######OpenITI# #META# URI: 1372IbrahimNaji.RisalatHayat.Hindawi62724961 #META# Tags: literature #META# ID: 62724961 #META# Title: رسالة الحياة #META# AuthorID: 97571481 #META# Author: إبراهيم ناجي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # رسالة الحياة‏ # رسالة الأدب‏ # رسالة الفلسفة‏ # رسالة الحضارة‏ # رسالة علم النفس أو الشخصية وتكوينها‏ # رسالة العقل‏ # رسالة الشباب‏ # رسالة النقد‏ # رسالة السياسة‏ # رسالة القصة‏ # رسالة الأدب الأوروبي الحديث‏ # رسالة الأخلاق‏ # رسالة الأدب الروسي‏ # رسالة الفن الحديث‏ # رسالة الآباء‏ # رسالة السعادة‏ # خاتمة‏ # الإهداء‏ # رسالة الحياة‏ # رسالة الأدب‏ # رسالة الفلسفة‏ # رسالة الحضارة‏ # رسالة علم النفس أو الشخصية وتكوينها‏ # رسالة العقل‏ # رسالة الشباب‏ # رسالة النقد‏ # رسالة السياسة‏ # رسالة القصة‏ # رسالة الأدب الأوروبي الحديث‏ # رسالة الأخلاق‏ # رسالة الأدب الروسي‏ # رسالة الفن الحديث‏ # رسالة الآباء‏ # رسالة السعادة‏ # خاتمة‏ # | رسالة الحياة # | رسالة الحياة # تأليف # إبراهيم ناجي # | الإهداء # إلى الصديق الحبيب ع. م # أيها الصديق الكريم، كيف أؤدي لك بعض فضلك علي؟ أتذكر كيف كتبت هذه الرسائل؟ كتبت ~~بوحيك، وتمت في ظلال صحبتك، فمنك إليك مرجع هذه الكلمات. # أيها الصديق، لقد رضيت أن يتوج حرفان من اسمك كتابي هذا، وحسبي شرفا، وحسبي مدى ~~العمر سعادة وهناء. # إبراهيم ناجي # | رسالة الحياة # هل نتحدث عن الحياة ورسالتها أم عن الحياة ورسالة أبنائها؟ # إن كان الأول فنحن أمام حديث بيولوجي هام. # نحن أمام الوجود وأسراره، أمام ميلاده ونهايته. # أمام السؤال المحير؛ كيف جاءت الحياة ولم؟ # وأمام سؤال محير آخر: هل الحياة جاءت صدفة أم هي من عمل عاقل مبصر مدبر؟ # وسؤال آخر: هل الحياة على هذه الأرض حياة خاصة بأهل هذه الأرض أم هي جزء من نظام عام، ~~وبعض من كل؟ # نتحدث عن القسم الأول من موضوعنا؛ أي الحياة وطبيعتها ومنشئها، فلا شك أننا إذا فهمنا ~~شيئا ولو قليلا من ذلك اللغز الكبير الخفي، أمكننا أن نجيب في شيء من اليقين عن رسالة ~~أبنائها. # إذا أقررنا نظرية داروين من حيث آليتها وميكانيكيتها اعتقدنا أن الحياة «ترس» ساعة ~~أدارتها يد، ثم تركتها بشأنها دائرة أبدا، وتتلخص هذه النظرية في أن الحياة أسباب ومسببات ~~وضرورات. # ولكن برجسون الفيلسوف الفرنسي الشهير، تتلمذ أولا على داروين، ثم ثار على عرشه وزعزعه. ~~وكانت ثورته بالأخص على هذه الآلية التي بنيت عليها الحياة، وأخذ يدلل ms01 في قوة ومنطق وبيان ~~قويم على أن وراء الحياة «وثبة» تدفعها لهدف بعينه وهو الكمال، فمن هنا يلتقي هدف داروين ~~وهدف برجسون، ألا وهو «الكمال»؛ فالحياة تنتخب الأصلح وتدفع الأنسب إلى الأمام، وتطوي ~~الضعيف وتهدم المتخاذل المزعزع، ولكن كلمة «انتخاب» إذا تدبرناها، عرفنا أن هذا لا يمكن أن ~~يحدث جزافا، وإلا فأي قوة آلية يمكنها أن تميز بين الأصلح وغير الأصلح، وبين الأحسن ~~والأسوأ، وبين الأقوى والأضعف؟ # فهذه القوة العاقلة المنتخبة، إذن تعنى بالحياة لأنها تسير بها من حسن لأحسن، وتتخطى بها ~~عقبة بعد عقبة، وتساعدها على النمو باطراد. # فهي إذن قد كفلت لها أسباب البقاء، وإلا فما معنى المحافظة على شيء زائل؟ # فالمسألة ليست إذن مجرد خلق، ولا مجرد شعلة لمعت اعتباطا! وإلا انهار «المخلوق» ابن ~~الصدفة وخبت الشعلة وليدة الأقدار! ولكن الذهن المدبر الذي خلق هذه الحياة، تفنن في الطرق ~~التي تكفل استمرار الحياة، والتي تضمن لها البقاء. # فرسالة الحياة إذن استمرار الحياة. # وقد ضمن للحياة أن تستمر شيئان: ~~(1) # قطبها ومحورها، وهو الجنس. ~~(2) # ضدها ومفنيها، وهو الموت. # أما أن يكون الجنس محورها وعمادها وضامن استمرارها، فليس بعجيب، فقد تفننت الطبيعة في ذلك ~~تفننا ما عليه من زيد، والمطلع على كتب علم الحياة يرى كيف تتهافت المخلوقات البدائية على ~~التناسل تهافتا جنونيا، ونحن اليوم وإن تغيرت صور الحياة وأوضاعها، لا نزال نؤمن أن ~~الحياة تقوم على نوعين من الحاجة، الحاجة إلى الطعام، والحاجة إلى الجنس. # أما تحصين الحياة بضدها، وهو الموت، فهذا هو المعجزة التي ما بعدها معجزة، للتدليل على أن ~~هذا الخلق وليد قوة خارقة؛ فإن الموت يمنع الحياة من التكاثر المطلق الذي يؤدي إلى إفنائها ~~بتطاحن أبنائها وتقاتلهم على الحطام، وبذلك يصونها. # والثاني أن تحديد دورة الحياة بحتمية الموت، هو السبب في الاختراعات بأنواعها، وفي ~~الإتيان بأروع الأعمال في تلك الحقبة الصغيرة من عمر الزمن، وفي الجري وراء الرزق، وفي طلب ~~النسل؛ أي في كل ما هو قيم ونافع وجميل، يمكننا من هذا أن نستشف رسالة أبناء ms02 الحياة، ~~فالحياة تسعى إلى البقاء، وتهدف للكمال، فرسالة أبنائها أن يتعاونوا على البقاء ~~والكمال. # وحين أقول: «أن يتعاونوا» أعني كلمة التعاون بأوسع معانيها، رسالة الحياة الكبرى هي في ~~هذا التعاضد والتكاتف لبلوغ الغاية. # إن المجهود الفردي مهما عظم لا يقيم إلا حجرا واحدا في البناء الضخم، ولكن أبناء ~~الحياة متكاتفين يمكن أن يبنوا كل يوم هرما خالدا. # إن العمل من جانب واحد يخل الميزان، ويهوي بكفة منه على حساب الأخرى، فاستقرار هذا ~~«الميزان» هو الغاية التي يجب أن ننشدها حيثما التفتنا. # فإذا نظرنا إلى علاقة الفرد بباقي الأفراد علمنا قيمة هذا التوازن في العلاقات ~~الآدمية. # وإذا نظرنا لداخل النفس وجدنا أن سكينة النفس وصلاحيتها تتوقفان على توازن القوى ~~الداخلية، وفي المجموع، يتضح لنا أهمية التوازن الاقتصادي، فهذا هو أساس الرخاء وأصل الأمن، ~~ومنشأ الحضارات الزاهية، ولا سبيل إليه إلا بتكاتف الأفراد معا على استقرار ~~الميزان. # تلك رسالة الحياة. # | رسالة الأدب # إذا رجعنا إلى اللغات القديمة، وجدنا أن كلمة أدب مشتقة من أدب المحرفة إلى آدم أي ~~الإنسان، فتكون رسالة الأدب رسالة الإنسان، وهذا معنى في منتهى الطرافة، فإنه يحدد في الحال ~~رسالة الأدب حين يجعلها مسألة إنسانية محضة. # فإذا رجعنا إلى هذه الكلمة في الإسلام وجدناها ترد بمعنيين؛ الأول: بمعنى التهذيب: «أدبني ~~ربي فأحسن تهذيبي.» والثاني: بمعنى الدعوة: «هذا القرآن مأدبة الناس في الأرض.» والأصح أن ~~هذه الدعوة، دعوة الناس إلى التلاقي، إما على مأدبة الطعام، وإما إلى غرض خلقي نبيل، وهذا ~~ما يدعو إليه الحديث الآخر بلا جدال. أي إن القرآن يجمع الناس على مأدبة الخلق ~~والحق. # على أن هذه الدعوة امتد ظلها ففقدت التركيز والتحديد، فصارت دعوة إلى المعارف عامة، ~~بصفتها وسيلة من وسائل التهذيب، حتى صارت المعلومات الطبية أدبا، والمعلومات الفقهية ~~أدبا # Literature ~~، ولكن العرب قد سبقوا غيرهم في هذا؛ ~~سارعوا فحددوا موقفهم من كلمة الأدب، فقسموه إلى أدب النفس «التهذيب» وأدب الدرس «المعرفة»، ~~فإذا تركنا أدب النفس جانبا، والتفتنا إلى أدب الدرس الذي أخذ بتطور العلوم ms03 والمعارف ~~والثقافات يطغى على النصف الأول لمعنى كلمة الأدب حتى كاد أن يمحوها من الأذهان، وجدنا ~~سؤالا واحدا يصاحب هذا الظل الممتد، وهو هذا؛ هل النثر والشعر والتاريخ جميعا تستحق أن ~~تسمى أدبا؟ بالطبع كلا. يجب أن يقتصر الأدب على لون خاص، ذلك هو المأثور منه، بعبارة أخرى: ~~الذي له طابع البقاء # permanence # وماذا نسمي ذلك الأدب ~~الخالد؟ نسميه الأدب الرفيع، ويمكن أن ينضم تحت لواء ذلك الأدب الرفيع الآثار الباقية من ~~الموسيقى والغناء والعمارة، ما دامت هذه كلها من أصول واحدة، لا تختلف عن الأدب البياني إلا ~~في كيفية التعبير، وهذا «الأدب الرفيع» هو هو بعينه ما أسماه أهل الغرب «الفن»، وهي كلمة ~~حديثة جدا في اللغة العربية، وهي في القاموس تعني الأسلوب أو الطريقة أو الإتقان أو ~~التنويع، والفنان هو حمار الوحش لأنه يجيد فنون العدو، والمفن هو البارع الكثير ~~الحيل. # وهنا يتناول أهل الغرب مسألة الأدب من حيث كونها «فنا» فيقولون: إن رسالة الأدب كرسالة ~~الفن «البحث عن الجمال». # فالأدب على ذلك هو الفرع من الفن الذي يصل بنا عبر قنطرة الكلمة إلى حيث نرى ونؤمن ~~بالجمال، ومن هنا يحسن أن نعرف الأدب تعريفا قويا ذا شعبتين: # فهو من ناحية صلة بين الواقع والخيال، ويمكن للاثنين أن يلتقيا في المعنى إذا اعتبرنا ~~الطبيعة في نفسها حقيقة جافة تحتاج إلى مترجم وشارح ومتخيل هو الإنسان. # ولكن؛ هل كل إنسان يستطيع أن يكون صلة بين الطرفين؟ أين هو الذي يحسن الوساطة ويجيد النقل ~~والترجمة والشرح والتفسير والإخراج؟ وأين هو الذي يجيد التوصيل، مضافا إليه شعوره الذاتي، ~~وانفعاله أمام التجربة، وإحساسه بالجمال المنطوي كما هو بعصبه ولحمه ودمه؟ يا عجبا! وهل ~~هذه الطبيعة محتاجة إلى شرح؟ الجبل، السماء، الصحراء! أجل! إن الأديب هو الذي يخلع على هذه ~~وتلك الحركة والحيوية ويلبسها رداء الخيال، ويغمرها بالعاطفة، فلو كان الكلام جميلا بذاته ~~ما كنا في حاجة إلى الغناء، ولو كان المشي جميلا بذاته ما كنا في حاجة إلى الرقص، ولو كانت ~~الطبيعة ms04 جميلة بذاتها لاكتفينا بنقلها بالفوتوغرافيا! # ولو كان في تساقط المطر لحون كاملة، ولو كان في همس النسيم نغم تام، لما احتجنا إلى ~~الموسيقى! أكرر فأقول: إن الفنان يشيع في هذه العناصر الطبيعية العاطفة والخيال والحركة ~~والحيوية ويغمرها بالألوان، أو يسبغ عليها عطورا خاصة، وكل الفنون مشتركة الأصول في هذا؛ ~~فنحن نقول: بيت الشعر، وألوان الموسيقى، وموسيقى الألوان، ثم نحن في نفس الوقت نجمع الشعر ~~إلى الموسيقى إلى الرقص لنجمع العاطفة إلى الفكرة إلى الحركة إلى الخيال إلى الحياة. # أما العاطفة فهي الوقود الذي يغمر العمل بالضوء، فهي الإشراق المنبعث من الفن، أما الفكرة ~~فهي عمل العقل أو الصنعة، وأما الحركة والخيال فهما صفتان من صفات الحياة، ومنها يمكن أن ~~يعرف الأدب بأنه: «التصوير الخيالي لحقائق الحياة»، «أو المحاكاة الخيالية لحقائق ~~الحياة». # ولما كان من آيات الحياة التكرار والعودة؛ فإن القلب يكرر نبضاته، والقدم تكرر خطوها، ~~والمواسم تتعاقب، والطيور تهجر ثم تعود، فإننا نجد في طبيعة الفن - مهما اختلفت أنواعه - ~~الخطوات المعادة، والنماذج المتكررة، واللحن المتجدد، والخطوط المتساوقة، هذا «الإيقاع» # rythm # هو المخدر الأول الذي نامت عليه أعصابنا ونحن في ~~المهد إذ تغنينا أمهاتنا. # وهو هو بنفسه الذي يأسرنا ونحن كبار، فيخدر حواسنا فنستسلم للشاعر أو الموسيقي أو الرسام ~~لنتركه يتصرف بنا كما يشاء بعد هذا المخدر الطبيعي الأصيل. # ومن هنا ندرك لماذا قد نتأثر بالشعر حين يلقى، في غير لغتنا، وبالموسيقى ونحن لا نلم ~~بأصولها! # الوظيفة الأولى للأدب أن يكون مصورا حقيقيا خياليا؛ أي بعبارة أن يعبر عن الواقع، ~~بالمجنح الطائر بواسطة العاطفة والفكر. # أما الوظيفة الثانية فهي أن يمد الأديب يده إلى دولاب الحياة الدائر، فيوقفه، ~~بخيالاته وتأملاته إذا شئت، ليقتطع منه منظرا أو فكرة أو حادثة، يستخلصها ليختزنها في عقله ~~الباطن ليخرجها يوما ما إلى العالم مضيفا بذلك للكواكب كوكبا جديدا إلى سماء الخلود # au ciel de fixes ~~. ولكن من هذا الأديب الذي يستطيع ~~أن يمد يده إلى الزمن الدائر فيقتطع من عجلته شيئا ثابتا خالدا؟ ثم من ms05 هو ذلك الذي ~~يستطيع أن يميز في الفلك الدائر السريع ما هو جدير بالاستبقاء؟ # الصفة الأولى في ذلك الأديب هو ما نسميه تجاوزا شدة الحساسية، ويسميه علماء النفس ~~التماس الواعي مع الحياة والأحياء، والتماس الواعي معناه أن مهمازا يشك قلبه ويفتح ~~عينه ويلهب حسه ويوقظ روحه، فإذا كانت الحياة هي «الوادي الذي تنضج فيه الأرواح» على رأي ~~«كيتس» فإنها إنما تنضج عن طريق الألم وعن طريق الدموع، عن طريق الشوك، عن طريق التماس ~~الواعي الذي أشرت إليه. على أن الأديب الذي أشير إليه يمتاز بالبصر، بل بالبصيرة، ويسمى ~~بالفرنسية # un visionaire # أي صاحب رؤيا، وهي كلمة ملائمة ~~جدا، ومعناها أنه رجل يبصر وراء الأشياء حقائقها البعيدة، أو يراها مكبرة، أو يراها ~~مغمورة بأضواء خاصة، أو بعبارة أخرى: ذات رموز ومعان وإيماءات وأخيلة تهيب به وتدعوه، هذه ~~الدعوة هي التي أشرت إليها في أول الحديث، والتي هي العنصر الأول في الأدب لفظا ~~ومعنى. # أما استجابة الأديب على هذه الدعوى فكيف تكون، تكون بصرخة ذات لون من ثلاثة: دهشة أو دمعة ~~أو ضحكة. # فنحن نرى إذن أن هناك بصيرة، فتماس واع، فنداء، فصرخة، فاستجابة. وهذه الاستجابة هي ما ~~نسميه «اللفتة الذهبية» وهي كلمة ملائمة جدا، ولو حللناها لوجدناها تعني أن العاطفة تلجأ ~~إلى الفكر مستعينة به على كيفية الاستجابة. كيفية الاستجابة أو بعبارة أخرى: «عملية الأدب» ~~مسألة جديرة بالنظر؛ لأنها نهاية المرحلة وثمرة المجهود، ومما هو واضح أن هاته الرواية من ~~بصيرة إلى صرخة إلى التفاتة ذهنية، والتي يمكن أن نطلق عليها اللحظة الانفعالية، هي في ~~الواقع مشروع رواية تتطلب الإخراج والظهور على المسرح، رواية غايتها الوضوح، لتجد سبيلا ~~إلى الإقناع والمشاركة والتمتع بالتلاقي مع الآخرين في صعيد وجداني واحد. # فمن ثم يتضح لنا أن عملية الأدب هي: «التأثر بتجربة ما، تأثرا خاصا والامتلاء بها ~~امتلاءا عنيفا، يلح إلحاحا باطنيا في إبراز هذه التجربة مغمورة بالضوء الذي أبصرته ~~فيه، جالسة على عرش من الشعور الذي اكتشفها، متكلمة بلغة خاصة تحمل تفسيرا خاصا، ms06 وشرحا ~~خاصا وسبيلا للإقناع خاصا يجعل المشارك في التجربة يرى ويفهم ويؤمن بالجمال الكامن خلف ~~كل شيء في الوجود من الصغير إلى الكبير.» # فالأدب إذن ومضة من ومضات البصيرة تدعو إلى التعبير، ورسالته السمو بالنفس عن طريق ~~الجمال. # فجوهر الأدب إذن في التعبير، فكيف تعبر تعبيرا تكون آيته تأدية رسالة الجمال؟ # يمكن أن نلخص السلسلة وحلقاتها كالآتي؛ تجربة - بصر - بصيرة - صرخة - استجابة - اختزان في ~~العقل الباطن - ترجمة - تفسير - ترتيب - إخراج - توصيل، ويمكن اختصارها في تجربة - تعبير - ~~توصيل. # فلننظر الآن في التجربة الأدبية؛ التجربة إما أن تكون حادثة أو فكرة أو منظرا، ولكنها ~~على كل حال، تجربة غنية بالأضواء والصور والرموز، تجربة متعددة الأجزاء، كل جزء له قيمته من ~~حيث إنه وحدة في كل متناسق، وزيادة على ذلك فعاطفته التي تثير التجربة عاطفة من لون خاص، ~~فالعاطفة تتميز بالصدق الذي هو اقتناع قلبي مرتفع على قاعدة من الحماسة القوية، فليست ~~العاطفة الصادقة إذن انفعالا متصنعا ولا نواحا ولا ندبا ولا عويلا، بل هي نوع من ~~الانفعال المكظوم، نوع من الألم الجبار الذي أمكن للنفس القوية مهادنته وحبسه في جو من ~~الهدوء، ومن ثم تكون نوعا لا يستثير الألم والعذاب، وإنما تكون ضربا من العزاء والشقاء، ~~ولقد قال «كينس» معاتبا نفسه وموضحا معنى العاطفة العبقرية: من أنت؟ أنت حالم تعيش في ~~حمى، إنك تثير آلام الناس وسخطهم، ولكنك ليس لديك البلسم الذي تلقيه فوق متاعبهم وآلامهم. ~~ما أضيعك! # هذه العاطفة العميقة هي بمثابة اللهب الذي يضفي على التجربة الظلال والأضواء والأصباغ، ~~وهو الذي يخلع على التجربة النبض والحياة، وقد تقول بالأصح: إن العاطفة العميقة تثير الخيال ~~الذي هو في الواقع اليد الساحرة التي تقوم بكل هذا. # أما الشرح السيكولوجي لهذا، فهو أدق وأكثر توضيحا، وخلاصته أنا نعيش في ثلاثة عوالم؛ ~~العالم الخارجي، والعالم الشعوري، والعالم اللاشعوري؛ أي عالم الحقيقة وعالم العاطفة وعالم ~~الخيال، وهذه العوالم في دنيانا العملية تكاد تكون منفصلة تماما، أو على الأقل بينها اتصال ~~غير كامل، أما العالم الخارجي ms07 فمنه المادة التي تعطينا التجربة، ففي لحظة الانفعال تنزاح ~~الفواصل بين عالم المادة، وعالم العاطفة؛ أي يزول ما بين الوعي وغير الوعي، ففي هذه اللحظة ~~المتاحة تستوعب التجربة صورة موحدة، وأنموذجا كاملا، ولا تلتقط مهلهلة الأجزاء مبعثرة ~~الأشلاء، ولا مبتورة التفاصيل، فإذا انزاحت الفواصل بين الشعور واللاشعور، فإن اللحظة ~~الانفعالية تصير حالة انفعالية ممتدة الزمن، وزيادة على ذلك فإن الانفعال يستوعب التجربة ~~كخليط معقد الجوانب، وهذا ما يجعله مثيرا أو مشتعلا، ويجعل الأديب متوثبا لاستيعاب ~~الانفعال والسيطرة عليه، فهنا يختلط الواعي بالباطن، فيطفو الأخير بأحلامه وضبابه وخيالاته ~~في الشعور، وفي هاته اللحظة نحس بالحاجة إلى التعبير، ولكن الشعور تحليلي في نزعته، بعكس ~~اللاشعور فهو تركيبي، فعلى ذلك يحيل الأول التجربة إلى الثاني الذي يعيد تركيبها، على أن ~~الثاني إذ يعيدها، إنما يعيدها ومعها فروق وتدرجات وألوان وأصباغ وأضواء وظلال كالآفاق التي ~~تبدو في الحلم سواء بسواء، وذلك لأن الباطن طبقات وإمكانيات، وهو يعطى بالتدريج ويغري ~~باقتحامات جديدة، فالتجسد الأول للتجربة - أي التجسد الشعوري - تضخم متعب قد يؤدي إلى ~~الانتحار أو الجنون. # أما التجسد الثاني فهو مخفف تدريجي يطفو في وسط الألوان والأضواء، وفيه شعور كذلك بالتحرر ~~من قيود العرف، ولذلك يكون عمله في الأغلب في هدوء الليل وبعيدا عن الناس. على أن هذا ~~التحرر - أو بالأصح اختلاط الواعي بالباطن واتفاقهما على كيفية التعبير - يصاحبه امتزاج ~~المدركات الحسية جميعها، من حس إلى فكرة إلى عاطفة، ففي عالم الأدب يمتزج البصر بالوجدان ~~بالفكرة، فنقول: عينان فرحتان، امتزاج حس ووجدان! والنحت حسي لمسي فقط، والموسيقى سمعي ~~عاطفي، ولا يستثار الإحساس بالجمال إلا بالتئام الوجدان مع المدركات الأخرى. # يتضح من هذا أن العمل الفني مدين في جزء كبير منه للوعي والشعور، ولذلك يتبين أن العبقرية ~~والقول بالسليقة وحدها لإنتاج العمل العبقري، قول على غير أساس. # ويتضح من هذا التحرر السيكولوجي أن المسألة محاولة إزالة فواصل، فمن الباطن الواعي إلى ~~الخارج وبالعكس، معنى ذلك أنها عملية «إفضاء»؛ أي توصيل، وبعبارة أخرى: الخروج عما هو شخصي ms08 ~~إلى ما هو إنساني وهذا هو غرض الأديب ورسالته ، ولكن ما دام اللفظ هو الوسيلة لهذا الإفضاء ~~فما مركزه في هذه الحلقة «اللفظ» عليه أن يؤدي الصورة مستعينا بالخيال والرمز ~~والموسيقى. # أما الموسيقى فقد سبق أن قلنا: إنها العصا السحرية، والوسيلة للإقناع القلبي الذي تحدثت ~~عنه. # وليس أبدع من لغتنا العربية في التحدث عن اللفظ الفني: فيقال مثلا: إن المجاز «هو تجاوز ~~اللفظ إلى ما لم يقصد به القاموس.» # ثم تقول كتب البلاغة: إن الكناية لون من ألوان التشبيه المركز، منه التلويح والإيماء ~~والرمز، حسب ظهور العلاقة أو النسبة أو اختفائهما. # أي إن العرب أوصوا - للوصول إلى قمة البلاغة - باستعمال روح اللفظ لا ذات اللفظ، فسبقوا ~~المدارس جميعها، من رمزية وغير رمزية مما سمعنا عنه في كتب الغرب. هنا أقف لأتحدث عن «روح ~~اللفظ»: إن اللفظ المباشر قد يكون جميلا فاتنا، رائع الجرس متسق الرنين، كما نرى هذا على ~~أحسنه عند «البحتري» في أدبنا وفي «سوبنبرن» عند الإنجليز، فتكون الموسيقى رائعة وآسرة، ~~ولكني أحذركم من هذه الموسيقى التي تعتمد على اللفظة المباشرة، فإنها خداعة، تستولي علينا ~~كأننا عدنا أطفالا في المهد. # أما استعمال «روح اللفظ» أو استعمال اللفظ بموجباته وظلاله وتأثيراته، فهذا هو الذي يحدث ~~ما يسمى الموسيقى الباطنية، هذه الموسيقى - هذا الهمس الداخلي - هذا الإيحاء البليغ، هو سر ~~الرمزية وقوتها وثباتها، والأمل في أن تصير المدرسة الوحيدة الباقية في المستقبل. # إني أتحدث عن الأدب عامة بقسميه من نثر ونظم، ولكني أقول: إن هذه الصفات التي شرحتها ~~تنطبق بالأكثر على الشعر: الذي هو أعظم الكلام في أعظم مواضعه. # أما النثر فقد يبلغ مبلغا كبيرا من الإجادة، ولكنه سيظل دائما معتمدا على المنطق، ~~والقياس، والوضوح والهدوء، والاتزان، وسيخلو من مميزات الشعر كالعاطفة المحضة، والغموض ~~الجميل، والحماسة المركزة، والإيقاع المرقص، واللفظ المجنح الموحي. # | رسالة الفلسفة # ساعة مع سقراط # لم يعن سقراط بتدوين آثاره الفكرية بين دفتي كتاب؛ لأن عصره لم يكن عصر كتب بل عصر ~~مسرحيات؛ ولأن انشغال العباقرة بالقيام برسالتهم قد ms09 يصرفهم عن تدوين ما في سجل حياتهم ~~من أعمال ، ولأن للعباقرة شخصيات قد تفوق كل ما يكتب عنها، بل إن القلم ليخجل عندما يجد ~~نفسه عاجزا عن وصفها قاصرا عن الإحاطة بذلك الشيء المجهول الذي يكون الشخصية ~~العبقرية، ولكننا لحسن الحظ نجد في كل زمان من المؤمنين بهذه العبقريات من يلذ لهم أن ~~يعيشوا في ظلالها ليسجلوا كل كبيرة وصغيرة فيها، ولقد ذكر المؤرخون شبها كبيرا بين ~~«سقراط» الأثيني و«جونسون» الإنجليزي، فقد وجد «سقراط» في تلميذه «أفلاطون» شارحا ~~أمينا ومريدا ذكيا، كما وجد «جونسون» في صديقه «بوزويل» ظلا مخلصا حريصا كل ~~الحرص على تدوين كل شاردة وواردة في حياة صاحبه وأستاذه، ولولا ذلك اندثرت معالم سير ~~العظماء، وضاعت التفاصيل الدقيقة التي تدل أبلغ الدلالة على عبقرياتهم، والواقع أن هذه ~~التفاصيل اليومية لأساليب العيش قد تكون رائقة فاتنة في أصالتها أو شذوذها. # ولقد يكون من الطريف أن يتناول أكثر من واحد حياة العبقري، فيصورونه من زوايا مختلفة، ~~وهذا بالضبط ما حدث لسقراط؛ فقد تناوله «أفلاطون» تناولا أدبيا وفلسفيا، وقد ~~تناوله «أرستوفان» في كوميدية السحب تناولا يدور حول شخصيته التعليمية، وتناوله ~~«زينوفون» في مذكراته تناول المحامي الذي يدافع عن موكله، أما «أفلاطون» فقد جعل من ~~محاوراته التي تدور حول «سقراط» جدلا مثاليا، يرفع سقراط إلى الذروة من الحكمة ~~والتفكير، حتى اتهم «أفلاطون» بأنه يلبس قناع «سقراط»، وأن هذه الروائع التي تتسلسل في ~~المحاورات إنما هي أفكار «أفلاطون» لا أفكار «سقراط»، أما كوميدية السحب عند «أرستوفان» ~~فقد حضرها «سقراط» بنفسه، وكان قد قارب سن الخمسين، فلم يضايقه أن يتندر به «أرستوفان» ~~وتعمد أن يقف في مقصورته ليلة التمثيل، ليرى الناس حقيقة ذلك الذي تندر به «أرستوفان» ~~على المسرح، ولقد ظل صديقا لأرستوفان وكانا يشاهدان معا في ألفة ووئام. # على أن هذه المسرحية كان لها أثر بالغ في أيام «سقراط» الأخيرة، فقد رسب في الأذهان ~~عامة وفي عقول المحكمين خاصة فكرة خاطئة مشوهة عن «سقراط» وتعاليمه أساسها هذه المسرحية ~~التي لم يقصد بها «أرستوفان» ms10 غير التندر والفكاهة. # أما «زينوفون» فقد كانت رسالته التي يدافع بها عن سقراط دفاعا يجرده به من كل عبقرية ~~وأصالة ويضعه في مصاف الرجال العاديين الطيبين الذين يعيشون ويموتون وهم لم يأتوا، ولم ~~يحاولوا أن يجيئوا بجديد. فيتعين إذن على الباحث أن يقرأ كل هذا معا: محاورات ~~«أفلاطون»، ومذكرات «زينوفون»، ومسرحية السحب لأرستوفان؛ وذلك لأن «أفلاطون» وصاحبه لم ~~يعاشرا سقراط إلا في المرحلة الأخيرة من حياته، بينما كانت معرفة «أرستوفان» به معرفة ~~تتناول شطرا من حياته لم يره الأولان وإنما سمعا به. # على أننا لا نشك في أن محاورات «أفلاطون» هي أهم مراجعنا عن «سقراط»، واتهام ~~«أفلاطون» بأنه هو كاتبها إذ تخيلها غير قائم على حقيقته، فإن الأجزاء الأولى من ~~المحاورات يتوسطها سقراط، والتي تليها لا نراه - أي سقراط - وإنما نسمع عنه، وفي ~~الأخيرة لا نسمع أفلاطون يتكلم، فأفلاطون إذن لم يكن في حاجة إلى التخفي وراء قناع ~~غيره. # نحن لا نعرف بالضبط متى ولد سقراط، ولكننا نعرف تاريخ المحاكمة الشهيرة، ونعرف من ~~ذلك أن سقراط كان إذ ذاك في السبعين من عمره تقريبا. فنستطيع أن نستنتج أنه ولد في ~~أثينا سنة 469 قبل الميلاد، ويمكن تقسيم حياته إلى مراحل ثلاث: من ميلاده حتى الحرب بين ~~أثينا واسبارطة، وفترة الحرب، ثم أخيرا بعد هذه الحرب حتى محاكمته ووفاته. ويمكن أن ~~نسمي المرحلة الأولى مرحلة التعلم، والثانية مرحلة الوحي، والثالثة مرحلة الرسالة، ولما ~~كانت حياة العظيم وثيقة الصلة بما جرى في وطنه، فإن المرحلة الأخيرة أهم المراحل في ~~رأينا؛ لأن «سقراط» اشترك أثناءها اشتراكا فعليا في شئون الشعب اليوناني وحكومته ~~وسياسته، وهذه هي المرحلة التي لازمه فيها «أفلاطون»، وعنها وعنه كتب بيقين ووضوح ~~وإيمان، في هاته المرحلة اختلط سقراط بالشعب وانتقد الحكومة حينا، وانتصر لها حينا، ~~وخالفها حينا، وتعرض لسخطها أخيرا، ثم في الحرب هو جندي من جنودها، وهو في السلم أول ~~المدافعين عن قوانينها، ولو كان فيها ما يمسه هو بسوء. ولقد عاش «سقراط» في عهد ~~«بركليز» العظيم حين كانت ms11 أثينا ملتقى الثقافات، وحين كانت ملتقى المعارك العلمية ~~والفلسفية بين الشرق والغرب، وحين كانت الحكومة ديمقراطية تمثل الشعب تمثيلا صادقا، ~~وحين دارت الأيام بعد موت «بركليز» وانتهى الصراع بين اسبارطة وأثينا بانهيار أثينا، ثم ~~أخيرا شهد «سقراط» عودة الديمقراطية لتحاكمه وتحكم عليه بالموت! في كل عهد من هذه ~~العهود كان لسقراط أثر، ومما لا يقبل الجدل أنه كان وثيق الصلة بالدوائر المختلفة ~~ومعروفا من جميع الطبقات، ولا جدال أنه أصاب شهرة واسعة من سن باكر إذ ليس من المعقول ~~أن يجعله مؤلف مشهور مثل «أرستوفان» محورا لمسرحية من مسرحياته إذا لم يكن معروفا ~~لأهل أثينا جميعا. ولقد دافع عن نفسه بأن ذكر أسماء شيوخ من شيوخ أثينا - عظماء ~~وأثرياء - بينهم وبينه صلة وثيقة ومودة متينة، منهم «كريتياس» عم «أفلاطون»، و«كريتو» ~~الثري المشهور. على أن أهم صلاته بالشباب، التي أثرت في محاكمته فيما بعد هي صلته ~~التاريخية ب «السبياديس». كان هذا الشاب من أجمل وأنبل وأشجع شباب أثينا، ولا شك أن ~~قراء التاريخ يذكرون كيف اتهم «السبياديس» بالكفر والتندر بالديانة اليونانية، وكيف ~~قدم للمحاكمة فهرب إلى اسبارطة وانضم إلى جيوشها، وكان السبب في هزيمة أثينا، ودارت ~~الأيام فرجع إلى وطنه ولكن وطنه جازاه أقسى الجزاء، فختم أيامه في النفي والتشريد. كانت ~~الإشاعة التي تدور حول اسمي «سقراط» و«السبياديس» توحي بأن العلاقة بينهما أكثر من ~~علاقة أستاذ بتلميذ وأن ما بينهما تطور إلى مسألة جنسية بحتة، فإذا ما سمع بهذه الإشاعة ~~أجاب ساخرا: «حقيقة، إني أستاذ في فن الحب»! ولكن الذين يعرفون استقامته الصارمة ~~يدركون بعده التام عن الشهوات والصغائر. # ولد سقراط من عائلة طيبة، ويستدلون على ذلك من اسم أمه وأبيه؛ فقد كانت للأسماء في ~~تلك العهود دلالة على المنبت والأرومة، ولم يكن سقراط فقيرا ولا صعلوكا، ولكنه اختار ~~لنفسه التقشف والحرمان؛ لأنه وجدهما سبيله الحقيقي إلى الثراء النفسي، وكان اسم سقراط ~~مقيدا ضمن جنود الجيش، ويجري عليه كما للجنود دخل ثابت، أما في آخر أيامه فقد أدركه ~~الفقر حقيقة، ويظهر ms12 أن ذلك من الفقر العام الذي ضرب أطنابه في أثينا، في المرحلتين، ~~مرحلة الشباب والكهولة، وعلينا أن نتحدث عن: ~~(1) شكله وزيه. (2) طباعه. (3) مدرسته. (4) ثقافات أثينا وموقفه منها. (5) ديانته ~~وديانة أثينا. (6) المعجزات والعلامات الخفية التي نسبت إليه. # كان «سقراط» كبير الرأس، كبير الأنف، تترجرج مقلتاه ترجرج الزئبق، وكان في مشيته مشية ~~البطة. أما عن طباعه فأول ما يذكر أنه كان دائب السخرية، لا من الناس فقط بل من نفسه، ~~إذ كان يؤمن بأنه جاهل كباقي الناس، ولكن الفرق بينه وبينهم أنه يبحث عن الحقيقة ولكنهم ~~لا يبحثون، وكان دأبه أن يعلم الناس كيف يعامل الواحد منهم غيره وكيف يعيش في الوسط ~~الذي يحيا به، ولم تكن له مدرسة خاصة، فقد كان يسمي تلاميذه «الرفاق» ولا يتناول أجرا، ~~وكان على زهده وتقشفه، متين البناء قوي العضلات، يجاري أصحابه أحيانا في الشراب، ولكن ~~الخمر لم تكن لتؤثر به مطلقا، ويمكن أن نلخصه في بضع كلمات: لقد كان طاغي العاطفة، ~~طاغي التفكير، متصوفا، ساخرا. أما عن التصوف، فقد كانت تعتريه نوبات ذهول وغيبوبة، ~~وكانت تظهر له علامات خفية نكاد نسميها هواتف، وكانت لهذه العلامات صفات الإنذار ~~والتحذير، أما الغيبوبة فكانت تقصر أو تطول، وقد استغرقت إحدى نوباتها أربعا وعشرين ~~ساعة، على أن هذه العلامات كانت تبدو له على غير انتظار فيقف مصغيا إلى صوت بعيد، وقد ~~كان معتادا أن يطيع نواهي تلك الهواتف، ولم يعصها إلا مرة واحدة كانت السبب في الكوارث ~~التي مرت به في أواخر أيامه؛ فقد حذرته هاته الهواتف من الاندماج في السياسة، والاشتراك ~~في أعمال الحكام فلم يصغ إليها، وكانت العاقبة وبالا. # هل كانت لسقراط «ديانة»؟ فمن الواضح أن عقلا كعقل سقراط لا يمكن أن يستسلم لأي عقيدة ~~- دينية أو غير دينية - بدون مناقشة، فكان عليه أن يناقش كل شيء، فلم تخل ديانة أثينا ~~من نقاشه العنيف، وقد كانت المعتقدات السائدة في أيامه ثلاثة: (1) الأورفية: وهذه مبنية ~~على الاعتقاد بأن النفس ألوهة منفية، ومشتق من ألوهة كبرى، وأن هذه الروح ms13 أو الألوهة ~~الصغرى منفية في أجسادنا، وعلينا أن نتعهدها بالتطهير والابتهال حتى تعود إلى الأصل ~~مطهرة صافية، ولكن كلمة «الروح» لم ترد على لسان الأوروفيين، وإنما كان الأوروفيون ~~يسمونها # psyche # أو النفس، ولم يكن لها صفة غير أنها ~~ألوهة مشتقة من ألوهة أعلى، وتتسم بالإدراك والوعي بصفة عامة إدراكا واعيا مشتركا في ~~جميع الناس على السواء. على أن سقراط - على قبوله بمبادئ هذه الديانة - لم يعتنقها كما ~~هي، وخاصة لأنه أبصرها تضمحل وتستحيل إلى حلقات «ذكر» وابتهالات، أما الديانة الثانية ~~السائدة في أثينا فقد كانت قائمة على الأساطير وأقوال الشعراء، ويظهر أن سقراط أبدى ~~رأيه علنا في قيمة هذه الأساطير، ومن المهم أن نذكر أن من بين أسباب محاكمته «الكفر ~~بهذه الديانة وبحثه عن أرباب جديدة»، فلما ووجه بهذه التهمة لم يزد على أن يسأل بدوره ~~«ومن هم أربابكم»؟ فلم يردوا على سؤاله! # أما الديانة الثانية: فالديانة العلمية الفلسفية، وليس خافيا أن أول من بحث في طبيعة ~~الكون ووجود الخالق وفي علاقة المخلوق بالكون وخالقه هم فلاسفة اليونان من قبل سقراط، ~~وقد انقسموا مدرستين: شرقية على سواحل آسيا الصغرى، وغربية في جنوب إيطاليا، وقد كانت ~~أثينا ميدان الصراع بينهما. # قرر الفلاسفة مبدئيا وبلا جدال أن للكون خالقا، فخرجت هذه النقطة من دائرة النقاش، ~~ولكن بقي أن يبحث الفلاسفة في كنه هذا الخالق، ثم عن علاقة المخلوق به، ثم عن علاقة ~~الكون بالاثنين؛ أما المدرسة الشرقية فكانت مدرسة موحدين، غير أنهم قالوا: إن النفس نفس ~~أو هواء مشتق من هواء عام يعود بالموت إلى أصله، وزادوا على ذلك أن الكون أسطوانة مسطحة ~~محمولة على الهواء. وكان في الغرب مدرستان: مدرسة «فيثاغورث» التي بنت بحثها على ~~الرياضة، وابتدعت أهمية الأرقام، واكتشفت كروية الأرض، وأنكرت أن تطفو على هواء؛ لأنها ~~معلقة في الفضاء، وأما المدرسة الثانية فمدرسة أخرى تقول: إن الخالق من نار وهواء وماء، ~~وهذه مدرسة «أمبودكليس». # كل هذه المذاهب لم تقنع سقراط، وإن كانت قفزت بالعلم من الناحية الإسترولوجية إلى ~~الناحية ms14 البيولوجية ثم إلى الناحية الرياضية، غير أن اثنين فقط هما: «بارمينيدس» ~~و«زيتون» هاجما هذه الترهات حول صفة الخالق، إن هذا التقلب والتغير ليسا من صفات الخالق ~~وإن الخالق يجب أن يكون «مفردا ثابتا مطلقا لا يتغير». # ساعة مع أفلاطون # قبل أن نتحدث عن «أفلاطون» نود أن نعود بالقارئ مرة أخرى إلى «سقراط» حتى يمكن لنا أن ~~نلقي ضوءا جديدا على «أفلاطون». # يمكننا أن نقسم حياة «سقراط» إلى ثلاث مراحل: # المرحلة الأولى: # من مولده حتى قامت الحرب بين أثينا واسبارطة وجند فيها ~~«سقراط». # والمرحلة الثانية: # فترة الحرب التي أنهكت أثينا وعصفت بقوتها وجرتها إلى ~~الاضمحلال. # ثم المرحلة الأخيرة: # وهي مرحلة الرسالة، أو المرحلة التي اشترك فيها اشتراكا فعليا في ~~أمور مواطنيه، وهي ولا شك أهم هذه المراحل شأنا. # المرحلة الأولى: يهمنا في هذه المرحلة أن نتكلم عن شكله وزيه، طباعه، وأخلاقه، ~~العلامات الخفية، مدرسته، ثقافات أثينا وموقفه منها، ديانته وديانة أثينا. # أما شكله، فقد كان كبير الرأس، كبير الأنف، تترجرج مقلتاه ترجرج الزئبق، كما كان متين ~~البناء قوي العضلات. # أما طباعه في هذا العهد، فتلخص في أنه كان يشعر بجهل الناس، وبما في نفوسهم من نقص، ~~ولذلك كان دأبه السخرية من جهلهم، كما كان يسخر من نفسه، ولم يكن في هذا كاذبا، بل كان ~~يؤمن بأنه هو أيضا يبحث عن الحقيقة، فهو إذن لا يفضلهم في شيء غير في أنه يبحث وهم لا ~~يبحثون، وهذه تبين لنا أنه كان رجلا. # كان يعلم الناس كيف يعامل الفرد غيره، وكيف يعيش في الوسط الذي يحتويه، ولذلك ~~نتساءل: هل كانت له مدرسة؟ # لقد كانت له مدرسة من طراز خاص، فقد كان يسمي تلاميذه رفاقا # associates # وكان لا يتقاضى أجرا، وفي هذا تميز عن السوفسطائيين. # ولقد اتهم في محاكمته بأنه كان مفسدا للشباب، ولكنه دافع عن نفسه بأن ذكر شيوخا ~~من شيوخ أثينا بين عظماء وأثرياء، كانت بينه وبينهم صلة وثيقة، على أن أهم صلاته ~~بالشباب، والتي أثرت في محاكمته وأدت إلى الحكم عليه؛ هي ms15 صلته بالسبياديس وكان من أجمل ~~شباب أثينا وألمعهم وأشجعهم، وكانت الإشاعة التي تدور حول علاقته بسقراط أكثر من أن ~~تكون علاقة بين أستاذ وتلميذ؛ بل تخطتها إلى مسألة جنسية بحتة. وكان «سقراط» إذا ما ~~سئل عن ذلك أجاب ساخرا على طريقته: إنني حقيقة أستاذ في فن الحب، ولكن الذين عرفوا ~~استقامته الصارمة كانوا يوقنون ببعده التام عن الشهوات والصغائر. # ويمكننا إذن أن نلخص شخصيته إذ ذاك، بأنه كان رجلا طاغي العاطفة، طاغي التفكير، ~~ساخرا، متقشفا، متصوفا. # وماذا نعني بالتصوف؟ # نعني بالتصوف، أنه كانت تعتريه نوبات ذهول وغيبوبة، وكانت تظهر له علامات خفية نكاد ~~نسميها «هواتف»، ولم تكن هذه الهواتف إيجابية ولا موجهة لناحية ما، وإنما كانت علامات ~~مانعة تنهاه عن المضي في سبيل بدأ السير فيه، أما الغيبوبة، فكانت تقصر أو تطول، وقد ~~استغرق فيها مرة أربعا وعشرين ساعة، ولكن العلامات الخفية كانت تعرض له على غير ~~انتظار، فيقف، كأنه يصغي أو يستمع إلى صوت غامض ولكنه واضح له. وكان يلبي نواهيها، ~~والمرة الوحيدة التي خالف فيها أمرها حدثت في أواخر أيامه، وقد كان مندفعا إلى ~~الاندماج في السياسة، والاشتراك في أعمال الحكام، وكانت عاقبته وبالا كما سنرى. # والكلام عن التصوف؛ يدعونا إلى أن نتكلم عن ديانته؟ # من الواضح أن عقلا كبيرا مثل عقل سقراط لا يمكن أن يستسلم لأي عقيدة - دينية أو غير ~~دينية - بغير مناقشة. ولهذا فقد كان عليه بالطبع أن يناقش الديانات التي كانت شائعة في ~~أثينا في ذلك الوقت ليتخير الأصلح منها. # ولقد كانت الديانات السائدة في أثينا في أيامه ثلاثا: الديانة الأورفية، والديانة ~~العلمية الفلسفية، ثم الديانة القائمة على الأساطير، وهذه كانت أكثرها انتشارا، غير ~~أنه يمكننا القول، أن هذه الديانات بمذاهبها المختلفة لم تقنع سقراط فهجرها برما بها، ~~وشق طريقا جديدا هو «أن يعلم الناس كيف يمارسون حياتهم وكيف يعاملون غيرهم»، ووجد أن ~~هذه أفضل ديانة «مؤقتا». # ويمكننا أن نقرر كذلك أن «سقراط» أول من اعتنق مبدأ «خلود الروح»، وأنه أول من ذكر ~~كلمة ms16 الروح # soul ~~، وأنه أول من جعل لها معنى بأنها ~~الشيء الذي يحتوي صفاتنا الذهنية والخلقية، ولذلك سميت فلسفته بحق «الفلسفة ~~الأخلاقية». # وقبل أن ننتقل إلى المرحلتين الثانية والثالثة من حياته، يجدر بنا أن نقول: إن وقت ~~هذه المرحلة الأولى قد يتفق مع الوقت الذي حدثت فيه معجزة دلف قبل حرب البلوبونيز بين ~~أثينا واسبارطة، فقد اجتمع أهل اليونان في معبد دلف لتحية الأرباب وسؤالهم عما يهمهم، ~~والاستعانة بهم في قضاء حوائجهم، وأخذت الكاهنات يجبن على هاته الأسئلة، وحدث أن وجه ~~«سيروفون» سؤالا إلى الإله «أبولو» عمن هو أحكم الحكماء؟ فأجاب على لسان إحدى ~~الكاهنات: «سقراط». # أما «سقراط»، فقد اعترته أزمة نفسية عنيفة؛ إذ استغرب أمر هذه المعجزة، ومضى يبحث عن ~~دليل صدقها، فأخذ يبحث عن الحكمة بين جميع الطبقات حتى تأكد لديه صدق هذه ~~النبوءة. # ثم حدثت له أزمة أشد إذ أخذ يسأل نفسه أسئلة ليجيب عنها: ~~- لماذا نطقت الكاهنة بهذا الحديث؟ ~~- عليه رسالة يجب أن يؤديها. ~~- أي رسالة بالضبط؟ ~~- أن يتعهد الإنسان روحه ويسهر عليها وينظفها. # إذن فهو مكلف برسالة، فاندفع يؤديها بأمانة حتى وفاته. # والمرحلة الثانية: هي - كما سبق القول - المرحلة التي قامت فيها الحرب بين أثينا ~~واسبارطة، ولقد كان سقراط جنديا في هذه الحرب، وتاريخه العسكري رائع مشرف، ولما عاد ~~أخذ يسأل كل شخص: ما حال الفلسفة في أثينا؟ وما حال شباب هذا البلد؟ ~~••• # أما المرحلة الثالثة: فهي التي اشترك فيها اشتراكا فعليا في أمور مواطنيه، وهي ~~المرحلة التي أخذ ينفذ فيها رسالته بقوة، وقد كلفه ذلك غاليا، إذ أدى به إلى المحاكمة ~~فالموت، وكل نفس أبية لا تطرق أي باب للخلاص ما دام يتنافى مع مبادئ الرسالة التي ~~يعتنقها. # عندما هرمت الديمقراطية، حكمت أثينا لجنة مكونة من 30 رجلا كان من بينهم صديقه ~~الحميم «كريثياس» فاستبدت وطغت، وأخذت تصادر الأموال وتخالف القوانين، وتحاكم القواد، ~~فثار سقراط على ذلك، وأبى أن يشترك في هذه الأعمال مع أنه كان عضوا في اللجنة التي ~~تولت محاكمة القواد، وأبى كذلك ms17 أن يستمر في أعمال المصادرة والقتل بغير جريرة مع تكليفه ~~بذلك؛ كل هذا زيادة على انتقاده علنا لهذه التصرفات حتى زجره صديقه كريثياس وثار في ~~وجهه غاضبا. # ولقد كان انتقاده للديمقراطية أن هؤلاء فيهم الفضلاء، وهؤلاء منهم السادة الأكفاء، ~~ولكن ما فائدة ذلك إن لم ينقل هؤلاء فضلهم وأهليتهم للشعب، لقد كان «بركليز» عظيما ~~ولكن أين مثار عظمته؟ وكان «أرستبد» عادلا، ولكن أين عدوى عدله؟! # كان يصيح بهذا النقد علنا؛ فأحفظ قلوب الحكام عليه، وطلبوا تقديمه للمحاكمة أربع ~~سنوات؛ أي بعدما عادت الديمقراطية وانتظمت دوائر المحاكمة من جديد، وكان في مقدوره أن ~~يهرب، وأن ينفي نفسه بنفسه، ولكنه انتظر المحاكمة هادئا، وكانت أسباب المحاكمة هي: ~~(1) # إفساد ديانة اليونانيين. ~~(2) # إفساد أخلاق الشباب. ~~(3) # أنه مسئول عن هرب «السبياديس» إلى صفوف الاسبارطيين مما أدى إلى هزيمة ~~أثينا. ~~(4) # أن كل ما جاء في مسرحية «أرستوفان» حقيقي وينطبق عليه، وأنها لم تكن مجرد ~~سخرية، ومعنى هذا أنه كان صاحب مدرسة يتقاضى منها أجرا، وأنه اخترع دينا ~~جديدا مبنيا على الهواء والأشباح # ghosts # وعلى تقاليع أخرى منها أنه اخترع آلة يتماوج بها ~~فكره خوفا من التصاقه بالأرض. # لم يحاول سقراط في دفاعه أن يبرئ نفسه، وقد كان في مقدوره أن يشيد بتاريخه العسكري، ~~ولكنه حاجهم فيما يتعلق بالدين وأحرجهم حتى لم يستطيعوا الكلام، ثم أقنعهم بأنه ليس ~~له مدرسة ولم يتناول أجرا ما، وبعد ذلك أفاض في وصف المعجزة وآثارها وانتهى إلى شرح ~~رسالته، وأخيرا قال: «إن الفلسفة بحث عن الحقيقة، ولكن هذا البحث أثناء الحياة يرى من ~~خلال ثقوب، أما بعد الموت فهو يستكمله بلا ستار وحجاب»، وبعد ذلك أخذ يمتدح الموت كباب ~~من أبواب الخلاص والمعرفة الحقيقية. # وكان المحكمون خمسمائة وحكموا عليه بالإعدام بأغلبية قليلة. # ولدواع مقدسة، تأجل التنفيذ شهرا، فأخذ يقضيه في تعليم أصدقائه وتلاميذه حتى اليوم ~~الأخير؛ وحتى في صباح ذلك اليوم أخذ يحدثهم عن عظمة الموت، فلما حان ميعاد التنفيذ قدم ~~له السجان الكأس وهو يبكي، فقال للسجان: لماذا تبكي؟ إنك ms18 تأخذ جسدي فقط. # وأخذ محبوه يبكون، فزجرهم، وتناول الكأس سرورا راضيا ، ثم وسد نفسه، ومات بهدوء ~~تام. ~~••• # إن ساعة مع «أفلاطون» العظيم، أقل من أن تطلعنا على جزء من ألف من تفكير ذلك الذهن ~~الجبار، والواقع أني لا أشبه في هذا الزمن القصير أكثر من سائح أو دليل أو مقدم مسارد ~~أتى أمام أفلاطون، أراني قبل موسوعة فخمة، وعظمة هذه الموسوعة قائمة في أنها أساس كل ~~تفكير حديث، فنحن نجد بها ما ننشده من الحديث عن الفن والأدب، وما نتطلبه من البحث في ~~نظم الحكم، وما نتخيله عن العالم الكامل، وما نريد أن نعرفه من أصول علم النفس، وما نود ~~أن نلم به من مناهج التعليم، وفي الحق إن الإنسان ليحار في كنه ذلك الفكر الجبار ~~الذي استوعب كل ذلك وفصله ذلك التفصيل الخارق المعجز، والمدهش أنه لم يكتب بأسلوب ~~فلسفي غامض أو قلق، بل كتب بأسلوب شعري واضح جميل، حتى إن الإنسان ما يكاد يبدأ القراءة ~~حتى يجد نفسه مسوقا إلى النهاية على الرغم منه، كأنه يقرأ رواية رائعة، ويكفي متعة أن ~~نعود إلى المحاورات من وقت لآخر، وأن نخوض في «الجمهورية» كما نخوض عباب يم زاخر، ~~يكفي هذان على الأقل ولا نتحدث عن الباقي من مؤلفاته. # على أن الذي يريد أن يقرأ «أفلاطون» عليه أن يلم بعصره، وأن يلم بحالة بلاده في ذلك ~~العصر من حيث الحكم والاقتصاد والحرب والسياسة، وعليه كذلك أن يلم بسيرته هو من حيث ~~إقامته وظعنه، ومن حيث أن بدأ تلميذا إلى أن انتهى معلما وفيلسوفا تام النضج. # نبدأ الآن بوصف صغير لليونان، في عهد «أفلاطون»، فقد ولد «أفلاطون» في أثينا ~~سنة 427ق.م، واليونان في الخريطة تشبه يد هيكل عظمي تمتد في البحر الأبيض المتوسط ~~وتشير إلى كيت، كأنما تشير إلى المنبع الذي سرت منه الحضارة إليها وإلى غيرها، إلى شرق ~~اليونان نجد آسيا الصغرى، وهي في تاريخنا الحاضر هادئة وادعة، ولكنها في عصر «أفلاطون» ~~كانت تموج بالفلسفة، وتزخر بمختلف ضروب النشاط الفكري والتجاري؛ ms19 وإلى الغرب نجد إيطاليا ~~وصقلية قد كانتا تابعتين لليونان وفيهما مدارس لامعة للفكر والثقافة والعلم، وإذا ~~اتجهنا إلى الشمال فثم مقدونيا وتساليا وأبيروس وقد كانت هذه الأبواب التي دخل منها ~~الهمج الذين عمروا اليونان، ومن مزاجهم العنيف القوي انحدرت إلى التاريخ عقول جبارة مثل ~~نهومير وبركليز وغيرهما. # كانت اليونان في عهد «أفلاطون» مكونة من مدن مستقلة تسمى الواحدة منها المدينة ~~الدولة، وساعد على استقلال كل منها ما يحيط بها من المرتفعات ويفصل بينها من الخلجان ~~ويحيط بها من التضاريس، فمذ كانت المواصلات بين المدينة والأخرى من الصعوبة بمكان، ~~استقلت كل منها بنفسها. ومن أشهر هذه المدن اسبارطة، التي كانت تنافس أثينا كما كانت ~~ألمانيا تنافس إنجلترا في العصر الحاضر، ولقد كانت اسبارطة قوية في البر كما كانت أثينا ~~قوية في البحر، فكانتا تتحدان ضد العدو المهاجم، حتى إذا انصرف العدو، عادتا للتنافس ~~الحار، ولقد كشف «برتراند رسل» في كتابه عن الفلسفة الغربية سر المصدر الذي منه استقى ~~«أفلاطون» معلوماته عن المجتمع والحكم، فقد سرد «برتراند رسل» في كتابه المذكور تفاصيل ~~النظم والقوانين في اسبارطة، فإذا هي هي تعليم «أفلاطون» مع تغيير قليل، غير أن أهل ~~اسبارطة كانوا يهدفون إلى بناء أجسام قوية جميلة رشيقة، حتى إنه كان يتحتم على البطل ~~إذا مات في الحرب أن يموت «برشاقة» أي يموت كما ينام، بلا أنين ولا دمامة ولا اضطراب، ~~أي يمهد قبره كما يمهد فراشه! ولكن «أفلاطون» عاب على المربين أن ينصرفوا هذا الانصراف ~~الكلي لتنشئة الأجسام، وأشار بأن يتجهوا إلى نواح أخرى سنفصلها فيما بعد. # على أنه في التنافس المذكور، كانت أثينا هي الغانمة، فإن ميناءها بيريه وأسطولها الذي ~~كان في الحرب محاربا وفي السلم تاجرا، جلبا إلى أثينا التجار من مختلف الملل والنحل، ~~وكان جوب البحار سببا في أن يدرس اليونانيون الفلك، كما كانت المبادلات التجارية سببا ~~في أن يدرسوا الأرقام الرياضية، وكان الرخاء سببا في توفير الوقت الذي هو العنصر الأول ~~في البحث والاختراع والتفكير الحر، فأخذ الإنسان يفكر ms20 في طرق طبيعية يفسر بها الحوادث ~~الكونية، وانصرف عن تفسيرها بواسطة الخرافة والسحر، فمن ثم بدأت الفلسفة، على أن ~~الفلسفة بدأت طبيعية؛ أي بدأت تتفهم «طبيعة الأشياء» وقد انتهى ذلك العهد بالفيلسوف ~~«ديمقريطس» الذي كان يعتقد أن الكون «ذرات وفراغ»، وكان من مؤيديه «أبيقور» ثم ~~«لوكريتس» في قصيدته الخالدة. غير أن مجيء السوفسطائيين بدل اتجاه ذلك التيار؛ فإن ~~هؤلاء نقلوا التفكير من محيط الأشياء إلى محيط الإنسان، ومهما يوجه إليهم من النقد من ~~حيث اعتمادهم على البيان المدوي واللفظ المزخرف المجلجل، فقد ظهر من بينهم رجال ذوو عمق ~~وفهم وأصالة مثل «بروتاجوراس» و«هيبياس»، على أن السفسطائيين هم الذين ابتدعوا طريقة ~~الحوار والجدل والتساؤل، وقد كانوا شجعانا، يقفون مدافعين عن آرائهم مهما كان وراء هذا ~~الدفاع من المسئولية والخطر. وكانت آراؤهم السياسية تنقسم إلى فريقين، فمنهم من كان - ~~مثل «روسو» فيما بعد - يدعو إلى الرجوع إلى الطبيعة على زعم أن الناس يتساوون دائما ~~أمام الطبيعة، والفريق الثاني - مثل «نيتشه» فيما بعد - يدعو إلى القوة، ويقول: إن ~~القوانين إنما أرادها الضعيف لتحد من مطامع القوي، مع أن القوة هي كل شيء. # فلما ظهر «سقراط» سار على طريقة السوفسطائيين، غير أنه أول من دعا نفسه بالفيلسوف، أي ~~عاشق الحكمة، بخلاف كلمة سوفسطائي التي معناها «غارق في الحكمة»، وكان يقول عن نفسه: ~~«إني على يقين من شيء واحد هو أني لا أعرف شيئا ...» ويشبه في العصر الحديث فيلسوفا ~~كبيرا - «برناردشو» على الأرجح - في قوله: «في الأربعين اكتشفت اكتشافا هاما: ~~اكتشفت علمي بجهلي.» # إن «سقراط» كان يدعي الجهل عمدا لكي يصل إلى الحقيقة، وقد كان صارما عنيفا في ~~الوسيلة التي تصل به إليها، يتضح ذلك من محاورات «أفلاطون»، فقد كان يعتصر محاوره في ~~الجذل اعتصارا حتى يجعله يثور ويجبن، على أنه لا يلبث أن يهدأ حين يقوده «سقراط» بيده ~~إلى الطريق الذي يكشف له الحقيقة. # وقد كان «سقراط» كذلك عنيفا في آرائه السياسية، فقد كان لا يؤمن بالديمقراطية، إذ ~~كان يعتقد أن الذكاء هو الذي ms21 يجب أن يحكم، وله رأي في الديمقراطية عجيب، هو أن الجماهير ~~أبواق نحاسية تظل تدوي حتى يأتي من يسكتها بيده، ولا ندري أكان «سقراط» يتنبأ بما ~~ستصنعه الديمقراطية يوما من الأيام، هل كان يدري أنه على يديها سيتناول كأس السم ذات ~~يوم؟ # على أن ديمقراطية أثينا كانت تامة بقدر ما كانت شاذة خرقاء، فقد كان عدد سكان أثينا ~~300000 منهم 20000 عبيد والباقي أحرار، يؤخذ صوتهم جميعا فيما يهم الدولة من ~~الشئون. # على أن الديمقراطية أسلمت زمامها فيما بعد إلى أوليجارشية - أي جماعة من الأثرياء - ~~يحكمون أثينا، ولكن الحرب بين أثينا واسبارطة أدت إلى نفي هؤلاء، وعلى رأسهم «كريتياس» ~~عم «أفلاطون»، ولكنهم صدر عنهم عفو فما لبثوا أن عادوا من المنفى وأعلنوا الثورة على ~~الديمقراطية، غير أنهم هزموا وقتل «كريتياس» وقبض على «سقراط» بتهمة أنه أفسد أخلاق ~~الجيل، ونشر الكفر والزندقة، بينما السبب الحقيقي المستتر وراء كل هذا، هو مبدؤه ~~السياسي، وتندره بالديمقراطية، وخلاصته كل ما سبق، وأهميته من حيث موضوعنا أن «كريتياس» ~~عم «أفلاطون»، و«سقراط» أستاذه. # كان لقاء «أفلاطون» بسقراط شيئا هاما جدا في حياته؛ فلقد ولد أفلاطون في الثراء ~~والمجد والنعمة والسعة، وكان رياضيا أوتي بسطة في الجسم ووسامة في الوجه، وحتى اسمه Plato # معناه «عريض الألواح» ومن الواضح أنه ليس من ~~السهل أن ينشأ الفلاسفة من هذا الوسط، ولكن التلميذ ما لبث أن تأثر بأستاذه، حتى لقد ~~قال: «أحمد الله على أني ولدت إغريقيا، وولدت حرا غير عبد، ورجلا لا امرأة، وأني ~~ولدت في عصر سقراط.» # كان «أفلاطون» في الثامنة والعشرين حين مات أستاذه، ولعل موت أستاذه بالسم، بعد ~~المحاكمة الشهيرة ملأه حقدا على الجماهير حتى أساء الظن بهم، وفكر في طريقة جديدة ~~لتهذيبهم، وأخذت الفكرة تتطور حتى صارت مشغلة حياته. ومما يذكر أن أفلاطون صنع ما ~~يستطاع لكي ينقذ «سقراط» فلم يستطع، وعرض نفسه للشبهات والتهم والأقاويل، فنصحه أصدقاؤه ~~بالهرب، فأخذ يستعد للرحيل والتجوال فرحل إلى مصر سنة 399 قبل الميلاد، ففوجئ بما رآه ~~وشاهده بمصر ms22 مما لم يكن يتوقعه، إذ قال له الكهنة المصريون: إن اليونان مدينة طفلة لا ~~عراقة لها في التقاليد والثقافة، ولقد راعته مصر بسبقها في العلم وإتقان الزراعة، وبقي ~~هذا في ذهنه حتى رسم صورة للمدينة الفاضلة، ولقد رحل عن مصر كأنما صدم في غروره، فقصد ~~صقلية فألفى هناك أتباع «فيثاغورث» الذين كأنما وجدوا أمامه ليتموا صورة المدينة ~~الفاضلة في ذهنه، فقد ألفى نفرا من الحكماء الزاهدين الفلاسفة، قد انقطعوا للتفكير ~~والفلسفة والحكم، ثم لبث اثني عشر عاما بعد ذلك يضرب في الآفاق من بلد إلى بلد حتى لقد ~~ذكر بعض المؤلفين أنه وصل إلى حدود الهند، ثم عاد إلى أثينا 387ق.م وعمره إذ ذاك أربعون ~~سنة، وقد أنضجه السفر وهذبه التجوال وثقفه، فاختلط عنده العلم بالفلسفة بالحكمة بالشعر ~~في امتزاج عجيب، ولقد اتخذ لنفسه أسلوبا في التعليم والكتابة اجتمع فيه الجمال بالصدق، ~~والدقة بالبيان الناصع، والواقع أن الصعوبة في فهم أفلاطون ترجع أحيانا إلى ذلك ~~الأسلوب الشعري الذي تخلله السخرية أحيانا، فإن الإنسان حينما يقرؤه يحار أهو يجد أو ~~يمزح! وأحيانا يجد الإنسان نفسه سابحا في جو غامض لذيذ يحمله على جناحين مسحورين ~~يلهيانه عن التساؤل عن معنى كل ذلك. # والعجيب أن «أفلاطون» يجمع في أسلوبه المتناقضات التي عابها على الآخرين؛ فهو لا يحب ~~الشعراء، ومع ذلك له أسلوب الشاعر، وهو لا يحب الكهنة والوعاظ، ومع ذلك فهو يعظ، ويدعو ~~إلى الدين في أكثر من موضع، وينعي على السفسطائيين بيانهم وثرثرتهم وهو لم يخل من ~~الثرثرة والاسترسال في البيان المجلجل في أكثر من موضع واحد. # على أنه مهما يكن من ذلك فإن «أفلاطون الفلسفة والفلسفة أفلاطون» كما قال ~~«أمرسون». # هذه هي النواحي التي تتناولها فلسفته، ولن نتصدى لها بأكثر من إلمامة خاطفة، فإني كما ~~قلت سابقا: لست في هذا الخضم المتلاطم أكثر من سائح أو دليل. ~~(1) # نظرية المثل. ~~(2) # النظرية الأخلاقية. ~~(3) # النظرية السيكولوجية. ~~(4) # النظرية التربوية. # نظرية المثل أو الصور # forme # نظرية رائعة حقا؛ فهي ~~تبدأ من المنطق البسيط حتى تصل في ms23 تطبيقها إلى أكثر نواحي الحياة تعقيدا وغموضا، وقد ~~بدأها أفلاطون بالتفكير في طبيعة الأشياء العادية المألوفة، مائدة مثلا: المائدة شيء ~~له صفات؛ حجم، صلابة، لون، فإذا تناولنا هذه الصفات وجدناها نسبية محضة؛ أي إنها ليست ~~لها حقائق مطلقة، إنها صفات تتوقف على العلاقة بينها وبين أشياء أخرى؛ فالحجم مثلا ~~يتوقف على المسافة التي بين الشيء والمشاهد له، واللون يتوقف على الضوء المتساقط ولونه، ~~والصلابة تتوقف على قبضة الضارب وكنهه، فالمائدة صلبة بالنسبة لليد البشرية ولكن ليست ~~صلبة لمطرقة حديدية، على أن هذه الصفات لمادة ما، فإذا كانت هذه الصفات وهمية فلنجرب ~~تجريد المادة من هذه الصفات، ماذا يبقى؟ لا شيء؛ لأنه لا يمكن تصور مادة بغير صفات. ~~ولكن ما حكم علم الطبيعة الذي يقوم كله على «الأشياء» الواقع أننا في هذا العلم كغيره ~~إنما نتناول نسبا وعلاقات، ولكنا لا نعرف كنه الأشياء بالذات، فإذا كان الشيء مجهول ~~الكنه والصفة وهمية؛ أي إن الأبيض مثلا وهمي، فلننظر في صفة «البياض» لنرى هل هذه ~~أيضا وهمية. هذه الصفة مشتركة في اللبن والقشدة وملاءة الفراش، وليس اللبن هو ملاءة ~~الفراش، معنى ذلك أن هذه الصفة خارجة عن كنه الشيء بالذات، فهل يمكن أن يكون البياض صفة ~~ذهنية نصطنعها لأنفسنا؟ أفلاطون يقول: إن هذا مستحيل، وإلا فإذا «فقد الإنسان وعيه فقد ~~البياض صفته! وإذا كانت المسألة صفة ذهنية، يكون لكل ذهن بياضه الخاص، وهذا ~~مستحيل.» # النتيجة أن البياض صفة يعرفها العقل حين يراها؛ أي إنها صفة أولية مشتركة إذا رآها ~~العقل البشري عرفها كأنما يتذكرها؛ أي إن هناك «شكلا» أو مثلا أزليا أبيض هو الذي ~~يعطي للأشياء صفة البياض إذا حل بها. إذن فلكل صفة ناقصة لدينا صفة كاملة هي صفتها ~~الحقيقية التامة، فإننا لا نتخيل شيئا ساخنا مثلا إلا وجد ما هو أسخن منه. وحتى ~~المثلث الذي نعرفه لا يكون إلا صورة ناقصة لمثلث كامل، فإن المثلث الذي نعرفه ليس ~~مثلثا حقيقيا؛ لأن خطوطه في الواقع لها طول وعرض ثم إن هذه الخطوط ms24 ليست مستقيمة ~~تماما. وبناءا على ذلك هذه الصور أو المثل باقية خالدة، وما لدينا نحن غير ظلال لعالم ~~آخر هو الباقي الدائم السرمدي الذي لا يمحى. # الآن، هل يمكن تطبيق هذه النظرية على الفن؟ # ما هو الذي يجعلنا نحب الشعر ونطرب للموسيقى؟ # لا شك أن الطرب والإعجاب أساسهما صورة أزلية مشتركة اسمها «الجمال»، وهنا نقف لنتساءل ~~هل وظيفة هذه الصفة الثابتة المشتركة أن تخلع على نفسها الأشياء فحسب، بل هناك وظيفة هي ~~أن يعرف الناس أن العالم ظلال وأشباح، وأن هناك حقيقة كبرى كاملة، وأن الناس يجب أن ~~يؤمنوا بها ويتطلعوا إليها ويعملوا على الوصول إليها. نصل إلى نقطة هامة في طبيعة ~~الفنان، فالفنان هو الذي يرى الجمال في صورته الأزلية الحقيقية، وعليه بعد ذلك أن يجلوه ~~للناس أو بعبارة أخرى: يجسم الصورة، فالجمال إذن غرض الفنان من حيث إنه موضع رؤيته، ~~وغرض العمل الفني لأنه يرمي إلى تجسيد الجمال، وغرض النظارة لأنهم يتطلعون عن سبيله إلى ~~القيم العليا الخالدة، والفنان بالطبع يستعمل المادة الخام ليجسم بها الصورة، أما من ~~جهة التمثيل فإن النظارة هم الأشباح والممثل هو الذي تتجلى الحقيقة الفنية على ~~لسانه. # والآن هل يمكن تطبيق نظرية المثل على الأخلاق؟ إن أفلاطون يقول: إن الحقيقة التي لا ~~نعثر عليها في الأشياء، نعثر عليها في عالمين: عالم المنطق والرياضة، ثم عالم الأخلاق، ~~ففي العالم الأول هناك حقائق ثابتة يمكن الاطمئنان إليها، فمثلا الكل أكبر من الجزء، ~~و أ # 2 ~~− ب # 2 ~~= (أ + ب) (أ − ~~ب) هذه حقائق ثابتة لا جدال فيها، أما في عالم الأخلاق فإن هناك إيمانا لا يرقى إليه ~~الشك في جميع النفوس بلا استثناء، أن الخير أحسن من الشر، وأن العدل أحسن من الظلم، إن ~~هذه المثل الإنسانية إنما هي ظلال لمثل عليا. # هذه المثل الثابتة - هذه النماذج - يتوسطها الخبر كملك نوراني متوج، وبناء على ذلك ~~يكون الخير عند «أفلاطون» موضوعيا؛ أي تابع لخير خارجي. ولكن السؤال المحير هو هذا: ~~كيف تقول: إننا نعرف صورة الخير ms25 لأنها أزلية في نفوسنا، ومع ذلك تقول: إن الخير خارجي؟ ~~وبعبارة أخرى: كيف تجثم الحقيقة الكبرى في أعماقنا ثم تبدو في ظلال ناقصة، وكيف لا تؤدي ~~الرحمة الثابتة المتأصلة في نفوسنا إلا إلى عالم مشوه معطوب حافل بالقسوة ~~والشرور؟ # لم يجب أفلاطون على هذا السؤال، ولن يجيب أحد. # ننتقل الآن إلى سيكولوجية أفلاطون. # يقول «أفلاطون»: إن السلوك الإنساني ينبع من ثلاثة ينابيع: الرغبة والعاطفة والمعرفة، ~~والرغبة والشهوة والدافع والغريزة شيء واحد، والعاطفة والطموح والشجاعة شيء واحد، ~~والمعرفة والفكر والذكاء والتعقل شيء واحد، والرغبة مركزها بين الفخذين، وهي قدر ~~يغلي من الطاقة البشرية، وأكثرها جنسي، أما الانفعال فمركزه القلب، وأما المعرفة ~~فمركزها الدماغ، وهذه الينابيع مشتركة في الرجال جميعا ولكنها تختلف قوة، ولكي يتم أي ~~عمل منظم يجب أن تتحد المنابع الثلاثة بانسجام، وما يقال عن الأشخاص يقال عن الدول، ~~فالدولة الكاملة هي التي تتسق بها القوى الثلاثة على شرط أن يكون العقل قائدها. # وإن الاختلال يحدث حين تختلط الأمور ويوضع الشيء في غير مكانه، فيحل الاقتصادي مكان ~~الجندي، والجندي محل الفيلسوف، والإنسان يتسم بالعدل حين تنسجم في نفسه القوى الثلاثة ~~على أن تخضع للعقل، والعدل الفردي هو ذلك الانسجام الناشئ من جمال الروح، والعدل ~~الاجتماعي هو الأثر الظاهر من انسجام قوى الدولة وحلول كل قوة مكانها الطبيعي. # وهنا نعجب لأن «أفلاطون» تكلم عن «غول الشهوة» الذي تكلم عنه «فرويد» غير أنه يضيف أن ~~هذا الغول يطغى بالإفراط في المأكل والمشرب والملذات، وقد يؤدي ذلك إلى جريمة جنسية ~~كعشق الوالدين مثلا «مركب أوديب!» ويقول «أفلاطون»: إن هذا الغول فينا جميعا غير أن ~~بعضنا يعطيه القياد، وبعضنا يحول قوته الطاغية إلى قوة منظمة خيرة. ويعتقد أفلاطون ~~أن الموسيقى تنيم هذا الطاغية، وقد ضرب مثلا بقسيس كان يعالج المصابات بالهستريا ~~بواسطة الموسيقى. # ثم ينقلنا نقلة غريبة حين يطبق هذه الآراء على التعليم فيقول: إنه يجب على ~~الجميع أن يتعلموا بلا استثناء، ويكون تعليمهم رياضيا لتكوين أجسامهم، ومصحوبا ~~بالموسيقى، ويشترط أن لا يكرهوا على ms26 العلم إكراها، بل يتناولونه مخففا بالموسيقى، ~~وهو يعتقد جازما بأن هذا المزيج من الرياضة والحرية في الشباب يؤدي إلى الوقاية من ~~الأمراض في المستقبل ويغني عن الطب والأطباء. # ثم يشير إلى أهمية الدين في التعليم، قائلا إنه عند سن العشرين يقترح «فرزا» عاما ~~بحيث يوجه كل لما يصلح له، وقد يعترض المعترضون ويثورون، فإذا آمنوا عن طريق ~~التدين أن هذه إرادة الله، وأنه هكذا شاء أن يوزع المواهب، رضوا بقسمتهم، ومضوا كل ~~في سبيله، ليعمل لصالح أمته في الطريق الذي رسم له. # هذه ساعة مع «أفلاطون»، وأعتقد أني ظلمته وظلمت فلسفته لأني لم أقل شيئا. # | رسالة الحضارة # قبل أن نتحدث عن رسالة الحضارة يحسن أن نعين معنى الحضارة، ثم نتحدث عن نشوئها ثم عن ~~الحضارات التي التمعت في التاريخ ثم انطفأت، عن أسباب انهيار تلك الحضارات، وأخيرا مميزات ~~الحضارة الحالية وعن التصدع الذي في بنائها، وأخيرا هل هناك أمل في رأب ذلك الصدع؟ # أما عن معنى الحضارة فمن الطريف أنه جرى حوار بين الفيلسوف الكبير «جود» وابنته المثقفة ~~عن معنى الحضارة، وهذا الحوار يجوز أن يجري بين أي اثنين من المثقفين؛ ويجوز أن يحدث هذا من ~~الإبهام في معنى الحضارة لأي مثقف كما حدث لابنة الفيلسوف، ولذلك سأوجز هذا الحوار اللطيف ~~قبل أن أسترسل في البحث. # أنا ~~: # أريد أن أعرف الحضارة، فما هو التعريف الذي لديك. # ابنتي ~~: # أظن أن الحضارة هي الملابس الجميلة وركوب السيارات والحوانيت القريبة نبتاع منها ~~ما نشاء. # أنا ~~: # نعم، ولكنك تعلمين أن الأطفال يلبسون الملابس الجميلة؛ وأن خادمتنا تركب السيارات ~~العامة وتبتاع الأشياء من الحوانيت، فهل تريدين أن تقولي أن الأطفال متحضرون وأن ~~خادمتنا متحضرة؟ # ابنتي ~~: # لا، لست أظنهم كذلك، وإنما هناك أسباب أخرى تجعلهم متحضرين إذا شاءوا؛ كالآلات ~~والقطر الحديدية والإذاعة والمسرة والسينما. # أنا ~~: # لا أوافق على هذا؛ فإن كلمة المتحضر في معناها ما يشرف، فهل في الذي ذكرت شيء ~~مشرف؟ اذكري لي مثلا لإنسان متحضر يشرفك ويشرف الدنيا ذكره. # ابنتي ~~: ~~«بتهوفن»، «شكسبير»، «رافاييل». # أنا ms27 ~~: # هذا بديع، كدنا نصل. تعنين أن الأشياء الجميلة كالموسيقى والشعر والتصوير من ~~مميزات الحضارة؟ # ابنتي ~~: # نعم ، كل شيء جميل من مميزات الحضارة. # أنا ~~: # الحلوى، القصور الجميلة، الأشياء الجميلة التي نحصل عليها بالمال والجاه ~~والسلطان. # ابنتي ~~: # كلا كلا. # أنا ~~: # تعنين أن هذا اللون من الجمال شيء مادي يشتهى فينال فيمل؟ وتنشدين ~~جمالا لا تسأمه النفس ولا يتغير معناه على الزمن. # ابنتي ~~: # نعم هذا ما أعني، وأريد أن أذكر شيئا آخر له صلة بالحضارة، الآلات، وإن لم يكن ~~لها أي جمال. # أنا ~~: # الآلات نفسها لا تهم، وإنما الاختراع بالذات هو الذي يهم - معنى الاختراع - جمال ~~الفكر الإنساني وعظمته، روعة ذلك الشيء الذي يجيء بالجديد المخالف. # ابنتي ~~: # ولم كان التفكير الجديد دالا على الحضارة؟ # أنا ~~: # التفكير الجديد معناه التفكير الحر. # ابنتي ~~: # وماذا يمنع الناس من التفكير الحر؟ # أنا ~~: # أن لا يكون آمنا على نفسه؛ لأن مخالفة العرف معناها التعرض للعقاب، ~~فالتفكير الحر معناه وجود الأمن، ومعناه كذلك الوقت الكافي للابتكار والتجديد، ~~ومعناهما معا أن الإنسان لم يعد عبدا للرزق؛ أي إن الرزق لم يعد همه الأول وشغله ~~الشاغل، فلدى الإنسان وقت يقضيه في غير التفكير في الطعام والكساء؛ أي إن الأمن ~~والفراغ من مميزات الحضارة؛ لأنهما يعينان على التفكير الحر الجديد، وكل شيء يوفر ~~للناس هذا الضرب من التفكير يساعد على قيام الحضارة، من هنا صلة الآلة بالحضارة؛ ~~لأنها توفر للناس الوقت فينصرفون للتفكير، وكذلك طاعة القانون تضمن وجود الأمن، ~~وبالتالي تضمن أن يكون الناس أخيارا ولو مكرهين، وبذلك يصيرون اجتماعيين وتتحسن ~~الصلات بينهم، هذه هي أعمدة الحضارة صنع الأشياء الجميلة، وهذا هو الفن، والتفكير ~~الحر الخالق؛ أي العلم والفلسفة، وطاعة القوانين، وهذا ما يسمى العدالة السياسية ~~والاقتصادية، وأخيرا وجود الأمن والفراغ وحسن الصلات الاجتماعية. # هذا هو الحوار الممتع الذي جرى بين «جود» وابنته، وهو مقدمة بليغة للمناقشة في موضوع ~~الحضارة. # يبدو من هذا جليا أن من ذكرهم التاريخ في كتبه وأفرد لهم الفصول الطوال، ك «إسكندر ~~الأكبر» و«هانيبال» و«نابليون» هم الذين يجب ms28 أن نخرجهم من كتاب الحضارة؛ لأنهم هم الذين ~~أخروا العالم ومشوا به القهقرى، بينما نجد أن هناك قلة من البشر، نشئوا أفذاذا وعاشوا ~~أفذاذا، هم الذين أقاموا بناء الحضارة على أكتافهم، فلو أني خيرت في كتابة التاريخ من ~~جديد لمررت بهؤلاء الغزاة مرا، ولملأت كتابي بالحديث عن «كونفوشيوس» و«محمد» و«عيسى» ~~و«سقراط» و«أفلاطون» و«بيكون» و«كوبر نيكوس» و«جاليليو» و«وات» و«نيوتن»، أولئك الذين بنوا ~~الحضارة على دعامتين؛ الأولى: الخير وحسن الجوار وطيب الصلات. والثانية: تحرير الفكر وكسر ~~الأغلال التي تكبل التفكير. # أعني تحرير النفس من عبودية الأنانية وتحرر الفكر من عبودية الجمود، أين مكاننا اليوم من ~~هذا؟ إننا كأفراد صرنا نطيع القانون، ونحترم الجوار، ونقدم على قليل للمساعدة للغير، ~~ولكننا كأمم لا نزال ندين بشريعة الحرب ونخضع لقوانين القوة ونتربص للجار ونقيم الحواجز ~~وندبر الخطط؛ أي إن عقل الفرد أخذ يتحرر ببطء، ولكن عقول الساسة لا تزال تتخبط في ظلمات ~~البدائية الأولى. # على أننا إذا فرضنا أن تاريخ الكائنات 100 عام، فإن تاريخ الإنسان شهر، والإنسان المتحضر ~~سبع ساعات؛ أي إننا لا نزال في حواشي الفجر! # لقد ذكرت دعامات الحضارة وقلت: إنها الجمال في صور فنية وإنها الأمن والفراغ والعدالة ~~الاجتماعية «سياسية واقتصادية»، والصلات الاجتماعية القائمة على الخير والإيثار. # غير أن هذا كله يمكن أن يوجز في عمودين: صلات الخير، وصلات الفكر المتحرر. الأول أقامه ~~المصلحون الدينيون والفلاسفة. والثاني أقامه العلماء. # والواقع أنه ليس بين هذين الفريقين من حدود؛ فإن الفلاسفة فكروا تفكيرا نظريا حرا، ~~والعلماء فكروا تفكيرا عمليا حرا. # الأولون وسعوا نطاق النفس، فأطلعوا الناس على ما كان خافيا من مواطن الجمال، ومن ثم نشأت ~~الفنون، أما العلماء فطبقوا العلم عمليا، متحررين من القيود معرضين أنفسهم لكل أنواع ~~الاضطهاد والسجن والتشريد، ولكنهم أفلحوا في خلق العصر الصناعي - أي العصر الآلي - فبلغنا ~~ما قد بلغناه اليوم ووفر لنا من الوقت ما به نعلم من جديد ونبتكر من جديد. # ولنعد لحظة أخرى إلى التعاليم الدينية، فهي من بدئها لختامها تدعو لنفس المبادئ، كانت ~~تدعو ms29 الناس لترك الأثرة والتمسك بالإيثار، كانت تدعوهم للعمل على ما هو أوسع من محيط النفس ~~وأعلى من مستويات رغباتها، ولكن نسيان النفس في سبيل غرض أسمى من النفس، الذي هو الطريق ~~للحضارة والسعادة، هو الشيء المستحيل الذي لم تستطعه الإنسانية في محاولاتها ~~المتعددة. # هذا النسيان، أو بالأصح هذا التخلي بعد الإخفاق في محاولات عديدة هو السبب الأول في خوفنا ~~على الحضارة، فإن المادة وحدها لن تدعم بناءها. # إن «جود» يسمي حضارة المادة، حضارة الحلوى، وهو تعريف قيم، ويعني بذلك أن حضارة المادة ~~حضارة ترف قائمة على ما هو مستساغ كالحلوى، ولكنه مأكول زائل كالظل الجميل. ومن الواجب هنا ~~أن نذكر أن المصريين هم الذين أقاموا الحضارة على دعامتين: الفن والحكومة الصالحة، ولا شك ~~أن الذين أقاموا تلك التماثيل الجميلة الرائعة كانت نفوسهم جميلة جمال تلك التماثيل مشرقة ~~إشراق تلك الفنون، وقد يكون ذلك ناشئا من أنهم بدءوا عهدا جديدا في التاريخ، عهدا توفر ~~لهم فيه رغد العيش والأمن معا فأنتجوا ما أنتجوا، وأبدعوا ما أبدعوا، ولا شك أن هذا ~~الإبداع مقرون باختراع الكتابة، فمما هو معروف أن المصريين هم الذين اخترعوا الكتابة، ولما ~~كانت الحضارة لا تتم إلا بالانتقال من ممدن لمتمدين؛ أي من قلة إلى كثرة، فإن انتقال الآثار ~~الذهنية عن هذا الطريق - طريق الكتابة - كان السبب في قيام الحضارة أولا، واستمرارها ~~أخيرا. # ولا بد أن نذكر هنا فضل العقل اليوناني على الحضارة، فإنه هو الذي حارب الخرافة وتحلل ~~من قيود الماضي، وألقى نظرة شاملة على الإنسان والوجود، وبحث في كيفية الخلق وطبيعة الخالق، ~~ثم حقق في ماهية الروح، والعقل اليوناني أول من أثار الحوار واستعمل الجدل، وأول من نقل ~~الفلسفة من بروجها العاجية إلى الطرق والأسواق والأماكن العامة. ثم إن العقل اليوناني أول ~~من ناقش أنظمة الحكم المتعددة، واستقر على أن الديمقراطية أحسنها مهما يكن بها من ~~عيوب. # لماذا انهارت هاتان الحضارتان؟ # ليست هناك حضارة تستطيع البقاء إذا احتفظت بالحضارة بين ربوعها هي فقط، كيف تعتصم الواحة، ~~وأين ms30 تختبئ من رمال الصحراء حولها إذا ثارت عاصفة؟ هذا بالضبط ما حدث للحضارات القديمة التي ~~طمست، فإن الهمج أغاروا على اليونان، والهكسوس أغاروا على مصر، معنى ذلك أن الذين يتمتعون ~~بنعمة الحضارة لا يجب أن تحبسهم أنانيتهم ضمن جدران ضيقة، بل عليهم أن يكونوا بدورهم ~~ممدنين للعالم. # والآن، لماذا يساورنا الخوف على حضارتنا الحالية؟ # إن حضارتنا الحالية يجب أن تستند دعائمها المتنوعة على العدالة الاجتماعية، وهي نوعان: ~~عدالة سياسية يضمنها القانون، وعدالة اقتصادية معناها حسن توزيع الأقوات. # لقد أصبح الناس اليوم متساوين أمام القانون، وصار لهم في كثير من البلاد صوت مسموع في ~~نظام الحكم الذي يخضعون له وفي اختيار حكامهم، ولكن توزيع الأقوات لا يزال ينطوي على كثير ~~من الظلم، فالجزء الأكبر من الثروة التي تحصل عليها الأمة في كل عام يذهب إلى جيوب أقلية ~~ضئيلة من الأفراد، في حين أن الكثرة الغالبة لا تحصل إلا على القليل الذي لا يغني، فهؤلاء ~~يكدحون ليل نهار في سبيل الرزق، حتى إن هذا الكدح لا يدع لهم وقتا للتعلم ولا يدع لهم ~~مجالا للمحافظة على صحتهم، ولا يتيح لهم فرصة للإنتاج الفني. فإذا انصرف البؤساء منهم إلى ~~إنتاج فني فهو إنتاج مبتور ناقص حادث تحت إلحاح الحاجة وضرورات الفقر، ومؤثرات الخوف ~~والفزع، ولا شك أن الحضارة منهارة طالما فيها تلك الصدوع الظاهرة في أعمدتها. # والغالب أن الضيق الداخلي الحادث في أمة من الأمم من سوء التوزيع الاقتصادي يؤدي إلى ~~التنفيس الخارجي بواسطة الحرب، ويزيد هذا الميل خطورة أن العالم لم يعد وحدة متماسكة، فإن ~~الحواجز خفية وظاهرة قائمة قياما حقيقيا بين الأمم. # أما عن عقلية الحرب فمن الطرائف أن الملك «أمان الله خان» عندما زار إنجلترا، أطلعوه على ~~جميع الاستعدادات الحربية ولم يزر متحفا واحدا ولا استمع لشاعر واحد. # هذا الجيل جيل حرب واستعداد للحرب، ولم تغير الكوارث المتوالية عقول الساسة؛ لأن من ~~وراء عقولهم آلات التدمير، تلك الآلات التي اخترعها الإنسان ليصير بها سيد الطبيعة فصارت هي ~~سيدته، فنحن نقضي ms31 العمر في السهر عليها وتنميتها وتحسينها وتنميقها وتنظيفها، وجعلها ~~مستعدة؛ أي إننا نصرف عمرنا في استرضائها، وفي صنع آلات جديدة. # وللأسف إن ما توفره لنا الآلات لا يزيل البؤس والضنك؛ لأن توزيع الخيرات التي تنتجها ~~توزيع غير عادل، فيكثر عدد المتعطلين والفقراء. # إني متشائم كلما أرى عقول الساسة ترسف في القديم البالي، متشائم كلما أرى البؤس والتعطل ~~والفقر، متشائم كلما أرى كيف نسينا تعاليم المصلحين والرسل والحكماء، متشائم كلما أرى ~~أفكارنا صبيانية متحيزة، كلما أرى أن أكثرنا ثقلت عليه وطأة الحياة ومطالب العيش حتى فقد ~~الأمان، وفقد معه الراحة، وفقد التفكير في غير الرزق والمعاش، إني متشائم كلما لمحت هذه ~~الثقوب، ولكني أعود فأقول: إن رؤية العيوب والاعتراف بها ضمان لمداواتها. # إن المحاولات التي يقوم بها هنا وهناك نفر - وإن كانوا قلة - تنشر الضوء من خلال ~~الثقوب وتبشر بفجر جديد على كل حال. # | رسالة علم النفس أو الشخصية وتكوينها # لو سألت أكثر الناس وخاصة المثقفين منهم عن «الشخصية» لتضاربت الآراء تضاربا كبيرا، ومع ~~ذلك ما أكثر ما نسمع «فلان له شخصية» ونسمع كذلك أن الأسد «له شخصية مهابة»، ونسمع كذلك ~~«على الإنسان أن يعمل على تقوية شخصيته»، ونسمع كذلك من علماء التربية المحدثين أن الغرض من ~~التربية الحديثة «خلق الشخصية»، فإذا استمعت إلى هذا ثم أخذت تفكر فيه تبين لك أن الشخصية ~~أحيانا هي نوع من القوة والخيلاء، وأحيانا نوع من الخلق، وأحيانا نوع من الإرادة ~~الضاربة، وأحيانا شيء غير مفهوم يوحي بالمهابة والخضوع والاحترام. # والشخصية في الواقع ليست هذا ولا ذاك، ونحن نتحدث عنها حديثا سهلا لينا كما نتحدث عن ~~العبقرية، بدون أن تعرف ما هي؛ فليس للأسد شخصية، وليس للرجل العبوس شخصية، فقد كانت زوجة ~~«بسمارك» تقول: إنه رجل حديدي خارج بيته، وهو في داخل البيت هرة ضعيفة عجفاء. # إذن، ما هي؟ إذا اتبعنا الطريقة العلمية فأصوب الطرق أن نصعد درج المخلوقات من البسيط ~~للمعقد حتى نستطيع أن نعرف أن الخلية المفردة البسيطة لها من البساطة ما ينفي ms32 عنها صفة ~~الشخصية على أي صورة فهمناها، وكذلك في الحشرة البسيطة مهما حبتها الطبيعة من الجمال ~~والألوان، فلا بد إذن عند صعود درج التطور من مرحلة نقف عندها قائلين: «هنا شيء ~~جديد.» # إن الحياة من أولها إلى آخرها نداء واستجابة أو بعبارة أخرى: دوافع حيوية والرد عليها، ~~وهذه الدوافع الحيوية في الخلية البسيطة هي عناصر من غذاء واستنشاق وتناسل، فإذا جاعت ~~الخلية بحثت عن الغذاء، وإذا نضجت أخذت تتناسل. # فإذا تعقدت الحياة تعقدت دوافعها، معنى ذلك أن هذه العناصر البسيطة لم تعد تكفي للبقاء، ~~فإن الحياة أصبحت ميدانا للكفاح، فلا بد من أسلحة أخرى تعين على الصراع؛ لتضمن بقاء الفرد ~~والنوع معا. # هذه الأسلحة هي الغرائز، والفكرة العامة عن الغريزة مبهمة؛ فهي في عرف الكتاب تعني ~~الفطرة أحيانا، والعاطفة أحيانا. # ولكن التعريف الحقيقي هو أنها دافع حيوي وجد عندما تعقدت طرق الحياة وتنوعت وسائل ~~البقاء، ويمكن تعريفها إذن بأنها «عادة اجتماعية»؛ أي عادة يعتادها المخلوق ليكافح في سبيل ~~البقاء، وهي في الواقع نوع من الطاقة تستنفد في سبيل حفظ الفرد والنوع، وقد فصل منها علماء ~~النفس ما يقرب من العشرين، فأدى ذلك إلى خلط كبير؛ فقد مزج أكثرهم بين الغريزة والأثر الذي ~~يسبقها أو يدعو إليها، والنتيجة التي تنتهي إليها، فالخوف ليس غريزة، والحب ليس غريزة؛ ~~فالخوف انفعال يؤدي إلى الهرب الذي هو غريزة كالإعجاب وطلب الجنس الآخر ... إلخ. يتضح من ذلك ~~أن الغريزة دافع حيوي محض ليس فيه خير ولا شر، وهي في أبسط مظاهرها نداء واستجابة، ويمكن أن ~~نسمي هذا كما يسميه علماء الفيسيولوجيا «منعكسا # reflex ~~» ~~وأهميته في علم النفس أن مدرسة «السلوكيين # Behaviourists ~~» ~~تعد السلوك الإنساني أفعالا منعكسة مشروطة # Conditioned ~~. # معنى ذلك أن السلوك يستثار إذا وجد ما اعتاد استثارته، فإن الغذاء إذا اقترن برنة جرس ~~فإن اللعاب يسيل إيذانا بميعاد الطعام، فإذا رن الجرس بدون وجود الغذاء فإن اللعاب يسيل ~~على كل حال، وهؤلاء السلوكيون يقولون: إن الحيوان المعقد الجوانب ما هو إلا منعكسات معقدة ~~الجوانب. ms33 على أننا لا نستطيع أن نوافقهم على هذا؛ فإن المنعكسات في الحيوان آلية محضة، ولا ~~يمكن أن تكون المنعكسات البشرية من هذا الطراز. فيجيبون أن الاختلاف إنما وجد لأن الدروب ~~تشعبت والمسالك التوت، ولأنه صارت هناك موانع تقف في سبيل الآلية المحضة. # ولكننا نجيب أننا إذا صعدنا الدرج نحو الإنسان نجد أن هذه الموانع التي تشيرون إليها ~~إنسانية اجتماعية؛ أي إن المنعكس لم يعد بعد آليا؛ فقد صار شيئا عاقلا، وزيادة على ذلك ~~فقد صار شيئا مبنيا على «الشعور»؛ أي على إحساسنا بوجود آخرين غيرنا لهم ما لنا من حقوق ~~وواجبات. وزيادة في الشرح أقول: إن الحيوان حين يجوع يفترس، وحين تلوح له الأنثى يقتل في ~~سبيل الحصول عليها، أما نحن الذين نرتدي ثياب الآدمية فنحن نتمهل قبل أن نختطف اللقمة من فم ~~غيرنا، ونحن نستحي أن ننظر إلى زوجة الجار كأنها مجرد هدف للتناسل مهما بلغت قوة الجمال ~~عندها، وقوة العاطفة عندنا. # على أننا لا شك نرتد إلى الحيوانية في أحوال خاصة؛ كالحرب والغضب، فنفترس غيرنا في سبيل ~~اللقمة، وندوس حقوق الجار، ونصنع ما لا يحصى مما لا يليق. # وعلى كل حال، ما الذي حدث في سلم التطور حتى صار المنعكس الآلي منعكسا عاقلا ~~مدركا؟ # إن الإنسان لم يعد إنسانا إلا حين أخذ يعرف أن هناك «علاقة» بينه وبين غيره، وبينه وبين ~~المجتمع على العموم. # هذه «العلاقة» العاقلة الشاعرة المحسة المدركة هي فجر الشخصية. # فلا يمكن أن نتكلم عن «شخصية» إنسان لا يعاشر الناس. # ولا يمكن أن نتكلم عن شخصية إنسان يتفاعل بخاصية متغيرة من مجموع خصائصه. # فالإنسان ذو الشخصية إذن هو آدمي علاقته بالبشر ثابتة من حيث إنها تفاعل ثابت، أو غالب في ~~أكثر الأحوال. # ولقد أنكر علماء النفس عن شخص يقال إنه مرح وطيب، بل يقال مرح طيب، يفهم من ذلك أن ~~الخصائص التي تكون الشخصية هي وحدة متماسكة كالسبيكة. # ومن جهة أخرى نجد السبيكة في طرف، والوسط في الطرف الثاني، فأيهما أهم في تكوين ~~الشخصية؟ # فلننظر ms34 في محتويات الطرف الأول. # السبيكة الإنسانية: هذه السبيكة مكونة من عقل وعاطفة وخصائص موروثة وأمزجة، ولقد عرفنا من ~~أمر هذه السبيكة الكثير، ولكنه بقي الكثير أيضا، وهذا المحصول الكثير هو ما انحدر إلينا من ~~أسلافنا وما لا نملك من أمره خيارا؛ أي إننا لا حكم لنا عليه. فهل تستطيع باخرة نصف ~~بحارتها ظاهرون معروفون والنصف الثاني أشباح، أن تخوض في عباب الحياة سالمة؟ بعبارة أخرى: ~~هل يستطيع النصف المعلوم التماسك والقوة حتى يقود السفينة بصرف النظر عن الأشباح الأخرى ~~التي تعمل عملها في الظلام؟ لقد انصرف العلماء فريقين، فريق يقول بأن الوسط هو كل شيء، ~~وفريق آخر يقول: إننا نستطيع بالنصف المعلوم إذا سهر # 1 # على تكوينه وتنميته وتوحيد أهدافه أن نتغلب حتى على الوسط، وفريق - كالأستاذ ~~«برج» - يقول: «إن شعورنا بهذه الأشباح والمحتملات والخصائص الوراثية هو الذي يجب أن يجعلنا ~~نشعر بالنقص فنبغي الكمال.» ومن ثم كان تعريفه للشخصية أنها ذلك التعامل بين الوسط وبين ~~«إمكانيات وراثية # Hereditary Orentialits ~~»، يعني بذلك ~~أننا لا نرث شيئا محددا، وإنما ترث اتجاها وإمكانا واحتمالا. # فمن أجل تكوين الشخصية يكون من الأسلم أن نفترض وجود هذا الضعف قائما، على شرط أن لا ~~نعده مهانة بل حافزا، ولا تحسبه قيدا بل دافعا للثورة على القيد. # قد نكون مغالين إذا افترضنا هذه المجهولات والإمكانيات كأساس لبناء الشخصية، وقد يسألنا ~~عالم من علماء النفس: وأين أثر البنية؟ وأين أثر الغرائز؟ وأين أثر الغدد؟ وأين أثر ~~الهرمونات؟ وأين أثر العقل بخصائصه الثلاثة «الاطلاعية والتأثرية والتنفيذية»؟ وأين أثر ~~العقل بقسميه الواعي والباطن؟ فأجيب: وماذا نملك نحن من تكوين البيئة؟ وماذا نعلم نحن من ~~أمر الغدد والهرمونات إلا القليل؟ وماذا نعلم نحن عن حقيقة العقل؟ # أليست هذه كلها إمكانيات ومحتملات ومجهولات؟ إن الذي نستطيع أن نؤكده هو أن للجسم الصحيح ~~القوي أثرا في بناء الشخصية ولكن حتى هذا التأكيد معرض للنقد، فكم من أجسام هزيلة يكمن ~~خلفها شخصيات فذة جبارة! والذي نستطيع أن نؤكده عن الغرائز أننا نستطيع كبحها ms35 أو تحويلها ~~ولا نستطيع تغييرها ولا خنقها، والذي نستطيع أن نقوم به نحو خصائص العقل هو أن نجيد ~~استعمالها. # فالأسلم إذن أن نفترض أننا بين طرفين: احتمالات ووسط، أما الاحتمالات فهي اتجاهات علينا ~~تحديدها وتوحيدها وتبين معالمها، وأما الوسط فما يستطيع أكثر من أن يلون طبائعنا ويكسونا ~~بثيابه ويسبغ علينا ظلاله. # ولقد يكون من المفيد حقا أن نعترف بالنقص لنسير في طريق الكمال، لقد يكون من المفيد ~~حقا أن نعترف أننا نستطيع أن نجعل من اللاشيء شيئا ومن المجهول معلوما، ومن الأشباح ~~أجسادا، ومن الأسس المتناثرة بناء واضح المعالم، ولقد يكون من المفيد حقا أن نعترف أن ~~الصراع مكتوب علينا ونحن أجنة، فحتى أعضاؤنا الداخلية الكبرى تتقاتل في سبيل الاحتفاظ ~~بأمكنتها، والطفل معرض للزجر والنهي في كل آونة، وإننا لو أصغينا إلى أي نفس بشرية حتى ~~أكثرها هدوءا لأصغينا إلى صوت مدو، ولكن الفرق بين الشخصية واللاشخصية أن الصراع الداخلي ~~في الأولى يؤدي إلى نتيجة موحدة كمجاذيف المركب سواء بسواء قد تختلف اتجاها، ولكنها تتحد ~~اتجاها، وفي الحالة الثانية تتصارع أجزاء النفس معا صراعا يؤدي إلى تبعثر الأهداف وفشل ~~المساعي. # إن هذا الصراع موجه وجهتين، داخل النفس وخارجها، فعلينا مواجهة النفس، وثانيا مواجهة ~~الحياة، إن الذي لا يواجه نفسه يغشها أو يدللها أو يهرب منها، فإذا استطعنا أن نواجه أنفسنا ~~بصراحة قررنا قبولها بعيوبها ونقائصها، كما يرث الإنسان قطعة أرض ملتوية الدروب، كلها ~~أخاديد ومرتفعات ومنخفضات، فعليه وعلى المهندس معا أن يبنيا فوقها منزلا بطريقة تحجب هذه ~~العيوب وتخلق من القبح جمالا، ولا نشك أن قبول النفس يمحو الشعور بالنقص، وليس الشعور ~~بالنقص عيبا، بل العيب تغطيته بطرق غير لائقة، أو النظر إليه بجزع سرعان ما ينقلب حقدا ~~على العالم، أو التفنن في مداراته بطرق تكشفه وتجعله سخرية، ويمكن لكل إنسان أن يخلق من ~~نقصه شيئا نافعا، فالفضولي يستطيع أن يكون مخبرا ماهرا، ومحب العزلة يستطيع أن يكون ~~عالما أو شاعرا أو فيلسوفا، وهكذا، وقبول النفس كذلك يضمن انصرافنا عن ms36 إدمان النظر فيها ~~وفي عيوبها، إنه من المؤلم حقا أن يدور الإنسان في غرفة ممتلئة بالمرايا وأن يدور بها كل ~~يوم، إن هذه المرايا لو تحولت إلى نوافذ؛ لوجدت النفس آفاقا جديدة وظلالا جديدة، وهذه ~~الآفاق والظلال هي العثور على العمل والصديق، فهذان يصرفان النفس عن التفكير في همومها، ~~ويجعلانها تعتقد أن هذه الهموم أشياء طبيعية عارضة كالغمامة في السماء، فنحن لا ننظر إلى ~~الغمامة كحالة ثابتة دائمة، بل ننظر إليها كما ننظر إلى حجر يعترض طريقنا فننحيه برفق أو ~~ندور حوله، ثم نمضي قدما نحو أعمالنا وأصدقائنا، ولا أعتقد أن هناك مؤثرا في شخصيتنا ~~كأصدقائنا؛ ففيهم من هم أعظم منا وفيهم من هم أقل منا، الأولون يجعلوننا ننسى غرورنا، ~~والآخرون يجعلوننا نحمد الله تعالى على نعمه، وإذا أحببنا صديقا نعترف بتفوقه، فقد رضينا ~~بالمكان الثاني بالنسبة له، وهذا هو الإيمان في أبسط صوره، هذه هي مواجهة النفس فلننظر في ~~مواجهة الحياة. # يرسم لنا # Menneken # في كتابه «العقل البشري» صورة فذة لهذه ~~المواجهة؛ فهو يسمي الوسط «بالموقف»، ليشعرنا بأننا لا نواجه موقفا بعينه كل يوم # situation ~~. فالناس ثلاثة أصناف: صنف يواجه، وصنف يهرب، ~~وصنف يدمر. أما المواجه فهو الذي يحسن الملاءمة والانسجام، وأما الهارب فعصبي أو مجنون، ~~وأما المدمر فهو شخص يدمر نفسه أو يدمر الوسط ليتخلص منه، وهذا هو المجرم أو المتمرد الثائر ~~أو العبقري. على أن هنالك صنفا لا يقوى على المواجهة، بل يحول هروبه إلى عمل فني يداري به ~~فشله، ذلك الشخص هو الكاتب أو الشاعر أو الفنان. # | رسالة العقل # تطور العقل البشري # مشكلة العقل البشري مشكلة قديمة جدا، فمن أقدم العصور والفلاسفة يحاولون أن يحددوا كنه ~~ذلك «الشيء» الذي يميز الإنسان عن كل ما عداه من المخلوقات، حقيقة أن الإنسان من يوم أن ~~وجد على الأرض أخذ «يفكر» حتى يمكن أن يقال: إن هذا التفكير هو الطابع الإنساني الأول، ~~ولكنه كان يفكر فيما حوله ويستعرض ما يدور بنفسه ويترجم ما يبدو له حسبما يقتضيه حفظ الذات ms37 ~~وحفظ النوع. أما التفكير في طبيعة ذلك «الشيء الذي يفكر» فشيء حديث العهد جدا بالنسبة ~~لعمر الإنسان على الأرض، وقد تم في مراحل تتبع تطور البشرية ومنصبا في القالب الذي جرت به ~~البشرية في عهودها المختلفة، مثال ذلك أن طبيعة العقل الهمجي طبيعة شيطانية محضة، ونحن لا ~~نزال نمارسها في أكثر أحوالنا، ومنا من لا يمارس غيرها، ثم تتلوها طبيعة العقل التبريري وهو ~~العقل الذي يعمل حسب نوازعه ثم يأخذ في «تبرير» ما صنع. فهو عقل متميز محاب لما آمن به ~~أو أحبه أو اعتقده، ذلك هو العقل البشري في فجر المدنية، ومازلنا نمارس هذا النوع من ~~التفكير كثيرا في عهدنا الحاضر، وقد جر علينا آلاف النكبات والكوارث، ويتلو هذا العقل في ~~سلم التطور العقل السيكولوجي، وهو الذي يحلل ويتعمق في الفهم، وأخيرا العقل الموضوعي أو ~~العلمي، وهو الذي ينظر إلى الأشياء من حيث هي بقطع النظر عن أي شيء آخر. # العقل البدائي: كان الإنسان الأول يعيش في الظلمات ولذلك كانت أكثر رؤاه أشباحا، فإذا ~~جلس يفكر في ذاته أحس بشبح في داخله يمشي ويقدر على التنقل، ويبدو إليه في الأحلام، وهذا ~~أول إحساسه لشيء في كيانه يعي ويتحرك، وقد دعا الأستاذ «تيلور» ذلك الشيء «الروح الشبح» وهو ~~وصف موفق. # ويعتبر هذا الدور في تطور العقل دور العقل من حيث إنه جزء من الوجود غير منفصل عنه # animism # غير أن الدور الثاني ما لبث أن جاء حين آمن ~~فلاسفة اليونان الذريون بقوة ذرية للعقل تجعله منفصلا عن الوجود وإن كان لا يزال لاصقا ~~بالمجتمع ومندمجا فيه، ولعل العقل الإنساني في القرون الوسطى كان من هذا الطراز، أما الدور ~~الثالث فهو الدور الذي تلا القرون الوسطى على وجه التحديد، وهو دور العقل المستقل الذي ~~انفصل عن الوجود وانفصل عن المجتمع، وهو الذي وصفه «ديكارت» وتحدث عنه وأسماه العقل المحصن # pure reason ~~. # ولكن هذا العقل المستقل المنفصل لا يلبث أن يشعر بحاجته للمجتمع فيندمج فيه مع المحافظة ~~على استقلاله، وهذا هو العقل ms38 الحديث، وأحسن تعريف له: «أنه ذلك الميزان الذي يمكننا من ~~السير في ركب الحياة» # The adjuster # على أن ذلك الميزان ~~الآدمي ليس آلة، بل وحدة تتكون من ثلاثة عناصر: الشعور والذكاء والإرادة، وهذه العناصر ~~مندمجة معا اندماجا كليا كاندماج الموج في الموج؛ أي إننا نشعر ونتعقل ونريد في وقت ~~واحد، وقد شبه أحد علماء النفس العقل الآدمي بقطار وقوده الشعور، وتعقله السائق، وإرادته ~~الفرامل، أما الشعور فهو الخصيصة الآدمية الكبرى، ومعناه الحقيقي: «الإحساس بوجود آخرين لهم ~~من الأهمية والحقوق ما لنا»، وهو الآخر مركب من عنصرين المعرفة والانفعال، أما المعرفة ~~فمعرفة علمية إخصائية، ومعرفة سيكولوجية مبنية على الإحاطة والملاحظة والشمول، أما الانفعال ~~فهو الحماس الذي يصاحب المعرفة ويلهبها يستحثها للعمل. # أما الذكاء الآدمي فمكون من العناصر الآتية: # الاختيار، والمقارنة وإدراك الفروق، واستخلاص النتائج، والتحليل ثم التركيب، أي ~~الخلق. # أما الإرادة فمقترنة بالعمل وكيفية العمل، هي السلوك ~~الإنساني # Behavior ~~، ونحن في هذا الباب لا نزال نجري على الطريقة الحيوانية من حيث ~~التجربة، والاهتداء بالخطأ والصواب، والأصح أن نسميها طريقة التحسس والتنقيب. # ولكن الفرق بين الإنسان والحيوان أن الإنسان يتعلم ويعلم، أما الحيوان فيحتفظ بتجربته ~~لنفسه، حتى لقد قال أحد علماء الحيوان: إن القرد لا يقلد غيره كما هو شائع ومعروف، بل يقلد ~~جنسه، وحتى الإنسان يتكبر على تقليد غيره، ولولا وجود أفراد قلائل يسميهم «دارون» ~~«أنواع جديدة» # variation # في كل قطيع، تفكر للقطيع ~~وتقوده وتتطلع إليه، ما أمكن تقدم الجنس البشري عن طريق هذا التقليد الجبري، ولقد أوجز ~~«روبنس» خصائص العقل البشري في ميزتين؛ ربط الأمور ببعضها عن طريق الأصالة أو عن طريق ~~التقليد، وربط الأمور يكون بالتمييز بين ما هو عام وما هو خاص، ثم الالتقاء ثم التبويب، ثم ~~وضع الاسم على الشيء المبوب المختار المنتقى، ثم ينتهي بعد ذلك إلى خلاصة ما، وهذا ما نسميه ~~ربط الأمور أما في العقل الحيواني فالأمور عامة مختلطة، والنتائج لا تستخلص عن الطريق ~~السالف وإنما عن طريق التجربة العملية المحضة. # ولكن نتساءل أخيرا ms39 ما سر هذه «الكينونة» التي تختار وتنتقي وتربط؟ هل هو وحدة مستقلة؟ هل ~~هو ظاهرة فسيولوجية؟ # يقول «برجسون» ورأيه من أهم الآراء: إن العالم دوامة متغيرة في كل لحظة، وإن هذه الدوامة ~~التي تنشد من وراء التغيير كمالا وعظمة، لا يمكن أن تكون مجرد آلة أتوماتيكية، بل لا بد ~~فيه من يد كيد الحائك حين يقطع الثوب قطعا، ليستطيع الحصول على شيء كامل منه أخيرا، ~~وبينما هو يقطع الثوب يسمي كل قطعة باسمها، وبعد ما ينتهي من حياكة ثوب يعلقه في مكان ما، ~~وقد كتب عليه اسم صاحبه، ولا شك أن العقل الإنساني إنما ساعد على ذلك باختراع ~~الكلام. # ولكن هل سلم العقل الإنساني بعد كل ذلك من طبائعه الأولى؟ كلا؛ فإن الإنسان الأول كان ~~يؤمن بقوى خفية يستسلم لها ولا يناقشها، فنشأت فيه العقلية ذات المعتقدات التي لا تناقش # Uncritical belief ~~، ونشأت على أثر ذلك «البنود» التي ~~يضعها القوي للضعيف ليطيعها إطاعة عمياء، القوي استسلم للقوى الخفية وخضع لها، والقوي يشرع ~~للضعيف ليؤمن كما آمن ويستسلم كما استسلم، وهذه البنود هي «التقاليد»، وأقرب مثل لها ~~النجاسة والطهارة وما هو مناسب للأخلاق وغير مناسب. هذه العقلية البدائية لهاتين الصورتين ~~ظهرت في تاريخ العقل مرتين؛ المرة الأولى في الإنسان الفطري، والثانية في العصور الوسطى، ~~ونحن في عصرنا الحاضر لم نتخلص منها مطلقا، ونحن نعاني منها ومما انحدر إلينا منها على ~~الأجيال، عناءا شنيعا وعبودية أشنع، ومن العجيب أن أكثر التقاليد التي نمارسها اليوم بغير ~~جدال ولا مناقشة انحدرت إلينا من الإنسان الأول، وكان عهدنا بها أمس القريب. # ولكن الفترات التي جاءت بين ظهور هذه العقلية البدائية من حين لآخر لم تساعد على ~~محوها؟ # حقيقة لقد قام في عصر اليونان ما يسمى بالعقلية «التاريخية»، وآية هذه العقلية أنها أخذت ~~تناقش هذه المعتقدات، أخذت تتحرر من القيود القديمة، ولقد كان ذلك في أعلى صورة عند ~~«سقراط»، ولا شك أن «أفلاطون» و«أرسطو» قاما بدورهما في التحرير، ولكن الجميع لم يتحرروا ~~من الاعتقاد بالقوى الخفية ms40 والأشباح الجاثمة وراء الطبيعة، والسبب في ذلك أن العقل كان عند ~~هؤلاء متفلسفا محدثا مجادلا، وقد كان عليه أن ينزل إلى عالم التجربة حتى يتكئ إلى ~~الحقيقة، وحتى تستطيع التجربة أن تبدد أشباح الخرافات، ولكن الصناعات اليدوية كانت كلها ~~بأيدي العبيد، ولم يكن من المتيسر أن تنزل الأرستقراطية الذهبية إلى أسواق العبيد. # من هذا يتضح لماذا وقفت الحركة التحريرية للعقل جامدة، ولماذا عاد العقل البدائي إلى ~~الظهور. # إن عقلية القرون الوسطى قسمان: قسم ينتهي بسنت أوجستين وقسم يبدأ بعده. # أما القسم الأول فكان فيه شيء من النور إذ كان عهدا تمتزج فيه الديانة بالفلسفة، ولكن ~~الفلسفة كانت تعتمد على السلطة في إكراه الناس على قبولها. # أما القسم الثاني فقد انصرف الناس فيه عن التفكير في الأرض وأخذ الشيطان نفسه يتطور، فسمى ~~نفسه «الخطيئة» وأخذت محاكم التفتيش تعقد وتحاكم من ينحرف أي انحراف عن التعاليم المنشورة ~~بواسطة مجلس القساوسة، ولكن شيئا هاما نشأ في وسط هذا الظلام الذي أغلقت فيه دور العلم، ~~وأحرق فيه العلماء أو سجنوا، ذلك أن هذه التعاليم غذت الغرور الإنساني فاعتقد الإنسان أنه ~~محور الكون، فالسماء تتدخل في شئونه وتراقبه وتحاسبه كل لحظة من لحظاته، ثم إن الشيطان ليس ~~له من هدف إلا إغواء هذا الإنسان. # إذن، فالإنسان شيء هام جدا، نفض الإنسان عنه فجأة عبارة القرون، وأخذ ينادي بعظمة العقل ~~الإنساني، وأخذ كذلك ينادي بالسيطرة على الطبقة، ولقد صدرت هذه النداءات من جهات متعددة على ~~ألسنة عباقرة ظهروا فجأة كل في مكان. # ولا شك أن أعظم هؤلاء - من حيث تحرر العقل وتطوره - هو «باكون»؛ فقد كان أول من دعا إلى ~~الطريقة العلمية التجريبية وفصلها وبينها في كتبه فكانت أساسا للعقلية الحديثة، ومنها ما ~~أدى إلى التطور الأخير الذي لا يزيد على قرنين من الزمان، وخلاصة آراء «باكون» أنها الدعوة ~~إلى استعمال خصائص العقل الإنساني من حيث التبويب والمقاربة والتحليل واستخلاص النتائج ~~بطريقة تؤدي إلى عقلية خلاقة، وقد دعا إلى التحرير من عبودية الماضي، قائلا: إن نهر ms41 ~~الزمن لا يحمل فوق سطحه إلا ما خف ولم يكن غاليا، أما الغالي الثمن فقد رسب في ~~القاع. # ولكن هذا التحرير العلمي العملي كان يمشي جنبا إلى جنب مع التطور الاقتصادي، فكان من ~~اللازم أن يحدث شيء جديد، ذلك هو أن يصير العقل العلمي اجتماعيا اقتصاديا، فلنا أن نسمي ~~العقل الذي نتوقعه في المستقبل العقل ~~الاجتماعي # social mind ~~، وهو يرمي إلى شيئين، الأول: الملاءمة بين العقلية والفردية ~~والحالة الاجتماعية، والثاني: إقرار النظام ~~الاقتصادي # Economic Structure ~~، وفي كتاب «روبنسن» الذي أشرنا إليه، يقول: إنه لإصلاح العالم ~~يجب أن نصرف النظر عن كل ما جربناه سابقا فأفلس، لقد جربنا التأثير بواسطة التخويف والعقاب ~~فأفلسنا، وجربنا التعليم فلم نخلق منه غير أرستقراطية ذهنية، وجربنا الوعظ فلم يجدنا ~~شيئا، فبقي علينا أن نجرب إصلاح الذكاء الإنساني. إننا لا نزال نفكر بعقل الإنسان الهمجي، ~~إننا لم نتخلص بعد من الخرافات والمعتقدات التي تحتل من نفوسنا مكانا مقدسا، ولأننا لا ~~نزال استبطانيين نعيش في أخيلتنا بدل أن نستعمل حواسنا، ونحن من أجل ذلك ندافع بكل تحيز عن ~~كل ما يتعلق بمعتقداتنا الثابتة، ونحن نتحيز إلى كل ما نحب ومن نحب، هذا القانون قانون ~~التمييز العام انحدر إلينا من أسلافنا ولم نتخلص منه إلى اليوم، وهو السبب في الانقسامات ~~والحروب، فإن الإنسان يتحيز لقومه ويتعصب لعشيرته ولدينه، ومن ثم يكون حكمه على الأشياء ~~خاطئا؛ لأن الحكم مصبوغ بالعاطفة المتحيزة، ولا شك أننا نتحيز للقديم ونجل الماضي، ونحن ~~جميعا مؤمنون بالفطرة محافظون بالفطرة. # ونحن لا نزال نفكر بعقلية القرون الوسطى من حيث الخطيئة والعقاب والثواب ومن حيث ~~الاستسلام المطلق لما تمليه هذه العقلية، ومن حيث إننا لا نجد مخرجا ولا خلاصا دون هذه ~~الطرق. # على أن العقل الذي ندعو إليه هو العقل العملي التجريبي العلمي الاقتصادي؛ أي العقل الذي ~~يعلم أن مهمته هي الاتجاه نحو عالم جديد وأن عليه أن يواجه مشاكل العالم علما واقتصادا، ~~وأنه إذا لم يفلح في هذا الاتجاه فإنه لا شك يصل إلى النهاية ms42 التي رسمها الأستاذ «منيكن» في ~~كتابه «العقل البشري»؛ فقد رسم لنا صورة عملية جميلة، بين فيها أن الإنسان عليه أن يواجه ~~موقفا دائم التغيير # situation ~~، فإن أفلح في الموازنة فقد ~~أفلح في الحياة وسعد، وإذا لم يفلح فإما يحطم الموقف أو يمزقه أو يحطم نفسه أو يمزقها، وإذا ~~لم يستطع التحطيم أو التمزيق فإنه يهرب، وإذا لم يستطع هذا ولا ذاك فإنه ينكر الفشل ويوجه ~~جهوده إلى عمل فني يستر به فشله، ويداري به عجزه عن مواجهة الحياة العملية، من الطراز ~~الأخير أكثر الفنانين والكتاب والشعراء. # | رسالة الشباب # إذا تكلمنا عن الشباب اليوم، فإننا نتحدث أولا عن أخطاء أكثرها بل جلها أخطاء ~~المجتمع. # وأقصد بالمجتمع ما به من معلمين وقادة وآباء وأمهات، ماذا صنع المجتمع لإصلاح شبانه؟ ~~إلينا خلاصة لما صنع إلى اليوم: ~~(1) # التعليم: # قد أدى دائما إلى ثقافة شخصية ~~ولم يؤد إلى المواطن الصالح، وكثيرا ما أدى إلى المعرفة التامة، ولكنه قليلا ~~ما أدى إلى خلق شخصية سليمة. ~~(2) # العقاب والثواب: # لم يؤديا إلى شيء، فإن ~~السجون تفرغ وتمتلئ والمشانق تعلق، والشر لم يبتعد عن العالم، والخير لم تنزرع ~~أصوله في النفس مطلقا. ~~(3) # الوعظ والحث على الأخلاق الحميدة: # هذان ~~أيضا لم يؤديا إلى إصلاح في الأخطاء الشائعة، فالغالب أننا نمل الوعظ ولا ~~نتأثر به إلا إذا كان مهيئا في قالب فني تستوعبه النفس وينفذ إلى القلب، ~~وبعبارة أخرى: إن لم يكن ذلك الوعظ مؤديا إلى إقناع قلبي فلا فائدة منه، ~~وحقيقة قد يكون الكلم البليغ مؤثرا، ولكن تأثيره لا يعدو الساعة التي ألقي ~~فيها. ~~(4) # التعليم الديني: # إنني أومن بالدين كعنصر ~~عام من عناصر الإصلاح، ويكفي أن نستعرض سير الأنبياء والرسل وما لاقوه في سبيل ~~الدعوة وما تجشموه في سبيل الإنسانية وما صادفوه في حياتهم وهم يحاولون إصلاح ~~العالم، يكفي ذلك تقويما للنفوس المعوجة وهديا للنزعات الضالة، ولكن اضطرابات ~~العالم والكوارث المتلاحقة قلقلت الإيمان ونشرت في العالم موجة من القلق وعدم ~~الثقة، جعلت المفكرين يفكرون في عكاز جديد يستند إليه العالم ms43 الأعرج ويكون قوة ~~أخرى بجانب الإيمان تشد أزره وتسنده، هذا العكاز هو الإصلاح السيكولوجي، وقد ~~فصل ذلك الأستاذ «شيلر» في كتابه «مستقبل الإنسان» تفصيلا قيما فليرجع إليه ~~من يريد؟ # على أن الإصلاح السيكولوجي يجب أن يبدأ من أسفل الدرج ليصل إلى أعلاه، على أن الدراسة ~~السيكولوجية لا شك تقتضي الإلمام التام بعلم النفس، ومن لم يستطع الإلمام التام فعليه على ~~الأقل بالبديهيات، فلنذكر هنا أن الآلة الإنسانية تتكون من وقود وسائق وموتور، فلنبدأ ~~بالطفل، فهو كله وقود تقريبا، والعقل الذي عنده لا يعدو بضعة خصائص جنسية موروثة. أما ~~الموتور لدى الطفل فشيء غشيم صغير تسيره العاطفة ويمكن أن نسميه العناد، أو التشبث أو ~~الأنانية أو إرادة القوة، فإذا أضفنا لذلك الخيال وأحلام اليقظة اكتملت لنا صورة الهمجي ~~الصغير المسمى بالطفل. # فيتلخص علاج الطفل - بناء على هذه الصورة - بمعالجة الإرادة الجامحة أو بالعاطفة العاصفة، ~~وأهم ما في عواصف الطفولة الغضب والخوف والميل إلى الهدم. ولنعترف أن المرمى ميال دائما ~~إلى كسر شوكة العناد، وقد اختلف المربون في هذا الباب فمنهم من أشار بالعنف ومنهم من أشار ~~بضده، والرأي الحديث لا يميل إلى هذا العنف؛ لأنه هدم بغير بناء، ويميل بالأكثر إلى بناء ~~شيء يقوم مقام العقل، ليقاوم ذلك التيار الجارف، إن العقل في دور الطفولة كما بينا لا ~~يعدو بضع خصائص وراثية، فأي شيء نستطيع أن نقيمه مكانه، حتى يتم نموه ونضجه، «العادات»، ~~وصدق من قال: «العادة تكون الفكر، والفكر يكون الخلق، والخلق يكون القدر»، فبناء العادات هو ~~الذي يجب أن يجري بلا هوادة ويتم بلا رحمة ولا شفقة، وقد نصح أكثر العلماء بشأن العاصفة ~~التي أشرنا إليها في نفس الطفل أنها من الممكن تشتيتها بتوزيعها على مجهودات مختلفة، ويمكن ~~كذلك تحويلها، فإن الصفير في الخطر أو الخوف يمكن أن يتعود اصطناع المرح والشجاعة، فالواقع ~~أن اصطناع المرح يذهب جانبا كبيرا من الحزن، ولا يخفى أن الصفير - أي ادعاء عدم ~~المبالاة - يعين على الاحتمال والشجاعة. # وأعود فأقول: إن الطاعة العمياء في ms44 تكوين العادات أثناء الصغر، نوع من العبودية يؤدي إلى ~~حرية عجيبة فيما بعد، فلو أننا استعرضنا العقل البشري كطريق لوجدنا أنه مكون على الأكثر من ~~طرق محفورة ، نقشتها يد المربي أو البيئة، هذه الطرق هي العادات. ولو أنني وثبت من الكلام عن ~~الطفولة إلى الشباب فذكرت بعض أخطائه، كقلة ضبط المواعيد وعدم الثبات والكذب وغير ذلك، ~~لوجدتها لا تخرج عن أنها «عادات» ساء تكوينها في الصغر. # حسبنا هذا القدر عن الطفولة فلنمر إلى مرحلة خطيرة جدا، ألا وهي اليفاعة أو المراهقة، ~~فهي الدهليز الذي يؤدي توا إلى الشباب، ولكنني قبل أن أمضي في هذا الدهليز أريد أن أتحدث ~~في الأثر الناشئ من معالجة إرادة القوة بالعنف والإخضاع، أو بضد هذا وهو الملاينة المتطرفة، ~~إن الحالة الأولى تؤدي إلى صراع # Conflict ~~، والحالة الثانية ~~تؤدي إلى التدهور والفساد # Delinquency ~~. الطفل في الحالة ~~الأولى ثائر منطو على نفسه وإن يكن هادئا في الظاهر، وفي الحالة الثانية ينشأ الطفل ~~اتكاليا ويشب عالة على المجتمع، ولما كانت تربية الطفولة تتلخص في أمرين: إعداد شخصية ~~خالية من العقد وإعداد شخصية غيرية، فكثيرون من الأطفال يخرجون من الطفولة بالنقيصتين ~~فيتعرضون لكل الكوارث النفسية الممكنة. # هذا هو الدهليز، ولكن لدي ما أسميه دهليز الدهليز؛ أي المرحلة التي تسبق المراهقة، وهي ~~التي يتكون فيها الحكم # Reasoning ~~، المرحلة التي نعلم ~~فيها أولادنا كيفية استعمال العقل، ولما كان أكثر المنطق الذي نستند إليه متحيز، فإن الخطأ ~~يجيء من هذا الباب أكثر من أي شيء آخر. والغالب أننا نخطئ في حل مشاكلنا العقلية بسبب هذا ~~المنطق المتحيز، وهذه مسألة عميقة الأثر في تكوين عقلية الشباب، ففي هاته المرحلة التي ~~ندعوها دهليز الدهليز، على المربي أن يكون في الشباب العقلية التي تنظر إلى الأشياء نظرة ~~مجردة، بعيدة عن أهوائنا ونزعاتنا، ولقد يكون من المرانة أن يعقد مجلسا عائليا لحل مشاكل ~~الأسرة، ويكون رائد أفراد العائلة المناظرة المجردة عن الهوى والنزعات الشخصية، بهذه ~~العقلية يجب أن يدخل الصبي إلى المراهقة. # في المراهقة يكون الفتى ms45 أو الفتاة في عالم جديد، فالغدد ناشطة والحياة الجنسية أخذت ~~تزدهر، والدنيا مليئة بالمفاتن التي تغري بالسيطرة عليها، ومن هنا تكثر المخاوف المبهمة ~~التي يأبى المراهق التصريح بها، فهو يرى كل شيء في جسده جديدا ناميا فيتعثر، ويلوح عليه ~~عدم الانسجام، والواقع أنه يرى صورتين في المرآة، صورته الحقيقية وصورة رجولته في مرآة ~~ذهنه، والصورتان تتعارضان وتتداخلان في تصرفاته. # هذه الصورة التي تبدو في مرآة الذهن لها أثر بعيد في نفسية المراهق، فإنها تخلق ثورة ~~دفينة، وخاصة في المنزل؛ حيث تتعارض الصورة الذهنية مع الصورة التي يرى بها أهل المنزل ~~فتانا أو فتاتنا، فالمراهق في المنزل ثائر متبرم ولا يجد راحة إلا في المدرسة حيث يساعد جو ~~النمو على اطراد النمو الحقيقي. # فعلى ذلك يجب الالتفات إلى هذه الثورة الدفينة، وعرفان مصورها وحسن ترجمتها. # فإذا اتفق أن يكون المراهق قد خرج من الطفولة بعقدة وصراع، فإن الشباب سيكون جحيما ~~تاما، وهنا يجب أن نقف قليلا لننظر إلى معنى الجنس في المراهقة، إن الجنس في المراهقة ~~خيال وتأليه وتقديس ومثالية، على أن الفتى بقدر ما يتخيل عن الفتاة فبينه وبينها نفور؛ لأنه ~~خارج من سيطرة أم ونفوذها فهو يخشى الدخول تحت نير جديد، ومن هنا يتبين سر النزاع بين ~~الشقيق وشقيقته في المنزل بغير داع؛ ولهذا السبب دعا المربون إلى منع اختلاط الجنسين في هذا ~~الدور من التعليم، لا من أجل المسألة الجنسية فقط؛ لأنه قد اتضح أن كل ما يذكره المراهق عن ~~معرفته بالمسألة الجنسية افتراء وادعاء، وأنه قادر على الكلام فقط، أما العمل ففي دور ~~الشباب حين يكون الذكر قد نظر إلى الأنثى من زاوية جديدة خيالية وعملية، على أن لدور ~~المراهقة هذه النواحي على العموم: عدم الاستقرار، تعدد الأهداف، التحرر من القيود لدرجة ~~الاستهتار، تشتت الفكر، الاستغراق في أحلام اليقظة، التعرض لمركب «أوديب» أو على الأقل ~~لتثبيته. # فالأخطاء التي يمكن أن يخرج بها فرد ما إلى الشباب هي: (1) أنانية ممتدة من الطفولة. (2) ~~صراع مبني على العقد. (3) استهتار وميل ms46 للهدم والتحدي. (4) اندفاع عاطفي خيالي. # هذه هي بالذات أخطاء الشباب التي يجب الالتفات إليها ومحاربتها، وأهمها في رأيي الصراع ~~بمسبباته ومختلف ألوانه، فهذا الصراع هو السبب في الشقاء الذي يخيم على نفوس الشباب في هذا ~~الجيل، وهذا الصراع مقترن أشد الاقتران بتنوع الأهداف وتشتت المطامع والميول، والضباب ~~المتكاتف حول المرامي. # يبدو مما ذكرت أن الرجولة الناضجة هي الرجولة الخالية من الأخطاء السالفة؛ أي هي سلامة من ~~العقد، وإيجابية واتزان وغيرية، أما سلامة الشاب من العقد، فمعناها أن لا يكون الصراع عنده ~~مرضيا مبنيا على قوى متضاربة مكبوتة، وقد فصلت المؤلفة «كوسجريف» ذلك تفصيلا واضحا في ~~كتابها «سيكولوجية الشباب»، فذكرت أن الصراع قد يكون بين الحقيقة والواقع، وبين ما نتخيله ~~وبين ما نحن عليه في الحقيقة، وبين فكرتين وبين عاطفتين، وبين الرغبة والطلب وبين الروحانية ~~والمادة، وبين ما هو إنساني وغير إنساني، وبين الذاتية والطاعة وبين القيود والحرية، وبين ~~فكرتنا عن نفسنا وفكرة الناس عنا. # وهذا الصراع مع الأسف ينتهي إلى أمرين: (1) الشقاء الملازم. (2) تمزق الشخصية. # وقبل أن أصف العلاج لهذه الأخطاء أضيف كلمة عن الحب عند الشباب، فأقول: إنه شيء جدي ~~جدا في حياة الشاب والشابة، والعلاقة التي بين شاب وأول فتاة يعرفها قوية جدا وعميقة، ~~وهو يبني على تلك العلاقة أهمية كبرى ويصاب بحزن بالغ يوم تنفصم. # على أن الإنجليز يسخرون منه ويسمونه # Calf Love # أي الحب ~~العجول! ولست من هذا الرأي ولا أميل إلى السخرية بالحب في دور الشباب، فإن آمال الحياة وما ~~تتطلبه من الاستقرار تتركز عند الفتاة في شاب يمثل أحلامها، وعند الشاب في فتاة تطابق ~~أمانيه المتخيلة، فيجب أن لا نتسرع بعدها نزوات، ولكن المهم هو أن نميزها من سطحيات ~~المراهقة. # أما العلاج، فهو: (1) على الشاب أن ينظر نظرة صادقة مجردة عن التحيز لنزعاته وأهوائه. (2) ~~عمل «ميزانية» للمطالب وتصفيتها بين حين وآخر؛ لنعلم بالضبط ماذا نأخذ وماذا ندع. (3) على ~~الشاب أن يتسم بطابع من المرونة ليس فيه ميوعة ولا تخنث، حتى يمكنه أن ينسجم مع ms47 الوسط؛ لأن ~~الشخصية تماسك وهدف وفي الوقت ذاته تفاعل بين الفرد والوسط. (3) على الشاب أن يعلم أن ~~النجاح في كيفية الوسيلة لا في بلوغ الهدف، وأن كثيرا من الإخفاق أنبل وأشرف من هدف متحقق. ~~(4) على الشاب أن يعلم بأن هذه الأخطاء طبيعية ومتوقعة ولا يجب أن تعتبر مهانات نعاب عليها ~~ونخجل منها ونداريها ونطليها بطلاء خادع كاذب. # هذا ما يجب على الشاب، أما ما يجب على المربي فهو أن يعلم أن من الأخطاء ما يمكن أن ~~يستغل فيصير كمالا، أو أرفع من الكمال، فمن صفات المراهقة المثالية والحماسة وعبادة ~~البطولة، فيمكن أن تستغل هذه الصفات استغلالا كاملا على شرط أن لا تتحول المثالية إلى ~~صراع، والحماسة إلى اندفاع عاطفي جامح، وعبادة البطولة إلى هدم وموت ضمير ووصولية. # هذه هي أخطاء الشاب وواجبات الشباب، وقد وجدنا أن أكثرها من صنع المربي، وقد وضح لنا أن ~~أغلبها امتداد لظل سابق، فلنبدأ بتلافيها قبل وقوعها، وهذا هو العلاج الواقي الناجع. # | رسالة النقد # نتساءل أولا: هل لدينا نقد أدبي؟ يكاد يكون الإجماع: لا. وحتى الذين يحررون هذا النقد في ~~الصحف هم أول من يعترفون بأنه لا يدخل في باب النقد ولا ينتمي إليه بصلة. # ماذا نسمي هذا العبث إذن؟ # الأفضل أن نسميه «عرضا»، ويقابلها بالإنجليزية كلمة # Reviewiny # لنفصل هذا الهراء عن الجد المسمى «النقد» أو # Criticism ~~. واعتقادي أن السبب الأول في ضياع حرمة ~~النقد، هو الخلط بين الموضوعين على غير وعي، وهناك أسباب كثيرة لهذا الانهيار الأدبي، أولها ~~أننا في عصر قلت فيه القراءة الجدية، والثاني النزعة المادية التي تسيطر على العصر، فحتى ~~استعراض الكتب لم يعد استعراضا؛ بل صار نصفه إعلانا ونصفه دعاية، فإنك تجد في آخر الحديث ~~عن الكتب أين طبعت وأين جلدت ثم الثمن، وأحيانا وأحيانا كثيرة جدا نقرأ حديثا عن ~~الكتاب، ونبحث عن اسم المؤلف فلا نجده؛ لأن عارض الكتب له عقلية عارض الأزياء. # والسبب الثالث: السرعة أو «اللهوجة» على حد تعبير المرحوم «المازني»، فالعارض ليس عنده ~~وقت ليقرأ، فبالتالي ms48 ليس عنده وقت ليكتب، وإنه ليخيل لي أحيانا أنه قرأ صفحة في أول الكتاب ~~وصفحة في آخره، واكتفى بهذا، ومن المحزن أن عرض الكتاب لا يكون له أهمية الخبر من حيث ~~الأهمية والحيوية، إلا حينما يكون المؤلف من الذين لاسمهم دوي في آذان الجماهير. وقد حاول ~~أحد الكتاب الأمريكيين أن يفرق بين العرض والنقد، فقال: إن العارض متحدث متعجل، والناقد ~~عارض متئد، وحاول آخر أن يفرق بينهما، فقال: إن العارض يعطي صورة للكتاب أو الكاتب، ~~بينما الناقد يضع هذه الصور بين صور أخرى، حتى نتبين على ضوء المقارنة قيمة هذه الصورة، ~~وأخذ كاتب آخر يفرق بينهما بشكل أوضح، فقال: إن العارض صاحب كلام خاص لا يعلو على الخصوصية، ~~ولا على الغرض المباشر، ولكن الناقد يخرج من الخصوص إلى العموم، ويسمو على الهدف القريب، ~~فهو هنا يستوي مع الفنان. ويعود كاتب آخر يقول: إنك لا تخرج من العارض إلا برأي ذاتي مبتسر، ~~بينما الناقد يجب أن تصل عبر أحكامه الذاتية إلى ما يصح أن يكون دستورا أدبيا ذا مواد ~~شاملة وعامة وخالدة الأثر. هذا الرأي الأخير هو رأي «ريمي دي جورموز». على أن النقد هو ذلك ~~الشيء الذي يخرجنا من عالم الثرثرة إلى عالم القيم الباقية Permauent ~~Values ~~، ولا أذكر من ~~الذي قال: إن الفرق بينهما هو الفرق بين البوليس والقاضي، أو بين القسم والمحكمة، والمحنة ~~هي في أن هذا البوليس، البوليس الأدبي جاهل أولا، وثانيا هو من الغرور بحيث يحتفظ ~~بتحقيقاته في ملفاته الخاصة، بينما نحن في حاجة إلى من يحيل هذه الأوراق إلى قاض تكون ~~أحكامه بمثابة قوانين أدبية يرجع إليها بين الحين والحين. فأين هو هذا القاضي؟ هو غير موجود ~~على صفحات الجرائد والمجلات ولا في الإذاعة، ولكنه منطو على نفسه ضمن مكتبته وأسفاره يبني ~~أحكامه الصادقة على شيئين: # الأول: الذوق الأدبي، والثاني: فهم دقيق للعملية الأدبية، وكيف تجري في أعماق الخاطر مبدأ ~~ونضجا ونهاية، وقد يكون هذا القاضي قد قرأ آراء القراء والشراح الذين سبقوه، ولكنه لا ms49 ~~يتقيد كل التقيد بآرائهم ومعتقداتهم؛ لأنه يعيش في القرن العشرين ولأن النقد في هذا الجيل ~~لا يجب أن يسير على غرار المناهج القديمة، ذلك لأن النقد المصاحب للوعي الإنساني، مساير ~~لتطور العقلية البشرية مماش حتى للمعتقدات الدينية، فمن هذا يبني القاضي الحديث أحكامه ~~على عقلية العصر منتبها إلى ما يلائم ذوقه وتفكيره متخلصا من قيود القدم متخطيا أسرار ~~التقاليد البالية. # هذا القاضي موجود ولكنه قليل ونادر، وهو يؤثر أن يستقر بأفكاره وأحكامه مفضلا عزلته على ~~الاندماج في هذا الصخب الصحفي الذي أساء إلى النقد ونزل به من حالق، ولقد دعاني للمحاضرة عن ~~موضوع النقد أنني قد عدت إلى الكتب الحديثة في النقد - رجعت إلى «أبر كرومي وريتشاردز ومري ~~وروبرت ليند»، وكانت عودتي بالذات لاقتناعي بأننا في زمن جديد يحتاج لوعي جديد وبالأصح زمن ~~جديد، ذي وعي جديد، يحتاج لطراز من النقد جديد، فما يكفي أن يقال، ولو كان هذا أحسن ما ~~يقال: إن العملية الأدبية هي تجربة شعورية تندمج في اللاشعور، وقد تدخل مفصلة الأجزاء ~~لتلتئم في الداخل، ويضفي عليها ضباب اللاشعور وأحلامه وتدرجاته وإمكانياته ثم تنتهي إلى ~~إفضاء. # فعندنا من ناحية تجربة شعورية ومن ناحية أخرى «توصيل # Communication ~~»، وفي الوسط مكان العملية، ونحن نعلم أن أغلبها يتم في العقل ~~الباطن بين الفكرة والعاطفة والظلال والإيقاع، كل هذا تعميم، وقد تناوله كل الكتاب ~~المحدثين، ولكن بالرغم من ذلك قد بدت في الحقل الأدبي ظواهر غريبة، أولها إبهام في القيم، ~~وغموض في المقاييس. وثانيها وهو المهم اختفاء النقد بالذات من عالم الأدب، هناك إنتاج أدبي ~~ضخم بدون شك، ولكن هذا «الترف من الفوضى» على حد تعبير «جوفري ويست»، أو بعبارة أخرى: هذه ~~البضائع المكدسة في أسواق الأدب بلا ضابط ولا صيرفي يبين صحيحها من زائفها يدل على أننا ~~في عصر متسم بخاصية من عدم المبالاة، وعدم الإلحاح في إيجاد روابط وضوابط. # هذا الوعي بالضبط هو الذي يجب تشريحه وتفهمه والتغلغل في طواياه، لنفهم كيف حدث وهل يرجى ~~له علاج في المستقبل؟ ms50 كلما فكرت في الوعي الجديد يخيل لي أن هناك متكأ أفلت منا، وسندا قد ~~أضعناه بإهمالنا، هذا هو التراث الأدبي # Tradition # أعني ~~بهذا ذلك الحبل المتصل بيننا وبين ماضينا الأدبي، ذلك الحبل الذي تنسج خيوطه أجيال وأجيال ~~من التجارب الأدبية الثابتة. نحن الآن ننظر نظرة نصف ساخرة إلى سفر قيم كديوان الحماسة، ~~وأكثرنا ينظرون إلى الشعر العاطفي بنفس السخرية التي ينظر بها الآخرون إلى العقل المهيمن ~~على ديوان الحماسة في التربية. # فنحن إذن في مزيج من الثورة والسخرية وعدم الرضا، وبين هذه الانفعالات المتضاربة لا نعرف ~~أين نقف بالضبط، ولا ندري لنا طريقا خلال ضباب المستقبل، ونحن في هذه الحيرة نتساءل هل ~~أفادتنا مجهودات المؤلفين الممتازين أمثال «السحرتي» و«مندور» و«الشايب» و«سيد قطب»؟ لا ~~أعتقد أنها أعطتنا فرصا للمقارنة وأعطتنا فرصا للفهم والتحليل، ولكننا لم نزل بعد في ~~ظلماتنا؛ لأن هذه المناهج المضطربة بين الكلاسيكية والرومانتيكية لا تؤدي إلى خطوط ثابتة ~~يمكن السير وراءها، وليت اضطرابها فقط في التردد بين هذين المذهبين؛ الموضوعية والذاتية، ~~بين المنطق والعاطفة، بين اللفظ والمعنى. # إلى آخر ما هنالك من هذه الدروس الملتوية بلا انتهاء ولا غاية. # ولقد يلتفت الباحث نحو الماضي فيجد عهدا من العهود، عهد قديما في الواقع كان النقد فيه ~~مبنيا على الفطرة، ولكنه على كل حال كان سليما ومعقولا ومحترما، وكانت هذه الفطرة تشبه ~~الإيمان الديني في الاقتناع والقوة، ولذلك جرى النقاد المحدثون على مذهب جديد، هو أن ~~يقارنوا عندما يستعرضون تطور المجتمع، بين تطور الوعي وتطور الاعتقاد الديني، ففي العصر ~~الذي تشير إليه كان الإنسان يستمد وعيه كما يستمد قواه الدينية من مصدر خارجي، وكان هذا ~~المصدر الخارجي من القوة والسلطان والإقناع بحيث يجعل الوعي الأدبي والوعي الديني متماسكين ~~في ظل النظم والقوانين والتقاليد التي شرعها ذلك المصدر الخارجي، لم يكن هناك انقسام في ~~الوحدة النفسية، لم يكن هناك عقل وعاطفة، بل هناك عقل محض تختبئ في ظله العاطفة وتستدفئ ~~الروح، وكان هذا العقل يستمد جبروته من عقل شامل محيط يملي ms51 ولا يناقش، في حماية هذا العقل ~~كان النظام موطدا والاستقرار سائدا والدروب مشتركة والمسالك موحدة. # سار هذا النظام في القرون الوسطى حينما كان أرباب الديانات يستعينون بقوة الفلسفة - أي ~~بقوة المنطق والعقل - في إجبار الناس على قبول المناهج الدينية أو الأدبية، أما في عهد ~~النهضة وبعدها فقد استيقظت «الروح» الإنسانية واستيقظت الذاتية الفردية، واستيقظ الوعي ~~الداخلي في النفس البشرية، كل هذا لتحد الروح من سلطان العقل، ولتثبت أنها جديرة عن طريق ~~البصيرة # Insight # بوعي مستقل كامل لا يعتمد على إمداد ~~خارجي هذا الانفصال في شبكة الوعي، هو بالضبط ما جرى في النفس البشرية فأثر بدوره في ~~المجتمع والدين والأدب، أما في المجتمع فهذا معناه الثورة على الدكتاتورية وقيام ~~الديمقراطية، وأما في الدين فقد جعل الناس أقرب إلى التشكك واللادينية؛ لأن الإيمان المبني ~~على مجرد التأمل العميق يختلف عن الإيمان المبني على المنطق والواقع، فالأول أقوى وأعمق، ~~ولكن الثاني أكثر سطحية وأعم اتساعا وشمولا. # أما في الأدب فمعناه خلع سلطان الكلاسيكية ومبايعة الرومانتيكية في الأدب. # ولكننا في وقت التحام العناصر النفسية كنا أقوى وأشد نظاما وترتيبا، ولكننا اليوم - ~~بانقسام الوعي - شطرنا هذا الوعي، ولكننا لم نفلح في إعادة الالتئام إليه مرة أخرى. من ذلك ~~نتبين أن هذا التصدع جرى في انتظام، التئام جديد، التئام بين دعاة العقل، دعاة الروح، دعاة ~~الموضوعية، دعاة الذاتية، دعاة الطاقة الخارجة والطاقة الداخلة # Trasscendant ~~and Immanent ~~. # يقول «بوناميه دوبريه»: لم تر الدنيا عصرا من العصور ظهرت فيه الحياة تافهة، والوجود ~~سخيفا والقيم زائلة كما يتبين اليوم، إن قوى هائلة من الإرادة الإنسانية والتساؤل تنبت في ~~محيط كان يسوده الاعتقاد الأعمى المطلق. فنحن في الواقع لا نزال في عصر تحول # Transition # يتميز بالشك والقلقلة، وطابعه الاستخفاف بكل ~~شيء وإنكار كل شيء. قال «تولستوي»: إن أول مراتب الفن والنقد الإحساس الكامل بالحياة ~~بقسميها العقلي والاجتماعي، فمن أين يتيسر لنا الفن والنقد ونحن في عصر تحول، مفطور على ~~تجاهل الحياة والقيم على أنه يبدو للذي يقرأ الروايات والسير أنها ms52 تلخص في بضع كلمات، فلان ~~الفلاني في سن السابعة عرف القيمة الحقيقية لوالديه فأنكرهما، وفي البلوغ عرف قيمة التعليم ~~فحقد عليه، وفي الشباب عرف قيمة الأخلاق فثار عليها، ثم تغلغل في المجتمع فاتضح له فساده ~~فتمرد على أوضاعه، وفي سن الخامسة والعشرين انتهت القصة بهذا النظام الأسود المتشائم، هذا ~~ملخص عام لجميع روايات هذا الجيل بدون استثناء، والنتيجة الجدية أن نرى ولا نزاع أن الأدب ~~الأبتر فرع من الشجرة البتراء. # ولكننا في الحق يجب أن نقف موقفا جديدا إذا أردنا أن نخلق عالما جديدا، يجب أن نقف ~~موقفا متفائلا بدل هذا الموقف المتشائم القاتم، وأول خطوة لذلك أن نعترف أن التساؤل هو ~~مدخل النقد. # وعلينا أن نذكر دائما ما قاله «ماتيو أرتولد» في هذا الباب، وهو بالحرف: «النقد هو ما ~~يخلق موقفا ذهنيا، تستفيد منه القوى الخالقة.» وعنى ذلك أن الفن يبلور القيم الإنسانية، ~~أما النقد فيجلو هذه القيم المتبلورة للأنظار. # وقد يتساءل متسائل وما علاقة الذوق الفني أو الأدبي بالنقد؟ أليس لهذا أهمية؟ فنجيبه أن ~~الذوق هو بالطبع أساس النقد والفن، وقد يكون النقد التعبير التلقائي للذوق، ولكنه في الواقع ~~أعلى من ذلك، فإن الذوق شيء باطني «على كيفه» أما النقد فهو وعي الفن، ويمكن أن يقال كذلك ~~أنه وعي الذوق، أعني بذلك أنه الفن الواعي ~~المنظم أو الذوق الواعي المنظم كما تشاءون # Criticism is the consciousness of art and ~~test ~~. # وخطوة أخرى في سبيل تفهم موقفنا الحاضر هو أن لا نجزع من تنوع واختلاط المقاييس، ويجب أن ~~لا نفزع من سيل الفوضى الذي يغمرنا، فإن الحقيقة الكبرى أن لكل سيل اتجاهه ولكل انتقال ~~هدفه، وإن هذا التنويع في الاتجاهات والمذاهب، يحمل - على رغمه - خطوطا رئيسية، فإذا فهم ~~الناقد هذه الاتجاهات فعليه أن يكون محصنا ضد التأثرات العابرة، أعني أن يكون محيطا بميول ~~نفسه وميول جيله، وملما بالميول والاتجاهات الإنسانية الماضية ومستعدا للمقارنة ~~واستخلاص القيم الثابتة، وأزيد ذلك شرحا أن على الناقد أن تكون وظيفته «كاتب حسابات الفن»؛ ~~عليه ms53 أن يدون الحسابات، ويرصد الدخل والخرج ويعين الرصيد، ويمحو من العملة القديمة ليبدلها ~~بعملة جديدة، فهو من ثم يكون حافظ التراث، حافظ التراث القومي والتراث الإنساني، فإن لم ~~يكن هناك تراث فعليه خلق تراث، هذه وظيفة هامة جدا للناقد، وهو في أثناء عمله هذا يجب أن ~~يدرك أننا لم نعد في عصر يؤمن بقيم مطلقة لا تناقش، فإن القيم المطلقة مستحيلة، وإنما الذي ~~نبغيه هو الاختلاف في ظل وحدة قابلة للنمو والتحسين. # ولما كانت الفلسفة والفن على اتفاق في أنهما يحددان ويخلقان القيم الإنسانية فإن الناقد ~~يجب أن تكون له ذهنية الفيلسوف والفنان معا، ولو أن «مري» و«إليوت» يعطيان الأهمية للعقل ~~الفلسفي، ولكن كما شرحت سابقا قد بينت علاقة النقد بالفن، وفي الواقع يهمني أن أجد الناقد ~~فنانا ذا نشاط ذهني قوي، على الناقد إذن أن يكون له عقل فيلسوف وإحساس فنان، وهنا نقف على ~~عتبة الموضوع الكبير، عقل أم عاطفة؟ موضوعية أو ذاتية؟ معنى أم لفظ؟ كلاسيكية أم ~~رومانتيكية؟ إنه مهما تعددت المذاهب وانقسمت لا تنقسم أكثر من مذهبين؛ الكلاسيكية ~~والرومانتيكية، فتصور تحرر الروح والتمرد على الأوضاع والانطلاق الشعوري التام، ففي الأولى ~~الاستقرار في ظل النظام، والثانية في ظل فوضى لذيذة، وإذا استعرضنا العمل الفني على الأجيال ~~خيل لنا أن هناك جهدا موصولا للخلاص من الكلاسيكية، ولكن هذا غير حقيقي؛ فإن كل جيل ~~يخيل له أن الجيل الذي سبق مثقل بالقيود، فعليه الخلاص من قيوده، وهو في الواقع لا ~~يمكنه أن يحطم تلك القيود؛ لأنها قيود أصبحت جزءا من الهيكل الأدبي والاجتماعي يود الذي ~~يسكنه - وهو لا يدري - أن يخلق متنفسا من الهواء الطلق في أبهاء قصر عابس الحجرات متجهم ~~المعالم، ولكنه قصر يقف رمزا للمجد ولا يزال أثره باقيا وسيظل. # فالخلاصة أن الأجيال المتعاقبة عاملة على إعطاء الزمام للروح بدل العقل، وللشعور بدل ~~المنطق الصارم، هذا هو الاتجاه الرئيسي للجيل الحاضر، فالكلاسيكية كما يريدها ناقد مثل ~~«إليوت» لم تعد صالحة مطلقا، والرومانطيقية كما يريدها # ioya # كذلك لا يمكن ms54 أن تنطلق على هواها! # فما هي القيمة التي يتوخاها الناقد الحديث - ناقد المستقبل - في العمل الأدبي؟ يجب أن ~~يحاول الناقد وضع العمل الأدبي في مكانه من القيم الإنسانية الثابتة، بعبارة أخرى: يتعدى ~~الخصوص للعموم، وهو لن يصل إلى هذه النتيجة إلا إذا اعتبر النقد وعيا للحياة ~~الإنسانية. # قال «تشيكوف» لأحد أصدقائه الذين يكتبون من برج عاجي: «تعال، اختلط، استغرق في الزحام، ~~تنفس أدبا، لكي تعرف أن تنقد أدبا!» # فقيمة العمل الأدبي أو الفني هو القيمة التي نسجلها في درج الحياة الإنسانية، فإذا فهمنا ~~ذلك ذهبنا إلى صورة العمل الأدبي، العمل الأدبي غرفة ذات بابين: باب يطل على الحياة، وباب ~~يوصل إلى الحياة. # من الأول نستمد تجربتنا الشعورية، ومن الثاني نوصلها للناس. # أما الغرفة الداخلية ففيها الفكرة والعاطفة واللفظ والمعنى والصورة والظلال، والموسيقى ~~والانسجام والإيقاع؛ أي إنها «المطبخ» التي تطهى فيه التجربة لتخرج ناضجة. # وأهم ما في التجربة قيمتها الإنسانية، وأهم ما في المطبخ الانسجام والتوازن والسبك، وأهم ~~ما في الباب الخارجي سهولة التوصيل ويسر التفاهم، وكيفية الإقناع والتأثير، وبث الإحساس ~~بالقيم التي أوحت بها إلينا التجربة، وكشف مواضع الجمال والأهمية في الحياة والوجود، وقد ~~يكون للشعر طبخ غير النثر، وللنثر طبخ غير الغناء أو الموسيقى، ولكنها في اختلاف النسب ~~والمقادير بينما تبقى الأصول على حالها من حيث التوازن والانسجام. # فالعمل الفني يجب أن يحدد في عين الناقد بمقدار الشعور الإنساني المنبت فيه، والتوازن ~~الجاري بين المتناقضات من عقل وعاطفة وفكرة ومعنى. # وأخيرا، هل أفاد هذا العمل اتصالا؟ فما قيمته وما أثره في الأدب الحاضر والمجتمع ~~الحاضر؟ وما قيمته وأثره بالنسبة للتراث الأدبي العام، هذا هو نقد المستقبل أو مستقبل النقد ~~والسلام. # | رسالة السياسة # إن اعتبار السلوك السياسي على أنه مسألة عقل وتدبير قد أصبح على ضوء علم النفس الحديث ~~اعتبارا عتيقا، وبعد قليل سيصير خرافة. فقد ثبت أن السلوك السياسي أبعد وأعمق من أن يكون ~~مجرد عقل أو دهاء. وأقصد بالسلوك السياسي: ذلك السلوك الذي يساس به الناس بواسطة الحكام ms55 أو ~~الساسة، ومصدر هذا التغير في الاعتبار هو بروز مسألة «الغريزة» والعودة إلى التحدث بشأنها ~~في علم النفس الاجتماعي، وفي السلوك الاجتماعي على الإطلاق بشكل يدعو إلى التأمل العميق. لا ~~ندعي من ذلك أن علم النفس ذلك العلم الذي لا يزال ناشئا، يمكن أن يطبق تطبيقا عاما في ~~كل مسألة، أو أنه يمكن تطبيقه جزافا. # على أننا إذا لم ننتظر منه فائدة مباشرة، فإنه مما لا جدال فيه أن الميدان الأخير هو له ~~في غير جدال، ولقد ذكر «ريفرز» في كتابه الأخير عن السيكولوجية والسياسة أنه كان يضع برنامج ~~المحاضرات والامتحانات في الجامعة مدة 8 سنوات متتابعة في المدة الأخيرة، وأثار العجب في ~~نفسه أنه في هذه السنوات كلها لم يذكر كلمة الغريزة، وها هو قد عاد إليها بحماس وقوة، ليقيم ~~دعائم السلام عليها، وعلى ما تبين له من دراستها، على أنه ينكر المقارنة بين العقل ~~والغريزة، ويقول: إن هذا عبث، ويعتبر العقل غريزة متطورة، وينكر نسبة السلوك إلى العقل، ~~ويعرف الغريزة تعريفا جديدا ألا وهو: «أن الغريزة اتجاه موروث نحو السلوك»، ويقول: إن ~~من صفات الغريزة عموميتها، وكثيرا ما ننخدع بشكل من أشكال الغريزة، اتخذ زيا جديدا على ~~الأيام، وأخذ يبدو كأنه لون من ألوان العقل والذكاء، فإذا أخذنا نحقق وجدنا أنه غريزة تشكلت ~~من جديد بحسب ظروف جديدة، وأهم هذه الظروف الكبت أو الاستعلاء، ثم يعود فيقول: إن العقل في ~~نظره عبارة عن «لجام» يمسك بالغريزة، ويكبح جماحها ويقودها وفي يده عنانها، ويؤكد كذلك أن ~~هذا الموجه لا يوجه نفسه، وإنما يوجه «النواحي العاطفية للغريزة»، على أن النقطة التي ~~نريد أن نبدأ بها هي هذه: هل يمكن الاعتماد على علم النفس الاجتماعي فقط ليقود خطانا إلى ما ~~نرجوه من السلامة؟ # لقد حاول أكثر العلماء مزج علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع معا، على فكرة أنهما ~~يلتقيان في أن الأول استنتاجي والثاني استقرائي؛ أي إننا ندون ملاحظاتنا بواسطة الثاني ~~ونستخلص النتائج بواسطة الأول، ولكن رأى «جراهام والاس» في أن هناك ms56 ما يسمى «الميراث الاجتماعي # Social Heritage ~~» وهو «ميراث غير غريزي # Non Instinctive ~~» خارج عن السلوك الغريزي، جعل هذا ~~المزج مستحيلا؛ فهناك من السلوك المتوقف على الميراث الاجتماعي ما لا يقوم على قواعد ~~«سيكولوجية»، ولكنه يفيدنا فائدة كبرى في الناحية السيكولوجية، ولما كان السلوك السياسي وهو ~~جزء من السلوك الاجتماعي العام فإن الملاحظات والمقارنات والإحصائيات سيكون لها أثر بالغ في ~~توجيه السياسة وجهة نفسية، وعندنا أمثلة كثيرة على ذلك، أمثلة هامة جدا، وأول هذه الأمثلة ~~ما جاء في كتاب «وستر مارك» المشهور عن عاطفة الانتقام، فهو قد قرر تقريرا سيكولوجيا ~~مؤداه أن عاطفة الانتقام أصيلة في النفس الإنسانية، وهذا مبدأ خطير جدا معناه أن استقرار ~~السلام في العالم غير مستطاع، فجاء «ريفرز» وغيره يبحثون هذه الطبيعة طبيعة الانتقام في ~~سلوك القبائل، وفي الإنسان الأول وفي مختلف الطبقات، فانتهوا إلى نتيجة مخالفة لرأي «وستر ~~مارك» مخالفة تامة، معنى هذا أنه لكي ننتهي إلى رأي صحيح يجب أن يسير كل علم في طريقه، على ~~أن يسير العلمان على محاذاة وعلى اتصال. # ومثل آخر هو مثل الساعة ذلك هو حق المرأة السياسي، إننا لغاية اليوم نتعلل في حرمانها من ~~هذه الحقوق بما نعرفه من سيكولوجيتها، فنحن نقول: إن مخها أقل من مخ الرجل، وبذلك يكون ~~ذكاؤها أقل، وإن قوة احتمالها أقل، وإن عاطفتها جامحة، وإن تكوينها يعدها فقط للأمومة، وإن ~~... وإن ... # ولكن بقيت مسألة هامة أن السلوك الإنساني والسياسي ما هو غير غريزي وما هو بلا شك جزء من ~~الميراث الاجتماعي، وهذا السلوك مبني على أسباب غير جلية، ولكن أثرها لا يمكن إنكاره، فمن ~~ثم يتضح لنا أن سلوك المرأة السياسي يجب أن يوضع موضع التجربة على الأقل، بمعنى آخر يجب ~~أن نتبين سلوكها في الانتخابات، والدعاية ووسائلها في البرلمان، وفي الإدارة وفي غير ذلك، ~~من يدري؟ ربما كان في سلوكها السياسي ما يلقي بدوره ضوءا جديدا على طبيعة ذلك السلوك، ~~وربما كان فيه ما يصحح لنا أخطاءا سيكولوجية أوقعنا فيها جهلنا وعجزنا عن ms57 المغامرة ~~والتجربة. # وثم مسألة أخرى غاية في الأهمية، وهي أن الإدارة السياسية تجري بواسطة اللجان، ~~واللجان حسب ما نعرف قسمان؛ استشاري وتنفيذي، والقسم الأول ناجح غالبا، والثاني فاشل في ~~معظم الحالات، وقد أخذ علم النفس يبحث في أسباب الفشل السياسي؛ أي يبحث في أسباب فشل الهيئة ~~التنفيذية للمشروعات غالبا ما تقع في أيدي قوم له خاصية سيكولوجية «الدفاع النفسي» وهي ~~سيكولوجية قائمة على مركب النقص، ومركب النقص يدعو إلى «التهويش» وهذا التهويش هو دفاع عما ~~تحته من العجز الحقيقي والقصور، فابتدعت في أمريكا طريقة تدعى طريقة الشريط الأحمر، وهي ~~طريقة آلية يمشي فيها التفنيد من خطوة إلى خطوة حتى تنتهي الخطوات بلا تردد ولا تلكؤ، ولكن ~~هذه الطريقة فشلت في السلم وإن نجحت في الحرب، فشلت في السلم لأن حالة السلم تقتضي المرونة ~~والكياسة وإدراك الطبيعة الآدمية التي تتطلب الأيدي المرنة الذكية لتسيير دفة ~~أمورها. # من هذا يتضح لنا أننا لا نزال في أول الطريق، على أن الطريق واضح مهما بدا للعين من أحجار ~~وعقبات. # فإذا عدنا إلى ما بدأنا به الكلام من أن كل سلوك في الوجود هو غريزي أصلا، متجاهلين - ~~بعض الوقت - مبدأ «ولاس» ألا وهو السلوك الغير الغريزي؛ أي الميراث الاجتماعي، فإننا ننظر ~~في التعريف: «الغريزة هي اتجاه موروث نحو سلوك خاص»، فنجده يؤكد شيئين؛ الوراثة والسلوك، ~~ويمكن مقارنة هذا التعريف بتعريف آخر يقرب منه ولا يقل عنه فائدة، ألا وهو أن الغريزة «عادة ~~اجتماعية». # هذا التعريف وسابقه جديدان جدا، وقد محيا إلى الأبد التعريف القديم الذي ألفناه وهو أن ~~الغريزة «دافع حيوي» أو فعل «منعكس» ... إلخ. # وفائدة التعاريف الحديثة جليلة جدا فهي قد فرقت بين الفرد والمجتمع، وبعبارة أخرى: محت ~~ما كان معتقدا بأن هناك فرقا بين السلوك الفردي والسلوك الاجتماعي، ومحت كذلك ما كنا نسمع ~~به عن «العقل الاجتماعي # Group Mind ~~» وإني أعتقد كما يعتقد ~~«ريفرز» وغيره أن هذا الكلام عن العقل الاجتماعي خرافة، فإن المجتمع ما هو إلا الأفراد ~~مجتمعين وما سلوكه إلا سلوك ms58 الأفراد معا. # ولقد تحدث «جوستاف لوبون» وغيره عن هذا العقل الاجتماعي مدللين على وجوده بحالات خاصة ~~تحدث في الحرب والفزع والنكبات، فإن الناس يتصرفون تصرفا جديدا ويمشون على نسق غير مألوف، ~~ولكن المحققين في علم النفس الحديث يقولون: إن ما يحدث ليس إلا استيقاظ غريزة «القطيع» التي ~~هدأت في الطبيعة البشرية، وأخمدت جذوتها عوامل كثيرة أهمها الكتب والاستعلاء. # ولقد جر هذا البحث مشكلتين من أهم المشاكل يرتكز بحثهما على الغريزة من جديد، وينتهي ~~التحقيق منهما إلى رأي قاطع من حيث استطاعة البشر أن يرجعوا إلى حالة اشتراكية طبيعية أو لا ~~يرجعوا. # إن للاشتراكية معنيين؛ الأول: انمحاء طبيعة الملك الفردي، واعتبار أن كل ما يملكه ~~الإنسان يمكن أن يكون ملكا لغيره. # الثاني: أن يعتبر الإنسان نفسه مساويا للآخرين، وأنه خادم للمجموع وحجر في البناء ~~العام. # والأول والثاني صفتان من صفات القطيع الآدمي. # فإذا اطمأن الإنسان إلى أن للغريزة صفة العموم وأن هذه الصفة لا تموت اطمأن إلى أن غريزة ~~القطيع باقية في الأعماق تعمل عملها وإن تغيرت المظاهر والأزياء، ولقد ذكر «ريفرز» بمناسبة ~~غريزة الملك أنه تحدث مع أحد أفراد القبائل الأبوزنجية عن أحواله العامة ففهم منه أن ما ~~يصيده ويكسبه هو ملك للجميع، ولما عرف ذلك الإنسان البدائي أن «ريفرز» يقتصد لنفسه ويودع في ~~البنك ... إلخ. أخذ يقهقه ساخرا. ما من جدال في أنه فوق صفة العموم في الغريزة فإن لها صفة ~~أخرى أشد أهمية ألا وهي قدرتها على المرونة والتكييف، ولقد عارض «ريفرز» ما قرره «والاس» عن ~~الميراث الاجتماعي، وصرح في جرأة أن الوراثة تشمل من ناحية الغريزة ما هو مكتسب وما هو غير ~~مكتسب، وهذا مبدأ خطير جدا وحديث جدا، لقد بالغ فيه علماء الروس وقالوا: إننا نرث من ~~آبائنا حتى المهارة اليدوية، ولكن المهم أن الغريزة تتهذب وتترقى، ونحن نرثها برقيها ~~وتهذيبها، وعاد «ريفرز» يضرب مثلا على ما جرى لغريزة القطيع، فأخذ أولا يدلل على وجودها ~~بشكل قاطع كأساس في طبيعة العقل البشري السليم، فإن العقل إذا ms59 اختل كان أول مظاهر اختلاله ~~الخروج على نظام القطيع والثورة على التقاليد المعروفة. # ثم عاد يقارن بين القطيع الآدمي من قديم، والقطيع الآدمي الحديث ليرسي علم الحكم على ~~قواعد لا تنهار. # فهو يقسم القطيع إلى قيادي ولا قيادي والأخير شائع جدا في الحيوانات؛ فهناك من القطعان ~~ما يسير في جماعات لا رئيس لها، ولكنها تعيش وتنمو وتتكاثر وتدافع عن نفسها وتهاجم على سياق ~~جيد رائع. # فهذه القطعان تعمل عملها بواسطة الإيحاء # Suggestion ~~، ~~والإيحاء يتكون من ثلاثة عناصر؛ التعاطف والبصيرة والتقليد. # ولما كانت الطبيعة البشرية تقذف بنماذج جديدة بين آن وآخر # Varriation ~~. # فقد يحدث أن يبدو في القطيع المتشابه فرد متميز، فيتبعه الباقون، وينتقل التعاطف والتقليد ~~والبصيرة إلى ذلك الفرد، ولكن التعاطف يصير إعجابا، والتقليد يصير طاعة، والبصيرة تصير ~~إدراكا واعيا، ولكنها مهما تنوعت مظاهرها فإنها إيحاء. ولما كان الإيحاء مصدره العقل ~~الباطن فقد استنتج الباحثون أن هذه الخاصية الأصيلة في القطيع، والتي تجعله يؤدي أعماله ~~تأدية آلية سليمة في صمت وهدوء، يمكن استغلالها بين الشعوب، وفي ذلك تنحية للنزاع الذي لا ~~ينتهي بين الحاكم والمحكوم، وقد أخذ المحققون كذلك يبحثون في تأثير «الكلمات» في الشعوب ~~فانتهوا إلى أن الشخصية هي التي توحي لا الكلمة. ~~••• # إذا كان علم النفس قد وصل إلى هذا الحد من البحث، مرجعا البحث في السلوك إلى الغريزة ~~والغريزة وحدها، بل الغريزة الأصيلة، فما المانع من تتبع الدوافع التي تؤثر فيها وتغير ~~مظهرها، ألا يجوز أن المجتمع يمرض كما يمرض الفرد سواء بسواء، ما دمنا قد قررنا مبدئيا ~~محو الفرق بينهما، إن الفرد يمرض جسميا ويمرض نفسيا، والمرض النفسي أهم ما فيه الكبت، ~~فهل الشعوب تكبت؟ أجل، تكبت. والساسة في هذا والأطباء سواء بسواء، أكثرهم يعالجون مظاهر ~~الكبت ولا يلتمسون علله الدفينة، وأكثرهم يصفون ملطفات بدل التقصي للأسباب الحقيقية، وهناك ~~مرضى يهربون من الحقيقة وأطباء يسيئون التشخيص لأنهم لا يريدون مواجهة الحقيقة. # ها أنتم سادتي ترون فائدة هذا البحث الجليل فأرجوكم أن تتبعوا الجديد في علم النفس ms60 ~~الاجتماعي، والسلام. # | رسالة القصة # تحدثت كثيرا عن رسالة القصة، وأنا لا أعيد ما قلته سابقا، فالذي يبدو لي أن سنة واحدة ~~غيرت مجرى تفكيري، وفي هذا العصر من لم يتغير في سنة واحدة يعد جامدا، وتمر عليه ~~الأحداث دون أن يدري، ذلك لأن القصة كأي لون من ألوان الأدب يجب أن تساير العصر وإلا ~~اندثرت، وقد ساءني أننا متخلفون جدا عن الركب الحديث، ولقد كتبت «فرجينيا دولف» مقالا عن ~~القصة الحديثة، فبينت أن أقطاب القصة الذين نجلهم أمثال «جالسورتي» و«لونراد» و«أرنولد ~~بنيت» يعدون متأخرين، بالرغم من الروائع التي خطتها أقلامهم والتي نقشت نقشها نقشا في ~~سجلات التواريخ الأدبية، إذا كان هذا هو الرأي في هؤلاء العباقرة، فأين نحن إذن من هؤلاء؟ ~~ولقد كتب أخيرا القصاص الذائع الصيت «أوفولن» في مجلة المستمع الإنجليزية التي هي لسان حال ~~الإذاعة البريطانية في هذا الصدد، فانتقد القصصي الإنجليزي الحالي والقصصي في العالم عامة ~~نقدا مريرا ساخرا. # على أني يجب أن أفرق أولا بين القصة القصيرة والقصة الطويلة وأقرر مبدئيا أنهما ~~يختلفان تماما، وإن كانت بينهم وشائج وأرحام، ولأبدأ أولا بالقصة الطويلة. # قليل من الكتاب في مصر هم الذين يحاولون القصة الطويلة، وأكثرهم يحاولون القصة القصيرة؛ ~~لسبب بسيط، هو أن الأولى تحتاج إلى «نفس»، وجهد، وتفصيل، ومعاناة، وفهم ودراسة، وسبك، ومبدأ ~~ونهاية، وعقد وحوار وحبكة ... إلخ. حقيقة؛ إن لكل شخص «حكاية» وحكاية طويلة يمكنه أن يجلس ~~ليدونها، وإذا اجتمعت بأي إنسان تنهد وقال لك: إن عندي قصة طويلة، طويلة جدا ومؤثرة ~~جدا، وأريد أن أكتبها، وإذا كنت ناشرا أو رئيس تحرير لمجلة، وجدت في البريد هذه القصة ~~الطويلة المؤثرة، ولكنها حين تصل إليك وحين تقرؤها تتردد في نشرها، وقد يكون أسلوبها جيدا ~~ووقائعها حقيقية، فما السبب في ترددك؟ أليست القصة مهما اختلفت ألوانها «حكاية»؟ أليست كل ~~قصة مكونة من وقائع؟ والجدير بالتسجيل منها هو المستمد من واقع الحياة، ولكنك تتردد في ~~نشرها بالرغم من سلامة لغتها وإشراق أسلوبها وديباجتها، وقد تردها «مع الشكر» لصاحبها فيعجب ms61 ~~كل العجب لأنك رددتها إليه. وحينما كنت محكما في وزارة المعارف في مسابقة القصص، كنت ~~مكلفا بقراءة القصص المرسل للمباراة، فقرأت أكداسا وأكداسا، فلم أستخلص مما يصلح إلا ~~القليل، القليل جدا. تتساءلون الآن ولا شك: هل الحكاية الجيدة السرد المستمدة من الحياة ~~لا تكون قصة؟ إذا كان هذا لا يكون قصة فماذا يكونها إذا؟ # أجيب على ذلك بأنك تستمع إلى اثنين يقصان عليك قصة واحدة، هي هي بعينها، وقائع وتجارب ~~وتفاصيل، ولكنك تغط في النوم وأنت تستمع إلى الأول، بينما يستأثر الثاني بلبك حتى تلقي ~~ما بيدك مهما يكن هاما لتصغي إليه إصغاء تاما. السبب في ذلك أن الأول «يحكي كل شيء» ~~فيضيع عليك كل شيء، والثاني يحسن شيئين؛ الاختيار والترتيب # Selection & Arrangement ~~، ومعنى الاختيار أنه يعرف ماذا عليه أن يترك قبل أن ~~يعرف ماذا عليه أن يقول، وهذه حكمة النضوج والفهم والتجربة، لا في القصة وحدها، بل في أي ~~عمل أدبي على الإطلاق، وقد كان «تشيكوف» يؤلف القصة في 100 صفحة أولا ثم يحذف منها ~~بالتدريج حتى تصل إلى صحيفة أو صحيفتين. # أما الترتيب، فهو ما نعبر عنه «بكيفية العرض»، فأنت قد تقدم فصلا على آخر أو جملة على ~~أخرى، أو شخصية على أخرى، أو كلمة على أخرى فيفسد الجو كله، والعبرة هنا لا شك بالذوق ~~الأدبي، ويتبين ذلك على أتمه لا في القصة على الخصوص، بل في الشعر، فإنك أخذت البيت الرائع ~~وبدلت في كلماته، محافظا في نفس الوقت على المعنى وجدت بيت الشعر قد فقد طعمه، ولم يعد ~~شعرا ولا نثرا، وقد كان أحد أساتذتنا مغرما بقلب القصائد الكبيرة على هذا المنوال، أي ~~بمجرد نقل كلمة مكان أخرى وتقديم الواحدة على الثانية أو تأخيرها، ووضعها أولا أو وضعها ~~أخيرا، ولماذا نذهب بعيدا، خذوا الآية المشهورة: # فلعلك باخع ~~نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا # انقل كلمة أسفا من مكانها وأنت تشعر في الحال بالقوة التي يحدثها «الترتيب» في العمل ~~الأدبي. # إذن فمجرد السرد لا يحدث ms62 حكاية ولا يحدث قصة. # تقول لي: ولكنها مستمدة من الحياة. فأقول: إن الواقع المجرد Plain ~~fact # لا يحدث تأثيرا قويا. ولقد قال # Haglett # أن للعمل الأدبي، وخاصة القصة، جناحان؛ القوادم ~~والخوافي، أما القوادم فهي هذا الواقع، أو على حد تعبيري التجربة الواقعية، أما الخوافي فهي ~~«التجربة الشعرية» أعني الظلال والألوان التي يضيفها المؤلف على الواقع. # ولما كانت هذه التجربة الشعرية خاصية لا تتوافر إلا للقليلين أدركنا سر الإحساس الذي ~~يجعلنا نلقي بقصة ما جانبا ونحن نقول: «مش قوي»، «مش قوي»، وإنما نعني نقص هذه الظلال، ~~فقدان هذه الأصباغ، أو باختصار ضياع الشاعرية المطلوبة في القصة، هاتان التجربتان هما ما ~~نسميه جوهر القصة، وإذا حللناهما تحليلا أدق وجدناهما يتكونان من الأشخاص والحوار، والعقدة ~~وحل العقدة، والمبدأ والنهاية. على أن بعض المؤلفين يقولون: بل إن هؤلاء ليسوا في الواقع ~~جوهر القصة، بل الشكل الذي تصب فيه القصة # form # ويقسمون ~~الشكل إلى قسمين: الشكل الميكانيكي، أو الإطار الصناعي، أو القالب. والقسم الثاني: ~~القسم الغريزي # inslinctive form ~~، أما الشكل الميكانيكي ~~فهو المتبع بين أكثر الكتاب الكبار، مثل «بينت» و«جالسورتي» و«ولز»، وقد كان «بينت» أكثر ~~الكتاب عناية بهذا الشكل الميكانيكي، بحيث إن الشكل عنده قد شبه ببناء هندسي تام الأبواب ~~والنوافذ بحيث لا نجد منفذا واحدا تتسرب الريح من خلاله. # ولكن مبتدع الشكل الغريزي وهو «لورانس» يقول: دعوا القصة تطابق الشجرة النامية؛ أي إنها ~~تنبت جذعا ثم تتفرع أفرعا، ثم تورق ثم تثمر. # أي إن شكل القصة يجب أن يتكون من نموها الداخلي، فهو هذا الذي يحدد الشكل الخارجي، بينما ~~المذهب الميكانيكي يبني البيت أولا ثم يملؤه بالأثاث والسكان، وبعبارة أخرى: مذهب يبدأ من ~~الخارج إلى الداخل، ومذهب يبدأ من الداخل إلى الخارج، على أن المذهب الأخير مذهب «لورانس» ~~و«فرجينيا دولف» مذهب خطير جدا، فهو مذهب حر مبني على استجابات ودوافع داروينية محضة، ~~أساسها التفاعل بين الإنسان والإنسان، والإنسان والبيئة، والإنسان والحوادث، فليس هناك عقدة ~~ولا حبكة، بل تفاعل مستمر، يتضح من ذلك أن القصة ms63 تماثل فيلما ملونا سريعا خاطفا، ويتضح ~~كذلك أن الفرق بين المبدئين هو الفرق بين ما هو مادي وبين ما هو غير مادي، بين ما هو ~~كلاسيكي يجري على قاعدة ويتقيد بأوضاع، وبين ما هو حر لا يتقيد بأوضاع غير ما تمليه الحياة ~~ذاتها. # وقد يخيل إلينا أن أصحاب المذهب المادي كانوا يعانون في «بناء» القصة نصبا وتعبا، ~~بينما أصحاب المذهب الحر يستسلمون لفوضى لا تكلفهم أي عناء. # حقيقة إن أبناء المذهب المادي، لكي يكون البناء متناسقا فخما كاملا، كانوا يعانون ~~مجهودا ضخما جبارا في سبيل ذلك؛ فإن «فلوبير» كان يحبس نفسه في غرفته أياما بحالها من ~~أجل كلمة، وأحيانا يخرج إلى الشارع كالمجنون وهو يشد شعره. # وقد ذكرت حكاية لطيفة عن «ثاكراي»؛ فقد اعتذر عن ليلة ساهرة لأصحابه؛ لأنه يريد أن يكتب ~~فصلا في روايته الخالدة «فانيتي فير» فأراد أصحابه أن يداعبوه، فأقبلوا على منزله في آخر ~~السهرة وفاجئوه وهو يكتب، فوجدوا أنه لم يكتب غير اثني عشر سطرا من خطه المنمق ~~الصغير. # على أننا يجب أن نصرح أن المذهب الحر، في أيد غير أيدي «وولف» و«جويس» و«لورنس»، يؤدي ~~إلى فوضى لا قرار لها، وقد كان «لورنس» شديد العناية بعمله عناية فائقة، وكان يتوخى تجنب ~~هذه الفوضى التي قد يؤدي إليها المذهب الغريزي في القصة، فما يروى عنه أنه كان يكتب القصة ~~لآخرها، وأحيانا كان لا يرضى عنها فيمزقها إربا ويبدؤها من جديد. # هذا فيما يختص بالمذهبين القائمين اليوم، ولنا عودة إليهما بعد حين. # فالآن أتحدث عن «الأشخاص» في القصة: إن الحديث عن الأشخاص يعود بنا إلى التجربة الشعرية ~~في القصة. # قال «كيتس»: «إن الشاعر أقل الناس شاعرية»، يعني بذلك أنه مرآة تلتقط كل شيء تصادفه، إنها ~~تشرب هذه الشخصية وتندمج في تلك حتى تتلاشى شخصية الشاعر الأصيلة؛ لأنها امتصت كل هؤلاء، ~~وتفسيرا لهذا نضرب مثلا له على أتمه في «توفيق الحكيم» و«بيرم التونسي»، فإنهما يجلسان في ~~مجلس السمر صامتين لا يتكلمان، فإذا انفض المجلس يمكنك أن تستخرج من عقليهما ms64 فلما ~~كاملا لما كان وما حدث في أتم صورة وأجلاها، لقد امتصا كل شخصية واستوعبا كل كلمة، فإذا ~~جلس «توفيق الحكيم» ليكتب عكس كل هذا في قصصه عكسا صادقا عجيبا، وإذا جلس «بيرم» ليؤلف ~~زجلا وجدت هذه الصور مطابقة للأصل مطابقة ~~مدهشة # true to ~~type ~~. # هذه الصفة الشاعرية كانت من مميزات «شكسبير» الأولى، والظاهر أنه كان من الطراز الصامت ~~المستوعب؛ لأننا لا نعرف من تفاصيل حياته الخاصة كثيرا، ولكننا نعرف أنه عرض كل شخصية ~~ممكنة في السجل الآدمي عرضا صادقا جبارا. # إن القصة كما ترون تطورت من السرد المحض إلى السرد المختار، كما هي عند «جين أوستن» ~~و«فيلدنج»، إلى السرد المختار الجيد الترتيب، كما هي في فجر القصة العربية الحديثة، ثم إلى ~~القصة التي لها «شكل» و«جوهر»، وقد تكون هذا الشكل والجوهر في العصر الحديث، العصر المادي ~~من «الواقع»، فالمادية فيه تساوي الواقعية والعكس بالعكس، وتناول علم النفس هذه المادية ~~الواقعية بالتحليل والشرح، حتى صارت القصة أشبه بالجثة تحت مبضع التشريح، وحتى ضاع المذاق ~~الفني للقصة. # تسألونني: وما هو المذاق الفني؟ # فأقول: إن القصة كلما تطورت ماشت العصر، حتى أصبحت شغل عقل # Clever Brain Work ~~، وكلما زاد عمل العقل في الأدب ارتفع إلى برج منعزل، وغمسته ~~أرستقراطية ذهنية خاصة، وصارت عينه ترى في المجتمع فروقا وطبقات. # فإذا انتقلنا إلى الفن الروسي عند «دستويفلسكي» و«تشيكوف» وجدنا الوثبة التي كنا نتمناها، ~~وجدنا العقل قد أسلم زمامه للروح، فصارت القصة لا وصفا لتفاعل الغريزة مع ما حولها ولا ~~لتفاعل العقل، وإنما وصفا لومضات الروح، وصفا للأعماق الهائلة التي تسبح فيها الروح ~~البشرية، وما دامت الروح البشرية واحدة، فمن هنا تنمحي الفواصل بين الطبقات. هناك روح واحدة ~~تسر وتتألم، تسخط وترضى، تحب وتبغض، تسف وترتفع، ترسف في القيود أو تطلب الحرية، هناك أعماق ~~واحدة متشابهة. # وصعوبة الفن الروسي هي في أن الذي يحلل الروح البشرية روح مثلها تفهمها وتدرك آلامها ~~وعذابها وحيرتها، الفن الروسي روح حساسة تخاطب روحا حساسة، عذاب يخاطب عذابا، آلام تخاطب ms65 ~~آلاما، آمال تناجي آمالا، الفن الروسي اعترافات، اعترافات متوالية، ولذلك خلا من مبدأ ~~ونهاية، إن عالم الروح غامض فسيح، وكذلك القصة في الفن الروسي، فقد تنزل الستار والناس ~~يتحدثون، لم يفرغوا بعد من الحديث. # إن الفن الروسي على حد تعبير «وارنر»: «يقبض على الأبدية في كف، وفي لمحة.» # | رسالة الأدب الأوروبي الحديث # التحدث عن التطور في الأدب الأوروبي الحديث بصفة عامة يغني عن تناول التطور في أمة بذاتها ~~من الأمم الأوروبية الكبيرة، وما ذلك إلا لتقارب التيارات الفكرية في مختلف تلك الأمم، ~~وتأثر كل منها بالأخرى، واحتفالها بكل مذهب جديد ينبثق في آفاق جاراتها، حتى صار الحديث عن ~~أدب إحداها مشابها للحديث عن أدب الأخرى، ويمكن القول في غير تعرض للخطأ أن تطور الأدب ~~الأوروبي الحديث يتخذ أسلوب التطور العلمي. # وقد ساهمت الحربان العالميتان الأخيرتان في التقريب بين الاتجاهات الفكرية الأوروبية، ~~وتبدو وجهة نظرنا هذه جلية فيما أسفر عنه نشوب الحرب الإسبانية الأهلية؛ فإن هذه الحرب لا ~~تعد محلية، بل ظاهرة عالمية أو أممية، وقد اعتبرها الشعراء والكتاب مظهرا لتنازع القوى، ~~ومحكا لاختلاف المذاهب، ومعرضا لتضارب العقائد، وعلى ذلك نزح عدد كبير منهم إلى ساحتها، ~~ومن لم يشترك فيها بسيفه أو بندقيته اشترك بقلمه. # وهناك ظاهرة أخرى تؤيد ما ذهبنا إليه وهي أن كل مذهب جديد في الشعر يؤدي إلى التحول ~~والتطور، تصدر عنه نشرة تتضمن أصوله وقواعده وتسمى «مانيفستو»، فأدباء الإنجليز يذكرون ~~«المانيفستو» الذي كتبه «وردسورث» «والمانيفستو» الذي كتبه «ف. ت. هولم»، أما «مانيفستو» ~~العهد الحديث فقد ظهر في إيطاليا وامتد منها إلى باقي الأمم المتحضرة، وهو يتميز بلهجته ~~العنيفة ودعوته إلى بتر القديم، وامتلائه بالشتائم والبصقات. ومهما تكن قيمة هذا المانيفستو ~~الذي ما زال اسم كاتبه المجهول محل حدس وتخمين، فإنه كان صورة لما تردد في الصدور من ضرورة ~~التحول في الأسلوب والمعنى والهدف الذي يتعلق الأدب به ويسعى إليه. # ونحن نقصد بالعهد الحديث تلك الحقبة التي تبتدئ قبيل نشوب الحرب الأوروبية الكبرى الأولى، ~~ويرى بعض أهل الرأي ms66 أن تحدد بالأشخاص لا بالحقب، فيقال مثلا: إن الشعر الإنجليزي الحديث ~~بدأ يوم نشر إليوت قصيدته الخالدة «الأرض المهجورة»، أو أن قصيدة الشاعر «بردجز» «إنجيل ~~الجمال» اختتمت عهده القديم. # على أن هناك ظاهرة هامة يمكن تلمسها في كل مرحلة من مراحل تطور الأدب، وهي أن أصحاب ~~الأسماء الضخمة التي تلمع إبان التجديد ليسوا في الواقع المجددين ولا أول من غامر في ~~التجربة، فقد تمر فترة من الزمن تعلق أثناءها الأنظار بهم وتردد الألسنة آلاءهم، ثم تتجمع ~~الشواهد على أن اسم الرائد الفعلي للتجديد مطموس في بطون الكتب والأوراق، ونحن نذكر على ~~سبيل المثال لما نقوله الشاعر الإنجليزي «هو بكنز» والشاعر الفرنسي «ريمبو»، وكان الأول من ~~رجال الدين فحالت مهنته دون نشر ديوانه الذي ظل وديعة لدى صديقه الشاعر «بردجز» فلم يطبع ~~وينشر إلا بعد موته، أما الثاني فقد جد له ما دعاه إلى هجر وطنه والنزوح إلى الحبشة، ~~واحترف هناك التجارة، ثم عاد إلى مصر ومرض بها، ومات في مرسيليا وهو في طريق العودة إلى ~~بلده، وكانت لمعته في الحياة قصيرة، ولكنه استطاع أن يخلف ذخرا من شعر رائع شرقي النفحة، ~~تضمن بعضه وصفا لمشاهد أغلب الظن أنها مصرية، ومما يلفت النظر أن أكثر المجددين المجهولين ~~الذين يتم التطور على أيديهم عباقرة من الشباب يختطفهم الموت في سن مبكرة، ولا يحترفون ~~الأدب ولكنهم يظلون من هواته. # ولو بحثت في تاريخ الأدب الأوروبي المعاصر لأذهلتك قلة المجددين، وأما الأدباء الذين ~~وقفوا حياتهم على نشر دعوة التجديد فكثيرون، وقد ذخرت ألمانيا وروسيا بأولئك المبشرين الذين ~~نزحوا من بلادهم في سبيل خدمة المذاهب الأدبية الجديدة، ولاقى كثيرون منهم حتفهم في ذلك ~~السبيل، ولكن ما هي الدعوة الجديدة؟ ما هو الشعر الجديد؟ # خلاصة هذه الدعوة أن الشعر الحديث يجب أن يساير الزمن الحديث والحياة الحديثة، يجب أن ~~يصبح في متناول الناس لا بعيدا عن أذهانهم، قريبا منهم لا معتصما بأبراج عاجية، وقد رأى ~~المحدثون أن تكون هذه المسايرة بالتزام أمرين: أولهما: الطابع العلمي، والثاني: ms67 ~~السرعة. # أما الطابع العلمي فمنقسم إلى قسمين: أولهما: طابع التأمل والتمحيص والشك والتجربة. ~~وثانيهما: ألا يقف الشعر على هامش الحياة، بل لا بد أن يتغلغل إلى صميم الحقائق فيجلوها، ~~وأن يصل إلى أغوار النفوس فيكشفها. # وأما طابع السرعة والتركيز والاختصار فقد نادت به أولى المدارس الأدبية الحديثة وهي مدرسة ~~الصوريين # Imagists ~~، وقد ظهرت في أعقاب العصر الفكتوري ~~وترعرت في نهاية العصر الجورجي . # وإذا كان الطابع العلمي قد أفاد الأدب من ناحية؛ فقد أضر به من ناحية أخرى. فهو قد وصله ~~بالحياة إذ جعله واقعيا، ولكن تقطيع الأدب تقطيعا علميا وتشريحه تشريحا ماديا ~~يفقده قيمته الفنية وجمال وحدته وتماسكه، ولا يظنن أحد أن الطابع العلمي يرمي إلى جعل ~~الأدب علميا، ولكنه يدعو إلى التذرع بوسائل العلم وهي الشك والتحليل الدقيق والاستقراء ~~العميق. # ومما لا شك فيه أن الراديو والسينما والصحافة طبعت الأدب الحديث بطابعها إلى حد كبير، حتى ~~إن الكثير من الأعمال الأدبية صارت أشبه باللمحات الخاطفة، أو بالعلم السريع الملون، ولقد ~~صار أدب لحظة ولحظة لا أدب أجيال وأجيال، وليس الأسلوب التصويري في مذهب الصوريين إلا وليد ~~تلك الآلات الحديثة الاختراع. # بنى الصوريون مذهبهم على أن الأدب يجب أن يكون صورا متلاحقة مضغوطة، وقد بالغوا في ضغط ~~صورهم وتفننوا حتى حملوا الكلمة الواحدة صورا مجتمعة لا صورة واحدة، ومازالوا يمعنون في ~~مبالغتهم حتى صاروا يشحنون القصيدة الواحدة الضخمة في بيتين من الشعر لا ثالث لهما، ولكن ~~المذهب الذي دعوا إليه لم يربطه بالماضي أي رباط، ولما شعروا بأن المبدأ الذي ينبت عن ~~الماضي يضل سواء السبيل إذ لا يجد أساسا يرتكز عليه، بحثوا عن دعامة يؤسسون عليها مذهبهم ~~فيصلونه بالحياة، فاهتدوا إلى مدرسة رأوها أقرب المدارس إلى مذهبهم وهي مدرسة الرمزية ~~الفرنسية، تلك المدرسة التي أسسها أديب لا علاقة له بفرنسا هو «إدجار ألن بو». # وصلوا سلكهم بسلك الرمزية، ولكن شتان بين المذهبين، وإذا كان للصوريين فضل فهو لا يمت إلى ~~مذهبهم بصلة، ولكنه ينحصر في أنهم تسببوا عن غير ms68 قصد في نقل مذهب الرمزية في الأدب إلى ~~إنجلترا، ذلك المذهب الذي لا يخامرنا شك في أنه سيصبح أخطر المذاهب الأدبية شأنا في ~~المستقبل، وسيضرب المجددون المفننون في كل اتجاه، ولكنهم لا بد راجعون إليه آخر المطاف ~~مرغمين. # ولزيادة الموضوع شرحا أقول: إن مذهب الصوريين كان يعتمد على الأسس الآتية: ~~(1) # التصوير الشعري. ~~(2) # التركيز. ~~(3) # الضغط. ~~(4) # استعمال اللفظ الموحي. # ولكن أصحاب هذا المذهب حصروا أنفسهم في دائرة ضيقة ظلوا يدورون حولها حتى استنفدوا قواهم ~~فهلكوا فيها، على أن «إليوت» و«سبندر» و«لويس»، وهم من شعراء العصر الحاضر، ظلوا يتبعون ~~طريقة التصوير والتركيز والضغط حتى بعد اندثار مدرسة الصوريين، ولكنهم نحوا في ذلك بطبيعة ~~الحال نحوا جديدا، وكان مما يدعو إليه المذهب الصوري اختيار اللفظ الموحي للتعبير عن ~~المعنى، ويرجع ذلك إلى اعتقاد أصحاب ذلك المذهب أن المعنى المحدد للفظة ما يفقدها قوتها، ~~وأن جمال الموسيقى الشعرية لا يكون إلا في غموض المعنى الصوتي للألحان، فكلما ألقت اللفظة ~~ظلا من الغموض اكتسبت قوة وجمالا، وذلك لأنها تفتح لقارئها آفاقا مبهمة تتسع ~~للتأمل! # ولا يغرب عن البال أن شعر «شكسبير» كان غنيا بالصور حتى إن الصوريين عجزوا عن اللحاق به ~~في هذا المضمار، ولكن غزارة مادته حالت بينه وبين الضغط والتركيز، وقد جاء شعر «شيللي» كذلك ~~على غرار ما دعا إليه المذهب الصوري، وكانت صوره من الكثرة بحيث تبهر البصر كالمرايا ~~المتكسرة في طريق تنعكس عليه أشعة الشمس، ولكن المدرسة الشعرية الجديدة في «إنجلترا» وجهت ~~اللفظ توجيها سيكولوجيا جديدا. وتفسير ذلك أن الكلمة عند «شكسبير» و«شيللي» والصوريين ~~كانت كلمة واضحة تؤدي معناها مباشرة وتعني ما تقول، أو بعبارة أخرى: كانت تصدر عن العقل ~~الواعي لتخلق صورة محددة أو عدة صور. # أما المدرسة الشعرية المشار إليها فقد اتجهت إلى تحديد التجربة الشعرية، وتحديد العلاقة ~~بين العقل الواعي والعقل الباطن، وتحديد مهمة العقل الباطن في الأدب، واستغلال إمكانيات ~~العقل الباطن، وبناء الشعر الحديث على الطريقة المسماة التداعي الحر # Free Associations ~~، وتقوم هذه الطريقة الأخيرة على ~~الاسترسال وراء ms69 الكلمات؛ أي إن كل كلمة تجر الكلمة التي تليها حتى تنتظم القصيدة بأكملها، ~~فإذا أعمل فيها القارئ فكره، وجد نفسه يموج في عالم لجب من المعاني والصور، وقد قال الشاعر ~~الفرنسي «مالارميه» بمثل هذا حين زعم أن قيمة اللفظ تنحصر في خلق جو غامض يستر وراءه وضوحا ~~عليك أنت أن تستجليه بخيالك! # والذي يعاب على هذا المذهب أنه ممعن في الذاتية ؛ أي إن الشاعر يعبر عن قرارة ذاته، ويتصيد ~~أوهامه الغامضة محتفظا بمفاتيح أسرارها ويدع الناس يتخبطون وراء معانيه كيف شاءوا، ويختار ~~كل منهم التفسير الذي يلائمه. # وإذا طوينا كشحا عن الانحرافات الأدبية الناشئة عن الويلات التي عانتها الإنسانية بعد كل ~~من الحربين الكبيرتين الأخيرتين، فإننا نستطيع أن نكرر ما قلناه من أن الطابع العلمي هو ~~طابع الشعر الجديد الذي عمد إلى مجاراة الحياة والأحياء، فأما مجاراته للحياة ففي طريق ~~تأثره بها وتأثيره فيها وامتلائه بالحيوية الدافقة. وأما مجاراته للأحياء ففي طريق مشاركتهم ~~في مشاعرهم، والتفاهم معهم ومخاطبتهم بلغتهم، فإن ازور عنهم ونبذهم ازوروا عنه ~~ونبذوه. # نعم، يحرض الشعر في هذا العصر على أن يكون واضحا مفهوما حتى لذوي الثقافة ~~الضحلة. # وقد كان الشاعر فيما مضى يصف الذهول مثلا، فيقول: إنه إغراق في الشرود، أو يقول شيئا ~~شبيها بذلك، ولكن الشاعر المعاصر «سبندر» يقول عنه: «كنت ذاهلا كمريض مبنج على مائدة ~~العمليات الجراحية.» # ثم إن الشاعر الحديث لا يتورع عن استعمال الكلمات المتداولة التي كان الشعر يترفع فيما ~~مضى عنها، حريصا على تخير الألفاظ الشريفة الأنيقة، ويرجع سبب هذا التغير إلى أن اللفظ لا ~~يتخير الآن لذاته أو لحسن السبك وفخامة الديباجة، ولكنه يتخير لأداء المعنى على أدق ~~وجه وأوضحه، مع مراعاة تناسقه مع المعنى والموسيقى الشعرية، وهذا يتمشى مع نزول الشعر إلى ~~الواقعية في بساطتها وصدقها. # | رسالة الأخلاق # يتحتم علينا قبل الدخول في الموضوع أن نحدد ما نعنيه بكلمة فلسفة ثم ما نعنيه بكلمة ~~أخلاق، أما الفلسفة: فهي ذلك الشيء الذي يضع الخطوط العريضة للتجارب الإنسانية، ومنذ ~~القدم عرف ms70 أن هناك طبقة فوق الفلسفة هي طبقة الدين، وطبقة تحتها هي طبقة العلم. والدين ~~كما هو معروف قائم على الحقائق التي لا تناقش، أما الفلسفة فشرح الحقائق البعيدة للحقائق ~~الظاهرة، أما العلم فتطبيق عملي لهذه الشروح والتعليقات، ومن يستعرض مراحل الفكر على ~~الأجيال يتضح له أن الدين يتكئ على الفلسفة، والفلسفة تتكئ على العلم، وأن الفلسفة إذا عجزت ~~تطلعت إلى الدين ، وأن العلم إذا وصل إلى أزمة تطلع إلى الفلسفة طالبا منها المعونة. # أما الأخلاق فكلمة غامضة، تناولها الدين فجعل لها معنى، وتناولها العلم فجعل لها معنى، ~~وتناولتها الفلسفة فجعلت لها معنى آخر. # أما من ناحية الدين فالأخلاق الطيبة هي التي تتفق وتعاليم الدين بغير مراعاة للظروف ~~والبيئات والأجيال والتغيرات الاقتصادية أو العمرانية، ولا شك أن الديانات تضع المناهج ~~العامة التي بمقتضاها يتحقق صلاح العالم، ولكن العقائد التي لا تناقش صار موقفها حرجا في ~~العالم المتطور الذي أصبح كل من فيه صاحب رأي، وكل صاحب رأي مغرما بالجدل والمناقشة، ~~والواقع أن أكثرنا يؤمن بتعاليم الدين وقل من يمارسها اليوم ممارسة مخلصة. # وما أصدق قول «برجسون» الفيلسوف: إن التقاليد والعادات هي الأخلاق، ولما كانت الديانات ~~تنهى عن الخروج على المألوف فالتقاليد والعادات تتفق مع النصوص الدينية. # وفي القانون الهندي القديم «المانو» جاء ما يأتي: «إن التقاليد المتوارثة جيلا عن جيل ~~خلال الأجيال، إنما هي عماد الأخلاق الفاضلة»، ومهما يكن في هذا الأمر من الصواب من حيث إن ~~التقاليد هي خلاصة التجارب الماضية، أو هي في عبارة أخرى: «غربلة الماضي»، فهي لا تصلح لأن ~~تكون قانونا عاما. # إذن فكلمة «أخلاق» أو رجل عنده أخلاق تعني: العرف السائد «ذلك الذي لا ينحرف عن الأصول»، ~~ونحن في حياتنا العامة نعتبر كل من يخرج على العرف سيئ الأخلاق، أما ما هي هذه الأصول ~~بالضبط؟ أو ما هو هذا العرف؟ فهو هذا الذي ترك الأفهام حائرة. # فسيقول لك رجل الدين «عليك بالقرآن والأحاديث» وسيقول لك رجل الفلسفة «عليك بأرسطو أو ~~أفلاطون»، وسيقول لك عالم النفس «هو ms71 في التوازن النفسي»، وسيقول لك عالم الاجتماع: «هو فيما ~~يوائم بين حاجات الفرد وحاجات المجتمع»، ولقد فرق الفيلسوف «دورانت» بين التقاليد والأخلاق، ~~فقال: إن التقاليد هي عادات نطبقها ولا نعظ بها، والأخلاق هي عادات نعظ بها ولا ~~نطبقها. # أما موقف الدين من هذه المسألة أعني مسألة المعتقدات الثابتة في العالم المضطرب المتغير، ~~فلا يمكن أن يوصف أو يحدد بأدق مما حدده «بوذا» لتلاميذه منذ القدم، فقد ذهب إليه سكان ~~«كالاما» وقالوا له: «إن بعض البراهمة والنساك يجيئون إلينا بمختلف المذاهب حتى عدنا لا ~~نعرف ماذا نصدق.» # فأجاب: «الشك مفيد لكم، والاعتقاد الأعمى ضار بكم، لا تحكموا بالتقاليد ولا تطيعوا الكتب ~~المقدسة بدون فهم، ولا تتقيدوا بحجج المنطق، ولا تؤمنوا إيمانا أعمى بحواسكم، ولا بالأفكار ~~القديمة، ولا حب المظاهر، ولا تجروا وراء معلم أو ناسك، ولكن ليكن حكمكم كما ترون أنتم، ~~فإذا تبين لكم أن هذا الشيء ضار أو غير لائق، أو أنه يحدث النكد والشقاء لنا ولغيرنا ~~فتجنبوه، وإذا كان الشيء لائقا أو صالحا، وإنه يسعدنا ويسعد غيرنا فاتبعوه.» # ذلك هو القانون، وهذه هي الأخلاق. # غير أن هناك ثلاثة أشياء لا بد من ذكرها ما دمنا نتحدث عن علاقة الدين بالأخلاق: # أولا: # أن الديانات مختلفة التعاليم. # ثانيا: # أن أرباب المذهب الواحد أو الدين الواحد قد يختلفون على النقطة الواحدة، ~~فيتشعبون فرقا ويتبعثرون شيعا. # ثالثا: # أنه في ظلال دين واحد لا يتغير، تجيء نظم وتتلاشى نظم وتظهر مذاهب ~~وتختفي، وتتجدد عادات وتتوارى تقاليد، ففي ظلال المسيحية كانت المبارزة ~~مشروعة وكان الرقيق محللا. # ولما كنا في عصر العلم فقد جاء العلماء، وقالوا لنا: لماذا تتعبون أنفسكم؟ إن الطبيعة هي ~~التي تقرر الصالح بغير انتظار لحكمكم. # فلما جاء «دارون» وقال ببقاء الأصلح ظن أنه حل مشكلة الدنيا، بمعنى أن ما تصنعه الطبيعة ~~هو الطيب الوحيد، ولكنه اتضح «أولا» أن الأصلح في عرف «دارون» ليس هو الأصلح بالمعنى ~~المجرد لهذه الكلمة، بل «الأصلح للبقاء»، ثم اتضح أنه يعني بالأصلح الأقوى، فهو قد سن شريعة ms72 ~~القتال لتصفية الموقف وتحديد الأصلح، وهو في ناحية أخرى بنى هذه الصلاحية على التعاون كمثل ~~أعلى للحصول على ما هو أصلح. # ولكن مذهب «دارون» انهار فلسفيا حين اتضح أن التنافس في ناحية يقابله الكفاح في أخرى، ~~فكأننا لم نصل إلى شيء، وبعبارة أخرى: أن التعاون المحمود ما هو إلا كفاح ضد الكفاح، أو هو ~~ضرب من التكتل ضد العدوان. # أما علماء الاجتماع فقد بحثوا عن هذا «الطيب» فيما أسموه حقوق الإنسان، أعني أن هذا الطيب ~~هو حق الإنسان الاجتماعي، وأن على القوانين والعادات أن تتفق مع هذا الحق الاجتماعي، وقد ~~كان قرار استقلال أمريكا في سنة 1776م مبنيا على الحق «في الحياة والحرية والسعادة»، وبعد ~~ثلاثة عشر عاما من ذلك التاريخ قررت الجمعية الفرنسية الوطنية حق الإنسان في «الحرية ~~والملكية والأمن ومقاومة الظلم». # فها نحن نرى أن أكثر هذه المقررات سرعان ما بات سرابا خادعا، ففيما يختص بالحرية، ظلت ~~تجارة العبيد بعد قرار استقلال أمريكا. # وفيما يختص بمقاومة الظلم كانت الحرية ترفرف على ربوع فرنسا والظلم يجري دهاقا في ~~مستعمراتها. # وفيما يختص بالملكية كان النداء بالديمقراطية ثم بالاشتراكية نداءا صريحا ضد ~~الملكية. # وإذن فالميدان السياسي الاجتماعي لم يحل مشاكلنا، ولم نصل عن طريقه إلى خير عام مقرر يصلح ~~لأن يكون لجميع الأزمان، إذن فلا مناص أن نعود أدراجنا للفلسفة؛ فقد تعودت الفلسفة أن تكون ~~دائما أصدق معين وسند حينما تعجزنا السبل الأخرى. # فإذا لجأنا إلى الفلسفة وجدنا أننا لا بد أن نبدأ بأسياد الفلسفة، لنرى هل من الممكن أن ~~تنفعنا أراؤهم القديمة اللذيذة في هذا العصر المتجهم المر؟ # لقد كان «أفلاطون» و«أرسطو» ومن قبلهما «سقراط» يعتقدون أنه لا حاجة بنا لأن ندل أي إنسان ~~على الطيب؛ لأن ذلك مطبوع في النفس الإنسانية. # ولقد قالت «سانت أوجستين»: «إن الخلق الطيب كالوقت، أعرف ما هو بدون أن تسألني عنه»، معنى ~~ذلك أن في النفس نوعا من البصيرة نولد بها ولا نكتسبها، ويمكننا أن نسمي هذه البصيرة ~~«الضمير الفردي»، ولكن هذا الرأي لا ms73 يمكن قبوله اليوم؛ لأن هذه البصيرة لا يمكن أن توهب ~~للناس جميعا على حد سواء، ثم إن هذا الضمير «الفردي» قد يتبدل بتبديل الأحوال والبيئات ~~والظروف، فمن يدري ربما كان «نابليون» يعمل تبعا لوحي ضميره «الفردي». # فلما جاء عصر غير عصر نابليون انقسم الناس فريقان؛ فريق اعتبره عبقريا ومصلحا، والثاني ~~اعتبره سفاحا ومجرما. # ولما كان علم النفس هو الابن البكر للفلسفة فقد مالت عليه تسأله رأيه، فجاء برأيين، الرأي ~~الأول: أن الأخلاق «غرائز اجتماعية» يعني بذلك أن الغرائز التي نولد بها إنما جعلت لنحافظ ~~بها على أنفسنا أولا، وبعد ذلك تجعلنا صالحين للاجتماع، وإذن فهناك غرائز تنحى وأخرى ~~يفسح لها المجال للظهور حتى تصبح «عادات اجتماعية»، ولكن هذا الرأي ينهار إذا اعتبرنا أن ~~هذه «العادات الاجتماعية» هي خلاصة «الغربلة» ونهاية التجارب؛ لأننا نلاحظ أنها ليست أكثر ~~من طلاء تمسحه ظروف طارئة كالحرب والمرض والحب والغضب، ويتضح من ذلك أن هذه العادات ~~الاجتماعية ليست غير قشرة لا يمكن الاعتماد عليها مطلقا. # أما الرأي الثاني فهو رأي «ينج»، وهو أن الأخلاق إما أخلاق استنباطية أو خارجية، وأن ~~الإنسان البدائي استبطاني، والطفل استبطاني أي إنه انطوائي، ينتزع من الصور التي في داخل ~~نفسه ليعكس على الخارج، بعكس الخارجي الذي يعتمد على الحواس لينتزع صورا خارجية يعكسها إلى ~~الداخل. يقول أتباع هذا الرأي: إننا كلما تحضرنا، صارت أخلاقنا خارجية ولكن لم يقولوا لنا: ~~أي النوعين أصلح أو أجود. # إذن فنحن نقف موقفا عجيبا، عندما نريد أن نحدد ما هو طيب وما هو شر، ونستطيع أن نحدد ~~على الأقل أنه ليس هناك طيب في ذاته ولا شر في ذاته، وإنما يحكم على عمل ما بالنتيجة، ولكنك ~~تتساءل: النتيجة لمن؟ وكيف؟ فأجيبك: النتيجة المباشرة وغير المباشرة، قريبة وبعيدة، للإنسان ~~ولغيره. # وأي نتيجة؟ أجيبك في كلمة واحدة: المنفعة. فتسألني: وما صفة المنفعة؟ أجيبك: «الإسعاد». ~~ولقد تناول أتباع «بنتام» الإنجليزي هذا المبدأ، مبدأ المنفعة حتى تسموا بالمنفعيين، وأخذوا ~~يشرحون معنى «الإسعاد» فتعثروا؛ فهم عرفوا هذا الإسعاد بأنه «السرور ms74 وتجنب الألم»، فخلطوا ~~بين السرور الذي هو لذة حية وبين السعادة التي هي فكرة، ومن ثم فاتتهم ألوان من السعادة لم ~~تخطر لهم على بال، كالسعادة التي تنطوي تحت لواء الفنون، وفي ظل آيات الجمال وزيادة على ذلك ~~فقد أخذوا يحسبون هذا الإسعاد بالأرقام الرياضية فزاد ذلك في أسباب فشلهم. # على أنهم وإن فشلوا في تفسير معنى الإسعاد فقد تركوا للأجيال شرحه وتطبيقه. # ونحن إذا نظرنا للإنسانية من ناحية عامة، من حيث وسيلة «إسعاد البشر» وجدنا أن هذه الغاية ~~لا تتساوى في جميع المراحل التي اجتازتها البشرية، فإن البشرية مرت في ثلاث مراحل؛ المراحل ~~البدائية: ومن الواضح أن إسعاد الهمجي أو البدائي يتلخص في إشباع غرائزه. والمرحلة ~~الزراعية: وهي مرحلة لبثت فيها البشرية خمسة عشر قرنا من الزمان، وفيها وجد التشريع ~~الأخلاقي؛ ففي هذه المرحلة تكونت الأسرة، ونضج الإنسان بسرعة، وتزوج زواجا مبكرا، وقدست ~~الأمومة، والعفة والحياء، وأدرك الإنسان شيئا من الاستقرار بفضل التعاون بين أفراد الأسرة ~~الواحدة أو الأسر المتجاورة. # وكل ما يعين على تحقيق هذه الغايات في الوسط الزراعي يؤدي إلى «إسعاد» أهل هذا الوسط ~~إسعادا فرديا وجماعيا. # أما الوسط الصناعي الذي صار طابع العصر في الغرب، والذي تتحول إليه مصر تحولا لا شك فيه ~~فإنه وسط المعمل والمصنع، وسط الكفاح الفردي وسط ينضج فيه الفرد متأخرا ويتزوج متأخرا، ~~وتقل قيمة الأسرة، وينظر للعفة والحياء والأمومة بنظرة مختلفة، ويكثر فيه القلقلة ~~والاضطراب والكبت، ويقل الأمن والاستقرار، فلا شك أن «الإسعاد» فيه مختلف جدا عن كل ما ~~سبق. # وإذن فالخلق الطيب يقدر بنتيجته، معنى ذلك أنه لا يوجد خلق طيب فاقد النتيجة، أو بعبارة ~~أخرى: له صفة سلبية، فليس يكفي أن تكون لك النية فقط، بل يجب أن تتحرك وتعمل فصفة العمل ~~الطيب الأساسية أنه إيجابي نافع ومسعد. # ما الطريقة إذن لخلق شخص له هذه الميزة المثلثة؟ إن الفلسفة توقفنا عند هذا الحد ثم ~~تسلمنا لابنها الأكبر وهو علم النفس، يتحدث عن أمرين: دوافع داخلية ووسط، وإن جميع المشاكل ms75 ~~- لا مشكلة الأخلاق وحدها - قائمة على التحيز لأمر من هذين. # وإذا قسمت الفلاسفة المحدثين وعلماء النفس المشهورين قسمتهم مدرستين كبيرتين من حيث ~~التحيز لهذا الرأي أو ذاك. # أما «أرسطو» فقد قال: «إن هناك دافعا داخليا يشكل كل شيء»، ومن هذا الرأي «برجسون» ~~و«وليم جيمس» «في مذهب الذرائع». # ويضاف لذلك «أفلاطون» و«كانت» و«لينتتر» و«شوبنهاور»، ومن علماء التطور «لامارك »، ومن ~~الأدباء «جيته» و«كاريسل» و«نيتشه»، وتلخص آراؤهم في أنها تخضع الأشياء للفكرة والمادة ~~للعقل، بينما المذهب الثاني: المبدأ الذي يدين بأن الوسط هو كل شيء، يحول الفكر إلى «شيء» ~~و«العقل # mind ~~» إلى مادة، ومن أقطاب هذا المذهب ~~والمبشرين به «ديموقريطس» و«أبيقور» و«هوبز» و«سيبنوزا» و«داروين» أخيرا، ثم «سبنسر» ثم ~~«واتسن» صاحب المذهب السلوكي. # ولا بد أن أذكر أنه لا تزال تذكر في كتب علم النفس الحديثة، الحديثة جدا، مذاهب تقسيم ~~الأخلاق حسب المزاج؛ حزين وغضبي ودموي وبلغمي. # ولا نزال نذكر التقسيم إلى فكري وعاطفي وإرادي، ولكن هذا أصبح قديما جدا. # ولكن المذهب الذي يأخذ به المحدثون اليوم يميل إلى الرأي الأول، ولكنه يعترف بوجود ~~اتجاهات ورغبات ودوافع موروثة، وفي ذات الوقت يعترف بأهمية الوسط، يعترف بها اعترافا ~~جديا، ولكنه يبدأ من الناحية الأولى في شرح مسألة الأخلاق، وعلى ذلك يبدأ بمسألة الدوافع، ~~ويقسم كل دافع إلى ثلاثة أقسام، ينقسم كل منها إلى قسمين: سالب وموجب، أما الثلاثة الأقسام ~~فهي متداخلة ولا يستطاع فصل الواحد منها عن الآخر، وهي: الغريزة والعادة والشعور. ونحن نولد ~~بخمس غرائز أساسية يمكن ضربها في اثنين ما دمنا نجد لكل غريزة وجهين. الغرائز هي: البحث عن ~~الطعام، والقتال، والعمل، والاجتماع، والتناسل. # فالبحث عن الطعام سلبيته التقشف، والقتال سلبيته الهرب، والعمل سلبيته الخمول والنوم، ~~والتناسل سلبيته الامتناع عن الأنثى. # والعادة المصاحبة للجري وراء الطعام، إما الصيد والقنص «إيجابي»، وإما انتظار الطعام وغسل ~~اليدين «سلبي»، والشعور المصاحب هو الجوع، أو ضده وهو العزوف عن الطعام. # ويمكن الاطلاع على التفصيل لهذا في كتب علم النفس. # ولكنني أريد أن أخلص من هذا إلى أن ms76 هذه هي الخطوط الرئيسية للخلق الإنساني، وعلى الجنس ~~والعنصر والوراثة أن تحدد بعض هذه الخطوط، ولكن على الوسط ومؤثراته وحده تحديد الباقي، ~~فالشعر الشائع مثلا مشهور. # وإذا ما خلا الجبان بأرض # طلب الطعن وحده والنزالا # فإن الجبان يتنمر حين يخلو الميدان، فإذا امتلأ الميدان استحال إلى شيء آخر، والجرح ~~الصغير قد يكون حافزا على الشجاعة، والإصابة البالغة قد تسبب الجبن، وبعبارة أخرى: هناك ~~وسط يثير إيجابيتنا، وآخر يثير سلبيتنا، وبعبارة أوضح: الاتجاهات يحددها الدافع الداخلي، ~~والوسط يحدد التعبير وكيفيته. # ومن ثم يتضح أنه لبناء الأخلاق بناءا سيكولوجيا، يجب علميا أن نتكئ على شيئين: ~~حسن الاختيار في الزواج، والثاني العناية بالوسط الذي ينشأ فيه طالب الأخلاق. # | رسالة الأدب الروسي # لماذا نتحدث عن الأدب الروسي؟ هل له أهمية تقتضينا هذا العناء والتقصي؟ أجل له أهمية ~~بالغة. # فإن الأدب الروسي - في القرن التاسع عشر - ثورة على الاتجاهات الأدبية كما عرفها التاريخ ~~الأدبي، فإننا جميعا نعرف أن الأدب إما جرى في ظلال العاطفة أو في ظلال العقل، أو في مزيج ~~منهما معا. # ولكن الانفصال بين العاطفة والعقل ظل عاملا مهما في أسباب الجمهور الأدبي، وقل في ~~الشعراء أو القصاصين من أمكنة يلائم بينهما، فهما فريقان؛ إما فريق مغرق في الخيال، وإما ~~فريق مغرق في الواقعية، وقد كان المزج بين المذاهب المختلفة ديدن المفكرين والنقاد في ~~العصور الحديثة. # ولكن الروس أفلحوا في إيجاد هذا الانسجام، وزادوا على المستوى الوجداني والفكري مستويين ~~آخرين؛ مستوى الروح، ومستوى الأعصاب، ويمكن أن نقول: إن «تولستوي» أضاف مستوى آخر هو مستوى ~~الحياة؛ أي إن هناك طابعا للوجدان، وطابعا للروح، وطابعا للأعصاب، وطابعا للحياة، وهذه ~~كلها عليها أن تلتئم لتحدث أدبا جديدا. # على أنني أقول: إن المستوى الروحي هو الطابع العام للأدب الروسي، أوجد الابتكار الجديد ~~لذلك الأدب، وإن إضافة الأعصاب كانت من شأن «ديستوفيسكي» والحياة من نصيب «تولستوي». # وقد يقال إن هذا العالم - عالم الروح - قد سبق أن تناوله الكتاب من قبل، فأجيب أنه لم ~~يسبق أن تغلغل أحد تغلغلا ms77 مباشرا جريئا صريحا كما صنع كتاب الروس، ولذلك لا يخاطب ~~الأدب الروسي أي إنسان، ولا أي روح، بل يخاطب الروح البسيطة الصادقة الميالة للخير، هي هذه ~~التي تتجاوب معه والتي تفهمه والتي تحبه. والواقع أن الأدب الروسي يظل غريبا على الذي ~~اعتاد قراءة الأدب الغربي الخاضع للعقل والترتيب والمنطق والشكل. # والصواب أن على الإنسان أن يقرأ كثيرا قبل أن يتمكن من فهم هذا الوعي الجديد. # هذه هي الأهمية الأولى: الأدب الروسي أدب يبحث في أسرار الروح وتفاعلها وآلامها ~~وحسراتها. # والأهمية الثانية: هي أن الأدب الروسي يبحث مسألة السلوك الإنساني بحثا مباشرا صريحا ~~جريئا، وكما تعود الكتاب أن يفصلوا بين العاطفة والعقل، فكذلك الأخلاقيون يفصلون بين ~~الطبيعة العقلية والطبيعة الخلقية، بمعنى أن الإنسان يمكن أن يكون سليم الأخلاق، وهو في ذات ~~الوقت ناقص العقل، أو العكس، فالروس يقولون أن هناك وحدة بين قانون العقل وقانون الخلق، وأن ~~البحث على أنهما منفصلان هو أصل الخطأ ومصدر الضلال، وقد يقال: إن هذا المذهب إغريقي قديم، ~~نادى به «يوربيدس» ودعا إليه في مسرحياته، وهذا صحيح، ولكن تناوله على أيدي الإغريق كان ~~تناولا هينا لينا، أما تناول الروس له فكان تناولا حارا عاصفا عنيفا، والسبب في ذلك ~~ينطبق على الإغريق كما ينطبق على أهل الغرب اليوم، فإن الإغريق مارسوا السياسة وتطبعوا ~~بالطابع العملي شأنهم شأن أهل الغرب، ولذلك فإن قواهم الروحية استنفدت في مزاولة الناحية ~~السياسية أو العملية، أما الروس فإن أرواحهم احتفظت بكامل قواها في تناول المسألة التي تختص ~~بالسلوك الإنساني، وتناولتها يإيمان وحماس. # وعيب الناحية العملية أنها تجعلنا نقبل عدم الكمال كحالة واقعة، ونسلم بالفوضى الحاضرة ~~على أنها حقيقة مؤثرة، وإننا «عمليا» يجب أن نرضى بهذا. # ولكن الروسي لا يقبل هذا الرأي، فهو يعتقد أن النقص علاقة على الكمال، زيادة على أن النفس ~~الروسية لا تدين «بالانفصال»، فعندها أن السياسة والروحانيات ملتئمان لا يتجزءان، وعيب ~~الغرب وكتابه محاولة التفرقة بين السياسة والروح، أو السياسة والدين، على فكرة أن السياسة ~~شيء غير مشترك، والدين ms78 شيء فردي خاص. # ولكن الروس يرون أن الدين لا يمكن أن يكون خاصا بمعنى كلمة الخصوص؛ فإنه يمس الفرد ~~وغيره بلا جدال. # ولذلك لا يعترف الروسي في قرارة نفسه بحرفية القانون، أو بالناحية العملية للقانون؛ لأن ~~القانون يحاسب على العمل، ويفصل العمل عن الاعتقاد، بينما العقلية الروسية اللاانفصالية لا ~~تفصل العمل عن الاعتقاد. # وإذن فمسألة السلوك الإنساني لا تعني مطلقا قصة الفعل عمليا، بل قصة الرأي والاعتقاد ~~كذلك بمعنى أن المسلك السياسي أو العملي يستند دائما إلى خلفية روحية. # وإذن فالحكم على العمل لا يعطينا قضاء محكما، فإن الرأي والمعتقد جزء من الشخصية، ~~والشخصية شيء نهائي وقد يكون جبريا خارجا عن خيارنا، فهذا الاتحاد يجعل الحكم على ناحية ~~واحدة حكما غير متين. # ولقد يقال إن هذه هي النظرية الموضوعية العلمية غير المتحيزة، فنجيب: هذا صحيح، ولكن حكم ~~العلم قاس جامد بارد، ولكن حكم العقلية الروسية الأدبية دافئ حنون إنساني. # الأهمية الثالثة للأدب الروسي نتيجة لما سبق، معنى ذلك أنك ما دمت لا تستطيع أن تحكم ~~حكما منطقيا على العدل المطلق، فلا يجب عليك أن تدين أو تعاقب. # الإنسان منا لا يحب أن يدين أو يعاقب، ومن هنا التسامح والغفران والتحمل، هذه الصفات ~~الكبيرة الواضحة في الأدب الروسي. # لا نستطيع أن نحكم، ولا نستطيع أن ندين، إذن من الذي يدين ويحكم ويثيب ويعاقب؟ الذي ~~يدرك الحقيقة. أين هو؟ موجود، فعلينا بالبحث. إننا تحت أيد جبرية مخفية تحت أستار ~~كثيفة. # هلم نكشف هذه الأستار أو بعضها، إن المسيحيين يقولون: إن الله هو الحق، والمسيح هو الخلق، ~~وهذا قول جميل، وقد كان جميع الكتاب الروس مسيحيين يدينون بهذا القول. # ولكن بصورة تأملية فلسفية جعلتهم يعترفون بأن إكبارهم للمسيح - أي للحق - «صير المسيحية ~~عندهم أضيق من أن تتسع لهم». # ولكن ما دام الخير والشر سران في ضمير المطلق، فقد تميز الأدب الروسي بهذا الظمأ للمطلق، ~~والهيام بالمجهول، والانطلاق وراءه انطلاقا عنيفا. وهذا الانطلاق الحر قد صير النفس ~~الروسية كعالم متموج فيه احتمالات كثيرة، وفيه ms79 مجال للغفران، ومجال للتسامح، وهذه المجالات ~~الرحبة خلقت شيئا من الفوضى جعلت القلب الروسي حائرا يبحث عن مستقر فلا يستطيع، فهو شارد ~~ضائع يضرب في فيافي الأرض. ولقد قال دوستويفسكي: «إن الروسي الشريد محتاج لكل سعادات البشر ~~لكي يعرف مستقرا أو هدوءا»، ومعنى ذلك أن الذي يعلق سعادته بجميع سعادات البشر لن يجد ~~السعادة. # هذا التسامح العجيب هو سر سحر الأدب الروسي، فإن ذلك الأدب يأخذ الدنيا على أنها «كل» لا ~~على أنها أجزاء ينظر لكل منها نظرة خاصة. # وهو على ذلك لا يعترف بوجود «فواصل»، وعندما تنمحي هذه الفواصل يقرب الخير من الشر، ~~والصعلوك من الملك، والنجاح من الفشل، فلا يعود الإنسان حاقدا على الشر، ولا حاسدا للملك، ~~ولا يائسا من الفشل، ولا فرحا بالنجاح. # وإذن فهناك «أعماق» يمكننا أن نصل إليها عندما نتسامح ونضحي ونتجاوز الحدود الفاصلة، ~~عندما نعترف بالانسجام التام بين البشر وبعضهم وبين البشر والكائنات. على أن الإنسان حين ~~يبدأ بالاطمئنان لهذا السر، التناسي، ويأخذ في الهدوء والتآسي، يأخذ الشك في ذات الوقت ~~بخناقه، فيقول: «أيمكن أن يكون ذلك صحيحا؟» ولقد كان «تولستوي» يخرج وحده في الظلام، بعد ~~أن محا الفواصل التي بينه وبين الناس؛ ليقابل العناصر مفردا، وليسأل: «هل ممكن أن يكون ~~ذلك؟ ولماذا يا رب شئته أن يكون كذلك؟» ~~••• # أما «تشيكوف»، فيعترف أولا بالفوضى التامة في أحوالنا الدنيوية، وقلة التناسق عندنا، ثم ~~يتغلغل من هذا الإيمان بالتناسق الكلي. # أما «دوستوفيسكي» فأبطاله فريقان؛ فريق يقبل هذا التناسق الكلي، وفريق يرفضه، ويكون محور ~~القصة المقابلة بين القبول والرفض، وأثر كذلك في النفسيتين المتناقضتين، ويتضح ذلك على أتمه ~~في رواية «إخوان كارامازوف»، فمن هؤلاء «إليوث المؤمن»؛ «خرج إليوث وكانت زهور الخريف حول ~~المنزل نائمة حتى الصباح، وصمت الأرض يذوب في صمت النجوم، ولغز الأرض متصلا بلغز الكواكب ~~...» # وكان «دوستوفيسكي» يرى أن هذا التناسق يمشي مشيا ملازما لحالات النفسية الإنسانية، وهو ~~يرسمه رسما واضحا في اقتران العواصف النفسية بالعواصف الكونية، فهنا كما هناك الإشراق ~~والظلمة، والهدوء والعاصفة. # على ms80 أن أهم ما في الأدب الروسي هو أنه بعد هذا البحث المضني والاستقصاء المر ينتهي الأمر ~~إلى نوع من التسليم والمهادنة، أو ينتهي إلى التنبؤ بأننا في سبيل خلق عالم يرى هذا ~~الانسجام حقيقة ثابتة لا زائلة أو حائلة. # | رسالة الفن الحديث # السيريالية # الفن السريالي أو الفن فوق الواقعي أو الفن التجريدي، وثبة من وثبات التطور الفكري لا ~~يمكن فهمها بغير الرجوع إلى سلسلة طويلة من العلاقات التي نشأت وتطورت بين العواطف ~~الإنسانية والفكر، وفي استعراض هذه السلسلة وتلك العلاقات تعترضنا عدة أسئلة؛ السؤال الأول: ~~كيف كان الإنسان الأول يفكر ثم كيف كان يصور وينحت؟ والسؤال الثاني: ما الذي دعا لتبديل هذه ~~الطريقة؟ وهل الأسلم أن نعود إليها؟ وقد دعا كثيرون من الكتاب والفنانين المحدثين للرجوع ~~إلى الغريزة فيما نكتب ونرسم، والسؤال التالي: أيهما أسلم، اتباع الغريزة أم اتباع العقل، ~~أم اتباع طريق بينهما؟ # نبدأ بالسؤال الأول، وهو: كيف كان الإنسان الأول يفكر؟ وكيف كان يرسم؟ ثم نصعد في سلم ~~التطور حتى نرى الخطى التي مشت بنا لأعلى هذا الدرج. # الفرق بين الإنسان والحيوان هو أن الإنسان قادر على التجريد # Abstraction ~~، والحيوان لا يستطيع، أعني بذلك أنه لا يستطيع الخروج - إلا ~~قليلا جدا - عن حدود الحواس والواقع. # وأعني بالتجريد استعمال خصائص العقل بدون الاستعانة بالمرئيات، أو بعبارة أخرى: ~~«التعقل # Intellect ~~» المبني على مجرد ربط الأفكار ~~منطقيا. # ومما تقرر في هذا الباب أن الإنسان لم يمكن ظهور خاصية التجريد فيه إلا في أثناء التطور ~~البشري لا في أوله. # ففي الإنسان الأول إذن كان التجريد موجودا، ولكنه قليل وضيق الحدود، ولم يكن تجريدا ~~عقليا بمعنى الكلمة، بل كان تجريدا عاطفيا # Emotion ~~، ~~وكان لصيقا لا ينفصل عن المرئيات، وزيادة على ذلك فقد كان هذا التجريد العاطفي ضيق النطاق ~~جدا، بحيث لم يكن يتعدى التقديس والخوف، وتوضيحا لذلك أنقل ما قاله «ليفي برول» بالحرف ~~الواحد في وصف العقلية الإنسانية البدائية: «كانت هذه العقلية غير متميزة التفاصيل، بحيث لم ~~تستطع أن تتبين المرئيات لنفسها، قائمة ms81 بذاتها بدون أن تغمرها الإحساسات التي استثارتها هذه ~~المرئيات، والواقع أن هذه الإحساسات والانفعالات، جزء من تلك العقلية من المرئيات ~~والأشياء.» # ويمكن إيجاز تطور الوعي في أنه «محاولة» تطليق العنصر العاطفي، من العنصر الواقعي، ~~وبعبارة أخرى: محاولة «لتصفية» ما هو مختلط، وإيجاد «خانات» تتميز فيها المحتويات التي ~~وراءها، ومن ثم اخترعت الحروف الأبجدية «كرموز » لما وراءها، ويمكن أن ندعو هذه الرموز ~~بدلالات # Concepts ~~، لما خلفها من المحتويات # Contents ~~. # ثم تتطور المسألة إلى الدور الثاني وهو أن هذه «الرموز # Symbols ~~» تؤخذ لذاتها، وتستعمل في التجريد العنصري بقطع النظر عما يخالف ~~المحتويات التي دلت عليها. # ويتضح هذا على أتمه في فلسفة «هيجل»، وكانت التي استعملت هذا التجريد استعمالا قلبت به ~~وجه التاريخ، وسأبين كيف كان ذلك الآن، فلننظر كيف مشى الفن في هذا السبيل، مشى عاطفيا، ~~ثم صار في حاجة إلى الرمز، لكي يدل كل رمز على مجموعة خاصة من المحتويات الجعبة المسماة ~~العاطفة، وبينما في الأدب تستعمل الكلمة، ففي التصوير والنحت تستعمل الخطوط والعلامات، ~~ثم بالتدريج تسقط أهمية هذه الرموز في دلالتها على ما وراءها؛ أي تنتهي المسألة بطلاقها من ~~الحقيقة، وبعد طلاقها من الحقيقة تفقد أهميتها وتأخذ في الذبول، ولكن تأخذ في الذبول فقط ~~كرمز، ولكن تصير لها أهمية حديثة وهي أنها تصير نشاطا عقليا خاصا، ويكبر هذا النشاط ~~حتى يحاول أن ينفصل عن الفن، بحيث يأتي فيلسوف مثل «هيجل» ليقول لنا: إن العقل والفن ~~منفصلان ولا يجب أن يتصلا، وزاد على ذلك أن الفن من خصائص المراهقة، وهذا قول لا يقصد به ~~الجور على الفن وإنما الدفاع عن المنطق. وقد يكون «هيجل» على بعض الحق من حيث إن الفن لا ~~يمكن أن يكون مسألة رموز ولا مدلولات، وإنما هو في الواقع علاقة بين الحواس ~~والمرئيات. # ويقول «ليفي برول» مرة أخرى أن الإحساس الفني في الإنسان الأول كان صادقا من حيث إنه مزج ~~بين المرئيات والمدركات، ولكن ليس معنى هذا أن نعود إلى الإنسان الأول، فإن هذا المزج حقيقة ~~نحن ms82 في حاجة إليه ولكن على طريقة أخرى، فإنه يجب أن يجري على طريقة البدء بالمدركات ~~وإلباسها ثوب الحقيقة؛ أي يقبل التقسيم العلمي الفلسفي من ناحية وجود وأهمية هذه المدركات ~~أو المدلولات أو الفكر، ثم الرجوع إلى الحقيقة التي هي سلم لها وإلباسها ثوبها. # وبعبارة أخرى: بدل المدلول المجرد عليه أن يخلق المدلول الحي، أو الظاهرة الحية، وهذا هو ~~العمل الفني. # هذا هو الفن الحديث في آخر تطوره، والسريالية طراز خاص يبين كيفية تطبيق هذا المبدأ، ~~وبناء على هذا فهي تبدأ بأخذ هذه المدركات، التي هي نواة الفكرة؛ لتطبيقها تطبيقا ~~سيكولوجيا، فأمام منطق «هيجل» و«كانت» يجب أن نعترف بأن هناك قوى معادلة للوعي وموازنة ~~له، ولا تقل أهمية عن قوته. كل شيء له مناقضه الذي علينا أن نجلوه معه لكي يزيد الوعي ~~قوة باقترانه باللاوعي، فأمام منطق «هيجل» لا بد أن نذكر أحلام «لوتريامون» و«بيكاسو»، ~~وأمام منطق «توماس أكونياس» لا بد أن نذكر البناء التخيلي للكنيسة القورطية، فالمسألة إذن ~~هي مسألة إطلاق قوى معوضة مكبوتة عليها أن تظهر في العمل الفني بشكل شاعري يضاف إلى المنطق ~~والعقل، فالعمل الفني الحديث يجب إذن أن يخاطب الحواس، وفي ذات الوقت يستند على قاعدة ~~عاطفية انفعالية، أو بعبارة أخرى: أن يجلو الفن الفكرة ومعادلها أو مناقضها إذا شئنا أن ~~نقول، ويمكن أن نوضح أكثر فنقول: إن الفن السريالي أو التجريدي قائم على إيجاد التناقض بين ~~الفكرة والفن، وفي حالة إيجاد هذا التناقض يحدث المزج المطلوب بدون إخلال بوحدة الموضوع ~~الأصيل وهو المدلول أو الرمز # Concept ~~. # ولنوضح هذا في الفن السريالي كما نعرفه اليوم، فنبدأ بكلمة «الفراغ # Space ~~»، فالفن السريالي يبدأ بهذه الكلمة أو «المدركة» ليجلوها في ثوب ~~يجعل لها حياة ونبضا، وقد تناول المصور السريالي «دالي» الذي سأحدثكم عنه قريبا هذه ~~«الفكرة»، فهو في بضعة خطوط وبضعة ألوان يجعلنا نحس، ثم نعي «بالفراغ»، وعلى كل حال ما دمنا ~~بدأنا بالمدركات وأردنا ترجمتها، فقد دخلنا في منطقة العقل الباطني، وكلما تغلغلنا في فهمه ~~واستغلال ذلك ms83 الفهم أمكننا أن يكون فننا ديناميكيا، بخلاف الفنون القديمة التي كانت شيئا ~~ساكنا # Static # تحوم حوله ظلال حماسية، يتلخص الفن ~~السريالي إذن في أنه فن يبدأ من «الداخل للخارج»؛ أي يهتم بالفكرة قبل الموضوع وأقصد ~~بالموضوع # The Object ~~. وقد ظن أكثر الناس أن الفن ~~السريالي فن تجريدي محض؛ أي إنه مجرد تأملات باطنية تسجل على اللوحة أو بالكتابة بقطع النظر ~~عن المرئي أو الملموس، ولكن «لابريتون» و«جاكسوين» وأقطاب هذه المدرسة، قالوا مدافعين عن ~~مذهبهم: إنه ليس هناك فن غير مبني على المرئى الحقيقي، ولكن السرياليين يبدءون بالحقيقة كما ~~هي ثم ينسونها، أو بالأصح يرجعون إلى حقيقة الحقائق، ألا وهي صورة الحقيقة مرتسمة في العقل ~~الباطن، فكما أن في الطبيعة لا يمكن فصل الأشياء عن ملابساتها؛ إذ إنه ليس هناك صحو بلا ~~ضباب، ولا ليل بلا نهار، ولا ضوء بلا ظلال، ولذلك فلا يمكن في الحياة ذكر حقيقة أو تصويرها ~~بغير ما يختلط بها من انفعالات وذكريات، وانطباعات ماضية وحاضرة وأخرى ثابتة أو عابرة، ~~فالحقيقة إذن هي هذه، حقيقة العقل الباطن، فليس الواعي هو كل شيء، بل يجب أن تكون صورة ~~الحقيقة ممثلة للواقع وفوق الواقع أو وراء الواقع معا. # ولو خيرت في التسمية لاخترت لها كلمتي «ما وراء الواقع»، سواء بسواء، ككلمتي وراء ~~الطبيعة أو الميتافيزيقا سواء بسواء، ومصداقا لهذا أذكر أن مبدأ السريالية الحقيقة كان عند ~~المصور «بوش» في القرون الوسطى، وقد كان فنا سيرياليا دينيا ميتافيزيقيا، ولوحاته ~~مشهورة، وقد كانت وحيا لكثيرين من المعاصرين، وبخاصة «دالي» الذي حدثتكم عنه، ولكن فن ~~«دالي» - على تأثره بفن «بوش» - انتقل من الحقل الديني إلى الحقل اللاواعي، بل أكثر من ذلك ~~اعتمد على رموز العقل الباطن وأحلامه، وقد اطلعت على إحدى لوحاته الشهيرة، وكان يسرني أن ~~أحضر صورة لها لتستقر في أذهانكم لوحة لدالي، بل للسيريالية الأصيلة، ولكني أكتفي بأن ~~أخبركم بمحتويات الصورة، «دالي» يرسم حذاء سيدة وبالقرب منها كوب من اللبن، ويرسم خنزيرا ~~بالقرب منه حشرة لها أقدام آدمية، متدل منها ms84 ساق بشرية مقطوعة. # وكل هذه الصور والرموز لا يمكن فهمها بغير الاطلاع على قاموس «فرويد»؛ فإن الحذاء مثلا ~~رمز جنسي # Sexual # يعرض لمفسري الأحلام كثيرا، وكذلك كوب ~~اللبن. # من ذلك الوصف يتضح أن الناحية الجنسية غالبة في الفن السيريالي، ويتضح كذلك من ~~«الفانتازية # Fantasy ~~» أن الناحية الشعرية غالبة ~~كذلك. # فليس من العجيب إذن أن نجد أكثر مصوري هذا المذهب يجمعون لفن التصوير فن الأدب، وبالأصح ~~فن الشعر، ولا أعرف ممثلا لهذا اللون من الأدب السيريالي - ربما على غير وعي منه - مثل ~~«جيمس جويس» الأديب الأيرلندي المشهور، وبخاصة في قصته «يولوسيس» فهو في هذا يطلق عنان ~~العقل الباطن إطلاقا حرا تاما معتقدا أن الحرية الخالقة يجب أن تكفلها حرية مطلقة في ~~التعبير، ويمكننا التعبير عن هذا بأن الحرية الفنية سبيلها تحطيم الحواجز القائمة بين الصور ~~الطبيعية والسيكولوجية، أو على حد قول «هربرت ريد»: عالم يختلط فيه الوعي بغير الوعي، ~~والعالم الداخلي بالعالم الخارجي، وتختلط الحقيقة بالخيال، والفكر بالعمل؛ أي يكون هذا ~~العالم صورة شاملة للحياة بأجمعها. وبينما نحن نعتقد أن النزعة السيريالية نزعة خيالية ~~محضة، يعترض أقطاب السيريالية على ذلك قائلين: إنها نزعة مادية محضة. وهذا عجيب! وحجتهم في ~~ذلك أنها بجمعها للمتناقضات أو بعبارة أخرى: الروحانية تمشي جنبا لجنب مع المادية ~~التاريخية. # عندما نتحدث عن هذه المذاهب لا يمكننا أن نترك الحديث عن أقطاب في التصور أدت وثباتهم إلى ~~ما بعدها ومنهم «سيزان». # وقصة «سيزان» في التصوير رائقة وطريفة، ومذهبه في التصوير يعتبر القنطرة التي سار عليها ~~القديم نحو الحديث، بل اعتبرها شخصيا الفاصل بين ما هو فن وما هو مهارة فنية. ~~«سيزان» مصور شهير من مصوري القرن التاسع عشر، وكان معاصرا للكاتب الشهير «زولا» وكانا ~~صديقين حميمين، بل الصحيح أن «سيزان» لم يكن له صديق غير «زولا». # والواقع والغريب في حياة سيزان أنه أقسم أن ينتهج نهجا خاصا في الفن لا يغيره، وأقسم ~~كذلك أن ينقطع لهذا النهج، فاعتزل الناس، وترك صحبتهم، وأبعد المرأة عن محيطه، وأخذ يمارس ~~في ms85 التصوير طريقة خاصة كان يؤمن بأنها هي الطريقة الوحيدة للفن الصحيح، تلك هي البحث عن ~~الحق لا عن الكمال. يقول «سيزان» لأمه في إحدى خطاباته: «البحث عن الحق والحكمة هو الفن، ~~أما البحث عن الكمال فهو المهارة الفنية»، ولقد كان يعتقد أن فن «زولا» على فرط واقعيته، ~~أدب مهارة أكثر من أي شيء آخر، وكذلك أحدث في الأدب «جيلا ميتا» على حد تعبيره، وإن يكن ~~در على «زولا» المال والشهرة. # كانا صديقين وكانت الصداقة بينهم تقتضي الصراحة التامة، فكتب «زولا» لسيزان يقول: «أنت لا ~~شخصية لك، فإنك كسول، عنيد.» ونعته بغير ذلك من الألفاظ، فاحتمل «سيزان» كل ذلك وأجاب عليه ~~بأن الشخصية الفنية غير الشخصية الحلقية، وأن الفنان يجب أن يكون صاحب مزاج # Tempelament ~~، وقد انتهت الصداقة التي بينهما على طريقة شاذة، ~~فقد دخل «سيزان» ذات يوم ليزور «زولا» فلم يعجبه منظر الترف والأبهة، وخرج فلم يعد إليه، ~~ولم يشاءا أن يستعيدا صداقتهما، قال «سيزان» في أحد خطاباته لأمه: «لم يعجبني إميل؛ مكتب ~~عظيم وأبهة، لقد تغير، ولذلك خرجت على أن لا أعود إليه.» ~~••• # ما هو المذهب الذي دعا إليه «سيزان» غير توخي الصدق والحكمة؟ # هذا المذهب هو الاندماج في الطبيعة، لا عن طريق العقل وحده بل عن طريق الحواس. # فمذهبه إذن مذهب حسي اندماجي كامل، يثور على العقل؛ أي يثور على الكلاسيكية، ويدعو إلى ~~ضرب من التأمل الباطني العميق المقرون بالحس. # هذا هو «سيزان»، فلننظر الآن نظرة إلى «بيكاسو» زعيم السيرياليين، في مقال لهربرت ريد ~~عنوانه «انتصار بيكاسو» عرض جميل لحياة ذلك الرجل، وعرض كذلك للمذهب السيريالي، وكيف طبقه ~~على فنه وحياته. # بيكاسو # يتفق «بيكاسو» مع «سيزان» في نقطتين؛ الأولى: أنه يعترف أنه يرسم حسب هواه، ويقول مرة ~~أخرى: إني أرسم مدفوعا بالحب والعاطفة. # والنقطة الثانية: أنه أنكر استعمال العقل في الفن، وزاد على ذلك بأن أنكر كل قيد، ~~ومارس الشعر والنحت والتصوير، وكان يقول: إنه من الحتم وجود الفكرة «سجينة» في عمل أي ~~فنان إذا كان فنانا حقيقيا، ms86 فلا معنى للتحدث عنها. وفي سبيل هذه الحرية، أخذ يبحث عن ~~«المجهول والقلب العادي، والذي لم يخلق بعد»، وعن الخفايا الدفينة في أغوار النفس، ~~هذا هو «بيكاسو» فلنستمع إلى المدافعين عنه «لابريتون» و«جاكسوين» في المانيفستو ~~الشهير. # يقول «لابريتون» إن السير «ريالته» بعث أسلوبا جديدا ولا مذهبا جديدا وإنما هي ~~«فلسفة حياة»، إن في أعماق الإنسانية والمجتمع وترا غنائيا، وسنظل نطلبه إلى الأبد، ~~وهذا الوتر هو الباطن؛ الباطن الذي أتيح لقليلين أن يصغوا إليه ويضربوا عليه، فطن ~~إليه أمثال «جيته» و«مليك» و«ورد سورت» ولكن الذي كشفه حقا هم الفرويدويون، وقد شاء ~~السيرياليون أن يجعلوا له أهمية فائقة، فكما أن هناك ناحية «طبيعية» في الخارج فهناك ~~ناحية أخرى في الداخل، في الأحلام، في الرؤى، في التنويم. # ويقول المانيفستو: # إن «السيريالية» سيكولوجية أوتومابية تعبر بالرسم أو اللفظ مجرى التفكير ~~الحقيقي. # ولا علاقة لها بقيود الوعي، ولا قوانين الجمال والخلق. # إنها لا تفرض وجود عالم الأحلام بل تقول: إنه حقيقة كبرى. # ويختتم «لابريتون» المانيفستو بقوله، قال ريمبو شاعرنا السيريالي: «تغير وجه الحياة»، ~~وقال غيره نغير وجه الدنيا، وهما النقطتان التي ترتكز عليها فلسفتنا. ~~••• # ولكن ما رأينا الخاص؟ رأينا أن هذه النزعة الفلسفية هي رومانسية متطرفة، وأنها تقاوم ~~الكلاسية من حيث إن هذه عقلية مثالية. # على أن أحكم وأشهر السيرياليين لم يفتهم مطلقا أن يجعلوا فنهم مبنيا على شيء من ~~العقل والحكمة، وبذلك تم لهم ما نشده وينشده الفن، وأعتقد أن المستقبل هو لهذا المزيج ~~ولمن يستطيع أن يقوم به. # | رسالة الآباء # الهستيريا: بحث جديد # إن الهستيريا مرض يغلب في النساء. # قد سار بنا علم النفس الحديث نحو حقائق جديدة كل الجدة، غريبة غاية الغرابة. # وأول هذه الحقائق التغيير الكلي في معنى هذا المرض «الهستيريا»، فقد كنا لعهد حديث جدا ~~نعلم أنه مرض عصبي، منشؤه صراع عاطفي عند الذين يتصفون بضيق الوعي، وعمق العقل الباطن، فإن ~~الأول إذا ضاق بما يحتوي، نقل ما به بسرعة إلى الباطن، فيكدس ما نقل إليه، وأخيرا تقع ~~الطامة، إذ ms87 يحاول المكبوت أن يجد متنفسا، إما عن طريق استجداء العطف والتمثيل، أو عن طريق ~~الجسد، فتحدث الاضطرابات الجسدية المألوفة في الهستيريا كالاهتزازات، والتشنجات ... ~~إلخ. # ولما كانت دراسة سيكولوجية المرأة قد كشفت لنا أن واعية المرأة ضيقة، وأن عقلها الباطن ~~عميق متسع، فقد أصبحنا نفهم لماذا كثر هذا المرض في النساء. # وما يحدث للذات «الإيجو» يتوقف على مقدار الصراع الدائر ، وعلى مقدار التخفيف ~~المستطاع. # وعلى كل حال فإن الرجة التي تعتري الإيجو تصدع بناءه، وقد يصل هذا التصدع إلى درجة انقسام ~~الشخصية وازدواجها. # هذا ملخص لمعرفتنا عن طبيعة الهستيريا في السنوات الماضية، أما في العصر الحديث فقد دعا ~~ظهور أعراض الهستيريا في الأطفال بشكل غير مألوف، وانكشاف أعراض «هستيرية» لصيقة بأمراض ~~أخرى كالصرع والكورية الروماتزمية، كل ذلك أدى إلى استعادة البحث على ضوء جديد. # وأخذت الدكتورة «أودلام» الطبيبة بمستشفى «فكتوريا» في تناول هذا الموضوع بطريقة حديثة، ~~فأخذت تسأل المثقفين عن رأيهم ومبلغ فهمهم والممارسين من الأطباء عن مدى علمهم. # فكان الاتفاق عاما على أن الهستيريا هي صراخ وثورة وهياج يبديها شخص ما، عندما يضيق ~~ذرعا بالحياة، أو عندما يعترض طريقه شيء أو شخص يريد الخلاص منه. # وزاد الأطباء على ذلك أن المألوف فريقان؛ فريق لا مرض عنده، وإنما هو يخترع مرضا لغاية ~~ما، وفريق له نظرة منحرفة شاذة نحو أوضاع الحياة، تؤدي إلى اضطراب عاطفي يؤدي بدوره إلى ~~أعراض جثمانية. # على أن الطبيعة المذكورة كما أكدت وجود هذين الفريقين، أكدت وجود نوعين آخرين. # نوع يتميز بفقدان الوعي مدة تطول أو تقصر. # ونوع مصحوب بفقدان الذاكرة على درجات تتراوح بين النسيان البسيط والنسيان الذي يتناول حتى ~~الذات. # والمألوف أن الذاكرة تعود من بعد فقدانها، ولكن عرفت حالات لا اضطراب للعقل فيها ~~مطلقا، وإنما ذهبت الذاكرة فجأة ولم تعد أبدا. # وأما الاضطراب الجسدي الذي أشرنا إليه فمنه ما يكون تخفيفا لكبت، ومنه ما يكون هربا من ~~مواجهة مشكلة ما، وقد عرف عن كثيرين كثرة التبول في غير مرض، فهذه الظاهرة تعتبر كذلك ~~وسيلة ms88 للهرب. # والعجيب أن هذا المرض الذي ينشأ من القلق والخوف وتوتر الأعصاب يجب علاجه في هذه الألوان ~~من «التغطية»، فيبدو المريض بالهستيريا أحيانا مطمئنا، هادئا، لدرجة غريبة من عدم ~~المبالاة، ولكن السؤال هو هذا: كلنا نواجه من المتاعب ما لا حصر له، وكلنا نكبت، وكلنا ~~نعاني صراعا بين العاطفة والواجب، فمن هنا الذي يقع فريسة للمرض ومن يسلم منه ؟ # لقد اتضح للباحثين اليوم أن التعريف الوافي للهستيريا هو: «الهستيريا اضطراب عاطفي يصيب ~~مرضى ذوي شخصية خاصة»، هذه الشخصية تسير بيننا ونصادفها هنا وهناك، فعلينا أن نتبينها ~~جيدا. # لقد سميت هذه الشخصية «بالشخصية الهستيريونية»، وهذه الشخصية توجد عند الذين من طبعهم ~~التمثيل والمبالغة «والتهويل» في شئون الحياة، وقد يكون هذا التمثيل «خارجيا» ويبدو ~~كظاهرة «استعراضية» كما هو الحال عند السياسيين، وأرباب الأعمال الذين تقتضيهم أعمالهم ~~التمثيل والظهور بمظاهر خاصة، وقد يكون هذا التمثيل «باطنيا»، ويكثر عند الفنانين الذين ~~لهم عالمهم الخاص في أعماق سرائرهم، «يمثلون» فيه كما يشاءون ويؤلفون فيه رواياتهم ~~الخاصة. # ولما كانت المرأة في طبيعتها «خارجة» تلبس أزهى الثياب للزينة - والزينة نوع من الاستعراض ~~الجميل - وتتحلى بأجمل الحلي ولو زائفة «لتمثل» دورها الرائع في الحياة، فنصيبها من ~~التعرض لذلك المرض غير ضئيل. # ولا شك أن القارئ يسأل: ولكن متى تصاب هذه الشخصية بالمرض؟ وهل حتما تصاب؟ # لقد اختلف الرأي في كيفية وجود هذه الشخصية، ولكن السائد هو أن الإنسان يولد بها، وقد ~~يكتسبها أحيانا من الوسط، وهي في درجاتها البسيطة كثيرا ما جاءت للوجود بالشخصيات الخالدة ~~الممتازة بالحيوية والمرح، والذين جعلوا الوجود في شتى نواحي الفن والأدب والاجتماع. # وقد يعيش أكثر هؤلاء بهذه الشخصية الهستيريونية مستترة وبلا أعراض مرضية حتى يصطدموا بما ~~يجرحها. # وأسوق ختام هذا الحديث للأمهات والآباء أن أعراض الهستيريا قد تبدو في أي سن فيما بين ~~الطفولة والمراهقة. # ولقد بينت سابقا أن أصحاب الشخصية الهستيريونية تبدو عليهم ملامحها مبكرة، وإذا لم تتبين ~~في أعمال الطفل فإنها تتبين في كيفية لعبه، أما بعد نضج الإدراك فإن هذه ms89 الشخصية قد تصطدم ~~بما يطبعها بطابع مرضي، إما في البيت أو في المدرسة، ففي البيت يكون أول عامل وجود نزاع ~~عائلي دائم أو أب سكير أو أم صخابة، وفي المدرسة تصطدم بالمعلم القاسي الجاف أو ~~بالرفاق العابثين. # فإذا كان الطفل خارجي النزعة فأول ما يصيبه هو أن يفقد الثقة، ويطوي نفسه على خوف وشك، ~~فيغطي ذلك بالصياح والضجيج لينال أغراضه، أما إذا كان باطني النزعة فإنه يلجأ إلى العزلة ~~والانفراد، وقليلا ما يصاب الأطفال والمراهقون بأعراض جسدية من الشلل وفقدان الإبصار ~~والبكم. # وعلاج هاته الحالات يتوقف على فهم الأمور جيدا، فيجب من أول الأمر أن يفهم الوالدان أنه ~~إذا تمكن الصبي من بلوغ أغراضه بطريقته هذه، فذلك أمر في منتهى الخطورة؛ فعليهما أن لا ~~يمكناه أبدا. # وعليهما في الوقت ذاته أن يفهما أن نفس الصبي مطوية على خوف، وعليهما أن يعيناه ويشجعاه ~~على احتمال المواقف الجديدة، وفي ذات الوقت عليهما أن يهتما بدورة حياته اليومية في المدرسة ~~من معلمه ومن رفاقه، وعليهما كذلك أن يعلما أن البيت الهادئ الرزين هو أول واق من الأمراض ~~النفسية. # | رسالة السعادة # لا شك أن السعادة في حياتنا هي غاية الغايات. # ولكن ما هي السعادة؟ # هي كلمة من تلك الكلمات الغامضة التي لا يمكن أن نعرفها تعريفا محيطا دقيقا، كلمة ~~السعادة ككلمة الشعر ككلمة الحب. # تلك أشياء يؤمن الإنسان بوجودها. # يؤمن إيمانا لا جدال فيه، فإذا أقبل يضع يده على شيء ملموس، وجد أنه يضع يده على شيء ~~أثيري، ولكن السعادة ما دامت هدفا لكل إنسان، أليس من العجيب أن يكون ذلك الهدف غير واضح ~~ولا مشترك؟ ولقد ألف «برتراند رسل» الفيلسوف الشهير كتابا ضخما عن السعادة، بدأه بالبحث ~~في أسباب الشقاء، ثم أخذ يدلل على أن السعادة هي في تجنب أسباب الشقاء، وهذا منطق معقول ~~ولكنه غير عملي، فإننا يستحيل أن نتجنب أسباب الشقاء حتى ولو عرفناها، إذ كيف نتجنب منغصات ~~العيش وأثقال الحياة وثقلاءها؟ كيف نتجنب الظلم المتأصل في النفوس، والنفاق العريق في ms90 ~~الطبائع، والكذب الذي هو من مقررات العصر؟ ثم أخذ «برتراند رسل» يدلل على أن كل من طلب ~~السعادة لنفسه لم يجدها وأنها إنما تحدث كنتيجة لإسعاد الغير؛ أي إن السعادة في رأيه ظاهرة ~~انعكاسية، ولكنه لم يقل لنا ما هي هذه الظاهرة، ولم يقل لنا: ما هي الطريقة لإسعاد الغير، ~~أهي السعي في منفعتهم؟ أهي إشباع مسراتهم؟ أهي منع الضر عنهم؟ ولم يقل لنا: هل مجرد القيام ~~«بالواجب» نحو الآخرين يجعلنا سعداء لأنهم هم أصبحوا سعداء؟ ولم يقل لنا هل الجندي الذي مات ~~في الحرب فداء «الواجب» والرصاص يفتك به أو السيوف تخترط جسده، هل ذلك الجندي مات مسرورا ~~أو مات سعيدا؟ وبالأحرى، ما علاقة السرور بالسعادة وما الفرق بينهما. # وقد ألف الكاتب المشهور الشهير «كوبر بويز» كتابا دعاه «فن السعادة»، فأخذ في مستهل ~~الكتاب يدلل على أن السعادة «فكرة» ومن ثم هي شيء لا يعتمد على الشعور الحسي. أي إنها شيء ~~خارج عن ملذات السمع والبصر والشم واللمس! # وإذا كانت السعادة فكرة، يرجع بنا القهقرى إلى «أرسطو»، ومن طرائفه أنك لا تقول عن حيوان ~~أنه نام سعيدا، ولا عن طفل؛ لأنه ليس للأول «فكرة» إنسانية، ولأن الطفل لم تنضج عنده ~~الفكرة بعد. وقد يقول القارئ: ولكن الفكرة بمعناها الدقيق موجودة عند الحيوان وعند الطفل، ~~فأعود إلى «أرسطو» مرة أخرى، فأراه يعني الفكرة الآتية من جوانب الروح أو بعبارة أخرى: ~~الروح الواعية. وأعود إلى «أرسطو» فأسأله مرة أخرى، وهل كل فكرة روحانية واعية تؤدي إلى ~~السعادة، سلمنا معك أن السعادة مسألة روحانية، وبذلك نخرجها من دائرة السرور والملذات ~~الحسية وما أشبه، ولكن هل كل «نشاط روحي» يؤدي إلى السعادة؟ يجيبنا «أرسطو» قائلا: كلا، بل ~~«نشاط روحي يؤدي إلى ممارسة الفضيلة والتفوق في ذلك». وهو لا شك تعريف جامع عميق، ويكاد ~~يقول لك: إن السعادة تتمثل في الفيلسوف الذي «انقطع» لهذه الممارسة، ممارسة الفضيلة. # هذا هو رأي «أرسطو»، وهو رأي نبيل، ولكن هل يمكن أن يطبق على جميع العصور؟ هل ممكن ms91 ~~لفيلسوف يمارس الفضيلة ممارسة مخلصة أن يعيش في القرن العشرين ويسعد في القرن العشرين؟ ~~سيقول قوم: إنه سيكون سعيدا ما دام فيلسوفا عرف غايته وعاش لها وتخصص فيها، ويقول كثيرون: ~~إن أكثر هؤلاء الفلاسفة ومن شاكلهم، إنهم لم يعرفوا السعادة في حياتهم، بل عرضتهم مثاليتهم ~~لأقسى أنواع العذاب والاضطهاد. فلندع «أرسطو» في مثاليته، ولننظر فيما يقول علماء النفس ~~المحدثون ، فهم يقولون: إن السعادة هي غاية الحياة، بل غاية الغايات، وإن كل الأهداف الصغيرة ~~مهما اختلت إنما ترمي إلى هدف كبير واحد، هو السعادة بأوفى معانيها. فننتقل في الحال إلى ~~الحياة والهدف من الحياة؛ أي إن رسالة السعادة تكون مرادفة لرسالة الحياة، فهل تكون الحياة ~~قد أدت ما يطلب منها إذا اعتزلت الناس، وعاشت في برج عاجي تمارس فيه مثاليتها؟ وكيف تتم هذه ~~الممارسة في برج عاجي؟ ولنفرض أن قديسا بلغ قمة الفضيلة واعتزل في رأس برج، وأخذ ينظر إلى ~~الناس من أعلى، يراهم في أحقادهم واقتتالهم وتكالبهم على الفاني، ماذا يكون أثر ذلك في ~~نفسه؟ أن يرفع رأسه للسماء قائلا: «رب اهدهم»، وإما أن يدير ظهره إليهم متأسفا حزينا، ~~وإما أن ينزل من برجه إليهم. والحالة الأخيرة هي التي نأمل أن يمارسها الفيلسوف بفكرة أنها ~~فضيلة كبرى أن يختلط القديس بالعامة ليهديهم ويرشدهم. # هناك حديث نبوي رائع مؤداه: «كلكم يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها، أو موبقها.» ولا شك أن ~~سيكولوجية الحياة السعيدة هي في كلمة «معتقها»؛ أي إن الإنسان «يتكيف» مع الوسط، فلا يبيع ~~نفسه له، ولا يرتكب موبقة بالثورة عليه أو الهدم من كيان المجتمع. # وبعبارة أخرى: يمشي بزورقه في ذلك البحر الخضم، آونة هادئا، وآونة مسرعا، يماشي اللجج ~~ويصانع العاصفة حتى يتعلم الناس الفضيلة، ويأخذوا في ممارستها، وحتى يتعلم الناس أن الفرق ~~بين الإنسان والحيوان هو في «الشعور الروحي» فقط، وعندئذ يكون قد أدى رسالة الحياة؛ أي ~~رسالة السعادة. # ولكن كيف يتكيف الإنسان وما هي مقتضيات هذا «الميزان»؟ # إن الطريقة الوحيدة هي الطريقة العملية المبنية على الملاحظة والتجربة، فهناك ms92 بضع قواعد ~~أساسية للسير في عباب «أقيانوس» القرن العشرين، ويجب أن نلم بها، وأن نفهمها جيدا، من تلك ~~القواعد أن نفهم أننا نختلط بنوعين من الناس؛ الرجال والنساء، وأن هذا المجتمع قد برز ~~بشطريه معا، ولم يعد مجتمع رجال فقط، ولم يعد فيه النساء مطويات في الدور محجبات في ~~القصور، فإذن عليه أن يفهم الفرق بين العقليتين، ويدرك اختلاف النفسيتين، فإذا خاطب رجلا ~~خاطب عقله ومنطقه وبيانه، وإذا خاطب امرأة خاطب عاطفتها، هذا مبدأ سهل بسيط، ولكنه مجهول، ~~وإني أدلل به على ما ذكرته سابقا من أن هناك قواعد أساسية مستقاة من واقع الحياة والجيل ~~الذي نعيش فيه، وقس على ذلك كثيرا من القواعد الأخرى المقررة، التي لا حاجة بنا لتفصيلها ~~فإنها معلومة للذي يستقصي ويدقق، ويريد أن يتكيف مع الحياة بدون أن يفقد شخصيته وبدون أن ~~يبيع نفسه. # لنكن عمليين إذن، نؤمن أن السعادة «نشاط روحي» وأن هذا النشاط له علاقة كبرى بالخير ~~والحق، وأن هذا النشاط يستلزم لممارسته عقلية مرنة تعطي وتأخذ، وفي ذات الوقت تحتفظ ~~بطابعها. # هذه هي السعادة لمن أراد السعادة، والواضح أن ممارسة السعادة بعد ذلك تصبح عادة، على شرط ~~أن يتوفر الإيمان ويتيسر التدريب الطويل. # | خاتمة # قد استعرضت في هذا الكتاب ألوانا من الأدب وألوانا من الحياة، وألوانا من مشاكل الناس، ~~صغارهم وشبابهم وكبارهم، وحاولت ما وسعني الجهد أن أجد لكل مشكلة حلا، ولكل داء علاجا، ~~وقد رجعت إلى أطباء النفوس من قديم، وما زلت أمشي عبر التاريخ منحدرا إلى الحاضر أسائل هذا ~~وأتحدث إلى ذلك، لعلي أقع على الحقيقة. # وأين هي الحقيقة؟ # هناك حقيقتان؛ الحقيقة الصغرى التي نصل إليها بعقولنا في المدى الضيق الذي نصل إليه عن ~~طريق الحواس، والحقيقة الكبرى التي نصل إليها - أو لا نصل - بقدر ما نمنح من وعي باطني، ~~وإحساس لا يتصل بالعقل ولا بالحواس. # ونحن بنو البشر قد عشنا إلى اليوم نستخدم حواسنا ووعينا وعقولنا، ولا نستخدم غير هذه، وقد ~~خيل لنا أننا وصلنا، ولكن في الوقت الذي ms93 اعتقدنا ذلك؛ أي عند بلوغ القمة، اعترفنا أن هذه ~~القمة سفح من السفوح. # وقد حاول أكبر علماء الغرب اليوم أن يرجعوا إلى أسرار الشرق، فضاق علماء النفس المحدثون ~~ذرعا بما وصلوا إليه، واعترفوا أن حدود علم النفس ضيقة جدا، وأنه في اليوم الذي نعتقد أن ~~التعمق والتحليل والاستقصاء قد بلغت بنا طريق الفهم والسعادة، نرى فجوة بيننا وبين المعرفة ~~الكبرى، وفاصلا هائلا بيننا وبين الحقيقة اللانهائية، حتى لقد نصح «درموند شو»، الكاتب ~~المشهور، قراءه أن يتعلموا كيف يكبحون جماح الوعي؛ أي إن الإنسان منا يجعل وعيه فضاء ~~تاما لبضع لحظات، أعني بمنعه من التفكير والتأمل على الإطلاق، في هذه اللحظة يتصل العقل ~~الباطن بعقل لا نهائي، ويلاحظ الذين مارسوا ذلك وبرعوا فيه، أن الإلهامات تترى وتتهادى في ~~صفاء وسطوع. # وإذن فقد انتهى العلم إلى نوع من التصرف، أو بعبارة أخرى: شعر بقصور باعه، وبحاجته إلى ~~ذلك «المجهول المطلق» الذي هو وحده طريق المعرفة، وطريق السعادة، وبيده سر الحياة. # فليكن شعارنا إذن أن نبحث عن الحقيقة، مستعينين بعقلنا ومنطقنا على شرط أن نعترف بحدودنا، ~~ونؤمن بالقوة الخالقة التي تمدنا بالصبر والأمل وتوجهنا للخير والسعادة. ms94