا كان ينزهه عن الغضب ~~فكيف يتسغفره؟ وإذا كان يراه أعلا من أن ينظر إلى الحسنات فكيف يتقرب إليه، وإذا كان ~~يراه أمنع من أن تهمه السيئات فكيف يتوجع لما اقترف من الذنوب؟ # هذه مشكلة لم يحلها الصوفية، وستظل أبد الدهر من المشكلات. # ولكن ما الذي يمنع من أن نقرر أن فهمنا للذات الإلهية فهم ناقص أبشع النقص؟ ما الذي ~~يمنع من أن نقرر أنه لا يبعد أن تكون الذات الإلهية تنظر إلى الأشياء على نحو ما ننظر، ~~وتعقل على نحو ما نعقل، مع حفظ الفارق بين قوة الخالق وضعف المخلوق؟ # وهل يقدح في عظمة الله أن يطرب ms100 للحسن وينفر من القبح؟ هل يقدح في عزة الله أن يرضى ~~حين نحسن ويغضب حين نسيء؟ إن من شمائلنا المرضية أن نطرب للمحاسن ونجزع من العيوب، فكيف ~~ننزه الله عما ارتضينا لأنفسنا من الشمائل والخصال؟ # أنا أخشى أن يكون فيما ارتآه الصوفية فرار من الاكتراث بالتبعات، أخشى أن يكون في ~~تنزيههم الله عن الرضا والغضب خروج إلى باحة الانحلال، وأرى أن الذين يقفون عند حدود ~~الشرع أصلح وأسلم، فهم يتمثلون الله يرضى ويغضب، وهم يعملون للنجاة من غضبه والظفر ~~برضاه، وما أراهم من المخطئين. # ولكن من نحن حتى نكيف القوة الإلهية؟ من نحن؟ من نحن؟ ألم أقل لكم إن هذه المسألة ~~ستظل أبد الدهر من المشكلات؟ # إن ابن عطاء نفسه لم يسلم من القلق، وما قاله في الاستغاثة والمناجاة يدل على أنه لا ~~يعرف بالضبط كيف يعامل الله، فهو موزع القلب بين الرجاء والخوف ولعل هذه الحيرة هي خير ~~ما نلقى به الله الذي لم يخف منه شيء، ولم يظهر منه شيء. # هل نملك الطاعة والعصيان؟ # وابن عطاء الله يصر إصرارا جازما على أن العمل لا ينفع إلا بفضل من الله، ويقول: # إلهي، إن رجائي لا ينقطع عنك، وإن عصيتك، كما أن خوفي لا يزايلني وإن أطعتك. # 41 # وهذا من المعاني التي كررها المؤلف في صور مختلفة، فهو يدعو هنا بما كان ينصح به ~~هناك. # وابن عطاء الله لم يبتكر هذا المعنى: فهو أصل من أصول التصوف، ومن قبل قال يحيى بن معاذ: # يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الأعمال؛ لأني أجدني أعتمد في ~~الأعمال على الإخلاص، وكيف أحررها من الرياء وأنا بالآفة معروف؟ وأجدني في ~~الذنوب أعتمد على عفوك، وكيف لا تغفرها وأنت بالجود موصوف؟ # ومن دعاء أبي العباس: # إلهي معصيتك نادتني بالطاعة، وطاعتك نادتني بالمعصية، ففي أيهما أخافك؟ وفي ~~أيهما أرجوك؟ إن قلت: بالمعصية قابلتني بفضلك فلم تدع لي خوفا، وإن قلت: ~~بالطاعة قابلتني بعدلك فلم تدع لي رجاء، فليت شعري كيف أرى إحساني مع ms101 إحسانك؟ ~~أم كيف أجهل فضلك مع عصيانك؟ # 42 # وهذا كلام نفيس في معناه. # والصوفية في هذا الموطن يفرقون بين العوام والخواص، فالعوام يخافون عند موجبات الخوف ~~ويرجون عند موجبات الرجاء، أما الخواص فيجمعون بين الخوف والرجاء في جميع ~~الأجوال. # هل نملك الطاعة والعصيان؟ # ولا يثق ابن عطاء الله بقدرة المرء على فعل الخير وترك الشر، ويرى العزيمة ضائعة، ~~ولكنه يحاولها امتثالا للأمر، ويقول في ذلك: # إلهي، كيف أعزم، وأنت القاهر؟ وكيف لا أعزم، وأنت الآمر. # 43 # وهذه أيضا من المشكلات الباقية، فنحن لا نعصي إلا بقضاء، ولا نطيع إلا بقضاء، نحن ~~مسخرون في الخير ومسخرون في الشر، ومن فجورنا وتقوانا يقوم الوجود، أفنستطيع حين نعصي ~~أن نفعل ما لا يشاء الله؟ أفنستطيع حين نطيع أن نحس إلى الله؟ وكيف خلق المعصية وهي ~~نكراء؟ وكيف هيأ لنا أسباب الشر وهو بلاء؟ وكيف خلق فينا ذوق الإثم وهو يبغضه؟ وكيف ~~فاته أن يصوغنا من الخير المحض وهو كل هواه؟ # إن الإرادة الإنسانية فكرة وهمية، ومن الغرور أن نحكم بأننا نملك تصريف هذا الوجود، ~~فلم يبق إلا أن نقول مع ابن عطاء الله: وكيف لا نعزم وأنت الآمر. # أمرنا بالعزم على الخير، فلنعزم على الخير، ولنفوض الأمر إليه. # هذا، ولابن عطاء الله كلمات سارت مسير الشمس فكانت شاهدا على قوته الروحية، من ذلك قوله: # إلهي، هذا ذلي ظاهر بين يديك، وهذا حالي لا يخفى عليك. # 44 # فقد كنت أسمع هذه الكلمة كلما لقيت جماعة من المتعبدين. # ومن ذلك أيضا قوله: # بك أستنصر فانصرني، وعليك أتوكل فلا تكلني، وإياك أسأل فلا تخيبني، وفي فضلك ~~أرغب فلا تحرمني، ولجنابك أنتسب فلا تبعدني ، وببابك أقف فلا تطردني. # 45 # ولو أضفنا إلى ذلك ما ظفرت به الحكم العطائية من الشروح والتفاسير، وما أوحت إلى ~~الناس من مختلف المعاني، لرأينا كيف كانت قيمتها من الوجهة الأدبية والفلسفية. # ولا يغض من الحكم العطائية أنها ظلت مجهولة في التاريخ الأدبي؛ لأن مؤرخي الأدب غفلوا ~~عن أمثال هذه الفرائد فلم يكن ms102 لها من عنايتهم نصيب. # وقد قلنا في غير موطن من هذا الكتاب: إن رجال الأدب شغلوا بأسرى الحواس، ولم يهتموا ~~برجال القلوب. # ولعل هذا الفصل يذكر رجال الأدب بعظمة ذلك الأديب المجهول، فما تقل كلماته في الأدب ~~مع الله عن كلمات ابن المقفع في الأدب مع السلاطين. # | مكانة ابن عربي في الأدب والتصوف # حياة ابن عربي # لقد عانيت مشقة عظيمة في إعداد هذا الفصل؛ لأن شخصية ابن عربي معقدة أشد التعقيد، ومن ~~العسير بيان الخصائص الأساسية لهذا العقل المحيط في فصل من كتاب، ولكن يعزينا أن منهج ~~البحث لا يفرض الكلام على ابن عربي من جميع نواحيه في إفاضة واستقصاء، وإنما يوجب عرض ~~الجوانب البارزة التي تركت أثرا ظاهرا في الأدب والأخلاق. # كيف أفادته الرحلات # وابن عربي هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي، من ولد عبد الله بن ~~حاتم أخي عدي بن حاتم، يكنى أبا بكر، ويلقب بمحيي الدين، ويعرف بالحاتمي وبابن عربي ~~بدون ألف ولام كما اصطلح عليه أهل المشرق، فرقا بينه وبين القاضي أبي بكر بن العربي. # 1 # وكان ابن عربي من أعظم القائلين بوحدة الوجود. # ولد في مرسية من بلاد الأندلس في أواخر رمضان سنة 560، ثم انتقل من مرسية إلى أشبيلية ~~سنة 568، فأقام بها إلى سنة 598 ثم انتقل إلى المشرق حاجا ولم يعد بعدها إلى الأندلس، ~~وقد دخل مصر وأقام بالحجاز مدة، ودخل بغداد والموصل وبلاد الروم، وتوفي بدمشق ليلة ~~الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة 638. # صبوات ابن عربي # ويظهر من أخباره المبثوثة في تضاعيف مؤلفاته أنه اتصل بما مر به من البلاد اتصالا ~~قويا فكانت حياته سلسلة من التعرف إلى الرجال والآراء، ومن النقد والمصاولة في ~~الميادين الفقهية والصوفية، وكان لذلك أبلغ الأثر في تكوين ذلك العقل الصوال. # وقد كانت الرحلات من التقاليد المصطفاة عند علماء الإسلام، وكان لها فضل عظيم في صقل ~~العقول، وكان ابن عربي من أظهر من استفادوا من نظام الرحلات، ففي كتبه إشارات كثيرة إلى ms103 ~~من عرف من الرجال، وفي أبحاثه صدى للمشكلات التي عرضت له وهو يحاور علماء المشرق وعلماء ~~المغرب، وكذلك كان اسمه ملء الأفواه في أواخر القرن السادس وصدر القرن السابع، وكانت ~~أفكاره وآراؤه شغل الناس في تلك الحقبة من الزمان، وليس ذلك بالأثر القليل. # فتنته بنفسه # لا نعرف كثيرا من أخبار ابن عربي في صباه، ولكن يظهر أنه كان مرهف الحس والذوق، ~~وأنه نعم بماض خصب في عالم المحسوس، والنعيم في عالم المحسوس يزيد الأنس بالمعاني في ~~عالم المعقول، فالذين عرفوا «ليلى» في عالم المحسوسات يرون لها وجودا مشرقا في عالم ~~المعقولات، والذين شهدوا «الكأس» في عالم الحس يتمثلون لها صورا فتانة في عالم ~~الوجدان، ومن أجل ذلك نرى أشعار ابن عربي أثارة من رقدة الشوق ولفحة الحنين. # إن التصوف في جوهره نوع من التسامي في الروحانية، والصوفية الأخيار كانوا في الأصل من ~~عشاق الصورة الحسية، ثم ضاقت أمامهم دنيا الحس فتساموا إلى دنيا الروح، وهي دنيا حافلة ~~بمعاني الحب والجمال. # إن الرجل لا يتصوف إلا بعد أن يصبح روحه أقوى وأعنف من أن يقف عند الجمال المحسوس، ~~وهو جمال ينبت من الأرض ويتغذى من الأرض، ويرجع إلى الأرض، هو جمال يفتن به كبار ~~الأطفال، فإذا نضجت أرواحهم استصغروه واستقلوه واحتقروه، ثم مضوا يبحثون عن جمال يوائم ~~ما في أرواحهم من قوة وصفاء. # قوة شخصيته # ولكن من أين عرفنا أن ابن عربي كانت له صبوات في عالم الحس قبل أن تنقل صبواته إلى ~~عالم الروح؟ # إن القول بذلك لا يحتاج إلى دليل، فسنرى حين نتكلم عن الحب في باب الأخلاق أن الصوفية ~~جميعا بدءوا معارفهم الوجدانية بالصبوات الحسية، والتصوف ذاته هو انتقال من حال إلى ~~حال، انتقال من عالم الأرض إلى عالم السماء. # على أن الدليل تحت أيدينا، سطره ابن عربي نفسه في مقدمة شرح ترجمان الأشواق، وإلى ~~القارئ قصة تلك النفس: # وفد ابن عربي على الحجاز وهو في الثامنة والثلاثين، وهي سن محفوفة بالأشواك؛ لأنها ~~صلة بين دنيا الشباب ودنيا ms104 الكهول، وكان ابن عربي في ذلك الوقت يقاسي مشقة الانتقال من ~~عهد إلى عهد، فاتصل حبله برجل من أهل العلم في مكة، وكان لذلك الرجل بنية خفيفة الظل، ~~عذبة الحديث، فملكت عليه أقطار روحه، وسارت به في شعاب الهوى العذري فلم يرجع إلا وهو ~~أشلاء من الأسى والحنين. # ولنتركه يصف تلك الفتاة بقلمه الرشيق: # كان لهذا الشيخ (رضي الله عنه) بنت عذراء، طفيلة هيفاء، تقيد النظر، وتزين ~~المحاضر، وتحير المناظر، تسمى بالنظام وتلقب بعين الشمس والبهاء، من العابدات ~~العالمات، السابحات الزاهدات، شيخة الحرمين، وتربية البلد الأمين الأعظم بلا ~~مين، ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أتعبت، وإن أفصحت ~~أوضحت، إن نطقت خرس قس بن ساعدة، وإن كرمت خنس معن بن زائدة، وإن وفت قصر ~~السموأل خطاه، وأغري بظهر الغرور فامتطاه، ولولا النفوس الضعيفة السريعة ~~الأمراض، السيئة الأغراض؛ لأخذت في شرح ما أودع الله تعالى في خلقها من الحسن، ~~وفي خلقها الذي هو روضة المزن، شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء، حقة مختومة ~~واسطة عقد منظومة، يتيمة دهرها، كريمة عصرها، سابغة الكرم، عالية الهمم، سيدة ~~والديها، شريفة ناديها، مسكنها جياد، وبيتها من العين السواد، ومن الصدر ~~الفؤاد، أشرقت بها تهامة، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه، فنمت أعراف المعارف بما ~~تحمله من الرقائق واللطائف، علمها عملها، عليها مسحة ملك وهمة ملك، فراعينا في ~~صحبتها كريم ذاتها، مع ما انضاف إلى ذلك من صحبة العمة والوالد، فقلدناها من ~~نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد، بلسان النسيب الرائق، وعبارات الغزل اللائق، ~~ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس ويثير الأنس، من كريم ودها، وقديم عهدها، ~~ولطافة معناها، وطهارة مغناها، إذ هي السؤل والمأمول، والعذراء البتول، فأعربت ~~عن نفس تواقة، ونبهت على ما عندنا من العلاقة، اهتماما بالأمر القديم، ~~وإيثارا لمجلسها الكريم، فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكني، وكل دار ~~أندبها فدارها أعني. # وهذه العبارات صريحة كل الصراحة، وهي تفصح عن تعلقه بتلك الفتاة التي رأى في وجهها ~~وحديثها نعيم ms105 السمع والبصر والفؤاد، ولا شك عندنا في نبل ذلك الهوى وطهارته، وبراءته من ~~وضيع الأغراض؛ لأن ابن عربي يتحدث حديث الرجل العفيف، وهو عندنا صادق، ولكن ذلك العفاف ~~هو الدرجة الأولى بين هوى الأرض وهوى السماء، هو بداية العزوف عن المتعة الحسية ~~والإقبال على المتعة الروحية، هو طليعة الإيمان بأن للحب غاية غير نعيم الحواس. # وآية ذلك أن ابن عربي الذي يقول: «فكل اسم أذكره فعنها أكني، وكل دار أندبها فدارها ~~أعني» هو نفسه الذي يستطرد فيقول: # ولم أزد فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية والتنزلات ~~الروحانية والمناسبات العلوية؛ جريا على طريقتنا المثلى، فإن الآخرة خير لنا ~~من الأولى، لعلمها (رضي الله عنها) بما إليه أشير، ولا ينبئك مثل خبير، والله ~~يعصم قارئ هذا الديوان من سبق خاطره إلى ما لا يليق بالنفوس الأبية، والهمم ~~العلية المتعلقة بالأمور السماوية، آمين. بعزة من لا رب غيره، والله يقول الحق ~~وهو يهدي السبيل. # الموازنة بينه وبين الغزالي # ولا يمكن أن تكون تلك العلاقة أول وآخر ما عرف من العلاقات، فنشأته الأولى في المغرب ~~يوم كان متصلا بأحد الملوك لها دخل في رياضته على دنيا الحسن. # 2 # والتنقل من أرض إلى أرض يمنح العيون فرصة التنقل من فتنة إلى فتنة، وهوى ~~الرجل المحترس المتحفظ هو من أخطر الأهواء، وكان ابن عربي بطبيعة ما ترامت إليه همته ~~في الفقه والتصوف رجلا يحب أن يتوقر ويتزمت، ويلقى طلائع الحسن بقلب بليد، ولكن ~~التحرز لم يغن شيئا، فانحلت عزيمته، حين عرف تلك الفتاة التي حكم بأن بيتها من ~~العين السواد، ومن الصدر الفؤاد، واضطر إلى أن يسأل الله العصمة لمن يقرأ قصائد ترجمان ~~الأشواق، العصمة من سبق الخاطر إلى ما لا يليق بالنفوس الأبية، والهمم العلية، المتعلقة ~~بالأمور السماوية. # والتجارب علمتنا أن الأرض ليست بعيدة من السماء كل البعد، فالأرض والسماء في ~~عالم الأخلاق مقتربتان أشد الاقتراب، وقد تكون الظواهر مما يجزم بقوة الصلة الأرضية، ~~على حين تكون البواطن موصولة الأواصر بأقطار ms106 السماء. # ما أضيف إلى مؤلفات ابن عربي من الزيادات # ولكن لم نمشي على الشوك ونحن نكتب هذا الكلام؟ # لم هذا التهيب؟ نقول بكل صراحة: إن ابن عربي كان رجلا مقهور النزوات والأهواء، ~~كان رجلا محبوسا عن اللذات الحسية فاندفع يطوف حولها في رحاب عقلية، لها رونق ~~ورواء، وآية ذلك أنه أطلق لنفسه العنان في امتلاك ناصية المجد، والمجد له معسول ~~يفوق طعم الشهوات، وهو المفزع لكل نفس طامحة ضاعت حظوظها في ميدان الحواس. # إن ابن عربي في أبحاثه يفترع المعاني افتراع الفحول: فهو يشفي شهوة مقهورة عز عليها ~~أن يتنفس، ويداوي جوى في الصدر عز منه الشفاء. # وأكاد أجزم بأن حاله يشبه حال ساكنات الديارات: فالراهبة الجميلة لا تعرف الدير إلا ~~بعد أن يطول شقاؤها بما تحمل من قلب ظامئ ممنوع من الورود. وهنالك تنتظر الشفاء بما ~~تتلهى به من العظمة الكهنوتية، ومن التطلع إلى النعيم المرموق في عالم السماء. # كانت الشهوات الحسية تطارد ابن عربي أينما توجه، وكانت تطالعه في صور موشاة ~~بالتهاويل، فكان يلتمس المخرج بالتعلق بأذيال التفسير والتآويل: لأنه كان انغمر في ~~عالم المجد، وكان يحب أن تكون جميع النوازع تفسيرا لما ينتظره في أودية ~~المعقول. # وإليكم هذه الرؤيا، فهي وحدها شاهد على أنه يتناول المعاني بطرائق حسية ويواجه الدنيا ~~بعين متشوقة إلى الصور والأشكال، إليكم هذه الرؤيا ففيها المقنع لمن يزعم أن في مقدور ~~المتصوف أن يخلص كل الخلاص من عالم الحس، إليكم هذه الرؤيا التي غمرت ابن عربي في ~~تيار الشهوات من حيث لا يريد، إليكم هذه الرؤيا لتعرفوا كيف كان رجل اقتحام، وكيف كانت ~~غرائزه المقهورة تصور له العوالم القوية بصورة الخضوع المؤنث. # حدث عن نفسه قال: # رأيت ليلة أني نكحت نجوم السماء كلها فما بقي منها نجم إلا نكحته بلذة عظيمة ~~روحانية، ثم لما أكملت نكاح النجوم أعطيت الحروف فنكحتها، وعرضت ~~رؤياي هذه على من عرضها على رجل عارف بالرؤيا بصير بها، وقلت للذي عرضتها ~~عليه: لا تذكرني، فلما ذكر له الرؤيا استعظمها ms107 وقال: هذا هو البحر العميق الذي ~~لا يدرك قعره، صاحب هذه الرؤيا يفتح له من العلوم العلوية وعلوم الأسرار ~~وخواص الكواكب ما لا يكون فيه أحد من أهل زمانه، ثم سكت ساعة وقال: إن كان صاحب ~~هذه الرؤيا في هذه المدينة فهو ذلك الشاب الأندلسي الذي وصل إليها. # وأين هذه الرؤيا البهلوانية من رؤيا يوسف إذا قال لأبيه: # يا ~~أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ~~رأيتهم لي ساجدين ~~. # إن الفرق بين هذين الخيالين كالفرق بين هذين الروحين، سواء بسواء وما كذب يوسف، وإنما ~~استطال محيي الدين! # تحفظ واحتراس # والدعوى كانت تتسع أمام الرجلين في كثير من الشئون، فقد نقل أن امرأة كانت ~~ترضع صغيرا لها فمر رجل ذو شارة حسنة وخول وحشم فقالت: اللهم اجعل ابني مثل ~~هذا، فترك الرضيع الثدي ونظر إليه، وقال: اللهم لا تجعلني مثله. ومرت عليه امرأة وهي ~~تضرب والناس يقولون فيها: زنت وسرقت فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه. فترك الصغير ~~الثدي ونظر إليها وقال: اللهم اجعلني مثلها. # ثم يحدثنا ابن عربي أن رسول الله قال في ذلك الرجل: إنه كان جبارا متكبرا، وإنه قال ~~في المرأة: كانت بريئة مما نسب إليها. # ثم قاده الغرور إلى التزيد فقال: «واتفق لي مع بنت كانت ترضع عمرها دون السنة. ~~فقلت لها: يا بنية - فأصغت لي - ما تقولين في رجل جامع امرأته فلم ينزل، ما يجب عليه؟ ~~فقال: يجب عليه الغسل، فغشي على جدتها من نطقها. هذا شهدته بنفسي». # 3 # وقد مرت الأجيال الطوال ولم يشهد أحد بنفسه ما شهد ابن عربي بنفسه، فهي دعوى أعرض من ~~الصحراء. # شعره ونثره # على أنه لا ينبغي أن نسرف في تعقب ابن عربي، فهذه الشطحات تقبل من رجل مثله كان ~~يملك ناصية العلوم الشرعية والعقلية، وكان الزهو يقوده إلى الغفلة في بعض ~~الأحيان. # لا ينبغي أن ننسى أن شخصيته في البحث والاجتهاد كان لها جلال، وكان يستطيع أن يقول: ~~«اتفق المسلمون على أن التوجه إلى القبلة - أعني الكعبة ms108 - شرط من شروط صحة الصلاة، ~~فلولا أن الإجماع سبقني في هذه المسألة لم أقل: إنه شرط، فإن قوله تعالى: # فأينما تولوا فثم وجه الله # نزلت بعده وهي ~~آية محكمة غير منسوخة». # 4 # وهذه النظرة فيها ما فيها من قوة الشخصية، ولو مضينا نتعقب دراساته الفقهية لرأينا ~~لهذه النظرة كثيرا من الأشباه والأمثال، وهو في دراساته الفقهية يتلمس مسالك التصوف، ~~ويجعل في كل مبحث مجالا لأرباب القلوب. # انظر إليه وهو يتكلم في الطهارة تجده يلخص أقوال الفقهاء، ثم ينتقل إلى اعتبار ذلك في ~~الباطن فيقول: ~~«اعلم أن الطهارة في طريقنا طهارتان: طهارة غير معقولة المعنى، وهي الطهارة ~~من الحدث، والحدث وصف نفسي للعبد فكيف يمكن أن يتطهر الشيء من حقيقته، فإنه لو ~~تطهر من حقيقته انتفت عينه، وإذا انتفت عينه فمن يكون مكلفا بالعبادة؛ وما ~~ثم إلا الله؟ فلهذا قلنا: إن الطهارة من الحدث غير معقولة المعنى. فصورة ~~الطهارة من الحدث عندنا أن يكون الحق سمعك وبصرك وكلك في جميع عباداتك فأثبتك ~~ونفاك، فتكون أنت من حيث ذاتك، وتكون هو من حيث تصرفاتك وإدراكاتك» إلخ. # 5 # ومن هنا يمكن الحكم بأن ابن عربي كان يرى الشريعة من حظ العوام، ويرى الحقيقة من حظ ~~الخواص، وكانت دراساته للشريعة تمهيدا لشرح الحقيقة، وكان الفقه عنده مقدمة لدرس ~~أحوال القلوب. # وهو في هذا المسلك مسبوق بالغزالي، فكتاب الفتوحات المكية صدى لكتاب إحياء علوم ~~الدين، والفرق بين الرجلين أن الغزالي يحترم الأحكام الفقهية ويدرسها درس الفقيه، ثم ~~ينتقل إلى المعاني الصوفية فيدرسها في حرارة وشوق، أما ابن عربي فيظهر بشخصية جارفة في ~~البابين، فيقتحم في الفقه ويقتحم في التصوف، ولا يكاد مع عنفوانه ينير العقل أو يشرح ~~الصدر، وهل تشرح الصدور بالغطرسة والكبرياء؟ # إن كل صفحة من صفحات الإحياء ترسل إلى القلب أشعة من الأنوار الروحانية، أما كتاب ~~الفتوحات فكل صفحة فيه تثير مشكلة أمام العقل. # وربما كان السر في ذلك أن الغزالي ألف كتابه بعد أن صفا وطاب، وأن ابن ألف كتابه ~~وهو يتسامى ms109 إلى أن يكون خاتم الأولياء، كما كان محمد صلوات الله عليه خاتم ~~الأنبياء. # ويوضح هذا السر أن الغزالي يملأ كتابه بالنقول كأنه يستمد معانيه من كرام الأسلاف، ~~أما ابن عربي فيتكلم وحده، ولا يستأنس بكلام من سلف إلا في قليل من الأحايين. # وقد كان لمسلك ابن عربي أثر عنيف فيمن جاء بعده من الصوفية، فالعنجهية التي نراها ~~في الشعراني هي بالتأكيد عدوى وصلت إليه من ابن عربي، والتطاول إلى معرفة ملكوت ~~السموات جرأة خطرة لا تتيسر لكل مدع، وإنما يملكها من يرى نفسه عنصرا من الوحدة ~~الكلية حين يؤمن بوحدة الوجود. # ترجمان الأشواق # وينبغي أن ننص على أن كتب ابن عربي أضيفت إليها زيادات جائرة بدلت أغراضه بعض ~~التبديل، يدل على ذلك ما حدث به الشعراني في مختصر الفتوحات، إذ قال: # وقد توقفت حال الاختصار في مواضع كثيرة منه لم يظهر لي موافقتها لما عليه ~~أهل السنة والجماعة فحذفتها من هذا المختصر، وربما سهوت فتبعت ما في الكتاب كما ~~وقع للبيضاوي مع الزمخشري، ثم لم أزل كذلك أظن أن المواضع التي حذفت ثابتة ~~عن الشيخ محيي الدين حتى قدم علينا الأخ العالم الشريف شمس الدين محمد بن السيد ~~أبي الطيب المدني، المتوفى سنة 955 فذاكرته في ذلك فأخرج إلي نسخة من ~~الفتوحات التي قابلها على النسخة التي عليها خط الشيخ محيي الدين نفسه بقونية ~~فلم أر فيها شيئا مما توقفت فيه وحذفته، فعلمت أن النسخ التي في مصر الآن ~~كلها كتبت من النسخة التي دسوا على الشيخ فيها ما يخالف عقائد أهل السنة ~~والجماعة، كما وقع له ذلك في كتاب الفصوص وغيره. # 6 # ونحن نلمح في كلام الشعراني شيئا من التكلف، فإنه يبعد جدا أن يكون ابن عربي وقف ~~في تفكيره عند الحدود التي وقف في تفكيره عند الحدود التي وقف عندها أهل السنة ~~والجماعة، وإن كنا لا نستبعد أن تكون كتبه ابتليت بمن أضاف إليها بعض ~~الزيادات. # ولكن من هم الذين زادوا كتب ابن عربي فحملوه ما لم يحمل؟ ms110 # إن كانت الزيادات وقعت بالفعل فهي لم تقع من أهل السنة، وإنما وقعت من الصوفية، من ~~طائفة منهم عجزوا عن الجهر بآرائهم فأضافوا أعباءها إلى رجل يحمل الجبال! # وتكون النتيجة أن تكون كتب ابن عربي مراجع صوفية وإن اختلفت شخصيات الكاتبين. # مزج الأدب بالتصوف # على أنه لا مندوحة من النص على أن ابن عربي كان يتحفظ فيما يكتب، وكان يطلب السلامة ~~قبل كل شيء، فإن وجد في كتبه شيء يتجاوز مألوف الحدود فهو مدسوس. # ومن شواهد هذا التحفظ ما جاء في الفتوحات حيث يقول: # 7 # إن أصحابنا اليوم يجدون غاية الألم حيث لا يقدرون أن يرسلوا ما ينبغي أن ~~يرسل عليه سبحانه كما أرسلت الأنبياء عليهم السلام، # 8 # وإنما منعهم أن يطلقوا عليه سبحانه ما أطلقت الكتب المنزلة والرسل ~~عدم الإنصاف من السامعين من الفقهاء وأولي الأمر لما يسارعون إليه من تكفير ~~من يأتي بمثل ما جاءت به الأنبياء عليهم السلام في جنب الله، ويتركون معنى قوله ~~تعالى: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة ~~حسنة ~~، كما قال له ربه عز وجل عند ذكر الأنبياء والرسل صلوات ~~الله وسلامه عليهم: # أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده ~~، فأغلق الفقهاء هذا الباب من أجل ~~المدعين الكاذبين في دعواهم، ونعم ما فعلوا، وما على الصادقين في هذا من ~~ضرر؛ لأن العبارة والكلام عن مثل هذا هو ما هو ضربة لازب، وفيما ورد عن رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # في ذلك كفاية لهم فيوردونها ويستريحون إليها من تعجب وفرح وضحك ~~وتبشش ونزول ومعية ومحبة وشوق وما أشبه ذلك مما لو انفرد بالعبارة عنه الولي ~~كفر وربما قتل، وأكثر علماء الرسوم عدموا علم ذلك ذوقا وشربا، ~~فأنكروا مثل هذا من العارفين حسدا من عند أنفسهم. # وهذا الكلام قاله ابن عربي بعد أن شرح أطوار التجليات وانتهى إلى الموازنة بين من ~~يقول: # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # وقوله هو: # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه عينه ~~«فما في الوجود ms111 إلا الله # 9 # ولا يعرف الله إلا الله، ومن هذه الحقيقة قال من قال: أنا الله». # وقد تأملت طويلا في كتاب الفتوحات فرأيت ابن عربي يدور حول فكرة «وحدة الوجود» ~~دورانا لبقا ولا يكاد يفصح عنها إلا عن طريق الإيماء. # ألفاظ ومصطلحات # ندع هذا مؤقتا، ونأخذ في الكلام عن ابن عربي الأديب، فنقول: # يعد هذا الرجل من طبقة الكتاب العظام، ويمتاز نثره بميزة عجيبة: هي أنه لا يشغلك ~~بالألفاظ، وإنما يشغلك بالمعاني، ففي كل صفحة من كتبه معركة عقلية: فالقوة البيانية ~~عنده قوة فكر لا قوة تهويل؟ # ونثره يينقسم إلى قسمين: النثر العلمي، والنثر الفني. # وهو في نثره الفني رجل مرن وانطبع على الكلام المطمع الممتنع، وما ترك من ~~ألوف الصفحات يشهد أنه كان من أملك الناس لناصية البيان، ولا يؤخذ عليه غير التفريط في ~~ربط الجمل بعضها ببعض، وربما كان من أسباب ذلك أنه يحاول ستر أغراضه الحقيقة في كثير من ~~الأحيان، فالكلام يتسق له ما دام في حدود المألوف من آراء الناس، فإذا تفلسف ~~تلوى واعتسف؛ لأنه يحاول اقتحام الوعر من مسالك العقول. # وهو لا يصطنع النثر الفني إلا في المواطن التي يقف موقف الواعظ أو الخطيب، ففي مقدمات ~~كتبه وفي خطبه التي يحدث أنه ألقاها في حضرة الله أو حضرة الرسول نراه يوشي كلامه ~~بأكثر فنون البديع من سجع وتورية وجناس وطباق. # ونثره في شرح ترجمان الأشواق هو من النثر الفني، وإليكم هذا الشاهد الذي يمثل ما يتفق ~~لهذا الرجل أحيانا من خفة الروح: ~~«كنت أطوف ذات ليلة بالبيت فطاب وقتي، وهزني حال كنت أعرفه، فخرجت من البلاط من أجل ~~الناس وطفت على الرمل، فحضرتني أبيات فأنشدتها أسمع بها نفسي ومن يليني، لو كان هناك ~~أحد ، فقلت: # ليت شعري هل دروا # أي قلب ملكوا # وفؤادي لو درى # أي شعب سلكوا # أتراهم سلموا # أم تراهم هلكوا # حار أرباب الهوى # في الهوى وارتبكوا # 10 # فلم أشعر إلا بضربة بين كتفي بيد ألين من الخز، فالتفت فإذا بجارية من بنات ms112 ~~الروم لم أر أحسن وجها ولا أعذب منطقا، ولا أرق حاشية، ولا ألطف معنى، ولا أدق ~~إشارة، ولا أظرف محاورة منها، قد فاقت أهل زمانها ظرفا وأدبا وجمالا ومعرفة؛ ~~فقالت: يا سيدي، كيف قلت؟ فقلت: # ليت شعري هل دروا # أي قلب ملكوا # فقالت: عجبا منك، وأنت عارف زمانك، تقول مثل هذا!! أليس كل مملوك معروف؟ وهل يصح ~~الملك إلا بعد المعرفة، وتمني الشعور يؤذن بعدمها، والطريق لسان صدق، فكيف يجوز ~~لمثلك أن يقول مثل هذا؟ قل يا سيدي، فماذا قلت بعده؟ فقلت: # وفؤادي لو درى # أي شعب سلكوا # فقالت: يا سيدي، الشعب الذي الشغاف والفؤاد هو المانع له من المعرفة، # 11 # فكيف يتمنى مثلك ما لا يمكن الوصول إليه إلا بعد المعرفة، والطريق لسان ~~صدق، فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا؟ يا سيدي، فماذا قلت بعد؟ فقلت: # حار أرباب الهوى # في الهوى وارتبكوا # فصاحت وقالت: يا عجبا، كيف يبقى للمشغوف فضلة يحار بها، والهوى شأنه التعميم يخدر ~~الحواسن ويذهب العقول، ويدهش الخواطر، ويذهب بصاحبه في الذاهبين فأين الحيرة وما هنا ~~باق فيحار، والطريق لشان صدق، والتجوز من مثلك غير لائق! فقلت: يا بنت الخالة، ما ~~اسمك؟ فقالت: قرة العين؟ فقلت: لي! ثم سلمت وانصرفت. ثم إني عرفتها بعد ذلك وعاشرتها ~~فرأيت عندها من لطائف المعارف، ما لا يصفه واصف». # 12 # ذلك طراز من نثره الفني، وهو نثر مقبول، لا تكلف فيه ولا افتعال. # ثروته اللغوية # أما شعره فهو فن قائم بذاته، هو الشعر الصوفي، وقد ترك من الشعر تركة ثقيلة، فله ~~ديوان ضخم. وكتاب الفتوحات ذاته يقوم في الأغلب على شرح مقطوعات شعرية، ويعز علينا أن ~~نصرح بأن هذا الرجل أضاع وقته في صوغ القريض، فديوانه الضخم مجموعة من الأحجار وضعت على ~~غير نظام، وهو في ديوانه هذا رجل مزعج لا تكاد تستروح الإنس به حتى تعود فتنكره؛ لأنك ~~لا تعرف أين يتوجه، ولا تكاد تلمس في أشعار الديوان لفحة من الشوق إلى العالم ~~المجهول. # وإلا فأي روعة في ms113 أمثال هذه الأبيات: # إن لي ربا كريما أجده # كالذي نعلم أو نعتقده # هو مني وأنا منه به # ولذا في كل حال أجده # كل من نال الذي قد نلته # من وجود قد تعالى مشهده # إن أستاذي الذي أدبني # هو شخص في وجودي يشهده # هو مني والد معتبر # وأنا منه كهو أو ولده # لا أسميه لأني عالم # أنه يكره ذا بل يعبده # 13 # هذا شعر ضعيف، وكل ما فيه هو الطواف حول الإشارة إلى وحدة الوجود والأثر الشعري الحق ~~لابن عربي هو قصائد ترجمان الأشواق: ففي هذه القصائد نفحات شعرية، وهو بهذا الديوان ~~يستطيع أن يزاحم الأقطاب من شعراء الصوفية. # وأكبر الظن أن نجاحه في هذا الديوان يرجع الفضل فيه إلى تلك الإنسانة التي أذكت نار ~~جواه، فهي وقدات حسية مشبوبة وجهها عند الشرح إلى معان علوية ليسير في ركاب أصحاب ~~الأذواق. # وانظروا كيف يقول: # مرضي من مريضة الأجفان # عللاني بذكرها عللاني # هفت الورق بالرياض وناحت # شجو هذا الحمام مما شجاني # بأبي طفلة لعوب تهادي # من بنات الخدور بين الغواني # طلعت في العيان شمسا فلما # أفلت أشرقت بأفق جناني # يا طلولا برامة دراسات # كم رأت من كواعب وحسان # بأبي ثم بي غزال ربيب # يرتعي بين أضلعي في أمان # يا خليلي عرجا بعناني # لأرى رسم دارها بعياني # فإذا ما بلغتما الدار حطا # وبها صاحبي فلتبكيان # وقفا بي على الطلول قليلا # نتباكي بل أبك مما دهاني # الهوى راشقي بغير سهام # الهوى قاتلي بغير سنان # عرفاني إذا بكيت لديها # تسعداني على البكاء تسعداني # واذكرا لي حديث هند ولبنى # وسليمى وزينب وعنان # ثم زيدا من حاجر وزرود # خبرا عن مراتع الغزلان # واندباني بشعر قيس وليلي # وبمي والمبتلى غيلان # طال شوقي لطفلة ذات نثر # ونظام ومنبر وبيان # من بنات الملوك من دار فرس # من أجل البلاد من أصبهان # هي بنت العراق بنت إمامي # وأنا ضدها سليل يماني # هل رأيتم يا سادتي أو سمعتم # أن ضدين قط يجتمعان # لو ترانا برامة نتعاطى # أكؤسا للهوى بغير بنان # والهوى بيننا ms114 يسوق حديثا # طيبا مطربا بغير لسان # لرأيتم ما يذهب العقل فيه # يمن والعراق معتنقان # كذب الشاعر الذي قال قبلي # وبأحجار عقله قد رماني # أيها المنكح الثريا سهيلا # عمرك الله كيف يلتقيان # هي شامية إذا ما استهلت # وسهيل إذا استهل يماني # فهذه قصيدة جيدة والغرام فيها حسي؛ لأن الكلام موجه إلى تلك الفتاة الأصبهانية التي ~~عرفها بمكة، ولكنه في الشرح يحول صبابته إلى معان روحية ولننظر كيف شرح المطلع: # مرضي من مريضة الأجفان # عللاني بذكرها عللاني # فقال: # المرض: الميل، يقول: لما مالت عيون الحضرة المطلوبة للعارفين من جانب الحق ~~سبحانه بالرحمة والتلطف إلينا أمالت قلبي بالتعشق إليها، فإنها لما تنزهت جلالا ~~وعلت قدرا، وسمت جبروتا وكبرا، لم يمكن أن تعرف فتحب، فتنزلت ~~بالألطاف الخفية إلى قلوب العارفين ... إلخ. # ولننظر كيف شرح هذين البيتين: # طال شوقي لطفلة ذات نثر # ونظام ومنبر وبيان # من بنات الملوك من دار فرس # من أجل البلاد من أصبهان # فقال: # وصف هذه المعرفة الذاتية بأنها ذات نثر ونظام، وهما عبارتان عن المقيد ~~والمطلق، فمن حيث الذات وجود مطلق، ومن حيث المالك مقيد بالملك، فإنهم ما أشرنا ~~إليه في هذا فإنه عزيز ما رأينا أحدا نبه عليه قبلنا في كتاب من كتب المعرفة ~~بالله تعالى، وقوله: (منبر) يعني درجات الأسماء الحسنى، والرقي فيها التخلق ~~بها، فهي منبر الكون، والبيان عبارة عن مقام الرسالة، هذه المعارف كلها خلف ~~حجاب النظم بنت شيخنا العذراء البتول شيخة الحرمين، وهي من العالمات المذكورات، ~~وقوله: (من بنات الملوك) لزهادتها: فالزهاد ملوك الأرض. فستر ما يريده من ~~المعارف بذكر دارها وأصلها، يشير من بنات الملوك يعني: أن هذه المعرفة لها وجه ~~بالتقييد، وقوله: (من دار فرس) يقول: وإن كانت عربية من حيث البيان فهي فارسية ~~عجماء من حيث الأصل؛ لأنه لا يمكن في الأصل بيان عزته وتعلق الحكم به ... إلخ. # وهذا الشرح، كما ترون، كله تعمل واعتساف، والاطلاع عليه يقدم إلينا متعة من متع ~~الأنس بالذكاء. # وأشعار ابن عربي كلها رمزيات، كما يريد أن تكون، ms115 وهي لا تخلو من طلاوة، وقد يقع فيها ~~أحيانا شيء من طريف الخيال، كأن يقول: # ذبت اشتياقا ووجدا في محبتكم # فآه من طول شوقي آه من كمدي # يدي وضعت على قلبي مخافة أن # ينشق صدري لما خانني جلدي # ما زال يرفعها طورا ويخفضها # حتى وضعت يدي الأخرى تشد يدي # وحدة الوجود # ولا بد من الإشارة إلى أن ابن عربي زاد لغة الصوفية ثروة، فقد تفرد بتعابير ~~واصطلاحات أوجبت أن يفرد لها بحث خاص، # 14 # ولهذا قيمة من الوجهة الأدبية؛ فالرجل كان يعيش في جو خلقه بنفسه، وكانت له ~~اقتحامات عقلية ولغوية تضيفه إلى المبتكرين في عالم الفكر والبيان. # يضاف إلى هذا ما صنعه في إذاعة الثقافة الصوفية، فقد هضم كل ما قرأ، ووعى كل ما سمع، ~~وراح يهدر كالفحل في لغة قوية عاتية لا يعيبها غير ما كان يقصد إليه أحيانا من ~~الغموض. # ولنسجل أيضا أنه راض اللغة على الجري في شعاب مجهولة، وانطلق يتحدث عن فروض غيبية ~~جلاها قلمه في معارض شائقة فأصبحت وكأنها من الحديث المأنوس. # ولقد عرضت من قبل إلى الموازنة بين كتاب الإحياء وكتاب الفتوحات؛ فلنصف إلى ما سلف ~~أن كتاب الإحياء جلا من التصوف ناحيته الروحية، أما كتاب الفتوحات فقد جلا من التصوف ~~ناحيته العقلية. ويمكن الحكم بأن ابن عربي كان أصلب عودا من الغزالي، فالغزالي ألف ~~كتابه وهو ممعود، # 15 # أما ابن عربي فألف كتابه وهو في حيوية قوية، حيوية في الجسم وحيوية في ~~العقل، ومن أجل هذا نراه يفترع الأفكار افتراع الفحول، وإن كان لم يفرغ من كتابه هذا ~~إلا قبل موته بثلاث سنين. # ولقوة الشخصية أثر في الحيوية الأدبية، والأدباء لا يخدمون لغتهم بالبيان وحده، وإنما ~~يخدمونها بالبيان المقتحم الذي يوقظ المشاعر والعقول. # ويمكن أيضا أن نقول : إن كتاب الإحياء يصلح لكل قارئ، أما كتاب الفتوحات فيتسامى على ~~أوساط القراء، فهو لون من الأريستوقراطية العقلية؛ لأنه يعز على من يرومه من سواد ~~الناس، ويطول على من لم تؤهله ثقافته إلى المشاركة في ms116 مصاولة العقول. # دفاع العاملي # تلكم جوانب من ابن عربي تمثل شخصيته الأدبية والذوقية، ولكن بقي جانب مهم هو قوله ~~بوحدة الوجود، وهذه المسألة لها أثر في طريقة فهمه لقواعد الأخلاق. # ونبادر فنذكر أن الإشارات إلى وحدة الوجود منبثة في كتاب الفتوحات، ولكن ابن عربي ~~يتكلم في تحفظ واحتراس، وليس من همنا في هذا البحث أن نبين كيف وصلت هذه الفكرة إلى ابن ~~عربي، فقد سبقنا الدكتور أبو العلاء عفيفي إلى ذلك في بحث نشره في مجلة كلية الآداب ~~(مايو سنة 1933)، وإنما يهمنا أن نشرح هذه الفكرة ونبين خطرها في الأخلاق. # والقائلون بهذه الفكرة يختلفون في تصويرها إلى فريقين: فريق يرى الله روحا ويرى ~~العالم جسما لذلك الروح، فالله هو كل شيء، وفريق يرى جميع الموجودات لا حقيقة لوجودها ~~غير وجود الله فكل شيء هو الله. # 16 # ونظرية وحدة الوجود شغلت جمهورا كبيرا من علماء الإسلام، واصطنعها كثير من أقطاب ~~الصوفية منهم ابن الفارض الذي يقول: # وفي الصحو بعد المحو لم أك غيرها # وذاتي بذاتي إذ تجلت تحلت # وما زلت إياها وإياي لم تزل # ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت # وقد شرح هذه النظرية بهاء الدين العاملي في كتيب أسماه «الوحدة الوجودية»، وهو كتيب ~~يقرأ، وأهم ما فيه هو الدفاع عن ظهور الله بصورة محسوسة، فقد روى الحديث المأثور عن ~~الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~: «رأيت ربي على صورة شاب أمرد فوضع كفه بين كتفيذض فوجدت برده بين ~~ثديي»، ثم قال: # فإذا جاز تجليه سبحانه وتعالى في صورة شخصية، فما المانع من أن تكون سائر ~~الصور الأرضية والسماوية صور تجلياته، وشئون ظهور ذاته؟ فإن قلت: إن الصورة ~~المذكورة التي تجلى الله تعالى فيها صورة حسنة فكيف يقاس عليها الصور التي ~~بخلافها في الحسن والنورانية مثل الأشياء النجسة والمتقذرة؟ يقولون في الجواب: ~~إن نجاسة الأشياء وتقذرها ليست وصفا ثابتا لها في أنفسها، فإن كل طبيعة ~~متعينة لها ملاءمة بالنسبة إلى البعض ومنافرة بالنسبة إلى البعض الآخر وذلك من ~~آثار ما به الاشتراك ms117 وما به الاختلاف الواقع من التعيين، فأيهما غلب ظهر حكمه ~~من الملاءمة والمنافرة. والنجاسة الواقعة في بعض الأشياء إنما هي بالنسبة إلى ~~ما يقابلها من الطبائع التي وقعت بينها أسباب المخالفة فهي لا تثبت لشيء إلا ~~بالنسبة إلى ما يقابلها لا بالنسبة إلى الإطلاق والمطلق، فهي وما يقابلها مما ~~سمي نظافة على السوية بالنسبة للمطلق. # 17 # وما حكم به العاملي على الصور المقبولة والمرذولة يحكم به على ساتر الأحكام الكونية ~~كالألم والتلذذ والسعادة والشقاوة والحسن والقبح، فكل هذه لا يلزم منها نقص ولا شين ~~للحقيقة الكلية، إذ ليس الشين والنقص لشيء إلا كون ذلك الشيء في معرض الإمكان ~~والحدوث. ~~«والوجود الحق الواجب في ذاته، الكامل بصفاته، السابق موجوديته على جميع حالاته، ~~ممتنع أن يحوم النقص حول عظمة ذاته، فكل ما ظهر في الكون من الكمال فهو من لوازم ذي ~~الجلال والجمال، وما طرأ من النقص والزوال، فهو من أحكام التعين والتنزل والإنزال». # 18 # وخلاصة المذهب أن لا موجود إلا الوجود الواحد، ومع ذلك يتعدد بتعدد التعينات تعددا ~~حقيقيا واقعا في نفس الأمر، ولكن ذلك التعدد لا يوجب تعددا في ذات الوجود، كما أن ~~تعدد أفراد الإنسان لا يوجب تعددا في حقيقة الإنسان. # 19 # أوجه من الحق في وحدة الوجود # وقد فكرت في هذا المذهب طويلا، وهو عندي من الوجهة النظرية مقبول، على شرط أن ~~نتجاهل جميع المصطلحات، فنحن إلى اليوم لا نعرف الله كما ينبغي أن يعرف. ومن المحتمل ~~أن نكون أضفنا إليه صفات لا نعرف حظها من الصدق، فنحن ننزهه عن كل ما يلابس الناس، ~~ونقضي بأن ليس كمثله شيء، كما قضى القرآن، وهنا يبدأ الخطر؛ لأننا إن كذبنا القرآن ~~فماذا تملك؟ وما الدليل على أن القرآن أسرف؟ القرآن يقضي بأن ليس كمثله شيء، فأين ~~اليقين عندنا على أنه يشبه شيئا أو يشبهه شيء؟ # نحن نصف الله بالغنى المطلق، والفطرة هي التي هدتنا إلى ذلك، ولا نكاد نصدق أن واهب ~~الوجود يحتاج إلى شيء، وإن احتاج كما نحتاج فأين ms118 تكون عظمته الذاتية؟ # ونحن حين نقول بوحدة الوجود نقضي بأننا جزء من الوحدة الإلهية، ولا شك أن فينا شمائل ~~روحية وخلقية تدعونا إلى القول بصحة ذلك الادعاء، ولكننا نتلفت فنرانا نعرى ونظمأ ~~ونجوع، ونرى أكبر المتفلسفين لا يغنيه التفلسف عن طلب الرزق، وتمر بنا أحداث نرى الناس ~~فيها صغارا جدا لا يصلحون أبدا للاتسام بالسمة الإلهية. # يضاف إلى ذلك أن القول بوحدة الوجود يجعل الثواب والعقاب من المشكلات، فمن الذين ~~يثيبنا حين نحسن؟ ومن الذي يعاقبنا حين نسيء؟ # ومن نحن حتى نحسن؟ ألسنا جزءا من الله؟ ومن نحن حتى نسيء؟ ألسنا بضعة من واجب ~~الوجود؟ أيحسن الله نفسه ثم يثيب، ويسيء ثم يعاقب؟ تلك مشكلة المشكلات. # مشكلة الثواب والعقاب # إن ابن عربي يحل هذه المشكلة حلا طريفا، وهو ينصح للعوام بأن يكتفوا بالشريعة ~~فيفهموا الثواب والعقاب على نحو ما يفهم جمهور المسلمين؛ ويحتفظ بذلك السمو الروحاني ~~لأقطاب الواصلين، فمن سمت به التجليات إلى مقام الفناء عرف أن لا موجود إلا الله، ~~واستطاع أن يقول: أنا الله. # ولهذا الرأي خطر عظيم من الوجهة الأخلاقية، فالعارف يرى الناس جميعا مضللين، ولكنه ~~يعذرهم وينظر إليهم كما ينظر الرجل إلى صغار الأطفال. # أتريدون الحق؟ إن القول بوحدة الوجود له وجه، فمنذ اكتشف اللاسلكي وأنا أعتقد أن ~~العالم كله مربوط أوثق رباط بوحدة كهربائية لا تقبل الانفصام. # وأكاد أحكم بأن الخطأ والصواب، والهدى والضلال، لا يقع شيء منه إلا طاعة لتلك القوة ~~الكهرابئية، فهي التي تبرم وتنقض، وتأسو وتجرح، لأغراض مستورة قد لا يفهمها الإنسان ~~بإدراكه الضعيف. # ولكن كيف يكون الحال لو وضعت القوانين على هذا الأساس؟ # كيف يكون الحال حين يحكم بأن المجرم يجرم وهو غير مسئول؟ # أتنفعني هذه الفلسفة التي أدونها في غرفة مغلقة النوافذ؟ # ألا يكون من حق كل مجرم أن ينتهب مني ما يشاء، حتى هذا الرغيف الذي أعددته ~~للغداء؟ # إن القول بوحدة الوجود ليس إلا شطحة صوفية، وهو خطر كل الخطر في عالم الأخلاق. # فإن رابكم هذا القول فتأملوا أحوال ms119 الصوفية، فهم في الأغلب من الذين سقطت عنهم ~~التكاليف، وعاشوا عيش التفكك والانحلال منذ أفلتوا من قيود الشرع الحنيف. # 20 # كيف جاء القول بوحدة الوجود # لقد أجهدت عقلي في البحث عن السبب الذي دعا إلى القول بوحدة الوجود، وانتهيت إلى أن ~~هذه النظرية لم تنشأ إلا؛ لأن الإنسان بطبيعة تكوينه لا يتصور موجودا بلا حيز ولا جهة ~~ولا مكان، وهو حين يؤمن بوجود الله يسأل من حيث لا يشعر: وأين الله؟ ولا تزال الدنيا ~~تعج بألوف الملايين ممن يتصورون أن الله في السماء فيرفعون إليها أبصارهم عند ~~الدعاء. # والمؤمنون الصالحون يقولون: الله في كل مكان، والقرآن نفسه يقول: # فأينما تولوا فثم وجه الله # ولست بهذا أقضى بأن القرآن ~~يجعل الله في مكان، وإنما أحكم بأن هذه الآية تخاطب الناس بما يفهمون، فتصوروا الله ~~موجودا في كل مكان؛ لأنهم لا يعقلون وجودا بلا حيز ولا مكان. # ولقد قلت: إن اللاسلكي هيأ ذهني للقول بوحدة الوجود، وإنما كان ذلك؛ لأني تبينت أن ~~الحرية الذاتية قد تكون وهما من الأوهام، فأنا حين أتنفس، أو أتحدث، أو أحزن، أو أجذل، ~~أو أسكن، أو أتحرك، أنا في جميع الأحوال موصول السرائر بالعالم كله، ومن آيات ذلك أني ~~أتأثر بما لا أدرك من أحوال الوجود: فأسعد أو أشقى في سريرة نفسي بلا سبب معروف. # وقد حملني هذا الفهم على إقرار مبالغات الشعراء حين يحكمون بأن الشمس والقمر والنجوم ~~جزعت لموت من يبكون من الأعزاء. وبدا لي أنه لا يبعد أن يجيء يوم يثبت فيه أنه لا تجف ~~ورقة، ولا تسقط ثمرة، إلا ويتأثر الوجود كله تأثرا يتناسب مع الموجود الذي يناله ~~الجفاف أو السقوط. # وهذه القوة الكهربائية التي تربط العالم بعضه ببعض تنفي الحرية الذاتية، وتجعلنا ~~مقرونين إلى القطار الخالد، قطار الموجودات من أراض وبحار وأنهار وجبال وكواكب ونجوم، ~~وما لا نعلم من أشتات الوجود. # قد تقولون: إن الله هو الذي خلق العالم وربطه بذلك الرباط الكهربائي الوثيق. # وهو كذلك، ولكن أين الله؟ أين كان قبل ms120 أن يخلق هذا الوجود؟ # تقولون: إنه منزه عن الحيز والجهة والمكان. # صدقتم، ولكن انتظروا حتى تخلق الأفهام التي تتصور موجودا بلا حيز ولا جهة ولا ~~مكان. # لا تظنوني أتسامى إلى حل هذه المشكلة حلا نهائيا، هيهات، وإنما أردت أن أبين كيف ~~اضطر بعض الفلاسفة إلى القول بوحدة الوجود، والله وحده يعلم أين مكان الخطأ في هذه ~~المسألة، وأين مكان الصواب. # تهافت من يقولون بهذه النظرية # والمهم أن نعرف الآن كيف يصح التكليف مع القول بوحدة الوجود. # ونسارع فنقرر أن الذين يقولون بوحدة الوجود يتهافتون كل التهافت حين يضعون قواعد ~~الأخلاق؛ لأنهم لا يعرفون أين مناط الثواب والعقاب، وإن ظن العاملي أنه فصل في هذه ~~القضية حين قال: # فإن قيل: فمن المثاب والمعاقب والمنعم والمعذب في الدار الآخرة إذا كان ~~الوجود واحدا؟ أجيب بأن في الدنيا غني وفقير وعزيز وذليل ومالك ومملوك فكذلك ~~في الدار الآخرة. # 21 # وهذا جواب ليس فيه شفاء. # وقد رجعت إلى سبينوزا أستفتيه فلم أجد عنده ما يقنع، فهو من القائلين بوحدة الوجود ~~ومن الذين رفعوا علم هذه النظرية بين الفلاسفة الأوربيين، ولكنه يتهافت حين يتكلم عن ~~الشخصية الخلقية، وكيف يكون للإنسان خلق وهو على حد تعبيره يحلم وعيناه ~~مفتوحتان # 22 # إن سبينوزا يقضي بأن الأشياء جميعا تتعلق بإرادة الله، ولا يمكن تغيير ما ~~تقوم عليه الأشياء إلا بتغيير إرادة الله وإرادة الله لا يلحقها تغيير؛ لأن هذا ينافي ~~الكمال، وإذن لا يلحق الأشياء تعديل ولا تبديل. # 22 # إن غاية الأخلاق عند سبينوزا هي السعادة، والسعادة عنده ليست إلا طمأنينة النفس التي ~~تنشأ من معرفة الله، والله هو كل الوجود، فأين الشخصية الإنسانية التي تحب وتبغض وتحسن ~~وتسيء، في حرية واستقلال، حتى تصلح صلاحية واقعية للثواب والعقاب؟ # إن القول بوحدة الوجود يأتي على قواعد الأخلاق من الأساس، ونحن لا نملك التفريط في ~~قواعد الأخلاق، ولا نملك النيل من أصول القوانين؛ لأن أقل محاولة من هذا النوع تعرض ~~المجتمع للفساد، وتسوق الفلاسفة أنفسهم إلى مهاوي الفناء. # هل قال ms121 ابن عربي بوحدة الوجود؟ # ولكن هل قال ابن عربي بوحدة الوجود؟ # يجب أن نعترف بأن أصول الأخلاق عند ابن عربي تقوم على قواعد الشريعة، وهو في هذه ~~المسألة لا يوارب ولا يحتال، وكل ما في الأمر أنه يقسم الناس إلى قسمين: قسم العوام ~~وقسم الخواص، فالعوام لهم ظاهر الشرع، والخواص ينقسمون إلى طبقات، ولهم أن يفهموا ~~الحقيقة بحسب ما يملكون من قوة الاستعداد، وقد اتفق له أن يصرح بأن «العالم لا يقدرون ~~أن يخرجوا عن الحق فهو وجودهم ومنه استفادوا الوجود، وليس الوجود خلاف الحق خارجا عنه ~~يعطيهم منه # 23 # بل هو الوجود وبه ظهرت الأعيان. يقول القائل بحضرة رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: # والله لولا «أنت» ما اهتدينا # ولا تصدقنا ولا صلينا # والنبي يعجبه ذلك ويصدقه في قوله، فنحن به وإليه، فإذا نظرنا إلى ذواتنا وإمكاننا فقد ~~خرجنا عنه، وإمكاننا يطلبنا بالنظر إليه، فإنه الموجد لنا بوجوده من وجوده». # 24 # ومعنى ذلك أننا موجودون بوجود الله؛ ونشتاق إليه لأنه أصل الوجود. # واتفق له أن يحكم بأن «الظاهرين بأمر الله لا يرون سوى الله في الأكوان وأن الأكوان ~~عندهم مظاهر الحق». # 25 # وهذا له تأويل، وليس من المحتم أن يكون نصا في القول بوحدة الوجود. # وقد صرح بأنه «إذا تخللت المعرفة بالله أجزاء العارف من حيث ما هو مركب فلا يبقى فيه ~~جوهر فرد إلا وقد حلت فيه معرفة ربه فهو عارف به بكل جزء منه، ولولا ذلك ما انتظمت ~~أجزاؤه، ولا ظهر تركيبه، ولا نظرت روحانيته طبيعته، فبه تعالى انتظمت الأمور معنى ~~وحسا وخيالا، وكذلك أشكال الإنسان لا تتناهى ولا ينتظم منها شكل إلا بالله». # 26 # ولهذا أيضا تأويل. # وعند مراجعة الفتوحات نجد إشارات كثيرة إلى مقامات الأولياء ونرى ابن عربي يتحفظ ~~ويحترس، فلا ينص صراحة على وحدة الوجود، وإن كان دفاعه عن الحلاج يؤذن بارتياحه إلى هذه ~~النظرية، ويشعر بأنه يتحامى التصريح خوفا من التعرض لحملات من يقفون عند الظواهر من ~~الفقهاء. # ومن ذلك ما وقع له ms122 عند شرح هذين البيتين: # يا رب جوهر علم لو أبوح به # لقيل لي: أنت ممن يعبد الوثنا # ولاستحل رجال مسلمون دمي # يرون أقبح ما يأتونه حسنا # فقد نقل أن الرسول قال: «إن الله خلق آدم على صورته» بإعادة الضمير على الله في بعض ~~محتملاته، ثم بين أن الناس يسمعون هذا من النبي فيصدقون، فإذا قال الولي شيئا مثله ~~أنكروا عليه وأباحوا دمه، مع أنه يمكن للولي أن يطلع على غوامض العلوم الإلهية كما يطلع الرسول. # 27 # وابن عربي شديد الولع بالمقارنات بين الرسل والأولياء، وعنده أن الرسل لا يتفردون إلا ~~بمزية واحدة هي التشريع، أما الإطلاع على أسرار الوجود فهو من الحظوظ التي تتاح ~~للأولياء. # وما أحسب الفرصة سنحت أبدا لابن عربي، الفرصة التي تمكنه من أن يقول: أنا الله، كما ~~قال أبو يزيد وكما قال الحلاج، وهو حين يروي هذه الكلمة يلتمس لها مخارج من مقبول ~~التأويل. # دفاع الشعراني عن ابن عربي # وتحفظ ابن عربي مكن من جاء بعده من الدفاع عنه، فقد قال السراج البلقيني: «كذب والله ~~وافترى من نسبه إلى القول بالحلول والاتحاد» # 28 # وصنف السيوطي كتابا سماه «تنبيه الغبي في تبرئة ابن العربي» وقال ~~الشعراني: «مما أنكره المتعصبون على الشيخ بحسب الإشاعة قولهم: إن الشيخ محيي الدين ~~يقول بفساد قول: «لا إله إلا الله» وذلك كفر، والجواب بتقدير صحة ذلك ~~عنه أن المراد أن الحق تعالى ثابت في ألوهيته قبل ~~إثبات المثبت، ومن كان ثابتا لا يحتاج إلى إثباتك، إذ ما ثم من تثبت ألوهيته من الخلق ~~حتى ينفي، وإنما تعبد المؤمن بذلك علي سبيل التلاوة ليؤجره الله علي ذلك... ومن ذلك دعاوى ~~المنكر أن الشيخ يقول في كتبه مرارا: (لا موجود إلا الله) فالجواب أن معنى ذلك بتقدير ~~صحته عنه أنه لا موجود قائم بنفسه إلا هو تعالى، وما سواه قائم بغيره، كما أشار إليه ~~حديث: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل) ومن كان حقيقته كذلك فهو إلى العدم أقرب، إذ هو ~~وجود مسبوق ms123 بعدم، وفي حال وجوده متردد بين وجود وعدم لا تخلص لأحد الطرفين، # 29 # فإن صح أن الشيخ قال: (لا موجود إلا الله) فإنما قال ذلك عند ما تلاشت عنده ~~الكائنات حين شهوده الحق تعالى بقلبه، كما قال أبو القاسم الجنيد: «من شهد الحق لم ير ~~الخلق»، ومن ذلك دعوى المنكر أن الشيخ رحمه الله جعل الحق والخلق واحدا في قوله في بعض ~~نظمه: # فيحمدني وأحمده # ويعبدني وأعبده # بتقدير صحة ذلك عنه، والجواب أن معنى يحمدني أنه يشكرني إذا أطعته، كما في قوله ~~تعالى: # فاذكروني أذكركم ~~. وأما في قوله: ~~(ويعبدني وأعبده) أي: يطيعني بإجابته دعائي، كما قال تعالى: # لا ~~تعبدوا الشيطان # أي: لا تطيعوه، وإلا فليس أحد يعبد الشيطان كما ~~يعبد الله. وقد ذكر الشيخ في الباب السابع والخمسين وخمس مئة من الفتوحات المكية بعد ~~كلام طويل ما نصه: وهذا يدلك صريحا على أن العالم ما هو عين الحق تعالى إذ لو كان عين ~~الحق تعالى ما صح كون الحق تعالى بديعا. # 30 # ولولا تحفظ ابن عربي لما استطاع أن ينجو في حياته من القتل، ولما استطاع مريدوه من ~~بعد أن ينفوا عنه القول بوحدة الوجود أو الحلول، وسنرى عبد الغني النابلسي يقبح من ~~يقول: بالحلول أو وحدة الوجود، والنابلسي كان من المفتونين بابن عربي ومن الذين اهتموا ~~بأشعاره فرووها وتعقبوها بالتشطير والتخميس. # صور من شقاء العلماء والأولياء # والشعراني مطمئن كل الطمأنينة إلى أن خصوم ابن عربي زوروا عليه مسائل كثيرة، وحدثنا ~~أن شخصا من اليمن اسمه جمال الدين بن الخياط كتب مسائل في درج وأرسلها إلى العلماء ~~ببلاد الإسلام وقال: هذه عقائد الشيخ محيي الدين بن العربي وذكر فيها عقائد زائغة ~~ومسائل خارقة لإجماع المسلمين، فكتب العلماء على ذلك بحسب السؤال وشنعوا على من يعتقد ~~ذلك من غير تثبت، والشيخ عن كل ذلك بمعزل. # 31 # ومن قبل الشعراني تعصب الفيروزآبادي صاحب القاموس لابن عربي ودافع عنه أحر دفاع. # 32 # وفي كتاب اليواقيت أسماء لطائفة من أعلام الفقهاء نفوا عن ابن ms124 عربي كل ريبة وأثنوا ~~عليه أطيب الثناء. # وهذا كله يشهد بأن ابن عربي لم يمكن خصومه من مطاردته وهو حي، وإن كان من الممكن ~~جدا أن يكون ستر آراءه حين اصطنع بعض الرموز والإشارات على نحو ما فعل أقطاب الصوفية ~~الذين لم يروا فائدة في التعرض للقتل. # دوران ابن عربي حول وحدة الوجود # والإساءة إلى ابن عربي في دينه وعقيدته ساقت إلينا وثيقة أدبية قليلة الأمثال، وثيقة ~~يجب تدوينها في هذا الكتاب؛ لتكون شاهدا على أثر التصوف في الأدب، ولتكون عبرة لمن ~~يسوءه أن يناله الأذى من الناس بسبب الحرية في الفكر والقول. # وهل من القليل في متعة العقل والذوق أن نتذكر أن أبا الدرداء قال: أزهد الناس في ~~العالم أهله وجيرانه، إن كان في حسبه شيء عيروه، وإن كان عمل في عمره ذنبا ~~عيروه. # وأن كعب الأحبار قال: ما كان رجل حليم في قومه قط إلا بغوا عليه وحسدوه. # وأن الجلال السيوطي قال: ما كان كبير في عصر قط إلا كان له عدو من السفلة، إذ الأشراف ~~لم تزل تبتلى بالأطراف، فكان لآدم إبليس، وكان لنوح حام وغيره، وكان لداود جالوت ~~وأضرابه، وكان لسليمان صخر، وكان لعيسى بختنصر، وكان لإبراهيم النمرود، وكان لموسى ~~فرعون، وهكذا إلى محمد # صلى الله عليه وسلم # له أبو جهل. # وكان لابن عمر عدو يعبث به كلما مر عليه. # ونسبوا عبد الله بن الزبير إلى الرياء والنفاق في صلاته فصبوا على رأسه ماء حميما ~~فزلع وجهه ورأسه وهو لا يشعر، فلما سلم من صلاته قال: ما شأني؟ فذكروا له القصة فقال: ~~حسبنا الله ونعم الوكيل! ومكث زمانا يتألم من رأسه ووجهه. # وكان لابن عباس نافع بن الأزرق، كان يؤذيه أشد الأذى ويقول: إنه يفسر القرآن بغير ~~علم. # وكان لسعد بن أبي وقاص جهلة من رجال الكوفة يؤذونه مع أنه مشهود له بالجنة، وشكوه إلى ~~عمر بن الخطاب وقالوا : إنه لا يحسن أن يصلي. # ولا يخفى ما قاساه الإمام أبو حنيفة مع الخلفاء، وما قاساه الإمام ms125 مالك واستخفاؤه ~~خمسا وعشرين سنة لا يخرج لجمعة ولا جماعة، وكذلك ما قاساه الإمام الشافعي من أهل ~~العراق وأهل مصر، # 33 # وكذلك لا يخفى ما قاساه الإمام أحمد بن حنبل من الضرب والحبس، وما قاساه ~~البخاري حين أخرجوه من بخارى إلى خرتنك. # وقد نفى أبو يزيد البسطامي سبع مرات من بسطام بواسطة جماعة من علمائها. # وشيعوا ذا النون المصري من مصر إلى بغداد مقيدا مغلولا وسافر معه جماعة من أهل مصر ~~يشهدون عليه بالزندقة. # ورموا سمنون المحب بالعظائم، ورشوا امرأة من البغايا فادعت عليه أنه يأتيها هو ~~وأصحابه، واختفى بسبب ذلك سنة. # وأخرجوا سهل بن عبد الله التستري من بلده إلى البصرة ونسبوه إلى قبائح وكفروه مع ~~إمامته وجلالته. # ورموا أبا سعيد الخراز بالعظائم وأفتى العلماء بكفره بألفاظ وجدوها في كتبه. # وشهدوا على الجنيد بالكفر مرارا حين كان يتكلم في علم التوحيد على رءوس الأشهاد فصار ~~يقرره في عقر بيته إلى أن مات. # وأخرجوا محمد بن الفضل البلخي من بلخ لكون مذهبه كان مذهب أهل الحديث من إجراء آيات ~~الصفات وأخبارها على ظاهرها بلا تأويل والإيمان بها على علم الله فيها، ولما أرادوا ~~إخراجه قال: لا أخرج إلا إن جعلتم في عنقي حبلا ومررتم بي في أسواق البلد وقلتم: هذا ~~مبتدع نريد أن نخرجه من بلدنا، ففعلوا ذلك وأخرجوه. فالتفت إليهم وقال: يا أهل بلخ، نزع ~~الله من قلوبكم معرفته! قال الأشياخ: فلم يخرج بعد دعوته عليهم تلك من بلخ صوفي ~~أبدا، مع أنها كانت أكبر بلاد الله صوفية. # وأخرجوا أبا عثمان المغربي من مكة مع كثرة مجاهدته وتمام علمه وحاله وضربوه ضربا ~~مبرحا، وطافوا به على جمل فأقام ببغداد إلى أن مات. # وشهدوا على الشبلي بالكفر مرارا مع تمام علمه وكثرة مجاهداته وأدخله أصحابه ~~البيمارستان؛ ليرجع الناس عنه مدة طويلة. # وأخرجوا الإمام أبا بكر النابلسي مع فضله واستقامته في طريقته من المغرب إلى مصر، ~~وشهدوا عليه بالزندقة عند سلطان مصر فأمر بسلخه منكوسا فصار يقرأ القرآن وهم يسلخونه ~~بتدبر ms126 وخشوع حتى قطع قلوب الناس وكادوا يفتنون به. # ورموا الشيخ أبا مدين بالزندقة وأخرجوه من بجاية إلى تلمسان. # وأخرجوا أبا الحسن الشاذلي من مصر، وشهدوا عليه بالزندقة. # ورموا عز الدين بن عبد السلام بالكفر وعقدوا له مجلسا في كلمة قالها في عقيدته ~~وحرشوا السلطان عليه. # ورموا تاج الدين السبكي بالكفر، وشهدوا عليه أنه يقول: بإباحة الخمر والفاحشة وأنه ~~يلبس في الليل الغيار والزنار، وأتوا به مغلولا مقيدا من الشام إلى مصر، وخرج جمال ~~الدين الأسنوي فتلقاه من الطريق وحكم بحقن دمه. # قال الشعراني: وإنما ذكرنا لك يا أخي محن هذه الأمة من المتقدمين والمتأخرين تأنيسا ~~لك، لتقبل على مطالعة كتب الصوفية، ولا سيما الشيخ محيي الدين؛ لأن هؤلاء الأئمة ثناؤهم ~~عندنا كالمسك الأذفر، فكما لا يقدح في كمالهم ما قيل فيهم كذلك لا يقدح ما قيل في كمال ~~الشيخ محيي الدين. # 34 # وهذه الوثيقة النفيسة صدرها الشعراني بقول السيوطي: ومما أنعم الله به علي أن أقام لي ~~عدوا يؤذيني ويمزق عرضي: ليكون لي أسوة بالأنبياء والأولياء، وقد حدثنا أن النسيمي ~~كان يقطع أهل حلب بالحجج فاحتالوا له. وكانت الحيلة أن كتبوا سورة الإخلاص في ورقة ~~ورشوا من يخيط النعال وقالوا: هذه ورقة محبة وقبول فضعها لنا في أطباق النعل، ثم أخذوا ~~ذلك النعل وأهدوه إلى الشيخ من طريق بعيدة فلبسه وهو لا يشعر، # 35 # ثم طلعوا لنائب حلب وقالوا له: قد بلغنا من طريق صحيحة أن النسيمي كتب # قل هو الله أحد ~~، وجعلها في طباق نعله، وإن لم ~~تصدقنا فأرسل وراءه وانظر ذلك، ففعل، فاستخرجوا الورقة، فسلم الشيخ لله تعالى ولم يجب ~~عن نفسه وعلم أنه لا بد أن يقتل على تلك الصورة. # قال الشعراني: وأخبرني بعض تلامذة تلامذته أنه صار ينشئ # 36 # موشحات في التوحيد وهم يسلخونه حتى عمل خمس مئة بيت، وكان ينظر إلى الذي ~~يسلخه وهو يبتسم. # رأيه في نشوء الموجودات # قد يسأل القارئ : وهل لنقل هذه الوثيقة أهمية في بناء هذا الفصل غير العبرة ~~والتأسي؟ # ونجيب ms127 بأن لها أهمية أعظم من تلك، فإن الشعراني استطرد في ذكر ما ابتلي به الأئمة ~~والأولياء وتجاهل شخصية واحدة لقيت الحتف في سبيل الحق، وتلك شخصية الحلاج الذي أوذي ~~أبلغ إيذاء، وإنما تجاهل الشعراني شخصية الحلاج؛ لأنه كان يقول: بوحدة الوجود، وذكره ~~بالخير في مثل هذا السياق قد يعرض ابن عربي لتهمة لا يرضاها له صاحب اليواقيت. # الحقيقة المحمدية # قلنا: إن ابن عربي تحفظ واحترس ليسلم من القتل، فهل تكون سلامته من القتل هي الدليل ~~على أنه لم يتورط في القول بوحدة الوجود؟ # نعم، سلامة ابن عربي من القتل هي الشاهد على ذلك؛ لأن القول بوحدة الوجود كان من ~~علائم الزيغ والضلال، وهذه النظرية تبدو لأول وهلة غاية في السخف، ومن الذي يتوسم العقل ~~في رجل يقف على قارعة الطريق ويقول: «أنا الله» مع أنه لا يستطيع أن يقول: «أنا حاكم ~~هذا البلد»، وقد يكون في حالة من المتربة لا تمكنه من أن يقول: «أنا صاحب هذا ~~الثوب!!» # والفطرة الإنسانية تنكر أشد الإنكار أن يقول مخلوق: «أنا الله»، وكان القائلون بوحدة ~~الوجود لا يحلو لهم غير هذا التعبير، وهو تعبير شائك، وكان جزاؤهم عليه أن يسلخوا أمام الناس. # 37 # أثر ابن عربي في الأدب والأخلاق # تهيب ابن أن يصرح بوحدة الوجود، ونفاها عنه كثير من أقطاب العلماء. ولكن هل تصرفنا ~~هذه المناورات عن معرفة رأيه في وحدة الوجود؟ # الواقع أنه يدور حول هذه النظرية ويكاد يفصح عنها بقوله في الفصوص: # فلولاه ولولانا # لما كان الذي كانا # فإنا أعبد حقا # وإن الله مولانا # وإنا عينه فاعلم # إذا ما قلت: إنسانا # فلا تحجب بإنسان # فقد أعطاك برهانا # فكن حقا وكن خلقا # تكن بالله رحمانا # وغذ خلقه منه # تكن روحا وريحانا # فأعطيناه ما يبدو # به فينا وأعطانا # فصار الأمر مقسوما # بإياه وإيانا # 38 # وهو في الفتوحات يصل إلى هذه النظرية عن طريق التدرج في ترتيب الموجودات فيقول: # اعلم أن المعلومات أربعة: الحق تعالى، وهو الموصوف بالوجود المطلق؛ لأنه ~~سبحانه ليس معلولا لشيء ولا ms128 علة، بل هو موجود بذاته، والعلم به عبارة عن العلم ~~بوجوده، ووجوده ليس غير ذاته، مع أنه غير معلوم الذات، لكن يعلم بما هو عليه من ~~صفات المعاني وهي صفات الكمال، وأما العلم بحقيقة ذاته فممنوع لا يعلم بدليل ~~ولا برهان عقلي ولا يأخذها حد، فإن الله سبحانه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، ~~فكيف يعرف من يشبه الأشياء وتشبهه من لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئا، فمعرفتك به ~~إنما هي أنه ليس كمثله شيء ... ومعلوم ثان، هو الحقيقة الكلية التي هي للحق ~~وللعالم، لا تتصف بالوجود ولا بالعدم، ولا بالحدوث ولا بالقدم، إذ هي في القديم ~~إذا وصف بها قديمة، وفي المحدث إذا وصف بها محدثة، فلا تعلم المعلومات قديمها ~~وحديثها حتى تعلم هذه الحقيقة، ولا توجد هذه الحقيقة حتى توجد الأشياء الموصوفة ~~بها، فإن وجد شيء من غير عدم متقدم كوجود الحق وصفاته قيل فيها: موجود قديم ~~لاتصاف الحق بها، وإن وجد شيء عن عدم كوجود ما سوى الله تعالى وهو المحدث ~~الموجود بغيره قيل فيها: محدثة، وهي في كل موجود بحقيقتها فإنها لا تقبل التجزؤ ~~فما فيها كل ولا بعض، ولا يتوصل إلى معرفتها مجردة عن الصورة بدليل ولا برهان، ~~ومن هذه الحقيقة وجد العالم بوساطة الحق تعالى، ولم تكن بموجودة فيكون الحق قد ~~أوجدنا من موجود قديم يثبت لنا القدم، وكذلك لتعلم أيضا أن هذه الحقيقة لا ~~تتصف بالتقدم على العالم ولا بالتأخر عنه، ولكنها أصل الموجودات عموما، وهي ~~أصل الجوهر وفلك الحياة والحق المخلوق به، وغير ذلك، وهي الفلك المحيط المعقول، ~~فإن قلت: إنها العالم صدقت، أو إنها ليست العالم صدقت، أو إنها الحق أو ليست ~~الحق صدقت، تقبل هذا كله وتتعدد بتعدد أشخاص العالم، وتتنزه بتنزيه الحق. وإن ~~أردت مثالها حتى تقرب إلى فهمك فانظر في العودية في الخشبة والكرسي والمحبرة ~~والمنبر والتابوت، وكذلك التربيع وأمثاله من الأشكال في كل مربع مثلا من تابوت ~~وبيت وورقة، فالتربيع والعودية يحققانها في كل شخص من هذه ms129 الأشخاص، وكذلك ~~الألوان كبياض الثوب والجوهر والكاغد والدهان والدقيق، من غير أن تتصف البياضية ~~المعقولة بالانقسام حتى يقال: إن بياض الثوب جزء منها، بل حقيقتها ظهرت في ~~الثوب كما ظهرت في الكاغد، وكذلك العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وجميع ~~الأسماء كلها. ومعلوم ثالث وهو العالم كله، الأملاك والأفلاك وما تحويه من ~~العوالم والهواء والأرض وما فيهما من العالم وهو الملك الأكبر. ومعلوم رابع وهو ~~الإنسان الخليفة الذي جعل الله هذا العالم المقهور تحت تسخيره. # 39 # فهذا الكلام هو القول بوحدة الوجود، وإن لم يعبر عنه باللفظة الاصطلاحية، فالحقيقة ~~الكلية هي العالم وهي الحق (فإن قلت: إنها العالم صدقت، أو إنها ليست العالم صدقت، أو ~~إنها الحق أو ليست الحق صدقت). # والقائلون: بوحدة الوجود يقولون: إنها لا تنافي أحدية الحق؛ لأن ما صدر عنه ليس إلا ~~ضربا من التعينات، وهذه التعينات تتكثر وتتغير، ولكن الحق في أحديته لا يتكثر ولا ~~يتغير، يقول القاشاني: «فإن تجلى في صورة أحديته الذاتية كان الله ولم يكن معه شيء ~~وبطنت فيه الأعداد الغير المتناهية بطون النصفية والثلثية والربعية في الواحد، فإنها لا ~~تظهر إلا بالعدد... وإن تجلى في صورة تعيناته ومراتب تجلياته أظهر الأعداد وأنشأ الأزواج، ~~وتلك مراتب تنزلاته، وليس في الوجود إلا هو». # 40 # وقال ابن عربي: # فلولاه ولولانا # لما كان الذي كانا # أي: أننا جزء أصيل من الوجود، ولو ذهبنا لا نعدم الجزء الظاهر من الوجود، وظهوره لا ~~ينفي أنه أصيل... ويقول ابن عربي أيضا في ختام الفصوص: # قال تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، أي: لا أظهر له إلا في صورة معتقده، فإن شاء ~~أطلق وإن شاء قيد، فإله المعتقدات تأخذه الحدود فهو الإله الذي وسعه قلب عبده، ~~فإن الإله المطلق لا يسعه شيء؛ لأنه عين الأشياء وعين نفسه، والشيء لا يقال ~~فيه: يسع نفسه ولا يسعها. # ومعنى ذلك أن هناك إلهين - وهما إله واحد - الإله الأول إله المعتقدات، والإله الثاني ~~هو المطلق ، والأول يسعه قلب العبد، والثاني لا يسعه شيء؛ لأنه ms130 عين نفسه وعين ~~الأشياء. # وبقليل من التصرف نستطيع أن نحكم بأنه يقول: بوحدة الوجود ما دام الله عين الأشياء، ~~وما دام العالم من الأشياء. # 41 # وقد بدا لابن عربي أن يفصل نشأة الخلق فقال: # بدء الخلق الهباء، وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية الموصوفة ~~بالاستواء على العرش الرحماني وهو العرش الإلهي ولا أن يحصرها لعدم التحيز. ~~ومم وجد؟ وجد من الحقيقة المعلومة التي لا تتصف بالوجود ولا بالعدم. وفيم ~~وجد؟ في الهباء. وعلى أي مثال وجد؟ على المثال القائم بنفس الحق المعبر عنه ~~بالعلم به. ولم وجد؟ لإظهار الحقائق الإلهية. وما غايته؟ التخلص من المزجة ~~فيعرف كل عالم حظه من منشئه من غير امتزاج، فغايته إظهار حقائقه ومعرفة أفلاك ~~العالم الأكبر وهو ما عدا الإنسان، والعالم الأصغر يعني الإنسان روح العالم ~~وعلته وسببه وأفلاكه ومقاماته وحركاته وتفصيل طبقاته ... فكما أن الإنسان عالم ~~صغير من طريق الجسم كذلك هو أيضا إله حقير من طريق الحدوث؛ وصح له التأله لأنه ~~خليفة الله في العالم. والعالم مسخر له مألوه، كما أن الإنسان مألوه لله. # 42 # والحقيقة المحمدية هذه مدهشة؛ لأنه يرد إليها كل شيء، فهي الموصوفة بالاستواء على ~~العرش الرحماني، وهي لا تتحيز فلا يحصرها أين، ومفهوم جدا أن هذه حالة إلهية، ~~والإنسان إله ومألوه في وقت واحد؛ هو إله لأنه يتصرف في الكون؛ وهو مألوه لأنه نشأ عن ~~الحق: أي: أن له درجتين، درجة العبودية ودرجة الألوهية، أفيكون هذا كل شيئا غير القول ~~بوحدة الوجود؟ # إن القائلين بوحدة الوجود ليسوا من الحمق بحيث يتصورون أن النسبة واحدة بين جميع ~~الموجودات، ولا مفر لهم من الاعتراف بأن الحقائق تختلف، وأن بعض الموجودات أعظم من بعض، ~~والمجذوب الذي وقف وقال: «أنا الله» لم يكن يفهم إلا أنه جزء من الحقيقة الأبدية التي ~~لا تتصور بغير ما نشهد من الوجود. # وخلاصة القول: أن ابن عربي لا يعرف النظرية البسيطة نظرية التوحيد التي تقضي بأن الله ~~منفصل كل الانفصال عن العالم، وأن نسبة العالم إليه هي ms131 النسبة بين «كن فيكون» ابن عربي ~~لا يعرف الأحدية الذاتية إلا عن طريق الفرض، أي: حين يغض بصره فلا يرى الوجود، ولكنه ~~حين يشهد العالم يقسمه إلى طبقات بعضها معلول لبعض، ويجعل الحقيقة المحمدية أصل ما في ~~الوجود. # وهنا عبارة مريبة وهي قوله: بأن غاية الخلق التخلص من المزجة فيعرف كل عالم حظه من ~~منشئة بغير امتزاج. # فما سر هذه العبارة؟ أيكون معناها أن العالم كان في ضمير الحق على نحو ما تكون ~~الأشجار البواسق في ضمائر البذور؟ # إن ابن عربي يكاد يفصح عن ذلك حين يقول: # كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان، لم يرجع إليه من إيجاده ~~العالم صفة ما لم يكن عليها، بل كان موصوفا لنفسه ومسمى قبل خلقه بالأسماء ~~التي يدعوه بها خلقه، فلما أراد وجود العالم وبدءه على حد ما علمه بعلمه بنفسه ~~انفعل عن تلك الإرادة المقدسة بضرب تجل من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكلية، ~~حقيقة تسمى الهباء، هي بمنزلة طرح البناء الجص ليفتح فيه ما شاء من الأشكال ~~والصور، وهذا هو أول موجود في العالم ... ثم إنه سبحانه وتعالى تجلى بنوره إلى ~~ذلك الهباء، ويسميه أصحاب الأفكار بهيولي الكل، والعالم كله فيه بالقوة ~~والصلاحية، فقبل منه تعالى كل شيء في ذلك الهباء على حسب قوته واستعداده كقبول ~~زوايا البيت نور السراج. # 43 # ومن هذه الفقرة نفهم أن ابن عربي متأثر كل التأثر بمذاهب الحكماء، ونعرف أنه بعيد عن ~~بساطة التوحيد كل البعد، ونفهم أنه يضمر القول: بوحدة الوجود. # 44 # النابلسي والشعراني والقاشاني # بقي أن ننص على أن هذه المناورات التي اصطنعها محيي الدين كان لها أثر بليغ في عمق ~~الثقافة الصوفية، فلو أن هذا الرجل كان أفصح عن غرضه بمثل ما أفصح الحلاج لشفى الناس ~~صدورهم منه بالقتل، ولكنه حين آثر الرموز والإشارات فتح الباب أمام الدارسين من الصوفية ~~والفقهاء فكانت كتبه مبعث نهضة أدبية قليلة الأمثال، وهذا بيت القصيد: فإن تصوف ابن ~~عربي كان بليغ الأثر في حياة ms132 الأدب وحياة الأخلاق، ومن أجل هذا صح أن تكون له منزلة ~~عظيمة في بناء هذا الكتاب. # إن ابن عربي لا تعرف أهميته في عالم الأدب والأخلاق إلا إذا فكرنا جيدا فيما ترك من ~~الثروة الأدبية والأخلاقية، يجب أن نتذكر أنه ترك ألوف الصفحات ومئات القصائد، وأنه راض ~~اللغة على الطواعية للرموز والإشارات، وأنه علم الناس كيف يخوضون في أخطر الأحاديث ثم ~~يسلمون، وأنه هضم ما درس من الفلسفة اليونانية ومن أصول الديانة اليهودية والديانة ~~النصرانية والديانة الإسلامية، ثم أحال ذلك كله إلى مزاج من الفكر الفلسفي الدقيق يعز ~~على من رامه ويطول. # ويجب أن نتذكر خطر المؤلفات التي صنفت في الرد عليه، أو الدفاع عنه، فتلك حركة فكرية ~~لا يمكن إغفالها عند تقويم أثر ذلك الباحث الجليل. # جامع الشعراني بالقاهرة، والشعراني أشهر من ألف في التصوف بين ~~المصريين. # تأثير ابن عربي في البيئات النصرانية # ولا يتسع المجال لبيان أثر ابن عربي فيمن جاء بعده من المفكرين، ولكن لا بد من ~~الإشارة إلى شخصيات ثلاث كان له عليها فضل أي فضل. # الأولى شخصية عبد الغني النابلسي، وسنتحدث عن أشعاره الصوفية، وابن عربي له أثر بليغ ~~في تكوين هذه الشخصية، وإن كان النابلسي في ذاته أضعف من أن يدرك ابن عربي تمام ~~الإدراك. # والحق أن النابلسي مدين للعصر الذي نشأ فيه، فقد كان عصر انحطاط يستكثر فيه القليل، ~~ولولا ذلك ما أمكن أن يلتفت إليه الناس. # الشخصية الثانية شخصية الشعراني، وهي شخصية جذابة كان لها في مصر مقام ملحوظ. # ولد الشعراني في قلقشندة سنة 898، ونشأ بساقية أبي شعرة، وهي بلدة قريبة من سنتريس، ~~وإلى ساقية أبي شعرة ينسب الشعراني، ثم تفقه على علماء القاهرة. وشغل نفسه بالتصوف ففتن ~~فتنة عظيمة بأدب محيي الدين. وألف في شرح آرائه كتابا طريفا سماه «اليواقيت والجواهر: ~~في بيان عقائد الأكابر» واختصر كتاب الفتوحات. وتوفي - رحمه الله - سنة 973. # والشعراني يحرص كل الحرص على تبرئة ابن عربي من فتنة القول: بوحدة الوجود أو بالحلول، # 45 # وهو يصر إصرارا ms133 جازما على أن مؤلفات ابن عربي أضيفت إليها زيادات أراد ~~بها الدساسون تشويه سمعته في العالم الإسلامي. # والذي نراه أن الشعراني أسرف بعض الإسراف حين جعل ابن عربي من أهل السنة والجماعة، ~~وحين نفى عنه ما يصدر عن مثله من الشطحات الصوفية، ولكن إسراف الشعراني مقبول؛ لأنه صدر ~~عن إخلاص. # 46 # الشخصية الثالثة شخصية القاشاني شارح الفصوص المتوفى سنة 887، وهذا الرجل يختلف عن ~~الشعراني كل الاختلاف، فهو يفهم أن ابن عربي يقول: بوحدة الوجود، وهو يشرح الفصوص على ~~هذا الأساس. وشرح القاشاني يستحق الدرس؛ لأن مؤلفه من المفكرين؛ ولأن فيه حقائق لا يطوف ~~بها إلا قليل من العقول. # ولنذكر على سبيل المثال ميلاد عيسى عليه السلام، فإن القاشاني يكاد يجعله ميلادا ~~طبيعيا ويوافق ابن عربي في أن جسم عيسى خلق من ماء محقق من مريم وماء متوهم من جبريل ~~سرى في رطوبة ذلك النفخ، ويقرر أن جبريل لما دنا من مريم في صورة البشر تحركت شهوتها ~~بحكم البشرية؛ لأن أكثر هيجان الشهوة في النساء وقت النقاء من الحيض، وكان انتباذها ~~للاغتسال وقت انقطاع الدم، وكان الوقت وقت غلبة الشهوة ففرحت بدنو هذا الشاب المليح ~~فاحتلمت وجرى ماؤها مع النفخ إلى الرحم النقي الطاهر فعلقت، وخلق عيسى من ماء محقق من ~~مريم وماء متوهم متخيل من نفخ جبريل؛ لأن النفخ من الحيوان رطب فيه أجزاء لطيفة مائية ~~بالفعل مع أجزاء هوائية سريعة المصير إلى الماء. # ثم يقول: # وأما كون عيسى على صورة البشر فلانتسابه إلى أمه ولتمثل جبريل في صورة البشر ~~السوي، فكان تكونه على السنة المعتادة والحكمة المتعارفة؛ ولأن أشرف الصور هي ~~الصورة الإنسانية المخلوقة على صورة الله تعالى المكرمة عند الله؛ ولأن الله لا ~~يتجلى في الحضرات الإيجادية إلا في صورة النوع الذي يوجده؛ ولهذا لما خمر طينة ~~آدم بيده أربعين صباحا كان متجليا في صورة إنسانية. # 47 # وبقليل من التأمل نفهم أنه يكاد يصرح بالامتزاج بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة ~~الإلهية، وذلك هو القول بوحدة الوجود. # وجملة الأمر أن ms134 القاشاني يساير ابن عربي مسايرة تامة، ابن عربي الذي يعرفه هو، لا ابن ~~عربي الذي يعرفه الشعراني، فإن الفرق بين الشخصيتين بعيد. # تأثيره في الجيل الحديث # ولكن هل وقف تأثير ابن عربي عند البيئات الإسلامية؟ # لا، فقد سرى روحه إلى البيئات المسيحية ولون أفكارها بعض التلوين. # ويؤكد بعض المستشرقين أن دانتي تأثر بابن عربي حين نظم الكوميديا الإلهية، وأن معظم ~~ما جاء به دانتي كان ألفه ابن عربي من قبل، وأن الرجلين يتشابهان في الصور والأمثال ~~والاصطلاحات والأساليب الفنية. ومن المعقول أن يتفق اثنان في فكرة عامة، فهذا من توارد ~~الخواطر، أما اتفاق اثنين في الفكرة والصورة فأمر لا يفسر إلا بالنقل أو ~~المحاكاة. ~~«فالله عند كليهما (نور)؛ ولذلك فكل منهما يستعمل الانعكاس والشعاع والبروق ~~والنورانية للتعبير عن مراده. و(تجلي) هذا النور موصوف بنفس التشابيه والمجازات. كما أن ~~مثل الدائرة ومركزها لإظهار علاقة الخلق بالخالق ومثل المرآة كعلاقة للحقير مع العظيم ~~التي استعملها ابن عربي كثيرا ما نراهما في الكوميديا الإلهية». # 48 # وقد نسج دانتي على منوال ابن عربي في خواص ~~الأرقام، وقد خصها ابن عربي في الفتوحات بفصول طوال. وتفسير الأحلام على الطريقة ~~الصوفية نقله دانتي عن ابن عربي، فقد رأى دانتي ربه في منامه على هيئة شاب جميل في ثياب ~~بيض، وابن عربي تجسد له ربه كما تجسد جبريل للرسول، وإن كان يجعل ذلك من صنعة الخيال فيقول: # ولقد بلغ بي قوة الخيال أن كان حبي يجسد لي محبوبي من خارج عيني كما كان ~~يتجسد جبريل لرسول الله # صلى الله عليه وسلم # فلا أقدر أنظر إليه، ويخاطبني وأصغي إليه ~~وأفهم عنه. ولقد تركني أياما لا أسيغ طعاما، كلما قدمت إلي المائدة يقف على ~~حرفها وينظر إلي ويقول لي بلسان أسمعه بأذني: أتأكل وأنت تشاهدني؟ فأمتنع من ~~الطعام ولا أجد جوعا، وأمتلئ منه حتى سمنت وثملت من نظري إليه، فقام لي مقام ~~الغذاء، وكان أصحابي وأهل بيتي يتعجبون من سمني مع عدم الغذاء؛ لأني كنت أبقى ~~الأيام الكثيرة ولا ms135 أذوق ذواقا ولا أجد جوعا ولا عطشا، لكنه كان لا يبرح نصب ~~عيني في قيامي وقعودي وحركتي وسكوني. # 49 # ومن ملاحظات نيكلسون التي نقلها الطيباوي # 50 # أن الذي يقابل ما كتب دانتي وما كتب ابن عربي يشهد اختلاط الشعر بالنثر عند ~~الكاتبين، وقد بين رغبته في شرح قصائده في الحب كما فعل ابن عربي حين عزم على شرح قصائد ~~«ترجمان الأشواق». # وذهب دانتي بعد موت حبيبته بياتريس ~~(Beatrice) # إلى ~~مكان منفرد فصادفته فتاة جميلة هام بها ولم يقدر على البوح بحبه فنظم فيها قصائد ~~غرامية، ولما ذهب ابن عربي إلى مكة هام بفتاة أصبهانية فنظم فيها قصائده «ترجمان الأشواق». # 51 # وقد يمكن أن يقال: إن حرص المستشرقين على تعقب الأصول الفكرية هو الذي حملهم على ~~تجسيم قوة ابن عربي في سيطرتها على دانتي. # ولكن الذي لا يمكن نكرانه أن ابن عربي شغل الناس في عصره وبعد عصره، وكان النصارى في ~~الأقطار الإيطالية والفرنسية والإسبانية يتشوفون إلى المعارف الإسلامية؛ لأنها في ~~الأغلب كانت تمس المسائل الميتافيزيكية، وكان النصارى في القرون الوسطى يهتمون بهذه ~~المسائل ويجعلونها محور المجادلات في الكنائس والديارات. # قد تقولون: وأين ابن عربي اليوم؟ أين آثاره في الأدب والأخلاق؟ # ونجيب بأن لابن عربي منزلة عظيمة في أوساط المستشرقين، وما كتب عنه في دائرة المعارف ~~الإسلامية يشهد بأنه عندهم من أعاظم الرجال. أما في مصر فلم أر من كتب عنه بطريقة جدية ~~غير الدكتور أبي العلا عفيفي، في بحثين نشرهما بمجلة كلية الآداب وهما بحثان جيدان لا ~~يعاب عليهما غير الغموض. ولكن أثره في الجماهير الإسلامية خمد منذ زمان؛ ولم أسمع صداه ~~إلا في مكانين، الأول: حين فتن به صديقي الأستاذ عبد الحفيظ خليفة، فقد حوله إلى رجل ~~مجذوب، والثاني: حين اصطفاه أستاذنا الشيخ محمد شاكر فجعل فواتحه سجلا لمواليد أبنائه ~~النجباء، تيمنا بما فيه من أدب ودين. # 52 # واقترحت مرة على الأستاذ الشيخ علي عبد الحميد مبارك أن ينتفع بكتاب الفتوحات في دروس ~~الوعظ، فأجابني بأن مشيخة الأزهر تمنع ms136 ذلك: لأنها لا تريد أن تنقل إلى العوام دقائق علم ~~التصوف، فقلت: انتفع بكتاب الإحياء، فقال: ولا كتاب الإحياء. # ضريح الحلاج في بغداد، والحلاج أشهر من استشهدوا في سبيل القول بوحدة ~~الوجود. # وهذا يشرح جانبا من العقلية الدينية في مصر لهذا العهد، فالأزهر لا يريد أبدا نشر ~~الثقافة الصوفية، وهذه المقاومة هي في ذاتها مظهر من سلطة التصوف في عالم ~~الأخلاق. # وقد حدث في العام الماضي (سنة 1354ه) أن فكرت مشيخة الأزهر في مقاومة التصوف مقاومة ~~رسمية، وكتب فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي كتابا في ذلك إلى وزير ~~الأوقاف السابق سعادة عبد العزيز بك محمد، ولكن وقع أن رد عليه السيد عبد الحميد البكري ~~بجواب فيه عنف، وكانت هذه المصاولة إحياء للاصطدامات القديمة بين الشريعة والحقيقة، ~~وكانت بين المذهبين تراث سيرى القارئ بعض أخبارها في مقدمة القسم الثاني من هذا ~~الكتاب. ~~••• # أما بعد فقد آن أن نكتفي بما أسلفنا من الكلام في شخصية محيي الدين بن عربي؛ لأننا لا ~~نكتب عنه كتابا، وإنما نكتب فصلا من كتاب، والإيجاز يطلب في بعض الأحوال. # ويكفي أن يتذكر القارئ أن ابن عربي سيشغل الناس ما دام في الدنيا إنسان يهمه درس ~~التصوف الإسلامي، وسيشغل الناس ما دام في الدنيا إنسان يهمه الوقوف على ما صنع الذكاء ~~في درس أسرار الوجود. # لا تقولوا: أخطأ ابن عربي أو أصاب، ولكن قولوا: إنه رجل قضى العمر كله في محاورة ~~العقل ومناجاة الروح. # فإن لم يكن بد في ختام هذا البحث من شطحة أدبية تذكر بشطحات الصوفية، فإني أصرح بأن ~~في آثار ابن عربي ما يقبل كل القبول، أو بعض القبول، إلا ديوان شعره فإنه فيما أرى لغو ~~وفضول: # ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها # كفى المرء نبلا أن تعد معايبه # وسلام على ابن عربي بين أعلام الفكر وأقطاب البيان. # | مصرع الحلاج # الحقيقة العيسوية والحقيقة المحمدية والحقيقة العلوية # فصلنا نظرية وحدة الوجود كل التفصيل، فلنقل كلمة عن أشهر ضحايا هذه النظرية وهو ~~الحسين بن منصور ms137 الحلاج. # 1 # والحلاج (رضي الله عنه) يشبه المسيح عليه السلام من نواح كثيرة، منها كثرة السياحات، ~~وقوة التنسك، وكثرة الأتباع، وبشاعة المصير إلى الصلب. # والتشابه بين المسيح والحلاج قوي جدا من الناحية العقلية، فالمسيح كان يقول بوحدة ~~الوجود، كما قال الحلاج بوحدة الوجود. # ونسارع فنقرر أننا لا نفكر في معارضة النظرية القرآنية التي تبرئ المسيح من القول: ~~بأنه ابن الله، فالقرآن يريد أن يضع المسيح في أحسن الأحوال التي ترتضيها النظرية ~~الإسلامية، وهي تفرق بين الله وبين العباد، وتفصل بين الرب وبين المربوب. # إن تقرير القرآن لعقيدة المسيح لا يمنع من أن ننظر إليه نظرة فلسفية بعد التأمل في ~~النظرية النصرانية، وهي نظرية نرفضها تأدبا بأدب القرآن، ولكننا نستبيح درسها لنشرح ~~بها فرضا من الفروض الفلسفية. # تشيع الحلاج # يجمع النصارى على أن المسيح قال: إنه ابن الله، ولهم في تفسير هذه العبارة مذاهب، ~~فالعوام رأوها عبارة حقيقية، والخواص رأوها عبارة مجازية. # وأظرف تفسير هو ما ارتضاه رينان # Renan # في كتابه ~~«حياة يسوع» # La Vie de Jésus ~~، وهو يقول: إن ذلك تصوير ~~للعطف بين الرب والمربوب، يعني أن الله ينظر إلى عيسى كما ينظر الأب الرحيم إلى ابنه ~~الغالي. # وعبارة «أنا ابن الله» عبارة تستحق الدرس، فإن لم تكن من قول المسيح فقد قال بها ~~أتباع المسيح. # فما المراد بهذه العبارة من الوجهة الفلسفية؟ # أنا أظن - وبعض الظن إثم وبعضه غير إثم - أن هذه العبارة تشبه ما سماه الصوفية ~~بالحقيقة المحمدية، والحقيقة المحمدية هي العماد الذي قامت عليه (قبة الوجود) كما عبر ~~ابن عربي، هي صلة الوصل بين الله والناس، فهي القوة المدبرة التي يصدر عنها كل ~~شيء. # وعلى ذلك تكون نظرية الحقيقة المحمدية عند غلاة الصوفية مأخوذة من أصول ~~نصرانية. # فعيسى هو ابن الله، ومعنى ذلك فيما أفترض أنه الصلة بين الله وبين الوجود. # ومحمد هو أول التعينات، وليس فوقه إلا الذات الأحدية، كما لم يكن فوق عيسى إلا الأب، ~~أي: الله. # والنصارى يتمثلون الله حين يخاطبون عيسى، فلولا عيسى ms138 لانعدم الوجود. # والصوفية يتمثلون الله حين يخاطبون محمدا، فلولا محمد لانعدم الوجود. # وعيسى هو ابن الله، ولكنه يتمثل في صورة بشرية، أو هو الموجد في صورة بشرية. # ومحمد هو سر الله، ولكنه يتمثل في صورة بشرية، أو هو الموجد في صورة بشرية. # فعيسى لولاه لانعدمت الصلة بين الله وبين الوجود فانعدم الوجود. # ومحمد: # لولاه ما كان أرض لا ولا أفق # ولا زمان ولا خلق ولا جيل # وعيسى هو «الكلمة» وأتباعه من الرسل الذين بلغوا دعوته كلمات. # ومحمد عند الصوفية هو «الكلمة» وجميع الأنبياء كلمات. # وبعض أتباع عيسى لهم خصوصية. # وبعض أتباع محمد لهم خصوصية، كالذي يراه الشيعة في علي بن أبي طالب. # وربما كان «الأئمة» من أتباع على صورة من الرسل الذين بلغوا رسالة عيسى. # 2 # والمسيحيون يسمون «عبد المسيح» وجمهور المسلمين يسمون «عبد الرسول» ومن الشيعة من ~~يسمي «عبد الأمير» أو «عبد الأئمة» أو «عبد الحسين». # ومن هذا يرى القارئ أن بعض النظريات الصوفية أو الشيعية لها أصول نصرانية. ولا غضاضة ~~في ذلك: فالآراء الفلسفية يتسلسل بعضها عن بعض، وتنتقل من صورة إلى صورة وإن لم يفطن ~~لها التاريخ. # 3 # الرسل والأئمة والنقباء # وهذا الكلام يبدو جافيا لمن يراه أول مرة، ولكن عند التأمل نرى الحلاج كان في جوهر ~~سره شيعيا، وكان يعتقد بالحقيقة «العلوية» في مكان الحقيقة «المحمدية». وقد وجد في ~~بعض رسائله إلى أحد مريديه «صورة فيها اسم الله تعالى مكتوب على تعويج، وفي داخل ذلك ~~التعويج مكتوب علي عليه السلام». # 4 # ومعنى ذلك أنه يرى عليا هو الصلة بين الله وبين الوجود. # ونسب إلى الحلاج أنه ادعى الربوبية، وقد نفى هذه التهمة عن نفسه، ولكننا لا نستبعدها ~~عليه؛ لأنها تأتلف مع مذهبه كل الائتلاف؛ وكذلك نسب إليه أنه ادعى النبوة، وليس ذلك ~~بغريب. # حدث الخطيب البغدادي بسنده قال: حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة فما كان يفارقها ~~بالليل ولا بالنهار ففتشوا المخلاة فوجدوا فيها كتابا للحلاج عنوانه: «من الرحمن ~~الرحيم إلى فلان بن فلان». # فوجه الخطاب ms139 إلى بغداد وأحضر الحلاج وعرض عليه فقال: هذا خطي وأنا كتبته. فقالوا: كنت ~~تدعي النبوة فصرت تدعي الربوبية! فقال: ما أدعي الربوبية، ولكن هذا عين الجمع عندنا، ~~وهل الكاتب إلا الله، وأنا واليد فيه آلة. # 5 # وهذه لباقة في التخريج، والوجه الحق هو أن الحلاج يرى نفسه من صور علي أو من صور ~~محمد. وعلي أو محمد. هو الموجد لسائر الموجودات. # هل اتفق للحلاج أن يدعي النبوة والربوبية؟ # والأساطير تنطق الحلاج باسم المسيح، ولعلها لم تكن أساطير، فالمسيح هو الرب في نظر ~~أتباعه من النصارى، والحلاج هو الرب في نظر مريديه من الصوفية، والقرآن يشهد بأن المسيح ~~لم يصلب وإنما شبه لمن صلبوه. وأتباع الحلاج يقولون: إنه لم يصلب وإنما شبه لمن صلبوه. # 6 # والتاريخ يعيد نفسه في عالم العقائد وفي أوهام الناس. # هيام الحلاج في حب الله # والواقع أن الحلاج كان يؤمن بنظرية وحدة الوجود أو بنظرية الحلول، وأشعاره تشهد بذلك ~~فهو يقول في خطاب بعض الأحباب: # كتبت، ولم أكتب إليك وإنما # كتبت إلى روحي بغير كتاب # وذلك أن الروح لا فرق بينها # وبين محبيها بفصل خطاب # فكل كتاب صادر منك وارد # إليك بما رد الجواب جوابي # أو يقول: # جبلت روحك في روحي كما # يجبل العنبر بالمسك الفتق # فإذا مسك شيء مسني # فإذا أنت أنا لا نفترق # أو يقول: # مزجت روحك في روحي كما # تمزج الخمرة بالماء الزلال # فإذا مسك شيء مسني # فإذا أنت أنا في كل حال # ومعنى ذلك أنه يقول بالوحدة بين المحب والمحبوب: فهو يجعل الصلة بينه وبين أصفيائه ~~كالصلة بينه وبين واجب الوجود. # ندم الحلاج على إذاعة أسرار الحب # والواقع أيضا أن الحلاج أحب الله إلى حد الفناء، وقصته في حب الله قصة محزنة، فقد ~~تنقل المسكين من أرض إلى أرض، وتشكل في مظهره ومخبره أشكالا مختلفات؛ فكان له في كل ~~أرض حال، ومع كل قوم رأي، ولقي في سبيل محبوبه أفظع ضروب الشقاء. # قضى السنين الطوال وهو يشاهد طيف الحبيب، الحبيب الممنوع الذي يراه ms140 في كل موجود، ولا ~~يظفر منه بشيء غير الوجد والحنين. # كان المسكين يحب حبيبا لا يدرك ولا ينال، كان يحب النور الذي يغشي الأبصار ~~والقلوب، كان يحب الله، والله أكبر من أن يحب؛ لأنه فوق الأوهام والظنون. # وقد طالت محنة الحلاج في هواه، وظل يعاني ملامة العذال حتى استهدف للقتل. # ولما حكم بإهدار دمه آثر الاستخفاء، عساه يظفر بمناجاة حبيبه بضع سنين، ولقيه بعض ~~أصفيائه وهو مستخف فبكى وأنشأ يقول: # متى سهرت عيني لغيرك أو بكت # فلا بلغت ما أملت وتمنت # وإن أضمرت نفسي سواك فلا رعت # رياض المنى من وجنتيك وجنت # إن قصة الحلاج مع ربه قصة نادرة الأمثال، وهي تغزو القلب بالحزن، والعيون بالدمع، ~~وتفهم من لا يفهم أن الحب لا يعرف اللعب ولا المزاح. # ولو كان الحلاج بعيد العهد في التاريخ لقلنا: إن صلبه أسطورة من الأساطير كما قال ~~قوم: إن صلب المسيح أسطورة من الأساطير، ولكن الحلاج قريب العهد وأخباره صحيحة ~~الأسانيد، ولا يزال قبره قائما يزار في بغداد، وقد زرته فرأيته مهجورا كسائر قبور ~~المحبين، وما أشقى المحبين في الحياة وبعد الممات! # كان الحلاج يتمنى أن يكون المحب عين المحبوب ليصح له أن يقول: # سبحان من أظهر ناسوته # سر سنا لاهوته الثاقب # ثم بدا في خلقه ظاهرا # في صورة الآكل والشارب # حتى لقد عاينه خلقه # كلحظة الحاجب بالحاجب # ولكن متى صح أن يكون المحب عين المحبوب؟ # إن للحب شريعة باقية على الزمان، وهي شريعة مسطورة على جدران الوجود، وفيها كلمات ~~صريحة عن مصاير المحبين، وهي تعلن أن المحب لن يكون أبدا من السعداء. # كانت للحلاج مطامع فيمن يحب، فلما أخرج من سجنه ليقتل عرف أنه كان مخبول المطامع، ~~وأنشد: # طلبت المستقر بكل أرض # فلم أر لي بأرض مستقرا # أطعت مطامعي فاستعبدتني # ولو أني قنعت لكنت حرا # ثم طافت بنفسه أطياف هواه، وأطياف بلواه في هواه، فصاح: # نديمي غير منسوب # إلى شيء من الحيف # سقاني مثل ما يشرب # فعل الحر بالضيف # فلما دارت الكأس # دعا بالنطع ms141 والسيف # كذا من يشرب الرا # ح مع التنين في الصيف # وبذلك اعترف الحلاج أنه جهل قدر نفسه حين استجاز أن يكون نديما لذلك المحبوب القهار ~~الذي أغرق الأولين والآخرين في لجج من الهدى والضلال. # سيرورة اسم الحلاج في بقاع الأرض # وكانت هذه النكبة كافية لأن يصدف المحب عمن يحب، ولكن الحلاج كان من الأوفياء، فتشبث ~~بمحبوبه وهو يقول: # يا معين الفناء علي، أعني على الفناء. # وقد استجاب المحبوب لهذه الدعوة فرحم المحب من قسوة الفناء، وكذلك بقيت ذكرى الحلاج ~~على الزمان، بقيت ذكرى الحلاج المصلوب، كما بقيت ذكرى المسيح المصلوب، والحياة الحق هي ~~الحياة بعد الموت. # 7 # أخطأ الحلاج في حبه خطأ لا يقبل الغفران، فقد فضح أسرار الحب كما فضح المسيح أسرار ~~الحب، ولو كتم أسرار هواه لنجا من القتل. # مضى الغافل يتحدث عن هواه في كل أرض، ويصرح بأنه صار عين المحبوب، ولو عقل لعرف أن ~~المحبوب يؤذيه أن يتحدث بهواه من يهواه. # أما بعد فلم يكن من همنا أن نكتب ترجمة مفصلة للحلاج فقد سبقنا إلى ذلك أستاذنا ~~المسيو ماسينيون في كتاب نشره بالفرنسية منذ أعوام طوال، وقد شغل نفسه بتعليقات مهمة ~~على كتاب الطواسين، ومضى فتحدث عن أخباره في كثير من المجلات، وإنما أردنا أن نبرز صورة ~~الحلاج من الوجهة الأدبية، وأن نبين كيف استشهد في سبيل القول بوحدة الوجود. # وربما جاز أن نقول: إن في هذا الفصل القصير معاني لم يلتفت إليها أستاذنا ~~ماسينيون. # لا تسألوني عما أودعت في هذا الفصل من المعاني، فأنا أحب أن أكون أعقل من الحلاج، وإن ~~كنت أصغر من الحلاج. # | صراحة الجيلاني # هل العاصي والمطيع أمام الحق سواء؟ # عبد الكريم الجيلاني من أعلام الصوفية، توفي نحو سنة 820 وأهل بغداد يسمونه الجيلي، وله ~~هناك ضريح نبهني إليه الأستاذ عباس العزاوي ولم أسأل عن منزلته في أذهان الناس، وأغلب الظن ~~أنهم ينظرون إليه كما ينظرون إلى ضريح الحلاج. # ترك الجيلاني كتابا يفيض بالوساوس اسمه: «الإنسان الكامل، في معرفة الأواخر ~~والأوائل». # ولم ms142 نقل: بأن محصول ذلك الكتاب من الوساوس إلا مجاراة لأهل الشريعة، أما أهل الحقيقة ~~فيرون محصوله من الحقائق. # ومحصول هذا الكتاب هو تلخيص ما يجب أن يعرف المريد من ألوان الثقافة الصوفية، فهو يحدثه ~~عن أدق المشكلات بأسلوب واضح صريح، إلا حين توجب السياسة أن يؤثر الغموض، ويقدم إليه ما يجب ~~أن يعرف من أصول العقائد والمذاهب، وقد ينظم آراءه ثم يشرحها كما يصنع ابن عربي. ولكن نظمه ~~في الأغلب أرك وأضعف. # وهو يستعين الفلسفة اليونانية من حين إلى حين، كما يفعل ابن عربي، ويؤمن كما يؤمن بأن ~~الأولياء أفضل من الأنبياء. # 1 # ضريح الجيلي في بغداد، والجيلي هو أشهر من فطنوا لمغزى القول بوحدة ~~الوجود. # وما نريد في هذا الفصل أن نلخص آراء الجيلاني فقد سبقنا إلى ذلك لمستر نيكلوسن، # 2 # وإنما يهمنا أن نقف عند نقطة شائكة دار حولها القائلون بوحدة الوجود، ولم ~~يصرحوا فيها برأي قاطع خوفا من ثورة الجماهير الإسلامية. # ولتوضيح ذلك نقول: # كانت أكبر عقبة تعترض القائلين بوحدة الوجود هي مشكلة الثواب والعقاب، وقد درسنا هذه ~~المشكلة من قبل، وبينا ما فيها من تهافت وضعف، فلنذكر الآن أن الجيلاني يقتلع هذه المشكلة ~~من الأساس، ويراها ضربا من الأوهام والظنون، وهو بكل صراحة يرى الناس جميعا مهتدين: في ~~أحوال الطاعة وفي أحوال العصيان. # وهو يقرر أن الله يسميىالمضل كما يسمى الهادي، فالطائع متحقق بصفة الهداية، والعاصي ~~متحقق بصفة الضلال، وهما أمام الحق سواء. # وهذه الوثبة مذمومة من الوجهة الشرعية: فهي تقضي على أصول القوانين، وتوجب إلغاء المحاكم ~~وتستريح من يرابطون من الجنود للمحافظة على مصالح الناس. # وكيف يكون الحال إذا أبيح لكل مخلوق أن يسرق وينهب ويقتل بلا رقيب ولا حسيب؟ كيف يكون ~~الحال إذا شعر كل إنسان بأنه مهدد باغتيال ما يملك من المنافع وتعكير ما ينعم به من الأمن ~~والعافية؟ # كيف تصبح الدنيا إذا عاش اللئام والفاسقون والظالمون بلا وازع ولا رادع يوم تنهار سلطة ~~الشرائع والقوانين؟ # وكيف يرتقي العمران إذا صح في كل ms143 ذهن أن لا مجال لبقاء ما نؤسس وما ندخر من أصول ~~المنافع المعاشية والعمرانية؟ # وما فضل الإنسان على الحيوان إذا انعدمت محامد الرفق والعطف، ومذاهب الضبط والكبح، ومراجع ~~الاحتكام إلى العقل والعدل؟ # إن ذلك لو صح لعادت الدنيا إلى عهدها الأول يوم كان بنو آدم قطعانا يهيمون حول مساقط ~~الغيث ومنابت الأعشاب، وانعدمت هذه المواسم الشعرية التي تتمثل في استخدام البخار ~~والكهرباء، وتظهر روعتها في عيش الضعفاء آمنين بجانب الأقوياء. # والحق أن الإنسان استطاع أن يمثل دور الإله فوق الأرض بفضل ما أنشأ من شرائع وقوانين، فهو ~~بفضل السلطة التشريعية والتنفيذية وقف الظالم والمظلوم أمام منصة العدل، واستطاع أن يمكن ~~الضعاف والعزل من أن يبيتوا في منازل ليس فيها قفل ولا رتاج. # وبراعة الإنسان تظهر في هذا الجانب، فهو قد حول الدنيا إلى دار أمان، وليس هذا بالقليل ~~إذا فكرنا في طبيعة بني آدم وكانوا من الحيوان الذي يؤثر الافتراس. # ولو شئت لقلت: إن القوانين صيرت الحانات أكثر أمانا من المساجد والكنائس، وما أذكر أني ~~دخلت حانة فسرقت، ولكني أذكر أن عباءتي سرقت في مسجد السيدة زينب منذ سنين، فصرت لا أدخل ~~مسجدا إلا صليت منفردا لأنجو من اللصوص المصلين!! # وما استطاع الإنسان أن يكون خليفة الله في الأرض إلا بفضل القوانين، وهو بالفعل يحقق أظرف ~~الأخيلة في الأحلام الإنسانية، فمن أوهام الناس أن سيأتي يوم يعيش فيه الحمل مع الذئب، ~~ويلعب فيه الأطفال بالحيات والثعابين. # وقد تحقق شيء من هذه الأحلام، فأصغر إنسان يستطيع أن يعادي الوزراء والأمراء والملوك وهو ~~واثق من السلامة ما دام يملك التدليل على أنه في جانب الحق. # ولا يستطيع وزير ولا أمير ولا ملك أن يخرجني من بيتي إلا إذا أعانه القانون. # ولا يملك أعنف خصومي أن يؤذيني إلا إذا ظلمت نفسي فخرجت على القانون. # وهذا جانب شعري في حياة الناس، الناس الموفقين الذين أنشأوا الشرائع والقوانين فقضوا ~~على الظلم والبغي والإسراف. # ولكن نظرية الجيلاني لها سناد متين من الوجهة العقلية. # فبقليل من التأمل ms144 نرى العالم قام على أساس الشهوات وهي باب العصيان، فآدم خرج من الجنة ~~بسبب ما اقترف من أكل الفاكهة الممنوعة، فماذا صنع حين طرد من الفردوس؟ كان خروجه هو الأصل ~~في روعة هذا الوجود، ولو أن آدم لم يعص ربه لبقيت الأرض بلا سامر ولا أنيس، وظلت بلا حضارة ~~ولا عمران، ولو بقي آدم في الجنة لحرم الجهاد في سبيل الفضيلة وفي سبيل الرزق وعاش غافي ~~العواطف، خامد الإحساس. # وكيف يكون فهمنا لعظمة الله إذا حرمنا الشقاء بالعواطف والشهوات والأهواء؟ كيف كنا نعيش ~~لو خلت دنيانا من اللهو والفتون؟ # كيف كانت تطيب الدنيا لو لم نطع الله بالعصيان؟ # كيف يكون العقل لو خلا من التمرد والثورة والاعتساف؟ # إن أجمل أثر أدبي تركه الأولون هو «سفر أيوب» وإنما كان كذلك لأنه ناظمه وقف ربه ~~أمام ساحة الجزاء. # 3 # إن أقوى الأغاني والأناشيد هي أنفاس الملتاعين من الذين قارعوا فتن الوجود. # إن أعاظم الرجال هم الذين نقعوا أرواحهم في بحار الشهوات. # إن أقوى العيون هي العيون التي رأت دقائق الخفايا في ألوان الصباحة والجمال. # إن أقوى القلوب هي القلوب التي واجهت سرائر الليل. # إن أعظم النفوس هي النفوس التي عاقرت كئوس الغل والحقد والحب والهيام. # إن أكبر العقول هي العقول التي اصطرعت في ميادين الشك واليقين. # حدثوني عن رجل واحد بين العظماء شهد تاريخه بأنه احترم العرف والقوانين ~~والتقاليد. # إن الرجل العظيم هو الحوت الذي يسير كما يشاء، ومن سواه من الصغار هم صغار الأسماك التي ~~تساير التيار لتقع في شباك الصيادين. # إن الظلم من أكبر الآثام، ولكنه يفتح عيون المظلومين إلى الثورة والجهاد. # وحب اللذات إثم، ولكنه يخلق فنونا كثيرة من الحضارة والرفاهية والترف. # والتحاسد مذموم ولكنه أصل المباريات والمنافسات، وهو السبب الأصيل لإيقاظ عزائم ~~الأبطال. # والبغي إحدى الكبائر، ولكنه يدعو الباغين إلى الاعتصام بالقوة والجبروت. # والحرب أنفع للإنسانية من السلم، فبفضل الحرب عرفت وسائل وأساليب هي في ذاتها من عناصر ~~الجمال في الوجود. # والجسم الإنساني يصور النضال بين الطاعة والعصيان، ms145 فهو محتل بجراثيم يبغي بعضها على بعض ~~فإذا وقع الصلح بين تلك الجراثيم كان الموت. # والشر ينفع كل النفع، فهو الذي يحولنا من ناس إلى حكماء، وينقلنا من مراتع الحملان إلى ~~مرابض الأسود. # وماذا غنمنا من سيادة الشرائع والقوانين؟ # غنمنا العدل؟ # وهو كذلك! # ولكن أي عدل؟ هو العدل الأعرج الذي سمح للضعفاء والمهازيل بأن يكونوا من قادة ~~الشعوب! # ومتى تحقق العدل في دنيا الناس؟ # إن الضعفاء لهم وسائل يدحرون بها الأقوياء. # فأسفل مخلوق يستطيع أن يكيد لأشرف مخلوق. # يستطيع المخلوق السافل الضعيف أن يزعم التفرد بحسن السيرة ومتانة الأخلاق؛ لأن ضعفه قضى ~~بأن يكون آخر من يهم بالثورة على مأثور الأخلاق. # والحكام يعرفون أن نظام الحكم نظام دخيل في الحياة الإنسانية فهم يرضون عن الضعفاء؛ ~~لأنهم لا يعرضونهم للقيل والقال، ويفرون من الأقوياء فرار الأجرب من بطش السليم: لأنهم ~~يعرفون أن الأقوياء يدخلونهم في مضايق من حيوات القلوب والعقول. # وبفضل هذا العرف السخيف صار من عبارات المدح أن يقال: فلان من البيت إلى المسجد ومن ~~المسجد إلى البيت. # وبفضل هذا العرف السخيف تقدم الضعفاء، وتخلف الأقوياء. # وبفضل تقدم الضعفاء وتخلف الأقوياء صار الشرقيون من المستعبدين. # وهل كان للشرق قوة إلا يوم صح لأنبيائه وزعمائه أن يروا لأنفسهم مزايا ليست لسائر الناس؟ ~~وهل استطاع النبي محمد أن يستبيح من الزوجات ما لا يستبيح لأفراد أمته إلا وهو يرى أنه أقوى ~~الرجال؟ # وهل نزل الوحي في بلاد العرب إلا على رجل مشهود له بالقوة في كل شيء، حتى في النواحي ~~الطبيعية؟ # ما فضل الشرائع وما فضل القوانين إن لم تؤيدها القوة والجبروت؟ # إن الناس يخدعون أنفسهم حين يحتمون وهم ضعفاء بسلطان الشرائع والقوانين. # قد تقولون: إن الأنظمة الإنسانية حولت مجاهيل الأرض إلى بساتين. # آمنت وصدقت! # ولكن حدثوني عن شرح هذه المعضلة، فقد هام في شعابها صوابي. # كان سكان مصر منذ مئة سنة لا يزيدون عن ثلاثة ملايين، ولكنهم في ذلك الوقت كانوا أقوياء، ~~فقد استطاعوا أن يهددوا الإمبراطورية التركية، واستطاعوا أن يطردوا ms146 الإنجليز في موقعة رشيد، ~~واستطاعوا التحفز لنصرة الأمة الفرنسية، واستطاع محمد علي بفضل جنود مصر أن يقول: إنه قريع ~~نابليون . # فما الذي وقع بعد ذلك؟ # كانت مصر تعيش على الجفاف فلا تعرف طغيان النيل غير مرة واحدة في كل سنة، وكان أهلها ~~أصحاء لم يقهرهم البول الدموي ولا ديدان الأمعاء. # أستغفر العقل، فقد كان أهل مصر معرضين لأخطار الجراثيم التي تسبح في مياه النيل، فيموت من ~~يموت ويعيش من يعيش، وكان العيش من نصيب الأقوياء الذين حمتهم قوتهم الطبيعية من فتك ~~الجراثيم. # ثم تقدمت أساليب الوقاية وبلغ سكان مصر ستة عشر مليونا، فما مكانهم اليوم في دنيا ~~الناس؟ # لقد أثبت الكشف الطبي أن نحو ثمانين في المئة من السكان يعيشون عيشا صوريا؛ لأنهم صرعى ~~البول الدموي وديدان الأمعاء. # ومن أجل ذلك صار من الصعب أن تتمتع مصر بالحيوية التي كانت تتمتع بها منذ مئة سنة أو منذ ~~عهد الفراعين. # فإن قلتم: إن الأنظمة الحديثة نفعت مصر فأنتم تهيمون في بيداء الخيال. # والتقدم الفكري والعقلي هو السبب في انحطاط الأمم القوية، فألمانيا انهزمت في الحرب ~~العالمية بفضل حذلقة أبنائها النوابغ! # وفرنسا لن تصلح للكفاح العنيف بعد اليوم؛ لأن كل فرد من فرنسا يرى من حقه بفضل شيوع ~~التعليم أن يعلل ويحلل كل ما يعرض له من الآراء، والجندي المتفلسف لا ينفع. # والحرية الصحفية في مصر ستجعل مصر آخر الشعوب التي تصلح للنضال، فكل صحفي وإن صغر قدره ~~سيضع الحرب موضع الجدل والخلاف، ولا قيمة للمحارب المرتاب. # حدثوني ماذا استفدنا من العلم والمدنية فما أرى هذه الألاعيب إلا مزالق وأحابيل؟ # والجيلاني يؤمن بالجنة والنار، ولكنه لا يرى أهل النار في عذاب، وهو يؤكد أن أهل الجحيم ~~يتلذذون كما يتلذذ أهل النعيم. # وإنما كان الأمر كذلك؛ لأن «الشقاوة» عنده غرض مطلوب. # وما كانت الشقاوة مما يطلب العقلاء؛ وإنما اشتهوها لأنها السر في نهوض الحضارة والعمران، ~~وستكون أعظم معضلة يوم يقوم الحساب، وبفضلها يسيطر الله ذو الجلال. # أما بعد فهذه توجيهات لآراء الجيلاني، وهي ms147 آراء تنكرها الشرائع والقوانين، والناس يتصورون ~~أن القول بها يمضي بالإنسانية إلى معاطب الهلاك. # ولو عقلوا لعرفوا أنها أساس النظام في عالم الحيوان، وهو لم ينقرض في الغابات بسبب البغي ~~والإثم والعدوان. # وأكاد أجزم بأن الإنسانية هي التي ستتعرض للهلاك بفضل ما خلقت من القوانين، فالأمن المطلق ~~يحول الإنسان إلى مخلوق ضعيف؛ لأنه يصرفه عن الاستعداد للمكاره والخطوب. # بقي النص على ما في نظرية الجيلاني من المعاني الشعرية، فهي تروض الناس على الجذل ~~والابتسام، وتشعرهم بأنهم في طاعاتهم وفي معاصيهم جنود أوفياء لرب العزة والجلال، وتوفر ~~عليهم قتل أعصابهم بالندم على ما اقترفوا من ذنوب، والإغراق في الندم قد يقضي على النفوس ~~بالتهدم والانحلال. # ولعل لهذه النظرية دخلا في شيوع بعض التقاليد: ففي صعيد مصر ولي اسمه (فرغل) يعتقد الناس ~~أنه يفرح بالمعاصي، فيملئون ساحات مولده بمظاهر الإثم والفتون، وعند نصارى مصر قديس اسمه ~~(أنبا شنوده) وهم يعتقدون أنه يبارك أهل الشهوات فيملئون ساحات مولده بمظاهر الفسوق، ولعل ~~لهذا كله صلة بالأثر الذي يقول: # لو لم تذنبوا فتستغفروا لخلق الله قوما يذنبون فيستغفرون. # | المنظومات الصوفية # هذا بحث لو أطلناه طال: لأن الصوفية عاشوا دهرهم كله في ظلال الشعر والغناء، ولهم على ~~النهضات الموسيقية فضل عظيم، وكانوا في أكثر أحوالهم يتمثلون بالأشعار فينقلونها من الصبوات ~~الحسية إلى الأغراض الروحية، وشواهد ذلك تعد بالألوف، ويكفي أن نذكر ما وقع لأبي الحسن بن ~~الصباغ وقد مر وقت الضحى ببساتين قوص فسمع حمامة على شجرة تغرد بصوت شجي فاستمع ثم تواجد، ~~واستغرق وأنشد: # حمام الأراك ألا خبرينا # بمن تهتفين ومن تندبينا # فقد شق نوحك منا القلوب # فأزريت ويحك ماء معينا # تعالي نقم مأتما للفراق # ونندب أحبابنا الظاعنينا # وأسعد بالنوح كي تسعدي # فإن الحزين يواسي الحزينا # ثم بكى طويلا وأنشد: # أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه # وأصبر عنه كيف ذاك يكون # وما لي لا أبكي وأندب ما مضى # وداء الهوى بين الضلوع دفين # وقد كان قلبي قبل حبك قاسيا # وإن دامت البلوى به سيلين # ألا ms148 هل على الشوق المبرح مسعد # وهل لي على الوجد الشديد معين # ثم خر مغشيا عليه فلما أفاق أنشد: # غنني في الفراق صوتا حزينا # إن بين الضلوع داء دفينا # كل أمر الدنا حقير يسير # غير أن يفقد القرين القرينا # ثم جد لي بدمع عينيك بالله # وكن لي على البكاء معينا # فسأبكي الدماء فضلا عن الدم # ع ويوم الفراق أبكي العيونا # 1 # ولهذا الحديث نظائر كثيرة في كتب الصوفية. وهو يشهد بأنهم كانوا ينقلون الصبوات الحسية ~~إلى الأغراض الروحية. # ثم اندفع أدباء الصوفية فنظموا بأنفسهم أشعارا كثيرة تشرح ما يعانون من خطرات القلوب. ~~وأكثر ما أجادوه وصف أخلاق الرجال، كالذي يقول: # أنت بالصدق قد خبرت رجالا # قد أطالوا البكا إذا الليل طالا # وملأت القلوب منهم بنور # في نفيس اليقين يا من تعالى # وتوليتهم وكنت دليلا # وكسوت الجميع منهم جمالا # فإذا ما الظلام جن عليهم # وصلوا بالكلال منهم كلالا # عفروا بالتراب منهم وجوها # ذاك لله خشية وابتهالا # هجرت للمنام منهم عيون # فاستطار المنام عنهم فزالا # إنما لذة البكاء لمريد # أسلم الأهل للديار وجالا # خاضعا باكيا حزينا ينادي # يا كريما إذا استقيل أقالا # ويستطيع القارئ الرجوع إلى كتاب نشر المحاسن الغالية ففيه شواهد كثيرة من منظومات الصوفية ~~تبين كيف حاولوا تقييد أكثر المقامات والأحوال. # 2 # ونريد هنا أن نمر مسرعين على بعض الآثار التي حاول أهلها تقعيد التصوف على نحو ما صنع ~~ناظمو المتون في أكثر الفنون. # والذين سنتحدث عنهم في هذا الباب لهم خصائص شعرية تغاير الخصائص المعروفة عند شعراء ~~الوجدان من الصوفية أمثال ابن الفارض والشبلي والحلاج وهم جماعة من كبار الأدباء حاولوا ~~تقعيد التصوف فوصلوا إلى غاية من النجاح لا يمكن إغفالها في مثل هذا الكتاب. # وليتذكر القارئ أننا لا نريد الاستقصاء؛ لأن هذا الباب وحده يحتاج إلى فصول طوال، وإنما ~~نريد فقط أن ندل على ناحية أدبية شغلت جماهير المريدين حينا من الزمان. # وما أنكر أن بعض المنظومات يغلب عليها الضعف ولكن هذا لا يمنع من وضعها في الميزان؛ لأن ms149 ~~الأدب يؤرخ فيه القوي والضعيف، وهو في جميع أحواله يصور تطور المشاعر والأذواق. # 3 # | منظومات ابن عربي # أنواع النظم عند ابن عربي # لقد سبق الكلام على ابن عربي ومكانته في الأدب والتصوف، ولكن له مكان آخر نفصله الآن، ~~ذلك بأن ابن عربي كان من المولعين بتقعيد التصوف، والنظم فيه، على نحو ما يفعل ناظمو ~~المتون، ومنظومات ابن عربي من طلائع هذا الفن الذي سيكمل في القرن الثالث عشر على لسان ~~حسن رضوان. # والمنظومات التي نعنيها في هذا الفصل هي فن آخر يخالف ما ورد في ديوان ابن عربي وما ~~ورد في كتاب ترجمان الأشواق، هي فن وسط بين الشعر والنظم، ولكنها على كل حال وضعت لغرض ~~خاص هو تقعيد التصوف. # وأهم مرجع لمنظومات ابن عربي هو كتاب الفتوحات المكية. # 1 # والمنظومات فيه ترد منسجمة مع الأبواب: فأبواب الكتاب هي الأصل، والمنظومات ~~توابع، على خلاف المعروف في المتون، حيث يكون النظم أصلا وتكون الشروح توابع. # وقد يجعل النظم أصل الباب، كالذي وقع في الباب التاسع والخمسين وخمس مئة في معرفة ~~أسرار وحقائق من منازل مختلفة، فإنه استهله بهذه الأبيات: # لله في خلقه نذير # يعلمهم أنه البشير # وهو السراج الذي سناه # يبهر ألبابنا المنير # 2 # في كل عصر له شخيص # تجري بأنفاسه الدهور # عينه في الوجود فردا # الواحد العالم البصير # يا واحدا مجده تعالى # ليس له في الورى نظير # ليس لأنواره ظهور # إلا بنا إذ لنا الظهور # فنحن مجلى لكل شيء # يظهر في عينه الأمور # وهذه القطعة تشير إلى نظرية وحدة الوجود. # وفي أغلب الأحوال يأتي النظم في ثنايا الأبواب، كأن يشير إلى الألفة بين العبد والرب ~~فيقول: # كلما قلت: سيدي # قال لي: أنت مالكي # سد والله كون عب # دي علي مسالكي # ما لنا عنه صارف # في جميع المدارك # لست في عينه ولا # فعله بالمشارك # فهو المالك الذي # ليس يدعى بمالك # وأنا الخادم الذي # يعتني بالممالك # قلت: يا رب عصمة # من سبيل المهالك # قال: سمعا فأنت عب # دي من أهل الأرائك # في ms150 سرور وغبطة # لا من أهل الدرائك # بين التصريح والتلميح # وتنقسم منظومات ابن عربي في الفتوحات إلى قسمين: قسم تغلب عليه النفحة الوجدانية وهو ~~قليل، وقسم يغلب عليه التقعيد وهو الأكثر، كأن يقول في مقامات ترك الكرامات: # ترك الكرامة لا يكون دليلا # فأصخ لقولي فهو أقوم قيلا # إن الكرامة قد يكون وجودها # حظ المكرم ثم ساء سبيلا # فاحرص على العلم الذي كلفته # لا تتخذ غير الإله بديلا # ستر الكرامة واجب متحقق # عند الرجال فلا تكن مخذولا # وظهورها في المرسلين فريضة # وبها تنزل وحيه تنزيلا # وفي سائر مصنفات ابن عربي نرى أشكالا من النظم، كالذي نراه في مطلع كتاب (مواقع ~~النجوم) إذ يقول من منظومة بلغت سبعة وأربعين بيتا: # فكنه علما وكنه حالا # مع رائح إن أتي وغادي # فكنه وصفا ولا تكنه # ذاتا فعين المحال بادي # ولا تكن ذا هوى وحب # فيه فقلب المحب صادي # من بات ذا لوعة محبا # شكا لها حرقة الفؤاد # وانظر بعين الفراق أيضا # فيه ترى حكمة البعاد # فحكمة الضد لا يراها # سوى حكيم لها وشادي # وأغلب منظومات ابن عربي ترمي إلى مقاصد مستورة بحيث يمكن أن تضاف إلى الرمزيات. # 3 # | منظومات اليافعي # مؤلفات اليافعي # اليافعي هو عفيف الدين عبد الله بن أسعد المتوفى سنة 768، وهو رجل شغل نفسه بالتصوف ~~والتاريخ، ومؤلفاته الصوفية تعد من المراجع، وفيها أدب وذوق، وكان فيما يظهر من الذين ~~ذاقوا معاني القوم؛ ولذلك نجد في كتبه نفحة روحانية قد لا نجدها عند سواه، وأشهر ~~مؤلفاته كتاب (روض الرياحين في مناقب الصالحين) وهو كتاب يفيض بأخبار الكرامات، وهو من ~~هذه الناحية كتاب ضعيف؛ لأنه يضيف المؤلف إلى طائفة المغفلين الذين يصدقون كل شيء، ~~ولكنه مهم جدا، لما فيه من الأخبار الصوفية التي تنفع من يهمه أن يعرف شمائل أولئك ~~الناس. # والكتاب الذي اعتمدنا عليه في تحرير هذا الفصل هو كتاب (نشر المحاسن الغالية، في فضل ~~أصحاب المقامات العالية)، وهو كتاب ممتع؛ لأنه شرح الأحوال والمقامات بأسلوب جميل؛ ~~ولأنه دون فيه أكثر ما أنشأ من ms151 المنظومات الصوفية. # منظوماته الرمزية # ومنظومات اليافعي فن وسط، فلا هي بالشعر المطبوع، ولا هي بالنظم المتكلف، وهي في ~~جميع أحوالها من أثر الصدق؛ ولذلك نغتفر ما يقع فيها من الشطط في ~~بعض الأحوال. # وأظهر فنون اليافعي في منظوماته هو الشعر الرمزي، ونريد به ما تجري فيه الصبابة على ~~الأساليب الحسية، وهي في ذاتها معنوية، كأن يقول: # سلا عن حمى سلمى وعن أهله الغر # عسى خبر يلقاكما طيب الذكر # يجيء به من نحوها عذب منطق # يفوح به من ريحها طيب النشر # يخبر عن سلمى وعن ذلك الحمى # وقول لسان الحال في نظمه الدري # رعى الله عهدا مر مع جيرة الحمى # يباهي رياضا ناضرات به زهر # 1 # سقتنا بها سلمى من الراح عند ما # بدت فأضاء الكون من جانب الخدر # أماطت حجابا عن بهاء جمالها # فهمنا سكارى في المهامه والقفر # نروم التسلي عن هواها ببعدنا # وكل جمال في الوجود بها يغري # خليلي ما سلمى ونجد وما الحمى # وما راحها ما كأسها ما الهوى العذري # شربنا حميا الكأس في قدس حضرة # وأكرم بها في حضرة القدس من خمر # لنا عصرت من كرم نور جمال من # سقانا وقد غبنا وحرنا فما ندري # سكرنا بها من شمها قبل شربها # نشاوي برياها إلى آخر الدهر # أو السكر ذا من رؤية الكاس أو أتت # به رؤية الساقي إلينا ذوي السكر # تجلى بأوصاف الجمال فشاهدت # عيون قلوب ما به حار ذو الفكر # فيا ليلة فيها السعادات والمنى # لقد صغرت في جنبها ليلة القدر # فلما شربنا الراح في ساعة الرضا # أتانا أغر السعد بالخلع الخضر # رسول عنايات برسم ولاية # وتصريفنا في الملك في البر والبحر # وضاءت لنا أنوار غيب وشوهدت # أمور وأعلمنا بها أنها تجري # وحلت بوادي طور قلب معارف # زهت فيه كم حسناء في داخل الخدر # وكم حكم تجلى ملاح كأنها # عرائس أبكار على منطق الدر # وكم يدفع الله البلايا بسادة # عن الخلق في كشف الشدائد والضر # فمن لم بذا يؤمن فقولوا له: إذا # تجرا على الغر المشايخ ms152 بالنكر # تجلى فضولا في فضائل سادة # لهم في سما مجد المفاخر كم قصر # مقامات أحباب نرى الشهب دونها # بنوها بياقوت المواهب والدر # تضيء الدياجي من بهاء جمالها # بها يهتدي من للعلا نحوها يسري # وما تلك من أشباه عشك فادرجي # إلى جوف عش في الغيابات أو جحر # إلى آخر القصيدة، وهي سبعون بيتا افتتح بها كتاب المحاسن الغالية. # وعند مراجعة ما نقلناه يرى القارئ أن «الرمزية» هنا لا تستوفي الشرائط الأساسية؛ لأن ~~الناظم يحدثنا في بداية القصيدة عن سلمى فنظنه يرمز إلى الروح، ولكنه يصارحنا بعد ذلك ~~بما يريد، وهذا ليس من أسلوب الرمزيات، مع أنه يقول: «وأنشد لسان حالهم معبرا عنهم ~~نائبا عن لسان المقال معرضا بذكر سلمى ونجد والحمى تورية وتسترا». # 2 # وهو لم يتستر، بل أفصح. # والشاهد الذي نقلناه فيه نفحات شعرية كقوله: # نروم التسلي عن هواها ببعدنا # وكل جمال في الوجود بها يغري # وفيه نظم متكلف كقوله: # فمن لم بذا يؤمن فقولوا له: إذا # تجرا علي الغر المشايخ بالنكر # وإليكم شاهدا آخر ترك فيه سلمى، وتحدث عن نعمى وقد بهره نور الجمال: # وفاح به من خدر نعمى معطرا # له طيب رياها مثيرا لأشجاني # ولم ير ذاك النور أعمى بصيرة # ولا شم ذاك الطيب مزكوم حرمان # ومن قد رأى أو شم أصبح مغرما # بنعمى وحالي عيشها الناعم الهاني # فإن أنعمت نعمى سقت راح وصلها # لأهل الهوى ممن بها مغرم عاني # جنوا من جنان الوصل تفاح نفحة # بروضات رضوان وروح وريحان # وعيشا هنيا في حمى ظل نعمة # تراهم ملوكا جوف جنات عرفان # فآها على تلك العطيات والمنى # على تلك فابكوا يا صاحبي وإخواني # 3 # فهذه قطعة رمزية، ولكن كلمة «يا صحابي وإخواني» تدل على ما يريد من الحديث عن المعاني ~~الصوفية. # وقد حدثنا أنه قال بعض القصائد على لسان حال من مات في حب الله «بطريق النيابة عن ~~لسان مقاله، على جهة الغزل الساتر لحاله»، # 4 # وهو بهذا يفضح الرمزية التي اعتصم بها وهو يشرح تلك الحال، أما تلك ms153 القصيدة ~~فمنها هذه الأبيات: # بتذكار سعدى أسعداني فليس لي # إلى الصبر عنها والسلو سبيل # ولا تذكرا لي العامرية إنها # يوله قلبي ذكرها ويزيل # ولكن بذكري عرضا عندها # 5 # فإن # تقل كيف هو قولوا فذاك عليل # علاه اصفرار مدنف واله له # أنين سقيم جسمه ونحيل # فإن تعطفي يشفي وإن تتلفي ففي # هواك المعنى المستهام قتيل # والقارئ يلحظ الجناس في بعض هذه الأبيات. # بين التلميح والتصريح # ويظهر أن اليافعي متأثر بابن عربي في رمزياته، من حيث الشرح، فكما شرح ابن عربي قصائد ~~ترجمان الأشواق، شرح اليافعي قصائده الصوفية، والفرق بين الرجلين أن ابن عربي لا يوجه ~~معاني قصائده إلا عند الشرح، أما اليافعي فيصرح بمراده في صلب القصيدة ثم يؤكد مراده ~~بالشرح، من ذلك ما صنع عند قوله في التائية: # ثنت في ابتدا ميدان فضل عنانها # وود حصان المدح لو كان مفلوتا # وأبياتها خمسون من نظم موثق # بقيد الخطايا والعلائق مكبوتا # فقد حدثنا أن «الحصان هنا كناية عن القلب وإشارة إلى ظلمته وعماه بسبب الخطايا وشغله ~~بالعلائق العائقة له عن السير في الميدان المذكور، وهو ميدان من ميادين الملكوت، هو ~~موطن فضلهم المشكور، ولا يعرف ذلك الميدان إلا أهل النور والعرفان، ولا يقطعه إلا ~~المخففون السابقون من الفرسان؛ فلهذا وقف الحصان المكني به عن الجنان لعدم النور ~~البارق، وثقل العلائق اللذين كل واحد منهما كالقيد العائق، ولو أنه أفلت من الوثاق ~~وأزيل عنه القيدان وأرخى له العناية في ذلك الميدان لجال في تلك الأوطان، وشاهد في ~~خيامها مليحات الحسان، فأعرب عن تلك المحاسن بأحسن بيان». # 6 # وصف الرجال # وعند اليافعي فن ثان هو وصف الرجال، أي: الصوفية كأن يقول: # رجال لهم علم بما جهل الورى # لهم صار مكشوفا منحى حجابه # فأسرار غيب عندهم علم كشفها # وقد سكروا مما يطيب شرابه # أولئك هم أهل الولاية نالهم # من الله فيها فضله وثوابه # وقرب وأنس واجتلاء معارف # ووارد تكليم لذيذ خطابه # بترك الهوى أمسوا يطيرون في الهوا # ويمشون فوق الماء أمن جنابه # ملوك على التحقيق ms154 ليس لغيرهم # من الملك إلا إسمه وعقابه # 7 # وهذه القطعة تبين منحاه في وصف رجال التصوف: فهم من أهل الكشف وعندهم أسرار الغيب، ~~وهم يناجون الله عن «طريق الوارد» وهم ملوك على التحقيق ، ومن سواهم ليس له إلا اسم ~~الملك، وما يتبع الملك من تبعات تفضي إلى العقاب. # والملوكية هي الوصف المختار عنده فقد تعرض لهم في قصيدة ثانية فقال: # ملوك البرايا ليس يشقى جليسهم # لهم بيض رايات العلا في المواقف # 8 # وعرض لغرامهم وسكرهم في قصيدة ثالثة فقال: # سلام على قوم شموس الهدى غدا # بهم في الهوى سكر إلى حشرهم غدا # أدار عليهم كأس راح محبة # جمال سقى الأحباب لما لهم بدا # بها هام بعض في البراري وبعضهم # به وله ظنوا جنونا فقيدا # وبعض عن الأكوان بان وبعضهم # به جاوز الإسكار حدا فعربدا # فسل عليه الشرع سيفا حمى به # حدودا فرى الحلاج ماض محددا # فمات شهيدا عند كم من محقق # ولم عندهم يخرج عن القوم ملحدا # 9 # والقارئ يلحظ أن الناظم قد يفصل بين حرف الجزم وبين مجزومه فيقول: # ولم عندهم يخرج عن القوم ملحدا # وقد سلف له شيء من ذلك حين قال: «فمن لم بنا يؤمن». # وله قطعة تغلب عليها النفحة الشعرية، وهو يصف ~~القوم بالبكاء عليهم فيقول: # لأحبابنا عيش عليه يناح # لقاء شيوخ للمريد لقاح # أيا دهرنا المغبر ما لك مظلما # نهارك ليل لا يليه صباح # كأنك محزون على فقد سادة # شموس الهدى كانوا ضياءك راحوا # فأخلفهم مثلي فخلاك مثله # حلاك حلى منها الملاح قباح # وأيامك الغر الزواهر قبل ذا # حلاها بها يزهو الوجود ملاح # كسا الكون حسنا والأنام سعادة # بها بمحياها الرضا وفلاح # 10 # ولعل هذه القصيدة هي التي ساق منها في موطن آخر ~~هذه الأبيات: # بمذهبهم قتل الغرام شهادة # وشهد ومحقون الدماء مباح # سلام على السادات من كل صادق # له مسرح في معرك ومراح # 11 # آداب المريدين # ومن هذا الفن أيضا أشعاره أو منظوماته في وصف آداب الرجال، كأن يقول في وصف المريد ~~الذي صدق ms155 ما عاهد الله عليه: # فمجد العلا ما ناله غير ماجد # يخاطر بالروح الخطير فيظفر # إذا ذكرت جنات عدن وأهلها # يذوب اشتياقا نحوها ويشمر # ويعلو جواد العزم أدهم سابقا # وأبيض مجنونا عن النور يسفر # ويركض في ميدان سبق إلى العلا # ويسري إلى نيل المعالي ويسهر # وإني إلى أمر أنا فيه آمن # لأحوج من غيري إليه وأفقر # 12 # أو يقول: # فما فاز بالمجد الأثيل من الورى # سوى من لدى الأهوال بالنفس يسمح # فأما جبان عزت النفس عنده # فذاك الذي بالذل يمسي ويصبح # تعرض لنفحات الإله وبابه # أدم قرعه فالباب يوشك يفتح # 13 # وبدا له مرة أن يحاور مخاطبته على نحو ما كان يفعل حاتم مع امرأته فقال: # وقائلة: ما المجد للمرء ما الفخر؟ # فقلت لها: شيء لبيض العلا مهر # فأما بنو الدنيا ففخرهم الغنى # كزهر نضير في غد ييبس الزهر # وأما بنو الأخرى ففي الفقر فخرهم # نضارته تزداد ما بقي الدهر # 14 # فهو في هذه الأبيات يوازن بين الأغنياء والفقراء، ويرى الغنى زهرة ستذبل بعد قليل، ~~ويرى نضارة الفقر نضارة باقية. ومن الواضح أن الفقر لا يوصف بالنضارة إلا في عرف ~~الصوفية بل عندهم هو باب إلى الملك: # أخي. نحن والله الملوك بفقرنا # لنا الملك في الدارين والعز والغنى # نولي ونعزل، والملوك جميعهم # لنا خدم، والذل يجزون والعنا # 15 # وهو يرى من أدب المريد أن تكون المزابل أحب إليه من القصور ويقول: # أحن ارتياحا للمزابل لا إلى # قصور وفرش بالطراز توشح # وأمنح ودي للمساكين صافيا # أجالسهم والهجر للغير أمنح # ففي ذل نفسي عزها وبموتها # حياة لأجل الغال بالدون أسمح # لنا باعتزال للورى لذ في الهوى # جوار كلاب في المزابل تنبح # إذا في اختلاط قيل: ربح فضائل # فقل: نحن قوم بالسلامة نربح # 16 # وقد تحدث عن العزلة في هذه الأبيات، ورأى جوار الكلاب أفضل من جوار الناس، وهي نظرة ~~كلها تشاؤم، ولعله كان رأى في زمانه ناسا يشبهون بعض من رأينا من أهل هذا الزمان، فقد ~~مضى به التشاؤم إلى إيثار صحبة الأموات ms156 على صحبة الأحياء. # وناء عن الدنيا وعن صحبة الورى # وحيد لأصحاب القبور مجاور # مجاور قوم لا يضرون جارهم # وكم نفعوا بالوعظ من هو زائر # فغائبهم لا يختشي غيبة ولا # يخاف أذاهم والنميمة حاضر # يناديهم بالله هل في بيوتتكم # ظلام المعاصي أم بها النور زاهر؟ # 17 # ولليافعي قطع كثيرة في وصف آداب المريدين، وهذه الشواهد تبين مناحيه الأصيلة، وهي ~~إيثار الفقر والنفرة من الناس. # ولا يمكن أن نرى الخير كل الخير فيما يقول، فللغنى أوجه جميلة، وله منافع يؤيد بها ~~كرام الرجال، والناس جميعا ليسوا من أهل السوء، ففي بني آدم مخلوقات شريفة تصلح للمودة ~~والإخاء، فيهم على الأقل أولئك الصوفية الذين يرون أنفسهم من أهل القدرة على البر ~~والأدب والسخاء. # الحب الإلهي # وهناك فن ثالث من أشعار اليافعي هو التشوف إلى الذات الإلهية، وأشعاره في هذا الفن ~~فيها قبس من الحنين، ولكنها لا تسمو به إلى منازل الأقطاب من المحبين، ونلمح فيها ~~أحيانا نزعة سوقية، كأن يقول: # فيا أسفا يا حسرتا يا مصيبتا # ويا ضيعة الأعمار سوق المواسم # كما لم نكن كالغير أهلا لقربه # لقد فاتنا كل المنى والمكارم # نموت ولم ننظر جمال جلاله # ولم ندر طعم الحب مثل البهائم # فلو شاهدت ذاك الجمال عيوننا # سكرنا وغبنا عن جميع العوالم # وملنا نشاوي من شراب محبة # وباح بمكنون الهوى كل كاتم # ونحى حجابا عن عجائب قدرة # ونور وأسرار وطيب تنادم # فما العيش إلا ذاك لا عيش عزة # وسلمى ولا ليلى ولا أم سالم # 18 # والنزعة السوقية ظاهرة في هذه الأبيات؛ لأن المحب لا يتذكر في هذا المقام عيش ~~البهائم، ولا يقارن حال الشوق إلى الله بالشوق إلى عزة وسلمى وليلى وأم سالم، مع احترام ~~هذه الأسماء! # وله قصيدة أخرى في الحب الإلهي لم تسلم من هذه النزعة السوقية، فقد ختمها بهذا البيت: # سكارى بمولاهم وأنت بجيفة # فقس رخما بالباز عند التناصف # والظاهر أنه في مثل هذه المواقف يعرض بأعداء الصوفية، وهذا التعريض هو الذي يقدح في ~~قيمة انجذابه نحو الذات الإلهية ms157 التي لا يرى المحب عندها صورة لأحد من ~~المخلوقين. # والحق أن اليافعي لم تصلح نفسه صلاحية تامة للحب الإلهي؛ لأنه يتحدث كثيرا عن الجنة ~~والنار، ويجعل الخوف والرجاء موصولين بأشياء حسية لا يفكر فيها المحبون، والأصل في الحب ~~الإلهي أن يكون جذوة تشغل المحب عن كل ما سوى المحبوب، فلا يعرف النعيم ولا الجحيم، ولا ~~يفكر إلا في رضا المحبوب، ولو كان من رضاه أن يقدف بالمحب في مهاوي الشقاء. # نظم قواعد التصوف # بقي الفن الأخير من منظومات اليافعي وهو خير ما عنده من الفنون، وهو نظم القواعد ~~الصوفية، وله في هذا الفن قصيدة عينية لم نرها كاملة، ولكن عرفنا أهميتها من الشواهد ~~المبددة في كتاب (نشر المحاسن الغالية)، وإليكم هذه الأبيات: # نفوس البرايا كالمطايا يقودها # إذا عودت في كل شيء تطاوع # فنفسك عودها حميدا من التقى # وعلم وآداب لها الزهد رابع # وصبر وشكر والتوكل والسخا # ومع ورع فقر به العبد قانع # ومع عزلة ذكر وسابق توبة # وخوف وعيد وهو في العفو طامع # وصدق وإخلاص وحسن استقامة # وكن راضيا فيما بك الحق صانع # وخاتمة العشرين زين خصالها # تواضع فللعبد التواضع رافع # 19 # ففي هذه الأبيات الستة ساق عشرين خصلة من خصال المريد الصادق، وهذا هو ما نريده من ~~نظم قواعد التصوف. # وله قصيدة سماها (عذبة المعاني الدقيقة، في التغزل بين الشريعة والحقيقة) أراد أن ~~يبين بها أن الشريعة هي الأصل «كالبحر والمعدن واللبن والشجرة، والحقيقة مستخرجة منها ~~كالدر والتبر والزبد والثمرة» # 20 # وهي قصيدة طريفة: # فؤادي بعذبات المعاني معذب # وقلبي بنار من قلاها مقلب # تعوض عن سلمى بسعدى ووصلها # عزيز ومن لم يمنح الوصل يتعب # معنى فلا من ذي ولا ذي مواصل # فبين هوى سلمى وسعدى مذبذب # لعز معالي الفقه من قبل واصل # وبيض العلا في الفقر من بعد يخطب # وهي قصيدة طويلة فيها الغث والسمين يراها القارئ في الجزء الأول من نشر المحاسن الغالية. # 21 # منزلة اليافعي بين الصوفية # والمنظومات التي أراد بها اليافعي تقييد القواعد الصوفية كثيرة جدا، ms158 وهي على ~~كثرتها لا تضيفه إلا إلى عوام الصوفية؛ لأنه لا ينحدر في مزالقهم إلا قليلا، ومن هذا ~~القليل القصيدة التي يقول فيها: # يداوي لقلب في حرام مخفف # كجسم وبل أولى جوازا مؤكدا # لأن سقام الجسم أجر ورحمة # وبالضد جسم القلب للدين مفسدا # 22 # وهو يشير إلى الرأي الذي يقول: بجواز الإقدام على الحرام إذا كان فيه إصلاح ~~للقلب. # وخلاصة القول: أن لمنظومات اليافعي أهمية عظيمة في نشر الثقافة الصوفية، ولكنها من ~~حيث ذاتها ليس فيها محصول جديد، واليافعي نفسه لا يدرك من التصوف غير الغاية النفعية، ~~فالصوفي عنده رجل يخاف النار ويرجو ما وعد به المتقون من نعيم الجنان. # وما نريد بهذا أن نخرجه من حظيرة التصوف، وإنما ننص على أن تصوفه ليس من النوع الخطر ~~الذي يحل صاحبه من قيود الشرع ويسلكه في زمرة المتفلسفين. # ولهذا المسلك قيمة من الوجهة الأخلاقية، فالمريد الذي يربيه اليافعي شخص وسط يسير في ~~الطريق المأمون، وعليه أن يراعي من قواعد السلوك ما ينسجم مع العرف والمألوف، فلا يزيغ ~~بين الحقائق والأضاليل. # وليس في منهج اليافعي ما يعاب غير الإسراف في التشبث بصحة الكرامات، وهذا يقلب مسلكه ~~المأمون في التصوف؛ لأنه يصور أقطاب الصوفية بصورة من يملكون تصريف الوجود، وعندما يصح ~~هذا في أذهان العوام الذين يربيهم على أدب الشرع ينقلبون إلى طوائف من الموسوسين لا ~~يمسكهم عقل ولا يحوطهم تدبير. # وقد أشرنا من قبل إلى قيمة منظوماته من الوجهة الفنية، فلنقيد مرة ثانية أن أسلوب هذا ~~الرجل أسلوب وسط، واللحن يغلب عليه، بالرغم من حذلقته النحوية التي يلوح بها من حين إلى ~~حين. # وهناك عيب يجب النص عليه وهو غرام اليافعي بالنظم، فإنا نراه يحرص على وضع منظوماته ~~في كل موضوع، كأنه موكل بنظم ما عرف الصوفية من المعاني والأغراض، وهذا يدل على أنه كان ~~في أكثر أحواله من المتكلفين، ومن الناس من يوصي بالتواضع ليقع في الكبرياء. # | أشعار النابلسي # نشأته # هذه شخصية كان لها شأن في أواخر القرن الحادي عشر وصدر ms159 القرن الثاني عشر. كان لها ~~شأن يوم كان التصوف يخلق لأصحابه ألوف الألوف من المريدين والأتباع، فكان عبد الغني ~~النابلسي شغل الناس في مصر والشام والحجاز والعراق. # ولد النابلسي في دمشق سنة 1050، وتوفي بها سنة 1143 وكان فيما يظهر من أخباره متفوقا ~~في اللغة والدين والتصوف، فترك فيما يقال نحو مئة مصنف، أكثرها في الفقه والتوحيد ~~والحديث. # اتصاله بأسرة البكري في القاهرة # وكان النابلسي موصول العهد بأسرة البكري في ~~القاهرة، فكان حين يزور مصر ينزل بأولئك الأشراف فيساقيهم كئوس المودة والصفاء. يدل على ~~ذلك اهتمامه بتخميس وتشطير ما أثر من أبيات الشيخ محمد البكري، ولذلك شواهد في «ديوان ~~الحقائق، ومجموع الرقائق»، ويصرح بهذه الصلة الوثيقة قوله في التمهيد لشرح القصيدة ~~الطائية: # وقد طلب منا حبيبنا # 1 # الشيخ زين العابدين البكري شرح هذه القصيدة الطائية فشرحناها شرحا لطيفا، ~~وأكملنا الكلام في معانيها تحقيقا وتعريفا، على حسب وارد الفتوح، ينبسط له القلب ~~وتنشرح به الروح، وسميناه (نفخة الصور، ونفحة الزهور، في الكلام على أبيات قبضة النور) ~~وأتممناه في مصر المحروسة في بيت الشيخ زين العابدين المذكور ... إلخ. # 2 # أناشيده ومواويله # واتصاله بأسرة البكري في القاهرة يفسر لنا جانبا من حياته الأدبية فإن المواليا ~~«المواويل» عنده تغلب عليها الصبغة المصرية، وقد لا يبعد أن تكون بقيت بقية من مواويله ~~ينشدها المنشدون في الأذكار وهم لا يعرفون الناظم الأصيل، وإليكم هذا الموال: # يا أمة العشق فزتم بالبصر والسمع # قوموا اتركوا الفرق عنكم واقبلوا للجمع # نور الشموع الذي يلمع عليكم لمع # من حرقة القلب قد سالت دموع الشمع # وهذا الموال: # قوموا بنا كلنا نخرق حجاب الطبع # ونتبع يا جماعة ما أتى في الشرع # حتى نشاهد جمال الله يلمع لمع # ولا جود لنا وهو الوجود الجمع # وهذا الموال: # حبيبنا في بديع الحسن حيرنا # بين الحياة وبين الموت خيرنا # حكم علينا وبالهجران غيرنا # وبعد هذا بسوء الحال عيرنا # فهذه المواويل تأخذ وقودها من التعابير المصرية، ومن المؤكد أنها عاشت في القاهرة ~~حينا من الزمان. # مقام الشيخ عبد ms160 الغني النابلسي في دمشق. # مجموعة أشعاره # وبمناسبة هذه الأناشيد نذكر أن النابلسي كان يغذي حلقات الأذكار بمنظومات خفيفة ~~الروح، فكان له فضل في إذاعة المعاني الطريفة بين المريدين، وهو صاحب الأنشودة الرائعة، ~~أنشودة الساقي، وانظروا كيف تلطف الحركة وتقوى النبرات الموسيقية في هذا النشيد: # ساقي يا ساقي # اسقيني من خمرة الباقي # واكشف لي عن قيد إطلاقي # آه يا ساقي، آه يا ساقي # أستاره راحت # عن عيني والزهرة فاحت # والسكرة بالأسرار باحت # آه يا ساقي، آه يا ساقي # اكشف لي عنك # في ذاتي وافتح لي دنك # واجعلني يا حبي أنك # آه يا ساقي، آه يا ساقي # افتح لي باب الحان # واسمعني من طيب الألحان # وارشفني من كاسي الملآن # آه يا ساقي، آه يا ساقي # من يشرب يسكر # من خمري لما يتفكر # والمغرور في علمه أنكر # آه يا ساقي، آه يا ساقي # لا يعرف أمري # إلا من يشرب خمري # أحشاؤه تصلى في جمري # آه يا ساقي، آه يا ساقي # وقوة الروح في هذا النشيد لا تخفى على أصحاب الأذواق. # إخوانياته # وأهم الآثار الباقية من أدب النابلسي هو المجموع الضخم الذي يحوي ما نظمه في ~~المواجيد الذوقية والمدائح النبوية، والأحاجي الشعرية، والغزليات. # وهو يسمى القسم الأول (ديوان الحقائق، ومجموع الرقائق، في صريح المواجيد الإلهية، ~~والتجليات الربانية، والفتوحات الأقدسية). # ويسمى القسم الثاني (نفحة القبول، في مدحة الرسول). # ويسمى القسم الثالث (رياض المدائح، وحياض المنائح، ونفحات المراسلات، ونسمات ~~المساجلات). # ويسمى القسم الرابع (خمرة بابل، وغناء البلابل). # ولهذا المجموع الضخم مقدمة طويلة مسجوعة يغلب عليها التكلف، لم يعجبنا منها إلا ~~تعابير قليلة، كأن يقول: «وهدى إليه قوما بضلالهم فيه». # وكأن يقول: «والخارجين من مكة النفوس قبل الفتح». # وكأن يقول: «وتأملوا ظهوره للعقول بأنواع المعاني، وتجلياته للحواس الخمس بالصور ~~المختلفة كالماء المطلق في قيود صبغة القناني». # الألفاظ الحسية # ويعد النابلسي من أقطاب شعراء الصوفية، وإن كان لا يستطيع اللحاق بابن الفارض، وهو ~~في أغراضه أوضح من ابن عربي، وهو كذلك أقرب منه إلى البيئات الشعبية، وهو لا ms161 يخرج في ~~أشعاره عن دائرة التصوف إلا قليلا، كأن يقول في الإخوانيات: # أخ لي يظهر الغيب أرعى وداده # ويرعى ودادي يا رعى الله من يرعى # أهيم به في الحب وهو يهيم بي # فيا خيبة الواشي إذا رام أن يسعى # وكأن يقول في الحساد والأعداء: # من لعبد بجسمه السقم بادي # بين أيدي حواسد وأعادي # وعيون قد أحدقت بازورار # وخزنتي مثل السيوف الحداد # وقلوب كأنما البغض فيها # جمر نار تبدو من الأجساد # صاعدات أنفاسها كدخان # منه يعلو الوجوه صبغ السواد # إنكار وحدة الوجود والحلول والاتحاد # وللنابلسي ألفاظ لا ندري كيف استساغها معاصروه، ألفاظ حسية أدارها في معارض معنوية، ~~كأن يقول في خطاب المريدين: # يا ذوي الاعتقاد فينا ويا من # أسسونا على أتم أساس # أحصنوا بالتقى فروج قلوب # طاهرات ممن سواكم يقاسي # من زناة لهم ذكور كلام # نطف الغي منه والوسواس # جامعوه يلقون فيه شكوكا # تنتج الريب في أمور الناس # وقد سلك هذا المسلك في العينية وهي من قصائده الطوال، وانظروا كيف يقول: # وجاءت بأنواع الشهادة أمة # على الحق زكتها صفات بوارع # وهذا نكاح الأم عقد محقق # ومن كل شيء خلق زوجين بادع # شهدنا على إيجابنا وقبولنا # وكانت لنا في الحضرتين وقائع # وزفت عروس القرب ليلة قدرنا # وفي ذكر الذكر استلذ المجامع # وإنزاله القرآن قد حملت به # فروج قلوب بالعلوم تدافع # وبت طلاق الصبر زوج فتى الهوى # ثلاثا على سلمي فكيف يراجع # ولو دفعت كل الذي هو ملكها # على طلقة ما كان قلبي يخالع # وهذه الألفاظ لها عنده تأويل، فهو يقول بعد أبيات: # كلام على حكم العيان مفصل # به الغيث من سحب الحقيقة هامع # 3 # منزلته الشعرية # والنابلسي ينكر وحدة الوجود وينكر الحلول والاتحاد، فيصف الله في مقدمة ديوانه بأنه ~~«الظاهر من حيث صفاته وأسماؤه في صورة كل أحد، من غير أن يحل في شيء أو يكون بشيء اتحد، ~~والباطن من حيث ذاته العلية، عن معرفة أحد من البرية، فكل ما يخطر في بالك فهو من حيث ~~أسماؤه وصفاته كذلك، وهو من حيث ms162 ذاته العلية بخلاف ذلك». # ويقول في الرد على من يعتقد وحدة الوجود: # ولا تقل: أنت هو ما أنت هو أبدا # لا شيء كيف يساوي الشيء واعجبي # ويقول في نفي الاتحاد والحلول: # لا تقل: حل ولا # تقل: الحق اتحد # ضريح سعد الدين الجباوي بضواحي دمشق ويرى الناظر جماعة من الصوفية يذكرون ~~وينشدون. # ولكنه في موطن آخر يحتال لتفسير وحدة الوجود فيقول: # لا تقل: وحدة الوجود إذا لم # تفن عن كل كائن موجود # ثم تفني ذوقا بتحقيق حق # عنك حتى عن الغنى المقصود # ويصير الوجود عنك خفيا # لست تدري منه سوى فرط جود # وإذا لم تكن كذلك فاحذر # من تلابيس عقلك المعقود # واجتنب وحده الوجود ودعها # لرجال قاموا بحفظ العهود # وهو في هذا يتابع ابن عربي الذي لا يبيح لكل سالك أن يقول بوحدة الوجود. # بقي النص على منزلة النابلسي في الحياة الشعرية ونحن نراه شاعرا وسطا بين شعراء ~~الصوفية، ولولا التصوف لما أضيف اسمه إلى الشعراء. # 4 # وهذا لا يمنع أن نحكم بأنه أجاد في بعض المواطن ولا سيما المواويل كأن يقول: # نوحي على فقدهم يا مقلتي نوحي # والدمع طوفان هل منه نجا نوحي # يا من إذا أبطأوا جئنا لهم نوحي # لأنبياء المحبة لم نزل نوحي # وفي هذا الموال جناس مقبول، # 5 # والجناس من الخصائص الأساسية في المواويل المصرية، وربما جاز أن نستجيد هذا ~~الموشح الطريف: # تجلى وجه محبوبي # وهذا كل مطلوبي # فيا نار العدا ذوبي # بعيد عنك مشروبي ~~••• # جمال الأهيف الزاهي # وحسن الأغيد الباهي # به صبري هو الواهي # وموتي فيه مرغوبي ~~••• # رأينا نوره أشرق # فكنا برقه الأبرق # ولا نجد ولا أبرق # سوى الإبريق والكوب ~~••• # علينا الخمر قد دارت # بها ألبابنا حارت # وأطيار الهوى طارت # بترتيب وأسلوب ~~••• # مليح الكون وأفانا # وزاد الحسن إحسانا # وحيا يوسف الآنا # فقرت عين يعقوب # هذا؛ ولا ينسى القارئ أن أهمية النابلسي ترجع إلى ما أثر في عصره من الدعوة إلى ~~الحق. أما منزلته الشعرية فهي عندي ضعيفة كل الضعف، وقد قضيت ليالي في درس ديوانه فلم ms163 ~~أجد له قطعة واحدة تلحقه بأكابر الشعراء. # وفي الناس من يحيا مرة واحدة ثم يموت، وأظن النابلسي أخذ حظه وهو يتنقل بين مصر ~~والشام والحجاز والعراق، فإن جحدنا فضله اليوم فلا بأس فقد عاش حتى سئم العيش، ولعله ~~ظفر بما كان يطمح إليه من الخلود في عالم الأرواح. # | منظومات حسن رضوان # خلاصة ترجمته # الشيخ حسن رضوان صوفي من رجال القرن الثالث عشر، ولد في سنة 1239 ومات في سنة 1310 ~~فهو قريب العهد، وكان مولده في ببا الكبري بمديرية بني سويف، وأجداده كانوا من أهل ~~الشام، والذي انتقل منهم إلى مصر جده الثاني، وقد توفي والده وهو صغير فرعته أمه، ~~وأرسلته لطلب العلم في الأزهر الشريف فبلغ مقام التدريس وهو ابن سبع عشرة سنة، وأخذ ~~الطريق وهو في سن العشرين، ثم ترك القاهرة وانتقل إلى بلدة تسمى السريرية بمديرية ~~المنية، حيث أقام بزاوية أستاذه تسع سنين، تولى فيها مراقبة المريدين بتلك الزاوية ~~وكانوا خمس مئة أو يزيدون، ثم انتقل بأهله من السريرية إلى بلد يسمى (سفط أبي جرج) ~~بمركز بني مزار، واشترى دارا بجوار المسجد فاجتمع عليه الناس لمدارسة العلم وتلاوة ~~القرآن، ثم أمره أستاذه بالانتقال إلى بلدة تسمى أبا الوقف فأقام فيها خمس سنين، ثم حج ~~البيت الحرام، وبعد رجوعه انتقل إلى بلدة تسمى أبشاق الغزال بالقرب من سفط أبي جرج، وما ~~زال يتنقل من بلد إلى بلد في سبيل العلم وخدمة الفقراء إلى أن توفي إلى رحمه الله في ~~سنة 1310. # 1 # قيمته الأدبية # وحياة الشيخ حسن رضوان هي نموذج لحياة الصوفي الحق، فقد كان الرجل من أهل العلم، ~~وكان اهتمامه موجها إلى نشر الثقافة الدينية والصوفية، فكان يقيم الدروس وينشئ ~~المؤلفات، ويذيع المثل الطيب بسلوكه الشريف بين الناس. # وقد ترك هذا الرجل سيرة عطرة فما اتصل به من البلاد، وغرس فيمن عرفهم حب الدرس، وقد ~~حدثني الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق أن البلد الذي أقام فيه الشيخ حسن رضوان كثر فيه ~~العلماء والمدرسون، فهو من الهداة الصالحين الذين ms164 عرفتهم مصر في القرن الثالث عشر، ~~وإليه يرجع الفضل في تثقيف جمهور كبير من أهل ذلك العهد. # معنى التصوف # ترك الشيخ حسن رضوان طائفة من المؤلفات الدينية والصوفية. # 2 # ولكن أهم آثاره هو (روض القلوب المستطاب) وهو منظومة مطولة تقرب من اثني ~~عشر ألفا من الأبيات، وربما كانت هذه المنظومة أعظم منظومة في قواعد التصوف، وهي تدل ~~على مرونة اللغة في قلم ذلك الشاعر البليغ، وتدل أيضا على أنه كان من أعلم الناس بأصول ~~التصوف، ومن أعرفهم بمذاهب القوم. # والذي ينظر في هذه المنظومة يعجب كيف اتفق لذلك الرجل أن يعي كل تلك الحقائق، وما ظن ~~القارئ برجل لم يترك من التصوف شاردة ولا واردة إلا قيدها بأسباب من النظم الوثيق؟ ما ~~ظن القارئ برجل يعرف ما يأتي وما يدع في ميدان كثر فيه الوهم والضلال؟ ما ظن القارئ ~~برجل قعد التصوف تقعيدا وصيره من العلوم ذوات القواعد والأصول، بحيث يرى المطالع أنه ~~ينظر في فن مقعد مضبوط؟ # وتظهر قوة الشيخ حسن رضوان حين يتصدى لشرح بعض الإشارات، فهنالك ترى نفسك أمام رجل ~~يعني ما يقول، ويفهم ما يريد. # يضاف إلى ذلك الجرأة الهائلة في شرح ما يؤمن به في مزالق التصوف، ولكن أي شرح؟ شرح ~~واضح لا مداورة فيه ولا التواء. # ولا يمكن لقارئ أن يعرف قيمة الشيخ حسن رضوان إلا أن اتفق له ما اتفق لنا من الحيرة ~~الطويلة في فهم مذاهب القوم، فقد قضيت سنين وأنا أتحسس مقاصد أولئك الناس، فلما وصلت ~~إليه عجبت كيف وضحت تلك المذاهب في نفسه فجلاها في أظهر بيان. # وحدة الوجود # ومن أعجب ما وقع لهذا الناظم أنه بدأ منظومته بأصعب مسألة، وختمها بأسهل مسألة، ~~بدأها بالكلام على وحدة الوجود، وختمها بتعريف التصوف، ولو أنه عكس لكان أقرب إلى ~~النظام المقبول في الترتيب. # فلنبدأ نحن بكلامه في تعريف التصوف، وهو يرى أنهم اختلفوا فيه: # فبعضهم بالفقر عنه عبرا # وبعضهم بوصف زهد فسرا # وبعضهم بالأخذ بالحقائق # ويأسه مما لدى الخلائق # وقائل: بحب الافتقار ms165 # والفقر والإعطا مع الإيثار # وترك الاختيار بالتسليم # إلى مراد العالم الحكيم # وبعضهم بقطع كل عائق # عن ربنا من مطلق العلائق # وقيل: إنه القيام بالأدب # لكل وقت في جميع ما طلب # من شكر نعمة عليه أسبغت # أو توبة مما به نفس بغت # وقيل: أن يحيى الإله عبده # به وأن يميت منه قصده # وقيل: ذكر باجتماع والعمل # مع اتباع ثم وجد اتصل # وقيل: إنه النقا والتصفية # للقلب من معوقات التوفية # ويحدثنا أن لفظ «الصوفي» لم يكن مستعملا في عرف النساك، وإنما هي لفظة اصطلاحية أخذت ~~من (الصوف) وهي ثلاثة أحرف: صاد، واو، فاء، وكل حرف من هذه الأحرف يشير إلى عدة معان: # فالصاد صرف الهمة القويه # في كل مرضي وصدق النية # وصبره على البلا والطاعه # وعن أمور توجب انقطاعه # وصده الهوى عن الفؤاد # وصرفه عن خلطة العباد # وصدعه بالحق لا يبالي # من لومة في الله ذي الجلال # وصفحة عن كل من يؤذيه # والصدق في جميع ما يبديه # وصونه لجملة الأنفاس # بضبطها والصلح بين الناس # وصرمه حبال كل عائق # يعوقه عن رؤية الحقائق # وصقل قلبه بذكر ربه # وصمته عن مانع من قربه # وأن يكون صاغرا بحيث أن # يرى الصغار عنده من المنن # أولئك ما يشير إليه حرف الصاد # أما الواو فقد فصل إشاراتها إذ يقول # والواو وصله جميع ما أمر # بوصله المولى وفضله اشتهر # ووده في الله كل من عرف # بوصف إيمان وبالتقوى وصف # كذا وقوفه على الحدود # مع الوفا لله بالعهود # والوعد مثل العهد في وفائه # لديه عن عزم لدى إبدائه # أما الفاء فإشاراتها أغرب، ولننظر كيف يقول: # والفاء للفتوة المعهوده # في عرفهم وفقده شهوده # والفتق والفتوح والفرقان # وفتحه الموصوف بالبيان # وفرقه الثاني، وهذا بعض ما # له حروفه تشير فاحكما # وقد شرح الغامض من هذه الإشارات فبين أن (الفتق) هو في عرف أهل الحق عبارة عن اتصافه ~~بما يفيده تفصيل المادة المطلقة بصورها النوعية، أو ظهوره كلما بطن في الحضرة الواحدية، ~~من النسب الأسمائية، وبدو كل ما كمن في الذات الأحدية، من ms166 الشئون الذاتية، كالحقائق ~~الكونية بعد تعينها في الخارج؛ # 3 # وقد شرح «الفتوة» وهي كلمة يكثر ورودها في كتب الصوفية، وهي عندهم عبارة عن ~~خمود حرارة القلب اللازمة للبداية. # 4 # والقول: بأن كلمة «صوف» اختيرت لما تشير إليه ~~الصاد والواو والفاء هو قول لم أره عند غيره من الصوفية، فإن كان من مبتكراته فهو تعليل ~~طريف يدل على براعة الخيال. # على أن هذا لم يمنعه من نظم أقوالهم في اشتقاق التصوف: # وقد جرى من حيث الاشتقاق # في لفظة التصوف الشقاق # وكل ذي قول له توجيه # لقوله في نفسه وجيه # ولكن القياس والقواعد # في جملة الأقوال لا تساعد # والبعض منهم قد يقوى قوله # بالأخذ من صوف بلبسهم له # فقوله هذا وإن يكن وجد # له قياس في كلامهم عهد # لكن أهل الحق لم يختصوا # بلبسه ولا عليه نصوا # وهو بهذا النظم قيد ما جاء في فاتحة الرسالة ~~القشيرية، ولكن البيت الأخير عليه اعتراض؛ لأنه يقرر أن الصوفية لم يختصوا بلبس الصوف ~~ولم ينصوا عليه، وهذا غير صحيح، فإن الصوفية اختصوا بلبس الصوف ونصوا عليه، وإن كان لم ~~يفتهم أن يقرروا في غير موطن أن طهارة القلب هي الأساس، وأن المطلوب تصوف القلب لا تصوف الثوب. # 5 # ومن رأي الناظم أنه لا ينبغي مطالبة الصوفية بمجاراة القياس أو الاشتقاق. # فإنهم أجل من أن تفتقر # أقوالهم إلى قياس مشتهر # أو اشتقاق إذ لهم قانون # ساروا به وسره مكنون # فلفظهم أقفاله لا تفتح # إلا بذوق أو بكشف يمنح # آداب السلوك # وأهم مسألة عرض لها الناظم هي (وحدة الوجود) وقد جعلها غاية الغايات من منظومته حين ~~قال في الختام: # وهذه الرسالة الشريفه # جمعتها بهمة ضعيفه # لكن بحمد الله جاءت كافيه # في سير أرباب القلوب الصافية # فكل بيت من بيوتها اشتمل # على معان تنجلي لمن دخل # وكلما تكرر الدخول # في أي بيت يحصل المأمول # وتنجلي الرقائق المطويه # في لفظة والحكمة المنويه # لا سيما ما كان في العقائد # فإنه من أعظم المقاصد # وحسبه من ذلك المقصود # إشراق نور وحدة ms167 الوجود # وهو بهذا أجرأ من الشعراني الذي أعلن براءته من القول بوحدة الوجود، وأصرح من ابن ~~عربي الذي دار حولها في تهيب واحتراس. # وربما كان من أسباب شجاعة الناظم أنه نشأ في مصر في أيام لم تكن فيها حقائق التصوف من ~~المشكلات، أو لعل الذين عاصروه من كبار العلماء لم يكونوا من الذين يثيرهم القول بوحدة ~~الوجود، أو لعل شغل الجمهور المصري بالمشاكل السياسية التي خلفت الثورة العرابية كان ~~مما صرفه عن تعقب المشكلات الصوفية. # 6 # ولننظر كيف عبر عن هذه النظرية إذ يقول: # وكل ما سواه نجم آفل # بل في شهود العارفين باطل # فليس إلا الله والمظاهر # لجملة الأسماء وهو الظاهر # فغيره في الكون لا يقال # لأنه في ذاته محال # ورتبة الإمكان لا تفارق # لممكن ما وهي فيه الفارق # فالحق ذاتا واجب الوجود # لنفسه وعز في الشهود # وكل مظهر بروحه استمد # من حضرة الأسما بخير ما استعد # ومن هنا اليقين والتمكين # في رتبة الشهود والتلوين # فمن صفت مرآته تحققا # بما من الأسما عليه أشرقا # وشاهد المشاهد المصونه # وأدرك المواهب المكنونه # وقد اهتم بشرح هذه الأبيات فقرر أن كل ما سوى الله من الأعيان الظاهرة والماهيات ~~الممكنة علوية وسفلية باطل في شهود العارفين من حيث ذاته فلا حقيقة له أزلا وأبدا، ~~وإنما الموجود حقيقة هو ذات الحق تعالى، وليس لتلك الأعيان والماهيات الظاهرة وجود ~~حقيقي ذات لها، وإنما المشاهد فيها انصباغها بنور الوجود الحق على نحو من أنحاء الظهور، ~~وطور من أطوار التجلي الحقي، فهو الظاهر في جميع المظاهر، والمشهود في كل التعينات ~~بحسب تفاوتها في استعداداتها، وتعدد شئونه بتكثر حيثياتها، على مقتضى العلم القديم بذلك ~~كله إجمالا وتفصيلا، كليا وجزئيا، فالتوحيد للوجود، والكثرة والتمييز للظهور على ~~مقتضى العلم، فللوجود الحق تجل بذاته لذاته يسمى غيب الغيوب والعماء الأزلي، وظهور ~~بذاته لأسمائه وصفاته، وهو عبارة عن تجليه الوجودي المسمى بالنور المفاض على سموات ~~الأرواح وأرض الأشباح، الله نور السماوات والأرض به ظهرت أحكام الماهيات والأعيان، ~~وحصلت بذلك النسب والإضافات، وظهرت ms168 آثار الأسماء والصفات التي هي فعله، وبسبب تميز هذه ~~الأعيان وتخالفها لسر اقتضته مرتبة الألوهية اتصفت حقيقة الوجود بصفة التعدد والكثرة ~~بالعرض لا بالذات، ومن ذلك السر الجمع بين الأضداد، فظهر الحق في كل ماهية على ما ~~تقتضيه ذاته الكريمة من التنزه التام القديم الذي لا يعرفه غيره، وظهرت الماهيات بالحق، ~~وتعاكست أحكام كل منها إلى الآخر مع ذلك التنزيه أيضا، فصار كل منها مرآة لظهور الآخر ~~فيه، ويشهد لذلك قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: (رأيت ربي في صورة شاب أمرد)، وقوله عليه الصلاة ~~والسلام: (خلق الله آدم على صورة الرحمن # 7 ~~... فالحق تعالى ليس له إلا تجل واحد على الأشياء، وظهور واحد على تلك ~~المظاهر، وهذا الظهور هو بعينه ظهوره برتبة تنزله لنفسه في مرتبة أفعاله، فلا يمكن أن ~~يكون هذا الظهور مثل ظهوره بذاته لذاته لاستحالة المثلية بين الظهورين. وهذا هو المراد ~~بقوله عز شأنه: «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبي عرفوني»، فظهرت ~~الذات الأحدية، والحقيقة الحقية، في كل مظهر من المظاهر بحسبه على ما علمت من التنزيه ~~القديم، لا أن لها بحسب ذاتها ظهورات متنوعة، وتجليات متعددة، وإنما ذلك تقريبا ~~كتكثر نور الشمس وتلونه بتعدد ألوان الزجاجات المقابلة له، فمن شاهد حقيقة النور ~~الأصلي وعرف أنه لا لون له في ذاته انكشف له أن هذه الألوان المتكثرة في الظاهر إنما هي ~~من الزجاجات بحسب استعداداتها فقط، ولا تعدد للنور في ذاته، ومن وقف مع الزجاجات ~~وألوانها احتجب بها عن النور الحقيقي، فمن وقف مع مظاهر الحق تعالى وتعددها وتكثرها ~~وتوهم أنها أمور مستقلة بوجود مع الله تعالى فقد ضل بذلك عن سبيل الجادة وأفحش وأثم، ~~وبغى بغير الحق ظاهرا وباطنا، حيث أشرك مع الله ما لم ينزل به سلطانا، # 8 ~~... فتحصل من ذلك كله أن كل شيء مما سوى الله تعالى إذا اعتبرته من حيث ~~ذاته وجدته عدما محضا، وإذا اعتبرته من حيث الوجود الحق رأيته موجودا بذلك الوجود ~~الذي ظهر عليه نوره من ms169 التجلي الوجودي للفعل الذاتي، فلكل شيء حينئذ وجهان: وجه إلى ~~نفسه، ووجه إلى موجده، فمن نظر وجهه إلى نفسه وجده عدما صرفا ونفى الأفعال عنه، ومن ~~نظر وجهه إلى ربه وموجده وجده موجودا بوجود موجده ونسب الأفعال إليه، كما جاء به ~~الشارع، «والله خلقكم وما تعملون». فكل شيء موجود معدوم: فالعدم صفته الذاتية، والوجود ~~إنما ثبت له بالعرض لا بالذات ... فانكشف لك بما تقرر أنه لا موجود في الحقيقة إلا الله، ~~وأن الوجودات الكونية وإن تكثرت وتعددت وتمايزت هي في الواقع ونفس الأمر من مراتب ~~تعينات الحق، وظهورات نوره، وشئون ذاته، وآثار أسمائه وصفاته التي هي عين ذاته. قال ~~قائلهم: # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه عينه # لا أنها أمور مستقلة، وذوات منفصلة، بجعل وتأثير فيها، وإنما تعينها وظهورها بنفس ~~فيضان الوجود الحق عليها، فإذن ليس في الوجود إلا ذات الحق وأسماؤه وصفاته ومظاهرها، ~~واسم الخلقية مستعار لتلك الحقائق الكونية التي هي شئون الذات وآثار الأسماء والصفات، ~~أعارها الحق تعالى لتلك الشئون والمظاهر لإظهار الألوهية ومقتضياتها من الجمع بين ~~الأضداد، قال الجيلي: # وما الخلق في التمثيل إلا كثلجة # وأنت بها الماء الذي هو نابع # وما الثلج في تحقيقنا غير مائه # وغيران في حكم دعته الشرائع # ولكن بذوب الثلج يرفع حكمه # ويوضع حكم الماء والأمر واقع # تجمعت الأضداد في واحد البها # وفيه تلاشت وهو عنهن ساطع # 9 # فالجيلي مثل العالم بالثلج، ومثل الحق تعالى بالماء، وليس إلا الماء، والثلجية طارئة، ~~فليس إلا الحق والخلقية عارية ... وكما لا تحيط العقول والأفكار بحقيقة ذاته وأسمائه ~~وصفاته فكذلك لا تحيط بكيفية ظهوره في مظاهره وتجلياته التي هي شئون ذاته، فهي أدق ~~وأرفع من أن تدرك لغيره ... وظهور الحق بذاته في مظاهر أسمائه وصفاته أولى وأجدر في ~~الحيرة وعدم الاهتداء إلى معرفة الحقيقة من ظهور صورة في مرآة، فإن الناظر في المرآة ~~يعلم قطعا أنه أدرك صورته بوجه، ويعلم قطعا أنه ما أدركها بوجه، لما يظهر له من دقة ~~صورته لصغر المرآة، والحال ms170 أنه محقق كبر صورته عما شاهده، أو لما يرى من كبر وجهه لكبر ~~المرآة مع قطعه بصغر صورته، فلا يمكنه إنكار رؤية صورته، ويعلم أنه ليست في المرآة ~~صورته، ولا هي بينه وبين المرآة، ولا هي مرئية بانعكاس شعاع البصر إلى الصورة، إذ لو ~~كان كذلك لرآها على حد ما هي عليه في الخارج، مع علمه بأنه رأى صورته من غير شك، فإذا ~~أخبر بعد ذلك بأنه رأى صورته وما رأى صورته فلا شك أنه ليس بصادق ولا بكاذب، إذ يقال: ~~ما هي تلك الصورة؟ وأين محلها؟ وما شأنها؟ فإذن هي منفية ثابتة، موجودة معدومة، مجهولة ~~معلومة، فلم يهتد الناظر في المرآة إلى معرفة حقيقة صورته الظاهرة فيها وهي من العالم ~~المحسوس ... فهو إذن في معرفة تجليات الحق وظهوره في مظاهره أشد عجزا وجهلا. # 10 # ولكن متى يصل المرء إلى الفهم الحق لوحدة الوجود؟ # إن جواب ذلك عند الشيخ حسن رضوان إذ يقول: # إذا من الحق تعالى على عبد من عباده واصطفاه بصفاء نفسه من كدورة التعلق بما ~~سواه، وطهره من جنابات غفلاته، ورعونات شهواته، حتى أفناه به فيه حق اليقين، ~~وبلغ بذلك مرتبة جمع الجمع، ولحقت نفسه بعالمها العلوي الأصلي، قامت به حينئذ ~~رقيقة لطيفة ذاتية حقيقة مفاضة من جانب الحق تعالى بفيض رحمانيته ينكشف له بها ~~سريان الوجود الحق في جميع ذرات الممكنات، وسر تجليات الأسماء والصفات وظهوره ~~في كل مظهر بحسب استعداده كشفا إيمانيا وذوقا روحانيا، فيرى الحق في ~~الخلق، والخلق بالحق، وهذا هو مشهد كمل العارفين المحققين. # 11 # تلك فقرات اقتبسناها مما كتب الشيخ حسن رضوان في شرح المراد من وحدة الوجود، وما ~~يهمنا في هذا الموطن أن نناقش ما كتب، فقد درسنا هذه النظرية وبينا ما لها وما عليها ~~حين شرحنا آراء ابن عربي، والمهم هو التنبيه إلى فهم هذا الرجل لأسرار التصوف، وهو لم ~~يخلق هذه النظرية ولم يبتكر الدفاع عنها، ولكن كلامه يشعر بأنه كان من المتفوقين في درس ~~هذه الشئون. # وقد تأثر ms171 الرجل بابن عربي تأثرا شديدا، وعبارة «قال قائلهم» لم يقصد بها غير ابن ~~عربي؛ لأنه صاحب ذلك البيت. # وحين نأخذ في درس تلك المنظومة المطولة يروقنا ما نراه فيها من الانسجام وهو يقيد ~~آداب المريدين، من ذلك قوله في القبض والبسط: # فالقبض حق الحق إن تجردا # عن علة والبسط عن حظ بدا # فواجب في القبض الانفراد # عن الورى لتحصل الأمداد # ولازم في البسط حفظ النفس # من الركون عند هذا الأنس # فربما تزهو بغير ربها # فيطفئ المزهو نور قربها # ومن صفاتها تحقق الفرح # بربها وحبها لمن نصح # وميل طبعها إلى الصوت الحسن # بما لها من الهيام والشجن # ووجدها يزداد بالسماع # من غير أن يفضي إلى الضياع # ويعتريها عند ذلك القلق # شوقا إلى مألوفها الأصلي الأحق # ومن صفاتها تحمل الأذى # وترك أخذ حقها ممن شذا # 12 # وعفوها عنه مع التحلم # وصفحها بدون ما تظلم # والصدق والإخلاص في المعامله # لله واستحضار أن الأمر له # 13 # وهذا الشاهد يكفي لبيان مذاهب ذلك الرجل في الإفصاح عن آداب المريدين. # وخلاصة القول: أن منظومات حسن رضوان في أصول التصوف هي تحفة من التحف الأدبية، وتظهر ~~قيمتها لمن عانى درس التصوف وعرف ما فيه من وعورة المسالك والشعاب. # ولم تكن تلك المنظومات كل ما ترك من الآثار الشعرية، فقد كانت له قصائد في مدح ~~الرسول، والثناء على أهل الطريق، ولكن تلك المنظومات هي خير آثاره الشعرية، فقد كان ~~انطبع على الرجز ولان له قياده فأتى فيه بالأعاجيب. وليس من القليل أن يتفرد الرجل بنظم ~~ما يقرب من اثني عشر ألفا من الأبيات في فن واحد، ولكن أي فن؟ فن التصوف الذي يقوم على ~~المعاني وأحوال القلوب. # | المدائح النبوية # من أين نشأ الغلو في مدح الرسول # كان من أصول هذا الكتاب قسم كبير خاص بالمدائح النبوية في الأدب العربي، ولكن اللجنة ~~التي درست هذا الكتاب أول مرة اقترحت أن يطبع ذلك القسم مستقلا فطبعناه ونشرناه # 1 # ثم رأينا بعد التأمل أن المدائح النبوية لا يزال لها مكان في ms172 هذا الكتاب، ~~ولكن أي مكان؟ نحن لا نريد أن نقتبس شيئا من الكتاب الذي نشرناه عن المدائح النبوية، ~~وإنما نريد أن نفسر الغلو الذي يشهده كل من يقرأ ما مدح به الرسول، ذلك الغلو الذي يقضي ~~بأنه لولا محمد ما ظهر شمس، ولا قمر، ولا نجوم، ولا أنهار، ولا بحار، ولا شجر، ولا مدر، ~~ولا جبال. # نريد أن نبين كيف صح لمثل ابن نباتة المصري أن يقول: # لولاه ما كان أرض لا ولا أفق # ولا زمان ولا خلق ولا جيل # ولا مناسك فيها للهدى شهب # ولا ديار بها للوحي تنزيل # وكيف جاز للبوصيري أن يحكم بأن محمدا دان الأنبياء قبل أن يخلق فيقول: # وكل آي أتى الرسل الكرام بها # فإنما اتصلت من نوره بهم # فإنه شمس فضل هم كواكبها # يظهرن أنوارها للناس في الظلم # شرح الحقيقة المحمدية # وهذا الغلو لا يفهم إلا إذا عرفنا أنه يرجع إلى أصل من أصول التصوف، وهو القول ~~بالحقيقة المحمدية، والحقيقة المحمدية هي العماد الذي قامت عليه (قبة الوجود) كما عبر ~~ابن عربي، هي صلة الوصل بين الله والناس، فهي القوة المدبرة التي يصدر عنها كل شيء. ~~ولنعط الكلمة لابن عربي ليشرح هذه النقطة من المذهب الصوفي: # اعلم أن الله لما خلق الخلق جعلهم أصنافا، وجعل في كل صنف خيارا، واختار من ~~الخيار خواص وهم المؤمنون، واختار من المؤمنين خواص وهم الأولياء واختار من ~~هؤلاء الخواص خلاصة وهم الأنبياء؛ واختار من الخلاصة نقاوة وهم أنبياء الشرائع ~~المقصورة عليهم. واختار من النقاوة شرذمة قليلين هم صفاء النقاوة المروقة وهم ~~الرسل أجمعهم، واصطفى واحدا من خلقه هو منهم، وليس منهم # 2 # هو المهيمن على جميع الخلائق جعله الله عمدا أقام عليه قبة ~~الوجود، وجعله الله أعلا المظاهر وأسناها، صح له المقام تعيينا وتعريفا، ~~فعلمه قبل وجود طينة البشر وهو محمد # صلى الله عليه وسلم # لا يكاثر ولا يقاوم، هو السيد ومن ~~سواه سوقة. # 3 # فابن عربي يحكم بأن محمدا «هو من الناس وليس من الناس» هو من ms173 الناس لأنه مخلوق؛ وليس ~~من الناس لأنه يفيض الوجود على الناس «هو المهيمن على جميع الخلائق جعله الله عمدا ~~أقام عليه قبة الوجود» هو حادث الجسد ولكنه أزلي الروح. # وإلى هذا المعنى يوجه ابن عري قول الرسول: «أنا سيد الناس ولا فخر»، ويرى أن معناه ~~«لا أقصد الافتخار على من بقي من العالم، فإني كنت أعلا المظاهر الإنسانية فأنا أشد ~~الخلق تحققا بعيني؛ فليس الرجل من تحقق بربه، بل الرجل من تحقق بعينه لما علم أن الله ~~أوجده له لا لنفسه». # 3 # ومعنى هذا أن لله خلقين خلقا له وخلقا للعالم، ويفسر ذلك ما ورد في التوراة: # يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تهتك ما خلقت من أجلي ~~فيما خلقت من أجلك. # 3 # و«ابن آدم» هنا عام، ويمكن أن يراد به النبي محمد؛ لأن ابن عربي يجعل الأنبياء كلهم ~~«كلمات» لها منازل دون منزلة الحقيقة المحمدية. والوجود بالله معنى صوفي عبر عنه من ~~قال: # إذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره # وإن رمت قربا من حبيبي تقربا # فيبدو فأفنى ثم أحيا به له # ويسعدني حتى ألذ وأطربا # أثرها في القصائد والصلوات # وتحرير هذه القضية أن محمدا أول التعينات الذي تعين به الذات الأحدية قبل كل تعين ~~فظهر به ما لا نهاية له من التعينات، فهو يشمل جميع التعينات، فهو واحد فرد في الوجود ~~لا نظير له: إذ لا يتعين من يساويه في المرتبة، وليس فوقه إلا الذات الأحدية المطلقة ~~المنزهة عن كل تعين وصفة واسم ورسم وحد ونعت، فله الفردية مطلقا، ومن هذا يعلم أن ~~الاسم الأعظم لا يكون إلا له دون غيره من الأنبياء، ومن فرديته يعلم سر قوله: (كنت ~~نبيا وآدم بين الماء والطين) كونه خاتم النبيين وأول الأولين وآخر الآخرين، ومن ~~أوليته وجمعيته سر قوله: (أوتيت جوامع الكلم) وكونه أفضل الأنبياء فإنهم في التصاعد ~~وسعة الاستعداد والمرتبة ينتهون إلى التعين الأول ولا يبلغونه، والتعين الأول هو محمد ~~الذي ترجع إليه جميع التعينات فهو ms174 البرزخ بين الذات الأحدية وبين سائر الموجودات. # 4 # حديث: أنا سيد الناس # وليتذكر القارئ أننا نؤرخ فكرة صوفية، فلسنا في الواقع من أنصار هذا الرأي، ولا نكاد ~~ندرك كيف كان محمد نبيا وآدم بين الماء والطين، والمرجح أن هذا التصور اقتبسه الصوفية ~~من الفلاسفة القدماء، # 5 # والمهم هو أن نفهم أن الصوفية يتصورون ذاتا أحدية لا تتكثر إلا بالتعينات، ~~والتعين الأول هو محمد، وهو الحكمة الفردية، وعنه نشأت جميع التعينات حتى الأنبياء، ومن ~~أجل ذلك كان سيد جميع الناس، وكان خاتم الأنبياء. # وقد حام حول هذه النظرية كثير من أقطاب الصوفية، منهم محمد البكري الذي يقول: # قبضة النور من قديم أرتنا # في جميع الشئون قبضا وبسطا # وهي أصل لكل أصل تبدى # بسطت فضلها على الكون بسطا # وهي وتر قد أظهرت عدد الشفع # بعلم فجل حصرا وضبطا # ولدت شكلها فأنتج شكلا # بشريا أقام للعدل قسطا # وهو عبد قد حررته لديها # بيديها وكم أفاد وأعطى # حققته بحقها فهو حق # جاء بالحق ينظم الخلق سمطا # لنقوش النفوس حقق والرو # ح أرته في اللوح شكلا ونقطا # عالم منه آدم علم السر # وعلم الأشياء رسما وخطا # هي ناسوت أنسنا والهيولا # شمس سر الوجود بكر وشمطا # طلسم حارت العقول عليه # كنز بحر قد شط في الدرك شطا # إن شهدناه في الجمال شهدنا # لجميل غدا له الحسن مرطا # أو نظرناه في الجلال رأينا # أسدا فاتكا من الأسد أسطا # تاج فضل له الجحاجح دانت # وإليه رأس المفاخر وطى # كل شيء معناه والكل منه # وعليه مبناه ما اختل شرطا # واحد الشخص وهو مختلف الجنس # يقينا من أنكر الحال أخطا # وهذه الطائية خمسها النابلسي # 6 # وحدثنا أنه شرحها ولكنا لم نظفر بذلك الشرح، وقد عارضها بقصيدة رمزية تنتهي ~~إلى هذه الغاية ومنها هذه الأبيات: # يا قريب اللقا بعيد التجافي # لم توافي رهطا وتهجر رهطا # نحن هدنا إليك ممن سواك الآ # ن فاجعل لنا من الأمر قسطا # وتدارك نواظرا وقلوبا # أعجمتها الأوهام شكلا ونقطا # إنما أنت أنت والحكم شيء # منك وهو ms175 الجميع عدا وضبطا # دخل القلب دير عشق سليمى # يحتسى من لقائها الاسفنطا # فرأى ثم نسوة طالعات # عن بحار الجمال يسكن شطا # ناظرات من الظبا بعيون # ناعسات من البواتر أسطا # في قدود كأنهن رماح # جعلت قتل من بها هام شرطا # كل هيفاء ينفح الطيب منها # كيف كانت تجول رفعا وحطا # أمر الله أن تطاع بحسن # راسم بالغرام في القلب خطا # بدر تم على قضيب تثنى # في كثيب بها عن المشي أبطا # هي شمس الضحى وبدر الدياجي # قد فنينا بها رضاء وسخطا # ثغرها بث عن صحيح البخاري # وأنا مسلم وقلبي موطا # وإلى هذه الغاية ذهب إبراهيم الدسوقي حين قال: # يقولون لي: ما العلم ما السر ما الذي # هو الجوهر الغالي عن البحر خبرنا؟ # فقلت لهم: هذي مطالع نورنا # ومغربها فينا ومشرقها منا # على الدرة البيضاء كان اجتماعنا # ومن قبل خلق الخلق والعرش قد كنا # تركنا البحار الزاخرات وراءنا # فمن أين تدري الناس أين توجهنا # والدرة البيضاء هي العقل الأول كما نص ابن عربي في اصطلاحات الصوفية. # 7 # هل لهذه النظرية أصل من العقل أو الشرع # وقد أفصح عن هذه النظرية ابن مشيش في صلاته، وابن مشيش هذا من أقطاب الشاذلية، ~~وصلاته معروفة جدا، يقرءها ألوف الألوف في الصباح والمساء، وقد قرأتها مع «الإخوان» ~~أكثر من ألف مرة، يوم كنت من المهتدين، وهي تنص على أن محمدا أصل كل موجود، ولننظر كيف ~~يقول ابن مشيش: # اللهم صل على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، ~~وتنزلت علوم آدم بأعجز الخلائق، وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه سابق ولا لاحق، ~~فرياض الملكوت بزهر جماله مونقة، وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا شيء ~~إلا هو به منوط، إذا لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط. # 8 # والواسطة هو محمد والموسوط الأشياء والناس ... ومن الذين أفصحوا عن هذه النظرية مصطفى ~~البكري في «ورد السحر» إذ يقول: # اللهم صل وسلم وبارك على من تشرفت به جميع الأكوان، وصل وسلم وبارك على سيدنا ~~محمد الذي أظهرت به معالم ms176 العرفان، وصل وسلم وبارك على عين الأعيان والسبب في ~~وجود كل إنسان. # 9 # وعبارة «عين الأعيان والسبب في وجود كل إنسان» هي النظرية التي تجعل محمدا أصل ~~الوجود. # مكانة الأنبياء من الرسول # ومن الخير أن ننص على أن هذا الشطط استند فيه الصوفية إلى حديث «أنا سيد الناس» وهو ~~حديث شك فيه العلماء، فقد جاء في كتاب العجلوني المسمى «كشف الخفاء والالتباس، عما ~~اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس». أن الحسن بن علي روى أن الرسول قال: «أدع لي سيد ~~العرب» يعني عليا، فقالت له عائشة: ألست سيد العرب؟ فقال: أنا سيد ولد آدم وعلي سيد ~~العرب. ثم حدثنا العجلوني أن الذهبي يجنح إلى الحكم على هذا الحديث بالوضع. # 10 # وحدثنا أيضا أن رجلا جاء إلى المصطفى فقال له: أنت سيد قريش. فقال: السيد الله. ~~قال: أنت أعظمها طولا، وأعلاها قولا، فقال الرسول: يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا ~~يستهوينكم الشيطان، أنا عبد الله ورسوله. # طيف التثليث # والواقع أنه لا سناد لهذه النظرية من شرع ولا عقل، فالشرع يحكم بأن محمدا مخلوق ~~اصطفاه الله لتبليغ رسالته، والعقل لا يوجب أن يكون تسلسل الموجودات على هذا النظام ~~الذي يقضي بأن الذات الأحدية صدرت عنها الحقيقة المحمدية، وأن تلك الحقيقة هي الواسطة ~~بين الله وبين جميع ما ظهر من صنوف لموجودات. # لا يهمنا في هذا الفصل أن نستند إلى الشرع أو العقل، وإنما يهمنا أن نفهم النظرية ~~الصوفية كما وضعها أصحابها لنعرف كيف نشأ الغلو في المدائح النبوية. # ولا بأس من أن نحاول معرفة كيف نشأ هذا النظام الغريب، والظاهر أن الصوفية يحرصون كل ~~الحرص على أحدية الذات، فهم لذلك ينفون عنها كل فعل، وينقلون الأفعال كلها إلى الكلمات، ~~أي: الأنبياء، ولما كان الصوفية عندنا مسلمين كان من همهم أن يجعلوا الكلمة المحمدية ~~أصل الكلمات وروح الوجود. # ولا ينتظر القارئ أن نقدم له صورة شافية كافية لهذا النظام، فالصوفية أنفسهم يدورون ~~حوله في التواء عجيب، ويكفي أن نقول: إن هذه الأخيلة جعلتهم ms177 يحلقون في أجواء شعرية، ~~ويتمثلون الوجود مربوطا بالحقيقة المحمدية أوثق رباط. # والذي يتسع وقته لقراءة كتاب الفتوحات من الألف إلى الياء يرى كيف أمكن أن يكون هذا ~~النظام مجالا للرياضة في ألوف من المحتملات والفروض. # لا يهمنا، كما قلت، أن نطمئن إلى صحة تلك المذاهب، وإنما يهمنا أن نعرف أن الصوفية ~~يجعلون محمدا أصل الوجود: لأنه أول تعين للذات الأحدية. ومن هنا صح لمادحي الرسول أن ~~يقضوا بأنه لولاه ما كان شمس، ولا قمر، ولا نجم، ولا أرض، ولا سماء ، ولا جماد، ولا ~~حيوان، ولا إنسان، ولا بحار، ولا أنهار، ولا جبال. # ومن هنا أيضا صح لهم أن يحكموا بأن جميع الأنبياء إنما هم من نور ذلك الرسول كما قال ~~البوصيري في البردة: # وكل آي أتى الرسل الكرام بها # فإنما اتصلت من نوره بهم # وكما قال في الهمزية: # كيف ترقى رقيك الأنبياء # يا سماء ما طاولتها سماء # لم يساووك في علاك وقد حا # ل سنا منك دونهم وسناء # إنما مثلوا صفاتك للنا # س كما مثل النجوم الماء # وقول البوصيري في البردة: # دع ما ادعته النصارى في نبيهم # وقلت بما شئت مدحا فيه واحتكم # فيه انحراف عن هذه النظرية - لأن ما ادعاه النصارى لعيسى عين ما ادعاه الصوفية لمحمد ~~- فعيسى عند النصارى رب، ولكن له أب هو رب الأرباب، وكذلك محمد هو عند الصوفية رب له ~~أصل هو الذات الأحدية. # 11 # ومن العجيب أن نظرية التثليث لا تبدو شيئا خطرا عند الصوفية، فهم يقولون بها في غير ~~تهيب ولا إشفاق، وإن كان لها عندهم وضع آخر يتمثل في الأوجه المختلفة لشخصية المسيح، ~~فمن نظر في عيسى من حيث صورته للبشرية الإنسانية فهو ابن مريم، ومن نظر فيه من حيث ~~الصورة الممثلة البشرية فهو منسوب إلى جبريل، ومن نظر فيه من حيث إحياء الموتى فهو ~~منسوب إلى الله بالروحية «فهو كلمة الله وهو روح الله وهو عبد الله» # 12 # ففيه من الإنسانية جزء، وله من الملكية نصيب، وله من الألوهية خلاق. # بل ms178 هم يذهبون في التسامح إلى أبعد من ذلك فيحكمون بأن الديانات كلها حق، وما اختلفت ~~صور سلوك طريق الحق إلا لاختلاف استعدادات الأمم، وفي ذلك يقول القاشاني: # فطريق نزول الحكم إلى الأنبياء واحد، والمراد منه هو الهداية إلى طريق الحق، ~~فطريق التوحيد واحد، ولكن استعدادات الأمم اقتضت اختلاف الملل والنحل، فإن ~~إصلاح كل أمة يكون بإزالة فساد يختص بها، وهدايتهم إنما تكون من مراكزهم ~~ومراتبهم المختلفة بحسب طباعهم ونفوسهم. # 13 # ومعنى ذلك أن النبوات محلية، والديانات محلية، فلا يكون لجميع الناس في مختلف البلاد ~~نبي واحد، وهذه النظرة على جانب من الدقة. ولكن الصوفية سكتوا عن الرسالة المحمدية؛ لأن ~~المفهوم عندهم أن محمدا هو الحكمة الفردية التي نشأ عنها كل موجود. # هل الديانات كلها حق؟ # وإنما عرضنا لهذا التسامح لنبين أثره في المدائح النبوية: فالصوفية لا يمدحون محمدا ~~وحده في جميع الأحوال بل يتفق لهم في أحيان كثيرة أن يثنوا على سائر الأنبياء. # وأشهر من صنع ذلك من الصوفية ابن عربي: فله قصائد في مدح إدريس ومدح موسى ومدح هارون، ~~وإليك هذا الشاهد فيما سماه «الروح الأحمر الهاروني»: # هذا الخليفة هذا السيد العلم # هذا المقام وهذا الركن والحرم # ساد الأنام ولم تظهر سيادته # لما بدا العجل للأبصار والصنم # ما زال يردع قوما همهم أبدا # في نيل ما ناله موسى وما علموا # أن البيان حرام كلما نظرت # عين البصيرة شيئا أصله عدم # وفي ديوان ابن عربي أبيات قالها «وقد سمع قول رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في قربه من ربه: لا ~~تفضلوني على يونس بن متى، تنزيها لجناب الحق عن التحديد في قوله تعالى: «وهو معكم ~~أينما كنتم». # 14 # والأرجح أن هذه الديباجة من وضع ابن عربي نفسه، فإن كانت كذلك فهي شاهد على أنه كان ~~في بعض أحواله لا يجعل الحقيقة المحمدية كل شيء. # ولعله قصد إلى هذا المعنى في إحدى قصائده الرمزية إذ يقول: # ألا يا حمامات الأرائك والبان # ترفقن لا تضعفن بالشجو أشجاني # 15 # ترفقن لا تسهرن ms179 بالنوح والبكا # خفي صباباتي ومكنون أشجاني # أطارحها عند الأصيل وبالضحى # بحنة مشتاق وأنة هيمان # تناوحت الأرواح في غيضة الصبا # فمالت بأفنان علي فأفناني # 16 # وجاءت من الشوق المبرح والجوى # ومن طرف البلوى إلي بأفنان # فمن لي بجمع والمحصب من منى # ومن لي بذات الأثل من لي بنعمان # تطوف بقلبي ساعة بعد ساعة # لوجد وتبريح وتلثم أركاني # كما طاف خير الرسل بالكعبة التي # يقول دليل العقل فيها بنقصان # وقبل أحجارا بها وهو ناطق # وأين مقام البيت من قدر إنسان # فكم عهدت أن لا تحول وأقسمت # وليس لمخضوب وفاء بأيمان # ومن عجب الأشياء ظبي مبرقع # يشير بعناب ويومي بأجفان # ومرعاه ما بين الترائب والحشا # فيا عجبا من روضة وسط نيران # لقد صار قلبي قابلا كل صورة # فمرعى لغزلان ودير لرهبان # وبيت لأوثان وكعبة طائف # وألواح توارة ومصحف قرآن # أدين بدين الحب أنى توجهت # ركائبه فالحب ديني وإيماني # كيف مدح الصوفية سائر الأنبياء # وانجذاب الصوفية إلى المعنى الذي لمحوه في الحقيقة المحمدية قد أفاض عليهم آيات من ~~الأشعار الرمزية، ومن أطيب ما قرأت في ذلك قصيدة محمد البكري التي حن فيها إلى «الوتر» ~~وهو رمز إلى الله أو إلى الرسول، ولكن التعبير عنه بالحبيب يعين أنه يريد به الرسول، ~~وإن كان في هذا التعيين اعتساف: # حدث عن الوتر أيها الوتر # من فاته الخبر سره الخبر # وهات عن ليلة مقدسة # طابت فعندي جميعها سحر # وقل كما شئت إن لي أذنا # تتلى عليها بلحنك السور # مصغية للحبيب يسمعها # آيات حق لم تسمع البشر # يا وترا حركته غانية # لا وأبي ليس ذاك يا وتر # قد أودع الوتر فيك حكمته # فمنه لا منك تطرب الفطر # الرمزيات في مدح الرسول # واهتمام الصوفية بمدح الرسول كان له أثر بليغ في الأدب، والقارئ يستطيع الرجوع إلى ~~كتاب (المدائح النبوية) الذي نشرناه في السنة الماضية ليرى كيف مدح الرسول أولا على ~~الطرائق الجاهلية، وكيف انتقل هذا الفن إلى التشيع، وكيف عاد مدحا خالصا للرسول، وكيف ~~صار بعد ذلك فنا أدبيا صرفا ms180 تقيد به ضروب الزخرف باسم البديعيات، وأثر ذلك كله في ~~نشر الثقافة الأدبية. # وكان يتفق أن تغلب على المادحين وقدة الشوق كما نرى في قول ابن العريف: # شدوا المطايا وقد نالوا المنى بمنى # وكلهم بأليم الشوق قد باحا # سارت ركائبهم تندى روائحها # طيبا بما طاب ذاك الوفد أشباحا # نسيم قرب النبي المصطفى لهم # روح إذا شربوا من ذكره راحا # يا سائرين إلى المختار من مضر # سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا # إنا أقمنا على عجز ومعذرة # ومن أقام على عجز كمن راحا # والشطر الثاني من البيت الرابع هو بيت القصيد. # وكان أهل الأندلس من أرق الناس شوقا إلى زيارة الرسول؛ لأن بعد المزار غزا قلوبهم ~~بأقباس الحنين. # أبيات من شعر ابن العريف تمثل وقدة الشوق # إلى هنا عرف القارئ كيف نشأ الإغراق في مدح الرسول، فهو قائم على أساس القول بوحدة ~~الوجود، وقد صح عندي بعد التأمل الذي دام بضع سنين أن الصوفية أرادوا أن ينتهبوا شخصية ~~المسيح؛ ليضفوا ثوبها على نبي الإسلام: فإذا كان المسيح ابن الله كما يزعم النصارى ~~فمحمد أرفع من ذلك؛ لأنه محمدا يقدر على كل شيء، وهو أصل الوجود، ولولاه لما ظهر عن ~~الله شيء، وقد اتفق لابن عربي أن يحكم بأن محمدا يستريح إلى من يقول: # والله لولا أنت ما اهتدينا # ولا تصدقنا ولا صلينا # ثم يقول ابن عربي: «فنحن به وإليه، فإذا نظرنا إلى ذواتنا وإمكاننا فقد خرجنا عنه، ~~وإمكاننا يطلبنا بالنظر إليه، فإنه الموجد لنا بوجوده من وجوده» وقد عرضنا لهذه العبارة ~~من قبل، ورجحنا أن الضمير عائد على الله، ولكن يظهر أن ذلك الترجيح لا يقوم عليه دليل ~~من روح ذلك الفيلسوف. # والواقع أن «الحقيقة المحمدية» أسطورة من الأساطير، وهي في رأينا مسروقة من النظرية ~~النصرانية، كما أن النظرية النصرانية مسروقة من الفلسفة اليونانية التي تقسم القوى ~~إلى «عقول». # وهذا الحكم يبدو غريبا كل الغرابة، فأين الصوفية من فلسفة اليونان؟ ولكن من يتعقب ~~النظريات الفلسفية كما تعقبت لا يستغرب ولا يستعجب، فقد ms181 كانت عند اليونان والمصريين ~~أوهام نقلها الصوفية من حيث يشعرون أو لا يشعرون، كان اليونان يرون لكل قوة من القوى ~~إلها، وكان المصريون الوثنيون يعتقدون أن الشمس يحملها إله أو ملك فينقلها من المشرق ~~إلى المغرب، وهذه العقيدة المصرية الوثنية نقلت إلى التصوف المصري الإسلامي، فقد كان ~~أهل مصر المسلمون يعتقدون أن «الأولياء» يكلفون أحيانا بجر الشمس، وكان يصح للصوفي أن ~~يعتذر عن إخلاف الميعاد بأن دوره كان حل في جر الشمس. # 17 # والملائكة عند المسلين لهم مناطق اختصاص، وهذه المناطق تذكر بما كان للآلهة عند ~~اليونان . # والمهم هو أن ننص صراحة على أن نظرية وحدة الوجود أراد بها الصوفية أن يعطوا الحقيقة ~~المحمدية أضعاف ما ادعاه النصارى للحقيقة العيسوية. والصوفية من الجانب النظري والعملي ~~هم رهبان المسلمين. # هل نقلت الحقيقة المحمدية عن الحقيقة العيسوية؟ # وقد عرض ابن القيم لأصحاب نظرية وحدة الوجود فسماهم «ملاحدة»، وقد قامت نظريتهم على ~~أن العبد من أفعال الله وأفعال الله من صفاته، وصفاته من ذاته، ويقول ابن القيم: إن ~~العبد من مفعولات الله لا من أفعاله القائمة بذاته، ومفعولاته آثار أفعاله، وأفعاله من ~~صفاته القائمة بذاته، فذاته مستلزمة لصفاته وأفعاله، ومفعولاته منفصلة عنه، فهي من ~~المخلوقات المحدثات. # 18 # وما يهمنا أن يكون ابن القيم على حق في نقض النظرية الصوفية، نظرية وحدة الوجود، ~~فستظل على الدهر من المعضلات، وإنما يهمنا أن ننص على أن هذه النظرية لها في الفلسفة ~~القديمة والديانات القديمة أصول. # ويهمنا قبل كل شيء وبعد كل شيء أن يعرف القارئ كيف نشأ الإغراق في المدائح ~~النبوية. # فإن رآنا القارئ من الموفقين فذلك ما نبغيه، وإلا فقد هديناه إلى أسرار لم يهتد ~~إليها أحد من الباحثين قبل اليوم. والأول قد يترك للآخر أشياء. # | الهيام في حب الله # قدم هذه النزعة في حياة المتبتلين # حب العبد ربه من صفات المتبتلين، وهذه النزعة الروحية سبقت الإسلام بأزمان، ويروون ~~أن داود كان يقول: # اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم ms182 اجعل حبك ~~أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد. # وقد ورد هذا المعنى في القرآن # يحبهم ~~ويحبونه ~~، # قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله ~~. # وروي عن الرسول أنه قال: # من أحب الله فليحبني، ومن أحبني فليحب أصحابي، ومن أحب أصحابي فليحب القرآن، ~~ومن أحب القرآن فليحب المساجد؛ فإنها أبنية أذن الله تعالى برفعها وتطهيرها، ~~وبارك فيها فهي ميمونة ميمون أهلها، فهم في صلاتهم والله تعالى في حوائجهم، وهم ~~في مساجدهم والله تعالى في نجح مقاصدهم. # الفرق بين حب المؤمن وحب الصوفي # ولكن هذا الحب تغلب عليه الصفة النفعية؛ فالمؤمن يحب الله - أي: يطيعه - ليدخل الجنة ~~ويسلم من النار، وقد رأى الصوفية أن يجردوا الحب من الصفة النفعية فيجعلوه خالصا لذات ~~الله، بغض النظر عن رجاء الثوب، والخوف من العقاب. # وهذا السمو الروحاني عاد على الأدب بأجزل النفع، فقد رويت عن المحبين أبيات وفقرات ~~على جانب عظيم من الجمال، وانظروا هذه الأبيات: # لما علمت بأن قلبي فارغ # ممن سواك ملأته بهواكا # وملأت كلي منك حتى لم أدع # مني مكانا خاليا لسواكا # فالقلب فيك هيامه وغرامه # والنطق لا ينفك عن ذكراكا # والطرف حيث أجيله متلفتا # في كل شيء يجتلي معناكا # والسمع لا يصغي إلى متكلم # إلا إذا ما حدثوه بحلاكا # وحدثوا أن ذا النون قال: بينا أنا مار في شوارع مصر إذ رأيت جارية مسفرة بغير خمار، ~~فقلت لها: يا جارية! أما تستحين أن تمشي بغير خمار؟ فقالت: يا ذا النون، ما يصنع ~~الخمار، بوجه قد علاه الاصفرار؟ فقال ذو النون: ومن أي شيء علاه الاصفرار؟ قالت: من ~~محنته. قلت: يا جارية! عساك تناولت شيئا من شراب القوم! فقالت: اسكت يا بطال! شربت ~~بكأس وده ونمت مسرورة، فأصبحت بحب مولاي مخمورة. فقلت: يا جارية! عسى فائدة أنتفع بها ~~منك، أو وصية أرويها عنك؟ فقالت: يا ذا النون عليك بالسكوت، حتى يتوهموا أنك مبهوت، ~~وارض من الله بالقوت، يبن لك بيتا في الجنة من ياقوت، ثم أنشدت: # تهتك ولا تخش في ms183 الحب عارا # وإياك إياك تبدي استتارا # وبادر إلى الباب مع فتية # لهم في الظلام عيون سهارى # وإن خفت عند المسير الضلال # فوجه حبيبك يهدي الحيارى # 1 # وورود اسم «الجنة» في هذا الحديث لا ينفي صدق الحب؛ لأن الجنة في أكثر كلامهم إنما هي ~~رمز لمعنى الرضوان في الحب. # وأصرح من هذه القصة ما حدث ذو النون: بينما أسير في أنطاكية إذا أنا بجارية كأنها ~~مجنونة، وعليها جبة صوف، فسلمت عليها فردت علي السلام ثم قالت: ألست ذا النون المصري؟ ~~فقلت: عافاك الله، كيف عرفتني؟ فقالت: عرفتك بمعرفة حب الحبيب ! ثم قالت: أسألك عن ~~مسألة. قلت: سلي. قالت: أي شيء السخاء؟ قلت: البذل والعطاء. قالت: هذا السخاء في ~~الدنيا، فما السخاء في الدين؟ قلت: المسارعة في طاعة رب العالمين. قالت: إذا سارعت إلى ~~طاعة المولى فهو أن يطلع على قلبك وأنت لا تريد منه شيئا، ويحك يا ذا النون إني أريد ~~أن أطلب منه شيئا منذ عشرين سنة فأستحيي منه مخافة أن أكون كأجير السوء، إذا عمل طلب ~~الأجرة، ولكن أعمل تعظيما لهيبته وعز جلاله. # 2 # فهذه المرأة الصالحة جعلت انتظار الثواب مما يقدح في أعمال الطائعين. # شواهد من أدب الحب # وقد تكلم الصوفية في الفرق بين المعرفة والمحبة، فقال قائل منهم: المحبة سكر لا ~~يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه. وقال المحققون: المحبة استهلاك في لذة، والمعرفة شهود ~~في حيرة، وفناء في هيبة. # 3 # وجرت مسألة المحبة بمكة أيام الموسم فتكلم فيها الشيوخ، وكان الجنيد أصغرهم سنا ~~فقالوا له: هات ما عندك يا عراقي! فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال: عبد ذاهب عن نفسه، ~~متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، أحرق قلبه أنوار هيبته، وصفى شربه ~~من كأس وده، وانكشف له الجبار من أستار غيبه؛ فإن تكلم فبالله، وإن نطق فمن الله، وإن ~~تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله. # 4 # إشارة إلى أعلام المحبين # وقد صرح الصوفية بأن الغاية من الجنة هي ms184 القرب، فقال أبو يزيد: لو أن الله سبحانه ~~حجب أهل الجنة عن رؤيته لاستغاثوا من الجنة كما يستغيث أهل النار من النار. # 5 # وهم يرون أن الشوق لا نهاية له؛ لأن أمر الحق لا نهاية له، فما من حال يبلغها المحب ~~إلا ويعلم أن وراء ذلك ما هو أوفى وأتم. # 5 # قبة سلطان العاشقين عمر بن الفارض. # والواقع أن أهل الحقيقة تكلموا جميعا في الحب؛ لأن هذه الحال هي الفيصل بينهم وبين ~~أهل الشريعة الذين يعبدون الله طمعا في الثواب وخوفا من العقاب، ولا يستقيم حال ~~المتصوف إلا إن خلص من دنياه وأخراه فلا يكون له مأرب غير لقاء الحبيب. # وأشهر من عرفوا بالحب رابعة العدوية، ولها أخبار طوال، وقد نشر عنها الأستاذ نصطفى ~~عبد الرازق بحثا في مجلة المعرفة منذ سنين، وهي التي تقول: # إني جعلتك في الفؤاد محدثي # وأبحت جسمي من أراد جلوسي # فالجسم مني للجليس مؤانس # وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي # والتي تقول: # أحبك حبين حب الهوى # وحبا لأنك أهل لذاكا # فأما الذي هو حب الهوى # فشغلي بذكرك عمن سواكا # وأما الذي أنت أهل له # فكشفك للحجب حتى أراكا # فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي # ولكن لك الحمد في ذا وذاكا # ومن أشهر من تكلموا في الحب سمنون الذي سموه «سمنون الحب»، والذي حدثوا أن الطير ~~كانت تسقط عن الشجر حين تسمع كلامه في الحب. # ومنهم ذو النون الذي كان يتكلم في الحب فيموج مجلسه بالصارخين والباكين. # وما نريد أن نستقصي أخبار من تكلموا في الحب أو نظموا في الحب من الصوفية فذلك باب ~~يطول، ويكفي أن نتكلم عن الشاعر المحب عمر بن الفارض الذي سموه سلطان العاشقين: # كل من في حماك يهواك لكن # أنا وحدي بكل من في حماكا # | أشواق ابن الفارض # حياة ابن الفارض # ولد أبو حفص عمر بن الفارض بالقاهرة في الرابع من ذي القعدة سنة 576، وتوفي بها في ~~اليوم الثاني من جمادى الأولى سنة 632 وهو في الأصل من أسرة حموية، ولهذا ms185 الأصل أهمية ~~في طبع ذلك الشاعر؛ فأهل الشام في الأدب القديم تغلب عليهم رقة الطبع، ولهم شغف بصور ~~الجمال، ونزعتهم الغزلية فيها لين يندر مثله في مصر والعراق، وهذا الذي نقول به ~~استوحيناه مما قرأنا لشعراء الشام في المعاني الحسية والوجدانية، وقد سبقنا إلى هذا ~~الحكم أبو بكر الخوارزمي إذ قال منذ عشرة قرون: # ما فتق قلبي، وشحذ فهمي، وصقل ذهني، وأرهف حد لساني، وبلغ بي هذا المبلغ؛ ~~إلا تلك الطرائف الشامية، واللطائف الحلبية، التي علقت بحفظي وامتزجت بأجزاء نفسي. # 1 # والحق أن ابن الفارض شخصية فريدة بين شعراء مصر، وقد اشتركت في تكوينه ثلاث بقاع : ~~الشام وفيها أصله، والحجاز وإليه حنينه، ومصر وفيها مقامه. فهو شاعر مصر والشام ~~والحجاز، وله في هذه الأقطار الثلاثة محبون يرونه مترجما لأدق ما يضمرون من نوازع ~~القلب والوجدان. # غرامه # وابن الفارض مدين بخلود شعره إلى نزعته الصوفية، ولولا التصوف لانطمس ذكره منذ زمان؛ ~~لأن له في فنون الشعرية أساتذة لا يشق لهم غبار: فله في الخمريات منازع خطير هو أبو ~~نواس، وله في الحنين إلى الحجاز إمام لا نظير له ولا مثيل: هو الشريف الرضي، # 2 # وله في الصبابة سيد هو العباس بن الأحنف، وما يكاد شعر ابن الفارض يخرج عن ~~الصبابة والحنين والخمريات. # فالمعاني الرمزية عند ابن الفارض هي السر في إقبال الناس على شعره، ولولا ذلك ~~لانصرفوا عنه، ورأوه أخف من أن ينصب له ميزان. # وفي رأيي أن العناية بشعر ابن الفارض كانت فاتحة جديدة في وزن المعاني بعد أن ظل ~~الناس أزمانا طوالا يحرصون قبل كل شيء على وزن الألفاظ، وهو من وجهة الديباجة وقوة ~~السبك شاعر ضعيف، ولكنه من حيث المعاني فحل من الفحول؛ لأنه استطاع الجمع بين الحقيقة ~~والخيال، والحقيقة عند هذا الشاعر هي الصورة الروحية، أما الخيال فهو الصورة الحسية ~~التي رمز بها إلى المعنويات. # ويمتاز ابن الفارض بقوة الروح، وحسبنا أن نذكر أنه ألهم في منامه هذين البيتين: # وحياة أشواقي إلي # ك وحرمة الصبر الجميل # ما ms186 استحسنت عيني سوا # ك ولا صبوت إلى خليل # وهذان البيتان لا خطر لهما عند من يحفلون بجزالة الألفاظ، ولكنهما على جانب عظيم من ~~القوة عند من يؤثرون المعاني، وهل في الحب أجل وأشرف من توحيد المحبوب؟ إن الشاعر يقسم ~~بأشواقه وبحرمة الصبر الجميل - وهو قسم لو تعلمون عظيم - يقسم أن عينه ما استحسنت ~~سوى محبوبه، وأن قلبه ما صبا إلى محبوب سواه، وقوة المعنى والروح ظاهرة في هذين البيتين ~~ظهورا قويا. # والنفس قد تلهج في عالم الأحلام بمعان شتى، فليس من الكثير أن يلهج ابن الفارض في ~~نومه بالمعاني الشعرية، ولكن الكثير أن يتفق لعقله الباطن ألا يتحدث بغير توحيد ~~المحبوب، وتلك شارة الصدق، والصدق هو الدعامة الأولى لقوة الروح. # شغل ابن الفارض بالشعر نحو أربعين سنة، وذلك أمد طويل، فلا ينتظر مع هذا أن يصبغ ~~شعره بصبغة واحدة، وإنما توجب طبيعة الأشياء أن يكون لشعر الصبا لون، ولشعر الكهولة ~~لون، وقد كان الأمر كذلك: فلان الفارض قصائد تمثل الشباب، وله قصائد لا تصدر عن غير ~~الكهول. # والوحي واحد في شعر ذينك العهدين: وهو الحب، وإن كان يختلف بعض الاختلاف؛ فالحب في ~~العهد الأول كان حبا حسيا، ومن العسير أن نقول بغير ذلك، فقد كان ابن الفارض في ~~صباه مضرب الأمثال في نضارة الجسم وملاحة التقاسيم وإشراق الجبين، وكان لا بد لمثله في ~~جماله وشبابه من صبوات، وكان لا بد أن توحي إليه تلك الصبوات بأشعار فيها ثورة وفيها ~~حنين، وإني لأعترف بأن من العسير أن نجد لذلك نماذج صريحة، ولكن ما حاجتنا إلى تلك ~~النماذج وجمهرة شعره تؤيد هذا الرأي؟ إننا لو غضضنا النظر عن التائية الكبرى وما نحا ~~نحوها من شعره لرأينا الروح السائد في الديوان يمثل شعر الشباب، ولو ألقيت جملة قصائده ~~في ديوان آخر لما تنبه أحد إلى أنها تمثل الشوق إلى الذات الإلهية، فإن هذا الملحظ لم ~~يخلقه إلا التفكير في شخصية ابن الفارض، وقد شاع في المشرقين أنها شخصية روحية. # والحب الحسي عند ابن ms187 الفارض كان أساس الحب الروحي، وقد هدتنا التجارب إلى أن المحبين ~~في العوالم الروحية كانوا في بدايتهم محبين في الأودية الحسية، والهيام بالجمال الإلهي ~~لا يقع إلا بعد الهيام بالجمال الحسي، ولو شئت لضربت المثل بقصة إبراهيم حين رأى القمر ~~فقال: هذا ربي، فلما أفل قال: لا أحب الآفلين، والمحبون في الأودية الحسية لا يتجهون ~~إلى العوالم الروحية إلا بعد أن تدلهم الدنيا على أن الجمال الإنساني كالظل يتحول ~~ويزول. وأشعار ابن الفارض في جملتها تمثل معاني حسية، وهي في بعض الأحوال رمز للمعاني ~~الروحية، وهذا الرمز تفرضه سيرة ابن الفارض وقد ذاق الكأسين فعرف الحب الحسي والحب ~~الروحي، ويكاد يكون من اليقين عندنا أن حبه الأول هو السر في وقدة حبه الثاني؛ لأننا ~~نعرف الله أول ما نعرف عن طريق المحسوسات، وكل جمال في عالم الحس هو إغراء بالجمال ~~المكنون في عالم الروح، والمحسوسات نفسها لا توحي الشعر إلا حين تستعد النفس لفهم ما ~~فيها من الدلالات الوجدانية. وأساس الحب هو التفاهم، فالتمثال ~~من المرمر قد يوحي الإعجاب ولكنه لا يوحي العشق ~~إلا إن تمثلنا ما يرمز إليه من الروح، والصورة الجميلة الحية قد تمر بلا حب ولا وجد حين ~~تحرم التفاهم مع الشعراء، ألا تذكرون ما يسمونه لغة العيون؟ إن بعض العيون تتكلم بلا ~~صوت فتوحي ما توحي من الهدى والضلال. # وابن الفارض على هذا مدين بمجده إلى حبه الأول، وهو مدين إلى الصور الجميلة التي ~~ألهبت حواسه وهو يغدو ويروح في ميادين القاهرة، وأكاد أرى بعيني أشباحا تختال في ~~قصائده الصوفية، وهو نفسه استغل الأساليب والصيغ التي اصطنعها شعراء الحب الحسي من ~~أمثال ابن الأحنف وابن زيدون. # أليس من العجب أن تعجز جماهير الصوفية في طوال الأزمان عن خلق لغة للحب الإلهي تستقل ~~عن لغة الحب الحسي كل الاستقلال؟ ولم كان ذلك؟ لأن الحب الإلهي يغزو القلوب بعد أن تكون ~~انطبعت علي لغة العوام أصحاب الصبوات الحسية، فيمضي الشاعر إلى العالم الروحي ومعه من ~~عالم المادة أدوات ms188 وأخيلة هي عدته في تصوير عالمه الجديد، ومثلهم في ذلك مثل ابن ~~الجهم حين غلبت عليه أخيلة البادية وهو يخاطب الخليفة في بغداد. # ومهما يكن من شيء فابن الفارض شاعر عاشق توزعت عواطفه بين عالم المادة وعالم الروح، ~~وهو في أكثر شعره يعبر عن نفس صافية استطاعت السيطرة على طوائف من الناس زمنا غير قليل. # 3 # منزلته الأدبية والروحية # وشعر ابن الفارض يتراوح بين الفطرة والتكلف، ومن المحتمل أن يكون ما صنع ابن بنته ~~بشعره هو سبب ذلك التكلف، فقد سمعت أستاذنا المهدي - رحمه الله - يقول في محاضراته ~~بالجامعة المصرية: إن ذلك السبط كان يضيف أبياتا إلى بعض القصائد؛ غير أنه يجب أن نفرق ~~بين التكلف والضعف؛ لأن التكلف كان يغلب على أكثر الشعراء في عصر ابن الفارض، ~~فما وسم من شعره بذلك الطابع لا يمكن أن يشك ~~فيه كله، وإنما يتطرق الشك إلى ما يطهر عليه الضعف، كالذي وقع في الهمزية التي مطلعها: # أرج النسيم سرى من الزوراء # سحرا فأحيا ميت الأحياء # ففيها كثير من التكلف، ولكنها لا تخلو من قوة، ولننظر هذه الأبيات: # يا ساكني البطحاء هل من عودة # أحيا بها يا ساكني البطحاء # إن ينقضي صبري فليس بمنقض # وجدي القديم بكم ولا برحاني # ولئن جفا الوسمي ما حل تربكم # فمدامعي تربي على الأنواء # وا حسرتى ضاع الزمان ولم أفز # منكم أهيل مودتي بلقاء # ومتى يؤمل راحة من عمره # يومان يوم قلى ويوم تناء # وحياتكم يا أهل مكة وهي لي # قسم لقد كلفت بكم أحشائي # حبيكم في الناس أضحى مذهبي # وهواكم ديني وعقد ولائي # يا لائمي في حب من من أجله # قد جد بي وجدي وعز عزائي # هلا نهاك نهاك عن لوم امرئ # لم يلف غير منعم بشقاء # لو تدر فيم عذلتني لعذرتني # خفض عليك وخلني وبلائي # 4 # وهذا من الشعر المقبول، ولكن هذه القصيدة ختمت بأبيات أرجح أنها من وضع ذلك السبط ~~الذي أراد أن يزيد ثروة جده فأساء، ولنقرأ هذه الأبيات: # واها على ذاك الزمان وما ms189 حوى # طيب المكان بغفلة الرقباء # أيام أرتع في ميادين المنى # جذلا وأرفل في ذيول حباء # ما أعجب الأيام توجب للفتى # منحا وتمنحه بسلب عطاء # يا هل لماضي عيشنا من عودة # يوما وأسمح بعده ببقاء # هيهات خاب السعي وانفصمت عرى # حبل المنى وانحل عقد رجائي # وكفى غراما أن أبيت متيما # شوقي أمامي والقضاء ورائي # والديباجة واحدة أو متقاربة، ولكن النفس يختلف اختلافا شديدا يدركه الذوق، وأخشى أن ~~يكون تدخل ذلك السبط هو العلة في أكثر ما وقع في ديوان ابن الفارض من الإسفاف. # قلت: إن التكلف كان كثيرا في الشعر لعهد ابن الفارض، وكذلك تراه مفتونا بفنون ~~البديع من توية وجناس وطباق، وإن لم يسرف في الشغف بتلك الفنون، وقد اتفق له مرة أن ~~يمعن في التكلف، وذلك في قصيدته الذالية فإن قافية الذال صعبة جدا، ولا يقبل عليها ~~الشعراء إلا متكلفين، والذي يراجع القوافي العربية يرى الشعراء لا يتخذون الذال قافية ~~إلا في الأبيات والمقطوعات، ويراهم لا يقفون قصائدهم بالذال إلا في النادر القليل. أما ~~ابن الفارض فقد بدا له أن يغرب، وأن يدل معاصريه على امتلاكه لناصية تلك القافية ~~الشموس، فقال: # صد حمى ظمئي لماك لماذا # وهواك قلبي صار منه جذاذا # إن كان في تلفي رضاك صبابة # ولك البقاء وجدت فيه لذاذا # كبدي سلبت صحيحة فامنن على # رمقي بها ممنونة أفلاذا # 5 # يا راميا يرمي بسهم لحاظه # عن قوس حاجبه الحشا إنفاذا # أنى هجرت لهجر واش بي كمن # في لومه لؤم حكاه فهاذي # 6 # وعلي فيك من اعتدى في حجره # فقد اغتدى في حجره ملاذا # غير السلو تجده عندي لائمي # عمن حوى حسن الورى استحواذا # يا ما أميلحه رشا فيه حلا # تبديله حال الخلي بذاذا # أضحى بإحسان وحسن معطيا # لنفائس ولأنفس أخاذا # وما نحب أن ننقل القصيدة كاملة، ويكفي أن نشير إلى أنها تجاوزت الخمسين بيتا، فهي ~~قصيدة طويلة، وطولها يشهد بما وقع فيها من التكلف. والشاعر حين يتخير قافية وعرة كقافية ~~الذال يشغل عن المعاني، ويتجه فكره إلى ms190 البحث عن الألفاظ، ونحن نعرف كيف تجني مثل هذه ~~المحاولة على الشاعر، وتصرف روحه عن الأجواء الشعرية، وتحوله إلى صفوف «الفعلة» بعد أن ~~كان من الفنانين. # ومن الاتجاهات الفنية التي غلبت على ابن الفارض ميله إلى «التصغير»، وقد غلب عليه ~~هذا الميل غلبة قوية بحيث نجد آثاره في جميع القضائد، فأهل الحي وأهل الود هم غالبا ~~«أهيل الحي وأهيل الود»: # يا أهيل الود أنى تنكرو # ني كهلا بعد عرفاني فتى # وفي هذا البيت وحده تصغيران. # والظبي عنده ظبي: # هل سمعتم أو رأيتم أسدا # صاده لحظ مهاة أو ظبي # والهوى عنده هوي: # وضع الآسي بصدري كفه # قال ما لي حيلة في ذا الهوى # واللمى عنده لمي: # آه، وا شوقي لضاحي وجهها # وظما قلبي لذياك اللمي # وفي هذا البيت تصغيران. # والأرى عنده أري: # وأرى من ريحه الراح انتشت # وله من وله يعنو الأري # وفي هذه القافية وحدها تصغيرات كثيرة، وكذلك الحال في أكثر القصائد، وربما كان ابن ~~الفارض أكثر من اهتموا بالتصغير بين شعراء اللغة العربية، وعند درس تصغيراته نراها مالت ~~به أحيانا إلى التكلف أو الجناية على المعنى، كالذي وقع في تصغير الهوى والأرى، ولا ~~يقف كلفه بالتصغير عند الأسماء، بل يتعداه إلى الإكثار من تصغير فعل التعجب، كقوله: # يا ما أميلح كل ما يرضى به # ورضابه يا ما أحيلاه بفي # وكما يكثر عنده التصغير تكثر عبارة «لعمرك» وهي عبارة جاهللية فتن بها عمر بن أبي ~~ربيعة فتنة شديدة، وأنس بها ابن الفارض. # ومما شارك فيه ابن الفارض معاصريه الغرام بالألغاز، واللغز ليس من الشعر في شيء، ~~إنما هو نظم يراد به اختبار الذكاء؛ ولذلك نرى اللغز بعيدا عن فن ابن الفارض الذي ~~يعتمد على الروح. # وألغازه من الوجهة النظمية منها الثقيل والمقبول، وقد راجعناها فلم نرض فيها عن شيء، ~~ويكفي هذا الشاهد في الإلغاز بحلب: # ما بلدة في الشام قلب اسمها # تصحيفه أخرى بأرض العجم # وثلثه إن زال من قلبه # وجدته طيرا شجي النغم # وثلثه نصف وربع له # وربعه ثلثاه ms191 حين انقسم # ويمكن الرجوع في ديوانه إلى الصفحات 111-115، ففيها ما يكفي لتصوير هذا الجانب من ~~فنونه النظمية. # وشارك معاصريه أيضا في الإشارات النحوية، وإن لم يسرف في ذلك، وحسبنا هذا الشاهد: # نصبا أكسبني الشوق كما # تكسب الأفعال نصبا لام كي # وقد جانس في هذا البيت بين النصب والنصب فلم يصل بما تكلف إلا إلى معنى ~~هزيل. # وابن الفارض كأكثر الشعراء لا يعين اسم الحبيب، وإنما يدور حول طائفة من الأسماء، ~~فهواه حينا عند سعاد كأن يقول: # ما شممت البشام إلا وأهدى # لفؤادي تحية من سعاد # 7 # وحينا عند رقي - مرخم رقية - كقوله في اليائية: # خاطب الخطب دع الدعوى فما # بالرقي ترقى إلى وصل رقي # وقد جرى اسم «ليلى» في شعره مرات كثيرة، ولكن أرق الأسماء عنده اسم «نعم» وهو يدور ~~حوله بحنان: # إذا أنعمت نعم علي بنظرة # فلا أسعدت سعدى ولا أجملت جمل # ومن لم يجد في حب نعم بنفسه # ولو جاد بالدنيا إليه انتهى البخل # وقد ضرب بها المثل حين قال في وصف الراح: # ويطرب من لم يدرها عند ذكرها # كمشتاق نعم كلما ذكرت نعم # ويتفق له أن يجمع أسماء مختلفة في بيت واحد، كما جمع بين نعم وسعدى وجمل في البيت ~~الذي مر آنفا، وكقوله في الجمع بين ريا وعتبة وسلمى: # عتب لم تعتب وسلمى أسلمت # وحمى أهل الحمى رؤية ري # ومثل هذا البيت يدل على أن الأسماء ليست عنده إلا إشارات مبهمة لما يرمز إليه في عالم ~~الروح. # ولقب ابن الفارض عند الصوفية لقب طريف، وهو: «سلطان العاشقين»، وقد شهد لنفسه بهذه ~~السلطنة الوجدانية في مواضع كثيرة، فجعل نفسه إمام العشاق، ومحبوبه إمام الملاح، حين ~~قال: # كل من في حماك يهواك لكن # أنا وحدي بكل من في حماكا # 8 # فقت أهل الجمال حسنا وحسنى # فبهم فاقة إلى معناكا # يحشر العاشقون تحت لوائي # وجميع الملاح تحت لواكا # وهو معنى جيد انتهبه أحد الزجالين في العصر الحاضر وهو عزت صقر فقال: # أنا في العشاق أمير # وأنت في الحلوين ms192 ملك # وجعل نفسه قدوة للأولين والآخرين حين قال: # قل للذين تقدموا قبلي ومن # بعدي ومن أضحى لأشجاني يرى # عني خذوا وبي اقتدوا ولي اسمعوا # وتحدثوا بصبابتي بين الورى # وجعل المحبين جنده حين قال: # نسخت بحبي آية العشق من قبلي # فأهل الهوى جندي وحكمي على الكل # وكل فتى يهوى فإني إمامه # وإني بريء من فتى سامع العذل # وهو في هذا المعنى بصوره المختلفة مسبوق بالشاعر الذي ألهمه فن الحجازيات وهو الشريف ~~الرضي حين قال: # وإني لمجلوب لي الشوق كلما # تنفس شاك أو تألم ذو وجد # تعرض رسل الشوق والركب هاجد # فتوقظني من بين نوامهم وحدي # وما شرب العشاق إلا بقيتي # ولا وردوا في الحب إلا على وردي # ولابن الفارض معان كلف بها كلفا شديدا، ودار حولها طويلا، وأظهر ما اهتم به وصف ~~النحول، وقد عرض له بصور كثيرة منها المتكلف والمقبول، ~~فتارة يحدثنا أنه ضني حتى خفي عن العواد فيقول: # خفيت ضنى حتى لقد ضل عائدي # وكيف ترى العواد من لا له ظل # وما عثرت عين على أثري ولم # تدع لي رسما في الهوى الأعين النجل # وتارة يحدثنا بأنه كان يخفي عن نفسه فيقول: # أخفيت حبكمو فأخفاني أسى # حتى لعمري كدت عني أختفي # وحينا يترفق فيذكر أن جسمه ضني حتى كاد يشف عما يضمر من أسرار الهوى، وأنه ما زال ~~يضني بالنحول حتى خفي عن برء الأسقام وبرد الأوام، فيقول: # يشف عن الأسرار جسمي من الضنى # فيغدو بها معنى نحول عظامي # صريح هوى جاريت من لطفي الهوا # سحيرا فأنفاس النسيم لمامي # 9 # صحيح عليل فاطلبوني من الصبا # ففيها كما شاء النحول مقامي # خفيت ضنى حتى خفيت عن الضنى # وعن برء أسقامي وبرد أوامي # ولم يبق مني الحب غير كآبة # وحزن وتبريح وفرط سقام # ولم أدر من يدري مكاني سوى الهوى # وكتمان أسراري ورعى ذمامي # لينج خلي من هواي بنفسه # سليما ويا نفس اذهبي بسلام # والكلام عن الضنى والنحول كثير جدا في قصائد الشعراء، ولكن إمعان ابن الفارض في هذا ~~المعنى جعله ms193 من خواصه الشعرية، وافتنانه فيه افتنان طريف تظهر طرافته لمن يتأمل كيف قصر ~~الهوى على تعرف جسمه النحيل ... وليتذكر القارئ أن أكثر الشعر في النحول ليس إلا مظهرا ~~من مظاهر الذكاء، وحظ العاطفة فيه قليل، فالحسين بن مطير يجعل جسمه أضعف من أن يهتز له ~~عود الثمام فيقول: # فلو أن ما أبقيت مني معلق # بعود ثمام ما تأود عودها # والمتنبي يزعم أن جسمه لم يبق من آثاره غير الصوت فيقول: # كفى بجسمي نحولا أنني رجل # لولا مخاطبتي إياك لم ترني # وقد بلغ أحد المولدين غاية الظرف حين قال: # عادني ممرضي فلم ير مني # فوق فرش السقام شيئا يراه # قال لي: أين أنت قلت: التمسني # فبكى حين لم تجدني يداه # 10 # أما ابن الفارض فيجمع بين العاطفة والذكاء حين يتكلم عن النحول، ومن التجني أن نقول: ~~إن قطعته الأخيرة ليست إلا براعة فنية في تلوين الخيال. # وابن الفارض يشارك جمهور الشعراء في الحديث عن طيف الخيال، ولكن صوره الشعرية في هذا ~~الباب تمتاز بألوان من القلق الروحاني؛ لأنه يستصغر زيارة الطيف، وكان البحتري والمتنبي ~~يريانها من متع الوصال، ولننظر هذه الأبيات التي يصف فيها الخيال بالإرجاف: # يا مانعي طيب المنام ومانحي # ثوب السقام به ووجدى المتلف # عطفا على رمقي وما أبقيت لي # من جسمي المضنى وقلبي المدنف # فالوجد باق والوصال مماطلي # والصبر فان واللقاء مسوفي # لم أخل من حسد عليك فلا تضع # سهري بتشييع الخيال المرجف # 11 # واسأل نجوم الليل هل زار الكرى # جفني وكيف يزور من لم يعرف # فهو يرى الطيف لا يروي الغليل، وقد ذهب إلى أبعد غايات الشره الروحاني؛ إذ قال: # وإذا اكتفى غيري بطيف خياله # فأنا الذي بوصاله لا أكتفي # ونراه في مكان آخر لا ينتظر طيف الحبيب في النوم، وإنما يتصيده وهو يقظان، ولننظر هذه ~~الأبيات: # لك قرب مني ببعدك عني # وحنو وجدته في جفاكا # علم الشوق مقلتي سهر اللي # ل فصارت من غير نوم تراكا # حبذا ليلة بها صدت إسرا # ك وكان السهاد لي إشراكا ms194 # بات بدر التمام طيف محيا # ك لطرفي بيقظتي إذ حكاكا # فتراءيت في سواك لعين # بك قرت وما رأيت سواكا # وهذا الطيف أظرف الأطياف، والشاعر يحدثنا بأنه يرى في البعد قربا وفي الجفاء حنوا؛ ~~لأن محبوبه يبعد ويجفو عن عمد، وتعمد الهجر صورة من صور الوصال، ثم يحدثنا بأنه يتخذ ~~السهاد شركا يتصيد به طيف المحبوب، ثم ينظر إلى البدر فيرى فيه خيال محياه، ثم يهتف ~~بهذا البيت: # فتراءيت في سواك لعين # بك قرت وما رأيت سواكا # ومن طريف ما تلفت إليه تعلقه بطيف الملام، حين يعز عليه طيف المنام؛ إذ يقول: # أدر ذكر من أهوى ولو بملام # فإن أحاديث الحبيب مدامي # ليشهد سمعي من أحب وإن نأى # بطيف ملام لا بطيف منام # فلي ذكرها يحلو على كل صيغة # وإن مزجوه عذلي بخصام # 12 # كأن عذولي بالوصال مبشري # وإن كنت لم أطمع برد سلام # فهو يتذوق اللوم ويتشهاه؛ لأنه يصله بصورة المحبوب، وهو في هذا مسبوق بقول دعبل: # أجد الملامة في هواك لذيذة # حبا لذكرك فليلمني اللوم # وهذا السبق لا يغض من فضل ابن الفارض؛ لأنه تناول المعنى بروح مغمور بصدق الإحساس، ~~ودليل ذلك أنه يعود إلى هذا المعنى من حين إلى حين، كأن يقول في مخاطبة العذول: # أحسنت لي من حيث لا تدري وإن # كنت المسيء فأنت أعدل جائر # يدني الحبيب وإن تناءت داره # طيف الملام لطرف سمعي الساهر # فكأن عذلك عيس من أحببته # قدمت علي وكان سمعي ناظري # وهو في هذه الأبيات يجعل السمع نظرا يرى به طيف الملام، والتكلف في هذه الصورة تكلف ~~مقبول؛ ومن التكلف ما يقبل لأنه يمثل لنا أخص النواحي الوجدانية في ابن الفارض وهو شغفه ~~باستحضار صورة المحبوب، ألسنا نراه يشطر وجوده شطرين يحسد أحدهما الآخر، ويجعل بصره ~~يتمنى لو عاد سمعا لينعم بأخبار الحبيب؛ إذ يقول: # بعضي يغار عليك من بعضي ويح # سد باطني - إذ أنت فيه - ظاهري # 13 # ويود طرفي إن ذكرت بمجلس # لو عاد سمعا مصغيا لمسامري # واستحضار صورة المحبوب من ms195 أسرار العبقرية في شعر ابن الفارض فهو في أكثر شعره لا ~~يشغلنا بنفسه كما يشغلنا بذلك الحبيب، وإنه ليرى روحه أصغر من أن تقدم هدية لمبشره ~~بقدوم أهل هواه: # وحياتكم وحياتكم قسما وفي # عمري بغير حياتكم لم أحلف # لو أن روحي في يدي ووهبتها # لمبشري بقدومكم لم أنصف # وكل شيء في الوجود يمثل لروحه صورة الحبيب فهو يراه في ملامة العذال وفي لمع البرق، ~~وفي نغمة العود والناي، وفي مسارح الظباء، وفي برد الصباح والأصيل، وفي مساقط الأنداء ~~على بساط الأزهار، وفي أذيال النسيم، ويراه في ثغر الكأس وريق المدام، ولا قيمة للغربة ~~ولا معنى للانزعاج ما دام في صحبة المحبوب: # تراه إن غاب عني كل جارحة # في كل معنى لطيف رائق بهج # في نغمة العود والناي الرخيم إذا # تألفا بين ألحان من الهزج # وفي مسارح غزلان الخمائل في # برد الأصائل والإصباح في البلج # وفي مساقط أنداء الغمام على # بساط نور من الأزهار منتسج # وفي مساحب أذيال النسيم إذا # أهدى إلي سحيرا أطيب الأرج # وفي التثامي ثغر الكأس مرتشفا # ريق المدامة في مستنزه فرج # 14 # لم أدر ما غربة الأوطان وهو معي # وخاطري أين كنا غير منزعج # وقد يقال: إن استحضار صورة المحبوب واضح في كل قصائد النسيب، وهذا صحيح، ولكنه في شعر ~~ابن الفارض أوضح، والصبابة في تشبيبه تبلغ غاية القوة في كثير من الأحيان، ولا نغالي ~~إذا قلنا: إن هذه الالتفاتة الوجدانية مما تفرد به ابن الفارض، أليس هو الذي يقول في ~~قوة عاتية: # وقلت لرشدي والتنسك والتقى: # تخلوا وما بيني وبين الهوى خلوا # وفرغت قلبي عن وجودي مخلصا # لعلي في شغلي بها معها أخلو # أرأيتم كيف يسعى الشاعر لتفريغ قلبه عن وجوده الذاتي، ويقصر خطراته النفسية على الشغل ~~بالمحبوبة عساه يظفر من ذلك بخلوة روحية؟ # وانظروا كيف يبهركم وجه تلك المحبوبة وهو يمثل لكم لآلأه بهذه الأبيات: # جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي # فأصبح لي عن كل شغل بها شغل # فنافس ببذل النفس فيها أخا الهوى # فإن ms196 قبلتها منك يا حبذا البذل # فمن لم يجد في حب نعم بنفسه # ولو جاد بالدنيا إليه انتهى البخل # ولولا مراعاة الصيانة غيرة # ولو كثروا أهل الصيانة أو قلوا # لقلت لعشاق الملاحة: أقبلوا # إليها على رأيي ومن غيرها ولوا # وإن ذكرت يوما فخروا لذكرها # سجودا وإن لاحت إلى وجهها صلوا # وفي حبها بعت السعادة بالشقا # ضلالا وعقلي عن هداي به عقل # 15 # ومن أجلها أسعى لمن بيننا سعى # وأعدو ولا أغدو لمن دأبه العذل # فأرتاح للواشين بيني وبينها # لتعلم ما ألقى وما عندها جهل # وأصبو إلى العذال حبا لذكرها # كأنهم ما بيننا في الهوى رسل # فإن حدثوا عنها فكلي مسامع # وكلي إن حدثتهم ألسن تتلو # تخالفت الأقوال فينا تباينا # برجم ظنون بيننا ما لها أصل # فشنع قوم بالوصال ولم تصل # وأرجف بالسلوان قوم ولم أسل # فما صدق التشنيع عنها لشقوتي # وقد كذبت عني الأراجيف والنقل # وكيف أرجي وصل من لو تصورت # حماها المنى وهما لضاقت بها السبل # وإن وعدت لم يلحق الفعل قولها # وإن أوعدت فالقول يسبقه الفعل # عديني بوصل وامطلي بنجازه # فعندي إذا صح الهوى حسن المطل # وحرمة عهد بيننا عنه لم أحل # وعقد بأيد بيننا ما له حل # لأنت علي غيظ النوى ورضا الهوى # لدي وقلبي ساعة منك ما يخلو # وهذه القطعة لا تحتاج إلى تعليق، وقد نقلناها على طولها لأهميتها في تأييد ما نقول به ~~من غرام هذا الشاعر باستحضار صورة المحبوب، وهي في أنفسنا حية كل الحياة، ولا يرى فيها ~~فتورا أو ركاكة إلا من يقصر وجدانه عن إدراك ما فيها من معاني الشوق والحنان. # ولننظر لوعة الوجد في ختام هذا القصيد، وهي تمثل ذلك المعنى أصدق تمثيل: # ترى مقلتي يوما ترى من أحبهم # ويعتبني دهري ويجتمع الشمل # 16 # وما برحوا معنى أراهم معي فإن # نأوا صورة في الذهن قام لهم شكل # فهم نصب عيني ظاهرا حيثما سروا # وهم في فؤادي باطنا أينما حلوا # لهم أبدا مني حنو وإن جفوا # ولي أبدا ميل إليهم وإن ملوا # والصبابة ms197 الصادقة تواجه من يقرأ ديوان ابن الفارض في مواضع كثيرة، برغم ما يقع فيه ~~أحيانا من التعمل والإسفاف، وأكثر الناس يعرفون الفائية التي يستهلها بهذا ~~الابتهال: # قلبي يحدثني بأنك متلفي # روحي فداك عرفت أم لم تعرف # لم أقض حق هواك إن كنت الذي # لم أقض فيه أسى ومثلي من يفي # ما لي سوى روحي وباذل نفسه # في حب من يهواه ليس بمسرف # فلئن رضيت بها فقد أسعفتني # يا خيبة المسعى إذا لم تسعف # ومن هذا الباب قصيدته الميمية التي يشرح فيها كيف طاب له الافتضاح ولذ له الاطراح، ~~وكيف رضي بالذلة بعد العزة، وحلا له التهتك وخلع العذار وارتكاب الآثام بعد النسك ~~والتقوى، إلى أن يقول: # أصلي فأشدو حين أتلو بذكرها # وأطرب في المحراب وهي إمامي # وبالحج إن أحرمت لبيت باسمها # وعنها أرى الإمساك فطر صيامي # أروح بقلب بالصبابة هائم # وأغدو بطرف بالكآبة هام # وفي كل عضو في كل صبابة # إليها وشوق جاذب بزمامي # ولو بسطت جسمي رأت كل جوهر # به كل قلب فيه كل غرام # ولما تلاقينا عشاء وضمنا # سواء سبيلي دارها وخيامي # وملنا كذا شيئا عن الحي حيث لا # رقيب ولا واش بزور كلام # فرشت لها خدي وطاء على الثرى # فقالت: لك البشرى بلثم لثامي # فما سمحت نفسي بذلك غيرة # على صونها مني لعز مرامي # وبتنا كما شاء اقتراحي على المنى # أرى الملك ملكي والزمان غلامي # وهذا المنظر بعينه مر في قصيدة للشريف الرضي، وكلا الشاعرين يتحدث عن العفاف. أما ~~الشريف فيذكر أنه قضى الليل مع محبوبته في عناق عفيف: # بتنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقى # يلفنا الشوق من فرع إلى قدم # وبيننا عفة بايعتها بيدي # على الوفاء بها والرعي للذمم # 17 # أما ابن الفارض فقد اقترح أن يبيتا على المنى، وتلك أقصى غاية العفاف. # ومن أهم قصائد ابن الفارض قصيدة «شربنا على ذكر الحبيب»، وهي قصيدة رمزية بلا جدال، ~~والخمر فيها خمر الحقيقة التي شغفت الصوفية، وملأت قلوبهم بألحان الوجد والحنين. # ومن أجل هذا نرى مبالغاته مقبولة ms198 كل القبول حين يصف تلك الخمر بالقدرة على كل ~~شيء: # وإن خطرت يوما على خاطري امرئ # أقامت به الأفراح وارتحل الهم # ولو نظر الندمان ختم إنائها # لأسكرهم من دونها ذلك الختم # ولو نضحوا منها ثرى قبر ميت # لعادت إليه الروح وانتعش الجسم # ولو طرحوا في فيء حائط كرمها # عليلا وقد أشفى لفارقه السقم # ولو قربوا من حانها مقعدا مشى # وتنطق من ذكرى مذاقتها البكم # ولو عبقت في الشرق أنفاس طيبها # وفي الغرب مزكوم لعاد له الشم # ولو خضبت من كأسها كف لامس # لما ضل في ليل وفي يده النجم # ولو جليت سرا على أكمه غدا # بصيرا ومن راووقها تسمع الصم # ولو أن راكبا يمموا ترب أرضها # وفي الركب ملسوع لما ضره السم # ولو رسم الراقي حروف اسمها على # جبين مصاب جن أبرأه الرسم # وفوق لواء الجيش لو رقم اسمها # لأسكر من تحت اللوا ذلك الرسم # وهذه الخمر العالية هي خمر الحقيقة، هي الذات الإلهية التي تقول للشيء: كن ~~فيكون. # يقولون لي: صفها فأنت بوصفها # خبير، أجل! عندي بأوصافها علم # صفاء ولا ماء ولطف ولا هوا # ونور ولا نار وروح ولا جسم # تقدم كل الكائنات حديثها # قديما ولا شكل هناك ولا رسم # وهل في عالم المعاني أدق وأبره من هذا الالتفاف الطريف؛ إذ يقول هذا الشاعر ~~النشوان: # وقالوا: شربت الإثم، كلا وإنما # شربت التي في تركها عندي الإثم # هنيئا لأهل الدير كم سكروا بها # وما شربوا منها ولكنهم هموا # وهذا البيت يعين أنها خمر الحقيقة، ولو أراد خمر أبي نواس لما صح له أن ينكر شرب ~~الرهبان من تلك الراح، وكيف والرهبان كانوا سادة الشاربين، وإلى دياراتهم كان يحج عشاق ~~الرحيق! # والشاعر يحدثنا أن الرهبان هموا بشرب تلك ~~الخمر، خمر الحقيقة، وهذا حق فقد كان الصوفية يرون الرهبان أئمة التنسك لو صح لهم دين، ~~وقد وردت كلمة «راهب» في مقام التعظيم في قول الرشيد: «كان أبو العباس عيسى بن علي ~~راهبنا وعالمنا أهل البيت». # 18 # وابن الفارض يمضي فيقول: # وعندي منها ms199 نشوة قبل نشأتي # معي أبدا تبقى وإن بلي العظم # وهذه النشوة التي سبقت الوجود ليست كتلك النشوة التي وقعت في قول أحد ~~المتحذلقين: # أسكر بالأمس إن عزمت على الشر # ب غدا إن ذا من العجب # وإنما هي نشوة من يؤمن بخلود الروح ويعتقد أن لها نشوات قدسية قبل الخلق وبعد ~~الموت. # فلا عيش في الدنيا لمن عاش صاحيا # ومن لم يمت سكرا بها فاته الحزم # على نفسه فليبك من ضاع عمره # وليس له فيها نصيب ولا سهم # 19 # ولا يسع من يهتم بدرس ابن الفارض أن يغفل التائية الكبرى، وهي في نحو ست مئة بيت، ~~وقد نظمها تحت وحي التصوف، وهي قصيدة يغلب عليها التكلف، وفيها مع ذلك مواقف مضمخة ~~بعبير الروح، كأن يقول: # وما ظفرت بالود روح مراحة # ولا بالود نفس صفا العيش ودت # وأين الصفا هيهات من عيش عاشق # وجنة عدن بالمكاره حفت # وكأن يقول في خطاب الحقيقة السرمدية: # وعن مذهبي في الحب ما لي مذهب # وإن ملت يوما عنه فارقت ملتي # ولو خطرت لي في سواك إرادة # على خاطري سهوا قضيت بردتي # لك الحكم في أمري فما شئت فاصنعي # فلم تك إلا فيك لا عنك رغبتي # 20 # والمتأمل في شعر ابن الفارض من الوجهة الفنية يراه تأثر بعض التأثر باللغة المصرية، ~~فهو يجمع الفعل حين يكون الفاعل جمعا، وذلك معروف عن المصريين في لغة التخاطب، وإن كان ~~لا يفعل ذلك إلا حين تقهره ضرورة شعرية. # وبمناسبة مصر نذكر أنها لا تمر في شعره إلا قليلا، فقد كان هواه كله في الحجاز، ~~وأظهر موضع مر فيه اسم مصر هو قوله في التشوق إلى أهل نجد: # يا أهل ودي هل لراجي وصلكم # طمع فينعم باله استرواحا # مذ غبتم عن ناظري لي أنة # ملأت نواحي أرض مصر نواحا # وإذا ذكرتكم أميل كأنني # من طيب ذكركم سقيت الراحا # وإذا دعيت إلى تناسي عهدكم # ألفيت أحشائي بذاك شحاحا # ومؤرخو الأدب العربي لا يرون ابن الفارض من الفحول، وفي ظني أن سيفكر فيه ms200 ناس بعد ~~قراءة هذا البحث؛ على أن ابن الفارض لا ينتظر أن يحييه المؤرخون، فقد حيي على ألسنة ~~الجماهير حياة قوية، ولا أزال أذكر كيف كان يحتشد الناس في بيت الصواف بحي سيدنا ~~الحسين؛ ليسمعوا الشيخ حسن الحويحي، وهو يتغنى بهذه الأبيات: # ما بين معترك الأحداق والمهج # أنا القتيل بلا إثم ولا حرج # ودعت قبل الهوى روحي لما نظرت # عيناي من حسن ذاك المنظر البهج # لله أجفان عين فيك ساهرة # شوقا إليك وقلب بالغرام شج # عذب بما شئت غير البعد عنك تجد # أو في محب بما يرضيك مبتهج # وخذ بقية ما أبقيت من رمق # لا خير في الحب إن أبقى على المهج # وقصيدة «ته دلالا فأنت أهل لذاكا» يسمعها الجمهور في «أسطوانة» للشيخ علي محمود، ولا ~~تزال قصائد ابن الفارض متعة السامرين في سهرات الصوفية. # وقد اهتم رجال من المؤلفين المشهورين بدرس ديوانه وشرحه، وفي ذلك الحياة كل الحياة. # كل شيء حي في ابن الفارض حتى قبره، وقد زرته مرة فرأيته مزدحما بأفواج المبتهلين، ~~والمحبون لا تهجر قبورهم في جميع الأحيان. # | أخبار الصوفية # مطالعات من الأدب الطريف # في اللغة العربية نوع طريف من الأدب الذي يشوق العقول، ويرهف العزائم، ويحيي ~~الوجدان، وهو أخبار الصوفية. # وهذا النوع من الأدب له نماذج كثيرة في اللغة العربية، ويرتاح إليه أهل الجد كما ~~يرتاح أهل الهزل إلى أخبار الماجنين. # وكان لهذا النوع من الأدب تأثير شديد في توجيه القلوب والعقول إلى الخير والسداد، ~~وكان له في مجالس الوعظ جاذبية قوية تحول تلك المجالس إلى أندية أدبية خفيفة الظل ~~والروح. # ويمتاز هذا النوع من الأدب بما فيه من روعة الخيال، فأكثر أخبار الصوفية موشاة ~~بالمبتكر الطريف من صور الحياة والناس، وما فيها من المغالاة والإغراب ليس إلا شاهدا ~~على قوة التزويق والتلوين. # وتشهد هذه الأخبار بأن «المجاذيب» كان لهم شأن في تربية المجتمع، وكان فيهم رجال ~~يسوسون العقول والنفوس، ويضربون لمريديهم أحسن الأمثال. # حياة فاتح بن عثمان # جامع أبي المعاطي في دمياط، وكان خلوة صوفية. ms201 # ومن شواهد ذلك أخبار فاتح بن عثمان التكروري، وهو رجل قدم من مراكش إلى دمياط على ~~قدم التجريد، وسقى بها الماء في الأسواق احتسابا من غير أن يتناول من أحد شيئا، ونزل ~~في ظاهر الثغر ولزم الصلاة مع الجماعة وترك الناس جميعا، ثم أقام بناحية تونة من بحيرة ~~تنيس، ورم مسجدها، ثم انتقل من تونة إلى جامع دمياط وأقام في وكر بأسفل المنارة من ~~غير أن يخالط أحدا إلا عند الصلاة، وقد اهتم بترميم جامع دمياط وتنظيفه بنفسه وساق ~~الماء إلى صهاريجه، وبلط صحنه، وسبك سطحه بالجبس، ورتب فيه إماما يصلي الخمس، وسكن في ~~بيت الخطابة، وواظب على إقامة الأوراد به، وجعل فيه قراء يتلون القرآن بكرة وأصيلا، ~~وكان يقول: # لو علمت بدمياط مكانا أفضل من الجامع لأقمت به، ولو علمت في الأرض بلدا ~~يكون فيه الفقير أخمل من دمياط لرحلت إليه وأقمت به. # وكان إذا ورد عليه أحد من الفقراء ولا يجد ما يطعمه باع من أثوابه ما يضيفه به، وكان ~~يبيت ويصبح وليس له معلوم ولا ما تقع عليه العين أو تسمعه الأذن، وكان يؤثر في السر ~~الفقراء والأرامل، ولا يسأل أحدا شيئا، ولا يقبل غالبا، وإذ قبل ما يفتح الله عليه ~~آثر به، وكان يبذل جهده في كتم حاله والله تعالى يظهر خيره وبركته من غير قصد منه لذلك. ~~وكان سلوكه على طريق السلف من التمسك بالكتاب والسنة والنفور عن الفتنة وترك الدعاوى ~~واطراحها وستر حاله والتحفظ في أقواله وأفعاله، وكان لا يرافق أحدا في الليل، وأشير ~~عليه بالزواج فتزوج في آخر عمره بامرأتين لم يدخل على واحدة منهما نهارا، ولا أكل ~~عندها ولا شرب قط، وكان ليله ظرفا للعبادة لكنه يأتي إليهما أحيانا وينقطع أحيانا ~~لاستغراق زمنه في القيام بوظائف العبادة وإيثار الخلوة، وكان خواص خدمه لا يعلمون صومه ~~من فطره، وإنما يحمل إليه ما يأكل ويوضع عنده بالخلوة فلا يرى قط آكلا، وكان يتواضع مع ~~الفقراء ويتعاظم على العظماء والأغنياء، وكانت تلاوته لللقرآن بخشوع وتدبر، ms202 ولم يعمل له ~~سجادة قط، ولا لبس طاقية، ولا قال: أنا شيخ ولا أنا فقير، ولا حضر قط سماعا، ولا أنكر ~~على من يحضره. وكان يقول: ما أقول لأحد: افعل أو لا تفعل، من أراد السلوك يكفيه أن ينظر ~~إلى أفعاله فإن من لم يتسلك بنظره لا يتسلك بسمعه. # 1 # وقال له شخص من خواصه: يا سيدي، ادع الله لنا أن يفتح علينا فنحن فقراء. ~~فقال: إن أردتم فتح الله فلا تبقوا في البيت شيئا ثم اطلبوا فتح الله بعد ذلك. فقد ~~جاء: لا تسأل الله ولك خاتم من حديد. ومن كلامه: # الفقير بحال البكر، فإذا سأل زالت بكارته. # وسأله بعض خواصه أن يدعو له بسعة وشكا إليه الضيق؛ فقال: أنا ما أدعو لك بسعة بل أطلب ~~لك الأفضل والأكمل. وكان على استغراق أوقاته في العبادة لا يغفل عن صاحبه ولا ينسى ~~حاجته ويلازم الوفاء لأصحابه ويحسن معاشرتهم ويعرف أحوال الناس على اختلاف طبقاتهم، ~~ويعظم أهل العلم، ويكرم الأيتام ويشفق على الضعفاء والأرامل، ويبذل شفاعته في قضاء ~~حوائج الخاص والعام من غير أن يمل أو يتبرم بذلك، ويكثر من الإيثار في السر ولا يمسك ~~لنفسه شيئا، ويستقل ما يعطي مع كثرة إحسانه، ويستكثر ما يدفع إليه وإن كان يسيرا ~~ويكافئ عليه بأحسن منه، ولم يصطحب قط أميرا ولا وزيرا، ومن دعائه لنفسه ولمن يسأل له ~~الدعاء: # اللهم بعدنا عن الدنيا وأهلها وبعدها عنا. # وما زال على ذلك إلى أن مات في صباح اليوم الثامن من ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وست ~~مئة، وترك ولدين ليس لهما قوت ليلة، وعليه مبلغ ألفي درهم دينا. # وقد لخصنا سيرة هذا الرجل من الخطط المقريزية، # 2 # وهي تشهد بأنه كان من القائمين بخدمة المجتمع، وتصوره بعيدا كل البعد من ~~الفضول. # وما نقول: بأن سيرته نموذج يحتذى في جميع الأحوال، وإنما يهمنا أن ننص على هذه ~~«الفاعلية» في حياة رجل يزاوج بين الدنيا والدين، ويترك ما يتسم به المتصوفون من ~~الشارات والتقاليد. # ويروقنا من حياة ms203 هذا الرجل فراره من التدخل في شئون الناس، فما كان يحضر السماع ولا ~~ينكر على من يحضر السماع، وكان ينتظر أن يفقه الناس بأبصارهم لا بأسماعهم، وكان ينكر أن ~~يتوجه الرجل إلى ربه بالسؤال وعنده شيء. # وقد صارت شخصية هذا الرجل شخصية شعبية فدخلت كنيته «أبو المعاطي» في الأشعار التي ~~تغنى على الربابة حين تحتاج القصة إلى حيلة في الجمع بين الحبيب والمحبوب. # 3 # محاضرة الأبرار # وقد كثر التأليف في أخبار الصوفية ونوادرهم وأطايبهم، ويكفي أن نذكر بعض الشواهد من ~~كتاب ابن عربي الذي سماه «محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار»، وهو كتاب طريف لم يقف فيه ~~المؤلف عند أخبار الصوفية وإنما جعله مرجعا للنوادر التي يحسن أن يطلع عليها الصوفية. # وفي هذا الكتاب حوار بين أتباع الإسلام وأتباع النصرانية، # 4 # وهو حوار يقوم على أساس العقل والمنطق ويشهد بأن واضعه كان من حكماء ~~المسلمين، وهو يمثل ميل الصوفية إلى نقد المذاهب الدينية، وقد جاء فيه: # إن كنتم عبدتم عيسى بن مريم؛ لأنه لا أب له فضموا آدم مع عيسى حتى يكون لكم ~~إلهان اثنان؛ وإن كنتم عبدتموه لأنه أحيا الموتى فهذا حزقيل مر بميت تجدونه في ~~الإنجيل لا تنكرونه فدعا الله عز وجل حتى أحياه له فكلمه؛ فضعوا حزقيل مع عيسى ~~وآدم حتى يكون لكم ثلاثة آلهة؛ وإن كنتم إنما عبدتموه لأنه أراكم المعجزات فهذا ~~يوشع بن نون قاتل قومه حتى غربت الشمس فقال لها: ارجعي بإذن الله فرجعت اثني ~~عشر برجا؛ فضموا يوشع أيضا إلى عيسى فيكون رابع أربعة؛ وإن كنتم إنما عبدتموه ~~لأنه عرج به إلى السماء فمن ملائكة الله عز وجل مع كل نفس اثنان بالليل واثنان ~~بالنهار يعرجون إلى السماء. # وابن عربي له في المسيح رأي عرضناه في هذا الكتاب من قبل، وهو لا يسوق القصة بما ~~يخالف أو يوافق ذلك الرأي، وإنما يسوقها وهو يفهم أنها لون من الثقافة الأدبية. # 5 # سراج الملوك # ومن نوادر ذلك الكتاب ما حدث المؤلف بسنده قال: سمعت أبا يحيى مالك ms204 بن دينار ~~يقول: # أتيت القبور فناديتها # فأين المعظم والمحتقر # وأين المدل بسلطانه # وأين العزيز إذا ما قدر # وأين الملبى إذا ما دعا # وأين العزيز إذا ما افتخر # قال: فهتف بي هاتف يقول: # تفانوا جميعا فما مخبر # وبادوا جميعا وباد الخبر # تروح وتغدو بنات الثرى # فتمحو محاسن تلك الصور # فيا سائلي عن أناس مضوا # أما لك فيما مضى معتبر! # قيمة الأقاصيص الصوفية من الوجهة الأدبية # وقال ابن عربي: غضب السلطان على جماعة من العلماء خرجوا عليه ووقعوا فيه، فلما ظفر ~~بهم أمر بقتلهم، فبلغ الخبر شيخنا أبا مدين - رحمه الله - وكان مرعي الجانب عند السلطان ~~والخاصة والعامة فأخذ عصاه وخرج، فلما جاء دار السلطان أبصر القوم على تلك الحالة فبكى، ~~وأخبر السلطان بمكانه فتلقاه وقال: ما جاءنا بالشيخ في هذا الوقت؟ فقال : الشفاعة في ~~هؤلاء. فقال السلطان: أوما تعرف يا شيخ إساءتهم؟ فقال: وهل على المحسنين من سبيل؟ وهل ~~الشفاعة إلا في أهل الكبائر من المسيئين؟ فاستعبر السلطان وعفا عن الجميع. # 6 # ما كتب في تجريح الصوفية # وحدث أن الأصمعي قال: بينما أطوف بالبيت إذ بجارية متعلقة بأستار الكعبة وهي ~~تنشد: # يا رب إنك ذو من ومغفرة # دارك بعفوك أرواح المحبينا # الذاكرين الهوى ليلا إذا هجعوا # والنائمين على الأيدي مكبينا # يا رب كن لهم عونا إذا ظلموا # واعطف بقلب الذي يهوون آمينا # قال: فقلت: يا جارية؟ أفي هذا المقام وحول هذا البيت الحرام تذكرين الهوى؟ قالت: أو ~~تعرف الهوى؟ قلت: وأنت تعرفينه؟ قالت: بليت به صغيرة وأحطت به خبرا كبيرة. قلت: صفيه ~~لي. قالت: جل أن يخفى، ودق أن يرى، فهو كامن كمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن ~~تركته توارى. # 7 # كيف اهتدى الصوفية إلى أكل الحشيش # وقد يروي ابن عربي بعض أشعاره، وأكثرها من طراز المنظومات التي تحدثنا عنها من قبل، ~~ولكن قد تظهر عليه النفحة الشعرية كأن يقول: # أطارح كل هاتفة بأيك # على فنن بأفنان الشجون # فتبكي إلفها من غير دمع # ودمع العين يهمل من جفوني # أقول ms205 لها وقد سمحت جفوني # بأدمعها تخبر عن شئوني # أعندك بالذي أهواه علم # وهل قالوا # 8 # بأفياء الغصون # 9 # وكأن يقول: # بأبي من ذبت فيه كمدا # بأبي من مت منه فرقا # حمرة الخجلة في وجنته # وضح الصبح يناغي الشفقا # كلما صنت تباريح الهوى # فضح الدمع الجوى والأرقا # غرام الشعراء بمدح الحشيش # وقد يحدثنا عن بعض ما رآه من أحوال القوم كأن يقول: كان عندنا بأشبيلية رجل عابد، ~~حسن الصوت، كثير الاجتهاد، سريع الدمعة، دائم العبرة، كثير التفكر والتهجد، بت معه ~~ليالي عدة فلم يكن يفتر، فربما أسمعه بعض الأحايين ينشد بصوت طيب غرد، ودموعه تتحدر على ~~خديه: # قطع الليل رجال # ورجال وصلوه # رقدوا فيه أناس # وأناس سهروه # لا يميلون إلى النو # م ولا يستعذبوه # فكأن النوم شيء # لم يكونوا يعرفوه # لبسوا ثوبا من الخد # مة حتى خلعوه # مع جلباب من الحز # ن فما إن نزعوه # 10 # وقد ينقل بعض الدقائق الصوفية، كأن يروي أن أبا مدين سئل عن معنى الوصول فأجاب: إذا ~~دلك به عليه كنت منه وإليه، وإذا أفناك عن الإحساس كنت في حضرة الإيناس، وإذا كاشفك ~~بحبه لم تتلذذ إلا بقربه، وإذا غيبك عن شهودك تجلى لك من وجودك. # 11 # وقد اهتم ابن عربي برواية أخبار الجن، وكانت للجن أخبار كثيرة، فقد زعم العرب في ~~جاهليتهم وإسلامهم أنهم عرفوهم وصادقوهم وحاربوهم وهذا باب من الأساطير كان له في الأدب ~~أثر جميل. # حدث ابن عربي بسنده قال: كانت امرأة من الجن في الجاهلية تسكن ذا طوى، # 12 # وكان لها ابن لم يكن لها ولد غيره، وكانت تحبه حبا شديدا، وكان شريفا ~~في قومه، فتزوج وأتى زوجته، فلما كان يوم سابعه قال لأمه: يا أماه، إني أحب أن أطوف ~~بالكعبة سبعا نهارا. فقالت له أمه: أي بني، إني أخاف عليك سفهاء قريش. فقال: لا، ~~وأرجو السلامة. فأذنت له، فولى في صورة جان، فلما أدبر جعلت تعوذه وتقول: # أعيذه بالكعبة المستوره # ودعوات ابن أبي محذوره # وما تلا محمد من سوره # إني إلى ms206 حياته فقيره # وإنني بعيشه مسروره # فمضى الجان نحو الطواف فطاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم أقبل منقلبا، ~~حتى إذا كان ببعض دور بني سهم عرض له شاب من بني سهم أحمر أكشف أزرق أحول أعسر فقتله، ~~فثارت بمكة غبرة لم تبصر لها الجبال؛ وإنما تثور تلك الغبرة عند موت عظيم من الجن، ~~فأصبح من بني سهم على فرشهم موتى كثير من قبل الجن، فكان فيهم سبعون شيخا أصلع سوى ~~الشباب، فنهضت بنو سهم وحلفاؤهم ومواليها وعبيدها فركبوا الجبال والشعاب بالتثنية فما ~~تركوا حية ولا عقربا ولا خنفساء ولا شيئا من الهوام يدب على وجه الأرض إلا قتلوه، ~~وأقاموا على ذلك ثلاثا، فسمع في الليلة الثالثة على أبي قبيس هاتف يهتف بصوت جهوري ~~يسمع بين الجبلين: يا معشر قريش! الله! الله! فإن لكم أحلاما وعقولا، اعذرونا اعذرونا ~~من بني سهم، فقد قتلوا منا أضعاف ما قتلنا منهم، ادخلوا بيننا وبينهم بصلح نعطهم ~~ويعطونا العهد والميثاق ألا يعود بعضنا لبعض بسوء أبدا، ففعلت ذلك قريش واستوثقوا ~~لبعضهم من بعض. فسميت بنو سهم العياطلة قتلة الجن. # 13 # والقصة كما رواها ابن عربي تشهد بأن الجنية تعوذت بما تلا محمد من سورة مع أنها كانت ~~في الجاهلية. # والمهم هو أن ننص على أن ابن عربي يرى من واجب «الأخيار والأبرار» أن يطلعوا على كل ~~شيء، حتى أخبار الجن والشياطين. # وكتاب ابن عربي هذا في غاية من النفاسة، من حيث تصويره لعقليات القدماء. # وهناك كتاب نفيس للطرطوشي اسمه «سراج الملوك» وهو يفيض بأخبار الزهاد والنساك، وما ~~يجب أن يطلع عليه من يحرصون على صفاء القلوب. # وقد جاء فيه أن وهب بن منبه قال: صحب رجل بعض الرهبان سبعة أيام ليستفيد منه شيئا ~~فوجده مشغولا عنه بذكر الله تعالى، والفكر لا يفتر، ثم التفت إليه في اليوم السابع ~~فقال: يا هذا، قد علمت ما تريد، حب الدنيا رأس كل خطيئة، والزهد في الدنيا رأس كل خير، ~~والتوفيق نتاج كل خير؛ فاحذر رأس كل خطيئة، ms207 وارغب في رأس كل خير، وتضرع إلى ربك أن يهب ~~لك نتاج كل خير. قال: فكيف أعرف ذلك؟ قال: كان جدي رجلا من الحكماء قد شبه الدنيا ~~بسبعة أشياء: شبهها بالماء الملح يغر ولا يروي، ويضر ولا ينفع، # 14 # وبسحاب الصيف يغر ولا ينفع، وبظل الغمام يغر ويخذل، وبزهر الربيع ينضر ثم ~~يصفر فتراه هشيما، وبأحلام النائم يرى السرور في منامه فإذا استيقظ لم يكن في يده إلا ~~الحسرة، وبالعسل المشوب بالسم الزعاف يغر ويقتل. فتدبرت هذه الأحرف سبعين سنة ثم زدت ~~حرفا واحدا فشبهتها بالغول التي تهلك من أجابها وتترك من أعرض عنها. # 15 # وحدث أن علي بن الفضيل بكى يوما فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي على من ظلمني إذا وقف ~~غدا بين يدي الله تعالى ولم يكن له حجة. # 16 # وحدث أن مالك بن دينار قال: قرأت في بعض الكتب: # يا معشر الظلمة! لا تجالسوا أهل الذكر فإنهم إذا ذكروني ذكرتهم برحمتي، وإذا ~~ذكرتموني ذكرتكم بلعنتي. # 16 # وحدث أن أبا سليمان الداراني قال: لما دخل إخوة يوسف عليه عرفهم ولم يعرفوه، وكان على ~~وجهه برقع، فخلا بكبيرهم وكان ابن خالته فقال له: بم أوصاك أبوك؟ قال: بأربع. قال: وما ~~هن؟ قال: يا بني لا تتبع هواك فتفارق إيمانك، فإن الإيمان يدعو إلى الجنة، والهوى يدعو ~~إلى النار، ولا تكثر منطقك بما لا يعنيك فتسقط من عينه، ولا تسئ بربك الظن فلا يستجيب ~~لك، ولا تكن ظالما فإن الجنة لم تخلق للظالمين. # 17 # وحدث أن بعض الجزارين بالقيروان أضجع كبشا ليذبحه فتخبط بين يديه وأفلت منه وذهب، ~~فقام الجزار يطلبه وجعل يمشي إلى أن دخل خربة فإذا فيها رجل مذبوح يتخبط في دمه ففزع ~~وخرج هاربا وإذا الشرطة عندهم خبر القتيل وجعلوا يطلبون خير القاتل والمقتول، فأصابوا ~~بيده السكين وهو ملوث بالدم والرجل مقتول بالخربة، فقبضوا عليه وحملوه إلى السلطان، ~~فقال له: أنت قتلته الرجل؟ قال: نعم! فما زالوا يستنطقونه وهو يعترف اعترافا لا إشكال ~~فيه، فأمر السلطان ms208 بقتله، واجتمع الناس ليروا مصير الجزار، فلما هموا بقتله اندفع رجل ~~من المجتمعين وقال: لا تقتلوه، أنا قاتل القتيل. فقبض عليه وحمل إلى السلطان فاعترف ~~وقال: أنا قتلته. فقال له السلطان: كنت معافى من هذا، فما حملك على الاعتراف؟ قال: ~~رأيت هذا الرجل يقتل ظلما؛ فكرهت أن ألقى الله تعالى بدم رجلين! فأمر به السلطان فقتل، ~~ثم قال للمتهم: أيها الرجل، ما دعاك إلى الاعتراف بالقتل وأنت بريء؟ فقال الجزار: ما ~~حيلتي؟ رجل مقتول بالخربة وأخذوني وأنا خارج من الخربة وبيدي السكين ملطخة بالدم، فإن ~~أنكرت فمن يقيلني؟ وإن اعتذرت فمن يعذرني؟ فخلى سبيله وانصرف مكرما. # 18 # شراب الشاي في البيئات الصوفية # والغرض من اهتمامنا بالنص على قيمة هذه الأخبار هو التنبيه إلى قيمتها الأدبية، ~~ففيها صور وأخيلة وتعابير لا تصدر إلا عن أقلام الفحول. # وفيها كذلك معان سامية، وهي تصور كثيرا من الجوانب في المجتمع الإسلامي. # وإذا صح أن النزعة العامية تغلب على أكثر تلك الأخبار فذلك لا يغض من قيمتها الأدبية؛ ~~لأنها في الأغلب تصدر عن الفطرة، وما توحي به الفطرة أعمق أثرا مما يخلق التنميق ~~والتحبير والتزيين. # وقد تفرد الأدب العربي أو كاد بالوقوف عند آثار الأدباء الذين اتخذوا الأدب صناعة، ~~فليكن في هذا الفصل تذكير بأدب الفطرة، وهو أحيانا أقوى من أدب الذكاء. # هذا جانب من أخبار الصوفية يراد به الترغيب في طيبات الأعمال، وهناك جانب آخر أراد ~~به كاتبوه أن يغضوا من أقدار الصوفية، وهو جانب مهم من الوجهة الأدبية؛ لأنه اهتم ~~بتقييد ما رمي به الصوفية من المآثم والعيوب، والذين كتبوا في ذم الصوفية أتوا بالغرائب ~~والأعاجيب؛ لأن السخرية من الصالحين والزاهدين أو أدعياء الصلاح والزهد تجد مجالا إلى ~~أنفس القارئين والسامعين، وتصوير مآثم المتخشعين له مذاق خاص؛ لأنه يزاوج بين وجهين ~~مختلفين من وجوه السلوك. # والطعن في الصوفية يرجع إلى أصلين: الأول الهجوم عليهم من الوجهة النظرية، وهذا عمل ~~قام به رجال الشريعة، ولهم فيه أبحاث طوال تعد ثروة عقلية وفقهية، والثاني الهجوم ms209 عليهم ~~من الوجهة العملية، وهذا عمل قام به رجال الأخلاق ومن لف لفهم من الأدباء الساخرين، ~~وسنجد لهذا الأصل شواهد حين نتكلم عن «الحب» في الجزء الثاني من هذا الكتاب. # ونكتفي في هذا الفصل بإيراد شواهد من كلام الأدباء في غمز الصوفية واتهامهم بالسبق ~~إلى كشف «فضائل» الحشيش. # والصورة التي أذيعت بها طريقة ذلك الكشف صورة ~~فنية رائعة؛ لأنها تبين أثر «الذوق» في حياة الصوفية، فقد حدثوا أن الشيخ حيدر كان يقيم ~~في نشاور من بلاد خراسان، وأقام له زاوية في الجبل مكث بها أكثر من عشر سنين، ثم طلع ~~ذات يوم وقد اشتد الحر منفردا بنفسه إلى الصحراء، ثم عاد وقد علا وجهه نشاط وسرور ~~بخلاف ما كان يعهده عليه أصحابه من قبل، وأذن لأصحابه بالدخول عليه وأخذ يحادثهم، فلما ~~رأوه على حال من المؤانسة لم يعهدوها فيه بعد إقامته تلك المدة الطويلة في خلوة وعزلة ~~سألوه عن ذلك فقال: بينما أنا في خلوتي إذ خطر ببالي الخروج إلى الصحراء منفردا، فخرجت ~~فوجدت كل شيء من النباتات ساكنا لا يتحرك لعدم الريح وشدة القيظ، ومررت بنبات له ورق ~~فرأيته في تلك الحال يميس بلطف، ويتحرك من غير عنف، كالثمل النشوان، فجعلت أقطف منه ~~أوراقا وآكلها فحدث عندي من الارتياح ما شاهدتموه. # 19 # تلك هي الصورة، وهي باب من الفتون، فذلك الصوفي لم يفته أن يراقب النبات وقت القيظ، ~~ولم يغب عن ذهنه المتوقد أن ذلك النبات لم يتفرد بالحركة وقت الخمود إلا وفيه سر خاص. # وقد هدى أصحابه إلى تلك «الحشيشة» وأوصاهم بكتمان سرها عن العوام، وقال: # إن الله تعالى قد خصكم بسر هذا الورق ليذهب بأكله همومكم الكثيفة، ويجلو ~~بفعله أفكاركم الشريفة، فراقبوه فيما أودعكم، وراعوه فيما استرعاكم. # وقد «تلطف» الشيخ حيدر فأوصى أصحابه عند وفاته باطلاع ظرفاء خراسان وكبرائهم على سر ~~هذا العقار. # وقد أمرهم بزرع هذا الحشيش حول ضريحه بعد أن يموت، كأنه تذكر وصية من قال: # إذا مت فادفني إلى جنب كرمة # يروي عظامي بعد ms210 موتي عروقها # ولا تدفنني في الفلاة فإنني # أخاف إذا ما مت ألا أذوقها # وهنا تبدأ السخرية من الصوفية، فقد عبث الأدباء بتلك الحشيشة وسموها «مدامة حيدر»، ~~وفي ذلك يقول محمد بن علي الدمشقي: # دع الخمر واشرب من مدامة حيدر # معنبرة خضراء مثل الزبرجد # يعاطيكها ظبي من الترك أغيد # يميس على غصن من البان أملد # فتحسبها في كفه إذ يديرها # كرقم عذار فوق خد مورد # يرنحها أدنى نسيم تنسمت # فتهفو إلى برد النسيم المردد # وتشدو على أغصانها الورق في الضحى # فيطربها سجع الحمام المغرد # وفيها معان ليس في الخمر مثلها # فلا تستمع فيها مقال مفند # هي البكر لم تنكح بماء سحابة # ولا عصرت يوما برجل ولا يد # ولا عبث القسيس يوما بكأسها # ولا قربوا من دنها كف مقعد # ولا نص في تحريمها عند مالك # ولا حد عند الشافعي وأحمد # ولا أثبت النعمان تنجيس عينها # فخذها بحد المشرفي المهند # وكف أكف الهم بالكف واسترح # ولا تطرح يوم السرور إلى غد # وسخر أحمد بن محمد الحلبي من «عصابة حيدر» فقال: # ومهفهف بادي النفار عهدته # لا ألتقيه قط غير معبس # فرأيته بعض اللياي ضاحكا # سهل العريكة ريضا في المجلس # فقضيت منه مآربي وشكرته # إذ صار من بعد التنافر مؤنسي # فأجابني لا تشكرن خلائقي # واشكر شفيعك فهو خمر المفلس # فحشيشة الأفراح # 20 # تشفع عندنا # للعاشقين ببسطها للأنفس # وإذا هممت بصيد ظبي نافر # فاجهد بأن يرعى حشيش القنبس # واشكر «عصابة حيدر» إذ أظهروا # لذوي الخلاعة مذهب المتخمس # ودع المعطل للسرور وخلني # من حسن ظن الناس بالمتنمس # وقد أكثر الشعراء من وصف الحشيشة على نحو ما أكثروا من وصف الخمر حتى صح لعلي بن مكي ~~أن يقول: # ألا فاكفف الأحزان عني مع الضر # بعذراء زفت في ملاحفها الخضر # تجلت لنا لما تحلت بسندس # فجلت عن التشبيه في النظم والنثر # بدت تملأ الأبصار نورا بحسنها # فأخجل نور الروض والزهر بالزهر # عروس يسر النفس مكنون سرها # وتصبح في كل الحواس إذا تسرى # فللذوق منها مطعم الشهد رائقا # وللشم منها ms211 فائق المسك بالنشر # وفي لونها للطرف أحسن نزهة # يميل إلى رؤياه من سائر الزهر # تركب من قان وأبيض فانثنت # تتيه على الأزهار عالية القدر # فتكسف نور الشمس حمرة لونها # وتخجل من مبيضه طلعة البدر # علت رتبة في حسنها وكأنها # زبرجد روض جاده وابل القطر # تبدت فأبدت ما أجن من الهوى # وجاءت فولت جند همي والفكر # جميلة أوصاف جليلة رتبة # تعالت فغالى في مدائحها شعري # فقم فانف جيش الهم واكفف يد العنا # بهندية أمضى من البيض والسمر # بهندية في أصل إظهار أكلها # إلى الناس لا هندية اللونكالسمر # تزيل لهيب الهم عنا بأكلها # وتهدي لنا الأفراح في السر والجهر # وهذا الشاعر يرد الفضل في الكشف عن الحشيشة إلى حكيم من حكماء الهند، ويظهر أن الأمر ~~كذلك، فقد قال المقريزي: إنها كانت معروفة عند اليونان وتحدث عن خواصها ومنافعها ~~ومضارها بقراط وجالينوس. # 21 # ولكن المهم هو النص على أنها كانت شاعت في البيئات الصوفية حتى سميت «حشيشة الفقراء». # والظاهر أنه يجب الاحتراس من الآفات الأخلاقية التي تنشأ من مصاحبة أصحاب الأذواق. # فالصوفية بلا شك كانت لهم «أياد» في نشر آفة الحشيش بين الجماهير الفارسية والعراقية ~~والشامية والمصرية. # جماعة من الصوفية يدرسون معاني الذوق في حديقة. # والصوفية هم الذين حببوا إلى الفلاحين المصريين شرب الشاي حتى صار آفة تطاردها ~~الحكومة؛ لتمنع أذاها عن الناس. # وفي الثناء على الشاي يقول رجل من كبار الصوفية اليوم، وهو السيد عبد العظيم ~~القاياتي: # وعسجد الشاي يجلي # في أكؤس من لجين # هذا يروق لقلبي # وذا يروق لعيني # والدروايش في حي الحسين بالقاهرة يهددون من يغضبون عليه بالأرق ثم يحتالون فيسقونه ~~كأسا من «الشاي الأسود» فيقضي الليل وهو مورق الجفون، فيتخيل ذلك «كرامة» وما علم ~~لجهله أن نومه طار بفضل الوهم وبفضل السم المدوف في ذلك المنقوع! # ومن تلك الآفات ترهف الأذواق والأحاسيس فيحيا الأدب ويستطيل. # والأدب كالنار، والنار لا تتمرد إلا حين تجد الطعام المعطوب من الشجر والنبات! # | نقل الأقاصيص الغرامية إلى الجواء الصوفية # أقاصيص الحب # كان عند العرب ms212 فن أدبي معروف هو أقاصيص الشهداء في الحب وكان الأصمعي أشهر رواة ذلك ~~الفن، ففي كتاب الأمالي وكتاب تزيين الأسواق وديوان الصبابة ومصارع العشاق نرى الأصمعي ~~يواجهنا من حين إلى حين بأخبار من صرعهم الحب بعد سماع أشعار النسيب، كأن يقول: رأيت ~~بالبادية رجلا قد دق عظمه، ونحل جسمه، ورق جلده، فتعجبت منه، ودنوت منه لأسأله عن حاله ~~فقالوا: أذكر له شيئا من الشعر يكلمك، فقلت: # سبق القضاء بأنني لك عاشق # حتى الممات فأين عنك المذهب # فشهق شهقة ظننت أن روحة فارقته. ثم أنشأ يقول: # أخلو بذكرك لا أريد محدثا # وكفى بذلك نعمة وسرورا # أبكي فيطربني البكاء وتارة # يأبى فيأتي من أحب أسيرا # فإذا أتى سمج بفرقة بيننا # أعقبت منه حسرة وزفيرا # فقلت له: أخبرني عنك، فقال: إن كنت تريد علم ذلك فاحملني وألقني على باب تلك الخيمة ~~ففعلت فأنشأ يقول بصوت ضعيف: # ألا ما للمليحة لا تعود # أبخل ذاك منها أم صدود # فلو كنت المريضة كنت أسعى # إليك ولم ينهنهني الوعيد # فإذا جارية مثل القمر قد خرجت فألقت نفسها عليه، فاعتنقا، وطال ذلك وسترتهما بثوبي ~~خشية أن يراهما الناس، فلما خفت عليهما الفضيحة فرقت بينهما فإذا هما ميتان. # 1 # ومن ذلك ما حدث الجاحظ إذ قال: كان محمد بن حبيب الطوسي جالسا مع ندمائه، وقد أخذ ~~الشراب برءوسهم إذ غنت جارية له من وراء ستارة: # يا قمر القصر متى تطلع # أشقى وغيري بك يستمتع # إن كان ربي قد قضى كل ذا # منك على رأسي فما أصنع # وعلى رأس محمد غلام على أحسن ما يكون من الجمال، وبيده قدح، فوضع القدح من يده وقال: ~~تصنعين مثل ذا - ورمى بنفسه من الدار إلى دجلة - فلما رأت الجارية ذلك هتكت الستارة ~~ورمت بنفسها على أثره، فغرقا جميعا، قال الجاحظ: فقطع محمد الشراب بعد ذلك شهرا. # 2 # عثمان الغريب # ولهذا الفن شواهد كثيرة جدا، وقد ضمخ الأدب العربي بعبير الأنفاس الوجدانية، وكان ~~الناس يغرمون بتقييد أوابده في العصر الأموي والعصر العباسي. # فلنذكر في ms213 هذا الفصل كيف انتقل هذا الفن إلى الرحاب الصوفية، وكيف صار في أنديتهم ~~أنفس ما يدور من الأسمار والأحاديث. # روى صاحب الروض الفائق عن عبد الصمد البغدادي قال: كنت أتجر من بغداد إلى بلاد اليمن، ~~وأحج في كل سنة، فبينما أنا في بعض السنين في الطريق بين منى وعرفة إذ رأيت شابا حسن ~~الشباب، نقي الأثواب، كأن وجهه قنديل، وهو راقد على الرمل، وتحت رأسه حجر، وهو يعالج ~~سكرات الموت، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، وقلت له: ألك حاجة؟ قال: نعم، تقيم عندي ساعة ~~حتى أقضي نحبي، وألحق بربي، فقلت له: ما الذي تريد؟ فقال: إذا أنا مت فوارني التراب، ~~وخذ هذه المعضدة من كتفي، فإذا وصلت إلى صنعاء اليمن فسل عن دار الوزارة، فإذا خرجت ~~إليك عجوز وبنات فادفع إليهن هذه المعضدة وقل لهن: عثمان الغريب يقرئكن السلام. ثم غاب ~~عن حسه ساعة ثم أفاق وهو يقرأ (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون) ثم شهق شهقة فارق فيها ~~الدنيا، فغسلته وكفنته ووجهه يضيء ويتلألأ نورا، ثم صليت عليه في جماعة ودفنته، ثم ~~أخذت المعضدة، فلما وصلت إلى صنعاء اليمن سألت عن الدار فخرجت إلي عجوز وبنات فدفعت ~~إليهن المعضدة، فلما رأينها أخذن في البكاء والنحيب، وخرت العجوز مغشيا عليها، فلما ~~أفاقت قالت: وأين ذهب صاحب هذه المعضدة؟ فأخبرتها بخبره وما كان منه، فقالت: هو والله ~~ولدي عثمان، وهؤلاء أخواته، ترك أهله وحشمه وخدمه وزهد في الدنيا وخرج سائحا على وجهه ~~لا ندري أين ذهب، فجزاك الله عني وعن ولدي خيرا، ثم بكت وجعلت تقول: # يا فقيدا أضحى وحيدا غريبا # يا عزيزا أمسى ذليلا كئيبا # قد هجرت الديار من بعد أنس # وسكنت القفار فردا سليبا # وتغربت في البلاد حزينا # بانفراد ولست تدعو مجيبا # منذ فارقتني تنغص عيشي # ولقد كنت لي خليلا حبيبا # ليتني مت قبل يومك قهرا # ليتني كنت من حماك قريبا # فعليك السلام مني حقا # كلما حرك النسيم قضيبا # 3 # ففي هذه الأقصوصة خصائص الأقاصيص الغرامية: فالشهيد (شاب حسن الشباب، ms214 نقي الأثواب) ~~والذي يحضره رجل ظاهر المروءة يواسيه ساعة الموت، ويحمل سلامه إلى أهله بعد أن يواريه ~~التراب، فإن فاته أن ينطقه بالشعر لم يفته أن ينطق أهله بأبيات فيها بكاء وأنين. # البراقع على أوجه الشبان # وحكى بعضهم قال: كنا مارين على دجلة بين البصرة والأبلة وإذا قصر حسن له منظرة، ~~وعليه رجل، وبين يديه جارية تغني وتقول: # في سبيل الله ود # كان مني لك يبذل # كل يوم تتلون # غير هذا بك أجمل # فإذا شاب تحت المنظرة بيده ركوة وعليه مرقعة يسمع، فقال: يا جارية! بحياة مولاك ~~أعيدي: # كل يوم تتلون # غير هذا بك أجمل # فأعادت، فقال الفقير: هذا والله حالي مع الله، وشهق شهقة خرجت بها روحه، فقال صاحب ~~القصر للجارية: أنت حرة لوجه الله تعالى، وأعتق جميع مماليكه وتصدق بالقصر وبجميع ماله، ~~وائتزر بخرقة وارتدى بأخرى وذهب على وجهه، فلم ير له أثر، ولم يعرف له خبر. # 3 # وحدث أبو على الروزباري قال: جزت يوما بقصر فرأيت شابا حسن الوجه مطروحا وحوله ~~ناس مجتمعون فسألتهم عنه، فقالوا: إنه جاز بهذا القصر فسمع جارية تغني وتقول: # كبرت همة عبد # طمعت في أن تراكا # أو ما حسب لعين # أن ترى من قد رآكا # 3 # وقال ذو النون المصري: سمعت برجل باليمن قد سما على المحبين، وفاق على المجتهدين، ~~وعرف بالعلم والحكمة، فخرجت حاجا، فلما قضيت نسكي مضيت إليه لأسمع كلامه وأنتفع ~~بموعظته، أنا وأناس معي يطلبون مثل ما أطلب، وكان معنا شاب عليه سيما الصالحين، وشعار ~~المحبين، فخرج الشيخ إلينا فجلسنا إليه فبدأ الشاب بالسلام والكلام، فصافحه الشيخ وأقبل ~~عليه فقال له الشاب: يا سيدي، قد جعلك الله طبيبا لأسقام القلوب، وبي جرح قد أعيا ~~الأطباء، فإن رأيت أن تتلطف بي ببعض مراهمك فافعل، فقال الشيخ: عما بدا لك فاسأل. فقال: ~~ما علامة الحب لله؟ قال: أن تنزل نفسك منزلة السقيم، ألا تراه يحتمي من الطعام، حذرا ~~من السقام؟ فصاح الفتى صيحة ظننا روحه قد خرجت، فلما أفاق قال: يرحمك ms215 الله! فما علامة ~~المحبين؟ قال: إن درجة المحبين رفيعة، فقال: صفها لي، فقال: إن المحبين لله تعالى نظروا ~~إلى نور جلال الله فصارت أبداهم روحانية، وعقولهم سماوية، تسرح بين صفوف الملائكة ~~بالعيان، وتشاهد تلك الأمور باليقين، فعبدوه بمبلغ استطاعتهم، لا طمعا في جنته، ولا ~~خوفا من ناره، فشهق الفتى شهقة خرجت فيها روحه. # 4 # صرعى الغناء # وأقاصيص ذي النون كثيرة، وقد ساق بعضها ابن خلكان، ثم بدا له أن يدفع ما قد ترمي به ~~من المبالغة فقال: وقد جرى في زمني شيء من هذا يليق أن أحكيه، وذاك أنه كان عندنا ~~بمدينة إربل مغن موصوف بالحذق والإجادة في صنعة الغناء يقال له: (الشجاع جبريل) فحضر ~~سماعا سنة عشرين وست مئة، فإنني أذكر الواقعة وأنا صغير، وأهلي وغيرهم يتحدثون بها في ~~وقتها، فغنى الشجاع القصيدة الطنانة البديعة التي لسبط بن التعاويذي وأولها: # سقاك سار من الوسمي هتان # ولا رقت للغوادي فيك أجفان # إلى أن وصل إلى قوله: # ولي إلى البان من رمل الحمى وطر # فاليوم لا الرمل يصبيني ولا البان # وما عسى يدرك المشتاق من وطر # إذا بكى الربع والأحباب قد بانوا # وليلة بات يجلو الراح من يده # فيها أغن خفيف الروح جذلان # خال من الهم في خلخاله حرج # فقلبه فارغ والقلب ملآن # 5 # يذكي الجوى بارد من ثغره شبم # ويوقظ الوجد طرف منه وسنان # إن يمس ريان من ماء الشباب فلي # قلب إلى ريقه المعسول ظمآن # بين السيوف وعينيه مشاركة # من أجلها قيل للأغماد: أجفان # فلما انتهى إلى هذا البيت قام بعض الحاضرين وقال له: يا شجاع، أعد ما قلته، فأعاده ~~مرتين، أو ثلاثا، وذلك الشيخ متواجد. ثم صرخ صرخة هائلة ووقع، فظنوه قد أغمي عليه، ~~فافتقدوه بعد أن انقطع حسه فوجدوه قد مات. فقال الشجاع: هكذا جرى في سماعي مرة أخرى ~~فإنه مات فيه شخص آخر. # 6 # فتنة القوالين # والمغني الذي ينشد الأشعار في المحافل كان يسمى (القوال) وللقوالين نوادر كثيرة مع ~~الصوفية، من ذلك ما وقع حين زار ms216 ذو النون بغداد فقد حضر أحد تلامذته مجلس أحد القوالين ~~فلما طاب السماع وتواجد السامعون صرخ ذلك التلميذ ووقع فحركوه فوجدوه ميتا، فوصل الخبر ~~إلى ذي النون فقال لأصحابه: تجهزوا حتى نصل إلى ذلك القوال، فلما وصلوا إليه غنى ذو ~~النون وأصحابه والقوال يسمع، ثم صرخ ذو النون فوقع القوال ميتا، فقال ذو النون: قتيل ~~بقتيل، أخذنا ثأر صاحبنا! # التذكير بالمشكلات الأخلاقية # وقد تتجه هذه الأقاصيص إلى التذكير بالمشكلات الأخلاقية، حدث ذو النون قال: رأيت فتى ~~ظاهره الجنون، فعلمت أنه بحب مولاه مفتون، فسمعته يبكي ويقول في مناجاته: مولاي، قربت ~~المحبين، وطردتني، فما ذنبي! وخصصتهم بالوصال منك، وهجرتني، فوا كربي! أيقظتهم للقيام ~~بين يديك، وأنمتني، فوا ندمي! لذذتهم في السحر بمناجاتك، وما لذذتني، فوا ألمي! ثم أخذ ~~في البكاء. # قال ذو النون: فحرك منى ما كان ساكنا، وهيج من شوقي ما كان كامنا، فقلت له: يا فتى، ~~ما هذا البكاء؟ فقال: يا ذا النون، أخبرني، سواد الثوب يزول بالماء والصابون، وسواد ~~القلب بماذا يزول؟ # 7 # التشابه بين أخبار العشاق وأخبار الصوفية # والقصص الصوفي كالقصص الغرامي فيه الصحيح والسقيم، والمبتذل والطريف، والمهم أن نسجل ~~هذه الظاهرة الأدبية التي تمثل الاستشهاد في الحب، حب الله، فقد كان ما أوحته من ~~الأقاصيص متعة الأسمار حينا من الزمان. # ومن المؤكد أن القصص الصوفي فرع من القصص الغرامي، والذين وضعوا الأقاصيص الصوفية ~~لحظوا في الصياغة ألوان الأقاصيص الغرامية، والرواة في الحالين من أهل الأدب والبيان. # ولنذكر في ختام هذا الفصل أن أخبار الصوفية تشبه أخبار العشاق، فقيس بن الملوح فتنته ~~ليلى فترك أهله وخرج هائما يتنقل تنقل المجنون من أرض إلى أرض، وإبراهيم بن أدهم أحب ~~الله فخرج من ماله وجاهه وهام مع الهائمين. # وشهداء الحب في الحالين فتيان صباح الوجوه، لهم قلوب وأذواق، وفيهم شمائل الملوك، ~~والرواة في الحالين قوم تفتنهم المشاهد المحزنات، وتروقهم حلاوة الأشعار والأسجاع. ولو ~~جمعت الأقاصيص الغرامية والأقاصيص الصوفية في كتاب واحد لكانت المأساة واحدة، وإن اختلف ~~اسم المحبوب. # نقل ms217 الشعر من المحسوس إلى المعقول # ويتصل بهذا الفن تحويلهم قصائد المجون إلى عظات، فقد ذكروا أن ابن الجوزي خرج يوما ~~لبعض شونه فسمع قائلا يقول: # إذا العشرون من شعبان ولت # فواصل شرب ليلك بالنهار # ولا تشرب بأقداح صغار # فقد ضاق الزمان عن الصغار # فخرج هائما على وجهه إلى مكة، فلم يزل يعبد الله بها حتى مات، ففهم من الشاعر انصرام ~~العمر وضيق الزمان. # 8 # قال في لطائف المنن: واعلم أن هذه المفهومات المعنوية الخارجة عن الفهم الظاهر ليست ~~بإحالة اللفظ عن مفهومه، بل هو فهم زائد على الفهم العام يهبه الله لهذه الطائفة من ~~أرباب القلوب، وهو من باطن الحكم المندرج في ظاهره اندراج النبات في الحبة. # 8 # وأنشد إنسان في مجلس مكين الدين بن الأسمر: # لو كان لي مسعد بالراح يسعدني # لما انتظرت لشرب الراح إفطارا # الراح شيء شريف أنت شاربه # فاشرب ولو حملتك الراح أوزارا # يا من يلوم على الصهباء صافية # خذ الجنان ودعني أسكن النارا # فقال بعض فقهاء الظاهر: لا يجوز قراءة هذه الأبيات، فقال مكين الدين: دعوه فإنه رجل ~~محجوب. يعني أنه لا يفهم إلا الشراب الحسي دون المعنوي، وهو جمود. ~~«وقد يختلف الشرب لجماعة من آنية واحدة لاختلاف مقامهم، كقضية الرجال الذين سمعوا ~~قائلا يقول: (يا سعتر بري) وكانوا ثلاثة، فكل واحد سمع ما يليق بحاله، فسمع الأول: ~~الساعة ترى بري، وسمع الثاني: إسع ترى بري، وسمع الثالث: ما أوسع بري! فالأول كان ~~مستشرفا، والثاني كان مبتدئا، والثالث كان واصلا». # 8 # وسيجيء لذلك تفصيل في الجزء الثاني عند الكلام عن الحب. # والقوم يستبيحون إلقاء الحقائق بالإشارات اللطيفة والغزل الرقيق، وهم سادة الناس في ~~علم الذوق، ولو جردوا تعابيرهم من الاستعارات التمثيلية لأضافهم العوام إلى الملحدين. ~~ولو خلت الدنيا من أصحاب الأذواق لأمست ظلمات من فوقها ظلمات. # | صور المجتمع الإسلامي في كتب الصوفية # صدق الصوفية في الوصف # أشرنا من قبل إلى الألفاظ الصوفية، وقلنا: إنها ثروة لغوية أنشأها التصوف، فلنشر ~~الآن إلى أن هذه الناحية تستحق ms218 الدرس، ولكنا لن نفصل ذلك؛ لأن القدماء من علماء ~~المسلمين اهتموا بها اهتماما شديدا، وتركوا فيها مباحث تقرأ؛ # 1 # ولأن المستشرقين أطالوا فيها القول، ولا سيما المسيو ماسينيون في كتابه ~~المعروف: # Essai sur les Origines du Lexique Technique de la Mystique ~~Musuhanane ~~. # فلنفترع نحن مبحثا بكرا لم يمسه أحد من قبل، وهو استخراج صور المجتمع الإسلامي من ~~كتب الصوفية. # صور الطبقات والحكومات في كتب الصوفية # ولكن ما هو الجديد في ذلك؟ إن جميع الآثار الأدبية هي في صميمها وصف للمجتمع الذي ~~تنشأ فيه، فكيف يكون الالتفات إلى هذه الناحية من المبتكرات! # والجواب أن المؤلفات الصوفية لها صبغة تميزها عن سائر الآثار الأدبية؛ لأن الصوفية في ~~الأغلب يكتبون للعوام، ويكتبون بلغة سهلة لا تكلف فيها ولا افتعال، فهم يصورون المجتمع ~~من نواحيه الخلقية واللغوية تصويرا صادقا لا مداورة فيه ولا احتيال، ويساعدهم على صدق ~~الوصف أنهم في الأغلب يبغضون التزوير، ولا يتحدثون إلا عما يشيع من المناقب والمثالب ~~والمحاسن والعيوب. # المجتمع المصري في القرن العاشر # وأول ما ينبغي تقييده هو وجود هذه الطوائف الصوفية في صلب المجتمع الإسلامي، فهم ~~شراذم من الصالحين ومن الأدعياء يملئون المساجد والأسواق، ولهم على الجمهور سلطان رهيب. ~~وكتب التصوف تدلنا على أنظمتهم الدينية، ومنازلهم الاجتماعية، وتشهد بما كانوا عليه في ~~المطاعم والملابس والسمات. # 2 # وتحدثنا أيضا كتب التصوف أن المجتمع الإسلامي كانت تتنازع السيطرة عليه طائفتان ~~تقتتلان: وهما أهل الحقيقة وأهل الشريعة، وكان لكل طائفة أنصار وأشياع، وهذا النزاع ~~كانت له مظاهر مختلفة، وكان له أثر في تلوين الأذاق والعقول. # وتحدثنا كذلك أن الناس كانوا يثورون على الحكومات الإسلامية لأسباب عقلية وروحية، ~~أكثر مما يثورون عليها لأسباب اقتصادية؛ فالحاكم كان يبغض لأنه ينصر هذا المذهب أو ذاك، ~~قبل أن يبغض لأنه قصر في تدبير أمور المعاش لجماهير المحكومين، ومن أجل ذلك كان الساسة ~~المهرة يصلحون ما بينهم وبين الصوفية ليستخدموهم في بث الدعاية ونشر ما يحبون أن يوصفوا ~~به من بغض الظلم، وإيثار العدل، وحب الكرم ms219 والجود - والشعراني نفسه استخدمه حكام عصره ~~في تجميل سمعتهم بين الناس، ودفعوا ثمن ذلك بالسكوت عن أوقاف زاويته وكانت تحيط بها شبهات. # 3 # وأهم ما تحدثنا به كتب الصوفية هو وصف ما كان عليه المجتمع من الأخلاق؛ لأنهم لا ~~يتحدثون إلا عن فضائل تشهاها المجتمع، أو فريق من المجتمع، ولا يصفون من الرذائل إلا ما ~~تألم منه المجتمع، أو بعض المجتمع، فهم الوصافون الصادقون لما كان في المجتمع من خير ~~وما كان فيه من فساد. # تحريم شرب القهوة # وما نريد في هذا الفصل أن نتحدث عن جميع المجتمعات الإسلامية، فإن هذا عبء ثقيل، ~~وإنما نريد أن نذكر ملامح من المجتمع المصري؛ لأننا نعرفه أكثر من سواه. وهذه الملامح ~~نأخذها من مؤلف واحد هو الشعراني في كتب ثلاثة هي: لطائف المنن ولواقح الأنوار والبحر ~~المورود. # شيوع النفاق # فالمصريون في القرن العاشر كانوا ينفرون من شرب القهوة ويرون ذلك من الهنوات. وقد ~~غمز الشعراني معاصريه فذكر أنهم «يفعلون الأمور المحرمة بالإجماع كالغيبة والنميمة وأكل ~~الحرام من بيوت المكاسين ونحوهم ولا يجدون في نفوسهم شدة قبح من ذلك كما تنفر نفوسهم من ~~شرب القهوة مثلا»؛ وذلك لأنهم يشهدون الناس لا يفسقونهم بالغيبة وأكل الحرام لكثرة ~~وقوع الناس في ذلك، بخلاف شرب القهوة بين الفقهاء؛ فلذلك نفرت النفوس من شرب قليل ~~القهوة ولم تنفر من كثير الغيبة والنميمة وأكل الحرام. # 4 # وحدثنا في لطائف المنن: # 5 # أن شخصا كان يغتاب الناس ليلا ونهارا ويمزق أعراض العلماء والصالحين، ~~فقال له صديق: اشتر لي بهذا العثماني قهوة أشربها، فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ~~لو ضربت بالسيف ما دخلت بيت القهوة! وهذان النصان صريحان في أن شرب القهوة كان من ~~الفسوق. # غرام المصريين بالألقاب # وكان المصريون في القرن العاشر يحبون الألقاب، أكثر مما يحبونها اليوم، يدل على ذلك ~~أن الشعراني قال: (أخذ علينا العهد أن لا نتكدر قط ممن نادانا باسمنا مجردا من غير لفظ ~~سيادة أو ولاية أو مشيخة ونحو ذلك من الألفاظ المفخمة)؛ # 6 ms220 # وكلمة (يتكدر) تدل على أنهم كانوا يغتمون حين يجردون من الألقاب. ومن ~~الشعراني عرفنا كيف كان يكثر تلقيب العلماء بأمثال قطب الدين، وشمس الدين، ونور الدين، ~~وهي ألقاب لا يكاد الشخص يصدق فيها إلا بتأويل. # اللحية علامة الرجولة # وكانت اللحية في ذلك العهد من علائم الرجولة، بدليل قول الشعراني: «وكيف يليق بمن له ~~لحية أن ينام كالجيفة وأم قونق أو الناموسة مستيقظة». # 7 # ولعل الحلف بالذقن جاء من هذا المعنى. # النظافة # وكان المصريون حينذاك لا يراعون النظافة فكانت الحكومات تقهرهم على نزح الخرارات. ~~ولعل ما كتبه في ذلك خاص بطبقات الفقراء. # خروج النساء إلى الحمامات # وكان النساء في ذلك الزمن «يكثرن من الذهاب إلى الحمامات العمومية، ويخرجن للأسواق ~~والزيارات للأصحاب والأعراس التي لا انضباط فيها على القوانين الشرعية والعزومات ~~والمتفرجات التي يقع فيها اختلاط الرجال بالنساء». # 8 # وهنا ينطلق الشعراني فيشرح ما في خروج النساء من المفاسد، وكلامه في هذه النقطة يدل ~~على بصر ثاقب ويشهد بأنه كان من أهل الخبرة بتقلب القلوب، وعنده أن الرجل قد يكون شيخا ~~طعن في السن أو قبيح المنظر وزوجته شابة حسناء فترجع من السوق أو من الزيارة وهي لا ~~تشتهي أن تنظر إلى زوجها، ولا تقبل أن يقبلها، أو يلامسها، وحدثنا أن امرأة متدينة ~~«مصلية» قالت له: إني أكره الخروج إلى السوق. فقال: لماذا؟ فقالت: لأني أنظر إلى ~~الأشكال الحسنة فتميل إليها نفسي، فأرجع لا أقدر أنظر في وجه زوجي. قالت: وقد دخلت مرة ~~سوق الوراقين فرأيت شابا فأخذ بمجامع قلبي فرجعت، فوالله ما رأيت زوجي في عيني إلا ~~كالقطرب أو كالغول أو كالعفريت أو كالبقرة، وكما أن الرجل إذا رأى المرأة الحسناء مالت ~~إليها نفسه فكذلك المرأة إذا رأت الشاب الأمرد الجميل تروح نفسها إليه. قالت: رأيت مرة ~~إنسانا من الطاق وزوجي عندي وصرت أنظر إلى حسن شكل ذلك الإنسان وحسن لحيته ووجهه ~~وعيونه وأنظر إلى زوجي وإلى تشعيث شعر لحيته وكبر أسنانه وأنفه وعمش عينيه وخشونة جلده ~~وملبسه وفظاظته وتغير رائحة ms221 فمه وإبطه وقبح كلامه، فما كنت إلا فتنت بذلك الإنسان. ~~قالت: ثم إني تبت إلى الله تعالى عن الخروج مطلقا، لا لحمام ولا لزيارة ولا لغيرها ~~فصار زوجي في عيني كالعروس. # 9 # ونقل هذا الكلام بهذه الحماسة يدل على أن خروج النساء في ذلك العهد كان كثيرا، وكان ~~مما يشوك أهل العفاف. # وسكوته عن فتن الشواطئ يدل على أن النساء لم يكن يعرفنها في تلك الأيام، وإن كان خصوم ~~ابن خلدون من قبل عابوا عليه زيارة الشواطئ في أيام الاصطياف. # وفي كلام هذه «المصلية» ما يريب؛ لأن المعروف أن النساء يغلب عليهن الحذر والكتمان، ~~فكيف أمكن أن تبوح امرأة مثل هذا البوح؟ وكيف جاز أن تكشف امرأة عن سريرتها الشهوانية ~~هذا الكشف؟ # إن صحت رواية الشعراني فهي صورة جديدة من المجتمع المصري لذلك العهد، ويمكننا أن نسجل ~~أن «الأولياء» كان يسهل عليهم أن يصلوا إلى أسرار البيوت بفضل ما عرف عنهم من التقى ~~والصلاح، فهم أشبه بالقسيسين الذين يدخلون المنازل بلا استئذان، ويحدثهم النساء عن ~~أزماتهن الوجدانية بلا تحرج ولا استحياء، وهذا لا يزال يقع شيء منه في الريف، والشعراني ~~نفسه حدثنا أن الله «كسر قفص طبعه» حتى صار لا يستحيي من تعليم النساء الأجانب آداب ~~الجماع، فضلا عن الرجال، # 10 # وحدثنا أن جماعة من الأحمدية كانوا يتصلون بالنساء فيقول أحدهم للجارية ~~الكبيرة: يا أمي، ولمثله يا أختي، ولدونه يا بنتي، ويجتمعون كلهم على السماط من غير احتجاب. # 11 # وحدثنا بعض من ترجموا للشعراني أنه كان يحمل الحملات عمن يعطف عليهم من المذنبين، ~~و(حمل الحملات) الذي كان يقوم به الشعراني هو نفس الغفران الذي يقوم به القسيس. ~~والصوفية والرهبان يرجعون إلى أصل واحد، وإن اختلفت الصور والأشكال. # شيوع الرشوة في مصر # ويظهر أن الرشوة كانت شائعة في ذلك الحين، فقد تحدث الشعراني عنها غير مرة وعرفنا ~~منه أن الولاة كانوا يرشون من ولوهم ليأمنوا العزل. # 12 # موازنة بين حال الصوفي وحال القسيس في المجتمع # وزي الصالحين أو أدعياء الصلاح لعهد ms222 الشعراني كان شبيها بما تراه اليوم عند ~~الدراويش، فقد نهى المريدين أن يلبسوا لباس الصالحين، ويفعلوا فعل الجاهلين «وذلك كالذي ~~يلبس جبة من صوف، ويرخي لعمامته عذبة، ويأخذ بيده سبحة». # 13 # وعرفنا من كلامه أن من الصوفية من كان يلبس المرقعات الملونة من رقع خضر وصفر وحمر ~~وسود، ومن يلبسون بشتا من ليف وخوص أو حلفاء، أو جلودا منزوعة الشعر أو طرطور جلد أو ~~خوص مكشوفا بغير عمامة أو شملة حمراء أو خضراء. # 14 # ولبس الصوف كان لا يزال إلى القرن العاشر مما يختار الصوفية، وهو يدل على أن نسج ~~الصوف بالطرق التي تصل به إلى الرقة والنعومة وتجعله من ملابس المترفين كان لا يزال ~~بعيدا عن العامة من أهل ذلك الزمان. # واصطفاء الصوفية للبس الصوف مدة عشرة قرون يؤكد ما اخترناه من اشتقاق التصوف من ~~الصوف. # وقد أشرنا غير مرة إلى أن لبس الصوف نقله الصوفية عن الرهبان، وقد عثرنا على أبيات ~~صريحة في أنه كان مفهوما أن لبس الصوف كان من تقاليد المسيح، وأن المسيح كان يعرف ~~المرقعات الملفقة من القطع البيض والسود، قال أبو الحسن المخزومي: # ليس التصوف أن يلاقيك الفتى # وعليه من نسج المسيح مرقع # 15 # بطرائق بيض وسود لفقت # فكأنه فيها غراب أبقع # إن التصوف ملبس متعارف # فيه لموجده المهيمن يخشع # سوء الظن بالناس # وكان المصريون في تلك الأيام يسيئون الظن بعضهم ببعض، ويبالغون في التحرز من الفن ~~الخلقية، فقد حدث الشعراني أن الرجل الصالح محمد بن عراق كان لا يمكن ابنه عليا من ~~الخروج إلى السوق حين كان أمرد إلا ببرقع خوفا عليه من السوء وخوفا على الناس من ~~الفتنة، # 16 # وحدثنا أن الشيخ أبا الفضل بن أبي الوفا كان إذا طلب أولاده دخول الحمام ~~أنزلهم بالليل في زورق من الروضة إلى مصر العتيقة «ويقذف بهم وحده، ثم يطلع بهم إلى ~~الحمام، فيدخله قبلهم ويفتش في جميع عطفه من المستوقد والسطوح ثم يخرج من يكون هناك ~~ويغلق باب الحمام ويجلس على بابه حتى يقضين ms223 حاجتهن، # 16 # وكان ~~الشيخ أبو السعود لا يمكن أحدا من دخول بيته، لا في مرض ولا في غيره». # 17 # وهذه الحوادث رواها الشعراني لينص على ما عند أصحابها من شرف العفاف فهي تدل على أن ~~مصر كسائر البلاد كانت تعرف طائفتين من الخلق: أهل الفضيلة وأصحاب المجون، وإن كانت هذه ~~الوسوسة الخلقية تشهد بأن الفساد كان بغى واستطال. # صور التعذيب # وكان لطرق التعذيب في القرن العاشر صور مخيفة بشعة قاساها المصريون نعرفها من كلام ~~الشعراني إذ يقول: # خذ علينا العهد أن لا نحضر قتل إنسان أو ضربه أو معاقبته ظلما ... فلا ينبغي ~~لأحد أن يحضر مع الأطفال مواطن الظلم أو يخرج من بيته حتى ينظر من شنقه ~~الولادة، أو شنكلوه، أو خوزقوه، أو وسطوه، أو خزموه في أنفه، أو ~~سمروا أذنه في حائط، أو جرسوه على ثور، أو شحطوه في أذناب الخيل أو ضربوه ~~في قطع الخليج ... # وقد أخبرني سيدي علي الخواص قال: رأيت الشيخ عز الدين المظلوم المدفون في كوم ~~الريش بين مصر ومنية الأمير وهو (مخشب) هو وجماعته على جمال وهو يضحك. فقلت له: ~~إيش هذا الحال؟ فقال: ما أراد أن نقدم عيله إلا هكذا. # 18 # وهذه الألوان من العقوبات أكثرها انقرض، ولم يبق إلا الشنق، وفيه الكفاية! # ومن غريب ما حدث الشعراني أن الناس كان من عاداتهم في الأعراس أن يلبسوا العرائس ~~لباس الرجال من جندي وقاض وغيرها، «وذلك حرام لا يفعله في داره من له مروءة أهل ~~الإيمان». # 18 # والشعراني يذكر أن الذين كانوا يلبسون العرائس ملابس الرجال هم المغنون. # وصل شعور النساء # وكان النساء في القرن العاشر يصلن شعورهن - وكنت أحسب ذلك من بدع هذه الأيام - وكن ~~يخططن أبدانهن بالوشم، وكن يأخذن شعر الوجوه بالتحفيف، ومن هذا يقول أهل الريف لعهدنا ~~هذا: «خرجت فلانة متحففة» وكن يفلحن أسنانهن بالمبرد. # 19 # إقامة الولائم في المقابر # وكان من عادة المصريين في القرن العاشر أن يقيموا ولائم كبيرة في المقابر يدعون ~~إليها الأقارب والمعارف والأصدقاء، ولم تكن المقابر ms224 في ذلك الزمن إلا منازل خلوية لا ~~تقام فيها مراحيض، فكان المدعوون يقضون حاجتهم في الخلاء فيحولون المقابر إلى مقاذر ~~تزكم الأنوف، نأخذ هذا من الشعراني إذ يقول: # خذ علينا العهد أن لا نجيب إلى حضور الولائم الكبيرة على مقابر المسلمين لا ~~سيما إن عملت في القرافتين بمصر المحروسة، وذلك لكثرة تنجيس قبور المسلمين من ~~الأولياء والشهداء وغيرهم بالبول والغائط وروث الحمير والبغال عليه غالبا، وقد ~~عجزوا أن يجدوا الآن قدر موضع قبر واحد في القرافتين من غير ميت حتى في ~~الطرقات، وغالب خدام قبور الأولياء الآن يرفعون شواهد قبور المسلمين التي هي ~~تجاه ذلك الولي ليقف عليها حمير الزوار وبغالهم لأجل جديد # 20 # أو كسرة خبز يعطونها لهم فاعلم ذلك، وإياك أن تجازف في الحضور ~~فيحزقك بولك وغائطك فتفعله هناك ضرورة لازمة، وإن كان ولا بد من الحضور فاترك ~~الأكل والشرب قبل ذلك بيوم أو يومين حتى تعلم من نفسك أنك لا تحتاج إلى بول ولا ~~غائط هناك. وقد عد العلماء أمورا يسقط بها طلب الحضور للوليمة أهون من الجلوس ~~على القبر والبول عليه. # 21 # وإقامة الولائم في المقابر ظلت حية إلى عهد قريب، وكنا نسمع عنها أخبارا قبيحة، ~~وكانت في الأغلب تقام في ليالي الأعياد، ولكن ظهر أخيرا أنها تنتج بليتين: الأولى ما ~~يقع في المقابر من الرجس، والثانية تعدد حوادث السرقة عند من يتركون بيوتهم ليبيتوا في ~~القبور، وكانت النتيجة أن حرمت الحكومة المصرية هذه العادة الشائنة، واستراح الأموات من ~~عبث الأحياء! # الإيمان بسلطان الجن والعفاريت # وكان المصريون في تلك الأيام يؤمنون جميعا إيمانا مطلقا لا شك فيه بوجود الجن ~~والعفاريت؛ ودليل ذلك لأن الشعراني يتحدث عن الجن حديث من لا يخاف أبدا أن يقال له: ~~كذبت مع أنه كذاب! ولنتركه «يتبحبح» قليلا فيحدثنا عن بعض أخباره مع الجن والعفاريت: ~~«كان في بيتي امرأة من الجن فكانت إذا قربت مني قامت كل شعرة في جسدي، فكنت أذكر ~~الله فتبعد من وقتها، ثم كانت تقف في طريقي إلى ms225 المسجد في الظلام فما فزعت منها قط، بل ~~كنت أمر عليها في المجاز المظلم فأقول لها: السلام عليكم، وما نفر خاطري منها قط، مع أن ~~طباع الإنس تنفر من الجن! وسكن عندي مرة أخرى جماعة من الجن أيام الغلاء فكنت أقول لهم: ~~كلوا من الخبز والطعام بالمعروف، ولا تضروا بإخوانكم المسلمين، فأسمعهم يقولون سمعا ~~وطاعة! وسكن جني في بيتي مرة أخرى فكان يأتي كل ليلة في صورة جدي كبير فيطفئ السراج ~~أولا ثم يصير يجري في البيت فكان العيال يحصل لهم فزع فكمنت له تحت رف وقبضت على رجله ~~فزلق وصار يستغيث فقلت له: تتوب؟ فقال: نعم! فلا يزال يدق في يدي حتى صارت رجله كالشعرة ~~الواحدة. وخرج، فمن ذلك اليوم ما جاءنا. ونمت ليلة في بيت على الخليج الحاكمي ضيفا عند ~~إنسان في قاعة وحدي فغلق علي فدخل جماعة من الجن فأطفأوا السراج وداروا حولي يجرون ~~كالخيل. فقلت لهم: وعزة الله كل من دارت يدي عليه ما أطلقته إلا ميتا، ونمت بينهم فما ~~زالوا يجرون حولي إلى الصباح ودخلت مرة الميضأة بجامع الغمري بالقاهرة أتوضأ؛ وكانت ~~ليلة شتاء مظلمة، فدخل علي عفريت كالفحل الجاموس، فهبط في المغطس وصعد الماء فوق ~~الإفريز نحو نصف ذراع، فقلت له: ابعد عني حتى أتوضأ، فلم يرض فجعلت في وسطي مئزرا ~~وهبطت عليه فزهق من تحتي وخرج هاربا. ووقع لي مع الجن وقائع كثيرة، وإنما ذكرت لك ذلك ~~لتعلم أن من قرأ الأوراد الواردة في عمل اليوم والليلة فليس للجن ولا للإنس عليه سبيل. # 22 # وحدثنا في كتاب لطائف المنن أنه ألف كتابا في أسئلة الجان، وهي نيف وسبعون سؤالا في ~~التوحيد سأله عنها علماء الجان. # 23 # والإيمان بوجود الجن والعفاريت ليس خاصا بأهل القرن العاشر، ولكن الشاهد هنا أنه ~~كان إيمانا عاما بحيث جاز لمثل الشعراني أن يعتمد عليه فيختلق أمثال هذه الأقاصيص. # وقد ظلت جماهير العوام على هذه العقيدة إلى اليوم، والأمهات في الريف يقلن للطفل: ~~«اسم الله عليك وعلى أختك». وأخته ms226 هي الجنية؛ وفي طفولتي كنت أسمع أهل بلدنا ينهون عن ~~جر العصا على الأرض بالليل لئلا تبطح «سكان» الأرض، وما أدري كيف حالهم اليوم فقد ~~انقطعت عن الاتصال بهم منذ أمد بعيد. وقصة الملك شمهورش «ملك الجن» قريبة العهد، وقد ~~فضحته جريدة الأهرام فلم ينبس بحرف! وحدثنا الأستاذ أنطون الجميل أنه تلقى من الدجالين ~~خطابات تهديد، ومعنى ذلك أن أناسا يعيشون بفضل غفلة الجمهور واعتقادهم في الجان. # والإيمان بالجن كان له فضل في تلوين الأخيلة الأدبية، ولو أقدم كاتب فاستنطق العوام ~~وكتب ما عندهم من حكايات الجن لأخرج مجموعة كبيرة من طرائف الأقاصيص. # والبيت «المسكون» لا يزال له وجود في الحواضر والأقاليم، وقد سمعت أن بعض المنازل في ~~القاهرة تعطل سكناه لهذا السبب فيظل خاليا بضع سنين. # وأستاذنا الشيخ فلان، وهو من جماعة كبار العلماء، يصدق حكايات العفاريت، وقد قرأت منذ ~~أشهر كلمة نشرها الأستاذ مصطفى عبد الرازق في مجلة الصاوي روي فيها أن جماعة من علماء ~~الأزهر فزعوا حين رأوا نعلا ترتفع وتنخفض؛ وإنما فزعوا لأنهم توهموها محمولة على قرن ~~عفريت، ثم ظهر أنها كانت جحرا يسكنه فأر خبيث. وبنو آدم بلا عقول! # وقد حاولت غير مرة أن أرى العفاريت، ولكني لم أفلح بالرغم مما بذلت من جهود، ولعل ~~السبب في حرماني من رؤيتهم أن الجن لا يظهر بعضهم لبضع. وهو تعليل مقبول! # البحث عن الكنوز # وكان المصريون في ذلك الحين يؤمنون بالمغيب المدخر من كنوز الأرض وهو في لغتهم اسمه ~~«المطلب»، ومن أمثالهم: «كلب أجرب، ولقي مطلب» وفي كلام الشعراني ما يدل صراحة على أنه ~~كان من المألوف أن يحرق الناس البخور في سبيل المطلب. ولننظر كيف يقول: # قلت لشخص من أبناء الدنيا: تعال اسهر معنا هذه الليلة، وكانت ليلة العيد ~~الأصغر، فتعلل بأن السهر يضره، فقلت: بالله عليك، أصدقني، إذا أردت أن تفتح ~~مطلبا وأبطأ عليك البخور الذي تطلقه من العشاء إلى الفجر، هل كنت تسهر إلى ~~الصباح تترقب مجيئه؟ فقال: نعم! فقلت له: فإذا أبطأ من ms227 بعد الفجر إلى المغرب، ~~هل كنت تترقبه ولا تنام؟ فقال: نعم! فدرجته إلى تسعة أيام وهو يجد أنه يقدر على ~~السهر من غير وضع جنبه إلى الأرض، فقلت له: في اليوم العاشر؟ فقال: لا أقدر. ~~فقلت له: يا أخي فإذا أنت تؤثر الدنيا على الآخرة. فقال: نعم! # 24 # ولا يزال هذا الوهم حيا إلى اليوم في بعض الطبقات. ولكن وروده في كلام الشعراني على ~~هذا الوضع يدل أنه كان من المألوف بين جميع الناس. # 25 # وكانت عقلية الشعراني عقلية عامية. وبفضل غفلته وغفلة أمثاله من العلماء ~~والواعظين ظلت صورة المطلب حية في أنفس السواد، ولها حوادث تقع في مصر من حين إلى حين. # ولهذه الأسطورة أصل: فقد كان القدماء يدفنون أموالهم في الأرض خوفا من اللصوص، وكان ~~يتفق أن يعثر بعض الأهالي على دفائن نفيسة من وقت إلى وقت، وغاب عنهم السبب الأصيل ~~فظنوها من ذخائر الجن، والجن فيما يظهر يستهويهم البخور العطر فيجودون بدخائرهم حين ~~ينتشون! # وإحراق البخور لا يحسنه كل إنسان، وإنما هو فن يجيده «المغربي» وحده؛ ولهذا كان ~~للمغاربة سوق رائجة في هذه البلاد، ومنهم وحدهم تطلب الكنوز، وعليهم المعتمد في كتابة ~~الأحجبة لجذب الأليف إلى الأليف، وفي «العباءة البيضاء» أسرار لا يدركها إلا الراسخون ~~في علم الغيب! # تكالب المصريين على الوظائف # ويفهم صراحة من كلام الشعراني أن المصريين كانوا يتكالبون على الوظائف في القرن ~~العاشر، فقد نهى عن التطلع إلى الوظائف الشاغرة إلا لضرورة، # 26 # وحدثنا أن الناس كان يدس بعضهم لبعض ليأخذ هذا وظيفة ذاك «وهذا الأمر قد ~~حدث في جنس طائفة أهل القرآن وهو في غاية القبح منهم حتى رأيت من يسعى على شيخه الذي ~~علمه العلم»، # 27 # وحدثنا أن من الناس من يأخذ «معلوم» الوظائف الدينية ولا يباشرها «وربما ~~جمع بين إمامتين أو خطابتين مع أنه يفتي غيره بتحريم أكل ذلك المعلوم». # 28 # وحدثنا أن من المدرسين من كان يهمل فريضة الحج؛ لئلا ينتهز أحد إخوانه فرصة غيبته في ~~الحجاز فينتهب منه وظيفة ms228 التدريس، # 29 # وأن من الناس من كان يساعد أخاه بالعمل في وظيفته وهو غائب ثم يخونه ~~«ويتقرر فيها»، # 30 # وحدثنا أن المتزاحمين على الوظائف يغتاب بعضهم بعضا ويرجو أحدهم أن يقع في ~~عرض أخيه لتسوء سمعته فيخلو له الطريق، # 31 # وأنه رأى من برطل حتى وصل إلى غيبة في شخص عند أمير. # 32 # وما أحسب هذه الأخلاق انقرضت بفضل ما توهمناه من تقدم المجتمع المصري، فلا يزال أهل ~~مصر على ما كانوا عليه، بل زادت شمائلهم قبحا إلى قبح، وفسادا إلى فساد، وصارت ~~الصلاحية للوظائف الرسمية لا تقوم إلا على أساس واحد وهو الرياء، والفائز اليوم هو من ~~يعرف أخلاق رئيسه فيسوسه كما يسوس الدابة الحمقاء: فإن كان الرئيس رجلا يحب الوقوع في ~~أعراض الناس كان على المرءوس الشاطر أن يقدم لأذنيه كفايتهما من الغذاء في كل صباح، وإن ~~كان للرئيس أعداء اجتهد المرءوس في إيذائهم باختلاق المساوي والعيوب، وإن كان الرئيس من ~~أدعياء الأدب كان من الفروض على المرءوس أن يزعم أنه أشعر من المتنبي، وأكتب من الجاحظ، ~~وأخطب من سحبان. ولا يكفي أن يقول هذا في المجلس، بل تجب عليه المبادرة بنشر هذا الكذب ~~في الصحف والمجلات، وليس للمرءوس في هذا الزمن أن يقول: «أنا» فإن فعل فهو غير مصقول، ~~وليس له أن يتحدث عن مواهبه، إن كتب الله أن تكون له مواهب، فإن فعل فهو في نظر رئيسه ~~مهرج على الطريقة الأمريكانية! # ومهما يفعل الرئيس فهو دائما في حدود المنطق والصواب، والويل للمرءوس إن مر بخاطره ~~طيف اعتراض. إن الصغار الذي عاناه الشعراني كان أهون وأيسر؛ لأن الوظائف لم تكن كل ~~شيء في المصاير الاجتماعية، أما الصغار الذي يعانيه أهل هذا الزمان فهو نهاية البلاء؛ ~~لأن أحرارهم يعيشون تحت رحمة طائفة من الجهلة جن لهم الزمان فصاروا يرفعون ويخفضون بلا ~~تحرج ولا استحياء، ولذلك أقبح الأثر في مصاير الناس. # ويستطيع الرئيس الأحمق فيما سمعت أن يكيد لمرءوسه كيف شاء بلا رقيب ولا حسيب، فإن ~~نوقش الحساب اعتصم ms229 باللفظ الذي صنعه الدجالون في العصر الحديث وهو لفظ (الضمير) فتراه ~~يقول بلا حياء: «ضميري لا يسم بصحبة هذا الموظف» ولو كان لكلمة الضمير مدلول لوجب أن ~~يستقبل أكثر الرؤساء؛ لأنهم في الأغلب من الكسالى الذين لا ينفعون الدولة بكثير ولا ~~قليل. والإقدام على إيذاء الناس هو وحده دليل على مرض الذمة واعتلال الوجدان # ما أحوج مصر الحديثة إلى شعراني جديد يفضح ما يقع بين الرؤساء والمرءوسين في المعاهد ~~والدواوين! # إن هذا العصر أقبح عصر عرفته هذه البلاد، فقد سمعت أن الفضل الحق صار ذنب من لا ذنب ~~له. ولو أنك ملأت طباق الأرض علما، وألفت من الكتب ما يعجز عن مثله أرسططاليس، وبرعت ~~الملائكة في نقاء النفس، وكان لك أبلغ قلم وأفصح لسان، لو كنت أفضل الناس جميعا وحرمت ~~نعمة الرياء لظللت حيث أنت محروما من كل شيء، حتى حسن السمعة بين الناس، وكنت خليقا ~~بأن يتقدمك من لا خلاق له في علم ولا أدب ولا دين، ما دام يعرف كيف يتملق الرئيس، وكيف ~~يشهد بأن رئيسه أطهر الرجال، وأن بيته أمنع البيوت وإن كان من زجاج # كذلك سمعت أن الأمر صار إلى هذا الحال في هذه الأيام، والعهدة على راوي الحديث! # ولأمر ما تخلفنا وتقدم الناس. # طبقة الصوفية وطبقة الفقهاء # والطبقة المعروفة بالترف وسوء الأدب في القرن العاشر كانت طبقة التجار، فقد حدثنا ~~الشعراني أنهم كانوا يحضرون المساجد قبل الصلوات في مثل الجامع الأزهر وغيره فيجلسون ~~محدثين في لغو وغفلة، بل وغيبة # 33 # وحدثنا مرة ثانية أن التجار استرقتهم شهوات النساء فلا يقدر أحدهم على ~~مخالفة زوجته أبدا، # 34 # ودعانا إلى الإكثار من التواضع في الحج بلبس الثياب اللائقة بالخدمة لا كما ~~يفعل التجار، # 35 # ونهانا عن الإكثار من شراء الشاشات والأزر والحبر كما يفعل التجار، # 36 # وأوصانا أن نكثر من الصلاة في مسجد مكة والمدينة راجيا أن نخل بهذا العهد ~~كما يخل به كثير من التجار الذين يبيعون في الموسم القماش فلا يتهنأ أحدهم بطواف، بل ~~ولا ms230 بصلاة جماعة فيصير في النهار غافلا وبالليل نائما. # 37 # ويظهر أن التجار في ذلك العهد كان إليهم زمام المنافع الدنيوية: فكانوا من المياسير، ~~وكانوا يسيطرون على الناس. والشاب المدلل في أقاصيص ألف ليلة وليلة يسمى في أكثر ~~الأحوال «ابن التاجر» ومن هنا صح للشعراني أن يحكم بأن التجار ما كانوا يملكون أزمة ~~نسائهم: لأن المرأة التي تنشأ في بحبوحة النعيم تبغي وتستطيل، فلا يصدها أدب ولا يحدها ~~استحياء، إلا من عصم الله من أهل الأحساب. # طبقة التجار # ومن الشعراني نعرف طبقات المصريين في القرن العاشر: فطبقة التجار كانت تسيطر على ~~الثروة، وطبقة الحكام كانت معروفة بالاستبداد، بدليل أنه نهى عن مقاومتهم مرات كثيرة، # 38 # وطبقة الموظفين كانت تقتتل على الوظائف، وطبقة الفقهاء كان لها سلطان، وكان ~~الشعراني يتهيبها ويضع الآداب المختلفة لمن يتصل بها في الفتاوى والدروس. # نظام الزوايا # وهناك طبقة مهمة وهي طبقة سكان الزوايا، والزاوية كان لها شأن عظيم في القرن العاشر، ~~وكان لها وجود اجتماعي، بدليل قول الشعراني: «وأعظم طريق إلى دفع البلاء النازل على ~~الناس في حارة أو قرية أو زاوية مصالحة بعضهم بعضا حتى لا يبقى بينهم شحناء» # 39 # فقد جعل الزاوية مجتمعا يقرن إلى الحارة وإلى القرية، وكانت مشيخة الزاوية ~~من المناصب التي تتطلع إليها العيون، فقد اتفق للشعراني مرة أن يقول: «إذا رفعك الله ~~فصرت عالما أو شيخ زاوية»، وقد رجعنا إلى خطط علي مبارك باشا فرأينا زوايا القاهرة تعد ~~بالعشرات، مع أنه لم يتحدث عنها إلا بعد أن اندثرت معالمها الاجتماعية، ولم تعد إلا ~~مساجد لا يعرفها الناس إلا في أوقات الصلوات. # كانت الزاوية مأوى لطوائف من المريدين يقيمون فيها ليلهم ونهارهم، وكان لها لواحق من ~~المطابخ والأفران والطواحين، بدليل قول الشعراني: «أراد الفقراء المقيمون عندنا في ~~الزاوية أن يعلموا القصع الخشب الكبار التي اشتريتها لسماط الفقراء، فقالوا: أي شيء ~~نكتبه عليهم؟ فقلت لهم: أكتبوا: كبر القصع، من قلة الورع». # 40 # وكانت أيضا ملجأ لأصحاب العاهات من الزمنى والعميان، # 41 # وهي فيما ms231 أعتقد صورة من صور الديارات والمعابد عند النصارى واليهود، والفرق ~~بين الزاوية والدير أن الزاوية قد يقيم فيها الرجل مع زوجته وأولاده، وأن الدير لا يقيم ~~فيه غير الرهبان المحرم عليهم الزواج. # 42 # ولكن من أين كان يستطيع مثل الشعراني أن يطعم جميع من كانوا يقيمون عنده من الفقراء، ~~وقد حدثنا مرة أن زكاة الفطر لم تجب عليه؟ إن تعليل ذلك سهل: فقد كان لأكثر الزوايا أوقاف، # 43 # وكان سكان الزوايا ممن تقدم إليهم الهدايا والصدقات على نحو ما يصير في ~~النجف إلى اليوم، وكان المحسنون يعهدون إلى شيخ الزاوية توزيع ما تجود به نفوسهم على ~~المريدين، وذلك عمل كان يتولاه عن الشيخ شخص يلقب بالنقيب. نفهم هذا من قول الشعراني: # وينبغي للشيخ إذا وقع على يديه قسمة دنيا بين الفقراء أن لا يخص أحدا منهم ~~بشيء زائد على غيره إلا أن تكون حاجته ظاهرة للفقراء كلهم بحيث يحنون عليه ~~ويرقون لحالته ... وليحذر أن يأخذ لنفسه أو ولده نصيبا مع الفقراء فيكون كأحدهم ~~في دناءة المروءة والأخلاق وتذهب رياسته عليهم، بل يفرق كل ما وقع على يديه على ~~الفقراء والمساكين وأولادهم وعيالهم، ولا يلحس منه لحسة، ولا يأخذ منه فلسا، ~~ولا يدخله في بيته أبدا، بل يضعه في الزاوية حتى يفرقه النقيب. # 44 # منظر زاوية يعيش فيها طلبة العلم ويأوي إليها الصوفية. # ونظام الزوايا لا يزال حيا في بلاد المغرب، وكان سكان الزوايا ممن تتحدث عنهم ~~البرقيات في الحرب الطرابلسية والمراكشية، والسنوسيون الذين أضجروا المستعمرين حينا من ~~الزمن كانوا من سكان الزوايا، ولكن هذا النظام انقرض من مصر ولم يبق له في المجتمع أثر محسوس. # 45 # ويظهر من كلام الشعراني في مواطن مختلفة أن الزوايا كان لها عصبية طائفية، وكان ~~المريد الذي ينتقل من صحبة شيخ إلى شيخ يتهم بأنه أراد الدنيا ولم يرد الدين، ومعنى ذلك ~~أن الزوايا كانت تختلف في ليونة العيش باختلاف أقدار الأشياخ، فبعض الزوايا يهدى لأهلها ~~الخبز القفار. وبعض الزوايا تحمل إلى أهلها أطايب اللحوم ms232 وأسفاط العنب والتين! # وما نقول هذا ساخرين، فقد افتخر الشعراني بزاويته فذكر أن الفقراء كانوا يجدون فيها ~~ما يحتاجون إليه من طعام ولباس، وأن الحق جل وعلا كان يرسل إليه كل سنة من عسل النحل ~~نحو عشرة قناطير، ومن عسل القصب نحو خمسة عشر قنطارا، ومن القمح ثلاث مئة أردب، وكان ~~يرسل إليه كل سنة نحو ألفي بطيخة من البطيخ الهندي يأكلون منها طول السنة حتى يطلع ~~البطيخ الجديد، # 46 # وقد صرح في البحر المورود # 47 # أنه ينبغي للشيخ أن يخرج من الزاوية كل من غير وبدل عهود الفقراء التي دخل ~~الزاوية على نيتها، كما إذا دخل في العهد مع الشيخ على أن يرضى باللقمة والخلقة ثم طلب ~~زيادة على ذلك. ثم قال: «وجلوس مثل هذا في الزاوية ضرر بلا نفع. ومن شرط رهبان الكنائس ~~فضلا عن المسلمين أن كل راهب أحب الدنيا أخرجوه من كنيستهم، وقد صارت الزوايا الآن ~~مصيدة للدنيا لا غير». # 48 # وبعض ما سلف قاطع في الدلالة على ما كان للزوايا من القيمة المعاشية والاجتماعية. # 49 # طبقة الفلاحين # بقيت طبقة الفلاحين، وهي طبقة كانت محتقرة في القرن العاشر، بدليل أن الشعراني يرى ~~الفلاح كالزبال، وبدليل أنه جعل من نعم الله مهاجرته من بلاد الريف إلى مصر ونقله «من ~~أرض الجفاء والجهل إلى بلد اللطف والعلم». # 50 # وهذه النزعة لا تزال حية إلى اليوم. ولا يزال الفلاحون ~~يرون أنفسهم منحطين، وفيهم من يرى البواب في ~~القاهرة أرفع مقاما من الفلاح في الريف، ومن أغانيهم: # ليلتك سعيدة وسعيدة يا رايح مصر. # ومن أمثالهم: «الذوق لم يخرج من باب الحديد»، أي: أنه مقصور على القاهريين، كأن أهل ~~القاهرة عندهم ذوق! # وذكر الشعراني أن أحد علماء الأزهر تزوج من مصرية، أي: قاهرية، وقدمت أمه من الريف ~~لزيارته، فتنكر لها لئلا تعرف زوجته أن أمه فلاحة، وهددها بالضرب إن علم أحد أنها أمه ~~وأنه ابنها الغالي! # ومن الشعراني نعرف أن الفلاحين كانوا مستضعفين، كان يتحكم فيهم الولاة ومشايخ العرب، ~~أما الولاة ms233 فهم الحكام، وأما مشايخ العرب فهم جماعة من الأعيان كان لهم في مصر مقام ~~مهيب، و«شيخ العرب» لقب فخم يذكره الشعراني في مواطن كثيرة بالتعظيم والتبجيل، كأن ~~يقول: «أخذ علينا العهد إذا حصل لنا جاه عند حاكم من محتسب أو قاض أو شيخ عرب أن لا ~~نغفل عن نصحه ولا عن قضاء حوائج الناس عنده». # 51 # وقد ظل هذا اللقب حيا إلى عهد قريب، وبفضله ضاعت أملاك آبائي وأجدادي، ~~فقد كان منهم من إذا قيل له: «يا شيخ العرب» ثارت نخوته وأعطى باليمين وبالشمال. وعلى ~~الله العوض! # وكان أهل الريف ينقسمون إلى طبقتين: عرب وفلاحين، فالعرب هم أحفاد المسلمين الذين ~~وفدوا مع عمرو بن العاص، والفلاحون هم الأقباط الذين أسلموا، وكان بين هاتين الطبقتين ~~عداوات وأحقاد، وكان العرب لا يصاهرون الفلاحين إلا متفضلين. # وكان مشايخ العرب في القرن العاشر يملكون من السيطرة ما يملك الحكام فقد حدثنا ~~الشعراني أن الله حماه من الأكل من ضحايا الولاة ومشايخ العرب التي يرسلونها إلى ~~الزوايا؛ لأنه علم «أن الكشاف ومشايخ العرب يأخذون هذه الضحايا التي يفرقونها من أهل ~~البلد غصبا». # 52 # وكان ظلم الولاة للفلاح أقبح من ظلم مشايخ العرب، فقد دعا الشعراني إلى الزهد في ~~ولاية أمور الناس؛ لأن الوالي يقع في أمور كثيرة، منها: «إلزامه بتخليص الخراج ~~للمستحقين من الفقهاء وأرباب الشعائر مع ضيق حال الفلاح وخراب بلده وإلزامه بخراج ~~العاطل والبور لجهة أقوى منه حتى لا يتركوا له أردب قمح لأولاده الصغار. فإن سلك هذا ~~الناظر الفقيه أو الفقير مسلك الولاة والأمناء والملتزمين وباع قوت الفلاح وبقرته التي ~~يأكل لبنها خرج عن سياج علمه وفقره إلى سياج الظلمة، وإن لم يسلك ذلك قام عليه ~~المستحقون وقالوا له: أنت لا تصلح لهذه الوظيفة، فيصير هو وإياهم في نزاع وخصام ويقولون ~~له: أنت مفرط في تخليص الخراج فليزمك كل شيء فضل عند الفلاح». # 53 # وهذا الكلام صريح في أن الفلاح كان يقاسي مصاعب كثيرة في دفع الخراج، وكانت الأرض لا ~~تعاين، بل ms234 يدفع خراجها ولو كانت بائرة، فلا يبقى عنده شيء، حتى البقرة والقوت. # أيمان الطلاق # وكان الحلف بالطلاق يكثر في القرن العاشر، نعرف ذلك من قول الشعراني فيمن ينقل أخبار ~~السوء: «فإذا قيل له: سمعت ذلك من أي شخص؟ فيقول: من واحد لا ينبغي ذكره، أو من واحد ~~حلفني بالطلاق أني لا أذكره»، ومن قوله: «كان لي صاحب من طلبة العلم ضرير أطالع معه ~~العلم ويفيدني الفوائد الحسنة، فتخاصم مع بعض الطلبة فقال له: أنت لا تجيء إلى فلان إلا ~~بقصد الغداء والعشاء، فحملت ذلك الصاحب المروءة فحلف بالطلاق من زوجته ما عاد يأكل عندي ~~في تلك السنة». # 54 # ونذكر من باب الفكاهة أن القرية التي نشأ فيها الشعراني - وهي ساقية أبو شعرة - لا ~~يزال أهلها معروفين بالإكثار من أيمان الطلاق، وقد تقف حمارة أحدهم عن عبور الماء، ~~فيحلف عليها بالطلاق أن تمر، وقد لا تفهم المسكينة خطر اليمين فيضربها حتى تسقط في ~~الماء. # وأهل بدلنا يعيرونهم بذلك ويروون عنهم نوادر تضحك المحزون. # إقامة الموالد والمآتم والأعراس # وفي كلام الشعراني شواهد صريحة على أن إقامة الموالد كانت مما ابتلي به المصريون في ~~القرن العاشر، وإنما عددناها من البلاء؛ لأنها كانت وصلت إلى التبذل والإسفاف، وبيان ~~ذلك أن الصوفية كانوا يقيمون الموالد وينفقون عليها الأموال ليطعموا الفقراء والمساكين، ~~ولكن أولئك الصوفية لم تكن لهم مكاسب، فكانوا يجمعون الأموال للموالد بسيف الحياء، وما ~~زالوا يلحون حتى ضج الأغنياء ، وقد تحدث الشعراني عن هذه البلايا الأخلاقية فقال: # ومما من الله تبارك وتعالى به علي عدم أكلي طعام من يأكل بدينه من فقراء ~~هذا الزمان، ويجرح الناس ويسلقهم إذا لم يبروه بألسنة حداد، ولا سيما إذا عمل ~~مولدا كبيرا فإنه لا يكاد يحلل فيه ولا يحرم، أي: لا يحلل الحلال ويكتفي به، ~~ولا يحرم الحرام ويجتنبه؛ فالورع ترك الأكل من طعام هؤلاء؛ لأنه لولا اعتقاد ~~الناس فيهم الصلاح لم يعطوهم شيئا؛ ومعلوم أن من يأكل الدنيا بدينه أقبح ممن ~~يأكلها بدنياه. # 55 # وحدثنا أن شخصا ms235 من الأمراء سأل الخواص أن يعمل له مولدا فأبى، وقال: «والله إن كسبي ~~من هذا الخوص لا يعجبني، فكيف آكل من كسب الأمراء وأدعو الناس إلى الأكل منه». # قال الشعراني: وقد أخبرني شخص من جماعة الباشا علي الوزير فقال: قد سئمت نفوسنا من ~~كثرة سؤال هؤلاء المشايخ الذين يعملون لهم موالد، فلم يتركوا عندنا عسلا ولا أرزا ولا ~~عدسا ولا بسلة، وإيش قام على هؤلاء أن يشحذوا ويعملوا لهم موالد. # 56 # وقد عرض لهذه المسألة في البحر المورود بكلام أصرح فقال: # أخذ علينا العهد ما دمنا فقراء من المال أن لا نعمل قط مولدا حافلا ولا ~~طهورا ولا سبوعا ولا وليمة واسعة ولا عزومة كبيرة ولا غير ذلك، حفظا لديننا ~~ورحمة بإخواننا من التجار الذين لا يهون على أحدهم كسرة ليتيم، فإنهم إذا رأونا ~~في مهم ربما تجونوا في مساعدتنا رياء وسمعة أو غصبا في عمل الطعام أو في ~~النقوط للمداحين ونحو ذلك، وأكثر إخوان الفقير في هذا الزمان على علالة في ~~صحبته لأمور يطول شرحها من جانبه ومن جانبهم، وربما يقولون: بلغنا أن سيدي ~~الشيخ ناوي يعمل مولدا أو طهورا أو عرسا لولده، وما نعرف والله نساعده بإيش، ~~وإيش قام على الفقير يعمل له مولدا أو غيره ويكلف الناس. فإذا قال بعضهم: أنا ~~ناوي لا أساعده ولا أحضره، يقول له بعضهم: فضيحة من الشيخ، ويبقى الشيخ يعتبك ~~وجماعته، فيحتاج أن يحضر بغير نية صافية خوفا من العتب وإظهارا للنخوة ~~كالمكره، ثم إذا نقط مثلا لا تسمح نفسه قط بأن يعطي النقود للمداح خفية بحيث ~~لا يدري الشيخ ولا جماعته ولا أحد، وربما يحوش للمداح أيضا العتامنة المقطعة ~~والقشاقش تكثيرا للفعل، ومصداق ذلك أنه لا يسمح بإعطائها جملة واحدة سرا ~~كأنها عثماني واحد أبدا، ثم ليحذر الشيخ أن يمكن جماعة من أن يدعوا أحدا من ~~الأكابر للحضور كالدفتر دار وقاضي العسكر وأمراء السناجق وأضرابهم فإن ذلك من ~~سوء الأدب، ومن أين لأمثالنا من الضعفاء أن يستحق مشي الأكابر إلى داره ms236 لأجل ~~لقمة عملت من أوساخ الناس يأنف من أكلها خدامهم فضلا عنهم. # 57 # وفي هذه الكلمات صور كثيرة من المجتمع لذلك العهد، وحكاية النقوط لا تزال حية في مصر ~~إلى اليوم، وتنقيط المداحين معروف، وهو يقع عند «قص شعر المطاهر» وعند «استحمام ~~العريس»، وهو يستحم في الطشت علنا بين الأهل والأصدقاء، ويقف المداح أو المزين ويقول: ~~«شوبش يا حبايب» فيعطيه كل امرئ ما تجود به نفسه باسمه واسم أبيه وأبنائه وإخوته ويصيح ~~المزين عند كل اسم بعبارات شعرية يعرفها أهل الريف، وكانت النقوط تدفع أيضا ليلة «جلوة ~~العروس»، ثم ماتت هذه العادة وبقي النقوط يدفع للعروسة في الصباحية، وهي تقاليد تنم عن ~~ذوق ولطف: لأنها من التهادي المقبول، ولكن يقع كثيرا أن تتغير بسببها النفوس؛ لأنها ~~ديون عرفية يعسر قضاؤها في بعض الأحيان. # والمهم هو الكلام عن الموالد فقد حاربها الشعراني في مناسبات كثيرة؛ لأنها كانت تشبه ~~الضرائب السنوية فكان كل رجل من أتباع «الشيخ» يقدم ما يستطيع من الأطعمة أو الذبائح، ~~وكان المشايخ ينتظرون ذلك ويغضبون ويعتبون حين (تنقطع العادة)، وكان التفاضل بين ~~المشايخ قائما على نسبة نجاحهم في جمع الهدايا؛ لإقامة الموالد التي تجمع ذخائرها من ~~أوساخ الناس، كما قال الشعراني. # وقد عاش هذا التقليد في مصر إلى عهد قريب، وما أحسبه مات، فلشيخ الطريقة في ذمة كل ~~مريد جدي أو خروف يقدمه عند المولد، وتجمع الجديان والخرفان ثم تساق إلى ساحة المولد ~~فتذبح هناك، ويدعو شيخ الطريقة من شاء من الخواص، ويقبل عليه من شاء من العوام، وتكون ~~مأكلة عظيمة يتحدث بأخبارها أصحاب البطون! # وللقارئ أن يضيف هذا إلى المظالم التي كان يعانيها الفلاحون في دفع الخراج ليرى كيف ~~كانوا يقعون في بليتين: غطرسة الحكومة ودهاء المتصوفين. # وكان المصريون في القرن العاشر ممتحنين بالمآتم والأعراس، نعرف ذلك من قول الشعراني: # ومما من الله تبارك وتعالى به علي حمايتي من الأكل من طعام النذور والأعراس ~~الواسعة وطعام العزاء والجمع وتمام الشهر فلا أستحضر أنني أكلت شيئا من ذلك ms237 ~~إلا مرة واحدة ثم تقيأته. # 58 # والمفهوم من هذا أن الشعراني يحارب عادات شاعت في عصره، وكان يقع فيها الصوفية ~~والعلماء، وقد فصل ذلك فقال: # وأما أطعمة العرس الواسعة، فإن الغالب على صاحبه التكلف فيه فيطبخ ما ليس من ~~عادته أن يطبخه مما هو فوق طاقته فترى أبا العريس وأم العروسة أو أم العريس ~~يبيع أحدهم ثيابه في عمل الطعام أو يقترض غالب ذلك ولو بالربا، ويقول: قد تجونت ~~في عمل هذا العرس وما بقي إلا عمله، فيعمل ذلك الطعام، متكرها له، متفاخرا ~~به، حتى إنه بعد ذلك ربما سمع بعض الناس يقول: كان طعام فلان أكثر من طعام فلان ~~فيتأثر لذلك. وأما طعام العزاء والجمع وتمام الشهر # 59 # فربما دخله المفاخرة كذلك، وربما عملوا ما عملوا من الفطير ~~والعجمية والسنبوسك والحلو والأرز متكلفين له خوفا من عتب الناس الذين ~~يعزون ويطلعون له التربة، وربما كان ذلك من مال الأيتام أو بعضهم، وليس لوليهم ~~فعل مثل ذلك شرعا: فالعاقل من فتش على كل لقمة دخلت بطنه قبل أن يضعها في فمه، ~~وكذلك لا ينبغي لمتورع أن يشرب من الماء الذي يسلبونه عند الدفن إن كان أهل ~~الميت يقيمون ذلك من التركة، اللهم إلا أن يكونوا بالغين رشداء. # والظاهر أن الطمع في طعام العزاء كان رذيلة فاشية، بدليل قول الشعراني «وقد حمى الله ~~تبارك وتعالى بعض إخواننا من الأكل من طعام العزاء فالله يديم عليهم ذلك». # ولا يمكن أن يكون التورع عن طعام العزاء فضيلة إلا إن كان الطمع فيه قد عم وشاع. # وهذه العادات لا تزال حية في أكثر البيئات المصرية، فقد يعيش بعض أهالي البلاد مدينين ~~أثقل الدين؛ لأنهم يقيمون الولائم الكبيرة في حفلات الطهور والزواج، ويدعون إليها أكثر ~~أهالي البلد ومن يعرفون من البلاد المجاورة، ثم تكون مطاعم كثيرة تنهب ما تنهب من المال ~~المدخر والمقترض، وتكون أحيانا من أسباب الخراب. # والظاهر أن التهالك على أطعمة العزاء هو الذي أنطق الفلاحين بهذا المثل الظريف: # موت وخراب ديار. # وكلام ms238 الشعراني في هذا الموضوع خليق بالدرس، فأكثر المآتم تؤخذ نفقاتها من أموال ~~الأيتام، وتكاد المآتم في مصر تضاف إلى الأعراس من حيث الإسراف في النفقات، وأكثر أهل ~~مصر لا يعقلون. # أزياء الصوفية # ونفهم من كلام الشعراني أن صناعة النسج كانت وصلت إلى أبعد الحدود في القرن العاشر، ~~فقد كان نساء مصر يعرفن من الثياب ما يسمى بالرقيق، ويقول الشعراني عن النهي عن تلك ~~الثياب: # أخذ علينا العهد من رسول الله أن لا نكسو عيالنا من الثياب التي تصف البشرة، ~~ولا نقرها أن تشتري لنفسها ذلك، مبالغة في سترها عن عيون الأجانب الذين يدخلون ~~الدار من الرجال الأجانب والنساء. فربما نظرت الأجانب إلى فرج المرأة من تحت ~~الثياب الرقيقة كما تنظره من تحت الزجاج الصافي. # 60 # وكلمة «عيال» في كلام الشعراني ترد غالبا بمعنى الفتيات والنساء، وربما أريد بها ~~المفرد وهي جمع. ومن الواضح أن الشعراني لا يتكلم عن جميع الطبقات، وإنما يشير إلى ما ~~كان يقع في بيوت المترفين. # لبس الحرير والتحلي بالذهب # ويظهر من كلام الشعراني أيضا أن الحكام كان يؤخذ عليهم لبس الحرير والجلوس عليه ~~والتحلي بالذهب، وهو يحدثنا أن علماء عصره كانوا يسكتون عن لبس الظلمة الحرير، أو ~~ينكرون عليهم مع طمعهم فيما بأيديهم وقبولهم هداياهم وترددهم إليهم من أجل ~~ذلك. # 60 # ونفهم من كلامه أيضا أن بعض الصالحين كان ينكر ~~عليهم، ولكن كانت تعوزه السياسة فكانوا لا يصغون إلى إنكاره، بل يزدرونه ويضحكون عليه. # ومعنى هذا أن لبس الحرير والجلوس عليه والتحلي بالذهب كان من المشكلات الاجتماعية، ~~وكانت توضع للنهي عنه قواعد وآداب، ومن أجل هذا كان الصوفية من جانبهم يبالغون في ~~التخشن، ويؤثرون لبس الصوف والمرقع من الثياب، فكانت ملابس الرجل هي الدليل على ما ~~يصطنع من الأخلاق. # وهذا لا ينافي ما قرره الشعراني من وجوب مداواة النفوس في بعض الأوقات بأكل المطاعم ~~اللذيذة، ولبس الثياب النفيسة؛ لأنه اشترط أن يكون ذلك من وجه حلال بعيدا عن الحرام والشبهات، # 61 # وهو يريد الكسب الحلال ولم ms239 ينص على حل الاستعمال؛ لأن ذلك معروف. # تحاسد العلماء # وكان علماء مصر في القرن العاشر يتحاسدون ويتباغضون، وكان الرجل منهم يكره أن يعرف ~~تلميذه رجلا غيره، وكان كل عالم يوهم تلاميذه أنه هو وحده العالم وأن من سواه جهلاء. ~~وقد فشا هذا العيب في أهل ذلك العصر بدليل ما نرى في كتب الشعراني من حربه، فقد ~~ندد به أكثر من عشرين مرة، وروى لنا كثيرا من الطرائف نكتفي منها بشاهدين اثنين: # معت شخصا ضعيفا مثلي يقول: والله العظيم لا أعلم الآن في مصر كلها أعلم ~~مني، ولو أنني علمت لمشيت إليه واستفدت منه؛ ومثل هذا مجنون، وأقل جزائه أنه ~~حرم بركة علماء زمانه، ومات بجهله. ورأيت شخصا يدعي القطبية يقول: أطلعني الله ~~على دائرة الأولياء كلهم فلم أر فلانا - وأشار إلى شخص من صالحي عصره - فقال ~~له شخص في المجلس: إن كنت صادقا فقل لي: كم في لحيتك من شعرة؟ فما دري ما يقول ~~وخجل بين الناس. # 62 # وكانت «المعارضة» في القرن العاشر تتمثل في اغتياب الحكام والوزراء في المنازل وفوق ~~المصاطب، فقد حدثنا الشعراني أن من الناس من يكون الخير في أن لا يجدونا في المنازل عند ~~الزيارة، وهم الذين يأتون «للغو والهذيانات وذكر أخبار الدولة وحكاية أخبار الناس». # 63 # وكان الشعراني يكره اغتياب الحكام ولا يحب أن يتصل بأعداء الدولة، وله في ذلك سياسة ~~بسطناها عند الكلام عما وضع من الآداب لمعاملة الحكام. # ظلم الولاة للفلاح # وكان من أصحاب الجاه في القرن العاشر من يقضي مصالح الناس طمعا في هداياهم «وذلك ~~حرام بنص الشريعة وبيع للدين بالدنيا، وذلك أن الشفاعة عليك واجبة إن تعينت عليك، وفعل ~~الواجب لا يجوز أخذ العوض الدنيوي عليه». # 64 # وهذا عيب قديم عرفه أهل المشرقين، وهو لا يزال حيا في مصر، وفي القاهرة فيما يقال ~~جماعات لتنظيم هذه «الشئون»، وكانت لها فضائح عرفتها المحاكم، وسمعت فيها شهادة أحد ~~الوزراء. وأثمان الشفاعات والوساطات تضج بأخبارها الأندية، ولو جاز لكاتب أن يدون ما ~~يسمع وما ms240 يعرف من أخبار الأسواق التي تباع فيها الوظائف لانكشفت من الحياة الرسمية ~~جوانب تزكم الأنوف. # وقد فزع بعض الأطهار من شيوع هذا الرجس فوضعوا قواعد للتعيينات والترقيات، وقد كتبت ~~هذه القواعد فيما علمت بماء الزعفران على جلد الغزال، بحيث لا تلحس ولا تمزق! فلا ~~تصدقوا من يقول: إنها قواعد صورية لم توضع إلا لتزيد تعقيد الأمور في أوجه من لا عم لهم ~~في الحكومة ولا خال. # شيوع الظلم والفسق # والشعراني كثير السخط على أهل زمانه، ولو صدقناه لجزمنا بأن مصر في القرن العاشر كانت ~~مباءة لجنود إبليس، لعنة الله عليه وعليهم! وهو ينص بالذات على خيانة الجار للجار، ~~ويراها من أكبر الموبقات. وفي كلام الشعراني أن الزنا كان رذيلة شائعة لم يسلم منها أحد ~~من الناس «حتى وقع أن جماعة من الأكابر اجتمعوا في مجلس فقال شخص منهم: من سلم منكم من ~~الزنا فليحلف لنا بالله تعالى أنه ما زنى، فما تجرأ أحد منهم على الحلف، واعترفوا ~~جميعا بأنهم وقعوا في ذلك في شبابهم». # 65 # و«الأكابر» في كلام الشعراني هم الصوفية، لا الوزراء، وهل يسأل الوزراء هذا السؤال؟! # وشيوع الفسق لا يقع في أمة إلا في أزمنة الانحطاط؛ لأن الناس لا يفسقون إلا حين ~~يحرمون من الشواغل الجدية، أي: حين لا يجدون من أعمال الشرف ما يلهيهم عن أعمال الدنس. # وقد ظل الشعراني حافظا للعنجهية الريفية، وهي عنجهية تقوم على الترفع والإباء، وهو ~~من أجل ذلك يسيء الظن بأبناء الحواضر ويرى صحبتهم بابا إلى الفسوق، ويقول في ذلك: # وقد فسد جماعة من كثرة أكل الشهوات وخلطة من لا يصلح من أولاد مصر. # 66 # و«أولاد مصر» هم شبان القاهرة، وقد سمعت أنهم صلحوا في هذه الأيام! # ولم يكن الفسق كل ما يشكو الشعراني من عصره، بل كان يعتقد أن زمانه قل فيه الحلال ~~«حتى إنه لا يكاد يوجد منه شيء في يد شيخ من شيوخ الفقراء فضلا عن آحاد الناس». # 67 # تقاطع الأهل والجيران # وكان التعاطف والتراحم مما يعسر وجوده بين ms241 الأقرباء «فكان الناس يسألهم قريبهم ثوبا ~~أو طعاما أو دراهم فلا يعطونهم شيئا، ويسألهم شخص لا قرابة بينهم وبينه فيعطونه، ولعل ~~العلة في ذلك أن القريب يأخذ ولا يشكر أصلا، أو يشكر ولا يبالغ في الشكر، ويقول: لا ~~جميلة في ذلك لقريبي بخلاف الأجنبي، فإنه إذا أخذ من أحد شيئا يشكر صاحبه في المجالس ~~ويبالغ في الثناء عليه، والنفس من شأنها أن تحب ذلك». # 68 # ومعنى هذا أن المعروف كان لا يقدم إلا في انتظار ثمنه من الشكران. # وللشعراني في ذلك كلمة محزنة تصور تقاطع الأهل والجيران في عصره، وتبين كيف كان ~~الفلاحون في الريف يقاسون بلايا الشحناء: # أخذ علينا العهد أن نعلم كل من رأيناه في بلاء في هذا الزمان طريق الخلاص ~~منه، لا سيما أهل القرى من الفلاحين لغلبة الجهل عليهم، وأعظم طريق إلى رفع ~~البلاء النازل على الناس في حارة أو قرية أو زاوية مصالحة بعضهم بعضا حتى لا ~~يبقى بينهم شحناء ولا عداوة ... وقد علمت ذلك لبعض أهل القرى وكان بينهم ~~العداوة والقتل والنهب والخروج من الأوطان فاصطلحوا وتعاطفوا فارتفع البلاء من ~~بلدهم، وذلك أن البلاء لا ينزل قط على قوم وهم على قلب رجل واحد ... وقد قال شخص ~~مرة لسيدي علي الخواص: يا سيدي، ما بقي قلب مع قلب في هذا الزمان، فما سبب ذلك؟ ~~فقال الشيخ: سبب ذلك عدم برهم لبعضهم؛ لأن الحسنة هي التي تربط القلوب بعضها مع ~~بعض. قلت: وهذا الأمر قد أيسنا من وقوعه ما بقيت الدنيا، وقد قلت مرة لجماعة من ~~الإخوة الأشقاء: بالله أيكم يعتقد في أخيه أنه إذا مات عن أطفال فقراء أنه ينفق ~~عليهم ويطعمهم ويكسوهم حتى يعينهم الله من فضله أو يموتوا، فقال كل منهم: والله ~~ما منا أحد يظن في أخيه ذلك. فإذا كان هذا بالإخوة فكيف بغيرهم! فما بقي أحد ~~يعطف على أحد. وانظر يا أخي إلى صاحبك وجارك الغني كيف تمكث السنة والسنتين ~~وأكثر لا تنظر منه قط لقمة ولا خرقة ولا حسنة ms242 من حسنات الدنيا إلى أن يموت، وإن ~~وقع لك ذلك من جار أو صاحب فهو من غلطات الزمان، وقد صار الأمر روايات وأخبارا ~~كأنه قط لم يكن في الوجود. # 69 # ومن هذا الكلام نعرف أن الفلاحين كان يبغي بعضهم على بعض بالنهب والقتل، وكان فيهم من ~~يخرج من بلده لينجو من أذى العداوات، ونعرف أن الإخوة والجيران كانوا لا يعرفون التعاطف ~~والتراحم، ولا يقيمون وزنا لأواصر القرابة والجوار. # وهذه الأخلاق لم تنقرض من مصر، وكيف تنقرض وهي رذائل إنسانية عرفها الناس في كل بلد، ~~وفي كل جيل؟ ولعل الناس في عصر الشعراني كانوا أرحم من ناس هذا الزمان، ففي عصر ~~الشعراني كان الرجل القوي يعتمد على الرمح والسيف، أما الرجل القوي في هذا الزمن فيعتمد ~~على أسلحة وضيعة أشرفها الدس والكيد والبهتان. # في عصر الشعراني كان أهل البغي يجدون من يحذرهم عواقب البغي، أما في عصرنا فيعيش ~~الباغون عيش الشرفاء؛ لأن الانتقام صار شريعة مرضية لها قواعد وأصول. # في عصر الشعراني كنت تجد عصبة من أهل الخير تدفع عنك عنف الباغين أما في هذا العصر ~~فيقف كرام الناس على الحياد، ويتركون الظالم ينتاشك، ويفتري عليك، ويذيع من حولك ~~الأراجيف، ولا يتقدم رجل شهم فيقفه عند حده، على نحو ما كان يفعل الرجال، أيام كان في ~~الدنيا رجال. # أعوان الظلمة # والشعراني يتحدث عن الظلمة وأعوان الظلمة في كل كتاب، بل في كل صفحة من كتاب، وهذا ~~يدل على أن مصر في القرن العاشر كانت تشقى بآثام الظالمين، وقد بقي ظل هذه المآثم على ~~ألسنة العوام، فتجد كل أم في الريف تدعو لابنها بهذا الدعاء: «الله يكفيك شر الحاكم ~~الظالم»، فالحاكم الظالم كان الشبح المخيف الذي يستعيذ منه الناس. # والحاكم الظالم انقرض من مصر، وشعر الجمهور بالأمان؛ لأن الرجل في الأعصر الخالية كان ~~لا يأمن في كل لحظة أن ينقض عليه أحد الظلمة، فيسلب ماله أو يسخره أو يضطهده بلا سبب ~~مبين. # أما في هذه الأيام فلا يستطيع أمير ولا وزير أن ms243 يعتدي على ملكية أحد، ولو كان من ~~الصعاليك، وفي مقدور كل امرئ أن يغدو إلى شأنه آمنا مطمئنا، ولا يتعرض المرء للشر في ~~هذه الأيام إلا إذا اشترك في الحياة العمومية، فإن فعل فهو عرضة للظلم المصقول الذي ~~ابتدعته المدنية. # وأريد أن أقول: إن الرجل لا يتعرض للشر إلا إذا تسامت نفسه إلى أن يكون من الشخصيات ~~المرموقة في المجتمع؛ فإن قنع بأن يكون فلاحا أو نجارا أو حدادا فهو آمن كل الأمن ~~ولا رقيب عليه ولا حسيب. # كان يستطيع الملوك في الأيام السوالف أن يستصفوا أموال من يغضبون عليهم من الوزراء؛ ~~أما في هذا العهد فلا يستطيع أكبر ملك أن يأخذ قرشا واحدا من أصغر مخلوق إلا بحكم ~~القضاء، والقضاء في هذه الأيام تضرب بعدالته الأمثال. # إن عصرنا لا يعرف الظلم إلا في باب واحد: هو تظالم الجماعات والأحزاب، فمن اشترك في ~~جمعية أو حزب فهو مباح العرض، ينتاشه من شاء كيف شاء، وهذا شر تمكن السلامة منه بتجنب ~~التحزب والإقبال على الأعمال البعيدة من معسكرات الأحزاب؛ أما في عصر الشعراني فكان ~~الشر ينتظر الرجل في كل مكان، ومن أجل هذا نراه يستعيذ من الظالمين وأعوان الظالمين. # بقي أن ننص على خصيصة أصيلة من خصائص المصريين في القرن العاشر، تلك هي الإحساس ~~بقيمة الأخلاق، والحرص على إقامة شعائر الدين، فقد كانت الحواضر والأقاليم تعج عجيجا ~~بمواكب الصوفية، وكان للفقهاء سلطان ملحوظ يتهيبه الأمراء والوزراء، ولو قام في مصر ~~لهذا العهد رجل مثل الشعراني ونهى الناس عما انغمسوا فيه من الرذائل والشهوات لعدوه من ~~المخبولين. # في عصر الشعراني كان الناس جميعا يعرفون الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكان المفرط ~~في دينه يكاد يتوارى من الخزي؛ أما في هذا الزمن فالأخلاق كلام في كلام، ولا يجوز لعاقل ~~أن يعامل أحدا إلا بسند مكتوب. # كان الشعراني يقول: # رأيت جماعة يلبسون الصوف، ويأخذون في أيديهم السبحة، وألسنتهم كالعقارب، ~~وأفواههم كأفواه التماسيح، وبطونهم كالسفن، وهم مع ذلك يدعون الطريق. # وهذه الحال توجد في مصر، ولكن ms244 بشكل أبشع، والفرق بين الناس في العصرين: أن المرائين ~~في القرن العاشر كانوا يعرفون بحمل السبح ولبس الصوف، أما المراءون في هذا العصر ~~فيتحدثون كثيرا عن «الضمير»، ويطوفون طواف الخشوع حول كلمة «الأخلاق» ويلوذون باسم ~~«الوطنية» في أكثر الظروف. # وإذا كان الشعراني شبه ألسنة معاصريه بالعقارب وأفواههم بأفواه التماسيح وبطونهم ~~بالسفن، فإنا نرى ألسنة معاصرينا أمضى حدا من عقود الشركات، ونرى أفواههم أخطر من ~~أفواه المدافع، ونرى بطونهم أوسع من المحيط. والله المستعان على أهل هذا الزمان. # أما بعد فقد صورنا المجتمع المصري في القرن العاشر كما رأيناه في كتب الشعراني، ~~وانزلق القلم فصور بعض ملامح المجتمع في العصر الحاضر، وكنا نود أن يسلم القلم من هذا ~~الانزلاق، ولكن واجب البحث قضى بالموازنة بين عهدين عانتهما مصر وشقي بهما المصريون. # وقد جهدت في صرف القلم عن هذه الموازنة، فلم أصل في صده إلى ما كنت أريد، ولعل هذه ~~الوخزات تنفع في تذكير من ظنوا أن المقادير سكتت عنهم فلوثوا المجتمع المصري أقبح ~~تلويث. # فإذا كان القارئ يتشوف إلى كلمة فاصلة في ختام هذا البحث، فإني أذكر أن المصريين في ~~القرن العاشر كانوا يشجعون من يبصرهم بعواقب ما يصنعون. أما المصريون في هذا العصر فلا ~~يسرهم أبدا أن يذكرهم باحث بواجب الرجال في رعاية العدل. # ألا ترونني أمشي على الشوك وأنا أسطر هذه الكلمات؟ # غفرانكم يا أهل «الضمائر» في العصر الحديث! # | حياة اللهجات العربية في مؤلفات الصوفية # ترددت طويلا في كتابة هذا الفصل. ثم شجعني عليه أنه لا يخلو من فائدة أدبية متصلة ~~بالتصوف، وفي إنشائه توجيه لمن يهمهم أن يدرسوا تطور اللهجات في مختلف الأقطار العربية. # الصوفية يكتبون في الأغلب لعامة الناس # وخلاصة الفكرة أن الصوفية في الأغلب يكتبون لعامة الناس، فهم لا يبالغون في تخير ~~الفصيح من الألفاظ ولا يدققون في صقل الأساليب، ومن أجل ذلك نرى في مصنفاتهم ألفاظا ~~وتعابير لا نجدها عند من يعاصرهم من الكتاب والشعراء والخطباء، وقد يتفق في أحيان كثيرة ~~أن نرى عندهم ألفاظا ms245 يعسر الرجوع إليها في المعجمات، ويتفق أيضا أن نراهم يصوغون ~~الجمل صياغة تنكرها قواعد النحو القديم، ويحدث كذلك أن يغلب عليهم إغفال الإعراب، وذلك ~~مما يدل على أن البلاغة عندهم تقوم على أساس أصيل هو تبليغ الدعوة الأخلاقية إلى سواد ~~الناس. # وبقليل من التأمل ندرك أن أولئك القوم لم يكونوا من الغافلين، فالبلاغة في الأصل هي ~~إقناع المخاطب، وما تخاطب به العوام يجب أن يختلف عما تخاطب به الخواص، وإلا وقع الكاتب ~~في العي الذي نهى عنه البلغاء. # اختلاف أساليب الكتاب وألفاظهم باختلاف بلادهم # ومن الحق أن فصحاء الكتاب تختلف ألفاظهم وأساليبهم باختلاف القطر الذي يعيشون فيه، ~~ولا يستثنى من ذلك إلا الكتاب الذين عاشوا تحت سيطرة بغداد وإن كانوا أجانب عن العراق، ~~فقد نرى في الكتاب المصريين والأندلسيين من يكتب على نحو ما كان يكتب الجاحظ أو ابن ~~العميد، فإذا خلينا هؤلاء ومضينا نستقرئ ألفاظ الكتاب والشعراء رأينا فيها ملامح محلية ~~تختلف باختلاف الأقاليم، وقد استطعت وأنا أنشئ كتاب (النثر الفني) أن أدل على شيء من ~~ذلك، فبينت أن عند أحمد بن يوسف المصري ألفاظا وتعابير هي في صميمها مصرية، وأن عند ~~المطهر الأزدي ألفاظا لا تعرف في غير البيئات العراقية، وعند مراجعة كتاب الأم الذي ~~ألفه البويطي لاحظت أن فيه ألفاظا وتعابير لا يعرفها إلا الفلاحون المصريون. # وهذا الذي أقول به هو الأصل، ويجب أن يلحظ في كل مكان؛ لأن اللغة العربية احتلت ~~بلادا كانت لها لغات قوية فورثت عنها خصائص كثيرة، واللغة العربية في هذه الأيام تعاني ~~شيئا من ذلك، فقد بدا لي مرة أن أقارن بين الصحف المصرية والسورية فرأيت شواهد كثيرة ~~من اختلاف الألفاظ والتعابير، فالصحف المصرية تقول: «إشاعة» والصحف السورية تقول: ~~«شائعة» وإذا غاب طفل مصري عن أهله ونشر أبوه كلمة في الصحف لدلالة عليه قال: «قمحي ~~اللون». وإذا غاب طفل شامي عن أهله وكتب أبوه كلمة للبحث عنه قال: «حنطي اللون». # وكذلك يقال في الألفاظ الاصطلاحية، فنحن في المدرسة نقول: «الفصل» وهم يقولون: ms246 «الصف» ~~ونقول: «الواجب» وهم يقولون: «الفرض» ونقول: «الجامعة» فيقولون هم: «الكلية»، # 1 # وهذه مسألة مفهومة جدا لا يحتاج النص عليها إلى تفصيل. # 2 # عصبية القدماء لبلادهم # وفي كتب الصوفية جو آخر يختلف عن كتب الأدب كل الاختلاف، فالأديب لا تقع عنده ~~الألفاظ المحلية إلا بالرغم منه؛ لأن الأصل عنده أن يحاكي أقطاب الأدباء في القرن ~~الثالث والرابع، أما الصوفي فيكتب وهو مأخوذ بالوطن الذي يعيش فيه، وبالعوام الذين ~~يختلفون إليه، وهو في الأصل يحتقر الزخرف، ولا يبالي أين يقع؛ ولهذا نجد الصبغة المحلية ~~تغمر جميع الكتب التي ألفها الصوفية بلا استثناء. # 3 # وهنا مثل قريب يمكن الاستئناس به، وهو مثل نأخذه من الصوفية الذين يعيشون في مصر، ~~فألفاظ الأحمدية غير ألفاظ الشاذلية؛ وإنما كان ذلك لأن الأحمدية طال عهدهم بصحبة ~~الفقراء في وادي النيل، أما الشاذلية فألفاظهم في الأصل مغربية، ولها خصائص لا يعرفها ~~الأحمديون. # الألفاظ المدنية في كتب الصوفية # وأكثر الألفاظ المحلية التي نأخذها من الصوفية هي الألفاظ المدنية، أعني الألفاظ ~~المتصلة بالمعاش، الألفاظ الفكرية التي تعين أحوال النفوس فقد بقيت في الأغلب على صورة ~~واحدة: لأن الصوفية حرصوا عليها أشد الحرص، وأنشأوا في تفسيرها وتحديدها مباحث على جانب ~~من الأهمية، وإن كان ذلك لا يمنع أن ألفاظ المتأخرين قد تختلف عن ألفاظ المتقدمين بعض ~~الاختلاف. # والألفاظ المعاشية هي التي تقيد عند الدراسة اللغوية لكتب الصوفية، فما أذكر أن ~~الشعراني مثلا أكثر من ذكر الدارهم والدنانير، وإنما يقول: «الجديد» و«العتماني»، # 4 # وما أذكر أنه أكثر من الصاع وهو يتكلم عن المكاييل ، وإنما يقول: «الأدب»؛ ~~وإنما كان ذلك لأن الأصل عند الصوفية أن يخاطبوا الناس بما يفهمون؛ ولأن التأنق في ~~اختيار الألفاظ والتعابير هو عندهم نوع من الزهو والخيلاء يجب أن يتنزه عنه رجال ~~القلوب. # ولكن ما هي الكتب التي تدرس في هذا الفصل للدلالة على تطور اللهجات العربية؟ أتدرس ~~بعض كتب الشام والعراق؟ كنت أحب ذلك ولكنني أخشى أن لا أحس الألفاظ العراقية والشامية ~~إحساسا قويا يدلني على ما ms247 فيها من الصبغة المحلية، فلم يبق إلا أن ندرس كتبا مصرية، ~~وهنا أذكر أني أنست كل الأنس بتقييد ألفاظ الشعراني؛ لأني كنت أسمعها في طفولتي، وهو قد ~~نشأ في بلد يجاور البلد الذي نشأت فيه، فألفاظ الشعراني هي ألفاظ شعراوية أو سنتريسية ~~قبل أن تكون قاهرية؛ لأن الناس في العصور الخوالي كانوا يتعصون لبلادهم أشد التعصب، ~~وكانوا يتميزون بالنسبة إلى نشأتهم الأصلية، وقد يحدث في أحيان كثيرة أن ينسى اسم الرجل ~~ولا يعرف إلا وهو منسوب: فالسيوطي والمحلي والأشموني والأسنوي والشعراني والشنشوري ~~والأجهوري والسبكي، أمثال هؤلاء يعرفون منسوبين، وقد لا تعرف أسماؤهم إلا بالرجوع إلى ~~كتب الطبقات. # ومن المؤكد أن عند الشعراني ألفاظا كثيرة لا يحسها تمام الإحساس إلا أهل المنوفية؛ ~~لأن مصر في القرن العاشر كان يقل فيها ربط أهالي الأقاليم بعضهم ببعض لقلة المواصلات. ~~ومع أن ذيوع الصحف في هذه الأيام يؤثر تأثيرا شديدا في توحيد الألفاظ والتعابير، فإنا ~~نجد لأهل كل إقليم ألفاظا محلية لا يعرفها القاهريون، ويظهر ذلك جليا في مناقشات ~~مجلس النواب، وهل يتكلم علوي الجزار كما يتكلم خليل أبو رحاب؟ # ولنا صديق تغلب عليه لغته الصعيدية، رأيته مرة يشتم رجلا فيقول: إنه «خرج» وهي كلمة ~~لم أفهم مدلولها بالضبط، فهل تكون قريبة من قول أهل المنوفية: «فلان زي شرابة الخرج»؟ # 5 # وإنما نصصت على هذا ليعرف القارئ أن ألفاظ الشعراني هي ألفاظ شعراوية أو سنتريسية، ~~وليست كلها قاهرية، فإن من العسير أن تثبت الألفاظ المحلية في مثل مدينة القاهرة أربعة ~~قرون؛ لأن المدائن الكبيرة قليلة الحرص على موروث الألفاظ والأساليب. والألفاظ التي أنص ~~عليها هي الألفاظ التي لا تزال حية في سنتريس، أما الألفاظ التي ماتت ولم أفهمها إلا ~~بفضل السياق فسأغفلها كل الإغفال؛ لأن تحقيقها يحتاج إلى شرح طويل. # طائفة من الألفاظ والتعابير المصرية # ولكن ماذا نصنع؟ أنذكر كل كلمة في عبارة؟ أخشى إن فعلت ذلك أن أنسب إلى الفضول. # لقد قيدت ألفاظا كثيرة وحفظت أمكنتها من الكتب ومن الصفحات، ولكني أرى من ms248 الخير أن ~~أدعو القارئ إلى تصديق فأغفل المراجع، وليس في هذا ما يضاد المناهج العلمية في البحث؛ ~~لأن ذكر المرجع لا يكون إلا عند غرابة النص، وليس الأمر هنا كذلك، فإن الألفاظ البلدية ~~عند الشعراني مبثوثة في كل صفحة، والجو الأدبي في كتب الشعراني يتأرج بالأخيلة المصرية، ~~والفرق بينه وبين رجل مثل الغزالي أظهر من أن يحتاج إلى بيان. # وإليكم بعض ما عنده من الألفاظ والتعابير: # بهدله - برطله - الخلبوص - عزم عليه - جر قافيته - طلع له جماعة - دستور يا إخوان - الرسمال # 6 ~~- المسقاة - نزوركم بكرة أي: غدا - حلاوة النفس - يلبس له جبة - بلصه - ~~بنات الخطا: أي البغايا - ممحون بابنة عمه - الجديد: اسم عملة. # 7 # غضب على غضبه: أي لأجله - أعتقني من ذلك - الرجال الحرافيش - بالله عليك - ~~يعيش راسك - زغلت عينه - زفر اللسان - أنت طيب بخير وعافية - كلف خاطرك - العياق: جمع ~~عايق - رجل مبسوط - الخرج - المطلب: أي الكنز - طرش طرش: دعاء الحمير - دخلت رأسه ~~الجراب - طول الروح - ناس مغفلين - الخبز السخن - المعلم: أي القبطي أو اليهودي - ~~البعوة: شبح يخوف به الأطفال - يسد طيقان بدنه - على طول على طول - البشت: بكسر الباء - ~~الطرطور - جس المخاضة - هو ذلك والسلام - مات من القهر - شرموطة: قطعة قماش من الثوب ~~الملبوس - شوية سمن - رجل لا فيش ولا عليش - شنكلوه - جرسوه - رحم الله من زار وخفف - ~~الشباك - مسكوا زوجته - مصر المحروسة - السياق: أي الشفيع - الحق الذي عليك - أغمى ~~القلب - انعوج - يطلب فلوسه - عمله خفيرا: أي جعله خفيرا - خوزقوه - الحرارة - ما هو ~~كذا يا سيدي - تحصيل الحاصل - الحاصل: حجرة صغيرة - زوجها يحكم عليها - العزومة - راحت ~~نفسه إليه - تكلم في حقه من ورائه - ما هان عليه - تجون: أي أسرف - البهائم السارحة: أي ~~المرسلة - رزقة: هي الضيعة - أخوك ما هو أخوك وأبوك ما هو أبوك. # مراقد أئمة البقيع قبل أن تهدم ومن بين هذه المراقد مرقد الإمام زين ~~العابدين. «انظر أدعية زين العابدين في الجزء الثاني». # وهذه الأمثال لها نظائر كثيرة في كتب الشعراني، وما نجزم بأنها كلها محلية، فكلمة ~~«العياق» ms249 مثلا معروفة في تونس، كما حدثنا المسيو مرسيه، ولكنها في بلدنا حية جدا، ~~ومن أغاني سنتريس: # يا أبو جلبية يا عايق قضنا منك. # وكانت «الجلبية» من ملابس المترفين، وما عداها من الملابس اسمه الثوب وكانت «الجلبية» ~~لا تلبس إلا في الأفراح. # الجو الأدبي عند الكاتب الصوفي يختلف عن الجو الأدبي عند المنشئ الأديب # أما بعد فنحن لا نريد الاستقصاء؛ لأن هذا ليس من أثر التصوف في الأدب، فهي آثار ~~شعبية انطبعت بها كتب الصوفية، وإنما اهتممنا بها؛ لأنها تتصل بأثر التصوف في الأدب بعض ~~الاتصال. فلنقف عند هذا الحد راجين أن يكون في هذه الإشارة توجيه ينفع من يهمه أن يدرس ~~تطور اللهجات في الأقاليم العربية. # يظهر في هذا الرسم جبل قاسيون المطل على الصالحية، وله عند الصوفية منزلة ~~عظمى لكثرة ما فيه من قبور الأولياء والأنبياء (فيما زعموا). # | أثر التصوف في الفنون # أثر الصوفية في إذاعة المعاني الفنية والذوقية والاجتماعية # الفن والأدب يتصل بعضهما ببعض، وقد رأينا كيف أثر التصوف في الأدب، فهل يمكن الحكم ~~بأنه أثر في الفن أيضا؟ # لقد بينا في كتاب (الأخلاق عند الغزالي) أن الصوفية حاربوا الفنون، وفصلنا ذلك ~~تفصيلا شافيا، وما نريد أن نجمل هنا ما نفصلناه هناك؛ فكيف يمكن القول: بأنهم ساعدوا ~~على إذاعة الفنون؟ # الحق أن الصوفية حاربوا الفنون من الوجهة النظرية، ولكنهم ساعدوا على نشرها من ~~الوجهة الذوقية والعملية. وإليكم البيان: # إن الصوفية حاربوا الغناء ولكن حياتهم كلها قامت ~~على الغناء # 1 # وسنرى في غير هذا الفصل أن أكثر أقطاب الغناء في مصر نبغوا من البيئات ~~الصوفية ، وربما كان الأمر كذلك في غير مصر من الأقطار الإسلامية، وكيف ننسى الضجة التي ~~قامت منذ سنين ضد جماعة المولوية؟ لقد قيل يومئذ: إنهم جماعة من العاطلين يعيشون بفضل ~~المال الموقوف، ويسيئون إلى الإسلام بما يبتدعونه ~~من طرائق الرقص وهم يذكرون، ولكن قيل في الدفاع عنهم: إنهم يعينون على نشر الثقافة ~~الذوقية بما يبتكرون من أساليب الغناء. # 2 # وبقليل من الاستقراء ندرك أن من ms250 ينهون عن شيء قد يكونون في الأغلب من أقوى الدعاة ~~لذلك الشيء، فالصوفية نهوا عن الغناء، أو ما يدعو إلي الفجور من الغناء، ولكنهم عمليا ~~برعوا في الغناء الفاجر أكثر مما برعوا في الغناء العفيف. # وكيف ننسى أن حياة الصوفية قامت على الذوق، والذوق أساس التفوق في الفنون، فالصوفي ~~الحق هو رجل ذواقة يلتمس المعاني في جميع ما ينظر وما يقرأ، وما يسمع. ومن هنا كان ~~الصوفية أعرف الناس بالشعر الجيد ولا سيما أشعار التشبيب؛ لأن الفجرة من الشعراء عرفوا ~~برقة الحس، ودقة الذوق، وغلب عليهم الفهم للغرائز والطباع، وبراعة الصوفية في التذوق هي ~~التي رفعت من وجوههم الحوائل، وهم يعاقرون المعاني التي اخترعها شعراء الحواس. # وما نريد في هذا الفصل أن نتكلم عما صنع الصوفية في الأدب والغناء، فقد فصلنا ذلك في ~~مواطن كثيرة من هذا الكتاب، وإنما نريد أن نتكلم عما صنعوا من التماثيل. # تماثيل...؟ وهل عرف الصوفية إقامة التماثيل؟ وكيف وهم الذين حاربوا النحت والتصوير؟ # جماعة من صوفية الهند يذكرون ويتواجدون. # الحق أن الصوفية عرفوا التمثال واستطاعوا أن يجملوا المدن الإسلامية بألوان مختلفات ~~من التماثيل، وإذا كان يروعك أن ترى المدن الأوربية مزدانة بألوف التماثيل فاعرف أيضا ~~أن الصوفية زينوا المدن الإسلامية بألوف التماثيل. # ولكن كيف؟ هل وضعوا تمثالا للسيد البدوي، أو إبراهيم الدسوقي، أو أبي العباس المرسي؟ ~~إن إقامة التماثيل محرمة تحريما قاطعا. والصوفية أنفسهم حاربوا الأنصاب والأصنام ~~والأوثان ... هذا صحيح، ولكني مع ذلك أجزم بأنهم عرفوا التماثيل. # عرفوها في الأضرحة والقباب، وهل كانت قباب الأضرحة إلا نوعا من التمجيد يؤدي ما ~~تؤديه التماثيل؟ # إن القباب العالية التي تقام للأولياء والصالحين هي شارات التبجيل والتعظيم التي تقام ~~لمن يجب تخليد ذكراهم من المسلمين. ولك أن تزور القرى والدساكر والحواضر لترى كيف افتن ~~الصوفية في تخليد ذكريات الأولياء. # إن الأوربيين يخلدون عظماءهم وقديسيهم بإقامة التماثيل، ونحن نخلد عظماءنا وأولياءنا ~~بإقامة القباب، وإذا كانت التماثيل الأوربية مما يحج إليه الزائرون ليروا عظمة الفنون ~~فالأضرحة والقباب في المواطن الإسلامية ms251 مما يحج إليه الزائرون؛ ليروا عظمة الفنون. # 3 # قد تقول: وهل معنى ذلك أن الصوفية كانوا من المهندسين والبنائين؟ # وأجيب بأن تلك الروائع الفنية كانت من وحيهم بلا جدال؛ ولهذا نراهم ينوهون بالمزارات ~~ويحجون إليها داعين مبتهلين، وهم أنفسهم الذين أذاعوا هذه البدعة في الأمم الإسلامية ~~حتى وصل صداها إلى قبر الرسول، فهو # صلى الله عليه وسلم # يعيش برفاته في ظل بدعة أقامها المتصوفون. # وللقارئ أن يتمثل ملايين الدنانير التي أنفقت في إقامة القباب، وله أن يتمثل ألوف ~~الفنانين الذين أولعوا بتزيين القباب، وله أن يتمثل كيف صنع ذلك كله في رقي المعاني ~~الذوقية، والأوضاع الهندسية، وله أن يتمثل كيف كانت تقوم الأمم بتشييد الأضرحة وتزيين ~~القباب؛ ليعرف أن الصوفية كان لهم تأثير بليغ في نهوض الفنون. # 4 # ولكن لا بد من الإشارة إلى الفرق بين الضريح والتمثال: # إن التمثال للفكرة فقط، وتنصرف عنه العيون بعد أن تراه، أما الضريح فيراد للفكرة ~~ويراد للتهذيب والتثقيف، ألست ترى كيف كانت الأضرحة معاهد علمية يحج إليها طالبوا العلم ~~في الصباح والمساء؟ ألست ترى كيف صار من المألوف أن تتبع الأضرحة بالزوايا والمساجد؟ إن ~~هذا يشعرك بأن الضريح لم يكن كتلة فنية صماء، وإنما كان مرجعا لطائفة من المعاني ~~الروحية والذوقية والاجتماعية. # فهمنا المعاني الروحية والذوقية، فما هي المعاني الاجتماعية؟ # قبة معروف الكرخي في بغداد وكانت له مكانة في التصوف. # إننا نرى كل ضريح يتبع غالبا بما يسمى «الحضرة» وهي حفلة أسبوعية تقام للذكر والغناء ~~وقراءة الأوراد، وهذا ينفع من الوجهة الذوقية والروحية، ثم نرى بعض الأضرحة يوجب أن ~~تقام حوله الموالد السنوية، وهذه الموالد لها تأثير شديد من الوجهة الاجتماعية ~~والاقتصادية فهي أولا موسم يتلاقى فيه الناس ويأخذ بعضهم عن بعض، وكانت المصاهرات في ~~الأزمنة القديمة تعتمد على ألوان من التعارف تخلقها الموالد. وهي ثانيا معارض تبرز ~~فيها الفنون والمبتكرات، حتى الشعوذة والتهريج. وهي ثالثا أسواق جامعة تروج فيها ~~التجارات والصناعات وتعمر بها الجيوب. والحكومات تعرف ذلك وهي تشجع على إقامة الموالد ms252 ~~لينتفع الناس بعضهم من بعض؛ ولتنتفع هي أيضا من موارد السكك الحديدية. # وأغلب الظن أن التجار في الأقطار الفرنسية والإنجليزية والألمانية يحسدون مصر على ~~«مقام السيد البدوي»، ويودون لو نقلوه بزواره وأتباعه ومريديه ليظفروا بسوق رابحة قليلة ~~النظائر والأمثال. # 5 # وقد اتفق الناس على أن الموالد يكثر فيها الرجس والدنس والفتون، وهذا يؤيد ما نقول ~~به: فالمفاتن والمفاسد والفواحش لا تنهض إلا حيث تنهض الحياة، والهدى لا يعلن عن الحياة ~~كما يعلن الضلال. # أعرفتم الآن أن الصوفية ساعدوا على نشر الفنون بإقامة التماثيل؟ # إن الأضرحة والقباب تجمع الناس على الحق والباطل، وتنشر فيهم معاني الرشد والغواية، ~~وتحملهم على اعتناق مذاهب الصلاح والفساد، والحياة في صميمها مزاج من الخير والشر، ~~والرشد والغي، والهدى والضلال. # أقول هذا وأنا آسف على تضعضع الموالد؛ لأنها كانت تقوم على فكرة دينية فيجيء الخير ~~أصلا ويجيء الشر تبعا، وقد حلت محلها مواسم مدنية يجيء فيها الشر أصلا ويجيء الخير ~~تبعا. # وما يهمني أن أشرح هذه الحقيقة، وإنما يهمني أن أسجل أن الصوفية ساعدوا على رقي ~~المجتمع في مذاهبه الذوقية والفنية، وإن كانت الظواهر تشهد بأنهم حاربوا الفنون. # | خاتمة الجزء الأول # بقلم زكي مبارك # نريد بالخاتمة ما يسميه الفرنسيون # Conclusion ~~. # ولم يكن بد من أن نقف عند خاتمة هذا الجزء وقفة قصيرة، بعد إذ تعرف القارئ إلينا ~~وتعرفنا إليه، وبعد إذ أنس بنا بعض الأنس، وأنسنا به كل الأنس، فلعله كان في حيرة وهو يقرأ ~~فاتحة الكتاب، وكيف لا يحار وهو يرانا نتوعر في شعاب وأدغال لم يسلكها أحد من قبل، ولعل ~~حيرته زادت وهو ينظر فيرى المؤلف ينتقل من الصعب إلى الأصعب في اقتحام المضايق الصوفية، ~~ولكنا نرجو وقد صبر القارئ على مطالعة المئات من الصفحات أن يكون اطمأن إلى أن الصوفية كان ~~لهم أدب خاص يستحق الدرس، ويوجب على الباحثين أن ينفقوا فيه الأعوام الطوال. # ونستطيع أن نحكم بأن القارئ قد وثق بأن الأدب الصوفي له لون خاص، فهو أدب الفكرة، هو ~~الأدب المحمل بالمعاني ms253 الفلسفية، هو أدب قوم كانوا لا يخطون خطوة إلا بوحي من الفكرة ~~الأخلاقية، ولم يكن الأدب عندهم صناعة، وإنما كان وسيلة من وسائل التعبير عن أزمات النفوس ~~وخواطر القلوب. # وهذا الفن من الأدب لا يصلح لكل قارئ، وإنما يصلح للقارئ الذي يدخل إليه بنية كما يدخل ~~إلى المحراب، هو كالطعام الدسم الذي لا تحتمله غير أمعاء الأقوياء، هو كالنور الذي تعجز عنه ~~العيون الرمد، ولا يستطيع مواجهته غير أصحاء البصائر والأبصار. # وآية ذلك أن القارئ يشعر بعد الصفحات الماضية أنه خلق خلقا جديدا، وأنه اطلع على آفاق ~~من الفكر والبيان لم يكن له بها عهد، وأنه أصبح يؤمن بأن بينه وبين ألوان الوجود صلة روحية ~~وعقلية لم يتنبه إليها قبل اليوم. # ومن المؤكد أن الصفحات الماضية أقنعت القارئ بأن الأدب لم يكن دائما مادة لهو وفتنة وعبث ~~ومجون، وإنما كان في بعض نواحيه مادة فكر وعقل ووجدان. # ولا بد أن يكون عرف أن القارئ مسئول عن نقد ما يقرأ، وأن من المفروض عليه أن يتزود بثقافة ~~علمية ولغوية وعقلية قبل أن يواجه آثار الرجال. # ولا بد أن يكون تنبه إلى أنه من الجهل أن تقصر الآثار الأدبية على ما يفتن الحواس من ~~أقوال الكتاب والخطباء والشعراء، وأنه من العار أن يخلو تاريخ الأدب العربي من الحديث عن ~~الكتاب والشعراء والخطباء الذين قصروا أعمارهم على الدراسات الفلسفية والأخلاقية، فالأدب في ~~الأصل هو صورة العقل والقلب والوجدان، وإن قصره ناس على الأوصاف والتشبيهات والمجازات ~~والنسيب ومأثور الحكم والأمثال. # وإذا كان الصوفية شغلوا في أدبهم عن الزخرف والبريق فلهم عذر مقبول، فقد كانت لهم مسالك ~~تبغض الزخرف، وتنفر من البريق؛ لأنهم أرادوا أن يسجلوا ثورات الخواطر والنفوس والقلوب ~~تسجيلا أمينا، وذلك لا يتم لمن يشغل بغير المعاني. # ونحن لم نفتر على التاريخ حين قررنا أن الصوفية كان لهم أدب رائع، فقد كان أسلافنا ~~يعرفون ذلك منذ الصدر الأول، وكانت كتب الأدب تزخر بما أثر عنهم من فقرات وأسجاع، ولم يسكت ~~المؤلفون عن أقوال ms254 الصوفية إلا حين شاع الفساد، واصطلح الناس على أن الأدب هو المأثور من ~~النثر والشعر في ميادين التشبيهات والأوصاف وأخبار المغنين والظرفاء. # ويعز علينا أن نصرح بأن الصلة بيننا وبين ماضينا كادت تنقطع كل الانقطاع، فمن الذي يقرأ ~~كتب الغزالي ويعرف من سفيان حين ينقل الغزالي عن سفيان؟ # وسفيان الذي يجهله أهل هذا العصر هو سفيان الذي حكم ياقوت بأن اسمه حي إلى يوم القيامة، ~~فمن هو؟ وفي أي موطن تكلم عليه ياقوت؟ # هو سفيان بن سعيد الثوري الذي اهتم به الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الورع، والذي قال فيه ~~علي بن ثابت: لو أن معك فلسين تريد أن تتصدق بهما ثم رأيت سفيان وأنت لا تعرفه لظننت أنك لا ~~تمتنع من أن تضعهما في يده، وما رأيت سفيان في صدر مجلس قط، كان يقعد إلى جانب الحائط ويجمع ~~بين ركبتيه. ورأيت سفيان في طريق مكة فقومت كل ما عليه بدرهم وأربعة دوانيق. # وسفيان هذا عظيم وإن جهله أبناء هذا الجيل. # وأمه كانت عظيمة، فقد قالت له: يا بني، اطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي. # وكان سفيان شديد الجزع على مصاير الناس، وكان يبول الدم حين يرى ما ينكره على بني آدم؛ ~~حدث سعيد بن صدقة بن المهلهل قال: اليوم الذي كنت أرى فيه سفيان الثوري كنت قرير العين، ~~فأبطأت عنه أياما ثم أتيته فقال لي: يا أبا مهلهل، ما أبطأ بك عنا؟ ثم أخذ يدي فأخرجني إلى ~~الجبانة فاعتزلنا ناحية عن طريق الناس فبكى ثم قال: يا أبا مهلهل، قد كنت قبل اليوم أكره ~~الموت، فقلبي اليوم يتمنى الموت وإن لم ينطق به لساني. فقلت: ولم ذلك؟ فقال: لتغير الناس ~~وفسادهم، ثم قال لي: إن استطعت أن لا تخالط في زمانك هذا أحدا فافعل، وليكن همك مرمة ~~جهازك، واحذر إتيان هؤلاء الأمراء، وارغب إلى الله في حوائجك إليه، وافزع إليه فيما ينوبك، ~~وعليك بالاستغناء عن جميع الناس. وارفع حوائجك إلى من لا تعظم عنده الحوائج، فوالله ما أعلم ~~اليوم ms255 بالكوفة أحدا لو فزعت إليه في قرض عشرة دارهم أقرضني ثم كتمها علي، يذهب ويجيء ~~ويقول: جاءني سفيان فاستقرضني فأقرضته! # وهذا الحديث الخالي من الزخرف والبريق هو غاية الغايات في عذوبة البيان فقد فضح بني آدم، ~~عفا الله عنهم، ورماهم بما هم له أهل، فمن ذا الذي تثق به وتعتمد عليه ثم يعفيك من المن ~~والاستطالة والكبرياء. # وأدباء الصوفية هم الذين رحموا تاريخ الأدب العربي من تلك الوصمة وصمة التزلف بالمديح ~~إلى الملوك والرؤساء والأمراء والوزراء، هم الذين استطاعوا أن يكدروا الحياة على المتحكمين ~~والمسيطرين فكان الخلفاء والملوك يحسبون لهم ألف حساب، وكان من الخلفاء من يزهد في الحج حتى ~~لا يتعرض له بعض الواعظين. وسيرى القارئ شواهد ذلك حين نتكلم في الجزء الثاني عن الشجاعة ~~الأدبية. # أدباء الصوفية هم الذين جعلوا السلامة من باب السلطان كالسلامة من باب الطبيب، فكانت ~~عندهم سلامة الأرواح فوق سلامة الأبدان. # أدباء الصوفية هم الذين عطروا الأدب العربي بأريج الكرامة والعزة والصيانة والعفاف، وهم ~~الذين وصلوا المشرق بالمغرب وحفظوا الإسلام بإذاعة المعاني الروحية والذوقية، وهم الذين ~~جعلوا الأدب ترجمان المنطق والعقل، ولم يقفوه على الحس والخيال كما صنع أكثر الأدباء في عصر ~~بني العباس. ~~••• # بدأنا فحدثنا القارئ عما نريد من التصوف، وقلنا: إننا سنقف عند المعنى المصطلح عليه، وإن ~~كنا نجزم بأن التصوف قد يكون في الحب والمودة والولاء والسياسة، وذكرنا لذلك شواهد من الأدب ~~والتاريخ، ثم أشرنا إلى أن الزهد يكون في قلوب الأغنياء، كما يكون في قلوب الفقراء. وتحدثنا ~~عن الشخصية الأدبية والشخصية الخلقية، وبينا كيف يكون التصوف في الأدب وكيف يكون في ~~الأخلاق، ثم تكلمنا على المصادر ومنهج التأليف وأغراض الكتاب. # ومضينا فتحدثنا عن قدم التصوف في الجزيرة العربية، ودلالة الصوف على التواضع والخشونة ~~وصورته في الأخيلة الشعبية، وبينا أن الصوفية نقلوا لبس الصوف عن المسيح والرهبان، وأشرنا ~~إلى أن كلمة (راهب) كانت كلمة محترمة وذكرنا شواهد ذلك، ولو شئنا لأضفنا إلى ما ذكرناه هناك ~~أنها وردت في كتاب الورع، # 1 ms256 # فقد وصف حسين الجعفي بأنه كان يشبه الراهب، وقيل في عبد الله بن المبارك: إنه ~~كان يقوم الليل حين ينام راهب الرهبان، # 2 # وبينا خطأ الرأي الذي يقول: برجع كلمة التصوف إلى كلمة (سوفيا) اليونانية، ~~وافترضنا أن تكون كلمة (سوفيا) منقولة عن كلمة (صوف) وليس ذلك ببعيد. # ثم أخذنا في الكلام على التصوف في الأدب فذكرنا الفرق بين النظرة الأدبية والنظرة ~~الخلقية، وأشرنا إلى اهتمام المؤلفين بأدب النساك وحرص الصوفية على الثقافة الأدبية، وعرضنا ~~نماذج من اصطلاحات الصوفية وألفاظهم في التعبير عن بعض المعاني المعاشية والاجتماعية، ~~ونصصنا على مذهبهم في إيثار الغموض، وفصلنا القول فيما اتهموا به من التجني على الشعر ~~والشعراء، واهتممنا بتوجيه القارئ إلى فهم أدب الصوفية. # ثم نظرنا فرأينا الأدب الصوفي كانت له طلائع هي الزهديات، فتكلمنا على زهديات أبي نواس ~~وأبي العتاهية والشريف الرضي بشيء من التفصيل، وانتقلنا فتكلمنا عما في الأدب الصوفي من ~~الذخائر المنسية، وحكمنا بأن الأدب الصوفي هو أدب المعاني، وسقنا شواهد لما جاء في وصف ~~الدنيا من الأخيلة الأدبية. # ثم أقبلنا على صميم الأدب الصوفي فدرسنا حكم ابن عطاء الله السكندري وبينا خصائصها ~~الأدبية والصوفية، وانتقلنا إلى الحديث عن مكانة ابن عربي في الأدب والتصوف، وقد وقفنا عنده ~~وقفة طويلة؛ لأنه من أشهر القائلين بوحدة الوجود. # وقد درسنا هذه النظرية من جميع نواحيها درسا لم تعرفه اللغة العربية قبل اليوم، وكان في ~~النية أن نعرض ما قاله فيها الشعراء والكتاب في غير اللغة العربية، ولكنا خشينا أن يكون في ~~الإسهاب ما يوقع القارئ في أودية الضلال، وإنا لواثقون بأن القارئ سيجد فيما كتبناه ما ~~يغنيه عن الرجوع إلى غيرنا من الباحثين، إلا إن أراد استقصاء ما قيل في هذه النظرية من ~~المردود والمقبول. # وانطلقنا فتحدثنا عن الحلاج، وهو أشهر من استشهدوا في سبيل هذه النظرية، ولم نتحدث عن ~~الحلاج من جميع نواحيه، فقد سبقنا إلى ذلك أستاذنا ماسينيون، وإنما اكتفينا بتصوير مذهبه، ~~وما كان له من أصول في النظريات النصرانية، وعرضنا مصرعه ms257 الأليم بأسلوب حزين هو صورة من ~~التوجع لما صار إليه ذلك الفيلسوف الشهيد. # وكتبنا فصلا عن الجيلاني عبد الكريم الذي اهتدى إلى سر النظرية وهو الحكم بأن العاصي ~~والمطيع أمام الحق سواء، وقد بينا ما له وما عليه بطريقة بريئة من التحامل والإسراف. ~~••• # ثم رجعنا إلى صميم الأدب الصوفي مرة ثانية فتكلمنا على المنظومات الصوفية، أمثال منظومات ~~ابن عربي ومنظومات اليافعي وأشعار النابلسي ومنظومات حسن رضوان، وعقدنا فصلا للكلام على ~~المدائح النبوية بينا فيه أسرار الغلو في مدح الرسول، وهو فصل يعد من عيون هذا الكتاب. # ومضينا فتكلمنا على الهيام في حب الله، وخصصنا أشواق ابن الفارض بحديث مستفيض؛ لأنه من ~~أشهر الهائمين، ومن أصدق القائلين: بوحدة الوجود. # ثم رأينا أن نبين كيف نتخذ كتب التصوف أساسا لفهم المجتمعات الإسلامية، واللهجات ~~العربية، فكتبنا في ذلك فصلين نرجو أن يقعا من القارئ موقع القبول. # وختمنا الجزء الأول بفصل بينا فيه أثر التصوف في الفنون، وهو فصل وجيز، ولكن فيه توجيه ~~سينتفع به بعض الناس. ~~••• # أما بعد فهذه خلاصة الجزء الأول وهي تذييل للفصل الذي سبق في عرض أغراض الكتاب، وهي تغني ~~بعض الإغناء عن الفهرس المفصل الذي يبين عناصر الكتاب قطعة قطعة كما صنعنا حين فهرسنا كتاب ~~النثر الفني. # والواقع أن القارئ لن يتعرف إلى مؤلف هذا الكتاب إلا إن مشى معه خطوة خطوة من البداية إلى ~~النهاية، فموضوع هذا الكتاب لا يستوعب في أسبوعين ولا في شهرين، ومن العسير أن تهضم هذه ~~النظريات إلا إن أعد لها القارئ عدة كافية من الفهم والعقل والذوق. # والمؤلف يعترف بأنه قضى سنين في الاستعداد لتأليف هذا الكتاب، وهو لم يصل إلى ما وصل إليه ~~إلا بمعونة الله، ومعونة الصبر، ومعونة أساتذته في الجامعة المصرية وجامعة باريس، جزاهم ~~الله عنه خير الجزاء. # ولا بد من النص على أن مؤلف هذا الكتاب آثر الرمز والإيماء في كثير من الأحيان؛ لأنه خاض ~~في موضوعات قد تجره إلى متاعب لو فطن إليها الأغبياء. # فليفهم القارئ ذلك، وليعرف ms258 أن موضوعات هذا الكتاب بما فيها من تصريح وتلميح لا تصلح لأن ~~تكون مما يمضغه أحلاس الأندية والقهوات من أدعياء العلم والأدب والبيان. # ومعاذ الذوق والعقل أن نتهم أهل هذا العصر بضيق الذهن والجمود، ولكنا نرجوهم أن يتقوا ~~الله فينا، فما كنا باغين ولا عادين ولا آثمين، وقد كفانا ما قاسينا منذ ظهور كتاب (الأخلاق ~~عند الغزالي) إلى اليوم، فما رحمنا حاسد ولا حاقد من تهمة الإثم والبغي والعدوان: # على أنني راض بأن أحمل الهوى # وأخرج منه لا علي ولا ليا # | الجزء الثاني # | كيف نشأ التصوف في الأخلاق # قدم التصوف # التصوف لون من الذوق عرفه العرب قبل الإسلام بأجيال طوال. ومن خطأ الرأي أن يقال إنه ~~كان معدوما فخلقته النزعات الإسلامية، وإليكم البيان: # العرب أمة عريقة في التدين، والتدين في ذاته تصوف؛ لأنه نوع من الضعف، والضعف باب إلى ~~التصوف؛ فإن الإنسان في الأصل حيوان شرس يقاتل ويغالب، ثم تاتي لحظات يصرعه فيها الضعف ~~فيقف ويتأمل: من أين أتى؟ وإلى أين يصير؟ وينتهي به الفكر إلى الاقتناع بأنه مخلوق ~~ضعيف، وعندئذ يكون التدين. والمتدينون فريقان: فريق لا يزال يحس القوة والعافية فيجالد ~~في ميادين الحياة، وفريق ينتهي به الضعف إلى التسليم المطلق فيرضى بالدون من العيش ~~ويتوجه إلى التفكير في ملكوت السماء. # وعند التأمل نرى الروحانيات لا تكثر إلا في الأمم الضعيفة، أما الأمم القوية فتوغل في ~~الماديات، وتحرص على امتلاك ما فوق الأرض من أصول المنافع، ومثل الأمم في ذلك مثل ~~الأفراد، فالرجل في دور العافية والشباب تكون أطماعه في الأغلب مادية، فيبنى المنازل، ~~وينظم المزارع والمتاجر والمصانع، وفي دور الضعف والشيخوخة يقف موقف المتأمل فيما كان ~~وما سيكون. ويتحول إلى قوة روحية يستر بها الضعف الذي رمته به أحداث الزمان. # والمتصوف يتصنع في البداية، ثم يصير صوفيا بالطبع، حين تغلب عليه قوة الفكر ~~والإشراق. # ولنواجه هذه المسألة بعزيمة وصراحة فنقول: إن هناك شخصيتين: الشخصية الحيوانية، ~~والشخصية الإنسانية، أما الشخصية الحيوانية فهي الأصل، والفضائل فيها تقوم على أساس ~~الغلبة ms259 والعنف، وهي شخصية لا تزال محفوظة الملامح في كتب الأساطير، والناس يحنون إليها ~~حنينا شديدا، حتى لنراهم في الكتب الروائية يتمنون أن لا ينهزم القوى وإن بغى وخان. ~~وبفضل القوة وجد في القوانين الدولية ما يسمى حق الفتح، وهو رجعة إلى القانون الخلقي في ~~عالم الشخصية الحيوانية. # أما الشخصية الإنسانية فهي شخصية مهذبة، والتهذيب هنا يراد به معناه اللغوي الأول، ~~أي: أن هذه الشخصية قلمت أظافرها، وقطعت أشواكها، وصنع بها ما يصنع بالحيوان المفترس، ~~أو الشجرة الشائكة، فأصبحت مصقولة الجوانب لا يخشى منها بطش ولا عدوان ما دامت محكومة ~~بصوارم القوانين. # وهذه الشخصية الإنسانية لم تخلق إلا بحكم الضعف، وقد استطاع جان جاك روسو أن يتصور ~~دقائق اللحظات التي خلقت فيها هذه الشخصية، وفي زعمه أن الناس تجمعوا وتعاقدوا، ~~واصطلحوا على أن يترك كل فرد منهم جزءا من حريته، ليتكون من مجموع ما يتنازل عنه الناس ~~من حرياتهم قوة تنهض بها حكومة تحمي الضعفاء، وتكف عدوان الأقوياء. # ثم عادت الشخصية الإنسانية فانقسمت إلى شخصيتين: شخصية مادية، وشخصية روحية. فالأولى: ~~هي الشخصية التي لا تتأدب إلا بفضل القانون، أي: بفضل السيف والسوط، وهي شخصية سليمة إن ~~نظرنا إليها من الوجهة الحيوانية، والثانية: هي الشخصية التي تتأدب بفضل الروح، وهي ~~شخصية سليمة إذا نظرنا إليها من الوجهة الإنسانية. # وبهذا نرى أن العافية الخلقية ليست إلا مسألة اعتبارية، فالعنف فضيلة عند قوم، ورذيلة ~~عند آخرين، هو فضيلة عند من يعيشون على المبادئ الحيوانية، وهو رذيلة عند من يعيشون على ~~المبادئ الإنسانية، وكذلك يقال في اللين فهو ضعف في عالم الأقوياء، وهو حلم في دنيا ~~الضعفاء. # ولنسجل هنا أن الضعف نفسه صار سلاحا قويا بفضل المهارة الإنسانية، فالإنسان حين ضعف ~~اعتمد على فكره ولسانه في تقبيح الرذائل الحيوانية، وما زال يبدئ ويعيد حتى أشاع في ~~العالمين أن الظلم ملعون في الأرض ملعون في السماء. # وشواهد الحياة تؤيد رأى الضعفاء من الناس، فهؤلاء الضعفاء هم الذين قالوا بوجود قوة ~~قاهرة مسيطرة هي قوة الله، وهم ms260 الذين بسطوا ألسنتهم في الدنيا فرموها بالغدر، وحكموا ~~عليها بالفناء. # شواهد الحياة تؤيد رأي هؤلاء الضعفاء؛ لأن الدنيا حقا فانية، ولأن الإنسان حقا ~~ضعيف، ولا يمتري في هذه الحقائق أحد، فالرجل الهائل الذي يأمر وينهى ويبغي ويستطيل ~~ينقلب في لحظة واحدة إلى مخلوق ذليل حين يدهمه المرض، أوتلسعه حشرة حقيرة، أو يهجم عليه ~~كلب مسعور، أو يتردى في جب عميق. # وهو أذل وأحقر حين يصرعه الموت، وما ظنكم بمخلوق تفارقه الروح فتعلوه صفرة بشعة، وتهب ~~منه ريح يعجز عن ملاقاتها أشجع الناس؟ # وما هي مصاير اللذات في الدنيا؟ أليس كل نعيم إلى زوال؟ أين ذهب ملك الطغاة ~~والمستبدين لعهد الفرس والعرب والرومان؟ وأين ما بقي من المتع الحسية التي رآها قصر ~~فرساي، وهو اليوم بلا فراش ولا أثاث؟ أين لا أين! إن كان في العالم قصيدة إنسانية خالدة ~~فهي التصوف، هو وحده الأنشودة الباقية يوم تبيد الأناشيد، ولو فنيت الدنيا دفعة واحدة ~~وبقي إنسان واحد يفتش عما حق فيها من الكلمات لما وجد أصدق من كلمة الصوفية. # الروحانية والضعف # نشأ التصوف إذن في ظلال الضعف، أي نشأ في ظلال الحق، يوم عرف الإنسان قيمة نفسه، ~~واطمأن إلى أنه مخلوق ضعيف إن تخلت عنه رعاية الله لحظة واحدة هلك وباد. # نشأ التصوف حين شك الإنسان في قيمة الحقائق الإنسانية، يوم رأى كل قوة إلى ضعف، وكل ~~وفاء إلى غدر، وكل حياة إلى موت، وكل شروق إلى غروب. # لا تسألوا متى اهتدى الإنسان إلى قيمته الذاتية، ويكفي أن تتذكروا أن البيئات العربية ~~عرفت كثيرا من الأنبياء الذين آثروا الزهد والفرار من اللذات، وعرفت أن أطيب الناس ~~ذكرا في العالم القديم هو إبراهيم الخليل الذي حطم الأصنام، وأخلد إلى ~~التوحيد. # ويمكن الحكم بأن أقدم الآثار الصوفية هو «سفر أيوب» الذي شرح البلايا الإنسانية، وصور ~~حيرة المرء بين السعادة والشقاء، والهدى والضلال. # وأقرب الآثار الصوفية إلى أذهان الناس هو القرآن، ذلك الكتاب الذي أطال القول في وصف ~~الدنيا وذمها وثلبها وتحقيرها، وقضى بأنها لهو ms261 ولعب، وأنها في نضارتها ليست إلا متاع ~~الغرور، القرآن هو أقرب الآثار الصوفية إلى أذهان الناس وإن جهلوا ذلك، هم يعدونه كتاب ~~تشريع، ونراه كتاب تصوف. # إن التشريع في القرآن ليس إلا تنظيما للعلاقات الدنيوية، والعلاقات الدنيوية في نظر ~~القرآن الكريم هي تمهيد للصلات الروحية: صلات الناس بالله الكبير المتعال، وكل مغنم لا ~~يقرب المرء من ربه هو في نظر القرآن ذخر باطل سخيف. # والإنسان في نظر القرآن هو مخلوق مغرور تطغيه ~~النعمة، وتذله الباساء: # وإذا أذقنا الناس رحمة من ~~بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله ~~أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون * ~~هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح ~~عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط ~~بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من ~~هذه لنكونن من الشاكرين * فلما أنجاهم ~~إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس ~~إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم ~~إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون * ~~إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء ~~فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام ~~حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها ~~أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا ~~فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يتفكرون ~~. # 1 # والقرآن يذكر الناس بأن الأمر كله لله؛ فهو الذي ~~يحيي وهو الذي يميت: # نحن خلقناكم فلولا تصدقون ~~* أفرأيتم ما تمنون * أأنتم ~~تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا ~~بينكم الموت وما نحن بمسبوقين * على أن ~~نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون * ~~ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون * أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم ~~نحن الزارعون * لو نشاء لجعلناه حطاما ~~فظلتم تفكهون * إنا لمغرمون * ~~بل نحن محرومون * أفرأيتم الماء الذي ~~تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن ~~المنزلون * لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا ~~تشكرون * أفرأيتم النار التي تورون * أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن ms262 المنشئون * نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين * فسبح باسم ربك العظيم * فلا ~~أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم ~~. # 2 # وسياق القول في القرآن كله يتجه وجهة روحية، ويذكر المرء بربه، ويخوفه من بطشه، ~~ويطمعه فيما أعد للصالحين من جزيل الثواب. # الضعفاء هم الذين اهتدوا إلى الإيمان وعرفوا قيمة النفس الإنسانية # وكان الرسول يتقشف تقشفا صوفيا، وقد دخل عليه عمر بن الخطاب فوجده على حصير قد أثر ~~في جنبه، فكلمه في ذلك فقال: مهلا يا عمر، أتظنها كسرويه. # 3 # وأتاه رجل بهدية فذهب يلتمس وعاء يفرغها فيه فلم يجد، فقال له: فرغها في الأرض، ثم ~~أكل منها، وقال: آكل كما يأكل العبد، وأشرب كما يشرب العبد، لو كانت الدنيا تزن عند ~~الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء. # 4 # وفي كتب الشمائل أخبار كثيرة عن تقشف الرسول، وهو نفسه قد عاش في بيئة صوفية، يدل على ~~ذلك نهيه عن الرهبانية، وعن مواصلة الصوم، وهو لم يرغب في الزواج إلا لأنه رأى ناسا ~~يتبتلون، ولم ينه عن وصل الصيام إلا لأنه رأى ناسا يصلون الصيام، وهذا وذاك من سمات ~~التصوف. # والفرق بين تصوف الرسول وتصوف من عاصروه أنه كان يعتدل، وكانوا هم يسرفون. # والقرآن يوصي الرسول بأن يصبر نفسه مع الذين ~~يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وهذا تأديب للمؤمنين، وفيه اعتراف بشخصية من ~~ينصرف عن زينة الحياة الدنيا وينقطع لذكر الله. وقد ورد اسم المؤمنين في القرآن في سياق ~~يعين نسبتهم إلى الروحانية إذ قال: # إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~، ولا ~~يسامح في مهجته إلا أجود الناس، وكان في شمائل الصحابة مصداق لهذه الروحانية، فقد جاد ~~أبو بكر بجميع ماله، وجاد عمر بشطر ماله، فقال له الرسول: ما أبقيت لأهلك؟ فقال: مثله. ~~وقال لأبي بكر: ما أبقيت لأهلك؟ فقال: الله ورسوله. فقال النبي: بينكما ما بين ~~كلمتيكما. فالصديق وفى بتمام الصدق فلم يمسك سوى المحبوب عنده وهو الله ورسوله، # 5 # وذلك بالتأكيد تصوف ms263 وروحانية. # التصوف في سفر أيوب وفي القرآن # التصوف قديم عرفه العرب قبل الإسلام، وتخلقوا به لعهد الرسول، ولكن يظهر أنه لم يكن ~~ملحوظا في كلام الناس، ولم يختصوه بدرس ولا بيان، وكانت الأعمال الروحية تندرج في ~~الأعمال الدينية. وأول من تلفت الناس إلى كلامه في المعاني الوجدانية وأسرار القلوب هو ~~حذيفة بن اليمان الصحابي الجليل، وقد قيل له: نراك تتكلم في هذا العلم بكلام لا نسمعه ~~من أحد من أصحاب رسول الله فمن أين أخذته؟ فقال: خصني به رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان الناس ~~يسألونه عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، وعلمت أن الخير لا يسبقني. ~~وقال مرة: فعلمت أن من لا يعرف الشر لا يعرف الخير. وفي لفظ آخر: كان الناس يقولون يا ~~رسول الله ما لمن عمل كذا وكذا، يسألونه عن فضائل الأعمال، وكنت أقول: يا رسول الله، ما ~~يفسد كذا وكذا، فلما رآني أسأل عن آفات الأعمال خصني بهذا العلم. # 6 # قال المكي: وكان حذيفة قد خص بعلم المنافقين وأفرد بمعرفة علم النفاق، وبسرائر العلم، ~~ودقائق الفهم، وخفايا اليقين من بين الصحابة، فكان عمر وعثمان وأكابر أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يسألونه عن الفتن العامة، والفتن الخاصة، ويرجعون إليه في العلم الذي خص به، ~~وكان عمر يستكشفه عن نفسه هل يعلم فيه شيئا من النفاق فبرأه منه، ثم يسأله عن علامات ~~النفاق، وآية المنافق فيخبر من ذلك بما يصلح مما أذن له فيه، ويستعفى مما لا يجوز له أن ~~يخبر به فيعذر في ذلك. # 7 # ومعنى هذا أن الرسول كان يكتم أسرار التصوف، ولا يمنحها غير الخواص، ومعناه أيضا أن ~~التصوف هو البصر بأسرار القلوب، وما يعرض لها من دقائق الرياء والنفاق. # وعن حذيفة بن اليمان تعلم الحسن البصري وهو إمام الصوفية أثره يقفون، وسبيله يتبعون، ~~ومن مشكاته يستضيئون، # 8 # وقد كان الحسن البصري أحد المذكرين، وكانت مجالسه مجالس الذكر يخلو فيها مع ~~إخوانه وأتباعه من النساك والعباد مثل: ms264 مالك بن دينار، وثابت البناني، وأيوب السختياني، ~~ومحمد بن واسع، وفرقد السنجي، وعبد الواحد بن زيد، وكان يحدث أصحابه في خواطر القلوب، ~~وفساد الأعمال، ووسواس النفوس، وربما قنع بعض أصحاب الحديث ورأسه فاختفى من ورائهم ~~ليسمع ذلك، وكان من خيار التابعين بإحسان، وقد لقي سبعين بدريا ورأى ثلاث مئة ~~صحابي، # 8 # وكانت أمه مولاة لأم سلمة زوج النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، # 8 # ويقال: إنها ألقمته ثديها تعلله حين بكى فدر ثديها ~~عليه، وكان كلامه يشبه بكلام رسول الله # صلى الله عليه وسلم # 8 # وكان أبو ~~قتادة العدوي يقول: عليكم بهذا الشيخ، فو الله ما رأينا أحدا لم يصحب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أشبه بأصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # منه، # 8 # وكانوا ~~يقولون: كنا نشبهه بهدي إبراهيم الخليل # صلى الله عليه وسلم # في حلمه وخشوعه ووقاره وسكينته، فكان ~~على شمائله، # 8 # ونذت امرأة بالبصرة نذرا إن فعل الله تعالى ~~ذلك بها أن تنسج من غزلها ثوبا، وصفته، وتكسوه خير أهل البصرة، فرأت تمام نذرها فوفت ~~بما نذرت ثم سألت: من خير أهل البصرة؟ فقالوا: الحسن. # 9 # قال المكي: وكان الحسن رضي الله عنه أول من أنهج سبيل هذا العلم وفتق الألسنة به، ~~ونطق بمعانيه، وأظهر أنواره، وكشف قناعه، وكان يتكلم فيه بكلام لم يسمعوه من أحد من ~~إخوانه، فقيل له: يا أبا سعيد، إنك تتكلم في هذا العلم بكلام لم نسمعه من أحد غيرك، ~~فممن أخذت هذا؟ فقال: من حذيفة بن اليمان. # 10 # والحسن البصري شخصية جذابة، ويقال إنه الشاب الذي أثنى عليه علي بن أبي طالب، فقد دخل ~~جامع البصرة، وجعل يخرج القصاص، ويقول: القصص بدعة، فانتهى إلى حلقة شاب يتكلم على ~~جماعة فاستمع إليه فأعجبه كلامه، فقال: يا فتى، أسألك عن شيئين فإن خرجت منهما تركتك ~~تتكلم على الناس، وإلا أخرجتك كما أخرجت أصحابك. فقال: سل يا أمير المؤمنين، فقال: ~~أخبرني ما صلاح الدين وما فساده؟ فقال: صلاحه الورع، وفساده الطمع. قال: صدقت، تكلم، ms265 ~~فمثلك يصلح أن يتكلم على الناس. # 10 # وكان شديد الخوف من الله، ويقال: إنه ما ضحك أربعين سنة، وكان في حزنه كأنه أسير قدم ~~ليضرب عنقه، وإذا تكلم حسبته يعاين الآخرة فيخبر عن مشاهدة، وإذا سكت ظننت النار تسعر ~~بين عينيه، وعوتب في شدة حزنه، فقال: ما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع علي في بعض ما ~~يكره فمقتني، فقال: اذهب فلا غفرت لك. # 11 # ومن كلامه وقد رأى هيئات الناس في أحد أيام رمضان: إن الله - تبارك وتعالى - جعل ~~رمضان مضمارا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون ~~فخابوا، فالعجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، ~~أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه، ومسيء بإساءته. # 12 # ونظر إلى قوم منصرفين من صلاة الفطر يتدافعون ويتضاحكون فقال: الله المستعان، إن كان ~~هؤلاء قد تقرر عندهم أن صومهم قد تقبل فما هذا محل الشاكرين، وإن علموا أنه لم يقبل فما ~~هذا محل الخائبين. # 12 # قال الحصري: ويقال إنه لم يكن تابعي أفضل منه، هذا قول أهل العراق جميعا، وأهل ~~الحجاز يقدمون سعيد بن المسيب عليه، وكان سعيد أحسن من الحسن ورعا، وأشد الناس جزعا، ~~وأقلهم كلاما، وكان الحسن لا يدع أن يتكلم بما هجس في نفسه، وجاش في صدره. # 13 # ونحن نعرف لم كان الحسن كثير الكلام؛ فقد كان معلما، والمعلمون أكثر الناس كلاما، ~~ولا سيما إذا كانوا أصحاب مذاهب، وكان الحسن يعلم الناس أسرار القلوب، وكان يعرف أنه ~~صاحب مذهب، وأن عليه أن يشرح ما فيه من دقائق وأسرار، وكذلك نجد اسمه في جميع مؤلفات ~~الصوفية؛ لأنه المعلم، ولأن كلماته المأثورة تكاد تجل عن الإحصاء. # تصوف الرسول # والمفهوم من أحوال البصري أنه اهتم بشرح التصوف، وتكلم عن آفات النفوس، وقد مات سنة ~~عشر ومئة، وهو بذلك أقدم الأشياخ عند الصوفية. # ويليه في المنزلة أبو حمزة الصوفي، وهو أستاذ البغداديين، وأول من تكلم ببغداد في ~~مذاهب التصوف: من صفاء الذكر، ms266 وجمع الهمة، والمحبة، والشوق، والقرب، والأنس، لم يسبقه ~~إلى الكلام بهذا على رءوس الناس ببغداد أحد. # 14 # وكان أبو حمزة من كبار القوم، وهو الذي يقول: # نهاني حيائي منك أن أكشف الهوى # وأغنيتني بالقرب منك عن الكشف # تراءيت لي بالغيب حتى كأنما # تبشرني بالغيب أنك بالكف # أراك وبي من هيبتي لك وحشة # فتؤنسني بالعطف منك وباللطف # وتحيي محبا أنت في الحب حتفه # وذا عجب كون الحياة مع الحتف الحتف # 15 # وخرج جماعة من الصوفية يستقبلونه من مكة فإذا به قد شحب لونه فقال الجريري: يا سيدي، ~~هل تتغير الأسرار إذا تغيرت الصفات؟ قال: معاذ الله، لو تغيرت الأسرار لتغير الصفات ~~لهلك العالم، ولكنه ساكن الأسرار فحماها، وأعرض عن الصفات فلاشاها. # ثم ولى وهو يقول: # كما ترى صيرني # قطع قفار الدمن # شردني عن وطني # كأنني لم أكن # إذا تغيبت بدا # وإن بدا غيبني # يقول لا تشهد ما # يشهد أو تشهدني # 16 # حذيفة بن اليمان # تلك صورة تقريبية لنشأة التصوف في الأخلاق، ولنتذكر أن مؤرخي هذا العلم مجمعون على أن ~~لفظ التصوف لم يعرف مصحوبا بالرسوم إلا في القرن الثاني، وإن كان منهم من أشار إلى أن ~~اللفظ كان معروفا في القرن الأول، # 17 # وكانت صحبة رسول الله أشرف الألقاب، فاستغنوا بها عن الاتسام بالتصوف، ثم ~~قيل القراء والزهاد والنساك والعباد، ثم قيل الصوفية. # 18 # والظاهر أن النساك كانوا فريقين: أحدهما: يتعبد في صمت، وثانيهما: يتعبد ويتفلسف، ~~فالذين اكتفوا بحسن الخلق والزهد في الدنيا والتأدب بأدب الشرع لقبوا بالنساك والقراء ~~والزهاد والعباد، والذين أقبلوا على دراسة النفوس وآفاتها، واهتموا بشرح ما يرد على ~~القلب من الخواطر، وحرصوا على أن تكون لهم صبغة مذهبية، ولقبوا بالصوفية. # وهؤلاء وأولئك كان لهم وجود محسوس، وعرفت لهم مقامات في وعظ الخلفاء والوزراء، وكانت ~~مذاهبهم بسيطة أول الأمر، ثم تعقدت وتشبعت بعد أن كثر اتصالهم بالناس، وطالت مجادلتهم ~~لأهل الفقه والتوحيد. # الحسن البصري # ويمكن الحكم بأن أول مشكلة عقلية عرضت لأولئك القوم هي الظاهر والباطن، أو الشرع ms267 ~~والحقيقة، وساعد على وجود هذه المشكلة ورود آيات في القرآن تحتاج إلى تأويل، من هذا ~~قوله تعالى: # ثم استوى إلى السماء وهي دخان ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا ~~طائعين ~~، فالبليد يفتقر في فهمه إلى أن يقدر لهما حياة يخلقها الله ~~للسماء واللأرض، وعقلا وفهما للخطاب، وخطابا هو صوت وحرف تسمعه السماء والأرض؛ ~~فتجيبان بحرف وصوت وتقولان: أتينا طائعين، والبصير يعلم أن ذلك لسان الحال وأنه إنباء ~~عن كونهما مسخرتين بالضرورة ومضطرتين إلى التسخير ... ومنه أيضا قوله تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # فالبليد # 19 # يفتقر فيه إلى أن يقدر للجمادات حياة وعقلا ونطقا بصوت وحرف حتى يقول ~~سبحان الله ليتحقق تسبيحه، والبصير يعلم أنه ما أريد به نطق اللسان، بل كونه مسبحا ~~بوجوده ومقدسا بذاته، وشاهدا بوحدانية الله سبحانه، كما يقال: # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه واحد # وكما يقال هذه الصنعة المحكمة تشهد لصانعها بحسن التدبير وكمال العلم لا بمعنى أنها ~~تقول أشهد بالقول، ولكن بالذات والحال ... فهي تشهد لخالقها بالتقديس، يدرك شهادتها ذوو ~~البصائر دون الجاحدين، ولذلك قال تعالى: # ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم ~~. # 20 # قال الغزالي: وهذا الفن مما يتفاوت أرباب الظواهر وأرباب البصائر في علمه، وتظهر به ~~مفارقة الباطن للظاهر، وفي هذا المقام لأرباب المقامات أسرار. # 20 # وكذلك يقال في قوله تعالى: # وتكلمنا أيديهم ~~وتشهد أرجلهم # وقوله: # وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق ~~كل شيء # وكذلك المخاطبات التي تجري من منكر ونكير، وفي الميزان ~~والصراط والحساب ومناظرات أهل النار وأهل الجنة في قولهم: # أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم ~~الله ~~. # 20 # فهذه وأمثالها مما اختلف فيه العلماء والصوفية، ففريق يقول: إن ذلك كله بلسان الحال، ~~وفريق يحسهم الباب ويمنع التأويل، وقد غلا في ذلك أحمد ابن حنبل حتى منع تأويل قوله: # كن فيكون ~~، وزعم هو وأصحابه أن ذلك خطاب بحرف وصوت ~~يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كون كل مكون # 20 # وبلغ به ms268 ~~الأمر أن منع تأويل قول الرسول: «الحجر الأسود يمين الله في أرضه» وقوله: «قلب المؤمن ~~بين إصبعين من أصابع الرحمن» وقوله: «إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن» وعند الغزالي ~~أن ابن حنبل لم يمنع التأويل إلا رعاية لصالح الخلق، فإنه إذا فتح الباب اتسع الخرق ~~وخرج الأمر عن الضبط وجاوز حد الاقتصاد، إذ حد الاقتصاد لا ينضبط. # 20 # أبو حمزة الصوفي # وما زال الفقهاء يمشون في طريق والصوفية في طريق حتى بعدت بينهم شقة الخلاف، واتفق أن ~~كان العز بن عبد السلام يطعن على ابن عربي ويقول: هو زنديق، فقال له بعض أصحابه: أريد ~~أن تريني القطب، فأشار إلى ابن عربي. فقال له: فأنت تطعن فيه؟ فأجاب: أصون ظاهر الشرع # 21 # ومعنى هذا أن ظاهر الشرع لا يعترف للصوفية بوجود صحيح. # وقال بعض الصوفية لأحد المريدين: إن كنت تريد الجنة فسر إلى ابن مدين، وإن كنت تريد ~~رب الجنة فهلم إلي. # 22 # فالجنة طريقها الشرع، أما السبيل إلى الله فهو التصوف. # وكان ابن الكاتب إذا ذكر الروزباري يقول: سيدنا أبو علي. فقيل له في ذلك فقال: لأنه ~~ذهب من علم الشريعة إلى علم الحقيقة. ونحن رجعنا من علم الحقيقة إلى علم الشريعة. # 23 # فالعلم الذي يسود صاحبه هو التصوف، أما الفقه فمحصول العامة من الناس. # وقيل لبعض الصوفية: كم يجب من الزكاة في مائتي درهم؟ فقال: أما على العوام بحكم الشرع ~~فخمسة دراهم. وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع. # 24 # وكانوا يقولون: أهل العلم على ضربين، عالم عامة، وعامة خاصة، فأما عالم العامة فهو ~~المفتي في الحلال والحرام، وهؤلاء أصحاب الأساطين، # 25 # وأما عالم الخاصة فهو العالم بعلم التوحيد والمعرفة وهؤلاء أهل الزوايا وهم المنفردون. # 26 # ورفض المحاسبي أن يأخذ شيئا من ميراث أبيه، وكان ورث منه سبعين ألف درهم، وكان أبوه ~~يقول بالقدر فرأى من الورع أن لا يأخذ من ميراثه شيئا. وقال: صحت الرواية عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: لا يتوارث أهل ملتين شيئا. ms269 # 27 # والشاهد في هذا الخبر أن الصوفية كانوا يرون أنفسهم ملة، ويرون مخالفيهم في الرأي ملة ~~أخرى. # وكان ابن العفيف يقول: اقتدوا بخمسة من شيوخنا، والباقون سلموا لهم ~~حالهم. # 27 # والخمسة الذين ذكرهم ابن العفيف جمعوا بين العلم والحقائق، فهم أهل للاقتداء، أما ~~الباقون فوقفوا عند الحقائق فينبغي أن يسلم لهم حالهم؛ لأن لهم بدوات لا تعرفها ~~الشريعة. # الزهد والتصوف # وما زال الخلاف بين الفرقتين يقوى ويشتد حتى رأينا من يقول: من لم يزن أفعاله وأحواله ~~في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال. # 28 # ولو مضينا نستقصي ما كتب طعنا في الصوفية لطال بنا القول، ويكفي أن يعرف القارئ سر ~~الخلاف، فأهل الظاهر يرون الشريعة قوانين محدودة منظمة يسهل الرجوع إليها في الفصل بين ~~الناس، ولا كذلك التصوف فإن أهله يعتمدون على الخواطر ويستفتون القلوب، وليس في ذلك شيء ~~مضبوط، وما يدركه هذا قد يجهله ذاك. ولو أضيفت سلطة الحكومة إلى الصوفية لسادت الظنون، ~~وأصبح أمر الناس إلى فساد، واشتبكت مسالك اليقين. # وقد وضع ابن القيم كتابا نفيسا سماه «تلبيس إبليس» عرض فيه لأحوال الصوفية بالذم ~~والتقريع، وهو كتاب يقوم على أساس الشرع والعقل، وقد عاب عليهم أن يظنوا أن المراد من ~~رياضة النفوس هو قمع ما في البواطن من الصفات البشرية، مثل: قمع الشهوة والغضب وغير ~~ذلك، وليس هذا مراد الشرع، ولا يتصور إزالة ما في الطبع بالرياضة، وإنما خلقت الشهوات ~~لفائدة، فلولا شهوة الطعام لهلك الإنسان، ولولا شهوة النكاح لانقطع النسل، وكذلك حب ~~المال مركوز في الطباع؛ لأنه يوصل إلى الشهوات. وإنما المراد كف النفس عما يؤذي من جميع ~~ذلك وردها إلى الاعتدال فيه. # 29 # وبفضل اعتماد الصوفية على الخواطر وإهمال الشرع ~~شاعت القالة بأنهم مجانين، ويروى عن الشافعي أنه قال: لو أن رجلا تصوف أول النهار لا ~~يأتي الظهر حتى يصير أحمق، # 30 # وأنه قال: ما لزم أحد الصوفية أربعين يوما فعاد عقله إليه ~~أبدا، # 30 # وكان يونس بن عبد الأعلى ms270 يقول: صحبت الصوفية ~~ثلاثين سنة ما رأيت فيهم عاقلا إلا مسلما الخواص. # 30 # وعاب ابن القيم عليهم أن يقولوا (شريعة وحقيقة) وقال في تفنيد ذلك: # هذا قبيح؛ لأن الشريعة ما وضعه الحق لمصالح الخلق، فما الحقيقة بعدها سوى ما ~~وقع في النفوس من إلقاء الشياطين، وكل من رام الحقيقة في غير الشريعة فمغرور ~~مخدوع، وإن سمعوا أحدا يروى حديثا قالوا: مساكين، أخذوا علمهم ميتا عن ميت، ~~وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت فمن قال حدثني أبي عن جدي قلت حدثني قلبي عن ~~ربي، فهلكوا وأهلكوا بهذه الخرافات قلوب الأغمار، وأنفقت عليهم لأجلها الأموال؛ ~~لأن الفقهاء كالأطباء والنفقة في ثمن الدواء صعبة، والنفقة على هؤلاء كالنفقة ~~على المغنيات، وبغضهم الفقهاء أكبر الزندقة؛ لأن الفقهاء يحظرونهم بفتاويهم عن ~~ضلالهم وفسقهم والحق يثقل كما تثقل الزكاة. # 31 # إلى آخر ما وعت جعبة ابن القيم من النبال. # أهل الظاهر وأهل الباطن # وابن القيم لم يفتر شيئا على الصوفية حين اتهمهم بازدراء أهل الفقه والحديث، فهم ~~بالفعل يرون أنفسهم ورثة الأنبياء، ويسميهم إخوان الصفا «أولياء الله وعباده الصالحين» ~~ويذكرون من صفاتهم أنهم لا يذكرون في مجالسهم وخلواتهم أحدا إلا الله، ولا يتفكرون إلا ~~في مصنوعاته، ولا ينظرون إلا إلى فنون إحسانه، وعظيم إنعامه، وجميل آلائه، ولا يعملون ~~إلا لله، ولا يخدمون إلا إياه، ولا يرغبون إلا إليه، ولا يرجون إلا منه ... وذلك أنهم ~~يرونه رؤية الحق في جميع متصرفاتهم، ويشاهدونه في كل حالاتهم، لا يسمعون إلا منه، ولا ~~ينظرون إلا إليه، ولا يرون غيره على الحقيقة. فمن أجل ذلك انقطعوا إليه عن الخلق، ~~واشتغلوا بالخالق عن المخلوق وبالرب عن المربوب. # 32 # ويذكر إخوان الصفا أن نعت هؤلاء القوم ورد في آيات كثيرة من القرآن، وأن النبي أثنى ~~عليهم فقال: «لا يزال في هذه الأمة أربعون رجلا من الصالحين على ملة إبراهيم الخليل # 33 # وأن هؤلاء الصالحين هم الذين سماهم الله في كتابه «أولي الألباب » و«أولي ~~النهى» و«أولي الأبصار» فهم أولياء الله وأحباؤه، وإليهم أشار ms271 بقوله لإبليس # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # وإليهم أشار ~~الرسول في وصيته لأبي هريرة بقوله: «عليك يا أبا هريرة بطريق أقوام إذا فزع الناس لم ~~يفزعوا، وإذا طلب الناس الأمان من النار لم يخافوا» قال: من هم يا رسول الله صفهم لي ~~حتى أعرفهم قال: قوم من أمتي في آخر الزمان يحشرون يوم القيامة محشر الأنبياء، إذا نظر ~~إليهم الخلائق ظنوهم أنبياء حتى أعرفهم أنا بسيماهم فأقول: أمتي أمتي، ليعرف الخلائق ~~أنهم ليسوا بأنبياء، ويمرون مثل البرق والريح، ويغشى أبصار الجميع نورهم. قال أبو ~~هريرة: قلت يا رسول الله مرني بمثل عملهم لعلي ألحق بهم. فقال الرسول: يا أبا هريرة، إن ~~القوم ارتكبوا طريقا صعبا لحقوا بدرجة الأنبياء، آثروا الجوع بعدما أشبعهم الله، ~~والعرى بعد ما كساهم الله تركوا ذلك رجاء ما عند الله، تركوا الحلال مخافة حسابه، صحبوا ~~الدنيا بأبدانهم من غير أن تعلق بشيء منها قلوبهم، تعجب الأنبياء والملائكة من طاعتهم ~~لربهم، فطوبى لهم، وددت أن الله جمع بيني وبينهم ... ثم بكى رسول الله شوقا إلى رؤيتهم». # 34 # أصل الخلاف # وهذا الكلام صريح في أن الصوفية يرون أنفسهم ~~ورثة الأنياء، بل هو صريح في أنهم نظائر الأنبياء، وليس في هذا غرابة، فالصوفية من ~~أوائل المتمردين على التقاليد الشرعية، وهذا التمرد فيه ضعف وفيه قوة، هو ضعف من حيث ~~أنه يفتح باب الفوضى في عالم الأخلاق، ويمكن من لا يعرف من الخوض في الشؤون المعاشية ~~والوجدانية بأحكام ما أنزل الله بها من سلطان، وهو قوة من حيث يدعو إلى قوة الشخصية ~~والاحتكام إلى الوجدان. # والصوفية يذكرون أن النبي قال: «استفت قلبك، وإن أفتاك المفتون» # 35 # وأنه قال: «استفت قلبك، وإن أفتوك وأفتوك» # 35 # كأنهم يحتاجون إلى سند من كلام الرسول! # وعند التأمل نرى الوقوف عند ظاهر الشريعة لا يليق إلا بالعوام من الناس، أما الخواص ~~فلهم مجالات يدركها العارفون، وما كان يمكن أن يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون في ~~فهم دقائق الأشياء، ففي العالم أسرار يطلع على ms272 بعضها الخواص، والشرع نفسه فيه دقائق ~~كثيرة لا يفهمها العوام من الفقهاء ... على أن رجال الظاهر أسرفوا في التزمت وبلغ بهم ~~الحمق أن أقفلوا باب الاجتهاد، كأن الدنيا انتهت إلى ما انتهت إليه أئمتهم، وكأن العالم ~~ظهرت بواطنه وخوافيه فلم يبق فيه من المستورات ما يحتاج إلى شرح أو تأويل. # ولكن هل يكفي هذا ليصبح الأمر كله إلى الصوفية، ويصح للغزالي أن يحكم بأن الاشتغال ~~بعلم الظاهر بطالة؟ # إن ضيق الذهن لحق بالفريقين فلم يتيسر لهما اتفاق، ولو تأمل أهل الظاهر لعرفوا أن ~~النفس الإنسانية أعمق من أن تبر أغوارها في جيل أو جيلين، وأن وساوس الصوفية ليست إلا ~~شواهد لعلم النفس، وأن الإنسان لا يهذي ولا يسخف إلا وقفا لقوانين مستورة يوجب العقل ~~أن نبحث عما لها من عناصر وأصول، وما قد يبدو سخفا وهذيانا له أحيانا وجوه من الحق ~~يعلمها الراسخون في علم النفس وعلم منافع الأعضاء. # فمن الفضول أن يتحكم الفقهاء في مصاير النفس الإنسانية، وأن يقضوا بأن كل خروج على ~~آفاقهم زيغ وضلال، وأن نصوص القرآن والحديث لا يجوز أن توجه إلى غير ما يقتضيه ظاهر ~~الحروف. ولو عقل الصوفية لعرفوا أن من الخرق أن تكون آراؤهم دستورا يجب احترامه في ~~جميع البيئات، وكيف يفرض علىالناس جميعا أن يقضوا أعمارهم في التفكر والتدبر؟ إن ~~الفكر شيء جميل، ولكن فرضه على جميع الناس سخف لا يعدله سخف، وكيف غاب عنهم أن الغفوات ~~العقلية التي يتمتع بها الجماهير هي أساس النظام في هذا الوجود؟ وكيف كانت تصبح الدنيا ~~لو أن العوام تفلسفوا، وادعوا الاتصال بالله، كلما عرض لهم خاطر جديد؟ # أعداء الصوفية # وخلاصة القول أن العداوة بين أهل الظاهر وأهل الباطن لا تقوم على أساس صحيح، فأهل ~~الظاهر وجودهم ضروري لأنهم يحمون الناس من الاستسلام إلى الأوهام والأضاليل، وأهل ~~الباطن وجودهم ضروري لأنهم يعطرون الشريعة بعبير الروح ويسكبون عليها أنداء ~~الخيال. # وأهل الظاهر هم الذين حفظوا العلوم الشرعية، وصيروا الإسلام من الشرائع المؤسسة على ~~قواعد من الثقافة الفقهية. ms273 # وأهل الباطن هم الذين خلقوا العصبية الدينية، وصوروا الرسول، وأصحابه بصور روحية ~~رائعة هي التي حفظت القوة المعنوية للدين الحنيف. # ولا يمكن إغفال ما أفاد الإسلام من الثقافة الصوفية، فالتصوف هو الذي ملأ الجوانب ~~الخالية من قلوب المسلمين، وهو الذي أنساهم الخشونة المادية التي أذاعتها الثقافة ~~الفقهية، وقد نشرت جريدة السياسة في 3 يونية سنة 1932 نبذة من كتاب فلسفة الدين الذي ~~ألفه بالإنجليزية المستر ادوار روس (ص124) جاء فيها قوله: # إن كلمة الإسلام معناها الإذعان لإرادة الله، وأخلق بذلك أن يفضي إلى اعتبار ~~الله قضاء متحكما غير مفهوم، من العبث التمرد عليه، وليس من صفاته لا القداسة ~~ولا الحب، ومع ذلك فقد ظهر مسلمون لا يرتاحون إلى هذا الدين الجاف، وإن في ظهور ~~الفرق الصوفية التي انتشرت في الإسلام لشهادة بوجود الشوق إلى اتصال يكون أوثق ~~بإله حي يفيض بالحب. # وهذه الكلمة صحيحة، لولا ما فيها من وصف الإسلام بالجفاف، وليس من الضروري أن تتصور ~~الله رفيقا عطوفا في جميع الأحيان، فمن الجهل أن ننسى غضب الله على الأشقياء ~~والظالمين، ولكن من الجهل أيضا أن لا تتمثل الله إلا وفي يده سوط، فالله لطيف جدا، ~~وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم. # والفقهاء سدوا منافذ الرفق حين صوروا الله بالقسوة والعنف. والصوفية سدوا منافذ الحزم ~~حين وصفوا الله بالرفق المطلق. وحب الله لا يتوقف على ما ينتظرون من الرفق، فقد نحب ~~الله ونحن نخافه أشد الخوف، ومن لا يعرف الرهبة فليس بمحب ولا محبوب. # الصوفية يرون أنفسهم ورثة الأنبياء # وهنا تعرض مسألة جوهرية في نظام الأخلاق هي ~~الفرق بين الزهد والتصوف، فالزهد هو ترك الدنيا خوفا من الحساب، والتصوف، هو الإقبال ~~على صفاء النفس لتتصل بالله، فغاية الزاهدين هي السلامة، وغاية الصوفية هي الوصول، ~~فالزاهد يخاف الدنيا لأنها قد تبعده من الجنة، والصوفي يخاف الدنيا لأنها قد تشغله عن ~~الله، وهذا الفرق فرض صرف، فليست هناك حدود واضحة تفصل الزهد عن التصوف، وإنما أخذنا ~~هذا الفرض من التاريخ، فالعباد كانوا يسمون زهادا ms274 ونساكا في العهد الأول قبل أن يوجد ~~التعمق في دراسة الأسرار النفسية، ثم سموا صوفية في العهد الذي كثر فيه الاهتمام بدرس ~~أسرار القلوب. # فضل الفقه وفضل التصوف # إلى هنا عرفنا صورا من تطور التصوف. أفيستطيع القارئ أن يتصور أن الصلة لا تزال ~~وثيقة بين ما ابتدأ به التصوف وما انتهى إليه؟ # لقد قلنا إن التصوف قديم في البيئات العربية، واتخذنا من القرآن شواهد للتصوف، أفيمكن ~~الحكم بأن الصوفية وقفوا عند روحانية القرآن؟ # إنه لا مفر من الاعتراف بأن شخصية المسيح كان لها أثر في تلوين النزعات الصوفية، فما ~~تكاد كتب التصوف تخلو من الاستشهاد بكلام المسيح. # وقد رأينا فيما سلف أن شخصية الراهب كانت محترمة، وأن الصوفية كانوا ينقلون كلام ~~الرهبان، وكان الناسك من المسلمين يذكر النصارى بالمسيح. # 36 # فلنضف إلى ما سلف أن الصوفية كان يسرهم أن يسجلوا أنهم أعرف بربهم من الرهبان، وأن ~~التصوف الحق يرجع إلى الحب المطلق الذي لا ينتظر الجزاء، ولا يخاف العقاب، أو الثقة ~~المطلقة التي لا يعروها شك ولا يساورها ارتياب. # وقد حدثوا أن أحد العارفين اجتاز يوما في بعض سياحته براهب في صومعة على رأس تل فوقف ~~بإزائه فناداه فأخرج الراهب رأسه من صومعته وجرت بينهما المحاورة الآتية: # الراهب ~~: # من هذا؟ # الصوفي ~~: # رجل من أبناء جنسك الآدميين. # الراهب ~~: # وما الذي تريد؟ # الصوفي ~~: # كيف الطريق إلى الله؟ # الراهب ~~: # في خلاف الهوى. # الصوفي ~~: # فما خير الزاد؟ # الراهب ~~: # خير الزاد التقوى. # الصوفي ~~: # لم تباعدت عن الناس وتحصنت في هذه الصومعة؟ # الراهب ~~: # مخافة على قلبي من فتنتهم، وحذرا على عقلي من الحيرة من سوء ~~عشرتهم، فطلبت راحة نفسي من مقاساة مداراتهم، وقبيح أفعالهم، وجعلت معاملتي مع ~~ربي فاسترحت منهم. # الصوفي ~~: # أخبرني كيف وجدتهم؟ # الراهب ~~: # أسوأ قوم وشر أصحاب ففارقتهم. # الصوفي ~~: # كيف وجدتم يا أتباع المسيح معاملتكم مع ربكم؟ # الراهب # بعد تردد ~~: # أسوأ معاملة. # الصوفي ~~: # وكيف ذلك؟ # الراهب ~~: # لأنه أمرنا بكد الأبدان، وجهد النفوس، وصيام النهار وقيام ~~الليل، وترك الشهوات المركوزة في الجبلة، ومخالفة الهوى الغالب، ms275 ومجاهدة ~~العدو المتسلط، والرضا بخشونة العيش، والصبر على الشدائد والبلوى ومع هذه كلها ~~جعل الأجر نسيئة في الآخرة بعد الموت مع بعد الطريق والحيرة. فهذه حالنا في ~~معاملتنا مع ربنا. فخبرني عنكم، يا معشر أتباع أحمد، كيف وجدتم معاملتكم مع ~~ربكم؟ # الصوفي ~~: # خير معاملة. # الراهب ~~: # صفها لي. # الصوفي ~~: # إنه أعطانا سلفا كثيرة قبل العمل ومواهب جزيلة لا تحصى فنون ~~أنواعها من النعم والإحسان والإفضال قبل المعاملة: فنحن ليلنا ونهارنا تتقلب في ~~أنواع من نعمه، وفنون من آلائه، ما بين سالف معتاد، وآنف مستفاد، وخالف ~~منقاد. # الراهب ~~: # كيف خصصتم بهذه المعاملة دون غيركم والرب واحد؟ # الصوفي ~~: # أما النعمة والإحسان والإفضال فعموم للجميع، قد عمتنا # 37 # كلنا، ولكن نحن خصصنا بحسن الاعتقاد وصحة الرأي والإقرار بالحق ~~والإيمان والتسليم، فوفقنا لمعرفة الحقائق لما أعطينا بالانقياد والإيمان ~~والتسليم وصدق المعاملة من محاسبة النفس وملازمة الطريق، وتفقد تصاريف الأحوال ~~الطارئة من الغيب ومراعاة القلب بما يرد عليه من الخواطر والوحي والإلهام ساعة ~~بساعة. # الراهب ~~: # زدني في البيان. # الصوفي ~~: # نعم، اسمع ما أقوله وافهمه واعقل ما تفهم، إن الله جل ثناؤه خلق ~~الإنسان خلقا سويا، بنية صحيحة تامة وقامة منتصبة وحواس سالمة، ثم رباه ~~وأنشأه وأنماه بفنون من لطفه وغرائب من حكمته إلى أن بلغ أشده واستوى، ثم آتاه ~~حكما وعملا، وقلبا ذكيا، وسمعا دقيقا، وبصرا حادا، ولسانا ناطقا، ~~وعقلا صحيحا، وفهما جيدا، ومشيئة واختيارا، وجوارح طائعة، ثم علمه الفصاحة ~~والبيان، والصناعة والزراعة والتجارة، والتصرف في المعاش وطلب العز والسلطان ~~والأمر والرياسة والتدبير والسياسة وسخر له ما في الأرض جميعا من الحيوان ~~والنبات والمعادن فغدا متحكما عليها تحكم الأرباب، ثم أراد الله أن يزيده من ~~إحسانه وفضله وجوده وإنعامه شيئا آخر أجل وأشرف، وهو ما أكرم به الله ملائكته ~~وخالص عباده وأهل جنته من النعيم الذي لا يشوبه نقص ولا تنغيص، وهو نعيم ~~الفردوس، فبعث بلطفه أنبياءه ورسله يرغبونهم في الجنة ويدلونهم على طريقها كيما ~~يطلبوها ويكونوا لها مستعدين قبل الورود إليها ، ولكي يسهل عليهم مفارقة ms276 ما ~~ألفوا في الدنيا من شهواتها ولذاتها، وتخف عليهم شدائد الدنيا ومصايبها، ~~ويحذرونهم أيضا التواني في طلب الجنة كيلا يفوتهم ما وعدوا به، فإنه من فاتته ~~فقد خسر الدنيا والآخرة وضل ضلالا بعيدا ... فهذا رأينا واعتقادنا يا راهب في ~~معاملتنا مع ربنا، وبهذا الاعتقاد طاب عيشنا في الدنيا، وسهل علينا كد العبادة ~~فلا نحس بها، بل نرى أن ذلك نعمة وكرامة وعز وشرف، إذ جعلنا أهلا أن نذكره، ~~وإذ هدى قلوبنا، وشرح صدورنا، ونور أبصارنا، لما عرفنا من كثرة إنعامه، وفنون ~~ألطافه وإحسانه. # الراهب ~~: # جزاك الله خيرا من واعظ ما أبلغه، وطبيب رفيق ما أحذقه، وأخ ~~ناصح ما أشفقه. # 38 # ومن الواضح أن هذه محاورة خيالية، وليس من الضروري أن يرتاب الراهب في مصيره كل هذا ~~الارتياب، ولكن الشاهد يظهر بهذه المقارنة. # فمؤلف هذه المحاورة يعتقد أن المسيحية تصورها شخصية الراهب، وأن الإسلام الحق تصوره ~~شخصية المتصوف. # أثر المسيحية في التصوف # ولم يكن المسيح بالصورة الوحيدة التي فتنت الصوفية، فهناك عباد بني إسرائيل، وأولئك ~~العباد لهم كلمات وأحوال حفظها الصوفية. # وكذلك يمكن الحكم بأن التصوف هو مجموعة من الأفكار الإسلامية والنصرانية واليهودية، ~~أو هو الخلاصة الروحية من تلك الديانات الثلاث. # وأغلب الظن أن الصوفية لم ينطبعوا على تلك الآراء طائعين، وإنما سرت إليهم فأثرت فيهم ~~على غير وعي، فلما استفحل أمرهم أخذوا يجهرون بأنهم ورثة الأنبياء، وهذا القول فيه رجعة ~~إلى كلمة قديمة عرفت عن بعض فلاسفة اليونان الذين قالوا بأنهم ورثة الآلهة. والأستاذ ~~الدكتور منصور فهمي يرجح انسياق ذلك الخيال اليوناني إلى الصوفية، وهو ترجيح تؤيده ~~المشابهة بين القولين واتفاقهما في المدلول. # والجيلاني يسمى العارفين رجال الغيب، وهم عنده ستة أقسام: # القسم الأول: # هم الصنف الأفضل، والقوم الكمل، هم أفراد الأولياء، المقتفون آثار ~~الأنبياء، غابوا عن عالم الأكوان، في الغيب المسمى بمستوى الرحمن، فلا ~~يعرفون ولا يوصفون، وهم آدميون. # القسم الثاني: # هم أهل المعاني، وأرواح الأواني، يتصور الولي بصورهم، فيكمل الناس في ~~الباطن والظاهر بخيرهم، فهم أرواح، وكأنهم أشباح، ms277 سافروا من عالم ~~الشهود، فوصلوا إلى فضاء غيب الوجود، فصار غيبهم شهادة، وأنفاسهم ~~عبادة، وهؤلاء أوتاد الأرض، القائمون لله بالسنة والفرض. # القسم الثالث: # ملائكة الإلهام والبواعث. يطرقون الأولياء، ويكلمون الأصفياء، لا ~~يبرزون إلى عالم الإحساس، ولا يتعرفون لعوام الناس. # القسم الرابع: # رجال المناجاة.. يتصورون للناس، في عالم الإحاس، وقد يدخل أهل ~~الصفاء، إلى ذلك اللواء، فيخبرونهم بالمغيبات، وينبئونهم ~~بالمكتمات. # القسم الخامس: # رجال البسابس، هم أهل الخطوة في العالم، وهم من أجناس بني آدم، ~~يظهرون للناس ثم يغيبون، ويكلمونهم فيجيبون، أكثر سكنى هؤلاء في الجبال ~~والقفار، والأودية وأطراف الأنهار. # 39 # القسم السادس: # يشبهون الخواطر لا الوساوس. هم المولدون من أبي الفكر وأم التصور، لا ~~يؤبه إلى أقوالهم، ولا يتشوق إلى أمثالهم، فهم بين الخطأ والصواب، وهم ~~أهل الكشف والحجاب. # 40 # وهذا الكلام يدل على أن من الصوفية من نسي التعاليم الدينية وتسامى إلى الاتصال بعالم ~~الأرواح، وهم لا يذكرون الأنبياء إلا اتقاء لشر الناس ولو أعطيت لهم الحرية لصرحوا بأن ~~ليس بينهم وبين الله وسيط. والإسلام لا يوجب وساطة بين العبد والرب، ولكنه يحتم أن نعرف ~~الله ونعبده في حدود ما أوصى به الأنبياء، على أن من الصوفية من فضل الولاية على النبوة ~~وكانت حجته أن الأنبياء يوحى إليهم بواسطة، وأن الأولياء يتلقون من الله بلا واسطة، وهو ~~كلام رفضه الأكثرون. # محاورة بين صوفي وراهب # وقد توغل الصوفية في الفروض فزعموا أن الرسول قال: لا يزال في هذه الأمة أربعون رجلا ~~من الصالحين على ملة إبراهيم الخليل # 41 # وزعموا أن من بين هؤلاء الأربعين أربعة هم الأبدال، وإنما سموا الأبدال ~~لأنهم بدلوا خلقا بعد خلق وصفوا تصفية بعد تصفية، وذلك أن هؤلاء الأربعين منتقون - في ~~زعمهم - من جملة أربع مئة من الزاهدين العارفين المحققين؛ وهؤلاء الأربع مئة منتقون من ~~أربعة آلاف من المؤمنين التائبين المخلصين، وكلما مضى شخص من الأربعة قام في رتبته شخص ~~من الأربعين، وإذا مضى شخص من الأربعين قام في رتبته شخص من الأربع مئة، وإذا مضى شخص ms278 ~~من الأربع مئة ارتقى إلى منزلته شخص من الأربعة آلاف فبلغ مرتبته وقام مقامه، وكلما مضى ~~شخص من الأربعة آلاف ارتقى مكانه بدلا منه واحد من المؤمنين التائبين المخلصين فبلغ ~~درجته وقام مقامه. # 42 # ومعنى هذا أن الجمعية الصوفية تؤلف وحدة قومية، هي الصفوة المختارة من المؤمنين. ~~والقارئ يذكر أننا أشرنا في مقدمة الجزء الأول من هذا الكتاب إلى طائفة من اصطلاحات ~~الصوفية جاء فيها أن القطب وهو الغوث عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله من العالم ~~في كل زمان، وأن الأوتاد عبارة عن أربعة رجال منازلهم على منازل أربعة من أركان العالم، ~~وأن البدلاء هم سبعة، ومن سافر من القوم عن موضعه ترك جسدا على صورته حتى لا يعرف أحد ~~أنه فقد، وأن النقباء هم الذين استخرجوا خبايا النفوس وهم ثلاث مئة، وأن النجباء ~~أربعون، وهم المشغولون بحمل أثقال الخلق، وأن الإمامين شخصان أحدهما عن يمين الغوث ~~ونظره في الملكوت والآخر عن يساره ونظره في الملك، وهو أعلا من صاحبه وهو الذي يخلف ~~الغوث. # طبقات أهل الغيب # فمن أين جاء الصوفية بهذا النظام الغريب؟ # يرى ابن خلدون أنهم نقلوه عن الشيعة «حتى أنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه ~~أصلا لطريقتهم ونحلتهم رفعوه إلى علي رضي الله عنه». # 43 # والواقع أن الصلة وثيقة بين التشيع والتصوف، فعلي هو معبود الشيعة وهو إمام الصوفية، ~~أليس هو الذي أشار إلى العارفين حين قال لكميل بن زياد: أولئك الأقلون عددا، الأعظمون ~~عند الله قدرا، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح حقيقة اليقين # 44 # أليس هو الذي أثنى على الحسن البصري إمام الصوفية. # 45 # وقد حدثوا أن الجنيد أخذ الطريقة عن خاله سري السقطي، وكان أخذها عن معروف الكرخي، ~~ومعروف الكرخي أخذها عن علي بن موسى الرضا. # 46 # ونحن نعرف من علي بن موسى الرضا، فهو من أقطاب أهل البيت. والشيعة أنفسهم يعطفون على ~~الصوفية أبلغ العطف، وقد أثنى الشريف المرتضى في أماليه على الحسن البصري أطيب الثناء. # 47 ms279 # والصوفية ينقلون فرحين ما روي عن علي أنه قال: علمني رسول الله # صلى الله عليه وسلم # سبعين بابا ~~من العلم لم يعلم ذلك أحدا غيري. # 48 # وقد أثنى علي على عمر بن الخطاب، ونقل الطوسي ذلك الثناء وقال: ولأهل الحقائق أسوة ~~وتعلق بعمر رضي الله عنه، ثم ذكر أنه اختار لبس المرقعة والخشونة وترك الشهوات واجتناب ~~الشبهات وإظهار الكرامات وقلة المبالاة بمن لامه من الخلق عن انتصاب الحق. # 49 # ألا ترون كيف فسر الطوسي ثناء علي على عمر فألبس ابن الخطاب شمائل صوفية؟ # وقام رجل إلى علي بن أبي طالب فسأله عن ~~الإيمان فقال: الإيمان على أربع دعائم، على الصبر واليقين والعدل والجهاد، ثم ~~وصف الصبر على عشر مقامات، وكذلك اليقين والعدل والجهاد، فوصف كل واحد منها على ~~عشر مقامات. # 50 # قال الطوسي: فإن صح ذلك عنه فهو أول من تكلم في الأحوال والمقامات. # الصلة بين التشيع والتصوف # وطبيعة الأشياء توجب أن يقترب التشيع والتصوف، فالشيعة انهزموا في ميدان السياسية، ~~والصوفية انهزموا في ميدان الحياة، والاشتراك في الهزيمة يقرب بين النفوس، وقد مضت في ~~هذا الكتاب فقرات كثيرة تبين أن المرء يتصوف حين ينهزم؛ لأنه حين يفقد سنده في عالم ~~المادة يذهب فيلتمس الغوث في عالم الروح. # ومما يقرب بين المذهبين أن الشيعة والصوفية يؤمنون بالأسرار، ويبحثون عن النجاة في ~~العوالم الغيبية، ولذلك تشابهت أوهامهم وظنونهم وأمانيهم، وتقاربت مذاهبهم المعاشية ~~والاجتماعية، وصرت ترى لديهم شمائل مشتركة في تناول الأشياء، وفهم الحياة والناس، حتى ~~أدبهم يتشابه، فتقع أمامك القطعة من الشعر فتنسبها إلى من شئت فتمضي طائعة إلى من ~~تضيفها إليه من الشيعة أو الصوفية ... وأصدق دليل على اقتراب المذهبين أن أهل فارس هم ~~أكثر الناس تصوفا بين الأمم الإسلامية، وإنما كانوا كذلك لأن التشيع ألقى رحاله ~~هناك. # ولو مضينا ندرس التصوف في مصر لرأينا عند الصوفية من المصريين ألفاظا كثيرة كانت مما ~~يستعمله الفاطميون. فليس من الغريب أن يحكم ابن خلدون بأن الصوفية نقلوا نظامهم عن ~~التشيع. # قيمة التصوف في ms280 الحياة الخلقية # لم يبق بعد هذه التفاصيل إلا أن نقول إن الصوفية يمتازون من بين رجال الأخلاق بصفة ~~أساسية هي التفلسف، فأولئك قوم مسلمون يأبون أن يقفوا عند حرفية النصوص فيمضون في الدرس ~~والتأويل، ثم يقبلون على النفس فيجعلونها محور الأخلاق. # فالمسلم يعمل في حدود الأوامر الشرعية، وينزجر في حدود الزواجر الشرعية، أما الصوفي ~~فيتسامى إلى إدراك المغيبات، ويحرص على فهم الدقائق الخفية في حركات الخواطر ~~والقلوب. # وخلاصة القول أن الصوفي يحترم الشخصية كل ~~الاحترام فيستفتي قلبه وإن أفتاه المفتون، وقد كان لذلك عيوب منها الإسراف في التصورات ~~العقلية التي انتهت إلى القول بوحدة الوجود، أو بالحلول، أو بتفضيل الأولياء على ~~الأنبياء. وتلك عيوب في نظر من يقيسون الأخلاق بالمقاييس الشرعية، أما الذي يقيسونها ~~بالمقاييس الفلسفية فيرون عند الصوفية أصولا من إجلال الفكر وإعزاز العقل. وليس ذلك ~~بالفضل القليل. # أقول هذا وأنا أعرف أن ليس لي من عمل في هذا الكتاب إلا تأريخ هذا المذهب الفلسفي، ~~فليس من همي أن أحارب التصوف أو أن أدافع عنه فلا يظن قوم أني أتحزب للتصوف، وإن كان ~~من حقي أن أعطف عليه في حدود الاعتدال. # نظام البحث # أما خطتنا في هذه الدراسات فهي عرض المسائل الأساسية التي تتكون بها الشخصية الخلقية، ~~ولن نهتم بالجزئيات، لأن أمرها يطول، ويكفي أن يعرف القارئ بهذه الدراسات خطر التصوف في ~~الأخلاق. # ولنقيد هنا أننا وقفنا عند المعاني، فلم نهتم بالأشخاص ولا التاريخ، وفي هذا التمهيد ~~ما يكفي لبيان الأطوار التي مرت بها فكرة التصوف في العهود الإسلامية. # ومن الواضح أن لنا الحق في اختيار المنهج الذي نرتضيه لنظام الكتاب ولا يطلب منا إلا ~~مسايرة ما ارتضيناه في أسلوب التأليف. وقد لا يكون هذا الأسلوب خير الأساليب، ولكنه يصل ~~بنا على خير وجه إلى تحقيق ما نريد. # هذا القسم خاص بالأخلاق، ولكن القارئ سيرانا نبتدئه بالكلام عن الأدعية والأوراد، ~~وفيها ملامح أدبية خليقة بأن يجعلها من القسم الأول، ولكنا رأينا بعد التأمل أن فصل ~~الأدعية تغلب عليه النزعة ms281 الخلقية؛ لأن فيه حديثا عن إعداد النفس للدعاء، ولأن الأدعية ~~في ذاتها من وسائل الاتصال بالله، والاتصال بالله هو الغاية الخلقية عند أهل ~~التصوف. # ومن المؤكد أن الأوراد تمثل النظام الخلقي في حياة المريد، فوضعها في قسم الأخلاق ليس ~~من الفضول. # ونعترف مخلصين، أن هذا البحث يحتاج إلى جهد أكبر مما نملك، ولكن يعزينا أن القارئ ~~سيذكر أن جهد المقل غير قليل. # | الأدعية والأوراد # الدعاء في القرآن # الأدعية جمع دعاء، وهو النداء، ويرد أحيانا في ~~القرآن بمعنى العبادة، كقوله عز شأنه في سورة الأعراف: # إن ~~الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم ~~فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقي # وقوله في سورة الرعد: # له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا ~~يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ~~ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ~~ضلال # وقوله في سورة الكهف: # واصبر نفسك مع ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ~~ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا ~~تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان ~~أمره فرطا # وقوله في سورة الحج: # ويعبدون ~~من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به ~~علم وما للظالمين من نصير # وقوله في سورة فاطر: # ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون ~~من دونه ما يملكون من قطمير * إن تدعوهم لا ~~يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير # وفي سورة الفرقان: # والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ~~. # وعند تأمل هذه الشواهد نجد الدعاء حين يرد بمعنى العبادة يتضمن أيضا معنى ~~النداء. # والدعاء مما يوصي به الأدب في الشريعة الإسلامية، وفي القرآن الكريم # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم # وفي سورة ~~البقرة: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~. # أدعية الأنبياء # والدعاء قديم جدا في التقاليد الدينية، وقد قص القرآن نماذج من أدعية الأنبياء، منها ~~ما ورد ms282 في سورة البقرة على لسان إبراهيم: # رب اجعل هذا ~~بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات ~~... # ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ~~* ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ~~ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا ~~ إنك أنت التواب الرحيم * ربنا وابعث ~~فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز ~~الحكيم ~~. # وروى القرآن دعوات إبراهيم بصورة أخرى في سورة إبراهيم فقال: # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني ~~وبني أن نعبد الأصنام * رب إنهن ~~أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن ~~عصاني فإنك غفور رحيم * ربنا إني أسكنت ~~من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ~~ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ~~وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون * ~~ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على ~~الله من شيء في الأرض ولا في السماء * الحمد ~~لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي ~~لسميع الدعاء * رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ~~ذريتي ربنا وتقبل دعاء * ربنا اغفر لي ~~ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ~~. # ومن دعاء موسى ما ورد في سورة طه: # رب اشرح لي صدري ~~* ويسر لي أمري * واحلل عقدة ~~من لساني * يفقهوا قولي * واجعل ~~لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * ~~اشدد به أزري * وأشركه في أمري * ~~كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا # وفي سورة القصص: # رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ~~. # ومن دعاء أيوب ما ورد في سورة الأنبياء # أني مسني ~~الضر وأنت أرحم الراحمين ~~. # ومن دعاء نوح ما ورد في سورة القمر # أني مغلوب ~~فانتصر # وما ورد في سورة نوح: # رب لا تذر ~~على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن ~~تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا * رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي ~~مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا ~~تبارا ~~. # ومن دعاء زكريا ما ورد في سورة آل عمران # رب هب لي من ~~لدنك ذرية طيبة إنك سميع ms283 الدعاء ~~. # وفي سورة آل عمران جعل الله قول الصديقين هذا الدعاء: # ربنا ~~اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين ~~. # والله يوصي أنبياءه بالدعاء، من ذلك ما جاء في سورة الإسراء وصية لنبيه محمد: # وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج ~~صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا # وما جاء في سورة ~~(المؤمنون) وصية لنبيه نوح # وقل رب أنزلني منزلا ~~مباركا وأنت خير المنزلين # وفي سورة الكهف يوصي رسوله ~~بتعليم أمته أسلوب الدعاء # قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك ~~سبيلا ~~. # وفي هذه الشواهد دلائل على أن الدعاء قديم جدا في التقاليد الدينية، وأدعية الأنبياء ~~ذكرت في القرآن تذكيرا للمؤمنين بما فيها من معنى العبودية والإيمان بأمر الأمر كله ~~بيد الله، وأن من التقى أن يدعو الإنسان ربه، وأن يسأله النصر والغفران. # طبيعة الإنسان # والقرآن يحدثنا بأن الإنسان قد لا يعرف ربه إلا عند البأساء، ففي سورة الزمر # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ~~ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من ~~قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله # وفي سورة فصلت: # وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى ~~بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض ~~. # أدعية الرسول # وقد عني الرسول # صلى الله عليه وسلم # بترغيب أمته في الدعاء. فقال: «ليس شيء أكرم على الله من ~~الدعاء»، وقال: «إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم - عباد الله - بالدعاء»، ~~وقال: «إن الله عز وجل حيي كريم يستحي إذا بسط الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا ليس ~~فيهما شيء»، وقال: «دعوة في السر تعدل سبعين دعوة في العلانية»، وقال: «إن لله عز وجل ~~في الليل والنهار عتقاء من النار، ولكل مسلم ومسلمة في كل يوم وليلة دعوة مستجابة»، ~~وقال: «إن الله تعالى يقول: من ذا الذي دعاني فلم أجبه، وسألني فلم أعطه، واستغفرني فلم ~~أغفر له، وأنا أرحم ms284 الراحمين»، وقال: «إذا فتح الله على عبد باب الدعاء فليكثر فإن الله ~~يستجيب له» وقال: «من لم يسأل الله يغضب عليه». # 1 # وقد رويت عن رسول الله أدعية كثيرة، منها ما كان يقوله بعد ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح: # اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها شملي، وتلم بها شعثي، ~~وترد بها ألفتي، وتصلح بها ديني، وتحفظ بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها ~~عملي، وتبيض بها وجهي، وتلهمني بها رشدي، وتعصمني بها من كل سوء. اللهم أعطني ~~إيمانا صادقا، ويقينا ليس بعده كفر، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا ~~والآخرة، اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء، ومنازل الشهداء، وعيش السعداء، ~~والنصر على الأعداء، ومرافقة الأنبياء. اللهم إني أنزل بك حاجتي، وإن ضعف رأيي، ~~وقلت حيلتي، وقصر عملي، وافتقرت إلى رحمتك، فأسألك يا قاضي الأمور، ويا شافي ~~الصدور، كما تجيرني بين البحور، أن تجيرني من عذاب السعير، ومن دعوة الثبور، ~~ومن فتنة القبور ... الخ. # 2 # وفي بعض عبارات هذا الدعاء ضعف، ولا سيما هذه العبارة: «أسألك كما تجيرني بين البحور، ~~أن تجيرني من عذاب السعير»، وقد يكون هذا الدعاء مما أضيف إلى كلام الرسول. # وحدثنا الغزالي # 3 # عن دعاء قال إنه مأثور عن الرسول # صلى الله عليه وسلم # وعن السلف في يوم عرفة، وهو دعاء ~~قصير هذا نصه: # لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا ~~يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري ~~نورا، وفي سمعي نورا، وفي لساني نورا. اللهم اشرح لي صدري ويسر لي ~~أمري. # وروي أنه كان يقول في سجوده: «أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ ~~بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك». # 4 # وفي البخاري أنه كان يدعو في الصلاة «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من ~~فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة ms285 المحيا وفتنة الممات». # 5 # وفي كتاب الدعوات من صحيح البخاري أن النبي قال: سيد الاستغفار أن تقول: # اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما ~~استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه ~~لا يغفر الذنوب إلا أنت. # 6 # ومن الاستعاذات المأثورة عن النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: # اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك ~~من الجبن، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، ~~وأعوذ بك من عذاب القبر، الله إني أعوذ بك من طمع يهدي إلى طبع، ومن طمع في غير ~~مطمع، من طمع حيث لا مطمع. اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع ~~ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع، وأعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، ومن ~~الخيانة، فإنها بئست البطانة، ومن الكسل والبخل والجبن ومن الهرم ومن أن أرد ~~إلى أرذل العمر، ومن فتنة الدجال وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات. # 7 # والأدعية المأثورة عن رسول الله كثيرة جدا، وهي تمثل رجاءه في الله واعتماده عليه، ~~وفناءه فيه. # اهتمام المسلمين بترجمة أدعية الأنبياء # ومن مظاهر اهتمام المسلمين بالدعاء أنهم نقلوا ما وصل إليهم من أدعية الأنبياء، ومن ~~غريب ذلك ما قالت عائشة: # 8 ~~«لما أراد الله عز وجل أن يتوب على آدم # صلى الله عليه وسلم # طاف بالبيت سبعا، وهو ~~يومئذ ليس بمبني فجلس على ربوة حمراء ثم قام فصلى ركعتين ثم قال: # اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي، فاقبل معذرتي؛ وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ~~ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي. اللهم إني أسألك إيمانا يباشر قلبي، ويقينا ~~صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت علي والرضا بما قسمته لي يا ذا ~~الجلال والإكرام. # ومن الواضح أنه من العسير نقل ما دعا به آدم، ولكن المسلمين بفطرتهم الصوفية اطمأنوا ~~إلى أنه لا بد لآدم من دعاء، وكذلك اطمأنوا إلى أن ms286 الله أوحى إليه «إني قد غفرت لك، ولم ~~يأتني أحد من ذريتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلا غفرت له وكشفت غمومه وهمومه ونزعت ~~الفقر من بين عينيه، واتجرت له من وراء كل تاجر وجاءته الدنيا وهي راغمة وإن كان لا ~~يريدها». # وإن صحت رواية هذا الكلام عن عائشة فهو دليل على أن العرب قبل الإسلام كانوا يحبون أن ~~يكون (البيت) من مواضع الدعاء المقبول، وأنه كان كذلك منذ آدم وقبل أن يبنى. # وحدثوا أيضا أن إبراهيم كان يقول إذا أصبح: # اللهم هذا خلق جديد فافتحه علي بطاعتك، واختمه لي بمغفرتك ورضوانك، وارزقني ~~فيه حسنة تقبلها مني، وزكها وضعفها لي، وما عملت من سيئة فاغفرها لي، إنك غفور ~~رحيم، ودود كريم. # وناقل هذا الكلام وهو الغزالي # 9 # يذكر أن إبراهيم قال: «ومن دعا بهذا الدعاء إذا أصبح فقد أدى شكر يومه» ~~ومعنى ذلك أن «الأوراد» قديمة جدا في التقاليد ~~الدينية. # وحدثوا أن داود كان إذا دعا في جوف الليل قال: # اللهم نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت ~~حي قيوم، اغفر لي ذنبي العظيم، إنك عظيم، وإنما يغفر العظيم العظيم، إليك رفعت ~~رأسي، عامر السماء، نظر العبيد إلى أربابها، اللهم تساقطت القرى، وأنت دائب ~~الدهر معد كرسي القضاء. # 10 # وأن يوسف كان يدعو فيقول: # يا عدتي عند كربتي، ويا صاحبي في وحدتي، ويا غياثي عند شدتي، ومفزعي عند ~~فاقتي، ورجائي إذا انقطعت حيلتي، يا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~اجعل لي فرجا ومخرجا واقض حاجتي. # 11 # وأن «بكاء بني إسرائيل» كان يقول: # اللهم لا تؤدبني بعقوبتك، ولا تمكر بي ~~في حيلتك، ولا تؤاخذني بتقصيري عن رضاك، عظيم خطيئتي فاغفر ويسير عملي فتقبل، ~~كما شئت تكون مشيئتك، وإذا عزمت يمضي عزمك، فلا الذي أحسن استغنى عنك وعن عونك، ~~ولا الذي أساء استبد بشيء يخرج به من قدرتك، فكيف لي بالنجاة ولا توجد إلا من ~~قبلك. # وفي هذا الدعاء محاولة عقلية سنجد أمثالها في «أحزاب» الصوفية. # ونقلوا أدعية كثيرة منسوبة إلى المسيح، منها ms287 دعاؤه الذين كان يدعو به للمرضى والزمني ~~والعميان والمجانين # 12 # ودعاؤه حين أخذه اليهود ليصلبوه # 12 # وهذان ~~الدعاءان يجريان مجرى التحميد. # ونقل الغزالي أنه كان يقول: # اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره، ولا أملك نفع ما أرجو وأصبح الأمر ~~بيد غيري، وأصبحت مرتهنا بعملي، فلا فقير أفقر مني. اللهم لا تشمت بي عدوي، ~~ولا تسوء بي صديقي، ولا تجعل مصيبتي في ديني، ولا تجعل الدنيا أكبر همي، ولا ~~تسلط علي من لا يرحمني، يا حي يا قيوم. # وأدعية عيسى وتحميداته كثيرى تزخر بها مؤلفات الصوفية. # وفيما نقله المتقدمون من أدعية الأنبياء ما يؤيد ما نريد إثباته، وهو شغف المسلمين ~~بمأثور الدعوات، ولا ننسى أن أدعية الأنبياء نقلت عن لغات غير عربية، فوضعها ناقلوها في ~~أسلوب غنائي يترواح بين السجع والازدواج. # أدعية المؤمن في مختلف الأحوال # وفي كتب الفقه والآداب الإسلامية أدعية مختلفة باختلاف ما يباشر المؤمن من الأعمال، ~~وللمسلم الصالح فرص لا تنقطع للدعاء، فيقول حين يجلس للوضوء «أعوذ بك من همزات ~~الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون». # ويقول عند غسل يديه: «اللهم إني أسألك اليمن والبركة، وأعوذ بك من الشؤم ~~والهلكة». # ويقول في الاستنشاق: «اللهم أوجد في رائحة الجنة، وأنت راض عني». # وعند الاستنثار: «اللهم إني أعوذ بك من روائح النار، ومن سوء الدار». # ويقول عند غسل كل عضو: «اللهم بيض وجهي بنورك يوم تبيض وجوه أوليائك، ولا تسود وجهي ~~بظلماتك يوم تسود وجوه أعدائك». # ويقول عند غسل اليمين: «اللهم أعطني كتابي ~~بيميني، وحاسبني حاسبا يسيرا» وعند غسل الشمال «اللهم إني أعوذ بك أن تعطيني كتابي ~~بشمالي أو من وراء ظهري». # وعند مسح الرأس: «اللهم غشني برحمتك، وأنزل ~~علي من بركاتك، وأظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك»، وعند مسح الأذنين: «اللهم ~~اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم أسمعني منادي الجنة مع الأبرار»، ~~وعند مسح الرقبة: «اللهم فك رقبتي من النار، وأعوذ بك من السلاسل والأغلال»، وعند غسل ~~الرجل اليمنى: «اللهم ثبت قدمي ms288 على الصراط المستقيم يوم تزل الأقدام في النار»، وعند ~~غسل الرجل اليسرى: «أعوذ بك أن تزل قدمى على الصراط يوم تزل أقدام المنافقين في ~~النار». # ويقول عند ختام الوضوء: «أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله، سبحانك الله وبحمدك، لا إله إلا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي، أستغفرك اللهم ~~وأتوب إليك، فاغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، اللهم اجعلني من التوابين، ~~واجعلني من المتطهرين، واجعلني من عبادك الصالحين، واجعلني عبدا صبورا شكورا، ~~واجعلني أذكرك ذكرا كثيرا، وأسبحك بكرة وأصيلا». # وهناك أدعية تسبق الوضوء، وأدعية تقال عند الأذان وفي أثناء الصلاة وبعد الصلاة، ~~وأدعية تقال قبل النوم وعند اليقظة وأدعية تقال في الصوم والفطر وعند مناسك الحج. وفي ~~ذلك كله ما يغمر المسلم بنفحة روحانية هي من أهم آثار التصوف في الأخلاق. # وقد اهتم الغزالي بعرض طائفة من «الأدعية المأثورة عند كل حادث من الحوادث» فيقول: ~~المؤمن حين يخرج إلى المسجد «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا إليك، ~~فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، ~~فأسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». # ويقول حين يخرج من المنزل لحاجة: «باسم الله، رب أعوذ بك أن أظلم أو أظلم، أو أجهل أو ~~يجهل علي». # ويقول إذا دخل السوق: «اللهم إني أسألك خير هذه السوق وخير ما فيها، اللهم إني أعوذ ~~بك من شرها وشر ما فيها، اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة، أو صفقة ~~خاسرة». # ويقول إن كان عليه دين: «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن ~~سواك». # ويقول عند لبس الثوب الجديد: «اللهم كسوتني هذا الثوب فلك الحمد، أسألك من خيره وخير ~~ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له». # ويقول عند التطير: «اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، لا ~~حول ولا ms289 قوة إلا بالله». # وعند رؤية الهلال: «اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والبر والسلامة والإسلام، ~~والتوفيق لما تحب وترضى، والحفظ عما تسخط». # وعند هبوب الريح: «اللهم إني أسألك خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، ~~ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به». # ويقول حين تبلغه وفاة أحد الناس: «اللهم اكتبه في المحسنين، واجعل كتابه في عليين، ~~واخلفه على عقبه في الغابرين، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا ~~وله». # ويقول عند التصدق: «ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم». # وعند الخسارة: «عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون». # وعند ابتداء الأمور: «ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا، رب اشرح لي ~~صدري، ويسر لي أمري». # وعند النظر إلى السماء: «ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار، تبارك الذي ~~جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا». # وعند رؤية الصواعق: «اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ~~ذلك». # وعند المطر: «اللهم سقيا هنيا، وصيبا نافعا، اللهم اجعله صيب رحمة ولا تجعله ~~صيب عذاب». # وعند الغضب: «اللهم اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من الشيطان الرجيم». # وعند الغزو: «اللهم أنت عضدي ونصيري وبك أقاتل». # وعند الهم: «اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك. ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في ~~قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك، ~~أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء غمي، ~~وذهاب حزني وهمي». # وعند النظر في المرآة: «الحمد لله الذي سوى خلقي فعدله، وكرم صورة وجهي وحسنها وجعلني ~~من المسلمين». # وعند اشتراء خادم أو غلام أو دابة: «اللهم إني أسألك خيره وخير ما جبل عليه، وأعوذ بك ~~من شره وشر ما جبل عليه». # وعند التهنئة بالزواج: «بارك الله فيك وبارك عليك، وجمع بينكما في خير». # وعند قضاء الدين ms290 يقول للمقضي له: «بارك الله لك في أهلك وفي مالك». # 13 # أثر الأدعية في الأدب والأخلاق # وقد عرض النويري في نهاية الأرب لأمثال هذه الأدعية فأفاض فيها القول، ورد أكثرها إلى ~~رسول الله # 14 # والمهم هو تذكير القارئ بأثرها في الأدب والأخلاق، أما من جهة الأدب فحسبه أن يتذكر ~~أن المؤمن الذي يحفظ ما أثر من الأدعية في مختلف الأحوال يظفر بثروة نفيسة من الألفاظ ~~والتعابير، لها سلطان خفي أو ملحوظ على كلامه وتفكيره، وذلك مغنم ليس بالقليل. وأما من ~~جهة الأخلاق فهي رياضة على حسن الأدب مع الله وتمثل قدرته ورحمته في كل لحظة يهم فيها ~~المرء بعمل حقير أو جليل. وشعور المؤمن بعظمة ربه هو أساس الخوف من الصغائر والكبائر، ~~والرغبة في التقرب إليه بصالح الأعمال. يضاف إلى ذلك أن هذه الأدعية تكرر وتعاد لأن ~~أكثرها موصول بظروف تقع كل يوم، وفي تكرارها ما يوجب طبعها في النفس؛ وذلك ضمان ~~لتأثيرها البالغ في الأدب والأخلاق. # | آداب الدعاء # وقد اهتم الصوفية بشرح ما تجب ملاحظته عند الدعاء، فوضعوا لذلك عشرة آداب، وتلك الآداب ~~العشرة تدل على فهمهم للأحوال النفسية، وبصرهم بتهيئة القلوب للدعاء. # فهم الصوفية لأحوال النفس # الأدب الأول: # أن يترصد المؤمن لدعائه الأوقات الشريفة: كيوم عرفة من السنة، ورمضان من ~~الأشهر، ويوم الجمعة من الأسبوع، ووقت السحر من ساعات الليل. # ونحن لا نفهم قيمة هذا التخصيص، ولا بد من الاعتراف بأنه من التقاليد ~~الموسمية، ولكن هذا لا يمنع من الموافقة على ما فيه من الفائدة من حيث ~~توجيه النفس والقلب إلى أوقات يحترمها المسلمون لاتصالها بأكبر مواسم ~~العبادات. # الثاني: # أن يغتنم الأحوال الشريفة: فيدعو عند زحف الصفوف في سبيل الله، وعند نزول ~~الغيث، وعند إقامة الصلوات المكتوبة، وعند الصوم، وعند السجود. # وفي هذا رياضة على تمجيد بعض الأحوال، وخاصة زحف الصفوف في القتال ~~المشروع. # الثالث: # أن يدعو مستقبل القبلة ويرفع يديه بحيث يرى بياض إبطيه: وقيمة هذا من ~~الوجهة النفسية ترجع إلى الاهتمام بالدعاء، وقد تحدث عن هذا ms291 الأدب كثير من ~~المؤلفين. # الرابع: # خفض الصوت بين المخافتة والجهر: # وذلك ليطمئن الداعي إلى أن الله ليس بأصم ولا غائب، كما قال الرسول حين ~~رأى ناسا يرفعون أصواتهم بالدعاء. # السجع في الدعاء # الخامس: # أن لا يتكلف السجع في الدعاء: # وهذا أدب جميل يراد به تربية النفس على إيثار الطبع وترك التكلف، وقد روي ~~أن النبي أنكر السجع في الدعاء وقال: «إياكم والسجع في الدعاء، حسب أحدكم ~~أن يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل وأعوذ بك من ~~النار وما قرب إليها من قول وعمل» ومر بعض السلف بقاص يدعو بسجع فقال له: ~~«أعلى الله تبالغ؟». # والمكروه هو تكلف السجع أما السجع المقبول فلا كراهة فيه، فقد أثرت عن ~~رسول الله أدعية مسجوعة، كقوله: «أسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم ~~الخلود، مع المقربين الشهود، والركع السجود، الموفين بالعهود، إنك رحيم ~~ودود، وإنك تفعل ما تريد». # وأثر عن الرسول أنه قال: «سيكون قوم ~~من هذه الأمة يعتدون في الدعاء والطهور»، وفسر ابن الأثير الاعتداء في ~~الدعاء بالخروج عن الوضع الشرعي والسنة المأثورة، وعرض له الغزالي في ~~موطنين باب الوضوء # 1 # وباب الدعاء عند الكلام عن السجع، فكأنه فسر الاعتداء بالسجع، ~~وكذلك فسر الآية # ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية إنه لا يحب المعتدين ~~، ولكن سياق ~~الآية يعين أن المراد هو النهي عن رفع الصوت. # ونقل النويري أن ابن عباس قال: «إياك والسجع في الدعاء، فإني شهدت النبي # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه لا يفعلون ذلك». # 2 # وفي منظومة الاستغفار للسيد البكري: # أستغفر الله من نظم القوافي ومن # نثر وما قد جرى سجعا على نسق # 3 # وهو متأثر بما ورد من كراهة الشعر والسجع. # ولكن ذلك كله لا ينقض ما ورد من السجع في القرآن والحديث، فالمكروه هو ~~السجع المتكلف، لا مطلق السجع. وقد فصلنا هذه القضية في الجزء الأول من ~~كتاب (النثر الفني). # إعداد النفس لتلقي الفنحات الآلهية # السادس: # التضرع والخشوع والرغبة والرهبة. # السابع: # أن يوقن بالإجابة: وهذا أدب يراد ms292 به صدق اليقين بفضل الله عز وجل. # الثامن: # أن يلح في الدعاء ويكرره ولا يستبطئ الإجابة. # التاسع: # أن يفتتح الدعاء بذكر الله والصلاة على نبيه. # العاشر: # التوبة ورد المظالم، وهو خير آداب الدعاء. # ولهذه الآداب تفاصيل يجدها القارئ في الجزء الأول من الإحياء والجزء الخامس من نهاية ~~الأرب، وقد اهتم الغزالي بالأدب الباطن وقال: «هو الأصل في الإجابة»، وذكر أخبارا عن ~~بني إسرائيل، وكيف استسقى موسى عليه السلام فلم يسق الله قومه، وأوحى إليه: «إني لا ~~أستجيب لك ولا لمن معك وفيكم نمام». # وجملة هذه الآداب تبين كيف يحرص الصوفية على صفاء النفس، وكيف يعدونها لتلقي النفحات ~~الإلهية، وللقارئ أن يتصور حال النفس حين تراض على هذه الآداب، فوصل النفس بالله، ~~واستحضار فقرها إليه، ورهبتها منه ورغبتها فيه، وانتظارها لفضله في ثقة ويقين، كل أولئك ~~من العوامل في صقل النفس، وتطهير القلب، وتربية الوجدان. # وانتظار الخير كله من الله، وتهيئة النفس لذلك باب أصيل في بناء الملكات الأخلاقية، ~~ولا سيما إذا لاحظنا مخلصين أن الأمر كله بيد الله، وأن العبد لا يملك لنفسه ضرا ولا ~~نفعا. # فمن كان في ريب فليجرب الثقة بالله مرة واحدة، وليدعه فإنه عز شأنه لا يرد ~~الدعاء. # | دعاء الاستسقاء # الاستسقاء عند بني إسرائيل # دعاء الاستسقاء من التقاليد القديمة في الديانات السامية، وكان معروفا عند بني ~~إسرائيل، قال سعيد بن جبير: قحط الناس في زمن ملك من ملوك بني إسرائيل فاستسقوا، فقال ~~الملك لبني إسرائيل: ليرسلن الله تعالى علينا السماء أو لنؤذينه، قيل له: وكيف تقدر أن ~~تؤذيه، وهو في السماء، فقال: أقتل أولياءه وأهل طاعته فيكون ذلك أذى له. # 1 # وقال سفيان الثوري: بلغني أن بني إسرائيل قحطوا سبع سنين حتى أكلوا الميتة من ~~المزابل، وأكلوا الأطفال، وكانوا كذلك يخرجون إلى الجبال يبكون ويتضرعون، فأوحى الله عز ~~وجل إلى أنبيائهم عليهم السلام لو مشيتم إلي بأقدامكم حتى تحفى ركبكم، وتبلغ أيديكم ~~عنان السماء، وتكل ألسنتكم عن الدعاء، فإني لا أجيب لكم داعيا، ولا أرحم لكم ms293 باكيا، ~~حتى تردوا المظالم إلى أهلها، ففعلوا فمطروا من يومهم. # 1 # وقال مالك بن دينار: أصاب الناس في بني إسرائيل قحط فخرجوا مرارا، فأوحى الله عز وجل ~~إلى نبيهم أن أخبرهم أنكم تخرجون إلي بأبدان نجسة، وترفعون إلي أكفا قد سفكتم بها ~~الدماء، وملأتم بطونكم من الحرام، الآن قد اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعدا. # 2 # وهذه الشواهد تدل على أنه كان مفهوما عند بني إسرائيل أن الدعاء إنما يقبل من ~~التائبين. # الاهتمام به في كتب الفقه الإسلامي # وقد اهتمت كتب الفقه الإسلامي بصلاة الاستسقاء، وبينت أنها تكون «إذا غارت الأنهار، ~~وانقطعت الأمطار، أو انهارت قناة» وأنه يستحب للإمام أن يأمر الناس أولا بصيام ثلاثة ~~أيام، وما أطاقوا من الصدقة، والخروج من المظالم، والتوبة من المعاصي، وفي اليوم الرابع ~~يخرج بهم وبالعجائز والصبيان متنظفين في ثياب بذلة واستكانة متواضعين. وقيل: يستحب ~~إخراج الدواب لمشاركتهم في الحاجة، ولقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لولا صبيان رضع، ومشايخ ركع، ~~وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا» فإذا اجتمعوا في المصلى الواسع من الصحراء نودي: ~~الصلاة جامعة فصل بهم الإمام ركعتين مثل صلاة العبد بغير تكبير، ثم يخطب خطبتين، ~~وبينهما جلسة خفيفة، ويكون الاستغفار معظم الخطبتين، ويقول في الدعاء: # اللهم إنك أمرتنا بدعائك، ووعدتنا بإجابتك، فقد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا كما ~~وعدتنا، اللهم فامنن علينا بمغفرة ما قارفنا، وإجابتك في سقيانا وسعة ~~أرزاقنا. # وصلاة الاستسقاء من أهم مظاهر التصوف، فإن المرء لا يقوم بها إلا وقد آمن إيمانا ~~صادقا برحمة الله وفضله، وكيف يطمع المرء في أن تتغير القوانين الطبيعية فتمطر السماء ~~لدعائه إلا إن وثق بأن الأمر كله لله، وأنه يحجب السماء حين يشاء، ويرسلها حين ~~يشاء؟ # وانظر هذا الخبر وتأمل ما فيه من صدق اليقين: # قال عطاء السلمي: منعنا الغيث فخرجنا نستسقي فإذا نحن بسعدون المجنون في المقابر، ~~فنظر إلي فقال: يا عطاء! أهذا يوم النشور، أو بعث ما في القبور؟ فقلت: لا، ولكنا منعنا ~~الغيث، فخرجنا نستسقي. فقال: يا عطاء! ms294 بقلوب أرضية؟ أم بقلوب سماوية؟ فقلت: بل بقلوب ~~سماوية. فقال: هيهات! يا عطاء، قل للمتبهرجين لا تتبهرجوا، فإن الناقد بصير! ثم رمق ~~السماء بطرفه وقال: إلهي وسيدي ومولاي! لا تهلك بلادك، بذنوب عبادك، ولكن بالمكنون من ~~أسمائك، وما وارت الحجب من آلائك، إلا ما سقيتنا ماء غدقا ~~فراتا تحيي به العباد، وتروى به البلاد، يا من هو ~~على كل شيء قدير! قال عطاء: فما استتم الكلام حتى أرعدت السماء وأبرقت وجاءت بمطر ~~كأفواه القرب، فولى وهو يقول: # أفلح الزاهدون والعابدونا # إذ لمولاهم أجاعوا البطونا # أسهروا الأعين العليلة حبا # فانقضى ليلهم وهم ساهرونا # شغلتهم عبادة الله حتى # قيل في الناس إن فيهم جنونا # 3 # وفي عبارة «بقلوب أرضية، أم بقلوب سماوية» ما يشعر بأدق المعاني الروحية، ولهذا أثر ~~بالغ في تربية الأخلاق، إذ يروض المرء على الإيمان بأن الخير لا يصيب إلا المخلصين من ~~الأتقياء. # نماذج من أدعية الاستسقاء # لم يقتصر المسلمون على دعاء واحد في الاستسقاء، كما اقتصروا على دعاء واحد في التشهد ~~مثلا، وإنما انطلقت قرائحم فافتنوا فيه افتنانا عظيما. فكان الاستسقاء من أسباب ~~الثروة الأدبية في الدعاء، وكان يتفق أن تختلف الأدعية على لسان الرجل الواحد حين يتكرر ~~الاستسقاء، كما وقع لعلي بن أبي طالب، فقد خطب مرة فقال: # اللهم قد انصاحت جبالنا، # 4 # واغبرت أرضنا، وهامت دوابنا، وتخيرت في مرابضها، وعجت عجيج الثكالى ~~على أولادها، وملت التردد في مراتعها، والحنين إلى مواردها، اللهم فارحم أنين ~~الآنة، وحنين الحانة، الله فارحم حيرتها في مذاهبها، وأنينها في موالجها. اللهم ~~خرجنا إليك حين اعتكرت علينا حدابير # 5 # السنين، وأخلفتنا مخايل الجود، فكنت الرجاء للمبتئس والبلاغ ~~للملتمس، ندعوك حين قنط الأنام، ومنع الغمام، وهلك السوام، أن لا تؤاخذنا ~~بأعمالنا، ولا تأخذنا بذنوبنا، وانشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق، # 6 # والربيع المغدق والنبات المونق، سحا وابلا تحيي به ما قد مات، ~~وترد به ما قد فات. اللهم سقيا منك محيية مروية، تامة عامة طيبة مباركة، ~~زاكيا نبتها، ثامرا فرعها، ناضرا ورقها، تنعش بها ms295 الضعيف من عبادك، وتحيي ~~بها الميت من بلادك. اللهم سقيا منك تعشب بها نجادنا، وتجري بها وهادنا، وتخصب ~~بها جنابنا، وتبقل بها ثمارنا، وتعيش بها مواشينا، وتندي بها أقاصينا، وتستعين ~~بها ضواحينا، من بركاتك الواسعة، وعطاياك الجزيلة، على بريتك المرملة، ووحشك ~~المهملة، وأنزل علينا سماء مخضلة # 7 # مدرارا هاطلة، يدافع الودق منها الودق، # 8 # ويحفز القطر منها القطر غير خلب برقها، # 9 # ولا جهام عارضها، # 10 # ولا قزع ربابها، # 11 # ولا شفان ذهابها، # 12 # حتى يخصب لإمراعها المجدبون، ويحيا ببركتها المسنتون، # 13 # فإنك تنزل الغيث بعد ما قنطوا وتنشر رحمتك وأنت الولي ~~الحميد. # وخطب مرة أخرى فقال بعد التحميد: # ألا وإن الأرض التي تحملكم، والسماء التي تظلكم، مطيعتان لربكم، وما أصبحتا ~~تجودان لكم ببركتهما توجعا لكم، ولا زلفة إليكم، ولا لخير ترجوانه منكم، ولكن ~~أمرتا بمنافعكم فأطاعتا، وأقيمتا على حدود مصالحكم فأقامتا. # إن الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات، وحبس البركات وإغلاق ~~خزائن الخيرات، ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويتذكر متذكر، ويزدجر مزدجر، وقد جعل ~~الله الاستغفار سببا لدرور الرزق، ورحمة الخلق، فقال: # ستغفروا ربكم إنه كان غفارا * ~~يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم ~~بأموال وبني # فرحم الله امرءا استقبل توبته، واستقال ~~خطيئته، وبادر منيته. # اللهم إنا خرجنا إليك من تحت الأستار والأكنان، وبعد عجيج البهائم والولدان، ~~راغبين في رحمتك، وراجين فضل نعمتك، وخائفين من عذابك ونقمتك، اللهم فاسقنا ~~غيثك ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء ~~منا يا أرحم الراحمين. اللهم إنا خرجنا إلينا، نشكو إليك بما لا يخفى عليك، حين ~~ألجأتنا المضايق الوعرة وأجاءتنا المقاحط المجدبة، وأعيتنا المطالب المتعسرة، ~~وتلاحمت علينا الفتن المستصعبة، اللهم إنا نسألك أن لا تردنا خائبين، ولا ~~تقلبنا واجمين، ولا تخاطبنا بذنوبنا، ولا تقابسنا بأعمالنا، اللهم انشر علينا ~~بركتك، ورزقك ورحمتك، واسقنا سقيا نافعة مروية معشبة تنبت بها ما قد فات، وتحيي ~~بها ما قد مات، نافعة الحيا، كثيرة المجتنى، تروى بها القيعان، وتسيل البطنان، ~~وتستورق الأشجار، وترخص الأسعار، ms296 إنك على ما تشاء قدير. # 14 # وعند درس الخطبة الأولى نجد الخطيب ترفق في الدعاء حين اهتم بوصف حيرة الدواب في ~~المرابض، وملالها من التردد في المراتع، والحنين إلى الموارد، وعجيجها على أولادها التي ~~أودى بها الظمأ القتال، ونجده تلطف حين دعا الله أن لا يؤاخذهم بأعمالهم، ولا يأخذهم ~~بذنوبهم، ثم نجده أغرق في وصف الغيث المرجو، والخصب المأمول، وكذلك كان صدر الخطبة نفحة ~~وجدانية يتمثل فيها الجزع والإنابة، وكان شطرها الثاني بابا من الصنعة والافتنان في ~~التخييل والتمثيل. # وصدر الخطبة الثانية توحيد صرف، فالأرض والسماء من جنود الله، تجودان حين يشاء، ~~وتمسكان حين يشاء، ثم يمضي الخطيب فيذكر أن نقص الثمرات ابتلاء من الله يصيب الناس حين ~~تسوء أعمالهم ليتذكروا وينيبوا، وأن كشف الشر موقوف على الاستغفار، وهو بذلك يوجه قلوب ~~المستسقين إلى المتاب، ويختم خطبته بدعاء طويل هو نموذج لرقة التوسل والابتهال. # والمعاني تختلف في هاتين الخطبتين بعض الاختلاف، وذلك يدل على أن الخطيب كان له في كل ~~موقف شعور خاص، وأساس البلاغة أن يعبر المرء عما يساور نفسه عند الخطاب. ولا يعتمد على ~~معانيه القديمة إلا المجدبون في عالم البيان. # فكاهة شعرية # وعند النظر فيما أنشأ أئمة المسلمين من أدعية الاستسقاء نجد الفن ظاهرا ظهورا ~~قويا، ولا كذلك المحفوظ من أدعية الرسول؛ فهي أدعية بسيطة قوامها الصدق، والفن فيها ~~قليل، حدث الخطيب البغدادي بسنده قال: أتت النبي # صلى الله عليه وسلم # بواك فقال: «اللهم اسقنا ~~غيثا مغيثا مريا مريعا، عاجلا غير آجل، نافعا غير ضار». # 15 # ومن الملح المتصلة بدعاء الاستسقاء قول أبي علي بن المحسن بن علي: # خرجنا لنستسقي بيمن دعائه # وقد كاد هدب الغيم أن يبلغ الأرضا # فلما ابتدا يدعو تقشعت السما # فما تم إلا والغمام قد انفضا # 16 # | أدعية زين العابدين # زين العابدين هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكانت ولادته يوم الجمعة في بعض شهور ~~سنة ثمان وثلاثين، وتوفي سنة أربع وتسعين، وقيل اثنين وتسعين بالمدينة ودفن ~~بالبقيع. # 1 # وكان ms297 يقال لزين العابدين ابن الخيرتين؛ لقول الرسول: لله تعالى من عباده خيرتان، فخيرته ~~من العرب قريش ومن العجم فارس. # 2 # وذلك أن زين العابدين قرشي الأب فارسي الأم فأمه سلافة بنت يزدجرد آخر ملوك ~~فارس. # 2 # وكان كثير البر بأمه حتى قيل له: إنك أبر الناس بأمك ، ولسنا نراك تأكل معها في صفحة. ~~فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما تسبق إليه عينها فأكون قد عققتها. # 1 # وكان كبير البر بالمعوزين، البر الجميل الذي لا يطلع عليه الناس، وقد أحصى بعد موته عدد ~~من كان يقوتهم سرا فإذا هم نحو مئة بيت. قال محمد ابن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة ~~يعيشون لا يدرون من أين معايشهم ومآكلهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به ~~ليلا إلى منازلهم. # 3 # وهذه شمائل لا تستكثر على أهل البيت الذين بعث جدهم ليتمم مكارم الأخلاق. # عاش زين العابدين في عصر كان يموج بالفتن والمكاره ~~والحتوف، في العصر الذي كان يسعى فيه الأمويون لاستئصال شأفة أهل البيت، ولذلك تفاصيل ~~شرحناها في كتاب «المدائح النبوية» وبينا أثرها في نهضة الشعر السياسي لعهد بني أمية. وقد ~~بقيت تلك المكاره مرسومة في خيال زين العابدين حتى صح له أن يدعو على أهل الشام فيقول: # اللهم وقد شملنا زيغ الفتن، واستولت علينا عشوة الحيرة، وقارعنا الذل والصغار، ~~وحكم في عبادك غير المأمونين على دينك، فابتز أموال آل محمد من نقض حكمك، وسعى في ~~تلف عبادك المؤمنين، فجعل فيئنا مغنما وأمانتنا ميراثا، واشتريت الملاهي والمعازف ~~والكبارات بسهم الأرملة واليتيم والمسكين فرتع في مالك من لا يرعى لك حرمة، وحكم في ~~أبشار المسلمين أهل الذمة، فلا ذائد يذودهم عن هلكة، ولا راحم ينظر إليهم بعين ~~الرحمة ... اللهم وقد استحصد زرع الباطل وبلغ نهيته واستحكم عموده ... إلخ. # 4 # والمراد بأهل الشام هم الحاكمون من بني أمية الذين استطرد في الدعاء عليهم فقال: # اللهم ولا تدع للجور دعامة إلا قصمتها، ولا ~~جنة إلا هتكتها، ولا كلمة مجتمعة إلا فرقتها، ms298 ولا قائمة إلا خفضتها، ولا راية إلا ~~نكستها وحططتها ولا علوا إلا أسفلته، ولا خضراء إلا أبدتها، اللهم وكور شمسه، وأطفئ ~~نوره، وأم بالحق رأسه، # 5 # وفض جيوشه، وأرعب قلوب أهله، وأرنا أنصار الجور عباديد بعد الألفة، # 6 # وشتى بعد اجتماع الكلمة، ومقمومي الرءوس بعد الظهور على الأمة. # 7 # وقد أكثر من الدعاء على من خاصموه وحاربوه فدعا على حرملة بن كاهلة وعبيد الله بن زياد ~~وضمرة بن معبد وعبد الملك بن مروان. # ومراجعة تلك الأدعية تصور بعض جوانب المجتمع في ذلك الحين. # وكان له دعاء خاص بساعته، وبيان ذلك أن في السالفين من اقترض أن النهار قسم إلى اثنتي ~~عشرة ساعة لينسجم مع عدد الأئمة الاثني عشر، وزين العابدين هو الرابع بين أولئك الأئمة ~~فساعته من النهار هي الرابعة، وهي من ارتفاع النهار إلى وقت الزوال. # 8 # وأهم ما ينبغي النص عليه في هذا المقام هو الأدعية الإنجيلية، أو المناجاة الإنجيلية، وهي ~~أكبر مناجاة ظهرت من فيض الله على لسان زين العابدين. # 9 # وسميت هذه المناجاة بالإنجيلية لأن فقراتها تشبه أكثر فقرات الإنجيل النازل على عيسى عليه ~~السلام لا الإنجيل المتداول بين النصارى الآن. # 9 # وهنا بيت القصيد، فقد أشرنا مرات كثيرة إلى أن الصوفية كانوا يرون المسيح قدوة في الشؤون ~~الروحية. # والواقع أن المسلمين عرفوا الإنجيل منذ زمن بعيد، وقد ترجموه ترجمة فصيحة جدا، ومن تلك ~~الترجمة الفصيحة شواهد كثيرة في كتب الأدب والتصوف كالذي نراه في كتاب عيون الأخبار لابن ~~قتيبة، وكتاب الإحياء للغزالي. # والتشابه كبير جدا بين مذاهب النصارى ومذاهب الصوفية في التعبد، فالنصراني المتبتل يدخل ~~الكنيسة وفي جيبه كتاب يشمل على طوائف من الأدعية والصلوات، والصوفي المخلص يدخل المسجد وفي ~~يده كتاب يشمل على طوائف من الاستغاثات والأحزاب والأوراد. # وكتاب الصحيفة السجادية يشبه من نواح كثيرة كتاب الاقتداء بالمسيح والفرق الوحيد بين ~~الكتابين أن الدعاء في كتبا الاقتداء بالمسيح يوجه إلى عيسى، والدعاء في الصحيفة السجادية ~~يوجه إلى الله، ويتم التشابه حين نعرف أن النصارى ms299 يرون عيسى صورة الله. # والصحائف السجادية عند الشيعة تقابل مجموع الأوراد عند أهل السنة، والمخاطب واحد وهو الله ~~واجب الوجود. # وقد اهتم النصارى بكتاب الاقتداء ~~بالمسيح # Imitation de Jesus Christ # فنقلوه من اللاتينية إلى الفرنسية نحو أربعين مرة، وكتبوه بالذهب ~~في كثير من الأحيان. # وأدعية زين العابدين كانت مما اهتم به الشيعة اهتماما شديدا، فصححوا رواياتها ونقدوها ~~وكتبوها بالذهب في كثير من البلاد. # والمناجاة الإنجيلية تفيض بالمعاني الروحية، ولننظر كيف يقول زين العابدين: # اللهم لك قلبي ولساني، وبك نجاتي وأماني، وأنت العالم بسري وإعلاني فأمت قلبي عن ~~البغضاء، وأصمت لساني عن الفحشاء، وأخلص سريرتي وعلانيتي عن علائق الأهواء، واكفني ~~بأمانك عواقب الضراء، واجعل سري معقودا على مراقبتك، وإعلاني موافقا لطاعتك. وهب ~~لي جسما روحانيا وقلبا سماويا، وهمة متصلة بك، ويقينا صادقا في حبك. # 10 # وكيف يقول: «اللهم ارحم من اكتنفته سيئاته، وأحاطب به خطيئاته، وحفت به جناياته. بعفوك ~~ارحم من ليس له من عمله شافع، ولا يمنعه من عذابك مانع». # 11 # ولزين العابدين أدعية تلين الجلاميد، كأن يقول: # سيدي، حق لمن دعاك بالندم تذللا أن تجيبه بالكرم تفضلا، سيدي، أمن أهل الشقاء ~~خلقتني فأطيل بكائي، أم من أهل السعادة خلقتني فأبشر رجائي؟ # سيدي، ألضرب المقامع خلقت أعضائي، أم لشرب الحميم خلقت أمعائي؟ سيدي، لو أن عبدا ~~استطاع الهرب من مولاه لكنت أول الهاربين منك، لكني أعلم أني لا أفوتك. # سيدي، لو أن عذابي يزيد في ملكك لسألتك الصبر عليه، غير أني أعلم أنه لا يزيد في ~~ملكك طاعة المطيعين، ولا ينقص منه معصية العاصين. # سيدي، ما أنا وما خطري؟ هب لي خطاياي بفضلك، وجللني بسترك، واعف عن توبيخي بكرم ~~وجهك. # إلهي وسيدي، ارحمني مطروحا على الفراش تقلبني أيدي أحبتي، وارحمني مطروحا على ~~المغتسل يغسلني صالح جيرتي، وارحمني محمولا قد تناول الأقرباء أطراف جنازتي، وارحم ~~في ذلك البيت المظلم وحشتي وغربتي ووحدتي، فما للعبد من يرحمه إلا مولاه. # 12 # وزين العابدين يجعل الأيام والشهور مواسم روحية، فله أدعية لأيام الأسبوع، ودعاء ms300 ليوم ~~عرفة ودعاء لأول يوم رجب، وأدعية لأيام رمضان. وأول شهور السنة الهجرية عنده هو شهر رمضان. # 13 # ولا تخلو أدعيته على كثرتها من فصاحة التعبير، وقوة الروح. # والصوفية يعتقدون أن زين العابدين كان من أهل الأسرار، ويروون أنه قال: # يا رب جوهر علم لو أبوح به # لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا # ولاستحل رجال مسلمون دمي # يرون أقبح ما يأتونه حسنا # إني لأكتم من علمي جواهره # كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا # 14 # ومعنى ذلك أنه كان يفرق بين ما يلقى على العوام وما يلقى على الخواص. # | أدعية التوحيدي # لم يكن التوحيدي صوفيا بالمعنى المصطلح عليه عند أهل التصوف، فقد كان رجلا مشغولا ~~بالأدب والمنطق والتوحيد، وكانت له في حياته جولات هجائية لا تخلو من لؤم وطيش، ولكنه حين ~~انهزم في حياته المعاشية بدا يشعر بروح التصوف، وأخد يدعو بما دعا به بعض النساك: # اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالاقتار، فنسترزق أهل رزقك ونسال شر خلقك، ~~ونبتلي بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من دونهم ولي الإعطاء، وبيدك خزائن الأرض والسماء. # 1 # وتدلنا فقرات فيما وصل إلينا من مؤلفاته على أنه كان يعني بتقييد ما يصل إليه من بليغ ~~الدعاء، كأن يحدثنا أنه سمع الخوارزمي أبا بكر محمد بن العباس الشاعر البليغ يقول: «اللهم ~~نفق سوق الوفاء فقد كسدت، وأصلح قلوب الناس فقد فسدت، ولا تمتني حت يبور الجهل كما بار ~~العقل، ويموت النقص كما مات العلم». # 2 # فهو يذكر الخوارزمي باسمه وكنيته ويصفه بالشاعر البليغ، وفي هذا إشارة إلى عطفه عليه بسبب ~~الروح الذي تنسمه في هذا الدعاء. # وهو نفسه كان يعطف على التصوف ويراه علما يدور بين إشارات إلهية، وأغراض علوية، وأفعاله ~~دينية، وأخلاق ملوكية، ولم يمنعه هذا العطف من النص على أن الطريقة لحقها حيف لكثرة الدخلاء ~~فيها كما لحق البلاغة لكثرة مدعيها، وذلك في رأيه لانقراض الدنيا وقرب أشراط القيامة». # 3 # فهو يمجد التصوف ولا يمقت إلا الأدعياء. # والمرجح عندنا أن التوحيدي ms301 لم يكلف بصوغ الأدعية إلا في أخريات حياته حين «بلغت شمسه رأس الحائط»، # 4 # ولذلك رأيناه يفتتح رسالة الصداقة والصديق بهذا الدعاء: # اللهم خذ بأيدينا فقد عثرنا، واستر علينا فقد أعورنا، وارزقنا الألفة التي بها ~~تصلح القلوب وتنقى الجيوب، حتى نعيش في هذه الدار مصطلحين على الخير مؤثرين للتقوى ~~عاملين بشرائط الدين، آخذين بأطراف المروءة، آنفين من ملابسة ما يقدح في ذات البين، ~~متزودين للعاقبة التي لا بد من الشخوص إليها، ولا محيد من الاطلاع عليها، إنك تؤتي ~~من تشاء ما تشاء. # وقد يقال إن أكثر المؤلفين يبتدئون مؤلفاتهم بالدعاء. ونجيب بأن هنا نفحة صوفية لا نجد ~~مثلها فيما دعا به الجاحظ في فاتحة «البيان والتبيين». # على أن الجاحظ دعا مرة أو مرات، أما التوحيدي فقد اتخذ الدعاء فنا من فنون البيان، ~~ولننظر هذا الدعاء: # اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن ~~التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الطلب إلا منك، ومن الرضا إلا عنك، ومن ~~الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بلائك، وأسألك أن تجعل الإخلاص قرين عقيدتي، ~~والشكر على نعمك شعاري ودثاري، والنظر إلى ملكوتك دأبي وديدني، والانقياد لك شأني ~~وشغلي، والخوف منك أمني وإيماني، واللياذ بذكرك بهجتي وسروري. اللهم تتابع برك ~~واتصل خيرك، وعظم رفدك، وتناهى إحسانك، وصدق وعدك، وبر قسمك، وعمت فواضلك، وتمت ~~نوافلك، ولم تبق حاجة إلا وقد قضيتها أو تكفلت بقضائها، فاختم ذلك كله بالرضا ~~والمغفرة، إنك أهل ذلك والقادر عليه. # والقارئ مرجو أن ينظر براعة هذا الكاتب في تلوين الفواصل مع حروف الخفض في صدر هذا ~~الدعاء، وما اتسق له بعد ذلك من المقابلة والازدواج. # وهذا لون ثالث من الدعاء: # اللهم إني أسألك خفايا لطفك، وفواتح توفيقك ومألوف برك، وعوائد إحسانك، وجاه ~~المجتبين من ملائكتك، ومنزلة المصطفين من رسلك ومكاثرة الأولياء من خلقك، وعاقبة ~~المتقين من عبادك، وأسألك القناعة برزقك، والرضا بحكمك، والنزاهة عن محظورك، والورع ~~في شبهاتك، والقيام بحجتك، ms302 والاعتبار بما أبديت، والتسليم لما أخفيت، والإقبال على ~~ما أمرت، والوقوف عما زجرت، حتى أتخذ الحق حجة عندما خف وثقل، والصدق سنة فيما عسر ~~وسهل، وحتى أرى أن شعار الزهد أعز شعار، ومنظر الباطل أشوه منظر، فأتبختر في ملكوتك ~~فضفاض الرداء بالدعاء إليك، وأبلغ الغاية القصوى بين خلقك بالثناء عليك. # وفي هذا الدعاء فنون من البديع لا تخفى على القارئ، وموضوعه يخالف موضوع الدعاء ~~السالف. # وهذا لون رابع: # اللهم إليك أرفع عجري وبجري # 5 # وبك أستعين في عسري ويسري، وإليك أدعو رغبا ورهبا، فإنك العالم ~~بتسويل النفس، وفتنة الشيطان، وزينة الهوى وصرف الدهر وتلون الصديق، وبائقة الثقة ~~وقنوط القلب، وضعف المنة، وسوء الجزع، فقني اللهم ذلك كله، واجمع من أمري شمله، ~~وانظم من شأني شتيته، واحرمني عند الغنى من البطر، وعند الفقر من الضجر، وعند ~~الكفاية من الغفلة، وعند الحاجة من الحسرة، وعند الراحة من الفسولة، وعند الطلب من ~~الخيبة، وعند المنازلة من الطغيان، وعند البحث من الاعتراض عليك، وعند التسليم من ~~التهمة لك، وأسألك أن تجعل صدري خزانة توحيدك، ولساني مفتاح تمجيدك، وجوارحي خدم ~~طاعتك، فإنه لا عز إلا في الذل لك، ولا غنى إلا في الفقر إليك، ولا أمن إلا في ~~الخوف منك، ولا قرار إلا في القلق نحوك، ولا روح إلا في الكرب لوجهك، ولا ثقة إلا ~~في تهمة خلقك، ولا راحة إلا في الرضا بقسمك، ولا عيش إلا في جوار المقربين ~~عندك. # وهذا الدعاء على جانب عظيم من الأهمية، وفي صدره بعض الضعف، ولكن الشطر الأخير غاية في ~~القوة، وهو يمثل كثيرا من المعاني النفسية كالبطر عند الغنى، والضجر عند الفقر، والغفلة ~~عند الكفاية، والفسولة عند الراحة، والطغيان عند المنازلة، والاعتراض عند البحث. # ولا مفر من الثناء على هذه الفقرة إذ يخاطب الكاتب ربه فيقول: «إنه لا عز إلا في الذل لك، ~~ولا غنى إلا في الفقر إليك، ولا أمن إلا في الخوف منك، ولا قرار إلا في القلق نحوك، ولا روح ~~إلا في الكرب لوجهك، ms303 ولا ثقة إلا في تهمة خلقك». # والكلمة الأخيرة من وثبات الخيال. # وهذا لون خامس: # اللهم ببرهانك الصادع، وبنور وجهك الساطع، ~~صل على محمد نبيك نبي الرحمة، وقائد الأمة، وإمام الأئمة، واحرس علي إيماني بك ~~بالتسليم لك، وخفف عني مؤونة الصبر على امتحانك، وواصل لي أسباب المزيد عند الشكر ~~على نعمتك، واجعل بقية عمري في غنى عن خلقك، ورضا بالمقدم من رزقك. اللهم إنك إن ~~آخذتنا بذنوبنا خسفت الأرض بنا، وإن جازيتنا على ظلمنا قطعت دوابرنا، فإنك قلت: # فقطع دابر القوم الذين ظلموا ~~والحمد لله رب العالمي # اللهم إليك نشكو قسوة قلوبنا، وغل ~~صدورنا، وفتنة أنفسنا، وطموح أبصارنا، ورفث ألسنتنا، وسخف أحلامنا، وسوء أعمالنا، ~~وفحش لجاجنا، وقبح دعوانا، ونتن أشرارنا، وخبث أخيارنا، وتلزق ظاهرنا، وتمزق ~~باطننا. اللهم فارحمنا، وارأف بنا، واعطف علينا، وأحسن إلينا، وتجاوز عنا، واقبل ~~الميسور منا؛ فإننا أهل عقوبة وأنت أهل مغفرة، وأنت بما وصفت به نفسك أحق منا بما ~~وسمنا به أنفسنا، فإن في ذلك ما اقترن بكرمك، وأدى إلى عفوك ... الخ. # وهذا الدعاء طويل يجد القارئ بقيته في شرح ابن أبي الحديد # 6 # وهو يذكر بما سيوضع من الأحزاب، ففيه حديث عن قسوة القلوب، وغل الصدور، وفتنة ~~النفوس، وطموح الأبصار، ورفث الألسنة، وسخف الأحلام، وسوء الأعمال، وذلك يدل على بصر ~~التوحيدي بعصف الفتن في عالم الأخلاق. # ومن دقيق ما فيه الإشارة إلى قبح الدعوى، وفحش ~~اللجاج، والنص على نتن الأشرار وخبث الأخيار، فهو يرى أن في الأخيار خبثا، وذلك من جانبه ~~إسراف في اتهام الطبيعة الإنسانية، إلا إن قدرنا أنه يشير إلى أن الأخبار لا غنى لهم عن ~~التحرز والخوف من سوء الخواتم. # هذا وللتوحيدي أدعية كثيرة فيها أدب وعقل وذكاء، ولا موجب لعرض ما وصلنا إليه من أدعيته ~~في هذا الفصل فلنكتف بهذه الفقرات: ~~«اللهم احجز بيننا وبين كل ما دل على غيرك ببيانك، ودعا إلى سواك ~~ببرهانك». ~~«اللهم قيض لنا فرجا من عندك، وأتح لنا مخلصا إليك، فأنا قد تعبنا بخلقك ~~وعجزنا عن تقويمهم ms304 لك، ونحن إلى مقاربتهم في مخالفتك أقرب منا إلى منابذتهم في ~~موافقتك». ~~«اللهم إليك المفر من دار منهومها لا يشبع، وحائمها لا ينقع، وطالبها لا يربع، ~~وواجدها لا يقنع ... اللهم كما ابتليت بحكمتك الخفية التي أشكلت على العقول وحارت ~~معها البصائر فعاف برحمتك اللطيفة التي تطاولت إليها الأعناق، وتشوفت نحوها ~~السرائر». ~~«اللهم إنا قربنا منك فلا تبنا عنك، وظهرنا لك فلا تبطنا دونك، ووجدناك بما ~~ألقيت إلينا من غيب ملكوتك، وعزفنا عن كل ما لوانا عن جنابك، ووثقنا بكل ما وعدتنا ~~في كتابك». # 7 # وقد أهدى إلينا الأستاذ سليم قبعين نسخة مخطوطة من ~~رسالة للتوحيدي اسمها «الإشارات الإلهية» فنظرنا في الفاتحة فإذا فيها دعاء يثير الدمع، ~~ويتفجر عند قراءته الحنان، فإن كان القارئ في حاجة إلى بينة على صحة ما نقول فليقرأ هذا الدعاء: # اللهم إنا نسألك ما نسأل لا عن ثقة ببياض وجوهنا عندك، وأفعالنا معك، وسوالف ~~إحساننا قبلك، ولكن عن ثقة بكرمك الفائض، وطمعا في رحمتك الواسعة، نعم، وعن توحيد ~~لا يشوبه إشراك، ومعرفة لا يخالطها إنكار، وإن كانت أعمارنا قاصرة عن غايات حقائق ~~التوحيد والمعرفة، نسألك أن لا ترد علينا هذه الثقة بك فتشمت بنا من لم تكن له هذه ~~الوسيلة إليك. # وقد رأينا في هذه المخطوطة إشارة تسمو بالتوحيدي إلى درجة التصوف، ولنتأمل كيف يقول: # حرام على قلب استنار بنور الله أن يفكر في غير عظمة الله. # حرام على لسان تعود ذكر الله أن يذكر غير الله. # حرام على نفس طهرت من أدناس الدنيا بطاعة الله أن تدنس بشيء من مخالفة ~~الله. # حرام على عين نظرت إلى مملكة الله أن تحدق إلى غير الله. # حرام على كبد ابتلت بالثقة بالله أن تطمئن إلى غير الله. # حرام على من لم ير الخير إلا من الله أن يجد طمعا في غير الله. # حرام على من شرف بخدمة الله أن يتضع بخدمة غير الله. # حرام على من ألف فناء الله أن يعرج إلى غير الله. # حرام على من تلذذ ms305 بمناجاة الله أن يناجي غير الله. # حرام على من رتع في نعمة الله أن يعبد غير الله. # حرام على من سكن حرم الله أن يتعرض لحرم الله. # حرام على من دعا إلى الله أن يحب غير الله. # حرام على عبد الله أن يتخذ مولى سوى الله. # حرام على من أنس بالله أن يأنس بغير الله. # حرام على من عرف قدرة الله أن يتعرض لسخط الله. # وهذه قطعة طريفة تفيض بقوة الروح. # والشاهد من كل ما سلف أن التوحيدي يرى الدعاء من الفنون الأدبية فهو يكتب الأدعية كتابة ~~الأديب الفنان، ويقصد إلى جعلها من النماذج البارعة في عالم البيان. # فمن أين جاءته هذه النزعة؟ أترون هذا الفن من مبتكراته؟ هيهات! لقد كان الرجل يزاحم ناسا ~~ملأت أدعيتهم آفاق الأندية الأدبية، وهؤلاء الناس هم الزهاد والنساك والصوفية، وكان ~~لنصائحهم ووصاياهم وأدعيتهم مكان مرموق في عالم الآداب. # إن الفن الأدبي لا يزدهر إلا حين يجد نفسا تصبو إليه وتتشهاه، وكان التوحيدي سبق بأجيال ~~عرفت فضل البلاغة في كلام النساك، وكان الجاحظ قدوة التوحيدي، والجاحظ كان يحرص على تعطير ~~كتبه برواية أقوال النساك والزهاد، فليس غريبا أن يعمد التوحيدي إلى ذلك الفن من البلاغة ~~الدينية فيحتذيه احتذاء يدل على ذكاء القلب، وصفاء النفس، وحياة الوجدان. # فإن سأل القارئ: وأين مظاهر هذا الفن في العصر الحديث؟ فإنا نجيب بأنه انقرض ولم تبق إلا ~~روايته وإنشاده في مجالس الصوفية، وربما رأينا من أهل التصوف في مصر من ينظم الأدعية ولكنهم ~~يتكلفون متابعة القدماء. والصفاء في خواطرهم قليل. وأين الطرف المكحول من الطرف ~~الكحيل! # أما الخيام فإنها كخيامهم # وأرى نساء الحي غير نسائها # | الاستغاثات والأحزاب # رأينا نماذج من الأدعية والأوراد، وعرفنا أن لذلك ~~صلة وثيقة بالحياة الخلقية، ورأى القارئ كيف آثرنا الإيجاز على الإطناب؛ لأن الإشارة تكفي ~~في هذا الباب، ولأن الأطناب نفسه لا يطفئ الشوق إلى المزيد، فليرجع القارئ إلى كتب التصوف؛ ~~ففيها أوراد تجل عن الإحصاء، وحسبه أن يعرف أن لتلك الأوراد ملامح أدبية وخلقية: ms306 فهي باب من ~~الأدب؛ لأن مؤلفيها كانوا يتحرون دقة الأسلوب وروعة الخيال، وهي من صميم الأخلاق؛ لأنها ~~رياضة على التقرب إلى الله، والانقطاع إليه، والفناء فيما يريد. # ولنأخذ الآن في الحديث عن الاستغاثات والأحزاب، ولنوجز أيضا لأنه يتعذر توفية هذا النوع ~~ما يستحق من الدرس في فصل من كتاب. # استغاثة السهيلي # ولنقف في الاستغاثات عند منظومة السهيلي المتوفى سنة 581 وكان يحدث أصحابه بأنه ما ~~سأل الله بها إلا أعطاه # يا من يرى ما في الضمير ويسمع # أنت المعد لكل ما يتوقع # يا من يرجى للشدائد كلها # يا من إليه المشتكى والمفزع # يا من خزائن رزقه في قول كن # امنن فإن الخير عندك أجمع # ما لي سوى فقري إليك وسيلة # وبالافتقار إليك فقري أدفع # ما لي سوى فزعي لبابك حيلة # فلئن رددت فأي باب أقرع # ومن الذي أدعو وأهتف باسمه # إن كان فضلك عن فقيرك يمنع # حاشا لجودك أن يقنط عاصيا # الفضل أجزل والمواهب أوسع # 1 # ولا تزال هذه الاستغاثة مما يتوسل به الصوفية وقد أثبتها مؤلفو مجموع الأوراد وأضافوا ~~إليها هذا البيت في الصلاة على الرسول: # ثم الصلاة على النبي وآله # خير الأنام ومن به يتشفع # واهتم بتخميسها ثلاثة من أهل الفضل، وتخاميسهم ~~محفوظة بدار الكتب المصرية. # الفرق بين الأحزاب والأوراد # أما الأحزاب فكثيرة جدا، والفرق بين الورد والحزب: أن الورد يقرأ في أوقات منظمة ~~فيقال أوراد النهار وأوراد الليل، أما الحزب فليس لقراءته وقت مخصوص، وسنكتفي في هذا ~~الفصل بالكلام عن حزب البر لأبي الحسن الشاذلي. وهو في رأينا أفضل الأحزاب من حيث اللفظ ~~والمعنى، فهو في لفظه تحفة فنية قليلة النظائر، وهو في معناه قوة روحية وعقلية نادرة ~~المثال. # تحليل حزب البر للشاذلي # والشاذلي يبدأ حزب البر بالاستعاذة والبسملة وآيات من القرآن كأكثر من أنشأوا الأحزاب ~~ثم يأخذ في مخاطبة الله فيقول: # اللهم إنك تعلم أني بالجهالة معروف، وأنت بالعلم موصوف، وقد وسعت كل شيء من ~~جهالتي بعلمك، فسع ذلك برحمتك كما وسعته بعلمك. # والمعنى في هذه ms307 الفقرة في غاية من القوة، فليتأمله القارئ، ثم يقول: # اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك، ~~فهنيئا لمن عرفك فرضي بقضائك، والويل لمن لا يعرفك، بل الويل ثم الويل لمن أقر ~~بوحدانيتك، ولم يرض بأحكامك. # وهو في هذه الفقرة يدعو إلى التفويض والامتثال، ثم يقول: # اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا، وحكمت عليهم بالفقد حتى وجدوا، ~~فكل عز يمنع دونك فنسألك بدله ذلا تصحبه لطائف رحمتك، وكل وجد يحجب عنك فنسألك ~~عوضه فقدا تصحبه أنوار محبتك. # وهو في هذه الفقرة يصرح بأن لا عز إلا بالله، ولا غنى إلا الله، ويرجو الحرمان من كل ~~عز يمنع دون الله، وكل غنى يحجب عن الله، ثم يقول: # اللهم إنا قد عجزنا عن دفع الضر عن أنفسنا من حيث نعلم بما نعلم فكيف لا نعجز ~~عن ذلك من حيث لا نعلم بما لا نعلم. # وهذه الفقرة من خير ما أنتجت القرائح، ولا يفنى ما فيها من قوة المعنى وطراقة ~~الخيال. # والمؤلف يقول بعجز النفوس عن دفع الضر الذي تعرفه بما تعرف من وسائل الوقاية ~~والمقاومة فكيف لا تجز عن دفع ما لا تعرف بما لا تعرف؟ وهو بهذا يؤمن بالمخاوف الغيبية ~~ويسأل الله السلامة من الظاهرات والمستورات، ثم يقول: # وقد أمرتنا ونهيتنا، والمدح والذم ألزمتنا، فأخو الصلاح من أصلحته، وأخو ~~الفساد من أضللته، والسعيد حقا من أغنيته عن السؤال منك، والشقي حقا من حرمته ~~مع كثرة السؤال لك، فأغننا بفضلك عن سؤالنا منك، ولا تحرمنا من رحمتك مع كثرة ~~سؤالنا لك، إنك على كل شيء قدير. # ودقة المعنى في هذه الفقرة لا تحتاج إلى بيان، ثم يقول: # يا شديد البطش يا جبار يا قهار يا حكيم نعوذ بك من شر ما خلقت، ونعوذ بك من ~~ظلمة ما أبدعت، ونعوذ بك من كيد النفوس فيما قدرت وأردت، ونعوذ بك من شر الحساد ~~على ما أنعمت، ونسألك عز الدنيا والآخرة كما سألكه نبيك سيدنا محمد # صلى الله عليه ms308 وسلم ~~، ~~عز الدنيا بالإيمان والمعرفة، وعز الآخرة باللقاء والمشاهدة، إنك سميع قريب ~~مجيب. # والمؤلف يكشف في هذه الفقرة عن معان نفسية تمثل الخوف من مكنونات الوجود والفزع من شر ~~الناس، ويفصح عن أمله في عز الدنيا والآخرة، فعز الدنيا هو المعرفة والإيمان، وعز ~~الآخرة هو المشاهدة واللقاء. أما المال هنا والنعيم هناك فليس له حساب، والمؤمن المتصوف ~~لا يفكر في النعيم المحسوس، وإنما يوجه رغائبه إلى النعيم المعقول. # ثم يقول: # يا سميع يا قريب يا مجيب يا ودود. حل بيننا وبين فتنة الدنيا والنساء والغفلة ~~والشهوة وظلم العباد وسوء الخلق، واغفر لنا ذنوبنا، واقض عنا تبعاتنا، واكشف ~~عنا السوء، ونجنا من الغم، واجعل لنا منه مخرجا، إنك على كل شيء ~~قدير. # والمؤلف يصور في هذه الفقرة ما يخشاه من الفتن والمكاره الدنيوية، ومن جيد التصوير ~~لضعف النفس قوله: # وزحزحنا في الدنيا عن نار الشهوة، وأدخلنا بفضلك في ميادين الرحمة، واكسنا من ~~لدنك جلابيب العصمة، واجعل لنا ظهيرا من عقولنا، ومهيمنا من أرواحنا، ومسخرا ~~من أنفسنا؛ كي نسبحك كثيرا، ونذكرك كثيرا، إنك كنت بنا بصيرا. # والمهم في هذه الفقرة هو الرجاء في أن يجعل الله لنا ظهيرا من العقول، ومهيمنا من ~~الأرواح، ومسخرا من النفوس. # ثم يقول: «واذكرنا إذا غفلنا عنك بأحسن ما تذكرنا به إذا ذكرناك، وارحمنا إذا عصيناك ~~بأتم ما ترحمنا به إذا أطعناك. واغفر لنا ذنوبنا ما تقدم منها وما تأخر، والطف بنا ~~لطفا يحجبنا عن غيرك ولا يحجبنا عنك، إنك بكل شيء عليم». # وصدر هذه الفقرة في غاية من الحسن عند من يتأملون. # ولننظر قوله في الخوف من النفس ومن خطرات المعصية: «اللهم إنا نسألك التوبة ودوامها، ~~ونعوذ بك من المعصية وأسبابها، وذكرنا بالخوف منك قبل هجوم خطراتها، واحملنا على ~~النجاة منها ومن التفكر في طرائقها، وامح من قلوبنا حلاوة ما اجتنيناه منها، واستبدلها ~~بالكراهة لها والطعم لما هو بضدها، وأفض علينا من بحر كرمك وعفوك حتى تخرج من الدنيا ~~على السلامة من وبالها». # والمؤلف في هذه ms309 الفقرة يصور ما تتعرض له النفس من الشوق إلى ما اجتنت من اللذات: فقد ~~تتلفت النفس إلى لذاتها الماضية فيفسد عليها روح المتاب، وهو يرجو أن يذكره الله بالخوف ~~منه قبل هجوم الخطرات، خطرات المعاصي والذنوب. # ثم يقول: «واجعل سيئاتنا سيئات من أحببت، ولا تجعل حسناتنا حسنات من من أبغضت، ~~فالإحسان لا ينفع من البغض منك، والإساءة لا تضر مع الحب فيك، وقد أبهمت علينا الأمر ~~لنرجو ونخاف: فآمن خوفنا، ولا تخيب رجاءنا، وأعطنا سؤلنا، فقد أعطيتنا الإيمان من قبل ~~أن نسألك». # ولو مضينا لرأينا الشاذلي يدعو الله أن يهبه حقيقة الإيمان حتى لا يخاف غيره، ولا ~~يرجو غيره ولا يحب غيره، ولا يعبد شيئا سواه، ورأيناه يقول: # فهأنذا عبدك إن تعذبني بجميع ما علمت من عذابك فأنا به حقيق. # في الأحزاب إشارات لا يفهمها غير كبار الحكماء # فيعترف بأنه لا ينال الرحمة إلا بفضل من الله، ثم يوفق كل التوفيق إذ يقول: # فليس كرمك مخصوصا بمن أطاعك وأقبل عليك، بل هو مبذول بالسبق لمن شئت من خلقك ~~وإن عصاك وأعرض عنك. وليس من الكرم أن لا تحسن إلا لمن أحسن إليك، وأنت المفضال ~~الغني، بل الكرم أن تحسن إلى من أساء إليك وأنت الرحيم العلي، كيف وقد أمرتنا ~~أن نحسن إلى من أساء إلينا، فأنت أولى بذلك منا. # تلك إشارات إلى ما في حزب البر من الآيات فليرجع إليه القارئ إن شاء. وليرجع إلى ~~أمثاله من مختلف الأحزاب ففيها خلق وفيها بيان. ومن موجبات الأسف أن لا يقرأ هذه ~~الأحزاب غير العوام، مع أن فيها من دقائق الإشارات ما لا يفهمه غير كبار ~~الحكماء. # | الوصايا والنصائح # في الوصايا ملامح من الأدب وأصول من الأخلاق # هذا الفن مزاج من الأدب والأخلاق: هو أدب لأن الناصحين كانوا يحرصون في الأغلب على ~~جمال الصورة، فيسجعون ويزاوجون، كقول علقمة بن لبيد: # يا بني، إذا نزعتك إلى صحبة الرجال حاجة فأصحب من إذا صحبته زانك، وإن خدمته ~~صانك، وإن أصابتك خصاصة مانك، وإن قلت ms310 صدق قولك، وإن صلت شد صولك، وإن مددت يدك ~~بفضل مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن سألته أعطاك، وإن سكت عنه ابتداك، وإن ~~نزلت بك إحدى الملمات آساك. # 1 # وهو أخلاق لأن الناصحين كانوا يفكرون أولا وقيل كل شيء في المعاني الخلقية، وكانت ~~النصائح لا تصدر إلا عن أناس عرفوا بالحكمة وأصالة الرأي، وكانت لا توجه إلا إلى ناس ~~يراد توجيههم إلى صالح الأعمال، ومن أجل ذلك أضفنا هذا الفصل إلى قسم الأخلاق. # قدم هذا الفن في اللغة العربية # والوصايا من أقدم الفنون التي عرفتها البيئات العربية، والقرآن يحدثنا أن لقمان قال ~~لابنه وهو يعظه: # يا بني لا تشرك بالله إن ~~الشرك لظلم عظيم ~~... # يا بني أقم ~~الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما ~~أصابك إن ذلك من عزم الأمور * ولا ~~تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا ~~يحب كل مختال فخور * واقصد في مشيك ~~واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ~~. # 2 # وهي كذلك من أقدم الفنون التي عرفتها البيئات الفارسية، ومن أشهر ما أثر عن الفرس في ~~هذا الباب كتاب أردشير بن بابك إلى بنيه والملوك من بعده، وهو كتاب طويل نقتبس منه هذه الفقرات: # رشاد الوالي خير للرعية من خصب الزمان. الملك والدين توأمان لا قوام لأحدهما ~~إلا بصاحبه ... واعلموا أنه ليس ينبغي للملك أن يعرف للعباد والنساك بأن يكونوا ~~أولى بالدين منه ... واعلموا أنكم ستبلون على الملك بالأزواج والأولاد والقرباء ~~والوزراء والأخدان والأنصار والأعوان والمتقربين والندماء والمضحكين، وكل هؤلاء ~~إلا قليلا أن يأخذ لنفسه أحب إليه من أن يعطي منها عمله، وإنما عمله سوق ليومه ~~وذخيرة لغده. فنصيحته للملوك فضل نصيحته لنفسه، وغاية الصلاح عنده صلاح نفسه، ~~وغاية الفساد عنده فسادها، يقيم للسلطان سوق المودة ما أقام له سوق الأرباح ~~والمنافع ... واعلموا أن لكل ملك بطانة، ولكل رجل من بطانته بطانة، ثم إن لكل ~~امرئ من بطانة البطانة بطانة، حتى يجتمع من ذلك أهل المملكة، فإذا أقام الملك ms311 ~~بطانته على حال الصواب فيهم أقام كل امرئ بطانته على مثل ذلك حتى يجتمع على ~~الصلاح عامة الرعية. # 3 # وقد ازدهر هذا الفن في اللغة العربية، ودخل في أكثر أبواب الحياة، فهناك وصايا ~~الخلفاء والملوك وهي التي تسمى «العهود»، ولكل طائفة وصايا، ومن أشهر الوصايا الأدبية ~~وصية عبد الحميد بن يحيى التي وجهها إلى الكتاب، وهناك وصايا الآباء للأبناء، وقد كتبت ~~عنها ثلاث مقالات نشرتها في البلاغ، ثم تبينت أنها تحتاج إلى درس أطول مما اشتملت عليه ~~تلك المقالات الثلاث ... وقد انتقل هذا الفن إلى الفكاهة، فرأينا نماذج كثيرة من وصايا ~~الطفيليين إلى أبنائهم، وكل أولئك يبين كيف صار هذا الفن مما يتبارى فيه الكتاب ~~والشعراء. # وقد تعبنا في البحث عن الفروق الجوهرية التي يتميز بها هذا الفن في كلام الصوفية، ثم ~~رأينا أن الفروق على كثرتها ترجع إلى باب واحد، فالوصايا في الأغلب تدور حول الشؤون ~~المعاشية، وتطوف بالأصول من كرائم الخلال، كقول الأوس بن حارثة: # يا مالك، المنية ولا الدنية، والعتاب قبل العقاب، والتجلد لا التبلد، واعلم ~~أن القبر خير من الفقر، ومن كرم الكريم الدفاع عن الحريم، وخير الغنى القناعة، ~~وشر الفقر الضراعة، والدهر يومان: يوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، ~~وإذا كان عليك فاصبر. # 4 # ولكنها عند الصوفية تنصب على أمور ذوقية وروحية، كأن يحدث من يقول: «أقبلنا قافلين من ~~بلاد الروم نريد البصرة، حتى إذا كنا بين الرصافة وحمص سمعنا صائحا يصيح من بين تلك ~~الرمال - سمعته الآذان ولم تره العيون - يقول: يا مستور يا محفوظ، اعقل في ستر من أنت؟ ~~فإن كنت لا تعقل من أنت في ستره فاتق الدنيا فإنها حمى الله، فإن كنت لا تعقل كيف ~~تتقيها فصيرها شوكا ثم انظر أين تضع قدميك منها». # 5 # وكأن يقول بعض الزهاد: «لا تغترن بطول السلامة مع تضييع الشكر، ولا تعملن نعمنة الله ~~في معصيته، فإن أقل ما يجب لمهديها ألا تجعلها ذريعة إلى مخالفته، واستدع شارد النعم ~~بالتوبة، واستدم الراهن ms312 منها بكرم الجوار، واستفتح باب المزيد بحسن التوكل». # 6 # وكأن يقول غيلان: «إن التراجع في المواعظ يوشك أن يذهب يومها ويأتي يوم الصاخة، كل ~~الخلق يومئذ مصيخ يستمع ما يقال له ويقضى عليه، وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا ~~همسا، فاصمت اليوم عما يصمتك يومئذ، وتعلم ذلك حتى تعلمه، وابتغه حتى تجده، وبادر قبل ~~أن تفجأك دعوة الموت، فإنها عنيفة إلا بمن رحم الله، فيقحمك في دار تسمع فيها الأصوات ~~بالحسرة والويل والثبور، ثم لا يقالون ولا يستعتبون، إني رأيت قلوب العباد في الدنيا ~~تخشع لأيسر من هذا وتقسو عند هذا، فانظر إلى نفسك أعبد الله أنت أم عدوه؟ فيا رب متعبد ~~لله بلسانه، معاد له بفعله، ذلول في الانسياق إلى عذاب السعير في أمنية أضغاث أحلام ~~يعبرها بالأماني والظنون، فاعرف نفسك، وسل عنها الكتاب المنير، سؤال من يحب أن يعلم، ~~وعلم من يحب أن يعمل ... ولا تكن كعلماء زمن الهرج إن وعظوا أنفوا، وإن وعظوا عنفوا». # 7 # فما الذي نراه في أمثال هذه النصائح؟ إنها نفثات موجهة إلى غاية واحدة هي إصلاح ~~القلوب، والوسيلة هي التذكير بقارة الدنيا والترغيب في الأعمال الصالحات، فالزاهد حين ~~ينصح لا يفكر في المعاش على نحو ما يفكر المعنيون بالشؤون الدنيوية، وإنما يفكر في ~~إعداد النفس ليوم الحساب. # خصائص النصح عند الصوفية # وكان يتفق للصوفية أن يسلكوا في نصائحهم مسلك التعليل والتحليل كأكثر رجال الأخلاق، ~~فنرى منهم من يعجب حين يرى طالب الدنيا أجد من طالب الآخرة، وخائفها أتعب من خائف ~~الآخرة، وهو يعلم يقينا أنه رب مطلوب في الدنيا قد صار حين نيل حتفا لطالبه، وأنه رب ~~مخوف فيها قد لحق كرها بالهارب منه فصار حظا له، وأن المطلوب إليه من أهلها ضعيف عن ~~نفسه، محتاج إلى ربه، مملوك عليه ماله، مخزونة عنه قدرته، ثم يقضي بأن جماع ما يسعى له ~~الطالب ويهرب منه الهارب أمران: أحدهما أجله، والآخر رزقه، ويعجب حين يرى الناس يختلفون ~~في أمر الآخرة ولا يختلفون في أمر الدنيا، ms313 وكيف لا يكون خائف الآخرة لربه كخائف الدنيا ~~لسلطانه، فيصبر على تجشم المكروه، وتجرع غصص الغيظ، ويتحفظ من أن يضمر له على غش أو يهم ~~له بخلاف «فإن ابتلي بالسخط من سلطانه فكيف حزنه ووحشته، وإن أنس منه رضا عنه فكيف ~~سروره واختياله، وإن قارف ذنبا إليه فكيف تضعضعه واستخذاؤه، وإن ندبه لأمر فكيف خفته ~~ونشاطه، وإن نهاه عنه فكيف حذره واتعاظه، وهو يعلم أن خالقه ورازقه يعلم سره وجهره، ~~ويراه في متقلبه ومثواه، ويعاينه في فضائحه وعورته، فلم يزعه عنها حياء منه، ولا تقية ~~له، قد أمره فلم بأتمر، وزجره فلم يزدجر، حذره فلم يحذر، ووعده فلم يرغب، وأعطاه فلم ~~يشكر، وستره فلم يزدد بالستر إلا تعرضا للفضائح، وكفاه فلم يقنع بالكفاية، وضمن له في ~~رزقه ما هو في طلبه مشيح، ويقظه من أجله لما هو عنه لاه، وفرغه من العمل لما هو عنه ~~بغيره مشغول». # 8 # ولنذكر أن هذا نوع من النصح الملفوف، وهو من المذاهب التعليمية، فقد كتب رجل من ~~العباد خطابا إلى صديق له يستفتيه في تلك الدقائق التي لخصناها في هذه الفقرة، فأجابه ~~الصديق بخطاب مطول بين فيه أن اليقين كالشجرة النابتة في القلب أغصانها العمل، وثمرتها ~~الثواب، ثم قال: «وأما قولك: كيف لم يكن خائف الآخرة لربه كخائف الدنيا لسلطانه، فإن ~~الله عز وجل خلق الإنسان ضعيفا، وجعله عجولا، فهو لضعفه موكل بخوف الأقرب، فالأقرب ~~مما يكره، وهو بعجلته موكل بحب الأعجل، فالأعجل مما يشتهي، وزاده حرصا على المخلص من ~~المكروه، وطلبا للمحبوب، حاجته إلى الاستمتاع بمتاع الدنيا الذي لولا ما طبع عليه ~~القلب من حبه، وسهل على المخلوقين من طلبه، لما انتفع بالدنيا منتفع ولا عاش فيها عائش». # 9 # والخطاب والجواب يرجعان إلى أصل واحد هو تعليل ما يغلب على النفس الإنسانية من ~~الضعف. # نماذج من وصايا النساك # وأقدم النصائح الصوفية في الإسلام نصائح علي بن أبي طالب، وهي كثيرة جدا، نكتفي منها ~~بقوله: «إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت ms314 مقبلة، ولكل واحدة منهما ~~بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا. ألا إن الزاهدين في الدنيا ~~اتخذوا الأرض بساطا والتراب فراشا والماء طيبا، ألا من اشتاق إلى الجنة سلا عن ~~الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن الحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات». # 10 # وللقارئ أن يرجع إلى الجزء الأول من نهج البلاغة فينظر في الصفحات 266، 277، 287، ~~392، 433 فإن فيها صورا مختلفة من وصايا ابن أبي طالب، وهي في الأغلب ترمي إلى تطهير ~~النفس، وإصلاح القلب، والتنفير من الدنيا الفانية، والتشويق إلى دار البقاء. # وأثرت عن الصوفية أجوبة تعليمية في مسائل كثيرة، فقد قيل للحسن البصري: قد أكثر الناس ~~تعلم الآداب، فما أنفعها عاجلا وأوصلها آجلا؟ فقال: التفقه في الدين فإنه يصرف إليك ~~قلوب المتعلمين، والزهد في الدنيا فإنه يقربك من رب العالمين، والمعرفة بما لله عليك ~~يحويها كمال الإيمان. # 11 # وسئل ابن سيرين: أي الآداب أقرب إلى الله تعالى وأزلف للعبد عنده؟ فقال: معرفة ~~بربوبيته، وعمل بطاعته، والحمد لله على السراء، والصبر على الضراء. # 11 # وكتب يوسف بن الحسين إلى بعض الحكماء: (أشكو ركوني إلى هذه الدنيا وما أجد في طبعي من ~~الأخلاق التي لست أرضاها من نفسي لنفسي). # فكتب إليه: # بسم الله الرحمن الرحيم # وصل كتابك، وفهمت ما ذكرت، ومخاطبك أكرمك الله شريكك في شكواك، ونظيرك في ~~بلواك. إن رأيت أن تديم الدعاء وقرع الباب فإنه من قرع الباب ولم يعجز عن القرع ~~دخل، وإن تهيا لك ما تريد من الصفاء والطهارة فدع ما أنت فيه من البلاء من ~~اقتراف مساوئ لا تجدي عليك منفعة في دينك ولا دنياك، وتجنب قرب من لا تأمن على ~~نفسك في مواصلة الغفلة والبطالة، واستعن على ذلك كله بالقناعة والتجزي، وسله أن ~~يمن عليك بتوبة طهري لا عملي، والسلام. # 12 # وكتب بعض إخوان سري السقطي إليه: # يا أخي، أوصيك بتقوى الله الذي يسعد بطاعته من أطاعه، وينتقم بمعصيته من ~~عصاه، فلا تدعونك طاعته إلى الأمن من عذابه، ولا ms315 تدعونك معصيته إلى الإياس من ~~رحمته، جعلنا الله وإياكم حذرين من غير قنوط، وله راجين من غير اغترار، والسلام. # 13 # وقد نظرت فرأيت للصوفية رسائل كثيرة تجري مجرى ~~النصح، وتعين مقاصدهم في الحياة، وتبين إلى أي حد كانوا يهتمون بالأخلاق، ولنثبت هنا ~~رسالة الجنيد إلى أبي بكر الكسائي، ففيها كثير من الإشارات التي توضح كيف كانوا يتواصون ~~بالأدب والرفق: # أخي، أين محلك عند تعطيل العشار، وأين دارك وقد خربت الديار، وأين منزلك ~~والمنازل قاع صفصف قفار، وأين مكانك والأماكن عواف دوارس الآثار، وماذا خبرك ~~عند ذهاب جوامع الأخبار، وفيم نظرك عند اصطدام محاضر النظار، وفيم فكرك وليس ~~بحين نظر ولا افتكار، وكيف هدوءك على ممر الليل والنهار، وكيف حذرك عند وقوع ~~فواجع الأقدار، وكيف صبرك ولا سبيل إلى عزاء ولا اصطبار، فابك الآن إن وجدت ~~سبيلا إلى البكاء، بكاء الوالهة الحزينة الموجعة الثكلى بفقد أعزة الألاف، ~~وفناء أجلة الأخلاف، وإبادة ما مضى من الاكتناف، وذهاب مشايخ الاعتطاف، وورود ~~بداية الاختطاف، وروادف عواصف الارتجاف وتتابع قواصف الانتساف، وبواهر قواهر ~~الاعتكاف، وثواقب ملامح الاعتراف، فإلى أين موئلك، وإلام يبلغ مصدرك، والأحلام ~~متمزقة، والقلوب متصدعة، والعقول منخلعة، والأنباء كلها مرتفعة، وأنت في أوابد ~~مندمسة، ونجوم منطمسة، وسبل ملتبسة، قد أضلك في اختلاف مناهجها ظلماؤها، ~~وانطبقت عليك أرضها وسماؤها. ثم أفضى بك ذلك إلى لجة اللجج والبحر الزاخر ~~الغامر المختلج، الذي كل بحر دونه أو لجة، فهو فيه كتفلة أو مجة، فقد قذف بك ~~في كثيف أمواجه، وتلاطم عليك بعظيم هوله وارتجاجه، فمن مستنقذك من متلفات ~~المهالك، أو مخرجك مما هنالك؟ كتابي إليك، أبا بكر، وأنا أحمد الله حمدا ~~كثيرا، وأسأله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، وصل إلي منك كتب فهمت ما ~~ذكرت فيها، ولم يمنعني من إجابتك عليها ما وقع في وهمك، وشق علي ما ذكرت من ~~غمك، وليس حالك عندي حال معتوب عيه، بل حالك عندي حال معطوف عليه، وبحسبك من ~~بلائك أن أكون سببا للزيادة في البلاء عليك، وإني عليك لمشفق، ms316 وإنما منعنى من ~~مكاتبتك أني حذرت أن يخرج ما في كتابي إليك إلى غيرك بغير علمك، وذلك أني كتبت ~~منذ مدة كتابا إلى أقوام من أهل أصبهان ففتح كتابي وأخذت نسخته، واستعجم بعض ~~ما فيه على قوم فأتعبني تخلصهم، ولزمني من ذلك مؤونة عليهم، وبالخلق حاجة إلى ~~الرفق، وليس من الرفق بالخلق ملاقاتهم بما لا يعرفون، ولا مخاطبتهم بما لا ~~يفهمون، وربما وقع ذلك من غير قصد إليه، ولا تعمد له، جعل الله عليك واقية ~~وجنة، وسلمنا وإياك، فعليك رحمك الله بضبط لسانك، ومعرفة أهل زمانك، وخاطب ~~الناس بما يعرفون، ودعهم مما لا يعرفون، فقل من جهل شيئا إلا عاداه، وإنما ~~الناس كالإبل المئة ليس فيها راحلة، وقد جعل الله تعالى العلماء والحكماء رحمة ~~من رحمته وبسطها على عباده، فاعمل على أن تكون رحمة على غيرك إن كان الله قد ~~جعلك بلاء على نفسك، واخرج إلى الخلق من حالك بأحوالهم، وخاطبهم من قلبك على ~~حسب مواضعهم، فذلك أبلغ لك ولهم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # 14 # وإنما نقلنا هذا الخطاب على طوله لأنه وثيقة صوفية، والجنيد يبتدئ خطابه بالتذكير ~~والتخويف، ويشير غلى ما ينتظر المتخلفين من الهول والفزع، ثم يترفق فيذكر أنه لم ينقطع ~~عن مكاتبة رفيقه إلا خوفا من أن يقع كتابه في يد أناس لا يفقهون ما يقول، ويحكى أنه ~~كتب مرة إلى أقوام من أهل أصبهان ففتح كتابه، وأخذت نسخته، واستعجم بعض ما فيه على قوم ~~فأتعبه التخلص من ملاحقتهم بالقيل والقال، وكثرة السؤال. وفي هذه النقطة يظهر شيء من ~~أحوال الصوفية: فقد كانوا يتكاتبون بما يشق فهمه على عامة الناس. # ثم ينتقل الجنيد فينصح رفيقه بهذه الكلمات: # فعليك رحمك الله بضبط لسانك، ومعرفة أهل زمانك، وخاطب الناس بما يعرفون، ~~ودعهم مما لا يعرفون، فقل من جهل شيئا إلا عاداه. # ونشهد بأن هذه هي السياسة العليا، وهي تصلح للصوفية وغير الصوفية ولكن الصوفية إليها ~~أحوج، لأنهم يعيشون في أودية من المعاني لا يفطن إليها إلا القليل. # وقد ms317 رأى الجنيد أن العلماء والحكماء رحمة من رحمة الله على عباده، ثم توجه إلى رفيقه ~~بهذا النصح الحصيف: «فاعمل على أن تكون رحمة على غيرك، إن كان الله قد جعلك بلاء على ~~نفسك». # وهو بذلك يوصيه أن يجمع بين حالين: حال الرفق مع الناس، وحال العنف مع النفس. # حرص الناس على وصايا الصوفية # ولنقيد أن الوصية كانت تطلب كثيرا جدا من الصوفية، فقد كان الناس يرونهم مظنة الخير ~~والرشد، وينتظرون منهم كل جميل. ومن أمثلة الشغف بنصائحهم ما وقع لبشر الحافي وقد ظفر ~~برؤية علي الجرجاني على عين ماء. قال بشر: فهرب مني وقال: بذنب مني رأيت اليوم إنسانا! ~~فعدوت خلفه وقلت: أوصني، فقال: عانق الفقر، وعاشر الصبر، وعاد الهوى، وعاق الشهوات. # 15 # الروح الغالب على هذه الوصايا هو الدعوة إلى تطهير القلب، والتنفير من الدنيا ~~الفانية، والتشويق إلى دار البقاء # وقد عقد الطوسي في كتاب اللمع فصلا لوصايا الصوفية، وهو فصل جيد تكفينا منه الإشارة ~~إلى قول أبي سعيد الخراز لبعض أصحابه: # احفظ وصيتي، أيها المريد، وارغب في ثواب الله تعالى، وهو أن ترجع إلى نفسك ~~الخبيثة فتذيبها بالطاعة وتميتها بالمخالفة، وتذبحها بالإياس فيما سوى الله، ~~وتقتلها بالحياء من الله عز وجل، ويكون الله حسبك، وتسارع إلى جميع الخيرات، ~~وتعمل في جميع المقامات وقلبك وجل أن لا يقبل منك. # 16 # وقول ذي النون: # يا أخي، اعلم أنه لا شرف أعلا من الإسلام، ولا كرم أعز من التقى، ولا عقل ~~أحرز من الورع، ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجل من العافية، ولا وقاية ~~أمنع من السلامة، ولا كنز أغنى من القنوع، ولا مال أذهب للفاقة من الرضا ~~بالقوت، ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة، والرغبة مفتاح التعب، ~~ومطية النصب، والحرص داع إلى التهجم في الذنوب، والشره جامع لمساوئ العيوب، ورب ~~طمع كاذب، وأمل خائب، ورجاء يؤدي إلى الحرمان، وأرباح تؤول إلى الخسران. # 17 # | وصايا ذي النون المصري # حياة ذي النون # من الصوفية من غلب عليه هذا ms318 الفن، وهو إسداء الوصايا والنصائح من هؤلاء ذو النون ~~المصري، وهو رجل نشأ في أخميم، وتوفي بالجيزة سنة 246، # 1 # وكان ذو النون من أهل العلم، ولكن غلب عليه التصوف فشاعت عنه أمور دعت ~~الناس إلى اتهامه بالزندقة، وسعى به قوم إلى المتوكل فاستحضره من مصر إلى بغداد، فسيق ~~مقيدا مغلولا، وسافر معه جماعة من أهل مصر يشهدون عليه، فلما دخل على المتوكل وعظه ~~فبكى ورده مكرما، وعاد خصومه خاسئين. # قال إسحق بن إبراهيم السرخسي: سمعت ذا النون وفي يده الغل، وفي رجله القيد، وهو يساق ~~إلى المطبق والناس يبكون حوله وهو يقول: هذا من مواهب الله تعالى ومن عطاياه، وكل فعاله ~~عذب حسن طيب، ثم أنشد: # لك من قلبي المكان المصون # كل لوم علي فيك يهون # لك عزم بأن أكون قتيلا # فيك والصبر عنك ما لا يكون # 2 # وكان ذو النون يهيجه السماع، فقد حدثوا أنه لما ~~دخل بغداد اجتمع إليه الصوفية ومعهم قوال فابتدأ ينشد: # صغير هواك عذبني # فكيف به إذا احتنكا # وأنت جمعت من قلبي # هوى قد كان مشتركا # أما ترثي لمكتئب # إذا ضحك الخلي بكى # فقام ذو النون وسقط على وجهه والدم يقطر منه. # 3 # ومن كلامه: الصوفية هم قوم آثروا الله على كل شيء، فآثرهم على كل شيء. # والكلام عن ذي النون كثير جدا، ويكفي أن نحيل القارئ على ترجمته في الجزء الثاني من ~~كتاب (جامع كرامات الأولياء) للنابلسي، فقد جمع أكثر أخباره وكراماته، هو شخصية جذابة ~~تستحق الدرس، ولكن منهج البحث لا يسمح بأكثر من هذه الفقرات. # شواهد من وصاياه # ونصائح ذي النون كثيرة جدا، وهي في فنون مختلفة من الأخلاق، ونحن ذاكرون طائفة قليلة ~~تبين مذهبه في القول، وطريقته في إصلاح القلوب. # الوصية الأولى: ~~«ليس بذي لب من كاس # 4 # في أمر دنياه، وحمق في أمر آخرته، ولا من سفه من مواطن ~~حلمه، وتكبر في مواطن تواضعه، ولا من فقد منه الهوى في مواضع طمعه، ولا ~~من غضب من حق إن قيل له، ولا ms319 من زهد فيما يرغب العاقل في مثله، ولا من ~~رغب فيما يزهد الأكياس في مثله، ولا من استقل الكثير من خالقه عز وجل، ~~واستكثر قليل الشكر من نفسه، ولا من طلب الإنصاف من غيره لنفسه، ولم ~~ينصف من نفسه غيره، ولا من نسي الله في مواطن طاعته، وذكر الله في ~~مواطن الحاجة إليه، ولا من جمع العلم فعرف به ثم آثر عليه هواه عند ~~متعلمه، ولا من قل منه الحياء من الله على جميل ستره، ولا من أغفل ~~الشكر عن إظهار نعمته، ولا من عجز عن مجاهدة عدوه لنجاته إذا صبر عدوه ~~على مجاهدته، ولا من جعل مروءته لباسه، ولم يجعل أدبه وورعه وتقواه ~~لباسه، ولا من جعل علمه ومعرفته تظرفا وتزيينا في مجلسه». # وهذه الوصية نقلها ابن عربي في الفتوحات، # 5 # ويظهر أنه قالها في أحد المجالس، بدليل قوله: «ثم قال: ~~استغفر الله، إن الكلام كثير، وإن لم تقطعه لم ينقطع، ثم قام وهو يقول: ~~لا تخرجوا من ثلاثة: النظر في دينكم بإيمانكم، والتزود لآخرتكم من ~~دنياكم، والاستعانة بربكم فيما أمركم به، ونهاكم عنه». # الوصية الثانية: ~~«ومن نظر في عيوب الناس عمي عن عيوب نفسه، ومن اعتنى بالفردوس والنار ~~شغل عن القيل والقال، ومن هرب من الناس سلم من شرهم، ومن شكر المزيد ~~زيد له». # 6 # الوصية الثالثة: # واعتل رجل من إخوان ذي النون فكتب إليه أن يدعو له فكتب إليه ذو النون: # سألتني أن أدعو الله لك أن يزيل عنك النعم، واعلم يا أخي أن ~~العلة مجازاة يأنس بها أهل الصفاء والهمم والضياء ... ومن لم يعد ~~البلاء نعمة فليس من الحكماء، ومن لم يأمن الشفيق على نفسه فقد ~~أمن أهل التهم على أمره، فليكن معك يا أخي حياء يمنعك عن ~~الشكوى، والسلام. # 7 # ومن هذه الشواهد القليلة نعرف اتجاه ذي النون في فهم الأخلاق، فهو ~~رجل يرى الخير كل الخير في الأنس بطاعة الله، ويرى المغنم الحق في صفاء ~~القلوب. # | الشجاعة الأدبية # حب الدنيا هو أصل الجبن # الشجاعة ms320 من أشرف مناقب الرجال، وهي من أظهر ~~شمائل الصوفية، وإنما كان الصوفية من الشجعان لأنهم استهانوا بالدنيا، وزهدوا في طيبات ~~العيش. وحب الدنيا والعيش أصل الجبن والخضوع، وما أحب رجل الدنيا إلا ذل، ورأى السلامة ~~في التلمق والرياء. # وكيف لا يشجع من يتخلق بأدب أبي حازم إذ يقول: إنما بيني وبين الملوك يوم واحد، أما ~~أمس فلا يجدون لذته، وأنا وهم من غد على وجل، وإنما هو اليوم، فما عسى أن يكون اليوم؟ # 1 # شجاعة بنان الحمال # ولولا الشجاعة ما استطاع بنان الحمال أن يقدم على ما فعل يوم قام إلى وزير خمارويه ~~فأنزله عن دابته، وكان نصرانيا، وقال: لا تركب الخيل ويلزمك ما هو مأخوذ عليكم في ملتكم. # 2 # أعرابي ينصح سليمان بن عبد الملك # ولولا الاستهانة بالعواقب ما استطاع رجل أن يقول لسليمان بن عبد الملك: # سأطلق لساني بما خرست عنه الألسن، تأدية لحق الله تعالى، إنه قد اكتنف رجال ~~أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، وخافوك في ~~الله ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب للآخرة، وسلم للدنيا، فلا تأمنهم على ما ~~ائتمنك الله عليه، فإنهم لم يألوا الأمانة تضييعا، والأمة كسفا وخسفا، وأنت ~~مسئول عما اجترموا، وليسوا مسئولين عما اجترمت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، ~~فإن أعظم الناس عند الله غبنا من باع آخرته بدنيا غيره. # 3 # شعيب بن حرب والرشيد # وكان الصوفية يحسبون أنفسهم مسئولين عن تذكير الملوك، يدل على ذلك قول شعيب بن حرب: # بينا أنا في طريق مكنة إذ رأيت هارون الرشيد فقلت لنفسي: قد وجب عليك الأمر ~~والنهي، فقالت لي: لا تفعل، فإن هذا رجل جبار، ومتى أمرته ضرب عنقك، فقلت ~~لنفسي: لا بد من ذلك، فلما دنا مني صحت: يا هارون! قد أتعبت الأمة، وأتعبت ~~البهائم! فقال: خذوه! فأدخلت عليه وهو على كرسي وبيده عمود يلعب به، فقال: ممن ~~الرجل؟ قلت: من أفناء الناس، فقال: ممن؟ ثكلتك أمك! قلت: من الأبناء، قال: فما ~~حملك على أن تدعوني باسمي؟ قال ms321 شعيب: فورد على قلبي كلمة ما خطرت لي قط على ~~بال. فقلت له: أنا أدعو الله باسمه فأقول: يا الله، يا رحمن، ولا أدعوك باسمك؟ ~~وما تنكر من دعائي باسمك؟ وقد رأيت الله سمى في كتابه أحب الخلق إليه محمدا، ~~وكنى أبغض الخلق إليه أبا لهب فقال: تبت يدا أبي لهب! فقال هارون: أخرجوه، فأخرجوني. # 4 # وشعيب هذا صادق فيما حدث به، وهذا الصدق يرشدنا إلى ما كان يعرف عن الصوفية أحيانا ~~من الحذلقة والتكلف، وإلا فما معنى هذه التهمة الجوفاء: يا هارون، قد أتعبت الأمة، ~~وأتعبت البهائم! # وقد اتفق أن خطب المنصور فحمد الله ومضى في كلامه، فلما انتهى إلى (أشهد أن لا إله ~~إلا الله) وثب رجل من أقصى المسجد، فقال: أذكرك من تذكر! فقال المنصور: سمعا لمن فهم ~~عن الله وذكر به، وأعوذ بالله أن أكون جبارا عصيا، وأن تأخذني العزة بالإثم، لقد ~~ضللت إذن وما أنا من المهتدين، وأنت والله أيها القائل ما أردت بها الله، ولكن حاولت أن ~~يقال قام فقال فعوقب فصبر، وأهون بقائلها لو هممت، فاهتبلها ويلك إذا عفوت، وإياكم معشر ~~الناس وأختها، فإن الموعظة علينا نزلت، ومن عندنا انبثت، فردوا الأمر إلى أهله يصدروه ~~كما أوردوه. # 5 # وهذا الخبر يفهمنا أنه كانت هناك وثبات للواعظين، وأن الخلفاء كانوا يعرفون ذلك، وأنه ~~كان من لذات بعض الناس أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر. # والحق أنه يعسر الاطمئنان إلى صدق الشجاعة الأدبية في جميع الأحوال، فهي في بعض ~~الأحيان زهو وخيلاء، والإثم فيها أكبر من النفع، وهي كسائر الفضائل عرضة للرياء، ~~والرياء يمحق جلائل الأعمال. # الفضيل بن عياض # ومن المؤكد أن الصوفية لم يكونوا جميعا مرائين، فلأكثرهم مقامات جمعت بين الشجاعة ~~والصدق، ومن شواهد ذلك ما صنع الفضيل بن عياض مع الرشيد، فقد ذهب الرشيد لزيارته ليلا ~~مع الفضل بن الربيع، فلما وصلا إلى بابه سمعاه يقرأ: # أم حسب ~~الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما ~~يحكمون ms322 # فقال الرشيد للفضل: إن انتفعنا بشيء فبهذا. فناداه الفضل: أجب ~~أمير المؤمنين. فقال: وما يعمل عندي أمير المؤمنين؟ قال الفضل فقلت: سبحان الله! أما له ~~عليك طاعة؟ فنزل ففتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ السراج، ثم التجأ إلى زاوية من ~~زوايا البيت، فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كف أمير المؤمنين قبلي إليه. ~~فقال: يا لها من كف ما ألينها إن نجت غدا من عذاب الله عز وجل! فقلت في نفسي: ليكلمنه ~~الليلة بكلام من قلب تقي. فقال له: خذ فيما جئناك له رحمك الله! فقال له: إن عمر بن عبد ~~العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي ، ورجاء بن حيوة، ~~فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي، فعد الخلافة بلاء، وعددتها أنت ~~وأصحابك نعمة. فقال له سالم ابن عبد الله: إن أردت النجاة من عذاب الله فصم عن الدنيا، ~~وليكن فطرك منها الموت. وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير ~~المسلمين عندك أبا، وأوسطهم عندك أخا، وأصغرهم عندك ابنا، فوقر أباك، وأكرم أخاك، ~~وتحنن على ولدك. وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فأحب للمسلمين ~~ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت. # وإني أقول لك يا هارون: إني أخاف عليك أشد الخوف يوما تزل فيه الأقدام، فهل معك رحمك ~~الله من يشير بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي عليه. # قال الفضل فقلت: ارفق بأمير المؤمنين! فقال: تقتله أنت وأصحابك، وأرفق به أنا؟ # ثم أفاق. فقال له: زدني رحمك الله. فقال له: يا أمير المؤمنين، بلغني أن عاملا لعمر ~~ابن عبد العزيز شكا إليه، فكتب إليه: يا أخي، أذكرك بسهر أهل النار في النار مع خلود ~~الأبد. وإياك أن ينصرف بك من عند الله عز وجل فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء. فلما ~~قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز ms323 فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت ~~قلبي بكتابك لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله عز وجل. # قال: فبكى هارون بكاءا شديدا ثم قال له: زدني يرحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، ~~إن العباس عم المصطفى # صلى الله عليه وسلم # جاء إلى النبي فقال: يا رسول الله، أمرني على إمارة، ~~فقال له: يا عم، إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا ~~فافعل. # فبكى هارون بكاء شديدا، وقال له: زدني رحمك الله، فقال: يا حسن الوجه، أنت الذي ~~يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه فافعل، وإياك ~~أن تصبح أو تمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك. # فبكى هارون وقال له: هل عليك دين؟ فقال: نعم، ~~دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن ~~لم ألهم حجتي. قال ~~الرشيد: إنما أعنى دين العباد. فقال الفضيل: إن ربي ~~لم يأمرني بهذا، وقد قال عز وجل: إن الله هو الرزاق. فقال له الرشيد: هذه ألف دينار ~~خذها وأنفقها على عيالك، وتقو بها على عبادتك، فقال: سبحان الله! أنا أدلك على طريق ~~النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا؟ # 6 # العمري # ومن طريف المواقف ما حدث به سعيد بن سليمان قال: # كنت بمكة وإلى جانبي عبد الله بن عبد العزيز العمري، وقد حج هارون الرشيد ~~وقال له إنسان: يا أبا عبد الله، هو ذا أمير المؤمنين يسعى، وقد أخلي له ~~المسعى، قال العمري للرجل: لا جزاك الله عني خيرا، كلفتني أمرا كنت عنه ~~غنيا. ثم قام فتبعه، فأقبل هارون الرشيد من المروة يريد الصفا، فصاح به: ~~هارون! فلما نظر إليه قال: لبيك يا عمري! قال: ارق الصفا، فلما رقاها قال: ارم ~~بطرفك إلى البيت، قال هارون: قد فعلت. قال: كم هم؟ قال: ومن يحصيهم؟ قال: فكم ~~في الناس مثلهم؟ قال: خلق لا يحصيهم إلا الله! قال: اعلم أيها الرجل أن كل واحد ~~منهم يسأل عن ms324 خاصة نفسه، وأنت وحدك تسأل عنهم كلهم، فانظر كيف تكون! - فبكى ~~هارون - فقال العمري: وأخرى أقولها. قال: قل يا عم! قال: والله إن الرجل ليسرف ~~في ماله فيستحق الحجر عليه، فكيف بمن أسرف في مال المسلمين! # قال البغوي: فبلغني أن هارون الرشيد كان يقول: إني لأحب أن أحج كل سنة ما يمنعني إلا ~~رجل من ولد عمر يسمعني ما أكره. # 7 # وقريب من هذا المقام في الخشونة والصدق ما كان بين أبي حازم وسليمان بن عبد الملك، ~~فقد حج سليمان وبعث إلى أبي حازم حين قدم المدينة للزيارة، فلما دخل قال: تكلم، يا أبا ~~حازم، قال: فيم أتكلم، يا أمير المؤمنين؟ قال: في المخرج من هذا الأمر . قال: يسير، إن ~~فعلته! قال: وما ذاك؟ قال: لا تأخذ الأشياء إلا من حلها، ولا تضعها إلا في أهلها. قال: ~~ومن يقوى ذلك؟ قال: من قلده الله من أمر الرعية ما قلدك! قال: عظني يا أبا حازم. قال: ~~اعلم أن هذا الأمر لم يصر إليك إلا بموت من كان قبلك، وهو خارج من يديك، بمثل ما صار ~~إليك. قال: يا أبا حازم، أشر علي، قال: إنما أنت سوق، فما نفق عندك حمل إليك من خير أو ~~شر، فاختر أيهما شئت! قال: ما لك لا تأتينا؟ قال: وما أصنع بإتيانك يا أمير المؤمنين، ~~إن أدنيتني فتنتني، وإن أقصيتني أخزيتني، وليس عندك ما أرجوك له، ولا عندي ما أخافك ~~عليه! قال: فارفع إلينا حاجتك. قال: قد رفعتها إلى من هو أقدر منك عليها، فما أعطاني ~~منها قبلت، وما منعني منها رضيت. # 8 # ابن السماك # وكان في الزهاد من يغرب في الوعظ حتى يصل إلى الإسفاف في الصورة واللفظ، فقد قال ~~الرشيد لابن السماك: عظني - وأتى بماء ليشربه - فقال: يا أمير المؤمنين! لو حبست عنك ~~هذه الشربة، أكنت تفديها بملكك؟ قال: نعم! قال: فلو حبس عنك خروجها أكنت تفديها بملكك؟ ~~قال: نعم! قال: فما خير في ملك لا يساوي شربة ولا بولة. # 8 # وهذه الغلظة أعقبت ms325 بكلمات أطيب من المسك، فقد قال الرشيد: يا ابن السماك، ما أحسن ما ~~بلغني عنك! فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي عيوبا لو اطلع الناس منها على عيب واحد ما ~~ثبتت لي في قلب واحد مودة، وإني لخائف في الكلام الفتنة، وفي السر الغرة، وإني لخائف ~~على نفسي من قلة خوفي عليها. # 8 # صالح بن عبد الجليل # والواقع أن مقامات الزهاد عند الخلفاء والملوك تدل على أمرين: الأول: شجاعة أولئك ~~الزهاد، وقدرتهم على الجهر بكلمة الحق، والثاني: صلاحية بعض الخلفاء والملوك لاستماع ~~نصح الناصحين من أهل البر والتقوى، وإقبالهم على من ينهاهم عن المنكر ويأمرهم بالمعروف، ~~يدل على ذلك قول صالح بن عبد الجليل بين يدي المهدي: # إنه لما سهل علينا ما توعر على غيرنا من الوصول إليك، قمنا مقام الأداء ~~عنهم، وعن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهى عند ~~انقطاع عذر الكتمان، ولا سيما حين اتسمت بميسم التواضع، ووعدت الله وحملة كتابه ~~إيثار الحق على ما سواه، فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص ليتم مؤدينا على ~~موعود الأداء، وقابلنا على موعود القبول، أو يزيدنا تمحيص الله إيانا في اختلاف ~~السر والعلانية ويحلينا حلية الكذابين، فقد كان أصحاب رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقولون: من حجب الله عنه العلم عذبه على الجهل، وأشد منه عذابا من أقبل إليه ~~العلم وأدبر عنه. ومن أهدى الله إليه علما فلم يعمل به فقد رغب عن هدية الله ~~وقصر بها، فاقبل ما أهدى الله إليك من ألسنتنا قبول تحقيق، وعمل لا قبول سمعة ~~ورياء، فإنه لا يعدمك منا إعلام لما تجهل، أو مواطأة على ما تعلم، أو تذكير من ~~غفلة ... أطلع الله على قلبك ما ينوره من إيثار الحق ومنابذة الأهواء. # 9 # وكلام صالح هذا فيه تصريح بأن الزهاد كان يسهل عليهم ما يتوعر على غيرهم من الوصول ~~إلى الخلفاء، وفيه كذلك تصريح بأن من المواعظ ما كان يقبله الخلفاء قبول سمعة ورياء، ~~ومعنى هذا ms326 أن تقريب الزهاد كان من السياسة قبل أن يكون من الدين، أو هو مزاج من السياسة ~~والدين، وهذا الملحظ قد يحط من شجاعة الزهاد وإخلاص الخلفاء، ولكن لا ريب في أن هذه ~~المظاهر فيها خير ملموس، والزهاد لا يصلون إلى هذه المواطن إلا بعد أن يكونوا استطاعوا ~~تثبيت سلطتهم الروحية، والخلفاء لا يستقدمون الزهاد ليسمعوا مواعظهم إلا وفي قلوبهم شيء ~~من عناصر الرشد وأصول الاهتداء. # عمرو بن عبيد # غير أن هذه الوصولية السياسية لم تطرد في جميع المقامات، فقد كان المنصور يعرف عمرو ~~بن عبيد قبل أن يتولى الخلافة، وكان يعتقد أنه على جانب عظيم من الصدق والإخلاص، فكان ~~يستقدمه لينتفع برأيه، وإن كان ذلك لا يمنع أنه كان يسر بأن يقال إنه انتفع بمواعظ ~~عمرو بن عبيد، والضمائر لا يعرفها إلا علام الغيوب. # ولنسق حديث ابن عبيد مع المنصور، فهو نموذج في الأدب وفي الأخلاق: # حدث إسحاق بن المفضل الهاشمي قال: إني لعلى باب المنصور يوما وإلى جنبي عمارة بن ~~حمزة إذ طلع عمرو بن عبيد على حمار، فنزل عن حماره ثم دفع البساط برجله وجلس دونه، ~~فالتفت إلي عمارة وقال: لا تزال بصرتكم ترمينا منها بأحمق! فما فصل كلامه من فيه حتى ~~خرج الربيع، وهو يقول: أبو عثمان عمرو بن عبيد، قال: فوالله ما دل على نفسه حتى أرشد ~~إليه، فأتكأه يده، ثم قال له: أجب أمير المؤمنين، جعلت فداك! فمرمتكئا عليه، فالتفت ~~إلى عمارة فقلت له: إن الرجل الذي استحمقته قد أدخل وتركنا، فقال: كثيرا ما يكون ذلك، ~~فأطال اللبث، ثم خرج الربيع وهو متوكئ عليه والربيع يقول: يا غلام، حمار أبي عثمان، فما ~~برح حتى أتى بالحمار، فأقره على سرجه، وضم إليه نشر ثوبه، واستودعه الله. فأقبل عمارة ~~على الربيع، فقال: لقد فعلتم اليوم بهذا الرجل ما لو فعلتموه بولي عهدكم لقضيتم ذمامه! ~~قال: فما غاب عنك مما فعل به أكثر وأعجب! قال عمارة: فإن اتسع لك الحديث فحدثنا، فقال ~~الربيع: ما هو إلا أن سمع ms327 الخليفة بمكانه فما أمهل حتى أمر بمجلس ففرش لبودا، ثم انتقل ~~إليه والمهدي معه عليه سواده وسيفه، ثم إذن له. فلما دخل عليه سلم بالخلافة فرد عليه، ~~وما زال يدنيه حتى أتكأه فخذه وتحفى به، ثم سأله عن نفسه وعن عياله يسميهم رجلا رجلا ~~وامرأة امرأة، ثم قال: يا أبا عثمان، عظنا. فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ~~الرجيم # والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * والليل إذا ~~يسر # ومر فيها إلى آخرها وقال: إن ربك يا أبا جعفر لبالمرصاد. قال: فبكى ~~المنصور بكاء شديدا كأنه لم يسمع تلك الآيات إلا تلك الساعة، ثم قال: زدني. فقال: إن ~~الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها، واعلم أن هذا الأمر الذي صار إليك ~~إنما كان في يد من كان قبلك ثم أفضى إليك، وكذلك يخرج منك إلى من هو بعدك، وإني أحذرك ~~ليلة تمخض صبيحتها عن يوم القيامة. قال: فبكى أشد من بكائه الأول حتى رجف جنباه. وفي ~~رواية أخرى أنه لما انتهى إلى آخر السورة قال: يا أمير المؤمنين، إن ربك لبالمرصاد لمن ~~عمل مثل عملهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم، فاتق الله فإن من وراء بابك نيرانا تأجج من ~~الجور، ما يعمل فيها بكتاب الله، ولا بسنة رسوله، فقال: يا أبا عثمان، إنا لنكتب إليهم ~~في الطوامير نأمرهم بالعمل بالكتاب، فإن لم يفعلوا فما عسى أن أصنع؟ فقال له: مثل أذن ~~الفأرة يجزيك من الطوامير، الله، أتكتب إليهم في حاجة نفسك فينفذونها وتكتب إليهم في ~~حاجة الله فلا ينفذونها؟ والله لو لم ترض من عمالك إلا رضا الله إذن لتقرب إليك من لا ~~نية له فيه. # وكان في المجلس سليمان بن مجالد فقال: رفقا بأمير المؤمنين؛ فقد أتعبته منذ ~~اليوم. # فقال له عمرو بن عبيد: بمثلك ضاع الأمر وانتشر، لا أبا لك، وماذا على أمير المؤمنين ~~أن بكى من خشية الله! # وفي رواية أخرى أن سليمان بن مجالد لما قال له ذلك رفع عمرو رأسه فقال له: ms328 من أنت؟ ~~فقال أبو جعفر: أولا تعرفه، يا أبا عثمان؟ قال: لا، ولا أبالي أن لا أعرفه! فقال له: ~~هذا أخوك سليمان بن مجالد. فقال: هذا أخو الشيطان! ويلك، يا ابن مجالد، خزنت نصيحتك عن ~~أمير المؤمنين، ثم أردت أن تحول بينه وبين من أراد نصيحته. يا أمير المؤمنين، إن هؤلاء ~~اتخذوك سلما لشهواتهم، فأنت كالآخذ بالقرنين وغيرك يحلب! فاتق الله فإنك ميت وحدك، ~~ومحاسب وحدك، ومبعوث وحدك، ولن يغني عنك هؤلاء من ربك شيئا. # فقال له المنصور: يا أبا عثمان، أعنى بأصحابك أستغن بهم. فقال له: أظهر الحق يتبعك ~~أهله. # ثم قال المنصور: بلغني أن محمد بن عبد الله بن الحسن كتب إليك كتابا. فقال: قد جاءني ~~كتاب يشبه أن يكون كتابه. قال: فبماذا أجبته؟ قال: أولست قد عرفت رأيي في السيف أيام ~~كنت تختلف إلينا وأني لا أراه؟ قال: أجل. ولكن تحلف ليطمئن قلبي. قال: لئن كذبتك تقية ~~لأحلفن لك تقية! فقال المنصور: أنت الصادق البار، وقد أمرت لك بعشرة آلاف درهم تستعين ~~بها على زمانك. فقال: لا حاجة لي فيها، فقال المنصور: والله لتأخذنها، فقال عمرو: والله ~~لا آخذنها، فقال له المهدي: يحلف أمير المؤمنين وتحلف؟ فأقبل عمرو على المنصور وقال: من ~~هذا الفتى؟ فقال: هذا ابني محمد، وهو المهدي ولي العهد، فقال: والله لقد سميته اسما ~~ما استحقه بعمل وألبسته لبوسا ما هو لبوس الأبرار. ولقد مهدت له أمرا أمتع ما يكون ~~أشغل ما تكون عنه. # ثم قال المنصور: يا أبا عثمان، هل من حاجة؟ قال: نعم، يرفع هذا الطيلسان عني - وكان ~~المنصور طرح عليه طيلسانا حين دخل عليه. # ثم قال له المنصور: لا تدع إتياننا، يا أبا عثمان. # فقال: نعم، لا يضمني وإياك بلد إلا دخلت إليك، ولا بدت لي حاجة إلا سألتك، ولكن لا ~~تعطني حتى أسألك، ولا تدعني حتى آتيك! # فقال المنصور: إذن لا تأتينا أبدا! # ثم ودع المنصور ونهض، فلما ولى أتبعه بصره وأنشأ يقول: # كلكم طالب صيد # كلكم يمشي رويد # غير ms329 عمرو بن عبيد # ونحن مطمئنون إلى صدق ابن عبيد في النصح وصدق المنصور في الاستماع، وللملوك لحظات ~~ينسون فيها الوصولية السياسية وينصتون إلى صوت الوجدان. # 10 # أحزاب المعارضين وسياستهم في اختراع النصائح # والظاهر أن المنصور كان من الشخصيات المعروفة بالتسامح، فقد رأينا آنفا كيف يقف رجل ~~فيذكره بالله وهو يخطب، وقد ذكر ابن قتيبة أنه سمع وهو يطوف ليلا قائلا يقول: «اللهم ~~إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع». # فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد وأرسل إلى الرجل يدعوه، فصلى الرجل ركعتين واستلم ~~الركن وأقبل مع الرسول فسلم عليه بالخلافة فقال له المنصور: ما الذي سمعتك تذكر من ظهور ~~البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع، فوالله لقد حشوت مسامعي ما أرمضني. # 11 # فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، إن أمنتني على نفسي أنبأتك بالأمور من أصولها، وإلا ~~احتجزت منك واقتصرت على نفسي ففيها لي شاغل، فقال المنصور: أنت آمن فقل، فقال: إن الذي ~~دخله الطمع حتى حال بينه وبين ما ظهر من البغي والفساد لأنت! # فقال المنصور: ويحك! وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي، والحلو والحامض ~~عندي؟ # فقال الرجل: وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك؟ إن الله تبارك وتعالى استرعاك المسلمين ~~وأموالهم، فأغفلت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم، وجعلت بينك وبينهم حجابا من الجص ~~والآجر، وأبوابا من الحديد وحجبة معهم السلاح، ثم سجنت نفسك فيها عنهم، وبعثت عمالك ~~في جباية الأموال وجمعها، وقويتهم بالرجال والسلاح والكراع، وأمرت بأن لا يدخل عليك من ~~الناس إلا فلان وفلان، نفر سميتهم، ولم تأمر بإيصال المظلوم، ولا الملهوف ولا الجائع ~~العاري، ولا الضعيف الفقير، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر ~~الذين استخلصتهم لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرت أن لا يحجبوا عنك، تجبي # 12 # الأموال وتجمعها ولا تقسمها، قالوا: هذا قد خان الله، فما بالنا لا نخونه، ~~وقد سجن لنا نفسه؟ فائتمروا بأن لا يصل إليك ms330 من علم أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا، ولا ~~يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا خونوه عندك، ونفوه حتى تسقط منزلته، ويصغر قدره. فلما ~~انتشر ذلك عنك وعنهم أعظمتهم الناس وهابوهم فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ~~ليقووا بها على ظلم رعيتك. ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا به ظلم من ~~دونهم فامتلأت بلاد الله بالطمع بغيا وفسادا، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك، ~~وأنت غافل. فإن جاء متظلم حيل بينه وبين دخول مدينتك، وإن أراد رفع قصته إليك ن ظهورك ~~وجدك قد نهيت عن ذلك، وأوقفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم، فإن جاء الرجل فبلغ بطانتك ~~خبره سألوا صاحب المظالم ألا يرفع مظلمته إليك، فإن المتظلم منه له بهم حرمة، فأجابهم ~~خوفا منهم، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث، وهو يدفعه ويعتل ~~عليه، فإذا أجهد وأحرح وظهرت صرخ بين يديك فضرب ضربا مبرحا ليكون نكالا لغيره، ~~وأنت تنظر فلا تنكر، فما بقاء الإسلام على هذا! وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى ~~الصين فقدمتها مرة وقد أصيب ملكها بسمعه، فبكى يوما بكاء شديدا، فحثه جلساؤه على ~~الصبر فقال: أما إني لست أبكي للبلية النازلة بي، ولكني أبكي لمظلوم بالباب يصرخ ولا ~~أسمع صوته، ثم قال: أما إذ ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب، نادوا في الناس أن لا يلبس ثوبا ~~أحمر إلا متظلم، ثم كان يركب الفيل طرفي نهاره، وينظر: هل يرى مظلوما؟ فهذا يا أمير ~~المؤمنين مشرك بالله غلبت رأفته بالمشركين شح نفسه، وأنت مؤمن بالله، ثم من أهل بيت ~~النبي ولا تغلب رأفتك بالمسلمين على شح نفسك! فإن كنت إنما تجمع المال لولدك فقد أراك ~~الله عبرا في الطفل يسقط من بطن أمه، وماله على الأرض مال، وما من مال إلا ودونه يد ~~شحيحة تحويه، فما يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس إليه. ولست بالذي ~~تعطي، بل الله يعطي من يشاء ما يشاء. وإن قلت إنما أجمع ms331 المال لتشديد السلطان فقد أراك ~~الله عبرا في بني أمية: ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة، وأعدوا من الرجال ~~والسلاح والكراع، حين أراد الله بهم ما أراد، وإن قلت إنما أجمع المال لطلب غاية هي ~~أجسم من الغاية التي أنا فيها، فو الله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بخلاف ~~ما أنت عليه. يا أمير المؤمنين، هل تعاقب من عصاك بأشد من القتل؟ قال المنصور: لا. قال: ~~فكيف تصنع بالملك الذي خولك ملك الدنيا وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل، ولكن بالخلود في ~~العذاب الأليم، قد رأى ما قد عقد عليه قلبك، وعملته جوارحك، ونظر إليه بصرك، واجترحته ~~يداك، ومشت إليه رجلاك، هل يغني عنك ما شححت عليه من الدنيا إذا انتزعه من يدك، ودعاك ~~إلى الحساب؟ فبكى المنصور وقال: يا ليتني لم أخلق! ويحك! فكيف أحتال لنفسي؟ قال: يا ~~أمير المؤمنين، إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم ويرضون بهم، فاجعلهم بطانتك ~~يرشدوك، وشاورهم في أمرك يسددوك، قال: قد بعثت إليهم فهربوا مني، قال: خافوا أن تحملهم ~~على طريقتك، ولكن افتح بابك، وسهل حجابك، وانصر المظلوم، واقمع الظالم، وخذ الفيء ~~والصدقات مما حل وطاب، واقسمه بالحق والعدل على أهله، وأنا الضامن عنهم أن يأتوك ~~ويسعدوك على صلاح الأمة. # وجاء المؤذنون فسلموا عليه فصلى وعاد إلى مجلسه، وطلب الرجل فلم يوجد. # 13 # ولكن أكان المنصور حقا متسامحا حتى يستمع مثل هذا الحساب؟ أنا أستبعد أن يكون هذا ~~الحديث صحيحا، وأرجح أنه وضع لغاية من غايات المعارضين، ودليل هذا الترجيح أن القائل ~~مجهول: فهو أحد الزهاد، وأنه حفظ بلغة قوية، لا يعقل أن تسمع فتحفظ، ولو كان حوارا ~~طارئا طلب صاحبه فلم يوجد لما أمكن أن تحفظ منه هذه الصورة القوية. # والمعقول أن يكون هذا الحديث من وضع رجل ثائر كان يكره بني أمية وبني العباس، فإن ~~التعمق في وصف حجاب المنصور، وما كان يقع لعهده من إغفال المظالم، ومن سيطرة الوزراء لا ~~يتفق إلا ms332 لرجل ثائر على تقاليد ذلك العهد. والثورة على الاستبداد بالملك وتصريف أمور ~~الناس كانت كثيرة الوقوع في تلك الأيام، وكانت التورية عن فساد النظام مما يطيب للكتاب ~~والشعراء. وقد كثر القول بأن ابن المقفع لم يترجم كليلة ودمنة إلا ليحارب به ما كان ~~يراه من ظلم الخلفاء، فليس من المستبعد أن توضع الأحاديث على ألسنة الزهاد ليكون في ~~إذاعتها تنديد بالسياسة الظالمة التي يرتكبها خلفاء بني العباس في بعض الأحيان. # ولنتذكر أن شخصية «الوزير» ملحوظة في هذا الحديث، والوزير كان في تلك العهود نموذجا ~~من نماذج الغطرسة والعنف والإجحاف، وكان لا بد أن يحاربه الناس بسوء القالة إن عجزوا عن ~~محاربته بالسلاح. # ومنشئ هذا الحديث جعل بطله من الزهاد، وهذا يدلنا على أن الصوفية في تلك الأيام كانت ~~لهم سلطة روحية وخلقية، وكان من المعروف عنهم أن يجهروا بكلمة الحق، وأن لا يبالوا غضب ~~الخلفاء والوزراء، فاختيار بطل الحديث من الصوفية هو الشاهد على ما كان يعرف عنهم من ~~الشجاعة الأدبية. # ولسنا نعرف بالضبط من أي حزب كان منشئ هذا الحديث، والظاهر أنه كان يميل إلى الصوفية، ~~فقد قال له المنصور: كيف أحتال لنفسي؟ فأجاب: إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم، ~~ويرضون بهم، فاجعلهم بطانتك يرشدوك، وشاورهم في أمرك يسددوك. # ولم يكتف بهذا في تمجيد أصحابه من أهل الزهد، بل ادعى أن المنصور قال: قد بعثت ~~إليهم فهربوا مني، وهو بذلك يجعلهم أصلح الناس لولاية الأمر، وأخوفهم من الاتصال بأهل ~~الدنيا، وأقدرهم على احتقار المناصب البراقة: مناصب الوزراء. # وجملة القول: أن هذا الحديث يشهد بأن أحزاب المعارضين كانت تتستر باسم الزهاد ~~والصوفية، ومعنى ذلك أن الزهاد والصوفية كانوا معروفين بالجرأة والشجاعة في الدفاع عن ~~الحق، وكان ما ينشر باسمهم خليقا بأن يتلقاه كبار الناس بالقبول. وبعض ذلك كاف ~~للاقتناع بأنهم كانوا قوة خلقية في ذلك الحين. # شجاعة الأوزاعي في مواقف تحكمت فيها الأحقاد السياسية # ويماثل هذا المقام مقام الأوزاعي بين يدي المنصور، ذكره عبد الله المبارك عن رجل من ms333 ~~أهل الشام قال: دخلت عليه فقال: ما الذي أبطأ بك عني؟ قلت: يا أمير المؤمنين، وما الذي ~~تريد مني؟ فقال: الاقتباس منك. قلت: انظر ما تقول؛ فإن مكحولا حدثني عن عطية بن بشير ~~أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «من بلغه عن الله نصيحة في دينه فهي رحمة من الله سقيت ~~إليه، فإن قبلها من الله بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه، ليزداد إثما وليزداد الله ~~عليه غضبا، وإن بلغه شيء من الحق فرضي فله الرضا، وإن سخط فله السخط، ومن كرهه فقد كره ~~الله؛ لأن الله هو الحق المبين». # فلا تجهلن. قال: وكيف أجهل؟ قال: تسمع ولا تعمل بما تسمع! # قال الأوزاعي: فسل علي الربيع السيف. وقال: تقول لأمير المؤمنين هذا ؟ فانتهره ~~المنصور وقال: أمسك، ثم كلمه الأوزاعي وكان في كلامه أن قال: إنك قد أصبحت من هذه ~~الخلاقة بالذي أصبحت به، والله سائلك عن صغيرها وكبيرها وفتيلها ونقيرها، ولقد حدثني ~~عروة بن رويم أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قال: «ما من راع يبيت غاشا لرعيته إلا حرم الله ~~عليه رائحة الجنة»، فحقيق على الوالي أن يكون لرعيته ناظرا، ولما استطاع من عوراتهم ~~ساترا، وبالقسط فيما بينهم قائما، لا يتخوف محسنهم منه رهقا، ولا مسيئهم عدوانا، ~~فقد كانت بيد رسول الله جريدة يستاك بها ويردع عنه المنافقين، فأتاه جبريل فقال: «يا ~~محمد، ما هذه الجريدة بيدك؟ اقذفها لا تملأ قلوبهم رعبا» فكيف من سفك دماءهم، وشقق ~~أبشارهم، وأنهب أموالهم! يا أمير المؤمنين، إن المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر دعا ~~إلى القصاص من نفسه بخدش خدشه أعرابيا لم يتعمده فهبط جبريل فقال: يا محمد، إن الله لم ~~يبعثك جبارا تكسر قرون أمتك ... إن الدنيا تنقطع ويزول نعيمها، ولو بقي الملك لمن قبلك ~~لم يصل إليك يا أمير المؤمنين، ولو أن ثوبا من ثياب أهل النار علق بين السماء ~~والأرض لآذاهم، فكيف من يتقمصه؟ ولو أن ذنوبا # 14 # من صديد أهل النار صب ms334 على ماء لآجنه، # 15 # فكيف بمن يتجرعه، ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لذاب، فكيف من ~~سلك فيها ويرد فضلها على عاتقه! # واعلم أن السلطان أربعة: أمير يظلف نفسه وعماله، فذلك له أجر المجاهد في سبيل الله، ~~وصلاته سبعون ألف صلاة، ويد الله بالرحمة على رأسه ترفرف، وأمير رتع ورتع عماله، فذلك ~~يحمل أثقاله وأثقالا مع أثقاله وأمير يظلف نفسه # 16 # ويرتع عماله، فذاك الذي باع آخرته بدنيا غيره، وأمير يرتع ويظلف عماله فذاك ~~شر الأكياس. # 17 # ولهذا الحديث بقية، وما سلف منه يبين مسلك الأوزاعي في النصح، وجرأته في مصارحة ~~الخلفاء. والشجاعة من أخص صفات الزاهدين والصالحين. # وللأوزاعي موقف مع عبد الله بن علي يعد من أخطر المواقف؛ لأنه يمس الأحقاد السياسية، ~~وللسياسة أحقاد سود تذهب بالحلم والعقل، وكان ذلك الموقف بعد أن أجلى عبد الله بني أمية ~~عن الشام، وأزال الله دولتهم على يديه، فقد طلب الأوزاعي ليسأله رأيه فيما صنع ببني ~~أمية، وكان ينتظر بالطبع أن يظفر منه بكلمات من الثناء يفل بها حدة من ينكرون عليه ~~الإسراف في النهب والقتل، ولكنه فوجئ بما لم يكن في الحسبان، وأراه الأوزاعي أن في ~~الدنيا ناسا يجهرون بكلمة الحق في أحرج المواقف والمقامات. # قال الأوزاعي: فدخلت عليه وهو على سرير، والمسودة عن يمينه وشماله معهم السيوف مطلقة، ~~فسلمت عليه فلم يرد، ونكت بتلك الخيزرانة التي بيده، ثم قال: يا أوزاعي، ما ترى فيما ~~صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة عن البلاد والعباد، أجهاد هو؟ قال: فقلت: أيها ~~الأمير، سمعت يحيى بن سعيد الأنصاري يقول: سمعت عمر ابن الخطاب يقول: سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها ~~فهجرته إلى ما هاجر إليه». قال: فكنت بالخيزرانة أشد ما كان ينكت، وجعل من حوله يقبضون ~~أيديهم على قبضات سيوفهم، ثم ms335 قال: يا أوزاعي، ما تقول في دماء بني أمية؟ فقلت: قال رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب والزاني، ~~والتارك لدينه المفارق للجماعة»، قال: فنكت بها أشد من ذلك، ثم قال: ما تقول في ~~أموالهم؟ فقلت: إن كانت في أيديهم حراما فهي حرام عليك أيضا، وإن كانت لهم حلالا ~~فلا تحل لك إلا بطريق شرعي، قال: فنكت أشد مما كان ينكت قبل ذلك، ثم قال: ألا نوليك ~~القضاء؟ فقلت: إن أسلافك لم يكونوا يشقون علي في ذلك، وإني أحب أن تتم ما ابتدأوني به ~~من الإحسان، فقال: كأنك تحب الانصراف، فقلت: إن ورائي حراما وهم محتاجون إلى القيام ~~عليهن وسترهن وقلوبهن مشغولة بسببي، قال: وانتظرت رأسي يسقط بين يدي ، فأمرني بالانصراف، ~~فلما خرجت إذا رسول من ورائي، وإذا معه مائتا دينار فقال: يقول لك الأمير: استنفق بهذه، ~~قال: فتصدقت بها، وإنما أخذتها خوفا. # 18 # وهذا المقام يدل على أمرين: # الأول: # أن الأمراء والملوك كانوا منذ ذلك الزمان يشعرون بقوة أهل العلم ~~والزهد والصلاح، وكانوا يحبون أن يستظهروا بهم، وكانوا كذلك يعرفون ~~عنهم اللين في أغلب الأحيان، ولولا ذلك لقلت الرغبة في استدعاء مثل ~~الأوزاعي في مثل ذلك الموقف. # والثاني: # أن الزهاد كانوا استطاعوا أن يخلقوا لهم عصبية يحسب حسابها في ~~الأزمات السياسية، يؤيد هذا ما روى أن بعض الولاة هدد الأوزاعي مرة ~~فقال له أصحابه: دعه، فو الله لو أمر أهل الشام أن يقتلوك لقتلوك. # 19 # وطمع الولاة والأمراء في لين أهل التصوف لا ينقض ما عرفوا به من الشجاعة الأدبية، ~~فنحن لا نقول بأن تلك الشجاعة كانت من نصيب كل من تصوف، وإنما نجزم بأنها كانت من أخلاق ~~كل من صدق في التصوف، والعصبية التي كانت تحميهم لا يمكن أن تغض من شجاعتهم الأدبية؛ ~~لأنها في الأكثر عصبية عزلاء، ولأنها على كل حال من مغانمهم الأخلاقية؛ لأنهم اكتسبوها ~~بفضل الصلاح والتقوى، وهو مكسب تبذل في سبيله أثمان غالية يعرفها ms336 من يعانون رياضة النفس ~~على التجمل بالآداب الدينية. # وكان يتفق في أحيان كثيرة أن تقابل تلك الشجاعة باللطف، ومن طريف ذلك أن ابن هبيرة ~~كتب إلى الحسن وابن سيرين والشعبي فقدم بهم عليه، فقال لهم: إن أمير المؤمنين يكتب إلي ~~في الأمر إن فعلته خفت على ديني، وإن لم أفعله خفت على نفسي، فقال له ابن سيرين ~~والشعبي قولا رققا فيه، وقال له الحسن: يا ابن هبيرة، إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد ~~لا يمنعك من الله. يا ابن هبيرة، خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله! يا ابن هبيرة، ~~إنه يوشك أن يبعث الله إليك ملكا فينزلك عن سريرك إلى سعة قصرك، ثم يخرجك عن سعة قصرك ~~إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلا عملك. يا ابن هبيرة، إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. # 20 # والطريف في هذا الموقف أن ابن هبيرة أمر للحسن بأربعة آلاف درهم، وأمر لابن سيرين ~~والشعبي بالفين، فقالا: رققنا فرقق لنا! # خلاصة البحث # وهناك مواقف لأبي حازم مع سليمان بن عبد الملك، وابن السماك مع الرشيد. والمقام يضيق ~~عن الاستقصاء، ولو مضينا نستقري أخبار الصوفية في مختلف العصور لرأينا لهم كثيرا من ~~أمثال هذه المواقف، والناس في مصر وفي تركيا خاصة يذكرون حوادث جرت لأهل الورع والدين ~~مع الولاة والسلاطين، ومناقب الصوفية تفيض بأمثال هذه الأخبار. وأكثرها صدق، والمخترع ~~منها له دلالة خلقية، فهو شاهد بأن الناس كانوا يشهدون للصوفية بالشهامة والجهر بكلمة ~~الحق. # وقد رأينا أن تلك المواقف عادت بفوائد كثيرة على الأدب والأخلاق فهي من حيث الصورة ~~نماذج أدبية، وهي من حيث المعنى لا تزال توحي بالحرص على التخلق بأخلاق الرجال. # 21 # | الدنيا في أذهان الصوفية # ذم الصوفية للدنيا شاهد على تعلقهم بها # زارت رابعة أصحابها فذكروا الدنيا فأقبلوا على ~~ذمها فقالت: اسكتوا عن ذكرها؛ فلولا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها، ألا من أحب ~~شيئا أكثر من ذكره. # 1 # وإني لأخشى أن تكون هذه النظرة مما ms337 يصدق في أكثر ~~الصوفية: فهم جميعا يذمون الدنيا، ويخافون شرها، ويكثرون من تقبيحها والتنفير منها، ~~ويندر أن يكتب في التصوف كتاب ولا تكون الدنيا شغل المؤلف وهمه في أكثر الفصول. والواقع ~~أن الدنيا شغلت الصوفية فلم تخل منها قلوبهم طرقة عين، ولو خلت منها قلوبهم لما طوقوها ~~بقلائد الهجاء، وإنما مثلها في أنفسهم مثل المرأة المطلقة التي يحن إليها زوجها ويتمنى ~~لو عادت لياليها الملاح، وكيف يخلص الناس من فتنة دنياهم وهم مقيدون بما فيها من هواء ~~وماء؟ إن النفحة السماوية التي يتشوقون إليها لم تكن إلا لفتة فنية، والتطلع إلى السماء ~~إنما هو كبر إنساني شريف، ولكنه على ما فيه من شرف لا يخلو من تهور واعتساف، فالإنسان ~~من الأرض خلق وإلى الأرض يعود، والنفس على ما فيها من رقة وصفاء قيدتها الإرادة الأزلية ~~بأسباب العيش، وفرضت عليها الخضوع لسلطان الأمعاء، فليصنع الصوفية ما يشاءون فسيظل ابن ~~آدم منسوبا إلى الطين والماء. # هل الدنيا قبيحة في جميع الأحوال؟ # وإسراف الصوفية في ذم الدنيا لا يخلو من غفلة وجهل، فللدنيا فتنة روحية، وفي الكفاح ~~في مناكبها سحر وإشراق، والعليل هو الذي لا يدرك جمال هذا الوجود، ولا يعرف أن القبيح ~~نفسه فيه شعر وجمال، وأن دمامة الأخلاق فيها فرص نورانية لمن يعرف على أي أساس بنيت هذه ~~الدنيا الفيحاء. # إن الرجل الذي يعود إلى بيته وهو مهدم الأعصاب يزعجه صراخ الطفل، أفيكون انزعاجه ~~دليلا على وجود البشاعة في صراخ الأطفال؟ وكيف والرجل السليم يرى في بكاء الطفل ملامح ~~شعرية، ويتوسم في انفعالاتهم بوارق من نور الوجود؟ # إن إسراف الصوفية في ذم الدنيا هو الشاهد على انحرافهم في فهم الأخلاق، وهو كذلك ~~الشاهد على أن قواعد الأخلاق أقيمت في الأغلب على الأهواء الذاتية، فنحن نرضى عن الدنيا ~~ساعة ونغضب ساعات، فتكون لنا عند الرضى آراء، وعند الغضب آراء، والصوفية أولى الناس ~~بالتهمة عند الانحراف؛ لأن التصوف يقع في أكثر الأحيان عند المرض والمشيب، والمريض ~~الأشيب ينظر إلى الدنيا نظرة الحقد والازدراء. ms338 # حقائق # إن أشنع غلطة اقترفها الصوفية هي التنفير من الدنيا، والدعوة إلى هجر ما فيها من ~~الطيبات، وإصرارهم على إقناع الناس بأنهم يلدون للموت ويبنون للخراب. والحق أن كل ميلاد ~~إلى موت، وأن كل بناء إلى خراب، ولكن بين الحالين مواسم للخير والبر والجمال والصفاء، ~~ومن الحمق أن يجهل المرء أنه خلق لغاية نبيلة تتمثل في تطوره من حال إلى حال، وتنقله ~~بين الحلم والجهل، والعقل والجنون. وكان الصوفية أجدر الناس بأن ينظروا هذه النظرة، وأن ~~يتصوروا ما في تقلب الطباع من رونق وبهاء، ولكن خبز الشعير ولباس الصوف والملح الجريش، ~~كل أولئك طبع أرواحهم بطابع التلوم والاشفاق. # كيف غاب عنهم وجه الخير في هذه الهموم السود التي يعانيها أشراف الرجال؟ وكيف غفلوا ~~عن المغانم النفيسة التي يظفر بها من يحارب الخسة والدناءة والإسفاف ؟ إن فرص الجهاد لا ~~تتاح إلا لمن ينغمس في الدنيا ويشهد ما يقع فيه الدنيويون من محاربة الشرف والصدق ~~والنبل، ولو استمع العالم إلى نصائح الصوفية لضاعت أصول كثيرة من الخير والحق ~~والجمال. # إن العالم الباقي لم يتمثل لعشاقه إلا عن طريق العمران: فهو قصور وأنهار وحدائق، وحور ~~عين كأمثال اللؤلؤ المكنون. ولو كان النعيم يبغض لذاته لما رضي الصوفية أن يجعلوه ~~نصيبهم في دار البقاء، فلم يبق إلا أن يكون الكدر في هذه الدنيا أثرا من الانحراف في ~~أخلاق الناس، وتكون النتيجة أن الناس أعطوا ملكا فلم يحسنوا سياسته، أعطاهم الله تلك ~~الأنهار الجارية والرياض الحالية، وسخر لهم الشمس والقمر والنجوم، فغفلوا عن مفاتن ذلك ~~الملك الذي ينتظم محاسن الأرض والسماء، وحولوا حياض الأزهار إلى ميادين تسفك فيها ~~الدماء، وتزهق الأرواح. # الجمال في هذا الوجود # وكان الظن بالصوفية وهم من أهل البصائر والقلوب، أن يعرفوا قيمة هذه الدنيا، هذا ~~الملك الذي ضيعه أهله، كان الظن بهم أن يجاهدوا ما فيه من شهوات وأباطيل، ولكنهم آثروا ~~الهرب والانزواء، وصاروا يعرفون من أنهار الجنة ما لا يعرفون من أنهار هذا العالم، ~~ويعلمون من أبواب جهنم ما لا ms339 يعلمون من أسباب انحطاط الأمم وضعف الشعوب، ويدركون من ~~نعيم الآخرة ما لا يدركون من معنى الملك والقوة في هذا الوجود. # إن الاعتصام بشواهق الجبال فرارا من ظلم الناس فيه ملامح شعرية، ولكنه دليل على حب ~~السلامة، وذلك من أخلاق الضعفاء، وأشرف منه أن تدخل المعركة، وأن يخضب الدم وجهك وصدرك ~~ويديك، وأن تلقى الله بوجه شريف لم يعرف صاحبه الجبن ولا الرياء ولا الخداع. # الدنيا جنة دانية القطوف، وفي بعض أركانها أفاع وصلال، وما أفاعيها إلا لئام الناس، ~~فكيف خانتكم الشجاعة أيها الصوفية فلم تقتلوا ما في تلك الجنة من خبيث الحشرات؟ # أفي الحق أن الدنيا بنيت على الكيد والفتك والنفاق؟ ليكن ذلك، ولكن لا تنكروا أنها ~~أعظم مما تتوهمون، إن في الدنيا جمالا جذابا يستهوي العقول والقلوب، وهي صالحة كل ~~الصلاحية لأن تكون من ميادين المجد في عالم الأخلاق، ولكن أين الصابرون؟ وأين ~~المحتسبون؟ كل امرئ في دنيانا يود أن يغنم المعركة في لحظة واحدة، وإلا ففي مهاوي ~~الفرار متسع للجميع، وقود عجز الصوفية ثم تواصوا بالتقهقر والانسحاب، فلنسجل عليهم هذه ~~الخزية البلقاء. # الدنيا في كلام الأنبياء # اهتم الصوفية بنقل ما قال الرسول في ذم الدنيا، فحدثونا أنه وقف على مزبلة. وقال: ~~هلموا إلى الدنيا، وأخذ خرقا قد بليت على تلك المزبلة وعظاما قد نخرت، فقال: هذه ~~الدنيا # 2 # وحدثونا أنه قال: ألهاكم التكاثر، يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك ~~إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟ # 2 # وأنه قال: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له، وعليها ~~يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من لا فقه له، ولها يسعى من لا يقين له. # 2 # وحدثوا أن أبا هريرة قال: قال لي رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: يا أبا ~~هريرة، ألا أريك الدنيا جميعها بما فيها؟ فقلت: بلى، يا رسول الله، فأخذ بيدي وأتى بي ~~واديا من أودية المدينة فإذا ms340 مزبلة فيها رؤوس أناس وعذرات وخرق وعظام. ثم قال: يا أبا ~~هريرة، هذه الرؤوس كانت تحرص كحرصكم، وتأمل كأملكم، ثم هي اليوم عظام بلا جلد، ثم هي ~~صائرة رمادا، وهذه العذرات هي ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها ثم قذفوها من ~~بطونهم فأصبحت والناس يتحامونها، وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ولباسهم فأصبحت ~~والرياح تصفقها. وهذه العظام عظام دوابهم التي كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد، فمن ~~كان باكيا على الدنيا فليبك. # 3 # ولم يكتف الصوفية بكلام نبي المسلمين فنقلوا عن صحف إبراهيم هذه الكلمات: ~~«يا دنيا ما أهونك على الأبرار الذين تصنعت وتزينت لهم، إني قذفت في قلوبهم ~~بغضك، والصدود عنك، وما خلقت خلقا أهون علي منك، كل شأنك صغير، وإلى الفناء ~~يصير، قضيت عليك يوم خلقتك أن لا تدومي لأحد، وإن بخل بك صاحبك وشح ~~عليك. # 4 # ومضوا يقصون أخبار المسيح فرووا أنه اشتد عليه المطر والرعد والبرق فجعل يطلب شيئا ~~يلجأ إليه فوقعت عينه على خيمة من بعيد، فأتاها فإذا فيها امرأة فحاد عنها، فإذا هو ~~بكهف في جبل فأتاه فإذا فيه أسد فوضع يده عليه وقال: إلهي لكل شيء مأوى، ولم تجعل لي ~~مأوى، فأوحى الله تعالى إليه: مأواك في مستقر رحمتي، لأزوجنك يوم القيامة مئة حوراء ~~خلقتها بيدي، ولأطعمن في عرسك أربعة آلاف عام، كل يوم منها كعمر الدنيا، ولآمرن ~~مناديا ينادي: أين الزهاد في الدنيا، زوروا عرس الزاهد في الدنيا عيسى ابن ~~.مريم # 4 # وحدثوا أنه مر بقرية فإذا أهلها موتى في الأفنية والطرق، فقال: يا معشر الحواريين، ~~إن هؤلاء ماتوا عن سخطة، ولو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا، فقالوا: يا روح الله، وددنا ~~أنا علمنا خبرهم، فسأل الله تعالى فأوحى إليه: إذا كان الليل فنادهم يجيبوك، فلما كان ~~الليل أشرف على نشز ثم نادى: يا أهل القرية، فأجابه مجيب: لبيك يا روح الله. فقال: ما ~~حالكم وما قصتكم؟ قال: بينا نحن في عافية أصبحنا في الهاوية. قال: وكيف ذلك؟ قال: لحبنا ~~الدنيا وطاعتنا أهل المعاصي، ms341 قال: وكيف كان حبكم للدنيا؟ قال: حب الصبي لأمه، إذا أقبلت ~~فرح بها وإذا أدبرت حزن وبكى عليها. قال: فما بال أصحابك لم يجيبوني؟ قال: لأنهم ملجمون ~~بلجم من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد. قال: فكيف أجبتني من بينهم؟ قال: لأني كنت فيهم ~~ولم أكن منهم. فما نزل بهم العذاب أصابني معهم، فأنا معلق على شفير جهنم، لا أدري أنجو ~~منها أم أكبكب فيها. فقال المسيح للحواريين: لأكل خبز الشعير بالملح الجريش ولبس المسوح ~~والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة. # 5 # شخصية المسيح # وما يهمنا في هذا المقام أن نبحث في صحة هذه الأحاديث وفيها الزائف والصحيح، لا يهمنا ~~ذلك؛ لأن عناية الصوفية بدرسها وروايتها هي الشاهد على ما نراه في تصوير مذاهبهم ~~الأخلاقية، وهم يذمون الدنيا إطلاقا ولا يتسامحون في الرضا عنها إلا في رسوم ضيقة أشد ~~الضيق ، ولولا غلبة هذه النزعة عليهم لكان لهم موقف آخر في توجيه تلك الأحاديث، فما نظن ~~أن الرسول كان يرى الدنيا جيفة في جميع الأحوال، والمعقول أنه كان يحقرها حين يرى الناس ~~يتكالبون عليها ويقترفون في سبيلها منكر الآثام، ولو عرض الرسول لدنيا رجل صالح لقضى ~~بأن الدنيا مطية المؤمن، وأن الغنى من نعم الله على عباده الصالحين. # إن وقوف الصوفية عند هذا الجانب من كلام الرسول لم يقع إلا عن قصد، فذلك هو منحاهم في ~~الأخلاق، والشخصية الخلقية عندهم هي شخصية فقيرة معدمة لا تعرف غير التفكير في الجزء ~~المجرد من الملكوت، أما النظر في هذا العالم الصاخب المملوء بالمحاسن والعيوب فذلك لأهل ~~الدنيا الذين قضى عليهم الصوفية بالغفلة والسقوط. # واهتمام الصوفية بأدب المسيح يؤكد ما نراه في نزعتهم الأخلاقية، فالمسيح هو أعظم ~~درويش عرفه هذا العالم، وهو في ذاته شخصية جذابة، ولكن الاقتداء به اقتداء مطلقا لا ~~يخلو من عدوان على ملك العقل، ولا يصح النظر إلى المسيح كشخصية مستقلة تمام الاستقلال، ~~وإنما يجب النظر فيما كان يحيط به من تكالب أرباب الأموال، وتصور ما كانوا عليه من ms342 ~~قذارة التعامل وسفاهة الإجحاف، فاليهود الذين عرفهم عيسى كانوا بغوا في الأرض واشتروا ~~رقاب الناس بالربا الفاحش، وكذلك كانت دعوته إلى بغض الدنيا دعوة طبيعية يقرها الأدب ~~والذوق. # دفاع المؤلف عن الصوفية # ولكن كيف نبخل على الصوفية بما سمحنا به للمسيح، وكيف نحرم هنا ما حللناه ~~هناك؟ # والواقع أن الصوفية نشأوا في بيئات غلب عليها الفساد، فساد الخلق والدين، وما كانت ~~المعاملات بين الناس في العهود الماضية إلا ضروبا من الختل والعدوان، وهل صلح الناس في ~~زماننا هذا مع قوة القانون وحزم القضاء؟ حدثني كم رجلا فيمن تعرف يصلح للتعاون بلا صك ~~مكتوب؟ وكم رجلا فيمن تصادق تأتمنه فلا يخون؟ وكم رجلا فيمن تؤاخي يحفظ سرك ويرعى ~~عهدك، ويظل ظهيرك في المحضر والمغيب؟ # لقد نشأ الصوفية في أزمان لم يكن فيها لغير الحاكم المسيطر أمر يطاع، وكانت الدسائس ~~والوشايات أساس الحل والعقد في قصور الخلفاء والأمراء والوزراء، وكان الندمان والمحاسيب ~~هم محور الحركة والسكون، وأصل الإدبار والإقبال، على نحو ما يقع أحيانا كثيرة في هذا ~~الزمان، فكيف ننكر أن يكون إسراف الصوفية في ذم الدنيا أثرا من آثار ذلك الإضطراب في ~~السياسة والخلق والدين؟ وما هي تلك الدنيا البشعة التي يستجيز أهلها الغدر والعقوق؟ وهل ~~يغدر الغادر ويعق العاق إلا وهو مؤيد بقوى خفية من الطمع والجشع، وحب التملك ~~والاستعلاء؟ # إن مطامع الدنيا هي الأصل في فساد الأخلاق، فهل يلام الصوفية على تحقيرهم إياها، ورمى ~~عشاقها بالإثم والبهتان، وحربهم بأقوال الحكماء والأنبياء والمرسلين؟ # إننا نتهم الصوفية بالضعف حين يفرون من دنيا السفهاء، فلنجالد نحن، ولننظر عواقب ~~المعركة بين الهدى والضلال، وأغلب الظن أننا سنرمي الراية يائسين؛ لأن هنالك سرا لا ~~يعلمه إلا علام الغيوب، هنالك المشكلة الباقية التي قضت بأن لا يخلص العالم من اشتباك ~~الحلم والجهل، والعقل والجنون. # إن رجل الأخلاق ليس أحسن حالا من راعى الغنم، يجمع هذه فتنفر تلك، ولا يزال معذب ~~القلب بين الشاردات والواردات، وليس أعظم قدرة من المدرس الذي يساق إليه التلاميذ بلا ~~تخير ms343 ولا اصطفاء، ثم يطلب منه أن يتعلم تلاميذه جميعا وأن ينجحوا جميعا. # من الحق أن تطالب رجل الأخلاق بالثبات، ولكن من الظلم أن لا تشفق عليه حين ينهزم؛ فإن ~~الضعف أنفذ سهما من القوة في عالم الأخلاق، أنت تعظ ولكن أين من يسمع؟ وتسير في طريق ~~الهدى ولكن أين من يسايرك؟ وتبنى، ولكن أين من يشد أزرك، ويحمل معك أحجار ~~الأساس؟! # والخلاصة أن فرار الصوفية من الدنيا وأهلها يدل على ثلاثة أمور: # الأول: # شعورهم بالتبعة الأخلاقية. # والثاني: # ضعفهم عن مقاومة الرذائل الاجتماعية. # والثالث: # فساد ما نشأوا فيه من البيئات الدينية والمعاشية. # ذم الدنيا وأثره في الأخلاق وفي الأدب # فإن سأل القارئ عن أثر ذلك في الأخلاق، فإنا نجيب بأن كتمان الصوفية لأسباب الهزيمة ~~صور فرارهم من الدنيا بصورة العمل المقبول، فاقتدى بهم كثير من الناس وشاع الزهد في ~~الطيبات فضاع من العالم الإسلامي جزء كبير من الثروة المعنوية التي يمثلها جمال العمران ~~وتتابع الرزق في عالم الاقتصاد. # ومضى المنهزمون يسترون الهزيمة بذم الدنيا، فكان للأدب من ذلك مغانم عظيمة، واستطاع ~~علي بن أبي طالب أن يحسن مثل هذه الأقوال: # إنما الدنيا منتهى بصر الأعمى لا يبصر مما وراءها شيئا، والبصير ينفذها ~~بصره، ويعلم أن الدار وراءها، فالبصير منها شاخص والأعمى إليها شاخص، والبصير ~~منها متزود، والأعمى لها متزود # 6 ~~... انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها الصادقين عنها، فإنها والله ~~عما قليل تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المترف الآمن، لا يرجع ما تولى فأدبر، ولا ~~يدري ما هو آت منها فينتظر، سرورها مشوب بالحزن، وجلد الرجال فيها إلى الضعف والوهن # 7 ~~... لم يكن امرؤ منها في حبرة إلا أعقبتهاعبرة، ولم يلق في سرائها ~~بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا، ولم تطله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء # 8 ~~... أوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم وإن لم تتركوها، والمبلية ~~لأجسامكم وإن كنتم تحبون تجديدها، فإنما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنهم ~~قد قطعوه، وأموا علما فكأنهم قد بلغوه، وكم عسى المجرى ms344 إلى الغاية أن يجري ~~إليها حتى يبلغها، وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه، وطالب حثيث يحدوه ~~في الدنيا حتى يفارقها، فلا تنافسوا في عز الدنيا وفخرها، ولا تعجبوا بزينتها ~~ونعيمها، ولا تجزعوا من ضرائها وبؤسها، فإن عزها وفخرها إلى انقطاع، وإن زينتها ~~ونعيمها إلى زوال، وضراءها وبؤسها إلى نفاذ، وكل مدة فيها إلى انتهاء، وكل حي ~~فيها إلى فناء. # 9 # وكلام ابن أبي طالب في ذم الدنيا كثير جدا، وهو ~~يمثل مذهبه في الزهد ويشرح هزيمته السياسية، وكذلك فعل الخوارج، فقد أطالوا القول في ~~التنفير من الدنيا، ولهم في ثلبها خطب ضربت بفصاحتها الأمثال، من ذلك قول قطري بن الفجاءة. # أيها الناس، اعملوا على مهل، وكونوا من الله على وجل، ولا تغتروا بالأمل، ولا ~~تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارة خداعة، قد تزخرفت لكم بغرورها، وفتنتكم ~~بأمانيها، وتزينت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة : العيون إليها ناظرة، ~~والقلوب عليها عاكفة، والنفوس لها عاشقة، فكم من عاشق لها قد قتلت، ومطمئن ~~إليها خذلت، فانظروا إليها بعين الحقيقة، فإنها دار كثرت بوائقها، وذمها ~~خالقها، جديدها يبلى، ومالكها يفنى، وعزيزها يذل، وكثيرها يقل، وحيها يموت، ~~وخيرها يفوت، فاستيقظوا من غفلتكم، وانتبهوا من رقدتكم، قبل أن يقال: فلان ~~عليل، أو مدفن ثقيل، فهل على الدواء من دليل، أو على الطبيب من سبيل، فيدعى لك ~~الأطباء، ولا يرجى لك الشفاء، ثم يقال: فلان أوصى، ولماله أحصى، ثم يقال: قد ~~ثقل لسانه، فما يكلم إخوانه، ولا يعرف جيرانه، وعرق عند ذلك جبينك، وتتابع ~~أنينك، وثبت يقينك، وطمحت جفونك، وصدقت ظنونك، وتلجلج لسانك، وبكى إخوانك، وقيل ~~لك: هذا ابنك فلان، وهذا أخوك فلان ومنعت الكلام فلا تنطق، ثم حل بك القضاء، ~~وانتزعت نفسك من الأعضاء، ثم عرج بها إلى السماء، فاجتمع عند ذلك إخوانك، ~~وأحضرت أكفانك، فغسلوك وكفنوك، فانقطع عوادك، واستراح حسادك، وانصرف أهلك إلى ~~مالك، وبقيت مرتهنا بأعمالك. # 10 # وما نريد أن نطيل في بيان ما غنم الأدب من تبرم الصوفية بدنيا الناس فقد عقدنا ms345 لذلك ~~فصلا موجزا في القسم الأول بينا فيه كيف أولع الصوفية بتصوير الدنيا، وكيف لونوها ~~وعرضوها في مختلف التشبيهات ... # ولننص في هذا المقام على أن ما قالوه حق، فالدنيا سخيفة لا ثبات لنعيمها ولا بقاء، ~~ولكن الإصرار على إحقاق هذا الحق، والدوران حوله من وقت إلى وقت، أو تمثله في أغلب ~~الأحوال، إنما هو من أوهام النفوس العليلة التي يتراءى لها شبح الموت في كل حين. والموت ~~حق، ولكن الحياة أيضا حق، والشغل بها من دلائل الفتوة الجسمية والعقلية والروحية، ~~وإليها المرجع في تصور النعيم المأمول، وعلى ما فيها يقاس ما سيكون في دار ~~البقاء. # مشكلة خلقية # وهناك مشكلة اختلف في حلها الصوفية، وهي حال الرجل الغني الذي يؤدي حقوق الغنى فينفق ~~في وجوه الحلال، ويتصدق على الفقراء والمساكين، فقد قال رجل للحسن البصري: ما تقول في ~~رجل آتاه الله مالا فهو يتصدق منه، ويصل منه ، أيحسن له أن يتعيش فيه - يعني يتنعم - ~~فقال: لا، لو كانت له الدنيا كلها ما كان له منها إلا الكفاف، ويقدم ذلك اليوم فقره. # 11 # فالحسن يقاوم التنعم، وينهى عنه الأغنياء الذين يؤدون حقوق المال. # أما أبو حازم المدني فيقول بغير ذلك في شيء من الرفق، فقد قال له رجل: أشكو إليك حب ~~الدنيا وليست لي بدار. فقال: انظر ما آتاكه الله عز وجل منها، فلا تأخذه إلا في حله، ~~ولا تضعه إلا في حقه، ولا يضرك حب الدنيا. # 12 # وهذا جواب حكيم، ولكن الغزالي يأبى إلا التعقيب عليه فيقول: وإنما قال هذا لأنه لو ~~آخذه بذلك لأتعبه حتى يتبرم بالدنيا ويطلب الخروج منها. # 12 # وهذا التعقيب يعين مذهب الغزالي في الزهد، وجوهره يدل على ما كان عند أبي حازم من ~~حكمة وعقل، فإن الإغنياء الذين يؤدون حقوق الغنى هم ظل الله في الأرض، وهم أهل الحرث ~~وأرباب العمران، والحكم عليهم بالانحراف عن جادة الحق فيه تيئيس وتثبيط وتعويق، ~~والصوفية لا يستكثر عليهم أن يسرفوا في التزهيد، وإن كانوا يتلطفون أحيانا، فقد نقل ~~الغزالي ms346 قول أبي سليمان الداراني: إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا تزحمها فإذا ~~كانت الدنيا في القلب لم ترحمها الآخرة؛ لأن الآخرة كريمة، والدنيا لئيمة. ثم قال: وهذا ~~تشديد عظيم، ونرجو أن يكون ما ذكره سيار بن الحكم أصح إذ قال: الدنيا والآخرة تجتمعان ~~في القلب، فأيهما غلب كان الآخر تبعا له. وقال مالك بن دينار: بقدر ما تحزن للدنيا ~~يخرج هم الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك. # 13 # وفي هذا الحكم اعتدال، وهو يقضى بأن الدنيا خليقة بالحب، وليس في حبها ما يعيب، على ~~شرط أن لا تكون هي الغالبة، وأن يكون ما فيها من الطيبات وسيلة لصالح الأعمال. # المحمود والمذموم في الشؤون الدنيوية # وقد وضع الغزالي علائم واضحة للمحمود والمذموم من الشؤون الدنيوية، ويتلخص كلامه ~~المطول في الفقرة الآتية: # ليس كل ما تميل إليه بمذموم بل هو ثلاثة أقسام: الأول: ما يصحبك في الآخرة وتبقى معك ~~ثمرته بعد الموت، وهو شيئان: العلم، والعمل فقط، والعلم هنا هو العلم بالله وصفاته ~~وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله، وملكوت أرضه وسمائه، والعلم بشريعة نبيه، والعمل هو ~~العبادة الخالصة لوجه الله. والقسم الثاني: كل ما فيه حظ عاجل ولا ثمرة له في الآخرة، ~~كالتلذذ بالمعاصي، والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الحاجات. والقسم الثالث: متوسط ~~بين الطرفين، وهو كل حظ عاجل يعين على أعمال الآخرة كقدر القوت من الطعام، والقميص ~~الواحد الخشن، وكل ما لا بد منه ليتأتي للإنسان البقاء. # 14 # النفس كالشجرة التي تحيا بالحرية في مكافحة الهواء # وهذا الكلام في ذاته مقبول. ولكنه ينتهي إلى غاية واحدة: هي أن يكون الإنسان كتلة ~~خلقية لا يتقدم ولا يتأخر إلا وفقا لسياسة روحية ضيقة المسالك. ومن الجميل أن يكون ~~الإنسان كتلة خلقية، وأن يكون له في كل خطوة هاد من القلب والوجدان، ولكني أخشى أن يكون ~~في ذلك ما يهدم جانبا من دعائم الأخلاق، فالنفس قريبة الشبه بالشجرة الصغيرة التي تحيا ~~بالحرية في مكافحة الهواء، ويؤذيها أن يرعاها ms347 الجنان في كل لحظة، وأن لا يدعها بغير ~~سناد، وكذلك تخمد النفس حين تسأل عن كل شيء، فلا تقرب الطعام إلا لغرض، ولا تباشر ~~اللباس إلا لغرض، ولا تنظر في في كتاب إلا بعد أن تميز لأي غاية ألف، ولا تصحب أحدا ~~إلا بعد أن تستوثق من الطهر في قصده المكنون. # لقد أسرف الصوفية في ذم الدنيا وأهلها، وأسرفوا في الدعوة إلى التحرر منها، ولو كانوا ~~أصحاء لآثروا الاعتدال. # | المقامات والأحوال # ما هو المقام وما هو الحال في اصطلاح الصوفية # المقامات: جمع مقام بالتذكير، وهو الخطبة أو العظة يلقيها الرجل في حضرة الخليفة أو ~~الملك، وقد عقد ابن قتيبة فصلا في المجلد الثاني من عيون الأخبار سماه (مقامات الزهاد ~~عند الخلفاء والملوك) وقد تؤنث كقول بديع الزمان في أحد الواعظين (فاصبر عليه إلى آخر ~~مقامته، لعله ينبئ بعلامته) # 1 # والمقام في الأصل المجلس، ففي القرآن: # أي ~~الفريقين خير مقاما وأحسن نديا # وفي شعر زهير: # وفيهم مقامات حسان وجوههم # وأندية ينتابها القول والفعل # والمقام أيضا الموقف العصيب. قال لبيد: # ومقام ضيق فرجته # بكلام وبيان وجدل # لو يقوم الفيل أو فياله # زل عن مثل مقامي وزحل # أما الصوفية فالمقام عندهم معناه: مقام العبد بين يدي الله عز وجل فيما يقام فيه من ~~العبادات والمجاهدات، والرياضات، والانقطاع إلى الله تباركت أسماؤه، ومنه آية القرآن: # ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ~~. # 2 # أما الحال فنازلة تنزل بالقلوب فلا تدوم، والفرق بين المقام والحال أن المقام يكتسب ~~بطريق المجاهدات والعبادات والرياضات، وأن الحال يأتي من فيض الله، وقد أفصح الجرجاني ~~عن ذلك حين قال: # الحال عند أهل الحق معنى يرد على القلب من غير تصنع ولا اجتلاب، ولا اكتساب ~~من طرب أو حزن أو قبض أو بسط أو هيئة، ويزول بظهور صفات النفس سواء يعقبه المثل ~~أو لا، فإذا دام وصار ملكا يسمى مقاما، فالأحوال مواهب، والمقامات مكاسب، ~~والأحوال تأتي من عين الجود، والمقامات تحصل ببذل المجهود. # 3 # أهمية المقامات والأحوال في تصوير الشخصية الخلقية ms348 # ودرس المقامات والأحوال يصور لنا فهم الصوفية للحياة الخلقية، وهم يرون الإنسان بين حالين: # الأول: # حال المجاهدة، # والثاني: # تلقي الفيض، # فالشخصية الخلقية لا تنفك تجاهد الأهواء والشهوات، ولا تزال موجهة ~~القلب إلى النفحات الروحانية، فهي في شغل موصول بمواجهة أسباب الصفاء. # وأثر التصوف من هذه الناحية عظيم جدا في الأخلاق، فالرجل المتصوف يحاسب نفسه في كل ~~لحظة، ويتلمس مواقع الفيض في كل لحظة، وهذه الشواغل الدائمة قد تكون مما يصرف النفس عن ~~التوجه لما يجد في عالم المحسوسات والمعقولات، وتصير الرجل من أهل الوسواس في تعقب ما ~~كان، وانتظار ما سيكون من أعمال القلب والوجدان، ولكنها عند الاعتدال تخلق من المرء قوة ~~خلقية تنفع في توجيه الإرادة إلى الصالح من الأعمال. # وعقل العصر الحاضر لا يفهم هذه الوسوسة الروحية؛ لأنه اندفع في التيارات الواقعية، ~~فلم يعد يدرك ما في هذه الوسوسة من الصدق والجلال. وأغلب الظن أن القلق في عالم العيش ~~هو الذي ضيق الخناق على المعاني الروحية؛ لأنها في نظر العقل الحاضر لا تقدم إلى ~~أصحابها شيئا من البخار أو البنزين، والتصوف لا ينمو إلا في البيئات التي خفت أثقالها ~~في عالم العيش، واستطاعت أن تغمض الجفون ولو لحظات لتنظر ما يجري في دنيا ~~الوجدان. # ونشهد أننا نجد مشقة في تقريب تلك السياسة النفسية من عقل هذا الزمان، ولكن ما حاجتنا ~~إلى ذلك؟ نحن نؤرخ بعض المذاهت الفلسفية، والمؤرخ لا يجمل به أن يشغل نفسه بالتحسين ~~والتقبيح، وإنما يجب عليه أن يقدم الصور الصحيحة لما وقع في التاريخ. # ولنواجه المشكلة بعزم وصراحة فنقول: إن تلك السياسة الصوفية أضرت من وجه وأحسنت من ~~وجوه، أضرت حين قصرت الشخصية الخليقة على الحياة الفردية، وقضت بأن يصم الرجل أذنيه في ~~أكثر الأحيان عما يجري في المجتمع من أخبار الجد والإبداع، وأحسنت حين ربطت مصير الفرد ~~بمجاهدة الأهواء، ومحاربة الشهوات، وأقنعته أن لا غنى له عن ترقب الفيض الإلهي في جميع ~~اللحظات، وراضته على احتقار المغانم الدنيوية، والإيمان بأن المغنم الحق هو الاتصال ms349 ~~بالمبدع الأول الذي وهب الروح لكل موجود، وصير العالم كتلة من الكهرباء. # عقل العصر الحاضر والحياة الروحية # ولنأخذ في شرح المقامات فنذكر أن المقام الأول هو التوبة النصوح، وهي ندم بالقلب، ~~واستغفار باللسان، وترك بالجوارح، وإضمار أن لا يعود التائب إلى الذنب. # 4 # وجملة ما على العبد في التوبة وما تعلق بها عشر خصال: # أولها: # أن لا يعصي الله تعالى. # والثانية: # أن لا يصر إذا ابتلى بمعصية. # والثالثة: # التوبة إلى الله تعالى منها. # والرابعة: # الندم على ما فرط منه. # والخامسة: # عقد الاستقامة على الطاعة إلى الموت. # والسادسة: # خوف العقوبة. # والسابعة: # رجاء المغفرة. # والثامنة: # الاعتراف بالذنب. # والتاسعة: # اعتقاد أن الله قدر عليه ذلك، وأنه عدل منه. # والعاشرة: # المتابعة بالعمل الصالح ليكفر عما تقدم من السيئات. # 5 # وهذه الخصال تشهد بأن الصوفية يرون المرء مجردا من الحول والقوة، فهو يذنب بقدر، ~~ويتوب بقدر، ومن واجبه أن يخاف العقوبة ويرجو المغفرة، وأن ينوي الاستقامة على الطاعة ~~إلى الموت. # وقليل من الإنصاف يكفي لإعلان أن هذه اللمحة من أهم الدعائم في الحياة الخلقية، فكل ~~تردد في التوبة هو في بناء الخلق صدع وانحلال، وكل صدق في التوبة هو حجر متين في تقوية ~~الشخصية الخلقية. # ومن علامة صدق التائب في توبته أن يستبدل بحلاوة الهوى حلاوة الطاعة # 6 # ولا تصح للتائب توبة إلا بأكل الحلال، ولا يقدر على الحلال حتى يؤدي حق ~~الله تعالى في الخلق، وحق الله تعالى في نفسه، ولا يصح له هذا حتى يبرأ من حركته ~~وسكونه إلا بالله تعالى وحتى لا يأمن الاستدراج بأعماله الصالحات. # 7 # ومن شرط التوبة أنه ينبغي للتائب المنيب أن يبدأ بمباينة أهل المعاصي ثم بنفسه التي ~~كان يعصي الله تعالى لها فلا ينيلها إلا ما لا بد منه، ثم الاعتزام على أن لا يعود في ~~معصية أبدا، ويلقى عن الناس مؤونته، ويدع كل ما يضطره إلى جريرة. # 7 # وينبغي لأهل التوبة أن يحاسبوا نفوسهم في كل طرفة، ويدعوا كل شهوة، ويتركوا الفضول، ~~وهي ستة أشياء: ترك ms350 فضول الكلام، وترك فضول النظر، وترك فضول المشي، وترك فضول الطعام، ~~والشراب واللباس. # 7 # ولا تنظر، أيها التائب إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت، # 7 # فقد كانت الصغائر عند الخائفين كبائر، وكان من الصحابة من يقول: ~~إنكم لتعملون أعمالأ هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها في زمن النبي # صلى الله عليه وسلم # من ~~الموبقات. # 7 # وليس معنى ذلك أن الكبائر التي كانت على ~~عهد النبي صارت بعده صغائر، ولكن معناه أنهم كانوا يستعظمون الصغائر لعظمة الله تعالى ~~في قلوبهم، ولم يكن ذلك الوجدان في قلوب من بعدهم من المؤمنين. # واختلف الصوفية في نسيان ما سلف من الذنوب، فقال بعضهم: حقيقة التوبة أن تنصب ذنبك ~~بين عينيك، وقال آخر: حقيقة التوبة أن تنسى ذنبك. وهذان طريقان لطائفتين، وحالان لأهل ~~مقامين، فأما ذكر الذنوب فطريق المريدين وحال الخائفين، وأما نسيان الذنوب فطريق ~~العارفين وحال المحبين. # 8 # ونحن نرجح الرأي الثاني، ونرى الأخذ به في جميع الأحوال، فإن تذكر الذنوب الماضية ~~يشل العزيمة، ويفت في عضد التائب، ويخلق جوا جديدا للتعرف إلى ما سلف من الذنوب، وهو ~~فوق ذلك جهد ضائع وشغل للقلب بما لا يفيد. وإقامة المناحات على الهفوات الماضية علالة ~~سخيفة يتوهم فريق من الناس أنها تزيد في طهر القلوب، وهي في عالم الأخلاق تشبه بعض ما ~~يقع في عالم القضاء، فلو كان يصح للقضاة أن يتعقبوا ماضي الناس ليأخذوا بهفوات قدم ~~عليها العهد لاختل الميزان، وذهب جمال الحاضر، وزهد الناس في فضل المتاب، فإن الأصل في ~~التوبة أن تكون حجازا بين عهدين، وأن يصبح التائب وكأنه مولود جديد، ولا ننسى أن ~~اجترار الذكريات الماضية سيء الأثر في نظام الأعصاب، وهو خليق بأن ينتهب العافية ويضيع ~~جمال الساعة الحاضرة، وهي العدة الخلقية في نظام الأعمال. # ولا يقف الصوفية عند التوبة من الذنوب؛ لأنها في رأيهم توبة العوام بل يدعون إلى ~~التوبة من الغفلة، وهي عندهم توبة الخواص «فأما لسان أهل المعرفة والواجدين وخصوص ~~الخصوص في معنى التوبة ms351 فهو ما قاله أبو الحسين النوري رحمه الله حين سئل عن التوبة ~~فقال: التوبة أن تتوب من كل شيء سوى الله تعالى، وإلى هذا أشار الذي أشار بقوله: ذنوب ~~المقربين حسنات الأبرار، وهو ذو النون، والذي قال أيضا: رياء العارفين إخلاص المريدين ~~فشتان بين تائب وتائب، فتائب يتوب من الذنوب والسيئات، وتائب يتوب من الزلل والغفلات، ~~وتائب يتوب من رؤية الحسنات والطاعات». # 9 # مقام التوبة # المقام الثاني: مقام الصبر، وهو مقام شريف، وقد جعله علي بن أبي طالب ركنا من أركان ~~الإيمان، فقال: بني الإسلام على أربع دعائم: على اليقين والصبر والجهاد ~~والعدل، # 10 # وروي عن النبي أنه قال: من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن أعطى ~~حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار، ولأن تصبروا على مثل ما أنتم ~~عليه أحب إلي من أن يوافيني كل امرئ منكم عمل جميعكم، ولكني أخاف أن تفتح عليكم الدنيا ~~بعدي فينكر بعضكم بعضا، وينكركم أهل السماء عند ذلك، فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه، ~~ثم قرأ: # ما عندكم ينفد وما عند الله باق ~~ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون ~~، # 10 # وكان سهل يقول: أفضل منازل ~~الطاعة الصبر عن المعصية، ثم الصبر على الطاعة ... وقال: الصالحون في المؤمنين قليل، ~~والصادقون في الصالحين قليل، والصابرون في الصادقين قليل، فجعل الصبر خاصية للصدق، وجعل ~~الصابرين خصوص الصادقين # 11 # وقد قال بعض العلماء: ما كنا نعد إيمان من لم يؤذ فيحتمل الأذى ويصبر عليه إيمانا # 12 # وقد قال الله تعالى في جزاء المخلصين: # أولئك ~~لهم رزق معلوم # وقال تعالى في جزاء الصابرين: # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # قيل في التفسير: يغرف لهم غرفا، والمعنى في ذلك: أن الصبر أشق على النفس، وأمر على ~~الطبع، ويصعب فيه الألم والكظم عند الذل والضيم. ومنه التواضع والكتم، وفيه الأدب وحسن ~~الخلق، وبه يكون كف الأذى عن الخلق، واحتمال الأذى من الخلق، وهذه من عزائم الأمور، ~~التي يضيق منها أكثر الصدور. # 13 ms352 # وللصوفية في الصبر كلام كثير. حدث السراج الطوسي قال: وقف رجل على الشبلي رحمه الله ~~فقال له: أي صبر أشد على الصابرين؟ فقال: الصبر لله. فقال الرجل: لا، فقال: الصبر مع ~~الله، فقال: لا. فغضب الشبلي رحمه الله وقال: ويحك، فأيش؟ فقال الرجل: الصبر عن الله عز ~~وجل. فصرخ الشبلي رحمه الله صرخة كادت تتلف روحه # 14 # قال: وسألت ابن سالم بالبصرة عن الصبر فقال: على ثلاثة أوجه: متصبر وصابر ~~وصبار، فالمتصبر من صبر في الله تعالى، فمرة يصبر على المكاره، ومرة يعجز، والصابر من ~~يصبر لله وفي الله، ولا يجزع، وأما الصبار فذاك الذي صبره في الله ولله وبالله، فهذا لو ~~وقع عليه جميع البلايا لا يعجز ولا يتغير، من جهة الوجوب والحقيقة، لا من جهة الرسم والخليقة # 15 # وكان الشبلي يتمثل بهذه الأبيات إذا سئل عن الصبر: # عبرات خططن في الخد سطرا # قد قراها من ليس يحسن يقرا # إن صوت المحب من ألم الشو # ق وخوف الفراق يورث ضرا # صابر الصبر فاستغاث به الصب # ر فصاح المحب بالصبر صبرا # وعناية الصوفية بالصبر تمثل جانبا هاما من تصورهم لكرائم الخلال، فالصبر في جوهره ~~من عناصر الشجاعة في مقاومة الشدائد، والشدائد قد تكون حسية وقد تكون عقلية. والصبر ~~عنصر أصيل في الحياة الخلقية، ويظهر فضله في كل باب من أبواب العيش: فيكون في العبادات، ~~وفي طلب العلم، وفي الصناعات، وفي معاملة الناس، ويكون في الصحة وفي المرض، وفي الحب ~~وفي البغض، وفي النعيم وفي البؤس. ورياضة النفس على الصبر هي ذاتها من مصادر العافية في ~~عالم الأخلاق. # والصوفية يتمثلون الصبر في صور جذابة تفصح عنها الحكاية الآتية: # حكى عن ذي النون أنه قال: دخلت على مريض أعوده، فبينما كان يكلمني أن أنة، فقلت: ليس ~~بصادق في حبه من لم يصبر على ضربه. فقال المريض: بل ليس بصادق في حبه من لم يتلذذ بضربه. # 16 # فالصابر على هذا الوجه يتلقى المكاره بالقبول، ويراها من نعم الله، وعند التأميل نرى ~~العناية الإلهية ms353 تسوق إلينا الشدائد لحكمة عالية، والجاهل هو الذي يضجر ويحزن ويكتئب، ~~أما العاقل فيلتمس وجوه الخير فيما يبتليه الله به من الشدائد، وقد جربنا فرأينا النقم ~~تساق لمنافع مستورة نجهلها كل الجهل، ثم تظهر رويدا رويدا فنرى الخيرة فيما اختاره ~~الله، ونندم على ما أسلفنا من الحزن والاكتئاب. # إن التخلق بخلق الصبر على هذا الوجه من أهم الدعائم في بناء الأخلاق، وأقل مزاياه أن ~~يورثنا ابتسامة دائمة ندفع بها ما قد نفجع به من آلام وخطوب. والخلق الصحيح هو الذي ~~يورثك رباطة الجأش حين تثور الأنواء، ويمنحك السيطرة على الحوادث، ويومض لك ببريق الفوز ~~في حلك البأساء. # مقام الصبر # ويميل أكثر الصوفية إلى تفضيل الصبر على الشكر؛ لأن الصبر حال البلاء، والشكر حال ~~النعمة، والبلاء أفضل لأنه على النفس أشق # 17 # وعند أكثرهم أن الصابر العارف أفضل من الشاكر العارف؛ لأن الصبر حال الفقر ~~والشكر حال الغنى، فمن فضل الشكر على الصبر في المعنى فكأنه قد فضل الغنى على الفقر. ~~قال المكي: وليس هذا مذهب أحد من القدماء، إنما هذه طريقة علماء الدنيا ... فإن من فضل ~~الغنى على الفقر فقد فضل الرغبة على الزهد، والعز على الذل، والكبر على التواضع. وفي ~~هذا تفضيل الراغبين والأغنياء على الزاهدين والفقراء، ويخرج ذلك إلى تفضيل أبناء الدنيا ~~على أبناء الآخرة، وإنما فضلنا الصبر على الشكر في الجملة والمعنى؛ لأن الصبر حال من ~~مقامه البلاء، وأهل البلاء هم الأمثل فالأمثل بالأنبياء. ولأن الصبر أبعد من أهواء ~~النفوس، وأقرب إلى الضر والبؤس، وأشد في مكاره النفوس، وأنفر لطباعها، وأشد مباينة لما يلائمها. # 18 # وهذا الكلام يمثل اتجاه الصوفية في أكثر ضروب الحياة، فالجانب الأقرب إلى البؤس ~~والخمول هو عندهم أقرب إلى الطاعة والصفاء، والظاهر أنهم لم يتنبهوا كل التنبه إلى قيمة ~~الشكر في الغنى، ولو فطنوا له لعرفوا أن الشكر على الغنى يفرض على صاحبه مكاره قد تكون ~~أصعب من الصبر على البلاء. فالشكر على الغنى ليس كلمة تسهل فتقال، ولكنه جهاد عنيف يلقى ~~فيه ms354 الأغنياء بلايا من حرب النفس، وليس من القليل أن ينتصر الغني على نزواته وأهوائه ~~وأطماعه؛ فيؤدي حقوق الجاه، وحقوق المال، ويعيش عيش الأصفياء الذين لا يعرفون غير ~~الحلال. # مقام الشكر # على أن من الصوفية من فضل الشكر على الصبر، فقد قال مطرف بن عبد الله: لأن أعافي ~~فأشكر أحب إلي من أن ابتلي فاصبر؛ لأن مقام العوافي أقرب إلى السلامة، فلذلك أختار ~~الشكر على الصبر؛ لأن الصبر حال أهل البلاء. # 19 # وصاحب هذا الكلام يرى العافية من أبواب السلامة، أي سلامة النفوس؛ لأن البلاء قد يعرض ~~النفس للجزع والارتياب، وتعريض النفس للفتنة غير مأمون العواقب، أما العافية فتحفظ ~~توازن النفس، وتجعل الرجل قادرا على صالح الأعمال. # والحق أن الإنسان يكابر حين يرحب بالمصائب؛ لأنه أسير لنظام الأعصاب في أكثر الأحيان، ~~ومن الخير له أن يسأل الله العافية، وأن يتجنب التعرض للامتحان، فقد يضعف عن مواجهة ما ~~يشتهي من المصاعب، ويعرف بعد الانزلاق في هوة المكاره أن العزيمة قد تفتر أو ~~تخون. # وعند التأمل نرى النعم والعوافي تزيد في الصلة الروحية بين الإنسان وبين ربه، والفرق ~~بعيد بين الحالين: حال الطمأنينة، وحال الاحتساب، فالمطمئن ينظر إلى ربه نظرة المدين، ~~وهي نظرة كلها ترفق وتخشع، أما الصابر المحتسب فيتعرض للزهو بالصبر على ما يعاني، ~~والزهو من أشد آفات النفوس. # 20 # مقام الرجاء # وهناك مقام الرجاء، والرجاء: هو اسم لقوة الطمع في الشيء بمنزلة الخوف، اسم لقوة ~~الحذر من الشيء، ولذلك أقام الله تعالى الطمع مقام الرجاء في التسمية، وأقام الحذر مقام ~~الخوف، فقال: # يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا # 21 # والرجاء من أوصاف المؤمنين، ولا يصح الإيمان إلا به، كما لا يصح الإيمان ~~إلا بالخوف، فالرجاء بمنزلة أحد جناحي الطائر، وهو لا يطير إلا بجناحيه، كذلك لا يؤمن ~~من لا يرجو من آمن به ويخافه، وهو أيضا مقام من حسن الظن بالله تعالى، وجميل التأميل ~~له، وقد أوصى به الرسول فقال: لا يموتن أحدكم إلا وهو حسن الظن بالله تعالى؛ لأنه قال: ~~أنا عند ms355 ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء. # 21 # ومن علامة صحة الرجاء في العبد أن يكون الخوف باطنا في رجائه، لأن من تحقق برجاء شيء ~~خاف فوته لعظم المرجو في قلبه وشدة اغتباطه به، فهو لا ينفك في حال رجائه من خوف فوت ~~الرجاء. والرجاء هو ترويحات الخائفين، ولذلك سمت العرب الرجاء خوفا؛ لأنهما وصفان لا ~~ينفك أحدهما عن الآخر، ومن مذهبهم إذا كان الشيء لازما لشيء أو وصفا له أو سببا منه ~~أن يعبروا عنه به، فقالوا: مالك لا ترجو كذا، وهم يريدون مالك لا تخاف. # 22 # وللصوفية كلام كثير جدا في الرجاء، واهتمامهم به هو أيضا من دعائم الأخلاق؛ لأن ~~المذنب الذي لا يرجو ربه في قبول المتاب ينقلب إلى قوة يائسة خطرة لا يرجى لها صلاح، ~~ولا ينتظر منها نفع، وانقطاع الصلة بين المرء وبين ربه هو أقصى غايات الفساد. وتخويف ~~المرء من ربه له حدود، ولا ينبغي أن يصل الخوف إلى اليأس؛ فإن التربية التي تقوم على ~~الخوف المطلق تربية فاسدة؛ لأنها تطمس أصول النور في القلب، وتمنع عناصر الخير من ~~النهوض، ففي كل إنسان عواطف غافية تنتظر لحظات التيقظ والانتباه، والرياضة الصحيحة هي ~~التي تعني بإيقاظ ما غفا من عواطف الخير والبر والرشاد. # مقام الخوف # ومع أن الصوفية يوصون بالرجاء، فهم أيضا يوصون بالخوف، ويرون أن المحب لا يسقى كأس ~~المحبة إلا من بعد أن ينضج الخوف قلبه، وكل مؤمن بالله تعالى خائف منه، ولكن خوفه على ~~قدر قربه # 23 # والخوف نوعان: خوف العموم، وهو أن يحفظ رأسه وما حواه من السمع والبصر ~~واللسان، وأن يحفظ بطنه وما وعاه وهو القلب والفرج واليد والرجل، فأما خوف الخصوص فهو ~~أن لا يجمع ما لا يأكل، ولا يبني ما لا يسكن، لا يكاثر فيما عنه ينتقل، وهذا هو الزهد. # 24 # والصوفية يرون الخوف ملاك الحياة الخلقية، فسر بعضهم هذه الآية # خلق الموت والحياة ليبلوكم # فقال: يبلوكم بتقليب القلوب ~~في حال الحياة بخواطر الذنوب، وفي حال الموت بالحياد ms356 عن التوحيد، فمن خرجت روحه على ~~التوحيد وجاوزت البلاوي كلها إلى المبلي فهو المؤمن، وذلك هو البلاء الحسن، كما قال ~~الله تعالى: # وليبلي المؤمنين منه بلاء ~~حسنا # فهذه المعاني من العلم أوجبت خوف الخائفين من علم الله تعالى فيهم، ~~فلم ينظروا معها إلى محاسن أعمالهم، لحقيقة معرفتهم بربهم. # 25 # والخوف عند العلماء على غير ما يتصور في أوهام العامة، وخلاف ما يعدونه من القلق ~~والاحتراق أو الوله والانزعاج؛ لأن هذه خطرات وأحوال ومواجيد للوالهين، وليست من حقيقة ~~العلم في شيء، وإنما الخوف اسم لصحيح العلم وصدق المشاهدة، فإن أعطى عبد حقيقة العلم ~~وصدق اليقين سمى هذا خائفا، ولذلك كان النبي # صلى الله عليه وسلم # من أخوف الخلق؛ لأنه كان على ~~حقيقة العلم، ومن أشدهم حبا لله تعالى لأنه كان في نهاية القرب. # 26 # وليس لدينا من الأنوار الروحانية ما نستطيع به شرح هذه الإشارة وهي تبدو لنا في غاية ~~من العمق، ويكفي أن نقول إنها تقسم الخائفين إلى طائفتين: طائفة تخاف العذاب فتقاسي ~~أهوال المخاوف الحسية، وطائفة يكمن خوفها في حقيقة العلم وصدق اليقين، ولا يظهر عليها ~~جزع ولا هلع ولا إشفاق. # ويخيل إلي أن تفسير هذا الخوف يتمثل في طمأنينة من يعلم فيقف عند الواجب، ولا يعرض ~~نفسه لزيغ ولا إثم ولا فسوق، ثم يترقى في خوفه فيتحلى بأشرف ما يتحلى به المقربون، ~~وعندئذ تنتقل مظاهر الخوف من عالم الجسم إلى عالم الروح، فتكون للعارف أشجان لا يدركها ~~إلا أهل الصفاء. # مقام الرضا # ويجيء بعد ذلك مقام الرضا، والرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا، وهو أن يكون قلب ~~العبد ساكنا تحت حكم الله عز وجل. # 27 # وأهل الرضا في الرضا على ثلاثة أحوال: فمنهم من ~~يعمل في إسقاط الجزع بحيث يستوي عنده ما يجري عليه من حكم الله، من المكاره والشدائد ~~والراحات والمنع والعطاء، ومنهم من يذهب عن رؤية رضائه عن الله برؤية رضا الله عنه، فلا ~~يثبت لنفسه قدم في الرضا، وإن استوى عنده الشدة والرخاء والمنع والعطاء، ms357 ومنهم من يجاوز ~~هذا ويذهب عن رؤية رضا الله عنه ورضاه عن الله لما سبق من الله تعالى لخلقه من الرضا # 28 # والمتأمل يرى في هذا المقام قاعدة متينة من أصول الأخلاق، فالتسليم لله من ~~أدب النفس، وهو يطرد عن القلب نوازع كثيرة يخلقها التفكير في النصيب الحاضر من حظوظ ~~الحياة، ومن الواضح أن هذا المقام يحتاج إلى رياضة شديدة؛ لأن الرضا لا يكون إلا بعد ~~تطهير القلب من الوساوس النفسية. # وهو بالتأكيد من أسباب الاطمئنان، والطمأنينة أكبر الغنائم في الحياة الخلقية. وقد ~~يقال إن الرضا المطلق يبعث على البلادة ويغري النفس بإيثار الركود، ونجيب بأنه لا تنافي ~~بين الرضا بالواقع وبين الرغبة في تكميل النفس، وإمدادها بما تحتاج إليه من الأغذية ~~الدنيوية والعقلية والروحية. # مقام الزهد # ومن أهم المقامات مقام الزهد «وهو أساس الأحوال الرضية، والمراتب السنية، وهو أول قدم ~~القاصدين إلى الله عز وجل والمنقطعين إلى الله والراضين عن الله والمتوكلين على الله ~~تعالى، فمن لم يحكم أساسه في الزهد لم يصح له شيء مما بعده؛ لأن حب الدنيا رأس كل ~~خطيئة، والزهد في الدنيا رأس كل خير وطاعة». # 29 # والمراد هو الزهد في الحلال الموجود، وأما ~~الحرام والشبهة فتركه واجب # 29 # والزهاد على ثلاث طبقات: فمنهم ~~المبتدئون، وهم الذين خلت أيديهم من الأملاك وخلت قلوبهم مما خلت منه أيديهم، ومنهم ~~المتحققون في الزهد، وهم الذين تركوا حظوظ النفس من جميع ما في الدنيا، وإنما كان هذا ~~زهد المتحققين؛ لأن الزهد في الدنيا فيه حظ للنفس هو الثناء والمحمدة واتخاذ الجاه عند ~~الناس، فمن زهد بقلبه في هذه الحظوظ فهو متحقق في زهده، أما الفرقة الثالثة: فهي التي ~~تزهد في الزهد، ويمثلها قول الشبلي: الزهد غفلة؛ لأن الدنيا لا شيء، والزهد في لا شيء غفلة. # 30 # وقد يبدو لنا هذا القول غريبا أشد الغرابة، ~~ولكن ما يهمنا؟ نحن نؤرخ فكرة فلسفية فيها الواضح والغامض، والمقبول والمردود، وليس من ~~المستبعد أن تمر بالنفس لحظات تؤمن فيها بأن الخلق كل ms358 الخلق أن يعتقد المرء أن الدنيا ~~لا شيء، ومن التجني أن نطلق القول بأن هذه النزعة علامة مرض، فقد تكون حينا من علائم ~~العافية، ومن العدل أن نقضي بأن الخلق السليم قد يوجب الطمع حينا، والزهد حينأ، يوجب ~~الطمع حين يستطيع المرء أن يوجه منافع دنياه وجهة الخير والشرف، ويوجب الزهد حين يخشى ~~المرء أن تسير به دنياه إلى مزالق البغي والعدوان. # ونشهد صادقين بأننا نحار في تعليل هذه المقامات أشد الحيرة، ونخاف في أحوال كثيرة من ~~عواقب التجني على الصوفية، ففي منافع العيش خير وشرف وجمال، ولكن فيها أحيانا شر وضعة ~~وقبح، والذي يمشي على صراط الخلق يتذكر الصراط الذي وصفوه بأنه أدق من الشعرة وأحد من ~~السيف. # مقام الفقر # ويأتي بعد مقام الزهد مقام الفقر، وهو عند الصوفية مقام شريف، يؤيدهم فيه قول الرسول: ~~الفقر أزين بالعبد المؤمن من العذار الجيد على خد الفرس # 31 # وقد وصفه الخواص فقال: الفقر رداء الشرف، ولباس المرسلين، وجلباب الصالحين، ~~وتاج المتقين، وزين المؤمنين، وغنيمة العارفين، ومنية المريدين، وحصن المطيعين، وسجن ~~المذنبين. # 31 # والفقراء على ثلاث طبقات: فمنهم من لا يملك شيئا ولا يطلب بظاهره ولا بباطنه من أحد ~~شيئا، ولا ينتظر من أحد شيئا، وإن أعطى شيئا لم يأخذ وهذا مقام المقربين، ومنهم من ~~لا يملك شيئا ولا يسأل أحدا، ولا يطلب ولا يعرض، وإن أعطى شيئا من غير مسألة أخذ، ~~ومنهم من لا يملك شيئا وإذا احتاج انبسط إلى بعض إخوانه ممن يعلم أنه يفرح بانبساطه ~~إليه. # 31 # ونحن في هذا المقام نواجه شخصية «الدرويش» وهي شخصية نمقتها أشد المقت؛ لأنها حرب على ~~الأخلاق، وتنتهي إلى إيثار الهرب من تكاليف الحياة. فالفقير الأول الذي لا يملك ولا ~~يطلب ولا يقبل ليس إلا صورة خيالية، والأمعاء لم تخلق عبثا، وإنما هي جنود تقوم بوظائف ~~حيوية لا يمتري فيها إلا المكابرون. والفقير الذي لا يملك ولا يطلب ثم يقبل هو من ~~الشخصيات الضعيفة الحول في هذه الحياة، والفقير الذي لا يملك ثم ms359 ينبسط إلى إخوانه حين ~~يحتاج هو إنسان رقيع، والخير له أن ينبسط إلى العمل والجد والكفاح في ميادين الرزق ~~الحلال. # ولا ننكر أن الصوفية استطاعوا تزيين هذه الشخصيات، فقد قال أبو علي الروزباري: سألني ~~أبو بكر الدقاق فقال: يا أبي علي، لم ترك الفقراء أخذ البلغة في وقت الحاجة؟ فقلت: ~~لأنهم مشغولون بالمعطى عن العطاء، فقال: نعم، ولكن وقع لي شيء آخر، فقلت: هات أفدني ما ~~وقع لك. فقال: لأنهم قوم لا ينفعهم الوجود إذ الله فاقتهم، ولا تضرهم الفاقة إذ الله ~~وجودهم. # 31 # وهذا كلام طريف، ولكن يجب أن تقف طرافته عند هذا الحد فلا تتعداه إلى وضع القواعد ~~الخلقية، وإلا سادت الفوضى وعم الكسل والجمود. # 32 # مقام الورع # ومن المقامات الشريفة مقام الورع، وهو ملاك الدين، ومن الصوفية من يتورع عن الشبهات، ~~وهي ما بين الحرام البين والحلال البين وما لا يقع عليه اسم حلال مطلق ولا اسم حرام ~~مطلق فيكون بين ذلك # 33 # ومنهم من يتورع عما يقف عنه قلبه ويحيك في صدره، وهذا لا يعرفه إلا أرباب ~~القلوب، وهناك ورع العارفين والواجدين، وهم الذين يرون أن كل ما يشغلك عن الله فهو ~~مشئوم عليك. # 34 # ومن أشرف ما قيل في الورع قول أبي سعيد الخراز: الورع أن تتبرأ من مظالم الخلق ومن ~~مثاقيل الذر حتى لا يكون لأحدهم قبلك مظلمة ولا دعوى ولا طلبة. # 35 # وهذا رأى سديد، فنحن في الأغلب ننسى حقوق الناس، وهي كثيرة جدا، يتصل بعضها بالسلوك، ~~وبعضها بالمعاش، ولا يستطيع تحقيق الورع على هذا الوجه إلا الأقلون. # حال المراقبة # ومن شريف الأحوال المراقبة، وأشرف أحوال المراقبة أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن ~~تراه فإنه يراك، # 35 # أو أن تراقب الله وتسأله أن يرعاك، فإنه ~~لا يكل خاصته في جميع أحوالهم إلى نفوسهم، ولا إلى أحد # 35 # وقال ابن عطاء لبعض حكماء خراسان ممن قد ولع بالجهل وقارن التقشف: أو ما علمت أن ما ~~تقارن ببدنك أقذار في جنب ما تطالع ms360 بقلبك، وما تطالعه بقلبك هباء في جنب ما تراقب في ~~سرك؟ فراقب الله في سرك وعلانيتك فإنه خير مما تقارن من عملك وعبادتك. # حال القرب # وقد ينشأ عن المراقبة حال القرب وحال الحب، أما القرب فسبيله الطاعة وصدق العبودية، ~~كما قيل: # تحققتك في السر # فناجاك لساني # فاجتمعنا لمعان # وافترقنا لمعان # إن يكن غيبك التع # ظيم عن لحظ عياني # فلقد صيرك الوج # د من الأحشاء داني # وأما المحبة فسبيلها الأنس بالنعم الإلهية، والمحبون على ثلاثة أحوال: # فالحال الأول: # محبة العامة، ويتولد ذلك من إحسان الله تعالى إليهم، وعطفه عليهم، ~~وشرط هذا الحال صفاء الود مع دوام الذكر، وموافقة القلوب لله وبذل ~~المجهود، والمبالغة في الثناء على المحبوب. # والحال الثاني: # يتولد من نظر القلب إلى جلال الله وعظمته وعلمه وقدرته، وهو حب ~~الصادقين، وشرطه هتك الأستار، وكشف الأسرار، ومحو الإرادات. # وأما الحال الثالث: # فهو محبة الصديقين والعارفين، وهي تتولد من نظرهم ومعرفتهم بقديم حب ~~الله تعالى بلا علة، فيحبونه كذلك بلا علة. # وقد سئل ذو النون فقيل له: ما المحبة الصافية التي لا كدرة فيها؟ ~~فأجاب: حب الله الصافي الذي لا كدرة فيه سقوط المحبة عن القلب والجوارح حتى لا تكون ~~فيها المحبة، وتكون الأشياء بالله ولله، فذلك المحب لله . # وحب الله من أهم القواعد في بناء الأخلاق، وهو يحولنا إلى أرواح لطيفة لا يصدر عنها ~~شر ولا عدوان، وقد يصل بنا إلى حب كل شيء في الوجود، حين تتمثل العالم كله من صنع ~~المحبوب. وهذا بالطبع لا يتيسر إلا حين يغلب علينا الصفاء، فننسى البغض والحق والانتقام ~~والحسد، وسائر الدسائس الصغيرة التي تفسد جمال الحياة، وتصير الأحياء أشقياء. # والصوفية يشترطون في الحب أن يتصل بأدب النفس، فمن المحبة الاستراحة إلى علم الله ~~وحده بحال المحب، وإخلاص المعاملة لوجهه، وحسن الأدب فيها وهو الإخفاء لها، وكتم ما ~~يحكم به من الضيق والشدائد، وإظهار ما ينعم به من الألطاف والفوائد، وكثرة التفكر في ~~نعمائه وخفي ألطافه وغرائب صنعه وعجائب قدرته، وحسن الثناء عليه ms361 في كل حال، والصبر على ~~بلائه؛ لأن المحب قد صار من أهله وأوليائه. والمحبوب قد يعنف بأحبابه لتمكنه منهم ~~ومكانتهم عنده؛ لعلمه أنهم لا يريدون به بدلا، ولا يبغون عنه حولا: إذ ليست لهم راحة ~~لسواه، ولا بغية في سواه، ولا هم لهم إلا فيه، كما قال بعض المحبين: ويلي منك، وويلي ~~عنك، أفزع منك وأشتاق إليك، إن طلبتك أتعبتني، وإن هربت منك طلبتني، فليس لي معك راحة، ~~ولا لي في غيرك استراحة. # 36 # وكانت رابعة العدوية من المحبين، سألها النوري فقال: لكل عبد شريطة ولكل إيمان حقيقة، ~~فما حقيقة إيمانك؟ فقالت: ما عبدت الله خوفا من الله فأكون كالأمة السوء إن خافت عملت، ~~ولا حبا للجنة فأكون كأمة السوء إن أعطيب عملت، ولكني عبدته حبا له وشوقا إليه. # 37 # وخطبها محمد بن سليمان أمير البصرة على مئة ألف وقال: لي غلة عشرة آلاف في ~~كل شهر أدفعها إليك، فكتبت إليه: ما يسرني أنك لي عبد وأن كل ما تملكه لي، وأنك شغلتني ~~عن الله طرفة عين. # 38 # ولها أبيات في معنى المحبة رواها كبار الرجال من القوم: # أحبك حبين حب الهوى # وحبا لأنك أهل لذاكا # فأما الذي هو حب الهوى # فشغلي بذكرك عمن سواكا # وأما الذي أنت أهل له # فكشفك للحجب حتى أراكا # فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي # ولكن لك الحمد في ذا وذاكا # ولننظر شرح المكي لهذه الأبيات؛ لأنه يصور فهم الصوفية للحب، وهو يستكثر أن يدركه من ~~لا ذوق له ولا قدم له فيه، ويقول في معنى حب الهوى: «إني رأيتك فأحببتك عن مشاهدة عين ~~اليقين، لا عن خبر وسمع وتصديق من طريق النعم والإحسان فتختلف محبتي إذا تغيرت الأفعال ~~لاختلاف ذلك علي، ولكن محبتي من طريق العيان فقربت منك، وهربت إليك، واشتغلت بك ~~وانقطعت عمن سواك، وقد كانت لي قبل ذلك أهواء متفرقة، فلما رأيتك اجتمعت كلها فصرت أنت ~~كلية القلب وجملة المحبة فأنسيتني ما سواك، ثم إني مع ذلك لا أستحق على هذا ms362 الحب ولا ~~أستأهل أن أنظر إليك في الآخرة على الكشف والعيان في محل الرضوان؛ لأن حبي لك لا يوجب ~~عليك جزاء عليه، بل يوجب علي في كل شيء لك كل شيء مما لا أطيقه، ولا أقوم بحقك فيه ~~أبدا، إذ كنت قد أحببتك فلزمني خوف التقصير، ووجب علي الحياء من قلة الوفاء، فتفضلت ~~علي بفضل كرمك، وما أنت له أهل من تفضلك، فأريتني وجهك عندك آخرا كما أريتنيه اليوم ~~عندي أولا، فلك الحمد على ما تفضلت به في ذا عندي في الدنيا ولك الحمد على ما تفضلت به ~~في ذاك عندي في الآخرة، ولا حمد لي في ذا ههنا ولا حمد لي في ذاك هناك، إذ كنت إنما ~~وصلت إليهما بك، فأنت المحمود فيهما لأنك وصلتني بهما». # 39 # وهذا التفسير يدل على أن الصوفية لا يقفون في فهم الحب عند المعاني الفطرية، ولكنهم ~~يتوغلون فيعللون ويحللون ويصبغون الحب بصبغة الفكر والعقل، فهم ينظرون إلى الحب نظرة ~~فلسفية ويضيفونه إلى دقائق المشكلات العقلية. # حال الحب # ويتصل بحال الحب حال الشوق، وقد روى عنه # صلى الله عليه وسلم # أنه كان يقول في دعائه: أسأكل لذة ~~النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك. ولذة النظر إلى وجه الله تعالى في الآخرة، والشوق إلى ~~لقائه في الدنيا . # 40 # وسئل بعضهم عن الشوق فقال: هيمان القلب عند ذكر المحبوب، وقال آخر: الشوق ~~نار الله تعالى أشعلها في قلوب أوليائه حتى يحرق بها ما في قلوبهم من الخواطر والإرادات ~~والعوارض والحاجات # 41 # وأهل الشوق في الشوق على ثلاثة أحوال: فمنهم من اشتاق إلى ما وعد الله ~~تعالى لأوليائه من الثواب والكرامة والفضل والرضوان، ومنهم من اشتاق إلى محبوبه من شدة ~~محبته، وتبرمه ببقائه شوقا إلى لقائه، ومنهم من شاهد في قرب سيده أنه حاضر لا يغيب، ~~فتنعم قلبه بذكره، وقال: إنما يشتاق إلى غائب وهو حاضر لا يغيب، فذهب بالشوق عن رؤية ~~الشوق فهو مشتاق بلا شوق، ودلائله تصفه عند أهله بالشوق وهو لا يصف نفسه ~~بالشوق. ms363 # 41 # وهذا نظر دقيق، فقوة الحب تذهل المحب عن إدراك حال الشوق؛ لأن التفكير في المحبوب ليس ~~إلا من أحوال أهل البدايات في الحب، فإذا امتزجت الأرواح نسي الحب ونسي الشوق. # حال الشوق # أما حال الأنس فلا يمكن التعبير عنه بأكثر من قول الطوسي: معنى الأنس بالله الاعتماد ~~عليه والسكون إليه والاستعانة به # 41 # ومن شواهده ما روي أن ~~مطرف بن عبد الله كتب إلى عمر بن عبد العزيز: ~~«ليكن أنسك بالله وانقطاعك إليه، فإن لله تعالى عبادا استأنسوا بالله فكانوا ~~في وحدتهم أشد استئناسا من الناس في كثرتهم، وأوحش ما يكون الناس آنس ما ~~يكونون، وآنس ما يكون الناس أوحش ما يكونون». # 42 # وأهل الأنس في الأنس على ثلاثة أحوال: فمنهم من أنس بالذكر واستوحش من الغفلة، وأنس ~~بالطاعة واستوحش من الذنب. ويفسر هذا قول سهل بن عبد الله: أول الأنس من العبد تأنس ~~النفس والجوارح بالعقل، ويأنس العقل والنفس بعلم الشرع، ويأنس العقل والنفس والجوارح ~~بالعمل لله خالصا فيأنس العبد بالله، أي يسكن إليه # 42 # والحال الثاني: أن يأنس العبد بالله ويستوحش مما سواه من العوارض والخواطر الشاغلة، ~~ويفسره قول ذي النون وقد قيل له: ما علامة الأنس بالله؟ فقال: إذا رأيته يؤنسك بخلقه ~~فإنه هو ذا يوحشك من نفسه، وإذا رأيته يوحشك من خلقه فهو ذا يؤنسك بنفسه. # 43 # والحال الثالث: هو الذهاب عن رؤية الأنس بوجود الهيبة والقرب والتعظيم مع ~~الأنس. وسئل الشبلي عن الأنس فقال: وحشتك منك ومن نفسك ومن الكون. # 44 # حال الأنس # والأنس بالله يقتضي الطمأنينة، وهي ضروب: طمأنينة العوام الذين إذا ذكروا ربهم ~~اطمأنوا إلى ذكرهم له، فحظهم منه الإجابة للدعوات باتساع الرزق ودفع الآفات، وطمأنينة ~~الخواص الذين يرضون بقضاء الله ويصبرون على بلائه، وطمأنينة خواص الخواص وهم الذين ~~علموا أن سرائرهم لا تقدر أن تطمئن إليه هيبة وتعظيما؛ لأنه ليس له غاية تدرك، وليس ~~وليس كمثله شيء. # 45 # حال الطمأنينة # والطمأنينة تقتضي المشاهدة، وهي وصل بين رؤية القلوب ورؤية العيان، وتتمثل ms364 في مشاهدة ~~الأشياء بأعين الفكر، وأشرف أحوالها أن تشاهد قلوب العارفين مشاهدة تثبيت فيكونوا ~~حاضرين غائبين وغائبين حاضرين على انفراد الحق في الغيبة والحضور، فيشاهدوه ظاهرا ~~وباطنا وآخرا وأولا. # 46 # حال اليقين # والمشاهدة تقتضي حال اليقين، واليقين هو ارتفاع الشك، وليس لزياداته نهاية، وكلما ~~تفقه المريدون في الدين ازدادوا يقينا إلى يقين، ونهاية اليقين تحقيق التصديق بالغيب ~~بإزالة كل شك وريب. # 47 # درجات العشق ونقلها إلى التصوف # إلى هنا عرف القارئ صورا من المقامات والأحوال، ورأى كيف تمثل هذه النوازع فهم ~~الصوفية للحياة الخلقية. ولنقرر أننا اعتمدنا في هذا البحث على كتاب اللمع وكتاب قوت ~~القلوب، وبين هذين الكتابين تفاوت قليل في فهم المقامات والأحوال، فما يكون حالا عند ~~هذا قد يكون مقاما عند ذاك. # أما تقسيم بعض المقامات أو الأحوال إلى درجات ثلاث، فهو من صنع الطوسي في اللمع، ومن ~~واجبنا أن ننبه القارئ إلى أن هذا التقسيم لا يعدو حدود التقريب، فالنفس قد يكون لها في ~~الحال الواحد مئات من الأشكال، وقد يتقلب القلب في اللحظة الواحدة إلى ضروب مختلفة من ~~الأنس واليقين، وتلك وثبات روحية لا يعلم تصرفها غير علام الغيوب. # ولنشر في ختام هذا الفصل إلى رأي المسيو ماسينيون في مقامات العشق، وهو يرى أن العشاق ~~نقلوا أحوال الحب عن الصوفية، ومن أمثلة ذلك قول محمد بن داود: «إن الأحوال التي تتولد ~~عن السماع والنظر مختلفة ولها مراتب: فأول ما يتولد عن النظر والسماع الاستحسان، ثم ~~يقوى فيصير مودة، والمودة سبب الإرادة، فمن ود إنسانا ود أن يكون له خلا، ومن ود ~~غرضا ود أن يكون له ملكا. ثم تقوى المودة فتصير محبة، ثم تقوى المحبة فتصير خلة، ثم ~~تقوى الخلة فتوجب الهوى، ثم يقوى الهوى فتصير عشقا، ثم يزداد العشق فيصير تتيما، ثم ~~يزداد التتيم فيصير ولها. والشوق تابع لكل واحدة من هذه الأحوال، والمستحسن يشتاق إلى ~~ما يستحسنه على قدر محله من نفسه، ثم كلما قويت الحال قوي معها الاشتياق». # 48 # والواقع أن الحب ms365 الذي يفهمه ابن داود هو ذاته نزعة صوفية، فقد وقف عند قول أبي ~~الشيص: # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي # متأخر عنه ولا متقدم # أجد الملامة في هواك لذيذة # حبا لذكرك فليلمني اللوم # أشبهت أعدائي فصرت أحبهم # إذ كان حظي منك حظي منهم # وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا # ما من يهون عليك ممن أكرم # ثم قال: ولو لم يقل أبو الشيص في عمره بل لو لم يقل أحد من أهل عصره غير هذه الأبيات ~~لكانوا غير مقصرين، وإذا كانت كل خواطر العاشق فيما يتمناه واقعة ممن يهواه على الأمر ~~الذي يرضاه، فهذه هي المشاكلة الطبيعية التي لا يفنيها مر الزمان، ولا تزول إلا بزوال ~~الإنسان، وإذا صح هذا المذهب لم يعجب من أن يميل الإنسان إلى الإنسان بخلة أو خلتين، ~~فإذا زالت العلة زال الهوى، فلا يزال المرابط متنقلا إلى أن يصادف من يجتمع فيه هواه ~~فحينئذ يرضاه فلا ينعطف عنه إلى أحد سواه. # وليس من المستبعد أن يكون الصوفية هم الذين أخذوا المقامات والأحوال عن المحبين، ~~فالحب الحسي يقع أولا، ويجيء الحب الروحي ثم الإلهي ثانيا. والعرب حين قالوا (تيم ~~اللات) أو (تيم الله) إنما نقلوا التتيم من المحسوس إلى المعقول، فشبهوا الحب الروحي ~~بالحب الحسي؛ لأن المحسوس أقوى في الظهور من المعقول. # وقد ظل الحب الحسي مقياسا للصدق، حتى صح لأحدهم أن يقول: # تعصي الإله وأنت تظهر حبه # هذا لعمري في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته # إن المحب لمن يحب مطيع # | التجريد والأسباب # رأينا عند الصوفية مقامات الفقر والورع والزهد. ولكن لا بد من النص على آرائهم في الفقر ~~والغنى؛ لأن لذلك صلة وثيقة بمذاهبهم الأخلاقية في طرائق المعاش. ونبادر فنذكر أن التصوف ~~يسمى الفقر، والصوفية يسمون الفقراء، وهذا وحده كاف لتعيين مسالكهم في الحياة. # والانقطاع بالكلية إلى الله يسمى التجرد، وطلب الرزق يسمى التسبب، وهذه الكلمة الثانية لا ~~تزال حية، والعوام في مصر يقولون (رجل متسبب) وربما سموا ما يتجرون به سببا، وقد يقولون ~~فيمن ms366 يبحث عن الرزق: أخذ في الأسباب. # ما هو التجرد وما هو التسبب # والصوفية لا يؤثرون الفقر لذاته، وإنما يؤثرونه لما فيه من صرف النفس عن الشواغل ~~الدنيوية التي تبعد المرء من الله. وهم حين يدعون إلى جمع المال ينصون على أنه لا يطلب ~~لذاته، وإنما يطلب للأغراض الآتية: # الأول: # أن ينفقه المرء على نفسه: إما في عبادة أو في الاستعانة على عبادة، ~~أما في العبادة فهو كالاستعانة به على الحج والجهاد، وأما فيما يقويه ~~على العبادة فذلك هو المطعم والملبس والمسكن، وما إلى ذلك من ضرورات ~~العيش؛ لأن هذه الشؤون إذا لم تتيسر كان القلب مصروفا إلى تدبيرها فلا ~~يتفرغ للدين. # الثاني: # ما يصرفه في الصدقة والمروءة ووقاية العرض وأجرة الاستخدام. ومن ~~وقاية العرض في رأيهم بذلك المال لدفع هجو الشعراء وثلب السفهاء، وقطع ~~ألسنتهم ودفع شرهم # 1 # وفي وقاية العرض صرف للناس عن رذيلة الاغتياب، وليس من ~~الإسراف أن يكون للرجل خدم؛ لأن قيامه بجميع شؤونه قد يعطل عليه أوقاته ~~فلا يتفرغ لعبادة الله على الوجه المقبول. # الثالث: # ما ينفقه للخير العام كبناء المساجد والملاجئ والمستشفيات. # 2 # تلك فضائل المال من الوجهة الدينية، ولا بأس بأن يحمد المتصوف ما في المال من الحظوظ ~~الدنيوية: كالخلاص من ذل السؤال وحقارة الفقر والوصول إلى العز والمجد بين الخلق وكثرة ~~الإخوان والأعوان والأصدقاء والوقار والكرامة في القلوب. # 3 # وفي تحرير ذلك يقول ابن عطاء الله: اعلم أن الأشياء إنما تذم وتمدح بما تؤدي إليه، ~~فالتدبير المذموم ما شغلك عن الله، وعطلك عن القيام بخدمة الله، وصدك عن معاملة الله. ~~والتدبير المحمود هو ما ليس كذلك مما يؤديك إلى القرب من الله، ويوصلك إلى مرضاة الله. ~~وكذلك الدنيا ليست تذم بلسان الإطلاق ولا تمدح كذلك، وإنما المذموم منها ما شغلك عن ~~مولاك، ومنعك الاستعداد لأخراك. # 4 # الأغراض التي يطلب من أجلها المال # وليس معنى هذا أن المتسبب والمتجرد في رتبة واحدة. لا ليس الأمر كذلك، ولن يجعل الله ~~من تفرغ لعبادته وشغل أوقاته ms367 به كالداخل في الأسباب، ولو كان فيها متقيا، فالمتسبب ~~والمتجرد إذا استوى مقامهما من حيث المعرفة بالله فالمتجرد أفضل. # ذلك كلام ابن عطاء الله في (التنوير) # 5 # وهو في (الحكم) يدعو المريد إلى أن يقيم حيث أقامه الله # 6 # ولا تناقض بين الفكرتين؛ لأنه مع استواء التجرد والتسبب يرى قيام المتجرد ~~أعلى وأكمل. # ونحن لا نرتضي هذا الرأي، ولكن من نحن؟ نحن نرى التسبب فرصة ذهبية؛ لأنه يعرض النفس ~~للمحن ويروضها على البلاء. ولا تعرف قيمة الخلق إلا عند الاتصال بالناس، والأدب مع ~~الناس موصول الأواصر بالأدب مع الله؛ لأننا لا نحب العدل والإنصاف إلا لنتخلق بأخلاق ~~الله، ولا نبغض الجور والظلم والعسف إلا ابتغاء مرضاة الله، والمتجرد لا يتعرض لشيء من ~~ذلك، هو رجل خلت دنياه من أسباب الشقاق والنزاع منذ سلمت نفسه من بلايا الأحذ والعطاء. ~~ويمكن الفصل في هذه القضية بأن تفضل التجرد حين نخشى على أنفسنا الضعف عن رعاية الحقوق، ~~ونفضل التسبب حين نرى في عزائمنا من القوة والصلابة ما ندوس به على المطامع الدنيئة ~~التي تستهوي من يطلبون الأرزاق. # هل المتجرد والمتسبب في رتبة واحدة؟ # ولكن ما هو التجرد المحمود؟ وما هو التسبب المحمود؟ # لقد وضع ابن عطاء الله في ذلك رسالة طريفة سماها التنوير في إسقاط التدبير، وهي رسالة ~~ممتعة من الوجهة الأدبية والصوفية؛ لأنها حوت فقرات كثيرة مما أنشأ الصوفية في الدعوة ~~إلى التخلق بكرائم الخلال. # وإليك خلاصة ما وضعه لآداب التجرد: # الأول: # علمك بسابق تدبير الله فيك، وذلك أن تعلم أن الله كان لك قبل أن تكون ~~لنفسك، فكما كان لك مدبرا قبل أن تكون ولا شيء من تدبيرك معه، كذلك هو ~~سبحانه مدبر لك بعد وجودك، فكن له كما كنت له يكن لك كما كان ~~لك. # الثاني: # أن تعلم أن التدبير منك لنفسك جهل منك بحسن النظر لها. # الثالث: # علمك بأن القدر لا يجري على حسب تدبيرك، بل أكثر ما يكون ما لا تدبر، ~~وأقل ما يكون ما أنت له مدبر. ms368 # الرابع: # علمك بأن الله تعالى هو المتولى لتدبير مملكته: علوها وسفلها، غيبها ~~وشهادتها، وكما سلمت له تدبيره في عرشه، وكرسيه، وسماواته، وأرضه، فسلم ~~له تدبيره في وجودك إلى هذه العوالم. # الخامس: # علمك بأنك ملك لله، وليس لك تدبير ما هو لغيرك. فما ليس لك ملكه ليس ~~لك تدبيره. # السادس: # علمك بأنك في ضيافة الله؛ لأن الدنيا دار الله، وأنت نازل فيها عليه، ~~ومن حق الضيف أن لا يعول هما مع رب المنزل. # السابع: # نظر العبد إلى قيومية الله تعالى في كل شيء، فإذا علم العبد قيومية ~~ربه وقيامه عليه، ألقى قياده إليه، وانطرح الاستسلام بين يديه. # الثامن: # اشتغال العبد بوظائف العبودية، فإذا توجهت همته إلى رعاية عبوديته ~~شغله ذلك عن التدبير لفسه. # التاسع: # أن تعلم أنك عبد مربوب، وحق العبد أن لا يعول هما مع سيده مع اتصافه ~~بالإفضال وعدم الإهمال، فإن الروح مقام العبودية الثقة بالله ~~والاستسلام إلى الله. # العاشر: # عدم علمك بعواقب الأمور، فربما دبرت أمرا عظيما ظننت أنه لك فكان ~~عليك، وربما أتت الفوائد من وجوه الشدائد، والشدائد من وجوه الفوائد، ~~والأضرار من وجوه المسار، والمسار من وجوه الأضرار وربما كمنت المنن في ~~المحن، والمحن في المنن، وربما انتفعت على أيدي الأعداء وأرديت على ~~أيدي الأحباب. # 7 # آداب التجرد # أما المتسبب فتجب عليه مراعاة الآداب الآتية: # الأول: # ربط العزم مع الله قبل الخروج من المنزل على العفو عن المسيئين إليه، ~~إذ الأسواق محل المخاصمة والمقاولة، فيكون كأبي ضمضم الذي كان إذا خرج ~~من بيته قال: اللهم إني تصدقت بعرضي على المسلمين. # الثاني: # أن يتوضأ ويصلي قبل خروجه ويسأل الله السلامة في مخرجه ذلك؛ فإنه لا ~~يدري ماذا يقضي عليه. # الثالث: # ينبغي له إذا خرج من منزله أن يستودع الله أهله ومسكنه وما فيه، فإنه ~~قادر على أن يحفظ ذلك عليه. # الرابع: # يستحب له إذا خرج من منزله أن يقول: باسم الله توكلت على الله، لا ~~حول ولا قوة إلا بالله. فإن ذلك يوئس منه الشيطان. # الخامس: # الأمر ms369 بالمعروف والنهي عن المنكر، وليجعل ذلك شكرا لنعمة القوة ~~والتقوى، اللتين وهبهما المولى له، فمن أمكنه الأمر بالمعروف، والنهي ~~عن المنكر، بحيث لا يصل إليه أذى في نفسه، أو عرضه، أو ماله، فهو ممن ~~مكن له في الأرض، والوجوب متعلق به، وإن كان لا يصل إلى الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر إلا بالأذى سقط عنه الوجوب. # السادس: # أن يكون مشيه بالسكينة والوقار، لقوله تعالى: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض ~~هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما # وليس ذلك خاصا بالمشي، بل المطلوب منك أن تكون ~~أفعالك كلها تقارنها السكينة ويلازمها التثبيت. # السابع: # أن يذكر الله تعالى في سوقه، فإنه قد جاء عنه # صلى الله عليه وسلم ~~: ذاكر الله في ~~الغافلين كالمقاتل بين الفارين، # 8 # ذاكر الله في السوق كالحي بين الموتى. # الثامن: # ألا يشغله ما هو فيه من المبايعة عن النهوض إلى الصلاة في أوقاتها ~~جماعة؛ لأنه إذا ضيعها اشتغالا بسببه، استوجب المقت من ربه، ورفع ~~البركة من كسبه. # التاسع: # ترك الحلف والإطراء لسلعته، فقد قال # صلى الله عليه وسلم ~~: التجار هم الفجار إلا ~~من بر وصدق. # العاشر: # كف لسانه عن الغيبة والنميمة، وليعلم أن السامع للغيبة أحد ~~المغتابين، فإن اغتيب أحد بحضرته فلينكر عليه، فإن لم يسمع منه فليقم، ~~ولا يمنعه الحياء من الخلق من القيام بحق الملك الحق. # 9 # ثم قال ابن عطاء الله: وعليك أيها المؤمن بغض طرفك من حين خروجك إلى ~~سببك إلى حين ترجع، ولتذكر قول الله تعالى: # قل ~~للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم ذلك أزكى لهم # وليعلم أن بصره نعمة ~~من الله عليه، فلا يكن لنعم الله كفورا، وأمانة من الله عنده فلا يكن ~~لها خائنا. # 10 # آداب التسبب # وابن عطاء الله لا يرى التسبب مما ينافي التوكل، ويقول في ذلك: انظر إلى قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: (لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح ~~بطانا) تراه يدل على الأمر بالتوكل على الله تعالى لا على نفي ms370 الأسباب، بل يدل على ~~إثباتها لقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «تغدو خماصا وتروح بطانا»، فقد أثبت لها غدوها ورواحها، وهو ~~سببها، ونفى عنها الادخار. # 11 # الادخار # وابن عطاء الله لا ينكر الادخار في جميع الأحوال، وإنما ينكر ما يقع منه بخلا ~~واستكثارا، ومباهاة وافتخارا، وهو يقبل ادخار المقتصدين وهم الذين لم يدخروا ~~استكثارا ولا مباهاة ولا افتخارا، وإنما علموا من نفوسهم الاضطراب عند الفقر فعلموا ~~أنهم إن لم يدخروا تشوش عليهم إيمانهم، وتزلزل إيقانهم، فادخروا لضعفهم عن حال ~~المتوكلين، وعلما منهم بعجزهم عن مقام اليقين. وهناك طبقة ثالثة، هم السابقون، ~~وادخارهم ليس لأنفسهم، ولكنه ادخار أمانة، فإن أمسكوا الدنيا أمسكوها بحق، وإن بذلوها ~~بذلوها بحق، وليس الممسك لها بحق بدون الباذل لها بحق. # 11 # رأي الغزالي في المال # والغزالي يرى المال كالحية: يأخذها الراقي ويستخرج منها الترياق ويأخذها الغافل ~~فيقتله سمها من حيث لا يدري، ولا ينجو أحد من سم المال إلا بالمحافظة على خمس وظائف: # الأولى: # أن يعرف المقصود من المال: فلا يحفظ منه إلا قدر الحاجة ولا يعطيه من ~~همته فوق ما يستحقه. # الثانية: # أن يراعي جهة دخل المال فيجتنب الحرام المحض، وما يغلب عليه الحرام ~~كأموال الحكام الظالمين، ويجتنب الجهات المكروهة التي تقدح في المروءة ~~كالهدايا التي فيها شوائب الرشوة، وكالسؤال الذي فيه الذلة وهتك ~~المروءة. # الثالثة: # أن يراعي في كسبه مقدار حاجته في الملبس والمسكن والمطعم. # الرابعة: # أن يقتصد في الإنفاق غير مقتر ولا مبذر. # الخامسة: # أن يصلح نيته في الأخذ والترك، والإنفاق والإمساك؛ لأن حسن النية هو الأساس. # 12 # الدعوة إلى الفقر # إلى هنا رآنا القارئ نحتال في صياغة هذا الفصل، وإنما كان الأمر كذلك لأننا أردنا أن ~~ننطق الصوفية بالدعوة إلى المال والادخار. والحق أنهم غرباء في هذا الميدان، فالتصوف ~~الإسلامي هو في حقيقته ظل من ظلال المسيحية، هو هرب مطلق من الدنيا ومن الجاه ومن ~~المال، ولا يدعو إلى الغنى إلا طبقة ضئيلة من الصوفية، ومن أجل هذا كان خطرهم شديدا ~~على الأخلاق ms371 ... الصوفية جنوا على المسلمين أبشع جناية حين حببوا إليهم الزهد وبغضوا ~~إليهم المال، الصوفية هم الذين جعلوا المسلمين آخر الشعوب، وهم الذين قضوا عليهم ~~بالاستعباد، وهم الذين أوردوهم موارد الذل والضيم والهوان. # إن أول صوفي تعمق في البحث عن عيوب النفس وآفات الأعمال وأغوار العبادات هو الحارث المحاسبي # 13 # وهذا الرجل - الذي كان قدوة لجميع الصوفية - كان من أعداء المال، ولم تكن ~~عداوته للمال عداوة هينة؛ لأنه ضرب على الوتر الحساس حين ذكر المسلمين بفقر الرسول، وهو ~~يتخذ من فقر النبي حجة على شر الغنى وإضراره بخير الدنيا والدين. # وكان الحارث المحاسبي رجلا قوي المنطق زلق اللسان، وكان من أهل البصر بمكامن الضعف ~~في النفوس، وقد مكنت له مواهبه الأدبية والذوقية من نواصي الناس، فاندفع يذم المال ذما ~~بليغا لم يصل إلى سمع ولا قلب إلا حول صاحبه إلى زاهد أواب. # رأي المحاسبي أن جماعة من العلماء احتجوا للغني بما كان من أمر عبد الرحمن بن عوف، ~~وعبد الرحمن هذا كان من صحابة الرسول، وكانت أمواله ومتاجره مضرب الأمثال، وقد شهد له ~~النبي بالخير ورجا له حسن المآب وكان غنى ابن عوف خليقا بأن يحبب المسلمين في الغنى، ~~ويبين لهم أن كثرة المال لا تنافي الدين، فاندفع المحاسبي يبدد هذه الشهبة ويبين أن ابن ~~عوف لن يدخل الجنة بالرفق الذي يدخل به الصعاليك، وإنما يدخل في هيبة وحذر كما يدخل ~~المريب. # ونظرية المحاسبي تقوم على أساس خطر، فهو يرى ~~الدنيا غير الدنيا والناس غير الناس، فإن تشبهتم بالصحابة فأنتم مخطئون «فقد كانوا فيما ~~أحل لهم أزهد منكم فيما حرم عليكم، والذي لا بأس به عندكم كان من الموبقات عندهم»، # 14 # وليس لكم أن تطمعوا في الحلال؛ لأنكم لن تجدوه في دهركم كما وجدوه في ~~دهرهم، ولن تحتاطوا في طلب الحلال كما احتاطوا، ولنفرض أنكم ظفرتم بالحلال فهل تأمنون ~~تغير القلوب؟ إن كان ذلك فأنتم تحسنون الظن بالنفس وهي أمارة بالسوء # 15 # وهل غاب عنكم أن الرسول قال: يدخل صعاليك المهاجرين ms372 الجنة قبل أغنيائهم ~~بخمس مئة عام؟ # 16 # وهل نسيتم أنه قال: سادات المؤمنين في الجنة من إذا تغدى لم يجد عشاء، وإذا ~~استقرض لم يجد قرضا. وليس له فضل كسوة إلا ما يواريه، ولم يقدر على أن يكتسب ما يغنيه. # 17 # وكان المحاسبي رجلا مسيحي النزعة يرى العلماء ~~كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب وتبقى فيه النخالة، ويرى الحكمة تخرج من أفواههم ويبقى ~~الغل في صدورهم، ويراهم أفسدوا آخرتهم بصلاح دنياهم، وقد روى كلمة المسيح في هذا ~~المعنى، وهي كلمة لا نحب أن نرويها في كتابنا هذا، ويكفي أن نشير إلى مكانها في كتاب الأحياء. # 18 # خطر هذه الدعوة # والحق أن الصوفية اختلط عليهم الأمر حين أحبوا التشبه بالأنبياء، فالمسيح تصوف لأنه ~~رأى حب الدنيا يعصف باليهود، والنبي محمد لم يفكر في إصلاح دنياه لأنه شغل بتبليغ ~~الرسالة؛ فكان مثله مثل الداعية الذي يريد أن يقطع جميع الألسنة ويسلم من تلوم ~~السفهاء. # ومن المعقول أن يلوذ الأنبياء والمصلحون بالفقر ليفرغوا لدعوة الخير، ولكن كيف يصبح ~~الفقر شريعة؟ وكيف يصير من واجب الناس جميعا أن يعيشوا فقراء؟ # إن جانب الضعف في الأخلاق الصوفية أنها تجعل الفقر مما يجب أن يرغب فيه جميع الناس، ~~ولو عقل الصوفية لعرفوا أن للفقر خلقة بشعة لا يطمع في التعرف إليها رجل كريم. الفقر هو ~~البلية العظمى، والنكبة الكبرى، والبلاء الماحق، والشر الملعون. الفقر هو العورة التي ~~يفتضح بها الرجال، الفقر هو المقتل الذي يصرع به الأبطال، الفقر هو أقبح الصفات التي ~~تنزه عنها الله ذو الجلال، الفقر فضيلة سخيفة لا يدعو إليها إلا رجل سخيف! # هجوم على الصوفية # للصوفية عذر واحد، وهو عذر جميل، هم يرون حب المال يذهب بالناس إلى البغي في أكثر ~~الأحيان، ولكني مع هذا أجزم بأن بغى الغني أجمل صورة من عدالة الفقير، وهل للفقير ~~عدالة؟ إنه شخص مضيع وهو في المجتمع لا يحسب له حساب، والخلق الحق هو الذي يرفع الشخصية ~~الإنسانية ويقيم لها الموازين. # ولو أن الصوفية درسوا الطبيعة الإنسانية ms373 حق الدرس لتغير موقفهم في فهم الفقر، لو أنهم ~~عرفوا أن الفقير لا يصلح لقيادة النهضات الاجتماعية والسياسية والخلقية لأيقنوا أن ~~الغنى سلاح ماض في أيدي المصلحين، ولكن الواقع أن الصوفية كانت هممهم في الأغلب همما ~~ترابية، أليسوا هم الذين وضعوا القواعد للسؤال؟ وهل يسأل الناس إلا الصغار والضعفاء؟ ~~وأي قيمة للخلق إذا انتهى بصاحبه إلى الضعف والصغار، ونأى به عن مواطن الرجال؟ # إن الجنة وما فيها من خير ونعيم لا تساوي ذلة السؤال، والله لم يخلقنا لنسأل الناس، ~~وهو لم يمنحنا العقل والعافية إلا لنستعبد خيرات الأرض ونستغني عن المخلوقين. ولولا ~~الأدب لقلت إن الله دعانا إلى الاستغناء عنه منذ فطر الأرض والبحر والهواء على خدمة ~~أبدية لا يحرم منها إلا أهل الخمود. # إن الله دعانا إلى الكرامة ومهد لنا سبلها وأعاننا عليها، ولم يشأ أن يذل الكفار ~~بحرمانهم من استخراج ثمرات الأرض؛ لأنه سبحانه لا يحب لأبنائه أن يعيشوا عيش العبيد، ~~والمؤمن والكافر أمام عدله ورحمته سواء. # الدعوة إلى الفقر تنافي الخلق، وتنافي الأدب، وتنافي الإيمان. # الدعوة إلى الفقر هي السوس الذي قضى على عظام المسلمين، وجعلهم من أذل الشعوب بعد أن ~~كانوا من أقوى الأعزاء. # الدعوة إلى القناعة رذيلة إنسانية لا يجترمها إلا رجل غافل أو مخبول. # وكيف نقنع وقد هدانا الله إلى أسرار الوجود فعرفنا أن الخير لا نهاية له، وأن النعيم ~~أعظم وأكبر من أن تقام له حدود. # لو عاش أهل الأرض بعقول الصوفية وأوهامهم وأغلاطهم لما استطاع الإنسان أن يسخر البرق ~~والماء، لو عاش أهل الأرض بأذهان الصوفية لما كانت هذه النعم التي يمرح فيها أهل الشرق ~~والغرب، لو عاش أهل الأرض بأذهان الصوفية لما كانت هذه الوثبات التي يموج بها العالم ~~السياسي فيقيم قناطر من الخير على بحار من الدماء. الصوفية قوم كسالى وادعون، ذهب بهم ~~الجوع إلى أودية الموت. # بعض ما يجلب المال من هوان النفوس # قد يقول القارئ: وما شأنك أنت؟ أنت تؤرخ التصوف، فكيف تستطيل على الصوفية؟ # وأجيب بأني أيضا ms374 متصوف، ولكن أي تصوف؟ إنه تصوف استقيته من مورد الحياة، هو تصوف حق ~~يقوم على أساس الحق، فإن كان التصوف القديم هو الزهد فالتصوف الجديد هو الإخلاص المطلق ~~في حب الحياة والفوز والمجد، التصوف الذي أدعو إليه هو الشره الشريف على فهم ما في ~~الدنيا من خير وشر، وجمال وقبح، وحق وزيغ، هو أن تكون قوة كاشفة قاهرة تستوعب أسرار ~~الوجود، ثم تسخره لخدمة الإنسان والحيوان، هو أن تجعل الدنيا فردوسا يذكر بما وعدت به ~~من نعيم الفراديس، هو أن تكون غنيا بعقلك وجهدك وخلقك فلا يكون لمخلوق فضل عليك، هو أن ~~تكون شبيها بربك في كرمه وغناه. # أنا لا أريد أن يتصوف الرجل تصوف العبيد، وإنما أريد أن يتصوف تصوف الملوك. # ولكن هناك وجه آخر نفهم به جمال الدعوة إلى الفقر. وتفصيل ذلك: أن الغنى لا ينتظرنا ~~في كل وقت، ولا نقتنصه حين نشاء، فقد يحتاج الغنى أحيانا إلى مسالك ينفر منها الكريم، ~~وفي هذه الحال يكون الفقر أجمل وأشرف. # في أحيان كثيرة يكون من النبل أن نحرر رقابنا من رق الطمع، وأن نتغنى بقول الذي ~~يقول: # حرام على من وحد الله ربه # وأفرده أن يجتدي أحدا رفدا # ويا صاحبي قف بي مع الحل وقفة # أموت بها وجدا وأحيا بها وجدا # وقل لملوك الأرض تجهد جهدها # فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى # وأنت لو نظرت حولك لرأيت طوائف من الأغنياء لم يصلوا إلى غناهم إلا بوسائل يفزع من ~~تصورها كرام الرجال ؛ فهذا الذي يسكن قصرا فخما ويعيش الأمراء لم يصل إلى الغنى إلا ~~منذ اليوم الذي باع فيه نفسه وقلبه وضميره لأحد الوزراء أو لأحد الأحزاب، وذاك الذي ~~يأمر ونهى ويطغى ويستطيل هو في حقيقة أمره أذل من القراد بمناسم الجمال الجرب؛ لأنه لا ~~يصبح ولا يمسي إلا وهو تابع ذليل، وذلك الذي لا يمده لمصافحتك إلا وهو متكلف، ولا ~~يواسيك إن حزنت، ولا يعودك إن مرضت، ولا تراه إلا أشم الأنف منتفخ الأوداج، ذلك المتكبر ~~المتجبر الذي ms375 يحاول أن يخرق الأرض ويطاول الجبال، هو في قرارة نفسه مستعبد لجبهة قوية ~~يرى سوطها مسلطا عليه في كل حين، وهو على كبريائه ترتعد فرائصه كلما تمثل له شبح من ~~يملك أمره في يقظة أو في منام. # إن أكثر من ترى من أصحاب الحول والطول كان مثلهم مثل المرأة التي لا تفرط في عرضها ~~بسبب القوت، وإنما تفرط في عرضها لتقضي لبانتها من الترف، وبعض النساء لا يؤذيها أن ~~تجوع، ولكن يؤذيها أن تخرج وهي عاطل من الأساور والدمالج والخلاخيل. # وهل تظن أن الذي يبيع ضميره يبيعه ليقتات؟ وكيف يكون الأمر كذلك وأكبر البطون يملأه ~~رغيف جاف، ويرويه كوب من الماء القراح؟ إنما يبيع الناس ضمائرهم ليتحلوا بالحلي ~~الكواذب من صور الأمر والنهي والطغيان. # انظر هذه النظرة إلى حقائق الجاه والمال، ثم ارجع إلى الصوفية تجدهم أعقل الناس وأشرف ~~الناس. # أتراك نظرت وفكرت؟ إن كنت فعلت فاعلم أن الصوفية حين دعوا إلى الفقر والورع والزهد لم ~~يكونوا عابثين، وإنما كانوا يدافعون عن الكرامة الإنسانية التي لا تضيع ولا تمتهن إلا ~~في أسواق المنافع، وحفظ الكرامة هو الحجر الأول في صرح الأخلاق. # انظر هذه النظرة لترى ما في مسالك الصوفية من المعاني الشعرية، وهل من القليل أن تخلص ~~من ربقة الأغراض فلا يكون لأحد سلطان عليك؟ هل من القليل أن تشعر بأن مائدتك الجافية هي ~~من كسب يدك، وأن ثوبك الحقير لم ينسج خيوطه أحد سواك؟ هل من القليل أن تعرف زوجتك وأن ~~يعرف أبناؤك أن ليس لهم سيد بعد الله غيرك؟ هل من القليل أن يكون كل ما في بيتك من أثاث ~~ورياش إنما وصل إليك بفضل كدحك، وإن كان غطاؤك من الخيش، وسريرك من الجريد؟ # إن الصوفية لا يحرمون عليك أن تثري من الحلال، فقد كان الصوفية بالفعل من أهل الكسب، ~~ولكن أي كسب؟ انظر إلى أسمائهم وألقابهم تجد فيهم الخواص والخراز والوقاد والصباغ ~~والحداد والسماك والقصاب والدقاق. # انظر إلى ألقابهم تجدهم كانوا من أهل العمارة والصناعة والزراعة، انظر ms376 إلى ألقابهم ~~تجدهم كانوا من أقطاب السعي في سبيل الرزق الحلال. # كن كيف شئت في فهم الدنيا والمعاش، ولكن تذكر أن المتصوف رجل دقيق الإحساس، وأنه لا ~~يهون عليه في سبيل الدنيا ما يهون عليك، ومن أجل هذا تراه في أدبه صادقا كل الصدق، ~~وتكاد تلمس في كل سطر بل كل حرف أنه يخفي بلية موجعة رماه بها التصون والعفاف. # وما نريد نسلك جميع المتصوفين في سلك واحد، هيهات، فنحن نحتقر التبلد الذي يوسم ~~بالتعفف. ولكنا لا نملك الغض من الأدب الحق، أدب النفوس التي ترحب بالفقر حين لا ينال ~~الغنى إلا بالذل، ولا يدرك إلا بالضيم. # وفي ظلال هذه المعاني نقرأ أدب الصوفية في ذم الغنى ومدح الفقر، فنراه صورا طريفة من ~~أحوال النفوس والقلوب، ونرى أنفسنا أمام صروح عالية من مكارم الأخلاق. # إن الصوفية الصادقين لا يؤثرون الفقر إلا فرارا من المال المشوب بالشبهات. والخوف ~~على النفس والقلب والضمير من أدناس الحرام هو خوف نبيل لا يستشعره غير صحاح ~~القلوب. # وما أسعد من ينفرون من الحرام، ولا يأنسون بغير الحلال! # | آداب الطعام # متابعة الصوفية للرسول في خشونة الطعام # الصوفية يتابعون الرسول في خشونة الطعام، والرضا منه بالقليل، وكان # صلى الله عليه وسلم # يأكل خبز ~~الشعير غير منخول، وما ذم طعاما قط، لكنه إن أعجبه أكله، وإن كرهه تركه، وإن عافه لم ~~يبغضه إلى غيره، وكان يلعق بأصابعه الصحفة، وكان يلعق أصابعه من الطعام حتى تحمر. ~~وكان لا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه واحدة واحدة، وكان لا يسأل أهله طعاما ولا ~~يتشهاه عليهم، ما أطعموه أكل، وما أعطوه قبل، وما سقوه شرب، وكان ربما قام فأخذ بنفسه ~~ما يأكل أو يشرب. # 1 # نفرتهم من البطنة وإيثارهم للحرمان # وكان يقول: «إياكم والبطنة فإنها مفسدة للبدن، مورثة للسقم، مكسلة عن العبادة»، ~~ويقول: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا ~~بد فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس». # 2 # وقد أثرت عن ms377 الصوفية أقوال في النهي عن كثرة ~~الطعام، قال مالك بن دينار: «وددت أن رزقي حصاة أمصها فقد ضجرت من كثرة تردادي إلى ~~الخلاء» وباع جارية فزارته يوما فقال: كيف ترين مواليك؟ فقالت: ما أكثر خير بيوتهم! ~~فقال: أخبرتني عن عمران حشوشهم». # 3 # وهو بهذا لا يتمثل طيبات الطعام إلا مقرونة بما ستصير إليه! # ويمكن الجزم بأن سياسة الصوفية فيما يختص بالطعام كانت قائمة على أساس الحرمان # 4 # وكان فيهم من يصوم الدهر «ولا يفطر غير أيام العيدين وأيام التشريق # 5 ~~»، وسمع شعيب بن حرب يقول: «أكلت في عشرة أيام أكلة، وشربت شربة»، # 6 # وتحدث التستري عن نفسه فقال: «رجعت إلى تستر فجعلت قوتي اقتصارا على أن ~~يشتري لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن ويخبز لي فأفطر عند السحر كل ليلة على أوقية ~~واحدة بحتا بغير ملح ولا إدام، فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة. ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ~~ليال، ثم أفطر ليلة، ثم خمسا ثم سبعا، ثم خمسأ وعشرين ليلة، وكنت عليه عشرين سنة». # 7 # ومن الصوفية من حدث عن نفسه أنه تقوت في بضعة ~~عشر يوما - أو سبعة عشر يوما - خمس حبات، أو قال: ثلاث حبات، فقيل له: وكيف عملت؟ ~~فقال: لم يكن عندي غيرها، فاشتريت بها لفتا، وكنت آكل كل يوم واحدة. ولا عبرة بأن ~~يقال: إن هذا الرجل اكتفى بهذا القدر للضرورة فقد أثر عنه أنه كان لا يسأل أحدا شيئا. # 8 # قبول فريق منهم لأطعمة السلاطين # ومع إيثار الصوفية للإقلال من الطعام، والرضا من العيش بالدون ، كان فيهم من يأكل ~~طعام السلاطين ويقبل جوائزهم، وقد بلغ ابن عبد البر، وهو بشاطبة، أن قوما عابوه بأكل ~~طعام السلطان وقبول جوائزه، فقال: # قل لمن ينكر أكلي # لطعام الأمراء # أنت من جهلك هذا # في محل السفهاء # لأن الاقتداء بالصالحين من الصحابة والتابعين، وأئمة الفتوى من المسلمين من السلف ~~الماضين هو ملاك الدين # 9 # فقد كان زيد بن ثابت وهو من الراسخين في العلم يقبل جوائز معاوية وابنه ~~يزيد، ms378 وكان ابن عمر مع ورعه وفضله يقبل هدايا صهره المختار بن أبي عبيد، ويأكل طعامه، ~~ويقبل جوائزه. وقال عبد الله ابن مسعود - وكان قد ملئ علما - لرجل سأله فقال: إن لي ~~جارا يعمل بالربا ولا يجتنب في مكسبه الحرام يدعوني إلى طعامه فأجيبه؟ قال: نعم، لك ~~المهنأ، وعليه المأثم، ما لم تعلم الشيء بعينه حراما. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~حين سئل عن جوائز السلاطين: لحم ظبي ذكي. وكان الشعبي - وهو من كبار التابعين وعلمائهم ~~- يؤدب بني عبد الملك بن مروان ويقبل جوائزه ويأكل طعامه. وكان إبراهيم النخعي وسائر ~~علماء الكوفة والحسن البصري مع زهده وورعه وسائر علماء البصرة وأبو سلمة بن عبد الرحمن ~~وأبان بن عثمان والفقهاء السبعة بالمدينة - حاشا سعيد بن المسيب - يقبلون جوائز ~~السلطان. # وكان مالك وأبو يوسف والشافعي وغيرهم من فقهاء الحجاز والعراق يقبلون جوائز السلاطين ~~والأمراء، وكان سفيان الثوري مع ورعه وفضله يقول: جوائز السلطان أحب إلي من صلة ~~الأخوان؛ لأن الإخوان يمنون والسلطان لا يمن، ومثل هذا عن العلماء والفضلاء كثير قد ~~جمع الناس فيه أبوابا. # 10 # ويظهر من هذا أن الصوفية كانوا فريقين: فريقا يبالغ في الإقلال من الطعام ويروض نفسه ~~على الجوع، وفريقا يتسامع بعض التسامح فيوسع على نفسه بأكل ما يصل إليه من أطعمة ~~السلاطين والأمراء. # ولكن الحال الغالب عليهم هو الحرمان، وكان فيهم من يحرص على خبز الشعير # 11 # ويتجنب ترف الاستحمام، # 12 # وإيثار الشعير له معناه، فهو في خشونته من حيث المطعم يناسب الصوف في ~~خشونته من حيث الملبس، وإذا التقت خشونة الطعام وخشونة اللباس مع هجر الحمام نشأت عن ~~ذلك صورة شعثاء لا يتمثلها الرجل المترف إلا بعنف شديد. # ولا جدال في أن لذلك تأثيرا على الأخلاق؛ لأن المرء يتأثر في أخلاقه بما يأكل وما ~~يلبس، فما قيمة ذلك من الوجهة الأخلاقية؟ # فضل الجوع في كبح الشهوات # نستطيع أن نجزم بأن سياستهم في الطعام لها أثر بالغ في حرب الشهوات، فالرجل لا تصبو ~~نفسه، ولا يطمح ms379 بصره إلى الحسن الممنوع، إلا حين ينشط الجسم وتهيج الحواس، وهيهات أن ~~تستيقظ جوارح رجل يكتفي بخبز الشعير، ثم لا يأكل منه إلا القليل. # والذين يتخلقون بأخلاق الصوفية في الطعام يستطيعون بسهولة أن يستهينوا بما تعرض ~~الحياة من صنوف الشهوات. وقد كنت وأنا طالب في الأزهر أكتفي بالخبز الجاف مصحوبا بأدام ~~تافه هو الفول المدمس في الصباح، والفول النابت في المساء، وكنت يومئذ في ميعة الشباب، ~~ومع ذلك لا أذكر أني تعرضت لشهوة جامحة أو هوى غلاب. # هذا جانب من الفضل في تلك السياسة الصوفية. # 13 # أثر الجوع في قتل الحيوية # أما الجانب الآخر فهو الخطر الذي يهدد من يكتفون بالطعام الخشن القليل. # إن الجوع يقتل الحيوية، ويروض الجائع على صغر النفس، وموت العزيمة، وانحلال الشخصية. ~~ولا يمكن لرجل يكتفي بأكلة واحدة في الأسبوع أن يكون من رجال الأعمال. وما الذي يحمل ~~المرء على التفكير في عظائم الأمور وهو يعيش في العام بدراهم معدودات؟ # فضل الطعام في إعداد الرجال لجلائل الأعمال # إن الطعام يقوى شهوة النهم، كما يقول البوصيري، والنهم يتطلب وقودا من طيبات ~~الأرزاق، والرزق الطيب لا ينتهب ولا يختلس، ولكنه يأتي بفضل العزيمة المتوثبة والساعد ~~المتين. # فلا حرج علينا بعد هذا البيان، من التصريح بأن الصوفية فتنوا العالم الإسلامي، وأضروا ~~به حين حببوا إليه الظمأ والجوع. # ونظرة في مدينة كالقاهرة ترينا شاهد ذلك: فطبقات العوام يحمدون الله على الخبز والملح ~~والماء، ومن أجل هذا يسيرون في الحياة بخطوات بطيئة متثاقلة، ويكتفون بالمساكن القذرة، ~~والمآكل الخسيسة، والملابس الرخيصة، على حين يقتحم الأجانب حصون المنافع الاقتصادية ، ~~ويأكلون الطيبات، ويقيمون في أحياء جميلة هم منشئوها، ويعرفون أدب الزينة وأدب ~~الاستقبال. # ولو سألت الرجل الذاوي الجسم بفضل الجوع أن يتأهب للحرب لتردد وجزع، وكيف يرحب بالحرب ~~وليس له فيها مغنم مرموق؟ أما الرجل الذي عرف أطايب العيش ففيه من قوة المراس، وحب ~~النضال، والشوق إلى العراك، ما يدفعه إلى المخاطرة بنفسه في سبيل ما تنتج الحرب من ~~مغانم وأسلاب. # والموت نفسه قد ms380 يتمثل للرجل السليم متعة رياضية، أما الجسم العليل فق شبع من ~~الموت!! # السر في إسراف الصوفية حين يتحدثون عن الطعام # ولكن ما رأى القارئ في أن الحرمان الذي كاد يلتزمه الصوفية عاد بشيء من النفع على ~~قواعد الأخلاق؟ # الشبه بينهم وبين شعراء البادية # لقد حرم الصوفية أنفسهم من الطعام، فكان ذلك الحرمان سببا لإكثارهم من التحدث عن ~~الطعام، وأدب الطعام، ومثلهم في ذلك مثل شعراء البادية، فإن قصائد المديح في الجاهلية ~~وصدر الإسلام يكثر فيها الكلام عن اللحوم والألبان، ويكثر فيها مدح الكرماء بكثرة ~~الرماد وهزال الفصلان، ويرجع ذلك إلى أن الشعراء كان أكثرهم من أهل الفقر والجوع فكان ~~نحر الجزور يتمثل لهم شيئا هائلا جدا، وكان الشعر ترقص عرائسه في أحلامهم كلما ~~تصوروا المصعب وقد جدله السيف، وكان خير الرجال عندهم من صح فيه قول النابغة ~~الذبياني: # له بفناء البيت سوداء فخمة # تلقم أوصال الجزور العراعر # 14 # وخير الناس من صح فيهم قول مسكين الدرامي: # كأن قدور قومي كل يوم # قباب الترك ملبسة الجلال # 15 # كأن الموقدين بها جمال # طلاها الزفت والقطران طالي # بأيديهم مغارف من حديد # أشبهها مقيرة الدوالي # 16 # فحرمان الصوفية من الطعام شغلهم به، وحملهم على وصف أصنافه، والتهيؤ للصبر عنه، وبسط ~~القول فيما ينبغي له من آداب. # 17 # شغلهم بترتيب أوقات التبلغ # ومصداق ذلك أنا نراهم يتحدثون عن رياضة النفس على الجوع باهتمام شديد، هو آية الحرص ~~على الطعام لو يعلمون، كأن يقول صاحب قوت القلوب: # ومن كان ذا معلوم فالمستحب له أن لا يزيد على رغيفين في يوم وليلة، وليجعل ~~بينهما وقتا طويلا مرة ، وقصيرا أخرى، على حسب الحاجة وتوقان النفس إلى ~~الغداء، لا على طرد العادة والشهوة. والرغيف ستة وثلاثون لقمة، يكون قوام النفس ~~في كل ساعة ثلاث لقمات، فإذا أراد أن يأكل الرغيف على هذا التقسيم فليجرع بعد ~~كل ثلاث لقم جرعة ماء، فذلك اثنا عشر جرعة في تضاعيف ستة وثلاثين لقمة، ففي ذلك ~~قوام الجسم وصلاحه في كل يوم وليلة على ms381 هذا الترتيب. # 18 # وهذه الرياضة اليومية، أو الساعية إن شئت، هي الشغل كل الشغل بالطعام! # رأيهم في دعوة الإخوان- أدب المائدة # وقد تحدثوا عن أدب المائدة، ودعوة الإخوان، وعن الإكثار والإقلال، فقالوا: مثلا، إن ~~من إكرام الضيف تعجيل الطعام لهم، وأفضل ما قدم إليهم اللحم، وخير اللحم السمين النضيج، ~~فإن كان بعد اللحم حلاوة فقد جمع لهم الطيبات. # 18 # وهذا التحديد له دلالة نفسية. # واستحبوا أن يأكل الرجل في منزل أخيه على نحو ما يأكل في منزله بغير تكلف ولا تزين؛ ~~لأنه قد يدخل من الرياء والتزين في الطعام مثل ما يدخل في سائر الأعمال. # 19 # وتلك دقة في فهم أحوال النفس. # رأي ابن أدهم في الطعام والأثاث واللباس # وحدثوا أن سفيان الثوري دعا إبراهيم بن أدهم وأصحابه إلى طعام فقصروا في الأكل، فلما ~~رفعوا الطعام قال له الثوري: إنك قصرت في الأكل، فقال إبراهيم: قصرت أحدهم في الطعام ~~فقصرنا في الأكل. # 19 # ودعا إبراهيم الثوري أصحابه إلى طعام فأكثر منه فقال له: يا أبا إسحق، أما تخاف أن ~~يكون هذا إسرافا؟ فقال إبراهيم: ليس في الطعام إسراف. # 19 # وهم يوصون بلعق الأصابع، وأكل ما سقط من فتات الطعامن لأنه فيما يقال من مهور الحور ~~العين. # 19 # وقال أبو سليمان الداراني: أكل الطيبات يورث الرضا عن الله عز وجل. # وهذه الجملة كررها المكي فذكرها في فصلين متجاورين، ولهذا التكرار معنى. # ومن الأخبار التي اهتموا بروايتها أن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل من السماء ~~كان فيها من كل البقول إلا الكراث، وكان فيها سمكة عند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وكان ~~عليها سبعة أرغفة، على كل رغيف زيتونتان، وحب رمان، وهذا عندهم من أحسن الطعام إذا اتفق. # 20 # وحدثوا أن الحسن البصري قال: كل نفقة ينفقها الرجل على نفسه وأبويه فمن دونهم يحاسب ~~عليها، إلا نفقة الرجل إذا دعا إخوانه إلى طعام، فإن الله سبحانه وتعالى يستحي أن يسأله ~~عن ذلك. # 21 # وحضر الثوري - وكان صوفيا - على مائدة أحد أبناء الدنيا، ms382 وكان فيه بخل فقدم حملا # 22 # فجعلوا يأكلون، فلما رآهم يمزقون كل ممزق ضاق صدره فقال: يا غلام، ارفع إلى ~~الصبيان. فرفع الحمل إلى داخل الدار، فقام الثوري يعدو خلف الحمل، فقال صاحب المنزل: ~~إلى أين، يا أبا عبد الله؟ فقال: آكل مع الصبيان! فاستحيا الرجل وأمر برد الحمل حتى ~~استوفوا منه. # 23 # وحدث أحدهم قال: كنا في جماعة عند رجل فجعل يقدم إلينا ألوان الرؤوس، منها طبيخا ~~وقديدا، فجعلنا نقصر في الأكل نتوقع بعد الألوان حملا أو جديا. قال: فجاءنا بالطست ~~ولم يقدم إلينا غيرها، فقال لي بعض الشيوخ من أهل التصوف وكان مزاحا: هو تعالى يقدر أن ~~يخلق رؤوسا بلا أبدان! قال: فبتنا تلك الليلة جياعا، فطلب بعضنا في آخر الليل خبزا ~~أو فتيتا لسحوره. # 24 # ودفع إبراهيم بن أدهم إلى بعض إخوانه دراهم فقال: خذ لنا بهذه زبدا وعسلا وخبزا ~~حورانيا، فقال: يا أبا إسحق، بهذا كله؟! فقال ابن أدهم: ويحك! إذا وجدنا أكلنا أكل ~~الرجال، وإذا عدمنا صبرنا صبر الرجال. وأصلح ذات يوم طعاما فأكثر، ودعا نفرا يسيرا ~~منهم الثوري والأوزاعي، فقيل له: أما تخاف أن يكون هذا إسرافا؟ فقال: ليس في الطعام ~~إسراف، إنما الإسراف في الأثاث واللباس. # 25 # وحدثوا عن سهل أنه سئل كيف كان في بدايته فأخبر بضروب من الرياضات منها أنه كان يقتات ~~ورق النبت مدة، ومنها أنه أكل دقاق التبن ثلاث سنين، ثم ذكر أنه اقتات ثلاثة دراهم ثلاث ~~سنين، قيل: وما هو؟ قال: كنت أشتري في كل سنة بدانقين تمرا، وأربعة دوانق كسبا، ثم ~~أعجنها عجنة، ثم أجزئها ثلث مئة وستين كبة أفطر في كل ليلة على كبة، فقيل له: فكيف أنت ~~في وقتك هذا؟ قال: آكل بلا حد ولا توقيت. # 25 # وكان معروف الكرخي يهدي إليه طيبات الطعام فيأكل فيقال له: إن أخاك بشرا لا يأكل من ~~هذا. فيقول: أخي بشر قبضه الورع، وأنا بسطتني المعرفة، ثم قال: إنما أنا ضيف في دار ~~مولاي، إذا أطعمني أكلت، وإذا جوعني ms383 صبرت، مالي والاعتراض والتخير! # 25 # فهذا كله دليل على شغفهم بالطعام، ومع هذا كان فيهم متكبرون، وهم عند بعضهم من أنقة ~~النفوس، قال قائلهم: أنا لا أجيب دعوة. قيل: ولم؟ قال: انتظار المرقة ذل. وقال آخر: إذا ~~وضعت يدي في قصعة غيري ذلت له رقبتي. وكان بعضهم يقول: لا تجب دعوة إلا من يرى لك أنك ~~أكلت رزقت. وأنه سلم إليك وديعة كانت لك عنده، ويرى لك الفضل في قبولها ~~منه. # 25 # نفرة بعضهم من إجابة الدعوات # هذا، ولا مفر من الاعتراف بأن ما وضع الصوفية في كتبهم من أدب الطعام أكثره مقبول، ~~يشهد بحسن الفهم وسلامة الذوق، ويدل على بصر بأوضاع الحياة الاجتماعية. ولايمنع من صحته ~~ما نراه من تغير آداب الأطعمة والموائد، فإنا لا نحكم لهم أو عليهم إلا بعد أن نتمثل ما ~~كانوا عليه من الحياة الفطرية، ولكل زمن آداب. # | آداب الصيام # ينظر الصوفية إلى الصيام نظرة خلقية وروحية، وهم يقسمونه إلى ثلاث درجات: # صوم العموم. # وصوم الخصوص. # وصوم خصوص الخصوص. # أما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر ~~واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم ~~الدنية، والأفكار الدنيوية، وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية، كما عبر الغزالي في الجزء ~~الأول من الإحياء. # وليس الطعام وحده، ولا الشراب وحده، ولا اللمس وحده، مما يفطر به الصائم عند الصوفية. ~~فهناك أشياء يفطر بها الصائمون ويفسد بها الصيام وليست مع ذلك من اللمس أو الطعام أو ~~الشراب، فالصائم يبطل صومه في نظر الصوفية بالفكر فيما سوى الله عز شانه واليوم الآخر، ~~وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين لعد ذلك من زاد الآخرة. # ويرى بعض الصوفية أن من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه ~~خطيئة؛ لأن ذلك لا يقع إلا من قلة الوثوق بفضل الله وقلة اليقين بالرزق الموجود. # وصوم خصوص الخصوص لا يتم إلا بستة ms384 أمور: # الأول: # غض البصر وكفه عن النظر إلى كل ما يذم وكل ما يكره، وإلى ما يشغل القلب ~~وينهى عن ذكر الله. # الثاني: # حفظ اللسان عن الفضول - وهم يعبرون ~~عنه بالهذيان - وحفظه عن الكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة ~~والمراء وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله وتلاوة القرآن. # ومن الصوفية من يرى أن الغيبة تفسد الصوم، وهم يستندون إلى أحاديث مروية ~~عن الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~. # الثالث: # كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه؛ لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه. ~~ولذلك سوى الله سبحانه بين السمع وأكل السحت فقال: # سماعون للكذب أكالون للسحت # وقال: # لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ~~عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ~~. # الرابع: # كف بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل، وكفها عن المكاره، وكف البطن ~~عن الشبهات وقت الإفطار؛ لأنه لا معنى للصوم عن الحلال ثم الإفطار على ~~الحرام. # الخامس: # أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ فما من وعاء أبغض ~~إلى الله من بطن مليء من حلال، فالصوم يراد به قهر أهواء النفس أو كما ~~يقولون قهر عدو الله الشيطان، وقهر أهواء النفس أو كما يقولون كسر الشهوة ~~لا يتم لمن يتدارك عند فطره ما فاته في نهاره من ألوان الطعام ~~والشراب. # ولم يفت الصوفية أن ينصوا على ~~الخطر الذي يهدد من يسرف في الأكل بعد أن تخوى معدته، وهم يرون ذلك يضاعف ~~قوة النفس ويساعد على انبعاث الشهوات. # ومن رأى الصوفية أنه لا يليق بالصائم أن يأكل عند الإفطار أكثر مما كان ~~يأكل لو لم يصم؛ لأن الغرض من الصيام هو حرمان النفس من مألوفها قبل ~~الصيام، والذي يملأ معدته عند الإفطار على نية التعويض تعويض المعدة ما ~~فاتها بالصيام لم يرد لنفسه من الخير إلا قليلا. # السادس: # أن يكون قلبه بعد الإفطار مضطربا بين الخوف والرجاء؛ إذ ليس يدري أيقبل ~~صومه فهو من المقربين؟ أم يرد عليه فهو من الممقوتين؟ # ومفسدات الصوم عند الصوفية هي اقتراف المكاره، أما ~~المفطر بالطعام ms385 والشراب فهو أخف من ذلك. وعندهم أن من كف عن الأكل والجماع وأفطر بالآثام ~~مثله مثل من مسح على أعضائه في الوضوء ثلاث مرات، ومن فعل ذلك فصلاته مردودة عليه؛ لأنه ترك ~~المهم وهو الغسل. أما الذي يصوم بجوارحه عن المكاره ويفطر بالأكل فمثله مثل من غسل أعضاءه ~~مرة مرة فصلاته متقبلة لإحكامه الأصل وإن ترك الفضل. # ومعنى ذلك بصريح العبارة أن المهم في الصوم هو كف الجوارح عن الآثام، والإفطار بالطعام ~~ليس بشيء عند الصوفية، وإنما هو شبيه بمن تفوته السنة في آداب الوضوء، أما الإفطار بالمآثم ~~فهو أخطر ما يعرض له الصائمون وليس لآثم عندهم صيام وإن قتله الظمأ والجوع. # وعند تأمل هذه الأحكام نرى الصوفية يقفون عند المعاني وهم بذلك يخالفون رجال الشرع الذين ~~يجعلون غاية الصوم أو شرائط الصوم موقوفة على الكف عن شهوات الحواس. # وليس معنى هذا أن الصوفية لا تهمهم ظواهر الصيام، لا، وإنما يرون وقوف الصيام عند الجوع ~~والعطش غاية سوقية لا يتسامى إليها أرباب القلوب. # هم لا ينكرون أثر الظمأ والجوع في كسر الشهوات، ولكنهم يرون كف النفس عن الآثام غاية ~~الغايات، وكل طاعة هي عندهم باب لإصلاح النفوس. # والصوفية هم الذين عطروا أيام الصوم بالأنفاس الروحية، وإليهم يرجع الفضل في نظم ما ساد ~~على ألسنة الناس من الأناشيد، وقد سلكوا مسالك مختلفة من التنغيم والتطريب، وكثرت منظوماتهم ~~في الفن الغنائي الذي يعرف باسم «كان وكان» وإليكم هذا الشاهد الطريف: # أيا من عمره طال # إلى كم أنت بطال # جميع الدهر نقال # على دهرك أثقال # تبارز بالمعاصي # وعنا أنت قاصي # وتدعو بالخلاص # وما عندك إقبال # إلى الغيبة ترتاح # وما عندك إصلاح # وما يرضيك يا صاح # سوى قد قيل أو قال # تمد الطرف في الصوم # ولا تخشى من اللوم # ليكتب منك في اليوم # وفي الليلة أفعال # فتب ذا الشهر كي يمضي # وكمل صومه فرضا # لعل الله أن يرضى # ويصلح منك أحوال # وإليكم هذا الشاهد: # إن كنت تطلب توبه # انهض فهذا وقتها # فبعد خمس ليال ms386 # يقال فرغ رمضان # يرحل وما أودعته # إلا زخاريف العمل # وا حسرتك حين يشهد # عليك بالخسران # تصوم نهارك ولما # تفطر تحصل فايتك # تشبع وتنسى الجائع # هذا هو الخذلان # تقطع صيامك غيبه # والصوم قبوله من عجب # تأكل لحوم العالم # وترتجي الإحسان # من ليس يحفظ لسانه # ولا الجوارح من زلل # ما له من الصوم إلا # يقضي النهار جوعان # بالله عليك قم ودع # شهر الصيام قبل السفر # ولا تخليه يرحل # وهو عليك غضبان # بيض سواد الصحيفة # فالموت أدنى من نفس # وخف إلهك تحظى # منه غدا بأمان # وفي رحاب الصوفية ظهرت القصيدة المشهورة التي يتغنى المنشدون في توديع رمضان: # شهر الصيام لقد كرمت نزيلا # ونويت من بعد المقام رحيلا # وأقمت فينا ناصحا ومؤدبا # وشفيت منا بالفؤاد غليلا # نبكيك يا شهر الصيام بأدمع # تجري فتحكي في الخدود سيولا # أسفأ على الأنس الذي عودتنا # وصنيع فعل لا يزال جميلا # شهر الأمانة والصيانة والتقى # والفوز فيه لمن أراد قبولا # تبكي المساجد حسرة وتأسفا # إذ عطلت من أنسه تعطيلا # فيه الجنان تفتحت لقدومه # وتزينت ولدانها تجميلا # وتفيأت أشجارها بظلالها # وقطوفها قد ذللت تذليلا # وهي قصيدة طويلة يجدها القارئ في كتاب الروض الفائق. # وللصوفية توسلات خاصة بشهر رمضان: # إلهي، وقف السائلون ببابك، ولاذ الفقراء بجنابك، ووقفت سفينة المساكين على ساحل ~~كرمك، يرجون الجواز إلى ساحة رحمتك ونعمتك. # إلهي، إن كنت لا تكرم في هذا الشهر الشريف إلا من أخلص لك في صيامه، فمن للمذنب ~~المقر إذا غرق في بحر ذنوبه وآثامه. # إلهي، إن كنت لا ترحم إلا الطائعين، فمن للعاصين؟ وإن كنت لا تقبل إلا العاملين، ~~فمن للمقصرين؟ # إلهي، ربح الصائمون، ونحن عبيدك المذنبون، فارحمنا برحمتك، وجد علينا بفضلك ~~ومنتك، واغفر لنا أجمعين برحمتك ، يا أرحم الراحمين. # ولهم فيه تأوهات وحسرات كلوعة الذي يقول: # إخواني، ما أحسن من خلع عليه مولاه خلع القبول! وما أنعم بال من بلغه غاية ~~المقصود والسول! وما أشقى من رد عليه صيامه، وأحصي عليه قبحه وآثامه، ومضت في ~~البطالة شهوره وأعوامه، وآثر شهوة نفسه على ms387 خدمة ربه إلى أن ذهبت ساعاته ~~وأيامه!! # وجملة القول أن الصوفية يرون الصيام فرصة من فرص القلب والروح، وترك الطعام والشراب هو ~~أهون ما يفكر فيه الصائمون، والأصل عندهم أن يسلم القلب من الزيغ وأن تسلم الجوارح من آفات ~~البغي والعدوان. وكذلك كانت أقوالهم في الصوم وآدابه مغمورة بمعاني الرفق والصفاء. # ولا يمكن القارئ أن يتصور مبلغ ما صنع الصوفية في تحبيب الصوم إلا إن زار المساجد في ~~رمضان؛ فهناك يجد الترتيل والتسبيح والتهليل، وهي تقاليد طريفة يرجع الفضل في إقامتها ~~وتثبيتها إلى الصوفية، وهم قوم لم يشغلهم الحرام والحلال وإنما انغمست أرواحهم في لطف ~~الغناء فكانت أحاديثهم وأناشيدهم ترتيلات قدسية لا يدرك أسرارها غير أرباب القلوب. # إن رجال الشريعة يختلفون فيما ينعقد به الصوم من النية، أما الصوفية فيوجبون النية في كل ~~لحظة، ويرون رمضان كله موسما سنويا تطهر فيه السرائر والنفوس. # ورجال الشريعة يختلفون فيما يفسد الصوم، ولهم في ذلك مزالق؛ لأنهم يقفون عند المحسوس من ~~الطعام والشراب. أما الصوفية فيشغلون بحساب النفس، ويرون الصوم أصلا من الأصول في تطهير ~~النفوس والقلوب، والصائم عندهم لا يشغل نفسه بحديث الظمأ والجوع، كما يفعل العوام من أشباه ~~الصالحين، وإنما يشغل نفسه بالحقائق الجدية، ويتسامى إلى الاتصال برب العزة ~~والجبروت. # ينظر العامي إلى الهلال فيراه فاتحة للمعجزات الحسية، وينظر الصوفي إلى الهلال فيراه ~~فاتحة لطوائف من المعاني الروحية، وإذا كان الصائم من العامة يفرح عند الغروب؛ لأنه سيرجع ~~إلى الحرية الطبيعية فإن الصوفي لا يفرح عند الغروب إلا حين يوقن أنه قضى يوما سعيدا لم ~~يدنس فيه لسانه بغيبة أو نميمة، ولم يأثم قلبه بالتفكير فيما سوى الحضرة الربانية. # الصوم هو صوم الصوفية، والصوفية هم الناس، ومن عداهم أشباح بلا أرواح. # وما فضل الجوع في تهذيب النفوس؟ إن لحظة واحدة من كبح جماح النفس وصدها عن شهوات البغي ~~والعقوق أفضل وأشرف من ألف يوم يقضيها العامي في الظمأ والجوع. # إن الصوم عن الطعام ليس بشيء في جانب الصوم عن الآثام. وهل ms388 يتشهى الناس الطعام بقدر ما ~~يتشهون الوقوع في الأعراض!! # ما هو الكف عن أكلة يتشهاها البطن؟ إن العزيمة الصادقة لا تعرف إلا في إقامة العدل؛ لأن ~~ابن آدم يتشهى الظلم أكثر مما يتشهى أطايب الطعام والشراب. # الصوم صوم النفوس لا صوم البطون، الصوم الأعظم هو الكف عن إيذاء الناس، ومن هنا صح لبعض ~~الصوفية أن يقول: # إذا ما المرء صام عن الدنايا # فكل شهوره شهر الصيام # | آداب الزواج # الأغلب على الصوفية أن ينفروا من الزواج، وقد استشار رجل الشعبي في التزوج فقال: «إن صبرت ~~عن الباه فاتق الله ولا تتزوج، فإن لم تصبر فاتق الله وتزوج». # 1 # وقيل لمالك بن دينار: لو تزوجت! فقال: إني طلقت الدنيا ثلاثا فلا رجعة لي ~~فيها. # 1 # وقيل لبعض الصالحين: إلام تبقى عزبا ولا تتزوج؟ فقال: مشقة العزوبة أسهل من مشقة الكد في ~~مصالح العيال. # 2 # وهذا الجواب الأخير فيه سياسة الصوفية، فهم ينفرون من الزواج هربا من تكاليف العيش، وقد ~~حمل ذلك بعضهم على ابتكار المعاذير، ولكن السبب الأصيل هو الرغبة في راحة البال. # والظاهر أن الصوفية قبل الإسلام كانوا يميلون إلى العزوبة تأسيا بالنصرانية، ولهذا رأينا ~~الرسول يحاربهم أشد الحرب، فقد قال لعكاف بن وداعة: يا عكاف، ألك امرأة؟ قال: لا. قال ~~النبي: فأنت إذن من إخوان الشياطين، إن كنت من رهبان النصارى فالحق بهم، وإن كنت منا فمن ~~سنتنا النكاح». # 3 # وهذا السؤال من جانب الرسول لا يمكن أن يقع بمثل هذه الحدة إلا إن سبق بشواهد من حياة ~~عكاف، ونرجح أنه كان لعكاف هذا آراء تشبه الدعوة إلى التبتل والرهبانية. # وقد بقي شيء من هذا المعنى في أنفس الصوفية، فإنهم حدثوا أن سبب تزويج أبي أحمد القلانسي ~~أن شابا من أصحابه خطب ابنة لصديق لأبي أحمد فلما حضر وقت عقد النكاح امتنع الشاب، واستحيا ~~من ذلك الرجل الذي كان يزوجه بابنته، فلما رأى ذلك أبو أحمد قال: يا سبحان الله! يزوج رجل ~~بكريمته فتمتنع عليه! وعقد النكاح على أبي أحمد، ms389 فقبل أبو البنت رأسه وقال: ما علمت أن لي ~~عند الله تعالى من المقدار أن يكون لها مثلك زوج. # 4 # وهذه الحكاية فيها معنى لطيف هو أدب القلانسي في إنقاذ الموقف - كما نعبر في هذه الأيام - ~~ولكن النتيجة كانت غريبة فقد بقيت تلك الفتاة ثلاثين سنة عند أبي أحمد وهي بكر. # 4 # فمن أين جاء هذا التبتل؟ جاء من النصرانية أولا، ومن الصابئية ثانيا. # أما التبتل في النصرانية فمعروف، وأما الصابئون فإن العابد منهم ربما خصى نفسه # 5 # وفي الجزء الرابع من عيون الأخبار # 6 # أن ابن المبارك خصى نفسه وعاش مجبوبا، وتلك نزعة صابئية، ولكنا رأينا بعد ~~البحث أن ما في عيون الأخبار خطأ، وأن الذي خصى نفسه هو أبو المبارك الصابي، وليس ابن ~~المبارك الصوفي، وقد هدانا إلى تصحيح هذا الخطأ ما كتبه الجاحظ عن الصابئين في الجزء الأول ~~من الحيوان. # 7 # وكلام الصوفية عن الزواج يشعر بأنه كان في أنفسهم من التكاليف الثقال، وعندهم أن الفقير ~~إذا تزوج فمثله مثل رجل قد ركب السفينة فإذا ولد له فقد غرق، # 8 # ويؤيد هذا المعنى أنهم نصوا على آداب الزواج: «وليس من آدابهم أن يتزوجوا ذوات ~~اليسار ويدخلوا في رفق نسائهم، ومن أدب الفقير أن يتزوج بفقيرة مقلة وأن ينصفها، وإن رغبت ~~فيه امرأة غنية أن لا يرتفق منها». # 9 # وهذه آداب ترتكز على حفظ الكرامة، واستقلال النفس، والبعد من المغانم الدنيوية، وهم ~~يتمثلون أنفسهم فقراء، ولا يتسامون إلى المرأة الغنية، وإنما يقبلونها إن رغبت فيهم، وكانت ~~الفتيات تميل إليهم في بعض الأحيان. # ويظهر أنه كان معروفا عنهم التقصير في رعاية الأطفال، فإن السراج الطوسي يقول: ~~«وليس من آداب من تزوج أو كان له ولد أن يكل أمر عياله إلى الله تعالى، ويجب عليه أن يقوم ~~بفرضهم إلا أن يكونوا مثله في الحال». # 10 # والنص على هذا الأدب لا يقع بغير سبب، وإنما هو موجه إلى ناس كانوا يرون من التوكل أن ~~يكلوا أمر عيالهم إلى الله. # وهذا من ms390 الصوفية ضعف رأى، إن وقع منهم، وهم صالحون لقبول مثل هذا الرأي الضعيف. # 11 # وجملة القول أن الصوفية ينظرون إلى الزواج كأنه غل من الأغلال التي تشل حركة الروح، وقليل ~~منهم من يفطن إلى ما في الزواج والذرية من المعاني الروحية، فالرجل المتأهل الذي يعاني مشاق ~~العيش تتفتح أمامه أبواب من الجهاد لا تخلو من شرف ونبل، وفي رعاية الأهل ميدان لخبرة الخلق ~~والروح، وأخشى أن يكون الميل إلى العزوبة جبنا وهلعا من تكاليف الحياة، ولعله لا يكون إلا ~~كذلك، ولا عبرة بدعوى الانقطاع إلى الله، فالسعي في بر الأهل والذرية هو أيضا انقطاع إلى ~~الله. # وفي أعمال المرء كثير من الوجوه المادية، ولكنها عند النية تصبح وجوها روحية. وقصير ~~النظر هو الذي يتوهم أن العبادة لا تكون إلا في العزلة والتسبيح. # على أن في السعي للأهل تعرضا لضروب من المعاملات تتبين فيها جواهر الأخلاق، وفي الاتصال ~~بالنسا عن طريق المعاش أبواب من المحن الخلقية يعرف عندها فضل الرجل الكريم الخلال. # للصوفية أن يفروا من الزواج، ولكن عليهم أن يتذكروا أنهم يفرون من الجهاد، وأي جهاد أقسى ~~من السعي للأهل والأطفال؟ إن التصوف كل التصوف أن تواجه مكاره العيش اعتمادا على رعاية ~~الله، أما إيثار العزوبة حبا في السلامة، أو رغبة في الانقطاع إلى الله، فهو من أعمال ~~الجبناء والغافلين. # ومن الخير أن نشير إلى أن من الصوفية من لم يفته الترغيب في الزواج، وإن كان نفر منه ~~المريدين، فقد حدث المكي أن بشر بن الحارث كان يقول في أحمد بن حنبل: فضل علي بثلاث: بطلب ~~الحلال لنفسه ولغيره وأنا أطلب الحلال لنفسي، واتساعه للنكاح وضيقي عنه، وقد جعل إماما ~~للعامة وأنا أطلب الوحدة لنفسي. ونقل أن بشر بن الحارث رؤى في المنام بعد وفاته فسئل عن ~~حاله فقال: رفعت سبعين درجة في عليين، وأشرف بي على مقامات الأنبياء، ولم أبلغ منازل المتأهلين، # 12 # وأنه قال: وعاتبني ربي عز وجل فقال: يا بشر، ما كنت أحب أن تلقاني عزبا، وأن ms391 ~~صاحب الرؤيا قال له: ما فعل أبو نصر التمار؟ فقال: رفع فوقي سبعين درجة، فقال الحالم: ~~بماذا؟ فقال: بصبره على بناته والعيال. # 13 # ومضى فحدث أن ابن مسعود كان يقول: لو لم يبق من عمري إلا عشرة أيام أموت في آخرها لأحببت ~~أن أتزوج ولا ألقى الله عز وجل وأنا عزب، وأن رسول الله قال: تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر ~~بكم الأمم يوم القيامة، حتى بالسقط والرضيع. # 13 # وحدث أيضا أن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزوج فيأباه برهة من دهره، فانتبه من نومه ~~ذات يوم فقال: زوجوني! فسئل عن سبب ذلك فقال: رأيت في نومي كأن القيامة قد قامت وكنت في ~~جملة الخلائق في الموقف وبي من العطش ما يكاد يقطع عنقي، وكذلك الخلائق في شدة العطش من ~~الحر والشمس والكرب. قال: فبينا نحن كذلك إذ الولدان يتخللون الجمع عليهم مناديل من نور، ~~وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب، وهم يسقون الواحد بعد الواحد، ويتخللون الجمع ~~ويجاوزون أكثر الناس. قال: فمددت يدي إلى أحدهم فقلت: اسقني شربة فقد أجهدني العطش. فقال: ~~ليس لك فينا ولد، إنما نسقي آباءنا. فقالت: ومن أنتم؟ فقالوا: نحن من مات من أطفال المسلمين. # 14 # ورواية أمثال هذه الأخبار هي دعوة إلى الزواج، وهذه الأحلام نفسها تدل على أن من الصوفية ~~من كان يشعر بأهمية الزواج من الوجهة الدينية. # ولنقيد ما تنبه إليه أحدهم من فضيلة الصبر على البنات والعيال، فهي لمحة تدل على بصر ~~بعزائم الأمور في عالم الأخلاق. # على أن الصوفية في زواجهم وعزوبتهم ينتهون إلى غاية واحدة هي الفناء، والرجل الجائع ~~الخامد يعسر عليه أن يأتي بنسل متين، وما نظن الرسول يكاثر بالأنباء الضعفاء، إنما يكاثر ~~بالذرية القوية التي تحفظ الثغور وتقيم الحصون، وهؤلاء لا ينجبهم إلا من يعرفون قوة الجسم ~~قبل أن يعرفوا صفاء الروح، وذخيرة الأمم في العوام لا في الخواص. # | أدب الأخوة # اهتمام الصوفية بالأخوة # اهتم الصوفية بالأخوة أبلغ اهتمام، ولم يفرط منهم في بيان آدابها إلا القليل، وهم ms392 ~~يرون أنفسهم مسئولين عن رعاية ما سنه الحكماء في مختلف الملل من أدب الصداقة والوداد، ~~فيروون ما أثر عن النصارى واليهود، والفرس والروم، ويتمثلون بكلام الشعراء، وإن لم يكن ~~أولئك الشعراء من المعروفين بالزهد والصلاح. # وقد يستطيع الناقد أن يجد مغمزا في أكثر ما سن الصوفية من شرائع الأخلاق، ولكن ما ~~كتبوه عن أدب الأخوة أمنع من أن يمتد إليه فكر بغمز أو تجريح، فهؤلاء الناس فهموا ~~الصداقة كما ينبغي أن تفهم، وكلامهم فيها كلام من يعرف قيمة الصديق، ولا نبالغ إذا قلنا ~~إن أكثر من كتبوا في آداب المودة عيال عليهم؛ لأن الصوفية يتكلمون عن الألفة كلام من ~~يعتقد أنه سيحاسب يوم القيامة عما قدم في عالم الأخوة والوداد. فلا تسأل أين الجديد في ~~كلامهم عن الصداقة، ولكن انظر إلى الحماسة التي صوروا بها أواصر المودة لترى فضلهم في ~~تعريف الناس بحقائق الإخاء، وليس المهم أن تدعو إلى فكرة، ولكن المهم أن تصل بالفكرة ~~إلى أعماق القلوب. # ولسنا في حاجة إلى تأكيد أهمية الصداقة في الحياة الروحية والاجتماعية، فمشاكل ~~الأفراد والجماعات يرجع أكثرها إلى انفصام عرى المودة بين الناس، ولو عرفت الجماهير كيف ~~تتعامل وكيف تتواد لانعدمت أصول كثيرة من جراثيم الشقاق. # وباب الأخوة والصحبة في مؤلفات الصوفية باب نفيس نود لو أخذت منه صورة للمطالعة في ~~المدارس الثانوية، ففيه من الحكم والأمثال والأقاصيص نكت بديعة تمتع العقل والروح. ~~وفيما كتب الصوفية عن أدب الأخوة ما يكفي لتوجيه النفوس إلى الاقتناع بأن الأخوة مشكلة ~~أخلاقية، وأنها جديرة بأن تكون مما يضوع في الموازين عند تقويم ملكات الرجال. # الأخوة عمل ينفع # وأعجب ما تنبهت له من كلام الصوفية ما قيل: إن الأخوين في الله عز وجل إذا كان أحدهما ~~أعلا مقاما من الآخر رفع الآخر معه إلى مقامه، وأنه يلحق به كما تلحق الذرية بالأبوين ~~والأهل بعضهم ببعض؛ لأن الأخوة عمل كالولادة. # 1 # الأخوة عمل كالولادة؟ هذا والله عجيب، وهو يدلنا على فهمهم للمشقات التي يعانيها من ~~ينشئون الأخوات، فالمودة ms393 في تصورهم تحتاج إلى ضروب من السياسة العملية لا يصبر عليها ~~إلا الراشدون، والذي يرعى صديقه لا يقل جهدا عن الذي يرعى ولده، وله من رعاية الصداقة ~~أجر في الآخرة يساوي أجره في رعاية الأهل والأطفال. # من هو الصديق في عرف الصوفية؟ # ولكن من هو الصديق في عرف الصوفية؟ # هو الأمين، ولا أمين إلا من خشي الله عز وجل، فلا تصحب الفاجر فتعلم فجوره، ولا تطلعه ~~على سرك. وليكن صاحبك من إذا خدمته صانك، وإن قعدت بك مؤونة مانك، وإن مددت يدك بخير ~~مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى منك سيئة سدها، وإن سألته أعطاك، وإن سكت ابتداك، ~~وإن نزلت بك نازلة واساك، وإن قلت صدق قولك، وإن تنازعتما آثرك، إن صديقك هو من يسد ~~خللك، ويستر زللك، ويقبل عللك. ومن حق الصديق عليك أن تتجاوز له عن ثلاث: عن ظلم الغضب، ~~وظلم الهفوة، وظلم الدالة. # 2 # ذلك هو الصديق في عرف الصوفية، فهو أولا رجل يخاف الله، وهو ثانيا رجل مواس ألوف، ~~كثير الصفح، وافر الحياء. # الأخ والصديق # وهذا الصديق أخ لك لم تلده أمك، والقرابة تحتاج إلى مودة، أما المودة فلا تحتاج إلى ~~قرابة، وقد قيل لحكيم بن مرة: أيما أحب إليك، أخوك أم صديقك؟ فقال: إنما أحب أخي إذا ~~كان صديقا، # 3 # وقال أكثم ابن صيفي: يا بني، تقاربوا في المودة، ولا تتكلوا على القرابة، # 4 # وكان عبد الله بن الحسن البصري يعرف إخوان الحسن إذا جاءوه لطول لبثهم ~~عنده، ولشدة شغله بهم، فيقول لهم: لا تملوا الشيخ! فكان الحسن إذا علم ذلك يقول: دعهم ~~يا لكع، فإنهم أحب إلي منكم، هؤلاء يحبوني لله عز وجل، وأنتم تريدوني للدنيا # 5 # وكان الحسن وأبو قلابة يقولان: إخواننا أحب إلينا من أهلينا وأولادنا؛ لأن ~~أهلينا يذكرونا الدنيا وإخواننا يذكرونا الآخرة. # 6 # فأساس العلاقة هو العمل الصالح لا المنافع الدنيوية، وأخوة القرابة عديمة القيمة إذا ~~عريت من أخوة المودة، وهذه نظرة سليمة تصلح لجميع الناس في كل زمان ms394 ومكان. # الحب في الله # وأصل الحب أن يكون في الله، وقد روي عن النبي أنه قال: ينصب لطائفه من الناس كراسي ~~حول العرش يوم القيامة، ووجوهم كالقمر ليلة البدر، يفزع الناس وهم لا يفزعون، ويخاف ~~الناس ولا يخافون، وهم أولياء الله عز وجل الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فقيل: من ~~هؤلاء يا رسول الله؟ فقال: هم المتحابون في الله عز وجل. ورواه أبو هريرة فقال فيه: إن ~~حول العرش منابر من نور، عليها قوم لباسهم نور، ووجوههم نور، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، ~~يغبطهم الأنبياء والشهداء، فقالوا: يا رسول الله، صفهم لنا، فقال: هم المتحابون في الله ~~عز وجل، والمتجالسون في الله تعالى، والمتزاورون في الله تعالى # 7 # وهؤلاء المتحابون في الله إذا التقوا فهش بعضهم إلى بعض تتحات عنهم الخطايا ~~كما يتحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس # 8 # والمتآخيان في الله يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. # 8 # ومن شرط المحبة في الله: «أن لا تكون لرحم يصلها، أو لنعمة يربها # 9 ~~» فقد جاء في الأثر أن رجلا زار أخا في الله في قرية أخرى، فأرصد الله ~~تعالى على مدرجته ملكا فقال: أين نريد؟ قال: أردت أخا لي في هذه القرية. قال: هل بينك ~~وبينه رحم تصلها، أو له عليك نعمة تربها؟ قال: لا، إلا أني أحببته في الله تعالى، قال ~~الملك: فإني رسول الله إليك، إن الله تبارك وتعالى قد أحبك كما أحببته فيه. # 9 # والحب في الله يوجب التزاور والتباذل والتصافي. ولقاء الإخوان له لذة تعدل الصلاة في ~~جماعة والتهجد من الليل. # 10 # وهذا النوع من المودة هو أفضل وأشرف ما يقع بين الناس من العلاقات الوجدانية. # كيف نعامل الصديق المذن # ومن واجب المؤمن أن يرعى حرمة الصداقة، وأن يتأسى بالدعاء المأثور «يا من أظهر ~~الجميل، وستر القبيح، ولم يؤاخذ بالجريرة، ولم يهتك الستر »، # 10 # فيظهر حسنات إخوانه، ويستر مساويهم، ويتجاوز عن سيئاتهم ويسدل الستر على ما يقعون ~~فيه من خطايا ms395 وهفوات. # وقد اختلف مذهب الصحابة في الأخ يحب أخاه في الله، ثم ينقلب الآخر عما كان عليه، هل ~~يبغضه بعد ذلك؟ فكان أبو ذر يقول: إذا انقلب عما كان عليه وتغير فأبغضه من حيث أحببته، ~~وكان أبو الدرداء يقول بخلاف ذلك، وقد حدثوا أن شابا غلب على مجلسه حتى أحبه أبو ~~الدرداء، فكان يقدمه على الأشياخ ويقربه فحسدوه، وأن الشاب وقع في كبيرة من الكبائر ~~فجاءوا إلى أبي الدرداء وحدثوه وقالوا: لو أبعدته! فقال: سبحان الله ! لا نترك صاحبنا ~~لشيء. وقال بعض التابعين في مثله: إنما أبغض عمله وإلا فهو أخي. وكذلك قال الله عز وجل ~~لنبيه في عشيرته: # فإن عصوك فقل إني بريء مما ~~تعملون # ولم يقل: قل إني بريء منكم للحمة النسب، وقد قيل للصداقة لحمة ~~كلحمة النسب. وكان أبو الدرداء يقول: إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه فلا تدعه لأجل ~~ذلك، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى، وكان يقول: داو أخاك، ولا تطع فيه حاسدا فتكون ~~مثله. وقال إبراهيم النخعي: لا تقطع أخاك، ولا تهجره عند الذنب فإنه يركبه اليوم ويتركه ~~غدا. وقال أيضا: لا تحدثوا الناس بزلة العالم، فإن العالم يزل الزلة ثم يتركها، وروى ~~عن الرسول أنه قال: شرار عباد الله المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون ~~للبرآء العيب. # 11 # فالرأي الأول يقول بقطيعة المذنب، وله وجه، أما الرأي الثاني فهو غاية في التسامح، ~~وهو رأي حكيم؛ لأن مقاطعة المذنبين تغريهم بالإثم، وتزين لهم الفسوق، وتملأ صدورهم ~~بالحقد على الصالحين، وتلك جراثيم لفساد الأخلاق. # والرجل الصالح حقا هو الذي يعرف ضعف النفس الإنسانية، ويعرف كيف يسوس المذنبين ~~فينقلهم من الغي إلى الرشد، ويغنمهم لحزب الهدى بعد أن غنمهم الشيطان مرة لحزب ~~الضلال. # ولكن هذه النظرة الحكيمة ليست من حظ جميع الصوفية، وإنما هي من حظ أشرافهم الذين ~~أغنتهم نفوسهم عن كسب الشرف المزيف الذي يجتلب باسم الغيرة على الخلق والدين. # والرجل النافع هو الذي يفكر عند أول وهلة في إنقاذ من زلت قدمه، ولا ms396 يشغل نفسه عن ~~الواجب بترديد الصياح والصراخ. # وعند هذه النقطة الدقيقة تزل أقدام كثير ممن يتحدثون عن الأخلاق فأكثر أهل الغيرة ~~لا يغارون إلا على منافعهم الذاتية، ومن منافعهم أن تسمع أصواتهم باستنكار الإثم ~~والفسوق! # وللشيطان في هذه المزالق حيل شيطانية! فهو يخيل للناس أن من واجبهم أن يصيحوا ~~ويصرخوا، وأن من التهاون أن يسكتوا عن منكر رأوه بأعينهم، أو ترامت أخباره إليهم، وكذلك ~~ينطلقون فيضيفون إثما إلى إثم، وعدوانا إلى عدوان. # ولا سبيل إلى قهر الشيطان إلا بالموازنة بين الحالين: حال الغضب، وحال الستر. فالذي ~~يعلن غضبه حين يذنب أخوه يستطيع أن يضمن رضا العامة، ولكنه قد يبعد من رضا الله؛ لأن ~~إعلان الغضب قد يجر على أخيه المذنب مصائب أدبية واجتماعية، ويعرض رزقه ورزق أهله ~~للضياع، إذا كان ممن يعيشون بمعاملة الناس، وإعلان الغضب قد ينتهي إلى التشهير، ولذلك ~~عواقب وخيمة لا يستهين بها إلا الغافلون. وحين ينتهي الغضب المطبوع أو المصنوع إلى مثل ~~هذه الحال فهو بلا ريب من الكبائر عند من يفهمون دقائق الأخلاق. # أما الستر فهو من أخلاق الكرام بين الرجال، وهو عنوان النبل والدين وله مزايا ~~كثيرة: # فهو أولا دليل على الرفق، ومن واجب المؤمن أن يستر عورة أخيه، وأن ينصحه في السر لا ~~في العلانية، وهو ثانيا شاهد على نزاهة النفس؛ لأن إظهار السخط على المذنبين يرجع في ~~أكثر الأحوال إلى شهوة خفية هي حب التسلط والاستعلاء. # فإن لم يكن بد من الغضب على المذنبين فليكن ذلك في حدود العقل، فإن كانت الذنوب ~~متصلة بالمصالح الاجتماعية والمعاشية بذل الناصح جهده ليجمع بين الفضيلتين: إنقاذ ~~المذنب بالنصح، والسعي الرزين لسلامة ما يتصل بأعماله من شؤون المعاش، وإن كانت الذنوب ~~واقعة في حدود التكاليف الذاتية التي يوجبها الشرع فمن الأدب أن نترك حساب ذلك لعلام ~~الغيوب. # وليس معنى هذا أنا نقول بترك الناس يذنبون كيف يشاءون، لا، ولكنا نقول بكف عادية ~~الناصحين، فأكثر النصح ظلم وعدوان، ومن أدعياء الأخلاق من يختلق لخصومه طوائف من ~~المساوئ ms397 والعيوب، ثم يمضي فيلبس ثياب الأتقياء، وينقلب إلى واعظ يبكي على الفضيلة بدموع ~~التماسيح. وأمثال هؤلاء تروج دعواتهم، ويمسون ولهم سوق في عالم الأراجيف، وقد يفسد ~~الزمن فيكون لمفترياتهم صوت مسموع، وفي الدنيا شهداء راحوا ضحية هذه الدعاوى الباطلة، ~~دعاوى الحرص على الفضيلة والأخلاق، وبدعوى الفضيلة والخلق تنتهب حقوق، وتضيع على أهلها ~~حقوق. # وهذا الذي نقول به تنبه له كبار الصوفية، فقد كان الرجل إذا كره من أخيه خلقا عاتبه ~~فيما بينه وبينه، أو كاتبه في صحيفة. قال المكي: وهذا لعمري فرق بين النصيحة والفضيحة، ~~فما كان في السر فهو نصيحة، وما كان في العلانية فهو فضيحة، وقلما تصح فيه النية لله ~~تعالى؛ لأن فيه شناعة. # 12 # وقد أفصح الغزالي عن ذلك حين قال: # وروى في الإسرائيليات أن أخوين عابدين كانا في جبل، ونزل أحدهما ليشتري من ~~المصر لحما بدرهم، فرأى بغية عند اللحام فرمقها وعشقها واجتذبها إلى خلوة ~~فواقعها، ثم أقام عندها ثلاثا، واستحيا أن يرجع إلى أخيه حياء من جنايته، ~~فافتقده أخوه واهتم بشأنه، فنزل إلى المدينة فلم يزل يسأل عنه حتى دل عليه، ~~فدخل إليه وهو جالس معها فاعتنقه وجعل يقبله ويلتزمه، وأنكر الآخر أنه يعرفه ~~لفرط استحيائه منه، فقال: قم يا أخي؛ فقد علمت شأنك وقصتك، وما كنت قط أحب إلي ~~ولا أعز من ساعتك هذه. فلما رأى أن ذلك لم يسقطه من عينه قام فانصرف ~~معه. # قال الغزالي: فهذه طريقة قوم، وهي ألطف وأفقه من ~~طريقة أبي ذر رضي الله عنه، وطريقته أحسن وأسلم. فإن قلت: ولم قلت هذا ألطف وأفقه ~~ومقارف هذه المعصية لا تجوز مؤاخاته ابتداء، فتجب مقاطعته انتهاء؛ لأن الحكم إذا ثبت ~~بعلة فالقياس أن يزول بزوالها، وعلة عقد الأخوة التعاون في الدين، ولا يستمر ذلك مع ~~مقارفة المعصية؟ فأقول: أما كونه ألطف فلما فيه من الرفق والاستماله والتعطف المفضي إلى ~~الرجوع والتوبة لاستمرار الحياء عند دوام الصحبة ، ومهما قوطع وانقطع طمعه في الصحبة أصر ~~واستمر، وأما كونه أفقه فمن حيث أن ms398 الأخوة عقد ينزل منزلة القرابة، فإذا انعقدت تأكد ~~الحق، ووجب الوفاء بموجب العقد، ومن الوفاء به أن لا يهمل أيام حاجته وفقره، وفقر ~~الدين أشد من فقر المال، وقد أصابته جائحة، وألمت به آفة افتقر بسببها في دينه، فينبغي ~~أن يراقب ويراعى ولا يهمل، بل لا يزال يتلطلف به ليعان على الخلاص من تلك الواقعة التي ~~ألمت به، فالأخوة عدة للنائبات وحوادث الزمان، وهذا من أشد النوائب، والفاجر إذا صحب ~~تقيا وهو ينظر إلى خوفه ومداومته فسيرجع على قرب، ويستحيي من الإصرار، بل الكسلان يصحب ~~الحريص في العمل فيحرص حياء منه. # 13 # فضل الصفح والإغضاء # وعلى الصديق أن يعاتب صديقه إذا جد ما يوجب ذلك، فمعاتبة الصديق خير من فقده # 14 # ومن واجب الرجل أن يصبر لأخيه، ويشكر له، ويحلم عنه # 15 # وليتذكر أن من اقتضى إخوانه ما لا يقتضون منه فقد ظلمهم، ومن اقتضى منهم ما ~~يقتضون منه فقد أتعبهم؛ ومن لم يقتضهم فقد تفضل عليهم. # 16 # وعليه أن يزور صديقه، وأن يشيعه حين يتفضل بزيارته، وأن يسأل عنه حين يغيب، ~~فقد كان عطاء يقول: تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث، فإن كانوا مرضى فعودوهم، وإن كانوا مشاغيل ~~فأعينوهم، وإن نسوا فذكروهم. # 17 # أدب الصديق # ومن الأدب أن يسكت الرجل عن ذكر عيوب الصديق في غيبته وحضرته، وأن يسكت عن التجسس ~~والسؤال عن أحواله، وإذا رآه في طريق أو حاجة لم يفاتحه بذكر غرضه من مصدره ومورده، ولا ~~يسأله عن وجهته، فقد يثقل عليه ذلك أو يحتاج إلى أن يكذب فيه، ومن الأدب أن يسكت عن ~~أسراره التي بثها إليه، ولا يبثها إلى غيره ألبتة، ولا إلى أخص أصدقائه، ولا يكشف شيئا ~~منها ولو بعد القطيعة، فإن ذلك من لؤم الطبع، وأن يسكت عن القدح في أحبابه وأهله وولده، ~~وأن يسكت عن حكاية قدح غيره فيه. ولا ينبغي أن يخفى ما يسمع من الثناء عليه، فإن السرور ~~به يحصل أولا من المبلغ ، ثم من القائل، وإخفاء ذلك من الحسد، وخلاصة القول ms399 أنه يحسن ~~السكوت عن كل كلام يكرهه الصديق جملة وتفصيلا، إلا إذا وجب عليه النطق في أمر بمعروف، ~~أو نهي عن منكر، ولم يجد رخصة في السكوت. # 18 # وهذه الآداب تدل على بصر الصوفية بأسرار النفوس، فالمرء يحب بفطرته أن يحتفظ بأشياء ~~كثيرة من شؤونه الشخصية، ويسوءه أن يتعقب أسراره أخ أو صديق، ومن الناس من يظن أن ~~الصداقة تعطيه الحق في أن يعرف تفاصيل ما أنت عليه في شؤونك الوجدانية والمعاشية، ويرى ~~من سوء الرعاية أن تطوي عنه بعض أخبارك، ومنهم من يتوهم أن الأدب يفرض عليه أن ينقل ~~إليك ما يهمس به أعداؤك وحاسدوك، وينسى أن لذلك عواقب بعضها خطر وبعضها قبيح، فقد ~~تتأرث بذلك عداوات كانت خمدت، وقد يفل ذلك من عزم الصديق فيقتل حيويته ويصده عن الكفاح ~~المشروع، ومن الأصدقاء من يحسب أن من حقه أن يتعرض بالنقد والملام لأحبابك وأهلك ~~وأبنائك، وتلك ضروب من الفضول لا يقع فيها رجل حصيف. # ترك المماراة # وقد اهتم الصوفية اهتماما خاصا بتقبيح المماراة والمدافعة في كل ما يتكلم به ~~الصديق، وحدثوا أن الرسول قال: من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة، ومن ~~ترك المراء وهو محق بنى له بيت في أعلا الجنة. هذا مع أن تركه مبطلا واجب، وقد جعل ~~ثواب الفضل أعظم لأن السكوت عن الحق أشد على النفس من السكوت عن الباطل. وعلى الجملة ~~فلا باعث على المماراة إلا إظهار التميز بمزيد العقل والفضل. واحتقار المردود عليه ~~بإظهار جهله، وهذا يشتمل على التكبر والاحتقار والإيذاء والشتم بالحمق والجهل، ولا معنى ~~للمعاداة إلا هذا. # 19 # وأشهد أن هذا الأدب من خير ما دعا إليه الصوفية، وقد غفلت عنه في حياتي الأدبية ~~فأضعت جميع أصدقائي، وأكاد أحكم بأن حملة الأقلام في عصرنا هذا قل أن يبقى لهم صديق، ~~فباسم حرية الرأي، وحرية النقد، وحرية النشر، وحرية القول تقع كلمات وعبارات تأتي على ~~المودة من الأساس. # ولا أنكر أن في الجدل والمماراة فوائد تعليمية، وباسم هذه ms400 الفوائد ترتكب من الشطط ما ~~لا يباح، ولكن لا يمكن نكران ما في انهدام صروح المودات من الخسران المبين. # وأذكر أني قمت وأنا طالب في الجامعة المصرية فماريت طالبا ألقى درسا من دروس ~~التمرين، وكانت مماراة عنيفة غضب لها الأستاذ الدكتور منصور فهمي وأقبل يعاتبني في ~~قسوة، فقلت: إني لا أضمر سوءا لهذا الطالب فهو صديقي، فقال الأستاذ: ما هكذا يعامل ~~الصديق الصديق! # ولو تأدبنا بأدب الصوفية في ترك المماراة لما شاهدنا كل يوم مصرعا في الحياة ~~السياسية والاجتماعية، ففي أكثر الأحزاب يشب الخلاف وتتقد نيران المماراة، ثم تصل إلى ~~الصحف فيضيف لها اللغط وقودا إلى وقود، وما هي إلا أيام حتى تستفحل العداوات بين ~~أصدقاء كان تآلفهم مضرب الأمثال. # وقد يقال إن ناسا تصاولوا في ميادين الأدب والسياسة ثم ظلوا أصدقاء وهذا صحيح، ولكن ~~من يضمن سلامة القلوب من الندوب التي يورثها الجدل العنيف؟ هؤلاء لم يظلوا أصدقاء على ~~نحو ما كانوا في سال العهد، ولكنهم يتجملون فيخفون العتب ويظهرون الوداد. # ترك الخلاف # ولا يكتفي الصوفية بتقبيح المماراة، بل يوصون بترك الخلاف، وكل صاحب تقول له: قم بنا، ~~ويقول إلى إين؟ فليس بصاحب # 20 # والخلاف أصل كل فرقة، وهي لطيفة الشيطان في افتراق المتحابين في ~~الله. # 20 # وقال أبو سعيد الخراز: صحبت الصوفية خمسين سنة ~~ما وقع بيني وبينهم خلاف، فقيل له: وكيف ذاك؟ فأجاب: لأني كنت معهم على ~~نفسي. # 20 # الوفاء في الحياة وبعد الممات # والوفاء من شروط الإخاء، وهو أن يكون الرجل لصديقه في غيبته ومن حيث لا يعلم ولا ~~يبلغه مثل ما كان له في شهوده ومعاشرته، ويكون له بعد موته ولأهله من بعده كما كان له ~~في حياته، وكان من الصالحين من يخلف أخاه في عياله بعد موته أربعين سنة لا يفقدون إلا ~~وجهه، ويقال: إن مسروقا ادان دينا ثقيلا وكان على أخيه خيثمة دين، فذهب مسروق فقضى ~~دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق سرا وهو لا يعلم. فمن حقيقة ~~المؤاخاة ms401 في الله عز وجل إخلاص المودة بالغيب والشهادة، واستواء القلب مع اللسان، ~~واعتدال السر مع العلانية في الجماعة والخلوة، فإذا لم يختلف ذلك فهو إخلاص الأخوة، ~~وإن اختلف ففيه مداهنة في الأخوة، وممازقة في المودة، وذلك دخل في الدين، ولا يكون مع ~~حقيقة الإيمان. # 21 # والصوفية لا يبذلون المودة لجميع الناس؛ فلا تصح مؤاخاة مبتدع في الله تعالى، ولا ~~محبة فاسق على فسوقه، ولا محبة فقير أحب غنيا لأجل دنياه، وقد تصح الأخوة بين العالم ~~والجاهل، وبين الصالح والطالح، إذا صحت النية، وكان للعالم رجاء في تعليم الجاهل، ~~وللصالح أمل في تقويم الطالح. # 22 # وقال سهل بن عبد الله: اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من الناس: الجبابرة الغافلين، والقراء ~~المداهنين، والمتصوفة الجاهلين. # 23 # ومع هذا التحرز يوصون عند المحبة بالقصد في الحب كما يوصون عند العداوة بالقصد في ~~البغض، عملا بما روي عن علي: أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض ~~بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما، وتأدبا بقول عمر بن الخطاب: لا يكن حبك ~~كلفا، وبغضك تلفا، وقول أسلم في تفسيره: إذا أحببت فلا تكلف كما يكلف الصبي بالشيء ~~يحبه، وإذا أبغضت فلا تبغض بغضا تحب أن يتلف به صاحبك ويهلك. # 24 # الصوفية لا يبذلون المودة لجميع الناس # والمحبة عند الصوفية عمل، وكل عمل يحتاج إلى حسن خاتمة، فمن لم يحسن عاقبة الصحبة ~~أدركه سوء الخاتمة، وبطل عنه ما كان عليه قبل ذلك. # 25 # القصد في الحب والبغض # فإن سأل القارئ: كيف تفرد الصوفية بإطالة القول في أدب الأخوة؟ فإنا نجيب بأن فراغ ~~حياتهم من الشواغل المادية مال بهم إلى الإكثار من الكلام عن الشواغل المعنوية، والرجل ~~الخلي البال من هموم المعاش يجد متسعا من الوقت لتأمل آداب الصحبة والألفة ومعاملة ~~الرجال، أما الذين تكثر شواغلهم الدنيوية فينصرفون عن النوازع الوجدانية، ولا يلتفتون ~~إلى دقائق الخواطر والإشارات فيما يتصل بأدب التودد إلى الناس. # كيف تفرد الصوفية بإطالة القول في أدب الأخوة # يضاف إلى ms402 هذا أن الصوفية يقفون عند المودة المنزهة عن الأغراض، وهي مودة لا تخلو لها ~~قلوب المشغولين من أهل المنافع، الذين لا يبذلون التحية إلا لغرض مكنون. # وليتذكر القارئ أنا نكتب هذا وخواطرنا موزعة بين أشتات من شواغل الحياة، فلسنا ندرك ~~أغراض الصوفية على نحو ما كانوا يدركون، ومن المؤكد أن علائقهم فيما بينهم كانت تجلب ~~إليهم ضروبا من المتع والمسرات لا تتيسر لمن يقفون في ألفتهم عند الحدود الرسمية ~~والمعاشية. # ولست أدري كيف يعسر على من يعيشون عيش الصخب والضجيج أن تكون لهم جوانب روحية يخلون ~~إليها من وقت إلى وقت ليتنسموا روح الأنس والصفاء في ظلال المودة والإخاء ~~الأمين! # | الحب الحب الحب! # بداية الصوفية في الحب # يجب أن يكون عنوان هذا الفصل على هذه الصورة، فما أعرف كلمة من أسماء المعاني شغلت ~~الصوفية كما شغلتهم كلمة الحب، ويكفي أن نتذكر أن أناشيد الصوفية تدور كلها حول الحب، ~~وأن التصوف لا يصلح إلا بفضل الحب، ولا يفسد إلا بسبب الحب؛ فالحب هو الأول والآخر في ~~حياة أولئك الناس. # وأغلب الظن عندي أن الصوفية ابتدأوا حياتهم بالحب الحسي، ثم ترقوا إلى الحب الروحي، ~~والانتقال من حب الجمال إلى التصوف معقول؛ ولا سيما في حالة الحرمان من المحبوب، ~~والحرمان قد يكون من آثار التصون والتجمل والعفاف، ثم يصير بأصحابه إلى الضعف فلا ترى ~~منهم غير الأنين والحنين، وكذلك كان العذريون فهم في الأغلب ضعفاء، والضعف الحسي هو ~~بداية الإقبال على المعاني الروحية في أكثر الأحوال. # 1 # وتمرس الصوفية بالحب في مطلع الشباب هو السر فيما يظهر عليهم من معاني الظرف، وقد ~~حدثوا أن حد تلامذة ابن جابر الإشبيلي قال لغلام جميل الصورة: بالله أعطني قبلة تمسك ~~رمقي. فشكاه الغلام إلى الشيخ وقال له: يا سيدي، قال لي هذا كذا. فقال له الشيخ: ~~وأعطيته ما طلب؟ فقال: لا. فقال الشيخ: فما هذه الثقالة؟ ما كفاك أن حرمته حتى تشتكي به أيضا؟! # 2 # وكان ابن جابر هذا من المعروفين بالزهد والصلاح. # وخرج أبو حازم ms403 الصوفي يرمي الجمار ومعه قوم متعبدون وهو يكلمهم ويحدثهم ويقص عليهم، ~~فإذا هو بامرأة حاسر قد فتنت الناس بحسن وجهها وألهتهم بجمالها، فقال لها: يا هذه، إنك ~~بمشعر حرام، وقد فتنت الناس وشغلتهم عن مناسكهم؛ فاتقي الله واستتري، فإن الله عز وجل ~~يقول في كتابه العزيز: # وليضربن بخمرهن على ~~جيوبهن ~~. فقالت: يا أبا حازم، إني من اللاتي قال فيهن الشاعر: # أماطت كساء الخز عن حر وجهها # وأرخت على المتنين بردا مهلهلا # من اللاء لم يحججن يبغين حسبة # ولكن ليقتلن البريء المغفلا # فقال أبو حازم لأصحابه: تعالوا ندع الله لهذه الصورة الحسنة ألا يعذبها الله بالنار. ~~فجعل أبو حازم يدعو وأصحابه يؤمنون، فبلغ ذلك الشعبي فقال: ما أرقكم يا أهل الحجاز ~~وأظرفكم! أما والله لو كان من قرى العراق لقال: اعزبي عليك لعنة الله! # 3 # ونحن نرى ذلك ظرفا صوفيا قبل أن يكون ظرفا حجازيا. # والصوفية أنفسهم يعرفون محنتهم بالعلاقات الغرامية وفيهم من يعتذر بأن الهوى لم يغز ~~قلوبهم إلا لحكمة إلهية فيقول: # إن الله جل ثناؤه إنما امتحن الناس بالهوى ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يهوونه، ~~وليشق عليهم سخطه ويسرهم رضاؤه، فيستدلوا بذلك على قدر طاعة الله عز وجل؛ إذ ~~كان لا مثل له ولا نظير، وهو خالقهم غير محتاج إليهم، ورازقهم مبتدئا غير ~~ممتن عليهم، فإن أوجبوا على أنفسهم طاعة من سواه كان هو تعالى أحرى بأن يتبع رضاه. # 4 # ظرف الصوفية # وهم يقيسون الحب الروحي بالحب الحسي، ويقولون: ~~إذا استولى الحب أدهش عن إدراك الألم، والتجربة أعدل شاهد على ذلك، ويذكرون أن سمنون ~~المحب قال: كان في جوارنا رجل له جارية يحبها غاية الحب، فاعتلت، فجلس الرجل يصنع لها ~~حيسا، فبينا هو يحرك ما في القدر إذ قالت الجارية: آه. فدهش الرجل وسقطت الملعقة من ~~يده، وجعل يحرك ما في القدر بيده حتى تساقط لحم أصابعه، وهو لا يحس بذلك. # قال العاملي - وهو من أنصار الصوفية - فهذا وأمثاله قد يصدق به في حب المخلوق، ~~والتصديق به في حب الخالق ms404 أولى؛ لأن البصيرة الباطنة أصدق من البصر الظاهر، وجمال ~~الحضرة الربوبية أوفى من كل جمال، فإنه الجمال الخالص البحت، وكل جمال في العالم فهو ~~مختلط ناقص. # 5 # بين النوازع الحسية والعواطف الروحية # وشعراء الصبوات هم ألسنة أرباب العوارف الروحية، وقد سمع أبو الفتح الأعور الصوفي هذا ~~البيت: # وجهك المأمول حجتنا # يوم يأتي الناس بالحجج # فتواجد وصاح ودق صدره إلى أن أغمي عليه وسقط، فلما انقضى المجلس حركوه فوجدوه ميتا، ~~فغسلوه ودفنوه. # وهذا البيت الذي قتل رجلا صوفيا هو من قطعة لرجل فاجر هو عبد الصمد بن المعذل الذي ~~يقول: # يا بديع الدل والغنج # لك سلطان على المهج # إن بيتا أنت ساكنه # غير محتاج إلى السرج # وجهك المأمول حجتنا # يوم يأتي الناس بالحجج # قال ابن أبي حجلة: «والصوفية إذا قالوا: وجهك المأمول حجتنا نقلوه إلى ما لهم في ذلك ~~من المعاني». # 6 # ونقل الأنطاكي قول البهاء زهير في هجر الدلال: # عتب الحبيب فلم أجد # سببا لذاك العتب حادث # ما كنت أعلم أنه # ممن تغيره الحوادث # ثم قال: وفي هذا الاصل كلام للعارفين، وكل يأخذ ما يناسبه من الإشارات، والبهاء زهير ~~لا يكثر عليه مثل هذا، فلقد سمعت مولانا عارف الوقت الشيخ شمس الدين البكري أدام الله ~~مدده يقول: إنه كان إماما عارفا، أو ذا لسان عارف». # 7 # فالبهاء زهير على هذا عارف القلب أو عارف اللسان؛ أي إنه يتكلم فيعبر عن المعاني ~~الروحية بألفاظ حسية، وكل الشعراء ذلك الرجل إن شاء الصوفية. # وقد يروق لهم أن يتعقبوا أخيلة الحسيين بالنقد والتجريح، كالذي وقع لهم في لوم من ~~ينام في غيبة حبيبه ليرى طيف الخيال؛ إذ قالوا: إن تخصيص النوم بأنه يريهم أحبتهم نقص ~~بين في مودتهم، فإن الحال إذا تمكنت لم تفترق الروحان وإن افترق الشخصان، فالمحب ~~المشاهد لصاحبه على كل حال مستغن عن الاستعانة على إحضاره برؤية الخيال». # 8 # وكيف تحتاج هذه اللمحة إلى تقييد، ونحن نرى جمهور المؤلفين في الحب والمحبين لا يخلون ~~من نزعة صوفية، فابن داود صاح ms405 الزهرة، وابن حزم صاحب طوق الحمامة، وابن القيم صاحب ~~الروضة، والأنطاكي صاحب تزيين الأسواق، كل أولئك فيهم نفحات صوفية، والجمع بين النزعة ~~الحسية والروحية يظهر لهم من الأمور التي لا تحتاج إلى جدل ولا تأويل. # ولابن القيم في هذا مذهب طريف؛ فهو يذكر الأدب في الصبوة الحسية ثم يؤيده بالأدب في ~~العلاقة الروحية كأن يقول: ومن علامات الحب إغضاؤه عند نظر محبوبه إليه، ورميه بطرفه ~~نحو الأرض، وذلك من مهابته له، وحياته منه، وعظمته في صدره؛ ولهذا يستهجن الملوك من ~~يخاطبهم وهو يحد النظر إليهم، بل يكون خافض الطرف إلى الأرض، قال تعالى مخبرا عن كمال ~~أدب رسوله في ليلة الإسراء: # ما زاغ البصر وما ~~طغى ~~، وهذا غاية الأدب؛ فإن البصر لم يزغ يمينا ولا شمالا، ولا طمح ~~متجاوزا إلى ما هو رائيه، ومقبل عليه كالمتشارف إلى ما وراء ذلك؛ ولهذا اشتد نهي النبي # صلى الله عليه وسلم # للمصلي أن يزيغ بصره إلى السماء ... الخ. # 9 # وكان يقول: ومن علامات المحبة كثرة ذكر المحبوب واللهج بذكره وحديثه، فمن ~~أحب شيئا أكثر من ذكره بقلبه ولسانه، ولذلك أمر الله سبحانه عباده بذكره على جميع ~~الأحوال، وأمرهم بذكره أخوف ما يكونون فقال تعالى: # يا أيها ~~الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله ~~كثيرا لعلكم تفلحون ~~، والمحبون يفتخرون بذكر أحبابهم وقت ~~المخاوف وملاقاة الأعداء، كما قال: # ذكرتك والخطي يخطر بيننا # وقد نهلت منا المثقفة السمر # وفي بعض الآثار الإلهية: إن عبدي كل عبدي يذكرني وهو ملاق قرنه؛ فعلامة المحبة ~~الصادقة ذكر المحوب في الرغب والرهب، كما قال بعض المحبين في محبوبته: # يذكرنيك الخير والشر والذي # أخاف وأرجو والذي أتوقع # 10 # تأييد الحب الحسي بالمعاني الدينية # قلت: إن أكثر الصوفية عرفوا الحب الحسي في مطلع الشباب، فلأذكر أن هذا هو السر في ~~التباس الأمر على فريق منهم عند التفرقة بين الشهوات الحسية والمعنوية، فظلوا يحنون إلى ~~الجمال المحسوس، بحجة أنه يقربهم إلى الجمال المعقول «وإنما تسترت هذه الطائفة لهواها ~~وشهواتها، وأوهمت أنها تنظر ms406 عبرة واستدلالا، حتى آل ببعضهم الأمر إلى أن ظنوا أن ~~نظرتهم عبادة؛ لأنهم ينظرون إلى الجمال الإلهي، ويزعمون أنا الله سبحانه وتعالى عن قول ~~النصارى يظهر في تلك الصورة الجميلة، ويجعلون هذا طريقا إلى الله، كما وقع فيه طوائف ~~كثيرة ممن يدعي المعرفة والسلوك». # 11 # ومن رأي ابن الجوزي أن أكثر المتصوفة قد سدوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء ~~الأجانب لبعدهم عن مصاحبتهن، وامتناعهم عن مخالطتهن، واشتغلوا بالتعبد عن النكاح، ~~واتفقت صحبة الأحداث لهم على وجه الإرادة، وقصد الزهادة، فأمالهم إبليس إليهم، وهم في ~~ذلك على أقسام: القسم الأول: أخبث القوم وهم ناس تشبهوا بالصوفية ويقولون بالحلول، ~~ويزعمون أن الحق تعالى اصطفى أجساما حل فيها بمعنى الربوبية، والقسم الثاني: قوم ~~يتشبهون بالصوفية في ملبسهم ويقصدون الفسق، والقسم الثالث: قوم يستبيحون النظر إلى ~~المستحسن، واستئناسا بما روي عن الرسول: اطلبوا الخير عند حسان الوجوه، وقوله: ثلاثة ~~تجلو البصر: النظر إلى الخضرة، والنظر إلى الماء، والنظر إلى الوجه الحسن. وهما حديثان ~~لا أصل لهما عن رسول الله. والقسم الرابع: قوم يقولون: نحن لا ننظر نظر شهوة وإنما ننظر ~~نظر اعتبار، فلا يضرنا النظر، وذلك في رأي ابن الجوزي محال. # 12 # فتنة الصوفية بالأحداث # وقد شغل ابن الجوزي نفسه بتعقب الصوفية، فنقل عنهم حكايات غريبة، وعلق عليها تعليقات ~~تدل على بصر بدقائق علم النفس والأخلاق، ولا بد لنا من عرض نماذج من ملاحظاته؛ لأنها ~~ثمرة من ثمرات التصوف، وكل ما كتب للتصوف أو عليه فهو مظهر من آثاره في الحياة العقلية ~~والذوقية. # نقل بسنده أن عبد الله بن الزبير الحنفي قال: كنت جالسا مع أبي النصر الغنوي وكان من ~~المبرزين العابدين، فنظر إلى غلام جميل فلم تزل عيناه واقعتين عليه حتى دنا منه فقال: ~~سألتك بالله السميع، وعزه الرفيع، وسلطانه المنيع، إلا وقفت علني أروى من النظر إليك. ~~فوقف قليلا ثم ذهب ليمضي فقال له: سألتك بالله الحكيم المجيد، الكريم المبدئ المعيد، ~~إلا ما وقفت! فوقف ساعة، فأقبل يصعد النظر إليه ويصوبه، ms407 ثم ذهب ليمضي. فقال: سألتك ~~بالواحد الأحد، الجبار الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، إلا وقفت! فوقف ساعة فنظر إليه ~~طويلا، ثم ذهب ليمضي، فقال: سألتك باللطيف الخبير، السميع البصير، وبمن ليس له نظير، ~~إلا وقفت! فوقف فأقبل ينظر إليه ثم أطرق رأسه إلى الأرض، ومضى الغلام، فرفع رأسه بعد ~~طويل وهو يبكي فقال: قد ذكرني هذا بنظري وجها جل عن التشبيه، وتقدس عن التمثيل، وتعاظم ~~عن التحديد، والله لأجهدن نفسي في بلوغ رضاه بمجاهدتي جميع أعدائه، وموالاتي لأوليائه، ~~حتى أصير إلى ما أردته من نظري إلى وجهه الكريم، وبهائه العظيم، ولوددت أنه قد أراني ~~وجهه وحبسني في النار ما دامت السموات والأرض، ثم غشى عليه. # ونقل بسنده أن أحدهم قال: كنت مع محارب بن حسان الصوفي في مسجد الخيف ونحن محرمون، ~~فجلس إلينا غلام من أهل المغرب فرأيت محاربا ينظر إليه نظرا أنكرته، فقلت له بعد أن ~~قام: إنك محرم في شهر حرام في بلد حرام في مشعر حرام، وقد رأيتك تنظر إلى هذا الغلام ~~نظرا لا ينظره إلا المفتون! فقال لي: تقول هذا، يا شهواني القلب والطرف! ألم تعلم أنه ~~قد منعني من الوقوع في شرك إبليس ثلاث؟ فقلت: وما هي؟ فقال: سر الإيمان، وعفة الإسلام. ~~وأعظمها الحياء من الله تعالى أن يطلع علي وأنا جاثم على منكر نهاني عنه، ثم صعق حتى ~~اجتمع الناس علينا. # وهنا يقول ابن الجوزي في التعليق على هاتين الحادثتين: # انظروا إلى جهل الأحمق الأول ورمزه إلى التشبيه، وإن تلفظ بالتنزيه، وإلى ~~حماقة هذا الثاني الذي ظن أن المعصية هي الفاحشة فقط، ما علم أن نفس النظر ~~بشهوة يحرم، ومحا عن نفسه أثر الطبع بدعواه الت تكذبها شهوة النظر. # 13 # وروى بسنده أن بعضهم قال: قلت لأبي الكميت الأندلسي وكان جوالا في أرض الله: حدثني ~~بأعجب ما رأيت من الصوفية فقال: صحبت رجلا منهم يقال له مهرجان، وكان مجوسيا فأسلم ~~وتصوف، فرأيت معه غلاما جميلا لا يفارقه، وكان إذا جاء الليل قام فصلى ms408 ثم ينام إلى ~~جانبه، ثم يقوم فزعا فيصلى ما قدر له، ثم يعود فينام إلى جانبه، حتى فعل ذلك مرارا، ~~فإذا أسفر الصبح أو كاد يسفر أوتر، ثم رفع يديه وقال: اللهم إنك تعلم أن الليل مضى علي ~~سليما لم أقترف فيه فاحشة، ولا كتبت علي فيه الحفظة معصية، وأن الذي أضمره بقلبي لو ~~حملته الجبال لتصدعت، أو كان بالأرض لتدكدكت، ثم يقول: يا ليل اشهد بما كان مني فيك، ~~فقد منعني خوف الله عن طلب الحرام، والتعرض للآثام، ثم يقول: سيدي! أنت تجمع بيننا على ~~تقى، فلا تفرق بيننا في يوم تجمع فيه الأحباب! فأقمت معه مدة طويلة أراه يفعل ذلك في كل ~~ليلة، وأسمع هذا القول منه. فلما هممت بالانصراف من عنده قلت له: سمعتك تقول إذا انقضى ~~الليل كذا وكذا فقال: وسمعتني؟ قلت: نعم! قال: فو الله يا أخي إني لأداري من قلبي ما لو ~~داراه سلطان من رعيته لكان الله حقيقا بالمغفرة له، فقلت: وما الذي يدعوك إلى صحبة من ~~تخاف على نفسك العنت من قبله؟ # ونقل بسنده أن أبا حمزة الصوفي قال: # رأيت ببيت المقدس فتى من الصوفية يصحب غلاما مدة طويلة، فمات الفتى وعال حزن الغلام ~~عليه حتى صار جلدا وعظما من الضنى والكمد، فقلت له يوما: لقد طال حزنك على صديقك، ~~حتى أظن أنك لا تسلو بعده أبدا فقال: كيف أسلو عن رجل أجل الله عز وجل أن يصيبه معي ~~طرفة عين أبدا، وصانني عن نجاسة الفسوق في خلال صحبتي له وخلواتي معه في الليل ~~والنهار. # ويقول ابن الجوزي في التعقيب على هاتين القصتين: # هؤلاء قوم رآهم إبليس لا ينجذبون معه إلى الفواحش فحسن لهم بداياتها فتجعلوا لذة ~~النظر والصحبة والمحادثة، وعزموا على مقاومة النفس في صدها عن الفاحشة، فإن صدقوا وتم ~~لهم ذلك فقد اشتغل القلب الذي ينبغي أن يكون شغله بالله تعالى لا بغيره، وصرف الزمان ~~الذي ينبغي أن يخلو فيه القلب بما ينفع في الآخرة بمجاهدة الطبع في كفه عن ms409 الفاحشة، ~~وهذا كله جهل وخروج عن آداب الشرع، فإن الله عز وجل أمر بغض البصر؛ لأنه طريق إلى ~~القلب، ليسلم القلب لله تعالى من شائب يخاف منه، وما مثل هؤلاء إلا كمثل من أقبل إلى ~~سباع في غيضة وهي متشاغلة عنه لا تراه، فأثارها وحاربها وقاومها، فيا بعد سلامته من ~~جراحه إن لم يهلك. # 14 # واستطرد ابن الجوزي فذكر أنه كان ببلاد فارس صوفي كبير فابتلي بحدث فلم يملك نفسه أن ~~دعته إلى فاحشة، فراقب الله عز وجل، ثم ندم على هذه الهمة، وكان منزله على مكان عال ~~ووراء منزله بحر من الماء، فلما أخذته الندامة صعد السطح ورمى بنفسه إلى الماء، وتلا ~~قوله تعالى: # فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا ~~أنفسكم # فغرق في البحر. # قال ابن الجوزي: انظر إلى إبليس كيف درج هذا المسكين من رؤية هذا الأمرد، وإدمان ~~النظر إليه، إلى أن مكن المحبة من قلبه، وإلى أن حرضه على الفاحشة، فلما رأى استعصامه ~~حسن له بالجهل قتل نفسه فقتل نفسه، ولعله هم بالفاحشة ولم يعزم، والهمة معفو عنها لقوله ~~عليه السلام: عفى لأمتي عما حدثت به نفوسها، ثم إنه ندم على همته والندم توبة، فأراه ~~إبليس أن من تمام الندم قتل نفسه كما فعل بنو إسرائيل، فأولئك أمروا بقوله تعالى: # فاقتلوا أنفسكم # ونحن نهينا عنه بقوله تعالى: # ولا تقتلوا أنفسكم # فلقد أتى بكبيرة عظيمة، ~~وفي الصحيحين عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: من تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار ~~جهنم خالدا مخلدأ فيها أبدا. # 15 # ونقل أن يوسف بن الحسين كان يقول: كل ما رأيتموني أفعله فافعلوه إلا صحة الأحداث ~~فإنها فتنة الفتن، ولقد عاهدت ربي أكثر من مئة مرة أن لا أصحب حدثا ففسخها علي حسن ~~الخدود، وقوام القدود، وغنج العيون، وما سألني الله معهم عن معصية، وأنشد قول مسلم بن ~~الوليد في معنى ذلك: # إن ورد الخدود والحدق النج # ل وما في الثغور من أقحوان # واعوجاج الأصداغ في ظاهر الخد # وما في ms410 الصدور من رمان # تركتني بين الغواني صريعا # فلهذا أدعى صريع الغواني # وفي التعقيب على هذا التصريح الفاتك يقول ابن الجوزي: # هذا الرجل قد فضح نفسه في شيء ستره الله عليه، وأخبر أنه كلما رأى فتنة نقض ~~التوبة، فأين عزائم التصوف في حمل النفس على المشاق؟ ثم ظن بجهله أن المعصية هي ~~الفاحشة فقط، ولو كان له علم لعلم أن صحبتهم والنظر إليهم معصية، فانظر إلى ~~الجهل كيف يصنع بأربابه. # 16 # وقد أطلنا الاقتباس من ابن الجوزي لأن الصفحات التي كتبها في هذا الموضوع من خير ما ~~قرأنا في الدراسات النفسية والخلقية، ولأنها تصور ما كان يعرض للصوفية من الحيرة ~~المطبقة في تفهم الفروق بين مسالك الرشد والغي، ومعالم الهدى والضلال. # هجوم ابن الجوزي عليهم # وقد فصل ابن القيم أحوال المحبين، وعرض لمن عرفوا بالتصون والعفاف، فقال عن محمد بن ~~داود الأصبهاني، وكان من أهل المروءة والدين، ومن أصدق الناس في العشق العفيف: # وأما قصة محمد بن داود الأصبهاني فغايتها أن تكون من سعيه المعفو، لا من عمله ~~المشكور، وسلط الناس بذلك على عرضه، والله يغفر لنا وله، فإنه تعرض بالنظر إلى ~~السقم الذي صار به صاحب فراش، وهذا لو كان ممن يباح له لكان نقصا وعيبا، فكيف ~~من صبي أجنبي؟ وأرضاه، الشيطان بحبه والنظر إليه عن مواصلته، إذ لم يطمع في ذلك ~~منه، فنال منه ما عرف أن كيده لا يتجاوزه، وجعله قدوة لمن يأثم به بعده كأبي ~~محمد بن حزم الظاهري وغيره، وكيد الشيطان أدق من هذا. # 17 # وهذا نظر قريب من نظر ابن الجوزي، ويمتاز مع ذلك بالتلطف والرفق فهو يعترف بعفاف ابن ~~داود، ولكنه لا يجعله قدوة لمن سواه، وحسب ابن داود من السلامة أن لا يحشر في زمرة ~~الآثمين. # رأي ابن القيم في صبابة ان داود # ونستطيع الجزم بأن صحبة الأحداث كانت من الفتن الظاهرة في حياة الصوفية، وكانت لهم في ~~هذا الباب كنايات، من ذلك قولهم للغلام الصبيح (شاهد) ومعناهم فيه أنه لحسن صورته شهيد ms411 ~~بقدرة الله عز اسمه على ما يشاء، ويحكى أن أصحاب أبي علي الثقفي تحاموا لفظة (الشاهد) ~~بين يديه هيبة له، فتواصوا فيما بينهم أن يقولوا للغلام الصبيح (حجة)، فاتفق أنهم صحبوه ~~في بعض الطريق فتراءى لهم من بعيد غلام فقال أحدهم (حجة)، وهو يظن أن أبا علي لا يفطن ~~لمغزاه، فلما قرب الغلام منهم كان غير مليح، فالتفت أبو علي إليهم وقال: داحضة. # 18 # ويؤيد هذا أن أكثر من ألفوا في التصوف عرضوا لهذه المسألة وأطالوا في الزجر والترهيب، ~~وقد عقد لها القشيري فصلا قال فيه: # ومن أصعب الآفات في هذه الطريقة صحبة الأحداث، ومن ابتلاه الله بشيء من ذلك ~~فبإجماع الشيوخ ذلك عبد أهانه الله عز وجل وخذله، بل عن نفسه شغله، ولو بألف ~~كرامة أهله، وهب أنه بلغ رتبة الشهداء ... أليس قد شغل ذلك القلب بمخلوق؟ وأصعب ~~من ذلك تهوين ذلك على القلب، حتى يعد ذلك يسيرا، وقد قال الله تعالى: ~~«وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم». وهذا الواسطي رحمه الله يقول: إذا أراد ~~الله هوان عبد ألقاه إلى هؤلاء الأنتان والجيف. سمعت أبا عبد الله الصوفي يقول: ~~سمعت محمد بن أحمد النجار يقول: سمعت أبا عبد الله الحصري يقول: سمعت فتحا ~~الموصلي يقول: صحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال، كلهم أوصوني عند ~~فراقي إياهم وقالوا: اتق معاشرة الأحداث ومخالطتهم ... فليحذر المريد من صحبة ~~الأحداث ومخالطتهم، فإن اليسير منه فتح باب الخذلان، وبدء حال الهجران، ونعوذ ~~بالله من قضاء السوء. # 19 # ونظر محمد بن أسباط الصوفي إلى أبي المثنى الشيباني، وقد نظر في وجه غلام مليح فقال: ~~إدمان النظر، يكشف الخبر، ويفضح البشر، ويطول به المكث في سقر. # 20 # وقال المعلى الصوفي: شكوت إلى بعض الزهاد فسادا أجده في قلبي، فقال: هل نظرت إلى شيء ~~فتاقت إليه نفسك؟ قلت: نعم! قال: احفظ عينيك، فإنك إن أطلقتهما أوقعتاك في مكروه، وإن ~~ملكتهما ملكت سائر جوارحك. # 20 # وقال مسلم الخواص لمحمد بن علي الصوفي: أوصني، فقال: أوصيك بتقوى الله ms412 في أمرك كله، ~~وإيثار ما يحب على محبتك، وإياك والنظر إلى كل ما دعاك إليه طرفك، وشوقك إليه قلبك، ~~فإنهما إن ملكاك لم تملك شيئا من جوارحك، حتى تبلغ بهما ما يطالبانك به، وإن ملكتهما ~~كنت الداعي لهما إلى ما أردت، فلا يعصيان لك أمرا، ولا يردان لك قولا. # 20 # وقال الأسود بن طالوت: نظر إلي أبو عمر الصوفي، وقد أطلت النظر إلى غلام جميل، فقال: ~~ويحك، إن طرفك لعظيم ما جتنى من البلاء، قد عرضك للمكروه وطول العناء، لقد نظرت إلى حتف ~~قاتل للقلوب، وبلاء مظهر للعيوب، وعار فاضح للنفوس، ومكروه مذهل للعقول، أكل هذا ~~لاغترار بالله جرأك عليه حتى أمنت مكره، ولم تخف كيده؟ اعلم أنك لم تكن في وقت من ~~أوقاتك، ولا حالة من حالاتك أقرب إلى عقوبة الله منك في حالتك هذه، ولو أخذك لم يخلصك ~~الثقلان، ولم يقبل فيك شفاعة إنس ولا جان. # 21 # ورأى بعض الزهاد صوفيا يضحك إلى غلام جميل فقال له: يا خرب القلب ويا خرب الطرف، أما ~~تستحي من كرام كاتبين، وملائكة حافظين، يحفظون الأفعال، ويكتبون الأعمال، وينظرون إليك، ~~ويشهدون عليك، بالبلاء الظاهر، والغل الدخيل المخامر، الذي أقمت نفسك فيه مقام من لا ~~يبالي من وقف عليه، ونظر من الخلق إليه. # 21 # الدفاع عن الصوفية # ولكن ما دلالة هذه الشواغل؟ هي بلا جدال باب من الأخلاق والمخلصون من الصوفية عرفوا ~~خطر هذه المزالق الوجدانية، وتنبهوا إلى خطرها في عالم الأخلاق. # ولابن الجوزي أن يقول فيهم ما شاء، فلن ينكر أحد أن هؤلاء القوم وقفوا موقف التحرز ~~والخوف من فتن جائحة كانت تقتل الكرامات والعزائم والنفوس في كثير من الأندية الأدبية ~~والسياسية، وكانوا وحدهم أصحاب الضمائر في عهود كان فيها استهداء الغلمان شريعة من ~~شرائع الاجتماع. # وهل من القليل أن يتواصى الصوفية بالحذر من صحبة الأحداث في أزمنة كان يشتري فيها ~~الغلمان المتخيرون ليمسوا زينة القصور في قرطبة والقاهرة ودمشق وبغداد؟ # إن من سوء الرعاية أن نغفل أثر هذا التحرز في عالم ms413 الأخلاق، لقد كان الصوفية يؤاخذون ~~على النظرة في أيام كانت تكتب فيها أخبار الفسق والمجون بعبارات مكشوفة ينكرها الأدب ~~ويأباها الحياء. # ومن الذي يضمن أن يكون ابن الجوزي صادقا في كل ما كتب عن مغامز الصوفية؟ # أولئك قوم كانت لهم في شبابهم صبوات، فلما من الله عليهم بالتوبة والهداية ظل خصومهم ~~يتذكرون ماضيهم، ويضيفون إليه ما شاء الإفك والبهتان، ليغضوا من أقدارهم وليصرفوا عنهم ~~الناس. # ونحن مع ذلك لا ننكر أن من الصوفية من زلت أقدامهم في صحبة الأحداث، فالعصمة لله ~~وحده، وادعاء العصمة هو في ذاته وقاحة خلقية، ولا يدعي التصون المطلق إلا خادع أو ~~مخدوع، ولكن من المكابرة أن نجحد ما أثر عن الصوفية من الفضل في هذا الباب، وهل في ~~الأدب كله كلمة أبلغ وأفصح وأنصع وأصدق من قول الواسطي طيب الله ثراه: «إذا أراد الله ~~هوان عبد ألقاه إلى هؤلاء الأنتان والجيف!». # أترون كيف تضطرم نار الغيرة على الكرامة في أحشاء هذه الحروف؟ وهل رأيتم صدقا أكرم ~~وجها من صدق هذا المعنى؟ هل رأيتم احتقارا للشهوات الحسية أعنف من هذا الاحتقار؟ ~~أرأيتم كيف تكون بلاغة من من خبر الدنيا، وعرف مكارهها، وتبين عناصر الشر فيها، واهتدى ~~إلى معالم النجاة والهلاك؟ الحق أن هذه المسألة في غاية الدقة: فالصوفية على خطر، ~~وناقدوهم على خطر الصوفية على خطر؛ لأن الاعتبار بالجمال قد يكون وسوسة خفية من مكر ~~الشيطان. # وناقدوهم على خطر؛ لأن الإحساس بروعة الجمال قد يكون بابا إلى صقل النفس ~~والوجدان. # وقد يكون الماضي كله ضلالة من الضلالات يوم تنكشف الحقائق، ويتبين أن الوجود كله ~~معقود الأواصر بقوة كهربائية لا نملك منها الفرار، قد يظهر يوما أننا لا نملك الرغبة، ~~ولا نملك الزهد، وإنما نحن مسخرون في وجود عجيب يربطنا بقوة قاهرة حول تيارات من الحسن ~~والقبح. إنه ليوم عصيب، ذلك اليوم الذي نعرف فيه أننا لا نملك غير الثرثرة، وأن قانون ~~الوجود يسخرنا كما يشاء، وأن تاريخ المذاهب الأخلاقية لم يكن إلا مظهرا من مظاهر ذلك ms414 ~~القانون. # أترون الرجل يخرج على مألوف العرف وهو طائع؟ أترونه يثور على التقاليد الدينية ~~والاجتماعية وهو مطلق الاختيار والحرية؟ ولماذا لا يكون هذا النزاع بين الغواية ~~والهداية نزاعا فرضته تلك القوة الكهربائية التي لم نعرف من أسرارها إلا شيئا يشبه ~~السراب حين يتمثل في الأحلام؟ # ثم ما رأيكم في هذه الفلسفة؟ أترونها نوعا من الشطح؟ ليكن ذلك، فنحن من تلاميذ ~~الصوفية، وهم أقدر الناس على الشطح والهيام في أودية الخيال! # ولكن حذار أن تنكروا أن الفتن التي اصطدم بها الصوفية كانت مما لا يمكن تحاشيه في هذا ~~العالم الغريب، إن الدنيا خلقت كما شاء البارئ أن تخلق، ففيها الخير والشر، والرشد ~~والغي، والهدى والضلال، وفيها ما شاء البارئ من السم والترياق، فانظروا كيف شئتم، ولكن ~~تأدبوا، وتذكروا أن النار إن سلطت عليكم فستحولكم إلى رماد مهين مهما اعتصمتم بالفروض ~~والظنون. # قولوا - إن شئتم - إن هناك قوانين أخلاقية عاش بفضلها العالم إلى اليوم ثم تذكروا أن ~~هناك شيئا اسمه الوقاحة، وشيئا اسمه الحياء، فإن وصلتم إلى هذه الغاية فاعترفوا - إن ~~كنتم منصفين - أن الصوفية تفردوا بين الناس بالحرص على فضيلة الحياء. # إن الوسوسة الخلقية هي في ذاتها أدب عظيم، والصوفية هم الذين ملأوا الدنيا بالتنفير ~~من فتنة الجمال، والجمال في ذاته نفحة إلهية، ولكن الفسق يحوله إلى عصارة قذرة لا يسكن ~~إليها رجل في شمائله ذوق، وفي روحه صفاء. # وكيف كان الفسق قذرا مع أنه من النتائج الطبيعية لنظام الأرواح والأبدان؟ # عند هذه المشكلة نتبين رغبة الإنسانية في الكمال المطلق، فالفسق لا يقع إلا بسبب ~~نزعتين: الاستعلاء الآثم من جانب، والاستحذاء الساقط من جانب، ولا كذلك العفاف فإنه لا ~~يكون إلا بفضل عاطفتين شريفتين: الإبقاء الكريم من جانب، والإباء النبيل من ~~جانب. # فإن قلتم: وكيف اعترفت بهذه المصطلحات؟ فإني أجيب بأن بقاءها على هذه الأزمنة الطوال ~~يدل على أن تلك القوة الكهربائية لها في بقائها سر خاص. وحين يصح أن هناك فروقا جوهرية ~~بين التحليق والإسفاف في عالم الأخلاق فسنعرف أن ms415 الصوفية كانوا أشرف الناس. # على أن التحرز فيه معنى المقاومة، والمقاومة من أصول التغلب في هذا الوجود، ولو قد ~~نظر ابن الجوزي هذه النظرة لعرف فضل هذا المعنى في قصة ذلك الصوفي الذي ابتلي بحب ~~الجمال المحسوس، ثم قاوم وغالب حتى فارق الحياة وهو نقى الثياب. # وإنا لنرجو القارئ أن يرحمنا من تهمة التعصب للصوفية، فنحن - يشهد الله - لا نحب إلا ~~الوقوف في صف المظلومين، والصوفية قاسوا من الظلم ألوانا كثيرة، منها اتهامهم بالفسق ~~والمجون، وممن؟ من ناس يتركون قصور الوزراء والأمراء والملوك تعج بالدنس والرفث ~~والقذارة والرجس، ثم يوجهون جهودهم إلى حرب طائفة من الفقراء الذين لا يجدون الكفاف إلا ~~بشق الأنفس في هذا العالم السخيف. # يرحمكم الله، أيها المؤلفون في الأخلاق، فأكثركم من أهل الجبن والتلفيق وأي مظهر ~~للجبن أقبح وأبشع من أن تصنف الكتب الطوال العراض في مثالب الصوفية، على حين يترك ~~الملوك الظالمون في العصور الماضية بلا رقيب ولا حسيب؟ # أين ما وضع ابن الجوزي وأمثاله في نقد الاستبداد، وكان يعيش في عصر لا تحترم فيه ~~ملكية ولا تحفظ حقوق؟ أين ما كتب هؤلاء المتفيهقون في الفساد الخلقي والاجتماعي الذي ~~كان يندلع لهيبة من قصور الأمراء والوزراء؟ أين ما دونوا من أصول الأخلاق القومية ~~والدولية في أزمان طغى فيها تيار المطامع الأجنبية، وتعرضت ديار العرب والإسلام للخراب ~~والإقواء؟ # إن الفقير كان ولا يزال مكشوف العورات، والغنى منذ الزمن القديم يستر العيوب. ألم نجد ~~ناسا ينكرون أن يكون الرشيد عرف مجالس الشراب! # ولكن ما هذا؟ لعلنا نسرف في اتهام الإنسانية بإيثار الملق والمداهنة والرياء؟ # إن الصوفية كانوا دعاة الأخلاق، فمن واجب الناس أن ينبهوهم إلى ما ينزلقون فيه، ومن ~~حق الناس أن يحسدوهم على دعوى التفرد بالشرف والاستقامة والتدين، فالصوفية هم الذين ~~خلقوا أسباب الحسد، وهم الذين دعوا الناس إلى محاسبتهم على ما يقولون وما ~~يعملون. # أما الملوك والأمراء والوزراء فلم يكن فيهم من يدعي أنه نموذج في الأخلاق، ولهذا سكت ~~عنهم أكثر المؤلفين في الأخلاق، وأريد ms416 المؤلفين المخلصين، أما المنافقون فلم يكن لهم بد ~~من مداراة أصحاب الملك، وأرباب الجاه والثراء. # لكل إنسان أن يعيش كيف يشاء، وعلى الله حساب الناس فيما يسرون وما يعلنون، ولكن ليحذر ~~من ينصب نفسه داعية للخلق الجميل، فإن الناس سيحاسبونه على كل صغيرة وكبيرة، وسيقولون ~~فيه كل شيء، بالحق وبالباطل، فلينظر أين يضع قدمه، وأين يوجه خطراته النفسية والروحية، ~~وكيف تكون صلته بالله وصلته بخلق الله. إن الدعوة إلى الخلق الجميل كالدعوة إلى الدين ~~الحق، وقد رأينا كيف عانى الأنبياء، من ظلم الجاهلين والسفهاء، فمن تسامت نفسه إلى ~~الدعوة إلى البر والشرف فليوطن نفسه على احتمال الضيم والأذى والعقوق. # رأي ابن القيم في الجمال # ولنقيد أن هذه الأزمات لا تقع إلا حين تكون الريب والشبهات، فإذا صفت النفس، وأمن ~~المريد من عنف الشهوة، فإن الصوفية يطلقون لأخيلتهم العنان في تصوير الجمال، وقد تحفظ ~~ابن القيم ما شاء أن يتحفظ ولكنه عقد فصلا مهما في كتاب (روضة المحبين) وهو الفصل ~~التاسع عشر الذي تكلم فيه عن «فضيلة الجمال، وميل النفوس إليه على كل حال». # وقد قسم الجمال إلى قسمين: ظاهر، وباطن، وبين أن الجمال الباطن هو المحبوب لذاته، وهو ~~جمال العلم والعقل والجود والعفة والشجاعة، وهذا الجمال الباطن هو محل نظر الله من عبده ~~وموضع محبته، وهو يزين الصورة الظاهرة وإن لم تكن ذات جمال. وأما الجمال الظاهر فزينة ~~خص الله بها بعض الصور عن بعض، وهي من زيادة الخلق التي قال الله تعالى فيها: # يزيد في الخلق ما يشاء ~~. # قال ابن القيم: وكما أن الجمال الباطن من أعظم نعم الله تعالى على عبده فالجمال ~~الظاهر نعمة منه أيضا على عبده، فإن شكره بتقواه وصيانته ازداد جمالا على جماله، وإن ~~استعمل جماله في معاصيه سبحانه قلبه له شينا ظاهرا في الدنيا قبل الآخرة، فتعود تلك ~~المحاسن وحشة وقبحا وشينا، وينفر عنه من رآه، فكل من لم يتق الله عز وجل في حسنه ~~وجماله انقلب قبحا وشينا يشينه بين الناس، فحسن الباطن ms417 يعلو قبح الظاهر ويستره، وقبح ~~الباطن يعلو جمال الظاهر ويستره. # 22 # وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # يدعو الناس إلى جمال الباطن بجمال الظاهر كما قال جرير بن عبد ~~الله - وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسميه يوسف هذه الأمة - قال: قال لي رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: أنت امرؤ قد حسن الله خلقك فأحسن خلقك. # 22 # وقال بعض الحكماء: ينبغي للعبد أن ينظر كل يوم في المرآة، فإن رأى صورته حسنة لم ~~يشنها بقبيح فعله، وإن رآها قبيحة لم يجمع بين قبح الصورة وقبح الفعل. # 22 # ومن الواجب أن نتأمل ما في هذا الكلام من التربية الخلقية، فابن القيم يجعل الحسن ~~الظاهر من طيبات الأرزاق، ولكنه يشترط لذلك أن يحسن الخلق ويكمل الدين، وهو يلح في هذا ~~المعنى بصيغ مختلفة من التأكيد، ويستشهد بكلام الرسول وكلام الحكماء. # وهذا التأكيد يدل على قوة الحاسة الخلقية، فالحسن الفاجر هو في الواقع حسن وضيع، وفي ~~الخلق السليم جمال أبرع من الجمال المحسوس، والمعنويات في جوهرها أشرف من المحسوسات، ~~والعقل الصحيح يتمثل المحسوس من صور التقريب للمعقول، والجمال الحسي لا يمكن أن يكون ~~غاية إلا عند أهل الضعة والإسفاف من طلاب الدون في عالم الشهوات. # والجمع بين المعقول والمحسوس هو غاية الغايات، ولا يتفق ذلك إلا حين يشاء الله أن ~~يسبغ نعمه على بعض العباد، كالذي وقع في حياة محمد بن عبد الله ويوسف بن يعقوب. # صور مبتكرة في التنفير من الحب الأثيم # ويمضي ابن القيم فيقول: ولما كان الجمال من حيث هو محبوبا للنفوس، معظما في القلوب، ~~لم يبعث الله نبيا إلا جميل الصورة، حسن الوجه، كريم الحسب، حسن الصوت، كذا قال علي بن ~~أبي طالب كرم الله وجهه. # وكان النبي # صلى الله عليه وسلم # أجمل خلق الله وأحسنهم وجها، كما قال البراء ابن عازب رضي الله ~~عنه وقد سئل: أكان وجه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر. وفي صفته # صلى الله عليه ms418 وسلم ~~: كأن الشمس تجري في وجهه. يقول واصفه: لم أر قبله ولا بعده مثله. وكان رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # يستحب أن يكون الرسول الذي يرسل إليه حسن الوجه، حسن الاسم، وكان يقول: ~~إذا أبردتم إلي بريدا فليكن حسن الوجه، حسن الاسم. وقد روى الخرائطي من حديث ابن جريج ~~عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه: من آتاه الله وجها حسنا، واسما ~~حسنا، وخلقا حسنا، وجعله في موضع غير شائن له، فهو من صفوة الله من خلقه. وقال وهب: ~~قال داود: يا رب، أي عبادك أحب إليك؟ قال: مؤمن حسن الصورة. قال: فأي عبادك أبغض إليك؟ ~~قال: كافر قبيح الصورة. ويذكر عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان ينتظره ~~نفر من أصحابه على الباب فجعل ينظر في الماء ويسوي شعره ولحيته، ثم خرج إليهم، فقلت: يا ~~رسول الله، وأنت تفعل هذا؟ قال: نعم! إذا خرج الرجل إلى إخوانه فليهيئ من نفسه، فإن ~~الله جميل يحب الجمال ... ودخلت امرأة جميلة على الحسن البصري فقالت: يا أبا سعيد، أيحل ~~للرجال أن يتزوجوا على النساء؟ قال: نعم. فقالت: وعلى مثلي؟ ثم دلت، فقال الحسن: ما على ~~رجل كانت هذه في زاوية بيته ما فاته من الدنيا. # 23 # وكذلك يدور ابن القيم حول الجمال يمدحه ويطريه ويصف به أشرف الناس، وما كان لنا أن ~~نهتم بهذا لولا دلالته على نزعة أصيلة من نزعات الصوفية: فالنبي جميل، والله جميل، ~~وصفوة الله من خلقه هم المؤمنون من أهل الجمال. # وأظرف موقف في هذه الأحاديث هو موقف الحسن البصري وقد رأى تلك الحسناء، والحسن البصري ~~هو إمام الصوفية، وهو مع ذلك يعرف كيف يقول: «ما على رجل كانت هذه في زاوية بيته ما ~~فاته من الدنيا». # وهي عبارة بصرية تمثل اللهفة والشوق إلى أفنان الجمال. # دعوة النفس إلى حرب الهوى # أولئك هم الصوفية، وتلك نظراتهم إلى صباحة الوجوه، أفلا يكون لذلك أثر في فهمهم للأدب ~~وتصورهم ms419 للأخلاق؟ # وكيف يمكن أن لا تؤثر هذه النزعات في اتجاهاتهم الخلقية والأدبية؟ إن الخلق يصدر عن ~~النفس، والأدب ينبغ من القلب، وأمثال هذه النفوس والقلوب لا تفيض إلا بالرحيق السلسبيل ~~في الأدب والأخلاق. ولا يمكن أن يمتري منصف في قوة الخلق عند أولئك القوم، وإن جهد ناس ~~في رميهم بالحصيات، أما الأدب فحسبهم من التفوق فيه أن تفردوا بالإخلاص، والإخلاص هو ~~أساس العظمة في جميع الميادين. # بين العقل والدين # واهتمام الصوفية بالجمال ساقهم إلى فن من الأدب الرفيع: هو الكلام عن فضل العفاف، ~~وكلامهم فيهم مزاج من الأدب والأخلاق، ومن الصحف الباقية ما كتبه ابن القيم عن عفاف ~~يوسف، إذ بين «أن الداعي الذي اجتمع في حقه لم يجتمع في حق غيره، فإنه # صلى الله عليه وسلم # كان ~~شابا، والشباب مركب الشهوة، وكان عزبا ليس عنده ما يعوضه، وكان غريبا عن أهله ووطنه، ~~والمقيم بين أهله وأصحابه يستحي منهم أن يعلموا به فيسقط من عيونهم، فإذا تغرب زال هذا ~~المانع، وكان في صورة المملوك والعبد لا يأنف مما يأنف منه الحر، وكانت المرأة ذات منصب ~~وجمال، والداعي مع ذلك أقوى من داعي من ليس كذلك، وكانت هي المطالبة فيزول بذلك كلفة ~~تعرض الرجل وطلبه وخوفه من عدم الإجابة، وزادت مع الطلب الرغبة التامة والمراودة التي ~~يزول معها ظن الامتحان والاختبار لتعلم عفافه من فجوره، وكانت في محل سلطانها وبيتها ~~بحيث تعرف وقت الإمكان ومكانه الذي لا تناله العيون، وزادت مع ذلك تغليق الأبواب لتأمن ~~هجوم الداخل على بغتة، وأتته بالرغبة والرهبة، ومع هذا كله عف لله ولم يطعها، وقدم حق ~~الله وحق سيده على ذلك كله، وهذا أمر لو ابتلي به سواه لم يعلم كيف كانت تكون حاله». # 24 # إن حوادث الصوفية في الحب العفيف كانت تروى، وهي آيات من الأدب الممتع، وأي جمال فات ~~هذه القصة، وقد رواها المبرد بسنده عن رجاء بن عمرو النخعي قال: # كان بالكوفة فتى جميل الوجه، شديد التعبد والاجتهاد، فنزل في جوار قوم من ms420 النخع فنظر ~~إلى جارية جميلة فهويها وهام بها عقله، ونزل بالجارية ما نزل به، فأرسل يخطبها من ~~أبيها، فأخبره أبوها أنها مسماة لابن عم لها، فلما اشتد عليهما ما يقاسيانه من ألم ~~الهوى أرسلت إليه الجارية: قد بلغني شدة محبتك لي، وقد اشتد بلائي بك، فإن شئت زرتك، ~~وإن شئت سهلت لك أن تأتيني إلى منزلي، فقال للرسول: ولا واحدة من هاتين الخلتين، إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، أخاف نارا لا يخبو سعيرها، ولا يخمد لهيبها، فلم ~~أبلغها الرسول قوله قالت: وأراه مع هذا يخاف الله؟ والله ما أحد أحق بهذا من أحد، وإن ~~العباد فيه لمشتركون. ثم انخلعت من الدنيا وألقت علائقها خلف ظهرها وجعلت تتعبد، وهي مع ~~ذلك تذوب وتنحل حبا للفتى وشوقا إليه حتى ماتت من ذلك، فكان الفتى يأتي قبرها فيبكي ~~عنده، ويدعو لها، فغلبته عينه ذات يوم على قبرها فرآها في منامه في أحسن منظر، فقال: ~~كيف أنت، وما لقيت بعدي؟ فقالت: # نعم المحبة يا سؤلي محبتكم # حب يقود إلى خير وإحسان # فقال: على ذلك، إلام صرت؟ فقالت: # إلى نعيم وعيش لا زوال له # في جنة الخلد ملك ليس بالفاني # فقال لها: اذكريني هناك، فإني لست أنساك. فقالت: ولا أنا والله أنساك، ولقد سألت ~~مولاي ومولاك أن يجمع بيننا فأعني على ذلك بالاجتهاد. فقال لها: متى أراك؟ فقالت: ~~ستأتينا عن قريب فترانا، فلم يعش الفتى بعد الرؤيا إلا سبع ليال حتى مات رحمه الله. # 25 # فهذه القصة من وضع الصوفية، وهي من القصص التعليمية التي ألفت لرياضة النفس على إيثار ~~العفاف، وهي - على جمال مغزاها من الوجهة الخلقية - متخيرة الألفاظ، بارعة ~~الخيال. # وأجمل من هذه القصة وأمتع ما حدثوا أن امرأة جميلة كانت بمكة، وكان لها زوج، فنظرت ~~يوما إلى وجهها في المرآة فقالت لزوجها: أترى أحدا يرى هذا الوجه ولا يفتن؟ قال: نعم. ~~قالت: من؟ قال: عبيد بن عمير. قالت: فائذن لي فيه فلأفتننه! قال: قد أذنت لك. فأتته ~~كالمستفتية، فخلا ms421 معها في ناحية من المسجد الحرام، فأسفرت عن وجه مثل فلقة القمر، فقال ~~لها: يا أمة الله، استتري! فقالت: إني قد فتنت بك! فقال: إني سائلك عن شيء، فإن أنت ~~صدقتني نظرت في أمرك. قالت: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك. قال: أخبريني لو أن ملك الموت ~~أتاك ليقبض روحك، أكان يسرك أن أقضي لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت، فلو ~~دخلت قبرك وأجلست للمسائلة، أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت، فلو ~~أن الناس أعطوا كتبهم ولا تدرين أتأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك، أكان يسرك أني قضيتها ~~لك؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت، فلو أردت الممر على الصراط ولا تدرين هل تنجين أو لا ~~تنجين، أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت، فلو جيء بالميزان وجيء بك ~~فلا تدرين أيخف ميزانك أم يثقل، أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت، ~~فلو وقفت بين يدي الله للمساءلة أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا. قال: صدقت. ~~ثم قال: اتقي الله فقد أنعم عليك، وأحسن إليك. # فرجعت إلى زوجها فقال: ما صنعت؟ فقالت: أنت بطال ونحن بطالون! وأقبلت على الصلاة ~~والصوم والعبادة، فكان زوجها يقول: ما لي ولعبيد بن عمير، أفسد علي أمرأتي، كانت في ~~ليلة عروسا فصيرها راهبة. # 26 # أرأيتم ما في هذه القصة من وجوه التربية الخلقية؟ # إن هذا الفن من الأقاصيص هو من وضع الصوفية ومن نحا نحوهم من أهل الزهد والعفاف، وهو ~~بما فيه من عناصر الصدق والإخلاص خليق بمطاردة ما وضع المفسدون من أخبار الفسق والمجون، ~~فإن لم يكن الصوفية خلقوا هذا الفن فهم الذي أحيوه وأذاعوه، فإليهم الفضل في حياته على ~~كل حال، وهو فضل ليس بالقليل. # ويتصل بهذا روايتهم للأخبار القصيرة التي تردع الهوى، وترد شارد العقل، من أمثال هذه ~~الكلمات: # قال إبراهيم بن أبي بكر بن عياش: شهدت أبي عند الموت فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ فما أتى ~~أبوك فاحشة قط. وقال ms422 عمر بن حفص بن غياث: لما حضرت أبي الوفاة أغمي عليه فبكيت عند ~~رأسه، فقال لي حين أفاق: مايبكيك؟ قلت: أبكي لفراقك، ولما دخلت فيه من هذا الأمر - يعني ~~القضاء - فقال: لا تبك، فإني ما حللت سراويلي على حرام قط، ولا جلس بين يدي خصمان ~~فباليت على من توجه الحكم عليه منهما. وقال سفيان بن أحمد: شهدت الهيثم بن جميل وهو ~~يموت، وقد سجي نحو القبلة، فقامت جارية تغمز رجليه، فقال اغمزيهما، فإن الله يعلم ~~أنهما ما مشتا إلى حرام قط. # 27 # ولهذه الكلمات نظائر كثيرة جدا، وهي تؤيد ما ذهبنا إليه من أن اهتمام الصوفية ~~بالجمال ساقهم إلى فنون ممتعة من صور الأدب والأخلاق. # ولكن هل وقفت الصوفية في حرب الهوى عند ابتداع هذه الأقاصيص؟ هيهات! فقد وضعوا طرائق ~~للرياضة النفسية تعد من أبدع الدساتير في عالم الأخلاق، وهم يوصون مدمني الشهوات ~~بملاحظة الأمور الآتية، وهي كفيلة بتخليص أسير الهوى من براثن الشيطان: # الأول: # عزيمة حر يغار لنفسه وعليها. # الثاني: # جرعة صبر يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة. # الثالث: # قوة نفس تشجعه على شرب تلك الجرعة، والشجاعة كلها صبر ساعة، وخير ~~العيش ما أدركه العبد بصبره. # الرابع: # ملاحظته حسن موقع العاقبة، والشفاء بتلك الجرعة. # الخامس: # ملاحظته الألم الزائد على لذة طاعة هواه. # السادس: # إبقاؤه على منزلته عند الله تعالى وفي قلوب عباده، وهو خير وأنفع له ~~من لذة مرافقة الهوى. # السابع: # إيثار لذة العفة وعزتها وحلاوتها على لذة المعصية. # الثامن: # فرحه بغلبة عدوه، وقهره له. ورده خائبا بغيظه وغمه وهمه، حيث لم ينل ~~منه أمنيته. # 28 # التاسع: # التفكير في أنه لم يخلق للهوى، وإنما هيء لأمر عظيم لا يناله إلا ~~بمعصية الهوى. # العاشر: # أن لا يختار لنفسه أن يكون الحيوان البهيم أحسن حالا منه، فإن ~~الحيوان يميز بطبعه بين مواقع ما يضره وما ينفعه، فيؤثر النافع على ~~الضار، والإنسان أعطى العقل لهذا المعنى. # 29 # الحادي عشر: # أن يسير بفكره في عواقب الهوى: فيتأمل كم أفاتت معصيته من فضيلة، وكم ms423 ~~أوقعت في رذيلة، وكم أكلة منعت أكلات، وكم من لذة فوتت لذات، وكم من ~~شهوة كسرت جاها، ونكست رأسا، وقبحت ذكرا، وأورثت ذما، وألزمت عارا ~~لا يغسله الماء، غير أن عين الهوى عمياء. # الثاني عشر : # أن يتصور العاقل انقضاء غرضه ممن يهواه، ثم يتصور حاله بعد قضاء ~~الوطر، وما فاته وما حصل له. # الثالث عشر: # أن يتصور ذلك في حق غيره حق التصور، ثم ينزل نفسه تلك المنزلة، فحكم ~~الشيء حكم نظيره. # الرابع عشر: # أن يتفكر فيما تطالبه به نفسه من ذلك، ويسأل عنه عقله ودينه يخبرانه ~~بأنه ليس بشيء. # الخامس عشر: # أن يأنف لنفسه من ذل طاعة الهوى، فإنه ما أطاع أحد هواه إلا وجد في ~~نفسه ذلا، ولا يغتر بصولة أتباع الهوى وكبرهم، فهم أذل الناس بواطن، ~~قد جمعوا بين الكبر والذل. # السادس عشر: # أن يوازن بين سلامة الدين والعرض والمال والجاه، وبين نيل اللذة ~~المطلوبة، فإنه لا يجد بينهما نسبة ألبتة، فليعلم أنه من أسفه الناس ~~يبيعه هذا بهذا. # السابع عشر: # أن يأنف لنفسه أن يكون تحت قهر عدوه، فإن الشيطان إذا رأى من العبد ~~ضعف عزيمة وسقوط همة، وميلا إلى هواه طمع فيه وصرعه، وألجمه بلجام ~~الهوى، وساقه حيث أراد، ومتى أحس منه بقوة عزم وشرف نفس وعلو همة لم ~~يطمع فيه إلا اختلاسا وسرقة. # الثامن عشر: # أن يعلم أن الهوى ما خالط شيئا إلا أفسده، فإن وقع في العلم أخرجه ~~إلى البدعة والضلالة، وصار صاحبه من جملة أهل الأهواء، وإن وقع في ~~الزهد أخرج صاحبه إلى الرياء ومخالفة السنة، وإن وقع في الحكم أخرج ~~صاحبه إلى الظلم وصده عن الحق، وإن وقع في القسمة خرجت عن قسمة العدل ~~إلى قسمة الجور، وإن وقع في الولاية والعزل أخرج صاحبه إلى خيانة الله ~~والمسلمين حيث يولي بهواه، ويعزل بهواه، وإن وقع في العبادة خرجت عن أن ~~تكون طاعة وقربة، فما قارن الهوى شيئا إلا أفسده. # التاسع عشر: # أن يعلم أن الشيطان ليس له مدخل على ابن آدم ms424 إلا من باب هواه، فإنه ~~يطيف به ليعرف أين يدخل عليه حتى يفسد قلبه وأعماله، فلا يجد مدخلا ~~إلا من باب الهوى فيسري منه سريان السم في الأعضاء. # العشرون: # أن يتذكر أن مخالفة الهوى تورث العبد قوة في بدنه وقوة في لسانه، وأن ~~أغزر الناس مروءة أشدهم مخالفة لهواه، وأنه ما من يوم إلا والهوى ~~والعقل يعتلجان، فأيهما قوي على صاحبه طرده وتحكم وكان الحكم له، وأن ~~الله سبحانه جعل الخطأ واتباع الهوى قرينين، وجعل الصواب ومخالفة الهوى ~~قرينين. # الحادي والعشرون: # أن يعرف أن الهوى تخليط ومخالفته حمية، وأنه يخاف على من أفرط في ~~التخليط وجانب الحمية أن يصرعه داؤه. وأن الهوى رق في القلب، وغل في ~~العنق، وقيد في الرجل، ومتابعه أسير، فمن خالفه عتق من رقه وصار حرا، ~~وخلع الغل من عنقه، والقيد من رجله، واستطاع مسايرة الصالحين. # 30 # وهذه الأمور لخصناها من كلام مطول أثبته ابن القيم في نهاية كتابه الممتع (روضة ~~المحبين) وقد وصل به اجتهاده إلى نحو خمسين وسيلة لدعوة النفس إلى حرب الهوى. وفي هذه ~~الشواهد مقنع لمن يمتري في مزج الصوفية بين العقل والدين، فهم لا يعتمدون على الشرع ~~وحده، وإنما يجعلون الكرامة الإنسانية مما تنصب له الموازين، وهل كان الشرع في جوهره ~~إلا مبعث يقظة للعقل والوجدان؟ # | الموسيقا والغناء # فضل الموسيقا في التذكير بعالم الأرواح # ليس من المبالغة أن نحكم بأن الصوفية تفردوا بين أهل الأدب والأخلاق بالتجويد في ~~الموسيقا والغناء، فهم الذين نظروا في ذلك نظرا فلسفيا، وهم الذين جعلوا الموسيقا ~~والغناء من المشاكل الخلقية، وهم الذين صيروا إنشاد الشعر في المحافل العلنية بابا من ~~الأدب الرفيع. # ولنبدأ هذا الفصل بتحليل الحوار الممتع الذي وضعه إخوان الصفا في فضل الأنغام ~~الموسيقية، فهو يمثل فهم الصوفية لأثر الموسيقا في تثقيف الأرواح والقلوب. # حدثوا أن جماعة من الحكماء والفلاسفة اجتمعوا في دعوة ملك من الملوك فأمر أن يكتب كل ~~ما يتكلمون به من الحكمة، فلما غنى الموسيقار لحنا مطربا قال أحد الحكماء: إن ms425 للغناء ~~فضيلة يتعذر على المنطق إظهارها، ولم يقدر على إخراجها بالعبارة فأخرجها النفس لحنا ~~موزونا، فلما سمعتها الطبيعة استلذتها وفرحت وسرت بها فاسمعوا من النفس حديثها ~~ومناجاتها. # وقال آخر: احذروا عند استماع الموسيقا أن تثور بكم شهوات النفس البهيمية نحو زينة ~~الطبيعة، فتميل بكم عن سنن الهوى وتصدكم عن مناجاة النفس العليا. # وقال آخر للموسيقار: حرك النفس نحو قواها الشريفة من الحلم والجود والشجاعة والعدل ~~والكرم والرأفة، ودع الطبيعة لا تحرك شهواتها البهيمية. # وقال آخر: الموسيقار إذا كان حاذقا بصنعته حرك النفوس نحو الفضائل ونفى عنها ~~الرذائل. # وقال آخر: سمع فليسوف نغمة القينات فقال لتلميذه: امض بنا نحو هذا الموسيقار لعله ~~يفيدنا صورة شريفة، فلما قرب منه سمع لحنا غير موزون ونغمة غير طيبة فقال لتلميذه: زعم ~~أهل الكهانة أن صوت البوم يدل على موت إنسان، فإن كان ما قالوا صدقا فصوت هذا ~~الموسيقار يدل على موت البوم! # وقال آخر: الموسيقار وإن كان ليس بحيوان فهو ناطق فصيح يخبر عن أسرار النفوس وضمائر القلوب. # 1 # وقال آخر: لا يفهم معاني الموسيقار ولطيف عبارته عن أسرار الغيوب إلا النفوس الشريفة ~~الصافية من الشوائب الطبيعية، والبريئة من الشهوات البهيمية. # وقال آخر: إن النفوس الناطقة إذا صفت عن الشهوات الجسمانية، وزهدت في الملاذ ~~الطبيعية، وانجلت عنها الأصدية الهيولاينة، ترنمت بالألحان الحزينة، وتذكرت عالمها ~~الروحاني الشريف العالي، وتشوفت نحوه فإذا سمعت الطبيعة ذلك اللحن تعرضت للنفس بزينة ~~أشكالها، ورونق أصباغها، كيما تردها إليها، فاحذروا من مكر الطبيعة أن تقعوا في ~~شبكتها. # وقال آخر: إنما تشخص أبصار الناظرين إلى الوجوه الحسان؛ لأنها أثر من عالم النفس، ~~ولأن عامة المرئيات في هذا العالم غير حسان لما يعرض لها من الآفات الشائنة المشوهة، ~~إما في أصل التركيب أو بعده. وبيان ذلك أن الصغر من المواليد يكونون ألطف بنية وأظرف ~~شكلا وصورة لقرب عهدها من فراغ الصانع منها، وهكذا حكم ما يرى من حسن الثياب ورونقها ~~في مبدأ كونها قبل الآفات العارضة لها من الهوام والبلى والفساد. # اختلاف ms426 الناس في فهم الصور المعنوية للموسيقا والغناء # تلك فقرات قصيرة من الحوار الطويل الذي كتبه إخوان الصفا في فضل الموسيقا والغناء # 2 # ولم ننقل الحوار برمته لأن منهج البحث لا يحتم ذلك. ويكفي أن ندل القارئ ~~على الغرض الذي وضع لأجله ذلك الحوار، وهذه الفقرات تشير إلى أنهم يتمثلون أصولا ~~روحانية للهياكل الجسمانية، ويتصورون أن الغناء قد يوجه النفس إلى الخير حينا، وإلى ~~الشر أحيانا، يوجهها إلى الخير حين ينبه الموسيقار إلى الواجب الأشرف في تحريك النفوس ~~نحو قواها الشريفة من الحلم والجود والشجاعة والعدل، ويوجهها إلى الشر حين يتغنى ~~بالشهوات الحسية فيثير في النفس أسباب الشوق إلى موارد الغي والضلال. # وإخوان الصفا من الصوفية، وإن لم يصرحوا بذلك، وهم يستشهدون بكلام أهل التصوف في ~~مواطن كثيرة، وفي هذا الباب نقلوا من نوادرهم ما يؤيد رأيهم في اختلاف التأثيرات ~~الموسيقية باختلاف النفوس. وهم يرون أن «كل نفس إذا سمعت من الأوصاف ما يشاكل معشوقها، ~~ومن النغمات ما يلائم محبوبها، فرحت وسرت والتذت بحسب ما تصورت من رسوم معشوقها، ~~واعتقدت في محبوبها، وتلك المعشوقات تختلف باختلاف الطباع، فللطبع السليم معشوقات ~~روحانية، وللطبع العليل معشوقات أرضية، وقد صرحوا بأن أبصار الناظرين تشخص إلى الوجوه ~~الحسان لأنها أثر من عالم النفس، كأن ذلك العالم كله جمال. وعلى هذا الأساس يكون الغناء ~~العذب تذكيرا بالمحاسن المغيبة في عالم الأرواح». # الألحان في الأغاني الدينية وفي القرآن # والحق أن الغناء كان منذ الزمن القديم عنصرا حبا في التقاليد الدينية، وكان من ~~الأنبياء من يعتمد على صوته الجميل في جذب الناس، ففي الحديث أن داود عليه السلام قد ~~أعطي حسن الصوت حتى كان يستمع لقراءته إذا قرأ الزبور الجن والإنس والوحش ~~والطير # 3 # وكان بنو إسرائيل يجتمعون فيستمعون، وكان يحمل من مجلسه أربع مئة جنازة ممن ~~قد مات». # 3 # ولا تزال الكنائس المسيحية منذ نشأتها الأولى عامرة بالأناشيد، وللكنائس الفرنسية ~~تأثير في الموسيقا والغناء يعرفه من يهتم باللوحات الغنائية، وقد جمعت عددا وفيرا من ~~أناشيد الرهبان، ولا ms427 سيما الأناشيد المعروفة بالجريجوارية. # والقرآن نفسه لحن وقرئ بالألحان منذ عهد الرسول، وصح للجاحظ أن يحكم بأن القراءة ~~بالألحان غير الغناء. # 4 # وكذلك درج الصوفية على مدح الصوت الحسن فكان ذو النون يراه مخاطبات وإشارات إلى الحق ~~أودعها كل طيب وطيبة # 5 # وكان يحيى بن معاذ يراه روحة من الله لقلب فيه حب الله. # 5 # رأي الصوفية في السماع # وأهم ما امتاز به الصوفية هو التحرز في السماع، وهم يكرهونه إذا تطرق إلى الغرض منه ~~الفساد والمخالفة واللهو وترك الحدود # 6 # وعندهم ما يسمى السماع بالحال، والذي يسمع بحاله يتأمل إذا سمع حتى يرد ~~عليه معنى من ذكر عتاب أو خطاب، أو ذكر وصل أو هجر، أو قرب أو بعد، أو تأسف على فائت، ~~أو تعطش إلى ما هو آت، أو ذكر طمع، أو يأس أو بأس، أو بسط أو استئناس، أو خوف الافتراق، ~~أو وفاء بالعهد، أو تصديق بالوعد، أو نقض للعهد، أو ذكر قلق أو اشتياق، أو فرح الاتصال، ~~أو ترح الانفصال، أو التحسر على ما لم ينل، أو القنوط من الذي أمل، أو ذكر صفاء المحبة، ~~أو التمكن من المودة، أو ذكر اعتراض الصبوة بعد تمكنه من الحظوة، أو ذكر محافظة الرقيب ~~عند ملاحظة الحبيب، أو تباريح الشجون، وفنون الفتون، فإذا طرق سمعه من ذلك حال مما ~~يوافق حاله فيكون كالقادح يقدح في سره على قدر قوة إرادته فيعجز عن الضبط. # 7 # وعندهم السماع بالحق ومن الحق، والذي يسمع بالحق ومن الحق لا يلتفت إلى هذه الأحوال؛ ~~لأنها وإن كانت شريفة فهي ممزوجة بحظوظ البشرية، والذين يكون سماعهم بالله ولله ومن ~~الله وإلى الله هم الذين وصلوا إلى الحقائق وعبروا الأحوال، وفنوا عن الأفعال ~~والأقوال، ووصلوا إلى محض الإخلاص وصفاء التوحيد، فخمدت بشريتهم، وفنيت حظوظهم، وبقيت ~~حقوقهم، فشهدوا موارد الحق بالحق بلا علة ولا حظ للبشرية، وأطلعتهم تلك الموارد على ~~أسرار حكمته، وأرتهم آثار قدرته، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. # 8 # حسن النية وشرف القصد هما ms428 الأساس في إباحة الغناء # وينبغي أن نتذكر أن الصوفية تفردوا بين رجال الدين بالتشيع للموسيقا والغناء، فمن ~~الفقهاء من يرى أن الغناء لهو مكروه يراد به الباطل، ويقضي بأن من استكثر منه فهو سفيه ~~ترد شهادته، # 9 # وذلك الفقيه هو الشافعي رحمه الله. أما مالك فقد نهى عن الغناء وقال: إذا ~~اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردها، وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن ~~سعد. # 10 # وأما أبو حنيفة فكان يجعل سماع الغناء من الذنوب. # 10 # أما الصوفية فقد أقبلوا على الغناء، ولم يشترطوا إلا حسن النية، وشرف القصد، وتفردت ~~الطريقة المولوية باستجازة العزف على الآلات الموسيقية على اختلاف أنواعها أثناء مجلس ~~الذكر، وكان لهذه الطريقة أشياع في الأقطار الفارسية والتركية، وكان لهم في مصر تكية في ~~حي السيوفية بالقاهرة، وكانت لهم حضرة أسبوعية يتشوف إليها المولعون بالموسيقا والغناء، ~~وقد أغلقت الحكومة المصرية تلك التكية، ورأينا يوم إغلاقها جماعة من أهل الأدب يعترضون ~~في الجرائد على حرمان الموسيقا من براعة أولئك القوم. # 11 # والذي يراجع كتب التصوف يراها تفيض بالكلام عن الوجد والسماع وآداب المستمعين. وفي ~~كتاب الإحياء فصل ممتع لخصته وناقشته في كتاب الأخلاق عند الغزالي # 12 # ولا أرى العود إلى تلخيصه في هذا الحديث، ويكفي أن يتذكر القارئ أن عناية ~~الصوفية بالكتابة عن الموسيقا والغناء فيها وساوس كثيرة تمثل عنايتهم بالفنون وحرصهم ~~على الأخلاق. # 13 # بين الفقهاء والصوفية # أما طريقة التغني في مجالس الصوفية فقد بينها الأستاذ التفتازاني في مقال نشره في ~~مجلة المعرفة - عدد يونيه سنة 1931 - وهو يقول: ~~«إن الصوفية درجوا منذ القديم على أن يبدأوا مجالس الذكر ب (لا إله إلا الله) وتعرف ~~عندهم بالأرضية، ويأخذ (الرسيم) الذي هو رئيس المجلس في التدرج بالذاكرين أثناءها من ~~الراست «الرصد» إلى الدوكه إلى السيكاه إلى الجهر كاه (الجركاه) إلى الحجاز ثم الرهاوي ~~فالكردي فالبياتي فالصبا. وهنا تبدو مقدرة الرئيس في نقل الذاكرين من نغمة إلى نغمة كما ~~تبدو مقدرة المنشدين في متابعتهم للأنغام والإنشاد. والغالب ms429 في الإنشاد على الأرضية أن ~~يكون من كلام الصوفية كقولهم: # إلهي توسلنا بجاه محمد # نبيك وهو السيد المتواضع # أنلنا مع الأحباب رؤيتك التي # إليها قلوب الأولياء تسارع # إلى آخر القصيدة، ثم ينفرد رئيس المنشدين بعد الوصول إلى نغمة الرصد أو إلى النغمة ~~التي ينتهي عندها إنشاد القصيدة بالاستغاثة (أغثنا أدركنا يا رسول الله ) ثم يقول الموال ~~من نفس النغمة، فالأبيات التي سينشدها عند قيام المجلس من نفس النغمة أيضا ينشدها على ~~الأرض مقطعة، وعند قيام الذاكرين يكرر الأبيات بالطريقة المألوفة، ثم ينفرد بعد ذلك ~~بالمقطعات والقصائد والرقائق وما إليها من كلام الصوفية. وقد يستبيح بعضهم أن ينشد ~~الأدوار الموسيقية بمذاهبها وورودها المعروفة على مجلس الذكر، ولكن هذه الطريقة قاهرية ~~محضة، ويكاد لا يتبعها إلا رجال الطريقة الليثية أصحاب الفضل على هذا الفن وأساتذة ~~مبرزيه وحملة ألويته في القاهرة منذ مائتي عام». # طرائق الإنشاد في مجالس الذكر # وقد لا حظت أن مجالس الصوفية كانت تنقلب أحيانأ إلى مجالس فنية، فهي مجالس تعقد ~~ظاهرا لذكر الله، ولكن الغرض منها الغناء. فقد كان في حي الحسين منزل تقام فيه حضرة كل ~~ليلة ثلاثاء. وكان ذكر الله في الصورة الشكلية يتولاه طائفة من العجزة عجزة الدراويش، ~~أما نظام المجلس فيقوم على فن الشيخ حسن الحويحي، ~~وكان منشدا حلو الصوت، عذب الأداء، خفيف الروح، وكان ينشد في الحضرة أبياتا من شعر ~~ابن الفارض، مثل: # ما بين معترك الأحداق والمهج # أنا القتيل بلا إثم ولا حرج # ثم يندفع فيغني «آنست يا نور الوجود، شرفت يا روح المهجة، بعد البعاد أنا قلبي عليك» ~~أو «الكمال في الملاح صدف» إلى آخر الأغاني الطريفة التي كانت تغنى في الليالي ~~الملاح. # وكنت ألاحظ أن أهل ذلك المنزل يجعلون ليلة الحضرة ليلة قصف فيجمعون خلانهم حول ~~الموائد ويتندرون بأطايب الأحاديث. # وكان المستمعون يقترحون «الأدوار» على نحو ما كانوا يفعلون في حفلات الطرب والأنس، ~~وقد اقترح بعضهم دور «حود من هنا وتعال عندنا»؛ فغضب الشيخ الحويحي وقال: نحن لسنا في ~~الأزبكية ... أما ms430 أنا فكنت أفهم من شواهد الحال أن الأزبكية ليست منهم ببعيد! # وكان الشيخ الحويحي ريحانة عصره، فلما انتقل إلى جوار ربه تعطلت تلك الحضرة، فما ~~استطاع منشد آخر أن يجذب القلوب إلى ذلك المكان. # 14 # مجالس الصوفية تنقلب أحيانا إلى مجالس فنية # وكانت مجالس الذكر مدرسة لتخريج المغنين ففيها ظهرت تباشير النبوغ للمرحومين عبده ~~الحامولي، ومحمد عثمان، وسلامة حجازي، ويوسف المنيلاوي، وسيد درويش. وفي القرى المصرية ~~مئات من قراء الموالد هم في الأصل من أتباع الصوفية. # أثر الغناء في الأدب # واهتمام الصوفية بالغناء عاد على الأدب بكثير من النفع؛ فهناك مجموعات شعرية وضعت ~~لحفظ الأناشيد الصوفية، منها سفينة النجاة، وهي مجموعة صنفت منذ عشرين عاما صنفها ~~الأديب محمود نسيم، وقد عاونته على ترتيبها يوم كنت موصول العهد بالسادة ~~الشاذلية. # وقد انتقل فريق من تلك الأناشيد إلى الأغاني الحسية، أغاني المرح والطرب في عالم الحس ~~الذي يتاخم عالم الروح. ومنذ ليال كان صالح عبد الحي يغني في قاعة المذياع: # إن شكوت الهوى فما أنت منا # احمل الصد والجفا يا معنى # وهي قصيدة صوفية يتلقاها أكثر الناس بالقبول، وهي في أنفسهم صورة من الوجد الحسي ~~المشبوب. # وأكثر الأغاني الصوفية رمزيات وفيها ما يفصح عن أغراضهم كالذي نراه في هذه ~~الحائية: # أبدا تحن إليكم الأرواح # ووصالكم ريحانها والراح # وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم # وإلى لذيذ لقائكم ترتاح # وا رحمتا للعاشقين تكلفوا # ستر المحبة والهوى فضاح # بالسر إن باحوا تباح دماؤهم # وكذا دماء البائحين تباح # يا صاح ليس على المحب ملامة # إن لاح في أفق الوصال صباح # سمحوا بأنفسهم وما بخلوا بها # لما دروا أن السماح رباح # ودعاهم داعي الحقائق دعوة # فغدوا بها مستأنسين وراحوا # ركبوا على سنن الوفا، ودموعهم # بحر، وحادي شوقهم ملاح # والله ما طلبوا الوقوف ببابه # حتى دعوا وأتاهم المفتاح # لا يطربون لغير ذكر حبيبهم # أبدا فكل زمانهم أفراح # حضروا فغابوا عن شهود ذواتهم # وتهتكوا لما رأوه وصاحوا # أفناهم عنهم وقد كشفت لهم # حجب البقا فتلاشت الأرواح # فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ms431 # إن التشبه بالكرام فلاح # 15 # بين الرمز والإفصاح # وفي الصوفية من اهتم بتحديد المعاني المنقولة من الحسيات إلى الذوقيات، فقد حدث ابن ~~عربي أن من سماعهم قول ابن حيوس: # أسكان نعمان الأراك تيقنوا # بأنكم في ربع قلبي سكان # ودوموا على حفظ الوداد فطالما # بليت بأقوام إذا استحفظوا خانوا # سلوا الليل عني مذ تناءت دياركم # هل اكتحلت بالنوم لي فيه أجفان # ثم قال: «السماع الروحاني في ذلك: سكان نعمان الأراك هم العارفون في نعيم حضرة ~~المشاهدة ومحلها قلوبهم. يقول لطيفته الربانية لهذه الهمم: داوموا فإني دفعت إلى نفوس ~~أخذ عليها العهد الإلهي في الميثاق الأول فخانوا، ثم أخذ يصف نفسه بالقيومية تخلقا ~~إلهيا، أي على قدر التجرد من عالم التركيب الذي هو محل النوم إلى العالم الأنزه الأقدس ~~الذي لا نوم فيه ميراثا نبويا من أنه لا ينام قلبه # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم أخذ يخاطب الهمم أن ~~لمعان سيوفها إذا برقت من منازلها منازل الأحبة فغمد هاتيك السيوف أجفاني، أي لا أنام، ~~يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار». # 16 # وهذه العبارة فيها حيرة، حيرة ابن عربي بين مقام الله ومقام الرسول، وسبب ذلك يرجع ~~إلى قوله بالحقيقة المحمدية، فالنبي مألوه من جانب وإله من جانب، فهو رب ومربوب، هو رب ~~حين تراه صاحب الفضل على جميع الموجودات، وهو مربوب حين تتصور تبعيته لواجب الوجود، وقد ~~فصلنا هذه القضية في الجزء الأول تمام التفصيل. # ثم حدثنا أن من سماع الصوفية قول مهيار: # من ناظر لي بين سلع وقبا # 17 # كيف أضاء البرق أم كيف خبا # نبهني وميضه ولم تنم # عيني ولكن رد قلبا عزبا # برق له قد صار قلبي خافقا # 18 # واستبردته أضلعي ملتهبا # يالبعيد من منى دنا به ~~- يوهمني الصدق - بريق كذبا # ولنسيم سحر بحاجر # ردت به عهد الصبا ريح الصبا # ألية ما فتح العطار عن # أعبق منها نفسا وأطيبا # سل من يدل الناشدين بالغضا # على الطريد ويرد السلبا # أراجع لي - والمنى تعلة - # وطالع نجم زمان غربا # وطوقة بين القباب بمنى ms432 # لا خائفا عينا ولا مرتقبا # ثم قال: «السماع الروحاني للعارف في ذلك: من ناظر لي بين المقامات المحمدية كيف لمع ~~برق المعرفة، أم كيف خبا مطويا في غيم الكون، أيقظني لمعانه على أن عيني ما نامت عنه، ~~ولكن كان العقل منصرفا إلى عالم التدبير فرده إلى العالم المدبر، فسكنت له همم القلوب ~~بعد طيرانها خضعا كسلسلة على صفوان ، واستبردت برد السرور ما كان حاميا بنور التنزلات ~~الإلهية، فلما لاح له المعين من خلق خلقة الرصد مثال النور المنزل ليقبله منه عرفه ~~بالحفظ الإلهي فقال: يوهمني الصدق بريق كذب. ثم رجع ينادي أيضا بالبعد من عالم الأنفاس ~~في البرزخ المشترك بين النور والظلمة دل عليه وعلى عصر شبابه ريح الصبا وشروق نفس ~~التنفس من نفس الرحمن بما هو أطيب من المسك عرفا ونشرا، ثم قال: سل من يدل الناشدين ~~قلوبهم بمقام الاشتياق على الطريق عن البناء الأعز، ويرد قلبا أخذ منه على غرة، ثم ~~قال: أراجع لي ذلك السلب، والمنى قد تكون أماني، وهل يطلع نجم سعد غرب؟ أي صار في ~~الحجاب. وهل أراني طائفا مترددا بين القباب الساترة شموسا لا خائفا بقول: لم؟ ولا ~~مترقبا وعد حصول الاتصال وانتظام الشمل بالأحباب». # 19 # وهذا الكلام على ركاكته واضح المدلول، فهو يعني أن الصوفية قد يتغنون بأشعار حسية، ~~ولكنهم ينقلونها إلى آفاق روحانية. # وما احتاج ابن عربي إلى هذا الشرح إلا لأنه كان مشغوفا بتقعيد التصوف، أي إقامته على ~~قواعد وأصول. # وكان الأفضل أن يترك هذه المعاني بلا شرح، فللأرواح آفاق أوسع وأرحب مما يظن، والصوفي ~~الموصول القلب والروح بعالم المعاني قد يفهم من الغناء أشياء لا يصل إليها شرح ولا ~~تفسير ولا تأويل. # وشعراء الحواس أنفسهم لا تفتنهم «ليلى» من حيث هي امرأة، وإنما يتمثلون بها معاني ~~كثيرة جدا، منها الهجر والوصل والعذاب والنعيم. # والصوفي يعجز حقا وصدقا عن شرح أسباب هيامه حين يسمع الغناء، ومثله مثل الموسيقار ~~الحساس الذي يطرب من حيث لا يعرف بالضبط كيف طرب. # والصوفي الحق لا ms433 ينكر المحسوسات، فهو قد يحب «ليلى» الحقيقية بجانب «ليلى» المجازية؛ ~~لأن ليلى الحقيقية سطر جميل في لوح الوجود. # الصوفي الحق لا يحتاج إلى التبرؤ من جميع المحسوسات كما يتبرأ أمثال ابن عربي؛ لأن ~~المحسوسات هي التصوير للمعقولات، وهي المفتاح الذي تدخل به فردوس المعاني. # الصوفي الحق يرتاح لكل قول، ولكل صوت، ولكل منظر، ولكل مخبر، وهذه المرئيات ليست من ~~الأوهام، وإنما هي شواهد تشير إلى حقائق، كما تشير الألفاظ إلى المعاني. # الصوفي الحق يعذر جميع المضللين وجميع المفتونين؛ لأنهم في رأيه من السالكين وإن ~~جهلوا الطريق. # الصوفي الحق يطرب لكل شيء، ويأنس بكل شيء، ويتغافل عن الشروح؛ لأنها تفسد النفحات ~~الوجدانية التي تأخذ عبيرها من الإبهام والغموض. # الصوفي الحق لا يعرف ماذا يريد، وهل كان مجنون ليلى يعرف بالضبط ماذا يريد؟ # الصوفي الحق يرتاح إلى الحيرة كما يرتاح الجاهلون إلى اليقين. ~~••• # اللهم ضللني في هواك، واجعلني وحدي أسير الضلال في هواك، فبفضلك ورحمتك ذاق العارفون ~~طعم الضلال. # وهل كانت الهداية الصريحة إلا نصيب الأغبياء! # | الآداب الصوفية عند الشعراني # مولد الشعراني ونشأته # رأينا من الخير أن ندرس بعض الشخصيات الصوفية التي اهتمت بنشر محاسن الأخلاق، فبدا ~~لنا أن نكتب فصلا عن الغزالي، ثم تذكرنا أننا نشرنا عنه كتابا في أكثر من أربع مئة ~~صفحة هو «الأخلاق عند الغزالي» الذي قدمناه إلى الجامعة المصرية في سنة 1924 وتذكرنا ~~أيضا أن مؤلفات الغزالي كانت من أهم مراجع هذا الكتاب، فنحن ما نسيناه حتى نفرده ببحث ~~خاص. # وبعد التأمل رأينا أن ندرس إحدى الشخصيات المصرية التي أثرت أبلغ التأثير في ذيوع ~~الثقافة الصوفية بين المصريي، فرأينا الشعراني أكبر شخصية أثرت في الأذواق المصرية، ~~وسيطرت على الجماهير زمنا غير قليل. # وقد يكون من أسباب ميلي إلى درس هذه الشخصية أن الشعراني عرف سنتريس - وفي ألفاظه ~~وتعابيره أخيلة لا تزال حية في سنتريس - فقد نشأ في ساقية أبي شعرة وهي بلدة تجاور ~~بلدنا ولنا فيها أقارب وأصدقاء. ومن أجل نشأته في ساقية أبي شعرة سمي الشعراني، ms434 وهو عند ~~نفسه يسمى الشعراوي، وهو اسم كثير الذيوع في البلاد المصرية كان يسمى به الناس أبناءهم ~~تيمنا بذلك الإمام الجليل. # ويظهر أن شخصية الشعراني غرست في ساقية أبي شعرة حب التصوف فلا تزال عامرة بذكريات ~~الأولياء، ولا يزال أهلها يقيمون الموالد وينشرون آداب الطريق، وقد بلغ بهم الأمر أن ~~اخترعوا شخصية جديدة هي شخصية الشيخ خالد، وقد زعموا أنه خالد بن الوليد، فجذبوا به ~~الناس إلى بلدهم عددا من السنين. # وفي ساقية أبي شعرة ضريح لرجل من الصالحين اسمه الشعراوي، وهم يؤكدون أنه والد عبد ~~الوهاب الشعراوي الذي نكتب عنه هذا الفصل # 1 # وهو كلام لا نعرف مبلغه من الصواب. # زوجته وأخوه # ولد الشعراني في قلقشندة في بيت جده لأمه سنة 898 وبعد أربعين يوما من مولده انتقل ~~إلى بلدة أبيه ساقية أبي شعرة فنشأ بها وأقام فيها إلى الثانية عشرة، وظل موصول العهد ~~بالبلد الذي نشأن فيه لأنا نراه يكثر من التحدث عن أولياء المنوفية # 2 # ثم انتقل إلى القاهرة فتلقى العلم على كبار الشيوخ في عصره، ثم ارتفع شأنه ~~فصار شيخ زاوية، وكان هذا المنصب من المناصب المرموقة في ذلك الحين، # 3 # وأقبل على التأليف فترك ثروة فقهية وصوفية لم يترك مثلها من العلماء إلا ~~الأقلون. # ولسنا في حاجة إلى ترجمة الشعراني فكتبه هي ترجمة نفسه لأنه يتحدث عن أحواله وأعماله ~~في جميع المناسبات حتى أخبار بيته وأهله يراها القارئ في كتبه مفصلة أتم تفصيل. # 4 # والذي يتذكر أن العرب والمسلمين قلما يتحدثون عن نسائهم في الأشعار # 5 # والمصنفات يدهش حين يرى الشعراني يقول: وما رأت عيني من نساء عصري أكثر ~~مواظبة على قيام الليل من زوجتي أم عبد الرحمن فربما صلت خلفي وهي حبلى على وجه الولادة ~~بنصف القرآن، وهذا عزيز جدا # 6 # أو يقول: وأما أم ولدي عبد الرحمن رضي الله عنها فلها الآن معي تسع عشرة ~~سنة فما رأيتها قط وهي تقضي حاجتها في خلاء البيت إلى وقتي هذا # 7 # أو يقول: وممن اطلعت ms435 عليها من النساء تخاف على رؤية شخصها وهي في الإزار ~~وتستحي أن يراها أحد، وهي خارجة من الخلاء زوجتي فاطمة أم عبد الرحمن رضي الله عنها. ~~سافرت بها إلى الحجاز ثلاث مرات، فما أظن أن العكام رأى لها حجما قط من حين خرجت من ~~بيتها إلى أن دخلت مكة المشرفة ثم رجعت إلى بيتها، وكانت تركب في مثل العقبات فوق ظهر ~~القتب داخل الحمل المغطى، ونزل نساء الأكابر كلهم في نزول العقبة وطلوعها، وهي لم تنزل ~~وما شعرت قط بقضاء حاجتها، لا في المحطات ولا في حال السير رضي الله عنها، ولم تركب قط ~~حمارا، وقالت: لا أستطيع أن يراني أحد، حتى الكحال عجزت فيها أنه يرى عينيها فلم أقدر ~~عليها. ورضيت بالوجع وصبرت حتى زال الرمد وضاف ميق عينها اليسرى عن العين اليمنى إلى ~~الآن، فهذا أمر رأيته منها، ولم يبلغني وقوع ذلك لأحد من عيال إخواننا. فالحمد لله رب ~~العالمين على ذلك. # 8 # وهذه الفقرات تدل على أمرين: الأول: أنه كان سعيدا في حياته المنزلية، ولذلك أثر في ~~فهمه لقواعد الأخلاق، والثاني: أنه كان يتمثل الكمال الخلقي في المرأة على وجه لا يخلو ~~من تعسف، بدليل أنه رأى من موجبات الحمد أن ترحب زوجته بألم الرمد في سبيل التحرز من ~~رؤية الكحال، أي طبيب العيون. # رضاه عن نفسه # وبجانب اطمئنان الشعراني على أخبار بيته كان له جانب آخر من الطمأنينة هو الأنس بمودة ~~أخيه أفضل الدين؛ فقد كان أخوه هذا من أهل الصلاح، وكان به حفيا، فهو يذكره في مناسبات ~~كثيرة بلسان رطب، ويضفي عليه حلل الثناء. # 9 # ويظهر أيضا من حديثه أنه كان راضيا عن أصدقائه، فهو يطوف بأخبارهم من حين إلى حين، ~~ويتحدث عنهم حديث الفرح الجذلان. # ويضاف إلى ذلك كله رضاه عن نفسه، فقد كان يرى مسلكه في دنياه من أشرف المسالك، ولذلك ~~نراه يكثر من الحديث عن «منن» الله عليه كأن يقول: «عرضوا علي نحو أربعة آلاف دينار ~~أوصى بها لي قاضي إسكندرية فرددتها ms436 احتياطا لنفسي من أكل مال القضاء والشبهات التي لم ~~تقسم لي وخوفا عليها من ميلها إلى جمع مال الدنيا، فالحمد لله على ذلك»، وكأن يقول في ~~مقدمة كتابه تنبيه المغترين: «شيدت أخلاقه بأفعال السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ~~والعلماء العاملين، وبما من الله علي بالتخلق به أوائل دخولي في طريق محبة القوم، ~~خوفا أن يقول بعض المتعنتين: كيف يأمرنا فلان بالتخلق بأخلاق القوم، وهو لم يقدر على ~~هذه الأخلاق؟ فلذلك صرحت بكثير من الأخلاق التي من الله بها علي دون أقراني»، وكذلك ~~قال في مقدمة كتاب لطائف المنن، وهو كتاب مملوء بالزهو والخيلاء، وكله شواهد بأن ~~الشعراني كان عند نفسه أفضل الناس. # وهذا الرضا المطلق عن النفس والأهل يفسر لنا جانبا مهما من شخصية الشعراني، فهو سر ~~ما اتصف به من الجرأة في نقد ما رآه من الزيغ والانحراف في أخلاق معاصريه. والرجل حين ~~يخلص من آفات نفسه يفرغ للناس، وكذلك كان الشعراني قوى الجنان، وهو يحارب طغيان الولاة ~~وإسفاف العلماء. # والرضا عن النفس ليس من الشمائل المقبولة عند الصوفية، ولكن هذه خصيصة من خصائص النفس ~~الشعرانية، ونحن ننص عليها من أجل ذلك، فما نملك خلق النفوس من جديد لنسلكها في سمط ~~واحد، وإنما نسجل ما عرفناه من ألوان النفوس. # وربما كان من العدل أن نقيد هذا المنزع من الخيلاء، فالشعراني كان يستبيح الحديث عن ~~فضائل النفس حين تخلص النية، وحين يكون لذلك غرض مقبول، كالتأثير على المريدين، وجذبهم ~~إلى الاعتقاد في شيخهم ليقبلوا على تعاليمه بنفوس معمورة بالحب والإجلال. # 10 # اعتقاده في الكرامات # وكما حدثنا الشعراني عن أهله وعن نفسه حدثنا كذلك عن عقيلته فهو رجل يؤمن بالكرامات ~~إيمانا مطلقا، ويرى الأولياء يقدرون على كل شيء. وليس من المستبعد عنده أن يعرف الولي ~~أخبار البيوت، ومن الممكن في رأيه أن يبيع الرجل الحشيش وهو في حقيقة أمره من الأولياء، ~~ويجوز في تصوره أن ينقل الرجل من مكة إلى مصر في مثل لمح البصر إذا دفعه أحد الواصلين. ~~وحدثنا أن ms437 أستاذه الخواص كان يرسل أصحاب الحوائج إلى رجل كان يبيع الفجل على باب الأزهر ~~فيقضيها لهم في الحال، وأن هذا الرجل كان لا يأكل أحد من فجله وببدنه مرض من جذام أو ~~برص، أو غيرهما إلا شفي لساعته، وحدث عن الشوني أن أحد الحمارين في قنطرة الموسكي كان ~~معروف البركة فلا تركب حماره مومس إلا تابت، ولا تعود للزنا أبدا، وأن أحد باعة الحشيش ~~كان لا يشتري أحد منه قطعة إلا تاب عن الحشيش، # 11 # وحدثنا أنه اجتمع بإبليس على ساحل النيل وجادله، وسمع منه أن الإنسان ككفتي ~~الميزان، وقلبه كلسان الميزان. # 12 # ومؤلفات الشعراني تفيض بالأقاصيص عما صنع المجاذيب، ولهذا الجانب أهمية في فهمه ~~لقواعد الأخلاق، فالشخصية الخلقية في نظر الشعراني هي شخصية تصدق كل شيء، وإن أحالته ~~العقول، ما لم يعارض النصوص الشرعية، فمن حدثنا أنه قرأ القرآن كله خمس مرات من المغرب ~~إلى العشاء فهو صادق، ومن حدثنا أنه قرأ القرآن كله بالحروف # 13 # ثلاث مئة ألف مرة في يوم وليلة فهو صادق؛ لأنه «إذا تجردت الروح عن هذا ~~الجسم الكثيف فعلت ذلك». # 14 # ويظهر من النقول المبثوثة في كتب الشعراني أن الصوفية المصريين لعهده كانوا جميعا ~~يقولون بالكرامات، ويظهر كذلك أنه كان في مصر لذلك العهد طوائف من الفقهاء تنكر ~~الكرامات: لأنه شغل نفسه بمحاجة من ينكرون ما اختص به الأولياء. # والتعليل نفسه يدل على سذاجة عقلية: فهو ينقل عن أستاذه محمد المرصفي أن الأولياء ~~يتفق لهم أن يقضوا في يوم واحد ما لا يمكن قضاؤه إلا في سنين؛ لأن أعمار هذه الأمة ~~قصيرة فأقدر الله الخواص على إنجاز الأعمال بسرعة البرق ليرجحوا على عباد الأمم ~~السابقة الذين عاشوا نحو الخمس مئة سنة. # 14 # وليس يعنينا أن نناقش صحة الكرامات: لأننا لم نصل في فهمها إلى حكم مقبول. وإنما ~~يعنينا أن نسجل أن الشعراني كان يرى الشخصية الخلقية شخصية لا يؤذيها أن تعق العقل، ولا ~~يضيرها أن تسوء الظواهر في بعض الأحوال. وما كتبه عن الخواص ms438 يشهد بأنه كان يؤمن ~~بالكرامات إيمان المجاذيب، # 15 # وما كتبه عن نفسه يدل على حمق؛ فقد حدث أنه سمع تسبيح الجمادات والحيوانات، ~~وسمع من يتكلم في أطراف مصر، بل في سائر أقاليم الأرض، وسمع تسبيح السمك في البحر المحيط. # 16 # ويهمنا أيضا أن نسجل أثر الشعراني وأمثاله في تلوين العقلية المصرية، فقد ~~انطبع هذا الشعب على الإيمان بكل مجهول. وقد رأيت من كبار العلماء من يدافع عن الكرامات ~~في دروسه بالأزهر الشريف، وللشيخ الدجوي في ذلك مباحث طوال . ورجاني أحد الأدباء ~~الممتازين أن أكتب فصلا في هذا الكتاب أشرح به وجه الحق في الكرامات. ورأيت رجلا من ~~أهل الفضل يتحدث عن القطب وكرامات الأقطاب، وما أحسبه كان من المازحين. ومنذ أيام تلقيت ~~رسالة من أحد قراء البلاغ حدثني كاتبها عن رجل من علماء الأزهر أنه رأى النبي في ~~المنام، وأن النبي قضى بأن يكون إمام الأولياء. # وما ادعى أن الاعتقاد في الكرامات خاص بأهل مصر: فقد عقد لها الغزالي بابا في ~~الإحياء. وإنما أحكم بأن الشعراني كان أكبر من غرسوا هذه العقيدة في البيئات المصرية، ~~وإليه يرجع الفضل في توجيه الناس إلى ما في الكرامات من حدائق الخيال! # والاعتقاد في الكرامات عزاء كبير للفقراء؛ فهم يخلقون لأنفسهم دنيا من المجد الموهوم ~~يعوضون بها ما ضاع عليهم من حظوظ الحياة. ومن المؤكد أن هذه الوساوس لا تسود إلا في ~~عصور الضعف السياسي والاقتصادي حين تصح الأمة وهي فارغة الأيدي من سلطان الجاه والمال. ~~ومن ذلك رأينا المسلمين في عصور قوتهم لا يعرفون غير الواقع، مع أن الصلاح كان من أغلب ~~الصفات عليهم، ثم رأيناهم في عصور الانحطاط يصدقون كل شيء ويلقون زمامهم إلى كل مخلوق، ~~عساهم ينسون ما هم فيه من شظف العيش ونكد الشقاء. # انطباع الشعب المصري على الإيمان بكل مجهول # والتصوف نفسه من مظاهر الضعف، والرجل لا يتصوف إلا حين ييأس؛ لأنه بفطرته حيوان مفترس ~~لا ينتظر المجهول من حظوظ النفس، وإنما يصاول ويفتك ليظفر بحظوظ الأمراء ~~والملوك. # وقد ms439 جاء في كليلة ودمنة أن ذا المروءة لا ينبغي له إلا إحدى اثنتين: أن يكون بين ~~الملوك مكرما، أو بين النساك متبتلا. وهذه الكلمة هي الفيصل؛ فالرجل يطلب المنزلة ~~العالية في جميع الأحوال، فإن فاتته بين الملوك لم تفته بين النساك. ومعنى ذلك أن ~~التعبد نفسه لا يخلو من كبرياء. # وقد استطاع الصوفية بدهائهم المصقول وكبريائهم المكبوت أن يجعلوا كلمة الحرمان هي ~~العليا؛ فما زالوا يغمزون أهل الدنيا ويلمزونهم ويسوئون سمعتهم ويرمونهم بالبهتان حتى ~~صح عند السواد أن الفقراء هم الملوك حقا، وأن الملوك المتوجين لا يملكون غير «الدنيا» ~~وهي متاع المفتونين! # والذي يراجع سير الأنبياء يرى الفقراء كانوا أسرع الناس إلى إجابة الدعوة # ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا # وإنما كان ذلك لأن الأنبياء يعدون أتباعهم السلطان المطلق في عالم السماء. والفقراء ~~بفطرتهم الحيوانية يتشوفون إلى السيطرة، فإن فاتتهم هنا أدركوها هناك. # التصوف من سمات الضعف # وخلاصة القول أن الشعراني وأصحابه وجدوا في مصر تربة خصبة فأنبتوا فيها ما شاءوا من ~~صنوف الخيال، وكان شيوع الشعوذة الصوفية في هذه البلاد يسير جنبا لجنب مع ما اصطفاه ~~نصارى مصر من النحلة الأرثوذوكسية، فإن اصطفاء نصارى مصر للمذهب الأرثوذوكسي لم يقع إلا ~~بفضل ما هم عليه من الضعف؛ لأنه مذهب مشبع بالخرافات، والخرافات هي السند لكل مخلوق ~~ضعيف. # والذي يتأمل أحوال مصر في العشرين سنة الماضية يؤكد صدق ما أقول في أيام الحرب ~~العالمية كان لمشايخ الطرق سلطان عظيم؛ لأن الناس كانوا يئسوا من المجد السياسي، فلما ~~هبت الثورة المصرية في سنة 1919 شغل الجمهور بشاغل جديد، وانقطع الخلاف بين الشاذلية ~~والخلوتية، وحل محله الخلاف بين السعديين والوطنيين والدستوريين. # ولأمر ما كان التصوف يسمى الفقر، وكان الصوفية يسمون الفقراء، أترونني بهذا أغض من ~~تلك النزعة الروحية؟ # هيهات، وإنما أردها إلى أصل صحيح من ضمائر الناس. # ألم تسمعوا أن أحد الرؤساء هدد مرءوسه فقال: إن لم تستقم أقمتك من غد في الصف ~~الأول؟ # والصف الأول هو صف المبكرين إلى الصلاة: صف ms440 من يسبقون الإمام إلى رؤية ~~المحراب! # ولا يعرف الناس لزوم المحاريب إلا بعد أن تخلو أيديهم من أدوات الحرب في سبيل المجد ~~أو في سبيل المعاش. # مالي ولهذا الاستطراد؟ يكفي أن أسجل أن القاهرة لم تمتلئ بالزوايا ولم يكن للشعراني ~~فيها حظ مرموق إلا لأن أهلها كانوا غلبوا على أمورهم الدنيوية، فمضوا يلتمسون الأسباب ~~إلى فتح أبواب السماء. # وما كان الشعراني بالأحمق، وكيف وهو الذي أحصيت عليه أنه قال في مؤلفاته أكثر من ~~خمسين مرة: ~~«العاقل من عرف زمانه ». # إي والله، فقد عرف الرجل زمانه فساس أهله بما ينبغي أن يساسوا به فلم يمت إلا وهو ~~(القطب الرباني، والمحقق الصمداني)، وذلك متاع ليس بالقليل. # دهاء الصوفية # أترانا نتجنى على الشعراني حين نصفه بالترفق في مداراة الناس ليظفر بالسمعة وبعد ~~الصيت؟ # انظر في مقدمة «اليواقيت والجواهر» ومقدمة «البحر المورود»، فإن فعلت فستعرف أنه كان ~~يحرص أشد الحرص على الظفر بالزعامة في التصوف والدين، أي أنه كا يريد أن يكون مرضيا ~~عنه من أهل الحقيقة وأنصار الشريعة، وإلى هاتين الجبهتين كانت ترجع أصول الصدارة بين ~~الناس. # كان الشعراني يؤلف الكتاب في التصوف ثم يمضي إلى العلماء فيستكتبهم بالقبول ليصح له ~~القول بأن كتبه ليس فيها ما يخالف الشرع، وكان الناس يعرفون عنه ذلك فيعمدون إلى كتبه ~~فيضيفون إليها زيادات تدخله في الحظيرة الخطرة: حظيرة الصوفية المتفلسفين الذين يتطلعون ~~إلى الخروج على المألوف من مقبول الآراء. # 17 # حرص الشعراني على رضا جميع الطبقات # ولكن مهلا - فهذا الرجل الذي نضيفه إلى أصحاب المطامع كان من نوادر الرجال في كرم ~~الأخلاق، وفي كتبه صحائف تكتب بماء الذهب، ولو شئت لقلت بمداد من دماء القلوب، فقد ~~حدثنا هذا الرجل - وهو صادق - أنه كان يزجر من يراه من أصحابه يتجسس على عيوب الناس # 18 # وهذا أدب نبيل. # وحدثنا - وهو صادق - أن من منن الله عليه كثرة ستره لعورات المسلمين الذين لم ~~يتجاهروا بالمعاصي، وأنه يرى ذلك من جملة الواجبات. وهو الذي يقول: # إن من جلة سترنا للمسلم ms441 أن نغلق عليه بابه إذا رأيناه خارجا وهو سكران، ~~ونأمر الأجنبية التي معه في الخلوة المحرمة أن تنزل من حائط الجار إن خفنا أن ~~أحدا ينظرها إذا خرجت من المحل الذي هي فيه. كل ذلك حتى لا يعلم أحد بعصيان ~~ذلك الرجل، لا سيما إن كان جارا لنا. وكم يترتب على كشف السوءات مفسدة، فإياك ~~يا أخي أن تفشي سر أخيك المسلم ولو لأعز أصدقائك، فإنه يحكي ذلك لكل الناس إن ~~كان ساذجا، وإن كان حاذقا فيحكي ذلك لبعض الناس ويأمرهم بالكتمان؛ فيصير كل ~~واحد يخبر صاحبه ويأمره بالكتمان حتى تمتلئ البلد # 19 # وأحدهم يحسب أنه كتم ما رأى، والحال أنه هتك أخاه بين الناس. # 20 # ولا يكتفي بذلك، بل يذكر أن من نعمن الله عليه انشراح صدره، ومطاوعة نفسه في محبة ستر ~~عدوه وكراهته لكشفها مع أن الغالب على الناس إظهار الشماتة بالعدو، وإظهار عورته. # 21 # وهذا الأدب دعا إليه الشعراني في جميع مؤلفاته، وهو يرى العصاة من أصحاب الجدود ~~العوائر، وينظر إليهم بعين العطف والإشفاق، ويترفق في هدايتهم إلى الله، وهذا من أخلاق الأنبياء. # 22 # والذي يلفت النظر في هذا الموطن هو التغاضي عن عيوب الأعداء؛ لأنه يفرض قوة عظيمة في ~~ضبط النفس، فهو من أخلاق الأقوياء من الرجال، وفي أصدقائي رجل ابتلاه الله بلؤم ~~الحاقدين، وامتحنه بكيد السفهاء، ومع ذلك لا أذكر أن لسانه أو قلمه خاض في عرض أحد ممن ~~يتقولون عليه الأقاويل، وقد يتفق له في أحيان كثيرة أن يحارب خصومه أعنف الحرب، ولكنه ~~لا يحاربهم إلا في العلانية، ولا يتعرض أبدا لمقاتلهم الأخلاقية. وإنما يثير في وجوههم ~~الدخان فيتوهم من لا يعرف أنه يقذفهم بالنار، مع أنه يصرف الناس عامدا عن دخائلهم ~~الأثيمة، ويشغل الجمهور عن مساويهم بأمور صغيرة هي الكلام عن العلم والجهل. وأعداء هذا ~~الرجل يعرفون فيه ذلك الخلق ويفهمون أن زوال الجبل من مكانه أقرب إلى الإمكان من خوض ~~قلمه أو لسانه في الأعراض. ولذلك يهجمون عليه مستسلين، وهو لو شاء ms442 لزلزل بهم الأرض، ~~ولكن نعمة الله عليه في هذا الأدب أحب إليه من قهر الأعداء. # شواهد من أخلاقه العالية # ومما يجب النص عليه من أحوال الشعراني أنه كان يعتقد أن الخير في مصر ينتهي بانتصاف ~~القرن العاشر، ثم تصبح دنيا المصريين مسبعة لا أمن فيها، ولا سلام، وانظر ما يقول في ~~البحر المورود: # 23 # أخذ علينا العهد أن لا نتصدر للشفاعة في الناس عند الحكام إذا دخل النصف ~~الثاني من القرن العاشر، إلا إن كانت عندنا حال وتصريف في الحكام بالولاية ~~والعزل، فإن من لا كشف عنده ربما أغلظ على الحاكم فقال له الحاكم: إن كنت ~~صالحا فانفحني فلا يقدر على نفحه فيفتضح عند الحاكم، وسمعت سيدي عليا الخواص ~~يقول: كان عند الحكام بقية خوف من الله تعالى يمتنعون به عن ظلم العباد فرفع ~~الله ذلك خامس عشر صفر سنة ثمان وثلاثين وتسع مئة. قال: وعن قريب يصير حاشية ~~الحاكم يأخذون من الإنسان الجعالة ولا يقضون له حاجة، ويطلب فلوسه مثلا فلا ~~يصل إليها، والله غفور رحيم. # والخواص الذي نقل الشعراني عنه أن الحياء ذهب من الحكام في الخامس عشر من صفر سنة ~~ثمان وثلاثين وتسع مئة هو نفسه الذي قال: # كان قد بقي في الناس بعض سترة لبعضهم بعضا فرفع الله تعالى حكمها في سنة سبع ~~وأربعين وتسع مئة وما بقي أحد يقدر على كشف عورة أخيه ويسترها إلا قليل من ~~الناس، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم # 24 # ما أصابك من حسنة فمن الله وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك ~~. # وقد طاف حول هذه المسألة في كتاب آخر هو لواقح الأنوار، فذكر مرة أنه لم يبق في مصر ~~من يصلح للأستاذية في الطريق؛ لأن الأشياخ فقدوا وكان آخرهم علي المرصفي، # 25 # وذكر مرة ثانية أنه أدرك طريق الفقراء، ولها حرمة عند الناس، وعلى أصحابها ~~الخير والهيبة، فرفع الله تعالى ذلك بموت السادة: علي المرصفي وعلى الخواص ومحمد الشناوي. # 26 # ويظهر أن الشعراني لم يكفه أن يذهب ms443 الخير من مصر بانتصاف القرن العاشر، بل ترقى في ~~سوء الظن فحكم بأنه أخذ يذهب من الدنيا منذ انقضى الثلث الأول من القرن السادس، وقال في ذلك: # أخذ علينا العهد العام من رسول الله أن لا نتمنى الموت إلا إن خفنا على ~~أنفسنا من فتنة في ديننا في هذا الزمان الذي يرى الإنسان دينه في كل يوم ينقص ~~عن اليوم الذي قبله، وهذا الأمر قد وقع من حين انتهى كمال الدين، وهو سنة سبع ~~وثلاثين وخمس مئة، كما رأيت ذلك في لوح نزل من السماء في واقعة في المنام ، وقد ~~أخذت الأمور كلها يا أخي في النقص، وصار دين المؤمن ينقص كل يوم عن الحال الذي ~~قبله، وصار يتصعب على الإنسان القبض على دينه كما يتصعب عليه القبض على جمرة في ~~كفه ليلا ونهارا، فكما ضعف عن دوام القبض على الجمرة كذلك ضعف عن دوام القبض ~~على الدين على حد سواء، فلا يموت الإنسان يوم يموت إلا على أنقص الأحوال. وأول ~~أخذ الدين في النقص من سنة سبع وخمسمئة حين بلغ أهل العلم حدهم، وأهل الطريق ~~حدهم. هذا ما رأيته مكتوبا في لوح تجاه مدرسة الشيخ إبراهيم المواهبي الشاذلي ~~بباب الخرق # 27 # من مصر المحروسة، وكان في سلسلة فضة، وقد أشار إلى ذلك الشيخ عبد ~~العزيز الدريني في منظومته وكان في سنة سبعين وخمس مئة يقول: # وقد بدا النقص في الأحوال أجمعها # وبدلت صفوة ~~الأوقات بالكدر # 28 # وهذه الفقرة تشهد بأنه رأى ذلك التاريخ مرتين، مرة في لوح نزل من السماء، ومرة في لوح ~~مكتوب تجاه مدرسة بباب الخلق، ومع ذلك نراه في مكان آخر يحكم بأن الدين أخذ في النقص في ~~منتصف القرن السابع # 29 # ويقول: # وقد مضى الإئمة والعلماء والقوامون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأظلمت ~~الدنيا لفقدهم، وكانت أنفاسهم تحميهم من الظلمة حتى يقوموا بالمرتبة حين كان ~~الدين في زيادة، فلما أخذ الدين في النقص في سنة ثلاث وخمسين وست مئة ضعفت قلوب ~~العلماء وعجزت عن إزالة ms444 المنكرات لكثرتها، وقلة من يساعد عليها، وقلة الولاة ~~الذين يسمعون للعلماء. # 30 # وما ندري كيف وقع الشعراني في هذه الورطة فأخذ يؤرخ نقص الدين ويضطرب في ~~التاريخ. # وما ندري أيضا كيف صح عنده أن الدين لم يلحقه نقص إلا في القرن السادس، أو السابع، ~~أو العاشر، مع أنه هو نفسه روي أن سفيان الثورة كان يخرج إلى السوق فيأمر بالمعروف ~~وينهى عن المنكر، فما مات حتى صار يرى المنكر فلا ينكره، فقيل له في ذلك فقال: كان قد ~~انفتح في الإسلام ثلمة فأردنا أن نسدها فانفتح فيه ذروة وانهدمت من أركانه أركان، ثم ~~صار يبول الدم من الحزن إلى أن مات. # 31 # ولسنا في حاجة إلى النص على أن من عادة الناس أن يشكوا زمانهم، وأن يترحموا على ~~الأزمان السوالف، وإنما المهم أن ننص على أن الشعراني يفصل بين عهود الخير وعهود الشر ~~بتاريخ محدود، ويستند تارة إلى لوح نزل من السماء، ويعتمد تارة أخرى على كلام ~~الخواص. # ولهذه النظرة أثر في أحكامه الأخلاقية: فهو من المتشائمين، بل من اليائسين، والمصلح ~~اليائس لا يرجى له نجاح. # ذهاب الخير من مصر بانتصاف القرن العاشر # على أن للشعراني كلمات أخرى تمثل رأيه في الطبيعة الإنسانية وتصرفه عن الاعتماد على ~~مثل ما توهم من رفع الخير من قلوب الناس في تاريخ محدود، فقد اتفق له مرة أن يحكم بأن ~~الخير هو الأصل، وأن الشر عارض، ولم يحدد ذلك بزمان، واتفق له مرة أخرى أن يحكم بأن ~~«طينة الآدمية واحدة»، وأن الجائز وقوعه من أفسق الفاسقين جائز وقوعه من أصلح ~~الصالحين، # 32 # ولم يخرج عن هذه «الطينة» في رأيه سوى الأنبياء لعصمتهم، وبعض الكمل ~~لحفظهم، # 32 # وتنتهي هاتان الفكرتان إلى غاية واحدة هي أن ~~الإنسان صالح للخير وهو أصل، وصالح للشر وهو عارض، وأنه حين يصلح لا يصلح أبدا، وحين ~~يسوء لا يسوء أبدا، بل يجوز للفاسق أن يعمل ما يعمل الصالح، ويجوز أن يقع الصالح فيما ~~يقع فيه الفاسق. # ومعنى ذلك أن التسامي ms445 إلى الهداية ليس له زمان، بل هو مطلوب في كل زمان. # رأي الشعراني في الطبيعة الإنسانية # ويتصل بهذا رأيه في الذات الإنسانية، فالإنسان صنعة الله تعالى، وصنعته كلها حسنة، ~~والقبيح إنما هو عارض عرض من حيث الصفات لا الذوات، وجميع ما أمرنا الله بمعاداته إنما ~~هو من حيث الصفات، فلو أسلم اليهودي وحسن إسلامه أمرنا بمحبته، فما زالت منه إلا صفة ~~الكفر، وذاته لم تتغير. # 33 # فالذات الإنسانية حسنة في جميع الأحوال من حيث هي ذات، ولا تقبح إلا بقبح ~~الصفات. # ولعله أخذ هذا المعنى من ابن عربي حين حكم بأن الطهارة من الحدث غير معقولة المعنى ؛ ~~لأن الحدث وصف نفسي للعبد، فكيف يمكن أن يتطهر الشيء من حقيقته، فإنه لو تطهر من حقيقته ~~انتفت عينه، وإذا انتفت عينه فمن يكون مكلفا بالعبادة. # 34 # ولهذا الملحظ قيمة في توجيه النظر الأخلاقي؛ فكل إنسان له قيمة ذاتية، وإن أمعن في ~~الكفر والفسوق، وعلى رجال الأخلاق أن ينظروا إلى الملحدين والآثمين نظرة إشفاق؛ لأنهم ~~في حقيقة الوجود جواهر علاها الصدأ فبدت كالمعدن الخسيس، ولو أمكن جلاء تلك الجواهر ~~لنصبت لها سوق في عالم النفائس، وتسابق إليها عشاق اللؤلؤ المكنون. # الإسناد والإيجاد # ويزيد في قيمة هذه النظرة الخلقية أنها موصولة عنده بأدب آخر هو التفكير في الإسناد ~~والإيجاد، فمن الأدب الذي اختاره الشعراني أن نضيف كل محمود في الوجود إلى الله إسنادا ~~وإيجادا، وأن نضيف كل مذموم في الوجود إلى النفس والشيطان إسنادا لا إيجادا. وعلى ~~ذلك ينزل قوله تعالى: # ما أصابك من حسنة فمن الله ~~وما أصابك من سيئة فمن نفسك ~~، وإن كان الكل من عند الله، ~~وينزل قول الرسول: (الخير كله بيديك، والشر ليس إليك) أي لا يضاف إليك أدبا كما لا ~~يقال: (سبحان خالق الخنازير)، وإن كان هو الخالق بإجماع الناس في جميع الديانات. # 35 # وهذه المسألة من المشكلات، وقد عرض لها في لواقح الأنوار بكلام متموج لا يحل ولا يربط # 36 # إذ قال: # أخذ علينا العهد العام من رسول ms446 الله # صلى الله عليه وسلم # أن ندفع غضبنا ونكظم غيظنا، ~~ونأمر بذلك جميع إخواننا، وإذا غضب أحدنا وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب ~~وإلا فليضطجع، فإن لم يزل فليتوضأ، ويحتاح من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك ~~على يد شيخ صادق يدخله إلى حضرة الرضا بكل واقع في الوجود، وبطريقه الشرعي فلا ~~يبقى عنده شيء يغضبه؛ لإنه حكيم عليم، وما ترك الناس يغضبون إلا حجابهم عن شهود ~~أن الله هو الفاعل لكل ما برز في الوجود، وشهودهم الفعل من جنسهم، فلذلك غضبوا ~~على غضبهم، ولو سلكوا الطريق لوجدوا الفعل لله تعالى ببادئ الرأي فلم يجدوا من ~~يرسلون عليه غضبهم ، ووجدوا كل شيء وقع في الوجود هو عين الحكمة فذهب اعتراضهم ... ~~فعلم أن الكامل لا يغضب لنفسه قط، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله تعالى. ~~وكأن الحق يقول للكامل: إذا رأيت عملا برز على يد أحد من عبيدي مخالفا لشريعة ~~نبي فاغضب، ولو شهدت أني أنا الفاعل، لكني لا آمرك أن تغضب على فعلي، وإنما ~~آمرك أن تغضب على وجه نسبة الفعل إلى عبدي. # 37 # وهذا كلام متهافت؛ لأنه لا يعرف أحد كيف يفعل الله الفعل ثم يغضب ويأمرنا أن نغضب. ~~وكيف يغضب أو نغضب وكل شيء وقع في الوجود هو عين الحكمة والصواب؟ # إن الشعراني هنا متهافت، ولكن المهم أن نسجل أنه ينهي عن الغضب ويدعو إلى كظم الغيظ، ~~ويروض المريد على الرضا بكل واقع في الوجود. # ومسألة «النسبة» مسألة هينة: لأننا لا نذب حين نذنب إلا كما تفعل السيارة حين تدوس ~~طفلا في الطريق. فالسيارة هي التي قتلت على طريق النسبة، والقاتل الحق هو السائق، وهو ~~وحده المسئول # وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى ~~، وما قتل السيف إذ قتل، وإنما قتل السياف. # الترفق في معاملة الفاسقين # وهذا الاتجاه في فهم الإيجاد والإسناد جعل الشعراني يترفق في معاملة الفاسقين، فهو ~~ينهى عن صحبتهم، ولكنه يراها متعينة حين نقصد بها تمهيد بساط التوبة لهم، كما عليه ~~الدعاة إلى الله ms447 «فإنهم لا يبعدون عن مستقيم ولا أعوج؛ فإن المستقيم لا يجوز هجره، ~~والأعوج محتاج إلى من يقوم عوجه، وقد أغفل هذا الأمر خلق كثير من طلبة العلم فبعدوا عن ~~خلطة المعوجين من الظلمة فحرموا بركة هدايتهم، ولو أنهم قربوا منهم مع العفة عما ~~بأيديهم من الدنيا # 38 # وسارقوهم بالوعظ لربما أثرت فيهم مواعظهم». # 39 # والشعراني ينهى عن اغتياب الفساق، ويرى أنه لا يجوز لك أن تستغيب فاسقا أو تؤذيه أو ~~تشق عليه، ويستأنس بحديث (لا غيبة في فاسق)، ويقول: إن بعضهم قال في تأويله «احفظوا ~~لسانكم في حقه ولا تغتابوه، فجعل لفظ (لا) ناهية»، # 40 # وهو يميل إلى قبول هذا التأويل. # وصرح في البحر المورود أن العهد أخذ علينا أن نرفق بالمسيئين، وأن نكون أرحم بهم من ~~أنفسهم، بحكم الإرث لرسول الله الذي قال: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) وقد ~~قالوا: من نظر إلى الخلق بعين الحقيقة رحمهم، ومن نظر إليهم بعين الشريعة مقتهم. ثم قال ~~في تفسير هذه الكلمة: «وعين الحقيقة أن تشهد أن الحق تعالى ما دام يخلق فيهم المعاصي لا ~~يمكنهم الرجوع عن الوقوع فيها، قال تعالى: # ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا ~~، فإذا انتهى خلق المعصية فيهم تابوا لا محالة». # 41 # وهذه المسألة لا تبعد كثيرا عن رأيه الذي عرضناه آنفا في الإسناد والإيجاد. # الرفق بالأعداء # والشعراني لا يبيح أن ندعو على من ظلمنا فلا نقول قط: «اللهم من كادنا فكده، ومن بغى ~~علينا فخذه» ونحو ذلك، والرأي عنده أن نرجع إلى نفوسنا فننظر السبب الذي تحكم فينا ذلك ~~الظالم بسببه فنتوب منه ونستغفر ونرجع إلى الله، فإن لم تتيسر لنا توبة صبرنا واحتسبنا، ~~وقد دعا رسول الله على قريش بالهلاك فأنزل الله تعالى عليه: # وما ~~أرسلناك إلا رحمة للعالمين # فاستحيا من الله، وترك ~~الدعاء عليهم، وصار يدعو لهم بالهداية. # وهنا يبلغ الشعراني ذروة التصوف إذ يقول في تلطف وترفق: # واعلم يا أخي أن من شأن كل عارف أن يرى نفسه قد استحقت الخسف به ms448 لولا عفو ~~الله، وأن جميع ما يقع عليه من البلايا والمحن دون ما كان يستحق، ويرى جميع ~~الظلمة في هذه الدار كزبانية جهنم، إلا أنهم خالفوا الزبانية في هذه الدار في ~~ظلمهم للعباد في كونهم تحت النهي، بخلاف الزبانية فإنهم هناك تحت الأمر. ومعلوم ~~عند كل عارف أن حكم الإرادة لا مرد له؛ لأنه لا يصح قط لأحد أن يخالف إرادة ~~الله، بخلاف أمره فيصح مخالفته لقوة سلطان الإرادة فافهم، # 42 # ومن هذا المشهد قل تكدير العارفين لمن ظلمهم وآذاهم، فإن الظالم ~~حكمه حكم السوط الذي يضرب به، فالغيظ حقيقة إنما يكون من الضارب الظالم لا من ~~السوط، فمن اغتاظ من السوط فهو محجوب عن تمام العقل. # 43 # ومعنى هذا أن ما يقع علينا من الظلم إنما هو تأديب من الله، والظالمون هم أدوات ~~التأديب، ونحن حين نثور عليهم يكون مثلنا مثل من يثور على السوط الذي يضرب به، والأولى ~~أن يثور على حامل السوط، ولكن حامل السوط في هذه المرة هو الله الذي لا يظلم أحدا من ~~العالمين. # كيف نعامل من يظلمنا # ويمضي الشعراني في الترفق، فيذكر أن العهد أخذ ~~علينا أن لا نطلق أبصارنا في عيوب الناس، ولا نسأل قط عن تحقيق ما سمعناه في حقهم من ~~التهم، ونحفظ أسماعنا وأبصارنا عن مثل ذلك، فمن شق جيب الناس شقوا جيوبه، ومن كان عليه ~~دين قديم قضاه لا محالة، # 44 # وهو يحرص على توكيد هذا الأدب الجميل، وينقل أن الحسن البصري كان يقول: ~~والله لقد أدركنا قوما كانت عيوبهم مستورة فبحثوا عن عيوب الناس فأظهر الله عيوبهم، ~~ورأينا أقواما ليس لهم عيوب فبحثوا عن عيوب الناس فأحدث الله لهم عيوبا. # ولا يقف الشعراني عند هذا الحد من أدب النفس، بل يرى من حسن الخلق أن تغفر لمن آذاك ~~من الناس، # 45 # ويوصي بأن يكون الإنسان نفاعا لمن يذمونه ويقعون في عرضه ممن لا يعرفون ~~أدب الرجال، # 45 # ويرجون أن نعود أنفسنا طلاقة الوجه لكل مسلم ~~من عدو وصديق. # 46 ms449 # غض البصر عن عيوب الناس # ولا يكفي عنده أن نترفق بالمسلمين وحدهم، فإن الترفق واجب في معاملة جميع الناس، ~~ويقول في ذلك: # وكثيرا ما كاتبت اليهود والنصارى أصحاب المكوس في تخفيف المظالم عن المسلمين، # 47 # وأقول في كتابي لهم: أسأل الله للمعلم فلان أن يرضى عنه، ويدخله ~~الجنة مع الصديقين والشهداء والصالحين، وأضمر له سؤال التوبة من الكفر ليصح ~~دخوله الجنة، وربما أنكر ذلك من لا علم له بطرق السياسة، فإني أعلم أني لو قلت ~~له: أسأل الله للمعلم فلان أن يتوفاه على الإسلام لنفر خاطره مني، ولم يقبل ~~شفاعتي، كما ينفر المسلم من قول أحد له: أسأل الله أن يميت البعيد على غير ~~الإسلام. قال تعالى: # كذلك زينا لكل أمة ~~عملهم ~~، فاعرف يا أخي طرق السياسة، وعود نفسك طيب الكلام، فإنه ~~أحسن سواء كان المخاطب صالحا أو طالحا، والله عليم حكيم. # 48 # وما نحب أن تفوت هذه المناسبة بدون أن نقيد أن الشعراني يذكر في مواطن مختلفة أن ~~كثيرأ من اليهود أسلموا على يديه بفضل الرفق و(الكلام لحلو) على حد تعبيره. واليهود في ~~كلامه هم مثال الكفر الموبق، وهو يضرب بهم المثل حين يتكلم عن أهل الزيغ، وهذا يدل على ~~أن يهود مصر لعهده لم تكن لهم منزلة اجتماعية. # 49 # كيف نعامل النصارى واليهود # ولم يفت الشعراني أن يضع للمريد دستورا يسير ~~عليه في معاملة الفرق الإسلامية، وعنده أنه لا ينبغي التجرد للرد على أمثال المعتزلة ~~والجبرية إلا إن عارض كلامهم نصا قاطعا أو إجماعا عاما؛ «لأن دين الإسلام يشملهم ~~ويعمهم» لانبساط شعاع نوره على قلوب جميع المسلمين. والخطأ من كل وجه لا يكون إلا ~~للكفار، فإذا سمعنا الجبري مثلا يقول: (لا فعل إلا لله) لا يجوز لنا الإنكار عليه ~~بمجرد هذا القول، وإنما ننكر عليه قوله بعد إسناد الأفعال إلى العباد فقط لكون الحق ~~تعالى أضاف أفعاله إليهم فمن نفى إسناده فقد أخطأ لقصور نظره. وإذ سمعنا المعتزلي يقول: ~~(الفعل للعبد) لا ننكر ذلك بل بعدم إضافتها إلى ms450 الله جملة واحدة، فكل من الجبري ~~والمعتزلي مخطئ من وجه، والكامل من نظر بعين الحقيقة وبعين الشريعة فرأى الفعل لله ~~إيجادا وللعبد إسنادا.. وقس على الجبرية والمعتزلة غيرهما من الفرق الإسلامية. # 50 # وهذه اللفتة تدل على اهتمام الشعراني بتصفية البيئة الإسلامية وحمايتها من الجدل ~~المؤذي الذي يفسد ما بين الناس من صلات الإخاء. # كيف نعامل الفرق الإسلامية؟ # والشعراني ينصح بمداراة الحكام ويقول: «أخذ علينا العهد بأن نأمر إخواننا أن يدوروا ~~مع الزمان وأهله كيف داروا، ولا يزدرون قط من رفعه الله عليهم، ولو في أمور الدنيا ~~وولايتها، كل ذلك أدبا مع الله عز وجل الذي رفعهم؛ فإنه ما يرفع أحدا إلا لحكمة، ثم ~~أي فائدة لازدرائهم من ارتفع عليهم، مع أن أحدا لا يسمع لهم؟ وهذا العهد قل من يعمل به ~~من الناس فيقولون عن المحتسب أو الوزير أو غيرهما: من أين لهؤلاء السفل الضخامة علينا ~~ونحن نعرف آباءهم، وفلان كان أبوه زبالا، وفلان كان أبوه نوتيا، وفلان كان أبوه ~~فلاحا، ونحو ذلك من الهذيانات. ومن أقام هذا الميزان اليوم على الناس حرم بركة أهل زمانه». # 51 # وظاهر من هذا الكلام أن المصريين الذي عرفهم الشعراني في القرن العاشر كانوا ~~كالمصريين الذين نعرفهم اليوم في القرن الرابع عشر؛ فالنوتية عمل حقير، والفلاحة عمل ~~حقير، والمرء لا يصح له أن يكون وزيرا إلا إن كان من بيت له ماض في ولاية أمور ~~الناس. # والمهم هو أن نسجل هذه النظرة الخلقية؛ فالذي يعادي الحكام ويفكر في لمزهم وغمزهم هو ~~رجل حرم بركة أهل زمانه، وهذا الرأي حق وصدق فالحكام يملكون ما لا نملك، وبيدهم تصريف ~~الأمور. والطعن في آبائهم وأجدادهم هذر سخيف لا يحسنه غير السخفاء. # وهذا الأدب له غور أعمق من ذلك؛ لأن انتقاص الحكام يزعزع الوحدة القومية، ويقسم الأمة ~~إلى شطرين: رعية حاقدة، وحكام مبغوضين، وسلامة الأمة لا تكون إلا بالألفة بين الحاكمين ~~والمحكومين. # والشعراني يكرر هذا المعنى كلما لاحت فرصة. ومن رأيه أنه ينبغي لنا إذا اجتمعنا ~~بسلطان أو ms451 أمير أو كبير في قومه أن نسأله أن يدعو لنا. ولو كان غير صالح، فإن الله ~~تعالى يستحي أن يرد دعاء هؤلاء الأكابر بين قومهم ورعيتهم ويخجلهم. ~~ويضرب المثل بما وقع لفرعون حين طلب منه قومه أن ~~يطلع لهم نيل مصر لما توقف، فإنه قال: يا رب لا تخجلني بين عبادك فأجابه. ثم يقول الشعراني: # وهذا سر قل من يتنبه له من الناس ... ولما طلعت للباشا داود نائب مصر في هذا ~~الزمان في قضية أوجبت ذلك في سنة خمس وأربعين وتسع مئة سألته الدعاء بأمور كانت ~~متوقفة علي شهورا، فنزلت من القلعة فوجدتها كلها قد قضيت، فاعلم ذلك واعمل عليه. # 52 # كيف نعامل الحكام؟ # والظاهر أن الشعراني كان رجلا أزرق الناب، فإنه قدر في كظم الغيظ على ما لم يقدر ~~عليه أحد من الصوفية، هو رجل سياسي حنكته الأيام فاصطنع المجاملة والمداراة؛ وذلك أدب ~~لا يعاب، ولكن لا يمكن القول بأن مقامه يساوي مقام المخاطرين من أرباب الشجاعة الأدبية ~~الذين أسمعوا كبار الخلفاء ما لا يحبون. # إن أدب الشعراني في هذه الشؤون أدب عيسوي، فهو لا يبعد كثيرا عن أدب المسيح إذ قال: ~~دعوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله. # فالمريد الذي يؤدبه الشعراني هو رجل يقبل كل شيء ليس له أن يثور على الحكام وإن كانوا ~~ظلمة؛ لأن الله لا يرفع أحدا إلا لحكمة، وقد يكون الحاكم الظالم سوطا سلطه الله على ~~المذنبين! # المريد الذي يؤدبه الشعراني رجل ترابي، هو كأكثر من نعرف من أهل هذا العصر، ففي الناس ~~من يؤيدون كل حكومة، ويسيرون في كل ركاب، ويكادون يقولون حين يسمعون كلام أي وزير: صدق ~~الله العظيم! # وهذا أدب جميل إذا قيس بما فيه من سلامة العواقب، وبما يجلب من الحظوظ الدنيوية، ~~ولكنه أدب منحظ إذا تذكرنا أن من واجب أهل الرأي أن يقفوا وقفة الآساد في وجوه ~~الظالمين. # وعذر الشعراني يبدو مقبولا؛ لأن الواعظين لا يسمع لهم حين يقاومون الحكام، وفاته أن ~~الرأي يتكون من تلك الكلمات الصغيرة ms452 التي ينقلها المنكرون من مكان إلى مكان، وأعنف ~~الحكام وأصلبهم لا يقدر على الوقوف في وجوه الناس حين يغضبون، وهل تقدر وأنت سيد على ~~تذمر الخدم في بيتك؟! إن الذين يصانعون الحكام الظالمين باسم السياسة وتدبر العواقب هم ~~قوم جبناء يسترون جبنهم بتصنع الحكمة، وبعد النظر، ومرونة العقل، وهذه الشمائل المصقولة ~~لا تنبت إلا في قلوب الضعفاء، وقد صرح الشعراني عن جبنه # 53 # حين قال: # أخذ علينا العهد أن لا تتصدر لإزالة منكرات الولاة إلا إن كان معنا تصريف ~~فيهم، وإلا آذونا ونفونا من بلادنا، وأحوجونا إلى الاستخفاء زمانا طويلا. # 54 # ومعنى هذا أن إزالة منكرات الولاة لا تكون إلا عند ضمان السلامة، والسلامة مطلب وضيع ~~في نظر كبار الرجال. # الشخصية الخلقية للمريد # ننتقل من هذا إلى رأيه في تربية المريد من الوجهة العقلية، وهو ينهاه عن قراءة كتب ~~التصوف والتوحيد المطلق، فلا يقرأ كتب ابن عربي أو غيره من غلاة الصوفية؛ «وذلك لعدم ~~الفائدة، وشدة الإنكار على من تفوه بما ذكروه فيها مما يخالف عقول غالب الناس؛ وما كل ~~ما يعلم يقال. وربما فهموا منها أمورا تخالف صريح السنة فيموتون على اعتقادها فيخسرون ~~مع الخاسرين. وما رأينا قط مريدا بلغ مبلغ الرجال بمطالعة كتاب». # 55 # ولا ينافي هذا ما جاء في مقدمة اليواقيت والجواهر من الدعوة إلى قراءة كتب ابن عربي ~~فإنه هناك احترس حين أقنع المريد بأن ما جاء في كتب ابن عربي مخالفا للشرع إنما هو من ~~وضع الدساسين، ونخلص من هذا إلى أن التصوف عنده يجب أن يقيد بالشرع، وأن المريد يجب ~~عليه أن يحترس من مزالق العقول. # تربية المريد من الوجهة العقلية # ونهيه عن قراءة كتب التصوف لم يمنعه من أن يملأ كتبه بأقوال الصوفية في الرمزيات، فقد ~~نقل كلمة أبي الحسن الشاذلي في تفسير آية: # وما تلك ~~بيمينك يا موسى # على الطريقة الصوفية: ~~«يقال للولي: وما تلك بيمينك أيها الولي؟ ~~فيقول: هي دنياي أنفق منها على نفسي وأهلي وإخواني، فيقال له: ألقها، فيلقيها ~~فيجدها ms453 حية تسعى في هلاك قابضها، فيأخذ حذره منها، فإذا حذر منها يقال له: خذها ولا ~~تخف. فكما ألقاها أولا بإذن حال بدايته فكذلك أخذها بإذن حال نهايته». # 56 # والواقع أن الشعراني سلك مسالك الصوفية في أكثر مؤلفاته، فتجوز في الألفاظ والمعاني، ~~ودخل إلى قلوب القراء بأساليب لا تخلو من فتون، ولكن الخطر عند الشعراني يخالف الخطر ~~عند ابن عربي؛ فالذي يؤمن بكل ما أشار به الشعراني يخرج وهو مخبول، والذي يؤمن بكل ما ~~أشار به ابن عربي يخرج وهو زنديق، والفرق بعيد بين الزندقة وبين الخبال. # فسذاجة الشعراني هي أصل ما يقع فيه من انحراف، ومكر ابن عربي هو أصل ما يقع فيه من ~~ضلال. # تأثر الشعراني بالبيئة المصرية # بقيت مسألة يجب النص عليها: وهي أن الشعراني لا يكاد يعرف غير البيئة المصرية، فهو ~~يضع الآداب لمواطنيه من أهل مصر، ولا يفكر فيمن عداهم من المسلمين، ~~وهو حين يتحدث عن نقص الدين أو رفع الرأفة من قلوب ~~الناس لا يعني أحدا غير المصريين، وقد مضت النصوص التي تعين هذا المعنى، ويؤيدها قوله ~~في البحر المورود: # أخذ علينا العهد إذا كان لنا جار ساكن ~~على الخليج أيام قطعه، أو نزح الخرارات منه، وعلمنا عجزه عن نزح ما تحت بيته ~~إما لفقر أو بخل أن نوهم جماعة الوالي أن تلك الخرارات نشأت من بيتنا دون بيته، ~~ثم انتزحها نيابة عن جارنا، ولا ندع جماعة الوالي يرعبوه مع قدرتنا على ذلك، ~~ولا سيما إن كان عنده ضعيف أو نفساء أو فرح أو غرماء يطالبونه وهو عاجز عن ~~الوفاء ومستخف بالبيت. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. # 57 # وهذا النص يدل دلالة قاطعة على أن الضمير «نا» في قوله (أخذ علينا العهد) يراد به ~~الصوفية المصريون؛ فآداب الشعراني هي آداب محلية أوحاها ظرف المكان. # والأصل في كل دعوة أدبية أو اجتماعية أو دينية أن تصطبغ بالموطن الذي نشأت فيه، وكذلك ~~يجب أن تغلب الألوان المحلية في كل أثر أدبي أو ms454 اجتماعي أو ديني، ولكنا لا نجد هذا ~~الشرط يتحقق عند أي مؤلف على نحو ما تحقق عند الشعراني؛ فالبيئة المصرية تطل من كل سطر، ~~بل من كل حرف، وهو في اتجاهاته الذهنية، وأخيلته الأدبية، مصري صميم عرف أخلاق ~~الفلاحين، وأخلاق أهل القاهرة التي يسميها «مصر المحروسة». ومعرفته لأهل مصر في مسالكهم ~~الخلقية والمعاشية يعطي كتبه منزلة عظيمة هي تأريخ المجتمع المصري في ذلك الحين. # وقد شرحنا ذلك بالتفصيل في القسم الأول من هذا الكتاب فليرجع إليه القارئ هناك. # 58 # الشعراني والخواص # وفي ختام هذا الفصل ينبغي أن ننص على أن مصادر ~~الشعراني في كتبه الأخلاقية ترجع إلى أصلين: الأول: كتب الفقه والتصوف والحديث، ~~والثاني: ما تلقاه شفويا عن أشياخه في الطريق، وهنا نذكر بالذات عليا الخواص، وكان ~~من مشاهير الأولياء وله ضريح يزار بالحسينية، فقد أكثر الشعراني من نقل أقواله، ~~والاستشهاد بآرائه في كثير من الشؤون. # وإذا صدق الشعراني فيما نقل عنه - وهوعندنا صادق - فإن الخواص يعد بما نقل عنه من ~~أئمة التصوف، ورجال الأخلاق، ومن أعيان مصر في القرن العاشر، وإذا كان الخواص لم يترك ~~شيئا يستحق الذكر من المؤلفات، فإن الشعراني صنع معه ما صنع أفلاطون مع سقراط. # ما هذا؟ أيصح في الأذهان أن يقرن اسم الشعراني إلى اسم أفلاطون، واسم الخواص إلى اسم ~~سقراط؟ # وهل يقدم هذا الكلام إلى الجامعة المصرية؟ # إي والله! هذا من موجبات العجب، ولكنه حق؛ فإن شطحات الشعراني وحدها تضعه في الصف ~~الأول بين رجال الخيال، وإحاطته بالعلوم الإسلامية والعربية وصدق رأيه في معرفة أهل ~~زمانه تضيفه إلى صفوف العلماء والحكماء. ولا أنكر أن له أحيانا جرأة تثير النفوس، ولكن ~~مجموعة ما ألف هذا الرجل تشهد بأنه كان من العظماء، وليس من الحتم أن يكون جوهر علمه من ~~جوهر العلم الذي أذاعه أفلاطون، فإن الفرق بين العقلين عظيم، ولكن مجهود الشعراني في ~~نشر الثقافة الشرعية والصوفية لا يقل خطرا عن مجهود أفلاطون في نشر ثقافة ~~اليونان. # إننا ننظر إلى الشعراني بعيون جلتها حقائق ms455 العلم الحديث، ومن أجل ذلك ننكره ونقسو ~~عليه، ولو أننا تمثلنا العصر الذي نشأ فيه، ونظرنا فيما ترك من المصنفات وما سطر من ~~أخبار الحقائق والأضاليل، وتذكرنا ما رعي من الفقراء وما هدى من الطلاب، وما تسامى إليه ~~حين تطلع إلى أسرار الوجود، لو نظرنا هذه النظرة لأحسسنا بتيارات من العطف تجرف ما ~~أخذنا عليه من الوساوس والهفوات. # وأما الخواص فماذا نقول فيه؟ # ليمر من شاء بشارع الحسينية، فإن فعل فسيرى ضريحا لا يعرفه غير العوام، وهم لا ~~يذكرون إلا أنه كان رجلا صالحا يعيش من جدل الخوص فهل في الناس اليوم من يعرف أن هذا ~~الرجل المجهول هو الذي قال: ~~«من أراد أن يعرف مرتبته في العلم الذي يزعم أنه من أهله فليرد كل قول إلى قائله، وكل ~~علم إلى عالمه ، وكل شيء استفاده من أمر دنياه وآخرته إلى من استفاد منه، وينظر نفسه بعد ذلك». # 59 # أترون عمق الفكر في هذا الكلام البسيط؟ # إن الخواص الذي عرفناه في كتب الشعراني لا يقل عظمة عن سقراط الذي عرفناه في كتب ~~أفلاطون. والفرق بين الرجلين أن سقراط أولع بمخاطبة العقول، والخواص أغرم بمخاطبة ~~القلوب. والعقل أبقى من القلب، وله في كل زمان أنصار وأشياع. # إن أفلاطون عاش لأنه وقف عند حدود الأرض، ومات الشعراني لأنه تطلع إلى السماء. عاش ~~أفلاطون لأنه تحدث عن شؤون يفهمها الأصحاء، ومات الشعراني لأنه خاض في شؤون لا يدركها ~~غير من انقطع عن دنياه. والانقطاع عن الدنيا من أعراض الموت، ولكن من ينكر أن رأى ~~المحتضر قد يكون أصدق رأى، وحديثه أبلغ حديث؟ # وهل من القليل أن تعيش شطحات الشعراني أربعة قرون؟ # ذلك ضرب من الحياة لو تعلمون. # | المهلكات والمنجيات # تحديد الشخصية الخلقية # طال الطواف بآراء الصوفية في الأخلاق، ورأينا ألوانا مختلفات من مذاهبهم في العيش ~~ومناحيهم في السلوك، ولكن الشخصية الخلقية للصوفي الحق لا تزال خافية بعض الخفاء، وأخشى ~~أن نكون أطلنا في بيان النواحي الفلسفية من التصوف، وأخشى أيضا أن نكون أسرفنا في ms456 نقد ~~المذاهب الصوفية إسرافا يضلل القارئ، ويصرفه عن تنور ما في الشخصية الصوفية من سماحة ~~وصفاء. # ولكن ما اصطنعناه من العنف في نقد المذاهب الصوفية، وما آثرنا من التعمق في عرض ~~التصوف من الناحية الفلسفية، كان أمرا يوجبه البحث كل الوجوب؛ لأن هذا الكتاب لم يؤلف ~~لشرح التصوف، ولا لتأريخ التصوف، وإنما ألف لغاية صريحة: هي بيان تأثير التصوف في الأدب ~~والأخلاق، وقد وصلنا من ذلك إلى بعض ما نريد. # ثم نظرنا فرأينا منهج البحث يسمح بتصوير الشخصية الخلقية للصوفي الحق، ونريد الناحية ~~العملية في حياة المريد، الناحية التي تصور ما يخاف وما يرجو في حياة الأخلاق. # مزايا النظرة الصوفية # قد يقال: وما الفرق بين الصوفي وبين غيره من أرباب السلوك السليم إذا غضضنا النظر عن ~~الناحية الفلسفية؟ # ونجيب بأن الناحية الفلسفية هي في الأصل عماد الناحية العملية، فالصوفي يتفلسف في ~~جميع أعماله، ولا يتقدم ولا يتأخر إلا بموازين. # وللصوفي ميزة ليست لسواه من رجال الأخلاق فهو «يحس» المواعظ، و«يذوق» الأمثال، ~~والحكمة على لسان الصوفي متوقدة ملتهبة تأخذ وقودها من الضمائر والقلوب. # وهناك ميزة ثانية هي الإلحاح، الإلحاح، ولو شئت لكررتها ألف مرة، فالصوفي يحب أن ينقل ~~جميع ما أثر من أقوال الأنبياء والحكماء والصالحين في تأكيد المعنى الذي يدعو إليه، ~~وربما كان الصوفية هم الذين تفردوا بالإطناب في شرح أدواء النفوس، وأمراض القلوب، وبكوا ~~على مصاير العاصين، والغافلين أحر البكاء. # وهناك ميزة ثالثة هي شعور الصوفي بأثقال الأوزار والذنوب، فهو رجل تواب أواب لا يذنب ~~حين يذنب إلا وهو في غاية من الخجل والاستحياء. # وهناك ميزة رابعة هي الإيمان، فالصوفي وإن تفلسف لا يعتقد أن الأخلاق وسيلة نفعية ~~تطلب للمعاش وحسن الصلات مع الناس، وإنما يعتقد أن الأخلاق صلة بينه وبين الله، ولله ~~صورة جميلة في أنفس المخلصين من أهل التصوف، وهم يحبونه كل الحب، ويستحيونه كل ~~الاستحياء، وهم من أجل ذلك لا يبالون الشرائع ولا القوانين، وإنما يفكرون في صلاتهم ~~الحقيقية بذلك المحبوب المعبود. # وما أنكر أن الصوفية ms457 قد يصلون إلى الوسوسة الخلقية في أكثر الأحيان، ولكن عذرهم في ~~ذلك مقبول، فهم يتسامون إلى الظفر بالرضوان عند محبوب لا تناله الأوهام ولا الظنون، ~~ورضوانه غرض عزيز المنال. # آفات الشبع وفوائد الجوع # ولنفصل شمائل الصوفي من الناحية الخلقية فنقول: # يخاف الصوفي شهوة الطعام والشراب، وهو على حق، فكل الرذائل تصدر عن الطعام والشراب، ~~وما أمن إنسان غوائل ما يأكل وما يشرب إلا انقلب إلى مخلوق سفيه ممقوت. # وهل ذل من ذل وضاع من ضاع إلا بسبب الحرص على الطعام أو الشرب؟ # والصوفي لا يجزع حين يجوع، وإنما يلتفت إلى نفسه فيقول: أي شيء تخافين؟ أتخافين أن ~~تجوعي؟ لا تخافي ذلك، أنت أهون على الله من ذلك، إنما يجوع محمد وأصحابه. # 1 # أو يقول: إلهي أجعتني وأعريتني، وفي ظلم الليالي بلا مصباح أجلستني ، فبأي وسيلة ~~بلغتني ما بلغتني. # 1 # أو يقول: إلهي، ابتليتني بالمرض والجوع، وكذلك تفعل بأوليائك، فبأي عمل أؤدي شكر ما ~~أنعمت به علي. # 1 # الصوفي يرى الشبع من المهلكات، ويرى في الجوع فوائد: # الأولى: # صفاء القلب، وإيقاد القريحة، ونفاذ البصيرة، فإن الشبع يورث البلادة، ~~ويعمى القلب، ويكثر البخار على الدماغ. # الثانية: # رقة القلب وصفاؤه ليتهيأ لإدراك لذة المناجاة. # الثالثة: # الانكسار والذل وزوال البطر والفرح والأشر الذي هو الطغيان والغفلة ~~عن الله. # الرابعة: # أن لا ينسى بلاء الله وعذابه ولا ينسى أهل البلاء. # الخامسة: # كسر شهوة المعاصي والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء. # السادسة: # دفع النوم وسهولة السهر. # السابعة: # تيسير المواظبة على العبادة، فإن الاهتمام بالأكل قد يضيع على العابد ~~أطيب الأوقات. # الثامنة: # صحة البدن ودفع الأمراض. # التاسعة: # خفة المؤونة، فإن من تعود قلة الأكل كفاه اليسير من المال. # العاشرة: # التمكن من الإيثار والصدقة بما فضل من الأطعمة على اليتامى والمساكين. # 2 # وللصوفية كلام كثير في النهى عن الشبع والتشويق إلى الجوع، وقد نقدنا هذه النظرة حين ~~تكلمنا على آداب الطعام، ولكن لا مفر من الاعتراف بأن لإيثار الجوع مزية أساسية هي ~~الخلاص من شهوة البطن والسلامة من أمراض ms458 الأبدان والأخلاق، فأخطر الأمراض الجسمانية ~~مصدرها الأكل، وأخطر الأمراض الأخلاقية مصدرها الأكل، ولا تسهل المعاصي إلا على من ~~يسرفون في الطعام والشراب. # هل نعلن حين نبتلى بالشهوات # ولم يفت الصوفية أن ينصوا على أن الجوع قد يتطرق إليه الرياء، كأن يأكل الرجل في ~~الخلوة ما لا يأكل مع الجماعة، وهذا هو الشرك الخفي. # 3 # ومن رأيهم أن حق العبد إذا ابتلي بشهوات وأحبها أن يظهرها، وهذا عندهم صدق الحال، فإن ~~إخفاء النقص وإظهار ضده من الكمال هو نقصان متضاعفان، والكذب مع الإخفاء كذبان، فيكون ~~مستحقا لمقتين، ولا يرضى عنه إلا بتوبتين صادقتين، ولذلك شدد الله أمر المنافقين فقال: ~~(إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار)؛ لأن الكافر كفر وأظهر، والمنافق كفر وستر، ~~فكان ستره لكفره كفرا آخر؛ لأنه استخف بنظر الله إلى قلبه، وعظم نظر المخلوقين فمحا ~~الكفر عن ظاهره، والعارفون يبتلون بالشهوات بل بالمعاصي، ولا يبتلون بالرياء والغش ~~والإخفاء. # ذلك كلام الغزالي في الإحياء # 3 # وهو كلام نفيس، وهو يصور ~~صدق الشخصية الخلقية أجمل تصوير، فالصوفي الحق قد يقع في المعصية، ولكنه لا يرائي ولا ~~ينافق؛ لأنه يختار بين حالين: الاستخفاف بنظر الناس، والاستخفاف بنظر الله. # الصوفي يرى الناس أحقر من أن يتهيبهم، ويتقي لغوهم وفضولهم وسفاهتهم، ويرى الحياء لا ~~يكون إلا من الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. # الصوفي يؤذيه أن يكون كبعض الأراذل الذين يستبيحون جميع المنكرات في الخفاء، ثم يلقون ~~الناس بوجوه الصالحين الزاهدين المتبتلين، وما عرفوا الصلاح ولا الزهد ولا التبتل، ~~وإنما هم لصوص سفلة يسرقون السمعة الحسنة من المجتمع المغفل الذي يعيش عيش القرود، فلا ~~يصدق غير ما ترى عيناه المفتوحتان بلا وعي ولا إحساس. # الصوفي يؤذيه أن يعرف بالصدق حين يكون من الصادقين؛ لأن في الشهرة بالصدق فتنة تجره ~~إلى الريا. # والصوفي لا يستهويه أن يرى المنافقين والمخادعين في نجاح ورفاهية ونعيم؛ لأنه يعرف أن ~~حظوظهم في دنياهم ليست إلا حراما في حرام، ولا فرق بين انتهاب السمعة وانتهاب المال، ~~وإن ms459 خفي ذلك على الغافلين. # ومن المنافقين من لا يكفيه أن يستر الله عورته الخفية فيجره الشره في انتهاب السمعة ~~الحسنة إلى الوقوع في أعراض الناس ليصح عند الجمهور المغفل أنه من أهل الغيرة على ~~الأخلاق، وبهذه الأساليب تسير بين الجماهير أباطيل وأضاليل تنصب لها موازين فيشقى بها ~~بها ناس ويسعد ناس. # الصوفي يقف المتفرج على الضلالات الاجتماعية، ويرى الرذيلة المكشوفة أهون من الرذيلة ~~المستورة؛ لأن الرذيلة المكشوفة تعصم صاحبها من موبقات كثيرة أهونها الصلاح المزيف، ~~والأدب المكذوب. # أما الرذيلة المستورة فتخلق لصاحبها موبقات مهلكة ماحقة أيسرها الشعور بأن الكذب على ~~الله وعلى الناس أمر تجيزه العقول، عقول السفلة المهتوكين أمام الله والمستورين أمام ~~الناس. # وقد بدا لأهل أمريكا منذ أعوام أن يحرموا شرب الخمر فوقعوا في خطر ماحق هو الرياء ~~والنفاق، واشتبهت المسالك في تمييز الفاضل من المفضول ، ولو أصرت أمريكا على هذه النزعة ~~«الإعلانية» لفقدت ميزتها الأصلية وهي صراحة القلوب والأعمال. # والأمم التي تحرص على سلامة الظواهر هي الأمم المهددة بالاستعباد والزوال. # وشاهد ذلك يؤخذ من حياة الشعوب في هذه الأيام، فالأمم التي تكثر من الكلام على ~~التحليل والتحريم هي الأمم التي تعاني آلام الاستعباد؛ لأن انشغالها بالنفاق والرياء ~~والخداع لم يترك لها من فراغ البال ما تستعد به لمقاومة المكاره والخطوب. ولا كذلك ~~الأمم التي جعلت حسابها مع الله لا مع الناس. # وحسب المرء من السفالة والضعة والحطة أن لا يكون له رقيب غير طوائف من المخلوقات ~~تستبيح في السر ما تنكر في العلانية. # وحسب الأخلاق من الضعف أن لا تتماسك إلا بأسباب واهية من الرياء. # وقد حار الباحثون في فهم السر الذي قضى بأن تخلد الكتب التي بلغها الأنبياء ~~والمرسلون. # فليفهموا - إن شاءوا - أن مرجع ذلك السر إلى الصدق، فالأنبياء والمرسلون لم يكن فيهم ~~رجل كاذب، وإنما كانوا جميعا صادقين، فقد سجلوا عيوبهم ومساويهم تسجيلا صريحا لا ~~مواربة فيه ولا تضليل، وهل كانت الكتب التي بلغها الأنبياء والمرسلون إلا تسجيلا ~~للمآسي الإنسانية الممثلة في أخطاء الأنبياء والمرسلين؟ ms460 # سيفنى كل شيء، وتبقى خطيئة داود. # سيفنى كل شيء، ويبقى العتاب الموجه إلى الرسول في القرآن. # سيفنى كل شيء، وتبقى صور البكاء على الآثام والذنوب، بكاء الأنبياء والمرسلين. # وسيبقى كل شيء إلا الصلاح المزيف الذي ظفر به الأوباش من من أدعياء الاستقامة ~~والعدالة والصلاحية لتربية العقول والقلوب. # وأشقى الأمم هي التي يكون معلموها ومربوها مخادعين ومنافقين. # أشقى الأمم هي التي تعيش بعقول الأطفال فلا ترى غير الظواهر والعناوين. # أشقى الأمم هي التي تحاسب على الرغيف المسروق، ~~ولا تحاسب على المجد المسروق. # أشقى الأمم هي التي ينصب فيها للظاهر ميزان، ولا ~~ينصب فيها للباطن ميزان. # وإنما فرض عليها هذا الشقاء؛ لأنها حرمت حقا وصدقا من جواهر الأخلاق. # وهل تظفر أمة بجمال الخلق حين يسرها أن تجمل الوجوه، وإن قبحت القلوب؟ # إن المصدر الأصيل للخلق الجميل هو القلب، فإن غفلت الأمم عن هذا الجوهر فهي أمم مضيعة ~~مفتونة لا تصلح لغير الرق والاستعباد. # لن تفلح أمة إلا حين تتخلق بأخلاق الله، وهو عز شأنه لا ينظر إلى الصور، ولا إلى ~~الأعمال، وإنما ينظر إلى القلوب. # تباركت يا ربي وتعاليت، وبك يستعز ويستنصر كل من شاءت رحمتك أن لا يكون له نصير ~~غيرك. # وما أسعد من تفضلت عليه فكتبت أن لا يعرف نصيرا سواك. # شهوة الفرج # وكما يخاف الصوفية شهوة البطن يخافون شهوة الفرج، وينكرون أن يتناول الرجل من الأدوية ~~ما يقوي شهوته على الاستكثار من الوقاع، كما يتناول بعض الناس أدوية تقوي المعدة لتعظم ~~شهوة الطعام. ومثال ذلك عندهم مثال من ابتلي بسباع ضارية، وحيات عادية، فتنام عنه في ~~بعض الأوقات فيحتال لإثارتها وتهيجها. # 4 # آداب الزواج # وهم في أغلب أحوالهم يؤثرون العزوبة على الزواج، ولكنهم يدعون إلى الزواج عند خوف ~~الفتنة، ويتحرزون من كل ما يثير الشهوات، ويستقبحون أن تمر صورة الشهوة المحرمة على ~~خيال المريد، ولذلك تفاصيل مرت في الكلام على الحب. # ومن علامة صدق المريد أن يتزوج فقيرة متدينة ولا يطلب الغنية، فإن لزواج الغنية آفات، ~~منها المغالاة في ms461 الصداق، وتسويف الزفاف، وفوت الخدمة، وكثرة النفقة، وإذا أراد طلاق ~~الغنية لسبب مقبول فقد يمنعه الحرص على مالها، والفقيرة بخلاف ذلك. # 5 # ويستحب الصوفية أن تكون المرأة دون الرجل بأربع: السن والطول والمال والحسب. # وأن تكون فوقه بأربع: الجمال والورع والخلق والأدب. # ويوجب الصوفية أن يصبر الرجل على امرأته، وحدثوا أن أحدهم خطب امرأة ذات جمال، فلما ~~قرب زفافها أصابها الجدري، فاشتد حزن أهلها لذلك خوفا من أن يستقبحها، فأراهم الرجل أن ~~عينيه أصابهما رمد وأن بصره ذهب، وزفت إليه وذهب عن أهلها الحزن، فبقيت عنده عشرين سنة ~~ثم توفيت، ففتح عينيه، فسأله إخوانه عن سر ذلك فقال: تعمدته لأجل أهلها حتى لا يحزنوا، ~~فقيل له: سبقت إخوانك بهذا الخلق. # وتزوج بعض الصوفية امرأة سيئة الخلق فكان يصبر عليها، فقيل له: لم لا تطلقها؟ فقال: ~~أخشى أن يتزوجها من لا يصبر عليها فيتأذى بها. # وللصوفية أحاديث في الزاوج يضيق عن سردها المجال، وللقارئ أن يرجع إلى قصة سعيد بن ~~المسيب في الإحياء فهي صورة من الأدب الرفيع. # ولهم في مدافعة الشهوات آيات. # مدافعة الشهوات # حدث أحمد بن سعيد عن أبيه قال: كان عندنا بالكوفة شاب متعبد، ملازم للمسجد الجامع لا ~~يكاد يفارقه، وكان حسن الوجه، حسن القامة، حسن السمت، فنظرت إليه امرأة ذات جمال وعقل ~~فشغفت به، وطال عليها ذلك، فلما كان ذات يوم وقفت له على الطريق وهو يريد المسجد فقالت ~~له: يا فتى، اسمع مني كلمات أكلمك بها ثم اعمل ما شئت، فمضى ولم يكلمها، ثم وقفت له بعد ~~ذلك على طريقه وهو يريد منزله، فقالت له: يا فتى، اسمع مني كلمات أكلمك بها، فأطرق ~~مليا وقال لها: هذا موقف تهمة، وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعا. فقالت له: والله ما ~~وقفت موقفي هذا جهالة مني بأمرك. ولكن معاذ الله أن يتشوف العباد إلى مثل هذا مني، ~~والذي حملني على أن لقيتك في هذا الأمر بنفسي معرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير، ~~وأنتم معاشر العباد على ms462 مثال القوارير أدنى شيء يعيبها، وجملة ما أقول لك أن جوارحي ~~كلها مشغولة بك، فالله الله في أمري وأمرك. # فمضى الشاب إلى منزله وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي، فأخذ قرطاسا وكتب كتابا ثم ~~خرج من منزله، وإذا بالمرأة واقفة في موضعها فألقى إليها الكتاب، ورجع إلى منزله. وكان ~~في الكتاب: # بسم الله الرحمن الرحيم # اعلمي أيتها المرأة أن الله عز وجل إذا عصاه العبد حلم، فإذا عاد إلى المعصية ~~مرة أخرى ستره، فإذا لبس لها ملابسها غضب الله تعالى لنفسه غضبة تضيق منها ~~السموات والأرض والجبال والشجر والدواب، فمن ذا يطيق غضبه؟ فإن كان ما ذكرت ~~باطلا فإني أذكرك يوما تكون فيه السماء كالمهل، والجبال كالعهن، وبحثوا الأمم ~~لصولة الجبار العظيم، وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي، فكيف إصلاح غيري، وإن ~~كان ما ذكرت حقا فإني أدلك على طبيب هدى يداوي الكلوم الممرضة، والأوجاع ~~المرمضة، ذلك الله رب العالمين، فاقصديه بصدق المسألة فإني مشغول عنك بقوله ~~تعالى: # وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب ~~لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا ~~شفيع يطاع * يعلم خائنة الأعين وما ~~تخفي الصدور # فأين المهرب من هذه الآية؟ # ثم إنها جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت له على الطريق، فلما رآها من بعيد أراد الرجوع ~~لمنزله كيلا يراها فقالت: يا فتى، لا ترجع، فلا كان الملتقى بعد هذا اليوم أبدا إلا ~~غدا بين يدي الله تعالى، ثم بكت بكاء شديدا وقالت: أسأل الله الذي بيده مفاتيح قلبك ~~أن يسهل ما قد عسر من أمرك! # ثم إنها تبعته وقالت: امنن علي بموعظة أحملها عنك. # فقال: أوصيك بحفظ نفسك من نفسك، واذكري قوله تعالى: # وهو ~~الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار ~~. # فأطرقت وبكت بكاء أشد من بكائها الأول، ثم أفاقت ولزمت بيتها وأخذت في العبادة، ولم ~~تزل على ذلك حتى ماتت كمدا. # 6 # وإنما ذكرت هذا الشاهد لعذوبته من الوجهة الأدبية، وهناك شواهد تعد بالمئات، وهي تصور ~~جوانب من حلاوة الأدب وطهارة الأخلاق. # والمهم ms463 أن نسجل أن الصوفي يخاف ربه أشد الخوف، ويكره الشهوة أشد الكره، ولا يتقدم ولا ~~يتأخر إلا وهو في حيطة وحذر من أحابيل المفاتن والصبوات. # والصوفية يعرفون مزالق النفوس والأهواء فيتحرزون من النساء، ومن الوجوه الصباح، ~~ويجاهدون أهواءهم بالعزلة في بيوتهم، وبالظمأ والجوع، وبمصاحبة الأتقياء. # وقد أشرنا غير مرة إلى أن الشهوات هي الأصل في عمارة الوجود، ولكن من ذا الذي يرضى أن ~~تذهب مروءته ليعمر الوجود؟ # من ذا الذي يرضى أن يكون وقودا في أتون العمران؟ # من ذا الذي يرضى أن يكون عضوا في الجمعية الأثيمة التي تعمر الوجود بأسباب ~~الشهوات؟ # وما قيمة الوجود كله إذا خرجنا من ربحه خاسرين؟ # وما غنيمة الرجل الذي يجاهد لإغناء الحياة الأدبية بالصور الحسية والاجتماعية على نحو ~~ما فعل ميسيه ولامرتين إذا خرج من جهاده بمحصول سخيف هو فقد كرامته بين الناس؟ # وهل يستطيع أطرف الأدباء أن يكون أخلد من إبليس؟ إن بعض الأدباء - وأنا منهم - ~~يتوهمون أن وصف الشهوات والمآثم يرفع الأدب ويحييه؛ وذلك ضلال مبين. # فما ظفرت ولا ظفر أمثالي بغير عصارة مريرة الطعم والمذاق. # إن الصوفية أعقل من الأدباء وأشرف. # سيلقى الصوفية ربهم راضين مبتسمين، أما نحن فسنذهب إلى النار في ركاب امرئ القيس الذي ~~أنذره الرسول. # لقد فقدنا كل شيء، حتى الطمع في عفو الله، وهل يعفو الله على من خلدوا آثار المآثم ~~والشهوات باسم الأدب الرفيع؟ # إن من أشنع الأضاليل أن تظن أن من الأدب أن تصف كل ما ترى العيون. إن من أشنع ~~الأضاليل أن تحسب أن من واجبك أن تصور كل ما في الوجود. # إن من أسخف الأباطيل أن تخال أنك جندي من جنود الحب والهيام والفتون. # تلك دنيا من الوهم السخيف طفنا بملاهيها ونحن سفهاء، ثم رجعنا نادمين، وأين نحن من ~~الصوفية؟ # أين مكان المسود من مكان السيد؟ # أين يقع حال اللاهين اللاعبين الذين لا تغنيهم الحلائل عن الخليلات من حال الصوفية ~~الذين لا يعرفون اللذات إلا في حدود الحلال؟ # قولوا في الصوفية ما شئتم، ms464 ولكن تذكروا أنهم أشراف متصونون يكرهون مواطن التهم ومواضع ~~الشبهات. # وهل في الدنيا حال أشرف من حال من يقطع السبيل على اللاغين والمتقولين، فلا يمكن ~~السفلة من الوقوع في عرضه كلما شاء لهم هواهم أن يلمزوه في الأندية والمجتمعات؟ # إن أصغر مزية للتصون هي رد الأعداء خائبين، الأعداء اللئام الذي يعرفون صدق سريرتك، ~~ثم يتوكأون على قصيدة تقولها في منظر جميل ليستبيحوا عرضك عند من تعرف ومن لا ~~تعرف. # إن أهون فضيلة من فضائل التصون هي إجاعة الأوباش الذين لا يجدون وسيلة لإشباع بطونهم ~~غير الوقوع في أعراض الرجال. # فإن قلت إن الصوفية على طهارتهم لم يسلموا من ألسنة الأنذال، فإني أجيبك بأن حالهم ~~أفضل من حال الأديب الوصاف الذي يمكن الأنذال من اتهامه بالإثم والفتون، فلا يجدون من ~~يصرفهم عن غيهم باسم العقل والوجدان. # إن الصوفية أفضل من الأدباء وأشرف . # فليكن من همنا أن نحاول اللحاق بأولئك القوم. # ولكن أين العوائم وأين القلوب! # آفات اللسان # وكما يحترس الصوفية من شهوات البطن والفرج يحترسون من آفات اللسان. # والصوفية هم أكثر الناس كلاما في التحذير من الكذب والغيبة والنميمة والفضول. # وما اتفق لرجل من الصوفية أن يؤلف كتابا إلا تكلم على آفات اللسان. فقد علمتهم ~~التجارب أن اللسان يضر كما ينفع، وهدتهم عظات الأيام إلى أن اللسان قد يجر صاحبه إلى ~~المخاطر والمعاطب. # وما تقدم إنسان أو تخلف إلا كان لسانه من أسباب ما غنم من تقدم، أو رزئ من ~~تخلف. # وشواهد الحال في كل مجتمع تشهد بأن الألسنة لها أثر فعال في مراكز الرجال. # فالرجل العاقل يلقى الناس بما يحبون، ويأبى عليه أدبه أن يواجههم بما يكرهون. # وقد يسوء حظ الرجل وبجانبه التوفيق فيتوهم أن من واجبه أن يصارح الناس بعيوبهم ~~ومساويهم، وهو يحسب ذلك من الشجاعة الأدبية، ولو عقل لعرف أن الشجاعة الصحيحة هي ضبط ~~اللسان وحبسه عن إيذاء الناس. # وقد يتفق في بعض الأحيان أن نقهر على الجهر بكلمة الحق، ولكن تلك الحال هي الشاهد على ~~العجز الموبق، ms465 فالرجل الحكيم يستطيع دائما أن يكون عفيف القول رطب اللسان، ولا تصدر ~~الكلمة السفيهة عن لسان الرجل إلا وهو مقهور مغلوب، وما قهره ولا غلبه إلا ضعف عزيمته ~~عن مقاومة ما في صدره من أهواء وشهوات. # آفات الأقلام # اهتم الصوفية بالكلام على آفات الألسنة، وكادوا يسكتون عن آفات الأقلام، وإنما كان ~~الأمر كذلك لأن الأقلام في الأزمان الخالية لم يكن لها مجال. # أما اليوم فالقلم يأسو ويجرح، وهو صديق من أصدقاء السوء والبهتان، كان القدماء ~~يقولون: # جراحات السنان لها التئام # ولا يلتام ما جرح اللسان # وكان اللسان يجرح في بيئات ضيقة محصورة يعد أصحابها بالعشرات أو بالمئات. # أما اليوم فالقلم يجرح في بيئات يعد أصحابها بالألوف أو بالملايين. # والكلمة الجارحة في جريدة أو في مجلة تنتقل من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر، ومن ~~قارة إلى قارة، وتحدث من الآثار السيئة ما تعجز عن غسله الأنهار والبحار. # كانت الغيبة باللسان توجه إلى فرد من الأفراد، أما الغيبة بالقلم فقد تؤذي حكومة من ~~الحكومات أو شعبا من الشعوب. # وما بنا أن ننهى عن نقد الحكومات والشعوب، ولكنا نوازن بين حالين: حال من يغتاب ~~فردا، وحال من يغتاب حكومة أو أمة. # فالذي يغتاب فردا يعطل مصلحة فردية، أما الذي يغتاب حكومة فهو يحرض عليها جماهير ~~كثيرة فيسوق الشعب إلى التمرد والعصيان، ولذلك عواقب تهدد مصالح الألوف والملايين، ~~والذي يغتاب أمة قد يعرضها لأخطار من الوجهة الاقتصادية أو الوجهة الدولية. والناس ~~يقعون في هذه المآثم كل يوم، ولا يتنبهون لخطر ما يصنعون. # ومن تقاليد هذا العصر أن ننشئ الجرائد والملجلات لمحاربة الحكومات والأحزاب، ومن حقنا ~~أن نفعل ذلك، والحجة في أيدينا وهي الغيرة على المصلحة القومية، ولكن يغيب عنا أن ~~الأهواء قد تكون لها مسالك في تزيين ما تتورط فيه أحيانا من الجور والاعتساف. # فالذي يهجم على رئيس الحكومة أو رئيس حزب لا يعرف في الأغلب خطر ما يصنع من الوجهة ~~الأخلاقية؛ لأن التمذهب في الحياة السياسية قد يحول صاحبه إلى طاغية ms466 يستبيح كل شيء في ~~تأييد المذهب الذي انحاز إليه، وفي السياسيين رجال عرفوا بالأدب والذوق، ولكنهم في ~~الجدل السياسي يخرجون على ما عرفوا به من التجمل وضبط النفس، حتى لتحسب للرجل منهم ~~شخصيتين مختلفتين أشد الاختلاف. # وإنما كان ذلك لأن مذاهب السلوك في العصر الحديث لا تعرف مآثم الاغتياب في الحياة ~~الاجتماعية والسياسية، كما تعرفها في الحياة الفردية، فرئيس الحكومة أو رئيس الحزب لا ~~يجوز اغتيابه من حيث هو فرد، ولكن يجوز اغتيابه من حيث هو رئيس حكومة أو رئيس حزب، ~~والغيبة الاجتماعية والسياسية أبشع أثرا من الغيبة الفردية، ولكن أين من يتنبه إلى ~~دقائق الأخلاق؟ # يضاف إلى ذلك أن الغيبة الاجتماعية والسياسية تنشر بطريقة علنية في الجرائد والمجلات، ~~وقراء الصحف فيهم من يصدق كل ما يقرأ، وهنا وجه الخطر، فلو كان الناس جميعا قادرين على ~~نقد ما يقرأون لخفت أضرار الغيبة الاجتماعية والسياسية، وبقيت مهابة رؤساء الحكومات ~~ورؤساء الأحزاب في صدور الناس. # وإذا كان في الأحاديث النبوية ما ينذر بأن اللسان قد يهوي بصاحبه في النار سبعين ~~خريفا، فنحن نؤكد أن القلم قد يهوي بصاحبه في النار سبع مئة ألف خريف. # والقلم في هذا الزمان أخطر الآفات، وعلى حملة الأقلام أكبر الإثم في خلق الضغائن ~~والحقود بين الأفراد والجماعات والشعوب، وهم المسئولون أمام الله وأمام التاريخ عن ~~تكدير السلام وسوق الناس إلى المجاوز البشرية. # وكتاب السياسة لا تروج أسواقهم إلا إن عرفوا بالقدرة والبراعة في تصوير مقاتل ~~الحكومات والأحزاب، والجريدة التي تؤثر العقل على الهوى يتلقاها الناس بفتور وعدم ~~اكتراث؛ لأن في بني آدم حيوانية مقهورة تطلب الغذاء من الأقاويل والأراجيف، ولذلك ~~يصفقون لمن يجترح المآثم باسم الغيرة على عمار الكون مع أنهم يعرفون أن بيته ~~خراب. # وسيأتي يوم تعتدل فيه الموازين الذوقية والأدبية والاجتماعية والسياسية، فيعرف من لم ~~يكن يعرف أن العالم السياسي كان يتلون بألوان الشهوات والأهواء وأن من أقطاب السياسية ~~الدولة من يضرب الأمم بعضها ببعض في خطبة ومقالة، وهو معقول بعقال الشراب. # سيأتي يوم يعرف ms467 فيه المسلمون أن حضارتهم العظيمة لم تقوضها غير الأقلام الباغية، ~~أقلام الكتاب والمؤلفين الذين غفلوا عن أخطار الغيبة الاجتماعية، فحبروا الفصول الطوال ~~في المفاضلات بين الأمم الإسلامية حتى شطروها إلى عناصر يبغي بعضها على بعض بلا تورع ~~ولا استحياء. # وثورة الأمة الفارسية على اللغة العربية كانت لها أسباب من هذا النوع. # وثورة الأمة التركية على الحروف العربية كانت لها دواع من هذا القبيل. # ولن تزول آثار هذه الغيبة القلمية إلا يوم يمن الله على المسلمين بكتاب حكماء يعرفون ~~كيف يقتلعون جذور هذه الفتن من الأفئدة والقلوب. # ولكن متى يأتي ذلك اليوم؟ # إن الأقلام تقدم ما تشاء من الألوان، وهي تبغي على العدل والسلام بلا حق، وتأخذ الأجر ~~على خدمة البغي والإثم والعدوان. # متى يعرف الناس أن صراخ الأرامل وبكاء اليتامى في أعقاب ما تصنع الحرب من إهلاك ~~الأزواج والآباء كان مرجعه إلى القلم الأثيم؟ # متى يعرف الناس أن «الدعايات» التي تنظمها الحكومات والأحزاب هي سموم خطرة تفتك أشد ~~الفتك بطمأنينة الأمم والشعوب. # متى يعرف الناس أن «الدعاية» يجب أن تكون بابا من الهداية؟ # متى يفهم بنو آدم قيمة الصدق في الوصف؟ # متى يجيء رجل صوفي ينبه أهل هذا الزمان إلى خطر القلم، كما نبه الصوفية إلى خطر ~~اللسان في الأيام الخالية؟ # متى؟ مت؟ إن أهل هذا العصر لا يفهمون من الأخلاق إلا شيئا واحدا، هو أن يحسن المرء ~~أساليب الرياء حتى يسلم من شر الجواسيس، فلا تكون له صحيفة في سجلات السوابق، وذلك حظ ~~خسيس لو يعلمون! # مزايا الصمت # كان الصوفية يعرفون أن لا نجاة من خطر اللسان إلا بالصمت، وهم يذكرون أن عقبة بن عامر ~~سأل رسول الله عن النجاة فقال: أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك. # 7 # وفي هذه الكلمات نظام الأخلاق؛ فحفظ اللسان أصل عظيم من أصول السلامة، وقرار المرء في ~~بيته أدب نفيس لا يتأدب به غير أحرار الرجال، وهل كان العطب والهوان إلا في الضجر من ~~أمان البيت؟ # إن عورات المرء تنكشف حين ms468 يخرج من بيته، وماذا يلقى حين تضيق عليه رحبة البيت؟ يلقى ~~اللاغين والآثمين من أكلة اللحوم - لحوم الأعراض - يلقى المتجبرين من أهل الغواية ~~والإثم والفسوق، يلقى حطب جهنم من الأوباش الذين لا يعرفون كيف يقضون الوقت بالاستماع ~~إلى موعظة حسنة أو الاطلاع على كتاب نفيس. # والناجحون في هذا الوجود هم الذين يعرفون كرامة البيوت. # والصعاليك هم الذين يجدون راحتهم في هجر بيوتهم ليعيشوا من فضلات السفهاء. # وفي الدنيا ناس لا يجدون القوت، ولكنهم يسترون فاقتهم بالقرار في بيوتهم، وهؤلاء هم ~~حزب الله، وهم المصطفون الأبرار يوم ينصب الميزان. # وأبشع هوان في الدنيا هو الاعتماد على الناس، وما مد مخلوق يده إلى صديق أو قريب إلا ~~كان ذلك بداية الخذلان، ولا استطاع المرء أن يعيش في حماية أصدقائه، أو رعاية أقربائه، ~~إلا وقد عرف أنه مخلوق ذليل مهين. # فمن أين جاء للرجل الذي اسمه محمد أن يقول في وصية من استهداه: «وليسعك بيتك»؟ # تلك حكمة لا تخرج إلا من لسان رعاه الله واصطفاه. # أما وصيته بالبكاء على الخطيئة فأمرها معروف. ولا يصلح الرجل للخير إلا إن عرف كيف ~~يبكي على خطاياه. # إن الصوفية يخشون شر اللسان، ويستأنسون بقصة معاذ بن جبل إذا قال: يا رسول الله، ~~أنؤاخذ بما نقول؟ فقال الرسول: ثكلتك أمك يا ابن جبل، وهل يكب الناس في النار على ~~مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم. # 8 # ونحن نعرف جيدا أخطار اللسان: فصاحبنا عيسى بن هشام تكدر عيشه وساءت سيرته؛ لأنه ~~ابتلي بعدو سفيه لا يتقي الله في الأعداء والأصدقاء، فأذاع عنه من الإفك ما أذاع ليسقط ~~مكانه في المجتمع، وصديقنا الحارث بن همام كان رجلا يصلح لأعاظم الشؤون، ثم ابتلته ~~المقادير بصديق ينفس عليه مكانته العلمية والأدبية، فأخذ يلمزه من حيث لا يحتسب ليسوي ~~سمعته عند من يملكون منافعه الدنيوية، وأخونا العزيز هيان بن بيان كان خليقا بأن يشغل ~~أعظم منصب في الدولة، ثم شاء الحظ العاثر أن يكون له زميل ساقط الهمة والمروءة والشرف، ~~لا يعيش إلا بالتزلف إلى ms469 الكبرياء، ومن الكبرياء من يسرهم أن تسوء سمعة الرجال ليتفردوا ~~بالسيطرة والجبروت. # وكذلك صح عندنا بعد التجارب الأليمة أن السلامة لا تكون إلا لمن رحمه الله فكتب أن ~~يعيش بلا أقرباء ولا أصدقاء ولا رفقاء. # والويل كل الويل لمن وثق بالأصدقاء، وأمن غدر الزمان! # ويعتقد الصوفية أن الأعضاء كلها تذكر اللسان بواجبه وتقول: اتق الله فينا فإنك إن ~~استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا. # 9 # ويروون أن ابن مسعود كان على الصفايلبي ويقول: يا لسان، قل خيرا تغنم، واسكت عن شر ~~تسلم، من قبل أن تندم. # فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، أهذا شيء تقوله؟ أو شيء سمعته؟ فقال: لا، بل سمعت رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: إن أكثر خطايا ابن آدم في لسانه. # 10 # ويروون أن ابن عمر حدث أن رسول الله قال: من كف لسانه ستر الله عورته، ومن ملك غضبه ~~وقاه الله عذابه، ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره. # 10 # وأن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله أوصني، فقال له الرسول: اعبد الله كأنك تراه، ~~وعد نفسك في الموتى، وإن شئت أنبأتك بما هو أملك من هذا كله، وأشار بيده إلى ~~لسانه. # 10 # وأن رسول الله قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ~~ليسكت. # 10 # وأن الحسن قال: ذكر لنا أن النبي - صلى الله عليه - قال: رحم الله عبدا قال خيرا ~~فغنم، أو سكت فسلم. # 10 # وأن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال: دلني على عمل ~~يدخلني الجنة، فقال الرسول: أطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، ~~فإن لم تستطع فكف لسانك إلا من خير. # 10 # وأن الرسول قال: الناس ثلاثة: غانم وسالم وشاجب، فالغانم الذي يذكر الله تعالى، ~~والسالم الساكت، والشاجب الذي يخوض في الباطل. # 11 # ويؤكدون أن المنصور بن المعتمر لم يتكلم بكلمة بعد عشاء الآخرة أربعين سنة. # وأن الربيع بن خيثم ما تكلم بكلام الدنيا عشرين سنة، وكان ms470 إذا أصبح وضع دواة وقرطاسا ~~وقلما، فكل ما تكلم به كتبه، ثم يحاسب نفسه عند المساء. # قال أستاذنا الغزالي طيب الله ثراه: # فإن قلت: فهذا الفضل الكبير للصمت ما سببه؟ فاعلم أن سببه كثرة آفات اللسان ~~من الخطأ والكذب والغيبة والنميمة والرياء والنفاق والفحش والمراء وتزكية النفس ~~والخوض في الباطل والخصومة والفضول والتحريف والزيادة والنقصان وإيذاء الخلق ~~وهتك العورات. فهذه آفات كثيرة وهي سباقة إلى اللسان لا تثقل عليه، ولها حلاوة ~~في القلب، وعليها بواعث من الطبع ومن الشيطان، والخائض فيها قلما يقدر أن يمسك ~~اللسان فيطلقه بما يحب، ويمسكه ويكفه عما لا يحب، فإن ذلك من غوامض العلم، ففي ~~الخوض خطر، وفي الصمت سلامة، فلذلك عظمت فضيلته، هذا مع ما فيه من جمع الهمة، ~~ودوام الوقار، والفراغ للفكر والذكر والعبادة والسلامة من تبعات القول في ~~الدنيا ومن حسابه في الآخرة، فقد قال تعالى: # ما يلفظ ~~من قول إلا لديه رقيب عتيد ~~. # 12 # ويمضي الغزالي فيقسم الكلام إلى أربعة أقسام: قسم هو ضرر محض، وقسم هو نفع محض، وقسم ~~فيه ضرر ومنعفة، وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة. أما الذي هو ضرر محض فتركه واجب، وكذلك ما ~~فيه منفعة لا تفي بالضرر. وأما الكلام الذي لا منعة فيه ولا ضرر فهو فضول، والاشتغال به ~~تضييع زمان، وهو عين الخسران. # 12 # بقي القسم الرابع وهو معرض لأخطار الرياء والتصنع والغيبة وتزكية النفس، ولا يسلم من ~~آفاته إلا من وقف على دقائق الأخلاق. # حقارة الفضول # ويستقبح الصوفية أن يتكلم الرجل فيما لا يعنيه، ويروون أن الرسول قال: أول من يدخل من ~~هذا الباب رجل من أهل الجنة، فدخل محمد بن سلام، فقال إليه ناس من أصحاب الرسول وأخبروه ~~بذلك وقالوا: أخبرنا بأوثق عمل في نفسك ترجو به؟ فقال: إني لضعيف، وإن أوثق ما أرجو به ~~سلامة الصدر، وترك ما لا يعنيني. # وأن أبا ذر قال: قال لي رسول الله: ألا أعلمك بعمل خفيف على البدن، ثقيل في الميزان؟ ~~قلت: بلى يا رسول ms471 الله، فقال: هو الصمت، وحسن الخلق، وترك ما لا يعنيك. # 13 # وقال مجاهد: سمعت ابن عباس يقول: خمس هن أحب إلي من الدراهم الموقوفة: لا تتكلم ~~فيما لا يعنيك فإنه فضل - أي فضول - ولا آمن عليك الوزر، ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد ~~له موضعا، فإنه رب متكلم في أمر يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت، ولا تمار حليما ولا ~~سفيها، فإن الحليم يقليك، والسفيه يؤذيك، واذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به، ~~وأعفه مما تحب أن يعفيك منه، وعامل أخاك بما تحب أن يعاملك به. واعمل عمل رجل يعلم أنه ~~مجازى بالإحسان مأخوذ بالاجترام. # 13 # وقال مؤرق العجلي: أمر أنا في طلبه منذ عشرين سنة لم أقدر عليه، ولست بتارك طلبه. ~~قالوا: وما هو؟ قال: السكوت عما لا يعنيني. # وقد شرح الغزالي حدود هذه الآفة فقال: حد الكلام فيما لا يعنيك أن تتكلم بكل ما لو ~~سكت عنه لم تأثم ، ولم تستضر به في حال أو مآل. مثاله أن تجلس مع قوم فتذكر لهم أسفارك ~~وما رأيت فيها من جبال وأنهار، وما وقع لك من الوقائع، وما استحسنته من الأطعمة ~~والثياب، وما تعجبت منه من مشايخ البلاد ووقائعهم، فهذه أمور لو سكت عنها لم تأثم ولم ~~تستضر بالسكوت. # ومن جملتها أن تسأل غيرك عما لا يعنيك، فأنت بالسؤال مضيع وقتك وقد ألجأت صاحبك أيضا ~~بالجواب إلى التضييع، هذا إذا كان الأمر مما لا يتطرق بالسؤال عنه آفة، وأكثر الأسئلة ~~فيها آفات، فإنك تسأل غيرك عن عبادته مثلا فتقول له: هل أنت صائم؟ فإن قال نعم، كان ~~مظهرا لعبادته فيدخل عليه الرياء، وإن لم يدخل الرياء عليه سقطت عبادته من ديوان السر، ~~وعبادة السر تفضل عبادة الجهر بدرجات، وإن قال: لا، كان كاذبا، وإن سكت كان مستحقرا ~~لك وتأذيت به، وإن احتال لمدافعة الجواب افتقر إلى جهد وتعب فيه، فقد عرضته بالسؤال إما ~~للرياء أو للكذب أو للاستحقار، أو للتعب في حيلة الدفع، وكذلك سؤال عن ms472 سائر عباداته، ~~وعن المعاصي، وعن كل ما يخفيه ويستحي منه، وكذلك سؤالك عما حدث به غيرك. وكأن ترى ~~إنسانا في الطريق فتقول: من أين؟ فربما يمنعه مانع من ذكره، فإن ذكره تأذى به واستحيا، ~~وإن لم يصدق وقع في الكذب، وكنت أنت السبب. # 14 # وهذه الشواهد تمثل أشياء من صور المجتمع لعهد الغزالي، ولو عاش في عصرنا لأضاف أشياء، ~~فمن الناس من يدخل بيتك فيسألك عن كل ما تقع عليه عيناه: يسأل عن تكاليف الأثاث، وعدد ~~الحجرات والغرفات، وقد يسأل عن البيت متى بنيته، وكيف أقمته، وربما سألك عن الجيران ~~وجيران الجيران، وقد يسألك عن أطفالك وعن أسنانهم ومدارسهم، وما تنتظر لهم في المستقبل ~~القريب أو البعيد، وهو لا يسكت عن حالك في وظيفتك، ويرى من حقه أن يعرف مكاسبك ومغانمك، ~~وقد يرى من حقه أيضا أن يعرف تكاليف أثوابك، وأن يبدي ملاحظته السديدة على ~~هندامك! # واللغو والفضول من أظهر شمائل الناس في هذه الأيام، ولا بد من صوفي جديد يضع للمجتمع ~~الحاضر قواعد ينتهي إليها الناس. إن كانوا صالحين للتأدب بأدب الرجال. # وأغرب ما تراه العيون غرام بعض الصحفيين بالبحث عن مذاهب الناس ومسالكهم في الحياة، ~~وقد يطيب لهم أن يسألوك عن كل شيء، كأن من حق الجمهور أن يعرف ما تأكل وما تشرب وما ~~تلبس، وتلك شهوات سخيفة يعيش منها الفارغون والبطالون. # والصوفي يكره لنفسه ولمريديه أن يقعوا في شيء من ذلك، والأدب الحق أن لا تدخل في شؤون ~~معارفك وأصدقائك، بل الأدب كل الأدب أن تجهل من أمورهم كل شيء. # والرجل المهذب هو الذي يدخل بيوت الناس وعينه عمياء، وأذنه صماء، فلا يرى ولا يسمع، ~~ثم يخرج وهو سليم القلب من أوضار الانتقاد والاعتراض. # آفة المراء والجدال # والصوفية يكرهون لمريديهم أن يقعوا في آفة المراء والجدال، ويستأنسون بقول الرسول: من ~~ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلا الجنة، ومن ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ~~ربض الجنة. # 15 # فترك المراء من المحق أعلا ms473 منزلة؛ لأن المحق يجد عسرا وصعوبة في ترك الجدال، ومن أجل ~~ذلك كان انصرافه عن المجادلة أدل على قوة نفسه، وشدة امتلاكه لهواه. # ويستأنسون أيضا بقول الرسول: إن أول ما عهد إلي ربي ونهاني عنه بعد عبادة الأوثان، ~~وشرب الخمر ملاحاة الرال. # 16 # والرسول يرى الجدال من أسباب انحلال الشعوب ويقول: ما ضل قوم بعد أن هداهم الله إلا ~~أوتوا الجدل. # 16 # وشواهد الأحوال تؤيد هذه النظرة النبوية، فالأمم التي تكثر فيها المخاصمات والمجادلات ~~هي الأمم المعرضة للانحلال، وأقوى الأمم اليوم هي الأمة الإنجليزية، وهي أقل الأمم ~~غراما بالمجادلات الصحفية والبرلمانية، وستظل قوية إلى أن يبتليها الله بجماعة من ~~الصحفيين الطائشين الذين يقتلعون بالجدل والمهاترة أصول الهيبة والحب من قلوب ~~الناس. # والسر في قبح الجدل يرجع إلى ما فيه من شهوة الاستعلاء، ومن هنا كان خطره على ~~الصداقات والمودات، ولا يمكن أن تصح بينك وبين رجل مودة إذا ظننت أنك أفضل منه، أو ظن ~~أنه أفضل منك. # وكان سفيان يقول: صاف من شئت، ثم أغضبه بالمراء، فليرمينك بداهية تمنعك ~~العيش. # 16 # وهذا كلام يعرف صدقه من ابتلاهم الله بمجادلة الناس. # وقد شرح الغزالي حقيقة المراء فقال: # حد المراء هو كل اعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه: إما في اللفظ، وإما ~~في المعنى، وإما في قصد المتكلم. وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض. فكل كلام ~~سمعته فإن كان حقا فصدق، وإن كان باطلا أو كذبا ولم يكن متعلقا بأمور الدين ~~فاسكت عنه، والطعن في كلام الغير تارة يكون في لفظه بإظهار خلل فيه من جهة ~~النحو أو من جهة اللغة، أو من جهة العربية، أو من جهة النظم والترتيب بسوء ~~تقديم أو تأخير، وذلك يكون من قصور المعرفة، وتارة يكون بطغيان اللسان، وكيفما ~~كان فلا وجه لإظهار خلله. وأما في المعنى فكأن يقول: ليس كما تقول وقد أخطأت ~~فيه من وجه كذا وكذا. وأما في قصده فمثل أن يقول: هذا الكلام حق، ولكن ليس قصدك ~~منه الحق، وإنما أنت فيه صاحب ms474 غرض ... وهذا الجنس إن جرى في مسألة علمية فربما خص ~~باسم الجدل، وهو أيضا مذموم، بل الواجب السكوت، أو السؤال في معرض الاستفادة ~~لا على وجه العناد ... وأما المجادلة فعبارة عن قصد إفحام الغير وتعجيزه وتنقيصه ~~بالقدح في كلامه ونسبته إلى القصور والجهل. # 17 # ومعنى هذا أن من أدب المريد أن يترك الاعتراض على الناس تركا كليا، ومعناه أيضا أن ~~من سوء السلوك أن نتحدث عن خطب الخطباء، ورسائل الكتاب، وقصائد الشعراء، وآثار ~~المؤلفين، فلا نصحح أغلاطهم، ولا ننبه على الضعيف من أساليبهم، والمبتذل من معانيهم؛ ~~لأن الباعث على ذلك هو الترفع بإظهار العلم والفضل، والتهجم على الغير بإظهار الجهل ~~والنقص، وهما شهوتان باطنتان للنفس. # وقد هدتنا التجارب إلى صدق هذه النظرة الصوفية، فكل ما نجترحه باسم النقد الأدبي هو ~~ضلال في ضلال، وهو يخلق من العداوات والحزازات ما نعجز عن دفعه في أكثر الأحيان. # وقد نهجم على ناس فنصحح أغلاطهم علانية في الجرائد والمجلات، وتكون الحجة أننا نخدم ~~الحياة العلمية والأدبية، وفي هذا ظل من الحق، ولكن من نهجم عليهم يؤذون أنفسهم ويسودون ~~صحائفهم بالطعن فينا، وتشويه سمعتنا عند من نعرف ومن لا نعرف، وقد يكون فيمن نصحح ~~أغلاطهم ناس صغار يستبيحون خلق المآثم والعيوب، وإشاعة الأقاويل والأراجيف. # وفيمن ابتلاهم الله بالصراحة في النقد الأدبي رجل خدم الحياة الأدبية نحو عشرين سنة، ~~فلم يخرج من ذلك الكفاح العنيف إلا بمغانم باطلة هي ما رماه به أدعياء العلم والأدب من ~~أدناس الزور والبهتان. # أستغفر العقل، ففيهم من يظفر من ذلك الكفاح بمحصول نفيس: هو اليأس من أدب الناس، ~~والثقة المتينة بعدل الله. وحسن الظن بالله هو أساس التصوف، وهو لا يتم إلا إن اقترن ~~بسوء الظن بالناس. # وإذا كان الصوفية يكرهون لمريديهم أن يجادلوا الناس، فهناك رجال يكرهون للصوفية أن ~~يعترفوا بوجود الناس، وسيطول ندمهم على ما صنعت أيديهم حين أقاموا الموازين لمؤلفات ~~ودواوين لا يصلح أهلها لشيء، وإن كان الله تلطف فأباحهم الاستمتاع بنعمة الشمس ~~والهواء. # وأي منظر أقبح ms475 من منظر مخلوق ترفع اسمه بقلمك، فيكون جزاؤك أن يأكل لحمك في الأندية ~~والمجتمعات؟ # وأي ندم أوجع من ندم رجل يخلق بقلمه منازل أدبية لبعض المخلوقات، ثم تعتمد تلك ~~المخلوقات على ما غنمت بفضله من الشهرة فتؤذيه أبلغ إيذاء باسم الانتصاف للحق والغيرة ~~على ما سموه الأدب الرفيع؟ # وما قيمة الحياة الأدبية والعلمية إذا خرجنا من خدمتها مجرحين بأظافر الأوباش؟ # ولكن لعل لله حكمة فيما يبتلي به العلماء من تصحيح أغلاط الجهلاء. # تباركت يا ربي وتعاليت، فلك الفضل في كل حال، وكنت أحكم الحاكمين في خلق الشر ~~والدمامة والقبح، فتلك أصول قام على أساسها الوجود، ولو رحمت من يرجون رضاك من شر خلقك ~~لكان نصيبهم الضياع. # فيا أيها المريد، جادل من شئت، وناضل من شئت، على شرط أن تكون لك نية حسنة في الجدال ~~والنضال. # ولا يضيرك بعد ذلك أن يأكل لحمك السفهاء، فأنت في وجود لا يسلم فيه من أذى الناس إلا ~~الخاملون والضعفاء، وهل سلم الأنبياء والمرسلون من أذى الناس حتى تطلب السلامة من أذى ~~الناس؟ # قبح الخصومة # ولكن تذكر أيها المريد مهما كان حالك وشأنك ما حدث ابن قتيبة إذ قال: مر بي بشر بن ~~عبد الله فقال: ما يجلسك ههنا؟ فقلت: خصومة بيني وبين ابن عم لي فقال: إن لأبيك عندي ~~يدا، وإني أريد أن أجزيك بها، وإني والله ما رأيت شيئا أذهب للدين، ولا أنقص للمروءة، ~~ولا أضيع للذة، ولا أشغل للقب من الخصومة. قال: فقمت لأنصرف فقال لي خصمي: ما لك؟ قلت: ~~لا أخاصمك! فقال: إنك عرفت أن الحق لي! فقلت: لا، ولكني أكرم نفسي عن هذا. # 18 # والصوفية لا ينكرون أن يخاصم الرجل في سبيل حقوقه، ولكنهم ينكرون اللدد في الخصومة، ~~لما في اللدد من التسلط والإيذاء ولا سيما إذا امتزج اللدد بكلمات لا يحتاج إليها في ~~تأييد الحجة وإظهار الحق «فأما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد ولا ~~زيادة لجاج على قدر الحاجة، ومن غير قصد عناد وإيذاء ففعله ms476 ليس بحرام، ولكن الأولى تركه ~~ما وجد إلى الترك سبيلا، فإن ضبط اللسان في الخصومة على قدر الاعتدال متعذر، والخصومة ~~توغر الصدر وتهيج الغضب. وإذا هاج الغضب نسي المتنازع فيه وبقي الحقد بين المتخاصمين ~~حتى يفرح كل واحد بمساءة صاحبه، ويحزن بمسرته، ويطلق اللسان في عرضه، فمن بدأ بالخصومة ~~فقد تعرض لهذه المحذورات». # 18 # والحق أن هذا الجانب من الأدب دقيق، فالخصومة في سبيل الحقوق واجبة، ولكنها تجر ~~أحيانا إلى ضيم وهوان. والوقوف أمام المحاكم يغض من أقدار الرجال، وما ينبغي أن يعرف ~~الرجل أبواب المحاكم إلا حين تضيق أمامه جميع المسالك. والذي يقف للدفاع عن حقه أمام ~~المحكمة قد تسوقه الظروف إلى التزيد، والتزيد قبيح، وقد ينتهي إلى رمي الخصم بعبارات أو ~~إشارات لا تصلح للصدور من رجل كريم. ومن هنا كره الصالحون أن يكون الرجل فصيح اللسان ~~أمام القضاة؛ لأن فصاحة اللسان قد تحق الباطل في بعض الأحيان. # صيانة اللسان عن الفحش واللعن # والصوفية يكرهون للمريد أن يتقعر في الكلام بالتشدق ، وتكلف السجع والفصاحة، والتصنع ~~فيه بالتشبيبات والمقدمات، وما جرت به عادة المتفاصحين المدعين للخطابة، # 19 # ويذكرون أن عمر بن سعد بن أبي وقاص جاء إلى أبيه سعد يسأله حاجة، فتكلم بين ~~يدي حاجته بكلام فقال له سعد: ما كنت من حاجتك بأبعد منك اليوم، إني سمعت رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يقول: يأتي على الناس زمان يتخللون الكلام بألسنتهم كما تتخلل البقر الكلأ ~~بألسنتها. # 19 # ولا يدخل في هذا تحسين ألفاظ الخطابة والتذكير من غير إفراط وإغراب، فإن الغرض من ~~الخطابة تحريك القلوب وتشويقها وقبضها وبسطها، ولرشاقة اللفظ تأثير في ذلك، فأما ~~المحاورات التي تجري لقضاء المصالح فلا ينبغي أن يقع فيها أي تكلف. # ومعنى هذا أن الصوفية يرون التفصح من غير موجب ينافي أدب الرجل المهذب. # والصوفية يكرهون لمريديهم أن تقع ألسنتهم في الفحش، والفحش هو كلام «غليظ» بجانب ~~سلامة الذوق، وقد نهى الرسول عن أن تسب قتلى بدر من المشركين فقال: لا تسبوا هؤلاء، ms477 ~~فإنه لا يخلص إليهم شيء مما تقولون، وتؤذون الأحياء، ألا إن البذاء لؤم # 20 # وقال: إن الله لا يحب الفاحش المتفحش الصياح في الأسواق. # وقال إبراهيم بن ميسرة: يؤتى بالفاحش المتفحش يوم القيامة في صورة كلب أو في جوف ~~كلب. # 21 # ويكره الصوفية أن يتكلم الرجل عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة «وأكثر ذلك يجري ~~في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به، فإن لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها فيه، ~~وأهل الصلاح يتحاشون عنها، بل يكنون ويدلون عليها بالرموز فيذكرون ما يقاربها ويتعلق ~~بها ... وهناك عبارات فاحشة يستقبح ذكرها، ويستعمل أكثرها في الشتم والتعيير، وهذه ~~العبارات متفاوتة في الفحش وبعضها أفحش من بعض، وربما اختلف ذلك بعادة البلاد ... والباعث ~~على الفحش إما قصد الإيذاء، وإما الاعتياد الحاصل من مخالطة الفساق وأهل الخبث واللؤم، ~~ومن عادتهم السب». # 21 # والغزالي بهذه العبارة متنبه إلى تلون الألفاظ بألوان الأقاليم، فما يستقبح هنا قد لا ~~يستقبح هناك، والمعول عليه هو البعد عن مخاطبة الناس بما لا يحبون. # وبسبب هذا التحرز أولع العرب بالتأليف في الكنايات ليرشدوا الجمهور إلى مواقع الخشونة ~~في التعابير، وينبهوه إلى المقبول من الألفاظ في مختلف الأحوال. # ويكره الصوفية أن تجري الألسنة بكلمات اللعن، واللعن عبارة عن الطرد والأبعاد من الله ~~تعالى، وذلك غير جائز إلا على من اتصف بصفة تبعده من الله عز وجل، وهو الكفر والظلم، ~~بأن يقول: لعنة الله على الظالمين وعلى الكافرين. ولكن في لعن أوصاف المبتدعة خطر؛ لأن ~~معرفة البدعة غامضة، ولم يرد فيه لفظ مأثور. والتفصيل فيه أن كل شخص ثبتت لعنته شرعا ~~تجوز لعنته، كقولك: فرعون لعنه الله، وأبو جهل لعنه الله؛ لأنه قد ثبت أن هؤلاء ماتوا ~~على الكفر وعرف ذلك شرعا، أما شخص بعينه في زماننا كقولك زيد لعنه الله، وهو يهودي ~~مثلا، فهذا فيه خطر؛ فإنه ربما يسلم فيموت مقربا عند الله، فكيف يحكم بكونه ملعونا. # 22 # ونقل الغزالي أن نعيمان شرب الخمر فحد مرات في مجلس رسول الله، فقال بعض الصحابة: ~~لعنه ms478 الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال الرسول: لا تكن عونا للشيطان على أخيك. # قال الغزالي: وهذا يدل على أن لعن فاسق بعينه غير جائز. # ثم قال: فإن قيل: هل يجوز لعن يزيد لأنه قاتل الحسين أو آمر به؟ قلنا: هذا لم يثبت ~~أصلا. فلا يجوز أن يقال إنه قتله أو أمر به ما لم يثبت، فضلا عن اللعنة؛ لأنه لا تجوز ~~نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق، ولا يجوز أن يرمي مسلم بفسق وكفر من غير تحقيق. # 23 # ونص الغزالي على اسم يزيد له دلالة اجتماعية، فهو يصور بعض عيوب المجتمع في القرن ~~الخامس، ولعلها من عيوبه إلى اليوم، فقد كان وقوع الناس في أعراض الخلفاء والملوك ~~والوزراء من العيوب الشائعة في الممالك الإسلامية، وإليها يرجع أكبر الأسباب في زعزعة ~~الأمن والثقة بين الناس، والخصومة بين الأمويين والعلويين لها دخل في ذلك، وقد نهى ~~الصالحون عن مضغ حوادث التاريخ، ولا سيما حين ينتهي ذلك إلى النزاع والشقاق، وهذه الآفة ~~على ما فيها من بشاعة كان لها فضل على الأدب يراه من اطلع على كتاب «المدائح النبوية في ~~الأدب العربي»، فقد بينا هناك كيف أتى الكميت بالأعاجيب وهو يهجو الأمويين، وكيف برع ~~دعبل وهو يهجو العباسيين، ولكن ذلك الهجوم على ما فيه من روعة فنية وأدبية لا يليق ~~بالمريد؛ لأن هذه الخصومات أصبحت في ذمة التاريخ، والإقبال عليها قد يولد في النفس ~~أحقادا جديدة يشقى بها الناس من حيث يشعرون أو لا يشعرون. # وقد بدأ الشيعة يتأثرون بمذهب أهل السنة في التغافل عن سيئات الماضي، وفي رجال الشيعة ~~لهذا العهد من يروض تلاميذه على دراسة التاريخ دراسة علمية لا مذهبية، وسيأتي يوم قريب ~~جدا يتأدب فيه المسلمون جميعا بأدب الصوفية الذين يستنكرون تكفير مسلم أو تفسيقه بلا ~~بينة ولا برهان. # والتسامح أساس الحب، ولا يعطف المسلمون بعضهم على بعض إلا إذا اقتربوا في فهم ~~الأشياء، وتناسوا ما في التاريخ من ضغائن وظلمات. # 24 # خطر المزاج # والصوفية يبغضون الإفراط في ms479 المزاح والمداومة عليه؛ لأن ذلك يورث الضحك، وكثرة الضحك ~~تميت القلب وتورث الضغينة في بعض الأحوال، وتسقط المهابة والوقار. # 25 # وقال يوسف بن أسباط: أقام الحسن ثلاثين سنة لم يضحك، وقيل: أقام عطاء السلمي أربعين ~~سنة لم يضحك. ونظر وهيب بن الورد إلى قوم يضحكون في عيد فطر فقال: إن كان هؤلاء قد غفر ~~لهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يغفر لهم فما هذا فعل الخائفين. # 26 # وقال عمر بن عبد العزيز: اتقوا الله وإياكم والمزاح فإنه يورث الضغينة ويجر إلى ~~القبيح، تحدثوا بالقرآن وتجالسوا به، فإن ثقل عليكم فحديث حسن من أحاديث الرجال. # وقيل: لكل شيء بذر، وبذر العداوة المزاح. # قال الغزالي فإن قلت: فقد نقل المزاح عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه فكيف ينهي عنه؟ ~~فأقول: إن قدرت على ما قدر عليه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وأصحابه وهو أن تمزح ولا تقول إلا ~~حقا، ولا تؤذ قلبا، ولا تفرط فيه، وتقتصر فيه أحيانا على الندور، فلا حرج عليك فيه. ~~ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة فيواظب عليه ويفرط فيه، ثم يتمسك ~~بفعل الرسول # صلى الله عليه وسلم # فيكون كمن يدور نهاره مع الزنوج ينظر إليهم وإلى رقصهم، ويتمسك ~~بأن الرسول أذن لعائشة في النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد، وهو خطأ؛ إذ من الصغائر ما ~~يصير كبيرة بالإصرار، ومن المباحات ما يصير صغيرة بالإصرار. # 27 # ولا ريب في أن المزاج فيه أحيانا مطايبات تشرح الصدور، ولكن المهم هو أن لا يقع في ~~المزاح ما يؤذي الرفيق والصديق والجليس، فمن الناس من يأمن جانبك فيمازحك بما لا تحب، ~~وأمثال هؤلاء قد حرمهم الله نعمة الخلق الكريم، وصحبتهم بلاء، وأسوأ الناس حظا في ~~دنياه من ابتلى برفاق محرومين من نعمة الذوق لا يرعون حرمة المجلس ولا حق ~~الجليس. # والمزاح في الأصل فيض من جذل النفس، وقد يجب في بعض الأحيان، ولكن الحيطة فيه قد ~~تصعب، وسياسة النفس عند الانشراح لا ms480 يقدر عليها إلا الأقلون، فمن واجب من يهمه أمر نفسه ~~أن يترك المزاح جملة واحدة إلا إن صادف من يدركون قيمة المطايبات، وهم في هذا الزمن أقل ~~من القليل. # يضاف إلى هذا أن الناس لا يدركون النكتة بطعم واحد، فما يضحك له هذا قد يغضب منه ذاك، ~~وفي بني آدم مخلوقات لها أذواق غلاظ، والهرب من صحبة هؤلاء واجب مفروض على الرجل ~~الحصيف. # وقد أثر عن كبار الرجال كثير من المزاح والمطايبات، ولكن هؤلاء الرجال الكبار كانوا ~~يعرفون كيف يمازحون ويطايبون، وكان جلساؤهم في الأغلب من أهل الفطنة والذوق، فما جاز ~~لهم لا يجوز لك، فقد تكون ممن ابتلاهم الله بأن يعيشوا في عصر محروم من نعمة الفطنة ~~والذوق. # وما أحب أن أزيد، وقاك الله من أهل زمانك وحماك! # النهي عن السخرية والاستهزاء # وهناك آفة أشنع من المزاح وهي السخرية والاستهزاء، وذلك محرم لما فيه من الإيذاء، قال ~~الله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم ~~من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء ~~عسى أن يكن خيرا منهن ~~، ومعنى السخرية الاستهانة والتحقير ~~والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل ~~والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء ... وهذا إنما يحرم في حق من يتأذى به، فأما من جعل ~~نفسه مسخرة وربما فرح من أن يسخر به كانت السخرية في حقه من جملة المزح. # 28 # شناعة الكذب # والصوفية ينهون عن الوعد الكاذب، ولا نرى موجبا لشرح هذه الآفة؛ فقد فشت في هذا ~~الزمان حتى صارت من قواعد السلوك. والله المستعان على أهل هذا الزمان! # ويكره الصوفية لمريديهم أن يكذبوا في القول واليمين «وهو من قبائح الذنوب، وفواحش العيوب»، # 29 # فقد قال الحسن: كان يقال: إن من النفاق اختلاف السر والعلانية، والقول ~~والعمل، والمدخل والمخرج، وقال رسول الله: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر ~~إليهم، المنان بعطيته، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره. وقال: ما حلف حالف ~~بالله فأدخل فيها مثل ms481 جناح بعوضة إلا كانت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة. وقال: ثلاثة ~~يحبهم الله، رجل كان في فئة فنصب نحره حتى يقتل أو يفتح الله عليه وعلى أصحابه، ورجل ~~كان له جار سوء يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن، ورجل كان معه قوم في ~~سفر أو سرية # 30 # فأطالوا السرى حتى أعجبهم أن يمسوا الأرض فنزلوا فتنحى يصلي حتى يوقظ ~~أصحابه للرحيل. وثلاثة يشنأهم الله: التاجر، أو البياع الحلاف والفقير المحتاج، # 31 # والبخيل المنان. # والصوفية يرون الكذب أقبح من الزنا ويستأنسون بما روي عن عبد الله بن جراد قال: سألت ~~رسول الله فقلت: يا رسول الله، هل يزني المؤمن؟ قال: قد يكون ذلك. قلت: يا نبي الله، هل ~~يكذب المؤمن؟ قال: لا، ثم أتبعها # صلى الله عليه وسلم # بقول الله تعالى: # إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات ~~الله ~~. # وسمع رسول الله يقول في دعائه: «اللهم طهر قلبي من النفاق، وفرجي من الزنا، ولساني من ~~الكذب». # فجعل الكذب في بشاعة الزنا والنفاق. # وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم ، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: ~~شيخ زان، وملك كذاب، وعابد مستكبر». # وقال: لو أفاء الله علي عدد هذا الحصى لقسمتها بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا ~~كذابا، ولا جبانا ... وقام رسول الله وكان متكئا فقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ~~الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ثم قعد وقال: ألا وقول الزور. # وقال: إن العبد ليكذب الكذبة فيتباعد عنه الملك مسيرة ميل من نتن ما جاء به. # وقال: تقبلوا لي بست أتقبل لكم بالجنة، قالوا: وما هن؟ قال: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، ~~وإذا وعد فلا يخلف، وإذا ائتمن فلا يخن، وغضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وكفوا ~~أيديكم. # وقال: كل خصلة يطبع أو يطوى عليها المسلم إلا الخيانة والكذب. # ومن أبلغ ما قيل في تقبيح الكذب قول ابن السماك: ما أراني أؤجر على ترك الكذب لأني ~~إنما أدعه أنفة. # وهنا تظهر سماحة التصوف، فالصوفي يكره الكذب؛ ms482 لأنه ينافي شرف النفس، وهم مع ذلك فطنوا ~~إلى ما في الكذب من الإضرار بالناس، فنصوا على «أن الكذب ليس حراما لعينه، بل لما فيه ~~من الضرر على المخاطب أو على غيره». # 32 # وقد تكلم الصوفية على ألوان من الأكاذيب، وسكتوا عن أشياء لم تعرفها العصور الماضية ~~إلا قليلا، سكتوا عن الأكاذيب التي يعرفها «المهذبون» من أهل هذا الجيل، وعن الأخبار ~~التي يخترعونها اختراعا أثيما ليغضوا من أقدار الرجال، وهم في هذا يعتمدون على الغفلة ~~الفاشية بين الناس، فأكثر خلق الله يصدقون كل ما يسمعون، والحط من قيمة الرجل باختراع ~~الأكاذيب أمر سهل؛ لأنه يقوم على انعدام الضمير، والضمير عند أكثر من تعرف لفظ بلا ~~مدلول. # والكذب لا يقف ضرره على المكذوب عليه، بل ضرره بالكاذب أقبح وأشنع؛ لأنه يمحق شخصيته ~~الخلقية، ويقفه أمام نفسه موقف الذليل المهين، وأوقح الناس لا يستطيع الفرار من رؤية ~~الأشياء على ما هي عليه، فالكاذب يعرف جيدا أنه كاذب، وهذه المعرفة تؤذيه أشد الإيذاء؛ ~~لأنها تقتل ثقته بشرف النفس، وإذا انعدمت ثقة مخلوق بشرف نفسه فمصيره إلى ~~الانحلال. # والصدق ينفع الناس، ولكن فضله على الصادق أعظم وأجزل؛ لأنه يقدم إلى صاحبه ذخائر من ~~الثقة والأمانة والشرف، وثقة المرء بقدرته على كرم الخصال تسوقه إلى ميادين المجد، ~~وترفع رأسه في السر والعلانية، وتؤهله للمنازل الكريمة بين الرجال. # وأكثر من درسوا الأخلاق يتوهمون أنها ترجع إلى غايات نفعية هي الصلاحية للحياة ~~السعيدة بين الناس. ولو تأملوا لعرفوا أن للأخلاق منفعة نفسية، فهي ترسل الأشعة الكريمة ~~على آفاق النفس، وتحيط القلب الطيب بأرواح الفراديس. # ولا يعرف صدق هذه العبارة إلا من راض نفسه على التخلق بأخلاق الحكماء، وما في الأخلاق ~~الصوالح من صعوبة وعسر هو أساس ما فيها من نشوة روحية؛ لأنها تصورنا أمام أنفسنا بصورة ~~القادرين المسيطرين على زيغ الأهواء والميول. # والصوفية يرون الكذب مما يطلب في بعض الأحوال، كأن يتوقف عليه الصلح بين الناس، وكأن ~~يكون وسيلة لتغطية الضغائن والحقود. # ومعنى هذا أن الخلق يحسن ms483 أو يقبح تبعا لما يسوق من المغانم، أو يجر من ~~المفاسد. # والذي يدل على استثناء بعض ضروب الكذب ما روي عن أم كلثوم قالت: ما سمعت رسول الله ~~يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول القول يريد به الإصلاح، والرجل يقول ~~القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها. # قال الغزالي: فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء، وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به ~~غرض مقصود صحيح، له أو لغيره، أما ماله فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله فله أن ~~ينكره، أو يأخذه سلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله تعالى ارتكبها فله أن ينكر ذلك، ~~فيقول: ما زنيت وما سرقت ... وذلك أن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى، فللرجل أن يحفظ دمه وماله ~~الذي يؤخذ ظلما، وعرضه بلسانه وإن كان كاذبا، وإن كان عرض غيره فبأن يسأل عن سر أخيه ~~فله أن ينكره، وأن يصلح بين اثنين، وأن يصلح بين الضرات من نسائه، بأن يظهر لكل واحدة ~~أنها أحب إليه، أو يعتذر إلى إنسان وكان لا يطيب قلبه إلا بإنكار ذنب، وزيادة تودد فلا ~~بأس به. # 33 # والمهم من كل ذلك هو النص على أن الصوفية يبغضون الكذب أشد البغض حين يكون فيه إضرار ~~وإيذاء، ويتسامحون فيه حين يكون أقرب إلى الخير من الصدق. # مآثم الاغتياب # ننتقل إلى رأي الصوفية في الغيبة: قال الغزالي: «والنظر فيها طويل». # والواقع أن الصوفية جميعا تكلموا على مآثم الاغتياب، وكان في النية أن نعقد فصلا ~~للكلام على هذه الآفة الخبيثة التي يرجع إليها أكثر أسباب الفساد بين الناس، وهي في ~~حقيقة الأمر أفظع المهلكات، وهي سلاح الضعفاء والعاجزين والأوغاد، وما سهلت الغيبة على ~~لسان مخلوق إلا كان ذلك شاهدا على ترديه في بؤرة الانحطاط. # 34 # والله عز شأنه ذم الغيبة في كتابه العزيز، وشبه صاحبها بأكل لحم الميتة فقال: # ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل ~~لحم أخيه ميتا فكرهتموه ~~، وقال # صلى الله عليه وسلم ~~: كل المسلم على ~~المسلم ms484 حرام: دمه، وماله، وعرضه. وقال: لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تناجشوا # 35 # ولا تدابروا، ولا يغتب بعضكم بعضا، وكونوا عباد الله إخوانا. وقال: إياكم ~~والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنا، فإن الرجل قد يزني ويتوب فيتوب الله سبحانه عليه، ~~وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه. وقال: مررت ليلة أسرى بي على أقوام ~~يخمشون وجوههم بأظافيرهم فقلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يغتابون الناس ~~ويقعون في أعراضهم. # وقال البراء: خطبنا رسول الله حتى أسمع العواتق # 36 # في بيوتهن، فقال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تغتابوا ~~المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله ~~عورته يفضحه في جوف بيته». # وقيل أوحي إلى موسى عليه السلام: من مات تائبا من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة، ومن ~~مات مصرا عليها فهو أول من يدخل النار. # وقال أنس: خطبنا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فذكر الربا وعظم شأنه # 37 # فقال: إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست ~~وثلاثين زنية يزنيها الرجل، وأربى الربا عرض الرجل المسلم. # ولما رجم رسول الله ماعزا في الزنا قال رجل لصاحبه: هذا أقعص كما يقعص الكلب! فمر # صلى الله عليه وسلم # وهما معه بجيفة فقال: انهشا منها! فقالا: يا رسول الله، ننهش جيفة! فقال: ما ~~أصبتما من أخيكما أنتن من هذه. # وقال الحسن: والله للغيبة أسرع في دين الرجل المؤمن من الأكلة في الجسد. # 38 # وقال بعضهم: أدركنا السلف وهم لا يرون العبادة في الصوم، ولا في الصلاة، ولكن في الكف ~~عن أعراض الناس. # وسمع علي بن الحسين رجلا يغتاب آخر فقال له: إياك والغيبة فإنها إدام كلاب ~~الناس. # وإنما أطلنا نقل هذه النصوص لغرضين: # الأول: # دلالتها على اهتمام الصوفية بتقبيح الاغتياب، # والثاني: # ما فيها من الصور الأدبية، فهي جميعا من الكلام النفيس، # وإنا لنرجو أن ينتفع بها أحد القارئين فتكون نعمة من الله على ms485 هذا ~~الكتاب. # والغيبة هي أن نذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، سواء ذكرته بنقص في بدنه أو في نسبه أو ~~في خلقه، أو في فعله، أو في قوله، أو في دينه، أو في دنياه، حتى في ثوبه وداره ودابته. # 39 # وهي لا تقتصر على اللسان، بل يتحقق أذاها بالتعريض والإشارة والإيماء والغمز والهمز ~~والكتابة والحركة، وكل ما يفهم المقصود فهو داخل في الغيبة وهو حرام. # والاغتياب بالكتابة هو في عصرنا أشنع أنواع الاغتياب؛ لأنه ينشر في الكتب والجرائد ~~والمجلات فيطير من أرض إلى أرض. # ومن الغيبة أن تقول: (بعض من مر بنا اليوم، أو بعض من رأيناه) إذا كان المخاطب يفهم ~~منه شخصا معينا، فإذا لم يفهم عينه حاز فقد كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إذا كره من إنسان ~~شيئا قال: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا. # 40 # والتصديق بالغيبة غيبة، بل الساكت شريك المغتاب، قال # صلى الله عليه وسلم ~~: المستمع أحد ~~المغتابين. # 40 # ولا يخرج المستمع من إثم الغيبة إلا أن ينكر بلسانه، أو بقلبه إن خاف، وإن قدر على ~~القيام أو قطع الكلام بكلام آخر يفعل لزمه إثم الغيبة. # وإن قال بلسانه: اسكت، وهو مشته لذلك بقلبه فذلك نفاق، ولا يخرج من الإثم ما لم يكرهه ~~بقلبه. # 40 # قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: من أذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على نصره أذله الله يوم ~~القيامة على رءوس الخلائق. # وقال: من رد عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يرد عن عرضه يوم ~~القيامة. # وقال أيضا: من ذب عن عرض أخيه بالغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار. # وقد عرض الغزالي أسبابا للغيبة تدل على بصره بأخلاق الناس، وأنا أرجع أسباب الغيبة ~~إلى سبب واحد هو شعور المغتاب بالانحطاط، فهو يريد أن يحط من أقدار الناس ليصبح من ~~المألوف أن الناس جميعا منحطون فيتساوى الفاضل بالمفضول. # والجهلاء يولعون باغتياب العلماء ليوهموا أنفسهم ويوهموا الجمهور أن العلم مزية ~~صغيرة، وأن ms486 المزايا كلها فيما يدعيه الجاهلون من متانة الأخلاق. # ومن هنا لم تسلم أعراض العلماء من ألسنة السفهاء، فكل ذي نعمة محسود، وما ظفر رجل ~~بمنزلة علمية أو أدبية أو اجتماعية إلا ضاقت به صدور الجهلاء والمهازيل ~~والمتخلفين. # وسينقضي الدهر قبل أن تصح أخلاق الناس فيثق أهل الفضل بأنهم في أمان من تقول ~~المتقولين، وإرجاف المرجفين، ومكايد المنحطين. # ومن الصور التي لا تزال حية من عهد الغزالي إلى اليوم صورة الرفاق الذين لا تطيب ~~مجالسهم إلا بأكل لحوم الناس، وهي ما سماه «موافقة الأقران ومجاملة الرفقاء ومساعدتهم ~~على الكلام، فإنهم إذا كانوا يتفكهون بذكر الأعراض فيرى أنه لو أنكر عليهم، أو قطع ~~المجلس استثقلوه، ونفروا عنه فيساعدهم، ويرى ذلك من حسن المعاشرة، ويظن أنه مجاملة في ~~الصحبة، وقد يغضب رفقاؤه فيحتاج إلى أن يغضب لغضبهم إظهارا للمساهمة في السراء والضراء ~~فيخوض معهم في ذكر العيوب والمساوي». # 41 # وقد أخذت هذه الصورة ألوانا جديدة في العصر الحاضر: العصر الدميم الذي لا يفوز فيه ~~إلا أهل البذاءة والرقاعة والانحطاط، وصار من تقاليد المجالس أن يكون فيها سفهاء يقدمون ~~الفواكه المحرمة للآذان الشرهة التي لا يغذيها غير سماع الزور والبهتان. # والرجل الذي يصون لسانه عن الخوض في لغو الحديث لا يصلح اليوم للمجالس، ولا سيما إذا ~~كان أصحاب تلك المجالس من الذين رفعهم الدهر المخبول فوصلوا بالدس والكيد إلى ما يعجز ~~عنه الأحرار والأشراف. # وقد نبه الغزالي على دقائق من الغيبة يقع فيها رجال الدين، ورجال الدين في أغلب ~~أحوالهم من أهل الغفلة والعجرفة، ولا سيما في العصور التي يغلب فيها الرياء. # ولنعط الكلمة للغزالي فهو بأحوالهم أبصر وأعرف، قال: # وأما الأسباب الثلاثة التي هي في الخاصة فهي أغمضها وأدقها؛ لأنها شرور عرضها # 42 # الشيطان في معرض الخيرات، وفيها خير، ولكن شاب الشيطان بها الشر: # الأول: # أن تنبعث من الدين داعية التعجب في إنكار المنكر والخطأ في ~~الدين فيقول: ما أعجب ما رأيت من أمر فلان! فإنه قد يكون ~~صادقا، ويكون تعجبه من المنكر، ms487 ولكن كان حقه أن يتعجب ولا ~~يذكر اسمه فيسهل الشيطان عليه ذكر اسمه في إظهار تعجبه فصار به ~~مغتابا وآثما من حيث لا يدري. ومن ذلك قول الرجل: تعجبت من ~~فلان كيف يحب جاريته وهي قبيحة، وكيف يجلس بين يدي فلان وهو ~~جاهل! # الثاني: # الرحمة، وهو أن يغتم بسبب ما يبتلي به فيقول: مسكين فلان قد ~~غمني أمره، وما ابتلى به! فيكون صادقا في دعوى الاغتمام ~~ويلهيه الغم عن الحذر من ذكر اسمه فيذكره فيصير به مغتابا ~~فيكون غمه ورحمته خيرا، وكذا تعجبه، ولكن ساقه إلى شر من حيث ~~لا يدري، والترحم والاغتمام ممكن دون ذكر اسمه فيهيجه الشيطان ~~على ذكر اسمه ليبطل به ثواب اغتمامه وترحمه. # الثالث: # الغضب لله تعالى، فإنه قد يغضب على منكر قارفه إنسان إذا رآه ~~أو سمعه فيظهر غضبه ويذكر اسمه، وكان الواجب أن يظهر غضبه عليه ~~بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يظهره على غيره، أو ~~يستمر اسمه ولا يذكره بالسوء، فهذه الثلاثة مما يغمض دركها على ~~العلماء فضلا عن العوام؛ فإنهم يظنون أن التعجب والرحمة ~~والغضب إذا كان لله تعالى كان عذرا في ذكر الاسم، وهو خطأ. # 43 # وما قاله الغزالي عن رجال الدين في القرن الخامس هو من آفاتهم في القرن الرابع عشر. ~~ومن النادر جدا أن تتصل برجل من رجال الدين فيوحي إليك بأدبه ولطفه وروحه معاني ~~الهداية، وكيف يكون ذلك وهم لا يعرفون غير القعقعة والجعجعة في خطبهم وأحاديثهم ~~ومقالاتهم! وقد يتفق لهم أن يؤلفوا الكتب وينشئوا المجلات في الدعوة إلى الله، ولكن ~~تنقصهم البشاشة والروحانية فيعجزون عن نقل الناس من الظلمات إلى النور، وقد ينقلونهم ~~أحيانا من الهدى إلى الضلال. # وربما رجع ذلك إلى أزمة وجدانية وعقلية متصلة بالعصر الحديث، فشيوع التعاليم المدنية ~~والأنظمة المدنية أوهم رجال الدين أنهم في حرب مع الجيل الجديد، وهم بالفعل في حرب، ~~وهذا الروح المشبع بسوء الظن والخوف من الهزيمة يحملهم على الإسراف في اتهام أبناء ~~الجيل الجديد بالوقوع في المآثم، والخروج على ms488 أدب الدين الحنيف. # وبفضل هذا الإسراف صارت طلعة رجل الدين طلعة كريهة لا يلقاها الناس بالترحيب؛ لأنه لا ~~ينظر إلا إلى عيوبهم، ولا يهتم إلا بالكشف عن مساويهم، ولا يطول لسانه إلا حين يجد ~~مجالا للتقريع والتأنيب، ولو عقل لعرف أن من واجبه أن يدلهم على مبلغ صلاحيتهم للخير ~~والهداية. # وإذا حرم رجال الدين نعمة الحب، حب الناس لهم والتشوف إليهم، فقد عجزوا عجزا تاما ~~عن نصرة الدين، والخير لا ينتظر من الواعظ البغيض الذي لا يحدث الناس إلا بما ~~يكرهون. # ومن المؤلم أن يعجز الأشياخ عما يقدر عليه القسيسون، فالقسيس لا يزال رجلا لطيفا ~~يداخل الناس ويسايرهم ويسامرهم ليعرف أهواءهم، ويقتلها برفق. والترغيب على لسان القسيس ~~أكثر من الترهيب، وقد كان أشياخنا كذلك قبل أن تشيع الأحقاد بين الأحزاب المدنية ~~والدينية، يوم كان «شيخ الطريقة» يدخل البلد فيملأها بالبشاشة والروحانية. # وفي مصر اليوم وعاظ يسيرون في البلاد هادين ومرشدين، والأمل كبير في أن يتخلقوا ~~بأخلاق الصوفية؛ فتكون فيهم الوداعة والبشاشة والرفق ليصلوا إلى قلوب الناس، ويحببوهم ~~في الأعماق الصالحات، وقد يوفقون إلى السياسة الرشيدة فيتصلون بمن في الأقاليم من ~~معلمين وموظفين، ويشوقونهم إلى التأدب بأدب الدين الحنيف، ويومئذ يصل الواعظ إلى ~~المنزلة التي كان يتمتع بها الشعراني والمرصفي والشناوي في القرن العاشر، حين كان ~~الصوفية يسيطرون بالأدب الحق على قلوب العوام والخواص. # وقد أفاض الغزالي في علاج الغيبة، وله في ذلك صحائف بيض نود لو يرجع إليها القارئ في ~~الجزء الثالث من الإحياء، فقد تنقله من حال إلى حال، وهو يوصي بأن يتدبر المرء في نفسه، ~~فإن وجد فيها عيبا اشتغل بعيب نفسه، وإذا لم يجد عيبا في نفسه فليشكر الله تعالى، ولا ~~يلوثن نفسه بأعظم العيوب، فإن ثلب الناس وأكل لحم الميتة من أعظم العيوب. # وقد تحدث عمن يشترك في الغيبة مجاملة لإخوانه فقال: علاج ذلك أن تعلم أن الله تعالى ~~يغضب عليك إذا طلبت سخطه في رضاء المخلوقين. فكيف ترضى لنفسك أن توقر غيرك وتحتقر مولاك ~~فتترك ms489 رضاه لرضاهم، إلا أن يكون غضبك لله تعالى؛ وذلك لا يوجب أن تذكر المغضوب عليه ~~بسوء، بل ينبغي أن تغضب لله أيضا على رفقائك إذا ذكروه بالسوء، فإنهم عصوا ربك بأفحش ~~الذنوب وهي الغيبة. # 44 # وتكلم على من يغتاب غيره استهزاء به فقال: وأما الاستهزاء فمقصودك منه إخزاء غيرك عند ~~الناس بإخزاء نفسك عند الله تعالى وعند الملائكة والنبيين عليهم الصلاة والسلام، فلو ~~تفكرت في حسرتك وجنايتك وخجلك وخزيك يوم القيامة لأدهشك ذلك عن إخزاء ~~صاحبك. # 44 # والصوفية يحرمون الغيبة بالقلب، وهي سوء الظن. # وهذه غيبة هينة من حيث صلتها بالمجتمع؛ لأنها قليلة الإيذاء، ولكن ضررها راجع عليك؛ ~~لأنها تفسد قلبك، وتشغل ضميرك، وتزعزع وجدانك، وتضيع صفاء نفسك. والواجب أن يخلو قلبك ~~خلوا تاما من كل سوء فلا يكون فيه غير صور الخير والجمال. # وكفارة الغيبة هي الندم والتوبة والتأسف واستقالة من أذيتهم بالاغتياب. # قبح النميمة والسعاية # والصوفية يبغضون النميمة، وهي نقل آراء الناس بعضهم في بعض، وهي آفة سيئة العواقب. ~~ولا يقترفها إلا المحرومون من نعمة الحب، حب الخير للناس. # وإذا كانت النميمة إلى من يخاف جانبه سميت سعاية. # قال مصعب بن الزبير: نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية؛ لأن السعاية دلالة ~~والقبول إجازة، فاتقوا الساعي فلو كان صادقا في قوله لكان لئيما في صدقه؛ حيث لم يحفظ ~~الحرمة ولم يستر العورة. # 45 # وقال رجل لعمرو بن عبيد: إن الأسواري ما يزال يذكرك في قصصه بشر، فقال له عمرو: يا ~~هذا، ما رعيت حق مجالسة الرجل حين نقلت إلينا حديثه، ولا أديت حقي حين أعلمتني عن أخي ~~ما أكره، ولكن أعلمه أن الموت يعمنا، والقبر يضمنا، والقيامة تجمعنا، والله يحكم بيننا، ~~وهو خير الحاكمين. # 46 # ورفع بعض السعاة إلى الصاحب بن عباد رقعة نبه فيها على مال يتيم يحمله على أخذه ~~لكثرته، فوقع على ظهر الرقعة: ~~«السعاية قبيحة، وإن كانت صحيحة، فإن كنت أجريتها مجرى النصح فخسرانك فيها أكثر من ~~الربح، ومعاذ الله أن نقبل مهتوكا في ms490 مستور. ولولا أنك في خفارة شيبك لقابلناك بما ~~يقتضيه فعلك في مثلك، فتوق يا ملعون العيب، فالله أعلم بالغيب. الميت رحمه الله، ~~واليتيم جبره الله، والساعي لعنه الله». # 47 # وقال بعضهم: لو صح ما نقله النمام إليك، لكان هو المجترئ بالشتم عليك، والمنقول عنه ~~أولى بحلمك؛ لأنه لم يقابلك بشتمك. # كلمة ختامية في الفرق بين الصوفية وبين غيرهم من رجال الأخلاق # أما بعد، فقد عرضنا ألوانا من المهلكات، وأشرنا إشارات خفيفة إلى طرق الخلاص، ومنهج ~~البحث لا يوجب أن نطيل في شرح المهلكات والمنجيات، فما أردنا إلا الوصول إلى غرض واحد ~~هو بيان الحرص الشديد من جانب الصوفية على تقوية الشخصية الخلقية. # قد يقال: إن الصوفية لم يأتوا بشيء جديد، فهم يرضون ويغضبون على نحو ما يقع لسائر ~~رجال الأخلاق، ونقول: إن ما امتاز به الصوفية هو التحرز الشديد من آفات الأخلاق، ~~والإلحاح الموصل في تعرف أهواء النفوس والقلوب، وإنا لنرجو أن يرجع القارئ إلى الجزء ~~الثالث والرابع من كتاب الإحياء، فقد شرح الغزالي ضروب المهلكات والمنجيات شرحا ~~وافيا، وفصلها أوسع تفصيل، وجمع بين المعقول والمنقول بأسلوب شائق جذاب، وما عرف إنسان ~~مؤلفات الغزالي إلا أحس بوجوب الرجوع إلى درس نفسه من جديد. # | خاتمة الكتاب # ما أحسبني أحتاج إلى التذكير بالأساس الذي قام عليه هذا الكتاب، فقد فصلت القول فيه كل ~~التفصيل، واعتذرت غير مرة بارتباط بعض أجزاء الكتاب ببعض ارتباطا يجعل من العسير في بعض ~~الأحيان أن يكون البحث الواحد في الأدب الصرف أو الخلق البحت، فلم يبق إلا أن يكون التقسيم ~~مبنيا على غلبة الخصائص الأدبية أو الأخلاقية، وكذلك صنعت في تبويب هذا الكتاب، فجعلت ~~الجزء الأول في الأدب، والجزء الثاني في الأخلاق. # وقد امتد بنا الشوط في الدراسات والمراجعات وهممنا بأن نجعل هذا الكتاب مرجعا شاملا ~~لجميع الآراء الصوفية، ولكن الوفاء لمنهج البحث صرفنا عما هممنا به من الاستطراد ~~والاستقصاء، فما كانت غايتنا إلا بيان تأثير التصوف في الأدب والأخلاق، وفي مثل هذه الحال ~~لا يطلب منا ms491 أن نقف عند كل باب وقفة الشارحين والمحققين، فذلك يطلب ممن يؤلف كتابا في شرح ~~الأخلاق الصوفية على نحو ما صنع المكي في قوت القلوب، والغزالي في إحياء علوم الدين. # وقد شهد القارئ في الجزء الأول أننا حرصنا على بيان الخصائص الأساسية للأدب الصوفي، ~~وأسهبنا في الكلام على الأشعار والفقرات التي حملت معاني التصوف عن طريق التصريح أو ~~التلميح، واهتممنا بإظهار ما بين ذلك الأدب وبين المجتمع من صلات، فاتخذناه وثيقة نعرف بها ~~كيف كانت الروح الفكرية والاجتماعية في البيئات التي عاش فيها أولئك القوم. # ولم يفتنا أن ننص على مزالقهم الأدبية والعقلية ونحن نحلل تلك الأشعار والفقرات؛ لأننا ~~رأينا أن منهج البحث يوجب أن تكون في هذا الكتاب أحكام أدبية يهتدي بها من يراجع أدب ~~الصوفية. # وقد جرى ذلك كله في حدود القصد والاعتدال فلم نخرج من الأطناب إلى التطويل، ولم نسرف في ~~عرض الشخصيات الأدبية والفلسفية، وإنما وقفنا عند الشواهد التي تكفي لبيان المذهب الأدبي أو ~~الفلسفي في ميدان التصوف، فالحكم العطائية مثلا لم تكن كل ما عرفه الأدب الصوفي من هذا ~~النوع، وأشواق ابن الفارض لها نظائر وأمثال، والحلاج لم يكن أول وآخر من استشهدوا في سبيل ~~القول بوحدة الوجود، فهناك الشلمغاني الذي أحرقت جثته في بغداد، فمن شاء أن يمضي في درس ~~الأنواع والشخصيات فليسر على بركة الله فقد مهدنا له الطريق. # وما أذكر أني ألححت في الشرح والتبيين إلحاحا كاد يثقل منهج البحث إلا حين تكلمت على ~~نظرية وحدة الوجود، وحجتي في ذلك أن هذه النظرية ظلت غامضة على اختلاف الأجيال، ولم يفهمها ~~من الباحثين إلا الأقلون، والذين فهموها جبنوا عن عرضها عرضا واضحا صريحا، وأكثر من ~~فهموها كانوا يؤمنون بها إيمانا لا يخلو من جهل وسخف، فرأيت أن أدرس ما لها وما عليها ~~بحيدة نزيهة، واستطردت فبينت أثرها في المذاهب الصوفية والشعبية، وكدت أنطق القارئ بالقول ~~بأنها رجعة إلى المذاهب الوثنية، فالقول بوحدة الوجود يفرض أن نرى الألوهية في كثير من ~~الأشياء، وهذا عند ms492 التأمل ليس إلا صورة من الرجعة لأساطير اليونان. # وما رأى في ذلك شيئا من الغضاضة على أقطاب التصوف والتشيع، فالمذاهب الفلسفية يتسلسل ~~بعضها عن بعض، وتنتقل إلى الناس بطرائق نجهلها من طرائق الوجود فيتقبلونها بلا وعي ولا ~~احتساب؛ لأن الإنسان في الواقع يرزح تحت أعباء ثقال من مواريث الأفكار والعقائد والمذاهب، ~~وقد شرحت ذلك في المقال الذي نشرته في جريدة البلاغ منذ سنين في الرد على الفيلسوف ليفي ~~برول، وأنا أقرر بصراحة أن ما نظنه خصائص أصيلة لبعض الديانات هو عند التحقيق محصول قديم ~~تضاءل أثره حينا من الزمان ثم رجعت إليه الحيوية والطرافة حين اقتضى ذلك نظام الكون، ~~والوثنية وإن استقبحها المؤمنون دين صحيح قام على الشعر والخيال والإيمان بوحدة ~~الوجود. # رجونا القارئ مرات أن يكتفي منا بالإيجاز، وعساه يفعل فلا يتهمنا بالتقصير. وقد أشرنا مرة ~~إلى ما صنع أبو الحسن الشاذلي حين فسر بعض آيات القرآن على الطريقة الصوفية، ولو كان المجال ~~اتسع لأشرنا إلى جميع من فسروا القرآن على ذلك الأسلوب كما صنع ملأ سلطان على وغيره من ~~الذين رأوا أن أكثر آيات القرآن رموز لمعان روحية، وهذا اعتساف بلا جدال، ولكن النص عليه ~~واجب. # وأشرنا كذلك إلى من وجه أشعار الفجور وجهة روحية ، ولو اتسع المجال لتكلمنا على كثير ممن ~~صنعوا هذا الصنيع، ونوهنا بمن عكسوا القضية فنقلوا المعاني الروحية إلى أذواق حسية. # 1 # ليت وليت! # ليت الزمان كان أعفانا من الشواغل التي تقصم الظهر فمضينا نشرح ما تمثلناه وتصورناه ثم ~~تحققناه من الثورة التي أحدثها التصوف في عالم الأدب والأخلاق. # لقد وضعنا القاعدة حين ألفنا كتاب (الأخلاق عند الغزالي) فتحدثنا قليلا عن أنصار الغزالي ~~وخصومه، وكان لذلك أثر ظاهر في تصوير مذاهب ذلك الفيلسوف، ولو أننا عقدنا بابا في هذا ~~الكتاب للكلام على أنصار التصوف وخصوم التصوف لاتضح هذا المذهب الفلسفي أكثر مما اتضح، ولكن ~~يعزينا أننا لم نغفل هذه الناحية كل الإغفال، فقد بسطنا القول فيما بين رجال الحقيقة، ورجال ~~الشريعة من خلاف، وبينا ms493 ما للتصوف وما عليه بيانا شافيا. # ولكن لا مفر من تنبيه القارئ إلى أن هناك ثروة أدبية وفلسفية أثارها التصوف، وهي الشاهد ~~على تأثيره في الأدب والأخلاق، وهذه الثروة تنتظر من يثيرها في كتاب غير هذا الكتاب، فما ~~كان في مقدورنا أن نتخطى منهج البحث، ونحن مقيدون بسلاسل من حديد هي التقاليد الجامعية التي ~~توجب الوقوف عند الأصول وتكره الإفاضة في الحديث عن الفروع؛ لأن نظام الرسالة يغاير نظام ~~الكتاب. # وكان في النية أن نعقد بابا للفرق بين تصوف أهل السنة وتصوف الشيعة، ولكنا عند التأمل لم ~~نر موجبا لهذه التفرقة، فالصوفية لا يعيرون هذا الخلاف كبير الفتات، والخلاف بين أهل السنة ~~والشيعة ليس خلافا دينيا كما يتوهم الأكثرون، وإنما هو في أغلب صوره خلاف سياسي، ومن قال ~~بغير ذلك فهو غافل أو جهول، والصوفية من الشيعة يرون الغزالي من أساتذتهم وهو سني، والصوفية ~~من أهل السنة يرون الحلاج من أساتذتهم وهو شيعي. وكتب التصوف تسكت عن هذه الفروق المذهبية؛ ~~لأن للتصوف غاية تفوق ذلك. # ولكن كانت هناك محاولة تنفع لو اتسع الوقت، وهي شرح تأثر المذاهب الصوفية بالبيئات ~~المحلية، فمن المؤكد عندنا أن الصوفية متصلون بالأرض التي ينشأون فيها أتم اتصال، ومثلهم في ~~ذلك مثل الفقهاء، فالفقيه المصري يعاني مشكلات لا يعانيها الفقيه العراقي، وقصة تحليل ~~النبيذ في حياة أبي حنيفة هي الشاهد على ذلك، فقد كان الخلاف حول الشراب مما يشغل أهل العراق # 2 # والحال كذلك في التصوف: # فالمعضلات التي اهتم بها الشعراني معضلات مصرية، والأزمات التي عاناها صدر الدين الشيرازي ~~هي أزمات فارسية، فعند الشيرازي ألوان من المشكلات الأخلاقية أنشأها البلد الذي عاش فيه، ~~وآداب المريدين عنده لها لون خاص يدركه من يتعمق في درس كتاب «الأسفار»، ولو اتسع المجال ~~لتحدثنا عن هذا الفيلسوف في فصل خاص، فله ذوق يشبه ذوق عمر الخيام في بعض مراميه مع حفظ ~~الفارق بين التصون والمجون. # ليت ثم ليت! وهل ينفع شيئا ليت؟ # ليتنا استطعنا أن نتكلم على الصوفية في العصر ms494 الحاضر، فلهم أذواق وأخلاق تستحق التسجيل، ~~ولكن عاقنا سوء الظن بمحصولهم الأدبي، فليس فيهم رجل فيلسوف، وإن كثر فيهم ~~المتحذلقون! # يضاف إلى ذلك أننا أقمنا هذا الكتاب على أصول يغلب فيها النقد والتجريح. والتعرض للأحياء ~~بهذه الحرية قد يؤذيهم أشد الإيذاء. # وما رأيت في صوفية هذا العصر غير رجلين: رجل طيب القلب يرى الصوفية منزهين عن الملام، ~~ورجل جاهل يرى التصوف بابا من الانحلال، وقد صنت قلمي عن التعرض لهذا وذاك. # ومع هذا نرى عقل العصر الحاضر يميل أشد الميل لدراسة التصوف، وهي ظاهرة حسنة تبشر بإقبال ~~الناس على المعاني الروحية، وإن كان أغلب الباحثين في التصوف لهذا العهد لا ينظرون إليه إلا ~~من الناحية الفلسفية أو الاجتماعية. # 3 # ولا بد من النص على أن دراسة التصوف الإسلامي كانت توجب الطواف بما كتب عنه في اللغة ~~الفارسية واللغة التركية، ففي الفرس والترك صوفية لهم مقام عظيم في الأدب والأخلاق، ولكن ~~الله أغنانا عن ذلك بعض الإغناء؛ فقد اعتمدنا على مؤلفات عربية كان مؤلفوها يمثلون القومية ~~الإسلامية، يوم كانت اللغة العربية هي لغة التأليف في أكثر الأقطار الإسلامية. # وكذلك يجد القارئ روح الصوفية ممثلة في هذا الكتاب أجمل تمثيل وإن تباعدت بهم المنازل، ~~وانقسموا إلى قبائل وشعوب. # وقد رأى القارئ أننا في أغلب الأحوال عطفنا على الصوفية أشد العطف، ولا غضاضة في ذلك، فقد ~~يتفق للباحث أن يتعقب الصوفية على نحو ما صنعنا في كتاب «الأخلاق عند الغزالي»، ولكن تعقب ~~الصوفية والنص على أغلاطهم وهفواتهم لا يصرف المنصف عن الاعتراف بأخطارهم العالية بين رجال ~~الأخلاق. # ودراسة مؤلفات الصوفية دراسة عميقة تدلنا على ألوان المعارف الفلسفية والنفسية التي عرفها ~~الأسلاف، فالصوفية هم علماء النفس عند المسلمين، وهم الصلة بين القديم والحديث، القديم الذي ~~عرفه الفرس والروم والهنود والمصريون، والحديث الذي ابتكره العرب والمسلمون. # والفرق بين باحث مثل أرسططاليس، وباحث مثل الغزالي بعيد جدا، فأرسططاليس يبحث أصول ~~الأخلاق من الناحية النظرية، ولا يهمه غير إقناع العقل، أما الغزالي فيهتم بإنارة القلب، ~~ويسوق الشواهد ms495 والأمثال بأسلوب خلاب يحرك القلوب، وهو مع ذلك لا يغفل عن تعليل الأخلاق ~~وتحليلها من الوجهة النظرية، فقارئ كتاب أرسططاليس يخرج عالما، وقارئ كتاب الغزالي يخرج ~~عالما ومهتديا. # ولو شئنا لغضضنا النظر عن المفاضلة بين أرسططاليس والغزالي، وفاضلنا بين ابن مسكويه ~~والغزالي، فابن مسكويه معلم، والغزالي واعظ، والفرق بين المذهبين لا يحتاج إلى ~~بيان. # وما نقول به قد تنبه إليه القدماء حين وازنوا بين كتاب المكي، وكتاب الغزالي، فقد قالوا: ~~كتاب الإحياء يورثك العلم، وكتاب القوت يورثك النور. # وإنما كان الأمر كذلك لأن المكي في قوت القلوب غلبت عليه النزعة الروحية، ولا كذلك ~~الغزالي في الإحياء فقد غلبت عليه النزعة العلمية. # ومن الواضح أن الأخلاق لا يكفي في فهمها قبول العقل، وإنما يجب أن تتغلغل إلى القلب بحيث ~~يصبح الحس الخلقي جارحة وجدانية. # وعند هذه النقطة يظهر الفرق بين الصوفية وبين رجال الأخلاق، فالفلاسفة يعللون ويحللون في ~~حدود المنطق والعقل، أما الصوفية فيزيدون على ذلك ربط الشخصية الخلقية بالشخصية الدينية، ~~فالوازع عند الفلاسفة هو العقل، والوازع عند الصوفية هو العقل والوجدان ومراعاة الأدب مع ~~الله ذي القوة والجبروت والجلال والجمال. # قد يقال: إن في الصوفية ناسا يستهينون بالأخلاق العملية. # وهذا حق، ففي الصوفية قوم يحتقرون الظواهر، ويحتقرون الأعمال. # وهؤلاء على ضلالهم الظاهر لهم مكانة أخلاقية؛ لأنهم لا يثورون على الظواهر إلا وهم يعلمون ~~أنهم عربات تجرها قاطرة الوجود، فهم في ضلالهم وهداهم تابعون أوفياء. # وليس المهم أن تنساق مع المأثور من نظام الأخلاق، ولكن المهم أن لا تتقدم ولا تتأخر إلا ~~وأنت شاعر بأنك على هدى أو على ضلال. # وزيغ بعض الصوفية زيغ جميل؛ لأنهم حولوا الوجود إلى قوة شعرية تموج بالمفاتي وتزخر ~~بالغرائب والأعاجيب. # وهؤلاء المسرفون على أنفسهم قد استطاعوا أن يحفظوا الشخصية الخلقية نقية سليمة، فهم ~~تصوروا الشرور والآثام مقاصد أرادها علام الغيوب، ولم يتصوروا أنفسهم ثائرين على العزة ~~الربانية، وبذلك بقيت ضمائرهم خالصة من شوائب العناد والمكابرة، فعاش أدبهم الأثيم ينفح ~~بالعطر والطيب على اختلاف الأجيال. # ونخلص ms496 من ذلك كله إلى حقيقة واضحة، وهي أن الصوفية في ضلالهم وهداهم كانوا قوما يعرفون ~~جواهر الأخلاق، فللعوام عندهم نظام، وللخواص نظام، وقد كرهوا أن نحدث العوام بما نحدث به ~~الخواص، فالأخلاق تتلون وتتشكل باختلاف الأشخاص، وهذه نظرة لا تخلو من حصافة وسداد. # وفي الصوفية من ثار على الكتب المقدسة وثار على الأنبياء، وهذا في رأي رجال الشرع كفر ~~موبق، ولكنه عظيم جدا من الوجهة الأخلاقية؛ لأنه يمنح الشخصية الخلقية قوة ساحقة تجترف ~~جميع العوائق، وتقف الرجل أمام الله وجها لوجه، كما وقف الأنبياء والمرسلون، وليس هذا ~~بالقليل. # ولا تظهر قيمة هذه النظرة إلا إذا تدبرنا ما وقع فيه بعض النصارى، وبعض المسلمين من ~~الاستعباد للنصوص، فالخضوع المطلق للنصوص عطل المواهب في البيئات النصرانية والإسلامية، ~~وخضوع بعض المتصوفة أمام أشياخهم لم يكن إلا صورة من خنوع بعض النصارى أمام القسيسين ~~والرهبان، وجرأة الأحرار من الصوفية هي فيما أفترض أساس الثورة التي أقامها جمهور من ~~النصارى على الكنيسة الأرثوذوكسية والكنيسة الكاثوليكية، فالبروتستانت من النصارى هم تلاميذ ~~الصوفية من المسلمين؛ لأنهم رفضوا أن يكون بينهم وبين الله وسيط، كما رفض أحرار الصوفية أن ~~يكون بينهم وبين الله وسيط. # وسيأتي يوم يتضح فيه أن ثورة بعض النصارى على عبادة الصور لم تكن إلا أثرا لاطلاع بعض ~~القسيسين على المذاهب الصوفية. # إن الصوفي المعتدل يقبل من شيخه كل شيء، كما يقبل النصراني المعتدل من القسيس كل شيء، ~~والصوفي المعتدل يقدم كلام شيخه على القرآن والحديث، كما يقدم النصراني المعتدل كلام ~~الرهبان على كلام الإنجيل، أما الصوفي الثائر فيرفض جميع النصوص ويتسامى إلى مخاطبة الله ~~والفهم عنه بلا مرشد ولا دليل، وهنا أقول بصراحة: إن هذا أساس متين لبناء الشخصية الخلقية، ~~وإن غضب رجال الدين. # 4 # وهنا تعرض شبة في غاية من الخطورة يصورها هذا السؤال: # كيف يسلم المجتمع مع هذه الآراء؟ # ونجيب بأن هذه الآراء تعرض المجتمع لأخطر أنواع الانحلال؛ لأنها تفتح الباب للطفيليين ~~والواغلين من أدعياء الأخلاق، وستمصي دهور ودهور قبل أن تصلح ms497 هذه الآراء لأن تكون شريعة ~~يعيش عليها جميع الناس. # إن الخلق الصحيح هو الذي يروضك على أن تعيش سليما معافى من آفات الشطط والجموح، وينظمك ~~في سلك واحد مع من تسايرهم وتعاشرهم من خلق الله أو خلق الشيطان. # والعاقل # والعاقل - أعني صاحب الشخصية الخلقية - هو الذي يفهم أنه مسئول عن مراعاة منافعه الأدبية ~~والاقتصادية بحيث يضمن الربح ويأمن الخسران. # ومن أجل هذا حرص جمهور الصوفية على رياضة مريديهم سليمة تبعدهم عن المزالق ومواطن ~~الشبهات، كالذي صنع مؤلف القوت ومؤلف الإحياء. # ومن أجل هذا أيضا قسم الصوفية مريديهم إلى: عوام، وخواص، وخواص الخواص، ولكل فرقة من ~~هؤلاء الثلاثة آداب. # أليس الصوفية هم الذين قضوا بأن صوم خصوص الخصوص لا يقع فيه الفطر بالطعام والشراب، وإنما ~~يقع الفطر بارتكاب المآثم ونهش الأعراض؟ # ولكن هذا الذوق الرقيق لا ينفع ما دام في الدنيا ناس لهم أذواق غلاظ، والذوق الغليظ هو ~~الغالب على بني آدم في كل زمان وفي كل مكان. # أما بعد - وقد تعبنا من أما بعد - فإن موقفنا من هذه الآراء موقف المؤرخ للنظريات ~~الفلسفية، ونحن نعرضها بقوة وعنف كأننا من أهلها، وليس الأمر كذلك، وإنما هي عدوى وصلتنا من ~~أستاذنا الغزالي -طيب الله ثراه -، فقد كان يسهب في شرح المردود من الآراء حتى اتهم بأنه من ~~أنصار تلك الآراء، فإن بدا لبعض الناس أن يتهمونا بتزيين ما لا يقبله رجال الدين فليذكروا ~~أننا لا نفكر في متابعة أحد من رجال الدين، وإنما نجعل النظرية الفلسفية أساس هذه ~~البحوث. # وما دامت المقادير شاءت أن يكون هذا الكتاب من محصول الجامعة المصرية فليكن صورة صحيحة من ~~صور التفكير في الجامعة المصرية، والتفكير في الجامعة المصرية يقوم على أساس متين: هو ~~الصراحة التامة في عرض النظريات والأفكار والآراء. # ورحمة الله وسعت كل شيء، فلن تضيق عن باحث يدرس أوهام القلوب، وشهوات العقول. # ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا ~~من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ms498