######OpenITI# #META# URI: 1372KurdCali.QadimWaHadith.Hindawi84739682 #META# Tags: literature #META# ID: 84739682 #META# Title: القديم والحديث #META# AuthorID: 59604649 #META# Author: محمد كرد علي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # فاتحة‏ # القديم والحديث1‏ # الشعوبية1‏ # العلم الصحيح1‏ # علاقة العرب بالغرب1‏ # ارتقاء العرب وانحطاطهم1‏ # أعداء الإصلاح‏ # تعليم اللغات1‏ # اللغات الإفرنجية1‏ # الحافظة والحفاظ1‏ # الإنشاء والمنشئون1‏ # الخطابة عند العرب‏ # الخطابة عند الإفرنج‏ # أصل المعتزلة1‏ # أصل الوهابية1‏ # دولة الأدب في حلب1 على عهد سيف الدولة بن حمدان‏ # بين دمشق والقاهرة1‏ # مدن العرب1‏ # سماع الألحان1‏ # شرف الموسيقى‏ # الاستشفاء بالموسيقى1‏ # الموسيقى الغربية‏ # الاستقلال والاتكال1‏ # الهجرة‏ # الهجرة إلى مصر1‏ # التفاضل بالبلاد‏ # النزلاء المسلمون1‏ # غوطة دمشق1‏ # شبه جزيرة كليبولي‏ # جبال طوروس‏ # على قبر أبي الفدا في حماة1‏ # نحن والمسكرات1‏ # المآدب والإسراف1‏ # التمدن الأنثوي1‏ # تكريم النزاهة1‏ # الحاج مصطفى حولا1‏ # المستشرقون ومؤتمرهم1‏ # الألقاب العلمية1‏ # التمييز في الألبسة1‏ # السلطتان1‏ # حرية الأمم1‏ # صلاح الدين ومدونو سيرته‏ # سيرة صلاح الدين‏ # مصطفى كامل1‏ # النبوغ المصري1‏ # فاتحة‏ # القديم والحديث1‏ # الشعوبية1‏ # العلم الصحيح1‏ # علاقة العرب بالغرب1‏ # ارتقاء العرب وانحطاطهم1‏ # أعداء الإصلاح‏ # تعليم اللغات1‏ # اللغات الإفرنجية1‏ # الحافظة والحفاظ1‏ # الإنشاء والمنشئون1‏ # الخطابة عند العرب‏ # الخطابة عند الإفرنج‏ # أصل المعتزلة1‏ # أصل الوهابية1‏ # دولة الأدب في حلب1 على عهد سيف الدولة بن حمدان‏ # بين دمشق والقاهرة1‏ # مدن العرب1‏ # سماع الألحان1‏ # شرف الموسيقى‏ # الاستشفاء بالموسيقى1‏ # الموسيقى الغربية‏ # الاستقلال والاتكال1‏ # الهجرة‏ # الهجرة إلى مصر1‏ # التفاضل بالبلاد‏ # النزلاء المسلمون1‏ # غوطة دمشق1‏ # شبه جزيرة كليبولي‏ # جبال طوروس‏ # على قبر أبي الفدا في حماة1‏ # نحن والمسكرات1‏ # المآدب والإسراف1‏ # التمدن الأنثوي1‏ # تكريم النزاهة1‏ # الحاج مصطفى حولا1‏ # المستشرقون ومؤتمرهم1‏ # الألقاب العلمية1‏ # التمييز في الألبسة1‏ # السلطتان1‏ # حرية الأمم1‏ # صلاح الدين ومدونو سيرته‏ # سيرة صلاح الدين‏ # مصطفى كامل1‏ # النبوغ المصري1‏ # | القديم والحديث # | القديم والحديث # تأليف # محمد كرد علي # | فاتحة # بسم الله وبه الثقة # دعوت منذ بدأت بالاشتغال في الصحافة العربية سنة 1315ه إلى نبث دفائن المدنية ~~العربية، وبث خزائن الحضارة الغربية، وأبرزت هذه الدعوة فيما نشرته في جميع الصحف ~~والمجلات التي أنشأتها وآزرتها في مصر والشام من موضوعات في العلم والاجتماع، والتاريخ ~~والأدب، والنقد والتربية، وها أنا ذا أهدي لقراء العربية نموذجات مما كتبت، عسى أن يكون ~~منها لهم في عصر القوميات عبرة وذكرى، ولبنيهم وبناتهم في تأليف وحدتنا الاجتماعية ms001 درس ~~وسلوى، فمفاتيح كنوز الأجداد التي انتقلت إلى النشء بالإرث الصحيح لا غنية لهم عن معالجتها ~~بالفتح؛ لاستمالة ما فيها والاستظهار بمعنوياتها، ثم بمادياتها؛ لأن هذا الحاضر الذي يحاول ~~بعضهم الاقتصار عليه هو ربيب ذاك الغابر ووليده، بل سليله وحفيده وطريده، والجمود على ~~القديم هو العقم بعينه، وقطع الصلة مع المدينة الحديثة، مضرة ومعرة. ولا خير فيمن جهلت ~~أصوله، ولم يتخلق بأخلاق جيله وقبيله، والله الموفق سبحانه . # محمد كرد علي # دمشق 6 جمادى الأولى 1343 / 2 كانون الأول 1924 # | القديم والحديث1 # لم يأت على هذه الأمة دور مثل هذا اشتد فيه النزاع بين القديم والحديث، وانهزم القديم ~~بضعف القائمين به، وقوة أنصار الحديث، عنينا بذلك أرباب التقليد، ممن يرون السعادة في ~~الاكتفاء بما تعلموه من آبائهم، وورثوه عن أجدادهم من العلوم والآداب، ويعدون ما عداها ~~ضررا يجب البعد عنه ومحاربته بكل وسيلة، كما عنينا أرباب التجديد الذين يزعمون أن ~~الاكتفاء بعلوم أهل الحضارة الحديثة وحدها كافية في رفع شأننا. # نشأت للأمة ناشئة بعد أن كثر احتكاكنا بأوروبا في أواسط القرن الماضي. عادت القديم ~~معاداة خرجت فيها عن طور التعقل، وذلك نكاية بما رأته من دعاة ذاك القديم، وأكثرهم مثال ~~الجمود والبلاهة، ونموذج الفساد وسوء التربية، فقامت تزهد فيهم وفيما يدعون إليه، تحمل ~~عليهم حملاتها، وتتحامل عليهم بتحملاتها، وكذلك كان شأن أنصار القديم مع دعاة الحديث، ~~يرمونهم بكل كبيرة، ويسلبونهم كل فضيلة، ويطعنون بعلومهم إلا قليلا، ويعدون النافع منها ~~مما لا يضر ولا ينفع. # لا خلاف في أن ملكة الدين والآداب ضعفت في البلاد الإسلامية لضعف حكوماتها، والعامل ~~الرئيسي في كل البلاد هو السياسة، إذا ضعفت يتبعها كل شيء، فجهل الحكام والملوك منذ نحو ألف ~~سنة، هو الذي رفع شأن المنافقين من العلماء الرسميين، فصار العلم الديني يتعلمه المرء لا ~~لينال السعادتين ويكون عضوا مهما في جسم المدينة الفاضلة، بل ليخدم به أغراض أمراء ~~السوء، ويستولي على عقول العامة، وتقبل يداه ويكرم بالباطل، وهذا ما حدا حجة الإسلام ~~الغزالي، وأضرابه في ms002 عصره وبعده، أن ينحوا على فقهاء السوء إنحاءهم على أمراء السوء؛ لأنهم ~~يتعلمون علوم الفقه والفتيا؛ ليتقربوا بها فقط من السلاطين، ويجعلوا من الدين سلاحا ~~يقاتلون به من يناصبهم في شهواتهم وأهوائهم. ولقد فضل الغزالي في الإحياء وتهافت الفلاسفة ~~من يتعلمون الطب على الفقهاء، وقال: إن من يقولون إن علوم الدنيا تنافي الدين يجني على ~~الدين. # شغلت الأمة زمنا بنفسها، فضعفت ملكاتها، وكانت الحروب الصليبية وغارات التاتار من ~~العوامل المنهكة لقواها، ثم قام ملوك الطوائف وفرقوا الشمل بعد اجتماعه، إلى أن جاءت ~~الدولة العثمانية وهي تاتارية لا تقيم للمدنية وزنا، ولا تعرف لعلوم العمران لفظا ولا ~~معنى، قوتها بجندها، وعلمها في إرهاف حدها، وعظمتها ببطشها، ومجدها باكتساح البلاد، وإخضاع ~~النفوس لسطوتها، فحاول محمد الفاتح أحد ملوكها أن يجعل من القسطنطينية دار علم، كما هي دار ~~ملك؛ مجاراة لدولة الجراكسة في مصر والشام، وأعظم لذلك الأعطيات والهبات، وأنشأ المدارس ~~وحبس الأوقاف، ولكن ذلك لم يدم إلا بدوامه، حتى إذا مضى لسبيله عادت الحكومة إلى زهدها في ~~العلوم، وقد صارت رسمية على عهد المفتي أبي السعود الذي سعى لجعل العلم وراثيا، وصار ~~ابن العالم يرث أباه ووظائفه ورواتبه، وإن كان أجهل من قاضي جبل. وعالم هذه حاله هو ~~الجناية الكبرى على الدين والدنيا، والبلاء العمم على البلاد. # ومع أن الفرس والترك سواء في العجمة، فالفرس أقدر من الترك على تلقف اللغة العربية منذ ~~القديم. والعربية لغة الدين لا يبرز في علومه من لم يتعلمها، ولا يفهم الكتاب والسنة من لم ~~يحكم بيانها. وما تراه من حال علماء فارس اليوم وإتقانهم العربية، وارتقاء علومهم الشرعية، ~~وانحطاط العربية في بلاد الترك، وضعف ملكة العلوم الدينية فيها، لا يرجع إلا إلى أن ميل ~~أبناء فارس إلى إحكام العربية قديم فيهم، وأن الترك بأمرائهم المتبربرين جمدوا على فروع ~~قليلة من الفقه والكلام، وزهدوا فيما عداها، فجنوا على البلاد جناية كبرى. # ولما أرادت الدولة أن تنهض وتتشبه بأوروبا، وأخذت على عهد سليم الثالث تتعلم فنون الحرب ~~والبحر ms003 والسياسة، وما ينبغي لها من الطبيعة والرياضة والاجتماع، أخذت روح التفلسف تسري إلى ~~الآستانة، ومنها سرت إلى الولايات ومصر. فلم يعبأ أنصار القديم بما رأوه أولا، واحتقروا ~~ذاك السيل الجارف الآتي عليهم من أوروبا، وارتأى بعضهم أن خير ما يقابل به المتزندقون أن ~~يكفروا أو يحرموا أو يضربوا، أو يحبسوا أو يهددوا بالقتل أو يقتلوا، ولم يعدوا لذلك من ~~العدد اللازمة لبث دعوتهم، وحفظ ملكة الدين في القلوب، لتسير مع علوم الدنيا كتفا إلى كتف، ~~وجاءت أدوار أصبح الوزراء وولاة الأمر إلا قليلا من الطائفة التي نزعت ربقة القديم، فلم ~~يبق عليها إلا اسمه، بل كان بعض المتطرفين في انحلالهم يدعون سرا وجهرا إلى عدم ~~التأدب بآداب الدين، محتجين بما هو ماثل للعيان من فساد القائمين عليه، وانحطاط المنتسبين ~~إليه. # وها قد أصبحنا بعد هذا النزاع بين علوم الدين والدنيا والأمة شطرين، شطر هو إلى البلاهة ~~والغباوة، وشطر إلى الحمق والنفرة، وبعبارة أخرى نسينا القديم ولم نتعلم الجديد، ومن الغريب ~~أن معظم المستنيرين بقبس العلوم الأوروبية منا لا يرجعون إلى آداب دينهم، ويميلون في ~~الظاهر والباطن إلى أن يكون الدين فقط جامعة تجمع الأمة على مثال الجامعات السياسية ~~والجنسية، وإذا سألتهم عن الحلال والحرام وعما شرعته الأديان، صعروا إليك خدودهم وقالوا لك: ~~إن الأمة تعيش بحديثها دون قديمها، وإن ذاك القديم إن لم يضرنا الأخذ به فهو لا ~~ينفعنا، والعاقل لا يقبل إلا على ما ينفعه ويعلي قدره. # تلك هي شنشنة أنصار الحديث أو الملاحدة والزنادقة الطبيعيين، كما يطلق عليهم المتدينون، ~~وهذه حالة هؤلاء مع أولئك، وستكون الغلبة لأنصار الحديث إذا لم يقم خصومهم بلم شعثهم على ~~صورة معقولة مقبولة، وبين هذين الفريقين فريق ثالث اختار التوسط بينهما، فلم ير طرح القديم ~~كله، ولا الأخذ بالحديث بجملته، بل آثر أن يأخذ النافع من كل شيء ويضم شتاته، وهذا الفريق ~~المعتدل على قلته لا يقاومه العقلاء من أهل الفريقين الآخرين مقاومة فعلية، وعامتهما غير ~~راضين عنهم بالطبع؛ لأن أكثر الناس يحبون ms004 أن تكون معهم أو عليهم ولا وسط بين ذلك. # ولقد كتب إلينا أحد علماء المشرقيات في برلين وهو ممن طافوا بلاد الشرق وسكنوا فيه زمنا، ~~وانقطعوا لدرس أحواله الاجتماعية وعلومه الإرثية، كتابا بالعربية يصف فيه المقتبس، وما يجب ~~للمسلمين أن يقوموا به لقيام أمرهم بعد ذاك السبات الطويل قال فيه: # أما الرسائل التي هي لبها «المجلة» فرأيتها تدور أبدا على حث الناس على درس ~~العلوم المدنية، التي تركت في العالم الشرقي منذ نحو خمسمائة سنة، واقتباس الآثار ~~الإفرنجية الحديثة فيها وإحياء الآداب العربية، وهذا مطابق بحسب اختباري للطريقة ~~الصحيحة لسعادة الأمم؛ إذ لا فائدة من تقليد الأجانب وحده، ولا فائدة من التناغي ~~فقط بالآثار الشعبية «الوطنية» وحده، بل الخير كل الخير في الأخذ من هنا وهناك، ~~وتعميم الدرس، والبحث مع إضرام تلك الشعلة العظيمة التي هي ذات نور، وذات حرارة، ~~وذات إنبات؛ وأعني بها المبدأ الشعبي، ولنا أن نسميه الشعوبية على شرط أن نجرده ~~من الرائحة غير المقبولة. # اجتهد الإسلام والنصرانية أن ينشئا جمعية تقوم بالدين وحده؛ ليكون أهل الشهادة ~~بذلك الدين ظاهرين على الدين كله إلا أنهما فشلا. ولقد تنبأ بعض المسلمين بأن ~~الجامعة الإسلامية التي ستكون في أواخر هذه السنة، لن تأتي بما يرجوه أكثرهم من ~~تقوية عروة الدين، بل ستقوي الأحزاب الشعبية، وربما يتسع الخرق بين الجماعات من جهة ~~المذهب الديني. أما أنا فأقول: إن تقوية روابط المسلمين مع من حولهم من غير ~~المسلمين المبنية على وحدة التربية والأخلاق والعادات، وعلى وحدة اللسان، لا تخلو ~~حقيقة من تقوية الدين نفسه؛ لأن هذا الاجتماع من شأنه أن يدعو إلى نمو عامة ~~التقوى، فيزيد من له ميل إلى الحياة الدينية اعتقادا وعملا، كما يزيد من له ميل ~~إلى غير الدين قوة فيما اختاره؛ وعلى هذا فمن مصلحة كل دين أن يكون نصف منتحليه ~~مجتهدين مخلصين، أكثر من أن يكون الجميع فاترين غير مكثرين بشيء. ا.ه. # هذا ما كتب لنا به العالم الغربي الشرقي منذ أشهر، نشرناه ليطلع عليه أنصار ms005 القديم ~~والحديث، فيعلم الجامدون على مسطور القديم ألا قيام لأمرنا بغير الأخذ من مدنية أوروبا، ~~ويدرك أنصار الحديث بأن هذه المدنية الجديدة التي بهرتهم بزخارفها وسفاسفها، لا تنفعهم ~~وتنفع بني قومهم إلا إذا رافقها ما يجملها من علوم الأسلاف وآدابهم، والأمة التي تنزع ~~ربقة قديمها جملة واحدة، وتنتقل إلى طور آخر دفعة، قد ينعكس عليها الأمر ويلتوي عليها ~~القصد، ولم تنجح اليابان إلا لكونها اقتبست المدنية الغربية ومزجتها بأجزاء مدنيتها؛ وهذا ~~سر قول العالم المشار إليه: «لا فائدة من تقليد الأجانب وحده، ولا فائدة من التناغي فقط ~~بالآثار الشعبية»؛ أي ما ورثناه عن أجدادنا من التشبث بأهداب الوطنية، وذكر القديم والحرص ~~عليه. # ولنا في الغرب دولتان كبريان، هما مثال في اقتباس الجديد والحرص على القديم، فقد شهدنا ~~ألمانيا إلى اليوم تجري في مدارسها وكلياتها على آداب النصرانية المنقحة، فلا تسند التدريس ~~فيها إلا لرجل عرفت ترجمته وحياته؛ مخافة أن يفسد عليها تربية أبنائها فتكون مدنية ~~دينية، أما فرنسا فناهضت الدين منذ زهاء مائة سنة، وزادت مناهضتها له في السنين الأخيرة، ~~حتى نزعت لفظ الجلالة من المعاهد العامة، وأخذت تضيق الخناق على أهل التدين من حملة العلم ~~والأقلام، حتى صار المتدين سرا يتجاهر بالانحلال جهرا؛ ليأمن على معاشه ورزقه، وسموا هذا ~~حرية، ولكن الله يحصي على الأمم ذنوبها كما لا يغفل عن الأفراد، وها قد أخذت المدنية ~~الإفرنسية التي بهرت العيون في الزمن الماضي، ترجع القهقرى وعلماء الأخلاق فيها يبكون دما ~~على انبتات شملهم وتراجع عمرانهم، حتى روى بعض الإحصائيين أن عدد الفرنسيس سينزل في أواخر ~~القرن العشرين إلى ثلاثة ملايين؛ لأن المواليد أخذت تنقص عن الوفيات. أما في ألمانيا ~~فبفضل التربية الدينية والحرص على الأخلاق قبل الحرص على تلقين العلوم، فإن النفوس تتزايد ~~سنة عن سنة، بحيث خيف من تكاثر نسلهم على البلاد المجاورة لهم مع ما هم عليه من المدنية ~~الصحيحة، والعلم بالصناعات والفنون. ولا غرو؛ فإن من خلق الألماني أن يترك من القديم كل ما ~~لا ينفع منه، ms006 أما الفرنسوي فيجرف منه النافع مع الضار، وشتان بين الخلقين والمدنيتين، وها ~~هي النتيجة قد ظهرت للعيان مذ الآن. # وبعد، فإن كل عاقل عرف تاريخ هذه الأمة، يرى الخير كل الخير في احتفاظها بقديمها، وضم كل ~~ما ينفع من هذا الجديد، على أن تكون للدين والعلم حريتهما، فتكون المعتقدات بمأمن من طعن ~~الطاعنين بها، كما تجري المدنية على الشوط الذي يراه، وإذا رأى بعضهم في بعض المعتقدات ما ~~لا ينطبق على روح الحضارة والعلوم العصرية، فالأولى أن يطبقوا العقل على النقل، كما هو رأي ~~كبار علماء الإسلام منذ القديم، وإذا عجزت عقولهم عن ذلك فالأجدر بهم أن يأخذوا بعض ~~القضايا بالتسليم، ويتركوا العالم حرا يسير وحده دون أن يعوقه عائق، وما نخال كل عاقل ~~إلا ويعتقد أن صحيح النقل لا يخالف صريح العقل والله أعلم. # | الشعوبية1 # يقوى تفاخر كل عنصر بعنصرهم، وأهل كل جنس بجنسهم، كلما كانوا أقرب إلى الهمجية والعصبية ~~الجاهلية، جاء الإسلام فكان من أعظم إصلاحه، إسقاط دعوى الجنسيات، أو القضاء على التفاخر ~~بالآباء والأجداد، فساوى بين العربي والفارسي والأحمر والأصفر والأبيض والأسود، وكانت ~~قاعدته العامة ألا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. # والظاهر أن دعوة الشعوبية؛ أي عدم الاستعداد بالعرب وتفضيل العجم عليهم، دخلت بدخول ~~أجيال كثيرة من الفرس والترك والنبط في خدمة الدولة الإسلامية، فنشأت منها العداوات بين ~~العرب أهل الدولة وبين العجم، كما كانت تنشأ في هذه البلاد بين تركي وعربي كلما اشتد الأول ~~في إرهاق الثاني. # سألنا أستاذنا الشيخ طاهر الجزائري عن الشعوبية، فكتب إلينا ما يأتي: «أما الزمن الذي ~~ظهرت فيه الشعوبية فلا يحضرني فيه شيء. والوقوف على أوائل الأشياء من أصعب المسائل وأدقها، ~~إلا أن الذي ظهر لي أن ذلك حدث بعيد عصر الخلفاء الراشدين؛ لوجود الداعي إلى ذلك وهو ~~التفاخر بالجنس، الذي هو من عادات الجاهلية التي أتى الدين بإبطالها، ومن نظر لمنزلة سلمان ~~الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي في أوائل الأمة، زال عنه الشك في هذه المسألة، ولا ~~يدخل في ms007 هذا الأمر بحث المؤرخ عن خصائص الأجناس، مما يقصد به الوقوف على الحقائق، فإن هذا ~~نوع آخر، إلا أن من بحث عن أحوال الأمم ووفى النظر حقه، تبين له أن العرب في الجملة ~~لا تساميهم أمة البتة. # وأظن أن لا بد أن تؤلف بعد حين كتب في خصائص الأمم، وكتب في خصائص البلاد، كما ~~ألفت كتب في خصائص اللغات، وتجعل من الفنون التي يعنى بها، وتميز من غيرها، ولا تذكر ~~بطريق العرض ، إلا أن فن خصائص الأمم تتيسر المشاغبة فيه والمغالطة أكثر من غيره، وكل فن ~~وضعت مقدماته ونقحت مسائله يبدو بسرعة عوار المغالط فيه. هذا وكما حدث بعد عصر الخلفاء أمر ~~المفاضلة بين العرب والعجم، حدث أمر المفاضلة بين العدنانية والقحطانية، وهما الفريقان ~~اللذان يجمعهما اسم العرب، ونشأ بسبب ذلك من الفتن ما يعرفه المولع بالأخبار، ولم يزل أثر ~~ذلك باقيا في بعض الجهات إلى ما قبيل عصرنا، وقد رأيت في بعض البلاد أناسا يقولون إلى ~~الآن: نحن قيسية، وآخرين يقولون: نحن يمانية.» # هذا ما قاله أستاذنا، وفيه من كشف الغامض ما لم نظفر به في كتاب. والشعوبي بالضم محتقر ~~أمر العرب، قال ابن منظور: وقد غلبت الشعوب بلفظ الجمع على جيل العجم، حتى قيل لمحتقر أمر ~~العرب شعوبي، أضافوا إلى الجمع لغلبته على الجيل الواحد، كقولهم أنصاري، وهم الشعوبية، وهم ~~فرقة لا تفضل العرب على العجم، ولا ترى لهم فضلا على غيرهم. وأما الذي في حديث مسروق: ~~أن رجلا من الشعوب أسلم، فكانت تؤخذ منه الجزية، فأمر عمر ألا تؤخذ منه، قال ابن الأثير: ~~الشعوب ههنا العجم، ووجهه أن الشعب ما تشعب من قبائل العرب أو العجم، فخص بأحدهما، ويجوز ~~أن يكون جمع الشعوبي؛ كقولهم اليهود والمجوس في جمع اليهودي والمجوسي. # قال شارح المفصل في شرح قول الزمخشري: «الله أحمد على أن جعلني من علماء العربية، وجبلني ~~على الغضب للعرب وللعصبية، وأبى لي أن أنفرد عن صميم أنصارهم وأمتاز، وأنضوي إلى لفيف ~~الشعوبية وأنحاز.» والشعوبية مصدر الشعوبي بضم ms008 الشين، وهو الذي يصغر شأن العرب، ولا يرى لهم ~~على العجم فضلا، إذ الفضل بالتقوى وهو منسوب إلى قوله تعالى: # وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم ~~. وقال ابن الحاجب في شرح المفصل أيضا: والشعوبية بضم الشين، قوم ~~متعصبون على العرب، مفضلون عليهم العجم، وإن كان الشعوب جيل العجم إلا أنه غلبت النسبة ~~إليه لهذا القبيل، ويقال: إن منهم معمر بن المثنى، وله كتاب في مثالب العرب، وقد أنشد بعض ~~الشعوبية للصاحب بن عباد يمدحه: # غنينا بالطبول عن الطلول # وعن عنس عذافرة ذمول # فلست بتارك إيوان كسرى # لتوضح أو لحومل فالدخول # وضب بالفلا ساع وذئب # بها يعوي وليث وسط غيل # إذا نحروا فذلك يوم عيد # وإن ذبحوا ففي عرس جليل # يسلون السيوف لرأس ضب # هراشا بالغداة وبالأصيل # بأية رتبة قدمتموها # على ذي الأصل والشرف الأصيل # أما لو لم يكن للفرس إلا # نجار الصاحب العدل الجليل # لكان لهم بذلك خير عز # وجيلهم بذلك خير جيل # فقال له الصاحب: قدك. ثم قال لبديع الزمان: أجبه، فأجابه مرتجلا: # أراك على شفا خطر مهول # بما أودعت رأسك من فضول # طلبت على مكارمنا دليلا # متى احتاج النهار إلى دليل # ألسنا الضاربين جزى عليكم # فإن الجزي أقعد بالذليل # متى قرع المنابر فارسي # متى عرف الأغر من الحجول # متى علقت وأنت بها زعيم # أكف الفرس أعراف الخيول # فخرت بملء ماضغتيك فخرا # على قحطان والبيت الأصيل # فخرت بأن مأكولا ولبسا # وذلك فخر ربات الحجول # تفاخرهن في خد أسيل # وضرع من مفارقة وسيل # فقال الصاحب للشعوبي: كيف ترى؟ فقال: لو سمعت ما صدقت. ثم قال له: جائزتك جوازك. إن وجدتك ~~بعدها في مملكتي ضربت عنقك. # وفد النعمان بن المنذر على كسرى، فوجد عنده وفود الروم والهند والصين، فذكروا من ملوكهم ~~وبلادهم، فافتخر النعمان بالعرب، وفضلهم على جميع الأمم لا يستثني فارسا ولا غيرهم، فقال ~~كسرى وأخذته عزة الملك: يا نعمان، لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم، فرأيت الروم كذا، ~~ووصف من حالهم وجعل يثني عليهم، ms009 ورأيت الهند التي لها كذا وكذا، ثم قال مثل ذلك في الترك ~~والخزر والصين، متى ذكر قبيلة أثنى عليها ووصف ما يفتخرون به، ثم قال: ولم أر للعرب شيئا ~~من خصال الخير، وجعل يصف شأنهم وهو يحقرهم ويصغرهم، فقال النعمان: أصلح الله الملك، وجعل ~~يثني عليه، ثم قال: ألا إن عندي جوابا في كل ما نطق به الملك في غير رد عليه ولا تكذيب ~~له، فإن أمنني من غضبه نطقت به. قال كسرى: فأنت آمن، فقال النعمان: أما أمتك أيها الملك ~~فليست تنازع في الفضل؛ لموضعها الذي هي به في عقولها وأحلامها، وبسطة محلها، وبحبوحة عزها، ~~وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك. وأما الأمم التي ذكرت فأي أمة تقرنها بالعرب ~~إلا فضلتها. قال كسرى: بماذا؟ قال النعمان: بعزها ومنعتها، وحسن وجوهها، ودينها وبأسها ~~وسخائها، وحكمة ألسنها، وشدة عقولها وأنفتها ووفائها؛ فأما عزها ومنعتها فإنها لم تزل ~~مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد، ووطدوا الملك وقادوا الجنود، لم يطمع فيهم طامع، ولم ~~ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيولهم، مهادهم الأرض، وسقفهم السماء، وجنتهم السيوف، وعدتهم ~~الصبر، إذ غيرها من الأمم إنما عزها الحجارة والطين وجزائر البحور. # وأما حسن وجوهها وألوانها، فقد تعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند المتحرقة، والصين ~~المحتتمة، والترك المشوهة، والروم المقشرة. وأما أحسابها وأنسابها، فليست أمة من الأمم ~~إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرا من أولها وآخرها، حتى إن أحدهم يسأل عما وراء أبيه ~~دنيا فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أبا أبا، حفظوا بذلك ~~أحسابهم، وضبطوا به أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا ينتسب إلى غير نسبه، ولا يدعى ~~إلى غير أبيه. وأما سخاؤها فإن أدناهم رجلا الذي يكون عنده البكرة أو الناب عليها بلاغه ~~في حمولته وشبعه وريه، فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتزئ بالشربة، فيعقرها له ويرضى ~~أن يخرج له من دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الثناء. # وأما حكمة ألسنتها فإن الله أعطاهم في ms010 أشعارهم ورونق كلامهم وحسنه ووزنه وقوافيه، مع ~~معرفتهم بالإشارة، وضرب الأمثال، وإبلاغهم في الصفات ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس؛ ثم ~~خيلهم أفضل الخيول، ونساؤهم أعف النساء، ولباسهم أفضل اللباس، ومعادنهم الذهب والفضة ~~والحجارة، جبالهم الجزع، ومطاياهم التي لا يبعد عن مثلها سفر، ولا يقطع بمثلها بلد ~~قفر. # وأما دينها وشريعتها فإنهم متمسكون بها حتى يبلغ أحدهم من تمسكه بدينه، أن لهم أشهرا ~~حرما وبلدا حراما، وبيتا محجوجا ينسكون فيه مناسكهم ويذبحون ذبائحهم، فيلقى الرجل قاتل ~~أبيه أو أخيه وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك دمه، فيحجزه كرمه، ويمنعه دينه عن تناوله ~~بالأذى. وأما وفاؤها فإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومي الإيماء، فهي إلب وعقد لا يحلهما إلا ~~خروج نفسه، وإن أحدهم ليرفع عودا من الأرض، فيكون رهنا بدينه، فلا يغلق رهنه، ولا تخفر ~~ذمته، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلا استجار به، وعسى أن يكون نائيا عن داره، فيصاب، فلا ~~يرضى حتى تفنى تلك القبيلة التي أصابته، أو تفنى قبيلته؛ لما خفر من جواره، وإنه ليلجأ إليهم ~~المجرم المحروب من غير معرفة ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله. وأما ~~قولك أيها الملك إنهم يئدون أولادهم من الحاجة، فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من ~~العار، وغيرة من الأزواج. وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضا وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ~~ويجمعهم، فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم، إذا آنست من نفسها ضعفا، وتخوفت نهوض عدوها ~~إليها بالزحف، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائرهم، ~~فيلقون إليهم أمورهم وينقادون إليهم بأزمتهم. # فأما العرب فإن ذلك كثير فيهم حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين، مع أنفتهم من ~~أداء الخراج والوطء والعسف. فعجب كسرى مما أجابه النعمان به، وقال: إنك لأهل لموضعك من ~~الرياسة في إقليمك ولما هو أفضل. ثم كساه من كسوته وسرحه إلى موضعه من الحيرة. فلما قدم ~~النعمان الحيرة وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقيص العرب وتهجين أمرهم، ms011 بعث إلى ~~أكثم بن صيفي، وحاجب بن زرارة، وجماعة من رءوس العرب سماهم، فلما قدموا عليه في الخورنق قال ~~لهم: قد عرفتم حال هذه الأعاجم وقرب جوار العرب منهم، وقد سمعت من كسرى مقالة أتخوف أن ~~يكون لها غدر ... واقتص عليهم مقالة كسرى وما رد عليه فقالوا: وفقك الله أيها الملك، ما أحسن ~~ما رددت عليه، وأبلغ ما حججته به! فمرنا بأمرك وادعنا إلى ما شئت. قال النعمان: إنما أنا رجل ~~منكم ، وإنما ملكت وعززت بمكانكم، وبما يتخوف من ناحيتكم، وليس شيء أحب إلي مما سدد الله ~~به أمركم وأصلح به شأنكم. والرأي أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط، وتنطلقوا بكتابي هذا إلى ~~باب كسرى، فإذا دخلتم عليه نطق كل واحد منكم بما حضره؛ ليعلم أن العرب على غير ما ظن أو ~~حدثته به نفسه. ووصاهم بوصايا، فذهبوا إليه. وقد ساق القصة صاحب العقد وأوردها البلوي في ~~كتاب ألف با. ~~••• # ومن حجة الشعوبية على العرب أن قالت: إنا ذهبنا إلى العدل والتسوية، وإن الناس كلهم من ~~طينة واحدة، وسلالة رجل واحد، واحتججنا بقول النبي - عليه الصلاة والسلام: «المؤمنون إخوة ~~تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم»، وقوله في حجة الوداع، وهي خطبته ~~التي ودع فيها أمته وختم بها نبوته: «أيها الناس، إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها ~~بالآباء، كلكم لآدم وآدم من تراب، ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى.» وهذا القول من ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - موافق لقول الله تعالى: # إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم ~~، فأبيتم إلا فخرا، وقلتم: لا تساوينا ~~وإن تقدمتنا إلى الإسلام، ثم صليت حتى تصير كالحني، وصمت حتى تصير كأوتار. ونحن نسامحكم ~~ونجيبكم إلى الفخر بالآباء الذي نهاكم عنه نبيكم # صلى الله عليه وسلم # إذا أبيتم إلا خلافه؛ وإنما ~~نجيبكم إلى ذلك، لاتباع حديثه وما أمر به # صلى الله عليه وسلم ~~، فنرد عليكم حجتكم في المفاخرة ونقول: ~~أخبرونا إن قالت لكم العجم: هل تعدون الفخر كله أن يكون ملكا أو نبوة، فإن ms012 زعمتم أنه ملك ~~قالت لكم: وإن لنا ملوك الأرض كلها من الفراعنة والنماردة والعمالقة والأكاسرة والقياصرة، ~~وهل ينبغي لأحد أن يكون له مثل ملك سليمان الذي سخرت له الإنس والجن والطير والريح، وإنما ~~هو رجل منا، أم هل كان لأحد مثل ملك الإسكندر الذي ملك الأرض كلها وبلغ مطلع الشمس ~~ومغربها، وبنى ردما من حديد ساوى به بين الصدفين، وسجن وراءه خلقا من الناس تربي على خلق ~~الأرض كلها كثرة؛ لقول الله - عز وجل: # حتى إذا فتحت ~~يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ~~، فليس شيء أدل على ~~كثرة عددهم من هذا، أو ليس لأحد من ولد آدم مثل آثاره في الأرض، ولو لم يكن له إلا منارة ~~الإسكندرية التي أسسها في قعر البحر، وجعل في رأسها مرآة يظهر البحر كله في زجاجتها. وكيف ~~ومنا ملوك الهند الذين كتب أحدهم إلى عمر بن عبد العزيز: من ملك الأملاك الذي هو ابن ألف ~~ملك، والذي تحته بنت ألف ملك، والذي في مربطه ألف فيل، والذي له نهران ينبتان العود والفوة ~~والجوز والكافور، والذي يوجد ريحه على اثني عشر ميلا؛ إلى ملك العرب الذي لا يشرك بالله ~~شيئا، أما بعد، فإني أردت أن تبعث إلي رجلا يعلمني الإسلام ويوقفني على حدوده ~~والسلام. # وإن زعمتم أنه لا يكون الفخر إلا بنبوة، فإن منا الأنبياء والمرسلين قاطبة من لدن آدم ~~ما خلا أربعة هودا، وصالحا، وإسماعيل، ومحمدا، ومنا المصطفون من العالمين: آدم ونوح، وهما ~~العنصران اللذان تفرع منهما البشر، فنحن الأصل وأنتم الفرع، وإنما أنتم غصن من أغصاننا، ~~فقولوا بعد هذا ما شئتم وادعوا. # ولم تزل للأمم كلها من الأعاجم في كل شق من الأرض ملوك تجمعها ومدائن تضمها، وأحكام تدين ~~بها، وفلسفة تنتجها، وبدائع تفتقها في الأدوات والصناعات، مثل صنعة الديباج وهي أبدع صنعة، ~~ولعب الشطرنج وهي أشرف لعبة، ورمانة القبان التي يوزن بها رطل واحد ومائة رطل، ومثل فلسفة ~~الروم في ذات الخلق والقانون، والإسطرلاب الذي يعدل به النجوم، ودوران الأفلاك وعلم ms013 الكسوف. ~~لم يكن للعرب ملك يجمع سوادها، ويضم قواصيها، ويقمع ظالمها، وينهى سفيهها، ولا كان لها قط ~~نتيجة في صناعة، ولا أثر في فلسفة إلا ما كان من الشعر وقد شاركتها فيه العجم؛ وذلك أن ~~للروم أشعارا عجيبة قائمة الوزن والعروض. فما الذي تفخر به العرب على العجم؛ فإنما هي ~~كالذئاب العادية، والوحوش النافرة، يأكل بعضها بعضا، ويغير بعضها على بعض، فرجالها موثوقون ~~في حلق الأسر، ونساؤها سبايا مردفات على حقائب الإبل ، فإذا أدركهن الصريخ استنقذن بالعشي، ~~قال بجير، يعير العرب باختلافها في النسب واستلحاقها للأدعياء: # زعمتم بأن الهند أولاد خندف # وبينكم قربى وبين البرابر # وديلم من نسل ابن ضبة ناسل # وبرجان من أولاد عمرو بن عامر # فقد صار كل الناس أولاد واحد # وصاروا سواء في أصول العناصر # بنو الأصفر الأملاك أكرم منكم # وأولى بقربانا ملوك الأكاسر # أتطمع في صهري دعيا مجاهرا # ولم تر سترا عن دعي مجاهر # وتشتم لؤما رهطه وقبيله # وتمدح جهلا طاهرا وابن طاهر # وقال الحسن بن هانئ على مذهب الشعوبية: # وجاورت قوما ليس بيني وبينهم # أواصر إلا دعوة وبطون # إذا ما دعا باسمي العريف أجبته # إلى دعوة مما علي يهون # لأزد عمان بن الملهب نزوة # إذا افتخر الأقوام ثم تلين # وبكر يري أن النبوة أنزلت # على مسمع في البطن وهو جنين # وقالت تميم لا ترى أن واحدا # كأحنفنا حتى الممات يكون # فلا لمت قيسا بعدها في قتيبة # إذا افتخروا إن الحديث شجون # قال ابن قتيبة في كتاب تفضيل العرب: وأما أهل التسوية فإن منهم قوما أخذوا ظاهر بعض ~~الكتاب والحديث، فقضوا به ولم يفتشوا عن معناه، فذهبوا إلى قوله عز وجل: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~، وقوله: # إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ~~، وإلى قول ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # في خطبته في حجة الوداع: «أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، ~~وتفاخرها بالآباء. ليس لعربي على عجمي فخر إلا بالتقوى، كلكم لآدم وآدم من تراب»، وقوله: ~~«المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم ms014 يد على من سواهم»، وإنما المعنى في هذا أن ~~الناس كلهم من المؤمنين سواء في طريق الأحكام والمنزلة عند الله - عز وجل - والدار الآخرة، ~~لو كان الناس كلهم سواء في أمور الدنيا، ليس لأحد فضل إلا بأمر الآخرة، لم يكن في الدنيا ~~شريف ولا مشروف، ولا فاضل ولا مفضول. فما معنى قوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه»، ~~وقوله # صلى الله عليه وسلم ~~: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم»، وقوله # صلى الله عليه وسلم # في قيس بن عاصم: «هذا سيد الوبر»، ~~وكانت العرب تقول: «لا يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا تساووا هلكوا»؟ نقول: لا يزالون بخير ~~ما كان فيهم أشراف وأخيار، فإذا حملوا كلهم جملة واحدة هلكوا، أو إذا ذمت العرب قوما قالوا: ~~سواسية كأسنان الحمار. وكيف يستوي الناس في فضائلهم، والرجل الواحد لا تستوي في نفسه أعضاؤه ~~ولا تتكافأ مفاصله، ولكن لبعضها الفضل على بعض، وللرأس الفضل على جميع البدن بالعقل والحواس ~~الخمس، وقالوا: القلب أمير الجسد، ومن الأعضاء خادم ومنها مخدومة. # قال: ومن أعظم ما ادعت الشعوبية فخرهم على العرب بآدم - عليه السلام - وبقول النبي - عليه ~~الصلاة والسلام: «لا تفضلوني عليه؛ فإنما أنا حسنة من حسناته.» ثم فخرهم بالأنبياء أجمعين، ~~وأنهم من العجم غير أربعة هود، وصالح، وإسماعيل، ومحمد - عليهم الصلاة والسلام - واحتجوا ~~بقول الله - عز وجل: # إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل ~~إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية ~~بعضها من بعض والله سميع عليم ~~، ثم فخروا بإسحاق بن إبراهيم، ~~وأنه لسارة، وأن إسماعيل لأمة تسمى هاجر، قال شاعرهم: # في بلدة لم يصل عكن بها طنبا # ولا خباء ولا عك وهمدان # ولا لجرم ولا نهد بها وطن # لكنها لبني الأحرار أوطان # أرض تبنى بها كسرى مساكنه # فما بها من بني اللخناء إنسان # فبنوا الأحرار عندهم العجم، وبنوا اللخناء عندهم العرب؛ لأنهم من ولد هاجر وهي أمة. وقد ~~غلطوا في هذا التأويل، وليس كل أمة يقال لها اللخناء، إنما اللخناء من الإماء الممتهنة في رعي الإبل ~~وسقيها ms015 وجمع الحطب، وإنما أخذ من اللخن وهو نتن الريح، يقال: لخن السقاء إذا تغير ريحه، ~~فأما مثل هاجر التي طهرها الله من كل دنس، وارتضاها للخليل فراشا، وللطيبين إسماعيل ومحمد ~~أما، وجعلهما سلالة، فهل يجوز لملحد فضلا عن مسلم أن يسميها اللخناء؟! # قال بعض من يرى رأي الشعوبية فيما يرد به على ابن قتيبة في تباين الناس وتفاضلهم، والسيد ~~منهم والمسود: إننا نحن لا ننكر تباين الناس ولا تفاضلهم، ولا السيد منهم والمسود، والشريف ~~والمشروف، ولكنا نزعم أن تفاضل الناس فيما بينهم ليس بآبائهم ولا بأحسابهم، ولكنه بأفعالهم ~~وأخلاقهم، وشرف أنفسهم وبعد هممهم، ألا ترى أنه من كان دنيء الهمة ساقط المروءة لم يشرف، ~~وإن كان من بني هاشم في ذؤابتها، ومن أمية في أرومتها، ومن قيس في أشرف بطن منها، إنما ~~الكريم من كرمت أفعاله، والشريف من شرفت همته، وهو معنى حديث النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «إذا أتاكم كريم ~~قوم فأكرموه»، وقوله في قيس بن عاصم: «هذا سيد أهل الوبر»، إنما قال فيه لسؤدده في قومه بالذب ~~عن حريمهم وبذله رفده لهم، ألا ترى أن عامر بن الطفيل كان في أشرف بطن في قيس ~~يقول: # وإني وإن كنت ابن سيد عامر # وفارسها المشهور في كل مركب # فما سودتني عامر عن وراثة # أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # ولكنني أحمي حماها وأتقي # أذاها وأرمي من رماها بمنكب # وقال آخر: # إنا وإن كرمت أوائلنا # لسنا على الأحساب نتكل # نبني كما كانت أوائلنا # تبني ونفعل مثل ما فعلوا # وقال قس بن ساعدة: لأقضين بين العرب بقضية لم يقض بها أحد قبلي، ولا يرددها أحد بعدي؛ ~~أيما رجل رمى رجلا بملامة دونها كرم فلا لوم عليه، وأيما رجل ادعى كرما دونه لؤم فلا كرم ~~له. ومثله قول عائشة أم المؤمنين: «كل كرم دونه لؤم، فاللؤم أولى به، وكل لؤم دونه كرم، ~~فالكرم أولى به»؛ تعني بقولها أن أولى الأشياء بالإنسان طبائع نفسه وخصالها، فإذا كرمت فلا ~~يضره لؤم أوليته، وإن لؤمت ms016 فلا ينفعه كرم أوليته، وقال الشاعر: # نفس عصام سودت عصاما # وعلمته الكر والإقداما # وجعلته ملكا هماما # وقال آخر: # مالي عقلي وهمتي حسبي # ما أنا مولى ولا أنا عربي # إن انتمى منتم إلى أحد # فإنني منتم إلى أدبي # روى ابن العيناء الهاشمي عن الفخذمي عن شبيب بن شبة قال: كنا وقوفا بالمربد؛ موضع ~~بالبصرة، وكان المربد مألف الأشراف، إذ أقبل ابن المقفع، فبششنا به وبدأناه بالسلام، فرد ~~علينا السلام، ثم قال: لو ملتم إلى دار نيروز، وظلها الظليل، وسورها المديد، ونسيمها ~~العجيب، فعودتم أبدانكم تمهيد الأرض، وأرحتم دوابكم من جهد الثقل، فإن الذي تطلبونه لم ~~تفلتوه، ومهما قضى الله لكم من شيء تنالوه. فقبلنا وملنا، ولما استقر بنا المكان قال لنا: ~~أي الأمم أعقل؟ فنظر بعضنا إلى بعض، فقلنا: لعله أراد أصله من فارس، فقلنا: فارس. فقال: ~~ليسوا بذلك؛ إنهم ملكوا كثيرا من الأرض، ووجدوا عظيما من الملك، وغلبوا على كثير من الحق، ~~ولبث فيهم عقد الأمر، فما استنبطوا شيئا بعقولهم، ولا ابتدعوا باقي حكم في نفوسهم. قلنا: ~~فالروم. قال: أصحاب صنعة. قلنا: فالصين، قال: أصحاب طرفة. قلنا: الهند. قال: أصحاب فلسفة. ~~قلنا: السودان. قال: شر خلق الله. قلنا: الخزر. قال: بقر سائمة. قلنا: فقل. قال: العرب. ~~قال: فضحكنا، قال: أما إني ما أردت موافقتكم، ولكن إذا فاتني حظي من النسبة فلا يفوتني حظي ~~من المعرفة؛ إن العرب حكمت على غير مثال مثل لها ولا آثار أثرت؛ أصحاب إبل وغنم، وسكان شعر ~~وأدم، يجوز أحدهم بقوته، ويتفضل بمجهوده، ويشارك في ميسوره ومعسوره، ويصف الشيء بعقله فيكون ~~قدوة، ويفعله فيصير حجة، ويحسن ما شاء فيحسن، ويقبح ما شاء فيقبح، أدبتهم أنفسهم، ورفعتهم ~~هممهم، وأعلتهم قلوبهم وألسنتهم، فلم يزل حياء الله فيهم، وحياؤهم في أنفسهم، حتى رفع لهم ~~الفخر، وبلغ بهم أشرف الذكر، وختم لهم بملكهم الدنيا على الدهر، وافتتح دينه وخلافته بهم ~~إلى الحشر، على الخير فيهم ولهم، فقال سبحانه: # إن الأرض لله يورثها من ~~يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ~~، فمن وضع ms017 حقهم خسر، ومن أنكر فضلهم ~~خصم، ودفع الحق باللسان، أكبت للجنان. ا.ه. ~~••• # أما عناية الإسلام بإسقاط الجنسية فتراه ماثلا من حسن معاملتهم للموالي؛ فقد ولى رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # جيش مؤتة زيدا مولاه، وقال: «إن قتل فأميركم جعفر»، وأمر رسول الله أسامة بن ~~زيد، فبلغه أن قوما قد طعنوا في إمارته، وكان أمره على جيش فيه جلة المهاجرين والأنصار، ~~فقال عليه السلام: «إن طعنتم في إمارته لقد طعنتم في إمارة أبيه قبله. ولقد كان لها أهلا، ~~وإن أسامة لها لأهل.» وقالت عائشة: «لو كان زيد حيا ما استخلف رسول الله غيره.» وقال عبد ~~الله بن عمر لأبيه: «لم فضلت أسامة علي وأنا وهو سيان، فقال: كان أبوه أحب إلى رسول الله ~~من أبيك، وكان أحب إلى رسول الله منك.» أوصى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بعض أزواجه لتميط عن أسامة ~~أذى من مخاط أو لعاب، فكأنها تكرهته، فتولى منه ذلك رسول الله # صلى الله عليه وسلم # بيده، وقال له يوما ~~ولم يكن أسامة من أجمل الناس: «لو كنت جارية لنحلناك وحليناك حتى يرغب الرجال فيك.» وفي بعض ~~الحديث أنه قال: «أسامة من أحب الناس إلي.» وكان # صلى الله عليه وسلم # أدى إلى بني قريظة مكاتبة سلمان، ~~فكان سلمان مولى رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال علي بن أبي طالب - عليه السلام: «سلمان منا أهل ~~البيت.» ويروى أن المهدي نظر إليه ويد عمارة بن حمزة في يده فقال له رجل: من هذا يا أمير ~~المؤمنين؟ فقال: أخي وابن عمي عمارة بن حمزة، فلما ولى الرجل ذكر ذلك المهدي كالممازح ~~لعمارة، فقال له عمارة: انتظرت أنه يقول: ومولاي، فانفض والله يدك من يدي. فتبسم أمير ~~المؤمنين المهدي. ولم يكن الإكرام للموالي في جفاة العرب. # زعم الليثي أنه كانت بين جعفر بن سلمان وبين مسمع بن كردين منازعة، وبين يدي مسمع مولى له ~~بهاء ورواء ولسن، فوجه جعفر إلى مسمع مولى له لينازعه ومجلس مسمع حافل فقال: إن أنصفني ms018 ~~والله جعفر أنصفته، وإن حضر حضرت معه، وإن عند عن الحق عندت عنه، وإن وجه إلي مولى مثل ~~هذا، وأومأ إلى مولى جعفر فقال: مولى مثل هذا عاضا لما يكره، وجهت إليه، وأومأ إلى مولاه. ~~فعجب أهل المجلس من وضعه مولاه ذلك الموضع الذي تباهي بمثله العرب. وقد قيل: الرجل لأبيه ~~والمولى من مواليه، وفي بعض الأحاديث أن المعتق من فضل طينة المعتق، ويروى أن سلمان أخذ ~~من بين يدي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تمرة من تمر الصدقة فوضعها في فيه، فانتزعها منه رسول الله # صلى الله عليه وسلم # فقال: «يا أبا عبد الله، إنما يحل لك من هذا ما يحل لنا.» ويروى أن رجلا من موالي ~~بني مازن يقال له عبد الله بن سليمان، وكان من جلة الرجال نازع عمرو بن هداب المازني، وهو ~~في ذلك الوقت سيد بني تميم قاطبة، فظهر عليه المولى حتى أذن له في هدم داره، فأدخل الفعلة ~~دار عمرو، فلما قلع من سطحه سافا كف عنه ثم قال: يا عمرو، قد أريتك القدرة وسأريك العفو. ~~وقد كان في قريش من فيه جفوة ونبوة. # كان نافع بن جبير أحد بني نوفل بن عبد مناف إذا مر عليه بالجنازة سأل عنها، فإن قيل: قرشي ~~قال: وا قوماه! وإن قيل: عربي قال: وا مادتاه! وإن قيل: مولى أو عجمي، قال: اللهم هم ~~عبادك تأخذ منهم من شئت وتدع من شئت. ويروى أن ناسكا من بني الهجيم بن عمر بن تميم كان ~~يقول في قصصه: اللهم اغفر للعرب خاصة وللموالي عامة، فأما العجم فهم عبيدك والأمر ~~إليك. # ومثل ذلك ما كان بعضهم يقولونه: «لا يقطع الصلاة إلا ثلاثة: حمار، أو كلب، أو مولى.» ~~وكانوا لا يكنونهم بالكنى، ولا يدعونهم إلا بالأسماء والألقاب، ولا يمشون في الصف معهم، ~~ولا يتقدمونهم في الموكب، وإن حضروا طعاما قاموا على رءوسهم، وإن أطعموا المولى لسنه ~~وفضله وعلمه، أجلسوه في طريق الخبار؛ لئلا يخفى على الناظر أنه ليس من العرب. ولا ms019 يدعونهم ~~يصلون على الجنائز إذا حضر أحد من العرب وإن كان الذي يحضر عزيزا. وكان الخاطب لا يخطب ~~المرأة منهم إلى أبيها ولا إلى أخيها، وإنما يخطبها إلى مواليها، فإن رضي زوج وإلا رد، فإن ~~زوج الأب والأخ بغير رأي مواليه فسخ النكاح، وإن كان قد دخل بها كان سفاحا غير ~~نكاح. # وذكر عمرو بن بحر الجاحظ في كتاب الموالي والعرب، أن الحجاج لما خرج عليه ابن الأشعث ~~وعبد الله بن الجارود ولقي ما لقي من قراء أهل العراق، وكان أكثر من قاتله وخلعه وخرج عليه ~~الفقهاء والمقاتلة والموالي من أهل البصرة، فلما علم أنهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم، ~~أحب أن يسقط ديوانهم ويفرق جماعتهم؛ حتى لا يتألفوا ولا يتعاقدوا، فأقبل على الموالي ~~وقال: أنتم علوج وعجم، وقراؤكم أولى بكم. ففرقهم وفض جمعهم كيف أحب، وصيرهم كيف شاء، ~~ونقش على يد كل رجل منهم اسم البلدة التي وجهه إليها، وكان الذي تولى ذلك منهم رجل من بني ~~سعد بن عجل بن لجين، يقال له حراش، وقال شاعرهم: # وأنت من نقش العجلي راحته # وفر شيخك حتى عاد بالحكم # يريد الحكم بن أيوب التميمي عامل الحجاج على البصرة. # ولقد أورد ابن بسام في الذخيرة في ترجمة الأديب أبي جعفر أحمد الدودين البلنسي رسالة ابن ~~غرسية، يخاطب بها أبا جعفر بن الجزار في فضل الشعوبية وذم العرب، ابتدأها بقوله: # يا ابن الأعارب ما علينا باس # لم نحك إلا ما حكاه الناس # وقال: # ولم أشتم لكم حسبا ولكن # حدوت بحيث يستمع الحداء # وقال فيها في وصف العجم: # هم ملكوا شرق البلاد وغربها # وهم منحوكم بعد ذلك سؤددا # حلم وعلم، ذوو الآراء الفلسفية الأرضية والعلوم المنطقية الرياضية، حملة الإسترلوميقا ~~والجومطريقا، والعلمة بالإرتماطيقا والأنولوطيقا والقومة بالموسيقى والطوبيقا، والنهضة ~~بعلوم الشرائع، والطبائع والنفرة في علوم الأديان والأبدان ما شئت من تحقيق وترقيق، حبسوا ~~أنفسهم على العلوم الدينية والبدنية لا على وصف الناقة العدنية، فعلهم ليس بالسفاف كفعل ~~نائلة وإساف، أصغر بشأنكم إذ بزق خمر باع الكعبة أبو ms020 غسانكم، وإذ أبو رغالكم قاد فيل الحبشة ~~إلى حرم الله لاستئصالكم. # والرسالة كلها على هذا النسق، استغرقت مع الردود عليها سبع عشرة ورقة من الذخيرة، وقد رد ~~عليها كثيرون من أدباء الأندلس في عصر كاتبها، ومن جملتهم المخاطب بها أبو جعفر، وردودهم ~~كلها إلى السفاهة والبذاءة أقرب، وكتابة ابن غرسية أمتن وحججه أوضح. # وقال الجاحظ في رسالته إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي دؤاد في النابتة: وقد انتظموا ~~- إلى ولاة الأمر في عهده - معاني العناد أجمع، وبلغوا غاية البدع، ثم قرنوا بذلك العصبية ~~التي هلك بها عالم بعد عالم، والحمية التي لا تبقي دينا إلا أفسدته، ولا دنيا إلا ~~أهلكته، وهو ما صارت إليه العجم من مذهب الشعوبية، وما قد صار إليه الموالي من الفخر على ~~العجم والعرب، وقد نجمت من الموالي ناجمة، ونبتت منهم نابتة، تزعم أن المولى بولائه قد ~~صار عربيا لقول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «مولى القوم منهم»، ولقوله: «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ~~ولا يوهب»؛ فقد علمنا أن العجم حين كان فيهم الملك والنبوة كانوا أشرف من العرب، وأن ~~الله لما حول ذلك إلى العرب صارت العرب أشرف منهم، قالوا: فنحن معاشر الموالي بتقديمنا في ~~العجم أشرف من العرب، وبالحديث الذي صار لنا في العرب أشرف من العجم، وللعرب القديم دون ~~الحديث، ولنا خصلتان جميعا وافرتان فينا، وصاحب الخصلتين أفضل من صاحب الخصلة، وقد جعل ~~الله المولى، بعد أن كان أعجميا، عربيا بولائه، كما جعل حليف قريش من العرب قرشيا ~~بحلفه، وبعد أن جعل إسماعيل أعجميا عربيا، ولولا قول النبي # صلى الله عليه وسلم # إن إسماعيل كان ~~عربيا ما كان عندنا إلا أعجميا؛ لأن الأعجم لا يصير عربيا، كما أن العربي لا يصير ~~أعجميا، فإنه علمنا أن إسماعيل صيره الله عربيا بعد أن كان أعجميا بقول النبي # صلى الله عليه وسلم # فكذلك حكم قوله: «مولى القوم منهم»، وقوله: «الولاء لحمة»، إلى أن قال: وليس أدعى إلى ~~الفساد ولا أجلب للشر من المفاخرة، ms021 وليس على ظهرها إلا فخور إلا قليل، وأي شيء أغيظ من ~~أن يكون عبدك يزعم أنه أشرف منك، وهو مقر أنه صار شريفا بعتقك إياه. # | العلم الصحيح1 # قالوا: العلم علمان؛ علم الأبدان وعلم الأديان، أو دنيوي وديني، فالدنيوي علم ما فيه صلاح ~~المعاش، وحفظ النظام في عالم الكون والفساد، والديني كل ما له مساس بالمعاد، وتهذيب النفس، ~~والابتعاد عن المنكرات في هذه الفانية؛ للظفر بالباقيات الصالحات في تلك الدار ~~الباقية. # كان العلم الديني لأول أمره، موجزا مندمجا، لم ينقد، قواعد مقررة، وأصولا نافعة، فكان ~~العربي يقصد الرسول - عليه السلام - يعلمه الدين في ساعة، ثم يحيله على القرآن، ويقول له ~~اذهب راشدا وبشر عشيرتك وأهلك، فقد عرفت من الدين جوهره وسره، وما ينبغي له؛ فمن ثم دام ~~الإسلام إلى السذاجة حتى قامت قائمة العصبيات من أجل التنازع على الملك، وتجاذب حبل السلطة، ~~فمزج الدين بالسياسة، ودخل في الإسلام من لا يهمه منه غير المغانم، وراح بعضهم يدسون ما لم ~~يقل فيما قيل، وكثر المنافقون ممن سعوا بالدين في سرهم، وهم من أتباعه في جهرهم، وأنشئوا ~~يلبسون ثياب الأصدقاء وهم له أعداء ماكرون. # دسوا عوامل إفسادهم، وفي القوم يومئذ صفوة من الأخيار، توفروا على محاربة البدع ~~والموضوعات بكل لسان وبنان، بكل سيف وسنان، وكانوا على إخلاصهم وتأثيرهم كلما استأصلوا شأفة ~~فاسد نبض من الأفسد نابض، ورجال السياسة وأكثرهم لا يرجع في الغالب إلى رأي ومذهب، يدهنون ~~من وراء ذلك لحملة الدين، ويبذلون لهم ما يستغوونهم به؛ لينطقوا بألسنتهم، ولا يفسدوا عليهم ~~أمرهم، إذا رفعوا أصواتهم ونعوا عليهم تبديلهم لما أنزل، وإلصاقهم به ما ليس منه، ولما رأى ~~العقلاء عائث الفساد يدب دبيبه في علوم المعاد، خافوا أن يتدرج من العبث بالأعراض إلى ~~العبث بالجواهر، فلم يروا بدا من التدوين والتقييد، والدلالة على مواضع الضعف والسخف ~~ليبدو السليم لا شائبة فيه، وأنت خبير بما يقتضي ذلك من التطويل، دع ما يتخلله بالطبع؛ لأن ~~في القائمين به العالم العامل، وفيهم صاحب البدعة والمقالة. # مضى ms022 على هذه الحال ردح من الزمن، وعلوم الدين لم تمتزج بشيء من علوم الدنيا، إلى أن دخلت ~~علوم الحضارة في الملة وسموها علوم الأوائل، ورأت من بعض خلفائنا من أخذ بيدها وهيأ لها ~~أسباب انتشارها، فعندها كثرت المذاهب والآراء، ونشأ العراك الأول بين العلوم الدينية ~~والعلوم الدنيوية؛ أي بين الدين القائم بالتسليم، وبين الفلسفة المبنية على البرهان. # وظلت حال العلم الديني تابعة لمجرى السياسة، إن جاء عاقل من الأمراء والملوك يكل أمره ~~لجهابذة من المحققين ينظرون فيه وهم مؤتمنون مأمونون، وإذا ولي رقاب الناس جاهل ينزل نفسه ~~في كل المنازل، فيتولى من الخلق أمور دنياهم ودينهم، ويقرب إليه كل من يتابعه على أهوائه، ~~ولا ينكر عليه مغالاته، والعقلاء بمعزل لا ينطقون إلا كارهين، وربما تدرعوا الخمول وآثروا ~~الانقطاع على الدخول في المجتمع لإمحاضه النصح، وتخليصه من المفاسد الطارئة عليه. # نعم، إن التاريخ لم يخل من وجود عقلاء في كل دور من أدواره، ولكن قوتهم ضئيلة لا تنفع، ~~وصوتهم خريد لا يسمع، إذا نسبتهم لأولئك المنافقين في خدمة الآمرين والناهين. وقد قل عددهم ~~كثيرا في هذه الديار، خصوصا بعد الدولتين النورية والصلاحية، وصار العلم أشبه بتقاليد ~~ورسوم منه بعلم وعمل، ومناطيق ومفاهيم، وما فتئت العادات يتخيلها بعضهم من الدين، ويدسونها ~~فيه، وللجهل الكلمة النافذة في الهيئة الاجتماعية، إلى أن كان القرن التاسع والعاشر وما ~~يليهما من قرون الهجرة، وهي من العصور المظلمة من تاريخ الإسلام حقيقة، فعندئذ قل المميز ~~والمفكر، وبطلت علوم الحكمة جملة واحدة، وصار من يتعاطاها في نفسه وبين خاصته كمن يأتي ~~أمرا إدا، ويخون دينه وأمته، وبطل النظر في الأصول، وتحتم على كل عقل ألا ينظر في غير ~~الفروع مما أملته خواطر المتأخرين، فأصبح بذلك يعد العالم كل العالم من يحقق من هذه الفروع ~~أكثر. اعتبر ذلك بما تتلوه في تراجم أعيان العلماء في هذه القرون، فإنك لا تراها تتعدى ~~الأقوال والآراء. وأهل كل جيل يقدسون قول من سلفهم ولو ببضع سنين. نعم إنك لو أنصفت لا تكاد ms023 ~~ترى لهم تأليفا تقرأ فيه نور العقل والخلاص من التقليد البحت. ولقد أتت أيام في معظم ~~الأصقاع الإسلامية حرم النظر فيها حتى في الكتاب والسنة، وعد الناظر فيهما محاولا للخروج ~~عن سنن الجماعة. فإذا خالف فرد ما ألفوه أهانوه، ومن قاوم بفكره سجنوه أو نفوه وشردوه، وإذا ~~خافوا بأسه قتلوه، وجعلوه عبرة ومثلا للآخرين. # تأصلت الأوهام فعدت من أقدس القربات، وسار الناس مع تيار الجهل وتقديس أقوال أدعياء العلم ~~والتقوى، وصدرت الأحكام بعوامل الأوهام، وغدت هذه البلاد كبرج بابل في التبلبل والتشويش؛ ~~اتخذت كل منهما لها أئمة وأولياء، وأنشأت تكبر أمرهم وتدعي لهم مقاما ادعوه لأنفسهم؛ وراح ~~الفقيه يكفر الصوفي، والصوفي ينقم على تقديسهم، والطعن فيمن عداهم ممن لم يصوروا لهم ~~بالصورة المناسبة لما وقر في نفوسهم وركز في طبائعهم، وعشش في مخيلاتهم. # وهكذا امتزجت علوم الدين بالمشاغبات والمماحكات. لو بعث الشارع وأصحابه لرأوا الاختلاف ~~بين ما ورد وما صار إليه، مستحكما بعيد الأطراف يصعب الجمع بينهما كما يصعب الجمع بين ~~النقيضين. وماذا أصف من تسريب الجهل إلى العبث بالعقول في تلك القرون. وإنك لترى أثرا من ~~آثاره لهذا العهد عن بعض من فطموا أنفسهم من النظر في المعقولات منا، فترى كلمات التضليل ~~والتكفير والتبديع والتفسيق أسرع إلى أفواههم من الماء إلى الحدور، وتشهد الغر الغمر يتحكم ~~بالجنة فيعطيها لمن يشاء، ويخرج منها من يشاء. فوا رحمتاه على أناس أضاعوا فضل عقولهم في ~~الجدل، ولكم كان الخير يأتي من جهتها لو اشتغلت بالمفيد، ونبذت الأهواء ظهريا، ولكن إذا ~~أراد الله بقوم سوءا رزقهم الجدل ومنعهم العمل. # قلت - فيما سلف: إن علوم الدنيا دخلت في الملة لما رأت من يعضدها من رجال السياسة، وكان ~~ذلك في القرن الأول، بيد أنها لم تنتشر الانتشار المطلوب إلا في القرن الثاني والثالث. ~~شاعت قرنين ثم أخذت تضعف إلى أواخر القرن السابع أيام قل المشتغلون، ولو على طريقة نظرية ~~بعلوم العقل التي لا قائمة لأمة بدونها مهما أخلصت في دينها. وإذا استفتيت تواريخهم تجد ~~المتلبسين ms024 بشعار العلماء لا يعدون في جملتهم ذاك الرياضي والجغرافي، وربما فضلوا عليهما ~~المعمار والثرثار. من أجل هذا نرى المدارس، على تفنن القوم في إنشائها بعد القرون الوسطى، ~~منازل خاصة بالفقيه والمحدث والقارئ، والرباطات للمجذمين المعدمين والكسالى. ولم نجد ~~مدرسة - اللهم إلا بعض مدارس الطب والهندسة - موقوفة على الرياضيين والطبيعيين والفلكيين ~~والمؤرخين؛ كأن علومهم هذه أباطيل لا تصح الإعانة عليها، وحسب الرياضي أن يغضي الفقيه عنه ~~ما دامت الحالة بين هبوط وصعود، والأجود بها أن تدعى سقوطا إلى منتصف القرن الماضي أيام ~~أخذ السلطان عبد المجيد في البلاد العثمانية، ومحمد علي في هذا القطر، يسهلان السبل لهذه ~~العلوم، ويعدان أهلها في مصاف العلماء، وأنشئت المدارس لتعليمها، وغدا المشتغلون بالعلوم ~~الدنيوية حزبا، والمتوفرون على تعليم العلوم الدينية حزبا آخر؛ على أنه لم تحمد عودة تلك ~~العلوم الدنيوية التي سماها بعضهم عصرية، وبعضهم دعاها حديثة؛ لما نتج عنها من حركة كانت ~~أشبه برد فعل ما، ظلت الأمة معها صائما أخذ منه الجوع فلم يجد ما يطعمه، حتى ساقته الأقدار ~~إلى مائدة موسر، وقد حوت ما طاب، وحلا من صنوف الأطعمة والحلواء، فأخذ يلتهم ما وصلت يده ~~إليه بدون ترو؛ يزدرده بلا مضغ، ويمزج بارده بحاره، وحلوه بحامضه، ويؤخر ما يقتضي تقديمه ~~ويقدم ما يحسن تأخيره، ونشأت ناشئة لم تدر من العلم الحقيقي غير قشوره، شربت مصة من مورده ~~ظنتها غاية ما يرتوي به المرتوون، وراحت تعد المروق غاية النور، والإزراء على النبوات من ~~آيات الحكماء، والطعن في الشرائع من عمل الجهابذة النحارير، وإنكار القديم مهما كان نفعه، ~~والتعلق بالحديث مهما ضؤل قائله، من دواعي النهوض والاستنارة؛ وعلى الجملة ينبذون كل ما ليس ~~لهم به علم من تراث أجدادهم، حاسبين الصحيح منه والسقيم في مقام واحد، مماحكين ولو بان لهم ~~الراجح من المرجوح. # يقول فتية اليوم: إنه لا نجاح للأمة إلا بنبذ ذاك القديم مباشرة، والأخذ بهذا الحديث ~~على علاته. وفاتهم أن ما يسوغ في الغرب لا يتم في الشرق، وأن لكل أمة طبيعة ms025 ومنازع لا ~~بد من مراعاتها، وأن إقامة مدينة جديدة في بادية أسهل من إصلاح مدينة قديمة لا غنية عن ~~البناء فيها، وأن من العقل ألا ينبذ ذاك القديم، بل يرجع فيه إلى الأصل القليل، ويؤخذ ~~النافع منه، ويترك ما عدا ذلك من تخريف المخرفين وضلالات المبتدعين، والأخذ من هذا الحديث ~~بالعلم الصحيح الذي تمس إليه الحاجة، وإطلاق الحكم للعقل يعمل عمله في طريقه. # العلم الصحيح هو الذي يبعث صاحبه على عمل النافع ، ولو كان في ذلك ضياع مصلحته الشخصية، ~~فلا يبالي حامله بغضب الرؤساء والزعماء، ولا يستغويه رضى الغوغاء والدهماء، يتجشم المخاطر ~~في نشر خاطر، ويركب كل صعب وذلول لإنارة مظلمات العقول. # العلم الصحيح هو الذي خلص من ضغط الأهواء السياسية والمذهبية، وسلم من التأثيرات ~~والغايات، فلقنه صاحبه بريئا من شوائب النزعات والنزغات، وأثر في نفسه تأثيرا مجردا، ~~فإذا نطق بعده فلا ينطق إلا بما يوحي إليه هاتف الفهم السليم، والعقل الحكيم، فلا يتعصب ~~للآباء والجدود، ومألوفات المحيط، وعادات الأهل والإقليم، ويتحزب لشيخه وأستاذه ولو تجلى له ~~أنهما تنكبا عن طريق الحق. # العلم الصحيح هو الذي يحترم صاحبه به آراء غيره، ولو كانت مباينة لأفكاره كل المباينة، ~~ولا يعدها سخافات وترهات فينكر كل ما لا يعلم ويستكثر ما وعى، ولا يعد حطة عليه أن يتسقط ~~الحكمة أنى وجدها وفي أي المظاهر ظهرت، فيأخذ نفسه بالتعلم ولو شاب وجاوز الثمانين. # العلم الصحيح هو الذي تكون نتائجه أكثر من مقدماته، وفروعه خيرا من أصوله، يأخذ له حامله ~~من نفسه، فلا يتكبر عن إفادة، ولا يستنكف من استفادة، ويسعى إلى بث ما يعرف في كل أفق، ويعد ~~البشر إخوة فلا يقصر في تعليمهم مما علم، يقينه أن صلاح الأفراد سلم للوصول إلى إصلاح ~~الجماعة، والمصلحة العامة هي أبدا موضوع نظر من رزق حظا من هذا العلم. # العلم الصحيح هو الذي يربي الملكات ويهذب النفوس، فلا يستخدم صاحبه علمه أداة للغلبة ~~بالباطل، والإدلال على الأقران، والذهاب بفضل الشهرة والمحمدة الزائلة والتبجح والتنطس، ~~فامنح اللهم ms026 بفضلك هذه الديار شيئا من هذا العلم، وكثر فيها سواد أهله بمنك وحسن ~~تسديدك. # | علاقة العرب بالغرب1 # فأميرنا هو الذي وضع المسألة العربية على بساط البحث، ووجه إليها أنظار العالم الغربي، ~~وكانت مسألتنا من قبل مندمجة في المسألة الشرقية، فميز بصحة عقله بين المسألتين الشرقية ~~والعربية، وأبان للغربيين أن العرب غير الترك، وأننا أمة قوية الشكيمة، يبلغ عددنا أكثر ~~من نصف سكان تلك الإمبراطورية العثمانية المنحلة، وأبعد منهم كعبا في المدنية، وليس لهم من ~~المزايا علينا إلا أن الطالع ساعد ملوكهم الأقدمين، وقاموا بغفلة الدهر عنهم، فأنشئوا ذاك ~~الملك الضخم بقوة سلاحهم الذي لم يبرحوا شاهريه إلى ساعة انهزامهم من بين أظهرنا؛ أي إنهم ~~اكتفوا مدة أربعة قرون باستصفاء البلاد، وما استطاعوا أن يستصفوا القلوب، وشتان بين من ~~يخضع الأجسام الجامدة، ومن يخضع الأجسام الحية. # ربما كان بين أهل الغرب اليوم عدد قليل من الناس لا يثبتون مزية للمدنية العربية القديمة، ~~وهؤلاء ممن أخذوا معلوماتهم عن كتب أملاها المتعصبون منهم، وبعضهم من سكان الأديار الذين ~~ضاقت عن تحملهم، مثل أرض فرنسا، وسويسرا الحرة، ولكن هناك مئات من علماء المشرقيات أخصوا ~~بعلوم الشرق ولغاته، ولا سيما بسيدتها اللغة العربية، فدرسوا الحضارة العربية والتاريخ ~~العربي في مظانه وبلغته، وأزالوا غشاوة الأوهام عن العوام بما أنشئوه من المجلات، ونشروه من ~~الكتب بلغاتهم المختلفة، يبينون للناس مجد هذه الأمة الغابر، وأيامها الغر المحجلة، وربما ~~كان منهم المتعصب للعرب وتحبيذ دولهم السالفة أكثر من تعصبه لمدنية الأمم الحديثة، وهؤلاء ~~هم الذين يخدمون العلم للعلم، لا يتبعون فيه على الغالب هوى النفوس في السياسة، ولا سلطان ~~للأديان تمليه على ضمائرهم. # ومن قرأ دائرة المعارف الإسلامية التي لا تزال تصدر إلى اليوم في مطبعة ليدن من عمل ~~هولاندة بلغات العلم الثلاث: الإنكليزية والألمانية والفرنسوية، وهو أصح كتاب كتب في تاريخ ~~بلاد العرب وجغرافيتها، وتراجم رجالها وأصول شعوبها، ومن عرف أن أمهات كتبنا في الدين ~~والعلم والتاريخ لا تزال تطبع في مطابع الغرب من زهاء أربعمائة سنة؛ أي ms027 على أوائل عهد ~~اختراع الطباعة، وأن المطبوع منها بالعناية الفائقة تتألف منه خزانة كتب كبرى تحتوي على ~~كل فن ومطلب، وأن ما طبع من أسفار أسلافنا في أوروبا وأميركا على أيدي المستشرقين من أهل ~~تينك القارتين يبلغ أضعاف أضعاف ما طبع بلغات الشرق كله؛ من عرف كل هذا يدرك ولا جرم مبلغ ~~عناية الإفرنج بلغتنا ومدنيتنا وتاريخنا. # أكدوا - أيها السادة - أن تفسير القرآن الكريم يقرأ درسا على طلاب الجامعات في الغرب، ~~كما تقرأ دروس الفلسفة والتاريخ والأدب، وما أنس لا أنس، وقد دعاني في بودابست الأستاذ ~~غولد صهير العلامة المجري إلى داره، وهو يقول: إني الآن ذاهب إلى الكلية لإلقاء درسي وأعود ~~إليك بعد مدة، فسألته ماذا تقرأ الآن لتلاميذك يا أستاذ، فقال: تفسير القرآن. وأغرب من هذا ~~ما ذكره لي صديقي العلامة أحمد زكي باشا المصري، قال: دخلت على الأستاذ درانبورغ في مدرسة ~~اللغات الشرقية الحية، فرأيته إسرائيليا يدرس كتاب المسلمين لجماعة من المسيحيين. أما ~~الحديث والفقه والأصول والتصرف فهو أيضا مما يعانونه، كما يعانون غيره من آدابنا وتاريخنا ~~وعلومنا. ورجال الإفرنج يدركون حقيقة العرب وعلومهم منذ توطد سلطان الأمويين في الأندلس، ~~وأخذ بعض المتنورين منهم يدخلون تلك المملكة العربية ويدرسون العلوم على علمائها، ويعودون ~~إلى فرنسا وإيطاليا ينشرونها بين قومهم. وكان بعض المشتغلين على علماء العرب من ~~الإسرائيليين، وبعضهم من المسيحيين الذين تولوا بما تعلموه أعظم منصب ديني في النصرانية، ~~وكأن الله سخر العرب ليفتحوا الأندلس ويعمروها؛ حتى ينقلوا لأهل أوروبا العلم والحضارة، ~~ولما أنهوا مهمتهم عادوا أدراجهم من تلك المملكة البديعة. # امتاز المسلمون بإحسانهم إلى من خالفهم إذا كان مما تحمد سيرته السياسية والوطنية؛ ولذلك ~~حموا الإسرائيليين مواطنيهم في الأندلس، ويوم أخرجوا منها فكروا في حماية الإسرائيليين ~~ومصالحهم، كما نظروا في حماية أبناء دينهم، اشترطوا على الغالب شروطا تقيهم بأسه، وكان ~~الإسرائيليون إذ ذاك في الغرب مضطهدين في كل مكان إلا في الأندلس، وكم استمتع ~~الإسرائيليون بحريتهم على عهد العرب في الأندلس على صورة لم يعد لهم ms028 مثلها إلا في القرن ~~الأخير في أوروبا. # حمى العرب الإسرائيليين في الغرب كما حموهم في الشرق، واعتمدوا عليهم في مصالح الدولة؛ ~~لأن الإسرائيليين كانوا إذ ذاك يعضدون الحكومة التي تحكمهم كما هو اليوم في إيطاليا، حيث ~~كان لهم القدح المعلى في قيام الوحدة الإيطالية منذ نحو خمسين سنة، وكان لهم من النفوذ ~~الاقتصادي العظيم ما خدموا به الوحدة، وأخلصوا لها وخدموا سياسة إيطاليا، حتى أصبح منهم ~~الولاة ورؤساء النظار وكبار العمال # 2 # لا ينازعهم منازع؛ وذلك لأن الإسرائيلي في إيطاليا إيطالي أولا، ثم إسرائيلي ~~خلافا لما عليه سائر الممالك. # ولو لم يكن حكم العرب في الأندلس إلى اللين والعدل ما دام ثمانية قرون، وكذلك حكمهم في ~~جزائر صقلية، وسردانية، ومنورقة، وميورقة، وقرسقة، وغيرها من جزر الطليان. وكان اختلاط ~~العرب بالأمم اللاتينية ولا سيما بالبرتغاليين والإسبانيين والفرنسيس والطليان؛ ولذلك تجد ~~في لغات هذه الأمم مئات من الألفاظ العربية، ولم ير الإيطاليون أن يغيروا شيئا من ~~مصطلحات العرب، حتى إن الملك رجار الذي عاد فاستولى على صقلية سنة 845 كان يتكلم ~~بالعربية، ومثله كثير من ملوك إيطاليا، وكان يفضل كثيرا على علماء العرب، وهو الذي وضع له ~~الشريف الإدريسي الجغرافي كرة أرضية بالفضة، كانت من أعاجيب القرون الوسطى دهشت لها أجيال ~~الإفرنج كلهم. # 3 # وكانت دراسة العربية شائعة في شبه جزيرة إيطاليا، ينظر إلى تعلمها أنه من الحاجات الماسة ~~لكل تجار المدن البحرية، وقد وضع أحدهم سنة 1265م باللغة العربية كتاب المعاهدة التجارية ~~بين تونس وجمهورية بيزا، وظلت العربية مألوفة في عدة أماكن من إيطاليا الجنوبية عقيب احتلال ~~العرب صقلية، فكانت في بلاط نورمانديا، وهوهانستوفين، وفريدريك الثاني، ودي منفروا لغة ~~العلم العالي والشعر والأدب، وكان من سقوط الدولة البيزنطية في القسطنطينية وهجرة علماء من ~~اليونان إلى إيطاليا، وكثير من نصارى الشرق واختراع الطباعة وقيام الإصلاح الديني، أن هبت ~~في أرجاء إيطاليا حركة النهضة العلمية التي تجلت في أجمل مظاهرها في الدروس الشرقية، ولا ~~سيما في دروس العربية والإسلام. # وشاعت في القرون الوسطى ms029 في أوروبا # 4 # لغتان فقط من لغات الشرق بين العلماء، وهي اللغة العبرانية التي كانت تعتبر ~~لغة الإنسانية الأصلية، واللغة العربية التي كانت مهمة؛ لكثرة البشر الذين يتكلمون بها؛ ~~ولشهرة فلاسفة الإسلام أمثال، ابن رشد، وابن سينا، وابن زهر، والفارابي؛ لذلك أنشئ في باريز ~~منذ أواسط القرن الثالث للميلاد درس عام لتدريس اللغة العربية، وفي سنة 11م شرع في باريز، ~~وأكسفورد، وبولون، وفلمنكة بتدريس العربية مع العبرانية والكلدانية، وكان لأسرة ميديسيس ~~الإيطالية فضل على الآداب العربية، كما لها الفضل على الشعر والموسيقى والتصوير ~~والهندسة. # ثم إن الإفرنج زاد اختلاطهم بالعرب في الحروب الصليبية، فإن هذه وإن كلفت أمم أوروبا ~~ملايين من الأنفس والأموال، إلا أن أهلها عادوا منها بعد جهاد نحو قرنين، وقد لقنوا ~~أمورا كثيرة من العرب أثرت في حضارتهم وأخلاقهم وعلومهم وصناعاتهم؛ لأنهم شاهدوا أمة أرقى ~~منهم إذ ذاك، فأخذوا عنها ما اتسعت له أوقاتهم، وكانوا على اختلاط تام مع الأمم التي ~~يحاربونها. # وبينا كان السيف والنشاب والمجانيق تعمل عملها بين الفريقين، كان تجار الإفرنج يدخلون ~~بلاد العرب ويتجرون على الرحب والسعة، لا ينازعهم منازع، فأعجب بهذه الأخلاق مؤرخو الحروب ~~الصليبية منهم وأقر بمنافعها لهم أهل الأجيال الخالقة، وفي مقدمتهم ميشو في تاريخ الحروب ~~الصليبية، وقد ذكر على تعصبه أشياء كثيرة مما أخذه الإفرنج عن العرب، دع مئات من كتاب الغرب ~~وباحثيهم ذكروا في كتبهم ومقالاتهم كثيرا مما استفادته أجيال الفرنجة، وغيرهم من امتزاج ~~الصليبيين بالعرب، وقد أدهشهم ما شهدوه من عدل صلاح الدين يوسف بن أيوب - رحمه الله - حتى ~~ادعى شاعره عبد المنعم الجلياني أنهم رسموه في هياكلهم فقال: # وخطوا بأرجاء الهياكل صورة # لك اعتقدوها كاعتقاد الأقانم # يدين لها قس ويرقى بوصفها # ويكتبه يشفى به في التمائم # وإن ما نقرؤه في تاريخ شواطئ البحر الأبيض حيث ينزل العرب من مراكش بالجزائر، فتونس، ~~فطرابلس، فبرقة، فمصر، فسورية من وقائع حدثت في أزمان مختلفة بين العرب، وبين البنادقة، ~~والجنويزبين، والبيزين، والإسبانيين، والبرتغاليين لا تطعن في حسن الصلات بين العرب ms030 ~~وجيرانهم على الشاطئ المحاذي لهم من هذا البحر؛ لأن هذه الغزوات البحرية كانت بصنع قراصين ~~ومتشردين وغاغة ظالمين، لا دخل فيها للأمم ولخاصتها على الأقل، ولا سلطة فيها للأديان؛ لأن ~~الأديان كلها تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، ومن أعظم المنكرات فيها قتل النفس التي حرم ~~الله؛ ولذلك تجد المعاهدات تعقد الحين بعد الآخر بين صاحب تونس، أو مصر، أو الشام، أو ~~الغرب الأقصى، وبين الملوك النازلين من الإفرنج في جنوبي أوروبا، وهذه الغزوات البحرية أشبه ~~بالغزوات البرية التي طالما حدثت لها أمثال بين الأمة الواحدة من الإفرنج أو الأمة الواحدة ~~من العرب. # ولطالما غزا سكان جنوبي فرنسا سكان شمالها ودينهم واحد، ولسانهم واحد، وعاداتهم وتقاليدهم ~~متقاربة، ولم يتيسر نزع هذا الخلق، وهو من أخلاق البداوة في الغالب إلا بما قام في فرنسا ~~من الأعمال المالية التي ربطت ابن الشمال بابن الجنوب برباط معنوي مادي، فارتفعت الخصومات ~~من بينهما؛ لأن المصلحة المادية مفضلة على كل شيء، فقد قال الجاحظ: «وليس يكون أن تصفو ~~الدنيا وتنقى من الفساد والمكروه، حتى يموت جميع الخلاف وتستوي لأهلها، وتتمهد لسكانها على ~~ما يشتهون ويهوون؛ لأن ذلك من صفة دار الجزاء وليس كذلك صفة دار العمل.» # قال الكونت هنري دي كاستر في كتابه الإسلام خواطر وسوانح: ولقد زادت محاسنة المسلمين ~~للمسيحيين في بلاد الأندلس، حتى صاروا في حالة أهنأ من التي كانوا عليها أيام خضوعهم لحكم ~~قدماء الجرمانيين الذين يقال لهم الفيزيغوت، ويقول دوزي: إن هذا الفتح لم يكن مضرا ~~بالأندلس، وما حصل من الاضطراب والهرج بعده لم يلبث أن زال باستقرار الحكومة المطلقة ~~الإسلامية في تلك البلاد، وقد أبقى المسلمون سكانها على دينهم وشرعهم وقضائهم، وقلدوهم بعض ~~الوظائف حتى كان منهم موظفون في خدمة الخلفاء، وكثير منهم تولى قيادة الجيوش مثل «سيد»، ~~وتولد عن هذه السيادة الرحيمة أن انحاز عقلاء الأمة الأندلسية إلى المسلمين، وحصل بينهم ~~زواج كثير، وكم من أندلسي بقي على دينه، ولكنه أعجبته طلاوة التمدن العربي فتعلم اللغة ~~وآدابها، وأصبح القسس يلومونهم ms031 على ترك ألحان الكنيسة، والتعلق بأشعار الفاتحين. وكانت حرية ~~الأديان بالغة منتهاها؛ لذلك لما اضطهدت أوروبا الموسويين لجئوا إلى خلفاء الأندلس في ~~قرطبة، ولما دخل الملك كارلوس إلى سرقسطة أمر جنوده بهدم جميع معابد اليهود ومساجد ~~المسلمين، قال: ونحن نعلم أن المسيحيين أيام الحروب الصليبية ما دخلوا بلادا إلا ~~وأعملوا السيف في يهودها ومسلميها، وذلك يؤيد أن اليهود إنما وجدوا مجيرا وملجأ في ~~الإسلام، فإن كانت لهم باقية حتى الآن، فالفضل فيها راجع لمحاسنة المسلمين ولين جانبهم. ~~ا.ه . # وقال سيديليو في كتابه حضارة العرب: مما يدل على شأن الأمة العربية أنها فتحت بلادا ~~أجنبية، ولم يتغلب عليها غريب، مع اتصافها منذ أربعة آلاف سنة بما انفردت به من جميل ~~الأخلاق والعادات، فكانت منذ نشأة أقدم الدول مدبرة لأمورها، متأهبة للإغارة على مجاوريها؛ ~~أخذت مملكتي مصر وبابل قبل الميلاد بتسعة عشر قرنا، ثم أخذ منها ما ملكته من البلاد ~~الأجنبية، وانحصرت سطوتها في بلادها العربية، فأخذت تقاتل الفراعنة وملوك العراق، ونجت من ~~تسلط قورش ملك الفرس وإسكندر المقدوني، وبقيت على استقلالها زمن أخذ الرومان الدنيا ~~القديمة، ثم أتى النبي فربط علائق المودة بين قبائل جزيرة العرب، ووجه أفكارهم إلى مقصد ~~واحد فعلا شأنها، حتى امتدت سلطتها من نهر التاج في إسبانيا والبرتغال إلى نهر القانج في ~~الهند، وانتشر نور المعارف والتمدن في المشرق والمغرب، وأهل أوروبا إذ ذاك في ظلمة جهل ~~القرون المتوسطة، وكأنهم نسوا نسيانا كليا ما وصل إليهم من أحاديث اليونان والرومان. ~~واجتهد العباسية ببغداد، والأموية بقرطبة، والفاطمية في القاهرة، بترقية الفنون، ثم تمزقت ~~ممالكهم، وفقدوا شوكتهم السياسية، واقتصروا على السلطة الدينية التي استمرت لهم في جميع ~~أرجاء ممالكهم، وكان لديهم من المعلومات والصنائع والاكتشافات ما استفاده منهم نصارى ~~إسبانيا حين طردوهم منها، كما أن الأتراك والمغول بعد تغلبهم على ممالك آسيا استفادوا ~~معارف من تغلبوا عليهم. ا.ه. # وبعد، فإن أمة هذا ماضيها وهذا حاضرها كيف يجهل بعضهم أو يتجاهلون أمرها؟! وهي التي كانت ~~الصلة والعائد بين المدنية القديمة ms032 والمدنية الحديثة، ولولا العرب لتأخرت نشأة الحضارة ~~الغربية قرونا، كما أكد بعض المنصفين من علماء الغرب. فإذا كان ماضينا ما رأيت، وفي حالتنا ~~الحاضرة بعض النواقص جاء لنا من الحكم الاستبدادي الذي نخر العظم قرونا طويلة، فإننا لا ~~يصح إلا أن يقال عنا اليوم كما وصفنا رئيس الكلية الأميركية الدكتور هوردبلس في مؤتمر ~~الصلح: أمة كسائر الأمم فينا من العيوب ما في غيرنا، أما استعدادنا للرقي إذا رفعت عن ~~عيوننا العصائب، فقد أثبته رجالنا الذين تعلموا وتهذبوا ، فكانوا في مصر والسودان وفي أميركا ~~وأوروبا على مستوى الغربي الراقي في علمهم وآدابهم ومتاجرهم وصناعاتهم، وأثبته دعاة الثورة ~~العربية وما ظهر من تفانيهم في وطنيتهم لإرجاع مجد أمتهم بعد ذبوله. # وإليك مع هذا ما ذكره غستاف لوبون - صاحب كتاب مدينة العرب - في كتابه علم النفس السياسية # 5 # في باب الأسباب النفسية: ألق بالمدينة الأوروبية عن تحويل الشعوب المنحطة عن ~~حالتهم قال: «لا تعمل التربية إلا أن تلخص المدنية، والأوضاع والمعتقدات تمثل حاجيات هذه ~~المدنية، وإذا لم يكن بين المدنية وأفكار شعب وعواطفه اتصال، فإن التربية التي تؤلف هذه ~~المدنية لا يكون لها تأثير فيه، وكذلك الحال في الأوضاع المناسبة لبعض الحاجات فإنها لا ~~تطابق الحاجات المختلفة، ويدرك المرء بأدنى نظر الفرق بين عقول أمم الشرق، ولا سيما ~~المسلمون والهنود الصينيون، وبين عقول أهل الغرب، فيجده عظيما بحيث يتعذر تطبيق أوضاع بعضهم ~~على الآخر، فإن الأفكار والمناحي والمعتقدات وطرق العيش تختلف بين الفريقين اختلافا ~~ظاهرا. # فبينا نرى أمم الغرب تشتد كل يوم في نزع مؤثرات الأجداد نجد الشرق يعيش بماضيه إلا ~~قليلا، فالمجتمعات الشرقية ثابتة في عاداتها، وهي في الشرقيين خالدة على صورة ليست لها في ~~أوروبا اليوم، فإن المعتقدات التي أضعناها يعنون هم بالاحتفاظ بها جد الاحتفاظ، والعائلة ~~التي تقوضت من أساسها في الغرب لم تبرح متينة الدعائم في الشرق على نحو ما كانت منذ أبعد ~~عصور التاريخ، والمبادئ التي فقدت من تأثيرها فينا أصبحت محافظة على تأثيرها فيهم. غاية ~~الشرقيين قوية ms033 جدا، وحاجاتهم ضعيفة كل الضعف، وغاية الغربيين غير أكيدة، وحاجاتهم عظيمة ~~جدا، فإن الدين والأسرة والسلطة العالية والعادات، وجميع هذه الأسس القويمة في المجتمعات ~~القديمة التي نزعها الغرب من أصولها، قد احتفظت بنفوذها في الشرق، ولا من منازع لها؛ وذلك ~~لأن الاهتمام بالاستعاضة عنها لم ينفذ بعد إلى عقول الشرقيين. ويتجلى الفرق الفاحش بين ~~الشرق والغرب من أوضاعهما، فإن جميع الأوضاع السياسية والاجتماعية في الشرقيين، عربا كانوا ~~أو هنودا، تنبعث خاصة من معتقداتهم الدينية، على حين نرى أكثر الشعوب الأوروبية تدينا قد ~~فصل منذ زمن طويل بين الأوضاع السياسية والمعتقدات. # ليس في الشرق قانون مدني، بل هناك قانون ديني فقط. وكل جديد مهما كان نوعه لا يقبل إلا ~~على شرط أن يكون نتيجة قواعد لاهوتية. وليس الاختلاف بين الغربيين والشرقيين في تركيب ~~العقول والأوضاع والمعتقدات فقط، بل في أدنى أسباب الحياة، ولا سيما في بساطة الحاجات ~~بالنسبة إلى تشعب حاجاتنا، فإن مطالب الحياة عندهم قليلة جدا إذا قيست بمطالبنا ~~وتشعباتها؛ ولذلك يلقى الشرقي إذا قبل المدنية الأوروبية؛ لأنها تلزمه بأمور لا يستطيع ~~تطبيقها، ولا تستلزمها حالته وبيئته، فتقضي فيه على ما وردته من ماضيه وتتركه لا يعرف كيف ~~يستقر أمام الحاضر. # والنتيجة القطعية الوحيدة من التعليم الأوروبي سواء كان في الزنجي أو الهندي، هو أن ~~تتبدل الصفات الإرثية فيه دون أن تتمكن من إبلاغ التربية الأوروبية إليه، وقد يحصل الشرقي ~~على قطع من الأفكار الأوروبية، ولكن انتفاعه بها يكون بعواطف وأفكار وحشية أو نصف متحضرة، ~~وتتقاذف عقول الشرقيين آراء متضاربة ومبادئ في الأخلاق متعارضة، ولا يخدعنا هذا الطلاء ~~الضعيف الذي يظهر فيه الشرقي إذا لقف شيئا من التربية الأوروبية، فإن ذلك أشبه بالألبسة ~~الموقتة في دور التمثيل لا يجب أن ينظر إليها عن أمم. # قال: ولقد حدثت مئات من المرات أناسا من أدباء الهنود تخرجوا في جامعات إنكلترا أو ~~الغرب، فثبت عندي أن بين أفكارهم وأفكارنا، ومنطقهم ومنطقنا، وعواطفهم وعواطفنا، فروقا ~~واسعة المدى وهوى سحيقة بعيدة. وليس معنى هذا أنه ms034 يستحيل على الشرقي أن يكون كالأوروبي حذو ~~القذة بالقذة، كلا، فإن الشرقي يكون كالغربي، ولكن بعد تعاقب الدهور والأعصار؛ كما وقع ~~لأجدادنا، فإنهم ظلوا نحو ألف سنة يتخبطون في حالة التذبذب والتوحش، حتى تأصل فيهم حب ~~المدنية القديمة والأخذ منها. وقانون النشوء الاجتماعي كالنشوء الطبيعي لا بد من أن ~~يستوفي حظه. # والسبب المهم في أن مدنيتنا عاجزة عن الوصول إلى الشعوب المنحطة، هو أنها متشعبة مركبة، ~~والشرقيون أمم من السذاجة أقرب، فاقتضت لهم البسائط، فإنا نرى المدنية الإسلامية وما أثره ~~المسلمون في الشرق، ولا يزالون يؤثرونه قد نجحت في هذا المعنى؛ ذلك لأن الأمم التي دانت ~~للإسلام كانت أو هي في الغالب شرقية لها من العواطف والحاجات والعادات في الحياة، ما ~~يماثل عواطف الفاتحين وحاجاتهم وعاداتهم. وليس في قبولهم أصول المدنية الإسلامية ما يتنافر ~~مع حاجتهم. وعلى العكس، إذا صحت عزيمتهم على الأخذ بالمدنية الغربية فإنها تدك بنيان ما ~~تعودوه بما فيها من الاختلاط والارتباك. ~~••• # قال: وقد زعم المؤرخون أن التأثيرات العلمية والأخلاقية العجيبة التي أثرها المسلمون في ~~الأرض كانت بفضل مادياتهم، ولكن لا يصح اليوم أن نجهل بأن هذه المؤثرات قد دامت في مجراها، ~~حتى بعد أن أضاع المسلمون نفوذهم السياسي، فإن المسلمين في الصين يزيدون اليوم على 20 ~~مليونا، وفي الهند على خمسين؛ أي إن سوادهم أوفر من العهد الذي بلغت فيه دولة المغول ~~أرقى درجات عزتها ومنعتها، ولا يزال هذا العدد في نمو. إن المسلمين بعد الرومان هم الأمة ~~الممدنة الوحيدة التي نجحت في نقل تهذيبها الاجتماعي ودينها وأوضاعها وعلومها إلى العناصر ~~المختلفة التي افتتحتها وتسربت بينها. هذه التأثيرات لا تضمحل، بل نراها على العكس آخذة ~~بالنمو، تتعدى الحدود التي بلغتها في أيام القوة المادية. إن القرآن وما اشتق منه هو إلى ~~الفطرة بحيث يلتئم مع حاجات الشعوب الأولية، حتى إن قبوله آخذ حكمه على مر الدهور لا ~~يعوقه عائق. وحيث ينزل المسلمون ولو كانوا تجارا سذجا تدخل أوضاعهم ومعتقداتهم، وكلما ~~توغل الرواد من أهل المدنية الحديثة ms035 في صميم أفريقيا شاهدوا قبائل تنتحل الإسلام. والمسلمون ~~الآن يمدنون قبائل أفريقيا على نحو ما يستطيعون، ويجاهدون في تلك القارة الغريبة، على حين ~~يطوف الأوروبيون في الشرق فاتحين كانوا أو متجرين ولا يتركون وراءهم أثرا لنفوذ ~~أدبي. # فلا التربية ولا الأوضاع ولا المعتقدات ولا غير ذلك من الأسباب التي يتذرع بها ~~الأوروبيون للتأثير في الشرق تفيد في تمدينه؛ ولا سيما في الشعوب المنحطة منه. وحالة ~~اليابان لا تقوم دليلا على نقض هذه القضية؛ لأن اليابان وقد بلغت درجة راقية في المدنية، ~~كان السبب في تمدنها أنها قبلت نتائج المدنية الغربية بجملتها دفعة واحدة، فلم تغير في ~~الحقيقة قوانينها الأساسية ولا معتقداتها ولا أخلاقها، فهي تشبه شريفا من أرباب الإقطاعات ~~عاد إلى الحياة بعد موته، فتعلم استعمال القاطرات وإطلاق المدافع.» # هذا رأي الفيلسوف غستاف لوبون في مدنيتنا وحالتنا الاجتماعية، وتأثرنا بالمدنية الغربية ~~وصلاتنا مع أهلها وصلاتهم معنا. وهو - كما ترون - صحيح من أكثر وجوهه، لا شائبة للتعصب ~~والتقاليد فيه. وقد حمد حالتنا من حيث تكوين الأسرة والبيوت والسذاجة، وعسانا اليوم وقد زاد ~~اختلاطنا بالغرب لا نأخذ منه إلا ما تمس حاجتنا إليه، ونبقي على القديم النافع، فقد قيل: ~~إن القوة الحقيقية في كل مملكة ما عرفت به من الأخلاق الطبيعية. وتقليد الأجانب على أي ~~صورة كانت عار على الوطنية. # لم يخل عصر من العصور من اختلاط العرب بالغرب، سواء كان بطرق الفتح أو التجارة، أو طلب ~~العلم، أو للجوار، وقد قصد أوروبا كثير من رجالنا منذ زهاء عشرة قرون، وكذلك الأوروبيون ~~وصلوا إلى بلادنا منذ القديم. وكان الطليان أسبق الأمم إلى هذا الاختلاط - كما رأيتم - ومع ~~أنه على أتمه ولا سيما منذ استولى نابليون على مصر وجانب من الشام، لم يبرح الشرق شرقا ~~والغرب غربا؛ أخذوا منا وأخذنا منهم، ولكن ما أخذوه عنا مزجوه في حضارتهم، وكذلك كانت حالنا ~~معهم، وما اقتبسناه من نور علومهم وأساليب تربيتهم في القرن الماضي وهذا القرن. # ولا غضاضة علينا إذا وقفنا معاشر العرب مع الغرب ms036 عند حد الأخذ من حضارته وعاداته؛ فإن ~~التخوم إذا تناءت تختلف أهويتها وطباع أهلها، فما يفيد من القوانين هنا لا يطبق على سكان ما ~~وراء النهر مثلا، وما ينفع سكان الأرجنتين لا يتأتى تطبيقه على أهل الصين. # ومن أسرار هذا الكون أن كل أمة تحرص على سلطانها ولسانها وأوضاعها، وتدافع عنها جهدها. ~~والوقائع التاريخية الكبرى تظهر آثارها في الأمم حتى بعد قرون، فغارات الصليبيين والتاتار ~~على هذا الشرق الأقرب أثرت فيه قرونا، وغارات العرب على أوروبا أثرت فيها، بحيث يشهد ~~التاريخ أن العرب يوم زحزحوا عن بواتيه في فرنسا على يد شارل مارتل هم غيرهم يوم جلوا عن ~~أرض الأندلس. # إذا كان الاختلاف طبيعيا بين أهل قطرين لسان كل منهما يختلف عن صاحبه، أما العادات ~~والتقاليد فواحدة إلا قليلا، أفلا يكون أشد بين أمم متباعدة في معظم مشخصاتها ومقوماتها؟ ~~ونضرب لذلك مثال أمتين حيتين في الغرب: البلجيك وسويسرا، وهما مملكتان صغيرتان أدهشتا ~~العالم بمدنيتهما ووطنيتهما وحريتهما، ولم يمنع اختلاف العناصر فيهما من اتفاق كلمة كل ~~منهما على الثاني في حب الكمال، بحيث أصبح في أهلها عادة وجبلة، وغدتا نموذجا ينقل عنه حتى ~~أرقى شعوب أوروبا كعبا في المدنية من مجاوريهما؛ كما هو الحال في البلجيك، فإنها بين ثلاث ~~ممالك هي مصدر لمدنية: إنكلترا وفرنسا وألمانيا، وسويسرا وهي بين أربع: ألمانيا وفرنسا ~~والنمسا وإيطاليا، وكل هذه الممالك الكبرى تغبط تينك المملكتين الصغريين على أوضاعهما ~~واستعدادهما. بلاد البلجيك مؤلفة من عنصرين مختلفين في الأصل، وهما العنصر الغلاندري أو ~~الفلامندي سكان الشمال، والعنصر الفالوني سكان الجنوب، وهم فرنسيس يجيدون التصوير والآخرون الموسيقى، # 6 # ولكن بلاد الموسيقى لا تحملهم، فتقبلهم فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا، وحال ~~البلجيك مع الدول المجاورة حال سورية مع غيرها على عهد الأتراك، فقد كانت هذه البلاد تضيق ~~على رحبها بأبنائها، فيهاجرون إلى القارات الخمس في طلب الرزق، ولكن أين مساحة بلاد البلجيك ~~من مساحة بلادنا؟ # 7 # والنزاع بين الفلامنديين والفالونيين على أتمه بشأن اللغة، فتجد الفلامنديين سكان ~~الفلاندر من أحرص ms037 الأمم على لسانهم، وقد حاولت البلجيك بعد سنة 1830 أن تفنلس الفلاندر، ~~فثارت هذه على كل ما أريدت عليه، ولم تستطع ذلك، بل احتفظت بروحها، وأخلاقها، وأفكارها، ~~وتقاليدها، وعواطفها، وأساليب تصورها، قال شاريو: الأمة بلغتها، وما من أمة بدون لغة. ولذلك ~~تجد الجدال قائما قاعدا في فنلندا، وبولونيا، والنمسا، والمجر، وسويسرا، وإسبانيا، بل وفي ~~كل مكان في هذا الشأن. # دعا نابليون الأول أرض بلجيك بأنها ساحة حروب أوروبا، وسماها اليزمركلو ساحة اختبار ~~أوروبا، وسماها بعضهم مغرس بقولها، كما سموا الأندلس حديقة زهرها ، وكما أصبحت سويسرا بالعلم ~~مصيف أوروبا ومشتاها. # قلنا: إن اللسان منبع الخصام بين كثير من الأمم المختلطة العناصر، ومع أن في سويسرا ~~ثلاثة عناصر: وهي الألماني، والفرنساوي، والإيطالي، وأربع لغات: وهي الألمانية، والإفرنسية، ~~والإيطالية، والرومانشية، فإنها أشبه بفسيفساء من الشعوب، تلاقت وامتزجت وتعاشرت، ونشأت من ~~هذه العناصر الممزوجة روح سويسرية؛ أمر غريب لم يعهد له نظير في أمة من الأمم، وأغرب منه ~~أن ثلاثة من فلاحي سويسرا يؤسسون هذه الجمهورية السعيدة منذ عشرة قرون، فتبلغ بالعلم هذه ~~الدرجة من الرقي، وما أظن في الأرض أمة سعدت بحكومتها كالأمة السويسرية، ولا شعبا أكثر ~~لطفا من أهلها وهم في غناهم واقتصادهم يعلمون الأمم الغنية المقتصدة. وكان امتزاج الفكر ~~الجرماني بالفكر اللاتيني من آكد الأسباب في هذا التركيب الغريب، فأخذ السويسري عن الألماني ~~صفات التدين والرزانة والشعور بالتضامن، والنظام والثبات، والرغبة في الماديات والحقائق، ~~واقتبس من العنصر اللاتيني تقاليد البشاشة والأدب، وصحة الحكم، وحسن التقليد والظرف، ولم ~~تصبح سويسرا جمهورية، بل فسيفساء مؤلفة من عدة جمهوريات صغرى، ملونة براقة غريبة في حجمها ~~ونظامها وأفكارها وأخلاقها السياسية. # 8 # هذا مثال من تشدد الأمم حتى الصغرى منها في عادتها ولسانها، فأحر بالعرب أن يحافظوا على ~~شخصياتهم، وكانوا في القديم أشبه بأمة الرومان يفتحون البلاد ويدخلون إليها من عاداتهم ~~وأخلاقهم ما هو في استطاعتهم، ويأخذون عنها ما ينفعهم وما لا غنى لهم عنه، فأصبحت بلادهم ~~مهد الوطنية السياسية في أيامهم، كما هي الحال اليوم ms038 عند الأمم التي عظمت فيها الحكومة، ~~وانحصرت السلطة في رءوسها، وأعظم مثال لها الأمم الفرنسوية، والألمانية، والروسية، ~~والطليانية، والإسبانية، كما قال ديمولان في كتابه سر تقدم الإنكليز السكسونيين: وكل أمة في ~~القديم والحديث تأخذ من غيرها ما يناسبها، أو تدخله الأحوال في روحها وجسمها على غير شعور ~~منها، فإنا شاهدنا في الأوروبيين مثالا مجسما من هذا المعنى. # قال جول هوري: # 9 # يمكن إرجاع الأمم الرئيسة في أوروبا إلى ثلاثة عناصر مختلفة: العنصر اللاتيني، ~~والعنصر الجرماني، والعنصر الإسكلافوني. فالعنصر اللاتيني هم الطليان، والفرنسيس، ~~والإسبانيون، والبرتغاليون ، وقد ورثوا من الرومان مدنيتهم ولسانهم، والألمان، والسويسريون، ~~والإنكليز، والسويدان، والدانمركيون، والهولانديون هم من الشعوب التويونية، والروس ~~والبولونيون هم من الشعوب الإسكلافونية. وإن الأمم التي كان تهذيبها العقلي من أصل ~~لاتيني، هي أعرق في المدنية من غيرها، ورثت، إلا قليلا، من ذكاء الرومان ومهارتهم في إدارة ~~أعمال هذا العالم، وقبل أن تتأصل فيهم النصرانية قاموا بإنشاء معاهد اجتماعية بنيت على ~~أساس الوثنية. # ولما جاءت أمم الشمال تفتح بلادهم قبلت هذه الأمم أخلاق البلاد التي افتتحتها، قال: وهذه ~~الملاحظات تختلف، ولا شك باختلاف الأهوية والحكومات والحوادث التاريخية، فقد أثرت سلطة ~~الكنيسة مثلا في إيطاليا آثارا لا تمحى، وكان من نتائج الحروب الطويلة مع العرب أن قويت ~~العادات العسكرية، وفكرة الإقدام على العظائم في الإسبانيين. ويقال بالإجمال: إن هذا ~~الجزء من أوروبا الذي اشتقت ألسنته من اللسان اللاتيني وامتزج منذ الزمن الأطول بسياسة ~~رومية، تقرأ في صفحاته آثار مدنية قديمة كانت فيما مضى وثنية، وإذا كانت الأمم الجرمانية ~~قاومت سلطة الرومان لم تتشبع بالمدنية إلا مؤخرا، دخلتها من طريق انتشار الديانة ~~المسيحية، فلم تلبث في الحال أن انقلبت من نوع من البربرية إلى مجتمع مسيحي. أما مدنية ~~الإسكلافونيين فهي أحدث المدنيات وأسرعها من سائر مدنيات الشعوب؛ ولذلك لا تزال ترى فيها ~~حتى اليوم آثار النقل والاحتذاء، وتفقد فيها صفات الإبداع والاختراع. ~~••• # ولو شئنا أن نعدد الأمثلة من هذا القبيل، لأصاب نفوس الحضور سأم، ولكن اكتفينا بما ~~أوردنا على ms039 مسامعكم برهانا على تمازج أجدادنا العرب بأهل الغرب، تمازجا حمد الإخلاف ~~عاقبته، وإن جمودنا عن الأخذ بكل ما في مطاوي مدنيتهم من الأوضاع أمر طبيعي يعد في باب ~~حبنا لوطنيتنا. وإذا كانت أوروبا ظلت تتسكع في دياجي الجهالة قرونا حتى صحت نيتها على ~~اقتباس المدنية القديمة الرومانية واليونانية والعربية، أفلسنا نحن أسرع منها خطى! ولقد ~~رأيتنا في قرن أو بعض قرن اقتبسنا طرفا صالحا لا يستهان به من علوم الغرب وقوانينه في ~~ترتيباته ومصطلحاته. وهاك الآن جملة لإمام العرب في العقل والعلم أبي عثمان عمرو بن بحر ~~الجاحظ - رحمه الله - فهي فصل الخطاب في هذا الباب، استمعوا إليها بقلوبكم، فإنها مثال ~~العلم الناضج منذ أحد عشر قرنا، وأنموذج البيان العربي، أذكرها لا على سبيل التفاضل بين ~~الأمم بل للعبرة والحكمة. # قال الجاحظ في رسالته إلى الفتح بن خاقان في مناقب الترك وعامة جند الخلافة: إن كل أمة ~~وقرن، وكل جيل وبني أب وجدتهم قد برعوا في الصناعات، وفضلوا الناس في البيان، أو فاقوهم في ~~الآداب، أو في تأسيس الملك، أو في البصر بالحرب، فإنك لا تجدهم في الغاية وفي أقصى النهاية ~~إلا أن يكون الله تعالى قد سخرهم لذلك المعنى بالأسباب، وقصرهم عليه بالعلل التي تقابل ~~تلك الأمور وتصلح لتلك المعاني؛ لأن من كان متقسم الهوى مشترك الرأي متشعب النفس غير موفر ~~على ذلك الشيء ولا مهيأ له، لم يحذق من تلك الأشياء شيئا بأسره، ولم يبلغ فيه غايته؛ كأهل ~~الصين في الصناعات، واليونانيين في الحكم والآداب، والعرب فيما نحن ذاكروه في موضعه، وآل ~~ساسان في الملك، والأتراك في الحروب. ألا ترى أن اليونانيين الذين نظروا في العلل ثم لم ~~يكونوا تجارا ولا صناعا بأكفهم، ولا أصحاب زرع ولا فلاحة، ولا بناء وغرس، ولا أصحاب جمع ~~ومنع وحرص وكد، وكانت الملوك تفرغهم وتجري عليهم كفايتهم، فنظروا حين نظروا بأنفس مجتمعة ~~وقوى وافرة وأذهان فارغة، حتى استخرجوا الآلات والأدوات والملاهي التي تكون جماما للنفس، ~~وراحة بعد الكد، وسرورا يداوي قرح الهموم؛ ms040 فصنعوا بعد المرافق، وصاغوا من المنافع ~~كالقرسطونات والقبانات والإسطرلابات، وآلة الساعات، وكالكونيا، والكشتوان، والبركار، ~~وكأصناف المزامير، والمعازف، وكالطب، والهندسة، واللحون، وآلات الحرب كالمجانيق، والعرادات، ~~والرتيلات، والدبابات، وآلة النفاط، وغير ذلك مما يطول ذكره، وكانوا أصحاب حكمة ولم يكونوا ~~فعلة يصورون الآلة ويخرطون الأداة ويصوغون المثال ولا يحسنون العمل به، ويشيرون إليها ولا ~~يمسونها، يرغبون في العلم ويرغبون عن العمل. # فأما سكان الصين فهم أصحاب السبك والصياغة، ~~والإفراغ، والإذابة، والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط والنحت والتصاوير، والنسج والخط، ورفق ~~الكف في كل شيء يتولونه ويعانونه وإن اختلف جوهره وتباينت صنعته وتفاوت ثمنه، فاليونانيون ~~يعرفون العلل ولا يباشرون العمل، وسكان الصين يباشرون العمل ولا يعرفون العلل؛ لأن أولئك ~~حكماء، وهؤلاء فعلة، وكذلك العرب لم يكونوا تجارا ولا صناعا، ولا أطباء ولا حسابا، ولا ~~أصحاب فلاحة فيكونوا مهنة، ولا أصحاب زرع؛ لخوفهم من صغار الجزية، ولم يكونوا أصحاب جمع ~~وكسب، ولا أصحاب احتكار لما في أيديهم وطلب ما عند غيرهم، ولا طلبوا المعاش من ألسنة ~~الموازين ورءوس المكاييل، ولا عرفوا الدوانيق والقراريط، ولم يفتقروا الفقر المدقع الذي ~~يشغل عن المعرفة، ولم يستغنوا الغناء الذي يورث التبليد - ترك الاتجاه لشيء - والثروة التي ~~تحدث الغرة، ولم يتحملوا ذلا قط فيميت قلوبهم أو يصغر عندهم أنفسهم، وكانوا سكان فياف ~~وتربية عراء لا يعرفون الغمق ولا اللثق - أي ركوب الندى الأرض وركود الريح وكثرة الندى - ~~ولا البخار، ولا الغلظ، ولا العفن ولا التخم، أذهان حداد ونفوس مفكرة، فحين حملوا حدهم ~~ووجهوا قواهم إلى قول الشعر وبلاغة المنطق، وتشقيق اللغة، وتصاريف الكلام، وقيافة البشر بعد ~~قيافة الأثر، وحفظ النسب والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآثار، وتعرف الأنواء والبصر ~~بالخيل والسلاح، وآلة الحرب والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المناقب ~~والمثالب؛ بلغوا في ذلك الغاية وحازوا كل أمنية، وببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر وهممهم ~~أرفع، وهم من جميع الأمم أفخر ولأيامهم أذكر. # وكذلك الترك أصحاب عمد وسكان فياف، وأرباب ~~مواش، وهم أعراب العجم كما أن هذيلا أكراد العرب، فحين ms041 لم تشغلهم الصناعات، ولا ~~التجارات، ولا الطب، ولا الفلاحة، والهندسة، ولا غرس ولا بنيان، ولا بثق أنهار، ولا جباية ~~غلات، ولم تكن هممهم غير الغزو والغارة والصيد وركوب الخيل، ومقارعة الأبطال وطلب الغنائم ~~وتدويخ البلدان، وكانت هممهم إلى ذلك مصروفة، وكانت لهذه المعاني والأسباب مسخرة ومقصورة ~~عليها وموصولة بها؛ أحكموا ذلك الأمر بأسره وأتوا على آخره، وصار ذلك هو صناعتهم وتجارتهم ~~ولذتهم وفخرهم وحديثهم وسمرهم، فلما كانوا كذلك صاروا في الحرب، كاليونانيين في الحكمة، ~~وأهل الصين في الصناعات، والأعراب فيما عددنا ونزلنا وكآل ساسان في الملك والسياسة. قال ~~الجاحظ: وليس في الأرض كل تركي كما وصفنا، كما أنه ليس كل يوناني حكيما، ولا كل صيني في ~~غاية من الحذق، ولا كل أعرابي شاعرا فائقا، ولكن هذه الأمور في هؤلاء أعم وأتم، وفيهم ~~أظهر وأكثر. ا.ه. # وقال الجاحظ في فخر السودان على البيضان يميز بين اليهود والصينيين: وأما الهند ~~فوجدناهم يقدمون في النجوم والحساب، ولهم الخط الهندي خاصة، ويقدمون في الطب، ولهم أسرار ~~بالطب وعلاج فاحش الأدواء خاصة، ولهم خرط التماثيل ونحت الصور بالأصباغ تجد من المحاريب ~~وأشباه ذلك، ولهم الشطرنج وهي أشرف لعبة وأكثرها تدبيرا وفطنة، ولهم السيوف القلعية وهم ~~ألعب الناس بها وأحذقهم ضربا بها، ولهم الرقى النافذة في السموم وفي الأوجاع، ولهم غناء ~~معجب، ولهم الكنكلة وهي وتر واحد يمر على قرعة، فيقوم مقام أوتار العود والصنج، ولهم ضروب ~~الرقص والخفة، ولهم الثقافة عند الثقاف خاصة، ولهم معرفة المناصفة، ولهم السحر والتدخين ~~والدمازكية، ولهم خط جامع لحروف اللغات وخطوط أيضا كثيرة، ولهم شعر كثير، وخطب طوال، وطب ~~في الفلسفة والأدب، وعنهم أخذ كتاب كليلة ودمنة، ولهم رأي ونجدة، وليس لأحد من أهل الصين ~~ما لهم، ولهم من الرأي الحسن والأخلاق المحمودة مثل الأخلة والقرن، والسواك، والاحتباء، ~~والفرق والخضاب، وفيهم جمال وملح واعتدال وطيب عرق، وإلى نسائهم تضرب الأمثال، ومن عندهم ~~جاءوا الملوك بالعود الهندي الذي لا يعدله عود، ومن عندهم خرج علم الفكر، وما إذا يكلم به ~~على ms042 السم لم يضر، وأصل حساب النجوم من عندهم أخذه الناس خاصة. # هذا أجمل وصف للأمم القديمة في الحضارة، وما امتاز به الأبيض والأصفر والأحمر والأسود، ~~والفروق لا ترتفع من بين الأجيال إلا بالتربية والتهذيب، والعلوم الأدبية الصحيحة، وتبقى ~~كل أمة في العاقبة على ما لا غنية لها عنه، وهو من دواعي أفقها وتاريخها، والرجاء معقود بأن ~~يكون الدور الجديد الذي تدخل فيه العرب اليوم دور التجدد والنشوء الاجتماعي الكبير، فننبذ ~~كل ما لا يمس أصلا من أصولنا القديمة، ونقبل كل جديد فيه النهوض والاعتلاء، وأن يعطينا ~~الغرب القدر الذي أخذه من علم أجدادنا نستعين به على قيام أمرنا، فإن الأيام دول، والدهر ~~بالناس قلب حول، فسبحان من لا يشغله شأن عن شأن وهو القابض الباسط المعز المذل. # | ارتقاء العرب وانحطاطهم1 # بحثت الأمم المتحضرة منذ الزمن الأطول في الأخلاق، وكان لمؤلفي العرب حظ وافر في هذا ~~الموضوع، شأنهم في أكثر العلوم التي عالجوها ونجحوا في الخوض فيها. # وأكثر العلماء على أن الأخلاق تصلح بالتعليم والتربية، ولا سيما ما كان منها مستفادا ~~بالعادة والتدرب، وليس من الغريزة في شيء، فإن من غلبت عليه السويداء أو الحدة مثلا، لا ~~يطمع في استصلاحه إلا بطول الزمن والتوفر على المعالجة، والمرء ينتقل بالتأديب والمواعظ ~~إما سريعا أو بطيئا، ومن قال: إن الخلق طبيعي لا يخرج الإنسان عن أحكامه، فقد قال على ~~رأي ابن مسكويه بإبطال قوى التمييز والعقل، وبرفض السياسات كلها، وترك الناس همجا مهملين، ~~وبترك الأحداث والصبيان على ما يتفق أن يكونوا عليه بغير سياسة ولا تعليم. # لا جرم أن للإقليم - كالحرارة والبرودة والاعتدال والخصب والقلة - تأثيرا كبيرا في ~~الطباع، وهي من جملة العوامل في ارتفاع الأمم وتدليها، ولكن ما ينقص بتأثير المحيط والبيئة ~~والهواء قد تجبره التربية. # فقد رأينا العرب قاموا من جزيرتهم وهي في غاية الحرارة وكانوا نصف متمدنين، فانثالوا على ~~الشرق والشمال، ففتحوا فارس والشام ومصر وغيرها، ولم يعقهم عائق من إقليمهم وحرارته وأوغلوا ~~عليهم، رأيناهم وقد طهر الإسلام من أخلاقهم، ms043 وهذبهم وعلمهم الصبر والمضاء والرفق والتسامح، ~~والترفع عن الدنايا، فنشروا في البلاد المغلوبة في سنين قليلة دينهم ولسانهم على صورة لم ~~يكد يسبق لها مثيل في العالم، ولا نذكر أنه كتب لأمة أن غلبت ونمت بمثل هذه السرعة، فقلبت ~~وجه الأرض وأطاعتها العناصر والأديان المختلفة في آسيا وأفريقيا وأوروبا، فلو كان للحرارة ~~في قيام الأمة أو الفرد كل ما يدعيه بعضهم من التأثيرات، لما أنشأت العرب مدنيتها، ولا ~~ارتفعت في الأرض قرونا كلمتها. قال بنتام صاحب روح الشرائع: الظاهر كل الظهور أن سكان ~~البلاد الحارة أقل قوة ونشاطا من سكان البلاد الباردة، وحاجتهم للعمل أقل لخصب أرضهم، وهم ~~أميل إلى العشق واللذات تبادرهم مظاهرها. # وهذا القول لا يصح على إطلاقه؛ لأن التاريخ قد أتى بأمثلة كثيرة قديما وحديثا على نقض ~~هذا الرأي، فالعرب في القدماء واليابان في المحدثين أكبر دليل على نقض قول بنتام، وإذا كان ~~للهواء بعض التأثير في النشاط، فإن للبرودة تأثيرات أخرى تعوق العقل الإنساني عن كل ما ~~ينتظر منه، وإذا قيل: إن شمالي كل مملكة في أوروبا وأميركا أرقى مدنية من جنوبها في ~~العادة، فلذلك عوامل أخرى تاريخية وسياسية فيما نرى، وإذا كان شمال فرنسا يتقدم جنوبهما من ~~حيث الارتقاء وشمال ألمانيا وشمال إيطاليا، أرسخ في المدنية من جنوبها، وأميركا الشمالية ~~أعلى كعبا في هذا المعنى من أميركا الجنوبية، فقد رأينا جنوب أوروبا على عهد الرومان ~~والعرب يتقدم شمالها، بل رأينا جنوب بلاد العرب أرقى من شمالها على عهد عز الأمة العربية، ~~وهذا يرجع إلى الحكومة في أغلب الحالات، واتخاذ البلد الفلاني مركزا لتتوفر العناية به ~~وبأهله، فتتناول المدنية الأقرب فالأقرب من نقطة دائرتها. # فالقول بأن شعوب البلاد الحارة يحكم عليها إقليمها، فلا تفوز بكبير أمر في المجتمع ~~الإنساني قول فيه نظر؛ لأن العقل والتهذيب اللذين بهما حياة الممالك وسقوطها ينشآن من ~~البلاد الحارة كما ينشآن من البلاد الباردة. # ولو اقتضى أن يكون سكان كل بلاد باردة راقين في مناحيهم وحضارتهم، لاستلزم أن يكون سكان ~~سيبيريا ms044 أرقى من سكان إنكلترا، ولو كان أهل كل بلاد حارة منحطين لما شاهدنا المصريين اليوم ~~أصبحوا بالتربية في أربعين سنة يشبهون الراقين من أهل أوروبا وأميركا، بل ولترتب على ذلك ~~أن يكون سكان جنوبي أفريقيا، وأكثرهم من جالية هولاندة منحطين مثل جيرانهم السودان؛ لغلبة ~~الإقليم على طباعهم بعد بطون وأجيال. # قال فوليه الفيلسوف الفرنساوي: لقد خرج كثير من الشعوب الفاتحة من البلاد الحارة مثل ~~العرب على عهد عمر وعثمان، وكذلك الموحدون والمرابطون، أما القول بأن البلاد الحارة تولد ~~القسوة على رأي مونتسكيو، فقد شوهدت القسوة ماثلة للعيان في تاريخ عامة بني الإنسان، ~~رأيناها متجلية في اليونان، ورومية، وإيطاليا، وإسبانيا، وإنكلترا، وروسيا كما ظهرت في مصر ~~وآشور وفارس. ولقد سكن الإسكيمو في بلاد باردة، فكانوا أكثر توحشا من الذئاب والدببة التي ~~ملأت صحاريهم. ا.ه. # بغداد من البلاد الحارة نشأت فيها مدنية عربية مدهشة، ولما انتظمت حكومتها وحسنت تربية ~~سكانها، أفاضت النور على الأرض كلها، فعد عصر المأمون فيها من العصور الزاهرة بكل العلوم ~~والصناعات، كما عد عصر بركليسي في أتينة، وعصر أغسطس في رومية. وتعد القسطنطينية من ~~الأقاليم الباردة المعتدلة، حاول محمد الفاتح أن ينشئ لها مدنية مع ما كان فيها من أثر لا ~~يستهان به من بقايا عز قديم، فلم يوفق إلى ذلك، فغلبت طباع الترك طباع الإقليم. والترك ~~أمة صربية لم تعهد للترقي الحقيقي عصرا، وكانت قرائح أبنائها محصورة على الدوام في الحرب ~~فقط، فلما كانت الغلبة لهم والفتوح مواتية والعيش رخاء، لم يتأدبوا بأدب النفس، ولم يدخلوا ~~في التربية الصحيحة من أبوابها؛ فلذلك لم تستقم لهم حضارة ثابتة، وقضى الترك على آخر آثار ~~مدنية البيزنطيين يوم حلوا محلهم، واستولوا على تراثهم، كما قضوا على البقية الباقية من ~~مدنية العرب، وغيرهم من الأمم ذات المجد المعتبر، ولم يتيسر لهم ويا للأسف إقامة شيء جديد، ~~وليس الذنب في ذلك كله على طباع رسخت فيهم، بل العيب كل العيب على نظام حكومتهم، وغلوهم في ~~تكبير رقعة مملكتهم مع سوء إدارتهم، فقد ms045 رأينا شعوبا أحط منهم جنسا أنشئوا لهم مدنية، ~~وأحسنوا لمن انضووا تحت رايتهم على الأغلب، أما الترك فكان رائدهم في فتوحاتهم الغزو ~~واستجلاب الغنائم، ففتحوا بلادا يستحيل عليهم أن يخضعوها لسلطانهم أبد الدهر؛ لأن أهلها ~~أرقى منهم مدنية وعنصرا، ولا يرجى أن يكونوا منحطين عنهم أبدا، وفي تاريخ استيلاء الترك ~~على المجريين، واليونانيين، والرومانيين، والصربيين، والبلغاريين، وفي حالة هذه الأمم على ~~عهد الترك وحالتها بعدهم، أكبر دليل على أن العبرة في الفتوح بالأخلاق الفاضلة، والطباع ~~اللينة، واقتباس النافع من أسباب النشوء والارتقاء بالقوس والنشاب والمدافع والحراب. # حكى لي أحد قناصل فرنسا على عهد العثمانيين في هذه الحاضرة أنه كان قنصلا في طرابلس ~~الغرب، وكان صديقا لأحد كبار عمال الأتراك هناك، وكان هذا لا يفتأ يطعن في العرب، ويبدي ~~الاشمئزاز من حالهم، فلما عيل صبر القنصل الفرنساوي، وكان محبا للعرب يعرف لسانهم ~~وتاريخهم ومدنيتهم فاتح صاحبه ذات يوم بالأمر، وسأله عن سر كراهيته للعرب، فأجابه العامل ~~التركي: إني لا أعرف لذلك سببا إلا ما أراه من انحطاطهم، فقال له: سامحك الله إن العرب ~~استولوا قرونا على كثير من البلاد التي استوليتم أنتم معاشر الترك عليها، كما استولوا على ~~غيرها، وها هي آثار مدنيتهم ظاهرة إلى اليوم من بلاد إسبانيا إلى بلاد الصين، وأنتم قد ~~حكمتم قرونا أيضا، فأين مدنيتكم إن لم تكونوا قضيتم على حضارة من سبقوكم وخربتم العامر ~~منها؟! فإذا انحط العرب فبسياستكم أنفسكم، فدهش العامل التركي ولم ينبس ببنت شفة، ورجع عن ~~النيل من العرب. # وعندي أن ذاك العامل لو درس ولو قليلا لغة العرب وتاريخهم، لما بدا منه هذا السخف في ~~إسقاط أمة عظيمة جديرة بالتجلة، وهيهات أن يلبسها غير صورتها الحقيقية بمجرد ثرثرات يلوكها ~~وترهات يدلي بها. # ومثل هذا العامل إذا تولى ولاية وكان ذا إرادة قوية يؤخر من تحت يده، ولا سيما إذا كانوا ~~عربا عقودا من السنين إلى الوراء، وبهذه المناسبة أذكر لكم قصة وقعت لي بالذات مع وال من ~~ولاة دمشق على عهد العثمانيين، ms046 وكان ثرثارا مثل أكثر عمالهم تظنه لأول وهلة على شيء من ~~العلم والفهم، حتى إذا ما درست أخلاقه وجدته قاسيا جاهلا ليس عنده شفقة، ولم تتشبع روحه ~~بالتربية الفاضلة وعلمه طلاء، كالقصب الذي يعلقه على صدره؛ ليتراءى لك لأول أمره ذهبا ~~إبريزا، كتب إلي قائم مقام عجلون مرة يقول لي: إن أهل قضائه عزموا على أن ينشئوا ستين ~~مكتبا أهليا لتعليم أحداثهم، وأنهم جمعوا لذلك المال فهو يرجو أن أنتخب له ستين معلما، ~~فشرعت أبحث مدة ثلاثة أشهر عن كفاة يليقون للتعليم، فلم أجد سوى ثلاثة عشر، ولما عزمت على ~~تسفيرهم من الغد أخذتهم إلى الوالي، وذكرت له قضيتهم؛ ليطلع على الأمر قبل أن يطلعه عليه ~~جواسيسه، فكان أول سؤال سألهم إياه هل تعرفون التركية، فلما أجابوا بغير الإيجاب امتقع ~~لونه، والتفت إلي قائلا: وكيف ذلك فقلت له: أرجو أن يتعلموا، ومهمتهم الآن تعليم أبناء ~~الفلاحين مبادئ القراءة والكتابة والحساب، والأمور الدينية فقط فسكت وانصرفنا، وبعد ساعتين ~~أتتني برقية من قائم مقام عجلون يتوسل إلي ألا أرسل المعلمين بعد أن كان يلح في ~~إرسالهم، فعلمت عقيب ذلك أن الوالي أبرق لعامله في جبل عجلون بعد خروجي من عنده، يلومه ~~على اعتماده علي في انتقاء معلمين لمدارس أهلية، ولما عاتبت الوالي في إحدى العشايا قال ~~لي: وهل أنت كنت تظن أن الدولة تعطيكم سلاحا تقاتلونها به، إن من سياستنا ألا ~~تتعلموا، فتألمت نفسي وأقسمت في سري أن هذه الدولة لا تدوم، وكل دولة تعد جهل الأمة ~~سلاحها في التحكم برقاب من تحكمه تهلك وإياهم، والعدو العاقل خير من الصديق الجاهل. # رجع إلى العرب ومدنيتهم، وأن أخلاقهم كانت سببا في علوهم، فلما فسدت فسدوا وتراجع ~~سلطانهم، فقد ذكر المؤرخون أن العرب أسسوا أيام جاهليتهم ممالك صغرى في العراق والشام، ~~وانتشروا خلف شبه جزيرتهم، ومنهم من سكن بوادي مصر، وملكوا بالإرث جميع صحارى أفريقيا، ~~منفصلين من أعلى شمال آسيا برمال كالبحار أمنوا بها هجمات الفاتحين، وانفردوا بحريتهم ~~وعظمتهم؛ لجلالة أصولهم وشهامتهم، وفصاحة لغتهم ms047 الباقية على نقائها، واتجروا مع من يأتي إلى ~~مراكزهم من تجار الجنوب والمشرق، واكتسوا معارف من جاورهم من الأمم، فكانت الأمة العربية ~~متغلبة على من جاورها مدة أربعة آلاف سنة. # قال سيد يلبسو صاحب تاريخ العرب: وبما انفردت به الأمة العربية من جميل الأخلاق والعادات، ~~كانت منذ نشأة أقدم الدول مدبرة لأمورها، متأهبة للإغارة على مجاوريها، فقد استولت على ~~مملكتي مصر وبابل قبل الميلاد بتسعة عشر قرنا، ثم أخذ منها ما ملكته من البلاد الأجنبية، ~~وانحصرت سلطاتها في مملكتها الأصلية، فأخذت تحارب الفراعنة وملوك العراق، ونجت من تسلط قورش ~~ملك الفرس والإسكندر المقدوني، وبقيت على استقلالها زمن أخذ الرومان العالم القديم، ثم جاء ~~النبي - عليه الصلاة والسلام - فربط علائق المودة بين قبائل جزيرة العرب، ووجه أفكارهم إلى ~~مقصد واحد، فعلا شأنهم حتى امتدت سلطنتهم من نهر التاج - المار بإسبانيا والبرتغال - إلى ~~نهر الكنج - أعظم أنهار الهند - وانتشر نور المعارف والتمدن في المشرق والمغرب، وأهل أوروبا ~~إذ ذاك في جهل القرون الوسطى، وكأنهم نسوا ما وصل إليهم من أحاديث اليونان والرومان. # وقد عني العباسيون ببغداد، والأمويون بقرطبة، والفاطميون في القاهرة بنشر العلوم والفنون، ~~ثم تمزقت ممالكهم وفقدوا شوكتهم السياسية، ولم تبق لهم إلا السلطة الدينية التي استمرت ~~لهم في سائر أرجاء ممالكهم، وكان لهم من العلوم والصناعات والاكتشافات ما استفاده منهم ~~نصارى إسبانيا حين طردوهم منها، فقد العرب في أواخر القرن الثامن بعد الميلاد حماستهم ~~الحربية، وشغفوا بالمعارف، فما لبثت قرطبة، وطليطلة، والقاهرة، وفاس، ومراكش، والرقة، ~~وأصفهان، وسمرقند تناظر بغداد في الأخذ بأسباب العلوم والمعارف، وقرئ ما ترجم إلى العربية ~~من كتب اليونان في المدارس الإسلامية، وبذل العرب همتهم في الاشتغال بجمع ما ابتكرته العقول ~~البشرية من العلوم والفنون، وأعرفوا في معظم البلاد خصوصا في الأصقاع المسيحية من أوروبا ~~بابتكارات تدل على أنهم أئمة المعارف، وقد مارسوا العلوم الصحيحة على غاية النشاط من القرن ~~التاسع إلى القرن الخامس عشر (من سنة 288-907ه). # وقال جيون في كلامه على حماية المسلمين للعالم في ms048 الشرق وفي الغرب: إن ولاة الأقاليم ~~والوزراء كانوا ينافسون الخلفاء في إعلاء مقام العلم والعلماء، وبسط اليد في الإنفاق على ~~إقامة بيوت العلم، ومساعدة الفقراء على طلبه، وكان من ذلك أن ذوق العلم ووجدان اللذة في ~~تحصيله قد انتشرا في نفوس الناس من سمرقند وبخارى إلى فاس وقرطبة، وقد أنفق وزير واحد لأحد ~~السلاطين - هو نظام الملك - مائتي ألف دينار على بناء مدرسة في بغداد - المدرسة النظامية - ~~وجعل لها من الريع ليصرف في شئونها خمسة عشر ألف دينار في السنة، وكان الذين يغذون بالمعارف ~~فيها ستة آلاف تلميذ، فيهم ابن أعظم العظماء في المملكة، وابن أفقر الصناع فيها، غير أن ~~الفقير ينفق عليه من الريع المخصص للمدرسة، وابن الغني يكتفي بمال أبيه، وكان المعلمون ~~ينقدون رواتب وافرة. # ذاك رأي سيديليو في العرب وأخلاقهم وما نشأ عنها، وهذا رأي جيون وإعجابه بمدنيتهم، فماذا ~~وقع لتلك النفوس الأبية وذاك العمران المستمر؟ لا جرم أن لانحطاط الشعوب عوامل كثيرة ~~طبيعية وأخلاقية، وبهذه العوامل أصيبت الأمة العربية كما أصيبت الأمة الإسبانية، فالعرب ~~والإسبان يتشابهون من وجوه كثيرة، نشأ العرب كالإسبان من شبه جزيرتهم في الجنوب الغربي من ~~أوروبا، وأولئك نشئوا من شبه جزيرتهم في الجنوب الغربي من آسيا، العرب فتحوا بلادا كثيرة، ~~ومنها البعيد الذي وزعوا قواهم في استصفائه وإدارته، وكان يفصلهم عنها البحر، ففتحوا ~~الأندلس وصقلية، بل وجميع الجزر الكبرى في جنوبي أوروبا، كما توسع الإسبان في فتوحهم على ~~عهد شارلكان، فحكموا جزءا مهما من أوروبا، ثم ركبوا البحر، فاستعمروا معظم بلاد أميركا ~~الجنوبية، ولو تأملنا عوامل الانحطاط التي فعلت في الإسبان لأثبتنا لها مثالا في مجتمعنا، ~~فقد ذكر نوليه أن العنصر الإسباني أصيب بما استنزف دمه، وصرف من قواه كل طاهر وحي، ~~وكثيرا ما أتت عليه أدوار هلكت في خلالها عناصره الحية وطبقاته العالية، فإن ديوان التفتيش ~~الديني قضى على كل ما كان من إيمان، ومعتقد خاص، وفكر مستقل، وإرادة لا تقف أمام ما فيه ~~المصلحة، ووجدان لا يلتوي ولا يتحول، وعلى ms049 ذلك العهد وبسوء هذه السياسة تداعت كثير من ~~البيوت والأسر، ومنها ما كان بنوه من أهل الطبقة الممتازة بقرائحها وعقولها، فدعا فقدها إلى ~~انقراض الصناعة والعلوم والآداب. # ولقد استعملت إسبانيا أقصى الشدة في قصاص من خالف دينها الذي تعتقد به، ثم أخذت تختار ممن ~~تعدهم مؤمنين أناسا هم من أذكيائها، وتقضي عليهم بالتبتل والترهب، فلم يولد لهم، واندثرت ~~أنسالهم وذراريهم، وما من زمن جاء على إسبانيا كان فيه السعد والرغد، والحياة والنماء على ~~حصة موفورة أكثر من أيام الرومان ومن غيرها على عهد الحضارة العربية في القرون الوسطى، فكان ~~إذ ذاك في إسبانيا أربعون مليونا من النفوس أرباب صنائع وأهل عمل، وفي تلك الأيام قامت ~~فيها المدن الكبرى الجميلة التي لم نبرح نعجب بحسن هندستها وندهش بخرائبها، وعلى ذاك العهد ~~كانت زراعتها ناجحة، وبفضل هندسة العرب كان الماء يجري إلى كل مكان في فلوات إسبانيا ~~وقفارها. # ثم نشبت حروب شارلكان التي جن بها، وأهلك من الإسبانيين كل قوى الشكيمة في سبيلها، وكذلك ~~ما تذرعت به إسبانيا من فتوحاتها في أميركا، وهي فتوحات فقد منها المحاربون الأشداء أصحاب ~~العزائم والإرادات القوية، ثم أن طرد اليهود من إسبانيا (سنة 1492) وطرد العرب أجمع (سنة ~~1609-1610) قد حرم إسبانيا من شعب عامل نشيط، وفي أساطير الشعب الإسباني أن إسبانيا طلبت ~~إلى الخالق منذ البدء سماء جميلة فنالتها، وطلبت بحرا جميلا فرزقته، وأنمارا طيبة ونساء ~~حسانا ففازت بهما، ولما طلبت حكومة صالحة رد قولها؛ لأنها إذا تم لها ما تريد تصبح جنة ~~أرضية لا محالة. قلنا: وهكذا كان شأن الشعب العربي، تفرق في جنوبي أوروبا وشمالي أفريقيا ~~وغيرها، وجاءت عليه سبعة قرون، وهو السائد في العالم بسياسته وعلمه وصناعاته وآثاره، فكان ~~قوله الفصل، وسياسته هي الرشيدة، فلما أخذ بعض ملوكه يحاربون العقل ويعادون الفلسفة، بل ~~يقتلون أهلها، وجمدوا بأن أوصدوا باب الاجتهاد في كل شيء، وزهدوا في الصنائع النفيسة مدعين ~~أنها مما يحظره الشرع، مع أن الشرع مرن يليق لكل عصر ومصر، تسربت إليهم الخرافات ms050 فأنشئوا ~~يعتقدون بالقضاء والقدر على خلاف ما كان يعتقده أهل الصدر الأول، فقل فيهم أرباب البصيرة ~~وضعفت فيهم الأسر الزكية، ثم إن الحروب والفتن الأهلية والخارجية تنازعتهم قرونا قد هلك ~~فيها أناس من أهل الطبقة النبيلة فيهم، ومنهم من لم يعقب، والغني الذي خلف أولادا فطروا ~~على الترف والرفاهية، فأسرفوا في أموالهم وقواهم في الموبقات، فدثروا ودثرت أنسالهم. ومما ~~عاق مجتمعنا في ميدان الترقي تسلط رجال الدين على جمهور الشعب، وعلى أكثر الحكومات زمنا ~~طويلا، فساقوها إلى دركات التأخر بحسب أهوائهم، وضعف مداركهم، وعلمهم الناقص ، ومن رجال ~~الدين والقضاء من ليس لهم من العلم إلا العمائم، ومن الأخلاق إلا اختراع الطرف السافلة؛ ~~لأخذ الأموال بالباطل، وما برحت الحكومات التي تسلطت على العرب تقرب عن قصد الجاهل من أهل ~~تلك الطبقة على العالم، فيعبث الجاهل بالمقدسات، ويستحل المحرمات عن علم وعن غير علم، حتى ~~جاء زمن على الأمة كانت فيه جاهلة متعصبة، فقيرة ذليلة، متسفلة في أخلاقها وعاداتها. # ومن عيوب الحكومات التي استولت علينا وكان أثرها ظاهرا في الأخلاق، اعتماد الناس على ~~الشفاعات والمصانعات والرشوات، حتى كان الملك نفسه إذا لم يهد إليه عامله هدية يريدها يعزله ~~أو يقتله، فكانت الأمة من أرقى رجل يحكم في أرواحها إلى أدنى الطبقات فيها بين راش ومرتش، ~~وسارق ومسروق؛ فضعفت ملكة الشمم، وعزة النفس، والمفاداة والأمل، وحل مكانها الذل والكسل ~~واليأس، ثم إن تلك الحكومات المشئومة لم تنظم شئونها، ولم يكن لها تسلسل في أفكارها، فما ~~كانت تقرره وتعتمد عليه من القوانين زمن الحاكم الفلاني، يأتي خلفه فينقضه من أساسه ويبتدع ~~غيره؛ ولذلك لم يقم لها عمل يذكر من أعمال العمران؛ لأن حكامها يحكمون بأذواقهم، فهم أبدا ~~ما بين مبرم وناقض يعبث الخلف بما تعب فيه السلف. # ومن جملة الأمور التي عمت بها البلوى فساد نظام البيوت بتعدد الزوجات، والإكثار من التسري ~~على غير داع، ففسد كثير من الأسر، ونغلت نيات الأولاد، وقل تبادل الحب بين أبناء الأب ~~الواحد، وانحطت التربية، ولم تنتقل ثروة ms051 قرونا من الأجداد إلى الأحفاد، حتى ولو وقفها ~~صاحبها الأول إذ يجيء أناس من بعده يستحلون أكلها وتغيير شرطها، ثم إن التربية الاتكالية ~~تأصلت في الأمة حتى لا ترى فيها على الأكثر إلا رجلا يفكر في الطرق القريبة للإثراء ~~والراحة، فإن كان ابن ذي نعمة ينتظر منذ وعيه على نفسه أباه أو أمه أو مورثه حتى يموت، ~~فيستمتع على هواه بالمال من دون تعب، ويطلق لشهواته العنان، والغالب أن ابن الموسر لا ~~يعمل، ولذلك قلما دامت ثروة هنا ثلاثة بطون، وقلما رأينا شبانا يعتمدون على أنفسهم في ~~تحصيل الثروة ويعدون الماهر، فيهم من يساعده التوفيق فيتزوج من فتاة عندها مال، غير ناظرين ~~إلى شروط الزواج بين المتزوجين. ولحفظ الثروة رأت بعض الأسر أن تتساهل في تزويج الأقارب، ~~فتزوج شبانها من بناتها حتى ضعف النسل، وكثر البله والزمنى والمرضى فيهم، وربما عضل كثير ~~من الناس بناتهم ومنعهن عن الزواج؛ استبقاء للإرث في الذكور دون الإناث، وكثير من الأسر ~~تحرم الإناث إرثهن، وتعاملهن معاملة البهائم، ولذلك تعطل جانب عظيم من الأمة وهم النساء، ~~وظلمهن الرجال أي ظلم، فلم يفكروا في تعليمهن حق التفكير، ولا في سعادتهم الحقيقية، كأن ~~المرأة خلقت بلا نفس كما كانوا يعتقدون في القديم في بعض بلاد الإفرنج. # ومن دواعي الانحطاط أن الهمة في الفرد عندنا لا تنبعث إلى أقصى حدودها، فإذا تذوق ~~المتعلم لماظة من العلم يظن من نفسه الغناء في كل علم، ويكتفي بما لقنه في صغره فلا يعمد ~~إلى البحث والنظر، وتنمية معلوماته، وإيجاد الجديد واختراع المفيد، بل يعتقد أن العمل كله ~~في المدرسة، فإذا انتهت أيامها فليس له إلا الراحة واستثمار ما تعلم، فجاء متعلمونا وسطا ~~في كل شيء، والوسط لا يعمل عملا في هذا المجتمع البشري، وكذلك الحال في الصانع والماهن ~~والزارع، فأصبحنا أمة لا ترى فينا ماليا متفننا، ولا زارعا من النمط الأول، ولا رساما ~~نابغة، ولا نقاشا، ولا كيماويا، ولا ميكانيكيا، ولا غير ذلك ممن تشتد حاجة العمران ~~إلى تكثير سواد العاملين ms052 فيه؛ ولذلك ندر فينا النوابغ، وانقطع سند هذه العلوم من الأمة، ~~فجاءت عليها قرون وهي تحسب أن العلم كله محصور في بعض العلوم الدينية واللسانية، وعندهم ~~أن من روى حديثا نبويا، أو شارك في مسألة من فروع الفقه، أو قرض بيتين من الشعر عد ~~محدثا أو فقيها أو أديبا. # ومن بواعث تدلينا في سلم الاجتماع أننا لا نحسن العشرة، ولا نحسن الاجتماع؛ وذلك ~~لاختلافنا في طرق التربية؛ لأن أبناء الوطن الواحد لا يرمون في تعاليمهم إلى مقصد معين، ~~فإذا حللنا تحليلا كيماويا دقيقا نجد الأمراء المتعلمين منا لا بأس بهم بالنسبة للمجموع ~~هنا، بل بالنسبة للمتعلمين من الغربيين، ولكن إذا جئت تنظر فينا مجتمعين تكبر علينا أربع ~~تكبيرات؛ ولذلك جاء كل عمل يقدم بعناية الجماعة عندنا منحطا أكثر من عمل الفرد على خلاف ~~سنة الأمم، من أجل هذا لم تنشأ لنا حتى اليوم جمعيات، ولا مجامع، ولا مجالس، ولا شركات تجمع ~~من القليل كثيرا، وتضم متفرق القوى، ومشتت القرائح والأفكار، فتحيي المعالم، وتفيد البلاد ~~في اقتصادياتها ومعنوياتها، هذا القول في الرجال فما الحال بربات الحجال اللاتي ضاهين في ~~الغرب الرجل في علمه وعمله إلا قليلا، وانحططن عندنا أي انحطاط بعد أن كان منهن عندنا ~~المفسرة، والمحدثة، والراوية، والشاعرة، والأديبة، والطبيبة، والواعظة، والخطيبة ~~المؤثرة. # قال صاحب روح الشرائع: إذا أردت أن تعرف ملكات أمة من الأمم مادية كانت أو أدبية، فارجع ~~إلى إدارة التربية فيها، وتوزيع الخدم، ونشر المكافأة وتوقيع العقوبات تعلم ما تريد. وقال: ~~انظر إلى بلد كثرت فيها المظالم، وامتد بقاؤها، وارتفعت ثقة المالك فيما ملكت يمينها، ترى ~~الزارع تسقط همته وتنحل قوته، وإن استمر على الزراعة فلكيلا لا يموت جوعا، كأنما يطلب من ~~الكسل مسليا على آلامه ومصائبه، وكذلك تسقط الصناعة؛ لسقوط الأمل في النجاح، وينبت الشوك ~~في أجود الأراضي. # وقال فوليه: لنشوء الشعوب على ما أبانه الدروينيون طريقان: الجماعة والانتخاب الطبيعي، ~~فالشعب في الحالة الأولى خاضع لتأثيرات متشابهة من المحيط والإقليم، وفي الحالة الثانية ~~يعيش فيه بعض ms053 أفراد فقط، يكون نظامهم الخاص عونا لهم على التمثل والاحتذاء، فيعيشون ~~ويتركون لهم أنسالا، وهكذا يتحول المجتمع باطراح بعض الأسرات وبعض العناصر الخاصة، ويعمل ~~الانتخاب الطبيعي على كل سرعة أكثر من المحيط والإقليم، ولكن يهلك في سبيله كثير من الخلق، ~~فلا يتوهم متوهم أن شعبا ينتقل بمجموعه من الشباب إلى سن الرشد ثم إلى الشيخوخة، بل إن ~~الشعب يرتقي بواسطة الانتخاب الطبيعي وتحكيم الصفات التي تحمي الأفراد، ومتى ظهر الهرم ~~والسقوط تصبح أحسن مقوماته، وقد داهمتها عناصر أصغر منها ونزلت منازلها. # قال: وعوامل الانتخاب الطبيعي التي تجري بين الشعوب المختلفة هي الحرب والاستعمار، ونمو ~~السكان، والمنافسة في التفوق الاقتصادي والسياسي والعلمي. # أما عوامل الانتخاب الطبيعي التي تفعل في نفس الأمة فهي الحرب والخدمة العسكرية، ~~وتنقل الأفراد في ربوع الوطن الواحد، ونحو سكان المدن وعقوبة المجرمين ومعاونة الفقراء، ~~والمحاويج وتشريد المسيئين للدين أو لغيره واضطهادهم، وانتشار الشفاعات السياسية، كأن لا ~~يحمي صاحب الشأن غير جماعته وجملة حاشيته، والنفور السياسي والفردية والشرائع والعادات ~~والأفكار الاجتماعية والدينية بشأن الزواج، واجتماع الجنسيين الذكر والأنثى وإرادة النهوض، ~~هذه أهم العوامل التي تنمي أمة أو تقرضها، وتحسن سيرها أو تسيئه. # وبعد، فإن الناظر في ماضي الأمة العربية وحاضرها يدهش للفروق الكثيرة المحسوسة، وعندما ~~يشاهد جراثيم النهضة وعوامل الحياة تنشر وتدب في جسمها اليوم، يعتقد بأن الحاضر سيكون على ~~مثال الغابر أو أجمل منه، وعلى طريق نافع، والأمل معقود في هذا الشأن على المعلم والمعلمة، ~~فقد قيل: لولا المربى ما عرفت ربي. # لا جرم أن الغيور على قوم يفادي بكل نفيس؛ ليحمل إليهم الخير، والكامل من سعى إلى تكميل ~~غيره وإن كان ناقصا، والجاهل في ذمة العالم له عليه حق التعليم والاشتراك في ~~النعمة. # أنتم أطباء أرواح، والأرواح تفضل الأشباح، فهل عهد طبيب لا يعالج حتى عدوه بما يصلحه ~~وينفعه في صحته دع صديقه وأخاه وابنه وابنته، بأيديكم إصلاح هذه النفوس الضعيفة المنحطة في ~~معارفها وتربيتها وترقية مستوى البيوت، وثقوا أن فتى واحدا وفتاة واحدة إذا تعلم ms054 وتهذب ~~يدخل على أسرة كبيرة النظام، وفي الجملة يلقنها الشعور بالحاجة إلى التعلم؛ أي إنه يسوق ~~آله إلى أول مراتب الكمال، وكل هذا العمل الجليل هو عمل المعلم والمعلمة لا محالة. # وربما كان واجب المعلمة في هذا الشأن أعظم من واجب المعلم؛ لأن مجموع النساء عندنا في ~~الغاية من الانحطاط، ولا عبرة بالقليلات المتعلمات منهن وأكثر ما تعلمن، حتى الآن القشور، ~~ولم ينفذن فيه إلى اللباب على ما يجب، وأي وطني لا يبكي لجهل المرأة المسلمة علة العلل في ~~انحطاط المجتمع الإسلامي، ومن منا ينكر تأثير المرأة في كل نهضة، وهذه المرأة المصرية ~~والمرأة التركية قد أتتا في الحوادث الأخيرة ما دل على أن القوم في القاهرة والآستانة ~~أخذوا بحظ وافر من العناية بالمرأة، وما أحرانا في الشام أن نحتذي مثالهم، وهذا قريب ~~الحصول إذا قام المعلم والمعلمة بواجبهما حق القيام والسلام. # | أعداء الإصلاح # الطرق شتى وطرق الحق مفردة # والسالكون طريق الحق أفراد # لا يعرفون ولا تدرى مقاصدهم # فهم على مهل يمشون قصاد # والناس في غفلة عما يراد بهم # فجلهم عن سبيل الحق رقاد # ما خلا عصر من عصور الإسلام من أعداء لكل جديد، ومن جامدين ينكرون كل ما لا يألفون؛ فقد ~~لقي المعتزلة والفلاسفة والمتكلمون والنظار من أعداء العقل كل شدة في القرون الراقية، وكان ~~عقل الملوك هو الذي يحول على الأغلب بين الجامدين، وبين ما يشتهون من الاعتداء على القائمين ~~بتأييد سنن العقل، والناصرين بأقوالهم وأفعالهم مذاهب السنة والنقل. ومن نظر نظرة مجردة عن ~~الغرض في سيرة المناهضين للمصلحين على اختلاف الأعصار، يجدهم جروا على غير ما يعتقدون ~~وطلبوا بمقاومة المصلحين إرضاء العامة ونيل الحظوة لديهم، واستتباع الجاهلين من الملوك ~~والسلاطين، وقليل جدا من كان الإخلاص رائدهم في أعمالهم ومآتيهم. # يقاوم في العادة الخامل النابه لتكون له مكانة كمكانته، ويتحامل الجاهل على العالم؛ ~~ليعرف بين قومه بأنه قسيمه في صناعته، ومثيله في فضيلته، ويطعن الجامد الممخرق على من يحب ~~أن يعبد الله بعقل، ويبحث في عالم الكون والفساد ms055 بروية؛ ليتظاهر بأنه بعيد الغور شديد ~~الغيرة، وما أقواله إلا رياء، وما أفعاله إلا وساوس وأهواء. # لقي المصلحون من الأهاويل في الأمة العربية أكثر مما لقيه أمثالهم في الأمم الأخرى فيما ~~نحسب، وخصوصا بعد القرن السابع، وقد توزعت بلاد الإسلام ملوك الطوائف، وكان أكثرهم على ~~جانب من الجهل والغباوة، لا يهمهم إلا رضاء المشعبذين بالدين؛ ليحولوا العامة إليهم فيقوى ~~بهم ضعفهم، ويستعينوا بهم على تكبير رقعة ممالكهم، وبسط ظل سلطانهم على النفوس، فيستمتعوا ~~بشهواتهم وبذخهم ورفاهيتهم. # عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى # ومن يشتري دنياه بالدين أعجب # وأعجب من هذين من باع دينه # بدنيا سواه فهو من ذين أعجب # ساعد على الانتقام من العالمين العاملين أناس من أرباب المذاهب سرت أحكامهم بقوة أربابها، ~~فكان الحكم يجري على المبتدعة وأرباب الأهواء بزعمهم بموجب قوانين لهم سنوها، ومنها المذهب ~~المالكي الذي كان بحكم قاضيه يقتل أكبر عالم في الأمة - والقتل يعد من التعزير في مذهب مالك ~~- خالف المألوف من العادات التي اعتقدتها من أصل الدين، وعد الخروج عنها كفرا وإلحادا، ~~وما أسهلهما وأسهل صدور الحكم بهما من أعداء الإصلاح المماحكين. # سالت الدماء كالأودية في بغداد؛ للفتن بين الحنابلة والشافعية مرات، وسالت دماء كثير من ~~الخاصة في كل قرن، وعذبوا وأوذوا بواسطة أرباب المظاهر من المتنطعين، ممن شق عليهم أن ~~يروا كلمة الإصلاح الديني والدنيوي تفعل في الأرواح فعلها المطلوب، فحدثتهم أنفسهم أن ~~يتساوى المفكرون وغيرهم في نظر العامة إن لم يتمكنوا من إسقاطهم؛ ليخلو لهم الجو، ويقتصر ~~في تقبيل الأيدي، وطلب الدعوات والتماس البركات عليهم دون سائر المنتسبين للعلم ~~والشريعة. # ومن غريب أسرار الله في خلقه أن جميع من قاوموا المخلصين من المصلحين دثروا ودثرت ~~أسماؤهم، وظلت أسماء من عادوهم وآذوهم تشهد بالجهل المركب على أعداء العقل السليم والتعاليم ~~الصحيحة. # أين أعداء الغزالي والسهروردي والآمدي وابن جرير وابن تيمية وابن رشد؟ ذهبوا كلهم كأمس ~~الدابر، وبقيت الأمة تردد على وجه الدهر أسماء هؤلاء المصلحين العالمين، وتتناقل ما خطته ~~أناملهم من سطور الإصلاح: # فأما الزبد ms056 فيذهب جفاء ~~وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ~~. # لا يذكر التاريخ اليوم إلا أفرادا ممن ناوءوا رجال العقل الرجيح، والنقل الصحيح؛ ~~اشتهروا لاحتكاكهم بالحكام، وموهوا على العامة بحسن حالهم؛ لمظهر دنيوي أرادوه وحطام من ~~الدنيا تطالت نفوسهم لأن يقتنوه؛ كأن يكون أحدهم قاضيا يخاف أن يشركه ذاك العالم المستنير ~~في قضائه، أو شيخ عامة حدثته نفسه بالاستئثار بهذا المظهر الذي يعتقده جماع فضائل الدنيا ~~والآخرة. # أمثال هؤلاء الممخرقين المنافقين، بدلوا المعالم والتعاليم؛ مرضاة لأرباب الرئاسات ~~والزعامات، وسجلوا على أنفسهم العار للبت فيما لم ينزل به سلطان، وجازوا حد الشرع وهم ~~يتظاهرون بأنهم المؤتمنون عليه، ومنهم ومن أعمالهم يشكو ويئن، كما تشكو المدنية ~~والإنسانية: # وهل أفسد الدين إلا الملو # ك وأحبار سوء ورهبانها # إن من يتظاهرون بالدين وباطنهم منه بريء أضر على الدين ممن يعقونه، ومن يدعو في الغالب ~~إلى الإصلاح ويتخذ التقية أمام العامة درعه، يكون أقرب إلى الانحلال والضلال منه إلى من لا ~~يطنطنون بأنهم دعاة الدين والقائمون عليه، وعنهم يؤخذ وبهديهم يهتدى. وشر الناس من يسرون ~~غير ما يظهرون، ويتلونون باللون الذي يرون أنه أوفق لهم؛ لجر مغنم وإحراز مظهر. # إن هؤلاء العامة ممن يتطالون إلى مقامات العلماء، هم أفسد من العامة؛ لأن شيطانهم ~~يتكلم، وشيطان هؤلاء أخرس لا يبدي ولا يعيد. هم سوس الفساد في كيان هذا المجتمع، يدعون ~~معرفة كل شيء وهم لم يتقنوا شيئا إلا ما سولته لهم أنفسهم، وحدثتهم به شياطينهم. شعارهم ~~التدليس والتظاهر بالغيرة على المحارم، ولو بحثت عن أعمالهم لرأيتهم أول المجترئين على ~~انتهاك حرمات الأديان والشرائع وهم يقدسونها بلسانهم، والعابثين بحدودها وهم يدعون الناس ~~إلى الوقوف عند مراسيمها، والسعاية بالمصلحين ليفتوا في أعضادهم، ويفسدوا عليهم أمرهم، ~~ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره أبالسة التدجيل والتضليل من علماء السوء. # لو كان أعداء المصلحين على شيء من التدين الحقيقي، لكانوا اشتغلوا منذ القديم بإرشاد ~~العامة وإنكار المنكرات الماثلة في كل عصر أمامهم مثول الشمس في السماء رأد الضحى، ولكن ~~المتدلسة ms057 أمثالهم يتعلمون من قشور العلوم ما يستعينون به على الأخذ من أموال الحكومات ~~والأغنياء والتغرير بالعامة؛ ولذلك كان أكثر اشتغال من سموا أنفسهم بالعلماء في كل عصر ~~بالفقه؛ لأنه سلم إلى ما يتطاولون إليه من الجاه والمال وحسن الحال. # قال حجة الإسلام الغزالي في الإحياء: اعلم أن الخلافة بعد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # تولاها ~~الخلفاء الراشدون المهديون، وكانوا أئمة علماء بالله تعالى فقهاء في أحكامه، وكانوا مستقلين ~~بالفتاوى في الأقضية، فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا نادرا في وقائع لا يستغنى فيها ~~عن المشاورة ، فتفرغ العلماء لعلم الآخرة وتجردوا لها، وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق ~~بأحكام الخلق من الدنيا، وأقبلوا على الله تعالى بكنه اجتهادهم، كما نقل من سيرهم، فلما ~~أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولوها بغير استحقاق، ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام، ~~اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء، وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم؛ لاستفتائهم في مجاري ~~أحكامهم، وكان قد بقي من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول، وملازم صفو الدين، ~~ومواظب على سمت علماء السلف، فكانوا إذا طولبوا هربوا وأعرضوا، فاضطر الخلفاء إلى الإلحاح ~~في طلبهم لتولية القضاء والحكومات، فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء، وإقبال الأئمة والولاة ~~عليهم وإعراضهم عليهم، فاشرأبوا لطلب العلم، توصلا إلى نيل العز ودرك الجاه من قبل الولاة، ~~فأكبوا على علم الفتاوى، وعرضوا أنفسهم على الولاة وتعرفوا إليهم وطلبوا الولايات والصلات ~~منهم، فمنهم من حرم ومنهم من أنجح، والمنجح لم يخل من ذل الطلب ومهانة الابتذال، فأصبح ~~الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين، وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين، أذلة ~~إلا من وفقه الله تعالى في كل عصر من علماء دين الله. # وقد كان أكثر الإقبال في تلك الأعصار على الفتاوى والأقضية؛ لشدة الحاجة إليها في ~~الولايات والحكومات، ثم ظهر بعدهم من الصدور والأمراء من يسمع مقالات الناس في قواعد ~~العقائد، ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها، فعلمت رغبته إلى المناظرة والمجادلة في الكلام، ~~فأكب الناس على علم الكلام وأكثروا فيه التصانيف، ms058 ورتبوا فيه طرق المجادلات، واستخرجوا فنون ~~المناقضات في المقالات، وزعموا أن غرضهم الذب عن دين الله والنضال عن السنة وقمع ~~المبتدعة، كما زعم من قبلهم أن غرضهم بالاشتغال بالفتاوى الدين وتقلد أحكام المسلمين؛ ~~إشفاقا على خلق الله ونصيحة لهم، ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض في الكلام ~~وفتح باب المناظرة فيه؛ لما كان قد تولد من فتح بابه من التعصبات الفاحشة والخصومات الفاشية ~~المفضية إلى إهراق الدماء وتخريب البلاد، ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه، وبيان الأولى ~~من مذهب الشافعي وأبي حنيفة - رضي الله عنهما - على الخصوص، فترك الناس الكلام وفنون العلم، ~~وانثالوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص، وتساهلوا في الخلاف مع ~~مالك وسفيان وأحمد - رحمهم الله تعالى - وغيرهم، وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع، ~~وتقرير علل المذهب، وتمهيد أصول الفتاوى، وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات، ورتبوا فيها ~~أنواع المجادلات والتصنيفات، وهم مستمرون إلى الآن، وليس ندري ما الذي يحدث الله فيما بعدنا ~~من الأعصار. فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيات والمناظرات لا غير. ولو مالت نفوس ~~أرباب الدنيا إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمة، أو علم آخر من العلوم لمالوا أيضا معهم، ~~ولم يسكتوا عن التعلل بأن ما اشتغلوا به هو علم الدين، وألا مطلب لهم سوى التقرب إلى رب ~~العالمين. ا.ه. # هذا موجز من تاريخ المتحذلقين في الدين، وصف به حجة الإسلام طغمتهم في عصره، وعصره ~~الخامس من أفضل عصور النور في الإسلام، فما بالك بأمثالهم بعده وقد حدثت من الأحداث ما كان ~~الجهل سداها ولحمتها، والنيل من المخلصين مبدأها وغايتها، وما أصدق ما قاله حجة الإسلام ~~أيضا في هؤلاء الطغام أعداء الإسلام والسلام، في أول كتابه التفرقة بين الإسلام والزندقة ~~قال: وأنى تتجلى أسرار الملكوت لقوم إلههم هواهم، ومعبودهم سلاطينهم، وقبلتهم دراهمهم ~~ودنانيرهم، وشريعتهم رعونتهم، وإرادتهم جاههم وشهواتهم، وعبادتهم خدمتهم أغنياءهم، وذكرهم ~~وساوسهم، وكنزهم سواسهم، وفكرهم استنباط الحيلة لما تقتضيه حشمتهم، فهؤلاء من أين تتميز لهم ~~ظلمة الكفر ms059 من ضياء الإيمان، أبإلهام إلهي، ولم يفرغوا القلوب عن كدورات الدنيا لقبولها، أم ~~بكمال علمي، وإنما بضاعتهم في العلم مسألة النجاسة وماء الزعفران وأمثالهما؟ هيهات هيهات، ~~هذا المطلب أنفس وأعز من أن يدرك بالمنى، أو ينال بالهوينا، فاشتغل أنت بشأنك، ولا تضيع ~~فيهم بقية زمانك # فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم ~~يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من ~~العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بمن اهتدى ~~. # وبعد، فإن في هذا العصر فئات في هذا الشرق ممن استعاذ منهم المصلحون في كل عصر، ولكنهم ويا ~~للأسف حثالة الحثالة، ومثال الجهالة والضلالة، إن قلت لهم: تعاليم فلان، قالوا لك: أونسيت ~~تعاليم فلان فهي أحسن وأسلم، وإن حرضتهم على علم كذا قالوا علم كذا أفضل، وإن شرحت لهم ~~أساليب المدنية، قالوا: إننا لم نؤت إلا من قبل ديننا فتركناه، فصارت حالنا إلى ما ترى، ~~وإن حدثتهم بطرق الارتقاء قالوا: إنه يدعونا إلى الانحلال كأنه ما كفانا ما نحن فيه من ~~البدع، وإن دعوتهم إلى الأخذ بما صح من أحكام الحلال والحرام، أوردوا لك من أقوال شيوخهم، ~~وأقاصيص عجائزهم، وأحلام حالميهم، ومثبطات المتزهدين والمتورعين منهم ما تسأل الله معه ~~السلامة، وإن حببت إليهم المعروف قالوا لك: ما أكثر المنكرات. # حملة أهواء، لا حملة شريعة، وجعاب لغو وحشو لا قوام على ما يقوم العقل، سلاحهم المغالطة، ~~ومجنهم السفسطة، رأس مالهم الثرثرة، وربحهم الغلبة بالباطل، والمهارة في المهاترة على غير ~~طائل، مناهم من دينهم ودنياهم أن تفخم ألقابهم، وتملأ كراشهم وعبابهم، وترفع بين الغاغة ~~منازلهم، ويزيدوا بسطة في الجسم لا في العقل، وتكتب لهم في العالمين شهرة بعيدة، بدون أن ~~يعدوا لها أداة من أدواتها، ويصرفوا في التحصيل ساعة من أوقاتهم، دأبهم الحط من الفضلاء، ~~وهجيراهم النيل من العظماء. # يرقعون ويلفقون، ويراوغون ويماحكون، واكسون ماكسون، مدلسون موالسون، يعادون ما يجهلون، ~~يجمدون على ما يعرفون، يصانعون ولا يتلطفون، يفتون وهو لا يعلمون، يجتهدون ويخطئون، يهرفون ~~بما لا يعرفون، يعدون علوم البشر ذرة ms060 من معارفهم، ويحتقرون ما لا تبلغه مداركهم، كأن فضل ~~الله محصور فيهم، وكأن من لا يجري على هواهم محروم من السعادة هالك، أولئك هم ثعالب الإنس ~~يأكلون لحم إخوانهم بالغيبة والوشاية، ويمشون بين الناس بالنميمة والسعاية، أسود ولكن على ~~نحت أثلات مخالفيهم، نمور ولكن لا يحسنون الوثب إلا على من لا يصلحون خدمة لهم، يفترون ~~ويغرون، يغوون ولا يخافون، يخربون ولا يدرون، يخرفون ولا يستحون، يمخرقون ولا ينتهون، فهم ~~أضر على الناس من قطاع السابلة، وأفسد في جسم المجتمع من الأدواء القتالة، يرجعون بالأمة ~~القهقرى، والدواعي تهيب بها إلى التقدم، ويزينون لها الفناء والعدم، والمصلحة قاضية ~~بالتماسك والتعاون، ويملون لها الذل والصغار، وركوب متن العار، والحالة تدعو إلى تحكيم ~~العقل في كل قول وعمل. # فاللهم ثبت أقدام المصلحين، وهيئ لهم من الكفاية ما يقوون به على رد غارات أعداء الأمة في ~~إصلاحها، فقد كفاها جهلا وضلة بما كسبت أيدي المنافقين، وما جلبوا عليها من الخزي المبين # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض ~~هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ~~... # والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما ~~. # | تعليم اللغات1 # إن تعليم اللغات على الطريقة التي جرى عليها الغربيون واقتبسها المشارقة، قد تكون نظرية ~~أكثر مما هي عملية، فيطول أمرها ويصعب تناولها، ولطالما رأينا من يترجم أشعار شكسبير ~~الإنكليزي، أو بوالو الإفرنسي، إذا رمته الأقدار في شوارع لندن أو باريز، لا يطاوعه لسانه ~~أن يلفظ كلمات يهتدي بها لوجه طريقه؛ ذلك لأن الطريقة في تعلمه تلك اللغة الأجنبية هي عين ~~الطريقة التي يستخدمها الأوروبيون في تعليم الصم البكم، بل عين النهج الذي ينهجه المغاربة ~~في تعليم إحدى اللغات الميتة من لاتينية ويونانية، أو إحدى اللغات الحية من إنكليزية ~~وإفرنسية وإيطالية وغيرها؛ إذ يكون تدريس النحو والصرف والترجمة من الكتب، هو العدة في ~~إتقان اللغات، ويسهل على المعلم أن يدرس تلميذه على هذا النحو، وربما أخذ في تعليمه لغة، ~~وهو لا يحسن أن يؤلف بين جملتين صحيحتين في تلك اللغة التي عهد ms061 إليه تدريسها، ولم يجود ~~التلفظ بها، فكان شغله الشاغل تعليم تلامذته أصول التصريف والإعراب والترجمة، على حين قد ~~ثبت أن الدارس قد يستظهر قواعد لغة وقوانينها، ولا يبرع في اللغة نفسها، وأسقم المذاهب في ~~تعلم لغة أن يتكلم المرء بلغته في خلال تعلمه لغة غيرها. # من أجل هذا قضت الحال أن تكون دراسة قواعد الإعراب والتصريف بعد معرفة اللغة معرفة ~~عملية لا نظرية، ولا تفيد الترجمة والنقل إلا إذا توفرت للطالب بادئ بدء معرفة ~~الأساليب في اللغة الغريبة، فعلى من رام أن يتكلم لغة ويكتب فيها أن يفكر في تلك اللغة، ~~ويكون شعوره شعور أهلها فيها، لا أن يصيغ تراجم وينقل جملا، فتستدعي الأفكار والانفعالات ~~للحال ما يحتاج إليه الطالب من الألفاظ التي يعبر بها عنها، فتصير اللغة التي يتعلمها لغة ~~ثانية له، ولا تكون الترجمة من لغته أو إليها إذا دعت الحال حرفا بحرف، بل على طريقة تنقل ~~بها الصورة إلى التعبير عنها، وقلما يسمع المتعلم في معظم المدارس اليوم صدى اللغة التي ~~يتعلمها، ويقتضي له أن يربي عليها أذنه وذاكرته ما أمكن، وما أشبه المدرس وهو يشرح للدارس ~~دروسه بلغته الأصلية، إلا بأم تود أن تعلم طفلها وهو ألكن تمام قواعد الفعل الماضي، ~~وتصريف الأفعال الشاذة بدلا من أن تعنى بتعليمه أن يحسن تلفظ الكلمات الأولى التي يحاول ~~التلفظ بها. # وما فتئ تعلم اللغات يختلف باختلاف الاجتهاد في كل قوم، ومعظمه دائر في الغرب منذ ثلاثين ~~سنة على طريقتين، وهما إما أن يقيم المتعلم زمنا في بلد اللغة التي يريد تعلمها، أو أن ~~يكون أهل الطفل في سعة من العيش، فيتخذون له مؤدبا أو مؤدبة يعلمه اللغة بالعمل بين ظهراني ~~أهله وأسرته، وقد ابتدع الأستاذ برليتز الأمريكاني طريقة سهلة لتعليم اللغات جرى عليها ~~بعضهم في أميركا وأوروبا، فأسفرت عن نجاح أكيد، وطريقته عبارة عن نظر عقلي وعلم عملي، وبلفظ ~~آخر نظر في المحسوسات لا المجردات؛ إذ اللغة عبارة عن أصوات محكية لا إشارات مكتوبة، ~~والتعليم سماعي أولا ثم ms062 نظري، ولا يعمد في طريقته إلى الترجمة ولا إلى النقل، ولا يستخدم ~~فيها الطالب معجما ولا يستصحب كتاب قواعد، بل يتعلم الإنسان القوانين بعد كمال المعرفة ~~العملية على نحو ما يتعلم الطفل لغة أبيه وأمه، وليس لتعلم القواعد نفع حقيقي إلا متى عرف ~~المرء اللغة، فالقواعد تشرح اللغة شرحا علميا، فتبحث عن علل يتأتى الاستغناء عنها بادئ ~~بدء، وقلما تنفع في تلقين اللغة، شأن المصور لا يحتاج إلى إتقان العلوم الطبيعية ~~والكيماوية ليصنع صورا شمسية بديعة. # ما اللغة في الحقيقة إلا صورة محكية من الحياة ، فاقتضى في تعلمها أن يسير الإنسان من ~~نفس الحياة، لا أن يعمد إلى أشكال من التعبير لا تمس ولا تتحرك، وقلما تتلاءم الألفاظ ~~وصور الأفكار بين لغة وأخرى كل التلاؤم، فالبداءة بالترجمة الحرفية من لغة إلى لغة يراد ~~تعلمها إضاعة للوقت، وإتعاب للذهن على غير طائل، ومن العسر المعتذر أن يرسم المرء صورتين ~~رسما خفيفا على حين لا يضع إحداهما على الأخرى، وكذلك الحال في اللغات فقد امتنع أن يحكم ~~وضع لغتين إحداهما على الأخرى. # واللغة بموجب هذه الأصول الجديدة عبارة عن محادثة دائمة باللغة الغريبة، فكل ما يقع نظر ~~التلميذ عليه مباشرة، يكون له منه مادة درس وموضوع تعلم، وذلك بتربية الأذن والحواس ~~الصوتية، فيلقن الأستاذ تلميذه حسن اللفظ وسرعة التركيب، فيدرس الأفعال الأولى بالأعمال ~~والحركات، يقوم ويذهب إلى اللوح الأسود فيكتب، أو يفتح الباب، ويرفع الكتاب ويضعه، ثم تعرض ~~على سمعه مشاهد الحياة اليومية، فيسهل عليه تأليف جمل صغيرة يتزايد كل يوم عددها بسرعة، ~~فيكون التلميذ بهذه الطريقة في تأليف الجملة ما يلزمه من أوليات القواعد والروابط، والأمم ~~بأسرها تتعلم لغاتها بالعمل أولا ثم بالنظر، فيتعلم المتعلم ما تمس حاجته إليه إلى أن ~~يكتب بدون غلط، أو يتعلم التلميذ أولا معاني الكلمات الغريبة، ثم يلقى التمرينات العديدة ~~بعد معرفة اللغة معرفة فطرية فمعرفة عقلية، ومن اللازم اللازب الاعتياد على الصور قبل ~~القواعد، ثم يبدأ المعلم بالسؤال فيجيبه المتعلم، ولا يزالان ينتقلان من البسيط ms063 إلى المركب، ~~ومن شرح المفردات إلى تفسير العبارات، ويكون كل ذلك باللغة التي يراد إتقانها. # وللفظ في هذه الطريقة المقام الأعلى، ولم يكن يعنى بتقديمه من قبل، والأساتذة الذين ~~يحسنون التلفظ بلغة ما هم ممن تعلموها من الأسلوب الطبيعي في طفوليتهم، أو أتقنوها بمقامهم ~~في البلاد التي تتكلم فيها تلك اللغة، وجودة التلفظ هو روح اللغة على التحقيق، ولا تعد ~~العبارة شيئا مهما بلغت من الضبط متى قبح اللفظ وتجلت اللهجة الأعجمية فيه عيانا، ومن ~~المؤكد أن التلفظ لا يكاد يصلح إذا فسد لأول مرة ، وصعب على الإنسان ما لم يعود، فالطريقة ~~المشار إليها مغايرة لطريقة الترجمة المألوفة في الأغلب؛ إذ كل معرفة يرشد إليها المتعلم ~~على هذه الصورة لا تحسب ناقصة الجهاز مشوشة الأسلوب، وقلما تجد الألفاظ في لغة ما يقابلها ~~في لغة ثانية، ولكل لغة اصطلاحاتها الخاصة بها، ليس للترجمة مهما أتقنت أن تنقلها على ~~أصلها؛ إذ التصورات التي تمثلها لغة لا تتحد مع تصورات تمثلها ألفاظ لغة أخرى اتحادا ~~ذاتيا معنى ومبنى، كتب أحد الغرباء إلى فنلون العالم الفرنسوي المشهور: «إن لي منك يا ~~مولاي أمعاء والد» يريد أن يقول «قلب والد»، وقال الفونس الثاني عشر ملك إسبانيا وقد جاء ~~قصره في يوم احتفال: «أتود أن تتعب معي نحو النافذة» يعني بذلك أن تقترب نحو ~~النافذة. # ولو تعلم ذاك الكاتب وهذا الملك أن يتكلما الإفرنسية على طريقة الأستاذ برليتز إذن ~~لنجيا من هذا الغلط الشائن، وكان شأنهما في سهولة التعبير وجودة التصوير شأن أولئك التجار ~~والسوقة، ممن ينزلون بلادا لا يحسنون لغتها، فما هو إلا قليل حتى يمرنوا على تكلمها ~~زمنا فيحسنونها، ولا إحسان من تعلموها على دكات المدارس، وهو يقلبون المعاجم ويتأبطون كتب ~~نحوها وصرفها وبيانها، ناقلين ناسخين مستظهرين ناسين. وطريقة برليتز هذه أن يستعمل أولا ~~اللغة المتعلمة خاصة، وأن يتابع التصور في اللغة الغريبة مباشرة بدون وساطة اللغة ~~الأصلية، وأن تعلم أسماء الأعيان بقوة الحس، وتعلم أسماء المعاني بتتابع التصور أو يدرس ~~النحو بالأمثلة والشواهد. ms064 # هذا مذهب الأستاذ برليتز في إتقان ملكة اللغات، وقد انتقل من نيويورك إلى باريز عام 1889، ~~فأسست في هذه العاصمة أول مدرسة على تلك الطريقة، وانتقل هذا المذهب في تلك السنة إلى ~~إنكلترا وألمانيا، فأسست في كل من لندن وبريس مدارس لهذا الغرض، وما برحت مدارسها تتكاثر ~~في الأصقاع الأوروبية، حتى كانت في بدء هذه السنة 343 مدرسة في أوروبا وحدها، وكلها أسفرت ~~عن ارتقاء واقتصاد في الوقت والمال، وطريقة القائمين بهذا الأمر أن يكون لكل تلميذ أستاذه ~~الخاص به، فيأخذ هذا يعلم تلميذه ما يقع نظره عليه في قاعة الدرس، من منضدة، وكرسي، وكتاب، ~~وباب نافذة، يلفظها بلغتها ولا يزال يكررها المتعلم حتى يتقن التلفظ، فإذا نفدت المسميات ~~لدى الأستاذ في الغرفة يعمد إلى صور سهلة واضحة رسمت على صفحات مجموعة، فما هو إلا أن ~~يتعلم التلميذ أسماء الأشياء الواقعة تحت بصره مع الألوان التي يمتاز بها كل منها، ثم ينتقل ~~إلى صفات الجسم وأفعال الحركات والأعداد، فإذا أنجز درس الأشياء يشرع المعلم في اختيار جمل ~~يكون التلميذ قد عرف أكثر مفرداتها، فلا يمضي ثلاثون درسا إلا وقد عرف التلميذ الأفعال ~~الشائعة في الاستعمال والمفردات التي تدخل غالبا في الأحاديث العامة، ويتمكن في ستين درسا ~~من بيان فكره أصح بيان في كل حالة علاقة بمجرى الحياة الاجتماعية العادي، ويحسن في اختيار ~~المعلمين أن يكونوا ممن لا يعلمون لغة المتعلم. # ومما يضحك ما وقع لولد أحد كبار المنشئين الفرنسويين وكان يدرس الألمانية على طريقة ~~برليتز، قيل: إنه لما بلغ به المعلم إلى تمييز الفعل المتعدي من اللازم، لم يفهم التلميذ ~~المراد من المتعدي واللازم، وأخذ معلمه يشرحهما له بالإشارة تارة والتشبيه طورا، فلم يفلح، ~~وكان تلميذه معه كأعجم طمطم لا يفهم ولا يفهم، وأبى الأستاذ على تلميذه أن يفسر له شيئا ~~بلغته مع إلحاحه عليه في ذلك، وراح الطفل إلى دار أبيه، وقد بلغ منه الغيظ وأنشأ يقلب كتاب ~~نحوه يفتش عن الأشكال، فاهتدى بنفسه إلى حله وشكا أمره إلى والده، ms065 فقال له: أي بني لقد أحسن ~~الأستاذ أن أبى عليك شرح ما يريد تعليمك بلغتك، ولو قاله لك لعزب عن ذهنك، وأصبح لديك بعد ~~زمن نسيا منسيا، أما الآن فإني على ثقة من أنك لا تنس التفرقة بين الفعل اللازم ~~والمتعدي ولو بعد مائة سنة. # قال الكاتب الذي عربنا عنه أكثر هذا المبحث: وقد كان أرباب الأفكار والحصافة يجمعون ~~على أن اللغات الحية لا تعلم كاللغات الميتة، بل إنه لا بد في الأولى من المران على ~~التكلم بها من أول وهلة، وإنه ما من لغة مهما تراءى من صعوبتها على المتعلمين لأول الأمر، ~~سواء كانت اللغة الروسية، أو الهندية، أو العربية، أو الصينية إلا ويتيسر إتقانها على ~~طريقة برليتز في مدة تختلف باختلاف ذكاء المتعلم وصعوبة اللغة، والله أعلم. # | اللغات الإفرنجية1 # لهجت بعض الألسن في منافع اللغات الأوروبية ومضارها في مجتمعنا، عقيب أن قام صاحب المؤيد ~~في الجمعية العمومية في الربيع الماضي، وناقش ناظر معارف مصر في وجوب تعليم العلوم في ~~المدارس الأميرية باللغة العربية، فكان من أثر ذاك الحوار أن بطلت دروس الأشياء وجعل تدريس ~~علم تقويم البلدان باللغة العربية في المدارس الابتدائية، كما شرع في تعليم الرياضيات في ~~السنين الأولى من المدارس الثانوية باللغة العربية أيضا. # فقام بعض الناس متخذين من هذا الإصلاح حجة على قلة غناء اللغات الإفرنجية، زاعمين أن في ~~العربية ما يكفيها من العلوم، على حين كان ما دعا إليه الداعون من التدريس بالعربية لمقصد ~~آخر، أريد به إحياء لغة البلاد إذا درست العلوم بها، وإشراب نفوس المتعلمين حب أمتهم؛ ليعم ~~النفع مما يتعلمون لا التنفير من تعلم اللغات الإفرنجية التي لا يمتري عاقلان في وجوب ~~تعلمها على فريق كبير من الناس، ولا سيما من تصدوا للنفع والتأليف والكتابة على نحو ما يفعل ~~علماء اليابان، فيتعلمون الإنكليزية كما يتعلمون لغتهم الأصلية. # نقول تعلم اللغات الأجنبية وما أحرانا أن نقول إتقانها؛ لأن المبادئ البسيطة منها قد لا ~~تفيد المتعلم إلا توهمه أنه أصبح من العارفين، فإن ms066 تعوذ علماؤنا قديما من نصف فقيه، ونصف ~~صوفي، ونصف كاتب، ونصف شاعر، فما أحرانا أن نتعوذ من ناشئ يتعلم طرفا من لغة لا يستفيد ~~منها ولا يفيد. وليس معنى هذا أنه يتحتم وجوبا على كل متعلم للغة أجنبية أن يكون فيها ~~مؤلفا خطيبا كاتبا مترجما، فهذا مناف لسنة الكون، ولكن المطلوب أن يعرف الناس في تعلم ~~إحدى اللغات الأوروبية القدر الذي يؤهلهم للانتفاع بها في التجارة وأعمال الإدارة والقضاء ~~والعلم. # ولا مشاحة في أن أكثر من تعلموا اللغات الأجنبية من أبنائنا لم يتقنوها وإن حذقوها، ~~فلا يكون لهم من المعرفة بلغتهم ما يستطيعون معه أن يعبروا به عن أفكارهم، وينقلوا إليها ~~ما يعوزها من علوم الغرب وحضارته، بيد أن اللغة وإن أتقنها صاحبها لا تنفعه وينتفع بها ~~النفع المطلوب إلا إذا أضاف إليها علما أو فنا أخصى فيه، واللغة آلة لا غاية، وإن كان ~~من يتقن لغة أوروبية لا يتسنى له ذلك إلا بعد أن ينظر نظرة إجمالية في الفنون ~~المتعارفة، أما ما يقوله بعض من لا يساعدهم الوقت على تعلم لغة أجنبية، من أنه ليس في ~~النقل من اللغات الغربية كبير أمر، وأن العالم يستفيد من الوجود أكثر من استفادته مما ~~دونه كبار أرباب العقول من أمم الحضارة، فهذا من الآراء التي يقصد بها الاعتذار عن ~~التقصير، ومن جهل شيئا عاداه؛ إذ من الثابت المقرر أننا مهما تأملنا في صحيفة الكون، لا ~~نستطيع أن ندرس فيه نظام الاجتماع ولا تقنين القوانين، ولا الطب، ولا الهندسة، ولا الفلك، ~~والطبيعة والكيمياء، وفنون الأدب والتاريخ ورسم الأرض وغيرها من الفروع الكثيرة التي لا ~~أسماء لها في العربية؛ إذ لم يكن للعرب عهد بها، ولا تتم سعادة مجتمع اليوم إلا بتعلمها ~~وإتقانها، ومن قال بأن أسلافنا من العرب قد أجالوا في هذه العلوم قداح أنظارهم ووضعوا فيها ~~ما وضعوا من رسائلهم وأسفارهم، فهو على صواب وخطأ؛ وذلك أن أجدادنا قاموا بالواجب من خدمة ~~هذه العلوم في عصر تماسكهم وانبساط ظل دولتهم، إلا أنه ms067 انقطعت سلسلتها بعد القرن السادس ~~إلى منتصف القرن الثالث عشر للهجرة، وهي القرون التي كانت فيها الأمة العربية في غفلة، ~~والأمم الغربية في انتباه، فأخذ الغرب عن الشرق ما عنده من حضارة، وزاد عليها أضعافا، ولا ~~يزال يركض طرف عقله في مضمار البحث والاستقراء، ويعاني من ضروب العلم ما نحن فيه معه أجهل ~~من تلميذ مبتدئ بالتهجئة بالنسبة إلى عالم يكتب الكتاب ويقصد القصيد. # فالأمة العربية إذا أرادت النهوض العقلي والعلمي، يجب عليها أن تأخذ من كل علم بالسهم ~~الأوفر، ولا يتم لها ذلك إلا بالنقل عن الأمم الغربية، وهذا لا يتأتى إلا بعد أن تخرج ~~مدارسنا الألوف من الطلبة المتعلمين على الأساليب الحديثة؛ لينشأ لنا منهم عشرات يكونون لنا ~~عونا على ما ينقصنا من أسباب نهضتنا، وما تشتد حاجتنا إليه، ويكاد ذلك إلى الآن يعد ~~مفقودا بيننا، اللهم إلا طائفة من أسفار نقلها بعض المولعين بالعربية، وما يتيسر للمجلات ~~تعريبه من حين إلى آخر من علوم الغرب، وكله دون حد الكفاية بكثير. # قال ابن رشد في فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال: إذا تقرر أنه يجب بالشرع ~~النظر في القياس الفقهي، فبين أنه إن كان لم يتقدم أحد من قبلنا بفحص عن القياس العقلي ~~وأنواعه، أنه يجب علينا أن نبتدئ بالفحص عنه، وأن يستعين في ذلك المتقدم بالمتأخر حتى ~~تكمل المعرفة، فإنه عسير وغير ممكن أن يقف واحد من الناس من تلقاء نفسه، وابتداء على جميع ~~ما يحتاج إليه من معرفة أنواع القياس الفقهي، بل معرفة القياس العقلي أحرى بذلك وإن كان ~~غير ناقد فحص عن ذلك، فبين أنه يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا ~~في ذلك، وسواء كان ذلك الغير مشاركا لنا أو غير مشارك في الملة، فإن آراءه التي تصح بها ~~التزكية، ليس يعتبر في صحة التزكية بها كونه آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك، إذا ~~كانت فيها شروط الصحة، وأعني بغير المشارك من نظر في هذه ms068 الأشياء من القدماء قبل ملة ~~الإسلام. # وإذا كان الأمر هكذا، وكان كل ما يحتاج إليه من النظر في أمر المقاييس العقلية قد فحص عنه ~~القدماء أتم فحص، فقد ينبغي أن نضرب بأيدينا إلى كتبهم، فننظر فيما قالوه من ذلك، فإن كان ~~كله صوابا قبلناه منهم، وإن كان فيه ما ليس بصواب نبهنا عليه، فإذا فرغنا من هذا الجنس من ~~النظر وحصلت عندنا الآلات التي بها يقدر على الاعتبار في الموجودات ودلالة الصنعة فيها، فإن ~~من لا يعرف الصنعة لا يعرف المصنوع، ومن لا يعرف المصنوع لا يعرف الصانع، فقد يجب أن نشرع ~~في الفحص عن الموجودات على الترتيب والنحو الذي استفدناه من صناعة المعرفة بالمقاييس ~~البرهانية، وبين أيضا أن هذا الغرض إنما يتم لنا في الموجودات بتداول الفحص عنها واحدا ~~بعد واحد، وأن يستعين في ذلك المتأخر بالمتقدم على مثال ما عرض في علوم التعاليم، فإنه لو ~~فرضنا صناعة الهندسة في وقتنا هذا معدومة، وكذلك صناعة علم الهيئة ورام إنسان واحد من تلقاء ~~نفسه أن يدرك مقادير الأجرام السماوية وأشكالها، وأبعاد بعضها عن بعض، لما أمكنه ذلك مثل ~~أن يعرف قدر الشمس من الأرض، وغير ذلك من مقادير الكواكب، ولو كان أذكى الناس طبعا إلا ~~بوحي أو شيء يشبه الوحي، بل لو قيل: إن الشمس أعظم من الأرض بنحو 150 ضعفا أو ستين، يعد ~~هذا القول جنونا من قائله. # وهذا شيء قد قام عليه البرهان في علم الهيئة، قياما لا يشك فيه من هو من أصحاب هذا العلم، ~~قال: «وهذا أمر بين بنفسه ليس في الصنائع العلمية فقط وفي العملية، فإنه ليس منها صناعة ~~يقدر أن ينشئها واحد بعينه، فكيف بصناعة الصنائع وهي الحكمة، وإذا كان هذا فقد يجب علينا ~~إن لقينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظرا في الموجودات واعتبارا لها بحسب ما ~~اقتضته شرائط البرهان، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم، فما كان منها ~~موافقا للحق قبلناه منهم، وسررنا به وشكرناهم عليه، وما ms069 كان منها غير موافق للحق نبهنا ~~عليه وحذرنا منه وعذرناهم.» # هذا ما قاله الفيلسوف الإسلامي في عصر كان العرب أساتذة العلم في العالم، وقوله - كما ~~رأيت - غاية الحكمة، وما الغربيون الآن بالنسبة إلينا إلا قدماء متقدمون، وبهديهم يجب ~~علينا أن نهتدي في العلوم، وهذا لا يقدح فيما خلفه لنا أسلافنا من آثارهم أيام استبحار ~~عمرانهم واتساع سلطانهم، أما اللغات الحديثة التي تشتد حاجتنا إلى الأخذ منها فهي ~~الإنكليزية، والإفرنسية، والألمانية، وفي كل لغة من هذه اللغات من أنواع المعارف ما لا يكاد ~~يحلم به من لا يعرف لغاتهم . # وليت شعري إذا كان بعض أهل الغرب والعلوم قد بلغت عندهم ما علمت من الارتقاء الغريب، ~~يتعلمون لغات الشرق؛ لينقلوا منها إلى لغاتهم بعض الكتب التاريخية، والأدبية، والأخلاقية، ~~والشرعية، ويستعينوا بها على قراءة آثاره وما زبر على أحجاره، ألسنا نحن أحرياء بأن نتعلم ~~لغاتهم على مقرنا الثابت، ونقتبس منهم ما يعوزنا من علوم البشر. # إلا أن ما نفاخر به من علم أسلافنا وحضارتهم العظيمة إنما قام بإحيائهم مدنية من ~~قبلهم من الأمم، كالروم والفرس وغيرهم، ولم يتأت لهم ذلك إلا بترجمة علومهم والزيادة ~~عليها وتحسينها، فكانوا بذلك أحسن صلة وعائد بين أمم الحضارة السالفة، والأمم الأوروبية ~~الخالفة، فحضارة الإسلام إذا أنصفنا قامت بفضل التراجمة والنقلة من اليعاقبة والإسرائيليين ~~والمسلمين، لا بأيدي علماء الكلام مثلا، وقد كان على يد هؤلاء التشتيت وعلى يد أولئك ~~الجمع، وشتان بين المفرق والمجمع. وليس معنى هذا إنكار فضل من تمحضوا لخدمة الشريعة ~~واللغة في القرون الأولى للإسلام، وما في الناظرين من يقول: بأن الخليل والجاحظ والغزالي ~~والماوردي هم في حسن بلائهم في خدمة هذه الأمة، دون أبي الريحان البيروني، ونصير الدين ~~الطوسي، وحنين بن إسحاق، وثابت بن قرة، وما كان قط أهل الفريق الأول يحتقرون علم الفريق ~~الثاني ولا العكس؛ لما وقر في النفوس من أن المجتمع لا يقوم على أمتن الدعائم إلا إذا ~~أتقن كل ذي علم عمله. # قال الجاحظ: الإنسان وإن أضيف إلى الكمال وعرف ms070 بالبلاغة وناقش العلماء، فإنه لا يمكن ~~أن يحيط علمه بكل ما في جناح بعوضة أيام الدنيا، ولو استمد بكل نظار عظيم واستعان بكل بحاث ~~واع، وكل نقاب في البلاد ودارسة للكتب، وما أشك أن عند الوزراء في ذلك ما ليس عند الرعية ~~من العلماء، وعند الخلفاء ما ليس عند الوزراء، وعند الأنبياء ما ليس عند الخلفاء، وعند ~~الملائكة ما ليس عند الأنبياء، وما عند الله - عز وجل - أكثر، والخلق في بلوغه أعجز، وإنما ~~علم الله كل طبقة من خلقه بقدر احتمال فطرهم ومقدار مصلحتهم. # وقال الراغب الأصفهاني في الذريعة: العلم طريق الله تعالى ذو منازل، قد وكل الله تعالى ~~بكل منزلة منها حفظة كحفظة الرباطات والثغور في طريق الحج والغزو، ضمن منازله معرفة اللغة ~~التي عليها بني الشرع، ثم حفظ كلام رب العزة، ثم سماع الحديث، ثم الفقه، ثم علم الأخلاق ~~والورع، ثم علم المعاملات، وما بين ذلك من الوسائط ومعرفة أصول البراهين والأدلة، ولهذا ~~قال: # هم درجات عند الله # وقال: # يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم ~~درجات ~~، وكل واحد من هؤلاء الحفظة إذا عرف مقدار نفسه ومنزلته في حق ما هو ~~بصدده، فهو في جهاد يستوجب من الله أن يحفظ مكانه ثوابا على قدر علمه، لكن قلما ينفك كل ~~منزل منها من شرير في ذاته، وشره في مكسبه، وطالب لرياسته، وجاهل معجب بنفسه، بصير لأجل ~~تنفيق سلعته، صارفا عن المنزل الذي فوق منزلته من العلم وعائبا له، فلهذا ترى كثيرا ممن ~~حصل في منزلة من منازل العلم دون الغاية عائبا لما فوقه، وصارفا عمن رامه، فإن قدر أن ~~يصرف عنه الناس بشبهة مزخرفة فعل أو ينفر الناس فعل. ا.ه. # وإن ما في عبارة هذين الحبرين ليذكر بما يجب للمجتمع من مراعاة مبدأ التعاون والتكافل ~~الاجتماعي، وقد قال أحد كبار شيوخ العلم من المعاصرين: إن مما يؤخر الشرق في العلم عدم ~~مراعاة أبنائه لمبدأ التعاون والتكافل الاجتماعي، ففيه من يحسن التفصيل كما فيه من يحسن ~~الخياطة، وليس بينهما ms071 من يضم أعمال الفئة الأولى للثانية لينتفع بها المجتمع حق الانتفاع، ~~ومثل لذلك بمن نقلوا لنا العلوم على عهد الحضارة الإسلامية الأولى فقال: إنه كان يندر أن ~~يجمع المترجم بين معرفة العلم الذي يترجمه، واللغتين اللتين ينقل منهما وإليهما، فمن كان ~~يجيد السريانية لا يحسن العربية، إلا أنه كان يترجم ما يفهم بعبارة ركيكة أو عامية، فيجيء ~~المصححون يصلحون العبارة على الأسلوب العربي، فتجيء معرباتهم من أصح ما يكون لفظا ومعنى، ~~وعلى هذا درج ديوان الترجمة في الدولة العلوية الخديوية في القرن الثالث عشر في مصر، فكان ~~المترجم غير المصحح، ولذلك جاء فيما نقلوه روح العربية أكثر من المصنفات التي نقلت إلى ~~العربية حتى في هذا القرن، قال: وهكذا عرفت دولة العباسيين في بغداد، والأمويين في الأندلس، ~~والأسرة العلوية في القاهرة أن تجمع بين من يحسن التفصيل ويحسن الخياطة، فكان من هذا الجمع ~~ما كان كما حسن النفع من كل ما تصرف تحت اسم علم. # | الحافظة والحفاظ1 # أي نعمة ينالها المرء أعظم من أن تعي ذاكرته كل ما تريد وعيه، وتدخره إلى ساعة الحاجة ~~للانتفاع به، الحافظة من العوامل المؤثرة في ترقية الأفراد والجماعات، وبدونها يصعب الوصول ~~إلى إدراك الحقائق وتمحيصها؛ لأنا إذا لم نستعن في كل مطلب من مطالب الحياة بتجارب من ~~سبقونا، ونحفظ المأثور عنهم لننسج على منواله، كنا أشبه بمن يريد أن يبني له كل يوم بناء، ~~وظلت العلوم والصناعات والآداب في طفولتها الأولى تجري على نظام مضطرب، إذ يكون كل امرئ وما ~~يختار. # والذاكرة أو الحافظة حاسة يحفظ بها الذهن على صورة دائمة أمورا مضت وتأثرات وقعت، فهي ~~بذلك كما قال مونتين الفيلسوف (1592م): وعاء العلم وصوان الحكمة. وقال لاروشفو كولد الكاتب ~~(1680): جميع الناس يشكون من حافظتهم، وما شكا قط أحد من عقله. قال آخر: إن الذكاء بدون ~~حافظة أشبه بغربال لا يكاد يمسك ما تضعه فيه. وقال أحدهم: الحافظة واسطة من وسائط الكمال، ~~وبدونها لا يستطيع امرؤ أن يقلد شيئا وينسج على منواله. وقال كورنيل ms072 الشاعر: يجب لمن ~~يتعمد الكذب أن يكون ذا ذاكرة جيدة. وهذا مثل قولهم: إذا كنت كذوبا فكن ذكورا، وقال ~~بيكته الأديب السويسري (1875): لقد كان للحافظة شأن مهم جدا عند الناس في العصور الأولى، ~~أكثر مما صار لها في القرون اللاحقة، كانت الحافظة قبل اختراع الكتابة هي التي تتولى خاصة ~~نقل التقاليد الوطنية والدينية، وعامة القوانين والعادات والشعر؛ ولذلك كانت هذه الحاسة ~~التي قلما نحفل الآن بأمرها عند قدماء الآريين مشابهة للفكر نفسه. # اختلف مذهب الفلاسفة فيما إذا كانت الحافظة حاسة قائمة بذاتها، أو فيما إذا كان لكل حاسة ~~فينا ذاكرة معينة، ومعظم الحكماء وعلماء النفس على أن الحافظة حاسة مستقلة عن بقية حواس ~~الإنسان، ولا يكاد أحد يدرك كيف تعي الحافظة الأرقام والأعداد، وتحفظ العبارات والمفردات، ~~وتحكم اللغات واللهجات، وتردد الألحان والأصوات، ويقول علماء النفس: إن الشروط النفسية ~~اللازمة لجودة الذهن متوقفة على جودة تركيب أنسجة الدماغ، وحسن تغذية هذه الأنسجة، والتعب ~~والشيخوخة من العوامل المؤثرة في ضعف الحافظة؛ لأنهما ملازمان لضعف تغذية الأنسجة، ولذلك ~~قالوا: إن درجة الحافظة لا تختلف بحسب الأشخاص، بل تختلف في الشخص الواحد في أدوار مختلفة ~~من حياته، وإذا صرفنا النظر عن الآفات العضوية التي تضر بها، فإن هناك أيضا أحوالا أقل ~~منها تزيدها ضعفا إلى ضعفها، مثل اضطرابات المعدة، وسوء الهضم والشقيقة، فإن جميع هذه ~~العوارض على الجسم يغيرها تغييرا محسوسا. # ولتركيب الدماغ وحالته تأثير ظاهر في الحافظة، فقد ذكر بلين الطبيعي الروماني أن رجلا ~~نسي حتى رسائله بعد أن أصيب بشجة في رأسه. وزعم البابا كليمان السادس أن حافظته قويت قوة ~~عجيبة عقب أن أصيب برضة شديدة في دماغه. وكيفما كانت الحال فللتمرين يد طولى في تخصيص ~~الحافظة بشيء معين، فالممثلون تقوى فيهم الملكة الحافظة الشفاهية، وهي من اللوازم لهم في ~~صناعتهم، ورجال الشرطة تقوى فيهم الحافظة في تذكر صور الأشخاص، وليس البشر كلهم سواء في ~~الحفظ والاستظهار، فمنهم من يحفظون الأشكال الهندسية، وهم الذين خلقوا رياضيين بالفطرة، ~~ومنهم من يرزقون حافظة قوية ms073 في الأنغام كالموسيقيين وغيرهم في غير ذلك، ومن الناس من يذكرون ~~الكلمات بسرعة غريبة، ومن الأطفال من تقرأ لهم بصوت عال عدة صفحات، فيستظهرونها في الحال، ~~ويتلونها على مسامعك لأول مرة، وتذكر الألفاظ خاصة يمتاز بها الأولاد في العادة أكثر من ~~الكبار في السن، ممن لا تكون قويت فيهم حاسة التفكر، فيحفظون الكلمات التي يسمعونها على ~~أيسر وجه بدون أن يفهموها، والسبب في سهولة الحفظ عليهم فقدان قوة التفكر فيهم، وعندما ~~يبدأ التفكر في معظم الناس تضعف الحافظة فيهم، وقد تزول من بعضهم. والحافظة الشفاهية إذا ~~كانت هي وحدها في الإنسان لا تكون له سبيلا إلى التفكر، ومن فقد الأولى فلا يأسف لحاله؛ ~~لأنه يستطيع بقوة التفكر أن يأتي بالجيد من الأفكار، ولكن الحافظة وحدها قد تكون من أكبر ~~العوائق عن جودة التصور. # وبعد، فإن للحافظة شأنا عظيما في ترقية الفكر الإنساني، وبدونها يكون كل شيء عقيما لا ~~ثمرة له؛ لأنها واسطة لبقاء الأفكار التي صدرت، وأحسن ذريعة للحصول على أفكار جديدة، ولم ~~يعرف القانون الذي تسير عليه، كما أن جوهرها لم يدرك الباحثون حقيقته، وغاية ما عرف من ~~أمرها أنها تقوى بالانتباه والتمرن كما تقدم، وإن الكسل ابن الترف، والكسل يجرح الحافظة ~~إن لم نقل يقتلها. # ذكر التاريخ كثيرين من أرباب الحافظة النادرة، فمنهم في القديم ميتريداتس الكبير - ملك ~~شمالي غربي آسيا الصغرى (123-63ق.م) - فقد كان يحكم على اثنين وعشرين أمة مختلفة، ويخطب ~~أمام كل منها بلغتها، ويدعو كل واحد من جنده باسمه، وذكروا مثل ذلك عن قورش ملك الفرس، ~~وتيمو ستقلس، وسيبيون الآسياوي، والإمبراطور أدريان، ويقال: إن مزية الحافظة هيأت لأوتون ~~الروماني تولي الملك، وتعلم تيمو ستقلس اللغة الفارسية في سنة. # وكان ليبس اللغوي الأديب البلجيكي (1606) يحفظ تاريخ تأسيت المؤرخ اللاتيني بألفاظه ~~حرفا بحرف، وقد قال: إنه يرضى أن يقف جلاد وبيده سيف على رأسه وهو يتلو هذا التاريخ، فإذا ~~أخل بحرف واحد يضرب عنقه. # وكان لرينودي بون حافظة سعيدة، يذكر جميع الأبيات اللاتينية واليونانية التي قرأها في ms074 ~~صباه، ويتلو صفحات برمتها من ديوان هو ميروس وإن كان مضى عليه أربعون سنة وهو لم ينظر فيه ~~نظرة واحدة، وكان هودج دونو الفقيه المشهور في القرن السادس يستظهر القوانين المعروفة في ~~عصره بالحرف الواحد، وحفظ يوسف سكاليجه الأديب (1609) الإلياذة والأوذيسية في واحد وعشرين ~~يوما. ومن ألطف ما يروى في باب الحافظة أن أحد الفلاحين في فرنسا جاء إلى باريز يقصد ~~صاحبا قديما له كان استلف منه خمسة فرنكات منذ خمس عشرة سنة، وطلب إليه أن ينقده ما له ~~قبله، فتركه صاحبه وعاد فدفع إليه ليرة واحدة وخمسة فرنكات ، وقال له: هذا يا صاح فقد كنت ~~نلت وأنا في المدرسة ليرة جائزة على حافظتي، فرأيتك أحد مني ذاكرة، وإنك أحق بهذه الجائزة ~~مني. ~~••• # ليس في الدنيا خير محض، فقد اخترعت الطباعة منذ نحو خمسمائة سنة، فعم نفعها أهل الأرض ~~كافة، ولكن ما عتمت أن نتج عنها بعض شر، إذ أصبح الناس يعتمدون على الكتب في جماع علومهم ~~وآدابهم، بعد أن كان جل اعتمادهم على محفوظاتهم ومخطوطاتهم، والغالب أن الاعتماد على ~~الحافظة والحفاظ كان في الإسلام على أشده قبل تدوين الكتب، وتأليف الرسائل والمصنفات، ولما ~~بلغ بعض الأئمة تدوين الكتب أسفوا، وعدوه من دواعي تقهقر العلم وانقطاع سند الرواية، وما ~~زالت الحال ترتقي بعض الشيء في بعض الأعوام، ثم يزهد في الحفظ حتى انتشرت الطباعة في بلادنا ~~بانتشار الصناعات الفكرية، فأمسى الناس يستندون إلى السطور بدل الصدور، والقراطيس والأسفار ~~بدل الحفظ والاستظهار؛ فضعفت بهذا الضعف الحافظة وإن قويت المفكرة، وقلت الرواية وإن لم ~~تقل الدراية. # انقطع سند الحفظ إلا في بعض ما لا يسع الأمة جهله من القرآن وعلومه، فأخذ بعضهم يفتاتون ~~على من عرفوا قديما بسعة محفوظهم ويزيفون، ولكن بدون برهان ما رواه طائفة الراوين من أنباء ~~الأذكياء الحافظين، ولو صح الاعتماد على إلقاء الكلام على عواهنه في هذا الباب، إذن لسقط ~~التاريخ وارتفعت الثقة من كل خبر حتى من مجيء الرسل، وحروب الملوك، ودثور الشعوب والمدن وما ~~إليها، وما ms075 أشبه من يكذب بادئ الرأي بلا دليل قاطع بمن يؤثر الهدم على البناء، وشتان بين ~~المخرب والمعمر، والمتلف والمخلف، والمفسد والمصلح. ~~••• # ما عنيت أمة بتدوين دينها وحفظه ولغتها وضوابطها، عناية المسلمين بدينهم ولغتهم، فكان من ~~أمر حفظة الكتاب العزيز ما اشتهر في كل مصر وعصر، ولا يزال في البلاد أثر من آثار تلك ~~العناية، أما الأحاديث فقد عنوا بها قديما وجمعوا أشتاتها، وبينوا صالحها من موضوعها، ~~وضعيفها من قويها، مما يدركه كل من كان له إلمام بالمراجعة ونظر في كتب القوم. لم يكن العلم ~~في القرون الأولى للإسلام بالإرث ، ولا بالمظاهر، ولا بالوساطات والشفاعات، بل كان ~~بالاستحقاق وكد القرائح، يسير على قوانين بقيود وروابط؛ ولذلك لم يكن ينال لقب حافظ من لم ~~يحفظ ألوفا من الأحاديث بأسانيدها، فقد كانوا يطلقون اسم المسند على من يروي الحديث ~~بإسناده، سواء كان عنده علم به، أو ليس له إلا مجرد رواية، ويطلقون اسم المحدث على من كان ~~أرفع منه، والعالم على من يعلم المتن والإسناد جميعا، والفقيه على من يعرف المتن ولا يعرف ~~الإسناد، والحافظ على من يعرف الإسناد ولا يعرف المتن، والراوي على من يعرف المتن ولا يعرف ~~الإسناد، وكان السلف يطلقون المحدث والحافظ بمعنى. والمحدث من عرف الأسانيد والعلل وأسماء ~~الرجال والعالي والنازل، وحفظ مع ذلك جملة مستكثرة من المتون، وسمع الكتب الستة، ومسند أحمد ~~بن حنبل، وسنن البيهقي، ومعجم الطبراني، وضم إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثة، هذا ~~أقل درجاته، فإذا سمع ما ذكر وكتب الطباق، ودار على الشيوخ، وتكلم في العلل والوفيات ~~والمسانيد، كان في أول درجات المحدثين، وكان السلف يستمعون فيقرءون، فيرحلون، فيفسرون ~~ويحفظون، فيعملون قال بعضهم: # إن الذي يروي ولكنه # يجهل ما يروي وما يكتب # كصخرة تنبع أمواهها # تسقي الأراضي وهي لا تشرب # سأل تقي الدين السبكي الحافظ جمال الدين المزي عن حد الحفظ الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز ~~له أن يطلق عليه الحافظ، قال: يرجع إلى أهل العرف، فقلت: وأين أهل العرف قليل ms076 جدا، ~~قال: أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم، أكثر من ~~الذين لا يعرفهم ليكون الحكم للغالب، فقلت له: هذا عزيز في هذا الزمان، أدركت أنت أحدا ~~كذلك فقال: ما رأينا مثل الشيخ شرف الدين الدمياطي، ثم قال: وابن دقيق العيد كان له في هذا ~~مشاركة جيدة، قال فتح الدين بن سيد الناس: وأما المحدث في عصرنا فهو من اشتغل في الحديث ~~رواية ودراية، وجمع رواة واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك حتى ~~عرف فيه خطه واشتهر فيه ضبطه ، فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيخ شيوخه، طبقة بعد طبقة ~~بحيث يكون ما يعرفه من علل طبقته أكثر مما يجهله منها فهذا هو الحافظ. وأما ما يحكى عن ~~بعض المتقدمين من قولهم كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث من الإملاء، فذلك ~~بحسب أزمنتهم. # وقال أبو زرعة الرازي: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، قيل له وما يدريك قال: ذاكرته ~~فأخذت عليه الأبواب. وقال البخاري: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح. ~~وقال الحاكم في المدخل: كان الواحد من الحفاظ يحفظ خمسمائة ألف حديث، سمعت أبا عبد الله بن ~~وارة يقول: كنت عند إسحاق بن إبراهيم بنيسابور، فقال رجل من أهل العراق: سمعت أحمد بن حنبل ~~يقول صح من الحديث سبعمائة ألف وكسر، وهذا الفتى - يعني أبا زرعة - قد حفظ سبعمائة ألف ~~حديث. قال البيهقي: أراد ما صح من الأحاديث وأقاويل الصحابة والتابعين. وقال غيره: سئل أبو ~~زرعة عن رجل حلف بالطلاق أن أبا زرعة يحفظ مائتي ألف حديث هل يحنث قال: لا، ثم قال: أحفظ ~~مائة ألف حديث كما يحفظ الإنسان سورة قل هو الله أحد، وفي المذاكرة ثلاثمائة ألف حديث، وقال ~~أبو بكر محمد بن عمر الرازي الحافظ: كان أبو زرعة يحفظ سبعمائة ألف حديث، وكان يحفظ مائة ~~وأربعين ألفا في التفسير والقرآن، وكان إسحاق بن راهويه يملي ms077 سبعين ألف حديث حفظا. وأسند ~~ابن عدي عن ابن شبرمة عن الشعبي قال: ما كتبت سوادا في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل ~~بحديث قط إلا حفظته، فحدثت بهذا الحديث إسحاق بن راهويه فقال: تعجب من هذا، قلت: نعم، ~~قال: ما كنت لأسمع شيئا إلا حفظته، وكأني أنظر إلى سبعين ألف حديث، أو قال: أكثر من ~~سبعين ألف حديث في كتبي. وأسند عن أبي داود الخفاف قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: كأني ~~أنظر إلى مائة ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفا أسردها. وأسند الخطيب عن محمد بن يحيى بن ~~خالد قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: أعرف مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها، وأحفظ ~~سبعين ألف حديث عن ظهر قلبي، وأحفظ أربعة آلاف ضرورة. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال ~~أبي لداود بن عمرو الضبي وأنا أسمع: كان يحدثكم إسماعيل بن عباس هذه الأحاديث بحفظه قال: ~~نعم ما رأيت معه كتابا قط، قال له: لقد كان حافظا كم كان يحفظ؟ قال: شيئا كثيرا، قال: ~~أكان يحفظ عشرة آلاف؟ قال: عشرة آلاف وعشرة آلاف وعشرة آلاف، فقد كان أبي هذا كان مثل وكيع. ~~وقال يزيد بن هارون: أحفظ خمسة وعشرين ألف حديث. وقال الآجري: كان عبد الله بن معاذ العنبري ~~يحفظ عشرة آلاف حديث. # قال السبكي: لم تر عيناي أحفظ من أبي الحجاج المزي، وأبي عبد الله الذهبي والوالد، وغالب ~~ظني أن المزي يفوقهما في العلل والمتون والجرح والتعديل، مع مشاركة كل منهم لصاحبه فيما ~~يتميز به عليه المشاركة البالغة سمعت شيخنا الذهبي يقول: ما رأيت أحدا في هذا الشأن أحفظ ~~من الإمام أبي الحجاج المزي، وبلغني عنه أنه قال ما رأيت أحفظ من أربعة: ابن دقيق العيد، ~~والدمياطي، وابن تيمية والمزي، فالأول أعرفهم بالعلل وفقه الحديث، والثاني بالأنساب، ~~والثالث بالمتون، والرابع بأسماء الرجال، وكان الدمياطي يقول: ما رأى شيخنا أحفظ من زكي ~~الدين عبد العظيم، وما رأى الزكي أحفظ من أبي الحسن علي بن المفضل، ms078 ولا رأى ابن المفضل أحفظ ~~من الحافظ عبد الغني، ولا رأى عبد الغني أحفظ من أبي موسى المديني إلا أن يكون الحافظ ~~أبا القاسم بن عساكر، ولا رأى ابن عساكر والمديني أحفظ من أبي القاسم إسماعيل بن محمد ~~التيمي، ولا رأى إسماعيل أحفظ من أبي الفاضل محمد بن طاهر المقدسي، ولا رأى ابن طاهر أحفظ ~~من أبي نصر بن ماكولا، ولا رأى ابن ماكولا أحفظ من أبي بكر الخطيب، ولا رأى الخطيب أحفظ من ~~أبي نعيم، وأبو نعيم ما رأى أحفظ من الدارقطني، وأبي عبد الله بن منده ومعهما الحاكم، وكان ~~ابن منده يقول: ما رأيت أحفظ من أبي إسحاق بن حمزة الأصبهاني، وقال ابن حمزة: ما رأيت أحفظ ~~من أبي جعفر أحمد بن يحيى بن زهير الشقيري، وقال: ما رأيت أحفظ من أبي زرعة الرازي، وأما ~~الدارقطني فما رأى أحفظ من نفسه. وأما الحاكم فما رأى أحفظ من الدارقطني، بل وكان يقول ~~الحاكم: ما رأيت أحفظ من أبي علي النيسابوري ومن أبي بكر بن الجعابي، وما رأى الثلاثة أحفظ ~~من أبي العباس بن عقدة، ولا رأى أبو علي النيسابوري مثل النسائي، ولا رأى النسائي مثل إسحاق ~~بن راهويه، ولا رأى أبو زرعة مثل أبي بكر بن أبي شيبة، وما رأى أبو علي النيسابوري مثل ~~ابن خزيمة، وما رأى ابن خزيمة مثل أبي عبد الله البخاري، ولا رأى البخاري فيما ذكر مثل علي بن ~~المديني، ولا رأى أيضا أبو زرعة، والبخاري، وأبو حاتم، وأبو داود، مثل أحمد بن حنبل، ولا ~~مثل يحيى بن معين وابن راهويه، ولا رأى أحمد ورفاقه مثل يحيى بن سعيد القطان، ولا رأى هو ~~مثل سفيان ومالك وشعبة، ولا رأوا مثل أيوب السختياني، نعم، ولا رأى مالك مثل الزهري، ولا ~~رأى الزهري مثل أبي المسيب، ولا رأى ابن المسيب أحفظ من أبي هريرة، ولا رأى أيوب مثل ابن ~~سيرين، ولا رأى مثل أبي هريرة، نعم، ولا رأى الثوري مثل منصور، ولا رأى منصور مثل إبراهيم، ~~ولا ms079 رأى إبراهيم مثل علقمة كابن مسعود. # هذا كان مبلغ القوم في حفظ الحديث وروايته على كثرة المتشابه فيه، وتوفر الأسانيد ~~والرواة، بحيث لو أراد أحد لهذا العهد أن يحفظ شيئا مما كانوا يحفظونه، لاختار استظهار ~~اللغة الصينية واستسهلها أكثر؛ وذلك لضعف الحافظة من هذا المعنى وانقطاع سند هذه العلوم ~~الجليلة إلا قليلا. # كان الحافظ أبو عامر محمد بن سعدون من أعيان حفاظ الإسلام، قال ابن عساكر: إنه أحفظ شيخ ~~لقيه، وشيوخ ابن عساكر زهاء ألف ومائتي شيخ، وكان الفقيه أعلم الدين القمني، يحفظ ما سمعه ~~من مرة واحدة، وكان الشافعي من أحفظ أهل دهره، قضى عشرين سنة في تعلم الأدب والتاريخ، وقال: ~~ما أردت بهذا إلا الاستعانة على الفقه، ويروى أنه نظر في كتاب لأبي حنيفة، فما كان من ~~الغد إلا أن غدا راويا له مستظهرا إياه بجملته. وابن دريد صاحب المقصورة من علماء ~~اللغة كان آية من آيات الله في اتساع صدره للرواية، تقرأ عليه دواوين العرب، فيسارع إلى ~~إملائها من محفوظه، وقيل: إن أحمد بن حنبل إمام المحدثين كان يحفظ ألف ألف حديث، قال سعيد ~~بن جبير من أعلام التابعين: قرأت القرآن في ركعة في البيت الحرام، وقال إسماعيل بن عبد ~~الملك: كان سعيد بن جبير يؤمنا في شهر رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود، وليلة ~~بقراءة زيد بن ثابت، وليلة بقراءة غيره هكذا أبدا، ولا عجب وهو الذي قال فيه أحمد بن حنبل: ~~قتل الحجاج سعيد بن جبير، وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه. # وكان علي الرازي يقول: من فهم هذا الكتاب - يعني الجامع الصغير لمحمد - فهو من أصحابنا، ~~ومن حفظه كان أحفظ أصحابنا، وإن المتقدمين من مشايخنا كانوا لا يقلدون أحدا القضاء حتى ~~يمتحنوه، فإن حفظه قلدوه القضاء وإلا أمروه بالحفظ. وذكر صاحب فتح الطيب أنه كان خارج قرطبة ~~ثلاثة آلاف قرية في كل واحدة منبر وفقيه مقلص تكون الفتيا في الأحكام والشرائع له، وكان لا ~~يجعل القالص منهم على ms080 رأسه إلا من حفظ الموطأ، وقيل من حفظ عشرة آلاف حديث والمدونة. وكان ~~بديع الزمان الهمذاني يحفظ خمسين بيتا بسماع واحد، ويؤديها من أولها إلى آخرها، وينظر في ~~كتاب نظرا خفيفا، ويحفظ أوراقا ويؤديها من أولها إلى آخرها، وينظر في الأربعة والخمسة ~~الأوراق من كتاب لم يعرفه، ولم يره نظرة واحدة خفيفة، ثم يهذها عن ظهر قلبه هذا ويسردها ~~سردا، وهذا حاله في الكتب الواردة وغيرها، وكان أبو رياش أحمد بن إبراهيم من رواة الأدب، ~~يحفظ خمسة آلاف ورقة لغة، وعشرين ألف بيت شعر، إلا أن أبا محمد المافروخي بذ عليه؛ ~~لأنهما اجتمعا أول ما تشاهدا بالبصرة، فتذاكر أشعار الجاهلية، وكان أبو محمد يذكر القصيدة ~~فيأتي أبو رياش على عيونها، فيقول أبو محمد إلا أن تهذها من أولها إلى آخرها، فينشد معه ~~ويتناشدان إلى آخرها، ثم أتى أبو محمد بعدة قصائد، لم يتمكن أبو رياش أن يأتي بها إلى ~~آخرها، وفعل ذلك في أكثر من مائة قصيدة حدثني بذلك من حضر ذلك المجلس معهما، قاله ياقوت في ~~معجم الأدباء. # وكان الحفظ في كل فن شائعا بين أهل الأدب وطلاب العلم، على اختلاف ضروبه عند العرب، على ~~نحو ما يتضح من تصفح سير رجالهم، ولو لم يكن استناد المؤلفين في الأغلب إلا على ما في لوح ~~محفوظهم، لما تيسر لهم أن يؤلف أحدهم عشرات من المجلدات يعجز العالم اليوم عن نسخها، بل عن ~~تصفحها. # فقد كان العرب قبل البعثة يروون قصائد شعرائهم وأغاني حداتهم، كما يؤخذ من اجتماعاتهم في ~~سوق عكاظ ومربد البصرة، ولم تكن بضاعتهم من ذلك كثيرة؛ لأن أمراء الكلام لم ينبغوا إلا في ~~الإسلام، بظهور نور النبوة وفصاحة الكتاب العزيز. ولقد كان الراوية والنسابة ينشد عشرات بل ~~مئات من القصائد، كما يحفظ أحدنا لهذا العهد الأبيات القليلة غير متلعثم ولا متردد، خذ ~~مثالا لذلك حمادا الرواية المتوفى سنة 155، فقد كان على قلة بضاعته من العربية يروي ~~المئات من القصائد للجاهلين والمخضرمين، كما يروي فاتحة الكتاب، ويذكر أشعار العرب ms081 وأيامهم ~~وأنسابهم ولغاتهم، كأنه يروي قصة، وكان ملوك بني أمية يرجعون إليه في هذا المعنى، ويحلونه ~~منزلة عالية من التجلة والإكرام، روي أن الوليد بن يزيد الأموي قال له يوما وقد حضر مجلسه: ~~بم استحققت هذا الاسم، فقيل لك الراوية فقال: بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو ~~سمعت به، ثم أروي لأكثر منهم ممن تعترف أنك لا تعرفه ولا سمعت به، ثم لا ينشدني أحد شعرا ~~قديما ولا محدثا إلا ميزت القديم من المحدث، فقال: ثم فكم مقدار ما تحفظ من الشعر؟ قال: ~~كثير، ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات من شعر ~~الجاهلية دون شعر الإسلام، قال: سأمتحنك في هذا، ثم أمره بالإنشاد فأنشد حتى ضجر الوليد، ثم ~~وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفي عليه، فأنشده ألفين وتسعمائة قصيدة للجاهلية، ~~وأخبر الوليد بذلك، فأمر له بمائة ألف درهم، ونوادره كثيرة. # وكان الأصمعي المتوفى سنة 318 أو قبلها صاحب لغة ونحو، وإماما في أخبار العرب وملحهم ~~وغرائبهم، قال عمر بن شبة: سمعت الأصمعي يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة، وقال إسحاق ~~الموصلي: لم أر الأصمعي يدعي شيئا من العلم فيكون أعلم به منه، وحضر يوما عند الفضل بن ~~الربيع هو وأبو عبيدة معمر بن المثنى فقال له: كم كتابك في الخيل؟ فقال الأصمعي: مجلدا ~~واحدا، فسأل أبا عبيدة عن كتابه، فقال: خمسون مجلدة، فقال له: قم إلى هذا الفرس وأمسك ~~عضوا عضوا منه وسمه، فقال: لست بيطارا، وإنما هذا شيء أخذته عن العرب، فقال للأصمعي: قم ~~وافعل أنت ذلك، فقام الأصمعي وأمسك ناصيته، وشرع يذكر عضوا عضوا ويضع يده عليه، وأنشد ما ~~قالت العرب فيه إلى أن فرغ منه. قال أبو حمدون الطيب بن إسماعيل: شهدت ابن أبي العتاهية، ~~وقد كتب عن أبي محمد اليزيدي قريبا من ألف مجلد عن أبي عمرو بن العلاء خاصة، ويكون ذلك ~~نحو عشرة آلاف ورقة؛ لأن تقدير المجلد عشر ورقات. # قال أبو نواس: ms082 ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة من العرب، منهم الخنساء وليلى، فما ظنك ~~بالرجال، قلت: ولذلك جاء شعر أبي نواس أحسن شعر المولدين، كما شهد له بذلك أصحاب الشأن في ~~هذه الصناعة، وفي مقدمتهم الجاحظ الذي فضل شعره على شعر العرب العرباء، قال إسماعيل بن ~~نوبخت: ما رأيت قط أوسع علما من أبي نواس ولا أحفظ منه، مع قلة كتبه. ولقد فتشنا منزله بعد ~~موته فما وجدنا فيه إلا قمطرا فيه جزاز مشتمل على غريب ونحو. # قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: دخل أبو عمرو إسحاق بن مراد الشيباني البادية، ومعه ~~وستيجتان من حبر، فما خرج حتى أفناهما بكتب سماعه عن العرب، وكان أبو عمرو عالما بأيام ~~العرب، جامعا لأشعارها، ويروى عن عمرو بن أبي عمرو قال: لما جمع أبي أشعار العرب كانت ~~نيفا وثمانين قبيلة، وكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفا بخطه، ويحكى ~~أنه أخذ عن المفضل الضبي دواوين العرب، وسمعها منه أبو حيان، وابنه عمرو بن أبي عمرو ~~الشيباني من العلم والسماع أضعاف ما كان مع أبي عبيدة، ولم يكن من أهل البصرة مثل أبي عبيدة ~~في السماع والعلم، قال سلمة: أملى القراء كتبه كلها حفظا لم يأخذ بيده نسخة إلا في ~~كتابين، ومقدار كتب الفراء ثلاثة آلاف ورقة، وكان مقدار الكتابين خمسين ورقة، ويقال: إن ~~الأصمعي كان يحفظ ثلث اللغة، وكان الخليل يحفظ نصف اللغة، وكان أبو فيد يحفظ الثلثين، وكان ~~أبو مالك يحفظ اللغة كلها، وكان الغالب على أبي مالك حفظ الغريب والنوادر. وكان ابن ~~الأعرابي أحفظ الناس للغات والأيام والأنساب، وقال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: قال لي ~~ابن الأعرابي: أمليت قبل أن تجيئني يا أحمد حمل جمل. وقال ثعلب: انتهى علم اللغة والحفظ ~~إلى ابن الأعرابي. وقال ثعلب: سمعت ابن الأعرابي يقول في كلمة رواها الأصمعي: سمعت من ألف ~~أعرابي خلاف ما قاله الأصمعي. # وكان قتادة عالما نحريرا، وأجمع الناس لأشعار العرب وأنسابهم، قال أبو عبيدة: ما ms083 كنا ~~نفقد كل يوم راكبا من ناحية بني أمية ينيخ على باب قتادة، فيسأله عن خبر أو نسب أو شعر، ~~وكان من أنسب الناس، وكان ابن الكلبي النسابة واسع الرواية، ومن أعلم الناس بالنسب، وكان من ~~الحفاظ المشاهير، قال: حفظت ما لم يحفظه أحد، ونسيت ما لم ينسه أحد، كان لي عم يعاتبني على ~~حفظ القرآن، فدخلت بيتا وحلفت ألا أخرج منه حتى أحفظ القرآن، فحفظته في ثلاثة أيام، ~~وتصانيفه تزيد على مائة وخمسين تصنيفا وتوفي سنة 204. # وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارهم وأشعارهم ، قال الجاحظ: ~~لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم منه، ومع أنه كان يلحن ويخطئ إذا قرأ ~~القرآن، وإذا أنشد بيتا لا يقيم وزنه، وإذا تحدث أو قرأ لحن اعتمادا منه؛ لذلك فقد صنف ~~قرابة مائة مصنف، وكان يرى رأي الخوارج؛ ولذلك كثر الطاعنون في نسبه ومشربه ومذهبه وتوفي ~~سنة 209. # كان أبو المحاسن الرؤباني (المتوفى سنة 502) من رءوس الأفاضل في أيامه يقول: لو احترقت ~~كتب الشافعي لأمليتها من خاطري. وقال أبو بكر النحوي لما قدم الحسن بن سهل العراق، قال: أحب ~~أن أجمع قوما من أهل الأدب، فأحضر أبا عبيدة والأصمعي، ونصر بن علي الجهضمي وحضرت معهم، ~~وأفضنا مرة في ذكر الحفاظ، فذكرنا الزهري وقتادة ومررنا، فالتفت أبو عبيدة فقال: ما الغرض - ~~أيها الأمير - في ذكر من مضى وبالحضرة ههنا من يقول ما قرأ كتابا قط، فاحتاج إلى أن يعود ~~فيه، ولا دخل قلبه شيء فخرج عنه، فالتفت الأصمعي وقال: إنما يريدني بهذا القول أيها الأمير، ~~والأمر في ذلك على ما حكى، وأنا أقرب إليك قد نظر الأمير فيما نظر فيه من الرقاع - وكان نظر ~~قبل أن يلتفت إليهم في رقاع بين يديه للناس في حاجاتهم، فوقع عليها فكانت خمسين رقعة - ~~وأنا أعيد ما فيها وما وقع به الأمير على رقعة رقعة، قال: فأمر وأحضرت الرقاع، قال الأصمعي: ~~سأل صاحب الرقعة الأولى كذا واسمه كذا فوقع له ms084 بكذا، والرقعة الثانية والثالثة حتى مر في ~~نيف وأربعين رقعة، فالتفت إليه نصر بن علي فقال: أيها الرجل، أبق على نفسك من العين. فكف ~~الأصمعي. # وما لي وتعداد الأسماء على هذا النحو فكتب القوم طافحة بها، وإنما يكفي منها التمثيل ~~والقليل يغني، ولقائل إن هذا القدر من الحفظ كان بعضه شائعا في القرنين الأولين والقرون ~~الثلاثة، وقد بالغ فيه الرواة حتى اتصل بنا على هذه الصورة، وما حجتي في نقض هذا إلا وقوع ~~أمثال أمثاله في كتب أهل القرون المتأخرة، مما تواطأ الثقات على نقله وتحرزوا في إثباته، ~~ولقد كان الغرب في هذه المزية كالشرق؛ إذ قد حذا المغاربة في حضارتهم وعلومهم حذو المشارقة، ~~فقد كان ابن عبدون - أحد فحول شعراء الأندلس وكتابها - مستكثرا من الحفظ، قال الوزير أبو ~~بكر بن زهر: بينا أنا قاعد في دهليز دارنا، وعندي رجل شيخ أمرته أن يكتب لي كتاب الأغاني، ~~فجاء الناسخ بالكراريس التي كتبها فقلت له: أين الأصل الذي كتبت عنه لأقابل معك به؟ قال: ما ~~أتيت به معي، فبينا أنا معه في ذلك إذ دخل رجل بذ الهيئة عليه ثياب غليظة أكثرها صوف، وعلى ~~رأسه عمامة قد لاثها من غير إتقان وقال لي: يا بني استأذن لي على الوزير أبي مروان، فقلت ~~له: هو نائم، هذا بعد أن تكلفت جوابه غاية التكلف، حملتني على ذلك نزوة الصبا، وما رأيت من ~~خشونة هيئة الرجل، ثم سكت عني ساعة وقال: ما هذا الكتاب الذي بأيديكما، فقلت له: ما سؤالك ~~عنه فقال: أحب أن أعرف اسمه، فإني كنت أعرف أسماء الكتب، فقلت: هو كتاب الأغاني، فقال: إلى ~~أين بلغ الكاتب منه؟ قلت: بلغ موضع كذا، وجعلت أتحدث معه على طريق السخرية به والضحك على ~~قالبه، فقال: وما لكاتبك لا يكتب، قلت: طلبت منه الأصل الذي يكتب منه لأعارض به هذه الأوراق ~~فقال: لم أجيء به معي، فقال: يا بني خذ كراريسك وعارض، قلت: بماذا وأين الأصل، قال: كنت ~~أحفظ هذا الكتاب في مدة صباي، ms085 قال: فتبسمت من قوله فلما رأى تبسمي قال: يا بني أمسك علي، ~~قال: فأمسكت عليه وجعل يقرأ فوالله إن أخطأ واوا ولا فاء، قرأ هكذا نحوا من كراسين، ثم ~~أخذت له في وسط السفر وآخره، فرأيت حفظه في ذلك كله سواء فاشتد عجبي، وقمت مسرعا حتى دخلت ~~على أبي فأخبرته بالخبر، ووصفت له الرجل فقام كما هو من فوره، وكان ملتفا برداء ليس عليه ~~قميص، وخرج حاسر الرأس حافي القدمين لا يرفق على نفسه وأنا بين يديه، ويقول: يا مولاي ~~أعذرني فوالله ما أعلمني هذا الخلف إلا الساعة، وجعل يسبني والرجل يخفض عليه ويقول: ما ~~عرفني، وأبي يقول: هبه ما عرفك فما عذره في حسن الأدب، ثم أدخله الدار وأكرم مجلسه وخلا به ~~فتحدثا طويلا، ثم خرج الرجل وأبي بين يديه حافيا، حتى بلغ الباب وأمر بدابته التي يركبها، ~~فأسرجت وحلف عليه ليركبنها، ثم لا ترجع إليه أبدا، فلما انفصل قلت لأبي: من هذا الرجل الذي ~~عظمته هذا التعظيم؟ قال لي: اسكت، ويحك، هذا أديب الأندلس وإمامها وسيدها في علم الآداب، ~~هذا أبو محمد عبد المجيد بن عبدون أيسر محفوظاته كتاب الأغاني. رواها المراكشي. # وروى أيضا قصة تشبهها قال: إنه لزم أبا جعفر الحميري آخر من انتهى إليه علم الآداب ~~بالأندلس المتوفى سنة 610 نحوا من سنتين، فما رأيت أروى لشعر قديم ولا حديث، ولا أذكر ~~بحكاية تتعلق بأدب، أو مثل سائر، أو بيت نادر، أو سجعة مستحسنة منه، أدرك جلة من مشايخ ~~الأندلس، فأخذ عنهم علم الحديث والقرآن والآداب، وأعانه على ذلك طول عمره، وصدق محبته، ~~وإفراط شغفه بالعلم، قال لي ولده عصام: وقد رأيت عنده نسخة من شعر أبي الطيب قرئت علي أو ~~أكثرها، فألقيتها شديدة الصحة، فقلت له: لقد كتبتها من أصل صحيح وتحرزت في نقلها، فقال لي: ~~ما يمكن أن يكون في الدنيا أصل أصح من الأصل الذي كتبت منه، فقلت له: أين هو؟ فقال لي: عن ~~يمينك، فعلمت أنه يريد الشيخ، فقلت: ما على يميني ms086 إلا الأستاذ، فقال لي: هو أصلي وبإملائه ~~كتبت، كان يملي علي من حفظه، فجعلت أتعجب، فسمع الأستاذ حديثنا فالتفت إلينا وقال: فيم ~~أنتما؟ فأخبره ولده الخبر، فلما رأى تعجبي قال: بعيد أن تفلحوا، يعجب أحدكم من حفظ ديوان ~~المتنبي؟! والله لقد أدركت أقواما لا يعدون من حفظ كتاب سيبويه حافظا ولا يرونه ~~مجتهدا. # ومن نظر فيما أثر عن الأندلسيين وحدهم من هذا القبيل يكتب أوراقا كثيرة، وكنت قرأت في ~~الاستقصاء أن من جملة من غرق مع السلطان أبي الحسن لما قصد الغرب في البحر بأسطوله ~~الغريق، وكان مؤلفا من نحو ستمائة قطعة مع من غرق من الفقهاء، والعلماء، والكتاب، ~~والأشراف أبو عبد الله محمد بن الصباغ المكناسي الذي أملى في مجلس درسه بمكناسة على حديث يا ~~أبا عمير ما فعل النغير أربعمائة فائدة. # وقيل: إن صدر الدين بن الوكيل، ويعرف عند المصريين بابن المرجل من أئمة الشافعية، حفظ ~~المفصل في مائة يوم ويوم، والمقامات الحريرية في خمسين يوما، وديوان المتنبي على ما قيل في ~~جمعة واحدة. # وذكر المقريزي عن حكايات أهل الأندلس في الحفظ أن الأديب الأوحد حافظ إشبيلية، بل ~~الأندلس في عصره أبا المتوكل الهيثم بن أحمد بن أبي غالب، كان أعجوبة دهره في الرواية ~~للأشعار والأخبار، قال ابن سعيد: أخبرني من أثق به أنه حضر معه ليلة عند أحد رؤساء إشبيلية، ~~فجرى ذكر حفظه، وكان ذلك من أول الليل، فقال لهم: إن شئتم تخبروني أجبتكم، فقالوا له: بسم ~~الله، إنا نريد أن نحدث عن تحقيق، فقال: اختاروا أي قافية شئتم لا أخرج عنها حتى تعجبوا، ~~فاختاروا القاف، فابتدأ من أول الليل إلى أن طلع الفجر وهو ينشد وزن «أرق على أرق ومثلي ~~يأرق» وسماره قد نام بعض وضج بعض، وهو ما فارق قافية القاف، وقال أبو عمران بن سعيد: دخلت ~~عليه يوما بدار الأشراف بإشبيلية، وحوله أدباء ينظرون في كتب منها ديوان ذي الرمة، فمد ~~الهيثم يده إلى الديوان المذكور فمنعه أحد الأدباء، فقال: يا أبا عمران أواجب ms087 أن يمنعه مني ~~وما يحفظ منه بيتا وأنا أحفظه؟! فأكذبته الجماعة، فقال: اسمعوني. وأمسكوه فابتدأ من أوله ~~حتى قارب نصفه، فأقسمنا عليه أن يكف وشهدنا له بالحفظ، وكان آية في سرعة البديهة مشهورا ~~بذلك، قال أبو الحسن بن سعيد: عهدي به في إشبيلية يملي على أحد الطلبة شعرا، وعلى ثان ~~موشحة وعلى ثالث زجلا كل ذلك ارتجالا. # قال ابن خلكان: كان أبو الفرج الأصبهاني - صاحب كتاب الأغاني - يحفظ من الشعر والأغاني ~~والأخبار والآثار والأحاديث المسندة والنسب، ما لم أر قط من يحفظ مثله، ويحفظ دون ذلك من ~~علوم أخر، منها اللغة ، والنحو، والخرافات، والسير، والمغازي، ومن آلة المنادمة شيئا ~~كثيرا، مثل علم الجوارح والسيطرة، ونتف من الطب والنجوم والأشربة وغير ذلك، وذكر صاحب ~~الصبح المنبي أن العلم الفرد في قوة الحافظة عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما. ولقد شرط ~~الملك المعظم عيسى لكل من يحفظ المفصل للزمخشري مائة دينار وخلعة، فحفظه لهذا السبب ~~جماعة. # قال أبو عمر الطلمنكي: دخلت مرسية فتشبث بي أهلها يسمعون على الغريب المصنف، فقلت: انظروا ~~من يقرأ لكم، وأمسكت أنا كتابي، فأتوني برجل أعمى يعرف بابن سيدة - وهو صاحب المخصص في ~~اللغة الذي طبع مؤخرا - فقرأه علي من أوله إلى آخره فعجبت من حفظه. ولقد لازم ثعلب بن ~~الأعرابي، فما رآه نظر في كتاب، وأخبار الأصمعي في الحفظ والرواية أشهر من أن تذكر، وكذلك ~~خلف الأحمر والكلبي وعبيد ودعبل، وكان أبو تمام لا يلحق في محفوظاته، وقيل: إنه كان يحفظ ~~أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب، غير القصائد والمقاطيع، قال أبو الحسن محمد بن علي العلوي: كان ~~المتنبي يلازم الوارقين، فأخبرني وزان كان يجلس إليه قال: ما رأيت أحفظ من هذا الفتى ابن ~~عبدان السقي «المتنبي»، قلت له: كيف؟ قال: اليوم كان عندي وقد أحضر رجل كتابا من كتب ~~الأصمعي، يكون نحوا من ثلاثين ورقة لبيعه، فأخذه فنظر إليه طويلا، فقال له الرجل: أريد ~~بيعه وقد قطعتني عن ذلك، فإن كنت قد حفظته في هذه المدة ms088 فمالي عليك، قال: أهب لك الكتاب، ~~قال: فأخذته من يده، فأقبل بهذه علي إلى آخره، ثم استلمه فجعله في كمه، وقام فتعلق به ~~صاحبه طالبا بماله، فقال: ما إلى ذلك سبيل وقد وهبته لي، قال: فمنعناه منه وقلنا: أنت شرطت ~~على نفسك هذا للغلام فتركه عليه، والأمثلة كثيرة في هذا الباب والله أعلم. # | الإنشاء والمنشئون1 # إذا أردنا أن نحكم على المنشئين بما انتهى إلينا من خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم ~~ومصنفاتهم، وبدأنا بأهل القرن الأول للإسلام، نرى على رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~- كرم الله وجهه - فإنه سيد البلغاء على الإطلاق، وواضع بنيان البيان العربي، وكلامه كما ~~قال العارفون: بعد كلام الله وكلام رسوله - عليه الصلاة والسلام - أبلغ كلام، ونهج البلاغة # 2 # الذي جمعه الشريف الرضي من كلامه، وشرحه ابن أبي الحديد كتاب الدهر الخالد، وقد ~~عد كثير من الصحابة أئمة في الكتابة والخطابة (راجع «إعجاز القرآن» للباقلاني و«الإتقان» ~~و«المزهر» للسيوطي). # ولم يؤثر عن عصور الجاهلية خطب ورسائل كثيرة؛ لأن التدوين لم يحدث في الأمة العربية إلا ~~في أوائل القرن الثاني للهجرة، وكانت العرب تعتمد على ذاكرتها ومحفوظها ورواياتها ~~المتسلسلة، قال الرقاشي: ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد ~~الموزون، فلم يحفظ من المنثور عشره، ولا ضاع من الموزون عشره، ومعظم الذي أبقته الأيام من ~~أدب العرب لم يبرح محفوظا في الخزائن لم يطبع، وأكثره محفوظ في جامعات أوروبا ودور ~~كتبها. # ختم القرن الأول بأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فإن رسائله الموجزة وخطبه الغراء ~~التي نقلها ابن سعد في «الطبقات الكبير»، وابن الجوزي في «مناقبه» آية في البلاغة، وفيها من ~~أدب العرب مسحة وطلاوة، ورسائله وخطبه في الإدارة والسياسة على قلتها، تربي فيمن يتدبرها ~~ملكة الإنشاء، وتقف به على أصول الإدارة العربية، ومن بلغاء هذا القرن زياد بن أبيه، ~~والحجاج بن يوسف الثقفي، وقطري بن الفجاءة، وعمران بن حطان، وهذان الأخيران من خطباء ~~الخوارج، وقد استغرقت أخبار الخوارج الذين خرجوا على الخليفة الرابع ms089 يوم النهروان، جزءا ~~مهما من كتاب «الكامل» للمبرد، تتمثل بها بلاغة الفوضويين والعدميين والشيوعيين في ~~الإسلام. # جاء القرن الثاني وقد نبغ في أوله عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وهو النهاية في البلاغة ~~والفصاحة، اختط للناس خطة الترسل والإنشاء، ثم عبد الله بن المقفع الذي أسلست له الكتابة ~~قيادها، فلم تعد له هنة واحدة في باب التكلف، بل كان في «اليتيمة» وسائر ما فاضت به قريحته ~~من رسائله ابتداء، كما كان في ترجماته «كليلة ودمنة» طبقة عالية في البلاغة، ولو عمر بن ~~المقفع (عاش ستا وثلاثين سنة) لأبقى لنا أمثلة في البيان ، يتخرج بها طلاب الأدب من العرب، ~~على غابر الحقب، ونبغ في هذا القرن سهل بن هارون، وهو بالقليل الذي وصلنا من رسائله نابغة ~~في علمه وأدبه، وناهيك بمن كان الجاحظ ينوه به، وينقل عنه في كتبه، وكان كثيرا ما يؤلف ~~الكتاب وينسبه لسهل بن هارون فيجمع الناس على استحسانه، أكثر مما كان لو نسبه لنفسه، وكتابة ~~سهل من السهل الممتنع، لا حوشي فيها ولا مبتذل، أو كما قال الجاحظ في الكتاب: «إنهم قد ~~التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا، ولا ساقطا سوقيا»، ومن خطباء هذا القرن ~~داود بن علي وشبيب بن شيبة، ومن كتابه إسماعيل بن صبيح كاتب الرشيد، وعمر بن مطرف كاتب ~~المنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، وصالح بن جناح صاحب كتاب «الأدب والمروءة»، وكلامه ~~رشيق دقيق مستفاد في الحكمة. # وكان يقال: بلغاء الناس عشرة عبد الله بن المقفع، وعمارة بن حمزة، وخالد بن يزيد، وحجر بن ~~محمد، وأنس بن أبي شيخ، وسالم بن عبد الله، ومسعدة، والهزبر، وعبد الجبار بن عدي، وأحمد بن ~~عدي، وأحمد بن يوسف. قال صاحب «الفهرست»: ومن البلغاء الحدث إبراهيم بن العباس الصولي، ~~والحسن بن وهب، وسعيد بن عبد الملك، ولم يصل إلينا من كلام هؤلاء الجهابذة شيء يذكر اللهم ~~إلا ما عرف من كلام ابن المقفع وأحمد بن يوسف والصولي، والباقون دثرت كتاباتهم إلا ~~نتفا قليلة لا يبنى عليها حكم. # ومن ms090 كتاب هذا القرن أبو إسحاق الكاتب إبراهيم بن محمد المدبر وزير المعتمد على الله ~~المتوفى سنة 279 - صاحب النظم الرائق والنثر الفائق - وهو صاحب «الرسالة العذراء في موازين ~~البلاغة وأدوات الكتابة» التي نشرناها في «رسائل البلغاء». # وامتاز القرن الثالث بظهور الجاحظ (255ه)، الذي رزق الإجادة في كل ما كتب، وهو رب البديهة ~~في أفكاره ومظاهر علمه وتقريره، ولم يعهد قبله أن تبرز الموضوعات المختلفة في هذا القالب ~~الفتان، الذي يظهرها فيه غير متكلف ولا متعسف، وكلماته كلما كررتها حلت، وبقدر ما تتلوها ~~تتجلى لك رقة معانيها ومتانة مبانيها، وتدهش وأنت تطالع كلامه من تملكه ناصية اللغة، ~~وبراعته في استعمال الألفاظ في أماكنها، وربما تساهل فأورد ألفاظا عامية في معرض كلامه ~~لينقل الأفكار بحالتها، ولم يكد يعهد مثله في المجودين من المؤلفين من يريك ببيانه الباطل ~~حقا، والحق باطلا، يقول الشيء ونقيضه، ويقنعك في الأول حتى لا تظنك تقنع بعد بكلام، ~~ويرجع عليك بكلم طيب، فينسيك ما أصاب في الأولى، وهكذا يلعب بالعقول كالسحر، ولكنه السحر ~~الحلال. # افتح أي كتاب من كتب الجاحظ التي أبقتها الأيام للمكتبة العربية ذخرا وفخرا، تشهد ~~العجب من تفننه وإبداعه، وتدرك كيف تستجيب له المعاني، وتنقاد الألفاظ برشاقتها وجزالتها، ~~وقد يشوب كلامه ببعض الظرف والهزل والنوادر أحيانا لئلا يمل مطالعه، هكذا تراه في «كتاب ~~الحيوان» و«البيان والتبيين» و«البخلاء» و«المحاسن والأضداد» و«الحاسد والمحسود» وغيرها من ~~رسائله، وهي بضع وعشر رسائل مطبوعة، وكل صفحة من صفحاتها أفيد من مجلد برمته. وممن يجيء بعد ~~الجاحظ أبو حنيفة الدينوري صاحب كتاب «الأخبار الطوال»، وأبو حنيفة أكثر ندارة، وأبو عثمان ~~- الجاحظ - أكثر حلاوة، ومعاني أبي عثمان لائطة بالنفس، سهلة في السمع، ولفظ أبي حنيفة أعذب ~~وأعرب، وأدخل في أساليب العرب، قال أبو حيان التوحيدي: والذي أقول وأعتقده وآخذ به وأساهم ~~عليه، أني لم أجد في جميع من تقدم وتأخر إلا ثلاثة لو اجتمع الثقلان (؟) على تقريظهم ~~ومدحهم، ونشر فضائلهم في أخلاقهم وعلمهم ومصنفاتهم ورسائلهم لما بلغوا آخر ما يستحقه كل ~~واحد ms091 منهم، وذكر الجاحظ والدينوري وثلث بأبي زيد أحمد بن سهل البلخي، ووصف كل واحد بألفاظ ~~عجيبة. # ومما امتاز به هذا القرن أن علوم الأوائل التي بدئ بترجمتها في منتصف القرن الأول في ~~دمشق، بمعرفة خالد بن يزيد الأموي، وعني بها عمر بن عبد العزيز أواخره، قد زادت العناية بها ~~في بغداد على عهد المنصور العباسي، ثم بلغت أشدها في زمن المأمون، وقد أدخلت هذه العلوم ~~والصناعات في العربية روحا جديدا، فترجم إليها من اليونانية والسريانية والفارسية ~~والهندية وغيرها، فاغتنت اللغة ورأت من الأساليب والأفكار ما لا عهد لها به ، وهذا أول تأثير ~~من آداب الأمم الأخرى أصاب اللغة العربية، فأصبحت لغة علم وصناعة، بعد أن كانت لغة شعر ~~وحكمة فقط، وعصر المأمون هو في الحقيقة العصر الذهبي في الأدب والكتابة والعلم وسائر مقومات ~~الحضارة العربية. # قلنا: إن أحمد بن يوسف الكاتب هو من أوائل البلغاء، وقد أورد بعض رسائله الصولي في كتاب ~~«الأوراق» المخطوط، وأورد له ابن طيفور صاحب «كتاب بغداد» المطبوع نموذجات من رسائله، وفي ~~كتب التراجم المطولة شيء عن كتاباته المسجعة على مثال السجع، الذي يقع في كلام أئمة البلاغة ~~في القرن الأول، وناهيك برجل أعجب المأمون بعقله وأدبه فاستوزره واستكتبه، والكتاب ~~المجودون في هذا القرن كثيرون، ومنهم عمرو بن مسعدة وزير المأمون، «وكان كاتبا بليغا جزل ~~العبارة وجيزها، سديد المقاصد والمعاني»، وصدق عليه ما قاله الرشيد في البلاغة: «البلاغة ~~التباعد عن الإطالة، والتقرب من معنى البغية، والدلالة بالقليل من اللفظ على الكثير من ~~المعنى»، وأبو علي الدامغاني الوزير، وأبو الفتح البستي «صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس ~~النفيس البديع التأسيس». # ومن أهم من انتشرت كتبهم ابن قتيبة (276)، فهو ثاني الجاحظ بعلمه وجودة إنشائه وتأثيره، ~~وفي كتابه «الإمامة والسياسة» و«كتاب العرب» و«مختلف تأويل الحديث» و«الأشربة» و«المعارف» ~~و«عيون الأخبار» و«أدب الكاتب» ما يدل على روح سام، سار فيه الأدب مع العلم سيرا متساوقا. ~~ويعد من كتاب الدرجة الأولى في القرن الرابع أحمد بن يوسف المعروف بابن الداية (340)، ~~بغدادي الأصل، انتقل ms092 أبوه إلى مصر، وكان أحمد من كتاب الدولة الطولونية، وقد عرفناه من كتاب ~~«المكافأة» الذي نشر له مؤخرا مع قطعة من كتابه «حسن العقبى»، وهي عبارة عن حكايات فيها ~~حكمة ومواعظ واعتبار آية في البلاغة، ومنهم أبو بكر الصولي (335) صاحب كتاب «الأوراق» و«أدب ~~الكتاب»، وأحمد بن عبد ربه (328) صاحب «العقد الفريد»، وجعفر بن قدامة ابن زياد الكاتب ~~(319)، وعرفنا من أهل هذا القرن زمرة من الكتاب الذين زانوه بأقوالهم وأفضالهم، ومنهم ~~أبو الفضل بن العميد وزير بني بويه (360)، وكان أبوه أيضا كاتبا مترسلا من كتاب ~~الدولة السامانية، وابن العميد أول من فتح باب السجع، وأكثر من أنواع البديع، وكان يقال: ~~فتحت الرسائل بعبد الحميد، وختمت بابن العميد. كما قيل: بدئ الشعر بملك؛ أي امرئ القيس، ~~وختم بملك؛ أي أبي فراس الحمداني. وما قيل في ابن العميد يقال في الصاحب بن عباد (387)، فهو ~~أيضا ممن تناغى بالجناس، وأكثر من الأسجاع، وكان يقول: كتاب العصر أربعة: الأستاذ ~~الرئيس يعني ابن العميد، والأستاذ أبو القاسم يعني عبد العزيز بن يوسف، وأبو إسحاق يعني ~~الصابي، ولو شئت لذكرت الرابع يعني نفسه. # ويجيء مع هذه الطبقة أبو بكر الخوارزمي (383)، وكان يميل إلى طريقة ابن العميد في ~~الكتابة، و«رسائله» المطبوعة المشهورة مثال البلاغة والفصاحة على كثرة الأسجاع فيها حتى لا ~~يكاد يعدوها، وقلما تفوته. وأما بديع الزمان الهمذاني (398) صاحب «الرسائل» و«المقامات» ~~المشهورة، فإنه سار مع الطبع أكثر من الخوارزمي، وكثيرا ما يترك التسجيع وأنواع البديع، ~~وإذا استعملها ففي مواطن خاصة وجمل معينة، ثم يعود إلى طبعه فتأخذ أقواله بمجامع القلوب، ~~وأكثر ما قرأناه من «رسائل الصابي» (384) الصادرة عن الخلفاء وغيرهم، ومنها ما طبع على ~~حدة، ومنها ما اقتبس في «صبح الأعشى»، قد أفرغ في قالب من السجع البديع المستملح، وقد ~~يتخلى عنه في بعض التقاليد والعهود، ولو تيسر له أن يطرح السجع على طريقة البديع، لجاءت ~~كتاباته مفخر الأسلاف، وأعظم معلم للأخلاف. # وممن نبغ في ذاك القرن أبو الفرج الببغا، وعبد الله بن عمرو الفياض - كاتب سيف ms093 الدولة ~~ونديمه - وأبو القاسم علي الإسكافي النيسابوري، وكان من علو الرتبة في النثر وانحطاطها في ~~النظم كالجاحظ، وعلي بن هند صاحب «الكلم الروحانية»، ويحيى بن عدي صاحب تهذيب الأخلاق أو ~~سياسة النفس (364)، وابن حبان البستي (354) صاحب «روضة العقلاء»، والحاتمي صاحب «الرسالة ~~الحاتمية» التي شرح فيها ما جرى بينه وبين أبي الطيب المتنبي، من إظهار سرقاته وإبانة عيوب ~~شعره، والقاضي التنوخي (384) صاحب «النشوا» و«الفرج بعد الشدة»، وقدامة بن جعفر الكاتب ~~(337) صاحب «نقد الشعر» و«كتاب الخراج»، وابن نباتة صاحب «الخطب » المشهورة، ومنهم أبو جعفر ~~محمد بن العباس وزير المكتفي والمقتدر، وأبو منصور البغوي (75)، ورأس أدباء هذا القرن أبو ~~العلاء المعري، والشعر غالب عليه، وكتابته مصنعة فيها كثير من عويص اللغة، وسبكها لا يخلو ~~من يبوسة وجفاء طبع، ولكن «رسالة الغفران» التي كتبها ردا على رسالة ابن القارح - وكلاهما ~~مطبوع - أشبهت رواية دانتي الشاعر الإيطالي # La divine ~~comedie # وكانت من أعظم الروايات الخيالية الدالة على أن أعمى المعرة ~~كان معلما لنابغة إيطاليا في الشعر والخيال، وبعض الباحثين من المتشرقين في أوروبا، على ~~أن دانتي في روايته الإلهية المؤلفة من ثلاث روايات، وهي جهنم والمطهر والجنة التي ألفها ~~بين سنتي 1300-1318م قد اقتبسها ولا سيما رواية جهنم من رسالة الغفران للمعري، ونسج على ~~منواله في التصور. # وإن ما كتبه المعري على ديوان أبي تمام الطائي، وسماه «ذكرى حبيب» وعلى ديوان أبي عبادة ~~البحتري وسماه «عبث الوليد»، وما كتبه على ديوان أبي الطيب المتنبي وسماه «معجز أحمد»، يدل ~~على إحاطة المعري بأسرار العربية، وفهم كلام العرب ومراميهم، وشدة ملكته في النقد الأدبي، ~~دع فلسفته في «لزومياته» و«دواوينه»، فالمعري فيلسوف لغوي وليس بكاتب. ومنهم علي بن خلف ~~صاحب «مواد البيان»، الذي نقل القلقشندي في صبح الأعشى جزءا مهما منه. ~~••• # وتميز القرن الخامس بظهور كثير من الكتاب فيه، ومن أشهرهم الذين تركت الأيام لنا شيئا ~~من كتاباتهم الأمير قابوس بن وشكمير (403) صاحب «كمال البلاغة»، فإن كتاباته هي الموسيقى ~~برنتها والشعر الفتان، ولكن بدون قافية وروي، إلا أن ms094 الأسجاع غالبة عليه، مستحكمة في ~~حواشي كلامه، آخذة بجماع أدبه خلافا للثعالبي (429) سيد كتاب هذا العصر، ومن أعظم مؤلفيهم ~~في اللغة والآداب، فإن مقدمة كتابه «فقه اللغة» طبقة عالية في الكتابة المرسلة في عصره ~~وبعده، ولو تخلى عن السجع في «يتيمة الدهر»، التي ترجم فيها أدباء عصره على نحو ما تركه في ~~«المضاف والمنسوب» و«لطائف المعارف»، وغيرهما من كتبه ورسائله لما عيب عليه في شيء، ومثل ~~ذلك يقال في ابن رشيق القيرواني (456) صاحب «العمدة» أحد أمهات كتب الأدب الذي انتقده أبو ~~عبد الله بن شرف القيرواني في «رسائل الانتقاد»، وكان الناس في الدهر القديم يعتمدون على ~~أربعة كتب لإتقان فن الأدب، «البيان والتبيين» للجاحظ، و«أدب الكاتب» لابن قتيبة، و«الكامل» ~~للمبرد، و«الأمالي» لأبي علي القالي، ومن هذه الكتب الأربعة ما شرح ومنها ما اختصر، ومنها ~~ما انتقد شرح «أدب الكاتب» لابن قتيبة بن السيد البطليوسي، وممن انتقدوا «آمالي القالي» ~~أبو عبيد البكري صاحب «معجم ما استعجم»، في جزء لا يزال مخطوطا سماه: «التنبيه على أوهام ~~أبي علي في أماليه.» # وممن توفي على رأس الأربعمائة أبو حيان التوحيدي، وهو مبتدع طريقة خاصة به قرأناها في ~~كتاب «المقابسات» و«رسالة الصديق والصداقة» و«الإشارات الإلهية»، وذكر الثعالبي ثلاثة من ~~كتاب آل بويه، وهم أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف، وأبو أحمد عبد الرحمن بن الفضل ~~الشيرازي، وأبو القاسم علي بن القاسم القاشاني، وأورد من كلامهم نموذجات لطيفة. ويعد في ~~الطبقة الأولى من المؤلفين والكتاب المجيدين أبو الفرج الأصفهاني صاحب «الأغاني»، وأبو ~~الحسن علي بن عبد العزيز صاحب كتاب «الوساطة» بين المتنبي وخصومه، والأمير عبد الله ~~الميكالي فإنه من الكتاب المجيدين، والسجع غالب عليه، ومثله أبو النصر العتبي واضع ~~«تاريخ ابن سبكتكين» المعروف باليميني، وهو التاريخ المسجع البديع، ويعد مؤلفه من أكبر ~~المنشئين. # ومن كتاب هذا القرن ابن موصلايا (498)، وابن ناقيا (485)، والموفق بن الخلال صاحب ~~ديوان الإنشاء على عهد الحافظ العبيدي بمصر، (وكانت له قوة على الترسل يكتب كما يشاء)، وكان ~~الغالب على الموفق بن الخلال ms095 في رسائله العناية بالمعاني أكثر من طلب السجع، وكان فن ~~الكتابة بمصر في زمن الدولة العلوية غضا طريا، وكان لا يخلو ديوان المكاتبات من رأس ~~يرأس مكانا وبيانا، ويقيم لسلطانه بقلمه سلطانا، وممن أثرت بعض رسائله في هذا القرن هلال ~~بن المحسن الصابي (448) حفيد أبي إسحاق صاحب الرسائل ومؤلف كتاب «أخبار الوزراء». ومن ~~المجيدين في الإنشاء وإن عدهم الناس في طبقة الحكماء أحمد بن مسكويه (421) مؤلف «تهذيب ~~الأخلاق» و«الفوز الأصغر» و«تجارب الأمم»، فإن كتابته، مثال الإنشاء المرسل البديع. ومنهم ~~أبو طاهر محمد بن حيدر (517) صاحب «قانون البلاغة» وهو لم يطبع. # وفي هذا العصر نبغ في الأندلس الوزير ابن زيدون (463) في النظم والنثر، و«رسالته» على ~~لسان ولادة بنت المستكفي بالله أديبة عصرها من المرقص المطرب، ومثل ذلك يقال في الوزير ابن ~~حزم الأندلسي (456)، فإنه من أكتب العلماء في عصره، ومن المكثرين من التأليف المجودين فيه، ~~وناهيك بكتابه «طوق الحمامة» و«رسالته في الأخلاق» دليلا على أدبه الراقي، ومثالا من ~~إنشاء عصره الذي أشبه في الأدب عصر لويز الرابع عشر في فرنسا. # ونشأ في هذا القرن والذي يليه في الأندلس طبقة من الكتاب، ومنهم من تولى الوزارة، ~~والغالب أن الكاتب المجيد في الدهر السالف يكون وزيرا، كالخطيب المصقع في هذا الدهر يكون ~~رئيس الوزراء، مثل الباجي، وابن الدباغ، وابن الجد، وابن القاسم، وأبي الأصبغ وابنه أبو ~~عامر، وابن سفيان، وابن الحاج، وابن عبدون، وابن أبي الخصال، وابن عبد العزيز، وابن السقاط، ~~وابن القصيرة «وكان هذا على طريقة قدماء الكتاب من إتيان جزل الألفاظ، وصحيح المعاني، من ~~غير التفات إلى الأسجاع التي أخذها متأخرو الكتاب، اللهم إلا ما جاء في رسائله من ذلك ~~عفوا من غير استدعاء»، ومنهم ابن عبد الغفور، وابن عمار، وابن الأفطس، وابن سالم، ومنذر بن ~~سعيد، وابن أيمن، وابن اللبانة، وابن عبد البر والفرضي، وابن سعيد المؤرخ، وابن حيان، وابن ~~القوطية، وأبو عبيد البكري صاحب «معجم ما استعجم» و«المسالك والممالك»، وابن الطفيل صاحب ~~«رسالة حي بن يقظان»، وفيها إشارات لمذهب ms096 النشوء والارتقاء، ومنهم البطليوسي، وابن تومار، ~~وابن هود، والنحلي والأشبوني، والقسطلي، وابن لبون، وابن رزين، والنمري، والسرقسطي، وابن ~~القلاس، والقصاعي، والبهاري، والحجاري، والداني، والبلنسي، والطليطلي وغيرهم، وما منهم ~~إلا منشئ مجود ومؤلف جزل العبارة رشيق الألفاظ، ولا غرو فإن الأندلس أخرجت للأدب رجالا ~~عظاما، تشم من مكتوباتهم أرج الغرب، وقد جمع أحد علماء المشرقيات من الإسبان تراجم ~~الأندلسيين من العرب، فكانوا ثلاثين ألف عالم، وأديب، وفقيه، ومهندس، وطبيب ... إلخ من أصحاب ~~المنزلة، وترجم الفتح بن خاقان (535) صاحب «قلائد العقيان» و«مطمح النفس» لبعض أولئك ~~الأدباء بالأسجاع المطبوعة، كما ترجم لهم ولغيرهم ابن بسام في «الذخيرة»، واشتهر بالوزارة ~~من الكتاب المجودين في بغداد الوزير علي بن عيسى، والوزير أبو الحسن بن الفرات، ولعلي بن ~~عيسى «مذهب في الترسل لا يلحقه فيه أحد ولا ابن الفرات»، ومنهم أبو علي محمد بن خاقان، ~~ومحمد بن عبد الملك الزيات إلى غيرهم من الكتاب النابهين والخاملين، وربما كان في ~~الخاملين من هم أعلى كعبا من النابهين. # وممن اشتهر بنثره في هذا العصر الحريري (510) صاحب «المقامات» و«درة الغواص»، وقد رزق ~~بالمقامات الحظوة التامة، ولكنها أيضا من النثر المتكلف لا المرسل، ولو خيرنا بين نثره ~~ونثر حجة الإسلام الغزالي (505) لاخترنا كتابة الغزالي، ولا سيما في الجزء الثالث من ~~«الإحياء»، ورسائله التي أبان فيها عن طبعه خصوصا «التفرقة بين الإسلام والزندقة» و«تهافت ~~الفلاسفة» و«الرد على الباطنية»، أو نثر الراغب الأصفهاني في «الذريعة إلى مكارم الشريعة» ~~و«تفصيل النشأتين» و«المحاضرات»، أو الماوردي في «أدب الدنيا والدين» و«الأحكام السلطانية»، ~~وفي كلام الحريري مسحة من التعمل، قد يصل إليه معظم من جمعوا أدواته من اللغة وكلام العرب ~~لو شاءوا أن يحصروا وكدهم، ويتعملوا في منثورهم، وكان ابن الخشاب يقول: إن الحريري رجل ~~مقامات؛ أي إنه لم يحسن من الكلام المنثور سواها، فإن أتى بغيرها فلا يقول شيئا، ولعل جار ~~الله الزمخشري (538) يفوقه بإجادة صناعة النثر، فسجعاته في «تفسيره» و«المفصل» و«أساس ~~البلاغة» و«مقاماته» و«أطواق الذهب» و«الكلم النوابغ» و«الفائق» في الغاية من الرقة ~~والجزالة، وكانت ms097 بينه وبين رشيد الدين الوطواط صاحب «الرسائل» المطبوعة المسجعة محاورات ~~ومرادات، والزمخشري أرقى بيانا وأوسع علما، ويعد في كتاب هذا القرن أبو الفتوح بن ~~الجوزي (597) الواعظ المؤلف، فإنه خلف كتبا كثيرة، ومنها كتاب «الأذكياء» و«أخبار الحمقى ~~والمغلفين»، وأمثال هذه الكتب أشبه شيء بما يطلق عليه الإفرنج اسم # Folklore # أي العادات والتقاليد، ومن مثل هذا كثير في ~~العربية ، مثل أخبار «عقلاء المجانين» للحسن بن حبيب المفسر، وقد حدثنا التاريخ أن كثيرا ~~من الكتاب ولا سيما في القرون الأولى وضع حكايات أشبه شيء بقصص الغربيين اليوم، يقصدون ~~بها تلقين فكر، أو بث دعوة، أو إحداث مشغلة للعامة؛ لصدهم عن البحث في شأن مهم للدولة، وقد ~~صنفوا كثيرا في الأسمار والخرافات، منها ما عربوه عن فارس والهند والروم وبابل، ومنها ما ~~ابتدعوه، ومنهم كتب روايات غرامية ذكروا فيها أخبار العشاق الذين عشقوا في الجاهلية ~~والإسلام، ومنهم من ذكر الحبائب المتظرفات، أو اكتفي بأخبار العشاق الذين تدخل أحاديثهم في ~~السمر، وصنع المتأخرون قصة ألف ليلة وليلة فاشتهرت في الغرب، ونقلت إلى معظم لغات أوروبا، ~~كما اشتهرت في الشرق العربي، ومثل ذلك يقال في قصة السندباد البحري والظاهر وتغريبة بني ~~هلال، إلى غير ذلك مما لا يعد في الأدب الراقي؛ لأنه كتب للعامة، ولم يكتبه كتاب ~~مجودون. # وممن نشأ في هذا القرن ضياء الدين بن الأثير صاحب «المثل السائر»، فهو أيضا كاتب مسجع ~~مبدع، وهو الذي تصدى ابن أبي الحديد المدائني لمؤاخذته والرد عليه وعنته، وجمع هذه ~~المؤاخذات في كتاب سماه «الفلك الدائر على المثل السائر». وسيد المنشئين على التحقيق في هذا ~~العصر القاضي الفاضل وزير صلاح الدين، فهو حجة المنشئين سواء توسل بالسجع أو تخلى عنه، مع ~~أنه لم يكن يفارقه على الأغلب، ولو انتهت إلينا رسائله كلها لجاءت بضعة مجلدات، والقليل ~~المقتبس منه في صبح الأعشى «ورسائله» المخطوطة، وما نقل له في «الروضتين» مما تنبسط له ~~النفس، ويجيء بعده في المرتبة عماد الدين الكاتب الأصفهاني، فهو سالك طريقته، ولكنه في ~~دعواه التفوق على ms098 غيره من الكتاب أشبه الناس بصاحب المثل السائر، والدعوى تذهب بمهجة ~~العلم وإن كانت صحيحة، وكتاباه «الفتح القسي» و«زبدة النصرة» نموذج أدبه، وراموز صالح من ~~سجعه وترسله، وقد نشأ في عصر القاضي الفاضل والعماد الكاتب، كاتب هزلي اسمه الوهراني (ركن ~~الدين أبو عبد الله محمد 585) عمل «المنامات والرسائل» المشهورة التي لم تطبع؛ وذلك لأنه ~~أيقن لما دخل الشام مهاجرا من الجزائر أن بضاعته لا تنفق مع وجود القاضي الفاضل والعماد ~~الكاتب، وتلك الحلبة كما قال ابن خلكان في «وفيات الأعيان»، فعمد إلى الهزل ونفق سوقه. ~~ومنهم ابن منقذ صاحب كتاب «الاعتبار» ذكر فيه قصصا في الشجاعة وقعت له ولأسرته أصحاب قلعة ~~شيزر على عهد الحمالات الصليبية الأولى، وذكر شيئا من عادات الصليبيين وأخبارهم وشجاعتهم ~~على صورة مستغربة، ومنهم يحيى بن زيادة الشيباني انتهت إليه المعرفة بأمور الكتابة ~~والإنشاء، وابن الصيرفي صاحب «الإشارة إلى من نال الوزارة» و«قانون ديوان الرسائل». # وممن كان في القرن السابع من الكتاب وسار على الطريقة الفاضلية في الإنشاء محيي الدين ~~بن عبد الظاهر (692)، وابنه محمد فتح الدين، ويعد الأب والابن من واضعي نظام الإنشاء في ~~عصرهما والعصرين التاليين، وابن عبد الظاهر أضعف في البلاغة بما ورد له في صبح الأعشى من ~~الفاضل والعماد، ومن تقدمه في الميلاد، وممن عرف بالبراعة في تصوير البلدان والآثار عبد ~~اللطيف البغدادي الفيلسوف (629)، فإن كتابه «الإفادة والاعتبار» شاهد له بأنه من خيرة ~~البلغاء في عصره، ومنهم الوزير عبد المحسن بن حمو (643)، وبهاء الدين الإربلي، والكمال بن ~~العديم (666). # وتعد رحلة ابن خبير الكناني الأندلسي (416) إلى الشرق من الأدب العالي؛ فقد وصف البلدان ~~في عصره وصفا فاق فيه من تقدمه، مثل ابن بطلان وابن فضلان، كما فاق من تأخر مثل العبدري ~~(688)، والبلوى (740)، وابن بطوطة (779)، والزركشي (794)، وابن أبي البركات النجدي (895)، ~~على أن الجمل التي أثرت عن ابن بطلان في مطولات الجغرافية - وكانت رحلته من العراق إلى ~~الشام في النصف الأول من القرن الخامس - تنم عن أدب وفضل ذوق في وصف البلدان والسكان، ~~والقليل مما ms099 قرأناه من هذا القبيل في معجم البلدان، ولأحمد بن فضلان - وكان المقتدر بالله ~~العباسي أرسله إلى ملك الصقالبة سنة 309ه - يدل أيضا على ذوق وفضل علم وأدب. # وعلى ذكر الجغرافية يجب أن يعد في جملة الأدب الجيد ما كتبه ياقوت الحموي؛ فإن «معجم ~~البلدان» و«معجم الأدباء» من أنفس ما كتب الكاتبون في هذا القرن، كما أن ما كتبه القفطي ~~(646) في «أخبار الحكماء»، وما كتبه ابن أبي أصيبعة (668) في «طبقات الأطباء»، يعد من ~~الأدب العالي في تراجم الناس، ومن هذه الكتب الأربعة التي طبعها المستشرقون استفدنا أمورا ~~كثيرة في الحضارة العربية لم نكن نعرفها من قبل، كما استفدنا أي استفادة من نشرهم لنا ~~«تاريخ الرسل والملوك» لابن جرير الطبري، «ومروج الذهب» للمسعودي، و«الكامل» لابن الأثير، ~~و«تاريخ اليعقوبي» و«تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء» لحمزة الأصفهاني، و«الفخري» لابن ~~الطقطقي، و«البدء والتاريخ» لمطهر بن طاهر المقدسي، وغير ذلك من تواريخ الأولين، وكذلك ~~استفدنا من نحو خمسة عشر مجلدا لجغرافي العرب، طبعوها فعلمونا بها تاريخ بلادنا الاقتصادي ~~والعمراني، وأشياء مهمة لم نكن نحلم بوجودها، وكثر بها رأس مالنا من الفصيح والتعابير ~~العلمية. # ومن كتاب القرن الثامن في مصر والشام ابن فضل الله العمري صاحب «مسالك الأبصار» ~~و«التعريف بالمصطلح الشريف»، والصلاح الصفدي (764) صاحب «الوافي بالوفيات» و«تحفة ذوي ~~الألباب» و«نكت الهميان» و«جنان الجناس» و«دمعة الباكي»، والشهاب محمود الحلبي صاحب «حسن ~~التوسل في معرفة صناعة الترسل»، وعلاء الدين بن غانم، وأحمد الأنصاري، وابن القيسراني، ~~وكمال الدين الزملكاني. ونبغ في الأندلس لسان الدين بن الخطيب، ولو لم يكن له إلا ~~«الإحاطة في أخبار غرناطة»، لكفى في تفوقه في كتابته وشعره، فإنه صور وترجم لهم كأنك ~~تراهم، فهو كاتب ومصور على ما يظهر، ونفح الطيب للمقري يحوي طرفا صالحا من نظم لسان الدين ~~ونثره، مع زمرة من رجالات الأندلس، وقد حل لسان الدين بعض القيود في الكتابة هو وصاحبه ابن ~~خلدون (808)، وكان الكتاب قبلهما، ولا سيما في القرنين السادس والسابع يقلد بعضهم بعضا، ~~فأصبحت الصناعة تسير نحو التقليد لا إبداع ms100 فيها ولا تجديد، فالمجددون في الحقيقة في القرن ~~التاسع، هما عبد الرحمن بن خلدون، ولسان الدين بن الخطيب، ولم تكد تكتب العلوم الاجتماعية ~~والتاريخية قبل ابن خلدون، بمثل ذاك اللسان الذي استعمله، ولا غرو فهو وصاحبه حسنة من حسنات ~~الأندلس، وزهرتان ناضرتان من الزهور التي أهداها المغرب للمشرق، وبهما ختم عهد ~~الأندلس. ~~••• # كانت دواوين الإنشاء في قرطبة وغرناطة والقاهرة ودمشق وبغداد وغيرها من مراكز الحكومات في ~~القرون الوسطى، مدارس لتعلم الإنشاء، والأخذ من فن الأدب العربي الواسع، فلما انحلت دولة ~~الأندلس، واستولى الترك العثمانيون على مصر والشام والعراق، بطل التناغي بالأدب والإنشاء؛ ~~لأن التميز في هذا الشأن أصبح لا يجدي صاحبه شيئا، وغدا فن الإنشاء مقصورا على بعض أفراد ~~في كل قطر عربي يستخدمونه حلية وزينة، وإذ لم يبق في الحكومات من يقدر الأدب قدره، ضعف ~~بحكم الطبيعة، وزاد عدد الشعراء أكثر من الكتاب؛ لسهولة الشعر وإمكان الانتفاع به في ~~المديح، وإن كان الشعراء في كل دور من أدوار العرب فيما رأينا أكثر من الكتاب بما لا ~~يقاس. # طالع كتاب «عجائب المقدور في أخبار تيمور» المسجع المجنس و«فاكهة الخلفاء»، وكلاهما لابن ~~عربشاه من أهل القرن التاسع، وتأملهما وتأمل «تاريخ العتبي» وسجعه، تجد حتى في السجع فروقا ~~وأي فروق، وطالع «مقامات السيوطي» و«مقامات ابن الوردي»، وعارضها بمقامات الحريري وبديع ~~الزمان، يتجلى لك الفرق بين النمط العالي على ما يقال فيه، والذي دونه بمراحل، واقرأ ~~«ريحانة الألبا» للشهاب الخفاجي، وطالع سجعه الذي هو أرقى سجع في القرن العاشر، تجد بينه ~~وبين نثر ابن بسام في «الذخيرة»، وابن خاقان في «قلائد العقيان» فرقا بينا أيضا، كما ~~أنك قلما تجد في الأدباء الذين ترجم لهم الخفاجي، وكانوا تقدموه وعاصروه في الشام ومصر ~~والحجاز واليمن والمغرب إلا شاعرا، والكتاب قلائل، والأدب العربي كاد يستحيل إلى ~~أماديح، وأكثره للتزلف من الكبراء وهو ضيق العطن، مبتذل الديباجة، فللنثر أسجاع تشق على ~~الأسماع، وللنظم قواف لا تألفها الطباع، والروح منقولة، والألفاظ من جنس المبتذل مدخولة، ~~ومعظم المنشئين والمتأدبين ms101 يكتبون نمطا واحدا من عهد أبي إسحاق الصابي، وأحمد بن يوسف إلى ~~عهد لسان الدين بن الخطيب وابن خلدون، وهما اللذان أثبتا أن للمعاني تأثيرا أعظم من ~~تأثير الألفاظ، فأتيا بالجديد المبتدع، وخلص كلامهما من المصنع الغث، وسارا مع الطبع في ~~التأليف والوضع . # وفي القرن التاسع نشأ القلقشندي (821) صاحب «صبح الأعشى»، وكتابته من السجع على الطريقة ~~الفاضلية المتناسبة مع زمنه، وقد جمع في كتابه نموذجات من إنشاء العصور السالفة إلى عصره، ~~فكان كتابه معلمة (أنسيكلوبذيا) للمنشئين، كما كان كتاب «نهاية الأرب للنويري». وأهل البصر ~~بعيوب الكلام يفضلون على القلقشندي المؤرخ المقريزي وجلال الدين السيوطي. ومن كتاب القرن ~~التاسع محمد بن أبي بكر المخزومي، ومحمد بن عبد الدائم، وابن حجة الحموي (837)، وكتابا ~~«خزانة الأدب» و«ثمرات الأوراق»، لابن حجة مثال التكلف، ومن اقتصر في درسه عليهما تخدشت فيه ~~ملكة البيان لا محالة. # والقرن الحادي عشر مبدأ قرون الظلمات في الكتابات، فإن «نفحة الريحانة» للمحبي صاحب ~~«خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» نموذج من نثر ذاك العصر، ومن ترجم لهم من الأدباء، ~~وأكثرهم ممن ترجمهم في «خلاصة الأثر» عنوان أهل جيله، وكذلك يقال في «سلافة العصر» لابن ~~معصوم من أهل ذاك القرن، فإن سجعه متكلف، ومن ترجمهم وليسوا من الكتاب قل فيهم النبوغ، ~~وغاية إجادة المجيد منهم أن ينظم قصيدة غزلية تقع موقع القبول من بعض القلوب، أو قصيدة ~~يتكسب بها من أرباب المظاهر، أو يؤلف كلمات مسجوعة متشاكلة هي والشعر، ومثل ذلك يقال في ~~كلام الحسن البوريني (1024) في تراجم الأعيان، فإنه من هذا البحر والقافية، وكان في أوائل ~~هذا القرن رجل استفاضت شهرته؛ لأنه جمع علوما كثيرة، وكان أديبا بارعا وهو بهاء الدين ~~العاملي (1003) صاحب «الكشكول» و«المخلاة» و«أسرار البلاغة»، فإنه كان زينة عصره في الأدب، ~~متفننا في تنويع موضوعاته. # وما قيل في المحبي وابن معصوم والبوريني، يقال في الغزي مترجم أهل القرن الحادي عشر، ~~والمرادي مترجم علماء القرن الثاني عشر، وما أورد هذا لهم من الشعر والنثر في كتاب «سلك ~~الدرر»، ms102 وبعضه أثقل من رضوى، وأبرد من عضرس، وأين هو من السخاوي في «الضوء اللامع لأهل ~~القرن التاسع»، ومثل هذا قل في كتاب أهل القرن الثالث عشر مثل سجع البربر (1226) في ~~«مقاماته»، وابن شاشو في «تراجم أعيان دمشق»، فإنه غاية ما وصلت إليه الكتابة من الابتذال ~~والسجع الثقيل على الطبع، ولكن هذا القرن تجلت في أواخر نصفه الأول حركة تجدد، فاختلط أهل ~~مصر والشام بأهل الغرب، ولا سيما مع علماء فرنسا، وتخرج بعض أبناء القطرين في جامعاتها، ~~فأخذت المترجمات في العلوم المختلفة على عهد محمد علي مؤسس الدولة العلوية المباركة، تؤثر ~~تأثيرها المطلوب في روح الكتابة، وأخذوا طرفا من آداب الغربيين، ولا سيما الفرنسيون، نقلوه ~~إلى العربية نقلا ضعيفا ركيكا، وأيقن الدارسون من أبناء مصر والشام أن الآداب العربية ~~خلت في أرقى عصورها من التمثيل، وإن لم تخل من القصص والروايات والحكايات التاريخية ~~والأدبية، ولكن على صورة مصغرة. # ومن المجددين الذين ختم بهم القرن الماضي أحمد فارس الشدياق اللبناني، فإنه أقام سنين ~~طويلة في إنجلترا وفرنسا ومالطة والآستانة، ونقل للعرب طريقة جديدة في تآليفه، وترك أثرا ~~جميلا من نبوغه وتفننه في أساليبه، وفي كتابه «الساق على الساق» و«الواسطة في معرفة أحوال ~~مالطة»، ومقالاته العلمية في جريدة الجوائب التي جمعت في «كنز الرغائب» و«الجاسوس على ~~القاموس» و«سر الليال» يتجلى للناقد البصير كيف قلب الأفكار، وأتى العرب بنمط مبتكر في ~~التفكر والبحث، وفهم الأدب على غير ما فهمه أهل عصره، ومن سلفه من الأعصار. # وممن كان في النصف الثاني من القرن الماضي في مصر، وعد إمام النهضة الحديثة رفاعة بك ~~الطهطاوي (1290)، فإنه ترجم وألف كثيرا، وبه تخرج عشرات من رجال مصر، وكان السجع يغلب ~~عليه، ومن أدبائهم عبد الله فكري باشا وهو ملتزم السجع، ولكنه السجع القصير البعيد عن ~~التكلف في الجملة، وكذلك علي مبارك باشا (1311)، وأهم الرجال الذين أدخلوا الإنشاء في طور ~~جديد وحلوه من قيوده الثقيلة التي رسف فيها قرونا، الشيخ محمد عبده المصري (1322)، فإنه ~~كان خطيبا مصقعا، وكاتبا بليغا، ولم ms103 يعهد لرجال الدين كاتب مثله في القرون الأخيرة، ~~فكان كما قيل فيه يكتب الشريعة بلسان صاحبها، تشهد له بذلك «رسالة التوحيد» و«الإسلام ~~والنصرانية» و«رحلته إلى إيطاليا» و«درس تفسيره»، وقد تخرج به كثيرون من رجال مصر الحديثة، ~~كما تخرج بصديقه الشيخ طاهر الجزائري الدمشقي كثير من رجال النهضة في الشام، فإن هذا أيضا ~~خلع الثوب القديم البالي في الإنشاء، بعد أن لبسه في أول عهده وأخذ يسير مع الطبع، تاركا ~~للجناسات وأنواع البديع جانبا، تشهد له الكتب الكثيرة التي ألفها في الشريعة والطبيعة ~~واللغة والآداب، ونشأ في الشام كتاب عصريون منذ خمسين سنة، ومعظمهم ممن تشبعوا باللغات ~~الإفرنجية، والمبدع منهم قليل، ولا نذكر أنه نشأ في الشام على عهدها الأخير كاتب مثل ~~إبراهيم المويلحي المصري في إبداعه، ولا سيما الجد في قالب الهزل، وكان يقلد الجاحظ في سرد ~~الحقائق على أسلوب الرياليست. ونشأ في الإنشاء في الشام أمثال إبراهيم اليازجي، وإبراهيم ~~المصور، وشكيب أرسلان، ويعقوب صروف وغيرهم من المجودين، وفي مصر أمثال حفني ناصف، وقاسم ~~أمين وإبراهيم اللقاني، وأحمد سمير وأضرابهم من الأحياء والأموات في الأقطار العربية، ولو ~~كتب لبعض الكتاب المشهورين في الشام والعراق أن يحذقوا أدب الغرب، كما حذقوا أدب العرب، ~~لخدموا الأدب كثيرا، بيد أن الإجادة المتناهية قليلة، وعيوب الإنشاء تبدو أكثر من عيوب ~~الشعر، وفي الثاني يغتفر ما لا يغتفر في الأول، فقد قال لابروير: أربعة لا يطاق فيها ~~الاعتدال: الشعر، والموسيقى، والخطابة، والتصوير. # إلى اليوم على كثرة اختلاط مصر والشام وتونس والجزائر، بأدباء الغرب وأخذهم عنهم، لم يكتب ~~للغة العربية اقتباس التمثيل، كما هو الحال في الغرب؛ وذلك لأن التمثيل عارض في المدنية ~~العربية، وإيجاد المفقود أصعب من إصلاح الموجود، ولكن الخروج بالكتابة عن روحها العتيقة مع ~~إلباسها الحلة العربية القديمة التي كانت لها في القرنين الثاني والثالث مثلا، والرغبة في ~~القصص والنوادر آخذة بالترقي، ومعظم قصصنا ونوادرنا ورواياتنا التشخيصية محتذاة من ~~الإفرنجية، أو منقولة عنها بالحرف، وهذا من أبشع ضروب الاقتباس، ولعله لا يطول الأمر ms104 حتى ~~ينشأ للأمة العربية روائيون وقصصيون، وكتاب فاجعات، ومآس على الصورة التي جرت عليها أمم ~~الحضارة الحديثة، فيعود أرباب الأقلام إلى الإبداع والاختراع، ويسير المنشئون بروح الأمة ~~يعالجونها بما يوائمها، فما ينفع من أدب الغرب قد لا ينفع ولا يلتئم مع حالة ابن ~~المشرق. ~~••• # أكتب هذا بمناسبة سفر بديع ظهر حديثا # 3 # في عالم الأدب العربي، فأدخل السرور على قلوب أنصار التجدد، وأعني به كتاب ~~«مطالعات في الكتب والحياة» لكاتب من أفذاذ الكتاب بمصر الأستاذ العقاد، ومؤلفه بحاثة ~~نقادة في الأدب والشعر على مثال أدباء الغرب، نشر قبل سنين كتاب «الفصول» فأجاد، والآن جاء ~~يعبد وأهل حلقته تلك الطريقة، وينشر على الأدب جملة فضله الرائع، الذي جمع فيه بين أجمل ~~القديم وأنفع الحديث، ومن حسنت ملكته وصحت قريحته، كان جديرا بأن يختار الأطايب في كل ما ~~يعرض له. # تقرأ الأستاذ العقاد فتظنك تقرأ نقادا من نقاد فرنسا أمثال: فاجية، ولمنر وبيدو، ~~وبريستون، ولكن بديباجة عربية تشبه اللغة يوم عزها، ويدهشك بسلامة ذوقه، وسلاسة تعبيره، ~~ورصف جمله، ورنة تراكيبه، وقلما يكتب ذلك إلا لأفراد في كل عصر، فقد كانت الطبقة ~~السابقة التي حاولت إدخال هذه الطريقة في اللغة إلى جانب القصور؛ لضعف ملكاتها من اللغة ~~التي حاولت تبديل قيافتها، وكثيرا ما كانت ضعيفة أيضا في اللغة التي حاولت الأخذ عن بنيها ~~تفهم الألفاظ، ولكنها عن المعاني بمعزل، بيد أن هذا النابغة رزق السعادتين، فأتقن الأدب ~~الإفرنجي إتقانه للعربي، وجاء منه جهبذ بحاثة، ذو أسلوب مبتكر لا ينكره المنصفون من الغالين ~~بتمجيد القديم، ويغتبط به المجددون أية غبطة. # منذ أكثر من خمس وعشرين سنة، وأنا أنظر في الكتب العصرية التي تخرجها المطابع العربية في ~~الشرق والغرب، فلم أكد أقرأ كتابا في الأدب المعاصر، تأليفا كان أم ترجمة، إلا وتتراءى ~~لي كثرة تفريطه في تأليفه، وقلما رأيت إبداعا إلا في بعض التآليف، أمثال «حديث عيسى بن ~~هشام» للمويلحي الصغير، و«النظرات» و«العبرات» للمنفلوطي، و«ليالي سطيح» لحافظ، وبضعة كتب ~~أخرى ليست على خاطري، رجوت لها ms105 الخلود، وباقيها ومنه المسجع، أو الممسوخ، أو المسلوخ، أو ~~المنسوخ، لا أستحي أن أقول إنها تتساقط كما يتساقط ورق الشجر في الخريف، وتضيع كما تضيع ~~مقالات الصحف اليومية بعد صدروها بساعات معدودة . # لم يبرح النزاع عندنا بين أنصار الجديد والقديم على أتمه، ولكن التطور يعمل عمله، رغم ~~احتجاج المحتجين وصياح الصائحين، والانتقال محسوس في الأدب كما هو محسوس في كل أطوار الحياة ~~عندنا، وأنت اليوم إذا قرأت صفحة من «مقامات اليازجي»، أو رسالة من «رسائل الأحدب»، أو ~~جملا من مصطفى نجيب وحمزة فتح الله على تلميذ شدا شيئا من الأدب يضحك مما تسمعه، ويقول لك ~~هذا كلام يضعف اللغة، ويذهب ببهجتها، وألفاظه أكثر من معانيه، ولكنك إذا تلوت عليه صفحات من ~~السيد العقاد تطربه نغمته، وتعجبه ديباجته، فتستغرق معه ساعات في المطالعة لا تمل، وكلما ~~أتممت فصلا وددت لو طال أكثر. فمقالات العقاد في تحليل روح المعري وحياة المتنبي وأدبه، ~~دلت عن أدب بارع ونفس طويل، وخواطره في ماكس نوردو وأناتول فرانس، والشعر ومزاياه، والطبع ~~والتقليد، وعبقرية الجمال والتشاؤم، وأدوار العمر، كل ذلك مما يحمل للقارئ علما طريفا ~~وتليدا، ونبوغا وعبقرية وتجديدا، يروقك بأسلوبه فتستفيد من الفكرة، ومن القوالب البديعة ~~التي ظهرت فيه. # طلق الأستاذ العقاد الأسجاع والجناس وأنواع البديع، وجاءنا بإنشاء فيه طلاوة الحديث بسبكه ~~ومعناه، وجلالة القديم ببيانه، وربما تلوت له فصلا برمته، وليس فيه سجعة أو معنى مكرر، ~~تراه يكتفي في تصويره بعشرة ألفاظ، وكان غيره يحشر له العشرين والثلاثين لفظة، وإذا عمد إلى ~~استعمال الفصيح الذي لم يبتذل، فإنه يكون في كلامه بمقدار الخال في صفحة الوجه الجميل، ~~أما التراكيب فتظن نفسك وأنت تقرأ كلامه أمام «أبدى بدوي وعلى طباع أفصح عربي». # وإن أهل هذه الطبقة العالية قد أكذبوا القائلين بأن العربية لا يتسع صدرها للمعاني ~~الجليلة، وأن العرب عنوا بالألفاظ أكثر من المعاني، وما الألفاظ إلا القوالب، فقد قال ~~ابن جني في الخصائص ردا على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني: إن ~~العرب ms106 كما تعنى بألفاظها وتصلحها وتهذبها وتداعبها، وتلاحظ أحكامها بالشعر تارة وبالخطب ~~أخرى، وبالأسجاع التي تلزمها وتكلف استمرارها، فإن المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها، وأفخم ~~قدرا في نفوسها، فأول ذلك عنايتها بألفاظها، فإنها لما كانت عنوان معانيها، وطريقا إلى ~~إظهار أغراضها ومرئيها، أصلحوها وبالغوا في تجييدها وتحسينها؛ ليكون ذلك أوقع لها في السمع، ~~وأذهب في الدلالة على القصد، فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها وحسنوها، وحموا حواشيها ~~وهذبوها، وصقلوا غروبها وأرهفوها، فلا تريد أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ، بل هي ~~عندهم خدمة منهم للمعاني، وتنويه بها وتشريف منها، ونظير ذلك إصلاح الوعاء وتحصينه، وتكوينه ~~وتقديسه، وإنما المبغي بذلك منه الاحتياط للموعى، وعليه جوازه بما يعطر نشره ... وقال عبد ~~القاهر الجرجاني في «دلائل الإعجاز»: لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه ~~لفظه، ولفظه معناه، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك، وقولهم يدخل في الأذن ~~بلا إذن، فهذا مما لا يشك العاقل في أنه يرجع إلى دلالة المعنى على المعنى، وأنه لا يتصور ~~أن يراد به دلالة اللفظ على معناه الذي وضع له في اللغة. # قلنا وهذا ما جعله المجودون من كتابنا المعاصرين نصب أعينهم، فلم يقنعوا بالقشور، بل ~~اهتموا باللباب، وعنوا بالقوالب وما تحويه، وإذ قد أرهفوا أقلامهم لنقد الكاتبين المتوسطين، ~~كانوا أحرياء بأن يظهروا كتاباتهم خالية من الشوائب اللفظية والمعنوية، وأدبنا في كل عصر ~~ما خلا من نقاد يوازنون بين كلام المبرزين في منثورهم ومنظومهم، ينوهون بالكلام الشريف، ~~ويرذلون الساقط الوضيع، ومعولهم في أحكامهم على قوانين البلغاء والذوق السليم. # لو لم تغفل عين العناية بعد القرن الرابع للهجرة عن الاقتباس عن الأمم الأخرى، ولو لم ~~يكتف أهل الأدب والعلوم بما حصل لهم ونفحوه وأضافوه حتى القرن الثالث عشر؛ أي لو لم نقف ~~بأدبنا عند حد ما عرفنا تسعة قرون، لكنا اليوم كفرنسا بالشعر والأدب، نفهم منها ما يفهمه ~~الفرنسيس، بل سائر أمم الغرب الراقي من الشعوب الأنجلوسكسونية واللاتينية والسلافية، ولكنا ~~ننال جوائز نوبل ms107 في الأدب على نحو ما يأخذها الهولانديون والسويديون على الأقل، ونحن معاشر ~~العرب بعددنا نحو عشرة أضعاف كل أمة من تلك الأمم الصغيرة الممدنة. # وإنا نرى هذا التجدد محسوسا في الشعر كما هو محسوس في النثر، فقد جاء محمود سامي ~~البارودي أواخر القرن الماضي في شعره عربيا قحا، وتلاه إسماعيل صبري بشيء من أدب العصر، ~~فحل قيدا من قيوده، وجاء بعدهما حافظ إبراهيم بشعره الاجتماعي المرقص ففك قيود سابقيه، ~~وسيجيء صاحب السلسلة الرابعة بما ليس الآن في الحسبان والتجدد والنشوء الاجتماعي. لا جرم ~~أن للصحف والمجلات اليوم يدا طولى في هذا التطور، فإنها تنقل إلينا كل يوم شيئا جديدا ~~عن آداب الأمم الأخرى، وكلما تطورت مدنيتنا بطور العصر، فالأدب أول ما يتطور فينا، يعلم ذلك ~~كل من تصفح سفرا نشر قبل خمسين سنة، وكتابا نشر اليوم، ومن تلا الصحف لعهدنا وعارضها بما ~~كان يكتب من نوعها أوائل عهد الصحافة العربية في مصر والشام وتونس، يدرك الخطوات السريعة ~~التي خطوناها نحو المدنية، وجددناها على ما يوافق إقليمنا وطباعنا، وألبسناها حلة من حللنا ~~الشرقية البديعة، وأساتذة هذا الشأن بمصر اليوم العقاد، وطه حسين، والمازني، وعبد القادر ~~حمزة، وغيرهم من حملة الأقلام الذين يقودون قراءهم إلى سوق عكاظ جديد، وفي الشاميين كتاب من ~~هذه الطبقة يطرسون على آثار كتاب مصر، ولا نعلم في العراق وتونس والجزائر أناسا يصدق عليهم ~~تعريف المجددين في الإنشاء. # ربما يتساءل القارئ، وقد بلغ به البحث إلى هذه الجملة، وهل كان النساء يا ترى بعيدات عن ~~هذه الحركة الأدبية على حين لم يكن في بغداد، ولا الأندلس، ولا في صدر الإسلام بعيدات عنها؟ ~~راجع الجزء الخاص بالصحابيات من طبقات ابن سعد الكبرى و«بلاغات النساء» لابن طيفور، وأخبار ~~الأندلسيات في «نفح الطيب»، فالجواب أنهن شاركن بقدر اللزوم، ولا يزال عددهن ينمو بنمو روح ~~العلم فيهن، فقديما رأينا المحدثات والواعظات والمتفقهات والأديبات، واليوم نرى الكاتبات ~~والأديبات والباحثات والخطيبات، فقد افتخرت مصر بنبوغ السيدة عائشة عصمت التيمورية شقيقة ~~الأستاذ أحمد تيمور باشا ms108 العالم المشهور، ولها ديوان شعر سلس رقيق، وجاءت بعدها السيدة ملك ~~ناصف، الملقبة بباحثة البادية، وهي ابنة حفني ناصف شيخ الأدب في عصره، وصاحبة كتاب ~~«النسائيات»، وكانت كاتبة مبدعة فعاجلتها المنية ، وكان يرجى منها أن تقلب حياة المرأة ~~المصرية رأسا على عقب، وقد حللت الكاتبة المشهورة السيدة ماري زيادة، الملقبة بمي حياة ملك ~~ناصف في سفر بديع، دل على علو كعبها في الأدب وتحليل النفوس. وفي الشام ومصر اليوم زمرة من ~~الكاتبات المجيدات، المتشبعات بالآداب الغربية، لا تحضرني الآن أسماؤهن بأجمعهن. والنساء ~~عندنا في دور الفهم والتطور والاقتباس. # ولا يسعنا أن نختم هذه العجالة قبل أن نرسل سلاما طيبا إلى كتابنا الشاميين في ~~المهاجر، ولا سيما في الأمريكيتين، فإنهم تشبعوا بالأدب الإفرنجي، فأخذوا يكتبون لقومهم هنا ~~وهناك بلسان جديد من التجديد، بل أكثر من التجدد، واشتهر منهم أمين الريحاني صاحب ~~«الريحانيات»، وملوك العرب وغيرهما من تآليفه، وجبران خليل جبران وهو كاتب ومصور، ولكن ~~تصوير الكلام بالحروف يتعاصى عليه أحيانا أكثر من التصوير بالقلم والخطوط على ما يظهر، ~~فيبدو الغموض في تضاعيف سطوره، ومثال من ذلك كتابه «الأجنحة المتكسرة»، ولكل منهما قراء ~~ومعجبون بأدبهما، ولو كتب لهما أن يرزقا حظا من البيان العربي يوازي حظهما من الآداب ~~الإنجليزية، إذن لجاء من شعرهما المنثور وخيالهما اللطيف مادة للمجددين في أدب لغتنا، وهناك ~~بضعة من الكتاب نزلوا ممالك الجنوب والشمال من أميركا، فكتبوا وعلموا قومهم، ولم يكتب ~~لنا الاطلاع على عامة ما خطته أناملهم، ونمقته أفكارهم. # ولا بأس من التصريح هنا برأي لنا خاص في الكتاب الأقدمين منهم والمحدثين، وربما كان في ~~حملة الأقلام من لا يساهمنا هذا الرأي، ويعدون حكمنا من باب التهجم على من عرفوا كلهم شهد ~~الله بالفضل، وأغنوا غناءهم في جانب الآداب، ولكن هو الرأي يصدره الصغير أمام الكبير، ولا ~~إثم عليه ولا حرج، نريد أن نقول: إن عمر الطالب يقصر عن استيعاب جميع ما كتبه المنشئون ~~في هذه الملة تصفحا ودرسا، فالأولى أن يختار الزبدة، ويأخذ الأهم فالأهم ms109 مما يعينه على ~~تحسين ملكته في البيان، وما نخاله من حيث الأسلوب إلا مخترع طريقته بنفسه، متى تمت أدواته ~~اللازمة، وأتقن ما لا غنية عنه من نحو اللغة وصرفها وبيانها وبلاغتها ، والأولى الاقتصار في ~~الدراسة على من أجمعت الأمة على تبريزهم في هذه الصناعة، كعمرو بن بحر الجاحظ، وعبد الله بن ~~المقفع، وعبد الحميد بن يحيى، وسهل بن هارون، وأحمد بن يوسف، وأضرابهم ممن كتبوا مع طبعهم ~~غير متعلمين، وما قيل في الكتاب يقال في الشعراء جاهليهم ومخضرميهم ومولديهم، وهم - بحمد ~~الله - كثيرون جدا، والأولى الاقتصار على بضعة من المشهود لهم بالإجادة المتناهية، أما ~~أدب أهل العصور المتأخرة فإن الطالب يقرؤه حب الاطلاع، أو لأخذ مادة عن تاريخ الأدب في ~~عصورهم، وبعبارة أوجز يعتمد في البيان على القدماء من قبل الإسلام إلى أواخر القرن الرابع، ~~كما يأخذ العلوم عن المحدثين من أمم الحضارة وغيرهم. # لا جرم أن الأدب الغربي قد اتسع أمامه مجال التجدد الآن، وما حدث فيه من التطور منذ نحو ~~مائة سنة، فكاد يلحقه بآداب الغربيين إلا قليلا، دليل على قابلية هذه اللغة - بما فيها ~~من الفصيح والمترادف، والقلب والإبدال، وما لا تأباه من التصريف والاشتقاق، والوضع ~~والدلالة، والمجاز والكناية - للتجدد في كل عصر، وبرهان على مرونتها؛ للأخذ بالأصلح على ~~قاعدة الانتخاب الطبعي، مع مراعاة قواعدها وروابطها التي استقرت باستقرار القرآن ~~الكريم. # ولذلك ساغ لنا أن نقول: إن لغة القرآن صالحة للمدنية في كل زمان ومكان، وإن أدبا ~~عرف تاريخه منذ خمسة عشر قرنا هو من السعة بحيث لا يتسع مبحث صغير كهذا لاستيعاب جرمه ~~الكبير. # | الخطابة عند العرب # توطئة # دلتنا الحرب الحاضرة على كثير مما ينقصنا من العلوم والصناعات الشائعة عند الأمم ~~الغربية، وكانت فاشية في القديم عند أجدادنا، ومن ذلك صناعة الخطابة، وهي من أجل ~~العوامل في تربية النفوس أيام الحرب والسلم، أو في بث دعوة، أو سفارة بين متخاصمين أو ~~متحابين، وإقناع يوم الحفل، واستمالة الأفكار إلى رأي أو حزب في المجالس والمؤتمرات ~~والمجامع والجوامع، ms110 لا تستغني عنها أمة دستورية يحكمها مجلس نوابها، إذ إن التنفير من ~~مسألة والتذكير بأخرى لا يتم إلا بقوة البيان، وسلاطة اللسان، وفصاحة الحجة، وظهور ~~المحجة. # والسبب في قصورنا عن هذه الغاية طول عهدنا بالحكومة الاستبدادية المطلقة حتى إذا ~~انقلبت إلى حكومة شورية، أحسسنا بنقص في عامة مكونات الأمم، وكان خطباؤنا المصاقع ~~يعدون على الأصابع في جميع أدوار مجلسنا النيابي، والمبرز منهم من كتب له أن كان ~~أستاذا في مدرسة أو مدرسا في جامع، ففتقت ألسن أهل هذه الطبقة، وقليل ما هي على أيسر ~~وجه؛ لأنها كانت على جانب من الفضل، ومعرفة بأصول المجالس، أما أكثر النواب فكانوا ~~بمعزل عما ينبغي لهم من أدوات الفهم والكلام، والحرية فضاحة فضحتنا بقلة المتكلمين ~~والمفكرين منا، مع أن الخطابة مما أوجبته علينا الشريعة الإسلامية، كما ظهر أمرنا، ~~وتبين عجزنا، واستبان إفلاسنا في مسائل العلم والتأليف. # فقد كان بعضهم يوهمون أن طبائع الحكومة المطلقة وهي قائمة بكم الألسن وحجز الأقلام، ~~هي التي تحول دونهم وما يشتهون من انبعاث علمهم، ونشر أبحاثهم ودروسهم، وظهور أثر فضلهم ~~وأدبهم وتحقيقهم، وربما غالى بعضهم فقال: اختراعهم واكتشافهم، وأنهم لا يتوقعون إلا ~~دور انطلاق، حتى يظهروا ما أكنته صدورهم من العلوم والفنون، وها نحن نعيش في ظل ~~الحكومة الدستورية، ولم نشهد أثرا لغير من عرفوا من قبل بالفهم والعلم، وجل ما اتصل ~~بنا أنه نشرت مباحث ومناقشات قلما تفيد أمة تريد النهوض من طريق العلم والعمل. # نحن موقنون أن التبريز في الخطابة صعب، ولكن بالتعلم والمعاناة يصل المرء إلى درجة ~~حسنة في الجملة، وفي العادة أن يكون النوابغ قلائل في كل فن، فإذا عد في الأمة عشرة ~~منهم في كل شأن ومطلب، تعد غنية بعلمها وعقلها، ولانحطاط الخطابة الدينية في هذا العهد ~~تأفف كثير من حضور الجمع، حتى لا يسمعوا خطبا لاكتها الألسن منذ قرون، وليس فيها شيء ~~من النفع، ولقلة المجيدين بل المتوسطين في هذه الصناعة غدا الناس يسمون خطيبا كل من ~~يرفع عقيرته، ولو كان جاهلا عاميا، ms111 بل أميا غبيا، وعلى العكس رأينا في بعض ~~البلاد خطباء بعض المساجد مجودين في الجملة، يقولون ما له معنى في الوعظ والإرشاد، قد ~~حببوا غشيان المساجد لمن كانوا لا يعرفونها، وبتأثير الإخلاص والإجادة والكلام بحسب ~~طبائع القوم وحاضر العصر، كثر العاملون بأحكام الدين القائمون بتكاليفه. # وبلغت حال الانحطاط في ضعف البيان، وفسولة الرأي والحجة بأكثر خطباء الجوامع، ومنهم ~~الأميون الذين لا يكادون يقرءون الكتاب أن أصبحت نصف خطبهم زهدا في الدنيا على غير ~~طريقة السلف المشروعة، والنصف الآخر دعاء يحفظونه لا يخرمون منه كلمة، ثم هم يدعون ~~بأدعية مردودة في الشرع شأنهم في بيان فضائل الشهور والأيام والبلدان والجوامع، حتى خطب ~~بعضهم، وكان حشويا جلجلوتيا في أعظم جامع في هذه البلاد، عند إرادة الحث على تجديد ~~بنائه فقال: إن الصلاة فيه تعادل ثلاثين ألف صلاة، وأورد لذلك أحاديث لا تعرفها إلا ~~عقول الوضاعين والقصاصين، ولطالما خطبوا أن من صام يوم كذا غفر له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر، إلى غير ذلك من البدع والفضول التي لم تأت بها شريعة الرسول، وقد أنكرها أئمة ~~الفقه والعلم من المتقدمين والمتأخرين، ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى سنة ~~728)، وابن قيم الجوزية (المتوفى سنة 751)، وابن الحاج المتوفى سنة 737. # ولو كان الخطباء على جانب من فهم أسرار الشريعة ومعرفة طرق البلاغة، وما يصلح الناس ~~ما عالجوا من الموضوعات ما يرجع بالناس القهقرى، هذا في الخطب الدينية، أما الخطب ~~المدنية فهي أيضا تتصرف على ذاك النحو نصفها تحميدات ومقدمات، واعتذارات وسخافات، ~~واستطرادات منوعات، ولو محصت لما بقي منها إلا التافه اليسير من المعاني، أما ~~تأثيراتها في الأفكار فضعيفة جدا، ولعل هذا النقص البين يتلافاه أساتذة المدارس ~~الابتدائية والوسطى والعليا، بتمرين طلبتهم أبدا على الإلقاء، وممارسة الكلم الفحل يوم ~~الحفل، وفي النوازل والأمور العامة، فينشأ من هذا الجيل فئات تسد هذا النقص المحسوس ~~المشاهد في طبقة رؤساء الدين ورؤساء الدنيا، ويمرن الجميع على كتابة ما يريدون الخوض ~~فيه، وعلى استظهاره أو إلقائه على نحو ما ms112 سارت الأمم الحديثة والأمم القديمة الراقية، ~~فينبغ فيها خطباء ووعاظ، ومرشدون داووا جهالة شعوبهم بأساليب القول الجزل، والمنطق ~~الخلاب والبرهان الساطع. # وها نحن نحط لطلاب هذا الفن الطريق الذي سلكته العرب في تقوية ملكة البيان، معتمدين ~~في النقل على أئمة هذا الشأن، مشيرين إلى تاريخ الخطابة، والمجودين فيها من أهل هذا ~~اللسان قبل الإسلام وبعده، تلقيحا للعقول وإهابة بها إلى ما يصلحها ويزكيها بالبلاغة ~~فنقول: ~~(1) حد الخطابة وأقسامها # نقل ابن رشد أن الخطابة صناعة تتكلف الإقناع الممكن في كل مقولة من المقولات، ~~وغايتها إقناع الجمهور فيما يحق عليهم أن يصدقوا به من الأمور السياسية والوظائف ~~الشرعية، وقال أبو البقاء: الخطابة هي الكلام النفسي الموجه به نحو الغير للإفهام. ~~قالوا: وليس للخطابة موضوع خاص تبحث عنه بمعزل عن غيره؛ ولذلك كان على الخطيب أن يلم ~~بكل صنف من المعارف، فوجب عليه لبلوغ هذه الأمنية أن يتبحر في العلم، ويتفنن في ضروب ~~الفهم، حتى كان شيشرون خطيب الرومان يوجب على الخطيب معرفة الفنون الأدبية، والرياضيات، ~~والرسم، والتصوير، والنقش، والموسيقى وغير ذلك. # ومعنى إقناع الجمهور إرضاء السامعين بالبرهان، بحيث تكون البلاغة ملكة في الخطيب، ~~وهناك يقتضي له من العلم الواسع، ونفاذ البصيرة، وحضور الذهن، وقوة التأثير، وطلاقة ~~اللسان، ولطف البيان، ما يستميل به الجمهور إليه في موضوع، ويصرف أذهانهم عن أمر، ويوجه ~~أنظارهم إلى آخر ويحرضهم ويقنعهم؛ ولذلك أدخل الحكماء الخطابة الشعر في أقسام المنطق، ~~كما نقل عن أرسطو؛ لأن المقصود منه أن يوصل إلى التصديق، وأصولها عندهم ثلاثة؛ الأول: ~~إيجاد المعاني الحقيقية بالإقناع من الأدلة والآداب، والثاني: تنسيق المعاني؛ أي سرد ~~أجزائها على نظام واحد؛ ليحكم تركيب الخطة وارتباط أقسامها، بحيث تكون أبين غرضا وأحسن ~~في النفوس وقعا، والثالث: التغيير الذي يراعى فيه حال السامع؛ لتصاغ له المعاني في ~~ألفاظ تتشر بها نفسه، وتمتزج بأجزاء فهمه. ويمكن إرجاع الخطابة إلى قسمين: الخطابة ~~المدنية والخطابة الدينية، فالمدنية يتصرف تحتها كل ما فيه إصلاح المدينة، والخطابة ~~الدينية كل ما يرجع إلى تطهير النفوس؛ ليكون ms113 لأهلها مدنية فاضلة في الدنيا وسعادة شاملة ~~في الأخرى. # الخطابة نوع من منثور الكلام، يأخذ من النثر تصوير الحقائق وإبلاغها النفوس، من دون ~~إتعاب ذهن، ولا تكلف في الأداء، ومن النظم سلاسته وتأثيره في النفس، وقد كانت العرب في ~~جاهليتها تقدم الشاعر على الخطيب، بفرط حاجتها إلى الشعر الذي يقيد مآثرها ويفخم شأنها، ~~ويهول على عدوها ومن غزاها، ويهيب من فرسانها، ويخوف من كثرة عددها، ويهابها شاعر ~~غيرها، قال أبو عمرو بن العلاء: فلما كثر الشعراء واتخذوا الشعر مكسبة وتسرعوا إلى ~~أعراض الناس، صار الخطيب عندهم فوق الشاعر، وكان لكل قبيلة شاعر، كما كان لكل واحدة ~~خطيب، الخطب والوصايا متقاربة، يقصد بالأولى قوم لا على سبيل التعيين والتخصيص، فتكون ~~في المشاهد، والمجامع، والأيام، والمواسم، والتفاخر، والتشاجر، وأمام العظماء والملوك ~~والأمراء والوفود، وفي الصلح وإشهار الحرب، وفي الخطوب والنوازل، أما الوصايا فتكون ~~لقوم بعينهم في زمن مخصوص على شيء منصوص، وربما كانت من شخص لأهل بيته، أو سيد لقبيلته ~~عند حلول مرض أو أجل أو هجرة في الأرض. ~~(2) الخطابة والأنبياء # ذكروا أن العرب عنيت بالخطب في جاهليتها، أكثر من عنايتها بها في الإسلام، ولم يظهر ~~لنا سر هذا؛ لأنا رأينا هدي النبيين والمرسلين على خلاف ذلك، رأينا الرسول - صلوات الله ~~عليه - لم يتعلم الشعر وما ينبغي له، وكان سيد الخطباء بلا مراء، وكلامه خطب وحكم، ~~وبسيرته الشريفة اقتدى كبار الصحابة، والتابعين، والخلفاء، والملوك والمرشدين، والعلماء ~~العاملين، ولكن كثر الشعر أكثر من الخطب؛ لأن الشعر أقرب إلى تقييد المآثر والتأثير؛ ~~ولأنه يحتمل من الخيال والمحال، ما لا يحتمله الخطاب بحال من الأحوال. # قال صاحب «الريحان والريعان»: إن ما تكلمت به العرب من أهل المدر والوبر من جيد ~~المنثور ومزدوج الكلام، أكثر مما تكلمت به من الموزون، إلا أنه لم يحفظ من المنثور ~~عشره، ولا ضاع من الموزون عشره؛ لأن الخطيب إنما كان يخطب في المقام الذي يقوم فيه في ~~مشافهته الملوك، أو الحالات، أو الإصلاح بين العشائر، أو خطبة النكاح، فإذا انقضى ms114 ~~المقام حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه بخلاف الشعر، فإنه لا يضيع منه بيت واحد، قال: ~~ولولا أن خطبة قس بن ساعدة كان سندها مما يتنافسه الأنام، وهو أن النبي # صلى الله عليه وسلم # هو ~~الذي رواها عنه فأطار ذكرها؛ ما تميزت عما سواها. # قال القلقشندي: وليس ما أشار إليه لرفض النثر عندهم وقلة اعتناءهم به؛ لسهولة حفظ ~~الشعر، وشيوعه في حاضرهم وباديهم، وخاصهم وعامهم بخلاف الخطابة، فإنه لم يتعاطها منهم ~~إلا القليل النادر من الفصحاء المصاقع؛ فلذلك عز حفظها، وقل عنهم نقلها، وقد كانت ~~تقوم بها في الجاهلية سادات العرب ورؤساؤهم ممن فاز بقدح الفضل، وسبق إلى ذرى المجد، ~~ويخصون ذلك بالمواقف الكرام، والمشاهد العظام، والمجالس الكريمة، والمجامع الحفيلة، ~~فيقوم الخطيب في قومه فيحمد الله ويثني عليه، ثم يذكر ما سنح له من مطابق قصده وموافق ~~طلبه من وعظ يذكر، أو فخر، أو إصلاح أو نكاح، أو غير ذلك مما يقتضيه المقام. # نعم، إن الخطابة صناعة الرسل - عليهم السلام - لأنهم يدعون إلى الله، ويكلفون ~~بإرشاد الخلق، وهذا يقتضي البلاغة والبيان المتناهي لذلك قال موسى: رب اشرح لي صدري ~~ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي؛ وذلك لأنه كان به لثغة فخشي أن يعدها ~~قومه عيبا، ويلووا بوجوههم عن دعوته، أما شعيب - عليه السلام - فقد سماه نبينا - ~~عليه الصلاة والسلام - خطيب الأنبياء؛ لما ورد في الكتاب العزيز من أسلوبه البديع في ~~البيان، وتلطفه في إبلاغ دعوته إلى أهل مدين الذين غلبت عليهم الشقوة قال تعالى: # وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال ~~والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب ~~يوم محيط * ويا قوم أوفوا المكيال ~~والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين * بقيت الله خير ~~لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ ~~، إلى ~~أن قال: # قال يا قوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن ms115 ~~أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ~~ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت ~~وإليه أنيب * ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي ~~أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم ~~صالح وما قوم لوط منكم ببعيد * واستغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود ~~. # ولشرف الخطابة وتأثيرها في تطهير النفوس أوجبها الشارع، وسنها للمسلمين في مساجدهم كل ~~جمعة وعيد، وفي الحج؛ أي في عرفة، وأوجب على الحضور التزام الأدب مع الخطيب، بل علمهم ~~حسن الإصغاء، وفي الحديث: إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت، ولم ~~يعين الشارع للخطب الدينية أو خطب الجوامع والمواسم موضوعا خاصا بل جعلها مطلقة، ~~يتناول الخطيب الكلام من المناسبات الزمنية، ويورد للحضور من هدي الشارع، ما يذهب به ~~أرواحهم ويهيب بهم إلى بارئهم، ويغرس فيهم مكارم الأخلاق، ويطبعهم بطابع الفضائل، ~~ويحذرهم البغي والظلم، ويستل بلطيف أسلوبه سخائمهم وأحقادهم، ويأمر بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر، ويزين لهم العمل الصالح، ويربأ بهم عن مهلكات الشهوات. ~~(3) البلاغة للعرب # قال الجاحظ: إنا لا نعرف الخطب إلا للعرب والفرس، وأما الهند فإنما لهم معان مدونة، ~~وكتب مخلدة، لا تضاف إلى رجل معروف، ولا إلى عالم موصوف، وإنما هي كتب متوارثة وآداب ~~على وجه الدهر سائرة مذكورة، ولليونانيين فلسفة وصناعة منطق، وكان صاحب المنطق نفسه ~~بكيء اللسان، غير موصوف بالبيان مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه بخصائصه، وهم ~~يزعمون أن جالينوس كان أنطق الناس، ولم يذكروه بالخطابة ولا بهذا الجنس من ~~البلاغة. # وفي الفرس خطباء إلا أن كل كلام للفرس، وكل معنى للعجم، فإنما هو عن طول فكرة، ~~وعن اجتهاد وخلوة، وعن مشاورة ومعاونة، وعن طول التفكر ودراسة الكتب، وحكاية الثاني علم ~~الأول، وزيادة الثالث في علم الثاني، حتى اجتمعت ثمار تلك الفكر عند آخرهم، وكل شيء ~~للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة ~~فكرة ولا استعانة، وإنما هو أن يصرف همه إلى الكلام وإلى رجز ms116 يوم الخصام، أو حين أن ~~يمنح على رأس بئر، أو يحدو ببعير، أو عند المقارعة والمنافلة، أو عند صراع أو في حرب، ~~فما هو إلا أن يصرف همه إلى جملة المذاهب ، وإلى العمود الذي يليه بقصد، فتأتيه ~~المعاني إرسالا، وتنثال عليه الألفاظ انثيالا، ثم لا يقيده على نفسه، ولا يدرسه أحدا ~~من ولده. # وكانوا أميين لا يكتبون، ومطبوعين لا يتكلفون، وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، ~~وهم عليه أقدر وأمهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم أوجز، ~~والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ، أو يحتاجوا إلى تدارس، ~~وليس هم كمن حفظ علم غيره، واحتذى على كلام من كان قبله، فلم يحفظوا إلا ما علق ~~بقلوبهم والتحم بصدورهم، واتصل بعقولهم من غير تكلف، ولا قصد، ولا تحفظ، ولا طلب، وإن ~~شيئا الذي أبدينا جزءا منه لبالمقدار الذي لا يعلمه إلا من أحاط بقطر السحاب، وعدد ~~التراب، وهو الذي يحيط بما كان والعالم بما سيكون. # ونحن أبقاك الله إذا ادعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيدة والإرجاز، ومن المنثور ~~والأسجاع، ومن المزدوج وما لا يزدوج، فمعنا العلم على أن ذلك لهم شاهد صادق من ~~الديباجة الكريمة، والرونق العجيب، والسبك والنمط الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ولا ~~أرفعهم في البيان، أن يقول في مثل ذلك إلا في اليسير والنبذ القليل، ونحن لا نستطيع ~~أن نعلم أن الرسائل التي في أيدي الناس للفرس أنها صحيحة غير مصنوعة، وقديمة غير ~~مولدة، إذا كان مثل ابن المقفع، وسهل بن هارون، وأبي عبيد الله، وعبد الحميد، وغيلان، ~~وفلان وفلان لا يستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل، ويصنعوا مثل تلك السير، وأخرى أنك ~~متى أخذت بيد الشعوبي، فأدخلته بلاد الأعراب الخلص، ومعدن الفصاحة التامة، ووقفته على ~~شاعر مفلق، أو خطيب مصقع، علم أن الذي قلت هو الحق وأبصر الشاهد عيانا، فهذا فرق ما ~~بيننا وبينهم، فتفهم عني فهمك الله ما أنا قائل. # هذه حجة الجاحظ في أن العرب أفصح ms117 الأمم، وقال أيضا: إن جميع خطب العرب من أهل ~~المدر والوبر، والبدو والحضر على حزبين، منها الطوال ومنها القصار، ولكل ذلك مكان يليق ~~به، وموضوع يحسن به، ومن الطوال ما يكون مستويا في الجودة، ومشاكلا في استواء الصنعة، ~~ومنها ذوات الفقر الحسان، والنتف الجياد، وليس فيها بعد ذلك شيء يستحق الحفظ، وإنما ~~حفظها التخليد في بطون الصحف، قال: ومتى شاكل أبقاك الله ذلك اللفظ معناه، وأعرب عن ~~فحواه، وكان لتلك الحال وفقا، ولذلك القد لفقا، وخرج من سماجة الاستكراه، وسلم من ~~فساد التكلف، كان قمينا بحسن الموقع، وبانتفاع المستمع، وأجدر أن يأمن جانبه من تناول ~~الطاعنين، ويحمي عرضه من اعتراض العيابين، ولا تزال القلوب به معمورة، والصدور مأهولة، ~~ومن كان اللفظ أيضا كريما في نفسه، متحيرا في جنسه، وكان سليما من الفضول، بريئا ~~من التعقيد، حبب إلى النفوس، واتصل بالأذهان، والتحم بالعقول، ودهشت إليه الأسماع، ~~وارتاحت له القلوب وخف على ألسن الرواة، وشاع في الآفاق ذكره، وعظم في الناس خطره، وصار ~~ذلك مادة للعالم الرئيس، ورياضة للمتعلم الريض. # فإن أراد صاحب الكلام صلاح شأن العامة ومصلحة حال الخاصة، وكان ممن يعم ولا يخص، ~~وينصح ولا يغش، وكان مشغوفا بأهل الجماعة، شنقا لأهل الاختلاف والفرقة، جمعت له ~~الحظوظ من أقطارها، وسبقت إليه القلوب بأزمتها، وجمعت النفوس المختلفة الأهواء على ~~محبته، وجبلت على تصويب إرادته، ومن أعاره الله من معرفته نصيبا، وأفرغ عليه من محبته ~~ذنوبا، حنت إليه المعاني، وسلس له نظام اللفظ، وكان قد أغنى المستمع من كد التكلف، ~~وأراح قارئ الكتاب من علاج التفهم، ولم أجد في خطب السلف الطيب، والأعراب الأقحاح، ~~ألفاظا مسخوطة، ولا معاني مدخولة، ولا طبعا رديا، ولا قولا مستكرها، وأكثر ما نجد ~~ذلك في خطب المولدين البلديين المتكلفين ومن أهل الصنعة المتأدبين، سواء كان ذلك منهم ~~على جهة الارتجال والاقتضاب، أو كان من نتاج التخير والتفكر. ا.ه. ~~(4) مكانة الخطابة وعيوب الخطباء # تقدم لك قانون البلاغة والخطابة الذي وضعه عمرو بن بحر الجاحظ في صفحة، وتدارسه يغني ms118 ~~طالب الخطابة عن كتاب، ورب مقالة خير من سفر. ولقد عرفت العرب مع ما كانت عليه من ~~الغريزة الفائقة في البيان صعوبة الخطابة، وأنها لا يوفق إليها إلا أفراد، ولذلك كانت ~~تكرم الخطيب أكثر من إكرام الشاعر، وقد ضربت المثل بالخطيب في قولها: «الخطب مشوار كثير ~~العثار»، والمشوار هو المكان الذي تعرض فيه الدواب، وقالوا: «عقل المرء من فوق لسانه»، ~~وكانت تتعاير بالفهاهة وقلة الإجادة في البيان، وتقول: نعوذ بالله من الإهمال، ومن كلال ~~الغرب في المقال، ومن خطيب دائم السعال. قال بشر بن معمر في مثل ذلك: # ومن الكبائر مقول متعتع # جم التنحنح متعب ميهود # وقال شاعرهم يعيب بعض خطبائهم: # مليء ببهر والتفات وسعلة # ومسحة عتنون وفتل الأصابع # وضربوا المثل بالبلاغة بسحبان وائل، فقالوا: فلان أخطب من سحبان. كما ضربوا المثل ~~بالعي في الكلام بباقل، فقالوا: فلان أعيى من باقل، وقد جمع الجاحظ في البيان والتبيين ~~كثيرا من أخبار البلاغة، والحصر، والخطباء، والبلغاء ومما قال: # وليس حفظك الله مضرة سلاطة اللسان عند المنازعة، وسقطات الخطل يوم إطالة ~~الخطبة، بأعظم مما يحدث عن العي من اختلال الحجة، وعن الحصر من فوق درك الحاجة، ~~والناس لا يعيرون الخرس، ولا يلومون من استولى على بيانه العجز وهم يذمون ~~الحصر، ويؤنبون العي، فإن تكلفا مع ذلك مقامات الخطباء، وتعاطيا مناظرة ~~البلغاء، تضاعف عليهما الذم، وترادف عليهما التأنيب، ومماتنة (مماطلة) العي ~~الحصر البليغ المصقع، في سبيل مماتنة المنقطع المفحم للشاعر المفلق، وأحدهما ~~ألوم من صاحبه، والألسنة إليه أسرع، وليس اللجلاج (المتردد في كلامه)، والتمتام ~~(من تسبق كلمته إلى حنكه الأعلى، والتمتمة رد الكلام إلى التاء والميم)، ~~والألثغ (الذي يحول لسانه من السين إلى الثاء أو من الراء إلى الغين)، والفأفاء ~~(مردد الفاء)، وذو الحبسة (الذي لا يسمع قوله)، والحكلة (الذي لا يسمع صوته)، ~~والرتة (العجمة)، وذو اللقف (عي بطيء الكلام إذا تكلم ملأ لسانه فمه)، والعجلة ~~في سبيل الحصر في خطبته، والعي في مناضلته خصومه، كما أن سبيل المفحم عند ~~الشعراء والبكيء عند الخطباء ms119 خلاف سبيل المسهب الثرثار والخطل المكثار. # ثم اعلم أبقاك الله أن صاحب التشديق (تكلف البلاغة) والتقعير (التكلم بأقصى الفم) ~~والتقعيب (تقصير الكلام) من الخطباء والبلغاء، مع سماجة التكلف وشنعة التزيد ، أعذر من ~~عي يتكلف الخطابة، ومن حصر يتعرض لأهل الاعتياد والدربة، ومدار اللائمة ومستقر المذمة، ~~حيث رأيت بلاغة يخالطها التكلف وبيانا يمازجه التزيد: ألا إن تعاطي الحصر المنقوص ~~مقام الدرب التام، أقبح من تعاطي البليغ الخطيب، ومن تشادق الأعراب القح، وانتحال ~~المعروف ببعض الغزارة في المعاني والألفاظ، وفي التحبير والارتجال، إنه البحر الذي لا ~~ينزح، والغمر لا يسير أيسر من انتحال الحصر المنخوب (الجبان) أنه في مسلاخ (صفة) التام ~~الموفر والجامع المحكك، وإن كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد قال: إياي والتشادق، وقال: ~~أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون، وقال: من بدا جفا. وعاب العدادين (الشديدي الصوت) ~~والمتزيدين في جهارة الصوت، وانتحال سعة الأشداق، ورحب العلاصم، وهدل الشفاه (إرسالها ~~إلى أسفل)، وأعلمنا أن ذلك من أهل الوبر أكثر وفي أهل المدر أقل، فإذا عاب المدري ~~بأكثر مما عاب به الوبري، فما ظنك بالمولد القروي، والمتكلف البلدي، فالحصر المتكلف ~~والعي المتزيد ألوم من البليغ المتكلف لأكثر مما عنده، وهو أعذر؛ لأن الشبهة الداخلة ~~عليه أقوى، فمن أسوأ حالا أبقاك الله ممن يكون ألوم من المتشادقين، ومن الثرثارين ~~المتفيهقين، ومن ذكره النبي # صلى الله عليه وسلم # نصا، وجعل النهي عن مذهبه مفسرا، وذكر مقته له ~~وبغضه إياه. ~~(5) الخطابة ملكة كسبية وفطرية # الخطابة كالكتابة وقرض الشعر ملكة فطرية وملكة كسبية، إذا صاحبت فيها الكسبية الفطرية ~~جاء من الخطيب كل قول عجيب، وقد كان دمر ستينوس وهو أخطب خطيب عند اليونان - كما أن ~~شيشرون أخطب خطيب عند الرومان - خطب في الجمهور أول مرة ولم يحسن الإلقاء؛ لأنه كان ~~ألثغ مثل واصل بن عطاء شيخ المعتزلة، وكان ضعيف الصوت، فحاول إصلاح ذلك وتمكن منه بوضع ~~حصاة في فمه، وإنشاد أبيات وهو يركض على شاطئ البحر ويرتقي الروابي والآكام. # قال الجاحظ: أخبرني محمد بن عباد، وكان ms120 شاعرا راوية وطلابة للعلم علامة، قال: سمعت ~~أبا داود بن جرير يقول وقد جرى شيء من ذكر الخطب وتحبير الكلام واقتضابه، وصعوبة ذلك ~~المقام وأهواله فقال: تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق من غير أهل ~~البادية بغض، والنظر في عيون الناس عي، ومس اللحية هلك، والخروج مما بني عليه أول ~~الكلام إسهاب، قال: وسمعته يقول: رأس الخطابة الطبع، وعمودها الدربة، وجناحاها رواية ~~الكلام وحليها الإعراب، وبهاؤها تخير اللفظ، والمحبة مقرونة بقلة الاستكراه. # وذكر محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بلاغة بعض أهله فقال: إني لأكره أن يكون مقدار ~~لسانه فاضلا عن مقدار علمه، كما أكره أن يكون مقدار علمه فاضلا على مقدار عقله. قال ~~أبو عثمان الجاحظ: هذا كلام شريف نافع، فاحفظوا لفظه وتدبروا معناه، ثم اعلموا أن ~~المعنى الحقير الفاسد والدني الساقط، يعشش في القلوب، ثم يبيض ثم يفرخ، فإذا ضرب ~~بجرانه، ومكن بعروقه، استفحل الفساد وبزل، وتمكن الجهل وفرخ، فعند ذلك يقوى داؤه، ~~ويمتنع دواؤه؛ ولأن اللفظ الهجين الرديء والمستكره الغبي أعلق باللسان وآلف للسمع، أشد ~~التحاما بالقلب من اللفظ النبيه الشريف، والمعنى الرفيع الكريم، ولو جالست الجهال ~~والنوكى والسخفاء والحمقى شهرا فقط، لم تنقذ من أوضار كلامهم وخيال معانيهم، بمجالسة ~~أهل البيان والعقل دهرا؛ ولأن الفساد أسرع إلى الناس وأشد التحاما بالطبع، واللسان ~~بالتعلم والتكلف، وبطول الاختلاف إلى العلماء، ومدارسة كتب الحكمة، يجود لفظه، ويحسن ~~أدبه، وهو لا يحتاج في الجهل إلى أكثر من ترك التعلم، وفي فساد البيان إلى أكثر من ترك ~~التخير. # قال معاوية بن أبي سفيان لصحار بن عياش العبدي: ما هذه البلاغة التي فيكم قال: شيء ~~تجيش به صدورنا، فتقذفه على ألسنتنا. فقال له رجل من عرض القوم: يا أمير المؤمنين هؤلاء ~~بالبشر والرطب أبصر منهم بالخطب، فقال له صحار: أجل، والله إنا لنعلم أن الريح ~~لتنقحه، وأن البرد ليعقده، وأن القمر ليصبغه، وأن الحر لينضجه. # قال أبو عثمان: قال صاحب البلاغة والخطابة وأهل البيان وحب التبيين: إنما عاب النبي ms121 - ~~صلى الله تعالى عليه وسلم - المتشادقين والثرثارين، والذي يتخلل بلسانه كما تتخلل ~~الباقرة بلسانها، والأعرابي المتشادق هو الذي يصنع بفكيه وشدقيه ما لا يستجيزه أهل ~~الأدب من خطباء أهل المدر ، فمن تكلف ذلك منهم فهو أعيب، والذم له ألزم، وقد كان الرجل ~~من العرب يقف الموقف، فيرسل عدة أمثال سائرة، ولم يكن الناس جميعا يتمثلون بها إلا ~~لما فيها من المرافق والانتفاع، ومدار العلم على الشاهد والمثل، وإنما حثوا على الصمت؛ ~~لأن العامة إلى معرفة خطأ القول أسرع منهم إلى معرفة خطأ الصمت، ومعنى الصامت في صمته ~~أخفى من معنى القائل في قوله، وإلا فالسكوت عن قول الحق في معنى النطق بالباطل، ~~ولعمري، إن الناس إلى الكلام لأسرع؛ لأن في أصل التركيب أن الحاجة إلى القول والعمل ~~أكثر من الحاجة إلى ترك العمل، والسكوت عن جميع القول، وليس الصمت كله أفضل من الكلام ~~كله، ولا الكلام كله أفضل من السكوت كله، بل قد علمنا أن عامة الكلام أفضل من عامة ~~السكوت، وقد قال الله - عز وجل: # سماعون للكذب ~~أكالون للسحت ~~، فجعل سمعه وكذبه سواء. # وقال الشاعر: # بني عدي ألا ينهى سفيهكم # إن السفيه إذا لم ينه مأمور # وقال الآخر: # فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما # ضحكت له حتى يلج ويستشري # وكيف يكون الصمت أنفع، والإيثار له أفضل، ونفعه لا يكاد يجاوز رأس صاحبه، ونفع الكلام ~~يعمم ويخص، والرواة لم يرووا سكوت الصامتين، كما روت كلام الناطقين، وبالكلام أرسل الله ~~أنبياءه لا بالصمت، ومواضع الصمت المحمودة قليلة، ومواضع الكلام المحمودة كثيرة، وطول ~~الصمت يفسد البيان، وقال أبو بكر بن عبد الله المزني: طول الصمت حبسة. كما قال عمر: ترك ~~الحركة عقلة، وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره، وتبلدت نفسه، وفسد حسه، وكانوا يروون ~~صبيانهم الإرجاز، ويعلمونهم المناقلات، ويأمرونهم برفع الصوت وتحقيق الإعراب؛ لأن ذلك ~~يفتق اللهاة، ويفتح الجرح (الصوت)، واللسان إذا أكثرت تحريكه رق ولان، وإذا أقللت ~~تقليبه وأطلت إسكاته جسا وغلظ، وقال عبابة الجعفي: لولا الدربة وسوء العادة لأمرت ms122 ~~فتياننا أن يماري بعضهم بعضا، وأية جارحة منعتها الحركة ولم تمرنها على الإعمال، ~~أصابها من التعقد على حسب ذلك المنع. ~~(6) نصائح لطالب الخطابة # مر بشر بن المعتمر بإبراهيم بن جلبة الخطيب وهو يعلم فتيانهم الخطابة، فوقف بشر فظن ~~إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد أو ليكون رجلا من النظارة، فقال بشر: اضربوا عما قال ~~صفحا، واطووا عنه كشحا، ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره وتنسيقه، وكان أول ذلك الكلام: ~~خذ من نفسك ساعة نشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها إياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرا، ~~وأشرف حسبا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدر، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل عين، ~~وعزة من لفظ شريف، ومعنى بديع، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد ~~والمطاولة والمجاهدة، وبالتكلف والمعاودة، ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولا ~~قصدا، وخفيفا على اللسان سهلا، وكما خرج من ينبوعه، ونجم من معدنه، وإياك والتوعر ~~فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك، ويشين ألفاظك، ومن أراع ~~معنى كريما، فليلتمس له لفظا كريما، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما ~~أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما، وعما تعود من أجله إلى أن تكون أسوأ حالا منك قبل ~~أن تلتمس إظهارهما، وترتهن نفسك بملابستهما وقضاء حقهما، وكن في ثلاث منازل، فإن أولى ~~الثلاث أن يكون لفظك رشيقا عذبا، وفخما سهلا، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا، وقريبا ~~معروفا، أما عند الخاصة إن كنت للخاصة قصدت. وأما عند العامة إن كنت ~~للعامة أردت، والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتصنع بأن ~~يكون من معاني العامة، وإنما مدار الشرف على الصواب، وإحراز المنفعة مع موافقة الحال، ~~وما يجب لكل مقام من المقال، وكذلك اللفظ العامي والخاصي، فإن أمكنك أن تبلغ من بيان ~~لسانك، وبلاغة قلمك، لطف مداخلك، واقتدارك على نفسك، على أن تفهم العامة معاني ~~الخاصة، وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكفاء، فأنت ~~البليغ التام. # قال بشر: فلما قرئت ms123 على إبراهيم قال لي: أنا أحوج إلى هذا من هؤلاء الفتيان. قال ~~أبو عثمان: أما أنا فلم أر قوما قط أمثل طريقة في البلاغة من الكتاب، فإنهم قد ~~التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا، ولا ساقطا سوقيا، وإذا سمعتموني أذكر ~~العوام، فإني لست أعني الفلاحين والحشوة، والصناع والباعة، ولست أعني الأكراد في ~~الجبال، وسكان الجزائر في البحار، ولست أعني من الأمم مثل اليبر والطيلسان، ومثل موقان ~~وجيلان، ومثل الزنج وأمثال الزنج، وإنما الأمم المذكورون من جميع الناس أربع: العرب ~~وفارس والهند والروم، والباقون همج وأشباه الهمج. وأما العوام من أهل ملتنا ودعوتنا ~~ولغتنا وأدبنا وأخلاقنا، فالطبقة التي عقولها وأخلاقها فوق تلك الأمم لم يبلغوا منزلة ~~الخاصة منا، على أن الخاصة تتفاضل في الطبقات أيضا. # قال بشر: فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك، ولا تسنح لك عند أول نظرك، ~~وفي أول تكلفك، وتجد اللفظة التي لم تقع موقعها، ولم تصر إلى قرارها وإلى حقها من ~~أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحل في مركزها وفي نصابها، ولم تتصل بشكلها، وكانت ~~قلقة في مكانها نافرة عن موضعها، فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن والنزول في غير ~~أوطانها، فإنك إذا لم تتعاط قريض الشعر الموزون، ولم تتكلف اختبار الكلام المنثور، لم ~~يعبك بترك ذلك أحد، وإن أنت تكلفتها ولم تكن حاذقا مطبوعا ولا محكما لسانك، نصيرا ~~بما عليك أو ما لك، عابك من أنت أقل عيبا منه، ورأى من هو دونك أنه فوقك. # فإن ابتليت بأن تتكلف القول، وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة، وتعصى ~~عليك بعد إجابة الفكرة، فلا تعجل ولا تضجر، ودعه بياض يومك أو سواد ليلك، وعاوده عند ~~نشاطك وفراغ بالك، فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة، إن كانت هناك طبيعة، أو جريت من ~~الصناعة على عرق، فإن تمنع ذلك عليك بعد ذلك من غير حادث شغل عرض، ومن غير طول إهمال، ~~فالمنزلة الثالثة أن تتحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك وأخفها عليك، فإن ms124 لم ~~تشتهه ولم تنازع إليه إلا وبينكما نسب، والشيء لا يحن إلا إلى ما يشاكله، وإن كانت ~~المشاكلة قد تكون في طبقات؛ لأن النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة، ولا تسمح بمخزونها ~~مع الرهبة، كما تجود به مع المحبة والشهوة. ~~(7) ما يجب على الخطيب وما لا يجب # قال بشر بن المعتمر: وينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينهما وبين ~~أقدار المستمعين، وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما، ولكل حالة من ذلك ~~مقاما، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار ~~المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات، فإن كان الخطيب متكلما تجنب ألفاظ ~~المتكلمين، كما أنه إن عبر عن شيء من صناعة الكلام واصفا أو مجيبا أو سائلا، كان ~~أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلمين، إذ كانوا لتلك العبارات أفهم، وإلى تلك الألفاظ أميل، ~~وإليها أحسن وبها أشغف؛ ولأن كبار المتكلمين ورؤساء النظارين كانوا فوق أكثر الخطباء، ~~وأبلغ من كثير من البلغاء، وهم تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، وهم اشتقوا لها من ~~كلام العرب تلك الأسماء، وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا ~~في ذلك سلفا لكل خلف، وقدوة لكل تابع. # قالوا: وقبيح بالخطيب أن يقوم بخطبة العيد أو يوم السماطين، أو على المنبر، أو في ~~سدة دار الخلافة، أو في يوم جمع وحفل، إما في إصلاح بين العشائر واحتمال دماء ~~القبائل، واستلال تلك الضغائن والسخائم، فيقول كما قال بعض من خطب على منبر ضخم الشأن ~~رفيع المكان: ثم إن الله - عز وجل - بعد أن أنشأ الخلق وسواهم ومكن لهم لاشاهم ~~فتلاشوا. ولولا أن المتكلم افتقر إلى أن يلفظ بالتلاشي، لكان ينبغي أن يؤخذ فوق ~~يده. وخطب آخر في وسط دار الخلافة فقال في خطبته: وأخرجه الله من باب الليسية، فأدخله ~~في باب الأيسية إلخ، قال: وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا ساقطا سوقيا، فكذلك ~~لا ينبغي أن يكون غريبا وحشيا إلا أن يكون المتكلم بدويا ms125 أعرابيا، فإن ~~الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقي رطانة السوقي، وكلام الناس في ~~طبقات، كما أن الناس أنفسهم في طبقات، فمن الكلام والجزل والسخيف، والمليح والحسن ، ~~والقبيح والسميج، والخفيف والثقيل، وكله عربي، وبكل قد تكلموا، وبكل قد تمادحوا ~~وتعايبوا. # فإن زعم زاعم أنه لم يكن في كلامهم تفاضل، ولا بينهم في ذلك تفاوت، فلم ذكروا العي ~~والبكي، والحصر والمفحم، والخطل والمسهب، والمتشدق والمتفيهق، والمهماز والثرثار، ~~والمكثار والهماز؟! ولم ذكروا الهجر والهذر، والهذيان والتخليط، وقالوا: رجل تلقاعة ~~(كثير الكلام) وتلهاعة (متشدق) وفلان يتلهيع في خطبته، وقالوا: فلان يخطئ في جوابه، ~~ويحيل في كلامه، ويناقض في خبره، ولو أن هذه الأمور قد كانت تكون في بعضهم دون بعض ~~لما سمي في ذلك البعض والبعض الآخر بهذه الأسماء، قال أبو عثمان: وأنا أقول: إنه ليس في ~~الأرض كلام هو أمتع، ولا أنفع، ولا آنق، ولا ألذ في الأسماع، ولا أشد اتصالا بالعقول ~~السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقويما للبيان من طول استماع حديث الأعراب الفصحاء ~~العقلاء العلماء البلغاء. # يروى أن مطرف بن عبد الله كان يقول: لا تطعم طعامك من لا يشتهيه. ويقول لا تقبل ~~بحديثك على من لا يقبل عليك بوجهه. وقال عبد الله بن مسعود: حدث الناس ما حدجوك ~~بأسماعهم ولحظوك بأبصارهم، فإذا رأيت منهم فترة فأمسك. قال: وجعل ابن السماك يوما ~~يتكلم وجارية له حيث تسمع كلامه، فلما انصرف إليها قال لها: كيف سمعت كلامي؟ قالت: ما ~~أحسنه لولا أنك تكثر ترداده، فقال: أردده حتى يفهمه من لم يفهمه. قالت: إلى أن يفهمه ~~من لم يفهمه يكون قد مله من فهمه، قال عباد بن عوام عن شعبة عن قتادة قال: مكتوب في ~~التوراة لا يعاد الحديث مرتين. وسفيان بن عيينة عن الزهري قال: إعادة الحديث أشد من نقل ~~الصخر، وقال بعض الحكماء: من لم ينشط لحديثك، فارفع عنه مؤنة الاستماع منك. وجملة القول ~~في الترداد أنه ليس فيه حد يحصره من العوام والخواص. # قال ثمامة ms126 بن أشرس: كان جعفر بن يحيى أنطق الناس، قد جمع الهدو والتمهل، والجزالة ~~والحلاوة، وإفهاما يغنيه عن الإعادة، ولو كان في الأرض ناطق يستغني بمنطقه عن الإسارة ~~لاستغنى جعفر عن الإشارة، كما استغنى عن الإعادة، وقال مرة: ما رأيت أحدا كان لا ~~يتجسس، ولا يتوقف، ولا يتلجلج، ولا يتنحنح، ولا يرتقب لفظا قد استدعاه من بعد، ولا ~~يلتمس التخلص إلى معنى قد تعصى عليه طلبه أشد اقتدارا، ولا أقل تكلفا من جعفر بن ~~يحيى. وقال ثمامة: قلت لجعفر بن يحيى: ما البيان؟ قال: أن يكون الاسم يحيط بمعناك ~~ويجلي عن مغزاك، وتخرجه من الشركة، ولا تستعين عليه بالفكرة، والذي لا بد منه أن ~~يكون سليما من التكلف، بعيدا من الصنعة، بريئا من التعقيد غنيا عن التأويل. # قال أبو عثمان: أعيب عندهم من دقة الصوت وضعف مخرجه، وضعف قوته أن يعترض الخطيب ~~البهر، والارتعاش، والرعدة، والعرق. قال أبو الحسن: قال سفيان بن عيينة: تكلم صعصمة عند ~~معاوية فعرق، فقال معاوية: بهرك القول، فقال صعصمة: إن الجياد نضاحة بالماء. والفرس ~~إذا كان سريع العرق وكان هشا (كثير العرق) كان ذلك عيبا، وكذلك هو في الكثرة، وإذا ~~أبطأ ذلك وكان قليلا قيل قد كبا وهو فرس كاب وذلك عيب أيضا. ~~(8) لطالب الإجادة في خطبته # رأيت بما مضى بعض العيوب التي يجب على الخطيب أن يربأ بنفسه عنها مما ذكره أبو عثمان ~~الجاحظ، وهاك الآن قطعة أخرى له قال: قال بعض الربانيين من الأدباء، وأهل المعرفة من ~~البلغاء ممن يكره التشادق والتعمق، ويبغض الإغراق في القول، والتكلف والاجتلاب ويعرف ~~أكثر أدواء الكلام ودوائه، وما يعتري المتكلم من الفتنة بحسن ما يقول، وما يعرض للسامع ~~من الافتتان بما يسمع، والذي يورث الاقتدار من التهكم والتسلط، والذي يمكن الحاذق ~~المطبوع من التمويه للمعاني والخلابة وحسن المنطق. قال في بعض مواعظه: أنذركم حسن ~~الألفاظ وحلاوة مخارج الكلام، فإن المعنى إذا اكتسى لفظا حسنا، وأعاره البليغ مخرجا ~~سهلا، ومنحه المتكلم قولا متعشقا، صار في قلبك أحلى ولصدرك أملا، ms127 والمعاني إذا كسيت ~~الألفاظ الكريمة، وألبست الأوصاف الرفيعة، تحولت في العيون عن مقادير صورها، وأربت على ~~حقائق أقدارها بقدر ما زينت، وعلى حسب ما زخرفت، فقد صارت الألفاظ في معنى المعارض، ~~وصارت المعاني في معنى الجواري، والقلب ضعيف، وسلطان الهوى قوي، ومدخل خدع الشيطان خفي، ~~فاذكر هذا الباب ولا تنسه، وتأمله ولا تفرط فيه، فإن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى ~~عنه - لم يقل للأحنف بعد أن احتبسه حولا مجرما (تاما)؛ ليستكثر منه وليبالغ في ~~تصفح حاله، والتنفير عن شأنه إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قد كان خوفنا كل منافق عليم، وقد ~~خفت أن تكون منهم، إلا لما كان راعه من حسن منطقه، ومال إليه لما رأى من رفقه وقلة ~~تكلفه. قال الجاحظ: فالقصد في ذلك أن تجتنب السوقي والوحشي، ولا تجعل همك في تهذيب ~~الألفاظ، وشغلك في التخلص إلى غرائب المعاني، وفي الاختصار بلاغ، وفي التوسط مجانبة ~~للوعورة، وخروج من سبيل من لا يحاسب نفسه. # وقد رد الجاحظ على من زعم أن البلاغة أن يكون السامع يفهم معنى القائل، وجعل ~~الفصاحة واللكنة والخطأ والصواب والإغلاق والإبانة والملحون والمعرب، كله سواء، وكله ~~بيانا قال: وكيف يكون ذلك كله بيانا، ولولا طول مخالطة السامع للعجم، وسماعه للفاسد ~~من الكلام لما عرفه، ونحن لم نفهم عنه إلا للنقص الذي فينا، وأهل هذه اللغة وأرباب ~~هذا البيان لا يستدلون على معاني هؤلاء بأكمالهم (؟) كما لا يعرفون ركاكة الرومي ~~والصقلبي، وإن كان هذا الاسم إنما يستحقونه بأنا نفهم عنهم كثيرا من حوائجهم، فنحن قد ~~نفهم بحمحمة الفرس كثيرا من حاجاته، ونفهم بمواء السنور كثيرا من إرادته، وكذلك الكلب ~~والحمار والصبي الرضيع. # قال: وكانوا يمدحون شدة العارضة، وقوة اللسن، وظهور الحجة، وثبات الجهاد، وكثرة ~~الريق، والعلو على الخصم، ويهجون بخلاف ذلك، ثم قال: وهم وإن كانوا يحبون البيان، ~~والطلاقة، والتحبير، والبلاغة، والتخلص، والرشاقة، فإنهم كانوا يكرهون السلاطة والهذر، ~~والتكلف والإسهاب، والإكثار لما في ذلك من التزيد والمباهاة واتباع الهوى، والمنافسة في ~~العلو والقدر، ms128 وكانوا يكرهون الفضول في البلاغة؛ لأن ذلك يدعو إلى السلاطة، والسلاطة ~~تدعو إلى البذاء. # وكل مراء في الأرض فإنما هو من نتاج الفضول، ومن حصل كلامه وميزه، وحاسب نفسه، وخاف ~~الإثم والذم، أشفق من الغرارة، وسوء العادة، وخاف ثمرة العجب، وهجنة القبج، وما في حب ~~السمعة من الفتنة، وما في الرياء من مجانبة الإخلاص. # قال: وكانوا يأمرون بالتبين والتثبت، وبالتحرز من زلل الكلام، ومن زلل الرأي، ومن ~~الرأي الدبري، والرأي الدبري هو الذي يعرض من الصواب بعد مضي الرأي الأول وفوت ~~استدراكه، وكانوا يأمرون بالتحلم والتعلم، وبالتقدم في ذلك أشد التقدم، قال: وأنا أوصيك ~~ألا تدع التماس البيان والتبيين إن ظننت أن لك فيهما طبيعة، وأنهما يناسبانك بعض ~~المناسبة، ويشاكلانك في بعض المشاكلة، ولا تهمل طبيعتك، فيستولي الإهمال على قوة ~~القريحة، ويستبد بها سوء العادة، وإن كنت ذا بيان، وأحسست من نفسك بالنفوذ في الخطابة ~~والبلاغة، وبقوة المنة يوم الحفل، فلا تقصر في التماس أعلاها سورة، وأرفعها في البيان ~~منزلة، ولا يقطعنك تهيب الجهلاء، وتخويف الجبناء، ولا تصرفنك الروايات المعدولة عن ~~وجوهها، والأحاديث المتناولة على أقبح مخارجها، فإن أردت أن تتكلف هذه الصناعة، وتنسب ~~إلى هذا الأدب، فقرضت قصيدة، أو حبرت خطبة، أو ألفت رسالة، فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك، ~~ويدعوك عجبك بثمرة عقلك إلى أن تنتحله وتدعيه، ولكن اعرضه على العلماء في عرض رسائل، ~~أو أشعار، أو خطب، فإن رأيت الأسماع تصغي له، والعيون تحدج إليه، ورأيت من يطلبه ~~ويستحسنه فانتحله، وإن كان ذلك في ابتداء أمرك، أو في أول تكلفك، فلم تر طالبا ولا ~~مستحسنا، فلعله أن يكون ما دام ريضا أن يحل عندهم محل المتروك، فإن عاودت أمثال ذلك ~~مرارا فوجدت الأسماع عنه منصرفة والقلوب لاهية، فخذ في غير هذه الصناعة، واجعل رائدك ~~الذي لا يكذبك حرصهم عليه أو زهدهم فيه، قال: وقد يكون الرجل له طبيعة في الحساب، وليس ~~له طبيعة في الكلام، ويكون له طبيعة في التجارة، وليس له طبيعة في الفلاحة، ويكون له ~~طبيعة ms129 في الحداء، أو في التعبيرات في القراءة بالألحان، وليس له طبيعة في الغناء، وإن ~~كانت هذه الأنواع كلها ترجع إلى تأليف اللحون، ويكون له طبيعة في الناي، وليس له طبيعة ~~في السرناي، ويكون له طبيعة في قصبة الراعي، ولا يكون له طبيعة في القصبتين المضمومتين، ~~ويكون له طبع في صناعة اللحون، ولا يكون له طبع في غيرها، ويكون له طبع في تأليف ~~الرسائل والخطب والأسجاع، ولا يكون له طبع في قرض بيت الشعر، ومثل هذا كثير ~~جدا. # وقال: ليس في الأرض كلام هو أمتع ولا أنفع، ولا آنق، ولا ألذ في الأسماع، ولا أشد ~~اتصالا بالعقول السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقويما للبيان من طول استماع حديث ~~الأعراب الفصحاء العقلاء، والعلماء البلغاء، وقد أصاب القوم في عامة ما وصفوا، إلا ~~أني أزعم أن سخيف الألفاظ مشاكل لسخيف المعاني، وقد يحتاج إلى السخيف في بعض ~~المواضع، وربما أمتع بأكثر من إمتاع الجزل الفخم، ومن الألفاظ الشريفة الكريمة من ~~المعاني، كما أن النادرة الباردة جدا قد تكون أطيب من النادرة الحارة جدا، وإنما ~~الكرب الذي يختم على القلوب، ويأخذ بالأنفاس النادرة الفاترة التي هي لا حارة ولا هي ~~باردة، وكذلك الشعر الوسط والغناء الوسط، وإنما الشأن في الحار جدا والبارد جدا، ~~وكان محمد بن عباد بن كاسب يقول: والله لفلان أثقل من مغن وسط، وأبغض من ظريف وسط. ~~قلنا: وهذا يشبه ما قاله لابرويير في كتابه الأخلاق: من الأشياء ما لا يطاق فيه التوسط: ~~الشعر والموسيقى والتصوير والخطاب العام. # قال إسحاق بن حسان بن فوهة: لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع أحد؛ سئل: ما البلاغة؟ ~~قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في أمور كثيرة، منها ما يكون في السكوت، ومنها ما ~~يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون ~~في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ~~ما يكون سجعا وخطبا، ومنها ما يكون رسائل، فعامة ms130 ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها، ~~والإشارة إلى المعنى، والإيجاز هو البلاغة، فأما الخطب بين السماطين وفي إصلاح ذات ~~البين، فالإكثار في غير خطل، والإطالة في غير إملال، وليكن في صدر كلامك دليل على ~~حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته، كأنه يقول: فرق ~~بين صدر خطبة النكاح، وبين صدر خطبة العيد، وخطبة الصلح، وخطبة المذاهب، حتى يكون لكل ~~فن من ذلك صدر يدل على عجزه، فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك، ولا يشير إلى ~~مغزاك، وإلى العمود الذي إليه قصدت، والغرض الذي إليه نزعت، قال: فقيل له: فإن مل ~~المستمع الإطالة التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف، قال: إذا أعطيت لكل مقام حقه، وقمت ~~بالذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام، فلا تهتم لما فاتك من رضا ~~الحاسد والعدو، فإنه لا يرضيهما شيء. وأما الجاهل فلست منه وليس منك، ورضا جميع الناس ~~شيء لا ينال. ~~(9) خطباء الجاهلية والإسلام # قال الجاحظ: في الخطباء من يكون شاعرا ويكون إذا تحدث أو وصف أو احتج بليغا مفوها ~~بينا، وربما كان خطيبا فقط وشاعرا فقط، وبين اللسان فقط، ومن الشعراء الخطباء ~~الأنبياء الحكماء قس بن ساعدة الأيادي، والخطباء كثير والشعراء أكثر منهم، ومن يجمع ~~الخطابة والشعر قليل، ومنهم عمرو بن الأهتم المنقري وهو المكحل، ومن الخطباء الشعراء ~~البعيث المجاشعي، واسمه خداش بن بشر بن لبيد، ومن الخطباء الشعراء الكميت بن زيد ~~الأسدي، وكنيته أبو المستهل، ومن الخطباء الشعراء الطرماح بن حكيم الطائي، وكنيته أبو ~~نفر، ومنهم عمران بن حطان، وكنيته أبو شهاب رئيس القعدة من الصفرية، وصاحب فتياهم ~~ومقرعهم عند اختلافهم، ومنهم دغفل بن حنظلة النسابة الخطيب العلامة، ومنهم القعقاع بن ~~شور، ومنهم نصر بن سيار أحد بني ليث بن بكر صاحب خراسان، ومنهم زيد بن جندب الأيادي، ~~وعجلان بن سحبان الباهلي، وهو سحبان وائل وخطيب العرب. # ومن الشعراء العلماء أعشى همذان، ومن الشعراء الخطباء عمران بن عصام العرني، ms131 ومن ~~خطباء الأمصار وشعرائهم والمولدين منهم بشار الأعمى، وهو بشار بن برد وكنيته أبو معاذ، ~~ومن الخطباء الشعراء، ومن يؤلف الكلام الجليل ويصنع المناقلات الحسان، ويؤلف الشعر ~~والقصائد الشريفة مع بيان عجيب، ورواية كثيرة، وحسن دل وإشارة عيسى بن يزيد بن دأب أحد ~~بني ليث بن بكر، وكنيته أبو الوليد، ومن الخطباء الشعراء ممن كان يجمع الخطابة والشعر ~~الجيد والرسائل الفاخرة مع البيان الحسن كلثوم بن عمرو العتابي، وكنيته أبو عمرو، وممن ~~جمع الشعر والخطب والرسائل الطوال والقصار، والكتب الكبار المجلدة، والسير الحسان ~~المولدة، والأخبار المدونة سهل بن هارون بن راهييوني الكاتب، صاحب كتاب ثعلة وعفرة في ~~معارضة كتاب كليلة ودمنة، وكتاب الإخوان، وكتاب المسائل، وكتاب المخزومي، والهذلية وغير ~~ذلك من الكتب، ومن الخطباء الشعراء علي بن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة. # ذكر الجاحظ ثمامة بن أشرس فقال: ما علمت أنه كان في زمانه قروي ولا بلدي، بلغ من حسن ~~الإفهام مع قلة عدد الحروف، ولا من سهولة المخرج مع السلامة من التكلف ما كان بلغه، ~~وكان لفظه في وزن إشارته، ومعناه في طبقة لفظه، ولم يكن لفظه إلى سمعك بأسرع من معناه ~~إلى قلبك، قال بعض الكتاب: معاني ثمامة الظاهرة في ألفاظه الواضحة في مخارج كلامه، ~~كما وصف الخريمي شعر نفسه في مديح أبي دلف حيث يقول: # له كلم فيك معقولة # إزاء القلوب كركب وقوف # كان الفضل بن عيسى الرقاشي من أخطب الناس، وكان متكلما، وكان قاصا مجيدا، وكان ~~يجلس إليه عمرو بن عبيد، وهشام بن حسان، وأبان بن أبي عياش، وكثير من الفقهاء وهو رئيس ~~الفضيلية وإليه ينسبون: وكان يزيد بن أبان عم الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي من أصحاب ~~أنس، والحسن كان يتكلم في مجلس الحسن، وكان زاهدا عابدا وعالما فاضلا، وكان خطيبا، ~~وكان قاصا مجيدا، قال أبو عبيدة: وكان أبوهم خطيبا وكذلك جدهم، وكانوا خطباء ~~الأكاسرة فلما سبوا وولد لهم الأولاد في بلاد الإسلام وفي جزيرة العرب، نزعهم ذلك ~~العرق، فقاموا في أهل هذه اللغة ms132 كمقامهم في أهل تلك اللغة، وفيهم شعر وخطب، وما زالوا ~~كذلك حتى أصهر الغرباء إليهم ففسد ذلك العرق ودخله الخور، ومن الخطباء زيد بن علي بن ~~الحسين، وعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وكان شاعرا بينا، وخطيبا لسنا. ~~ومن أهل الدهاء والنكراء، ومن أهل اللسن واللقن، والجواب العجيب، والكلام الصحيح، ~~والأمثال السائرة، والمخارج العجيبة هند بنت الحسن وهي الزرقاء، وجمعة بنت حابس. # ومن الخطباء خالد بن سلمة المخزومي من قريش، وأبو ماضر وسالم، وقد تكلم عند الخلفاء، ~~ومن خطباء بني أسيد الحكم بن زيد بن عمير، وقد رأس. ومن أهل اللسن منهم البيان الحجاج ~~بن عمير بن زيد. # ومن الخطباء سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية، قيل لسعيد بن المسيب من أبلغ ~~الناس؟ قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقيل له: ليس عن هذا نسألك قال: ~~معاوية وابنه وسعيد وابنه، وما كان ابن الزبير بدونهم، ولكن لم يكن لكلامه طلاوة ~~مقبولة، فمن العجب أن ابن الزبير ملأ دفاتر العلماء كلاما، وهم لا يحفظون لسعيد بن ~~العاصي، وابنه من الكلام إلا ما له بال. # ومن الخطباء عمرو بن سعيد وهو الأشدق، وسعيد بن عمرو بن سعيد، وكان ناسبا خطيبا، ~~وأعظم الناس كبرا، وهو خطيب ابن خطيب ابن خطيب، ومن الخطباء سهيل بن عمرو الأعلم أحد ~~بني حسل بن معيص، وعبد الله بن عروة بن الزبير. قالوا: وكان خالد بن صفوان يشبه به، وما ~~علمت أنه كان في الخطباء أحد أجود خطبا من خالد بن صفوان، وشبيب بن شيبة للذي يحفظ ~~الناس ويدور على ألسنتهم من كلامهما، وما علمنا أن أحدا ولد لهما حرفا ~~واحدا. # ومن النسابين العلماء عتبة بن عمرو بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكان من ذوي ~~الرأي والدهاء، وكان ذا منزلة من الحجاج بن يوسف، وعمر بن عبد الرحمن خامس خمسة في ~~الشرف، وكان هو الساعي بين الأزد وتميم في الصلح، ومن بني الحرقوس شعبة بن القلعم، وكان ~~ذا ms133 لسان وجواب وعارضة، وكان وصافا فصيحا، وبنوه عبد الله وعمر وخالد، كلهم كانوا في ~~هذه الصنعة، غير أن خالدا كان قد جمع بلاغة اللسان والعلم والحلاوة والظرف، وكان ~~الحجاج لا يصبر عنه. # ومن بني أسيد بن عمرو بن تميم أبو بكر بن الحكم، كان ناسبا راوية شاعرا، وكان أحلى ~~الناس لسانا، وأحسنهم منطقا، وأكثرهم تصرفا، ومنهم معلل بن خالد أحد بني أنمار بن ~~الهجيم، وكان نسابة علامة راوية صدوقا مقلدا، ومنهم من بني العنبر، ثم من بني عمرو بن ~~جندب أبو الخنساء عباد بن كسيب، وكان شاعرا علامة ورواية نسابة، وكانت له حرمة بأبي ~~جعفر المنصور، ومنهم عمر بن خولة كان ناسبا خطيبا، وراوية فصيحا من ولد سعيد بن ~~العاصي، والذي أتى سعيد بن المسيب ليعلمه النسب، هو إسحاق بن هشام المخزومي، ومن خزاعة ~~ابن مازن أبو عمرو بن العلاء، وأخوه أبو سفيان، ومنهم أبو نوفل بن أبي عقرب، كان علامة ~~ناسبا خطيبا فصيحا، وهو رجل من كنانة أحد بني عريج، ومن بني كنانة، ثم من بني ليث، ~~ثم من بني الشداخ يزيد بن بكر بن دأب، وكان يزيد عالما ناسبا وراوية شاعرا، وولد ~~يزيد يحيى وعيسى، وهو الذي يعرف في العامة بابن دأب، وكان من أحسن الناس حديثا ~~وبيانا، وكان شاعرا راوية، وصاحب رسائل وخطب، وكان يجيدها جدا، وكان أبو الأسود ~~الدؤلي، واسمه ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان خطيبا عالما، وكان قد جمع شدة العقل، ~~وصواب الرأي، وجودة اللسان، وقول الشعر والظرف، ومنهم زياد بن ظبيان التيمي العايشي، ~~وكذلك ابنه عبيد الله كان أفتك الناس، وأخطب الناس، ومنهم صعصعة بن صوحان من خطباء ~~الخوارج، وعبيد الله بن زياد ويضرب به المثل. وكان عثمان بن عروة أخطب الناس. وكان خالد ~~بن يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا، وفصيحا جامعا، وجيه الرأي كثير الأدب، وكان أول من ~~ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء. # ومن خطباء قريش خالد بن سلمة المخزومي، ومن خطباء العرب عطارد بن حاجب بن زرارة، وهو ~~كان الخطيب ms134 عند النبي # صلى الله عليه وسلم ~~. ومن الخطباء عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وكان مع ~~ذلك راوية ناسبا شاعرا، وكان الجارود بن أبي سبرة، ويكنى أبا نوفل من أبين الناس ~~وأحسنهم حديثا، وكان راوية علامة شاعرا مفلقا، ومن الخطباء الذين لا يضاهون ولا ~~يجارون عبد الله بن عباس ذكره حسان بن ثابت فقال: # إذا قال لم يترك مقالا لقائل # بملتقطات لا ترى بينها فضلا # كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع # لذي أربة في القول جدا ولا هزلا # سموت إلى العليا بغير مشقة # فنلت ذراها لا دنيا ولا وغلا # ومن الخطباء بني هاشم أيضا داود بن علي، وكان يكنى أبا سليمان، وكان أنطق الناس ~~وأجودهم ارتجالا واقتضابا للقول، ويقال: إنه لم يتقدم في تحبير خطبة قط، وله كلام ~~كثير معروف محفوظ. ومنهم عبد الله بن الحسن، ومن خطباء بني هاشم، ثم من ولد جعفر بن ~~سليمان بن جعفر والي مكة، قال المكي: سمعت مشايخنا من أهل مكة يقولون: إنه لم يرد عليهم ~~أمير منذ عقلوا الكلام إلا وسليمان أبين منه قاعدا، وأخطب منه قائما، وكان داود بن ~~جعفر إذا خطب اسحنفر (مضى مسرعا فلم يرده شيء) وكان في لسانه شبيه بالرثة، وكان أيوب ~~فوق داود في الكلام والبيان، ولم يكن له مقامات داود في الخطب، وكان إسماعيل بن جعفر من ~~أدق الناس لسانا وأحسنهم بيانا. # ومن خطباء بني هاشم جعفر بن حسن بن الحسين بن علي، وكان أحد من ينازع زيدا في ~~الوصية، فكان الناس يجتمعون ليسمعوا مجاوباتهما فقط، وجماعة من ولد العباس في عصر واحد ~~لم يكن لهم نظراء في أصالة الرأي، وفي الكمال والجلالة، وفي العلم بقريش والدولة، ~~وبرجال الدعوة، مع البيان العجيب، والغور البعيد والنفوس الشريفة، والأقدار الرفيعة، ~~وكانوا فوق الخطباء، وفوق أصحاب الأخبار، وكانوا يجلون عن هذه الأسماء، إلا أن يصف ~~الواصف بعضهم ببعض ذلك، منهم عبد الملك بن صالح، وعبد الله بن صالح، والعباس بن محمد، ~~وإسحاق بن عيسى، وإسحاق بن سليمان، ms135 وأيوب بن جعفر، هؤلاء كانوا أعلم بقريش وبالدولة ~~وبرجال الدعوة من المعروفين برواية الأخبار، وكان عبد الله بن علي وداود بن علي يعدلان ~~بأمة من الأمم، ومن مواليهم إبراهيم ونصر ابنا السندي، فأما نصر فكان صاحب أخبار ~~وأحاديث، وكان لا يعدو حديث ابن الكلبي والهيثم. وأما إبراهيم فإنه كان رجلا لا نظير ~~له وكان خطيبا، وكان ناسبا، وكان فقيها، وكان نحويا عروضيا، وحافظا للحديث ~~راوية للشعر شاعرا، وكان فخم الألفاظ، شريف المعاني وكان كاتب القلم كاتب ~~العمل. # ومن خطباء تميم جحدب، وكان خطيبا راوية، ومن ولد المنذر عبد الله بن شبرمة بن طفيل ~~بن هبيرة بن المنذر، وكان فقيها عالما قاضيا، وكان راوية شاعرا، وكان خطيبا ~~ناسبا، وكان حاضر الجواب مفوها، وكان لاجتماع هذه الخصال فيه يشبه بعامر الشعبي، وكان ~~يكنى أبا شبرمة. ومن الخطباء المشهورين في العوام والمقدمين في الخواص خالد بن صفوان ~~الأهتمي. ومن خطباء بني ضبة حنظلة بن ضرار، وقد أدرك الإسلام وطال عمره حتى أدرك وقعة ~~الجمل. ومن خطباء بني ضبة وعلمائهم مثجور بن غيلان خرشة، وكان مقدما في المنطق. # ومن خطباء الخوارج حبيب بن جدرة وقطري بن الفجاءة، وله خطبة طويلة مشهورة وكلام كثير ~~محفوظ. ابن صديقة وهو القاسم بن عبد الرحمن بن صديقة، وكان صفريا خطيبا ناسبا، ~~ويشوبه ببعض الظرف والهزل، ومن علماء الخوارج شبيل بن غرزة الضبعي صاحب الغريب، وكان ~~راوية خطيبا وشاعرا ناسبا، ومن الخطباء المذكورين روح بن زنباع والحجاج بن يوسف، ~~وعبد الأعلى بن عبد الله بن عامر، ويزيد بن عبد الله بن رؤبة الشيباني، ومن خطباء ~~الخوارج وعلمائهم عمران بن حطان، ومن علمائهم حبيب بن خدرة الهلالي، ومنهم المقعطل قاضي ~~عسكر الأزارقة أيام قطري، ومنهم عبيدة بن هلال اليشكري، ومنهم الضحاك بن قيس ومنهم نصر ~~بن فلحان. # ومن الخطباء معبد بن طوق العنبري، ومن خطباء عبد القيس مصقلة بن رقبة، وكرب بن رقبة، ~~ومن الخطباء قيس بن خارجة، وكان أبو عمار الطائي خطيب مذحج كلها، ومن الخطباء أيوب بن ~~القرية، ms136 ومن خطباء غطفان في الجاهلية خويلد بن عمر، والعشراء بن جابر بن عقيل بن هلال ~~بن سمي بن مازن بن فزارة، وخويلد خطيب يوم الفجار، ومن الخطباء الوضاح بن خيثمة ، ومن ~~أصحاب الأخبار والنسب والخطب، والحكام عند أصحاب النفورات بنو الكواء، ومن الخطباء ~~القدماء كعب بن لؤي، وكان يخطب العرب عامة، ويحض كنانة خاصة على البر، فلما مات أكبروا ~~موته فلم تزل كنانة تؤرخ بموت كعب بن لؤي إلى عام الفيل. # ومن الخطباء الأبيناء العلماء الذين جروا من الخطابة على أعراق قديمة شبيب بن شيبة، ~~قال أبو الحسن: كان أبو بكر خطيبا، وكان عمر خطيبا، وكان عثمان خطيبا، وكان علي ~~خطيبا، وكان من الخطباء معاوية، ويزيد، وعبد الملك، ومعاوية بن يزيد، ومروان، وسليمان ~~بن الوليد، ووليد بن يزيد، والوليد بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ومن خطباء بني ~~هاشم زيد بن علي، وعبد الله بن حسن، وعبد الله بن معاوية خطباء لا يجارون، ومن خطباء ~~النساك والعباد الحسن بن أبي الحسن البصري، ومطرف بن عبد الله الحرشي، ومورق العجلي، ~~وبكر بن عبد الله المزني، ومحمد بن واسع الأزدي، ويزيد بن أبان الرقاشي، ومالك بن دينار ~~السامي، وليس الأمر كما قال في هؤلاء القاص المجيد، والواعظ البليغ، وذو المنطق الوجيز، ~~فأما الخطب فإنا لا نعلم أحدا يتقدم الحسن البصري فيها، وهؤلاء وإن لم يسموا خطباء ~~فإن الخطيب لم يشق غبارهم. # ومن الخطباء من بني عبد الله بن غطفان أبو البلا، وكان راوية ناسبا، ومنهم هاشم بن ~~عبد الأعلى الفزاري، ومن الخطباء حفص بن معاوية الغلابي، ومن بني هلال بن عامر زرعة بن ~~ضمرة، وكان ابنه النعمان بن زرعة بن ضمرة من أخطب الناس. ومن الخطباء عاصم بن عبد الله ~~بن يزيد الهلالي، ومن خطباء بني تميم عمرو بن الأهتم، وكان يدعى المكحل لجماله، لم يكن ~~في بادية العرب في زمانه أخطب منه، ومن بني منقر عبد الله بن الأهتم، وكان خطيبا ذا ~~مقامات ووفادات، ومنهم صفوان بن عبد الله بن ms137 الأهتم، وكان خطيبا رئيسا، وابنه خالد بن ~~صفوان، ومنهم عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، وقد ولي خراسان ووفد على الخلفاء وخطب ~~عند الملوك، ومن ولده شبيب بن شيبة بن عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، وعبد الله بن ~~عبد الله بن عبد الله بن الأهتم وخاقان بن الأهتم، ومن خطبائهم محمد الأحول بن خاقان، ~~وكان أخطب بني تميم، ومن خطبائهم معمر بن خاقان، ومن خطبائهم مؤمل بن خاقان، ومن ~~خطبائهم خاقان بن المؤمل بن خاقان، ومن بني منقر الحكم بن النصر وهو أبو العلاء ~~المنقري، ومن خطباء بني صريم ابن الحارث الخزرج بن الصدى، ومن خطباء بني تميم، ثم من ~~مقاعس عمارة بن أبي سليمان، ومن ولد مالك بن سعيد عبد الله وخير ابنا حبيب، ومن ولد ~~مالك بن سعيد عبد الله، والعباس ابنا رؤبة، وكان العباس علامة عالما ناسبا راوية، ~~وكان عبد الله أرجز الناس وأفصحهم، وكان يكنى أبا الشعثاء وهو العجاج، ومن خطباء هذيل ~~أبو الليح الهذلي أسامة بن عمير، ومنهم أبو بكر الهذلي، كان خطيبا قاصا وعالما ~~بينا، وعالما بالأخبار والآثار. # ومن خطباء عمان مرة بن فهم التليد، ومن العتيك بشر بن المغيرة بن أبي صفرة، ومن خطباء ~~اليمن ثم من حمير الصباح بن شقي الحمري، كان أخطب العرب، ومنهم ثم من الأنصار قيس بن ~~الشماس، ومنهم ثابت بن قيس بن الشماس خطيب النبي، ومنهم روح بن زنباع، ومن خطبائهم ~~الأسود بن الكذاب كعب العنسي، وكان طليحة خطيبا وشاعرا وسجاعا كاهنا وناسبا، ومن ~~خطباء الأنصار بشر بن عمرو بن محض، وهو أبو عمرة الخطيب، ومنهم سعد بن الربيع، ومن ~~القدماء في الحكمة والخطابة والرياسة عبيد بن شرية الجرهمي، وأسقف نجران وأكيدر صاحب ~~دومة الجندل، وأفيعي نجران، وذرب بن حوط، وعليم بن جناب، وعمرو بن ربيعة، وهو لحي بن ~~حارثة بن عمرو مزيقيا، وجذيمة بن مالك الأبرش، ومن القدماء ممن كان يذكر بالقدر ~~والرياسة والبيان والخطابة والحكمة والدهاء والنكراء لقمان بن عاد، ولقيم بن لقمان، ms138 ~~ومجاشع بن دارم، وسليط بن كعب بن يربوع، سموه بذلك؛ لسلاطة لسانه، ولؤي بن غالب، وقس بن ~~ساعدة، وقس بن كلاب، ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء أكثم بن صيفي، وربيعة بن ~~حذار، وهرم بن قطبة، وعامر بن الظرب ولبيد بن ربيعة. # ومن النساك والزهاد من أهل البيان عامر بن عبد قيس، وصلة بن أشيم، وعثمان بن أدهم، ~~وصفوان بن محرز، والأسود بن كلثوم، والربيع بن خيثم، وعمرو بن عتبة بن فرقد، وهرم بن ~~حيان، ومورق العجلي، وبكر بن عبد الله بن الشخير الحرشي، ومالك بن دينار، وحبيب أبو ~~محمد، ويزيد الرقاشي، وصالح المزني، وأبو حازم الأعرج، وزياد مولى عياش بن أبي ربيعة، ~~وعبد الواحد بن زيد، وحيان أبو الأسود، ودهثم أبو العلاء. # ومن النساء رابعة القيسية، ومعاذة العدوية امرأة صلة بن هاشم، وأم الدرداء، ومن نساء ~~الخوارج البلحاء، وغزالة، وقطام، وحمادة، وكحيلة، ومن نساء الغالية ليلى الناعطية ~~والصدوق وهند، وأبو الوليد الحكم الكندي، ومحمد بن محمد الحمراني، وكلاب، وكليب، وهاشم ~~الأوقص، وأبو هاشم الصوفي، وصالح بن عبد الجليل، والخطفي وهو جد جرير بن عطية بن ~~الخطفي، وهو حذيفة بن بدر بن سلمة. # ومن القصاص أبو بكر الهزلي، وهو عبد الله بن أبي سليمان، كان خطيبا بينا صاحب ~~أخبار وآثار وقص ابنه مطرف بن عبد الله بن الشخير في مكان أبيه، ومن كبار القصاص ثم من ~~هزيل مسلم بن جندب، وعبد الله بن عرادة بن عبد الله بن الوضين، ومن القصاص موسى ~~الأسواري، وكان من أعاجيب الدنيا، كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان ~~يجلس في مجلسه المشهور به، فيقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب ~~الله، ويفسرها للعرب بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس، فيفسرها لهم بالفارسية، فلا ~~يدرى بأي لسان هو أبين، واللغتان إذا التقتا في اللسان الواحد أدخلت كل منها الضيم على ~~صاحبتها، إلا ما ذكروا من لسان موسى بن سيار الأسواري. # قال أبو عثمان: وشأن عبد القيس عجب؛ وذلك أنهم بعد محاربة ms139 أياد تفرقوا فرقتين، فرقة ~~وقعت بعمان وشق عمان، وفيهم خطباء العرب، وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين، وهم من ~~أشعر قبيلة في العرب، ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية، وفي معدن الفصاحة، ~~وهذا عجب، ومن خطبائهم المشهورين صعصعة بن صوحان، وزيد بن صوحان، وشيخان بن صوحان، ~~ومنهم صحار بن عياش، وصحار من شيعة عثمان، وصوحان من شيعة علي، ومنهم مصقلة بن رقبة، ~~ورقبة بن مصقلة، وكرب بن رقبة. # نقل ابن النديم من خط بن مقلة أسماء الخطباء فإذا هم: أمير المؤمنين علي - عليه ~~السلام - طلحة بن عبيد الله، خالد وإسماعيل ابنا عبد الله القسري، عبد الله بن العباس ~~بن عبد المطلب، جرير بن يزيد بن خالد، يزيد بن عبد الله بن خالد، خالد بن صفوان، عبد ~~الله بن الأهتم، صعصعة بن صوحان، ابن القرية، محمد بن قيس الخطيب، زياد بن أبي سفيان، ~~قطري بن الفجاءة، الوليد بن يزيد، أبو جعفر المنصور، المأمون شبيب بن شيبة، العباس بن ~~الحسن العلوي، محمد بن خالد بن عبد الله القسري وعبد الله ابنه، شبة بن عقال. # الخلاصة # قال أبو جعفر النحاس: إن حفظ خطب البلغاء، والتفنن في أساليب الخطباء من آكد ما ~~يحتاج إليه الكاتب؛ وذلك أن الخطب من مستودعات سر البلاغة ومجامع الحكم، بها تفاخرت ~~العرب في مشاهدهم، وبها نطقت الخلفاء الأمراء على منابرهم، بها يتميز الكلام، وبها ~~يخاطب الخاص والعام، وعلى منوال الخطابة نسجت الكتابة، وعلى طريق الخطباء مشت الكتاب، ~~قال أبو هلال العسكري: الرسائل والخطب متشاكلتان في أنهما كلام لا يلحقه وزن ولا تقفية، ~~وقد يتشاكلان أيضا من جهة الألفاظ والفواصل، فألفاظ الخطب تشبه ألفاظ الكتاب في ~~السهولة والعذوبة، وكذلك فواصل الخطب مثل فواصل الرسائل، والفرق بينهما أن الخطبة ~~يشافه بها بخلاف الرسالة، والرسالة تجعل خطبة، والخطبة تجعل رسالة في أيسر كلفة. ~~ا.ه. # ونحن نوصي القاري ألا يغفل خصوصا عن خطب علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - فإن ~~نهج البلاغة أكبر كنز للخطيب والكاتب، يستقيان منه مادة عقل ms140 وعلم، وأدب وبلاغة، وسياسة ~~وإدارة، ونحن نضمن لمن كان له طبع شفاف إذا استظهر نهج البلاغة، وتفطن لما فيه من ~~النكات العلمية، معتمدا مثلا على شرح ابن أبي الحديد المطول، وتمرن في أساليب الخطابة ~~على مناحي البلغاء والعرب المستعربة، والعاربة والعرباء، يوشك أن يكون من أئمة هذا ~~الشأن في هذا العصر أيضا، فإن كلام أمير المؤمنين - رضي الله عنه - لا تبلى ديباجته ~~وجدته، وكلما كرر حلا، ومهما تأملته علا، ففي كلامه عبقة من النور الإلهي، ونفحة من ~~الروح النبوي، ولو لم يكن للسان العرب غير خطب الخليفة الرابع، لكان كافيا في شرفه ~~وبيانه، وأن يجري على لغات الشرق والغرب ذيول الفخر والمباهاة. # | الخطابة عند الإفرنج # من تأمل في تاريخ الطرق الخطابية ير أن القدماء # 1 # أفرطوا في فن الخطابة، وأنه وإن صعب العثور على مبدأ معين في كتب الأقدمين، ~~وطريقتهم في خطاب الجمهور، فإن جميع المصنفات التعليمية تحوي إبهاما خلطوا فيه بين علم ~~الكتابة وعلم الكلام، فإن علم الخطابة لم يكن في نظر القدماء هو علم التكلم والإلقاء، بل ~~علم تحسين الكلام وتنميق الإنشاء، ومن تلا كتاب الجمهورية لأفلاطون، وفيه مباحث جليلة في ~~الخطابة عند اليونان، يتجلى له أن جميع خطباء أثينة كانوا ينمقون العبارات قبل أن ~~يتلوها، وتتراءى له من خلال سطورهم آثار التعمل، والاستعداد قبل إلقاء خطبهم على مسامع ~~الجمهور، وإذ كان يحظر على المحامي في أثينة أن يدافع عن غيره اضطر بلغاء اليونان أن ~~يكتبوا خطبهم في الدفاع، ويعطوها لغيرهم يستظهرها ليلقيها؛ ولذلك قل المرتجلون من الخطباء ~~في يونان وإن وجدوا فهم على ندرة. # قال بعض المعاصرين: لو لم يكن خطباء الأقدمين يهيئون خطبهم قبل إلقائها ما كان بقي لنا من ~~كلامهم إلا النذر اليسير؛ وذلك لأن فن الاختزال لم يكن يعهد إذ ذاك، بيد أنه مما لا شك ~~فيه أن بعض خطباء اللاتين الذين وصلتنا خطبهم قد ألقوها بدون أن يستعدوا لها بكتابتها، ~~وكان من العادة أن يعود الخطيب عندهم، فيدون بالكتابة ما قاله من خطاب ms141 كما فعل شيشرون في ~~بعض خطبه، والحق الذي لا مرية فيه أن الخط طالما اعتبر في اليونان ورومية بأنه الأسلوب ~~الوحيد في الجملة لإعداد الكلام ليلقى على المسمع العام، ويجب أن يلاحظ أن الخطيب ~~الأثيني مهما بلغ من ثقته بنفسه، لم يكن يجسر أن يقف موقف الخطابة قبل أن ينظر نظرا ~~بليغا فيما سيلقي عليهم؛ لأنه عارف بدرجة مدارك الحضور، ومعرفتهم نقد ما يقول، وما بقي من ~~خطب خطباء يونان هو مما هذبته أناملهم، ونظرت فيه عقولهم، ملاحظين في ذلك أنهم سيخلفون ذلك ~~للأعقاب، فلا يليق أن تكون إلا من أحسن ما يجب. # وطالما هذب شيشرون خطبه وتمرن على إلقائها، حتى إنه في سن الستين قبل أن يقتل كان يمرن ~~نفسه على كيفية الإلقاء، وكان القدماء يعلقون شأنا عظيما على الإلقاء في المجالس العامة، ~~حتى لقد أفرط شيشرون في قوله بأن الخطاب العام يتطلب تعبيرات لطيفة منتقاة، فقد كتب إلى أحد ~~أصحابه أن الرسالة لا يمكن أن تشبه دفاع المحامي، أو خطابا سياسيا، فإنه تستعمل فيه ~~جمل شائعة بالاستعمال، بيد أن كثيرين من خطباء اللاتين وقدماء خطباء اليونان، كانوا لا ~~يحفلون بإعداد خطبهم، ويظهر أن هورتانسيوس وهو أستاذ شيشرون لم يكن موافقا لتلميذه على ~~قضاياه، وهورتانسيوس هذا كان على جانب من الذكاء وحسن الذاكرة، بحيث كان يستطيع أن يتلو ~~خطبه، ويؤلفها في الحال، جاريا في ذلك على طريقة شارلماد وميترودور، وهما خطيبان أثنيان ~~كانا يعدان في ذهنهما ما يريدان إلقاءه. # وكانت طريقة القائد الخطيب الروماني «كالبا» غريبة في بابها، فكان ينقطع في داره مع خدامه ~~غداة يريد أن يلقي دفاعا ويلقي عليهم ممرنا نفسه فيما يريد أن يخوض عبابه، فكان يخرج من ~~الغد في حالة تهيج خارقة للعادة، وعيناه تقدحان شررا، وهو على غاية التحمس يعبث به هواه، ~~ويذهب إلى ميدان الفوروم، واعتاد بعض شبان الخطباء من الرومان أن يأتوا إلى المحكمة ~~بدفاعهم مكتوبا على الورق، وكان كنتليان من أساتذة الخطابة عند قدماء اللاتين، يرى أن ~~يتقيد الخطباء في إعداد ms142 ما سيتلون، ولا سيما للمترشح للخطابة المبتدئ فيها، ويرى أن ~~الارتجال لا يتأتى للمرء إلا في أواخر عمره بعد أن يكون ذاق الأمرين في تعلم صناعة ~~الخطابة، وعرف حلوها ومرها ، ولم يكن في عهده وهو القرن الأول للمسيح سوى خطيبين مرتجلين هما ~~بورسيوس لاترو وكاسيوس، وما عداهما فكانوا ككل الناس يعدون خطبهم قبل إلقائها. # وكان بوسويه خطيب الفرنسيس المتوفى سنة 1704، يكتب خطبه على الورق فيرسمها، ثم يتوقع ما ~~يوحيه إليه المنبر ليجعل فيها حياة وحركة، وظلت الأصول المتبعة في فرنسا مدة القرن الثامن ~~عشر بأن يقيد المحامون والخطباء أقوالهم، هكذا كان يسير أكبر المحامين كوشين، ولما حدثت ~~الثورة الفرنساوية الأولى اضطر أرباب السياسة إلى الارتجال، فأخذوا يخطبون قومهم بدون أن ~~يستعدوا من قبل، ثم ارتقت الخطابة عندهم في الكليات والمحاكم والمجالس حتى قال موريس آجام: ~~ما من شيء يضاد الارتقاء في الخطابة أكثر من إعدادها بالكتابة قبل الإلقاء، فإذا كان وصل ~~كبار المتكلمين إلى أرقى درجات الفصاحة، فبدونها وصلوا، أو بعبارة ثانية على الرغم ~~منها. # ويرى أن يتمرن المرء على الارتجال بأن يرتجل كل صباح في موضوع من الموضوعات لنفسه ولو ~~ربع ساعة، فيتمرن جرسه وصوته، وذلك بأن يذكر دائما قاعدة ينيبون أن المرء يتعلم الارتجال ~~بتكرار العمل فيه، وأن الواجب تعويد الناشئة النطق منذ نعومة أظفارهم، وأن صناعة ~~الخطابة ولا سيما الارتجال لا يتعلمها من جاز الأربعين من العمر، ولا من جاوز الثلاثين، ~~فالأولى أن يبدأ بها منذ الصغر، وأنه من اللازم على من يريد تعلم الخطابة أن يستنصح ~~صاحبا له يدله على عيوبه في النطق والإشارة، وأن يأخذ النفس كل يوم بسماع صاقع الخطباء لا ~~متوسطيهم حتى يتعلم منهم، فإن المتوسط يفسد عليه ملكة الخطابة؛ ولذلك كانت العواصم والحواضر ~~أكبر ميدان للتخرج في الخطابة؛ لأن فيها من أهل الطبقة العالية أصنافا من الخطباء؛ وذلك ~~لأن السماع يجعل المتكلم متكلما، وفكر البشر يغتذي بالتقليد، وعليك يا هذا ألا تعمد إلى ~~استعمال الغريب ولا تتقعر، بل توخ السهولة، ومألوف الناس ms143 من الكلمات تؤثر فيهم، وتفعل في ~~عقولهم. لا تعمد لغير الوضوح ودع الكلمة النادرة للشاعر، والكلمة العويصة للفيلسوف، وإذا ~~اعتقدت أنه يكفي الإنسان أن يتلو كتابا يبحث في أصول الخطاب حتى يصبح خطيبا، فألق سريعا ~~هذا الكتاب طعاما للنار. # كان بوسويه نصف مرتجل يعد مفكرات لخطبه، ثم يزيد عليها وينقص منها عند الإلقاء، وكان ~~فلشيه وفنيلون في مواعظهما يعدان ما يلقيان من قبل ويستظهرانه، وكان كوشين يعد من قبل ~~مدافعاته حتى استطاع في آخر عمره أن يرتجل، وكان المحامي جربيه يعد ما يخطب به مطولا، ولا ~~يزال يمحو منه حتى لا يبقى على أكثر من عشرين سطرا، وكان تارجه يكتب دفاعه برمته ويقرؤه، ~~وكان ميرابو خطيب الثورة ممن يعتمد على الكتابة ليخطب، فاضطرته السياسة أن يرتجل، وما كان ~~يحسن الكتابة وهو مستريح البال، أما إذا هاج فإنه يعاود القلم ويكتب في الجملة، وكان يبدأ ~~بخطابه متأنيا في بادئ الأمر ويتحمس بالتدريج، وكان فيرينو من خطباء الثورة لا يخطب إلا ~~إذا تألم لظلم يقع أو حاذر خطرا يدهم، وعندها تنتبه حواسه ويفكر سريعا، ويعمل في ساعة ما ~~لا يعمل في ساعات، بدأ محاميا وكان يكتب دفاعه ويتلوه، ثم كف عن الكتابة، وكان يعد كل ~~الإعداد خطبه الكبرى، ولا سيما في تلاوتها لأصدقائه من قبل أن يلقيها على الجمهور، وهذه ~~الطريقة هي التي جرى عليها بعد حين تيرس رئيس الجمهورية الأول في الجمهورية الثالثة والعالم ~~المشهور. # وكان كواديه من خطباء الثورة، يكتب خطبه عندما كان محاميا، ولما أصبح خطيبا سياسيا ~~صار يرتجل، وكان إيسنارد من خطباء الثورة مرتجلا، ولكنه كان يكتب، وكان دانتون خطيب الثورة ~~الخطيب التام الأدوات في الثورة، وأقدرهم على إدراك حاجة عنصره، وكان أرول دي سيشل من خطباء ~~الثورة يكتب ويحفظ خطبه ويعمل بقول فولتير: إن الألفاظ بريد الأفكار. وكان روبسبير من ~~خطباء الثورة يعد خطابه، ويمحو ويثبت كثيرا كتلميذ مبتدئ، ومعظم خطبه اخترعت وألفت من ~~قبل أن تنشر، لم يتوسع فيها عندما يقولها، وكانت طريقة بانجامان كونستان الكتابة ms144 لما يخطب ~~به مثل القائد فواولافيت ودوبون ورويه كولار، وكان النائب مانويل مرتجلا لا يكتب خطبه ~~إلا في أمور المالية، ولم يتخل دي مارتينيان عن كتابة ما يريد إلقاءه مع أنه يرتجل أحسن ~~ارتجال، ومن كان يسمعه يتكلم بصوت رخيم يستريح ويسكت وينوع لهجته، يستدل على أنه يرتجل، ~~وكان لينه مثل كواديه ورافيه وفيرير من أمراء الكلام، لم يجعل المتقيد بالكتابة إلا ~~مقاما ثانويا، وفيرير كان من أعظم من وجد من رجال المحاماة، كان يفكر طويلا فيما يريد ~~أن يلقيه ويتأمله، فلم يكن ممن يعتمد على الكتابة صرفا، وكان هانكن من رجال المحاماة لا ~~يأنف طول حياته من إعداد خطبه، وكان بريه المحامي لا يكتب خطبه ولم يعرفوا طريقته في خطبه، ~~هل كان يحدث بها أصحابه قبل أن يلقيها، كما كان يفعل فرنيو وتيرس، أو يفكر فيها مثل فيرير، ~~أو يكتبها في فكره مثل هورنانسيورس، والذي عرف عنه وكان يكتم طريقة نبوغه أن كلامه كان ~~يسبق فكره، وإنشاؤه كان منحطا. # وكان الأخوان دوبين المحاميان يرتجلان، ولكنهما يدرسان موضوعهما حق الدرس قبل النزول إلى ~~ميدان الخطابة، وكان أحدهما يأسف؛ لأن الوقت لا يساعده أن يفكر مليا في خطابه، ويقول لو ~~أكثر ديموستين وشيشرون من الدفاع كثيرا، لقلنا لم يكونا ديموستين ولا شيشرون، وكان تيرس ~~يعد معظم خطبه من قبل بأن يلقيها مرتين وأحيانا أربعا على من يغشون مجلسه، ولم يكن فيكتور ~~هوغو الشاعر الكبير خطيبا، بل كان يضطر أن يكتب خطبه ويستظهرها، ولطالما قال: لا يستطيع ~~المرء أن يكون خطيبا حقا إلا إذا كتب خطابه. زهد المحامي لاشو في الكتابة، وكان لا ~~يقيد إلا رءوس المسائل التي يتكلم فيها، وكان الوزير غامبتا لا يكتب ما يخطب وهو يشبه ~~نابليون بعقله وذاكرته، وكان يعد بعض خطبه الأولى من قبل، فلما نشبت الحرب أخذ يرتجل حقيقة، ~~وكان في خطبه يبدأ بصوت منخفض جدا، حتى يكاد يقول له الحضور اسكت، وبعد هنيهة ترن القاعة ~~من صوته، وتدهش لفضل بيانه، وكان المحامي ليون دوفال يعد ms145 خطبه من قبل، محتفلا بها من وراء ~~الغاية، وكان الدوج دي بروكلي يتأنق في إعداد خطبه، ولكنه يستطيع أن يرتجل على أيسر وجه، ~~وكان بوفه مرتجلا يؤثر بفصاحته في مجلس الشيوخ في مسائل كثيرة، وإن كان عضوا من حزب ~~قليل في الوزراء، وكتب المحامي الإيطالي هنريكوفري عن نفسه فقال: إنه تعلم بأن كان يقصد ~~الضواحي ويرفع صوته، ويجرب نفسه بالخطابة حتى خطب مرة ثماني ساعات متوالية ومرة إحدى عشرة ~~ساعة. ~~••• # ونشر آجام عادات طائفة من الأساتذة والمحاضرين من العلماء في الخطابة من الفرنسيس، فكان ~~منهم أناس يفكرون مليا قبل أن يخطبوا؛ أي إنهم يعدون الكلام أو معناه، ومنهم من يكتب ما ~~يريد قبل إلقائه وآخرون يرتجلون، والأكثر في هذه الفئة الكتابة قبل الإلقاء؛ لأن خطبهم ~~علمية على الأغلب، ولا يرتجل عادة سوى السياسيين. وعلى من أحب أن يجودها أن يخطب لنفسه في ~~متنزه، أو قاعة خاصة مرة، أو عشر مرات ريثما يستجم قريحته، ولا تخونه الألفاظ، وكل مرة في ~~الموضوع الواحد تزيد معانيه وتغزر ألفاظه، ويجب ألا يهتم لانتقائها والتنطع فيها، بل يكتفي ~~بما جاءه عفو الخاطر وابن الساعة. # وقد سأل المؤلف كثيرين من المشتهرين بالخطابة من قومه المبرزين فيها عن طرقهم في تعلمهم ~~وارتجالهم، فمنهم من قال: إنه يفكر مليا في محاضراته بأن يقولها بصوت منخفض أولا، ~~وأحيانا يقولها في عقله، وإنه لا يكتب كتابا صغيرا قبل أن ينشئه في عقله، ويستظهر الجمل ~~الأربع الأولى حتى لا يفاجئه الحضور إذا مثل أمامهم، ومنهم من تحضره الأفكار إذا أمسك القلم ~~وقيدها، ولكنه يحاذر استظهاره، وهو يرى أن من يكتب محاضرته وخطابه يتعلم الارتجال مع ~~الزمن، ومنهم من تتمثل لعينيه المعاني والألفاظ عندما يشرع في الكلام كأنها مكتوبة أمام ~~عينيه، ومنهم من ينظم الأفكار التي يحاضر بها على الورق، ثم يرتجل ويستعد قبل الكلام أن ~~يقول في ذاته ما يجب إلقاءه على الجمهور مرة أو مرتين، وقال: إنه بكتابته خطابه من قبل يسقط ~~على الأفكار التي لا تجيئه بصورة أخرى، ومنهم ms146 من قال: إن خير طريقة لاستظهار ما يريد ~~إلقاءه أن يكتب تلك القطعة، ومنهم وهو أستاذ عظيم يعد موضوعه أولا، ثم يعين في عقله ~~أفكاره، ثم يخط لها خطة، ثم يفكر في البراهين التي عثر عليها ونظمها. # ومنهم من ضعفت ذاكرته، فيضطر للاستظهار أن يحرك شفتيه بما يحفظ حتى يعلق شيء منه في ~~ذهنه، ومنهم من لا يحسن الكلام إلا إذا اضطربت نفسه وفرحت أو سخطت، فإنه في تلك الحال ~~يسرع في خطابه غير مبال، أما إذا لم يكن على حاله من تلك الحالات فيتلعثم ويتردد، ولا ~~يعثر على اللفظ الذي يريده، والخجل الذي يشعر به يزيد هذا الارتباك، ومنهم من لا تأتيه ~~الأفكار وتواتيه إلا إذا كان القلم بيده، وآخر يستظهر المقدمة والخاتمة، ومعظم الجمل ~~الأساسية، ثم يتكلم ويترك الباقي للمصادفات، وغيره يرى أن الكلمات تولد فيه الأفكار، ~~وتفتح أمامه أفقا جديدا، وهو يدرس موضوعه بالإيجاز، ويفكر فيه قليلا أو طويلا بدون أن ~~يحكيه ولا يكتبه في عقله، ويكتب أو يحاول أن يكتب، والكتابة تسهل بزوغ الفكر أحيانا، ~~وأحيانا يتضرر من الكتابة وتفلج قريحته، وبالجملة فإن الكلام في الجمهور من شأن الحكومات ~~الديمقراطية، والخطباء يكثرون - كما قال مونتين - حيث تكون الأمور تتقاذفها العواطف الدائمة ~~بين أخذ ورد. # وقال ريبو: إن معرفة الموضوع الذي يريد الخطيب الخوض فيه ورسم خطته في الفكر بسيطة ~~للغاية من قبل، وهما شرطان لازمان للإجادة في الخطابة، وما عدا ذلك فهو من شأن الحضور ~~المستمعين أكثر مما هو من شأن الخطيب، وأسعد ضروب الارتجال ما ساعد فيه الحضور بتراسل عيون ~~الحب بينهم وبين خطيبهم، والعبرة في معرفة روح الجمهور، فإن له مناحي خاصة في الحسن ~~والتعقل والفهم، حتى ولو كان مؤلفا من فلاسفة وعقلاء، قال ماكس نوردو: اجمع عشرين أو ~~ثلاثين من أمثال كيتي، وكانت وهلمهولز وشكسبير ونيوتن واعرض على حكمهم وآرائهم المسائل ~~العلمية الحاضرة، فإن قراراتهم لا تختلف بتاتا عن مقررات أي مجلس كان، ولماذا يكون ذلك؟ ~~لأن كلا من العشرين أو الثلاثين منتخبا ms147 فضلا من تفرده بمزايا تجعله رجلا فائقا، قد ~~ورث بعض صفات نوعه مما يكون به مثيلا لجاره في المجلس، بل شبيها لعامة الأشخاص الذي يمرون ~~في الشارع، فإن الجوهر الإنساني مستحكم من شخصية المرء، وطربوش العامل يغطي قبعة ~~الفيلسوف. # وبقدر ما يستطيع الخطيب قيادة جمهور سامعيه يفعل في أرواحهم ويسوقهم إلى حيث يريد، ومن ~~أجمل ما قاله بريان من خطباء فرنسا: إن الخطاب ليس قطعة أدبية بل هو عمل، والخطاب لا ~~يعمل ليقرأ، بل ليسمع، وصورته التي يظهر فيها ثانوية، فالتأثير يحدث والنتيجة الحاصلة هي ~~كل شيء، ومراعاة القواعد مطلوبة في الخطاب، ولكن مهما كانت قيمته من الوجهة الأدبية، فإنه ~~إذا فصل عن محيطه الذي ألقي فيه وفارق الأسباب التي دعت إليه، هل يكون له شأن صحيفة جميلة ~~من الأدب استخرجت من قلم أستاذ في الكتابة؟ ~~••• # وإليك بعض نصائح عملية لطالب النبوغ في الخطابة، منها أن يجتنب حق الاجتناب كل استعداد ~~كتابي للخطاب: أن يحمل الخطيب نفسه كل صباح، ولو عشر دقائق على أن يتكلم كثيرا في مكان ~~عام أيا كان نوعه، وألا يكتب مراسلة قبل أن يتكلم بمضمونها سواء كان في عقله أو بصوت ~~جهوري، فالتفكر والكلام قبل الكتابة في أي شيء كانا مطلوبان، وألا يعد خطابه في آخر ساعة، ~~بل يجب أن تكون بين ساعة إلقائه وساعة الاستعداد له ليلة على الأقل، واستجمام الفكر خلال ~~الساعات الأخيرة التي تسبق المحاضرة، وألا يكثر من استعمال المفكرات، بل يقتصر على قيد ~~التقاسيم الكبرى والتواريخ، وأن يحفظ حق الحفظ الأسماء الخاصة التي ترد في الكلام، وأن ~~يعود المرء نفسه النطق بالصعب من الحروف ومعناة المخارج المختلفة من اللسان، وأن يتفنن ~~الخطيب في الجمل التي لا مناص له من استعمالها، وهي من لوازم أكثر الناس، فيجتهد أن ~~ينوعها، ويكثر من الأساليب التي هي بمعنى واحد وبألفاظ متباينة، وأن يبدأ الخطيب خطابه ~~أبدا ببطء بل بانخفاض، ثم يتدرج في رفع صوته، فكل خطيب يبدأ كلامه بصوت جهوري يوشك أن ~~يختمه، وقد أبح صوته ms148 وانخفض، ويجب أن يعرض فكره بدون أن يثور غضبه، فإن الغضب ليس من ~~الصحة في شيء وبه يبح الصوت، وينبغي له أيضا أن يحدق بصره فيمن ينصتون إليه، وألا يشغل ~~نفسه بقراءة شواهد أو التقليل منها ما أمكن. # والمحركات في الخطيب مكانة، ولكن الإكثار منها لا يحتمل، والأحسن أن يذهب الخطيب مع ~~الطبع، وإذا قوطع الخطيب فعليه أن ينتظر ريثما يعود السكون إلى المجلس، وعلى الخطيب أن ~~يلاحظ تتمة سلسلة كلامه قبل أن يعد جوابا على البديهة، والجواب السديد هو على الغالب من ~~جودة الذاكرة، وعليه إذا خانته لفظة ألا يضيع وقته أصلا في البحث عنها، فاللحن والخطأ ~~أفضل من الوقوف في الإلقاء، وإياك أن تضيع فرصة إسماع موسيقار حاذق في صناعة الكلام؛ أي ~~خطيب مصقع، وفر من المدندنين فرارك من الوباء. # هذا ما قاله المؤلف موريس آجام وكتابه علمي عملي معا، وهاك الآن خلاصات لفقناها من كتاب ~~آخر في هذا ألف، وهو عملي محض، واسم مؤلفه سيلفن روديس، # 2 # واسم كتابه الخطيب الحديث، توخى فيه تعليم الخطابة في الجملة لمن لا يستغني ~~عنها من الناس قال: أما النبوغ فيها فلا بد له من هبة إلهية، ولكن بالتعلم لأسلوب ~~الخطابة يستطيع من يدخل المجتمع، ويشترك في بعض الجمعيات الخيرية، ونقابات العملة ~~والمعلمين، والأندية والمجامع المختلفة أن يخطب على أسلوب حسن، ولا يخجل من التعبير عما في ~~فؤاده، وإن على المرء ألا يلقي بنفسه في ميدان الخطاب العام إذا كان موضوعه لم ينضج أو ~~تافها، فالأولى قبل كل شيء دراسة الموضوع للخوض في عباب الكلام الذي تكثر مناحيه، والأسباب ~~الملجئة إليه اليوم بعد اليوم. # وخير ذريعة للمرء حتى لا يخونه الكلام أن يستظهر كثيرا من المفردات، حتى إذا نسي لفظة ~~أقام غيرها مكانها من دون أن يتوقف، فقد كان الشاعر تيوفيل غوتيه يقرأ كل يوم صفحة من ~~المعجم، ولا يبعد أن يكون شأن الشاعرين بالزاك وبودلير، والكاتب فلوبر على هذا النحو لما ~~علم من تمكنهم من أساليب اللغة ومصادرها، فكانوا يتصفحون ms149 أيضا هذه الكتب الضخمة التي جمعت ~~نبوغ عنصر بأجمعه، وبدت بها مظاهر مدنيته المنوعة على اختلاف العصور. وأرى أن من المفيد ~~التطريس على آثار أولئك الكتاب، وأن يقرأ المرء كل يوم صفحة من معجم اللغة، وكم من لفظ ~~تذكر به صاحب الفكر عالما، وروايات وتواريخ، وصفحة من الطبيعة وبلادا وعصرا، ثم إن ~~الألفاظ وحدها لا تكفي لإكثار مادة الخطيب ولا بد له من القوالب، فعليه أن يحفظ جملا ~~مأثورة لطيفة تعلمه أساليب البلغاء، وتركيب الجمل على مختلف الصور، ولا يبالغ في الاستشهاد ~~بها؛ فإنه بذلك يضيع شخصيته، ويكون ناقلا كلام غيره فقط، وعليه أن يركب لنفسه جملا يمكنه ~~أن يقولها ويلفظ بها بصوت جهوري كل يوم من 15 إلى 30 دقيقة، ونجاحه مؤكد لا محالة. # تعلم الارتجال هو غاية الغايات التي يجب على مريد الخطابة أن يحاول بلوغها، وإليك ما ~~عساه يهيئ لك الطريق إلى ذلك: افرض أنك بما لقفته سابقا من المعارف قد استعددت لأن تكتب ~~بعض الشيء خطابا لك على الورق، فاترك الآن عادة تقييد فكرك في الكاغد، وفكر في موضوع لك ~~مدة ساعة أو ساعتين، وذلك بينا أنت سائر، أو راكب في حافلة، أو منصرف إلى عملك البدوي، إن ~~كنت ممن يتعاطون صناعة بيدك، أو بينا تكون في مكتبك فالخطب سيان، انظر إلى جميع النقط التي ~~تعرض لفكرك، وائت بالاعتراضات وردها بما لديك من الحجج تنقضها بها، وخمر المادة العقلية ~~التي بلغت منزلتها، حتى إذا كنت في دارك بمعزل عن المكدرات وجلبة الخارج، اطرد من ذهنك جميع ~~الشواغل الخارجة، وخذ نفسك بما تريد أن تأخذه بها، واجمع كل قوتك العقلية في الفكر الذي ~~يأخذ من نفسك بخط، وتدبر فيما تريد بضع دقائق، واشرع في التكلم جهارا جائيا ذاهبا في ~~غرفتك، تكلم على مهلك بدون أن تبحث عن تعابيرك، ولا تهتم بحالة جملك، ولا لصحتها من النحو ~~والصرف، وداوم بدون انقطاع، ودع كلماتك تتساقط منك، ولكن بأن تصل بينها ما أمكن اتصالا ~~جيدا أو رديئا، فتقارب بينها وتتكرر ms150 وتتشوش الأفكار، فالقطع على هذا الضرب من الكلام ~~تنتهي في الدمدمة، أو لا تنتهي أبدا، وأنت لا يأخذنك قلق من ذلك، بل ظل مثابرا أيضا، ~~ونخط العوائق، واطرح وراءك الفقرات التي لم تتلطف في رصفها، ولا تبتئس أبدا لما لا تذكره ~~حافظتك، ولا لما يتخلل كلامك من المنافذ، أو لضعف حججك وتفاهة براهينك، وثابر ثم ثابر، ~~واذهب إلى أدراجك لا تلوي على شيء، وارفع صوتك حتى ينخفض ويخونك بطبعه. # وإياك أن تحبط إذا لحظت أن النتيجة التي تحصل عليها حقيرة، فإن هذا الجهد الذي يبدوا ~~لك هزوا بانحلال السياق والسباق بين أجزائه، ربما عبث بنشاطك وخيب من أملك، فليس هو من ~~العبث بالدرجة التي تتصورها بادئ الرأي، لا جرم أن مثل هذه التجربة لتربية ملكة الخطابة ~~لا تنتج شيئا إذا اقتصر عليها، ومهما بلغت من الثبات في الخطة التي اختطها لنفسك، ورزقت من ~~الصبر لتجديدها على الدوام، فإنك تصلح منطقك بالتدريج والكلام الذي تدعوه يأتيك هفوا أكثر ~~من قبل، ولا تستعصي عليك الجمل، وتلين مادة الكلام وتتلاحم أجزاؤه على أسلوب حسن، وتنجلي ~~الأفكار فتنال كل مرة نتيجة تحمد غب سراها، فتصل بعد فضل الثبات والصبر إلى ما تريد بلوغه ~~من مراقي الكمال، وإياك إذ ذاك أن تقنع بغير سلطة الإرادات العالية، لا يكفي السهولة في ~~المنطق بدون ارتجال، فكثرة مادة الكلام حسن، ولكن الواجب تنظيمه وتخطيط الطريق الذي يجب ~~عليه سيره حتى لا يضل في تافهات لا منفذ لها: إن تعيين الخطة ضرورية في إنشاء خطاب مكتوب، ~~وهو ضروري أكثر عند إرادة الارتجال، إن القريحة المخيلة والمنطق في الخطيب التي تظهر ~~بأنها منبعثة من ذهنه، هي ثمرة التدريب والنظام العلمي بادئ بدء، وبدونه لا رباط ولا ~~سياق. # ثم شبه الخطيب بالممثل في حركاته، ولكن تمثيلا حسنا بحسن استعمال حركاته وسكناته، لا ~~تأخذه رهبة ولا جزع. قال: والأحسن أن يعمد من يحب التبريز في هذا الفن أن يتمرن أمام ~~أصحابه، ويقوم بينهم خطيبا كما لو كان بين غرباء، وهم يدلونه على ms151 نقصه ويبينون له عوراته، ~~وبصحة الإرادة وفضل الانتباه يتوصل المرء إلى ما يريد، حتى إذا حصلت له أنسة بالكلام يشرع ~~في خطابه ببطء، والمستمعون لا يستمعون له بكليتهم أولا، بل إن لهم من أحواله أعظم جاذب، ~~وعلى الخطيب أن يلاحظ وسط القاعة التي يخطب فيها أو آخر الحضور يحدق النظر فيهم؛ ليدلهم ~~بلسان حاله أنه يعنى بأسماعهم وإقناعهم. # هذا محصل ما اخترناه من الكتابين في الخطابة عند الفرنسيس، وهم من الأمم المشهورة ~~بفصحائها وخطبائها، فالسياسي الخطيب منهم هو الذي يتسلط على النواب ببيانه، ويتولى الوزارات ~~والسفارات، وكلما برز في هذا الفن استجاش أنصارا وأحرز سمعة على وجه الدهر، والخطيب بين ~~العلماء هو الذي يستولي كل الاستيلاء على المجامع العلمية والكليات، ويكهرب الشعب بأقواله، ~~ويكثر أشياعه وأعوانه. # | أصل المعتزلة1 # من العادة أن كل فرقة أو أهل مذهب إذا أرادت أن تصف الفرقة المخالفة لها تبخسها حقها، ~~وربما نسبت إليها ما لم تقله، اعتقادا منها بأن تنفير الناس عن المخالف والدعوة إلى ~~المذهب، لا يتيسران إلا بهذه الطريقة الفتة الباردة، حتى إن بعضهم جوزوا الكذب على ~~المخالف، وما ندري أي دين سماوي أو مذهب فلسفي يجوز الكذب في أمثال هذه المسائل. # والمعتزلة ما خلوا ممن يرميهم بما ليس فيهم، خصوصا أيام استحرت المجادلات بينهم وبين ~~الفرق الأخرى من أهل الإسلام، أيام كانوا ممتعين على عهد أوائل الدولة العباسية بحريتهم ~~الدينية على أصولها، ولم يلاقوا من أرباب السلطة شدة ولا عناء، وقد كثر بحث الغربيين في ~~العصر الأخير عن المعتزلة ومنشئهم، حتى قال بعضهم: إن من سوء طالع المسلمين أن ينقرض ~~المعتزلة، فإنهم كانوا معدلين لأمزجة الحكومات وأرباب المذاهب الأخرى، إذ جروا مع العقل ~~وطبقوا المنقول على المعقول، ونظروا إلى الجوهر أكثر من العرض، ومن حكم العقل في أقواله ~~وأفعاله، يحترمه أحبابه وخصومه على السواء. # ولقد استطلعنا طلع رأي أحد كبار علماء الإسلام # 2 # في أمر المعتزلة، فأملى علينا الجملة التالية، فكانت خلاصة أحوالهم وغاية ~~الغايات في الإفصاح عنهم، قال دام نفعه: في ms152 أواخر عصر الصحابة ظهرت ثلاث فرق من فرق ~~الإسلام: أولاها الخوارج، وهذه الفرقة من الفرق التي اعترضت على علي بن أبي طالب في تجويزه ~~التحكيم في أمر الخلافة، وكانت تحكم بكفر الفاسق صريحا، كشارب الخمر ونحوه فضلا عمن يسعى ~~في سفك دماء المسلمين لأجل مأرب دنيوي، ومذهبها مبني على هذه القاعدة، وكان في ذلك العصر قد ~~دخلت الناس أفواجا في دين الإسلام بسبب الفتوحات العظيمة، وأكثرهم ممن لم يتهذب بمكارم ~~أخلاق الدين، فكان الناس يسمون المتساهل في الدين فاسقا، ويجعلونه من المسلمين البتة، وكان ~~كثير من الناس يصرح بأن الأمور كانت مقدرة عليهم تخفيفا عنهم من الملام، وفي خلال ذلك هبت ~~فرقة لهم شدة تمسك بالدين وتحل بآدابه، فأنكروا ذلك وصرحوا بأن الإنسان مختار في أعماله، ~~وأن الله تعالى لو أجبر الإنسان على عمله لم يؤاخذه عليه، وجعلوا الناس ثلاثة أقسام: مؤمن ~~وكافر وفاسق: فالمؤمن من يقوم بجميع شروط الدين، والكافر الجاحد مطلقا، والفاسق من أتى ~~بكبيرة، ومنعوا من تسمية الفاسق باسم المؤمن، واعتزلوا مجلس الحسن البصري؛ لأنه لم يرض ~~بالتصريح بسلب اسم المؤمن عن الفاسق؛ فسميت هذه الفرقة المعتزلة. # وفي أثناء ذلك ظهرت فرقة هي بالفرقة السياسية أشبه منها بالفرقة الدينية، وهي فرقة الشيعة ~~المشايعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والشيعة حزبان حزب منهم كانوا يقولون: إنه هو ~~الأحق بالخلافة غير أن عوارض الأحوال أوجبت تأخيره؛ لكثرة أعدائه من المنافقين وغيرهم، ~~وكانوا لا يطعنون في الذين أخروه عنها، وقسم يقولون: إنما أخروه لعداوة في أنفسهم لا رعاية ~~لمصلحة الأمة، ثم أخذ كل مذهب دورا من الأدوار كما يعلم من التواريخ المفصلة. # وإذ كان الخوارج أرباب حرب وضرب، وتحمس في الدين، وعبادة ونسك، ولم يكن لهم بصيرة في ~~العلم، كانت أمورهم العلمية بسيطة جدا، وأكثر ما يقابلون به السيف، أما المعتزلة فكانوا ~~في أمرهم أرباب تؤدة وتأن، واستبصار بما يقتضيه الوقت، وكان مقتضى مذهبهم القيام بإنكار ~~المنكر، ولو أفضى الأمر إلى سل السيف، إلا أن ذلك مشروط فيه الإمكان، ms153 فكان المعتزلة ~~يفضين إلى فريقين العامة والأمراء، أما الأمراء فلما يشترطونه في الإمارة من الشروط التي ~~إذا انتشرت في أفكار العامة لم يتيسر لأمير أن ينطلق في أمر الأمة بما يشاء، وأما ~~العامة فلأنهم ينفرون ممن يخرجهم عن الدين بمجرد إتيان المنكرات التي أطلق لهم العنان ~~فيها من طرف خفي أمراء السوء الذين يهمهم أن تكون العامة ممن يعينونهم على مقاصدهم، ~~وكانت هذه الفرقة أعظم الفرق في المناضلة عن الدين ورد شبه الملحدين، وكان الجمهور يقولون: ~~لا حاجة لنا إلى الجدل، فإن كل من خالفنا استتبناه، فإن قاب فيها ونعمت وإلا طهرنا الأرض ~~بسفك دمه عليها. # ولم يزل الأمر كذلك حتى أفضت النوبة إلى المأمون، وكان ممن خالط ناسا منهم، وكان لهم ~~دهاء عظيم في مخالطة الطبقات العالية مع انكماشهم وشدة ورعهم، فتلقف المأمون أفكارهم فقويت ~~في نفسه، فلما أفضت الخلافة إليه بادر إلى إعلانها، وكان مقتضى الحال أن يدعو إلى مذهبهم، ~~كما يقتضيه حال كل من أخذ بمذهب، إلا أن المأمون للمبدأ، والذي كان عليه وهو إطلاق ~~الحرية للموافق له والمخالف، وجد مني الواجب أن يطلق العنان لكل الفرق، فالتي أخطأت يتيسر ~~إقناعها بالحجة والبرهان، والتي معها الحق ينبغي أن تتبع على ما معها منه، فانطلقت في عصره ~~جميع الفرق، وجعل في داره مجالس للمناظرات بين أرباب الملل والنحل، وكان العصر المفرد في ~~ذلك. # ثم لما أفضى الأمر إلى من بعده خف إطلاق العنان لهم، غير أنه بقيت من ذلك بقية، حتى أفضت ~~النوبة إلى المتوكل، فقام في اضطهاد الفرق المخالفة للجمهور لرعاية المشرب العامة، وخلاصا ~~من فرقة إذا قوي أمرها في مشارق الأرض ومغاربها كان فيها الخطر على أمر الخلافة؛ لأنها شرطت ~~فيها شروطا يصعب القيام بها على كثير، ولم تزل حال المعتزلة بين انخفاض وارتفاع، حتى انحطت ~~الأمة انحطاطا زائدا، وقبل انقراضها كان كثير من الملوك يسعى في إبادتهم بالسيف، كما ~~يعلم من التاريخ، ولم يبق لهم ملجأ غير اليمن، فإن فيه تكون حزب ذو عدة وعدة ms154 يصعب محوه، ~~وهم المسمون بالزيدية، فما الزيدية إلا فرقة من فرق المعتزلة يخالفون جمهورهم في بعض ~~مسائل الإمامة ونحوها، ومذهب المعتزلة في كون الإنسان مختارا ليس كما ينقله عنهم المخالفون ~~لهم، فإنهم ينقلونه على صيغة مستبشعة ينفر منها العوام فضلا عن الخواص، فمن ثم وافقهم ~~عليه كثير من علماء أهل السنة، كما وافقهم على كثير من مسائلهم الفرعية التي استخرجوها، ~~وكانت هذه الفرقة كثيرا ما تذكر في التاريخ بأنها معتزلة، مع أن المترجم يكون من ~~المخالفين للمعتزلة في باقي مسائلهم أشد المخالفة، فكان يقع للناظر في التواريخ اضطراب، ~~وحقيقة الأمر تفهم مما ذكره التاج السبكي في الطبقات، فقد نقل في ترجمة القفال عن الحافظ ~~بن عساكر أنه قال في القفال: بلغني أنه كان مائلا عن الاعتدال قائلا بالاعتزال في أول ~~أمره، ثم رجع إلى مذهب الأشعري، قال السبكي: وهذه فائدة جليلة انفرجت بها كربة عظيمة، ~~وحسيكة في الصدر جسيمة، فإن مذاهب تحكي عن هذا الإمام في الأصول لا تصح إلا على قواعد ~~المعتزلة، وطال ما وقع البحث في ذلك حتى توهم أنه معتزلي، واستند الوهم إلى ما نقل أن أبا ~~الحسن الصغار قال: سمعت أبا سهل الصعلوكي وسئل عن تفسير الإمام أبي بكر القفال فقال: قدسه ~~من وجه ودنه من وجه. أي دنه من جهة نصرة مذهب الاعتزال، والقفال هو أستاذ عصره، قرأ عليه ~~الأشعري علم الفقه، وقرأ هو عليه علم الكلام، وهو معدود من كبار أئمة الشافعية، وعلل السبكي ~~ذلك بقوله: أعلم أن هذه الطائفة من أصحابنا ابن سريج وغيره كانوا قد برعوا في الفقه، ولم ~~يكن لهم قدم راسخ في الكلام، وطالعوا على الكبر كتب المعتزلة فاستحسنوا عباراتهم، والمعتزلة ~~هم الذين أحدثوا علم الكلام، وكان الأولون ينهون عنه كثيرا، إلا أن النفوس لما كانت ~~مولعة بالعلم مطلقا تابعهم عليه غيرهم وألغوا فيه كثيرا، وأوهموا اللائمين لهم بأن الكلام ~~المنهي عنه إنما هو الكلام على طريقة المعتزلة، غير أن الكتب التي ألفت على طريقة ~~المعتزلة أمتن جدا لما كان ms155 في أصولهم من منع التقليد البتة، ولذلك لم يكن بعضهم يقلد ~~بعضا، وإن كل إنسان مكلف بقدر ما أداه إليه اجتهاده ووسعه، ولا يخفى الفرق بين المقيد ~~والمطلق. # وهم الذين وسعوا أصول الفقه حتى إن أكثر المسائل المذكورة فيه هي من مبتكراتهم، غير ~~أن الأصوليين لم يحبوا أن يتركوها لهم، وهذا ظاهر لمن يتتبع فن الأصول عصرا فعصرا، ~~وأما ما يرميهم به خصومهم من أن الاعتزال نشأ من انتشار كتب الفلسفة فهي فرية؛ لأن ~~الاعتزال وقواعده الأصلية نشأت قبل ترجمة كتب الفلسفة المتعلقة بالإلهيات بلا خلاف، وكثير ~~مما قالوه كمسألة الاختيار المطلق ومسألة خلود العاصي مؤبدا، ونحو ذلك كان يستعين خصومهم ~~في الرد عليهم بها بكلام الفلاسفة، وإنما كان دأب المعتزلة بمقتضى متانتهم أن يخوضوا في أي ~~شيء كان من العلوم التي كانت قبل، ولن يجروا على ما يظهر لهم؛ لاعتقادهم وجزمهم بأنه لا ~~توجد حقيقة تخالف الدين، فكانوا أشد الناس إسراعا للخوض في الفنون، وأكثر المؤلفات المهمة ~~في العلوم المنوعة، ما عدا الفقه، يدهم فيها أطول من يد من يخالفهم إجمالا، والتاريخ يظهر ~~ذلك بأجلى مظاهره. وأما الفقه فإنهم أخذوا فيه بما أخذ به غيرهم؛ لاعتقادهم أن الخطب ~~فيه سهل، غير أن لهم في الفقه دقائق غريبة يجدها الإنسان في تضاعيف الكتب هم منشأها، ~~وأما الحديث فإنهم رأوا كثرة الوضع، وظهر لهم أن التمييز بين الصحيح وغيره يعسر، لا ~~سيما ما روي من طرق غيرهم، فإنهم لا يطمئنون إليه؛ لاعتقادهم أن كثيرا من أهل الورع ~~والصدق من غيرهم ربما يجوزون وضع الحديث للمصلحة، وشاهدوا في عصرهم أحاديث وضعت في حقهم مثل ~~«القدرية مجوس هذه الأمة»، فنفروا من المحدثين وثلبوهم أشد ثلب، ولما كان لهم علم الحديث ~~أهم علوم الدين وهم أشد الناس ولوعا به، ذهبوا إلى قاعدة غريبة وهي أن كل حديث لا يخالف ~~القرآن، وهو قريب من مقاصد الشارع، أو كان مما يدل على مكارم الأخلاق سلموا به إجمالا بدون ~~نظر في رواته، وما وجدوه مخالفا لذلك ردوه ms156 البتة، ومن هذا نشأ كثرة ما تراه من ذكر ~~الأحاديث في كتب مثل الجاحظ والزمخشري وغيرهما من أئمة المعتزلة منهم يبحثون عن القول لا عن ~~راوية. # غير أنهم يعتقدون أن من أخذوا بقوله كان على مذهبهم ومشربهم، وقد وقع في التواريخ ~~مناقشات كثيرة في مسألة نحل كثير من المشهورين في العلم والفضل، والسبب في ذلك أن كثيرا ~~من المتقدمين كانوا لا يصرحون بما يصرح به المتأخرون، فكان كل فريق يدعي أن فلانا منهم، ~~ويظهر ذلك لمن راجع كتب مناقب المشهورين على طريقة المتقدمين، فإنهم كانوا يفيضون في كل شيء ~~لا على طريقة المتأخرين الذين يطوون كل شيء لا يوافق مأربهم الخاص ظنا منهم أنهم بذلك ~~يحسنون صنعا، وكثيرا ما يذكرون منقبة، وهي في الباطن مثلبة وربما كانت موضوعة: # ما يبلغ العاقل من جاهل # ما يبلغ الجاهل من نفسه # هذا ما قاله ننقله بلفظه ومعناه من لسان ذاك الإمام الكبير، وقد قال المرتضى: وأما ما ~~أجمعوا عليه فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثا قديما قادرا عالما حيا، لا ~~لمعان ليس بجسم، ولا عرض ولا جوهر عينا واحدا لا يدرك بحاسة، عدلا حكيما، لا يفعل ~~القبيح ولا يريده، كلف تعريضا للثواب، ومسكن من الفعل وأزاح العلة، ولا بد من الجزاء، ~~وعلى وجوب البعثة، حيث حسنت ولا بد للرسول - صلى الله عليه وآله - من شرع جديد، أو إحياء ~~مندرس، أو فائدة لم تحصل من غيره، وأن آخر الأنبياء محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - ~~والقرآن معجزة له، وأن الإيمان قول ومعرفة وعمل، وأن المؤمن من أهل الجنة وعلى المنزلة ~~بين المنزلتين وهو أن الفاسق لا يسمى مؤمنا ولا كافرا إلا من يقول بالإرجاء، فإنه ~~يخالف في تفسير الإيمان وفي المنزلة، فيقول الفاسق يسمى مؤمنا، وأجمعوا على أن فعل العبد ~~غير مخلوق فيه، وأجمعوا على تولي الصحابة، واختلفوا في عثمان بعد الأحداث التي أحدثها، ~~فأكثرهم تولاه وتأول له، وأكثرهم على البراءة من معاوية وعمرو بن العاص، وأجمعوا على وجوب ~~الأمر بالمعروف والنهي عن ms157 المنكر، وفي تعداد علمائهم مصنفات عدة، كالمصابيح لابن يزداد ~~وغيره. ا.ه. # هذا ما قاله واحد منهم في حقيقة ما أجمعوا عليه، وإليك ما قاله الشهرستاني صاحب الملل ~~والنحل وهو لين منهم قال: والمعتزلة، ويسمون أصحاب العدل والتوحيد ويلقبون بالقدرية، وهم قد ~~جعلوا لفظ القدرية مشتركا، وقالوا: لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من ~~الله تعالى، احترازا عن وصمة اللقب إذا كان الذم به متفقا عليه لقول النبي - عليه السلام: ~~القدرية مجوس هذه الأمة. وكانت الصفانية تعارضهم بالاتفاق على أن الجبرية والقدرية ~~متقابلتان تقابل تضاد، فكيف يطلق لفظ الضد على الضد، وقد قال النبي - عليه السلام: القدرية ~~خصماء الله في القدر. # والخصومة في القدر وانقسام الخير والشر على فعل الله وفعل العبد، لن يتصور على مذهب من ~~يقول بالتسليم والتوكل، وإحالة الأحوال كلها على القدر المحتوم والحكم المحكوم، فالذي يعم ~~طائفة المعتزلة من الاعتقاد القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف لذاته، ونفوا الصفات ~~القديمة أصلا فقالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته لا يعلم وقدرة وحياة هي صفات ~~قديمة ومعان قائمة به؛ لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لمشاركته في ~~الإلهية، واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق في محل، وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف ~~حكايات عنه، فإنما وجد في المحل عرض فقد فني في الحال، واتفقوا على أن الإرادة والسمع ~~والبصر ليست معاني قائمة بذاته، لكن اختلفوا في وجوه وجودها ومحامل معانيها، واتفقوا على ~~نفي رؤية الله بالإبصار في دار القرار، ونفي التشبيه عنه من كل وجه جهة ومكانا، وصورة، ~~وجسما، وتحيزا، وانتقالا، وزوالا، وتغيرا، وتأثرا، وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة ~~فيها، وسموا هذا النمط توحيدا، واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها، ~~مستحق ما يفعله ثوابا وعقابا في الدار الآخرة، والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم ~~وفعل هو كفر ومعصية؛ لأنه لو خلق الظلم كان ظالما كما لو خلق العدل كان عادلا، واتفقوا ~~على أن ms158 الحكيم لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد، ~~وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه خلاف عندهم، وسموا هذا النمط عدلا، واتفقوا على أن ~~المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب والعوض، والتفضل معنى آخر وراء ~~الثواب، وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار، لكن يكون عقابه أخف ~~من عقاب الكفار، وسموا هذا النمط وعدا ووعيدا، واتفقوا على أن أصول المعرفة وشكر النعمة ~~واجب قبل ورود السمع، والحسن والقبيح يجب معرفتهما بالعقل، واعتناق الحسن واجتناب القبيح ~~واجب كذلك، وورود التكاليف ألطاف للباري تعالى أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء - عليهم ~~السلام - امتحانا واختبارا ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، واختلفوا في ~~الإمامة والقول فيها نصا واختيارا. # وهنا ذكر الشهرستاني مقالة كل طائفة من طوائف المعتزلة مثل «الواصلية» أصحاب أبي حذيفة ~~واصل بن عطاء الغزال، و«الهذيلية» أصحاب أبي الهذيل حمدان بن أبي الهزيل العلاف، ~~و«النظامية» أصحاب إبراهيم بن سيار بن هاني النظام، و«الحائطية» أصحاب أحمد بن حائط، ~~و«الحدثية» أصحاب فضل بن الحدثي، و«البشرية» أصحاب بشر بن المعتمر، و«المعمرية» أصحاب معمر ~~بن عباد السلمي، و«المزدارية» أصحاب عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى، الملقب بالمزدار، ~~و«الثمامية» أصحاب ثمامة بن أشرس النميري، و«الهشامية» أصحاب هشام بن عمر الفوطي، ~~و«الجاحظية» أصحاب عمرو بن بحر الجاحظ، و«الخياطية» أصحاب أبي الحسين بن أبي عمرو الخياط، ~~و«الجبائية والبهشمية» أصحاب أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي وابنه أبي هاشم عبد ~~السلام. # ومن رجال المعتزلة الحسنان - عليهما السلام - ومحمد بن الحنفية، وسعيد بن المسيب، وأبو ~~الأسود الدؤلي، وعلقمة والأسود، وشريح من أصحاب عبد الله بن مسعود، والحسن البصري، وعبد ~~الله بن عمر، وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري، وعبد الله بن عباس، وغيلان بن مسلم الدمشقي ~~قتله هشام بن عبد الملك، وقتل صاحبه صالحا في أبشع صورة؛ لأنه أنكر على بني أمية سوء ~~سياستهم في الرعية، وواصل بني عطاء، وهو الذي أنفذ أصحابه إلى الآفاق، وبث ms159 دعاته في البلاد، ~~فبعث عبد الله بن الحارث إلى المغرب، فأجابه خلق كثير، وبعث إلى خراسان حفص بن سالم، وبعث ~~القاسم إلى اليمن، وبعث أيوب إلى الجزيرة، وبعث الحسن بن ذكوان إلى الكوفة وعثمان الطويل ~~إلى أرمنية، ومنهم عمرو بن عبيد، وكان المنصور العباسي يبالغ في تعظيمه ورثاه، وقلما عهد أن ~~الخليفة رثى رعية بقوله: # صلى الإله عليك من متوسل # قبرا مررت به على مران # قبر تضمن مؤمنا متخشعا # عبد الإله ودان بالقرآن # وإذا الرجال تنازعوا في شبهة # فصل الحديث بحجة وبيان # ولو ان هذا الدهر أبقى صالحا # أبقى لنا عمرا أبا عثمان # ومنهم أبو الهذيل العلاف الذي قال فيه المأمون: أطل أبو الهذيل على الكلام، كإطلال الغمام ~~على الأنام، ومنهم إبراهيم النظام وهو الذي يقول فيه الجاحظ: الأوائل يقولون في كل ألف سنة ~~رجل لا نظير له، فإن كان ذلك صحيحا فهو أبو إسحاق النظام. وبشر بن المعتمر الهلالي، وأبو ~~عمرو بن بحر الجاحظ، وعبد الرحمن بن كيسان الأصم، وأحمد بن أبي دؤاد، وثمامة بن الأشرس، ~~ومنهم الجعفران اللذان يضرب المثل بعلمهما وزهدهما، كما يضرب المثل في حسن السيرة ~~بالعمرين، وهما أبو محمد جعفر بن مبشر الثقفي، وأبو الفضل جعفر بن حرب، ومنهم أبو جعفر ~~الإسكافي، وأبو عبد الله الدباغ، وأبو علي الجنائي، ومنهم أبو العباس الناشئ، ومحمد بن عمر ~~الصيمري والسيرافيان أبو القاسم، وأبو عمران، وقاضي القضاة عبد الجبار الهمداني، ومنهم ~~الصاحب بن عباد، والقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، والجوهري صاحب الصحاح والشريف ~~المرتضى، وأبو بكر الرازي، وأبو بكر الدينوري. # ومما يؤثر من أخلاق أئمة المعتزلة وورعهم ما قاله الواثق لأحمد بن أبي دؤاد: لم لا تولي ~~أصحابي؛ أي (المعتزلة) القضاء كما تولي غيرهم فقال: يا أمير المؤمنين إن أصحابك يمتنعون ~~من ذلك، وهذا جعفر بن مبشر وجهت إليه بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها، فذهبت إليه بنفسي ~~واستأذنت فأبى أن يأذن لي، فدخلت من غير إذن، فسل سيفه في وجهي، وقال: الآن حل لي قتلك، ~~فما ms160 تصرفت عنه فكيف أولي القضاء مثله؟! وروي أن أحد أئمتهم جعفر بن مبشر أضرت به الحاجة ~~حتى كان يقبل القليل من زكاة إخوانه، فحضره يوما بعض التجار، فتكلم بحضرته في خطبة نكاح، ~~فأعجب به ذلك التاجر، فسأل عنه فأخبر بمسكنته، فبعث إليه بخمسمائة دينار فردها، فقيل له قد ~~عذرناك في رد مال السلطان للشبهة، وهذا تاجر ماله من كسبه فلا وجه لردك، فقال جعفر: إنه ~~استحسن كلامي أفتراني أن آخذ على دعائي إلى الله تعالى وموعظتي ثمنا، لو لم أكن فعلت هذا ~~ثم ابتدأ في لقبلت، وروي أن بعض السلاطين وصله بعشرة آلاف درهم فلم يقبل، وحمل إليه بعض ~~أصحابه بدرهمين من الزكاة فقبل، فقيل له في ذلك فقال: أرباب العشرة أحق بها مني، وأنا أحق ~~بهذين الدرهمين لحاجتي إليهما، وقد ساقهما الله إلي من غير مسألة، وأغناني بهما عن الشبهة ~~والحرام. # وفي طبقات السبكي: قال ابن الصلاح: هذا الماوردي عفا الله عنه يتهم بالاعتزال، وقد كنت ~~لا أتحقق ذلك عليه، وأتأول له وأعتذر عنه في كونه يورد في تفسيره في الآيات التي يختلف ~~فيها أهل التفسير تغير أهل السنة، وتفسير المعتزلة غير متعرض لبيان ما هو الحق منهما، وأقول ~~لعل قصده إيراد كل ما قيل من حق أو باطل؛ ولهذا يورد من أقوال المشتبهة أشياء مثل هذا ~~الإيراد، حتى وجدته يختار في بعض المواضع قول المعتزلة، وما بنوه على أصولهم الفاسدة، ومن ~~ذلك مصيره في الأعراف إلى أن الله لا يشاء عبادة الأوثان. قال في قوله تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن ~~، وجهان في جعلنا؛ أحدهما معناه حكمنا بأنهم أعداء، والثاني تركناهم ~~على العداوة فلم نمنعهم منها، وتفسيره عظيم الضرر لكونه مشحونا بتأويلات أهل الباطل ~~تلبيسا وتدليسا على وجه لا يفطن له غير أهل العلم والتحقيق، مع أنه تأليف رجل لا يتظاهر ~~بالانتساب إلى المعتزلة، بل يجتهد في كتمان موافقتهم فيما هو لهم فيه موافق، ثم هو ليس ~~معتزليا مطلقا، فإنه لا يوافقهم في جميع أصولهم ms161 مثل خلق القرآن، كما دل عليه تفسيره في ~~قوله - عز وجل: # ما يأتيهم من ذكر من ربهم ~~محدث # وغير ذلك، ويوافقهم في القدر وهي البلية التي غلبت على البصريين ~~وعيبوا بها قديما. انتهي. # | أصل الوهابية1 # لغطت ألسن الناس في هذه الأيام بأصل الوهابية وتاريخهم ومعتقداتهم، وتناقضت الروايات ~~وكثرت التخرصات، والقوم بين مفرط في التشيع لهم ومفرط في التشنيع عليهم، وود الكثير لو كان ~~في الأيدي ما يستند عليه لاستقراء الحقيقة، واستجلاء الغامض من هذا السر، وما عاد إلى ذلك ~~إلا اختلاط المتمسكين بذاك المذهب مع أهل الأمصار، كالقطر العراقي والمصري والشامي، ~~وغيرها من الأقاليم يتجرون بنتائج بلادهم، من سمن، وأباعر، وشياه، وأوبار وجلود تجارة ~~رائدها الصدق في التعامل مع الكافة، مما ضاعف الثقة بهم على تطاول الأيام. # وبعد، فإني لا أتوخى في هذه العجالة الإلمام بعقائد تلك الطائفة لتأتي صبرة واحدة، فإن ~~كتبهم المطبوعة أكثرها في بلاد الهند، تتكفل بذلك لمن يروم الاستبقاء، ولا أن أصف بلادهم ~~وأحوالهم وصف مداح متجامل أو قداح متحامل، بل غاية ما أتطال إليه ذكر طرف من أخبارهم، ~~مشفوعة بصحة النقل، والناقل لا تبعة تلحقه إذا خلصت منه النية. # قال الجبرتي في تاريخه عجائب الآثار عند حوادث سنة 1218 هجرية ما نصه: وحضر صحبة الحجاج ~~كثير من أهل مكة؛ هروبا من الوهابي، ولغط الناس في خبره، واختلفوا فيه، فمنهم من يجعله ~~خارجيا وكافرا، وهم المكيون ومن تابعهم وصدق أقوالهم، ومنهم من يقول بخلاف ذلك لخلو ~~غرضه، وأرسل إلى شيخ الركب المغربي كتابا ومعه أوراق تتضمن دعوته وعقيدته وصورتها: # بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ ~~بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلل له، ومن يضلل فلا ~~هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يضر إلا ~~نفسه، ولن يضر الله شيئا، وصلى الله ms162 على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ~~كثيرا، أما بعد، فقد قال الله تعالى: # قل هذه سبيلي ~~أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ~~وسبحان الله وما أنا من المشركين ~~، وقال الله تعالى: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ~~، وقال تعالى: # وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا ~~، وقال تعالى: # اليوم أكملت ~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا ~~، فأخبر سبحانه وتعالى أنه أكمل الدين، وأتمم على ~~لسان رسوله # صلى الله عليه وسلم # وأمرنا بلزوم ما أنزل إلينا من ربنا، وترك البدع والتفرق ~~والاختلاف، وقال تعالى: # اتبعوا ما أنزل إليكم من ~~ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما ~~تذكرون ~~، وقال تعالى: # وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تتقون ~~. # والرسول # صلى الله عليه وسلم # قد أخبرنا بأن أمته تأخذ مأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا ~~بذراع، وثبت في الصحيحين وغيرهما عنه # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم ~~حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود ~~والنصارى؟ قال: فمن؟ وأخبر في الحديث الآخر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، ~~كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا ~~عليه اليوم وأصحابي. # إذا عرف هذا فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الاشتراك ~~بالله، والتوجه إلى الموتى، وسؤالهم النصر على الأعداء، وقضاء الحاجات وتفريج ~~الكربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسماوات، وكذلك التقرب إليهم بالنذور، ~~وذبح القربان، والاستغاثة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد، إلى غير ذلك من أنواع ~~العبادة التي لا تصلح إلا لله، وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها؛ ~~لأنه سبحانه وتعالى أغنى الأغنياء عن الشرك، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا ~~كما قال تعالى: # فاعبد الله مخلصا ms163 له الدين * ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا ~~من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون ~~إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ~~، فأخبر سبحانه أنه ~~لا يرضى من الدين إلا ما كان خالصا لوجهه، وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة ~~والأنبياء والصالحين؛ ليقربوهم إلى الله زلفى، ويشفعوا لهم عنده، وأخبر أنه لا يهدي ~~من هو كاذب كفار، وقال تعالى: # ويعبدون من دون الله ~~ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ~~ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون ~~، ~~فأخبر أنه من جعل بينه وبين الله وسائط يسألهم الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم، وذلك ~~أن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى: # من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه ~~، وقال تعالى: # فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ~~، وقال ~~تعالى: # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من ~~أذن له الرحمن ورضي له قولا ~~، وهو سبحانه وتعالى لا ~~يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: # ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ~~، فالشفاعة حق ولا ~~تطلب في دار الدنيا إلا من الله كما قال تعالى: # وأن ~~المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ~~، وقال تعالى: # ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا ~~يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين ~~. # فإذا كان الرسول # صلى الله عليه وسلم # وهو سيد الشفعاء وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه ~~تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله، لا يشفع ابتداء، بل يأتي فيخر لله ساجدا، ~~فيحمد بمحامد يعلمه إياها، ثم يقال: ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع، ثم يحد له ~~حدا فيدخلهم الجنة، فكيف بغيره من الأولياء والأنبياء. # وهذا الذي ذكرناه لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بل قد أجمع عليه السلف الصالح من ~~الأصحاب والتابعين، والأئمة الأربعة، وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج منهاجهم. وأما ما حدث من ~~سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد ms164 موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها وإسراجها، ~~والصلاة عندها، واتخاذها أعيادا، وجعل السدنة والنذور لها، فكل ذلك من حوادث الأمور التي ~~أخبر بها النبي # صلى الله عليه وسلم # أمته، وحذر منها كما في الحديث عنه # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: لا تقوم ~~الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وهو # صلى الله عليه وسلم # حمى ~~جناب التوحيد أعظم حماية، وسد كل طريق يؤدي إلى الشرك. # فنهى أن يجصص القبر وأن يبنى عليه، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وثبت فيه أيضا ~~أنه بعث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأمره ألا يدع قبرا مشرفا إلا سواه، ولا ~~تمثالا إلا طمسه؛ ولهذا قال غير واحد من العلماء: يجب هدم القباب المبنية على القبور؛ ~~لأنها أسست على معصية الرسول # صلى الله عليه وسلم # فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل ~~بهم الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا، واستحلوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا ~~بهم، وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة ~~رسوله # صلى الله عليه وسلم # وإجماع السلف الصالح من الأمة متمثلين لقوله سبحانه وتعالى: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله ~~، فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف والسنان، كما قال ~~تعالى: # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا ~~معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~، وندعو الناس إلى إقامة ~~الصلوات في الجماعات على الوجه المشروع، وإيتاء الزكاة، وصيام شهر رمضان، وحج بيت الله ~~الحرام، ونأمر بالمعروف وننهي عن المنكر كما قال تعالى: # الذين إن ~~مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا ~~بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ~~، فهذا ~~هو الذي نعتقده وندين الله به، فمن عمل بذلك فهو أخونا المسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا، ~~ونعتقد أيضا أن أمة محمد # صلى الله عليه وسلم # والمتبعين للسنة لا تجتمع ms165 على ضلالة، وأنه لا يزال ~~طائفة من أمته على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ~~ذلك. انتهى. قال الجبرتي بعد إيراد ما تقدم: أقول: إن كان كذلك فهذا ما ندين الله به نحن ~~أيضا، وهو خلاصة لباب التوحيد، وما علينا من المارقين والمتعصبين، وقد بسط الكلام في ذلك ~~ابن القيم في كتابة إغاثة اللهفان والحافظ المقريزي، في تجريد التوحيد والإمام اليوسي في ~~شرح الكبرى، وشرح الحكيم لابن عباد، وكتاب جمع الفضائل وقمع الرذائل، وكتاب مصايد الشيطان ~~وغير ذلك. # وجاء في تاريخ بغداد لعثمان بن سند البصري عند الكلام على الوهابية ما يأتي، فمن اعتقادهم ~~تكفير عموم المسلمين الذين على الكرة الأرضية إلا من اعتقد اعتقادهم. وسموا أنفسهم بالسلف ~~وبالمحمديين، ويبغضون ويلعنون جملة من علماء السنة مثل أبي الحسن الأشعري، ويقولون: إنهم هم ~~الذين أسسوا قواعد الأدلة والبراهين في علم التوحيد، ومنه نشأت الفرق والخلاف بين الأمة ~~المحمدية وإلا فقبله كانت الأدلة هي القرآن والحديث لا غير، وأيضا يكفرون الإمام ابن ~~السبكي الشافعي، ولكن ما أعلم السبب في تكفيره دون سائر المصريين، ويا ليت شعري ما ذنبه ~~معهم، وأظنه لكونه كان يغري الملوك بابن تيمية وجماعته الحنابلة، حتى حبسهم الناصر محمد بن ~~قلاوون في الإسكندرية، كما هو مذكور في الدرر الكامنة لابن حجر. # قال: والحاصل أن الوهابيين آذوا الأحياء والأموات، ومن محاسن الوهابيين أنهم أماتوا ~~البدع ومحوها، ومن محاسنهم أنهم أمنوا البلاد التي ملكوها، وصار كلما كان تحت حكمهم من هذه ~~البراري والقفار سلكها الرجل وحده على حمار بلا خفر، خصوصا بين الحرمين الشريفين، ومنعوا ~~غزو الأعراب بعضهم على بعض، وصار جميع العرب على اختلاف قبائلهم من حضرموت إلى الشام، كأنهم ~~إخوان أولاد رجل واحد، وهذا بسبب قسوتهم في تأديب القاتل والسارق والناهب، إلى أن عدم هذا ~~الشر في زمان ابن سعود، وانتقلت أخلاق العرب من التوحش إلى الإنسانية، وتجد في بعض الأراضي ~~المخصبة هذا بيت عنزي، وبجنبه بيت عتبي وبقربه بيت ms166 حربي، وكلهم يرتعون كأنهم إخوان، وبهاتين ~~الدسيستين خدعوا جميع العوام يعني بمحو البدعة وتأمين الطرقات والسبل، خصوصا بين الحرمين، ~~وأحبهم سائر الأمم وغفلوا عن باقي عقائدهم، ورأيت لهم عقيدة منظومة يحفظها حتى رعاة غنمهم ~~ومنها: # وما الدين إلا أن تقام شعائر # وتأمن سبل بيننا وشعاب # فكأنهم جعلوا تأمين الطرقات ركنا من أركان الدين، ويفهم عقلا من سياستهم، أنه إذا فقد ~~القاتل والسارق والناهب فأي سبب يمنع عموم الناس من الاشتغال بالزراعة والتجارة، واقتناء ~~المواشي في البادية المخصبة؛ للتكسب من ألبانها وأصوافها وجلودها، وإذا اشتغلوا بالكسب ~~الحلال فلا يسرقون، ولا ينهبون، ولا يقتلون، فكأن المسألة شبيهة بالدورية؛ أي إنه متى وجد ~~الأمان ارتفع السارق والقاتل لاشتغالهم بمعاشهم الحلال، ومتى اشتغلوا بالمعاش الحلال وجد ~~الأمان، ولكن هذا الدور منفك الجهة. # ولولا ما في الوهابيين من هذه النزعة؛ أعني تكفير من عداهم لملكوا جميع بلاد الإسلام، ~~وأدخلوهم تحت حكمهم بطوعهم واختيارهم، ولكن بسبب هذه النزغة أبغضتهم الأمم، وتسلطت عليهم ~~الدول، وغزاهم أسد الديار المصرية إبراهيم باشا بن محمد علي باشا، بأمر السلطان محمود سنة ~~1228، وملك بلادهم، ومحا آثارهم وأبادهم وأسكن عائلة المقرن - أي بيت الملك - وعائلة ابن ~~عبد الوهاب الديار المصرية (وما رجعوا إلى بلادهم إلا بعد أن عاد الحجاز إلى الدولة ~~العلية)، وهذه الفرقة المعبر عنها بالوهابيين هم أتباع محمد بن عبد الوهاب النجدي، ولكنهم ~~في الحقيقة يسمون أهل الحديث؛ لأنه كان نظيرهم موجودا في زمن الدولة العباسية، وينكرون ~~المناكير بالشدة والغلظة مثل الوهابيين، ويثورون على الخلفاء بسبب أن الجهاد في اعتقادهم ~~ركن من أركان الدين، انظر تاريخ النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة من سنة 300 هجرية، ~~وكانوا يسمونهم الحنابلة، وأهل الحديث في ذلك الزمن، ويقولون: قام الحنابلة وثار الحنابلة، ~~وكسر الحنابلة حانات الخمور، وأدبوا من شربها، وكان بينهم وبين العباسيين مقابلات وحروب، ~~ثم ثارت منهم فرق بالمشرق وبجزيرة الأندلس ويسمون الظاهرية، وهم أيضا أهل الحديث، وكانوا ~~ينكرون المناكير مع الغلظة، ويثورون على الملوك، وأكثرهم يموت بين قتيل وطريد، ثم إنه ms167 ظهر ~~لهم فرق في دولة يوسف صلاح الدين، وكانوا يسمون أهل الحديث، ولهم ثورات وعداوات مع الملوك ~~أيضا، وينكرون المنكر بغلظة وفظاظة، وتسلسلوا إلى زمن ابن تيمية الحراني، وتلاميذه ابن ~~مقلح، وابن القيم، وابن عبد الهادي، ثم ظهرت هذه الفرقة التي عمت وطمت في القرن الثاني عشر ~~ويسمون بالوهابيين، نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب النجدي، وإلا ففي الحقيقة أفعالهم ~~وآثارهم هي أفعال الحنابلة الأقدمين، وهي أفعال أهل الحديث في القرون المتوسطة وأفعال ~~الظاهرية، فالمعنى واحد إنما يسمون في كل عصر باسم على اصطلاح أهل ذلك العصر. ا.ه. ~~••• # أما ناظم عقد هذه الجماعة وصاحب دعوتها محمد بن عبد الوهاب النجدي الآنف ذكره، فقد ورد ~~في كتاب بنصرة الناقد لأبي الفتح عبد النصير الهندي، ثم المدني نقلا عن محمد بن ناصر ~~الحازمي في رسالة فتح المنان، في ترجيح الراجح، وتزييف الزايف من صلح الإخوان أنه محمد بن ~~عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن يزيد بن محمد بن يزيد بن مشرف، هذا ~~هو المعروف من نسبه، ويذكر أنه من مضر، ثم من بني تميم والله به عليم، أخذ عن أبيه وهم بيت ~~فقه حنابلة، ثم حج وقصد المدينة، ولقي بها شيخا عالما من أهل نجد اسمه عبد الله بن ~~إبراهيم، قد لقي أبا المواهب البعلي الدمشقي، وأخذ عنه وانتقل مع أبيه إلى حريملا من نجد ~~أيضا، ولما مات أبوه رجع إلى العينية وأراد نشر الدعوة، فرضي أهل العينية بذلك، ثم جرج ~~عنها بسبب إلى الدرعية، وأطاعه أميرها محمد بن سعود من آل مقرن، ويذكر أنهم من بني حنيفة، ~~ثم من ربيعة والله أعلم، وهذا في حدود سنة تسع وخمسين بعد المائة وألف، وانتشرت دعوته في ~~نجد وشرق بلاد العرب إلى عمان، ولم يخرج عنها إلى الحجاز واليمن إلا في حدود المائتين ~~والألف، وتوفي سنة ست بعد المائتين والألف. ا.ه. # وقال أيضا: هو رجل عالم متبع الغالب عليه في نفسه الاتباع، ورسائله معروفة، وفيها ~~المقبول والمردود، ms168 وأشهر ما ينكر عليه خصلتان كبيرتان، الأولى تكفير أهل الأرض بمجرد ~~تلقيات لا دليل عليها، والثانية الاجتراء على سفك الدم المعصوم بلا حجة وإقامة برهان، وتتبع ~~هذه جزئيات، وهي حقيرة تغتفر مع صلاح الأصل وصحته - والله أعلم - وقد بنى الشيخ محمد ~~المذكور طريقته على اتباع ابن تيمية، وابن القيم في زعمه، وأخذ من أقوالهما أطرافا بحسب ما ~~وقع له من الاطلاع والإشراف، وقد أصاب في بعض ما نقله، وأخطأ في البعض، وساء فهما، وأخذ ~~على غير القصد في بعض، وقد أحيت دعوته بعضا من الشريعة، وأماتت كثيرا من الباطل في نجد ~~والحجاز، رحمه الله وتجاوز عنه فيما أخطأ فيه، وجزاه أحسن ما عمل به. انتهى ملخصا. # وكتب العلامة الشوكاني اليماني في البدر الطالع في ترجمة سعود بن عبد العزيز ما نصه: ~~«فوصل إليه الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب، الداعي إلى التوحيد المنكر على المعتقدين في ~~الأموات، وقال أيضا في ترجمة غالب بن ساعد شريف مكة في بيان أتباع صاحب نجد: وتبلغنا عنهم ~~أخبار الله أعلم بصحتها، من ذلك أنه يستحل دم من استغاث بغير الله من نبي أو ولي أو غير ~~ذلك، ولا ريب إن كان ذلك عن اعتقاد تأثير المستغاث به كتأثير الله يصير به صاحبه مرتدا، ~~كما يقع من كثير من هؤلاء المعتقدين للأموات الذين يسألونهم قضاء حوائجهم، ويعولون عليهم ~~زيادة على تعويلهم على الله - سبحانه وتعالى - ولا ينادون الله جل وعلا إلا مقترنا ~~بأسمائهم، ويخصونهم بالنداء منفردين عن الرب، فهذا كفر لا شك فيه ولا شبهة، وصاحبه إذا لم ~~يتب كان حلال الدم والمال كسائر المرتدين، وقال: وبعض الناس يزعم أنه - يعني صاحب نجد - ~~يعتقد اعتقاد الخوارج، وما أظن ذلك صحيحا؛ فإن صاحب نجد وجميع أتباعه، يعملون بما يعلمونه ~~من محمد بن عبد الوهاب وكان حنبليا، ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة فعاد إلى نجد، وصار ~~يعمل باجتهادات جماعة من متأخري الحنابلة، كابن تيمية وابن القيم، وأضرا بهما وهم من أشد ~~الناس على معتقدي الأموات «وقد رأيت ms169 كتابا من صاحب نجد الذي هو الآن صاحب تلك الجهات أجاب ~~على بعض أهل العلم، وقد كاتبه وسأله بيان ما يعتقده، فرأيت جوابه مشتملا على اعتقاد حسن ~~موافق للكتاب والسنة والله أعلم بحقيقة الحال»، وبلغنا أنه وصل إلى مكة بعض علماء نجد لقصد ~~المناظرة، فناظر علماء مكة بحضرة الشريف في مسائل تدل على ثبات قدمه وقدم صاحبه في الدين، ~~وفي سنة 1215 وصل من صاحب نجد المذكور مجلدان لطيفان، أرسل بهما إلى حضرة مولانا الإمام - ~~حفظه الله - أحدهما يشتمل على رسائل لمحمد بن عبد الوهاب، كلها في الإرشاد إلى إخلاص ~~التوحيد، والتنفير من الشرك الذي يفعله المعتقدون في القبور، وهي رسائل جيدة مشحونة بأدلة ~~الكتاب والسنة، والمجلد الآخر يتضمن الرد على جماعة من الفقهاء المقصرين من فقهاء صنعاء ~~وصعدة، ذاكروه في مسائل متعلقة بأصول الدين، وبجماعة من الصحابة، فأجاب عليها جوابات محررة ~~مقررة محققة، تدل على أن المجيب من العلماء المحققين العارفين بالكتاب والسنة، وقد هدم ~~عليهم جميع ما بنوه، وأبطل جميع ما دونوه؛ لأنهم مقصرون متعصبون؛ فصار ما فعلوه خزيا عليهم ~~وعلى أهل صنعاء وصعدة، وهكذا من تصدر ولم يعرف مقدار نفسه.» انتهى ملخصا. # وقال القاضي العلامة عبد الرحمن بن أحمد البهكلي في كتاب نفح العود في أيام الشريف ~~حمود: ومن كتب عبد العزيز بن سعود هذا الكتاب: # بسم الله الرحمن الرحيم # من عبد العزيز بن سعود إلى من يراه من أهل المخلاف السليماني، خصوصا أولاد ~~الشريف حمود، وناصر ويحيى وسائر إخوانهم، وأولاد إخوانهم، وكذلك أشراف بني النعمى ~~وكافة أشراف تهامة، وفقنا الله وإياهم إلى سبيل الحق والهداية، وجنبنا وإياهم ~~طريق الشرك والغواية، وأرشدنا وإياهم إلى اقتفاء آثار أهل العناية، أما بعد: ~~فالموجب لهذه الرسالة أن الشريف أحمد بن حسين الفلقي قدم إلينا فرأى ما نحن فيه، ~~وتحقق صحة ذلك لديه، فبعد ذلك التمس منا أن نكتب لكم ما يزول به الاشتباه، فتعرفوا ~~دين الإسلام الذي لا يقبل من أحد سواه، فاعلموا - رحمكم الله تعالى - أن الله ~~سبحانه أرسل ms170 محمدا # صلى الله عليه وسلم # على فترة من الرسل، فهدى به إلى الدين الكامل والشرع ~~التام، وأعظم ذلك وأكبره وزبدته إخلاص العبادة لله لا شريك له، والنهي عن الشرك، ~~وذلك هو الذي خلق الله تعالى الخلق لأجله، ودل الكتاب على فضله كما قال تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون ~~، وقال تعالى: # وما أمروا إلا ~~ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~، وإخلاص الدين هو صرف ~~جميع العبادة لله تعالى وحده لا شريك له، وذلك ألا يدعى إلا الله، ولا يستغاث ~~إلا بالله، ولا يذبح إلا له، ولا يخشى ولا يرجى سواه، ولا يرهب ولا يرغب إلا ~~فيما لديه، ولا يتوكل في جميع الأمور إلا عليه، وإن كل ما هنالك لله تعالى لا ~~يصلح شيء منه لملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا شيء غيرهما، وهذا هو بعينه توحيد ~~الألوهية الذي أسس الإسلام عليه، وانفرد به المسلم عن الكافر، وهو معنى شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. # فلما من الله تعالى علينا بمعرفة ذلك، وعلمنا أنه دين الرسل، اتبعناه ودعونا ~~الناس إليه، وإلا فنحن قبل ذلك على ما عليه غالب الناس من الشرك بالله تعالى من ~~عبادة أهل القبور والاستغاثة بهم، والاستعانة منهم والتقرب بالذبح لهم، وطلب ~~الحاجات منهم، مع ما ينضم إلى ذلك من فعل الفواحش والمنكرات، وارتكاب الأمور ~~المحرمات، وترك الصلاة وترك شعائر الإسلام، حتى أظهر الله الحق بعد خفائه، وأحيا ~~أثره بعد عفائه، على يد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أحسن الله تعالى إليه في ~~آخرته والمآب، فأبرز ما هو الحق والصواب من كتاب الله المجيد، الذي لا يأتيه الباطل ~~من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد إلخ. # ورسالة عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب التي كتبها حين فتح الحرمين الشريفين، شاهدة عدل ~~على أنه بريء من تلك الافتراءات التي افتروها على عقائده وعقائد أبيه، وبنوا عليها تلك ~~الزلازل والقلاقل، وأن مذهبه عين مذهب الأئمة المحدثين والسلف الصالحين، وتلك الرسالة ~~منقولة ms171 في اتحاف النبلاء من شاء الاطلاع عليها فليرجع إليها، قال المستشرق سيديللوا ~~الفرنساوي في كتابه خلاصة تاريخ العرب ما نصه: «أخذت العرب من ابتداء القرن الثامن عشر في ~~الاستقلال بالحكم؛ لقوتها وضعف أعدائها، ولم تنقص إلا اتخاذ مركز تجتمع حوله جميع ~~الأذهان، وترجع إليه في تدبير الأمور، فهمت الوهابية سنة 1749 ميلادية، فاتخذت منها عبد ~~الوهاب مركزا، وهو من قبيلة تميم، اشتغل في صغره بالعلوم المعتادة عند العرب خصوصا الفقه، ~~وسافر إلى بغداد والبصرة وبلاد الفرس، ثم أخذ يتفكر فيما يثير الحمية في أبناء وطنه، فوجده ~~إحياء الشريعة نقية من جميع البدع كحالتها الأولية، فألزمهم المواظبة على العمل بالقرآن، ~~ونهاهم عن العلو في تعظيم النبي # صلى الله عليه وسلم # وعن تقديس الأولياء الذين هدم قبورهم، وعن تعاطي ~~المسكر، وأنكر على الأتراك بعض الأحوال، وقال: إن الشريعة تقضي أن يخرج كل إنسان خمس ~~أمواله (كذا) زكاة، وتحرم الزينة، وتلزم القضاة بتحري الصدق، وأخذ يعظمهم بخطب عظم تأثيرها ~~لديهم بموافقتها القرآن، ومقصوده من ذلك استمالتهم إلى الأمور الحربية؛ ليحيوا ما كان ~~لآبائهم من العظمة، وقد كان، فإن أقوى جميع قبائل نجد وفدت عليه، وانتظمت تحت لوائه، فجعل ~~محمد بن سعود من قبيلة مصالح قائد هؤلاء الوفود، وزوج سعود ابنته، وقلده الحكم السياسي على ~~الوهابية لمعرفته بالقوانين العسكرية.» # وقال أحمد سعيد البغدادي في كتابه نديم الأدب: «أما حقيقة هذه الطائفة فإنها حنبلية ~~المذهب، وجميع ما ذكر المؤرخون عنها من جهة الاعتقاد محرف، وفيه تناقض كلي لمن اطلع عليه ~~بتأمل؛ لأن غالب مؤرخي الشرقيين ينقلون عن الكتب الإفرنجية، فإن كان المؤرخ المنقول عنه ~~صاحب دراية وصادق الرواية، تجد أن من يترجم كتابه يجعل الترجمة على قدر اللفظ فيضيع مزية ~~الأصل، وإن كان المؤرخ غير صادق الرواية فمن باب أولى» إلى أن قال: «ومن أراد أن يعرف ~~جليا اعتقاد هذه الطائفة فليطالع كتب مذهب الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - فإنه ~~مذهبهم.» # أما بلاد نجد فقد وصفها محمد بن سليم الشهابي المدني في رسالته ms172 الرحلة الحجازية «إنها ~~أرض مسطحة سهلة، يقل وجود الجبال فيها، والمشهور فيها جبلان أجاء وسلمى، وإنها حسنة الهواء ~~كثيرة الأمطار والسيول، وفي سفح جبل أجاء مدينة تسمى بندر حائل، وهي مسورة ولها ثلاثة ~~أبواب، وبيوتها طبقة واحدة والقليل منها طبقتان، مرتفعة البناء وفيها محال للقهوة، مزينة ~~داخل البيوت على عادة العرب، وفيها قصر أميرها، والأمير ينفذ أحكام القاضي على موجب القرآن ~~الشريف، والأحاديث النبوية والأقوال الصحيحة، فيقتص من القاتل، ويقطع يد السارق، ويقيم حد ~~الرجم، ولا يوجد في بلاد نجد شاهد زور البتة، حتى لو سمع الأمير بشاهد زور يجلبه من أقصى ~~نجد ويعزره وينفيه، وفي أوقات الصلاة يطوف مأمور من قبل الأمير في الأسواق والشوارع، فإذا ~~وجد واحدا لم يحضر صلاة الجماعة يسلبه عمامته ويجره إلى المسجد، وعند خروج الأمير من ~~الصلاة يعرضه عليه، فيؤدبه الأمير لترك الصلاة مع الجماعة، وترى جميع أهل البلد والنازلين ~~فيه متبارين في صلواتهم مع الإمام في الجامع، وهم في غاية الذكاء والكمال والفصاحة العربية، ~~وحديثهم بينهم بالإحسان والتؤدة لا تسمع بينهم لغوا أبدا، ولئن كان بقايا من عوائد العرب ~~القديمة وسننها فهي عندهم. ولقد نزلت بين ظهرانيهم على عهد المرحوم الأمير متعب ثلاثة أشهر، ~~ثم زرتهم مرتين فأكثر لما رأيت من إنسانيتهم، فأمعنت النظر في أحوالهم، فلم أسمع في حائل ~~حاضرة الأمير صوت طبل ولا غناء مزمار، ما خلا طبل الحرب في وقته، وإذا مات أحدهم لا تسمع ~~عويل أهله وعياله سوى حزن وبكاء، ويدفنون موتاهم حال وفاتهم، ولو مات الميت في الليل، وفيها ~~بعض أشجار مثمرة، وبنواحيها في سفح جبل إجاء قرية تدعى قفاد ذات عين ثرة، تسقي النخيل ~~والزروع، وحاضرة أمير حائل تحيط بها من جهاتها الثلاث أرض سهلة ما عدا الجهة الرابعة، حيث ~~جبل إجاء الذي يكثر فيه الربيع مسافة يومين وليلة، وهي حمى جعله الأمير لخاصته، ويربي فيها ~~خيله وهجنه وإبله ومواشيه، وفي محيط الحمى قرى رجال الأمير، وعلى بعد خمسة أيام من الحمى ~~بلدة كبيرة تسمى عنيزة مسورة ms173 بسورين، سور على نخيل يحيط بها، وسور على البلدة، وعلى مقربة ~~منها مسيل ماء يجري في الغالب، وعلى أطرافه نخيل كثير، وأكثر سكان البلدة تجار نجد ~~وأعيانها، ويقابلها أيضا بلدة كبيرة مسورة تسمى بريدة، ولها قرى تابعة لها ونخيل كثير تدعى ~~القصيم متصلة بالدرعية، ومنها إلى مدينة عظيمة تدعى العارض، حيث مساكن حكام نجد وأمرائها آل ~~سعود، والأمير في كل عام يأخذ من رعاياه الزكاة وفقا للشرع، من خيولهم وإبلهم وأغنامهم ~~ومواشيهم ونخيلهم وزروعهم، ولا يستثني من ذلك إلا الخيل المعدة للحرب، والذي يجبيه من ~~الزكاة على وفق الشرع يجمعه عنده، فيفرق بعضه على المحاويج والفقراء، ويصرف البقية في ~~المآدب وعطايا قاصديه، حتى لا يبقى على رأس السنة منها شيء.» # هذا طرف مما عثرت عليه من تضاعيف كتب مطبوعة ومخطوطة لمؤلفين متباينين في المشارب، ~~متفرقين في المشارق والمغارب، أثبته على حاله، ولم أمسخ من لفظه ولا ماله، ورأيت وسمعت ~~كثيرا من مؤرخي الفرنجة، وسياحهم تكلموا على هذا المذهب ومنهم المنصف والمجحف، على أن ~~المجحف منهم يفضل بصدقه أمثال أحمد جودت، وعبد الرحمن شرف، وأيوب صبري، وغيرهم من المؤرخين ~~الأتراك الذين أطلقوا مباشرة ألفاظ التكفير والتضليل على أبناء هذا المذهب، ورموا الكلام ~~على عواهنه واتهموهم في أمانتهم؛ ولذا اقتصرت على إيراد ما تقدم وتجافيت عن ترجمة أقوالهم؛ ~~لأنها أمليت بلسان التمويه لا بلسان التاريخ، وعلى ما قيل في عباراتهم يتصرف ما كتبه أحمد ~~زيني دحلان المكي بعبارات محزنة مخجلة، وقد رد عليه علماء الوهابية زاعمين أن الأحاديث ~~التي ساقها في كتابه موضوعة بعد ظهورهم، مطالبين القائل بها ببيان الكتب المأخوذة منها، من ~~أسفار المحدثين المتقدمين والمتأخرين، مطيلين اللسان على علماء ذاك العصر، ناسبين لهم ~~الافتراء على حضرة صاحب الرسالة عمدا، ويا ليت هذا المكي بين مآخذه؛ ليخلص من الطعن؛ فإن ~~المقام مقام جدال. # واختلفت الأقوال في عدد المنتحلين لهذا المذهب في نجد، ويقول شمس الدين سامي - صاحب قاموس ~~الأعلام - إن عددهم قد يرقى إلى ثلاثة ملايين نسمة في نجد، أما مسافة ms174 هذه الكورة ~~فيقطعها الراكب على متون المطايا في عشرين يوما عرضا، وثلاثين يوما طولا، وأخبرني أحد ~~الثقات الأثبات أن دعوة الوهابية تنتشر في الهند خصوصا في الأعوام الأخيرة. ~~••• # ويؤخذ مما ذكره حسين بن غنام الإحسائي # 2 # في كتابه روضة الأفكار والأفهام، لمرتاد حال الإمام، وتعداد غزوات ذوي الإسلام، ~~أن الناس في نجد قبل قيام محمد بن عبد الوهاب كانوا إلى الشرك الخفي والظاهر، وقد وصف ~~المقامات التي نذروها لها، والشيوخ الذين اعتقدوا فيهم، وانتقل إلى «بلدان مصر وصعيدها، وما ~~فيها من الأمور التي ينزه اللسان عن ذكرها وتعديدها، خصوصا عند قبور الصلحاء والعباد من ~~ساداتها وعبيدها بها.» # وذكر ما يفعل من هذا القبيل في بلدان اليمن، وقال: إن حلب ودمشق، وأقصى الشام والموصل، ~~وبلاد الأكراد والعراق، وبغداد، والبصرة، وقرى السلط، والقطيف، والبحرين، وغيرها من بلاد ~~العرب كلها واقعة في هذا، واستشهد بقصيدة للأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني، وكان مشهورا ~~بالعلم والفهم، قال واصفا ما سرى من البدع: # طفي الماء من بحر ابتداعا على الورى # فلم ينج منهم مركب وركاب # وطوفان نوح كان في الفلك أهله # فنجاهم والغارقون ثباب # فأنى لنا فلك ينجى وليته # يطير بنا عما نراه غراب # وأين إلى أين المطار وكلما # على ظهرها يأتيك منه عجاب # ترى الدين مثل الشاة قد وثبت له # ذئاب وما عنه لهن ذهاب # لقد مزقته بعد كل ممزق # فلم يبق منه جثة وإهاب # وليس اغتراب الدين إلا كما ترى # فهل بعد هذا الاغتراب إياب # فيا غربة هل يرتجى منه أوبة # فيجر من هذا البعاد مصاب # فلم يبق للراجي سلامة دينه # سوى عزلة فيها الجليس كتاب # واستشهد له بقصيدة أخرى قال فيها: # ويعمر أركان الشريعة هادما # مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد # أعادوا بها معنى سواع ومثله # يغوث وود بئس ذلك من ود # وقد هتفوا عند الشدائد باسمها # كما يهتف المضطر بالصمد الفرد # وكم عقروا في سوحها من عقيرة # أهلت لغير الله جهرا على عمد ~~••• # علام جعلتم أيها الناس ديننا # لأربعة لا شك في ms175 فضلهم عندي # هموا علماء الدين شرقا ومغربا # ونور عيون الفضل والحق والزهد # ولكنهم كالناس ليس كلامهم # دليلا ولا تقليدهم في غد يجدي # ولا زعموا حاشاهمو أن قولهم # دليل فيستهدي به كل مستهدي # بل صرحوا أنا نقابل قولهم # إذا خالف المنصوص بالقدح والرد # وترجم المؤلف شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب بما لم يخرج عما تقدم من ترجمته آنفا، ومما ~~قاله: إنه كان أكثر لبثه لأخذ العلم بالبصرة، وأخذ في بث الدعوة، ثم سكن حريملا مع والده، ~~مثابرا على دعوته، تاركا ما سلكه علماء السوء، فانتظم في سلكه عصابة اتخذوه جليسا، ~~واتبعوا طريقته فقرءوا عليه كتب الحديث والفقه، واشتهر في بلدان العارض من حريملا والعينية، ~~والدرعية، والرياض، ومنفوحة، وانحاز لدعوته جم غفير، وأقام في حريملا سنين، واهتدى به أحد ~~الأمراء عثمان بن معمر في العينية، فأقام بها وساعده الأمير على الإرشاد فبدأ يعظم أمره ~~ففشا الدين في بلدان العارض، فأمر الشيخ الأمير بهدم القباب، والمساجد المبنية على قبور ~~الصحابة، وقطع الأشجار التي كان ينتابها الناس للتبرك وعدلت على السنن المشروعة، فأنكر عليه ~~ذلك وحكوا بكفره واستحلال دمه وماله، وتقول بعضهم عليه ووشوا به إلى علماء الإحساء والبصرة ~~والحرمين، وأفتوا الحكام بأنه أقبح الضلال والفساق وأشر الخوارج، وحسبوا أنهم إذا حرشوا ~~عليه الحكام يجدون في قتله، فصنفوا المصنفات في تبديعه وتضليله، وقالوا: إنه مغير السنة ~~والأحكام؛ يقصد تنفير الخواص والعوام ليشاقوا الولاة فيعصوهم، ولما تظاهر الشيخ بالدعوة ~~والناس قد أشربت محبة المعاصي قلوبهم لم يكفر أولئك العربان وتوقف تورعا حتى تألبوا عليه ~~وكفروه وجماعته، ولم يأمر بسفك دم أكثر أهل الأهواء، حتى حكموا عليه وأصحابه بالقتل ~~والتكفير، ومع ما كان ينقل إليه من الأذى لم يكترث بهم، وكان يتضرع إلى مولاه أن يشرح للحق ~~صدورهم، ولم يعامل أحدا بالإساءة بعد القدرة عليه، ولما وفدوا عليه ومثلوا بين يديه، لم ~~يوبخ أحدا منهم، وأسدى إليهم معروفه وتجاوز عما فعلوه، فعل به أعداؤه ذلك، وأكثرهم معترف ~~أن ما أتى به هو الحق والصواب، ولكن خشوا ms176 أن تسلب رئاستهم ودنياهم، توفي صاحب الدعوة ~~وله من العمر قريب من اثنين وتسعين سنة، كان في خلالها مستمرا في تحصيل نافع الزاد، وصنف ~~مصنفات كثيرة منها «كتاب التوحيد»، ورسالة عامة للمسلمين تسمى «كشف الشبهات» جوابا لشبههم ~~التي أدلوا بها فيها خلاصة دعوته، ولباب علمه وكتب رسائل كثيرة في حث مجاوريه على الأخذ بما ~~ارتآه والرد على خصومه، قال من جملة جواب له: إن تعليق التمائم من الشرك، وكتب الطلاسم في ~~الحجب هي من السحر، والسحر يكفر صاحبه، وإن من دعا نبيا، أو صحابيا، أو وليا مثل ~~أن يقول يا سيدي فلان انصرني وأغثني كافر بالإجماع، وأنكر التذكير، وقال: إنه من البدع، ~~وذكر السيوطي في الأوائل أن أول ما حدث التذكير يوم الجمعة ليتهيأ الناس بصلاتها بعد ~~السبعمائة في زمن الناصر بن قلاوون. # قال المؤرخ: والسبب الذي دعا ابن عبد الوهاب إلى الخروج من بلدة العينية بعد أن كان يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر، أن امرأة من أهل تلك البلدة عرفت بسوء، فأقرت على نفسها وتكرر ~~ذلك منها، فأعرض الشيخ عنها، ثم أقرت وعادت إلى الإقرار مرارا، فسأل عن عقلها، فأخبر ~~بتمامه وصحته، فأمهلها أياما؛ رجاء أن ترجع عن الإقرار إلى الإنكار، فأقرت أربع مرات فأمر ~~برجمها، فشدت عليها ثيابها لترجم بالحجارة على الوجه المشروع، فخرج الأمير عثمان وجماعة ~~فرجموها حتى ماتت، فلما طار هذا الخبر كثر لغط أهل البدع، وطارت قلوبهم شعاعا، فلما أعياهم ~~رد ما قاله من تلك المسائل عدلوا إلى ردها بالمكر والحيلة، فشكوه إلى شيخهم فأغروه به، فطلب ~~إلى الأمير عثمان يأمره بقتله أو إجلائه عن وطنه، فأمر هذا الأمير الشيخ بالخروج فجاء ~~الدرعية، فلما سمع الأمير محمد بن سعود بقدومه، أسرع إليه مسلما عليه فلطف منه محله وأخبره ~~بأن يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده من جميع من عاداه، وطلب إلى الشيخ ألا يرحل عن بلده، ~~وكان هذا الأمير معروفا في جاهليته بحسن السيرة، فعاهده الشيخ على عدم الخروج، وقام يدعو ~~الناس إلى التوحيد وآزره ms177 وزراء الأمير وأعوانه وإخوانه من أهل الدرعية، وذلك في حدود سنة ~~1157ه، وبقي الشيخ سنتين يناصح الناس، وهاجر إلى الدرعية خلق كثير بينهم زمرة من أهل ~~البيوتات ، وسنة 1206ه توفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحاله من العبادة في الصلاة والصيام ~~مشهورة، يتلو القرآن أبدا ويحيي غالب الليل بالقيام والتأني في تنفيذ الأحكام من كتب ~~الأئمة الأربعة المقلدة، وكان يجبى إليه المال من جميع بلدان المسلمين، فيتفرقه عليهم في ~~طريقة من الزهد مرضية، وكان متكففا من ذلك المال، لا يأكل منه إلا بالمعروف، وكان سمحا ~~كريما لا يرد سائلا، ومات ولم يخلف دينارا ولا درهما، وكان عليه دين كثير وفي ~~عنه. # وذكر ابن غنام في تاريخه أيضا غزوات أتباع ابن عبد الوهاب مع من جاورهم من القبائل ~~والبلدان، وكلها دائرة على بث دعوة واحتياز مغنم ومقابلة شر بمثله أخبار متشابهة، كان يجري ~~مثلها في تلك الأصقاع، ويظهر للمتأمل أن معظم تلك الحروب التي جرت على عهد ابن عبد الوهاب ~~كانت للدين، فلما مات عادت المطامع إلى مجراها السابق، والغالب أن الأمير النجدي وابنه ~~اللذين عملا بمشورة الشيخ طول حياته، قاما ببث دعوته بين الأمراء المجاورين بعد أن اشتدت ~~شكيمتهما. # ومن طالع هذا التاريخ وعرف حال الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يلبث أن يقع في ذهنه أن كل ~~تاريخ هذه الطائفة قتل وقتال وقيل وقال. نعم، إن الأمر على ما يقول؛ فقد ذكر لي أحد ~~عقلاء النجديين يوما ما معناه: يعاب على قومنا شيئان مهمان: أحدهما الفتن التي ما فتئت ~~يثور ثائرها بين أظهرنا، والدماء التي تهراق من رفيعنا ووضيعنا، وإن تكن غارات اليوم بين ~~ابن سعود وابن الرشيد مثلا ليست كغارات أمس - تفرد السلطان عبد العزيز بن سعود منذ بضع ~~سنين بحكم نجد كلها - المذكورة في تاريخ ابن غنام، فإن تلك كانت لنشر كلمة التوحيد بين ~~أولئك الأعراب الجفاة، وهذه تدعو إليها المطامع - وثانيهما انقسام الناس في نجد إلى قبيلين، ~~قبيل يقال له الخضيرية، وآخر يقال له قبيلية أو ms178 شيوخ، فالأول في حل من تعاطي الصناعات كلها، ~~والثاني لا يجوز له تعاطيها؛ لأن ذلك يعد شينا عليهم وعرة في وجوه أنسابهم، فيقتصرون على ~~التجارة والفلاحة، وإذا تعاطى أحد الشيوخ، وبعبارة ثانية الأشراف صناعة ما، وكان في الأصل ~~شريفا يسقط عندهم شرفه، ويمسي معدودا من الطبقة النازلة طبقة الصناع والأجراء في بلاده ~~طبقة الخضيرية، وإذا تزوج أحد الشيوخ من بني خضير؛ أي صاحب الشرف من فاقده، وكان للشريف ~~عصبة يستحلون قتله مدعين أنه أسقط شرفهم. قلت له: وأنا أعيب عليكم أمرا ثالثا، ولطالما ~~ذاكرتكم به وهو جمودكم على حالة واحدة في العلم، وتحريمكم مطالعة كتب لا تخلو مطالعتها من ~~إنارة عقولكم، ووقوفكم عند حد البحث في الدين دون الالتفات إلى ما لا بد منه من علوم ~~الدنيا، وما يخيل إلي إلا أن رجالكم الذين يأتون الأمصار عارفون ما تمس إليه حاجة بني ~~نحلتهم من العلوم والصنائع، وما ينقصهم من المتممات التي لا أثر لها في باديتكم، أما ~~انقسام الناس في نجد إلى فئتين فليس بالأمر الجديد، فإن الرومان كانوا كذلك، بل كان أشراف ~~أسلافكم العرب الخلص يرون الصنائع مضيعة لشرفهم، ويعتدون في الغزو والغارة شرفهم ~~الوحيد. # هذا ما لقفناه من تاريخ الإحسائي في أتباع محمد بن عبد الوهاب وهم الحنابلة بعينهم، وما ~~ابن عبد الوهاب إلا داعية هداهم من الضلال، وساقهم إلى الدين السمح، وإذا بدت شدة من ~~بعضهم فهي ناشئة من نشأة البادية، وقلما رأينا شعبا من أهل الإسلام يغلب عليه التدين ~~والصدق والإخلاص مثل هؤلاء القوم، وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم سنين طويلة، فلم نرهم حادوا ~~عن الإسلام قيد غلوة، أما الغزوات التي يغزونها فهي سياسية محضة، ومذهبهم برئ منها، وما ~~يتهمهم به أعداؤهم زور لا أصل له والله أعلم. # | دولة الأدب في حلب1 على عهد سيف الدولة بن حمدان # لكل قرن من قرون العز في العرب نابغة أو نوابغ من الملوك والأمراء، ومثلهم من العلماء ~~والأدباء، وقد امتاز القرن الرابع في الشام - وإذا قلنا الشام عنينا هذا القطر ms179 المحبوب ~~الممتد من العريش إلى الفرات، ومن جبال طورس إلى البادية على نحو ما كان يعرفه العرب - ~~بقيام بني حمدان فيه، ورئيسهم سيف الدولة بن حمدان استولى على القسم الشمالي منه، والدولة ~~العباسية قد أخذت تتناوشها ملوك الأطراف، وأمراؤها في العراق ومصر والشام والجزيرة، وأخذت ~~دولة الخلافة بالضعف بصنع بعض الخوارج، ومنهم من كان ينازعها السلطة علنا، ومنهم من كان ~~يشاركها فيها، ويخضع لها في الصورة الظاهرة، وبنو حمدان كانوا من هذا النوع الأخير. # أصل بني حمدان بطن من بني تغلب بن وائل من العدنانية، وهم بنو حمدان بن حمدان، كانوا ملوك ~~الموصل والجزيرة وحلب في أيام المقتفي بالله العباسي، وأول من ملك منهم أبو الهيجاء عبد ~~الله بن حمدان، ثم أخوه إبراهيم بن حمدان، ثم أخوه سعيد ونصر أبناء حمدان، ثم استولى على ~~الشام وحلب معين الدولة علي بن أبي الهيجاء بن حمدان، ثم لؤلؤ مولى سعد الدولة بن حمدان، ثم ~~غلبه على ذلك صالح بن مرداس أمير بني كلاب وانتزعه منه في سنة 402ه. # كان للقبائل سلطان في هذه الديار، وأي سلطان؛ لأن البادية خلقوا رجال حرب وغزو أكثر من ~~الحضر؛ لذلك كان العرب قبل الإسلام بخمسة أو ستة قرون يحكمون هذه الديار، أو يغيرون على ~~المعمور منها، أو ينزلون في صقع معين منها فيبنون المصانع، ويغتنون كما يغتني أهل الحضر ~~ويعيشون عيشهم، ومن هؤلاء العرب من كان لهم قبل الهجرة وبعدها مدنية رائعة مثل النبطين في ~~الجنوب، وهم عرب تعزى إليهم آثار البتراء، أو وادي موسى، وآثار جرش في عجلون، ومثل ~~الغسانيين في حوران، والصفا، واللجاة، ودمشق، وحمص وغيرها، ومثل التنوخيين في أرجاء حلب، ~~ومثل بني لخم وجذام، وكلب، وكلاب، وتميم وطي، وسليم، وعاملة، والضجاعم وغيرها من قبائل ~~العرب التي نزلت الشام، فكانت عرضة كل حين لاستيلاء البادية عليها؛ لأن أهلها أشد مراسا ~~وأجرأ على القتال يوم النزال؛ ولأن سلاح المدن والبوادي كان واحدا إذ ذاك، وهذا ما حدا ~~بدولة الرومان لما أضافت هذه الديار إلى مملكتها ms180 أن تنشئ على سيف البادية مخافر كثيرة؛ ~~ليأمن المعمور عيث البادية، ومن جملة الدواعي إلى استيلاء الحمدانيين على حلب طمع العرب ~~فيها، وغزوهم لها المرة بعد المرة، ففي سنة 292ه ولى المكتفي أبا الحسن ذكا بن عبد الله ~~الأعور حلب، ودام بها إلى سنة 302، فعاثت بنو تميم في أيامه في حلب، وأفسدت فسادا عظيما ~~وحاصروا ذكا بحلب، فكتب المقتدر إلى الحسين بن حمدان في إنجاد ذكا بحلب، فأسرى من الرحبة ~~حتى أناخ عليهم بخناصرة وأسر منهم جماعة، وقامت على الحسين بن حمدان العرب من كلب، واليمن، ~~والنمر، وأسد وغيرهم فاجتمعوا بنواحي حلب، فخرج للقائهم سنة 294 فهزموه حتى بلغوا به باب ~~حلب. # تبعت الشام مصر في حكومتها سنة 325، فأقام محمد الإخشيد واليا على حلب أحمد بن سعيد ~~الكلابي شيخ قبيلة بني كلاب، فكثر الكلابيون إذ ذاك، وأقطع الخليفة العباسي الشام لمحمد بن ~~رائق على أن يستخلصه من الإخشيدية الذين خلعوا طاعته، فطرد ابن رائق وقاتل الإخشيدية ~~فاستولى على دمشق. # وفي سنة 329 بعث محمد الإخشيد قائده كافورا إلى الشام في جيش عظيم، فهزم عامل ابن رائق ~~واستولى على حلب، وفي السنة التالية عقد الصلح بين محمد الإخشيد واستأثر هذا بولاية حلب، ~~والإخشيد محمد بن طغج صاحب الديار المصرية، وما معها من البلاد الشامية والأعمال الحجازية، ~~كانت له سياسة حسنة مع جميع رعاياه؛ أي إنه كان بارعا بما نسميه اليوم «سياسية العناصر»، ~~فقد كتب إلى أرمانوس ملك الروم من كتاب: «وسياستنا لهذه الممالك قريبها وبعيدها على عظمتها ~~وسعتها بفضل الله علينا، وإحسانه إلينا ومعونته لنا وتوفيقه إيانا، كما كتبت إلينا، وصح ~~عندك من حسن السيرة، وبما يؤلف بين قلوب سائر الطبقات من الأولياء والرعية، ويجمعهم على ~~الطاعة واجتماع الكلمة، ويوسعها الأمن والدعة في المعيشة ويكسبها المودة والمحبة.» # وفي سنة 329 وصل الروم إلى قريب حلب ونهبوا وخربوا البلاد، وسبوا نحو خمسة عشر ألف إنسان، ~~وفي هذه السنة أيضا قتل ابن رائق قتله ناصر الدولة بن حمدان، وكتب بالأمر إلى الخليفة ~~المتقي ms181 لله فحل ذلك من نفسه محلا عظيما ولقبه ناصر الدولة، وجعله أمير الأمراء وتقلد حلب ~~وأعمالها، ودانت له العرب، ولقب شقيقه علي سيف الدولة وخلع عليه، وهذا هو موضوع كلامنا ~~في هذه المحاضرة. ~~••• # سار سيف الدولة إلى حلب سنة 333 فحكمها واستولى عليها، وكان مع المتقي لله بالرقة، فلما ~~عاد المتقي إلى بغداد وانصرف الإخشيد إلى الشام، لقي يأنس المؤنسي بحلب فقصده سيف الدولة، ~~فلما نازلها فارقها يأنس، فحكمها سيف الدولة وهزم الروم لما قاربوها، ودخل الإخشيد سنة 334 ~~حلب، وأفسد أصحابه في جميع النواحي، فقطعت الأشجار التي كانت في ظاهر حلب، وكانت عظيمة ~~جدا - وقيل إن حلب كانت من أعظم المدن شجرا وأشعار الصنوبري تدل على ذلك - ونزل عساكر ~~الإخشيد على الناس بحلب وبالغوا في أذى السكان لميلهم إلى سيف الدولة. # مال الناس هنا إلى سيف الدولة لما اشتهر عنه من الشجاعة والكرم، ومال أهل دمشق عنه فطردوه ~~عن بلدهم؛ لأنهم رأوا منه ما أخافهم على أملاكهم؛ وذلك أنه لما ملك دمشق اتفق - وهو مقيم ~~بها - أنه كان يسير هو والشريف العقيلي بنواحي دمشق فقال سيف الدولة: «ما تصلح هذه الغوطة ~~إلا لرجل واحد»، فقال له العقيلي: هي لأقوام كثيرة، فقال سيف الدولة: «لئن أخذتها ~~القوانين السلطانية ليتبرءوا منها»، فأعلم العقيلي أهل دمشق بذلك، فكاتبوا كافورا يستدعونه ~~من الإخشيدية فجاءهم وأخرجوا سيف الدولة عنهم، وظل ملك الحمدانيين مقصورا في الشام على ~~شماله ودخلت فيه حماة، وحمص، وسلمية، وجوسية، وشيزر، وكفر طاب، وأفامية، ومعرة النعمان، ~~وجبل السماق، ومعرة مصرين، والأثارب. ~~••• # رسخت بسيف الدولة أقدام بني حمدان في هذه الديار، واتخذ حلب عاصمته، وكانت مملكته عبارة ~~عن جند حمص، وجند قنسرين، والثغور الشامية والجزرية، وديار مصر وديار بكر، ولما تم له الأمر ~~مثل في بلاده الصورة التي كان يريد أن يمثلها في دمشق، وأبى أهلها عليه تمثيلها، فأخذ ~~يستصفي الأملاك، ويصادر الأموال ويبني الدور والقصور، ويظهر من الأبهة ما كان يعجز عنه ~~الخوالف من العباسيين في بغداد والأمويين في الأندلس والفاطميين ms182 في مصر. ~~••• # لم تكن الجباية في تلك القرون على حالة مستقرة، فما ورد عن الشارع وأصحابه من قوانينها ~~العادلة السهلة التطبيق، كان يجري العمل به في البلاد كلها، وكانت صورة التنفيذ تختلف ~~باختلاف نزاهة السلطان وعفته عن أموال الناس، وسيف الدولة كان على الأرجح من القائلين بأن ~~الغاية تبرر الواسطة. # كان رحمه الله على ما أجمع عليه الثقات مثل ابن حوقل معاصره والأزدي، وسبط ابن الجوزي، ~~يجوز أخذ ما في أيدي الناس ليستعين به على غزو الروم، ويسرف بجانب كبير يفضل به على ~~الشعراء والأدباء، فيخرجه من أكياس الرعية وجيوبهم؛ لينفقه في وجوه المبرات والعطايا؛ ولذلك ~~أسس في هذه المدينة الجميلة دولة في الأدب، لم يقم مثلها في الشام منذ نحو عشرين قرنا إلى ~~يوم الناس هذا. # ليس العالم شر محض ولا خير محض، ولكل عاقل في الأرض مزية، كما أن له ما يعد عليه من ~~الهنات، وسيف الدولة من هذا القبيل لم تكن أعماله إلى الخير المحض بمصادراته وإسرافه، وكانت ~~له مزيتان قل أن يكتبا لغيره وهما: نهضة الآداب في هذه البلاد، ودفع عادية الروم عنها، ~~ولولاه لعاد إليها سلطانهم بعد أن تقلص بالإسلام نيفا وثلاثة قرون، وهذا الإجمال كما ترون ~~يحتاج إلى تفصيل. # كان هم سيف الدولة في سياسته الخارجية أن يضعف الروم في آسيا الصغرى، فكان كثيرا ما ~~يغزوهم ويفتح حصونهم، ويسبي من أبنائهم، ويخرب في زرعهم وقراهم، ويستصفي أموالهم وعروضهم، ~~وقيل: إنه غزاهم أربعين مرة كانت فيها بعض الغزوات له وبعضها عليه. وكان همه في سياسته ~~الداخلية تنجيد القصور، وجمع الأموال، والتجوز في أخذ الحلال والحرام منها، وإظهار أبهة ~~الملك، والإفضال على الشعراء، وكانت عصبيته من عرب الجزيرة مسقط رأسه ومنبعث دولته. ومن عرب ~~الشام مثل بني كلاب الذين أدناهم وأمن سربهم فقهروا العرب وعلت كلمتهم، قال في مسالك ~~الأبصار: وبنو كلاب هم عرب أطراف حلب والروم، ولهم غزوات عظيمة معلومة وغارات لا تعد، ولا ~~تزال (أي في القرن الثامن) تباع بنات الروم وأبناؤهم من سباياهم، ms183 ويتكلمون بالتركية ويركبون ~~الأكاديش، وهم عرب غزو ورجال حروب وأبطال جيوش، وهم من أشد العرب بأسا وأكثرهم ~~ناسا. # قل في أيام سيف الدولة غزو الروم لمدينة حلب، وكانوا يغزونها السنة بعد الأخرى، ويعيثون ~~في أرباضها وقراها ، ويحرقون ويخربون ويسبون، دع غزوتهم لها سنة 351 أيام استولوا عليها دون ~~قلعتها، ولم يعلم سيف الدولة بالخبر، فخرج إليهم فيمن معه فقاتلهم، فلم يكن له قوة الصبر ~~لقلة من معه فقتل أكثرهم، ولم يبق من أولاد داود بن حمدان أحد، فانهزم سيف الدولة في نفر ~~يسير وظفر الدمستق بداره، وكانت خارج مدينة حلب وتسمى الدارين، فوجد فيها لسيف الدولة ~~ثلاثمائة بدرة (والبدرة كيس فيه ألف، أو عشرة آلاف درهم، أو سبعة آلاف دينار من الدراهم، ~~ويبلغ مجموعه نحو مليوني دينار باصطلاحنا اليوم) وأخذ له ألفا وأربعمائة بغل، ومن خزائن ~~السلاح ما لا يحصى، وأخذ الجميع، وخرب الدار، وملك الحاضر، وحصر المدينة فقاتله أهلها، ~~وهدم الروم في السور ثلمة فقاتلهم أهل حلب عليها، فقتل من الروم كثير ودفعوهم عنها، فلما ~~جنهم الليل عمروها، فلما رأى الروم ذلك تأخروا إلى جبل الجوشن، ثم إن رجال الشرطة بحلب ~~قصدوا منازل الناس، وخانات التجار لينهبوها فلحق الناس أموالهم؛ ليمنعوها فخلا السور منهم، ~~فلما رأى الروم السور خاليا من الناس قصدوه وقربوا منه فلم يمنعهم أحد، فدخلوا البلد ~~بالسيف يقتلون من وجدوا، ولم يرفعوا الفتك حتى تعبوا وضجروا، وكان في حلب ألف وأربعمائة من ~~الأسارى، فتخلصوا وأخذوا السلاح وقتلوا الناس، وسبي من البلد بضعة عشر ألف صبي وصبية، ~~وغنموا ما لا يوصف كثرة، فلما لم يبق من الروم ما يحملون عليه الغنيمة أمر الدمستق بإحراق ~~الباقي وإحراق المساجد، قال ابن الأثير: وكان عدد عسكره مائتي ألف رجل، منهم ثلاثون ألفا ~~بالجواشن (الدروع) وثلاثون ألفا للهدم، وإصلاح الطرق من الثلج، وأربعة آلاف بغل يحمل ~~الحديد، وكانت هذه الموقعة بسفح (بالقوسا) فأحرقوا جامعها. # بيد أن هذه الواقعة وأمثالها لم تثن من همة سيف الدولة، فظل على غزو الروم؛ ليكف ~~عاديتهم ms184 عن هذه الديار، وكانت له طرق غريبة في الرحمة، من ذلك أنه سار مرة بالبطارقة الذين ~~في أسره إلى الفداء، وكان في أسر الروم ابن عمه أبو فراس، وجماعة من أكابر الحلبيين ~~والحمصيين فأخذ بالفداء، ولما لم يبق معه من أسرى الروم أحد اشترى الباقين كل نفس باثنين ~~وسبعين دينارا، حتى نفد ما معه من المال، فاشترى الباقين ورهن عليهم بدنته (درعه) الجوهر ~~المعدومة المثل، ثم لما لم يبق أحد من أسرى المسلمين كاتب نقفور ملك الروم على الصلح، قال ~~ابن الوردي: وهذه من محاسن سيف الدولة. # ولقد امتازت دولة سيف الدولة بمزيتين: الأولى سياسية إسلامية، والثانية علمية أدبية، ~~فمزيتها السياسية أنه كثيرا ما أغار على الروم، وجعل ديدنه التخريب في بلادهم؛ ليردهم عن ~~قصد بلاده؛ لأنهم كانوا يطمعون فيها منذ القديم، ويذكرون من تاريخها أنهم حكموها طويلا، ~~فكان بعمله سدا حاجزا دون انبعاثهم إلى هذه البلاد، فخدم بذلك الإسلام والعرب، والمزية ~~الثانية لدولته جعلها كحضرة بني العباس على ضيق رقعتها، وذلك في الإفضال على العلم والأدب، ~~فكان يقصده أهل هذا الشأن، فينزلهم في بلاده على الرحب والسعة ويبرهم بصلاته، قال في دائرة ~~المعارف الإسلامية: «إن الفضل الذي أحرزه سيف الدولة بن حمدان بنشر العلوم والآداب ~~العربية هو عنوان مجد لا يقل عن أعماله الحربية.» # ومما يؤخذ عليه تغاليه في الإفضال على الشعراء والأدباء، على أن منهم كأبي الطيب ~~المتنبي مثلا من فارقه بعد أن منعه الإقطاعات والإنعامات الكثيرة؛ ليستجدي أكف كافور في ~~مصر، فقد أعطى سيف الدولة شاعره المتنبي ضيعة بالمعرة اسمها «صف» إقطاعا له، وأقطع قرية ~~«عين جارة» وهي من الضياع الكبرى على ابن أحمد بن البازيار نديمه عدا ما كان يناله من ~~صلاته، وذكروا أن الناشئ الأحصى دخل على سيف الدولة فأنشده قصيدة له فيه، فاعتذر سيف ~~الدولة بضيق اليد يومئذ، وقال له: أعذر فما يتأخر حمل المال فإذا بلغك ذلك، فإننا نضاعف ~~جائزتك ونحسن إليك، فخرج من عنده فوجد على باب سيف الدولة كلابا تذبح لها ms185 السخال وتطعم ~~لحومها، فعاد إلى سيف الدولة فأنشده هذه الأبيات: # رأيت بباب داركم كلابا # تغذيها وتطعمها السخالا # فما في الأرض أدبر من أديب # يكون الكلب أحسن منه حالا # ثم اتفق أن حملت إلى سيف الدولة أموال من بعض الجهات على بغال، فضاع منها بغل بما عليه، ~~وهو عشرة آلاف دينار، وجاء هذا البغل حتى وقف على باب الناشئ الشاعر بالأحص، فأخذ ما عليه ~~من المال وأطلقه، ثم جاء حلب ودخل على سيف الدولة وأنشده قصيدة يقول له فيها: # ومن ظن أن الرزق يأتي بحيلة # فقد كذبته نفسه وهو آثم # يفوت الغنى من لا ينام عن السرى # وآخر يأتي رزقه وهو نائم # فقال له سيف الدولة: بحياتي وصل إليك المال الذي كان على البغل، فقال: نعم، فقال: خذه ~~بجائزتك مباركا لك فيه. # إن ما صدر عن سيف الدولة غاية في الكرم، ولكنه لا يجوز في شرع العقل أن تجبى هذه ~~الأموال من الفقراء والأغنياء؛ لتصرف في مصالح الأمة، ثم يأخذها شاعر واحد، ومعلوم أن ~~العشرة آلاف دينار في القرن الرابع لا تقل قيمتها عن مائة ألف دينار في هذا القرن؛ ولذلك ~~قال ابن نباتة في مدح سيف الدولة، وقد تبرم بكثرة ما ناله من عطائه: # قد جدت لي باللها حتى ضجرت بها # وكدت من ضجر أثني على البخل # إن كنت ترغب في بذل النوال لنا # فاخلق لنا رغبة أو لا فلا تنل # لم يبق جودك لي شيئا أؤمله # تركتني أصحب الدنيا بلا أمل # مثال آخر من إسراف الدولة: ذكر أنه ضرب دنانير خاصة للصلات في كل دينار منها عشرة ~~مثاقيل، وعليه اسمه وصورته، قال بعض المؤرخين في حوادث سنة 354: فيها صاهر سيف الدولة أخاه ~~ناضر الدولة، فزوج ابنته أبا المكارم، وأزوج أبا المعالي بابنة ناصر الدولة، وأزوج أبا تغلب ~~بابنته ست الناس، وضرب دنانير في كل دينار ثلاثين دينارا، وعشرين وعشرة عليها مكتوب: محمد ~~رسول الله، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فاطمة الزهراء، الحسن، الحسين، جبريل، (وكان سيف ~~الدولة يرى ms186 رأي الشيعة)، وعلى الجانب الآخر: «أمير المؤمنين المطيع لله، الأميران الفاضلان ~~ناصر الدولة وسيف الدولة، الأميران أبو تغلب وأبو المكارم»، وجاد بما لم يجد به أحد، يقال: ~~إن المبلغ الذي جاد به سبعمائة ألف دينار، فما قولكم بمن يجود بهذا المبلغ في عرس، وهو ~~مبلغ جسيم لا تقل قيمته إذا قدرناه بسكة زماننا عن سبعة ملايين دينار، إن هذا العمل ممقوت ~~شرعا وعقلا؛ لأنه التبذير بعينه. # ومما ذكره المؤرخون أن سيف الدولة كان مرة في بغداد، فدخل على جماعة في مجلس أنسهم، ~~فرفعوا منزلته بدون أن يعرفوه وشاركهم في طربهم، ولما تقوض المجلس طلب ورقة ودواة، وكتب ~~رقعة وتركها وانصرف، فنظر أصحاب المجلس في رقعته، فإذا هي سفتجة بألف دينار يؤديها وكيله في ~~دار السلام، فلما حملوا إليه خطه سألوه من عساه أن يكون الذي جاد بهذا المبلغ، فقال لهم: ~~هو سيف الدولة بن حمدان. وكان كثيرا ما يفتقد رجال الدولة في بغداد، ويتعهد بعض علمائها ~~وشعرائها، ولكن عطاياه للشعراء أجزل، فقد كان يعطي المعلم الثاني أبا النصر الفارابي أربعة ~~دراهم في اليوم؛ أي القدر الذي يستطيع به فيلسوف الإسلام أن يعيش عيش الكفاف، على حين كان ~~يعطي ابن عمه أبا فراس ضيعة تغل ألف دينار في السنة من قرى منبج جائزة عن بيت استجاده، ~~وأبو فراس هو الذي قال فيه الصاحب ابن عباد: «بدئ الشعر بملك - أي بامرئ القيس - وختم بملك أي ~~بأبي فراس.» ~~••• # وبهذا رأيتم أن المال لا قيمة له في نظر سيف الدولة، فقد ذكروا - وهو مما يعاب عليه - ~~أن الخليفة المتقي العباسي لما استولى البريدي على بغداد، استنجد ببني حمدان أمراء ~~الموصل، فطلب سيف الدولة من الخليفة مالا لينفقه في الجيش؛ حتى يقويه ويمنع الأتراك من ~~بغداد، فأعطاه الخليفة أربعمائة ألف دينار، ففرقها سيف الدولة في أصحابه، ثم هرب سيف الدولة ~~ودخل «تورون» بغداد وملكها، ومنها أن أبا الحصين علي بن عبد الملك الرقي ولي قضاء حلب ~~وكان ظالما، فإذا مات إنسان أخذ تركته لسيف الدولة، ms187 وقال: «كل من هلك فلسيف الدولة ما ~~ملك»، ولما مات هذا القاضي رفسه سيف الدولة برجله فيما قيل، وقال له: قبحك الله كم كنت تزين ~~لي الظلم، وذكر ابن حوقل في كلامه على بالس «مسكنة»: إن سيف الدولة بعد انصرافه عن لقائه ~~صاحب مصر، وقد هلك جميع جنده أنفذ المعروف بأبي الحصين القاضي، فقبض من تجار كانوا بها ~~معتقلين عن السفر، ولم يطلق لهم النفوذ، فأخرجهم عن أحمال وأطواف زيت إلى ما عدا ذلك من ~~متاجر الشام في دفعتين بينهما شهور قلائل، وأيام يسيرة ألف ألف دينار، وقال ابن حوقل أيضا: ~~«إن نصيبين لم تزل منذ من أول الإسلام تضمن بمائة ألف دينار إلى سنة 360، فأكب عليها بنو ~~حمدان بصنوف من الجور وتجديد الكلف، إلى أن حمل ذلك بني حبيب، وهو بنو عم بني حمدان على ~~أن خرجوا بذراريهم ومواشيهم، وثقلهم في اثني عشر ألف فارس إلى بلد الروم، فتنصروا بأجمعهم، ~~وأوثقوا ملك الروم من أنفسهم بعد أن أحسن لهم النظر في إنزالهم على كرائم الضياع ونفائس ~~المتاع، فعادوا إلى بلد الإسلام على بصيرة بمضاره، وعلم بأسباب فساده وقلوبهم تضطرم حقدا، ~~فلحق بهم كثير من المخلفين عنهم، فشنوا الغارات على بلد الإسلام، وافتتحوا بعض الحصون ~~وألحقوا أسوار بعضها في الأرض، وخربوا الضياع وتزايدت ثقة الروم بهم، إلى أن جعلوا لهم ~~الأرزاق والأعطية، وصاروا خاصة الملك، وفتحوا له المضايق وأطعموه في أنطاكية، والمصيصة، ~~وحلب، وطرسوس.» # هذا ما ذكره الجغرافي الرحالة ابن حوقل في أعمال سيف الدولة؛ على أنه قد وسم كتابه باسمه، ~~وقد سكت بعض المؤرخين عن ذكرها بتاتا، وأشار إليها بعضهم بصورة مختصرة، قال ابن مسكويه: ~~«كان سيف الدولة معجبا بنفسه يحب أن يستبد برأيه، كريما شجاعا، محبا للفخر والبذخ، ~~مفرطا في السخاء والكرم، شديد الاحتمال لمناظريه والعجب بآرائه، سعيدا مظفرا في حروبه، ~~جائرا على رعيته، اشتد بكاء الناس عليه ومنه. # ومن جملة بذخه أنه كان يقف على مائدته إذا أكل أربعة وعشرون طبيبا، وكان فيهم من يأخذ ~~رزقين لأجل ms188 تعاطيه علمين، ومن يأخذ ثلاثة لتعاطيه ثلاثة علوم. ولقد قيل: إنه اجتمع لسيف ~~الدولة بن حمدان ما لم يجتمع لغيره من الملوك، كان خطيبه ابن نباتة الفارقي، ومعلمه ابن ~~خالويه، ومطربه الفارابي، وطباخه كشاجم وخزان كتبه الخالديان (وهما يشبهان الأخوين ~~الإفرنسيين ليكونكور)، والصنوبري ومداحه المتنبي، والسلامي والوأواء الدمشقي، والببغاء، ~~والنامي، وابن نباتة السعدي وغيرهم، بل إنه اجتمع ببابه ما لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد ~~الخلفاء من شيوخ الشعر ونجوم الدهر، وكان أديبا شاعرا، محبا لجيد الشعر شديد الاهتزاز ~~بما يمدح به. ولقد أورد صاحب اليتيمة من شعراء سيف الدولة، وممن كانوا يقصدونه من الآفاق؛ ~~لينفقوا من أدبهم في سوقه ما هو بهجة النفوس مدى الأيام، وربما قل في الملوك من مدح بمثل ~~ما مدح به سيف الدولة، حتى إن كلا من أبي محمد عبد الله بن محمد الفياض الكاتب، وأبي ~~الحسن علي بن محمد السميساطي قد اختار من مدائح الشعراء لسيف الدولة عشرة آلاف بيت.» # وكل هذه الإجادة في الشعراء وتخريج الرجال كانت منبعثة من وراء إعطاء سيف الدولة للمال ~~بدون حساب، أجاد شعراء الشام؛ لأنهم رزقوا ملوكا وأمراء من آل حمدان وبني ورقاء، هم كما ~~قال الثعالبي: بقية العرب المشغوفون بالأدب، والمشهورون بالمجد والكرم، والجمع بين آداب ~~السيف والقلم، وما منهم إلا أديب جواد، يحب الشعر وينتقده، ويثيب على الجيد منه فيجزل ~~ويفضل، وبنو ورقاء أبو محمد جعفر، وأبو أحمد عبد الله أبناء ورقاء الشيباني من رؤساء عرب ~~الشام وقوادها، والمختصين بسيف الدولة، وكان جعفر من بيت أمرة وتقدم وآداب، وكان المقتدر ~~يجريه مجرى بني حمدان، وتقلد عدة ولايات، وكان شاعرا كاتبا جيد البديهة والروية، وكان ~~يأخذ القلم، ويكتب ما أراد من نثر ونظم، كأنه عن حفظه، وكان بينه وبين سيف الدولة مكاتبات ~~بالشعر والنثر مشهورة. # وإن بابا يقف فيه أمثال أبي الطيب المتنبي، وأبي عبادة البحتري من الذين انتهت إليهم ~~الرئاسة في هذه الصناعة، ومثل النامي، والببغاء، وكشاجم، والصنوبري، وابن خالويه، وابن جني، ~~والبازيار، والصفيري، والناشئ، ms189 والبنص، والرقي، وابن نباتة، والفارابي، وابن كشكرايا، وعيسى ~~الرقي، وغيرهم من العلماء والبلغاء والشعراء والندماء؛ إن بابا يقف فيه أمثال هؤلاء هو ~~باب ولا شك عظيم، وفضل صاحبه على الآداب جسيم. ~~••• # تجلت في عهد سيف الدولة في ديار الشام روح غريبة في الأدب العربي، وظهر بمظهر لم يسبق له ~~عهد مثله، ولا جاء في القرون التالية شبه له ونظيرا لهم إلا إذا كان على عهد الأمويين، ~~ولم تبلغنا أخبار شعرائه، وقد استفاد من هذه الحركة الأدبية القاصي والداني، كان أبو بكر ~~الخورزي في ريعان عمره، قد دوخ بلاد الشام، وحصل من حضرة سيف الدولة بحلب في مجمع الرواة ~~والشعراء، ومطرح الغرباء والفضلاء، فأقام ما أقام بها على أبي عبد الله بن خالويه، وأبي ~~الحسن السميساطي، وغيرهما من أئمة الأدباء، وأبي الطيب المتنبي، وأبي العباس النامي وغيرهما ~~من فحول الشعراء، بين علم يدرسه وأدب يقتبسه، ومحاسن ألفاظ يستفيدها، وشوارد أشعار يصيدها، ~~وهو أحد أفراد الدهر وأمراء النظم والنثر، وكان يقول: ما فتق قلبي، وصقل ذهني، وأرهف حد ~~لساني، وبلغ هذا المبلغ بي إلا تلك الطرائف الشامية، واللطائف الحلبية التي علقت بحفظي، ~~وامتزجت بأجزاء نفسي. # قام سيف الدولة بهذه النهضة الأدبية، وقد كاد القرن الثالث في الشام يخلو من الشعراء ~~والأدباء؛ لأنهم قصدوا بغداد عاصمة الملك، وبقيت الشام بمعزل، ولم ينبغ في هذا العصر غير ~~رجال في الحديث والمغازي والفقه، وضعف الأدب حتى أخذ ابن حمدان بيده وأيدي المشتغلين به، ~~فكأن القرنين السالفين كانا كالمقدمة للكاتب الكبير الذي صدر في القرن الرابع، وشرحه نوابغ ~~الأدب العربي أحسن شرح، وفيه قام أساطين الشعر وأبو تمام وأبو الطيب وأبو عبادة، وإليهم ~~انتهت الزعامة في الإجادة. # بلادنا بلاد الشعر، والشعر كان مبدأ دخول العرب في الحضارة، لم يحرصوا على شيء حرصهم على ~~روايته ودرايته، وأشد ما يكثر الشعراء في أرض صح إقليمها، واعتدل نسيمها، وطابت تربتها ~~وأديمها، وصفت أمواهها وسنح نميرها، وكثرت ظلالها بأشجارها، وغردت أطيارها في أسحارها، وهذه ~~الحالة على حصة موفورة في القطر ms190 الذي يتاخم جزيرة العرب من شمالها، فكان شعراء الشام وما ~~يقاربها أشعر من شعراء العراق، وما يجاورها في الجاهلية والإسلام، والسبب في تبريزهم قديما ~~وحديثا على من سواهم في الشعر قربهم - كما قالوا - من خطط العرب، ولا سيما أهل الحجاز، ~~وبعدهم عن بلاد العجم، وسلامة ألسنتهم من الفساد العارض إلا لسنة أهل العراق بمجاورة ~~الفرس والنبط ومداخلتهم إياهم. # وإذا أضيفت إلى هذه الأسباب الطبيعية أسباب أخرى من تنشيط ملك، وإعجاب أمة بعمل العالم، ~~أو الشاعر والكاتب، تفتحت القرائح وتجلى نبوغ الأفراد في أجمل مظاهره، كما جرى في أيام سيف ~~الدولة الذي يشبه من كثير من الوجوه لويس الرابع عشر ملك فرنسا، هذا مع اعتبار الفرق بين ~~العصرين، فإن ابن القرن التاسع لا يتأتى أن يكون مثل ابن القرن التاسع عشر، وابن غربي آسيا ~~لا يصح بحال من الأحوال أن يشبه ابن غربي أوروبا، ولكن الرجال قد يتشابهون على كل حال، ~~ووجه الشبه ظاهر بين الملكين، ولا سيما فيما يتعلق بالمعارف والآداب، ولكن عمل لويس الرابع ~~عشر اتصل بعده، وما زال في نمو وعلو، وعمل سيف الدولة زال - ويا للأسف - بزواله، وهذا أهم ~~فرق بين هذا الشرق وذاك الغرب، هناك يتسلسل الفكر قرونا، وهنا ينقطع ويتحول، هناك تتناوله ~~الجماعات بعد الأفراد فتحسنه وتزيد فيه، وهنا يدفن مع صاحبه، ولا يبقى غير تذكاره، فعاش ~~الشرق بالفرد وعاش الغرب بالجماعة. # لو ألهم سيف الدولة أن يقتصد قليلا من جوائز الشعراء فقط، خل عنك سائر إسرافاته، ويعمل ~~فيها عملا يكل أمره إلى إبقاء الأجيال التي جاءت بعده، لأثر وحده في مدنية الشام أكثر من ~~تأثير الرومان واليونان، ولما نسي اسمه إلا من دواوين الأدب وأسفار المحاضرات، ومن قام ~~أمره بالاستبداد ولم يحفل بآراء أصحاب الرأي، تضمحل سلطته عند أول عارض داخلي أو خارجي يعرض ~~لها. إن سيف الدولة مثل الاستبداد الممزوج بالعقل، وحب الأدب والشعر؛ لأنه كان شاعرا ~~مجيدا، جيد الطبع، كريم النفس، وكانت فائدته الشخصية أقل من فائدة الآداب عامة على يده، ~~وجعل ms191 الشهباء مركز دائرته، فأصبحت في سنين قليلة عاصمة الآداب، فأورثنا شعراء سيف الدولة ~~وأورثوه مجدا لا يبلى على وجه الدهر جديده. ا.ه. # | بين دمشق والقاهرة1 # (1) سادتي الإخوان # يعجز البيان عن توفية صداقتكم حقها، ومقابلة عواطفكم الجميلة بمثلها ، فقد كسوتم وطنيكم ~~هذا حلة تقصر عنها قامته، وظهر إحساسكم الشريف في مظهر أنساه ما لقيه من المشاق في سبيل ~~الوصول إلى حماكم، فدمتم ودامت عوارفكم كهفا يلجأ إليه في الملمات، وعلم نور يستضاء به ~~في الظلمات. ولقد كنت بيت العزم منذ شهرين أن أزور مصركم في الشتاء المقبلي؛ لألقى من ~~خلفتهم فيها من خلص الأصدقاء مصريين وعثمانيين، ولكن قضت الأقدار أن أهبط مصر في صيفها ~~وأهلها يرحلون عنها، على أن مصر حلوة في فصولها الأربعة؛ لأن السر في السكان لا في ~~المكان، كما كنت أود أن أشخص إليها من طريق البحر المطروق في ست وثلاثين ساعة موفورة لي ~~أسباب الراحة، لا أن أوافيها من طريق البر المهجور على مطية أقضي في السير والسرى من دمشق ~~إلى القاهرة أربعة عشر يوما، وألقى فيها من فقد الراحة ما يلقاه في العادة السفار في ~~القفار. # إن ما حملني على انتيابكم في هذه الحال تعرفونه بأجمعكم، وليس ببدع أن ينال مثله كل من ~~يتصدى لطلب الإصلاح، وينشد الحق والعدل في بلاد حكمت قرونا بالاستبداد، ولم تكتب لها ~~السلامة منه، ومن ابتلي بذلك يستطيب الأذى إذا أنتج عمله نفعا للخير العام. # قضيت في الشهر الفائت ثلاثة وعشرين يوما في زيارة مدينة الرسول، وآثار وادي موسى أو ~~البتراء المعروفة بالعربية الصخرية، وبلاد مآب أي الكرك، وأرض الشراة التي كان يسكنها بنو ~~العباس في أيام بني مروان، ومنها خرجوا بالدعوة لدولتهم، وأرض البلقاء التي كانت مصايف لبني ~~أمية أيام حكومتهم في دمشق، وغير ذلك من الأقاليم في أقصى حدود بلاد الشام الجنوبية، ومن ~~هذه الأقاليم ما وصل إليه الخط الحجازي، ومنها ما يقصد إليه على الدواب، فلما عدت إلى دمشق ~~استريح من وعساء السفر، فاجأتني الحكومة المحلية بما عودتنيه ms192 أيام الحكم المطلق والحكم ~~المقيد من خرق قانون الحرية الشخصية والفكرية، ومحاولة النيل مني بلا موجب. # سعيت وطائفة من أصدقائي في سورية بعد انتشار القانون الأساسي أن يكون في بلادنا دستور ~~حقيقي، يستمتع به العثمانيون على اختلاف عناصرهم ونحلهم، ولكن الفئة المتغلبة على الحكومة ~~في الآستانة والمرسلة بصنائعها إلى الولايات أبت - وخصوصا بعد سقوط وزارة رجل السياسة ~~العثمانية كامل باشا - إلا أن يكون الدستور استبدادا في صورة حرية، فكنا كلما طالبنا ~~بمطلب من مطالب الإصلاح الطفيف اتهمونا أنواع التهم، بل كنا معهم - كما قال ابن أبي طالب - ~~«كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحم»، فالحكومة بل الحاكم الذي كان ~~يرهقنا زمن الاستبداد، ويشردنا على أننا ناقمون على حكومة المخلوع، حتى اضطررنا أن نقضي ~~أربع سنين في هذا القطر فرارا من الحيف، عاد في الدور الذي يدعونه بالحرية، يرمينا ~~بالارتجاع، ثم بالدعوة لإنكلترا، ثم بالدعوة لحكومة عربية، إلى غير ذلك مما يختلقون من ضروب ~~الافتراء الذي لا يستنكف كل ضعيف في حكومة هذا الشرق التعس من أن يلصقه بمن لا يقدر على ~~حجاجه بالبرهان إذا دله على عيوبه ليتقيها، ونصح له بالاعتدال؛ لتطول أيامه ولا تساوره ~~أسقامه. # ففي مثل هذه الحالة يسارع مثلي إلى الهرب من وجه الظلم؛ إذ لا قانون هناك يأخذ للضعيف من ~~القوي، وما القانون عندهم إلا هوى النفوس، ولا رواج إلا للزور والنفاق، ولا عجب، فقد قال ~~ابن خلدون: إن الدول إذا تنزهت عن التعسف والميل والأفن والسفسفة، وسلكت النهج الأمم، ولم ~~تجر عن قصد السبيل، نفق في سوقها الإبريز الخالص واللجين المصفى، وإن ذهبت مع الأغراض ~~والحقود وماجت بسماسرة البغي والباطل، نفق البهرج والزائف. # ولذا أرسلنا ساقينا للريح، ساعة بلغنا أن الحكومة المحلية في سورية تريد القبض علينا ~~على نحو ما قبضت على شقيقنا أحمد المدير المسئول لجريدة المقتبس، فسرنا (يوم 17 نيسان ~~(أبريل) 1912) بدون ريث بين حدائق صالحية دمشق، حتى بلغنا الزاوية الغربية الشمالية منها في ~~المكان المعروف بقبة السيار، ومنها قصدنا ms193 إلى دمر من طريق الجبل مشيا على القدم، ثم ~~انصرفنا من دمر إلى المزة بالتصعيد في الجبل أيضا، وهناك اختبأنا في إحدى قرى وادي العجم ~~أياما، حتى تهيأت لنا أسباب الهزيمة على حصان في صحابة صديق لنا قديم ، رافقنا من أقصى حدود ~~وادي العجم، فمررنا من طريق معوج اجتزنا فيه أرض المزة وبلاس والأشرفية وصحنايا والدرخبية ~~والطيبة وشقحب، ثم دير العدس والحارة من قرى إقليم الجيدور المعروف عند الإفرنج بإيتورة، ~~حتى بلغنا النقرة من بلاد الجولان التي يسميها الفرنجة غولانيتيد، فرقدنا بالقرب من نهر ~~الرقاد، وكنا هومنا في الليلة الفائتة على مقربة من نهر الأعوج المعروف في الكتب المقدسة ~~باسم فرفر من عمل وادي العجم. # وفي الجولان اتصلنا بجماعة من تجار الإبل ذاهبين إلى مصر، فسايرناهم، وقطعنا سهول الجولان ~~ومراعيه، وبتنا في الليلة الثالثة دون عقبة فيق، ومن الغد هبطنا العقبة وهي لا تقل عن ~~ساعتين، وتعد من أعظم عقاب بلاد الشام، ومنها يشرف المرء على أراضي الغورغور بيسان وبحيرة ~~طبرية ونهر الشريعة أي الأردن، وليس على هذا النهر العظيم سوى جسر قديم متداع وجسر بنات ~~يعقوب، فقطعنا الأول سباحة على الدواب، ثم توقلنا الجبل إلى موقع الدلايكة، وهو واد بين ~~جبلين منفرجين متآزيين من عمل طبرية عاصمة الأردن القديمة، بل عاصمة الجليل، أصبح أكثره ~~ملكا للصهيونيين من مهاجرة الإسرائيليين الأوروبيين يستنبتونه ويستثمرونه على طريقتهم ~~المتعارفة في ديار الغرب، حتى لقد تحس للحال بالفرق بين زراعة الوطنيين وزراعة المهاجرين، ~~فقرية بما ملكهم أرقى بزراعتها مرات من قرية كفر سبت وسكان هذه من مهاجرة الجزائر، فبتنا ~~تلك الليلة في سوق الخان بلد الصبيح على ساعتين من الناصرة وفي سفوح جبل الطور المشهور في ~~التاريخ المسيحي. # وفي اليوم الرابع اجتزنا غابة غبياء من شجر البطم، فرأيناها آيلة للخراب كما تئول الآن ~~غابات الشام كلها، اللهم إلا ما كان من غابات لبنان التي تزيد ولا تنقص، وقطعنا هذه الحراج ~~في ساعة ونصف حتى بلغنا قرية دبورية، وفي منقطع أرض هذه الدسكرة يبتدئ مرج ms194 ابن عامر أو سهل ~~يزرعيل المذكور غير ما مرة في التوراة، قطعناه بالعرض في أربع ساعات حتى بلغنا قرية اللجون، ~~ومنها دخلنا في وادي عارة من عمل نابلس، وطوله ثلاث ساعات، وهو ضيق النطاق متوازي الأضلاع ~~حصب الرباع ، وفي آخره كان آخر عهدنا بجبال الشام، إذ لم نعد نرى بعده جبلا يذكر حتى بلغنا ~~أرض مصر في جهات العريش وقطية، فلمحنا عن بعد جبلا في الرمال يسمونه جبل الحلال، وبتنا ~~الليلة الخامسة في عيون الأساور على ساعتين من قيسارية، # 2 # وهي قرية يسكنها مهاجرون من البوشناق، وكانت من المدن الكبرى العامرة في ~~القديم، وفي اليوم السادس اجتزنا قرى بلاد نابلس مثل: قاقون، وقلنسوة، والطيرة، ومسكة حتى ~~بلغنا نهر العوجاء على ساعة ونصف من يافا، وعنده حططنا رحالنا، وطريق هذا اليوم والذي قبله ~~عامر بالحبوب، ويكثر الزيتون في بلاد نابلس إحدى أمهات مدن السامرة من كور فلسطين، # 3 # وتقل المياه حتى يضطر الأهلون أن يستقوا من أماكن بعيدة، وفي اليوم السابع ~~اجتزنا بقرى الساحل أمثال جبنة، سدود، مجدل، بربرة، بئر هديهد، غزة، وقضينا الليل في دير ~~البلح، وفي اليوم الثامن بدأ سيرنا في رمال على نحو ثلاث ساعات من غزة، وبعد أن سرنا ست ~~ساعات دخلنا في رفح أول حدود مصر والشام، وقد كانت تنتابني الهواجس تلك الليلة، أحاذر أن ~~أقع في يد عدو للحرية أو أن أجالس من يستدل بذكائه على أنني لست من تجارة الإبل في العير ~~ولا في النقير، أو لا ناقة لي في ذلك القطيع ولا جمل، فما فتحت عيني قبيل الغسق، إلا وأنا ~~أنشد بيت المتنبي: # تدبير ذي حنك يفكر في غد # وهجوم غر لا يخاف عواقبا # فتفاءلت خيرا بالنجاة، وإن كنت لا أحب التفاؤل ولا التشاؤم، ولا أبني أعمالي على ~~الأحلام والمرائي، حتى إذا قيل لي: ها أنت في رفح تدوس تربة مصر، قلت: ما أحراها أن تدعى ~~فرحا لا رفحا؛ ليكون لكل شيء من اسمه نصيب، ولا غرو، فليس أحلى من النجاة على من ms195 كان ~~يتوقع الخطر، أو من الوصل على من طال به السهاد والسهر. # ومن عجيب ما لاحظته في أراضي فلسطين، أنني شهدت لحكومتها بعض أثر من عمل مثل إنشائها بعض ~~الجسور على الأودية، في حين لم أر عملا عمرانيا في ولايتي سورية وبيروت، كأن مجاورة ~~لواء القدس للأراضي المصرية عدت فلسطين أو القسم الأعظم منها من ارتقاء بلاد الفراعنة، فصحت ~~عزيمة حكومة القدس على أن تمد جسورا على الأقل، وتعبد الطرق بعض الشيء، لا جرم أن ~~العلى تعدى كما قال أبو تمام. ولقد كنا كلما اقتربنا من غزة نحس بتغبر المشاهد في بلاد أشبه ~~بهوائها وزراعتها بالبلاد المصرية، والناس يكادون يشبهون سكان الصعيد بألبستهم ولهجاتهم، ~~وهذا من عدوى الجوار، وكثرة اختلاط المتجاورين من سكان القطرين، فإنك كما ترى جمهورا ~~كبيرا من جالية المصريين في يافا وغزة، هكذا تجد الجميز والموز من أشجار البلاد الحارة ~~شائعين في صقع غزة. # دخلنا اليوم التاسع في رمال، ولم يكن يتغير شكلها خمسة أيام متوالية إلى أن قالت ~~الإسماعيلية: ها أنا ذه، وهذه الرمال كانت تعرف قديما بالجفار جمع جفر، وهي البئر القريبة ~~القعر الواسعة لم تطو، قال ياقوت: وهي أرض من مسيرة سبعة أيام بين فلسطين ومصر، أولها رفح ~~من جهة الشام وآخرها الخشبي، متصلة برمال تيه بني إسرائيل، والخشبي بينه وبين الفسطاط ثلاث ~~مراحل كما في معجم البلدان، فيه خان، وهو أول الجفار من ناحية مصر وآخرها من ناحية الشام، ~~قال أبو العز مطفر بن إبراهيم بن جماعة بن علي الضرير العيلاني معتذرا عن تأخره لتلقي ~~الوزير الصاحب صفي الدين بن شكر، وكان قد تلقى إلى هذا الموضع: # قالوا إلى الخشبي سرنا على لهف # نلقى الوزير جموعا من ذوي الرتب # ولم تسر قلت والمولى ونعمته # ما خفت من تعب ألقى ولا نصب # وإنما النار في قلبي لغيبته # فخفت أجمع بين النار والخشب # وكل الجفار رمال سائلة بيض، في غربيها منعطف نحو الشمال بحر الشام، وفي شرقيها منعطف نحو ~~الجنوب بحر القلزم، وسميت الجفار لكثرة ms196 الجفار بأرضها، ولا شرب لسكانها إلا منها، وكان فيها ~~لعهد ياقوب نخل كثير ورطب جيد، وهو ملك القوم متفرقين في قرى مصر يأتونه أيام لقاحه ~~فيلقحونه، وأيام إدراكه فيجنونه، وينزلون بينه بأهاليهم في بيوت من سعف النخل والحلفاء، وفي ~~الجادة السابلة إلى مصر عدة مواضع عامرة، يسكنها قوم من السوقة للمعيشة على القوافل، وهي ~~رفح والقس والزعقا والعريش والورادة وقطية، وفي كل موضع من هذه المواضع عدة دكاكين، # 4 # قال المهلبي: وأعيان مدن الجفار العريش ورفح والورادة، والنخل في جميع الجفار ~~كثير، وكذلك الكروم وشجر الرمان (أما نحن فلم نر كرما ولا رمانا ولا دكانا ولا خانا)، ~~وأهلها بادية متحضرون، ولجميعهم في ظواهر مدنهم أجنة وأملاك وأخصاص فيها منهم كثير، ويزرعون ~~في الرمل زرعا ضعيفا يؤدون فيه العشر، وكذلك يؤخذ من ثمارهم، ويقطع في وقت من السنة إلى ~~بلدهم من بحر الروم طير من السلوى يسمونه المرغ (والمرغ هو الطير بالفارسية)، يصيدون فيه ما ~~شاء الله، يأكلونه طريا، ويقتنونه مملوحا، ويقطع أيضا إليهم من بلد الروم على البحر في ~~وقت من السنة جارح كثير، فيصيدون منه الشواهين والصقور والبواشق، وقل ما يقدرون على البازي، ~~وليس لصقورهم وشواهينهم من الفراهة ما لبواشقهم، وليس يحتاجون لكثرة أجنتهم إلى الحراس؛ ~~لأنه لا يقدر أحد منهم يعدو على أحد؛ لأن الرجل منهم إذا أنكر شيئا من حال جنانه نظر إلى ~~الوطء في الرمل، ثم قفا ذلك إلى مسيرة يوم ويومين حتى يلحق من سرقه، وذكر بعضهم أنهم يعرفون ~~أسر وطء الشاب من الشيخ، والأبيض من الأسود، والمرأة من الرجل، والعاتق من الثيب، فإن كان ~~هذا حقا فهو من أعجب العجائب. # قلت: وبعض ما قاله هذا المؤرخ من الاستدلال بالأقدام على الأشخاص صحيح، والوطء يبقى أثره ~~في الرمل أياما، وليس من الصعب أن يتأثر المرء هنا من استباح جنته، فإنه إذا علا نشزا من ~~هذه الرمال، وهي عبارة عن تلعات ومنعرجات ومنفرجات وأحادير، لا يلبث أن يشاهد السائر من ~~مسيرة ساعات. وفي اليوم العاشر اجتزنا ms197 بالعريش وهو من البحر الأبيض على نصف ساعة ~~فالمسعوديات على الساحل، وفي الحادي عشر نمنا بالمزار، وفي الثاني عشر بالجنادل، وفي الثالث ~~عشر بأبي العفين، وفي الرابع عشر مررنا بالقطية، وبتنا بعراص، وفي الخامس عشر بلغنا ~~الإسماعيلية فالقاهرة. # هذا هو الطريق الذي كان يطرقه المصريون والشاميون منذ عرف التاريخ، وكثيرا ما كان بعضهم ~~يؤثرونه على ركوب المراكب والسفن الشراعية، لما كان فيها من الأخطار أيام لم يكن البخار ~~يسير مراكب البحار، قطعناه في أربعة عشر يوما، وكان أجدادنا يقطعونه في أربعة أيام على خيل ~~البريد، ومن هذا الطريق سار عمرو بن العاص سنة 19 للهجرة لفتح مصر، فنزل العريش، ثم أتى ~~الفرما، وبها على رواية البلاذري قوم مستعدون للقتال، فحاربهم فهزمهم وحوى عسكرهم، ومضى إلى ~~الفسطاط، والفرمى أو الفرماء كان حصنا على ضفة البحر، يحمل إليه ماء النيل في المراكب من ~~تنيس، ويخزن أهله ماء المطر في الجباب، وكان بعض أهلها قبطا، وبعضهم من العرب، وقد ورد ~~ذكرها كثيرا في شعر أهل القرون الأولى، وفي الفرما أرق الخليفة المأمون - رضي الله عنه - ~~لما سار إلى مصر فبات فيها، وقد ذكر بغداد ونعيمها وقصورها فقال: # لليلك كان بالميدا # ن أقصر منه بالفرما # غريب في قرى مصر # يعاني الهم والسدما # والميدان من أحياء دار السلام، والسدم الهم مع الندم والحزن، ذكر المقريزي أن الدرب ~~الذي يسلك فيه إلى مصر في القرن التاسع للهجرة، لم يحدث إلا بعد الخمسمائة من سني الهجرة ~~عندما انقرضت الدولة الفاطمية، وفي المسالك والممالك أن الطريق من دمشق إلى الكسوة اثنا ~~عشر ميلا (كذا والميل بحسب اصطلاحهم ثلاثة آلاف ذراع بالهاشمي، والذراع أربعة وعشرون ~~إصبعا، والإصبع أربع شعيرات ظهر واحدة إلى ظهر الأخرى، والشعيرة أربع شعيرات من ذنب بغل)، ~~ثم إلى جاسم بلد أبي تمام الطائي أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى فيق أربعة وعشرون ميلا، ثم ~~إلى طبرية مدينة الأردن ستة أميال، ومن طبرية إلى اللجون عشرون ميلا، ثم إلى القلنسوة ~~عشرون ميلا، ثم إلى الرملة مدينة فلسطين ms198 أربعة وعشرون ميلا، والطريق من الرملة إلى أزدود ~~(؟) اثنا عشر ميلا، ثم إلى غزة عشرون ميلا، ثم إلى العريش أربعة وعشرون ميلا في رمل، ثم ~~إلى الواردة ثمانية عشر ميلا، ثم إلى أم العرب عشرون ميلا، ثم إلى الفرما أربعة وعشرون ~~ميلا ، ثم إلى جرير ثلاثون ميلا، ثم إلى القاصرة أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى مسجد قضاعة ~~ثمانية عشر ميلا، ثم إلى بلبيس واحد وعشرون ميلا، ثم إلى الفسطاط مدينة مصر أربعة وعشرون ~~ميلا، فهذه ثلاثمائة وخمسة وستون ميلا تبلغ نحو سبعمائة كيلومتر. # وكان الدرب المسلوك من مصر إلى دمشق من بلبيس إلى الفرما في البلاد التي كانت تعرف ببلاد ~~السباخ من الجوف، ويسلك من الفرما إلى أم العرب، وهي بلاد خراب على البحر فيما بين قطية ~~والواردة، فلما خرج الفرنج من بحر القسطنطينية في سنة تسعين وأربعمائة، أغار بغدوين صاحب ~~الشوبك على العريش، وهو يومئذ عامر، بطل السفر حينئذ من مصر إلى الشام، وصار يسلك على ~~طريق البر مع العرب مخافة الفرنج إلى أن استنقذ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب بيت ~~المقدس من أيدي الفرنج في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، فصار يسلك هذا الدرب على الرمل إلى ~~أن ولي ملك مصر الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل، فأنشأ مدينة الصالحية في سنة أربع ~~وأربعين وستمائة، فلما ملك الظاهر بيبرس البندقداري رتب البريد في الطرقات، حتى صار الخبر ~~يصل من قلعة الجبل إلى دمشق في أربعة أيام ويعود في مثلها، فصارت أخبار الممالك ترد إليه في ~~كل جمعة مرتين، ويتحكم في ممالكه بالعزل والولاية وهو مقيم بالقلعة، وأنفق في ذلك مالا ~~عظيما حتى تم ترتيبه، وكان ذلك في سنة تسع وخمسين وستمائة. # وما زال أمر البريد مستمرا فيما بين القاهرة ودمشق، يوجد بكل مركز من مراكزه عدة من ~~الخيل المعدة للركوب، وتعرف بخيل البريد، وعندها عدة سواس، وللخيل رجال يعرفون بالسواقين، ~~واحدهم سواق يركب مع من رسم بركوبه خيل البريد؛ ليسوق له فرسه، ويخدمه مدة مسيره، ولا يركب ~~أحد ms199 خيل البريد إلا بمرسوم سلطاني، وتارة يمنع الناس من ركوبه إلا من انتدبه السلطان ~~لمهماته، وتارة يركبه من يريد السفر من الأعيان بمرسوم سلطاني، قال صاحب الخطط: وكانت طريق ~~الشام عامرة، يوجد بها عند كل بريد ما يحتاج إليه المسافر من زاد وعلف وغيره، ولكثرة ما كان ~~فيه من الأمن أدركنا المرأة تسافر من القاهرة إلى الشام بمفردها راكبة أو ماشية لا تحمل ~~زادا ولا ماء، فلما أخذ تيمورلنك دمشق وسبى أهلها، وحرقها في سنة ثلاث وثمانمائة خربت ~~مراكز البريد، واشتغل أهل الدولة بما نزل بالبلاد من المحن عن إقامة البريد، فاختل بانقطاعه ~~طريق الشام خللا فاحشا. # قالوا: والبريد خيل تشترى بمال السلطان، ويقال لها: السواس والعلوفات، وهي مقررة على ~~عربان ذوي إقطاعات عليها خيول موظفة تحضر في هلال كل شهر إلى كل مركز أصحاب النوبة بالخيل، ~~فإذا انسلخ الشهر جاء غيرهم، وهم لهذا يسمون خيل الشهارة، وعلى الشهارة وال من قبل ~~السلطان، يستعرض في رأس كل شهر خيل أصحاب النوبة فيه، ويدوغها بالداغ السلطاني، وقد أنشأ ~~أمراء مصر وملوكها مثل كريم الدين وكيل الخاص الناصري، والملك الأشرف خليل، وفخر الدين كاتب ~~المماليك، وناصر الدين الدوادار التنكزي، وطاجار الدوادار، وكافل الشام الطنبغا، والظاهر ~~بيبرس البندقداري وغيرهم؛ خانات ورباطات وفنادق ومساجد وآبارا ودساكر لأبناء السبيل، وكان ~~الطريق في بعض الأدوار يتحول قليلا من أول الكورة إلى آخرها، ولكنه لم يخرج قط في كونه من ~~مصر من الغرب إلى الشرق، ثم يعرج في بلاد الشام نحو الشمال قليلا حتى دمشق. # وكان حمام الزاجل الذي هو بمثابة تلغراف أجدادنا، يسير من القاهرة إلى بلبيس ومنها إلى ~~الصالحية، ومن الصالحية إلى قطية، ومن قطية إلى الواردة، ومن الواردة إلى غزة، ومن غزة إلى ~~القدس، ومن غزة إلى نابلس، ومن غزة إلى لد، ومن لد إلى قاقون، ومن قاقون إلى جينين، ومن ~~جينين إلى صفد، ومن جينين إلى بيسان، ومن بيسان إلى أربد، ومن أربد إلى طفس، ومن طفس إلى ~~الصنمين، ومن الصنمين إلى دمشق. ms200 # وكان الثلج ينقل على الهجين من بلاد الشام إلى حضرة السلطان بقلعة الجبل بالقاهرة، وقد ~~جاء زمن وهو لا يحمل إلا في البحر خاصة - كما جاء في التعريف بالمصلح الشريف - ومن الثغور ~~الشامية بيروت وصيدا، ويفرض على البقاع وبعلبك أرفادهما في ذلك ، وكان يسيرا فكثر، وقرر منه ~~على طرابلس مما استقر على جبة بشرى والمنيطرة من عمل لبنان اليوم، والمركب تأتي دمياط في ~~البحر، ثم يخرج الثلج إلى الشرابخانات الشريفة، ويخزن في صهريج أعد له، وأصبح في القرن ~~الثامن يحمل في البر والبحر، ومدة ترتيب حمله من حزيران (يونيو) إلى آخر تشرين الثاني ~~(نوفمبر)، وعدة نقلاته في البر 71 نقلة متقاربة مدة ما بينها، وقد صار يزيد على ذلك، ويجهز ~~بكل نقلة بريدي يتداركه، ويجهز معه ثلاج خبير بحمله ومداراته، يحمل على فرس بريد ثان، ~~والمرصد في كل نقلة خمسة أحمال، والمستقر في كل مركز له ستة هجن، خمسة للحمل وواحد للهجان، ~~قال العمري: ولا يصل الثلج متوفرا إلا إذا أخذ الثلج المجلد وأجيد كبسه، واحترز عليه ~~من الهواء، فإنه أسرع إذابة له من الماء. وكذلك كانت المناور مواضع رفع النار في الليل، ~~والدخان في النهار للإعلام بحركات العدو، وقد أرصد في كل منور الديادب والنظارة لرؤية ما ~~وراءهم وإيراء ما أمامهم، وهي من أقصى ثغور الإسلام إلى حضرة السلطان بقلعة الجبل، حتى إن ~~المتجدد بكرة بالفرات كان يعلم بها عشاء، وهذه المناور بدخانها ونيرانها أشبه بالهليوستاو ~~الأبجكتيف لعهدنا. # هكذا كان طريق مصر إلى القرن التاسع للهجرة، وهذا أقصى ما بلغته مدنية القوم في أسباب ~~النقل والراحة، وينزل اليوم في هذه النفود - أي الرمال المتراكمة كما يسميها العرب - أناس ~~من عرب مصر يرجعون في أصولهم إلى بطون وأفخاذ معروفة عندهم، تعرفهم بسيماهم، ضئال الأجسام، ~~صفر الوجوه على نحو ما وصفهم واصفوهم في القرون الوسطى، وهم شاوية يقومون على تربية الشاء ~~ولهم جمال قليلة، وزروعهم في الأكثر الشعير في الشتاء والبطيخ في الصيف، ولهم نخيل قليل في ~~بعض واحاتهم وبالقرب من ms201 سبخاتهم، ولا حجر في ديارهم يبنون به بيوتهم، ومساكنهم حقيرة ~~يصنعونها من الخوص، فلا هم بادية يأوون إلى الخيام، ولا هم حضر كالعرب النازلين منذ القديم ~~في ريف مصر كالفيوم والشرقية وغيرهما من مديريات القطر مثلا، ولهجاتهم أقرب إلى لهجة سكان ~~جنوبي الشام منها إلى اللهجة المصرية، ومن فلسطين يكتالون، وفي فلسطين يقضون شطرا من السنة ~~في رعي أغنامهم وماعزهم، ولم تعمل الحكومة المصرية شيئا لارتقائهم سوى أنها نشرت أعلام ~~الأمن على ربوعهم؛ ولذلك ترى تجار الإبل يأتون بها من بلاد نجد والجزيرة والشام، ولا يزالون ~~يحاذرون اعتداء السراق عليها حتى يبلغوا رفح، وعندها يوقنون بأنه لا يضيع لهم في تلك ~~البادية عقال بعير، وكان عرب هذه النفود من قبل مثلا سائرا في الاعتداء على السابلة، وهم ~~اليوم معفون من الضرائب والخدمة العسكرية، وغريب كيف لا ينالهم قسط من مدنية مصر، فحرموها ~~كما حرموا الاستمتاع بماء النيل العذب وتربة واديه الممرعة. ~~••• # هذه النفود هي الحد الطبيعي بين مصر والشام، بل الحد الصناعي الذي اصطلحت عليه مؤخرا ~~الحكومتان المصرية والعثمانية في رفح والعقبة، بل الحد الفاصل بين قارتي آسيا وأفريقيا، لم ~~يحل في كل الأزمان دون اختلاط أهل هذين القطرين الشقيقين، ومن قرأ تواريخ الجبرتي وابن إياس ~~والسخاوي وابن حجر والغزي وغيرهم، يدرك أن هجرة السوري إلى مصر ترد إلى مئات من السنين، ~~ومن بحث في أنساب من تولوا أعمال الحكومة المصرية، وشاركوا مصر في سعودها ونحوسها من ~~العلماء والتجار والصناع، يجد فيهم كثيرا من الشاميين، وكذلك الحال في المصريين ببلاد ~~الشام، فلا عجب إذا كان حظ مصر والشام واحدا في السراء والضراء، وعلائقهما الاقتصادية ~~موفورة مستحكمة، وليس أعلق بالقلوب من الصلات المالية، وإنا لنرى الشام أمس واليوم وغدا ~~تتأثر لأقل أزمة مالية في مصر، كما أن هذه تتأذى من العوارض السماوية أو الأرضية كلما ~~اجتاحت الشام، فمصر والشام هما قطران بالاسم، ولكنهما بالفعل قطر واحد، جرى الاصطلاح على ~~تسمية كل منهما باسم، وكل منهما متمم لصاحبه، حتى لقد سئل أحد ms202 عمال الدولة العثمانية في ~~القرن الماضي عن رأيه في القطرين فقال: مصر مزرعة حسنة والشام مصيف جميل. # وإذ قد عرفنا أن أجدادنا أحسنوا الانتفاع من مجاورة القطرين العزيزين، ساغ لنا أن ~~نطالب في هذا العهد بزيادة أواخي الإخاء بينهما من طريق البر على نحو ما هي عليه من طريق ~~البحر، فيسعى العقلاء من الماليين إلى نيل امتياز، يربط عاصمة الشام بعاصمة مصر بخط حديدي ~~عريض، حتى يأتي الراكب في أربع عشرة ساعة بدلا من أربعة عشر يوما، وإذا أحب القائمون ~~بالأمر الاكتفاء بوصل السكة الجديدة مع أقرب الطرق إلى مصر، فما عليهم إلا أن يكتفوا الآن ~~بإيصاله إلى القدس، وهذه ستتصل هذا العام بخط حيفا مبدأ السكة الحجازية من محطة العفولة، ~~والمسافة بينهما لا تقل عن مائة كيلومتر، تمد على نفقة إدارة الخط الحجازي، ومعلوم أن ~~حيفا مرتبطة بدرعا ودمشق، وعندها يسهل على ابن مصر الاصطياف في جبال الشام، وتبعث هذه ~~بحبوبها وثمارها، وترسل مصر إلى الشام بشيء من مدنيتها وعلومها وانتظامها، ويخلص كل من يريد ~~أن يخلص إلى مصر من هذه الرمال الموحشة المرعشة والمفازة المدهشة المعطشة التي تعوذ منها ~~كل من اجتازها وقاسى الأمرين من مائها البشع المر المهوع المتروح، ولولا أنني تسليت عن ~~المأكل والمشرب في الأيام الخمسة التي قضيتها في اجتياز هذه المفاوز بما سمعته من أحاديث ~~رفاقي العرب في الإبل حتى صرت كأنني بعض رعاتها؛ لطال علي أمرها، ولكني حملت النفس على ~~أن تتعلم الصبر من تلك الجمال، وطبقت فيها بالعمل ما قرأته بالنظر أيام الطلب من مصطلحات ~~العرب في إبلهم وحدائهم، فصار مذهبي - ولا فخر - جماليا بعد أن كان جماليا، وعلمي ~~بالأباعر عمليا وكان من قبل نظريا. # وكأن رحلتي في الشهر الماضي إلى الحجاز وجنوبي الشام ونزولي على أهل البادية من أهل المدر ~~والوبر كانت مقدمة لما امتحنت به هذا الشهر من مواكلة الأعراب في صحفة واحدة والتخلي عن ~~الملعقة والشوكة والسكين والفوطة والكأس، والأكل من أطعمتهم، وهي الثمن أرز العراق، والبرغل ~~جريش الحنطة، ms203 والتمر والخبز المعمول بالملة أو على الصاج، يسجر ببعر الأباعر، والإدام في ~~هذه الأيام يخالطه رمل، وهذا يدخل في كل مأكول ومشروب تسفوه الرياح طوعا أو كرها. ولقد ~~صدق الواصفون منذ القديم لهذه الجفار بأن «الخبز إذا أكل يوجد الرمل في مضغه، فلا يكاد ~~يبالغ فيه». # وإني أحمد الله إليكم على أني قضيت أيام هذه الرحلة ولياليها برمتها لم أطالع فيها جريدة ~~ولا مجلة ولا كتابا، ولا وقعت عيني على ورقة، ولا مسكت قلما، ولا كتبت محاضرة ولا مقالة ~~ولا نكتة، ولا قيدت شاردة، ولم أسمع غير حداء الإبل وغناء الأعراب، ولم يصل فكري إلى أبعد ~~من عمل القهوة البدوية وأكل التمر، ولم يبلغ أذني غير أحاديث الإبل، فأصبحت - ولله المنة - ~~أستعذب تردادها استعذابي لترديد أخبار المدنية، ومن نعم المولى علي أني رأيت صورة مصغرة ~~من عيش أهل جزيرة العرب تمشي بين بلاد الشام ومصر، ودرست نموذجا صالحا من أخلاق العرب ~~بالاختلاط بتجار الجمال ورعاتها، ممن كانوا يختلفون إلينا ونختلف إليهم كل مساء وصباح، فلم ~~أسمع كلمة هجر وبذاء وتجديف قط، وما تبينت في أخلاقهم إلا الجد الذي ليس وراءه جد، والعزيمة ~~التي تخور أمامها العزائم، والبحث على الدوام فيما هم بسبيله من التجارة والعناية برعية ~~إبلهم والقيام على صحتها، فكان وجود السبط والأرطة والقطف والحمط من العريش إلى قطية ~~فالإسماعيلية، وغير ذلك من الأشواك والأعشاب كالشيخ والرتم التي تستطيبها أنعامهم أهم لديهم ~~من كل حديث، وأشهى لقلوبهم من كل نغمة، وأفعل في نفوسهم من كل نعمة من نعم الجمال ~~والكمال. # قضيت - ويا لسعادتي - أسبوعين كاملين في عالم الأباعر والبعران والإبل والحوار والبطين ~~والبطنان والكثيب والكثبان وشين وزين، وترد وتصدر وندلج ونسري وننشد ونمرخ ونضحى ونعشى، ~~وغير ذلك من فصح العربية الباقية على أسلات ألسن أولئك العرب الأميين، ولو أردت أن أستوفي ~~ما سمعته من هذا القبيل لاستغرق مجلدا برأسه، وما أحلى ما سمعته من أحدهم وهو يقول لصاحبه: ~~يا فلان! خذ من فلان كذا جنيها وأنت الفالج؛ أي الرابح ms204 من الفلج وهو الظفر. وكيف لا أؤخذ ~~بما وعيت ورأيت، وأنا طول هذه الفترة لم أسمع نميمة ولا غيبة، ولا شهدت كذبا ولا منكرا، ~~وكان أولئك الأعراب بأجمعهم مواظبين على صلواتهم بدون تكلف، يتيممون يوم يقل ماؤهم، ولا ~~يسرفون فيه إذا وجد، أخلاق طاهرة متينة، ما كنت أظنها باقية في البادية، وأرجو ألا تفقد ~~بتاتا من أهل الحضر، ولو تهيأ لسكان اليمن - ونجد خاصة - شيء من المدنية الصحيحة لفاقوا - ~~ولا جرم - الإنكليز السكسونيين بأخلاقهم وأناتهم ورويتهم، وإني لما خبرت القوم أيقنت بفساد ~~القضية التي وضعها أحد الباحثين في أصول الشعوب من أن الطيش والرعونة والفسق تغلب على ~~سكان البلاد الحارة، ومع أن بلاد هؤلاء الأعراب من الأقاليم الحارة جعلت منهم التربية ~~الدينية المعتدلة أهل اعتدال وكمال ورجال مال وأعمال. # هذا، وقد أطلت حواركم حتى خفت عليكم التبرم بحديثي، وإني حامد شاكر لكل ما تم علي لإيقاني ~~بأن الحوادث أكبر معلم، ولولا الحادثة الأخيرة في دمشق لما تيسر أن أبلغ مصر من شرقها وأن ~~أستمتع بلقياكم الآن، وأرجو أن يدوم لي هذا الاستمتاع، ولكن على شرط أن يقيض الله للبلاد ~~العثمانية من يغار على مصلحتها، وينقذها من سقطتها، وأسأل قاهر الجبابرة والسلاطين أن ~~يمن علينا بنعمة الراحة أجمعين. # | مدن العرب1 # يظن بعض الجاهلين أو المتجاهلين لحسنات المدنية الإسلامية أن العرب إبان عزهم لم يأتوا ~~شيئا يذكر في أعمال العمران، وأن قصاراهم أن تلقفوا بعض المدنية الفارسية واليونانية، ~~وتمتعوا بها بضعة قرون، ثم نقلوها إلى من بعدهم من أمم المدنية الحديثة في الغرب، ويقول ~~بعضهم: إنهم كانوا في فن البناء دون الرومان، وإن قصورهم الباقية لا تشهد بتفنن عجيب في ~~الهندسة، على أن الباقي من آثارهم إلى اليوم في الأندلس ومصر والشام والعراق وفارس والهند ~~شاهد أبد الدهر بإبطال دعوى المدعين، وما يحيك في صدورهم من الأهواء. # ولقد رأينا بعضهم يتوكئون في الحط من أقدار العرب في العمران على الفصل الذي عقده ابن ~~خلدون في مقدمته في «أن العرب إذا تغلبوا على ms205 الأوطان أسرع إليها الخراب»، الذي قال في ~~آخره: «وانظر إلى ما ملكوه وتغلبوا عليه من الأوطان من لدن الخليقة، كيف تقوض عمرانه، وأقفر ~~ساكنه، وبدلت الأرض فيه غير الأرض، فاليمن قرارهم خراب إلا قليلا من الأمصار، وعمران ~~العرب كذلك قد خرب عمرانه الذي كان للفرس أجمع، والشام لهذا العهد كذلك، وإفريقية والمغرب ~~لما جاز إليها بنو هلال وبنو سليم منذ أول المائة الخامسة، وتمرسوا بها لثلاثمائة وخمسين من ~~السنين قد لحق بها، وعادت بسائطه خرابا كلها، بعد أن كان ما بين السودان والبحر الرومي ~~كله عمرانا، تشهد بذلك آثار العمران فيه من المعالم وتماثيل البناء وشواهد القرى ~~والمداشر.» # هذا ما يحتجون به، ولو علموا أن مقصد ابن خلدون بالعرب هنا البدو أو البادية أو العربان ~~الرحل كما نسميهم لعهدنا لارتفع كل إشكال، وإلا فإن المدن التي مدنها العرب أيام عزهم، ~~والأمصار التي مصروها، والقرى التي عمروها، لا تدخل تحت حصر في كل قطر دخلوه ولو أياما مما ~~لم يتيسر لغيرهم من الأمم كالترك مثلا، الذين حكموا الأقطار الواسعة العامرة بطبيعتها ~~ستمائة سنة، ولا تكاد تعرف لهم مدينة أسسوها، ولا مواتا أخصبوه، ولا ماء أسالوه، وشغلهم ~~الشاغل حروب وغزوات. هكذا مضوا أيام القوة، وهكذا الحال زمن الضعف. # ومن قرأ كتب وصف البلاد تجلى له مقدار عناية العرب ببناء مدنهم، خذ لك على سبيل ~~المثال ما رواه الأقدمون في كيفية بناء سامرا أو سر من رأى إحدى المدن العباسية التي أنشئت ~~على دجلة على مسافة ثلاثين فرسخا من بغداد، فقد قالوا: إن السفاح أراد أن يبني سامرا، ~~فبنى مدينة الأنبار بحذائها، وأراد المنصور بعدما أسس بغداد بناءها، فابتدأ بالبناء في ~~البردان، ثم بدا له وبنى بغداد، وأراد الرشيد أيضا بناءها، فبنى بحذائها قصرا، وهو بإزاء ~~أثر عظيم قديم كان للأكاسرة، ثم بناها المعتصم، ونزلها في سنة 221، وكان الرشيد حفر نهرا ~~عندها سماه القاطول، وأتى الجند وبنى عنده قصرا، ثم بنى المعتصم أيضا هناك قصرا، ووهبه ~~لمولاه أشناس، فلما ضاقت بغداد عن عساكره، ms206 وأراد استحداث مدينة كان هذا الموضع على خاطره، ~~فجاءه وبنى عنده سر من رأى، بنى دارا وأمر عسكره بمثل ذلك، فعمر الناس حول قصره حتى صارت ~~أعظم بلاد الله، وبنى بها مسجدا جامعا في طرف الأسواق، وأنزل أشناس بمن ضم إليه من القواد ~~كرخ سامرا، وهو كرخ فيروز، وأقام ابنه الواثق بسامرا حتى مات بها، ثم ولي المتوكل، فأقام ~~بالهاروني، وبنى به أبنية كثيرة، وأقطع الناس في ظهر سر من رأى في الحيز الذي كان احتجزه ~~المعتصم، واتسع الناس بذلك، وبنى مسجدا جامعا فأعظم النفقة عليه، وأمر برفع منارة لتعلو ~~أصوات المؤذنين فيها، وحتى ينظر إليها من فراسخ، فجمعوا الناس فيه، وتركوا المسجد الأول، ~~واشتق من دجلة قناتين شتوية وصيفية، تدخلان الجامع وتتخللان شوارع سامرا، واشتق نهرا آخر ~~وقدره للدخول إلى الحيز، فمات قبل أن يتمم، وحاول المنتصر تتميمه فلقصر أيامه لم يتمم، ~~ثم اختلف الأمر بعده فبطل، وكان المتوكل أنفق عليه سبعمائة ألف دينار. # ولم يبن أحد من الخلفاء بسر من رأى من الأبنية الجليلة مثل ما بناه المتوكل، فمن ذلك ~~القصر المعروف بالعروس أنفق عليه ثلاثين ألف ألف درهم، والقصر المختار خمسة آلاف ألف درهم، ~~والوحيد ألفي ألف درهم، والجعفري المحدث عشرة آلاف ألف درهم، والغريب عشرة آلاف ألف درهم، ~~والشيدان عشرة آلاف ألف درهم، واليرج عشرة آلاف ألف درهم، والصبح خمسة آلاف ألف درهم، ~~والمليح خمسة آلاف ألف درهم، وقصر بستان الألتاخية عشرة آلاف ألف درهم، والتل علوه وسفله ~~خمسة آلاف ألف درهم، والجوسق في ميدان الصخر خمسمائة ألف درهم، والمسجد الجامع خمسة عشر ألف ~~ألف درهم، وبركوان للمعتز عشرين ألف ألف درهم، والقلائد خمسين ألف دينار، وجعل فيها أبنية ~~بمائة ألف دينار، والغرد في دجلة ألف ألف درهم، والقصر بالمتوكلية وهو الذي يقال له: ~~الماحوزة، خمسين ألف ألف درهم، والبهو خمسة وعشرين ألف ألف درهم، واللؤلؤة خمسة آلاف ألف ~~درهم، فذلك الجميع مائتا ألف ألف وأربعة وتسعون ألف ألف درهم. # وكان المعتصم والواثق والمتوكل إذا بنى ms207 أحدهم قصرا أو غيره أمر الشعراء أن يعملوا فيه ~~شعرا، فمن ذلك قول علي بن الجهم في الجعفري الذي للمتوكل: # وما زلت أسمع أن الملو # ك تبني على قدر أقدارها # وأعلم أن عقول الرجا # ل تقضي عليها بآثارها # فلما رأينا بناء الإما # م رأينا الخلافة في دارها # بدائع لم ترها فارس # ولا الروم في طول أعمارها # وللروم ما شيد الأولون # وللفرس آثار أحرارها # وكنا نحس لها نخوة # فطامنت نخوة جبارها # وأنشأت تحتج للمسلمين # على ملحديها وكفارها # صحون تسافر فيها العيون # إذا ما تجلت لأبصارها # وقبة ملك كأن النجو # م تضيء إليها بأسرارها # نظمنا الفسافس نظم الحلي # لعون النساء وأبكارها # لو ان سليمان أدت له # شياطينه بعض أخبارها # لأيقن أن بني هاشم # تقدمها فضل أخطارها # وقال الحسين بن الضحاك: # سر من را أسر من بغداد # قاله عن بعض ذكرها المعتاد # حبذا مسرح لها ليس يخلو # أبدا من طريدة وطراد # ورياض كأنما نشر الزه # ر عليها محبر الأبراد # واذكر المشرف المطل من التل # على الصادرين والوراد # وإذا روح الرعاء فلا تن # س رواعي فراقد الأولاد # وله فيها وبفضلها على بغداد: # على سر من راء المصيف تحية # مجللة من مغرم بهواهما # ألا هل لمشتاق ببغداد رجعة # تقرب من ظليهما وذراهما # محلان لقى الله خير عباده # عزيمة رشد فيهما فاصطفاهما # وقولا لبغداد إذا ما تنسمت # على أهل بغداد جعلت فداهما # أفي كل يوم شف عيني بالقذا # حرورك حتى رابني ناظراهما # قال ياقوت: ولم تزل كل يوم سر من رأى في صلاح وزيادة وعمارة منذ أيام المعتصم والواثق إلى ~~آخر أيام المنتصر بن المتوكل، فلما ولي المستعين، وقويت شوكة الأتراك، واستبدوا بالملك ~~والتولية والعزل، وانفسدت دولة بني العباس، لم تزل سر من رأى في تناقص للاختلاف الواقع في ~~الدولة بسبب العصبية التي كانت بيد أمراء الأتراك، إلى أن كان آخر من انتقل إلى بغداد من ~~الخلفاء، وأقام بها وترك سر من رأى بالكلية المعتضد بالله أمير المؤمنين كما ذكرناه في ~~التاج، وخربت حتى لم يبق ms208 منها إلا موضع المشهد، الذي تزعم الشيعة أن به سرداب القائم ~~المهدي، ومحلة أخرى بعيدة منها يقال لها: كرخ سامرا، وسائر ذلك خراب يباب يستوحش الناظر ~~إليها بعد أن لم يكن في الأرض كلها أحسن منها، ولا أجمل ولا أعظم ولا آنس ولا أوسع ملكا ~~منها، فسبحان من لا يزول ولا يحول. # وذكر الحسن بن أحمد المهلبي في كتابه المسمى بالعزيزي قال: وأنا اجتزت بسر من رأى منذ ~~صلاة الصبح في شارع واحد ماد عليه من جانبيه دور كأن اليد رفعت عنها للوقت لم تعدم إلا ~~الأبواب والسقوف، فأما حيطانها فكالجدد، فما زلنا نسير إلى بعد الظهر حتى انتهينا إلى ~~العمارة فيها، وهي مقدار قرية يسيرة في وسطها، ثم سرنا إلى الغد على مثل تلك الحال، فما ~~خرجنا من آثار البناء إلى نحو الظهر، ولا شك أن طول البناء كان أكثر من ثمانية ~~فراسخ. # وكان ابن المعتز مجتازا بسامرا متأسفا عليها، وله كلام منثور ومنظوم في وصفها، ولما ~~استدبر أمرها جعلت تنقض، وتحمل أنقاضها إلى بغداد، ويعمر بها فقال ابن المعتز: # قد أقفرت سر من رأى # وما لشيء دوام # فالنقض يحمل منها # كأنها آجام # ماتت كما مات فيل # تسل منه العظام # وكتب على وجه حائط من حيطان سامرا الخراب: # حكم الضيوف بهذا الربع أنفذ من # حكم الخلائف آبائي على الأمم # فكل ما فيه مبذول لطارقه # ولا ذمام به إلا على الحرم # وكتب عبد الله بن المعتز إلى بعض إخوانه يصف سر من رأى، ويذكر خرابها ويذم بغداد وأهلها ~~ويفضل سامرا: كتبت إليك من بلدة قد أنهض الدهر سكانها وأقعد جدرانها، فشاهد اليأس فيها ينطق ~~وحبل الرجاء فيها يقصر، فكأن عمرانها يطوى، وكأن خرابها ينشر، وقد وكلت إلى الهجر ~~نواحيها، واستحث باقيها إلى فانيها، وقد تمزقت بأهلها الديار فما يجب فيها حق جوار، فالظاعن ~~منها ممحو الأثر، والمقيم بها على طرف سقر، نهاره أرجاف وسروره أحلام، ليس له زاد فيرحل ولا ~~مرعى فيرتع، فحالها تصف للعيون الشكوى، وتشير إلى ذم الدنيا ms209 بعدما كانت بالمرأى القريب جنة ~~الأرض وقرارة الملك، تفيض بالجنود أقطارها عليهم أردية السيوف وغلائل الحديد، كأن رماحهم ~~قرون الوعول، ودروعهم زبد السيول، من خيل تأكل الأرض بحوافرها، وتمد بالنقع سائرها، قد نشرت ~~في وجوهها غررا كأنها صحائف البرق، وأمسكها تحجيل كأسورة اللجين، ونوطت عذرا كالشنوف في ~~جيش يتلقف الأعداء أوائله، ولم ينهض أواخره، وقد صب عليه وقار الصبر، وهبت له روائح النصر، ~~يصرفه ملك يملأ العين جمالا والقلوب جلالا، لا تخلف مخيلته ولا تنقض مريرته، ولا يخطئ ~~بسهم الرأي غرض الصواب، ولا يقطع بمطايا اللهو سفر الشباب، قابضا بيد السياسة على قطار ملك ~~لا ينتشر حبله، ولا يتشظى عصاه، ولا تطفأ جمرته في سن شباب لم يجن مأثما وشيب لم يراهق ~~هرما، قد فرش مهاد عدله وخفض جناح رحمته راجما بالعواقب الظنون، لا يطيش عن قلب فاضل ~~الحزم بعد العزم ساعيا على الحق يعمل به، عارفا بالله يقصد إليه، مقرا للحلم ويبذله، ~~قادرا على العقاب ويعدل فيه، إذ الناس في دهر غافل قد اطمأنت بهم سيرة لينة الحواشي خشنة ~~المرام، تطير بها أجنحة السرور، ويهب فيها نسيم الحبور، فالأطراف على مسرة، والنظر إلى مبرة ~~قبل أن تحث مطايا الغير وتسفر وجوه الحذر، ما زال الدهر مليا بالنوائب طارقا بالعجائب، ~~يؤمن يومه ويغدر غده؛ على أنها - وإن جفت - معشوقة السكنى وحبيبة المثوى، كوكبها يقظان، ~~وجوها عريان، وحصاها جوهر، ونسيمها معطر، وترابها مسك أذفر، ويومها غداة، وليلها سحر، ~~وطعامها هنيء، وشرابها مريء، وتاجرها مالك، وفقيرها فاتك، لا كبغدادكم الوسخة الومدة ~~الهواء، جوها نار، وأرضها خبار، وماؤها حميم، وترابها سرجين، وحيطانها نزوز، وتشرينها تموز، ~~فكم من شمسها من محترق، وفي ظلها من غرق، ضيقة الدار قاسية الجوار، ساطعة الدخان، قليلة ~~الضيفان، أهلها ذئاب وكلامهم سباب، وسائلهم محروم ومالهم مكتوم، لا يجوز إنفاقه ولا يحل ~~خناقه، حشوشهم مسابل وطرقهم مزابل، وحيطانهم أخصاص وبيوتهم أقفاص، ولكل مكروه أجل وللبقاع ~~دول، والدهر يسير بالمقيم، ويمزج البؤس بالنعيم، وبعد اللجاجة انتهاء والهم إلى فرجة ولكل ~~سائلة ms210 قرار، وبالله أستعين وهو محمود على كل حال. # غدت سر من را في العناء فيا لها # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # وأصبح أهلوها شبيها بحالها # لما نسجتها من جنوب وشمأل # إذا ما امرؤ منهم شكا سوء حاله # يقولون: لا تهلك أسى وتجمل # ويطول بنا المقال إذا أردنا استقصاء أسماء المدن العربية كلها من شواطئ بحر الظلمات في ~~الغرب إلى شواطئ المحيط الهندي في الشرق، قال البلخي: ومن يحصي بناة المدن وواضعي القرى ومن ~~يعلم مبادئ إنشائها إلا الله عز وجل، وهبنا أخبرنا بمدن فارس على نحو ما نجد في كتبهم، ~~والمدن التي أحدثت في الإسلام لقرب العهد وجدة التاريخ، فمن لنا بمدن الهند والصين والروم ~~والترك، وليس كل مدينة أو قرية مبنية منسوبة إلى بانيها؛ لأنه قد تسمى المدينة باسم الباني ~~أو باسم لها قبل حدوثها أو باسم ماء أو شجر أو شيء ما، وقد يجوز أن يجتمع قوم بموضع من ~~المواضع، فيصير ذلك مدينة، فهذا يبين لك أن كل مدينة لا يوجب بانيا لها قاصدا إليها، ~~إلى أن قال: والكوفة مصرها سعد بن أبي وقاص، وكان بها رمل فسميت به، ويقال لها: الكوفان، ~~والبصرة مصرها عتبة بن غزوان، وسماها بحجارة بيض كانت في موضعها، وواسط بناها الحجاج، ويقال ~~لذلك واسط القصب، ويقال: بل توسطت البصرة والكوفة، وبغداد سميت باسم موضع كان قبلها، ويقال ~~لها: الزوراء، ويقال: بغ اسم صنم، وسمتها الخلفاء مدينة السلام، وأول من بناها جعفر ~~المنصور، بنى بها قصر الخلد، بناها في الجانب الغربي من دجلة، وجعل حواليها قطائع لحشمه ~~ومواليه وأتباعه كقطيعة الربيع والحربية وغيرها، ثم عمرت وتزايدت، فلما ملكها المهدي جعل ~~معسكره في الجانب الشرقي، فسمي عسكر المهدي، وتزايدت بالناس والبناء. # قال البلخي: فاعلم أن المدن تبنى على ثلاثة أشياء، على الماء والكلأ والحطب، فإذا ~~فقدت واحدة من هذه الثلاثة لم تبق. قال بعض الجغرافيين: مصرت البصرة على يد عتبة بن غزوان ~~سنة أربعة عشرة، وعظم أمرها حتى سميت قبة الإسلام، ولها نخيل متصلة ms211 من عبداس إلى عبدان نيف ~~وخمسون فرسخا، ثم بني بعد ذلك واسط، بناها الحجاج بن يوسف سنة ثمان وسبعين، وهي جانبان ~~بينهما جسر على دجلة طوله ستمائة وثمانون ذراعا، وفي الجانبين جامعان، ثم لما استخلف الله ~~من بني العباس السفاح بنى مدينة قريبة من الكوفة وسماها الهاشمية، ثم رحل عنها إلى الأنبار ~~فعمرها وسكنها، ولم يزل بها إلى أن مات، فلما ملك أخوه المنصور بنى على دجلة بغداد، ويقال: ~~إن اسمها بك دار معناه دار العدل بالتركية، كأنهم قالوا: الحاكم العادل، وسميت مدينة ~~السلام؛ لأنها يسلم فيها على الخلفاء؛ ولأنها على دجلة نهر السلام، وفي تسميتها بغداد ~~وبغذاد وبغذاذ وكان ابتداء بنائها في سنة خمس وأربعين ومائة، وتم بناؤها في سنة تسع ~~وأربعين، ثم ضاقت بالجند والرعية، فبنى المهدي ولد المنصور مدينة تجاهها سماها الرصافة سنة ~~إحدى وخمسين، ولبغداد من المدن والبلاد صرصر وقصر ابن هبيرة مدينة بناها يزيد بن عمر بن ~~هبيرة. # وإليك الآن شذرة قليلة مما عثرنا عليه بالعرض من مدن العرب وأمصارهم، فمنها شيراز وهي ~~مدينة إسلامية بناها محمد بن أبي القاسم الثقفي على أثر بناء قديم، ومدينة قم كورها الرشيد، ~~وجعل لها اثنين وعشرين رستاقا، بنيت زمن الحجاج سنة ثلاث وثمانين، وكان مكانها تسع قرى، ~~فجمعت وصارت محالا، وكان اسم إحدى القرى كميدان، فأسقطوا بعض الحروف للإيجاز والاختصار ~~وأبدلوا الكاف قافا. # والمنصورية في الهند مدينة بنيت في صدر الإسلام وتسمى بالهندية تاميران، كان موضعها ~~غيضة، يحيط بها خليج من نهر مهران، والحلة في العراق بناها سيد الدولة صدقة بن دبيس سنة خمس ~~وأربعين وأربعمائة، وتسمى الكوفة الصغرى لكثرة ما فيها من التشيع، وأردويل وتسمى أردبيل في ~~بلاد أذربيجان مصرت أيام الرشيد، وإنما سميت باسم أردبيل بن أرميني، ومراغة بناها محمد ~~بن مروان بن الحكم، وكانت قبل مراغة لدوابه فسميت بذلك، ومرند بناها الأفشين على أثر بناء ~~قديم، ومزيد بناها مراد بن الضحاك، ومن بلاد أرمينية مدينة شمكور، وكانت مدينة قديمة ~~أخربتها الصناوردية، ثم جددها بغا سنة ms212 أربعين ومائتين وسماها المتوكلية، ومن مدن الجزيرة ~~مدينة أذرمة، بناها الحسن بن عمر بن الخطاب التغلبي، وبنى المنصور إلى جانب مدينة الرقة ~~قصبة ديار مضر مدينة وسماها الرافقة سنة خمس وسبعين، فخربت الأولى وبقى الاسمان واقعين على ~~مدينة واحدة، ومن المدن حضرموت في اليمن مدينة الشحر ولم تكن بمدينة، وكان الناس ينزلون منه ~~في إخصاص، فبنى الملك المظفر صاحب اليمن مدينة به حصينة بعد سنة سبعين وتسعمائة، وكذلك بلاد ~~مهرة ومصرها ظفار، بناها أحمد بن محمد، وسماها الأحمدية في سنة عشرين وستمائة. # وجدد قتيبة بن مسلم سمرقند، وأحاط بها سورا دوره سبعون ألف ذراع، وذلك سبعة عشر ميلا ~~ونصف ميل، هو بالفرسخ نحو ستة فراسخ، ومدن بخارى كرمينية وبيكند والطواويس بناها قتيبة بن ~~مسلم أيضا، ومن مدن خراسان الجبلية ذوات الكور العريضة والأعمال الفسيحة سرخس وبوزجان ~~وسامان وبيورد مدينة وزوزن وكومن بناها عبد الله بن طاهر، كما بنى مدينة شهرستان من أعمال ~~خراسان، وبنى في إقليم مازندران دهيسان ثغرا على طرف مغارة، كما بنى يزيد بن المهلب سنة ~~ثمان وتسعين مدينة بكراباد في ذاك الصقع نفسه. # وبنى عمرو بن العاص الفسطاط (مصر)، وبنى أحمد بن طولون القطايع، ولما ملك العبيديون مصر ~~بنى جوهر مولى المعز مدينة فوق القطايع وسماها القاهرة، وفي إفريقية مدينة المهدية بناها ~~المهدي العبيدي سنة ست وثلاثمائة، ومدينة بونة بنيت بعد الخمسين وأربعمائة، ومدينة بجادته ~~وهي مدينة حسنة البناء طيبة الفناء، بناها الناصر بن علناس أحد بني حماد سنة سبع وخمسين ~~وأربع مائة، ومدينة وهران بنيت سنة تسعين ومائتين، ورباط الفتح في سلا من أعمال طنجة بناها ~~عبد المؤمن، وقصر الفرج بناه المنصور من بني عبد المؤمن، والسوس الأقصى يقال: إن أول من ~~عمره وأجرى فيه الأنهار عبد الرحمن بن مروان بن الحكم وفيه مدن كثيرة، وقصبتها تامدلت مدينة ~~سهلية جبلية مسورة من بناء عبد الله بن إدريس، ومن بلاد السوس مدينة إيغلي بانيها عبد الله ~~بن إدريس أيضا، ومراكش بناها يوسف بن تاشفين الصنهاجي سنة 490، ويلي ms213 مراكش فاس، وهي ~~مدينتان إحداهما عدوة الأندلس بنيت سنة 292، والأخرى عدوة القرويين بنيت سنة ثلاث وتسعين ~~ومائة، وسوق حمزة بناها حمزة بن سليمان العلوي، وأشير بناها زيري، والمسيلة بناها محمد بن ~~عبيد الله المهدي المنعوت بالقائم وسماها المحمدية، وقلعة بني حماد بناها حماد بن زيري، ~~والقيروان اختطها عقبة بن نافع، ومدينة بطليموس بالأندلس بناها عبد الرحمن بن مروان، ومدينة ~~تطيلة بنيت أيام الحكم بن هشام، والهارونية من أعمال الفاكية بناها هارون الرشيد. # وسلمية بالشام على سيف البرية بناها عبد الله بن صالح وعلي بن عبد الله بن عباس وطرابلس ~~المستجدة بعد طرابلس الشام بجيش المسلمين في مملكة الملك المنصور وسيف الدين قلاوون ~~الصالحي، بنيت في سفح ذيل من أذيال جبل لبنان بكورة من أكوار طرابلس، بعدها عن طرابلس ~~القديمة الخربة نحو من خمسة أميال على شاطئ نهر يجري إلى البحر، وهي المدينة المعروفة اليوم ~~البعيدة عن الميناء المعروفة بميناء طرابلس الشام، والممصر لمدينة أنطرسوس معاوية بن أبي ~~سفيان في أيام عثمان بن عفان حين غزا قبرص، ومدينة عكا بناها عبد الملك بن مروان، ومرعش من ~~بناء خالد بن الوليد، وجددها مروان بن الحكم ثم المنصور بعده، وسميت الثغور؛ لأن المطوعين ~~من أهل الحوزة كانوا يرابطون فيها، ويغزون مدن الروم، وأذنة (أطنة) بناها الرشيد على نهر ~~سيحان. # وطرسوس بنيت في أيام هارون الرشيد، والمصيصة بناها المنصور، وعسكر مكرم نزلها مكرم بن ~~مطرف اللخمي فصارت مدينة ونسبت إليه. # ومدينة الأقلام بإفريقية مدينة أحدثها آل إدريس، وسيلة مدينة أحدثها علي بن الأندلسي أحد ~~خدم القائم بحانه، وهي المرية من الأندلس محدثة، ومدينة الزهراء بناها عبد الرحمن بن محمد ~~خط فيها الأسواق، كما قال ابن حوقل، وابتنى الحمامات والخانات والقصور والمتنزهات، واجتلب ~~إلى ذلك بناء العامة، وأمر مناديه بالنداء ألا من أراد أن يبني دارا أو يتخذ مسكنا بجوار ~~السلطان، فله أربعمائة درهم، فتسارع الناس إلى العمارة، فتكاتفت وتزايدوا فيها فكادت أن ~~تتصل الأبنية بين قرطبة والزهراء. # هذا ما التقطناه في هذه العجالة، ولعل ms214 بعض الباحثين يتوسعون في هذا الموضوع في رسالة على ~~حدة، يذكرون فيها جميع ما أقامه العرب من الأمصار والقرى وأعمال العمران كالطرق والجسور ~~والأنهار والترع، وغير ذلك مما يفيد في تصور المدنية العربية، ويدعو الأخلاف إلى التطريس ~~على آثار الأسلاف. # | سماع الألحان1 # فن الغناء نشأ مع البشر منذ طفوليتهم، وتدرج في درجات العلو ودركات الهبوط بحسب ارتقاء ~~الأمم. ولقد كان له شأن وأي شأن عند الأمم الراقية في القديم على ما دلت عليه روايات ~~التوراة والصور التي وجدت في النواويس المصرية والنقوش البارزة في قصور نمرود وخراساباد، ~~حيث مثلوا الموسيقيين # 2 # والمغنين، وأدوات الطرب كالشبابة والبوق والصنج والجنك والعود وغيرها، ومزامير ~~داود مشهورة مذكورة. # أجمعت الأمم من جميع الطبقات (الموسيقى الشرقي) على حب الألحان حسب عاداتهم واصطلاح ~~بلادهم، ولكل أمة ألحان ونغمات يستلذونها، ويفرحون بها، لا يستلذها غيرهم، ولا يفرح بها ~~سواهم إلا بتعود سماعها، أو بمعرفة مواقع الطرب في أي لحن كان، ومن الدليل البين على أن ~~لها تأثيرا في النفوس كون الناس يستعملونها تارة عند الفرح واللذة والأعراس والولائم، ~~وأخرى عند الحزن والغم والمصائب والمآتم، وطورا في بيوت العبادات والأعياد، وآونة في ~~الأسواق والمنازل وفي الأسفار والحضر وعند الراحة والتعب وفي مجالس الملوك ومنازل السوقة، ~~ويستعملها الرجال والنساء والصبيان والمشايخ والعلماء والجهلاء والصناع والتجار وجميع طبقات ~~الناس. # قال ابن ساعد: ومنفعة الموسيقى بسط الأرواح وتعديلها وتقويتها وقبضها أيضا؛ لأنه يحركها ~~إما عن مبدئها، فيحدث السرور واللذة، ويظهر الكرم والشجاعة ونحوها، وإما إلى مبدئها فيحدث ~~الفكر في العواقب والاهتمام ونحوها؛ ولذلك يستعمل في الأفراح والحروب وعلاج المرضى تارة، ~~ويستعمل في المآتم وبيوت العبادات أخرى. # قال أفلاطون: من حزن فليستمع الأصوات الطيبة، فإن النفس إذا حزنت خمد منها نورها، فإذا ~~سمعت ما يطربها اشتعل منها ما خمد. وقال: إن هذا العلم لم تضعه الحكماء للتسلية واللهو، ~~بل للمنافع الذاتية ولذة الروح الروحانية، وبسط النفس، وترويق الدم، أما من ليس له دراية في ~~ذلك، فيعتقد أنه ما وضع إلا للهو واللعب ms215 والترغيب في لذة شهوات الدنيا والغرور ~~بأمانيها. # قال الغزالي في الإحياء: لله تعالى سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح، حتى إنها ~~لتؤثر فيها تأثيرا عجيبا، فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما يحزن، ومنها ما ينوم، ومنها ما ~~يضحك ويطرب، ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس، ولا ~~ينبغي أن يظن أن ذلك لفهم معاني الشعر، بل هذا جار في الأوتار حتى قيل: من لم يحركه ~~الربيع وأزهاره والعود وأوتاره، فهو فاسد المزاج ليس له علاج، وكيف يكون ذلك لفهم المعنى ~~وتأثيره مشاهد في الصبي في مهده، فإنه يسكته الصوت الطيب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه ~~إلى الإصغاء إليه، والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثرا يستخف معه الأحمال الثقيلة، ~~ويستقصر لقوة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة، وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه، فترى ~~الجمال إذا طالت عليها البوادي واعتراها الإعياء والكلال تحت المحامل والأحمال، إذا سمعت ~~منادي الحداء تمد أعناقها، وتصغي إلى الحادي ناصبة آذانها، وتسرع في سيرها حتى تتزعزع عليها ~~أحمالها ومحاملها، وربما تتلف أنفسها من شدة السير وثقل الحمل، وهي لا تشعر به ~~لنشاطها. # فقد حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالرقى - رضي الله عنه - قال: كنت ~~بالبادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب، فأضافني رجل منهم وأدخلني خباءه، فرأيت في الخباء ~~عبدا أسود مقيدا بقيد، ورأيت جمالا قد ماتت بين يدي البيت، وقد بقي منها جمل وهو ناحل ~~ذابل كأنه ينزع روحه، فقال لي الغلام: أنت ضيف ولك حق، فتشفع في إلى مولاي، فإنه مكرم ~~لضيفه، فلا يرد شفاعتك في هذا القدر، فعساه يحل القيد عني، قال: فلما أحضروا الطعام امتنعت ~~وقلت: لا آكل ما لم أشفع في هذا العبد، فقال: إن هذا العبد قد أفقرني وأهلك جميع مالي، ~~فقلت: ماذا فعل؟ فقال: إن له صوتا طيبا، وإني كنت أعيش من ظهور هذه الجمال، فحملها ~~أحمالا ثقالا، وكان يحدو بها حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة من طيب ms216 نغمته، فلما ~~حطت أحمالها ماتت كلها، إلا هذا الجمل الواحد، ولكن أنت ضيفي فلكرامتك قد وهبته لك قال: ~~فأحببت أن أسمع صوته، فلما أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقي الماء من بئر هناك، فلما ~~رفع صوته هام ذلك الجمل، وقطع حباله، ووقعت أنا على وجهي ، فما أظن أني سمعت قط صوتا أطيب ~~منه. # قال الغزالي بعد إيراد ما تقدم: فإذن تأثير السماع في القلب محسوس، ومن لم يحركه السماع ~~فهو ناقص، مائل عن الاعتدال، بعيد عن الروحانية، زائد في غلظ الطبع وكثافته على الجمال ~~والطيور بل على جميع البهائم، فإن جميعها تتأثر بالنغمات الموزونة؛ ولذلك كانت الطيور تقف ~~على رأس داود - عليه السلام - لاستماع صوته، ومهما كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في ~~القلب، لم يجز أن يحكم فيه مطلقا بإباحة ولا تحريم، بل يختلف ذلك بالأحوال والأشخاص ~~واختلاف طرق النغمات، فحكمه حكم ما في القلب. # قال حجة الإسلام: إن الغناء اجتمعت فيه معان ينبغي أن يبحث عن أفرادها ثم عن مجموعها، ~~فإن فيه سماع صوت طيب موزون، مفهوم المعنى، محرك للقلب، فالوصف الأعم أنه صوت طيب، ثم الطيب ~~ينقسم إلى الموزون وغيره، والموزون ينقسم إلى المفهوم، كالأشعار وإلى غير المفهوم، كأصوات ~~الجمادات، وسائر الحيوانات، أما سماع الصوت الطيب من حيث إنه طيب فلا ينبغي أن يحرم، بل هو ~~حلال بالنص والقياس، أما القياس فهو أنه يرجع إلى تلذذ حاسة السمع بإدراك ما هو مخصوص به، ~~وللإنسان عقل وخمس حواس، ولكل حاسة إدراك، وفي مدركات تلك الحاسة ما يستلذ، فلذة النظر في ~~المبصرات الجميلة كالخضرة والماء الجاري والوجه الحسن، وبالجملة سائر الألوان الجميلة وهي ~~في مقابلة ما يكره من الألوان الكدرة القبيحة، وللشم الروائح الطيبة وهي في مقابلة الأنتان ~~المستكرهة، وللذوق الطعوم اللذيذة كالدسومة والحلاوة والحموضة، وهي في مقابلة المرارة ~~المستبشعة، وللمس لذة اللين والنعومة والملاسة، وهي في مقابلة الخشونة والضراسة، وللعقل لذة ~~العلم والمعرفة، وهي في مقابلة الجهل والبلادة، فكذلك الأصوات المدركة بالسمع تنقسم إلى ~~مستلذة كصوت العنادل ms217 والمزامير ومستكرهة كنهيق الحمير وغيرها، فما أظهر قياس هذه الحاسة ~~ولذتها على سائر الحواس ولذاتها. # ونقل الغزالي أيضا عن أبي طالب المكي إباحة السماع عن جماعة فقال: سمع من الصحابة عبد ~~الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة ومعاوية وغيرهم، وقال: قد فعل ذلك ~~كثير من السلف الصالح صحابي وتابعي بإحسان وقال: لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع ~~في أفضل أيام السنة، وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عباده فيها بذكره كأيام التشريق، ~~ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا، فأدركنا أبا مروان ~~القاضي، وله جوار يسمعن الناس التلحين قد أعدهن للصوفية، قال: وكان لعطاء جاريتان يلحنان، ~~فكان إخوانه يستمعون إليهما، قال: وقيل لأبي الحسن بن سالم: كيف تنكر السماع وقد كان ~~الجنيد وسري السقطي وذو النون يستمعون، فقال: وكيف أنكر السماع، وقد أجازه وسمعه من هو خير ~~مني، فقد كان عبد الله بن جعفر الطيار يسمع وأنا أنكر اللهو واللعب في السماع. # هذا ما قال الغزالي، ونقله في السماع وفوائده، والمحرم منه في الإسلام ما كان مانعا عن ~~العمل والعبادة محركا للشهوات البهيمية، كما أن آلات الطرب يكون حكمها حكم السماع ~~والتلحين، وفي هذه المسألة مرادات واختلافات بين العلماء في القديم والحديث، ولكن العقلاء ~~منهم اختاروا التوسط، والتوسط محمود في كل حال، فإنهم لم يقبلوا أن يخرجوا بالناس عن الطبع ~~والطبيعة؛ لأنهم إذا منعوا ما هو ضروري من ضرورات الحياة لا يعود الناس يبالون ويسيرون بلا ~~وازع، وعلى كل فإن الاعتدال هو غاية الغايات حتى في العبادة. # نحن في عصر أصبح فيه الغناء من الفنون ذات القواعد والروابط والأصول؛ ولذلك ترى المنشدين ~~والمغنين والموسيقيين يختارون من الألحان ما يناسب الظرف الذي هم فيه، وتراعى به حالة ~~المستمعين، وقد ادعى بعضهم أن من النغمات ما يطيب في يوم ولا يطيب في آخر، وبعض الألحان ~~قد يكون لها من التأثير ما لا يكون لغيرها، ولا شك أن للحالة النفسية التي يكون عليها ms218 ~~المغني والمغنى له دخلا كبيرا في الطرب، فقد وقع لنا أن طربنا مرات بشباب الراعي في ~~الجبال أكثر من سماع الناي والقيثارة، وأن راقنا الغناء الطبيعي أكثر من المصنع الموقع على ~~الألحان، وكثيرا ما يسمع المرء أمهر الموسيقاريين بين المنشدين، فلا يرتاح كما يرتاح لسماع ~~بدوي في البادية يحدو ويتغنى، كأن النفس لا تميل إلا إلى الطبيعي من الأشياء الخالي من ~~الطلاء الصنعي. # قال أبو المنذر هشام بن الكلبي: الغناء على ثلاثة أوجه: النصب والسناد والهزج، فأما النصب ~~فغناء الركبان والقينات، وأما السناد فالثقيل الترجيع الكثير النغمات، وأما الهزج فالخفيف ~~كله، وهو الذي يثير القلوب ويهيج الحليم، وإنما كان أصل الغناء ومعدنه في أمهات القرى من ~~بلاد العرب ظاهرا فاشيا، وهي المدينة والطائف وخيبر ووادي القرى ودومة الجندل واليمامة، ~~وهذه القرى مجامع أسواق العرب، وكانت العرب تسمي القينة الكرنية والعود الكران والمزهر ~~أيضا هو العود وهو البربط، وكان أول من غنى في الإسلام الغناء الرقيق طويس، وهو علم ابن ~~سريج والدلال ونؤمة الضحى، وقالوا: غناء كل مغن مخلوق من قلب رجل واحد وغناء ابن سريج ~~مخلوق من قلوب الناس جميعا، وكانوا يقولون: الغناء على ثلاثة أضرب: فضرب منه مطرب محرك ~~ويستخف، وضرب ثان له شجى ورقة، وضرب ثالث حكمة وإتقان صنعة. # الغناء مؤثر في البهائم فكيف لا يؤثر في الإنسان، هو يؤثر في الطيور والهوام، ولطالما ~~شوهد العصفور والشحرور يرفرفان أمام مغن مطرب وآلة موسيقية شجية، وقد أخذهما الطرب ~~فاقتربا يستمعان للأغاني، ورنات المثالث والمثاني كما يقترب الطروب من الأناسي، وشوهد أن ~~الأفاعي خرجت من أوكارها تستمع لنغمة شاد أو ضربة موسيقار، بل شوهد أن من الغناء ما تهتز ~~له جوانب القصور، وترتج رفوفها وحيطانها، ولعل ما قيل من أن صوت فلان يطرب الجماد له من ~~الواقع أو الوقائع ما يؤيده. # الألحان تصفي الأرواح، وتبعث النشاط في النفوس، فبها قد يجسر الجبان في ساحة الوغي، ويكرم ~~الشحيح، ويرق الكثيف، ويلين القاسي، ويقوى الضعيف، ويعدل الظالم، ويعطف اللئيم، وخير ~~الأغاني والأناشيد ms219 ما كانت ملحنة بألحان تناسبها معربة الألفاظ جيدة المعاني، وما قيل من ~~أنه ليس على المطرب أن يعرب ليس صحيحا من أكثر وجوهه، فإن لجودة اللفظ والمعنى تأثيرا لا ~~ينكره إلا مريض الذوق بعيد عن مناحي الآداب سقيم الفهم. # كان الناس في القديم لا يعرفون غير العود # 3 # والقانون والمزامير والشبابات والصلاصل والطارات والتغيير والكوبة من آلات ~~الطرب، واليوم أتى الإفرنج بالأرغن والبيانو وغيرهما من أدوات الطرب، ولكن جل الاعتماد على ~~البيانو لا يكاد يخلو منه بيت ذي نعمة في الغرب، يضرب به أولاده وزوجه وضيوفه، ويوقعون عليه ~~أنواع الأغاني والأناشيد، وتعلمه فيما نحسب أسهل من تعلم العود المألوف في هذا الشرق ~~الأقرب، والتغيير هو الغناء بالطقطقة بالقضيب، وإنما سمي تغييرا لأن محدثيه يسمون ~~المغيرة، والكوبة طبل طويل ضيق الوسط ذو رأسين وهو المعروف بالدربكة في بلاد الشام. # قال يزيد بن عبد الملك يوما وذكر عنده البربط: ليت شعري ما هو؟ فقال له عبيد الله بن عبد ~~الله بن عتبة بن مسعود: أنا أخبرك ما هو، محدودب الظهر أرسح البطن، له أربعة أوتار إذا حركت ~~لم يسمعها أحد إلا حرك أعطافه وهز رأسه. # وقد ورد في الكتاب والسنة وسيرة أعاظم سلف الأمة إشارة إلى الغناء، وإلى تجوزهم في سماعه، ~~وهم - ولا شك - أحسن قدوة في هذا الباب، قال القرطبي: ومن الاستدلال بالكتاب من ذلك أي على ~~الغناء قوله تعالى: # ومن الناس من يشتري لهو الحديث ~~ليضل عن سبيل الله ~~، قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة: هو ~~الغناء، وقوله تعالى: # واستفزز من استطعت منهم ~~بصوتك ~~، قال مجاهد: إنه الغناء والمزامير، # وأنتم ~~سامدون ~~، قال ابن عباس: هو الغناء، ومن السنة ما خرجه الترمذي أن النبي # صلى الله عليه وسلم # رجع من بعض مغازيه، فجاءته جارية سوداء فقالت: يا رسول الله! إني كنت نذرت إن ~~ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها: إن كنت نذرت فاضربي، ~~فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل ms220 عمر، فألقت الدف تحتها، فقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر. وفي حديث عائشة أن امرأة زفت إلى رجل من ~~الأنصار، فقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: يا عائشة! أما كان معهم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو. ~~واللهو هو الغناء. # وحكي أن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # قدم من سفر، فصعد النساء على السطوح يضربن بالدفوف ~~ويقلن: # طلع البدر علينا # من ثنيات الوداع # وجب الشكر علينا # ما دعا لله داع # روى ابن عبد ربه في العقد الفريد: قال بعض أهل التفسير في قول الله: # يزيد في الخلق ما يشاء # هو الصوت الحسن، وقال النبي # صلى الله عليه وسلم # لأبي ~~موسى الأشعري لما أعجبه صوته: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود. # كان أبو يوسف القاضي ربما حضر مجلس الرشيد وفيه الغناء، فيجعل مكان السرور به بكاء، كأنه ~~يتذكر به نعيم الآخرة، وقال أحمد بن أبي دؤاد: إن كنت لأسمع الغناء من مخارق عند المعتصم، ~~فيقع علي البكاء حتى إن البهائم لتحن إلى الصوت الحسن وتعرف فضله. # وكان صاحب الفلاحات يقول بأن النحل أطرب الحيوان كله إلى الغناء وأن أفراخها تستنزل ~~بمثل الزجل والصوت الحسن، قال في العقد: وأردف النبي # صلى الله عليه وسلم # الشريد فاستنشده من شعر أمية ~~فأنشده مائة قافية وهو يقول: هيه استحسانا لها، فلما أعياهم القدح في الشعر والقول فيه، ~~قالوا الشعر حسن ولا نرى أن يؤخذ بلحن حسن، وأجازوا ذلك في القرآن وفي الأذان، فإن كانت ~~الألحان مكروهة فالقرآن والأذان أحق بالتنزيه عنها، وإن كانت غير مكروهة فالشعر أحوج إليها؛ ~~لإقامة الوزن وإخراجه عن حد الخبر، وما الفرق بين أن ينشد الرجل «أتعرف رسما كاطراد ~~المذاهب» مرسلا أو ليرفع بها صوته مرتجلا، وإنما جعلت العرب الشعر موزونا لمد الصوت فيه ~~والدندنة، ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنثور. # واحتجوا في إباحة الغناء واستحسانه بقول النبي # صلى الله عليه وسلم # لعائشة: أهديتم الفتاة إلى بعلها، ~~قالت: نعم، قال: فبعثتم معها ms221 من يغني؟ قالت: لا، قال: أو ما علمت أن الأنصار قوم يعجبهم ~~الغزل ألا بعثتم معها من يقول: # أتيناكم أتيناكم # فحيونا نحييكم # ولولا الحبة السمرا # ء لم نحلل بواديكم # واحتجوا بحديث عبد الله بن أويس ابن عم مالك، وكان من أفضل رجال الزهري، قال: مر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، بجارية بظل قارع وهي تغني: # هل علي ويحكم # إن لهوت من حرج # فقال النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: لا حرج إن شاء الله. # حدث عباس بن المفضل قاضي المدينة قال: حدثني الزبير بن بكار قاضي مكة عن مصعب بن عبد الله ~~قال: دخل الشعبي على بشر بن مروان وهو والي العراق لأخيه عبد الملك بن مروان، وعنده جارية ~~في حجرها عود، فلما دخل الشعبي أمرها، فوضعت العود، فقال له الشعبي: لا ينبغي للأمير أن ~~يستحي من عبده قال: صدقتم، ثم قال للجارية: هات ما عندك، فأخذت العود وغنت: # ومما شجاني أنها يوم ودعت # تولت وماء العين في الجفن حائر # فلما أعادت من بعيد بنظرة # إلي التفاتا أسلمته المحاجر # فقال الشعبي: الصغير أكيسهما - يريد الزير - ثم قال: يا هذه، أرخي من بمك وشدي من زيرك، ~~فقال له بشر: وما علمك، قال: أظن العمل فيهما، قال: صدقت، ومن لم ينفعه ظنه لم ينفعه ~~يقينه. # أرق معاوية ذات ليلة، فقال لخادمه خديج: اذهب فانظر من عند عبد الله (ابن جعفر وكان ضيفه ~~أنزله في دار عياله بالشام) وأخبره بخروجي إليه، فذهب فأخبره، فأقام كل من كان عنده ثم جاء ~~معاوية، فلم ير في المجلس غير عبد الله، فقال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس فلان، قال معاوية: ~~مره يرجع إلى مجلسه، ثم قال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس فلان، قال: مره يرجع إلى مجلسه، ~~حتى لم يبق إلا مجلس رجل، فقال: مجلس من هذا؟ قال: مجلس رجل يداوي الآذان يا أمير المؤمنين، ~~قال له معاوية: فإن أذني عليلة، فمره فليرجع إلى موضعه، وكان موضع بديج المغني، فأمره ابن ~~جعفر فرجع إلى موضعه، فقال له ms222 معاوية: داو أذني من علتها، فتناول العود ثم غنى: # أمن أم أوفى دمنة لم تكلم # بحومانة الدراج فالمتثلم # فحرك عبد الله بن جعفر رأسه، فقال معاوية: لم حركت رأسك يا ابن جعفر؟ قال: أريحية أجدها ~~يا أمير المؤمنين لو لاقيت عندها لأبليت، ولئن سئلت عندها لأعطيت، وكان معاوية قد خضب، فقال ~~ابن جعفر لبديح: هات غير هذا، وكانت عند معاوية جارية أعز جواريه عنده كانت متولية خضابه ~~فغناه بديح: # وليس عندك شكر للتي جعلت # ما أبيض من قادمات الشعر كالحمم # وجددت منك ما قد كان أخلقه # صرف الزمان وطول الدهر والقدم # فطرب معاوية طربا شديدا، وجعل يحرك رجله، فقال ابن جعفر: يا أمير المؤمنين، سألتني عن ~~تحريك رأسي فأخبرتك وأنا أسألك عن تحريك رجلك، فقال معاوية: كل كريم طروب، ثم قام وقال: لا ~~يبرح أحد منكم حتى يأتيه أذني، فبعث إلى ابن جعفر بعشرة آلاف دينار ومائة ثوب من خاص ثيابه، ~~وإلى كل رجل منهم بألف دينار وعشرة أثواب. # روى المبرد في الكامل، قال: حدثت أن معاوية استمع على يزيد ذات ليلة، فسمع من عنده غناء ~~أعجبه، فلما أصبح قال ليزيد: من كان ملهيك البارحة، فقال له يزيد: ذاك سائب خاثر، قال: إذن ~~فاخثر له من العطاء. وحدثت أن معاوية قال لعمرو: امض بنا إلى هذا الذي قد تشاغل باللهو، ~~وسعى في هدم مروءته حتى ننعي عليه أي نعيب عليه، فعله يريد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ~~فدخلا إليه وعنده سائب خاثر وهو يلقي على جوار لعبد الله، فأمر عبد الله بتنحية الجواري ~~لدخول معاوية، وثبت سائب مكانه، وتنحى عبد الله عن سريره لمعاوية، فرفع معاوية عمرا، ~~فأجلسه إلى جانبه، ثم قال لعبد الله: أعد ما كنت فيه، فأمر بالكراسي، فألقيت وأخرج الجواري، ~~فتغنى سائب بقول قيس بن الخطيم: # ديار التي كادت ونحن على منى # تحل بنا لولا نجاء الركائب # ومثلك قد أصبيت ليست بكنة # ولا جارة ولا حليلة صاحب # وردده الجواري عليه، فحرك معاوية يديه، وتحرك في ms223 مجلسه، ثم مد رجليه، فجعل يضرب بهما وجه ~~السرير، فقال له عمرو: اتئد يا أمير المؤمنين، فإن الذي جئت لتلحاه أحسن منك حالا وأقل ~~حركة، فقال معاوية: اسكت لا أبا لك، فإن كل كريم طروب. # وذكر ابن عميرة الضبي # 4 # في ترجمة محمد بن إسحاق بن السليم قاضي الجماعة بقرطبة أنه كان من العدول ~~المرضيين والفقهاء المشهورين، وله عند أهل بلاده حالة مذكورة ومنزلة في العلم والفضل ~~معروفة، وكان مع هيبته ورياسته حسن العشرة والأنس كريم النفس مات سنة 367، حدث القاضي أبو ~~الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث عرف بابن الصفار أن رجلا من أهل المشرق يعرف بالشيباني ~~دخل الأندلس، فسكن بقرطبة على شاطئ الوادي بالعيون، فخرج قاضي الجماعة ابن السليم يوما ~~لحاجة، فأصابه مطر اضطره إلى أن دخل بدابته في دهليز الشيباني فوافقه فيه، فرحب بالقاضي ~~وسأله النزول، فنزل وأدخله إلى منزله وتفاوضا في الحديث، فقال له: أصلح الله القاضي عندي ~~جارية مدنية، لم يسمع بأطيب من صوتها، فإن أذنت أسمعتك عشرا من كتاب الله عز وجل ~~وأبياتا، فقال له: افعل، فأمر الجارية فقرأت له، ثم أنشدت فاستحسن ذلك القاضي، وعجب منه ~~وكان على كمه دنانير، فأخرجها وجعلها تحت الفرش الذي جلس عليه، ولم يعلم بذلك صاحب المنزل، ~~فلما ارتفع المطر ركب القاضي وودعه الشيباني، فدعا القاضي له ولجاريته. # ولا بأس هنا أن نختم هذا الفصل بأبيات في صنعة الغناء، نقلها الشريف المرتضى في أماليه ~~قال: أخبرنا المرزباني قال: حدثنا علي بن هارون قال: حدثني أبي قال: من بارع شعر بشار قوله ~~يصف جارية مغنية قال علي: وما في الدنيا شيء لقديم ولا محدث من منثور ولا منظوم في صفة ~~الغناء، واستحسانه مثل هذه الأبيات: # ورائحة للعين فيها مخيلة # إذا أبرقت لم تسق بطن صعيد # من المستهلات الهموم على الفتى # خفا برقها في عصفر وعقود # حسدت عليها كل شيء يمسها # وما كنت لولا حبها بحسود # وأصفر مثل الزعفران شربته # على صوت صفراء الترائب رود # كأن أميرا جالسا في ms224 ثيابها # تؤمل رؤياه عيون وفود # من البيض لم تسرح على أهل ثلة # سواما ولم ترفع حداج قعود # تميت به ألبابنا وقلوبنا # مرارا وتحييهن بعد همود # إذا نطقت صحنا وصاح لنا الصدى # صياح جنود وجهت لجنود # ظللنا بذاك الديدن اليوم كله # كأنا من الفردوس تحت خلود # ولا بأس إلا أننا عند أهلنا # شهود وما ألبابنا بشهود # | شرف الموسيقى # كل شيء يشرف، ويتضع بشرف القائمين به ووضاعتهم، وكل علم يشرف ويتضع على نسبة اعتبارية من ~~فائدة تتوقع منه، وغاية تكون وراءه، وصناعة الموسيقى هي من إمارات الظرف، تعد عند الأمم ~~الحديثة المتحضرة من الفنون الجميلة، كما كان يعهدها العرب إبان حضارتهم من ~~الكماليات. # قال ابن خلدون: والغناء يحدث في العمران إذا توفر وتجاوز حد الضروري إلى الحاجي، ثم إلى ~~الكمالي، وتفننوا فتحدث هذه الصناعة؛ لأنه لا يستدعيها إلا من فرغ من جميع حاجياته الضرورية ~~والمهمة من المعاش والمنزل وغيره، فلا يطلبها إلا الفارغون عن سائر أحوالهم تفننا في مذاهب ~~الملذوذات، وكان في سلطان العجم قبل الملة منها بحر زاخر في أمصارهم ومدنهم، وكان ملوكهم ~~يتخذون ذلك ويولعون به، حتى لقد كان لملوك الفرس اهتمام بأهل هذه الصناعة، ولهم مكان في ~~دولتهم، وكانوا يحضرون مشاهدهم ومجامعهم ويغنون فيها. # قال: وأما العرب فكان لهم أولا فن الشعر يؤلفون فيه الكلام أجزاء متساوية، لم يزل هذا ~~شأنهم في بداوتهم وجاهليتهم، فلما جاء الإسلام واستولوا على ممالك الدنيا، وحازوا سلطان ~~العجم وغلبوهم عليه، وكانوا من البداوة والغضاضة على الحال التي عرفت لهم مع غضارة الدين ~~وشدته في ترك أحوال الفراغ، وما ليس بنافع في دين ولا معاش، فهجروا ذلك كثيرا، ولم يكن ~~الملذوذ عندهم إلا ترجيع القراءة والترنم بالشعر الذي هو ديدنهم ومذهبهم، فلما جاءهم الترف، ~~وغلب عليهم الرفه بما حصل لهم من غنائم الأمم، صاروا إلى نضارة العيش ورقة الحاشية واستحلاء ~~الفراغ، وافترق المغنون من الفرس والروم، فوقعوا إلى الحجاز، وصاروا موالي للعرب، وغنوا ~~جميعا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير، وسمع العرب تلحينهم للأصوات فلحنوا عليها ms225 ~~أشعارهم، وظهر بالمدينة نشيط الفارسي وطويس وسائب خائر مولى عبيد الله بن جعفر، فسمعوا شعر ~~العرب ولحنوه وأجادوا فيه وطار لهم ذكر، ثم أخذ عنهم معبد وطبقته وابن سريج وأنظاره، وما ~~زالت صناعة الغناء تتدرج إلى أن كملت أيام بني العباس عند إبراهيم بن المهدي وإبراهيم ~~وابنه إسحاق وابنه حماد. # قال: وكثر ذلك ببغداد وأمصار العراق وانتشر منها إلى غيرها، وكان للموصليين غلام اسمع ~~زرياب، أخذ عنهم الغناء، فأجاد فصرفوه إلى المغرب غيرة منه، فلحق بالحكم بن هشام بن عبد ~~الرحمن الداخل أمير الأندلس، فبالغ في تكرمته، وركب للقائه، وأسنى له الجوائز والإقطاعات ~~والجرايات، وأحله من دولته وندمائه بمكان، فأورث بالأندلس من صناعة الغناء ما تناقلوه إلى ~~أزمان الطوائف، وطما منها بإشبيلية بحر زاخر وتناقل منها بعد ذهاب غضارتها إلى بلاد العدوة ~~بإفريقية والمغرب، وانقسم على أمصارها، وبها الآن منها صبابة على تراجع عمرانها وتناقص ~~دولها. # وهذه الصناعة آخر ما يحصل في العمران من الصنائع؛ لأنها كمالية في غير وظيفة من الوظائف ~~إلا وظيفة الفراغ والفرح، وهو أيضا أول ما ينقطع من العمران عند اختلاله وتراجعه. # قال ابن خلدون أيضا: ولقد عذلت يوما بعض الأمراء من أبناء الملوك في كلفه بتعلم الغناء ~~وولوعه بالأوتار، وقلت له: ليس هذا من شأنك، ولا يليق بمنصبك، فقال لي: أفلا ترى إلى ~~إبراهيم بن المهدي كيف كان إمام هذه الصناعة، ورئيس المغنين في زمانه، فقلت له: يا سبحان ~~الله، وهلا تأسيت بأبيه وأخيه، وما رأيت كيف قعد ذلك بإبراهيم عن مناصبهم؟ فصم عن عذلي ~~وأعرض. # هذه زبدة تاريخ الغناء أو الموسيقى في العرب، وطرف مما كان من عناية ملوك الإسلام بها ~~أيام الحضارة. ولقد انتشرت بعد حتى صار يتعلمها بعض أهل العلم من غير نكير، وشرفت بإقبال ~~الكبراء عليها، بحيث لم تكن في شرفها دون غيرها من العلوم، فقد ذكر ابن أبي أصيبعة أن ~~الفارابي المعلم الثاني وصل في علم صناعة الموسيقى، وعملها إلى غاياتها، وأتقنها إتقانا لا ~~مزيد عليه، ويذكر أنه صنع آلة ms226 غريبة يسمع عنها ألحانا بديعة يحرك بها الانفعالات، وله كتاب ~~الموسيقى الكبير ألفه للوزير أبي جعفر محمد بن القاسم الكرخي، وكتاب في إحصاء الإيقاع، ~~وكلام له في النقلة مضافا إلى الإيقاع كلام في الموسيقى، ويحكى أن القانون الذي يضرب ~~عليه للطرب هو من وضعه، وأنه كان أول من ركب هذه الآلة تركيبها المعهود اليوم. # وألف يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب في الموسيقى، فكتب رسالة في ترتيب النغم ~~الدالة على طبائع الأشخاص العالية وتشابه التأليف، ورسالة في المدخل إلى صناعة الموسيقى، ~~ورسالة في الإيقاع، ورسالة في الأخبار عن صناعة الموسيقى، ومختصر الموسيقى في تأليف النغم، ~~وصنعة العود ألفه لأحمد بن المعتصم، ورسالة في أجزاء جبرية الموسيقى. # وألف أحمد بن الطيب السرخسي العالم الحكيم كتاب الموسيقى الكبير، ولم يعمل مثله، كما ~~ألف كتاب نزهة النفوس ولم يخرج باسمه، وكتاب اللؤلؤ والملاهي، ونزهة المفكر الساهي في ~~الغناء والمغنين والمنادمة والمجالسة، وأنواع الأخبار والملح صنفة للخليفة. # وألف ثابت بن قرة كتابا في الموسيقى، ورسالة إلى علي بن يحيى المنجم فيما أمر بإثباته ~~من أبواب علم الموسيقى، ورسالة إلى بعض إخوانه في جواب ما سأله عنه من أمور الموسيقى، وكان ~~أبو بكر محمد بن طفيل من فلاسفة المسلمين في الأندلس، يأخذ رواتب كثيرة مع الأطباء ~~والمهندسين والكتاب والشعراء والرماة والأجناد وغيرهم، ويقول: لو نفق عليهم علم الموسيقى ~~لأنفقته عندهم. # وكان ابن باجة الفيلسوف الأندلسي على جلالة قدره متقنا لصناعة الموسيقى جيد اللعب ~~بالعود، قال ابن سعيد: إن ابن باجة في الموسيقى بالمغرب بمنزلة أبي نصر الفارابي بالمشرق، ~~وإليه تنسب الألحان المطربة بالأندلس التي عليها الاعتماد. # وكان ابن يونس المنجم المشهور يضرب بالعود على جهة التأدب، وكان أبو المجد بن أبي الحكم ~~من الحكماء المشهورين يعرف الموسيقى، ويلعب بالعود، ويجيد الغناء والإيقاع والزمر وسائر ~~الآلات، وعمل أرغنا وبالغ في إتقانه، وكان أبو زكريا يحيى البياسي من أفاضل العلماء جيد ~~اللعب بالعود وعمل الأرغن أيضا وحاول اللعب به، وكان يقرأ عليه علم الموسيقى، وكان أبو ~~الصلت ms227 أمية بن عبد العزيز الأندلسي العالم الرياضي الطبيب متقنا لعلم الموسيقى، وعمله جيد ~~اللعب بالعود، وكان الحرث بن كلدة الثقفي أحد أطباء العرب يضرب بالعود، تعلم ذلك بفارس ~~واليمن، وكان قسطا بن لوقا البعلبكي العالم الفيلسوف بارعا في علم الموسيقى، وكان أمين ~~الدولة بن التلميذ يحب صناعة الموسيقى وله ميل إلى أهلها، وكان صفي الدين عبد المؤمن بن ~~فاخر العالم المفنن عالما بالموسيقى، وكان نجم الدين بن المنفاخ المعروف بابن العالمة؛ لأن ~~أمة كانت عالمة بدمشق، وتعرف ببنت دهين اللوز فاضلا في الأدب والطب، وله معرفة بالضرب ~~بالعود، استوزره الملك مسعود صاحب آمد وحظي عنده، وكان فخر الدين بن الساعاتي الفلكي ~~الفيلسوف الطبيب خدم بني أيوب، وتوزر للملك العادل والملك المعظم، وكان ينادم هذا ويلعب ~~بالعود، وكان رشيد الدين بن خليفة الطبيب العالم أعرف أهل زمانه بالموسيقى واللعب بالعود، ~~وأطيبهم صوتا ونغمة حتى إنه شوهد من تأثير الأنفس عند سماعه مثل ما يحكى عن أبي نصر ~~الفارابي، فكثر إعجاب الملك المعظم به جدا، وبعد ذلك أخذه إليه واستمر في خدمته، وذكر ابن ~~خلكان أن أبا بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب المشهور كان في شبيبته يضرب بالعود ويغني، ~~فلما التحى وجهه قال: كل غناء يخرج من بين شارب ولحية لا يستظرف، فنزع عن ذلك وأقبل على ~~دراسة كتب الطب والفلسفة. # وكان أبو الحسين علي بن الحمارة آخر فلاسفة الأندلس آخر من برع في الألحان وعلمها وهو من ~~أهل غرناطة، قال في نفح الطيب: واشتهر عنه أن كان يعمد إلى الشعراء، فيقطع العود بيده، ثم ~~يصنع منه عودا للغناء، وينظم الشعر ويلحنه، ويغني به فيطرب سامعيه، وكان الفاضل أبو ~~الحسين بن الوزير أبي جعفر الوقشي آية في الظرف والموسيقى والتهذيب، وشيخه في هذا الفن أبو ~~الحسين بن الحسن بن الحاسب، كان ذا ذوق فيها مع صوت بديع أشهى من الكأس للخليع، قال أبو ~~عمران بن سعيد: ما سمعته إلا تذكرت قول الرصافي: # ومطارح مما تجس بنائه # لحنا أفاض عليه ماء وقاره ms228 # يثني الحمام فلا يروح لوكره # طربا ورزق بنيه في منقاره # وكان محمد بن أحمد بن أبي بكر القرموطي المرسي من أعرف أهل الأندلس بالعلوم القديمة - ~~المنطق والهندسة والعود والموسيقى والطب - فيلسوفا طبيبا ماهرا، يقرئ الأمم بألسنتهم، ~~فنونهم التي يرغبون فيها وفي تعلمها، ولما تغلب الإفرنج على مرسية عرف له حقه، فبنى مدرسة ~~يقرئ فيها المسلمين والنصارى واليهود. قاله في النفح. # وعلى الجملة لم تكن صناعة الموسيقى بالمنزلة التي يصورها أهل جيلنا من الغضاضة والضعة، بل ~~عرف بها أناس من أهل الصيانة والعلم، وما كان كل من تعاطى صناعة الغناء عاريا من سائر ~~العلوم، فقد كان إسحاق بن إبراهيم الموصلي نديم الخلفاء وشيخ الغناء، ومع هذا كان من ~~العلماء باللغة والشعر وأخبار الناس، وله يد طولى في الحديث والفقه والكلام، وكان المأمون ~~يقول: لولا ما سبق لإسحاق على ألسنة الناس، واشتهر بالغناء لوليته القضاء، فإنه أولى وأعف ~~وأصدق وأكثر دينا وأمانة من هؤلاء القضاة، ولكنه اشتهر بالغناء، وغلب على جميع علومه مع ~~أنه أصغرها عنده. # ومثل هذا ما وقع لقاضي إشبيلية أبي بكر بن القاضي أبي الحسن الزهري، فإنه كان كثير اللعب ~~بالشطرنج، لم يكن من يلعب به مثله في بلده، قال: فكانوا يقولون أبو بكر الزهري الشطرنجي، ~~فكان إذا بلغني ذلك أغتاظ ويصعب علي فقلت في نفسي: لا بد أن أشتغل عن هذا بشيء غيره من ~~العلم لأنعت به، ويزول عني وصف الشطرنج، وعلمت أن الفقه وسائر الأدب ولو اشتغلت به عمري ~~كله لم يخصني منه وصف أنعت به، فعدلت إلى أبي مروان عبد الملك بن زهر واشتغلت عليه بصناعة ~~الطب، وكنت أجلس عنده وأكتب لمن جاء مستوصفا من المرضى الرقاع، واشتهرت بعد ذلك بالطب وزال ~~عني ما كنت أكره الوصف به، وهذا هو السبب والله أعلم في إخفاء كثير من أهل الوقار والعلم ~~أنهم على جانب من علم الموسيقى والضرب على العود وغيره من أنواع المذوذ، ولولا التقية ~~لانتهى إلينا أسماء كثير ممن لم تبلغنا عنهم سوى أخبار العلوم ms229 المتعارفة، على أن الشرف ~~كله اعتباري، ولا مانع من الغناء والتلحين إذا لم يتبعه التلطخ بحمأة السفاهة ~~والرذيلة. # أما الملوك والأمراء الذين عنوا بالموسيقى قديما، فأكثر من أن يحصوا، منهم يزيد بن عبد ~~الملك، ومسلمة بن عبد الملك، وأبو عيسى بن الرشيد، وعبد الله بن موسى الهادي، وإبراهيم بن ~~عيسى بن جعفر المنصور، ومحمد بن جعفر المقتدر، والمتوكل، والمهدي، والمؤيد، وطلحة الموفق، ~~والطائع، والمقتدر، وابن المعتز وغيرهم من الملوك المتأخرين والله أعلم. # | الاستشفاء بالموسيقى1 # قال أفلاطون: لم يبعث الأرباب فن الموسيقى لإدخال السرور على البشر واللذة على حواسهم، بل ~~لتسكين اضطرابات نفوسهم وتهدئة تلك الحركات المشوشة التي لا مندوحة لجسد مليء بالنقص عن ~~الشعور بها، وقد جعل الأطباء قديما وحديثا هذه الكلمات نصب أعينهم، عرف ذلك من ثباتهم ~~على المحاولة في شفاء مرضاهم بالأنغام، فاستعملوا الموسيقى لشفاء أو تخفيف الصرع والسويداء ~~والأب (النزاع إلى الوطن) والخبل وضيق الصدر والهوس والجنون والبلادة والسير والتكلم في حال ~~النوم والخدر والنقطة والهستريا والسكتة والفالج والسرسام وداء الأعصاب والحميات والنقرس ~~وعرق النسا والرثية والطاعون والحميراء والكلب وغيرها، كما استعملوها لشفاء الجروح والقرصات ~~السامة ولتقوية الهضم والتنفس وترشيح الأخلاط، فللموسيقى شأن في الطب، وتستخدم للتمريض، ~~وكانت تتم في القديم معرفة فنون الشعر والموسيقى والطب لشخص واحد. # يقول الين - الكاتب اليوناني من أهل القرن الثالث: إن ترباندر وتاليت وترتي كانوا أطباء ~~موسيقيين، وأوصى كسينو كرات وأبقراط وإسكلبيادس وكاليين وأرتي وسليوس أورليانوس وتيوفراست ~~باستخدام الموسيقى في عدة أمراض، عندما تنقطع الحيلة من العلاج في بعض الأدواء، وكان ~~الأحياء والأموات يسمعون أدوات الطرب، قال مونارك: إن القدماء كانوا يسمعون المحتضرين ~~بعض الألحان، وربما أسمعوها من قضوا نحبهم لعلهم تعود الحياة إليهم. وقال سليوس أورليانوس: ~~إن فيثاغورث كان أول من استعمل الموسيقى في شفاء الأمراض، وإنه جرب ذلك في بلاد اليونان، ~~وقال بورهان (1668-1738): لا بأس بنسبة جميع الخوارق التي رويت عن الرقيات والأشعار في ~~شفاء الأمراض إلى الموسيقى التي كان قدماء الأطباء يجيدونها. # استعملت الموسيقى في عصرنا لمعالجة ms230 عامة الأمراض، فأصدر بونابرت أمره إلى أجواق موسيقى ~~كتائب جيش الشرق أن تصدح كل يوم تحت نوافذ المستشفيات، ولا تزال أجواق الموسيقى العسكرية ~~إلى اليوم في كثير من الحاميات في الولايات تذهب مرة أو مرتين في الأسبوع؛ لتنغم بأبواقها ~~أمام مرضى الجند. # ولقد عزمت إحدى جمعيات الإحسان في إنكلترا على تحقيق تأثير الموسيقى في تسكين الآلام ~~الطبيعية والأدبية في كثير من الأسقام، فألفت من مرضى الموسيقيين عصابة تقوم في مكان خاص ~~بها، تتناوب العمل فيه ليل نهار؛ لنقل الأنغام الموسيقية بواسطة أسلاك الهاتف (التلفون) إلى ~~قاعات مخصوصة من كل مستشفى كبير في لندرا، فأسفر ما جرى من التجارب في هذا الشأن حتى الآن ~~عن نتائج مهمة، داخل ما نجم من الفوائد أن أخذ المضطربون من المرضى ينامون ملء جفونهم ~~واستراحوا من التشويش والتبليل، وتألفت في سها لنبورغ جمعية من النساء المريضات لتصدح كل ~~يوم بالقرب ممن أجريت لهم العمليات بالأنغام الموسيقية صوتية كانت أو آلية، فثبت أن درجة ~~حرارتهم كانت تنزل وأن آلامهم تخف، ومثل ذلك جرب في مستشفى بلتون بإنكلترا. # والكمنجة هي الآلة المستعملة في الأكثر، وأحسن الآلات استعمالا في حال الأرق، علبة ~~موسيقية بسيطة تدور بحركة ساعة دقاقة أو بمحرك كهربائي، بيد أن تأثير الموسيقى في المرضى ~~يحتاج إلى درس طويل، إذا أخذ بمجموعه لا على التعيين. # نشر أحد أطباء الألمان كراسة في فعل الموسيقى في النفوس، فقال: إنها إذا أضعفت الأصحاء ~~فهي تسكن حواس المرضى، وإنها لتنفع في أوجاع الرأس والدوار والإغماء، واستشهد على ذلك ~~بامرأة كان صوت الأرغن يضيع رشدها فيعروها جذب، وكانت تلك الآلة بعينها تحدث نفس التأثر في ~~فني طلياني كان مصابا بالدودة الوحيدة، وذكر روسو الفيلسوف أن كاهنا كان إذا سمع صوت ~~الأرغن يتأثر حتى ليضطر إلى مغادرة الهيكل، وعلى العكس في رجل من قومه كان يستولي عليه وهو ~~في حالة السماع ضحك عصبي يستلزم إخراجه من الكنيسة، ولاحظ الطبيب المشار إليه أن الموسيقى ~~تعدل سير الدم وتحسن حالة النفس، فإذا كانت الأنغام ms231 الموسيقية حادة بهجة تبرق العين، وتزيد ~~حمرة الوجه، ويسرع ضرب النبض ونمو حرارة الجسد، ويضرب القلب ويسهل الهضم، وإذا كانت الأنغام ~~الموسيقية كئيبة وبطيئة تحدث للعين غشاوة، ويصفر الوجه، وتقل رطوبة الجلد، ويزداد تواتر ~~الدم إلى القلب، ويضعف ضرب النبض، ويقل التنفس ويطول. # قال: وتفعل الموسيقى في المجموع العضلي، فبها يتحمل الجنود الشدائد والمتاعب، فتتضاعف ~~قوتهم عندما يباشرون القتال، وتؤثر أيضا في التهييج العضلي، فإنك ترى أناسا يرقصون من ~~الليل ويطيلون الرقص، وما كانوا ليقوموا بهذه الرياضة لولا سماع الأنغام، فالمرأة مهما بلغ ~~من لطف مزاجها وتأثرها من أقل تعب ينالها يهون عليها الرقص ساعات على صوت آلات الطرب، ثم ~~إن الملاح والمعدن والبحري يتغنون عندما يقومون بأعمالهم الصعبة. # يحب صاحب المزاج الدموي من الموسيقى ما أفرح وجاز على السمع، وكان طبيعيا في الوضع، ~~ويفضل السوداوي من الموسيقى الشديد القاسي العالي، ولا يحب البلغمي شيئا من أنواع ~~الموسيقى، أما أهل الدعة والسكون والعلماء فلا يجيدون الشعر ولا يحسنون صنعة الغناء، على ~~أن في هذا القول نظرا؛ لأن القول بأن المزاج الفلاني لا يقبل النغم الفلاني هو ناشئ لا ~~من المزاج فقط، بل من الوراثة والمحيط والتربية. # قال الذي أخذنا عنه هذه الأفكار، ونقلناها إلى لغتنا: # ولقد عرفت علماء لا يرتاحون للموسيقى، ورأيت من لا يفضلون شيئا عليها، وشهدت من يتوفرون ~~عليها ويعتدلون في سماعها. # وضع الطبيب المنوه به ست قواعد لاستعمال الموسيقى في شفاء الأمراض: أولها: أنه كلما كانت ~~الموسيقى طبيعية وأعربت عن اللغة الطبيعية في الفكر تؤثر في النفوس كثيرا، ولا سيما في ~~نفوس من لم يتعلموا التعليم الكافي، ثانيها: لما كان لكل بلاد أنغامها الخاصة بها، فإن ~~الموسيقى تؤثر في الروح كلما قربت من هذه الأنغام، ثالثها: ينبغي أن تكون الموسيقى متناسبة ~~مع درجة تأثير الموضوع، رابعها: ينبغي أن يحدث تأثير الموسيقى ببطء، فيبدأ مع السوداويين ~~باستعمال ألحان يتدرج فيها من الخفيف إلى القوي، ويستعمل من الألحان الشديد أمام أصحاب ~~النفوس الغضبية، خامسها: اختيار الآلات المستعملة للغاية التي ms232 تطلب، فصاحب المزاج السوداوي ~~يرتاح لسماع الطبل والبوق ذي الأنبوبتين # Trombon # وكذلك ~~المزمار والعود يناسبان مزاجه، سادسها: تطرب الموسيقى الطبقات العالية أكثر مما تؤثر في ~~الطبقات النازلة. # ومن رأي هذا الطبيب أن الموسيقى تشفي صاحب السويداء، كما تزول بها الكآبة والحزن وتبعد ~~الخوف. ولقد أجمع الفلاسفة على أن شيئين إذا عادلا ثالثا يكونان متعادلين، فإذا كانت ~~الموسيقى نافعة في إزالة الكدر والسويداء، فالكدر والسويداء هما في الحقيقة شيء واحد، إن ~~أبقراط حدد السويداء بأنها الكدر والحزن، وهنا أورد صاحب المقالة حوادث من التاريخ في ~~أوروبا - ولا سيما في فرنسا - تدل على ما نفع من الأنغام في مداواة بعض الأسقام، ولا سيما ~~الجنون والاختلال وداء النقطة. # ثم قال: إن الإسلام انتفع من تأثير الموسيقى لتحريض أشياع الحسين الشهيد على الجذب ~~والتهيج؛ وذلك بقرع الطبول المتواتر على إيقاع متساوق سريع، فيردد الشيعة على نغم الطنبور ~~ألحانا مقفاة، حتى ينتهي الحضور بأن لا يعودوا يتأثرون للضرب ولا للجرح، وكذلك الحال في ~~دراويش الهند، فإنهم يستعملون كلمة واحدة، ويكثرون من ترديدها، فتؤدي بهم إلى الجذب ~~مصحوبا بقلة التأثر. # وبعد أن أفاض في إيراد حوادث القدماء وأخبار عنايتهم بالموسيقى في شفاء بعض الأمراض، ~~قال: إن مراد الرابع (1623) أثرت فيه الموسيقى، فعقد النية على أن يبقي على إخوته الذين ~~كان ينوي إهراق دمهم، وأن فرنسيس الأول بعث إلى سليمان الثاني بجوق من الموسيقى، فلاحظ ~~هذا أن شراسة خلقه لطفت بسماع ألحانهم، فأسف من جراء ذلك كثيرا، ولم يلبث أن طرد للحال ~~جميع الموسيقيين من حضرته. وجملة القول: إن الموسيقى تؤثر في الدورة الدموية في الإنسان ~~والحيوان، ويزيد بها حفظ الدم وينقص، وتتبع هذه التقلبات تأثير تهييج الأعصاب ~~السمعية. # وإن آلات الطرب والصفير ليظهر فعلها بتحسن في تشنج القلب خاصة، وتغيير الدم الناتج من ~~تأثير الموسيقى يناسب تحول التنفس، وإن كان يتجلى ذلك مستقلا عن تحول التنفس، يزيد ~~الستركنين في تأثير التهييج السمعي في الدورة الدموية، والكلورال على العكس يضعفه، ~~والألكحول والأفيون يضعفان أيضا تأثير التهييج السمعي ms233 في الدورة الدموية، وتغيير الدورة ~~الدموية تابع لارتفاع الصوت وشدته، بل لارتفاع الجرس ونزوله، ولتغيير الدورة الدموية دخل ~~كبير في ذاتية الحيوان والإنسان، ولا سيما في جنسية الإنسان وتابعيته. # وعلى من أرد الوقوف على تأثير الموسيقى في أحد أعضاء الجسم سليما كان أو سقيما أن يفرق ~~بين العناصر التي ينبعث منها ذاك التأثير، فالهزج واللحن والإيقاع تؤثر تأثيرات مختلفة بحسب ~~تركيبها وتلحينها. # وفي الختام نقول: إن الاستشفاء بالموسيقى قديم العهد، وقد ظل محتفظا بمكانته العلمية ~~والعملية على حالة واحدة رغم اختلاف العصور. # | الموسيقى الغربية # مدعاة السرور، مجلبة النشأة، مسلاة الحزين، مفرجة الكروب، مهونة الخطوب، عنوان الحياة ~~الداخلية، مظهر الأخلاق القومية، مصورة الفواعل النفسية أصدق عامل على التحمس والتحسس، أقوى ~~دافع إلى النهوض، معلمة أنفع الدروس الشريفة، مذكرة بالمطالب العالية مما لا يعلمه الضعف، ~~دافعة عن مزالق الشباب وطيش الحلوم، فيها يتجلى العقل البشري الفعال بإشارات وأي إشارات، ~~تعمل عملها في الأفئدة والوجدانات. # هذه هي الموسيقى، وهذا ما يتوخاه الغربيون منها؛ ولذلك تجد لها في كل صقع من أصقاعهم نغمة ~~ورنة، وفي كل مملكة من ممالكهم وترا خاصا، بل أوتارا تهز القلوب وتعمل عملها فتقوي ~~الضعيف، وتجبر الكسير، وتهيب بالمستمع إلى ميدان المضاء، وتمكن فيه أواخي الحزم والعزم، ~~وتطرد عنه الوساوس والهواجس وتجعله في الذروة، تشرف على التصورات البشرية فيتدبرها في سره، ~~ويهيم ويتعلم ويطرب ويسلو. # تدخل الموسيقى عندهم في معظم مظاهر الحياة الخاصة والعامة، فلا مجتمع دينيا كان أو ~~مدنيا، ولا ملهى ولا مسرح ولا ملعب ولا مرقص ولا مطعم ولا فندق إلا وللموسيقى في الغالب ~~دخل كبير فيها، يتعلمونها صغارا ويرضعون حبها مع اللبن؛ لأن الحاجة إليها مغروسة في الفطرة ~~البشرية، والدافع إليها الطبع أولا ثم التطبع، فكيف بهما إذا اجتمعا؟! ولذلك يحسنها أو ~~يستحسنها رب الأسرة وصاحبة البيت، والطفل والابنة، والفتى والفتاة، والسيد والمسود، والموسر ~~والمعسر، والعامل والماهن، والغلماني والكاهن، والكبير والصغير، والقائد والجندي، تساووا في ~~حبها، وأجمعت كلمتهم على عموم نفعها والأخذ بحظ منها. # قال لي من ms234 طاف أميركا الشمالية وتوغل في ريفها وقراها: إن أصغر فلاح فيها يملك آلة ~~البيانو يطرب عليها هو وأهله وأولاده وأصحابه، وقالت مدام دي ستيل: إنك لا تجد في سكان ~~المدن ولا القرى ولا الجنود ولا الحراثين من لا يعرف الموسيقى في ألمانيا، ففي أحقر كوخ ~~تسمع صوت الموسيقى على نحو ما تسمع ذلك في إيطاليا إلا قليلا، والأولاد والطلبة يطوفون يوم ~~الأحد في الشوارع يمجدون الله وينشدون الأناشيد الحماسية. # آلات الموسيقى متحدة في الغرب، ولكن الصور التي تخرجها مختلفة، وإن أسمعوك في بلد ما هو ~~من صنع غيرهم، فتسمع في كل أمة ألحان رجال الفن في أمة أخرى، وأمم الغرب مهما تباعدت في ~~المقاصد، وتباينت في المصالح لا تجدها إلا متفقة في تمجيد المغنين من الموسيقيين يضربون ~~أوتارهم من غير نكير، ولو بلغ الحقد أو التنافس أو التنابز مداه في صدورهم، فليس لهم شيء ~~أجمعوا على تقديسه مثل نغمة تصدر في يد صناع، ولحن يلحنه نفس نفيس. # الشرقي أمام الموسيقى الغربية كالمقلد بالسمع، أو كمن يسمع بأذن غيره، يطول به العهد حتى ~~يطرب لها طرب أهلها بها؛ لأن موسيقاه وأغانيه تخالف موسيقاهم وأغانيهم؛ ولأنه ألف نغمات ~~أخرى، فهو وإن لم يفهمها ولكنها قريبة من مصطلح قومه، مؤتلفة مع مناخه ومحيطه ودرجة رقية ~~وتاريخية، فالعربي يطرب من الموسيقى التركية، وبالعكس للمجاورة والألف، والفارسي يحب ~~الموسيقى العربية لتمازج تاريخ أمته بالعرب، وكلما قويت الروابط بين الأمم وسهلت الشقة ~~وارتفعت تأثيرات التخوم، والمبعدات بين القلوب، زاد طرب الجار من نغمة جاره. # سمعت الموسيقى في أكثر بلاد الغرب في إيطاليا والنمسا والمجر وسويسرا وألمانيا وإنكلترا ~~وفرنسا وهولندة والبلجيك وإسبانيا، فكان طربي بالموسيقى الإسبانية أكثر من غيرها؛ لأنها ~~تترشح من الأنغام العربية لتمازج تاريخ العرب بتاريخ الإسبان، وكذلك تطرب النفس بالموسيقى ~~التركية لأنها ترشح من موسيقاته، وقد أتت قرون والعرب والترك متلاحمون في البلاد مشتدة ~~روابطهم متحدة كلمتهم. # ولقد طربت من موسيقى أهل الغرب الأقصى وأهل الجزائر وأهل فارس طربي من الموسيقى الشامية، ~~ودون طرب ms235 كل عربي بالموسيقى المصرية؛ لأنها أرقاها، وقد بلغت بالنسبة إلى سائر البلاد ~~مرتقاها، تأثرت مرة لنغمة فارسي كان ينشدني قصيدة من نظمه في الحرية، وتأثرت مرة من فتاة ~~صربية في قطار كانت ترنم بنغمتها الوطنية، وأنا لم أفهم معاني الفارسي ولا الصربية، ولكن ما ~~ذهبت إليه النفس من التذكارات فعل فيها فعله فأخرجها عن كثافتها، وسمعت مؤخرا مغنية ~~إسبانية في مسرح الأولمبيا في باريز تتغنى بالإسبانيولية، وتبيع بنفسجا ترشقه على الحضور، ~~فكان منظرها وحركتها ونغمتها من أجمل ما رأته العين في الغرب، وطربت به حقيقة، وما ذلك ~~إلا للأثر الناتج عن تأثيرات الموسيقى، وما يتذكر الإنسان من الوقائع والحوادث. # كان لنا في بر الشام موسيقى راقية، فكادت تندثر لزهد الناس في هذا الفن؛ لأنه دليل ارتقاء ~~الأمة، والأمة كانت مشتغلة بنفسها ترجع القهقرى، وكان المشتغلون بهذا الفن مرذولين ممتهنين، ~~فبينا نجد الموسيقار والمنشد في الأمم الأخرى عشير الملوك والرؤساء والعلماء منعما مرفها، ~~إذا مات مشى في جنازته العظماء - كما فعل الفرنسيس بجنازتي سان ساينس وفوريه ~~الموسيقيين، وعدوهما من المفضلين على أمتهم، ومجدوهما وقدسوهما، ترى مثيلهما في أرضنا ~~مهانا لا يؤبه له، إن أخذ بفنه عاش فقيرا ومات خاملا حقيرا، وكم من نابغة في الموسيقى ~~عندنا تخلى عن هباته خشية أن يلحق به العار، وزهد نفسه طوعا أو كرها بما يحبه، وكان في ~~مستطاعه أن يبرز فيه لعلمه بضيق العيش من هذا الباب؛ ولأن صاحبه لا يعد في الطبقة التي هو ~~حري أن يعد فيها. # جاء دور كان الفقهاء يعدون ساقطا من العدالة كل من يغني عندنا، ولا سيما إذا كان غنى بالأجرة، # 1 # ويتسامحون مع من يغني مع جماعة من أصحابه، وكانوا يعدونه فنا يفقر صاحبه، ~~ولكن الغرب على العكس من ذلك، يفاخر بهذا الفن أعظم عظيم، ولا يستنكف أن يأخذ نفسه بأدبه، ~~ويرزق عشرات الألوف منه، فإذا مات مات عن ثروة طائلة، وخلف لأهله مجدا وغنى. # ولو لم نر من نهضة الموسيقى آخرا وتشريف قدرها في مصر اليوم لسجلنا ms236 بأن هذه الأمة ~~العربية جمعاء منحطة، وأي انحطاط عن أمم الحضارة الحاضرة، ولقلنا: إنها أمة مات شعورها في ~~كل معنى، وهي والأمم المتوحشة سواء في أوضاعها وعاداتها وأسباب هنائها وراحتها. # | الاستقلال والاتكال1 # يطالع المستفيد مئات من كتب الفلسفة والأدب وعلوم العمران، فلا يعتم أن يستقل منها ما ~~يأخذ مأخذه من العقول، ويحدث أثرا في النفوس، ولا عجب، فقد تنصرف وجهة الألوف إلى خدمة ~~العلم وبث الملكات الصحيحة، فإذا فوضل بينهم ووضعت أعمالهم في ميزان النصفة وعلى محك ~~الاستبصار يكثر الشائل ويقل الراجح، والمؤثرون في الأفكار في كل الأعصار والأمصار أندر من ~~الغراب الأعصم والكبريت الأحمر، على أن كل من بذر بذورا طيبة لا ينفك مثلوجا فؤاده مهما ~~تأخر نباتها وإيتاؤها، لعلمه بأنها ستؤتي أكلها عاجلا أو آجلا إذ لاءمتها طبيعة المنبت، ~~وأحسنت تعهدها أيدي القائمين عليها. # وقد وقع شيء من هذا - إن صح حدسي - للكتاب الذي ألفه المسيو أدمون ديمولان الفرنساوي، ~~وعربه أحمد فتحي بك زغلول المصري المسمى «سر تقدم الإنكليز السكسونيين»، فإنه أثر في ~~الفرنسيس أثرا حسنا، وسرى قول مؤلفه في بلاد الإفرنج منذ نحو خمس سنين، فترجم إلى ~~لغاتهم، وتناولته ألسن الناقدين والمسلمين، وعاد بعض المنشئين يرون رأي صاحبه، وينطقون ~~بلسانه، ويكتبون بقلمه، ودل كثير من أهل العلم على مواقع الفساد من تربيتهم، ونقص الاستعداد ~~من عاداتهم، وأشاروا إلى تخلفهم في حلبة تنازع البقاء عن جيرانهم الألمان والإنكليز ~~والأميركان تخلفا يخشى معه أن يبتلعهم الجنس السكسوني، فيكون مستقبل العالم له دون ~~سواه. # هكذا يقولون، وغير منكر أن الفرنسيس نفعوا الإنسانية نفعا لا تنكره، وكفاهم مفاداتهم ~~بأبنائهم مرارا تخفيفا من سلطة الملوك ورفعا لغشاوة جهالة ظلت مسدولة على أوروبا قرونا، ~~جعلتها وراء شعوب الأرض، فخلعت ربقة الاستعباد، وقررت حقوق الإنسان وقواعد الحرية والإخاء ~~والمساواة، ونشرت المعارف في الأطراف حتى ابتذلت، واشترك في الأخذ من بحرها المحيط عامة ~~الطبقات، فأصبح الحراث الفرنساوي يقرأ ويكتب، ويفهم أكثر من بعض من ندعوهم بالمنورين في ~~بلادنا، وما يأخذه الآن بعض علماء الفرنسيس على ms237 أمتهم إن هو إلا من باب الاستزادة من ~~الفضيلة، والدعوة إلى الكمال والسبق في ميدان التغلب والسيادة، نعم، إنه ليستنشق من غال ~~المكتوب رائحة الغرض، ويعترض على بعضهم مبالغتهم في وصف أعراض الضعف، حتى أوشكت الفائدة أن ~~تضيع، وينسب كل ما يخطونه إلى التشيع والتحزب، ويؤيد ذلك أن ما يكتب صادر من بلاد تأصل ~~فيها الانشقاق الداخلي، وراجت بضاعة الأحزاب، وساد فيها تباين الآراء، فلا يكتب الملكي أو ~~الكهنوتي إلا ويرمي ببصره إلى القديم يمجده، والتليد يبكيه وينشده، ولا يجهر الجمهوري إلا ~~ويفاخر بما تم على يديه من ارتقاء ونماء، ولا ينبري الفوضوي أو العدمي أو الاشتراكي إلا ~~ويستدعي الأمثلة، ويستجيش البراهين إعلانا بدعوته واستتماما لرغبته، ولكن فرنسا ما زالت ~~بفضل أساسها القديم أم المدنية وربيبة الحضارة، وإن تقهقرت في سياستها وأخلاقها، فلمرتبتها ~~الميزة على سائر الشعوب الأوروبية خلا السكسونيين، ولكن صحة الوطنية التي عرف بها مساعير ~~أبطالها ومشاهير رجالها جعلتهم اليوم يفرطون في النصح والقدح. ~~(1) استقلالهم # وبعد، فإن الأمم من حيث كيانها قسمان: استقلالية واتكالية، فالأمة الاستقلالية هي ~~التي طبعت على حب الانفراد، يعتمد كل فرد منها على نفسه لا على حكومة ولا جمعية ولا ~~حزب ولا عشيرة ولا أسرة: # وإنما رجل الدنيا وواحدها # من لا يعول في الدنيا على رجل # ومثالها الشعوب الإنكليزية السكسونية، والأمم الاتكالية هي التي يعتمد أفرادها على ~~مجموعها من الأمة أو الدولة، فيتوكأ كل فرد على غيره، وأعظم مثال لها الأمم الشرقية ~~حاشا سيدتها الأمة اليابانية العظيمة، فإن التربية الاستقلالية عندها على ما يبلغنا ~~قائمة على أعظم هياكلها، وأبناؤها أبعد المشارقة عن النشأة الاتكالية. # وبديهي أن العلم وحده لا يكفي في سعادة الشعوب ما لم يقرن بالعمل، وفرنسا وقعت مع ~~من وقع في مثل ذلك من أمم الخليقة، فزاد فيها التكالب على المصالح الهينة والوظائف ~~اللينة، فكثر فيها الموظفون والمحامون والأطباء والمهندسون وأهل الصحافة والأدب، بحيث ~~تعذر قبول من تخرجهم المدارس العالية باسمها، فسدت في وجوه الناشئة أبواب الرزق؛ لأن ~~معظمهم يرى السعادة أن ms238 يعيش في باريس ونحوها من المدن الحافلة؛ ليستمتع برفاهها وأنسها ~~ولو عاش في قل، وزهدوا في الاشتغال بالصنائع الحرة كالفلاحة والصناعة والتجارة، وذلك ~~غير معهود عند من كان دمه سكسونيا؛ إذ لا يرى حطة عليه أن يحترف أيه حرفة مهما كان ~~علمه واستعداده؛ ليضمن لنفسه وذويه مرتزقا فسيحا وعيشا استقلاليا لبابا، فإن لم ~~يجد ما يعمل في بلاده يغادرها؛ ليستعمر مكانا آخر من الكرة، ويستوي عنده العيش بلندن ~~أو برلين، والعيش في زيلندة الجديدة أو مستعمرة الرأس أو زنجبار، وإن شئت فقل في أقاصي ~~صحاري أفريقيا حيث الوحوش ضارية، والسموم لافج، والعيش مر المذاق. # وتأييدا لذلك أنقل هنا ما صرح به أحد علماء الأخلاق من الفرنسيس بهذا الشأن قال: ~~«يزعمون أن شهادة العالمية عندنا باب يدخل منه إلى كل سبيل، وتسلك بحاملها في كل ~~مسلك، وهي على التحقيق لا تفتح إلا ثقبا كبيرا، هجم عليه أصحاب الرغبات من كل صوب، ~~فاستغرقت الحرف الشريفة ووظائف الحكومة جملة، بحيث وجب على الأمة ألا تساعد على شر ما ~~برح يتفاقم أمره منذ سبعة قرون، حتى صار جرحا نغارا، وضربة مبرحة، وأعني بذاك الشر ~~داء الاستخدام والتوظف. # لا جرم أن الحركة التي بدأت طلائعها في فرنسا زمن فيليب الجميل أزعج أمرها على عهد ~~لويس الرابع عشر، فزاد الحال إشكالا على أثر عودة الملكية إلى فرنسا، واستيلاء أسرة ~~بوربون على منصة الحكم، وصار على عهد الجمهورية الثالثة الحالية أدهى وأمر، فإذا نشأ ~~الأبناء على آسال آبائهم ولم يصلح حالهم يضيعون مجد أسلافهم، ويخربون مملكة قويت على ~~الحوادث، على حين تعدهم عدتها في شدتها، وبيدهم إنقاذها وإسقاطها. # فالجيل الفرنساوي الحاضر سيء حاله ومآله، وهو إلى الكسل والجبن أميل منه إلى العمل ~~والنصب، حتى يصح أن يقال: إن البلاد به أضاعت من فتائها، وأمست تسير إلى فلاة ~~فنائها، ومن الأسف أن فرنسا التي كانت على مر العصور في مقدمة من يحسن الأعمال، وأول ~~مثيرة لكل نجاح هي اليوم من حيث تهذيب أبنائها متقهقرة عدة قرون إلى الوراء، ms239 وكأن ~~تعاليمها الآن هي عينها في القرون المتوسطة التي تركت ألمانيا وشأنها، إلى أن علا صوت ~~جهوري من الشاعر كيتي # 2 # يبين للألمان مواقع الضعف، ومزالق المقاتل، ومداحض المخاطر، ويقود الأفكار ~~إلى الحملة على كسر القيود، ونزع ربق الرق، وتجديد جدة الشباب، ينادي يا قوم هؤلاء ~~الإنكليز أمعنوا في حالهم، وانسجوا على منوالهم، فإنكم وإياهم سواء في القيم، فما ضركم ~~لو باريتموهم في الهمم؟ عملكم قليل ولا تحسنونه، وقلما تنهضون بأعبائه، وليس لكم نصيب ~~مما أوتوا من مميز الواجب الشخصي والكفاءة الشخصية، وهما دعامتا القوى التي تشتد بها ~~سواعد الملل. ولما كان كيتي يصرح بهذه الأفكار كانت ألمانيا بعيدة عن معاناة التجارة ~~مقطورة في مؤخر الشعوب، ولم تمض على ذلك مائة سنة حتى استولى أنصار ذلك الشاعر الكبير ~~والمتعظون بأقواله على محور التجارة، فهاج نشاطهم قلق الأمة التي حذوا حذوها، وإن ~~الإنكليز لينظرون اليوم نظر المرتجف إلى انبساط ظل النفوذ الألماني بهذه السرعة والقوة، ~~ويزعمون أنه لا بد من أن تخلف طوابع البرد الجرمانية الطوابع الإنكليزية ~~قريبا. # كل هذا نتيجة تغير التربية وانتشار المعارف بين الأفراد وكثرة الكفاءات في كل فروع ~~العمل، فمن العقل والحالة هذه أن يتدرع الفرنسيس بسلاح من العمل مفيد، ويعتاضوا من ~~الركوب على متن عمياء بالجري في طريق جديد من إتقان المبادئ الصحيحة والأخلاق ~~الفاضلة. # من رقاعة الفرنسيس أن يعتقدوا علو كعبهم في كل منحى ومنزع، ولو ذهب أحدهم إلى ~~ألمانيا ودرس أحوالها عن أمم، لرأى شعبا كان يشكو مما نشكو منه، داء أصيب به زمنا ~~فشفى نفسه من أوصابه، يرى السكسونية مجسمة بأبهى مظاهرها فيقدس «كارلايل» # 3 # ظهيرها ونصيرها، ويقيس حاله بالإنكليز على أنهم سباق غايات وأصحاب آيات ~~بينات، ثم إذا قضى من تينك المملكتين لبانته، وعرف بالنسبة إليهما حالته، يركب البحر ~~المحيط الأتلانتيكي ليتبصر فيما تورثه جدد الفضائل في هذا القرن الحديث، وينجلي له ~~الفرق بين رغائبه ورغائب الأميركان. # لفرنسا نظارة للمعارف العمومية، ولأمريكا مدرسة للتربية، فالأولى تعلم والثانية تربي، ~~الأولى تلقن أبناءها كلمات ms240 يحفظونها، والثانية تعلم مبادئ يسيرون عليها، تعد فرنسا ~~أدمغة لحفظ قانون، وتهيئ أميركا أذرعا للعمل، الأميركان رجال عمل، والفرنسيس ليسوا ~~كذلك، يغرس الأميركان في نفوس ناشئتهم شهامة الإرادة التي لا تجدي أجمل الهبات الخلقية ~~بدونها، ولا يكون العلم نفسه إلا عطلا من النفع مع فقدها، وهذا هو القانون الذي سنه ~~لهم فيلسوفهم إميرسون # 4 # تلميذ هيكل الألماني # 5 # القائل في فلسفته: إن الحياة ليست شغلا عقليا ولا مناقشة ومهاوشة، بل ~~الحياة إنما هي العمل. ولقد علق في أعلى باب كل مدرسة بأميركا شعار معناه: إن تهذيب ~~الخلق أسمى غاية للمدرسة، وعلى الشبان أن يحسنوا معرفة الحياة بإرادة ثابتة.» # ثم توسع الكاتب في بيان نقص تربية أبناء وطنه وعاد يقول: # يلزمنا رجال مهذبون لا رجال متعلمون، وفي فرنسا طبقتان من المدارس، أولاهما ~~للصغار وثانيتهما للكبار، وبعبارة أجلى مدارس الصناع ومدارس المفكرين، أما حسن ~~التربية الإنكليزية السكسونية ورجحانها على التربية الفرنساوية، فهي قائمة فيما ~~أوتيه بعضهم من الصفات الشخصية مثل المروءة وحسن الخلق والحصافة والبداهة ~~والجرأة والإقدام على المشروعات والاكتشاف والافتتاح والمخاطر، فبدلا من أن ~~تنمي فرنسا في نفوس أبنائها هذه الصفات تغرس فيهم ملكات حب التآلف والاجتماع، ~~تبث فيهم التأثر بدل المروءة، وتبث فيهم الخشية من أقوال الناس، فيشاكل المرء ~~الجمهور بأقواله وأفعاله بدل تنشئتهم على خلق يبقى فيه الإنسان مستقلا بنفسه، ~~وبدل الحصافة التي يتأتى بها للمرء إيجاد الأشياء بذاته تقوى فيه ملكة الذاكرة ~~التي تعيد عليه ذكر الأشياء التي يحفظها مما عثر عليها غيره بالتجارب، وعوضا ~~عن البداهة التي يتمكن بها المرء من تطبيق ما أوجده بنفسه تبث فيه الثقة، فيصبح ~~عرضة لأغراض حكامه، وبدل الجرأة تبث فيه الحذر، وبدل الإقدام على المشروعات ~~والفتوح والاستنفاض (فتح البلاد) تبث فيه ملكة الاقتصاد والسلم وحب السكن، ~~وبدلا من اقتحام المخاطر تحسن له الرضى بالاستخدام. # ثم أجمل الكلام هنا على الفلاحين والصناع والتجار والعملة من مجموع الأمة الفرنساوية، ~~وانتقل إلى الخيار من قومه، وعنى بهم العلماء والفلاسفة وأهل البصر، فقال مستندا إلى ms241 ~~أقوال العلماء: # إن دماغ الجنس السكسوني متمدد ومحدود، وذكاءه تحليلي وجنسه جنس العمل ~~والكد، وعلى عكسه دماغ الجنس الفرنساوي؛ فإنه موسع وذكاؤه تأليفي، وهو خيالي ~~يعشق التصورات، وبالجملة يعنى الجنس الأول أبدا بالحقائق على حين يفضل الثاني ~~الأفكار والخواطر، يجيد السكسوني في الغالب القيام على الأعمال المادية، وبعض ~~الفرنسيس يحرزون قصب السبق في ميادين الذكاء المتسعة الأطراف . # ألا وإن قيمة الجنس السكسوني بمجموعه، وقيمة الجنس الفرنساوي بخياره، ~~فالإفرنسي المتوسط لا يساوي الإنكليزي المتوسط، والإفرنسي العالي يساوي أكثر من ~~إنكليزي عال، ولكن الخيار من الفرنسيس لا يشغلون المكانة التي يستحقونها؛ ~~لأنهم مغلوبون للأخلاق الحالية، لم يستوفوا شروط النفع ولا أتموا أدوات ~~التهذيب. # وأنجح طريقة يجب على فرنسا سلوكها تحسين تربية خيارها وتربية أفرادها، ومزج ~~الخاصتين السكسونية والإفرنسية وتطبيق تربية جمهور الإنكليز على تربية خيار ~~الفرنسيس ليأتي الغد ولفرنسا من وراء هذه التربية شعب صغير كالشعب الأثيني يهب ~~لها فاتحين ذوي أفهام، ورجالا صحاح الأحلام، يساوون الجيوش، ويوازون كل عدد ~~وعدة، ويخدمون أمتهم خدمة أرخميدس # 6 # وينقذون وطنهم إنقاذ تيمستوكلس. # 7 ~~(2) اتكالنا # بمثل هذا اللسان يخاطب الكاتب الفرنساوي أمته، ويقرعها تقريعا أمر من الصاب والعلقم؛ ~~لتستفيق من غشية تخشى مغبتها، وتفلت من الوقوع في مخالب أسود السكسون؛ لئلا يكون حظها ~~في الوجود حظ الأمم البائدة كالرومان واليونان والفرس والعرب، وما القصد من إيراد كلامه ~~بنصه إلا ليحصل التمثيل بيننا وبين أمة نشابهها في الأعراض، وإن كانت أعلى منا ~~جوهرا. # ولعله يخيل لبعض سكان هذه الديار أن الفرنسيس مثلهم في الانحطاط، وأن لهم بهم ~~قدوة حسنة وأعظم سلوى، ولكن شتان بين حالنا وحالهم، ورجالنا ورجالهم، وحضارتنا ~~وحضارتهم، أمة تشخص الداء، وتفكر في وصف الدواء، أو تشعر بنقصها وتسعى إلى كمالها، وأمة ~~موقنة بأن داءها عين الصحة لا بأس عليها ولا خشية من ناحية حياتها، يرضيها نقصها فلا ~~تريد استبدال غيره به، وكل من محضها النصح رمته بانحلال عقدة الوطنية والمروق من عهود ~~الحمية وصدق التابعية. # لا جرم أن الرجل الفرنساوي الراغب في الاستخدام ms242 لا يشبه الرجل المصري أو السوري أو ~~العراقي مثلا، فإن الأول يستعد ليحسن الاضطلاع بما يوسد إليه من أمر أمته، ومعظم هؤلاء ~~على نقص في المدارك وانحطاط في الفضيلة، يطمحون إلى السعادة والسيادة بلا سابق معرفة ~~سوى أواصر القربى أو التقرب أو أواخي المؤاخاة والتزلف أو وشائج الدرهم ~~والدينار. # ولقد أصبح من الرأي المقرر بين الناس أن كل من ليس له علاقة بالحكام كعضو أصيب ~~بالآكلة لا حيلة فيه إلا بالبتر أو الموت، بيد أنه لا تثريب على الفقير إذا رشح ابنه ~~لأي خدمة كانت ليرتفع بها من الدنية، ما دامت البلاد صفرا من أصناف المعاش الذي يزعج ~~صاحبه عن العيش الاتكالي ويورده موارد الاستقلال، بل اللوم كل اللوم على رجل يعد من ~~نواصي أهل وطنه وعليتهم وله من العقار والقرى ما يسد عوزه وعوز مئات معه، وهو على ما له ~~من الاعتبار بين جيله وقبيله يسف إلى الاستخدام في وظيفة؛ ليتباهى بها أمام العدو ~~والصديق. # أعرف رجلا في إحدى مدن الشام الحافلة له عراقة في محتده، وأصالة بين قومه وسعة من ~~دنياه، وتراه مع هذا يصرف من نهاره وليله في نيل الزلفى من الأمراء كبتا لخصومه، فيبذل ~~كل عام في هذا السبيل من الصفراء والبيضاء ما يكفي لإعالة ألف نسمة من أصحاب البأساء، ~~وكلما طعن في السن يزداد غلوا في مباديه وإصرارا على نكاية أعاديه، وهو دائما أجول ~~من قطرب وأشغل من ذات النحيين، ومساعيه أبدا مخفقة، وآماله مخيبة، وهكذا حال خصمه ~~اللدود له مال وبنون ومقام بين أهل حيه كريم، ولكن لا يهدأ له بال إلا بالجلوس على ~~أرائك الحكم، ومقاعد التصدر، يتلمس لبنيه إذنا بملازمة الدواوين، مزاحمة لأولاد ~~الفقراء ليستأثروا بعد بالرواتب دونهم، وينالوا المعالي بنفوذ والدهم عفوا ~~صفوا. # ولو عقلا لاستعاضا عن التلهي بهذه السفاسف بإدارة شئون مزارعهما الواسعة، وتحسين ~~طرقها وتنمية غلاتها وثمراتها، ولكن هو حب الرئاسة يستلب الألباب وفي الأمثال: «يا حبذا ~~الإمارة ولو على الحجارة.» # ولطالما سمعنا أن فلانا غادر سكنه ومسكنه، تاركا ms243 دخلا يكفيه وعياله لأن يعيش عيش ~~الاستقلال، فيوكل به من يسرق نصفه لينتظم في سلك الموظفين، ويأخذ من استخدامه ما يوازي ~~النصف الذي فقده بغيابه ويغتذي من دماء الأمة سحتا بحتا وحراما محضا ليقال عنه: إنه ~~من الموظفين، ويخاطب بالفضيلة والسعادة، ثم إذا كثر سواد أقرانه يقضي حياته قلق ~~الضمير، وربما أنفق كل ما يملكه من تراث آبائه؛ ليرتقي إلى وظيفة أعلى من وظيفته، ويسبق ~~من سبقوه أو هم لاحقوه، وما الموظفون في الحكومات الاستبدادية براغبين أن يعدوا من ~~ممثليها ليحموا ما يملكونه من اعتداء المعتدي، وتعسف الظالم كما هي دعواهم، بل ليكونوا ~~جلادين في تلك الدولة، ويسوغ لهم إتيان كل منكر أرادوه بلا وازع ولا رادع. # ألا وإن الأمثال لكثيرة على من آثروا العيش الاتكالي، ورضوا بالإسفاف إلى الدنايا ~~كأصحاب الأوقاف ممن يرضون بالكفاف من العيش، ويقنعون بدريهمات تأتيهم من وراء أجدادهم، ~~أضف إلى زمرتهم من حبسوا أنفسهم في الصوامع والجوامع مثل المدرس والمؤذن والخطيب ممن ~~يكتفون بالنزر من المشاهرات، يقبضونها ببذل ماء المحيا، ويصرفون لأجلها من الأوقات ما ~~لو صرفوه في بيع الثرى لأثروا به، ثم يرقبون ما يأتيهم من أجور الطلاق والمناكحات، ~~ويتلمظون بطعام الولائم والوضائم، ويقنعون بتقبيل الأيدي ومصافحة المريدين، وكذلك حال ~~الرهبان والقسيسين وسائر من يتصرف باسم الدين، وهم فائضون عن الحاجة، فكلهم يتقربون ~~بالفاقة إلى مولاهم، ويستوكفون أكف الصدقات، وينتظرون قيم الصلوات والدعوات، وهذا الخلق ~~مستحكم من المسلمين بحكم التربية أكثر منه بغيرهم من الطوائف. # إليك شرح الاتكال المجسم الذي شكا منه كبار الفرنسيس، وهو عندنا في أرقى درجاته، ولا ~~نشكو ولا نتبرم، وأما شكواهم من كثرة المرشحين للحرف الأدبية فيقابله شكوانا من قلتهم ~~إذا لم نقل من فقدهم، يعوزنا الصحفي العلامة، والطابع الماهر، والطبيب النطاسي، ~~والمحامي الحاذق، والاقتصادي المدرب، والرياضي المنجذ، والطبيعي المتعقل، والمهندس ~~الفطن، والسائح الثابت، والممثل الفاضل، ممن تبرم بكثرتهم في فرنسا صاحب سر تقدم ~~الإنكليز السكسونيين، ولكننا نحن في غنية عن هذا العدد الدثر من الحاجب والكاتب ~~والمصاحب، والجاسوس والمسجل، ms244 والرئيس والمرءوس، بل وألوف مؤلفة من أصحاب الرواتب بلا ~~عمل الذين يأكلون مال الأمة بالباطل، ويعيشون على عاتقها حملا ثقيلا، فلا هم بوجودهم ~~ينفعونها، ولا هم عن مغرمها غافلون. # أين حال الأغنياء والأعيان المتهافتين على المناصب في بلادنا من أهل تلك الطبقة في ~~إنكلترا مثلا حيث الحكومة تخطبهم، والشعب يطلبهم، وشتان بين خاطب ومخطوب. # كتب أحد سراة بريطانيا إلى صديق له يقول: دع الناس يطلبون الأرزاق من الدولة، فأنا لا ~~أنحو منحاهم؛ لأنني أقدر أن أكون غنيا بتسامي عن الدنايا، ولا أرتضي أن أشين خدمتي ~~لوطني بفوائد ذاتية، فإني أعمل في بستاني بيدي وأجتزئ بالقليل من النفقة عن ~~الكثير. # وهو - كما رأيت - كلام من يوقن أن الإمارة ليست بمذهب طبيعي للمعاش، بل كلام من ~~ارتقى وتهذب وعلم علم اليقين أن الحكومات ليست إلا خادمة للأمم، وأن الشعب في غنية ~~عنها ولا غنى لها عنه، فمتى يكون مثل هذا القول لسان حال أعيان بلادنا حتى لا يكونوا ~~على أمتهم أضر من العث في الصوف والدودة في الكرمة، ولكن المشارقة انغمسوا في مضال ~~الجهالة منذ قرون، حتى أصبحوا يقدسون حكامهم ومن انتسب إليهم، وغالوا في تعظيمهم إلى ~~أن بلغوا بهم منازل الألوهية، وأنشئوا يستحلون لهم المحارم، ويطلقون عليهم ألقاب ~~الربوبية. # وما برح الناس يبحثون عن داء المجتمع الإنساني، ويصفون له الأدوية وهو لا يزداد إلا ~~تفشيا، وقد أعضل ما يسميه الغربيون بالمسألة الاجتماعية، حتى حار في طبها رجال العلم ~~والسياسة، وأصبحت شغلا شاغلا لأهل المدارك السامية، ولذا قال صاحب سر تقدم الإنكليز ~~السكسون: ليست المسألة الاجتماعية عبارة عن مساعدة الأفراد، كما أن مسالة الحياة لا ~~تقوم بكثرة تناول الأدوية والعقاقير؛ إذ ليست المساعدة أو العقاقير من وسائل الحياة ~~الطبيعية، وليست الحكمة إلا ما أدت إلى الاستغناء عن تلك الوسائل الصناعية، وليس من حل ~~للمسألة الاجتماعية إلا جعل الأفراد بحيث يستطيع كل فرد منهم أن يقوم بأمر نفسه، وأن ~~يرتقي بجده وعمله؛ لأن سلامة الاجتماع كالسلامة الأخروية تقوم بكل واحد على حدته، وعلى ms245 ~~كل واحد أن يسعى إليها، وقولي هذا لا يروق في أعين الذين اتخذوا السياسة حرفة وغيرهم ~~ممن طلبوا رزقهم من انحطاط الأمة، وضعف مدارك الطبقات النازلة، وكانت منفعتهم في بقاء ~~الناس دائما على حالة يشبهون فيها القاصرين، حتى يتيسر لهم أن يكونوا عليهم ~~أوصياء. # ونحن لو استشهدنا التاريخ لرأينا أجدادنا كانوا في منازع حياتهم أشبه بالجنس ~~السكسوني، لا يعرفون مع بسطة الجاه واتساع الثروة والملك إلا النشأة الاستقلالية، ~~بعيدين في كل أطوارهم عن السرف والترف، فقد اشتهر من سيرة الصديق الأكبر - رضي الله ~~عنه - أنه كان يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع، وكانت له قطعة غنم تروح عليه، وربما ~~خرج هو بنفسه فيها، وربما رعيت له، وكان يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع بالخلافة قالت ~~جارية منهم: الآن لا يحلب لنا منائح # 8 # دارنا، فسمعها فقال: بلى، لعمري لأحلبنها لكم، وإني لأرجو ألا يغير بي ما ~~دخلت فيه، فكان يحلب لهم، ثم قال: ما تصلح أمور الناس مع التجارة وما يصلح إلا التفرغ ~~لهم والنظر في شأنهم، فترك التجارة، وقيل: أراده الصحابة على تركها، وأنفق من مال ~~المسلمين ما يصلحه وعياله يوما بيوم، فكان الذي فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم، ~~وقيل: فرضوا له ما يكفيه، فلما حضرته الوفاة أوصى أن تباع أرض له، ويصرف ثمنها بدلا ~~مما أخذه من مال المسلمين. # ولما فرض عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - العطاء، قال للمسلمين: إني كنت امرأ تاجرا، ~~يغني الله عيالي بتجارتي، وقد شغلتموني بأمركم هذا، فما ترون أنه يحل لي في هذا المال، ~~وعلي ساكت فأكثر القوم فقال: ما تقول يا علي؟ فقال: ما أصلحك وعيالك بالمعروف ليس لك ~~غيره. فأخذ عمر قوته، وإن لنا في غير هذين الإمامين من رجال سلفنا الصالح الأسوة الحسنة ~~في فضيلة الاستقلال وترك الاتكال، ولنا الأسوة في الأمم الحية لعهدنا التي نرى آثارها ~~باهتين شاخصين، فالعبر بين أيدينا ومن ورائنا وعن أيماننا وشمائلنا ولكننا لا ~~نعتبر. # | الهجرة # أربعة أحوال تعمل في تكثير ms246 سواد الأمم: الهجرة والاستيطان والولادات والوفيات، وبنقيضها ~~تقفر البلاد وتقل الأمم، ومحور الهجرة يدور في الأكثر على تحصيل القوت والفرار من ظلم، ~~خصوصا أيام كانت المجاعات في القرون الأولى والوسطى من أكبر العوامل المهددة للشعوب، وكانت ~~تغذية الجماعات الكبرى مناطة بمحصول السنة حتى كان تأخر وصول الحبوب المشحونة في البر ~~والبحر يحدث مخاوف هائلة، ويثير مناوشات وثورات، وكانت الفوضى والحروب تجعل المواصلات صعبة ~~أو متعذرة، ويهلك سكان المدن جوعا، وتحتكر المدن الحبوب في أماكن خاصة، وتدخرها لحين ~~الحاجة، أما سكان القرى والأرياف، فكانوا يقاسون الأمرين، ولا يجدون غير الهجرة بابا ~~لنجاتهم بأرواحهم وأرواح ذراريهم، وهذا ما دعا إلى إقفار كثير من الأصقاع في الشرق والغرب؛ ~~لأن من ولد من الأسر المهاجرة لم يواز عدد من فقدتهم البلاد بهجرتهم لها. # 1 # جاءت أزمان على البشر كان الشرق أو أفريقيا وآسيا أعمر من الغرب، وكانت آسيا تقدم كثيرا ~~من أبنائها؛ ليكونوا جندا في الجيش الروماني، ورومية كانت حاكمة على معظم أصقاع أوروبا ~~وجزء كبير جدا من آسيا وأفريقيا وسلطانها فوق كل سلطان، وما ملوك تلك الأيام إلا أقيال ~~يخضعون لصولجان رومية، وقد كنت ترى أناسا من بلاد الشام في كل مكان كما تراهم الآن، وكان ~~منهم في جيش جرمانيكوس القائد الروماني عدة كتائب عندما حمل حملته على الرين. # قال سكريتان: إن القرون الوسطى بإقطاعها وما كان فيها من اللصوصية والأخلاق الوحشية ~~وقلة المواصلات والحياة الزراعية والصناعية الأهلية، وتنوع اللهجات وحكومة الجماعات # polyarekie # والاشمئزاز من الحياة، والتشتت السياسي الذي ~~هو من خصائص تلك القرون - كل ذلك مما يتمثل لعيني بقلة الرجال وطول إقفار البلاد، فأقفر ~~العالم الروماني، وظل الشعب زمنا على نسق واحد، ثم زاد بإنشاء المدن وتوطيد دعائم المركزية ~~السياسية، التي تسهلت أسبابها بنمو الموارد الاقتصادية والأيدي العاملة التي أنشأتها، ومن ~~المدن تنبعث أبدا حركة تنظيم القوة العامة، فصاحب الأملاك يعيش بما تدر عليه أملاكه على ~~حين تضطر المدن أن تطلب ذلك من التجارة، وأن تضمن حقوقها في البلاد القاصية بتأمين السبل ms247 ~~والتجارة. # قال: وما المصانع العظمى التي قامت في القرن الثالث عشر للميلاد، وما تلك البيع ~~والمعابد إلا أثرا من آثار زيادة السكان في أوروبا، وإن الناس أصبحوا يهتمون لأمور أخرى ~~غير حفظ حياتهم مباشرة، والسكان من العوامل الضرورية في التبدلات السياسية، وعندنا أن ~~الشعب هو أرض التاريخ الذي تنبت فيه الأوضاع والأفكار، ولما نمت النفوس منذ القرن الحادي ~~عشر في حمى أسوار المدن والمقاطعات المنظمة ظهرت قوة جديدة أمام الإقطاعات، وانتهى التماسك ~~السياسي بقيام المدنية الحديثة، وأدى نمو السكان نموا عاما بقاعدة الانتخاب الطبيعي، أي ~~الأفضل والأحسن إلى شكل جديد في الحياة وتحسين الأخلاق وتدميثها، وكثرة السكان شرط في قيام ~~المدنيات العليا، وفي تأسيس الأملاك العظمى، وهي التي تزيد حياة البشر حركة وغنى ~~وبهجة. # نعم، كثرة السكان شرط في الحضارة، ولكنها إذا بلغت درجة تؤدي إلى قلة سريعة في المواليد، ~~ربما كان فيها الخطر على المدنية، والمدنيات لا تقوم إلا في بعض أدوار التاريخ، على أن ~~الرفاهية العامة والأمن هما من أهم العوامل في المدنيات الكبرى، قد يكون منها قلة عدد ~~المواليد، وهذه القاعدة تجري في كل مكان اليوم في ألمانيا وإيطاليا وإنكلترا، وقد كانت ~~فرنسا أول من وصلت إلى هذا المعدل، فتعدلت وفياتها مع ولاداتها، مع أن فرنسا كان عدد ~~سكانها في أواسط القرن الثامن عشر عشرين مليونا، وإنكلترا ثمانية ملايين، وإسبانيا ثمانية، ~~وإيطاليا عشرة، وألمانيا كلها مع النمسا، وتوابعها اثنين وعشرين مليونا، وروسيا في أوروبا ~~اثني عشر مليونا، وقد زادت كلها على كثرة من هاجر منها إلى أميركا في القرون الثلاثة ~~الأخيرة، ومع هذا زادت كل مملكة، ولكن زيادة بلاد الإنكليز والجرمانيين كانت أهم وأعظم، ~~فبلغت بريطانيا العظمى اليوم نحو خمسة وأربعين مليونا، وفرنسا نحو أربعين مليونا، ~~وألمانيا خمسة وستين مليونا، والنمسا والمجر خمسة وخمسين مليونا، وإيطاليا خمسة وثلاثين ~~مليونا، وإسبانيا ثمانية عشر مليونا، فمنها ما تضاعف ثلاث مرات ومنها مرة ومنها ~~مرتين. # وقد نفى سكريتان أن تكون قلة السكان ناشئة من فساد الآداب، وقال: إن الروس بإقرارهم ms248 ~~أنفسهم من أعظم الموغلين في المفاسد والموبقات، ومع هذا يزيد سكان الأرياف عندهم، والسبب في ~~قلة المواليد هو في الحقيقة إرادة الرفاهية، الولادة لا تشكو من الفقر ولا من حرية الفكر ~~ولا من حرية الأخلاق، وما خرابها آت إلا من كثرة الحذر الذي هو ابن الطمع. ~~••• # عرف السوري منذ القديم بحب الهجرة للكسب وإحراز المجد، والفينيقيون أو سكان الساحل ~~الأوسط من هذا القطر كانوا رواد الحضارة وربابنة البحار في سواحل البحر المتوسط، حتى بلغوا ~~شطوط الجزر البريطانية في أقصى شمالي أوروبا، وأنشئوا المكاتب التجارية في جنوبي القارة ~~الأوروبية وشمالي أفريقيا، وكان من أخلاقهم ما يشبه هذه الأعمال والهجرات، ولا سيما على عهد ~~الحكومة الرومانية، حتى إذا جاء الإسلام كانت منهم جيوش وقواد وقضاة تسافر إلى القاصية، ~~ورجال الشام كانوا في مقدمة الفاتحين للأندلس في الغرب، وهم الذين فتحوا الفتوح في الشرق ~~وأوغلوا فيها حتى وصلوا إلى بكين عاصمة الصين، وضربوا الجزية على صاحبها. # وبعد، فإن فتن التاتار والصليبيين أضعفت حال البلاد وقللت سكانها، خصوصا على عهد حكومات ~~الإقطاعات الظالمة، فقلت الولادات وكثرت الوفيات، والأمة المظلومة في الغالب يضعف تناسلها، ~~ويكثر الموتان في أولادها، بل تندر النضرة في وجوه أهلها، ولم تقصر الحوادث السماوية في ~~انتياب هذه البلاد، فكانت الزلازل والأوبئة تحصد أهلها بالألوف، وما بقي منهم يهلكه الظلم ~~وقلة العلم. # حتى إذا جاء القرن الماضي، ونشر خط كلخانة، ووضعت التنظيمات الخيرية، ودخلت البلاد ~~العثمانية في طور أحبت فيه احتذاء مثال الغربيين في إدارتها، وضعفت سلطة العمال بعض الشيء، ~~وقوي ارتباطهم بالمركز، خصوصا بعد إنشاء الأسلاك البرقية التي سهلت وصول الشكاوى إلى ~~العاصمة بعض التسهيل، وأخذ الفلاح يأمن على زرعه وضرعه بالنسبة للماضي، والتاجر في المدن قد ~~تنجو من البوائق متاجره، وكثر بعد حوادث سنة 1860 اختلاط أهل هذا القطر بالغربيين، وأنشأت ~~الجمعيات الدينية مدارسها الراقية في المدن والقرى، بعد كل هذا عادت النفوس تنمو خصوصا في ~~لبنان بعد نظامه الجديد، وارتفاع أعلام الأمن في ربوعه، وأصبح من الندرة الاغتيال والاقتتال ms249 ~~فيه فكثرت نفوسه. # وإذ كانت زراعة لبنان ضعيفة، تعد بين الزراعات في الدرجة الثالثة أو الرابعة، لم يقم ~~بمعاش سكانه، فأخذوا يهاجرون أولا إلى البلاد القريبة منهم، ولما تنوقلت الأنباء عن نجاح ~~جماعة من تجار بيت لحم في أميركا سمت الهمة ببعضهم إلى السير على آثار من سبقوهم، وساعد على ~~ذلك اتصال آسيا بأفريقيا وأوروبا وأميركا بالبواخر، فوفق بعض من هاجروا من لبنان إلى جمع ~~جانب من المال، فاشتهر بين قومهم نجاحهم، وأخذ يتبعهم في خطتهم الأقرب فالأقرب من سكان ~~البلاد، وكان أهل الجبال وهم معتادون القلة وشظف العيش في الجملة هم الناهضون لهجرة بلادهم، ~~ولم تمض بضع سنين حتى سرى داء الهجرة إلى الأصقاع المخصبة من أرض الشام مثل وادي الأردن، ~~ووادي العاصي، وسهل البقاع، وسهل حوران، فجاراها جبل لبنان، وجبل عامر، وجبل حرمون، وجبال ~~عكاء، وجبال اللكام، وجبال الخليل، واشترك السهل والوعر في الهجرة، ونال من آثارها دمشق ~~وبيروت وحلب والقدس كما نال أحقر قرية. # واشتهر في الأكثر من ارتاشوا واغتنوا وآبوا إلى بلادهم، فعمروا لهم دورا على الطرق ~~الغربية، واقتنوا الأملاك وأقاموا العقارات، وأخذوا بحظ من الرفاهية، ونسي الناس أو لم ~~يذكروا من هلكوا وتشتتوا، فما عتمنا وقد حسبنا الراحل عنا، والراجع إلينا إلا وقد أصبح ~~المهاجرون زهاء أربعمائة ألف رجل على أقل تقدير من السكان مهما بالغنا في تقديرهم، وعددنا ~~في جملتهم بعض البوادي، لا يبلغون أكثر من أربعة ملايين، وقدر بعض الصحافيين عدد المهاجرين ~~من السوريين بخمسمائة وسبعين ألفا، وغالى بعضهم فقدرهم بزهاء مليون، ويمكن أن يجاب عن هذا ~~التقدير الكبير بالأثر الحادث عنه أي بإضافة عدد من الأولاد الذين كانوا يولدون لهذا القدر ~~من المهاجرة لو بقوا في بلادهم من أزواجهم، أو تزوج العزب منهم في السن المعينة للزواج في ~~هذه البلاد. # خسرت البلاد من وجهين في الجملة وربحت من وجهين، خسرت البلاد من عمل هؤلاء الشبان ~~المتغيبين سنين عن أوطانهم، وعن تعطلهم عن التناسل، وربحت مما حملوه إلى الشام من النقود ~~والتهذيب الغربي، ms250 ولكن الخسارة أعظم بدليل أن الثروة هي العمل لا النقود كما يقول علماء ~~الاقتصاد، وأن التهذيب الذي حملوه ناقص؛ لأنه علمهم أمورا رفعت من شممهم، فلم يعد يستطيع ~~المهاجر أن يقيم في قريته إذا آب إليها بعد تغيبه عنها بضع سنين؛ إذ يرى الفرق محسوسا بين ~~ما شاهد في بلاد غيره وعهد في بلاده، ويتأفف من عمله الصغير في الزراعة أو الصناعات ~~الضعيفة ، فلا يلبث أن يعود أدراجه إلى أميركا، ويختار الموت هناك على البقاء في أرض ذلة ~~وقلة. # ولذا لا تعجب إذا رأيت مئات من الدور الفخمة التي عمرت بدراهم أميركا في هذه الديار خالية ~~من سكانها، يلعب فيها الجرذ والفار ولا من يقطنها؛ لأن بناتها عادوا فرحلوا إما طلبا لثروة ~~غير التي نالوها وصرفوها كلها في إنشاء دورهم، وإما لضيق صدر نالهم من سوء إدارة وفساد ~~نظام، وهذا قليل. # قال قنصل فرنسا في تقريره الأخير على بلاد الجليل: إن هؤلاء المهاجرين ينفعون بالأجور ~~التي يؤدونها لشركات الملاحة، ولكنهم يضرون البلاد في ارتقائها الاقتصادي إذ يحرمونها من ~~الأيدي العاملة، وقد نجحوا بأن أسسوا في البلاد التي هاجروا إليها (أميركا الشمالية ~~والجنوبية وأوستراليا وأفريقيا الجنوبية أو مصر) مستعمرات مهمة للغاية، وكثير ممن غادروا ~~بلادهم حفاة لا يملكون أجرة المركب الذي يقلهم وهم في الدرجة الرابعة، قد عادوا إليها ~~يحملون الدنانير في جيوبهم أو الأوراق المالية، وقد اقتبسوا الأذواق والعادات الغربية ~~وأنشئوا يستخدمونها في بيوتهم، وهم يبتاعون الأراضي وينشئون الزراعات الكبرى، وأكثر ~~العائدين منهم على ما أظن هم اللبنانيون والبقاعيون. # قال: وأما سبب الهجرة فلارتفاع وصاية الحكومة عليهم، ولعدم قوانين لحماية الزراعة، ولندرة ~~معاهد المعاونة والإحسان، ولإرهاق العشارين والمرابين، ولكسل لا ينفض غباره إلا بالإقلاع عن ~~البلاد وحبا بالأرباح السهلة، واقتداء بمواطنيهم المغتنين ولجذب البلاد الجديدة لهم، ~~وبينا نرى الوطنيين - ولا سيما من سورية - يهاجرون، نرى الأجانب يهاجرون إليها ولا سيما في ~~فلسطين (أي الصهيونيين). ا.ه. # وبعد، فقد كانت الهجرة مقصورة بادئ بداء على المسيحيين، فأخذ إخوانهم المسلمون يقتفون ~~آثارهم، وكثر ms251 المهاجرون من جميع الطوائف في السنين الأربع الأخيرة عندما طبقت الحكومة قانون ~~الجندية على عامة شبان هذا الوطن، فكان الوالد يسفر ولده في العشرين والخامسة والعشرين، ~~فأنشأ يرحله اليوم في الخامسة عشرة، بل وفي الثانية عشرة لينجو من الخدمة العسكرية، أو ~~ليجمع بدله النقدي قبل أن تصيبه القرعة، وبعد أن تفاقم شر الهجرة في العهد الأخير، أرادت ~~الحكومة أن تمنع الشبان من السفر، فكان ذلك مورد عيش جديد لارتشاء بعض الولاة والمتصرفين ~~والقائم مقامين ورجال الشرطة، وكثرت سماسرة المهاجرة حتى لم يتركوا مزرعة إلا ولجوها ~~وأخرجوا منها أعزة أهلها، وسهلوا لهم سبل الهجرة، ووجد حتى الفقير المعدم من يقرضه على أن ~~يوفيه من عمله في ديار المهجر، وزادت المنافسة بين شركات الملاحة، فأصبح السفر ميسورا من ~~بيروت إلى نيويورك بعشر ليرات، وزاد الصادر وقل الوارد، وكلما أمل المؤملون أن تهدأ أحوال ~~البلاد، تعقدت مشاكلها الداخلية والخارجية، وانتشرت عن البلاد أخبار السوء، فتأخر عن العودة ~~إليها أبناؤها الذين هجروها. # هذا، والحكومة لم تتذرع بأدنى سبب لنزع هذا الخلل في حياة البلاد من أصوله، بل إن ~~النوائب الأخيرة التي صادف وقوعها في عهد الدستور لم تزد البلاد إلا فقرا، إذ اضطرت ~~الحكومة أن تزيد الضرائب والعشور والرسوم، فضعفت الزراعة، وأكثر من ثلاثة أرباع هذه الأمة ~~تعيش من أرضها، وارتقت أجرة العامل إلى أعلى من منسوبها، فأصبح في بعض الأصقاع الزراعية من ~~المتعذر القيام بأعمال الزراعة على ما ينبغي لصاحب ملك ومزرعة؛ لأنه إذا أعطى العامل في ~~اليوم ثلاثة أرباع الريال أو الريال لا يبقى له في آخر السنة ما يوازي نصف إيجار أرضه، ~~ولولا أن بعض البلاد التي أعوزتها اليد العاملة مثل البقاع، استعاضت عنها بما جلبته من ~~الآلات الزراعية الحديثة كالحصادة والدراسة والحراثة والذراية والطحانة لأمست زراعتها ~~بائرة، ولو جرى أهل هذا القطر على سنة أهل أطنة (أذنة) في قليقية من آسيا الصغرى، وأكثروا ~~من الأدوات الحديثة لتم لهم الغنى، وعوضوا ما فاتهم من عمل العاملين، ولعاد جديبها خصيبا ~~ونالوا من ms252 أسباب الثروة حظا عجيبا. # إذا قدرنا ثروة السوريين في مصر والسودان وأميركا وكندا وأوستراليا والترنسفال ومدغسكر ~~والسنيغال بمائة مليون جنيه، # 2 # وهو أقل تعديل؛ لأن نصف هذا المبلغ يملكه السوريون في مصر فقط، وفرضنا أن نصف ~~المهاجرين أحبوا العودة إلى أصقاعهم، يحملون خمسين مليون جنيه من النقود، وما زكنوه وتعلموه ~~من أساليب الصناعة والزراعة والتجارة، تفتح بالطبع موارد اقتصادية جديدة في البلاد، إذا صحت ~~- قبل كل شيء - نية الحكومة على توطيد دعائم الأمن وإحقاق الحق، وذلك باختيار طبقة راقية من ~~العمال والضرب على أيدي الجاهلين والمرتشين منهم. # نعم، إذا قامت الحكومة بواجبها الإداري تستميل المهاجرين إلى العودة، وتحبب إليهم بلادهم ~~التي يؤثرون أن يكون لهم في ربوعها من المغانم نصف ما يتمتعون به في ديار المهجر، فتقوم ~~سورية وحدها بعد بضع سنين بسد العجز من ميزانية الدولة العامة مهما كان مقدارها. ~~••• # وبعد، فيكاد يكون في درجة الثبوت أن البشر نما عددهم منذ عرف التاريخ على الرغم مما ~~نالهم من الطوارئ، التي ذكرها التاريخ من مثل الحروب والأوبئة أو الأسباب الأخرى التي تفقر ~~النمو وتقلل التناسل، ومع هذا فقد كان النسل كثيرا في أوروبا منذ بضعة قرون، وإن كان يكثر ~~موت الأولاد في الطفولية أكثر من اليوم، وتلتهم الأديار جانبا من الرجال والنساء يتعطلون ~~عن التناسل، وليس ترك الأرياف والقرى ونزول الحواضر والمدن مقصورا على بلد خاص أو صقع ~~معين، بل هو ظاهر في كل مكان في البلاد الأوروبية القديمة مثل: سويسرا وألمانيا وفرنسا ~~وإنكلترا ونروج والبلجيك وهولاندة ظهوره في البلاد التي أخذ سكانها بالنمو مثل الولايات ~~المتحدة وكندا وأوستراليا، فترك الأرياف عام يشترك فيه جميع الأجناس: السلتيون ~~كاللاتين، والسلافيون كالروس والبلقانيين، والسكسونيون كالإنكليز، ولا يظهر أن للأوضاع ~~السياسية والاجتماعية دخلا فيه، وما من حكومة من الحكومات خالية منه، حتى إن طريقة تقسيم ~~الأملاك لا تمسك الإنسان في الحقول، وليس في قوانين المواريث ما يظهر أنه أسمى من غيره، فقد ~~خضعت لسلطان الهجرة حتى البلاد المتماسكة الأجزاء مثل فرنسا وإنكلترا والمجر ms253 وروسيا ~~والولايات المتحدة وأوستراليا والأرجنتين، فإن أصقاعا كبيرة استعمرت منذ زمن طويل في ~~الولايات المتحدة، ولا سيما ولايات إنكلترا الجديدة قد خضعت لهذا النظام، فترك أهلها قراهم ~~لينزلوا الحواضر يسكنونها، فنمت بذلك المدن نموا هائلا بالنسبة لمجموع البلاد، فقد بلغ ~~سكان مدينة بونس أيرس عاصمة الجمهورية الفضية مليونا وثلاثمائة ألف، في حين بلغ سكان جميع ~~هذه البلاد ستة ملايين نسمة تدخل فيها العاصمة ، ومساحة أراضي الأرجنتين خمسة أضعاف مساحة ~~فرنسا، وهكذا تجد النمو باديا في مدن الولايات المتحدة كنيويورك وشيكاغو وفيلادلفيا وسان ~~لوي وسنسيناتي وبوسطون وسان فرنسيسكو وستل وأورليان الجديدة، كما هو باد في ملبورن وسدني من ~~عواصم أوستراليا. # هذا ما قاله أحد الاقتصاديين في جريدة الاقتصاد، وعقب عليه بقوله تجمل رءوس أموال ~~كثيرة من العالم القديم - أي من أوروبا - تستثمر في العالم الجديد، فالمليون من الفرنكات ~~يستثمر في أرض فرنسا، فيعود بربح سنوي يختلف بين ثلاثمائة أو مائتي ألف فرنك إذا حسبنا جميع ~~الأيدي التي تتناوله، فنربح منه على حين لو جرت تنمية هذا المليون في البلاد الأجنبية لا ~~تعود من الفائدة بأكثر من 40 إلى 45 ألف فرنك. # إن من يهاجر إلى القاصية كمن يتركون قراهم؛ ليستوطنوا المدن المجاورة يبحثون عن رفاهية ~~أسمى مما تمتعوا به، ويظنون بأنهم يحققون أمانيهم في النجاح بانتقالهم إلى محيط يصرفون فيه ~~قواهم بما يعود عليهم بالنفع أكثر، ومعنى ذلك يدور على البحث عن أجرة أكثر، وهذا هو الباعث ~~الأول على هذه النقلة، بل الباعث الوحيد، فالأجور هي العامل الوحيد الذي يدعو الناس إلى ~~التنقل في عصرنا، أما حب الهواء الجيد والحياة الاجتماعية ولطف الأخلاق وسلاسة العمل، فليس ~~لها محل من الإعراب في جملة هذه الحال. # ترى العامل في الولايات المتحدة وأوستراليا يتنقل من المدن إلى القرى وبالعكس؛ لأن الأجور ~~واحدة في الزراعة والصناعة وكلها رابحة، والقاعدة العامة في ذلك أن المدن والقرى تمسك ~~السكان متى كانت أجورهم مضمونة وحالتهم مأمونة، فقد قل المهاجرون من ألمانيا منذ كثرت ~~صناعتها ونمت بحريتها وتجارتها، ويقل ms254 المهاجرون من المجر وروسيا وإيطاليا متى حسنت حالة ~~الزراعة فيها، وانتظمت أسباب التملك، وجودت الأسباب الاقتصادية أي الأجور، فإذا كانت ~~البلاد الجديدة تستميل إليها المهاجرين بمئات الألوف بل بالملايين؛ فذلك لأنها توزع أجورا ~~عالية، وأوروبا وانكلترا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وروسيا والمجر تبقي اليد العاملة في ~~الحقول إذا ارتفع سعر الأجور الزراعية، وذلك لا يكون إلا بتنويع الزراعة وتكثير المحاصيل ~~والمواشي وتكثير الإيراد ولو قلت أسعار الحاصلات. # إن هولاندة التي تعتبر مجموعها أرضا فقيرة؛ لأن في استثمارها صعوبة قد كثر سكانها ~~اليوم كثرة زائدة بفضل عملهم بحيث حق على الهولانديين ما قاله فرنكلين: «بالقرب من رغيف ~~الخبز يولد رجل»، والمرء كلما دفعته الحاجة يحسن الاحتيال على المعاش، وأميركا وأوستراليا ~~إلى اليوم لم تستثمر من أرضها خيراتها كلها، بل إن خصبها هو المساعد فقط على العكس في ~~غربي أوروبا، فإن العمل هو الذي يستثمرها، وبعد فإن المجتمعات لا تتحرك بالنظريات بل ~~بالعمليات، وكل نظرية تخالف المصالح الحاصلة المبنية على العدل لا يتأتى أن تجري في العمل ~~إلا إذا جعلت هذه المصالح قيد النظر. # | الهجرة إلى مصر1 # إذا كان أصلي من تراب فكلها # بلادي وكل العالمين أقاربي # دحا الله الأرض ليعيش عليها البشر ويتناسلوا فيها فيعمروها ويحيوا مواتها ويسيطروا على ~~المخلوقات كلها، فالأرض هي المنزل العام يجلس أهله في أي ناحية منه أحبوها وراقتهم، ~~ويتنقلون في بقاعها وأصقاعها، ووهادها ونجادها، وسهلها وحزنها، وبحرها وبرها، على حسب ما ~~تقضي أحوال الصحة، وطبائع الأجسام، وخواص النفوس. # فقد هاجر الفينيقيون قديما وأقاموا قرطجنة، عمروها وغيرها من شواطئ البحر الرومي، وهاجر ~~الغوط من جرمانيا إلى جنوبي أوروبا وداهموا المملكة الرومانية، وهاجر الروم من بلادهم إلى ~~شواطئ البحر المتوسط وجزره وشواطئ البحر الأسود وبلاده وعمروها، وكثير من الأمم أمثالهم ~~غادروا مساقط رءوسهم، واتخذوا لهم بلادا ثانية استعمروها. # وهاجرت في العهد الحديث أمم كثيرة، وأهم هجرة وقعت هجرة الأوروبيين إلى أميركا، عمروها ~~بجنسهم الأبيض بعد أن كانت خربة بالجنس الأسود، وكذلك هجرة الهولانديين إلى جنوبي أفريقيا ~~وهجرة الروس إلى ms255 سيبيريا، وهجرة القافقاسيين والجراكسة إلى البلاد العثمانية، وهجرة ~~الإسرائيليين من بلاد روسيا، وهجرة المسلمين الروسيين إلى أميركا وغيرهم. # وللعرب حظ وافر من الهجرة والتنقل في الجاهلية والإسلام، بل إن الهجرة من طبيعة جزيرتهم ~~يعمدون إليها طلبا للكلأ والمراعي أو للاتجار بنتائج مواشيهم وحاصلاتها، وأول هجرة في ~~الإسلام كانت هجرة عشرة من الصحابة وأربع نسوة وقيل أكثر، أمرهم الرسول بالهجرة إلى الحبشة ~~لما رأى ما يصيبهم من البلاء قائلا: لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن فيها ملكا لا يظلم أحد ~~عنده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه، فخرجوا ثم عادوا بعد سنين، وهكذا هاجرت ~~العرب إلى فارس ومصر والشام وإفريقية والأندلس والسند وكشغر لما فتحت، ولولا إقدامهم على ~~الهجرة ما رأينا الإسلام منتشرا في قلب آسيا وأفريقيا. # ولا نزال إلى اليوم نشهد أثرا من آثار حب العرب للهجرة، وقد زادها اليوم قرب المواصلات ~~وسهولة السفر، نرى أهل حضرموت في جنوبي الجزيرة يهاجرون إلى حيدر آباد الدكن الهندية، فيكون ~~معظم جيش البلاد منهم، ونراهم يهاجرون إلى جاوة فيكثر فيها سوادهم ويغتني بعض أفرادهم، ونرى ~~النجديين يهاجرون إلى الهند في التجارة ثم يستوطنونها ويصبحون فيها أصحاب كلمة ونفوذ، ونشهد ~~السوريين يهاجرون إلى أميركا وأفريقيا فيرتاشون ويتأثلون. # وانهيال السوري على هذا القطر (المصري) خاصة قديم جدا يصعب تعيين زمنه لاتصاله ببلاد ~~الشام برا وبحرا، ولم تكن القوافل في الإسلام تنقطع في البر كما أن المراكب لم تكن ~~تنقطع عن السفر في البحر، ولم تبرح بلاد الشام مصيف مصر وإحداهما مكملة لعمران جارتها، وقد ~~وصف ابن فضل الله العمري في التعريف بالمصطلح الشريف طريق القوافل بين القطرين، كما عقد ~~القلقشندي في صبح الأعشى فصلا في مراكب الثلج الواصل من البلاد الشامية إلى الملوك بالديار ~~المصرية، ومصر ما برحت كما وصفها ابن خلدون في القرن الثامن: «بستان العالم، ومحشر الأمم، ~~ومدرج الذر من البشر.» # نعم هي محشر الأمم ولا سيما الأمم المجاورة لها من البر أو المناوحة لها من سيف البحر؛ ~~وذلك لأن ms256 عمرانها طبيعي مستمر في معظم أدوارها، فلا عجب إذا كانت مهاجر الأمم من عرب وعجم، ~~قبل أن تكون نقطة الاتصال بين قارات أوروبا وأفريقيا وآسيا بفتح ترعة السويس، فما بالك بعد ~~أن تم لها ذلك، فمصر والحالة هذه مقصودة من أقطار الأرض أكثر مما يقصد أهلها سائر الأقطار، ~~والأمة التي تكثر في الغالب خيرات بلادها لا يهون عليها مغادرتها، وطلب الحاجيات هو الباعث ~~الأقوى على المهاجرة ، فإذا كفيها المرء يصاب بالوفاء وضعف العزائم. # وما فتئ السوريون والروم والترك والمغاربة مذ كانت حكوماتهم تتغلب على مصر ينزلون بلاد ~~النيل، فالروم حكموها زمنا طويلا وكذلك الترك والعرب والجراكسة، فكان من هذه العناصر أن ~~نزلتها بكثرة، وأصبح أكثرهم فيها عمالا وحكاما وقضاة، ورؤساء جند وعلماء، وأرباب صنائع ~~وتجارة، ولم تكثر هجرة الأوروبيين إليها إلا عقيب الاحتلال الفرنسوي عندما بدأ الفرنسيس ~~والطليان والمجر وغيرهم من أمم الغرب يهبطون إليها، وقد كثر سوادهم على عهد الخديوي إسماعيل ~~لأنه فتح أمامهم طرق الهجرة، وأحسن معاملتهم ووفر لهم المغانم وطرق الكسب. # ولما قبض رجال الاحتلال من الإنكليز على أزمة الأعمال، أخذ الناس يفدون على مصر من كل فج ~~عميق، حتى إنك لتجد فيها الآن من جميع الشعوب واللغات أناسا أسسوا فيها الأعمال التجارية ~~والزراعية والمالية والعلمية، وكثير منهم اغتنوا من خيراتها بفضل كدهم، وقد قدرت ثروة ~~السوريين فيها بخمسين مليون جنيه؛ أي بعشر ثروة القطر، وهكذا سائر الأمم، ولا سيما الروم ~~والطليان والفرنسيس، فإن فيها من هذه الأجناس ألوفا اغتنوا من خيراتها، واتخذوها دار ~~هجرتهم، ووطنا ثانيا لهم، وحال مصر اليوم مع المهاجرين إليها يختلف عن حالها مع أمثالهم ~~في القرن الماضي؛ لأن ثقة الأمم تزداد بها الحين بعد الآخر؛ ولأن الأساس الذي قامت عليه ~~حضارتها اليوم أساس مالي زراعي، خصوصا وقد ظهرت الآن نتائج ما تعب القابضون على أزمة ~~سياستها سنين في تأسيسه، واشتهر ذلك عند الخاص والعام في الأقطار النائية بما يتصل بهم من ~~أخبارها، وأخبار من يغتنون من المهاجرين إليها، ممن توفرت لديهم رءوس ms257 أموال، أو كانوا من ~~أرباب العقل والعمل، فكانت مصر ميدانا لظهور آثارها، وربما لا يذكر الناس إلا من نجحوا، ~~وقلما يذكرون من أخفقوا عادة في البشر، ولعلها من موجبات أقوامهم على الكسب والكدح في هذه ~~الدار. # ولقد ساعد على كثرة الهجرة إليها حال بعض البلاد المجاورة لها من حيث اجتماعها ومادتها، ~~فترى سكان جنوبي إيطاليا القاحلة يهاجرون إليها أكثر من القاطنين في الشمال منها؛ لأن شمالي ~~إيطاليا مخصب، وأهلها مكتفون بما تجود به عليهم أرضهم وسماؤهم، وكذلك تكثر إليها هجرة سكان ~~جزائر البحر الرومي، ولا سيما بلاد اليونان الجديبة وأهل سواحل الشام وجبالها. # هذه مصر من حيث مهاجر الأمم، فهي دولية - كما يقول الساسة - أو مشتركة بين أجناس وأديان ~~شتى، والتاريخ يشهد أنها كانت رحبة الصدر بالوافدين عليها في كل العصور؛ للين عريكة أهلها، ~~ولم يحدث هذا التميز بين سكانها، إلا عندما أراد مهاجرو الإفرنجة أن يستطيلوا على أهلها، ~~فأحدثوا لهم ما يقال له «الامتيازات الأجنبية»، التي تخولهم من الحقوق ما ليس للوطني مثله، ~~ثم كثر توارد الأخلاط عليه، ولم يكن الوافدون إليها على غرار واحد، بل كان منهم المنورون ~~العالمون وهم أفراد، ومنهم المتعلمون المهذبون وهم أكثر، ومنهم العامة الأميون وهم السواد ~~الأعظم، ومعظمهم طلاب رزق وسوقة نازعوا ابن البلاد وربما غلبوه؛ لأن من جاء في طلب غرض ~~يحتال للوصول إليه، والغريب في الغالب يكون أجرأ وأنشط من الأصيل؛ لأن الغربة في ذاتها ~~إمارة من إمارات النشاط: # وطول مقام المرء في الحي مخلق # لديباجتيه فاغترب تتجدد # والأمثلة كثيرة في هذا الباب من القديم والحديث، فليس للوافد ما للقاعد من الخمول ~~والاتكال، ويكفي أن في لندرا لهذا العهد، وهي مهد الصناعات والارتقاء زهاء مائتي ألف رجل ~~من رجال الألمان، استولوا على أعمالها المالية، واستأثروا بها دون ابن البلاد المتعلم ~~المنور، الذي لا يقل عنه في مواهبه، هذا في عاصمة إنكلترا، فما الحال بمصر وأكثر الوافدين ~~إليها هم من الشعوب القوية، ومن أهل البلاد الباردة التي تبعث النشاط في قلوب أبنائها ms258 ~~وأجسامهم وعقولهم، فيتخذون عدتهم استعدادهم، وكدهم رأس مالهم، وعتادهم وذخرهم قصدهم ~~واقتصادهم، على حين قد أتت على الوطني أزمان من الفوضى ضعفت بها قواه، فأصبح لا يقوى على ~~العمل إلا إذا عوده زمنا ولقنه بالتعليم والتربية، وقد فجأته الثروة والحرية مفاجأة بهرته ~~وحيرته، ثم إن ابن البلاد في الغالب لا يسف إلى المكاسب التي يتنازل إليها الغريب، فالأول ~~يدل بأرومته أو يعتز بأمته، والثاني يذل في سد حاجته ونيل بغيته. # ولما رأت الحكومة المصرية على عهد الوزارة الرياضية أن الوطني يكاد يفنى في الدخيل ~~سنت لائحة صعبت فيها على النازل في مصر أسباب الحصول على حقوق الوطني، إلا بعد مقامه ~~خمس عشرة سنة، وإشعاره الحكومة بعزمه على تغيير جنسيته قبل حلول الوقت المعين بخمس سنين، ~~فكانت هذه اللائحة غريبة في بابها، منعت بعض الطراء على القطر من ولوج باب الاستخدام في ~~دواوين الحكومة، وحظرت عليهم تعاطي الأعمال الإدارية والسياسية، إلا أنها صرفت وجهتهم إلى ~~اتخاذ الأعمال التجارية والزراعية والمالية والعلمية الحرة، فأفلحوا أكثر مما لو كانوا ~~حصروا كدهم في الوظائف الاتكالية، ولم تحق عليهم كلمة «مصر للمصريين»، ومن هنا نشأ بغض كثير ~~من المصريين للغرباء، كان السبب في ذلك أولا منافسة هؤلاء لأبناء البلاد في احتياز ~~الوظائف، وساعد عليها ما ألفته بعض الجرائد المسموعة الكلمة من عبارات التفرقة، وهناك أسباب ~~أخرى قواها أرباب الأهواء والغايات، فانتقلت بالتقليد إلى العامة، ومن نحا منحاهم من ~~الخاصة. # وليست الشكوى التي يشكوها بعض الوطنيين من الوافدين في محلها كلها؛ لأن من اغتنى بكده أو ~~بطرق غير شريفة، فإنما غنمه له وغرمه عليه، ولو تسنى لابن البلاد أن يعمل عمله ما تأخر، ~~ويا ليت خاصة هذه البلاد يسعون إلى نزع هذه الأوهام من عقول العامة، حتى لا يبغضوا غيرهم ~~بسبب وبلا سبب، ويمتزج بعضهم مع بعض لتحيل بوتقة مصر ذاك الدخيل إلى المعدن الذي تريد أن ~~يكونوا كلهم عليه، فقد ثبت أن هذه البوتقة المصرية أحالت إليها فيما مضى التركي والألباني ~~والجركسي والكردي والحجازي واليماني ms259 والعراقي والشامي والمغربي والسوداني والرومي والفارسي، ~~فأتى منهم بعد مقامهم قليلا في هذا الوادي مصريون يغارون على مصلحة مصر، وكثير منهم نفعوها ~~وخدموها بعقولهم، وأيديهم أكثر من خدمة أبنائها لها تحت اسم مصريين، وما كانت قط بقعة من ~~الأرض معلومة الحدود والمساحة وقفا على جنس خاص من البشر، لا ينازعها فيه منازع، تسرح ~~وتمرح فيها ما شاءت، فالأرض أرض الله، والناس عباد الله، وما أحلى بيت البحتري في هذا ~~المعنى: # ولا تقل أمم شتى ولا فرق # فالأرض من تربة والناس من رجل # وكل من نظر في نهوض الأمم لا يعتم أن يرى أن كل أمة ربيت على كره غيرها وتجافت عن ~~الاختلاط به وحسن الانتفاع منه تجني من الخسارة أكثر من الربح. # ولقد كانت بغداد من أكثر أمثلة التسامح في البلاد الإسلامية، رفعت مقام الغريب، وأحسنت ~~الاستفادة منه، فكان يعد بغداديا كل من دخل بغداد، تساوى في ذلك عجميها وديلميها وعربيها ~~وتركيها، ونسطوريها وروميها ومجوسيها ومسلمها، فجمع العدل من شملهم، وآخت الراحة بينهم، وعد ~~سواء في النسبة إليها من نزلها اليوم ومن نزلها منذ قرن، وقد أعان على تكوين هذا المزيج ~~انتقاء الجنسية في الإسلام ورفق المسلمين بأهل ذمتهم، ولولا ذلك ما قامت تلك الحضارة التي ~~نسبت للمسلمين العرب مع أن أثرهم فيها كأثر غيرهم من الأجناس والأديان، ولكن العمل مشترك ~~وهو منسوب لصاحب البيت، كالجنود يشقون في الحرب، ثم ينسب النصر لقائدهم. # وإنا لا نزال نقول: إن من حظ مصر أن تكون البلاد المجاورة لها محتاجة إليها، حتى أشبهت ~~فاس في القرون الوسطى لما تواتر عيث الأعراب على القيروان، واضطربت قرطبة باختلاف بني أمية ~~بعد موت محمد بن أبي عامر وابنه، فرحل من قرطبة ومن القيروان من كان فيها من العلماء ~~والفضلاء من كل طبقة، فنزل أكثرهم مدينة فاس، قال صاحب المعجب في الثلث الأول من المائة ~~السابعة: إن فاس اليوم على غاية الحضارة، وأهلها في غاية الكيس ونهاية الظرف، ولغتهم أفصح ~~اللغات في ذاك الإقليم، وما زلت أسمع ms260 المشايخ يدعونها بغداد المغرب، وبحق ما قالوا ذلك، ~~وقال: إن القيروان كانت منذ الفتح إلى أن خربها الأعراب دار العلم بالمغرب، إليها ينسب ~~أكابر علمائه، وإليها كانت رحلة أهله في طلب العلم، فلما استولى عليها الخراب تفرق أهلها ~~في كل وجه، فمنهم من قصد مصر، ومنهم من قصد صقلية والأندلس، وقصدت منهم طائفة عظيمة أقصى ~~المغرب، فنزلوا مدينة فاس. # قصدوا فاس كما قصد الأندلسيون بلاد مراكش والجزائر وتونس وطرابلس ومصر والشام لما أذن ~~الله بانقراض دولتهم فعدوا من أهلها، بل كما رحل الإيطالي والألماني والإسباني والإنكليزي ~~والفرنسوي إلى أميركا، لما ضاقت سبل الرزق في وجوههم، فعدوا أميركيين وأنشئوا يخدمون ~~أميركا أكثر من خدمتهم لبلادهم، حتى إذا تناسلوا فيها جاء أولادهم أميركيين صرفا، وكلما ~~ارتقت الأمم تتطال إلى إدماج غيرها في مجموعها، والأمم الإفرنجية اليوم أكثر تسامحا في هذا ~~المعنى من الأمم الشرقية كما يظهر بالاستقراء. # قال ابن حزم الأندلسي: إن جميع المؤرخين من أئمتنا السالفين والباقين دون محاشاة أحد، ~~بل قد تيقنا إجماعهم على ذلك متفقون على أن ينسبوا الرجل إلى مكان هجرته التي استقر بها، ~~ولم يرحل عنها رحيل ترك لسكانها إلى أن مات، فإن ذكروا الكوفيين من الصحابة - رضي الله ~~عنهم - صدروا بعلي وابن مسعود وحذيفة - رضي الله عنهم - وإنما سكن علي الكوفة خمسة أعوام ~~وأشهرا (قال ابن حجر: صوابه أربعة أعوام) وقد بقي 58 عاما وأشهرا بمكة والمدينة شرفها ~~الله تعالى، وكذلك أيضا أكثر أعمار من ذكرنا، وإن ذكروا البصريين بدءوا بمران بن حصين، ~~وأنس بن مالك، وهشام بن عامر، وأبي بكرة، وهؤلاء مواليدهم وعامة زمن أكثرهم وأكثر مقامهم ~~بالحجاز وتهامة والطائف، وجمهرة أعمارهم خلت هنالك. وإن ذكروا الشاميين نوهوا بعبادة بن ~~الصامت، وأبي الدرداء، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ، ومعاوية، والأمر في هؤلاء كالأمر فيمن ~~قبلهم، وكذلك في المصريين عمرو بن العاص، وخارجة بن حذافة العدوي، وفي المكيين عبد الله بن ~~عباس، وعبد الله بن الزبير، والحكم في هؤلاء كالحكم فيمن قصصنا فيمن هاجر إلينا من ms261 سائر ~~البلاد، فنحن أحق به وهو منا بحكم جميع أولي الأمر منا الذين إجماعهم فرض اتباعه، وخلافه ~~محرم اقترافه، ومن هاجر منا إلى غيرنا ملاحظ لنا فيه، والمكان الذي اختاره أسعد به. # | التفاضل بالبلاد # ألف الناس التمجد بالبلاد والآباء والأجداد والمال والبنين، عادة في البشر تكثر فيهم ~~بكثرة الجهل، وتقل بانتشار العلم. ولقد كان لأهل هذه البلاد من هذا التمجد الباطل قسط وافر ~~ساعد على إنمائه في النفوس جهل بعض ولاة الأمر السالفين، واتخاذ هذه الأضاليل حجة على من ~~يريدون مناوأته وإرجاعه إلى الطاعة، لطالما خطب الحجاج في أهل العراق، ووصفهم بقوله أهل ~~الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، وأطلق عليهم من قبله ومن بعده من أمراء ذاك القطر مثل تلك ~~الصفات، وما كانت هذه المعاملة لأهل العراق إلا سياسية، ولو كانت أخلاقهم كذلك، وكان فيمن ~~ولي رقابهم علم وشفقة؛ لسعى السعي الحثيث إلى نزعها منهم بحكم العادة والأسوة والقدوة، ولعل ~~هذه الدعوة كانت جملة فلسفة أولئك الحكام وبيت قصيد حملهم على رقاب الناس، وكان من أهل ~~الشام أن وسمهم أعداؤهم بكل كبيرة، وألصقوا فيهم باطل التهمات، وهكذا الحال بين الشام ~~والحجاز والشام والعراق. # فإن معظم المؤرخين والمؤلفين نبغوا في العراق، فأكثروا في مصنفاتهم من الأحاديث الموضوعة ~~على أهل الشام؛ لقلة من كتب من هؤلاء ودافع عنهم، ومثل ذلك قل في المغرب مع مصر، ومصر مع ~~الشام، وفارس مع الهند، وكلها في الحقيقة سفاسف لا تساوي درهما عند المحققين، وما البلاد ~~في أمر الأفضلية إلا سواء، لا يفضل شرق عن غرب ولا جنوب عن شمال إلا بالعلم النافع والأدب ~~الرافع والعمران والسعادة؛ ولذا ضل رأي من وضعوا من المتأخرين كتبا خاصة في فضائل بلد أو ~~قطر، وأضل منهم من وضعوا أحاديث مكذوبة على الرسول # صلى الله عليه وسلم # في تفضيل مدينة أو بلد، كما ضل ~~من وضعوا الموضوعات طعنا على فئة خالفت ما هم عليه. # وبعد، فالأرض كلها سواء في هوائها ومائها، دحاها الله ليعيش فيها البشر، ويتنقلوا في ~~أقطارها، وقد لا ms262 تختلف الأقطار المتنائية في قوة الإنبات إلا قليلا، فليس من العقل أن ~~تمدح بلد لجبل فيها، أو سهل فسيح حواليها، أو نهر كبير يمر في وسطها، ولا أن تذم أخرى ~~لحرارتها أو لضيق حاراتها وجاداتها. # فكانت مصر - ولا تزال - مثلا منذ ألوف من السنين طريدة من الأرض عرفت بخصبها وغناها ~~الطبيعي، وكانت الشام - ولا تزال - منذ ألوف من الأعوام مشهورة باختلاف أهويتها، ورقة ~~نسيمها، وتنوع جبالها وأوديتها ، فما عد ذلك فضيلة للأولى على الثانية ولا للثانية على ~~الأولى، بل حسب لهما خاصية يمتاز بها كلا القطرين بعضهما عن بعض، وقد أنصفهما في الوصف أحد ~~عمال الدولة، وقد سئل عنهما فقال: مصر مزرعة ممرعة، والشام مصيف بهيج. # إن كان ما تفاخر به البلاد بعضها بعضا هذا إذا سوغنا التفاخر، فبالعلم والتربية وغلبة ~~الفضيلة والخير على طبقات الناس كلها، لا بالماء والهواء والواحات والجبال والأودية ~~والأشجار والأثمار، وكل ما وزعته الطبيعة بين بلدان العالم، فنال كل منها بحسب حالته. دخل ~~أبو الحكم المغربي الأندلسي الحكيم المرسي مدينة دمشق، فلما حل ظاهرها سير غلاما له يبتاع ~~لهما ما يأكلانه في يومهما وأصحبه نزرا يكفي رجلين، فعاد الغلام ومعه شواء وفاكهة وحلواء ~~وفقاع وثلج، فنظر أبو الحكم إلى ما جاء به، وقال له عند استكثاره: أوجدت أحدا من معارفنا، ~~فقال: لا، وإنما ابتعت هذا بما كان معي، وبقيت منه هذه البقية، فقال أبو الحكم: هذا بلد لا ~~يحل لذي عقل أن يتعداه، ودخل وارتاد منزلا وسكنه، وفتح دكان عطار يبيع به ويطب، وأقام على ~~ذلك إلى أن وافاه أجله. # ومثل ذلك ما وقع للملك المعظم شمس الدين توران شاه أخو السلطان صلاح الدين يوسف، لما ~~تمهدت له بلاد اليمن واستقامت أمورها، مل المقام بها، وحن إلى الشام، وفيها نشأ واشتاق إلى ~~خيراتها والتمتع بثمراتها؛ إذ إن اليمن محرومة ذلك، قال ابن خلكان: فكتب إلى أخيه صلاح ~~الدين يستقيل منها، ويسأله الإذن له في العود إلى الشام، ويشكو حاله وما يقاسيه من عدم ~~المرافق التي ms263 يحتاج إليها، فأرسل صلاح الدين رسولا مضمون رسالته ترغيبه في الإقامة، وأنها ~~كثيرة الأموال ومملكة كبيرة، فلما سمع الرسالة قال لمتولي خزانته: أحضر لنا ألف دينار ~~فأحضرها، فقال لأستاذ داره والرسول حاضر عنده: أرسل هذا الكيس إلى السوق يشترون لنا بما فيه ~~قطعة ثلج. # فقال أستاذ الدار: يا مولانا هذه بلاد اليمن من أين يكون فيها ثلج؟ فقال: دعهم يشترون بها ~~طبق مشمش لوزي، فقال: أين يوجد هذا النوع ههنا؟ فجعل يعد عليه جميع أنواع فواكه دمشق، ~~وأستاذ الدار يظهر تعجبه من كلامه، وكلما قال له عن نوع يقول له: يا مولانا من أين يوجد ~~هذا ههنا؟ فلما استوفى الكلام إلى آخره قال للرسول: ليت شعري! ماذا أصنع بهذه الأموال إذا ~~لم أنتفع بها في ملذاتي وشهواتي، فإن المال لا يؤكل بعينه، بل الفائدة فيه أنه يتوصل به ~~الإنسان إلى بلوغ أغراضه. # ولعمري، هل يصح أن تجعل أمثال هذه القصص حجة في أفضلية دمشق على غيرها من أمهات المدن ~~حيث المعيشة غالية، وهل هذا الرخص مما ينبغي أن يفاخر به، وأهل الاقتصاد في عصرنا يجعلونه ~~إذا استحكم من بلد شؤما عليه، ويعدون البلد كل البلد الذي غلت فيه أسعار الحاجيات ~~والكماليات، وارتفعت الأجور والارتفاقات على نسبتها، والأمثلة على ذلك كثيرة، فإنه يبلغنا ~~لهذا العهد عن بلاد الأناضول وهبوط أسعار المأكولات فيها لقلة ما يصدر عنها، ما لا يكاد ~~يصدق لولا تواتره على ألسن الطارئين على ذاك الصقع، فهل تفضل السكنى فيه على الروم أيلى ~~المرتفعة أسعار الأرزاق فيه، وبعد، فإن كان لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، فلا فضل ~~لبلد على آخر إلا بالعلم والعمل والسعادة الحقيقة. # | النزلاء المسلمون1 # قضى الله على هذا القطر أن يكون منذ القديم مهاجرا لأمم الأرض، ولا سيما من الأولى قيض ~~لهم الحكم عليه من روم وفرس وترك وجركس وكرد، أو كانوا مجاورين له من شماله وجنوبه وشرقه ~~وغربه، فيأتيه بعضهم متاجرا، وآخر موظفا، وفريق غازيا وغيره مسالما، وتربة مصر الجيدة ~~تبتلع من تبتلع ms264 من تلك العناصر وتحيلهم بوتقة النيل مصريين، ومنهم من يعود من حيث أتى بعد ~~أن يقضي في ربوعها زمنا، وقد استفادوا منها ماديا أو معنويا. # وكان بعض تلك الأجناس إذا نزلوا العاصمة وقواعد المدن في القطر يجتمعون في بقعة واحدة، ~~ويؤلفون جماعة أو حزبا، ويتخذون لهم حارات خاصة بهم يسكنونها، ومحال تجمعهم وعادات يحرصون ~~على الاحتفاظ بها والجنسية علة الضم، أو كما قال امرؤ القيس: # وكل غريب للغريب نسيب # أما إذا نزلوا الأرياف فقلما كنت ترى لهم كلمة، فيبقون في غمار السكان في الغالب ويمتزجون ~~بأهلها، فيجعل ذلك لهم فقد لغاتهم أن يكونوا لا يتكلمون العربية، أو فقد جنسياتهم إن ~~كانوا عربا، وما هي إلا بضع سنين حتى يصبحوا مصريين صرفا. # والغالب أن كل فاتح يستعين بالغرباء على قيام أمره، ويعتمد في الأكثر على أناس من بني ~~جنسه، هكذا فعل الرومي والفارسي قبل الإسلام، وهكذا فعل التركي والجركسي والكردي والأرناؤدي ~~بعده، وإن كان الإسلام قد منع من القول بالجنسية والعصبية، ولكن الدول تراعي في هذا الشأن ~~حالة الزمان والمكان، ثم إن الغالب يرى من الواجب عليه أن يقرب إليه الأقرب والأقرب، ~~والأقربون أولى بالمعروف. # هذا إجمال من تاريخ نزول الذين هبطوا مصر في الأدوار السالفة، وإنا لنرى منه اليوم مثالا ~~مجسما من المحتلين وتوسيدهم الوظائف الكبرى الرابحة إلى أبناء جلدتهم، فإذا لم يجدوا منهم ~~من يرتضونه، يختارون أن يوسدوها إن أمكن لرجل أوروبي بدل المصري أو العثماني، كما يختارون ~~توسيدها للمسيحي أو غيره من غير أهل الإسلام. # بمثل هذه الحال السياسية يحدث الخلف بين الوطني والنزيل، ويلتف كل فريق على فريقه، ~~والحكام من وراء ذلك يسرون بهذه الفرقة بين الأجناس والعناصر، ما دامت القاعدة التي سارت ~~عليها الحكومات هي «فرق تسد»؛ ولذلك كان يزداد هذا التنافر بين الدخيل والأصيل، كلما ~~نفخ الحاكم في ضرامه، ويخمد كلما انقطعت عنه مادة التفريق، وهذا ما دعا إلى أن تكون لكل ~~عنصر من النزلاء جمعياتهم الخاصة بهم ومدارسهم وكنائسهم وحاراتهم ومحالهم وأنديتهم. # لا يكاد ms265 يمضي شهر إلا ويجيئني كتاب من جماعة، يطلبون إلي أن أشاركهم في جمعية سورية، ~~يريدون تأسيسها لغرض اجتماعي أو أدبي أو خيري، وأن أساعدهم مساعدة أدبية بالقلم إن لم ~~تتيسر لي مساعدتهم بالدينار والدرهم فأعتذر إليهم، فمنهم من يقبل العذر، ومنهم من لا يقنعه ~~قولي ويحمله على ما يقع في نفسه من الظنون، ومعظم هؤلاء الداعين جماعة من المسيحيين يريدون ~~أن يكثروا بالمسلمين سوادهم، ويستعينوا بهم على غرض يرون فائدته لأبناء بلادهم. # المسلمون العثمانيون أو السوريون في مصر أفراد قلائل بالنسبة لسائر العناصر؛ ولذلك لم ير ~~اللورد كرومر في كتابه «مصر الحديثة» أن يخصهم بكلمة لقلة سوادهم، وبعبارة أخرى إن ~~أكثرهم من التجار أو من السوقة لا يدخلون في مسائل البلاد العمومية، ولا يتأتى للاحتلال أن ~~يعتمد عليهم؛ لأن الدين يمنعهم من خدمة أفكاره، وهم يرون المصريين إخوانهم في الدين ~~والتابعية واللغة والجوار، وهل أعظم من ذلك رابطة؟! # وما راعني أمس إلا كتاب من أحد المسلمين السوريين من تجار هذه العاصمة، يقول لي: إنه ساع ~~مع بعض أصحابه في تأسيس جمعية خيرية إسلامية سورية بالقطر المصري، تساعد الفقراء السوريين ~~المسلمين ممن لا ناصر لهم ولا ملجأ، يلجئون إليه عند الشدائد؛ وذلك لأن إلقاء حبلهم على ~~غاربهم مما يشين سمعتنا الأدبية بين الخاص والعام، ولا فرق في ذلك بين الدمشقي والحلبي ~~والبيروتي والطرابلسي وغيرهم؛ لأنهم كلهم أبناء طائفة واحدة، وتظلهم راية واحدة، ويدور محور ~~أعمال هذه الجمعية على مواساة الفقراء، وتربية الأيتام على الطرق الحديثة، وإدرار الأرزاق ~~على الأرامل والمرضى، وتجهيز الموتى، وتسفير الفقراء، وتتولى الجمعية غير ذلك من أعمال ~~الخير، وستكون قيمة الاشتراك في الشهر عشرة قروش صحيحة، وإذا تبرع بعض الأغنياء بأكثر من ~~ذلك فيكون لهم الفضل ... إلخ. # هذه خلاصة الكتاب، وفيه من الحث على مساعدة الجمعية ما هو طبيعي، ولكن حسن ظن القوم بي لا ~~يمنعني من النصح لهم، بأن يجعلوها جمعية خيرية مطلقا بدون وضع اسم «السوري» عليها، وأرجو ~~ألا يحمل ذلك على ضعف في الوطنية، بل ms266 أن يتدبر القائمون بالأمر فيما أقول. # المسلم السوري هنا لا يعتبر كما يعتبر غيره خصوصا، وهو - كما قلنا - لم يدخل في معترك ~~السياسة المصرية؛ ولذلك ينظر إليه المصري بأنه أخوه ووطنيه يعامله كما يعامل ابن النيل، ~~ويبوح إليه ببثه وحزنه ويصاهره ويعاشره ويرتبط به؛ ولذلك تدعو الحكمة أن يقوم السوري هنا - ~~إن كان لا يرى مندوحة له عن أن يسمي نفسه بهذا الاسم - في جميع أعماله تبعا لأخيه ~~المصري. # ليعمل السوري الخير، ولكن لا على أنه سوري، بل على أنه مسلم أو مصري؛ لأن الأدب يقضي عليه ~~أن يندمج في جسم أخيه المصري لينتفع كلاهما بصاحبه، وما جزاء من يحب إلا أن يحب، ومن أدب ~~الغريب ألا يجهر بأن مصلحته تخالف مصلحة من ينزل عليه. # المسلمون من أهل البلاد المجاورة لمصر ما زالوا منذ القديم يهبطون هذا القطر كسائر الأمم، ~~ولكنهم يندمجون في سلك أهله، ولا يلبثون أن تكون لهم نفس حقوقهم؛ وذلك لما وقر في النفوس ~~من انتفاء الجنسية في الإسلام؛ ولأن من مصلحة النزيل أن يكون تبعا للزميل لا يقاومه في ~~رغباته، بل يخدم الغرض الذي يرمي إليه ما دام الغرض لا يتعدى طور العقل، فيجد النزيل من ابن ~~البلاد كرم الوفادة بما لا يعذر به ابن البلاد نفسها، والغريب بالنظر لنشاطه إذا لزم الأدب ~~مع من ينزل عليه يربح أكثر من حرصه على الأسماء. # وما سورية ومصر إلا بلدان متجاوران، والسوري الذي ينفع مصر مصري والمصري الذي ينفع سورية ~~سوري، والحمد لله أن خلقنا في زمان سقطت معه دولة التحزب للجنسيات، فلم يعد الناس كما ~~كانوا في الأزمان السالفة يعادي بعضهم بعضا في القطر الواحد، بل في البلد الواحد، بل في ~~الحارة الواحدة على أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، اللهم إلا عدم المعرفة بطبيعة الكون، ~~وطبيعة تنقل الناس في هذه الأرض منذ القديم. # الحمد لله أن جئنا في زمن نسمع فيه أن البشر يفكرون في اختيار لغة واحدة تجمعهم ~~ليتعارفوا بها، وأن يزيلوا الحدود من ms267 تخوم الممالك؛ حتى لا يكون بين أمة وأمة ما يصدهما عن ~~الاختلاط وجلب المنافع ودرء المضار. # وإن كل عاقل ليوقن بأن النغمة التي ضرب على وترها بعض السوريين في هذا القطر على عهد ~~انتشار حرية الأقلام لم تكن إلا من باب «خالف تعرف»، أراد بها أربابها التذرع إلى نيل ~~الشهرة أو أغراضا مادية أخرى، ولذلك أخشى أن تكون تلك النغمة التي سكنت نأمتها الآن هي ~~التي بقيت بقاياها في أذهان بعض المسلمين من السوريين، فقاموا اليوم يريدون أن يخرجوا عن ~~الجماعة، ويؤسسوا لأنفسهم جمعية تضم شتاتهم، ولو فعلوا لكان شرها أكثر من خيرها، وعلى الله ~~قصد السبيل. # | غوطة دمشق1 # إيه، غوطة الفيحاء، مجلى الطبيعة ومغنى الأنس، وروضة الطيبات، ومهبط التجليات، سلام زكي ~~كتربتك المسكية، جميل جمال بسطك السندسية، عطر كأنوار أدواحك الجنية، وتحية طيبة تتساقط على ~~عمرانك، تساقط الوابل والطل على جناتك الغناء، وحراجك الغلباء، وأشجارك الميلاء، وغلاتك ~~الكثيرة الأتاء. # سلام عليك يا مستقر النعماء، وقرارة الهناء والرخاء، وخير خلوة يفزع إلى أرجائها الناسكون ~~والعالمون، ويتقلب في أجوائها عشاق الطرب وأرباب المجون، فيك تتجسم عظمة خالق السماوات إذا ~~بالغ في الإفضال على الأرضين، وتبدو همة الخلق إذا صحت عزائمهم أن يكونوا عاملين لا ~~خاملين، فليس في الأقاليم ما يفوقك باعتدال المواسم، وافترار المباسم، وتلون المظاهر، وتنوع ~~الثمرات والأزاهر، وتلوي الجداول والأنهار، وتجلي الطبيعة في العشايا والأسحار. # سلام على وادي دمشق، إنه آية الحسن والإحسان، فيه تتجدد الحياة كل حين؛ لأنه بمنزلة ~~الربيع من الزمان، ويحلو العيش في ظل أفيائه على سذاجته مهما كان مرا، وتطمئن النفس إلى ~~التنقل في رباعه بردا كان أو حرا، إيه غوطة جلق لم يؤثر عنك أن أمسكت خيراتك عاما عن ~~أبنائك، فلا تفتئين على الدهر تخرجين لساكنيك أفلاذ أكبادك، على تعاقب الأمم والدول، ~~وتصدقين الود لكل من يطلب قربك، فيعيش معك في رخاء وصفاء. # سلام على سكونك في الليالي الظلماء والقمراء، ربيعا كان أو صيفا أو خريفا أو شتاء، ~~وهنيئا مريئا لمن يستمتعون بالنظر إليك ms268 من الصباح إلى المساء، ويتعهدونك بالحرث والكرث ~~والتقليم والتنقية والزرع والإرواء، سواء عندهم حمارة القيظ وصبارة القر، وظلمة الليل وشمس ~~النهار، سلام عليهم أنهم مثال النشاط في المزارعين، لا يضنون على أرضهم بأوقاتهم وأتعابهم، ~~وهي تجودهم ضروب الخير والمير كلما جودوا زراعتها، وتزيدهم بركات على بركات كلما رعوها ~~فأحسنوا رعايتها، وهم مهما صهرت جسومهم حرارتها، وصفرت سحناتهم رطوبتها بيض الوجوه شم ~~الأنوف؛ لأن رزقهم مناط أيديهم العاملة، لا يعتمدون في تحصيل قوتهم على غير قوتهم، ولا ~~يتكلون إلا على من ينزل الغيث، ويمرع الزرع، ويدر الضرع، ولو حسن فيها نزع الفضول من ~~العقول، وأنيرت بأنوار علوم المدنية على الأصول، فتعهد أبناؤها بالتربية كما تربى عندهم ~~الرياض والحقول، وتوقى مما يؤذي الزروع والثمار والبقول، لكانت خير بقعة يسكنها ساكن في ~~الحياة، ولصح عليها قول من قال: طوبى لمن كان له في أرضها مربض شاة. # سلام غوطة دمشق كلما غردت أطيارك، فلك على المشاعر سجع الحمام واليمام، وهديل العندليب ~~والهزار، وتغريد العصفور والشحرور، كيف لا تستهوين النفس، ونعيق الغربان، ونقيق الضفادع، ~~إذا رددهما الصدى في لياليك يفسرهما القلب بمعان لا تفهم منهما في الكور الأخرى، كما يفسر ~~في النهار ثغاء الماعز والحملان، وجؤار البقر وخوار الثيران. # فسلام وألف سلام عليك يا كريمة الطبع، وبديعة الصنع، وعريقة المجد، ونبيلة الجد والجد، ~~وزكية العرق، وهينة الرزق، وطيبة النجار، والمحسنة للأهل والجار، ففي مغانيك تصفو النفس من ~~كدورات هذه الحضارة الملفقة، وتنجو من سماع فظائع الإنسانية المعذبة، وبقليلك - وإن كان ~~قليلك لا يقال له قليل - يغتبط الإنسان، ولا يتكالب على حطام الدنيا تكالب الضاري من ~~الحيوان، ويطلع الزهرة ربة الجمال من منافذ أفقك، توحي إلى الخيال روحا من عندها، فتفيض ~~القرائح وترق العواطف، وفي منبسط صعيدك الطيب، يسلو الخاطر همومه، وتطرب الحواس، من دون ما ~~كاس، ولا نغمة أوتار وأجراس. # في هذا الريف العجيب تقرأ سور العدل الإلهي في تقسيم الأرزاق، فلا فقر مدقع، ولا غنى ~~مفرط، ويعيش القائمون على تعهده عيشا متشابها إلا قليلا، ms269 يغتني أفراد منهم بذكائهم ~~واقتصادهم، فلا ترى في فقرائهم سلاطة الجياع أرباب النهم، ولا في أغنيائهم قسوة قلوب أهل ~~الرفاهية والنعم، فسبحان من وفر للغوطة قسطها من الغنى والغناء، وضاعف لها حظها من الجمال ~~والاعتدال، وأجزل لها عناصرها الحيوية، فزادها كر الجديدين نماء إلى نماء. # | شبه جزيرة كليبولي # إلى هذه البقعة الطيبة بمناظرها وغاباتها وسهولها وجبالها يهوي اليوم ويحق له أن يهوي ~~فؤاد كل عثماني يحب هذا الوطن المحبوب ، ويتفانى في التبرك بتربته، ويخاف عليها من عوادي ~~المعتدين، ويكره لها ظل المستعمرين من الغربيين. # جزيرة مستطيلة كهذه يبلغ عرضها - فيما أذكر - من ستة كيلومترات إلى ثلاثين، وطولها 85 ~~كيلومترا، تتقاذفها القنابل والقذائف والدمرات والمنفجرات وطيارات السماء ودوارع الماء منذ ~~زهاء سبعة أشهر، وهي لا تزال صابرة على الأذى باسمة الوجه للقاء العدى. # في هذه الشبه الجزيرة تجلى العقل العثماني، وتم آخر ما وصلت إليه مدارك أبناء هذا الوطن ~~في استكمال أسباب الدفاع، والأخذ بحظ أوفر من أساليب الكر والفر والتعبئة والمصاف، ولولا ~~هذه العناية والاستهانة بكل عزيز في سبيل الذود عن حمى هذه الشبه الجزيرة؛ لتبدلت وجه الحرب ~~الأوروبية، ولنالنا من الاضطهاد ما لا يكاد يخطر لنا على بال. # هذه الأرض المحاطة بالبحر من أكثر أطرافها عرفت دول الاتفاق المربع أن هناك قوة أسمى ~~من قوة البشر، وهي القوة الإلهية التي استند إليها العثمانيون قبل كل شيء، ودونها قوى ~~الأساطيل والغواصات والطيارات والمقذوفات والمفرقعات، يضاف إليها يقين مازج الأفئدة، ~~والأرواح من ثقة الانتصار، وكراهة ليس بعدها غاية لحكم الأجنبي والتشبيع بمعاني الوطنية ~~والجنسية. # وقفت على جبهات الحرب في مواقع «آري بروني» و«أنافورطة» و«جناق قلعة»، وأشرفت على أنحاء ~~«سد البحر»، وهي المواقع الأربعة التي دار ويدور عليها القتال، واشتد فيها الطعن والنزال، ~~فعظم في عيني غناء جيشنا، وفاخرت نفسي بقوادنا وضباطنا وجندنا، وأيقنت أننا إذا ضممنا شملنا ~~في كل نازلة وكل شأن، وتذرعنا بعامة الأسباب التي يتذرع بها البشر الممدن، نضاهي أعظم الدول ~~منعة ومضاء، وها قد قضينا باعتصامنا بحبل الله ms270 على مطامع الطامعين، وهم ما هم بقواهم البرية ~~والبحرية. # سبعة أشهر مضت على دفاع جناق قلعة والعدو يمخر العباب بدوارعه وطراداته ورعاداته ~~ومدمراته، ويخرج إلى البر الكتائب أثر الكتائب، ويستجلب السلاح، ويتذرع بأقصى ما وصل إليه ~~طوق الإنسان من التفنن في إرهاق الخصم واقتحام السبل، فلم يستطع التقدم شبرا عن المكان ~~الذي نزله أول يوم، ولا يزال جيشه تحت حماية أساطيله لا ذرى له ولا أكمات، وجيشنا يطل عليه ~~إطلالا يذيقه كل يوم مرارة الهزائم ألوانا وأشكالا، ويفحش القتل في رجاله حتى قدر ~~الهالك منه بنحو مائة ألف، فقدها وفقد معها جانبا من أسطوله، وأنفق عشرات الملايين من ~~الدنانير، وهو في مكانه لم ينل ولن ينال بحول الله ما تطمع به نفسه من استباحة ~~حمانا. # هذا المضيق هو في الحقيقة مفتاح دار الخلافة، وكان المتفقون على مثل اليقين بأن عمله سهل ~~يحتاج إلى بضعة أسابيع، ولكن خيب المولى ظنونهم ونعى عليهم اعتدادهم بقوتهم، وألقى عليهم ~~أمثولة مما ينال الظلمة من سوء المغبة، وأن التمويه للعبث بعقول الناس لحكمهم كما تحكم ~~البهائم إن جاز يوما فلا يجوز على الأمم في آخر، وأن الله لا يضيع عمل عامل. # إن دفاعنا في حمانا في جناق قلعة قطع آخر عرق من الآمال للمتفقين، وقضى على مطامعهم ~~فينا أبد الدهر إن شاء الله، ومن رأى ما رأيناه هنا من إبداعنا في طرق القتال، وشاهد ~~استعدادنا في خصومنا وطرقنا وسلاحنا ومدافعنا ونظام جيشنا، وما ينبغي له من المؤنة والذخيرة ~~والتمريض، يجهر بصوته قائلا: هذا عمل لا يتهيأ إلا لأمة تحب أن تبقى، ولا يتيسر ذلك إلا ~~لمن كتبت له السعادة. # غابات شبه جزيرة كليبولي ونجادها ووهادها وسواحلها وسهولها، لقد طلت في ربوعك دماء زكية ~~من دماء العثمانيين، ولكنها ستبقى على جبين الأيام مسكية الأريج عطرة بالثناء، تنم عن معرفة ~~من استشهدوا في سبيل الفرض الوطني، وذاقوا معنى الوطن والوطنية، إن الدم الطاهر الذي أريق ~~على تربتك جعل لها ريحا من ريح الجنة، وسيكون لمن فادوا بها ms271 من الذكر الجميل ما كان لأبطال ~~المسلمين في وقائع الصليبيين، وشعار ذلك: هذا عمل أفراد قتلوا ليحيوا أمة، وفادوا بنفوسهم ~~في سبيل الله ليحموا ذمار الخلافة المعظمة، ويربئوا بهذا الوطن عن أن يستباح حماه، ~~ويحافظوا بأرواحهم على آخر دولة إسلامية مستقلة، جمعت شمل الإسلام والمسلمين، وحمت حمى ~~الحرمين الشريفين. # كلما هبت الصبا والشمال على أرجاء شبه جزيرة كليبولي، وطلعت عليها الشمس وغربت، وأقمرت ~~السماء وأظلمت وأمطرت وأثلجت، وأرعدت وأبرقت، يردد لسان الحال فيها هذه ثمرة التضامن بين ~~أعضاء البيت الواحد، هنا قضى العربي والتركي والكردي واللازي وغيرهم لإعلاء كلمة الحق، ~~واتقاء عادية الدخيل الثقيل، هنا نظم العثمانيون أرقى جيش انتظم لهم منذ عهد الفاتح وسليم ~~وسليمان وتشبع أهله بروح الوطنية، وغنم غزاتهم أحياء وأمواتا سعادة الدارين. # أرض شبه جزيرة كليبولي، ستبقين مقدسة في نظر كل مسلم كما قدس الله الأرض المقدسة، وستذكرك ~~الأجيال عقيب الأجيال والدهور أثر الدهور بالإعظام والاحترام، كما تذكر هذه الحرب العامة ~~بالهول والاستغراب، أنت كذبت البشر في ادعائهم أن «كل محصور مأخوذ»، وأكدت لهم عكس ~~القضية في أن «كل محصور محفوظ»، فسلام عليك محاربة ومسالمة، وألف ألف رحمة ورضى على عظام ~~شهداء ضمتها تربتك الطيبة، ومروجك السندسية وتلعاتك الزمردية. # | جبال طوروس # هذا مضيق يسمونه اليوم «كولك بوغازي»، ومعناه مضيق الكيلة كيلة الحبوب، كانت العرب تسميه ~~الدرب أو الدروب، ذكره امرؤ القيس ملك الشعر في الجاهلية في شعره لما توجه إلى قيصر الروم، ~~وكان مشى معه صاحب يقال له عمرو بن قميئة الشاعر، فلما رأى عمرو الدرب وهو الحاجز بين بلاد ~~العرب وبلاد العجم بكى جزعا لفراقه بلاد العرب ودخوله بلاد العجم، ففي ذلك قال امرؤ ~~القيس: # بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه # وأيقن أنا لاحقان بقيصرا # فقلت له: لا تبك عينك إنما # نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # أما نحن فابتهجت أنفسنا وايم الله، واطمأنت لما اجتزنا الدرب، وعلمنا أننا نركب بعده ~~القطار، ولم يبق لنا إلا ساعات معدودة لنبلغ دار السلطنة، بهجة الدنيا، وقرارة الدعة، ~~ومدينة ms272 المنعة، ومهد الظرف واللطف، وبلد الشعر والخيال، إن الدرب أو مضيق «كولك بوغازي» ~~واد تتخلله الأنهار والجداول، ويكسو شجر الأرز نجاده ووهاده، على صورة تظنها من هندسة أعظم ~~مهندسي الزراعة لعهدنا، وما وهو في الحقيقة إلا مما نبت واستطال بنفسه، أنت لا تنفك منذ تطأ ~~عتبة جبال طوروس، تشم أريج شجرها ورندها وعرارها، ولا تسأم من مناظرها؛ لأنها منوعة في ~~تقاطيعها وجمال هندستها، بحيث لا تمل العين النظر ، ولا الأنف الشم ولا الأذن السماع؛ لحفيف ~~أشجاره، وتمايل أغصانه، وثغاء حملانه، وخرير مياهه، وأصوات عندليبه وهزاره. # إن من يسمع من بعد وصف «كولك بوغازي» يقول في نفسه: ماذا عسى يكون في هذا المضيق؟ وجبال ~~الدنيا كثيرة متشابهة، صخور وتلعات، وأكمات وبطون ومنفرجات، وشيح وقيصوم، وسنديان وزان، ~~ولكن جبلنا هذا لا يشبه الأجبل بحال؛ لأن مدير الأكوان خلقه على غير مثال من الجبال، ولون ~~صخوره، وأحسن قطعها، فمنها الكبير الهائل، ومنها الصغير الحقير، وتربته حمراء وسوداء ~~وبيضاء، ترى تارة في الهضاب طريقا معبدة من الصم الصلاب، أو مرصوفة بالتربة الذكية، غرست ~~فيها يد القدرة أشجار الأرز غرسا يتخلل الهواء بيننا، ولا تنبو العين عنها لعدم نظامها، ~~واختلال هندستها، وترامي أبعادها، وهناك الأشكال الهندسية برمتها: فمن تلعة مستطيلة إلى ~~أخرى هرمية، وبجانبها ذروة ذات شكل بيضوي، وآخر محدوب أو مربع أو قائم الزوايا ومنفرجها، ~~جعل بعضها إلى جانب بعض، ومساحتها السطحية متقاربة، وكلها مزينة بالأشجار، أنت هنا تجتاز ~~واديا ولا كالأودية، بحيث تعطي الحق لمن قال في القدم: «ماء ولا كصداء» و«مرعى ولا ~~كالسعدان» و«فتى ولا كمالك»، ولو رأى القائل الدرب لقال: مضيق ولا كهذا وجبال ولا ~~كطوروس. # هذه العظمة في الخلق التي تراها ماثلة على أتمها في جبال طوروس التي أعجزت الفاتحين من ~~الأقدمين والمحدثين، فكانت كالحاجز الطبيعي الذي لا يرام بين الثغور وبين بلاد الروم، عامرة ~~بطبيعتها، هندسها الفاطر، وحفها بأنواع البهجة والزينة، بحيث لا تملها نفس مهما اكتأبت، ~~وتود لو تقضي فيها شطرا من العمر، بعيدة عن ضجة العالم وأوهام ms273 الخلق، وترهات المتمدنين ~~والمتبربرين. # جبال طوروس البديعة، لقد أعجزت الفاتحين عن اجتياز مضايقك، كما أعجزت الشعراء والمصورين ~~عن رسم بدائعك وخصائصك، فما هذا الإبداع الذي عز نظيره في الأصقاع والبقاع، إيه يا منطقة ~~البكم بالشعر، ومعجزة المتكلمين في ذكرى فضائلك وفواضلك. # إن جبال الألب التي استبت الألباب ببدائعها، وجبال الكاربات التي اشتهرت بصياصيها ~~الطبيعية، وجبال حملايا المعروفة بسموها، هي دونك في جمع كل هذه المعاني، ولو هيئ لك ما ~~تهيأ لتلك من يد صناع، تحسن حواشيك، وتهذب من أطرافك، وتتعهد أزهارك وأشجارك بآخر ما اهتدى ~~إليه العقل البشري من ضروب الصناعة، لكنت لعمر الحق معهد اجتماع المصطافين والمرتبعين، ~~ومسرح أنس طلاب اللذائذ الطبيعية والصناعية، وخزانة ثروة لأهلك ولا ينضب معينها، وتنضب مياه ~~الرافدين دجلة والفرات، ولكنه تعالى لا يمنح بلدا كل ما يحتاجه، ولا يجمع في شخص كل الصفات ~~والمزايا، فسبحان من قسم الخصائص بين البلاد، كما قسم الحظوظ بين الجماعات والأفراد. # | على قبر أبي الفدا في حماة1 # حنانيك إسماعيل، أجبني، فدتك نفوس الملوك يا عالمهم وعادلهم وسيدهم، كنت في عصرك مثال ~~العمل الصالح، وها أنت لمن بعدك عبرة لمن يعتبر. # زرت قبرك الشريف، وذكرت سيرتك المثلى، فبكيت على الإسلام والعرب، وقابلت بما قرأته على ~~ضريحك بين السذاجة الغالبة عليك، وفخفخة الألقاب بعدك. # قرأت: «هذا ضريح العبد الفقير إلى رحمة ربه الكريم إسماعيل بن علي بن محمود بن محمد بن ~~عمر بن شاهنشاه بن أيوب عمر في شهور سنة سبع وعشرين وسبعمائة»، جملة لا يجوز نقشها اليوم ~~على قبر أحد العامة، فأين أنت منها يا أبا الفدا في مفاخرك وسؤددك، ومجدك التالد ~~والطارف. # حنانيك إسماعيل كنت في حياتك قدوة الملوك العادلين، تعلم الناس حب الخير، وتعلم العلماء ~~فيما توفروا عليه، والفاتحين ما يفاخرون بمعرفته، والحكماء ما هو ثمالة أمجادهم، وها أنت ~~الآن رهين حفرة، قد كاد ينسى بين قومك ذكرك فلا تبدي ولا تعيد، وقومك نسوا دينهم ودنياهم، ~~فكيف لا ينسون رجالهم. # نشأت أيها السلطان العادل من بيت عز وملك، ms274 فلم تأخذ الزخارف بلبك، بل تخرجت في العلم، ~~وربيت على أدب النفس وأدب الدرس، حتى جاء منك عالم، بل معلم للعلماء بسيرته وتفننه. # نشأت نشأة عالية في القرون الوسطى، وغيرك من الملوك نشئوا، ولا سيما بعدك نشأة جاهلية: ~~على الخمر والزمر والقمر، لا يعرفون غير القصور، والولدان والحور، وغاية مفاخرهم أنهم ~~يبطشون ولا يبالون، يقتلون ولا يتألمون، يتعاظمون ولا يتواضعون، يقضون فلا يراجعون، يأمرون ~~ولا يعدلون. # أضحت أحكام بعض الملوك بعدك ذوقية، وأعمالهم على الأكثر استبدادية، اتخذوا الإسلام دينا ~~وهو منهم بريء، وعبثوا بالرخص والعزائم، ليس لهم وازع من أنفسهم، ولا رادع من أممهم، أضحوا ~~جبابرة لا ملوكا، وشياطين لا إنسا، وأنعاما لا يعرفون إلا ما فيه راحتهم، وتوفير قسطهم ~~من اللذائذ والبذخ والنعيم. # كنت أبا الفدا ملكا بالاسم، وملكا بالفعل، كنت شريفا بماضيك وحاضرك، وها أنت إلى يوم ~~الناس هذا وإلى غد وما بعد غد شريف في عامة أحوالك. # لم نعهد لك كما عهدنا للملوك قبلك وبعدك أن عددت الرعية كالسائمة التي تملك، فيتصرف ~~مالكها بدرها ووبرها وجلدها ولحمها، ويعمل مطلقا في الاستمتاع بما لا ينازعه منازع، بل ~~عهدناك تؤاسي الضعيف، ولا تجور على الفقير، وتحسن للعلماء، وتتفضل على الفقهاء والأدباء ~~والشعراء، وتصرف فضل أوقاتك في التأليف والتصنيف، يا ثاني المأمون بعلمك وعقلك، وثاني صلاح ~~الدين بعدلك وجهادك. # أبا الفدا، إن قومك أغفلوك وسيرتك، بل أهملوا ضريحك، ولو ذكروك لساروا ولو قليلا على ~~سنتك المحمودة، فعلمت الملوك من بعدك بسيرتك الطاهرة، كما كنت في عصرك خير معلم للملوك ~~العادلين والعلماء العاملين. # أبا الفدا، إن الملوك بعد عصرك جمعوا كثيرا وأضاعوا كثيرا، جمعوا فكان ملكك بجانب ما ~~ملكوا جزءا صغيرا جدا، وما خلفوا إلا ما تحمر وجوههم خجلا منه، ويأتون في الآخرة، وقد ~~شهدت عليهم لا لهم أعمالهم، وأنت سعدت بمن وليت عليهم وسعدوا بك، فأبقيت ذكرا لا تمحوه ~~الأيام. # أنت علمت الخلق بأن القليل مع العقل يستفاد منه أكثر من الجزيل بدونه، وأن وفرة المال ~~والعقار لا تكون من ms275 السعادة في شيء، إذا لم تسبقها نفس مهذبة بالآداب والفضيلة، وعقل يحسن ~~التصرف بما يملك. # من لي بنظرة منك لترى ما حل بالعرب اليوم من التمزيق والتفريق، والفساد في المعاش ~~والمعاد، والجهل المطبق، وضعف العقول، رئم أخلاف من حكمت للمذلة، وخنعوا للاستبداد، وتفرقوا ~~تحت كل كوكب، فرثى لهم الصديق، وشمت بهم العدو، وخانهم الدهر فاستخذوا، وكل ذلك بما فعله ~~سفهاء الأحلام من أمرائهم وعلمائهم إنهم كانوا ظالمين . # قم وانظر، فقد بدلت الأرض غير الأرض بعد عصرك: اخترع الإفرنج في زماننا البخار ~~والكهرباء، ووفروا مرافق الحياة، وقربوا الأبعاد، وحسنوا العيش، أما قومك فليس لهم من مدنية ~~القرون الأخيرة إلا النظر، وزادوا على جهلهم فسادا في أخلاقهم، بحيث لم يبق لهم من المجد ~~إلا أن يعودوا إلى صحيفة أجدادهم، ويفاخروا بما تم على أيدي أمثالك، كالقرعاء تفخر بشعر ~~أمها، أو العجوز الشوهاء لا تفتأ تذكر ماضي شبابها. # قالوا: إن نظام الحكومات بعد أيامك ارتقى، وأنكم كنتم في عصر تقل فيه القوانين الوضعية، ~~وكان أكثر العمل بالقوانين السماوية، فمن لنا بعصرك، فإن القوانين الوضعية ارتقت، ولكن عند ~~غيرنا من أهل الغرب، والقوانين السماوية أعرضنا عنها إلا قليلا، فلم نحسن تقليد المقننين ~~المحدثين، ولا احتفظنا بتراث الأقدمين، فكنا كالعقعق أراد أن يمشي كالحجل، فنسي مشيته ولم ~~يمش مثله، بل كنا من الأخسرين أعمالا. # ألا عطفة من نظراتك الرشيدة أيها الكريم، تنظر أمتك الآن إلى الانقراض أقرب منها إلى ~~البقاء: كل يوم تصغر رقعة بلادها، ويتحيفها الخراب، وينقصها من أطرافها، تحاول تقليد ~~الراقين من الأمم، فلا نراها تستطيع إلا تقليدها في الموبقات والشرور، لا في مقومات ~~الحضارة وأساليب النهوض. # رحماك أبا الفدا، إن أمثالك أنفقوا أموالهم وأموال الأمة في شهواتهم على المغنين ~~والمغنيات، والكواعب الغانيات، وأنت أنفقتها على العلم والعلماء، إنهم إذا كانوا جهلة ~~أغبياء فقد كنت العالم المؤرخ الجغرافي الطبيب الحكيم الفلكي، ومصنفاتك شاهدة لك على غابر ~~الدهر، بأنك عالم الملوك وملك العلماء، خلد أضرابك بسيرتهم صيت بطش وفتك، وقطع وقت في ~~العبث، وأنت ms276 أقمت نصاب العدل على من وليت أمرهم، فكانت أيامك رياض الأزمنة وبهجة العصور، ~~فجزاك الله عن أمتك أجزل ما يجازي ملكا صالحا عن رعيته، وعالما عاملا يخدم الناس بعمله ~~وفضيلته. ا.ه. # | نحن والمسكرات1 # صرنا إلى زمان لو قلنا لحكومتنا: إن الطريقة الفلانية في الحكم أو منهج كذا في القضاء ~~والإدارة لا توافق بلادنا، ولا تنطبق مع عاداتنا، وشرعنا هزت رأسها، وأعرضت عنا إعراضا، ~~وصرنا إلى زمان لو قلت لأكثر أهل الطبقة العليا والوسطى من قومنا قال الله وقال الرسول ~~رأيتهم ينأون عنك، ويصدون صدودا. # فلعل الحاكم والمحكوم عليه إذا أتيتهما بكلام جديد، قاله غيرنا يلقيان إليك بالأسماع، ~~وتلين لمقالك القلوب والطباع، قال بنتام المتشرع الإنكليزي (1748-1832) في كتابه أصول ~~الشرائع: «الخمر في الأقاليم الشمالية يجعل المرء كالأبله، وفي الأقاليم الجنوبية يصبح به ~~كالمجنون، ففي الأولى يكتفى بالمعاقبة على السكر؛ لأنه عمل فظيع، وفي الثانية يجب منعه ~~بطرق أشد؛ لأنه أشبه «بالتشرر». ولقد حرمت ديانة محمد # صلى الله عليه وسلم # جميع المشروبات الروحية، ~~وهذا التحريم من محاسنها.» # نعم، حرم الإسلام الخمر، ولكن أمتنا عز عليها إلا أن تزهد في كل ما أتى به شرعها من ~~المحاسن، وأن تقلد غيرها فيما هم منه يشكون ويئنون، ولو كنا أخذنا عن الغربيين النافع كما ~~تلقفنا الضار لهان الأمر، وسلمنا من النقد بعض السلامة، ولكننا أجدنا التقليد في المضار، ~~ولم نحسن الجري على مثالهم في المنافع. # قضى الله أن تمنى هذه البلاد بحكومة ليست منها ولا مزاجها مما يلتئم مع مزاج من تحكم ~~عليهم، فكان من الغرب أنه أخذ منذ عشرات السنين، يحارب المسكرات بكل قوته، ونحن نفتح لها ~~السبل ونهيئ الأسباب، الغرب يضرب عليها المكوس الفادحة، ونحن باسم الحرية التجارية، وبفضل ~~تهاون الحكومة نقبل من ضروبها ما نعرف جوهره وما لا نعرفه، يقوم قادة الأفكار في الغرب ~~فيبينون مضار الخمور، وينعون على شاربيها، ويضيقون المسالك في وجوه عاصريها وبائعيها، وأغلب ~~قادة الأفكار منا يشربونها بلا حرج ولا نكير، بل يسخرون ممن لا يشاركونهم في ms277 إثمهم، ~~ويريدونهم على أن يتشبهوا بهم ليعدوا من المتمدنين العصريين. # فالذنب إذن ليس على الحكومة وحدها، بل عليها وعلى الأهالي أيضا، بيد أن هؤلاء يعذرون ~~بعض الشيء؛ لأن الحكومة لم تعلمهم التعليم الصحيح، حتى يتبين لهم الضار من النافع، وما دام ~~السواد الأعظم جهالا وخيرة الناس ليس لهم من الأمر شيء، فاللوم يرجع على الحكومة في ~~الأكثر. # والغالب أن عميد الاحتلال أدرك ما تتوقع البلاد من الشرور، إذا هي ظلت مسترسلة في ~~الخمور، فقال في تقريره: إن الحكومة وجهت التفاتا خاصا إلى مسألة المسكرات؛ لأنها من ~~المسائل المهمة، وإنها رفضت عام 905م 370 عريضة طلب أربابها رخصا ببيع المسكرات، وأنها لم ~~تعط رخصة إلا بعد أن ظهر من البحث الدقيق أن معظم الأوروبيين المقيمين في جوار الحانة ~~لا يستغنون عنها، وأنه نقص 278 من الأماكن ذات الرخصة وغيرها منها 178 محلا ليست ذات ~~رخصة. # قال: وقد تم الاتفاق مع سكة الحديد على إقفال الحوانيت التي تفتح تحت اسم «بوفيه» في جميع ~~المحطات ما عدا الكبيرة، فكلما انتهت رخصة واحدة منها لا تجدد لها ما لم تكن المحطة مهمة، ~~وإن القانون الحاضر لا يسري على بيع المسكر في زجاجات أو براميل؛ ولذلك لم تراقب دكاكين ~~البقالين، وغيرهم من الذين يبيعون المسكرات. # قال: ويظهر أن العمال في الأرياف قلما يتعاطون المسكرات! وقل أن يرى ساكنو الأرياف ~~رجلا سكران! أما البنادر فالسكر فيها أكثر انتشارا ولكنه ليس كثيرا لحسن الحظ، وقال ~~المستر متشل: من أعظم عيوب نظام الامتيازات الأجنبية أننا نسعى جهدنا في منع بيع المسكر ~~بالمفرق ولا نستطيع منع عمله وبيعه براميل. # هذا كلام زعيم الاحتلال، وهو - كما تراه - لو أنصفت لا يخلو من جمجمة، فقد تلطف في قوله: ~~إن أهل الأرياف قلما يرون ثملا، وإن السكر شائع في البنادر، وإن الحكومة لا تعطي ~~رخصا ببيع المسكرات إلا في المحال التي لا يستغني عنها الغربيون النازلون في ~~جوارها. # كل من طاف الأرياف وخبر حال البنادر والدساكر يتضح له أن الحانات في القرى ms278 تزداد سنة عن ~~سنة بل شهرا عن شهر، فيجيء الرومي يفتح دكان «بقالة»، ويضع برميلا من الكحول، فما هو إلا ~~أن تمضي سنة حتى يقتل كثيرين بما يسقيهم من السم الزعاف ويروح بالمغانم، فيكون له الغنم ~~وعلى غيره الغرم، وتستوي في ذلك القرى التي فيها أوروبيون لا يستغنون عن الحانات، فتفتح من ~~أجلهم والقرى التي لا يكثر في جوارها الغربيون. # كلما نادى المنادون في التماس تعديل الإدارة الحاضرة قالت لهم الحكومة: كنت أفعل لولا ما ~~هناك من الامتيازات الأجنبية، فإنها تعوقني عن مباشرة أي عمل، وتغل مني اليد والساعد، ولكن ~~حصون الامتيازات ليست بالذي يصد في الحقيقة من عمل ينتفع به الأجانب كما ينتفع به ~~الوطنيون. # تسمح الحكومة لمأموري الإدارة في بعض المسائل كضبط الأشخاص المشتبه فيهم من الأجانب بدون ~~أن يتداخل القناصل، فهلا سمحت بمثل ذلك لرجال الإدارة في المسكر، فتعهد إليهم أن يفتشوا ~~المحال المشتبه في أنها تبيع المسكرات بلا رخصة أو تبيعها من الأجناس الرديئة، ولا يتوقف ~~ذلك على أخذ الشراب المشتبه به وانتظار شهرين ريثما يحلل التحليل الكيماوي، فإن شوهد أنه ~~رديء فيكون صاحبه قد صرف ما كان عنده منه، وإن ثبت أنه جيد يحق للبقال أو الخمار أن يرفع ~~قضية على رجال الإدارة والصحة، وربما ربح القضية خصوصا إذا كان من غير رعايا الحكومة ~~المحلية. # نعم، كيف يسوغ لرجال النيابة أن يفتشوا أي مكان يرتابون أن فيه أمرا محظورا وعملا ~~يخل بالراحة، فإذا لم يجدوا فيه شيئا يعفون من العقاب ولا تقام عليهم القضايا، وكيف تقام ~~القضايا على رجال الإدارة إذا فتشوا محلا عموميا، ولم يجدوا فيه شيئا من المسكرات ~~وغيرها، فكما عهد لمأموري الإدارة أن ينظروا في المسائل البسيطة مباشرة بدون توسط القضاة ~~وحسنت نتيجة ذلك، فقد كان الأحرى أن يعهد إليهم النظر في مسائل المسكرات لمطاردتها وتخفيف ~~ويلاتها عن البلاد. # إذا أطلقت يد رجال الصحة والشرطة للبحث في الحانات، وعين مثلا يوم للكشف عن المشروبات، ~~ورأى البوليس شبهة قوية في فساد الفاسد منها، ms279 وأساغت له الحكومة أن يحجزها كلها، حتى تتضح ~~نتيجة التحليل الكيماوي، وجوزت الحكومة للبوليس إذا اشتبه في أي زجاجة كانت أن يفتحها في ~~الحال، ويعمل بما يراه طبيب الصحة بدون تسويف ولا إمهال، إذا أساغت الحكومة ذلك فقل: إن ~~هذه المسألة سارت الخطوة الأولى نحو الإصلاح. # كل هذه الملاحظات سهلة الإجراء، ولا يظن أن الامتيازات الأجنبية تحول دون تحقيقها، بل ~~إن اللوائح والقوانين الموجودة لو جرى العمل بها، ولم تكن كعلم جابر - اقرأ تفرح جرب تحزن ~~- توقف تيار المسكرات عن جريه بعض الشيء. # تقرأ في القانون المصري الجديد أنه يعاقب السكران ولو لم يعربد، وكان القانون القديم مثل ~~القانون الفرنساوي لا يعاقبه إلا إذا عربد، فكم سكران يعربد كل يوم وليلة يا ترى، وكم سكران ~~يقبض عليه ليعاقب فيكون عبرة لغيره؟ # وكذلك ترى في لائحة المحال العمومية أنه لا يجوز فتحها قبل الساعة 6 صباحا من 15 أكتوبر ~~إلى 14 أبريل، وقبل الساعة 5 صباحا من 15 أبريل إلى 14 أكتوبر، وأن ميعاد إقفال هذه المحال ~~يكون في نصف الليل ابتداء من 15 أكتوبر إلى 14 أبريل، وفي الساعة الواحدة بعد نصف الليل من ~~15 أبريل إلى 14 أكتوبر، وفي المادة السابعة عشرة من هذه اللائحة لا يجوز لأصحاب المحال ~~العمومية أو لمستخدميها أو للخدمة فيها قبول أشخاص في حالة السكر، أو بقاؤهم فيها، ولا صرف ~~المشروبات لهم، ولكن متى نفذت هذه اللائحة؟ وإذا لم تنفذها الحكومة حتى الآن فمتى يكون ~~تنفيذها؟ أو أنها من جملة اللوائح التي هي حبر على ورق طول بلا طول ولا طائل. # ويا ليتنا نعرف على وجه الصحة كم يدخل المواني المصرية كل سنة من الخمور المغشوشة وغيرها، ~~وكيف تكثر سنة عن سنة، ويا ليت الحكومة تضرب على واردات الخمر ضرائب فاحشة كالتي ضربتها ~~حكومة السودان ليصعب تناولها على الفقير، ويوكل - كما قلنا - أمر المشروبات التي تصنع في ~~القطر لرجال الإدارة والصحة ينظرون فيها، ويضيقون على شاربيها وبائعيها تضييقا فعليا لا ~~اسميا، فقد ثبت لأهل ms280 النظر أن الخمور المصنوعة في معامل الغرب الكبرى هي أجود ما يعمل ~~من نوعها في المعامل الصغرى، وكذلك ما يصنع في هذه لا نسبة بينه وبين ما يصنع منه في ~~القطر. # وليت شعري لم لا تجري عليه حكومة مصر في مسألة المسكر على نحو ما تجري حكومة السودان، ~~ولو فعلت ذلك لما أتى بضع سنين حتى يخف شاربوه، ويقل بائعوه بيننا، ولكن حكومة تلك الجهات ~~تريد هناك رجالا يعملون وهم صحاة لا سكارى، وفي مصر لا يهمها سكر القوم أم عربدوا، نعم ، ~~إن إنكلترا نفسها في بعض الأقاليم من أفريقيا منعت المسكرات بتاتا، ولكن حكومتنا ~~المباركة عندنا لم تتسامح بالكحول، بل أضافت إليه الحشيش، فتأمل حالة أمة ينخر سوس فساد هذه ~~المواد القتالة عظمها، ويعبث في دمها ولحمها. ~~••• # ماذا عرفنا من مضار الخمور؟ عرفنا أنها تحدث نشوة في النفس، وطربا في الفؤاد، ونفعا في ~~الصحة، ونشاطا في الجسم، ونضرة في الوجه، وعرف الغرب منذ أوائل القرن التاسع عشر مضارها في ~~إزهاق الأرواح، وتشويه الخلقة الطبيعية، وتأثيرها في النسل والعقل، وأنها يزيد بها عدد ~~المعتوهين، بل كاد بعضهم لا يرى استعمالها حتى في الأدوية، يكثر السكر في الأصقاع الباردة ~~مثل روسيا والسويد وشمالي فرنسا ونورمنديا وإنكلترا، ولكن يكثر مناهضوه وتفكر حكوماته في ~~الخلاص منه، فأين هي مجتمعاتنا التي نخطب فيها بمضاره؟ وأين حكومتنا من مناهضته؟ بل إنك ترى ~~زعيم الاحتلال في تقريره مغتبطا بأن الخمور التي دخلت السودان في العام الماضي «كانت ولله ~~الحمد» من النوع الجيد، أي الذي لا يضر بصحة المأمورين والموظفين من الإنكليز ~~والوطنيين. # آه، متى يكون شأن الشرق في السعي وراء المنافع سعي الغرب فيها؟ الغرب لم يكتف بتأليف ~~المجتمعات لمقاومة المسكرات، والنعي على شاربيها، والتنفير منها بالقدوة والتعليم والإرشاد، ~~بل عمد إلى سن القوانين، فاستعان بها لإنقاذ أبناء الجيل الحاضر والجيل الآتي من مضار ~~الألكحول، وكانت أبدا قوانينه تابعة للزمن سائرة بحسب سنة التكامل. # هذه بلاد السويد، وهي من البلاد التي يقرص فيها البرد إلى التي ms281 لا فوقها، ومع هذا نراها ~~كما وصفها مكاتب الطان هذه الأيام بعد أن كان يصيب الفرد فيها سنة 1830م 40 ليترا من ~~المكسرات، أصبح لا يصيبه أكثر من 6 ليترات سنة 1895 بفضل ما قام به قادة الأفكار وتابعتهم ~~عليه حكومتهم، أي إنه نزل معدل مقطوعية كل فرد في السنة من المسكر إلى سدس ما كان عليه قبل ~~65 سنة. # بدأ الإفراط في تعاطي المسكرات ببلاد السويد منذ أواخر القرن الثامن عشر، لما احتكرت ~~الحكومة الألكحول، فاسترسل أهل البلاد في تعاطيها حتى كاد سيلها يجرف كل ما وقف في سبيله، ~~ولم يسكر إلا بسكر منيع أقامته فئة من أهل الخير، وفي مقدمتهم رجل اسمه بطرس ويزلكران عميد ~~مدينة غوتمبورج، جاهد هذا الرجل ثلاثين سنة حتى وفق عام 1855 إلى وضع حد لهذا السم القتال، ~~فبدأ دور الإصلاح، وكان ما عرضه من الأفكار أساسا لوضع القوانين الحاضرة في هذا السبيل، ~~وكلها ترمي إلى معاملة بائعي المسكرات وصانعيها بالقسوة الزائدة. # ضربت الحكومة السويدية على صانعي المسكرات ضرائب فاحشة، وأخذت تزيدها الحين بعد الآخر حتى ~~بلغت سنة 1888م 138 فرنكا على كل هكتولتر، أي مائة لتر، فعجزت المعامل الصغيرة عن صنع ~~المسكرات إذ قضي على كل معمل، إما أن يخرج أربعة هكتولترات في اليوم من الألكحول الخالصة ~~أو يغلق أبوابه، ولم تسمح الحكومة بتنزيل هذا المعدل إلى هكتولترين ونصف إلا سنة 1871، ~~وحظرت أيضا صنع الألكحول إلا في شهرين من السنة فقط، ثم تسامحت ورخصت على توالي السنين بأن ~~تصنع سبعة أشهر في السنة. # وكان من نتائج هذه الذرائع الشديدة أن قل في البلاد عاصرو الخمر، فبعد أن كان سنة ~~1829م 124 و172 معملا في السويد نزل سنة 1898 إلى 128 معملا. # وجعلت تلك الحكومة بيع المسكرات حرا في الجملة، إلا أنها جعلت معدل ما يباع منه بالجملة ~~250 لترا، وألا يباع بالمفرق أقل من لتر واحد؛ ليأخذها المبتاع معه، ولا يشربها في المحل ~~الذي يشتري منه، وعاملت الحانات بالشدة الزائدة، وكذلك محال بيع ms282 المسكرات، فأمرت أهلها أن ~~يغلقوا محالهم الساعة الثامنة مساء في القرى والساعة العاشرة في المدن، ولم تسمح لبائع أن ~~يتقاضى مالا من رجل ثمن خمر باعه إياه بالنسيئة. # وجعلت السويد 42 فرنكا ضريبة على كل هكتولتر من الألكحول الصافي وهي ضريبة فاحشة، ومنعت ~~كل مديرية من بيع الخمر في دائرة اختصاصها، فأدى ذلك إلى إلغاء معظم المحال التي تبيع ~~بالمفرق، بحيث أصبحت لا ترى في قرى بلاد السويد - وسكانها نحو خمسة ملايين - سوى 123 محلا ~~لبيع المسكرات، بل إنك تمر في أربع ولايات، ولا تجد محلا واحدا لبيعها. # وابتدعت مدينة غوتمبرغ طريقة لفتت إليها الأنظار في جميع الأقطار ألا وهو أن تعهد بتجارة ~~العرقى في كل مقاطعة إلى جمعية تضع منها رأس المال، ولكنها لا تأخذ من الأرباح إلا الفائدة ~~المعتدلة المتعارفة، وتترك ما زاد عن ذلك يصرف في أعمال نافعة؛ فنتج من ذلك أن كل جمعية ~~من هذه الجمعيات لم تر من مصلحتها أن تطلب المزيد في توسيع أعمالها، وبلغت الحال بكثير من ~~أمثال هذه الجمعيات أنها لم تعط جانبا عظيما من الرخص التي يحق لها إعطاؤها، وإذا كانت كل ~~حانة تقدم طعاما أصبح صاحبها لا يربح من الشراب بقدر ما يربح من الطعام؛ ولذلك كان من ~~مصلحته ألا يكثر من بيع الألكحول. # وأنشأت هذه الجمعية في مدينة غوتمبورغ مثلا مطاعم حسنة لا تقدم فيها للمستطعمين غير نوع ~~من المشروبات فقط، رأت أنه يعين على اشتهاء الطعام، وأنشأت في أنحاء كثيرة من المدينة غرفا ~~للمطالعة، يدخلها في السنة نحو ثلاثمائة ألف مطالع، وبهذه الطريقة نزل معدل تناول المسكرات ~~في العشرين سنة الأخيرة إلى 40 في المائة بمدينة أستوكهلم وإلى 45 في مدينة غوتمبورغ، وسنت ~~السويد عام 1892 قانونا إجباريا يقضى فيه على جميع المدارس أن تلقي دروسا في طبيعة ~~المشروبات الروحية وتأثيراتها المضرة. # هذا ما قامت به حكومة السويد، التي لا يحظر دينها تعاطي المشروبات، وهي البلاد المشهورة ~~ببردها وزمهريرها، فما الذي قامت به الحكومة المصرية التي تحظر شريعتها ms283 كل مسكر وحرارة ~~إقليمها لا تعذرها في الاستهتار والاسترسال في كرع كل ما يخترعه المخترعون من أنواعها، وما ~~يصنعه الصانعون في أرضها ليبيعوا من فقيرها الكأس بمليم، فيورده موارد الهلاك في دار ~~الجحيم، فليت أهل شمالي أفريقيا يعملون هم وحكومتهم ببعض ما عملت به حكومة السويد في شمالي ~~أوروبا. # فإن قالوا في الإحصاء الأخير: إن في نيويورك وسكانها ثلاثة ملايين ونصف 10820 محلا ~~لبيع المسكرات بالمفرق، وفي باريز وسكانها مليونان ونصف 30000، وفي لندرة وسكانها أربعة ~~ملايين ونصف 5860 محلا، فأنا أقول: إن في هذه العاصمة الأسيفة أكثر من هذا العدد، يبيع ~~لأهلها الصبوح والغبوق من فاسد الألكحول، فيفسد الأجسام والعقول. # | المآدب والإسراف1 # في الشريعة السمحة آداب اجتماعية عالية لو عمل بها المسلمون، لما لحقت غبارهم أمة في ~~مكارم الأخلاق وتهذيب النفوس، فلو عمل المسلم بشريعته فأخرج الزكاة مثلا لما رأيت اليوم ~~فقيرا ولا جائعا ولا عريانا، ولو تجانف الكذب والتزوير وأكل المال بغير حق لما اشتغل ~~القضاة طول النهار بفض الخصومات بين الناس. # البشر الآن في ضائقة، لم ينلهم بعضها من عهد حفظ التاريخ، أمن المروءة أن ينعم بعض ~~أفراده ويسرفوا على حين تكفي فضلات طعامهم والزوائد من رفاهيتهم ومظاهرهم لأن تعول كثيرين ~~من المحاويج؟! وأغرب طرق الإسراف أن يفضل المتوسط الذي هو أقرب إلى الفقر من الغنى على ~~الأغنياء والمنعمين ليقال عنه إنه كريم، وهو يرى في أهل محلته والمحتفين به مئات يطوون ~~الليالي على الطوى ولا راحم لأنينهم. # كثير من أوضاعنا وعاداتنا يحتاج إلى أن يعالج بالإصلاح لنعود به إلى هدى الإسلام، أو ~~إلى أساليب المدنية الحديثة، فقد أصبحنا في معظم حالاتنا لا إلى القديم ننسب ولا بالحديث ~~نعرف أو نعرف، فغدا مجتمعنا وفيه كثير من الغث والرث وضروب من سخيف العادات ~~والمراسم. # دعا منذ أيام أحد المنتسبين للمعارف مائة وثلاثة أشخاص من أهل بلده إلى حضور مأدبة لهم ~~أقامها في داره، وأطعمهم أجود الطعام، وضروب الحلواء والمعجنات، ولولا لطف المولى لأصيبوا ~~بالتخمة وسوء الهضم! وقد كان المدعوون ms284 أشتاتا لا تجمع بين كثير منهم إلا جامعة السكنى في ~~بقعة ولدة، ومن العادة أن يجتمع في المآدب الخاصة عند المتمدنين أهل طبقة معينة من الناس ~~حتى يأنس المدعوون، يتساوون في الجلوس إلى الخوان بحيث يكلمهم صاحب الدعوة ويكلمونه، ولكن ~~هذه الدعوة كانت كما هي معظم الدعوات في هذه الديار لمجرد إملاء بطون المدعوين، كأنهم في ~~مطعم اجتمعوا بالعرض، ولا جامعة بينهم إلا جامعة الأكل. # فتأمل أمشاجا من الناس يشتركون على طعام، وهو ساعة مؤانسة ومباسطة، هل يجدون حديثا ~~يلذهم على السواء، وينفض عقد اجتماعهم على لا شيء، اللهم إلا قشور من حديث معاد، وأمور ~~لاكتها الألسن، فلا تنفع في دين ولا دنيا. # قد يضطر بعض أرباب المروءات إلى عشرة المتخالفين في الأذواق والمشارب، وتدعوه الحال إلى ~~مباسطتهم والأنس معهم أحيانا، فإذا أراد أن يجمعهم كلهم في صعيد واحد في يوم واحد، يكون ~~قد أساء إليهم في الحقيقة أكثر مما أحسن، خصوصا من علت عاداتهم عن مستوى العادات العامية، ~~التي لا ترجع إلى أصل من الأصول المتعارفة، فقد قال حجة الإسلام في باب آداب المآدب من ~~إحياء العلوم: وينبغي للداعي ألا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة، وإذا حضر تأذى ~~بالحاضرين بسبب من الأسباب، والغربي اليوم إذا دعا في الغالب إنسانا يقول له أو يكتب أن ~~مأدبته يكون عليها معه فلان وفلان، فالمدعو إذا لم يرقه الاجتماع بأحدهما يكتب قبل ميعاد ~~الدعوة بالاعتذار عن الحضور. # وليمة فيها زهاء مائة مدعو، لو أدبت في أرقى عواصم الأرض لما حوت إلا أخلاط الزمر، فعلى ~~من اضطر إلى دعوة هذا العدد الدثر أو السرية الكاملة أن يقسمها إلى خمس مآدب ويقسم الأطعمة ~~وما يتبعها، والنفقات وما يتشعب منها، على تلك النسبة، وهناك تحصل الفائدة من الاجتماع، ~~ويعرف كل مدعو أنه حضر واستأنس حقيقة، وإذا كان صاحب الدعوة يريد مظهرا، فمظهر الخمسة أكبر ~~من مظهر الواحد على كل حال. # أقبح ما يقبح من أحوالنا أن نسرف في موطن نحتاج فيه كل الحاجة إلى ms285 الاقتصاد وصرف المال ~~في سبيله المشروعة، نطعم أرباب المظاهر، ونسرف في المأكل والمشرب والملبس، ثم نشاهد عباد ~~الله يتضورون جوعا، ولا تأخذنا بهم رحمة، وقد قال # صلى الله عليه وسلم ~~: «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى ~~إليها الأغنياء دون الفقراء.» # | التمدن الأنثوي1 # أرى فئة كالغانيات تدللا # تميل مع الأهواء كل مميل # تخال الفتى منهم على ظلمة النهى # لألوان ثوبيه سماء أصيل # ملول كما شاء الهوى واقتداؤه # بمن حوله من خلة وخليل # وما وجد الأعمال يوما وإنما # ليستحسنوا فيه دلال ملول # وظن الفتى أن التمدن «أنثوي» # فتابع فيه كل ذات حليل # تماجن في أشكالها من مصبغ # إلى كل مجلو وكل صقيل # إلى اللفظ حتى ما تكاد شفاهه # تبين بلفظ منه غير نحيل # إلى اللحظ حتى ما تكاد جفونه # تطارح لحظا منه غير عليل # دلال جميل بالجمال مهنأ # فآه عليه من دلال جميل # أولئك هم شباننا لو عرفتم # وهم كل من في مصر غير قليل # مظاهر نبل نافقوا في اصطناعها # ألا قبحت من صنعة لنبيل # هذا ما وصف به الرافعي شباننا، وكلامه يصدق على بعض من يتأنقون في الزينة، فيصففون ~~شعورهم، ويحففون خدودهم، ويفتلون سبلاتهم، وينغمون بأصواتهم، وربما مزجوا كلامهم ببعض ~~الألفاظ الإفرنجية، ويختارون من الألبسة آخر زي من صدرة ملونة مخرمة، صنعت من القطيفة ~~المزركشة، وسترة مشقوقة وسروايل ضيقة، وخاتم ماس في اليد، وعصا عقافتها من الذهب، وحذاء ~~ملونا ملمعا، وطربوشا مقرنا مكويا، وبالجملة كل ما فيه ظاهر مموه، ممن تراهم إذا جمعك ~~بهم الاتفاق وقد عبقت منهم رائحة الطيوب والعطور، وقد حرصوا على الأزياء حرصهم على أعز ~~الأشياء. # التطيب والتزين والتجمل باللباس الجيد الجديد حسن في ذاته مباح عقلا وشرعا، أحل لنا ~~كما أحلت الطيبات، ولكن إذا جاوز صاحبه فيه الحد كان أجدر بربات الحجال منه بالرجال؛ لأنه ~~مشغلة عن ارتياد الفضائل والسعي في سبيل الكمال الحقيقي، وناهيك بأن من شبابنا من يصرفون ~~ساعتين كل يوم في التبرج «التوالت»، كأنهن بعض النساء يتزين لبعولتهن. # وهذا مما يسجل علينا ضعف النظر في ms286 كل ما اقتبسناه من عادات الغربيين، فقد اقتدينا بسرف ~~المسرفين منهم، ولم نهتد بهدي أهل القصد والاقتصاد، وجاريناهم في التبرج والتزين بعد أن ~~كانا غير معهودين في الشرق إلا للمخنثين، وشايعناهم على تعاطي المسكر والميسر، فأضعنا ~~آدابنا وديننا طمعا في إحراز هذا التمدن الذي لا يقوم بزعمنا إلا بالانسلاخ من وطنيتنا ~~وعاداتنا المستحسنة، واقتباس كل عادة تأتينا من طريق الإفرنج. # أخذنا عاداتهم بل عادات السفلة والشعوب النازلة منهم بيننا، وليتنا لما أخذنا ما أخذنا ~~ميزنا بين الصحيح والزيوف، والضعيف والمضعوف، والشريف والمشروف. # عميت علينا السبل، فلم نقتد بأمثل من جعلناهم قدوتنا في حياتنا، بل مددنا اليد إلى ما ~~وجدناه عرضا، فلم نسقط إلا على الملوث القذر من العادات والأخلاق. # أكثرنا من الإسراف في الملبس مثلا، حتى نسينا كل نسبة بين الدخل والخرج، فإمبراطورة ~~ألمانيا في أوروبا، وهي من جلال المكانة ما هي لا تستنكف أن تدير ألبسة كبار أولادها ~~لصغارهم عندما تضيق عنهم حتى لا تطرح شيئا جزافا، وهو مما يحسن الانتفاع به، والرجل منا ~~قد يصرف على لباسه ربع دخله فيستلف ويمطل ويهون عليه ما يأتي ولو باع الطين ورهن العقار ~~ليلبس كل أسبوع بل كل يوم بذلة جديدة كأنه من نساء الأغنياء في نيويورك، لا يهدأ له بال إلا ~~أن يظهر غناه ليصدق عليه قولهم في الأمثال: «أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها.» # ماذا يقول الكاتب عن مغالاة بعض شبابنا في الزينة، وإغراقهم في السرف والترف، وما تجلببوا ~~به من عادات لا تلائم الشرق وفقره ودينه، والغرب يشكو من بقائها بين ظهراني أبنائه إلى ~~اليوم، ويتمنى لو نزعت آخر جرثومة منها عنده لتكون له مدنية تامة كاملة، وحضارة رجولية لا ~~نسائية. # هم يفكرون ويكتبون وينصحون، ونحن تركنا حبل آدابنا على غواربنا، ولا نبالي بما يدخل علينا ~~من غرائبها وسخائفها، ولكن القوم في أوروبا على ما بلغوه من أسباب التقدم مما نغبطهم على ~~أكثره لم يفتئوا يحاربون نقصهم، ويسعون إلى كمالهم، ونحن نحارب كمالنا، ونسعى إلى ~~نقصنا. # أكتب هذا ms287 وأمامي مبحث جليل لأحد علماء التربية في فرنسا، نشره بمناسبة قيام اثنتي عشرة ~~ألف معلمة مؤخرا في نيويورك، يطالبن حكومتها بأن تنصفهن في الرواتب كما تنصف المعلمين؛ ~~لأنهن يقمن بمثل هذه الأعمال التي يقوم بها الرجال في التربية والتعليم، فاضطرت الحكومة إلى ~~إجابتهن إلى مطالبهن، وزادت ميزانيتها ثلاثة ملايين دولار عن مدينة نيويورك وحدها. # قال: إن تسليم مقاليد التربية للنساء دون الرجال مما يؤخر؛ لأن حب التجمل ينغرس في ~~الصبيان كما لاحظت ذلك اللجنة المؤلفة من مئات من أساتذة الإنكليز، الذين انتدبهم المستر ~~موسلي أحد أغنيائهم منذ بضع سنين للبحث عن طريقة التربية في الولايات المتحدة، فكتبوا في ~~ذلك تقريرا قالوا فيه: إن من تأثير تربية المعلمات قلة أخلاق الرجولية في الأمة ~~الأميركانية. ولم تكن ملاحظة هذه اللجنة الأولى من نوعها، بل إن غير الأميركيين كثيرا ما ~~كانوا يدهشون مما يبدو لأنظارهم من هذا القبيل في أميركا، ولكن القول يغلو على قدر قائله، ~~ومكانة لجنة ولسلي بمن تألفت منهم. # قال: وكيف لا تحكم هذه اللجنة على الأميركان، ورجالهم يعنون من وراء الغاية في المحافظة ~~على الست والثلاثين ألف قاعدة في مصطلحات التمدن (الإتيكيت)، فيبالغون في التأنق بلباسهم ~~مبالغة مفرطة، ويدققون كل التدقيق في القيام بأقل ما تقتضيه سنة الأزياء، ويرققون ألفاظهم ~~ترقيقا يقربها أبدا من التكلف، ولا ينسب ذلك إلا لتسليم مقاليد التربية للمرأة، ولو ~~استطاع المرء أن يكون تاما في هذا المعنى لما كان في ذلك بأس، بل قد يحدث كثيرا أن ~~المبالغة في التزيي والمنافسة في الحصول على صفات الظرف الذي لم تجعله الطبيعة من خصائصه ~~تعبث بمروءته، قال: ومن سوء أثر هذه التربية في الأميركان أن الرجل يرى في نفسه أحط من ~~المرأة مهما تصنع لها، ويرى من كرمها أنها تعطف عليه، وهكذا حتى أصبح المجتمع الأميركي ~~أنثويا، فيه من ضروب التكلف والغرابة أشكال وألوان. ا.ه. # هذا ما قاله كبير من كبار علماء التربية في الحكم على التربية الأميركية، فإذا جاء فوصف ~~تربيتنا، فأي حكم يصدر علينا ms288 يا ترى؟! تلك التربية الملفقة التي ورثناها من مربية رومية، ~~أو فتاة طليانية، أو جارية زنجية، أو كرجية، أو بربري ذي زبيبة، أو ماجن ذي أطوار ~~غريبة. # إن قالت لجنة ولسلي بأن التمدن الأميركي أصبح أنثويا، فماذا تقول لو رحلت إلينا، وحكمت ~~علينا بدون مشايعة لغرض سياسي، ولا بدافع هوى نفسي، لا جرم أنها تقول ما قاله شاعرنا ~~الرافعي: # وظن الفتى أن التمدن أنثوي # فتابع فيه كل ذات حليل # | تكريم النزاهة1 # توفي منذ أيام رجلان عظيمان من عمال الحكومة، أحدهما كامل بك والي سيواس الأسبق، والثاني ~~كامل بك الصلح رئيس محكمة استئناف سورية سابقا، واحد خدم في أرقى مناصب الإدارة في ~~الولايات، وطاف يمنها وحجازها وطرابلس غربها وأناضولها، والآخر بلغ أرقى مناصب القضاء في ~~الولايات، وتقلب في أعطافها شرقا وغربا، فخدم كل منهما الحكومة زهاء خمس وأربعين سنة، ~~ورائده أمانته وصدقه، وتفانيه في مسلك النزاهة والعفة. # ولد هذان الموظفان الكاملان في مدينة صيدا (الشام)، وماتا في يوم واحد في هذه المدينة ~~(دمشق)، وشبا وشابا في حسن الخدمة، وتشابها في أكثر الوجوه، وماتا ولم يخلفا وراءهما من ~~حطام الدنيا إلا ما لا يكاد يرضى به من كان في عمله بعدهما بعشر درجات من الكتاب والحساب، ~~ولكن الكاملين خلفا ثروة لا ينضب على الأيام معينها، ونعني بها كنز استقامتهما وعزة ~~نفسيهما، فعفا عن كل ما يقال له الرشاوى والهدايا والصلات من أموال الأمة، وخدماها خدمة ~~صادقة رائدها الإخلاص وسداها ولحمتها العلم والعمل الحقيقي. # كثير من الناس من يتولون من المناصب أرقاها، ويجمعون من المال أوفاها، وينالون من مراقي ~~العز منتهاها، ولكنهم يذهبون بقبح الأحدوثة وسوء القالة، وتلعنهم القلوب إذا لم تلعنهم ~~الألسن، وهم عند ظنهم قد عاشوا بنعمة، والحال أنهم عاشوا أشقياء مرذولين وقضوا كذلك؛ فنالوا ~~الخزي في هذه الدار وفي الدار الأخرى. # لا يقاس في نظر التاريخ احترام الرجال بقدر ما ملكت أيمانهم وضمت خزائنهم، بل بقدر ما ~~أنتجت عقولهم وشرفت أعمالهم، وأعظم سلوى يرتضيها المستقيم في عمله، ويؤثرها على كل ms289 فاقة، ~~ويستعين في سبيلها بكل صعب هو أنه يحيا غير معذب الوجدان مستقل الفكر، ويموت قرير العين؛ ~~لبعده عن الخيانة والعبث بدماء الناس والعبث في أموالهم وحقوقهم. # يتهمنا بعض أرباب الأغراض من الجاهلين، بأنه يقل فينا معاشر العثمانيين المستقيم العفيف ~~من رجال الجيش والإدارة والقضاء، وأنه إذا وجد العامل الكامل بيننا يعيش مضطهدا، ويؤخر ~~عن قصد في سلاسل الترقي، والحال أن في هذا الأمر نظرا؛ لأنه لا يعقل أن تخلو الأمة من ~~كملة، ومتى غلب فاسدوها على صالحيها فهناك الخراب المحتم، أما أن النزيه يضطهد ولا ~~يرقى فإن في ماضي هذه الدولة وحاضرها مئات من الأمثلة على خلاف ذلك، ولو كانت الحال على ما ~~يدعون ما ارتقى فقيدانا العربيان في الولايات هذا الارتقاء، فثبت أن للاستقامة أناسا ~~يقدرونها قدرها، وأن النزيه العفيف من العمال يحترمه، ويخافه حتى الذي هو أرقى منه في سلسلة ~~المراتب وتقدم الميلاد. # ما اجتمعت بعامل مرتش مهما كانت درجته إلا ووجدته خائفا ذليلا صغيرا في نفسه يصانع ~~وينافق، وما اجتمعت بعامل من أهل الصنف الآخر إلا وقرأت عزة النفس في وجهه والشمم والرفعة ~~الحقيقية في أطواره، والجد غالبا عليه في أقواله وأفعاله. # ومن الغريب أن كل من جمعوا المال وبالغوا في إضاعة حقوق الناس ليغتنوا بزعمهم، أصابهم ~~الفقر قبل موتهم، وبقيت أنسالهم معذبة، ولم تنل حظا من التربية، وهي إلى الدثور والعفاء ~~أقرب منها إلى الحياة والعلاء، أما الذين ثبتوا على عفة أيديهم، فلم يتناولوا المال إلا من ~~طريقه الذي شرع لهم وهو رواتبهم ومخصصاتهم ونفقات تنقلهم، فقد رأيناهم عاشوا سعداء منعمين، ~~موسعا عليهم، وتركوا لأولادهم تربية سليمة هي أثمن من كل ثمين. # مظاهر الحياة كثيرة، والعمال أقرب إلى الغرور من غيرهم؛ لأن بأيديهم قوى لا يمنعهم عن ~~إساءة استعمالها وازع غير الوازع النفسي، فمن غلبت شقوته سعادته كان من المغرورين بمظهرهم، ~~وعبث بالأمانة التي اؤتمن عليها، وأي أمانة أعظم من مصالح الناس وحقوقهم ودمائهم؟ ومن كانت ~~سعادته غالبة شقوته ارتضى بإحقاق الحق وإزهاق الباطل، وعامل ms290 الرعية وهي وديعة الله بين ~~يديه معاملة الأب المشفق الرحيم، وهذا هو الذي يقدسه الناس ويرحمونه، ويدعون له حيا ~~وميتا في ظاهرهم وباطنهم، والله لا يضيع عمل عامل. # | الحاج مصطفى حولا1 # ربما يستغرب القارئ إيراد هذا الاسم في هذا المكان، ولكن متى ظهر السبب بطل العجب، هو ~~يستغربه لأن صاحبه ليس ذا مظهر ديني ولا دنيوي، ولم يحرز لقب باشا ولا بك ولا أفندي ولا شيخ ~~ولا سيد؛ لأن الظاهر من حاله أنه رجل من عامة المسلمين. # نعم، هو مسلم هدته الفطرة إلى آداب الإسلام بدون أن يدرس في مدرسة دينية أو دنيوية، ولا ~~تشبع بمدنية الغرب ولا الشرق، وما كان أبوه رب عقار ومزارع، ولا خلف له أو أحد أقاربه ~~أموالا اكتسبت من غير حلها من مثل وقف أو رشوة أو ظلم أو سرقة، بل هو عصامي عاش من تجارته ~~المشروعة وأملاكه القليلة. # يعرف الرجال أيام المحن ولو لم تنشب الحرب، ما كان رجل كهذا عاش في ساحل من سواحل البحر ~~الأبيض يقل الواردون إليه يصبح موضوع الحديث ومحل تجلة الأقلام، ويتناقل خبر إحسانه الخاص ~~والعام، وكم خمل في الحرب رجال ونبه رجال. # عادة مستحكمة في كثير من الناس أن يولوا الجميل ليقال عنهم ويروى، ويمدوا أيديهم ~~بالعطاء؛ لأن السخاء خلق محمود، يحبب صاحبه إلى القلوب، وتطيب نفوس أرباب الغرائز السليمة ~~لسماع أخباره، بيد أن الرجل الذي ننوه به هنا انبسطت يده بالعطاء مدفوعا إلى ذلك بعامل ~~الدين والإنسانية، لا طلبا لشهرة ولا إيثارا لمظهر، ولا توقعا لدنيا مريضة يحاول ~~نيلها. # من كان يظن أن تاجرا متوسطا من تجار ميناء طرابلس الشام، يأخذ على نفسه بسائق حميته ~~الوطنية وغيرته الدينية أن يطعم منذ أعلن النفير العام مائتي إنسان كل يوم، يطعمهم المآكل ~~الطيبة، ويفرح قلوبهم بالحلواء أحيانا، وقد أنفق في هذا السبيل أرباحه زمن الحرب وجانبا ~~من رأس ماله، وعاهد الله في باطنه أن ينفق على هاتين السريتين من جنده الفقراء حتى آخر ~~درهم من عقاره، أفلا يجب على ms291 كل إنسان أن ينادي بارك الله بهذا الإنسان؟! # ثلاث سنين ونصف مضت على الحرب العامة، ونفس الحاج مصطفى الكاملة، لم ينضب معين قوتها في ~~تعهد البائسين، وثلاث سنين ونصف على الحرب العامة، ونفوس أرباب الاحتكار من التجار ~~والمتمولين من أرباب المزارع والعقارات في مدن الشام لم تشبع من جمع المال ولو بإيذاء ~~البلاد وساكنيها، أفلا نقدس الأول ونحتقر الآخرين؟! # عرفت في دمشق وبيروت وحيفا خصوصا أناسا ليسوا في الطبقة العليا بغناهم، يطعمون ~~الفقراء ويلبسونهم ويئوونهم، ومنهم أناس من أرباب المظاهر الدينية، وآخرون من أشراف التجار ~~والموسرين، ولكنني لم يبلغني أن رجلا من مثل طبقة هذا فادى بماله ووقته في سبيل الله، ~~وحاول أن يسد من الفقير جوعته، ويطفئ في قلب البائس لوعته، على صورة منظمة لم يهتد إليها ~~العالم النحرير، ولا الغني الشهير، ولا الزعيم والأمير. # صاحبنا لا يتوقع إلا وجه الخالق وبر الخلق بما يسدي، جعل نفسه خادما للفقراء بالعمل، ~~واستلذ العطاء وتخفيف البلاء استلذاذ تلك الطبقة التي غلظت أكبادها، فلا ترى المصلحة إلا ~~بالجمع والمنع، حتى يخلفوا الأموال لأعقابهم يفسقون بها ويفجرون، فلا هم بها مستمتعون ولا ~~الناس بها منتفعون. # يوصي الأغنياء والمتوسطون على الغالب بوصايا مختلفة بعد موتهم، كأن ينشئ الموصي جامعا أو ~~مدرسة أو تكية أو يجري ماء أو يعبد طريقا، أو يتعهد طبقة مخصوصة من الناس بشيء من ~~الدراهم يرضخ لهم بها، أو يطعم أناسا يعينهم، أو قراء فقراء يذكرهم، أو يتامى وأيامى ~~يبرهم، وذلك بعد أن يكون نفض يده من الحياة، وفارق الدنيا اضطرارا لا اختيارا، فلا يسخو ~~بماله على الأغلب إلا يوم يتجرد منه بدافع طبيعي، ولكن الحاج مصطفى حولا يسخو بماله في ~~حياته يخلص به من الموت أهل البؤس والشقاء، غير مشفق على نفسه ولا على عياله. # لا جرم أن مدبر الأكوان، وخالق الإنسان، والعدل في الخليقة من آياته، سيعيد له بتيسيره ~~القرش الذي أنفقه في البقاء على حياة كثيرين ألفا ويصطفيه ويرحمه، ويبدد شمل تلك الأموال ~~التي اكتسبها أربابها من طرق ms292 دنيئة في الأكثر، ولا رحموا بجزء ضئيل منها أهل حيهم وعشيرتهم ~~في زمن يموت فيه العاجزون جوعا وعريا. # | المستشرقون ومؤتمرهم1 # الاستشراق أو علم المشرقيات هو كما عرفه لاروس علم من العلوم الحديثة ودائرته الحالية ~~واسعة، فإذا نظرنا إلى الألفاظ من حيث مفهومها، نرى أن التعبير عن اللغات الشرقية لا ~~يتناول غير اللهجات التي يتكلم بها في شرقي أوروبا، أي في آسيا وفي جزء من أفريقيا المتصل ~~بآسيا، ولكن لفظ الاستشراق يطلق اليوم بتجوز على لغات أميركا وأفريقيا الجنوبية والبلاد ~~الشمالية وآدابها وأخلاق سكانها، فترى اللغة اليونانية الحديثة واللغة الرومانية والروسية ~~تدرس في مدرسة اللغات الشرقية الحية في باريز كما تدرس لغات الشرق أي العربية والفارسية ~~والتركية والصينية واليابانية والهندستانية والعبرانية والسريانية والحبشية والقبطية ~~والأمحرية، بل إن اللغة المجرية نفسها بالنظر لعلاقتها باللغة التركية والمغولية تدرس ~~هناك كما تدرس اللغات الشرقية. # لم يدخل علم المشرقيات في أسلوب علمي إلا في القرن التاسع عشر، وقد كان اليونان ~~واللاتينيون يدعون اللغات الشرقية التي كانوا يعرفونها (كالفارسية والفينيقية وغيرهما) لغة ~~البربر ولذا يهملون دراستها، وشاعت في القرون الوسطى لغتان فقط من لغات الشرق بين العلماء، ~~وهما اللغة العبرية التي كانت تعتبر لغة الإنسانية الأصلية، واللغة العربية التي كانت مهمة ~~لكثرة البشر الذين يتكلمون بها ولشهرة فلاسفة الإسلام أمثال ابن رشد وابن سينا؛ ولذلك أنشئ ~~في باريز منذ أواسط القرن الثالث عشر للميلاد درس عام لتدريس اللغة العربية. # ثم إن المذهب البرتستانتي توخى البحث عن النص الأصلي للتوراة، فحمل أشياعه على درس ~~العبرية والكلدانية والسريانية، وأنشأ بعد ذلك البابا غريغوريوس الثالث عشر وأوربانوس ~~الثامن دروسا لتعليم اللهجات الشرقية بالعمل ليستفيد منها المبشرون بالنصرانية، وفي سنة ~~1627 أنشئت مدرسة انتشار الإيمان، وطفق المبشرون منذ ذاك العهد يأتون بالآثار النفيسة لخدمة ~~الدروس الشرقية، ونشر اليسوعيون في القرن الثامن عشر في العالم الغربي مدنية الصين واليابان ~~ولغتيهما، وأنشأ الوزير كولبر في فرنسا مدرسة الشبان؛ لتعليم اللغات قاصدا بها تخريج ~~تراجمة تستخدمهم حكومتهم في الشرق، وأنشئوا يدرسون اللغة الفارسية ms293 والتركية، وانتشرت القصص ~~والحكايات الشرقية أمثال قصة ألف ليلة وليلة، والرسائل الفارسية وغيرها، ثم إن فتح فرنسا ~~وإنكلترا للهند قد دعا إلى اكتشاف اللغة السنسكريتية. # وبعد نحو عشر سنين تأسست طريقة نحو المقابلة، فدخل درس اللغات في طور جديد حسن الأساليب، ~~وفي الجزء الأخير من القرن الثامن عشر اكتشف أنكتيل دوبرون اللغة الزندية والبهلوية، وكان ~~من حملة بونابرت على مصر (1798-1799) أن بدأ بها دور السياحات العلمية الكبرى، التي اشتهر ~~بها القرن التاسع عشر، وجيء إلى أوروبا من مدينة رشيد في مصر بالحجر المشهور، وكان حل خطه ~~مبدأ درس الآثار المصرية، وانحلت لغات دثرت منذ ألوف من السنين كاللغة الآشورية، وشرعت ~~الحكومات تنفق على البعثات العلمية، وتؤسس دروسا لتعلم تلك الأبحاث واللغات، فترى فرنسا ~~تعلم اللغات الشرقية الحية في مدرسة خاصة لذلك، كما أن للغات الشرقية القديمة دروسا ~~في كوليج دي فرانس «مدرسة فرنسا»، وكذلك في مدرسة الدروس العليا في الكليات. ومن أعظم ~~العلماء الذين ساعدوا على الاستشراق في القرن التاسع عشر شامبوليون «في الآثار المصرية» ~~وأبوبرت ولفورمان وراولنسون وهنكس «في الآثار الآشورية» وبورنوف وجايمس دار مستتر وموللر ~~ولاسن «في الآثار الهندية» وسانيسلاس جولين «في الآثار الصينية». # وكانت رغبة الأوروبيين أولا في تعلم اللغات الشرقية عن باعث ديني، فقد قضى مجمع فينا سنة ~~1311م (المقتبس م7 ص695)، وكان برئاسة إكلمنتس الخامس أن تؤسس في باريز وأكسفورد وبولون ~~وصلمنكة دروس عربية وعبرانية وكلدانية؛ لتخريج وعاظ وأهل جدل أشداء؛ لتنصير المسلمين ~~واليهود، وأنشأ الفرنسيسكانيون والدومينيكانيون من الرهبنات الكبرى في أديارهم دروسا في ~~هذه اللغات، فأصبحت إيطاليا مهد حركة نجحت في المشرقيات، وأخذوا بنوع خاص يدرسون العبرية؛ ~~للتعمق في فهم أسرار التوراة وتنصير اليهود، واللغة العربية لتنصير المسلمين، يأخذون ~~العبرية عن أعلم العلماء الربانيين، والعربية عن أناس من المسلمين أو من السوريين الموارنة ~~أمثال بني السمعاني، ومن مدارس إيطاليا نشأ العلماء الأول في اللغات القبطية والحبشية ~~والأمحرية، ولكن دراسة اللغة العربية بقيت الحاكمة المتحكمة في شبه جزيرة إيطاليا، فكان ~~ينظر إلى تعلمها أنه ms294 من الحاجات الماسة لكل تجار المدن البحرية كالبندقية وجنوة ونابل ~~وبيزا، وظلت اللغة العربية مألوفة في عدة أماكن من إيطاليا الجنوبية عقيب احتلال العرب ~~صقلية، فكانت في بلاط ملوك تلك الأصقاع لغة العلم العالي والشعر والأدب. # كانت رومية أول مدينة في العالم طبع فيها كتاب عربي عقيب اختراع الطباعة وهو قانون ابن ~~سينا، وظلت حركة المشرقيات تختلف ضعفا وقوة في بلاد الطليان بحسب الحكومات وهمم الأفراد ~~والمقصد الأصلي ديني والعلميات بالعرض، وكان لأسرة ميديسيس فضل على الآداب العربية، كما لها ~~فضل على الشعر والموسيقى والتصوير والهندسة. # وفي أواسط القرن الثامن عشر لما أخذت أوروبا تتحفز لاستعمار الشرق، أخذ علماؤها يبحثون في ~~تأليف جمعيات لهذه الغاية، فأنشئت جمعية العلوم والفنون في جاوة (1778)، والجمعية الآسياوية ~~في البنغال (1784)، والجمعية الآسياوية في بومباي (1805)، وأنشئت منذ ذاك العهد في أوروبا ~~وأميركا عدة جمعيات للمستشرقين، وأقدمها عهدا الجمعية الآسياوية في باريز التي أسست سنة ~~1822 بمعرفة شيخ المستشرقين من الفرنسيس سلفسترودي ساسي، وهو أعظم من خدم اللغة العربية من ~~الأوروبيين والفرنسيس خاصة، وربما كان أعظم مستشرق نبغ ونفع (راجع كتابنا غرائب الغرب)، ~~فأنشأت هذه الجمعية المجلة الآسياوية، وهي خاصة بلغات الشرق وتاريخه وعلومه وآثاره، تصدر ~~مرة كل شهرين، فيتألف منها مجلدان كل سنة، ومن حواها فكأنما حوى أعظم مكتبة في هذه الأبحاث ~~الجليلة. # تخرج في مدرسة اللغات الحية في باريز كثير من مستشرقي الفرنسيس والألمان والطليان ~~والسويسريين، وأنشأت معظم عواصم أوروبا مدارس على مثالها، وإن سبقت هولاندة، فكانت أول من ~~أسس جمعية شرقية في باتافيا كما تقدم سنة 1778، وكانت مطبعة ليدن الشرقية أقدم مطبعة طبعت ~~الأمهات من كتب المشارقة والعرب منهم خاصة، وذلك منذ زهاء ثلاثمائة سنة. # أنشأ المستشرقون عدة جمعيات في أوروبا، وأسسوا عدة مطابع شرقية، وطبعوا بها ألوفا من كتب ~~الشرق ولا سيما اللغة العربية، فإن ما طبع من أمهاتها عندهم هو القسم المهم من كتبنا ~~العلمية والتاريخية والأدبية، وما زالت الكتب التي طبعتها مطابع باريز وأكسفورد ولندن وليدن ~~وغوتنغن وليبسيك ورومية ومجريط وغيرها ms295 من حواضر العلم والمدنية في أوروبا باللغات العربية ~~هي المفخر الذي يحق لمدنية القرن التاسع عشر والعشرين في ديار الغرب أن تباهي به الأعصار ~~والأمصار. # وما برحت أسماء دي ساسي ووستنفيلد وفلوغل وريسك وبوركهار وكارليل وكاترمير ودي سلان ~~وغوليوس وشولتنس وأربنيوس وهيتسما وشيد ودي بومباي ونيبوهر وزوزاريو وكولنبرك وجنستون ~~وستونتن وفين وهوغتن وهامر ورازموسن وفلمت وبيبر ودي روسي وإيفلد وغابلنتس وروديغر وسيدليو ~~وكوسان دي برسفال وجوبرت وروزنمولر وكلابروت وهابخت وبولس وفراهن ومهرن وهماكر وفرينل ودي ~~لاغرانج ودي فرجه ورينو ومونك وبرنيه وكمباريل وبرون وموله وكازميرسكي ووفريتاغ وكسغارتن ~~ووابك وبرنستين وأرنلد ووتستشتين وفتزر وفولف وهاربوكر وبورغستال وجوينبول وروردا وفايرس ~~وكورتون وتاسوليس وجونس وغوتوالد وكولسون وكريستيانوفتش وخانيكوف وكاينكوس وكودرا وموهل ~~وبلن ودي تاسي وسولسي وإيفلد وديمانج وشرموا وبوتجانوف وبولديراف وسيانكوفسكي وسافلياف ~~وغريغورياف وبافسكي ونفروتسكي وبرازين وسبنرجر وتورنبرغ وخانيكوف ودوزي ووريخت، ما برحت ~~أسماء هؤلاء الرجال تذكر بالحمد، ويطلب لها ثواب عملها. # هؤلاء بعض أئمة المستشرقين في القرن التاسع عشر من الألمانيين والنمساويين والهولانديين ~~والفرنسويين والإيطاليين والروسيين والإنكليز والإسبانيين والدانيمركيين والأسوجيين ~~والبولونيين والبلجيكيين والأميركيين، # 2 # ولو جئنا نعدد مشاهيرهم في هذا الربع الأول من القرن العشرين لطال بنا المطال، ~~ومن مشاهير شيوخهم بروكلمان وولهاوزن وغويدي وغولدصهير وهوار وبراون ومرجليوث وفمبري ~~وهوتسما وباسه وزترستين وسكيابارللي وناللينو وهوداس ودرانبرغ ونيكلسون وموسل وسيبولد وهور ~~وفيتز وبيكر وهرتمن ودي فو وموتلنسكي ولتمان ولامنس ومنسيون وهرغروني ودي كوي وآماري ~~وكاركسماريك وفولرس وشادوبوير وأرنولد ورسكا ودامس وجيز وبارتولد ومورتمان ولشاتليه وبوفا ~~وكاباتون وكور وهاليفي وماسبرو وشيفر ومكدوبل ودوفال ودي منار وبارت وسينار وليفي وكازانوفا ~~وروزن وشوفين وشافان ودوسو ومونتيه وسبيرو وشيل وماهفي ودلبروك وكولنيون ودي غوبرنانتيس ~~وبزنبرجر ودافيدس وهوبت وكوهن وكايتاني ولامبروز ونافيل وأولدنبرع، هؤلاء بعض من اشتهروا ~~بآثارهم من علماء المشرقيات، وأتوا على الخاطر ساعة كتابة هذه العجالة، وهناك مئات منهم ~~المشهور وآخر الخامل، وما منهم ومن سبقوهم من الأعلام إلا الذي نشر الآثار النافعة بالعربية ~~أو منقولة من العربية أو عن إحدى اللغات الشرقية، وفيهم من نشر ms296 عشرات من المصنفات كانت ~~بصحتها وفهارسها مادة الآداب العربية، وخدم بها بلاده أولا وهذه اللغة الشريفة ثانيا، ~~ومنهم من ينشر الكتاب لقدماء مؤلفي العرب بنصه، ويعلق عليه حواشي باللاتينية لغة العلماء، ~~أو يترجمه إلى اللاتينية وينشره بهذه اللغة فقط، ومنهم من يعلق عليه أو يترجمه بلغته ~~كالهولاندية والألمانية والإنكليزية والإفرنسية والإيطالية والإسبانية والروسية والسويدية، ~~ولمستشرقي كل أمة كبرى عدة جمعيات مهمة راقية، وأقدمها جمعية باريز وتلتها جمعيات ألمانيا، ~~والاستشراق أرقى ما يكون في بلاد الجرمان الآن، وإلى علماء المشرقيات منهم ومن الهولانديين ~~يعزى الفضل الأكبر في نشراهم كتب أجدادنا في العلم والتاريخ والجغرافيا والأدب واللغة ~~والدين، والجرمانيون والهولانديون أقدر الأوروبيين على النطق بالعربية، وبالنظر لاختصاصهم ~~أو أخصائهم جاء منهم أئمة قل نبوغ أمثالهم في الأمم الأخرى، ومجلة المستشرقين الألمانية ~~راقية جدا، وتتألف منها مكتبة مهمة بحثت كالمجلة الآسياوية الإفرنسية في علوم الشرق ~~وآدابه ولغاته، ولم تترك شاردة إلا أحصتها ولا مبحثا إلا محصته، وتجيء بعدها مجلة ~~المستشرقين النمساويين ومجلة المستشرقين الإنكليز والطليان وغيرهم من أمم الحضارة والولوع ~~بالمشرقيات. # وقد اعتاد المشتغلون بالمشرقيات منذ سنة 1873 أن يعقدوا مؤتمرا لهم، يحضره جلة منهم، ~~ويكون مقره في إحدى العواصم المشهورة، وتنتدب الحكومات من يمثلها في تلك المؤتمرات، فتتلى ~~فيها الخطب المفيدة والمحاضرات التي تنم عن فضل بحث ودرس في لغات الشرق وعلومه وتاريخه ~~واجتماعه، ويتنافس أئمة هذا الشأن في هذا السبيل المحمود، وكانت الحكومة العثمانية والحكومة ~~المصرية تنتدب أناسا يمثلونها في المؤتمرات التي عقدت حتى الآن، وكان بعضهم من العلماء ~~والأدباء. # وقد عقد المؤتمر الأول سنة 1873 في باريز، والثاني سنة 1876 في لندن، والثالث سنة 1877 ~~في بطرسبرج، والرابع سنة 1878 في فلورنسة، والخامس سنة 1881 في برلين، والسادس سنة 1883 في ~~ليدن، والسابع سنة 1886 في فينا، والثامن سنة 1889 في أستوكهلم، والتاسع سنة 1892 في لندرا، ~~والعاشر سنة 1894 في جنيف، والحادي عشر سنة 1897 في باريز، والثاني عشر سنة 1899 في رومية، ~~والثالث عشر سنة 1902 في هامبورغ، ms297 والرابع عشر سنة 1905 في الجزائر، والخامس عشر سنة 1909 ~~في كوبنهاغ، والسادس عشر سنة 1912 في أثينة، ويعقد السابع عشر سنة 1915 في أكسفورد. # وسيكون هذا المؤتمر برئاسة رئيس كلية أكسفورد، وعهد برئاسة اللجنة المنظمة إلى الأستاذ ~~مكدونلد، واللجنة العامة مؤلفة من أساتذة اللغات الشرقية، أو من مدارس الدروس الشرقية في ~~كليات إبردين وبريستول وكمبردج ودوبلين وأديمبرغ وغلاسكو وليفربول ولندرا ومنشستر ووسانت ~~أندري وبلاد الغال في بريطانيا العظمى، ومن لجان الجمعيات العلمية الإنكليزية مثل الجمعية ~~الأفريقيا، والجمعية التوراتية الأثرية، والجمعية البوذية، وجمعية آسيا الوسطى، والجمعية ~~الصينية، وجمعية آثار مصر، والجمعية اليابانية، وجمعية الأبحاث الفلسطينية، والجمعية ~~الفارسية، والجمعية الآسياوية الملكية وغيرها، وستبدأ مداولات المؤتمر يوم 13 أيلول 1915 ~~وتنتهي 18 منه، وستكون أبحاثه في علم تعريف الإنسان والآثار، وفي علم الآثار الآشورية، وفي ~~آثار آسيا الوسطى والشرق الأقصى ومصر وأفريقيا والهند واللغات والآداب الإسلامية، وفي ~~اللغات السامية والآداب السامية، وفي آسيا الغربية وإيران، وتكون اللغة التي يجوز استخدامها ~~الإنكليزية أو الإفرنسية أو الألمانية أو الإيطالية، ومن أراد أن يتكلم بلغة غير هذه وجب ~~عليه أن يطلب الترخيص له بذلك من رئيس اللجنة التي هو أحد أعضائها، أو يريد التكلم ~~فيها. # هذا ما نشرناه في المجلد الثامن من مجلة المقتبس، بيد أن الحرب العالمية نشأت ولم يعقد ~~المؤتمر فيما نظن، وعقد علماء المشرقيات من الألمان ومن والاهم من النمساويين ~~والهولنديين والسكانديناويين مؤتمراتهم بعد الهدنة في مدينة ليبسيك لم تحضره أعضاء الخلفاء ~~من الإنكليز والفرنسيس وغيرهم، وكانت السياسة مانعة من اجتماع العلماء فقبحت ~~السياسة. # | الألقاب العلمية1 # ليس في الأيدي مستند يركن إليه في تاريخ حدوث الألقاب العلمية في الملة الإسلامية، ~~والظاهر أنها حدثت في النصف الأخير من عهد بني العباس، وشاعت وتأصلت زمن ملوك الطوائف، ثم ~~على عهد الدولتين الجركسية والعثمانية في هذه الديار أيام أصبح العلم عبارة عن رسوم، ~~والعلماء هم الذين يقر بهم الملوك والحكام، ولو كانوا أجهل من قاضي جبل، بل أصبح أمر ~~الألقاب أقرب إلى الهزل منه إلى ms298 الجد، فصارت جملة «أعلم العلماء المحققين» تطلق على كل ~~صعلوك نال منصبه في القضاء أو الإفتاء أو التدريس بالشفاعة أو القرابة أو الإرث؛ لأن العلم ~~في الثلاثة القرون الأخيرة أصبح يورث كما يورث الماعون والخرثي والعقار ~~والمزرعة. # نعم، غدت الألقاب العلمية التي لم تطلق على أبي حامد الغزالي، وأبي عمرو الجاحظ، وأبي ~~الوليد بن رشد، وأبي النصر الفارابي إلا بشق الأنفس تطلق على من يحتاجون أن يرجعوا إلى ~~الكتاب، بل على عامة ليس لهم من أدوات العلم إلا أنهم اعتموا بالبياض، ولبسوا الجبة على ~~الزي المتعارف لهم. # وإن ألفاظ العالم والعلامة والإمام والرباني # 2 # والحبر # 3 # التي لم تطلق على أكثر حملة الشريعة والعلم أيام نضارة الدين، أصبحت تطلق على ~~الجهلاء لعهدنا بعد أن كانت هذه الألفاظ تجعل لأفراد في الأمة امتازوا ميزة ظاهرة بعقولهم ~~وعلومهم، وقد تستعرض القطر بل الأقطار بل العصر والأعصار، ولا تجد واحدا استحق هذه ~~الألقاب، وصرت إذا دخلت في عهدنا إلى مدينة صغيرة كطرابلس الشام تظن نفسك وجميع من لهم شيء ~~من الذكر قليل أو تولوا منصبا ولو حقيرا في خدمة الحكومة، يعطون لقب «العالم الفاضل» ~~و«العلامة الفاضل» و«الإمام المحدث» بدون نكير. # كان يقال لجبير بن زهير الحضرمي: «عالم أهل الشام»، وللخليل بن أحمد «علامة البصرة»، ~~ولمالك بن أنس «إمام دار الهجرة»، ولعبد الله بن عباس «رباني هذه الأمة»، أما اليوم فإن ~~ألفاظ عالم وعلامة وإمام تطلق على الممخرقين والمتنطعين الذين لم ينفعوا الأمة بشيء، فقد ~~كان يلقب بالعلامة الأول قطب الدين الشيرازي، كما يطلق لقب العلامة الثاني على سعد الدين ~~التفتازاني على نحو ما أطلق على أرسطو لقب المعلم الأول، وعلى الفارابي لقب المعلم ~~الثاني. # تشدد القوم في إطلاق ألقاب التفخيم حتى على العلماء صيانة لألقابهم من الابتذال، فرأينا ~~العصام في حاشيته علي الجامي لا يوافق الجامي بإطلاقه على ابن الحاجب لفظ «العلامة المشتهر ~~في المشارق والمغارب»، فقال: إن في وصف ابن الحاجب بالعلامة نظرا؛ لأن هذا اللفظ إنما ~~يناسب فيما بين العلماء من ms299 جمع جميع أقسام العلوم كما هو حقه من العلوم العقلية والنقلية، ~~وليس ابن الحاجب إلا من العلماء في العلوم النقلية؛ ولذا خص من بين العلماء قطب الملة ~~والدين والشيرازي بالعلامة، حيث سبق العلماء كلهم في جميع أقسام العلوم. # هكذا كان أدب سلفنا، أما اليوم فقد استرسل عباد المظاهر في هذا الشأن، فسموا إلى تلك ~~الألقاب الشريفة التي لم يجوزوا إطلاقها على مثل ابن الحاجب الإمام المحقق في فنه، وبلغت ~~الحال ببعضهم أن صاروا يكتبونها بأيديهم عن أنفسهم كأن العلامية والعالمية والإمامية لا ~~تثبت في الأذهان إلا بمثل هذا العمل. # وعندنا أن الأحرى بمن تدور معارفه على الفقه وحده أن يسمى فقيها إن كان ممن برزوا ~~حقيقة في أصوله وفروعه، ومن اقتصر على الأصول وحده أن يسمى أصوليا، ومن غلب عليه علم ~~الحديث أن يقال عنه حديثيا، وإلا فإن كلمة عالم لا تقال إلا لمن يعمل بما يعلم كما قال ~~بعضهم، وإن شئت فقل لمن يظهر فيه أثره، ويمتزج بأجزاء نفسه أي امتزاج، قال ابن جني: لما كان ~~العلم قد يكون الوصف به بعد المزاولة له وطول الملابسة صار كأنه غريزة، ولم يكن على أول ~~دخوله فيه، ولو كان كذلك لكان متعلما لا عالما. # جرت على هذه القاعدة الأمم الراقية قديما وأمم المدنية الحديثة لعهدنا، فلم يطلق على ~~سقراط وأفلاطون وأرسطو الفلاسفة ألقاب العلماء في بلاد اليونان إلا بعد أن قضى كل منهم ~~سنين في التعلم وسنين في التعليم، وهكذا رأينا الأمم الحديثة لم تطلق على نيوتن وهكسلي ~~وكونت وكانت وكيتي اسم عالم إلا بعد أن درسوا الدروس النظامية كلها، وبرزوا على رجال عصرهم ~~بفنون مخصوصة أبرزوا فيها آثار علمهم وأثروا في محيطهم. # ومن عجيب الأخلاق أن من ينتسبون لشيء من علوم الدين في عهدنا يعز عليهم إلا أن تبقى ~~ألفاظ العالم والمحقق والعلامة محصورة بأهل طبقتهم، كأن من يعلم الهندسة أو الطب أو الحقوق ~~أو الصحافة أو السياسة لا يستحق أن يعد في العالمين، ولو أيدت علمه أمثلة كثيرة، يريدون ms300 ~~أن تبقى هذه الألفاظ لهم، وكذلك بعض المشتغلين بهذه العلوم الدنيوية، يعز عليهم أن يطلقوا ~~الألقاب العلمية على من لا يعلمون علومهم، في حين رأينا صاحب إرشاد القاصد وصاحب كشف الظنون ~~عدا العلوم كلها دينية ودنيوية، وسمياها كلها علوما حتى السحر والطلسمات والشعبذة، فذكر ~~الأول من أنواعها مائة نوع والثاني مائة وخمسين نوعا. # وغريب كيف أخرج بعضهم في القديم إسحاق بن إبراهيم الموصلي من سلك الفقهاء، وكان أحرى أن ~~يعد بينهم؛ لأنه يلحن الأنغام، ويخترع ضروب الغناء، ويشتغل بآلات الطرب مع أنه ليس دون ~~علماء عصره بعلومهم، ولكن غلب عليه الغناء فعدوه في الندماء، كما غلب الشعر على بعضهم فعدوه ~~في الشعراء أمثال أبي نواس، وما هو في الحقيقة إلا من كبار علماء العربية. # وإنا إذا استقرينا التاريخ على اختلاف العصور نجد أن المنصفين من المؤرخين يذكرون ~~العالمين بغير العلوم الدينية كما يذكرون علماء الدين؛ لأنهم كلهم أعضاء نافعون في المجتمع، ~~فقد كان خالد بن يزيد الأموي من أهل القرن الأول عالم قريش بالكيمياء والطب بصيرا بهذين ~~العلمين، وكان أبو الفضل الحارثي من أهل القرن الخامس عالما بالهندسة والفلك والحساب ~~والتقسيمات والهيئة ونقش الرخام وضرب الخيط والطب، ومحمد القيسراني من أهل القرن الخامس ~~أيضا عالما بالمساحة والميقات والفلك، ورضوان الخراساني من أهله أيضا عالما بالرياضيات، ~~وأبو المجد ابن أبي الحكم من أهل السادس عالما بالطب والهندسة والنجوم والموسيقى والعدد ~~والغناء والإيقاع والزمر وسائر الآلات، عمل أرغنا وبالغ في إتقانه، وكان ابن الصلاح من أهل ~~السادس عالما بالحكمة متميزا بالطب، وموفق الدين بن المطران من السادس عالما بالطب ~~والفلسفة، وابن المؤيد العرضي ورفيع الدين الجيلي وعز الدين الأربلي من أهل السابع علماء ~~بالفلسفة والرياضيات. # وهكذا لو استقصينا كتب التراجم لعثرنا من أسماء المشتغلين بغير العلوم الدينية على سلسلة ~~طويلة، وكلهم أطلق عليهم اسم العالم والمحقق والإمام والعلامة على رغم أنوف المكابرين، ~~وذكرتهم الأعصار بآثارهم أكثر ممن جعلوا مناصب الدين وألقابه سببا إلى الدنيا ونيل الحظوة ~~من العامة، والزلفى من السلاطين والأمراء، ms301 وقد رأينا بعض المشتغلين بعلوم الشريعة لعهدنا ~~يتخلصون من إطلاق لفظ عالم، وعلامة على من لم يتزي بزيهم الخاص بأن يطلقوا عليه اسم الكاتب، ~~على أن لفظة كاتب التي يحتقرونها قل في المعدودين من يستحقها، قال ضياء الدين بن الأثير ~~في المثل السائر: ينبغي للكاتب أن يتعلق بكل علم، حتى قيل: كل ذي علم يسوغ له أن ينسب ~~نفسه إليه، فيقال: فلان النحوي وفلان الفقيه وفلان المتكلم، ولا يسوغ له أن ينسب نفسه إلى ~~الكتابة، فيقول فلان الكاتب، وذلك لما يفتقر إليه من الخوض في كل فن. ا.ه. # وهذا التحكم البارد في الحط ممن أخصوا في بعض الفنون التي يجهلها أكثر المتعممين، ولا ~~يعدونها علما في نظرهم تخرج كثيرا من الأئمة من عداد العلماء بحسب عرفهم، ممن لم تكن ~~الكتابة إلا من جملة ما يعلمون أمثال الجاحظ، فإنه بحسب عرفهم كاتب فقط؛ لأنه مجيد في ~~الإنشاء للغاية، وكذلك القاضي الفاضل وابن خلدون وابن فضل الله وأبو الفدا وغيرهم من مشاهير ~~العلماء الذين كانوا أئمة في الإنشاء؛ هذا لأن أولئك الأعلام لم يؤلفوا أو لم يريدوا أن ~~يؤلفوا في الفقه والأصول والكلام والحديث، على حين ورد في الكتاب العزيز: # يعلمه علماء بني إسرائيل # فأطلق تعالى عليهم لفظ ~~علماء، وجاء فيه: # والذين أوتوا العلم درجات ~~، قال ~~الراغب: إن هذا تنبيه منه تعالى على تفاوت منازل العلوم وتفاوت أربابها. # ولقد شاهدنا ما يضحك من تحكم بعض أرباب الصحف السيارة في الألقاب العلمية، حتى آل الأمر ~~ببعض الفضلاء أن يستنكفوا من ذكر أسمائهم بين أناس لا يلحقون غبارهم بحال؛ لأن منشئ كل ~~صحيفة يعطي من الألقاب لمن يحبه ما يستحي العاقل من إطلاقه على أفضل أهل العصر، ويمنع ذلك ~~عن المستحق، يريد بذلك إسقاطه، حتى قال بعضهم: من العلامة ألا تكون للمرء علامة، فما دامت ~~لفظة علامة تطلق على المغفلين من الطلبة، فأجدر بمن يستحقون هذه اللفظة أن يزهدوا فيها، ~~وهكذا لفظ «الأستاذ» و«المعلم» و«الفاضل»، وهذه اللفظة اليوم تطلق على تسعة أعشار من ~~يقرءون ms302 ويكتبون. # وبعد، فإن سلسلة الارتقاء وسلسلة الانحطاط نمط واحد، يتبع بعضها بعضا في كل أمة، ~~والتغالي في الألقاب من جملة تعلق الأمة، بل من يطلق عليهم الخاصة منها بالقشور دون ~~اللباب، وما أجدر أرباب الصحف والمجلات أن يتخلوا عن هذه الألقاب التي لا ميزان لها ولا ~~مقياس، وأن يذكروا الأسماء مجردة كما هو اصطلاح الأمم الراقية كالإنكليز والأميركان ~~والفرنسيس والألمان، بل كما كان اصطلاح أجدادنا العرب صدر الإسلام، والجديرون بالوصف تنم ~~أوصافهم عنهم من مثل التعليم زمنا، وتخريج طلبة راقين، أو الإجادة في التأليف، وغير ذلك من ~~سمات الفضل والعلم، قال المقدسي: إن مراتب السادات مثل جليل وفاضل رسم الرسائل لا رسم ~~التصانيف، والجرائد والمجلات كالكتب لا تخرج عن حد التأليف في صورة أخرى؛ ولذا وجب أن تعرى ~~من ألفاظ التمجيد، ولا سيما إطلاق الألقاب العلمية على من تذكرهم؛ لأن في ذلك تضليلا ~~للعقول واستهزاء بمقادير أهل الأقدار. # | التمييز في الألبسة1 # ليس أغرب من هذا الشرق ترى فيه الاختلاف في الأفكار، كما تراه في الأديان، بل تراه في ~~اختلاف الهواء والماء، وقد وفق الغرب إلى توحيد ألبسة أهله في القرون الأخيرة، أما الشرق ~~فلم يزل بتخالفه في ذلك على نحو ما كان عليه في القرون الوسطى قرون الظلم والهمجية. # اختلاف المشارقة في ألبستهم قديم، فقد كان للقضاة وللأجناد وللعلماء والعامة ألبسة خاصة ~~بهم، بل كان اللباس تابعا للأقاليم، فابن الحجاز يلبس ما لا يلبسه ابن الشام، وهكذا تجد لو ~~طفت الأقاليم ودرست المدنيات. # وكان لأهل الذمة في الإسلام لباس خاص بهم، وهو من التحكمات السياسية التي دعا إليها العرف ~~لا الدين، وليس في الدين ما يدل على تمييز المسلمين بلباس خاص، فقد اشترط الخليفة الثاني في ~~كتاب الجزية الذي كتبه لأهل الذمة أن يؤخذوا بلبس الغيار وهو علامة لهم كالزنار ونحوه، ~~ولما تبسط الفاتحون في مناحي السلطان كان من جملة واجبات المحتسب، كما في نهاية الرتبة في ~~الحسبة أن يأخذ الذميين بلبسهم، فإن كان يهوديا عمل على كتفه خيطا أحمر ms303 أو أصفر، وإن ~~كان نصرانيا عمل في وسطه زنارا أو علق في حلقه صليبا، وإن كانت امرأة لبست خفين، أحدهما ~~أبيض والآخر أسود، وإذا عبر الذمي إلى الحمام ينبغي أن يكون في حلقه صليب، أو طوق من حديد ~~أو نحاس أو رصاص ليختبر عن غيره. # وفي كتاب الخراج لأبي يوسف ألا يترك أحد منهم يتشبه بالمسلمين في لباسه ولا في مركبه ~~ولا في هيئته، ويؤخذوا بأن يجعلوا في أوساطهم الزنارات مثل الخيط الغليظ، يعقده في وسطه كل ~~واحد منهم، وبأن تكون قلانسهم مضربة، قال: وإن عمر بن الخطاب أمر عماله أن يأخذوا أهل ~~الذمة بهذا الزي؛ أي إن تكون قلانسهم طوالا مضربة، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى ~~عامل له، فلا يلبس نصراني قباء ولا ثوب خز ولا عصب، وقد ذكر لي أن كثيرا من قبلك من ~~النصارى قد راجعوا لبس العمائم وتركوا المناطق على أوساطهم، واتخذوا الجمام والوفر وتركوا ~~التقصيص، ولعمري لئن كان يصنع ذلك فيما قبلك، إن ذلك بك لضعف وعجز ومصانعة. # وفيما اطلعنا عليه من الكتاب إشارات طفيفة لاختلاف أزياء الذميين في العصور الإسلامية، ~~وما هذا الاختلاف في الحقيقة ناتج إلا من التحكم البارد غالبا، قال ابن الأثير في حوادث ~~سنة 235: إن المتوكل أمر أهل الذمة بلبس الطيالسة العسلية، وشد الزنانير، وركوب السروج ~~بالركب الخشب، وعمل كرتين في مؤخر السروج، وعمل رقعتين على لباس مماليكهم مخالفين لون ~~الثوب، كل واحد منهما قدر أربع أصابع، ولون كل واحدة منهما غير لون الأخرى، ومن خرج من ~~نسائهم تلبس إزارا عسليا، ومنعهم من لبس المناطق، وأمرهم بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ ~~العشر من منازلهم، وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب، ونهي أن يستعان بهم في ~~أعمال السلطان ولا يعلمهم مسلم، وأن يظهروا في شعانينهم صليبا، وأن يستعملوا في الطريق، ~~وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، وكتب في ذلك إلى الآفاق. # وقال الذهبي في حوادث 398: وفيها هدم الحاكم كنيسة القمامة بالقدس، وكانت فيها أموال ~~وجواهر ما لا ms304 يوصف، وألزم النصارى بتعليق صلبان كبار على صدورهم، واليهود بتعليق مثل رأس ~~العجل على صدورهم، وكان الصليب رطلا بالدمشقي من خشب، ومثال رأس العجل كالمدقة وزنها رطل ~~ونصف، وأن يشدوا الأجراس في رقابهم عند دخول الحمامات، قال: وألزم الحاكم صاحب المغرب ~~والحجاز ومصر والشام أهل الذمة بالصلبان في أعناقهم، وألبس اليهود العمائم السود نكاية ~~واهنة لبني العباس، قال ابن خلكان: وفي سنة اثنتين وأربعمائة أمر الحاكم النصارى واليهود ~~إلا الخيابرة بلبس العمائم السود، وأن تحمل النصارى في أعناقهم الصلبان ما يكون طوله ذراعا ~~ووزنه خمسة أرطال، وأن تحمل اليهود في أعناقهم قرامى الخشب على وزن صلبان النصارى، وأن يكون ~~في أعناق النصارى إذا دخلوا الحمام الصلبان، وفي أعناق اليهود الجلاجل ليتميزوا عن ~~المسلمين، قلنا: وكان في الحاكم لوثة وجنة، يأمر اليوم بأمر فينهى عنه في الغد على ما قال ~~المؤرخون. # وذكر الذهبي في حوادث سنة سبعمائة أن النصارى واليهود ألبست بمصر والشام العمائم الزرق ~~والصفر واستمر ذلك، وسنة 734 ألزمت النصارى واليهود ببغداد بالغيار، ثم نقضت كنائسهم ~~ودياراتهم، وأسلم منهم ومن أعيانهم خلق كثير منهم سديد الدولة وكان ركنا لليهود، وروى لسان ~~الدين بن الخطيب أن إسماعيل بن فرج الخزرجي من ملوك الأندلس اشتهر في إقامة الحدود، ~~وإراقة المسكرات، وحظر تجلي القينات للرجال في الولائم، وقصر طربهن على أجناسهن من الناس، ~~وأخذ لليهود الذمة بالتزام سمة تميزهم، وإشارة تشهرهم، وليوفي حقهم من المعاملة التي أمر ~~بها الشرع في الخطاب والطرق، وهو شواش (جمع شاشية) أصفر. وذكر صاحب المعجب في سيرة أبي يوسف ~~يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن أنه أمر في آخر أيامه أن يتميز اليهود الذين بالمغرب بلباس ~~يختصون به دون غيرهم، وذلك ثياب كحلية وأكمام مفرطة السعة تصل إلى قريب من أقدامهم، وبدلا ~~من العمائم كلوتات على أشنع صورة كأنها البراديع تبلغ إلى تحت آذانهم، فشاع هذا الزي في ~~جميع يهود المغرب، ولم يزالوا كذلك بقية أيامه وصدرا من أيام ابنه أبي عبد الله إلى أن ~~غيره أبو ms305 عبد الله بعد أن توسلوا إليه بكل وسيلة، واستشفعوا بكل من يظنون أن شفاعته ~~تنفعهم، فأمرهم أبو عبد الله بلبسان ثياب صفر وعمائم صفر، فهم على هذا الزي إلى وقتنا هذا ~~وهو سنة 631، وإنما حمل أبا يوسف على صنعه من أفرادهم بهذا الزي وتمييزه إياهم به شكه في ~~إسلامهم، وكان يقول لو صح عندي إسلامهم لتركتهم يختلطون بالمسلمين في أنكحتهم وسائر أمورهم، ~~ولو صح عندي كفرهم لقتلت رجالهم وسبيت ذراريهم، وجعلت أموالهم فيئا للمسلمين، ولكني متردد ~~في أمرهم، ولم تنعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المصامدة، ولا في جميع بلاد ~~المسلمين بالمغرب بيعة ولا كنيسة، إنما اليهود عندنا يظهرون الإسلام، ويصلون في المساجد، ~~ويقرئون أولادهم القرآن جارين على ملتنا وسنتنا، والله أعلم بما تكنه صدرهم وتحويه بيوتهم. ~~ا.ه. # وقال ابن أبي أصيبعة: حدثني الشيخ موفق الدين بن البوري الكاتب النصراني قال : لما فتح ~~المالك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب الكرك أتى إلى دمشق الحكيم موفق الدين يعقوب بن ~~سقلاب النصراني، وهو شاب على رأسه كوفية وتخفيفة صغيرة، وهو لابس جوخة ملوطة زرقاء زي أطباء ~~الفرنج، وقصد الحكيم موفق الدين بن المطران، وصار يخدمه ويتردد إليه لعله ينفعه، فقال له: ~~هذا الزي الذي أنت عليه ما يمشي لك به حال في الطب في هذه الدولة بين المسلمين، وإنما ~~المصلحة أن تغير زيك وتلبس عادة الأطباء في بلادنا، ثم أخرج له جبة واسعة عنابية ~~وبقيارا مكحلا وأمره أن يلبسهما. وكان والد المهذب المعروف بالخطير مرتبا على ديوان ~~الإقطاعات وهو على دين النصرانية، فلما علم أسد الدين شيركوه في بدء أمره بمصر أنه نصراني، ~~وأنه يتصرف في (عمله) بلا غيار نهاه، وأمره بغيار النصارى، ورفع الذؤابة، وشد الزنار، وصرفه ~~عن الديوان، فبادر هو وأولاده، فأسلموا على يده فأقره على ديوانه مدة ثم صرفه عنه فقال فيه ~~ابن الذروي: # لم يسلم الشيخ الخط # ير لرغبة في دين أحمد # بل ظن أن محاله # يبقى له الديوان سرمد # والآن قد صرفوه عن ms306 # ه فدينه فالعود أحمد # ولما أمر شيركوه النصارى بلبس الغبار، وأن يعمموا بغير عذبة، قال عمارة اليمني: # يا أسد الدين ومن عدله # يحفظ فينا سنة المصطفى # كفى غيارا شد أوساطنا # فما الذي يوجب كشف القفا # هذا ما كان عليه الاختلاف في الأزياء بين أهل الوطن الواحد، وأكثره كما ترى ناشئ من ملوك ~~أو فقهاء متعصبين تعصبا ظاهرا مثل المتوكل والحاكم بأمر الله، ولم يسمع بأن رجال الجد في ~~الإسلام مثل الرشيد والمأمون وصلاح الدين ونور الدين تحكموا هذه التحكمات والله أعلم. ~~ا.ه. # | السلطتان1 # رحم الله السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، ما كان أعقله في الملوك وأبصره بعواقب الأمور، ~~فقد كان أول العارفين بأن مزج الدين بالدنيا من أضر ما ينهك قوى الأمم، فتفقد الصفقتين ولا ~~تفوز بالحسنيين؛ ولذلك كان لا يعتمد في تدبير ملكه وقتال عدوه إلا على أهل الرأي من ~~الساسة في زمنه، ممن استخلصهم في تدبير ملكه كالقاضي الفاضل ومن كان على شاكلته. # ولطالما أراده فقهاء عصره على أن يعمل بمشوراتهم في زحزحة الصليبيين عن البلاد، ولو ~~وجدوا منه مصغيا لأقوالهم لالتوى عليه القصد، ولما وفق إلى ما لم يوفق إليه سلطان قبله ~~ولا بعده من دفع صائل تلك الجيوش الجرارة، التي انكفأت على الشرق الأدنى واستباحته واستصفته ~~أو كادت. والله وأعلم ماذا كان مصير الحرمين الشريفين وبيت المقدس الآن لو كانت دخلت أصابع ~~السياسة الخرقاء في طرد أهل الصليب عن مصر والشام. # كان صلاح الدين صلاحا للدين والدنيا، يعرف من يعمل بآرائهم من رجاله، ولذلك ترك الجامدين ~~من أدعياء العلم جانبا يغدق عليهم من مكارمه ما يقطع به ألسنتهم، ويريحهم من عناء الطلب ~~والنصب، وإذا رفعوا رءوسهم، وأشاروا إليه بأنه نبذ مشوراتهم ظهريا، أشار إليهم بلسان ~~الحال بأن السياسة ليست من شأنهم، وأنه يكفيهم أن يحسنوا الاضطلاع بشئونهم الخاصة، وما ~~يفرض عليهم المجتمع العمل به، وهم إذا جودوه وأحسنوه يحسنون للأمة كل الإحسان. # هكذا كان السلطان صلاح الدين في القرون الوسطى يعرف من أين تؤكل الكتف ms307 في فصل السلطتين ~~الدينية عن الدنيوية. وسلطان المغرب الأقصى الحالي وهو في هذا العصر، وناهيك به يقيم على ~~أبواب أوروبا، وتؤثر فيه عوامل أرباب السلطة الدينية من إضراب ماء العينين، ومن لف لفه من ~~مشايخ الطرق وزعانفة المتفقهة، وغوغاء الممخرقين ممن يدعون الكشف والسحر والطلسمات. # ما نظن أن غلو مولاي عبد العزيز في الإفضال على أولئك الجامدين وتقريبهم منه، والعمل ~~بمشوراتهم ناتج عن تدين حقيقي، فالله أعلم بما هنالك، ولكن تلك الفئة توصلت بدهائها على ~~توالي العصور أن تجعل لها موقعا من نفوس سلاطين المغرب، فأثرت فيهم بما تريد، وصرفتهم على ~~أمرها في تدبير ذاك الملك الضخم، وفض شئونه الداخلية والخارجية. # يشهد أولئك الجامدون لسلاطين المغرب بإمارة المؤمنين، ويقر هؤلاء لأولئك بأنهم ورثة ~~الأنبياء والمرسلين، وهكذا فالنفع متبادل والمصلحة مشتركة، فهم على حد المثل السائر: «أضئ لي ~~أقدح لك.» # جاء عهد على المملكة العثمانية في التاريخ، كادت تمنى بما منيت به مملكة المغرب الأقصى من ~~دخول رجال الدين في السياسة، والعبث بضعف عقولهم في شئون الأمة، وعقد سلمها وحربها والهينمة ~~على عمرانها، والإشراف على خصوصياتها وعمومياتها، ولكن بعض سلاطينها ووزرائها أدركوا عاقبة ~~تأثير رجال التكايا في عقول أهل السياسة والرأي، ومذ ذاك العهد وأظنه كان على زمن السلطان ~~سليمان القانوني دخلت الدولة في طور الحكومات المدنية. # ولو ظلت العناية بساكني التكايا والأخذ بآرائهم في المملكة العثمانية لما كنا اليوم نلبس ~~الطربوش ولا السراويل والسترات الإفرنجية، بل ولا نطبع الكتب والمصاحف؛ لأن الفقهاء في ~~الآستانة حرموا كل ذلك عندما أراد السلاطين إدخاله في بلادهم! # نعم، لو ظل العمل بتلك الآراء الغريبة لما كانت الدولة العثمانية بجنديتها، وتنظيم شئون ~~إدارتها بأرقى من حكومة الأفغان الآن، وما العهد ببعيد بتحريم أهل الجمود على أميرها في ~~العهد الأخير اجتماعه بحاكم الهند أيام رحلته مؤخرا إليها، وتناول طعام الإفرنج ولبس ~~لباسهم ومعاشرتهم بالمعروف. ولو لم يكن للأمير جيش يستميت في الدفاع عنه إذا طرأ طارئ، لكنا ~~سمعنا بأن ذاك الدهماء من الأغبياء، تمكن من التغلب ms308 على أميرهم، ووسدوا الحكم إلى من ترضيهم ~~سياسته وحالته وشايعهم على أفكارهم، وهي لو صحت مرة لكذبت مرات، وأفسدت على الناس ~~أمرهم. # من لنا بمن يلقي على مسامع مولاي عبد العزيز هذه النصيحة ليتخذ له بطانة من أهل الرأي ~~الرجيح، حتى ولو بجلبهم من مملكة أخرى للاستعانة بهم على تدبير مملكته، ليت من يقرأ له هذه ~~الكلمات القليلة ولو ينقلها في قطعة من الورق؛ لأن قراءة الجرائد محرمة عند السلطان بفتوى ~~من علمائه، فما الحال فيما تخوض فيه من الأفكار؟! # | حرية الأمم1 # البشر سائرون في طريق النظام والحرية، آخذون نحو الكمال، ينشئون في حياتهم القومية على ~~غير نشأة الجاهلية، ويرون السعادة الأبدية في احترام الحقوق الشخصية والعمومية، والقيام على ~~أسباب الحياة المادية والمعنوية. # ما أتى على الناس دهر مثل هذا، دخلت فيه مصالحهم تحت قوانين مقررة وأصول محررة، وما عهدت ~~للعلم سلطة عمت البحر والبر ، والفاجر والبر، والأبيض والأسود، بل والنبات والجماد، مثل هذا ~~القرن الغريب في شأنه، الغريب في سلطانه، فكأن روح الارتقاء كالنسم تسري في الهواء والماء، ~~وتنزل أحشاء الكبير، كما تحل في صدر الصغير، ولكنها نسمات محيية لا مميتة، وجراثيم نافعة لا ~~ضارة. # العلم نور يصعب بعد الآن أن يعم فريقا دون آخر، وينير بلدا أو يغفل آخر، وبتأثيره لن ~~يقوى الظالمون على إتيان ما كانوا يأتونه من هضم حق المستضعفين والمغلوبين. # هذا النور يتقبله أفراد من علية كل أمة، ممن رجحت أحلامهم، وسلمت أبصارهم وبصائرهم، ~~فيوليهم ارتقاء يتقلب في أدواره كالجنين، حتى تضعه أمه ثم تربيه وتغذيه إلى أن يكون منه ~~رجل تام الأدوات أو ناقصها بحسب محيطه وبيئته. # ما ارتقت أمة بصعاليكها ارتقاءها بأعاظمها، ما فنيت أمة في واحد إلا ضعف أمرها واستبيح ~~حماها، وما وكلت شأنها لأهل العقول الكبيرة إلا قويت، وما سعادة الأمة إلا بقدر ما لديها من ~~هذه العقول المثقفة التي تفكر وتمخض وتدبر وتدرب، وعلى نسبة غنائهم ومضائهم يكون ارتقاء ~~أمتهم. # كل أمة نام خيرة أبنائها عن الطلب بحقوقها، يضيعها مرور ms309 الزمن، وكل شعب استسلم وسالم تفقد ~~منه غريزة الشجاعة اللازمة في عراك هذا العالم فيذل ويخزي، بل كل أمة لا يتولى أهل الرأي ~~منها أمرها تضعف، وتصير في مؤخرة السفينة البشرية مقطورة بغيرها مستعبدة له. # فالأمة التي لا تسعى إلى تكثير سواد أرباب الرأي وتأخذ بأيديهم، ليتم لهم ما هو أرقى ما ~~تنصرف إليه أطماعهم من حياتهم، من تحسين حال المحتفين بهم، هي أمة ميتة شريرة ظالمة عاملة ~~على دمارها. # ولو جئت تستفتي التاريخ في هذا الشأن؛ لقرأت فيه مئات الأمثلة مما فيه عبرة لمعتبر، وزاجر ~~لمزدجر، وما لنا وإلا يغال فيه إلى القديم، ففي التاريخ الحديث أمثلة كثيرة، فقد نالت ~~الولايات المتحدة ما نالت من الاستقلال بفضل فئة من رجالها، تعلموا على الأمة الإنكليزية، ~~وهم خيرة أبنائها فبزوها وتخلصوا منها، وكذلك كان من جمهوريات الجنوب، فإنها نزعت ربقتها من ~~حكم إسبانيا والبرتغال لما ارتقت عقول أبنائها وتولى زعامتها عقلاؤها. # ولو تقصيت تاريخ كل أمة صغيرة كانت أو كبيرة شرقية أو غربية نالت حظها من نور العلم ~~والسعادة الحقيقية، لا تجده نشأ إلا بفضل أهل الرأي منها، ممن تجردوا عن سفساف الأمور ~~وتنزهوا عن الأهواء النفسية. # وتاريخ إنكلترا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا واليابان شاهد عدل أبد الدهر بأن العقل هو الذي ~~دبر ما دبر، وأن ما نراه ونعجب به من آثار اجتماعهم ونظامهم هو من عمل السنين، ونتيجة ~~الانكماش والتوفر وحسن التدبير. ولقد نرى العقلاء يصرفون الأمر بواسع حكمتهم، ويدبرون أمور ~~قومهم تدبير من طب لمن حب. # الأمم تقتبس بعضها عن بعض، فإن كانوا قادة حركتها عقلاء، تأخذ عنهم النافع، وإن كانوا ~~جهلاء يختلط عليها الأمر، وتتناول الغث والسمين بلا تمييز، فقد كان من نتائج الثورة ~~الفرنسوية سنة 1848 أن انعكست صورة منها على ألمانيا، وكانت العقول قد تخمرت والنفوس قد ~~استعدت، فحدث فيها انقلاب عام، وقام العامة بتدريب الخاصة يطالبون الحكومة بالإصلاح، ~~فاستسلمت لمطالبهم؛ لأنها رأت الحركة عامة، ومن عادة الحكومات ألا تحرك ساكنا إذا رأت ~~السواد الأعظم عليها متألبين. ms310 # قال صاحب كتاب ألمانيا الحديثة ونشوبها: # 2 ~~«فخاف الأمراء وطأطئوا رءوسهم من عاقبة هذا الانتقاض، وخف ملك ورتمبرغ وكبار ~~دوقات بادوهيس ومجلس الشيوخ في فرنكفورت، فأصدروا أمرا بإطلاق حرية الصحافة، وأصاب مجلس ~~الأمة في فرنكفورت دوار عظيم، فعزم على إعادة النظر في صك الوحدة الوطنية وجمع شتات الأمة ~~الألمانية، ودعا الحكومات الألمانية لإرسال مندوبين عنها ليتفاوضوا في هذا الشأن.» # ونشأت اضطرابات في مونيخ أدت إلى تنازل الملك لويز الأول عن الملك، وارتقاء ماكسيمليان ~~الثاني إلى العرش وتأليف وزارة حرة، وتعدى الحال إلى فينا، فنشأت فيها ثورة قضت على طريقة ~~مترنيخ في الحكم، ونهضت كل من المجر وإيطاليا إلى مثل هذا الغرض، ونشبت الفتنة في برلين، ~~وأصبح الملك والعاصمة تحت أمر الثائرين، واندكت معالم الحكم المطلق. # وكان في رأس تلك الأعمال جماعة من أهل الطبقة الوسطى المهذبة من الأساتذة والكتاب ~~والمحامين والأطباء والتجار وأرباب المعامل، كلهم يطالبون باتحاد كلمة الإمارات الألمانية، ~~وإحلال الحرية محل العبودية، وتدور أهم مطالبهم على دعوة دار ندوة وطنية، وإطلاق حرية ~~الصحافة وإنشاء مجلس محكمين، والاستعاضة عن جيوش دائمة بتسليح الأمة. # وكان بين تلك الصفوف من الحزب الحر فريق عظيم، يرى الاعتدال خيرا من التطرف، وأن يعمد ~~إلى مخاطبة الملوك والأمراء في تحقيق مطالب الإصلاح، وفريق يرى إلغاء سلطة الأشراف والملك ~~وإنشاء نظام جمهوري، ووراء تينك الطبقتين سواد عظيم من السكان، يطالبون ما عدا الإصلاحات ~~السياسية بإصلاحات اجتماعية، تكون فيها السعادة العامة، ويراد بها مساواة الجميع وإلغاء ~~امتيازات كبار المزارعين في القرى، وإصلاح القانون الصناعي في المدن، وحماية أرباب الصنائع ~~من منافسة المعامل، وحماية رجل المعمل من مديره. # كل هذه الحركة الثورية أدت إلى اجتماع دار الندوة في فرنكفورت، وقد طلب الشعب تنظيمها ~~واجتماعها بنفسه وبواسطة أهل الثقة والرأي منه، ولم يسع الحكومة إلا أن تدير هذه الحركة، ~~ولكنهم طلبوا اجتماع دار الندوة، ورخصوا بالانتخاب، ورضوا بأن يجتمع النواب الذين ينتخبون ~~بالانتخاب العام، ليجتمعوا ويتفاوضوا في مصالح البلاد العامة، ويساعدوا الأمراء، وصار القول ~~الفصل للأحرار، ومن ذلك ms311 نشأت الوحدة الألمانية التي بهرت آثارها. # هذا ما جرى في ألمانيا في سبيل التحرير من رق العبودية، وغريب في أمر الألمان والإنكليز ~~فإنهم نالوا حريتهم من ملوكهم بالتدريج، ولم يريقوا فيها دما، على العكس في الفرنسيس فإنهم ~~نالوا ما نالوا بعد أن بذلوا مهجاتهم، فليت كل أمة قضي عليها بالاستعباد تنال حريتها على ~~أيدي عقلائها بدون فتنة كما نالتها ألمانيا وإنكلترا، فلا خير في الفتن مهما كانت النتائج، ~~ولا خير في أمة لا يتولى عقلاؤها شئونها. # | صلاح الدين ومدونو سيرته # لو كان تاريخ العرب يدرس في مدارسنا على أصوله لوجب أن تدرس سيرة السلطان صلاح ~~الدين يوسف بن أيوب صاحب مصر والشام واليمن والجزيرة، كما تدرس سيرة الخلفاء الراشدين، ~~فقد مضت القرون بعد الخليفة المأمون العباسي، ولم ينشأ للعرب ملك كصلاح الدين بعقله وعدله ~~وحلمه وحسن بلائه، وقد دونت سيرته في عهده، فكان عند المشارقة والمغاربة أنموذج الملك ~~الحازم العاقل، وأحق ما يرجع إليه في سيرته - رحمه الله - من الكتب كتاب النوادر السلطانية ~~والمحاسن اليوسفية لبهاء الدين بن شداد من قضاة الملك الناصر، وكتاب الفتح القسي في الفتح ~~القدسي لعماد الدين الكاتب أحد كتاب ديوانه، ثم يؤخذ عمن كان في عصره أو قريبا منه أمثال ~~ابن الأثير صاحب الكامل، وأبي الفدا صاحب حماة، أو عن صاحب تاريخ الروضتين في أخبار ~~الدولتين لأبي شامة وذيله له. # أما كتاب النوادر فهو على أسلوب المؤرخ كتب بعبارة مرسلة لا تكلف فيها، صيغ فيه اللفظ ~~على قدر المعنى بخلاف الفتح القسي، فإنه راعى فيه السجع من أوله إلى آخره، حتى يكاد يمل ~~قارئه، وتشغله الألفاظ والجناسات والترصيع وعويص اللغة عن تدبر المعنى ودخوله الآذان بلا ~~استئذان؛ على أنه من سجعه في الأحيان ما يجيء عفو القريحة، فيكون المعجب المطرب مثل فصل ~~«ذكر حال نساء الفرنج»، فإنه أبدع فيه كل الإبداع، وإن كان على ما يظهر ركب مركب الغلو في ~~تمثيل حالهن. # ولقد تدبرنا سيرة الملك الناصر صلاح الدين منذ ولد في قلعة تكريت (532ه)، ms312 وكان والده ~~أيوب بن شاذي واليا بها إلى أن جاء الموصل مع والده، وقد ترعرع إلى أن انتقل معه إلى ~~الشام، وأعطى والده بعلبك إلى أن اتصل بالملك العادل نور الدين محمود بن زنكي إلى أن ذهب ~~صلاح الدين مع عمه أسد الدين شيركوه إلى مصر إلى أن ملك مصر، وأزال دولة العاضد الفاطمية، ~~وخطب للدولة العباسية إلى أن فتح الشام، واستخلص أكثر بلاد الساحل الشامي والقدس من ~~الإفرنج إلى أن توفاه الله في دمشق بعد جهاد أربع سنين في الصليبيين، تدبرنا كل هذا فلم ~~نحص له زلة ولا شهدنا له إلا ما ينطبق على مكارم الأخلاق والعدل المتناهي والحلم الذي دونه ~~حلم أحنف ومعاوية، ولولا ما دسه الفقهاء عليه من تزيين قتل الشهاب السهروردي الفيلسوف؛ ~~لخرجت صحيفة حياته كلها بيضاء نقية، قال ابن شداد: إن هذا السلطان كان «مبغضا للفلاسفة ~~والمعطلة ومن يعاند الشريعة. ولقد أمر ولده صاحب حلب الملك الظاهر - أعز الله أنصاره - بقتل ~~شاب نشأ يقال له السهروردي، قيل عنه: إنه كان معاندا للشرائع معطلا، وكان قد قبض عليه ~~ولده المذكور لما بلغه من خبره وعرف السلطان به فأمر بقتله، فطلبه أياما فقتله.» هذه رواية ~~ابن شداد وهو من الفقهاء أورد هذه القصة في معرض أن السلطان يعظم شعائر الدين وإثبات أنه ~~يقول بالبعث والنشور، ومجازاة المحسن بالجنة والمسيء بالنار. # إلا أن ابن أبي أصيبعة قال في حقيقة قتل الشهاب السهروردي: إنه لما أتى إلى حلب وناظر ~~بها الفقهاء ولم يجاره أحد كثر تشنيعهم عليه، فاستحضره السلطان الملك الظاهر غازي ابن الملك ~~الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، واستحضر الأكابر من المدرسين والفقهاء والمتكلمين؛ ليسمع ~~ما يجري بينهم وبينه من المباحث والكلام، فتكلم معهم بكلام كثير، وبان له فضل عظيم وعلم ~~باهر، وحسن موقعه عند الملك الظاهر وقربه، وصار مكينا عنده مختصا به، فازداد تشنيع أولئك ~~عليه، وعملوا محاضر بكفره، وسيروها إلى دمشق إلى الملك الناصر صلاح الدين، وقالوا: إن بقي ~~هذا، فإنه يفسد اعتقاد الملك الظاهر، ms313 وكذلك إن أطلق فإنه يفسد أي ناحية كان بها من ~~البلاد، وزادوا عليه أشياء كثيرة من ذلك، فبعث صلاح الدين إلى ولده الملك الظاهر بحلب ~~كتابا في حقه بخط القاضي الفاضل وهو يقول فيه: إن هذا الشهاب السهروردي لا بد من قتله، ~~ولا سبيل إلى إطلاقه، ولا يبقى بوجه من الوجوه، ولما بلغ شهاب الدين السهروردي ذلك، وأيقن ~~أنه يقتل، وليس جهة إلى الإفراج عنه اختار أن يترك في مكان مفرد، ويمنع من الطعام ~~والشراب إلى أن يلقى الله تعالى، ففعل به ذلك، وكان في أواخر سنة ست وثمانين وخمسمائة ~~بقلعة حلب، وكان عمره نحو ست وثلاثين سنة، قال صاحب طبقات الأطباء: إن السهروردي صار له ~~شأن عظيم عند الملك الظاهر، وبحث مع الفقهاء في المذاهب وعجزهم، واستطال على أهل حلب، وصار ~~يكلمهم كلام من هو أعلى قدرا منهم، فتعصبوا عليه، وأفتوا في دمه حتى قتل، وقيل: إن ~~الملك الظاهر سير إليه من خنقه، ثم إن الملك الظاهر بعد مدة نقم على الذين أفتوا في ~~دمه، وقبض على جماعة منهم واعتقلهم وأهانهم، وأخذ منهم أموالا عظيمة. # هذه الغلطة الوحيدة هي التي أحصيت لصلاح الدين، وهي في الحقيقة انتقام المتفقهة من ~~المتفلسفة أو النقل من العقل، وهذا الانتقام ما برح على أشده في كل زمان، ولا سيما منذ ~~القرن السادس إلى آخر العاشر، فإنه قتل في بلاد الإسلام كثير من الأعاظم، أو اضطهدوا، ~~وأوذوا من قبل أعداء الفلسفة، وما عدا ذلك فإن صلاح الدين لا يلام على قتل أحد من ~~الصليبيين؛ لأنهم أفحشوا هم في أسراه، وعاهدوا فخانوا، ومثل من قتلهم من المصريين للقضاء ~~على الدولة العبيدية، أو من قاموا يدعون إليهم بعد أن زالت دولتهم، وفي جملتهم عمارة ~~اليمني الشاعر، كل ذلك يغتفر له؛ لأنه في سبيل تأييد سلطانه، والملك عقيم كما قيل. # ومما ذكره ابن شداد في عدله أنه كان رءوفا رحيما ناصرا للضعيف على القوي، وكان يجلس ~~للعدل كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة ms314 والعلماء، ويفتح الباب ~~للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير وعجوز هرمة وشيخ كبير، وكان يفعل ذلك سفرا ~~وحضرا على أنه كان في جميع زمانه قابلا لجميع ما يعرض عليه من القصص في كل يوم، ويفتح ~~باب العدل، ولم يرد قاصدا للحوادث والحكومات، وكان يجلس مع الكاتب ساعة إما في الليل أو في ~~النهار، ويوقع على كل قصة بما يجريه الله على قلبه، ولم يرد قاصدا أبدا ولا متنقلا ولا ~~طالب حاجة، وما استغاث إليه أحد إلا وقف وسمع قضيته، وكشف ظلامته، واعتنى بقصته. ولقد رأيته ~~واستغاث إليه إنسان من أهل دمشق يقال له ابن زهير على تقي الدين ابن أخيه، فأنفذ إليه ليحضر ~~إلى مجلس الحكم، وكان تقي الدين من أعز الناس عليه وأعظمهم عنده، ولكنه لم يحابه في ~~الحق. # وأعظم من هذه الحكاية مما يدل على عدله قضية جرت له مع إنسان تاجر يدعى عمر الخلاطي، ~~وذلك أني كنت يوما في مجلس الحكم بالقدس الشريف، إذ دخل علي شيخ مسن تاجر معروف يسمى عمر ~~الخلاطي معه كتاب حكمي يسأل فتحه، فسألته: من خصمك، فقال: خصمي السلطان، وهذا بساط العدل، ~~وقد سمعت أنك لا تحابي، قلت: وفي أي قضية هو خصمك؟ فقال: إن سنقر الخلاطي كان مملوكي، ولم ~~يزل على ملكي إلى أن مات، وكان في يده أموال عظيمة كلها لي، ومات عنها، واستولى عليها ~~السلطان وأنا مطالبه بها، فقلت له: يا شيخ! وما أقعدك إلى هذه الغاية، فقال: الحقوق لا تبطل ~~بالتأخر، وهذا الكتاب الحكمي ينطق بأنه لم يزل في ملكي إلى أن مات، فأخذت الكتاب منه، ~~وتصفحت مضمونه، فوجدته يتضمن حلية سنقر الخلاطي، وأنه قد اشتراه من فلان التاجر بأرجيش ~~اليوم الفلاني من شهر كذا من سنة كذا، وأنه لم يزل في ملكه إلى أن شذ عن يده في سنة كذا، ~~وما عرف شهود هذا الكتاب خروجه عن ملكه بوجه ما، وتم الشرط إلى آخره، فتعجبت من هذه القضية، ~~وقلت للرجل: لا ينبغي سماع هذا ms315 بلا وجود الخصم، وأنا أعرفه وأعرفك ما عنده، فرضي الرجل بذلك ~~واندفع، فلما اتفق المثول بين يديه في بقية ذلك اليوم عرفته القضية، فاستبعد ذلك استبعادا ~~عظيما، وقال: كنت نظرت في الكتاب، فقلت: نظرت فيه ورأيته متصل الورود والقبول إلى دمشق، ~~وقد كتب عليه كتاب حكمي من دمشق، وشهد به على يد قاضي دمشق شهود معروفون، فقال: مبارك، نحن ~~نحضر الرجل ونحاكمه، ونعمل في القضية ما يقتضيه الشرع. # ثم اتفق بعد ذلك جلوسه معي خلوة، فقلت له: هذا الخصم يتردد ولا بد أن نسمع دعواه فقال: ~~أقم عني وكيلا يسمع الدعوى، ثم يقيم الشهود شهادتهم، وأخر فتح الكتاب إلى حين حضور الرجل ~~ها هنا، ففعلت ذلك، ثم أحضر الرجل واستدناه حتى جلس بين يديه وكنت إلى جانبه، ثم نزل من ~~طراحته حتى ساواه وقال: إن كان لك دعوى فاذكرها، فحرر الرجل الدعوى على معنى ما شرح ~~أولا، فأجابه السلطان: إن سنقر هذا كان مملوكي، ولم يزل على ملكي حتى أعتقته، وتوفي ~~وخلف ما خلفه لورثته، فقال الرجل: لي بينة تشهد بما ادعيته، ثم سأل فتح كتابه ففتحه ~~فوجدته كما شرحه، فلما سمع السلطان التاريخ: قال عندي من يشهد أن سنقر هذا في هذا التاريخ ~~كان في ملكي وفي يدي بمصر، وإني اشتريته مع ثمانية أنفس في تاريخ متقدم على هذا التاريخ ~~بسنة، وأنه لم يزل في يدي وملكي إلى أن أعتقته، ثم استحضر جماعة من أعيان الأمراء ~~والمجاهدين فشهدوا بذلك، وذكروا القصة كما ذكرها التاريخ كما ادعاه، فأبلس الرجل، فقلت له: ~~يا مولاي! هذا الرجل ما فعل ذلك إلا طلبا لمراحم السلطان، وقد حضر بين يدي المولى ولا يحسن ~~أن يرجع خائبا للقصد، فقال: هذا باب آخر، وتقدم له بخلعة ونفقة بالغة قد شذ عني مقدارها، ~~قال ابن شداد: فانظر إلى ما في طي هذه القضية من المعاني الغريبة العجيبة والتواضع، ~~والانقياد إلى الحق، وإرغام النفس، والكرم في موضع المؤاخذة مع القدرة التامة. ا.ه. # مثل هذا الفاتح العظيم مات ولم ms316 يحفظ ما تجب عليه به الزكاة، فإن صدقة النفل استرقت جميع ~~ما ملكه من الأموال، فملك ما ملك، ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين ~~درهما ناصريا وجرما واحدا ذهبا، ولم يخلف ملكا ولا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا ~~قرية ولا مزرعة ولا شيئا من أنواع الأملاك، وكان - رحمه الله - يهب الأقاليم وفتح آمد ~~(ديار بكر) وطلبها منه ابن قره أرسلان، فأعطاه إياها، وهو يعطي في وقت الضيق كما يعطي في ~~حال السعة، وكان نواب خزائنه يخفون عنه شيئا من المال حذرا أن يفاجئهم مهم لعلمهم بأنه ~~متى علم به أخرجه، قال ابن شداد: وكان يعطي فوق ما يؤمل الطالب، فما سمعته قط يقول: أعطينا ~~لفلان، وكان يعطي الكثير، ويبسط وجهه للعطاء بسطه لمن لم يعطه شيئا، وما سمعته قط يقول: قد ~~زدت مرارا فكم أزيد، وأكثر الرسائل كانت تكون في ذلك على لساني ويدي، وكنت أخجل من كثرة ما ~~يطلبون، ولا أخجل منه من كثرة ما أطلبه لهم؛ لعلمي بعدم مؤاخذته في ذلك، وما خدمه أحد إلا ~~وأغناه عن سؤال غيره، وقد سمعت من صاحب ديوانه يقول لي: قد تجارينا عطاياه، فحصرنا عدد ما ~~وهب من الخيل بمرج عكا، فكان عشرة آلاف فرس، ولم يكد يركب فرسا إلا وقد وعد بأن يعطيها ~~لأحد طلاب عطاياه، وبالجملة فإن ما ذكره العماد وابن الشداد عن خلال صلاح الدين ومواظبته ~~على القواعد الدينية وملاحظته للأمور الشرعية وعدله وكرمه وشجاعته واهتمامه بأمر الجهاد ~~وصبره واحتسابه وحلمه وعفوه ومحافظته على أسباب المروءة هو العجب العجاب، وقرة عين المسلمين ~~والعرب على مر السنين والأحقاب. # يرى الناظر في كتاب العماد الكاتب الأصفهاني أنه لم يكد يغفل تفاصيل الوقائع الصلاحية، أو ~~يشذ عنه نادرة من النوادر اليوسفية الأيوبية على ضيق عطن النثر والسجع عن قبول هذه المعاني ~~بجملتها، ويعاب على الأصفهاني كثرة تبجحه بكتابته، فقد ذكر غير ما مرة من كتابه أنه كان هو ~~الفرد المقدم في الديوان الصلاحي، مع أن ابن شداد ms317 ذكر عن نفسه شيئا من ذلك بالعرض، ~~أورده - كما رأيته - في معرض الكلام عن منائح صلاح الدين، ولكن صاحبنا العماد جرى على عادة ~~الفرس في المبالغة سامحه الله. # فقال في فتح بيروت: «وكنت يومئذ في مرض قد أزعجني وأعجزني، ومضض أجفاني، ولعيون العواد ~~أبرزني، وانقطعت عن الحضور عند السلطان، وضعفت عن تحرير كتاب الأمان، فطلب السلطان كل كاتب ~~في ديوانه، وكل من يمسك قلما من أفاضل الملك وأعيانه، فلم يرضه ما كتبوه، ولم يكفه ما ~~رتبوه، فجاءني في تلك الحالة من استملاه مني، ومرضت أذهان الأصحاء، ولم يمرض ذهني، فتسلم ~~بيروت بخطي، وأصبحوا وأنا الآخذ والمعطي، وكان الناس قد أنسوا بما أسطره وأزبره، وأنسوا سوى ~~ما أذكره وأحبره وألفوا الصحة فيه فألقوه، ولقوا السقم في غيره فأنفوه، فلم يكن في ذلك ~~التوقيع تعويق، بل كله بتوفيق من الله توثيق، فما فتح فتح إلا بمفتاحه، ولا رتق فتق إلا ~~بإصلاحه، ولا جلي ظلام إلا بإصباحه، ولا وري زند إلا باقتداحه.» ا.ه. # وقال من فصل: وكان قد عرض له مرض، فانقلب إلى دمشق يداوي مزاجه، فلما عاد إلى الحضرة سأله ~~السلطان: «أين كنت؟ ولم أبطأت؟ وحيث أصبت في المجيء فما أخطأت، وقد كنا في انتظارك ~~والسؤال عن أخبارك، وهذا أوان إحسانك، فأين إحسان أوانك، فأجر بنانك بجرأة بيانك، وأجز في ~~ميدانك، وما للبشائر (بفتح القدس) إلا واصفها، وللفرائد إلا راصفها، وللفصاحة إلا قسها ~~وللحصافة إلا قيسها، وكان قد جمع أمس كتاب دواوينه على إنشاء كتب ما ارتضاها واقتضاب معان ~~ما اقتضاها، وكانوا سألوه في كتاب الديوان العزيز فقال: لهذا من هو أقوم به. وعناني، فلما ~~ساءني ناداني واستدناني، فصرفت إلى امتثال أمره عناني، وسلم إلي الكتب التي كتبوها ~~بالألفاظ التي رتبوها، وقال: غيرها ولا تسيرها. وغرضه أني أعدل معوجها، وأبدل مثبجها، ~~وأفترع المعنى البكر للفتح البكر، وأوشح ذكر آياته بآيات الذكر. فاستجديتها فما استجدتها، ~~واستلمحتها فما استملحتها، وشممتها وبها سهك، وكشفتها وسترها هتك، وكانوا قد تعاونوا عليها ~~وفيها لهم شرك، فشرعت في ms318 افتضاض الأبكار، واقتضاء الأفكار، واقتراح القريحة، واقتراء رحاب ~~الكلم الفصيحة الفسيحة، وافتتحت في بشرى الفتح بكتاب الديوان العزيز، وأوردت المعنى البليغ ~~في اللفظ الوجيز، ووشحت ووشعت، وشعبت وأشبعت، وأطلت وأطبت، وصبت وأصبت، وأعجزت وأعجبت، ~~وأطريت وأطربت، وأبعدت وأبدعت، ورصعت وصرعت، وطابقت وجانست، ووافقت وأنست ...» ا.ه. # وقال في الوقعة العادلية: «ولما عرفت بالواقعة والنصرة الجامعة صدرت ثلثين أربعين كتابا ~~بالبشارات بأبلغ المعاني وأبرع العبارات، وقلت: إذا نزل السلطان وجد الكتب حاضرة والبشائر ~~شائرة، وركبت أنا والقاضي بهاء الدين بن شداد لمشاهدة ما هناك من أشلاء صرعى وأجساد، فما ~~أعجل ما سلبوا وعروا وفروا وقروا، وقد بقرت بطونهم وفقئت عيونهم، ورأينا امرأة مقتولة ~~لكونها قاتلة، وسمعناها وهي خامدة بالعبرة قائلة، وما زلنا نطوف عليهم، ونعبر ونفكر فيهم ~~ونعتبر، حتى ارتدى العشاء بالظلام، فعدنا إلى الخيام، وأخذت الكتب التي نمقتها بالبشائر ~~التي حققتها، وجئت وإذا السلطان قد استبطاني وعدم إجابتي لما دعاني، فما صبر ولا انتظر ولا ~~ترقبني أن أحضر، ولا أمهل أن أعطي البشارة حقها، وأجلو بأنوار المعاني أفقها، وأبلغ ~~بالبلاغة مداها، وأصبغ بتقليص الضلالة ثوب هداها، وأصف بحدود الأقلام ما صنعته حدود السيوف، ~~وأروج نقودي عند السلطان وأغنيه عن الزيوف، فأبصرت عنده مشرفي المطابخ والأبيات ومدوني ~~الجرائد بالإثبات، وقد كتبوا تلك البشارة الثقيلة الجليلة في رقاع خفيفة بعبارات سخيفة، وقد ~~عطلت الحسناء من حليتها، وعروها من بزتها، وشوهوا جمالها وأحالوا حالها، فذهب بها المبشرون ~~وسار القاصدون، فما كان لتلك الوقعة عند من وقعت عليها وقع، ولا تم لغليل من رام الاطلاع ~~على حقيقتها نقع، وأرادوا بدمشق قراءتها على المنبر فما استحسنوها، ولو وردتهم بزينة عبارتي ~~وبراعتي زينوها، وفي تلك الحال التفت السلطان إلي وقال: اكتب بهذه البشارة إلى بغذاذ، ~~وعجل لها الإنفاذ، فقلت في سبيل العتب: أنتم تريدون ما أكتبه، ولا ترغبون فيما أرتبه ~~وأهذبه، فقال: كأنك كتبت البشائر فهاتها حتى تهدي إلى طرقاتها، فقلت: ما فات فات، وهيهات ~~هيهات، وأخرجت له ما بقي من بشارات البلاد التي أنشأتها، بالألفاظ والمعاني ms319 التي ابتدعتها ~~وابتدأتها، فسارت فسرت البعيد والقريب، وخصت من جداها بالخصب الجديب، وصدحت بأسجاعها ~~المنابر، وصمت بسماعها المفاخر، وظهرت بعباراتها العبر، وبهرت بزبرها الزبر، وعمرت بمعانيها ~~المغاني، وعمت مباهجها مناهج الأقاصي والأداني.» ا.ه. # وقال من هذا البحر والقافية: «في ذكر لطف من الله في حقي خفي كان السلطان قبل استيلاء ~~الفرنج على عكا بسنة قد عمل ترجمة تفرد بها القاضي ابن قريش لمكاتبة الأصحاب؛ ليكتب بها ~~إليهم، ويعود بها الجواب، فلم يبق المكاتبة ابتداء وجوابا بخطي، وخرج حكم عكا في الكتابة ~~عن شرطي، فقلت لأصحابي: ما صرف الله قلمي عن عكاء، إلا وفي علمه أن الكفر إليها يعود، ~~وأن النحوس تحلها، وترحل عنها السعود، واستعاذني الله من استعادتها، وردها إلى شقاوتها ~~بعد سعادتها. ولقد عصم الله قلمي وكلمي، وعرف شيم مخايل الطاقة من شيمي، وهذا قلم جمعت به ~~أشتات العلوم مدة عمري، وما أجراه الله إلا بأجري، فالحمد لله الذي صانه وعظم شانه، وما ضيع ~~إحسانه، وهو للفقير والفتيا، ومصالح الدين في الدنيا، وما عرف إلا بعرف، فما صرف إلا عن ~~صرف، وما صفارته إلا في نجح، وما أسفاره إلا عن صبح، وما تجارته إلا لربح، فهو يمين الدولة ~~وأمينها، ومعين الملة بل معينها، بمداده يستمد إمدادها، وبسداده للثغور سدادها، ودواته دواء ~~المعضلات، وبعقده حل المشكلات، وبخطه حط عوادي الخطوب، وبقطه قط هوادي القطوب، وببريه برء ~~الأمراض، وبدرئه درء الأعراض، وبدره انتظام عقود العقول، وبداريه ابتسام الإقبال والقبول، ~~وبجريه جري الجياد للجهاد، وبسعيه سعي الأمجاد للأنجاد، وبحركته سكون الدهماء، وببركته ركون ~~الرجاء، فما كان الله ليضيعه في صون ما لا يصونه وعون ما لا يعينه، فخفت على عكاء من وقوف ~~قلمي عنها، وكان قد ألهمني الله، فإنه صانه ولم يصنها، وشكرت الله على هذه اللطيفة والعارفة ~~الطريفة.» ا.ه. # وقال من فصل في وفاة السلطان، وكيف كانت حاله بعده: «وبقيت تلك الأيام لا أفرق بين الدجى ~~والضحى، ولا أجد قلبي من سقم الهم وسكره صح ولا صحا، وحالت حالي، وزال إدلالي، ms320 وزاد بلبالي، ~~وبطل حقي، واتسع خرقي، وتنازل جاهي، وتنازق أشباهي، وأعضلت أدواء الدواهي، وبقيت المعارف ~~متنكرة، والمطالع مكفرة، والعيون شاخصة، والظلال قالصة، والأيدي يابسة، والوجوه عابسة، ~~وعادت أبكار خواطري عانسة، ونجوم قرائحي وشواردها الآنسة خانسة كانسة، وبقي باب كل مرتجى ~~مرتجا، ومنهج كل معروف منهجا، وظعن الغني عني، واختلف في حسن الأخلاف بي ظني، حتى تولى ~~الملك الأفضل بدمشق مقام أبيه، وقام بالأمر بعزم تأنيه وحزم تأتيه وعز تأبيه، فعرف ~~افتقاره إلى معرفتي وفقري، وإلى عطل الملك ومحله من غزارة حلب دري ونضارة حلي دري، فكتبت ~~له، وحليت من الملك عطله، ووشيت الكتب ووشعتها، وجليت الرتب ووسعتها، وهززت اليراعة، وأغزرت ~~البراعة، وهجرت الجماعة، ولزمت القناعة.» ا.ه. # هذا هو الإعجاب بالنفس، بل إعجاب الفرس تراه ماثلا من أول كتابه إلى آخره، فقد قال في ~~مقدمته: «وأودعته من فوائد الكلام، والفرائد الفذ والتؤام، در السحاب، ودر السخاب، وسميته ~~الفتح القدسي تنبيها على جلالة قدره وتنويها بدلالة فخره، وعرضته على القاضي الأجل ~~الفاضل، وهو الذي في سوق فضله تعرض بضائع الفضائل، فقال لي: سمه «الفتح القسي في الفتح ~~القدسي»، فقد فتح الله عليك فيه بفصاحة قس وبلاغته، وصاغت صيغة بيانك فيه ما يعجز ذوو ~~القدرة في البيان عن صياغته.» ا.ه. # وأظن أن القاضي الفاضل على جلالة شأنه ما كان يستحق هذا الإعظام من العماد لو لم يكن ~~نوه له بكتابه، على أن للعماد من المزايا التي يفاخر بها ما قد يغفر له هذا التبجح، ولكن ~~كثيرين يفاخرون، وليس عندهم شيء من المزايا. نشأ العماد بأصبهان، وقدم بغداد في حداثته، ~~وتفقه بالمدرسة النظامية، وأقام بها مدة (ابن خلكان)، ولما تخرج ومهر تعلق بالوزير عون ~~الدين يحيى بن هبيرة ببغداد، فولاه النظر بالبصرة ثم بواسط، فلما توفي أقام العماد مدة في ~~عيش منكد وجفن مسهد، ثم انتقل إلى دمشق (562ه) وسلطانها يومئذ الملك العادل نور الدين، ~~وعرفه والد صلاح الدين، فأحسن إليه وأكرمه وميزه من الأعيان والأماثل، وعرفه صلاح الدين ~~ومدحه بقصيدة، ثم إن القاضي ms321 كمال الدين الشهرزوري نوه بذكره عند السلطان نور الدين، ~~وعدد عليه فضائله، وأهله لكتابة الإنشاء، قال العماد: فبقيت متحيرا في الدخول فيما ليس ~~من شأني ولا وظيفتي ولا تقدمت لي به دراية. ولقد كانت مواد هذه الصناعة عتيده عنده، لكنه ~~لم يكن قد مارسها، فجبن عنها في الابتداء، فلما باشرها هانت عليه، وأجاد فيها وأتى فيها ~~بالغرائب، وكان ينشئ الرسائل باللغة العجمية أيضا، وحصل بينه وبين صلاح الدين في تلك المدة ~~مودة أكيدة وامتزاج تام، ولما أخذ صلاح الدين دمشق حضر بين يديه، وأنشده قصيدة أطال نفسه ~~فيها، ثم لزم الباب ينزل لنزول السلطان ويرحل لرحيله، فاستمر على عطلته مديدة، وهو يغشى ~~مجالس السلطان، وينشده في كل وقت مدائح، ويعرض بصحبته القديمة، ولم يزل على ذلك حتى نظمه في ~~سلك جماعته واستكتبه، واعتمد عليه، وقرب منه فصار من جملة الصدور المعدودين والأماثل ~~المشهورين، يضاهي الوزراء ويجري في مضمارهم، وكان القاضي الفاضل في أكثر أوقاته ينقطع عن ~~خدمة السلطان، ويتوفر من مصالح الديار المصرية والعماد ملازم للباب بالشام وغيره وهو صاحب ~~السر المكتوم، وصنف التصانيف الفائقة من ذلك كتاب خريدة القصر وجريدة العصر جعله ذيلا ~~على زينة دمية الدهر تأليف أبي المعالي سعد بن على الوراق الخطيري، والخطيري جعل كتابه ~~ذيلا على دمية القصر وعصرة أهل العصر للباخرزي، والباخرزي جعل كتابه ذيلا على يتيمة الدهر ~~للثعالبي، والثعالبي جعل كتابه ذيلا على كتاب البارع لهارون بن علي المنجم. # وقد ذكر العماد في خريدته الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى سنة اثنتين وسبعين ~~وخمسمائة، وجمع شعراء العراق والعجم والشام والجزيرة ومصر والمغرب، ولم يترك أحدا إلا ~~النادر الخامل، وأحسن في هذا الكتاب وهو في عشر مجلدات، وصنف كتاب البرق الشامي في سبع ~~مجلدات وهو مجموع تاريخ، وبدأ فيه بذكر نفسه وصورة انتقاله من العراق إلى الشام، وما جرى له ~~في خدمة السلطان نور الدين محمود، وكيفية تنقله بخدمة السلطان صلاح الدين، وذكر شيئا من ~~الفتوحات بالشام، وهو من الكتب الممتعة، وإنما سماه ms322 البرق الشامي؛ لأنه شبه أوقاته في تلك ~~الأيام بالبرق الخاطف لطيبها وسرعة انقضائها، وصنف كتاب الفتح القسي في الفتح القدسي في ~~مجلدين يتضمن كيفية فتح البيت المقدس، وصنف كتاب السيل على الزيل جعله ذيلا على الذيل ~~لابن السمعاني، وهو ذيل على كتاب خريدة القصر، وصنف كتاب نصرة الفترة وعصرة القطرة في ~~أخبار الدولة السلجوقية (مطبوع)، وله ديوان رسائل وديوان شعر في أربع مجلدات، ونفسه في ~~قصائده طويل، وله ديوان صغير جميعه دوبيت، وكان بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات ~~لطاف. # ولم يزل العماد الكاتب على مكانته ورفعة منزلته إلى أن توفي السلطان صلاح الدين - رحمه ~~الله تعالى - فاختلت أحواله، وتعطلت أوصاله، ولم يجد في وجهه بابا مفتوحا، فلزم بيته، ~~وأقبل على الاشتغال بالتصانيف، وكانت ولادته يوم الاثنين ثاني جمادى الآخرة سنة تسع عشرة ~~وخمسمائة بأصبهان، وتوفي يوم الاثنين مستهل شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة بدمشق، ودفن ~~بمقابر الصوفية خارج باب النصر. # أما ابن شداد مؤلف السيرة الصلاحية فقد ولد بالموصل سنة 539 وحفظ بها القرآن الكريم في ~~صغره، وتخرج بضياء الدين القرطبي وبابن الشيرجي والطوسي الخطيب وغيرهم، قرأ عليهم ~~القراءات والتفسير والحديث والفقه والخلاف والأدب واللغة، وأعاد بالمدرسة النظامية وحج في ~~سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وزار بيت المقدس والخليل، ثم دخل دمشق والسلطان صلاح الدين ~~محاصر قلعة كوكب، فذكر أنه سمع بوصوله فاستدعاه إليه فظن أن يسأله عن كيفية قتل الأمير شمس ~~الدين، وكان أمير الحاج في تلك السنة من جهة صلاح الدين وقتل على جبل عرفات، فلما دخل عليه ~~ذكر أنه قابله بالإكرام التام وما زاد على السؤال عن الطريق ومن كان فيه من مشايخ العلم ~~والعمل وسأله عن جزء من الحديث ليسمعه عليه، فأخرج له جزءا جمع فيه أذكار البخاري وأنه ~~قرأه عليه بنفسه، فلما خرج من عنده تبعه عماد الدين الكاتب الأصبهاني وقال له: السلطان يقول ~~لك: إذا عدت من الزيارة وعزمت على العود فعرفنا بذلك فلنا إليك مهم، فأجابه بالسمع ~~والطاعة، فلما عاد عرفه بوصوله ms323 فاستدعاه، وجمع له في تلك المدة كتابا يشتمل على فضائل ~~الجهاد، وما أعد الله سبحانه وتعالى للمجاهدين، يحتوي على مقدار ثلاثين كراسة، فخرج إليه ~~واجتمع به ببقعة حصن الأكراد وقدم له الكتاب الذي جمعه، وقال: إنه كان عزم على الانقطاع ~~في مشهد بظاهر الموصل إذا وصل إليها، ثم إنه اتصل بخدمة صلاح الدين في مستهل جمادى الأولى ~~سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ثم ولاه قضاء العسكر والحكم بالقدس الشريف، ولما توفي صلاح ~~الدين كان حاضرا وتوجه إلى حلب لجمع كلمة الإخوة أولاد صلاح الدين وتحليف بعضهم لبعض، وكتب ~~الملك الظاهر غياث الدين بن صلاح الدين صاحب حلب إلى أخيه الملك الأفضل نور الدين علي بن ~~صلاح الدين صاحب دمشق يطلبه منه فأجابه إلى ذلك، فأرسله الملك الظاهر إلى مصر لاستخلاف أخيه ~~الملك العزيز عماد الدين عثمان بن صلاح الدين، وعرض عليه الظاهر الحكم بحلب ، فلم يوافق على ~~ذلك، ثم ولي قضاءها ووقوفها، وكانت حلب في ذلك الزمان قليلة المدارس، وليس بها من العلماء ~~إلا نفر يسير، فاعتنى ابن شداد بترتيب أمورها وجمع الفقهاء بها وعمرت في أيامه المدارس ~~الكثيرة، وكان الملك الظاهر قد قرر له إقطاعا جيدا يحصل منه جملة مستكثرة، ولم يكن له خرج ~~كثير فإنه لم يولد له ولا كان له أقارب، فتوفر له شيء كثير فعمر مدرسة للشافعية ودارا ~~للحديث في حلب، ولما صارت حلب على هذه الصورة قصدها الفقهاء من البلاد، وحصل بها الاشتغال ~~والاستفادة وكثر الجمع بها. # وكان بيد القاضي أبي المحاسن بن شداد حل الأمور وعقدها، ولم يكن لأحد معه في الدولة كلام، ~~وكان سلطانها الملك العزيز أبو المظفر ابن الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين، وهو صغير ~~السن تحت حجر الطواشي شهاب الدين أبي سعيد طغرل وهو أتابكه، وتولى أمور الدولة بإشارة ~~القاضي أبي المحاسن لا يخرج عنهما شيء من الأمور، وكان للفقهاء في أيامه حرمة تامة ورعاية ~~كبيرة، خصوصا جماعة مدرسته، فإنهم كانوا يحضرون مجالس السلطان، ويفطرون في شهر رمضان على ~~سماطه. # قال ms324 صاحب وفيات الأعيان بعد إيراد ما تقدم تحصيله: وكان القاضي أبو المحاسن المذكور سلك ~~طريق البغاددة في ترتيبهم وأوضاعهم، حتى إنه كان يلبس ملبوسهم والرؤساء يترددون إليه، ~~وكانوا ينزلون عن دوابهم على قدر أقدارهم لكل واحد منهم مكان معين لا يتعداه، ثم إنه تجهز ~~إلى الديار المصرية لإحضار ابنة الملك الكامل ابن الملك العادل للملك العزيز صاحب حلب، وكان ~~قد عقد له عليها، فسار في أول سنة تسع وعشرين وستمائة وعاد وقد جاء بها، ولما وصل كان قد ~~استقل الملك العزيز بنفسه، ورفعوا عنه الحجر، ونزل الأتابك طغرل من القلعة إلى داره تحت ~~القلعة، واستولى على الملك العزيز جماعة من الشباب الذين كانوا يعاشرونه ويجالسونه فاشتغل ~~بهم، ولم ير القاضي أبو المحاسن وجها يرتضيه، فلازم داره إلى حين وفاته، وهو باق على الحكم ~~وإقطاعه جار عليه، غاية ما في الباب أنه لم يبق له حديث في الدولة، وكانوا يراجعونه في ~~الأمر، فكان يفتح بابه لأسماع الحديث كل يوم بين الصلاتين، واستمر على ذلك حتى توفي سنة ~~اثنتين وثلاثين وستمائة بحلب، وصنف كتابه ملجأ الحكام عند التباس الأحكام يتعلق بالأقضية ~~في مجلدين، وكتاب دلائل الأحكام تكلم فيه على الأحاديث المستنبط منها الأحكام في مجلدين، ~~وكتاب الموجز الباهر في الفقه، وكتاب سيرة صلاح الدين وغير ذلك، وجعل داره خانقاه ~~للصوفية. # هذان هما الرجلان اللذان تعلقا بخدمة صلاح الدين، وحرص عليهما مع إدلالهما عليه، فنفقت ~~بضاعتها في سوقه، والدولة سوق يحمل إليها ما يروج فيها، ومع ما كانا فيه من السعة لم ~~تلههما الدنيا عن التأليف والتدريس وإحياء معالم العلم والأدب، فأثرا بفضلهما في حياتهما، ~~وبعد موتهما كتب العماد السيرة الصلاحية ممزوجة بالأدب، ومع هذا لم يفته الغرض من التاريخ، ~~حتى إنه قال فيما تم على الأسطول من فصل: «فانشقت مرائر الفرنج، وأزاحت سفنها عن النهج، ~~وقرنصت بزاة البيزانية، وتقلصت جباه الجنوية، وكرثت أدواء الداوية، وكثرت أسواء الإسبتارية، ~~وزادت آلام الألمانية، وعادت أسقام الإفرنسيسية.» # مما دل على أنه كان يعلم أجناس المحاربين، ومما ms325 ذكره أيضا في ذكر ما تجدد لملك الإنكتير ~~(إنكلترا) من المراسلة والرغبة في المواصلة قال: وصلت رسل ملك الإنكتير إلى العادل ~~بالمصافحة على المصافاة، والمواتاة في الموافاة، وموالاة الاستمرار على الموالاة، والأخذ ~~بالمهادات، والترك للمعادات، والمظاهرة بالمصاهرة، وترددت الرسل أياما، وقصدت التئاما، ~~وكادت تحدث انتظاما، واستقر تزوج الملك العادل بأخت ملك الإنكتير، وأن يعول عليهما من ~~الجانبين في التدبير، على أن يحكم العادل في البلاد، ويجري فيها الأمر على السداد، وتكون ~~المرأة في القدس مقيمة مع زوجها، وشمسها من قبوله في أوجها، ويرضي العادل مقدمي الفرنج ~~والداوية والاستبار ببعض القرى، ولا يمكنهم من الحصون التي في الذرا، ولا يقيم معها في ~~القدس إلا قسيسون ورهبان، ولهم منا أمان وإحسان، واستدعاني العادل والقاضي بهاء الدين بن ~~شداد، وجماعة من الأمراء من أهل الرأي والسداد، وهم علم الدين سليمان بن جندر، وسابق الدين ~~عثمان، وعز الدين بن المقدم، وحسام الدين بشارة، وقال لنا: تمضون إلى السلطان وتخبرونه عن ~~هذا الشأن، وتسألونه أن يحكمني في هذه البلاد، فلما جئنا إلى السلطان عرف الصواب، وما أخر ~~الجواب، وشهدنا عليه بالرضا، وعاد الرسول إلى ملك الإنكتير بفصل أمر الوصلة وإراحة الجملة ~~وإزاحة العلة، واعتقدنا أن هذا أمر قد تم إلى أن قال: وبلغ الخبر إلى مقدميهم ورءوسهم، ~~فقصوه على قسوسهم، وعسروا على عروسهم، فجبهوها بالعذل واللذع، ثم رضيت على شرط الموافقة في ~~الدين، فأنف العادل إلى آخر ما ذكر. # بيد أن الصراحة في كلام ابن شداد أكثر؛ لأنه لم يتقيد بالسجع والترصيع وأنواع البديع ~~المريع، فقال في ذكر ملك الإنكتار: وهذا ملك الإنكتار شديد البأس بينهم، عظيم الشجاعة، قوى ~~الهمة، له وقعات عظيمة، وله جسارة على الحرب، وهو دون الفرنسيس عندهم في الملك والمنزلة، ~~لكنه أكثر مالا منه، وأشهر في الحرب والشجاعة، وكان من خبره أنه وصل إلى جزيرة قبرص، ولم ~~ير أن يتجاوزها إلا وأن تكون له وفي حكمه، فنازلها وقاتلها فخرج إليه صاحبها، وجمع له ~~خلقا كثيرا، وقاتلهم قتالا شديدا ... ولما كان يوم ms326 السبت ثالث عشر الشهر قدم ملك الإنكتار ~~بعد مصالحته لصاحب جزيرة قبرص والاستيلاء عليها، وكان لقدومه روعة عظيمة، ووصل في خمس ~~وعشرين شانية مملوءة بالرجال والسلاح والعدد، وأظهر الإفرنج سرورا عظيما حتى إنهم أوقدوا ~~تلك الليلة نيرانا عظيمة في خيامهم. ولقد كانت النيران مهولة عظيمة تدل على عدة عظيمة ~~كبيرة، وكان ملوكهم يتواعدوننا به، فكان المستأمنون منهم يخبروننا عنهم أنهم موقنون فيما ~~يريدون أن يفعلوا من مضايقة البلد (عكا) حتى قدومه، فإنه ذو رأي في الحرب مجرب، وأثر قدومه ~~في قلوب المسلمين خشية ورهبة. # وقال من فصل: كنت ذكرت وصول رسول منهم يلتمسون من جانب الإنكتار أن يجتمع بالسلطان، ~~وذكرت عذر السلطان عن ذلك، وانقطع الرسول وعاد معاودا في المعنى، وكان حديثه مع الملك ~~العادل ثم هو يلقيه إلى السلطان، واستقر أنه رأى أن يأذن له في الخروج، ويكون الاجتماع في ~~المرج والعساكر محيطة بهما ومعهما ترجمان، فلما أذن في ذلك تأخر الرسول أياما عنده بسبب ~~مرضه، واستفاض أن ملوكهم اجتمعوا عليه، وأنكروا عليه ذلك، وقالوا: هذه مخاطرة بدين ~~النصرانية، ثم بعد ذلك وصل رسول يقول: لا تظن تأخري بسبب ما قيل، فإن زمام قيادي مفوض إلي، ~~وأنا أحكم ولا يحكم علي، غير أني في هذه الأيام اعترى مزاجي التياث منعني عن الحركة، فهذا ~~كان العذر في التأخير لا غير، وعادة الملوك إذا تقاربت منازلهم أن يتهادوا، وعندي ما يصلح ~~للسلطان، وأنا أستخرج الإذن في إيصاله إليه، فقال له الملك العادل: قد أذن في ذلك بشرط قبول ~~المجازاة على الهدية، فرضي الرسول بذلك، وقال: الهدية شيء من الجوارح قد جلب من وراء البحر ~~وقد ضعف، فيحسن أن يحمل إلينا طير ودجاجة حتى نطعمها لتقوى ونحملها، فداعبه الملك العادل، ~~وكان فقيها فيما يحدثهم به، فقال الملك: قد احتاج إلى فراريج ودجاج، ويريد أن يأخذها منا ~~بهذه الحجة، ثم انفصل حديث الرسالة في الآخر، على أن قال الرسول: ما الذي أردتم منا إن ~~كان لكم حديث، فتحدثوا به حتى نسمع، فقيل له ms327 عن ذلك نحن ما طلبناكم أنتم طلبتمونا، فإن كان ~~لكم حديث فتحدثوا به حتى نسمع، وانقطع حديث الرسالة إلى سادس جمادى الأخرى، فخرج رسول ~~الإنكتار إلى السلطان، ومعه إنسان مصري قد أسروه من مدة طويلة، وهو مسلم قد أهداه إلى ~~السلطان فقبله وأحسن إليه، وأعاده مشرفا مكرما إلى صاحبه، وكان غرضه بتكرار الرسائل ~~تعرف قوة النفس وضعفها، وكان غرضنا بقبول الرسائل تعرف ما عنده من ذلك أيضا. # وقال في مشورة ضربها في التخيير بين الصلحين بين الإنكتار والمركيس: واصل التعاقد، إن ~~الملك (الإنكتار) قد بذل أخته للملك العادل بطريق التزويج، وأن تكون البلاد الساحلية ~~الإسلامية والإفرنجية لهما، فأما الإفرنجية فلها من جانب أخيها والإسلامية له من جانب ~~السلطان، وكان آخر الرسائل من الملك في المعنى أن قال: إن معاشر دين النصرانية قد أنكروا ~~علي وضع أختي تحت مسلم بدون مشاورة البابا وهو كبير دين النصرانية ومقدمه، وها أنا أسير ~~إليه رسولا يعود في ستة أشهر، فإن أذن فيها ونعمت، وإلا زوجتك ابنة أخي وما أحتاج إلى إذنه ~~في ذلك، هذا كله وسوق الحرب قائم والقتال عليهم ضربة لازم. # وقال في عود الرسول من قبل ملك الإنكتار: وأدى الرسالة وهي أن الملك يسأل ويخضع لك أن ~~تترك له هذه الأماكن الثلاثة عامرة، وأي قدر لها في ملكك وعظمتك، وما من سبب لإصراره عليها ~~إلا أن الإفرنج لم يسمحوا بها، وقد ترك القدس بالكلية، فلا يطلب أن يكون فيه رهبان ولا ~~قسوس إلا في القمامة وحدها، فأنت تترك له هذه البلاد، ويكون الصلح عاما، فيكون لهم كل ما ~~في أيديهم من الدارون إلى أنطاكية، ولكم ما في أيديكم وينتظم الحال ويروج، وإن لم ينتظم ~~الصلح فالإفرنج لا يمكنونه من الرواح ولا يمكن مخالفتهم، فانظر إلى هذه الصناعة في استخلاص ~~الغرض باللين تارة والخشونة أخرى، وكان مضطرا إلى الرواح، وهذا عمله مع اضطراره، والله ~~الولي في أن يقي المسلمين شره، فما بلونا أعظم حيلة وأشد إقداما منه. # | سيرة صلاح الدين # أشار إلينا أحد ms328 الأصدقاء أن نزيد القراء من سيرة أبي المظفر الملك الناصر صلاح الدين ~~يوسف بن أيوب أحد أفراد الملة الإسلامية وأكبر أبطال القرون الغابرة، من كان يعلم أعداءه ~~كيف تكون الرجولية كما كان قال إمبراطور الألمان الحالي، وأن نتوسع في وقائعه ما أمكن؛ لأن ~~سيرته الشريفة جديرة بأن يتدارسها الملوك والسوقة، ويهتدي بهديها ابن القرن الحاضر والقرون ~~الآتية، فهي مثال الحكمة، كلما كررت حلت، ومهما أطال الناظر بصره فيها زاد بصيرة، وماذا ~~عسانا نقول فيمن جمع الفضائل النفسية، ورزق من الصبر والثبات وحب الموت حبا في إحياء ~~الأمة، وخادنه من أسباب التوفيق ما لم يكتب لأحد، فخدم الإسلام والمسلمين بعقله وجهاده ~~خدمة الخليفة الثاني، ونفعهم بسيرته كما نفع المأمون العباسي، وكان في زهده وشدته على قدم ~~علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز. # اجتمعت لصلاح الدين أرقى صفات تلزم الملوك والسلاطين، وأسمى أخلاق الزاهدين العالمين ~~والكرماء المحسنين، وتربى تربية رشيدة لا يكاد ينشأ عليها ابن أرقى البيوت المالكة لعهدنا ~~في بلاد الغرب مع ما لهم من المدارس الجامعة والمجامع والجمعيات، وأسباب تهذيب النفس، ~~وتربية الملكات، وإثارة العقول. # فلاحت على وجهه مخايل السعادة، وأخذت النجابة منذ نشأته تقدمه من حالة إلى حالة كما ~~قالوا، فنشأ في كنف أبيه في قلعة تكريت، وكان أبوه وعمه بها عمالا لحاكم تلك الديار، وكان ~~أهله من دوبن بلدة في آخر عمل أذربيجان من جهة إيران وبلاد الكرج، وهم أكراد روادية وهي ~~قبيلة كبيرة من قبائل الأكراد، وانتقلوا من هناك إلى تكريت، وفيها ولد صلاح الدين. # قال ابن خلكان: أخبرني بعض أهل بيتهم، وقد سألته هل تعرف متى خرجوا من تكريت فقال: سمعت ~~جماعة من أهلنا يقولون: إنهم خرجوا منها في الليلة التي ولد فيها صلاح الدين، فتشاءموا به ~~وتطيروا منه، فقال بعضهم: لعل فيه الخيرة وما تعلمون فكان كما قال. # قلنا: تشاءموا بولادة صلاح الدين؛ وذلك لأنه صادف أنه أخرج والده من قلعة تكريت بأمر ~~صاحبها بهروز ليلة ولادته. وذكر في الروضتين أن قد اجتمع ms329 مرة السلطان صلاح الدين ووالده ~~الأمير نجم الدين في دار الوزارة بمصر، وقد قعدا على طراحة واحدة والمجلس غاص بأرباب ~~الدولتين يوم أراد نور الدين محمود بن زنكي أن تقطع خطبة المصريين، وتقام دعوة بني العباس، ~~وعند الناس من الفرح والسرور ما قد أذهل العقول، فبينا الناس كذلك إذ تقدم كاتب نصراني كان ~~في خدمة الأمير نجم الدين، فقبل الأرض بين يدي السلطان الملك الناصر صلاح الدين، ووالده نجم ~~الدين، والتفت إلى نجم الدين، وقال له: يا مولاي هذا تأويل مقالتي لك بالأمس حين ولد هذا ~~السلطان، فضحك نجم الدين وقال: صدقت والله، ثم أخذ في حمد الله وشكره والثناء عليه، والتفت ~~إلى الجماعة الذين حوله والقضاة والأمراء وقال: لكلام هذا النصراني حكاية عجيبة؛ وذلك أنني ~~ليلة رزقت هذا الولد - يعني السلطان الملك الناصر - أمرني صاحب قلعة تكريت بالرحلة عنها ~~بسبب الفعلة التي كانت من أخي شيركوه - رحمه الله - وقتله النصراني، وكنت قد ألفت القلعة، ~~وصارت لي كالوطن، فثقل علي الخروج منها، والتحول عنها إلى غيرها واغتممت لذلك، وفي ذلك ~~الوقت جاءني البشير بولادته، فتشاءمت به، وتطيرت لما جرى علي، ولم أفرح به ولم أستبشر، ~~وخرجنا من القلعة وأنا على طيرتي به لا أكاد أذكره ولا أسميه، وكان هذا النصراني معي ~~كاتبا، فلما رأى ما نزل بي من كراهية الطفل والتشاؤم به استدعى مني أن آذن له في الكلام ~~فأذنت له، فقال لي: يا مولاي! قد رأيت ما قد حدث عندك من الطيرة بهذا الصبي، وأي شيء له من ~~الذنب، وبما استحق ذلك منك، وهو لا ينفع ولا يضر ولا يغني شيئا، وهذا الذي جرى عليك قضاء ~~من الله سبحانه وقدر، ثم ما يدريك أن هذا الطفل يكون ملكا عظيم الصيت جليل المقدار، ~~فعطفني كلامه عليه، وها قد أوقفني على ما كان قاله، فتعجب الجماعة من هذا الاتفاق، وحمد ~~السلطان ووالده الله سبحانه وشكراه. # ولما ملك نور الدين محمود بن زنكي دمشق لازم نجم الدين أيوب خدمته، وكذلك ولده صلاح ms330 ~~الدين، ونور الدين هذا تركي الأصل، وهو صاحب الفضل الأول في تأسيس ملك الشام ومصر، بحيث قوي ~~على رد غارات الصليبيين ودفعهم عن الأرض المقدسة، فصلاح الدين يوسف ليس إذن من أصل وضيع، بل ~~من أصل رفيع جدا، تعلم القدر الذي كان يتعلمه أبناء الكبراء، ونشأ نشأة دينية راقية، ~~وأخذ حسن الخلق والعدل والشجاعة والكرم عن أبيه نجم الدين أيوب بن شاذي، وكان عدلا ~~مرضيا، كثير الصلاة والصلات، غزير الصدقات والخيرات، يحب العلماء، ربي في الموصل، ونشأ ~~شجاعا باسلا، وخدم السلطان محمد بن ملكشاه، فرأى منه أمانة وعقلا وسدادا وشهامة، فولاه ~~قلعة تكريت، فقام في ولايتها أحسن قيام، وضبطها أكرم ضبط، وأجلى من أرضها المفسدين وقطاع ~~الطريق وأهل العيث، حتى عمرت أرضها، وحسن حال أهلها، وأمنت سبلها، ثم أضيفت إليه ولايتها، ~~وكان نجم الدين عظيما في أنفس الناس بالدين والخير وحسن السياسة، وكان لا يمر أحد من أهل ~~العلم والدين به إلا حمل إليه المال والضيافة الجليلة، وكان لا يسمع عن أحد من أهل الدين في ~~مدينة إلا أنفذ إليه ما يستعين به على صلاح حاله. # وكان أسد الدين شيركوه أخو نجم الدين أيوب في قلعة تكريت مع أخيه، وكان شجاعا باسلا مثل ~~أخيه، فاتفق أن أسد الدين نزل من القلعة يوما لبعض شأنه، ثم عاد إليها، وكان بينه وبين ~~كاتب صاحب القلعة قوارص، وكان رجلا نصرانيا، فاتفق في ذلك اليوم أن النصراني صادف أسد ~~الدين صاعدا إلى القلعة، فعبث به بكلمة ممضة فجرد أسد الدين سيفه وقتل النصراني وصعد إلى ~~القلعة، وكان مهيبا فلم يتجاسر أحد على معارضته في أمر النصراني، فبلغ بهروز صاحب قلعة ~~تكريت ما جرى، وحضر عنده من خوفه من جرأة أسد الدين، وأنه ذو عشيرة كبيرة، وأن أخاه نجم ~~الدين قد استحوذ على قلوب الرعايا، وأنه ربما كان منهما أمر تخشى عاقبته، ويصعب استدراكه؛ ~~فكتب إلى نجم الدين ينكر عليه ما جرى من أخيه، ويأمره بتسليم القلعة إلى نائب سيره صحبة ~~الكتاب، فأجاب نجم الدين ms331 إلى ذلك بالسمع والطاعة، وقعد هو وأخوه عند عماد الدين زنكي ~~بالموصل، فأكرمهما وأقطعهما الإقطاعات الحسنة، ثم اتصلا بنور الدين محمود بن زنكي إلى أن ~~أرسل أسد الدين شيركوه إلى مصر ومعه ابن أخيه صلاح الدين، وبنور الدين تخرج صلاح الدين، فقد ~~كان نور الدين يرى له ويؤثره، ومنه تعلم صلاح الدين طرائق الخير، وفعل المعروف والاجتهاد ~~في أمور الجهاد، وسافر صلاح الدين إلى مصر وهو كاره للسفر، فجعله عمه أسد الدين شيركوه مقدم ~~عسكره سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وكان صلاح الدين في السابعة والعشرين من عمره، فعرف أسد ~~الدين حال مصر وكشف أحوالها والدولة الفاطمية فيها مشرفة على الزوال، وقد ضعفت جنديتها ودب ~~الفشل والهرم في البيت العبيدي، وصارت خلافتهم ألعوبة في يد كل ذي قوة. # والسبب في دخول أسد الدين ومعه ابن أخيه صلاح الدين إلى مصر أن الوزير شاور هرب من مصر، ~~واستغاث في الشام بنور الدين من ضرغام بن عامر؛ لأنه قهره وأخذ مكانه في الوزارة، «ولما وصل ~~أسد الدين شيركوه وشاور إلى الديار المصرية واستولوا عليها، وقتلوا الضرغام، وحصل لشاور ~~مقصوده، وعاد إلى منصبه، وتمهدت قواعده، واستمرت أموره غدر بأسد الدين شيركوه، واستنجد ~~بالفرنج عليه وحصروه في بلبيس، وكان أسد الدين قد شاهد البلاد، وعرف أحوالها، وأنها مملكة ~~بغير رجال تمشي الأمور فيها بمجرد الإيهام والمحال»، طمع في الاستيلاء عليها، فبلغ شاورا ~~أن نور الدين قد زين له الاستيلاء على مصر، وأن أسد الدين لا بد له من قصدها ثانية، ~~فكاتب الإفرنج «وقرر معهم أنهم يجيئون إلى البلاد، ويمكنهم منها تمكينا كليا؛ ليعينوه ~~على استئصال أعدائه، فبلغ نور الدين وأسد الدين مكاتبة شاور للفرنج وما تقرر بينهم، فخافا ~~على الديار المصرية أن يملكوها، ويملكوا بطريقها جميع البلاد؛ فتجهز أسد الدين وأنفذ نور ~~الدين معه العساكر، وصلاح الدين في خدمة عمه أسد الدين شيركوه، وكان توجههم من الشام في سنة ~~562.» # استولى أسد الدين على أزمة الوزارة، وقتل شاورا الوزير قبله بأمر الخليفة الفاطمي ~~جريا على عادة ms332 أجداده في الوزراء، وذلك في ربيع الأول سنة 564، كان صلاح الدين «يباشر ~~الأمور مقررا لها لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته»، ومات أسد الدين بعد شهرين ~~وخمسة أيام من تولية الوزارة للعاضد الفاطمي، فتولاها صلاح الدين بعده «وتمهدت القواعد ومشى ~~الحال على أحسن الأوضاع، وبذل الأموال، وملك قلوب الرجال، وهانت عنده الدنيا فملكها، وشكر ~~نعمة الله تعالى عليه، فتاب عن الخمر، وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص بقميص الجد والاجتهاد»، ~~و«من حين استتب له الأمر ما زال يشن الغارات على الفرنج إلى الكرك والشوبك وغيرهما من ~~البلاد، وغشى الناس من سحائب الإفضال والإنعام ما لم يؤرخ من تلك الأيام، وهذا كله وهو وزير ~~متابع القوم، لكنه يقول بمذهب أهل السنة مارس في البلاد أهل الفقه والعلم والتصوف والدين»، ~~وهو يكرم كل وافد، ولا يخيب أحدا قصده. # بهذا الكرم والعقل دانت مصر لصلاح الدين ، وأصبح فيها الحاكم المتحكم واصطناع الفضلاء، ~~وتقريب العقلاء والأفضال على العلماء والشعراء من آكد الطرق في بلوغ المقصود وتهيئة أسباب ~~الملك. # أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم # فطالما استعبد الإنسان إحسان # ولما ثبتت قدم صلاح الدين في مصر، وأزال المخالفين - كما قال ابن الأثير - وضعف أمر ~~العاضد، ولم يبق من العساكر المصرية أحد، كتب إليه الملك العادل نور الدين محمود يأمره بقطع ~~الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة العباسية، فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر، ~~وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك؛ لميلهم إلى دولة المصريين، فلم يصغ نور الدين إلى قوله، ~~وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزاما لا فسحة له فيه، واتفق أن العاضد مرض، وكان صلاح الدين قد ~~عزم على قطع الخطبة، فاستشار أمراءه في كيفية الابتداء بالخطبة العباسية، فمنهم من أقدم على ~~المساعدة وأشار بها، ومنهم من خاف ذلك، إلا أنه لم يمكنه إلا امتثال أمر نور الدين، فلما ~~كان أول جمعة من المحرم (567) خطب للمستضيء بأمر الله تعالى العباسي فلم ينكر أحد ذلك، فلما ~~كانت الجمعة الثالثة أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد وإقامة الخطبة ms333 ~~للمستضيء بأمر الله تعالى ففعلوا ذلك، ولم ينتطح فيها عنزان، وكتب بذلك إلى سائر الديار ~~المصرية. # وكان العاضد قد اشتد مرضه، فلم يعلمه أهله وأصحابه بانقطاع الخطبة باسمه، وقالوا: إن سلم ~~فهو يعلم، وإن توفي فلا ينبغي أن ننغص عليه هذه الأيام التي بقيت من أجله، فتوفي يوم ~~عاشوراء ولم يعلم، ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء، واستولى على قصره وجميع ما كان فيه، ~~وكان قد رتب فيه قبل وفاة العاضد بهاء الدين قراقوش، وهو خصي يحفظه، فحفظ ما فيه حتى تسلمه ~~صلاح الدين، ونقل أهل العاضد إلى مكان منفرد، ووكل بحفظهم، وجعل أولاده وعمومته وأبناءهم في ~~إيوان بالقصر، وجعل عندهم من يحفظهم، وأخرج من كان فيه من العبيد والإماء، فأعتق البعض ورهب ~~البعض وباع البعض، وأخلى القصر من أهله وسكانه، وكان ابتداء الدولة العبيدية أو الفاطمية ~~بإفريقية والمغرب في ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين ومقامهم بمصر مائتي سنة وثماني سنين، ~~وملك منهم أربعة عشر ملكا، آخرهم العاضد وأولهم المهدي. # أزال صلاح الدين دولة العبيديين على أهون سبب؛ لأنها لم تعد صالحة للبقاء، وكفى أن ~~أمراءها أخذوا يراسلون الإفرنج لتسلم لهم مناصبهم - كما فعل جماعة عمارة اليمني - وأخذوا ~~يراسلون الفرنج في صقلية وساحل الشام ليقلبوا الحكومة الصلاحية، ويعيدوا الدولة العبيدية، ~~فشعر بهم صلاح الدين وصلبهم، وكما فعل غير واحد من ملوك الطوائف في الأندلس، فأنشئوا يحتمون ~~بجيرانهم وأعدائهم، ويستعينون بهم على قتال ذويهم وأبناء ملتهم، فكان ذلك من أهم الأمور في ~~طمع الإسبانيين ببلاد الأندلس واسترجاعها بعد أن حكمها العرب قرونا، عن علي بن عيسى بن ~~الجراح قال: سألت أولاد بني أمية ما سبب زوال دولتكم قال: أربع خصال، أولها: أن وزراءنا ~~كتموا عنا ما يجب إظهاره لنا، والثانية: أن جباة خراجنا ظلموا الناس، فارتحلوا عن ~~أوطانهم، فخربت بيوت أموالنا، والثالثة: انقطعت الأرزاق عن الجند فتركوا طاعتنا، والرابعة: ~~أيس الناس من إنصافنا فاستراحوا إلى غيرنا، فهذا كان سبب زوال دولتنا. قلنا: وهو سبب ذهاب ~~أكثر الدول، وهذه الخصال كانت ms334 - ولا شك - موجودة في الفاطمية. # قال صاحب الكامل: ولما استولى صلاح الدين على القصر وأمواله وذخائره اختار منه ما أراد، ~~ووهب أهله ما أراد، وباع منه كثيرا، وكان فيه من الجواهر والأعلاق النفسية ما لم يكن عند ~~ملك من الملوك، قد جمع على طول السنين وممر الدهور، فمنه القضيب الزمرد طوله نحو قصبة ونصف، ~~والحبل الياقوت وغيرهما، ومن الكتب المنتخبة بالخطوط المنسوبة والخطوط الجيدة نحو مائة ألف ~~مجلد، وهكذا عادت إلى مصر الخطبة والسكة باسم الخليفة العباسي بعد أن انقطعت دهرا طويلا، ~~فأرسل المستضيء بأمر الله خلعة إلى نور الدين في الشام، وأخرى أقل من خلعته إلى صلاح الدين ~~في مصر. # ثم حصلت وحشة بين نور الدين وصلاح الدين؛ وذلك أن الأول طلب إلى الثاني أن يجمع ~~العساكر المصرية، ويأتي إلى الكرك ليجمع هو العساكر الشامية، ويأتيها ليخلصوها من الإفرنج، ~~فبعد أن صدع بالأمر أرسل إليه كتابا يعتذر فيه عن الوصول باختلال الديار المصرية لأمور ~~بلغته عن بعض شيعة العلويين، وأنهم عازمون على الوثوب بها، وأنه يخاف عليها مع البعد عنها ~~أن يقوم أهلها على من تخلف بها، فلم يقبل نور الدين هذا الاعتذار منه وتغير عليه، وكان ~~سبب تقاعد صلاح الدين أن أصحابه وخواصه خوفوه من الاجتماع بنور الدين، فإذا لم يمتثل أمر ~~نور الدين شق ذلك عليه وعظم عنده، وعزم على الدخول إلى مصر وإخراج صلاح الدين منها، فبلغ ~~الخبر إلى صلاح الدين فجمع أهله ومنهم والده نجم الدين وخاله شهاب الدين الحازمي، ومعهم ~~سائر الأمراء وأعلمهم ما بلغه من عزم نور الدين على قصده وأخذ مصر منه، واستشارهم فلم يجبه ~~أحد منهم بشيء، فقام تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين وقال: إذا جاء قاتلناه ومنعناه عن ~~البلاد، ووافقه غيره من أهله، فشتمهم نجم الدين أيوب، وأنكر ذلك واستعظمه، وكان ذا رأي وفكر ~~وعقل وقال لتقي الدين: اقعد وسبه، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك وهذا شهاب الدين خالك أتظن ~~أن في هؤلاء كلهم من يحبك ويريد لك ms335 الخير مثلنا، فقال: لا، فقال: والله لو رأيته أنا ~~وخالك شهاب الدين نور الدين لم يمكننا إلا أن نترجل له، ونقبل الأرض بين يديه، ولو أمرنا ~~أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا، فإذا كنا نحن هكذا فكيف يكون غيرنا، وكل من تراه من الأمراء ~~والعساكر لو رأى نور الدين وحده لم يتجاسر من الثبات على سرجه، ولا وسعه إلا النزول وتقبيل ~~الأرض بين يديه، وهذه البلاد له، وقد أقامك فيها، وإن أراد عزلك سمعنا وأطعنا، والرأي أن ~~تكتب إليه كتابا وتقول: بلغني أنك تريد الحركة لأجل البلاد، فأي حاجة إلى هذا يرسل المولى ~~نجابا يضع في رقبتي منديلا ويأخذني إليك، فما ههنا من يمتنع عليك، وقال لجماعته كلهم: ~~قوموا عنا، فنحن مماليك نور الدين، وعبيده يفعل بنا ما يريد، فتفرقوا على هذا، وكتب أكثرهم ~~إلى نور الدين بالخبر، ولما خلا أيوب بابنه صلاح الدين قال له: أنت جاهل قليل المعرفة، تجمع ~~هذا الجمع الكثير، وتطلعهم على سرك وما في نفسك، فإذا سمع نور الدين أنك عازم على منعه عن ~~البلاد جعلك أهم الأمور وأولاها بالقصد، ولو قصدك لم تر معك أحدا من هذا العسكر، وكانوا ~~أسلموك إليه، وأما الآن فبعد هذا المجلس سيكتبون إليه، ويعرفونه قولي وتكتب أنت إليه وترسل ~~إليه في المعنى، وتقول: أي حاجة إلى قصدي يجيء نجاب يأخذني بحبل يضعه في عنقي، فهو إذا سمع ~~عدل عن قصدك، واستعمل ما هو أهم عنده، والأيام تتدرج، والله كل وقت في شأن، والله لو أراد ~~نور الدين قصبة من قصب سكرنا لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل، ففعل صلاح الدين ما ~~أشار به والده، فلما رأى نور الدين الأمر هكذا عدل عن قصده، وكان الأمر كما قال نجم الدين ~~أيوب، وتوفي نور الدين ولم يقصده، وملك صلاح الدين البلاد، قال ابن الأثير: وهذا كان من ~~أحسن الآراء وأجودها. # هذا هو التوفيق الذي حالف صلاح الدين، دخل مصر كارها مع عمه، فصار قائد جندها، ثم تولى ~~وزارتها، فملكها وقلب دولة ms336 العبيديين، وكل ذلك بأخذه بالحزم في أموره، واستشارته العقلاء من ~~أهله ورجاله، وكان من طبعه ألا يبت أمرا بدون مشورة، هكذا كان منذ ابتدأ شابا إلى أن ~~استولى بعد وفاة نور الدين سنة 569 على الشام، إلى أن استخلص بيت المقدس من أيدي الإفرنج، ~~وطردهم من أكثر مدن ساحل الشام، يعمل بقول بشار: # إذا بلغ الرأي النصيحة فاستعن # برأي لبيب أو نصيحة حازم # ولا تحسب الشورى عليك غضاضة # فإن الخوافي رافدات القوادم # وكان نور الدين قد خلف ولده الملك الصالح إسماعيل، وكان بدمشق عند وفاة أبيه، فسار إلى ~~حلب من دمشق، فلما علم صلاح الدين أن الملك صالح صبي لا يستقل بالأمر، ولا ينهض بأعباء ~~الملك، واختلت الأحوال بالشام، تجهز من مصر في جيش كثيف، وترك بها من يحفظها، وقصد دمشق ~~مظهرا أنه يتولى مصالح الملك الصالح، فدخلها بالتسليم سلخ سنة سبعين وخمسمائة وتسلم ~~قلعتها، ففرح الناس به، وأنفق مالا جزيلا، وسار إلى حلب، فنازل حمص وأخذ مدينتها، ثم ~~استولى على تلك البلاد إلى الفرات وما بعد الفرات، وتوفي الملك الصالح بعد مدة قليلة، فأخذ ~~حلب ابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل، ثم عاد صلاح الدين سنة 577 واستولى على حلب ودانت ~~له البلاد، وفتح بيت المقدس بعد أن ملكه الإفرنج نحو مائتي سنة، ولم يفشل في واقعة من ~~وقائعه مع الصليبيين على كثرة عددهم وعديدهم، اللهم إلا في عكا، فاستعادوها منه بعد أن ~~فتحها بواسطة ملك الإنكليز إذ ذاك ريشاردس قلب الأسد. # إن عدل الملك الناصر صلاح الدين يوسف قد أدهش الأوروبيين في ذاك العهد، فكانوا هم ~~يعاهدون فينكثون أما هو هو، فما عاهد ونكث قط، وكثيرا ما كان بعض خاصته من متعصبة المشايخ ~~الذين لا يعرفون سياسة الملك ولا حسن إدارة الفتوحات، يريدونه على أن يعامل الصليبيين ~~بعملهم في الانتقام من أسراهم عنده كما فعل أولئك، وقتلوا مرة مئات من أسرى المسلمين، فما ~~كان جوابه إلا الإعراض عن مقترحاتهم، والعمل بسنة اللين واللطف حتى استهوى القلوب الشاردة ms337 ~~وأحبه أعداؤه قبل أوليائه، وهذا من أندر النوادر في الملوك، وناهيك بعصره الذي كان عصر ~~التعصب الديني في الغرب والشرق أيضا، فالصليبيون جاءوا هذه الديار مدفوعين بعوامل الدين ~~واستنقاذ بيت المقدس من المسلمين، وهؤلاء قاموا باسترجاع البلاد بهذا العامل القوي ~~أيضا. # قال عبد المنعم الجلياني أحد شعراء الملك الناصر صلاح الدين من قصيدة يعلل فيها السبب ~~الذي من أجله أحب الفرنج صلاح الدين: # وفيت لهم حتى أحبوك ساطيا # بهم ووفاء العهد قيد المخاصم # فخانوا فخابوا فانتدوا فتلاوموا # فقالوا خذلنا بارتكاب الجرائم # وخص صلاح الدين بالنصر إذا أتى # بقلب سليم راحما للمسالم # فحطوا بأرجاء الهياكل صورة # لك اعتقدوها كاعتقاد الأقانم # يدين لها قس ويرقى بوضعها # ويكتبه يشفى به في التمائم # ملك مصر والشام والجزيرة والعراق واليمن، والملك لما يستتب له على ما يجب، فاستطاع بعقله ~~وإخلاصه لأمته ووطنه أن يدفع غارات الأوروبيين عن أرض الشام ومصر بعد أن رسخت أقدامهم ~~قرنين كاملين، واستجاشوا لهم الأنصار وحشروا من جميع أمم أوروبا العدد الكثير، وبذلوا في ~~ذلك من المال والرجال ما يقدر بالملايين والربوات أن هذا من عجائب التاريخ، تقف كتائب ~~من العرب والترك والأكراد في موقف القتال مع الفرنسوي والألماني والإنكليزي والمجري ~~والإيطالي والإسباني والنمساوي والسويسري وغيرهم من أمم الإفرنج، فيبز الأولون الآخرين على ~~قلة عددهم، ولكن الجيوش قد لا تؤتى من قلة أكثر مما تؤتى من سوء السياسة وعتو القواد ~~والاستهانة بالشورى، وما كان المدافع كالمهاجم في وقت من الأوقات. # ومع هذا الملك الضخم الذي كان لصلاح الدين كان يعيش عيش المتوسطين، وينفق بحيث تكاد تعده ~~إلى الإسراف، فقد كانت قطيعة الصلح بينه وبين الإفرنج في القدس مثلا أن يؤدوا عن كل رجل ~~عشرين دينارا، وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية، وعن كل ذكر صغير أو أنثى دينارا واحدا، ~~فمن أحضر قطيعته نجا بنفسه وإلا أخذ أسيرا، فأقام صلاح الدين يجمع الأموال ويفرقها على ~~الأمراء والرجال، ويحبو بها الفقهاء والعلماء والزهاد والوافدين عليه، ولم يرحل عن القدس ~~ومعه من المال الذي ms338 جبي له شيء، وكان يقارب مائتي ألف دينار وعشرين ألف دينار، قال في ~~البرق: سمعت الملك العادل (أخو صلاح الدين) يوما في أثناء حديثه في ناديه، وهو يجري ذكر ~~إفراط السلطان في أياديه يقول: إني توليت قطيعة القدس، فأنفذت له ليلة سبعين ألف دينار، ~~فجاءني خازنه بكرة وقال: نريد اليوم ما نخرجه في الإنفاق، فما عندنا مما كان بالأمس شيء، ~~فنفذت له ثلاثين ألف دينار أخرى في الحال، قالوا: وكان يرضى من الأعمال بما تحمل صفوا ~~عفوا، وكله يخرج في الجود والجهاد. # وكان يكتفي من اللباس بالكتان والقطن والصوف، ومجلسه منزه عن الهزء، ومحافله حافلة بأهل ~~الفضل، قال العماد: وما سمعت له قط كلمة تسقط ولا لفظة فظة تسخط، يؤثر سماع الأحاديث، ويكلم ~~العلماء عنده في العلم الشرعي، وكان لمداومته الكلام مع الفقهاء ومشاركته القضاة في القضاء ~~أعلم منهم بالأحكام الشرعية، وكان من مجالسه لا يعلم أنه مجالس السلطان، بل يعتقد أنه مجالس ~~أخ من الإخوان، وكان حليما مقيلا للعثرات متجاوزا عن الهفوات تقيا نقيا، وفيا ~~صفيا، يغضي ولا يغضب، ما رد سائلا، ولا صد نائلا، ولا أخجل قائلا، ولا خيب ~~آملا. # أخذ عقيدته عن الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم وأكابر الفقهاء، بحيث كان إذا جرى ~~الكلام بين يديه يقول فيه قولا حسنا، وإن لم يكن بعبارة الفقهاء، وكان شديدا على ~~الفلاسفة والمعطلة والدهرية، وكان مواظبا على صلواته وصيامه عادلا رحيما ناصرا للضعيف ~~على القوي، وكان يجلس للعدل في كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة ~~والعلماء، ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير وعجوز هرمة وشيخ كبير، ~~وكان يفعل ذلك سفرا وحضرا على أنه كان في جميع أوقاته قابلا لما يعرض عليه من القصص ~~كاشفا لما ينهى إليه من المظالم. # كان من عظماء الشجعان، قوي النفس، شديد البأس، عظيم الثبات، لا يهوله أمر، وصل في ليلة ~~واحدة من الإفرنج نيف وسبعون مركبا إلى عكا، وهو لا يزداد إلا قوة نفس ms339 وكان يعطي دستورا ~~(أي يسرح عسكره) في أوائل الشتاء، ويبقى في شرذمة يسيرة في مقابلة عدتهم الكثيرة، إذ كان ~~عدد جيشهم لا يقل عن خمسمائة إلى ستمائة ألف، ومع هذا تراه صابرا هاجرا - في محبة الجهاد ~~في سبيل الله - أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر ملاذه، قانعا من الدنيا بالسكون في ظل خيمة ~~تضربها الرياح يمنة ويسرة، وكان لا بد له من أن يطوف حول العدو كل يوم مرة أو مرتين إذا ~~كان قريبا منهم، وإذا اشتد الحرب يطوف بين الصفين، ويخرق العساكر من الميمنة إلى الميسرة، ~~يرتب الأطلال ويأمرهم بالتقدم والوقوف في مواضع يراها، وكان يشارف العدو ويجاوره. # انهزم المسلمون في يوم المصاف الأكبر بمرج عكا، حتى القلب ورجاله، ووقع الكوس والعلم، وهو ~~ثابت القدم في نفر يسير، فانحاز إلى الجبل يجمع الناس، ويردهم ويخجلهم حتى يرجعوا، ولم يزل ~~كذلك حتى عكس المسلمون على العدو في ذلك اليوم، وقتل منهم زهاء سبعة آلاف ما بين راجل ~~وفارس، ولم يزل مصابرا لهم، وهم في العدة الوافرة إلى أن ظهر له ضعف المسلمين فصالح وهو ~~مسئول من جانبهم، فإن الضعف والهلاك كان فيهم أكثر، ولكنهم كانوا يتوقعون النجد والمسلمون ~~لا يتوقعونها، وكانت المصلحة في الصلح. # ولقد كان بركب للحرب وهو على غاية المرض كما فعل يوم عكا، وقد اعترته دمامل ظهرت عليه من ~~وسطه إلى ركبته بحيث لا يستطيع الجلوس، وكان مع ذلك يركب من بكرة النهار إلى صلاة الظهر ~~يطوف على الأطلاب، ومن العصر إلى صلاة المغرب وهو صابر على شدة الألم وقوة ضربات الدمامل، ~~وكان يعجب من ذلك فيقول: إذا ركبت يزول عني ألمها حتى أنزل. # ومع كل هذه الصفات التي نعدد منها ولا نعدها لكثرتها وإجماع المؤرخين من العرب والإفرنج ~~عليها، كان السلطان حسن العشرة، لطيف الأخلاق، طيب الفكاهة، حافظا لأنساب العرب ووقائعهم، ~~عارفا بسيرهم وأحوالهم، حافظا لأنساب خيلهم، عالما بعجائب الدنيا ونوادرها، بحيث كان ~~أصحابه يستفيدون في محاضرة منه ما لا يسمعون من غيره، وكان يستحسن الأشعار الجيدة، ms340 ويرددها ~~في مجالسه، وكثيرا ما ينشد قولهم: # وزارني طيف من أهوى على حذر # من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا # فكدت أوقظ من حولي به فرحا # وكاد يهتك ستر الحب بي شغفا # ثم انتبهت وآمالي تخيل لي # نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا # وكان يعجبه قول ابن المنجم في خضاب الشيب: # وما خضب الناس البياض لقبحه # وأقبح منه حين يظهر ناصله # ولكنه مات الشباب فسودت # على الرسم من حزن عليه منازله # وكان يسأل الواحد منهم عن مرضه ومداواته ومطعمه ومشربه وتقلبات أحواله، وكان طاهر المجلس ~~لا يذكر بين يديه أحد إلا بالخير، وطاهر السمع فلا يحب أن يسمع عن أحد إلا بالخير، وطاهر ~~اللسان فما شوهد مولعا بشتم قط، حسن العهد والوفاء، فما أحضر بين يديه يتيم إلا وترحم على ~~مخلفه وجبر قلبه وأعطاه خبز مخلفه، وسلمه إلى من يكفله ويعنى بتربيته، وكان لا يرى شيخا ~~إلا ويرق له، ويعطيه ويحسن إليه. # قال ابن شداد: ولقد رأيته، وقد مثل بين يديه أسير إفرنجي قد أصابه كرب بحيث أنه ظهرت عليه ~~أمارات الخوف والجزع، فقال للترجمان: من أي شيء يخاف؟ فأجرى الله على لسانه أن قال: كنت ~~أخاف قبل أن أرى هذا الوجه، فبعد رؤيتي له وحضوري بين يديه أيقنت أني ما أرى إلا الخير، ~~فرق له ومن عليه وأطلقه، قال: ولقد كنت راكبا في خدمته في بعض الأيام قبالة الإفرنج، وقد ~~وصل بعض اليزكية ومعه امرأة شديدة التخوف كثيرة البكاء متواترة الدق على صدرها، فقال ~~اليزكي: إن هذه خرجت من عند الإفرنج، فسألت الحضور بين يديك وقد أتينا بها، فأمر الترجمان ~~أن يسألها قصتها، فقالت اللصوص: المسلمون دخلوا البارحة إلى خيمتي وسرقوا ابنتي، وبت ~~البارحة أستغيث إلى بكرة النهار فقال لي المملوك: السلطان هو أرحم، ونحن نخرجك إليه تطلبين ~~ابنتك منه، فأخرجوني إليك وما أعرف ابنتي إلا منك، فرق لها، ودمعت عينه، وحركته مروءته، ~~وأمر من ذهب إلى سوق العسكر يسأل عن الصغيرة من اشتراها، ويدفع له ثمنها ويحضرها، وكان قد ~~عرف ms341 قضيتها من بكرة يومه، فما مضت ساعة حتى وصل الفارس والصغيرة على كتفه، فما كان إلا أن ~~وقع نظرها عليها، فخرت إلى الأرض تعفر وجهها في التراب والناس يبكون على ما نالها، وهي ترفع ~~طرفها إلى السماء ولا نعلم ما تقول، فسلمت ابنتها إليها، وحملت حتى أعيدت إلى ~~عسكرهم. # ولقد كان يسمع من المستغيثين والمتظلمين أغلظ ما يمكن أن يسمع، ويلقى ذلك بالبشر والقبول ~~دلالة على حرية وسعة صدر، وقد كان يوما بعض خدمه يلعبون بسرموزة (بانتوفل) في ناحية، فوقعت ~~على رأسه، فأدار وجهه كأنه لم يحدث شيء، وتظاهر بأنه لم ير شيئا، وكان الحافظ بن عساكر ~~يدخل قصره يقرأ الحديث، فكانت جلبة الخدم ترتفع، فتكرر ذلك حتى قال الحافظ يوما: ما هذا؟ ~~كنا في عهد نور الدين ندخل هذا المكان، والناس كأن على رءوسهم الطير، إشارة إلى أن صلاح ~~الدين يتساهل مع خدمه ملقيا حبلهم على غاربهم. # لما فتح صلاح الدين القدس وغيرها من السواحل، ولم يبق في أيدي الصليبيين إلا عكا وصور ~~وغيرها من البلاد التي لا شأن لها، ورأى أن المشيب أنذره بقرب الأجل عقد العزم على الحج ~~إلى بيت الله الحرام، فلما بلغ القاضي الفاضل كتب إليه مشيرا بتبطيله: إن الفرنج لم ~~يخرجوا بعد من الشام، ولا سلوا عن القدس، ولا يوثق بعدهم في الصلح، فلا يؤمن مع بقاء ~~الفرنج على حالهم وافتراق عسكرنا وسفر سلاطيننا سفرا مقدرا معلوما مدة الغيبة فيه أن ~~يسيروا ليلة، فيصبحوا في القدس على غفلة، فيدخلوا إليه بالعياذ بالله، ويفرط مد يد الإسلام، ~~ويصير الحج كبيرة من الكبائر التي لا تغتفر، ومن العثرات التي لا تقال إلى أن يقول: يا ~~مولانا! مظالم الخلق كشفها أهم من كل ما يتقرب به إلى الله، وما هي بواحدة في أعمال دمشق ~~من المظالم من الفلاحين ما يستغرب معه وقوع القطر، ومن تسلط من المقطعين على المنقطعين ما ~~لا ينادي وليده، وفي وادي بري والزبداني من الفتنة القائمة والسيف الذي يقطر دما ما لا ~~زاجر ms342 له، وللمسلمين ثغور تريد التحصين والذخيرة، ومن المهمات إقامة وجوه الدخل وتقدير الخرج ~~بحسبها. # ملأت أوقاف صلاح الدين مصر والشام وهي غير منسوبة إليه، قال ابن خلكان: ولقد فكرت في نفسي ~~من أمور هذا الرجل، وقلت: إنه سعيد في الدنيا والآخرة، فإنه فعل في هذه الدنيا هذه الأفعال ~~المشهورة من الفتوحات الكثيرة وغيرها، ورتب هذه الأوقاف العظيمة، وليس فيها شيء منسوبا ~~إليه في الظاهر. ا.ه. مات صلاح الدين ولم يخلف مالا عن 57 عاما، وخلف سبعة عشر ولدا ~~ذكرا وابنة، ولم يخلف سوى دينار واحد بعد أن دخلت في يديه ثروة الفاطميين، وجبي إليه ~~خراج البلاد المفتتحة، وحاز مغانم الصليبيين مرات. # تغيب السلطان صلاح الدين أربع سنين في فتح القدس وغيرها من بلاد الساحل وفلسطين، لم ~~يدخل خلالها دمشق مع أنه «كان يحب البلد، ويؤثر فيه الإقامة على سائر البلاد»، فرأى أولاده ~~الأفضل والظاهر والظافر وأولاده الصغار، وأقام في دمشق أياما يتصيد هو وأخوه الملك العادل ~~أبو بكر بن أيوب وأولاده «ويتفرجون في أراضي دمشق ومواطن الصبا، وكأنه وجد به راحة مما كان ~~فيه من ملازمة التعب والنصب وسهر الليل ونصب النهار، وما كان ذلك إلا كالوداع لأولاده ~~ومرابع نزهه»، وبينا هو على ذلك ونفسه تحدثه بزيارة مصر بعد طول الغيبة عنها ناداه مولاه ~~فلباه فأبكى المقل وأدمى الحناجر. # مات - رحمه الله - والألسن تذكره بالمحمدة حتى قيام الساعة، فكان رجلا يعد بعشرات ~~الملايين، وكم من ألوف لا يساوون واحدا وواحد يساوي ألوفا، مات وقد زلزل المسلمون لفقده، ~~كما كتب القاضي الفاضل في ساعة موته إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب من بطاقة: لقد كان لكم ~~في رسول الله أسوة حسنة، إن زلزلة الساعة شيء عظيم، كتبت لمولانا السلطان الملك الظاهر ~~أحسن الله عزاءه، وجبر مصابه، وجعل فيه الخلف في الساعة المذكورة، وقد زلزل المسلمون ~~زلزالا شديدا، وقد حفرت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الحناجر، وقد ودعت أباك ومخدومي ~~وداعا لا تلاقي بعده، وقد قبلت وجهه عني وعنك، وأسلمته إلى الله تعالى ms343 مغلوب الحيلة ضعيف ~~القوة راضيا عن الله عز وجل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وبالباب من الجنود ~~المجندة والأسلحة المغمدة ما لا يدفع البلاء ولا ملك يرد القضاء، وتدمع العين ويخشع القلب ~~ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا يوسف لمحزونون، وأما الوصايا مما يحتاج إليها، ~~والآراء فقد شغلني المصاب عنها، وأما لائح الأمر فإنه إن وقع اتفاق فما عدمتم إلا شخصه ~~الكريم، وإن كان غير ذلك فالمصائب المستقبلة أهونها موته وهو الهول العظيم، والسلام. # | مصطفى كامل1 # في وفاة فقيد الوطن والصحافة التي اهتم لها أهل القطر عامة، وأبانوا في احتفالهم بتشييعه ~~ومأتمه عن عواطف شريفة وشعور حي نام، أعظم درس يتدارسه المصريون، ولا سيما النابتة ~~الجديدة منهم. # وصف الفقيد العزيز بما وصف به من الأوصاف التي هو جدير بها، وذرفت الدموع لهول المصاب ~~به في إبان شبابه، وأكبرت الأمة أعماله وأقواله، وقامت بالواجب من إكرامه وإجلاله، كل هذا ~~حق وكل هذا بزعماء النهضات وقادة الأفكار جدير، ولكن إذا صارت تلك الروح التي كانت بالأمس ~~تهيج العواطف، وتلعب بالقلوب إلى جوار ربها، فالواجب علينا أن نبحث في السر الذي اهتدى ~~إليه صاحبها الراحل، فأثر هذا الأثر المحمود في هذه الحقبة القصيرة من الزمن. # كثيرون مثله كانوا يدخلون المدارس ويتعلمون ويتهذبون، فتراهم وهم صغار في المدرسة نفوسا ~~تتلهب غيرة، وقلوبا تتأوه على قرب أوقات العمل لتأتي بما يجب عليها نحو أمتها ومجتمعها ~~ونفسها، فما هو إلا بضع سنين حتى تتبدل أفكارهم وينطبعون بطابع غير الذي كنت تعهده ~~فيهم. # التاريخ - كما يقولون - يحكم لمصطفى كامل فيما أتاه من الخير لهذه البلاد، وإن كانت ~~أعماله عند المنصفين أعظم شاهد حي على أن الرجل لم يكن مبرأ من العيوب، ولكن محاسنه تربو ~~كثيرا على نقائضها، وهذا ما ننشده في رجالنا، ونتمنى لو يكثر الأفراد الذين على شاكلته من ~~أكثر الوجوه في كل فرع من فروع العمل في هذا الجهاد العالمي. # مصطفى كامل قال وكتب وخطب وجاهد وناضل ونافس وقاوم ms344 وتعب، وقد كافأته أمته على حسن صنيعه ~~بأن بذلت نحوه عواطفها حيا وميتا، فذهب مأسوفا عليه مذكورا بالرحمة، وطوي بساطه بما ~~عليه، ولكن أمته حية كبيرة كل يوم تلد ولاداتها، وكل يوم يدفن رجالاتها. # إن غاب مصطفى كامل فلا ينبغي أن تغيب عنا سيرته الذكية، وكيف وصل إلى المجد المؤثل ~~والعز الأقعس، هو لم يؤت من المواهب ما لم يؤته أحد من العالمين، بل امتاز بامتياز واحد، ~~ويا له من امتياز امتاز «بإرادة» تعمل، والإرادة هي رأس ماله، وهي في أفراد الشرق قليلة، ~~ويا للأسف إرادة مصطفى كامل هي التي بلغت به ما بلغت، وهو فتى قبل الثلاثين، فما بالك لو ~~كان بلغ السبعين والثمانين. # صحة الإرادة هي التي تنقص أبناء الشرق؛ ولذلك تراهم - وإن تعلموا وتهذبوا - يظلون وراء ~~الغربيين في جهاد الحياة، وإن فاقوهم بعض الأحيان في الذكاء والنشاط، وكلما كانت الإرادة في ~~صاحبها أقوى كان تأثيره أشد وعمله أسد. # يحزنني والله أن أرى كل يوم في مصر من الأفاضل المهذبين ما لم أحلم بوجود أمثالهم من ~~قبل، ثم تراهم - وبعضهم ممن تهيأت لهم أسباب النعمة - خاملين خائفين ضعافا في الإرادة إلى ~~حدائهم، إذا قاموا ببعض الواجبات يخشون أن تزول عنهم نعمتهم، ويحل بهم الويل ~~والثبور. # لو كان المتعلمون منا يعلمون كل بما فيه من إرادة ما يجب عليهم عمله، لما أتى علينا ربع ~~قرن إلا وقد نشأ لمصر عشرات من أمثال مصطفى كامل، منهم في السياسة، ومنهم في العلم، ومنهم ~~في الأدب، ومنهم في المال، ومنهم في إصلاح الأخلاق، ومنهم في إصلاح البيوت، ومنهم في غير ~~ذلك. وليس معنى هذا أن يكون في الأمة ألوف مثل مصطفى كامل في السياسة، فإن أفرادا فيها ~~يكفون، ولكن يجب أن يكون عشرات في كل فرع من فروع المجتمع، فالعالم الذي يعلم الناس ~~فيخرجهم من الظلمات إلى النور، والأديب الذي يرقق شعورهم، والكاتب الذي يؤثر فيهم، ~~والكيماوي الذي يعلمهم صنع الأسمدة ومعالجة التربة، والزارع الذي يتوفر على البذر والغرس، ~~والمهندس الذي يحفر ms345 الأقنية والترع ويتعهد السدود والجسور، والصانع الذي يحيك النسيج، ويصنع ~~الصفيح والمصفح، كل هؤلاء ومئات من غيرهم ممن يتعاطون الحرف الضرورية في العمران ليسوا ~~إذا كانت لهم إرادة كإرادة مصطفى كامل في الفرع الذي توفر على خدمة حياته إلا نافعين، يرتفع ~~بهم الرأس كما يرتفع الآن رأس المصري الوطني بذكر مصطفى كامل. # حب الشهرة من العوامل القوية في قيام المجتمعات، فمن كان ولعه بالشهرة على أصوله تلحقه عن ~~استحقاق ولا يلحقها، كانت شهرته نافعة له ولأمته، ولا يلام في حب الشهرة إلا من يغالي فيها ~~ويجعلها ديدنه ودينه، كما لا يلام في حب الأثرة إلا المغالي فيها أيضا، والأثرة أو حب ~~الذات موجودة في فطر البشر وإن اختلفت درجاتها، فصحة الإرادة هي التي نطلب أن تنتشر بين ~~هذه الأمة انتشار العاطفة الوطنية، فإذا كثرت فينا ففيها ولا شك عن مصطفى كامل أكبر عزاء، ~~وإذا لم تنم في أفرادنا فنقول ما يقوله بعضهم: إن مصطفى كامل كان فلتة من فلتات مصر، ~~ولمصر في كل مدة رجل كبير تمتاز به يرتجل بين الرجال، وتنصره على أي حال، ويكون موضوع عجب ~~الأجيال بعد الأجيال. # | النبوغ المصري1 # يا سادتي ويا إخواني # منذ نحو مائة سنة والقطر المصري ينهض نحو الترقي، ويحتذي مثال الغرب في نهوضه، وكان من ~~قبل لولا جامعة الأزهر الدينية أشبه بكثير من بلاد العرب في قلة العلم والنور، وبالأزهر ~~المعمور لم ينفك المصريون على اختلاف أعصارهم وأدوارهم أن يكون فيهم من إذا سئل سدد في ~~علوم الشريعة وما يلزمها من علوم اللسان. # ولقد خلد التاريخ اسم «محمد علي الكبير» جد الأسرة المالكة الحالية بما أسداه إلى مصر ~~من الأيادي البيضاء، فأنعشها من سقطتها، وأيقظها من طويل رقدتها، ولو كتب له تحقيق جميع ~~أمانيه الشريفة لكان العرب اليوم من أرقى الدول الكبرى في العالم، فإنه - رحمه الله - لم ~~يترك بابا من أبواب النهوض المادي والعلمي إلا وطرقه على أجمل صورة، وعمل بجميع الأسباب ~~لحياة مصر. # وكان لعلماء الفرنسيس الذين استصحبهم نابوليون في ms346 حملته على مصر والشام يد طولى في وضع ~~أساس هذه النهضة المباركة على النظام الأوروبي، وعد علماء فرنسا من بعد العامل الأقوى في ~~معاونة محمد علي على إسعاد القطر، ثم جاء علماء الإنكليز والألمان والطليان وغيرهم من أمم ~~أوروبا، وخدموا مصر بتنظيم سككها وإصلاح ريها، وإحياء زراعتها، واستخراج آثارها وإنماء ~~القوى المفكرة العاملة في بنيها. # نعم، كان العلم في مصر حتى الثلث الأخير من القرن الماضي لا يتعدى إلا قليلا دائرة ~~الدينيات والأدبيات، ولمحمد علي الكبير يرجع الفضل الأكبر في بث مبادئ العلوم التي يسمونها ~~خطأ الحديثة، إذ كان لأجدادنا فيها القدح المعلى، وهم الذين نقلوها إلى أمم الحضارة الحديثة ~~مشفوعة بأبحاثهم وزياداتهم واختراعاتهم، وبعد عهد محمد علي ضعفت العناية بالعلوم كان انقطع ~~سندها دهرا طويلا، وكادت البلاد تدخل في سبات مؤلم وتنبت مميت، كان ضعف العلم بعد عهد ~~شارلمان في فرنسا، وبين محمد علي وشارلمان شبه كبير في التناغي بحب المعارف والفضائل، وكذلك ~~حدث في الآستانة بعد دور الفاتح، فانقطعت الرغبة في العلم بموت السلطان محمد الثاني، وكاد ~~يزال كل ما أسسه لإحياء معالمه. والارتقاء والانحطاط، ولا سيما في هذا الشرق القريب تبع ~~للفرد أكثر من الجماعة، فإن أسعد الحظ الأمة بسلطان عاقل عادل سعدت ونجحت والعكس ~~بالعكس. # ولما انتهى في مصر دور الناقلين والمترجمين والجامعين والمقتبسين في بعض ضروب العلم، جاء ~~دور الباحثين والمؤلفين والمبدعين، واستطاع المصريون بإصلاح شئونهم الاقتصادية أن يتلقوا ~~العلم الصحيح في جامعات الغرب، فكان لهم على الدوام بضع مئات من الطلبة، وكثر ارتحال ~~الأوروبيين إلى مصر، وطواف المصريين إلى أوروبا، واشتد التمازج بين المصري والغربي، فاقتبس ~~المصري بعض ما ينقصه من أساليب النهوض، وكان لإدخال الإصلاح على الأزهر ودار العلوم ومدرسة ~~القضاء الشرعي والحقوق والزراعة والهندسة وغيرها من المدارس العالية والثانوية والابتدائية، ~~ولا سيما الكتاتيب في القرى والمزارع، ما نراه من آثار نهوضها، فندهش له ونهش، وكلما كثر ~~سواد المتعلمين هناك جاءت منهم طبقة أمثل من التي سبقتها، وتراجع كل نتفة في العلم ~~والصنائع، ms347 وأصبحت الكلمة للأخصائيين والمفننين، وكلما استحكمت حلقات هذا الرقي استغنت مصر ~~عن الغريب، واكتفت بعقول العاملين من رجالها، سنة الخالق في النشوء والارتقاء. # تطورت مصر في نهضتها الأخيرة أطوارا كثيرة، فكان الضعف يعروها تارة والقوة تصاحبها أخرى، ~~وكان يعد نوابغ رجالها بادئ بدء بالآحاد، فأمسوا يعدون اليوم بالمئات، وكلما امتزج المصري ~~بعنصر آخر من العناصر الشرقية حسنت ملكاته، وصحت على الترقي إرادته ونياته، وقد نبغ لعهدنا ~~رجال ليسوا مفخرا من مفاخرها فقط، بل هم مفخر العرب والشرق عامة، ومنهم والحق يقال أفراد ~~لا يقلون عن أرقي علماء الغرب في ذكائهم ومضائهم وبحثهم ودرسهم، وذلك في مجموع العلوم ~~البشرية، ولا سيما في الهندسة والكيمياء والتصوير والطبيعة والحقوق والطب والجراحة والسياسة ~~والإدارة، ومن أعظم نوابغها زميلنا - أحد أعضاء المجمع العلمي العربي - المرحوم أحمد كمال ~~باشا، الذي نحتفل الآن بتكريم اسمه، واستمطار الرحمات عليه، فقد كان أجزل الله ثوابه مثال ~~النبوغ المصري وآخر طراز كامل من أفراد الدهر، رزق صفات العالم العامل، وصرف نقد عمره في ~~خدمة الآثار، ولا سيما علم الآثار المصرية حتى أصبح على صعوبة هذا الفن وحداثته الحجة الثبت ~~فيه، فكان إذا كان ذكر في الغرب والشرق علم الآثار المصرية يتمثل في شخصه ويتجسد في ~~جهاده، عمل هذا بعيدا عن الجعجعة في زاوية صغيرة من بلده، فعمت شهرته الخافقين، ولم تخف ~~جلائل أعماله على الغريب دع القريب. # أيها السادة، إذا قام مجمعنا بتعداد بعض مآثر نابغة الشرق في الآثار، فإنه يقضي واجبين: ~~واجب للعلم بتكريم أحد حملته وأساطينه، وواجب آخر أعم وهو التنويه بذكر النابغين من ~~المصريين، وتمجيد النهضة العلمية المصرية التي لها الفضل الأعظم على نهوض العرب النازلين في ~~أرجاء القارتين العظيمتين آسيا وأفريقيا. # لمصر ولرجال مصر، ولا نكران للجميل، أثر ظاهر في الأمة العربية والإسلام، فإذا ذكرنا مصر ~~فإننا نذكر آخر دولة انحطت من ممالك العرب وأول دولة نهضت فيه، إننا بترداد اسم مصر نذكر ~~أمة حفظت لنا تراث الأجداد، ننوه بشعب كريم احتفظ بلساننا ومشخصاتنا، ولولا مصر ms348 بعد عهد ~~الجراكسة والترك لاضمحلت العربية ومقوماتها، ولتأخر نهوض العرب قرونا، وكنا أقرب إلى ~~الاندماج في غيرنا من العناصر المتغلبة، ولساءت حالنا العلمية أكثر مما ساءت، وشاهدنا ~~ونشاهد تخريباتها في جسم جامعتنا ومجتمعنا. # انتفع الشام - وهو القطر الشقيق الأصغر لمصر المحبوبة - بالنهضة المصرية أكثر من عامة ~~الأقطار العربية للجوار وأواصر القربى وكثرة التشابه بينهما، ولأن أقدارهما في عهد الدول ~~الإسلامية كانت واحدة وحياتهما الاجتماعية متجانسة، هكذا كانت مصر والشام في دولة الراشدين ~~والدولة الأموية فالعباسية فالطولونية فالفاطمية فالأيوبية، فدولة الأتراك المماليك، فدولة ~~الجراكسة، فدولة الترك العثمانية، وكانت مصر منبعث حضارة في معظم أزمانها، كما كانت في ~~العقود الأخيرة من حياتها ملجأ ومعتصما للأحرار، ومباءة ممتازة للعلم الإسلامي تأخذ عنها ~~الأقطار والأمصار. # نعزي مصر بفقيدها النابغة ونحييها بهذه المناسبة، ونرجو لها حياة طيبة بأبنائها النجباء، ~~نحيي بها أهم جزء من بلادنا العربية طالما حنى على العرب وحمل النور إليهم مغتبطا، مصر ~~اليوم باريز العرب وعاصمتهم الأدبية تشبه إيطاليا في عهد النهضة أواخر القرون الوسطى، وكان ~~سرى منها ضياء المعارف والفنون إلى سائر ممالك أوروبا، فقامت بتأثيرها المدنية الغربية ~~الحديثة، ومن مصر سار أمس ويسير اليوم وسيسير غدا شعاع من هذا النور النافع، فيعم خيره ~~الأصقاع العربية كافة، ويومئذ يغتبط العرب، ويهنئون لإبرازهم بفضل قرائح بنيهم آثارا حسنة ~~في العلم والصناعة، كما فعلت يابان في القرن الماضي، وعندئذ يعيد الشرق إلى الغرب ما كان ~~استبضعه من بضائع العلوم والصناعات، ويقضي الدين مع الشكر وبرد القرش عشرة، فنعد شيئا من ~~مجموعة المدنية الحاضرة، كما كنا في العصور السالفة كل شيء، وكان لنا الأثر المحمود في ~~تكوين المدنية الغابرة. # والآن أترك الكلام لرصيفي الأستاذ معلوف يتلو على مسامعكم صورة مصغرة بل مجسمة من عمل ~~عضونا الذي فجعنا بفقده، يتمثل لكم فيها النبوغ المصري أحسن تمثل، ونرفع تعازينا وأسفنا ~~من ضفاف بردي إلى بني قومنا على شطوط النيل المبارك لفقد رجلهم ورجلنا العزيز، ونطلب له من ~~المولى تعالى العفو والرضى والرحمة، وإنا لله وإنا إليه ms349 راجعون. ms350