######OpenITI# #META# URI: 1372KurdCali.DimashqMadinatSihrWaShicr.Hindawi81802595 #META# Tags: history #META# ID: 81802595 #META# Title: دمشق مدينة السحر والشعر #META# AuthorID: 59604649 #META# Author: محمد كرد علي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # دمشق وطبيعتها‏ # تاريخ دمشق السياسي‏ # عمران دمشق‏ # خطط دمشق ومصانعها‏ # وصف القدماء والمحدثين لدمشق‏ # سكان دمشق وخصائصهم‏ # الحياة الأدبية والفنية والصناعية‏ # صناعات دمشق‏ # تجارة دمشق‏ # غوطة دمشق‏ # دمشق وطبيعتها‏ # تاريخ دمشق السياسي‏ # عمران دمشق‏ # خطط دمشق ومصانعها‏ # وصف القدماء والمحدثين لدمشق‏ # سكان دمشق وخصائصهم‏ # الحياة الأدبية والفنية والصناعية‏ # صناعات دمشق‏ # تجارة دمشق‏ # غوطة دمشق‏ # | دمشق مدينة السحر والشعر # | دمشق مدينة السحر والشعر # تأليف # محمد كرد علي # | دمشق وطبيعتها # دمشق بكسر الدال وفتح الميم وإسكان الشين، اسم هذه المدينة الجميلة مدينة السحر والشعر. ~~قالوا إن أصلها لفظة آرامية مماتة «مشق» تتقدمها دال النسبة. # وقد وردت في اللغة الهيروغليفية على هذا النحو تقريبا، ومعناها الأرض المزهرة أو الحديقة ~~الغناء. # وأطلق الآراميون عليها اسم «درمسق»، والسريان «درمسوق»، وأهل لغة التلمود «درمسقين»، ~~وقالوا إن إرم ذات العماد التي وردت في القرآن الكريم هي دمشق بعينها، وبعض المفسرين يذهبون ~~إلى ذلك، الآية الكريمة # ألم تر كيف فعل ربك بعاد ~~* إرم ذات العماد * التي لم يخلق ~~مثلها في البلاد # قال شبيب بن يزيد بن النعمان بن بشير: # لولا التي علقتني من علائقها # لم تمس لي إرم دارا ولا وطنا # قالوا أراد دمشق، وإياها عنى البحتري بقوله: # إليك رحلنا العيس من أرض بابل # يجوز بها مست الدبور ويهتدي # فكم جزعت من وهدة بعد وهدة # وكم قطعت من فدفد بعد فدفد # طلبنك من أم العراق نوازعا # بنا وقصور الشام منك بمرصد # إلى إرم ذات العماد وإنها # لموضع قصدي موجفا وتعمدي # ومعنى آرام العالية أو سهل مرتفع نحو ألفي قدم عن مساواة البحر، وقد وردت في التوراة عدة ~~أسماء مضافة إلى آرام. # وأطلقوا اسم «جلق» بكسر أوله وثانيه وتشديده على مدينة دمشق، وقد ورد هذا الاسم في ~~الشعر القديم، ومنه في شعر حسان: # لله در عصابة نادمتهم # يوما بجلق في الزمان الأول # وقيل جلق اسم لكورة غوطة دمشق كلها، وقيل غير ذلك، ويكاد يكون الإجماع على أن جلق هي دمشق، ~~وسموا دمشق جلق الخضراء، والغوطة، وذات العماد، ولقبت بالفيحاء ms01 - والفيحاء الواسعة من الدور ~~والرياض - وسماها بعضهم بجيرون، وسماها آخرون بالعذراء. # تعلو دمشق 2200 قدم أو نحو 691 مترا عن سطح البحر المتوسط، وتبعد عنه نحو 60 ميلا، قامت في ~~نجد من الأرض، ومعدل ما تجود به سماؤها من المطر كل سنة نحو 350 مليمترا، وهي تقع في عرض ~~18' 36 ̊ درجة من الطول، و20' 43 ̊ من العرض. # يطل عليها من الشمال جبل قاسيون، وهو فرع من فروع جبل سنير الذي يطلق على بعضه اليوم اسم ~~جبل قلمون، ويشرف عليها من الجنوب الجبل الأسود وجبل المانع، ومن الغرب جبل الشيخ المعروف ~~بحرمون في التوراة وبجبل الثلج عند قدماء العرب، وغربها مفتوح وكذلك شرقها، فهي سهلية ~~جبلية، ومعتدلة الهواء تأخذ الفصول الأربعة فيها حكمها، وقد تنزل درجة الحرارة في الشتاء ~~إلى اثنتي عشرة درجة تحت الصفر، وتصعد فيها أيام الصيف إلى نحو 37 درجة، وهي هبة «بردى» الذي ~~سماه اليونان نهر الذهب، كما أن مصر هبة النيل، وبردى يسقي المدينة بعد تقسيمه ستة أنهار، ~~منها ما يدخل البلد وهي بردى «النهر الأصلي» وقنوات وبانياس ويزيد وتورا، واللذان يسقيان ~~الضاحية فقط الداراني وقناة المزة. # وكانت دمشق لقربها من جزيرة العرب والعراق والجزيرة ومصر مدينة تجارية تصل بين الشرق ~~والغرب، وظلت عامرة على اختلاف العصور نحو أربعة آلاف سنة، فهي أقدم مدينة في العالم باقية ~~على عمرانها، ومما تفخر به أن لها الواديين وادي بردى ووادي العجم، يشق الأول نهر بردى ~~مضافة إليه مياه عين الفيجة، ويشق الثاني نهر الأعوج المعروف عند القدماء باسم فرفر، ومخرجه ~~من سفوح جبل الثلج، ولا يدخل المدينة بل يسقي بعض قراها القريبة. # ومن خصائص دمشق أنها وسط غوطتها الغناء تخرج لها بقولها وفاكهتها وأخشابها وأحطابها، هي ~~على مقربة من إقليم حوران تجلب منه حبوبها الجيدة، وعلى أميال يسيرة من إقليم الجولان ترعى ~~فيه ماشيتها، على فراسخ قليلة من مصايفها ومشاتيها. ترى في بعضها الهواء العليل البليل طوال ~~السنة، وفي الوقت عينه تشهد حكم الصيف، فغورها على مقربة من ms02 نجدها، وجبالها كسهولها تتعاون ~~على جلب الخيرات إليها ، والثلج لا يخلو من أعالي جبالها صيفا وشتاء، وماء الشقة يجلب ~~إليها في أنابيب تسقي دورها ومصانعها، وندر في المدن الكبرى مدينة كهذه تسقى ماء طاهرا ~~لذيذا ماء عين الفيجة، وبهذا قلت الأمراض الوافدة على ما كانت في الأعصار الخالية. # | تاريخ دمشق السياسي # تاريخ دمشق القديم # استولى الآشوريون والبابليون والفرس والأرمن واليونان والرومان على هذه المدينة، ~~ومنهم من كان تطول أيامهم فيها كالرومان، حكموها سبعمائة سنة، واليونان حكموها 269 سنة، ~~ومنهم من كانت لهم منزل قلعة كالأرمن، استولوا عليها ثماني عشرة سنة، وكان الدمشقيون هم ~~الذين استدعوا صاحب أرمينية لما سئموا تنازع الرومان والفراعنة عليها، والغالب أن ~~الفراعنة لم يستولوا على دمشق، واكتفوا بالاستيلاء على ساحلها غير مرة، ووقعت في أيدي ~~إسكندر المقدوني، ثم في أيدي خلفائه السلوقيين، وفي أيامهم كانت دمشق هيلينية يونانية، ~~كما كانت في عصور كثيرة سريانية آرامية. # وكان شأن دمشق في النكبات شأن العواصم الكبرى إذا اضطرب حبل الأمن في البلاد المجاورة ~~لها، ولا سيما في البوادي والأقاليم، أو تنافس الرؤساء، وكان أكثرهم أشبه بعصابات لصوص، ~~تصاب بأذى كبير فتقف تجارتها وتضعف زراعتها، ويجوع فقيرها بل يزيد فقراؤها؛ لأن كل ~~بائقة تنال الأقاليم المجاورة تحفز المنكوبين من أهلها على الاعتصام بدمشق، وما عرفت هذه ~~المدينة طعم السعادة في أكثر أيام الرومان، وشقيت بهم في آخر عهدهم خاصة، فكانت رومية ~~لا تعد أهلها وطنيين رومانيين، بل غرباء ورعايا، وكثيرا ما كان الدمشقيون يبيعون ~~أولادهم ليؤدوا ما تتقاضاهم رومية من الجزية. # دمشق قبل الفتح العربي # سقطت دمشق في أيدي دولة النبطيين العرب في سنة 85 قبل الميلاد، فتحها الحارث النبطي، ~~فكانت نبطية من سنة 37 إلى سنة 54 للمسيح، وظهر النفوذ العربي في دمشق في عهد مبكر ~~جدا - وهل النبط إلا عرب بأصولهم؟ - وإذ كانت هذه المدينة تحت سلطان أهل الوبر لم يجعل ~~منها الرومان عاصمة ولايتهم، بل جعلوا مدينة حمص قصبتهم، ولم تخضع دمشق خضوعا تاما ~~لأمراء العرب الحاكمين ms03 في أرجائها، حتى ولا للغسانيين الذين كانوا عمالا للروم ~~ويرابطون في الجنوب والشمال والشرق، فتتقي دمشق بهم عادية الأعراب. # ولنا بذلك أن نقول: إن اللغة العربية انتشرت في دمشق وأرجائها قبل الفتح الإسلامي ~~بزمن طويل، وسبق إلى نشرها الوثنيون من العرب، ثم متنصرة العرب، وإلى هؤلاء يرجع الفضل في ~~انتشارها، والفتح العربي مدين للمتنصرة العرب لانضمامهم إلى بني قومهم، وكانوا مع الروم ~~يوم الفتح، فغلبت عليهم النعرة الجنسية أكثر من النعرة الدينية لما شاهدوا أعلام ~~الدولة العربية الجديدة. # دمشق في الإسلام # تولى فتح دمشق كل من أبي عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان من كبار ~~الصحابة، حاصروها بعد وقعة اليرموك أعظم وقائع العرب في الشام، من الشرق والغرب، ففتح ~~نصفها عنوة والنصف الآخر صلحا، فأجراها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صلحا كلها، وذلك ~~سنة 14 من الهجرة 636م، وقبل فتحها فتح خالد بن الوليد غوطتها - أي ضاحيتها - لما جاء من ~~العراق مددا لأهل الشام، وركز العقاب - راية الرسول - في أعلى الثنية، ثنية العقاب التي ~~يقال لها اليوم الثنايا، وهو الجبل الهرمي المشرف على شمال دمشق، وقاتل بني غسان يوم ~~فصحهم، فغلبهم على أمرهم. # وما كان الفاتحون بغرباء عن دمشق لصلاتهم التجارية بأهلها في الجاهلية، وامتزاجهم ~~بساداتها من الروم، وكان أبو سفيان بن حرب شيخ بني أمية كثيرا ما يرحل إليها، وقد ~~زارها في الجاهلية بعض قواد العرب وخلفائهم، فعرفوا مداخلها ومخارجها، وصادفوا من أهلها ~~بعد الفتح موادعة، فعاملوهم معاملة ليس أحسن منها، ولما لحق الروم بعد سقوط دمشق بقومهم ~~في آسيا الصغرى، وخلت بهزيمتهم بيوتهم، أسكن المسلمون فيها بعض رجالهم، وجعلوا في أسفلها ~~المليين، وخصوا أعاليها بأبناء الذمة حتى لا يتأذوا بالمسلمين إذا نزلوا العلالي. # ولما هلك أمير دمشق يزيد بن أبي سفيان وسدت الإمارة إلى شقيقه معاوية، فتولاها عشرين ~~سنة أميرا، وعشرين سنة خليفة، وسدت إليه الخلافة بعد وفاة أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب، فوضع أساس ملك بني أمية، وكان على غاية التسامح، عهد ms04 بوزارة ماليته إلى سرجون بن ~~منصور من نصارى دمشق، ثم إلى ابنه من بعده ، وكان بعض أطبائه من النصارى، وكان في جيشه ~~الأنباط والجراجمة والعجم وغيرهم من العناصر غير العربية وغير المسلمة. ثم تولى الخلافة ~~ابنه يزيد بن معاوية، ثم معاوية الصغير أياما قليلة، ثم مروان بن الحكم، ثم ابنه عبد ~~الملك، وتولى الخلافة الأموية في دمشق أربعة من أبناء عبد الملك؛ فدعي لذلك بأبي الأملاك ~~ومفتاح الخير، وهم سليمان بن عبد الملك، والوليد بن عبد الملك، وهشام بن عبد الملك، ويزيد ~~بن عبد الملك، وتولاها منهم عمر بن عبد العزيز حفيد عمر بن الخطاب لأمه، وضرب المثل ~~بعدله وحسن سياسته، وكان آخرهم مروان بن محمد، وهو من خيرة خلفائهم، ولكن قضت الأقدار أن ~~تسقط على يده الخلافة. قال جستاف لوبون: «أبان العرب عن تسامح مع كل مدن الشام، فرضي ~~أهلها بسلطانهم، وطرحوا النصرانية وقبلوا دين الفاتحين، وتعلموا لسانهم». وأصاب دمشق من ~~عناية بني أمية ما أصبحت به عاصمة أعظم دولة، وبهمتهم وعبقريتهم امتد عمرانها، وذاق ~~سكانها طعم العدل، وعرفوا الغنى والسؤدد، وكانت دمشق بهم أعظم عواصم العالم ~~وأجملها. # مدحهم شاعرهم الأخطل النصراني بقوله: # حشد على الحق عياف الخنا أنف # إذا ألمت بهم مكروهة صبروا # شمس العداوة حتى يستقاد لهم # وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا # وكانت دمشق في أيام الأمويين كرومية في نظر أهل النصرانية، وما كانت قبلهم تعد في ~~العواصم الكبرى. وللأمويين ابتكارات في الإدارة والسياسة لم ينسجوا فيها على منوال ~~غيرهم، ولهم على العرب فضل لا ينسى على وجه الدهر، وهو أن أبا سفيان والد معاوية وجده ~~حربا، نقلا من الحيرة الخط إلى جزيرة العرب. # دمشق في عهد العباسيين # فتح عبد الله بن علي عم الخليفة العباسي السفاح مدينة دمشق سنة 132ه، ووضع السيف في ~~أهلها، واستصفى أموالها، ودخلت أباعر جيشه جامع بني أمية وظلت فيه سبعين يوما، وقتل من ~~النصارى واليهود خلق، كما قتل كثير من العلماء والأمراء، ونبشوا قبور بني أمية وأحرقوا ~~جثثهم بالنار وذروها في ms05 الهواء، ونقضوا أسوار البلدة حجرا حجرا. انتقم العباسيون من ~~الأمويين أحيائهم وأمواتهم انتقاما فظيعا، وصفت لهم دمشق، إلا أنهم لم يجعلوا فيها دار ~~خلافتهم، وصيروها قصبة ولاية، فذهب ما كان لها من عظمة على عهد الأموي. # ومع هذا كان عظماء رجال بني العباس أمثال إبراهيم بن المهدي وعبد الله بن طاهر يتولون ~~أمرها، وأعظم من عطف عليها من خلفائهم الرشيد، وكان أميرا عليها قبل أن يلي الخلافة، ~~وكذلك ابنه المأمون، كانا يختلفان إليها ويعدلان في أهلها، حتى لقد ذكراهم بما كانوا ~~يلقون من عدل بني أمية أيام سلطانهم. # وما خلت البلاد حتى في أيام عظماء العباسيين من دعاة يدعون إلى إرجاع الملك للأمويين، ~~فوضعوا لذلك ملحمة بنوها على معرفة المستقبل، زعموا أنه يظهر رجل من بني أمية اسمه ~~السفياني، فاعتقد الناس بظهوره، كما اعتقد أهل المغرب بالمهدي، وفي خلافة الأمين - ~~والعباسيون يشتغلون بأنفسهم - ظهر هذا السفياني، اسمه علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد ~~بن معاوية، وهو الملقب بالعميطر، وكان من أهل العلم والرواية، فدعا إلى نفسه، وكان ~~أصحابه يوم ادعى الخلافة يدورون في أسواق دمشق، ويقولون للناس: قوموا بايعوا مهدي الله. ~~وكان يفتخر بقوله: «أنا ابن شيخي صفين» يعني عليا ومعاوية؛ لأنه كان ينتسب لبني أمية ~~من جهة أبيه، ولآل أبي طالب من أمه، وتعصب على اليمانية وقاومه القيسية، فنهب دورهم ~~وأحرقها، وقتلهم وفتك بأهل دمشق، وكان أصحابه يمرون بالدار فيقولون: ريح قيسي نشم من ~~هذه الدار. فيضربونها بالنار، فهرب القيسية من دمشق، وكان من لم يبايعه سمر عليه بابه. ~~ثم قام رجل آخر من الأمويين فنازع العميطر السلطة، فلقيت دمشق بسبب هذه الفتنة شدة، ~~وأعظم ما لقيت من تنازع قيس ويمن أو النزارية واليمانية، وبقي الاختلاف في الشام بين ~~هذين الحيين من العرب إلى العصر الأخير. # دمشق في عهد ملوك الطوائف # كان أول من اقتطع جزءا عظيما من جسم الخلافة العباسية أحمد بن طولون التركي، استولى ~~على مصر نائبا عن أحد أمراء الأتراك في بغداد أولا، ثم ms06 صفت له أصالة واستولى على ~~الشام، وكان حكمه فيها وفي الثغور ضئيلا، وسده إلى بعض العمال الذين ارتضاهم، ولما هلك ~~ابن طولون، وكان أحسن سيرة من بعض المتأخرين عن خلفاء العباسيين، خلفه ابنه ~~خمارويه في الشام ومصر، فأحسن هذا لأهل دمشق. ولما انقرضت دول الطولونيين سنة 292 ~~وقضى العباسيون على القرامطة الباطنية الذين جاءوا دمشق وأزعجوا أهلها وأخذوا منهم جزية عظيمة ~~وأموالا كثيرة حتى يكفوا عن تخريب بلدهم، ظهرت الدول الإخشيدية دولة محمد بن طغج، فصادر ~~الإخشيد أغنياء دمشق، واستصفى أموالهم. # وقد وجد بدار الإخشيد في مصر رقعة مكتوب عليها «قدرتم فأسأتم، وملكتم فبخلتم، ووسع ~~عليكم فضيقتم، وأدرت عليكم الأرزاق فقطعتم أرزاق العباد، واغتررتم بصفو أيامكم، ولم ~~تتفكروا في عواقبكم، واشتغلتم بالشهوات واغتنام اللذات، وتهاونتم بسهام الأسحار وهن ~~صائبات، ولا سيما إن خرجت من قلوب قرحتموها، وأكباد أجمعتموها، وأجسام أعريتموها، ولو ~~تأملتم في هذا حق التأمل لانتبهتم، أوما علمتم أن الدنيا لو بقيت للعاقل ما وصل إليها ~~الجاهل؟ ولو دامت لمن مضى ما نالها من بقي؟ فكيف بصحبة ملك يكون في زوال ملكه فرج ~~العالم؟ ومن المحال أن يموت المنتظرون كلهم حتى لا يبقى منهم أحد ويبقى المنتظر به، ~~افعلوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا بالله مستجيرون، وثقوا بقدرتكم وسلطانكم فإنا ~~بالله واثقون، وهو حسبنا ونعم الوكيل». # قالوا إن الإخشيد بقي بعد هذه الرقعة في هواجس، وسافر إلى دمشق فمات فيها سنة 334، وفي ~~السنة التي قبلها كان سيف الدولة بن حمدان استولى على حلب ودخل دمشق، ودهش بغوطتها، فصرح ~~بأنه سيستولي عليها جملة، فكتب أهلها إلى المتغلب على مصر كافور الإخشيدي، فبعث جيشا ~~طرده عنها وضمها إلى مصر، فنجت دمشق من جشع سيف الدولة وتحكمه في أصحابها. # وآذنت شمس الإخشيديين بالأفول سنة 357 ولم تلق دمشق من دولتهم ودولة الطولونيين سوى ~~راحة نسبية، ما خرجت عن حد ما كانت تلقاه في أدوار عظماء الخلفاء من بني العباس. # وجاءت دولة الفاطميين أو العبيديين فاستولت على هذه المدينة سنة 359، وخطب على ms07 منبرها ~~للمعز الفاطمي الشيعي، وانقطعت خطبة بني العباس السنيين، وعادت دمشق تشهد حظها يسود، ~~والفتن فيها تتكاثر وتشتد، وكان من سياسة الفاطميين ألا يولوا الولاة مدة طويلة، وبذلك ~~كان سوء الإدارة ماثلا في أيامهم، ومن ضعفهم أن يتولى أمر دمشق رجل كان ينقل التراب ~~على الحمير اسمه قسام الحارثي من تلفيتا في جبل قلمون، ولا تقدر الدولة على نزع السلطة ~~منه، وكانت أرسلت لحربه الأمير الأفضل، فحاصر دمشق وضاق بأهلها الحال، ثم رضي القائد عن ~~قسام، وأعاد إليه حكم البلد. # واستولى الأحداث على دمشق، فأرسل الفاطميون أحد قوادهم جيش بن الصمصامة، فتلقاه أهلها ~~خاضعين، فأمنهم واستخص رؤساءهم، واستحجب جماعة منهم، وكان يبسط الطعام كل يوم لهم ولمن ~~يجيء معهم من أصحابهم، وأمرهم ذات يوم إذا فرغوا من الطعام أن يحضروا إلى حجرة يغسلون ~~أيديهم فيها، وأوعز إلى أصحابه إذا دخل رؤساء الأحداث الحجرة أن يغلقوا بابها ويضعوا ~~السيف فيمن دخلها، فقتل من أصحابهم بهذه المكيدة نحو ثلاثة آلاف رجل، ثم قبض على ~~الأشراف واستأصل أموالهم، وأتى على نعمهم، ووظف على البلد خمسمائة ألف دينار. # وبعد سنين قليلة ثار بدمشق رجل من أهلها يعرف بالجزار، فاجتمع إليه جمع كثير من ~~أحداثها، فقبضوا عليه وقتلوه، وأظهروا الطاعة للفاطميين، وذلك بعد أن اجتمع على الناس ~~بدمشق الجوع والحريق والنهب والقتل. وفي سنة 461 وقع الخلف بين الدمشقيين والعسكرية، ~~فطرحت النار في جانب من المدينة فاحترقت، واتصلت بالجامع الأموي، وكانت دمشق في هذه ~~الحقبة قد خربها أعراب البادية وأهل العيث والعيارون وانتقل أهلها إلى حمص، وهذا القرن ~~من أشأم القرون على دمشق، فقد أصيبت في سنة 467 بكارثة لم يسجل تاريخها أعظم منها، وذلك ~~بانتشار الطاعون أولا، ثم عمت المجاعة البلاد من قابل، فلم يبق من أهل دمشق سوى ثلاثة ~~آلاف إنسان بعد أن كانوا خمسمائة ألف كما قال المؤرخون، أفناهم الغلاء والجلاء والوباء، ~~وكان بها مائتان وأربعون خبازا فصار بها خبازان، وخلت الأسواق وأقفرت القصور والدور، ~~ونعق البوم في البراري، والدار التي كانت ms08 تساوي ثلاثة آلاف دينار ينادى عليها بعشرة ~~دنانير فلا يشتريها أحد، والدكان الذي كان يساوي ألف دينار ما يشترى بدينار، وأكلت ~~الكلاب والسنانير والميتات، وأكل الناس لحم الآدميين، وهذا هو الطاعون الأسود الذي عم ~~العالم، وأصاب مصر ما أصاب الشام من فجائعه. # دمشق في عهد السلجوقيين # ساءت سيرة المعلى بن حيدرة أمير الفاطميين مع الجند والرعية في دمشق، فثار به العسكر ~~وأعانهم العامة، فخربت في الفتنة دمشق وأعمالها، وجلا عنها أهلها، وهان عليهم مفارقة ~~أماكنهم وبيوتهم بما عانوه من ظلمه. قال المؤرخون: وخلت الأماكن من قاطنيها، والغوطة من ~~فلاحيها، وغلت الأسعار حتى أكل الناس بعضهم بعضا لانعدام الأقوات، فجاء أتسز من أمراء ~~السلجوقيين واستولى على المدينة بالأمان، وأعاد إليها الخطبة العباسية سنة 468، وانقضت ~~أيام الفاطميين فيها، إلا أن أتسز لم يكن بالدمشقيين أرحم من المعلى، يضاف إلى المصيبة ~~بالسلف والخلف أن رجاء الفاطميين لم ينقطع من استرجاع دمشق، فحاصروها غير مرة ورجعوا ~~عنها خائبين، حتى قيض لها رجل عظيم من مماليك السلجوقيين اسمه طغتكين. # تولى طغتكين دمشق فأحسن السيرة، واستمر في حكمها من سنة 497 إلى سنة 522، فأحبه ~~الدمشقيون كثيرا لبعده عن الظلم، وإعادته إلى الناس أملاكهم التي اغتصبها منهم ولاة ~~الجور، وإحيائه الأراضي المعطلة، فباع منها ما كان شاغرا، وصرف ما حصل من ثمنها في ~~الأجناد المرتبين للجهاد، فعمرت عدة ضياع، وأجريت عيون، وحسنت بإيالته دمشق وأعمالها، ~~وانبسطت الرعية في عمارة الأملاك في باطن العاصمة وظاهرها، ولما مات اشتد حزنها عليه، ~~ولم تبق محلة ولا سوق إلا والمآتم قائمة فيه عليه، وبحسن سياسته أوقف توغل الصليبيين في ~~أحشاء البلاد، وقصر حكمهم على الساحل، وعقد بين المتخالفين من أمراء المسلمين في الديار ~~الشامية صلات الود، ومعاهدات عدم الاعتداء، وألف بين قلوبهم ليجتمعوا كلهم على حرب ~~الصليبيين الذين كانوا وصلوا إلى الأراضي الشامية سنة 490ه، واستولوا على أنطاكية وعلى ~~الساحل الشامي وبيت المقدس. # وعدوا من غلطات طغتكين أن سلم الباطنية الإسماعيلية قلعة بانياس ليسلطهم على الإفرنج، ~~ويحول دون اعتداء هؤلاء على ms09 المسلمين، فقوي بهذه القلعة أمرهم، وخف بهرام داعيتهم من ~~العراق، ودعا إلى مذهبه جهرة، فتبعه خلق من العوام والجهال والفلاحين، ووافقه الوزير ~~المزدقاني وزير دمشق، فعظم أمر بهرام بالشام، وملك عدة حصون، وكاتب الإفرنج ليسلم إليهم ~~دمشق، وجعلوا موعدهم يوم الجمعة ليقتلوا المسلمين وهم في صلاتهم، فعلم صاحب دمشق بالأمر ~~فقتل الوزير المزدقاني، وأمر الناس فثاروا بالإسماعيلية، فقتل منهم بدمشق بضعة آلاف، ولم ~~يتعرضوا لحرمهم وأموالهم، ووصل الإفرنج في الميعاد فلم يظفروا بشيء، فتبعهم المسلمون ~~يضربون رقابهم، فما نجا من جيشهم إلا القليل. # ولولا قيام طغتكين ذلك القيام المحمود لاستولى الصليبيون على دمشق وحلب، وكثيرا ما ~~كانوا يغزون ربضهما، ولم تؤد دمشق للصليبيين غرامة على عهده، وظهرت بمظهر دولة قوية، ~~وكأن طغتكين كان مبشرا بالدولتين النورية والصلاحية اللتين جعلتا من دمشق عاصمتهما، ~~وكان لهما شأن وأي شأن في دفع عادية الصليبيين عن الأرض المقدسة، والقضاء على ذاك ~~التذبذب الذي ظهر من الدولة الفاطمية، وكان بعض رجالها كاتب أهل الحملة الصليبية. ~~وطغتكين هو الذي ضرب على أيدي صغار الأمراء في الشام، ممن كان يهون على بعضهم الوقوع ~~في سلطان الصليبيين على أن تبقى لهم إماراتهم الموهومة الضئيلة. # دمشق في عهد الدولتين النورية والصلاحية # لم تر دمشق عزا بعد دولة الأمويين مثل العز الذي نالته على عهد الدولتين النورية ~~والصلاحية. كان نور الدين محمود بن زنكي تركيا، وخلفه صلاح الدين يوسف بن أيوب وهو ~~كردي، وكلاهما خدم العرب والإسلام خدمة جليلة لا ينساها التاريخ، وفي دولتيهما عمرت ~~دمشق عمرانا عظيما على اشتغال السلطانين برد الصليبيين عن الديار الشامية، وقوت هذه ~~الكارثة العظيمة من متن الأمة، فانتظم شملها بالنظام المحكم، ووجهت وجهتها إلى هدفها ~~الأسمى، وهو القضاء على الصليبيين، وكانت الأمة إذ ذاك على غاية الحماسة الدينية، حتى إن ~~والدة شمس الملوك وافقت أرباب الدولة على قتل ابنها لما استصرخ الإفرنج لتسليمهم البلاد، ~~وكان جده طغتكين المثال الكامل في دفعهم عنها، وقد وصلوا مرة إلى المرج الأخضر من ضواحي ~~دمشق بقيادة كونراد الألماني، ms10 ولويز السابع الفرنسي، وبودوين الثالث ملك القدس، في جيش عظيم ~~فهزمهم المسلمون شر هزيمة ودفعوهم إلى الساحل. # أبطل نور الدين في دمشق المظالم والمغارم، ورفع الحيف عن الضعاف، ووجه القوة إلى مقصد ~~واحد، وفتح بعض البلاد التي كان أمراؤها ضعافا في وطنيتهم، ولما استعان شاور وزير ~~العاضد الفاطمي بالصليبيين على قتال جيش نور الدين، بعث العاضد يستنجد بنور الدين، فجهز ~~له حملة بقيادة أسد الدين شيركوه وقصد مصر سنة 562 ومعه ابن أخيه صلاح الدين يوسف، ~~فاستنجد شاور بالإفرنج، فساروا في إثر شيركوه إلى الصعيد فهزمهم، ثم ظهر التبلبل في ~~السياسة الفاطمية، وتولى صلاح الدين القيادة فقضى على دولتهم آخر الدهر، وصفت مصر والشام ~~والجزيرة لنور الدين. # وكانت سيرة نور الدين كسيرة صحابة الرسول من التقشف والعفة عن أموال الرعية؛ أسقط كل ~~ما يدخل في شبهة الحرام، وما أبقى من الجبايات سوى الخراج والجزية وما يحصل من قسمة ~~الغلات، وكتب أكثر من ألف منشور بذلك، وأطلق المظالم، وأسقط من دواوينه الضرائب والمكوس ~~عن المسافرين، وسامح الرعايا بمئات الألوف من الدنانير، وكان يأخذ مال الفداء ويعمر به ~~الجوامع والمارستانات، وأخذ من أحد ملوك الإفرنج - وكان في أسره - ثلاثمائة ألف دينار، وشرط ~~عليه ألا يغير على بلاد الإسلام سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام، وأخذ منه رهائن على ~~ذلك، وبنى بالمال المستشفى النوري بدمشق، ولما بلغ الملك الإفرنجي مأمنه هلك. ووقف نور ~~الدين الأوقاف العظيمة على جوامع دمشق، وكان يبيع ما يصل إليه من الهدايا، وينفقه في ~~عمارة المساجد المهجورة، وعمر المدارس والطرق والجسور ودور المرضى والبائسين والخانات ~~والأبراج والرباطات، وبنى المكاتب وأجرى عليها وعلى المعلمين فيه الجرايات الوافرة إلى ~~غير ذلك. # أما خلفه صلاح الدين فقد كان مثله في حسن السيرة، وبعد الهمة، وجميل المفاداة، وكان ~~له عطف خاص على الدمشقيين؛ سامحهم بمئات الألوف من الدنانير على نحو ما فعل معلمه نور ~~الدين، وزين مدينتهم هو وآله وعتقاؤه وجواريه بالمدارس والرباطات والمساجد، ولم ينسب إليه ~~شيء منها، وكان يحب دمشق ويؤثر ms11 الإقامة فيها، ولما بنى له أحد عماله قصرا، لامه ولم ~~يرض أن ينزله؛ لأنه ما كان يفكر في غير حرب الصليبيين. مات صلاح الدين بعد هذه الفتوح ~~العظيمة ومنها مصر، ولم يخلف سوى جرم واحد من الذهب وسبعة وأربعين درهما، ولم يترك ~~ملكا ولا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ولا شيئا من أنواع الأملاك، وكان يهب ~~الأقاليم، ويعطي في وقت الضيق كما يعطي في حال السعة، ويفتح بابه للمتحاكمين حتى يصل ~~إليه كل أحد، ويجلس إليهم مجلسا عاما يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء، ويفعل ذلك ~~سفرا وحضرا. قال سبط ابن الجوزي: ويقال إن صلاح الدين فتح ستين حصنا، وزاد على نور ~~الدين مصر والحجاز والمغرب واليمن والقدس والساحل وبلاد الإفرنج وديار بكر، ولو عاش ~~لفتح الدنيا شرقا وغربا. # وما كان أولاد صلاح الدين وحفدته - مع وقوع الخلف بينهم - بغافلين عن زحزحة الصليبيين من ~~مصر والشام، ويولون دمشق عطفا عظيما، ويقيمون فيها المصانع والمرافق مقتفين أثر مؤسس ~~دولتهم الأعظم، وعلى خطته جروا في الحرمة وحب الخير، وكان الملك العادل أبو بكر بن أيوب ~~عظيما بأخلاقه، سار بسيرة أخيه صلاح الدين وكان مستشاره وأمينه، ولولا هذا الاختلاف ~~الناجم بين الأسرة الأيوبية للنزاع على الملك لكانت دولتهم خير دولة قامت؛ ذلك لأن ~~أصحابها كانوا عارفين بصناعة الملك، يحسنون حمل الناس على الجهاد، لإنقاذ بلادهم من ~~العدو، وكان صغارهم وكبارهم على غاية التهذيب مثقفين بأدب الدين والدنيا، ولقد توصل ~~الملك العادل بدهائه إلى أن كان يرشي نساء قواد الصليبيين بالجواهر والحلي الدمشقية، ~~فيخدمنه مقابل ذلك خدمات مهمة ويتجسسن له على قومهن، وكثيرا ما كان أمراء المسلمين ~~يعمدون إلى مثل هذه الوسائط، وقد قدم أحد أمراء دمشق ذات يوم مائتين وخمسين ألف دينار ~~لأحد أمراء الصليبيين، فلما فحصها وجدها زيوفا، ولكن كان السهم نفذ، وحصل الأمير المسلم ~~على ما أهمه الوصول إليه من الصليبي، والحرب خدعة. # أوعز الملك العادل على الواعظ سبط ابن الجوزي مرة أن يحث الناس على الجهاد؛ لما شاهد ~~من فتور ms12 في العزائم والقعود عن الحرب، فأشار الواعظ أن يقص النساء شعورهن لتستعمل في ~~الأدوات اللازمة للحرب، ويعمل منها شكال وكرفسات، وصعد منبر جامع دمشق الأعظم وأمر ~~بإحضار الشعور، فحملت على الأعناق، وكانت ثلاثمائة شكال، فلما رآها الناس ضجوا وشهقوا ~~بالبكاء، وتعاهدوا على أن يقصوا من شعور نسائهم مثلها، ثم سافروا للقاء العدو، وما كفوا ~~حتى وقع الصلح بين العادل والأعداء، وبهذا أثبت نساء دمشق في القرن السادس ما انطوت ~~عليه أنفسهن من الوطنية، وأنهم لسن دون نساء بني أمية في القرن الأول يوم أتين مع جيش ~~العرب لفتح دمشق، وكن يقاتلن في صفوف الرجال، ويتولين منهم ما تتولاه نساء أهل المدنيات ~~الحديثة في الحروب من طهي الطعام، وغسل الثياب، وتضميد الجراحات، وتمريض المرضى. # دمشق في عهد المماليك # اشتد الخلاف بين أبناء العادل اشتداده من قبل بين أبناء أخيه صلاح الدين، وأهم ما كان ~~من الأحداث أيام هذا الضعف مجيء الخوارزمية من الشرق يريدون الاستيلاء على الشام، ~~فعاونهم بعض أمراء دمشق واشتد البلاء فيها، وأحرقت عدة أحياء وقصور ومساجد وخانات، ودام ~~حصارها خمسة أشهر، وهلك الخلق موتا وجوعا، وقل الشيء، وأكلوا الميتة، وبيعت الأملاك ~~والأمتعة بالشيء اليسير، وأنتن البلد بالموتى على الطرق. قال المؤرخون: وجرى بدمشق أمور ~~شنيعة بشعة جدا، لم يتم عليها مثلها قط. # بويع الملك الظاهر بيبرس البندقداري ملكا على مصر والشام، بعد أن قتل تورانشاه آخر ~~الأيوبيين سنة 647، ولقب الملك الظاهر، وهو رأس دولة المماليك البحرية، وجاء جماعة ~~هولاكو إلى دمشق بعد تخريبهم بغداد والقضاء على الخلافة العباسية فيها سنة 656، وفي ~~السنة التالية خرب هولاكو حلب، وأوقع بها خمسة أيام حتى لم يبق بها أحد، وأنفذت دمشق ~~مفاتيحها إلى هولاكو لتأمن من شره، ومع هذا خرب سورها، وما نجت من غائلته إلا بانهزام ~~جيش التتر على عين جالوت شر هزيمة، وبعد حين وصل غازان من حفدة هولاكو دمشق، فبذل له ~~أهلها مالا عظيما، وباستيلائه عليها خربت الدور والمساكن بظاهر دمشق، واستبيح ما لم ~~يصبه الحريق من الأماكن، وأسر ms13 ألوفا وقتل مئات في التعذيب على المال، ودام التتر أربعة ~~أشهر على ذلك، فخربت بعض المدارس الكبرى ودار السعادة مقر نواب السلطنة وما حولها، وبعد ~~مدة فتح ببغا أروس التتري دمشق، ونهب ضياعها وقطع أشجارها، وجرى على أهلها من عسكره ما لم ~~يجر من عسكر غازان. # كان ملوك المماليك أجناسا، منهم الكفاة وبعضهم دون ما يجب من الكفاءة السياسية، ~~فاتسع المجال في عهد الضعاف للواغلين من الشرق، فعسفوا أهل هذه المدينة، وما لقيت من جنكيز ~~وهولاكو وغازان من المصائب زاد أضعافا بضعف الدولة القائمة، فلما وافاها تيمورلنك أنساها ~~ما لقيت منه ما كان حل بها في القرنين الماضيين من أجداده التتر، فإنه ضرب عليها غرامة ~~عظيمة كان مقدارها ألف ألف دينار، ولما استوفاها دخلها أمراؤه فحل بأهلها البلاء تسعة ~~عشر يوما، هلك من ساكنيها خلال ذلك ألوف من التعذيب والجوع، وسبوا النساء وساقوا ~~الأطفال والرجال، ثم طرحوا النار في المنازل والقصور والجوامع والمدارس، فعم الحريق في ~~يوم عاصف جميع البلد، ولم يبق غير جدران جامعها، وحرق في هذه الفتنة معظم خزائن الكتب ~~التي كانت زينة المدارس، وأكد رجل من باڨاريا اسمه جوهان شيلتبرجه كان جنديا من ~~الأرقاء في جيش تيمور أن ثلاثين ألف إنسان بينهم النساء والأطفال قد اختبئوا في المسجد ~~الجامع، فهلكوا لما سرت إليه النار. # قال ابن تغري بردي: ولقد ترك المصريون دمشق أكلة لتيمور، وكانت يوم ذاك أحسن مدن ~~الدنيا وأعمرها، وكان يرجى بعد تلك الفتنة المشئومة سنة 803 أن تتنفس هذه المدينة ~~الصعداء، بيد أن أمراءها ما كفوا عن مظالمهم، وظلوا يصادرون كل من يعتقدون أن لديه ~~مالا، وانتشر فيها الطاعون سنة 814، فأحصي من مات من سكانها خاصة، فكانوا نحوا من خمسين ~~ألفا، وخلت عدة قرى من السكان وبقيت الزروع قائمة لا تجد من يحصدها، وأشبه هذا الوباء ~~وباء سنة 897، وكان يموت فيه كل يوم ثلاثة آلاف إنسان، والأوبئة والمجاعات والزلازل والقحط ~~ليست أكثر بلاء على هذا البلد من جبابرة الملوك المفسدين من الفاتحين؛ فإن تيمورلنك ms14 ~~مثلا أخذ من دمشق جميع صناعها ومفننيها وعلمائها وقرائها، ونهب آثارها النفيسة ثم ~~أحرقها، ولم تأخذه بها وبأهلها شفقة. # وجاء ملوك عظام من المماليك البحرية والبرجية اهتموا لسعادة دمشق، وفي مقدمتهم الظاهر ~~بيبرس والمنصور قلاوون وبيبرس الجاشنكير وقايتباي وبرسباي، وجاء أيضا منهم صغار ~~بعقولهم وبأعمارهم، ومع هذا وفقت دولتهم إلى إخراج بقايا الصليبيين من ساحل دمشق، فخفف ~~عنها الضغط الذي دام نحو مائتي سنة مشفوعا بغارات التتر من الشرق. # دمشق في عهد العثمانية # استولى السلطان سليم الأول العثماني على دمشق سنة 922، بعد وقعة مرج دابق التي قتل ~~فيها قانصوه الغوري آخر ملوك المماليك، وكان سليم جبارا سفاكا للدماء، قتل إخوته ~~وبضعة من وزرائه. # ومن سوء حظ هذه العاصمة أن أرباب الرحمة من ملوك آل عثمان مضوا قبل استيلاء ~~العثمانيين الأتراك على الشام ومصر، ولئن كانت هذه الديار بمعزل عن شئون الدولة ~~السياسية في القسطنطينية دار الملك وشأنها شأن سائر الولايات العثمانية، فإن جهل ~~الأتراك بالإدارة أذهب عن دمشق نضرتها التي كانت لها على عهد نور الدين وصلاح الدين ~~مثلا، وكان يتحكم فيها المتوثبون على الملك وأرباب الإقطاعات، والدولة لا تهتم إلا ~~لجباية أموالها من الرعايا، وقصاراها أن يخطب لها على المنابر، وتضرب السكة باسم ~~ملوكها، وتراعي فيها الظواهر، وتحس في أهلها الخضوع لما تأمر به، ولم ينكر الدمشقيون على ~~الأتراك القادمين سوى استرسال بعض رجالهم في الشهوات، ومجاهرتهم بالفسق وتعاطي الخمور، ~~وضرب حكومتهم رسوما حتى على بيوت الدعارة، واستغربوا من الفاتح ورجال حملته أن يحلقوا ~~لحاهم، وما كانت عيون الناس في بلاد العرب تألف غير اللحى تزين وجوه الرجال. # أما الجيش العثماني فكان دأبه الاعتداء على السكان؛ ينزلون بيوتهم بالقوة، ويعتدون على ~~الأعراض، ويقطعون الأشجار، ويرعون الزرع، ويوغلون في المنكرات والسلب والنهب. # ولما رحل السلطان سليم بعد فتحه مصر خلا الجو لنائبه جان بدري الغزالي، فخرج عن الطاعة ~~وبايعه الأهلون بالسلطنة مكرهين، وسمى نفسه بالملك الأشرف، وخطب له على المنابر، وزينت ~~دمشق ثلاثة أيام، وأوقدت الشموع على الدكاكين، وضربت السكة ms15 باسمه، ثم أرسلت الدولة ~~العثمانية جيشا قضى عليه، وكان هو من قبل قضى على حامية المدينة، وكانوا خمسة آلاف ~~جندي من الانكشارية، وفي وقائعه خرب نحو ثلث دمشق من ضياع وأحياء وحارات وأسواق وبيوت، ~~وقتل من أهلها نحو سبعة آلاف، وهجم العسكر التركي على أحياء المدينة وربضها فكسروا ~~الأبواب والحواصل والدكاكين، وآذوا النساء والأولاد، وكان النساء اجتمعن في مدرسة ~~الحنابلة ومدرسة أبي عمر وغيرهما من مدارس الصالحية، فهجموا عليهن وعروهن من ثيابهن، ~~أخذوا من راقهم من النساء والغلمان. ويمكن حصر مصائب الدور العثماني الأول في ظلم ~~الوالي إذا كان عاتيا مرتشيا، وظلم الجند في كل مكان نزلوه، وشقاء البلاد بأرباب ~~النفوذ من أهلها. # ومن الولاة من لم يكن حد لظلمهم ولا لسرقاتهم، أمثال سنان باشا، كان يقتل ألوفا من ~~الأبرياء، ويعمر المساجد! فقد خلف من الذهب والجواهر والحلي والأحجار الكريمة ما عز وجود ~~مثله في غير خزائن كبار الملوك المستبدين، هذا عدا ما أنفقه في بناء الجوامع والمدارس ~~والتكايا والخانات مما قدره مؤرخو الترك بمليوني ليرة ذهبا بسكة زماننا. # وكانت الدولة العثمانية تخشى ولاتها، ولذلك ما كانت تبقيهم في دمشق إلا أشهرا معدودة، ~~حتى لقد بلغ من تولاها منهم في قرن واحد من سنة 1000 إلى سنة 1100 أحدا وثمانين ~~واليا، وزاد في هذا الدور ظلم الانكشارية جيش الدولة وكثر أذاهم، ويعبثون بأعراض ~~الرعية وعروضها، ويستبيحون المدنية وقراها، ولا يكاد إنسان يأمن شرهم وعتوهم، وزادت ~~فظائعهم لما أنشئت فرق جديدة من الجند، وبدت المنافسة بين العسكر القديم والعسكر ~~الجديد، حتى أدت إلى أن يقتلوا في الشوارع، وإلى أن يتغلب أحد الفريقين المتقاتلين على ~~القلعة، يقتل الأبرياء وتخرب بيوت وحوانيت، وتتعطل الأعمال أياما، وأقل ما كان ينال ~~أهل القرى من الظلم متى طولبوا بعوارض سنتين أي بأموال عامين لحاجة الدولة أبدا على ~~المال، فيرسل الوالي زبانيته من الجند يخربون المساكن ويقطعون الأشجار، وعادة قطع ~~الأشجار تأصلت في نفوس رجال الترك حتى أتوا في بعض الأقاليم على أشجارها كلها، فأصبحت بتكرر ~~قطعها ms16 وإحراقها جرداء مرداء بعد أن كانت غابات غناء، وكان الجند إذا شتوا بدمشق - وهم ~~ألوف - يلزمون أهل المدينة بأكلهم ومبيتهم، فإذا عزموا على السفر يأخذون من كل دار ترحيلة ~~أي مبلغا من المال نفقة الطريق، وأصبح الأمر في بعض الأدوار على غاية الأخلوقة، فقد ~~حدث أن خصص السلطان إبراهيم الخالع الماجن جباية إيالة الشام كلها لامرأته السابعة، ~~فكانت قرينة السلطان ترسل رجلا يجبيها باسمها. # وحدث بعض السنين أن أرسلت رجلا اسمه محمد أغا، وهو الذي نهض بعد مدة بالدولة باسم ~~محمد باشا الكوبرلي الكبير، قال أبو الفاروق: ولا عجب، فقد توجد الدرة النفيسة بين ~~الكناسات والقمامات «راجع الجزء الثاني ص267 من كتاب «خطط الشام» من تأليفنا». # وفي العهد العثماني كانت الفتن بدمشق متصلة اتصال الشؤبوب، البلاد ساحة وغي على ~~الدوام، وكذلك كانت الحال في الأقاليم، تتعطل الأسواق والمعاملات بسبب الاضطرابات بين ~~الانكشارية جيش الدولة والفرق الجندية الأخرى كالدالاتية والقبوقولي، وقد عطلت البلد ~~سنة 1161ه مرة ما يقرب من سنة، لا تقام جمعة، ولا يسمع أذان، ولا يفتح جامع، ولا يتمكن ~~أحد من الخروج من منزله، وأغلقت دمشق دكاكينها مرة تسعة أشهر احتجاجا على مسائل آذتها، ~~وكانت ذريعتها العظمى في إنكار ما يؤذيها إغلاق الحوانيت والمتاجر. # نعم، انقلب عيش الدمشقيين في القرون الأخيرة من حكم العثمانيين عيشا رتيبا ليس فيه ~~غير المغارم والمظالم، ونشوب الفتن فيها من الأمور الطبيعية، وذلك لضعف الحكومة، وقلة بصيرة ولاة الأمر وفسادهم، وسرعة تبديل الولاة وسائر ~~العمال، والقاعدة أن المناصب الكبرى لا تدوم لمتوليها أكثر من بضعة أشهر، وندر من ~~يتولاها سنة كاملة أو سنتين، ومعظم العمال يبتاعون مناصبهم من رجال الآستانة بالمال ~~الوافر، والجند لأقل سبب يشعثون القرى ويأكلون مغلها، ويقتلون في أهلها، ومعنى تخريب ~~قوى دمشق انقطاع مادة حياتها. وكاد الموت والحياة يتساويان في نظر الناس على عهد الترك؛ ~~لأن كل ما يدخرونه ينهب، وكل ما يعمرونه يخرب، وجاء الوالي أحمد باشا الجزار يقتل في ~~الأهلين ويعسفهم، وكثيرا ما كان يصادر الناس ثم يقتلهم، ms17 وطال حكمه في أوائل القرن ~~الثاني عشر، وهو يلقي الشغب بين الأهلين، وينمي روح الفتن بينهم، حتى ينقذ القطر بزعمه من ~~عسف المشايخ والأمراء، وكان جوره بالقياس إلى جور هؤلاء أقل وطأة، فحفظ المساواة بين ~~الرعية، وكان يحبس علماء المسلمين كما يحبس قسيسي النصارى وحاخامي اليهود وعقال الدروز، ~~ويصادر المسلمين كما صادر اليهود. # وأهم ما وقع في القرن التالي قتل أعيان دمشق الوالي سليم باشا، وكان قضى على جيش ~~الانكشارية في الآستانة وهو صدر أعظم، فحاول قتل بعض أعيانهم وهو وال، فبدءوه بالشر قبل ~~أن يبدأهم، وجعلوا الحجة في إثارة العامة أنه يريد وضع ضريبة جديدة على البيوت ~~والحوانيت، فهاج الرعاع لذلك وقتلوه، ولولا أن اتفق في تلك السنة خروج محمد علي باشا ~~والي مصر على الدولة، وإعداده حملة لفتح الشام، لجعلت الدولة عالي دمشق سافلها لما ~~أصابها من الذل بمقتل واليها. # وشغلت دمشق بفتح إبراهيم باشا بن محمد علي باشا ونفس خناقها بالدولة الجديدة، وقد رأى ~~الدماشقة إدارتها أحسن من الإدارة في عهودها من العثمانيين، وكان من أول أعمال المصريين ~~ترتيب المجالس الملكية والعسكرية، وإقامة مجلس الشورى، وترتيب المالية، ووضع نظام ~~للجباية، ومعاملة الرعايا بالمساواة والعدل، ومع هذا استثقل أرباب النفوذ والمشايخ ظل ~~هذه الدولة، وودوا رجوع العثمانيين، ليعيشوا معهم كالحلمة الطفيلية تمتص دماء الضعفاء ~~وتفتك بالآمنين والأبرياء. # أما إبراهيم باشا فمضى في إصلاحه وأبطل المصادرات، وقرر حق التملك، ووطد الأمن، وأحيا ~~الزراعة والصناعة، وهيأ الطرق لرواج التجارة، وبتشويقه عمت تربية دود الحرير ودود القز، ~~واستخرجت بعض المعادن، فاستعادت بعض القرى عمرانها القديم، ورخص الفاتح الجديد للأجانب ~~في إرسال معتمديهم إلى دمشق، وكانوا قبله يمنعون من دخولها، ودام حكمه في الشام تسع ~~سنين، ومن دمشق خرج عائدا إلى مصر، فبكاه الدمشقيون بكاء شديدا، على شدته في تطبيق ~~القوانين، وما عهد منهم أن ودعوا فاتحا بما ودعوا به إبراهيم بن محمد علي ~~الكبير. # مدح قنصل بريطانيا العظمى الإدارة المصرية في الشام بقوله: «لو طال الحكم المصري ~~لاستعادت الشام قسما عظيما ms18 من وفرة سكانها القدماء، وأصابت شطرا كبيرا من الثورة ~~التي كانت في الماضي وآثارها لم تزل ظاهرة للعيان في القرى والمدن العديدة، ولم يكد ~~المصريون يطردون ويتقلص ظل سطوتهم، وقد كانوا أخضعوا الجميع لحكمهم الشديد، حتى عاد القوم ~~إلى نبذ الطاعة، وخلفت الرشوة والتبذير في إدارة المالية النزاهة والاقتصاد، ومنيت ~~المداخيل بالنقص، واستأنفت عرب البادية غاراتهم على السكان، فخلت القرى والمزارع ~~المأهولة بالتدريج، حتى أمكن القول إنه لا يوجد ثم ظل للأمن على الحياة والأملاك، وكل ~~شيء يدعو إلى عودة الفوضى إلى الديار». # وأهم ما وقع في القرن حادثة النصارى المعروفة بحادثة الستين سنة 1860م، وخلاصتها قيام ~~رعاع المسلمين والدروز على نصارى دمشق وقتلهم ونهبهم، وإلقاء النار خمسة أيام في حيهم ~~حتى خرب كله، وكانت هذه المذابح بدأت من قبل في لبنان، وهلك في دير القمر وزحلة ووادي ~~التيم ألوف من النصارى بيد جيرانهم الدروز، جرى هذا في مدينة التسامح واللطف، فسود ~~الأشقياء سمعة دمشق بعد أن عاش المواطنون قرونا في صفاء وولاء، وكانت لبعض الدول ~~الغربية يد في إثارة نفوس النصارى من جهة، وإثارة الدروز من أخرى. # ويكاد المؤرخون يجمعون على أن الدولة هي التي دفعت الرعاع أو غضت الطرف عنهم، فارتكبوا ~~ما ارتكبوا، وكان والي دمشق لما رأى أهل زحلة يجمعون جموعهم للغارة على الدروز، أرسل ~~إليهم وفدا من دمشق لينصح لهم بالعدول عن فتح باب الشر، فقبل الدروز بمقترحه إلا أن ~~الزحليين لم يقبلوا، وكان بعد ذلك ما كان من إثخان الدروز في جيرانهم النصارى في لبنان ~~ووادي التيم، ثم سرت هذه الشرارة إلى دمشق وهلك فيها من النصارى 5500 مسيحي، وقدر بعضهم ~~عدد القتلى في لبنان ودمشق باثني عشر ألفا، وهو عدد مبالغ فيه، وأرسلت الدولة على ~~الأثر أحد عظماء رجالها فؤاد باشا لإطفاء الفتنة، وإرضاء الدول العظمى حامية النصارى في ~~الشرق، فقتل من مسلمي دمشق 111 رجلا رشقا بالرصاص، وصلب 56، ونفى 145، وحكم بالأشغال ~~الشاقة على 186، وكان في جملة من قتل 18 رجلا من كبار الأسر، ms19 وأرسل زهاء ألف رجل إلى ~~المنفى والسجون خارج دمشق، وقتل الوالي أحمد باشا رميا بالرصاص؛ قالوا لتساهله في ~~الفتنة، والحقيقة أنه نفذ أوامر الآستانة فخافت الدولة شيوع الخبر فقتلته، بعد أن أخذ ~~فؤاد باشا أوراقه، وأخذت الحكومة تجبي المال للتعويض على المنكوبين، فجبت مئات الألوف من ~~الليرات غرامة من أهل دمشق يبنون بها الحي الذي أصبح طعام النار، وجندوا ثلاثة آلاف ~~جندي، وجعلوا بدل الخدمة في الجندية من النقد مائتي ليرة ذهبية، وبلغت الخسائر مليونا ~~وربع مليون من الليرات. # وعاد من دانوا بالإسلام من النصارى كرها إلى دينهم الأصلي، وعوضت الدولة على ~~المنكوبين من أموال الأهالي، ولم يصل إلى من أريدت معاونتهم مما جبي بهذا الاسم أكثر من ~~الربع، وضاع الربع الثاني في النفقات، واختلس الربع الثالث عمال الحكومة، وأصاب صيارفة ~~اليهود الربع الرابع، وكانت الخسارة عظيمة على الحكومة وعلى رعاياها من المسلمين ~~والنصارى، وربحت الدولة من كل هذا تذليل الرعية وإخضاع الزعماء وأرباب المقاطعات، وخسرت ~~دمشق ألوفا من البيوت المسيحية، هاجرت من دمشق إلى بيروت وقبرص ومصر واستوطنوها ~~استيطانا قطعيا. # ولولا أن مئات من أعيان دمشق وتجارها وغيرهم من أرباب الدين والمروءة فتحوا بيوتهم ~~وصدورهم لحماية المسيحيين والمسيحيات، لما بقي منهم ديار؛ لأن الأمر بعد أن خرج من يد ~~الحكمة صار إلى أيدي الرعاع، والرعاع في العادة لا حد لتعديهم وإسرافهم، عمل المسلمون ~~بما فرضه عليهم دينهم من حماية أهل الذمة، ولكن السياسة لعبت ألاعيبها، فعوقب حتى بعض ~~من حمى مواطنيه، وأطعمهم وألبسهم وحنا عليهم. # وكانت الدولة تحاول أن تمثل مثل هذه الفتنة في دمشق قبل نحو ربع قرن، فلم تقع في ~~أحبولتها؛ لأن الأمر رجع يومئذ إلى أرباب البصيرة والرأي، وذلك أن الدولة أرادت يوم ~~ثورة المورة وجزائر البحر المتوسط سنة 1244ه أن تقتل طائفة الروم الأرثوذكس في الشام؛ ~~انتقاما منهم عما أتاه أبناء دينهم في اليونان من عصيان الدولة للوصول إلى استقلالهم، ~~فأمرت الحكومة واليها في دمشق أن يقتل أبناء طائفة الروم في إيالته، وكان الوالي عاقلا ms20 ~~على ما يظهر، فأحال المسألة على مجلس دعا إليه الأعيان وأرباب الشأن عليهم أوامر ~~الآستانة، فكان جوابهم: ليس عندنا مفسدون من النصارى، وجميعهم ذميون وعاملون بشروط ~~الذمة لا تجوز أذيتهم، والرسول أوصانا بالذميين ، نحن لا نقدر أن نتحمل تبعة قتلهم، ~~وكتبوا محضرا بجميل سلوك نصارى الإيالة وحسن طاعتهم، وأنهم يؤدون الأموال الأميرية، ~~وأنهم يستحقون الرعاية والمرحمة من السلطنة العثمانية، وبصنع أهل دمشق هذا نجا من القتل ~~عشرات الألوف من النصارى، وهكذا كانت سياسة الدولة العثمانية مدة تزيد على أربعة قرون، ~~تضرب الغني بالفقير، والموافق بالمخالف، والطائع بالعاصي، وتفرق بين أجزاء قلوب رعاياها ~~في بلد فيه عشرون مذهبا ودينا، حتى تخلت عن هذه الديار في حرب سنة 1918م. # دمشق في العهد الأخير # فتح الجيش الإنكليزي والجيش العربي مدينة دمشق أواخر الحرب العالمية، وتولى الأمير ~~فيصل بن الحسين حكمها بمعاونة البريطانيين، ووضع فيها أساس الحكومة العربية، ثم وقع ~~الاتفاق بين الحلفاء على تقسيم الديار الشامية، فكانت فلسطين وعبر الأردن من حصة ~~بريطانيا العظيمة، وسورية ولبنان من نصيب فرنسا، وبعد حين جعلت عصبة الأمم الإشراف على ~~هذا القطر لكل من الدولتين المشار إليهما على هذه الصورة، مع الاعتراف بأنه مستقل ويحتاج ~~إلى من يدربه على الحكم من الدول، وهذا ما سموه بالانتداب. # وفي عهد الأمير فيصل التأم مؤتمر من نواب الديار الشامية «فلسطين وشرق الأردن ولبنان ~~وسورية» في مدينة دمشق، وقرروا فيه المناداة بالأمير فيصل ملكا على هذه البلاد، فلم يرق ~~الحكومتين المنتدبتين عمل المؤتمر على ما يظهر، وطلبت فرنسا دخول جيشها على الأرض ~~السورية، فمانعت حكومة فيصل، فدخل الجيش الفرنسي دمشق عنوة بعد وقعة طفيفة في قرية ~~ميسلون مع قوة قليلة من الجيش العربي والمتحمسين من الأهلين، وعهدت فرنسا بالحكم في ~~سورية إلى رئيس سوري سمته تارة رئيس الوزراء، وأخرى رئيس دولة، وطورا رئيس مجلس ~~المديرين، وجعلوا لكل وزارة ولكل ديوان كبير مستشارا فرنسيا، وتغلغل الفرنسيون في ~~جميع فروع الإدارة، وتغلغل جيشهم المحتل في المراكز الحربية. وبينا كانت الهمة منصرفة ~~إلى تقرير ms21 الأمن وإصلاح آلة الحكومة، والقوم يهنئون بالراحة وقد نجا أولادهم من خدمة ~~الجندية في الجيش التركي، وكان كل سنة يهلك منهم ألوف في هذه السبيل، وقد نجوا من ~~الاشتطاط عليهم في أداء المغارم، نشبت الثورة في جبل دروز حوران، ولم تلبث أن سرت ~~شرارتها إلى دمشق، فكانت ثورة مؤلمة في زمن تحتاج فيه البلاد إلى السلام، فخربت بمدافع ~~الحامية أجمل قصور دمشق الأثرية وجزء غير قليل من أعظم بيوت حي الميدان وحوانيته ~~وحواصله ومستودعاته، وخربت عدة قرى في الغوطة، وهلك من الأهلين ألوف، وذهب من ثرواتهم ~~مئات الألوف كانت جمعت في عشرات من السنين. # كان عمل فرنسا في التنظيم والإدارة والأمن حسنا في مجموعه، لكن سياستها كانت غير ~~مستقرة على حالة واحدة، فكان الرؤساء الوطنيون ينصبون تارة بالتعيين وأخرى بالانتخاب، ~~ينتخبهم مجلس له صورة المجلس النيابي، وبعد أخذ ورد طال أمرهما اختاروا الحكم الجمهوري، ~~وجاء نواب الأمة إلى دمشق يجتمعون في دار الندوة أي البرلمان على نحو ما يجتمع العريقون ~~في الحكم النيابي في الغرب، وإلى الآن تولى الأمر أربعة رؤساء جمهورية، اثنان منهم ~~انتخبا انتخابا نظاميا في الجملة، إلا أنهما لم يكملا مدتهما، وثالث عينوه بمرسوم ~~وقالوا إنه رئيس جمهورية، وربما كان هو أول رئيس جمهورية يعينه الغريب بأمر منه! ~~والرابع من الرؤساء جرى انتخابه على النحو الذي جرى عليه انتخاب الرئيسين الأولين، وكان ~~ذلك بعد استيلاء البريطانيين على سورية ولبنان في سنة 1940 لأسباب حربية، وقضوا على ~~الفرنسيين الذين حافظوا على الطاعة لفرنسا الأم، وظلوا إلى الآن تحت الاحتلال الألماني، ~~وأصبحت سورية ولبنان مستقلين بحسب العرف الدولي. # وأخذت المفاوضات بين البلدان العربية تدور حول تأليف وحدة من مصر والشام والعراق ~~وجزيرة العرب، وإذا تمت هذه الأمنية التي تحرص على تحقيقها دمشق حرصا كبيرا، تصبح ~~العاصمة الثانية لهذه الوحدة بعد القاهرة لتوسطها بين الأقطار العربية. # | عمران دمشق # لم تبق الأيام في دمشق من عاديات الأمم البائدة قبل الإسلام سوى مصالح قليلة دائرة يستدل ~~منها على مبلغ عنايتها بالعمران، لا ms22 جرم أن دولة الرومان التي طال عمرها في هذه الديار كان ~~لها ممن تسخرهم من الأسرى والأرقاء في إنشاء مصانعها ما لم تكد تصل إليه دولة قبلها ولا ~~بعدها، وعلى هذا الأساس كان حالها في كل قطر استصفته وكل بلد نزلته. ومن آثارها هنا الشارع ~~الأعظم ويدعى المستقيم، كان ممتدا من الباب الشرقي إلى باب الجابية، أي من الشرق إلى الغرب، ~~وطوله 1600 متر، وفيه طريق للركبان وآخر للمشاة، وقد طمر اليوم بما قام عليه من الأنقاض ~~العظيمة، وما برحت بعض عمده مدفونة على أمتار من سطح الأرض تعلوها الدور والحوانيت، ولا ~~يظهر منه إلا الباب الشمالي من الباب الشرقي، وقسم من الباب الأوسط الكبير، أما باب الجابية ~~فبقي جزء صغير منه. # ومن أعظم آثار الرومان اثنان وخمسون حصنا وقلعة أقاموها بين دمشق وتدمر إلى الفرات؛ لتقف ~~حاميتها على الدوام دون تسرب أهل البادية إلى المعمور من دمشق وأرباضها. وكذلك ما شادوه من ~~حصون على الطريق الممتد بين بصرى قصبة إقليم حوران ودمشق عاصمة القطر الشامي؛ ليأمنوا عيث ~~البادية أيضا. # ومن آثار الرومان قلعة دمشق في غربها، سماها العرب «الأسد الرابض»، وتعاورها بعض الفاتحين ~~الترميم في أدوار كثيرة، ولا تزال بعض جدرانها قائمة، وأكثرها خراب، وقد اتخذها كثير من ~~ملوك الطوائف ونور الدين وأخلافه دار إمارة، وجاءت بعض العصور وهي أشبه بمدينة فيها جميع ~~المرافق، وأقيم فيها جامع بخطبة. ومن آثار القدماء سور البلد، وهذا أيضا جار عليه الدهر، فنقض ~~مرات ورمم مرات في الدول الإسلامية، وهناك بقايا أنقاض بيعة اسمها كنيسة حنانيا، يرد عهد ~~بنائها إلى القرن الرابع للمسيح، إلى غير ذلك من الأحجار والتماثيل المهشمة وقليل منها ~~السالم، وقد رم العرب بعض ما عور من المصانع القديمة، وما أفرطوا في تشييد البناء العظيم؛ ~~لأن الإسلام حظر السخرة، وعاديات القدماء كانت من عمل الرقيق والأسرى، وربما اختار العرب ~~لأول أمرهم البناء بالمدر أي باللبن والطين، ثم تحول البناء إلى الحجر في بعض السنين، ~~وكانوا يؤثرون البناء بالطين والخشب؛ لأنه ms23 أدنى إلى السلامة عند حدوث الزلازل من أبنية ~~الحجر. # بنى معاوية قصر الإمارة جنوب المسجد الأموي، وسمي بالخضراء لقبة خضراء قامت عليه، قيل إنه ~~أنفق عليه ثمانية عشر حملا من الذهب، وبنى الأمويون بيوتهم في جوار الجامع، وكان لمعظمهم ~~قصور في الغوطة، ومنهم من كان يؤثر نزول البادية لئلا يخمل أبناؤهم بعيش الحاضرة. # وجاء الخليفة الوليد بن عبد الملك وكان مولعا بالعمران، فبنى الجامع الأموي، وصالح ~~النصارى على النصف الذي كان أبقاه لهم الفاتحون، وعوضهم عن نصفه أربعين ألف دينار، وكان بدمشق ~~خمس عشرة كنيسة للنصارى صولحوا عليها. قال المؤرخون: وهدم المسلمون واليهود جميع ما جددت ~~النصارى في تربيع الجامع الأموي من المذابح والأبنية والحنايا، حتى بقي عرصة مربعة، ثم شرع ~~ببنائه بفكرة جيدة على الصفة الحسنة الأنيقة التي لم يشهد قبلها مثلها. # وذكر المؤرخون أن الوليد أتى الصناع والمهندسين من الروم، أي من الروم الوطنيين، وبناه على ~~أعمدة من الرخام طبقتين، الطبقة التحتانية أعمدة كبار، والتي فوقها صغار، في خلالها صورة كل ~~مدينة وشجرة في الدنيا معمولة بالفسيفساء بالذهب والخضرة والصفرة، وكان ابتداء عمارته في ~~أواخر سنة ست وثمانين، وتكامل في عشر سنين، وقبل أن يكون بيعة للنصارى كان معبدا للصابئة ~~والكلدان والسريان واليهود. # الجامع الأموي. # وكان طول الحرم الأصلي من الشرق إلى الغرب 1300 قدم، وعرضه من الشمال إلى الجنوب 1000 قدم، ~~فهو ربع مساحة دمشق في تلك الأيام، أنفق الوليد على تشييده وتزيينه خراج الشام سنتين، وقيل ~~أكثر من ذلك، وكان خراجها ألف ألف دينار ومائتي ألف دينار كل سنة، فجاء أجمل جامع في ~~الإسلام يليق بعاصمة الخلافة الإسلامية، وبقي على جماله إلى سنة 461ه أيام ذهبت محاسنه في ~~الحريق الذي وقع في دولة الفاطميين، وقد حرق ست مرات في عصور مختلفة، وكان آخر حريق أصابه في ~~سنة 1310ه، فأعيد إلى ما كان عليه كما كان يعاد في كل حريق، وأصيب غير مرة بزلازل فتفطرت بعض ~~أركانه وشراريفه ومآذنه الثلاث. # ولنابغة بني شيبان في الوليد باني الجامع ms24 الأموي من قصيدة مدحه بها، ويصف بدائع هذا ~~الجامع: # قلعت بيعتهم عن جوف مسجدنا # فصخرها عن جديد الأرض منسوف # كانت إذا قام أهل الدين فابتهلوا # باتت تجاوبنا فيها الأساقيف # أصوات عجم إذا قاموا بقربتهم # كما تصوت في الصبح والخطاطيف # فاليوم فيه صلاة الحق ظاهرة # وصادق من كتاب الله معروف # فيه الزبرجد والياقوت مؤتلق # والكلس والذهب العقيان مرصوف # ترى تهاويله من نحو قبلتنا # يلوح فيه من الألوان تفويف # يكاد يعشى بصير القوم زبرجه # حتى كأن سواد العين مطروف # وفضة تعجب الرائين بهجتها # كريمها فوق أعلاهن معطوف # وقبة لا تكاد الطير تبلغها # أعلى محاريبها بالساج مسقوف # لها مصابيح فيها الزيت من ذهب # يضيء من نورها «لبنان» و«السيف» # فكل إقباله والله زينه # مبطن برخام «الشام» محفوف # في سرة الأرض مشدود جوانبه # وقد أحاط بها الأنهار والريف # فيه المثاني وآيات مفصلة # فيهن من ربنا وعد وتخويف # ووصف ابن منقذ الكناني هذا الجامع بقوله: # وكأن جامعها البديع بناؤه # ملك يمير من المساجد جحفلا # ذو قبة رفعت فضاهت قلة # ومنابر بنيت فحاكت معقلا # تبدو الأهلة في أعاليها كما # يبدو الهلال تعاليا وتهللا # ويريك سقفا بالرصاص مدثرا # يعلو جدارا بالرخام مزملا # قد ألف الأقوام بين شكوله # فغدا الرخام بذاته متشكلا # لم يرض تجليلا بجص فانبرى # بالفص يعلو والنضار مجللا # يعشى سوام اللحظ في أرجائه # عن عسجد أرضا ومن فص حلا # فإذا تذر الشمس فيه تخاله # برقا تألق أو حريقا مشعلا # فكأنما محرابه من سندس # أو لؤلؤ وزمرد قد فصلا # وتخال طاقات الزجاج إذا بدت # من للحظك عبقريا مسدلا # تبدو القباب بصحنه لك مثلما # تبدو العرائس بالحلي لتجتلى # وعلت به فوارة من فضة # سالت فظنوها معينا سلسلا # وببابه حركات ساعات إذا # فتحت لها باب تراجع مقفلا # وفي أيام الوليد كان الناس يتكلمون في البنايات والعمائر لزيادة رغبته في البناء، فبنت ~~الناس المجالس الحسان عملا بسنة الخليفة، وهو الذي عمر الضياع، وحفر الآبار، وأقام المنارات ~~في الطرق، وهدم المساجد القديمة وزاد فيها، وشيد دور المرضى، وكان إذا ازدادت أموال ms25 الجباية ~~ولم يجد أحدا يقبل الصدقات يبني بها المساجد، وشيد من جاء بعده الفنادق ودور الضيافة ~~والخانات، وكل ما يسهل العيش ويجلب الراحة. # وظل الدمشقيون يسيرون على خطة خليفتهم الوليد في عمارة بلدهم في القرون التالية لم ينزع ~~منهم هذا الغرام، حتى قال بعض المؤرخين إن للدمشقيين في ظاهر مدينتهم وداخلها من القصور ~~الجميلة ما يدل على شدة ولعهم بإتقان مصانعهم والحرص على آثارهم، وهذه الخلة مشاهدة فيهم ~~إلى اليوم، وعندهم أن من النقص في صاحب السعة ألا يملك دارا قوراء منجدة بالفرش الجيد، ~~مستجمعة أسباب الراحة والنعيم. # عمرت دمشق في العهد الأموي عمرانا ما عهدت مثله في القرون الغابرة ولا في القرون ~~اللاحقة، فأبقى كل واحد من خلفاء بني أمية أثرا فيها، مع أن ملكهم لم يدم أكثر من ألف شهر، ~~وجاء العباسيون فكان بعض المتقدمين من خلفائهم كالرشيد والمأمون يختلفون إليها، كما قال ابن ~~عساكر، طلبا للصحة وحسن المنظر، فقد أقام بها المأمون وأجرى إليها قناة من نهر منين إلى ~~معسكره بدير مران، وبنى القبة في أعلى الجبل وصيرها مرقبا يوقد في أعلاها النار، لكي ينظر ~~إلى ما في عسكره، وصارت هذه القباب بعد ذلك للإعلام بحركات العدو، وأقام أيضا مرصدا ~~فلكيا في الجبل. # ومن أهم القصور القديمة القصر الذي بناه المأمون بين دمشق وداريا، ولا يعرف اليوم محله، ~~وفيه نزل المتوكل العباسي لما نقل دواوين الخلافة من بغداد إلى دمشق، وكان المأمون معجبا ~~بما ترك الأمويون من الآثار، ولا سيما جامعهم، قال صاحب الأغاني: إن المأمون دخل دمشق فطاف فيها، ~~وجعل يطوف على قصور بني أمية ويتتبع آثارهم، فدخل صحنا من صحونهم، فإذا هو مفروش بالرخام ~~الأخضر كله، وفيه بركة يدخلها الماء ويخرج منها من عين تصب إليها، وفي البركة سمك، وبين ~~يديها بستان على أربع زواياه سروات كأنها قصت بمقراض من التفافها. # كانت صورة دمشق على شكل مربع الأضلاع مستطيل، ولها ثمانية أبواب، وربما زاد عدد الأبواب في ~~بعض العصور، وردمت بعض الأبواب الأخرى، وأحسن بعض ms26 المتأخرين من أهل دمشق إذ قال: # دمشق في أوصافها # جنة خلد راضية # أما ترى أبوابها # قد جعلت ثمانية # وكانت متاجر المدينة وأسواقها داخل السور، والبناء في ربضها يكثر ويقل تبعا للأمن وقوة ~~السلطان، فقد كانت في القرن السادس أحياء العقيبة والشاغور والمزاز وقبر عاتكة والشويكة ~~والقنوات وسويقة صاروجا «سوق ساروجا» والعنابة من الأحياء الخارجة عن السور، ثم اتصلت ~~بالمدينة كما اتصل ميدان الحصا بها، وكان الميدان قرية في الجنوب تربطها بالمدينة تلك ~~الجادة العظمى من باب الجابية إلى باب مصر أو بوابة الله. # وكان الشرف الأعلى والأدنى في غربي المدينة عامرين بقصور الأغنياء ورجال الدولة، وفيها ~~المدارس الحسان والمساجد والأسواق إلى القرن التاسع، فسطا عليها الخراب، وكذلك كان شأن محلة ~~العنابة، فإنها خربت حوالي ذلك العصر، وعمرت الصالحية في سفح قاسيون من الشمال في القرن ~~الخامس والسادس حتى أصبحت بمدارسها وجوامعها وأسواقها وخاناتها مدينة برأسها، ثم تحيفها ~~الخراب في العصور التالية، ونهضت قليلا في العصر الحديث، فالعمران كان يمتد إلى الجنوب ~~وإلى الشمال وإلى الغرب، وربما حال دون امتداده إلى الشرق وجود محلتي النصارى واليهود في ~~ذاك السمت. # وجاء زمن والعمران متصل بدمشق من الغرب إلى الربوة، وكانت هذه عامرة أشبه ببلدة صغيرة ~~فيها مدارس وجوامع وأسواق ومقاصف وحمامات، وفيها قصور الأغنياء، وإلى جنبها قصر الفقراء الذي ~~بناه نور الدين محمود بن زنكي ليصطافوا فيه كما يصطاف السراة، ووقف عليه قرية داريا من ~~أعظم قرى الغوطة، وفي ذلك يقول الوداعي: # إن نور الدين لما أن رأى # في البساتين قصور الأغنياء # عمر الربوة قصرا شاهقا # نزهة مطلقة للفقراء # وحرق قصر الإمارة في فتنة الفاطميين، فبقيت دمشق بدون دار إمارة، ولما ملكها تاج الدولة ~~تتش في سنة 471 بنى دار الإمارة في القلعة، وزاد فيها شمس الملوك دقاق، وأنشأ بابين للقلعة مع ~~دار المسرة فيها والحمام المحدث على صيغة اخترعها، وبنية افترعها، وصفة آثرها. # ولا أثر لما بناه جعفر بن فلاح لما فتح دمشق للفاطميين سنة 358، وكان نزل بظاهر سور دمشق ~~فوق ms27 نهر يزيد، وأقام أصحابه هناك الأسواق والمساكن، وصارت شبه مدينة، واتخذ لنفسه قصرا ~~عجيبا من الحجارة، وجعله عظيما شاهقا في الهواء، غريب البناء، وهذا القصر من المفقود، كما ~~أنه لا أثر لما بناه الأشرف بن العادل من القصور والمتنزهات الحسنة في القرن السادس، ولم ~~يبق أثر لقصور السكسكي التي كانت بهجة الأنظار في القرن الثالث في إقليم بيت لهيا على نحو ~~ميل من شمالي دمشق، وكانت في أملاكه هناك عدة قصور مبنية بالحجارة والخشب الصنوبر والعرعر، ~~في كل قصر منها بستان ونهر يسقيه، وكان كل جليل يقدم من الخضرة أي من بغداد، أو من مصر يريد ~~الخضرة ينزل عنده في قصره، وما خلا عصر من مثل هذه القصور يقيمها أهل اليسار من التجار ~~وغيرهم أو رجال الدولة وأصحاب الوجاهة. وفي العصور الحديثة شيدت قصور كثيرة في المدينة ~~وربضها، ومنها ما أنفق عليه من أموال مغصوبة فخربت بعد قليل، «والحجر المغصوب في البناء أساس ~~الخراب» كما قيل. وكان في الصالحية محل يسمى القصر عمره أبو البقاء الصفوري سنة 1035ه، وكان ~~يقال له صاحب القصر، ولا يعرف هذا القصر ولا القصر الذي كان في الصالحية أيضا لحسين بن ~~قرنق وعمره في سنة 1077ه، وكان يضرب المثل بقاعته، وكان ابن قرنق صدر دمشق عمر الأماكن ~~البهية، ومن جملتها هذا القصر. # ومن أجمل أمثلة البناء الجميل الباقي أكثره دار أسعد باشا العظم في جوار جامع بني أمية، ~~انتهت عمارتها سنة 1174ه، وهي مثال من هندسة الدور في العهد الأخير، اشترتها حكومة فرنسا من ~~ورثتها وجعلتها معهدا للدراسات العلمية، وقد حرقت في ثورة سنة 1925 قاعتها، وكانت أجمل ما ~~حوت تلك الدار. # وفي القرن الخامس دخل دمشق طراز من دور العلم سموه بالمدرسة، وأول مدرسة أنشئت للقرآن في ~~سنة 444 أنشأها رشأ بن نظيف المقري الدمشقي، وكثرت بعد ذلك دور القرآن ودور الحديث ومدارس ~~الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة والزوايا والرباطات، أنشأها الملوك وأتباعهم من ~~الأمراء والعتقاء والجواري وبعض أهل الخير من التجار والأغنياء، وختم تاريخ ms28 المدارس بانقراض ~~ملوك الطوائف ودخول الدولة العثمانية. # ذكر صاحب كتاب الدارس - وهو مما ألف بعد خمس سنين من دخول العثمانيين - أن في دمشق 7 دور ~~للقرآن، و18 دارا للحديث، و57 مدرسة للشافعية، و51 مدرسة للحنفية، و4 مدارس للمالكية، و10 مدارس ~~للحنابلة، وكان بها أربع مدارس للطب، ومدرسة للهندسة، وفي دمشق وصالحيتها 26 خانقا، و23 ~~رباطا، و26 زاوية، وجميع هذه المدارس والرابطات خربت على عهد العثمانيين، ولما غادروا دمشق ~~ما كان فيها من تلك المعاهد سوى بضع مدارس أكثرها خراب، سطا عليها أهل الجوار أو باعها أكلة ~~الأوقاف، وكانت هذه المدارس مدة قرون أشبه بكليات لمدرسة جامعة كبرى، تدرس فيها بعض علوم ~~القدماء إلى جانب علوم الدين واللغة، ومنها خرج أعاظم الملة، وكانت من أجمل الأدوات في إخراج ~~المسلمين من الأمية، تتعاور هذه الواجب مع الجوامع والكتاتيب التي يقفها أهل الخير لتعليم ~~اليتامى والفقراء القرآن والخط، وتكون على الأغلب على أبواب الجوامع أو على مقربة منها؛ ~~ليألف الصغار الصلاة منذ نعومة أظفارهم. # ولابن منقذ الكناني في المدارس: # ومدارس لم تأتها في مشكل # إلا وجدت فتى يحل المشكلا # ما أمها مرء يكابد حيرة # وخصاصة إلا اهتدى وتمولا # وبها وقوف لا يزال مغلها # يستنقذ الأسرى ويغني العيلا # وأئمة تلقي الدروس وسادة # تشفي النفوس وداؤها قد أعضلا # ومعاشر تخذوا الصنائع مكسبا # وأفاضل حفظوا العلوم تجملا # ومن القصور التي كان يقصدها الزائرون من الأقطار قصر الأبلق غربي دمشق، وهو قصر عظيم بني ~~من أسفله إلى أعلاه بالحجر الأسود والأصفر بإحكام عجيب، بناه الظاهر بيبرس (668)، قالوا: وكان ~~من عجائب الدنيا، فرش بالرخام البديع الحسن المؤزر بالرخام المفصل بالصدف والفص المذهب إلى ~~سجف السقف، وكان على واجهته الشرقية مائة أسد، وعلى الشمالية اثنا عشر أسدا منزلة صورها ~~بأبيض في أسود، والأسد شعار «رنك» الملك الظاهر. # وعلى مثال قصر الأبلق بنى الناصر محمد بن قلاوون القصر الأبلق بقلعة الجبل بالقاهرة، وبقي ~~أبلق دمشق عامرا إلى دخول العثمانيين، وهو من عمل إبراهيم بن غنائم المهندس مثل المدرسة ~~الظاهرية الباقية ms29 إلى اليوم، واسم هذا المهندس العظيم ما برح منقورا في الحجر في زاوية باب ~~الظاهرية على يسار الداخل إليها. # كثرت الجوامع والمساجد في الدولتين النورية والصلاحية، وزاد عمران هذه المدينة في القرن ~~السادس، وفيه كانت - كما قال الرحالة ابن جبير - أكثر مدن الأرض سكانا، يضاف هذا إلى ما كان ~~لها من الغنى الماثل في مصانعها ومساكنها وجوامعها ومدارسها، ذهب كل هذا في فتن الفاتحين ~~المخربين، ولم يبق منه إلا بعضه، وهو على تشعثه وخرابه يدل على ذلك العز الذي كان ~~لدمشق. # ولقد اشتهرت دمشق بحماماتها؛ لتدفق المياه عليها من كل صوب، واشتهرت حماماتها بأناقة ~~بنيانها وحسن نظافتها، وفي حماماتها المحدثة في القرن العاشر وما بعد مقاصير من القاشاني ~~البديع، وآخر ما دثر منها حمام القيشاني وحمام الخياطين، وكان في دمشق في القرن التاسع مائة ~~حمام وأربعة وستون خانا، وأهم خاناتها القديمة اليوم خان أسعد باشا، وخان سليمان باشا، وخان ~~الحرير. # وعمر السلطان سليم لما فتح دمشق سورا وأبراجا من قرية القابون شمالا إلى آخر المدينة ~~جنوبا، وجعل في ذلك السور أبوابا تغلق على المدينة، وعمر جامعا ومدفنا على قبر محيي ~~الدين ابن عربي بالصالحية، ومدرسة قرب المدرسة السليمانية التي بناها ابنه السلطان سليمان ~~القانوني مكان القصر الأبلق في المرج الأخضر. # اشتهرت دور دمشق بأن داخلها حوى الجمال برمته، وخارجها لا ينبئ عن شيء كثير، وهذا يوم كان ~~جل الاعتماد في البنيان على الطين والخشب، يوم قال فيها البحتري: # وتأملت أن تظل ركابي # بين لبنان طلعا والسنير # مشرفات على دمشق وقد أعرض منها بياض تلك القصور. # والبيت الدمشقي في العادة عبارة عن صحن أو فناء فسيح في وسطه حوض ماء يتدفق إليه من أنبوب ~~أو فوارة لا تنقطع جريتها، وقد غرست من الرياحين والأشجار المثمرة كل جميل وعطر، وعلى جوانب ~~هذا الصحن المخادع والغرف والقاعات، وفي القاعة بركة ماء أيضا، وربما جرت على قامة في ~~الجدار لتزيد في رطوبة المحل في الصيف، وفي الطبقة الثانية العلالي وهي خاصة بالشتاء على ~~الأغلب، ms30 فبيوت دمشق القديمة حوت جميع المرافق، ومنها الحديقة والأشجار والمياه، والغالب أن ~~الزلازل في الدهر السالف دعت الأهلين ألا يستخدموا الحجر في بنيانهم إلا نادرا، أما اليوم ~~فالمعمول عليه في البناء الحجر والأسمنت المسلح والآجر والقرميد. # لكن الطراز القديم في البناء أقرب إلى حفظ الحرارة واتقاء البرد من الطراز الحديث، وأبان ~~ابن منقذ الكناني عن هذا العمران بقوله: # وإذا مررت على المنازل معرضا # عنها قضى لك حسنها أن تقبلا # إن كنت لا تستطيع أن تتمثل ال # فردوس فانظرها تكن متمثلا # وإذا عنان اللحظ أطلقه الفتى # لم يلق إلا جنة أو جدولا # أو روضة أو غيضة أو قبة # أو بركة أو روة أو هيكلا # أو واديا أو ناديا أو ملعبا # أو مذنبا أو مجدلا أو موئلا # أو شارعا يزهو بربع قد غدا # فيه الرخام مجزعا ومفصلا # اشتهرت دمشق بأديارها قبل الإسلام، ومن أعظمها دير مران في السفح الغربي من قاسيون، كان ~~مطلا على مزارع الزعفران، وقد ظل عامرا إلى القرن السابع، وقال فيه الشعراء من القصائد ~~والمقاطيع كل مرقص، وكان مقصد الخلفاء والأمراء وأرباب اللهو والقصف وعشاق الطبيعة، وكان ~~بالسفح في محلة الصالحية أكثر من دير تطل كلها على المدينة وغوطتها، وفيها أشجار السرو، ولا ~~نعلم في أي قرن دثرت، كما أنا نجهل الزمن الذي دثرت فيه أديار الغوطة. أما كنائس دمشق اليوم ~~فكلها محدثة جددت بعد حوادث سنة 1860، وليس فيها من الجمال ما كان للبيع القديمة، وللقديم ~~أبدا روعة ليس للجديدة. # ومن أجمل ما أبقت الأيام عليه من البناء الفائق بهندسته المستشفى النوري المعروف ~~بالمارستان داخل المدينة، والمستشفى القيمري في السفح، فإن واجهتيهما وواجهة المدرسة ~~الظاهرية من أجمل ما سلم من العاديات. قال رحالة كبير قديما: إن هذين المستشفيين من مفاخر ~~الإسلام. وقد جرى مؤخرا ترميم واجهتيهما ترميما خفيفا، وأعيد إلى النحو الذي كانا عليه، ~~كما رممت عدة جوامع ومآذن وقبور، فعاد إليها بعض رونقها القديم، ورممت واجهة المدرسة الظاهرية، ~~وفيها دفن الملك الظاهر وابنه الملك السعيد. # وفي الظاهرية دار ms31 الكتب الوطنية، وهي قبالة العادلية أعظم مدارس الشافعية، حرق ثلثها وحرقت ~~خزانة كتبها في فتنة تيمورلنك، واستصفى أهل الجوار جزءا منها بعد حين، والباقي منها متعة ~~الأنظار، وهي اليوم دار المجمع العلمي العربي، وفيها خزانة كتبه ومكتبه وردهة محاضراته. ومن ~~آثار الظاهر بيبرس - عدا المدرسة المنسوبة لاسمه، وعدا القصر الأبلق الدائر - ما جدده من ~~شراريف رءوس قلعة دمشق ورءوس أبراجها، وبنى الطارمة التي كانت على سوق الخيل، وبنى حماما ~~خارج باب النصر، وجدد ثلاثة إصطبلات على الشرق الأعلى، وجدد مشهد زين العابدين في الجامع ~~الأموي ورءوس الأعمدة والأساطين وذهبها، وجدد باب البريد ودور الضيافة للرسل ~~المترددين. # وما خلا عصر المماليك والعثمانيين بعدهم من آثار جميلة، ومنها جامع تنكز سنة 740 وهو الآن ~~مدرسة دينية، وكان تنكز كيلبغا وبرسباي وكافل سيباي وجقماق مولعين بإقامة المصانع التي ~~ازدانت بها دمشق، فإن يلبغا أنشأ جامعا عظيما سنة 847 وهو اليوم مدرسة نموذجية، وأقام ~~برسباي سنة 852 جامعه المعروف بجامع الورد، وأقام كافل سيباي جامعه الذي سماه العلماء «جمع ~~الجوامع» لأن صاحبه لم يترك مسجدا ولا مدفنا معمورا إلا وأخذ من الأحجار والرخام ~~والأعمدة، وهو في باب الجابية، جعل مدرسة ابتدائية منذ أواخر القرن الماضي، ومن مشهور ~~جوامعهم جامع التوبة في العقيبة، وجامع منجك في الميدان، ومدرسة الجقمقية، أمام المدرسة ~~السميساطية على الباب الشمالي من الجامع الأموي، والمدرسة الصابونية أمام تربة باب الصغير. ~~ومن مدارس العثمانيين جامع السنانية من إنشاء سنان باشا، وجامع الدوريشية من عمارة درويش ~~باشا، وجامع مراد باشا في السويقة، ومدرسة إسماعيل باشا العظم، ومدرسة عبد الله باشا العظم، ~~ومدرسة سليمان باشا العظم. وأهم مصانعهم التكية السليمانية، والتكية السليمية، وجامع ابن ~~عربي، وفي المعاهد الثلاثة الأخيرة نموذجات مهمة من القاشاني، وللتكية السليمانية - نسبة ~~لسليمان القانوني - روعة عظيمة ولها مئذنتان جميلتان، وقيل إن هذه المدرسة العظيمة من بناء ~~المعمار سنان التركي المشهور، ودفن فيها مؤخرا بعض ملوك بني عثمان، شغلت الجامعة السورية ~~قسما منها وبقي القسم الأكبر جامعا. # ومن المآذن العظيمة المئذنة ms32 الغربية بالجامع الأموي، عمرها سلوان بن علي المعمار في عهد ~~المماليك، ومئذنة جامعة كافل سيباي، ومئذنة جامع المعلق سنة 1058، وهذا الجامع أجمل بناء في ~~دمشق. وأجمل منابر دمشق منبر جامع الجراح في السويقة، ومنبر جامع الحنابلة في السفح، ومنبر ~~جامع مراد باشا ومحرابه، ومحراب جامع التوبة، ومنبر جامع الشيخ عبد الغني النابلسي وسقفه ~~وشعريته في السفح. # كل هذا من عمل الأفراد، ومنه ما عمل رجاء الثواب وحب الخير، ومنه ما أريد به الظهور ~~وحماية أموال الباني بوقفها على ما بنى، وكان عمران المدينة أيام العثمانيين كئيبا، وتكدس ~~الناس في رقعة ضيقة يجعلون الأزقة ملتوية ليختبئوا وراءها، وتكون لهم متاريس ساعة يدور القتال ~~في الشوارع والحارات، وكان من نصيب الدور القديمة أن اختبأت في هذه الأزقة، ولا ينم ظاهرها ~~إلا عن فقر وخصاصة. # ومن أهم الآثار النفيسة في العهد التركي الأخير سكة حديد الحجاز، وطولها 1303 كيلومترات، ~~كانت تمتد من دمشق إلى المدينة المنورة، عمرت بإعانات العالم الإسلامي، ومحطتها من أجل ~~الآثار الحديثة هندسة، وبالسكك الحديدية التي ربطت دمشق بحيفا وبيروت وحلب والموصل، ~~وبالترام الذي ربط شمالها بجنوبها وغربها بشمالها الشرقي حتى بلغ دومة حاضرة الغوطة، أصبحت ~~دمشق كالقاهرة مرتبطة مع الضواحي، وتتم هذه الشبكة متى جرى تمديد النور والترام إلى الغوطة ~~الوسطى والغوطة الغربية. ولقد اتسعت المدينة من الشمال منذ أنشئ المستشفيان الإسكتلندي ~~والفرنسي في حي القصاع، ولولا نشوب الثورة السورية سنة 1925-1926 لبلغ العمران أرض العنابة ~~على ما كان في القرن التاسع. # وامتد العمران في الجنوب فعمرت عدة محلات وأحياء جديدة، وأهم ما تم من العمران كان في ~~الشمال والغرب من دمشق، وفيه قامت الدور الجديدة والقصور المنيفة، منها قصر العابد وهو قصر ~~رئاسة الجمهورية السورية، وقصر ناظم باشا، وغير ذلك من المصانع، وبعضها عمر بأموال التجار على ~~طراز البيوت ذات الطبقات الثلث والأربع، فخرجت هندسة البيوت عن طراز البيوت أمس ذات ~~الطبقتين فقط، ولولا الحرب وصعوبة تناول مواد البناء لبلغت البيوت المنشأة حديثا نحو ربع أو ~~ثلث المدينة ms33 الحالية، هذا والقوم زهدوا في سكنى البيوت العتيقة على جمالها، وكرهوا البيوت ~~الواسعة في أحياء عامة، أزقة ضيقة يقل فيها النور والشمس وتحتاج إلى خدمة كثيرة. وعلى ما خرق ~~في الحارات القديمة من أزقة ومنافذ، لا تزال المدينة تحتاج إلى شوارع صحية ليظهر بها ما بقي فيها ~~من القصور والقاعات المزخرفة بأجمل الصناعات الدمشقية، وما فيها من مدارس وجوامع ~~أثرية. # ومن أهم ما يستلزمه اتساع العمران وفرة السكان أن تنشأ لدمشق مقبرة عظيمة بعيدة عن أقصى ~~حدود المدينة، يلزم الأهلون بأسرهم بالدفن فيها بعد الآن، وتغرس المقابر القديمة التي أصبحت ~~ممتزجة بالدور والحوانيت أشجارا ورياحين، بحيث لا يمضي خمسون سنة حتى تندثر معظم القبور ~~القديمة وتبقى قبور العظماء الراقدين في تلك الترب، وبذلك تجمع دمشق إلى رعاية الصحة زينتها ~~بحدائق تليق بعظمتها التاريخية، وهذا من أعمال المجالس البلدية، وقد آن أن يطلب منها مثل ~~تلك المطالب بعد أن دخلت في طور البلديات في الجملة، أي أصبحت ذات قانون وذات هندسة ولها ~~تصميمات ومصورات، والواجب على الأهلين أن يعاونوها على تحقيق رغائبها، ولو فعلوا مختارين لا ~~مكرهين لما قامت بعض العمائر المستحدثة متشابكة متراصة في بنائها. والبلدية هنا خطت خطوات، ~~وقد رأيناها قبل أربعين سنة تبيع العرصات الواقعة في جادة الميدان، وتسمح للأهلين أن يبنوا ~~حواصل وحوانيت ودورا أمام واجهات الجوامع والمدارس، فتورث تلك الجادة العريضة بشاعة ~~وشناعة. وكان ديوان الحسبة قبل تأسيس البلديات في القرن الماضي يتولى من المدينة كل ما له ~~صلة بالبناء والطرق والصحة وغير ذلك، ثم ضعفت هذه الحركة وضعفت مشخصاتها وأهمها الهندسة، ~~فقد فقدت في أكثر ما قام من العمران، فأصبح كل بان يبني كيف يشاء بما شاء من مواد ~~البناء. # ومن الأبنية الحديثة سراي الحكومة، والمجلس البلدي، ودار الشرطة، والثكنة الحميدية، ومدرج ~~الجامعة السورية، ودار التوليد، ودار الآثار، ودائرة الأملاك العقارية، ودار الأوقاف، ودار الصحة، ~~ودار الندوة «البرلمان»، ومدرسة التجهيز، ووكالة العابد. ومن الفنادق الحديثة أوريان بالاس، ~~وفندق أمية، وهما أعظم الفنادق، والفنادق القديمة تتداعى ms34 وتخلفها فنادق من الطراز الحديث، ~~كما خربت فنادق القرون الوسطى ودور الضيافة، ولم يعرف لها أثر ولا خبر. # عرفنا بما أسلفنا أن عمران دمشق كان يمتد كثيرا في الأيام التي تنجو فيها من آفات ~~الطبيعة وعدوان الظالمين، ويظهر عليها الغنى والرفاهية، ومن شأن الخلق إذا أمنوا واطمأنوا ~~أن يتوسعوا في عيشهم، ويظهروا فضل النعم عليهم. # | خطط دمشق ومصانعها # تنقسم # 1 # دمشق اليوم إلى قسمين متجاورين، المدينة القديمة والمدينة الحديثة، يقوم القسم ~~القديم حول جامع بني أمية والقلعة داخل السور وظاهره، وقد حافظت أحياؤه على مظهرها القديم ~~وعلى ما كانت عليه منذ مئات من السنين، ويخترق هذه المنطقة من الغرب إلى الشرق شارعان، الأول ~~شارع الملك فيصل يمتد شمال سور المدينة، ويصل ساحة الشهداء بمحلتي القصاع وباب توما، ويمر ~~فيه خط ترام طوله أحد عشر كيلومترا يصل دومة بدمشق، وفي هذا الشارع حوانيت العلافين ~~والحدادين وبائعي البقول والأثمار وحواصل الخشب، وفيه سوق الخضروات، وفيه جامعان أثريان: جامع ~~السادات، وجامع المعلق. # والشارع الثاني سوق مدحت باشا يقع إلى الجنوب وداخل السور، وهو جزء من الشارع المستقيم ~~القديم الذي يصل باب الجابية بالباب الشرقي، وتكثر في هذا الشارع متاجر النسيج الوطني ~~والأعبئة والكوفيات والعقل والنحاسون، وبين هذين الشارعين شارع ثالث وهو سوق الحميدية جنوبي ~~القلعة، وينفذ منه إلى جامع بني أمية، وهو من أهم شوارع المدينة، تتمركز فيه الحركة التجارية، ~~وفيه أكبر مخازن المصنوعات الأجنبية، وبين هذا الشارع وشارع مدحت باشا تتجدد اليوم محلة ~~سيدي عمود التي قضى عليها حريق عام 1925، ويعارض هذه الشوارع عدد كبير من الطرق والأزقة ~~ليسهل اتصال هذه الشوارع بعضها ببعض. وهنالك عدة شوارع متسلسلة تمتد من شمال المدينة إلى ~~جنوبها، تبتدئ من ساحة الشهداء فتخرق محلة السنجقدار وباب الجابية والسنانية والسويقة وباب ~~المصلى والميدانين التحتاني والفوقاني، وتنتهي عند باب مصر الواقع في أقصى جنوب المدينة، منه ~~كان يخرج حجاج بيت الله الحرام. في هذا الشارع خط ترام طوله ثلاثة كيلومترات ونصف كيلومتر، ~~وفيه عدد كبير من المتاجر البسيطة ms35 معظم علاقتها مع القرويين، ولا سيما الميدان وباب المصلى ~~مركز تجارة الحبوب. # وقد حافظ أكثر أقسام هذه الشوارع الأخيرة على حالتها القديمة، ونصيبها من التجدد والعمران ~~ضئيل، ويخيم عليها مظهر الكآبة والفقر، ولولا وفرة الأبنية الأثرية التي تزين هذه الشوارع ~~لما امتازت عن عمران قرية من القرى. وأشهر آثارها إذا ابتدأنا من الشمال جامع درويش باشا ~~وتربته، والمدرسة السباهية «كافل سيباي»، وجامع العجمي، وتربة بهادر آص، والمدرسة الصابونية، ~~وتربة الشيباني، وتربة الشيخ حسن، وجامع جوبان، وجامع صهيب، وجامع منجك، وجامع فلوس، وزاوية سعد ~~الدين، والمدرسة الفونشلية، والمدرسة الرشيدية، وقد أحيطت المدينة القديمة منذ عهد قريب بشوارع ~~جديدة إحاطة السوار بالمعصم؛ حتى يتجه العمران إليها وتخف وطأة الازدحام في شوارع المدينة ~~الرئيسية. # لا يتأتى لمن يجول في المدينة القديمة أن يظفر بجميع محاسنها على وجه السرعة، اللهم إلا ~~ما يشاهده من مساجد وخانقهات وحمامات وبيمارستانات عمرت في شوارع ضيقة وبين أبنية وضيعة، قد ~~يستغرب المرء تشييدها بينها، ويدهش للبون الشاسع والتناقض الصريح بين مظهريهما، ولا يمكن أن ~~يدرك سر وجودها في هذا الوسط الحقير بمظهره، ما لم يجتز هذه الجدران البسيطة ويطلع على ما ~~وراءها ليرى دورا شرقية كصور ألف ليلة وليلة، فيها باحات واسعة مرخمة بالمرمر تظللها ~~الأشجار والرياحين، وإيوانات شارعة، وقاعات مزخرفة، وبرك ماء جارية تبهج الأبصار وتنعش النفوس، ~~وعندئذ تتجلى له حقيقة دمشق وما كانت عليه من العظمة في العصور القديمة، ويدرك سبب شهرتها ~~وافتتان الناس قديما بمحاسنها، وإكثار الشعراء من وصفها. # وعلى ذكر الشوارع لا بد من الإشارة إلى أن بعض أسواق المدينة لا تزال مغطاة غير مكشوفة على ~~نحو ما كانت الشوارع في معظم بلاد الشرق قديما، ومن الشوارع المسقوف بجملون من حديد أو حجر ~~أو خشب وطين، مثل سوق مدحت باشا، وسوق الذراع، وسوق الأورام، وسوق الحرير والقوافين والسكرية، ~~وسوق القطن، ومصلبة باب السريجة وباب الجابية والسنانية. # وقد امتد البناء الجديد في غرب سفح جبل قاسيون حتى اتصل بمحلة الصالحية وحي الأكراد وساحة ~~الشهداء، وتقدر ms36 مساحة ما تجدد من المساكن في هذه المنطقة بثلث مساحة المدينة القديمة، ويربط ~~الأحياء القديمة بالأحياء الجديدة خط ترام طوله 3200 متر، يمر من جادة الصالحية حتى ~~المهاجرين، ويتفرع عنه خط ثان من الجسر متجها إلى حي الشيخ محيي الدين طوله 1000 متر، ~~ومصور الأحياء الجديدة والصالحية يشبه طيارة مطاردة، جناحها الأيمن حي الأكراد والصالحية، ~~وجناحها الأيسر حي المهاجرين، ومؤخرتها محلة عرنوس والشهداء، وهذه الأقسام خالية من كل أثر ~~قديم، أما محلة الأكراد والصالحية فغنية بالأبنية الأثرية، وأشهرها المدرسة العمرية، والتربة ~~الخانوتية، والبدرية، والمدرسة الأتابكية، والجامع المظفري، والمدرسة الجهاركسية، والركنية، ~~والصاحبة، والبيمارستان القيمري، وتربة السيدة حفيظة، والخاتونية، والمدرسة المرشدية، والتربة ~~القيمرية، والتكريتية، وجامع محيي الدين ابن عربي، ومعظم هذه الأبنية من العهد ~~الأيوبي. # وأما أحدث الأبنية وأجمل القصور فتقوم غربي محلتي الشهداء وعرنوس، حيث تنشأ أحياء المدينة ~~القديمة والحديثة عظيمة جدا من حيث طراز البناء والعادات، فبينما نرى المدينة القديمة لم ~~تزل حريصة على تقاليدها الشرقية الإسلامية، نرى عكس ذلك في الأحياء الجديدة، حيث أصبح السفور ~~ولبس القبعات وكشف الرأس ولبس «الشورت» وحف الشاربين من الأمور المألوفة التي لا ~~تنكر. # إن الأقسام الجديدة هي مناطق سكن، ليس فيها سوى حوانيت بسيطة في جادة الصالحية، وقد اختار ~~الأجانب هذه المنطقة لسكناهم، وفيها البرلمان السوري، والقصر الجمهوري، ودوائر السلطة ~~الفرنسية، والقنصليات، والمعاهد الأجنبية. # وقد خطت دمشق منذ عشرين سنة خطوات سريعة في سبيل العمران، وأنشئت فيها أحياء حديثة وتجددت ~~أخرى، مما يبشر المدينة بمستقبل زاهر، لا سيما بعد أن وضع لها مخطط روعي فيه أحدث أساليب ~~العمران، وقد أنجز أثناء هذه الحرب تنظيم مدخل دمشق، فصار يدخل إليها القادم من بيروت من ~~شارع عريض طوله خمسة كيلومترات بين الحدائق والأشجار، ويطل منه على ملعب المدينة ودار ~~الآثار والجامعة السورية ومدرسة التجهيز وتكيتي السلطانين سليم وسليمان، وهو أحد متنزهات ~~المدينة التي تغبط عليها، وقد دعي مؤخرا شارع فاروق الأول. # وتمتاز دمشق عن غيرها من المدن بكثرة متنزهاتها، تحدق بها الأشجار من كل جهة، ms37 وحيث خرجت ~~منها لا ترى إلا متنزهات، وأشهرها وادي الربوة ودمر والمزة وسهل القابون والغوطة، وأما ملاهي ~~المدينة ودور السينما والفنادق فهي بجوار ساحة الشهداء حيث أكثر المصانع الرسمية، ولا يمضي ~~على دمشق وقت طويل حتى تصبح في طليعة المدن الشرقية عمرانا وتنسيقا، وتستعيد مركزها ~~القديم الزاهر تجمع بين القديم والحديث، فيجد فيها كل غاو هواه بعون الله. # بعض الكتابات والنقوش الأثرية # يقول الأثري «فان برشم» إن في الجامع الأموي في دمشق نصوصا عربية وكتابات عجيبة من ~~عهد السلجوقيين كتبت بالقلم الكوفي، وسلسلة من أوامر سلاطين المماليك، وأبواب المدينة ~~عبارة عن متحف لملوك الشام منذ عهد نور الدين والملك العادل إلى زمن الغوري، وفي وقفيات ~~هذه المعاهد المزبورة على المساجد والمدارس والمستشفيات والأديار والقبور تفاصيل غريبة ~~في إدارة هذه الأبنية وجغرافية ضاحية دمشق، وفي هذه المدينة يتيسر للناظر في بعض ~~الكتابات الباقية من عهد نور الدين تعيين الزمن الصحيح الذي خلف فيه الخط المدور الخط ~~الكوفي. # ولقد كشفت في الأعوام الأخيرة واجهة عظيمة من الحائط الغربي في الجامع الأموي معمولة ~~بالفسيفساء، ويرد عهدها إلى أول بناء الجامع، كما كان عثر في قبة صحن هذا الجامع على ~~رقوق من أهم ما ظفر به الباحثون، وكانت هذه القبة القائمة على سوار عالية معلقة لم تفتح ~~من قرون طويلة، ففتحت سنة 1317ه بأمر السلطان عبد الحميد الثاني العثماني، وإجابة لمقترح ~~الإمبراطور جليوم الثاني الألماني، فوقعوا فيها على قطع من الرقوق كتبت فيها سور من ~~القرآن الكريم بالخط الكوفي، ومنها قطع من مصاحف وربعات ومقاطيع من الأشعار بالأرمية ~~الفلسطينية، وكتابات وأدبيات دينية وقصص رهبانية، ومزامير عربية بالحرف اليوناني، ومقاطيع ~~من شعر أوميروس، وكراريس وأوراق بالقبطية والكرجية والأرمنية في موضوعات دينية، ~~وجزازات عبرانية وسامرية فيها نسخ من التوراة وتقاويم أعياد السامريين، وصلوات وصكوك ~~بيع وأوقاف وعقود زواج، بينها مقاطيع لاتينية وفرنسية قديمة، وقصائد يرتقي عهدها إلى ~~أيام الحروب الصليبية ونسخ إنجيل برقوق. # فأهدى السلطان قسما منها إلى إمبراطور ألمانيا، والباقي ما زال مخبوءا في مستودع ms38 ~~وزارة الأوقاف في الآستانة، وأهدى بعض رجال السلطنة في دار الملك وفي عاصمة الأمويين ~~بعض الرقوق من القرآن، منها مجموعة حفظت في دار الآثار بدمشق بينها قطعة كوفية مكتوبة ~~على رق من ربعة شريفة، وقفها عبد المنعم بن أحمد سنة 298، وعلى الوجه الثاني نقش مذهب ~~باسم واقفها. # وبعد، فإن من ألقى نظرة عجل على بعض المساجد الأثرية يقرأ خطوطا جميلة، ويسقط على نقوش ~~بديعة من صنع أهل الفن من الدمشقيين، ففي جامع التيروزي والدرويشية والسنانية والمرادية ~~وجامع أقوش النجيبي في السويقة نماذج من القاشاني البديع، وفي جامع التبان بالمناخلية ~~عمودان من القاشاني على طول متر وله منبر مهم، وفي مدفن الصحابي بلال الحبشي تابوت صنع ~~سنة 625، وفيه قاشاني من صنع كوتاهية، وفي جامع تنكز قبران في حجرة واحدة، ولها محراب من ~~الفسيفساء ونافذتان جميلتان، ويكثر القاشاني في الجوامع التي بنيت في عهد العثمانيين ~~وفي بعض الدور القديمة التي يرد عهد بنائها إلى أكثر من قرنين، ولا تكاد قاعة قديمة في ~~البيوت القديمة التي بناها أرباب اليسار تخلو من القاشاني البديع، وفي زقاق السقطى في ~~الصالحية بيتان باسم وقف السقطي، تجد في الأول منهما 16 قطعة مربعة من القاشاني على صورة ~~محراب كتبت عليه أسماء الخلفاء الراشدين، وفي الثانية قطعة مسدسة الشكل و4 قطع مربعة، ~~وفي جامع الشامية معرشات بديعية وخطوط، وتابوت السيدة سكينة في مقبرة الباب الصغير عمل ~~سنة 560، ونقش بخطوط كوفية داخل حروف ونقوش وحروف أخرى بالكوفية، وتابوت سيد صهيب في ~~الميدان من توابيت القرن السادس، وتابوت بخت خاتون المعروفة بالسيدة حفيظة جميل بديع، ~~وفي الصمادية في حي الشاغور عدة سقوف مهمة، وفي بعض الأحياء القديمة سقوف بديعة باعها ~~أصحابها من عشاق الآثار، كما باعوهم الصناديق القديمة المكتبة، وأكثرها من خشب الجوز ~~المتين، وفي المدرسة التكريتية أمام دار الأشرفية البرانية بالصالحية مقرنصات جميلة ذات ~~تعاريش وكتابات. # | وصف القدماء والمحدثين لدمشق # قيل لإسحق بن يحيى الختلي - من ولاة دمشق 235ه: لم سكنت دمشق وفلحت أرضها وأكثرت فيها ~~الغروس من أصناف ms39 الفاكهة، وأجريت المياه إلى الضياع وغيرها؟ قال: لا يطيق نزولها إلا ~~الملوك. # وقيل له: كيف ذلك؟ قال: ما ظنكم ببلدة يأكل فيها الأطفال ما يأكله في غيرها الكبار؟ وحق ~~لهذا الوالي أن يقول ذلك، فإن دمشق معروفة منذ القديم بأنها بلدة رفاهية يكاد الفقير يعيش ~~فيها عيش الغني إلا قليلا، ويتفنن أهلها في مآكلهم ومشاربهم وقصفهم ولهوهم. # وصف المقدسي في القرن الرابع مدينة دمشق بأنها مصر الشام، ودار الملك أيام بني أمية، وثم ~~قصورهم وآثارهم وبنيانهم خشب وطين، أكثر أسواقها مغطاة، ولهم سوق على طول البلد مكشوف حسن. ~~لا ترى أحسن من حماماتها ولا أعجب من فواراتها، ولا أحزم من أهلها، ومنازلها ضيقة وأزقتها ~~غامة، تكون نحو نصف فرسخ في مثله في مستوى، والجامع أحسن شيء للمسلمين اليوم، ولا يعلم لهم ~~مال مجتمع أكثر منه. # ووصف ابن جبير في القرن السادس هذه المدينة فقال: «إنها بلد ليس بمفرط الكبر، وهو مائل ~~للطول، وسككه ضيقة مظلمة وبناؤه طيب وقصب، طبقات بعضها فوق بعض، ولذلك كثيرا ما يسرع ~~الحريق إليه، وهو كله ثلاث طبقات فيه من الخلق ما تجمعه ثلاث مدن؛ لأنه أكثر بلاد الدنيا ~~خلقا». # ووصفها ياقوت في القرن السادس أيضا قال: «ومن خصائص دمشق التي لم أر في بلد آخر مثلها، ~~كثرة الأنهار بها وجريان الماء في قنواتها، فقل أن تمر بحائط إلا والماء يخرج منه في ~~أنبوب، إلى حوض يشرب منه ويستقي الوارد والصادر، وما رأيت بها مسجدا ولا مدرسة ولا ~~خانقاها إلا والماء يجري في بركة في صحن هذا المكان، والمساكن بها عزيزة لكثرة أهلها ~~والساكنين بها وضيق بقعتها، ولها ربض دون السور محيط بأكثر البلد يكون في مقدار البلد ~~نفسه». # ووصفها شيخ الربوة - وهو ابن دمشق - أوائل القرن الثامن فقال: «إنها مقسومة ثلاث طبقات؛ ~~قسم مبثوث العمارة في غوطتها، لو جمع لكان مدينة عظيمة، ما بين جواسق وقصور وقاعات وإصطبلات ~~وطواحين وحمامات وأسواق ومدارس وترب وجوامع ومساجد ومشاهد غير القرى والضياع الأمهات، وهذا ~~الذي ذكرناه لا يوجد ms40 بغيرها أصلا. والقسم الثاني تحت الأرض منها مدينة أخرى من متصرفات ~~المياه والقنى والجداول ومسارب ومخازن وقنوات تحت الأرض كلها، حتى لو حفر الإنسان أينما حفر ~~من أرضها وجد مجاري المياه تحته مشتبكة طبقات يمنة ويسرة شيئا فوق شيء. والقسم الثالث ~~سورها وما فيه وحوله من المعمور، وكأنما هي في وصفها طائر أبيض في مرج أخضر، يترشف ما يصل ~~إليه من الماء أولا فأولا». # وهذا أصدق وصف ينطبق عليها اليوم. # ووصفها ابن فضل الله العمري الدمشقي في القرن الثامن فقال: «إن غالب بنائها بالحجر، ~~ودورها أصغر مقادير من دور مصر لكنها أكثر زخرفة منها، وإن كان الرخام بها أقل دائما، فهو ~~أحسن أنواعا، وإن عناية أهل دمشق بالمباني كثيرة، ولهم في بساتينهم منها ما تفوق به وتحسن ~~بأوضاعه، وأجل حاضرتها ما هو بجانبها». # وقال ابن بطوطة في هذا القرن أيضا: «إن أهل دمشق يتنافسون في عمارة المساجد والزوايا ~~والمدارس والمشاهد». # ووصفها القلقشندي أوائل القرن التاسع فقال: «إنها مدينة حسنة الترتيب، جليلة الأبنية ذات ~~الحواجز، بنيت من جهاتها الأربع، وبها الجوامع والمدارس والخوانق والربط والزوايا ~~والأسواق المرتبة والديار الجميلة المذهبة السقف المفروشة بالرخام المنوع، ذات البرك والماء ~~الجاري، وربما جرى الماء في الدار الواحدة في أماكن منها، والماء محكم عليها من جميع ~~جهاتها بإتقان محكم». # وعرض لوصفها الظاهري في القرن العاشر بقوله: «إنها مدينة حسنة إلى الغاية، تشتمل على سور ~~محكم وقلعة محكمة، وبها طارمة مشرفة على المدينة فيها تخت المملكة مغطى لا يكشف إلا إذا جلس ~~السلطان عليه، وبها جوامع حسنة ومدارس وأماكن مباركة وشوارع وأسواق وحمامات وبساتين وأنهر ~~وعمائر تحير الواصف، وبها مارستان لم ير في الدنيا مثله قط، وأما جامع بني أمية فهو أحد ~~العجائب الثلاث، ولقد رأيت في بعض التواريخ أن عجائب الدنيا ثلاث: منارة الإسكندرية، وجامع ~~بني أمية، وحمام طبرية، أما الميدان الأخضر وما به من القصور الحسنة فعجيبة من العجائب، وأما ~~مفترجات دمشق فيعجز الواصف عن حصرها». ا.ه. # هذا قليل مما قاله الأقدمون في وصف ms41 دمشق، وما منهم إلا المعجب بما زانتها به الطبيعة، ~~وما عملته يد الإنسان في أديمها. # وقد بالغ الشعراء وأكثروا في وصف طبيعتها، وربما بلغ ما مدحت به مجلدا برأسه، فمنهم من ~~قال مخاطبا لها: # ولكم أحدث عنك من لاقيته # وجميع من سمع الحديث يصدق # والأرض في عرض وطول دائما # لم يحو مثلك غربها والمشرق # ومنهم من وصفها بقوله: # يغذى بها القلب أنفاسا بلا كدر # فن يحل الوبا أطراف ثاويها # إن الهواء إذا رقت مناسمه # في بلدة لطفت أخلاط أهليها # فكل صورة أنس في منازلها # وكل نزهة نفس في روابيها # لولا أمور وأرزاق مقدرة # لم يرتحل عن دمشق حاضر فيها # وفيها يقول البحتري في قصيدته للخليفة المتوكل التي مطلعها: # العيش في ليل «داريا» إذا بردا # والراح نمزجها بالراح من «بردى» # إلى أن قال: # أما دمشق فقد أبدت محاسنها # وقد وفى لك مطربها بما وعدا # إذا أردت ملأت العين من بلد # مستحسن وزمان يشبه البلدا # يمسي السحاب في أجبالها فرقا # ويصبح النبت في صحرائها بددا # فلست تبصر إلا واكفا خضلا # أو يانعا خضرا أو طائرا غردا # كأنما القيظ ولى بعد جيئته # أو الربيع دنا من بعد ما بعدا # ومن أجمل ما قيل في مدحها قصيدة أمير شعراء العصر أحمد شوقي، وها هي برمتها: # قم ناج جلق وانشد رسم من بانوا # مشت على الرسم أحداث وأزمان # هذا الأديم كتاب لا كفاء له # رث الصحائف باق منه عنوان # الدين والوحي والأخلاق طائفة # منه وسائره دنيا وبهتان # ما فيه إن قلبت يوما جواهره # إلا قرائح من «راد» وأذهان # بنو أمية للأنباء ما فتحوا # وللأحاديث ما سادوا وما دانوا # كانوا ملوكا سرير الشرق تحتهم # فهل سألت سرير الغرب ما كانوا # عالين كالشمس في أطراف دولتها # في كل ناحية ملك وسلطان # يا ويح قلبي مهما انتاب أرسمهم # سرى به الهم أو عادته أشجان # بالأمس قمت على «الزهراء» أندبهم # واليوم دمعي على «الفيحاء» هتان # في الأرض منهم سماوات وألوية # ونيرات وأنواء وعقبان # معادن العز قد مال الرغام بهم ms42 # لو هان في تربه الإبريز ما هانوا # لولا دمشق لما كانت «طليطلة» # ولا زهت بني العباس «بغدان» # مررت بالمسجد المحزون أسأله # هل في المصلى أو المحراب مروان # تغير المسجد المحزون واختلفت # على المنابر أحرار وعبدان # فلا الأذان أذان في منارته # إذا تعالى ولا الآذان آذان # آمنت بالله واستثنيت جنته # دمشق روح وجنات وريحان # قال الرفاق وقد هبت خمائلها # الأرض دار لها «الفيحاء» بستان # جرى وصفق يلقانا بها «بردى» # كما تلقاك دون الخلد رضوان # دخلتها وحواشيها زمردة # والشمس فوق لجين الماء عقيان # والحور في «دمر» أو حول «هامتها» # حور كواشف عن ساق وولدان # و«ربوة» الواد في جلباب راقصة # الساق كاسية والنحر عريان # والطير تصدح من خلف العيون بها # وللعيون كما للطير ألحان # وأقبلت بالنبات الأرض مختلفا # أفواهه فهم أصباغ ألوان # وقد صفى «بردى» للريح فابتردت # لدى ستور حواشيهن أفنان # ثم انثنت لم يزل عنا البلال ولا # جفت الماء أذيال وأردان # خلفت «لبنان» جنات النعيم وما # نبئت أن طريق الخلد لبنان # حتى انحدرت إلى فيحاء وارفة # فيها الندى وبها «طي» و«شيبان» # نزلت فيها بفتيان جحاجحة # آباؤهم في شباب الدهر غسان # بيض الأسرة باق فيهم صيد # من «عبد شمس» وإن لم تبق تيجان # يا فتية الشام شكرا لا انقضاء له # لو أن إحسانكم يجزيه شكران # ما فوق راحاتكم يوم السماح يد # ولا كأوطانكم في البشر أوطان # خميلة الله وشتها يداه لكم # فهل لها قيم منكم وجنان # شيدوا لها الملك وابنوا ركن دولتها # فالملك غرس وتجديد وبنيان # لو يرجع الدهر مفقودا له خطر # لآب بالواحد المبكي ثكلان # الملك أن تعملوا ما استطعتمو عملا # وأن يبين على الأعمال إتقان # الملك أن تخرج الأموال ناشطة # لمطلب في إصلاح وعمران # الملك تحت لسان حوله أدب # وتحت عقل على جنبيه عرفان # الملك أن تتلاقوا في هوى وطن # تقرقت فيه أجناس وأديان # نصيحة ملؤها الإخلاص صادقة # والنصح خالصه دين وإيمان # والشعر ما لم يكن ذكرى وعاطفة # أو حكمة فهو تقطيع وأوزان # ونحن في الشرق والفصحى بنو رحم # ونحن في ms43 الجرح والآلام إخوان # وصف الأفرنج منذ القرن الماضي دمشق وصفا يختلف باختلاف معرفتهم وسياسة دولتهم، وهاكم ~~نموذجات منها. # فمن أول من وصفها «فولني» الرحالة الفرنسي، زارها حوالي سنة 1788م، ومما قاله فيها: إن ~~العرب لا يذكرون دمشق إلا معجبين بها، ولا يفتئون يمتدحون خضرة حدائقها، ولطافة نسيمها، وكثرة ~~فاكهتها وتعدد أصنافها، ووفرة مياهها العذبة، وصفاء فواراتها وعيونها، وهي إلى هذا متفردة ~~بوجود أماكن للنزهة في الخلاء وسط الريف والفلاة، وما من مدينة كدمشق تحوي قنوات ~~وسلسبيلات. # ونقل عن نيبور الذي وصف خططها ومسحها فكانت 3250 أرتوازا «مقياس قديم طوله ست أقدام» أي ~~أن استدارتها أقل من فرسخ ونصف، قال: وإذا حكمنا على هذا القياس بمقابلتها بحلب أرى أن ~~دمشق تحتوي على ثمانين ألفا من السكان «سكانها اليوم نحو ثلاثمائة ألف عدا ~~الضواحي». # وطلب رولان دوجلس «من كتاب فرنسا المعاصرين» إلى مولاه وهو يحدق نظره في مئذنة عيسى ~~المطلة على جامع بني أمية، أن يكتب له عدم التعب وألا تتم له رغبة في البحث حتى يأتي على ~~آخر رحلته التي لم يكن يخلو فيها من عجب دائم وحب أخاذ، وهذا معناه أنه دهش بمناظر ~~دمشق. # أما «الأخوان تارو» فقد صغرا من قدرها وقالا إن ليس فيها ما تروق مشاهدته كثيرا، ~~وقصرا مدهشاتها على ما حبتها به الطبيعة فقط، ومما قالاه: «وهل الثرثرة الدائمة، والتقلب ~~في حدائقها، وخصب جنانها هي التي تخفي على الدمشقيين مبلغ الهرم الذي حل ببلدهم؟ فهم ~~يعمون عن انحطاطها وجمالها الذليل، وما برحوا مع هذا يعتقدون أنه سيعود إليها بهاؤها الذي ~~كان على العهد الأموي، وفي أيام السلطان صلاح الدين، وهم منذ خمسة قرون يخضعون لحكم الترك ~~على الترك، على حين هم أشد ذكاء وأكثر مضاء منهم». # وقال «موريس باريس»: إن دمشق عتبة البادية، يجتمع بها على الدوام مائة ألف بدوي إلى ~~ثلاثمائة ألف حضري مسلم، وفيها حلم قديم ينبعث من تحت ظلال أشجارها على شاطئ التيار السريع، ~~وإن دمشق لتستهوي قلوبنا فترق لشيخوختها وفتوتها، وهي تبدي ما ms44 أصابها من حوادث الأيام وما ~~لها من سحر خالد، ضامة بين جوانبها تلك الآكام الجرداء. دمشق موطن من مواطن الفكر، ومعهد من ~~معاهد الشعر، وقصر من قصور الروح، فيها يجتمع الغرب والشرق، لا يحاول كل منهما أن يصرع ~~صاحبه، بل يجنح إلى التفاهم معه والامتزاج به ... قال: ولقد حدثتني راهبة شريفة من راهباتنا أن ~~الأسر الإسلامية على غاية من الأخلاق العالية، وأن الإسلام دين يأمر بأمور صالحة. # والغربيون يكتبون حقائق دمشق إذا طال مقامهم فيها، ولكن أكثرهم يصرف فيها أياما أو ساعات ~~محدودة ويطلع على قرائه بكتاب مرتجل، وما أدري كيف يحكم مؤلف على مثل هذه العاصمة في زورة ~~قصيرة يقضي فيها، ولا يجتمع فيها إلا إلى الرجال الرسميين يلقنونه ما يوافق منازعهم، أو إلى ~~أصحاب الفنادق والتراجمة والأدلاء، وهؤلاء أيضا لا يدركون ما يجب أن يعرف من سحر هذه ~~المدينة. # وقال رامبر السويسري: إن دمشق في نظر سكان البادية ومن ينزل في أطرافها الأربعة التي ~~تصهرها الشمس جنة ذات مياه دافقة، وظلال وارفة، وثمار غضة جنية، ولا يشعر المرء بأسف شديد ~~في أي مكان نزل، كما يشعر إذا رأى قطعة من الأرض بلغت هذه الحد من الجمال، وكان حظها أن ~~يديرها العثمانيون المعروفة إدارتهم بالجهل والجشع. # | سكان دمشق وخصائصهم # من الصعب تحديد المقدار الذي دخل في الدمشقيين من دم الآراميين أو الروم، أو دم الأنباط ~~والعرب، أو من سائر العناصر الأخرى التي تديرت هذه الحاضرة، وامتزجت بسكانها الأصليين؛ ~~ذلك لأن من العادة أن تدخل في الحواضر الكبرى أجناس مختلفة من الخلق في كل دور من أدوار ~~الدول، وفي كل عصر من عصور التاريخ، فيتعذر وضع إحصاء لكثرة ما يدخل فيها ويخرج منها في كل ~~عقد، فمال الحال بعشرات من العقود أو عشرات المئات من الأعوام. # اتصلت هجرة العرب قبل الإسلام وبعده إلى هذه الديار اتصالا لم ينقطع، وكان من أكبر ~~الحوافز إلى ذلك شئون اقتصادية وآفات سماوية، وربما جاءت القبيلة برمتها أو أكثرها، وتفرقت ~~في أحشاء القطر، فأصاب حاضرته ms45 قسط غير قليل منها. لا جرم أن الكتلة الأولى من العرب الذين ~~أووا إلى دمشق كانوا من غسان على كثرة، ومن التنوخيين والسبأيين والنبطيين على قلة، يقول ~~اليعقوبي: وكانت دمشق منازل غسان وبطون من قيس وبها جماعة من قريش. وقال غيره: إذا جزت جبل ~~عاملة تريد قصد دمشق وحمص وما يليها، فهي ديار غسان من آل جفنة وغيرهم، وإلى قيس ويمن يرجع ~~مجموع أصول القبائل العربية المهاجرة، وهم الذين يطلق عليهم اسم العشران جمع عشير. # كثرت العناصر في الشام على عهد الإسلام، فنزل في بعض أرجائها جاليات من الفرس، وبعدها قبائل ~~التركمان، نزلوها منذ عهد السلجوقيين، ثم انهال عليها الأكراد والقوقازيون من الجراكسة ~~والطاغستانيين والكرج، ثم الهنود والأفغانيون والمغاربة والأرمن، يتكلمون بلغتهم أولا ~~ويتعلمون لغة البلاد حالا، وفي هذا العصر انتشرت الفرنسية والإنكليزية وغيرهما من لغات الغرب، ~~إلا أن العربية ما زالت تستغرق كل طارئ، وكل غريب نزل دمشق يلقف هو وأولاده هذه اللغة، ~~ويندمج في أهلها، فتصير منه البوتقة العربية رجلا عربي اللسان، يصبح بعد بطنين عربيا ~~بلسانه وعواطفه. # وانتفع الدمشقيون بهذا الاختلاط، وكان من تماذج الجنس الآري بالسامي خاصة نسل جميل متين ~~فيه أجمل خصائص هذين الجنسين، أو الأجناس السائرة التي امتزج دمها بدماء أخرى. # وبهذا الاختلاط كثر الذكاء والمضاء، وتوفر في أهلها الحزم والعزم، على ما أشار إلى ذلك ~~الباحثون في طبائعهم. # ورأينا الدماشقة يجدون ويهزلون، وجدهم جد وهزلهم هزل، ورأيناهم وقد جعلوا لبلدهم طابعا ~~خاصا في مرافقها ومصانعها ومساكنها، يكاد لا يجتمع مثله في عاصمة من عواصم الشرق القريب، ~~وكان الدمشقيون على الأيام إذا عانوا التجارة جاءوا في الصف الأول بين تجار الأقطار ~~المجاورة، وإذا مارسوا الصناعة بذوا غيرهم وأتقنوا عملهم، وإذا انقطعوا إلى الزراعة قلبوا ~~وعمروا وغرسوا، وإذا تولوا الأعمال الإدارية والحربية والدينية كانوا على الأغلب مثالا ~~صالحا، وها نحن نرى رجالا منهم استولوا في عهدنا على التجارة في شرق الأردن وفلسطين، ~~وكانت امتدت أيديهم إلى قسم عظيم من تجارة بيروت، كما استولوا على جزء ms46 من تجارة مصر، ~~فنازعوا فيها الرومي والإيطالي وغلبوهما في بعض الأحيان، ومنهم مئات كان لهم من صبرهم ~~ودءوبهم ما أعانهم على الاستئثار بقسط من تجارة العراق وإيران، أما في المهاجر فليسوا ~~فيها دون سائر الشاميين، إلا أن سكان الجبال أصبر على شظف العيش من سكان السهول، ويغلب على ~~التاجر الدمشقي النظام، كما يغلب عليه التدقيق والحرص في الغالب، لا يفرط ولا يفرط، ~~ويحافظ على شرف توقيعه، فيؤدي ما يفرض عليه أداؤه من دين في حينه. # وفي بعض الإضرابات الأخيرة في سبيل الاستقلال، وهو إضراب دام خمسين يوما جملة، ما تلكأ ~~تاجر واحد عن تأدية ما استحق عليه للمصارف، وحاولت السلطة أن تكره التجار على فتح مخازنهم ~~وحوانيتهم، فلما أبوا فتحت هي محال تجاراتهم وصرفت منها الحراس وقطعت عنها النور؛ لتحمل ~~أصحاب الأسواق على معاودة أعمالهم متى أوجسوا خيفة من اللصوص على أموالهم، فما مد أحد يده ~~إلى شيء، لأن السارقين والطرارين تعاهدوا كما تعاهد المومسات ألا يمارسوا عملهم ما دام ~~الإضراب، وما شكا أحد من الفقراء جوعا في بلدة كان رزق أكثر سكانها مناط عملهم اليومي، ~~فقام أهل السعة بإطعام أرباب الفاقة؛ فلم يسمع حس تذمر ولا تأفف، ولم يسجل غير دبيب ~~المطالبة الصامتة بالحق المسلوب، وهذا مما يستغرب من مدينة عظيمة فيها أصناف من الخلق، ~~وسكانها مع الضواحي لا يقلون عن نصف مليون من النفوس. # والدمشقيون من أكثر العرب حنينا إلى بلادهم؛ إذا اغتربوا وإذا اغتنى الدمشقي قليلا لا ~~يلبث أن يعود إلى مسقط رأسه. # وفي الدمشقي قوة التمثل؛ إذا دخل بلاد الترك أو الهند أو فارس أو أرض الإفرنج، تعلم في ~~الحال لغة البلاد التي نزلها، أما من تعلموا لغة من تلك اللغات الغربية في المدارس، فإنهم ~~يتكلمون بها ويكتبونها كأهلها، وهكذا كان لنا أدباء بالتركية وأدباء بالفرنسية وأدباء ~~بالإنكليزية، ويشبه استعداد الدمشقي في باب إتقان اللغات الأجنبية استعداد أهل بولونيا في ~~أوربا لتلقف اللغات. # ومع كثرة إقبال الدمشقيين على الأخذ من مدارس الترك آخر عهدهم؛ ليكون منهم ms47 قضاة وضباط ~~ورجال إدارة حتى ليظنهم من يراهم في عهد العثمانيين الأخير أنهم تتركوا جملة واحدة هم ~~وذراريهم فإنهم ما لبثوا في الانقلاب العثماني سنة 1908 أن عادوا إلى العناية بلغتهم، ~~وبدءوا يقلبون أسماء أولادهم - وكان بعضهم تركيا - إلى أسماء عربية صرفة، ورجعوا عن مدحت ~~ورفعت وحمدي ورمزي ورشدي وكزيده وناديده وباكيزه، إلى زهير وعدنان وغسان وزياد وصفوان وأسامة ~~ومروان وريمة وتميمة ورباب. # وينطوي الدمشقي على شيء من حب التقليد، ويتلقف الأمور الجديدة برحب صدر، وإن كان في ~~مشخصاته أقرب إلى المحافظين، ويبعد في الجملة عن الإسفاف، وينزع إلى التجمل والاستغناء، ~~وفيه شيء من عزة النفس والتمجد والكرم، وكثيرا ما تراه في عمله ويتسع في الإنفاق حب ~~الاستكثار من المكاسب، وأنت إذا جئت تبحث في نفسه تجده من العامة أو ممن يقرب منهم، دعا إلى ~~ما دعا، وعني بما عني، تقليدا لأبيه أو عشيره أو جاره، وفي الغالب أن يكون للرؤساء الذين ~~يخاطبونه باللسان الذي يفهمه سلطان عليه، ولهذا كانت دمشق أول بلد طالب بالوحدة العربية بعد ~~الحرب العالمية، وأول بلد صبا إلى الجامعة الإسلامية، وأول بلد ساءه تقسيم الديار الشامية ~~إلى دويلات صغرى، وسعى جهده لضم الشمل بعد انبتاته، وإذا وقع حيف على العراق أو على فلسطين ~~بكت دمشق أول الباكين، وعاونتهما ما استطاعت في تخفيف النكبة، وإذا أصاب المصري والحجازي ~~شيء من الخير فرحت كأنه لها. # وفي دمشق خصائص القرى وخصائص المدن، وبينا تراها راقدة كقرية آمنة، إذا بها تهب هبة آنية ~~لمطلب تريده وهي تراه حسنا، وأنت إذا أنعمت النظر في الأمر وقلبت الرأي في ثورتها، تشهد ~~أنها ابنة ساعتها، ولكنها كانت تتخمر زمنا في صدور العقلاء من بنيها، وما ظهروا بما ظهروا إلا عن ~~الضرورة الشديدة. # والدمشقي يعطف منذ القديم على الغريب، حتى يكاد يفرط فيما تقتضيه واجبات الضيافة ~~والمجاملة، هكذا علمه بنو أمية على ما يظهر يوم كانت دمشق لا عاصمة الإسلام بل عاصمة ~~الدنيا. # والدمشقي يحنو على الفقراء ويكثر برهم، ولا سيما في الأعياد ms48 والمواسم والمآتم، وما زال ~~منذ خمس وعشرين سنة يعاضد الجمعيات الخيرية التي ألفها فريق من أهل الخير والحمية، تعول ~~الفقراء وتعلم اليتامى والأميين من الشباب، وقد قام المحسنون من تجارهم في هذا العام بمشروع ~~المؤاساة، فتبرعوا له بمبالغ عظيمة وسينشئون بما جمعوا مستشفى عظيما ودارا للعجزة. # ومن طبع الدمشقي ألا يؤخذ بالعنف، وهو يلين حتى مع خصمه ويهش في وجه من يكرهه، فكما أنه ~~يحسن معاملة كل إنسان على اختلاف الدين واللسان، يجب أن يعامل على هذه الصورة، فإذا لم يلق ~~مثل هذا من مخاطبه وعشيره وشريكه ينفر منه في باطنه، ولا يظهر له عداوة ولا خصومة على ~~الأغلب؛ لأنه اشتهر برقة الحاشية واللطف والأدب، مثله في ذلك مثل ابن القاهرة لعهدنا، وعلى ~~منوال هذا ينسج الدمشقي فيما ينقصه من مقومات الحياة العصرية. # ودمشق والقاهرة تتشابهان كثيرا، ولو كان لدمشق من ينظم شئونها تنظيما فنيا ويحمل جميع ~~طبقاتها على مراعاة القوانين - وحب القانون يقل في أبنائها كما يكثر فيها العطف على ~~المسيء يوم تحق عليه العقوبة - لجاء من مدينتهم أجمل مثال في العواصم العالمية. # واشتهر النساء الدمشقيات بجمال طلعتهن، وحسن هندامهن، ورقيق لهجتهن، وهن في الإجمال ربات ~~بيوت، ومربيات أولاد، عرفن بصبرهن وجرأتهن على الاغتراب، وإذا اغتربت الدمشقية كونت لها ~~بيئة خاصة، كأن تؤلف من بنات بلدها مجتمعا، وتطبع البيت الذي تدخله بطابعها من النظافة ~~وحسن الإدارة والاقتصاد على الأكثر، ومنهن أوانس وعقائل رحلن إلى القاصية وما نزلن عن ~~مشخصاتهن بعد طول الاغتراب، ولا نسين أهلهن وديارهن، ويزداد عطف الدمشقي على الدمشقي، ~~والدمشقية على الدمشقية، كلما تناءت الديار التي صاروا إليها. # وإن الزي الذي تتزيا به المرأة الدمشقية ليسري إلى نساء القطر على أسرع وجه، ويحظى بالقبول ~~عندهن بدون مناقشة. # وذلك لأن الدمشقيات كن يسارعن إلى النقل عن المرأة التركية، وأمسين اليوم يقلدن المرأة ~~المصرية، ويأخذن عن المرأة الغربية مباشرة، فيخرجن الزي الجديد كأنه من اختراعهن وبنات ~~أفكارهن، وما تخترعه دمشق في هذا المعنى تقبل عليه النفوس، كما يقبل الغرباء ms49 على التزوج من ~~الدمشقيات لصفات فيهن قد لا توجد في غيرهن. # وحجاب النساء يضعف مع الزمن، والسافرات فيهن قليلات إلى اليوم، وما سفر منهن إلا ~~المتعلمات من أهل الطبقة العليا والوسطى على الأكثر. # وعلى ذكر الأزياء لا بد من الإشارة إلى أن الدمشقيين اقتبسوا الزي الغربي جميعا، والطربوش ~~لباس الرأس عندهم كالمصريين، والقبعة مستعملة على قلة، ويقل لبس العمامة والعقال والكوفية ~~سنة عن سنة في دمشق وغوطتها، وقد قلدت الغربيين في معظم مرافق حياتها وفرش بيوتها، وتلقفت ~~مصطلحات أهل الحضارة. # أما عادات الدمشقيين فهي خليط من العادات العربية القديمة والغربية الحديثة، ويدخلها ~~التعديل على مر السنين، ولكثرة اختلاط الدمشقيين بالأمم الأخرى، ومن عاداتهم - كسائر بلاد ~~الشرق - الجيد النافع ومنها القبيح الضار، والقبيح يزول بالتدريج. # والاحتفال بالأفراح والأتراح صائر حتما إلى الاقتصاد، وقد كانت من قبل إلى الإسراف ~~والبذخ، ويراعي الدمشقي الحالة الاقتصادية على كل حال، ينام إذا أكسدت سوقه، وينتبه إذا ~~نفقت. # | الحياة الأدبية والفنية والصناعية # العلم والأدب في دمشق # ليس في الإمكان استقصاء أسماء جميع من نبغوا في دمشق قبل الإسلام بالعلوم والفنون، ~~وقد عرفنا منهم بولودرا المهندس الدمشقي الذي أقام عمود تراجان في رومية، وبني جسرا على ~~نهر الدانوب «الطونة». # ومنهم بوسانياس عالم المؤرخين في عصره، والقديس يوحنا فم الذهب الدمشقي رجل البلاغة ~~والوعظ، وإليه نسبت الكنيسة العظمى التي أصبحت في الإسلام الجامع الأموي فيما روى ~~بعضهم. # ويقول سينيوبوس في تاريخ الحضارة: «حفظت في مدارس الروم في دمشق والإسكندرية علوم ~~اليونان من فلك وجغرافيا ورياضيات وطب»، أما نحن فمن المتعذر علينا أن نشير فقط إلى ~~النوابغ منهم في هذه الفنون، فمن الأخبار ما لم يدون، ومنها ما دون وضاع، وتاريخ هذه ~~الديار قبل الإسلام يصعب تمحيصه، ولم يكن السريان أصحاب البلاد دون الرومان واليونان في ~~الرغبة في العلم، وكانوا منذ انتشرت النصرانية يجعلون من أديارهم بيوت علم وحكمة، وكانت ~~آداب السريانية تدرس بعناية منذ القرن الخامس. # واشتهر اليعاقبة والنساطرة بالعلم، وكان علماء النساطرة أكثر عددا، واليعاقبة أكثر ~~رسوخا ms50 وتبحرا، وجميع الشعوب التي تداولت حكم هذه المدينة كانت لها يد باسطة في العلوم ~~المعروفة لعهدها، وفي الجاهلية - أي قبيل الإسلام - كان يختلف إلى دمشق رجال من شعراء ~~العرب، فينزلون على الرحب والسعة على أمراء الغساسنة وغيرهم من العرب، ومنهم حسان بن ~~ثابت شاعر الرسول، نزل في الجاهلية على جبلة بن الأيهم ملك غسان فأكرم وفادته؛ ذلك لأن ~~جبلة كان أيضا شاعرا مجيدا وكذلك بعض أهل بيته، ومنهم امرؤ القيس والمتلمس، ونزل في ~~الإسلام بعض الصحابة والتابعين وآل البيت في دمشق وتديروها، وشغلت طائفة منهم بهداية ~~الخلق والقضاء بينهم، وهم الذين وضعوا أساس العلم العربي في هذه الأرض، وكثر العلم في ~~زمان أمير المؤمنين معاوية فأصبحت دار قرآن وحديث وفقه، كان يأتي بالعلماء من القاصية ~~فينزلون دمشق، وممن دعاهم إليها أمد بن أبد وعبيد بن شرية الجرهمي، وطلب إليهما أن ~~يحدثاه بأخبار القدماء، وأمر بعض كتابه أن يدونوا كلامهما، فكان أول تاريخ وضع في ~~الإسلام. # ومعاوية أول من وضع الكتاب والكتب لتعليم كلام العرب، وأول من أنشأ بيت الحكمة. ~~وانتشر العلم على عهد عبد الملك بن مروان، وكان من أوعية العلم ومن بلغاء العرب كسائر ~~أهل بيته، وكان متسعا في المعرفة والتصرف في فنون العلم والفصاحة، وكان «سنان قريش ~~وسيفها رأيا وحزما، وعابدها - قبل أن يستخلف - ورعا وزهدا»، وهو الذي نقل الدواوين إلى ~~العربية، وكانت بالرومية في الشام، وبالقبطية في مصر، وبالفارسية في العراق، وهو أول من ~~أحدث ضرب الدنانير والدراهم في الإسلام. # وشعراء هذا القرن في دمشق من أصل عربي، ومنهم من كان يفد على بني أمية ويرحل بعد مدة، ~~ومن الشعراء الأخطل ونابغة بني شيبان، ومن العلماء أبو الدرداء القاضي، وهشام بن ~~إسماعيل أول من أحدث رواية القرآن بدمشق، وأبو إدريس الخولاني وبشر بن الوليد الأموي، ~~كان يقال له عالم بني مروان، «وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا وفصيحا ~~جامعا، وجيد الرأي كثير الأدب، وكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء»، ولقبوه ~~بحكيم آل مروان ms51 وعالم قريش، وهو الذي زهد في الخلافة وعشق العلم، وأمر بإحضار جماعة من ~~فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مصر وقد تفصح بالعربية، وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة ~~من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي، وهو أول من أنشأ خزانة كتب في الإسلام، والأرجح ~~أنها كانت في دمشق، وأمر عمر بن عبد العزيز بنقل كتاب أهرن بن أعين في الطب إلى ~~العربية، وكان فيها روح بن زنباع ورجاء بن حيوة من رجال العلم والسياسة، وغيلان بن ~~مروان أول من قال بالقدر. ومن علمائهم في القرن الثاني والثالث مكحول، وعبد الله بن عامر ~~أحد القراء السبعة، ويحيى بن يحيى الغساني، ويحيى بن الحرث الزيادي المقري وعليه دارت ~~قراءة الشاميين، والوليد بن مسلم، وصعصعة بن سلام كان أول من أدخل علم الحديث إلى ~~الأندلس، ومحمد بن الوليد الزبيدي، وأبو الحكم، وابن أثال، وعيسى بن حكم، وتياذوق، وهؤلاء ~~الأربعة أطباء، ونشأ مثلهم من النقلة فانتقلوا في القرن الثاني إلى العراق، وهناك ظهرت ~~خدمتهم للعلم واللغة العربية، وواضع أساس الكتابة بالعربية عبد الحميد بن يحيى الكاتب ~~وعشرات كانوا على طريقته في الكتابة. # وقام في القرن الثالث والرابع والخامس أمثال هشام بن عمار خطيب دمشق وقاريها وفقيهها ~~ومحدثها، وأبو مسهر عبد الأعلى الغساني، وأبو زرعة الدمشقي، ومحمد بن الحسن صاحب أبي ~~حنيفة، وعمر بن حسن الخرقي، وعبد الله بن عطية المقري الدمشقي المفسر، كان يحفظ خمسين ألف ~~بيت من شعر العرب في الاستشهادات على معاني القرآن واللغة، ومحمد القيسراني المهندس، ~~وأبو يعلى التميمي المعروف بابن القلانسي المؤرخ، وعلي بن داود الداراني الخطيب. # وجاء في القرن السادس والسابع والثامن أيضا رجال في علوم الدنيا والدين خلدوا لهم ~~ذكرا مؤبدا، وكان في دمشق أيام صلاح الدين ستمائة فقيه يعطيهم من صدقاته. ومن الأطباء ~~والمهندسين يحيى البياس، ومحمد بن أبي الحكم، وابن النقاش، وابن البذوخ، وابن المطران، ~~وعبد الكريم الحارثي المهندس، وعلي بن غانم، والحافظ بن عساكر محدث الشام ومؤرخها صاحب ~~التاريخ المشهور، والحسين الأسدي مسند دمشق، وابن الخياط، وطراد ms52 بن علي، وابن منير، وابن ~~عنين، والوأواء، وعرقلة «حسان بن نمير»، وابن نمير العقيلي، وهؤلاء من كبار الشعراء. ومن ~~المهندسين إبراهيم بن غنائم، ومن المؤرخين ابن خلكان، وابن أبي أصيبعة، وأبو شامة، وسبط ~~ابن الجوزي، ومن العلماء المفننين عبد المنعم الجلياني، وعز الدين الإربلي، وشمس الدين ~~الخويي، ورفيع الدين الجيلي، وشرف الدين الرحبي، والدخوار، واللبودي صاحب دار الهندسة، وعلي ~~بن أبي الحزم، وابن النفيس، وابن المؤيد العرضي، والدولعي الخطيب، وابن الساعاتي الشاعر، ~~وفتيان الشاغوري الشاعر، والحافظ الزملكاني، والحافظ اليلداني. ونبغ كثير من المحدثات ~~الدمشقيات ضاهين بعلو السماع الرجال، ومنهن من جمعن إلى الحديث علم الأدب وقرض ~~الشعر. # وكان في القرن الأخير المصلح شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية، والحافظ ~~البرزالي، والحافظ المزي، والحافظ الذهبي، وجاء رجال برزوا في التاريخ والعلوم الفلكية ~~والرياضية والطبيعية، مثل ابن كثير، وابن فضل الله العمري، والصلاح الصفدي، وشيخ الربوة، ~~وابن مفلح، وابن شاكر، وابن الشاطر الفلكي، ومحمد بن إبراهيم المهندس، والخطيب جلال الدين ~~القزويني، وسليمان بن داود الطبيب. وبدأت طلائع الانحطاط في العلم والأدب في القرن التاسع ~~وما بعده، ومع هذا ما خلت دمشق في دور من الأدوار من أعلام يشار إليهم بالبنان في جميع ~~العلوم الدينية ومعظم العلوم الأدبية والمدنية، ومن المشهورين ابن قاضي شهبة، والحسباني، ~~وابن عربشاه، ويوسف بن عبد الهادي، وهؤلاء اشتهروا بالتاريخ، وإبراهيم البقاعي، وأحمد ~~الطولوني المهندس، وابن الجزري المقري، والبدر الغزي المؤرخ، ومحمد بن علي بن طولون المؤرخ، ~~وعائشة الباعونية المحدثة الشاعرة صاحبة التأليف، والنجم الغزي المؤرخ، وأحمد بن سنان ~~القرماني المؤرخ، والحسن البوريني، وابن الشاهيني، والصفوري، وابن الحكيم الصاحب، والشاعران ~~المنجكي والكيواني، وحامد العمادي، وأحمد المنيني، والمحبي، والمرادي، وعبد الغنى النابلسي، ~~وكمال الدين الغزي، ومحمد العطار صاحب الرسائل بالفنون الحربية والفلك والرياضيات، ومحمد ~~عابدين صاحب الحاشية في الفقه، وعبد الغني الميداني الفقيه النظار، ومحمد الطنطاوي، ~~وميخائيل مشاقة، ومحمود الحمزاوي، وطاهر الجزائري، ورفيق العظم، وجمال الدين القاسمي، ~~وعبد الرحمن شهبندر، وتوفيق طارق المصور المهندس، وغيرهم. # وهبت دمشق بعد ms53 انتشار القانون العثماني سنة 1908 وتمتع العناصر العثمانية بحرياتهم، ~~تريد أن تستعيد بالعلم سالف مكانتها، وتستمر في تخريج رجال ممتازين على ما كانت في سابق ~~العصور، فتعلم مئات من أبنائها العلوم العالية في ديار الغرب، ولا سيما في فرنسا، فجاء ~~منهم نوابغ في الطب والحقوق والتعليم والهندسة والزراعة والكيمياء وغير ذلك، ومنهم من ~~وضعوا الرسائل والكتب التي لا تقل عن كتب المصريين المحدثين، وأما العلوم الدينية ~~فأرادوا إحياءها فأسسوا بأنفسهم عدة مدارس تعلمها على الطرق الحديثة في الجملة، ويرحل ~~طلاب الاختصاص إلى القاهرة يتلقون في الأزهر ودار العلوم والجامعة ما ينقصهم من علوم ~~الدين وغيرها، وفي أحيائنا طائفة كبيرة من الرجال الذين تعلموا وعلموا في مختلف العلوم ~~والفنون والصناعات، حتى قال هريو: «لقد أصبحت دمشق بفضل همة علمائنا «علماء فرنسا» ~~مركزا علميا من الطراز الأول بمكانتها». # والتعليم في دمشق منتشر كثيرا، ويقل فيها الأميون، وفيها مدارس مختلفة الدرجات، ~~وجامعتها السورية هي الجامعة الوحيدة في العالم التي تدرس الطب باللغة العربية، وقد ~~رسخت العربية خطابة وكتابة وشعرا في العهد الأخير رسوخا لا عهد لها بمثله منذ أجيال، ~~والفضل في ذلك للمدارس والجوامع والمعابد والصحف، ولرخص الكتب والمجلات. # الفنون الجميلة # نشأت الفنون الجميلة بدمشق في زمن يصعب تعيينه، وكانت الأمم التي استولت زمنا طويلا ~~على هذه العاصمة كاليونان والرومان من أقدم الأمم التي أتتها بموسيقاها، ولما انتشرت ~~النصرانية في القرن الثالث الميلادي عني منتحلوها بالموسيقى في كنائسهم عناية اليهود ~~بها من قبل في بيعهم. # وكانت موسيقى العرب لأول أمرهم إلى السذاجة شأنهم في معظم أوضاعهم، فلما جاءوا هذه ~~العاصمة أخذوا من موسيقى الروم ومن موسيقى الفرس، وتوسعوا وأجادوا حتى قال بعضهم: ولم ~~تكن أمة من الأمم بعد فارس والروم أولع بالملاهي والطرب من العرب. # والغناء العربي في دمشق قديم منذ كانت غسان وتنوخ فيها، وكان غناؤهم الإنشاد والترنيم ~~والحداء، وكان التقليس - وهو الضرب بالدف والغناء - مما يعمد إليه في استقبال الولاة عند ~~قدومهم المصر، وحدثنا التاريخ أن بعض خلفاء بني أمية وأمراءهم ms54 وساداتهم في دمشق وضعوا ~~ألحانا وأولعوا بالموسيقى والغناء، ومنهم عمر بن عبد العزيز، فإنه دونت له صنعة في ~~الغناء أيام إمارته على الحجاز، وكان أحسن خلق الله صوتا، ومنهم يزيد بن عبد الملك ~~والوليد بن يزيد، وما زالت الموسيقى والغناء ينتشران والدمشقيون يزدادون غراما بهما ~~كلما ارتاحوا وارتاشوا، وكان لهم في كل قرن أناس مشهورون ممتازون، ولكن التاريخ أغفل ~~نقل أخبار هذه الطوائف من الناس، ذكروا أنهم تفننوا كثيرا في الإيقاع والآلات، ومنهم من ~~عمل أرغنا، وهو غير الذي عرفه الإفرنج، يعمل من ثلاثة زقاق كبار من جلود الجواميس يضم ~~بعضها إلى بعض. # وفي القرن السادس كثر الموسيقيون والطنبوريون والقانونيون، وظهر نوابغ في هذا ~~الفن. # وفي القرن الثامن نبغت غير واحدة من المغنيات، وما خلت هذه المدينة من عوادة وطنبورية ~~وكراعة وربابية وصناجة ورقاصة، وكان الخلفاء العظماء يتنافسون فيهم ويفضلون عليهن ~~وعلى كل صاحب معرفة بهذا الصنف، ومن الرجال والنساء من كانوا يمارسون هذه الصناعة ~~للتكسب وهم المحترفون، ومنهم من يولع بها حبا بها وهم الهواة. # وأدركنا الدمشقيين لا تخلو سهرة من سهراتهم ولا نزهة من نزهاتهم ولا فرح من أفراحهم ~~من موسيقيين ومغنين وأحيانا مغنيات، وما كان بعض أرباب المظاهر يستنكفون من رفع ~~أصواتهم بالإنشاد والغناء، ولا من الضرب على العود والطنبور والقيثارة. # وفي العهد الأخير اقتبست الموسيقى فنونا من الموسيقى الغربية، وكادت دمشق في ~~موسيقاها وغنائها تكون عالة على مصر تقتدي بها، مع ذلك بقيت لها بقايا خاصة بها، وما ~~برح للموسيقى والإنشاد عند بعض أرباب الطرق شأن عظيم كشأنهما منذ القديم وإلى اليوم في ~~الكنائس والبيع عند أهل النصرانية جميعا. # أما فن التصوير فالعرب كانوا فيه عالة على الروم والرومان، والإسلام لأول أمره شدد ~~في التصوير، ولما ذهبت الخشية من عبادة الصورة أخذ التصوير ينتشر في البلاد الإسلامية، ~~وقد صنعت الصور في دار مروان بن الحكم وسعيد بن العاص، وكل منهما ولي إمارة المدينة ~~وكانا من التابعين، مما دل على أن التصوير كان شائعا منذ عصر الصحابة، ms55 وكان للخلفاء ~~في قصورهم صور وتماثيل، ولم يحظروا بادئ بدء إلا تجسيم الصور الآدمية، وعمدوا إلى ~~التصوير في الكتب والثياب والجدر بكل ما يغري ويفتن، وكانوا على كل حال مقلين من صور ~~الآدميين، وقد ظهر في مصر في عهد الأيوبيين والمماليك مصورون شاميون أبدعوا في ~~التصوير على الجدران وعلى الكتب، وكان من الحمامات المصورة بدمشق حمام سيف الدين، وصفه ~~عمر بن مسعود الحلبي المعروف بالمحار بقوله: # وخط فيها كل شخص إذا # لاحظته تحسبه ينطق # ومثل الأشجار في لونها # ولينها لو أنها تورق # أطيارها من فوق أغصانها # بودها تنطق أو تزعق # وهيبة الملك وسلطانه # وجيشه من حوله يحدق # هذا بسيف وله عبسة # وذا بقوس وبه يعلق # وللمحار أيضا في تمثال من النحاس على صورة شخص يخرج الماء من أعضائه، وكان على ~~الأرجح في بعض دور دمشق: # وشخص على ساقه قائم # مشير بساعده الأيمن # له صورة حسنت منظرا # على بدن صيغ من معدن # يكاد يحدث جلاسه # ولكن به خرس الألكن # إذا بث من صدره سره # فتسبقه أدمع الأعين # ولم يبك حزنا على نازح # ولم يصب شوقا إلى موطن # صبور على الحر والبرد لم # يسر بحال ولم يحزن # وجاءت العصور الحديثة فكثر النقاشون والمصورون، ومنهم المصورون على الخزف، تجد ~~نموذجات من أعمالهم بدار الآثار العربية بمصر، ومن النقاشين من ينقش على المعادن كالذهب ~~والفضة والنحاس، ومنهم من ينقشون المنازل ويعرفون بالدهانين. # وعدوا الرقص من الفنون الجميلة، وقد ارتقى منذ عرف تاريخ العرب إلى أن فتحوا الأندلس ~~ونقلوا إليها رقصهم الذي لا يزال إلى اليوم شائعا فيها بعد خروجهم منها قبل خمسة قرون، ~~وكذلك الموسيقى الإسبانية، يرقصون بالصنجات كما كان يرقص الراقصات في دمشق، وكان لهم في ~~الشام رقص يسمونه السماع، يرقصه عدة أشخاص على نغمات متساوقة من الأوتار وترديد جميل من ~~الموشحات فقط، وهو أشبه بالأوبرا أو الأوبريت عند الإفرنج - أي القصائد الملحنة التي تمثل ~~على نغمات الموسيقى - ويزيد رقص السماع على الأوبرا كونه ترفع فيه الأصوات بأنغام ~~مألوفة، وقال بعض العازفين: إن ms56 رقص السماع هو الذي يعرفه الإفرنج بالباليه. # ونبغ في دمشق في القرن الماضي سنة 1282ه رجل من أبنائها البارعين في الموسيقى والغناء ~~ونظم الشعر، وهو أبو خليل أحمد القباني، فأنشأ قاعة للتمثيل حازت القبول عند ~~العارفين، ثم اضطهدته الحكومة بإغلاق محله، فانتقل بفرقته إلى مصر ووضع هناك أيضا أساس ~~التمثيل العربي الذي كان وضعه في دمشق على غير مثال احتذاه، ومن تأليفه روايات إلى ~~اليوم تمثل في دور التمثيل، وتجد لها قبولا من نفوس المشاهدين، وكان لرقص السماع في ~~رواياته التمثيلية قسط عظيم من العناية. # وحاول كثيرون من أربعين سنة تأليف فرقة للتمثيل فأخفقوا، مع أنه خرج من دمشق عدة ~~ممثلين بارعين تفرقوا في أرجاء مصر والشام. # | صناعات دمشق # عرفت دمشق في معظم عصورها بأنها مدينة صناعية، كما هي مدينة زراعية تجارية، ويرجع ~~توفيقها في صناعاتها إلى وفرة المواد الأولية المستخرجة من أرضها، وإلى أن كل صنعة يتسلسل ~~العمل بها في بيوت مخصوصة على الأغلب، فالصوف والقطن والكتان والقنب والحرير والوبر ~~والمرعزي تنسج منه بزها وديباجها وأطلسها وأعبئتها وأغطيتها، والحديد والفولاذ والنحاس تصنع ~~منه نحاسها وآلتها وقربها، ومن أخشابها تصنع مقاعدها ومناضدها وأصونتها ومرافق بيوتها ~~وقاعاتها، ومن تربتها تعمل زجاجها وآنيتها وقاشانيها وآجرها، وهكذا في كل ما تنبت الأرض، ~~ويدفن في بطنها من المعادن، قال الإدريسي: ولكل بلد ومدينة خاصية تحتفظ بها في نوع من ~~الصناعة، وأهم ما كان منها في مدينة دمشق. # كانت هذه المدينة في القرن الرابع الهجري جامعة لضروب من المحاسن وصنوف من الصناعات، ~~وأنواع من الثياب الحرير كالخز والديباج النفيس الثمين العجيب الصنعة، يحمل منها إلى كل ~~بلد، ومصانعها في كل ذلك عجيبة، وقد احتوت طرزها على أفانين من أعمال الثياب النفيسة، ومحاسن ~~جمة، فلا يعادلها جنس ولا يقاومها مثال، وقيل: إن اسم الدمقس مشتق من اسم مدينة دمشق، وأن ~~الثياب التي يسمونها «داماسكو» وتصنع برسوم في جسم الثوب معمولة غليظة تنسب إلى دمشق. وكان ~~الغزل والنسيج مما يعانيه جمهور الناس في الحاضرة والضاحية حتى شهد ms57 لهم بالبراعة في ذلك، ~~ولكل قرية ولكل مدينة اختصاص بصنع شيء تعرف به ويعرف بها، وينفق ما يحاك من ذلك في بلاد ~~الشام، وما زاد يصدر إلى الخارج. # قام في القرن الماضي والقرن الحالي أناس ممن يعانون صنع الثياب والنسيج من القطن والصوف ~~والحرير، فوقفوا بما اخترعوا من الأنوال في وجه الثياب المصنوعة في الغرب، وعملوا «الديما» ~~و«الألاجة» و«الشال»، وما برحت الصناعات الشامية على كثرة منافسة البضائع الأجنبية لها ~~رائجة لمتانتها وجمالها، وثبات ألوانها، ورخص أسعارها، فإن ما يعمل في دمشق وضاحيتها من ~~الشال والأطلس والأعبئة والملاءات والسجوف والشفوف القطيفة المخمل، ما هو زينة القصور وربات ~~الخدور، ومن ذلك معامل كثيرة في هذه المدينة، وأنشئ فيها معملان لصنع الجوخ، لا تقل جودة ~~مصنوعاتهما عما يصنع من نوعه في معالم الغرب، وتوفرت الأنوال لصنع البسط والطنافس، تروج ~~مصنوعاتها لرخص أسعارها، وكانت صناعة زركشة القصب رائجة إلى القرن الأخير، وهي مما كانت دمشق ~~تختص به. # وخصت أيضا بدبغ الجلد تعمل منه الأحذية والسروج والروايا والزكرات والصناديق وما شاكل ~~ذلك، وهي جميلة ورخيصة، وأسس مؤخرا معمل عظيم لدبغها، أخذ يخرج الجلد الجيد الذي يباع ويروج ~~في الشرق والغرب. # واشتهرت دمشق بالنجارة منذ الزمن الأطول، وما زال أهلها يتفننون فيها ويماشون الزمن في ~~نشوئها، ينجزون الأبواب والدرفات والنوافذ وأصونة الثياب وخزائن الزينة والمناضد والكراسي ~~والمقاعد والأرائك والمكاتب والإطارات والمغاسل، والصناديق والتوابيت والرحال وألواح درس ~~الحبوب وأعواد الطرب، تعمل من خشب الجوز والزيتون والليمون والميس والعرعر والدردار ~~والشربين والتنبوب والسرو والصنوبر مما يكثر في الأرض الشامية، أو من خشب الجوز الأميركاني ~~والخشب الروماني والقيليقي وغيرها من الأخشاب المجلوبة. # كان يعمل كل ذلك بأدوات بسيطة تحركها الأيدي، وقد أقيمت معامل لنشر الأخشاب وتقطيعها وتجفيفها ~~وتليينها وتزيينها ورصفها ونقشها، ومما يدل على متانة خشب الحور المعروف بالرومي تلك ~~النموذجات التي بقيت منه محفوظة من القرن الخامس في دار الآثار، وكانت الصناديق تصنع إلى ~~القرن الماضي من خشب الجوز فتقوى على القرون، وتحفر فيها نقوش وصور جميلة، ومن ms58 قبل كانت ~~صناديق السرو مثال الصناعة المتينة، ومن الخشب المتين كانت تعمل الحلقات في القصور والقاعات ~~القديمة، وقد بيع كثير من هذه الصناديق وهذه الحلقات من الغرباء، وهم يعدونها من أظرف ~~الطرائف، لما خصت به من المتانة والجمال. وسر الإبداع في هذه الصناعة أن النجارين كانوا ~~ينجرون أصلب الخشب، فأصبحوا اليوم يعتمدون على الكريش والشوح، وفيهما مواد قطرانية وتفعل ~~فيما يصنع منها الرطوبة والحرارة، وهذا الخشب سهل على النجر وسريع إلى البلى. # وكان الدهان من الصناعات الدمشقية المتفردة بها هذه المدينة، ويكون ذا ألوان ثابتة لا تنصل ~~بالحرارة ولا بالبرودة، ولا ينال منها السوس ولا الحشرات، والدهان المعروف اليوم بالعجمي ~~مما تفردت به دمشق، وأهل هذه الحرفة يزينون بما يدهون اليوم قصور العظماء في الشام ومصر ~~والعراق، ويعملون منها مناضد ومقاعد وبعض أدوات الزينة، فتجيء طرفة من الطرف. # وأزهرت صناعة التنزيل في خشب الخزائن والأصونة والمقاعد والكراسي بالصدف أو بقطع الليمون، وكانت ~~مصنوعاتها تزدان بها الأندية والردهات، وتباع منها مقادير عظيمة في أميركا وغيرها. ويقال ~~لصناعة الحفر والتنزيل «الأبلق» وهي من أجمل الصناعات أيضا، تدهن الحجر بالنقوش والأشكال ~~ويحفر ويدهن بصب الأصباغ في الشقوق، ثم يجلى ويصقل، فيأتي صبغها براقا ثابتا كأنه من أصل ~~الحجر، وكانت الأصباغ القديمة في الجدران والأبهاء ثابتة ذات بهاء ولمعان، وهي من نباتات ~~البلاد وموادها، فلما نازعتها الأصباغ الإفرنجية الرخيصة التي تنصل بسرعة، بطل استعمال ~~الأصباغ القديمة، وكاد يفقد سرها ويندمج في صناعة التنزيل صناعة النقش بالجبس على الجدران، ~~ومنها نموذجات صبرت على حوادث الدهر. # لما حرق الجامع الأموي حريقه الأخير، أخذ العارفون يفكرون في إرجاعه إلى رونقه السابق، ~~فأحييت صناعات دقيقة في النقش والحفر والترخيم كادت تضمحل، ومحراب جامع بني أمية مثال ظاهر ~~منها، واخترع إذ ذاك أحد أرباب الصناعات مركبة تجرها بضعة ثيران، فتنقل الأعمدة والسواري من ~~مقالعها مهما عظمت على أيسر وجه، والحاجة أم الاختراع. # ومن القديم كانت دمشق تفاخر بما تصنع من السيوف المحلاة؛ لما اختصت به من الصفاء ~~والاخضرار، تكتب ms59 فيها آيات وأشعار بماء الذهب، ومثل ذلك الخناجر والرماح، وتطريق الحديد مما ~~عرفت به دمشق قبل الإسلام، وما زالت صناعته متوارثة في بيوت معروفة إلى اليوم، وذكر التاريخ ~~أن الإمبراطور ديوقلسيانوس الروماني أنشأ في دمشق في القرن الثالث للميلاد معملا للأسلحة، ~~فاستدل من ذلك أن المستخرج من حديد هذه الديار كان كثيرا يفي بحاجة الدولة والأمة. ~~والقيانة أو القردحة أي صنع السلاح، مما كانت له أسواق رائجة، عرف الصليبيون ذلك ونسبوها ~~في عهدهم إلى دمشق، وكان العرب نقلوا هذه الصناعة - أي صناعة السيوف - إلى الأندلس، فنسبت ~~إلى دمشق حتى يوم الناس هذا، ويقال لها بلغات الإفرنج إلى اليوم «دامسكيناج»، «داماسكينري» ~~أي تنزيل الذهب والفضة في الفولاذ، وكانت الدروع والخوذ والسابرية تصنع في دمشق حتى لكأنها ~~كانت معملا عظيما من معامل السلاح على الطريقة التي وصلت إليها أدوات القتل والتوقي منه ~~في تلك الأعصر. # وتفنن صناع هذا تفننا شوهد أثره في صناع القذائف والنسافات، فقد ذكر المؤرخون أن ~~الصليبين يوم عكا اصطنعوا ثلاثة أبراج من خشب وحديد، وألبسوها الجلود المسقاة بالخل، وجعلوها ~~على عجل يسع الواحد منها من المقاتلة ما يزيد على خمسمائة نفر، ويتسع سطحه لأن ينصب عليه ~~منجنيق، فأراد صلاح الدين إحراقها، وجمع الصناع من الزراقين والنفاطين، وكان من جملة من حضر ~~شاب نحاس دمشقي، فذكر أن له صناعة في إحراقها، وأنه إذا حصل له الأدوية التي يعرفها، وطبخها ~~مع النفط في قدور من النحاس وقذف بها الأبراج تحترق لساعتها، وكذلك كان. # وما برح كل ما يصنع من الحديد يعمل في معامل دمشق كالمردان والمغازل والصنارات والأسياخ ~~والعقافات والقيود والزرد والمباضع والمبازع والشمارط والآنية والنعال والمسامير والمعاول ~~والمساحي والمناجل والمطارق والأقفال والمفاتيح والمغالق والمناصب والملاقط والسكاكين ~~والمدى والمناشير والمراكن والمراجل والدلاء والبراميل والمقالي والمواسي والمبارد ~~والصناجات والدرابزون والكلاليب واللوالب والقدوم والفئوس والمقاريض. وفي العهد الحديث ~~أدوات المركبات والعجلات والسيارات والدراجات والمضخات والمدفئات والسكك والمحاريث والآبار ~~الارتوازية وغيرها، والاعتماد فيها كلها على الحديد المستبضع من الغرب. # وكان أرباب الصناعات في ms60 القديم يجزئهم ما يستخرج من حديد البلاد، ومن النحاس تعمل أواني ~~البيوت كالقدور والمغارف والأطباق والمناقل والدلات «أوعية القهوة» والطسوت والصواني ~~والصحون والصحاف والمصافي والملاعق والسطول والمساخن والهواوين والمدقات وغير ذلك. وقد ~~أنشئت أوائل هذا القرن معامل لصنع أواني النحاس المكتب والمعرق، ومنها الزهريات والمصابيح ~~والثريات والتعاليق والكئوس والمباخر والقماقم والصحاف والبواطي وبعض أدوات الزينة، فراجت ~~رواجا عظيما في الممالك الأجنبية، وتنافس أرباب الذوق في اقتنائها ، ومنها ما يعمل بالمينا، ~~ومنها ما يعمل بالفضة وهي على غاية الإبداع. # واشتهرت هذه العاصمة قديما بالزجاجة «صناعة الزجاج»، وكان يضرب المثل بصفائه، ويتخذ ~~للزخرفة والزينة، ومنه الأكواب والآنية على اختلاف ضروبها، والأباريق والجامات والسكرجات ~~والمضخات والأقداح والقوارير والكيزان والبواطي، كانت لها معامل مهمة في دمشق، وفي الحرب ~~الأخيرة أخذت معامل الزجاج تصنع الكئوس والفناجين وزجاجات المصابيح وصراحيات الماء وغيرها، ~~وراجت رواجا كثيرا، واستغنت بما صنعت عن مصنوعات تشيكوسلوفاكيا وغيرها، وكانت معامل الزجاج ~~ممتدة على طول الجامع الأموي، رآها الرحالة بوجيبوجي سنة 1346م، ويظهر أن البنادقة توصلوا ~~إلى سر هذه الصناعة في القرون الوسطى وأنشئوا يخرجون أنواع الزجاج، ومنها المرايا التي ~~بطل عملها بعد ذلك هنا، ثم أخذ بعضهم بآخرة يقلد المرايا المصنوعة في الغرب فتباع لرخص ~~أثمانها. # وزهد أرباب هذه الصناعة في صنعتهم، لما بدأ الغرب يخرج المصنوعات الزجاجية رخيصة الثمن ~~بديعة الشكل، ومن قبل كانت المصنوعات الزجاجية من عمل البلاد رائجة، وتعلقت الهمم قبل الحرب ~~العالمية بتأسيس معمل للزجاج، وأخرج مصنوعات جميلة وحال الاختلاف بين المساهمين دون سيره، كما ~~كانت اتجهت النية إلى تأسيس معمل للسكر فحال رخص أثمانه دون المضي في إنشاء معمل ~~لاستخراجه. # كان يعمل من الخزف القلل والخوابي والإجانات والدوارق وأصاصي الزهور وغيرها، ويعمل ~~القاشاني لرصف الجدران والمحاريب والحمامات والفساقي والسلسبيلات والباذهنجات والقماقم ~~والزهريات وغير ذلك، ويظهر أن سر صناعة القاشاني فقدت من دمشق منذ قرنين بانقراض البيت الذي ~~كان مستأثرا بصنعه. # وفي القرن الأخير نشأت صناعة جديدة كأنها أخت القاشاني القديم، وهي الخزف الملون يتخذون ~~منه بلاطا للدور ms61 والغرف والمستحمات، وقد تفننوا في صنعه فأجادوا، وله معامل كثيرة، وله ~~رواج في الأقطار المجاورة لمهاودة أسعاره وجماله وصلابته، وبه استعيض في أكثر العمائر ~~الجديدة عن الأحجار الملونة في التبليط وعن رخام إيطاليا. ومما اشتهرت به دمشق صناعة ~~الصياغة، أي صناعة الذهب والفضة، والتفنن في تصويرها بوضع الأحجار الكريمة خلالها، تعمل ~~منها الأكلة والتيجان والأقرطة والشنوف والخواتيم والدمالج والقلائد والأطواق والخلاخل، ~~ولما كسدت مصنوعاتها هنا جلا كثير من صناعها إلى بلاد أخرى، ومع هذا لا يزال ما يخرج الصياغ ~~على اختلاف أسمائه وأشكاله وأحجاره رائجا مقبولا، ويتوقف رواج هذه الصناعة على تكاثر ~~النقد من الذهب والفضة في الأيدي وتوفر أسباب الغنى. # ومن أهم الصناعات صناعة البناء والنحت، ومدارس القرون الوسطى في دمشق مثال بديع على ما ~~نحت ورصف، وقد ساعد على تجويد البناء تعدد مقالع الحجر بالقرب من المدينة، وتسلسل صناعة ~~النحت والبناء والهندسة في بيوت بعينها، ولما اخترع الأسمنت المسلح بدأ القوم يعتمدون عليه ~~في البناء أكثر من الجبس والكلس والآجر، فأنشئ لصنعه معمل في ضاحية المدينة، وثبت أن مادته ~~قوية جدا، وهو يقوم بحاجة البلاد الداخلية. # هذا إجمال حال الصناعات بدمشق، وغالبها تتبدل عليها أيدي الصناع من الواحد بعد الواحد إلى ~~أن ينيف على عشرة صناع حتى يتم، وقد قيل إن صناعات دمشق تبلغ نحو 340 صنعة وحرفة. ولا تزال ~~تحدث صناعات وتموت صناعات، فمن الصناعات التي أحدثت خلال الحرب العالمية الأخيرة حفظ الثمار ~~والبقول في علب «كونسروا» وقد أنشئ لها معمل في دمشق، وصادراته تباع في بلاد العرب وبلاد ~~الغرب، وسبب الإقبال عليه جودة ثمار دمشق ولذيذ طعمها. ومن الصناعات المهمة التي دثرت ولم ~~يعد يعانيها أهلها منذ زمن طويل الوراقة أو صنع الورق، وكانت لها معامل في دمشق منذ القرن ~~الثاني، وقد تعلم صنع الورق في دمشق أسيران فرنسيان على عهد الحروب الصليبية، ونشرا هذه ~~الصناعة في فرنسا ومنها انتقلت إلى أوربا، وكان العرب حملوا سر هذه الصناعة معهم منذ أوائل ~~القرن الثالث إلى الأندلس وصقلية، ms62 ومن هاتين الجزيرتين كانت أوربا الوسطى والغربية تستبضع ~~ورقها قرونا. ومن الصناعات التي كان لها شأن عظيم في دمشق ويعيش بها خلائق، وذلك قبل ~~اكتشاف النفط «البترول» واختراع الكهرباء، صناعة صب الشمع وسكبه وقل من يعنى بها اليوم، ~~وكانت تصنع في دمشق الشموع العظيمة التي تجعل على جوانب المحاريب في المساجد العظيمة كأنها ~~سارية من السواري، وفي دمشق كانت تصنع شموع الحرمين الشريفين وتحمل إليهما كل سنة. ومن ~~الصناعات التي ضعفت لقلة ما يصدر منها صناعة عطر الورد، وما يستقطر من زهر دمشق، فهذه ~~الصناعة كانت تصدر مقادير كبيرة منها إلى الصين والهند في القرن الثامن، وقد ذكر شيخ الربوة ~~في كتابه «نخبة الدهر في عجائب البر والبحر» ما كانت تغل به هذه الصناعة من مال، وما تنشره ~~في موسم الزهر من الروائح الزكية في أماكنه بعد استخراج روحه، ووصف صورة استقطارها ~~والأنابيق التي تستخدم لها. # ودعت الحاجة خلال الحرب الأخيرة وبعدها إلى إدخال صناعات جديدة أو إتقان صناعات كادت تفقد ~~منها لقلة من يرغب فيها. # وإنا رأينا اليوم ما قام من معامل النسيج والحياكة، وما شاهدنا من معامل الجوخ والدباغة ~~والخزف والأسمنت المسلح وحفظ البقول والثمار وصنع المربيات والحلويات، وغير ذلك من الأعمال ~~التي برز أربابها فيها على ما شهد لهم بذلك أعاظم العارفين بهذه المسائل في بلاد الغرب؛ إنا ~~وقد رأينا هذا فلا يصعب علينا أن ندعي أن دمشق تخرج الآن جميع حاجياتها من مأكول وملبوس ~~ومسكون ومفروش، وإذا اضطرت ذات يوم إلى الاكتفاء بما تخرج وما تصنع، لا ينقصها غير بعض ~~الكماليات، وكل بلد مهما بلغ من رقية ينقصه شيء أو أشياء تجود عند جاره، ولا غضاضة عليه إذا ~~قايض عليه بما يستخرجه مما تفرد هو بصنعه. # وبعد، فقد عرفت الشام في معظم عصورها بأنها بلاد صناعية أكثر منها تجارية، وكانت مدينة دمشق ~~تفخر بأنواع من الصناعات اليدوية النفيسة، حتى في الأسواق العالمية، ومنها المصنوعات ~~الحريرية والقطنية والصوفية التي كانت موادها الأولية من منتجات القطر، وكذلك المصنوعات ms63 ~~الخشبية والنحاسية والفضية والجلدية التي عرفت بطابعها الشرقي وبسلامة الذوق والمتانة، ثم ~~تطورت الصناعة بعد الحرب العالمية الماضية تطورا يدعوا للتفاؤل بأحسن النتائج، وكانت ~~السباقة لهذا التطور مدينة دمشق؛ إذ تطلع أهلها إلى إنشاء صناعات آلية «ميكانيكية» مختلفة لم ~~يكن الشرق الأوسط يعهد نظيرها، كصناعة الأسمنت والثقاب «الكبريت» وحفظ الفواكه والخضروات ~~وصناعة الجوخ والحرير بأنواعه، وأصبحت هذه المعامل على حداثتها تضاهي بإنتاجها الصناعة ~~الغربية التي هي من نوعها . كما أنشئت في حلب مؤسسة لصناعة خيوط الغزل ونسجها، كانت عاملا ~~قويا في إحياء مساحات واسعة من الأراضي بزراعتها من القطن الأميركي أو الهندي، وتبع ذلك ~~في دمشق وحلب بالإضافة إلى الصناعات المار ذكرها، وخصوصا صناعة النسيج الحريري التي نمت ~~نموا مطردا، تبعها صناعات التريكو والجوارب والقمصان والكتان والمستحضرات الكيماوية ~~الصناعية والأدوية والمستحضرات الصيدلية والمستحضرات الغذائية والمعكرونة والبسكويت والزبدة ~~والسكاكر والشوكولاتة، والمصنوعات الحديدية والتلبيس بالمعادن والمرايا السكب والبلاط ~~والجبس والدباغة الفنية والصباغة والمطاحن والطباعة والفرش «الموبيليا». # إن التجدد الذي أدخلته دمشق على صناعتها في غضون عشرين عام - رغم العقبات التي لاقتها ~~بسبب الحواجز الجمركية، ونكبتها بثروتها من جراء خسارتها بالنقد الأجنبي في سنة 1920، ~~والأزمات الاقتصادية التي توالت وأثرت في التجارة والزراعة والأراضي والعقارات - لجدير ~~بإعجاب المنصفين، ولو أن الحكومات التي تولت الحكم في الشام اهتمت قليلا بالمشاريع ~~الصناعية وشجعتها وحمتها، لحصلت البلاد إبان هذه الحرب الضروس على ما يمكن الحصول عليه من ~~الرخاء والتوازن الاقتصادي في الإنتاج الصناعي، كما هي الحالة في بعض الأقطار المجاورة، على ~~أن الوقت لم يفت والأمل معقود على مستقبل يقوم على استقرار يضمن ازدهارا اقتصاديا، فتنمو ~~صناعاتها وتجارتها وزراعتها، وينعم أهلها بثروات القطر الطبيعية الكامنة التي لا تسمى ثروة ~~لنا إلا إذا أثبتنا مقدرتنا في استثمارها. # | تجارة دمشق # كان سكان هذا البلد بما فطروا عليه من ألمعية وذكاء قبل أن يدوي في أرجائه نبأ هذه ~~الحروب، يسمعون حسيسها وينظرون إليها كأمر واقع، فأعدوا عدتهم لمواجهتها، ومنذ انقطعت ~~العلاقات التجارية بين اليابان والولايات المتحدة أواخر عام 1938، زادوا في ms64 مستورداتهم بقدر ~~ما تصل إليه قدرتهم من مال وجهد، وبقدر ما تمكنهم الاعتمادات الممنوحة لهم في البيوت المالية ~~والمصارف الأجنبية، داخل البلاد وخارجها، مستفيدين من الدروس الاقتصادية التي ألقتها عليهم ~~الحرب الماضية بين عام 1914 و1918، فما جاءهم أيلول عام 1939 إلا كان عندهم وعلى أرضهم من ~~مختلف أنواع البضائع والسلع التي تشتد الحاجة إليها ما يعد كثرة تضيق بها محال التجارة ~~ومستودعاتها وأنابر الجمارك. # وما شاع نبأ الحرب حتى سارعوا يطلبون إلى عملائهم ووكلائهم في وكوبا ومانشستر ونيويورك أن ~~يبذلوا قصارى جهدهم في شراء ما يقع تحت أيديهم من البضائع، مطلقين لهم العنان في غشيان ~~الأسواق العالمية كيفما اتفق لهم السعر والشروط، وعندما دخلت اليابان الحرب، وانقطعت البواخر ~~التي كانت تجوب البحار إلى شواطئ الشرق الأدنى، أخذ السوريون بعد أن نزل الحلفاء أرضهم يولون ~~وجوههم شطر مرافئ الهند الجنوبية، جاعلين من بومباي دار هجرة تجارية، يحملون منها عن طريق ~~الخليج الفارسي أولا وقناة السويس ثانيا، ما تمس حاجتهم إليه من خيوط وأنسجة ومواد غذائية، ~~فما عضتهم الحرب بقلة كما وقع لهم في الحرب الماضية، وأحسنوا الاستفادة من كل معاونة يعاونها ~~البريطانيون في كل بلد ينزلونه. # مضى العام الأول والعام الثاني من أعوام هذه الحرب ودمشق خائفة، كأنما تعيش بين أجفان ~~الردى وهي يقظانة نائمة، فلم يتسع لها طريق العمل بشيء يتفق مع ميراثها الصناعي، وفي ~~الأعوام التالية أخذت قدرتها على الإنتاج تزيد، وكانت في زمن السلم تطغى عليها المصنوعات ~~الخارجية، والأعمال وليدة الحاجة وربيبة الضرورات. ولما كان الشعب السوري تجاريا بالفطرة، ~~والمغامرات في دمه وروحه، فقد تقلب في تجارته خلال هذه المدة صاعدا وهابطا، فإذا نبئ بما ~~يشعر بطول الحرب، ترتفع عنده الأسعار، وإذا ثبت له قصرها، تهبط وتتدنى. # وذهبت دمشق في هذه الفترة بقيادة الحركة الاقتصادية، وأخذت تعين الاتجاه هبوطا وصعودا ~~وحركة وجمودا، ومنها ينتقل هذا الاتجاه إلى كبريات المدن والحواضر، فهي أذن تستمع لكل ما ~~يحمله الأثير من نبأ تقلب فيه الفكر، وتحكم به على الغاية، ولولا ms65 تقلب أسعار النقد الذهبي ~~وارتباطه بقلوب أبناء هذه البلاد الذين يؤمنون به إيمانا أوحت به الأعوام الخالية، لما ~~اختلفت الأسعار وارتدت التجارة طابع المضاربات البعيدة عن الطريق السوي. # إن طبيعة الحرب توفر الرزق لأصحاب الحظوظ الذين تواتيهم الأحوال أكثر مما توفره للمفكرين ~~الذين يستخرجون النتائج من المقدمات، والتجارة في الحرب تتمشى مع المغامرات أكثر مما تسير ~~بالحزم والأخذ بالأحوط. وساعدت المناسبات أصحاب اليد الأولى من المستوردين، فكان نصيب مدينة ~~بيروت تتلوها مدينة حلب أوفر قسطا في الحول على المنافع الرئيسة، بالنظر لوقوف تجار هذين ~~البلدين في طليعة الفئات المستوردة والمدخرة، ويأتي حظ دمشق وأخواتها بقية المدن السورية في ~~المؤخرة؛ لأن العاملين في تجارة هذه المدن يستبضعون على عادتهم من أصحاب المتاجر القاطنين في ~~الثغور والمرافئ. # نحن على مثل اليقين بأن البلاد السورية سترتدي بعد الحرب الطابع الصناعي أكثر من الطابع ~~التجاري الذي كانت ترتديه قبلها، فيه بلا شك ستقيم المعامل الصناعية على اختلاف أنواعها متى ~~توفرت لها الأسباب ولان لها الحديد الذي يستعصي عليها وجوده اليوم، وهي كبيرة الأمل في ~~الحصول على المواد الأولية التي تستلزمها الصناعات، متى تهيأت الأسباب للقائمين بالأمر أن ~~يستنبتوا الأرض حق الاستنبات، ويعدنوا المعادن المركومة في أحشائها، وتتعاون في القطر القوى ~~الثلاث: القوة الإنباتية والمعدنية في أرضه، والقوة الفكرية في سكانه، والقوة اليدوية التي ~~خصها الله بالإبداع، وأجرى لهما ما أجرى من حسن الذوق، فإذا ما تم لهذا القطر أن يكون وحدة ~~اقتصادية، ففي مائه وهوائه وتناسق فصوله قوة كامنة تأتي بالعجب العجاب. # خرجت البلاد من الحرب الماضية وفيها القناطير المقنطرة من الذهب الذي دعت إلى إنفاقه ~~الضرورات العسكرية، وما أسرع ما أضاعت بعد تلك الحرب ثروتها الأصلية والفرعية، فكانت أشبه ~~بأم توفي عنها زوجها، فترك لها مالا ولم يترك لها عقلا يدبره ويحسن القيام عليه، فإذا قدر ~~لهذه الأرجاء أن تعتبر من الماضي - وقد رزقتها هذه الحرب ما لم تكن تحلم به من مال أنفقته ~~فيها الجيوش الحليفة، فارتفعت نسبة الأموال المتداولة إلى حد ms66 لم تبلغه في عهد من العهود - فإن ~~مستقبلا مليئا بالآمال الجسام ينتظرها، فتتبوأ عرش الاستقلال الاقتصادي الذي فقدته دهرا ~~طويلا. # هنالك ساحات اقتصادية تتآزر فيها بعد الحرب الجماعات القاطنة في هذه الديار والجماعات ~~الذين يوافونها، فما على السوريين إلا أن يأخذوا أهبتهم للنزول إلى تلك الساحات، وإذا نزعنا ~~الروح الفردية التي تأصلت فينا، وتقمصنا روح التعاون في الأعمال الصناعية الكبرى، يضعف تأثير ~~الجماعات التي ستغذو المرافق الحيوية، مستندة إلى نظام تعاوني مستمد من أقوى النظم المالية ~~القائمة على مبدأ المنافع المشتركة، فالمال قوة وأقوى ما فيه حسن القيام على تصريفه في وجوه ~~الأعمال المستندة إلى نظام قويم. # أصبحت الثروة العامة موزعة بين الجميع في هذه الحروب، فالمنتجات الزراعية ومكاسب أصحاب ~~المتاجر والأعمال الحرة هي في الجملة على غير ما كانت عليه قبل الحرب، ومتى صارت الأموال إلى ~~اليد التي تحسن القيام عليها لا تعمد إلى دفنها وهاجة تحت الأرض أو حبسها في صناديق مقفلة، ~~فإن الانتفاع بها يعم جمهرة الشعب وعامة طبقات الأمة. إن دمشق تتمتع بعد أن مضى على الحرب ~~خمسون شهرا بأكثر ما تحتاجه من غذاء وكساء، لم يعدم فيها إلا ما لا بال له، ولئن تصاعدت قيم ~~أكثر الحاجيات، فذلك ناشئ عن أن مستوى المعيشة العامة قد ارتفع جملة، وارتفعت معه النسب في ~~الأشياء المنقولة وغير المنقولة، والمقياس في أزمنة الحروب هو وجود الحاجيات الضرورية أو ~~عدم وجودها، والفضل في ذلك لدمشق وللمنتج الدمشقي، وللتاجر الذي خاطر بماله ونفسه لتموين ~~بلده، وللحلفاء الذين مونوا هذا البلد، وخاصة في الأيام التي كانت فيها أمواج البحر المتوسط ~~تتلاطم بالدماء. # | غوطة دمشق # لا بد للباحث في دمشق أن يعرض الكلام على غوطتها، فالغوطة ودمشق لازم وملزوم، ومعنى الغوطة ~~من الغائط وهو المطمئن من الأرض، والغوطة ما أحاط بدمشق من بساتين وقرى، وسقي على الأكثر ~~بمياه بردى ومشتقاته. يبدأ حدها من فوهة الوادي عند الربوة غربا، ممتدا إلى المزة وداريا ~~وصحنايا والأشرفية وسبينة وسبينات في الجنوب، وينتهي في الشرق بالريحان والشفونية ms67 وحوش ~~مباركة وحوش الأشعري وحوش المتبن وحوش خرابو والفضالية والنشابية وبيت نايم، وينتهي في ~~الشمال بجبل قاسيون وسنير، ويشرف الجبل الأسود وجبل المانع على الغوطة من الجنوب، كما يشرف ~~عليها جبل الثلج أو جبل الشيخ من المغرب، ويحدها شرقا إقليم المرج، ومن هنا تفتح حدودها ~~فتحة طويلة حتى الحماد أراضي بادية الشام. ويقدر طول الغوطة بنحو عشرين كيلومترا تقريبا، ~~ويختلف عرضها بين عشرة وخمسة عشر كيلومترا، وتبلغ مساحتها نحو 40600 هكتار أي نحو خمسة ~~وستين ألف فدان بفدادين الغوطة، أو نحو مائة ألف فدان مصري، ومدينة دمشق داخلة في هذه ~~المساحة، وتحتوي الغوطة على اثنتين وأربعين قرية عدا الحدائق والبساتين المحيطة بها، وهي ~~يتألف منها عشر قرى كبيرة. # وفي الغوطة قرى كالمدن مثل دومة وحرستا وعربيل وجوبر وداريا وكفر سوسية والمزة، ومجموع ~~نفوسها لا يقل عن مائة ألف نسمة، وتربتها أجود تربة تسمد كلما أرويت؛ لأن أنهارها تدخل دمشق ~~وتحمل قاذوراتها، وهذا مما يعاون على خصبها وإمراعها. وفي الغوطة تجود جميع الحبوب والبقول ~~وعامة الأشجار المثمرة، ما خلا النخيل والحوامض بسبب برد الشتاء، والغوطة تمون دمشق، ومنها أكثر ~~مادة حياتها، ولولا الغوطة ما كانت دمشق. # وهي في مجموعها من أجمل متنزهات العالم بما حبتها به الطبيعة من جمال أشجارها وخصب أرضها، ~~لا تتعب من إخراج خيراتها صيف شتاء، واشتهرت فاكهة الغوطة بلذيذ طعمها وعجيب نكهتها؛ ~~فكمثراها ودراقها ومشمشها وتفاحها وسفرجلها وأعنابها مضرب الأمثال، قال الصلاح الكتبي: ~~وروي عن بعضهم أنه اتفق أن مر يوما ببعض شوارع القاهرة، وقد ظهرت جمال كثيرة حمولتها ~~تفاح فتحي من الشام، فعبقت روائح تلك الحمول فأكثر التلفت لها، وكانت أمامه امرأة تسير ~~ففطنت لما داخله من الإعجاب بتلك الرائحة، فأومأت إليه وقالت: هذه أنفاس ريا جلقا، وهذا ~~الشطر من أبيات لطراد بن علي الدمشقي المعروف بالبديع، اشتهرت وغنى بها المغنون ~~وهي: # يا نسيما هب مسكا عبقا # هذه أنفاس ريا جلقا # كف عني والهوى ما زادني # برد أنفاسك إلا حرقا # ليت شعري نقضوا أحبابنا # يا حبيب ms68 النفس ذاك الموثقا # يا رياح الشوق سوقي نحوهم # عارضا من سحب عيني غدقا # وانثري عقد دموع طالما # كان منظوما بأيام اللقا # قال ياقوت: وبدمشق فواكه جيدة فائقة طيبة، تحمل إلى جميع ما حولها من البلاد، من مصر إلى ~~حران وما يقرب ذلك فتعم الكل. وما برحت الغوطة مقصد أهل دمشق للنزهة والقصف، وقد أخرجت ~~طائفة كبيرة من العلماء والأدباء في مختلف العصور، وهي في الواقع بمثابة أحياء تبعد ~~قليلا عن العاصمة الكبرى ، ولا غنى لأبنائها عن الاختلاف إلى العاصمة كل يوم، فالاختلاط بين الغوطيين والدمشقيين متصل، يألف بعضهم بعضا ويتزوج بعضهم من بعض، والغوطية ~~تصبح دمشقية بعد مقامها قليلا في دمشق، والدمشقية تصبح فلاحة غوطية إذا أقامت في الغوطة ~~سنين، نقول: فلاحة، أي متمرنة على الأعمال الزراعية والأعمال البيتية التي تستلزمها حياة ~~القرى، وفي الغوطة نزل كثير من العرب، تشهد لذلك الفصحى الباقية في لهجتهم، ومن العرب الذين ~~نزلوها غسان وبطون من قيس، وبها قوم من ربيعة وبعض بطون من كلب، ومن بني زبيد فرقة وآل فضل ~~والحريث من زبيد من القحطانية. # وللنواجي الشاعر في الغوطة: # ألا إن وادي الشام أصبح آية # محاسنه ما بين أهل النهى تتلى # وإن شرفت بالنيل مصر فلم تزل # دمشق لها بالغوطة الشرف الأعلى # والشرف الأعلى موضع نزه من غربي دمشق يعلو عن قرارة الوادي، وليس لك في الغوطة أن تقول ~~هذا المكان يفضل ذاك، فكل محالها ومنازلها جميل تأخذ بمجامع القلوب، كما قال أحدهم: # أنى اتجهت رأيت ماء سابحا # متدفقا أو يانعا متهدلا # وكأنما أطيارها وغصونها # نغم القيان على عرائس تجتلى # وكأنما الجوزاء ألقت زهرها # فيها وأرسلت المجرة جدولا # ويمر معتل النسيم بروضها # فتخال عطارا يحرق مندلا # أو كما قال فتيان الشاغوري: # كأن طيور الماء فيه عرائس # جلين على شاطيه خضر الغلائل # إذا كرعت فيه تيقنت أنها # تزق فراخا وهي زغب الحواصل # وكم سمك فيه عليه جواشن # من التبر صيغت وهو بادي المقاتل # جريح بأطراف الحصا فخريره # أنين له من حس تلك الجنادل # إذا ms69 قابل النهر الدجى بنجومه # أرانا بقعر الماء ضوء المشاعل # تغلغل في الوادي فوافي كقينة # منعمة حسناء ليس بعاطل # فعانقها حتى انثنت مشمعلة # تقل على ظهر الصفا بطن حامل # يروى أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما قدم الشام رأى الغوطة، ونظر إلى المدينة والقصور ~~والبساتين، فتلا قوله تعالى: # كم تركوا من جنات وعيون ~~* وزروع ومقام كريم * كذلك ~~وأورثناها قوما آخرين ~~. ويروى أن أمير المؤمنين المأمون العباسي ~~أقسم يوما - وقد نظر إلى أشجار الغوطة ونباتها - أنها خير مغنى على وجه الأرض، وقال: عجبت لمن ~~يسكن غيرها كيف ينعم مع هذا المنظر الأنيق الذي لم يخلق مثله؟! # وحي الغوطة # أتى لي في الغوطة ستون سنة، تسلمني الطفولة إلى الشباب، والشباب إلى الكهولة، ~~والكهولة إلى الشيخوخة، ولاقيت ربيعها وصيفها وخريفها وشتاءها، وما لقيت منها إلا نضرة ~~وسرورا. # أنعشني هواؤها، وأدهشتني أرضها وسماؤها، وما فتئت منذ وعيت أقرأ في صفحة وجهها الفتان ~~آيات الإبداع والإعجاز. # في ربوعها شهدت الطبيعية تقسو وتلين، وتغضب وترضى، وتشح وتسمح، فراعني جمالها ~~وجلالها، وشاقني تجنيها ووصالها. نشقت أنفاس رياها وهي ترفل في زهرها ووردها، واستهوتني ~~مجردة من ورقها وثمرها ونباتها، فأخذت بها كاسية عارية، وطابت لي مطيبة وتفلة. # تربة تقبل وتمحل، وأدواح تعمق وتثمر، وجداول تفور وتغور، وآبار تفيض وتغيض، وجو يغيم ~~ويصحو، ودوي عبس وضحك، وهناك هناء، وهناك يسر، وهناك شقاء، وهناك عسر. # أتى الجراد غير مرة على زرعها وثمرها، وسطت الحشرات على خضرها وشجرها، وأحرق الصقيع ~~حبوبها وفاكهتها، وعدا الموتان على دواجنها وماشيتها، وطغى الماء على أدنى بقاعها، فأودى ~~بما أنبتت وبسقت، وعادت هذه الأم الرءوم تدر على أبنائها لبنا سائغا، وتفيض عليهم من ~~عطفها وحنانها كل جميل. # عهدي بها ودمن عشرات المزارع الخربة، بما توالى عليها من نكبات الزلازل والسيول ~~والأوبئة والمجاعات، إلى جانب ألوف الأفدنة تصبح بالدءوب حدائق غلبا، وكانت بالأمس بين ~~مستنقع وبيل، ومرج أفيح. في الغوطة قرى كبيرة تداعب، وقرى كبيرة لم يعف رسمها، وفيها ~~أشجار لا تعيش غير بضع سنين، وأخرى ms70 مباركة يحسب عمرها بالقرون. # همت بسحرها في سحرها، وبشمسها تأفل وراء شجرها، وراقني وابلها وطلها، ونداها وضبابها، ~~وجليدها وجمدها، وثلجها وبردها، ودمقها وزمهريرها، نسيمها وأعاصيرها. # غنتني طيورها بأطيب الأنغام ترددها من وكناتها في جناتها، وما تبرمت الأذن بنعيق ~~البوم ونعيب الغربان، وعواء بنات آوى، ونباح الكلاب، ونقيق الضفادع، في المظلم والمقمر ~~من لياليها، واهتززت للديكة تصيح، والغنم تثأج، والمعيز تثغو، والبقر يخور، والخيل ~~تصهل، والحمير تنهق. # أقبلت مرة أقلب حديقة لنا أنقي أدغالها، وأعزل صخورها وأحجارها، فنبشت على ذراعين من ~~سطحها مقبرة فيها قليل من عظام نخرة، وكثير من خواتم وأقراط وأساور ودمالج، كانت فضتها ~~ونحاسها وحديدها وزجاجها تتفتت لساعتها بأيدينا. # وما فرقنا بين الرجل والمرأة من نزلاء مدينة الموتى، وما بان معنا الشاب من الفتاة، ~~ولا الشيوخ من العجائز، ولا إذا كان من لحدوا فيها مجوسا أو صابئة أو نصارى أو مسلمين، ~~ولا إن كانوا من العرب أو السريان أو اليهود أو الروم، وغاية ما نم عليه ذاك العظم ~~الرميم أنه بقايا أشلاء بشرية كان أربابها يهيجون ويسكنون، ويلؤمون ويبرون، ويشقون ~~ويسعدون. وأبصرت على خطى قليلة من المدفن أثر حوض بديع شيد بالآجر والحجر النحيت، يظهر ~~من ترخيمه أنه بناء بان صناع اليد، وانتهت إلى ديماس عميق فيه جرار عظيمة، وأدوات نشأت ~~من مدينة كانت بنت هذه التربة الزكية، نعم بها أهلها ما قدر لهم أن ينعموا، فلما ناداهم ~~حادي الرحيل تخلوا عن مصانعهم ومرافقهم، وغادروا ديارهم كأن لم يغنوا فيها. # أدركت أجيالا ثلاثة من الناس، وقبلي رأى الراءون ألوف ألوف الألوف، وكلهم كان شأنهم ~~كشأننا، خلقوا على صورتنا، وركبت فيهم أحاسيسنا وغرائزنا، واستحكمت فيهم الشهوات ~~والمطامع، وكانت لهم آمال وأحلام، نزح صالحهم وطالحهم، وراح لطيفهم وكثيفهم، وما عرفوا ~~لم جاءوا ولا إلى أين ذهبوا، ولم جدوا وجهدوا، ولم انصرفوا على ألا يرجعوا. أما أجسامهم ~~فقد نخرت وتبخرت، وتبعثرت ذراتها في الفضاء. وأما أرواحهم فانتقلت إلى عالم لم ندركه ~~بالحس، ولا قدر معنا بحساب، وما علمنا عنه إلا ما ms71 أشار إليه الكتاب. # ذهب من درجوا على هذا الصعيد الطيب، تاركين ما كدحوا وجمعوا، ناسين من أحبوا وأبغضوا، ~~وما حال دون قفولهم عطف الأمهات والزوجات، ولا بكاء الأولاد والأخوات، هلك الغني ~~والفقير، والصحيح والمريض، والحبيب والبغيض، وناح النساء على الأعزة الذاهبين يندبون ~~ويولولون، ثم لحق النائحات والنوادب بالصحاب والصواحب. ~~••• # حقا إن الغوطة كانت على الأيام ساحة تحول، تحولت فيها حتى أزياء الجنسين من سكانها، ~~فغير الرجال في هذه الحقبة لباس رءوسهم ثلاث مرات، وكذلك كان دأب النساء ~~بملائهن. # شاطرت القوم أفراحهم وأتراحهم، وكاثرتهم في مواسمهم وأعيادهم، ورأيتهم يلبسون الخلق ~~البالي، ورأيتهم يلبسون الزواق الحرير، ورأيتهم يطعمون طيب الطعام وأمرأه، ورأيتهم لا ~~يشبعون من خبز الذرة والشعير، راقبتهم في سكونهم وهوشاتهم، وفي تلاتلهم ومشاكلهم، وفي ~~سعتهم وضيقهم، وعاشرتهم وسامرتهم، على نقص محسوس في تربيتهم، أدركتهم يستعيضون عن اللبن ~~والطين والقصب والكلس في بنيانهم بالقرميد والآجر والحجر والأسمنت، وعهدتهم يمتطون ~~الفره من الخيل والبغال والحمير، ويحملون أثقالهم على الجمال، ويجرونها بالثيران، ثم ~~اتخذوا المركبات والعجلات، وركبوا الدرجات والسيارات. # أدركتهم تبيض الأمية وتفرخ في رءوسهم، ويعم الجهل كبيرهم وصغيرهم، وذكورهم وإناثهم، ~~وما كانت عقول الأذكياء منهم تصل إلى أبعد من القرى المجاورة، واغتبطت أن صار بضعة في ~~الألف من شبانهم وكهولهم يتلون الصحف والكتب، ويستطلعون طلع الأخبار، ويعنيهم النظر في ~~المصالح العامة، ويظهرون في مظهر من يحاول مجاراة الزمن في حضارته، يستبدلون الأدوات ~~الحديثة في الحرث والتذرية والعصر والاستخراج بأدواتهم القديمة التي جمدت على حالة ~~واحدة لم تتبدل من عهد عاد وثمود، كل ذلك ببطء وتثاقل ليناسب اقتباسها قانون الزروع ~~والغراس عنهم: تنمو بحرارة معتدلة وإذا سقيت سقيت بمقدار. إقليم تتصادم عناصر الطبيعة ~~فيه بلا انقطاع، الفناء رابض أبدا إلى جانب البقاء والتبدل على قد غلوة من الاستقرار. ~~عاينت كل هذا فرجعت بمناظر متشاكلة، ولا تزال تتكرر على مر الجديدين. لم أهتد سبيلا ~~إلى تعليلها، ولا أدركت ولا أدرك أرباب المدارك هذا السر الدفين في صدر الليل ~~والنهار. # هنا يبدو للعين كفاح الغوطي ms72 في كسبه ورزقه، وصراعه في سبيل شهواته وأثرته، هنا تلمح ~~جور القوي على الضعيف، وأن الإنسان في هذه الأرجاء على نحو ما هو في كل مكان، ظالما ~~ومظلوما، قاتلا ومقتولا، وعزيزا وذليلا. # لحظت الغوطي موسعا عليه، ولاحظته مقترا عليه، عهدته مرهقا بضروب الجبايات، وألفيته ~~يؤدي الجباية طيبة بها نفسه، وأدركت الفقير ينوء بحمل كل عبء، والغني يكاد يعفي نفسه من ~~أداء كل شيء. ms73