######OpenITI# #META# URI: 1372KurdCali.IdaraIslamiyyaFiCizzCarab.Hindawi59250728 #META# Tags: history #META# ID: 59250728 #META# Title: الإدارة الإسلامية في عز العرب #META# AuthorID: 59604649 #META# Author: محمد كرد علي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإدارة الإسلامية‏ # إدارة الرسول‏ # إدارة الخلفاء الراشدين‏ # إدارة الأمويين‏ # إدارة العباسيين‏ # الإدارة الإسلامية‏ # إدارة الرسول‏ # إدارة الخلفاء الراشدين‏ # إدارة الأمويين‏ # إدارة العباسيين‏ # | ‏الإدارة الإسلامية في عز العرب‏ # | ‏الإدارة الإسلامية في عز العرب‏ # تأليف # محمد كرد علي‏ # بسم الله الرحمن الرحيم # هذه محاضرات ثمان في الإدارة الإسلامية على عهد عز العرب، حاضرت بها في قاعة ~~الجمعية الجغرافية الملكية، تحت إشراف كلية الآداب من فروع الجامعة المصرية: ~~جمهورا من الطبقة المستنيرة في القاهرة، في شهر رمضان سنة (1352ه / 1933م). ~~وكان ممن حضر هذه المسامرات من أولها إلى آخرها صاحبة العصمة السيدة المهذبة ~~قوت القلوب هانم الدمرداشية، من ربات البيوتات المصرية الشريفة، وسليلة البيت ~~الكريم بيت أبي عبد الله المحمدي الشهير، فراقها أسلوبها في البحث. وبالاتفاق ~~مع عميد كلية الآداب العلامة الدكتور منصور فهمي بك رأت طبع هذه المحاضرات على ~~نفقتها لتعم فائدتها العالم الإسلامي. فكان عمل هذه العقيلة النبيلة برهانا ~~آخر على نهضة المرأة المصرية المسلمة، وحرصها على مساهمة الرجال في الأخذ ~~بمذاهب الثقافة العربية، فأضافت مكرمة أخرى إلى مكارم أهلها. جزاها الله عن ~~عملها الصالح أفضل الجزاء. # محمد كرد علي # القاهرة، في 21 شوال، سنة 1352، و6 فبراير سنة1934م # | الإدارة الإسلامية # | نظر في الموضوع # كثيرا ما حاول بعض الباحثين في شئون الإسلام على عهده الأول أن يصوروا العرب في غير ~~صورتهم ذهابا مع أهواء النفوس، وأن يستنتجوا استنتاجات ناقصة في أحكامهم على الرسول ~~عليه الصلاة والسلام، ويغضوا من بعض أصحابه، وينحوا إنحاء شديدا على المدنية ~~الإسلامية، زاعمين أن العرب حتى في الإسلام لم يعملوا عملا يذكر في باب التمدين، ~~وأنهم مقلدون في جميع أعمالهم ما زادوا على ما تعلموه من الروم والفرس من أساليب ~~الحضارة. ولو صح ما قالوا لكانت قوانين فارس والروم صالحة للبقاء وافية بالغرض، ولما ~~استطاع العرب أن ينزعوا سلطان تينك الأمتين العظميتين عن أجمل أصقاع الأرض، ويحكموها ~~وينظموها على مثال مبتكر لم تكد تشهد البلاد مثله. # وسنثبت في سلسلة هذه المحاضرات في الإدارة الإسلامية على عهد التفوق أن ms001 الإسلام ~~ابتكر وأبدع في الحرب والإدارة والسياسة كما اخترع وأبدع في العلم والتشريع وأسباب ~~المدنية على نحو ما يتجلى في صفحات التاريخ الإسلامي، ونأتي بالبراهين التي لا يسع ~~منصفا عارفا إنكارها، ونكتفي الآن بأن نقول: إن من أهم المعجزات المحمدية بعد ~~القرآن هذه الطبقة العالية من الصحابة الكرام الذين خرجوا من تلك البوتقة الطاهرة ~~ذهبا إبريزا، وكانوا من أجمل أدوات الإبداع فأبانوا في كل مواقفهم عن عقول مثقفة، ~~ونفوس شريفة، وبعد نظر في إدارة الشعوب والممالك. # ولقد قضى هذا الضعيف الواقف بينكم زمنا طويلا يتأمل ما كتب في تراجم الصحابة، ~~وتاريخ أعمالهم وتعليلها وحلها فما رأى - علم الله - بعد طول النظر واستعمال العقل ~~النقاد إلا ما يعجب منه. وإذا كانت هناك بعض هنات قليلة نسبت لبعضهم فإنها ~~ناشئة من خطأ في الاجتهاد. ومن الميسور أن يجاب عنها لأن الصحابة كانوا بشرا أيضا، ~~وحب الدنيا قد لا يخلو منه أمثل الناس أخلاقا. بيد أن التربية التي ورثها ~~الصحابة من الشارع الأعظم قد هيأتهم لممارسة الأعمال العظيمة، لما أخرجهم بهديه من ~~الظلمات إلى النور، فكانوا عظاما في كل مظاهرهم حتى أدهشوا الأمم بجميل صنعهم، ~~وأنشأوا في نحو مائة سنة مملكة عظيمة لم يسبق لأمة قبلهم أن دانتهم في مثل ما تم على ~~أيديهم. # أوكان يقوم كل هذا لولا أن الصحابة كانوا على استعداد فطري تام لتلقي فضائل صاحب هذا ~~الوحي العظيم؛ فساروا بسيرته، وعملوا بشريعته في كل أرض وطئتها أقدامهم وارتفعت على ~~ربوعها أعلامهم؟ إن ما نقله العرب عن غيرهم من تراتيب المماليك معروف ومعترف به، ~~والإنصاف يقضي أن يسجل لهم قسطهم من الأعمال المنبعثة مباشرة من قرائحهم المزينة ~~بأخلاق عالية ما عهد فيما نظن مثلها كثيرا في الأمم السالفة ولا الخالفة. # وها هنا نحن أولاء نبدأ الليلة في الكلام على الإدارة في عهد الرسول، وعمدتنا فيما ~~نقتبس كتب الثقات والأمهات المعتبرة، وخطتنا أن نتحامى الاستنتاج بالمقياس الواسع إذا ~~كانت الوثائق التي لدينا غير كافية. ومن الصعب على من يتوخى العدل أن ms002 يحكم على الشبهة ~~ويجسم الصغير ، وإذا فعل يكون الحق في واد وهو في واد آخر، وهذا مما لا يليق بباحث ~~غرضه الوصول إلى النور، وإيصاله إلى من يهمهم أن يستصبحوا به في موضوعات يشق على كل ~~إنسان خوض عبابها. # | إدارة الرسول # دعا الرسول إلى الإسلام لأول مبعثه ثلاث سنين سرا، ولما اضطهد المشركون من قريش ~~أصحابه أرادهم على التفرق في البلاد، وأشار إليهم بالهجرة مع نسائهم إلى أرض ~~الحبشة؛ علما منه بأن صاحبها يحسن جوارهم ولا يظلمهم ويعنتهم، ثم دعا المسلمين إلى ~~المهاجرة الثانية فرارا بدينهم من أذى قريش الذين اشتدوا عليهم، ومن جملة هذا الأذى ~~أنهم كانوا يلبسون المستضعفين من المؤمنين برسالة الرسول أدراع الحديد، ثم يصهرونهم ~~في الشمس، فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد والشمس. وكانوا ~~يلصقون ظهر بعضهم بالرضف # 1 # حتى ذهب لحم متنه. وعن ابن عباس: «والله إن كان المشركون ليضربون أحدهم ~~ويجيعونه ويعطشونه، حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به، حتى ~~يعطيهم ما سألوه من الفتنة، وحتى يقولوا له: آللات والعزى إلهك من دون الله؟ ~~فيقول: نعم.» فكان الأمر بالهجرة أولا وثانيا أول تدبير إداري من الرسول، أنقذ به ~~أصحابه من عنت المشركين، ريثما تستحكم قواه فيعود على أعدائه يعرفهم أقدارهم، ~~ويناقشهم أوزارهم. # وصححوا حديث: «لا هجرة بعد الفتح.» وقالوا: إن الهجرة # 2 # كانت واجبة في أول الإسلام على ما دل عليها الحديث، ثم صارت مندوبا ~~إليها غير مفروضة، وذلك قوله تعالى: # ومن يهاجر في سبيل ~~الله يجد في الأرض مراغما # 3 # كثيرا وسعة # نزلت حين اشتد أذى المشركين على ~~المسلمين عند انتقال رسول الله إلى المدينة، وأمروا بالانتقال إلى حضرته ليكونوا ~~معه، فيتعاونوا ويتظاهروا إن حزبهم أمر، وليتعلموا من أمر دينهم ويتفقهوا فيه، ~~وكان أعظم الخوف في ذلك الزمان من قريش وهم أهل مكة، وكان جميع من لحق بأرض الحبشة من ~~المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا أو ولدوا بها نيفا وثمانين ms003 رجلا ~~وثمان عشرة امرأة. وقال الرسول: «أنا بريء من كل مسلم مع مشرك.» قيل: لم يا رسول ~~الله؟ قال: «لا تراءى ناراهما.»، أي: يلزم المسلم ويجب عليه أن يباعد منزله عن منزل ~~المشرك، ولا ينزل بالموضع الذي أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر لنار المشرك إذا أوقدها في ~~منزله، ولكن ينزل مع المسلمين في دارهم. وإنما كره مجاورة المشركين لأنهم لا عهد لهم ~~ولا أمان، وحث المسلمين على الهجرة. # ولما ظهر الإسلام على الشرك طفق الرسول يدعو إلى دينه جهرة، وأخذ يرسل أمثل من دخلوا ~~في الإسلام من الرجال لتلقين العرب الدين وأخذ الصدقات منهم. وإذا وفد عليه وافد يعهد ~~إليه أن يعلم قومه دينهم و«إمام كل قبيلة منها لنفور طباع العرب أن يتقدم على القبيلة ~~أحد من غير أهلها»، وإذا كان الوافد من رءوس قبيلة يوسد إليه جباية الفيء، ويأمره ~~أن يبشر الناس بالخير، ويعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين، ويوصيه أن يلين للناس في ~~الحق، ويشتد عليهم في الظلم، وأن ينهاهم إذا كان بين الناس هيج عن الدعاء إلى ~~القبائل والعشائر؛ ليكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له، وأن يأخذ خمس الأموال وما ~~كتب على المسلمين في الصدقة، وأن من أسلم من يهودي أو نصراني إسلاما خالصا من ~~نفسه ودان دين الإسلام؛ فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم، ومن كان ~~على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يفتن # 4 # عنها. وبعث معاذا إلى اليمن # 5 # فقال له: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة ~~الله تعالى، فإذا عرفوا الله تعالى فأخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم زكاة تؤخذ من ~~أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فخذ منهم، وتوق كرائم أموالهم، ~~واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب.» وكتب إلى عمرو بن حريث عامله ~~على نجران كتابا في الفرائض والسنن والصدقات والديات. واكتفى الرسول بأخذ الجزية من ~~أهل نجران وأيلة وهم نصارى من العرب، ومن أهل دومة ms004 الجندل وهم نصارى وأكثرهم ~~عرب. # 6 # وبلغ أناسا من المشركين ممن لم يكن لهم عهد ولم يوافوا الموسم أن رسول ~~الله أمر بقتال المشركين ممن لا عهد لهم، فقدموا على الرسول ليجددوا حلفا، فلم ~~يصالحهم الرسول إلا على الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأبوا فخلى سبيلهم حتى ~~بلغوا مأمنهم، وكانوا نصارى من قيس بن ثعلبة فلحقوا باليمامة، حتى أسلم الناس، فمنهم ~~من أسلم ومنهم من أقام على نصرانيته. # ولما كان الهدف الأسمى نزع الشرك من نفوس العرب أولا، رأينا الشارع إلى الرفق بأهل ~~الكتاب لا يباديهم الشر إلا إذا قاوموه. وقد أحسن معاملة نصارى نجران، وفدوا عليه ~~ستين راكبا فيهم العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي يصدرون عن رأيه ~~وأمره، وفيه ثمالهم وصاحب رحلهم ومعهم أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب ~~مدراسهم # 7 # فعاهدوه على أداء الجزية. وقال الرسول: «من ظلم معاهدا أو انتقضه أو ~~كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة.» وقال: «من ~~قتل قتيلا من أهل الذمة لم يرح رائحة الجنة.» وقال: «من قتل نفسا معاهدة بغير ~~حلها حرم الله عليه الجنة أن يشمها.» وجعل دية المعاهد كدية المسلم # 8 # ألف دينار، وعن مالك بن الوليد قال: أوصاني الرسول أن لا أخطو إلى إمارة ~~خطوة، ولا أصيب من معاهد إبرة فما فوقها، ولا أبغي على إمام بالسوء. # ولم يحارب الرسول اليهود في خيبر وغيرها إلا لأنهم خانوا عهده، وأرادوا قتله، وكشفوا ~~ستر سيدة من الأنصار. ويهود بني النضير # 9 # وبني وائل هم الذين حزبوا الأحزاب عليه، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة ~~فدعوهم إلى حربه، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله. فقطع نخل بني النضير، ثم ~~صالحهم وحرق على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أوطانهم، ويسيرهم إلى أذرعات ~~الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء على أن لهم ما أقلت الإبل إلا ~~الحلقة، # 10 # وطاوله يهود خيبر وماكسوه # 11 # ثم صالحوه على حقن دمائهم وترك الذرية، على أن ms005 يجلوا ويخلوا بين ~~المسلمين وبين الأرض والصفراء والبيضاء والبزة إلا ما كان منها على الأجساد ، وأن ~~لا يكتموه شيئا، ثم قالوا للرسول: «إن لنا بالعمارة والقيام على النخل علما ~~فأقرنا.» فأقرهم. وفي بني النضير نزلت سورة الحشر، وأبيد بنو قريظة لنقضهم العهد ~~ومظاهرتهم المشركين على الرسول. فأمر بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم واستفاءة # 12 # أموالهم. # ووضع الرسول على المسلمين وغيرهم وعلى الأرضين والثمار والماشية أموالا بين الكتاب ~~العزيز أصنافها في عدة آيات، وبين حكم إنفاقها فقال: # ما ~~أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ~~ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي ~~لا يكون دولة # 13 # بين الأغنياء منكم ~~، # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل ~~، # يسألونك عن الأنفال قل ~~الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ~~، # إنما الصدقات للفقراء والمساكين ~~والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب ~~والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من ~~الله والله عليم حكيم ~~. # فالفيء: خراج يؤخذ من أرض العنوة # 14 # والخراج: ما يؤخذ من أرض الصلح # 15 # ومما فتح عنوة وأكثر أهله عليه، والجزية: مال يتقاضى من أهل الكتاب، ~~والعشر: ما يؤخذ من زكاة الأرض التي أسلم أهلها عليها كأرض العرب، وما أسلم عليه ~~أهله، أو فتح عنوة وقسم بين الغزاة، وما كانت الجزية تقبل من غير الكتابيين في ~~الأرض العربية، # 16 # ولا يقبل من المشركين عبدة الأصنام إلا الإسلام. ومن الأرض ما صولح أهله ~~على النصف من ثمارهم كأهل فدك، وجعل النبي فدك له خاصة؛ لأنه لم يوجف # 17 # عليها المسلمون بخيل ولا ركاب. والأنفال: الغنائم في القتال. والصدقة ~~أنواع هي: الزكاة وهي عشر الغلات التي تأتي من الأرض التي خلت من سكانها أو كانت ~~مواتا فأحيوها، وصدقات الماشية هي زكاة السوائم من الإبل والبقر والغنم دون العوامل ~~والمعلولة، والصدقات عروض التجارة. قال ابن حبيب: # 18 # أول ما بعث الله نبيه بالدعوة بعثه بغير قتال ولا جزية، فأقام ms006 على ذلك ~~عشر سنين بمكة بعد نبوته يؤمر بالكف عنهم، ثم أنزل الله عليه: # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا # الآية، وأمره بقتال من قاتله والكف عمن لم يقاتله، وقال الله عز وجل: # فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا ~~إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا # ثم نزلت براءة لثمان سنين من الهجرة فأمره بقتال جميع من لم يسلم من العرب من قاتله ~~أو كف عنه إلا من عاهده، ولم ينتقض من عهده شيئا فقال: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ~~ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ~~سبيلهم إن الله غفور رحيم ~~، وكل ذلك كان يؤخذ ممن ~~اهتدوا إلى الدين الجديد، ومن بقوا على دينهم من اليهود والنصارى بعدل لا شطط فيه، ~~يدفعه المسلمون والمعاهدون طيبة نفوسهم ولم يتبرم به أحد. # 19 # شكا يهود خيبر # 20 ~~- «وكانت قرية الحجاز ريفا ومنعة ورجالا» وكان فيها عشرون ألف ~~مقاتل # 21 ~~- عبد الله بن رواحة، وكان الرسول يبعثه كل عام يخرص # 22 # عليهم تمرهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي، فكانوا يضمنونه فشكوا ~~إلى الرسول شدة خرصه # 23 # وأرادوا أن يرشوه؛ جللوا له حليا من حلي نسائهم فقالوا: هذا لك، ~~وخفف عنا، وتجاوز في القسم. فقال عبد الله: يا معشر اليهود، إنكم لمن أبغض خلق ~~الله تعالى إلي، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، وأما ما عرضتم علي من الرشوة ~~فإنها السحت وإنا لا نأكلها. فقالوا: بهذا قامت السموات # 24 # والأرض. # ولقد كان الرسول يتخير عماله من صالحي أهله وأولي دينه وأولي علمه، ويختارهم على ~~الأغلب من المنظور إليهم في العرب ليوقروا الصدور، ويكون لهم سلطان على المؤمنين ~~وغيرهم، يحسنون العمل فيما يتولون، ويشربون قلوب من ينزلون عليهم الإيمان، ويكشف ~~أبدا عملهم أي يفتشهم، ويسمع ما ينقل إليه من أخبارهم، وقد عزل العلاء بن الحضرمي ~~عامله على البحرين لأن وفد عبد القيس شكاه، وولى أبان بن سعيد، وقال له: «استوص ~~بعبد القيس ms007 خيرا وأكرم سراتهم.» # 25 # وكان يستوفي الحساب على العمال # 26 # يحاسبهم على المستخرج والمصروف، وقد استعمل مرة رجلا على الصدقات، فلما ~~رجع حاسبه، فقال: هذا لكم وهذا أهدي إلي. فقال النبي: «ما بال الرجل نستعمله على ~~العمل بما ولانا الله فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي! أفلا قعد في بيت أبيه وأمه ~~فنظر أيهدى إليه أم لا.» وقال: «من استعملناه على عمل ورزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك ~~فهو غلول.» # 27 # وما أنفك الرسول من استشارة أهل الرأي والبصيرة ومن شهد لهم بالعقل والفضل، وأبانوا ~~عن قوة إيمان، وتفان في بث دعوة الإسلام، وهم سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار، ~~منهم حمزة وجعفر وأبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وسليمان وعمار وحذيفة وأبو ذر ~~والمقداد وبلال. وسموا النقباء؛ لأنهم ضمنوا للرسول إسلام قومهم، والنقيب الضمين، ~~وكان له عرفاء أي رؤساء جند. ويكتب له بعض جلة الصحابة من الكملة، # 28 # والكملة في الجاهلية وأول الإسلام: هم الذين كانوا يكتبون بالعربية، ~~ويحسنون العوم والرمي. # كان كاتب العهود إذا عاهد والصلح إذا صالح علي بن أبي طالب، وممن كتب له أبو بكر وعمر ~~وعثمان والزبير، وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص وحنظلة الأسيدي والعلاء بن الحضرمي ~~وخالد بن الوليد وعبد الله بن رواحة ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن أبي سلول والمغيرة ~~بن شعبة وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان يكتب فيما بينه وبين العرب، وجهيم بن ~~الصلت وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وبلغ كتاب الرسول اثنين ~~وأربعين رجلا، وكان صاحب سره حذيفة بن اليمان، وكان الحارث بن عوف المري على خاتمه، ~~وخاتمه من حديد ملون عليه فضة نقش ثلاثة أسطر: «محمد» سطر، و«رسول» سطر، و«الله» سطر. ~~ويضع خاتمة أيضا عند حنظلة بن الربيع بن صيفي بن أخي أكثم، ويكون خليفة كل كاتب من ~~كتاب النبي غاب عن عمله، فغلب عليه اسم الكاتب، وكان معيقيب بن أبي فاطمة يكتب ~~مغانم الرسول، وكذلك كعب بن عمرو بن زيد ms008 الأنصاري كان يقال له صاحب المغانم، وحذيفة ~~بن اليمان يكتب خرص تمر الحجاز، والعلاء بن عتبة وعبد الله بن الأرقم يكتبان بين ~~الناس في قبائلهم ومياههم وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء. وكان عبد الله بن ~~الأرقم يجيب الملوك عن الرسول، والزبير بن العوام وجهيم بن الصلت يكتبان أموال ~~الصدقات، والمغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان المداينات والمعاملات، وشرحبيل بن ~~حسنة يكتب التوقيعات إلى الملوك. # ومن شرائعه: حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، انتدبهم لهجو المشركين. ~~وخطيبه: ثابت بن قيس. وكان زيد بن ثابت ترجمانه بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية ~~واليهودية. وناجية الطقاوي ونافع بن ظريب النوفلي يكتبان المصاحف، وشفاء أم سليمان بن ~~أبي حنتمة تعلم النساء الكتابة، وعبادة بن الصامت يعلم أهل الصفة القرآن، وكانت ~~دار مخرمة بن نوفل بالمدينة تدعى دار القرآن، وأول قاض في المدينة عبد الله بن ~~نوفل، ومقرئ المدينة مصعب بن الزبير، وأول لواء عقد في الإسلام لواء عبد الله بن ~~جحش، وعقد لسعد بن مالك الأزدي راية على قومه سوداء وفيها هلال أبيض. وكان لواؤه أبيض ~~أو أصفر أو أغبر وله راية تدعى العقاب من صوف أسود مكتوب على رايته: لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله. وأول مغنم قسم في الإسلام مغنم عبد الله بن جحش. ومن عماله: أبو ~~دجانة الساعدي وسباغ بن عرفطة عاملاه على المدينة، وكان ثلاثة أرباع عماله من بني ~~أمية؛ لأنه إنما طلب للأعمال # 29 # أهل الجزاء من المسلمين والغناء، ولم يطلب أهل الاجتهاد والجهل بها ~~والضعف عنها كما قال معاوية. واستعمل أبا سفيان بن حرب على نجران فولاه الصلاة ~~والحرب، ووجه راشد بن عبد الله أميرا على القضاء والمظالم. # وكان الرسول كثيرا ما يقول: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، ~~وأصدقهم حياء عثمان، وأقضاهم علي، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد ~~بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح.» ~~وقال: ms009 «خذوا القرآن من أربعة؛ من عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم ~~مولى أبي حذيفة.» وجمع القرآن أي حفظه جميعه من الأنصار: أبي ومعاذ وزيد بن ثابت ~~وأبو قيس بن السكن، هؤلاء أهم رجال الإدارة والقضاء والفقه والقرآن. وهناك طبقة أخرى ~~تتولى الأعمال مثل: عتاب بن أسيد الذي استعمله واليا على مكة، ورزقه كل يوم درهما ~~فقام يخطب ويقول: أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم فقد رزقني رسول الله ~~درهما كل يوم، فليست بي حاجة إلى أحد. وهذا الراتب من أول ما وضع من الرواتب للعمال، ~~وقد يكون رزقهم ما يطعمون منه على نحو ما أجرى على قيس بن مالك الأرحبي من همذان لما ~~استعمله على قومه عربهم وحمورهم # 30 # ومواليهم فأقطعه من ذرة نسار مائتي صاع ومن زبيب خيوان # 31 # مائتي صاع جار له ذلك ولعقبه من بعده أبدا أبدا أبدا. # أما كبار الصحابة: فكانوا يعطون ما يتبلغون به من الغنائم وغيرها، ومنهم من كان ~~غنيا في الجاهلية والإسلام فجهز من ماله جندا في سبيل الله، بل منهم من أنفق كل ~~ماله في هذا الغرض وهو راض مغتبط. # ولقد آخى الرسول بين المهاجرين والأنصار بأخوة الإسلام والإيمان، ولطالما أقطع ~~القطائع، # 32 # وكان يتألف على الإسلام، ويعطي من الصدقات من يريد تأليف قلوبهم، فدعي من ~~يأخذون ذلك «المؤلفة قلوبهم» وهم واحد وثلاثون رجلا من سادة العرب، تألفهم ~~وتألف بهم قومهم، ليرغبوهم في الإسلام، ولئلا # 33 # تحملهم الحمية مع ضعف نياتهم على أن يكونوا إلبا مع الكفار على ~~المسلمين، وما منهم إلا الشريف المسودد والعالم والخطيب والشاعر والداهية الباقعة، ~~وكل منهم سيد في قومه مطاع فيهم، قال صفوان بن أمية: لقد أعطاني رسول الله يوم حنين ~~وإنه لمن أبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لمن أحب الناس إلي. وقال ~~الرسول: «إني لأعطي قوما أتألف ظلعهم # 34 # وجزعهم وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى.» وكان ~~يعامل المسلمين بقواعد ms010 المساواة التامة، ويفضل مثلا من الأزد الأنصار وهم الأوس ~~والخزرج أبناء حارثة بن عمرو بن عامر وهم أعز الناس نفسا وأشرفهم، وهم لم يؤدوا ~~إتاوة قط إلى أحد من الملوك. # كانت الحكمة في تأليف من قضت المصلحة بتأليفهم، وأعطى كل واحد من المؤلفة قلوبهم في ~~إحدى غزواته مئة من الإبل ومقدارا من الفضة، فلما دخل الناس في الدين أفواجا، وظهر ~~المسلمون على جميع أهل الملل بطل العطاء للمؤلفة قلوبهم، ودخل بعضهم في خدمة الدولة ~~وتولوا العمالات وقيادة الجيوش، ولم يبق عربي بعد واقعة حنين والطائف # 35 # إلا أسلم، ومنهم من قدم على الرسول ومنهم من لم يقدم، وقنع بما أتاه به ~~وافد قومه من الدين، ولما فتحت مكة دانت العرب لقريش، وعرفوا أن لا طاقة لهم بحرب ~~الرسول ولا عداوته، فدخلوا في دينه، وقل أن دخل فيه إلا من اعتقد صدق صاحبه، وقد ~~جاء قيس بن نشبة السلمي فأسلم ورجع إلى قومه فقال: يا بني سليم، قد سمعت ترجمة ~~الروم وفارس وأسفار الرهاب والكهان ومقاول # 36 # حمير، وما كان كلام محمد يشبه شيئا من كلامهم. وقال أبو سفيان بن حرب: ~~ما رأيت أحدا يحب أحدا من الناس كحب أصحاب محمد محمدا. # 37 # وكثرت الوفود في السنة التاسعة للهجرة حتى سمي عام الوفود، وبعث رسله إلى ملوك الأرض ~~يدعوهم إلى الإسلام، وفي سنة سبع بعث دحية الكلبي بكتاب إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم ~~بصرى إلى هرقل ليدفعه إلى قيصر، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى، وعمرو بن ~~أمية إلى النجاشي، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية، والعلاء بن ~~الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، وشجاع بن وهب الأسدي إلى الحرث بن أبي شمر ~~الغساني، والمهاجر بن أبي أمية إلى الحرث ملك اليمن. وجاءت وفود العرب من كل وجه، ~~وكان الرسول يكرمهم ويفضل عليهم بعطائه، ومنهم من يضيفه عشرة أيام كوفد عبد القيس، ~~ومنهم من يبالغ في إكرامه كملوك اليمن، وإنما سموا ملوكا # 38 # لأنه كان لكل ms011 واحد منهم واد يملكه بما فيه، وكانت كتبه إلى ملوك الأطراف ~~خارج الجزيرة بلغة مضر وفصيح ألفاظها وكلها موجزة، واستعمل ألفاظا في بعض كتبه إلى ~~أهل اليمن وغيرهم غير معروفة للعرب كافة إلا في قبيل واحد؛ وذلك إرادة إفهام القوم ~~ومخاطبتهم بمألوفهم من العبارات. # 39 # قال علي للرسول وقد سمعه يخاطب وفد بني نهد: يا رسول الله نحن بنو أب ~~واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره. فقال: «أدبني ربي فأحسن تأديبي، ~~وربيت في بني سعد.» فكان يخاطب العرب على اختلاف شعوبهم وقبائلهم بما يفهمون. # ولم يكن للرسول بيت مال، وكان يخبأ الأموال في بيته وبيوت أصحابه، وفي الغالب أن ~~الفيء يقسم من يومه، خصوصا إذا كان من الناطق كالإبل والشياه والخيل والبغال. ~~والرسول يعطي الآهل # 40 # من الفيء حظين والعزب حظا. # 41 # وما كانت تأخذه بالمشركين هوادة لا سيما بعد أن فتحت مكة، وأطاعت الحجاز واليمن ~~واليمامة وغيرها من أصقاع الجزيرة، وما كان هوى من رسخ الإسلام في قلوبهم في شيء من ~~حطام الدنيا، فقد بلغ من تبادل الثقة # 42 # والحب بين المسلمين في صدر الإسلام أنهم كانوا خلطاء بالمال، يأخذ فقيرهم ~~من مال الآخر؛ مصداقا لقوله تعالى: # ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ~~، ولقد أهديت لعبادة بن ~~الصامت # 43 # هدية وإن معه في الدار اثني عشر من أهل بيته، فقال عبادة: اذهبوا بهذه ~~إلى آل فلان فهو أحوج إليها منا. قال الوليد بن عبادة: فأخذتها فكنت كلما جئت أهل ~~بيت يقولون اذهبوا بها إلى آل فلان فهم أحوج منا إليها. حتى رجعت الهدية إلى عبادة ~~قبل الصبح، وأسلف عبد الله بن جعفر الزبير بن العوام ألف ألف درهم، فلما قتل ~~الزبير قال ابنه عبد الله لعبد الله بن جعفر: إني وجدت في كتب أبي أن له عليك ألف ألف ~~درهم، فقال: هو صادق فاقبضها إذا شئت. ثم لقيه فقال: يا أبا جعفر وهمت المال لك ~~عليه فهو له. قال: لا أريد ذاك. قال: فاختر إن ms012 شئت فهو له وإن كرهت ذلك فله فيه نظيره ~~ما شئت، وإن لم ترد ذلك فبعني من ماله ما شئت. # مثال آخر من هذا الإيثار: كان بالمدينة في زمن النبي شاب يقال له مالك بن ثعلبة ~~الأنصاري ولم يكن بالمدينة شاب أغنى منه، فمر بالنبي والنبي يتلو هذه الآية: # والذين يكنزون # إلى قوله: # فذوقوا ما كنتم تكنزون # فغشي على الشاب، فلما أفاق دخل على ~~النبي فقال: بأبي أنت وأمي، هذه الآية لمن كنز الذهب والفضة؟ فقال له النبي: «نعم يا ~~مالك.» قال: والذي بعثك بالحق ليمسين مالك ولا يملك دينارا ولا درهما. قال: فتصدق ~~بماله كله. # وما كان أصحاب رسول الله بالمنخرقين # 44 # ولا المتماوتين، # 45 # يتناشدون الأشعار، ويجلسون في مجالسهم، ويذكرون جاهليتهم، فإن أريد إنسان ~~منهم على شيء من أمر دينه دارت عيناه فترى حماليقها # 46 # غضبا؛ بل كان منهم من إذا ارتكب كبيرة يعاقب عليها الإسلام يأتي الرسول ~~بطلب إقامة الحد الشرعي عليه، أو يسمع منه ما ينقلب به إلى أهله مسرورا، يأخذ حكمة ~~تثلج بها نفسه، ويعتقد أنه تحلل من ذنبه واستغفر له الرسول. # وأراد النبي مرة إحصاء المسلمين فقال: اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس، فكتبوا ~~له ألفا وخمسمائة رجل، وما كان يجمع المسلمين في أول أمرهم كتاب حافظ أي ديوان ~~مكتوب، # 47 # وكان إذا نودي للزحف وتخلف عنه أحدهم لعذر أو شبه عذر، يلومه الرسول ~~وأصحابه، وإذا تبين أنه تعمد أن يكون مع المتخلفين عن القتال يعاتب ويقاطعه ~~الجماعة ويجتنبونه لا يكلمه أحد. ولما أمر الرسول بالتهيؤ لغزو الروم في تبوك، تثاقل ~~المسلمون عنها وأعظموا غزوهم، فنافق من نافق من المنافقين، حين دعوا إلى ما دعوا إليه ~~من الجهاد، وكان «ذلك في زمن عسرة # 48 # من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار والناس يحبون ~~المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم فيه.» وجاء ~~المتخلفون عن هذه الغزاة وكانوا ثمانين رجلا فقبل الرسول منهم علانيتهم وأيمانهم، ms013 ~~واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، وفي هذه الغزوة حض الرسول أهل الغنى على النفقة ~~والحملان في سبيل الله فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، وكان من أفضل القربات أن ~~يجهز أرباب اليسار أناسا للغزو يتكفلون بطعامهم وإطعام ذويهم، ويعطونهم السلاح ~~والكراع واللباس ليغزوا ويرابطوا، # 49 # وكان المسلمون كلهم جندا يقاتلون للدين، وكان لا يزال فيهم أبدا من ~~يبذل شطرا صالحا من ماله في وجوه البر والقرب لا يريدون على إسلامهم ونصرهم للرسول ~~جزاء. # وجميع ما غزا الرسول بنفسه سبع وعشرون غزوة، وكانت بعوثه وسراياه ثمانيا وثلاثين بين ~~بعث وسرية، وكان يوري بغزواته، وقل أن يعين لأصحابه الوجهة التي يقصدها في غزاته، ~~وكتب مرة لأحدهم كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا وكذا، ولا يستكره من ~~أصحابه أحدا أي يندبهم للعمل قسرا، وذلك ليترصد بذلك قريشا ويعلم له من ~~أخبارهم. # ولم يكن للمسلمين سلاح جاهز، وسلاحهم: القوس والنبل والحربة والسيف والدرع، ثم اتخذ ~~أنواع السلاح التي كانت موجودة إذ ذاك عند الأمم. واستعار الرسول يوم هوازن # 50 # مئة درع بما يكفيها من السلاح من صفوان بن أمية ليلقى بها العدو على أن ~~تكون عارية مضمونة حتى يؤديها إليه، ورأى الرسول أن اتساع الفتوح يقضي بأن يتعلم ~~بعض أصحابه صنعة الدبابات والمجانيق والضبور؛ # 51 # أي صنائع القتال، فأرسل إلى جرش اليمن اثنين من أصحابه يتعلمانها. وكان ~~أهل الطائف أول من رمي بالمنجنيق، وأخذ المسلمون بعيد ذلك يعدون لأعدائهم ما ~~استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل؛ لأنهم قادمون على فتح الشام والعراق على ما بشرهم به ~~الرسول، فقال لعدي بن حاتم: «لعلك يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من ~~حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذ، ولعلك إنما يمنعك من ~~دخول فيه ما ترى من كثرة عددهم وقلة عددهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من ~~القادسية على بعيرها تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ms014 أنك ترى ~~أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد ~~فتحت عليهم.» وقال مرة: «أبشروا وأملوا ما يسركم؛ فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ~~ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوا فيها ~~فتهلككم كما أهلكتهم.» # رأينا الرسول في طور ضعفه، ثم في طور قوته، يحرص على رجاله حرصه على أعز شيء لديه، ~~ولما دخل عمر في الإسلام اعتز به، وترك به المسلمون التقية في دينهم، بل إنه كان إذا ~~سقط في يده أحد أذكياء المشركين أبقى عليه، مهما كان من إيذائه للمسلمين أو له خاصة؛ ~~عل في حياته ما يستفيد منه الإسلام إذا أسلم. أما من قتلوا النفس التي حرم الله ~~فهؤلاء لا تأخذه بهم رحمة؛ قدم عليه نفر # 52 # من العرب قد ماتوا هزالا فأسلموا واجتووا المدينة، فأمرهم الرسول أن ~~يأتوا إبل الصدقة يشربوا من ألبانها، ففعلوا وصحوا وسمنوا، فارتدوا وقتلوا الراعي ~~واستاقوا الإبل، فبعث في آثارهم فما ترجل # 53 # النهار حتى جيء بهم، وأوقع عليهم أشد العقوبة الشرعية. # وكان يحسن معاملة النساء عامة كما يحسن معاملة أزواجه خاصة، فيؤثرن أي تأثير في ~~الرجال، ويجعل منهن أدوات صالحة له يبث بواسطتهن دعوته، ويرعى مصالح المسلمين، وقد ~~أوصى بهن أجمل وصاة في خطبته يوم حجة الوداع. وهذا غاية في حسن الإدارة والسياسة؛ ~~لأن حل المسائل بدون مشاكل أنفع من حلها بطرق جافة. والنساء في هذا المعنى من أفعل ~~أسباب الدعوة، وخصوصا إذا كن كالصحابيات يأخذن بمجامع القلوب بجميل عاطفتهن وجمال ~~بلاغتهن. وكان يسمح باستخدام النساء في حروبه وغزواته؛ يخدمن الجرحى، ويأخذن من ~~العطاء، ويتولين من الرجال ما يصلحن له كالطعام والإسقاء، ويحمسن من يحتاج إلى تحميس. ~~وجعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة يقال لها رفيدة في مسجده كانت تداوي الجرحى وتحبس ~~نفسها على خدمة من كان فيه ضيقة من المسلمين. وكذلك كانت أخت رفيدة واسمها كعبة بنت ~~سعيد الأسلمية. ومنهن من كن يخطن القرب؛ فالنساء ms015 في حكومته ممرضات طاهيات ساقيات ~~خياطات محمسات داعيات. وأمر الرسول أن لا يقتل النساء في الحرب. فكان بذلك يستفيد ~~من كل قوة في بلده يستعين بها على الظهور على المشركين. # ومن خطبه الإدارية ما ورد في الثقات أنه قعد على بعير له وأخذ إنسان بخطامه أو بزمامه ~~فقال: «أي يوم هذا؟» قال من حضر: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: «أليس ~~يوم النحر؟» قلنا: بلى. قال: «فأي شهر هذا؟» قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير ~~اسمه. فقال: «أليس بذي الحجة؟» قالوا: بلى. قال: «فأي بلد هذا؟» قال: فأمسكنا حتى ~~ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: «أليس بالبلد الحرام؟» قلنا: بلى. قال: «فإن دماءكم ~~وأعراضكم (وفي رواية: وأموالكم) بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم ~~هذا، ألا ليبلغ الشاهد الغائب.» # هذا جملة ما يقال في تدبير الرسول في الإدارة من بث دعوة وجهاد عدو، وأخذ غنائم ~~وصدقات وجزى وعشور، وقسمتها بين المجاهدين وأهل البلاء من المهاجرين والأنصار، ثم ~~على فقراء المسلمين، وما كان من توزيعه العمل بين عماله ومعاملته لهم وللوفود ~~والنساء، إلى غير ذلك من أسباب القوة واتخاذ الجند والمحاربين، واشتداده في الحق ~~ولينه إذا دعت الحال إلى اللين، وإغضائه أحيانا لما يلحق به من الأذى، يرتقب الفرص ~~لمن يكيد للمسلمين. # ومما يصح التمثل به في باب اللين: أنه رضي يوم الحديبية أن يدخل وأصحابه مكة ثلاثة ~~أيام فقط على أن يكونوا بجلبان # 54 # السلاح، وصالح سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي فدعا علي بن أبي ~~طالب. فقال: «اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.» فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك ~~اللهم. فقال رسول الله: «اكتب باسمك اللهم.» فكتبها، ثم قال: «اكتب هذا ما صالح عليه ~~محمد رسول الله سهيل بن عمرو.» فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن ~~اكتب اسمك واسم أبيك. فقال رسول الله: «اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله ~~سهيل بن عمرو، اصطلحا ms016 على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم ~~عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ~~ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال # 55 # وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد ~~قريش وعهدهم دخل فيه ...» إلخ. فاستاء المسلمون من هذا العهد بعد أن فازوا على أعدائهم؛ ~~وأحب الرسول حقن الدماء فقبل من خصمه هذا العنت، وكانت العاقبة له ولقومه. # | هوامش # | إدارة الخلفاء الراشدين # سار أبو بكر بسيرة الرسول في الإدارة الإسلامية، واحتفظ بالعمال الذين استعملهم صاحب ~~الشريعة، والأمراء الذين أمرهم، ومن العمال من أبى أن يعمل لغير رسول الله فاعتزل ~~العمل، ولما وسدت الخلافة إلى الصديق قال له أبو عبيدة: أنا أكفيك المال. وقال ~~عمر: وأنا أكفيك القضاء. فمكث عمر سنة لا يأتيه رجلان، ولم يخاصم إليه أحد؛ وذلك لأن ~~الناس كانوا أول ظهور الإسلام يرون من الطبيعي أن يعطي الإنسان الحق ويأخذ الحق، ويقف ~~عند حدود الله لا يقارف منكرا ولا يسرف على نفسه، ويبعد عن الزور وأكل أموال الناس ~~بالباطل، ويجعل رائده الصدق في أقواله وأفعاله. # كان إذا نزل بالصديق أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي وأهل الفقه، ودعا رجالا من ~~المهاجرين والأنصار، دعا عمر وعثمان وعليا وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل ~~وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، وكل هؤلاء كان يفتي في خلافة أبي بكر، وإنما تصير فتوى ~~الناس إلى هؤلاء. على أن أبا بكر كان جد عالم بالشريعة وأخبار الناس وأيامهم ~~وأنسابهم وسياساتهم، إلى ما رزق من صدر رحب يطلب من كل صاحب إدارة، واختار من ~~القضاة ما اختاره الولاة غالبا، وكان ولاة المدينة # 1 # هم الذين يختارون القضاة ويولونهم، ويكتب لأبي بكر علي بن أبي طالب وزيد ~~بن ثابت، ويكتب له الأخبار عثمان بن عفان # 2 # ويكتب له من حضر # 3 # ومن ms017 عماله: عتاب بن أسيد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن أبي العاص، والمهاجر ~~بن أبي أمية، وزياد بن عبيد الله الأنصاري، ويعلى بن منية، وأبو موسى الأشعري، ومعاذ ~~بن جبل، والعلاء بن الحضرمي، وجرير بن عبد الله، وعبد الله بن ثور، وعياض بن غنم، ~~وأبو عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، وخالد بن ~~الوليد. # ما تجاوزت رقعة الملك الإسلامي في أيام أبي بكر أكثر من جزيرة العرب؛ قسمت إلى ~~ولايات أو عمالات، وهي مكة والمدينة والطائف وصنعاء وحضرموت وخولان وزبيد ورمع ~~والجند ونجران وجرش والبحرين، أما القواد الآخذون بفتح الشام والعراق فيولون ~~عمالا من عندهم في الأرض التي يفتحونها. بمعنى أن الحجاز قسم إلى ثلاث ولايات، ~~واليمن إلى ثمان، والبحرين وما إليها ولاية. # ولما ولي أبو بكر قال: قد علم قومي أن حرفتي لم تكن لتعجز عن مئونة أهلي، وقد شغلت ~~بأمر المسلمين، وسأحترف للمسلمين في مالهم، وسيأكل آل أبي بكر من هذا المال. فجعلوا ~~له ألفين، وفي رواية ثلاثة دراهم كل يوم من بيت المال. # 4 # ثم قال: زيدوني فإن لي عيالا، وقد شغلتموني عن التجارة. فزادوه خمسمائة، ~~ولما مات ابنه في خلافته ترك سبعة # 5 # دنانير فاستكثرها أبو بكر، ولم يفرض أبو بكر ولا الرسول من قبل عطاء ~~مقررا للجند، # 6 # وكانوا إذا غزوا وغنموا أخذوا نصيبا من الغنائم قررته الشريعة لهم، وإذا ~~ورد المدينة مال من بعض البلاد أحضر إلى مسجد الرسول وفرق فيهم يصيب منه ~~الأنصار والمهاجرون وكل مسلم بحسب غنائه في نصرة الدين. جرى الأمر على ذلك مدة خلافة ~~أبي بكر، وكان لأبي بكر # 7 # بيت مال بالسنح من ضواحي المدينة إلى أن انتقل إلى المدينة، فقيل له: ~~ألا تجعل عليه من يحرسه؟ قالوا: فكان ينفق جميع ما فيه على المسلمين فلا يبقى منه ~~شيء، ولما قضى نحبه ذهب عمر في نفر من الصحابة لاستلام بيت المال فلم يجدوا فيه ~~شيئا. # وجرى أبو بكر على كشف أحوال العمال، وكان كصاحبه يختار أكثرهم ms018 علما وعملا، ولما عزل ~~خالد بن سعيد أوصى به شرحبيل بن حسنة وكان أحد الأمراء فقال: انظر خالد بن سعيد فاعرف ~~له من الحق عليك مثل ما كنت تحب أن يعرف لك من الحق عليه لو خرج واليا عليك. وقد ~~عرفت مكانه من الإسلام، وأن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # توفي وهو له وال، وقد كنت وليته ~~ثم رأيت عزله، وعسى أن يكون ذلك خيرا له في دينه ما أغبط أحدا بالإمارة. وقد خيرته ~~في أمراء الأجناد فاختارك على غيرك، اختارك على ابن عمه، فإذا نزل بك أمر تحتاج فيه ~~إلى رأي التقي الناصح، فليكن أول من تبدأ به أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل، ~~وليك خالد بن سعيد ثالثا. فإنك واجد عندهم نصحا وخيرا، وإياك واستبداد الرأي ~~عنهم أو تطوي عنهم بعض الخبر. # وشغل أبو بكر بقتال أهل الردة فوطد دعائم الدولة بإظهار قوة المسلمين لمن خالفهم، ~~فجمع الشمل الذي كان يخشى من انبتاته، وبدا منه حزم عجيب وإدارة شديدة رشيدة، وخالف ~~جميع أصحابه في قتال من أخلوا بشروط الإسلام فأصر على قتالهم. ولقد قال عمر: إن ~~العرب لما ارتدت # 8 # ومنعت شاتها وبعيرها أجمع رأينا كلنا - أصحاب محمد - أن قلنا لأبي بكر: ~~إن رسول الله كان يقاتل العرب بالوحي والملائكة يمده الله بهم، وقد انقطع ذلك فالزم ~~بيتك ومسجدك، فإنه لا طاقة لك بقتال العرب. فخالفهم كلهم أبو بكر وأعلن هذه الحرب على ~~المرتدين حتى أذعنت العرب بالحق. استبد أبو بكر برأيه فكان رأيه الصواب، وقضى بصادق ~~عزيمته وبعيد نظره قضاء مبرما على آخر أثر من آثار الوثنية في الأرض العربية، ولما ~~أرسل الصديق الأمراء لقتال أهل الردة أوصاهم أن يقتصدوا بالمسلمين، ويرفقوا بهم ~~في السير والمنزل، ويتفقدوهم ويستوصوا بهم في حسن الصحبة ولين القول، وأمر قواده في ~~المرتدين أن لا يقاتلوا أحدا ولا يقتلوه حتى يدعوه إلى الله، فمن استجاب لهم وأقر ~~وكف وعمل صالحا قبل منه وأعين عليه، ومن أبى يقاتل على ذلك، ولا ms019 يبقون على أحد ~~منهم قدروا عليه، وأن يحرقوهم بالنار ويقتلوهم كل قتلة، ويسبوا النساء والذراري، ~~ولا يقبل من أحد إلا الإسلام. # ومن وصايا أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان لما أرسله إلى الشام: «إذا دخلت بلاد العدو فكن ~~بعيدا من الحملة فإني لا آمن عليك الجولة، واستظهر بالزاد وسر بالأدلاء، ولا تقاتل ~~بمجروح فإن بعضه ليس منه، واحترس من البيات فإن في العرب غرة، # 9 # وأقلل من الكلام فإنا لك ما وعي عنك، وإذا أتاك كتابي فأنفذه فإنما ~~أعمل على حسب إنفاذه، وإذا قدمت عليك وفود العجم فأنزلهم معظم عسكرك، وأسبغ عليهم ~~النفقة، وامنع الناس عن محادثتهم ليخرجوا جاهلين كما دخلوا جاهلين، ولا تلحن في ~~عقوبة فإن أدناها وجع، ولا تسرعن إليها وأنت تكتفي بغيرها، واقبل من الناس علانيتهم، ~~وكلهم إلى الله في سرائرهم، ولا تجسس عسكرك فتفضحه ولا تهمله فتفسده.» # ولم يحدث أبو بكر في أيامه أحداثا جديدة، والفتوح لم تقف مع حروب الردة، ووجه ~~وجهته نحو الشام، وكان آخر جيش جهزه جيش اليرموك، جهزه بكل حكمة، وبذل في تنظيمه ~~أقصى الجهد، وجعل فيه قاضيا، وجعل أبا سفيان بن حرب قاصا يسير في الجماعة ويقول: ~~الله الله عباد الله انصروا الله ينصركم، اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك ~~على عبادك، يا نصر الله اقترب يا نصر الله اقترب. وقصاص الجند يقصون عليهم أخبار ~~الوقائع والفروسية ليقووا قلوبهم، وقيل: إن تميما الداري كان أول من قص في مسجد ~~الرسول في عهد عمر، كان يذكر المسلمين بالله، ويقص عليهم قصصا وأحاديث عن الأمم ~~الماضية وأساطير وحكايات. ~~••• # كانت أول خطبة خطبها عمر بن الخطاب لما ولي الخلافة: «أيها الناس، إنه والله ما ~~فيكم أحد أقوى عندي من الضعيف حتى آخذ له الحق، ولا أضعف عندي من القوي حتى آخذ الحق ~~منه.» وما كان عمر ممن أولع بإلقاء الخطب كثيرا على بلاغة فيه مستحكمة وعلم غزير، ~~ولا يرتقي المنبر إلا إذا قضت الضرورة وأراد بيان أمر ذهبت فيه نزوات النفوس مذهبا ms020 ~~لا يرضاه، وكثيرا ما قال: إن هذا الأمر لا يصلح فيه إلا اللين في غير ضعف، والقوي ~~في غير عنف. وكذلك كان عمر يجمع بين اللين والشدة، وهو إلى هذه ولا سيما على عماله ~~أقرب. وإذا كان أكبر رجال الإدارة تحصى عليهم عشرات من الأغلاط فإن عمر لا يستطيع ~~أكبر الناقدين أن يحصي عليه غلطتين أو ثلاثا، وقد يجاب عليها بأن ذلك محض اجتهاد ~~منه، والمجتهد قد يصيب ويخطئ. والحكم الآن على مسائل لم تتجل كل التجلي بما نقله ~~الناقلون، وما أحاط بها من أحوال دقيقة غير مرئية، يدعونا إلى أن نمسك عن إرسال ~~القول في النقد، ولا سيما نقد رجل عقمت أمم كثيرة أن تنبغ أفضل منه وأعظم. # وطريقة عمر في الإدارة طريقة أبي بكر وصاحبه من قبل؛ إطلاق الحرية للعامل في الشئون ~~الموضعية، وتقييده في المسائل العامة، ومراقبته في خلوته وجلوته. ~~«وكان # 10 # علمه بمن نأى عنه من عماله ورعيته، كعلمه بمن بات معه في مهاد واحد وعلى ~~وساد واحد، فلم يكن له في قطر من الأقطار ولا ناحية من النواحي عامل ولا أمير جيش ~~إلا وعليه له عين لا يفارقه ما وجده، فكانت ألفاظ من بالمشرق والمغرب عنده في كل ~~ممسى ومصبح. وأنت ترى ذلك في كتبه إلى عماله وعمالهم حتى كان العامل منهم ~~ليتهم أقرب الخلق إليه وأخصهم به.» وكان كما قال المغيرة بن شعبة: أفضل من أن ~~يخدع وأعقل من أن يخدع. # كان إذا استعمل العمال خرج معهم يشيعهم # 11 # فيقول: إني لم أستعملكم على أمة محمد على أشعارهم ولا على أبشارهم، وإنما ~~استعملتكم عليهم لتقيموا بهم الصلاة وتقضوا بينهم بالحق، وتقسموا بينهم بالعدل، لا ~~تجلدوا العرب فتذلوها ولا تجمروها # 12 # فتفتنوها، ولا تغفلوا عنها فتحرموها، جودوا القرآن وأقلوا الرواية عن ~~محمد # صلى الله عليه وسلم # وأنا شريككم. وكان يقص من عماله، وإذا شكي إليه عامل جمع بينه وبين ~~من شكاه، فإن صح عليه أمر يجب أخذه به أخذه. وكان إذا بعث أمراء الجيوش يوصيهم ms021 بتقوى ~~الله، وأن لا يعتدوا، ولا يجبنوا عن اللقاء، ولا يمثلوا عند القدرة، ولا يسرفوا عند ~~الظهور، ولا يقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا، وأن يتوقوا قتلهم إذا التقى ~~الزحفان وعند حمة النهضات وفي شن الغارات، وأن لا يغلوا عند الغنائم، وينزهوا ~~الجهاد عن عرض الدنيا. # وكان عمال عمر عرضة لكشف أحوالهم مهما بلغ من منزلتهم، وكان إذا شكي # 13 # إليه عامل أرسل محمد بن مسلمة يكشف الحال، وله عدة طرق في كشف سيرة ~~عماله، منها أن يأمر عماله أن يوافوه بالموسم، فإذا اجتمعوا قال: «أيها الناس، إني لم ~~أبعث عمالي عليكم ليصيبوا من أبشاركم ولا من أموالكم، إنما بعثتم ليحجزوا بينكم، ~~وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم.» فما قام إلا رجل واحد فقال: إن ~~عاملك فلانا ضربني مائة سوط، قال: فيم ضربته؟ قم فاقتص منه. فقام عمرو بن العاص ~~فقال: يا أمير المؤمنين، إنك إن فعلت هذا يكثر عليك، ويكون سنة يأخذ بها من ~~بعدك. فقال: أنا # 14 # لا أقيد، وقد رأيت رسول الله يقيد من نفسه. قال: فدعنا فلنرضه، قال: ~~دونكم فأرضوه. فافتدى منه بمائتي دينار كل سوط بدينارين، وقال من ظلمه عامله بمظلمة ~~فلا إذن له علي إلا أن يرفعها إلي حتى أقصه منه. فقيل له: أرأيت إن أدب أمير ~~رجلا من رعيته أتقصه منه؟ فقال: وما لي لا أقصه منه، وقد رأيت رسول الله يقص من ~~نفسه. # وكان يستدعي عماله ليطلع على مطاوي نفوسهم، ويكشف بنفسه إن كانوا أخذوا أنفسهم ~~بأسباب النعيم؛ لأن عمر يؤثر الخشونة # 15 # ويريد عماله أن يتبعوه في سائر أفعاله وشيمه وأخلاقه، فكان كل يتشبه به ~~من غاب أو حضر، وهو يلبس الجبة الصوف المرقعة بالأديم وغيره، ويشتمل بالعباءة، ويحمل ~~القربة على كتفه مع هيبة قد رزقها، وكذلك كان عماله مع ما فتح الله عليهم من البلاد ~~وأوسعهم من الأموال، وكان ينهى عماله عن جيد الملبوس والمركوب والمأكول، ويلتف ~~في # 16 # كسائه، وينام في ناحية المسجد، فلما ورد بالهرمزان ms022 صاحب تستر عليه، ~~جعلوا يسألون عنه، فيقال: مر ههنا آنفا. فيصغر في قلب الهرمزان إذ رآه كبعض ~~السوقة حتى انتهى إليه وهو نائم في ناحية المسجد فقال الهرمزان: هذا والله الملك ~~الهنيء. يقول: لا يحتاج إلى حراس ولا عدد، فلما جلس عمر امتلأ قلب العلج # 17 # منه هيبة لما رأى عنده من الجد والاجتهاد، وألبس من هيبة التقوى. ~~قالوا: وكان أبا العيال # 18 # يسلم على أبوابهن، ويقول: ألكن حاجة، وأيتكن تريد أن تشتري شيئا؟ ~~فيرسلوه معه بحوائجهن، ومن ليس عندها شيء اشترى لها من عنده، وإذا قدم الرسول من بعض ~~الثغور يتبعه بنفسه في منازلهن بكتب أزواجهن، ويقول: أزواجكن في سبيل الله وأنتن في ~~بلاد رسول الله، إذا كان عندكن من يقرأ وإلا فاقربن من الأبواب حتى أقرأ لكن. ثم ~~يقول: الرسول يخرج يوم كذا وكذا فاكتبن حتى نبعث بكتبكن. ثم يدور عليهن بالقراطيس ~~والدواة، يقول: هذه دواة وقرطاس فادنين من الأبواب حتى أكتب لكن. ويمر إلى المغيبات ~~فيأخذ كتبهن فيبعث بها إلى أزواجهن. # وكان إذا استعمل عاملا أوصاه بتقوى الله وإصلاح الرعية، وكتب عليه كتابا، وأشهد ~~عليه رهطا من الأنصار أن لا يركب برذونا، ولا يأكل نقيا، ولا يلبس رقيقا، ولا ~~يغلق بابه دون حاجات المسلمين، ثم يقول اللهم اشهد. وكتب إلى عماله: «أما بعد، ~~فإياكم والهدايا فإنها من الرشا.» اهتدى إلى عظيم ضرر الهدايا مما بدر من ~~رجل # 19 # كان يهديه فخذ جزور فخاصم إليه رجلا فقال: يا أمير المؤمنين اقض ~~بيننا قضاء فصلا كما يفصل الرجل من سائر الجذور، فقضى عليه عمر، ثم كتب إلى ~~عماله: إن الهدايا هي الرشا. وكان عمر إذا قدم العمال يأمرهم أن يدخلوا نهارا ولا ~~يدخلوا ليلا كي لا يحتجنوا شيئا من الأموال. وكان يعس بنفسه، ويرتاد منازل المسلمين، ~~ويتفقد أحوالهم، ويتعهد أهل البؤس والفاقة بنفسه. # كتب إلى أبي موسى الأشعري عامله على العراق يأمره بالقدوم عليه هو وعماله وأن ~~يستخلفوا جميعا، يريد أن يعرف حالتهم بعد أن تبنكوا # 20 # في النعيم، ms023 وعهدت إليهم مصالح الناس، فأدرك عامل البحرين من بين كثير من ~~العمال أن عمر يرغب في الخشونة، وعرف أنه سيدعوهم إلى طعامه فتجوع له واتخذ خفين ~~مطارقين # 21 # ولبس جبة صوف ولاث # 22 # عمامته على رأسه فدعاهم عمر إلى خبز وأكسار # 23 # بمير فجعلوا يعافونه؛ لأنهم حديث عهدهم بلين العيش، وعمر يلحظهم، ولفت ~~عامل البحرين نظر عمر، وتهافته على تناول الطعام، فسأله عمر عن عمله ثم عن جعله ~~فأجاب إنه يرزق ألفا، فقال له عمر: إنه كثير، ما تصنع به ؟ قال: أتقوت منه شيئا ~~وأعود به على أقارب لي فما فضل عنهم فعلى فقراء المسلمين. فأمر عمر أبا موسى أن ~~يستبدل بأصحابه، وأبقى عامل البحرين في عمله؛ لأنه رآه مقلا متقشفا لا يخشى أن ~~يسرف في المال. وولى عمر رجلا بلدا فوفد عليه # 24 # فجأة مدهنا حسن الحال في جسمه عليه بردان فقال له عمر: أهكذا وليناك؟ ثم ~~عزله، ودفع إليه غنيمات يرعاها، ثم دعا به بعد مدة فرآه باليا أشعث في ثوبين ~~أطلسين # 25 # وذكر عند عمر بخير فرده إلى عمله، وقال: كلوا واشربوا وادهنوا فإنكم ~~تعلمون الذي تنهون عنه. # وكان إذا قدم عليه الوفد سألهم عن حالهم وأسعارهم، وعمن يعرف من أهل البلاد وعن ~~أميرهم هل يدخل إليه الضعيف؟ وهل يعود المريض؟ فإن قالوا نعم، حمد الله تعالى، وإن ~~قالوا لا، كتب إليه: أقبل. وكان من سنة # 26 # عمر وسيرته أن يأخذ عماله بموافاة الحج في كل سنة للسياسة وليحجرهم بذلك ~~عن الرعية، وليكون لشكاتهم وقت وغاية ينهونها إليه. كتب إلى أبي موسى الأشعري: «أما ~~بعد؛ فإن للناس نفرة فأعوذ بالله أن تدركني وإياك عمياء مجهولة، وضغائن محمولة، أقم ~~الحدود ولو ساعة من نهار، وإذا عرض لك أمران أحدهما لله والآخر للدنيا، فآثر نصيبك من ~~الله فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى، وأخيفوا الفساق واجعلوهم يدا يدا ورجلا ~~ورجلا، وعد مرضى المسلمين، واشهد جنائزهم، وافتح لهم بابك، وباشر أمورهم بنفسك، ~~فإنما أنت رجل منهم غير أن الله جعلك أثقلهم ms024 حملا، وقد بلغني أنه فشا لك ولأهل بيتك ~~هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمسلمين مثلها، فإياك يا عبد الله أن تكون بمنزلة ~~البهيمة مرت بواد خصيب فلم يكن لها هم إلا السمن وإنما حتفها في السمن، واعلم أن ~~العامل إذا زاغ زاغت رعيته، وأشقى الناس من شقي الناس به، والسلام.» وهذا من كتبه ~~الممتعة في الإدارة وطريقته فيها. # وبلغ عمر أن أبا عبيدة عامله في الشام يسبغ على عياله، وقد ظهرت شارته، فنقصه من ~~عطائه الذي كان يجري عليه، ثم سأل عنه فقيل له قد شحب لونه، وتغيرت ثيابه، وساءت ~~حاله، فقال: يرحم الله أبا عبيدة ما أعف وأصبر. فرد عليه ما كان حبس عنه وأجراه ~~عليه، ودخل عمر منزل أبي عبيدة فلم ير إلا لبدا وصحفة وشنا، وسأله طعاما ~~فأخرج له من جونة # 27 # كسيرات فبكى عمر، وقال: غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة. وأرسل ~~إليه أربعمائة دينار، وسأل من أرسله أن يقف على ما يفعل بها فوزعها أبو عبيدة كلها، ~~وأرسل مثلها إلى معاذ بن جبل فوزعها إلا أشياء قليلة سألته امرأته إياها لحاجتها. ~~فقال عمر لما أخبر بذلك: الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا. # وكان معظم عمال عمر على غرار أبي عبيدة ومعاذ من التقشف والتبلغ باليسير، وكان ~~إذا لم تقنع نفسه بحسن سيرهم على الصورة التي لا يرى غيرها لا يتلكأ عن عزلهم. ~~فقد شكا أهل حمص عاملهم سعيد بن عامر، وسألوه عزله؛ لأنه لا يخرج للناس حتى يرتفع ~~النهار، ولا يجيب أحدا بليل، وله في الشهر يوم لا يخرج فيه، فلما أيقن عمر أن عامله ~~يعجن كل يوم خبزه ويجلس حتى يختمر فيخبزه، ثم يخرج للناس، وأنه يجعل الليل كله ~~للعبادة، وأنه يشتغل مرة في الشهر بغسل ثيابه، بعث إليه عمر ألف دينار يستعين بها، ~~فوزعها على جيش من جيوش المسلمين. # وقدم سعيد بن عامر على عمر بالمدينة فلم ير معه إلا عكازا وقدحا فقال له عمر: ليس ~~معك إلا ms025 ما أرى؟ فقال له سعيد: ما أكثر من هذا، عكاز أحمل عليه زادي وقدح آكل فيه. ~~وكان من عماله عمير بن سعد # 28 # وفيه يقول عمر: وددت لو أن لي رجلا مثل عمير بن سعد أستعين به على ~~أعمال المسلمين. وعمير هذا هو الذي قال على منبر حمص: «لا يزال الإسلام منيعا ما ~~اشتد السلطان، وليس شدة السلطان قتلا بالسيف ولا ضربا بالسوط، ولكن قضاء بالحق ~~وأخذا بالعدل.» وهذا من أبعد مرامي الإدارة العادلة إذا أحس أهل عمل من عاملهم العدل ~~لا يحتاج في سياستهم إلى شيء من الشدة. كتب عمر إلى عمير أيام كان عمله على حمص: ~~«أقبل بما جبيت من فيء المسلمين.» فسأله عمر عما عمله قال: بعثتني حتى أتيت البلد ~~فجمعت صلحاء أهلها فوليتم جباية فيئهم، حتى إذا جمعوه وضعته مواضعه، ولو نالك منه شيء ~~لأتيتك به. قال فما جئتنا بشيء؟ قال: لا. قال: جددوا لعمير عهدا. فقال عمير: لا عملت ~~ولا لأحد بعدك، والله ما سلمت بل لم أسلم، لقد قلت لنصراني أي أخزاك الله. فهذا ما ~~عرضتني له يا عمر، وإن أشقى أيامي يوم خلقت معك يا عمر. وكان إذا استعمل عاملا كتب ~~عهده: # 29 ~~«وقد بعثت فلانا وأمرته بكذا ...» فلما استعمل حذيفة بن اليمان على ~~المدائن كتب في عهده أن اسمعوا له وأطيعوه وأعطوه ما سألكم. فلما قدم المدائن استقبله ~~الدهاقين، فلما قرأ عهده، قالوا: سلنا ما شئت. قال: أسألكم طعاما آكله وعلف حماري ما ~~دمت فيكم. فأقام فيهم، ثم كتب إليه ليقدم عليه. فلما بلغ عمر قدومه كمن له في الطريق ~~فلما رآه عمر على الحال التي خرج من عنده عليها أتاه فالتزمه وقال: أنت أخي وأنا ~~أخوك. # فعمر إذا لم يختر للأعمال إلا أفاضل الرجال ممن كانوا على سمته وزهده. وكان ~~كثيرا ما يستعمل قوما ويدع أفضل منهم لبصرهم بالعمل، ويقول: أكره أن أدنس هؤلاء ~~بالعمل. وكان يشاور # 30 # في كثير من الوقائع حتى قال يوما لأصحابه أشيروا علي ودلوني على رجل ms026 ~~أستعمله في أمر قد دهمني، فقولوا ما عندكم، فإني أريد رجلا إذا كان في القوم ~~وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإذا كان أميرهم كان كأنه واحد منهم. فقالوا: نرى لهذه ~~الصفة الربيع بن زياد الحارثي فنشير على أمير المؤمنين به، فأحضره وولاه، فوفق في ~~عمله، وقام فيه بما أربى على رجاء عمر فيه وزاد على عمله، فشكر عمر من أشاروا عليه ~~بولاية الربيع. # كتب إلى عامله على البحرين العلاء بن الحضرمي أن سر إلى عتبة بن غزوان فقد وليتك ~~عمله، واعلم أنك تقدم على رجل من المهاجرين الأولين الذين سبقت لهم من الله ~~الحسنى، وإني لم أعزله ألا يكون عفيفا صليبا شديد البأس، ولكن ظننت أنك أغنى عن ~~المسلمين في تلك الناحية؛ فاعرف له حقه. ولما سير عمر عتبة بن غزوان إلى البصرة ~~ليقاتل من بالأبلة من فارس قال له: انطلق أنت ومن معك حتى تأتوا أقصى مملكة العرب ~~وأدنى مملكة العجم. وأمره أن يشاور عرفجة بن هرثمة؛ لأنه ذو مجاهدة للعدو وذو مكايدة، ~~وعزل عن بعض ولاية الشام شرحبيل بن حسنة، واستعمل بدلا منه معاوية بن أبي سفيان، ~~واعتذر على رءوس الأشهاد أنه لم يعزله عن شيء هجنه به بل أراد رجلا أقوى من رجل. ~~وبعث المغيرة بن شعبة عاملا على الكوفة لأنه قوي شديد، وكان عمر سأله عن الضعيف ~~والقوي، فقال: أما الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين وفضله له، وأما القوي ~~المشدد فقوته لك وللمسلمين وشداده عليه. وعزل عامله على ميسان النعمان بن عدي؛ لأنه ~~بلغه أنه قال أبياتا في التشبيب تشير إلى أنه يتعاطى الراح، مع أنه عارف بأن ذلك لم ~~يكن وإنما هو قول شاعر. وعزل زياد بن أبي سفيان فقال زياد: أعن عجز عزلتني يا أمير ~~المؤمنين أم عن خيانة؟ فقال: لا عن ذاك ولا عن هذا، ولكني كرهت أن أحمل على العامة ~~فضل عقلك. وكتب إلى سعد بن أبي وقاص أن شاور طلحة الأسدي وعمرو بن معدي كرب في أمر ~~حربك، ولا تولهما ms027 من الأمر شيئا، فإن كل صانع هو أعلم بصنعته. وكتب إلى ~~النعمان # 31 # بن مقرن أن قبلك رجلين هما فارسا العرب عمرو بن معدي كرب وطليحة بن خويلد ~~فشاورهما في الحرب ولا تولهما شيئا من الأمر. وبعث مع أبي عبيد بن مسعود سليط بن ~~قيس لفتح العراق، وقال له: لولا عجلة فيك لوليتك، ولكن الحرب زبون لا يصلح لها إلا ~~الرجل المكيث. # وسأل عمر عمرو بن معدي كرب عن خبر سعد بن أبي وقاص نفسه فقال: متواضع في حبائه، عربي ~~في نمرته، أسد في تأموره، # 32 # يعدل في القضية ، ويقسم بالسوية، ويبعد في السرية، ويعطف علينا عطف الأم ~~البرة، وينقل إلينا حقنا نقل الذرة. ولما شكا أهل الكوفة سعدا عزله عمر ولم ~~تأخذه به هوادة؛ لأن الغاية إنفاذ العمل النافع للناس على يد أي كان من عماله، وأن ~~لا يفتح للمسلمين بابا للشكوى. وخير ضروب السياسة أن يكون عمل العاملين فيها أكثر من ~~قول القائلين، وسعد هذا هو الذي كان أجمع الصحابة على توسيد حرب العراق إليه، فأوصاه ~~عمر بقوله: يا سعد سعد بني وهيب، لا يغرنك من الله أن قيل خال رسول الله وصاحب رسول ~~الله، فإن الله - عز وجل - لا يمحو السيئ بالسيئ ولكنه يمحو السيئ بالحسن، وليس بين ~~الله وبين أحد نسب إلا طاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم وهم ~~عباده، يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت النبي منذ ~~بعث إلى أن فارقنا فالزمه فإنه الأمر. هذه عظتي إليك إن تركتها ورغبت عنها حبط عملك ~~وكنت من الخاسرين. وذهب سعد بهذه النصيحة فكان على يده فتح العراق. # كان عمر على شدة فيه مع عماله إذا أحس باعتداء أو شبه اعتداء وقع على أحدهم يشتد ~~على المعتدين في تلك الناحية؛ ليبقى للعامل هيبة توقره في الصدور، ومهابة يلجم بها ~~العامة والخاصة. وقع له مرة أن حصب # 33 # أهل العراق إمامهم، وقد كان عوضهم إماما مكان إمام كان قبله فحصبوه، ~~فغضب ms028 وقال لأهل الشام: تجهزوا لأهل العراق فإن الشيطان قد باض فيهم وفرخ. ودعا ~~عليهم؛ ذلك لأن شكوى العراقيين عاملهم كانت باطلة، وهو الذي يتحرى في انتقاء عماله ~~ولا يستسلم لأحد منهم، بل يجعل بعضهم رقيبا على بعض، وله عليهم سلطان دونه كل سلطان. ~~شكا عتبة بن غزوان # 34 # تسلط سعد بن أبي وقاص عليه فسكت عنه عمر، فأعاد عتبة ذلك مرارا، فلما ~~أكثر على عمر قال: وما عليك يا عتبة أن تقر بالإمرة لرجل من قريش له صحبة مع رسول ~~الله وشرف. فقال له عتبة: ألست من قريش والرسول يقول: «حليف القوم منهم.» ولي صحبة ~~مع رسول الله قديمة لا تنكر ولا تدفع؟ فقال عمر: لا ينكر ذلك من فضلك. قال عتبة: أما ~~إذا صار الأمر إلى هذا فوالله لا أرجع إليها أبدا. فأبى عمر إلا أن يرده فرده فمات ~~بالطريق، وهذا من تأثير عمر في عماله ومعاملته لهم كما تريد المصلحة لا كما يريدون. ~~مثال آخر يخالف هذا - والإدارة تختلف باختلاف الأزمان والبلدان - خالف معاوية وهو ~~أمير الشام عبادة بن الصامت في شيء أنكره عبادة فأغلظ له معاوية في القول. فقال ~~عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبدا. ورحل إلى المدينة، فقال عمر: ما أقدمك؟ فأخبره. ~~فقال: ارجع إلى مكانك يفتح الله أرضا لست فيها أنت ولا أمثالك. وكتب إلى معاوية لا ~~إمرة لك عليه. ذلك أن عمر لم يكن يستغني عن خدمة معاوية ولا عن فضل عبادة. # كان عمر وهو خليفة لا يميز نفسه عن جمهور الناس بشيء في لباسه ومركبه وحركته، يختلط ~~بالشعب كأنه واحد منهم، ومع هذا كان الناس يخافونه، ولو وقع مثل هذا التواضع أو ~~التبذل من أحد أفراد الناس؛ لجسروا عليه وضعف سلطانه عليهم إن كان من أرباب ~~السلطان. ولقد كلم الناس عبد الرحمن بن عوف أن يكلم عمر في أن يلين لهم؛ فإنه قد ~~أخافهم حتى إنه أخاف الأبكار في خدورهن. فقال عمر: إني لا أجد لهم إلا ذلك؛ إنهم لو ~~يعلمون ما لهم ms029 عندي لأخذوا ثوبي عن عاتقي. وقال عمر: قد ألنا وإيل علينا أي ولينا ~~وولي علينا. معناه قد ولينا فعلمنا ما يصلح الوالي، وولي علينا فعلمنا ما يصلح ~~الرعية. # وما أرانا نبعد عن الصواب إذا حكمنا أن شطرا عظيما من وقت عمر في ولايته كان يصرفه ~~في سياسة العمال، وكشف حالهم، وانتقاء أصلحهم، وتسليكهم في الإدارة والسياسة والقضاء ~~على أسلوب محكم لا تكاد تلحق به في هذا القرن أعرق الدول الحديثة في المدنية وأفضلها ~~بنظمها الإدارية والدستورية. ولعل في الناس من يقول إذا عرضنا هنا لمصادرات عمر، وهذا ~~أيضا من باب الشدة المتناهية والحجر على حرية العمال، وإدخال الخوف عليهم بالضرب على ~~أيديهم على صورة تحرمهم متع الحياة، ولا توليهم منه غير الجفاء والخشونة في ~~المعاملة. نعم، هكذا كان عمر، وهكذا وضع أساس الملك الإسلامي، هو لا يجوز إغناء أفراد ~~بإفقار أمة، ولا إسعاد فئة بإشقاء مجموع. كان ممن يشترون رضا العامة بمصلحة ~~الأمراء، # 35 # فكان الوالي في نظره فردا من الأفراد، يجري حكم العدل عليه كما يجري على ~~غيره من سائر الناس، فكان حب المساواة لا يعدله شيء في أخلاقه. إذا اشتكى العامل ~~أصغر الرعية جره إلى المحاكمة حيث يقف الشاكي والمشكو منه يسوي بينهم في ~~الموقف حتى يظهر الحق فإن توجه قبل العامل اقتص منه إن كان هناك داع إلى القصاص أو ~~عامله بما تقضي به الشريعة أو عزله. ومن عادة عمر أن يكتب أموال عماله إذا ولاهم، ~~ثم يقاسمهم ما زاد على ذلك وربما أخذه منهم. مر ببناء يبني # 36 # بحجارة وجص فقال: لمن هذا؟ فذكروا عاملا له على البحرين فقال: أبت ~~الدراهم إلا أن تخرج أعناقها! وشاطره ماله، وكان يقول: لي على كل خائن أمينان الماء ~~والطين. # ولقد صادر عمر عامله على مصر عمرو بن العاص؛ لأنه فشت له فاشية من متاع ورقيق وآنية ~~وحيوان لم تكن له حين ولي مصر، فادعى عمرو أن أرض مصر أرض مزدرع ومتجر، وأنها ~~أثمان خيل تناتجت، وسهام اجتمعت، وأنه يصيب ms030 فضلا عما يحتاج إليه لنفقته، ومع ذلك ~~قاسمه عمر ماله. وصادر أبا هريرة عامله على البحرين؛ لأنه اجتمعت له عشرة آلاف وقيل ~~عشرون ألفا، وادعى أن خيله تناسلت، وسهامه تلاحقت، وأنه اتجر، فقال له عمر: انظر ~~رأس مالك ورزقك فخذه، واجعل الآخر في بيت المال. يريد بذلك أن يحصر العامل وكده في ~~خدمة أهل عمله، أما الاتجار وتثمير الأموال فهذا ليس من شأن عمال الدولة؛ فإن ~~لهؤلاء ما يتبلغون به من رزق. وكان يرى في مصادرة العمال وقهرهم ترويضا لهم على ~~الطاعة وترك التبجح والإدلال على الرعية، وممن شاطرهم أيضا النعمان بن عدي عامله ~~على ميسان، ونافع بن عمرو الخزاعي عامله على مكة، ويعلى بن منية عامله على اليمن، ~~وسعد بن أبي وقاص عامله على الكوفة، وخالد بن الوليد عامله في الشام، وآخذ خالد بن ~~الوليد؛ لأنه أمره أن يحبس المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس وذا الشرف وذا ~~اللسان فأجاز الأشعث لشعره؛ فغضب عمر، وكان أحد الشعراء كتب إليه يقول: # نحج إذا حجوا ونغزو إذا غزوا # فأنى لهم وفر ولسنا بذي وفر # إذا التاجر الهندي جاء بفأرة # من المسك راحت في مفارقهم تجري # فدونك مال الله حيث وجدته # سيرضون إن شاطرتهم منك بالشطر # فشاطرهم عمر أموالهم وتولى ذلك منهم محمد بن مسلمة لثقته به # 37 # ولم ينتطح في عمله عنزان. شاطر عمر سعدا وعمرا وخالدا وهم ممن يفتخر ~~بهم الإسلام، استكثر عليهم أن ينعموا وإن كان الأول فاتح العراق والثاني فاتح مصر ~~والثالث فاتح الشام. # وقيل لعمر: إن عياض بن غنم - وهو من كبار الفاتحين ورجال الإدارة في حكومته - يتوسع ~~كثيرا في إعطاء المال بحيث لا يقل في هذا المعنى عن خالد بن الوليد، فقال: إن ذلك من ~~شأن أبي عبيدة، وعياض من أقرباء أبي عبيدة. وعياض بن غنم هذا جلد صاحب دارا حين ~~فتحت فأغلظ له هشام بن حكيم القول حتى غضب عياض، ثم مكث ليالي فأتاه هشام فاعتذر ~~إليه، ثم قال هشام لعياض: ألم تسمع رسول ms031 الله يقول: «إن من أشد الناس عذابا أشدهم ~~للناس عذابا في الدنيا.» فقال عياض: قد سمعنا ما سمعت ورأينا ما رأيت، أولم تسمع ~~رسول الله يقول: «من أراد أن ينصح لذي سلطان عامة فلا يبد له علانية ولكن ليخل به ~~فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه.» وإنك يا هشام لأنت الجريء إذ ~~تجترئ على سلطان الله فهلا خشيت أن يقتلك السلطان فتكون قتيل سلطان الله. # كان عمرو بن العاص يبعث إلى عمر بالمال # 38 # بعد حبس ما كان يحتاج إليه، والمال يجبى من أموال الجزية وما يؤخذ من ~~الخراج، وكان النصارى واليهود أقروا على ما في أيديهم من الأرض يعمرونها ويؤدون ~~خراجها. ووضع في مصر عمر على كل حالم دينارين جزية إلا أن يكون فقيرا، وألزم كل ذي ~~أرض مع الدينارين ثلاثة أرادب حنطة وقسطي زيت وقسطي عسل وقسطي خل رزقا للمسلمين ~~تجمع في دار الرزق وتقسم فيهم. وأحصى عمرو بن العاص المسلمين فألزم جميع أهل مصر ~~لكل رجل منهم جبة صوف وبرنسا أو عمامة وسراويل وخفين في كل عام أو بدل الجبة الصوف ~~ثوبا قبطيا. واستبطأ عمر في بعض السنين خراج مصر فكتب إلى عمرو: «أما بعد، فإني ~~فكرت في أمرك والذي أنت عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيقة، وقد أعطى الله أهلها ~~عددا وجلدا وقوة في بر وبحر، وأنها قد عالجها الفراعنة، وعملوا فيها عملا محكما ~~مع شدة عتوهم وكفرهم، فعجبت من ذلك، وأعجب مما عجبت أنها لا تؤدي نصف ما كانت ~~تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحوط ولا جدوب ...» إلى آخر ما قال له، وهز أعصابه ~~بكلمات قاسية، فأجابه عمرو: «لقد عملت لرسول الله ولمن بعده فكنا بحمد الله مؤدين ~~لأمانتنا حافظين لما عظم الله من حق أئمتنا، نرى غير ذلك قبيحا، والعمل به سيئا ...» ~~وقال: «فامض في عملك فإن الله قد نزهني عن تلك الطعم الدنية والرغبة فيها.» فكتب ~~إليه: «إني لم أقدمك إلى مصر أجعلها لك طعمة ولا ms032 لقومك، ولكني وجهتك لما رجوت من ~~توفيرك الخراج وحسن سياستك، فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل الخراج فإنما هو فيء المسلمين، ~~وعندي من قد تعلم قوم محصورون ...» فأجابه عمرو: «إن أهل الأرض استنظروني إلى أن تدرك ~~غلتهم فنظرت للمسلمين فكان الرفق خيرا من أن نخرق # 39 # بهم فيصيروا إلى بيع ما لا غنى بهم عنه.» # ومع هذه الهيمنة من عمر على عماله نراه يشهد لعمرو بن العاص بحسن السياسة دليلا على ~~تقديره عامله قدره، وكان من رأي عمرو بن العاص في سياسة مصر أن الذي يصلح هذه البلاد ~~وينميها، ويقر قاطنيها فيها، ألا يقبل قول خسيسها في رئيسها، ولا يستأدى خراج ثمرة ~~إلا في أوانها. وأن يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وتربتها، وكان عمر يقول إذا رأى ~~رجلا يتلجلج في كلامه: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد. وعمرو بن العاص المثل ~~السائر في حسن السياسة بين رجال العرب، دهش قبط مصر بجميل عمله، فدخلوا في الإسلام ~~كثيرا، وأدى به التسامح أن رفع رجل نصراني إليه أن غرفة بن الحارث الكندي من أصحاب ~~الرسول الذين سكنوا مصر ضربه فوق أنفه، فقال عمرو للصحابي: إنا قد أعطيناهم العهد. ~~كأنه يريد أن يؤاخذ الصحابي بما فعل، فقال غرفة: معاذ الله أن نعطيهم العهد على أن ~~يظهروا شتم النبي، وإنما أعطيناهم العهد على أن نخلي بينهم وبين كنائسهم يقولون ~~فيها ما بدا لهم، وأن لا نحملهم ما لا يطيقون، وإن أرادهم عدو بسوء قاتلنا دونهم، ~~وعلى أن نخلي بينهم وبين أحكامهم إلا أن يأتونا راضين بأحكامنا فنحكم بينهم وإن عيبوا ~~عنا لم نتعرض لهم. فقال عمرو: صدقت. خطب يوما في الجابية من حوران فمما قاله: ألا ~~وإني ما وجدت صلاح ما ولاني الله إلا بثلاث: أداء الأمانة، والأخذ بالقوة، والحكم ~~بما أنزل الله، ألا وإني ما وجدت صلاح هذا المال إلا بثلاث: أن يؤخذ من حق، ويعطى في ~~حق، ويمنع من باطل. كتب معاوية إلى عمر يصف له سوء حال الشام فكتب إليه ms033 في مرمة ~~حصونها وترتيب المقاتلة فيها، وإقامة الحرس على مناظيرها واتخاذ المواقيد # 40 # لها. # جاء عمر الشام مرات أربعا يكشف حال عمالها، ويعنى بقسمة الأرزاق، ويسمي الشواتي ~~والصوائف أي غزوات الشتاء والصيف، ويسد الفروج والمسالح # 41 # في كل كورة، ويستعمل أناسا على السواحل من كل كورة أو يقسم المواريث بعد ~~طاعون عمواس، وكان هلك فيه من المسلمين خمسة وعشرون ألفا. وقيل إن عماله استقبلوه ~~مرة بأبهة فنزل وأخذ بالحجارة ورماهم بها، وقال: ما أسرع ما رجعتم عن رأيكم إياي؛ ~~تستقبلون في هذا الزي، وإنما شبعتم منذ سنتين! وبالله لو فعلتم هذا على رأس المائتين ~~لاستبدلت بكم غيركم. واعتذر له معاوية عامله في الشام عن الموكب الثقيل الذي كان له ~~قائلا: إنا في بلاد لا تمتنع فيها من جواسيس العدو فلا بد لهم مما يرهبهم من هيبة ~~السلطان فإن أمرتني بذلك قمت عليه، وإن نهيتني عنه انتهيت. فلم يأمره به ولم ينهه ~~عنه. فقال عبد الرحمن بن عوف لعمر: لحسن ما صدر من هذا الفتى عما أوردته فيه ~~فقال: لحسن مصادره وموارده جشمناه ما جشمناه. وقيل: إنه قدم معاوية على عمر من ~~الشام # 42 # وهو أبض # 43 # الناس، فضرب عمر بيده على عضده فأقلع عن مثل الشراب أو مثل الشراك فقال: ~~هذا والله لتشاغلك بالحمامات، وذوو الحاجات تقطع أنفسهم حسرات على بابك. وقال عمر: ~~لئن عشت - إن شاء الله - لأسيرن في الرعية حولا فإني أعلم أن للناس حوائج تقطع عني، ~~أما هم فلا يصلون إلي، وأما عيالهم فلا يرفعونها إلي، فأسير إلى الشام فأقيم بها ~~شهرين، ثم أسير إلى مصر فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البحرين فأقيم بها شهرين، ثم ~~أسير إلى الكوفة فأقيم بها شهرين، ثم أسير إلى البصرة فأقيم بها شهرين. # وخصلة أخرى أيضا لعمر، تعد من بدائع إدارته الحسنة، وهو أنه ما كانت تفوته مسألة ~~فيها تقوية قلوب الأمة والاعتماد على نفسها خطب مرة فقال: «أعطوا الحق من أنفسكم، ولا ~~يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إلي؛ ms034 فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة، ~~وأنا حبيب إلي صلاحكم، عزيز علي عتبكم، وأنتم أناس عامتكم حضر في بلاد، وأهل بلد ~~لا زرع فيه ولا ضرع إلا ما جاء الله به إليه.» يريد أن يعلم الناس أن لا يكثروا من ~~الرجوع إلى الحاكم للفصل بينهم في خصوماتهم؛ ليصرف وقته في التفكير في أمورهم ~~الخطيرة، وأن يعتمدوا على أنفسهم لا على صاحب السلطان، وأن يعرفهم حالة الحاضر ~~والبادي منهم، ويعلمهم أن يعملوا ولا يسرفوا لأنهم فقراء. ولطالما قال لقومه أصلحوا ~~أموالكم التي رزقكم الله، ولقليل في رفق خير من كثير في عنف. يريد أن يسوق الناس ~~إلى المدنية بتؤدة على صورة فيها تدريج. وكان يقول: من كان له مال فليصلحه، ومن كانت ~~له أرض فليعمرها، وإنه يوشك أن يجيء من لا يعطي إلا من أحب. ونظر إلى رجل مظهر ~~للنسك متماوت فخفقه بالدرة وقال له: لا تمت علينا ديننا أماتك الله. وكان يقول: ~~ليس قوم أكيس من أولاد السراري؛ لأنهم يجمعون عز العرب ودهاء العجم. # وكان غرام عمر أبدا أن يلقن قومه العمل ويبعد بهم عن حياة الكسل، ولطالما قال ~~لكتابه وعماله: إن القوة على العمل أن لا تؤخروا عمل اليوم لغد، فإنكم إذا فعلتم ~~ذلك تذاءبت # 44 # عليكم الأعمال فلا تدرون بأيها تبدءون ولا بأيها تأخذون. وما كان يرى ~~إبعاد العامة عن المجالس العالية؛ لئلا تفوتهم الفوائد، وليتربوا على أيديهم بما ~~يسمعون وينقلون عنهم، ويوزع الأعمال بين الكفاة وأرباب التخصص، ويقول: أيها الناس من ~~أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد ~~بن ثابت، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال ~~فليأتني، فإن الله جعلني له خازنا وقاسما. # وكتب عمر الناس على قبائلهم أي أحصاهم، ففرض الفروض وأعطى العطايا على السابقة، بدأ ~~بالأقرب فالأقرب من الرسول، وفرض لأهل بدر ولمن بعدهم إلى الحديبية وبيعة رضوان، ثم ~~لمن بعدهم، ولأهل القادسية ms035 واليرموك، وأعطى نساء النبي وغيرهم، ورزق الصبيان والأئمة ~~والمؤذنين والمعلمين والقضاة والشعراء. وحلف على أيمان ثلاث فقال: والله ما أحد ~~أحق بهذا المال من أحد وما أنا أحق به من أحد، والله ما من المسلمين من أحد إلا ~~وله في هذا المال نصيب إلا عبدا مملوكا، ولكنا على منازلنا من كتاب الله تعالى، ~~وقسمنا من رسول الله، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل ~~وغناؤه في الإسلام، والرجل وحاجته، والله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء ~~حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه. # جمع عمر المسلمين لأول عهده، وقال: ما يحل للوالي من هذا المال؟ فقالوا جميعا: ~~أما لخاصته فقوته وقوت عياله، لا وكس ولا شطط، وكسوتهم وكسوته للشتاء والصيف، ~~ودابتان إلى جهاده وحوائجه وصلاته وحجه وعمرته، والقسم بالسوية، وأن يعطي أهل البلاء ~~على قدر بلائهم، ويرم أمور الناس بعد، ويتعاهدهم عند الشدائد والنوازل حتى تنكشف، ~~ويبدأ بأهل الفيء. وكان عمر إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه فربما عسر فيأتيه ~~صاحب بيت المال فيتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه. وطلب من أحد ~~أصحابه أن يقرضه مالا، فقال له: ما يمنعك أن تقترض من بيت المال؟ فأجابه: إنه إذا ~~مات وهو له مدين ربما غفلوا عن تقاضي ما اقترض، أما صاحبه فإنه لحرصه على ماله يطالب ~~الورثة بماله فيستوفيه وتبرأ ذمة عمر. # ومما تعلقت به همة عمر: إحداث أوضاع جديدة اقتضتها حالة التوسع في الفتوح؛ فهو أول ~~من حمل الدرة # 45 # وهو أول من دون الدواوين على مثال دواوين الفرس والروم، دونها له ~~عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم، وكانوا من نبهاء قريش لهم علم ~~بالأنساب وأيام الناس. والديوان الدفتر أو مجتمع الصحف والكتاب يكتب فيه أهل الجيش ~~وأهل العطية. وعرفوا الديوان بأنه موضع لحفظ ما تعلق بحقوق السلطنة من الأعمال ~~والأموال ومن يقوم بها من الجيوش والعمال، وأطلق بعد حين على جميع سجلات الحكومة وعلى ~~المكان الذي يجلس فيه ms036 القائمون على هذه السجلات والأضابير والطوامير. وثبت أنه كان له ~~سجن # 46 # وأنه سجن الحطيئة على الهجو، وسجن ضبيعا على سؤاله عن الذاريات ~~والمرسلات والنازعات وشبههن، وضربه مرة بعد مرة ونفاه إلى العراق، وكتب أن لا يجالسه ~~أحد فلو كانوا مائة تفرقوا عنه حتى كتب إليه عامله أن حسنت توبته، فأمره عمر فخلى ~~بينه وبين الناس. وكانت أعمال عمر جدا كلها لا يجوز لأحد أن يجلس في المسجد في غير ~~أوقات الصلاة، وبنى في المسجد رحبة تسمى البطيحا، قال: من كان يريد أن يلغط أو ينشد ~~شعرا أو يرفع صوته فليخرج إلى الرحبة. وما كان المسجد في أيامه لغير الصلاة والقضاء، ~~وكان الخلفاء الراشدون يجلسون في المسجد لقضاء الخصومات. ولما كثرت الفتوحات وأسلمت ~~الأعاجم وأهل البوادي وكثر الولدان أمر عمر ببناء بيوت المكاتب، ونصب الرجال لتعليم ~~الصبيان وتأديبهم. # 47 # وضع عمر أول ديوان في الإسلام للخراج والأموال بدمشق والبصرة والكوفة على النحو الذي ~~كان عليه قبل. وقيل: إن أول ديوان وضع في الإسلام هو ديوان الإنشاء # 48 # ودواوين الشام تكتب بالرومية، ودواوين العراق بالفارسية، ودواوين مصر ~~بالقبطية، يتولاها النصارى والمجوس دون المسلمين. والسبب في تدوين الدواوين: أن عامل ~~عمر على البحرين أتاه يوما بخمسمائة ألف درهم فاستعظمها، وجعل عليها حراسا في ~~المسجد، فأشار عليه بعض من عرفوا فارس والشام أن يدون الدواوين يكتبون فيها: «الأسماء ~~وما لكل واحد، وجعل الأرزاق مشاهرة» وجعل عمر تابوتا أي صندوقا لجمع صكوكه ~~ومعاهداته. وجند الأجناد أي ألف الفيالق، فصير فلسطين جندا والجزيرة جندا، ~~والموصل جندا وقنسرين # 49 # جندا، وأصبح كل جند في الشام والعراق يتألف من مقاتلة المسلمين، ~~يقبضون أعطياتهم من البلد الذي نزلوه، فأصبحت الجندية خاصة بفئة من المسلمين، ويسير ~~الناس بقضهم وقضيضهم إلى الزحف عند الحاجة حتى النساء والأولاد. وما كان الجند ~~يجعلون كلهم في المسالح بل يترك بعضهم في البلاد يكونون على استعداد للوثبة عند أول ~~إشارة، والغالب أنه كان يترك فضل في بيوت الأموال خارج الحجاز يستخدم في طارئ إذا ms037 ~~طرأ، وما كانت الصوافي تحمل كلها إلى الحجاز، بل يدخر بعضها في بيوت الأموال في ~~الشام والعراق ومصر، وجزء عظيم من دخل الدولة يصرف في الوجوه التي أشرنا ~~إليها. # وعمر هو أول من لقب بأمير المؤمنين، وأول من استقضى القضاة، وأول من أحدث التاريخ ~~الهجري فأرخ سنة ست عشرة بهجرة رسول الله من مكة إلى المدينة، فكان أول من أرخ ~~الكتب وختم على الطين. قال اليعقوبي: وأمر زيد بن ثابت أن يكتب الناس على منازلهم، ~~وأمره أن يكتب لهم صكاكا من قراطيسه ثم يختم أسافلها، فكان أول من صك وختم أسفل ~~الصكاك، # 50 # وغير أسماء المسلمين بأسماء الأنبياء، # 51 # وكان أول من مصر الأمصار، مصر المصرين البصرة والكوفة ، وكان إذا ~~جاءته الأقضية المعضلة # 52 # قال لعبد الله بن العباس: إنها قد طرت علينا أقضية وعضل فأنت لها ~~ولأمثالها. ثم أخذ بقوله، وما كان يدعو لذلك أحدا سواه، وكان من المسائل العامة يسأل ~~الناس في المسجد عن آرائهم، ثم يعرض رأيه ورأيهم على مجلس شوراه وهم من كبار الصحابة، ~~فما استقر عليه رأيهم أمضاه، فكانت أعماله ثمرة ناضجة من الآراء الصائبة، ولذلك ندرت ~~هفواته في الإدارة بالقياس إلى غيره؛ لأنه يتروى ويعمل بآراء أهل الرأي. ولما أرسل ~~عبد الله بن مسعود إلى العراق وزيرا ومعلما مع عمار بن ياسر الذي ولاه الإمارة ~~كتب إلى أهل العراق: «وقد جعلت على بيت مالكم عبد الله بن مسعود، وآثرتكم به على ~~نفسي.» وقد يبعث إلى بعض الأقطار عاملا على الصلاة والحرب ويسميه أميرا # 53 # وعاملا على القضاء وبيت المال ويسميه معلما ووزيرا كما فعل في العراق، ~~أو يجمع للعامل بين الصلاة والخراج كعامل مصر. وتقسيم العمالات في الشام يختلف عن ~~اليمن، وعامل البحرين لا يكون كعامل اليمامة، وقد يبعث أناسا لمساحة الأرض، وأناسا ~~لتقدير الخراج، وآخرين لإحصاء الناس، وقال لعاملين له توليا مساحة العراق ووضع ~~الخراج على سوادها: أخاف أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيقه، لئن سلمني الله لأدعن ~~أرامل العراق لا يحتجن ms038 إلى رجل بعدي أبدا. وقال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار ~~فإني إنما بعثتهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم، ويعدلوا عليهم، ويقسموا فيئهم ~~بينهم، ويرفعوا إلي ما أشكل عليهم من أمورهم. # وكان يرزق العامل بحسب حاجته وبلده، ولما استعمل زيد بن ثابت على القضاء فرض له ~~رزقا، وكان يرزق عامله على حمص عياض بن غنم كل يوم دينارا وشاة ومدا. وبعث إلى ~~الكوفة عمار بن ياسر على الثغر، وعثمان بن حنيف على الخراج، وعبد الله بن مسعود على ~~بيت المال، وأمر هذا أن يعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين، وفرض لهم شاة كل يوم، ~~وجعل شطرها وسواقطها لعمار بن ياسر، والشطر الآخر بين عبد الله بن مسعود وعثمان بن ~~حنيف . كان أبو بكر يساوي # 54 # الناس في العطاء ولا يفضل أهل السابقة، ويقول: إنما عملوا لله فأجورهم ~~على الله، وإنما هذا المال عرض حاضر يأكله البر والفاجر وليس ثمنا لأعمالهم. وكان ~~عمر يقول: لا أجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل معه. ولم يقدر عمر الأرزاق إلا في ~~ولاية عمار فأجرى عليه ستمائة درهم مع عطائه لولاته وكتابه ومؤذنيه ومن كان يلي ~~معه في كل شهر. وكان عطاء عثمان بن حنيف خمسة آلاف درهم، وأجرى على عبد الله بن مسعود ~~مائة درهم في كل شهر وربع شاة في كل يوم، وأجرى على شريح القاضي مائة درهم في كل شهر ~~وعشرة أجربة، وإنما فضل عمارا لأنه كان على الصلاة. قال الحسن: وكان عطاء سلمان ~~خمسة آلاف وكان على زهاء ثمانين ألفا من الناس. وأتاه # 55 # عبد الله بن عمر السعدي فقال له عمر: ألم أحدث أنك تلي من أعمال المسلمين ~~أعمالا فإذا أعطيت العمالة كرهتها؟ فقال: بلى. فقال عمر: ما تريد إلى ذلك؟ قال: إن ~~لي أفراسا وأعبدا، وأنا بخير، وأريد أن تكون عمالتي صدقة على المسلمين. فقال عمر: ~~لا تفعل فإني كنت أردت الذي أردت، وكان رسول الله يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر ~~إليه مني. فقال النبي: خذه فتموله وتصدق ms039 به، فما جاءك من هذا المال من غير مسألة ~~ولا إشراف فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك. # كان عمر يأمر الناس بالتفقه في الدين، ويجد في إرسال الفقهاء إلى الأمصار يفقهون ~~المؤمنين ويعلمونهم دينهم، وقد لا يرسلهم إلا بعد أخذ رأيهم، ولما أراد أن يرسل سعد ~~بن عبيد، وكان لا يسمى القارئ من الصحابة غيره قال له: هل لك في الشام فإن ~~المسلمين نزفوا وإن العدو قد ذأروا # 56 # عليهم، وذلك بعد طاعون عمواس. وكان يقول حين خرج معاذ # 57 # بن جبل إلى الشام: لقد أخل خروجه بالمدينة وأهلها بالفقه، ولقد كنت ~~كلمت أبا بكر - رحمه الله - أن يجلسه لحاجة الناس إليه فأبى علي، وقال: رجل أراد ~~جهادا يريد الشهادة فلا أجلسه. # وفي كتب عمر إلى قضاته وعماله كأبي موسى الأشعري والقاضي شريح وأبي عبيدة ومعاوية ~~وغيرهم قوانين في التشريع والإدارة سنها للمسلمين لا تزال إلى يوم الناس هذا هي ~~المعول عليها، ورسالته في القضاء إلى أبي موسى الأشعري جمع فيها «جمل # 58 # الأحكام، واختصرها بأجود الكلام، وجعل الناس بعده يتخذونها إماما، ولا ~~يجد محق عنها معدلا، ولا ظالم عن حدودها محيصا.» ولقد قالوا: «إذا # 59 # اختلف الناس في أمر فانظر كيف قضى عمر؛ فإنه لم يكن يقضي في أمر لم يقض ~~فيه قبله حتى يشاور.» وكان أبدا يأخذ آراء أصحابه لا يقطع أمرا عظيما من دون ~~استشارتهم ويقول: الرأي الفرد كالخيط السحيل، والرأيان كالخيطين المبرمين، والثلاثة ~~مرار لا يكاد ينتقض. هذا ولو وضع علم عمر في كفة - كما قال ابن مسعود - ووضع علم ~~أحياء العرب في كفة لرجح بهم علم عمر. وأنشد عمر ذات يوم شعر زهير بن أبي سلمى فلما ~~بلغ قوله: # فإن الحق مقطعه ثلاث # يمين أو # 60 # نفار أو جلاء # جعل يتعجب من علمه بالحقوق وتفصيله بينها ويقول: لا يخرج الحق من إحدى ثلاث، إما يمين ~~أو محاكمة أو حجة. # وكانت المدينة في أيامه أشبه بمدرسة يتخرج به فيها القضاة والعمال والقواد والأمراء، ~~فلا يبعث إلى ms040 الأمصار إلا من اختبره في الجملة، وقلما أخطأت فراسته في الناس، وهو ~~المثل الأمثل في جده. كان كعب بن سور جالسا عند عمر فجاءته امرأة تشتكي زوجها فقال ~~لكعب: اقض بينهما، فلما قضى بما أعجبه وما لم يخطر له ببال قال لكعب: اذهب قاضيا ~~على البصرة. ساوم عمر بفرس فركبه ليشوره # 61 # فعطب فقال للرجل: خذ فرسك. فقال الرجل: لا. قال: اجعل بيني وبينك ~~حكما. قال الرجل: شريح. فتحاكما إليه فقال شريح: يا أمير المؤمنين خذ ما ابتعت، ~~أو رد كما أخذت. فقال عمر: وهل القضاء إلا هكذا، سر إلى الكوفة. فبعثه قاضيا ~~عليها. قالوا: وإنه لأول يوم عرفه فيه، وبقي شريح قاضيا هناك ستين سنة. # ومن الفقهاء في أيامه: أبو موسى الأشعري، وسلمان بن ربيعة الباهلي، وأبو قرة الكندي، ~~وأبو الدرداء، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس. ومن عماله: نافع بن عبد الحارث ~~الخزاعي، وسفيان بن عبد الله الثقفي، وعبد الله بن أبي ربيعة، وعبادة بن الصامت، ~~وشداد بن أوس، وقتادة بن النعمان، وعمير بن عوف، وعمير بن وهب بن خلف الجمحي، وعتبة ~~بن مسعود، وعدي بن أبي الزغباء الجهني، وعويم بن ساعدة، وسهيل بن رافع، ومسعود بن ~~أوس بن زيد الأنصاري، وواقد بن عبد الله التميمي، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم. من كل ~~من هو فرد في علمه، متميز بحسن سياسته وإدارته. كتب إلى أبي # 62 # موسى الأشعري: إنه لم يزل للناس وجوه يرفعون حوائج الناس فأكرم وجوه ~~الناس، فبحسب المسلم الضعيف من العدل أن ينصف في الحكم والقسمة. يعني أن عمر أوصى ~~بالأعيان، وإن كان يكره الشفاعة والوساطة. فقد توسط مولى عمر بأن يكتب كتابا إلى ~~عامله في العراق ليكرم أحد من قصدوا إليها، فانتهره عمر وسبه، وقال: أتريد أن يظلم ~~الناس؟ وهل هو إلا رجل من المسلمين يسعه ما يسعهم؟ # كان ابن الخطاب يفحص أمورا لا تخطر ببال أحد. كتب إلى أبي موسى الأشعري: «إني قد ~~بعثت إليك مع غاضرة بن سمرة العنبري بصحف فإذا ms041 أتاك لكذا وكذا فأعطه مائتي درهم، ~~وإن جاءك بعد ذلك فلا تعطه شيئا، واكتب إلي في أي يوم قدم عليك.» يريد بذلك أن ~~يعلم من يستعملهم الجد والاهتمام والحرص على الأوقات وضبط المواعيد، هو يعطي من ~~أرسله بالصحف مائتي درهم إذا جد فوصل البلد الذي عين له في الأجل المضروب وإلا ~~فيحرم أجرته، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أيضا # 63 # إذا أتاك كتابي هذا فاضرب كاتبك سوطا واعزله عن عمله. وذلك أن كاتب أبي ~~موسى كتب إلى عمر: «من أبو موسى.» وكان عليه أن يقول: «من أبي موسى.» ودبر عام ~~الرمادة (17-18) تدبيرا إداريا ناجعا عندما رأى الناس يهلكون من المجاعة، فكتب ~~إلى أمراء مصر والشام والعراق أن يوافوه بالميرة؛ فأتته القوافل تحمل طعاما كثيرا ~~وغيره، فوسع على الناس، وكان قطع الطعام عن نفسه وأطعم الجياع، ولولا تدابيره ~~هذه لهلك أهل الحجاز جميعهم. # ومن جملة تدابيره الإدارية أنه # 64 ~~«حجر على أعلام قريش من المهاجرين الخروج من البلدان إلا بإذن وأجل ~~فشكوه فبلغه فقام فقال: ألا إني قد سننت الإسلام سن البعير، يبدأ فيكون جذعا ثم ~~ثنيا ثم رباعيا ثم سديسا ثم بازلا، ألا فهل ينتظر بالبازل إلا النقصان، ألا ~~فإن الإسلام قد بزل # 65 # ألا وإن قريشا يريدون أن يتخذوا مال الله معونات دون عباده، ألا فأما ~~وابن الخطاب حي فلا. إني قائم دون شعب الحرة آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن ~~يتهافتوا في النار.» # هذا مجمل من إدارة عمر، وقد كان شديدا في إقامة الحدود يقيمها على أقرب الناس إليه: ~~حد في الخمر ابنه، وعاقب ابن عمرو بن العاص عامل مصر؛ لأن أحد قبطها استعداه عليه. ~~قال السائب بن يزيد كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول الله وإمارة أبي بكر وصدر من ~~خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرجلنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر فجلد ~~أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلدوا ثمانين، ولما ضعف نصاب الشهادة على ~~المغيرة بالزنا سري عنه؛ لأنه ما أراد أن يرجم أحد الصحابة ms042 # 66 # وأراد أن يحد جبلة بن الأيهم من ملوك غسان؛ لأن رجلا فزاريا # 67 # في الحج وطئ على إزاره فلطمه جبلة فهشم أنفه، وشكاه الفزاري فأراد عمر ~~جبلة على أن يفتدي نفسه أو يأمر الرجل بلطمه، فقال جبلة: كيف ذلك وأنا ملك وهو ~~سوقة؟ فقال: إن الإسلام جمعكما، وسوى بين الملك والسوقة في الحد. ففر جبلة والتحق ~~بالروم. وكان يساوي بين الناس في القضاء مهما علت منزلتهم، وبلغه عن بعض عماله وهو في ~~دار الحرب أنه تعدى حدا من حدود الله فأغضى عنه لئلا يعتصم ببلاد الروم. # وكان يعرف أن الرسول قال: لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع ~~فيها إلا مسلما، فسكت عمر عنهم، وراعى العهود التي أعطاها الرسول لهم، ولما كان من ~~جملة شروط نصارى نجران أن لا يأكلوا الربا أمر بإجلائهم، واشترى منهم أرضهم وأوصى بهم ~~أهل الشام والعراق، ولما انطلق نصارى بني تغلب هاربين من الجزية أضعفها ~~عليهم # 68 # وشرط عليهم أن لا ينصروا أولادهم، ولم يسمع لقول أحد بني تغلب أنهم ~~قوم عرب يأنفون من الجزية وهم قوم لهم نكاية، وقوله له مهددا: لا تعن عدوك عليك. ~~وكان يتحامى استعمال النصارى، وعرضوا عليه كتابا منهم فأبى أن يستعملهم، وكان إذا ~~أراد # 69 # أن يأمر المسلمين بشيء أو ينهاهم عن شيء مما فيه صلاحهم بدأ بأهله وتقدم ~~إليهم بالوعظ لهم، والوعيد على خلافهم أمره، وما كان يميز أحدا من آل بيته في شيء، ~~وربما هضم بعض حقهم وأعطاه من هو أجد منهم. قسم # 70 # عمر مروطا # 71 # بين نساء المدينة فبقي فيها مرط جيد فقال له بعض من عنده: يا أمير ~~المؤمنين، أعط هذا ابنة رسول الله التي عندك # 72 # فقال: أم سليط أحق به فإنها ممن بايع رسول الله، وكانت تزفر # 73 # لنا القرب يوم أحد. وقال أحدهم لعمر: اتق الله يا أمير المؤمنين، ~~فقال: لا خير فيكم إن لم تقولوها لنا، ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم. وردت عليه ~~امرأة فرجع ms043 إليها وقال: رجل أخطأ وامرأة أصابت. # وكان لا يقرب الشعراء، ولكنه يجرى عليهم رزقا يكفيهم. كتب مرة إلى المغيرة بن شعبة ~~أن استنشد من قبلك من الشعراء ما قالوا في الجاهلية والإسلام # 74 # فأرسل إلى الأغلب العجلي فقال: إنه على استعداد لأن ينشده، ثم أرسل إلى ~~لبيد بن ربيعة فقال: أنشدني. فقال: إن شئت أنشدتك مما عفي عنه من شعر الجاهلية، ~~قال: لا، أنشدني ما قلت في الإسلام. فانطلق إلى أديم فكتب فيه سورة البقرة فقال: ~~أبدلني الله مكان الشعر هذا. قال فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه عمر: إنه لم يعرف أحد ~~من الشعراء حق الإسلام إلا لبيد بن ربيعة، فأنقص من عطاء الأغلب خمسمائة واجعلها في ~~عطاء لبيد. ~~••• # نهج عمر بن الخطاب لمن يخلفه النهج الذي يجب السير عليه في تدبير الملك، وأوصى ~~الخليفة بعده أن يقر عماله سنة فيما قيل، وأوصاه # 75 # بتقوى الله لا شريك له، وبالمهاجرين الأولين خيرا، وأن يعرف لهم ~~سابقتهم، وأوصاه بالأنصار خيرا يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، وأوصاه بأهل ~~الأمصار خيرا فإنهم ردء العدو وحياة الفيء، وأن لا يحمل فيئهم إلا عن فضل منهم، ~~وأوصاه بأهل البادية خيرا فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، وأن يأخذ من حواشي أموال ~~أغنيائهم فيرده على فقرائهم، وأوصاه بأهل الذمة خيرا، وأن يقاتل من ورائهم ولا ~~يكلفهم فوق طاقتهم إذا أدوا ما عليهم للمؤمنين طوعا أو عن يد وهم صاغرون، وأوصاه ~~بالعدل في الرعية والتفرغ لحوائجهم وثغورهم، وأن لا يؤثر غنيهم على فقيرهم، وأن ~~يشتد في أمر الله وحدوده ومعاصيه على قريب الناس وبعيدهم، ثم لا تأخذه في أحد رأفة ~~حتى ينتهك منه مثل ما انتهك من حرم الله، ويجعل الناس عنده سواء لا يبالي على من وجب ~~الحق، ثم لا تأخذه في الله لومة لائم، وأوصاه أن لا يرخص لنفسه ولا لغيره في ظلم ~~أهل الذمة، وأنشده الله أن يرحم جماعة المسلمين، ويجل كبيرهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر ~~عالمهم، وأن لا يضربهم فيذلوا، ولا يستأثر عليهم ms044 بالفيء فيغضبهم، ولا يحرمهم عطاياهم ~~عند محلها فيفقرهم، ولا يجمرهم في البعوث فيقطع نسلهم، ولا يجعل المال دولة بين ~~الأغنياء منهم، ولا يغلق بابه دونهم فيأكل قويهم ضعيفهم. # ولما أفضى الأمر إلى عثمان بن عفان حافظ على الأوضاع التي وضعها عمر، وكان أول كتبه ~~إلى أمراء الأجناد: «قد وضع لكم عمر ما لم يغب عنا بل كان على ملأ منا، ولا يبلغني ~~عن أحد منكم تغيير ولا تبديل فيغير الله ما بكم، ويستبدل بكم غيركم.» وكان أول كتبه ~~إلى عماله: «فإن الله أمر الأئمة أن يكونوا رعاة، ولم يتقدم إليهم أن يكونوا جباة، ~~وإن صدر هذه الأمة قد خلقوا رعاة ولم يخلقوا جباة، وليوشكن أئمتكم أن يصيروا جباة ولا ~~يكونوا رعاة، فإذا عادوا كذلك انقطع الحياء والأمانة والوفاء. ألا وإن أعدل السيرة ~~أن تنظروا في أمور المسلمين وفيما عليهم، فتعطوهم ما لهم وتأخذون بما عليهم، ثم تثنوا ~~بالذمة فتعطوهم الذي لهم وتأخذوهم بالذي عليهم.» وكتب إلى عمال الخراج: «أما بعد فإن ~~الله خلق الخلق بالحق، فلا يقبل إلا الحق، خذوا الحق وأعطوا الحق، والأمانة الأمانة ~~قوموا عليها ولا تكونوا أول من يسلبها فتكونوا شركاء من بعدكم إلى ما اكتسبتم، ~~والوفاء الوفاء لا تظلموا اليتيم ولا المعاهد فإن الله خصم لمن ظلمهم.» وكتب في ~~الأمصار أن يوافيه العمال في كل موسم ومن يشكوهم، وكتب إلى الناس في الأمصار أن ~~«ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، ولا يذل المؤمن نفسه فإني مع الضعيف على ~~القوي ما دام مظلوما إن شاء الله.» # واعتمد عثمان لأول ولايته في مشورته على من اعتمد عليهم الشيخان من قبل، وفي ~~الولايات على بعض من كانوا عمالا لعمر، ثم على أناس من أهله وعشيرته، وممن اعتمد ~~عليهم مروان بن الحكم. وكان مروان في ولايته على المدينة يجمع أصحاب الرسول يستشيرهم، ~~ويعمل بما يجمعون له عليه. ولم يكن عثمان مبتدعا بل كان متبعا؛ اتبع سيرة ~~العمرين # 76 # في الحكومة، وما عزل أحدا إلا من شكاة أو استعفاء من غير شكاة. ms045 وكثر ~~المال في أيامه فكان لا يتوقف في إنفاقه. قيل: إنه باع غنائم إفريقية بخمسمائة ألف ~~دينار وأعطاها مروان ولم يطالبه بها، ولم يزل المال متوفرا حتى لقد بيعت الجارية ~~بوزنها ورقا، وبيع الفرس بعشرة آلاف دينار، وبيع البعير بألف، والنخلة الواحدة ~~بألف، وأعطى عبد الله بن الأرقم - وكان عمر استعمله على بيت المال - ثلاثمائة ألف ~~درهم فأبى أن يقبلها وقال: عملت لله وإنما أجري على الله. # وكان عثمان جوادا ويحث عماله على الجود. قدم المدينة ابن خاله عبد الله بن عامر ~~فاتح خراسان وأطراف فارس وسجستان وكرمان وزابلستان وهي أعمال غزنة، فقال له عثمان: ~~صل قرابتك وقومك. ففرق في قريش والأنصار شيئا عظيما من الأموال ~~والكسوات، # 77 # وأرسل إلى علي بن أبي طالب # 78 # بثلاثة آلاف درهم وكسوة، فلما جاءته قال: الحمد لله أنا نرى تراث محمد ~~يأكله غيرنا. فبلغ ذلك عثمان فقال لابن عامر : قبح الله رأيك أترسل إلى علي بثلاثة ~~آلاف درهم؟ قال: كرهت أن أغرق ولم أدر ما رأيك. قال: فأغرق. قال: فبعث إليه ~~بعشرين ألف درهم وما يتبعها. قال: فراح علي إلى المسجد فانتهى إلى حلقة وهم يتذاكرون ~~صلات ابن عامر، هذا الحي من قريش. فقال علي: هو سيد فتيان قريش غير مدافع. وكان ~~ذلك من سياسة عثمان وحسن إدارته. # ومن ذلك أن عامله على الكوفة كتب إليه أن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغلب أهل الشرف ~~منهم والبيوتات والسابقة والقدمة، والغالب على تلك البلاد روادف ردفت وأعراب لحقت ~~حتى ما ينفر إلى ذي شرف ولا بلاء من نازلتها ولا نابتتها. فكتب إليه عثمان: «أما بعد؛ ~~ففضل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها بسببهم ~~تبعا لهم، إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به وقام به هؤلاء، واحفظ لكل ~~منزلته، وأعطهم جميعا بقسطهم من الحق فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل.» ~~ا.ه. # وكانت # 79 # مغازي أهل الكوفة في زمنه الري وآذربيجان، وكان بالثغرين عشرة آلاف ~~مقاتل من أهل ms046 الكوفة ستة آلاف بآذربيجان وأربعة بالري، وكان بالكوفة إذ ذاك أربعون ~~ألف مقاتل، وكان يغزو هذين الثغرين منهم عشرة آلاف في كل سنة، فكان الرجل يصيبه في كل ~~أربع سنين غزوة. # وضعفت الإدارة في النصف الأخير من عهد عثمان لشيخوخته، ولأنه لا يستطيع من كان في ~~سنه أن ينظر في جميع المسائل. واشتغل بعض كبار العمال بأطماعهم في الولايات، وشاغب ~~المحرومون على المنصوبين، وكثيرا ما كان يصر على تنفيذ أوامره لا يبالي كثيرا ~~بالشكاوى؛ لعلمه بأنها صادرة على الأكثر عن أغراض شخصية، وما نفع اللين ولا الشدة يوم ~~حم القضاء فكان من قتله ما كان. # ومن أهم الأسباب في مقتله غلطة إدارية بدرت منه ساق إليها الغضب والعجلة. قالوا: إنه ~~اجتمع # 80 # أناس من أصحاب النبي كتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة ~~رسول الله، وما كان من تطاوله في البنيان، وما كان من إفشائه العمل والولايات في ~~أهله وبني عمه من بني أمية أحداث وغلمة، لا صحبة لهم من الرسول ولا تجربة لهم ~~بالأمور، وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة؛ إذ صلى بهم الصبح وهو أمير عليها سكران ~~أربع ركعات، ثم قال لهم: إن شئتم أن أزيدكم ركعة زدتكم، وتعطيله الحد عليه وتأخيره ~~ذلك عنه «جلده حين شهد عليه بشرب الخمر، وأنه تعاطاها» وتركه المهاجرين والأنصار لا ~~يستعملهم على شيء، ولا يستشيرهم واستغنى برأيه عن رأيهم، وما كان من الحمى الذي حمى ~~حول المدينة، وما كان من إدراره القطائع والأرزاق والأعطيات على أقوام بالمدينة ليست ~~لهم صحبة من النبي ثم لا يغزون ولا يذبون، وما كان من مجاوزته الخيزران إلى ~~السوط، وأنه أول من ضرب بالسياط ظهور الناس، وإنما كان ضرب الخليفتين قبله ~~بالدرة والخيزران. # ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان، وكان ممن حضر الكتاب عمار بن ياسر ~~والمقداد بن الأسود وكانوا عشرة، فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى عثمان والكتاب في يد ~~عمار، جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده، فمضى حتى جاء ms047 دار عثمان فاستأذن عليه فأذن ~~له في يوم شات، فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أمية فدفع إليه الكتاب ~~فقرأه فقال له: أنت كتبت هذا؟ قال: نعم. قال: ومن كان معك؟ قال: كان معي نفر تفرقوا ~~فرقا منك. قال: ومن هم؟ قال: لا أخبرك بهم. قال: فلم اجترأت علي من بينهم؟ فقال ~~مروان: يا أمير المؤمنين، إن هذا العبد الأسود - يعني عمارا - قد جرأ عليك الناس، ~~وإنك إن قتلته نكلت به من وراءه. قال عثمان: اضربوه. فضربوه وضربه عثمان معهم حتى ~~فتقوا بطنه، فغشي عليه فجروه حتى طرحوه على باب الدار، وغضب فيه بنو المغيرة وكان ~~حليفهم؛ ذلك لأن عمارا كان من أعظم الصحابة، ومن النقباء في مجلس شورى الرسول، ~~ومناقبه كثيرة في الإسلام، فمثل هذا لا يضرب على هذه الصورة البشعة، ومكانته مكانته ~~بين المسلمين. والمثل العربي يقول: العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الملامة أو ~~الإشارة، ومعاملة عمار بهذه القسوة ساقته إلى أن كان من أعظم من ألب الناس على ~~عثمان، وخدم عليا ضروب الخدم حتى قتل في صفين. # ومن عمال عثمان: عبد الله بن الحضرمي، والقاسم بن ربيعة، وعبد الله بن عامر، وحبيب بن ~~مسلمة الفهري، وأبو الأعور الأسلمي، وعلقمة بن حكيم، وجابر بن فلان المزني، وسماك ~~الأنصاري، والقعقاع بن عمر، وجرير بن عيلان، والأشعث بن قيس، وعتيبة بن النهاس، ومالك ~~بن حبيب، وسعيد بن قيس، والسائب بن الأقرع، وعقبة بن عامر، ومعاوية بن أبي سفيان، ~~والغالب عليه مروان بن الحكم، وكان عثمان ست سنين في ولايته وهو أحب إلى الناس من عمر ~~بن الخطاب، وكان عمر رجلا شديدا # 81 # قد ضيق على قريش أنفاسها لم ينل أحد معه من الدنيا شيئا إعظاما له ~~وإجلالا وتأسيا به واقتداء، فلما وليهم عثمان وليهم رجل لين، ثم أنكر ~~الناس عليه أشياء أشرا وبطرا. قال ابن عمر: لقد عيبت عليه أشياء لو فعلها عمر ما ~~عيبت عليه. # أما طريقة علي بن أبي طالب فكانت أيضا في الإدارة طريقة ms048 من سبقوه إلى الإمامة: ~~يولي العامل، ويطلق يده على الجملة، ويكشف حاله، ويدعو عماله إلى التبلغ بميسور ~~العيش والرفق بالرعية، ويضع لهم المنهاج الذي يسيرون عليه. أوصى أحد عماله بأهل عمله ~~فقال: إذا قدمت عليهم فلا تبيعن لهم كسوة شتاء ولا صيفا، ولا رزقا يأكلونه ولا ~~دابة يعملون عليها، ولا تضرب أحدا منهم سوطا واحدا في درهم، ولا تقمه على رجله ~~في طلب درهم، ولا تبع لأحد منهم عرضا في شيء من الخراج، فإنما أمرنا أن نأخذ ~~العفو منهم. ومما كتبه إلى الأشتر النخعي وهو مما لم ينفذ وبقي في حيز الأقوال؛ لمقتل ~~الأشتر قبل أن يبلغ مصر قوله: «وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في إصلاحه ~~وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم؛ لأن الناس كلهم عيال على ~~الخراج وأهله، وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأن ذلك لا ~~يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم ~~يستقم أمره إلا قليلا ... وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها ~~لإشراف الولاة على الجمع، وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة انتفاعهم بالعبر.» # ومما جاء في هذا الكتاب: «ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا، ولا تولهم ~~محاباة وأثرة؛ فإنهم جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء ~~من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة؛ فإنهم أكثر أخلاقا، وأصح ~~أعراضا، وأقل في المطامع إشرافا، وأبلغ في عواقب الأمور نظرا، ثم أسبغ عليهم ~~الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، ~~وحجة عليهم إن خالفوا أمرك، أو ثلموا أمانتك. ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل ~~الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة ~~والرفق بالرعية، وتحفظ من الأعوان فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها ~~عليه عندك أخبار عيونك، اكتفت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه ...» وجاء في ~~هذا ms049 الكتاب أيضا: «ثم إن للوالي خاصة وبطانة، فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في ~~معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، ولا تقطعن لأحد من حاشيتك ~~وحامتك # 82 # قطيعة، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو ~~عمل مشترك يحملون مؤنته على غيرهم.» # ومن وصية لعلي بن أبي طالب كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات، وهي أشبه بالأوامر ~~العامة: «انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له، ولا تروعن مسلما، ولا تجتازن ~~عليه كارها، ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله. فإذا قدمت على الحي فانزل ~~بمائهم، من غير أن تخالط أبياتهم. ثم امض إليهم بالسكينة والوقار. حتى تقوم بينهم ~~فتسلم عليهم، ولا تخدج # 83 # بالتحية لهم، ثم تقول: عباد الله أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخذ ~~منكم حق الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه. فإن قال قائل: ~~لا. فلا تراجعه، وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه، أو توعده، أو ~~تعسفه أو ترهقه. فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة. فإن كان له ماشية أو إبل فلا ~~تدخلها إلا بإذنه، فإن أكثرها له، فإذا أتيتها فلا تدخل عليها دخول متسلط عليه، ~~ولا عنيف به، ولا تنفرن بهيمة ولا تفزعنها، ولا تسوءن صاحبها فيها، ~~واصدع المال صدعين ثم خيره، فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره. ثم اصدع ~~الباقي صدعين ثم خيره. فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره. فلا تزال كذلك حتى يبقى ~~ما فيه وفاء لحق الله في ماله، فاقبض حق الله منه، فإن استقالك فأقله، ثم ~~اخلطهما ثم اصنع مثل الذي صنعت أولا حتى تأخذ حق الله في ماله. ولا تأخذن ~~عودا # 84 # ولا هرمة ولا مكسورة ولا مهلوسة # 85 # ولا ذات عوار. ولا تأمنن عليها إلا من تثق بدينه، رافقا بمال المسلمين ~~حتى يوصله إلى وليهم فيقسمه بينهم، ولا توكل بها إلا ناصحا شفيقا وأمينا ~~حفيظا. غير معنف ولا مجحف ولا ms050 ملغب ولا متعب. # 86 # ثم أحدر إلينا ما اجتمع عندك نصيره حيث أمر الله، فإذا أخذها أمينك ~~فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة وبين فصيلها، ولا يمصر # 87 # لبنها فيضر ذلك بولدها، ولا يجهدنها ركوبا، وليعدل بين صواحباتها في ~~ذلك وبينها، وليرفه على اللاغب، وليستأن بالنقب والظالع، # 88 # وليوردها ما تمر به من الغدر، ولا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جواد ~~الطرق، وليروحها في الساعات، وليمهلها عند النطاف # 89 # والأعشاب، حتى تأتينا بإذن الله بدنا منقيات # 90 # غير متعبات ولا مجهودات، لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله ~~عليه وآله - فإن ذلك أعظم لأجرك وأقرب لرشدك إن شاء الله.» # ومن كتاب له إلى بعض عماله، وفيه جماع سياسة المخالفين والموافقين إذا جعله كل عامل ~~دستوره في عمله قال: «أما بعد، فإن دهاقين # 91 # أهل بلدك شكوا منك غلظة وقسوة واحتقارا وجفوة، ونظرت فلم أرهم أهلا لأن ~~يدنوا لشركهم، ولاأن يقصوا ويجفوا لعهدهم، فالبس لهم جلبابا من اللين ~~تشوبه بطرف من الشدة، وداول لهم بين القسوة والرأفة، وامزج لهم بين التقريب والإدناء، ~~والإبعاد والإقصاء إن شاء الله.» وكتب إلى زياد وكان عامله على فارس: «أما بعد، فإن ~~رسولي أخبرني بعجب؛ زعم أنك قلت له فيما بينك وبينه أن الأكراد هاجت بك فكسرت عليك ~~كثيرا من الخراج، وقلت له: لا تعلم بذلك أمير المؤمنين. يا زياد، وأقسم بالله إنك ~~لكاذب، ولئن لم تبعث بخراجك لأشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر ثقيل الظهر، إلا أن ~~تكون لما كسرت من الخراج محتملا.» وكتب إلى كعب بن مالك: «أما بعد، فاستخلف على ~~عملك، واخرج في طائفة من أصحابك حتى تمر بأرض كورة السواد فتسأل عن عمالي، وتنظر في ~~سيرتهم فيما بين دجلة والعذيب.» # قال اليعقوبي: # 92 # إن عليا حكم بأحكام عجيبة حتى إنه حرق قوما ودخن على آخرين، وقطع ~~بعض أصابع اليد في السرقة، وهدم حائطا على اثنين وجدهما على فسق، وكان يقول: استتروا ~~ببيوتكم والتوبة وراءكم، من أبدى صفحته للحق هلك، ms051 إن الله أدب هذه الأمة بالسوط ~~والسيف، وليس لأحد عند الإمامة هوادة. قالوا في القرآن أربعة سيوف: سيف على المشركين ~~حتى يسلموا أو يؤسروا فإما منا بعد وإما فداء، وسيف على المنافقين وهو سيف ~~الزنادقة، وقد أمر الله بجهادهم والإغلاظ عليهم في سورة براءة وسورة التحريم وآخر ~~سورة الأحزاب، وسيف على أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، وسيف على أهل البغي وهو ~~المذكور في سورة الحجرات، ولم يسل الرسول هذا السيف في حياته وإنما سله علي في ~~خلافته. وكان يقول: أنا الذي علمت الناس قتال أهل القبلة، وله # صلى الله عليه وسلم # سيوف أخرى ~~منها سيفه على أهل الردة وهو الذي قال فيه: «من بدل دينه فاقتلوه.» وقد سله أبو بكر ~~من بعده في خلافته على من ارتد من قبائل العرب، ومنها: سيفه على المارقين وهم أهل ~~البدع كالخوارج، وروي عن علي أن النبي أمر بقتال المارقين والناكثين والقاسطين، وقد ~~حرق علي طائفة من الزنادقة فصوب ابن عباس قتلهم، وأنكر عليه تحريقهم بالنار فقال ~~علي: ويح ابن عباس لبحاث عن الهنات. # وقالوا: إن # 93 # عليا كان يقسم ما في بيت المال كل جمعة حتى لا يترك فيه شيئا، ودخل ~~مرة إلى بيت المال فوجد الذهب والفضة فقال: يا صفراء اصفري، ويا بيضاء ابيضي وغري ~~غيري، لا حاجة لي فيك. وانتهى إليه أن أحد عماله يفرق ويهب الأموال وكان عليها، ولامه ~~أن قسم فيء المسلمين في قومه ومن اعتراه من السألة والأحزاب وأهل الكذب من الشعراء ~~كما يقسم الجوز. فأجابه عامله أنه منذ ولي العمل لم يرزأ من عمله دينارا ولا درهما ~~ولا غيرها، وأن العزل أهون عليه من هذه التهمة. وقال علي: لئن بقيت لنصارى بني تغلب ~~لأقتلن المقاتلة ولأسبين الذرية، فإني كتبت الكتاب بينهم وبين رسول الله على أن لا ~~ينصروا أولادهم. ورأى علي دارا للقاضي شريح عمرها فقومت عليه بثمانين دينارا ~~فوعظه وبكته ضمنا مع أنه كان يرزق خمسمائة درهم، وكان يقبل الهدية ويكافئ بمثلها، ~~وهو من أكبر قضاة ms052 الصدر الأول. # ومن مجموع هذه الفقرات من كتب علي بن أبي طالب عرفنا منزعه في تدبير الملك، وشدته ~~على من يطيل يده بالأذى إلى الرعية وإلى أموال الدولة، وكان هديه هدي أصحابه ~~الثلاثة من قبل، ولكن التوفيق أخطأه، استغرقت الفتن أيامه، أكثر من التنظيم ~~والإدارة، وفقد الاستقرار في البلاد للنزاع الذي قام بينه وبين خصومه. قال الجاحظ: لا ~~يعلم رجل في الأرض متى ذكر السبق في الإسلام والتقدم فيه، ومتى ذكرت النخوة ~~والذب عن الإسلام، ومتى ذكر الفقه في الدين، ومتى ذكر الزهد في الأمور التي ~~يتناصر الناس عليها، كان مذكورا في هذه الخلال كلها إلا علي. # ومما يعد من خطيئاته الإدارية: مبادرته إلى عزل جميع عمال عثمان، ولم يتربص بالأمر ~~وصول البيعة إليه من أهل الأمصار، # 94 # ولم يصخ إلى تحذير المحذرين، ولا نصح الناصحين، بل أبى من الإبقاء ~~عليهم أو أحدا منهم إباء تاما كأنه قد وقر في نفسه أن هؤلاء العمال لا يصلحون لأن ~~يلوا شيئا من أمر المسلمين، وأن الإبقاء على واحد منهم يوما كاملا نقص في دينه، ~~ولو أنه اتأد في الأمر، وعالجه برفق وأناة، واصطبر حتى استتب له الأمر وبايعه أهل ~~الأمصار لما كان في عزل الولاة شيء؛ لأن الخليفة هو الذي يعطي الولاة سلطانهم، فهو حر ~~في اختيار عماله. ولما طالبه أصحاب الرسول بإقامة الحد على من شرك في دم عثمان بين ~~لهم أن القوم الذين في أيديهم دم عثمان يملكون أهل المدينة وأهل المدينة لا يملكونهم، ~~وقد ثارت إليهم العبدان وفاءت إليهم الأعراب، وبأيديهم الحول والطول بالمدينة، وأهلها ~~لا يقدرون منهم على شيء، وطلب إليهم إنظاره حتى تهدأ الحال، ويتمكن من أخذ المجرمين ~~بذنوبهم. # ومن عماله: عبد الله بن عباس، وكان واليه على البصرة، وإليه الصدقات والجند والمعاون، ~~وقثم بن العباس، وعبيد الله بن عباس، وأبو الأسود الدؤلي، وسهل بن حنيف ~~وغيرهم. # | هوامش # | إدارة الأمويين # الإدارة على عهد معاوية بن أبي سفيان # ما عرفت للحسن بن علي طريقة في الإدارة؛ لأنه لم ms053 يطل أمره غير بضعة أشهر ~~وذلك في العراق والحجاز، أما سائر الأقطار فكانت في يد معاوية، ولكن عبد الله ~~بن عباس من أعظم أنصار علي كتب إلى الحسن أن يولي أهل البيوتات والشرف يستصلح ~~بهم عشائرهم حتى تكون الجماعة؛ فإن بعض ما يكره الناس ما لم يتعد الحق، وكانت ~~عواقبه تدعو إلى ظهور العدل وعز الدين، خير من كثير مما يحبون، إذا كانت ~~عواقبه تدعو إلى ظهور الجور ووهن الدين. حتى إذا كان عام الجماعة، ونزل الحسن ~~عن الخلافة، وأجمع المسلمون على استخلاف معاوية (41ه) التفت هذا إلى سياسة ~~الملك بحزم شديد وعزم أكيد، وقد كان من قبل يسوس الناس تحت سلطان أعظم من ~~سلطانه، فأصبح يسوسهم بسلطانه مباشرة، ولا يطلب منه حساب لغير نفسه وديانه. ~~وساعد معاوية على حسن إدارة الملك سابقة له من تجربة طويلة، ابتدأت منذ كان ~~كاتب وحي رسول الله يشهد روعة الرسالة، ويأخذ من البيئة النبوية، فتثقف على ~~أتم ما يكون من الكمال، ورأى منه أبو بكر وعمر ما رآه منه صاحبهما من الغناء ~~فولي الشام عشرين سنة تمرس # 1 # خلالها بالسياسة، واتسع أمامه أفق جديد من النظر، فأدهش من تولى ~~أمره بحلمه وعلمه وثاقب رأيه وفرط دهائه، وكان أبوه من قبل يعالج شئون الناس ~~ويتألفهم ويعرف ما يصلحهم، وعنه أخذ شيئا في هذا المعنى، والناشئ في مثل هذه ~~الأعمال يتحنك في الإدارة، ويكون إماما في صناعته. # حافظ معاوية على أصول الرسول والراشدين في الإدارة، وما حاد عنها إلا فيما قضت ~~به المصلحة، ودعا إليه المحيط الجديد، مثل إخراج الإدارة من سذاجة البداوة إلى ~~بحبوحة الحضارة، وعرف فوائد الشورى فما كان يصدر في المهمات إلا عن مشورة، فهو ~~يرى من الطبيعي أن يأخذ بآراء أشراف القوم، وينزل على حكم وفود # 2 # البلاد، وله ولآل بيته مجالس يعقدونها في المسجد الجامع، تدور ~~أبحاثها على سياسة البلاد وحكمها في الأكثر، ومجالس الأمويين أشبه بمجالس ~~النواب والشيوخ والولايات، وما كان الأمويون إلى الاستبداد بالرأي في معظم ~~حالاتهم، ولا ms054 سيما فيما له مساس بإصلاح الراعي والرعية. # كان معاوية يفض مشاكله بالحسنى، يلين للناس، ويشفع المجاملة بالإحسان، يوليه ~~كل ناب # 3 # نابه في قومه، سيد مسود في أهله، ولا تلين قناته لمن يحاول قلب ~~الخلافة وإخراجها عن بيته بعد أن آلت إليه، وما كان مع من يظلم رعاياه إلا ~~شديدا، ويستميل القلوب بالعطاء وبالإقناع أو بالإغضاء أو بالمجادلة بالتي هي ~~أحسن، وبلغ من سعة الصدر ووافر الحلم أن ضرب المثل بحلمه، وكان إذا لم تنجع ~~في الناس وسائله اللينة، يعمد بعد التماس كل حيلة إلى القوة، وهو القائل: ~~لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين ~~الناس شعرة ما انقطعت. وقيل: وكيف ذاك؟ قال: كنت إذا مدوها خليتها، وإذا ~~خلوها مددتها. وقال: إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا ~~وبين سلطاننا. ومن المستحيل كم # 4 # الأفواه أو تنطق بما يراد، ورضا الناس غاية لا تدرك. فما دام الأمر ~~يفض بالكلام، ولا يقوم رجل جد يقلقل أمر الجماعة فالعالم أحرار في أقوالهم، ~~ومتى لجئوا إلى القوة وتطالوا إلى الفتنة انكفأ عليهم بقوته، وما برحت همته ~~منذ تولى الحكم مصروفة إلى سياسة الدولة، وما عدا ذلك فالناس وما يختارون من ~~الآراء والمذاهب، وهو يستشير أرباب الرأي من أنصار دولته، ولا يأتمن في إدارة ~~الولايات والأعمال إلا الكفاة من آل بيته، فإذا اتفق أن كان فلا ينزع إلى كذا ~~أو يحب فلانا من خصومه أو يغلظ في بيان رأي يخالفه، فهذا مما لا يتعلق به كبير ~~أمر عنده. # فالسياسة هي كل ما حصر فيه معاوية وكده، ومن أجل توطيد دعائمها لجأ إلى طرق ~~في الدعوة مؤثرة، فجعل القصاص أو الوعاظ في المساجد والمعسكرات يدعون ~~لدولته، وينفرون من أعدائها، وذلك لما رأى عليا # 5 # عند منصرفه من صفين قنت في الصلاة ودعا على من خالفه. ~~فوقع في نفس معاوية أن يعامل عليا بالمثل، وأمر من يقص بعد الصبح وبعد المغرب ~~أن يدعو ms055 له ولأهل الشام، وحمل الأمصار على احتذاء مثاله في عاصمته، فأحدث قصص ~~الخاصة، عهد بها إلى رجال يهتمون بسلطانه. وظل قصاص العامة يجتمع إليهم ~~النفر من الناس يعظونهم ويذكرونهم، ويقصون عليهم ما يرق قلوبهم، وكان القصاص ~~إذا سلم الإمام من صلاة الصبح جلس فذكر الله وحمده ومجده وصلى على نبيه، ودعا ~~للخليفة ولأهله ولأهل بيته وجنوده، وعلى أهل حربه وعلى الكفار كافة. ومن القصاص ~~من كانوا يرفعون أيديهم في قصصهم كما كان سليم بن عتر قاص الجند زمان عمرو بن ~~العاص. # ويقول من أمعنوا في درس تاريخ معاوية أن دعوى سنه لعن علي # 6 # عقبى كل خطبة # 7 # لم يقم عليها دليل ثابت يركن إليه، وما من أثر يدل على أن هذا ~~اللعن تقدم مروان بن الحكم، وبذلك يبرأ معاوية من هذه الوصمة، وجلب لعن ~~الأمويين عليا من # 8 # البغضاء المستترة أكثر مما نالهم من الفائدة الحقيقية، كما أخطأ ~~معاوية بإطلاق يد زياد في سياسة القمع في العراق على صورة هائلة تخالف ما كانت ~~عليه سياسة معاوية من اللين، وكان عليه أن يطبق بنفسه هذه السياسة مباشرة، ~~وانتشر لعن الطالبيين للأمويين ولعن الأمويين للطالبيين في كل مكان، وقد لعن ~~الأمويون عليا على منابرهم نحو ألف شهر، ولم تبطل هذه البدعة السيئة إلا في ~~عهد عمر بن عبد العزيز، استعاض عنها بآية: # ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان # الآية، وقيل: بل جعل مكان ذلك: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر # وقيل بل جعلهما جميعا، وكان العلويون يقنتون عقب ~~الصلوات يلعنون بني أمية يشفون بذلك نفوسهم الثائرة، من أجل دماء مطلولة، ~~وطوائل # 9 # طويلة، وملك مستأثر به. # واقتفى معاوية فعل عمر بن الخطاب في العلم بأخبار رجاله ورعيته فانتظم له أمره، ~~وكذا كان زياد بن أبيه وعبد الملك والحجاج. قال الجاحظ: ثم لم يكن بعد هؤلاء ~~أحد في مثل هذه السياسة حتى ملك المنصور، ونقل عن زياد أن رجلا كلمه في ~~حاجة، وجعل يتعرف إليه، ms056 ويظن أن زيادا لا يعرفه فقال: أنا فلان بن فلان، فتبسم ~~زياد وقال له: أتتعرف إلي وأنا أعرف منك بنفسك؟ والله إني لأعرفك وأعرف أباك ~~وأمك وأعرف جدك وجدتك وأعرف هذا البرد الذي عليك وهو لفلان وقد أعارك إياه، ~~فبهت الرجل وأرعد # 10 # حتى كاد يغشى عليه. # قلنا: إن معاوية كان يتخير عماله من كفاة أهل بيته أو من غيرهم من رجال دولته ~~وأنصار دعوته، وقد انتهى إلى علمه أن ابن أخته عبد الرحمن بن ~~أم الحكم عامله على الكوفة قد أساء السيرة ~~في إمارته فعزله وأقصاه عن الحكم، وقيل: إن سبب عزله أن عبد الله بن همام ~~السلولي قال شعرا وكتبه في رقاع ألقاها في المسجد الجامع وهي: # ألا أبلغ معاوية بن صخر # فقد خرب السواد فلا سوادا # أرى العمال أقساء علينا # بعاجل نفعهم ظلموا العبادا # فهل لك أن تدارك ما لدينا # وتدفع عن رعيتك الفسادا # وتعزل تابعا أبدا هواه # يخرب من بلادته البلادا # إذا ما قلت أقصر عن هواه # تمادى في ضلالته وزادا # وكان معاوية إذا أراد أن يولي رجلا من بني حرب ولاه الطائف، فإن رأى منه ~~خيرا وما يعجبه ولاه مكة معها، فإن أحسن الولاية وقام بما ولي قياما حسنا ~~جمع له معهما المدينة. فكان إذا ولى الطائف رجلا قيل هو في أبي جاد، فإذا ولاه ~~مكة قيل هو في القرآن، فإذا ولاه المدينة قيل هو قد حذق. # 11 # وأوصى أحد أقاربه ممن استعمله فقال: لا تبيعن كثيرا بقليل، وخذ لنفسك من ~~نفسك، واكتف فيما بينك وبين عدوك بالوفاء تخف عليك المؤنة وعلينا منك، وافتح ~~بابك للناس. وقال لآخر: إذا أعطيت عهدا فف به، ولا تخرجن منك أمرا حتى ~~تبرمه، فإذا خرج فلا يردن عليك، ولا تطمعن أحدا في غير حقه ولا تؤيسن ~~أحدا من حق له. قواعد وضعها معاوية لعماله وفيها شيء من الأساليب لكف ~~الناس بعضهم عن بعض، وإرضاء كل واحد بحقه، وتوفير ثقة الرعايا بولاتهم؛ ~~ليعتقدوا أنهم لا يكذبون، وأنهم إذا قالوا فعلوا. ms057 # ومن يمن الدولة الأموية أن كانت لا تستعمل من العمال إلا من ثبتت كفاءته ~~ونجدته في تأييد سلطانها، يمحضونها النصح، ولا يغفلون عن تعهد حال الناس، وكشف ~~ظلاماتهم، واتخاذ الطرق المفضية إلى ما فيه راحتهم وهناؤهم، وإذا تبرم أهل قطر ~~بتدابير من وليهم ينقله الخليفة إلى قطر آخر يستعيض عنه أكفأ منه أو من كان ~~على شاكلته أو ألين منه عريكة، يريد عاملا حقيقيا للعمل لا عملا لعامل ~~يرزقه، يتطلب عاملا إذا عرضت له المعضلات أن يفتق له وجه الحيلة ما يتوجه له ~~فيه وجه. أوعز زياد إلى والي خراسان أن يصطفي لمعاوية الصفراء والبيضاء فلا ~~يقسم في الناس ذهبا ولا فضة؛ عملا بكتاب ورد عليه من الخليفة. فكتب والي ~~خراسان إلى زياد: بلغني ما ذكرت من كتاب أمير المؤمنين وإني وجدت كتاب الله ~~تعالى قبل كتاب أمير المؤمنين، وإنه والله لو أن السماء والأرض كانتا ~~رتقا # 12 # على عبد ثم اتقى الله جعل له مخرجا، والسلام. وقسم الفيء بين ~~الناس من الذهب والفضة، ولم ينفذ ما أمر به الخليفة من أمر يجحف بأرباب ~~الاستحقاق في العطاء من الجند والعمال؛ ذلك لأنه رأى في ولايته ما لم يره ~~الخليفة ولا عامله الأكبر زياد. وهذا مما يشعر بما كان للعامل الأمين في عهد ~~معاوية من الحرية فيما يرتئيه لإصلاح عمله. والإدارة في قطر قد لا تصلح لقطر ~~آخر، والحاضر يرى ما لا يراه الغائب. # قال زياد: ما غلبني أمير المؤمنين إلا في واحدة، طلبت رجلا فلجأ إليه ~~وتحرم # 13 # به. فكتب إليه: إن هذا فساد لعملي إذا طلبت رجلا لجأ إليك وتحرم ~~بك. فكتب إليه معاوية: إنه لا ينبغي أن نسوس الناس بسياسة واحدة فيكون مقامنا ~~مقام رجل واحد، ولكن تكون أنت للشدة والغلظة، وأكون أنا للرأفة والرحمة، ~~فيستريح الناس بيننا. وأعظم بمثل هذا الدهاء! وقديما قالوا: الدهاة أربعة؛ ~~معاوية للروية، وعمرو بن العاص للبديهة، والمغيرة بن شعبة للمعضلات، ~~وزياد لكل كبيرة وصغيرة. وقال بعضهم: دهاة العرب وذوو الرأي والمكيدة: معاوية ms058 ~~وعمرو والمغيرة وقيس بن سعد وعبد الله بن بديل بن ورقاء. وأربعة ممن ذكر ~~دبروا ملك بني أمية والآخران كانا من جماعة علي. # علمنا أن معاوية ما كان يستخدم الحسام، إذا أجزأه # 14 # الكلام، رمى أهل مصر بعمرو بن العاص لأنهم اشتركوا في مقتل عثمان، ~~كما اشتركت الكوفة والبصرة وبعض أهل المدينة، ولما هلك ولى مصر أخاه عتبة بن ~~أبي سفيان، # 15 # وكان والي عمر على الطائف وصدقاتها، وهو من بلغاء الخطباء، قيل: ~~لم يكن في بني أمية أخطب منه. فاشتد على أهل مصر وطأمن من جماحهم، وأدخل الرهبة ~~على قلوبهم. ومن جملة ما خطبهم، وفيه نموذج من خطته وخطة أخيه، قوله: # يا أهل مصر، خف على ألسنتكم مدح الحق ولا تفعلونه، وذم الباطل ~~وأنتم تأتونه، كالحمار يحمل أسفارا أثقله حملها ولم ينفعه علمها، ~~وإني والله لا أداوي أدواءكم بالسيف، ولا أبلغ السيف ما كفاني ~~السوط، ولا أبلغ السوط ما كفتني الدرة، ولا أبطئ عن الأولى إن لم ~~تصلحوا عن الأخرى، ناجزا # 16 # بناجز، ومن حذر كمن بشر، فدعوا قال ويقول، من قبل ~~أن يقال فعل ويفعل، فإن هذا اليوم الذي ليس فيه عقاب، ولا بعده ~~عتاب. وخطب الناس بمصر عن موجدة # 17 # فقال: يا حاملي ألأم آنف # 18 # ركبت بين أعين، إني إنما قلمت # 19 # أظفاري عنكم ليلين مسي لكم، وسألتكم صلاحكم؛ إذ كان ~~فسادكم باقيا عليكم، فأما إذا أبيتم إلا الطعن على السلطان، ~~والتنقص للسلف، فوالله لأقطعن بطون السياط على ظهوركم، فإن حسمت ~~أدواؤكم وإلا فإن السيف من ورائكم، فكم من حكمة منا لم تعها ~~قلوبكم، ومن موعظة منا صمت عنها آذانكم، ولست أبخل عليكم ~~بالعقوبة، إذ جدتم بالمعصية، ولا أويسكم من مراجعة الحسنى، إن ~~صرتم إلى التي هي أبر وأتقى. # واستخلف عتبة هذا عاملا له على أهل مصر، وكانت له شدة، فامتنع عليه بعض أهلها ~~فكتب إلى عتبة. فقدمها فدخل المسجد ورقي المنبر، وقال: يا أهل مصر، قد كنتم ~~تعذرون ببعض المنع منكم لبعض الجور عليكم، وقد ms059 وليكم من إن قال فعل، فإن ~~أبيتم درأكم # 20 # بيده، فإن أبيتم درأكم بسيفه، ثم جاء في الآخر ما أدرك في ~~الأول: إن البيعة شائعة، لنا عليكم السمع، ولكم علينا العدل، وأينا غدر فلا ذمة ~~له عند صاحبه. فناداه المصريون من جانب المسجد: «سمعا سمعا.» فناداهم: «عدلا ~~عدلا.» تهديد نافع هدد به عتبة أهل مصر ليحملهم على الطاعة، ويدفع عن البلاد ~~غائلة الفتن بموعظته في خطبته، وأسلوب جميل في الإدارة من أنفع الطرق التي تنجع ~~فيها الخطابة السياسية. # وكلما لمح عتبة شرارة الفتنة خطب القوم بما يطفئها من معين بلاغته. احتبست ~~كتب معاوية حتى أرجف أهل مصر بموته، ثم ورد كتابه بسلامته؛ فصعد عتبة المنبر ~~والكتاب بيده وقال: «يا أهل مصر، قد طالت معاتبتنا إياكم بأطراف الرماح ~~وظبات # 21 # السيوف حتى صرنا شجى في لهواتكم # 22 # ما تسيغنا حلوقكم، وأقذاء # 23 # في أعينكم ما تطرف عليها جفونكم، فحين اشتدت عرى الحق عليكم عقدا، ~~واسترخت عقد الباطل منكم حلا؛ أرجفتم بالخليفة وأردتم توهين السلطان، وخضتم ~~الحق إلى الباطل، وأقدم عهدكم به حديث؟ فاربحوا أنفسكم إذ خسرتم دينكم، فهذا ~~كتاب أمير المؤمنين بالخبر السار عنه، والعهد القريب منه، واعلموا أن سلطاننا ~~على أبدانكم دون قلوبكم، فأصلحوا لنا ما ظهر نكلكم إلى الله فيما بطن، وأظهروا ~~خيرا وإن أسررتم شرا، فإنكم حاصدون ما أنتم زارعون، وعلى الله نتوكل وبه ~~نستعين.» ا.ه. # وخطب عتبة في الموسم في سنة إحدى وأربعين، وعهد الناس حديث بالفتنة، فاستفتح ثم ~~قال: «أيها الناس إنا قد ولينا هذا الموضع الذي يضاعف الله فيه للمحسن الأجر، ~~وعلى المسيء الوزر، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا، فإنها تنقطع دوننا، ورب ~~متمن حتفه في أمنيته، اقبلوا العافية ما قبلناها منكم وفيكم.» وقد عرفنا ~~بهذه النموذجات من الخطب كيف أخذ بنو أمية يصفون البلاد من كدورات الفتنة، ~~وبعتبة وبأمثاله أدخلوا الناس في الطاعة، وكانوا ركبوا رءوسهم # 24 # في الغوائل وأوغلوا، وبعتبة وبأمثاله من العمال الذين كانوا يعملون ~~للجماعة بعقولهم وقلوبهم، وهم على اقتناع من ms060 صحة دعواهم، دفعوا الناس إلى ~~الانقطاع إلى أعمالهم، واضطروهم إلى أن يتركوا الخوض في سياسة الملك، إلى من ~~يحسن القيام عليها. ومن نظر في سيرة أولئك العمال يأخذه العجب من عفتهم عن ~~الأموال، وتبلغهم بالقليل، وإنفاقهم بلا حساب لتأليف الشارد واستمالة الخصم ~~المعاند؛ فقد ذكر المؤرخون أن عمرو بن العاص الذي ولي مصر مرتين، وجعلها له ~~معاوية في المرة الثانية طعمة بعد الإنفاق على مرافقها إذا هو ساعده على قتال ~~علي. إن هذه الطعمة لم تعد على عمرو بثروة تذكر، وما اشتد عمرو على أهل مصر ~~اشتداد عتبة لأن هذا كان في سن الكهولة وعمرو في سن الشيخوخة، والشيوخ في ~~الإدارة أقرب إلى الحنكة # 25 # والروية من الشباب على الأغلب. أما سائر عمال الدولة فكانوا بحسب ~~الحال: على طريقة عتبة الناطقة أو على طريقة عمرو الصامتة. # كانت العراق بعد حوادث علي تغلي غليان المرجل # 26 # بالثوار، وتعج بأرباب الشغب، فرماهم معاوية بزياد بن أبي سفيان ~~فخطب أهلها قائلا: «حرام علي الطعام والشارب حتى أسويها بالأرض هدما ~~وإحراقا، إياي ودلج # 27 # الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وإياي ودعوى الجاهلية ~~فإني لا أجد أحدا دعا بها إلا قطعت لسانه، وقد أحدثتم أحداثا وأحدثنا لكل ذنب ~~عقوبة، فمن غرق قوما أغرقته، ومن أحرق قوما أحرقته، ومن نقب بيتا نقبت عن ~~قلبه، ومن نبش قبرا دفنته فيه حيا، فكفوا أيديكم وألسنتكم أكف عنكم، وقد ~~كانت بيني وبين أقوام أشياء قد جعلتها دبر أذني وتحت قدمي، فمن كان محسنا ~~فليزدد، ومن كان مسيئا فلينزع. إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السل من بغضي لم ~~أكشف له قناعا، ولم أهتك له سترا، حتى يبدي لي صفحته # 28 # فإذا فعل ذلك لم أناظره، فأعينوا على أنفسكم وأتنفوا # 29 # أمركم.» ومعنى هذا أن زيادا أعلن في العراق الإدارة العرفية ~~العسكرية، وصرح بأنه يتناسى ما سبق للقوم من الخطيئات للدولة ولنفسه، إذا ~~أحسنوا السيرة، وأنه ينوي افتتاح عهد جديد يغاث فيه الناس ويستريح السلطان. ~~ومع ms061 هذه الشدة البادية في كلام # 30 # زياد كان يبعث إلى الجماعة منهم، فيقول: ما أحسب الذي يمنعكم من ~~إتياني إلا الرجلة # 31 # فيقولون: أجل. فيحملهم ويقول: اغشوني الآن واسمروا عندي. يحاول ~~تألفهم والوقوف على آرائهم من طرف خفي، والبعد جفاء، والعامل مضطر إلى أن يعلم ~~البواطن والظواهر، ولا ميدان لالتقاط الفوائد إلا في المجالس الخاصة. قال عمر ~~بن عبد العزيز: قاتل الله زيادا جمع لهم كما تجمع الذرة، وحاطهم كما تحوط الأم ~~البرة، وأصلح العراق بأهل العراق، وترك أهل الشام في شامهم، وجبى العراق مائة ~~ألف ألف وثمانية عشر ألف ألف. ا.ه. # كان زياد إذا ولى رجلا قال له: خذ عهدك وسر إلى عملك، واعلم أنك مصروف رأس ~~سنتك، وأنك تصير إلى أربع خلال فاختر لنفسك: إذا وجدناك أمينا ضعيفا استبدلنا ~~بك لضعفك، وسلمتك من موتنا أمانتك، وإن وجدناك خائنا قويا استهنا بقوتك، ~~وأحسنا على خيانتك أدبك فأوجعنا ظهرك، وأثقلنا غرمك، وإن جمعت علينا الجرمين، ~~جمعنا عليك المضرتين، وإن وجدناك أمينا قويا زدنا في عملك، ورفعنا لك ~~ذكرك، وأكثرنا مالك وأوطأنا # 32 # عقبك. # مثال من أعمال عمال معاوية، وما يريدون أن يكون عليه من يتصرفون للسلطان ~~ليستقيم أمر البلاد. وكان زياد يقول : استوصوا بثلاثة منكم خيرا: الشريف ~~والعالم والشيخ؛ فوالله لا يأتيني شيخ بشاب قد استخف به إلا أوجعته، ولا ~~يأتيني عالم بجاهل استخف به إلا نكلت به، ولا يأتيني شريف بوضيع استخف به إلا ~~انتقمت له منه. قال زياد لحاجبه: كيف تأذن للناس؟ قال: على البيوتات، ثم على ~~الأنساب، ثم على الآداب. قال: فمن تؤخر؟ قال: من لا يعبأ الله بهم. قال: ومن ~~هم؟ قال: الذين يلبسون كسوة الشتاء في الصيف وكسوة الصيف في الشتاء. وقال ~~لحاجبه: وليتك حجابتي وعزلتك عن أربع: هذا المنادي إلى الله في الصلاح ~~والفلاح لا توقفه عني، ولا سلطان لك عليه، وطارق الليل لا تحجبه، فشر ما جاء ~~به، ولو كان خيرا ما جاء في تلك الساعة، ورسول صاحب الثغر، فإن أبطأ ساعة فسد ms062 ~~عمل سنة، وصاحب الطعام فإن الطعام إذا أعيد تسخينه فسد. قال العتبي: كان في ~~مجلس زياد مكتوب: «الشدة في غير عنف، واللين في غير ضعف، المحسن يجازى ~~بإحسانه، والمسيء يعاقب بإساءته، الأعطيات في أيامها، لا احتجاب من طارق ولا ~~صاحب ثغر.» وكان زياد يؤثر الأعمال على الأقوال؛ لعلمه بأنها تنادي على نفسها؛ ~~فقد بنى بالبصرة أحياء ودورا ومساجد وحفر أنهارا وترعا، وكل ما بنى فيها أو ~~صنع فإنه نسب إلى غيره. # 33 # وزياد في الواقع لم يزل بالمداراة من يوم كان أميرا على فارس، وهي تضرم ~~نارا # 34 # حتى عادوا إلى ما كانوا عليه من الطاعة والاستقامة، لم يقف موقفا ~~للحرب، وكان أهل فارس يقولون: ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنوشروان من سيرة ~~هذا العربي في اللين والمداراة والعلم بما يأتي. ولما قدم فارس بعث إلى رؤسائها ~~فوعد من نصره ومناه وخوف قوما وتوعدهم، وضرب بعضهم ببعض، ودل بعضهم على ~~عورة بعض، وهربت طائفة وأقامت طائفة، فقتل بعضهم بعضا، وصفت له فارس فلم ~~يلق فيها جمعا ولا حربا، وفعل ذلك بكرمان. وقدم زياد العراق وهي جمرة ~~تشتعل # 35 # فسل أحقادهم وداوى أدواءهم. وابنه عبد الله تولى العراق بعده، وهو ~~أول من عرف العرفاء، ودعا الفقراء، ونكب # 36 # المناكب، وحصل الدواوين، ومشى بين يديه بالعمد ووضع الكراسي، وعمل ~~المقصورة ولبس الزيادي، وربع الأرباع بالكوفة، وخمس الأخماس بالبصرة، وأعطى ~~في يوم واحد للمقاتلة والذرية من أهل البصرة والكوفة، وبلغ بالمقاتلة من أهل ~~الكوفة ستين ألفا ومقاتلة البصرة ثمانين ألفا والذرية مائة ألف وعشرين ألفا. ~~وضبط زياد وابنه عبد الله العراق بأهل العراق. هكذا كانت أعمال العمال تسير على ~~أجمل مثال. # كتب معاوية إلى سليم بن عتر قاضي مصر يأمره بالنظر في الجراح والحكم فيها، ~~وكان الرجل إذا أصيب فجرح بذلك الجرح فقصته على عاقلة # 37 # الجارح، ويرفعها إلى صاحب الديوان، فإذا حضر العطاء اقتضى من ~~أعطيات عشيرة الجارح ما وجب للمجروح وينجم # 38 # ذلك في ثلاث سنين. والقاضي سليم هذا أول ms063 من سجل في مصر سجلا ~~بقضائه، وذلك أنه اختصم إليه في ميراث فقضى بين الورثة، ثم تناكروا فعادوا ~~إليه، فقضى بينهم وكتب كتابا بقضائه، وأشهد فيه شيوخ الجند ثم سجله. وكان من ~~سياسة معاوية أن يحمي عماله الصادقين، وما كان يقيد من عماله ويدي # 39 # من بيت المال. # وابتكر معاوية في الدولة أشياء لم يسبق أحد إليها، # 40 # منها: أنه أول من وضع الحشم للملوك، ورفع الحراب بين أيديهم، ووضع ~~المقصورة التي يصلي فيها الخليفة منفردا عن الناس، وهو أول مسلم غزا في البحر ~~وأنشأ الأسطول في صناعة صور وعكا وطرابس، وغزا الروم، ولما فتح قبرص ورودس كان ~~معه 1700 سفينة، وأهم ما قام به: تنظيم الجيش، فضاعف عطاءه، ووقت أوقاتا ~~لتناول أرزاق الجند، ووفق إلى استخدام أكبر رجال الإدارة وأعظمهم: زياد ثم عمرو ~~بن العاص والمغيرة بن شعبة والضحاك بن قيس وأبو الأعور السلمي ومسلم بن عقبة ~~وبسر بن أبي أرطاة وحبيب بن سلمة، وكان إذا لامه أهله على كثرة بذله المال ~~للعلويين والهاشميين أجابهم: إن الحرب تستلزم نفقات أكثر من هذا العطاء. # وهو أول من وضع البريد، أحضر رجالا من دهاقين الفرس وأهل عمال الروم فعرفهم ما ~~يريد فوضعوا له البريد، واتخذوا له بغالا بأكف كان عليها سفر البريد ، وكان لا ~~يجهز عليه إلا الخليفة أو صاحب الخبر؛ لتسرع إليه أخبار بلاده من جميع أطرافها. ~~وهو الذي اخترع ديوان الخاتم وحزم الكتب ولم تكن تحزم. واستكتب عبد الله بن ~~أوس الغساني سيد أهل الشام، وجعل على كل قبيلة من قبائل مصر رجلا يصبح كل يوم ~~فيدور على المجالس، فيقول: هل ولد الليلة فيكم مولود؟ وهل نزل بكم نازل؟ ~~فيقال: ولد لفلان غلام ولفلان جارية. فيكتب أسماءهم، ويقال: نزل بهم رجل من أهل ~~كذا بعياله. فيسميه وعياله، فإذا فرغ من القبيل أتى الديوان حتى يثبت ذلك، وعلى ~~هذا كانت الدولة تحصي السكان، ولا يفوتها خبر من ينتقل في أرجاء ~~البلدان. # واستخدم معاوية النصارى في مصالح الدولة، وكان عمر يمتنع ms064 من استخدامهم إلا إذا ~~أسلموا، فعهد إلى سرجون بن منصور، ثم إلى ابنه منصور بن سرجون من نصارى الشام، ~~بإدارة أمواله. وكان منصور والد سرجون على المال في الشام من عهد هرقل قبل ~~الفتح، ساعد المسلمين على قتال الروم بأن أبى أن يمسك الرجال بالمال # 41 # قائلا: إن الملك أي هرقل غير محتاج إلى هذا العسكر العظيم؛ لأنه ~~يحتاج إلى مال كثير وليس بدمشق مال عظيم، قالوا: إنه أراد بذلك أن يسمع الرجال ~~أن ليس بدمشق مال يعطيهم، فيتفرق الجند ويسلم المدينة إلى العرب. # كان معاوية يحب الانتفاع من كل قوة تستخدم في قيام الدولة، وتعين على انتظام ~~الجماعة، ولما رحل جبلة بن الأيهم # 42 # إلى الروم، وارتد عن إسلامه، دعاه معاوية بن أبي سفيان إلى الرجوع ~~إلى الإسلام، ووعده إقطاع الغوطة بأسره. يريد بذلك تلافي خطأ عمر بن الخطاب يوم ~~أبى إلا إقامة الحد على جبلة فكان من ذلك فراره إلى الروم، و«كان آل جفنة عمال ~~القياصرة على عرب الشام كما كان آل نصر عمال الأكاسرة على عرب العراق.» # وباتخاذ دمشق دار الخلافة بعد أن كانت دار إمارة الشام وحدها، انتقلت سياسة ~~الملك من المدينة فكثر سكان الفيحاء من العرب، يقصدها طلاب العمل وغيرهم من ~~الأقطار، ويختص الخليفة أهل الشام بعنايته ، ويستعمل الصالحين من أهل الذمة في ~~أعماله الإدارية. ورأى النصارى أكثرية في الشام، فنقل إلى السواحل قوما من زط ~~البصرة والسيابجة، وأنزل بعضهم أنطاكية، وأصل الزط من السند يغلب السواد على ~~سحناتهم، ونقل قوما من فرس بعلبك وحمص وأنطاكية إلى سواحل الأردن وصور ونقل من ~~أساورة # 43 # البصرة والكوفة وفرس بعلبك وحمص إلى أنطاكية جماعة. هذا عدا ~~القبائل العربية التي أسكنها الشام فمزجهم بأهلها الأصليين حتى يكون آمنا في ~~دار ملكه. وبعمله هذا أصبح الساحل الشامي غاصا بالعجم والعرب؛ وذلك تفاديا ~~من أن يستأثر النصارى وحدهم بمفتاح البلاد من البحر، وفي مزج العرب بالفرس ~~بسكان البلاد الأصليين يصبح كل عنصر رقيبا على العنصر الآخر ومنافسا له. ~~ولما صالح ms065 صاحب قبرص خير أهلها بين أن يسكنوا الشام أو يرتحلوا إلى بلاد ~~الروم. ولئن غدت دمشق قبلة الإسلام ودار الملك فقد ظلت المدينة عاصمة الفقه ~~والدين مدة خلافته وخلافة من خلفوه، وما جعل مقره في الشام إلا لأن أهلها أحبوه ~~لما بلوه، وكفى بعهد إمارته عليهم أن يعرفهم ويعرفوه، ويطبع طباعهم بطابع ~~الطاعة والتزام جانب الجماعة. وخصلة أخرى أيضا: وهي أن دمشق متوسطة بين البلاد ~~الإسلامية أكثر من الحجاز، وفي الشام من الخيرات الطبيعية والأعمال الصناعية ما ~~يمتار منه الجيش ويرتفق، وما يترفه به العلية من رجال الدولة ويقوون، ونحن على ~~صواب إذا قلنا: إن دمشق أصبحت في عهد معاوية ثم في عهد الخلفاء مدرسة يتخرج ~~فيها القواد والأمراء والجند. # ومن أهم ما قام به معاوية للتأثير في الرأي العام: حسن معرفته باستخدام ~~الشعراء # 44 # وكان الشعراء كأرباب الصحافة في ذاك العصر، فانتفع بهم لمصلحة ~~الدولة، وتكوين الوطنية العربية، فأبعد الشعر عن الهجو المألوف بين القبائل ~~وجعله أداة عمل صالحة. ولم يغفل معاوية في وقت من الأوقات عن تعهد الزراعة ~~وعني بها في الحجاز عناية خاصة، فأحيا موات الأرضين، واحتفر الآبار ~~للسقيا، وأقام أسدادا للانتفاع بالمياه، وسرت أسرته ومعاصروه على طريقته، ~~فشهدت الحجاز قرنا من الارتقاء لم تره من بعد. هذا مع أن طبيعة الحجاز ~~قاسية غير ملائمة، ولكن الخليفة العاقل ما أحب لأهل الحجاز أن يعيشوا من ~~العطايا والصدقات وموسم الحج؛ لأنها موارد غير طبيعية في المعاش، ومذاهب في ~~الاتكال لا يؤمن مع زوالها عيش ونعمة. وصالحت الروم معاوية على أن يؤدي إليهم ~~مالا وارتهن معاوية منهم رهناء فوضعهم ببعلبك، ثم إن الروم غدرت فلم يستحل ~~معاوية والمسلمون قتل من في أيديهم من رهنهم وخلوا سبيلهم، وقالوا: وفاء بغدر ~~خير من غدر بغدر. # كان معاوية في الإبداع بتأسيس دولة الأمويين كعمر بن الخطاب في إبداعه بإنشاء ~~دولة الراشدين، ومع هذا فقد قيل: إن أحد الصلحاء سئل أيام معاوية كيف تركت ~~الناس قال: تركتهم بين مظلوم لا ينتصف وظالم لا ms066 ينتهي. كأنه يريد أن تكون إدارة ~~الملك على عهد ابن أبي سفيان، كما كانت على عهد عمر بن الخطاب، وفاته أن لكل ~~عصر طريقته ورجاله. والغالب أن البعيد لا يقدر الأمور بقدرها كالقريب، وأرباب ~~الصلاح يتوهمون أن العدل المطلق يستفيض في الناس بأمر من الخليفة أو بعناية ~~عماله وحدهم، وأن كل خير لا يأتي إلا من السلطان، أما المحكومون فليس لهم ~~كبير أثر في إفاضة العدل في العالم ولا تلحق بهم تبعة، والنقد سهل، والصعوبة في ~~الإبداع. # قال المسعودي - وهو مشهور بتشدده في تشيعه: وأخبار معاوية وسياساته وما أوسع ~~الناس من أخلاقه، وما أفاض عليهم من بره وإعطائه وشملهم من إحسانه، مما اجتذب ~~به القلوب، واسترعى به النفوس؛ حتى آثروه على الأهل والقرابات. وقد كان ائتم ~~بأخلاقه جماعة بعده مثل عبد الملك بن مروان وغيره فلم يدركوا حلمه، ولا إتقانه ~~للسياسة، ولا التأني للأمور، ولا مداراته للناس على منازلهم، ورفقه بهم، ورفعه ~~لهم على طبقاتهم. # إدارة يزيد ومعاوية الصغير ومروان وابنه عبد الملك # مضت أيام معاوية الطويلة؛ عشرون سنة أميرا وعشرون أخرى خليفة، وأوصى ابنه يزيد ~~عند موته بقوله: انظر أهل الحجاز فهم عصابتك وعترتك، فمن أتاك منهم فأكرمه، ومن ~~قعد عنك فتعاهده، وانظر أهل العراق فإن سألوك عزل عامل في كل يوم فاعزله عنهم، ~~فإن عزل عامل واحد أهون عليك من سل مائة ألف سيف، ثم لا تدري علام أنت عليه ~~منهم. ثم انظر أهل الشام فاجعلهم الشعار دون الدثار، فإن رابك من عدو ريب فارمه ~~بهم، فإن أظفرك الله فاردد أهل الشام إلى بلادهم لا يقيموا في غير بلادهم، ~~فيتأدبوا بغير آدابهم. وجه نصيحته إلى قلب المملكة الحجاز والعراق والشام؛ ~~لأنها إذا استقامت لا يخشى على الأطراف. # وقد كان معاوية عني في آخر أمره بتخريج يزيد ابنه وولي عهده يستشيره في ~~المسائل الطارئة، ويأخذ برأيه أحيانا، ويبعث همته على العمل؛ ليتولى الأمر عن ~~كفاءة، وقد علمه أنساب الناس والنجوم والعربية، أقام أستاذا له في ذلك دغفل ~~بن حنظلة ms067 الشيباني، ومشى يزيد في إدارته على أثر أبيه، فكان لا يضن بالمال مهما ~~عظم في سبيل الخلافة. وفد عليه عبد الله بن جعفر فقال له: كم كان عطاؤك؟ فقال ~~له: ألف ألف. قال: قد أضعفناها لك. قال: فداك أبي وأمي، وما قلتها لأحد قبلك. ~~قال: قد أضعفناها لك ثانية. فقيل ليزيد: أتعطي رجلا واحدا أربعة آلاف ألف؟! ~~فقال: ويحكم! إنما أعطيتها أهل المدينة أجمعين، فما يده إلا عارية. وما زال ~~يزيد يزيد في إعطائه لمنزلته، ولأنه يريد أن يتألف بواسطته أهل المدينة، ويرفع ~~يد ابن الزبير عنها وعن دعوى الخلافة. # وما أثر عن يزيد أنه غير شيئا من أصول إدارة أبيه؛ لاستغراق حرب الحسين بن علي ~~في العراق وعبد الله بن الزبير في الحجاز معظم أوقاته، أما ابنه وخليفته معاوية ~~الصغير أو الثاني فكانت خلافته أياما، وما أراد أن يدخل في شيء من ~~مهامها. # كان مروان كمعاوية آية في عقله وسياسته وتدبيره، درس الإدارة زمنا طويلا في ~~الحجاز، وعرف ما يفسد الناس ويصلحهم، وما يهيجهم ويسكنهم، ولكن أمره لم يطل ~~كثيرا، وتستبين محاسنه في تدبيره الملك مما وقع لابنه عبد العزيز معه؛ فإن ~~مروان لما ولي الخلافة جاء إلى مصر فأقام بها شهرين، ثم جعل ولايتها إلى ابنه ~~عبد العزيز؛ جعل إليه صلاتها وخراجها فقال عبد العزيز: # 45 # يا أمير المؤمنين كيف المقام ببلد ليس به أحد من بني أبي؟ فقال ~~مروان: يا بني، عمهم بإحسانك يكونوا كلهم بني أبيك، واجعل وجهك طلقا ~~تصف لك مودتهم، وأوقع إلى كل رئيس منهم أنه خاصتك دون غيره، يكن عينا لك على ~~غيره # 46 # وينقاد قومه إليك، وقد جعلت معك أخاك بشرا مؤنسا، وجعلت لك موسى ~~بن نصير وزيرا ومشيرا، وما عليك يا بني أن تكون أميرا بأقصى الأرض، أليس ذلك ~~أحسن من إغلاق بابك وخمولك في بيتك. # هكذا دبر مروان ابنه ليخرجه في الإدارة ويعلمه حكم الناس، جعل له موسى بن ~~نصير وزيرا، وهو ما هو بعلمه وعقله وحسن سياسته، وفارق موسى ms068 أميره عبد العزيز ~~بعد حين ذاهبا إلى إفريقية والمغرب، فقضى على البربر والرومان، ثم فتح ~~الأندلس. أما بشر بن مروان مؤنس أخيه يوم تولى مصر، فقد تقلد البصرة والكوفة ~~فكان الناس يدخلون عليه من غير استئذان، ليس على بابه حجاب ولا ستر، ولابن عبدل ~~في بشر بن مروان: # ولو شاء بشر كان من دون بابه # طماطم سود أو صقالبة حمر # ولكن بشرا أسهل الباب للتي # يكون لبشر عندها الحمد والأجر # بعيد مراد العين ما رد طرفه # حذار الغواشي باب دار ولا ستر # استعمل عبد الملك بشرا، وأمره بالشدة والغلظة على أهل المعصية # 47 # وباللين على أهل الطاعة، وخلف معه أربعة آلاف من أهل الشام منهم ~~روح بن زنباع ورجاء بن حيوة الكندي، وهما من أمثل رجال بني أمية وأعلمهم ~~وأسوسهم. وكان من سياسة بشر أو من سياسة دولته عامة أنه إذا ضرب البعث # 48 # على أحد من جنده ثم وجده قد أخل بمركزه أقامه على كرسي، ثم سمر ~~يديه في الحائط، ثم انتزع الكرسي من تحت رجليه فلا يزال يتخبط حتى يموت. وبهذه ~~الشدة على المجندين ما كانت تحدث أحدا نفسه بالهزيمة من الخدمة، وكان جيش ~~أمية أطوع جيش عربي. ولا يستغربن أحد هذه الشدة فجزاء الفار من الجندية في ~~يومنا هذا القتل. # رأينا عبد العزيز بن مروان أمير مصر، وما كان من نصيحة أبيه له في سياسة ~~الرؤساء ليسلس له قياد المرءوسين، وكيف لقنه أبوه أقرب الطرق إلى استمالة ~~القلوب، وكان عند حسن ظنه به، فجاء عبد العزيز نابغة في إدارته، عمرت مصر في ~~أيامه عمرانا ليس مثله، ومما بنى في حلوان الدور والمساجد وغيرها ~~أحسن # 49 # عمارة وأحكمها، وغرس نخلها وكرمها، وكان له ألف جفنة # 50 # كل يوم تنصب حول داره ومائة جفنة يطاف بها على القبائل تحمل على ~~العجل إلى قبائل مصر. # ولي عبد العزيز مصر فكان خراجها وجبايتها إليه، فلم يوجد له مال ناض # 51 # يوم موته إلا سبعة آلاف دينار، وكانت ولايته على مصر عشرين ms069 سنة ~~وعشرة أشهر وثلاثة عشر يوما، على حين لما مات عبد الله بن عبد الملك بن مروان، ~~وكان عاملا على مصر ترك ثمانين مدا من الذهب، وتقدم إليه أبوه أن يعفي ~~آثار عمه عبد العزيز لمكانه من ولاية العهد فاستبدل بالعمال عمالا وبالأصحاب ~~أصحابا؛ ذلك لأن عبد العزيز لم يرض أن ينزل عن ولاية العهد لابن أخيه في ~~حياته، وعبد العزيز هو والد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي ~~العادل. # وجرى عبد الملك بن مروان في إدارة الملك على طريقة والده وطريقة معاوية في ~~تخريج آله وعماله في سياسة البلاد، فزادت الأمور استقرارا، والأعمال تسلسلا، ~~والعمال رغبة ورهبة، والرعايا أمنا ودعة. وكثيرا ما كان يعمد إلى الشدة لا ~~تأخذه رأفة بخصوم دولته. قتل مصعب بن الزبير، وكان أحب الناس إليه، وأشدهم له ~~إلفا ومودة، وقال في الاعتذار عن عمله: «ولكن الملك عقيم.» # 52 # ولقد قيل له أن يأخذ بسيرة عثمان فقال: «وما خلف عثمان عمر في شيء ~~من سيرته إلا باللين؛ فإن عثمان لان لهم حتى ركب، ولو كان غلظ عليهم جانبه كما ~~غلظ ابن الخطاب ما نالوا منه ما نالوا.» وقال: إني رأيت سيرة السلطان تدور مع ~~الناس إن ذهب اليوم رجل يسير بتلك السيرة أي باللين أغير على الناس في بيوتهم، ~~وقطعت السبل، وتظالم الناس، وكانت الفتن، فلا بد للوالي أن يسير في كل زمان بما ~~يصلحه، وهذا هو السر العظيم في نجاح الممالك في كل عصر وأمة. وقال عبد الملك ~~يوما: أنصفونا يا معشر الرعية، تريدون منا سيرة أبي بكر وعمر ولا تسيرون فينا ~~ولا في أنفسكم بسيرة رعية أبي بكر وعمر! نسأل الله أن يعين كلا على كل. ~~وسأله ابنه الوليد: يا أبت، ما السياسة؟ قال: هيبة الخاصة مع صدق مودتها، ~~واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها، واحتمال هفوات الصنائع. # 53 # ولى عبد الملك العراقين الحجاج بن يوسف الثقفي فقال: دلوني على رجل ~~أوليه. فقيل له: أي الرجال تريد؟ قال: أريد دائم العبوس، طويل الجلوس، ms070 سمين ~~الأمانة، أعجف الخيانة، لا يحنق في الحق على مرة، يهون عليه سؤال الأشراف في ~~الشفاعة. فقيل: عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمي. فأرسل إليه فاستعمله فقال ~~له: لست أقبلها إلا أن تكفيني عمالك وولدك وحاشيتك. فقال الحجاج: يا غلام، ناد ~~من طلب إليه منهم حاجة فقد برئت الذمة منه. قال الشعبي: فوالله ما رأيت قط ~~صاحب شرطة مثله كان لا يحبس إلا في دين، وكان إذا أتي برجل نقب على قوم ~~وضع منقبته في بطنه حتى تخرج من ظهره، وكان إذا أتي برجل نباش حفر له قبرا ~~ودفنه فيه حيا، وإذا أتي برجل قاتل بحديدة وأظهر سلاحا قطع يده، فربما أقام ~~أربعين يوما لا يؤتى إليه بأحد، فضم إليه الحجاج شرطة البصرة مع شرطة ~~الكوفة. # خطب الحجاج أهل العراق: «إني رأيت آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها: ~~لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، ~~والمقيم بالظاعن، والمطيع بالعاصي، حتى يلقى الرجل أخاه فيقول: انج سعد فقد ~~هلك سعيد. أو تستقيم لي قناتكم.» ولما اتصل بعبد الملك إسراف الحجاج ~~في # 54 # القتل وأنه أعطى أصحابه الأموال كتب إليه: «أما بعد، فقد بلغني ~~سرفك في الدماء وتبذيرك الأموال، وهذا ما لا أحتمله لأحد من الناس، وقد حكمت ~~عليك في القتل بالقود، وفي الخطأ بالدية ، وأن ترد الأموال إلى أصحابها؛ فإنما ~~المال مال الله ونحن خزانه، وقد متعنا بحق فأعطينا باطلا.» كتب الحجاج إلى ~~عبد الملك يستأذنه في أخذ الفضل من أموال السواد فمنعه من ذلك، وكتب إليه: «لا ~~تكن على درهمك المأخوذ أحرص منك على درهمك المتروك، وأبق لهم لحوما يعقدون بها ~~شحوما.» # وكان الحجاج يأخذ بأيدي العلماء ممن لا يتدخلون في سياسته ولا يشاركونه في ~~سلطانه، ويضع في كل يوم # 55 # ألف خوان في رمضان وفي سائر الأيام خمسمائة خوان، على كل خوان عشرة ~~أنفس وعشرة ألوان وسمكة مشوية طرية وأرزة بسكر، وكان يحمل في محفة ويدار به ~~على ms071 موائده ويتفقدها، فإذا رأى أرزة ليس عليها سكر وسعى الخباز ليجيء بسكرها ~~فأبطأ حتى أكلت الأرزة بلا سكر أمر بضربه مائتي سوط، فكانوا بعد ذلك لا ~~يمشون إلا متأبطي خرائط السكر. وكان يوسف بن عمر والي العراق في أيام هشام بن ~~عبد الملك يضع خمسمائة خوان، فكان طعام الحجاج لأهل الشام خاصة، وطعام يوسف بن ~~عمر لمن حضره، فكان عند الناس أحمد. # واشتهر عهد الحجاج # 56 # بإصلاح الموازين والخراج والزراعة فهو رجل الدولة بإصلاحاته، ولم ~~يكن مصلحا فحسب بل كان مصلحا وموجدا، ومن إيجاده وضع الحركات والإعجام ~~في المصاحف لئلا يلتبس شيء من الآيات على من لا يعلم القرآن. واتخذ # 57 # الحجاج دار الضرب وجمع فيها الطباعين فكان يضرب المال للسلطان مما ~~يجتمع له من التبر وخلاصة الزيوف والستوقة والبهرجة، ثم أذن للتجار وغيرهم في ~~أن تضرب لهم الأوراق، واستغلها من فضول ما كان يؤخذ من فضول الأجرة للصناع ~~والطباعين وختم أيدي الطباعين. # حرض عبد الملك ابنه على المشاورة في قضاء الأمور لما وسد إليه إمارة مصر ~~قائلا له: «انظر أي بني إلى أهل عملك، فإن كان لهم عندك حق غدوة فلا تؤخره إلى ~~عشية، وإن كان لك عشية فلا تؤخره إلى غدوة، وأعطهم حقوقهم عند محلها؛ تستوجب ~~بذلك الطاعة منهم، وإياك أن يظهر لرعيتك منك كذب؛ فإنهم إن ظهر لهم منك كذب لم ~~يصدقوك في الحق ، واستشر جلساءك وأهل العلم فإن لم يستبن لك فاكتب إلي يأتك ~~رأيي فيه إن شاء الله، وإن كان بك غضب على أحد من رعيتك فلا تؤاخذه به عند ~~سورة # 58 # الغضب، واحبس عقوبتك حتى يسكن غضبك، ثم يكون منك ما يكون، وأنت ~~ساكن الغضب مطفأ الجمرة، فإن أول من جعل السجن كان حليما ذا أناة، ثم انظر ~~إلى أهل الحسب والدين والمروءة فيكونوا أصحابك وجلساءك، ثم ارفع منازلهم منك ~~على غيرهم، على غير استرسال ولا انقباض، أقول هذا وأستخلف الله عليك.» وهذا من ~~أجمل أساليب الإدارة وسياسة الناس: لا تأخير في الفصل بينهم، ms072 ولا كذب في الوعود ~~والمواعيد، واستشارة العارفين والعالمين، وجعلهم وحدهم بطانة وسمارا ~~وجلساء، ولا إسراع في إنزال العقوبات حتى يذهب الغضب. # وبلغ عبد الملك أن بعض كتابه قبل هدية فقال له: والله إن كنت قبلت هدية ~~لا تنوي مكافأة المهدي لها إنك لئيم دنيء، وإن كنت قبلتها تستكفي رجلا لم تكن ~~تستكفيه لولاها إنك خائن، وإن كنت نويت تعويض المهدي عن هديته وأن لا تخون له ~~أمانة ولا تثلم له دينا فلقد قبلت ما بسط عليك لسان معامليك، وأطمع فيك سائر ~~مجاوريك، وسلبك هيبة سلطانك. ثم صرفه عن عمله؛ ذلك لأن غاية الخليفة ترتيب ~~قواعد الدولة على أصول نقية من الشوائب، والرشوة من طريق الهدايا تذهب بها حقوق ~~أحد المتنازعين أو حقوقهما معا. وكان عبد الملك بن رفاعة أمير مصر (96) يقول: ~~إذا دخلت الهدية من الباب خرجت الأمانة من الطاق. # وأدخل عبد الملك أمورا جديدة في الإدارة، وهو أول من أفرد للظلامات يوما ~~يتصفح فيه قصص المتظلمين من غير مباشرة للنظر، وكان إذا قعد للقضاء أقيم على ~~رأسه بالسيوف، وينشد قول سعيد بن عريض بن عادياء من يهود الحجاز: # إنا إذا مالت دواعي الهوى # وأنصت الساكت للقائل # واصطرع الناس بألبابهم # نقضي بحكم عادل فاضل # لا نجعل الباطل حقا ولا # نلط # 59 # دون الحق بالباطل # نخاف أن تسفه أحلامنا # فنخمل الدهر مع الخامل # وزاد عبد الملك الجزية، وأقل الجزية دينار وأكثرها مفوض إلى الاجتهاد، استقل ~~ما يؤخذ منها بالجزيرة - وكانت دينارا على كل جمجمة ومدين قمحا، وقسطين ~~زيتا وقسطين خلا، وضعها عليهم عياض بن غنم في الفتح - فأحصى عبد الملك ~~الجماجم، وجعل الناس كلهم عمالا بأيديهم، وحسب ما يكسبه العامل سنته كلها، ~~ثم طرح من ذلك نفقته في طعامه وأدمه # 60 # وكسوته وحذائه، وطرح أيام الأعياد في السنة كلها فوجد الذي يحصل ~~بعد ذلك لكل واحد أربعة دنانير، فألزمهم ذلك جميعا، وجعلها طبقة واحدة، ثم حمل ~~الأموال على قدر قربها وبعدها، # 61 # وهذا خلا نوائب الرعية، وهو ما يضربه عليهم الإمام ms073 من الحوائج ~~كإصلاح القناطر والطرق وغير ذلك مما فيه عمارة بلادهم. # وفي أيامه نقلت دواوين مصر والشام والعراق من القبطية والرومية والفارسية ~~إلى العربية فكان ذلك من أهم الأسس التي أقيمت في بناء القومية العربية في ~~الممالك الإسلامية كافة، وقطع به آخر مظهر من مظاهر الأعاجم، فأصبحت البلاد ~~عربية بأوضاعها سائرة إلى التعرب بسكانها. وكان كاتب الرسائل سليمان بن سعد ~~الخشني من أهل الأردن أول مسلم ولي الدواوين كلها، وكان يتولاها القبط ~~والروم والعجم، وكان بالبصرة والكوفة # 62 # ديوانان لإعطاء الجند والمقاتلة والذرية بكتاب العربية، وديوانان ~~بالفارسية، وبالشام ديوان بالعربية لمثل ذلك، وديوان بالرومية، فحول ديوان ~~العراق إلى العربية أبو الوليد صالح بن عبد الرحمن البصري، قدمه لذلك الحجاج ~~فكان كتاب العراقين كلهم غلمانه وتلاميذه # 63 # ونقل ديوان مصر من القبطية إلى العربية عبد الله بن عبد الملك بن ~~مروان أمير مصر في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة سبع وثمانين ونسخها بالعربية، ~~وجعل على الديوان ابن يربوع الفزاري من أهل حمص، وتأخرت بعض البلاد في هذا ~~التغيير من رسم الإدارة؛ فإن أول من كتب بالعربية في ديوان أصبهان سعد بن إياس ~~كاتب عاصم بن يونس عامل أبي مسلم صاحب الدعوة، وهو أول من أخذ الناس بتعلم ~~القرآن من أهل أصبهان، يقال إنه استقرأ المسلمين بها فلم يجد إلا ثمانين رجلا ~~لم يكن فيهم من يحفظ القرآن إلا ثلاثة، فلم يحل الحول حتى تعلم الناس القرآن ~~وحفظوه. # وعبد الملك أول من كتب على الدينار «قل هو الله أحد» وذكر النبي في ~~الطوامير، # 64 # وكانت الدنانير رومية تدخل من بلاد الروم، والدراهم كسروية ~~وحميرية # 65 # قليلة، فهو أول من ضرب الدراهم المنقوشة، وكان على خاتمه قبيصة بن ~~ذؤيب والبريد إليه، يقرأ الكتب إذا وردت ثم يدخلها على عبد الملك فيخبره بما ~~فيها. # 66 # ومن أهم أعمال الدولة: وظيفة صاحب الشرطة، ومن أعماله: أن يحجب ~~الناس، ويحافظ على الخليفة، وكان الأمويون لا يأذن خلفاؤهم بالدخول عليهم إلا ~~بالترتيب الذي عينوه. والولاة ينزلون ms074 في المعسكر تحيط بهم الجند؛ لتسهل ~~المحافظة عليهم فلا يغتالهم مغتال، وقد يتنقلون في عمالاتهم، فزياد يقيم ~~بالكوفة ستة أشهر وفي البصرة مثلها، # 67 # وهو أول من سير بين يديه بالحراب والعمد، واتخذ الحراس خمسمائة ~~لا يفارقون مكانه. وكانت تقرأ عهود القضاة الذين نصبوا حديثا في المسجد ~~الجامع أولا، ثم يقصدون دار الأمير فيقرأ أمامه عهد القاضي، والقضاة يقضون في ~~الجوامع، وكان الجامع في الإسلام هو المجمع والمجلس والمحكمة وديوان المال ~~والمدرسة وكل ما له علاقة بالسلطان والسكان. # أما الولاة فيدبرون ولاياتهم في المعسكرات، والمعسكرات بعيدة عن دور الحكومة ~~القديمة، و«ليس # 68 # من مدينة عظيمة إلا وبها دار ينزلها غزاة تلك البلدة، ويرابطون بها ~~إذا وردوها، وتكثر لديهم الصلات، وترد عليهم الأموال والصدقات العظيمة.» وإذا ~~رحل الجيش واضطر إلى النزول في القرى لشدة البرد في الشتاء يؤويه أهلها ثلاثة ~~أيام ويطعمونه مما يطعمون. # كان جيش عبد الملك ومن بعده من العنصر العربي، ولما توسع الأمويون في فتوحهم ~~شمالي إفريقية وفتحوا الأندلس جندوا أناسا من البربر ومزجوهم بجند العرب. ~~بعث عبد الملك ابنه مسلمة لغزو الروم فقدم الناس من جميع الآفاق، وكان فيهم ~~من العرب كندة وغسان وتميم وهمدان وربيعة وطي ولخم وجذام وقيس وجماعة بني أمية ~~وقريش ورؤساء أهل الحجاز والجزيرة والشام ومصر. ثم عرض الناس فانتخب منهم ~~ثلاثين ألفا من أهل البأس والنجدة، واتخذ من الخيل والفرسان ثلاثين ألفا، ~~وولى على رؤساء كل طائفة واحدا منهم ، ويقول البلاذري: # 69 # إن مسلمة بن عبد الملك لما غزا عمورية حمل معه نساءه، وحمل ناس ممن ~~معه نساءهم. وكانت بنو أمية تفعل ذلك إرادة الجد في القتال للغيرة على الحرم. ~~هكذا كان ترتيب جيوشهم في هذا الدور. وكانت أمور الحرب بيد الولاة في الولايات ~~تقوم # 70 # بها القبائل المهاجرة إليها، أما جيش الخليفة الخاص - وهو عبارة عن ~~أجناد الشام - فكان خاصا بقتال الروم، وحماية الخليفة من فتنة داخلية، وبفضل ~~هذه القوى المخلصة للأمويين ظفروا في الحرب الأهلية سنة 64. # وجرى عبد الملك على ms075 طريقة عمر ومعاوية وزياد والحجاج في أخذ نفسه بالتطلع إلى ~~استعلام بواطن أمور الرعايا، وكذلك كان في التطلع إلى أخبار الروم وغيرهم ممن ~~كانوا يودون أبدا أن يكيدوا للمسلمين. ثار الروم واستجاشوا على من بالشام ~~من المسلمين في سنة سبعين، فصالحهم عبد الملك على أن يؤدي إلى ملكهم في كل جمعة ~~ألف دينار؛ خوفا منه على المسلمين، وطمع الروم لافتراق الكلمة وقتال الأمة على ~~الملك # 71 # لما دعا عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق إلى نفسه بالخلافة، واستولى ~~على دمشق لما سار عبد الملك بجيوشه إلى العراق ليملكها من ابن الزبير. فعمل عبد ~~الملك في اتقاء بأس الروم كما عمل معاوية لما شغل بقتال علي، فصالح الروم على ~~مال يؤديه إليهم، وليس من الحزم في دولة أن تحارب حربين داخلية وخارجية في وقت ~~واحد. وفعل عبد الملك مثل ذلك في مداراة الروم فجدد الهدنة مع ملكهم على أن ~~يدفع لهم كل يوم ألف دينار وفرسا ومملوكا، ويقاسم ملكهم على خراج قبرص ~~وأرمينية على شرط أن يخرج اللبنانيون من جبلهم وكانوا عصوا عليه واتفقوا مع ~~الوم، وآلى اللبنانيون بعد ذلك أن لا يتعرضوا للعرب، فلقب اللبنانيون ~~بالمردة؛ لأنهم عصوا أمر ملك الروم. وما كان عبد الملك إلا محافظا على ~~اعتداله لا يدهش لما يحل به من المفظعات # 72 # يحل مسائل الدولة بروية وتعقل وصبر. # ويعد عبد الملك في العلماء كما يعد من أكبر الساسة. قال الجاحظ: كان ~~عبد الملك بن مروان سنان قريش وسيفها رأيا وحزما، وعابدها قبل أن يستخلف ~~ورعا وزهدا، وهو أول من لقب من الخلفاء بلقب الموفق لأمر الله ثم لقب الوليد ~~المنتقم # 73 # لأمر الله، ولم يشتهرا بهذين اللقبين كثيرا. # 74 # وأوصى عبد الملك أولاده أن يعطف الكبير منهم على الصغير، وأن يعرف ~~الصغير حق الكبير، وحذرهم البغي والتحاسد، وأوصاهم بأخيهم مسلمة وأن يصدروا ~~عن رأيه، وأن يكرموا الحجاج فإنه هو الذي وطأ لهم هذا الأمر. أوصى به ~~ولطالما تبرم من أعماله في حياته. والحجاج وزياد وعتبة ms076 بن أبي سفيان وخالد ~~القسري الذي تولى العراق زمنا طويلا، وقتيبة بن مسلم أمير خراسان وفاتح ~~خوارزم وسمرقند وبخارى الذي دخل إلى ملك الصين وضرب عليه الجزية ... وأمثالهم، ~~كانوا في بني أمية «قطب الملك الذي عليه مدار السياسة، ومعادن التدبير وينابيع ~~البلاغة وجوامع البيان، هم راضوا الصعاب حتى لانت مقاودها، وخزموا الأنوف حتى ~~سكنت شواردها، ومارسوا الأمور، وجربوا الدهور، فاحتملوا أعباءها، واستفتحوا ~~مغالقها حتى استقرت قواعد الملك، وانتظمت قلائد الحكم، ونفذت عزائم ~~السلطان.» # 75 # إدارة الوليد وسليمان # وتولى الوليد بن عبد الملك الخلافة فسار على سيرة أبيه، وراعى إخوته، وحث ~~أولاده على اصطناع المعروف، وكان غرامه بعمران البلاد وإقامة المصانع والجوامع ~~واعتقاد # 76 # الضياع؛ فقلده رعاياه في ذلك، فكان الناس في أيامه يخوضون في رصف ~~الأبنية، ويحرصون على التشييد والتأسيس، ويولعون بالضياع والعمارات # 77 # لوفرة الثروة في أيدي الناس. وقد كتب أحد عمال الوليد بن عبد الملك ~~أن بيوت الأموال قد ضاقت من مال الخمس فكتب إليهم أن يبنوا المساجد. وأجرى ~~الوليد على القراء وقوام المساجد الأرزاق، وكذلك على العميان وأصحاب العاهات ~~والمجذمين، وأخدم كل واحد منهم خادما، وكان يهب أكياس الدراهم تفرق في ~~الصالحين، وأخرج لعيالات الناس الطيب والكسوة، وزاد الناس جميعا في العطاء ~~عشرة عشرة، وذلك للشاميين خاصة، وزاد أهل بيته في جوائزهم الضعف. وفي مئات ~~الألوف من الدنانير التي أنفقها على إقامة الجوامع والمصانع، وما كان في خزائنه ~~من الأموال التي تكفي الدولة خمس عشرة سنة مقنع لمن أراد أن يتصور الأموال التي ~~احتجنها هو ومن قبله من الخلفاء استعدادا للطوارئ. # ودخلت الدولة في حالة استقرار ونظام في الإدارة، وانتهى # 78 # تعريب المملكة والإدارة، وأخذت الوظائف الكبرى من النصارى، ونحي ~~آل سرجون الدمشقيون عن إدارة الأموال، وبلغت الفتوحات أقصى حدودها. وظهرت أبهة ~~الملك والسلطان، ومالت الدولة إلى إقامة الأعمال العظيمة على الدهر؛ تخليدا ~~للذكر وإشادة بالفخر، والوليد هو الذي جود القراطيس وجلل # 79 # الخطوط وفخم المكاتبات وتبعه من بعده من الخلفاء إلا عمر بن عبد ~~العزيز ويزيد ms077 بن الوليد؛ فإنهما جريا في المكاتبات على طريقة السلف. ثم جرى ~~الأمر بعدهما على ما سنه الوليد بن عبد الملك إلى أن صار الأمر إلى مروان ~~بن محمد فعمدوا إلى الإطناب. وكان الوليد موفقا في فتوحه في الشرق والغرب ~~بفضل قواده وولاته ممن كان يعرف لهم أقدارهم، وما كانت فتوحه تشغله عن النظر ~~في عمران البلاد. ومن خلق الوليد أنه كان سمحا يسره أن يرى لعماله شيئا ~~من الرفاهية. كتب إليه الحجاج أنه أصيب لمحمد بن يوسف خمسون ومائة ألف دينار ~~فإن يكن أصابها من حلها فرحمه الله، وإن تكن من خيانة فلا رحمه الله. فكتب ~~إليه الوليد أن محمد بن يوسف أصاب ذلك المال من تجارة أحللناها له، وأمره أن ~~يترحم عليه. # وتوسع الأمويون في هذه الحقبة في إفاضة الأموال على عمالهم، وكان القاضي بمصر ~~مثلا يرزق ألف دينار في السنة. كان ابن حجيرة الأكبر في مصر (69-83) على ~~القضاء والقصص # 80 # وبيت المال، فكان رزقه من القضاء مائتي دينار، وفي القصص مائتي ~~دينار، ورزقه في بيت المال مائتي دينار وعطاؤه مائتي دينار وجائزته مائتي ~~دينار. على أن العادة الجارية عندهم أن لا يعطى العامل سوى رزق واحد. ولم يكن ~~أحد من بني مروان يأخذ العطاء إلا عليه الغزو، فمنهم من يغزو ومنهم من يخرج ~~بدلا. وكانوا يصيرون أنفسهم في أعوان الديوان في بعض ما يجوز لهم المقام به، ~~ويوضع به الغزو عنهم. أما الحجاج فكان يشتد في تجنيد الناس لأنه يقظ حذر ~~دائما، فكان لا يدع قرشيا ولا رجلا من بيوتات العرب إلا أخرجه ~~«وضرب # 81 # البعث على المحتلمين ومن أنبت من الصبيان، فكانت المرأة تجيء إلى ~~ابنها وقد جرد فتضمه إليها وتقول له: بأبي! جزعا عليه. فسمي ذلك الجيش: جيش ~~بأبي.» وكان تجريد الشبان من ثيابهم للاطلاع على عيوب أجسامهم فينبذ السقيم ~~ويجند السليم. وخطب الحجاج لما جاء واليا على العراق، وقد بعث بشر بن ~~مروان المهلب إلى الحرورية، ومما قال: «وإياي وهذه الزرافات والجماعات وقال ~~وقيل ms078 وما يقولون وفيم أنتم، والله لتستقيمن على طريق الحق أو لأدعن لكل رجل ~~شغلا في جسده، ومن وجدته بعد ثالثة من بعث المهلب سفكت دمه، وانتهبت ماله، ~~وهدمت منزله.» فشمر الناس بالخروج إلى المهلب، ولا يمنع بعث البعوث عند الشدائد ~~من وجود جيوش عند الخليفة وعماله في الأقطار تشبه الجيش الدائم تحت السلاح ~~يتيسر حشده عند الحاجة بقليل من العناية. # وكأن سياسة الدولة في هذا العهد كانت صورة من سياسة الحجاج؛ فقد كتب إليه ~~الوليد يأمره أن يكتب إليه بسيرته فكتب إليه: إني أيقظت رأيي وأنمت هواي، ~~وأدنيت السيد المطاع في قومه، ووليت الحرب الحازم في أمره، وقلدت الخراج ~~الموفر لأمانته، وقسمت لكل خصم من نفسي قسما أعطيته حظا من لطيف عنايتي ~~ونظري، وصرفت السيف إلى النطف # 82 # المسيء، والثواب إلى المحسن البريء، فخاف المريب صولة العقاب، ~~وتمسك المحسن بحظه من الثواب. ا.ه. # ولما أفضى الأمر إلى سليمان بن عبد الملك أقر عمال من كانوا قبله على ~~أعمالهم، وجلس في صحن المسجد وقد بسطت لديه البسط والنمارق # 83 # عليها، وصفت الكراسي، وأذن للناس بالجلوس، وإلى جانبه الأموال ~~والكساوي وآنية الذهب والفضة، فيدخل وفد الجند ويتقدم صاحبهم فيتكلم عنهم ~~وعمن قدموا من عنده، فيأمر سليمان بما يصلحهم ويرضيهم، فما يطلب أحد شيئا ~~إلا نوله مرامه، ورد المظالم، وعزل عمال الحجاج، وأخرج من كان في سجنه في ~~العراق، وأعتق سبعين ألف مملوك ومملوكة وكساهم. # إدارة عمر بن عبد العزيز # عمل الخلفاء السبعة الأول من الأمويين في إدارة الملك الإسلامي بما أوحاه ~~إليه عقلهم وعملهم ، فكان الصحابة منهم والتابعون على مثال خالفوا فيه مرغمين ~~بعض طريقة الراشدين؛ لأن علمهم بالناس زاد بما فتح الله عليهم من البلاد، ولأنه ~~نشأت أحداث جديدة، ودخلت في الإسلام عناصر أخرى. وكان عهد الأمويين صورة من ~~دولة عادلة تتساهل في الأخذ بما لا يضر من الأوضاع، وتقتبس ما تضطرها إليه ~~طبيعة البلاد المفتتحة. وأكثر ما اهتموا له توفير الجباية مع النظر إلى عمران ~~البلاد والدفاع عن الحوزة، والحساب ms079 للمستقبل بادخار فضل الأموال، والظهور ~~بمظهر دنيوي لا يعبث بأصل من أصول الدين. # كان أكثر خلفاء الأمويين يقيلون العامل إذا حدث في جهته خرق لا يستطيع رتقه، أو ~~فتنة تهرق فيها الدماء، وتكلف الدول مالا، وجعلوا همهم في مقاتلة الخوارج ~~والشيعة في الداخل، وغزو الروم والتوسع في الفتح من الشرق والغرب في الخارج، ~~وكثيرا ما كانت بعض الأنحاء تثور على الدولة، إما لسبب تفاحش الخراج، أو ~~لأسباب أخرى كما كان من قبط مصر فخرجوا غير مرة على الأمويين وعلى من خلفوهم، ~~وكانوا يرجعون مخذولين، وربما كان من بعض عمالهم من اشتط في تقاضي الخراج ~~والجزية والصدقات، والظلم ما خلا عصر منه، وخصوصا في دولة ليست مشاكلها ~~متشاكلة، ولا أجيال الناس في أصقاعها متوحدة متماثلة، وغاية ما يقال في الإدارة ~~المتبعة أبدا توسيع سلطة العامل، حتى يسرع في فض مصالح الناس، ذلك لأن العرب ~~ألفوا التقاضي على عجل، وما عرفوا التطويل في الخصومات والمراجعات. وهذا ما ~~كان ظاهرا كل الظهور في عهد الخوالف من بني أمية، ولا سيما في خلافة عمر بن ~~عبد العزيز واسطة عقد الأمويين، والمثل الأعلى للعدل الإسلامي. # كان عمر قبل أن يقلد الخلافة عهد إليه الوليد بن عبد الملك بإمارة الحجاز ~~«مكة والمدينة والطائف» فأبطأ عن الخروج فقال الوليد لحاجبه: وما بال عمر لا ~~يخرج إلى عمله! قال: زعم أن له إليك ثلاث حوائج قال: فعجله علي. فجاء به ~~الوليد، فقال له عمر: إنك استعملت من كان قبلي فأنا أحب أن لا تأخذني بعمل أهل ~~العدوان والظلم والجور. فقال له الوليد: اعمل بالحق وإن لم ترفع إلينا درهما ~~واحدا. # 84 # فلعمر إذا طريقته في الإدارة اشترط قبل أن يتولى الإمارة أن تترك ~~له حرية العمل، وكان يشعر قبل الخلافة بأن في إدارة الدولة شيئا من الظلم. ~~فقال يوما لأسامة بن زيد - وقد بعثه سليمان بن عبد الملك على ديوان جند مصر، ~~وحثه على توفير الخراج: ويحك يا أسامة! إنك تأتي قوما قد ألح عليهم البلاء ~~منذ دهر ms080 طويل، فإن قدرت أن تنعشهم فأنعشهم. # ولما بويع عمر شرع لأول أمره بصرف عمال من كان قبله من بني أمية، واستعمل أصلح ~~من قدر عليه فسلك عماله طريقته، # 85 # وأخذ يرد المظالم مظلمة مظلمة لا يدع شيئا مما كان في أيدي أهل ~~بيته إلا رده. وكتب إلى جميع عماله: إن الناس قد أصابهم بلاء وشدة وجور في ~~أحكام الله، وسنن سيئة سنتها عليهم علماء السوء، قلما قصدوا الحق والرفق ~~والإحسان. وكان أول خطبة خطبها: أيها الناس، من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فلا ~~يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا ~~من الخير على ما لا نهتدي إليه، ولا يغتابن عندنا الرعية، ولا يعترض فيما لا ~~يعنيه. # وبدأ بنفسه فنزل عن أملاكه التي انتقلت إليه من أبيه بالإرث الشرعي، ورد على ~~رجل قدم عليه من حلوان ادعى أن والده عبد العزيز لما كان واليا على مصر ~~أقطعه عبد الملك بن مروان أرض حلوان فورثها عمر وإخوته. فقال عمر: إن لي فيها ~~شركاء إخوة وأخوات لا يرضون أن أقضي فيها بغير قضاء قاض. وقام معه إلى القاضي ~~فقعد بين يديه، فتكلم عمر بحجته وتكلم المدعي فقضى القاضي له، فقال عمر: إن عبد ~~العزيز قد أنفق عليها ألف ألف درهم. قال القاضي: قد أكلتم من غلتها بقدر ~~ذلك. فثلجت نفس عمر بحكم القاضي، وقال: وهل القضاء إلا هذا؟ تالله لو قضيت لي ~~ما وليت لي عملا. وخرج إلى الرجل من # 86 # حقه، وأراد أهله على أن يتخلوا عن أملاكهم فقطع بالمقراض كتب ~~الإقطاعات بالضياع والنواحي. قالوا: ولما أقبل عمر على رد المظالم، وقطع عن بني ~~أمية جوائزهم وأرزاق حراسهم، ورد ضياعهم إلى الخراج، وأبطل قطائعهم ضجوا من ذلك ~~على رءوس الملأ في المسجد. وكانت انتهت لهم هذه الإقطاعات من الخلفاء السالفين. ~~ذكروا أنه كانت غلة عمر لما بويع بالخلافة بين أربعين وخمسين ألف دينار، وما ~~زال يردها حتى كانت يوم وفاته مائتي دينار، ولو بقي لردها كلها فأفقر ms081 نفسه حتى ~~يقوى على بعض آله، فيسترد منهم ما أخذوا من عقار ومزارع. وخلف من الناض بضعة ~~دنانير، ولم يرتزق من بيت مال المسلمين شيئا ولم يرزأه # 87 # حتى مات. وأداه اجتهاده إلى أن في صيغة امتلاك آل بيته الضياع ~~والرباع نظرا، وأن ما ورثه وورثوه بالطرق المشروعة يقضي العدل المطلق برده على ~~من أخذ منه. واعتقاد الضياع واستثمار الأموال من شأنه الرعايا لا الرعاة، ~~فكان نظره أعلى، وطريقته أمثل وأعدل. # وكان الرسول أقطع بلال بن الحرث المزني أرضا فيها جبل ومعدن فباع بنو بلال ~~عمر بن عبد العزيز أرضا منها فظهر فيها معدن أو قال معدنان، فقالوا: إنما ~~بعناك أرض حرث ولم نبعك المعادن، وجاءوا بكتاب النبي لهم في جريدة فقبلها عمر ~~ومسح بها عينه، وقال لقيمه: انظر ما خرج منها وما أنفقت، وقاصهم بالنفقة، ~~ورد عليهم الفضل. # وأبطل عمر بن عبد العزيز هدايا النيروز والمهرجان # 88 # وكانت تحمل إلى معاوية ومن بعده وقدرها عشرة آلاف ألف، وهي من ~~العادات الفارسية، وأقرها معاوية وأنكرها علي. وقضى عمر بأن يكتفى بالخراج ~~وزن سبعة «ليس لها آيين # 89 # ولا أجور الضرابين، ولا هدية النيروز والمهرجان، ولا ثمن الصحف، ~~ولا أجور الفيوج، # 90 # ولا أجور البيوت، ولا دراهم النكاح، ورفع الخراج عمن أسلم من أهل ~~الأرض.» وأبطل جوائز الرسل وأجور الجهابذة وهم القساطرة وأرزاق العمال ~~وأنزالهم، وأبطل السخرة والعطاء وورث العيالات على ما جرت به السنة، وأقر ~~القطائع # 91 # التي أقطعها أهل بيته، ولم ينقص العطاء في الشرف ولم يزد فيه، وزاد ~~أهل الشام في أعطياتهم عشرة دنانير ثم رأى الرجوع عنها . وورد كتابه على عامله ~~في مصر بالزيادة في أعطيات الناس عامة، وكسرت دنان الخمر وعطلت ~~حاناتها، وقسم للفلاحين بخمسة وعشرين ألف دينار، ونزعت مواريث القبط عن الكور ~~واستعمل المسلمون عليها. # ووضع المكس # 92 # عن كل أرض واكتفى بالعشر، والعشر ما يجب في الزروع التي سقيت ~~بماء السماء وما يؤخذ من أموال أهل الحرب إلى بلد الإسلام المتاخم لهم، وإذا ~~استقر ms082 الصلح معهم على أخذ العشر أو الخمس أو أكثر منه أو أقل منه أثبت ذلك ~~الشرط في الديوان. ووضع الجزية عن كل مسلم، وأباح الجزائر والأحماء كلها إلا ~~النقيع، # 93 # وقال في الجزائر: هو شيء أنبته الله فليس أحد أحق به من أحد، وفرض ~~للناس إلا للتاجر؛ لأن التاجر مشغول بتجارته عما يصلح المسلمين، وسوى بين ~~الناس في طعام الجار، وكان أكثر ما يكون طعام الجار أربعة أرادب ونصف أردب لكل ~~إنسان. وكتب إلى أحد عماله أن يستبرئ الدواوين # 94 # وينظر إلى كل جور جاره من قبله من حق مسلم أو معاهد فيرده عليه فإن ~~كان أهل تلك المظلمة قد ماتوا يدفعه إلى ورثتهم. وقضى على عماله بإبطال المائدة ~~والنوبة، # 95 # ومن أدى زكاة ماله قبل منه، ومن لم يؤد فالله حسيبه. ورد الخمس ~~على أهله وعلى أهل الحاجة، وقضى أن لا يؤخذ من المعادن الخمس بل تؤخذ الصدقة، ~~وضرب أحدهم سبعين سوطا لأنه سخر دواب النبط. # وجرت عادة الخلفاء إذا جاءتهم جبايات الأمصار أن يأتيهم مع كل جباية عشرة رجال ~~من وجوه الناس وأجنادها، فلا يدخل بيت المال من الجباية دينار ولا درهم حتى ~~يحلف الوفد ما فيها دينار ولا درهم إلا أخذ بحقه، وأنه فضل أعطيات أهل ~~البلد من المقاتلة والذرية بعد أن أخذ كل ذي حق حقه، أي فضل أعطيات الأجناد ~~وفرائض الناس. وقضى عمر على عماله أن ينظروا الأرض، ولا يحملوا خرابا على ~~عامر ولا عامرا على خراب، وإن أطاق الخراب شيئا يؤخذ منه ما أطاق ويصلح ~~ليعمر، ولا يؤخذ من عامر لا يعتمل شيئا، وما أجدب من العامر يؤخذ خراجه في ~~رفق. وكانوا بفارس يخرصون الثمار على أهلها ثم يقومونها بسعر دون سعر الناس ~~الذي يبتاعون به فيأخذونه ورقا على قيمهم التي قوموا بها، فرد عمر إلى من ~~شكوا الثمن الذي أخذ منهم، وأخذوا بسعر ما باع أهل الأرض غلتهم. # كتب إلى عامله إلى البصرة: «أما بعد، فإني كنت كتبت إلى عمرو بن عبد الله ms083 أن ~~يقسم ما وجد بعمان من عشور التمر والحب في فقراء أهلها، ومن سقط إليها من ~~أهل البادية، ومن أضافته إليها الحاجة والمسكنة وانقطاع السبيل، فكتب إلي أنه ~~سأل عاملك قبله عن ذلك الطعام والتمر، فذكر أنه قد باعه وحمل إليك ثمنه، ~~فاردد إلى عمرو ما كان حمل إليك عاملك على عمان من ثمن التمر والحب؛ ليضعه في ~~المواضع التي أمرته بها، ويصرفه فيها إن شاء الله، والسلام.» # وأمر عماله بالرفق بأهل الذمة، وإذا كبر الرجل منهم وليس له مال تنفق عليه ~~الدولة فإن كان له حميم ينفق عليه حميمه، كما لو كان لك عبد فكبرت سنه لم ~~يكن بد من الإنفاق عليه حتى يموت أو يعتق. وكتب إلى عامله على الكوفة أن قو ~~أهل الذمة فإنا لا نريدهم لسنة ولا لسنتين، وأعطى بطريقا # 96 # ألف دينار يستألفه # 97 # على الإسلام. # خاصم حسان بن مالك # 98 # عجم أهل دمشق إلى عمر في كنيسة كان رجل من الأمراء أقطعه إياها، ~~فقال عمر: إن كانت من الخمس العشرة الكنيسة التي في عهدهم فلا سبيل لك عليها. ~~وخاصم عجم أهل دمشق إلى عمر في كنيسة كان فلان أقطعها لبني نصر بدمشق؛ فأخرجها ~~عن المسلمين وردها إلى النصارى. وشكا نصارى دمشق أن الوليد هدم كنيسة يوحنا ~~وأدخلها في المسجد فهم أن يعيدها إليهم لولا أن المسلمين أقبلوا على النصارى ~~فسألوهم أن يعطوا جميع كنائس الغوطة على أن يصفحوا عن كنيسة يوحنا ويمسكوا عن ~~المطالبة بها، فرضوا بذلك وأعجبهم فكتب به إلى عمر فسره وأمضاه. # وعمر أول من ندب نفسه للنظر في المظالم في الدولة الأموية فردها؛ وذلك ~~لانتشار الأمر حتى تجاهر الناس بالظلم والتغالب، فاحتاجوا في ردع المتغلبين ~~وإنصاف المغلوبين إلى نظر المظالم الذي تمتزج به قوة السلطة بنصفة القضاء. وما ~~شرهت قط نفس عمر إلى أخذ أموال الناس، بل ما كان يحب أن يأخذ منهم أكثر من ~~الفضل، ويسامح بكثير من هذا الفضل. كتب إليه عامله على العراق أن أناسا قبله ~~قد اقتطعوا ms084 من مال الله مالا عظيما ليس يقدر على استخراجه من أيديهم إلا أن ~~يمسهم شيء من العذاب. فكتب إليه عمر: «أما بعد، فالعجب كل العجب من استئذانك ~~إياي في عذاب البشر، كأني لك جنة # 99 # من عذاب الله، وكأن رضاي ينجيك من سخط الله، فانظر فيما قامت عليه ~~البينة فخذه بما قامت عليه، ومن أقر لك بشيء فخذه بما أقر به، ومن أنكر ~~فاستحلفه بالله وخل سبيله، فوالله لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إلي ~~من ألقى بدمائهم.» وكتب إليه عامله على مصر حيان بن شريح: «إن أهل الذمة قد ~~أسرعوا في الإسلام، وكسروا الجزية حتى استلفت من الحارث بن ثابتة عشرين ألف ~~دينار لأتم بها عطاء أهل الديوان.» وطلب إليه أن يأمر بتوقيف الذميين عن ~~انتحال الإسلام، فأجابه عمر: «قد وليتك جند مصر وأنا عارف بضعفك، وقد أمرت ~~رسولي بضربك على رأسك عشرين سوطا، فضع الجزية عمن أسلم، قبح الله رأيك؛ ~~فإن الله إنما بعث محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا.» وكتب إليه عامله على ~~العراق عدي بن أرطاة: «إن الناس قد كثروا في الإسلام حتى خفت أن يقل ~~الخراج.» فكتب إليه: «والله لوددت أن الناس كلهم أسلموا حتى نكون أنا وأنت ~~حراثين نأكل من كسب أيدينا.» وقال في إحدى خطبه: «وددت أن أغنياء الناس اجتمعوا ~~فردوا على فقرائهم حتى نستوي نحن وهم وأكون أنا أولهم.» ثم قال: «ما لي وللدنيا ~~أم ما لي ولها.» # ولم يشهد مثل تحري عمر في اختيار العمال، وتعليمهم إحسان العمل، وكان يرى كل ~~مظلمة تقع في أقصى البلاد إذا لم يردها ويكشف ظلامة صاحبها، كأنه هو ~~فاعلها أو على الأقل المسئول عنها، وإذا شكي إليه عامل وتحقق ظلمه جاء به ~~مقيدا ولا يخليه من ضرب يوجعه به. وكان لا يفتأ يبحث عن سيرة عماله ورضا ~~الناس عنهم، وإذا عزلهم لا يستعين بهم بعدها أبدا. كتب إلى أحد عماله: «أما ~~بعد، فإذا دعتك قدرتك على الناس إلى ظلمهم، فاذكر قدرة الله عليك وفناء ما تؤتي ~~إليهم ms085 وبقاء ما يأتون إليك.» وكتب إلى عامله على العراق: «إن العرفاء من ~~عشائرهم بمكان، فانظر عرفاء الجند فمن رضيت أمانته لنا ولقومه فأثبته، ومن لم ~~ترضه فاستبدل به من هو خير منه، وأبلغ في الأمانة والورع.» وما كان يضن على ~~عماله بالمشاهرات الحسنة، وقد قيل له: ترزق الرجل من عمالك مائة دينار ومائتي ~~دينار في الشهر وأكثر من ذلك، قال: أراه لهم يسيرا إن عملوا بكتاب الله ~~وسنة نبيه، وأحب أن أفرغ قلوبهم من الهم بمعايشهم. وقال: ما طاوعني الناس ~~على ما أردت من الحق حتى بسطت لهم من الدنيا شيئا. # وأخذ عمر نفسه بالسير في إصلاحه بالتدريج، ناظرا قبل كل اعتبار إلى الدين لا ~~يحيد عن صراطه قيد أنملة، ولو كان في ذلك بعض الضرر على بيت المال أو ~~إدخال بعض الوهن على ما اصطلحوا عليه من قبله؛ إرادة إلقاء الهيبة في النفوس. ~~قال لابنه: ما مما أنا فيه أمر هو أهم إلي من أهل بيتك، هم أهل العدة ~~والعدد وقبلهم ما قبلهم، فلو جمعت ذلك في يوم واحد خشيت انتشاره علي، ولكني ~~أنصف من الرجل والاثنين فيبلغ ذلك من وراءه فيكون أنجع له، فإن يرد الله إتمام ~~هذا الأمر أتمه، وإن تكن الأخرى فحسب عبد الله أن يعلم الله أنه يحب أن ينصف ~~جميع رعيته. وكتب إلى عامله على خراج خراسان: «إن للسلطان أركانا لا يثبت إلا ~~بها؛ فالوالي ركن، والقاضي ركن، وصاحب بيت المال ركن، والركن الرابع أنا، وليس ~~من ثغور المسلمين ثغر أهم إلي ولا أعظم عندي من ثغر خراسان، فاستوعب الخراج ~~وأحرزه في غير ظلم، فإن يك كفافا لأعطياتهم فسبيل ذلك، وإلا فاكتب إلي حتى ~~أحمل إليك الأموال فتوفر لهم أعطياتهم.» ولما وجد خراج تلك البلاد يفضل عن ~~أعطيات جندها وأهلها قسم عمر الفضل في أهل الحاجة. # وكتب إلى أمصار # 100 # الشام أن يرفعوا إليه كل أعمى في الديوان أو مقعد أو من به فالج، ~~أو من به زمانة تحول بينه وبين القيام إلى الصلاة، ms086 فأمر لكل أعمى بقائد، ولكل ~~اثنين من الزمنى بخادم. وأمر أن يرفعوا إليه كل يتيم ومن لا أحد له ممن قد ~~جرى على والده الديوان، فأمر لكل خمسة بخادم يتوزعونه بينهم بالسوية، وفرض ~~للعوانس الفقيرات، وكان لا يفرض للمولود حتى يفطم، فنادى مناديه لا تعجلوا ~~أولادكم عن الفطام؛ فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام. # واتخذ دار الطعام للمساكين والفقراء وابن السبيل، وأوصى أن لا يصيب أحد من هذه ~~الدار شيئا من طعامها؛ لأنه خاص بمن طبخ لهم. وقسم في ولد علي بن أبي طالب ~~عشرة آلاف دينار، وكان الناس في عهده يعرضون على ديوانهم لتناول عطائهم، فمن ~~كان غائبا قريب الغيبة يعطى أهل ديوانه، ومن كان منقطع الغيبة يعزل عطاؤه إلى ~~أن يقدم أو يأتي نعيه أو يوكل عنه الوالي بوكالة بينة على حياته ليدفعه إلى ~~وكيله. ونظر في السجون وأمر أن يستوثق من أهل الدعارات # 101 # ويكتب لهم برزق الصيف والشتاء، ويعاهد مريضهم ممن لا أهل له ولا ~~مال، ولا يجمع في السجون بين قوم حبسوا في دين وبين أهل الدعارات في بيت ~~واحد ولا حبس واحد، وجعل للنساء حبسا على حدة، وعهد بالحبوس إلى من يوقن ~~بأمانتهم ومن لا يرتشي «فإن من ارتشى صنع ما أمر به.» وأنشأ الخانات في بلاده ~~يقرى من مر بها من المسلمين يوما وليلة ويتعهد دوابهم، ويقرون من كانت به ~~علة يومين وليلتين، فإن كان منقطعا به يقوى بما يصل به إلى بلاده، وأمر أن ~~لا يخرجن لأحد من العمال رزق في العامة والخاصة؛ فإنه ليس لأحد أن يأخذ ~~رزقا من مكانين في الخاصة والعامة. وأطلق الجسور والمعابر للسابلة يسيرون ~~عليها بدون جعل ؛ لأن عمال السوء تعدوا غير ما أمروا به، وجعل لكل مدينة ~~رجلا يأخذ الزكاة. # ولى عاملا له على الموصل فلما قدمها وجدها من أكثر البلاد سرقا # 102 # ونقبا، فكتب إلى عمر يعلمه حال البلد ويسأله أخذ الناس بالظنة، ~~وضربهم على التهمة أو يأخذهم بالبينة. فكتب أن «خذ الناس بالبينة وما ms087 جرت عليه ~~السنة فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله.» وكتب إليه أحد عماله يذكر شدة ~~الحكم والجباية، فأجابه أنه لم يكلفه ما يعنته، وأن يجبى الطيب من الحق ~~ويقضي بما استنار له من الحق، فإذا التبس عليه أمر يرفعه إليه، قائلا: «فلو أن ~~الناس إذا ثقل عليهم أمر تركوه ما قام دين ولا دنيا.» وكتب إلى أحد عماله: «إن ~~العمل والعلم قريبان فكن عالما بالله عاملا له؛ فإن أقواما علموا ولم يعملوا ~~فكان عملهم عليهم وبالا.» وكتب أيضا: «أما بعد، فاعمل عمل رجل يعلم أن الله ~~لا يصلح عمل المفسدين.» وكتب إلى عامل أن «دع لأهل الخراج من أهل الفرات ما ~~يتختمون # 103 # به الذهب والفضة، ويلبسون الطيالسة ويركبون البراذين، وخذ الفضل.» ~~وكتب إلى عامله: «أما بعد، فالزم الحق ينزلك الحق منازل أهل الحق، يوم لا ~~يقضى بين الناس إلا بالحق وهم لا يظلمون.» # وكتب إلى أمير مكة أن لا يدع أهل مكة يأخذون على بيوت مكة أجرا فإنه لا يحل ~~لهم لقوله تعالى: # سواء العاكف فيه ~~(أي في ~~البيت) # والباد ~~، والبادي من يخرج من ~~الحجاج والمعتمرين سواء في المنازل ينزلون حيث شاءوا ولا يخرج أحد من بيته. ~~وكتب إلى عماله على مكة والطائف أن في الخلايا صدقة فخذوها منها، والخلايا: ~~الكوائر؛ كوائر النحل. وكتب إلى عامله على اليمن يأمره بإلغاء الوظيفة ~~والاقتصار على العشر، وقال: والله لأن لا تأتيني من اليمن حفنة كتم أحب إلي ~~من إقرار هذه الوظيفة. وكان ضربها محمد بن يوسف على أهل اليمن، وهي الخراج جعله ~~وظيفة. # وما كان عمر مذ كان واليا على المدينة يقطع أمرا بدون استشارة، وكان دعا إليه ~~عدة من الفقهاء، وحرضهم على أن يبينوا له زلاته إذا رأوا منه ذلك وسمعوا، ~~فكان إذا جلس مجلس الإمارة في عهد خلافته أمر فألقى لرجلين منهما وسادة قبالته، ~~فقال لهما: إنه مجلس شرة وفتنة، فلا يكن لكما عمل إلا النظر إلي فإذا رأيتما ~~مني شيئا لا يوافق الحق فخوفاني وذكراني بالله عز ms088 وجل. وكان يقول، بعد أن ~~ولي الخلافة: لأن يكون لي مجلس من عبيد الله - أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ~~ومؤدبه لما كان صغيرا - أحب إلي من الدنيا وما فيها. وقال: وإني والله ~~لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من بيت المال. فقالوا: يا أمير ~~المؤمنين تقول هذا مع تحريك وشدة تحفظك! فقال: أين يذهب بكم؟ والله إني ~~لأعود برأيه وبنصيحته وبهدايته على بيت مال المسلمين بألوف وألوف. وكان يحب ~~السمر مع أهل الفضل، فقيل له في ذلك فقال: لقاء الرجال تلقيح الألباب. وقال: ~~إن في المحادثة تلقيحا للعقل، وترويحا للقلب، وتسريحا للهم، وتنقيحا للأدب. ~~وما زال يرد المظالم ويحيي السنن ويطفئ البدع ويقسم الأموال والأعطيات بين ~~الناس. ورد فدك إلى ما كانت عليه أي إلى آل الرسول. # أبعد عمر بن عبد العزيز عن حماه الشعراء والخطباء، وما كان يحب المديح والهجاء، ~~وهو يعرف استرسال الشعراء في المجون والهزل، # 104 # وأنهم يمدحون من يعطيهم ويهجون من يضن عليهم، وإذ كان رجل جد ~~وتقوى حجبهم فانقشعوا # 105 # عنهم كلهم، وثبت الفقهاء والزهاد فكان يعطيهم عطاء كثيرا، أما ~~الشعراء: فاكتفوا بالقليل الذي كان يعطيهم من ماله الخاص، وأعطى قوما في حمص ~~نصبوا أنفسهم للفقه وحبسوها في المسجد عن طلب الدنيا مائة دينار لكل رجل منهم، ~~يستعينون بها على ما هم عليه من بيت مال المسلمين. وبحسن سياسته سكنت الخوارج ~~في أيامه فلم يثوروا؛ لأنه ناقشهم فأفحمهم، وأقسموا أن لا يشغبوا ما دام خليفة. ~~وما حدثته نفسه قط بإهراق دماء من خالفوه في مذهبه. وقد كتب إلى عامله على ~~الكوفة أن يستتيب القدرية مما دخلوا فيه، فإن تابوا يخلي سبيلهم وإلا فينفيهم ~~من ديار المسلمين. أراد بذلك حقن دمائهم، وكان غيره من الخلفاء يبادر إلى ~~قتلهم. # وطريقة عمر في إدارة ولاياته طريقة أسلافه في إطلاق الحرية للعامل، لا يشاور ~~الخليفة إلا في أهم المهمات مما يشكل عليه أمره. كتب إلى عامله على ~~اليمن: «أما بعد، فإني أكتب إليك آمرك أن ترد على المسلمين ms089 مظالمهم، فتراجعني ~~ولا تعرف مسافة ما بيني وبينك، ولا تعرف أحداث الموت حتى لو كتبت إليك أن اردد ~~على مسلم مظلمة شاة لكتبت: أردها عفراء أو سوداء؟ فانظر أن ترد على المسلمين ~~مظالمهم ولا تراجعني.» وأملى على كاتبه يوما كتابا إلى عامله على الكوفة قال ~~فيه: «إنه يخيل إلي أني لو كتبت إليك أن تعطي رجلا شاة لكتبت إلي: أضأن أم ~~ماعز؟ فإن كتبت بأحدهما كتبت إلي: أصغير أم كبير؟ فإن كتبت إليك كتبت إلي: ~~أذكر أم أنثى؟ فإذا أتاك كتابي هذا في مظلمة فاعمل به ولا تراجعني.» وكتب إلى ~~آخر: «إنك تردد إلي الكتب فنفذ ما أكتب به إليك من الحق، فإنه ليس للموت ~~ميقات نعرفه.» # قال له بعض أصحابه عليك بأهل العذر. قال: من هم؟ قالوا: الذين إن عدلوا فهو ما ~~رجوت منهم، وإن قصروا قال الناس قد اجتهد عمر. وكان ينهى عماله عن ~~المثلة # 106 # في العقوبة أي جز الرأس واللحية، وينهاهم عن الإسراف حتى في ~~القراطيس التي يكاتبونه فيها. فقد قيل له: ما بال هذه الطوامير التي تكتب ~~بالقلم الجليل وتمد فيها وهي من بيت مال المسلمين. فكتب إلى العمال أن لا ~~يكتبن في طومار ولا يمدن فيه. قالوا: وكانت الطوامير شبرا ونحو ذلك، ~~ومما كتب إلى أحد عماله: «أدق قلمك، وقارب بين سطورك، واجمع حوائجك؛ فإني أكره ~~أن أخرج من أموال المسلمين ما لا ينتفعون به.» وكان عمر من كبار الكتاب ~~والخطباء، وكان إذا خطب على المنبر فخاف فيه العجب قطع، وإذا كتب كتابا فخاف ~~فيه العجب مزقه، ويقول: اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي. ولما بويع بالخلافة ~~دعا إليه كاتبا فأملى عليه كتابا واحدا من فيه إلى يد الكاتب بغير نسخة ~~فأملى أحسن إملاء وأبلغه وأوجزه، ثم أمر بذلك الكتاب فنسخ إلى كل بلد. قالوا: ~~وجعل يكتب بيده إلى العمال في الأمصار. # 107 # كان عمر يحسن ظنه بعماله، ولا يتخلى عن كشف أحوالهم فقد وفد عليه بلال بن أبي ~~بردة بخناصرة فقال عمر ms090 للعلاء # 108 # بن المغيرة بن البندار، وقد رأى بلالا يديم الصلاة: إن يكن سر ~~هذا كعلانيته، فهو رجل أهل العراق غير مدافع. فقال العلاء: أنا آتيك بخبره. ~~فأتاه وهو يصلي بين المغرب والعشاء فقال: اشفع صلاتك فإن لي إليك حاجة. ففعل، ~~فقال له العلاء: قد عرفت حالي من أمير المؤمنين فإن أنا أشرت بك على ولاية ~~العراق فما تجعل لي؟ قال: لك عمالتي # 109 # سنة. وكان مبلغها عشرين ألف ألف درهم، قال فاكتب لي بذلك. قال: ~~فأرقد # 110 # بلال إلى منزله فأتى بداوة وصحيفة فكتب له بذلك. فأتى العلاء عمر ~~بالكتاب، فلما رآه كتب إلى والي الكوفة: «أما بعد، فإن بلالا غرنا بالله، ~~فكدنا نغتر، فسبكناه فوجدنا خبثا كله، والسلام.» وبلال هذا كان فيما يقال أول ~~من أظهر الجور من القضاة في الحكم، وكان أمير البصرة وقاضيها. وكان عمر يقول: ~~لا ينبغي للرجل أن يكون قاضيا حتى تكون فيه خمس خصال: يكون عالما قبل أن ~~يستعمل، مستشيرا لأهل العلم، ملقيا للرثع، # 111 # ومنصفا للخصم، ومقتديا بالأئمة. # سخط مسلمة بن عبد الملك على العريان بن الهيثم فعزله عن شرطة الكوفة، فشكا ذلك ~~إلى عمر بن عبد العزيز فكتب إليه: «إن من حفظ أنعم الله رعاية ذوي ~~الأسنان، ومن إظهار شكر الموهوب صفح القادر عن الذنوب، ومن تمام السؤدد حفظ ~~الودائع واستتمام الصنائع. وقد كنت أودعت العريان نعمة من أنعمك فسلبتها ~~عجلة سخطك وما أنصفته، غصبته على أن وليته ثم عزلته وخليته، وأنا شفيعه، ~~فأحب أن تجعل له من قلبك نصيبه، ولا تخرجه من حسن رأيك، فتضيع ما أودعته ~~وتتوي # 112 # ما أفدته.» فعفا عنه ورده إلى عمله. # خطب يوما فقال: «أيها الناس، لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~ألا وإني لست بقاض، ولكني مقتد، ألا وإني لست بمبتدع ولكني متبع، إن الرجل ~~الهارب من الإمام الظالم ليس بعاص ولكن الإمام الظالم هو العاصي، ألا لا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق.» وقال من خطبة: «وما منكم ms091 من أحد تبلغنا حاجته يتسع ~~له ما عندنا إلا حرصنا أن نسد حاجته ما استطعنا، وما منكم من أحد تبلغنا حاجته ~~لا يتسع له ما عندنا إلا تمنيت أن يبدأ بي وبخاصتي حتى يكون عيشنا وعيشه سواء.» ~~ومن غريب أمره في إطلاق حرية القول أن يخطب الناس عبد الله بن الأهتم، ويذكر ما ~~آل إليه أمر الأمة على عهد صاحب الشريعة والخليفتين من بعده، ثم يقول: «إنا ~~والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ضلع # 113 # أعوج.» يقول هذا في عهد عمر بن عبد العزيز، وعمر يسكت عنه! ولطالما ~~أسمعه بعض الناقمين على أهل بيته ما يغضب له الحليم، فما كان يقابلهم بغير ~~الإغضاء يفهمهم من طرف خفي أنه لا يليق بالرجل أن ينال من آله. # وكان عمر يجلس إلى قاص العامة ويرفع يديه إذا رفع، وقاصه محمد بن قيس، وعلم ~~أن أناسا من القصاص يصلون على خلفائهم وأمرائهم يلتمسون الدنيا بعمل الآخرة، ~~فأمرهم بالدعاء للمؤمنين عامة، وأن يلغوا ما سوى ذلك. وأدرك أن البادية ~~يتحفزون إلى أن يرجعوا إلى سيرتهم في الجاهلية، فبعث إليهم برجلين من أرباب ~~الفقه يفقهان الناس في البدو وأجرى عليهما رزقا. وكأنه قطع عهدا على ~~نفسه إذا ولي أمر المسلمين «أن لا يضع لبنة على لبنة ولا آجرة على آجرة.» ~~لئلا يقع في ذلك حيف على الرعية. وهم يتولون من ذلك ما يصلحهم من إقامة ~~القصور والبيوت، أما هو فيعمل لإغنائهم وحملهم على الجادة، حتى لم يبق فقير في ~~أيامه في أكثر الأمصار؛ لكثرة ما وزع على الفقراء من أموال الصدقات: يقبض عماله ~~الصدقة، ثم يقسمونها في الفقراء حتى إنه ليصيب الرجل الفريضتان أو الثلاث فما ~~يفارقون الحي وفيهم فقير، ولا ينصرفون إلى الخليفة # 114 # بدرهم. بعث عاملا على صدقات إفريقية # 115 # فأراد أن يعطي منها الفقراء فالتمسهم في كل مكان فلم يجد فيها ~~فقيرا يقبل أن يأخذ صدقة بيت المال، فاشترى بها رقابا وأعتقها، وجعل ولاءهم ~~للمسلمين. وما مات عمر حتى جعل الرجل يأتي بالمال ms092 العظيم ويقول: اجعلوا هذا حيث ~~ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، لا يجد من يضعه فيهم، لكثرة ما أغنى ~~الناس عمر. # ومن أهم ما عمله عمر في حسن الإدارة والسياسة: أنه لم يشأ - لما وسدت إليه ~~الخلافة - أن يبدأ بعمل قبل أن يستدعي المسلمين من أرض الروم، وقال: لرجل ~~من المسلمين أحب إلي من الروم وما حوت. وفي سنة 100 أمر أهل طرندة بالقفول عنها ~~إلى ملطية، ثم اشترى ملطية من الروم بمائة ألف أسير، فجعل لدولته سدا منيعا، ~~وأنقذ المسلمين من ذل الأسر. وأراد هدم المصيصة، ونقل أهلها عنها لما كانوا ~~يلقون من الروم فتوفي بعد ذلك. # ولما بلغ صاحب القسطنطينية نعيه نزل عن سريره وبكى، وذكر من مآثر عمر أمام وفد ~~من العرب، كان ذهب للفداء بين المسلمين والروم، ما أبكى المقل، ومما قال: لقد ~~بلغني من بره وفضله وصدقته ما لو كان أحد بعد عيسى يحيي الموتى لظننت أنه يحيي ~~الموتى، ولقد كانت تأتيني أخباره باطنا وظاهرا فلا أجد أمره مع ربه إلا ~~واحدا، بل باطنه أشد حين خلواته بطاعة مولاه، ولم أعجب لهذا الراهب الذي قد ~~ترك الدنيا وعبد ربه على رأس صومعته، ولكني عجبت لهذا الراهب الذي صارت الدنيا ~~تحت قدميه فزهد فيها حتى صار مثل الراهب. # 116 # وأحب عمر أن يجلي المسلمين من الأندلس؛ لأنه كان يعتقد أن مقامهم فيها غير ~~طبيعي؛ لأنهم محاطون بالأعداء بعيدون عن مقر الخلافة. فأمر أحد عماله أن يرسم ~~له مصور الأندلس ليرى في إجلاء المسلمين رأيه، وكتب إلى عامله عبد الرحمن بن ~~نعيم يأمره بإقفال من وراء النهر من المسلمين بذراريهم فأبوا، وكتب إلى عمر ~~بذلك فكتب إليه: «اللهم إني قد قضيت الذي علي، فلا تغز بالمسلمين فحسبهم ~~الذي قد فتح الله عليهم.» كل أولئك يدل على أن عمر ما كان يريد التوسع في ~~الفتوح، ويحاول أن يقتصر على البلاد التي دخلت في المملكة الإسلامية حتى لا ~~تهرق الدماء على غير طائل، ويعمر الناس البلاد، ويصلح ms093 أهلها صلاحا دائما ~~على أن يكونوا بين آخري يرجو ثواب الله، ودنياوي يستجمع صفات الشرف في ~~نفسه. # وكتب إلى ملوك الهند يدعوهم # 117 # إلى الإسلام والطاعة على أن يملكهم ولهم ما للمسلمين وعليهم ما ~~عليهم. وقد كانت بلغتهم سيرته ومذهبه فأسلموا وتسموا بأسماء العرب، ولما ~~ولى إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر مولى بني مخزوم ببلاد المغرب سار ~~أحسن سيرة ودعا البربر إلى الإسلام، وكتب إليهم عمر بن عبد العزيز كتابا ~~يدعوهم إلى الإسلام فقرأه إسماعيل عليهم في النواحي فغلب الإسلام على المغرب. ~~وكتب في اللواتيات: «إن من كانت عنده لواتية فليخطبها إلى أبيها أو فليرددها ~~إلى أهلها.» ولواتية قرية من البربر كان لهم عهد، ولما استخلف كتب إلى ملوك ما ~~وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام فأسلم بعضهم، ورفع الخراج عمن أسلم بخراسان، ~~وفرض لمن أسلم، وابتنى خانات. ثم بلغ عمر عن عامله عصبية، وكتب إليه أنه لا ~~يصلح أهل خراسان إلا السيف، فأنكر ذلك وعزله وكان عليه دين فقضاه. ووفد عليه ~~قوم من أهل سمرقند فرفعوا إليه أن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غدر، ~~فكتب إلى عامله يأمره أن ينصب لهم قاضيا ينظر فيما ذكروا، فإن قضى بإخراج ~~المسلمين أخرجوا، فحكم القاضي بإخراج المسلمين، وعلى أن ينابذوهم على ~~سواء، # 118 # فكره أهل سمرقند الحرب وأقروا فأقاموا بين أظهرهم. قال عمر ~~لمزاحم مولاه: إن الولاة جعلوا العيون على العوام، وأنا أجعلك عيني على نفسي ~~فإن سمعت مني كلمة تربأ بي عنها أو فعلا لا تحبه، فعظني عنده وانهني عنه. ~~وكان عنده رجلان فجعلا يلحنان فقال الحاجب: قوما قد آذيتما أمير المؤمنين. ~~فقال عمر: أنت آذى لي منهما. # هذا مجمل ما تم في عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز من الإصلاح فأعاد إلى ~~الخلافة جمالها وجلالها على ما كانت عليه أيام جده لأمه عمر بن الخطاب، ~~ولكن عمر بن عبد العزيز عمل في غير زمان عمر بن الخطاب وعمل بغير رجاله. وكان ~~دأب عمر بن عبد العزيز أن ms094 يذكر الناس بالآخرة ويخوفهم العذاب، ودأب ابن ~~الخطاب أن يذكرهم العمل للدنيا مع شدة التمسك بحقوق الأخرى. فكانت إدارة عمر ~~بن الخطاب ملائمة لزمانه وسيرة حفيده كذلك؛ لأن الناس فسدوا في أواخر القرن ~~الأول أو بدءوا بالفساد، فكان هجيراه أن يذكرهم بالمعاد ويطهر أخلاقهم. وعمل ~~عمر كل هذا في سنتين وخمسة أشهر وهذا من أعجب ما يدون في تاريخ عظماء ~~الأرض. ولما مرض مرضته التي مات فيها دخل عليه مسلمة بن عبد الملك فقال: ألا ~~توصي يا أمير المؤمنين؟ فقال: فيم أوصي؟ فوالله إن لي من مال. فقال: هذه مائة ~~ألف فمر بها بما أحببت. وقال: أوتقبل؟ قال: نعم. قال: ترد على من أخذت ~~منه ظلما. فبكى مسلمة، ثم قال: يرحمك الله لقد ألنت منا قلوبا قاسية، وأبقيت ~~لنا في الصالحين ذكرا. # إدارة يزيد بن عبد الملك وهشام ويزيد بن الوليد ومروان بن محمد # ولم يكد عمر بن عبد العزيز يلحق بمولاه حتى عادت الدولة إلى سابق عهدها إلا ~~قليلا. وعزل يزيد بن عبد الملك عمال عمر بن عبد العزيز جميعا، وأعاد سب ~~علي على المنابر، وكتب إلى عمال عمر: «أما بعد، فإن عمر كان مغرورا غررتموه ~~أنتم وأصحابكم، وقد رأيت كتبكم إليه في انكسار الخراج والضريبة، فإذا أتاكم ~~كتابي هذا فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده وأعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى، ~~أخصبوا أم أجدبوا، أحبوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا، والسلام.» ويزيد هذا أحد ~~إخوة أربعة تولوا الخلافة ولقبوا بالأكبش الأربعة، وهذا كان على غير طريقة ~~إخوته. # وجاء دور هشام في الخلافة وناهيك به من «رجل محشو عقلا» وفيه من الحلم والأناة ~~والعفة ما ظهرت آثاره في إدارة الملك، وعد أحد السواس الثلاثة من بني أمية ~~وهم معاوية وعبد الملك وهشام، وبه ختمت أبواب السياسة وحسن السيرة ، وكان ~~يحب جمع المال وعمارة الأرض واصطناع الرجال وتقوية الثغور وإقامة البرك والقنى ~~في طريق مكة وغير ذلك، ويسير بموكب كسائر الخلفاء من أهل بيته، ولم يكن مثل ذلك ~~لغير أخيه مسلمة ms095 بن عبد الملك. وافتتح عهده بعزل عمر بن هبيرة عن العراق وتولية ~~خالد بن عبد الله القسري، فأدار هذه الولاية # 119 # العظيمة نحو خمس عشرة سنة بإقامة العدل وإفاضة السلام والعمل ~~الصالح. وكان هشام على غاية الإخلاص متقللا متقشفا في ذاته، يقوم بواجب ~~الخلافة حق القيام، ومن أكبر همه إصلاح أموال الدولة، وغلب عليه الاقتصاد حتى ~~كاد ينقلب إلى شح. بينا هو يوصي عقال بن شبة # 120 # لما وجهه إلى خراسان نظر هذا إلى قباء الخليفة فقال: ما لك؟ قال: ~~رأيت عليك قبل أن تلي الخلافة قباء فنك # 121 # أخضر فجعلت أتأمل هذا أهو ذاك أم غيره. فقال: هو - والله الذي لا ~~إله إلا هو - ذاك، ما لي قباء غيره، وأما ما ترون من جمعي هذا المال وصونه فإنه ~~لكم. # وكانت دواوينه مثال التدقيق والعناية في معاملة الرعية ومحاسبة العمال الذين ~~يتصرفون له؛ يتخيرهم من الأمناء البعيدين «من الفساد ومن الرشا ومن الحكم ~~بالهوى» ويعتمد في توسيد عظام الأعمال على أناس من أهل بيته. قال عبد الرحمن بن ~~علي: جمعت دواوين بني مروان فلم أر ديوانا أصح للعامة للسلطان من ديوان ~~هشام. وقال غسان بن عبد الحميد: لم يكن أحد من بني مروان أشد حصرا في أمر ~~الصحابة ودواوينه ولا أشد مبالغة في الفحص عنهم من هشام. # كتب هشام إلى والي العراق لما أخذ ابن حسان النبطي فضربه بالسياط، وكان أوغر ~~صدر هشام عليه من إفراط الدالة واحتجان الأموال وكفر ما أسداه إليه من توليته ~~إياه العراق: «إن هشاما آثرك بولاية العراق، بلا بيت رفيع ولا شرف قديم، وهذه ~~البيوتات تعلوك وتغمرك وتسكتك وتتقدمك في المحافل والمجامع عند بداءة الأمور ~~وأبواب الخلفاء.» ومما قال له: «إنه استعان بالمجوس والنصارى وولاهم رقاب ~~المسلمين وجبوة خراجهم وسلطهم عليهم.» وقال له: «والله لو كنت من ولد عبد ~~الملك بن مروان ما احتمل لك أمير المؤمنين ما أفسدت من مال الله، وضيعت من أمور ~~المسلمين، وسلطت من ولاة السوء على جميع أهل كور عملك ms096 تجمع إليك ~~الدهاقين # 122 # هدايا النيروز والمهرجان، حابسا لأكثره، رافعا لأقله مع مخابث ~~مساويك.» # 123 # وغزا هشام الروم عدة غزوات موفقة، وكان الأسطول يشترك مع الجيش البري من ~~اليابسة، وذلك بقيادة ابنيه معاوية وسليمان. وتقدمت جيوشه في الشرق فغزا الترك، ~~وأخذ دعاة بني العباس وثوار الخوارج في أيامه يعملون سرا وجهرا إذا أمكنتهم ~~الحال، وعلى ما في هشام من بعد نظر لم يقدر مدى الدعوة التي عادت بعد ~~على دولته بالوبال، مع أنه كان معروفا بالشدة في مثل هذه المسائل. وظل أعداء ~~الدولة ينقضون في أساسها، وما كان بما عرف فيه من العقل يريد إثارة الخواطر ~~فيما لا يعود على السلطان بفائدة؛ فقد لقيه في الحج سنة 106 سعيد بن عبد الله ~~بن الوليد بن عثمان بن عفان وقال له: يا أمير المؤمنين، إن الله لم يزل ينعم ~~على بيت أمير المؤمنين، وينصر خليفته المظلوم، ولم يزالوا يلعنون في هذه ~~المواطن الصالحة أبا تراب - علي بن أبي طالب - فأمير المؤمنين ينبغي له أن ~~يلعنه في هذه المواطن الصالحة. فشق ذلك على هشام، وثقل عليه كلامه، ثم قال: ما ~~قدمنا لشتم أحد ولا للعنه، قدمنا حجاجا، ثم قطع كلامه. # 124 # وذكروا أن هشاما كان ينزل الرصافة من أرض قنسرين، وكان سبب نزوله إياها ~~أن الخلفاء كانوا ينتبذون # 125 # ويهربون من الطاعون فينزلون البرية خارجا عن الناس، فلما ~~أراد هشام أن ينزل الرصافة قيل له: لا تخرج فإن الخلفاء لا يطعنون ولم ير ~~خليفة طعن. فقال: أتريدون أن تجربوا بي! فنزل الرصافة وهي برية، وابتنى ~~بها قصرين. وكان # 126 # لا يدخل بيت ماله مال حتى يشهد أربعون قسامة # 127 # أنه أخذ من حقه وأعطي لكل ذي حق حقه. وهو من أحزم بني أمية ~~ومن أعقلهم، يفضل على العلماء والفقهاء كثيرا. # وتولى يزيد بن الوليد الخلافة فنقص الناس من عطائهم، وكان أشد ضنانة بالمال من ~~هشام، فسمى يزيد الناقص، فاضطربت عليه البلدان، وكان الخليفة من بني أمية إذا ~~مات وقام آخر زاد في ms097 أرزاقهم وعطاياهم عشرة دراهم فيقولون: «عير ~~بعير # 128 # وزيادة عشرة.» أي رجل برجل وزيادة عشرة. فسار هذا القول مسير ~~الأمثال عند أهل الشام. وكان يزيد يهتم باللهو واللذة والركوب للصيد وشرب ~~النبيذ ومنادمة الفساق، وأفسد على نفسه بني عميه ولد هشام وولد الوليد ~~ابني عبد الملك بن مروان. وأفسد على نفسه اليمانية وهم أعظم جند الشام، ولعل ~~هذه الغلطات الإدارية جسمت ما اتهم به، فكانت حجة للخواص عند العوام حتى ~~أوردوه موارد الهلكة. وقال خالد بن يزيد: يا أمير المؤمنين، قتلت ابن عمك ~~لإقامة كتاب الله تعالى وعمالك يغشمون ويظلمون. قال: لا أجد أعوانا غيرهم وإني ~~لأبغضهم. قال: يا أمير المؤمنين ول أهل البيوتات، وضم إلى كل عامل رجلا ~~من أهل الخير والعفة، يأخذونهم بما في عهدك. قال: أفعل. # وأمر الوليد بن يزيد بعض رجاله بتعذيب بعض العمال؛ لأنه كان رفع إليه أنهم ~~أخذوا مالا كثيرا # 129 # ولما قتل الوليد (126) كان في بيت المال سبعة وسبعون ألف ألف ~~دينار ففرقها يزيد عن آخرها، وتعهد للناس أن لا يضع حجرا فوق حجر، ولا لبنة ~~على لبنة، ولا يكري نهرا، ولا يكنز مالا، ولا ينقل مالا من بلد إلى بلد حتى ~~يسد ثغره وخصاصة أهله بما يغنيهم، فما فضل منه نقله إلى البلد الآخر الذي يليه، ~~ولا يغلق بابه دونهم، ولهم أعطياتهم في كل سنة وأرزاقهم كل شهر حتى يكون ~~أقصاهم كأدناهم. # أما مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية: فقد كان شيخ بني أمية وكبيرهم # 130 ~~«ذا أدب كامل ورأي فاضل» وهو أحزم بني مروان وأنجدهم # 131 # وأبلغهم، ولكنه ولي الخلافة والأمر مدبر عنهم. # هذا ما كان من إدارة دولة امتد حكمها مسافة # 132 # مائتي يوم من المشرق إلى المغرب تقرأ آي القرآن في سمرقند كما ~~تتلى في قرطبة. ويتلاقى الهندي مع السوداني في مكة للحج، وكلاهما يدين لبني ~~أمية. وفي أيامهم ظهرت على الممالك قدرة وغنى، وكانت كلمة الدولة نافذة في ~~ثلاثة أقسام من الأرض: آسيا وإفريقية وأوروبا. ملكوا من ms098 براري جبل الطور إلى ~~قفار ما وراء النهر، ومن وادي كشمير إلى منحدر جبل طوروس على البحر المتوسط ~~وأطراف الأناضول وسائر مملكة الأكاسرة وما عجز عنه الأكاسرة، وأخذت الجزية التي ~~قررها عمر بن الخطاب من النوبة كما أخذت من الهند والصين على ما قدرها مسلم ~~بن قتيبة الباهلي. وكل ذلك على قواعد العدل وقسطاس الحق، حتى صارت دمشق في نظر ~~المسلمين كأنما هي رومية في نظر المسيحيين، وانتشرت حضارة الإسلام # 133 # في نصف قرن تقريبا من سواحل البحر الأطلنطي إلى بلاد الصين، ومن ~~جبال القوقاز وما وراءها إلى خط الاستواء وما وراءه، ودخلت في حوزة الإسلام أمم ~~كثيرة من السلالة السامية «العرب والسريان والكلدان» ومن السلالة الحامية ~~«المصريون والنوبيون والبربر والسودان» ومن السلالة الآرية «الفرس واليونان ~~والإسبان والأهانداي الهنود» ومن السلالة المسماة بالتورانية «الترك ~~والتتار». # كل هذا وما كان جميع الناس راضين عن إدارة الأمويين ولا سيما خصومهم السياسيون. ~~ومتى كان الخصم ينصف خصمه؟! وإليكم مثالا من ذلك صدر عن أحد نساك الإباضية ~~وخطبائهم وهو أبو حمزة يحيي بن مختار الخارجي، خطب في مكة، ووصف سيرة الخلفاء ~~الراشدين، ثم قال في بني أمية: وأما بنو أمية ففرقة ضلالة، وبطشهم بطش جبرية، ~~يأخذون بالظنة، ويقضون بالهوى، ويقتلون على الغضب، ويحكمون بالشفاعة، ويأخذون ~~بالفريضة من غير موضعها، ويضعونها في غير أهلها، وقد بين الله أهلها فجعلهم ~~ثمانية أصناف فقال: # إنما الصدقات للفقراء ~~والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ~~وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن ~~السبيل # فأقبل صنف تاسع منها فأخذ كلها، تلكم الفرقة الحاكمة ~~بغير ما أنزل الله. ا.ه. والله أعلم بمقدار ما في هذا الخطاب - على جلالة قدر ~~صاحبه - من الخطأ والخطل، وفي حديث علي: «وأما إخواننا بنو أمية فقادة ذادة.» ~~والذادة جمع ذائد وهو الحامي الدافع، قيل: أراد أنهم يذودون عن ~~الحرم، # 134 # ولكن غضب العربي في رأسه فإذا غضب لم يهدأ حتى يخرجه بلسانه أو ~~يده كما قال ابن عياش. # لا جرم أن إدارة الأمويين لم تكن في كل ms099 أيام خلفائهم بريئة من العيوب، ولم تضعف ~~في الحقيقة إلا في أيام يزيد بن الوليد، وكان على غير طريقة أسلافه في أعماله. ~~وكان آخرهم مروان بن محمد على عظم همته وشدة بأسه مشغولا بالدفع عن ~~الخلافة، وكثرت الفتوق، فضعفت إدارة المملكة. كانت حكومتهم عربية صرفة يتولاها ~~أهل البيوتات والأشراف على الأكثر. وقيل: إن من أوكد الأسباب في زوال سلطان بني ~~أمية استتار الأخبار عنهم، وإغضاب قواد الدولة، وانقسام البيت الأموي على ~~نفسه بسبب ولاية العهد. ثم كان تأخير العطاء عن الجند فظاهروا غيرهم من ~~العباسيين، ولم يقاتلوا بإخلاص للخليفة كما كانوا من قبل. وساعد التوسع في ~~الفتوح على عهد هشام على اختلال نظام الدولة؛ فاتسعت دائرة ملكهم إلى ما لم ~~تبلغه دولة الرومان. ثم إن انقسام العرب في خراسان إلى مضرية ويمانية، ~~وتنازع رؤسائهم على الولاية كان من الأسباب المسهلة لقيام الدعوة العباسية في ~~خراسان نفسها، ولم يغن عن الأمويين من قتل من دعاة العباسيين الذين عملوا ~~لدولتهم في أرض أعدائهم وتحت سمع عمالهم وبصرهم. # | هوامش # | إدارة العباسيين # تدابير السفاح والمنصور # اختار محمد بن علي بن عبد الله بن العباس - يوم قام يدعو لآل العباس، ويحاول ~~انتزاع الملك من الأمويين - بلاد خراسان ميدانا لإظهار دعوته؛ لأنه كان جازما ~~كل الجزم أن أهل الشام والجزيرة والعراق والحجاز لم يكن هواهم مع آل العباس، بل ~~كانوا متشبعين بالروح الأموي يعلنون في سرهم وجهرهم ولاء بني مروان، وأن ~~في أهل خراسان «العدد الكثير، والجلد الظاهر، وهناك صدور سليمة، وقلوب فارغة، ~~لم تتقسمها الأهواء، ولم تتوزعها النحل، ولم يقدم عليها الفساد، وهم جند ~~لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل وهامات ولحى وشوارب وأصوات هائلة، ولغات فخمة ~~تخرج من أجواف # 1 # منكرة.» وليس فيهم التحزب للقبيلة # 2 # والعصبية للعشيرة، وهم مظلومون يؤملون الدول، ولم يكونوا على ~~العهد الأموي محل الرعاية، وأقصاهم الأمويون عن الحكومة، وجلبوا لهم العمال من ~~الأحزاب العربية. وإن أهل خراسان لم يزالوا في أكثر ملك العجم لقاحا # 3 # لا يؤدون إلى أحد إتاوة ms100 ولا خراجا، # 4 # فلما كان الإسلام صالحوا عن بلادهم فخف خراجهم، ولم تسفك بينهم ~~الدماء. # وأخذ الدعاة يدعون إلى الرضا من آل محمد، ومن مرو الشاهجان ظهرت دولة بني ~~العباس في سنة 127 وفي دار شخص منها يعرف بأبي النجم المعيطي صبغ أول سواد ~~لبسته المسودة. # 5 # وفي شهر رمضان سنة 129 نشر العلم الأسود على خراسان، وكان ~~الخراج يجبى لإبراهيم الإمام وهو في الشام والحجاز، ولا مال لديه ولا نشب. ~~ومروان بن محمد الجعدي الخليفة الأموي المبايع ومعه الجند والسلاح والمال ~~والدنيا جميعها عنده ينتثر ملكه عقدة عقدة. وقلما سمع أهل بلد بجيش خراسان إلا ~~سودوا أي لبسوا السواد شعار بني العباس قبل أن يوافيهم، ونزعوا البياض شعار ~~الأمويين المبيضين. وجيش خراسان أي الجيش العباسي على قلته يغلب وجيوش ~~الأمويين على كثرتها تتوالى هزائمها. ويكتب كاتب مروان عبد الحميد بن يحيى ~~كتابا إلى أبي مسلم الخراساني صاحب الدعوة باسم مروان، ويضمنه ما لو قرئ لأوقع ~~الاختلاف بين أصحاب أبي مسلم، وكان من كبر حجمه يحمل على جمل، # 6 # فلا يرضى أبو مسلم أن يقرأ الكتاب ويجعله طعاما للنار. ومن الحزم ~~أن لا يسمع وعدا ولا وعيدا ما دام قد دبر أمره تدبير من طب لمن ~~حب، # 7 # وكان الإمام يوصي جماعته أن لا يتجاوزوا الفرات. ومن حسن طالع ~~الجيش الفاتح أنه اجتاز الفرات في مده، فهلك القائد وانتصر جيشه. فلما بلغ ~~مروان الجعدي ذلك قال: هذا والله الإدبار، وإلا فمن سمع بميت يهزم ~~حيا! # داول أبو العباس السفاح بين الكوفة والأنبار والحيرة والهاشمية من المدن، فكان ~~يتنقل فيها، ولم يجعل له عاصمة مستقرة. واتخذ له وزيرا أبا سلمة الخلال حفص بن ~~سليمان وسلمه الدواوين، وكان يسمى وزير آل محمد. وأصبحت الوزارة في الدولة ~~العباسية مقررة القواعد والقوانين، وما كانت تعهد في الدولة الأموية، وكان ~~من يستشيرهم الأمويون يسمون كتابا ومشيرين على الأغلب، ويسمى ~~وزيرا من باب التجوز لا على مثال بني العباس . استوزر السفاح خالد بن برمك ~~بعد أن ms101 قتل أبا سلمة الخلال، فجعل خالد له دفاتر في الدواوين من الجلود وكتب ~~فيها وترك الدروج. وكانت كتابة الدواوين في صدر الإسلام أن يجعل ما يكتب فيه ~~صحفا مدرجة. دام ذلك مدة بني أمية، ولما تصرف جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك في ~~الأمور أيام الرشيد اتخذ الكاغد وتداوله الناس من بعد. # 8 # عهد السفاح بإدارة البلاد إلى رجال من آل بيته يستأصلون قواد الأمويين ~~وجماعاتهم، لا تأخذهم بهم رأفة ولا هوادة، ويقتلون حتى من استأمنوا، ويبحثون ~~عنهم حتى في أقصى حدود المملكة؛ ليجتثوا أصولهم، فانتقموا لمن قتله الأمويون ~~على نسبة عظيمة جدا، أخذوا ثأرهم من أحيائهم بالقتل، ومن أمواتهم بإحراق ~~جثثهم وتعفية آثارهم، وما ارتكبوه في دمشق من نسف قبور خلفاء الأمويين والقضاء ~~على كل أثر لهم كان سيئة وأي سيئة. # ولم يتفرغ أبو العباس السفاح لوضع أساس ثابت للإدارة لانصرافه جملة واحدة إلى ~~توطيد دعائم الفتح وقتال الخوارج عليه، وسار في الجملة على نظام الأمويين، وكان ~~أخوه أبو جعفر يتولى لأخيه كل أمر عظيم، وكانت العراق على حظ وافر من ترتيب ~~دواوينها وانتظام شئون إدارتها على العهد الأموي بفضل من وليها من أكبر ~~رجال الإدارة والسياسة من بني أمية. وكذلك الحال في معظم الأقطار تبدلت دولة ~~بدولة وخليفة بخليفة، ونسج الآخر على منوال الأول اضطرارا واختيارا، وقل أن ~~خالفه في ترتيبه ونظمه. وخطب السفاح قائما، وكانت بنو أمية تخطب قعودا، فضج ~~الناس وقالوا: أحييت السنة يا ابن عم رسول الله. وكان السفاح جميل ~~العشرة جوادا بالمال، ويحب مسامرة الرجال، وكان كثيرا ما يقول: العجب ممن ~~يترك أن يزداد علما ويختار أن يزداد جهلا! فقال له أبو بكر الهذلي: ما تأويل ~~هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟ قال: يترك مجالسة مثلك ومثل أصحابك ويدخل إلى ~~امرأة وجارية، فلا يزال يسمع سخفا ويرى نقصا. فقال له الهذلي: لذلك فضلكم ~~الله على العالمين، وجعل منكم خاتم النبيين. ومن أثمن ما وصل إلى أبي العباس من ~~ميراث بني أمية بردة الرسول وقضيبه. ms102 وكان مروان # 9 # بن محمد حين أحيط به في مصر دفعهما إلى خادم له وأمره أن يدفنهما ~~في بعض تلك الرمال. فلما أخذ الخادم في الأسرى قال: إن قتلتموني ضاع ميراث ~~النبي. فأمنوه على أن يسلم لهم ذلك، وكان للبردة والقضيب شأن وأي شأن عند ~~جميع الخلفاء من بعده. # ولي المنصور الخلافة، وكان أسن من أخيه أبي العباس السفاح، ودبر المملكة في ~~أيامه تدبيرا حسنا. أفضى إليه الملك وهو حنيك # 10 # كما قال عن نفسه، قد حلب هذا الدهر أشطره، # 11 # وزاحم المشاة في الأسواق، وشاهدهم في المواسم، وغازاهم في المغازي. ~~قال: فوالله ما أحب أن أزداد بهم خبرا على أني أحب أن أعلم ما أحدثوا بعدي، ~~مذ تواريت عنهم بهذه الجدارات، وتشاغلت عنهم بأمورهم، مع أني والله ما لمت ~~نفسي أن أكون قد أذكيت عليهم العيون حتى أتتني أخبارهم وهم في منازلهم. ~~والواقع أن أبا جعفر المنصور في تأسيسه دولة بني العباس كمعاوية في تأسيس دولة ~~بني أمية، مع اعتبار الفرق بين عصريهما، والسر الأعظم في نجاحهما أنهما مرنا ~~على الإدارة قبل أن توسد الخلافة إليهما. # ولى المنصور أهله البلدان وفرق العمالات بين قواد من العرب وقواد من ~~مواليه. فكان ينقل قواد العرب في أعماله لثقته بهم واعتماده عليهم، ثم استعمل ~~مواليه وغلمانه في أعماله، وصرفهم في مهماته، وقدمهم على العرب، فامتثلت ~~ذلك الخلفاء من بعده من ولده، فسقطت قيادات العرب، وزالت رياستها، وذهبت ~~مراتبها. فهو الذي «أصل # 12 # الدولة، وضبط المملكة، ورتب القواعد، وأقام الناموس، واخترع ~~أشياء، ولم تكن الوزارة في أيامه طائلة لاستبداده واستغنائه برأيه وكفاءته، على ~~أنه كان يشاور في الأمور دائما، وإنما كانت هيبته تصغر لها هيبة الوزراء.» ~~واجتمع له كثير من الخيل لم يعرف مثله في جاهلية ولا إسلام، واستجاد الكساء ~~والفرش وعدد الحرب ومؤنها، واصطنع الرجال وقوى الثغور، ولقب بأبي ~~الدوانيق لتشدده في محاسبة العمال والكتاب. وجماع سياسته المالية أن يدخر ~~المال قائلا: «من قل ماله قل رجاله، ومن قل رجاله قوي عليه ms103 عدوه، ومن ~~قوي عليه عدوه اتضع ملكه، ومن اتضع ملكه استبيح حماه.» وذكر أنه أخذ أموال ~~الناس حتى ما ترك عند أحد فضلا. # 13 # وكان يعطي الجزيل والخطير # 14 # إذا رأى في العطاء فائدة، ويمنع اليسير والخطير إذا كان عطاؤه ~~تضييعا، فكان كما قال زياد: لو أن عندي ألف بعير وعندي بعير أجرب لقمت عليه ~~قيام من لا يملك غيره. ومن أجل هذا كان يثمر ماله، وينظر فيما لا ينظر فيه ~~العوام، ووافق صاحب مطبخه على أن له الرءوس والأكارع والجلود وعليه الحطب ~~والتوابل. # وعد محمد بن عبد الله لما خرج عليه إذا رجع إلى طاعته من قبل أن يقدر عليه ~~أن يعطيه ألف ألف درهم، ويؤمنه على نفسه وولده وإخوته، ومن بايعه وتابعه ~~وشايعه، ويطلق من في سجنه من أهل بيته وأنصاره؛ لأنه آثر أن يحقن الدماء ~~ويعطي هذا العطاء على أن يبعث البعوث وينفق الأموال. وأنفق ثلاثة وستين ألف ~~ألف درهم على جيش واحد كان مؤلفا من خمسين ألفا وجهه إلى إفريقية لقتال ~~الخوارج، بمعنى أن أبا جعفر كان الحزم كله في تدبير ملكه، والحزم كله في جمع ~~المال للشدائد والإنفاق منه عند الحاجة لقيام الدولة، ويذكرون له في باب ~~الإمساك أخبارا كثيرة. # يقول المسعودي إن المنصور # 15 # كان في الحزم وصواب التدبير وحسن السياسة على ما تجاوز كل وصف، وهو ~~أول من رتب المراتب من الخلفاء # 16 # وكان لبني أمية بيوت بلا منعة ولا إذن، وإنما كان الناس يقفون ~~على أبوابهم حتى يؤذن لهم أو يصرفوا. فلما ولي بنو العباس وبنى المنصور بيته ~~اتخذ في قصره بيوتا للإذن، فجرى الأمر على ذلك. وكانت أرزاق الكتاب في ~~أيامه ثلاثمائة ثلاثمائة، وكذلك كانت في أيام بني أمية. وكان المنصور متقللا ~~متقشفا لا يحب البذخ والرفاهية يعد كل ما يأكل ويلبس نعمة عظمى بالقياس إلى ~~حاله قبل الخلافة. فهو شديد في قتال أعدائه، شديد في نظامه وترتيبه، يعرف قيمة ~~الوقت لا يصرفه إلا فيما ينفع الدولة فيعمل في خدمتها ليله ms104 ونهاره، وكان ~~شغله # 17 # في صدر نهاره بالأمر والنهي والولايات والعزل وشحن الثغور والأطراف ~~وأمن السبل والنظر في الخراج والنفقات، ومصلحة معاش الرعية والتلطف بسكونهم، ~~فإذا صلى العصر جلس لأهل بيته، فإذا صلى العشاء الآخرة جلس ينظر فيما ورد من ~~كتب الثغور والأطراف والآفاق وشاور سماره، وهو على انتباه لكل دقيق وجليل. ~~وكان يقول: ما أحوجني أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون على بابي أعف منهم، ~~هم أركان الدولة ولا يصلح الملك إلا بهم: أما أحدهم فقاض لا تأخذه في الله لومة ~~لائم، والآخر صاحب الشرطة ينصف الضعيف من القوي، والثالث صاحب خراج يستقصي ~~ولا يظلم الرعية، ثم عض على إصبعه السبابة ثلاث مرات يقول في كل مرة: آه آه. ~~قيل: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: صاحب بريد يكتب خبر هؤلاء على الصحة. # استعمل المنصور في ولاياته وأعماله قليلا من عمال الدولة البائدة، وكثيرا من ~~أهل بيته ورجالات العرب وبعض الفرس، واستوزر ابن عطية الباهلي وهو من صميم ~~العرب كما وزر له أبو أيوب المورياني الخوزي وهو فارسي، إلا أنه لا يترك الوزير ~~يعمل برأيه فقط بل ينهي إليه كل ما يعرض له من أمور الدولة قبل البت فيها. ~~وطريقته في حكم الأمصار طريقة اللامركزية، أي طريقة الأمويين والراشدين من قبل. ~~دعاه إلى اتخاذ هذه الطريقة تباعد ما بين أجزاء المملكة، وبعد الشقة في ~~نقل الأخبار على وجه السرعة، على ما كان في عهده من انتظام البريد وحمام الزاجل ~~تطير في المهمات السريعة. كتب المنصور إلى مسلم بن قتيبة يأمره بهدم دور من خرج ~~مع أحد الخوارج وعقر نخلهم. فكتب إليه: بأي ذلك نبدأ أبالنخل أم بالدور؟ فكتب ~~إليه أبو جعفر: «أما بعد، فإني لو أمرتك بإفساد ثمرهم لكتبت إلي تستأذن في ~~أيه نبدأ أبالبرني أم بالشهريز.» # 18 # وعزله. # لم ينفتق على المنصور في ملكه الواسع خرق إلا سده؛ لأن جيشه كثير، وآلته تامة، ~~وقواده يعرفون منه أن من سياسته أن يقتل على التهمة؛ فهم يصدعون بأمره ms105 كله، ~~ولا يخرمون منه مادة واحدة. احتل الروم طرابلس الشام وظهر في الشام رجل من أهل ~~المنيطرة # 19 ~~(142-143) وسمى نفسه ملكا، ولبس التاج وأظهر الصليب، واجتمع ~~أنباط جبل لبنان وغيرهم، ثم استفحل أمرهم فظهر عليهم الجيش العباسي، فأمر أمير ~~دمشق بإخراج من بقي في الجبل، وتفريقهم في بلاد الشام وكورها، فكان هذا ~~التدبير الإداري مما انتقده الإمام الأوزاعي بشدة؛ لأنه إن كان من نصارى لبنان ~~المعتدي على حقوق السلطان، فإن منهم البريء، وليس من الجائز # 20 # أن يجلى عن أرضه ويعامل الطائع كالعاصي. # كان المنصور في أكثر أموره وسياسته وتدبيره متبعا في أفعاله لهشام بن عبد ~~الملك؛ لكثرة ما كشفه من أخبار هشام وسيرته، وكان يقول إنه - أي هشام - فتى ~~القوم أي رجل بني أمية. وقال: الملوك ثلاثة: معاوية وكفاه حجاجه، وعبد الملك ~~وكفاه زياده، وأنا ولا كافي لي. وكان يقول لأهل بيته: إني لأجهل موضعي حتى أحذر ~~منكم؛ لأنه ما فيكم إلا عم وأخ وابن عم وابن أخ، فأنا أراعيكم ببصري، وأهتم بكم ~~بنفسي فالله الله في أنفسكم فصونوا، وفي أموالكم فاحتفظوا بها، وإياكم ~~والإسراف فيوشك أن تصيروا من ولد ولدي إلى من لا يعرف الرجل حتى يقول له: من ~~أنت؟ # وكان المنصور آية في الإشراف على عماله وإرادتهم على العدل، يهددهم بالعقوبات ~~إذا ولاهم، وأكثرهم يصححون ويناصحون، ويختار أهل البلاء منهم. ولقد وفد عليه ~~قاضي إفريقية، وكان رفيقه في طلب العلم، فسأله كيف رأيت سلطاني من سلطان بني ~~أمية؟ وكيف ما مررت به من أعمالنا حتى وصلت إلينا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ~~رأيت أعمالا سيئة وظلما فاشيا، والله يا أمير المؤمنين ما رأيت في سلطانهم ~~شيئا من الجور والظلم إلا رأيته في سلطانك، وكنت ظننته لبعد البلاد منك، فجعلت ~~كلما دنوت كان الأمر أعظم. فنكس الخليفة رأسه طويلا ثم رفعه، وقال: كيف لي ~~بالرجال؟ فقال القاضي: أليس عمر بن عبد العزيز كان يقول: إن الوالي بمنزلة ~~السوق يجلب إليها ما ينفق فيها، فإن كان برا أتوه ببرهم، ms106 وإن كان فاجرا أتوه ~~بفجورهم. ووعظ الأوزاعي المنصور فقال له: إن السلطان أربعة: أمير يظلف # 21 # نفسه وعماله، فذلك أجر المجاهد في سبيل الله وصلاته سبعون ألف ~~صلاة، ويد الله بالرحمة على رأسه ترفرف، وأمير رتع ورتع عماله فذلك يحمل أثقاله ~~وأثقالا مع أثقاله، وأمير يظلف نفسه ويرتع عماله فذاك الذي باع آخرته بدنيا ~~غيره، وأمير يرتع ويظلف عماله فذاك شر الأكياس. # كان المنصور يقول لابنه: يا أبا عبد الله، ليس العاقل الذي يحتال للأمر الذي ~~وقع فيه حتى يخرج منه، ولكنه الذي يحتال للأمر الذي غشيه حتى لا يقع فيه. وكتب ~~إليه عامله على إرمينية يخبره أن الجند شغبوا عليه ونهبوا ما في بيت المال، ~~فوقع في كتابه: «اعتزل عملنا مذموما مدحورا، فلو عقلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ~~ينهبوا.» ولقد حدث أن المنصور ولى المدينة رياح بن عثمان فخطب أهلها يهددهم، ~~ويقول: «أنا الأفعى بن الأفعى، أنا ابن عثمان بن حيان وابن عم مسلم بن عقبة، ~~المبيد خضراءكم، المفني رجالكم، والله لأدعنها بلقعا لا ينبح فيها كلب.» فوثب ~~عليه قوم منهم وكلموه، وقالوا: والله يا ابن المجلود حدين لتكفن أو ~~لنكفنك عن أنفسنا. فكتب الوالي إلى المنصور يخبره بسوء طاعة أهل المدينة فأرسل ~~المنصور إلى رياح رسولا وكتب معه كتابا ~~يقول فيه: «وأمير المؤمنين يقسم بالله لئن لم تنزعوا ليبدلنكم بعد أمنكم خوفا، ~~وليقطعن البر والبحر عنكم، وليبعثن عليكم رجالا غلاظ الأكباد بعاد ~~الأرحام.» فلما قرئ عليهم نادوه من كل جانب كذبت يا ابن المجلود حدين، ورموه ~~بالحصا وبادر بالمقصورة فأغلقها. فدخل عليه أيوب بن سلمة المخزومي فقال: أصلح ~~الله الأمير إنما تصنع هذا رعاع الناس. وقال بعض من حضر من وجوه بني هاشم: لا ~~نرى هذا، ولكن أرسل إلى وجوه الناس وغيرهم من أهل المدينة فاقرأ عليهم كتاب ~~المنصور. فجمعهم وقرأ عليهم فقالوا: ما أمرتنا فعصيناك ولا دعوتنا فخالفناك. ~~وانفض الأمر بسلام. # وعني المنصور بالعمارة في ملكه يعمر الجسور والقنى والآبار، ففشت في أيامه ~~أعمال العمران، وحمل ms107 المهندسين من الآفاق إلى العراق خصوصا لبناء مدينة بغداد، ~~واختار المنصور موقعها بنفسه لإحاطتها بدجلة والفرات بحيث يصعب على أكثر الجيوش ~~تخطيها، ولأن مواد الشام والجزيرة تأتيها بالفرات، ومواد الموصل وما وراءها ~~تحمل إليها في دجلة. وبنى الرصافة لابنه المهدي ليصير ابنه في مدينة، وعكسر ~~بالجانب الشرقي، ويصير المنصور في مدينة، وعكسر بالجانب الغربي، فلا يشغب ~~الجند. # وحج المنصور آخر حجة، وكان موقنا أنه لا يرجع من حجه، زاعما أنه عرف ذلك من ~~المنجمين، فقال لابنه وأشار إلى سفط له فيه دفاتر وعليه قفل لا يفتحه غيره: ~~انظر إلى هذا السفط فاحتفظ به، فإن فيه علم آبائك ما كان وما هو كائن إلى يوم ~~القيامة، فإن حزبك أمر فانظر في الدفتر الكبير فإن أصبت فيه ما تريد وإلا ~~ففي الثاني والثالث حتى تبلغ سبعة، فإن ثقل عليك فالكراسة الصغيرة، فإنك واجد ~~فيها ما تريد، وما أظنك تفعل، وانظر هذه المدينة أي بغداد، وإياك أن تستبدل بها ~~غيرها، وقد جمعت لك فيها من الأموال ما إن كسر عليك الخراج عشر سنين كفاك ~~لأرزاق الجند والنفقات والذرية ومصلحة البعوث فاحتفظ بها؛ فإنك لا تزال عزيزا ~~ما دام بيت مالك عامرا. وأوصى ابنه بأهل بيته، وأن يحسن إليهم ويقدمهم، ويوطئ ~~الناس أعقابهم، ويوليهم المنابر. وأوصاه بأهل خراسان خيرا؛ لأنهم أنصاره ~~وشيعته الذين بذلوا أموالهم ودماءهم في دولته، وأوصاه أن لا يدخل النساء في ~~أمره، وأن يعد الكراع والرجال والجند ما استطاع، وأن يعد رجالا بالليل لمعرفة ~~ما يكون بالنهار، ورجالا بالنهار لمعرفة ما يكون بالليل، وأن يباشر الأمور ~~بنفسه، وأن يستعمل حسن الظن ويسيء الظن بعماله وكتابه، وأن لا يبرم أمرا حتى ~~يفكر فيه، فإن فكر العاقل مرآة تريه حسنه وسيئه. وقال له: يا بني لا يصلح ~~السلطان إلا بالتقوى، ولا تصلح رعيته إلا بالطاعة، ولا تعمر البلاد بمثل العدل، ~~وأقدر الناس على العفو أقدرهم على العقوبة، وأعجز الناس من ظلم من هو ~~دونه، واعتبر عمل صاحبك وعلمه باختياره. وقال له أيضا: إني ms108 تركت الناس ثلاثة ~~أصناف: فقيرا لا يرجو إلا غناك، وخائفا لا يرجو إلا أمنك، ومسجونا لا يرى ~~الفرج إلا منك، فإذا وليت فأذقهم طعم الرفاهية، لا تمدد لهم كل المد. # هذا إجمال ما عمله أبو جعفر المنصور وما أوصى به ابنه لإتمام ما بدأ به من ~~التراتيب. وقد أبقت الأيام كتابا لابن المقفع في الصحابة # 22 # أي أصحاب الخليفة، كتبه إلى أبي جعفر أورد فيه ما يحتاجه الملك من ~~الإصلاح ليسير على قواعد مطردة سليمة من الشوائب، وأدركنا منه بعض المسائل ~~الإدارية التي كانت تشغل الأذهان في ذاك الزمان. بدأه بتذكير الخليفة بجند ~~خراسان فقال: إنهم جند لم يدرك مثلهم في الإسلام وفيهم منعة وهم أهل بصر ~~بالطاعة، وفضل عند الناس، وعفاف نفوس وفروج، وكف عن الفساد، وذل للولاة، فرأى ~~أن يكتب لهم أمانا معروفا بليغا وجيزا محيطا بكل شيء، بالغا في الحجة، ~~قاصرا عن الغلو، يحفظه رؤساؤهم حتى يقودوا به دهماءهم. وارتأى أن لا ~~يولي أحدا منهم شيئا من الخراج، فإن ولاية الخراج مفسدة للمقاتلة، وإن منهم ~~من المجهولين من هو أفضل من بعض قادتهم، فلو التمسوا وصنعوا # 23 # كانوا عدة وقوة، وكان ذلك صلاحا لمن فوقهم من القادة، ومن ~~دونهم من العامة، وأن يتعهد أدبهم في تعليم الكتاب والتفقه في السنة والأمانة ~~والعصمة والمباينة لأهل الهوى. وأن يظهر فيهم من القصد والتواضع واجتناب زي ~~المترفين وشكلهم مثل الذي يأخذ به أمير المؤمنين في أمر نفسه. قال: ولا يزال ~~يطلع من أمر أمير المؤمنين ويخرج منه القول ما يعرف مقته للإتراف # 24 # والإسراف وأهلهما، ومحبته القصد والتواضع ومن أخذ بهما، حتى يعلموا ~~أن معروف أمير المؤمنين محظور عمن يكنزه، بخلا أن ينفقه سرفا في العطر ~~واللباس والمغالاة بالنساء والمراتب. # وأشار أن يوقت الخليفة للجند وقتا يعرفونه في كل ثلاثة أشهر أو أربعة أو ما ~~بدا له أنهم يأخذون فيه، فينقطع الاستبطاء والشكوى، هذا مع كثرة أرزاقهم وكثرة ~~المال الذي يخرج لهم، وأن الجند يحتاجون إلى ما يحتاجون إليه من ms109 كثرة الرزق ~~لغلاء السعر. والرأي أن يجعل بعض أرزاقهم طعاما وبعضه علفا يعطونه ~~بأعيانه، ورأى أن لا يخفى على أمير المؤمنين شيء من أخبار هذا الجند ~~وحمالاتهم # 25 # وباطن أمرهم بخراسان والعسكر والأطراف، وأن يحتقر في ذلك النفقة، ~~ولا يستعين فيه إلا بالثقات النصاح «فإن ترك ذلك وأشباهه أحزم بتاركه من ~~الاستعانة فيه بغير الثقة فيصير جنة للجهالة والكذب» ووصى بأهل المصرين ~~الكوفة والبصرة قائلا: إنهم أقرب الناس إلى أن يكونوا شيعة الخليفة ومعينيه، ~~وإن في أهل العراق من الفقه والعفاف والألباب والألسنة شيئا لا يكاد يشك أنه ~~ليس في جميع من سواهم من أهل القبلة مثله ولا مثل نصفه. وأراده على أن يكتفي ~~بهم، وأنه ما أزرى بأهل العراق إلا أن من ولوا العراق كانوا أشرار الولاة، ~~وأعوانهم من أهل أمصارهم كذلك «فحمل جميع أهل العراق على ما ظهر من أولئك ~~الفسول، # 26 # وتعلق بذلك أعداؤهم من أهل الشام فنعوه عليهم، ثم كانت هذه الدولة ~~فلم يتعلق من دونكم من الوزراء والعمال إلا بالأقرب فالأقرب ممن دنا منهم، أو ~~وجدوه بسبيل شيء من الأمر، فوقع رجال مواقع شائنة لجميع أهل العراق حيثما وقعوا ~~من صحابة خليفة أو ولاية عمل أو موضع أمانة أو موطن جهاد، وكان من رأي أهل ~~الفضل أن يقصدوا حتى يلتمسوا، فأبطأ ذلك بهم أن يعرفوا أو ينتفع بهم ... فنزلت ~~الرجال عن منازلها؛ لأن الناس لا يلقون صاحب السلطان إلا متصنعين بأحسن ما ~~يقدرون عليه من الصمت والكلام، غير أن أهل النقص هم أشد تصنعا، وأحلى ألسنة، ~~وأرفق تلطفا للوزراء أو تمحلا لأن يثني عليهم من وراء وراء.» ثم ذكره بإصلاح ~~القضاء، وما يصدر عن القضاة من الأحكام المتناقضة، ورجا أن يوحد القضاء، ويوضع ~~للقضاة كتاب يرجعون إليه. # وتعرض لأهل الشام، وذكره أنهم أشد الناس مؤنة، وأخوفهم عداوة وبائقة، فمن ~~الرأي أن يختص منهم خاصة ممن يرجو عنده صلاحا، أو يعرف منه نصيحة أو وفاء، ~~فإن أولئك لا يلبثون أن ينفصلوا عن أصحابهم في الرأي والهوى، ms110 ويدخلوا فيما ~~حملوا عليه من أمرهم، ولا يعامل أهل الشام كما عامل أهل العراق من جعل فيئهم ~~إلى غيرهم، وتنحيتهم عن المنابر والمجالس والأعمال، كما كانوا ينحون عن ذلك ~~من لا يجهلون فضله في السابقة والمواضع، ومنعت منهم المرافق كما كانوا يمنعون ~~الناس أن ينالوا معهم أكلة من الطعام الذي يصنعه أمراؤهم للعامة. ورجاه أن يأخذ ~~منهم أهل القوة والغناء وخفة المؤنة والعفة في الطاعة، ولا يفضل أحدا منهم ~~على أحد إلا على خاصة معلومة. وقال بهذا المعنى في إقامة العذر لأهل الشام على ~~نزواتهم، وأنه لم يخرج الملك من قوم إلا بقيت فيهم بقية يتوثبون بها، ثم كان ~~ذلك التوثب هو سبب استئصالهم وتدويخهم. # وذكره بأصحابه «الذين هم بها فنائه، وزينة مجلسه، وألسنة رعيته، والأعوان ~~على رأيه، ومواضع كرامته، والخاصة من عامته.» وأبان أنها مراتب طمع فيها ~~الأوغاد «ممن لا ينتهي إلى أدب ذي نباهة، ولا حسب معروف، ثم هو مسخوط الرأي، ~~مشهور بالفجور في أهل مصره، قد غبر عامة دهره صانعا يعمل بيده، فصار يؤذن له ~~على الخليفة قبل كثير من أبناء المهاجرين والأنصار، وقبل قرابة أمير المؤمنين ~~وأهل البيوتات من العرب، ويجري عليه من الرزق الضعف مما يجري على كثير من بني ~~هاشم وغيره من سروات قريش، ويخرج له من المعونة على نحو ذلك، لم يضعه بهذا ~~الموضع رعاية رحم، ولا فقه في دين، ولا بلاء في مجاهدة عدو معروفة ماضية ~~متتابعة قديمة، ولا غناء حديث، ولا حاجة إليه في شيء من الأشياء، ولا عدة ~~يستعد بها، وليس بفارس ولا خطيب ولا علامة، إلا أنه خدم كاتبا أو حاجبا ~~فأخبر أن الدين لا يقوم إلا به، حتى كتب كيف شاء، ودخل حيث شاء.» ثم ذكره ~~بأمر فتيان أهل بيته وبني أبيه وبني علي وبني العباس، ووصفهم بأن فيهم رجالا ~~لو متعوا بجسام الأمور والأعمال سدوا وجوها، وكانوا عدة لأخرى. # ومن أهم ما ذكره به أمر الأرضين والخراج. قال: «فليس للعمال أمر ينتهون إليه ~~ولا يحاسبون عليه، ويحول ms111 بينهم وبين الحكم على أهل الأرض بعدما يتأنقون لها ~~في العمارة، ويرجون لها فضل ما تعمل أيديهم، فسيرة العمال فيهم إحدى ثنتين: إما ~~رجل أخذ بالخرق والعنف من حيث وجد، وتتبع الرجال والرساتيق بالمغالاة ممن ~~وجد، وإما رجل صاحب مساحة يستخرج ممن زرع، ويترك من لم يزرع فيعمر من يعمر ~~ويسلم من أخرب.» وأراده على أن يعمل رأيه «في التوظيف على الرساتيق والقرى ~~والأرضين وظائف معلومة، وتدوين الدواوين بذلك، وإثبات الأصول حتى لا يؤخذ رجل ~~إلا بوظيفة قد عرفها وضمنها، ولا يجتهد في عمارة إلا كان له فضلها ونفعها» ~~ليكون في ذلك صلاح للرعية، وعمارة للأرض، وحسم لأبواب الخيانة وغشم العمال. ~~قال: «وهذا رأي مؤنته شديدة، ورجاله قليل، ونفعه متأخر، وليس بعد هذا في أمر ~~الخراج إلا رأي قد رأينا أمير المؤمنين أخذ به، ولم نره من أحد قبله، من تخير ~~العمال وتفقدهم.» # ثم ذكره بجزيرة العرب، وأن يختار لولايتها الخيار من أهل بيته وغيرهم؛ لأن ~~ذلك من تمام السيرة العادلة والكلمة الحسنة التي قد رزق أمير المؤمنين وأكرمه ~~بها من الرأي الذي هو بإذن الله حمى ونظام لهذه الأمور كلها في الأمصار ~~والأجناد والثغور والكور. ومما قاله في خاتمة كتابه: «إن بالناس من ~~الاستخراج # 27 # والفساد ما قد علم أمير المؤمنين، وبهم من الحاجة إلى تقويم آدابهم ~~وطرائقهم ما هو أشد من حاجتهم إلى أقواتهم التي يعيشون بها. وأهل كل مصر وجند ~~أي ثغر فقراء إلى أن يكون لهم من أهل الفقه والسير والنصيحة مؤدبون مقومون، ~~يذكرون ويبصرون الخطأ، ويعظون عن الجهل، ويمنعون عن البدع، ويحذرون الفتن، ~~ويتفقدون أمور عامة من هو بين أظهرهم حتى لا يخفى عليهم منها مهم، ثم ~~يستصلحون ذلك، ويعالجون على ما استنكروا منه بالرأي والرفق والنصح، ويرفعون ما ~~أعياهم إلى ما يرجون قوته عليهم، مأمونين على سير ذلك وتحصينه، بصراء بالرأي ~~حين يبدو، وأطباء باستئصاله قبل أن يتمكن، وفي كل قوم خواص رجال عندهم على هذا ~~معونة إذا صنعوا لذلك وتلطف لهم، وأعينوا على ms112 رأيهم، وقووا على معاشهم ~~ببعض ما يفرغهم لذلك ويبسطه لهم. وخطر هذا جسيم في أمرين: أحدهما برجوع أهل ~~الفساد إلى الصلاح، وأهل الفرقة إلى الألفة، والأمر الآخر أن لا يتحرك متحرك في ~~أمر من أمور العامة إلا وعين ناصحة ترمقه، ولا يهمس هامس إلا وأذن شفيقة تصيخ ~~نحوه.» قال: «وقد علمنا علما لا يخالطه الشك أن عامة قط لم تصلح من قبل ~~أنفسها، ولم يأتها الصلاح إلا من قبل خاصتها، وأن خاصة قط لم تصلح من قبل ~~أنفسها، وأنها لم يأتها الصلاح إلا من قبل إمامها ... فإذا جعل الله فيهم خواص من ~~أهل الدين والعقول ينظرون إليهم، ويسمعون منهم، اهتمت خواصهم بأمور عوامهم، ~~وأقبلوا عليه بجد ونصح ومثابرة وقوة، جعل الله ذلك صلاحا لجماعتهم، وسببا ~~لإصلاح الصلاح من خواصهم، وزيادة فيما أنعم الله به عليهم، وبلاغا إلى الخير ~~كله، وحاجة الخواص إلى الإمام الذي يصلحهم الله به كحاجة العامة إلى خواصهم ~~وأعظم من ذلك.» # هذه زبدة تقرير ابن المقفع للمنصور، وفيه صورة جميلة مما تحتاجه إدارة البلاد ~~من الإصلاح، وما يجب القيام به لاستصلاح الجند والرفق بأهل الكوفة والبصرة، ~~والعناية بأهل العراق والعطف على الحجاز واليمن واليمامة، واختيار العمال ~~الكفاة والرجوع إلى أهل الرأي، واصطناع أرباب العقل من أهل الشام وإشارة إلى أن ~~بغضهم بني العباس من الأمور الطبيعية؛ لأن الملك كان فيهم فانتقل إلى غيرهم، ~~وعرفه الطرق إلى استصلاح العامة، واختيار الخاصة من الأصحاب والموالين إلى غير ~~ذلك من الأمور التي يمكن تطبيقها لعمران البلاد ورفع الحيف عن الخلق، والانتفاع ~~بالقوى المفيدة للرعية وأرضهم. ومن أهم ما وقفنا عليه هذا التقرير أن الأمة ~~لم تعدم في إبان مجدها رجالا يدلونها على مواطن الضعف من سلطانها، ومعالجة ~~الإصلاح بالعقل حتى يبلغ كماله، والأخذ في كل أمر من أمور الدولة بالحزم النافع ~~والمصلحة الشاملة. # إدارة المهدي والهادي والرشيد # سار المهدي بالخلافة على الخطة التي اختطها له أبوه، ينظر في الدقائق من ~~الأمور، ويظهر أبهة الوزارة؛ لكفاءة وزيره أبي عبيد الله بن ms113 معاوية بن يسار، ~~فإنه جمع له حاصل المملكة ورتب له الديوان # 28 # وقرر القواعد «وكان كاتب الدنيا، وأوحد الناس حذقا وعلما وخبرة.» ~~اخترع أمورا منها أنه نقل الخراج إلى المقاسمة، وكان السلطان يأخذ عن الغلات ~~خراجا مقررا ولا يقاسم، وجعل الخراج على النخل والشجر، وضبطت الأمور في ~~أيامه ضبطا محكما. وكان من جملة حظ المهدي أن يكون له وزراء من هذا الطراز ~~العالي، وهو يعتمد عليهم، ويضع ثقته برجال دولته، واستوزر أيضا يعقوب بن داود ~~فخرج كتاب المهدي إلى الديوان أن أمير المؤمنين آخى يعقوب بن داود، فلم يكن ~~ينفذ شيء من كتب المهدي حتى يرد كتاب الوزير يعقوب معه إلى أمينه بإنفاذه؛ أي ~~إن الخليفة ووزيره كانا يراقب أحدهما عمل صاحبه لتقرير ما تلزم به المصلحة قبل ~~إمضائه. # ووضع المهدي ديوان الأزمة، ولم يكن لبني أمية ذلك، ومعنى ديوان الأزمة: ~~أن يكون لكل ديوان زمام وهو رجل يضبطه، وقد كانت الدواوين قبل ذلك ~~مختلطة، # 29 # والسبب في وضع ديوان الأزمة أنه لما جمعت الدواوين لعمر بن ~~بزيع فكر فإذا هو لا يضبطها إلا بزمام يكون له على كل ديوان، فاتخذ دواوين ~~الأزمة، وولى على كل ديوان رجلا. وأنشئوا ديوانا سموه ديوان النظر، أي ~~المكاتبات والمراجعات، تسهيلا على أرباب المصالح. والديوان يقسم أربعة ~~أقسام؛ # 30 # ديوان الجيش: وفيه الإثبات والعطاء. وديوان الأعمال: ويتولى الرسوم ~~والحقوق. وديوان العمال: ويختص بالتقليد والعزل. وديوان بيت المال: ينظر في ~~الدخل والخرج. # والمهدي أول من جلس للمظالم من بني العباس، يقيم العدل بين المتظالمين، ومشى ~~على أثره الهادي والرشيد والمأمون. وكان المهتدي آخر من جلس للنظر فيها. وبسط ~~المهدي يده في العطاء فأذهب جميع ما خلفه المنصور وهو ستمائة ألف ألف درهم ~~وأربعة عشر ألف ألف دينار، وأجرى المهدي على المجذمين وأهل السجون في جميع ~~الآفاق، وأمر بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن وبغداد ببغال وإبل. ولم ~~يكن هناك بريد قبل ذلك ولا في قطر من الأقطار. وكان وزيره «يرفع إليه النصائح ~~في الأمور الحسنة ms114 من أمور الثغور والولايات، وبناء الحصون، وتقوية الغزاة، ~~وتزويج العزاب، وفكاك الأسرى والمحبسين، والقضاء على الغارمين، والصدقة على ~~المتعففين.» واشتد المهدي على الزنادقة، وقتل في جملة من قتل ابن وزيره أبي ~~عبد الله بن معاوية فاستوحش كل منهما من صاحبه فاعتزل الوزير الخدمة. # قال رجل للمهدي: عندي نصيحة يا أمير المؤمنين. فقال: لمن نصيحتك هذه؛ لنا؟ أم ~~لعامة المسلمين؟ أم لنفسك؟ قال: لك يا أمير المؤمنين. قال: ليس الساعي بأعظم ~~عورة ولا أقبح حالا ممن قبل سعايته، ولا تخلو من أن تكون حاسد نعمة فلا تشفي ~~غيظك أو عدوا فلا نعاقب لك عدوك. ثم أقبل على الناس فقال: لا ينصح لنا ناصح ~~إلا بما فيه رضى لله وللمسلمين صلاح؛ فإنما لنا الأبدان وليس لنا القلوب، ومن ~~استتر عنا لم نكشفه، ومن بادانا طلبنا توبته، ومن أخطأ أقلنا عثرته؛ فإني أرى ~~التأديب بالصفح أبلغ منه بالعقوبة، والسلامة مع العفو أكثر منها مع العاجلة، ~~والقلوب لا تبقى لوال لا ينعطف إذا استعطف، ولا يعفو إذا قدر، ولا يغفر إذا ~~ظفر، ولا يرحم إذا استرحم. وهذا أرقى الأدب في استمالة القلوب وحسن سياسة ~~الناس، ومن وفق إلى تطبيق هذه القواعد على أمته لا يحتاج إلى سلاح يخيفهم ولا ~~إلى جند يضبطهم. # وأفضت الخلافة إلى الهادي، والدواوين مدونة مرتبة، فمن ديوان الخراج، إلى ~~ديوان الضياع، إلى ديوان الزمام، إلى ديوان التوقيع والتتبع على العمال، ~~إلى ديوان النظر أي المكاتبات والمراجعات، إلى ديوان الرسائل، إلى ديوان البريد ~~والخرائط ... إلى غير ذلك من الدواوين. ومن أهم ما عمله الهادي في عهده القصير: ~~أن منع أمه الخيزران من التدخل في أمور السلطان لقضاء حوائج الناس. # 31 # وحلف أن يضرب عنق كل من يقف على بابها من قواده وخاصته وخدمه ~~قائلا لها: أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكرك، أو بيت يصونك؟ إياك ثم إياك أن ~~تفتحي فاك في حاجة لملي أو ذمي. فعملت والدته بما رسم لها ابنها، ~~وكانت في أول خلافة الهادي تفتات # 32 # عليه في ms115 أموره، وتسلك به مسلك أبيه من قبله في الاستبداد ~~بالأمر # 33 # والنهي. أما ابنها فكان من رأيه أنه «ليس من قدر النساء الاعتراض ~~في أمر الملك.» وقال: «ما للنساء والكلام في أمر الرجال؟!» ولما كان في آخر ~~أيامه من الدنيا استدعاها وقال لها: قد كنت نهيتك عن أشياء وأمرتك بأخرى على ~~ما أوجبته سياسة الملك لا موجبات الشرع من برك، ولم أكن عاقا بل كنت لك ~~صائنا وبرا واصلا. ثم قضى نحبه قابضا على يدها واضعا لها على صدره. ~~وبإبعاد الهادي النساء عن الوساطات والشفاعات عمل بوصية جده المنصور لابنه ~~المهدي، وجعل أمور الدولة تسير في قواعدها المرعية على ما تقضي به أحكام الشرع ~~والعقل، ويراه الوزراء والأمراء والقضاة. وكان الهادي جبارا عظيما، وهو أول ~~من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة، والأعمدة المشهورة، والقسي ~~الموتورة، فسلكت عماله طريقته، ويمموا منهجه، وكثر السلاح في عصره. # سار الرشيد في إدارته على نهج قويم، وأعاد إلى الخلافة رونقها الذي كان لها على ~~عهد جده المنصور، وما كان بالمسرف ولا بالمبخل، وسمى الناس أيامه «أيام ~~العروس» لنضارتها وكثرة خيرها وخصبها. وكانت دولته # 34 ~~«من أحسن الدول وأكثرها وقارا ورونقا وخيرا وأوسعها رقعة مملكة: ~~جبى الرشيد معظم الدنيا وكان أحد عماله صاحب مصر.» وقلد وزارته يحيى بن خالد، ~~وقال له: «قد قلدتك أمر الدولة وأخرجته من عنقي إليك، فاحكم في ذلك بما ترى من ~~الصواب، واستعمل من رأيت، واعزل من رأيت، وأمض الأمور على ما ترى.» ودفع إليه ~~خاتم الخلافة. أما الولايات: فقد فوضها لأمراء جعل لهم الولاية على جميع أهلها، ~~ينظرون # 35 # في تدبير الجيوش والأحكام، ويقلدون القضاة والحكام، ويجبون الخراج ~~ويقبضون الصدقات، ويقلدون العمال فيها، ويحمون الدين، ويقيمون حدوده، ويؤمون في ~~الجمع والجماعات أو يستخلفون عليها، ويسيرون الحج من أعمالهم، فإن كانت ~~أقاليمهم ثغرا متاخما للعدو تولوا جهاده. # وما قسمت أعمال الدولة منذ انتقالها إلى بني العباس تقسيمها في زمن الرشيد؛ ~~ولذلك كان للخليفة وقت ليحج ووقت ليغزو، ووقت ليصطاف ويرتبع في ms116 الرقة، ويترك ~~قصر الخلد في بغداد. ولقد كان الروم من جيوش الرشيد في بلية فما غزتهم مرة ~~إلا وحالفها التوفيق، وبعث صاحب الروم جزية رأسه وبطارقته، وجرى الفداء بين ~~الروم والعرب حتى لم يبق من المسلمين أسير واحد بأيدي الروم، وما اشتعلت فتنة ~~في أرجاء مملكته إلا أطفأها، ومنها: فتنة النزارية واليمانية في الشام؛ أي قيس ~~ويمن عادوا إلى ما كانوا عليه فقتل منهم بشر كثير، فأرسل عليهم إبراهيم بن ~~محمد المهدي واليا؛ ففكر أن يعمد إلى طرق إدارية لقطع شأفة هذه الغائلة، فرأى ~~أن يلهيهم بقشور، ويتقرب من قلوبهم بما يستميلها ولا يصدعها، فسار في استقبالهم ~~على قانون من «التشريفات» أو «البروتوكول» أرضاهم به وما تكلف شيئا، فقد أمر ~~حاجبه بإحضار وجوه الحيين، وأمره بتسمية أشرافهم، وأن يقدم من كل حي الأفضل ~~فالأفضل منهم، فأمر بتصيير أعلى الناس من الجانب الأيمن مضريا وعن شماله ~~يمانيا، ومن دون اليماني مضري ومن دون المضري يماني، حتى لا يلتصق مضري بمضري ~~ولا يماني بيماني، فلما قدم الطعام قال قبل أن يطعم شيئا: «إن الله - عز وجل - ~~جعل قريشا موازين بين العرب، فجعل مضر عمومتها، وجعل يمن خئولتها، وافترض ~~عليها حب العمومة والخئولة، فليس يتعصب قرشي إلا للجهل بالمفترض عليه.» ثم قال: ~~«يا معشر مضر كأني بكم وقد قلتم إذا خرجتم لإخوانكم من يمن قد قدم أميرنا مضر ~~على يمن، وكأني بكم يا يمن قد قلتم وكيف قدمكم علينا، وقد جعل بجانب اليماني ~~مضريا وبجانب المضري يمانيا؟ فقلتم يا معشر مضر: إن الجانب الأيمن أعلى من ~~الجانب الأيسر، وقد جعلت الأيمن لمضر والأيسر ليمن، وهذا دليل على تقدمته إيانا ~~عليكم. ألا إن مجلسك يا رئيس المضرية في غد من الجانب الأيسر، ومجلسك يا رئيس ~~اليمانية في غد من الجانب الأيمن. وهذان الجانبان يتناوبان بينكما، يكون كل من ~~كان في جهته متحولا عنه في غده إلى الجانب الآخر.» فانصرف القوم كلهم حامدا، ~~وبمثل هذه القوانين الإدارية رجع السلام إلى الشام ست سنين، واستراحت من ms117 ~~العصبية الجاهلية وبأو # 36 # القبلية. قال الجاحظ: # 37 # حدثني إبراهيم بن السندي قال: لما كان أبي بالشام واليا أحب أن ~~يسوي بين القحطاني والعدناني ، وقال: لسنا نقدمكم إلا على الطاعة لله - عز وجل - ~~وللخلفاء، وكلكم إخوة، وليس للنزاري شيء وليس لليماني مثله. قال: وكان يتغدى مع ~~جلة من جلة الفريقين، ويسوي بينهم في الإذن والمجلس. # ومن عمال الرشيد من أبدع طرقا جديدة في الإدارة، ولي عمر بن مهران مصر فقال ~~هذا لغلامه: لا تقبل من الهدايا إلا ما يدخل في الجراب. لا تقبل دابة ولاجارية ~~ولا غلاما. فجعل الناس يبعثون بهداياهم فجعل يرد ما كان من الألطاف # 38 # ويقبل المال والثياب، ويوقع عليها أسماء من بعث بها، ثم وضع ~~الجباية. وكان بمصر قوم قد اعتادوا المطل وكسر الخراج، فاستأدى من الخراج النجم ~~الأول والنجم الثاني، فلما كان في النجم الثالث وقعت المطالبة والمطل فأحضر أهل ~~الخراج والتجار فطالبهم فدافعوه وشكوا الضيقة، فأمر بإحضار تلك الهدايا التي ~~بعث بها إليه، ونظر في الأكياس، وأحضر الجهبذ؛ # 39 # فوزن ما فيها، وأجزى أثمانها عن أهلها، ثم قال: يا قوم، حفظت عليكم ~~هداياكم إلى وقت حاجتكم إليها، فأدوا إلينا مالنا. فأدوا إليه حتى أغلق مال ~~مصر، فانصرف ولا يعلم أنه أغلق مال مصر غيره. # 40 # ولقد كان الرشيد على أشد ما يكون من الانتباه لكل ما دق وجل من شئون ~~الملك «ومن أشد الملوك بحثا عن أسرار رعيته، وأكثرهم بها عناية، وأحزمهم فيها ~~أمرا.» يصطنع الرجال، ويحلم عن مساوئ تغتفر من رجاله، ويسعى في عمران البلاد، ~~ويكف الأذى عن الرعية، ويأخذ بأيدي العلماء والباحثين، ويجتمع إليهم ويأنس بهم. ~~ولما رأى أن ملكه في خطر محقق من نفوذ آل برمك وزرائه وخاصته؛ لانصراف الوجوه ~~إليهم لكثرة ما أحسنوا إلى الناس، ولإجماع القاصي والداني على حبهم حتى ساموا ~~الخليفة أو أربوا عليه في المكانة، أمر بالقبض عليهم ومصادرتهم وقتلهم، وما ~~أراد أن يبوح بسر ما أتاه، فرجم القوم الظنون به؛ وذلك لأنه خافهم على ملكه، ~~وهم ms118 فرس لهم قديم يمتون إليه من الإمارة، والفرس يحاولون منذ القرن الأول أن ~~يعيدوا الملك فيهم فارسيا، ويخرجون عن صبغته العربية. ونشأت من قتلهم قصة ~~طويلة سداها ولحمتها المبالغة، بل الاختلاق، شغل الرشيد بها الناس عن نفسه وعن ~~سياسة بلاده. # ووضع الرشيد عن أهل السواد العشر الذي كان يؤخذ منهم بعد النصف، وترك بعض أهل ~~الضياع في فلسطين أرضهم فوجه إليهم أحد كبار قواده فدعا قوما من أكرتها ~~ومزارعيها إلى الرجوع إليها، على أن يخفف عنهم من خراجهم وتلين معاملتهم، ~~فرجعوا فأولئك أصحاب التخافيف. وجاء قوم منهم بعد فردت عليهم أرضوهم على مثل ~~ما كانوا عليه فهم أصحاب الردود. والرشيد يسد كل خلل في مملكته، ويهتم كل ~~الاهتمام أن يخفف عن الفلاحين. وكان رجاله لا يألونه نصحا؛ لأنه يهتم لكل ما ~~ينفع. وفي الرسالة التي كتبها له قاضيه أبو يوسف في الخراج نموذج من هذه ~~العناية، ومما قال فيها: «وقد بلغني أن عمال الخراج يبعثون رجالا من قبلهم ~~في الصدقات فيظلمون ويعسفون ويأتون ما لا يحل، وإنما ينبغي أن يتخير للصدقة ~~أهل العفاف والصلاح، فإذا وليتها رجلا ووجد من قبله من يوثق بدينه وأمانته ~~أجريت عليهم من الرزق بقدر ما تجري، ولا تجري عليهم ما يستغرق أكثر الصدقة ... ~~ويكون من يولى فقيها عالما مشاورا لأهل الرأي مؤتمنا على الأموال، إني قد ~~أراهم لا يحتاطون فيمن يولون الخراج، إذا لزم الرجل منهم باب أحدهم أياما ~~ولاه رقاب المسلمين وجباية خراجهم، ولعله أن لا يكون عرفه بسلامة ناصية ولا ~~بعفاف ولا باستقامة طريقة ولا بغير ذلك ... وتقدم إلى من وليت أن لا يكون عسوفا ~~لأهل عمله، ولا محتقرا لهم، ولا مستخفا بهم، ولكن يلبس لهم جلبابا من اللين ~~يشوبه بطرف من الشدة والاستقصاء، من غير أن يظلموا أو يحملوا ما لا يجب عليهم، ~~واللين للمسلم والغلظة على الفاجر، والعدل على أهل الذمة وإنصاف المظلوم، ~~والشدة على الظالم والعفو عن الناس ... فإن كل ما عمل به والي الخراج من الظلم ~~والعسف؛ فإنه يحمل ms119 على أنه قد أمر به وقد أمر بغيره، وإن أحللت بواحد ~~منهم العقوبة الموجعة انتهى غيره واتقى وخاف، وإن لم تفعل هذا بهم تعدوا ~~على أهل الخراج ، واجترءوا على ظلمهم وعسفهم وأخذهم بما لا يجب عليهم، وإذا صح ~~عندك من العامل والوالي تعد بظلم أو عسف وخيانة لك في رعيتك واحتجان شيء من ~~الفيء، أو خبث طعمته أو سوء سيرته، فحرام عليك استعماله والاستعانة به، وأن ~~تقلده شيئا من أمر رعيتك أو تشركه في شيء من أمرك، بل عاقبه على ذلك عقوبة ~~تروع غيره من أن يتعرض لمثل ما تعرض له.» # وقال: «بلغني عن ولاتك على البريد والأخبار في النواحي تخليط كثير ومحاباة فيما ~~يحتاج إلى معرفته من أمور الولاة والرعية، وأنهم ربما مالوا مع العمال على ~~الرعية وستروا أخبارهم وسوء معاملتهم للناس، وربما كتبوا في الولاة والعمال بما ~~لم يفعلوا إذ لم يرضوهم، وهذا مما ينبغي أن تتفقده، وتأمر باختيار الثقات ~~العدول من أهل كل بلد ومصر فتوليهم البريد والأخبار. وكيف ينبغي أن لا يقبل ~~خبر إلا من ثقة عدل، ويجري لهم من الرزق من بيت المال وليدر عليهم، وتقدم ~~إليهم في أن لا يستروا عنك خبرا عن رعيتك ولا عن ولاتك، ولا يزيدوا فيما ~~يكتبون به عليك خبرا، فمن لم يفعل منهم فنكل به، ومتى لم يكن أصحاب البرد ~~والأخبار في النواحي ثقات عدولا فلا ينبغي أن يقبل لهم خبر في قاض ولا وال. ~~إنما يحتاط بصاحب البريد على القاضي والوالي وغيرهما فإذا لم يكن عدلا فلا يحل ~~ولا يسع استعمال خبره ولا قبوله.» # 41 # بمثل هذا اللسان يتلطف أبو يوسف، وينصح لخليفته في اختيار عمال الخراج والأمناء ~~على الأخبار لمراقبة العمال والولاة والقضاة. على أن الرشيد أخذ ~~العمال # 42 # والتناء والدهاقين وأصحاب الضياع والمبتاعين للغلات ~~والمقبلين # 43 # وكان عليهم أموال مجتمعة فطولبوا بصنوف من العذاب. وهذا ما دعا بعض ~~الناس في الدولة العباسية إلى أن يقولوا: إن بني أمية # 44 # كانت مصائبهم في أديانهم، وإن جبايتهم وأموالهم ms120 سليمة لم يظلموا في ~~العشر والخراج، أما بنو العباس فمع سلامة أديانهم كانت أموالهم فاسدة وجباياتهم ~~بالظلم والغش. وأوضاع كل أمة تثقل وتخف في الميزان بحسب غناء القائمين على ~~تطبيقها، يزنون بالقسطاس المستقيم أو يخسرون إذا كالوا أو وزنوا. ولى الرشيد ~~أحدهم بعض أعمال الخراج، فدخل على الرشيد يودعه وعنده يحيى وجعفر بن يحيى، فقال ~~الرشيد ليحيى: أوصياه. فقال له يحيى: وفر واعمر. وقال له جعفر: أنصف وانتصف. ~~فقال له الرشيد: اعدل وأحسن. # وانتهى إلى علم الرشيد أن عامل الأهواز قد اقتطع مالا كثيرا من مال البلد، ~~ولما سأله الرشيد أجاب: وحلفت بأيمان البيعة أني قد نصحت وشكرت الصنيعة ووفرت ~~وما أسرفت ولا خنت، والله لأصدقنك عن أمري: عمرت البلاد واستقصيت حقوقك من غير ~~ظلم، ووفرت أموالك، وفعلت ما يفعله الناصح لسيده، وكنت إذا كان وقت بيع الغلات ~~جمعت التجار، فإذا تقررت العطايا أنفذت البيع وجعلت لي مع التجار فيه حصة، ~~فربما ربحت وربما وضعت. إلى أن اجتمع لي من ذلك ومن غيره في عدة سنين عشرة ~~آلاف ألف درهم فاتخذت أزجا # 45 # كبيرا عقد بالجص والآجر كأنه مجلس، وجعلت بين يديه موضعا أقعد ~~فيه، وعبيت البدر شيئا بعد شيء في الأزج ثم سددته، وهو بحاله ما أشك أن ~~العنكبوت قد نسجت على ما فيه، فخذها وحول وجهك إلى عبدك. فقال الرشيد: بارك ~~الله لك في مالك، فارجع إلى عملك ودار رعيتك. # ولما دخل عليه عامله بدمشق يرسف في قيده قال له الرشيد: وليتك دمشق وهي جنة ~~بها غدر تتكفأ أمواجها على رياض كالزرابي، واردة منها كفايات المؤن إلى بيوت ~~أموالي، فما برح بك التعدي لأرفاقهم فيما أمرتك حتى جعلتها أجرد من الصخر وأوحش ~~من القفر. قال: والله يا أمير المؤمنين ما قصدت لغير التوفير من جهة، ولكن ~~وليت أقواما ثقل على أعناقهم الحق فتفرقوا إلى ميدان التعدي، ورأوا المراغمة ~~بترك العمارة أوقع بإضرار الملك وأنوه بالشنعة على الولاة؛ فلا جرم أن أمير ~~المؤمنين قد أخذ لهم بالحظ الأوفر من ms121 مساءتي. # وكان الرشيد إذا أحس من عامل له خيانة دبر له من صائب رأيه ولطف حيلته ما يدل ~~على بعد نظره وحسن إدارته وجميل تدينه، وشدة غيرته على مصلحة ملكه، فيمسك ~~أقصر الطرق إلى القضاء على الفتن الملحوظة والغوائل المستجنة، فيضرب على ~~المسيء بسيفه وسنانه، كما يغمر المحسن بإنعامه وإحسانه. أراد مرة أن يعزل علي ~~بن عيسى عن خراسان - وخراسان كثيرا ما كانت تشغل بال الرشيد كما شغلت بال ~~أسلافه - فدعا هرثمة بن أعين مستخليا به فقال: إني لم أشاور فيك أحدا، ولم ~~أطلعه على سري فيك، وقد اضطربت علي ثغور المشرق، وأنكر أهل خراسان أمر علي ~~بن عيسى إذ خالف عهدي ونبذه وراء ظهره، وقد كتب يستمد ويستجيش، وأنا كاتب إليه ~~أخبره أني أمده بك، وأوجه إليه معك من الأموال والسلاح والقوة والعدة ما يطمئن ~~إليه قلبه، وتتطلع إليه نفسه، وأكتب معك كتابا بخطي فلا تفتضه، ولا تطلعن ~~فيه حتى تصل إلى مدينة نيسابور، فإذا نزلتها فاعمل بما فيه وامتثله ولا تجاوزه ~~إن شاء الله. وأنا موجه معك رجاء الخادم بكتاب أكتبه إلى علي بن عيسى بخطي؛ ~~ليتعرف ما يكون منك ومنه، وهون عليه أمر علي فلا تظهرنه عليه، ولا تعلمنه ما ~~عزمت عليه، وتأهب للمسير، وأظهر لخاصتك وعامتك أني أوجهك مددا لعلي بن عيسى ~~وعونا له. ثم كتب إلى علي بن عيسى كتابا بخطه نسخته: «بسم الله الرحمن ~~الرحيم. يا ابن الزانية، رفعت من قدرك، ونوهت باسمك، وأوطأت سادة العرب ~~عقبك، وجعلت أبناء ملوك العجم حولك وأتباعك، فكان جزائي أن خالفت عهدي، ونبذت ~~وراء ظهرك أمري، حتى عثت في الأرض، وظلمت الرعية، وأسخطت الله وخليفته، بسوء ~~سيرتك، ورداءة طعمتك، وظاهر خيانتك، وقد وليت هرثمة بن أعين مولاي ثغر خراسان، ~~وأمرته أن يشدد وطأته عليك، وعلى ولدك وكتابك وعمالك، ولا يترك وراء ظهوركم ~~درهما ولا حقا لمسلم ولا معاهد إلا أخذكم به، حتى ترده إلى أهله. فإن أبيت ~~ذلك وأباه ولدك وعمالك، فله أن يبسط عليكم العذاب، ويصب عليكم ms122 السياط، ويحل بكم ~~ما يحل بمن نكث وغير، وبدل وخالف، وظلم وتعدى وغشم؛ انتقاما لله - عز وجل ~~- بادئا، ولخليفته ثانيا، وللمسلمين والمعاهدين ثالثا، فلا تعرض نفسك للتي ~~لا سوى لها، واخرج مما يلزمك طائعا أو مكرها.» # وكتب عهد هرثمة بخطه ونصه: «هذا ما عهد هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى هرثمة ~~بن أعين حين ولاه ثغر خراسان وأعماله وخراجه، أمره بتقوى الله وطاعته، ورعاية ~~أمر الله ومراقبته، وأن يجعل كتاب الله إماما في جميع ما هو بسبيله. فيحل ~~حلاله، ويحرم حرامه، ويقف عند متشابهه، ويسأل عنه أولي الفقه في دين الله، ~~وأولى العلم بكتاب الله، أو يرده إلى إمامه ليريه الله - عز وجل - فيه رأيه، ~~ويعزم له على رشده، وأمره أن يستوثق من الفاسق علي بن عيسى وولده وعماله ~~وكتابه، وأن يشد عليهم وطأته، ويحل بهم سطوته، ويستخرج منهم كل مال يصح ~~عليهم من خراج أمير المؤمنين وفيء المسلمين، فإذا استنظف ما عندهم وقبلهم ~~من ذلك، نظر في حقوق المسلمين والمعاهدين وأخذهم بحق كل ذي حق حتى يردوه إليهم، ~~فإن ثبت قبلهم حقوق لأمير المؤمنين وحقوق المسلمين فدافعوا بها وجحدوها أن ~~يصب عليهم سوط عذاب الله وأليم نقمته، حتى يبلغ بهم الحال التي إن تخطاها بأدنى ~~أدب تلفت أنفسهم وبطلت أرواحهم، فإذا خرجوا من حق كل ذي حق، أشخصهم كما تشخص ~~العصاة من خشونة الوطأ وخشونة المطعم والمشرب وغلظ الملبس مع الثقات من أصحابه ~~إلى باب أمير المؤمنين إن شاء الله. فاعمل يا أبا حاتم بما عهدت إليك؛ فإني ~~آثرت الله وديني على هواي وإرادتي، فكذلك فليكن عملك وعليه فليكن أمرك. ودبر في ~~عمال الكور الذين تمر بهم في صعودك ما لا يستوحش معه إلى أمر يريبهم وظن ~~يرعبهم، وابسط من آمال أهل ذلك الثغر ومن أمانهم وعذرهم، ثم اعمل بما يرضي الله ~~منك وخليفته ومن ولاك الله أمره إن شاء الله. هذا عهدي وكتابي بخطي وأنا أشهد ~~الله وملائكته وحملة عرشه وسكان سماواته وكفى بالله شهيدا. وكتب أمير المؤمنين ~~بخط ms123 يده لم يحضره إلا الله وملائكته.» # أمثلة تكشفت بها حقيقة إدارة الرشيد وبعد غوره في تراتيبه، ولقد رفع إليه ~~أن رجلا بدمشق من بقايا بني أمية # 46 # عظيم الجاه واسع الدنيا كثير المال والأملاك مطاعا في البلد له ~~جماعة وأولاد ومماليك وموال، يركبون الخيل، ويحملون السلاح، ويغزون الروم، ~~وأنه سمح جواد كثير البذل والضيافة، وأنه لا يؤمن منه، فعظم ذلك عليه، فاستدعى ~~منارة صاحب الخلفاء، وأمره بالخروج إلى دمشق، وضم إليه مائة غلام، وأجله ~~لذهابه ستة وإيابه ستة ويوما لقعوده، وأمره أن يتفقد دار الرجل وجميع ما فيها ~~وولده وأهله وحاشيته وغلمانه، وما يقولون وقدر النعمة والحال والمحل. فجاءه به ~~في الميعاد المضروب وقص عليه ما سمعه ورآه. فعرف الرشيد أن الرجل محسود على ~~النعمة مكذوب عليه، فأدناه واعتذر عن استدعائه، وقال له: سل ما تحتاج إليه من ~~مصالح جاهك ومعاشك. فقال: عمال أمير المؤمنين منصفون وقد استغنيت بعدله عن ~~مسألته من ماله، وأموري منتظمة وأحوالي مستقيمة، وكذلك أمور أهل البلد بالعدل ~~الشامل في ظل دولة أمير المؤمنين. فأعاده إلى بلده على خير حال ولم يترك للوشاة ~~سبيلا إليه. # ولقد توسع الرشيد في توسعة سلطة عماله ليستقيم أمر البلاد؛ فقد شخص الفضل بن ~~يحيى إلى خراسان واليا عليها فبنى فيها المساجد والرباطات، واتخذ بخراسان ~~جندا من العجم سماهم العباسية، وجعل ولاءهم لهم، وذكروا أن عدتهم بلغت ~~خمسمائة ألف رجل، وأنه قدم منهم بغداد عشرون ألف رجل فسموا ببغداد ~~الكرنبية، وخلف الباقي بخراسان على أسمائهم ودفاترهم. كتب والي إرمينية للرشيد ~~إلى وزيره: «إن قوما صاروا إلى سبيل النصح، فذكروا ضياعا بإرمينية قد عفت ~~ودرست، يرجع منها إلى السلطان مال عظيم، وإني وقفت عن المطالبة حتى أعرف رأيك.» ~~فكتب إليه: «قرأت هذه الرقعة المذمومة وفهمتها، وسوق السعاية بحمد الله في ~~أيامنا كاسدة، وألسنة السعاة في أيامنا كليلة خاسئة، فإذا قرأت كتابي هذا ~~فاحمل الناس على قانونك، وخذهم بما في ديوانك، فإنا لم نولك الناحية لتتبع ~~الرسوم العافية، ولا لإحياء الأعلام الداثرة، وجنبني ms124 وتجنب بيت جرير يخاطب ~~الفرزدق: # وكنت إذا حللت بدار قوم # رحلت بخزية وتركت عارا # وأجر أمورك على ما يكسب الدعاء لنا لا علينا، واعلم أنها مدة تنتهي وأيام ~~تنقضي، فإما ذكر جميل، وإما خزي طويل.» # ومما يعد في توسيع السلطة: أن قاضي الرشيد أبو يوسف كان أول من دعي في الإسلام ~~قاضي القضاة، ولم يقع # 47 # هذا الاسم على غيره كما وقع له فيه، فإنه كان قاضي المشرق والمغرب، ~~فهو قاضي القضاة على التحقيق، والقضاة يعينون باقتراحه، وكان القاضي في العواصم ~~لا يتناول أقل من ألف دينار في السنة، وأجرى على قاضي مصر # 48 # مائة وثمانية وستين دينارا في كل شهر وهو أول قاض أجري عليه هذا، ~~وأجروا بعد ذلك على القاضي سبعة دنانير كل يوم ثم صار أبو الجيش يجري على ~~قاضيه كل شهر ثلاثة آلاف دينار، وكانوا يجرون على القضاة والعمال الأرزاق من ~~بيت المال من جباية الأرض أو من خراجها والجزية. # والرشيد لا يضن بالمال في سبيل الدولة، والمال وحده لا يكفي الخليفة أمر الفتوق ~~التي تحدث إن لم يكن لها من يوثق بأمانته في تلافي شرها، والرشيد على كثرة بذله ~~المأثور خلف من المال «ما لم يخلف # 49 # أحد مثله مذ كانت الدنيا؛ وذلك أنه خلف من الأثاث والعين والورق ~~والجوهر والدواب سوى الضياع والعقار ما قيمته مائة ألف ألف وخمسة وعشرون ألف ~~ألف دينار.» قال ابن الأثير كان الرشيد يطلب العمل بآثار المنصور إلا في بذل ~~المال فإنه لم ير خليفة قبله كان أعطى منه للمال، وكان لا يضيع عنده إحسان محسن ~~ولا يؤخر ذلك. # إدارة الأمين والمأمون # لم يعرف التاريخ شيئا من التدبير الذي جرى عليه الأمين بعد الرشيد؛ لأنه كان ~~يعبث وقلما يجد، شغل نفسه والأمة معظم أيامه بالفتن، لنزع ولاية العهد من ~~أخيه المأمون وتوسيدها إلى ابنه الرضيع، وكان من أثر هذا التطاحن بين الأخوين ~~أن خرب قسم عظيم من مدينة دار السلام، دع غيرها من الأرباض والولايات، وسالت ~~سيول الدماء، وفرق ms125 الأمين ما في خزائن الدولة من الأموال والأعلاق والذخائر، ~~حتى دالت الخلافة وضاعت بعد الرشيد، ولم يرزق الأمين وزراء كوزراء أخيه: طاهر ~~بن الحسين وهرثمة بن أعين والحسن بن سهل والفضل بن سهل ثم أحمد بن يوسف وعمرو ~~بن مسعدة وأضرابهم، بل اصطنع من نبذهم أبوه الرشيد، وكان أقصاهم لسوء سيرتهم، ~~فربح المأمون برجاله وعقله، وخسر الأمين برجاله وضعف تدبيره. # وبينا كان المأمون في مرو ينظر في أمور الدولة كان الأمين يوجه «إلى جميع ~~البلدان في طلب الملهين وضمهم إليه، وأجرى لهم الأرزاق، ونافس في ابتياع فره ~~الدواب وأخذ الوحوش والسباع والطير وغير ذلك، واحتجب عن إخوته وأهل بيته ~~وقواده، واستخف بهم، وقسم ما في بيوت الأموال وما بحضرته من الجوهر في ~~خصيانه وجلسائه ومحدثيه ... وأمر ببناء مجالس لمتنزهاته ومواضع خلوته ولهوه ... ~~وأمر بعمل خمس حراقات في دجلة على خلقة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس ~~وأنفق في عملها مالا عظيما.» # ولما حصر الأمين وضغطه # 50 # الأمر قال: ويحكم أما أحد يستراح إليه! فأتوه برجل من العرب فلما ~~صار إليه قال له: أشر علينا في أمرنا. قال له: يا أمير المؤمنين قد بطل الرأي ~~اليوم وذهب، ولكن استعمل الأراجيف فإنها من آلة الحرب. فكان يضع له الأخبار ~~فإذا مشى الناس تبينوا بطلانها. فالأمين كان يسف إلى ذلك، وأخوه المأمون يعمد ~~إلى القواد والعظماء والعلماء الأعلام يستشيرهم ويأتمنهم. # وغلط المأمون لأول أمره ثلاث غلطات إدارية؛ منها: أنه لم يأت إلى عاصمة ملكه ~~عقيب مقتل أخيه فقضى في الطريق من مرو إلى بغداد سنتين بعد أن أقام بمرو ~~تسع سنين، وكان عليه أن يبادر لجمع القلوب، وكسر شوكة المتلاعبين من القواد. ~~وبايع المأمون بولاية عهده إلى علي بن موسى الرضا وهو في خراسان فأخرج الخلافة ~~من آل العباس، حتى أجمعوا على خلافه وبايعوا بالخلافة إبراهيم بن المهدي في ~~بغداد وخلعوا طاعته. ومنها: أنه سمع لوشاية وزيره الفضل بن سهل في هرثمة بن ~~أعين الذي كان بحسن تدبيره العامل الأول في القضاء على جيوش ms126 أخيه الأمين وإيصال ~~الخلافة للمأمون. وكانت أتت هرثمة كتب المأمون أن يلي الشام والحجاز فأبى وقصد ~~إلى المأمون في خراسان # 51 ~~«إدلالا منه عليه؛ لما كان يعرف من نصيحته له ولآبائه، وأراد أن ~~يعرف المأمون ما يدبر عليه الفضل بن سهل، وما يكتم عنه من الأخبار، وألا يدعه ~~حتى يرده إلى بغداد دار خلافة آبائه وملكهم؛ ليتوسط سلطانه ويشرف على أطرافه، ~~فعلم الفضل ما يريد فقال للمأمون: إن هرثمة قد أنغل عليك البلاد والعباد وظاهر ~~عليك عدوك.» ولما أدخل هرثمة على المأمون وقد أشرب قلبه ما أشرب من ناحيته ~~ذكر له ما بلغه عنه مما افتراه الفضل، وذهب هرثمة يتكلم ويعتذر ويدفع عن نفسه ~~ما قرف به، فلم يقبل ذلك منه، وأمر به فوجئ على أنفه، وديس بطنه، وسحب من ~~بين يديه ثم قتل. # وكاد المأمون يغلط غلطة رابعة بتخليه عن طاهر بن الحسين: «الذي أبلى # 52 # في طاعته ما أبلى، وافتتح ما افتتح، وقاد إليه الخلافة مزمومة حتى ~~إذا وطأ الأمر أخرج من ذلك كله، وصير في زاوية من الأرض بالرقة قد حظرت ~~عليه الأموال حتى ضعف أمره فشغب عليه جنده.» وتنوسي حتى لا يستعان به في شيء في ~~الحروب، واستعين بمن هو دونه أضعافا. لكن عقل المأمون تدارك هذه الغلطات، وما ~~إن جاء بغداد حتى قبض على قياد الملك قبضة الرجل الحازم، وظهرت مواهبه ونبوغه ~~في السياسة والإدارة في زمن غلبت الفتنة على قلوب الناس فاستعذبوها، ولا مال له ~~يرضيهم به. وقال يتخوف هائجا يهيج وبيوت المال فارغة: إن الناس في هذه المدينة ~~على طبقات ثلاث: ظالم، ومظلوم، ولا ظالم ولا مظلوم. فأما الظالم فليس يتوقع إلا ~~عفونا وإحساننا، وأما المظلوم فليس يتوقع أن ينتصف إلا بنا، ومن كان لا ظالما ~~ولا مظلوما، فبيته يسعه، وما كان إلا كما قال. # وقيل: إن المأمون بكى لما رأى طاهر بن الحسين. فلما سئل عن سبب بكائه، قال: إني ~~ذكرت محمدا أخي «الأمين» وما ناله من الذلة فخنقتني العبرة، فاسترحت إلى ms127 ~~الإفاضة ولن يفوت طاهرا مني ما يكره، فبلغ ذلك طاهرا فركب إلى أحمد بن أبي ~~خالد فقال له: إن الثناء مني ليس برخيص، وإن المعروف عندي ليس بضائع، فغيبني عن ~~عينه. فسعى له بتولية خراسان، وكان قبل ولايته ندبه الحسن بن سهل للخروج إلى ~~محاربة نصر بن شبث فقال: حاربت خليفة وسقت الخلافة إلى خليفة وأؤمر بمثل هذا! ~~وإنما يجب أن توجه لهذا قائدا من قوادي. ثم وسد المأمون إلى عبد الله بن طاهر ~~وهو ابن طاهر بن الحسين الرقة وحرب نصر بن شبث، وولاه البلاد التي في طريقه؛ ~~ليكون حكمه نافذا مهيبا مهيأة له أسباب الظفر من كل وجه؛ وذلك لئلا تتعارض ~~السلطات، ويجمع القائد في العادة بين السلطة العسكرية والسلطة المدنية، وهذا من ~~دقيق سياسة العباسيين. ولما وسدت إلى عبد الله بن طاهر قيادة الجيش لقتال ~~الخارجي ابن شبث كتب إليه أبوه طاهر بن الحسين كتابا تنازعه # 53 # الناس وكتبوه وتدارسوه، وشاع أمره حتى بلغ المأمون فدعا به وقرئ ~~عليه فقال: ما أبقى أبو الطيب شيئا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأي ~~والسياسة وإصلاح الملك والرعية وحفظ البيضة وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا ~~وقد أحكمه وأوصى به، وتقدم وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحي ~~الأعمال. # ومما ورد في هذا الكتاب في الإدارة: «ولا تتهمن أحدا من الناس فيما توليه من ~~عملك قبل تكشف أمره بالتهمة؛ فإن إيقاع التهم بالبداء والظنون السيئة بهم مأثم، ~~واجعل من شأنك حسن الظن بأصحابك، واطرد عنك سوء الظن بهم وارفضه فيهم، ~~يعنك # 54 # ذلك على اصطناعهم ورياضتهم ... ولا يمنعنك حسن الظن بأصحابك والرأفة ~~برعيتك أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك، ولتكن المباشرة لأمور الأولياء، ~~والحياطة للرعية، والنظر فيما يقيمها ويصلحها، والنظر في حوائجهم وحمل مؤناتهم ~~آثر عندك مما سوى ذلك، وأقم حدود الله في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم وما ~~استحقوه، ولا تعطل ذلك ولا تهاون به، ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة، فإن في ~~تفريطك في ذلك ما يفسد عليك ms128 حسن ظنك، واعتزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، ~~وجانب البدع والشبهات؛ يسلم لك دينك، وتستقم لك مروءتك، وإذا عاهدت عهدا فف ~~به، وإذا وعدت الخير فأنجزه، واقبل الحسنة وادفع بها. واغمض عن عيب كل ذي عيب ~~من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزور وأبغض أهله، وأقص أهل النميمة؛ فإن ~~أول فساد أمرك في عاجل الأمور وآجلها # 55 # تقريب الكذوب والجرأة على الكذب؛ لأن الكذب رأس المآثم، والزور ~~والنميمة خاتمتها؛ لأن النميمة لا يسلم صاحبها وقائلها، ولا يسلم له صاحب ولا ~~يستقيم لمطيعها أمر ... واجتنب سوء الأهواء والجور، واصرف عنها رأيك، وأظهر ~~براءتك من ذلك لرعيتك، وأنعم بالعدل سياستهم، وقم بالحق فيهم، وبالمعرفة التي ~~تنتهي بك إلى سبيل الهدى، واملك نفسك عند الغضب، وآثر الوفاء والحلم، وإياك ~~والحدة والطيرة والغرور فيما أنت بسبيله ... ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تذخر وتكنز ~~البر والتقوى والمعدلة واستصلاح الرعية، وعمارة بلادهم والتفقد لأمورهم، ~~والحفظ لدمائهم، والإغاثة لملهوفهم. واعلم أن الأموال إذا كثرت وذخرت في ~~الخزائن لا تثمر، وإذا كانت في إصلاح الرعية، وإعطاء حقوقهم وكف المئونة عنهم، ~~نمت وربت، وصلحت به العامة، وتزينت به الولاة، وطاب به الزمان، واعتقد فيه ~~العز والمنعة، فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله، ووفر ~~منه على أولياء أمير المؤمنين قبلك حقوقهم، وأوف رعيتك من ذلك حصصهم، وتعهد ~~ما يصلح أمورهم ومعايشهم، فإنك إذا فعلت ذلك قرت النعمة عليك، واستوجبت ~~المزيد من الله، وكنت بذلك على جباية خراجك، وجمع أموال رعيتك وعملك أقدر، وكان ~~الجميع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك وأطيب نفسا لكل ما أردت ~~...» # وعاد فوضع له قواعد في حكمة الأخلاق لا تصلح بغيرها الولاية، فقال: «ولا ~~تحقرن ذنبا، ولا تمالئن حاسدا، ولا ترحمن فاجرا، ولا تصلن كفورا، ~~ولا تداهنن عدوا، ولا تصدقن نماما، ولا تأتمنن غدارا، ولا توالين ~~فاسقا، ولا تبتغين عاديا، ولا تحمدن مرائيا، ولا تحقرن إنسانا، ولا ~~تردن سائلا فقيرا، ولا تجبين باطلا، ولا تلاحظن مضحكا، ولا تخلفن ~~وعدا، ولا ترهقن ms129 هجرا، ولا تظهرن غضبا، ولا تأتين بذخا، ولا تمشين ~~مرحا، ولا تركبن سفها، ولا تفرطن في طلب الآخرة، ولا تدفع الأيام عتابا، ~~ولا تغمض عن الظالم رهبة منه أو مخافة، ولا تطلبن ثواب الآخرة في ~~الدنيا.» # قال: «وأكثر مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلم، وخذ عن أهل التجارب وذوي ~~العقل والرأي والحكمة، ولا تدخلن في مشورتك أهل الذمة والنحل، ولا تسمعن لهم ~~قولا؛ فإن ضررهم أكثر من منفعتهم، وليس شيء أسرع فسادا لما استقبلت فيه أمر ~~رعيتك من الشح. واعلم أنك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ قليل العطية، وإذا كنت ~~كذلك لم يستقم لك أمرك إلا قليلا؛ فإن رعيتك إنما تعقد على محبتك بالكف عن ~~أموالهم وترك الجور عنهم ... وتفقد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم، وأدرر عليهم ~~أرزاقهم، ووسع عليهم في معايشهم، يذهب الله بذلك فاقتهم، فيقوى بك أمرهم، وتزيد ~~به قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصا وانشراحا ...» # ثم ذكر له القضاء وإقامة العدل فيه «لتصلح الرعية، وتأمن السبل، وينتصف ~~المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم، وتحسن المعيشة، ويؤدى حق الطاعة.» إلى أن قال - ~~بعد أن عرفه ما يفعل لحقن الدماء وإعطاء الحقوق: «وانظر هذا الخراج الذي ~~استقامت عليه الرعية، وجعله الله للإسلام عزا ورفعة، ولأهله سعة ومنعة، ~~ولعدوه وعدوهم كبتا وغيظا، ولأهل الكفر من معاهديهم ذلا وصغارا، ~~فوزعه بين أصحابه بالحق والعدل والتسوية والعموم فيه، ولا ترفعن منه شيئا ~~عن شريف لشرفه ولا عن غني لغناه، ولا عن كاتب لك ولا عن أحد من خاصتك وحاشيتك، ~~ولا تأخذن منه فوق الاحتمال له، ولا تكلفن أمرا فيه شطط، واحمل الناس كلهم ~~على مر الحق؛ فإن ذلك أجمع لألفتهم، وألزم لرضا العامة. واعلم أنك جعلت ~~بولايتك خازنا وحافظا وراعيا، وإنما سمي أهل عملك رعيتك؛ لأنك راعيهم ~~وقيمهم، تأخذ منهم ما أعطوك من عفوهم ومقدرتهم، وتنفقه في قوام أمرهم ~~وصلاحهم وتقويم أودهم. فاستعمل عليهم في كور عملك ذوي الرأي والتدبير والتجربة ~~والخبرة بالعمل والعلم بالسياسة والعفاف، ووسع عليهم في الرزق فإن ذلك من ~~الحقوق اللازمة ms130 لك فيما تقلدت وأسند إليك، ولا يشغلنك عنه شاغل، ولا يصرفنك ~~عنه صارف، فإنك متى آثرته وقمت فيه بالواجب استدعيت به زيادة النعمة من ربك، ~~وحسن الأحدوثة في عملك، وأحرزت به المحبة من رعيتك، وأعنت على الصلاح، ~~فدرت الخيرات ببلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخصب في كورك، فكثر خراجك، ~~وتوفرت أموالك، وقويت بذلك على ارتباط جندك، وإرضاء العامة بإفاضة العطاء ~~فيهم من نفسك، وكنت محمود السياسة، مرضي العدل في ذلك عند عدوك، وكنت في ~~أمورك كلها ذا عدل وقوة وآلة وعدة، فنافس في هذا ولا تقدم عليه شيئا تحمد، ~~مغبة أمرك إن شاء الله. # واجعل في كل كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عمالك، ويكتب إليك بسيرتهم ~~وأعمالهم، حتى كأنك مع كل عامل في عمله، معاين لأمره كله، وإن أردت أن تأمره ~~بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك، فإن رأيت السلامة فيه والعافية، ورجوت فيه ~~حسن الدفاع والنصح والصنع، فأمضه وإلا فتوقف عنه، وراجع أهل البصر والعلم به ~~ثم خذ فيه عدته ... # وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك، وأكثر مباشرته بنفسك، فإن لغد أمورا ~~وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت. واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، وإذا ~~أخرت عمله اجتمع عليك أمر يومين، فيشغلك ذلك حتى تعرض عنه، فإذا أمضيت لكل يوم ~~عمله، أرحت نفسك، وبذلك أحكمت أمور سلطانك. وانظر أحرار الناس وذوي ~~الشرف # 56 # منهم ممن تستيقن صفاء طويتهم، وشهدت مودتهم لك، ومظاهرتهم بالنصح ~~والمخالصة على أمرك، فاستخلصهم وأحسن إليهم، وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت ~~عليهم الحاجة، فاحتمل مئونتهم، وأصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسا، وأفرد ~~نفسك للنظر في أمور الفقراء والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمة إليك، ~~والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه، فسل عنه أحفى مسألة، ووكل بأمثاله أهل ~~الصلاح من رعيتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك؛ لتنظر فيها بما يصلح ~~الله به أمرهم، وتعاهد ذوي البأساء ويتاماهم وأراملهم، واجعل لهم أرزاقا من ~~بيت المال ... # وأجر للأضراء ms131 # 57 # من بيت المال، وقدم حملة القرآن منهم، والحافظين لأكثره في ~~الجراية على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دورا تؤويهم، وقواما يرفقون ~~بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى سرف في ~~بيت المال. واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وفضل أمانيهم ، لم يرضهم ذلك ~~ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم؛ طمعا في نيل الزيادة، وفضل ~~الرفق منهم، وربما تبرم المتصفح لأمور الناس؛ لكثرة ما يرد عليه ويشغل ~~فكره وذهنه منها، ما يناله به مئونة ومشقة. # وأكثر الإذن للناس عليك وأبرز للناس وجهك، وسكن لهم حواسك، واخفض لهم ~~جناحك، وأظهر لهم بشرك، ولن لهم في المسألة والمنطق، واعطف عليهم بجودك ~~وفضلك، وإذا أعطيت فأعط بسماحة وطيب نفس، والتماس الصنيعة والأجر من غير ~~تكدير ولا امتنان؛ فإن العطية على ذلك تجارة مربحة ... واعرف ما تجمع عمالك من ~~الأموال وينفقون منها، ولا تجمع حراما، ولا تنفق إسرافا، وأكثر مجالسة ~~العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم، وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها، وإيثار مكارم ~~الأمور ومعاليها. وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيبا فيك لم تمنعه ~~هيبتك من إنهاء ذلك إليك في سر، وإعلامك ما فيه من النقص؛ فإن أولئك أنصح ~~أوليائك ومظاهريك. # وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك فوقت لكل منهم في كل يوم وقتا يدخل به ~~عليك بكتبه ومؤامرته، وما عنده من حوائج عمالك وأمور كورك ورعيتك، ثم فرغ لما ~~يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك، وكرر النظر فيه والتدبر له، ~~فما كان موافقا للحزم والحق فأمضه، واستخر الله فيه، وما كان مخالفا لذلك ~~فاصرفه إلى التثبت فيه والمسألة عنه. ولا تمنن على رعيتك ولا على غيرهم ~~بمعروف تؤتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلا الوفاء والاستقامة والعون في ~~أمور أمير المؤمنين، ولا تضعن المعروف إلا على ذلك ...» # أرأيتم هذا الكلام الآخذ بجماع الفوائد الذي كتب به طاهر بن الحسين إلى ابنه ~~قبل خمسين ومائة وألف سنة في هذا الموضوع الجليل الذي فيه قوام الممالك ~~والشعوب؟ أتظنون ms132 أن هذه الأفكار يصدر اليوم أحسن منها عن أكبر عالم إداري عارف ~~بطبائع الناس وما يصلحهم، والممالك وما ينبغي لها؟ وعرفنا من هذا الكتاب مكانة ~~طاهر بن الحسين من قيام الدولة والدفاع عن حوزة الخلافة، وأن المأمون الذي يكون ~~من جملة قواده ورجال دولته هذا العظيم لا بد أن يكون في عمله جد عظيم. وقد ~~تقدم معنا أن عبد الله بن طاهر ندب لحرب بن نصر بن شبث، فلما استأمن هذا ~~وصفت البلاد، جاء الشام فعمل أحسن الأعمال لراحلة أهلها واستقراها بلدا ~~بلدا، لا يمر ببلد إلا أخذ من رؤساء القبائل والعشائر والصعاليك ~~والزواقيل، # 58 # وهدم الحصون وحيطان المدن، وبسط الأمان للأسود والأبيض والأحمر ~~وضمهم جميعا، ونظر في مصالح البلدان وحط عن بعضها الخراج، ثم قصد إلى مصر فضرب ~~على أيدي الخوارج فيها، وربطها بالخلافة ربطا محكما. وكان نحو # 59 # الخمسة عشر ألفا من أهل قرطبة جلوا من الأندلس بعد وقعة الربض في ~~سنة 202 فانتهوا إلى الإسكندرية فملكوها مديدة، فلما ورد عبد الله بن طاهر ~~على مصر صالحهم على التخلي عنها على مال بذله لهم، وخيرهم في النزول حيث ~~شاءوا من جزائر البحر فاختاروا جزيرة إقريطش من البحر الرومي. # وكان من تربية طاهر بن الحسين أن جاء ابنه، كما قال له أحمد بن يوسف الكاتب، ~~موفقا في الشدة والليان في مواضعهما، ولا يعلم سائس جند ورعية عدل بينهم عدله، ~~ولا عفا بعد القدرة عمن آسفه وأضغنه عفوه. قال: ولقل ما رأينا ابن شرف لم ~~يلق بيده متكلا على ما قدمت له أبوته. قال يونس بن عبد الأعلى: أقبل إلينا ~~(في مصر) فتى حدث من المشرق - يعني ابن طاهر - والدنيا عندنا مفتونة قد غلب على ~~كل ناحية من بلادنا غالب، والناس في بلاء، فأصلح الدنيا وأمن البريء، وأخاف ~~السقيم، واستوثقت له الرعية بالطاعة. ولقد قال المأمون لبعض جلسائه: من أنبل ما ~~تعلمون نبلا وأعفهم عفة؟ فجالوا بما فتح الله عليهم، وبعضهم مدحه وقرظه. ~~فقال: ذلك والله أبو العباس عبد الله ms133 بن طاهر، دخل مصر وهي كالعروس الكاملة، ~~فيها خراجها وبها أموالها جمة، ثم خرج عنها فلو شاء الله أن يخرج منها بعشرة ~~آلاف ألف دينار لفعل، ولقد كان لي عليه عين ترعاه، فكتب إلي أنه عرضت عليه ~~أموال لو عرضت علي أو بعضها لشرهت إليها نفسي، فما علمته خرج من ذلك البلد ~~إلا وهو بالصفة التي قدمها فيها، إلا مائة ثوب وحمارين وأربعة أفراس. فمن رأى ~~أو سمع بمثل هذا الفتى في الإسلام، فالحمد لله الذي جعله غرس يدي وخريج ~~نعمتي. # هكذا كان عدل العمال وشرف أنفسهم، وهكذا كان علمهم وبعد نظرهم في عصر المأمون، ~~فلا يستغرب بعد ذلك ما ذكر من قصة # 60 # تلك المرأة القبطية التي نادت المأمون لما مر بقريتها طاء ~~النمل # 61 # من أرض مصر وسألته أن يقبل قراها؛ ليجعل لها الشرف ولعقبها بذلك، ~~وأن لا يشمت بها الأعداء، وبكت بكاء كثيرا، فنزل عليها بجيشه ورجاله، وكانت ~~ضيافتها من فاخر الطعام ولذيذه. وفي الصباح بعثت إلى المأمون بعشر وصائف مع كل ~~وصيفة طبق، في كل طبق كيس من ذهب. فاستحسن ذلك وأمرها بإعادته. فقالت: لا والله ~~لا أفعل. فتأمل الذهب فإذا به ضرب عام واحد كله. فقال: هذا والله أعجب، وربما ~~عجز بيت مالنا عن مثل ذلك! فقالت: يا أمير المؤمنين لا تكسر قلوبنا ولا تحتقر ~~بنا. فقال: إن في بعض ما صنعت لكفاية ولا نحب التثقيل عليك، فردي مالك بارك ~~الله فيك. فأخذت قطعة من الأرض، وقالت: يا أمير المؤمنين هذا - وأشارت إلى ~~الذهب - من هذا - وأشارت إلى الطينة التي تناولتها من الأرض - ثم من عدلك يا ~~أمير المؤمنين، وعندي من هذا شيء كثير فأمر به فأخذ منها، وأقطعها عدة ضياع، ~~وأعفاها من بعض خراج أرضها. # وفي الحق إنه لم يعرف عصر كعصر المأمون وعصر أبيه وأخيه الأمين في استفاضة ~~الأموال في كل طبقة من طبقات الأمة؛ فقد أنفق الحسن بن سهل على عرس ابنته بوران ~~على المأمون أربعة آلاف ألف دينار، وماتت الخيزران أم ms134 الهادي والرشيد (173) ~~وكانت غلتها ألف ألف وستين ألف ألف درهم، ومات محمد بن سليمان وقبض الرشيد ~~أمواله بالبصرة وغيرها، فكان مبلغها نيفا وخمسين ألف ألف درهم سوى الضياع ~~والدور والمستغلات، وكان محمد بن سليمان يغل كل يوم مائة ألف درهم. وأنفق ~~جعفر بن يحيى على داره التي ابتناها في دار السلام نحوا من عشرين ألف ألف ~~درهم. وغنى إبراهيم بن المهدي محمدا الأمين صوتا فأعطاه ثلاثمائة ألف درهم. ~~فقال إبراهيم: يا سيدي قد أمرت لي إلى هذه الغاية بعشرين ألف ألف درهم فقال: ~~وهل هي إلا خراج بعض الكور؟! # ووقع للمأمون غير مرة أن كان يخف إلى الأقطار التي تنشب فيها فتنة جديدة لا ~~يعتمد على رجاله على كثرة الصالحين منهم للعمل. ولما انتقضت أسفل الأرض كلها ~~بمصر عربها وقبطها، وأخرجوا العمال وخالفوا الطاعة، وكان ذلك لسوء سيرة ~~العمال فيهم، هبط المأمون مصر لعشر خلون من المحرم سنة سبع عشرة ومائتين، وسخط ~~على عامله عيسى بن منصور، وأمر بحل لوائه وأمره بلباس البياض، وقال: لم يكن هذا ~~الحدث العظيم إلا عن فعلك وفعل عمالك، حملتم الناس ما لا يطيقون وكتمتموني ~~الخبر، حتى تفاقم الأمر واضطربت البلد. وقال: ما فتق علي قط فتق في مملكتي ~~إلا وجدت سببه جور العمال. وقال لمن رفع إليه خبرا في عامل: إني امرؤ أداري ~~عمالي مداراة الخائف، وبالله ما أجد إلى أن أحملهم على المحجة البيضاء سبيلا، ~~فاعمل على حسب ذلك ولن لهم تسلم منهم. # وخص المأمون بالإغضاء عن المساوئ، والتغابي عن التافهات، وحمل الناس على محمل ~~الخير، وجهد أن يسوق إليهم كل خير، وهذا مع كثرة عنايته بأخذ أخبار عماله ~~ورعيته، وقيل إنه كان للمأمون ألف عجوز وسبعمائة يتفقد بها أحوال الناس ومن ~~يحبه ويبغضه ومن يفسد حرم المسلمين، وكان لا يجلس إلى دار الخلافة حتى تأتيه ~~كلها، وكان يدور ليلا ونهارا مستترا، ومع كل هذا كان المأمون أبدا إلى جانب ~~المسامحة والعفو، وتتجافى نفسه العظيمة عن كل ما تشتم منه رائحة الطمع ~~والإسفاف ms135 إلى أموال العمال، وكادت المصادرات والنكبات تبطل في أيامه، ولا ينكب ~~إلا من حاول نقض بنيان الدولة. ولقد رفع إليه أن عمرو بن مسعدة أحد وزراء دولته ~~خلف ثمانين ألف ألف درهم، أو نحو ثمانية ملايين دينار، فوقع على الرقعة: «هذا ~~قليل لمن اتصل بنا وطالت خدمته لنا، فبارك الله لولده فيه.» # وكأنه استفظع القتل الذي يصيب كل عدو للدولة فبسط جناح الرحمة، وقلل من ~~إهلاك النفوس ما أمكن. وأقام نفسه مقام رجل يعرف الطباع البشرية، وينصف خصومه ~~وأعداءه، ويحسن إليهم ولا يسيء، كتب صاحب بريد همدان # 62 # إلى المأمون بخراسان يعلمه أن كاتب البريد المعزول أخبره أن صاحبه ~~وصاحب الخراج كانا تواطآ على إخراج مائتي ألف درهم من بيت المال واقتسماها ~~بينهما، فوقع المأمون: «إنا نرى قبول السعاية شرا من السعاية؛ فإن السعاية ~~دلالة والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قبله وأجازه، فانف الساعي عنك، ~~فلو كان في سعايته صادقا لقد كان في صدقه لئيما، إذ لم يحفظ الحرمة ولم يستر ~~على أخيه.» # وقال المأمون لولده في معنى الوشاة: يا بني، نزهوا أقذاركم وطهروا أحسابكم ~~عن دنس الوشاة وتمويه سعايتهم؛ فكل جان يده في فيه، وليس يشي إليكم إلا أحد ~~الرجلين: ثقة وظنين. أما الثقة فقد قيل إنه لا يبلغ ولا يسيئن بالوشاية قدره، ~~وأما الظنين فأهل أن يتهم صدقه، ويكذب ظنه، ويرد باطله، وما سعى رجل برجل إلي ~~قط إلا انحط # 63 # من قدره عندي ما لا يتلافاه أبدا، فلا تعطوا الوشاة أمانيهم فيمن ~~يشون بهم. ولئن لم يترك المأمون مجالا للوشاة يخربون بيوت من يشون بهم، ~~ويزيلون نعمتهم، أو يوردونهم موارد الهلكة، فما كان يخفى عليه خبر من الأخبار ~~الخاصة والعامة في القاصية والدانية، حتى إنه لما ضاق صدره من تشدد بعض العلماء ~~في حوار خلق القرآن، كتب إلى عامله بمعائبهم رجلا رجلا، وقال إنه أعلم بما ~~في منازلهم منهم. وخبر في هذه الرسالة عن عيب واحد واحد من الفقهاء وأصحاب ~~الحديث، وعن حالتهم وأمورهم ms136 التي خفيت أو أكثرها عن القريب والبعيد. # ولقد كان من أهم قوانين إدارته: التوسعة على عماله حتى لا يسرقوا الرعية ~~والسلطان ويضيعوا حقوقهم؛ رفع منزلة الفضل بن سهل، وعقد له على الشرق طولا ~~وعرضا، وجعل عمالته ثلاثة آلاف ألف درهم. وما كان المأمون بالخليفة الذي يتخلى ~~عن خاصة عماله بأدنى سبب ، بل يغض الطرف عن مساويهم ويتركهم في برزخ بين الرغبة ~~والرهبة؛ ولذلك استراح واستراح الناس معه، وعلى قدر ما كان يراعي الخاصة يراعي ~~العامة؛ فقد قال في وصيته للخليفة بعده: ولا تغفل أمر الرعية والعوام فإن ~~الملك بهم وبتعهدك لهم. الله الله فيهم وفي غيرهم من المسلمين، ولا ينتهين ~~إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة إلا قدمته وآثرته على غيره من هواك، وخذ من ~~أقويائهم لضعفائهم، ولا تحمل عليهم في شيء، وأنصف بعضهم من بعض بالحق بينهم، ~~وقربهم وتأن بهم. # وكان المأمون يحرص كل الحرص على الانتفاع برجاله، ويطلق لهم حريتهم في العمل، ~~وممن كان يستمع لمشورتهم أحمد بن أبي داود، وهذا كان أول من افتتح الكلام مع ~~الخلفاء، وكانوا لا يبدؤهم أحد حتى يبدءوه. ولما أسند # 64 # المأمون وصيته عند الموت إلى أخيه المعتصم قال فيها: وأبو عبد الله ~~أحمد بن أبي داود لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمر فإنه موضع ذلك، ولا ~~تتخذن من بعدي وزيرا. ومن جملة ما أوصى به المأمون أخاه المعتصم في مرضه: خذ ~~بسيرة أخيك في القرآن والإسلام، واعمل في الخلافة إذا طوقكها الله عمل المريد ~~لله، الخائف من عقابه وعذابه، ولا تغتر بالله ومهلته، وكأن قد نزل بك الموت. ~~ومن ذلك عرفنا أن سياسة المأمون ملكه كانت علما وعملا، وهكذا يريد أن يكون ~~عماله. وعظه رجل فأصغى إليه منصتا فلما فرغ قال: قد سمعت موعظتك فأسأل ~~الله أن ينفعنا بها وربما عملنا، غير أنا أحوج إلى المعاونة بالفعال منا ~~إلى المعاونة بالمقال؛ فقد كثر القائلون وقل الفاعلون. # وكان في المأمون شيء من الجاذبية الفطرية يستميل بها القلوب، ويجمعها على حبه؛ ms137 ~~ذلك أنه كان يعرف أمزجة أمته فيشغلها في المفيد، ولا لغو ولا لهو في حياته، ~~فكان بإدارته مثال الجد في الخوالف من بني العباس، يفكر في أمر رعيته أكثر من ~~تفكيره في أمور نفسه. كتب إلى عامله على دمشق في التقدم إلى عماله في حسن ~~السيرة وتخفيف المئونة وكف الأذى عن أهل محله، وأن يتقدم إلى عماله في ذلك أشد ~~التقدمة، وأن يكتب إلى عمال الخراج بمثل ذلك، وكتب بهذا إلى جميع عماله في ~~أجناد الشام. واستجلب المأمون لمساحة أرض الشام مساح العراق والأهواز والري. ~~وكان يعدل الخراج إذا شكا منه أهله. وكان العلاء بن أيوب لما ولي فارس من ~~قبل المأمون يكتب عهد العمال فيقرؤه من يحضره من أهل ذلك العمل، ويقول أنتم ~~عيوني عليه فاستوفوه منه، ومن تظلم إلي منه فعلي إنصافه ونفقته جائيا ~~وراجعا. ويأمر العمال أن يقرءوا عهده على أهل عمله في كل جمعة، ويقول لهم: هل ~~استوفيتم؟ # أصاب أهل مكة سيل جارف مات تحته خلق كثير، فكتب والي الحرمين إلى المأمون يذكر ~~له الحال، فوجه إليه المأمون بالأموال الكثيرة، وكتب إلى الوالي: «أما بعد، فقد ~~وصلت شكيتك لأهل حرم الله إلى أمير المؤمنين، فبكاهم بقلب رحمته، وأنجدهم ~~بسيب نعمته، وهو متبع ما أسلف إليهم، بما يخلفه عليهم عاجلا وآجلا، إن أذن ~~الله في تثبيت عزمه على صحة نيته.» قالوا: فصار كتابه هذا آنس لأهل مكة من ~~الأموال التي أنفذها، وكان له في كل بلد حوادث من الإحسان قلما يتسامى إليها ~~أحد من الخلفاء. ولقد ذكر المؤرخون أن المأمون لما كان في دمشق أضاق إضاقة ~~شديدة، ثم وافاه المال ثلاثون ألف ألف ألف درهم. فقال ليحيى بن أكثم: اخرج بنا ~~لننظر إلى هذا المال. فخرج وخرج الناس، وكان قد زين الحمل وزخرف، فنظر ~~المأمون منه إلى شيء حسن كثير، فاستعظم الناس ذلك واستبشروا به. فقال المأمون: ~~إن انصرافنا إلى منازلنا بهذا المال وانصراف الناس خائبين لؤم. فأمر كتابه أن ~~يوقع لهذا بألف ألف ولذاك بمثلها ولآخر ms138 بأكثر منها حتى فرق أربعة وعشرين ألف ~~ألف ألف درهم (ثلاث مرات) ورجله في الركاب، ثم حول الباقي على عرض الجيش برسم ~~مصالح الجند. # وذكروا أن المأمون عقد لأخيه أبي إسحق على ثغر المغرب، ولابنه العباس على الشام ~~والجزيرة، ولعبد الله بن طاهر على الجند ومحاربة بابك. وفرق فيهم ما لم يفرق ~~مثله أحد مذ كانت الدنيا: أمر لكل واحد منهم بخمسمائة ألف دينار. وما كان ~~المأمون يضن بمال إذا كان فيه صلاح الدولة والرعية. وخمسمائة ألف دينار يأخذها ~~العامل ينفقها في أتباعه ورجاله ومروءته. وكانت نفقة المأمون كل يوم ستة آلاف ~~دينار يصرف أكثرها على الرعية ولا يناله منها إلا جزء طفيف. كتب عمرو بن مسعدة ~~إلى المأمون كتابا يستعطفه على الجند ونصه: «كتابي إلى أمير المؤمنين ومن قبلي ~~من أجناده وقواده في الطاعة والانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت ~~أرزاقهم، واختلت أحوالهم.» فقال المأمون: والله لأقضين حق هذا الكلام. وأمر ~~بإعطائهم ثمانية أشهر، وكتب بعض ولاة الأجناد إلى المأمون: «إن الجند شغبوا ~~ونهبوا.» فكتب إليه: «لو عدلت لم يشغبوا، ولو وفيت لم ينهبوا.» وعزله عنهم، ~~وأدار عليهم أرزاقهم. # ويتعذر تعداد أفضال المأمون على الأفراد، وحرصه على اختيار رجاله وعنايته ~~بآرائهم وتجاربهم، وغرامه بالعفو والإحسان. قال أحمد بن أبي خالد وزير المأمون ~~لثمامة بن أشرس: كل واحد في هذه الدار - أي في دار الخليفة - له معنى غيرك؛ ~~فإنه لا معنى لك في دار أمير المؤمنين. فقال له المأمون: إن له معنى في الدار، ~~والحاجة إليه بينة. قال: وما الذي يصلح له؟ قال: أشاوره في مثلك هل تصلح لمن ~~معك أو لا تصلح. وثمامة هو من الجماعة الذين كانوا يغشون دار ~~الخلافة # 65 # وهي دار العامة، ومنهم محمد بن الجهم والقاسم بن سيار، وكان هؤلاء ~~الرجال أشبه بالمستشارين بل أشبه بدعاة الدولة وعنوان الخلافة. هذا إلى ما هناك ~~من شعراء وأدباء وعلماء وفقهاء يختلفون في الأحايين إلى الخليفة فيشاركهم في ~~حديثهم، وينافسهم في صناعتهم، ويفضل عليهم من ms139 هباته، فيخرجون وألسنتهم تنطق ~~بحمده، وتدعو بدوام ملكه، ويذكرون للعامة والخاصة ما هو عليه من بعد النظر في ~~سياسة الملك. قال الجاحظ: كان إبراهيم بن السندي مولى أمير المؤمنين عالما ~~بالدولة شديد الحب لأبناء الدعوة، وكان يحوط مواليه ويحفظ أيامهم، ويدعو الناس ~~إلى طاعتهم ويدرسهم مناقبهم، وكان فخم المعاني فخم الألفاظ، لو قلت لسانه كان ~~أرد على هذا الملك من عشرة آلاف سيف وسنان طرير لكان ذلك قولا ~~ومذهبا. # أرانا قد خرجنا من وصف إدارة المأمون إلى وصف سيرته، ونحن إلى ذلك مسوقون على ~~الرغم منا، وأنى لنا أن نصدر حكما صحيحا على حكومة مطلقة قبل أن نتعرف ~~أخلاق رأسها خليفة أو كان ملكا أو أميرا. والرأس هو الكل في مثل هذه الدول، ~~إذا صلح صلح الجسد كله. # الإدارة على عهد المعتصم وأخلافه # إذا ذكر المعتصم فأول ما يتبادر إلى ذهن قارئ التاريخ الإسلامي أنه الخليفة ~~الذي أشرك الترك في الخلافة العباسية وأبعد العرب عنها، فنقض أساس دولته بيده. ~~ولئن كان المنصور بدأ بشراء المماليك واستخدامهم وتابعه من خلفوه على ذلك، فإن ~~العباسيين ما دخلوا فيما دخل فيه المعتصم من وضعه من العرب # 66 # وإخراجهم من الديوان، وإسقاط أسمائهم، ومنعهم العطاء من العاصمة ~~والولايات. فصار جند العباسيين من العجم والموالي. # اجتمع للمعتصم من الأتراك أربعة آلاف، فألبسهم أنواع الديباج والمناطق الذهبية، ~~وأبانهم بالزي على سائر جنده، واصطنع قوما من اليمن وقيس ومضر وسماهم ~~المغاربة. وأعد رجال خراسان من الفراغنة والأشروسنية وغيرهم من الترك. فأصبح ~~جند الخلافة # 67 # على عهده خمسة أقسام: خراساني وتركي ومولى وعربي وبنوي، # 68 # وكثر الهرج والمرج في فيالقهم ببغداد حتى اضطر أن يبني لهم مدينة ~~سامرة «سر من رأى» تخفيفا عن أهل دار السلام؛ لأنهم كثروا على الناس، وضاقت ~~باعتداءاتهم الصدور. # فمن ثم كانت جيوش المعتصم كثيرة مستعدة للقتال عند أقل إشارة، وكان السعد ~~حليفه في غزواته مع الروم. قيل: إنه لما فتح # 69 # عمورية كانت عدة عساكره خمسمائة ألف فارس، وعلى مقدمته خمسمائة من ~~الخيول ms140 البلق، وكانت الحاميات في الثغور أبدا على أتم نظام، وارتفاع الثغور ~~الشامية # 70 # نحو المئة ألف دينار تنفق # 71 # في مصالحها من المراقب والحرس والفواثير والركاضة # 72 # والموكلين بالدروب والمخايض والحصون وغير ذلك من الأمور والأحوال، ~~وما يحتاج إلى شحنتها من الجنود والصعاليك. # 73 # وتنفق الدولة على مغازي الصوائف والشواتي في البر والبحر في السنة ~~على التقريب مائتي ألف دينار، وعلى المبالغة ثلاثمائة ألف دينار. بيد أن ~~المعتصم لم يكن بالنفقة على شيء أسمح منه بالنفقة على الحرب، وربما كان للمعتصم ~~بعض العذر في ثقته بالأتراك في جيشه، وهم من القديم عرفوا بالحرب واشتهروا ~~بالطاعة لقوادهم، ولكن هذه الغلطة الإدارية كان وبالها بعد على الدولة؛ ~~لأن الأتراك تسللوا إلى الوزارات والقيادات، واستأثروا بالولايات والعمالات، ~~فأصبح لهم بعد السلطان الحقيقي على البلاد، وللخلفاء صبغة غير عملية من ~~الحكم. # أراد المعتصم أن يتشبه بأخيه المأمون فسار على أحكامه ونظامه، ومن أين له أن ~~يشبهه بعلمه وحلمه! فقد ذكر واصفوه بأنه كان قليل البضاعة من الأدب، وإذا غضب ~~لا يبالي من قتل ولا ما فعل. وقالوا: إنه كان يحب العمارة، ويقول إن فيها ~~أمورا محمودة من عمران الأرض التي يحيا بها العالم، وعليها يزكو الخراج، وتكثر ~~الأموال، وتعيش البهائم، وترخص الأسعار، ويكثر الكسب، ويتسع المعاش. ويقول ~~لوزيره محمد بن عبد الملك: إذا وجدت موضعا متى أنفقت فيه عشرة دراهم جاءني بعد ~~سنة أحد عشر درهما فلا تؤامرني فيه. وأعطى أهل الشاش ألفي ألف درهم لكرى نهر ~~لهم اندفن في صدر الإسلام. # لم يبتدع المعتصم ولا ابنه الواثق شيئا جديدا في الإدارة لم يعرفه المأمون ~~والرشيد، بل عاشا وعاشت الخلافة العباسية بعد ذلك بالأساس الذي وضعه المنصور ~~للدولة، ولم يكن لها بعد منتصف القرن الثالث تلك الروعة التي كانت لها في عهد ~~الخلفاء الأول. وقل بعد المأمون الخلفاء النادرون بذكائهم وتجاربهم، فأصيبت ~~الخلافة بعد عظمائها بفتور، وأعمالهم بقلة الرواء والاتساق. ومن أهم الدواعي ~~إلى هذا الانحطاط: فساد الإدارة واختلال أحوال القضاة، فنشأ ذلك من ms141 شراهة نفوس ~~العمال والوزراء وإضاعة الحقوق. ومن يصادر أو يموت عن عشرات أو مئات الألوف من ~~الدنانير من هذه الطبقة كيف يصح لك أن تحكم عليه بالبراءة من مال السحت ~~والرشا والسرقات. مساوئ ما فشت في أمة إلا ضاع حق سلطانها وحق رعيته. # وكانت أهم عقوبة تقع على الظالم من العمال مصادرة الخليفة أو وزيره أو عامله ~~الأكبر، وأصبح العمال في الدولة العباسية صورة عجيبة من استنزاف الأموال، وهم ~~موقنون بأن مصيرهم بما جمعوه إلى المصادرة والقتل. وقل فيهم من كان يكتفي بما ~~قرره له الخليفة أو العامل الأعظم من الجرايات والمشاهرات، وقد تكون على حد ~~الكفاية وأكثر من الكفاية بالنسبة لتلك الأعصر، وما حدث فيها من وفرة الثروة ~~وعوائد الترف والسرف. وللوزراء ومن يلونهم طرق إبليسية في السلب. والأرجح: أن ~~أهم موارد الوزراء والولاة كان من نهب جباية الدولة أو بيت مالها، ومن الهدايا ~~التي يضطرون صغار عمالهم إلى تقديمها في كل فرصة، ومن رشا يتناولونها ~~ممن يحاولون أن يستخدموا في أعمال الدولة، إلى غير ذلك من وجوه انتهاب ~~الأموال وإعنات الناس. وكانت هذه الطبقة من الوزراء والكبراء تصوم وتصلي ~~وتتعبد وتتصدق وتغار على الإسلام والدولة، ثم تجوز الاحتيال لأخذ الأموال؛ ~~لأن الأبهة تقضي التوسع في الإنفاق! # قال عامل مصر لأحد من زاره من وزراء العباسيين في الفسطاط، فرأى جسرا يحتسب ~~العمال عنه على السلطان ستين ألف دينار في كل سنة، وهو لا يكلف عشرة دنانير: إن ~~جاريه ثلاثة آلاف في الشهر، ولا يمكنه وهو عامل مصر أن يكون بغير كتاب ولا عمال ~~ولا كراع ولا جمال ولا إعطاء ولا إفضال، وله حرم وأولاد وأقارب وأهل يحتاج لهم ~~إلى مئونة، ولا يخلو أن يرد عليه زوار بكتب من الرؤساء فتقضي المروءة أن يبرهم ~~ويصلهم، إلى غير ذلك مما يصانع به. ومنها: هدايا سنوية إلى الخليفة والسيدة ~~وأنجاله والقهرمانة وكتابهم وأسبابهم. وبهذا رأينا أن العامل كان مضطرا بحسب ~~مصطلح ذلك الزمان إلى أن يسد العجز في موازنته الخاصة من طرق ms142 غير مشروعة، وقل ~~العف الجيد الطعمة، وكلما تقدم الزمن وزادت الخلافة العباسية عتقا ~~بليت الأخلاق في الناس، وتبعه تقلقل الإدارة؛ لفسولة رأى القائمين بالدولة ~~وتشعب أغراضهم. # ولقد كان الخلفاء على الأكثر يتخيرون للولايات والوزارات أكتب الناس وأعلمهم، ~~وللقضاء أقضاهم وأفتاهم. وحظوة الرجل عند قومه قد تكون من بواعث توسيد كبار ~~الأعمال إليه خصوصا الوزارات والولايات والقيادات. وأتى زمن بعد المعتصم ~~والوزير أعجم طمطم لا يفهم ولا يفهم، وأصبح أنصار الدولة والغيراء عليها ~~يتأففون ممن لا يحسنون العربية، وإن كان منطويا على صفات أخرى صالحة في ~~تدبير الملك؛ وذلك لكثرة من دخل في الأعمال من غير العرب. وكان معظم العمال ~~يحاولون أن يجروا الرعية على المعاملات القديمة ويحملوهم على الرسوم السليمة. ~~ولكن تطلب أنفس الولاة والعمال إلى العبث بحقوق الناس؛ ليجنوا من ذلك ما تتلمظ ~~له شفاههم من المغانم، كان الباعث على استشراء الفساد في معظم طبقات ~~المجتمع. # ثم أصبح بعض العظماء # 74 # ينفرون من الوزارة؛ لأن خاتمة حياتهم كانت التقتيل، ولأن مصير ~~أموالهم وأموال ذويهم كان في الغالب إلى المصادرة والاغتصاب. ولقد عمت المصادرة ~~سائر رجال الحكومة حتى الرعية، وأصبحت بتوالي الأيام المصدر الرئيسي لتحصيل ~~المال؛ فالعامل يصادر الرعية، والوزير يصادر العمال، والخليفة يصادر الوزراء، ~~ويصادر الناس على اختلاف طبقاتهم. حتى أنشئوا للمصادرة ديوانا خاصا مثل ~~سائر دواوين الحكومة؛ فكان المال يتداول بالمصادرة كما يتداول بالمتاجرة. غضب ~~المعتصم على وزيره الفضل بن مروان وأخذ منه عشرة آلاف ألف دينار ثم نفاه. ثروة ~~ضخمة لو فكر الفضل أن يخلع طاعة الخليفة وينشئ بها ملكا له لما أعجزه ذلك. ~~وغضب الواثق على كتاب الدواوين وسجنهم وأخذ منهم ألفي ألف دينار، وفيهم بعض ~~الوزراء ومن كانوا في منزلتهم. وقل أن كان الوزير ينجو من نكبة إذا طالت ~~أيامه، وأيقن الخليفة أنه اغتنى وعبث بأموال الدولة، أو حفزته الحاجة إلى المال ~~فتفقده في خزائنه فلم يجده. ولم يعهد لوزير أن وزر وزارة واحدة بلا صرف لثلاثة ~~خلفاء متسقين إلا محمد بن عبد الملك الزيات، ms143 وانتهى أمره بحرقه في التنور ~~ومصادرة أمواله. وكان من العلم والأدب في الذروة العليا. وكان سلفه في وزارة ~~المعتصم أحمد بن عامر الذي وصفه المعتصم ووصف نفسه بقوله: «خليفة أمي ووزير ~~عامي.» # 75 # قال الوزير ابن الفرات: تأملت ما صار إلى السلطان من مالي فوجدته عشرة آلاف ألف ~~الدينار، وحسبت ما أخذته من الحسين بن عبد الله الجوهري فكان مثل ذلك. فكأنه لم ~~يخسر شيئا؛ لأنهم كانوا يقبضون بالمصادرة ويدفعون بالمصادرة، وإذا صودر أحدهم ~~على مال لم يكن في وسعه أداؤه كله معجلا أجلوه بالباقي وساعدوه على تحصيله ~~وجمعه. وتعددت أسباب المصادرة وجهاتها حتى أصبح كل صاحب مال أو منصب عرضة ~~لها. وكانت وزارة ابن الفرات ثلاث سنين وثمانية أشهر واثني عشر يوما، # 76 # وولي الوزارة ثلاث مرات، وطولب بأمواله وذخائره فاجتمع منها مع ~~ودائع كانت له سبعة آلاف ألف دينار، فيما حكي عن الصولي، وكان مشاهدا ومشرفا ~~على أخبارهم. قال: وما سمعنا بوزير جلس في الوزارة، وهو يملك من العين والورق ~~والضياع والأثاث ما يحيط بعشرة آلاف ألف غير ابن الفرات. # رد الواثق على بعض بني أمية أموالهم، وأكرم العلويين وأحسن إليهم، وما أحسن أحد ~~إلى آل أبي طالب من خلفاء بني العباس ما أحسن إليهم الواثق. ما مات وفيهم ~~فقير # 77 # وكان في حلمه وحسن خلقه يشبه عمه المأمون؛ يحب العدل ويعطف على أهل ~~بيته ويتفقد رعيته. حشم # 78 # الأمراء عن الظلم، وكان يجلس لحساب الدواوين بنفسه، وترك جباية ~~أعشار سفن البحر، وكان مالا عظيما. وقيل: إنه سد باب اللهو والغناء، أما هو ~~فكان يسمع المغنيات ولا يتبذل ولا يسرف. واشتد على الناس كأبيه وعمه في مسألة ~~خلق القرآن حتى قيل إنه أمر في سنة 231 - وهي سنة الفداء بين المسلمين والروم ~~- أن يمتحن # 79 # أسارى المسلمين، فمن قال القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة ~~فودي به وأعطي دينارا، ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الروم. # وعقد الواثق لبنيه الثلاثة، وقسم الدنيا بينهم، وكتب بذلك ms144 كتابا كما فعل جده ~~الرشيد مع أولاده، فأعطى ابنه الأكبر المنتصر من عريش مصر إلى إفريقية المغرب ~~كله إلى حيث بلغ سلطانه، وأضاف إليه جند قنسرين والعواصم والثغور الشامية ~~والجزيرة وديار بكر وربيعة والموصل والفرات وهيت وعانة والخابور ودجلة والحرمين ~~واليمن واليمامة وحضرموت والبحرين والسند وكرمان وكور الأهواز وماسبذان ~~ومهرجان وشهرزور وقم وقاشان وقزوين والجبال. وأعطى ابنه المعتز خراسان ~~وطبرستان وما وراء النهر والشرق كله. وأعطى ابنه المؤيد إرمينية وأذربيجان وجند ~~دمشق والأردن وفلسطين. # وكان لولي العهد في هذه الممالك الصلاة والمعاون، أي الشحنة والشرطة، والقضاء ~~والمظالم والخراج والضياع والغنيمة والصدقات وغير ذلك من حقوق أعمالها وما في ~~عمل كل واحد منها من البريد والطراز وخزن بيوت الأموال ودور الضرب. يستخلفون ~~على القطر الكبير حربا وخراجا، ويفوضون الأمور كلها للعامل يأذن إليه في الحل ~~والعقد بغير استئمار ويخلعون عليه سوادا. # أي إن القطر الواحد بل المصر الواحد يحكم برأي عامله وجماعة ممن يختارهم ~~لمشورته ومعاونته، فينظر في الأمور بحسب فهمه وما يوحيه إليه المحيط والعادة ~~والعرف، ويطبق الأحكام الشرعية على الكبير والصغير والملي والذمي، وينصب ~~العامل الأكبر في الولاية العمال من ذوي الرأي والتدبير والخبرة بالعلم ~~والعلم بالسياسة، ويشاور الفقهاء وأرباب التجارب، وينفق من المال ما تصلح به ~~الولاية وما يوسع به على القراء والفقراء وذوي الحاجات، وما تقتضيه من عطاء ~~الجند وتقوية الثغور وشحن المصالح، ثم يبعث الباقي من الأموال إلى الخليفة. ~~وللخليفة الخطبة والسكة، فإذا كان العامل يحسن عمله، ويعرف مدى التبعة الملقاة ~~عليه، يستسيغ الخراج إن كان ذا قوة أو آنس من جانب الحضرة ضعفا، ولا يرجع في ~~العادة إلى استشارة العاصمة إلا في عويص المسائل التي يمكن تأجيلها، وتكون من ~~حقوق الخليفة داخلة في أمهات المسائل الكبرى في الدولة. وقد يجتهد ويرتكب غلطا ~~فتصرفه العاصمة إن أحست به أو توجعه في العقوبة، كما فعل المنصور لما بلغه ضرب ~~عامله على المدينة عالمها مالك بن أنس فشق ذلك على الخليفة وأهان عامله وصرفه. ~~ولكن كانت كتف مالك ms145 قد زالت عن مكانها بالضرب المبرح. فالعامل في الحقيقة هو ~~الملك الفعلي، ولا يسع العاصمة إلا أن تقره على ما يقرر ويدبر في أكثر الحالات. ~~وقد ظهرت مضار هذه الطريقة عندما كانت العاصمة تعجز عن ضبط كل شيء من أمور ~~الولايات لضعف الخلافة ووناء القائم على سدتها. وإذا كان هناك قضاة وولاة ~~وناظرون ومفتشون وكتاب وحساب فإن التنفيذ يختلف قوة وضعفا بحسب كفاية ~~العامل وسلطان الخليفة والوزير. # جاء المتوكل وضغط أمراء الترك وقوادهم يزيد شدة على الخلفاء فخلع على عبيد ~~الله بن يحيى، وأمر أن لا يعرض أحد من أصحاب الدواوين على الخليفة شيئا، وأن ~~يدفعوا أعمالهم إلى وزيره ليعرضها، وأجرى له في كل شهر عشرة آلاف درهم؛ لما كان ~~في نفسه من الأتراك واستبدادهم بالأمر. فكان عهده جذب ودفع بين أصحاب الخلافة ~~ومن رفعهم المعتصم على رقاب الناس من الترك، وعلق المتوكل يداوي الأمراض ~~البادية في جسم الدولة بإنفاق المال الذي جمعه المأمون والمعتصم والواثق على ~~نحو ما فعل الأمين؛ ففرق ما جمعه السفاح والمنصور والمهدي والرشيد من ~~الأموال. فقال الناس: إن أيام المتوكل كانت في حسنها ونضارتها ورفاهية العيش ~~بها ورخص أسعارها وحمد الخاص والعام لها، ورضاهم عنها أيام سراء لا ضراء. نعم، ~~كان هذا الخليفة منفاقا لا يحسن تدبير خرجه، وله مع هذا عناية خاصة بديوان ~~زمام النفقات. أنفق ما أنفق مما ادخره أجداده في بيوت أمواله، فكان هذا منه ~~تدبيرا مؤقتا غير ناجح، وما استطاع أن يداوي ما تجلى من تسلط الأتراك على ~~الدولة في عامة أقطارها وأعمالها. # رأى المتوكل شدة ضغط الترك على الخلافة في دار السلام فأحب الانتقال إلى ~~دمشق؛ ليجعلها دار ملكه، ونقل دواوين الدولة إليها. ولما أمن غائلة من توجس ~~منهم خيفة عاد إلى العراق، وادعى أنه استوبأ مدينة دمشق. وكانت له أفكار ~~شاذة، منها: أنه كان يبغض علي بن أبي طالب وأهل بيته فعفى قبر الحسين بن علي، ~~وهدم ما حوله من المنازل، ومنع الناس من إتيانه. ولا تأويل إلى هذا ms146 العبث إلا ~~خوفه الشيعة، وأن يتخذوا من زيارة الحسين وسيلة إلى دعاية سياسية تزعزع أركان ~~الملك العباسي. # واشتد المتوكل على أهل الذمة، وأخذهم بلبس ألبسة تخالف لباس المسلمين على ~~رءوسهم وأوساطهم، وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب مسمورة؛ تفريقا ~~بين منازلهم ومنازل المسلمين. ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان ~~التي تجري أحكامهم فيها على المسلمين. وأمر أن يقتصروا في مراكبهم على ركوب ~~البغال والحمير دون الخيل والبراذين إلى غير ذلك، وأمر بإجلاء النصارى عن حمص؛ ~~لأنهم كانوا يعينون الثوار من اليمانيين، والثورة لا تكاد تنطفئ كل حين من حمص ~~حتى سميت الكوفة الصغرى؛ لكثرة قيام أهلها على العمال، كما خصت تونس بالتشغب ~~والقيام على الأمراء والخلاف للولاة. # ومع كل ما بذل المتوكل قوي الأتراك عليه وقتلوه، قيل بالاتفاق مع ابنه الذي ~~خلفه، وأخذ المتغلبة من الترك يستضعفون الخلفاء فأصبح «الخليفة في يدهم ~~كالأسير؛ إن شاءوا أبقوه، وإن شاءوا خلعوه، وإن شاءوا قتلوه من غير ديانة ولا ~~نظر للمسلمين.» وجاء المنتصر يقاوم العلويين كأبيه المتوكل ويكتب إلى عامل مصر ~~(247) أن لا يقبل علويا ضيعة، ولا يركب فرسا، ولا يسافر من الفسطاط إلى ~~طرف من أطرافها، وأن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلا العبد الواحد، وإن كانت بين ~~العلوي وبين أحد خصومة قبل قول خصمه فيه ولم يطالب ببينة. ذلك لأن العلويين ~~ما ناموا ساعة عن المطالبة بالملك، فمثل هذا الأمر يضيق عليهم دائرة ~~حركتهم، وإن كان في بعض ما يرمي إليه غير عادل. # إدارة المعتز والمهتدي والمعتمد # تولى المعتز الخلافة فأمر بإحضار جماعة ممن صفت أذهانهم، ورقت طباعهم، ولطف ~~ظنهم، وصحت نحائزهم، وجادت غرائزهم، وكملت عقولهم بالمشورة. وحاول أن يتخلص من ~~الأتراك، وكانوا تأصلوا في جسم الدولة وروحها، وكانوا كثروا وأي كثرة في ~~العاصمة والولايات، وقدرت أرزاقهم وأرزاق المغاربة والشاكرية في سنة 252 فكان ~~مبلغ ما يحتاجون إليه في السنة مائتي ألف ألف دينار، وذلك خراج المملكة لسنتين ~~فإذا تأخر عطاؤهم فهناك المؤامرات والمشاغبات وخوف البدوات والنزوات ms147 والوثوب ~~بالدولة. # ووسدت إمارة مصر لأحمد بن طولون (254) من الأتراك، واستبد بجمع أعمال مصر ~~لما وسد إليه أمر الأموال، وكان الأمير في مصر من قبل ليس له إلا الجند ~~والشرطة وللعامل النظر في الأموال، وكلاهما يراقب صاحبه، وهما متساويان في ~~المكانة، وربما تقدم العامل على الأمير. والأقباط منذ كان الإسلام يتولون ~~النظر في الأموال؛ فتنظر إليهم الأمة نظرها إلى الصل والثعبان، ويراهم صاحب ~~الأمر مختلسين. وكان مما أعان ابن طولون على استقلاله بملك مصر ثم استيلائه على ~~الشام وما إليها أن الخليفة أمره بإعداد جيش لقتال أحد الخوارج في الشام. وبعد ~~استئصال الفتنة لم يفض الجيش فكان له قوة نافعة في استقلاله. وكانت جمهرة ~~الجيش من المماليك والديالمة يشتريهم كما يشتري الرقيق، وبلغت عدتهم أربعة ~~وعشرين ألف مملوك وأربعين ألفا من العبيد الزنج ومن العرب وغيرهم. أما ابنه ~~خمارويه فقيل: إن عدة جيشه بلغت أربعمائة ألف فارس. # ولئن حسنت حال مصر على عهد ابن طولون، ودر خراجها واستفاض عمرانها - لحسن ~~إدارته وسياسته حتى فضلوه على بعض الخلفاء على كثرة ما سفك من الدماء - فإن ~~استيلاءه على الأمر فيها عد خروجا على الخلافة، وإن كان يخطب لها بادئ بدء. ~~ولم يتأت الخلاص من دولته إلا لما قوي العباسيون سنة 292 فقتلوا آل بيتهم ~~برمتهم، وخلفت الدولة الطولونية الدولة الإخشيدية # 80 # وهي دولة أعجمية أيضا. # وتولى المهتدي «والدنيا كلها مفتونة» فحاول إعادة الخلافة إلى رونقها، وأمر ~~بإخراج الفتيان والمغنين والمغنيات من سامرا ونفاهم إلى بغداد، وأمر بقتل ~~السباع وطرد الكلاب وإبطال الملاهي ورد المظالم، وجلس ليرفعها فرفعت إليه قصص ~~في الكسور فسأل عنها فقال وزيره سليمان بن وهب شيئا في تاريخ الخراج منذ عهد ~~عمر إلى عهد المنصور، فأجاب المهتدي: معاذ الله أن ألزم الناس ظلما تقدم العمل ~~به أو تأخر، أسقطوه عن الناس. فقال أحدهم: إن أسقط أمير المؤمنين هذا ذهب من ~~أموال السلطان في السنة اثنا عشر ألف ألف درهم. فقال المهتدي: علي أن أقرر ~~حقا وأزيل ظلما وإن أجحف ms148 ببيت المال. # وكان المهتدي آخر الخلفاء الذين كانوا يتولون بأنفسهم القضاء والمظالم، وربما ~~كانوا يجعلون القضاء والمظالم لقضاتهم كما فعل عمر مع قاضيه أبي إدريس ~~الخولاني، وكما فعل المأمون مع يحيى بن أكثم، والمعتصم مع أحمد بن أبي داود، ~~وربما كانت تجعل قيادة الجيوش للقضاة، وكان يحيى بن أكثم يخرج أيام المأمون ~~بالصائفة إلى أرض الروم، وكذا منذر بن سعيد قاضي عبد الرحمن الناصر من بني أمية ~~بالأندلس. وكانت تولية هذه وظائف إنما تكون للخلفاء أو من يجعلون ذلك له من ~~وزير مفوض أو سلطان متغلب. # ولما هم الجند بقتل المهتدي خطبهم فقال: أما دين أما حياءكم يكون هذا الخلاف ~~على الخلفاء، والإقدام والجرأة على الله سواء عليكم من قصد الإبقاء عليكم، ومن ~~كان إذا بلغه مثل هذا عنكم دعا بأرطال الشراب فشربها سرورا بمكروهكم، وحبا ~~ببواركم. ثم ذكر لهم أنه لم يصل إليه من دنياهم شيء، وأنه ليس في منازل إخوته ~~وولده فرش أو وصائف أو خدم أو جواري ولا لهم ضياع ولا غلات. وكان حقيقة مقلا ~~من اللباس والفرش والمطعم، وأمر بإخراج آنية الذهب والفضة من الخزائن فكسرت، ~~وضربت دنانير ودراهم، وعمد إلى الصور التي كانت في المجالس فمحيت. # 81 # وجيء بالمعتمد فقسم المملكة بين ابنه وأخيه الموفق فغلب أخوه عليه وشغل هو ~~بلذاته، وكثر دخول الزعانف في القبض على الأعمال والفتن منتشرة؛ ومن أهمها: ~~فتنة صاحب الزنج، والموفق يقود العساكر، ويرابط ويرتب الوزراء والأمراء. وقيل: ~~إن المعتمد احتاج إلى ثلاثمائة دينار فلم يجدها فقال: # أليس من العجائب أن مثلي # يرى ما قل ممتنعا عليه # وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا # وما من ذاك شيء في يديه # وطالت أيام المعتمد، ولم يؤثر عنها إبداع جديد في الإدارة والسياسة. وكان ديوان ~~الموفق مائة ألف مرتزق، وكانت الدولة السامانية التي قامت في هذه الأيام في ~~الشرق، وتتمتع باستقلال داخلي واسع - كما يقولون اليوم - من أحسن الدول سيرة ~~وملوكها من بني سامان أمنع ملوك الإسلام جانبا في عصرهم «لأنه # 82 # ليس في الإسلام ms149 جيش إلا وهم شذاذ القبائل والبلدان والأطراف، إذا ~~تفرقوا في هزيمة وتمزقوا في حادثة، لم يلتق منهم جمع بعده، غير جيش هؤلاء ~~الملوك؛ فإن جيوشهم الأتراك المملوكون، ومن الأحرار من يعرف داره ومكانه، إذا ~~فشل منهم قوم أو ماتوا ففي وفور عددهم ما يعاد من بين ظهرانيهم مثلهم، وإن ~~تفرقوا في حادثة تراجعوا كلهم إلى مكان واحد، فلا يقدح فيهم ما يقدح في سائر ~~عساكر الأطراف، ولا سبيل لهم إلى التفرق في العساكر والتنقل في الممالك كما ~~يكون عليه رسوم صعاليك العساكر وشحنة البلدان.» # وكانت طريقتهم في إقامة الأحكام ببلاد خراسان # 83 # أن تضرب المقارع بين أيدي أجلة الأمراء، ويشهد كل أحد في كل ~~شيء، غير أن في كل بلد عدة من المزكين فإن طعن الخصم على الشاهد سئل عنه ~~المزكي، ولا يتحنك فيه إلا فقيه أو رئيس. ويختارون أبدا ببخارى أفقه من بها ~~وأعفهم، يرفعونه ويصدرون عن رأيه ويقضون حوائجه، ويولون الأعمال بقوله. وفي ~~نيسابور رسوم حسنة؛ منها: مجلس المظالم في كل يوم أحد وأربعاء بحضرة صاحب الجيش ~~أو وزيره، فكل من رفع قصة قدم إليه فأنصفه، وحوله القاضي والرئيس والعلماء ~~والأشراف ومجلس الحكم كل اثنين وخميس بمسجد رجاء لا ترى في الإسلام مثله. ~~وكانوا في فارس # 84 # يفضلون أهل البيوتات القديمة في أعمال الدواوين يتوارثونها فيما ~~بينهم، وليس في دواوين الإسلام ديوان أصعب عملا وأكثر أنواعا من ديوان فارس ~~لاختلاف ربوعها على المتقلدين لها. # هذا مثال من حالة الدولة السامانية التي نشأت في عهد المعتضد الطويل. وذكر ~~المؤرخون أنه على قلة معرفته بسياسة الملك عمرت # 85 # مملكته، وكثرت الأموال وضبطت الثغور، وأنه كان قوي السياسة شديدا ~~على أهل الفساد، وكان ولي والدنيا خراب والثغور مهملة، فقام قياما مرضيا ~~فسكنت الفتن، وصلحت البلدان، وارتفعت الحروب، ورخصت الأسعار، وهدأ الهيج، ~~وسالمه كل مخالف، ودانت له الأمور، وانفتح له الشرق والغرب، وأديل له من أكثر ~~المخالفين، وكان سريع # 86 # النهضة عند الحادثة، قليل الفتور، يتفرد بالأمور، ويمضي تدبيره ~~بغير توقف، ولي ms150 الأمر بضبط وحركة وتجربة، وكف من كان يتوثب ويتشغب من ~~الموالي. # وأمر المعتضد بافتتاح الخراج في النيروز المعتضدي، وهو في حزيران من شهور ~~الروم؛ وذلك للرفق بالناس، وكتب إلى الأقطار برد الفاضل من سهام المواريث على ~~ذوي الأرحام، وإبطال ديوان المواريث، وكان من قبل يلحق كثيرا من الناس إعنات ~~في مواريثهم، ويتناول على سبيل الظلم من أموالهم، ويتقلد جبايتها أناس يجرون ~~مجرى عمال الخراج، شيء لم يكن في خلافة من الخلافات إلى أن مضى صدر من خلافة ~~المعتمد، فجرى العمل بذلك على سبيل تأول، فأزال المعتضد ذلك، وأمر أن يرد على ~~ذوي الأرحام ما أوجب الله ورسوله وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن ~~عباس وعبد الله بن مسعود، وأن ترد تركة من مات من أهل الذمة، ولم يخلف وارثا ~~على أهل ملته. وأن يصرف جميع عمال المواريث في النواحي ويبطل أمرهم، ويرد النظر ~~في أعمال المواريث إلى الحكام، وكانوا يرتادون القضاة من أهل البلاد ~~نفسها. # وللمعتضد مذهب جميل في سياسة عماله، بلغه أن عامله على فارس أظهر أبهة في ~~ولايته، وأنفق ما وقعت له به هيبة في نفوس الرعية، فسأل عن رزقه، فقيل له: ~~ألفان وخمسمائة دينار في الشهر، فقال: اجعلوها ثلاثة آلاف ليستعين بها على ~~مروءته، # 87 # وكتب إليه في عامل عجز في ضمانه وهو مسجون بأنه كان في أيام ولايته ~~يفرق عشرين كرا حنطة في كل شهر على حاشيته والفقراء والمساكين من أهل معرفته، ~~وأنه فرق ذلك في هذا الشهر على عادته. فقال: سرني قيامه بمروءته ومعروفه. ~~وأعفاه من أداء مبلغ كان يطالب به، ورده إلى عمله وأحمد ما كان منه. # سارت الخلافة في طريق سوي على عهد المعتضد؛ لسطوته ومهابته وعفته وإمساكه، ~~فكان مع حرصه على إبقاء سلطانه يخافه عماله، ويكفون عن المظالم، واستعمل بعضهم ~~الشدة في حفظ الأمن. بلغ عامله بدمشق # 88 # أن رجلا أعرابيا في أذرعات نتف خصلتين من شعر أحد فرسان الدولة، ~~فطلب الوالي معلما يعلم الصبيان، وقال له: تخرج ms151 إلى اليرموك وأعطيك طيورا ~~تكون معك فإذا دخلت القرية فقل لهم: إني معلم جئت أطلب المعاش وأعلم صبيانكم. ~~فإذا تمكنت من القرية فارصد لي الأعرابي الذي نتف سبال الفارس، وخذ خبره واسمه، ~~فإذا رأيته قد وافى أرسل الطيور بخبرك. ثم قبض على الأعرابي، وقطع رأسه وصلبه، ~~وضرب الجندي مائة عصاة، وأسقط اسمه من الديوان؛ لأنه استخذى للأعرابي حتى فعل ~~بسبالته ما فعل. # كان من جميل سيرة المعتضد مع عماله وخوفه البطش بهم إذا جنوا ما يعاقبون عليه ~~أنه إذا نكب رجلا من جلة العمال ورؤسائهم وكل به من يحفظه من قبله، وشدد ~~الوصية في صيانته، ويظهر أن هذا التوكيل للمطالبة وزيادتها والتشدد فيها لا ~~ليحفظ نفسه، لئلا يطمع العامل. وكان يقول: هؤلاء أكابر من العمال الذين قامت ~~هيبتهم في نفوس الرعية، وعرفوا أقطار البلاد، هم أركان الدولة وأعضاء الوزارة ~~والمرشحون لها فإن لم تحفظ نفوسهم فسد الأمر. وهذا الغاية في الوقوف على ~~نفسية العمال وحفظهم في أنفسهم. ومع هذه المسامحة واللين لم يرتفع السواد سواد ~~العراق لأحد بعد عمر بن الخطاب بمثل ما ارتفع له أيام المعتضد. # 89 # وجمع المعتضد تسعة آلاف ألف دينار فاضلة عن جميع النفقات، وأراد أن يسبكها نقرة ~~واحدة إذا أتمها عشرة آلاف ألف، ويطرحها على باب العامة؛ ليبلغ أصحاب الأطراف ~~أنه له عشرة آلاف ألف دينار وهو مستغن عنها «بعد النفقات الراتبة والحادثة، ~~وإطلاق الجاري للأولياء في سائر النواحي وجميع المرتزقة بها وبالحضرة.» # رد المعتضد ببعد نظره مصر إلى حظيرة الخلافة بعد أن كان يذهب بها أحمد بن ~~طولون، وكتب إلى ابنه خمارويه بولايته عليها هو وولده ثلاثين سنة، وذلك من ~~الفرات إلى برقة، وجعل إليه الصلاة والخراج والقضاء وجميع الأعمال على أن يحمل ~~في كل عام من المال مائتي ألف دينار عما مضى وثلاثمائة ألف عن كل عام ~~للمستقبل. ولعل ما ساقه إلى هذا التسامح مع الطولونيين ما تناصرت الأخبار عليه ~~من أن الدولة العبيدية ظهرت أعلامها في المغرب فأحب أن يضع الطولونيين ~~حاجزا ms152 بينه وبينهم. ومن جميل حيلته أنه طلب إلى ابن طولون أن يزوجه ~~ابنة # 90 # ابنه خمارويه واسمها قطر الندى وقال: ما قصدت بهذا الزواج إلا ~~إفقار ابن طولون؛ لأنه يضطر أن يجهزها بجهاز لم تجهز به عروس من قبل. وكان ~~الأمر كما قال؛ فإنها جهزت بما استفرغ خزائن مصر والشام. وهذا هو الزواج ~~السياسي المثمر، والترتيب الإداري الحكيم. # الإدارة على عهد المكتفي والمقتدر وكلام في الوزراء # اكتفى المكتفي بنهج منهج والده المعتضد في الإدارة، وكان وزيره العباس بن الحسن ~~يقول لنوابه بالأعمال: أنا أوقع لكم وأنتم افعلوا ما فيه المصلحة. وقد يأخذ ~~الوزير سبعة آلاف دينار في الشهر راتبا، ومن الوزراء من فادوا بخمسمائة ألف ~~دينار ليصلوا إلى الوزارة. ومنهم من أعطوا المنجمين مائة ألف دينار ~~ليحتالوا على الخليفة ويغيروا خاطره على أحد وزرائه، ثم يتوصلون إلى منصب ~~الوزارة. وبهذا أدركنا أن الخلفاء انحطوا والوزراء كذلك. # بيد أن قواعد الدولة لم تتزلزل دفعة واحدة؛ لأن المعتضد ثبت قواعدها، ومن يجئ ~~بعده مهما ارتكب من الأغلاط لا يقضي على عامة التراتيب الموضوعة للخلافة منذ ~~سنين، فصح ما قيل من أن بني العباس # 91 # قوم منصورون تعتل دولتهم مرة، وتصح مرارا؛ لأن أصلها ثابت ~~وبنيانها راسخ. وخلف المكتفي في بيوت الأموال من العين ثمانية آلاف ألف دينار، ~~ومن الورق خمسة وعشرين ألف ألف دينار، وفي رواية أنه خلف مائة ألف ألف دينار ~~عينا وعقارا وأواني بمثلها. # واستخلف المقتدر طفلا ووالدته وخالته وأم ولد المعتضد تدير الملك، حتى إن هذه ~~السيدة جلست بالرصافة للمظالم تنظر في الكتب يوما في كل جمعة، فأنكر الناس ~~ذلك واستبشعوه، وكثر عيبهم عليه والطعن فيه. ولم يكن في جلوسها أول يوم طائل، ~~وفي اليوم الثاني أحضرت القاضي فحسن أمرها، وخرجت التوقيعات عن سداد، فانتفع ~~بذلك المظلومون، وسكن الناس إلى ما كانوا نافرين من قعودها ونظرها. فالمقتدر في ~~سنيه الأولى خصوصا كان يتدبر بآراء النساء والحاشية، والسيدة وقهرمانتها، ومن ~~يجري مجراهن من نساء القصر، يتحكمن في كل أمر، ويتدخلن ms153 في العزل والنصب. وأمروا ~~صاحب الشرطة ببغداد أن يجلس في كل ربع من الأرباع فقيها يسمع من الناس ~~ظلاماتهم، ويعتني في مسائلهم حتى لا يجري على أحد ظلم. وأمروه أن لا يكلف الناس ~~ثمن الكاغد الذي تكتب فيه القصص وأن يقوم به، وألا يأخذ الذين يشخصون مع الناس ~~أكثر من دانقين في أجعالهم. # ورد المقتدر رسوم الخلافة # 92 # إلى ما كانت عليه من التوسع في الطعام والشراب وإجراء الوظائف. ~~وكان في داره أحد عشر ألف خادم خصي من الروم والسودان. وزاد في أرزاق بني هاشم، ~~وأعاد الرسوم في تفريق الأضاحي على الفقراء والعمال وأصحاب الدواوين والقضاة ~~والجلساء، وأسرف في الأموال فمحق من الذهب ثمانين ألف ألف دينار # 93 # وفرق في خمس وعشرين سنة ما جمعه المنتصر والمهتدي والمعتمد ~~والمعتضد والمكتفي. وحار الناس في أمر دولة المقتدر # 94 # وطول أيامها على وهي أصلها وضعف ابتنائها، ولم ير الناس ولم ~~يسمعوا بمثل سيرته وأيامه وطول خلافته. # على أنه كان جيد العقل، صحيح الرأي، ولكنه كان مؤثرا للشهوات. قال ~~التنوخي: # 95 # ولقد سمعت أبا الحسن علي بن عيسى الوزير يقول، وقد جرى ذكر المقتدر ~~بحضرته في خلوة: ما هو إلا أن يترك هذا الرجل النبيذ خمسة أيام متتابعة حتى يصح ~~ذهنه، فأخاطب منه رجلا ما خاطبت أفضل منه، ولا أبصر بالرأي وأعرف بالأمور وأسد ~~في التدبير، ولو قلت: إنه إذا ترك النبيذ هذه المدة يكون في أصالة الرأي وصحة ~~العقل كالمعتضد والمأمون ومن أشبههما من الخلفاء ما حسبت أن أقع بعيدا، وما ~~يفسده غير متابعة الشراب ولا يخبله سواها. ا.ه. # قيل: إنه كان بين ابن زبر القاضي وبين علي بن عيسى الوزير عداوة، وعجز ابن زبر ~~عن رضاه فألقى رقعة في ورق الظالم، وفيها أن رجلا من خراسان رأى في ثلاث ليال ~~متوالية العباس بن عبد المطلب في وسط دار السلام يبني دارا، فكلما فرغ من موضع ~~تقدم رجل لهدمه. فقال له: يا عم رسول الله، من هذا الذي بليت به؟ فقال: هذا ms154 ~~علي بن عيسى، كلما بنيت لولدي بناء هدمه. فقرئت الرقعة على المقتدر فقال: إن ~~هذه الرؤيا صحيحة يصرف علي بن عيسى ويقبض عليه. فما جاء آخر النهار حتى وافى ~~ابن زبر ومعه عهده بقضاء مصر ودمشق. فإن صحت هذه القصة كان تصديق المقتدر حيلة ~~القاضي من أغرب ما أثر من ضعف العقول. # وعلي بن عيسى هذا أكبر وزراء ذاك العهد، ومن الأسر العريقة في خدمة الدولة منذ ~~أيام المعتضد # 96 # كان من الثقة والصيانة والصناعة على جانب، عامل المصادرين من ~~الوزراء والعمال بالرفق، وكتب إلى كل واحد من العمال بما جرت العادة به من ~~تشريف أمير المؤمنين إياه بالخلع، ورد أمر الدواوين والمملكة إليه، وأقرهم على ~~مواضعهم، وأمرهم بالجد والاجتهاد في العمارة، وكتب إليهم بإنصاف الرعية ~~والعدل عليها، ورفع صغير المؤن وكبيرها عنها. كما كان يطالب بتوفير حقوق ~~السلطان وتصحيحها وصيانة الأموال وحياطتها. ونظر إلى من تعود اقتطاع الأموال ~~السلطانية وإقامة مروات نفسه فيها، وقصر في العمارة واعتمد غيره. وعمر الثغور ~~والبيمارستانات وأدار الأرزاق لمن ينظر فيها، وأزاح علل المرضى والقوام، وعمر ~~المساجد الجامعة، وكتب إلى جميع البلدان بذلك، ووقع إلى العمال وكتب إليهم في ~~أمر المظالم، وأمر بأن يستوفى الخراج بغير محاباة للأقوياء، ولا حيف على ~~الضعفاء، وساس الناس أحسن سياسة، ورسم للعمال الرسوم الجميلة، وأنصف الرعية ~~وأزال السنن الجائرة، ودبر أمر الوزارة والدواوين وسائر أمور المملكة ~~بكفاية تامة وعفاف وتصون، حتى أسقط الزيادات في إقطاعات الجند والعمال ~~وغيرهم، لما رأى نفقات السلطان زائدة على دخله زيادة مفرطة تحوج إلى هدم ~~بيوت الأموال وصرفها في نفقات يستغني عنها. # وكان يجري على خمسة وأربعين ألف إنسان جرايات تكفيهم وخدم السلطان سبعين سنة لم ~~يزل فيها نعمة عن أحد. قال الصولي: ولا أعلم أنه وزر لبني العباس وزير يشبه في ~~زهده وعفته؛ بلغه أن أسارى المسلمين في الروم ساءت حالهم وأن الروم يحاولون ~~تنصيرهم فغمه ذلك. ولما كان يعرف أن الخليفة لا يريد قتال الروم عمد إلى طرق ~~سلمية فندب بطريق ms155 أنطاكية وجاثليق القدس أن يكتبا إلى الروم كتابا يقبحان هذه ~~المعاملة ويتوعدان، فاضطرت دولة الروم أن تحسن معاملة المسلمين. وما عابوا على ~~علي بن عيسى الوزير إلا أنه كان ينظر كثيرا في جزئيات الأمور فربما شغلته عن ~~الكليات. # 97 # منع علي بن عيسى من إكراه التناء والمزارعين «على # 98 # تضمين غلات بيادرهم بالحزر والتقدير، وإلزامهم حق الأعشار في ~~ضياعهم على التربيع، واستخراج الخراج منهم على أوفر عبرة، قبل إدراك غلاتهم ~~وثمارهم، وإكراه وجوههم على ابتياع الغلات السلطانية بأسعار مسرفة مجحفة.» ولما ~~غلب السجزية على فارس جلا قوم من أرباب الخراج عنها لسوء المعاملة ففض خراجهم ~~على الباقين، وكمل بذلك قانون فارس القيم، ولم تزل هذه التكملة تستوفي على ~~زيادة تارة ونقصان. وجاءه قوم من أجلاء فارس وقالوا: نمنع غلاتنا وتعتاق في ~~الكناديج # 99 # حتى تهلك وتصير هكذا «وطرحوا من أكمامهم حنطة محرقة.» ونطالب ~~بتكملة ما وجب علينا فتدعونا الضرورة إلى بيع نفوسنا وشعور نسائنا وأدائها حتى ~~تطلق الغلة وهي على هذه الصورة «ثم رموا من أكمامهم تينا يابسا وخوخا ~~مقدودا ولوزا وفستقا وبندقا وغبيراء وعنابا.» وقالوا: وهذا كله خراج لقوم ~~آخرين والبلد فتح عنوة، فإما تساوينا في العدل أو الجور. فأنهى علي بن عيسى ~~ذلك إلى المقتدر بالله، وجمع القضاة والفقهاء ومشايخ الكتاب والعمال وجلة ~~القواد في دار الوزارة وقد جعلها ديوانا، وتناظر الفريقان من أرباب الشجر ~~وأرباب التكملة فقال أرباب الشجر: هذه أملاك قد أنفقنا عليها أموالنا حتى أنبتت ~~الغروس فيها، وحصل لنا بعض الاستغلال منها، ومتى ألزمت الخراج بطلت قيمتها. وقد ~~كان المهدي أزال المطالبة ورسم الخراج عنها. وقال المطالبون بالتكملة ما شكوا ~~به حالهم فيها واستمرار الظلم عليهم بها. ورجع إلى الفقهاء في ذلك فأفتوا بوجوب ~~الخراج وبطلان التكملة. # هذا تمثيل للإدارة على ذاك العهد وصورة من أعمال الوزراء. وبأمثال علي بن عيسى ~~وابن الفرات كانت القوة تدخل على ملك بني العباس إذا عراه الضعف ويجبرون نقص ~~الخلفاء. وبمثل الوزير الخاقاني والوزير الخصيبي ترجع القهقرى. فإن كان ms156 علي بن ~~عيسى بعيد النظر في أمور الدولة جد عارف بما يصلحها، عفا عن أموال الرعية ~~ساهرا على مصلحتهم الحقيقية فإن ابن الفرات كان نافذا في عمل الخراج وتدبير ~~البلاد وجباية المال وافتتاح الأطراف، وكلاهما من بلغاء الكتاب ومن العارفين ~~بأدب الملك. # وكان للدولة رسوم في تخريج رجال الإدارة ومما ذكروه أن باذرويا كان يتقلدها جلة ~~العمال. قال ابن الفرات: سمعت أبا العباس أخي يقول من استقل بباذرويا استقل ~~بديوان الخراج، ومن استقل بديوان الخراج استقل بالوزارة؛ وذلك لأن معاملتها ~~مختلفة وقصبتها الحضرة، والمعاملة فيها مع الوزراء والأمراء والقواد والكتاب ~~والأشراف ووجوه الناس، فإذا ضبط اختلاف المعاملات، واستوفى على هذه الطبقات صلح ~~للأمور الكبار. # وبعد أن كان الخلفاء على استعداد تام لإدارة الملك أصبحوا يعتمدون على وزرائهم ~~فإن كانوا علماء أخيارا جرت الأمور على سداد، وإن كانوا جهالا أشرارا زاد ~~البلاء والشقاء، وطمع أصحاب الأطراف والنواب، وخرجوا عن الطاعة، وزالت عن ~~الجند والرعية هيبة الخلفاء، وخلت من الأموال خزائنهم. والواقع إذا استثنينا ~~عهد المعتضد لا نشاهد في خلفاء بني العباس بعد عهد المأمون من كان ذا عبقرية في ~~الإدارة، وقد لا تنتظم الأحوال حتى بوجود الوزراء المحنكين؛ لأن للرأس ~~تأثيره، والخليفة مرجع الأعمال وجميع السلطات فإن كان على اتزان تختفي ~~العيوب في إدارة سلطنته المستبدة الطويلة العريضة، وإلا فالانحلال باد والملك ~~في تزلزل. وهناك خليفة يدبره أخوه، وآخر تدبره أمه وجواريها، وغيره تدبره ~~قهرمانته، وثالث يدبره وزيره. وقل في بني العباس أن جاء خليفة كالمأمون ~~والمعتضد من يصدر عن رأي نضيج، ويعنى بملكه عناية حقيقية. # وكان الخلفاء في الجملة مشتغلين بأنفسهم ودفع أعدائهم عنهم، وكثير منهم من يقتل ~~بأيدي الجند. وقل فيهم الرجل الرشيد بعد القاهر، وكانت الأمور تجري بقوة ~~التسلسل، وبنو بويه ثم بنو سلجوق وغيرهم هم أصحاب الدولة بالفعل والخليفة لا ~~عمل له في الحقيقة، بل هو أشبه بخيال يختفي وراءه صاحب السلطان إذا أراد أمرا ~~لا يرضاه العامة إلا إذا صدر عن الخليفة. # نعم، صار الخليفة تابعا ms157 للملك أو المتغلب، ولم يبق شيء يقال له إدارة؛ لأن ~~الخليفة لا يحكم حتى على بيته، فأصبحت الإدارة إدارة الملوك والأطراف وإدارة ~~الفرس والترك، والشأن في السلطان شأنهم لا تكاد تسمع للخلفاء اسما. وكان من ~~عادة أكثر خلفاء العباسيين أن يحبسوا أولادهم وأقاربهم. جرت بذلك سنتهم ~~إلى آخر أيام المستنصر، فلما ولي المستعصم آخر خلفائهم ببغداد أطلق أولاده ~~الثلاثة ولم يحبسهم، وكان من عادة حبس أولاد الخلفاء ضعفهم بل بلاهتهم إذا ~~أسندت إليهم الخلافة، وربما انصرف أكثرهم في دور احتباسهم إلى اللهو ~~والشراب فإذا جاءوها عجزوا عن إدارة الملك ؛ لأنهم عاجزون عن سياسة ~~أنفسهم. # ولقد كان الرسم في عهد الخلفاء الأول من بني العباس أن يراقب الوالد ابنه ~~والابن أباه والأخ أخاه على طريقة مستورة عن الأنظار، وتوسد إلى أبناء ~~الخلفاء قيادة الجيوش وإدارة الولايات، ويشتركون في السلطان إلى حد معين، ~~وتؤخذ آراؤهم في النوازل، ويدخلون في مجالس المشورة؛ فيكون لهم بذلك شيء من ~~الوقوف ينفعهم يوم تولي الأمر، ويعرفون أنهم شركاء في هذا الملك لهم رأي ~~يعتد به، ويجب عليهم الاهتمام لمصالحه. # وفي عصر الانحطاط حجب أبناء الخلفاء؛ فأصبح أكثرهم إلى الجهل والبلاهة ~~يدرسون إدارة الملك في الكتب، وربما لا يرخص لهم أن يدرسوا في كل كتاب، ويسمعون ~~من مربيهم وأساتيذهم ما يريدون أن يسمعوهم، ولكنهم لا يعلمون بالعمل شيئا ~~كثيرا يصح أن يكون مادة لحياتهم وحياة الخلافة إذا أتت نوبتهم لتولي هذا ~~المنصب الجليل. # | هوامش ms158