######OpenITI# #META# URI: 1372KhalilSakakini.LiDhikraka.Hindawi79594286 #META# Tags: literature #META# ID: 79594286 #META# Title: لذكراك #META# AuthorID: 59792931 #META# Author: خليل السكاكيني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # لذكراك‏ # لذكراك‏ # | لذكراك # | لذكراك # تأليف # خليل السكاكيني # | لذكراك # الزوجة. # وإني لتعروني لذكراك هزة ~~(1) الليلة الأخيرة (الثلاثاء 3 / 10 / 1939) # قضينا ليلتنا البارحة قياما خاشعين خافتين، وأيدينا على قلوبنا، وأبصارنا شاخصة، ~~فقد اشتدت وطأة المرض على سيدتي أم سري، وساءت حالها جدا. # دخلت في غيبة من أول الليل ... علت الزرقة شفتيها ... بردت أطرافها ... جعل جسمها يرشح ~~بعرق بارد لزج ... # سمعتها تقول تارة: إلى متى ...؟ وتارة: يكفي ... وتارة: يا خليل! ... وفي صباح اليوم - ~~الثلاثاء - جاء الطبيب، ففحصها فحصا يسيرا، وعلى وجهه علائم اليأس، فقالت له: «لماذا ~~تركتني؟» وهي آخر كلمة قالها المسيح وهو على الصليب يخاطب أباه في السماء! # وبعد أن خرج الطبيب من غرفتها سألت: ماذا قال؟ كأنها أحست، أو قرأت على وجهه ووجوهنا ~~أنها في خطر. فسألت ماذا قال؟ لعلها تطمئن أنها عائدة إلى الحياة. ثم رجعت إلى الغيبة. ~~وفي الساعة العاشرة والربع فارقت الحياة. # شاع الخبر، فأسرع الأهل والأصدقاء يشاركوننا في الحزن. ~~••• # كنت أخاف أن تثقل وطأة هذه المصيبة على أولادنا: سري ودمية وهالة، ولكنهم تلقوها ~~بشجاعة ورزانة، وكانت دمية وهالة تقولان لي: انظر يا أبي كأنها نائمة! انظر ما أجمل ~~ضجعتها! انظر كيف تبتسم! # وفي صباح الغد - الأربعاء - وضعناها في تابوتها، وغمرناها بالزهور، فلم يظهر غير ~~وجهها الجميل الذي زاده الموت جمالا. # ولما حانت الساعة التاسعة، وكانت موعد الجنازة، جاء الأهل والأصدقاء ليحملوها إلى ~~عربة الموتى، فأبيت عليهم إلا أن نحملها: أنا وولدي سري وأخواها يوسف ونجيب؛ فهذا ~~واجب نحن أحق الناس بالقيام به. # مشينا إلى كنيسة القطمون، لأن سريا وأختيه قالوا إن أمهم قالت إذا ماتت فلتكن ~~الجنازة في كنيسة القطمون، فلم يسعني إلا أن أحترم إرادتها المقدسة، ثم خرجنا من ~~الكنيسة، وسرنا إلى مقبرة صهيون حيث أنزلناها في مقرها الأخير، في قبر أبي. # لقد كنت يا سيدتي أم سري ربة الدار في دنياك، فأصبحت ربة الدار في أخراك. فأنت ربة ~~الدارين! # قفا نبك # قفا نبك من ذكرى أذابت حشاشتي # ولا تبخلا بالدمع، فالدمع حاجتي # قفا أسعفاني في ms01 مصابي، فإنني # أراه مصابا قد تجاوز طاقتي # لقد كنت قبل اليوم أحسب أنني # صبور على الأرزاء يقرعن ساحتي # وأني كبير القلب، لا تستخفه # حوادث هذا الدهر إما توالت # وأني على حظ من العلم صالح # على قدر ما قد زودتني ثقافتي # فلما دهاني ما دهاني، وجدتني # ضعيفا جزوعا ذا شجى وكآبة # رجعت إلى قلبي، وأين اصطباره؟! # وراجعت ما أدري، وأين درايتي؟! ~~••• # وقلت: لعل الشعر ينفع في الأسى # لعلي أرى فيه قضاء لبانتي # تلفت علي أن أراها فجاءة # وأصغيت علي أن أفوز بنامة # وقلت: هنا عاشت، وهذا مكانها # وكدت أناديها على مثل عادتي # فلم ألق إلا خدعة بعد خدعة # ولم ألق إلا ما يشق مرارتي ~~••• # تذكرت أيام السعادة علها # تخفف من حزني وتشفي حزازتي # وقلت لقد كنا وكنا، فزادني # أسى والتياعا ذكر تلك السعادة ~~••• # فحاولت أن أنسى، فلم تجد حيلتي # ولم يكن النسيان طوع إرادتي # تجلدت، لكن لم يفدني تجلدي # شكوت، ولكن لم تفدني شكايتي ~~••• # تعللت بالآمال أرقب وقتها # فلم تكن الآمال غير علالة # وأصبح عمري بعد ذلك فضلة # أروح وأغدو فيه من غير غاية # وعادت ليالي الملاح مناحة # تقام بها الأتراح إثر مناحة # وبدل عيشي بعد صفوي غصة # أرددها في الصدر دون إساغة # ولم يبق لي من سلوة غير قبرها # إليه أوالي ما حييت زيارتي ~~••• # يقولان: إنا قد عهدناك قبل ذا # شجاعا، ولكن أين أين شجاعتي؟! # ألا! لا عزاء يا خليلي بعدها # ألا! لا عزاء فاتركاني وحالتي! # الفتاة. ~~(2) لست أحسد أحدا ولكن أندب سوء حظي # لنفرض أن ذلك الورم اليسير جدا الذي خرج بصدرك تحت الجلد كان من النوع الخطر، ~~فقد بادرنا من فورنا إلى استئصاله وهو لا يزال في مكانه قبل أن تتسرب خلاياه إلى ~~الغدد أو مكان آخر من جسمك. ثم عالجنا مكانه بالراديوم والأشعة الكهربائية كما فعلت ~~كثيرات، فسلمن، وعشن العمر الطويل كأنهن لم يصبن بشيء. # فلماذا لم يكن حظك مثل حظهن؟! # ثم لنفرض أننا تأخرنا قليلا أو كثيرا، ولكن يقول الطب إن نحو التسعين في المائة من ms02 ~~اللواتي يصبن بمثل هذا الورم، فيتأخرن قليلا أو كثيرا في استئصاله، يعشن بعد استئصاله ~~عشر سنوات على الأقل. # فلماذا لم يكن لك حظ في هذه التسعين في المائة، وهي ليست قليلة؟! # يقول الطب إن هذه الأورام قد تقف عن النمو من تلقاء نفسها، ولو في الدرجة ~~الأخيرة. # فلماذا حرمت هذا الحظ؟! # يقولون إن الراديوم والأشعة الكهربائية تفعل العجائب، فلماذا بطلت عجائبها معنا دون ~~الناس؟! # أعرف كثيرات قد بلغن أقصى العمر، ومنهن من رأين أولادهن وأحفادهن إلى الجيل ~~الرابع. # فلماذا لم يكن حظك مثل حظهن؟! # أعرف كثيرين وكثيرات يتأففون من الحياة، ويئنون من أعبائها وآلامها، ولا يملكون من ~~أسبابها شيئا، فلو سألناهم لفضلوا أن يموتوا فيستريحوا، ولم يكن يؤلمنا ويكدر صفونا ~~مثل أن نرى بؤس هؤلاء الناس. وكم وددنا لو نستطيع أن ندفع عنهم البؤس، وأما نحن فقد ~~كانت حياتنا مستوفية الشروط: لم يرث كثيرون أجساما سليمة لا عيب فيها كما ورثنا، ولم ~~يعن أحد بالنظافة والرياضة والغذاء عنايتنا بها، ولم تطبق حياة على الأصول الصحية كما ~~طبقنا حياتنا عليها، ولم يسد في بيت من السرور والفكاهة والانبساط ما ساد في بيتنا، ~~ولم يطوف أحد في طول البلاد وعرضها كما طوفنا. فأي ماء لم نرده، وأي جبل لم ~~نتسلقه، وأي مدينة أو قرية لم نزرها، توالت زياراتنا. # في زي القرية. # لربوع لبنان، عشنا في مصر، كأن حياتنا كلها كانت شهر عسل، لقد كنا على قلة وسائلنا من ~~أسعد خلق الله، وكم قلت لك: تعالي نجرب معيشة المقت، حتى إذا مات الواحد منا كان ~~الخطب على الآخر هينا، فلماذا قدر لك أن تكون حياتك قصيرة؟ # لست أحسد أحدا، ولكنني أندب سوء حظي. ~~(3) لن أنسى # لن أنسى يوم فحصك الطبيب لأول مرة، فأحس بذلك الورم اليسير الذي خرج بصدرك تحت ~~الجلد، فاهتم به، وأشار عليك بلزوم المبادرة إلى استئصاله قبل فوات الوقت، فوجمت، ~~وإن تكلفت الشجاعة تكلفا؛ لأنك تعرفين كثيرات في مثل حالتك لم ينفعهن علاج. ~~والتفت إلي كأنك أردت أن تعرفي رأيي، ms03 فشجعتك، وقلبي يكاد يذوب حنانا عليك، وقلت ~~لك: إن كثيرات استأصلن هذه الأورام، فعشن ولا يزلن عائشات، وأما أولئك اللواتي لم ~~تنفعهن العمليات فلأنهن تأخرن أو تهاون؛ فلا بأس عليك. # وقبل أن نذهب إلى المستشفى، وكان موعد ذهاب دمية وهالة إلى المدرسة قريبا، أخذتهما ~~إلى جانب فودعتهما وداع من تخاف أن تموت تحت العملية. ولما خرجتا، وقفت على شرفة ~~المنزل تتبعينهما نظراتك، وتلوحين لهما بيدك. # لن أنسى يوم أخذناك إلى المستشفى للمرة الثانية، فقعدنا في غرفة الانتظار، فبكيت ~~بكاء مرا. # لن أنسى، وقد لزمت الفراش الشهور الطوال، أنك كنت من وقت إلى آخر تتضاءلين، ~~فتنخرطين في البكاء. # نعم، حاولنا جهدنا أن ننفي مخاوفك، وأن ندخل على نفسك الأمل، ولكن ذلك كله لم يمنع ~~أن تحسي بالخطر، فتبكي على شبابك! # زورت كتب الطب، فكنت أقرأ لك من أدوار المرض أيسرها، فأقرأ على وجهك علائم ~~الاطمئنان، وإن كنت في دخيلة نفسي في خوف مستمر. # كان مرضك شيئا، فأقرأ شيئا آخر، والأعراض تتشابه، لأقيم لك الدليل على أنك ~~ناجية. # بل كنت أفزع إلى تفاؤل الساذجين والساذجات، فأقول لك: إن وقعاتنا كبيرة، ولكننا ~~ننجو منها، أتذكرين مرضة سري الأولى بالحمى التيفويدية، ومرضته الثانية بالحمى ~~القرمزية، وكانت الحميان من أخبث أنواعهما، فمن كان يصدق أنه يعيش؟ # انظري هذه الليمونة التي غرسناها أمام الدار، فلم تلبث أن ذوت، وقال لنا العارفون: ~~إنها ماتت، وهممنا أن نقتلعها، ثم عادت إليها الحياة. # انظري إلى هذه الزيتونة التي غرسناها خلف الدار، فمرت السنة الأولى والثانية وهي عود ~~من الحطب، وقال لنا العارفون: إنها ماتت، وقد هممنا أن نقتلعها، ثم عادت إليها ~~الحياة. # يظهر لنا يا أم سري أننا من أهل الحياة، وليس ~~مرضك إلا عرضا زائلا، إن شاء الله. # ولكن ذلك كله لم يمنع أن تنتبهي للخطر فتبكي على شبابك! # لن أنسى قولك حين كان يستولي عليك الضجر: أحب أن أتنفس تنفسا عميقا، أحب أن ~~أجلس في فراشي، أحب أن أقوم على رجلي، أحب أن أرى الحديقة، أحب أن ms04 أشرب شربة ~~ماء من البئر على نفس واحد. # تضيق نفسك وأنت مضطجعة فتقولين: أجلسوني، تضجرين من غرفتك فتقولين: أخرجوني إلى ~~الإيوان، إلى شرفة المنزل، افتحوا الأبواب، روحوا لي، اسقوني جرعة ماء. # لن أنسى ما حييت يوم أخذت بيدك لأساعدك على المشي، وقد ازرق وجهك، واتسعت حدقتاك ~~من الإعياء وعسر التنفس، فقلت: «أنت تموه علي، انظر إلى حالتي.» فأحسست أن روحي ~~تكاد تخرج من صدري. وقلت لك: بخير أنت، إن شاء الله. # المعلمة. # لن أنسى ما حييت قولك لي: يا خليل، اعمل معروفا أعطني كذا، يا خليل اعمل معروفا ~~ارفعني عن مخدتي، فأعاتبك وأقول: ألي تقولين اعمل معروفا؟! أنا خادمك يا أم ~~سري. # لن أنسى ذلك اليوم الذي أخذناك فيه، فدرجت بنا السيارة من مكان إلى آخر؛ لأنك كنت ~~مشتاقة أن تتركي فراشك الذي طالت ملازمتك له، وأن تري الدنيا التي كنت وكنا ~~نحبها، كأننا أخذناك لتودعي الدنيا، لتلقي عليها النظرة الأخيرة! # لن أنسى يوم أقامت مدرسة دمية وهالة حفلتها الأخيرة، تلك الحفلة التي كنت تحبين أن ~~تشهديها لأنها حفلة الشهادة، فكان وجهك في ذلك اليوم أشبه بوجوه الملائكة، حتى إن إحدى ~~السيدات الأجنبيات راحت تقول: إنك كنت أجمل من في الحفلة، وقد كان ذلك اليوم آخر يوم ~~خرجت فيه من البيت. # لو كانت تلك الحفلة معرض جمال، لأخذت الجائزة الأولى، ولأقاموا لك عرشا، ~~وأعلنوا أنك سلطانة الجمال، وقالوا بلسان الشاعر: # أنيري مكان البدر إن أفل البدر # أو بلسان صديقنا الشاعر الكبير معروف الرصافي: # أأم سري، أنت سلطانة البها # أطاعك منه ما عصى الناس أجمعا # ولم ير نقصا في محياك ناظري # سوى أن كل الحسن فيه تجمعا # لقد كنت، يا أم سري، سلطانة الجمال في كل عمرك، لم يزدحم الفتيان على طلب يد ~~فتاة كما ازدحموا على طلب يدك، وكاد ازدحامهم يؤدي إلى القتال. # لو عشت، يا أم سري، لذكرنا كل ذلك بالخير، أما وقد فارقتنا فكل الذكريات، ~~حتى ذكريات أيام السعادة تمزق القلوب، وتستوكف الدموع! ~~(4) إني لمن المعترضين # مات أبي، ms05 وقد أثقلته السنون، فحزنت عليه، وبكيته دهرا طويلا، ثم قلت وقال الناس: ~~لا اعتراض على حكم القدر. # ثم ماتت أمي، وقد أثقلتها السنون، فحزنت عليها، وبكيتها دهرا طويلا، ثم قلت ~~وقال الناس: لا اعتراض على حكم القدر. # أما الآن، وقد عدت الأقدار على سيدتي، أم سري، وهي في أجمل أدوار الحياة، ~~وهي كالوردة في أكمامها، وهي كلؤلؤة الغواص ميزت من جوهر مكنون، وهي أصح الناس جسما، ~~وأنعمهم بالا، وهي راضية مطمئنة، وهي محبوبة محترمة عند جميع الناس. # أما الآن فإني من المعترضين، ولو كان هناك مجلس أعلى لقاضيت الأقدار إليه. # ليس شيء أعجب من أمر هؤلاء الناس: يضرسون بأنياب ويوطأون بمنسم، يتألمون ~~ويحزنون ويبكون، ومع ذلك يرضون ويستسلمون، وكأن ما قد كان لم يك كان. # لا يكفي أنهم يتلقون المصائب إثر المصائب، والضربات إثر الضربات، حتى يكلفوا ~~الرضى والاستسلام، فمثلهم مع الأقدار مثل المحكوم عليهم بالموت في مجالس القضاء في ~~الزمان القديم؛ فقد كانت هذه المجالس إذا حكمت على أحد بالموت تقول له: حكمنا عليك ~~بالموت فادع للسلطان بالنصر! # أيتها الأقدار احكمي بما شئت، وأما أن تكلفينا الدعاء لك والرضى بحكمك. فهذا لن ~~يكون! ~~(5) أسعفاني بالبكاء # أسعفاني بالبكاء، # ودعا كل عزاء # لا تقولا: الصبر يجدي # حين يشتد البلاء # ليس يجدي الصبر، إن لم # يك في الصبر رجاء # لا تقولا: «إنما الدن # يا - ما قيل - فناء» # إن يجل الخطب لا تج # د عظات الحكماء ~~••• # آه! واشوقي إلى # سلطانتي، زين النساء! # آه! واشوقي إلى # طلعتها ذات البهاء # آه! واشوقي إلى # أيامنا الغر الوضاء! # يوم كنا نغنم الأن # س صباحا ومساء # يوم كنا نتعاطى # أكؤس الصفو ملاء # يوم كنا لا نرى من # دهرنا إلا الولاء # يوم كنا سعداء # يوم كنا سعداء! ~~••• # حين كان البيت نا # دي الأصفياء الأوفياء، # كنت للنادي ضياء # تبهجين كل راء ~~••• # سحب الدهر على أيا # منا ذيل العفاء! # قوض النادي الجميل # وخبا ذاك الضياء! ~~••• # كنت، يا أم سري، # نجمتي ذات السناء # كنت إن أظلمت الدن # يا، وعز الاهتداء # ترسلين النور ms06 يهدي # ني إلى سبل العلاء # كنت لي كل سروري، # كنت لي كل الغناء # كيف تجفين وما عو # دتني هذا الجفاء؟! # كم أناديك، ولكن # لا تجيبين النداء؟! ~~••• # آه! لو أن المنايا # قبلت عنك الفداء، # كنت أفديك بروحي، # أنت أولى بالبقاء ~~(6) هنا وهناك # سيدتي أم سري! # نحن نبكي هنا حزنا عليك وشوقا إليك، ولست أشك أنك واقفة على شرفة الآخرة تبكين ~~حزنا علينا، وشوقا إلينا. # يخيل إلي أنك تقولين لأمك وأبيك وسائر الأهل الذين رحبوا بك، وأحلوك بينهم ~~في المكان العالي: أحب أن أرجع إلى زوجي وأولادي وأهلي، ردوني إليهم. # يخيل إلي أنك لست راضية هناك، كما أننا لسنا راضين هنا، إنك مقهورة هناك، كما ~~أننا مقهورون هنا. # يخيل إلي أنك تقولين لهم: إن داركم هذه لا تملأ عيني، إن بيتي المتواضع على ~~الأرض أجمل منها، إن حياتنا هناك أجمل من حياتكم هنا، ردوني إلى الأرض. # يخيل إلي أنك لا تنقطعين عن البكاء وهم مقبلون عليك يدارونك، ويحاولون تخفيف ~~حزنك، وإغراءك بنعيمهم، فتعرضين عنهم، ولا تقبلين عزاء. # أما نحن فكم نود لو نستطيع أن نحمل على الآخرة حملة شعواء، ونقتحم الأبواب ولو ~~حمتها سيوف من نار لنردك إلينا، أو نموت على عتبة الآخرة فنعذر. ~~(7) أتجلد # يهتاجني الشوق، فأتجلد، ولا أنبس بكلمة. # يثور بي الحزن فأتجلد، ولا أنبس بكلمة. # أراجع أيامنا الماضية من أولها إلى آخرها، فأتجلد، ولا أنبس بكلمة. # أذكر أيام مرضك في ليلك ونهارك، فأتجلد، ولا أنبس بكلمة. # يجف ريقي، وتتردد الغصة في صدري، فأتجلد، ولا أنبس بكلمة. # آرق في ليلي، وتمر الساعة تلو الساعة وأنا أتململ على فراشي، فأتجلد، ولا أنبس ~~بكلمة. # أزور قبرك كل يوم فأقف عند قدميك مطرق الرأس، فأتجلد ولا أنبس بكلمة. # إذا كان التجلد السكوت فإني أعظم من تجلد. # بلى، أعقد كل يوم مناحة: ألطم وجهي ولكن دون أن أرفع يدي، أضرب رأسي بالجدران ~~ولكن دون أن أتحرك من مكاني، أغني أغاني الفراق فأقول: «سافر المحبوب» ولكن دون أن ~~يرتفع لي صوت. # أعقد كل يوم هذه ms07 المناحة الصامتة ولكنها لا تشفي غليلي. # أحب أن أبكي جهرة في بيتي، في طريقي، في عملي، في رواحي ومجيئي. # أحب أن يكون إلى جانبي خليل أو خليلان من أخلاء الشعراء، فأقول: # أسعفاني بالبكاء # ودعا كل عزاء # أحب أن أقف على قبرك، وأستوقف، وأبكي، وأستبكي، فأقول: # قفا نبك من ذكرى أذابت حشاشتي # ولا تبخلا بالدمع، فالدمع حاجتي # إن هذا الحزن الباطن يتطلب الخروج فإذا لم يخرج بكاء خرج غضبا أو جنونا. # إن هذا التجلد لا يزيل الحزن ولكن يكبته إلى أن يجد منفذا فيخرج، مما يدل أن ~~الطبيعة لا تطيق الكبت، وأن التجلد غير طبيعي. وليس شيء في ملتي واعتقادي أضر من ~~مخالفة سنن الطبيعة، وقد سنت الطبيعة للحزن البكاء، فمن علمنا هذا ~~التجلد؟! # لقد أفسدنا طبائعنا ونحن لا ندري، ولعل القدماء كانوا أعرف بطبائعهم وأطوع لها منا، ~~فقد كانوا يعقدون المناحات للتنفيس عن صدورهم، وكانوا إذا لم يكف البكاء يعقدون حلقات ~~رقص حول القبور يهتزون فيها ألما، بل قد يلطمون وجوههم، ويشقون جيوبهم، ويضربون ~~رءوسهم بالجدران، يفعلون كل ذلك ليجد الحزن منفذا يخرج منه. ~~(8) لما عشنا متنا! # ما كادت سيدتي أم سري تصل إلى أجمل أدوار الحياة. # وما كاد أولادنا يستوفون ثقافتهم العالية، ويلمون ببعض الفنون الجميلة إلمامة ~~كافية. # وما كدنا نستقر في بيتنا المتواضع. # وما كدنا نعيش كما شاء اقتراحنا على المنى نقول مع البحتري: # أيها الدهر حبذا أنت دهرا # قف حميدا ولا تول حميدا # كل يوم تزداد حسنا، فما تب # عث يوما إلا حسبناه عيدا # ما كدنا نصل إلى هذا الدور الجميل الذي كنا ننظر إليه من أمد بعيد، حتى جاء الموت، ~~فهدم ما بنينا فأعلينا. # إذا كان هناك من يصدق عليه القول: «لما عشنا متنا» فنحن. ~~(9) القبور والدور # شاءت الأقدار أن تقضي الشتاء الماضي في المستشفى بين أيدي الأطباء والجراحين، ثم يجيء ~~هذا الشتاء وأنت تحت الثرى في تلك المقبرة البعيدة الموحشة التي يمر بها الشجاع ~~فيفزع. # لماذا لا يدفن الناس موتاهم في دورهم فيختلط الأحياء والأموات ms08 معا؟! # كيف يطاق العيش إذا كان الحي في دار والميت في دار؟! # رحم الله ذلك الدور الذي كان الناس فيه يهتمون بقبورهم أكثر مما يهتمون ~~بدورهم. # لست أدري ما الذي أوحى إلى الناس أن يقولوا: «الحي أفضل من الميت» ... لا، لا، ليس ~~الحي أفضل من الميت، بل الميت أفضل من الأحياء كلهم لو يعلمون. # رحم الله ذلك الزمان الذي كان الميت فيه أفضل من الحي، ذلك الزمان الذي كانت فيه ~~القبور أجمل من الدور، ذلك الزمان الذي كانت فيه القبور أهراما وهياكل رست أصولها ~~تحت الثرى، وسمت فروعها إلى السماء تعانق قطع السحاب الممطر، على حين كانت الدور ~~أكواخا، ذلك الزمان الذي كانت فيه القبور تبنى بالرخام، وتزين بأجمل النقوش ~~والرسوم، وتؤثث بأفخر الرياش. # رحم الله الفراعنة أصحاب الأهرام! ورحم الله شاه جهان، صاحب «تاج محل»! فقد كانوا ~~ألصق بموتاهم وأعرف بأقدارهم منا. # ليتني استطعت أن أعمل قبرك بيتا جميلا ذا نوافذ، أفرشه بالسجاد، وأضع فيه آلة ~~الراديو تسمعك الأناشيد التي تحبينها! # ليتني استطعت أن أعمل بوصية صديقنا الطيب الكريم الرقيق القلب الدكتور منصور ~~فهمي، فقد كتب إلي يقول: # إذا استطعت أن تجعل حجارة قبرها ذهبا فافعل. # آه! لو كنت أستطيع! ~~(10) سنتي الماضية 1939 # لك الويل يا سنتي الماضيه! # لك الويل من سنة جانيه! # لقد كنت، مذ كنت بين السنين، # على بيتي الضربة القاضيه # مشيت إليه على غرة # وليتك ما كنت بالماشيه! # مشيت إليه ففجعتني # بربته الدرة الغاليه # بمهوى فؤادي، بعنوان فخري، # بموضع أنسي، بآماليه # كأنك غاظك ما نحن فيه # من الصفو والعيشة الراضيه # نبث السرور هنا وهناك # ونحسو كئوس الهنا صافيه # فزعزعت أركانه الراسيه # وضعضعت جدرانه العاليه # وأطفأت أنواره الساطعات # وصوحت أزهاره الزاهيه # وهذي القلوب غدت داميه # وهذي العيون غدت باكيه ~~••• # ألا! إن ذا لم يكن في حسابي # ولم يك يخطر في باليه # فيا ليتني كنت في الذاهبين! # ويا ليتها كانت الباقيه! ~~(11) كيف كنت وكيف صرت # كيف قدر لي أنا الذي كنت أوزع السرور توزيعا ذات اليمين وذات اليسار، ms09 فلم ~~يكن أحد يلقاني إلا وأنا هاش باش. # أنا الذي كنت أجدد شبابي كل يوم: أستحم بالماء البارد، وأمارس ألعابي ~~الرياضية، وأراعي كل الشرائط الصحية، فكنت أزداد كل يوم قوة ونشاطا ~~وسرورا. # أنا الذي كنت لا أمشي إلا مرحا، ورأسي يكاد يمس السماء سرورا لا ~~خيلاء. # أنا الذي كنت من أسعد خلق الله أينما كنت، وعلى كل حال، حتى في أيام الحرب ~~الكبرى، حين كان الواحد منا لا يخرج من بيته ومن أمله الرجوع، ولا يمسي ومن أمله أن ~~يصبح، في تلك الأيام السوداء التي زرت فيها السجون، محكوما علي بالموت بجريرة ~~غيري، كنت أبث السرور، وأطمئن الخواطر القلقة، وأعزي النفوس المحزونة، ~~وأشجع القلوب المروعة. # كيف قدر لي أن أتلقى هذه الضربة القاضية فيتحول سروري إلى نواح ~~مستمر؟! # ألا! من شاء أن يتعلم الحزن والنواح فليأت إلي. ~~(12) الحزن قديم # يظهر أن الحزن قديم، فما من لغة إلا فيها من ألفاظ الحزن والبكاء شيء كثير. ولعل ~~اللغة العربية أغنى اللغات في هذا الباب. وليس الحزن والبكاء ضعفا، بل أعتقد أن ~~الأمة التي لها قلوب ولا تتأثر لهي أمة ضعيفة قليلة الحيوية، وليس هذا التجلد ~~الذي نتكلفه تكلفا إلا وسيلة إلى قتل الحيوية هذه، وإذا فقدت الأمة حيويتها فأي ~~فرق بينها وبين الجماد؟ # أعيذك يا أم سري وأعيذ نفسي أن أكون أمام مصيبتي فيك جمادا! # المعلمة. ~~(13) أرغمت يا موت أنوف القنا # تحاول الدنيا أن ترغمني على التسليم، أن أقول كما يقول الناس: هذه حالة ~~الدنيا، أن أتعزى بما يتعزون به، أن أقابل مصيبتي بمصائب غيري، أن أقنع ~~بالخيال والرسوم والرموز، بل تحاول الدنيا أن تعيدني طفلا أتعلق بكل حديث ~~خرافة، فأتمرد عليها. # مثلي مثل أسد يؤتى به من عرينه، ويوضع في قفص، فيمد إليه رائضه هراوة، ~~فينقض عليها، ويحطمها بأنيابه، فيمد إليه أخرى فأخرى إلى أن يكل الأسد ويمل ~~من تحطيم الهراوات؛ فإذا مد إليه هراوة بعد ذلك انكفأ إلى جانب في قفصه ~~ذليلا! # هذا حالي مع الدنيا، فإذا سكت فسكوت ذل ms10 وانكسار. # لقد كان بيتي عريني، فجاء الموت، فحزنت، وبكيت، ثم انكسرت، فإذا عشت، وليتني لم أعش، ~~عشت ذليلا منكسرا، وقلت مع الشاعر: # أرغمت يا موت أنوف القنا # ودست أعناق السيوف الحداد ~~(14) المنايا العشواء، والموت النقاد # أعرف الناس بالموت هم الشعراء، وأصدق أقوالهم فيه قول زهير بن أبي ~~سلمى: # رأيت المنايا خبط عشواء # وقول ابن النبيه: # والموت نقاد على كفه # جواهر يختار منها الجياد # رأى الأول أن الناس يموتون جزافا فوصف الموت بالناقة العشواء. # ورأى الثاني أن الموت يتخير الناس تخيرا الجواد منهم فالجواد، فوصف الموت ~~بالبصير النقاد. # لو سلمت يا أم سري من المنايا العشواء، لم تسلمي من الموت البصير ~~النقاد! ~~(15) الغصة التي لا تساغ # أروح وأجيء والغصة في صدري. # أذهب إلى المدرسة، وألقي دروسي والغصة في صدري. # آوي إلى فراشي، وأقوم منه، والغصة في صدري. # أستقبل الزائرين، وأجالسهم، وأبادلهم الحديث، وأقابل الابتسام بالابتسام، ~~وأودعهم والغصة في صدري. # أقرأ وأكتب والغصة في صدري. # لا أحاول أن أسيغ هذه الغصة إلا نشبت في حلقي. # أشبه نفسي بالمعلق من عنقه بحبل مغار الفتل في سارية، أو جذع نخلة، ~~يحاول من حلاوة الروح، كما يقولون، أن يفلت من الحبل، على غير جدوى، وكل حركة منه ~~تشدد عليه الخناق، إلى أن يموت. ~~(16) لغة الموت # إذا أردت أن تعرف رأي أمة في الموت فانظر في لغتها، وإذا نظرت في ألفاظ ~~اللغة العربية ذات العلاقة بالموت رأيت عجبا. # يقولون توفى الله فلانا، أي أخذ حقه، على اعتبار أن الإنسان حق من حقوق الله، ~~فإذا مات فقد توفى الله حقه. # يقولون قضى فلان نحبه، والنحب هو النذر، واستعملوا النذر للموت؛ لأنه لازم في ~~رقبة كل حيوان. # يقولون قضى فلان أجله، ومن معاني الأجل حلول وقت الدين، ولذلك استعملوا له ~~لفظة قضى، فإذا قلنا قضى فلان أجله فكأننا قلنا قضى دينه. # يقولون غلق رهن فلان، يقال غلق الرهن إذا استحقه المرتهن فامتنع فكاكه. # وهناك عبارات أخرى لا يتسع لها هذا المقام. وأنت ترى من أكثر هذه العبارات أن ms11 ~~الموت حق، ولست أشك أنه مر على الناس دهر طويل وهم ينكرون الموت، ولم يقولوا ~~إنه حق إلا مرغمين. ~~(17) علاج الحزن # كيف تعالج الطبيعة الحزن؟ # يخيل إلي أن الطبيعة تمس المحزون بشيء من الجنون على قدر حزنه، ولا يعود ~~إلى عقله إلا شيئا فشيئا، وقد لا يعود إليه، كما تعالج الألم الشديد ~~بالإغماء. # ألا ترى المحزون كيف يقلب كفيه، أو يدق يدا بيد، أو يلطم وجهه، أو يضرب ~~رأسه بالجدران، أو يمزق ثيابه، أو يتلفت يمينا وشمالا، أو ينتبذ مكانا قصيا ~~فلا يكلم إنسيا، أو يهيم على وجهه؟ # ألا ترى كيف يحدث نفسه، كيف يناجي الأرواح، كيف يخاطب الديار والأشجار، والليل ~~والنهار، والرسوم والآثار، يسألها فتجيب. من ذلك قول الشاعر: # فيا شجر الخابور ما لك مورقا # كأنك لم تجزع على ابن طريف! # أنا نفسي لا أذكر كيف كنت يوم وقعت المصيبة، لا أذكر من أسرع إلينا من الأهل ~~والأصدقاء، لا أذكر ماذا قلت، وماذا عملت، والأرجح أني لم أقل شيئا، ولم أعمل شيئا، ~~فلو دخل غريب علينا في تلك الساعة الرهيبة لم يصدق أني أنا المصاب. # وقد أشار الشمردل بن شريك أحد شعراء الحماسة إلى هذه الحالة في قوله: # بنفسي خليلاي اللذان تبرضا # دموعي، حتى أسرع الحزن في عقلي # تبرضا دموعي: أفنياها شيئا فشيئا؛ أي: بكيت عليهما حتى قل دمعي فكأنهما ~~قللاه، فلما قل أسرع الحزن في عقلي. # إذا صح ذلك فلا دواء للحزن في المصائب الجسام إلا الجنون. ولكن؛ لأن الناس أفسدوا ~~طبائعهم بالكبث والتجلد والتكلف فعادت لا تسعفهم بهذا الجنون دفعا للألم أو ~~تخفيفا له، جعلوا حين تلم بهم المصائب يفتشون عن الجنون تفتيشا، من ذلك أنهم ~~يلجأون إلى الشراب، حتى على القبور. وقد جاء في الأدب القديم أن رجلين من بني أسد ~~خرجا إلى أصبهان، فآخيا دهقانا بها في موضع يقال له «راوند» فمات أحدهما، وغبر ~~الآخر والدهقان ينادمان قبره، يشربان كأسين، ويصبان على قبره كأسا، فمات الدهقان، فكان ~~الأسدي ينادم قبريهما، ويترنم بشعر، منه هذا البيت: ms12 # أصب على قبريكما من مدامة # فإلا تنالاها ترو جثاكما # بل إن بعض المسيحيين لا يزالون إلى يومنا هذا، في هذه الصلاة التي يقيمونها على ~~القبور، يضعون آنية الخمر عند رأس الميت، وبعد الصلاة يشرب الكاهن، ويسقي، ثم ينضح ثرى ~~الميت بما بقي في آنيته. # مهما يكن الأمر فليس شرب الخمر على القبور ومنادمتها إلا من أمارات الجنون الذي تمس ~~به الطبيعة المحزون. ~~(18) أين العزاء # مهما كانت الحياة فقد ألفناها، ورضينا بها، بل إن كثيرين من الناس يقطعون ~~الأيام تلو الأيام، بل السنين تلو السنين، وهم لا يفكرون في الحياة: ~~أجميلة هي أم غير جميلة، أعالية هي أم غير عالية، أيسيرة هي أم غير يسيرة. لا يفكرون ~~في تجميلها إذا كانت غير جميلة. ولا في إعلائها إذا كانت غير عالية، ولا في تيسيرها إذا ~~كانت غير يسيرة، وما ذلك إلا لأنهم ألفوها، وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن، كما ~~قال الشاعر. # وإذا كان هناك من لا تعجبه الحياة فإنه يتعلق بالأمل، ويحاول أن يقنع نفسه ~~أن دوام الحال من المحال، وأن السعادة تنتظره، وأن المسألة مسألة وقت ... وإذا أبى ~~دهره إسعافه في نفسه رضي منه أن يسعفه في من يحب ويكرم ... وإذا جهد دهره في ~~عناده وعدائه لجأ إلى خياله يستعين به على تغيير طبائع الأشياء، وتلوين الحياة بغير ~~ألوانها. خلاصة القول أننا ألفنا الحياة، ورضينا بها على علاتها، وأما الموت فلم ~~نألفه، ولم نرض به، فإذا وقع فكيف العزاء؟ # لقد فتشت عن العزاء في كل مظنة تفتيشا، فلم أجده. ~~••• # لا يعزيني، وأستغفر الله، أن يكون هناك عالم آخر لا هم فيه ولا غم ولا وجع ~~ولا تنهد يقوم إليه الناس، فتستقر بهم النوى، ويتمتعون مع أعزائهم بالخلود ~~الجميل. # أم سري. # ما أجمل القيامة! وإذا آمن الناس بها فلا لأنهم رأوا الأموات يقومون، ولكن لأنهم ~~يتمنون أن يقوموا، فهم يؤمنون بما يتمنون لا بما يعتقدون، كأنهم تمنوا، فكان ~~الدين، أو كان الدين فكان ما يتمنون، وإذا فتشت وجدت أن الأديان كلها ms13 أماني، وإذا ~~خلت الأديان من هذه الأماني فلا يؤمن بها أحد. # لا يهم الناس ما في هذا الدين أو ذاك من أصول وعقائد، بل إن أكثرهم لا يفهمون هذه ~~الأصول، ولا يفهمون هذه العقائد، وإنما يهمهم ما في الدين من أماني، وإذا تمنوا ~~القيامة فلا ليتمتعوا بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لا ليلبسوا ~~تيجانا من الذهب، لا ليروا سماء من عقيق أو ياقوت أو زبرجد، ولكن ليلقوا أعزاءهم، ~~هذه أمنية الأماني، ولكن متى تكون هذه القيامة؟! متى تكون؟ ... هذه هي المسألة التي ~~حيرت الأفكار قاطبة ... # لقد مات المؤمنون منذ كانوا وكان الدين، ولا يزالون يموتون على رجاء هذه القيامة، ~~ولكن طال الانتظار جدا، وأي رجاء يعيش مع هذا الإبطاء. # ثم ألم يكن أقرب إلى رحمة الله أن يجعل عالمنا هذا مثل ذلك العالم الآخر لا غم ~~فيه ولا هم ولا وجع ولا تنهد ولا موت، فنكفي هذا الشقاء؟! # ومع ذلك فقد كان من المنتظر أن يهون الدين الموت على الناس، على الراحلين ~~والمقيمين منهم، ولكن الذي نراه أن أشد الناس تدينا وتشوقا إلى ملكوت الله ~~لا يزالون يؤثرون هذه الدنيا التي يصفونها بأنها وادي البكاء على تلك الجنة التي وعد ~~بها المتقون، يؤثر الأب أن يكون ولده معه على أن يكون في صفوف الملائكة، ويؤثر ~~الزوج أن تكون امرأته معه على أن تكون في جوار ربه. # بل إن المسيح الذي قال إن مملكته ليست من هذا العالم، والذي ازدرى الدنيا، وعاش ~~فيها معيشة الزاهدين، والذي أعلن أنه ابن الله، وأنه إذا ارتفع إلى السماء جلس عن ~~يمين أبيه، إن المسيح نفسه في ساعاته الأخيرة دهش، واكتأب، وقال: # يا أبا الآب كل شيء مستطاع لك فأجز عني هذه الكأس. # لا يعزيني قول الفلاسفة إن الموت ليس فناء، ولكنه استحالة وتغير، وأن الجوهر ~~لا يفنى وإنما تبطل الأعراض والنسب والإضافات. # وأن الموت تمام حد الإنسان لأنه حسب تعريفهم «حي ناطق مائت» فالموت تمامه، ~~والواجب على ms14 العاقل أن يستوحش من النقصان، ويأنس بالتمام. # وأن كل كائن فاسد لا محالة، فمن أحب أن لا يفسد فقد أحب أن لا يكون، ومن أحب أن ~~لا يكون فقد أحب فساد ذاته، فكأنه يحب أن يفسد، ويحب أن لا يفسد، ويحب أن يكون، ويحب ~~أن لا يكون، وهذا محال. # لا يعزيني قولهم إن هذا العدم الذي نخاف أن نصير إليه هو مثل العدم الذي كنا فيه، ~~فإذا كنا لا نخاف من الأول، فلماذا نخاف من الثاني. # لا يعزيني قولهم إن الموت ليس برديء، وإنما الرديء هو الخوف منه. # لا يعزيني قولهم إن الحزن غير طبيعي ولا ضروري. # لا يعزيني قولهم إن ألم الموت لا يزيد عن ألم الأمراض التي تتقدمه، وتؤدي إليه، ~~وأن الحي إذا حل به الموت بطل حسه وألمه، نعم ولكن أهله يحسون ويتألمون، ~~فإذا أبطلتم حس الميت فأبطلوا حس الحي لو كنتم تقدرون. # ومع هذا لم نر، ولم نسمع أن هذه الفلسفة هونت الموت على أحد، حتى الفلاسفة ~~أنفسهم، وإذا كانت تهونه فهل كل الناس فلاسفة؟ ~~••• # لا يعزيني أن ألجأ إلى خيال الشعراء: أن أنظر إلى مكانك، فأتخيل أني ~~أراك. # أن أروح وأجيء، فأتخيل أنك معي. # أن أتمثلك في ندى الصباح، في زهر الحديقة، في نجوم السماء، في كل معنى لطيف ~~رائق، في كل شكل أو لون جميل رائع. # أن أسمعك في زقزقة العصافير، وبغام الظباء، وسجع الحمام، وهينمة النسيم. # أن أتناول التلفون فأتخيل أني أخاطبك، وأني أسمعك وأنك ~~تسمعينني. # ما أحرى هذا الخيال أن يجدد الحزن، ويزيده! وإلا فما بالنا نرى أن الشعراء ~~أنفسهم أشد الناس حزنا وبكاء؟ يسلو الناس وهم لا يسلون، ويصبر الناس وهم لا ~~يصبرون! ~~••• # لا يعزيني أن أتذكر أيام السعادة، أيام كان الزمان غلامنا، أيام كنا نطوف بأكناف ~~السحاب المخيم. أيام كنا نوزع السرور توزيعا. # أيام كنا نتساقى أكؤس الصفو ملاء، أيام كنا نبني علالي وقصورا في الهواء، أيام ~~كنا سعداء! أيام كنا سعداء! # لا أذكر تلك الأيام إلا ثارت أشجاني وأحزاني. ms15 ~~••• # ولكن الناس يتعزون ويعزون، فبم يتعزون ويعزون؟ # يقولون لقد استراحت، ومن قال لكم إنها كانت تشتاق إلى هذه الراحة؟ # يقولون إن الحزن يكون شديدا في أوله، ثم يخف شيئا فشيئا. # أيها الناس! # إن الحزن هو أثر المصيبة لا المصيبة نفسها، فإذا خف أو زال، فهل تخف المصيبة أو ~~تزول؟ الحزن هو الألم لا المرض، فهل يزول المرض إذا عالجنا الألم بالمكمدات؟ ألا ~~تكون المصيبة في عرفكم مصيبة إلا إذا كانت بنت ساعتها، فإذا مر عليها زمان قصير أو ~~طويل بطل كونها مصيبة؟ أإذا عميت فلا أكون أعمى إلا في اليوم الأول، ثم أعود ~~بصيرا؟! # يقولون كل شيء يكون في أول أمره صغيرا، ثم يكبر، إلا المصائب فإنها تكون في أول ~~أمرها كبيرة، ثم تصغر. # وهذا الكلام لا أفهمه أيضا. لنأخذ مصيبتنا، لقد كانت كبيرة تجاوز طاقتنا لأننا ~~فقدنا أم سري، فهل يظهر لنا بعد حين أننا كنا واهمين، أن أم سري لم تكن ~~ربة الدار، وموضع الأنس، وذات العقل الراجح، والقلب الكبير، والخلق العذب، والجمال ~~النادر، وأنها لم تكن الزوجة الفاضلة، والأم الرؤوم، والصديقة البارة؟! # هل يظهر لنا أنها لم تكن على شيء من هذا، فتصغر المصيبة فيها شيئا فشيئا إلى أن ~~تزول؟! # لا لا، بل الواقع أن الأمر على خلاف ذلك. تقع المصيبة، فيصاحبها شيء من الذهول أو ~~الجنون، فيظن أنها صغيرة. ولكن إذا ذهب الذهول، أو الجنون ظهرت بمظهرها الصحيح، ~~فكأنها تتجدد كل يوم؛ كما تصيب المرء ضربة شديدة، فلا يحس بها في أول أمره، ~~ولكنه لا يلبث أن يحس بالألم، ولا يلبث الألم أن يزداد. # يقولون من رأى مصيبة غيره هانت عليه مصيبته، كأنه لا يكفي أن يصاب الإنسان حتى ~~يكلف أن يستصغر مصيبته. # أيها الناس! # لا دخل لمصيبة الواحد في مصيبة الآخر؛ فكل واحد مصيبته على قده. # يقولون مهما عظمت المصيبة فما أحرانا أن نكون شاكرين لأنها لم تكن أعظم. كأنه لا ~~يكفي أن نصاب، ولكن يجب أن نقبل اليد التي ضربتنا لأن ضربتها لم تكن ms16 أشد! # إذا ضربني أحد على عيني ففقأها يجب أن أقبل يده لأنه لم يفقأ عيني ~~الاثنتين. # إذا ضربني أحد فكسر يدي يجب أن أقبل يده لأنه لم يكسر يدي الاثنتين. # إن هذا هو الذل الذي ليس بعده ذل، إنه لأهون علي أن تنصب علي المصائب انصبابا ~~من أن أقف موقف الذل هذا. # ألا! أنا لا أختار تقبيل اليد التي تضربني ولو كانت يد زفس! ~~(19) الصبر الصبر # يقولون: الصبر الصبر. # مرت بي شدائد كثيرة كانت مستحكمة الحلقات، فصبرت عليها إلى أن فرجت، وكنت ~~أظنها لا تفرج. # حين كنت في أميركا صبرت على ما لا يطاق، وقد كنت حريا أن أرجع من اليوم الأول، ~~وأكفي نفسي مؤونة الفراق، ومع شدة ما كنت أعاني من الأشجان والأشواق رددت النفس ~~على مكروهها، وصبرت إلى أن جاء الفرج. # وحين أخذت من بيتي في أثناء الحرب الكبرى إلى السجن بجريرة غيري، ولم أشك أنني ~~محكوم بالموت، ثم أخذت إلى درعا مكبلا ماشيا، ثم في القطار إلى دمشق حيث ~~أودعت السجن لمدة غير قليلة أنتظر تنفيذ الحكم، ثم خرجت من السجن، فقضيت نحو السنة ~~في دمشق لا أعرف عن ذوي، ولا يعرفون عني شيئا، في تلك الأيام العصيبة الرهيبة صبرت ~~إلى أن جاء الفرج. # وأما الآن فما معنى الصبر، وأي فرج أرجو منه؟! # نعم، لا يكون الصبر صبرا إلا إذا كان هناك شوق أو ألم، ولكن من الجهة الأخرى لا ~~يكون الصبر صبرا إلا إذا كان هناك رجاء، وإلا فلا معنى للصبر، ولا فائدة منه. # ربة الدار. # ولقد أراك كسيت أجمل منظر # ومع الجمال سكينة ووقار # جرير # لعلكم تعنون بالصبر أن أشتاق، فأمتنع عن الاشتياق، وأن أتألم، فأمتنع عن الألم، ~~وبعبارة أخرى، أن لا أشتاق، ولا أتألم. إذا كان هذا الصبر الذي تعنون فليس إليه من ~~سبيل. # أتريدون مني أن أنسى أم سري؟! # والله لو كان عندي طير فمات لبكيته، فكيف لا أبكي سيدتي؟ # والله إني لأخجل من نفسي أن أكتفي في مصيبتي هذه بالبكاء، كان يجب ms17 أن ألطم وجهي ، ~~وأضرب رأسي بجدران غرفتي، وأعقد المناحة إثر المناحة، بل كان يجب أن أنسحب من الدنيا، ~~وأهيم على وجهي إلى أن ألقى حتفي. # ألا! لست في حاجة أن يوصيني أحد بالصبر، وإنما أنا في حاجة إلى من يشاركني في ~~البكاء، فإذا لم تشاركوني في البكاء، وأم سري أحق من مات بالبكاء، وإذا قبح ~~بكاء ميت رأيت بكاءها الحسن الجميل، كما قالت الخنساء في بكاء أخيها صخر، إذا لم ~~تشاركوني في البكاء، فدعوني وشأني. # أجل سلطانة، وأجل نفسي أن أستكثر عليها هذا الألم، وهذا البكاء، وفي أول فرصة ~~أكف عن الشعور بالألم، وأكف عن البكاء، أعد نفسي خائنا دنيئا، فأقول مع ~~الشاعر: # وحق هواك خنتك في هواك. # أي صبر أعظم من الصبر على الألم والبكاء؟! # إذا أردتم أن تتعلموا الصبر فمني. # وأما الصبر الذي تتكلمون عنه فما أقل حظي منه! # إني لأستغرب، وقد خسرت سيدتي أم سري، وهي الجوهرة النفيسة المضنون بها، أن ~~توصوني بالصبر القبيح. # جهلتم وقد يستصغر الأمر جاهله! ~~(20) كأنك خلقت من المسك والذهب المصفى # لم أخترك يا أم سري لأنك أول من لقيت في طريقي، فقد عشت منذ خرجت ~~من المدرسة في جو بهيج كانت أجمل فتيات ذلك العصر وأرقاهن كواكب لامعة ~~فيه. # لم أخترك وأنا غرير لا أفهم الجمال، ولا أدري ما هو، فقد أنفقت أوقاتي على ~~البحث عنه: قرأت الكتب، زرت المتاحف والمعارض وهياكل إلاهات الجمال حيث رأيت الجمال ~~ممثلا: مصورا، أو مسبوكا، أو منحوتا، ولو كانت هناك جامعة، وكان فيها كرسي ~~لإلقاء دروس في الجمال لكنت أجدر من يتبوأ ذلك الكرسي. # لم أخترك وأنا صغير النفس أرضى من الدنيا بالنصيب الأخس، فقد خلقت كبير ~~النفس عزيزها، بل كدت أجاوز الحد في إكبار نفسي وإعزازها. # فإذا اخترتك بعد أن رأيت وسمعت وعرفت ورويت فلأنك كنت فوق ما تحدثني به ~~نفسي، وتتمثله أماني. # الجمال عندي نوعان: جمال شائع وجمال نادر. وقد كنت من ذوات الجمال النادر جملة ~~وتفصيلا، ولو كنت في زمان اليونان القدماء لجعلوك ms18 في مكان «أفروديت »، وكأني عملت ~~حين اخترتك بوصية «نيتشه» الفيلسوف الألماني، وهي «تزوج أجمل فتاة». # على أن جمالك لم يكن الشيء الوحيد الذي راعيته في اختياري لك، وإنما هناك جمال نفسك ~~من أخلاق عالية، وآداب رائعة، وثقافة واسعة، وسكينة، ووقار، فكأنك خلقت من ~~المسك والذهب المصفى. # لقد كنت موضع إعجابي واحترامي، وموضع إعجاب كل من عرفك واحترامه. ~~••• # ولعلك لم ترضي بي، يا أم سري؛ لأني كنت أول من طلبك، فقد تقدمني ~~كثيرون، وكلهم من الطراز الجديد المثقف، ولكن لأني كنت أعرفهم بقدرك، وأشدهم ~~إعجابا بك، وحبا لك، وكأن ابن الفارض يخاطبك بلساني حين قال: # ما رأت مثلك عيني حسنا # وكمثلي بك صبا لم تري # نسب أقرب في شرع الهوى # بيننا من نسب من أبوي # ولقد كانت حياتنا الزوجية على ما كان يعترضها من فترات فراق وقلق، رواية جميلة، بل ~~أوبرا مستمرة، بل عيدا سعيدا، بل مثلا أعلى في السعادة. ولولا أني أجل نفسي ~~عن السخف لقلت: إن الناس حسدونا يا سلطانة، ودعوا بأن نغص فقال الدهر: ~~آمين. ~~(21) كلمات # 1 # كل ما ندعيه من حب على اختلاف أنواعه ودرجاته ليس صحيحا. يموت أعز ~~الناس على الناس، فلا يعدو ما يجدونه من الحزن لموتهم ما يجدونه من الحزن لضياع ~~أداة من أدوات ترفهم، أو لخسارة ضئيلة تحل بتجارتهم؛ بل قد تجد من الناس ~~من إذا خسرت تجارته، أو أضاع منصبا عاليا كان يشغله، جن، أو انتحر، أو مات ~~كمدا. # إذا كانت هذه قيمة الناس عند الناس، فيا موت زر! # 2 # كنت أظن أني أحب الحياة، فإذا بي أحبك أنت لا الحياة، فلما غبت ~~عني أصبحت الحياة في نظري شيئا تافها لا قيمة له، وما هذه الحياة؟ # نسير فيها من الطفولة إلى الشيخوخة، من الصحة إلى المرض، من الازدهار إلى ~~الذبول، من النشاط إلى الكلال، من الأمل إلى اليأس، من السرور إلى الكآبة، من ~~الحياة إلى الموت. # أول يوم في الحياة هو أول خطوة إلى الموت. فإذا كنا نخاف من الموت فالأولى ~~أن ms19 نخاف من الحياة؛ لأنها مجلبة الموت، وإذا بكينا لفراق الأحباء فالأولى ~~أن نبكي من اليوم الأول لأن هذا الفراق واقع لا محالة. # 3 # كنت سروري، وكنت عزائي. # كان سروري مزدوجا: سروري بك، وسروري لك. # أما سروري بك فلأنك كنت لي غاية بغيتي من هذه الدنيا. # وأما سروري لك فكان حين أوفق فأدخل شيئا من السرور على نفسك. # كان عزائي بك عظيما. # إذا سعيت فأخفقت، إذا اقتنيت فخسرت، إذا نظرت إلى الدنيا فلم تعجبني، إذا توالت ~~علي المصائب عن يميني وعن شمالي، كنت ألجأ إليك، فأتعزى. # أما الآن فلا سرور ولا عزاء. # 4 # خرجت من المقبرة، وإذا بجنازة وراءها جمهور كبير من المشيعين، وقد أخذت بعض ~~النساء بيدي امرأة قد تكون أما، أو أختا، أو زوجة، وهي تبكي بكاء مرا ~~يفتت الأكباد، فخنقتني العبرة، وانضممت إلى المشيعين وأنا أحسب نفسي ~~ماشيا في جنازتك. # لا أرى جنازة يا أم سري إلا حسبتها جنازتك، ولا أرى قبرا إلا حسبته قبرك، ~~كأني ذلك الشاعر الذي قال: # فقلت له: إن الأسى يبعث الأسى # فدعني فهذا كله قبر مالك # 5 # ليت أنا نستطيع أن نحتكم في ما نذكر، وفي ما ننسى، فلا نذكر إلا ما يسرنا، ولا ~~ننسى إلا ما يؤلمنا، فتكون لنا ذاكرة نوعية تذكر شيئا ولا تذكر شيئا آخر، ويكون ~~لنا نسيان نوعي ننسى نوعا من الحوادث ولا ننسى نوعا آخر، كما يصاب بعض الناس ~~بالعمى اللوني، فيرون لونا ولا يرون لونا آخر، أما ونحن لا نستطيع أن نحتكم في ~~ما نذكر وفي ما ننسى فحياتنا آلام في آلام. # في قمة الحياة. # 6 # إذا كانت الأدوار التي مر بها البشر ثلاثة: دور المعدة، ودور القلب، ودور ~~العقل. فيا ليت البشر يرجعون إلى دور القلب، بل إلى دور المعدة! ذلك خير لهم من أن ~~يصلوا إلى دور العقل الجاف القاسي، بل يا ليت البشر، وقد وصلوا إلى دور العقل، ~~يخلصون من دور القلب فهو موضع الإحساس، وأما أن تكون لنا قلوب تحس، وعقول تهزأ ~~بهذا ms20 الحس فما أشقانا! # 7 # تختم الصلاة على الميت في الكنيسة الأرثوذكسية بنشيد يترنم به قسيس أو ~~غيره بالتحزين باسم الميت يودع به الناس والدنيا، فتنهمل الدموع، وترتفع ~~الزفرات، ويقبل الناس على النعش يمرون من أمامه يتزودون من الميت النظرة ~~الأخيرة، مما تنقلب به الصلاة إلى مناحة. # لا تجد مثل هذا إلا في الكنيسة الأرثوذكسية، بل يترنم أصحاب المذاهب المسيحية ~~الأخرى بترانيم مختلفة، ولكنها أقرب إلى الصلاة منها إلى المناحة، وإذا فكرت ~~وجدت أن الناس في مثل هذه المواقف أحوج إلى المناحة. # لا شك أن الذين وضعوا شعائر المذهب الأرثوذكسي واحتفالاته كانوا أعرف من غيرهم ~~بطبائع البشر، بل كانوا شعراء وموسيقين كبارا، فإن ترانيم الكنيسة الأرثوذكسية ~~لكل حفلة من أبلغ الترانيم وأرقاها، على حين تجد أن ترانيم بعض الكنائس الأخرى ~~بسيطة، وحجتهم أنهم يربأون بصلواتهم أن تكون حفلات موسيقية. # 8 # لماذا نعيش؟ # رأى الناس أن الحياة عبث، فضلا عما يصاحبها من الألم من المهد إلى اللحد، ~~فحاولوا أن يجعلوا لها قيمة ليسلوا نفوسهم، ويهونوا ما يعانون من ألم، فماذا ~~قالوا؟ # قالوا: إننا نعيش لنعمر الدنيا. # ما أسخف هذا الرأي! لا عمرت الدنيا إذا كنا نعيش فنتألم فنموت. # قالوا: إننا نعيش لنتمتع بالحياة. # ما أسخف هذا الرأي! كيف يطيب لنا العيش وشبح الموت ماثل أمام العيون. ثم ما هذه ~~المسرات واللذائذ التي نتمتع بها؟! وكم هم الذين يتمتعون بها؟! # لماذا نعيش؟! لماذا نعيش؟! # 9 # لا أزال أذكر أننا اختلفنا مرة في الزهور، فكنت أنت تحبينها، وحرصت على ~~زراعتها في حديقتنا؛ لأنها تمثل بازدهارها الحياة، وكنت أنا أمقتها لأنها تمثل ~~بذبولها الموت، فكنت تعجبين من غرابة عقلي وذوقي، وتقولين لم أر أحدا يمقت ~~الزهور الجميلة الطيبة الرائحة غيرك. # ما الذي أوحى إلينا أن نتكلم في هذا الموضوع؟ لا فرق بيننا إلا أنك كنت تحبين ~~الحياة وأني كنت أكره الموت. # 10 # ما أصدق ما قاله ابن الرومي في أمه علي فيك. فقد قال: # نبا ناظري يا أم عن كل منظر # وسمعي عن الأصوات بعدك ms21 والنغم # وصارمت خلاني وهم يصلونني # وقد كنت وصال الخليل، وإن صرم # وآنسني فقد الجليس، وأوحشت # مشاهده نفسي، ولم أدر ما اجترم # نعم، يا سلطانة، لقد نبا ناظري عن كل منظر، ونبا سمعي عن كل صوت، ولولا الحياء ~~لصارمت خلاني وأهلي، وانزويت في غرفتي أناجيك، وأبكيك. # 11 # ليلة عيد الميلاد. # في مثل هذه الليلة من كل سنة كنا نقيم شجرة عيد الميلاد: نقف حولها، ونوزع ~~الهدايا، ونغني أغاني العيد، ونلبس التيجان من الورق الملون الجميل، ونعقد ~~حلقات الرقص، وكان كثيرون من الأهل والأصدقاء يشاركوننا في ليالينا هذه؛ ولعلنا ~~كنا أول من مارس إقامة شجرة عيد الميلاد من الشرقيين في هذه البلاد. # كنا في بعض السنين نقضي عطلة العيد متنقلين إما في فلسطين، وإما في لبنان، وإما ~~في مصر، فنروح ونجيء والدنيا باسمة لنا، وكأننا أمنا فجاءات الليالي. # ما كان أسعدنا، وأجمل حياتنا، لقد علمنا الناس كيف يكون الحب، وكيف يكون ~~الوئام، وكيف تطيب الحياة! # ولكن ما أصدق قول الشاعر فينا: # وسالمتك الليالي، فاغتررت بها # وعند صفو الليالي يحدث الكدر # 12 # كان زواجنا رواية من أوله إلى آخره، كان حبنا حديث الناس، لم يرونا ~~نروح ونجيء، في النهار أو الليل إلا قالوا: يحبها وتحبه، لم يروني ~~أسير في الطريق وحدي إلا عرفوا أني ذاهب إليك، أو آت من عندك. ولم يروك ~~تسيرين في الطريق وحدك إلا تساءلوا: أين خليل؟ # وعهد الناس بالحب أن يكون في أوله حارا ثم لا يلبث أن يفتر، أن يكون قبل ~~الزواج قويا ثم لا يلبث بعده أن يضعف، أن يكون في عهد الصبى في أعلى درجاته ثم لا ~~يلبث إذا ذهب الصبى أن تدنو درجاته شيئا فشيئا إلى أن يزول، أن يزهو والدهر ~~مقبل، وأن يذوي إذا اكتنفته الهموم. # أما حبنا فهو هو أمس واليوم وغدا. # 13 # لقد كنت يا سلطانة جوهرة نفيسة هيهات أن يجود الزمان بمثلها: أما في جمالك ~~فكأنك باكرك النعيم فصاغك بلباقة، وأما في خصالك فكأنك خلقت كما شاء العلي لا ~~كما تشاء ms22 الوراثة أو البيئة، فكنت في جمالك وخصالك غريبة عن الناس ~~أجمعين. # إذا لم أكن مغترا بنفسي قلت: إني كنت أشبهك في بعض ذاك، فقد نشأت في ~~أسرة مثل أسرتك، وفي بيئة مثل بيئتك، ولكنني كنت في أخلاقي ونزعاتي غريبا عن ~~الناس أجمعين. # إذا لم أكن مغترا بنفسي فقد كنت أشبه الناس بك، لقد كنت غريبا في زماني كما ~~كنت غريبة في زمانك، وإذا كان هناك من الفتيات من لم تكن تصلح إلا لي فأنت، ~~وإذا كان هناك من الفتيان من لم يكن يصلح إلا لك فأنا. # ولكن لابد لي أن أعلن هنا أنك كنت فوق قدري. # 14 # لقد ملأت يا أم سري حياتي كلها. # كنت أظن إذا مات الواحد خلا مكانه فإذا أنت ملء الوجود: لا أروح ولا أجيء، ~~لا أقيم ولا أسافر إلا رأيتك، فكأنك موجودة في كل مكان. # كنت أظن أن للحياة أولا وآخرا، فإذا أنت ملء الزمان: إذا رجعت في الزمان ~~إلى الوراء، أو ذهبت فيه إلى الأمام فأنت معي. # لا يحتويك مكان دون آخر، ولا زمان دون آخر. # أنت ملء المكان والزمان. # خليل السكاكيني # القدس 3 / 4 /1940 ms23