######OpenITI# #META# URI: 1372KhalilSakakini.MutalacatFiLughaWaAdab.Hindawi79708060 #META# Tags: literature #META# ID: 79708060 #META# Title: مطالعات في اللغة والأدب #META# AuthorID: 59792931 #META# Author: خليل السكاكيني #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أدلة البيان في اللغة العربية1‏ # الأفعال في اللغة العربية1‏ # الحروف الهجائية1‏ # النحو1‏ # قصيدة حافظ إبرهيم في الدستور والدكتور طه حسين1‏ # اللغة العربية في نهضتها الأخيرة1‏ # كتاب الكامل وبعض كتاب هذا العصر‏ # لغة الجرائد1‏ # تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها (1)1‏ # لكل مقام مقال1‏ # تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها (2)1‏ # ولكل دولة رجال ...1‏ # تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها (3)1‏ # العربي شرط لازم في القديم والجديد1‏ # نتفة من الشواهد على المترادف‏ # تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها (4)1‏ # القديم والجديد1‏ # ذيل‏ # أدلة البيان في اللغة العربية1‏ # الأفعال في اللغة العربية1‏ # الحروف الهجائية1‏ # النحو1‏ # قصيدة حافظ إبرهيم في الدستور والدكتور طه حسين1‏ # اللغة العربية في نهضتها الأخيرة1‏ # كتاب الكامل وبعض كتاب هذا العصر‏ # لغة الجرائد1‏ # تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها (1)1‏ # لكل مقام مقال1‏ # تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها (2)1‏ # ولكل دولة رجال ...1‏ # تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها (3)1‏ # العربي شرط لازم في القديم والجديد1‏ # نتفة من الشواهد على المترادف‏ # تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها (4)1‏ # القديم والجديد1‏ # ذيل‏ # | مطالعات في اللغة والأدب # | مطالعات في اللغة والأدب # تأليف # خليل السكاكيني # أيها القارئ الكريم # عرضت كتابي هذا قبل طبعه على صديقين من أهل العلم والفضل، أما الأول: فتضجر منه؛ ~~لخروجي في مواضع كثيرة منه عن المألوف، وأما الثاني: فتفضل باستحسان ما رأى فيه من ~~أثر الاجتهاد على ضعفه، وشجعني على طبعه. إذا كنت من رأي الأول فأرجو عفوك، وإذا ~~كنت من رأي الثاني فأشكرك. # خليل السكاكيني # | أدلة البيان في اللغة العربية1 # من تدبر العلوم اللسانية في اللغة العربية؛ كالصرف والنحو، رأى أنه قد مر بها حتى ~~الآن ثلاثة أدوار: الأول دور الاستقراء والتطبيق، استخرج النحاة الأولون فيه الجزئيات من ~~الكليات ثم طبقوا الكليات على الجزئيات طردا وعكسا؛ مثال ذلك: استقرى النحاة الفاعل في ~~جمل كثيرة، فقالوا الفاعل مرفوع، ثم قالوا إن لفظة «رجل» في قولنا «جاء الرجل» مثلا ~~مرفوع؛ لأنه فاعل. الدور الثاني: دور التبويب والترتيب، كان هم كل مؤلف في هذا الدور ~~تتبع الأحكام الكلية ms001 في مظانها، وترتيبها في فصول وأبواب أشبه بالفهارس، ضموا فيه ~~النظير إلى نظيره والفرع إلى أصله، ولكن لم يجئ أحد منهم بشيء جديد من عنده؛ بل ~~اقتصروا على مذاهب البصريين والكوفيين، وذكر الراجح والمرجوح منها بلا بحث ولا نكير. ~~الدور الثالث: دور الاجتهاد، حاول بعض المؤلفين فيه أن يخرجوا من عهدة ذلك التقليد بأن ~~يذكروا هنا وهناك بعض آراء لم يسبقهم إليها أحد، ففتحوا بذلك باب الاجتهاد. # ولا شك أننا أصبحنا اليوم في زمان لا بد فيه من إعادة النظر في كل ما وضعه الأولون ~~وتسلمناه منهم قضايا مقررة لا تقبل الاعتراض، وبناء ذلك على مبادئ جديدة علمية، فإن عندنا ~~من الوسائل ما لم يكن عندهم. كان علماء اللغة في قديم الزمان لا يعرفون غير اللغة ~~العربية، ولم يكونوا يعرفون ما يسمى اليوم بعلم مقابلة اللغات بعضها ببعض، أو ما يسمى علم ~~تحليل اللغات أو فلسفتها؛ بلى حاول بعضهم التعرض لهذه الأبحاث، منهم أبو الفتح عثمان بن جني ~~الموصلي في كتابيه «الخصائص في اللغة» و«سر الصناعة في النحو»، ولكن أبحاثهم كانت في عهد ~~طفوليتها، وأما اليوم فقد ارتقت هذه العلوم وصارت خصائص اللغة وأسرارها علما بأصول، ~~وأصبح عالم اللغة لا غنى له عن تعلم أخوات تلك اللغة؛ بل لغات أخرى عديدة قديمة وجديدة. ~~وقد عرفت في بلاد الإنكليز وأميركا أساتذة كثيرين من علماء اللغات الشرقية يعرف الواحد منهم ~~إلى اللغة العربية، العبرية والسريانية والحبشية والتركية والفارسية والسنسكريتية، ~~فضلا عن اللغات الأوروبية الحديثة والقديمة إلى ما يجاوز العشر لغات. وقد لقيت في كمبردج ~~شيخا مصريا وهو أستاذ في إحدى المدارس العالية في القطر المصري، رأى سعة معرفة أولئك ~~الأساتذة وتبحرهم في علم اللغات، فقال في قصيدة أرسلها إلى أحد العلماء في مصر: # أنا في بلاد الإنكليز # أسير كالطفل الصغير # في كمبردج مدينة العرفان # ليس لها نظير # فيها الأساتذة الفخام # ومن يعادل شكسبير # لا علم لي حتى أجادلهم # ولا عقل كبير # لكنني مسترشد # شأن الضرير مع البصير # ولقد ذكرتك قائلا # في مصرنا ms002 البدر المنير # كل بأطراف البنان # إليه إجلالا يشير # ولأولئك العلماء الأعلام مؤلفات غزيرة المادة مشبعة الفصول في تاريخ اللغات وفلسفتها ~~ومقابلتها بعضها ببعض. استبطنوا اللغات واستخرجوا منها حقائق بنيت عليها العلوم اللسانية ~~في لغاتهم، وأول من طرق هذه الأبحاث الجديدة في اللغة العربية - على ما أذكر - أحمد ~~فارس الشدياق، والشيخ إبرهيم اليازجي، وجورجي زيدان، وروحي الخالدي المقدسي، وجبر ضومط، ~~وبندلي الجوزي المقدسي، وأنستاس الكرملي، ثم انقطع العهد بتلك الأبحاث ولم تترتب عليها ~~فائدة عملية، ولعل لذلك سببين: الأول؛ تراجع النهضة وقلة المشتغلين بها، والثاني؛ عدم ~~الجرأة على إبداء رأي جديد، وقد خطر لي أثناء معالجتي هذه المواضيع من النظرات والخواطر ما ~~أتجرأ على عرضه عليكم شيئا بعد شيء، وأنا لا أجهل أن رأس مالي نزر، وسأقتصر في حديثي هنا ~~على الكلام عن أدلة البيان التي تتميز بها وظيفة الكلمة في الجملة، فأقول: تعرف وظيفة ~~الكلمة في الجملة إما بالقرينة المعنوية، نحو: «فهم موسى المعنى»، أو «فهم المعنى موسى»، ~~فإن الفاهم هو موسى والمفهوم هو المعنى؛ إذ لا يصح غير ذلك. وإما بالترتيب، نحو: «سبق أخي ~~غلامي»، ولما كان كل منهما يصح أن يكون سابقا أو مسبوقا ذكرنا السابق أولا والمسبوق ~~ثانيا؛ لأن علاقة الفعل بالفاعل سابقة لعلاقته بالمفعول. وإما بالإعراب، نحو: «ضرب زيد ~~عمرا» أو «ضرب عمرا زيد»، فالضارب هو زيد والمضروب هو عمرو في الجملتين، وقد عرفنا ذلك ~~ليس من المعنى لأنه يصح أن يكون كلاهما ضاربا أو مضروبا، ولا من الترتيب لأن كلمة زيد ~~جاءت قبل كلمة عمرو في الجملة الأولى وبعدها في الجملة الثانية، وإنما عرفنا أن زيدا هو ~~الضارب لأنه مرفوع، وأن عمرا هو المضروب لأنه منصوب، فأدلة البيان ثلاثة: القرينة والترتيب ~~والإعراب، وهذا آخر ما وصلت إليه اللغة العربية، ولا بد أن تكون هذه الأدلة قد مرت على ~~أدوار مختلفة قبل أن وصلت إلى صورتها الحاضرة التي ورثناها من عهد التدوين جريا على ناموس ~~النشوء والارتقاء كما سنبينه فيما يلي. # القرينة # لا شك أن القرينة ms003 هي أقدم هذه الأدلة، وقد مر زمان طويل على اللغة كان الاعتماد ~~في بيان المعنى فيها على القرينة وحدها، وذلك قبل أن يكون في اللغة ترتيب معلوم أو ~~إعراب بياني، فكانوا يقدمون أو يؤخرون، وكانوا يرفعون أو ينصبون أو يخفضون أو يجزمون أو ~~يبنون كما يجيء معهم اتفاقا لغير قصد. وإذ كان اعتمادهم في هذا الدور على القرينة ~~وحدها فلا بد أنه كانت هناك قرائن كثيرة تختلف وضوحا أو خفاء يستدلون بها على المعنى، ~~ولاعتيادهم الاعتماد على القرينة فلا بد أنهم كانوا يتنبهون لأدق القرائن وأخفاها، ومع ~~ذلك فإن التفاهم كان صعبا لما يقع فيه من اللبس أو الغموض أحيانا، أو أن مواضيع ~~الكلام كانت بسيطة يدرك المعنى منها بأقل لمحة، من تلك القرائن طبقة الصوت وهيئة ~~إطلاقه بين أن يكون لينا أو خشنا، عاليا أو سافلا مما هو بالصوت الموسيقي أشبه منه ~~بالصوت المنطقي كما قال اليازجي، ولا تزال آثار ذلك في اللغة إلى اليوم كاختلاف ~~اللهجة في الاستفهام أو التعجب عنها في الخبر؛ بل لولا اختلاف اللهجة لأصبح كثير من ~~الكلام لغوا. نكرر الألفاظ للتأكيد، مثل: «جاء الأمير الأمير»، ولكن إذا لم نرفع ~~الصوت قليلا في اللفظة الثانية فلا تأكيد فيها ولو كررناها عشر مرات، نتبع اللفظة ~~بأخرى لبيانها، مثل: «جاء أخوك زيد»، لكن إذا لم تكن الثانية أعلى نغمة من الأولى فلا ~~تفيد بيانا. نستعمل «إن» للتأكيد ولكن إذا لم نجعل النبرة شديدة على النون فلا تفيد ~~تأكيدا، إلى غير ذلك مما لا يتسع المجال للإفاضة فيه؛ بل إن اللهجة قد تقلب المعنى إلى ~~ضده، يقال إنه حكم مرة على رجل أن يقف أمام الناس ويقول «أيها الناس أنا لص»، ~~فلما وقف قال «أيها الناس أنا لص؟» بلهجة استفهام، فانقلب المعنى من إقرار إلى ~~إنكار. # ومن القرائن الإشارات وحركات الوجه، يقال إن بعض زنوج أفريقيا إذا غابت الشمس سكنت ~~جلبتهم؛ لأنهم لا يستطيعون أن يتفاهموا بالكلام وحده، وبسبب ظلمة الليل لا يستطيعون أن ~~يستعينوا بالإشارات وحركات الوجه؛ ms004 بل إنك اليوم لا تجد أحدا يتكلم بدون أن يستعين ~~بالإشارات وحركات الوجه على تقوية معناه أو إيضاحه أو استدعاء الانتباه إليه، مما يدل ~~على أن اللغات على ارتقائها واتساعها لا تزال ناقصة، وأنها دون التصوير والموسيقى، فإن ~~المصور قد يصور بريشته ما تعجز أرقى اللغات عن الغناء فيه، والموسيقي قد يترجم ~~بنغماته عما لا يؤديه كلام، هذا على ارتقاء اللغات في هذا العصر فكيف يوم كانت في ~~أول عهدها. من هذا تعلم أن ألفاظ اللغة ليست هي اللغة كلها؛ بل هي جزء منها تتممه ~~الإشارات وحركات الوجه وطبقة الصوت وقرائن أخرى، وهذا سر أن التشبيه أبلغ من ~~الحقيقة. إذا أردت أن تصور شخصا غريبا لغيرك فمهما دققت في وصف تقاطيعه وأعضائه وبيان ~~لونه وطوله وعرضه فإنك لا تستطيع أن تعطي الصورة الحقيقية عنه، ولكن يكفي أن تذكر شخصا ~~يعرفه ثم تقول إنه يشبهه شبها تاما، فإنه يستطيع حينئذ أن يتصور ذلك الشخص في ذهنه، ~~فلو كانت اللغة كافية لما كانت هناك حاجة إلى التشبيه. # ومن تدبر اللغة العربية وجد فيها شيئا كثيرا من لغة الإشارات وحركات الوجه ~~ولونه؛ مثل قولهم في الخوف: «امتقع لون فلان، واقشعر جلده، واصطكت ركبتاه، وارتعدت ~~فرائصه، وأرعشت مفاصله»، ومثل قولهم في الغضب: «قطب وجهه، وزوى ما بين عينيه، ~~وانتفخت أوداجه، وتزبد فوه، واحمرت عيناه»، إلى غير ذلك مما يصور المعنى تصويرا، ~~ولا شك أن هذا من آثار ذلك العهد الذي كانت فيه حركات الوجه والإشارات قرائن على ~~المعنى، وهو أيضا سر أن الخطابة والإنشاد والتمثيل والغناء أوقع في النفس من القراءة ~~الفكرية. # الترتيب # مر على اللغة زمان طويل والترتيب فيها مشوش لغير سبب؛ اعتمادا على القرائن ~~التي تقدم ذكرها، ولا يزال في اللغة آثار هذا التشويش؛ إذ لا نزال نقدم تارة ~~الموصوف على الصفة؛ فنقول: «ليس في المسألة أمر كبير»، وتارة الصفة على الموصوف؛ ~~فنقول: «ليس في المسألة كبير أمر.» ثم دخلت اللغة في دور ثان لزم الترتيب فيه صورة ~~معلومة؛ كذكر الفاعل قبل ms005 المفعول، وذكر المسند إليه قبل المسند لاعتبارات خصوصية عندهم ~~ليس هذا محل بسطها، ولا نزال نراعي هذا الترتيب إذا لم تكن هناك قرينة معنوية أو قرينة ~~إعرابية. وبعد أن تولد الإعراب في اللغة دخلنا في دور ثالث تحررنا فيه من قيود ~~الترتيب وعدنا إلى التشويش، والفرق بين هذا الدور والدور الأول أن التشويش كان في الدور ~~الأول اعتباطيا فصار في الدور الثالث لأغراض بيانية مقصودة، وهذا أرقى ما وصلت إليه ~~اللغات في البيان حتى الآن، وقد ساعدنا على ذلك أمران: القرينة والإعراب، ولولا الإعراب ~~للزم الترتيب صورة معلومة لا يتعداها على ما نراه في اللغات الأخرى، فإن الفاعل في ~~اللغة الإنكليزية مثلا لا يجيء إلا قبل المفعول به سواء دلت عليه القرينة أم لا؛ ~~بسبب أنها ليست لغة إعرابية، وكما نراه في اللغة العربية نفسها إذا كانت الكلمات لا ~~تقبل إعرابا أو لم تكن هناك قرينة معنوية، فإننا نلزم الترتيب فنذكر الفاعل قبل ~~المفعول به، مثل: «سبق أخي غلامي»، ونذكر المسند إليه قبل المسند إذا استويا في التعريف ~~والتنكير ولم تكن هناك قرينة للتمييز بينهما، مثل: «أخي رفيقي» و«أفضل منك أفضل مني.» ~~فالأدوار التي مرت على الترتيب ثلاثة: الأول؛ الدور المشوش لغير قصد اعتمادا على ~~القرينة، والثاني؛ الدور المرتب لاعتبارات خصوصية، والثالث؛ الدور المشوش لأغراض بيانية ~~اعتمادا على الإعراب والقرينة. # الإعراب # من تتبع الدرجات التي مرت عليها اللغات في انتقالها من الدور التقليدي إلى الدور ~~النطقي - أي من تقليد الأصوات تقليدا بسيطا إلى ألفاظ مستقلة يدل بها على المعاني ~~دلالة صماء لا تظهر فيها صبغة التقليد كما قال المرحوم جورجي زيدان - ير أن ~~الإعراب هو آخر ما وصلت إليه اللغات حتى الآن، فهو عنوان رقيها، وهذا يحتمل كلاما ~~طويلا ليس من غرضنا في هذه العجالة التعرض له، وإنما غرضنا هنا هو أن نشير إلى الأدوار ~~التي مرت على الإعراب إلى أن وصل إلى حالته الحاضرة، ثم نتبع ذلك بكلمة في الإعراب ~~نفسه نجعلها خاتمة هذا البحث. # كان الإعراب في دوره ms006 الأول مشوشا، فكانوا يرفعون أو ينصبون أو يخفضون أو يجزمون ~~اعتباطا لغير قصد بياني؛ اعتمادا على القرينة والترتيب، ولعل الغرض من الإعراب في هذا ~~الدور كان تزيين الكلام وزخرفته، فقولك: «جاء الضارب» بضم الباء آنق من قولك: «جاء ~~الضارب» بإسكانها، ولعلهم استعملوه في أول الأمر في الشعر لما يتوخونه فيه من الزخرفة ~~والتأنق، ولما ألفوه استعملوه في النثر أيضا. # ومن تدبر الشعر في اللغة المحكية ليومنا هذا رأى أنهم قد يحركون من أواخر الكلم ~~فيه ما لا يحركونه في كلامهم العادي، وتلك حالة في اللغة - أي الإعراب المشوش بدون ~~ضابط - لا بد أن يئول أمرها إما إلى الإلغاء بتاتا، وإما إلى الدخول في دور ثان ~~يستخدم فيه الإعراب لغرض آخر لا لمجرد الزينة أو الضرورة الشعرية، والواقع أن الإلغاء ~~ابتدأ في اللغة - ولكن في الوقف - ولولا القليل لسقط في كل المواطن، والواقع أن ~~اللغة دخلت في دور ثان استخدم فيه الإعراب لبيان وظيفة الكلمة في الجملة، ولكن ~~وقفت اللغة في أول هذا الدور قبل أن ينضج الإعراب ويتم إحكامه في كل مواطنه كما ~~سترى، ففي دوره الأول كان شيئا خارجا عن اللغة، فإذا ألغي لم تتأثر؛ لأن الاعتماد في ~~بيان المعنى كان على القرينة والترتيب؛ ولذلك نرجح أن إلغاءه في الوقف ابتدأ في هذا ~~الدور. # وأما في دوره الثاني - وهو الدور الذي تشوش فيه الترتيب لأغراض بيانية نص النحاة ~~والبيانيون على مواطنها - فقد صار من مقومات اللغة وخصائصها؛ لأن هناك مواطن كثيرة ~~في الكلام لا دليل على المعنى فيها غير الإعراب، فإذا ألغي رجعت اللغة إلى اللبس ~~والغموض، فأنت ترى أن الإعراب قد ساعد العرب على أن يستفيدوا من الترتيب المشوش في ~~الدلالة على معان تعجز اللغات الأخرى عن أدائها، إلا أن اللغة وقفت قبل أن يتم ~~نضجه، أي وصل إلينا وفيه آثار التشويش، وهذا التشويش نوعان: نوع استعمل قديما ثم أهمل، ~~ومن تفقد كتب النحو وقع على شيء كثير من هذا، فقد أجازوا نصب الاسم عند أمن اللبس، ~~نحو: ms007 «خرق الثوب المسمار» و«كسر الزجاج الحجر» بنصب المسمار والحجر، ومنه قول ~~الشاعر: # مثل القنافذ هداجون قد بلغت # نجران أو بلغت سوءاتهم هجر # برفع «نجران وهجر» ونصب «سوءات»، وقاسه ابن الطراورة عملا بقراءة: # فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه # بنصب «آدم» ورفع «كلمات»، ومنه أن بعض العرب كان ينصب بأن أو إحدى أخواتها المبتدأ ~~والخبر، نحو: # إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن # خطاك خفافا إن حراسنا أسدا # ونحو قوله: # كأن أذنيه إذا تشوفا # قادمة أو قلما محرفا # وقوله: «يا ليت أيام الصبى رواجعا»، ونحو قولهم: «لعل أباك قادما»، ومثله جزم الفعل ~~بعد «لن» مع أنها من النواصب، كقول الشاعر: # لن يخب الآن من رجائك من # حرك من دون بابك الحلقه # ومثله جزم الفعل بأن الناصبة، نحو قوله: # إذا ما غدونا قال ولدان أهلنا # تعالوا إلى أن يأتنا الصيد نحطب # ومثله إهمال «لم» الجازمة، نحو قوله: # لولا الفوارس من نعم وأسرتهم # يوم الصليفاء لم يوفون بالجار # وقوله: # وتضحك مني شيخة عبشمية # كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا # وقال ابن مالك: إنها لغة، وزعم اللحياني أن بعض العرب ينصب بها كقراءة بعضهم: # ألم نشرح # بفتح الحاء. # وقوله: # في أي يومي من الموت أفر # أيوم لم يقدر أو يوم قدر # بفتح الراء في «يقدر»، ومثله إهمال «لا» الناهية، نحو: # لا تهين الفقير علك أن # تركع يوما والدهر قد رفعه # وإن أولها النحاة بتقدير نون التوكيد الخفيفة، ومثله إعمال «إذا» الشرطية في ~~الشعر وإهمالها في النثر، ومثله جزم الفعل المرفوع في قوله: # أبيت أسري وتبيتي تدلكي # وجهك بالعنبر والمسك الذكي # ومثله قوله: # يا لك من قنبرة بمعمر # خلا لك الجو فبيضي واصفري # قد رفع الفخ فماذا تحذري # ومثله قوله: # فاليوم أشرب غير مستحقب # إثما من الله ولا واغل # بإسكان الباء في «أشرب» إلى غير ذلك ... ومنه نوع لا يزال مستعملا في اللغة إلى ~~اليوم، وإليك البيان: يقول النحاة: إن المسند إليه والمسند يرفعان؛ لأنهما عمدة، ~~ولكننا نراهم ينصبون الأول بعد «إن» أو إحدى أخواتها، ms008 وينصبون الثاني بعد «كان» أو إحدى ~~أخواتها، فلماذا نصبا إذا كانا عمدة؟ لا شك أن ذلك أثر من آثار التشويش في الإعراب. ~~ومثله بناء «أي» على الضم في مثل قولهم: «سلم على أيهم أفضل»، وبناء الظروف المنقطعة ~~عن الإضافة في مثل قولهم: «الحمد لله من قبل ومن بعد»، ومثل بناء بعض الألفاظ المبنية. ~~فإذا كانت اللغة إعرابية فما معنى بناء بعض ألفاظها؟ ومثل إعمال «ما» على لغة أهل ~~الحجاز وإهمالها على لغة أهل تميم؛ بل إعمالها على لغة أهل الحجاز بشرط أن تكون متصلة ~~ولم ينتقض نفي خبرها بإلا، نحو: «ما زيد شاعرا»، وإهمالها إذا لم تكن كذلك، نحو: «ما ~~قائم زيد»، و«ما غلامك عمرو ضارب»، و«ما زيد إلا شاعر»، و«ما إن عمرو كريم»، بخلاف ~~«ليس» في ذلك كله مع أنها نافية مثلها، ومثل نصب جمع المؤنث السالم بالكسر، ومثل إعراب ~~الفعل المضارع - ولا سيما في حالتي الرفع والنصب - فقد حار النحاة في سبب إعرابه، وغير ~~ذلك مما ليس من غرضنا تعداده وإحصاؤه. وهذا النوع الثاني من التشويش أصبح قياسيا في ~~اللغة، وأكبر لذة في درس اللغات تكون في هذا المزيج من المعقول وغير المعقول، والقياسي ~~والشاذ، وقد قال أحد علماء اللغة: إن اللغة مثل صديق هفواته تعززه لدينا ~~وتزيدنا حبا له. # تكلمنا عن الأدوار التي تدرج فيها الإعراب، وبقيت لنا كلمة في الإعراب نفسه، هل دلالة ~~العلامات الإعرابية كالضمة والفتحة والكسرة والسكون على الحالات الإعرابية ~~كالفاعلية والمفعولية والإضافية والطلبية اعتباطية أو وضعية؟ أي هل رفع الفاعل ونصب ~~المفعول وخفض المضاف إليه وسكن الفعل الطلبي اتفاقا، أو هل هناك أسباب طبيعية ~~لذلك؟ # هذا بحث دقيق يحتمل كلاما طويلا نوافق في بعضه النحاة فنثني عليهم، ونخالفهم في ~~البعض الآخر فنستميحهم العفو. # يقول النحاة: إن علامات الإعراب حركات وحروف، وهم يعتبرون الألف والواو والياء ~~حروفا، والصحيح أن الألف حركة طويلة بالنسبة إلى الفتحة مثل الألف في «كتاب»، وممدودة ~~مثل الألف في «سماء» و«مادة» فهي حركة لا حرف. وأما الواو والياء؛ فقد تكونان ms009 حركتين ~~طويلتين بالنسبة إلى الضمة والكسرة، مثل: الواو والياء في «عود» و«عيد»، وحركتين ~~ممدودتين مثل الواو في «وضوء» والياء في «مسيء »، وقد تكونان حرفين مثل الواو في «ثوب» ~~والياء في «بيت»، فهما من الأشكال المشتركة بين الحروف والحركات، وهما تستعملان كعلامتي ~~إعراب تارة باعتبار أنهما حركتان، وتارة باعتبار أنهما حرفان، وعلى ذلك فالأسماء الخمسة ~~من المعربات بالحركات لا بالحروف، وجمع المذكر السالم والمثنى من المعربات بالحركات إلا ~~جمع المذكر السالم من المنقوص، فإنه يعرب بالحروف، نحو: «جاء المصطفون»، و«رأيت ~~المصطفين»، و«مررت بالمصطفين»، وإلا المثنى في حالتي النصب والخفض، نحو: «رأيت ~~الرجلين»، و«مررت بالرجلين»، وعليه فجمع المذكر السالم والمثنى من المعربات بالحركات ~~والحروف معا لا بالحروف وحدها كما يقول النحاة، ومما يعرب بالحروف - غير المثنى وجمع ~~المذكر السالم المنقوص - الأفعال الخمسة من الفعل المضارع؛ فإثبات النون فيها يدل على ~~حالة، وحذفها يدل على حالة أخرى. ولا يعرب بالحركات القصيرة - أي الضمة والفتحة والكسرة ~~- من الأسماء غير الاسم المفرد وجمع التكسير وجمع المؤنث السالم، ويستثنى من ذلك ~~الأسماء الخمسة في حالة الإضافة إلى غير ياء المتكلم؛ فإنها تعرب بالحركات الطويلة ~~بدلا من الحركات القصيرة؛ ولعل السبب في ذلك أن اللغة العربية القديمة كانت تعرب ~~بالواو والألف والياء، مثل: اللغة النبطية، ثم استبدلت الحركات الطويلة بحركات قصيرة ~~للتخفيف في كل الأسماء إلا في الأسماء الخمسة فكان ذلك فيها أثرا باقيا من ذلك ~~العهد. # وأما الفعل فلا نتعرض له الآن بل نترك الكلام عنه إلى محاضرة أخرى. إذا عرفنا علامات ~~الإعراب يبقى علينا أن نعرف صفة كل منها، فالضم سواء كان بالضمة أم بالواو أقوى ~~الحركات وأفخمها، والفتح سواء كان بالفتحة أم بالألف أخف الحركات لسهولة إخراج ~~الصوت والفم مفتوح، والخفض سواء كان بالكسرة أم بالياء أثقل الحركات؛ لما يقع من ~~التعاند بين إخراج الصوت وخفضه، وقد تنبه النحاة إلى شيء مثل هذا في مواضع مختلفة. ~~واللغات التي يكثر فيها الضم تكون فخمة جزلة، والتي يكثر فيها الفتح تكون خفيفة ~~رشيقة، والتي يكثر فيها ms010 الخفض تكون ثقيلة مستبشعة ولا تناسب الغناء؛ لأن رفع الصوت مع ~~الضم أو الفتح أسهل منه مع الخفض ، ويكثر هذا الصوت في لغة دون ذاك لأسباب عديدة ~~أهمها الإقليم، فالذين يسكنون الأماكن الباردة يميلون في ألفاظهم إلى الضم والخفض، ~~وبعبارة أخرى لا يفتحون أفواههم خوف البرد، والذين يسكنون الأماكن الحارة يميلون في ~~ألفاظهم إلى الفتح استبرادا، ولما كان العرب سكان قفر حار يعيشون في الهواء الطلق ~~كثر الفتح في لغتهم سواء كان حركة بنائية أم حركة إعرابية، وفي كل ذلك كلام لا يتسع ~~له المقام. وأما إذا كانت علامات الإعراب بالحروف، فالواو في جمع الذكور السالم من ~~المنقوص، والألف في المثنى أفخم من الياء فيهما، فعلامات الإعراب في الاسم تقسم ~~بحسب ما تقدم إلى ثلاثة أقسام: قوية، وخفيفة، وثقيلة. # لنأت الآن إلى البحث في الحالات الإعرابية، يقول النحاة: إن حالات الاسم الإعرابية ~~ثلاث: رفع، ونصب، وخفض؛ لأن الاسم لا يخلو أن يكون - على رأيهم - إما عمدة، وإما فضلة، ~~وإما مشتركا بينهما، فحالة العمدة الرفع، وحالة الفضلة النصب، وحالة المشترك بينهما ~~الخفض. وما هي العمدة؟ قالوا: هي ما لا ينعقد الكلام بدونه؛ كالفاعل في نحو: قام زيد. ~~وما هي الفضلة؟ قالوا: هي ما زاد عن القدر المطلوب لانعقاد الكلام؛ كالمفعول به في نحو: ~~ضرب زيد عمرا، وإن لم يكن فضلة في المعنى لاحتياج العبارة إليه في إتمام المراد منها. ~~وما هو المشترك بينهما؟ قالوا: هو ما يكون تارة مكملا للعمدة، نحو: جاء غلام زيد، ~~وتارة مكملا للفضلة، نحو: رأيت غلام زيد، ويقع تارة في موضع العمدة، نحو: سرني ~~قدوم زيد، وتارة في موضع الفضلة، نحو: هذا ضارب زيد، وقد ألحقوا من العمد بالفضلات ~~المنصوب في باب النواسخ، وبالمضاف إليه المجرور بالحرف، هذا ما يقوله النحاة. ولكن إذا ~~كانت العمدة ما لا ينعقد الكلام بدونه؛ فكل جزء من الكلام عمدة لا يستغنى عنه، سواء ~~في ذلك الأسماء والأفعال والحروف، وسواء كان الاسم فاعلا أم مفعولا به، أم مضافا ~~إليه، أم ظرفا، أم ms011 حالا، أم غير ذلك؛ لاحتياج العبارة إلى كل جزء من أجزائها في إتمام ~~المراد منها، وإذا كانت الفضلة ما زاد عن القدر المطلوب لانعقاد الكلام فأحرى بذلك ~~الزائد أن يصبح لغوا يجب حذفه لاستغناء العبارة عنه، وإذا كان المشترك بينهما ما كان ~~مكملا للعمدة أو للفضلة فهل التكميل حالة إعرابية؟ وإذ كان حالة إعرابية، أما كان ~~يجب أن تكون للاسم المكمل للعمدة علامة خصوصية غير علامته إذا كان مكملا للفضلة ~~ليتميز الواحد عن الآخر؟! ثم إذا كان يقع تارة في موضع العمدة وتارة في موضع الفضلة، ~~فلماذا لا يكون عمدة في الأول وفضلة في الثاني؟! وهنا ليسمح لنا النحاة أن نبدي ~~رأيا آخر. # الاسم في الجملة قد يكون عمدة؛ ليس لأنه لا ينعقد الكلام بدونه؛ بل لأحد سببين ~~آخرين: إما لأهميته، نحو: «الولد مجتهد»، الأول مسند إليه والثاني مسند، وكلاهما ~~عمدة لا يستغني الواحد عن الآخر؛ إذ لا يكون مسند إليه بدون مسند، ولا مسند ~~بدون مسند إليه ولو تقديرا، وإما لقوته بالنسبة إلى غيره في الجملة، نحو: «ضرب زيد ~~عمرا»، لزيد وظيفتان: عمل الفعل والدلالة عليه، ولعمرو وظيفتان: قبول أثر الفعل ~~والدلالة عليه؛ فلأنهما يشتركان في الدلالة على الفعل لخروجه من الأول ووقوعه على ~~الثاني، فهما مهمان لا يستغني الواحد عن الآخر؛ إذ لا يكون ضارب بدون مضروب، ولكن ~~لأن الأول عمل الفعل فهو قوي؛ ولأن الثاني وقع عليه الفعل فهو ضعيف، فهما يتساويان في ~~الأهمية ولو لم يكن غير هذا الاعتبار لكان كلاهما عمدة، ولكن لأنهما يختلفان في القوة ~~والضعف وجب أن ينظر إليهما باعتبار هذا الاختلاف؛ فالقوي منهما نعتبره عمدة لقوته ~~وليس لأهميته، وإذا حذف الضارب وبقي المضروب لم يبق دليل آخر على وقوع الفعل غيره، ~~ولأنه الدليل الوحيد فإنه يكتسب أهمية فينظر إليه باعتبارها ونعده عمدة، ويسقط عنه ~~اعتبار الضعف؛ لأننا إنما نظرنا إليه باعتبار الضعف لوجود قوي بإزائه، فإذا ذهب ~~القوي لم تبق حاجة إلى هذا الاعتبار، وسمي نائب فاعل لأنه ناب عنه في الدلالة ms012 على ~~الفعل وليس في عمله. وقد يكون فضلة إما لضعفه بالنسبة إلى غيره ك «عمرا» في قولنا: ~~«ضرب زيد عمرا» وإن كان مثل «زيد» في الأهمية كما قدمنا، وإما لكثرة دورانه في الكلام ~~كالحال، نحو: «جاء زيد راكبا»، والظرف نحو: «جاء زيد صباحا»، وغير ذلك من ~~المنصوبات، فإذا كان الاسم عمدة أخذ العلامة القوية الإعرابية للتناسب بين أهمية ~~الكلمة في الجملة أو قوتها وبين قوة العلامة الإعرابية، وإذا كان فضلة اختاروا له ~~العلامة الخفيفة، ولعلهم راعوا في ذلك الخفة لكثرة دوران الفضلة في الكلام. # وأما ما يسمى في اصطلاح النحاة مشتركا بينهما فاختاروا له العلامة الثقيلة؛ ~~لقلة دورانه على اللسان. والذي يلوح لنا أنه لم يكن للاسم في الأصل إلا حالتان: عمدة ~~وفضلة، أو رفع ونصب، وأن الحالة الثالثة - أي حالة الخفض - طارئة على اللغة، أو أنها ~~ثقيل مستبشع، يرفع الاسم لأنه مهم أو قوي، وينصب لأنه ضعيف أو كثير الدوران على ~~اللسان، وأما خفضه فلماذا؟! # ولنا على ذلك أدلة كثيرة: ~~(1) # أن الفعل المضارع - الذي يشبه الاسم في الإعراب - يرفع وينصب ويجزم ~~ولكنه لا يخفض. ~~(2) # أن أكثر الأسماء ليس لها إلا علامتان إعرابيتان: الأولى الرفع والثانية ~~النصب والخفض معا؛ كجمع المذكر السالم، فتقول: «جاء المعلمون» و«رأيت ~~المعلمين» و«مررت بالمعلمين»؛ وكالمثنى، فتقول: «جاء المعلمان» و«رأيت ~~المعلمين» و«مررت بالمعلمين»؛ وكالممنوع من الصرف، فتقول: «جاء إبرهيم» ~~و«رأيت إبرهيم» و«مررت بإبرهيم»؛ وكجمع المؤنث السالم، نحو: «جاءت ~~المؤمنات» و«رأيت المؤمنات» و«مررت بالمؤمنات»، فلو كان هناك فرق بين ~~النصب والخفض في الاعتبار لوجب أن يكون لكل منهما علامة خصوصية تميز ~~الواحد عن الآخر في هذه الأنواع من الاسم، وهي كثيرة. ~~(3) # أن الظروف التي تجر بحرف «في» يجوز أن يسقط حرفها فترجع إلى النصب، ~~فتقول: «جئت في الصباح» و«جئت صباحا»، فلو كان الخفض لبيان حالة ~~إعرابية لخفض الظرف بحرف جر وبدونه. ~~(4) # أن كثيرا من الأفعال المتعدية بواسطة حرف خفض قد تتعدى بنزع الخافض ~~فينصب الاسم المخفوض بذلك الحرف على المفعولية الصريحة؛ لأن الفعل حينئذ ~~قد وصل إليه ms013 بنفسه، ومنه قول الشاعر: # تمرون الديار ولم تعوجوا # كلامكم علي إذن حرام # أي: تمرون على الديار، فحذف الحرف ونصب المخفوض به، ولا فرق بين نصب ~~الاسم أو خفضه، وإذا لم يرد نزع الخافض في بعض الأفعال، مثل: «بصرت بزيد» ~~فقد يستبدل الفعل بآخر يتعدى رأسا، نحو: «أبصرت زيدا، أو نظرته أو ~~رأيته»، فلو كانت الرؤية لا تتم إلا بالخفض لوجب أن يستعمل حرف الجر مع ~~كل الأفعال التي تدل على الرؤية. ~~(5) # المفعول لأجله المخفوض بحرف التعليل، نحو: «هربت للخوف أو من الخوف» يجوز ~~فيه إسقاط حرف الخفض، وحينئذ يعود إلى النصب، فلو كان للخفض معنى ~~إعرابي للزم المفعول لأجله الخفض سواء جر بحرف أم لا. ~~(6) # مميز «كم» الاستفهامية يجوز فيه النصب على الأصل، والجر بحرف ~~«من»، نحو: «كم كتابا قرأت؟» و«كم من كتاب قرأت؟» ومميز «كم» ~~الخبرية يخفض على الأصل وينصب إذا فصل بينهما، نحو: «كم صديق لي!» و«كم لي ~~صديقا!» فالخفض والنصب متعاقبان هنا. ~~(7) # أن بعض الظروف تلزم البناء على الفتح ولو تقدمها حرف خفض، نحو: ~~من الآن، ومن أين، ولا شك أن ذلك أثر من آثار النصب حين لم يكن الخفض ~~مستعملا. ~~(8) # أن قسما مما يعتبر اليوم حرف جر كان في أصله فعلا، مثل: «على»، ~~فإنها مأخوذة من «علا، يعلو»، وكذلك «خلا، وعدا، وحاشا»، وهذه الثلاثة ~~الأخيرة لا تزال إلى اليوم تنصب وتخفض. ~~(9) # ضمائر النصب والجر واحدة، إلا للشخص المتكلم المفرد، فتقول: كتابك، ~~ورأيتك، وكتابه، ورأيته. # الخلاصة أن الاسم لا يكون إلا عمدة أو فضلة، فالعمدة أخذت الرفع لأنه أقوى الحالات ~~أو أشرفها كما يقول النحاة، والفضلة كانت تنصب ثم طرأ على بعضها الخفض، أو كانت تنصب ~~وتخفض على السواء ثم مالت اللغة إلى النصب، ولولا القليل لزال الخفض كما زال من ~~الفعل المضارع، والله أعلم. # | الأفعال في اللغة العربية1 # من قابل كتب الصرف والنحو في اللغة العربية - على كثرتها بين قديمة وحديثة - ~~بمثلها في اللغات الإفرنجية يجد هناك فروقا كثيرة، أهمها أن الإفرنج قد طبقوا أحكام ~~لغاتهم ms014 وقواعدها على ما وصلوا إليه من الحقائق في علم اللغة أو فلسفتها، وهو ~~العلم الذي يبحث عن تاريخ الألفاظ وتنوعها ودلالتها مع ما طرأ عليها من التغير كما قال ~~المرحوم جرجي زيدان في كتابه «فلسفة اللغة»، بحيث صارت أحكام لغاتهم وقواعدها لا ~~صناعة فقط كما هي عندنا بل علما أيضا، ولهم في ذلك غرضان: الأول؛ تسهيل تلك الأحكام على ~~الطالب وتقريب منالها منه؛ لأن الأحكام المعقولة أسهل فهما وأقرب تناولا من ~~الأحكام غير المعقولة. الثاني؛ جعل الفائدة من تلك الأحكام أتم. ~~••• # لكل موضوع من موضوعات التعليم؛ كالقراءة، والكتابة، والحساب، والصرف، والنحو، وغير ~~ذلك فائدتان: الأولى؛ ذاتية، أي: يتعلمه الطالب لأنه سيحتاج إليه في الحياة. والثانية؛ ~~عرضية، أي أن درس ذلك الموضوع يساعد على توسيع إدراك الطالب وترويض قواه العقلية، وتعويده ~~التفكير والملاحظة والاستنتاج، ولا تتم هاتان الفائدتان إلا إذا كانت حقائق كل موضوع معقولة ~~صحيحة تربط فيها الأسباب بنتائجها ويرجع في النتائج إلى أسبابها مما خلت منه كتبنا ~~الصرفية والنحوية، بلى قد حاول الصرفيون والنحويون أن يعللوا أحكامهم ويربطوها ~~بأسبابها، إلا أن أكثر الأسباب التي ذكروها واهية حتى ضرب المثل بضعف حجة ~~النحوي، والطالب الذي يتعلم على هذا الأسلوب السطحي الشاق، ويقتنع بتلك الأسباب والعلل ~~الواهية، ويتعود أن يتلقاها بدون نكير ولا تفكير، تظلم مع الأيام بصيرته، ويأفن رأيه، ~~وتضعف فيه أداة الحكم بحيث يسهل استدراجه إلى تصديق كل خرافة واعتقاد كل سخافة، فضلا ~~عما يستغرقه الدرس على ذلك الأسلوب من الوقت الطويل عبثا، فما أجرأنا والحالة هذه أن ~~نتدارك الأمر فنجري على الطريقة الإفرنجية في بناء أحكام لغتنا وقواعدها على مبادئ ~~علمية جديدة؛ تسهيلا على الطالب واقتصادا في وقته وترويضا لعقله، وهذا ما أحاول بسطه ~~لديكم راجيا أن تغتفروا خروجي عن المألوف المتعارف، وسأقتصر على الكلام عن الفعل في ~~اللغة العربية؛ لأن البحث في الفعل أهم الأبحاث الصرفية في كل لغة. ~~••• # تعرفون أن الفعل لا يمكن أن يحدث من تلقاء نفسه؛ بل لا بد له من فاعل يفعله، فالجلوس ms015 لا ~~بد له من جالس، والخروج لا بد له من خارج، وكذلك لا بد له من وقت، فإذا وجد ~~الفاعل ولم يكن وقت، أو وجد الوقت ولم يكن فاعل فلا يقع فعل. فإذا أردنا تصريف الفعل احتجنا ~~إلى ثلاثة أشياء: صيغة للفعل، وعلامة للفاعل، وعلامة للزمان. # الصيغة # صيغة الفعل مأخوذة من المصدر، ومعنى ذلك أن العرب كانوا يصرفون المصدر مع ~~الضمائر، ولا تزال آثار ذلك في اللغة إلى اليوم؛ إذ لا نزال نستعمل المصدر أمرا ~~فنقول: صبرا، مهلا، رفقا، ولم يكن في الأصل فرق بين صور المصدر وصيغ ~~الفعل، ولا تزال بعض الأفعال تشبه المصدر، مثل: «طلب، والطلب» من الصحيح و«جر ~~والجر» من المضاعف. وكانت صور المصدر قليلة على عد صيغ الفعل، فكان المصدر من ~~الصحيح يجيء على وزن «طرق» بإسكان الأول والآخر؛ لأن أول ما وضع من أسماء الأحداث ~~كان البعض منه محكيا عن الأصوات المسموعة من الحيوان أو الجماد، فإذا حاكينا ~~الأصوات الخارجية في ذي ثلاثة أحرف جئنا به ساكن الأول والآخر. ولا يزال المصدر في ~~السريانية كذلك على حكايته الأصلية، ثم حركنا الحرف الأول فيه في الماضي تفاديا من ~~خشيبة اللفظ وتعسر الابتداء بالساكن كما قال جبر ضومط في كتابه «خواطر في اللغة». ~~وكانت حركته الفتح؛ لأن الفتح أخف الحركات، ورددناه إلى السكون في المضارع على ما ~~كان عليه في الأصل؛ لانتفاء الابتداء بالساكن لوقوع حرف المضارعة قبله. وكان ~~المصدر من الناقص على وزن «رمى»، وأصل حكايته من باب حكاية الصحيح، أي: الأصل فيه ~~أن يكون ساكن الأول كما هو في اللغة السريانية. # وكان المصدر من المضاعف على وزن «جر»، وهو إما أن تقصد به حكاية الصوت، نحو: ~~«فحت الأفعى» و«أن المريض» و«خر الماء» و«شق الثوب» و«جر الحبل» ~~و«مص الشراب» و«شم الطيب»، وإما أن تراعى فيه حكاية الحركة، مثل: «هب ~~النائم» و«حل العقدة» و«شبت النار»، أو حكاية صفة الشيء بما توهم في ~~مقاطع الحروف من الصفات وما في اقترانها من الهيئات، نحو: «رث الثوب» ~~و«كل السيف» و«خف ms016 الحمل» و«جف الغصن»، ومن ذلك في لغة الأطفال «دح» ~~للشيء الحسن، و«كخ» للشيء القبيح؛ لما توهموا في اقتران الدال والحاء من ~~الحسن واقتران الكاف والخاء من القبح. # وكان المصدر من الأجوف على وزن «قام» وأكثر ما يقصد به حكاية الحركة؛ نحو: «سال ~~الماء» و«ذاب الجامد» و«ماع السائل» و«فاح الطيب» و«حام الطائر» ~~و«غاص الحوت» لما بين المد فيه وحركة المحكي من المطابقة. # 2 # وعلى ذلك فصور المصدر الأصلية أربع على عدد صيغ الفعل، ثم مع كرور الزمان ~~وتلاعب اللسان خرج المصدر عن الحكاية الأصلية وتفرع إلى صور عديدة كثيرة ~~الأشكال مختلفة الحركات بين مشبعة وقصيرة، مثل: كتابة، ورجوع، وعلانية، وندامة، ~~وعرفان، وجولان، ورحيل، وقيام ... إلى نحو اثنين وأربعين شكلا كما هو مذكور في كتب ~~الصرف المطولة؛ ولذلك تكون «الكتابة» مثلا صورة جديدة عن «كتب»، و«الجلوس» صورة ~~جديدة عن «جلس». # ويظهر أن هذا التفرع نشأ بعد أن تولدت في اللغة صيغ الفعل، وإلا فكان يجب أن ~~تكون صيغ الفعل على قدر صيغ المصدر الجديدة. وقد لزمنا في التصريف حكاية ~~المصدر الأصلية لخفتها وحسن وقعها؛ لأننا لو صرفنا أشكال المصدر على ~~اختلاف صورها وكثرة مقاطعها مع الضمائر لجاءت ثقيلة طويلة. إذن ليست صيغ الفعل إلا صور ~~المصدر القديمة. وإذا قلنا إن المصدر هو أصل الفعل عنينا بذلك صوره القديمة لا صوره ~~الجديدة التي تفرعت عنها، وهذه الصور القديمة لا تزال محفوظة في صيغ الفعل كما تحفظ ~~«الأحافير» في طبقات الأرض مما قد يوهم أن الفعل هو الأصل وأن المصدر هو ~~الفرع. # الفاعل # المهم في بيان الفاعل معرفة جنسه؛ أي: هل هو مذكر أم مؤنث؟ وعوده؛ أي: هل هو ~~مفرد أم مثنى أم جمع؟ وشخصه؛ أي: هل هو متكلم أم مخاطب أم غائب؟ وقد استعملنا الضمير ~~المتصل لبيان ذلك في الماضي والمضارع والأمر، فمن أين أتينا بهذه الضمائر؟! لم يكن في ~~الأصل إلا ضمائر منفصلة كما نرى في اللغات الإفرنجية، ولا بد أنه مر زمان طويل ~~على العرب كانوا يستعملون فيه الضمائر المنفصلة في ms017 التصريف، فكانوا يقولون في تصريف ~~الماضي: «ضرب هو»، «ضرب هما»، «ضرب هم»، «ضرب هي»، «ضرب هما»، «ضرب هن» ... إلخ، وفي ~~تصريف المضارع: «هو ضرب»، «وأنا ضرب»، و«نحن ضرب»، و«أنت ضرب» ... إلخ، وفي تصريف الأمر: ~~«اضرب أنت»، «اضرب أنتما»، «اضرب أنتم» ... إلخ، ثم مع كرور الزمان وتلاعب اللسان ~~نحتنا منها الضمائر المتصلة، وسنعود إلى هذا البحث عند كلامنا عن صيغ الفعل الماضي ~~والمضارع والأمر. # الزمان # الزمان ثلاثة أنواع: ماض، وحاضر، ومستقبل، وفي اللغة العربية ثلاث صيغ ~~للفعل: صيغة الماضي: وهي موضوعة للماضي، وصيغة المضارع: وهي مشتركة بين الحال ~~والاستقبال، وصيغة الأمر: وهي مختصة بالاستقبال، فما هي علامة الزمان في هذه كانوا ~~يستعملون فيه الصيغة الواحدة بدلا من الأخرى أحيانا، ونرى مثل ذلك في اللغة ~~العبرية، فإنهم مع وجود صيغ الماضي والمضارع والأمر في لغتهم قد يستعملون الصيغة ~~الواحدة بدلا من الأخرى، فهم يقولون مثلا: «اذهب» و«قلت لهذا الشعب» كما هو وارد ~~في الماضي للحاضر، نحو: # فلله يوم أنت فيه مسلم # وهبت له جرم الزمان الذي خلا # أي: أهب؛ ونحو كما «يقول الشاعر» أي: كما قال، وك «بعتك الدار» في الإنشاء الإيقاعي، ~~أي: أبيعك. وقد نستعمل الماضي للمستقبل في الإنشاء الطلبي، نحو: «رحمك الله»، أي: ~~يرحمك، وفي الشرط، نحو: «إن قمت قمت»، أي: إن تقم أقم، ونستعمل المضارع للماضي مع ~~«لم» في النفي المنقطع، نحو: «لم أذهب» ومع «لما» في النفي المتصل بالحاضر، نحو: «جئت ~~ولما تطلع الشمس»، وللمستقبل القريب مع السين في حالة الإثبات، نحو: «سأذهب»، ومع «لا» ~~في حالة النفي، نحو: «لا أذهب»، وللمستقبل البعيد مع «سوف» في حالة الإثبات، نحو: «سوف ~~أذهب»، ومع «لن» في حالة النفي، نحو: «لن أذهب». # ونستعمل الماضي والمضارع للأزمنة كلها؛ نحو: # إنما يعمر ~~مساجد الله من آمن بالله # أي: من يؤمن دائما، # والله يحيي ويميت # أي: يحيي ويميت دائما، إلا أن ~~استعمال الصيغة الواحدة لغير الزمان الموضوعة له محصور في مواطن مخصوصة لا ~~يتعداها، فصار استعمالها كذلك قياسا، وفيما عدا ذلك لا يجوز استعمال ms018 الصيغة الواحدة ~~إلا فيما وضعت له، فكيف تدل الصيغة على الزمان؟ إذا اعتبرنا الضمائر المتصلة علامات ~~للفاعل فليس هناك إلا صيغة الفعل وعلامة للفاعل، وأما الزمان فليس له علامة. # وقد اختلف الصرفيون في دلالة الفعل على الزمان؛ فمنهم من قال إن الفعل يدل على ~~الحدث والزمان معا بالمطابقة؛ كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، فإنه تمام ~~المعنى الموضوع له اللفظ، وهذا مذهب الجمهور، وقال آخرون؛ كالسيد: إن دلالة الفعل ~~على الحدث والزمان تضمن كدلالة الإنسان على الحيوان فقط أو الناطق فقط لدخول ~~الجزء ضمن المعنى الموضوع له اللفظ، وقد اختار ذلك الصبان، وقال الشاطبي: ~~إن الفعل يدل على الحدث بالمادة، وعلى الزمان بالصيغة، نحو: «ضرب» فالضاد ~~والراء والباء تدل على الحدث في المصدر، والفعل واسم الفاعل وسائر المشتقات من ~~هذه المادة، وبناؤها على وزن «فعل» يدل على الزمان؛ بل قالوا إن الفعل يدل على ~~الفاعل والمكان التزاما كدلالة الإنسان على الضاحك، فالضاحك خارج عن الإنسان ليس ~~كلا له ولا بعضا منه، ولكنه لازم للمعنى الموضوع له اللفظ، هذا ما يقوله الصرفيون، ~~ولكن إذا كان الفعل يدل على الحدث والزمان بالمطابقة أو التضمن، وعلى الفاعل ~~والمكان بالالتزام كما يقولون، فلماذا لا يكون للمصدر وسائر المشتقات كل هذه الدلالات؟ ~~على حين نرى أن البصريين جردوا المصدر من الدلالة على غير الحدث في احتجاجهم على ~~الكوفيين؛ إذ قالوا إن مدلول المصدر واحد وهو الحدث، ومدلول الفعل متعدد؛ لأنه يدل ~~على الحدث والزمان بالمطابقة وعلى الفاعل والمكان بالالتزام، والواحد قبل المتعدد، ~~وإذا كانت الصيغة تدل على الزمان كما قال الشاطبي، فكيف نعرف الزمان إذا تساوت ~~صورة الماضي والمضارع، مثل: «مس يمس»، و«خاف يخاف»، لا بد إذن أن تكون ~~هناك قرينة أخرى على الزمان، كان يجب أن تكون علامة خصوصية للزمان كما أن هناك علامة ~~خصوصية للفاعل على ما نرى في بعض الأفعال في اللغة الإنكليزية، مثل: # he-wolk-ed # فلفظة # he # علامة للفاعل، ولفظة # wolk # صيغة الفعل، ولفظة # ed # علامة للزمان، ولكن العرب استخدموا علامة ~~الفاعل للدلالة ms019 على الفاعل بلفظها، وعلى الزمان بموضعها، فإذا أرادوا الماضي وضعوا ~~علامة الفاعل في الآخر. # فكانت صيغة الماضي، نحو: ضربت وضربنا، وإذا أرادوا الحاضر وضعوا علامة الفاعل في ~~الأول نحو: أضرب ونضرب، وإذا أرادوا المستقبل استخدموا صورة الحاضر مع قرائن أخرى ~~كالسين وسوف وغيرهما، كما يفعل الأخرس؛ فإنه إذا أراد الإشارة إلى فعل فعله في ~~الزمان الماضي فإنه يشير أولا إلى الفعل ثم إلى نفسه، وإذا أراد الإشارة إلى فعل ~~يفعله في الحاضر أو المستقبل أشار أولا إلى نفسه ثم إلى الفعل. فالزمان إذن ليس له ~~علامة خاصة به كالفاعل ولكن له موضعا، وعلامة الفاعل تستخدم لأمرين: للدلالة على ~~الفاعل بلفظها، وعلى الزمان بموضعها. ولنشرع الآن في الكلام على كل صيغة ~~بمفردها. # الماضي # يتميز الماضي عن المضارع والأمر في الأصل بوضع علامة الفاعل في آخره، وسترى ~~أن علامات الفاعل في آخر المضارع والأمر ليست أصلية فيهما أولا، وهي غير علامات ~~الفاعل في آخر الماضي ثانيا. وقد قلنا إن الضمائر المتصلة منحوتة من الضمائر ~~المنفصلة، وإليك تصريف «ضرب» مثلا مع الضمائر: # هو ضرب . # هما ضرب ا. # هم ضرب و. # هي ضرب ت. # هما ضرب تا. # هن ضرب ن ... إلخ. # فالفتحة في «هو ضرب» مأخوذة من «هو»، والألف من «هما» والواو من «همو» ~~التي لا نزال نستعملها أحيانا في الشعر؛ مثل قوله: «همو رحلوا عنا لأمر لهم عنا»، ~~والتاء في «هي ضربت» أصلها هاء، أي إن العرب مر عليهم زمان طويل كانوا يقولون ~~في: «هي ضربت»: «هي ضربه»، ثم قلبوا الهاء تاء؛ لأن الهاء خفية، فصاروا تارة ~~يقولون: «هي ضربه» وتارة: «هي ضربت»، ثم استقرت على التاء. ولا تزال اللغة ~~العبرية تستعمل تارة الهاء وتارة التاء، وقلب الهاء تاء مألوف في اللغة العربية؛ ~~فإن الهاء في نحو «المدرسة» إذا تحركت تحولت تاء، وإذا وقف عليها تحولت هاء، و«تا» ~~في: «هما ضربتا» مأخوذتان من «هما» بعد حذف الميم وقلب الهاء تاء، والنون في ~~«هن ضربن» مأخوذة من «هن»، والتاء من «ضربت» مأخوذة من «أنت»، ms020 و«تما» من ~~«ضربتما» مأخوذة من «أنتما»، و«تم» من «ضربتم» مأخوذة من «أنتم»، ~~والتاء في «ضربت» مأخوذة من «أنت»، و«تما» في «ضربتما» مأخوذة من ~~«أنتما»، و«تن» في «ضربتن» مأخوذة من «أنتن»، و«نا» في «ضربنا» ~~مأخوذة من «نحن»، وأما التاء في «أنا ضربت» فإنها ترجع إلى أصل قديم لا محل ~~لبيانه هنا، فالفتحة في «هو ضرب» ليست حركة بنائية، والتاء في «هي ضربت» ~~ليست علامة للتأنيث كما توهم الصرفيون، وإنما هما ضميران، وعليه يكون الضميران في ~~«هو ضرب» و«هي ضربت» ظاهرين لا مستترين. وكان هذا النحت في الضمائر؛ لأنها ~~طويلة، بعضها من مقطعين وبعضها من ثلاثة، بخلاف الضمائر في اللغات الإفرنجية، فإنها ~~قصيرة، فليس في استعمالها مع الفعل ثقل على اللسان ولا طول ... بقي هناك كلام ~~كثير عن تصريف الماضي مع الضمائر أضربنا عنه خوف الإطالة. # المضارع # أهم صيغ الأفعال في اللغة العربية صيغة الفعل المضارع؛ لأنه يستعمل ~~للحال المثبت والمنفي، والاستقبال المثبت والمنفي، والقريب والبعيد، وقد يستعمل خبرا ~~وطلبا، نهيا وأمرا، ويستعمل للماضي المنفي المنقطع عن الحاضر ب «لم»، والمنفي المتصل ~~بالحاضر ب «لما»، فلو دل على الماضي المثبت لأغنى عن صيغتي الماضي والأمر، وصيغة ~~المضارع هي صيغة الماضي؛ فهي مأخوذة من المصدر مثله، فكان يجب ألا يكون اختلاف في ~~الصيغة بين الماضي والمضارع، لكن مع كرور الزمان وتلاعب اللسان، وقع الاختلاف في ~~الصيغتين في أفعال كثيرة، فكانت أبواب الفعل الصحيح ستة، وهي: # ضرب يضرب. # نصر ينصر. # علم يعلم ... إلخ. # ويدلك على أن تلاعب اللسان هو سبب هذا الاختلاف أن الأبواب الثلاثة الأولى أكثر ~~استعمالا، وقد وقع هذا الاختلاف في عين الفعل لأنها متحركة في أصل وضعها، فهي ~~عرضة لتلاعب اللسان، فجاءت تارة مفتوحة وتارة مكسورة وتارة مضمومة، ثم قد تتفق عين ~~الماضي وقد تختلف، أما اتفاقها فلأن الصيغتين من أصل واحد، وأما اختلافها فلا سبب ~~له غير تلاعب اللسان، ويدلك على ذلك أن الفعل الواحد قد يجيء على بابين أو أكثر من هذه ~~الأبواب، فلو كان هناك سبب طبيعي، أو ms021 قصد اعتباري، لما جاز ذلك؛ بل إذا أخذنا فعلا ~~من الأفعال الثلاثية ولم نكن نعرف أصله فلا نستطيع أن نحكم أنه من هذا الباب أو ذاك؛ إذ ~~ليس لدينا قياس نعتمد عليه، وهذه حالة في اللغة لا تنطبق على مذهب النشوء ~~والارتقاء، أي لو بقيت اللغة مطلقة لصار لكل باب من هذه الأبواب معنى خاص ~~لا تجيء عليه إلا أفعال خاصة كما وقع ذلك في البعض من هذه الأبواب قبل عهد التدوين، فإن ~~الأفعال التي تدل على عيب في الخلقة لا تجيء إلا من باب «علم يعلم» مثل: «خرس ~~يخرس» و«طرش يطرش»، وإن كان غيرها يجيء عليه أيضا وعلى غيره، والأفعال التي ~~تدل على الغرائز يجيء أكثرها على باب «كرم يكرم»، مثل: «شرف يشرف» ~~و«حسن يحسن»، والأفعال التي عينها أو لامها حرف حلق يجيء أكثرها على وزن «فعل ~~يفعل» بفتح العين في الماضي والمضارع لسهولة لفظ الحرف الحلقي مع الفتح، وباب ~~«حسب يحسب» أغلب ما يجيء عليه الأفعال المبدوءة بواو، مثل: «ورث يرث» ~~و«ولي يلي» ... # فأنت ترى أن الأفعال الثلاثية في اللغة العربية مرت على دورين ووقفت عند الدور ~~الثالث. أما الدور الأول فهو الذي كانت فيه صيغتا الماضي والمضارع متشابهتين، وأما ~~الدور الثاني فهو الدور الذي وقع فيه الاختلاف بينهما، وأما الدور الثالث فهو أن يختص ~~كل باب بمعنى أو معنيين أو أكثر، ولكن جاء التدوين فوقف في وجه الدور الثالث، وإن كانت ~~قد ظهرت طلائعه حينئذ كما تقدم. # وتتميز صيغة المضارع عن صيغة الماضي بموضع علامة الفاعل؛ فإن كانت في آخر الفعل ~~فالفعل ماض، وإن كانت في أوله فالفعل مضارع، ولا نستطيع أن نعتمد في التمييز ~~بينهما على ما وقع في الصيغتين من الاختلاف؛ لأنهما قد تتشابهان كما تقدم. ~~••• # العلامات التي نضعها في أول المضارع أربع، فكيف تكفي لأربعة عشر شخصا، كان يجب أن ~~يكون لكل شخص علامة خاصة تميزه عن غيره كما رأينا في الماضي، وربما كان الفعل المضارع ~~لأول عهده يصرف بالعلامات الأربع، وهي: الهمزة والنون ms022 والتاء والياء. أما الهمزة ~~فمأخوذة من «أنا»، وأما النون فمن «نحن»، وأما التاء فمن «أنت»، أو الهاء من «هي» بعد ~~أن قلبت تاء، وأما الياء فمأخوذة من الهاء في «هو» بعد أن مرت على أدوار مختلفة ~~مجهولة. ولما وقع الاشتراك بين عدة أشخاص في الياء؛ لأنه يشترك فيها أربعة أشخاص، وفي ~~التاء؛ لأنه يشترك فيها ثمانية، لم يكن بد من مميز آخر؛ لئلا يقع الالتباس، ~~فوضعوا هذه المميزات في آخره، فجعلوا للمثنى ألفا ونونا، ولجمع المذكر العاقل واوا ~~ونونا، ولجمع المؤنث نونا، وللمخاطبة ياء ونونا، وكلها مأخوذة من أصول قديمة ~~للضمائر المنفصلة لا تزال محفوظة في اللغتين العبرية والسريانية. ~~••• # عرفنا أن علامة الفاعل تستعمل لغرضين: للفاعل والزمان، والمقصود من بيان الفاعل ~~معرفة جنسه وشخصه وعدده؛ فإذا كان المضارع بعلامة واحدة، مثل: اذهب، ونذهب، ويذهب، ~~وتذهب، فكل علامة تدل على أربعة أشياء: الزمان، وجنس الفاعل، وعدده، وشخصه؛ ~~مثل: الياء في «يذهب»، والتاء في «تذهب»، فالياء تدل على أن الزمان حاضر، وأن الفاعل ~~مذكر، وأنه مفرد، وأنه غائب. والتاء في «أنت تذهب» تدل على أن الزمان حاضر، وأن ~~الفاعل مذكر، وأنه مفرد، وأنه مخاطب. إلا الهمزة والنون فإنهما تدلان على أن ~~الزمان حاضر، وعلى عدد الفاعل وشخصه، ولا تدلان على جنسه؛ لأنهما تستعملان ~~للمذكر والمؤنث على السواء. # وإذا كان المضارع بعلامتين في أوله وآخره فما ينقص في الأولى تكمله الثانية، وعليه ~~فالياء في «هو يذهب» و«هما يذهبان» و«هن يذهبن» ليست متساوية في ~~الدلالة، فالياء في «يذهب» تدل على أربعة أشياء: على الزمان، وجنس الفاعل، ~~وعدده، وشخصه. وفي «يذهبان» تدل على الزمان، وجنس الفاعل، وشخصه، ~~ولكنها لا تدل على عدده؛ لأنها موضوعة للمفرد، وهي هنا للمثنى، والياء في «يذهبن» ~~تدل على شيء واحد وهو الزمان، ولا تدل على جنس الفاعل؛ لأنها موضوعة للمذكر، وهي هنا ~~للمؤنث، ولا تدل على عدده؛ لأنها موضوعة للمفرد، وهي هنا للجمع، ولا تدل على شخصه؛ ~~لأنها موضوعة للغائب، وهي هنا للغائبات، فأغنت عنها في ذلك كله النون في ms023 الآخر. وأما ~~النون في «أنتن تذهبن» فلا تدل على ما تدل عليه النون في «هن يذهبن»؛ لأن التاء في ~~«أنتن تذهبن» تدل على أن جنس الفاعل مؤنث؛ لأن التاء تستعمل للمذكر والمؤنث، وأن شخصه ~~مخاطبه؛ لأن التاء تستعمل للمخاطب والمخاطبة، فلا يبقى إلا العدد فتدل عليه النون، ~~فالنون في «هن يذهبن» تدل على جنس الفاعل وعدده وشخصه، والنون في «أنتن تذهبن» لا تدل ~~إلا على العدد. ومع وجود العلامتين في أول المضارع وآخره فإن بعض صوره تتشابه، مثل: ~~«أنتما تضربان» للمخاطبين، و«أنتما تضربان» للمخاطبتين، و«هما تضربان» للغائبتين؛ ~~لذلك لا بد من الاعتماد على القرينة في التمييز بين الصورة الواحدة والأخرى. ~~••• # وعلامة الفاعل في أول المضارع كانت في الأصل تحرك بالفتح، أو الكسر، أو الضم، بدون ~~ضابط. ثم استقرت على الفتح؛ لأنه أخف الحركات، وإنما تضم في الأفعال الرباعية؛ لتتميز ~~عن الفعل الثلاثي، ولا يقع التباس في مضارع الثلاثي والرباعي إلا في وزن «أفعل»، فإن ~~مضارع «رجع» «يرجع»، ومضارع «أرجع» «يرجع»، ولولا ضمة الياء في مضارع «أرجع» لالتبس ~~بمضارع «رجع»، ثم ضمت مع بقية الأفعال الرباعية طردا للباب. # وقد ورد في بعض لغات العرب كسر حرف المضارعة في باب «علم» وما افتتح بهمزة الوصل، ~~وعليه يروى قول الراجز: # قلت لبواب لديه دارها # تئذن فإني حمها وجارها # وقرئ # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ~~، # وإياك نستعين # بكسر حرف المضارعة في الجميع، ~~ولا يزال حرف المضارعة يكسر في «إخال» على لغة طيئ. ~~••• # ويقسم الفعل المضارع باعتبار آخره إلى ثلاثة أقسام: الأفعال الأربعة: وهي ~~الأفعال المجردة عن علامة في الآخر؛ وهي «يفعل، وتفعل، وأفعل، ونفعل»، والأفعال الخمسة: ~~وهي الأفعال التي تلحقها الألف والواو والياء مع نون الإعراب؛ وهي: «يفعلان، تفعلان، ~~يفعلون، تفعلون، تفعلين»، والفعلان وهما اللذان تلحقهما نون الإناث، وهما: «يفعلن، ~~وتفعلن»، وكلها معربة إلا الفعلين، وقد اختلف في أسباب إعرابها مما لا حاجة إلى ذكره، ~~والحقيقة أن الإعراب لم يقع في الفعل المضارع إلا عن تلاعب اللسان، فكان العرب يرفعونه ~~وينصبونه ويجزمونه اتفاقا، ثم ms024 جعلوا يرفعونه في مواضع مخصوصة، وينصبونه أو يجزمونه في ~~مواضع أخرى، والفرق بينه وبين الاسم في الإعراب أن الاسم يخفض وأما الفعل فيجزم، فلماذا ~~جزم بدلا من الخفض؟! جزم بقصد التأكيد، ولذلك جزم في الطلب، نحو: «ليذهب، ولا ~~تذهب»؛ لأن الجزم أنسب للطلب وأدل على التأكيد، وإنما جزم في النفي ب«لم» و«لما» مع أنه ~~غير طلبي فلتأكيد النفي، ف «لم يضرب» أدل على التأكيد من «ما ضرب»؛ ولذلك سمي السكون ~~في «ليذهب» و«لا تذهب» و«لم يذهب» جزما أي قطعا، فالسكون على الطاء في «أطلب» سكون، ~~وعلى الباء سكون وجزم، وبعبارة أخرى إن السكون لفظي - أي إبطال الحركة - والجزم معنوي ~~أي تأكيد، ثم إن الجزم قد يكون بغير سكون كالجزم في الأفعال الخمسة والأفعال الناقصة؛ ~~لأن حذف النون من الأفعال الخمسة واستبدال الحركة الطويلة بحركة قصيرة في الأفعال ~~الناقصة، تقصير للكلمة، والتقصير يناسب الجزم والتأكيد، ومن هنا يظهر أن للجزم سببا ~~معقولا لا نجده في الرفع أو النصب، والله أعلم. # الأمر # لم يكن في اللغة العربية صيغة خاصة للأمر؛ بل كنا نستعمل المصدر للأمر، كما ~~لا نزال نستعمله إلى الآن، مثل: صبرا، رفقا ... والمصدر المستعمل أمرا لا يصرف مع ~~الضمائر؛ بل يستعمل للجميع على السواء؛ لأن الفاعل يعرف من توجيه الكلام إلى ~~المخاطب. ثم مع الزمان تولدت في اللغة العربية صيغة للأمر، وهي مأخوذة ~~من المضارع. فلماذا أخذنا صيغة الأمر من المضارع ولم نأخذها من الماضي؟ لذلك سببان: ~~الأول؛ أن صيغة المضارع مشتركة بين الحال والاستقبال، وأما صيغة الماضي فموضوعة للماضي؛ ~~ولأن الأمر لا يدل إلا على الاستقبال، كانت صيغة المضارع أنسب له. الثاني؛ للمضارع ~~ثلاث حالات إعرابية: «رفع، ونصب، وجزم»؛ ولأن الجزم أنسب للأمر أخذنا له المضارع ~~المجزوم، وعلى ذلك يكون الأمر معربا لا مبنيا، وليس له إلا حالة واحدة وهي الجزم ~~على رأي الكوفيين، وليس جزمه بناء كما يقول جمهور الصرفيين. # ولم يكن للأمر في أصل استعماله علامة للفاعل، فكان يعرف الفاعل من القرينة، وهي ~~توجيه الكلام إلى المخاطب، ms025 فإذا قلت لشخص واقف أمامي «اذهب» عرف الفاعل بدون ~~علامة خاصة له؛ لأن المقصود من العلامة بيان الفاعل، فإذا كان الفاعل معروفا من توجيه ~~الكلام استغنينا عنها. وكما استغنينا عن علامة للفاعل استغنينا عن علامة للزمان؛ لأن ~~هناك قرينة تدل عليه، وهي الطلب؛ إذ العمل الذي نطلبه لا يكون إلا في المستقبل بعد ~~الطلب، إذن فالفاعل في الأمر يعرف من قرينة توجيه الكلام إلى المخاطب، والزمان يعرف ~~من قرينة الطلب، فلما أخذنا صيغة المضارع المجزوم حذفنا العلامة من أوله لاستغنائنا ~~عنها، ثم لما تولدت هذه الصيغة في اللغة، وكان العرب يميلون إلى الدقة في البيان أضافوا ~~إلى الأمر علامات للمثنى، ولجمع المذكر العاقل، ولجمع المؤنث، وللمخاطبة، وإن كانت هناك ~~قرينة معنوية تغني عن هذه العلامات كما تقدم. وتركوا الأمر للمخاطب بدون علامة لفظية؛ ~~اكتفاء بالقرينة حسب الأصل. وقد اختصت صيغة الأمر بالشخص المخاطب في حالة الإثبات، ~~ولكن إذا أردنا توجيه الأمر إلى غير المخاطب استعملنا صيغة المضارع المجزوم مع اللام ~~للأمر المثبت، وإن جاز استعمال هذه الصيغة للمخاطب وغيره، ومع لا الناهية للأمر المنفي، ~~فقلنا: «ليذهب» و«لا يذهب». وقد امتاز الأمر بأنواع كثيرة أجعل الكلام عنها خاتمة هذا ~~البحث: ~~(1) # الأمر بالصيغة، نحو: «قم، اذهب، اشرب». ~~(2) # الأمر باللام، نحو: «ليقم، ليذهب، ليشرب». ~~(3) # الأمر ب «لا الناهية»، نحو: «لا تقم، لا تذهب، لا تشرب»، ~~ويقال له نهي. ~~(4) # الأمر بالمصدر، نحو: «رفقا، صبرا، مهلا». ~~(5) # الأمر المركب، نحو: «تعال نذهب، قم ننطلق، قفا نبك». # يقول النحويون: إن المضارع جزم في هذه الجمل على تقدير شرط، أي: ~~«إن تجئ نذهب، إن تقم ننطلق، إن تقفا نبك» على أن هذه الجمل لا ~~يصح فيها الشرط؛ لأن الشرط يقتضي أن يكون الثاني نتيجة عن الأول، وهنا لا ~~يصح هذا التقدير؛ لأن الذهاب ليس نتيجة المجيء؛ ولأن الانطلاق ليس نتيجة ~~القيام؛ ولأن البكاء ليس نتيجة الوقوف. وإنما يصح تقدير الشرط في مثل: ~~«ادرس تحفظ»، «اجتهد تنجح»؛ فإن الحفظ نتيجة الدرس، والنجاح نتيجة ~~الاجتهاد، فالفرق واضح بين التمثيلين ... ولم ms026 نجد في كتب النحو تنبيها على ~~ذلك، وإنما جزم المضارع في: «تعال نذهب» و«قم ننطلق» و«قفا نبك» ~~وأمثالها لأنه بمعنى الأمر؛ بدليل أنك تستطيع أن تستبدله بأمر فتقول: ~~«لنذهب، لننطلق، لنبك»، والجزم أنسب ~~للأمر؛ لذلك يجب أن يجزم المضارع في مثل قول الشاعر: # تعالوا بنا نطو الحديث الذي جرى # أي: «لنطو»، وإن ورد هذا البيت في ديوان الشاعر بصورة الرفع. ~~(6) # اسم فعل: مرتجلا ك «صه» أي: «اسكت»، أو منقولا عن مصدر ك «رويد» أي: ~~«أمهل»، أو عن ظرف ك «دونك» أي: «خذ»، أو حرف جر نحو: «عليك» أي: ~~«الزم». ~~(7) # اسم فعل على وزن «فعال» بكسر اللام، ك «نزال» أي: «انزل»، و«حذار» أي: ~~«احذر» للواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، أي بدون علامة للفاعل حسب ~~الأصل كما تقدم. وهو يبنى من كل فعل ثلاثي تام متصرف، وشذ من مزيد ~~الثلاثي ك «دراك» معدولا عن «أدرك»، و«بدار» معدولا عن «بادر»، وأشذ منه ~~الرباعي، نحو: «قالت له ريح الصبا قرقار» أي: قالت ريح الصبا للسحاب قرقر ~~بالرعد، أي: صب ما عندك من الماء مقرونا بصوت الرعد. ~~(8) # التحضيض، وهو الطلب العنيف، نحو: «هلا تستغفر الله» و«ألا تستغفر الله» ~~بالتشديد، و«لولا تقري الضيف»، و«لو ما تجيب الداعي». ~~(9) # العرض، وهو الطلب اللين، وأداته «ألا» المخففة، نحو: # ألا تحبون أن يغفر الله لكم ~~، ~~و«لو» نحو: «لو تنزل عندنا». ~~(10) # الأمر بالهمزة، نحو: «أتأكل» أي: «كل» ... وقد جاء المضارع في التحضيض ~~والعرض والأمر بالهمزة مرفوعا مع أنه كان يجب أن يكون مجزوما قياسا على ~~كون الجزم أنسب للأمر، ولعل ذلك لأن الجزم - أي التأكيد - تدل عليه الأداة، ~~فلم تبق حاجة لجزمه، والله أعلم. # | الحروف الهجائية1 # لا أتعرض هنا للكلام عن أساليب تعليم الحروف الهجائية؛ فإني سأتكلم عنها في كتاب «أساليب ~~التعليم» الذي سيظهر بعد حين، وسيكون الكتاب الأول من كتب القراءة التي أشتغل بوضعها الآن ~~مبنيا على أحدث تلك الأساليب ... ولا للكلام عن مخارج هذه الحروف وقسمتها إلى طوائف كالحروف ~~المهموسة، والمجهورة، والشديدة، والرخوة، والمتوسطة، والمطبقة، والمنفتحة، والمستعلية، ~~والمستفلة أو ms027 المنخفضة، وغير ذلك مما تكفل به علم الصرف والتجويد، ولا غنى لمن يتولون ~~تدريس اللغة العربية في الفصول الابتدائية عن معرفته ومراعاته إقامة للفظ على الوجه ~~الصحيح ... ولا للكلام عن صور هذه الحروف وكيفية تركيبها خطا، مما وفاه حقه كثيرون، منهم: ~~«القلقشندي» في كتابه «صبح الأعشى»، ولا غنى لأساتذة الخط ولمن يضعون كتبا للقراءة عن ~~الاستبصار به، ولكنني سأقتصر على ثلاثة أبحاث أخرى: في الأول: أتكلم عن الحروف الهجائية ~~العربية نفسها، وفي الثاني: أقابلها بغيرها وأذكر بعض مزاياها، وفي الثالث: أتكلم عن ~~تاريخها والأطوار التي مرت بها إلى أن وصلت إلى صورتها الحاضرة. # البحث الأول: الحروف الهجائية العربية # تسمى الحروف التي تتركب منها الألفاظ حروف الهجاء، أو حروف التهجي، أو حروف المبنى، ~~أو حروف المعجم، ويسميها سيبويه والخليل بن أحمد حروف العربية. وقد اختلف الصرفيون بين ~~أن تكون ثمانية وعشرين حرفا أو تسعة وعشرين حرفا، ولكنها في الحقيقة تقسم إلى ~~أربعة أقسام: حروف مفردة، وحروف مركبة، وحركات، وضوابط. # الحروف المفردة # أ. ب. ت. ث. ج. ح. خ. د. ذ. ر. ز. س. ش. ص. ض. ط. ظ. ع. غ. ف. ق. ك. ل. م. ن. ه. ~~ة. و. (مثل الواو في: ثوب) ي. (مثل الياء في: بيت) وعددها تسعة وعشرون ~~حرفا. # الحروف المركبة # الحروف المركبة نوعان: إما أن تكون مركبة من حرف وحركة، وهي: # آ: أي همزة وألف في نحو: «مآكل»، وأصل كتابتها هكذا «أا». # لا: أي لام وألف. # وإما أن تكون مركبة من حركة وحرف، وهي: # تنوين ضم، وعلامته . # تنوين فتح، وعلامته ا بألف، أو بدونها. # تنوين كسر، وعلامته . # فالأول مركب من ضمة ونون، والثاني من فتحة ونون، والثالث من كسرة ونون، ولكنهم لم ~~يكتبوا النون استغناء بمضاعفة الحركة عنها، وعدد الحروف المركبة على نوعيها ~~خمسة. # الحركات # وهي تقسم إلى ثلاثة أقسام: قصيرة، وطويلة، وممدودة. # القصيرة تقسم إلى: الضمة والفتحة والكسرة. # الطويلة تقسم إلى: الألف. # الواو، مثلها في «عود». # الياء، مثلها في «عيد». # الممدودة: وهي «الألف، والواو، والياء» إذا ms028 وقعت قبل همزة أو شدة، فالألف في ~~«ماء ومادة» أطول من الألف في «باب»، والواو في «وضوء وقوص مجهول قاص» أطول من ~~الواو في «عود»، والياء في «بريء» أطول من الياء في «عيد»، وعددها على اختلاف ~~أقسامها تسع. # الضوابط # السكنة أو السكون، وعلامته . # الوصل، وعلامته ا، وهي مأخوذة من كلمة «صل». # المد، وعلامته آ، وهي مأخوذة من كلمة «مد». # التشديد، وعلامته وهي مأخوذة من كلمة «شد». # فعدد الجميع من حروف مفردة، وحروف مركبة، وحركات، وضوابط سبعة وأربعون حرفا، إلا ~~أن البعض منها قد يكتب على أشكال مختلفة معروفة. # وهنا استدعي انتباه الأساتذة الكرام إلى النقاط الآتية: ~~(1) # لا يزال الصرفيون يعتبرون الألف والواو والياء حروفا، والحقيقة أن ~~الألف ليست إلا حركة، وأما الواو والياء فمن الأشكال المشتركة بين ~~الحروف والحركات؛ فالواو في «ثوب» حرف، وفي «عود» حركة، ويقابل الأول ~~عند الإفرنج حرف # W ~~، والثاني حرف # O ~~. والياء في «بيت» حرف، وفي «عيد» ~~حركة، ونجد مثل هذا الاشتراك في الحروف الإفرنجية؛ فحرف # Y # يكون تارة حرفا؛ مثله في كلمة # yes ~~، وتارة حركة؛ مثله في كلمة # truly # وحرف # W # يكون تارة حرفا مثله في كلمة # was ~~، وتارة حركة؛ مثله في كلمة # saw ~~. ~~(2) # الألف والواو والياء قد تكون حركات طويلة، مثل: الألف في «باب»، ~~والواو في «عود»، والياء في «عيد». وقد تكون حركات ممدودة إذا وقعت ~~بعدها همزة أو شدة؛ مثل الألف في «ماء ومادة»، والواو في «وضوء وقوص ~~مجهول قاص»، والياء في «بريء» - كما تقدم - وقد كان يجب أن يكون ~~للحركات الممدودة شكل خاص لها غيره للحركات الطويلة - وقد تكون كراسي ~~للهمزة، مثل: «رأس وسؤل وبئر». ~~(3) # اصطلحوا على كتابة الألف الممدودة الواقعة قبل همزة برسم مدة ~~فوقها، مثل: «مآء وسمآء»، وكان يجب أن توضع علامة المد على الحركات ~~الممدودة سواء كانت ألفا أم واوا أم ياء، وسواء وقعت قبل همزة أم ~~قبل شدة حسب اصطلاح القرآن، ولكنهم اقتصروا عليها مع الألف الواقعة قبل ~~همزة لكثرة ورودها في الكلام، ثم لما كان موضع الألف ms029 الممدودة معلوما ~~جاز إهمال هذه المدة في الخط اعتمادا على فطنة القارئ، ولكن هناك ~~موضعا آخر لكتابة المدة لا يجوز فيه إهمالها، وهي المدة التي تكتب ~~فوق الهمزة التي بصورة الألف، نحو: «مآكل»؛ لأنها هنا ليست للمد مثلها ~~في «مآء وسمآء»، وإنما هي ألف طويلة مثلها في «مدارس ومكاتب». وكان ~~حقها أن تكتب هكذا «مأاكل»، ولكنهم استبشعوا أن تتوالى ألفان في ~~الكتابة فكتبوا الثانية فوق الأخرى، فأشبهت المدة، وهي ليست كذلك. ~~ولهذا يكون قولهم إن المدة مقتطعة من كلمة «مد» - لأنهم كانوا ~~يكتبون فوق الألف الممدودة لفظة «مد»؛ إشعارا بأنها ممدودة تمييزا ~~لها عن الألف الطويلة، ولفظة «مد» تشبه «المدة» - لا يصدق إلا ~~على المدة التي تكتب فوق الألف الممدودة الواقعة قبل همزة، مثل: ~~«مآء» لا على المدة التي تكتب فوق الهمزة التي بصورة الألف، مثل: ~~«مآكل». وتكون الألف الممدودة مع المدة فوقها؛ مثل «مآء» حرفا ~~مستقلا بسيطا، والهمزة مع المدة فوقها، في مثل «مآكل» حرفا ~~مركبا من همزة وألف، وكان يجب أن يذكروا هذا الشكل بين الحروف ويسموه: ~~«همزة ألف» كما ذكروا شكل كتابة اللام مع الألف وسموه «لام ~~ألف». # الخلاصة أن المدة في مثل «مآء» هي مدة مقتطعة من كلمة «مد» وفي مثل ~~«مآكل» هي ألف، ولا يجوز في كتب القراءة أن يجمع بين المدتين في مكان ~~واحد. ~~(4) # الألف تكتب على أربعة أشكال غير شكلها مع اللام؛ فهي تكتب قائمة مثل ~~الألف في «عصا»، وأفقية مثل الألف في «مآكل»، وبصورة الياء بدون ~~نقطتين، مثل الألف في «فتى»، وألفا صغيرة فوق الحرف لا بعده في بعض ~~الكلمات، مثل الألف في «الله» و«ذلك». وكلها تسمى الألف الهاوية، أي ~~ذات الهواء أو الملساء أي اللينة. ولكن لا يزال كثيرون حتى بعض ~~المؤلفين يسمون الألف في مثل «فتى» ألفا مقصورة، وهذا خطأ؛ لأن الألف ~~المقصورة هي الألف على كل أشكالها الأربعة السابقة. وسميت مقصورة؛ ~~لأنها أقصر في اللفظ من الألف الممدودة في مثل «حمراء ومادة»، وإن جاز ~~في بعض المواقف مد الألف ms030 وأختيها الواو والياء في غير مواضع المد كما ~~تمد الألف في «لا» إذا أردت تأكيد النفي، وكما يمد المنادي صوته في ~~أداة النداء «يا» إذا كان المنادى بعيدا أو غير منتبه، وكما تمد الألف ~~في لفظة واسع في قولهم «الله واسع الرحمة»، والياء في لفظة «كبير»، ~~والواو في لفظة «غفور» في قولهم: «الله كبير غفور» للتأثير على ~~السامعين في مواقف الوعظ وغير ذلك، ولكن هذا المد لا يكون إلا إذا ~~اقتضاه الحال. ~~(5) # إذا اعتبرنا الألف التي هي أول الحروف الهجائية همزة، فقد كان يجب أن ~~تكتب فوقها همزة هكذا «أ» وتسمى همزة لا ألفا؛ لأن الألف ليست إلا ~~كرسيا لها. وإذا اعتبرناها حركة فنكون قد أهملنا ذكر الهمزة بين ~~الحروف، على أنه يظهر من ترتيب الحروف الهجائية على طريقة نصر بن عاصم ~~الليثي، ويحيى بن يعمر العدواني في زمن عبد الملك - وهو الترتيب المتبع ~~الآن - أنهما ابتدآ بالألف والباء؛ لأنهما أول الحروف في «أبجد»، ولكن ~~الحرف الأول في «أبجد» هو همزة لا ألف؛ لأن الألف لا تقع ابتداء، ~~ولعلها سميت ألفا لأنها قد تكتب على الألف في بعض المواضع كما تكتب ~~على الواو والياء في مواضع أخرى، فيكون ذلك على حد تسمية الكل باسم ~~الجزء، وتكون الألف اسم شكلها لا اسم حكمها. أما سيبويه فإنه ابتدأ في ~~ترتيبه بالهمزة بدون كرسي، ثم ذكر الألف وحدها بين الحركات الطويلة في ~~آخر الحروف. ومن الترتيبين يظهر أن الحرف الأول من الحروف الهجائية هو ~~همزة لا ألف، أما الألف التي هي حركة فقد ذكرت في الترتيب الأول في لام ~~ألف، وفي الترتيب الثاني وحدها. # البحث الثاني: في مقابلة الحروف العربية بغيرها # للحروف العربية مزايا عديدة، أذكر منها ما يأتي: ~~(1) # أنها تكتب وتقرأ من اليمين إلى اليسار كالسريانية والعبرية وسائر اللغات ~~التي اقتبست الحروف العربية بخلاف الحروف الإفرنجية، فإنها تكتب من اليسار ~~إلى اليمين، وبخلاف الحروف الهيروغلوفية فإنها - وإن بدئ بها من اليمين في ~~أول سطر - يجوز أن يبدأ بالسطر الثاني من اليسار، وهكذا ms031 يبدأ كل سطر من حيث ~~انتهى سابقه، وعليه قول الشاعر: # لصاحب الأحباس برذونة # بعيدة العهد من الربط # تمشي إلى خلف إذا ما مشت # كأنها تكتب بالقبطي # وبخلاف الحروف الصينية فإنها تكتب من أعلى لأسفل ... # ومن الغريب اصطلاح الإفرنج على الكتابة من الجهة اليسرى دون اليمنى، على ~~حين نراهم في كل أمورهم وأعمالهم يجرون من اليمين إلى اليسار، فمنازل ~~الأعداد عندهم تتدرج من اليمين إلى اليسار - وإن كانوا يقرءونها بالعكس - ~~وعلى حين أن الرسام أو النقاش إذا أراد أن يبدأ بعمله ابتدأه من اليمين، ~~ولا سيما إذا كانت الرسوم متقابلة؛ بل «إذا كان أمامك درهمان على مائدة، ~~وكلاهما على بعد متساو منك، وأردت أن تتناول واحدا منهما فإن كنت أيمن ~~انقدت بالسليقة إلى أن تأخذ الذي إلى جهة يمينك» كما قال بعض العلماء في ~~بحث تحت عنوان «الأعسر والأيمن». وكان ذلك كذلك؛ لأن نحو 98 في المائة من ~~الناس يعملون باليد اليمنى دون اليسرى، وقد أثبت بعض علماء منافع الأعضاء ~~أن ذلك أمر فطري في الإنسان ناشئ عن تركيب البنية مما ليس من شأننا الخوض ~~فيه، وإنما يهمنا هنا أن نقول إن اصطلاح العرب أقرب إلى الطبع وأسهل ~~تناولا، فإذا استسهل الإفرنجي الكتابة من الجهة اليسرى بحكم العادة ~~والتربية والتعليم، استسهلناها من الجهة اليمنى بحكم العادة والتربية ~~والتعليم وفوق ذلك بحكم الفطرة. ~~(2) # من مزايا الحروف العربية أنها قليلة الأشكال بالنسبة إلى الحروف ~~الإفرنجية مع أنها أكثر عددا. الحروف العربية تقسم إلى قسمين: كبيرة ~~وصغيرة، فإذا تعلم التلميذ الحروف الكبيرة عرف الصغيرة؛ لأنها مقتطعة منها، ~~إلا حروفا قليلة ليس لها إلا صورة واحدة، وهي الألف والواو والدال والذال ~~والراء والزاي والطاء والظاء، فكأن القسمين قسم واحد، ولا فرق في ذلك بين ~~حروف الكتابة وحروف الطباعة. وأما الحروف الإفرنجية فتقسم إلى قسمين: ~~حروف طباعة وحروف كتابة، وكل منهما يقسم إلى قسمين آخرين: حروف كبيرة ~~وحروف صغيرة، ولا شبه بين الواحد والآخر في الجميع فتكون الحروف الإفرنجية ~~مضاعفة أربعة أضعاف. ~~(3) # إذا تتابع حرفان متجانسان ms032 أو متقاربان في المخرج في كلمة واحدة وكان ~~أولهما ساكنا، والثاني متحركا كتب الحرفان حرفا واحدا فوقه شدة ~~للاختصار، وأما الإفرنج فإنهم يدغمون الحروف المتجانسة أو المتقاربة ولكن ~~بتكرار الحرف إذا كان من جنس الحرف الذي قبله أو باللفظ إذا كان قريبا ~~منه، وليس عندهم علامة على التشديد أو الإدغام. ~~(4) # العرب يكتبون الحرف الكبير من حروفهم في آخر الكلمة إيذانا بأن الكلمة ~~انتهت، وأما الإفرنج فيكتبون الحرف الكبير في أول الكلام، أو في أول بعض ~~كلماتهم ولا دليل على أن الكلمة انتهت إلا فصلها عن الكلمة التي بعدها ~~فيضطرون إلى ترك جزء من القرطاس خاليا. ~~(5) # أن الكلمة في اللغة العربية تأخذ فسحة أصغر من الفسحة التي تأخذها ~~الكلمة الإفرنجية لأسباب: ~~(أ) # لأن حروفنا أدق شكلا، ولا سيما الحروف الابتدائية ~~والوسطى. ~~(ب) # لأننا نكتب الحرفين المتجانسين أو المتقاربين في المخرج إذا ~~تتابعا في كلمة واحدة وكان أولهما ساكنا والثاني متحركا، ~~حرفا واحدا فوقه شدة كما تقدم. ~~(ج) # لأن حروفنا متصلة بعضها ببعض إلا حروفا قليلة، وأما حروفهم ~~فكلها منفصلة. ~~(د) # لأن الحركات القصيرة عندنا - وهي الضمة والفتحة والكسرة - ~~والضوابط - وهي السكنة والوصلة والمدة والشدة - والتنوينات ~~على اختلاف أنواعها، تكتب كلها فوق الحرف أو تحته، لا في صلب ~~الكلمة، وقد نستغني عنها؛ لأن لها مواضع معلومة مطردة، بخلاف ~~اللغات الإفرنجية؛ فإنه لا بد من رسم حركاتها في صلب كلماتها؛ ~~لأنها لا تجري على قياس مطرد. ~~(6) # قال ابن فارس: «انفردت العرب بالهمز في عرض الكلام، مثل: «سأل، وقرأ»، ~~ولا يكون في شيء من اللغات إلا ابتداء»، ولكن مع وجود الهمزة ابتداء في ~~اللغات الإفرنجية، لم يضعوا لها صورة بين حروفهم، فهم يقرءون همزة القطع ~~ولا يكتبونها، ويسقطونها في درج الكلام وليس عندهم علامة للوصل، فهمزة ~~القطع عندهم واردة فيما كان من كلماتهم مبدوءا بحركة، مثل : # on # أو # at # أو # it # فيلفظونها ولا يكتبونها، أي إنهم ~~استخدموا الحركة لأمرين: للهمز، وللحركة، وكان الحق أن نقرأ هذه الكلمات ~~بالإشمام، وهو عبارة عن الإشارة بالشفاه إلى ms033 الحركة من غير تصويت، أو ~~بالروم، وهو عبارة عن حركة مختلسة مخفاة (راجع الإشمام والروم في القاموس)، ~~أو كان يجب أن يضعوا قبل كل حركة في هذه الكلمات وغيرها حرفا يدل على ~~الهمز، كما نفعل نحن، فإننا نكتب كل كلمة من هذه الكلمات المتقدم ذكرها ~~بثلاثة أحرف، وهم يكتبونها بحرفين، فالكلمة الأولى نكتبها هكذا «أن» أي ~~بهمزة وضمة ونون. والكلمة الثانية هكذا «أت» أي بهمزة وفتحة وتاء، والكلمة ~~الثالثة هكذا «إت» أي بهمزة وكسرة وتاء ... بل هم إذا أرادوا أن يكتبوا كلمة ~~«سأل» العربية مثلا كتبوها هكذا # sa-al ~~، ~~فهذا الخط الصغير بين الحركتين ناب عندهم مناب الهمزة. # وأما همزة الوصل عندهم فهي ذات همزة القطع إذا وقعت في درج الكلام، فهم ~~يلفظون هذه الكلمات # put it on # موصولة معا ~~بدون أن تكون هناك علامة للوصل، كما كان يفعل العرب قبل أن اصطلحوا على ~~كتابة علامة الوصل، فتكون الحروف العربية من هذه الجهة أتم من الحروف ~~الإفرنجية ... والشأن هنا ليس في اختصار الكتابة بل في ضبطها، وما كان أحراهم ~~لو كانوا يتوخون الاختصار في الكتابة أن يتركوا الحروف الكثيرة التي ~~يكتبونها ولا يقرءونها - ولا سيما في اللغة الإنكليزية - بحجة ~~أنها كانت في وقت ما ملفوظة، فهي في كلماتهم كالأعضاء الأثرية في جسم ~~الحيوان. وكانت القراءة عندهم مع هذه الزيادات على طريقة «انظر وقل» # look and say # أي إنهم يقرءون بدون أن ~~يتنبهوا لكل حرف من حروف الكلمة؛ بل يرون لها صورة مجملة، كما أن من ينظر ~~إلى أخيه لا يدقق نظره في شكل عينيه وحاجبيه وتقاطيع وجهه، بل يرى له صورة ~~مجملة تنطبق على الصورة الكلية التي في ذهنه. ولسنا ننكر عليهم أن القارئ ~~الحاذق في كل لغة يقرأ الكلمات ولا يتهجى الحروف، فقد تكون الكلمة ~~مغلوطا فيها بزيادة أو نقصان فيقرؤها على الوجه الصحيح بدون أن يتنبه إلى ~~ما فيها من الغلط ، وهذا من غرائب النظر، فقد يصور لك الأشياء بغير صورتها، ~~يريك الصحيح خطأ، والخطأ صحيحا، والصغير كبيرا، والكبير ms034 صغيرا، وهذا ~~سر أكثر ما يقع من الأغلاط المطبعية. # ولا ننكر عليهم أيضا أن الكاتب في كل لغة يكتب الكلمات كما اعتادت ~~يده كتابتها لا كما يتهجاها. قد تسأل الإنكليزي كيف تتهجى الكلمة الفلانية ~~فلا يعرف إلا إذا أخذ قلما وكتبها بسرعة وإذا تمهل في الكتابة فقد يخطئ. ~~ولكن ذلك كله لا ينفي أن الكتابة المضبوطة أسهل تناولا وأضمن للصحة في ~~القراءة والإملاء؛ فالكتابة عندهم من هذه الجهة أشبه بالكتابة الصينية التي ~~هي كتابة أشكال ورموز يدل بها على المعاني المختلفة، لا كتابة حروف يتركب ~~منها لفظ الكلمات، وقد حاول الأمير «كيون» بتر هذه الأعضاء الأثرية من جسم ~~كلماتهم، ولكنهم لم يوفقوا. ويستثنى في اللغة العربية بعض كلمات تكتب ~~فيها بعض الحروف ولا تقرأ أو تقرأ ولا تكتب، وهي قليلة لا يعتد ~~بها. # وهناك فرق آخر، وهو أن همزة الوصل عندنا محصورة في مواطن معدودة، وأما ~~همزة الوصل عندهم، فهي كل همزة وقعت في درج الكلام كما رأيت، فلغتهم من هذا ~~القبيل كلغة قريش الذين كانوا يكرهون الهمزة، قال علي: «نزل ~~القرآن بلغة قريش، وليسوا بأصحاب نبر، ولولا أن جبريل ~~- عليه السلام - نزل بالهمزة على النبي # صلى الله عليه وسلم # ما ~~همزنا»؛ لأن للهمزة نبرة في الحلق تجري مجرى التهوع. وقد كاد ~~العرب أنفسهم يلغون كل همزة في درج الكلام، أي الهمزة الابتدائية إذا ~~سبقتها كلمة، وكل همزة في عرضه، أي الهمزة الواقعة في وسط الكلمة أو آخرها. ~~فقد وصلوها في مواطن الوصل المعروفة، وأجازوا للشاعر أن يصل همزة القطع عند ~~الضرورة، كأن يقول في «لو أن»: «لو ان». ولولا القليل لوصلوا كل همزة ~~في الشعر والنثر، وأوجبوا إبدالها إذا سكنت بعد همزة فإن كانت حركة الهمزة ~~الأولى فتحة أبدلت الثانية ألفا، نحو: «آثر»؛ فإن أصلها: «أأثر»، وإن ~~كانت ضمة أبدلت واوا، نحو: «أوثر»؛ فإن أصلها: «أؤثر»، وإن كانت كسرة ~~أبدلت ياء ، نحو: «إيثار»؛ فإن أصلها: «إئثار». وأجازوا فيها الإبدال ~~والتحقيق إذا انضمت الهمزة الثانية أو انكسرت وانفتح ما قبلها، ms035 فأجازوا في ~~مضارع «أم» أن تقول: «أؤم أوم»، وفي مضارع «أن» أن تقول: ~~«أئن وأين»، وفي جمع «إمام» أن تقول: «أئمة وأيمة» ... بل إذا ~~سكنت بعد غير الهمز فإن كان ما قبلها مفتوحا أبدلت ألفا، فتقول في «رأس»: ~~«راس»، وإن كان مضموما أبدلت واوا، فتقول في «سؤل»: «سول»، وإن كان ~~مكسورا أبدلت ياء، فتقول في «بئر»: «بير» ... بل أجازوا الإبدال والتحقيق ~~إذا تحركت بعد غير الهمزة، فقالوا في «تأمم»: «تيمم» أي: توضأ بالتراب، ~~والثانية أشيع وإن كانت الأولى هي الأصل، وقالوا في «قرأ»: «قرا»، وفي ~~«قرئ»: «قري»، وفي «التجرؤ»: «التجري» كأنه مصدر «تجرى» لا «تجرأ»، ~~وبسبب ذلك كانت القاعدة الغالبة لكتابة الهمزة «أن تكتب بحسب (ما تلين)» أي ~~إذا كانت تلين بالواو كتبت على واو، أو بالألف كتبت على ألف، أو بالياء ~~كتبت على ياء. # وكل همزة على ألف أو واو أو ياء تهمز وتلين على الغالب، فهي على أشكالها ~~هذه مثل التاء المربوطة التي يجوز فيها أمران: إما أن تكون تاء، وأن تكون ~~هاء. ولولا القليل لوجب إبدال الهمزة وبطل تحقيقها في كل المواطن التي ~~ذكرناها. وقد أجازوا قصر كل ممدود، فقالوا في «سماء»: «سما»، وفي «حمراء»: ~~«حمرا»؛ بل قد ابتدأ إلغاء الهمزة في عرض الكلام في غير المواطن السابقة، ~~من ذلك قولهم: «سل ولا تسل» بدلا من: «اسأل ولا تسأل»، وقولهم في مضارع ~~«رأى» وأمره: «يرى ر» بدلا من: «يرأى إرأ» على الأصل، مثل: «نأى ~~ينأى إنأ»، وقولهم في الأمر من «أكل وأخذ وأمر»: «كل وخذ ومر» ~~بإسقاط الهمزتين معا: همزة الأمر، وهمزة الفعل. ومن ذلك أنهم أجازوا حذف ~~همزة التسوية فتقول: «سواء علي أكان كذا أم كذا» بالهمزة، و«سواء علي ~~كان كذا أم كذا» بدونها ... # وقد كانت قريش تنطق بالهمزة حرفا بين الهمزة وبين حرف حركتها ويسمى هذا ~~الحرف «بين بين» ... فأنت ترى من كل ما أوردته لك من الأمثلة أن اللغة ~~كانت تتدرج إلى إلغاء الهمز في درج الكلام أو عرضه، إما بالوصل، وإما ~~بالإبدال، وإما ms036 بالحذف، كما وقع في اللغة العربية العامية إلا قليلا. ~~واندثار بعض الأصوات في اللغات مألوف، فهذه اللغة الآشورية السامية ~~يقال إنها فقدت حروفها الحلقية منذ أربعة آلاف سنة. ~~(7) # أن لكل حرف في اللغة العربية صوتا خاصا له لا يتغير، كما أن لكل ~~صوت حرفا خاصا له يدل عليه؛ إذ إن الأصل في الخط العربي أن يكون مطابقا ~~للفظ فتكتب كل كلمة كما ينطق بها، وينطق بها كما تكتب، بخلاف بعض اللغات ~~الإفرنجية التي تصور الصوت الواحد بصور عديدة، فصوت الكاف يصور عندهم ~~تارة بحرف # k ~~، وتارة بحرف # q ~~، وتارة بحرف # c ~~، وتارة بحرف # x # ممزوجا بحرف # s ~~، أو تجعل للحرف الواحد أصواتا ~~عديدة، مثل حرف # s ~~؛ فإنه ينطق به في بعض ~~الكلمات سينا، وفي غيرها شينا، وفي غيرها زايا، وفي غيرها صادا. ~~(8) # ومن مزايا الحروف العربية أن للصوت المفخم فيها صورة خاصة ~~له، وللصوت الرقيق صورة أخرى، مثل: السين والصاد، والتاء والطاء، والدال ~~والضاد، والذال والظاء، والكاف والقاف، بخلاف اللغات الإفرنجية؛ فإن في ~~بعضها حركات مفخمة وحركات رقيقة توضع بعد الحرف فيفخم أو ~~يرقق كما في اللغة الروسية، وأما في غيرها فلا تجد إلا حرفا ~~واحدا يستعمل تارة مفخما وتارة رقيقا بدون ضابط، فحرف # s # في الإنكليزية قد يكون رقيقا؛ مثله ~~في: # sow ~~، وقد يكون مفخما؛ مثله في # saw ~~، وحرف # d # قد يكون رقيقا؛ مثله في # do ~~، وقد يكون مفخما؛ مثله في: # doll ~~، وعليه فليس العرب وحدهم هم ~~الناطقين بالضاد. وحرف # L # قد يكون رقيقا؛ ~~مثله في: # low ~~، وقد يكون مفخما؛ مثله في: # law ~~. وحرف # c # الذي يكون في بعض الكلمات كافا، قد ~~يكون رقيقا؛ مثله في: # cold ~~، وقد يكون ~~مفخما؛ مثله في: # called ~~. وحرف # t # قد يكون رقيقا؛ مثله في: # tell ~~، وقد يكون مفخما؛ مثله في: # tall ~~. ~~(9) # في اللغة العربية صور معلومة للحركات الطويلة وصور أخرى ~~للحركات القصيرة، على حين لا تجد في بعض اللغات الأخرى قياسا مطردا ~~للحركات الطويلة والقصيرة فيها، فقد يضاعفون الحركة في اللغة ~~الإنكليزية بقصد ms037 تطويلها، مثل : # food ~~، ~~ولكنهم قد يقصرونها مع مضاعفتها، مثل: # foot ~~، فضلا عن أن الحركة الواحدة؛ مثل: # a # قد تستعمل مثل # o ~~، كما في قولهم: # tall ~~، وقد تستعمل على لفظها في مثل هذا ~~التركيب، كما في # shall # وغير ذلك. ~~(10) # لعل الحروف العربية أجمل، وقد حلت في التمدن الإسلامي محل التصوير ~~والنقش من الفنون الجميلة، فزينوا بها أبنيتهم ورياشهم وآنيتهم وأسلحتهم ~~وأعلامهم، ومن زار الحمراء في إسبانيا رأى من الزخارف الكتابية على جدرانها ~~ما يروعه ويغترق بصره؛ لأن الحروف العربية تتألف من كل الأشكال؛ ففيها ~~الخطوط المنحنية والمستقيمة والمستديرة والبيضية والهرمية والمجوفة ~~والمحدبة والقوسية والمستنة والطويلة والقصيرة والذاهبة صعدا أو نزولا، ~~متصلة أو منفصلة، فوقها أو تحتها من النقط والحركات والشدات ~~والتنوينات والمدات وهمزات الوصل والقطع مما لا تشبهها فيه لغة ~~أخرى، وقد كانوا في قديم الزمان يلونون كتابتهم بألوان مختلفة، فالسواد ~~للحروف، والحمرة للشكل، والصفرة للهمزات، والخضرة لألفات الوصل فيخالها ~~الرائي قطع الرياض أو قطع الفسيفساء. يقال إنهم في بعض مدن أوروبا في ~~الأجيال الوسطى بنوا كنيسة على طراز شرقي، وإذ أحبوا أن يزينوا جدرانها ~~على الطريقة الشرقية نقلوا فيما نقلوه من الزخارف أسماء الصحابة وهم ~~يحسبونها زخارف ورسوما، فكنت ترى على جدران تلك الكنيسة اسم علي ~~وحمزة وأبي بكر وغيرهم كأنها من أسماء قديسيها؛ بل قد استخدم الشعراء ~~بعض الحروف العربية في غزلهم على سبيل التشبيه، فشبهوا القامة الهيفاء ~~بالألف، وعطفة الصدغ بالهمزة، والعارض باللام، والحاجب بالنون، والطرة ~~المصففة من الشعر بالسين الواقعة غير طرف؛ لأنها تستوي على شكلها، وغير ~~ذلك. ~~(11) # من الفروق بيننا وبينهم أن الإفرنج قد يكتبون نصف الكلمة أو جزءا منها ~~في آخر السطر والجزء الآخر في أول السطر الذي يليه، وهذا مكروه في ~~اللغة العربية، حتى الواو فإنهم يحسبونها جزءا من الكلمة فلا ~~يفصلونها؛ بل كرهوا فصل المضاف عن المضاف إليه. # البحث الثالث: تاريخ الحروف الهجائية وتطورها # لم يصل الخط إلى ما هو عليه الآن إلا بعد أن قطع أربعة أدوار: ~~(1) # دور التصوير الذاتي: كانت تصور ms038 فيه الحوادث والأشياء التي تقبل التصوير، ~~فكانوا إذا أرادوا أن يكتبوا مثلا كلمة «أسد» صوروا أسدا، أو كلمة «وردة» ~~صوروا وردة. ~~(2) # دور التصوير الرمزي: اصطلحوا فيه على اتخاذ رموز للمعاني التي لا يمكن ~~تصويرها، كأن يرمز عن المحبة بالحمامة، وعن البغض بالحية. ~~(3) # الدور المقطعي: وتدل فيه الصورة على أول مقطع من اسمها، أي إن الشكل ~~الواحد بعد أن كان يدل على كلمة في الدور التصويري الأول استعمل في هذا ~~الدور للدلالة على حرف وحركة معا، فصورة الحصان التي كانت تدل على حصان ~~استعملت للدلالة على مقطع مؤلف من حاء مكسورة، وصورة الغراب التي كانت تدل ~~على غراب استعملت للدلالة على مقطع مؤلف من غين مضمومة مثلا، ولعل كتابة ~~الهمزة عندنا على الألف والواو والياء - فتفتح مع الألف بدون أن تكون هناك ~~فتحة، وتضم مع الواو بدون أن تكون هناك ضمة، وتكسر مع الياء بدون أن تكون ~~هناك كسرة - من الأشكال المقطعية. ~~(4) # الدور الهجائي: استعملوا فيه المقاطع حروفا مستقلة، فصورة الحصان التي ~~كانت تدل على حاء مكسورة مثلا في الدور المقطعي استعملت في هذا الدور ~~للدلالة على الحاء الساكنة، وهو أقل الأدوار أشكالا وأسهلها ~~استعمالا. # والفضل في وضع الحروف الهجائية راجع إلى الفينيقيين، وإذا كانت الكتابة هي الجسر الذي ~~مرت عليه الإنسانية من الهمجية إلى المدنية، كان الفينيقيون أهم سبب في تمدن ~~أكثر أمم الأرض، وإذا صح رأي فريق من المؤرخين أنهم من العرب أبناء إسماعيل بن ~~إبرهيم كان للعرب اليد البيضاء - التي لا تؤدى - على الإنسانية جمعاء. ~~••• # لا شك أن الكتابة في أدوارها الأولى كانت مقروءة من تلقاء نفسها، حتى في أول الدور ~~الهجائي؛ لأن العلاقة بين الأصوات والنقوش الموضوعة لها كانت معقولة واضحة، فكان كل ~~الناس قراء، ولكن تلك العلاقة لم تلبث في الدور الهجائي أن أخذت تخفى شيئا ~~فشيئا إلى أن أصبحت دلالة النقش على الصوت اعتباطية، وعادت الحروف الهجائية لا ~~تؤخذ إلا بالدرس، فانقسم الناس بسبب ذلك إلى أميين ومتعلمين. ~~••• # الحروف المعروفة اليوم، أصلها فينيقي بدليلين: الأول؛ ms039 أن أسماءها لا ~~تزال إلى اليوم فينيقية، بعضها بلفظه الأصلي، وبعضها بتصرف قليل، والثاني؛ أن أكثر ~~أشكالها تكاد تشبه الأشكال الفينيقية. ولا شك أننا استعملنا الحروف الفينيقية بعينها ~~لأول عهدنا بالكتابة، ثم مع توالي الأيام تغيرت حروفنا شيئا فشيئا حتى بعد الشبه ~~بينها وبين الحروف الفينيقية، وليس من السهل تتبع هذا التغير؛ فنكتفي بالإشارة إلى شيء ~~منه على قدر ما تيسر لنا من الأشكال عند الطبع. # من ذلك الألف والواو والياء؛ فقد كانت الألف في الأصل تكتب على شكل يشبه رأس ثور حسب ~~أصل كتابتها في القلم الهيروغليفي، وكانت الواو والياء تكتبان على شكلين آخرين لم نوفق ~~إلى صورة لكل منهما عند الطبع، فاستبدلوا أشكالها هذه بأشكالها المعروفة، والذي يخطر ~~لنا أنهم راعوا في هذا الإبدال شكل الفم عند التلفظ بها، فجعلوا الألف خطا عموديا ~~هكذا «ا»؛ لتكون فتحة الفم عمودية، وجعلوا الواو على شكل دائرة؛ ليكون الفم عند قراءتها ~~مضموما، وهي تشبه حرف # o # الإفرنجية في الخط، إلا أننا ~~زدنا لها ذنبا، ولعله كان قصيرا في أول عهده ثم طولناه حسب عادتنا من مشق الحروف ~~ومطها في أواخرها عند الإسراع في كتابتها؛ بل إن الإفرنج أنفسهم يضعون مثل هذا الذنب ~~لحرف # o ~~، ولكن الفرق بيننا وبينهم أن الذنب عندنا في ~~ذيل حرفنا والذنب عندهم في رأس حرفهم، وجعلوا الياء على صورة دائرة مستطيلة عرضا ~~لتكون على شكل الفم عند قراءتها، ثم فتحوها قليلا من الأعلى وجعلوا لها منقارا، ~~ووضعوا نقطتين تحتها للتزيين أو ليميزوها عن غيرها. فإذا صح استنتاجنا كانت الألف ~~والواو والياء من أدل الحروف على شكل الفم؛ بل كانت مقروءة من تلقاء نفسها. # ثم إن هناك أحرفا أخرى نقلوها عن شكلها الفينيقي إلى شكل آخر، صوروا به شكل ~~الفم، وهي: الباء والتاء والثاء والنون، فإن الباء والتاء والثاء تشبه الفم المطبق، وهو ~~يكاد يكون كذلك عند التلفظ بها، إلا أنه ينفرج قليلا جدا عند خروج الصوت، وقد كانوا ~~يعتمدون في التمييز بينها على ما يقتضيه المعنى، ثم ms040 ميزوا بينها بالنقط، ولعلهم ~~اختاروا أن تكون نقطة الباء من تحتها؛ إشارة إلى حركة الشفة السفلى عند التلفظ بها، ~~ووضعوا للتاء نقطتين فوقها إما لمجرد التمييز وإما إشارة إلى إظهار سنين عند التلفظ ~~بها، والنقط تشبه الأسنان. وميزوا الثاء بثلاث نقط؛ إشارة إلى إظهار طرف اللسان بين ~~الأسنان العليا والسفلى. وأما النون فهي تشبه غار الفم، وقد جعلوا في وسطها نقطة؛ ~~إشارة إلى التصاق طرف اللسان بأعلى الحنك عند التلفظ بها، وهي تشبه النون السامرية ~~إلا أنهم يكتبونها بالطول هكذا # ࠍ # على شكل الفم عند التلفظ بها، ونحن نكتبها بالعرض. وأصل ~~كتابة حرف «نون» في اللغة الفينيقية واللغة اليونانية القديمة على شكل أشبه ~~بالحرف نفسه في اللغات الإفرنجية إذا كان مكتوبا لا مطبوعا. ومن الاتفاق الغريب أن ~~الاصطلاح الأخير في كتابتها ردها إلى أصلها؛ إذ يكتبونها اليوم هكذا ن. # وهناك حروف نقلناها عن اللغة الفينيقية بعد أن جعلنا أعلاها أسفلها، مثل الكاف؛ ~~فهي في اللغة الفينيقية هكذا # 𐤊 # فقلبناها وكتبناها هكذا «ك»، وأما الإفرنج فقد غيروا ~~هذا الحرف من جهتين؛ أولا: جعلوا أعلاه أسفله، ثم جعلوا يمينه يساره، فجاء هكذا: # k ~~. # ومن الحروف ما غيرنا جهة كتابته من اليسار إلى اليمين؛ مثل اللام، فهي في اللغة ~~الفينيقية واليونانية القديمة هكذا # L # على صورتها في ~~اللغات الإفرنجية اليوم فغيرنا جهتها وكتبناها هكذا «ل». # ومن الحروف ما غيرناه من الوضع العمودي إلى الوضع الأفقي؛ مثل الياء، فإنها تكاد تشبه ~~الياء في اللغة اليونانية القديمة، إلا أنهم كانوا يكتبونها هكذا # ʎ ~~، فقلبناها وكتبناها هكذا «ي»، وأما ~~الإفرنج فجعلوها عمودية هكذا # ʏ ~~. # وأما حرف العين فقد كان في أصله دائرة تشبه حاسة البصر، ولا نزال نكتبه كذلك ~~إلا أنه إذا وقع طرفا زدنا له نصف دائرة مستطيلة على شكل نصف دائرة الوجه لتكون قرينة ~~على أننا نقصد به العين التي هي حاسة البصر، وهو من الحروف التصويرية الواضحة في ~~لغتنا. # وقد كان هذا التغيير من أعلى لأسفل أو من اليسار إلى اليمين أو من ms041 العمودية إلى ~~الأفقية تسهيلا للكتابة؛ لأننا نبتدئ من الجهة اليمنى. ~~••• # كانت حروفنا في أصل وضعها منفصلة فجعلناها مع الأيام متصلة إلا «الألف، والواو، ~~والدال، والذال، والراء، والزاي»؛ فإنها لا تزال إلى اليوم تكتب منفصلة عما بعدها. ~~وكانت مهملة - أي بدون تنقيط - فأعجمناها - أي نقطناها - والهمزة في «أعجم» للسلب - ~~أي أزلنا عجمتها وإبهامها - فإذا كان التنقيط حادثا في العربية، فالحروف التي وضعت ~~في الأصل لم تكن تسعة وعشرين أو ثمانية وعشرين، ولكنها كانت تسعة عشر أو ~~ثمانية عشر شكلا على عدد أشكالها بدون تنقيط، فكيف تكفي هذه الأشكال القليلة ~~لكتابة اللغة؟ استخدموا الشكل الواحد لعدة أغراض. # استخدموا الألف همزة وحركة طويلة وحركة ممدودة، واستخدموا الواو والياء حركتين ~~طويلتين وحركتين ممدودتين وحرفين. # واستخدموا الألف والواو والياء حركات قصيرة - أي بدلا من الضمة، والفتحة، والكسرة - ~~ولعل الواو في «أولئك» وفي «عمرو» من آثار ذلك العهد. ومن العجيب أنهم عادوا فاستعملوا ~~الحركات القصيرة بدلا من الطويلة في مثل: «إسحق»، و«إبرهيم»، و«الرحمن»، و«سليمن»، ~~و«السموات»، و«الملئكة»، و«رؤس»، و«أنبؤني»، و«إياي فارهبون» - أي فارهبوني - وغير ~~ذلك. # واستخدموا شكل الباء ل «الباء، والتاء، والثاء»، وللياء إذا وقعت أولا أو ~~وسطا. # وشكل الجيم ل «الجيم، والحاء، والخاء». # وشكل السين ل «السين، والشين». # وشكل الصاد ل «الصاد، والضاد». # وشكل الطاء ل «الطاء، والظاء». # وشكل العين ل «العين، والغين». # وشكل الفاء ل «الفاء، والقاف». # ومع ما في ذلك من الصعوبة فإنهم كانوا يقرءون ويكتبون، فما أشبه كتابتهم في أول عهدها ~~بكتابة هذا العصر التي يسمونها بالخط المختزل، والتاريخ يعيد نفسه. # | النحو1 # نقل الشيخ بدر الدين الزركشي في قواعده عن بعض المشايخ أنه كان يقول: ~~العلوم ثلاثة: «علم نضج وما احترق، وهو علم الأصول والنحو، وعلم لا ~~نضج ولا احترق، وهو علم البيان والتفسير، وعلم نضج واحترق، ~~وهو علم الفقه والحديث.» فعلم النحو هو من العلوم التي نضجت وما احترقت، فإذا ~~استقريت كلام العرب فلا تجد أداة أو حرفا أو حالة من حالات الكلمة في الجملة إلا استنبط ~~لها النحاة حكما ترجع إليه، ms042 فإذا كان الاسم مرفوعا أو منصوبا أو مخفوضا مثلا فلا ~~يخرج عن حكم المرفوعات أو المنصوبات أو المخفوضات التي نصوا عليها. # وما هو النحو؟ هو فن الإعراب والبناء، قال القدماء: «النحو في الاصطلاح ~~هو العلم المستخرج بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام ~~العرب الموصلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها.» # وقال المتأخرون: «هو علم يبحث فيه عن أحوال أواخر الكلم ~~إعرابا وبناء.» # وما هي فائدته؟ قال النحاة: إن فائدته التحرز من الخطأ، وقال ابن الوردي: # جمل المنطق بالنحو فمن # يحرم الإعراب بالنطق اختبل # أي إن فائدته ليست في نفسه؛ بل في تجميل المنطق والتحرز من الخطأ، وبعبارة أخرى في إقامة ~~الملكة العربية. ولكنهم تدرجوا فيه من العناية به إلى الإخصاء فيه إلى اعتباره غاية ~~يطلب لنفسه، فخصصوا له مدارس لا يعلم فيها غيره، منها المدرسة ~~النحوية في جوار المسجد الأقصى في القدس؛ بل كان هو الغاية من كل دروس اللغة ~~والأدب، وما من كتاب أو شعر أو قول أو مثل أو حديث شرحوه إلا عنوا بإعرابه ~~وتطبيقه على قوانين النحو؛ بل ما من كتاب في اللغة أو الشعر أو الأدب أو الأخبار أو ~~التفسير أو غير ذلك حتى مما لا علاقة له باللغة إلا وفيه نحو؛ بل قد تجد من دقائق ~~النحو في غير كتب النحو ما لا تجده في أمهات كتبه. وما من علم شاعت اصطلاحاته ~~وأمثاله ولغته على ألسنة الناس حتى الأميين منهم مثل علم النحو، من ذلك أنهم ~~إذا أرادوا أن يقولوا: «ليس إلى هذا الشيء حاجة» قالوا: «لا محل له من الإعراب»، وإذا ~~أرادوا أن يقولوا: «فات الشيء» قالوا: «أصبح في خبر كان»، وإذا أرادوا أن يقولوا: «وغير ~~ذلك»، قالوا: «وهلم جرا» أو «وقس عليه ما ورد». # وقوانين النحو كانت في أصلها قليلة على قدر ما دعت إليه الحاجة لأول عهد الملكة بالفساد، ~~ثم توسعوا في الاستنباط إلى ما تقتضيه الصناعة لا الحاجة، ثم خرجوا بها إلى مماحكات لا طائل ~~تحتها، مما أوشك به علم النحو ms043 بعد نضجه أن يحترق. # إذن كان النحو آلة فأصبح غاية، وكانت قوانينه على قدر ما تقتضيه الحاجة فتوسعوا فيها إلى ~~ما لا تقتضيه، وقد كان الغرض منه على اعتباره آلة، وعلى الوقوف به عند حد الحاجة - إقامة ~~الملكة كما تقدم، وكان ذلك لأن اللغة بملكتها تبقى ببقائها وتفسد بفسادها وتذهب ~~بذهابها، ولا يغني اللغة إذا ذهبت ملكتها أن يكون لها ألفاظ ومعاجم ألفاظ؛ فإن الألفاظ ~~تقل وتكثر وتتطور، يندثر منها ما يندثر، ويتولد فيها ما تقتضيه الحاجة ويتحول عن معناه منها ~~ما يتحول، فإذا بقيت الملكة فاللغة باقية قلت ألفاظها أم كثرت، وتحولت عن معانيها أم لم ~~تتحول. ألا ترى أن ملكة الطفل في اللغة العامية مثل ملكة الرجل ~~فيها على اختلاف في مقدار ألفاظهما؟! ولما كان العرب حريصين على ملكتهم - وحقهم أن ~~يكونوا حريصين عليها - استنبطوا قوانينها ومقاييسها ووضعوا حدودها إلى ما لم يجارهم فيه ~~أحد، حتى إذا تحيفتها الركاكة وطغت عليها العجمة توصلوا بتلك القوانين إلى إصلاح ما ~~فسد منها وإرجاعها إلى أصلها. # ولكن ما هو أثر هذه القوانين في تلك الملكة؟ هذا ما يجب أن نستدعي الانتباه ~~إليه. # قال ابن خلدون: «إن العلم بقواعد الإعراب إنما هو علم بكيفية العمل وليس ~~هو نفس العمل؛ ولذلك نجد كثيرا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة ~~العربية المحيطين بتلك القوانين إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ~~ذي مودته، أو شكوى ظلامة، أو قصد من قصوده، أخطأ فيها عن الصواب، ~~وأكثر من اللحن، ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب ~~اللسان العربي. وكذا نجد من يحسن هذه الملكة ويجيد الفنين في ~~المنظوم والمنثور وهو لا يحسن إعراب الفاعل من المفعول، ولا المرفوع من المجرور، ~~ولا شيئا من قوانين صناعة العربية، فمن هذا تعلم أن تلك الملكة هي غير ~~صناعة العربية، وأنها مستغنية عنها بالجملة. وقد تجد بعض المهرة في صناعة الإعراب ~~بصيرا بحال هذه الملكة وهو قليل واتفاقي.» # هذا ما قاله ابن خلدون، فالأنواع ثلاثة: من ms044 يحسن الملكة ولا يحسن الصناعة، ~~ومن يحسن الصناعة ولا يحسن الملكة، ومن يحسن الملكة والصناعة معا. وفي ~~الحقيقة أن النوع الثالث - على كونه قليلا واتفاقيا - هو من النوع الأول في إحسان ~~الملكة، ومن النوع الثاني في إحسان الصناعة، لا نوع قائم بنفسه ولا أثر لإحسانه ~~الواحدة في إحسانه الأخرى، وإلا فلماذا لا يحسن الملكة من يحسن الصناعة؟! ولا ~~يحسن الصناعة من يحسن الملكة؟! وقد بين ابن خلدون سبب إحسان القليلين ~~الملكة والصناعة معا بقوله: # أكثر ما يقع ذلك للمخالطين لكتاب سيبويه، فإنه لم يقتصر على قوانين الإعراب فقط؛ ~~بل ملأ كتابه من أمثال العرب وشواهد أشعارهم وعباراتهم، فكان فيه جزء صالح من تعلم ~~هذه الملكة، فتجد العاكف عليه والمحصل له قد حصل على حظ من كلام العرب ~~واندرج في محفوظه في أماكنه ومفاصل حاجاته وتنبه به لشأن الملكة، فاستوفى تعلمها ~~فكان أبلغ في الإفادة. # أي إنه تعلم الملكة على حدة من مخالطته لما جاء في الكتاب من كلام العرب، وتعلم ~~الصناعة على حدة مما جاء في الكتاب من قوانين الإعراب، فلو خلا الكتاب من قوانين ~~الإعراب لما أثر ذلك على الملكة شيئا، فالملكة إذن مستغنية عن الصناعة، ولا ~~أثر للصناعة فيها. ~~••• # إن العناية بقوانين اللغة مذهب قديم جدا، أخذه المتأخرون عن المتقدمين على سبيل ~~التقليد أو العدوى، فالعرب حين خالطوا السريان في العراق اطلعوا على آدابهم، وفي جملتها ~~النحو، فأعجبهم فنسجوا على منواله، يؤيد ذلك أن العرب بدءوا بوضع علم النحو وهم في العراق ~~بين السريان والكلدان، وأقسام الكلام في العربية مثلها في السريانية، كما قال زيدان. ~~والإفرنج نسجوا على منوال اللغتين اللاتينية واليونانية، واقتبسوا اصطلاحاتهما، فهي لا تزال ~~غريبة عن لغاتهم إلى اليوم، ولا يفهمها تلميذهم إلا إذا ترجمت إلى لغته؛ بل لا يزال في ~~أحكام اللغات الإفرنجية الحديثة ما لا ينطبق عليها؛ مثل حالات الاسم بين أن يكون ~~مسندا إليه # Nominative # أو مضافا إليه # possessive # أو مجرورا # Dative # أو مفعولا به # objective # أو ~~منادى # Vocative ~~، ولا علامات إعرابية ms045 لتلك الحالات ~~عندهم إلا في الإضافة، ولا يتغير في بعض هذه الحالات إلا الضمير . ومن العجب أنهم يسمون ~~الحالة الأولى في الإنكليزية رفعا # Upright ~~... خفضا # Falling # حسب اصطلاح العرب؛ بل إن مصيبة الإفرنج أعظم؛ فإن ~~الأديب عندهم لا يعول على أدبه إلا إذا درس مع لغته اللغتين اللاتينية واليونانية، يتعلم ~~ثلاث لغات ليكون أديبا في واحدة. ~~••• # قلنا إن العرب نسجوا على منوال السريان، وقد مر عليهم بعد وضع علم النحو دوران: في ~~الدور الأول جمعوا بين القوانين والشواهد من كلام العرب، وعلى هذا الأسلوب جرى سيبويه في ~~كتابه كما رأيت. وكان هذا أسلوب أهل الأندلس، قال ابن خلدون: «وأهل صناعة العربية ~~بالأندلس ومعلموها أقرب إلى تحصيل هذه الملكة وتعليمها من سواهم؛ لقيامهم فيها ~~على شواهد العرب وأمثالهم، والتفقه في الكثير من التراكيب في مجالس تعليمهم، فيسبق إلى ~~المبتدئ كثير من الملكة أثناء التعلم فتنقطع النفس لها وتستعد إلى تحصيلها ~~وقبولها»، وقد كان هذا أسلوب أهل الشرق أيضا لعهد الدولة الأموية والعباسية كما ~~قال ابن خلدون في موضع آخر. # فالذين يتفقهون في كلام العرب في هذا الدور أحسنوا الملكة، والذين انصرفوا إلى ~~القوانين أحسنوا الصناعة، والذين عنوا بالأمرين أحسنوا الملكة والصناعة ~~معا. # وفي الدور الثاني اقتصروا على القوانين وجردوا كتبهم من أشعار العرب وكلامهم، ~~وهو أسلوب أهل المغرب وإفريقية وغيرهم. قال ابن خلدون: «أما من سواهم - أي سوى أهل ~~الأندلس - من أهل المغرب وإفريقية وغيرهم فأجروا صناعة العربية مجرى العلوم بحثا، وقطعوا ~~النظر عن التفقه في تراكيب كلام العرب - إلا إن أعربوا شاهدا أو رجحوا مذهبا من جهة ~~الاقتضاء الذهني لا من جهة محامل اللسان وتراكيبه - فأصبحت صناعة العربية كأنها من جملة ~~قوانين المنطق العقلية أو الجدل، وبعدت عن مناحي اللسان وملكته، وما ذلك إلا ~~لعدولهم عن البحث في شواهد اللسان وتراكيبه، وتمييز أساليبه، وغفلتهم عن المران في ذلك ~~للمتعلم، فهو أحسن ما تفيده الملكة في اللسان. وتلك القوانين إنما هي وسائل للتعليم، ~~لكنهم أجروها على غير ما قصد بها، وأصاروها ms046 علما بحتا، وبعدوا عن ثمرتها.» # وعن أهل المغرب وإفريقية أخذنا هذا الأسلوب الذي نتبعه اليوم فتعلقنا بالصناعة وأهملنا ~~الملكة. ~~••• # ما كان أغنى المتأخرين من عرب وإفرنج عن تقليد المتقدمين من سريان وكلدان ولاتين ويونان ~~في التعلق بهذه القوانين على غير حاجة، وما كان أحراهم إذا أرادوا إقامة ملكاتهم أن ~~يفتشوا عن أسلوب آخر؛ بل ما كان أحرانا في هذا العصر إذا لم يكن بد من النسج على ~~منوال المتقدمين أن نأخذ الأسلوب الأندلسي على الأقل لا الأسلوب المغربي، ثم بدلا من أن ~~نجرده من أشعار العرب وأمثالهم وشواهد كلامهم ونقتصر فيه على قوانين الإعراب كما ~~فعل أهل المغرب، فنحصل على علم اللسان صناعة، نجري فيه على عكس ذلك أي نجرده من ~~القوانين ونقتصر على الشواهد فنحصل على علم اللسان ملكة ... وهذا هو الأسلوب الذي ~~أشار به ابن خلدون فيلسوف العرب وأستاذهم الأكبر في مواطن كثيرة من مقدمته، وإليك ما قاله ~~في بعض تلك المواطن: # إن اللغات لما كانت ملكات كان تعلمها ممكنا شأن سائر الملكات، ~~ووجه التعلم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم ~~القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث وكلام السلف ومخاطبات فحول العرب في ~~أسجاعهم وأشعارهم وكلمات المولدين أيضا في سائر فنونهم، حتى يتنزل - لكثرة حفظه ~~لكلامهم من المنظوم والمنثور - منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم، ~~ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عباراتهم وتأليف كلماتهم وما ~~وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم، فتحل له الملكة بهذا الحفظ ~~والاستعمال، ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوة، ويحتاج مع ذلك إلى سلامة الطبع ~~والتفهم الحسن لمنازع العرب وأساليبهم في التراكيب ومراعاة التطبيق بينهما ~~وبين مقتضيات الأحوال، والذوق يشهد بذلك، وهو ينشأ ما بين هذه الملكة والطبع ~~السليم فيهما، وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع نظما ~~ونثرا، ومن حصل على هذه الملكات فقد حصل على لغة مضر، وهو الناقد ~~البصير بالبلاغة فيها، وهكذا ينبغي أن يكون تعلمها. # وقال ms047 في موضع آخر: # تعلم مما قررناه في هذا الباب أن حصول ملكة اللسان العربي إنما هو بكثرة ~~الحفظ من كلام العرب، حتى يرتسم في خياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم ~~فينسج هو عليه ويتنزل بذلك منزلة من نشأ بينهم وخالط عباراتهم في كلامهم حتى حصلت ~~له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم. # هذا رأي ابن خلدون، وبذلك تكون الأساليب ثلاثة: الأسلوب الأندلسي، والأسلوب المغربي، ~~والأسلوب الخلدوني، وغرضنا في هذا المقال الدعوة إلى الأسلوب الخلدوني. ~~••• # إذا كان غرضنا إقامة الملكة بعد أن فسدت؛ بل إحياءها بعد أن فقدت، فأحسن الطرق ~~وأقربها أن نخاطب المبتدئين باللغة الصحيحة رأسا، وأن نحرص على أن نجعلهم لا يقرءون من ~~الكتب ولا يحفظون من كلام السلف والمولدين إلا ما كانت ملكته صحيحة لا تتنازعها ركاكة ~~أو عجمة، وأن نمرنهم كثيرا على الكتابة، وأن نقوم ما انآد من عباراتهم في القراءة ~~والكتابة والكلام قياسا على كلام العرب لا على قوانين اللغة، فنقول: «قال الرجل» بالضم ~~قياسا على «قال النبي»، و«قال الأحنف»، و«قال المهلب». ونقول: «النهار جميل» برفع ~~الاثنين قياسا على قولهم: «العلم زين»، و«الصدق عز والكذب خضوع»، و«الخير عادة ~~والشر لجاجة»، وإذا أخطأ أحدهم أرشدناه أو قلنا لرفاقه: «أرشدوا أخاكم فقد ضل» ... وعلى ~~الجملة أن نعلمهم اللغة كما يتعلم الطفل لغة أمه فهو يسمعها، ثم يألفها، ثم ~~يفهمها، ثم يتكلمها بدون أن تعلمه أمه قوانين اللغة، وبدون أن تفسر له ألفاظها أو ~~تترجمها. قد يخل بالأسلوب في أول أمره، كما قد يسيء التلفظ ببعض حروفه، ولكنه لا يلبث أن ~~يهتدي إلى الصواب بحكم التقليد وبضرورة أن يكون مفهوما؛ بل كما يتعلم الطفل ابتسامات ~~أمه وحركاتها وإشاراتها، وكما يتعلم أن يلبس وأن يمشي وأن يغني، إلى غير ذلك مما يأخذه ~~بالتقليد والتمرن، وهي نفس الطريقة التي بها يتعلم كل أجنبي لغة أمه، فهو يحسن ~~ملكتها قبل أن يعرف شيئا من أحكامها. # وفي اللغات الأجنبية ما هو أصعب من اللغة العربية كثيرا؛ مثل اللغة الروسية ~~والألمانية؛ ms048 فإن فيها من التصاريف وتعدد الحالات على الاسم والشذوذ ما لا يذكر بجانبه ما في ~~اللغة العربية منه. # وإذا تعلم الأجنبي قوانين لغته فليس عن حاجة إليها، ولا لإحسان ملكته، ولكنه إنما ~~يتعلمها تبعا للعادة، أو لما قد يكون في درس هذه القوانين من ترويض للعقل؛ ولذلك سمي ~~النحو في اللغات الإفرنجية منطق اللغة أو إقليدس اللغة. وقد رأيت أن ابن خلدون ~~قال في كلامه عن الأسلوب المغربي الذي مر ذكره: «إن صناعة العربية أصبحت من جملة قوانين ~~المنطق العقلية أو الجدل» ولكن رياضة العقل فيما لا تدعو إليه حاجة إسراف في غير محله. ~~وكم نجد في اللغات الأجنبية من كبار الكتاب والشعراء والخطباء من لم يتعلموا ~~شيئا من قوانين لغاتهم، وهي نفس الطريقة التي كان العرب يأخذون بها لغتهم قبل وضع علم ~~النحو، فكم نبغ في الأمة العربية في ذلك العهد من الشعراء والخطباء، وبينهم من لم يكن ~~يعرف القراءة ولا الكتابة، مثل: المتلمس، والفرزدق، وذي الرمة وغيرهم، وهم هم الذين من ~~أقوالهم استخرج النحاة أحكام النحو، وبأقوالهم لا يزالون يحتجون. # وعلى هذه الطريقة جرى كثيرون بعد وضع علم النحو من قديم الزمان إلى اليوم وبينهم من ~~لم يكونوا في أول نشأتهم من أهل العلم والأدب؛ بل كانوا يتعاطون أعمالا يدوية مثل سري ~~الرفاء، الذي نبغ في الشعر على عهد سيف الدولة وهو يرفو ويطرز في دكانه. ومن الذين جروا ~~على هذه الطريقة في عصرنا هذا الذي كدنا نصبح فيه غرباء عن اللغة العربية محمود سامي ~~البارودي، الذي قيل فيه إنه متنبي عصره، فقد كان من أولئك الذين تعلموا على الأسلوب ~~الخلدوني، أي تعلم اللغة من اللغة نفسها، فكان إذا وقع الاسم في كلامه بعد «أن» أو ~~إحدى أخواتها نصبه قياسا على نظائره من أقوال غيره من الشعراء المتقدمين لا على أحكام «أن» ~~وأخواتها، ومثله كثيرون؛ بل لعل أكثر الذين يحسنون الملكة من كتابنا وأدبائنا ~~لا يحسنون الفاعل من المفعول، ولا المرفوع من المجرور. # وقد لوحظ أن الذين يشتغلون ms049 بتمثيل الروايات الموضوعة باللغة العربية الصحيحة قد أصبح ~~الإعراب فيهم ملكة مع أن أكثرهم أميون، فكيف اكتسب كل هؤلاء ملكة اللغة؟! اكتسبوها ~~بالتقليد والبداهة والحفظ والاستعمال. وإذا عرف الذين نبغوا بعد وضع علم النحو قوانين ~~اللغة وراعوها في الاستعمال فلأنهم استخرجوها من اللغة بالاستقراء فهم تعلموا ~~الصناعة من الملكة لا الملكة من الصناعة، وهذه الأحكام التي استخرجوها ~~بالاستقراء لم يكن لها أقل علاقة بإجادتهم في الفنين من المنظوم والمنثور؛ بل إن الذين ~~درسوا النحو في مطولاته إذا قرءوا أو كتبوا أو تكلموا راعوا في ذلك وحي السليقة لا أحكام ~~النحو على حد قول الشاعر: # ولست بنحوي يلوك لسانه # ولكن سليقي أقول فأعرب # إذا رأينا أبناءنا يعجزون عن اكتساب ملكة اللغة قراءة وكتابة وتكلما، فليس ذلك ~~ناشئا عن جهلهم قوانين اللغة، ولا عن صعوبة اللغة العربية، ولا عن عجز الأساتذة عن ~~تدريسها؛ وإنما السر في ذلك أن اللغة في أكثر مدارسنا ليست اللغة الحية. فسدت الملكة ~~العربية يوم خالطنا الأعاجم فما قولك الآن وقد حلت اللغات الأجنبية محل لغتنا في بيوتنا ~~ومدارسنا وتعاملنا؟! يدخل أبناؤنا إلى المدارس الأجنبية فلا يلبثون أن يعرفوا اللغات ~~الأجنبية أكثر مما يعرفون لغتهم، فيحسب الوالدون ورؤساء المدارس أن ذلك ناشئ عن صعوبة ~~اللغة العربية وسهولة اللغات الأخرى، ولو تدبرنا الأمر لرأينا أن أبناءنا إنما يتقنون ~~اللغات الأجنبية على صعوبة أكثرها بالقياس إلى لغتنا، وعلى جهل أكثر أساتذتها بأساليب ~~تدريسها؛ لأنهم يسمعونها ويستعملونها دائما، فهم يدرسونها في الحساب والجغرافيا والتاريخ ~~والموسيقى والرسم واللعب وسائر الفروع، فضلا عن دروس اللغة من قراءة واستظهار وإنشاء ~~ومحادثة وإملاء وخط، ويتكلمون بها في غرف التدريس وفي ساحات اللعب، وفي دخولهم وخروجهم، ~~فلا عجب إذا انطبعت على ألسنتهم واستسهلوا فيها كل صعب. والأمر بالعكس في لغتهم فهم لا ~~يستعملونها إلا قراءة، وإذا تكلموا في المدرسة أو خارجها، فبلغة أخرى، إما بلغة أجنبية ~~وإما باللغة المحكية العامية، فما أشبه لغتنا - والحالة هذه - باللغتين اللاتينية ~~واليونانية القديمة اللتين تدرسان لا لتستعملا في التخاطب والتعامل ms050 مثل سائر اللغات ~~الحية، ولكن لفهم أدبياتهما القديمة؛ بل ما أشبهها باللغات الميتة التي يدرسها البعض ~~لأغراض فيلولوجية أو تاريخية. ~~••• # لا تحيا لغتنا إلا إذا كانت لغة التعليم، إلا إذا استعملناها تكلما وقراءة وكتابة، ~~ولا بأس هنا من التفصيل ولو باختصار تتمة للفائدة. # أما التكلم فيجب على الأستاذ أن لا يخاطب تلاميذه إلا باللغة الصحيحة وأن لا يستعمل ~~اللغة المحكية في حال، وإلا انطبعت هذه اللغة المحكية العامية التي يخاطبهم بها ~~على ألسنتهم أكثر من اللغة الصحيحة التي يحاول أن يعلمهم إياها. وإذا كانت أحسن ~~الطرق لاكتساب ملكة اللغة هي مشافهة أهلها ومعايشتهم، وإذا لم يكن هذا العصر عصر ~~فصاحة، فلا بد أن يمثل الأستاذ بنفسه الأمة العربية في عهد فصاحتها؛ ولذلك يجب أن يكون ~~الأستاذ مهذب اللفظ، جميل الذوق، بصيرا بحال الملكة؛ لأن التلميذ يتعلم من لغة ~~أستاذه أكثر مما يتعلم من شواهد كلام العرب. وليس شيء أضر باللغة وأدعى بفساد ~~الملكة من الأستاذ العيي الذي يعلم قوانين اللغة وأصول الفصاحة والبلاغة وهو ~~عامي اللفظ يرمي الكلام على عواهنه. ما أشبه أستاذ اللغة العربية الذي يعلم ~~اللغة الصحيحة ولا يتكلم إلا بالعامية بمن يعلم اللغة الإنكليزية وهو يخاطب ~~تلاميذه بالإفرنسية أو غيرها، وما أحراه أن يفشل. إذا أردت أن تكلف تلميذك القيام أو القعود ~~أو القراءة أو الكتابة فقل له: قم، اقعد، افتح الكتاب، اقرأ السطر الأول، اكتب، امح اللوح، ~~أمسك القلم، فيتعلم الأمر من قام وقعد وقرأ وكتب ومحا وأمسك، ويتعلم أن ينصب المفعول به في: ~~«افتح الكتاب» و«اقرأ السطر» و«امح اللوح» و«أمسك القلم»، من فوره وبدون عناء، ويقيس ~~أمثالها عليها، ولا يفيده شيئا أن يعرف قاعدة بناء الأمر من الصحيح والمضاعف والمثال ~~والأجوف والناقص واللفيف المفروق واللفيف المقرون والمهموز من الثلاثي والرباعي والخماسي ~~والسداسي، ولا يفيده شيئا أن يعرف أحكام المفعول به بحذافيرها، وإنما يفيده أن يسمع غيره ~~يستعمل اللغة على الوجه الصحيح فيقلده، وكذلك يجب على الأستاذ أن يكلف تلاميذه ألا ~~يتكلموا إلا باللغة الصحيحة وهم ms051 إذا سمعوها فألفوها ففهموها هان عليهم التكلم ~~بها. # وأما القراءة فهي من أهم مصادر اللغة. أين توجد اللغة؟ اللغة لا توجد في كتب ~~النحو ولا في معاجم اللغة، وإنما توجد في أدبياتها، في أشعارها، في أمثالها، في كتب تاريخ ~~الأمة وأخبارها، في كتب علومها؛ كالحساب والجغرافيا وسائر الفروع، وما أجدر الأستاذ أن ~~يتناول دروسه في القراءة كل هذه الموضوعات لا أن يقتصر على موضوع واحد، وليعلم أن ~~المقصود من دروس القراءة ليس التمرين عليها؛ فإن هذا يكفيه الكتاب الأول في الفصول ~~الابتدائية، وإنما الغرض من دروس القراءة التعرف باللغة والتفقه في تراكيبها وأساليبها ~~ومخالطة عباراتها، ولكل ذلك أصول دقيقة ليس هذا محل التبسط فيها. ليرغب الأستاذ ~~تلاميذه في المطالعة؛ ولذلك يجب أن يكون في كل مدرسة مكتبة صغيرة للتلاميذ تجمع فيها ~~الكتب النقية العبارة، الصحيحة الأسلوب، المنزهة عن العجمة والركاكة والتعقيد. وليحذر أن ~~يجعل في أيديهم تلك الكتب التي توخى فيها أصحابها العناية بالصناعة اللفظية فخرجوا ~~باللغة عن حالتها الطبيعية، فقد آن للأمة العربية أن تخلص من هذا المرض، واحتفاظا برغبة ~~التلاميذ في المطالعة يجب عليه أن ينوع الكتب ويجددها من وقت لآخر. # وأما الكتابة فبعد أن يمرن تلاميذه عليها في الفصول الابتدائية يجدر به أن ينشئ لهم ~~جمعية يقدمون فيها الخطب والمناظرات، ويلقون فيها أجمل ما يستظهرون من القصائد على مثال ~~الأسواق الأدبية التي كان العرب يجتمعون فيها للمفاخرة والمناشدة والمناضلة، كسوق عكاظ في ~~الجاهلية، وسوق المربد في الإسلام، ثم لينشئ لهم جريدة يتولون كتابتها بأنفسهم، ولكن ليحذر ~~من أن يكثروا أبوابها، ومن أن يتقاضاهم أن يطيلوا في مقالاتهم، ومن أن يكتبوا في موضوعات لا ~~يعرفون عنها شيئا؛ فإن ذلك يرهقهم ويسئمهم وينفرهم من الكتابة. ~~••• # ومما لا بد منه استدعاء الانتباه إليه أن كل دروس اللغة من قراءة ومحادثة ~~وإنشاء وإملاء يجب أن تمزج معا، لا أن يؤخذ كل منها على حدة. فكل درس يجب أن يقرأه ~~التلميذ، وأن يفهمه، وأن يتكلمه، وأن يمليه، وأن يتمرن على الإنشاء فيه، ms052 فإذا كان درس ~~القراءة القصة التالية: # كان صبي مرة يصيد الجراد فوجد عقربا فظنها جرادة، فمد يده ليأخذها، ثم تباعد ~~عنها. فقالت له: لو أنك قبضتني بيدك لتخليت عن صيد الجراد. # فبعد أن يقرأها التلاميذ ويفهموها، ليكن السؤال والجواب على الوجه الآتي: # ماذا كان الصبي مرة يصيد؟ كان الصبي مرة يصيد الجراد. # ماذا وجد الصبي؟ وجد الصبي عقربا. # ماذا ظن الصبي العقرب؟ ظن الصبي العقرب جرادة. # لماذا مد الصبي يده؟ مد الصبي يده ليأخذها. # لماذا تباعد الصبي عن العقرب؟ تباعد الصبي عن العقرب؛ لأنه عرف أنها عقرب. # ماذا قالت له؟ قالت له العقرب: لو أنك قبضتني بيدك لتخليت عن صيد الجراد. # وبعد هذه المحادثة يكلفهم أن يحكوا القصة باللغة الصحيحة، ومن أخطأ أرشده وطلب منه أن ~~يعيد العبارة، ثم يكلفهم أن يكتبوها كما حكوها؛ ففي ذلك تمرين على الإنشاء والإملاء معا، ~~ثم ليكلفهم أن يحولوها للمؤنث بأن يقولوا: كانت بنت مرة تصيد الجراد ... إلخ، ثم للمتكلم ~~بأن يقولوا: كنت مرة أصيد الجراد ... إلخ، ثم ليكلفهم أن يكتب كل منهم خمس جمل على مثال: ~~«وجد الصبي عقربا»، مثل: «وجد التلميذ قلما»، «وجد سليم ريشة»، وخمس جمل على مثال: ~~«لو أنك قبضتني لتخليت عن صيد الجراد»، مثل: «لو أنك أسرعت لأدركت القطار»، «لو أنك انتبهت ~~لفهمت كلام الأستاذ»، وما استعصى عليهم تحصيله فليكثر من تمرينهم عليه، وليكثر من ~~التكرار. # ويجب أن يكون في كل درس جديد بعض ما في الدرس الذي سبقه من ألفاظ وتراكيب؛ لتكون الدروس ~~سلسلة يؤدي بعضها إلى بعض. ولما كان العدد في اللغة العربية كثير التفاصيل، وقد قال فيه ~~أحد أدباء العصر: # في النحو لا يقهرني # إلا تفاصيل العدد # فالأولى أن تعلم هذه التفاصيل ويمرن التلاميذ عليها وعلى مميز «كم» الاستفهامية في دروس ~~الحساب، كما قد يعلم غيرها ويمرن عليه في غيره. وإحياء اللغة قراءة وتكلما وكتابة ~~يحتمل كلاما طويلا، ولكن بهذا القدر كفاية. # هذا هو الأسلوب الذي ندعو إليه وللأساتذة الكرام في إيثاره الرأي الموفق إن شاء ms053 ~~الله. # | قصيدة حافظ إبرهيم في الدستور والدكتور طه حسين1 # انتقد الدكتور طه حسين قصيدة حافظ في الدستور بعد أن صدر انتقاده بمقدمة تشف عن أدب ~~رائع وأسلوب رشيق جميل يفتن القارئ، ويغري الكتاب أن يتحدوه، ولست الآن في مقام درس ~~أسلوبه، وإنما غرضي من هذه العجالة أن أعلق كلمة على انتقاده لقصيدة حافظ: أعرف للأستاذ ~~طه حسين مكانته، وأعده مع طائفة من كتاب مصر وأساتذتها أصحاب الكفايات، من أركان هذه ~~النهضة الجديدة في مصر؛ بل في العالم العربي كله. وقد كنا نتطلع دائما إلى ما يكتبه ~~الأستاذ ورفاقه، وكم يتمنى كثيرون لو يستطيعون أن يؤموا مصر ليتلقوا ما يلقيه الأستاذ ~~ورفاقه من الدروس العالية في الجامعة المصرية الزاهرة؛ بل كم كنا نتمنى لو ينشط الأستاذ ~~ورفاقه إلى إنشاء مجلة أو جريدة يعرضون فيها ما تعمقوا فيه وأحاطوا به من علم وفلسفة وأدب ~~وسياسة، فكانت جريدة السياسة الغراء ما نتمنى ... # الجامعة المصرية وجريدة السياسة من أهم ما تحتاجه البلاد في دورها الجديد، وللأستاذ طه ~~حسين فيهما المنزلة العالية. # وبعد، فليسمح لنا الأستاذ أن نبدأ بكلمتنا عن انتقاده. # يظهر لنا من أسلوب الأستاذ في انتقاده أو تقريظه أنه يكتفي بالإشارة إلى مواضع الإساءة ~~أو الإحسان بدون أن يوطئ لقوله ببيان الأصول التي يرجع إليها، مما قد يوهم أنه ~~متحكم وليس هناك تحكم، أو أنه متحامل وليس هناك تحامل، ولست أحمل ذلك منه إلا على أحد ~~أمرين: إما على اعتقاد منه أن القارئ يعرف تلك الأصول؛ فلا حاجة إلى بسطها، وإما على أن ~~المقام أو الوقت لا يتسعان للتبسط فيها، على أنه إذا كان بين القراء من يعرف بعض تلك ~~الأصول، فإن أكثرهم يجهلها أو ليس بينهم من يعرفها كلها، وإذا كان المقام أو الوقت لا ~~يتسعان لبسط تلك الأصول، فما أحرى الأستاذ أن يحيلنا على مراجعها، أو أن يعدنا بالتبسط فيها ~~وهمته عالية. ~~••• # كان علامتنا المرحوم الشيخ إبرهيم اليازجي صاحب مجلة الضياء يضطر فيما ينتقده على ~~الأولين والآخرين إلى بيان الأصل الذي ms054 يرجع إليه إذا كان معروفا، أو إلى بسطه إذا كان من ~~استنباطه واجتهاده، فكان انتقاده دروسا ثمينة في اللغة والأدب. من ذلك أبحاثه الطريفة ~~الطويلة في: «الشعر» و«المجاز» و«اللغة والعصر»، ولا يخفى ما في ذلك من تعزيز انتقاده، ~~وإنصاف الذين ينتقدهم، وإفادة قرائه. وللأستاذ في إيثار هذه الطريقة رأيه ~~العالي. ~~••• # يقول الأستاذ: إن حافظا قد شعر كثيرا فأجاد الشعر وأحسنه، ولكنه لم يذكر شيئا من ذلك ~~الشعر الذي أجاده وأحسنه، ووجه الإجادة والإحسان فيه. # يقول إنه بحث عن الشعر في هذه القصيدة فلم يجد شيئا، فما هو الشعر؟ # يقول إن الشاعر قد يرتفع وقد يهوي، فما هي الأحوال التي قد يرتفع الشاعر وتلك التي قد ~~يهوي فيها؟ أو بالأحرى ما هي الأحوال التي علت بحافظ وتلك التي هوت به؟ # يقول إن هذا العصر ليس عصرا شعريا، فهل السبب في ذلك الحياة السريعة العملية التي صرنا ~~إليها، أم أن هناك أسبابا أخرى تضاف إلى هذا السبب؟ ثم ما هو ذلك الشيء في حياتنا ~~الاجتماعية الذي يضطر الشعراء إلى السكوت؟ وماذا يكرههم على أن يتكلموا؟ # ثم أخذ بعض الأبيات من تلك القصيدة واكتفى بسؤال القارئ: «هل ترى فيها شيئا من جمال ~~الشعر وروعة الفن؟» كيف يكون الشعر جميلا، وكيف يكون الفن رائعا؟ أجل الأستاذ عن أن ~~يحيلنا في إدراك ذلك الجمال وتلك الروعة على الذوق، فإننا نعتقد أن هناك أصولا للجمال ~~وشروطا لروعة الفن، ثم ماذا يعني بالابتذال؟ ومتى يكون الكلام رصينا متينا في غير ~~وحشية ولا ابتذال؟ وهل في قولنا: «طلعت الشمس» و«غاب القمر» و«جاء الرجل» و«ضحك ~~الغلام» ابتذال؟ # ثم أخذ قول حافظ: # أيأذن لي المليك البر أني # أهنئ مصر بالأمر الكريم # فقال: «أترى فيه لفظا من ألفاظ الشعر أو معنى من معاني الشعر؟» مما يستفاد منه أن ~~الشعر قد يكون شعرا بلفظه، وقد يكون شعرا بمعناه، وقد يكون شعرا بهما معا، فما هي ألفاظ ~~الشعر؟ وما هو جنس المعاني الذي يكون به الشعر شعرا؟ إلى غير ذلك مما لا نشك ms055 أن ~~الأستاذ من أقدر الناس على التبسط فيه، ولعل وقته يتسع له إن شاء الله. # | اللغة العربية في نهضتها الأخيرة1 # لم تستيقظ الأمة العربية منذ جيل أو أقل من سباتها الطويل، إلا وقد انقطع عهد الألسنة ~~باللغة الفصحى، ولم يبق من صلة بين الأمة والسلف الصالح إلا ألفاظ قليلة تبدلت ~~مقاطعها وتغيرت هيئاتها، وإلا تعبيرات مشوشة مختلة. # ولو أن داعيا دعا في ذلك العهد إلى استبدال اللغة العامية من الفصحى، واعتمادها في ~~الكتابة لم يجد من ينكر عليه ذلك؛ لأن الأمة بأسرها كانت غريبة عن اللغة الفصحى ~~وآدابها، فكيف تتعصب لها وتذود عنها وهي لا تعرفها؟ وفوق ذلك لم يكن التعليم في يدها، بل ~~كان في يد غيرها. # ولكن من حسن حظ هذه اللغة أن جعل التعليم بها، وكان أول ما فعله أولئك الرؤساء ~~الغرباء الكرام أن جمعوا ما وصلت إليه أيديهم من الكتب العربية - وكانت مبعثرة هنا وهناك لا ~~يعرف أحد قيمتها - وأوعزوا إلى من استعانوا بهم من الأساتذة أن يتصفحوها ويستقروا ألفاظها، ~~ويستخرجوا مخبآتها بحيث كانت النهضة لأول عهدها لغوية. # ومن تصفح أول ما وضع من الكتب المدرسية في اللغة والرياضيات والجغرافيا ~~والهيئة والطبيعيات والطب وسائر الفروع؛ رأى من صنع أولئك المؤلفين أنهم حرصوا كل الحرص ~~على اقتباس ألفاظ القدماء العلمية والفنية، ومع تقصيهم في التنقيب والاستقراء لم ينزلوا من ~~اللغة العربية منزلة أهلها؛ بل كانوا منها مكان الغرباء عنها، عرفوا الشيء الكثير من ~~ألفاظها وتراكيبها وأحكامها، ولكنهم لم يحسنوا استعماله واستثماره، فكنت ترى كتاباتهم ~~خليطا من الفصيح والركيك، والجيد والرديء، فالفصيح والجيد مما ينسخونه، والركيك والرديء ~~مما يمسخونه؛ بل ما كان أشبه اللغة الفصحى عندهم باللغة اللاتينية أو اليونانية ~~عند الغربيين اليوم؛ يأخذون منهما ألفاظهم العلمية والفنية وهم غرباء عنهما، وهما ميتتان ~~عندهم. # لم يكن هناك علم لغة أو أدب أو شعر؛ إذ لم يكن اللغوي لغويا إلا على قدر ما ~~يعي في صدره من ألفاظ اللغة وغرائبها وشواردها، فكان أشبه بالحفاظ ~~والرواة منه بالعلماء، ولم يكن ms056 الأديب أديبا إلا على قدر ما يغير على ألفاظ المتقدمين ~~فيسردها سردا ويكيلها جزافا، فكان أبرعهم في الأدب من إذا كتب في موضوع نسخ كل كلمة ~~فيه من كلام متقدمي الأدباء والكتاب، ولو سلخ في تفقد اللفظة والتفتيش عنها في مظانها ~~الأسبوع والأسبوعين، فإذا أراد أن يقول: «رجع فلان خائبا» قال: «رجع بخفي ~~حنين»، وإذا أراد أن يقول: «ليس لفلان في الأمر دخل» قال: «لا ناقة له فيه ولا جمل»، ~~وإذا أراد أن يقول: «إن فلانا استقصى أطراف علم كذا» قال: «ملك عنانه وقياده ورسنه» و«له ~~فيه القدح المعلى»، و«إليه تشد الرحال وتضرب أكباد الإبل»، وإذا أراد أن يقول: «إن هذه ~~المسألة لا يختلف فيها اثنان» قال: «لا ينتطح فيها عنزان»، وإذا أراد أن يقول: «إن فلانا ~~يشبه فلانا» قال: «حذوك التمرة بالتمرة، والقذة بالقذة، والغراب بالغراب، والنعل بالنعل»، ~~وإذا أراد أن يقول: «إن فلانا منقطع النظير» قال: «فلان قريع وحده» إذا مدح، و«جحيش وحده» ~~إذا ذم، وإذا هنأ بزواج قال: «بالرفاء والبنين»، وإذا رثى قال: «انقض علي نعي فلان ~~انقضاض الصاعقة» و«ثل بموته عرش المجد ونضب معين الأدب»، وإذا وصف قوما بالإطراق والتفكير، ~~قال: «كأن على رءوسهم الطير»، إلى غير ذلك. # والكلمة التي لا يعرف لها قائلا لا يتنازل إلى استعمالها ولو وردت في كل معجمات ~~اللغة؛ بل كان من الأدباء ولا يزال منهم إلى اليوم من إذا أراد أن يستعمل كلمة بحث عن ~~عمرها فإذا لم يرب على ألفي سنة أو ألف على الأقل فلا يستعملها؛ بل كان منهم ولا يزال ~~كثيرون إلى اليوم من إذا جاء بكلمة أتبعها بمرادفاتها على غير اقتضاء ولا مناسبة؛ تبجحا ~~بكثرة محفوظه وسعة معرفته. وقد وقع في يدي من عهد قصير كتاب لكاتب من أمثال هؤلاء ~~الكتاب لم ترد فيه كلمة إلا ومرادفاتها معها، من ذلك قوله: «فلان قصي مدى البصر بعيد ~~مرمى النظر»، وقوله: «لسنا بغاة نصفة ولا عفاة معدلة»، وقوله: «لم نر إلا رجلا مغشيا ~~بالغل محنيا على الضغينة»، بحيث ms057 لو حذفت المترادفات منه لم يبق منه إلا الربع أو الخمس أو ~~أقل، بل كان منهم ولا يزال كثيرون إلى اليوم من أولع بالغريب، فإذا رأى أن كلمة «ورق» مثلا ~~شائعة معروفة استعمل كلمة «قرطاس»، فإذا شاعت استعمل كلمة «كاغد»، فإذا شاعت استعمل كلمة ~~«مهرق»، فإذا شاعت ولم تبق لديه أو في اللغة كلمة غريبة بمعناها؛ تحاشى الكلام في موضوع ~~له علاقة بالورق؛ بل قد يهجر الكتابة بتاتا إذا كلف أن يكتب بلغة الناس ... وقد بلغ من تهافت ~~كاتب في مصر في الجيل العشرين على الغريب أنه قال في كتاب ترجمه عن الإفرنسية: «خريت ~~سبروت هذه الفكرة هو فولتير» أي: صاحب هذه الفكرة هو فولتير. # أعوذ بالله وأعيذ اللغة العربية من مثل هذا، فأنت ترى أن الأديب كان أشبه بالناسخ بل ~~بالماسخ منه بالأديب. # لم يكن الشاعر شاعرا إلا إذا قلد المتقدمين من الشعراء في المديح والهجاء والتشبيب ~~والرثاء وغير ذلك من أبواب الشعر في ألفاظهم وأساليبهم، فكان أشبه بالوزان منه بالشاعر؛ بل ~~بالصدى منه بالصائت المحكي. # وعلى الجملة لم يكن هناك علماء وأدباء وشعراء بل حفاظ ورواة ونساخ ووزانون، ~~وكلهم مقلدون، والتقليد كما رأيت لا يكون في أوله إلا مشوشا ثم يصير إلى الإجادة والإتقان، ~~وقد رأينا من الكتاب في العهد الأخير ولا تزال منهم طائفة إلى اليوم من إذا كتبوا ~~أحسنوا التقليد وجروا على مناحي العرب، كأنهم من سلالة صاحب الأغاني أو العقد الفريد أو ~~الكامل، أو كأنهم الجاحظ وابن المقفع والزمخشري وبديع الزمان الهمذاني والحريري بعثوا في ~~هذا العصر. # ولكن التقليد تقليد؛ سواء أكان مشوشا أم متقنا، والمقلد مهما أجاد وأتقن فإنما هو غريب ~~دخيل، وما زمن التقليد في حالتي التشويش والإتقان إلا زمن تعلم وتحصيل لا زمن ابتكار ~~واستثمار. # وقد كان من فائدة هذا التقليد أن تجدد عهد الفصاحة، ولعمري إنها لفائدة عظيمة يستحق عليها ~~كل من اشتغلوا باللغة الثناء الطيب ولو كانوا مقلدين، لم تكن للأمة لغة فصارت لها لغة، ~~وإنها للغة غنية، ولم تكن ms058 لها أدبيات فصارت لها أدبيات، وإنها لأدبيات راقية، وما إحياء ~~لغة انقطع عهد الألسنة بها منذ أمد بعيد، وما إحياء أدبيات كاد يعفيها الزمان؛ بالمطلب ~~السهل الذي يتم في زمن قصير مثل هذا الزمن الذي مضى منذ أول هذه النهضة إلى اليوم، لولا ~~همة أولئك الأبطال زعماء النهضة، وما رزقوا من الذكاء والجلد، وهيهات أن يجود الزمان ~~بمثلهم، يكفيهم فضلا أنهم وصلوا ما انقطع من سلسلة نسبتنا إلى السلف الصالح، وأنزلونا منهم ~~منزلة الأبناء من الآباء، بعد أن كنا أدعياء لا أصل لنا ولا فصل. ولم يبق لنا بعد أن ~~اجتزنا دوري التقليد - أي دور التشويش ودور الإتقان - إلا أن ننزل من اللغة منزلة ~~أبنائها منها. # فعالم اللغة اليوم لا تقاس معرفته بما وعى من ألفاظ اللغة وشواردها وغرائبها، ~~ولكن بما عرف من أصولها وخصائصها، والأديب ليس ذلك الذي إذا كتب استعار ألفاظ غيره؛ سواء ~~أرادها أم لم يردها، ناسبته أم لم تناسبه، ولكن هو الذي يتصرف بألفاظ اللغة كما كان ~~يتصرف بها أبناؤها، فكل كلمة يقولها هي له تترجم عما في نفسه. والشاعر ليس ذلك ~~المقلد الوزان، ولكنه هو الذي يصدر فيما يقوله عن وحي طبعه وإلهام خياله، يتحكم بلفظه ~~لا يتحكم لفظه به ... ويسرنا أن نقول إن في مصر اليوم من أنصار هذا المذهب الجديد عددا ليس ~~بقليل، ونمسك القلم عند هذا القدر ولعلنا أطلنا. # | كتاب الكامل وبعض كتاب هذا العصر # قال ابن خلدون: «سمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول الأدب وأركانه أربعة دواوين، ~~وهي: كتاب الكامل للمبرد، وأدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب ~~النوادر لأبي علي القالي البغدادي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفرع منها.» # لست أقصد أن أبين لك ما هو الأدب في عرف ابن خلدون وشيوخه، وإنما أقصد أن أبين لك ~~أسلوب كتاب الكامل ثم ما بينه وبين صحفنا وكتبنا من شبه أو اختلاف. # ترى في كتاب الكامل صرفا ونحوا ولغة وشعرا وأخبارا، وما تراه في كتاب الكامل ~~تراه ms059 في غيره من دواوين الأدب التي أشار إليها ابن خلدون مع اختلاف قليل فيما يروونه. ~~ولكن كتاب الكامل وأشباهه من الكتب القديمة ليست من أمهات الكتب في الصرف والنحو ~~واللغة والشعر والأخبار، وإنما هي تعاليق على هذه الأبواب كلها، قد تستفيد منها ولكنك ~~لا تكتفي بها ... وكان الأولى أن يكون كل نوع منها حواشي على كتبه الخاصة به، أي أن تضم ~~الأبحاث الصرفية إلى كتب الصرف، والأبحاث النحوية إلى كتب النحو، والأبحاث اللغوية إلى ~~كتب اللغة، وأن يرد كل شعر إلى ديوان قائله، وأن تضم الأخبار إلى كتب الأخبار إذا ~~كانت في هذه الحواشي والتعاليق استدراكات مفيدة خلت منها أمهات كتبها، وإلا فإن هذه الأبحاث ~~المقتضبة غير المستوفاة قليلة الفائدة، فإنك إذا قرأت كتاب الكامل من أوله إلى آخره فلا ~~تخرج منه صرفيا ولا نحويا ولا لغويا ولا يقضي حاجتك كلها ما يرويه من الشعر وما ~~يقصه من الأخبار، ولا بد لك في استيفاء حاجتك من ذلك كله أن ترجع إلى كتبه الخاصة ~~به. # ومن يقرأ صحفنا الراقية وبعض ما يظهر بين آن وآخر من الكتب ير أنها أشبه بكتاب الكامل ~~من حيث الأسلوب فهي ليست إلا تعاليق في كل فن وعلم ومطلب، قد تستفيد منها ولكنك لا ~~تجد حاجتك كلها فيها، تبحث في الأدب والعلم والفلسفة والاقتصاد وغير ذلك ولكنها كلها أبحاث ~~مقتضبة غير مستوفاة ولا مشبعة، وقل بين كتابنا - مهما أحاط بموضوعه - من يستطيع أن يفرغ كل ~~ما يمكن أن يعلم عن ذلك الموضوع في مقاله ... وما رأي كتابنا وأدبائنا لو كلفوا أن يجعلوا من ~~مقالاتهم ورسائلهم التي ينشرونها في الصحف أو يجمعونها في كتاب برأسه محاضرات وأباحوا ~~للسائلين أن يسألوا، أفلا يضيقون ذرعا بما يتوارد عليهم من السؤالات والاستيضاحات؟ أو لا ~~يضطرون أن يتوسعوا في البحث بما يكون توطئة له أو استدراكا عليه أو تعمقا فيه؟ مما لا ~~تحسب معه رسائلهم المنشورة وكتبهم المجموعة إلا شيئا يسيرا لا يغني القارئ كثيرا؛ بل قد ~~يشوش عليه الأمر ويستدرجه ms060 إلى اعتياد الإلمام بكل موضوع والاكتفاء منه بنتف يتناولها بإمرار ~~النظر ... وما قولهم لو أرادوا أن يضعوا كتابا برأسه في كل موضوع من الموضوعات التي يتعرضون ~~لها في الصحف، أفلا يرون أنفسهم أنهم لا يكتفون بما كتبوا؟ أو لا يجدون أن ما كتبوه ليس إلا ~~شيئا يسيرا مما يجب أن يكتب؟ وأن هذه الفصول التي يكتبونها قد لا يجدون لها محلا ~~مخصوصا في كتبهم؛ لأنها ليست فصولا قائمة بنفسها. # وقد رأينا من كتابنا من يعتذر عن اضطراره إلى الإيجاز أو الإجمال أو الاقتضاب، ~~واكتفائه بالإلماع وسكوته عن شيء كثير مما كان يجب أن يقال، بأن الصحف لا تحتمل التعمق ~~والإشباع والإحاطة وإرضاء الكاتب والقارئ، وأنه حسبه مما يكتب أن يسرك ويبعث في نفسك ~~الشوق إلى طلب المزيد ... ولكن إنما يجوز ذلك إذا كان هناك كتب يرجع إليها في اللغة ~~العربية. # نحن - معشر القراء - في احتياج إما إلى كتب في هذه الأبحاث، وإما إلى عناية من ~~الكتاب في إفراغ كل ما يعلمونه في مقالة برأسها، أو في سلسلة مقالات تجمع أشتات ذلك ~~الموضوع وتحيط بأصوله وفروعه ولا تترك حاجة في نفس الكاتب والقارئ. ولعل الفرق بين كتاب ~~الكامل وما نقرؤه في صحفنا وكتبنا اليوم أن لأبحاث كتاب الكامل أمهات يرجع إليها، فإذا ~~شوقك إلى الاستزادة وجدت من الكتب ما يقضي حاجتك، وأما ما يكتبه كتابنا وأدباؤنا ~~فلا مرجع له في اللغة العربية، قد تسر بما يكتبون، وتتشوق إلى الاستزادة، فلا هم ~~يزيدونك ولا كتاب يحيلونك عليه. # | لغة الجرائد1 # مع انتشار صناعة القلم، وإحسان الكثيرين من كتابنا الألباء ملكة اللغة، ~~وإتقانهم علوم اللسان، لا نزال نرى حتى في كلام الراسخين في اللغة والإنشاء شذوذا ~~عن القياس أو السماع في ألفاظ اللغة وأحكامها وتعلقا بأساليب وتراكيب لا يحكمها طبع، ~~ولا يعينها ذوق، ولا تلائم الحياة، ولا تنطبق على ما تقتضيه الحالة، مما تدعو معه ~~الحاجة إلى أن يكون هناك من الجهابذة المحققين من يتفرغ لإصلاح الخطأ، والإهابة بالكتاب ~~إلى اتباع المنهج السديد ... فإن ms061 الاستمرار على ذلك والتهاون به مما يفسد اللغة ويذهب ~~برونقها. # فهل لجريدة السياسة الغراء أن تعنى بسد هذه الحاجة ورأيها موفق وهمتها ~~عالية. ~~••• # ولعل القارئ الكريم يذكر أن علامتنا المرحوم الشيخ إبرهيم اليازجي صاحب مجلة «الضياء» ~~كان أول من تصدى للتنبيه على الغلط، فأنشأ في ذلك الفصول الطوال في مجلته في لغة الجرائد، ~~وفصولا أخرى في أغلاط العرب وأغلاط المولدين؛ مما يجدر بكل أديب الرجوع إليه والاستبصار ~~به. وقد مات - رحمه الله - وفي نفسه حزازات من لغة الجرائد، كما مات قبله الفراء وفي ~~نفسه شيء من «حتى». وقد حاول المجمع العلمي في دمشق في المدة الأخيرة أن يخلفه فلم ~~يزد على تكرار ما قاله، وكان الأولى به أن يعيد نشر مقالات شيخنا اليازجي ويكفي نفسه مئونة ~~هذا العناء. # ومن العجب أن ترى الأغلاط التي نبه عليها لا تزال متفشية إلى اليوم. ~~••• # وهنا أتطفل على القارئ الكريم بإيراد شيء - على سبيل المثال - من تلك الأغلاط التي لا ~~يخلو منها كتاب أو جريدة، وبذكر بعض تلك التراكيب والأساليب التي أرى أن الأجدر بنا أن ~~نتجافاها، ولا سيما ونحن ندعي أن اللغة العربية لغتنا، وأننا نزلنا منها منزلة ~~أبنائها، وأترك التبسط في ذلك كله إلى أربابه. # من تلك الأغلاط قولهم: «فلان كفؤ لهذا الأمر» أي: أهل له أو قوام به، وهو من ذوي ~~الكفاءة بالهمز، وإنما الكفؤ النظير، تقول: هو كفؤ لفلان أي: معادل له، والكفاءة المصدر ~~من ذلك، تقول: لا كفاءة بيننا. وأما المعنى الذي يريدونه فهو من معاني «كفى» المعتل، يقال: ~~استكفيته أمر كذا أي: كلفته القيام به فكفانيه، وهو كاف لهذا الأمر وكفي له أي: قوام ~~به، وهو من أهل الكفاية. # وقولهم: «أمكن له أن يفعل كذا، ولا يمكن له أن يفعل كذا» يعدونه باللام وهو متعد ~~بنفسه. # وقولهم: «عودته على الأمر وتعود عليه واعتاد عليه»، والصواب حذف الجار في الكل. # وقولهم: «أمر هام» بصيغة الثلاثي، والأفصح: «مهم» بالرباعي. # وقولهم: «هل سنفعل كذا؟ وهل سيؤدي هذا إلى كذا؟» يريدون النص ms062 على الاستقبال في الفعل ~~فيأتون بالسين بعد «هل»، وهو خطأ؛ لأن «هل» إذا دخلت على المضارع خصصته للاستقبال مثل ~~السين، وحينئذ يجتمع حرفان لمعنى واحد، والصواب حذف السين. # وقولهم: «هل لا يجوز أن يكون الأمر كذا؟ وهل لم تزر زيدا؟ وهل ليس عمرو في الدار؟ وهل ~~إذا فعلت كذا كان كذا؟» فيدخلون «هل» على النفي والشرط، والصواب استعمال الهمزة في كل ~~ذلك. # وقولهم: «حديث مستفاض»، ومنه قول أبي تمام: # صلتان أعداؤه حيث كانوا # في حديث من عزمه مستفاض # والصواب: حديث مستفيض أو مستفاض فيه. # وقولهم: «سواء عليه فعل كذا أو كذا»، والصواب: فعل كذا أم كذا، وقد لحن في «المغني» قول ~~الفقهاء: سواء كان كذا أو كذا. # وقولهم: «قرأت هذا في صحيفة كذا من الكتاب»، يعنون الصفحة، وهي أحد وجهي الصحيفة، وإنما ~~الصحيفة الورقة بوجهيها، ومنه قول السياسة وغيرها «صحيفة الأدب» و«صحيفة السيدات» وليس هناك ~~إلا صفحة واحدة. # ومن ذلك تأنيث البلد، وأبشع منه تأنيث الرأس، والصواب التذكير فيهما، ومنه تذكير السن ~~والصواب تأنيثها، ومنه «رجل عجوز» ولفظة «عجوز» من الصفات الخاصة بالمرأة، إلى غير ذلك ~~مما ليس من غرضنا تتبعه وتعداده من إنزال الكلمة في غير منزلها، واستعمال صيغة في موضع ~~صيغة أخرى، أو حرف جر في موضع حرف جر آخر، مما نراه كل يوم في جرائدنا حتى في أكبرها ~~وأرقاها، ولا يجوز السكوت عنه. # أما التراكيب التي ورثناها عن الأجيال الماضية ولم يبق مسوغ لها في عصرنا هذا؛ إما ~~لهجنتها، وإما لأنها لا تنطبق في شيء على حياتنا، فكثيرة. # من التراكيب المستهجنة قولهم: «رفع فلان عقيرته» أي: صوته، والعقيرة: الساق المقطوعة، ~~وليس في هذه المادة ما يدل على الصوت، وإنما الأصل في ذلك أن رجلا قطعت إحدى ساقيه فرفعها ~~ووضعها على الأخرى وصرخ، فقيل بعد لكل رافع صوته: قد رفع عقيرته. # ومن ذلك قولهم: «كأن على رءوسهم الطير» أي: ساكنون هيبة، وأصله فيما يزعمون أن الغراب ~~يقع على رأس البعير فيلقط منه القراد فلا يتحرك البعير؛ لئلا ينفر ms063 عنه الغراب ، وغير ذلك ... ~~ومن التراكيب التي لا تنطبق على حياتنا قولهم: «ألقى فلان عصا التسيار» و«فلان تشد إليه ~~الرحال، وتضرب إليه أكباد الإبل»، و«ملك عنان الأمر وقياده»، و«له فيه القدح المعلى»، وهل ~~للعصا والرحال والإبل والأعنة والمقاود والقداح دخل في حياتنا؟ # يقولون إن اللغة مرآة الأمة، وسجل تاريخها، وصورة أحوالها في كل أدوارها، ~~بحيث إن من تفقد ألفاظها، وتدبر معانيها واستقصى تاريخها، وجد فيها آثارا تدل على ~~ماضي الأمة وتطورها من حال إلى حال، كما تدل الأحافير والعاديات على حالة ~~الأمم الغابرة. ولكن ما لنا لا نزال نستعمل لغة البداوة، وقد انفسح بيننا وبينها ~~الأمد، وانقطعت بيننا كل صلة؟! وإذا تفقد الناس في المستقبل البعيد لغة هذا العصر أفلا ~~يقولون إننا كنا في الجيل العشرين عصر الحضارة الراقية عصر السيارات والترامات والطيارات ~~والسكك الحديدية بدوا رحلا، وافقنا الوحش في سكنى مراتعها، وخالفناها بتقويض وتطنيب كما ~~قال المتنبي؟! # لا تكون لغة حية إلا إذا انطبقت على حياة الأمة التي تستعملها، وما استعمال لغة ~~البداوة في عهد الحضارة إلا من قبيل إنزال الشيء إحلال غير محله. # ثم إن هناك تراكيب أخرى لاكتها الأفواه حتى كادت تمجها، ومع ذلك لا نزال حريصين على ~~استعمالها، لا نتحول عنها يمنة أو يسرة، من ذلك قولهم: «نشد فلان ضالته»، و«هذه هي الضالة ~~المنشودة»، و«فلان يصيد في الماء العكر» و«تلك حال تنذر بالويل والثبور وعظائم الأمور»، ~~و«مزق فلان فروة فلان ونحت أثلته» مما أجتزئ منه بهذا القدر. # أما الأساليب فيحتاج الكلام عنها إلى مقالة برأسها نرجئها إلى فرصة أخرى. # تطور الصحافة # 2 # إن صحافة كل أمة تابعة لها، لا تجد صحافة راقية في أمة منحطة، ولا تجد صحافة ~~منحطة في أمة راقية. ومن قابل صحافة اليوم بما كانت عليه إلى عهد قريب رأى أنها قد ~~دبت فيها الحياة، وأخذت تترقى يوما فيوما تبعا لنهوض الأمة وتطورها. # وهذه بعض الوجوه التي تتميز بها صحافة اليوم عما كانت عليه قبله: ~~(1) # نزل إلى ميدان الصحافة كبار الناس أصحاب الجاه ms064 العريض والثروة الطائلة من ~~زعماء السياسة، يستعملونها للتبشير بمذاهبهم، ينفقون عليها عن سعة، فصارت ~~أكثر الصحف تعيش على أصحابها، بعد أن كان أصحابها يعيشون عليها؛ بل ~~يبتذلونها في سبيل التعيش والتكسب، فأثرى القليلون، وأدركت الكثيرين حرفة ~~الأدب. ~~(2) # جعلت الصحافة تعنى بالعلم والأدب عنايتها بالسياسة، فكانت السياسة سببا ~~لترويج العلم والأدب، وكان العلم والأدب سببا لترويج السياسة، فهي أول ~~وهما المحل الثاني أو هما أول وهي المحل الثاني. # وقد كانت جريدة السياسة الغراء في طليعة هذا الدور، فهي تعيش على أصحابها، وفيهم ~~أصحاب الجاه العريض والثروة الطائلة، وهي تبحث في السياسة والعلم والأدب والاجتماع وغير ~~ذلك، وفيها من الكتاب من أصحاب مذهبها من انتهت إليهم الرياسة في صناعة القلم؛ ~~مما اضطر غيرها إلى متابعتها فاختارت هذه الدكتور منصور فهمي، وغيرها المازني، ~~وغيرها العقاد، وخصصت بعضها صفحة في الأسبوع للأدب، وأخرى للألعاب الرياضية، وأخرى ~~لغير ذلك. فنهضت الصحافة بأولئك الزعماء وهؤلاء الكتاب إلى مستوى راق تتراجع دونه ~~سوابق الهمم ... كان الكاتب الواحد يتولى بنفسه كتابة الجريدة من أولها إلى آخرها، فيضطر ~~إلى السرعة ويرضى بما يجيء لا بما يجب، وإذا تولاه الفتور أو أخذه الإعياء شغل القسم ~~الأكبر من جريدته بفضول القول ومستهجن البحث، فصار اليوم لأكثر الجرائد كتاب عديدون، ~~قد لا يصيب الواحد منهم في الأسبوع غير مقالة واحدة يتبسط فيها ما شاء علمه ~~وأدبه. # وكانت الجريدة الواحدة لا تعنى إلا بالسياسة على غير علم ولا حنكة فتبرم قراءها، ~~فأصبحت اليوم معرضا لشتى الأغراض مما ينفع الناس ويهمهم الاطلاع عليه. # كانت أكبر جريدة قبل اليوم ذات أربع صفحات يشغل القسم الأكبر منها الإعلانات، فأصبحت ~~اليوم ذات ثماني صفحات كبيرة لا تشغل الإعلانات منها قسما كبيرا. # وأما القراء فقد كانوا قبل اليوم يكتفون من قراءة الجريدة بإمرار النظر، ولا يقرءون ~~شيئا إلا أدركهم الضجر، فصاروا اليوم يراقبون وقتها مراقبة المشوق المستهام، ولا ~~يقرءونها إلا بتدبر واهتمام، ولو كانت سياستها على غير مذهبهم، ولعل الناس لا يقرءون ~~اليوم غير الجرائد. # ولا بد أن ms065 يقل عدد المتطفلين على الكتابة بعد اليوم، ولا بد أن يرتقي ~~ذوق القراء فلا تقرأ جريدة لا يشترك في كتابتها صاحب كفاية. # لن يكتب بعد اليوم في السياسة إلا الاختصاصي في السياسة، ولن يكتب في الأدب إلا ~~الاختصاصي في الأدب، ولن يكتب في العلم إلا الاختصاصي في فرع من فروعه، ولن يكون صاحب ~~كفاية إلا مقدورا قدره. # ومتى كان أصحاب الكفايات وكبار السن هم أساتذة الأمة وزعماءها، سارت في طريقها على ~~هدى إلى الأحسن والأعلى، إلا أن هناك موضع نظر لا بد من الإشارة إليه استيفاء ~~للحديث. # يظهر أن الصحف اليومية على ارتقائها لا تحتمل متابعة البحث في موضوع واحد أو التقصي ~~فيه، ومن تتبع آثار الأستاذ طه حسين في جريدة السياسة الغراء، رأى أنه طرق أبحاثا ~~كثيرة طريفة لم يسبقه إليها أحد في اللغة العربية، وكلها تشف عن بصيرة ~~نيرة وعلم نضيج؛ بل تدل على أنه أكتب مما يكتب وأعلم مما تقرأ له، لا ~~تقرأ له شيئا إلا تركك تشعر أن الذي قرأته ليس إلا قليلا من كثير، على حين لا تكاد ~~تقرأ شيئا لكثيرين غيره إلا شعرت أن ما قرأته هو كل ما عندهم؛ بل أكثر مما عندهم؛ ~~بل قد تشعر أنهم قد عدوا طورهم وتعرضوا لما ليس من شأنهم أو اختصاصهم، وأنه كان الأولى ~~بهم أن لا يتعرضوا له. # ولكن الأستاذ على إعجاب القراء بكل ما يكتب، وتطلعهم إلى المزيد منه، لا يكاد يتناول ~~بحثا إلا طواه إلى غيره فغيره، ولا يعود إلى بحثه الأول إلا بعد أن يعتقد القراء أنه ~~لن يعود إليه، وقد يكتفي من البحث بما لا يرضيه، وعذره أنه يكتب في صحيفة يومية، فلو ~~ألف كتابا أو كتب في مجلة علمية لكانت أبحاثه أوفى، مما يجوز معه أن يقال إن ~~العلم في الصحف اليومية هو في المحل الثاني، وإن السياسة هي في المحل الأول. وإن ~~الصحافة لم تعن بالعلم إلا خدمة للسياسة، إغراء للقراء على اختلاف مذاهبهم ~~بالإقبال عليها ، واستدراجا لهم من حيث ms066 يشعرون ولا يشعرون إلى انتحال مذهبها. ولم يكن ~~هذا التنقل في البحث على غير استيفاء ولا استقصاء إلا لأنه أشوق للقراء وأدعى ~~لاهتمامهم، فيكون مثل الصحافة اليوم مثل المبشرين بالدين يؤسسون المدارس ويقيمون ~~المستشفيات ويعنون بالألعاب الرياضية، لا للتعليم ولا للعناية بالمرضى ولا لترويج ~~الألعاب الرياضية، ولكن تذرعا بذلك كله إلى نشر الدعوة. # إن استخدام العلم للسياسة ينفع السياسة، ولكن لا يرقي العلم بل يحط من شأنه. # لتشتغل الصحافة بالسياسة، وليدع كل إلى مذهبه، ولكن لتعط العلم ~~والأدب حقهما، ولتجلهما عن أن يكونا وسيلة في يد السياسة. # | تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها (1)1 # أرجو من القارئ الكريم أن يعير هذه «المراجعات» التي دارت بيني وبين الأمير شكيب ~~أرسلان - أحد أركان النهضة وأكبر زعماء الأدب في هذا العصر، حول المذهبين القديم ~~والجديد في الكتابة - جانب اهتمامه. ~~*** # تتطور اللغة في ألفاظها وأساليبها تطورا مستمرا في تؤدة وخفاء، فلكل عصر، بل ~~لكل إقليم في كل عصر، لغته وأسلوبه، حتى إنك لتستطيع أن تعرف القول من أي عصر أو من أي ~~إقليم هو، وإن كنت لا تعرف قائله، وإذا كنت ممن أولعوا بالأدب العربي فلا بد أن تكون قد ~~رأيت آثار هذا التطور في كل عصر وكل إقليم. # وقد كان هذا التطور في العصور العريقة في القدم، أيام كانت الأمة الواحدة تنقسم إلى قبائل ~~متعادية، تعيش في أقاليم مختلفة في الخصب والجدب، والاعتدال والانحراف، والشدة والرخاء، وما ~~إلى ذلك من اختلاف المجاورات والحالات الروحية والعقلية والاجتماعية والسياسية، سببا لتفرع ~~اللغات بعضها من بعض. تنقسم به اللغة إلى لهجات، ثم تستقل كل لهجة لغة بنفسها. ~~كما ترى آثار هذا الاختلاف لعهدنا هذا في اللغتين المحكية والمكتوبة، فإن لكل إقليم من ~~الأقاليم العربية لغة محكية ولغة مكتوبة تخالفان ما لغيره كثيرا أو قليلا، ~~واللغتان خاضعتان للتطور المستمر، فلغتا مصر المحكية والمكتوبة اليوم غيرهما قبله، ~~وكلتاهما غير لغتي سوريا، من أمثلة ذلك في اللغة المحكية أنهم يسألون في فلسطين إذا ~~لقي الواحد الآخر عن حاله، وفي دمشق ms067 عن لونه، وفي مصر عن زيه، وفي لبنان عن خاطره. وقد ~~كان الناس قبل هذه النهضة الأخيرة، قبل انتشار لغة المدرسة، ولغة الصحافة، ولغة التمثيل، ~~ولغة الغناء، لو سار السوري في مصر، أو المصري في سوريا، لسار بترجمان؛ بل لو تغيب السوري ~~أو المصري عن بلاده إلى بلاد لا يسمع فيها لغته لعشرين سنة أو أقل، ثم رجع إلى بلاده لرأى ~~من تطور اللغتين المحكية والمكتوبة فيها ما لم يكن له به عهد، وما يحس معه أنه أصبح ~~غريبا في قومه. # ومن أمثلة ذلك في اللغة المكتوبة أن السوريين ~~يجمعون لفظة «ميل» بمعنى «الهوى» على «أميال» ك «سيف» و«أسياف»، وقد شاع هذا الجمع في سوريا ~~ومصر دهرا طويلا، ثم رأينا أن المصريين أخذوا يجمعون هذه اللفظة على «ميول» ك «سيف» ~~و«سيوف»، وكلا الجمعين صحيح. ولعل السوريين يعدلون مع الأيام عن «أميال» إلى «ميول» بحكم ~~التقليد. # ومن ذلك أن السوريين يقولون: «بحث عن الأمر أو في الأمر»، ولكن رأينا كثيرين من كتاب ~~مصر يقولون: «بحث الأمر» بدون حرف جر. # ومن ذلك أن السوريين يقولون: «سمى فلان ولده ~~كذا» على وزن «فعل» بتشديد العين، ولكن المصريين عدلوا في الزمن الأخير عن وزن ~~«فعل» إلى وزن «أفعل»؛ فهم يقولون: «أسمى فلان ولده كذا»، وكلا الوزنين صحيح، وقد ~~استعمل المتنبي وزن «أفعل» في قوله: # يقولون لي ما أنت في كل بلدة # وما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمى # ولكن وزن «فعل» أشهر. # ومن ذلك لفظة «فحسب» # 2 # فإنها درجت في هذه الأيام على ألسنة المصريين فتابعهم في استعمالها بعض ~~السوريين، وقد كانوا يستعملون لفظة «فقط». # ومن ذلك النسبة إلى «طبيعة وبديهة»؛ فإن السوريين يقولون فيهما: «طبيعي وبديهي»؛ جريا ~~على الاستعمال دون القياس، وأما المصريون فجعلوا يقولون: «طبعي وبدهي»؛ جريا على ~~القياس دون الاستعمال. # ومن ذلك أن السوريين يقولون: «تمدن الرجل» أي: تخلق بأخلاق أهل المدن وانتقل من ~~حالة الخشونة والبربرية والجهل إلى حالة الظرف والأنس والمعرفة، أما المصريون فيقولون في ~~ذلك: «تمدين». (راجع القاموس) ms068 # وهناك ألفاظ وتعبيرات كثيرة انفرد بها أحد الفريقين دون الآخر، مما تستطيع معه أن ~~تعرف القول هل هو سوري أم مصري؛ بل قد تعدى هذا الاختلاف لغة الأدب والصحافة إلى لغة ~~العلم، فإذا قابلت كتب سوريا في الطبيعة أو الكيميا أو الحساب أو الجغرافيا أو غير ذلك ~~بكتب مصر رأيت أنه يكاد يكون هناك لغتان، ولولا وحدة الأصل، واعتبارات كثيرة ~~تربطنا بذلك الأصل فلا نخرج عنه إلا رجعنا إليه؛ لاتسعت مع الأيام شقة الاختلاف إلى أن تصبح ~~اللغة العربية لغتين لا تكادان تتشابهان في شيء. # هذا في اللغة، وأما الأساليب فهناك مذهبان: مذهب قديم ومذهب جديد، وإني أحاول ~~هنا أن أشير إلى الفرق بين المذهبين على قدر ما تعين عليه البصيرة الضعيفة. # مما أولع به أصحاب المذهب القديم إلى يومنا هذا تكرار الكلام في غير مواطن التكرار، ~~والإسراف في استعمال المترادفات على غير حاجة إليها ولا فائدة منها، فهم لا يأتون بكلمة إلا ~~أتبعوها بمرادفاتها، فإذا قالوا: «تمادى الرجل في ضلاله» قالوا: «ولج في غوايته وعمه في ~~طغيانه ومضى على غلوائه»، وإذا قالوا: «أحزنني هذا الأمر» قالوا: «وشجاني وأمضني وأرمضني ~~وأقلقني وأقض مضجعي»، وإذا قالوا: «سرني أمر كذا» قالوا: «وأفرحني وحبرني وأبهجني ~~وأبلجني وأثلج صدري». # وهنا أستأذن القارئ الكريم بتقديم مثل على ذلك من رسالة أمامي لكاتب كبير قال: # يا إخواننا إن الصارخة القومية، والنعرة الجنسية، قد بدأت في الأقوام، ونشأت مع ~~الأمم، مذ الكيان ومنذ وجد الاجتماع البشري، وتساكن الإنسان مع الإنسان»، ~~وقال: «مهما انتبذ لنفسه مكانا منزويا، وتنحى جانبا معتزلا»، وقال: «مهما ترامت ~~به عن منبته الأقطار وتباينت بينه وبين أهله الأوطان والأوطار»، وقال: «وإن ~~هذه النعرة الجنسية والحمية القومية وإن عم أمرها جميع الأمم، ولم ~~يخل منها عرب ولا عجم، فقد اختص منها العرب بالشقص الأوفر والحظ الأكمل» ~~فتأمل. # وسبب ذلك إما قلة البضاعة ونزارة المادة الفكرية، وأصحاب هذا المذهب يحسبون أن ~~اللغة هي كل شيء، فإذا حمل أحدهم على ظهر قلبه مقامات الحريري وديوان الحماسة ~~والمعلقات ms069 والمفضليات فقد صار كاتبا نحريرا. أو # 3 # أن يكون ذلك متابعة لما ورد في بعض أقوال العرب من الترادف لضرورة؛ كقول ~~الشاعر: «فألفى قولها كذبا ومينا» أو تقليدا لأحمد فارس الشدياق في كتابه «الساق على ~~الساق»، ولكن أحمد فارس لم يأت بالمترادفات لأنه يذهب إلى هذا النوع من الكتابة، وإنما ~~أراد أن يضع كتابا في المترادفات ككتاب الألفاظ الكتابية لعبد الرحمن بن عيسى الهمذاني، ~~فبدلا من أن يسرد المترادفات لغير مناسبة أتى بها في سياق كلام، على اعتقاد منه أن ذلك ~~أشوق للقارئ ... ومهما يكن السبب فإن هذا النوع من الكتابة غير طبيعي، أو غير عربي، أو على ~~الأقل لا يستمرئه ذوق هذا العصر. ~~••• # الكلام ثلاثة أنواع: إما أن يكون مساويا للمعنى المراد لا ينقص عنه ولا يزيد عليه، وهو ~~المساواة، وإما أن ينقص عنه، وهو الإيجاز، وإما أن يزيد عليه، وهو الإطناب. أما ~~المساواة فمقبولة مطلقا، وأما الإيجاز والإطناب فلهما مواطن وشروط نص عليها البيانيون، ~~وليس فيما نصوا عليه ما يجيز أن يكيل الكاتب المترادفات كيلا. # وأنت إذا تفقدت كلام العرب في أشعارهم وأمثالهم وخطبهم ورسائلهم علمت أنهم يميلون ~~إلى الإيجاز، وأنهم يكرهون التطويل الممل؛ بل إن عندهم نوعا من الحذف يقال له ~~«الاكتفاء»، فبدلا من أن يقولوا: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» قالوا: «لا حول ~~ولا» ومنهم من يختصر هذه أيضا فيقول: «لا ولا» ... فما قولك في عصر كادت تتغلب فيه لغة ~~التلغرافات؟! فلو كان الكاتب يدفع ثمن كل كلمة يقولها لما سلك من طرق الأداء إلا ~~أخصرها وأوضحها، ولو كان ينقد عن كل كلمة يقولها لما وجد من يشتري له قولا. # بل نحن في عصر تغلبت فيه روح الاقتصاد، فإذا لم يراع الكاتب الاقتصاد فيما يكتبه - في ~~وقته ووقت القارئ - لم يجد من يقرؤه. # بل نحن في عصر المعنى فيه الأول واللفظ المحل الثاني، وبعبارة أخرى إذا لم يرتكز الأدب ~~فيه على العلم فلا قيمة له. # | لكل مقام مقال1 # بينما أنا أسرح الطرف في ms070 صحيفة الأدب من «السياسة» الغراء إذ وقع نظري على مقالة ~~لأحد أدباء فلسطين، عنوانها: «تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها»، وهو موضوع ~~طالما نازعني إليه خاطري وشعرت بافتقار الأدب العربي إلى بحث واف بمكانه؛ إذ كان ~~كل دور من أدوار اللغة العربية - سواء كان دور الجاهلية والمخضرمين أو العهد ~~الأموي أو العصر العباسي أو القرون التي بعده - لا يخلو من ديباجة خاصة تظهر على ألسن خطباء ~~ذلك الدور وأقلام كتابه، وإن كان النصاب الأصلي للغة لا يزال واحدا. # ولم ينحصر اختلاف الأسلوب وتداول طائفة خاصة من الألفاظ بالأدوار والأعصار؛ بل إنك ~~لتجده بين الأقاليم والأمصار، فللأندلس منزع يعرفه من ألف مطالعة كتب ذلك ~~القطر، ولليمن مذهب لا يشبه مذهب المنشئين في العربية من فارس في كثير من الأمور، ~~ولمصر لهجة خاصة يعرف الناقد البصير منها نسبة مؤلف الكتاب ولو لم يكن اسمه ~~عليه كما ترى ذلك من ألف ليلة وليلة، وللشام أسلوب يختلف شيئا عن أسلوب أهل مصر في ~~الكتابة وكثيرا في الحديث، كما أن للعراق نمطا غير نمط الشام ومصر وهلم جرا، ~~ولعلنا نلم بهذا الموضوع في وقت آخر. # ولقد أمعنت النظر في مقال «تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها» فوجدت الكاتب الأديب ~~صاحبها أتى بشيء منه وأصاب بعض شواكله، ولكنه خرج فيه أحيانا عما هو من باب تطور ~~اللغة باختلاف الأعصر والأمصار إلى ما ليس منه؛ كتمثيله لهذا التطور بقوله إن السوريين ~~كانوا يجمعون لفظة «ميل» بمعنى «الهوى» على «أميال» ك «سيف وأسياف»، وقد شاع هذا الجمع في ~~مصر وسورية دهرا طويلا ثم رأينا أن المصريين أخذوا يجمعونه على «ميول» ك «سيف وسيوف»، ~~وكلا الجمعين صحيح، ولعل السوريين يعدلون مع الأيام عن «أميال» إلى «ميول» بحكم ~~التقليد. # والحقيقة أن ليس هذا العدول عن «أميال» إلى «ميول» أثرا من آثار التطور الذي أراده؛ بل ~~كانت العامة ومن لا يحقق في اللغة من الخاصة يجمعون «ميلا» بفتح الميم على «أميال» ~~يجرونها مجرى «ميل» بكسر الميم، فجاء من قال لهم إن «فعلا» بفتح ms071 الفاء لا يجمع على ~~«أفعال»؛ بل على «فعول»، وإن كان ورد شيء من ذلك فمن الذي لا يقاس عليه. فعدل عند ذلك ~~الكتاب عن جمع «ميل» بالفتح على «أميال» إلى جمعه على «ميول» نظير «بيع وبيوع»، وقد سبق ~~أنهم كانوا يجمعون «خصما» على «أخصام» وقد رأيت هذا الجمع في كلام كاتب مصري من الأدباء ~~الراسخين الذين نبغوا منذ نحو نصف قرن فلما نبه بعضهم إلى أن جمع «خصم» على «أخصام» غلط ~~عدلوا إلى جمعه الصحيح على «خصوم»، فلا نجد كاتبا الآن إلا وهو يقول «خصوم» ويتجنب ~~«أخصام». ثم إنه قد ورد في كلام اليازجي الكبير جمع «فعل» بفتح الفاء على «أفعال» ~~وذلك في قوله: «مضى يجمع الأفضال وهي عبيده» فعابوه فيه وذكر ذلك أحمد فارس في مناقشة مع ~~ابنه؛ فلذلك لا يجمع «فضلا» على «أفضال» اليوم إلا العامة يقولون لا ننكر أفضالك، فأنت ترى ~~أن السبب في ذلك التطور هو متابعة القاعدة واعتقاد تنكب الخطأ، على أن الخطب يسير، فإن ~~«فعلا» بفتح الفاء إذا كان من الأجوف كثيرا ما يجمع على «أفعال» وله أمثال لا ~~تحصى. # وكذلك «بدهي وطبعي»، أخذ المصريون يستعملونها ذهابا إلى أن «بديهي وطبيعي» هو غلط في ~~النسبة، مع أن السوريين يرونه غلطا مشهورا هو أولى من الصواب المهجور، ويرون له في «ولكن ~~سليقي أقول فأعرب» شاهدا مؤنسا. فالعدول عن «أميال» إلى «ميول»، وعن «طبيعي» إلى «طبعي» ~~كان في اعتقاد من فعله مجرد اتباع للقاعدة لا مجرد عدول عن اصطلاح إلى آخر إذ كلاهما صحيح. ~~ثم وصل الكاتب إلى قوله: «هذا في اللغة وأما في الأساليب فهناك مذهبان؛ مذهب قديم ~~ومذهب جديد، وإني أحاول هنا أن أشير إلى الفرق بين المذهبين على قدر ما تعين عليه ~~البصيرة الضعيفة، مما أولع به أصحاب المذهب القديم إلى يومنا هذا تكرار الكلام في غير ~~مواطن التكرار (اعتراف منه هنا بأن للتكرار مواطن) والإسراف في استعمال المترادفات على غير ~~حاجة إليها ولا فائدة منها، فهم لا يأتون بكلمة إلا أتبعوها بمرادفاتها، ms072 فإذا قالوا: «تمادى ~~الرجل في ضلاله» قالوا: «ولج في غوايته وعمه في طغيانه ومضى على غلوائه»، وإذا قالوا: ~~«أحزنني هذا الأمر» قالوا: «وشجاني وأرمضني وأقلقني وأقض مضجعي»، إلى أن يقول: «بل أستأذن ~~القارئ الكريم في تقديم مثل على ذلك من رسالة أمامي لكاتب كبير قال: يا إخواننا، إن ~~الصارخة القومية والنعرة الجنسية قد بدأت مع الأقوام، ونشأت مع الأمم مذ الكيان ومنذ وجد ~~الاجتماع البشري وتساكن الإنسان مع الإنسان» وقال: «مهما انتبذ لنفسه مكانا منزويا وتنحى ~~جانبا معتزلا» وقال: «ومهما ترامت به عن منبته الأقطار وتباينت بينه وبين أهله الأوطان ~~والأوطار ... إلخ.» # ثم قفى على ذلك صاحب المقالة بقوله: «تأمل، وسبب ذلك إما قلة البضاعة ونزارة المادة ~~الفكرية (كذا ولعله سها عن وضع «إما» في الجملة الثانية سهوا؛ إذ «إما» هذه لا بد من ~~تكرارها عند التخيير كما لا يخفى). وأصحاب هذا المذهب يحسبون أن اللغة هي كل شيء، فإذا ~~حمل أحدهم على ظهر قلبه مقامات الحريري وديوان الحماسة والمعلقات والمفضليات فقد صار كاتبا ~~نحريرا، أو يكون ذلك متابعة لما ورد في بعض أقوال العرب من التكرار لضرورة؛ كقول ~~الشاعر: «فألفى قولها كذبا ومينا» أو تقليدا لأحمد فارس الشدياق في كتابه «الساق على ~~الساق»، ولكن أحمد فارس لم يأت بالمترادفات لأنه يذهب إلى هذا النوع من الكتابة، وإنما ~~أراد أن يضع كتابا في المترادفات ككتاب الألفاظ الكتابية لعبد الرحمن بن عيسى ~~الهمذاني» إلى أن قال: «ومهما يكن السبب فإن هذا النوع من الكتابة غير طبيعي أو غير عربي ~~(كذا) أو على الأقل لا يستمرئه ذوق هذا العصر» ثم قال: «وأنت إذا تفقدت كلام العرب في ~~أشعارهم وأمثالهم وخطبهم ورسائلهم علمت أنهم يميلون إلى الإيجاز وأنهم يكرهون ~~التطويل الممل»، ثم عاد فاستدرك بقوله: «إن للإطناب مواطن وشروطا نص عليها البيانيون ~~وليس فيما نصوا عليه ما يجيز أن يكيل الكاتب المترادفات كيلا ... إلخ.» # فظاهر أن هذا الكاتب الأديب يقصدني في تعريضه، لاستشهاده ببعض جمل من نداء كان ~~الوفد السوري وجهه إلى الأمة ms073 العربية قاصيها ودانيها وحاضرها وباديها وخاصيها ~~وعاميها، مراعيا حالة من يخاطبهم وضرورة تمكين المعاني من نفوسهم وتحريك عواطف حميتهم ~~مما هو في كل لغة وفي كل منطق وفي كل أدب موطن التكرار الأكبر ومحل التأكيد ~~الألزم؛ إذ كانت المناشير العامة والرسائل الموجهة إلى الجماهير دائما على هذا النسق، ولم ~~تكن قاعدة «خير الكلام ما قل ودل» موضوعة لمثلها، إلا إذا اختلت قاعدة أخرى هي أعم ~~منها، وهي: «لكل مقام مقال»، والفصاحة هي المطابقة لمقتضى الحال. # وقد كنت فكرت في أن أترك هذا الكاتب وشأنه، وأن أعرض عنه وأتجاهل انتقاده تاركا ~~اللغة العربية ونظمها ونثرها ومتونها وأصولها وأمثلتها ترد عليه وتقنعه بخطئه، لولا أنني ~~رأيته - وأرجو منه أن لا يؤاخذني على هذا القول - واضعا نفسه موضع أستاذ اللغة، وشيخ ~~الصناعة، والجهبذ الذي يقبل هذا ويزيف ذاك، والقاضي الفيصل الذي يحكم ولا معقب لحكمه، ~~ماضيا في غلوائه مسرورا بآرائه راضيا عن أنحائه، فحرصت على أن لا يتمادى في وهمه، وأشفقت ~~من أن يتصل وهمه إلى غيره، وعولت على أن أبين له مناهج اللغة في باب الإيجاز ~~والمساواة والإطناب ومقام كل منها ليعلم أن مقام منشورنا المرسل إلى الأمة العربية ~~جمعاء في آفاق الأرض ومناكبها ومشارق الشمس ومغاربها هو مقام إطناب، كما لا يخفى على كل ~~من شدا شيئا من الأدب أو طالع شيئا من آثار هذه الأمة. # ولكنني قبل الشروع في موضوعي أحب أن أسأله عن قوله: «وأما الأساليب فهناك مذهبان؛ ~~مذهب قديم ومذهب جديد»، فإنني لا أعلم مذاهب جديدة إلا في العلم والفن، وأما في ~~الأدب واللغة فلا أعرف إلا مذهبا واحدا هو مذهب العرب، وهو الذي يريد أن يسميه ~~بالمذهب القديم، وهو الذي يجتهد كل كاتب في العربية أن يحتذي مثاله ويقرب منه ما استطاع؛ ~~لأنه هو المثل الأعلى والغاية القصوى، وإذا أراد الكاتب العصري أن يجول في المواضيع الحديثة ~~والمعاني المستجدة، استنفد جميع منته في إلباس هذه المعاني الجديدة حلل الأساليب العربية ~~القديمة التي هي أصل اللغة والطراز المنسوج ms074 على منواله. وقصارى الأديب العربي اليوم أن ~~يتمكن من إفراغ الموضوع العصري في قالب عربي بحت لا يخرج باللغة عن أسلوبها ولا يهجن ~~لهجتها ولا يجعلها لغة ثانية؛ إذ كان التباعد عن الفصاحة والحرمان من حظها هما على ~~مقدار التجانف عن أسلوب العرب عندما كانوا عربا لم تخامر لغتهم العجمة ولم تفسد منهم ~~السليقة. وإن القمة العليا من ذلك هي لغة الجاهلية وصدر الإسلام، ثم ما يليه نوعا عندما ~~كانت العربية في عنجهيتها والفصاحة في إبان سورتها. فأما المذهب الجديد الذي أشار إليه في ~~الأدب والإنشاء العربي فلا نعلمه في المذاهب ولا وصل إلينا خبره، فحبذا لو أتانا صاحبنا ~~بتعريف المذهب الجديد هذا ودلنا على أمثلة منه وكتب مؤلفة فيه، وأخبرنا من ~~هم أساطين هذا المذهب وحملة أعلامه، فإننا نقر بكوننا لا نعرف في العربي إلا مذهبا ~~واحدا كلما قرب إلى نسق الأولين كان أقرب إلى الفصاحة. وأما في العلوم والفنون فذاك موضوع ~~آخر كل يوم نحن منها في شيء جديد، فلا يجوز أن نخلط هذا بذاك. # إن اللغة الفرنساوية التي هي أفصح لغات أوروبا لها أسلوب خاص ونمط قائم بها قد ~~رست عليه قواعدها منذ نحو ثلاث مائة سنة، وبلغ كماله في عصر لويس الرابع عشر الذي ~~يماثل صدر الإسلام في العربية، فكل كاتب في اللغة الفرنسوية يخالف أسلوبها الذي اصطلح ~~عليه أدباء الفرنسيس يقولون له: هذا ليس بفرنساوي، ولا ينفعه عند ذلك أن يقول لهم: هذا ~~مذهب جديد في الكتابة، فإنهم يجاوبونه أن التجدد في الكتابة لا بد لأجل أن يكون مقبولا ~~أن يتمشى على الأسلوب الفرنساوي المصطلح عليه. # إنني أريد أن أنزه حضرة الكاتب صاحب مقالة «التطور في اللغة» عن أن يكون مقصده ~~الانتقاد لأجل الانتقاد، ولإثبات فضله وإظهار طوله على غيره. ولكنني من جهة أخرى أعجب من ~~كون أديب بارع مثله متصد للفتيا في اللغة تصدي حضرته يذهب عنه ما يليق بكل ~~أديب أن يطلع عليه. # قال في صبح الأعشى في باب الإطناب: وهو الإشباع في ms075 القول وترديد الألفاظ المترادفة على ~~المعنى الواحد، وقد وقع منه الكثير في الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى: # كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون ~~، ~~وقوله عز وجل: # فإن مع العسر يسرا * ~~إن مع العسر يسرا # كرر اللفظ في الموضعين؛ تأكيدا للأمر وإعلاما ~~أنه كذلك لا محالة (تأمل) إلى أن يقول: وقد وقع التكرار للتأكيد في كلام العرب كثيرا كما ~~في قول الشاعر: «أتاك أتاك اللاحقون.» # ثم ذكر ما قيل في المساواة والإيجاز والإطناب والتفاضل بينها، فقال: وذهب قوم إلى أن ~~الإطناب أرجح، واحتجوا لذلك بأن المنطق إنما هو بيان، والبيان لا يحصل إلا بإيضاح ~~العبارة، وإيضاح العبارة لا يتهيأ إلا بمرادفة الألفاظ على المعنى حتى تحيط به إحاطة ~~يؤمن معها من اللبس والإبهام، وإن الكلام الوجيز لا يؤمن وقوع الإشكال فيه، ومن ثم لم ~~يحصل على معانيه إلا خواص أهل اللغة العارفين بدلالات الألفاظ. ~~(ليتذكر القارئ أن منشور الوفد السوري لم يكن موجها إلى خواص أهل اللغة فقط؛ بل ~~العوام من قرائه أكثر من الخواص) بخلاف الكلام المشبع الشافي؛ فإنه سالم من الالتباس ~~لتساوي الخاص والعام في جهته. # ويؤيد ذلك ما حكي أنه قيل لقيس بن خارجة: «ما عندك في جمالات ذات حسن؟» قال: «عندي ~~قرى كل نازل ورضا كل ساخط وخطبة من لدن تطلع الشمس إلى أن تغرب، ~~آمر فيها بالتواصل وأنهى عن التقاطع.» فقيل لأبي يعقوب الجرمي: هلا اكتفى ~~بقوله: «آمر فيها بالتواصل» عن قوله: «وأنهى عن التقاطع»، فقال: «أوما علمت أن الكناية ~~والتعريض لا تعمل عمل الإطناب والتكشف؟ ألا ترى أن الله تعالى إذا خاطب العرب والأحزاب ~~أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعل الكلام ~~مبسوطا، وقلما تجد قصة لبني إسرائيل في القرآن إلا مطولة مشروحة ومكررة في مواضع معادة ~~لبعد فهمهم وتأخر معرفتهم، بخلاف الكلام المشبع الشافي فإنه سالم من الالتباس لتساوي ~~الخاص والعام في فهمه.» # قال: وذهبت فرقة إلى ترجيح مساواة اللفظ المعنى واحتجوا لذلك بأن منزع الفضيلة من ms076 ~~الوسط دون الأطراف، وإنما الحسن إنما يوجد في الشيء المعتدل» قال: قال في «مواد البيان» ~~والذي يوجبه النظر الصحيح أن الإيجاز والإطناب والمساواة صفات موجودة في الكلام، ولكل ~~منها موضع لا يخلفه فيه رديفه إذا وضع فيه انتظم في سلك البلاغة ودل على فضل الواضع، وإذا ~~وضع غيره دل على نقص الواضع وجهله برسوم الصناعة. # ومنه يستنتج أن منشورا طبعت منه ألوف وألوف من النسخ ليوزع على ملايين من الأمة ~~العربية في المدر والوبر لو جاء يكتبه الإنسان كما يكتب رسالة إلى رجل من طبقة عبد ~~القادر الجرجاني ويجتهد في إيداع أوسع المعاني أقصر الألفاظ لكان ذلك من باب وضع الشيء في ~~غير موضعه ولدل على نقص الواضع وجهله برسوم الصناعة. # ثم قال في صبح الأعشى: «فأما الكلام الموجز فإنه يصلح لمخاطبة الملوك وذوي الأخطار ~~العالية والهمم المستقيمة والشئون السنية، ومن لا يجوز أن يشغل زمانه بما همته مصروفة إلى ~~مطالعة غيره.» # إذن ليست هناك مسألة تطويل ممل وإيجاز مخل؛ بل مسألة الإيجاز في محل الإيجاز، ~~والإطناب في محل الإطناب، فإذا خوطب الحكماء والعظماء والملوك بالكلام المشبع المبسوط ~~المؤكد كان ذلك خللا بأصول الكتابة ومنافيا للذوق السليم ... كما أنه إذا خوطب الجماهير ~~الذين لا تجد فيهم خاصيا إلا كان بجانبه ألف عامي، بدقائق من البلاغة وإشارات وكنايات ~~تقتضي إعمال الفكر، ولا يدرك الجمهور مغزاها كان ذلك مخالفا لآداب الكتابة وفات الغرض ~~المقصود من الخطاب. نعم كان العرب يميلون إلى الإيجاز، ولكن كانوا يميلون أكثر من ذلك إلى ~~وضع الشيء في محله. # قال في صبح الأعشى: «وأما الإطناب فإنه يصلح للمكاتبات الصادرة في الفتوحات مما ~~يقرأ في المحافل والعهود السلطانية ومخاطبة من لا يصل المعنى إلى فهمه بأدنى إشارة ... ~~إلخ.» # إلى أن قال نقلا عن «مواد البيان» قال: «أما أنه لو استعمل كاتب ترديد الألفاظ ~~ومرادفتها على المعنى في المكاتبة إلى ملك مصروف الهمة إلى أمور ~~كثيرة متى انصرف منها إلى غيرها دخلها الخلل لرتب كلامه في غير ~~رتبه ، ودل على ms077 جهله بالصناعة. وكذا لو بنى على الإيجاز ~~كتابا يكتبه في فتح جليل الخطر حسن الأثر يقرأ في المحافل ~~والمساجد الجامعة على رءوس الأشهاد من العامة ومن يراد منه ~~تفخيم شأن السلطان في نفسه لأوقع كلامه في غير موقعه ~~ونزله في غير منزله؛ لأنه لا أقبح ولا أسمج من أن يستنفر ~~الناس لسماع كتاب قد ورد من السلطان في بعض عظائم أمور ~~المملكة أو الدين، فإذا حضر الناس كان الذي يمر على أسماعهم ~~من الألفاظ واردا مورد الإيجاز والاختصار لم يحسن موقعه وخرج من ~~وضع البلاغة ... إلخ.» # ولا أظن منتقدنا يقول إنما هذا ينطبق على الكتب الواردة من السلطان في أخبار الفتوحات، ~~ومنشوركم هذا ليس عن السلطان ولا هو في فتح، فالجواب عند ذلك أن المنشور الذي يوجه إلى ~~أمة كبيرة من وفد من وفودها في الاستنفار إلى تلافي خطب أو سد خرق أو مقصد من تلك ~~المقاصد العالية التي تتعلق بها حياة تلك الأمة هو أيضا في حكم كتب الفتوحات وأجدر ~~منها بمراعاة أصول المناشير العامة. # ولقد ورد في رسائل أبي إسحق الصابئ الذي كان رئيس كتاب ديوان الخلافة في بغداد كثير ~~من الكتب التي تتشابه في المعنى أسجاعها وتتوالى مترادفاتها، وقد أوضحت يومئذ في حاشية تلك ~~الرسائل التي طبعتها أن هذا المذهب هو خلاف قاعدة الإيجاز، ولكنه مما يستحب في خطاب ~~الأمة ونداء الجمهور ممن لا بد للكاتب أن يعيد المعنى عليهم ويصقله مرارا حتى يتشربوا ~~معناه ويشتفوا مغزاه. # بقي علينا أن نأتي بشواهد على مذهب فصحاء العرب في استعمال المترادف وإبراز المعنى ~~الواحد بصور مختلفة، وهذا هو أكثر من أن تحيط به المجلدات، وما على المكابر فيه إلا أن ~~يقرأ خطب العرب ونخب رسائلهم وغرر أقوالهم ويتصفح كتابات فحول البلاغة، مثل: الجاحظ، ~~والزمخشري، وبديع الزمان، والخوارزمي، والصاحب بن عباد، وابن العميد، وأبي إسحق الصابئ، ~~والقاضي الفاضل، وابن خلدون، ولسان الدين ابن الخطيب وغيرهم، فيجد في كل صفحة من صفحات ~~كتبهم شيئا يحقق له كون هذا المذهب مذهبهم عندما ms078 يقتضيه المقام، ولكن لما كان المثل ~~الحاضر أوقع في النفس توخينا أن نأتي بشيء من الأمثال مما حضرنا على طريق المصادفة، ~~فنقول: قال أبو الهلال العسكري في «الصناعتين» وهو من أساتذة الصناعة: «فإن صاحب العربية ~~إذا أخل بطلب هذه العلوم وفرط في التماسها؛ فاتته فضيلتها، وعلقت به رذيلة قوتها، وعفى ~~على جميع محاسنه، وعمى سائر فضائله.» # فأنت ترى المشابهة في المعنى بين «أخل» و«فرط» والطلب والالتماس وفوت الفضيلة وعلوق ~~الرذيلة، وكذلك بين «عفى، وعمى، والمحاسن، والفضائل» وليس الفرق بين هذه الألفاظ ومدلولاتها ~~أعظم من الفرق بين الصارخة القومية والنعرة الجنسية وأنها بدأت مع الأقوام ونشأت مع الأمم ~~منذ الكيان ... إلخ، وبين مدلولاتها؛ بل كل ذلك من قبيل إشباع المعنى وتمكينه في ذهن السامع ~~بالصور المختلفة. # وقال الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي صاحب حسن التوسل: وهذه العلوم وإن لم يضطر إليها ذو ~~الذهن الثاقب، والطبع السليم، والقريحة المطاوعة، والفكرة المنقحة، والبديهة النجيبة، ~~والروية المتصرفة، لكان العالم بها متمكن من أزمة المعاني وصناعة الكلام، يقول عن علم، ~~ويتصرف عن معرفة، وينتقد بحجة ويتخير بدليل ويستحسن ببرهان ... إلخ. # فإن قيل: إلا أن هذا ليس من الترادف لوجود فروق دقيقة بين «قريحة وروية، وفكرة وبديهة، ~~وحجة ودليل وبرهان، ويتخير ويستحسن»، فالجواب أن هذه الفروق الدقيقة هي أيضا في الجمل التي ~~عابها علينا صاحب مقالة التطور، مثل: «الانتباذ»، و«التنحي»، و«الانزواء»، و«الاعتزال»، ~~و«ترامت به عن منبته الأقطار»، و«تباينت بينه وبين أهله الأوطان والأوطار». وإن كثيرين من ~~أئمة اللغة ينكرون وجود مترادف حقيقي فيها، ويقولون إن الناس صاروا يعدون بعض الكلام ~~مترادفا لجهلهم بأصل معناه وإنما هو تشابه لا غير. ولا ينبغي أن ننسى أن صاحب حسن التوسل ~~لا يتكلم عن جمهور أكثرهم ليسوا من أهل الفن بل كلامه موجه إلى الخواص دون غيرهم، ومع هذا ~~فقد مر بك إطنابه. # وانظر إلى قول أبي طالب حين خطب النبي # صلى الله عليه وسلم # خديجة: الحمد لله الذي جعلنا من زرع ~~إبرهيم وذرية إسماعيل، وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما ms079 آمنا ثم إن محمد بن عبد الله بن ~~عبد المطلب ابن أخي من لا يوزن بأحد إلا رجحه ولا يعدل بأحد إلا عدله. # هاك مثلا من قول عثمان بن عفان - رضي الله عنه: إن لكل شيء آفة، وآفة هذا الدين ~~وعاهة هذه الملة (تأمل في: آفة وعاهة ودين وملة) قوم عيابون طعانون (تأمل أيضا) ~~يظهرون لكم ما تحبون ويسرون ما تكرهون. أما والله يا معشر المهاجرين والأنصار لقد ~~عبتم علي أشياء ونقمتم مني أمورا (تأمل أيضا) قد أقررتم لابن الخطاب بمثلها ولكنه ~~وقمكم وقما ودمغكم (انظر إلى تقارب: وقم ودمغ وكلاهما بمعنى: أذل وقهر) حتى لا يجترئ أحد ~~منكم يملأ بصره منه ولا يشير بطرفه إلا مسارقة إليه (وهنا المعنى واحد أشير إليه بصورتين ~~مختلفتين ليزداد رسوخا في فكر السامع). # فنظن أن عثمان بن عفان كان عربيا، لا بل من الطبقة الذين تؤخذ عنهم لغة العرب، وخطبته ~~هذه معدودة من غرر الخطب التي يستشهد بها في البلاغة. # فانظر كم ثمة من الجرأة عندما يقول صاحبنا: «هذا النوع من الكتابة غير طبيعي أو غير ~~عربي»، فإن هذا النوع الذي وصفه بكونه غير عربي هو هذه الطريقة بعينها كما مر بك وكما ~~سيأتيك. # وإليك من كلام زياد ابن أبيه الذي ضرب المثل بفصاحته فقيل «أخطب من زياد»: فإن الجهالة ~~الجهلاء والضلالة العمياء والغي الموفي على النار ما فيه سفهاؤكم. إلى أن يقول: من ترككم ~~الضعيف يقهر والضعيفة المسلوبة في النهار لا تنصر والعدد غير قليل والجمع غير متفرق. إلى أن ~~يقول: إني لو علمت أن أحدكم قتله السل من بغضي لم أكشف له قناعا ولم أهتك له سترا ... إلخ. # عندك هنا: الجهالة الجهلاء، والضلالة العمياء، والضعيف يقهر، والضعيفة لا تنصر، والكشف ~~والهتك، والقناع والستر، فماذا يقال لهذا إن لم يكن مترادفا؟! ولماذا هذا يجوز ويستشهد به ~~في أنموذجات البلاغة ويعاب قولنا: «وأما هذه النعرة الجنسية والحمية القومية وإن عم ~~أمرها جميع الأمم ولم يخل منها عرب ولا عجم ... إلخ.» # ولعبد الملك بن ms080 مروان ومكانه من البلاغة والفصاحة مكانه: فتنزل بكم جائحة السطوات، وتجوس ~~خلالكم بوادر النقمات، وتطأ رقابكم بثقلها العقوبة فتجعلكم همدا رفاتا، وتشتمل عليكم بطون ~~الأرض أمواتا ... إلخ. ما هو المعنى الجديد بين «جائحة السطوات» و«بوادر النقمات»، وبين ~~«تجعلكم رفاتا» و«تشتمل عليكم الأرض أمواتا؟» أم تقول هذا حشو ولو صدر من عبد الملك بن ~~مروان. كلا أيها الأديب هذا تكرار وتأكيد من سلطان يريد أن يرهب رعيته وينذر قومه حتى ~~يستقيموا على الطاعة، وهو أبلغ وأوفى بالغرض من الكلام الذي قل ودل والذي ليس فيه تكرار ~~معنى؛ بل هو أوقع في نفوس السامعين مما لو اقتصرنا على قوله: «فتنزل بكم جائحة السطوات ~~وتطأ رقابكم العقوبة فتجعلكم رفاتا.» # وإليك من الحجاج بن يوسف من خطبة على أهل العراق: إنني لأرى رءوسا قد أينعت وحان ~~قطافها، وإني لصاحبها، والله كأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى. إلى أن يقول: لقد ~~فررت عن ذكاء وفتشت عن تجربة وأجريت من الغاية، وإن أمير المؤمنين عبد الملك نثر كنانته بين ~~يديه فجمع عيدانها عودا عودا فوجدني أمرها عودا وأشدها مكسرا، فوجهني إليكم ورماني بكم ~~يا أهل الكوفة يا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق؛ لأنكم طالما أوجفتم في الفتنة ~~واضطجعتم في منان الضلال وسننتم سنن البغي، وايم الله لألحونكم لحو العود ~~ولأقرعنكم قرع المروة. والله لا أحلف إلا صدقت، ولا أعد إلا وفيت ... إلخ. ثم يقول: ~~فاستوثقوا واعتدلوا ولا تميلوا واسمعوا وأطيعوا وشايعوا وبايعوا. ا.ه. # تذكر تهكم صاحب المقالة بمن تمادى في ضلاله ولج في غوايته، وقابل ذلك بقول الحجاج هنا ~~وتكريره ثلاث فقر متتابعة في معنى الفتنة والضلال والغي، ثم تدبر قول الحجاج: اعتدلوا ولا ~~تميلوا، فإن الاعتدال وعدم الميل شيء واحد، ثم قوله: اسمعوا وأطيعوا وشايعوا وبايعوا، وكل ~~هذا متقارب المعنى من قبيل الشقص الأوفر والحظ الأكمل» التي عابها علينا. # وخذ ما قاله أبو بكر الصديق لأبي عبيدة بن الجراح حينما أرسله إلى علي - رضي الله عنهم ~~جميعا - عندما تلكأ علي عن المبايعة وهو من ms081 جملة كلام: «ولئن لم يندمل جرحه ~~بيسارك ورفقك ولم تجب حيته برقيتك وقع اليأس وأعضل البأس واحتيج بعد ذلك ~~إلى ما هو أمر منه وأعلق وأعسر منه وأغلق، والله أسأل تمامه بك ونظامه على ~~يديك، فتأت له أبا عبيدة وتلطف فيه وانصح لله - عز وجل - ولرسوله # صلى الله عليه وسلم # غير آل ~~جهدا ولا قال حمدا والله كالئك وناصرك وهاديك ومبصرك إن شاء الله. امض إلى علي، ~~أخفض له جناحك، واغضض عنده صوتك، واعلم أنه سلالة أبي طالب ومكانه ممن ~~فقدناه بالأمس # صلى الله عليه وسلم # مكانه، وقل له: البحر مغرقه والبر مفرقه، والجو أكلف والليل ~~أغدف، والسماء جلواء، والأرض صلعاء، والصعود متعذر، والهبوط متعسر، والحق عطوف رءوف، ~~والباطل عنوف عسوف، والعجب قداحة الشر، والضغن رائد البوار، والتعريض شجار الفتنة، والقحة ~~ثقوب العداوة.» إلى أن يقول: «ما هذا الذي تسول لك نفسك، ويدوي به قلبك ويلتوي عليه رأيك ~~ويتخاوص دونه طرفك، ويسري فيه ظعنك، ويتراد معه نفسك، وتكثر عنده صعداؤك، ولا يفيض به ~~لسانك. أعجمة بعد إفصاح، أتلبيس بعد إيضاح.» إلى أن يقول: «زمان كنت فيه في كن الصبا وخدر ~~الغرارة وعنفوان الشبيبة.» ومثله قول الرسول # صلى الله عليه وسلم # عن علي: «إني أكره لفاطمة ميعة ~~شبابه وحداثة سنه.» فقال له أبو بكر: «متى كنفته يدك ورعته عينك حفت بهما البركة وأسبغت ~~عليهما النعمة.» وميعة الشباب وحداثة السن ثم البركة والنعمة وكله من باب واحد. ومن جملة ~~قول أبي بكر في تلك الرسالة إلى علي عن رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~«إنه لم يدع أحدا من أصحابه ~~وأقاربه وسجرائه (جمع سجير وهو الخليل الصفي) إلا أبانه بفضيلة وخصه بمزية وأفرده بحالة ~~أتظن أنه # صلى الله عليه وسلم # ترك الأمة سدى بددا عباهل مباهل (عباهل مهملة مسيبة، ومباهل من أبهل ~~الوالي الرعية: تركهم يركبون ما شاءوا) طلاحي مفتونة بالباطل مغبونة عن الحق لا رائد ولا ~~ذائد، ولا ضابط ولا حائط، ولا ساقي ولا واقي، ولا هادي ولا حادي. كلا ما ms082 اشتاق إلى ربه ولا ~~سأله المصير إلى رضوانه وقربه إلا بعد أن ضرب المدى وأوضح الهدى وأبان الصوى وأمن المسالك ~~والمطارح وسهل المبارك والمهايع، وإلا بعد أن شدخ يافوخ الشرك بإذن الله وشرم وجه النفاق ~~لوجه الله ... إلخ.» إلى أن انتهى بقوله: «دعنا نقضي (كذا) هذه الحياة بصدور بريئة من الغل ~~ونلقى الله بقلوب سليمة من الضغن.» هل نحن محتاجون إلى التنبيه على ما مر بك من ~~المترادفات والمعاني المبرزة في صيغ مختلفة اللفظ متحدة المآل أم تغنينا دراية القارئ عن ~~الإيضاح؟! # ومن كلام عمر في رسالة إلى علي: «إن أكيس الكيس من منح الشارد تألفا، وقارب البعيد ~~تلطفا، ولا خير في علم مستعمل في جهل، ولا خير في معرفة مشوبة بنكر.» إلى قوله: «بل ~~نحن في نور نبوة وضياء رسالة، وثمرة حكمة وأثرة رحمة، وعنوان نعمة وظل عظمة.» ~~(تأمل في قوله: نور نبوة وضياء رسالة ... إلخ). # وكان من جملة جواب علي: «لما وقذني به رسول الله وأودعني من الحزن لفقده؛ وذلك أنني لم ~~أشهد بعده مشهدا إلا جدد علي حزنا وذكرني شجنا.» (قابل هذه الجمل بما قاله صاحب مقالة ~~التطور في هذا المقال وتأمل). # وما على القارئ إلا أن يأخذ نهج البلاغة ويتصفح ما فيه من الخطب التي تتقطع من دونها ~~الأعناق ليعلم ما فيها من هذا النوع الذي يزعم صاحبنا أنه ليس بعربي ... ومن كلام عمر: ~~«ومن أعجب شأنك قولك: ولولا سالف عهد وسابق عقد لشفيت غيظي. وهل ترك الدين لأهله أن يشفوا ~~غيظهم بيد أو بلسان؟! تلك جاهلية قد استأصل الله شأفتها واقتلع جرثومتها.» ا.ه. # سبحان الله بعد أن قال: «سالف عهد» فما الحاجة إلى «سابق عقد»؟ ثم ما هو الفرق بين ~~«استأصل شأفتها» وبين «اقتلع جرثومتها»؟ ولا أظنه أعظم من الفرق بين «انتبذ مكانا» وبين ~~«تنحى جانبا» أوكان عمر غير بصير بالعربية؟! # ومن كلام أم الخير بنت الحريش البارقية يوم صفين في الانتصار لعلي : «إن الله قد ~~أوضح الحق، وأبان الدليل، ونور السبيل، ورفع العلم، فلم ms083 يدعكم في ~~عمياء مبهمة، ولا سوداء مدلهمة.» # ومن كلام الزرقاء بنت عدي بن قيس الهمدانية يوم صفين أيضا: «أيها الناس، ارعووا ~~وارجعوا؛ إنكم أصبحتم في فتنة، غشتكم جلابيب الظلم، وجارت بكم عن قصد المحجة، ~~فيا لها فتنة عمياء صماء بكماء، لا تسمع لناعقها، ولا تسلس ~~لقائدها.» # وقال سعيد بن عثمان بن عفان حين دخل على معاوية: «ائتمنك أبي واصطنعك حين بلغك باصطناعه ~~إياك المدى الذي لا يجارى والغاية التي لا تسامى ... إلخ.» فقال له معاوية: «أما ما ذكرت يا ~~ابن أخي من تواتر آلائكم علي وتظاهر نعمائكم لدي فقد كان ذلك ووجب علي المكافأة والمجازاة.» ~~ا.ه. # فانظر أيها القارئ إلى: المدى الذي لا يجارى، والغاية التي لا تسامى، وإلى: تواتر الآلاء ~~وتظاهر النعماء، وإلى: المكافأة والمجازاة، هل ترى في هذا الترادف فرقا عن: «ترامت به عن ~~منبته الأقطار وتباينت به عن أهله الأوطان والأوطار» أم أسلوب سعيد بن عثمان ومعاوية بن أبي ~~سفيان غير عربي؟ # والعربي هو أسلوب الأستاذ صاحب مقالة التطور! الذي هو مع هذا كله ينسى أنه قال في هذه ~~المقالة ما يأتي: وانتقل من حالة الخشونة والبربرية والجهل إلى حالة الظرف والأنس والمعرفة، ~~فما هو يا ترى ذلك الفرق العظيم بين البربرية والجهل، وبين الظرف والأنس، وما هو البون بين ~~هذه المترادفات هنا، وقوله أحزنني وأمضني وأقض مضجعي على فرض ورودها على الشكل الذي ~~أورده. # وكنا نحب أن نطلع على كتابات هذا الفاضل ونقرأ له أكثر من مقالة واحدة ~~(كذا)؛ لننظر هل تمكن من جعل كلامه كله من قبيل (كلا ولا)؟ وهل راعى شروط الاقتصاد ~~الذي يقتضيه هذا الزمان؟ وهل أفرغ جميع فصوله في قالب تلغرافات؟ # فليعلم أن الاقتصاد في غير موضعه هو تبذير وتفريط وهو أشبه باقتصاد من يهمل استدعاء ~~الطبيب وشراء العلاج حبا في التوفير فتطول علته ويتعطل عمله ويخسر أضعاف ما وفر. وكذلك ~~لغة التلغرافات تبقى إلى الأبد لغة تلغرافات لا تصلح لتفصيل مجمل ولا للإحاطة بموضوع ولا ~~لشفاء غليل من مبحث. ومن قرأ ms084 كتب الغربيين وطالع مقالاتهم اليومية وسمع محاضراتهم المستمرة ~~علم أنهم يذهبون مذهب التطويل أكثر منا، وأن لا وجه للمقايسة بيننا وبينهم في الإطناب ~~والشرح. # وربما يعترض بأن تطويلهم هذا إنما هو لتوفية الجزئيات حقها وإيضاح الغوامض وتشريح الدقائق ~~العلمية حال كون العرب إنما يعيدون المعنى فيقولون: أمضني وأرمضني وأقلقني وأقض مضجعي. ~~والجواب ماذا نقول في كتب القصص «الرومان» التي تصدر بالألوف وليس فيها شيء من المباحث ~~الفنية، نجد الكاتب إذا أراد أن يصف لك أقل منظر أو أدنى حادث أو أخف حالة نفسية لم يزل ~~يعيد لك المعنى ويصقله ويقربه إلى الفهم ويبدي فيه ويعيد حتى تمر الصفحات بعد الصفحات وأنت ~~لم تزل في ذلك المعنى نفسه. أفهذه لغة التلغرافات؟! # ولنأت لك بشيء من كلام الجاحظ الذي كان يعرف أن يكتب العربية ... قال في وصف الكتاب: «نعم ~~الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، الكتاب وعاء ملئ علما وظرف حشي ~~ظرفا.» ثم يقول: «فما رأيت بستانا يحمل في ردن وروضة تنقل في حجر.» ثم يقول: «ولا أعلم ~~جارا أبر، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلما أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية ~~وعناية، ولا أقل إملالا ولا إبراما، ولا أبعد عن مراء، ولا أترك لشغب، ولا أزهد في جدال، ~~ولا شجرة أطول عمرا ولا أطيب ثمرا، ولا أقرب مجتنى ولا أسرع إدراكا، ولا أوجد في كل إبان ~~من كتاب. ولا أعلم نتاجا في حداثة سنه وقرب ميلاده، ورخص ثمنه وإمكان وجوده، يجمع من ~~التدابير العجيبة والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول الصحيحة ومحمود الأذهان اللطيفة.» إلى ~~أن يقول: «ولو لم يكن من فضله عليك وإحسانه إليك إلا منعه لك من الجلوس على بابك ونظرك إلى ~~المارة بك ... إلخ.» إلى أن يقول: «ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت من عجيب حكمها، ~~ودونت من أنواع سيرها حتى شاهدنا بها من غاب عنا وفتحنا بها كل منغلق علينا ... إلخ .» # ثم يقول في جواب شرط: «علم أن ذلك أتم وأبلغ وأكمل وأجمع.» ويقول ms085 في محل آخر: «فرأى ~~الكتاب أبهى وأحسن وأكرم وأفخم.» ويقول في مكان آخر: «وربما كان الكتاب هو المحفور إذا كان ~~ذلك تاريخا لأمر جسيم أو عهدا لأمر عظيم كما كتبوا على قبة غمدان وعلى باب قيروان.» ويقول ~~أيضا: «ويضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور وأمنعها من الدروس.» # ويقول: «وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر والعلماء بمخارج الملل وأرباب النحل وورثة ~~الأنبياء وأعوان الخلفاء يكتبون كتب الظرفاء والملحاء وكتب الملاهي والفكاهات وكتب أصحاب ~~المراء والخصومات ... إلخ.» # كان يقدر الجاحظ أن يقول في الكتاب: بستان يحمل في ردن ما رأيت جارا أبر ولا رفيقا ~~أطوع ولا صاحبا أظهر كفاية ولا أقل إبراما ولا أبعد عن مراء من كتاب. ويختصر كثيرا ~~مما جاء على معنى واحد تقريبا، ولكن لم تكن النفس لتشبع من الموضوع شبعها منه بعد هذا ~~التكرار والتأكيد. # وقال علي بن الجهم: «إذا غشيني النعاس في غير وقت النوم تناولت كتابا فأجد اهتزازي فيه ~~من الفوائد والأريحية التي تعتادني وتعتريني من سرور الانتباه وعز التبيين، وإني إذا ~~استحسنت كتابا أو استجدته ... إلخ.» # ومن كلام بديع الزمان: «والموت أمر عظم حتى هان وخشن حتى لان ... إلخ.» ومن أقواله: «ما ~~وقع من حرب وحدث من خطب، وكان من يابس ورطب ... إلخ.» # ومن كلام الخوارزمي: «ويموت سيد من آل بيت المصطفى وشريف من عترة المجتبى فلا تشهد جنازته ~~ولا تجصص مقبرته، ويموت مسخرة لهم (أي لبني العباس) أو لاعب أو زامر أو ضارب ... إلخ.» # وأول مقدمة ابن خلدون: # الحمد لله الذي له العزة والجبروت، وبيده الملك والملكوت، وله الأسماء الحسنى ~~والنعوت، القادر فلا يعزب عنه شيء في السموات والأرض ولا يفوت، العالم فلا يخفى عنه ~~ما تظهره النجوى أو يخفيه السكوت، خلقنا من الأرض نسما، واستعمرنا فيها أجيالا ~~وأمما، ويسر لنا فيها أرزاقا وقسما تكتنفنا الأرحام والبيوت، ويكفلنا الرزق ~~والقوت، وتتداول آجالنا الأيام والوقوت، ويجري علينا ما خط علينا كتابها الموقوت، ~~وهو الحي الذي لا يموت ... إلخ. # إن صح رأي صاحبنا فما معنى: ms086 «يعزب ويفوت، وأجيالا وأمما، وأرزاقا وقسما، ورزق ~~وقوت، وأيام ووقوت» أفليس كل زوج منها واحدا؟ # ومن ترسل الصابئ في التهنئة بمولود: فأخذ ذلك عندي مأخذ الاغتباط ونزل عندي أعلى منازل ~~الابتهاج، وسألت الله أن يختصه بالبقاء الطويل والعمر المديد. إلى أن يقول: ويحرس هذه ~~السعادة من خلل يعترض اتصالها، أو فترة تخترم زمانها، أو نائبة تشوبها أو تنغصها، أو رزية ~~تثلمها أو تنقصها إلى انتهاء الأمد الأبعد والعمر الأطول. إلى قوله: الأيام التي استشعرت ~~نورا من سنائه، وآنست جمالا من بهائه، وثابت مصالحها ببركته، وتوافت خيراتها بيمنه، ~~واعتقدت أن السعادات طالعة علي بمطلعه أسبابها ناجمة إلي بمنجمه ... إلخ. # وفي الموضوع نفسه لعلي بن حمزة بن طلحة: فاستفزتني غبطة استحوذت على جوامع لبي، وتملكتني ~~بهجة ثوت في مرابع قلبي، وطفقت مبتهلا وتضرعت متوسلا أن يجمع له بين العمر المديد والجد ~~السعيد وأن يجعل للحياة أياديه لدى سيدي الأمير متضاعفة الأعداد مترادفة الأمداد ... إلخ. إلى ~~أن يقول: # وأن يقيه من كيد عاند إذا عند، ويحميه من شر حاسد إذا حسد، وأن ~~يؤتيه عائدتي العاجلة والعقبى ويحظيه بسعادتي الآخرة والأولى ... إلخ. # وماذا عسى الإنسان أن يستشهد مما ليس له نهاية؟! وأرجو الأستاذ المنتقد ألا يؤاخذني على ~~الإطناب؛ لأنه ضروري لإيجاد صورة تامة في الذهن، ولإقناع من كان مكتفيا برأيه، وأن يتغمد ~~«قلة بضاعتي ونزارة مادتي الفكرية» بوفرة بضاعته وغزارة مادته، وفوق كل ذي علم ~~عليم. # | تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها (2)1 # كنت نشرت في أحد أعداد الأربعاء السابقة من جريدة السياسة الغراء في صفحة الأدب منها ~~مقالا عنوانه «تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها» تكلمت في آخره عن فرق من فروق كثيرة ~~بين المذهبين القديم والجديد في الكتابة، وهو أن أصحاب المذهب القديم أولعوا بالمترادفات ~~يكيلونها جزافا على غير حاجة إليها ولا فائدة منها. وقدمت على ذلك مثلا من رسالة لكاتب ~~كبير لم أذكر اسمه، من ذلك قوله: «أيها الإخوان إن الصارخة القومية، والنعرة الجنسية، قد ~~بدأت مع الأقوام ونشأت مع الأمم، مذ الكيان، ms087 ومنذ الاجتماع البشري، وتساكن الإنسان مع ~~الإنسان ... إلخ.» فالصارخة هي النعرة، والقومية هي الجنسية، وبدأت هي نشأت، والأقوام هي ~~الأمم، ومذ الكيان هي منذ الاجتماع البشري، ومنذ الاجتماع البشري هي منذ تساكن الإنسان مع ~~الإنسان. # فأنت ترى أنه ما من كلمة إلا ومرادفتها معها على غير حاجة إليها ولا فائدة منها. ثم قلت ~~إن هذا النوع من الكتابة غير طبيعي، أو غير عربي، أو على الأقل لا يستمرئه ذوق هذا العصر. ~~فلما وصلت جريدة السياسة الغراء إلى ذلك الكاتب الكبير الذي نعرف فضله - وإن كنا ننكر ~~عليه مذهبه هذا - غضب جدا، لا لأن انتقادي جاء في غير محله؛ بدليل أنه لم يتصد أحد ~~للرد علي منذ نشرت رسالتي إلى أن تفضل هو بالرد عليها، والفترة ليست قصيرة، وبدليل أن ~~جريدة السياسة الغراء - ومكانها في الصحافة الراقية مكانها - قد شرفتني فجعلت مقالي في ~~صدر صفحة الأدب وهو المكان المعد لرسائل الأستاذ طه حسين، ولم يكن ذلك منها إلا لأنها رضيت ~~عن رسالتي، ورأت أن ما شرعت في الكلام عنه من الفروق بين المذهبين القديم والجديد في ~~الكتابة، مما تمس إليه الحاجة تعزيزا للمذهب الجديد الذي تدعو هي إليه. # نعم إن الأمير لم يغضب لأن انتقادي المذهب القديم جاء مباينا لوجه الصواب، وإنما غضب ~~لأني استشهدت بأقواله، ولم أستشهد بها إلا لأني اخترت أن أستشهد بأقوال كاتب كبير يوثق به ~~«أشفقت» أن يقلده غيره في أسلوبه هذا بلا بحث ولا انتقاد. # نعم لم يغضب لأني انتقدت وإنما غضب لأني استشهدت بأقواله، فلو تركته ولم أترك أحدا من ~~المتقدمين والمتأخرين إلا انتقدته واستشهدت بأقواله، لكان الخطب عنده هينا، ولكان انتقادي ~~حينئذ في محله، ولكفى نفسه مئونة هذا الرد الطويل العريض، الذي أرجو أن لا يتعجل في ~~الغضب علي إذا قلت إن هذا الرد من أوله إلى آخره جاء دليلا جديدا على أن الأمير من ~~أصحاب المذهب القديم، وأنه لا يزال مولعا بالمترادفات على غير حاجة إليها ولا فائدة ~~منها. # وإليك شيئا من كثير ms088 مما جاء في رده قال: «كل دور من أدوار اللغة العربية ~~سواء دور الجاهليين أو المخضرمين أو العهد الأموي أو العصر العباسي أو القرون التي بعده» ~~فالدور والعهد والعصر والقرون مترادفات، أجمل بقوله كل دور من أدوار اللغة العربية ثم ~~فصل بقوله: سواء دور كذا أو عهد كذا أو عصر كذا، ثم أجمل بقوله: والقرون التي بعده، لا ~~لأنه يريد الإجمال فالتفصيل فالإجمال، ولكن ليأتي بمترادفاته وقد كان التفصيل على قدر ما ~~عنده من تلك المترادفات. وقال: «فللأندلس منزع ولليمن مذهب ولمصر لهجة وللشام أسلوب وللعراق ~~نمط» فالمنزع والمذهب واللهجة والأسلوب والنمط مترادفات، ولو بقيت لديه بقية من المترادفات ~~ولو من الألفاظ الغريبة المهجورة لقال: ولفلسطين كذا وللسودان كذا ولأهل المدر كذا ولأهل ~~الوبر كذا. وقال: «في كل لغة وكل منطق.» وقال: «إذا أراد الكاتب أن يجول في ~~المواضيع الحديثة والمعاني المستجدة.» وقال: «إن اللغة الفرنساوية التي هي أفصح لغات ~~أوروبا لها أسلوب خاص ونمط قائم بها». وقال: «لإثبات فضله وإظهار طوله.» إلى غير ذلك مما ~~لو شئت تتبعه لجاء ردي مثل رده طويلا عريضا بل أطول وأعرض ... ما قول الأمير - أعزه الله - ~~لو شئنا أن نترجم عباراته هذه إلى لغة أجنبية، ولم يكن فيها من المترادفات ما في ~~اللغة العربية، أفلا نضطر إلى تكرار اللفظ بعينه في غير مواطن تكراره؟ فنقع في عيب ~~حاول الأمير أن يتجنبه بذكر مرادف اللفظ، وإن لم يكن فرق في الحقيقة بين تكرار اللفظ بعينه ~~وتكراره بمرادفه، ثم ما الفائدة من تكرار اللفظ بلفظه أو بمرادفه؟ وليس رده علي كلاما عن ~~سلطان ولا هو في فتح إذا جاز الإتيان بالمترادفات تكال كيلا في الكلام عن سلطان أو فتح على ~~رأي الأمير. أما كان الأولى بأدبه وعلمه أن يلزم نفسه قاعدة «خير الكلام ما قل ودل؟» ~~ولكنه يظهر أنه لم يراع هذه القاعدة لا في منشوره الذي «طبعت منه ألوف وألوف من النسخ ليوزع ~~على ملايين وملايين من الأمة العربية في المدر والوبر» أو «الأمة ms089 العربية جمعاء في آفاق ~~الأرض ومناكبها ومشارق الشمس ومغاربها» أو «الأمة العربية قاصيها ودانيها وحاضرها وباديها ~~وخاصيها وعاميها» نعم لم يراع هذه القاعدة لا في منشوره ذاك، ولا في رده هذا. # إذا كان لكل مقام مقال فما باله - أعزه الله - يجعل المقال الواحد لكل مقام؟! ولست أظن ~~أن كاتبا كبيرا مثله يتعذر عليه أن يتنكب هذا الأسلوب من الكتابة لولا أنه ألفه واتخذه ~~مذهبا في كل ما يكتب سواء أكان منشورا تقرؤه الأمة العربية جمعاء في المدر والوبر وفي ~~آفاق الأرض ومناكبها ... إلخ، أم ردا ينشر في صفحة الأدب ولا يقرؤه إلا من يهمه أمره، وقليل ~~ما هم. فصار إذا أمسك القلم انهالت عليه المترادفات كأنه يتناولها عن حبل ذراعه فلا يتركها ~~حتى يجيء على آخرها. وليس هذا أسلوب الأمير، ولكنه أسلوب قديم أكل الدهر عليه وشرب، ولعله ~~يتصل بعصر الكهان، وليس الأمير فيه إلا مقلدا، وإني أعرف كثيرين من أدباء عصر الأمير ~~وخريجي مدرسته وأستاذه ينحون نحوه في الإكثار من المترادفات يكيلونها كيلا على غير حاجة ~~إليها ولا فائدة منها ... ولولا خوفي أن يغضبوا كما غضب الأمير لاستشهدت في هذا المقام ~~بأقوالهم كما استشهدت في رسالتي تلك بأقوال ... ما أدراني أنهم هم أيضا يغضبون علي ولو لم ~~أستشهد بأقوالهم، لأنهم قد يكونون حسبوا أن تعرضي لأحد زعماء مذهبهم تعريض بهم، على أني لم ~~أكتب ما كتبت لأغضب فلانا وفلانا، أو كما قال الأمير - أعزه الله: «لم يكن مقصدي ~~الانتقاد لأجل الانتقاد» ولكن لأقرر مذهبا جديدا، فإذا لم يقبلوه فهم وشأنهم، لهم مذهبهم ~~ولي مذهبي. # اعتمد الأمير في رده علي على أصول اقتبسها من كلام صبح الأعشى وعلى شواهد اقتبسها من ~~أقوال من يسميهم بلغاء وفصحاء ... ويظهر أنه أجهد نفسه ونقب في تضاعيف الكتب كثيرا. أما ~~الأصول فليسمح لي الأمير أن أقول إنها ليست مما يصح الاستشهاد به فيما نحن فيه، فهي من ~~واد ومسألتنا من واد، ولولا خوفي أن أمل القارئ الكريم، وأن أشغل من صفحة الأدب على ~~حسابي ms090 ما لا يجوز لي أن أشغله، لحللت تلك الأقوال وأظهرت أنها لا تعني ما يريد الأمير أن ~~تعنيه؛ لأنها لم تزد على أن للإيجاز مقاما وللإطناب مقاما، وقد سبقت فقلت في رسالتي تلك ~~إن للإيجاز والإطناب مواطن وشرائط نص عليها البيانيون أمسكت عن ذكرها؛ تأدبا مع الأمير، ~~ولو فرضنا أنها تعني ما يريد فأرجو أن أنبه من الأمير غير غافل أننا نتكلم عن مذهب جديد لا ~~مذهب قديم. # انتقدت على الأمير إكثاره من المترادفات على غير حاجة إليها ولا فائدة منها، فأحالني على ~~المواطن التي يكرر فيها الكلام بلفظه أو بمرادفه عن حاجة إليه وفائدة منه. هذا ليس موضع ~~الانتقاد يا سيدي، التكرار لا يكون إلا لنكتة كزيادة التوكيد؛ نحو # كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون ~~؛ ~~ونحو: «إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليا فلا آذن ثم لا آذن ثم لا ~~آذن.» وزيادة التوكيد هذه لا يقتضيها إلا المعاني التي يراد بيان شدتها وعظم تأثر النفس ~~بها. فهل قولك: «إن الصارخة القومية والنعرة الجنسية نشأت مع الأمم وبدأت مع الأقوام مذ ~~الكيان ومنذ الاجتماع البشري وتساكن الإنسان مع الإنسان»، وقولك: «في كل لغة وكل منطق»، ~~وقولك: «إذا أراد الكاتب أن يجول في المواضيع الحديثة والمعاني المستجدة»، وقولك: «للغة ~~الفرنساوية أسلوب خاص ونمط قائم بها» هل كل ذلك من المعاني التي يراد بيان شدتها وعظم تأثر ~~النفس بها؟ # انتقدت على الأمير إكثاره من المترادفات على غير حاجة إليها ولا فائدة منها، فقال إن ~~منشوري للعامة، إن العامة يا سيدي الأمير لا تفهم منشورك، أكثرت فيه من المترادفات أم ~~أقللت. إذا أردت أن تخاطب الجمهور فلا إخالك تنكر علي أنه يجب أن تخاطبه بلغة مفهومة ~~تتجنب فيها مثل قولك: «الشقص الأوفر» إلا إذا كان قصدك أن تنومه لا أن تفهمه. إذا أردت أن ~~تكثر فليس الإطناب إكثارا، كما أنه ليس الإيجاز اختصارا، قد توجز مع الإكثار ، وقد تطنب مع ~~الاختصار، فإذا أردت أن تكثر فلا دخل للإطناب والإيجاز ms091 في إكثارك، وإنما الإكثار أن تضاعف ~~معانيك ما شئت وشاء المقام، لا أن تضاعف ألفاظك على غير حاجة إليها ولا فائدة فيها. # انتقدت على الأمير إكثاره من المترادفات على غير حاجة إليها ولا فائدة منها فأحالني على ~~صبح الأعشى في كلامه على التفاضل بين المساواة والإيجاز والإطناب. ليسمح لي الأمير أن أتجرأ ~~على فضله فأقول: لا تفاضل بينها؛ لأن كلا منها غير الآخر ولأن لكل منها محلا لا يجوز أن ~~يحل فيه غيره. وأما الكلام الوجيز الذي لا يؤمن وقوع الإشكال فيه، فهذا من الإيجاز المخل ~~الذي أشار إليه البيانيون، ولا يجوز لعربي أن يعتمده لا مع العامة ولا مع الخاصة ... # أما الشواهد التي جاء بها على ذمة راويها دليلا على أن أسلوبه عربي، فلست أظن أنه يجهل ~~أني لا أعجز عن أن أورد له أضعاف أضعافها لا ترادف فيها ولا تكرار من كلام من يوثق ~~بعربيته. # كان الأولى بالأمير أن يقول إنه قد ورد في بعض أقوال العرب المنقولة إلينا على ذمة راويها ~~شيء من الترادف، لا أن هذا أسلوب العرب، وإلا فكان يجب - على رأيه - إذا قبل رأس الحكمة ~~مخافة الله، أن يقال ودليل العقل تقوى الخالق، وعنوان الفضل خشية الباري. # أعيذ اللغة العربية من مثل هذا. # | ولكل دولة رجال ...1 # كنا نظن أننا بعد الإتيان بنصوص علماء الأدب وشواهد فحول البلاغة، مثل الجاحظ والبديع ~~الهمذاني وابن خلدون وأمثالهم، نأمن المناكرة والمكابرة ويقع التسليم بأن المترادف - هذا ~~إذا كان ثمة مترادف حقيقي - مألوف في لغة القوم قد يأتي في الأحايين لتمكين المعنى في نفس ~~السامع، وأن للإطناب مقامات وللإيجاز مقامات، وأن وضع الواحد منهما موضع الآخر مخل بالفصاحة ~~التي هي المطابقة لمقتضى الحال، إلى غير ذلك، فلم نستفد شيئا، وإذا بصاحبنا لا يعييه شيء، ~~ولا تقف في وجهه حجة ملزمة بل كل شيء له عنده جواب مهما كان ذلك الجواب كبيرا عليه. وإذا ~~وضعته بإزاء أولئك الأئمة الذين هم قدوة الناس في البيان قال لك ما محصله: ومن ms092 هم هؤلاء؟ ~~ومن هو الجاحظ؟ ومن هو بديع الزمان؟ لا بل من هو علي؟ ومن هو عمر؟ ومن هو زياد ابن أبيه؟ ~~ومن هو الحجاج؟ هؤلاء لهم مذهبهم في القول وأنا لي مذهبي ... صاحبنا أصبح صاحب مذهب، ولا غرو ~~فلكل زمان أبطال ولكل دولة رجال. # يقع واحد في الخطأ ويقول ما لم يقله الناس، فإذا ردوه إلى القواعد واستظهروا عليه ~~بالشواهد أجاب: هذا مذهب أولئك ولكنه ليس مذهبي. # لا تظن أنني مبالغ في شيء؛ بل أدين صاحبنا من نفس كلامه، قال: «لم يكن مقصدي الانتقاد ~~لأجل الانتقاد ولكن لأقرر مذهبا جديدا (كذا) إذا لم يقبلوه فهم وشأنهم لهم مذهبهم ولي ~~مذهبي.» # وقال في موضع آخر: «ولولا خوفي أن أمل القارئ الكريم وأن أشغل من صفحة الأدب على حسابي ما ~~لا يجوز لي أن أشغله لحللت تلك الأقوال وأظهرت أنها لا تعني ما يريد الأمير أن تعنيه لأنها ~~لم تزد على أن للإيجاز مقاما وللإطناب مقاما» إلى أن يقول: «ولو فرضنا أنها تعني ما يريد ~~فأرجو أن أنبه من الأمير غير غافل إلى أننا نتكلم عن مذهب جديد لا مذهب قديم.» # لا، بل والله كنت غافلا عن أنك صاحب مذهب، ولم يخطر ببالي أن أسلوب الجاحظ صار قديما ~~باليا وأن مثلي ومثلك صرنا مجددين في اللغة. لا تحمل كلامي محمل التهكم فليس بتهكم أن ~~يقال لك: لست بالجاحظ ولا علي بن أبي طالب، وإذا كان لهؤلاء مذهب فلست أنت بالذي يقدر أن ~~يأتي بنقيضه ... فاربع على ظلعك ولا تركب في غير سرجك، فلسنا وإياك من تلك الطبقة. أما قوله ~~إنه لو شاء لحلل تلك الأقوال وأظهر أنها لا تعني ما أريده ... إلخ، فليت شعري ماذا تعني تلك ~~الأقوال؟ وقوله: «فهي في واد ومسألتنا في واد» فأي واد نحن فيه غير هذا الوادي؟ أنكر ~~جواز استعمال المترادف مطلقا فأوردنا له نقطة من بحر من كلام الأئمة الذي فيه ما فيه من ~~المترادف. زعم أن للإطناب مواطن غير المواطن التي أطلنا فيها فأوردنا ms093 له النصوص والشواهد ~~التي هي مثل فلق الصبح على كون الإطناب مألوفا في المناشير العامة - التي هي في موضوع ~~منشورنا إلى الأمة العربية - فكيف تكون تلك الشواهد في واد ومسألتنا في واد؟ ورحم الله ~~القائل: # وليس يصح في الأفهام شيء # إذا احتاج النهار إلى دليل # وقال: «اعتمد الأمير في رده على أصول اقتبسها من كلام صبح الأعشى، وعلى شواهد اقتبسها من ~~أقوال من يسميهم بلغاء وفصحاء.» # أنا اعتمدت على أصول البيانيين التي وردت في صبح الأعشى وغير صبح الأعشى؛ لأن الأصول أصول ~~أينما وجدت، فهل يريد أن نأتي له بنصوص أخرى من غير صبح الأعشى على أن للإطناب مقاما ~~وللإيجاز مقاما، وأن التأكيد غير منكر في المناشير العامة، لا، بل الإيجاز فيما يخاطب به ~~الجمهور مخالف لشروط الكتابة. أنا استشهدت في ردي السابق بكلام الرسول # صلى الله عليه وسلم # وأبي بكر ~~وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وأبي عبيدة وزياد ابن أبيه والحجاج بن يوسف وعبد الملك بن مروان ~~وسعيد بن عثمان بن عفان والزرقاء الهمدانية وأم الخير البارقية ثم الجاحظ وعلي بن الجهم ~~وبديع الزمان والخوارزمي وابن خلدون والصابئ، وغيرهم. وهذا ما حضرني قبسة عجلان. أفهؤلاء ~~الذين يقول صاحبنا «من يسميهم بلغاء وفصحاء» أي إنني أنا أسميهم بلغاء وفصحاء ~~والحقيقة أنهم ليسوا كذلك. # نشدت الله كل قارئ منصف أليس مراد الأديب السكاكيني بقوله: «من يسميهم بلغاء وفصحاء» أنني ~~أنا وحدي أسمي هؤلاء الرجال المار ذكرهم بلغاء وفصحاء وأنه لا يسميهم كذلك إذ لا يجد لهم ~~بلاغة ولا فصاحة؟ لا جرم أن هذا هو مراده بهذه الجملة وكان الأولى أن أمسك القلم عن مناظرته ~~من بعد هذا ولكنني أكمل هذا الفصل ليزداد القراء بصيرة بالأمر وبعد ذلك أترك هذا العناء في ~~مناظرة من لا يعجبه إلا رأيه. وقال: «فأحالني على صبح الأعشى في كلامه على التفاضل بين ~~المساواة والإيجاز والإطناب. ليسمح لي الأمير أن أتجرأ على فضله فأقول لا تفاضل بينها ؛ لأن ~~كلا منها غير الآخر ولأن لكل محلا لا يجوز أن ms094 يحل فيه غيره.» # والله قد أعيتني الحيلة، ما أصنع لأقنع مناظري بالعدول عن هذا المراء الذي لا يليق بأديب ~~مثله. أعيد ما قلته بحرفه بعد إيراد النصوص. ~~«إذن ليست هناك مسألة تطويل ممل وإيجاز مخل؛ بل مسألة الإيجاز في محل الإيجاز، ~~والإطناب في محل الإطناب، فإذا خوطب الحكماء والعظماء والملوك بالكلام المشبع المبسوط ~~المؤكد كان ذلك خللا بأصول الكتابة، ومنافيا للذوق السليم، كما أنه إذا خوطب الجماهير ~~الذين لا تجد فيهم خاصيا إلا كان بجانبه ألف عامي بدقائق من البلاغة وإشارات وكنايات ~~تقتضي إعمال الفكر، ولا يدرك الجمهور مغزاها كان ذلك مخالفا لآداب الكتابة، وفات الغرض ~~المقصود من الخطاب. نعم كان العرب يميلون إلى الإيجاز، ولكن كانوا يميلون أكثر إلى وضع ~~الشيء في محله.» # أفرأيت كيف يذكرني مناظري بنفس الشيء الذي كنت قلته ليوهم الناس أنني مكابر فيه، ثم قال ~~وهو من أغرب ما جاء في رده: # أما الشواهد التي جاء بها الأمير على ذمة راويها دليلا على أن أسلوبه ~~عربي، فلست أظن أنه يجهل أني لا أعجز عن أن أورد له أضعاف أضعافها لا ترادف بها ~~ولا تكرار من كلام من يوثق بعربيته. # كلا لا تعجز عن إيراد شواهد على الكلام الموجز الذي ليس فيه مترادف ولا تأكيد وأنا مع ~~عجزي وتسميتي تلك الطبقة بلغاء وفصحاء، واعترافي بأنني لا أصلح أن أكون من تلاميذهم لا أعجز ~~أيضا عن الإتيان بأضعاف الأضعاف التي وعدت بها من الشواهد أيها الأستاذ، ولكن لم أفهم معنى ~~كلامك هذا؛ هل أنكرت أنا فضل الإيجاز وقلت لا بهاء لكلام موجز ولا مكان له عند العرب حتى ~~تأتيني بتلك الشواهد التي تبطل دعواي؟ وهل ورد في كلامي شيء يدل على كون المترادف هو ~~أصلا من أصول البلاغة لا غنى عنه جاء في محله أو في غير محله؟ متى وأين ادعيت ذلك؟ # تحرير القضية أنك أنت تنكر المترادف مطلقا، وأنا أقول: بل له مواضع، وقد جاء في كلام أهل ~~اللسان المقتدى بهم في البيان. ولا ينشأ من ms095 ذلك كما يفهم بالبديهة أنني أنكر بدائع الإيجاز ~~أو أوجب الإطناب في كل مكان حتى تورد لي شواهد على ما لم تسبق لي دعوى بإنكاره وتتكثر هذا ~~التكثر بدون سائق له. # أما قوله «على ذمة راويها» فتلك مسألة أخرى، يظهر أنه لا يعجزه شيء، وقد أخذ ~~اللغة بالجسارة والقوة، فإذا استشهدت له بكلام أساطين العربية قال لك: أنت تراهم ~~بلغاء، أما أنا فلا، أو: مذهبي غير مذهبهم، وإذا خاف أن ينكر عليه القراء كون الرسول # صلى الله عليه وسلم # لم يصب شاكلة البلاغة عندما قال عن علي: «أكره لفاطمة ميعة شبابه وحداثة سنه»، ~~وكون أبي بكر تكلم بعربي فصيح عندما قال: «لم يدع أحدا من أصحابه إلا أبانه بفضيلة وخصه ~~بمزية وأفرده بحالة» أو تذكر أن عليا صاحب «نهج البلاغة» لم يكن محتاجا أدباء آخر الزمان ~~أن يردوه إلى العربية الصحيحة عندما قال: «لولا سالف عهد وسابق عقد»، وعند قوله: «استأصل ~~الله شأفتها واقتلع جرثومتها.» وأن معاوية أيضا كان لا بأس به في العربية، وهو القائل: ~~«تواتر آلائكم علي وتظاهر نعمائكم لدي.» وأن الجاحظ كان أكتب مني ومن الأستاذ السكاكيني ~~وأمثالنا، وهو الذي يقول: «أمنعها من الدروس وأبعدها من الدثور» عاد فقال لك: وما يدريك ~~فلعلهم لم يقولوا ذلك وحاول جرح الرواية ولو كانت القضية قضية جملة أو جملتين أو مائة أو ~~مائتين من هذا القبيل لكان الأمر سهلا، ولكن هناك ما لا يحصى ولا يعد (لا يحصى ولا يعد) ~~هو أيضا من كلام العرب، وهو من باب التأكيد وإشباع المعنى؛ لأن «يعد» هو نفس «يحصى»، فماذا ~~عسى صاحبنا يجرح من الروايات وماذا عساه يتحمل من الأجوبة على أقوال لم يختلف في روايتها ~~اثنان. # ثم قال: «كان يجب - على رأيه - إذا قيل رأس الحكمة مخافة الله، أن يقال ودليل العقل تقوى ~~الخالق وعنوان الفضل خشية الباري» إذا كنت استشهدت بأقوال العلماء عن مواطن الإيجاز ومواطن ~~الإطناب وأوردت شواهد من الخطب والكتابات التي وقع فيها مترادف لنكتة مقصودة أو لمعنى قريب ms096 ~~من معنى أو لتمكين صورة في ذهن أفتكون نتيجة ذلك أنني أوجب أن لا يقال رأس الحكمة مخافة ~~الله حتى يقال ودليل العقل تقوى الخالق؟ أومثلي أنا ينكر جوامع الكلم وينكر مزايا الإيجاز؟ ~~وهل هذا هو مبلغك من الإنصاف أيها الأديب؟! # ثم قال: «أعيذ اللغة العربية من مثل هذا» أي يعيذ العربية من مثل كلام الجاحظ ومن سبق ~~ذكره ... ويظهر أنه أحس بكونه لا مخرج له من تبعة قوله أن هذا الأسلوب غير عربي، فقال: «ثم ما ~~باله اهتم كثيرا بقولي إن أسلوبه غير عربي ولم يهتم بقولي إنه غير طبيعي أو على الأقل لا ~~يستمرئه ذوق هذا العصر» أي إنه قد يكون عربيا ولكنه غير طبيعي، فكأن العرب ينقصهم في دولة ~~فصاحتهم هذه صفاء القرائح وتجويد المنطق، فجاءوا بما يخالف الطبيعة، وجاء هو يبين لهم ~~أن أسلوبهم هذا غير طبيعي، فليطبقوا أسلوبهم على الطبيعة، ثم نزل عن ذلك العموم إلى ~~دائرة أضيق فقال: «لا يستمرئه ذوق هذا العصر» فجعل نفسه ممثلا لذوق العصر، وظن أنه بقوله: ~~«هذا مذهب جديد» انقطعت الحجة وارتفع النزاع، ونسي أن الطبيعة البشرية في هذا العصر وفي ~~كل عصر واحدة تميل إلى الإيجاز في محل الإيجاز، وتهتف بالمترادف في محل التأكيد، وأن ~~الذي قرره من ذلك علماء الأدب هو المنطقي المعقول الملازم للبشرية الذي ليس فيه قديم وجديد؛ ~~لأن العقل ليس فيه قديم وجديد، وأن ذوق هذا العصر أيضا وذوق أدباء أوروبا هو الإيجاز في ~~محله والإطناب في محله، وأن وضع الواحد موضع الآخر مخالف للذوق. وأما أنه لو أراد ~~الإنسان ترجمة المترادف إلى لغة أجنبية للزم تكرار اللفظ بعينه فليس بوارد لأن كل لغة ~~لها روح. ولا يقال إن هذا الفرنساوي ليس بفصيح؛ لأننا عندما ترجمناه إلى العربي بنصه لم يكن ~~له طعم، ولا أن هذا العربي غير بليغ، أفلا ترى أننا عندما جعلناه فرنسويا ظهرت فيه كلمات ~~مكررة فمن البديهيات أن معيار فصاحة اللغة لا يكون إلا في نفس اللغة. خذ «فكتور ~~هوغو» ms097 وترجمه إلى العربية فماذا تجد فيه مما يستحق كل هذا الإعجاب؟ مع أنه في لغته ~~هو السنام الأعلى. # ويقول: «إن الأمير لم يغضب لأن انتقادي جاء مباينا لوجه الصواب، وإنما غضب لأنني استشهدت ~~بأقواله» ثم ما مضى سطران حتى عاد فقال: «نعم لم يغضب لأنني انتقدت وإنما غضب لأنني استشهدت ~~بأقواله» بالله عليك أيها القارئ اللبيب هل تجد في هذه الجملة الثانية معنى جديدا لم يكن ~~في الأولى؟ فلماذا أجاز هذا التكرار أستاذ المذهب الجديد؟ أم يحلونه عاما ويحرمونه عاما؟! ~~ثم أطال في تبيين سبب غضبي وانحصاره في انتقاده لكلامي يريد أنني لولا ذلك لكنت استحسنت ~~جرأته على أرباب اللغة وما علمت من أين جاءه نبأ هذا السبب؛ إذ ليس في جوابي ما يدل ~~على شيء مما قال، فكيف اطلع على سريرتي من القدس إلى لوزان، أبمناجاة الأرواح أم بقراءة ~~الأفكار، فعلم أنني كنت موافقه على ما قاله لولا كونه تعرض لي؟! بل والله ما غضبت لنفسي ~~مثلما غضبت لأساطين اللغة وسلاطين البلاغة أن يقوم اليوم واحد مثلي أو أعجز مني فيقول ~~إن بلاغتهم صارت قديمة بالية وإنه هو سيغنينا عنهم بأسلوب جديد. # ومن جملة تكراراته التي يعيبها على الناس ويقع فيها قوله في رده الأخير: «ليس الإطناب ~~إكثارا، كما أنه ليس الإيجاز اختصارا، قد توجز مع الإكثار، وقد تطنب مع الاختصار، فلا دخل ~~للإطناب والإيجاز في إكثارك، وإنما الإكثار أن تضاعف معانيك، وتتبسط فيها ما شئت وشاء ~~المقام»، ما بالك تزري على الناس تكرار الجمل للتأكيد ثم تقول: «ليس الإطناب إكثارا كما ~~أنه ليس الإيجاز اختصارا؟» فعلى مذهبك قد انتهى هذا المعنى هنا، وصار من الحشو أن تقول ~~فيما بعده: «قد توجز مع الإكثار وقد تطنب مع الاختصار»، فأي معنى جديد أتيتنا به في هذه ~~الجملة التالية؟! وأي تبسط تبسطته في المعاني هنا؟! فأنت الذي بعد هذا ينتقد قولي: ~~«المواضيع الحديثة والمعاني المستجدة» ويهزأ بعبارتي: «إن اللغة الفرنساوية التي هي أفصح ~~لغات أوروبا لها أسلوب خاص ونمط قائم بها»، ms098 ثم يعيب قولي: «كل دور من أدوار ~~اللغة العربية؛ سواء دور الجاهليين أو المخضرمين أو العهد الأموي أو العصر العباسي أو ~~القرون التي بعده»، ثم يقول: «فالدور والعهد والعصر والقرون مترادفات، أجمل بقوله: كل دور ~~من أدوار اللغة، ثم فصل بقوله: سواء دور كذا أو عهد كذا أو عصر كذا، ثم عاد فأجمل ~~بقوله: والقرون التي بعده، لا لأنه يريد الإجمال ولكن ليأتي بمترادفاته.» # ثم أجملت بقولي: «كل دور من أدوار اللغة العربية» ثم لزم أن أفصل هذه الأدوار ~~وأعينها ليعرف أي الأدوار التي كانت لها ديباجة تعرف بها. فقلت: «دور الجاهليين أو ~~المخضرمين أو العهد الأموي أو العصر العباسي» فما فهمت وجه الاعترض هنا أترى عنده دور ~~الجاهليين هو نفس دور المخضرمين، والعهد الأموي هو العصر العباسي، فلا يكون ازداد المعنى ~~بهذا التفصيل أم ماذا؟! كما أني لم أفهم كيف أني بقولي: «والقرون التي بعده» لم أقصد إلا ~~الإتيان بمترادفاتي، أراه ينكر فائدة هذه الجملة ويرى القرون التي بعد العصر العباسي وهي ~~نحو ستمائة سنة هي نفس العصر العباسي؛ فلذلك يرى أن ليس من معنى جديد في ذكرها، أعترف أنني ~~عجزت هنا عن حل معمى انتقاده، وأنا أستنجد القراء الكرام أن يفيدوني محل التكرار بدون فائدة ~~في عباراتي هذه. كما أني أستنهض هممهم أن يشرحوا لي ما زاد الأستاذ من معاني في قوله: «قد ~~توجز مع الإكثار وقد تطنب مع الاختصار» بعد قوله: «ليس الإطناب إكثارا كما أنه ليس الإيجاز ~~اختصارا.» # ثم زعم أني قلت: «فللأندلس منزع ولليمن مذهب ولمصر لهجة وللشام أسلوب وللعراق ~~نمط.» # والحال أن عبارتي هي هذه: «فللأندلس منزع يعرفه من ألف مطالعة كتب ذلك ~~القطر، ولليمن مذهب لا يشبه مذهب المنشئين في العربية من فارس في كثير من ~~الأمور، ولمصر لهجة خاصة يعرف الناقد البصير منها نسبة مؤلف الكتاب ولو لم ~~يكن اسمه عليه كما ترى ذلك من ألف ليلة وليلة، وللشام أسلوب يختلف شيئا عن أسلوب أهل مصر ~~في الكتابة وكثيرا في الحديث، كما ms099 أن للعراق نمطا غير نمط أهل الشام ومصر وهلم ~~جرا.» # أنا أعرض هذه الجمل على كل من شم رائحة العربية وأرجو منه أن يخبرني أين التكرار ~~الممل والحشو الزائد هنا؟ هل يا ترى إذا قلنا: «فللأقطار العربية منازع مختلفة في ~~الكتابة» نكون وفينا كل المعنى الذي يستفاد من هذا التفصيل ولا يكون ذلك إيجازا مخلا ~~بما نريد بيانه؟ # فإن كان مثل هذا حشوا، فماذا يكون قوله هو: «وانتقل من حالة الخشونة والبربرية والجهل ~~إلى حالة الظرف والأنس والمعرفة» أم تكون البربرية بلا جهل، ويكون الأنس بدون معرفة؟ أو ~~هناك فروق ودقائق لا توجد في المترادفات التي وقعت في كلامنا، وما هو المعنى الجديد المتبسط ~~في قوله: «على غير حاجة إليها ولا فائدة منها»؛ إذ ما الفائدة مما لا حاجة إليه؟ لقد ~~أعجبته جدا كلمته هذه حتى كررها مرارا في رده الأخير. # قال في العمود الأول من رده: «يكيلونها كيلا على غير حاجة إليها ولا فائدة منها»، ثم ~~بعد أسطر معدودات من موضعها الأول قال: «ما من كلمة إلا ومرادفاتها معها على غير حاجة ~~إليها ولا فائدة منها» ثم بعد أسطر من هذا المكان عاد فكررها قائلا: «دليلا جديدا على أن ~~الأمير من أصحاب المذهب القديم وأنه لا يزال مولعا بالمترادفات على غير حاجة إليها ولا ~~فائدة منها.» ثم جاء في العمود الثاني من مقالته فقال: «أعرف كثيرين من أدباء عصر الأمير ~~وخريجي مدرسته وأستاذه ينحون نحوه في الإكثار من المترادفات يكيلونها جزافا من غير حاجة ~~إليها ولا فائدة منها.» ثم قال في العمود الثالث من مقالته: «انتقدت على الأمير إكثاره من ~~المترادفات على غير حاجة إليها ولا فائدة منها.» ثم قال بعد ذلك بقليل في نفس العمود: ~~«انتقدت على الأمير إكثاره من المترادفات على غير حاجة إليها ولا فائدة منها فقال منشوري ~~للعامة.» ثم قال بعد ذلك بنحو عشرة أسطر: «لا أن تضاعف ألفاظك على غير حاجة إليها ولا فائدة ~~منها.» ثم قال بعد هذه الجملة بسطرين لا غير أي ms100 حين لم يحن له أن يشتاق إلى هذه الجملة: ~~«انتقدت على الأمير إكثاره من المترادفات على غير حاجة إليها ولا فائدة منها فأحالني على ~~صبح الأعشى.» # وبالاختصار فإنه أورد جملة هي في الحقيقة: «لا حاجة إليها ولا فائدة منها» ثماني مرات في ~~مقالة هي ثلاثة أعمدة، ولم يكثر عليه أن يرميني بالمترادف لغير فائدة وأن ينكر أسلوب العرب ~~الأولين أهل اللسان، وأن ينصب نفسه إماما يجب على الناس أن يصلوا خلفه، ~~وبهذا القدر كفاية. ~~••• # بعد تحرير هذه المقالة اطلعت على صحيفة الأدب من «السياسة» الغراء المؤرخة في 21 ~~نوفمبر فوجدت فيها مقالتين ممتعتين إحداهما بإمضاء «صدقي» والثانية بإمضاء «علي أدهم»، كل ~~منهما ممن يتحدى الأسلوب الغربي ويحاكي مذهب كتاب الإفرنجة على شرط المحافظة على ~~ديباجة العربية وإفراغ المعاني الجديدة والمنازع الأوروبية في القالب المتين مما هو ~~نكتة المحيا والغاية القصوى. # فقد تصفحت هاتين المقالتين فوجدت في أولاهما ما يأتي في ذكر رسالة الغفران: # تطير نفسه شعاعا إلى نعيمها وملاذها. # يعدد ألوان النعيم ويصف أفانين الملاذ بأقصى قصارى مبالغاته. # ليست رسما مسطورا أو قصورا جامدة لا حراك بها. # لا مندوحة إذن عن أن المخيلة تحدس وتفترض. # فعلى مذهب الأستاذ السكاكيني «شيخ الطريقة الجديدة» لا وجه لذكر ملاذها بعد نعيمها، ولا ~~محل لأفانين الملاذ بعد ألوان النعيم. وأي معنى لقوله: «لا حراك بها» بعد قوله: «إنها ~~جامدة»، وما هي الضرورة لكلمة «تفترض» بعد كلمة «تحدس»، ولا فائدة للتأكيد ولا حاجة للتأثير ~~على السامع، ومن قارن بين الاعتراضات التي اعترضها علي وبين هذه الجمل علم أن ~~اعتراضاته واقعة على هذه أيضا وعلى العربية من أصلها. # وجاء في المقالة الثانية ما يأتي في وصف الكاتب الروسي الروائي إيفان ترجنيف. ~~«زيادة اتساع الإحساس وترامي حدود المعرفة والإحاطة»، «ظاهرة ذات شأن كبير وحادثة بعيدة ~~التأثير»، «وهو من كبار مفسري النفسية الروسية ومترجمي أسرار القلب السلافي.» سيقول لك ~~السكاكيني أن لا محل لترامي الحدود بعد الاتساع، ولا لزوم لجملة بعيدة التأثير بعد ذات شأن ~~كبير، وسينكر عليك ms101 ترجمة أسرار القلب بعد تفسير النفسية. # ثم ورد: # من العبقريات الثرة الفياضة»، «وربما كانت حماسته وتأججه أكثر من فيضه وتدفقه ~~وعمق نفسه وبعد قرارها أكثر من اتساعها وانفراج ما بين أطرافها»، «ويدرس إشارة ~~بذاتها ولمحة بعينها ويعي كل ذلك في حافظته ويرسمه في لوح ذاكرته.» سامحك الله ~~أيها الكاتب الأديب، كيف تجرؤ أن تقول: ثرة وفياضة؟ أليستا مترادفتين؟ وكيف تجيز ~~وضع عمق النفس بجانب بعد القرار، أوليسا شيئا واحدا؟ وما معنى لمحة بعينها مع ~~إشارة بذاتها؟ وهل تحتاج أن تقول: «يعي كل ذلك في حافظته» ثم تردفها بقولك: ~~«ويرسمه في لوح ذاكرته»؟ ولعلك تقول إن هذا من باب تنويع الصور للمعنى الواحد ~~وارتياد التأثير في النفس ولكن هنا من لا يبيح لك هذا الأسلوب ومن يعيذ العربية ~~منه ... # ثم ورد: # نفس سرية غير مسرفة ولا مبذرة. # الدائمة الحركة بلا ونية ولا انقطاع السائرة أبدا إلى الأمام مبتلعة كل شيء غير ~~مبقية على شيء. # وكانت هذه النغمة متأصلة في نفسه، عريقة في طبعه، فقد كان لتأمله قوة الطبيعة ~~وهولها يغمر مشاعره الجميلة بسيل من الحزن والأسى ويثير في نفسه العطف والحب للبشر ~~شركائه في الخطب وإخوانه في البلاء. # أبعث على الكآبة وأكثر إثارة للشجن. # لا سيما غابة الصنوبر؛ فهي متشابهة متماثلة الشكول. # والمحيط يهدد ويتوعد. # التي ترمقه بغير ما عطف ولا حنان. # في ذلك الموقف تتراجع الآمال وتنكص على الأعقاب. # هناك يشعر الإنسان بعزلته وقلة حوله ونفاذ حيلته. # وفي الدنيا التي خلفها يستشعر الراحة والطمأنينة وفيها يستطيع أن يثق بقدرته ~~ويصدق بقوته. # بادي الكآبة والحزن. # أخذت الظلال تنمو وتتكاثف وتخيم. # كيف أنتفع من عطاياك ومنحك. # وهل أنا هذا الشيء الخامد الهامد. # الصمت الملي بالحزن والشجو. # تهفو بي أشباح خادعة غرارة. # سرعان ما تنفجر لها ينابيع السعادة وتجيش شآبيبها. # يتزايد حزنك ويطغى شجنك. # أردت راحة ونشدت هدوءا. # لا أظن القارئ البصير يحتاج إلى تبين ما في هذه الجمل البديعة من المترادفات التي تزيد ~~المعنى توضيحا وصبغة القول تلوينا، والتي لولاها لا يتم ms102 التأثير المطلوب في النفس، ولكن ~~قاعدة الأستاذ السكاكيني تحظر كل هذا وتعده (غير عربي)، وإذا حاججته بكلام السلف ~~الذين ورد في كلامهم مثله قال لك: «غير طبيعي، أو لا يستمرئه ذوق هذا العصر» وإذا قلت له ~~إن هذا أسلوب الروائي الروسي إيفان ترجنيف ولا شك أنه أسلوب عصري أوروبي لا تقدر أن تقول ~~فيه شيئا، أجابك: إلا أن هذا ليس مذهبي، وجف القلم. ومن هنا تعلم أن صاحبنا ليس في القديم ~~ولا الجديد. # | تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها (3)1 # انتقدت إكثار الأمير من المترادفات بدون مسوغ، فرد علي ردا طويلا استغرق أربعة ~~عشر عمودا من السياسة الغراء دافع به عن مذهبه وحاول أن يثبت أنه أسلوب عربي، فرددت عليه ~~بثلاثة أعمدة قلت فيها إن التكرار لا يكون إلا لنكتة كزيادة التوكيد، نحو: # كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف ~~تعلمون ~~؛ ونحو: «إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم عليا ~~فلا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن.» وإن زيادة التوكيد هذه لا يقتضيها إلا المعاني التي يراد ~~بيان شدتها وعظم تأثر النفس بها، وإن المناشير إلى العامة يجب أن تكون بلغة مفهومة ~~يتجنب فيها مثل قوله: «الشقص الأوفر»، وأن لا دخل للإطناب والإيجاز في إكثاره، وإنما ~~الإكثار أن يضاعف معانيه ويتبسط فيها ما شاء وشاء المقام لا أن يضاعف ألفاظه على غير حاجة ~~إليها ولا فائدة منها. # وقد كنت أظن أنه لم يبق مجال للأخذ والرد، وإذا بالأمير يعود إلى الرد علي بكلام ~~استغرق سبعة أعمدة من السياسة الغراء فقط! وإذا بنا لا نزال حيث كنا، كلامي في واد ~~وكلامه في واد آخر. ومن العجب أن يلزمني كلاما لم أقله؛ إذ قال: «تحرير القضية أنك أنت ~~تنكر المترادف مطلقا، وأنا أقول بل له مواضع»، وتحرير القضية أني قلت إن للإطناب - ومنه ~~تكرار الكلام بلفظه أو بمرادفه - مواطن وشرائط نص عليها البيانيون، وأن الأمير يكثر من ~~المترادفات، اقتضاها المقام أم لم يقتضها، فأنت ترى أن الجدال أصبح عقيما. # ولكني قلت ms103 لأجرد نفسي عن أن أكون المعني برد الأمير، ولأجعل منها شخصا ثالثا، ~~ولأنظر في رده الأخير باعتبار أنه كلام الأمير لا باعتبار أنه رد علي، وللأمير في أن ~~يسعني بحلمه فيما أعلقه على كلامه الرأي الموفق إن شاء الله. # إن الأمير - أعزه الله - وإن تكلف الدفاع عن مذهبه في الكتابة جهد ما يستطيعه كاتب ~~كبير مثله، لم يسعه إلا أن ينكب في رده هذا الأخير عن مذهبه الذي ألفه وألفناه ~~منه؛ إذ لم يأت فيه بالمترادفات يكيلها كيلا اقتضاها الحال أم لم يقتضها، كما فعل في ~~منشوره إلى الأمة العربية جمعاء في آفاق الأرض ومناكبها ومشارق الشمس ومغاربها ... إلخ، وكما ~~فعل في رده الأول. ولا شك أن تنكيبه عن مذهبه - الذي لم يدافع عنه هذا الدفاع الشديد على ~~غير طائل إلا ليقال إنه لم يعجز عن الرد - اعتراف منه أنه مذهب بال وأنه ليس طبيعيا ولا ~~عربيا ولا يستمرئه ذوق هذا العصر. ولا شك أن أصحاب المذهب الجديد يرحبون بل يعتزون به، ~~وأنا الضمين لهم ألا تحدثه نفسه بالعودة إليه، فلن يقول بعد اليوم كما قال قبله بدون مسوغ: ~~«إن الصارخة القومية والنعرة الجنسية نشأت مع الأمم وبدأت مع الأقوام مذ الكيان ومنذ ~~الاجتماع البشري وتساكن الإنسان مع الإنسان»، وكما قال: «الشقص الأوفر والحظ الأكمل»، وكما ~~قال: «إذا أراد الكاتب أن يجول في المواضيع الحديثة والمعاني المستجدة»، وكما قال: «للغة ~~الإفرنسية أسلوب خاص ونمط قائم بها» إلى غير ذلك ... ولا أخال الأمير إلا معترفا لي في ~~قلبه أني قد كسبته - ولا أقول غلبته - وحسبي ذلك فخرا. # إن الأمير - أعزه الله - اعتمد في رده الأول على قواعد اقتبسها من صبح الأعشى، وعلى ~~شواهد اقتبسها من أقوال بعض القدماء على ذمة راويها، فلم تغنه في الدفاع عن مذهبه ~~شيئا، وأما في رده الثاني فقد جعل يستشهد بكتاب العصر، ولا شك أن هذا دليل آخر ~~على أنه تجدد. # إن الأمير - أعزه الله - كان في رده الأول على علمه وفضله متأبها شديدا لا ~~يقيم ms104 لأحد وزنا، وقد غضب لأن يقوم واحد مثلي فينتقده، وأما اليوم فقد ضاق ذرعا وجعل ~~يتظلم ويستنجد القراء ويستنهض هممهم وينشدهم الله ويرجوهم، وإليك الدليل على ذلك من ~~كلامه، قال: «والله قد أعيتني الحيلة، ماذا أصنع لأقنع مناظري بالعدول عن هذا المراء» ~~وقال: «وأنا مع عجزي واعترافي بأنني لا أصلح أن أكون من تلاميذهم» أي من تلاميذ الفصحاء ~~والبلغاء القدماء الذين استشهد بقولهم، وقال: «هل هذا مبلغك من الإنصاف أيها الأديب»، وقال: ~~«نشدت الله كل قارئ منصف»، وقال: «أنا أعرض هذه الجمل على كل من شم رائحة العربية ~~وأرجو منه أن يخبرني»، وقال: «أستنجد القراء الكرام، أستنهض هممهم، بالله عليك أيها ~~القارئ الكريم» ... إلى غير ذلك؛ بل قد تواضع كثيرا فذكر اسم مناظره ووصفه بالأديب والأستاذ، ~~وإن لم يخل رده من غمزات؛ كقوله: «صاحبنا أصبح صاحب مذهب، ولا غرو؛ فلكل زمان أبطال ولكل ~~دولة رجال.» # لست يا سيدي الأمير صاحب هذا المذهب الجديد في الكتابة ولكنني من دعاته، فإذا كان لك شيء ~~فدونك المذهب ففنده ولا شأن لك مع أصحابه ودعاته، إلا إذا كنت أرستقراطي المذهب في الكتابة ~~كما أنك أرستقراطي المذهب في الاجتماع، فلا يجوز في عرفك أن يكون الكتاب من غير الأمراء؛ ~~وكقوله: «فاربع على ظلعك، ولا تركب في غير سرجك»، وكأنه أحس بشدة هذه الغمزة - وإنه ~~لإحساس عال أشكره عليه كثيرا - فاستدرك وقال: «فلسنا وإياك من تلك الطبقة»؛ وكقوله: ~~«والله ما غضبت لنفسي مثلما غضبت لأساطين اللغة وسلاطين البلاغة أن يقوم اليوم واحد ~~مثلي أو أعجز مني فيقول إن بلاغتهم صارت قديمة بالية»، ولا شك أنه يعنيني بقوله: «أعجز ~~مني»، إني لأعجز كاتب أيها الأمير، أما وقد تشرفت أن أكون مناظرك فإذا نسبت إلي العجز في ~~معرض الدفاع عن نفسك لا عن أساطين اللغة وسلاطين البلاغة فتلك كلمة أنت أدرى بما يفهم ~~منها في هذا المقام ... ثم ألا يجوز أن يقال إنك لم تعظم من شأن القدماء فقلت إنهم أساطين ~~اللغة وسلاطين البلاغة إلا تعظيما لشأنك؛ لأنك ms105 تكتب كما يكتبون، فكأنك قلت عن نفسك إنك ~~من أساطين اللغة وسلاطين البلاغة، وليس قولك في آخر العبارة: «أن يقوم واحد مثلي أو ~~أعجز مني فينتقدهم» إلا من قبيل التمدح في معرض التواضع؛ لأنك لم تنتقدهم، ولقد ذكرني ~~تمدحك هذا في معرض التواضع بذلك الرجل الذي سئل: من كان في مجلس كذا؟ فقال: كان الأمير ~~فلان والوزير فلان والكبير فلان والعبد الفقير، يعني نفسه على سبيل التواضع؛ وكقوله: «أدباء ~~آخر زمان» كأنه يعني أنه خاتمة الأدباء فلا يجوز أن يتجرأ أحد بعده أن يمسك قلما. على أنه ~~قد يفهم من ذكر اسمي بعد أن قال: «أنا استشهدت في ردي السابق بكلام الرسول # صلى الله عليه وسلم # وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وأبي عبيدة ... إلى أربعة عشر اسما» وقد جاء بهم قبسة ~~عجلان أنه لم يذكره لا ليغري الكتاب والقراء وليعرفوا على من يصبون نقمتهم، فكأنه قال ~~لهم هذا هو الذي يتنقص فضل السلف الصالح فارجموه. # يقول الأمير - أعزه الله: «إذا كان لهؤلاء مذهب - أي للجاحظ وعلي بن أبي طالب، ~~فاستعمل «هؤلاء» للمثنى - فلست أنت الذي يأتي بنقيضه.» إذن يجوز أن ينقض ولكن على يد أمير ~~مثله لا على يد صعلوك مثلي. ثم ما باله يصرف النقد عنه إلى الجاحظ وعلي بن أبي طالب ~~وغيرهما؟ أنا لم أتعرض لأحد من هؤلاء، أم لعله يريد أن يحتمي بهم كما احتمى بأديبين من ~~أدباء العصر. # مع إقلاع الأمير عن مذهبه كما ترى من مقابلة رده الأخير بمنشوره إلى العامة ورده ~~السابق، ومع تواضعه في انتحال المذهب الجديد لم يسعه في رده علي إلا أن يظهر بمظهر ~~المحافظين، فقال: «إن الطبيعة البشرية في هذا العصر وفي كل عصر واحدة، وإن الذي قرره ~~علماء الأدب هو المنطقي المعقول الملازم للبشرية، الذي ليس فيه قديم وجديد؛ لأن العقل ليس ~~فيه قديم وجديد. إذا كان هذا مذهبك أيها الأمير - ولا أخال أحدا يقرك عليه - فقد انقطع ~~الجدال وكفى الله المؤمنين القتال، وصار يحق لي الآن أن ms106 أقول: «لك مذهبك ولي مذهبي»، وإنهما ~~لمختلفان جدا، ومن المستحيل أن أقنعك، ومن المستحيل أن تقنعني، وما أحراني أن أقف هنا ~~وأترك بقية تعليقاتي على ردك. # | العربي شرط لازم في القديم والجديد1 # قرأت في جريدة «السياسة» فصلا عنوانه: «القديم والجديد» لأديب لم أعرف اسمه؛ لأنه لم ~~يضع إمضاءه تحت ما كتبه، ولا أعلم هل يقصد من إبقائه رسالته غفلا هكذا أنه يتكلم بلسان ~~«السياسة»، وكل ما يرد فيها بدون إمضاء يعتبر منسوبا إليها أم هناك وجه آخر؟ # أنا لم أقل في وقت من الأوقات إنه لا يوجد أسلوب جديد، وإنه يحرم على الناس التجدد، وإنه ~~إن جاز في شيء فلا يجوز في البيان، وإنما قلت إن لكل لغة أسلوبا أصليا أو نصابا ~~معروفا لا بد من المحافظة عليه، وليس هذا خاصا بالعرب وحدهم. وإن اللغة العربية ~~يمكنها أن تسع من المعاني الجديدة ومن المواضيع العصرية كل ما يعن للكاتب ويتوخاه ~~المؤلف مع مراعاة ديباجتها الأصلية التي إن خرج البيان عنها كان عند العرب ~~مستهجنا. # وقلت في موضوع التجدد: إن العقل البشري هو بنفسه لا يتغير؛ بل المعلومات هي التي تتغير، ~~فأما الميزان الذي هو الراجع إليه الحكم بأن هذا صحيح وهذا فاسد، وأن هذا أصح من هذا، ~~فإذا كان قابلا للتغيير فقد بطلت جميع الأحكام. وإن رقم 2 مع رقم 2 مجموعهما أربعة، كان ~~ذلك منذ عشرة آلاف سنة، وهو الآن كذلك وسيبقى إلى ما شاء الله، ولو مضت مائة ألف سنة لا ~~تصير الاثنان والاثنان خمسة. # وإن تناسب الأعضاء أو الأقسام هو الجمال أو الطلاوة استحسنهما الناس من زمان نوح كما ~~استحسنهما الناس اليوم، ولا يمكن أن يصير الحلو مرا والمر حلوا بسبب تغيير الأيام ~~وتجدد الأزمان؛ فالخلق استحلوا العسل من زمان سيدنا آدم، واستمروا الصاب، ولا يزالون ~~يستحلون هذا ويستمرون هذا إلى هذه الساعة، ولا يجوز أن يغمزوا من أجل ذلك بالجمود والنفور ~~من كل شيء جديد؛ وذلك أن هناك ذوقا خلق في فطرة الإنسان لا يزول إلا ms107 بزوال هذه ~~الفطرة أو استئناف فطرة ثانية مباينة للأولى. وليس المراد من ذلك حظر التجدد في الطرق ~~والأساليب والزيادة والنقصان، ومراعاة المكان والزمان والتلون بصبغة الألوان المختلفة، ~~كلا، إن التجدد في هذه العوارض هو مما لم يخل منه زمان ولا قال بمنعه عاقل، كما أن ~~هذا لا يمنع القول بوجود مبادئ ثابتة راهنة لا تقبل التغيير ولا التبديل. # إذن لست ممن يعترضون على أولئك الذين يريدون «أن يأخذوا بحظهم من الحياة ويريدون أن ~~يفهموا الناس ويفهمهم الناس ويعيشون مع الجيل الذي هم فيه دون أن يقطعوا الصلة بينهم وبين ~~الأجيال الماضية»، كلا لأني من هؤلاء القوم أنفسهم لي ماض يشهد لي بذلك، و38 سنة في ~~عالم المطبوعات؛ من أهرام، ومؤيد، ومقتطف، ومقتبس، وجرائد ومجلات عديدة عشت فيها مع ~~الجيل الذي أنا فيه، واجتهدت أن أفهم الناس وأن يفهمني الناس، وجلت في أكثر ~~المواضيع العصرية، وطالما ألبست يدي عند الكتابة قفازا. ولكنني حرصت على أن يبقى أسلوبي ~~عربيا، وأن أقتدي بنغمة السلف في دولة فصاحتهم، وأن لا أقطع علاقتي مع الأجيال ~~الماضية كما يوصي الأديب الذي يكتب في «السياسة»، ولو أردت أن أعيد نشر ما سبق لي في معنى ~~حضارة المعاني في بداوة الألفاظ لظهرت لكل قارئ صحة دعواي هذه. # ولست بمن ينكر أن لكل عصر من الأعصر أسلوبا يمتاز عن غيره متلونا بلون ذلك العصر، ~~ولا بمن يجحد أنه لو تلي الكلام المترجم في زمان بني العباس على أعرابي في الفلاة أو ~~على من يألف هاتيك الألفاظ والاصطلاحات الجديدة لما فقه منه شيئا. إلا أنني أقول إن ~~ذلك النسق لم يفارق نصاب اللغة، وأن للنزوع إلى الجديد حدا ينبغي أن يقف عنده، وهو ~~الحد الذي لا يخرج به عن روح العربية ولا عن طريقة القوم أفصح وأبلغ ما كانوا. # وأما كون كل قديم في الأصل جديدا، وكل جديد سيعود قديما، فقد سبق إلى هذا الشاعر ~~القائل: # إن هذا القديم كان جديدا # وسيبقى هذا الجديد قديما # ليس في ذلك مرية. # ولما ms108 كان الله قد من علي بمعرفة بعض اللغات الأوروبية ومطالعة آدابها والبحث في ~~كثير مما يبحث فيه الأدباء الذين منهم صاحب مقالة القديم والجديد في «السياسة» كان لي ~~الحق بأن أقول: ليست لغة من هذه اللغات فوضى يركب الكاتب فيها رأسه كما يشاء، ويغير ~~ويبدل في آدابها وأساليب التعبير فيها ما يشاء بحجة التجديد والمعاصرة؛ بل ثمة قواعد ~~وضوابط لا يمكن الكاتب عندهم أن يتعداها، وإن تعداها قيل لذلك «بربرية»، وإن شئنا أوردنا ~~الشواهد. وأختم أسطري هذه بالاعتراض على جملة جاءت في مقالة كاتب السياسة، وهي: «إن شكيب ~~أرسلان يرى الإطناب خصلة من خصال اللغة العربية قد عمد إليها أكبر الكتاب وأرفعهم ~~قدرا منذ كان النثر العربي إلى الآن، فمن الحق أن نتبع طريقهم في ذلك. ويرى الآخر - أي ~~الأديب السكاكيني - أن الإطناب خصلة من خصال اللغة العربية ولكن له مقامه.» # فليسمح لي الأديب في القول إن هذا تحريف للكلم عن مواضعه، وإن هذا غير جائز؛ خصوصا لمن ~~أراد أن يحرر هذا الخلاف ويقف فيه موقف من يضبط الواقعة؛ إذ إن شكيب أرسلان لم يقل ~~أصلا ولا في موضع من المواضع إن الإطناب خصلة من خصال اللغة العربية ملازمة لها ~~ولا بد منها، لا؛ بل شكيب أرسلان كرر عدة مرات من قبل ومن بعد أن كلا من الإطناب ~~والإيجاز والمساواة له مقام إن عدل به إلى غيره أخل ذلك بالفصاحة، فمن أين جاز لصاحب ~~مقالة السياسة أن يعزو إلي ما لم أقله؟! ويجعل غيري هو القائل لما قلته وأكدته؟ إن ~~كان ذلك صدر منه بدون تثبت ولا إمعان فليس بجائز الحكم قبل مطالعة نص كل من ~~الفريقين، وإن كان بعد المطالعة والتدقيق فتكون المسألة أعظم، على كل حال فلم أفهم سبب ~~هذا الافتئات علي ولا أنا ممن يفتأت بالسهولة عليهم. # | نتفة من الشواهد على المترادف # إن هذا ليس بالشيء الذي لا يحصى حتى يجهد الإنسان نفسه في إحصائه؛ بل قلما أخذت ~~يدك كتابا عربيا إلا وجدت هذا المذهب فيه مستفيضا ms109 يحاول فيه فصحاء العرب تمكين ~~المعنى في نفس السامع، والتأثير على المخاطب بإبراز المراد في صور متعددة، وليس هذا هو ~~من قبيل: لا آذن ثم لا آذن ثم لا آذن؛ بل هو من قبيل: لا آذن ولا أسمح ولا أرخص، إذا كان ~~المقصود شدة النهي والمبالغة في المنع. # وإنما نأخذ على وجه المصادفة بعض الشواهد من الأولين والمحدثين ليزداد القارئ ~~بصيرة. # قال الزمخشري في مقدمة الكشاف: # وما هي إلا صفات مبتدئ مبتدع، وسمات منشئ مخترع. # أنشأ كتابا ساطعا تبيانه قاطعا برهانه. # أفحم به من طولب بمعارضته من العرب العرباء، وأبكم به من تحدى به من ~~مصاقع الخطباء، فلم يتصد للإتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم، ولم ينهض ~~لمقدار أقصر صورة منه ناهض من بلغائهم على أنهم كانوا أكثر من حصى البطحاء، وأوفر ~~عددا من رمال الدهناء، إن أتاهم أحد بمفخرة أتوه بمفاخر، وإن رماهم بمأثرة رموه ~~بمآثر. # المثبت بالعصمة، المؤيد بالحكمة، الشادخ الغرة، الواضح التحجيل، النبي الأمي ~~المكتوب في التوراة والإنجيل. # اعلم أن متن كل علم، وعمود كل صناعة. # طبقات العلماء فيه متدانية متدانية، وأقدام الصناع فيه متقاربة أو متساوية، ~~إن سبق العالم العالم لم يسبقه إلا بخطى يسيرة، أو تقدم الصانع ~~الصانع لم يتقدمه إلا بمسافة قصيرة. # ما في العلوم والصناعات من محاسن النكت والفقر، ومن لطائف معان تدق فيها مباحث ~~الفكر، ومن غوامض أسرار محجبة وراء أستار لا يكشفه عنها من الخاصة إلا أوحدهم ~~وأخصهم. # ثم إن إملاء العلوم بما يغمر القرائح وإنهاضها بما يبهر الألباب القوارح كثير ~~المطالعات طويل المراجعات. # مسترسل الطبيعة منقادها مشتعل القريحة وقادها. # تمهل في ارتيادهما آونة وتعب في التنقير عنهما أزمنة. # يقظان النفس دراكا للمحة، وإن لطف شأنها، منتبها على الرمزة، وإن خفي ~~مكانها، لا كزا جاسيا ولا غليظا جافيا. # قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلف، وكيف ينظم ويرصف. # كثير السؤال والجواب، طويل الذيول والأذناب. # فهز ما رأيت من عطفي، وحرك الساكن من نشاطي. # مع تزاحم ما هو فيه من المشادة ms110 بقطع الفيافي وطي المهامه، ووفق الله وسدد. ~~انتهى. # هذا ما قبسناه من كلام الإمام جاد الله الزمخشري في مقدمة الكشاف التي لا تزيد على ~~خمس أو ست صحائف، وهذا ما يقول عنه الأديب السكاكيني «غير عربي» أو «غير طبيعي»، ومتى ~~أعيته الحيلة في إبطال عروبيته أو تهجين أسلوبه التجأ إلى كلمة «لا يستمرئه ذوق هذا ~~العصر.» # إن كان جاد الله الزمخشري لا يعرف أسلوب العرب في الكتابة فمن العبث أن ننشد هذه ~~الضالة عند آخر وإن كان ممن أسميهم أنا وحدي بلغاء وفصحاء ولا يسلم لهم الأستاذ ~~السكاكيني بالفصاحة والبلاغة فيا ضيعة العرب والعربية؛ لأن الناس سلموا للزمخشري بأنه ~~من أقطاب العربية ومثلها العليا. # فانظر كيف لا يجوز لي أنا أن أقول في منشور للجمهور أكثر قرائه من العوام أو ممن شدا ~~شيئا من العربية «منذ وجد الكيان وتساكن الإنسان مع الإنسان» ويجوز للإمام ~~الزمخشري أن يقول للخواص الذين يقرءون تفسيرا مثل الكشاف «مسترسل الطبيعة منقادها مشتعل ~~القريحة وقادها.» # وانظر كيف يسمج قولي «الحظ الأكمل والشقص الأوفر»، ويستحسن قول الحجة القدوة ~~الزمخشري: «قطع الفيافي وطي المهامه.» وتأمل أي كبيرة ارتكبت في قولي: «لها أسلوب خاص ~~ونمط قائم بها»، ومثل الزمخشري من يقول: «يرتب ويؤلف وينظم ويرصف» ولا يرى ذلك علماء ~~البيان من الكبائر، وهلم جرا. # ثم أثناء ما وقع نظري على الكشاف فأخذت منه هذه الجمل عثرت على تاريخ ابن الأثير فأخذت عن ~~مقدمته الجمل الآتية: وليس ابن الأثير ممن يعد في طبقة الزمخشري ولكنه من علماء ~~العربية، وبكل الأحوال أعلى طبقة من السكاكيني ولو رأى نفسه غير ما يراه غيره. # فأتت متناسقة متتابعة آخذا بعضها برقاب بعض. # لم أصلح ما فيها من غلط وسهو ولا أسقطت منها ما يحتاج إلى إسقاط ومحو. # والعزم على إتمامه فاتر والعجز ظاهر للاشتغال بما لا بد منه لعدم المعين والمظاهر ~~ولهموم توالت ونوائب تتابعت. # طاعته فرض واجب واتباع أمره حكم لازب. # من أحيا المكارم وكانت أمواتا، وأعادها خلقا جديدا بعد أن كانت رفاتا، ms111 من ~~عم رعيته عدله ونواله، وشملهم إحسانه وأفضاله. # أخبار الماضين وحوادث المتقدمين، فإذا طالعها فكأنه عاصرهم، وإذا علمها فكأنه ~~حاضرهم. # ومنه ما يتجمل به الإنسان في المجالس والمحافل من ذكر شيء من معارفها، ونقل طريفة ~~من طرائفها. # يصيبه ما أصابهم وينوبه ما نابهم ... إلخ. # ويناسب المقام أن نأتي بنبذة ثانية من كلام الكتاب العصريين راجين من حضرة مناظرنا أن لا ~~يقول إننا احتمينا بهم لأنه ليس كل من استشهد بكلام أحد فقد احتمى به كما لا يخفى، وما أنا ~~بأرفع من أن ألجأ إلى أحد من ذوي الفضل، لكنني لا أرى نفسي محتاجا إلى عضد أحد في ~~مناظرته فأستعدي عليه الناس ليرجموه كما زعم، فأقول: لاحت لي مقالة في مقطم 6 ديسمبر ~~الماضي للعلامة الأستاذ أحمد زكي باشا - الذي نظن أنه قرأ كثيرا ونقب كثيرا - فرأيت فيها ~~ما يأتي: # يراجعون أضابيرهم وطواميرهم. # الرجوع إلى المصدر الحقيقي والينبوع الأصلي. # هذا الدرب كان عند تخطيطه وإنشائه. # مما يدعو إلى الاختباط والاختلاط. # وهو الإمام الحجة الثقة ابن سعيد الأندلسي. # فالمعنى الحتم والمدلول الجزم. # نجتزئ من كلام العامة المشار إليه بهذا القدر عن أن نتتبع هذا النمط في سائر ~~مقالاته. # وهاك ما أخذناه من كلام الأستاذ طه أفندي حسين في بعض مقالاته الأخيرة في «السياسة»، ~~فمنها ما جاء في مقالة في 16 ربيع الآخر: # أشرف وأنبل من أن تخدعه عن نفسها. # يصيح بلعن المرأة واستنزال سخطه عليها. # تكره أن تخضع لهذه المراقبة الدنيئة وهذا التجسس المرذول. # وزوجة تستعطفه وتترضاه. # أما صاحبه فيشبعه لوما وتأنيبا. # وتسألها عفوها ومغفرتها. # وإذا أخته فرحة مبتهجة. # إنها لذيذة ممتعة. # ثم من كلام الأستاذ طه حسين أيضا في مقالة بتاريخ 11 جمادى الأولى: # يضطربان ويترددان في ملعب التمثيل فيستأثران بهواك ويخلبان لبك: # وستحب هذا الأمر وترغب فيه. # لذتنا بهذه الآية واغتباطنا بها. # إلى الحزن والكآبة. # في غير هدنة ولا مهلة وفي غير تكلف ولا تصنع. # من الابتهاج والسرور إلى الابتئاس والعبوس. # ويتممون الليل في لهو ولعب (وهذا كما في آية ms112 كريمة). # سمح طلق سهل القياد. # فيعترف بفقره وإفلاسه. # وهي فرحة مبتهجة وهو تعس حزين ... إلخ. # وله من مقالة عن وزارة المعارف في 23 جمادى الأولى: # وكما يناقشون ويجادلون. # ولكن في أناة ومهل وعن بصيرة ورشد. # مفيد حقا نافع حقا لا يتغير ولا يزول بمجرد أن يتغير الوزير. # ومعنى هذا واضح جلي ... إلخ. # ومن كلام الأديب العصري «صدقي» الذي كتب على رسالة الغفران ما يأتي بتاريخ 21 ربيع ~~الثاني من «السياسة»: # وفيه منادح لصرفه على غير السخرية والاستهزاء. # مما نتقارع فيه الحجج ونتساجل البينات. # أمثلة يتفاقم خطرها وتستفحل شدتها. # ويطير الطاووس الذي أكله واحتوته معدته. # استمتاع ملك أيديهم وطوع تصرفهم. # الخيالات التي تقلق ضمائرنا وتروع منهم أحلامنا. # ولم يستحدث أهل الجفوة والبداوة رقة المنعمين المترفين. # لا على مشيئة المؤلف وهواه. # أبقى على كل منهما شيمته موفورة بادية الميسم معروفة الشارة. # فعلى مذهب الأدب السكاكيني لا يكون محل لقول طه أفندي حسين: «وستحب هذا الأمر وترغب ~~فيه»؛ بل كان عليه أن يقول: «ستحب هذا الأمر» ولا يتخطى هذه الجملة في هذا المعنى. وبعد أن ~~ذكر الحزن فلا يجوز إردافه بالكآبة، وكذلك فأي ضرورة للتصنع بعد قوله «التكلف»، وما هو ~~السائق لقوله «السرور» بعد قوله «الابتهاج»؟ وما هي زيادة المعنى في «سمح طلق سهل القياد»؟ ~~أو في «فرحة» بعد «مبتهجة»؟ ثم لماذ يقول الكاتب العصري صدقي «السخرية» ويردفها ب ~~«الاستهزاء»؟ وكيف يؤكل الطاووس ولا تحتويه المعدة؟ ولماذا يقول «المترفين» بعد قوله ~~«المنعمين»؟ وهلم جرا. # وممن يصح الاستشهاد به البيان الصادر عن الوفد الفلسطيني، وأغلب الظن أنه بقلم ~~الأستاذ المعترض نفسه؛ لأنه كاتب سر اللجنة التنفيذية، وقد اطلعت عليه في جريدة ~~«الحقيقة» بتاريخ 29 جمادى الآخرة. # فقد جاء فيه: ذلك الماضي الفخم الضخم الذي كانت فيه الأمة العربية ... إلخ. # وفي اللغة: فخم الشيء فخامة: ضخم، فما هو الداعي إلى إرداف «فخم» ب «ضخم» إذن؟ # ثم قال: # مختلفة الأهواء والأمزجة. # في سبيل شهواته وأغراضه. # الخمول أو الانحطاط أو الهرم. # ممتلئة الجسم مكتنزة العضل. # يضعف وغيره ms113 يقوى ، يذل وغيره يعتز، وينحط وغيره يرقى. # وتعلن تعلقها به وإخلاصها له. # الحصن الحصين والملجأ المنيع الأمين. # فنحن في غنى عن إيضاح ما في هذه العبارات من الترادف بدون نكتة جديدة سوى تقوية المعنى في ~~نفس القارئ. ومن سوء الحظ أننا لم نطلع على شيء من نثر الكاتب المعترض لنحاكمه إلى نفسه ~~من نفس كلامه، وكل ما وقع لدينا من فصوله ومقالاته من بعد أن تعرض لانتقادنا وانتقاد فحول ~~العربية الذين لا نصلح أن نكون من تلاميذهم على استعمال المترادف هو سطور معدودة تجنب فيها ~~جهد الطاقة استعمال المترادف، ولكن الأسلوب العربي غلبه كما مر بك من كلامه؛ إذ ليس قوله ~~الملجأ المنيع بعد قوله الحصن الحصين إلا من الترادف الصرف، والذي يضعف ويذل والذي يذل ينحط ~~والتعلق والإخلاص مترادفان ... إلخ. فقد اتبع المذهب الذي أنكره وأعاذ العربية منه. وزعم ~~الأستاذ في أول مقالة تصدى فيها لهذا البحث أن بعض الكتاب يكيلون المترادف جزافا ~~ظانين أنهم بذلك يحتذون على مثال أحمد فارس في الساق على الساق مع أن مذهب أحمد فارس في هذا ~~الكتاب هو الإتيان بالمترادف عمدا لتعليم الألفاظ التي هي في معنى واحد وليس ذلك بأسلوبه ~~في الكتابة إذا لم يقصد هذا الغرض. # فنحن إن شاء المعترض نأتي له بمترادف يتراكم منه كتاب مستقل من كلام أحمد فارس في كشف ~~المخبأ وسر الليال والجاسوس على القاموس ومجاميع الجوائب في المواضع التي لا يقصد بها ذلك ~~الغرض لنفسه؛ بل يكتب على عادته ويكفي أن نسرد له المقالة التي أولها: من الناس من تخالج ~~صدره من فنون الاقتراح خوالج، وتعالج فكره من شجون الاجتراح لواعج ... إلخ. # ومسرور الأستاذ السكاكيني أنه بفضل إرشاده قد مصح ما بي من مرض وصرت أتجافى عنه كما ~~ظهر من مقالاتي الأخيرة، ولا عجب أن يقوم الأستاذ أسلة قلمي بعد أن تجاوزت الخمسين لا ~~الأربعين وأن أصير عنده تلميذا ناجحا ... فقد ورد: اطلب العلم من المهد إلى اللحد، ~~ولكنه إن كان الله قد تداركني بالتوبة قبل ms114 الرحيل فلا أستطيع إلا أن أحزن على أولئك الأعلام ~~من جاهليين ومخضرمين وإسلاميين ومولدين ومتأخرين، ومن خلفاء وصحابة وتابعين، وعلماء ~~وكتاب وخطباء ومصنفين كيف جاءوا في فترة لم يقيض الله لهم فيها من يهديهم طريق ~~العربية الصحيحة وماتوا وهم على أغلاطهم. # ولم يقتصر الأستاذ - جزاه الله عني خيرا - على تثقيف ملكتي في الإنشاء بل تجاوز ذلك إلى ~~النحو، ووقفني على دقائق من هذا الفن لم أكن أعرفها، أفلا تراه كيف نبهني إلى الخطأ الذي ~~أخطأته في إشارتي إلى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - والجاحظ بكلمة «هؤلاء» مع أن ~~«هؤلاء» هي للجمع لا للمثنى، فمن يعرف هذه الدقيقة الجليلة غيره ... وفوق كل ذي علم ~~عليم. # | تطور اللغة في ألفاظها وأساليبها (4)1 # مر زمن غير قصير على اللغة العربية انصرفت عناية الكثيرين من أدبائها وعلمائها ~~فيه إلى الصناعة اللفظية، من ذلك أنهم كانوا يطنبون حيث لا يجوز إطناب، ويكثرون من ~~المترادفات اقتضاها المقام أم لم يقتضها. وقد اشتدت وطأة هذا المرض في زمن الإمام ~~الزمخشري صاحب «الكشاف» و«أطواق الذهب»، وابن الأثير صاحب الكامل في التاريخ، ~~والطنطراني صاحب القصيدة الترجيعية المشهورة، وعماد الدين الأصبهاني صاحب الفتح القدسي وقد ~~كان عمدة المنشئين في ذلك العصر، وغيرهم ... وقد سرت عدوى هذا المرض إلى عصرنا هذا فلم يسلم ~~منها أحد من أكبر كاتب مثل الأمير شكيب أرسلان إلى كاتب هذه السطور، ولم تخف وطأة هذا ~~المرض إلا من عهد قريب والحمد لله، فأخذ كثيرون من الكتاب أصحاب المذهب الجديد يميلون ~~إلى الإيجاز ولا يطنبون إلا إذا اقتضى المقام الإطناب ... # وإذا كان لكل لغة أسلوب أصلي أو نصاب معروف لا بد من المحافظة عليه كما يقول ~~الأمير شكيب في رده الأخير علي، فالمذهب القديم خروج عن ذلك النصاب المعروف والمذهب ~~الجديد رجوع إليه، والخلاف بيني وبين الأمير ليس على هذا «النصاب المعروف» ولكن على أسلوبه، ~~فهو يقول إن أسلوبه ينطبق على النصاب المعروف في اللغة، وأنا أنكر عليه ذلك، وقد طال ~~الجدال بيني وبينه. # قال ms115 إن الإكثار من المترادفات يقتضيه مثل منشوره ذاك إلى الأمة العربية جمعاء. # إذا صح ذلك فما له يكثر من المترادفات في كل ما يكتب؛ سواء كان منشورا إلى العامة ~~أم رسالة في الأدب. # قال إن الإكثار من المترادفات يقتضيه بعض الأحوال لتقوية المعنى، ولكن ما له يكثر من هذه ~~المترادفات في كل حال. فلما رأى ورأى العارفون أن أسلوبه لا ينطبق على الأصول التي نص ~~عليها البيانيون، ترك الأصول ولجأ إلى النقل، فهو يقول في رده الأخير: إذا جاز للإمام ~~الحجة القدوة الزمخشري أن يقول: «وما هي إلا صفات مبتدئ مبتدع وسمات منشئ مخترع»، وأن ~~يقول: «قطع الفيافي وطي المهامه» إلى آخر ما أورد من أقواله. وإذا جاز لابن الأثير وقد قال ~~عنه «إنه ليس ممن يعد في طبقة الزمخشري ولكنه من علماء العربية، وبكل الأحوال أعلى ~~طبقة من السكاكيني ولو رأى نفسه - أي السكاكيني - غير ما يراه غيره» مما ترى منه أنه لا ~~يزال متألما غاضبا. يقول: إذا جاز لابن الأثير هذا أن يقول: «طاعته فرض واجب واتباع أمره ~~حكم لازب»، وأن يقول: «من أحيا المكارم وكانت أمواتا، وأعادها خلقا جديدا بعد أن كانت ~~رفاتا، من عم رعيته عدله ونواله، وشملهم إحسانه وأفضاله» إلى آخر ما أورد من ~~أقواله؛ بل قال: إذا جاز للأستاذ طه حسين وللعلامة الأستاذ أحمد زكي باشا وللأديب العصري ~~صدقي وللمعترض نفسه أن يقولوا كذا وكذا، فلماذا لا يجوز لي أن أقول: «إن الصارخة القومية ~~والنعرة الجنسية نشأت مع الأقوام وبدأت مع الأمم مذ الكيان ومنذ الاجتماع البشري، وتساكن ~~الإنسان مع الإنسان؟» إلى غير ذلك مما جاء في منشوره وفي وروده. # من العجب أن تقول للمريض: أنت مريض، فيقول لك: وأنت مريض وكل الناس مرضى، كأن مرض غيره ~~يعزيه أو ينفي المرض عنه! # لا يا سيدي، لا يجوز لك ولا للزمخشري ولا لابن الأثير ولا للجاحظ ولا لابن المقفع ولا ~~للحريري ولا لأحد أن يكثر من المترادفات في غير مواطن تكرار الكلام بلفظه أو بمرادفه، ms116 وغلطي ~~وغلط غيري لا يشفع في غلطك، ولا يفيد العربية أن تحزن على من مات على مذهبك في الكتابة من ~~العلماء الأعلام، وإنما يفيدها أن تراعي أصولها وأنت سيد العارفين. # والآن اسمح لي أن أنتقل إلى الكلام عن بقية الفروق بين المذهبين القديم والجديد، ويا ~~حبذا لو تتفضل علي بإعلان رأيك فيها فأكون لك من الشاكرين. # قلت في إحدى رسائلي السابقة التي كانت منشأ هذا الخلاف بيني وبين الأمير، إن أصحاب المذهب ~~القديم يكثرون من المترادفات في غير مواطن تكرار الكلام بلفظه أو بمرادفه، وإن أصحاب المذهب ~~الجديد لا يكررون الكلام بلفظه أو بمرادفه إلا في المواطن التي نص عليها البيانيون ~~تفاديا من الحشو وذهابا إلى الإيجاز، ولكن لا بد لي قبل أن أتكلم عن بقية الفروق أن ~~أشير هنا إلى موضع آخر للإيجاز تتمة للحديث هناك. # في الاستعارة قد يكنى عن المستعار إما بجزء منه كقولهم: فلان على جناح السفر، إذا كان ~~متأهبا له تشبيها للسفر بالطائر في سرعة المزايلة، فإنهم لم يذكروا الطائر ولكنهم كنوا ~~عنه بجزء منه وهو الجناح. وأما بلازم معنوي نحو: نطقت الحال بكذا، أي دلت عليه تشبيها ~~للحال بالخطيب وللدلالة بالنطق في الإبانة، فإنهم لم يذكروا الخطيب ولكنهم كنوا عنه بالنطق ~~وهو من لوازمه، وقد يصرح بذكر الجزء مع ذكر اللازم المعنوي، فيقال: نطق لسان الحال ~~بكذا، وقد يصرح بالذات رأسا، فيقال: نطق خطيب الحال. # ومع أن استعارة الجزء أو التصريح بالذات رأسا أبلغ من استعارة اللازم المعنوي كما يستفاد ~~من أقوال البيانيين، يتراءى لي أن أصحاب المذهب الجديد يميلون إلى استعارة اللازم المعنوي ~~دون استعارة الجزء أو التصريح بالذات، فيقولون: نطقت الحال بكذا مثلا، لا نطق لسان الحال ~~أو خطيب الحال، أي إذا كانت الجملة الواحدة بليغة ولكنها موجزة والثانية أبلغ ولكنها أطول، ~~آثروا الأولى على الثانية، وعلى ذلك فإنهم يقولون: «شحذ فلان رأيه وأرهف ذهنه» ~~بدلا من: «شحذ غرار رأيه وغرار ذهنه أو سيفيهما»، و«ركب الباطل» بدلا من ~~«ركب متنه أو مطيته ms117 »، و«طوى الحديث» بدلا من «طوى بساطه»، و«أضرم الشر أو أطفأه» بدلا من ~~«أضرم ناره أو أطفأها»، و«زرع الأحقاد أو فثأها» بدلا من «زرع بذورها وفثأ قدورها»، ~~و«استصبح بعلم فلان» بدلا من «استصبح بنبراس علمه»، و«انبت الشمل» بدلا من «انبت ~~حبله» إلى غير ذلك وهو كثير؛ بل هم يستعملون هذه الألفاظ في مثل هذه التراكيب لا على سبيل ~~الاستعارة ولكن على سبيل الترادف، فركب الباطل عندهم مرادفة لقولهم أصر عليه، وطوى الحديث ~~مرادفة لقولهم تركه أو أجله وإلا فإنهم لو قصدوا الاستعارة لاستعاروا ما يناسب الحال ويلائم ~~الحياة؛ لأن قولهم طوى فلان بساط الحديث كان يوم كان المتحادثون يجلسون على البساط، وأما ~~اليوم فإن المتحادثين يجلسون حول موائد حمراء أو خضراء مستديرة أو مستطيلة، فإذا أردنا ~~الاستعارة فالأولى أن نقول: رفعت مائدة الحديث لا طوي بساطه ... وإن قولهم «ركب فلان متن ~~الباطن أو مطيته» كان يوم كان ركوب المطايا مألوفا، وأما اليوم فإن وسائط النقل كثيرة، ~~وأقلها استعمالا المطايا، فإذا أردنا الاستعارة فالأولى أن نقول: تسلق فلان سيارة باطله أو ~~دراجته لا ركب متنه أو مطيته ... بل يخيل إلي أن أصحاب المذهب الجديد يميلون إلى الإقلال من ~~الاستعارات وقد يفضي بهم الأمر إما إلى العدول عنها بتاتا وإما إلى استعمالها في ~~الشعر دون غيره، فيكون للشعر لغة ولغيره لغة أخرى. # أكثر العرب من الاستعارات يوم كانوا أهل خيال وأحلام، فكانت لغتهم شعرية لا يستعملونها ~~إلا في بيان تأثراتهم فكانوا يتلاعبون بالألفاظ للمبالغة في بيان تلك التأثرات، وأما ~~اليوم وهم يحاولون أن يجعلوها لغة العلم والفلسفة والسياسة والاجتماع، فلا بد أن ~~تتطور فتراعى النسبة بين اللفظ والمعنى، وبعبارة أخرى؛ لا بد أن يقصد بها تقرير حقائق ~~بألفاظ محدودة موضوعة لا تقبل الزيادة أو النقصان، ولا بد أن تتغلب هذه اللغة على لغة ~~الشعر؛ لأنها أعم ولغة الشعر أخص، هذا إذا لم تتغير حدود الشعر. # | القديم والجديد1 # أستأذن القارئ الكريم في العودة إلى هذا الموضوع، فقد بقيت فروق بين المذهبين القديم ~~والجديد لا ms118 بد من الإشارة إليها استيفاء للحديث. # التطور ناموس عام، فما من عنصر من عناصر الحياة إلا خاضع له رضينا أم كرهنا، ومن لا يؤمن ~~بهذا الناموس فقد جهل كثيرا. # وإذا كنت قد اطلعت على ما كتبه أكابر كتاب مصر الأعلام في المدة الأخيرة حول المذهبين ~~القديم والجديد في الكتابة، فلا بد أن تكون قد رأيت أن اللغة خاضعة لهذا الناموس، وأنه ~~ما من سبيل لإخراجها عن حكمه، إلا أنهم لم يشيروا إلى آثار هذا التطور في اللغة إلا ~~عرضا. # فما هي هذه الآثار؟ # من تلك الآثار أن الناس كانوا يميلون إلى الإكثار في الكلام ولو خرجوا إلى الثرثرة ~~لاعتبارات اقتضتها عقليتهم، فصاروا يميلون في هذا العصر الأخير - الذي انتشرت فيه روح ~~الاقتصاد - إلى الإيجاز، كما رأيت فيما دار بيني وبين الأمير شكيب أرسلان من الجدال وليس ~~العهد به ببعيد. # ومن تلك الآثار أن الناس كانوا يميلون إلى التكلف في الكتابة فصاروا يميلون إلى الأساليب ~~الطبيعية فيها، كما كانوا يتكلفون في كل شيء فصاروا طبيعيين في كل شيء. # كان القراء قبل اليوم يجودون تجويدا، أو يستعملون لهجة الوعظ يقلدون بها خطباء ~~المساجد أو رؤساء الكنائس الأجانب، أو يلزمون نغمة واحدة لا يكادون يسفلون فيها أو يعلون. ~~وأما اليوم فإنهم يمثلون المعنى تمثيلا، وبعبارة أخرى صاروا يقرءون كما يتحدثون. # كان المغنون قبل اليوم يلزمون في كل حال نغمة واحدة سواء كان الموقف موقف حب أم حماسة ~~أم بكاء، وأما اليوم فإن لكل موقف نغمة تناسبه. # يقال إن عبده الحمولي الموسيقي المشهور طاف ليلة مع بعض أصدقائه على مجالس الطرب، فما كان ~~يجلس قليلا في أحد تلك المجالس إلا قال لأصدقائه: «قوموا بنا فإن هذا فقهي» أي إن المغنين ~~في ذلك العصر كانوا يجودون لا يغنون. # كان الخطباء قبل اليوم يقلد بعضهم بعضا في إشاراتهم، وكانوا فيها متكلفين، يشير الخطيب ~~بيده إلى الأمام أو إلى الوراء وليس في كلامه ما يقتضي تلك الإشارة، وأما اليوم فإن ~~الإشارات جزء من اللغة تقوي المعنى أو ms119 توضحه أو تستدعي الانتباه إليه. # كان الرقص قبل اليوم تفككا، فكل حركة فيه كانت رقصا، وأما اليوم فإن الرقص لغة أخرى ~~تمثل معاني النفس تمثيلا، وقد يمثلون بالرقص ما لا يمثله كلام. قد يكون في الرقص خشوع، وقد ~~يكون فيه حماسة، وقد يكون فيه حب، وقد يكون فيه بكاء، وقد يكون فيه وعظ. # فأنت ترى من هذا كله أن الناس صاروا يميلون في كل مظاهر الحياة إلى الأساليب الطبيعية، ~~وليس شيء أثقل على الروح في هذا العصر من التكلف. # فالأسلوب الطبيعي للكتابة أن يكتب الإنسان كما يفكر وكما يتحدث، فمن حاول أن يكتب ما لا ~~يفكر فيه أو يتحدث به هو أو غيره، وما لا يلائم الحياة في شيء فقد تكلف، قد يكون تفكيره أو ~~حديثه شيئا وما يكتبه شيئا آخر، قد يترجم حديثه نفسه وأما كتابته فلا. # إذا أراد الكاتب من أصحاب المذهب القديم أن يكتب فلا يستوحي عقله أو قلبه، ولا يستعمل من ~~الألفاظ ما يؤدي مراده ويناسب المقام ويفهمه الناس، ولكنه يستوحي القدماء، يفتش عما ~~قالوه في موضوعه في كل مظنة فيستعير معانيهم وألفاظهم ويدعيها لنفسه. لا تقرأ شيئا ~~لهؤلاء الكتاب إلا أحسست أن كل لفظة فيه ليست لهم. # كان القدماء يستحسنون «التضمين» وهو أن يأخذ الشاعر أو الكاتب شطرا من شعر غيره بلفظه ~~ومعناه، و«الاستعانة» وهي أن يأخذ بيتا كاملا، و«الإيداع» وهو أن يصرف معنى ما يأخذه من ~~أقوال غيره عن مراد صاحبه، كما فعل الشيخ صلاح الدين الصفدي والشيخ جمال الدين بن نباتة ~~بإعجاز معلقة امرئ القيس متعاتبين، فقال الأول في أول قصيدته: # أفي كل يوم منك عتب يسوءني # كجلمود صخر حطه السيل من عل # فأجابه الثاني بقصيدة قال في أولها: # فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبا # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل # و«الاقتباس» وهو أن يضمن الكاتب أو الشاعر كلامه شيئا من القرآن والحديث. # و«التلميح» وهو أن يشار في الكلام إلى قصة معلومة أو بيت مشهور أو مثل سائر. # و«العقد» وهو أن يأخذ الشاعر كلاما منثورا ms120 فينظمه بأن يزيد عليه أو ينقص منه حتى ~~ينطبق على وزن الشعر. # وأما اليوم فإن أصحاب المذهب الجديد لا يميلون إلى شيء من هذا، فإنك لا تجد فيما يكتبونه ~~آية أو حديثا أو مثلا أو شطرا أو جملة من بيت؛ بل لا تجد كلمة ليست لهم أو لا ~~يعنونها. # إذا لم يكن بد للكاتب أو الشاعر أن يستعير معاني غيره ويستعين بألفاظه فعلى ألا يسرف ~~في ذلك، وإلا كان كلامه صدى مرددا، هذا إذا لم نعده مسروقا، وعلى أن يكون ما يستعيره من ~~المعاني وما يستعين به من الألفاظ مما يعنيه، ويقتضيه الحال الذي هو فيه، وإلا فقد يكون ~~ما يعنيه أو ما يقتضيه الحال شيئا وما يكتبه شيئا آخر وهذا هو التكلف، بل الجمود، بل ~~النفاق. # إذا قرأ التلميذ اليوم فتصنع في لهجته فإن الأستاذ يكلفه أن يطوي كتابه وأن يتحدث بما ~~قرأ، والغالب أنه إذا تحدث يرجع إلى لهجته الطبيعية، ثم يكلفه أن يقرأ باللهجة التي تحدث ~~بها. # وما أحرى الكاتب اليوم إذا خشي أن تغلب عليه الكلفة أن يتحدث بما يكتب لنفسه أو لغيره ~~أولا ثم أن يكتب كما تحدث. # ومن أحب أن يرى كيف تكون الكتابة حديثا على سوقه الطبيعي فليقرأ ما يكتبه الدكتور ~~منصور فهمي، والدكتور طه حسين، والأستاذ مصطفى عبد الرازق، والأستاذ سلامة موسى، فإذا قرأهم ~~فكأنه سمعهم يتحدثون. # بل إن أصحاب المذهب القديم أنفسهم على ولوعهم بالتكلف إذا ردوا على منتقديهم كانت كتابتهم ~~أبعد عن الكلفة وأقرب إلى الطبع، كأن الغضب يخرجهم عن الكلفة ويردهم إلى حالتهم ~~الطبيعية. # كان يجب - على رأي هؤلاء المتكلفين - أن يكون هناك كتاب في كل ما يعرض للإنسان من ~~الشئون وما يتمثل له من الخواطر، على حد تلك الكتب الموضوعة في الرسائل التي تبدأ كل ~~رسالة فيها بقولهم: «غب سؤال شريف خاطركم والاستفحاص عن غالي سلامتكم»، فإذا احتاج الكاتب ~~منهم أن يشكر أو يهنئ أو يعزي أو يعتب أو يبث شوقه مثلا، فما عليه إلا أن ينسخ ما ms121 يريد ~~من ذلك الكتاب بلفظه ومعناه ويوقعه باسمه. # وأرجو القارئ الكريم أن لا يكلفني أن أستشهد بأقوال أحد؛ فإني لا أحب أن أفتح علي ~~باب الخصومة. ~~••• # ومن آثار هذا التطور أن أصحاب المذهب القديم ينزعون إلى الأرستوقراطية في هذا الزمان ~~الذي انتشرت فيه الديموقراطية، فصار الكتاب فيه يكتبون لا للخاصة، ولا لتسلية الأمراء ~~والكبراء أو التملق لهم أو السخر منهم، ولا للتفصح أو التمدح؛ بل لعامة الناس فيما ~~ينفعهم في هذه الحياة. # من تلك الأرستوقراطية أن الكاتب منهم لا يقول فيما يكتب «أنا قلت» «أنا رأيت» بصيغة ~~المفرد؛ بل «نحن قلنا» «نحن رأينا» بصيغة الجمع؛ تعظيما لشأنه، ولولا شيء من الحياة ~~لابتدءوا كلامهم بالثناء على أنفسهم والإشادة بفضلهم، وختموه بقولهم: «من يستطيع أن ~~يأتي بمثل هذا؟» على الطريقة البحترية، تعزيزا لمكانتهم عند العامة، وما أدرانا أنهم ~~يكلفون غيرهم أن يقرظوهم ويعظموهم. # ومنها أنهم يبالغون في التأنق وتخير الألفاظ ولو خرجوا إلى الكلفة بل السخافة، وقد قسموا ~~الكلام إلى رصين ومبتذل أو سمين وهزيل، وما الرصين السمين في عرفهم إلا الغريب المهجور، وما ~~المبتذل الهزيل إلا المفهوم المأنوس. ولا تشيع لفظة على ألسنة الناس إلا أصبحت عندهم ~~مبتذلة هزيلة لا يليق بأمثالهم أن يتسفلوا إلى استعمالها، وربما امتنعوا عن الكتابة بتاتا ~~إذا اضطروا أن يكتبوا بلغة الناس. # لا ننكر التأنق؛ فإنه فطرة في بعض الناس، فقد ترى زيدا على غناه ووجاهته يخرج من بيته في ~~الصباح بدون أن يغسل وجهه، على حين ترى جاره - على فقره وخموله - لا يخرج من بيته إلا نظيف ~~الجسم والثوب حسن الهندام مسرح الشعر. والتأنق دليل علو في النفس وسلامة في الذوق، وهو ~~مدعاة إلى الرقي، ولكن على أن لا يظهر المتأنق أنه متأنق، وبعبارة أخرى أن لا يتأنق لأجل ~~التأنق، وإلا كان دليلا على سخافة العقل وفساد الذوق، وكان مدعاة إلى التدني. # كما لا ننكر الابتذال، ولكن الابتذال يكون في الجملة لا في اللفظة، فقولهم: «فلان يصطاد ~~في الماء العكر» من الجمل المبتذلة التي لاكتها ms122 الأفواه وملتها الأسماع. وأما كل ~~لفظة في هذه الجملة فلا ابتذال فيها، وإلا فكل ألفاظ اللغة المستعملة مبتذلة. # يقول هؤلاء الكتاب الأرستوقراطيون إنهم يكتبون للخاصة لا للعامة، ومنهم من يبالغ في ~~أرستوقراطيته فلا تفهمه العامة ولا الخاصة. # وقف خطيب في حفلة أقيمت لتكريم شاعر كبير، وبعد أن قرأ كلمته «المحبرة»، وقد جاء فيها ~~بالغريب وغريب الغريب، التفت إلى الشاعر - وكان جالسا إلى جانبه - وقال له: «أظن أنه لم ~~يفهم كلامي إلا أنت وأنا»، فقال له الشاعر: «ولا أنا يا سيدي.» # وتراهم إذا كتبوا اضطروا إلى تفسير ألفاظهم في ذيل كل صفحة، وقد يكون التفسير أطول من ~~المتن وأغمض. # إذا كنتم - أيها السادة الأجلاء - إنما تكتبون للخاصة، فلا حاجة إلى هذا التفسير؛ بل لا ~~حاجة إلى كل ما تكتبون. وإذا كنتم تكتبون للعامة فكلفوا خاطركم غير مأمورين واكتبوا ~~بلغة الناس ولكم الأجر. # نفهم أن الكاتب قد يضطر إلى كلمة غريبة لا يجد لها مرادفا في اللغة المألوفة ~~فيفسرها، أما أن يترك الكاتب الألفاظ المأنوسة والتراكيب السلسة إلى ألفاظ مهجورة بالية ~~وتراكيب معقدة غامضة على غير اضطرار؛ ليدهش الناس ويحملهم على الإعجاب به واستعظام قدره ~~والثناء عليه، فتلك سخافة ليس بعدها سخافة. # ثم لو فرضنا أن هذه الألفاظ الغريبة التي يسميها الأرستوقراطيون «جزلة فخمة»، وأن تلك ~~التراكيب التي يسمونها «أنيقة الديباجة» أصبحت شائعة فماذا يعملون؟ هل يخترعون ألفاظا ~~وتراكيب جديدة، أم يغضبون كما غضب الصاحب بن عباد على صاحب كتاب الألفاظ فقال: «لو أدركت ~~عبد الرحمن بن عيسى مصنف كتاب الألفاظ لأمرت بقطع يده»، فسئل عن السبب، فقال: «جمع ~~شذور العربية الجزلة في أوراق يسيرة فأضاعها في أفواه صبيان المكاتب، ورفع عن المتأدبين تعب ~~الدرس والحفظ الكثير والمطالعة الكثيرة الدائمة.» # لم تغضب أيها الصاحب بن عباد على عبد الرحمن بن عيسى لأنه رفع عن المتأدبين تعب الدرس ~~والحفظ الكثير والمطالعة الكثيرة الدائمة، وإنما غضبت لأنه حاول أن يجعل من صبيان المكاتب ~~وعامة المتأدبين أرستوقراطيين مثلك، وليس شيء أثقل وأشد على الأرستوقراطي من ms123 أن يدانيه أحد ~~من العامة. # لقد أحسن عبد الرحمن بن عيسى في تقريب منال اللغة من المتأدبين، فهو يستحق على ذلك ~~الشكر الجزيل، ولكنه أساء من حيث لا يدري؛ إذ قيد أقلام الكتاب بعده بتلك الألفاظ ~~التي جمعها، فلم يحيدوا عنها، وإذا استعمل أحد غير ألفاظه قالوا هذا ليس عربيا، فكان ~~كتابه هذا أول عهد اللغة العربية بالجمود والتكلف. # | ذيل # جاء في [آخر البحث الثاني: في مقابلة الحروف العربية بغيرها]: يقال إنهم في بعض مدن ~~أوروبا في الأجيال الوسطى بنوا كنيسة على طراز شرقي ... إلخ. # وقد اطلع على قولي هذا صديقي الأستاذ عادل أفندي جبر فتفضل بالكلمة الآتية: # إن دار البطريركية اللاتينية في مدينة الجزائر لا تزال فيها كتابات ونقوش إسلامية ~~كثيرة تزين جدران قاعاتها الفسيحة، مثل: محمد، أبو بكر، عمر، عثمان، علي ... إلخ، ~~و«توكلت على الله» المنقوشة بالجص مكررة على أعلى تلك الجدران. # وكذا كنيسة (مارتورانا # Martorana ~~) في مدينة (بلرمه) ~~عاصمة صقلية، فإن أعمدتها زينت بالنقوش العربية والآيات القرآنية، فضلا عن الكنائس ~~المتعددة التي بنيت في إسبانيا بعد إجلاء المسلمين عنها، فإن جلها شيد وزين على ~~مثال المساجد والجوامع بالنقوش والكتابات العربية. ms124